{"page_id":1688875,"book_id":1659,"shamela_page_id":1,"part":null,"page_num":1,"sequence_num":1,"body":"شرح العقيدة الطحاوية\rمقدمة\rفضيلة الشيخ د. سفر بن عبد الرحمن الحوالي\r\rمقدمة الشرح\rإنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ ونستهديه ونستغفره، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شرور أنُفْسِنَا ومِنْ سَيئاتِ أعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ َأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا من كرمك وإحسانك يا أرحم الراحمين، اللهم إنا نعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن عين لا تدمع، ومن دعوة لا يُستجابُ لها.\rنبدأ بعونِ الله في موضوعِ شَرحِ هذه العقيدة القيمة المباركة، عقيدة الإمام أبي جعفر الطّّحاويّ الأزدي المصري الحنفي.\rعبرة من حياة الطحاوي\r\rالإمام الطّحاويّ كَانَ ابن أخت المزني صاحب الشَّافِعِيّ، ونفع الشافعية، ومع ذلك لما بدا له أن الحق في مذهب أبي حنيفة صار عَلَى مذهبه، ومع ذلك أيضاً لم يكن متقيداً بكل ما ورد في المذهب؛ بل كَانَ يُفتي بخلافه.\rولما سُئل: لماذا تفتي بخلاف مذهب أبي حنيفة، وأنت عَلَى مذهبه؟!!\rقَالَ: (وهل من مقلد إلا غبي) .\rيعني أن رائده العلم وهدفه هو البحث عن الدليل، واتباع الحق مع أي إمام كان، وتحت أي شعار، وفي أي كتاب.\rوله رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى مؤلفات عظيمة تدل عَلَى سعته في العلم.\rوقد كتب هذه العقيدة ليبين عقيدة الإمام أبى حنيفة وتلميذيه أبي يوسف ومُحَمَّد بن الحسن، وليقول للمسلمين وللحنفية - وهم أكثر المذاهب الأربعة أتباعاً -:\rإن العقيدة الصحيحة هي هذه العقيدة أياً كَانَ المذهب الذي يدين به الإِنسَانُ، فإنه لا يجوز له أن يعتقد إلا هذه العقيدة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688876,"book_id":1659,"shamela_page_id":2,"part":null,"page_num":2,"sequence_num":2,"body":"ثُمَّ بعد ذلك تبقى أحكام الفقه -وخاصة الاجتهادية منها أو النظرية المحضة- فلا حرج عَلَى أحد أن يتخذ منها ما يشاء متمشياً مع القواعد الشرعية والأصول العامة مادام أهلاً لأن يجتهد.\r\rعبرة من حياة ابن أبي العز\rومن العبر التي ينبغي أن نكتسبها من حياة الإمام ابن أبي العز: أنه رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى جاهد في الله جهاداً كبيراً من أجل هذه العقيدة، وقد أدى تمسكه بهذه العقيدة التي شرحها إِلَى أن يضطهد ويسجن، مع أنه كَانَ يسمى\" قاضي القضاة \" أي أكبر القضاة، وإن كَانَ هذا الاسم لا يجوز أن يُسمى به.\rوولي قضاء مصر فكان القاضي الأكبر في دولة المماليك، ثُمَّ ظهر أحد أمراء المماليك فَقَالَ قصيدة -إما أنه قالها أو أنها قيلت له- وكان فيها شرك وغلو،، وفي القرن الثالث وما قبله وبعده كثر الغلو في رَسُول الله ﷺ والشرك في كلام الشعراء، فأنكر الإمام القاضي ابن أبي العز ما في هذه القصيدة من الشرك، ولم يبال بأن قائلها من الأمراء والأسرة الحاكمة المملوكية، وفي الحديث (إن من أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر) ، فلما قال كلمة الحق في هذه القصيدة وبيّن ما فيها من الشرك؛ أدى ذلك إِلَى أن يعزل من منصبه ويضطهد ويفقد الجاه.\rولكنه - وهذا هو الأهم - لم يفقد العقيدة الصحيحة التي هي أغلى ما يملك الإِنسَان، فمهما فقد من أعراض الدنيا ومناصبها ومتاعها فإنه ليس بفاقدٍ حقيقةً، إلا إذا فقد العقيدة الحقة التي يدين الله ﵎ بها.\r\rشبهات حول تعيين شارح الكتاب\rوقد أثير سؤال وهو أنه يُقَالَ: إن شارح هذه العقيدة مجهول؟\rوالحقيقة أن هناك لبساً حصل في نسبة هذه العقيدة، سببه أن بعض مخطوطاتها لم يكن مكتوباً عليها اسم المؤلف.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688877,"book_id":1659,"shamela_page_id":3,"part":null,"page_num":3,"sequence_num":3,"body":"والشيخ أحمد شاكر ﵀، هو أول من طبع هذه العقيدة -الطبعة القديمة - بناء عَلَى نسخة عثر عليها في مكتبة الحرم في مكة المكرمة، ولم يكن عليها اسم المؤلف، لكن العقيدة نفسها كانت معروفة أنها للإمام ابن أبي العز، وأنه الذي شرحها شرحاً سلفياً.\rالأدلة على أن مؤلف شرح الطحاوية هو ابن أبي العز\r\r١- أن الزبيدي في شرح إحياء علوم الدين \" نقل قسماً كبيراً من هذه العقيدة ونسبها إِلَى ابن أبي العز، والزبيدي من أكبر العلماء الموثوق بهم إحاطة وعلماً بالرجال وبالمخطوطات - لا سيما وقد كَانَ في مصر، حيث اجتمع له أكبر قدر من المخطوطات - وهذا كَانَ قبل قدوم الحملات الاستعمارية التي نهبت مكتباتنا وثرواتنا العلمية، وأودعتها في خزائن ومكتبات أوروبا. واعتماداً عَلَى هذا رجح الشيخ أحمد شاكر ﵀ أنها لهذا الشارح.\rوممن أثار ضد هذا الشارح الشبهات المبتدعة الذين تعرض لهم، فإنه تعرض للعقائد الباطلة كالصوفية والأشعرية والماتريدية والمعتزلة والجهمية، فكان طبيعياً أن ينشر هَؤُلاءِ أن هذه العقيدة ليست ذات أهمية لأن مؤلفها مجهول.\r٢- وجدت المخطوطات في تركيا -النسخ التركية- مكتوب عليها اسم المؤلف بوضوح.\r\rسبب إخفاء اسم المصنف\rوالنسخ التي لم يوجد عليها اسم المؤلف يمكن تفسيرها عَلَى ضوء المحنة التي حدثت له؛ لأنَّ شَيْخَ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ -مثلاً- سُجن مِراراً ومات في السجن، وكثير من العلماء الذين تصدوا في تلك الفترة لمقاومة الشرك ذهبوا ضحية تلك المقاومة وذلك الجهاد، فكان هناك اضطهاد أو نوع من الاضطهاد لمن يدين بالعقيدة الصحيحة في تلك الأيام من علماء السوء أولاً، ومن السلاطين ثانياً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688878,"book_id":1659,"shamela_page_id":4,"part":null,"page_num":4,"sequence_num":4,"body":"فنتيجة لذلك لا يُستغرب أن توجد نسخ من العقيدة ليس مكتوباً عليها اسم المؤلف، لأنه في فترة الاضطهاد التي يتعرض لها بعض العلماء تحمل كتبهم، ولا يكتب عليها أسماؤهم، وهذه الحال حصلت لبعض كتب شَيْخِ الإِسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ.\rويكفي طالب العلم الذي حوى هذه العقيدة أن يقرأها وإن كَانَ لا يعرف من هو مؤلفها، والشاهد أنه ينبغي أن لا نغفل الواقع الذي كَانَ يعيشه العالم أثناء كتابته للعلم، والظروف التي كانت تلم به وما يتعرض له من الأذى في كتابته أو في وصول علمه إلينا.\r٣- ومن الأدلة عَلَى أن المؤلف هو ابن أبي العز رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أن السخاوي - وهو الإمام المؤرخ والمحدث المعروف - كتب ذيلاً عَلَى تاريخ الإسلام للإمام الذهبي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى سماه ذيل تاريخ الإسلام، وكمَّل الشخصيات التي جاءت بعد وفاة الذهبي أو توفيت قريباً من وفاته، فأكمل أسماء هَؤُلاءِ العلماء وأرَّخ لهم، ومنهم الإمام ابن أبي العز.\rوهذه الصورة من كتاب السخاوي موجودة في نسخة مقدمة الكتاب من تحقيق الشيخ مُحَمَّد ناصر الدين الألباني. يقول: \"وفي ذي القعدة العلامة -يعني توفي العلامة- الصدر علي بن العلاء علي بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أبي العز الدمشقي قاضيها -يعني قاضي دمشق - الحنفي شارح عقيدة الطّّحاويّ \".\rوبذلك لم يبق هناك أي شبهة يصح أن تثار حول مؤلف الكتاب، على أننا نعلم جميعاً أن الذي يهُم في أي كتاب هو محتواه ومضمونه، لكن المبتدعة قد يشككون في المؤلف ليصلوا بذلك إِلَى التشكيك في الكتاب نفسه، وإلا فالْحَمْدُ لِلَّهِ لم يبق هناك أي ريب في أن هذا هو المؤلف.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688879,"book_id":1659,"shamela_page_id":5,"part":null,"page_num":5,"sequence_num":5,"body":"٤- ومن الأدلة عَلَى صحة نسبة الكتاب أنه في بعض المواضع -وستأتي معنا إن شاء الله- يقول: وقال شيخنا الحافظ ابن كثير، ومعروف أن ابن أبي العز كَانَ من الخلص والخيرة في تلاميذ الحافظ ابن كثير ﵀ -صاحب التفسير المشهور المتداول-وكذلك النصوص الكثيرة التي نقلها عن شَيْخِ الإِسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وشَيْخِ الإِسْلامِ ابنُ القيم، مع أنه لم يشر إليهما، والشيخ عبد الرزاق عفيفي اطلع وأكَّد بعض هذه الإحالات.\r\rحقيقة العقيدة السلفية\r\rهذه العقيدة السلفية -عقيدة أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ- عقيدة إجماعية ليست عقيدة ابْن تَيْمِيَّةَ ولا عقيدة ابن القيم ولا أَحْمدُ بُن حَنْبَل؛ بل هي عقيدة الصدر الأول، عقيدة السلف الصالح جميعاً.\rولكن شَيْخَ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ جمع كثيراً من النقول، وهذَّب ورتَّب وخاض في قضايا كلامية حدثت بعد الصدر الأول، فأجاد في رد الشبهات وعرض المسائل.\rوتكون المسألة هي عقيدة السلف من قديم، لكن شَيْخَ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ يُحسن عرضها ويُحسن الدفاع عنها بعرض الشبهات الواردة عليها، ثُمَّ نقضها شبهة شبهة، وكذا ابن القيم.\rفنتيجة للعصر والضغط الذي كَانَ يعانيه ابن أبي العز لم يكن من المصلحة أن يشير إليهما.\rفالمبتدعة ينظرون إِلَى أن أي كلام يقوله ابْن تَيْمِيَّةَ فهو باطل، وهذا من أكبر الجهل وأرذل أنواع التعصب.\rفكان إذا قيل قال ابْن تَيْمِيَّةَ ... ردوه، وإذا رأوا كتاباً من كتب ابْن تَيْمِيَّةَ ... لم يقبلوه إطلاقاً؛ بحيث أنك لو جئت إِلَى مسألة ولم تذكر ابْن تَيْمِيَّةَ.\rفقلت: قال بعض المحققين؛ لوجدت قبولاً ولقيل: هذا التحقيق جيد.\rفهنا تجلت مهارة الشيخ القاضي ابن أبي العز، بأنه راعى جانب المصلحة الشرعية عَلَى جانب الأمانة العلمية من العزو إليهما.\rسبب اختيار عقيدة السلف","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688880,"book_id":1659,"shamela_page_id":6,"part":null,"page_num":6,"sequence_num":6,"body":"عقيدةُ السلف أو عقيدةُ أهْلِ السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ لا يختارها طالب العلم تشهياً، وإنما هي العقيدة التي يجب أن تعتقد، ولا يجوز أن يتعبد لله ﷾ بغيرها.\rنقول ذلك واثقين؛ لأن هذا الحكم شرعي قطعي لا يجوز لأحد أن يُخالف فيه، ولدينا من الأدلة عليه ما هو كافٍ -بإذن الله- لإزالةِ كل شبهة، ودحض كلِ افتراء، فهذه العقيدة لها من المميزاتِ العظيمة ما يؤهلها ويجعلها العقيدة الوحيدة، التي لا يجوز أن نتعبد بغيرها ولا يُعتقد غيرها.\rمن خصائص العقيدة السلفية\rأنها العقيدة الوحيدة الربانية -ربانية المصدر- وكل عقيدة غير عقيدة السلف تجد مصادرها إما من كلام اليونان، وإما من كلام ما يسمون بالحكماء القدماء، وإما من كلام دعاة البدعة والضلالة، إلا هذه العقيدة فإنها نقية صافية ليس فيها عن أحد ولا عن بشر إلا الفهم الذي يفهمه بعض العلماء من نصوص الوحي، فمصدرها هو الوحي.\rفكما أن الإسلام هو الدين الرباني الوحيد في الأرض الذي مصدره الوحي، ولكن يجتهد العلماء في التفريعات في بعض الفروع العملية ليطبقوها عَلَى ضوء الأصول المنزلة، فكذلك عقيدة السلف هي بأصولها العامة، عقيدة ربانية مصدرها الوحي؛ لكن تجد بعض المسائل يُجتهد فيها من خلال هذه الأصول التي هي ربانية المصدر.\rولهذا قيل: إن أهل السنة في أهل الإسلام مثل أهل الإسلام في سائر الملل، فالعقيدة السلفية هي كتاب الله وسنة رسوله ﷺ كما فهمه الجيل الأول، فهي تعبر عن حقيقة الإسلام، فكل ميزة من ميزات الإسلام فهي في هذه العقيدة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688881,"book_id":1659,"shamela_page_id":7,"part":null,"page_num":7,"sequence_num":7,"body":"وهي عقيدة إجماعية. فكل العقائد الأخرى عقائد أشخاص وأفراد، فالاعتزال يعرف بالتاريخ العام المحايد؛ وذلك بمعرفة مَن هو أول من أنشأ مذهب الاعتزال وكذا الأشعرية، بل ونأخذ القضايا العلمية -مثلاً- فنعرف من هو أول من قال بالكلام النفسي، وأول من قال بالكسب في القضاء والقدر، فنعرف بالتاريخ المحايد العام متى بدأت هذه العقيدة، إلا عقيدة السلف -والْحَمْدُ لِلَّهِ- لأنها هي نفس القُرْآن والسنة وتربية النبي ﷺ وفهم الصحابة رضوان الله عليهم، فنجد هذا القول في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ، ولا يوجد بين أصول مذهب أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ أي أصل أبداً حدث بعد هذه القرون المفضلة، أو حدث من غير الكتاب والسنة، فهي إذاً عقيدة إجماعية.\rأما غيرها فهي عقائد أشخاص وأفراد قد يكون لديهم من الذكاء والامتياز الذهني والتعمق العقلي الشيء الكثير، لكن يخالفهم في عقلهم من هو مثلهم عقلاً وفهماً.\rبل كثير من مؤسسي العقائد البدعية نشؤوا وماتوا مقهورين محتقرين، فإن الجعد بن درهم الذي جَاءَ ببدعة نفي الصفات قتل.\rوقال خالد بن عبد الله القسري وهو من ولاة بني أمية: أيها الْمُسْلِمُونَ انحروا ضحاياكم -تقبل الله منكم- فإني مضح بالجعد بن درهم، فإنه أنكر أن الله كلَّم موسى تكليماً، وذبحه ونحره يوم النحر، والْمُسْلِمُونَ يومئذ ينظرون، وارتاحت صدورهم لذلك. وهذا الرجل أصل نشأة تعطيل (نفي) الصفات.\rوتلميذه الجهم بن صفوان قُتِلَ كما قُتِلَ الجعد، حتى لما جيء به إِلَى سلم بن أحوز وكان عَلَى شرطة بني أمية في خراسان قَالَ: لا تقتلني أرجوك؟!!\rفقَالَ: والله يا جهم ما أقتلك لأنك ذو شأن في السياسية أو المعارضة ضد الدولة، لكن بلغتني عنك أقوال أقسمت بالله إن مكنني الله منك لأضربنَّ عنقك.\rوهو الذي أسس العقيدة الجهمية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688882,"book_id":1659,"shamela_page_id":8,"part":null,"page_num":8,"sequence_num":8,"body":"وأيضاًعبد الله بن سعيد بن كلاب الذي أسس عقيدة الكلابية والتزمها الأشعري في الفترة الثانية من حياته قبل أن يرجع إِلَى مذهب أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ.\rوكذاالحارث المحاسبي وكان له ميل إِلَى التصوف والكلام، أمر الإمام أَحْمدُ بن حَنْبَل بهجرهما فهجرا، ولم يكن يقربهما من طلاب العلم إلا القليل النادر؛ لهجر علماء السنة لهم، وعلى رأسهم الإمام أَحْمَد.\rوكذلك عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء، وأمثالهم ممن أسسوا مذهب الاعتزال، اتفقت كتب الجرح والتعديل عَلَى القدح والطعن فيهم.\rفأي عقيدة غير عقيدة السلف الصالح إنما هي محدثة بعد القرون المفضلة أو في أثنائها، وكانت محتقرة ومهجورة من علماء وأئمة الدين.\rومنذ القرن الثالث تقريباً إِلَى اليوم، يتبع أكثر الْمُسْلِمِينَ الأئمة الأربعة، وبطبيعة الحال فإن الشَّافِعِيّ والمزني والأسفرائيني والأصبهاني الذي ألف كتاب بيان الحجة، علماء وراء علماء، وطبقات وراء طبقات، في مذهب الشَّافِعِيّ، كلهم عَلَى مذهب أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ.\rوكذلك تجد الإمام أبي حنيفة ﵀ كَانَ عَلَى مذهب أهْلِ السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وكان مُحَمَّد بن الحسن الشيباني وأبو يوسف كذلك، ثُمَّ جَاءَ الإمام أبو جعفر الطّّحاويّ الذي وضع متن هذه العقيدة وهو من الحنفية.\rوهكذا كثير ممن ينتمي إِلَى مذهب أبي حنيفة وهم من أئمة المذهب هم عَلَى هذه العقيدة.\rثُمَّ مذهب الإمام مالك وهو إمام أهل الأثر جميعاً، وهو عَلَى مذهب أهْلِ السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ -ولله الحمد- وتلاميذه كابن القاسم وابن الحسن وأمثالهم، ثُمَّ من بعدهم كابن عبد البر وهو من أكبر علماء المغرب وكتبه معروفة ومشهورة، كانوا كلهم عَلَى مذهب أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688883,"book_id":1659,"shamela_page_id":9,"part":null,"page_num":9,"sequence_num":9,"body":"ثُمَّ الإمام أَحْمَد -إمام أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ - وكذلك أتباعه استمروا عَلَى منهج أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ إِلَى القرن العاشر وربما إِلَى اليوم.\rوهكذا نجد الإمامالشوكاني والصنعاني وابن الوزير وأمثالهم من علماء الزيدية، لما توسعوا في العلم وتبحروا، انتقلوا من الزيدية إلى مذهب السلف.\rفالشاهد أن هذه العقيدة إجماعية من عدة نواحي:\rأ- أنها لم يكن غيرها في القرون الأولى، وما وجد في تلك القرون من عقيدة فاسدة فإنها مرذولة مردودة؛ لأن أكثر علماء الأمة كأصحاب الأمهات الست، <=حتى أئمة اللغة الكبار كانوا عَلَى مذهب أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ -ولله الحمد-.\rب- ولأنها العقيدة الوحيدة التي يمكن أن يجتمع عليها الْمُسْلِمُونَ، والتي يجب أن يجتمع عليها الْمُسْلِمُونَ شرعاً وديناً ولا يقبل غيرها، كما لا تزال هي العقيدة التي تجمع آخراً كما جمعت أولاً، كما قال الإمام مالك ﵀: \"لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها\" فآخر هذه الأمة إن أرادوا الاجتماع والنصر والتمكن والاستخلاف في الأرض، الذي جعله الله ﷾ لعباده الصالحين من الجيل الأول، فعليهم بهذه العقيدة نفسها، فإنها -بإذن الله- هي الوحيدة الكفيلة بذلك ولا شيء غيرها.\rج-وهي عقيدة فطرية سليمة -ولله الحمد- فكل مسلم يقرأ كتاب الله ﷿ يؤمن بها بالبداهة وبالفطرة، فالعقيدة السلفية -عقيدة أهْلِ السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ - في الإيمان، تكتفي بالإيمان المجمل فيمن لا يستطيع الإيمان المفصل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688884,"book_id":1659,"shamela_page_id":10,"part":null,"page_num":10,"sequence_num":10,"body":"وهذا الإيمان المجمل يحصل لمن يقرأ القُرْآن أو يسمعه بالبداهة والفطرة، لأنه دين الجميع وقد أنزله الله لجميع البشر، فلم ينزله لعلماء الكلام المتعمقين المكذبين، الذين يكتبون الأوراق والصفحات التي لا يفهمها أحد، وإنما أنزله الله تَعَالَى لكل الناس، للبدوي الجاهل الذي في الصحراء، وللعالم الكيميائي أو الفلكي المتخصص، فيلبي حاجة الفطرة ويتفق معها.\rومما يدل عَلَى وضوحها أن أعداء العقيدة السلفية ينكرون قضايا في الصفات وفي المباحث المهمة ويدَّعون غموضها وهي واضحة للعوام فمثلاً إذا قرأ العامي أو سمع القرآن: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: ٥]\r\rوتقول له: هل الرحمن عَلَى العرش؟\r\rفسيقول: نعم.\rولا يخطر عَلَى باله استولى أبداً.\rوأعقد من ذلك، أنه لا يخطر عَلَى باله أن يقول: إنه لا داخل العالم ولا خارجه ولا يمينه ولا شماله ولا خلفه ولا قدامه كما هي عقيدة الأشعرية.\rوفي قضية الإيمان تقول المرجئة والخوارج معاً: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص؛ ولذلك تقول الخوارج من ارتكب الكبيرة كفر، لأنه مادام أنه نقص من الإيمان شيء فقد ذهب كله.\r\rوبالمقابل قالت المرجئة: مادام أن الزاني يزني ويبقى مؤمناً، فالإيمان لا ينقص إلا بالكفر.\rوأما أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ فالإيمان عندهم يزيد وينقص، فإذا جَاءَ أحد العوام يقرأ قول الله ﵎: وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانا [المدثر:٣١] وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدى [محمد:١٧] فبالبداهة والفطرة دون أن يلقن من ذلك شيء، سيقول: الإيمان يزيد.\rوكذلك القدر -وهو من أكبر المباحث التي يخوض فيها النَّاس من كل مذهب ويؤلف فيها المؤلفات الطويلة العريضة التي لا تسمن ولا تغني من جوع- كل إنسان يقرأ قوله تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الإِنسَان: ٣٠] إذا سئل هل أنا لي مشيئة وإرادة؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688885,"book_id":1659,"shamela_page_id":11,"part":null,"page_num":11,"sequence_num":11,"body":"فسيقول: نعم، يقول تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الإِنسَان: ٣٠] ، فأنت لك مشيئة والله ﷾ له مشيئة.\rومن هنا نقول: إن آيات وأحاديث الصفات وأصول العقيدة جملة، ليست من المتشابه؛ بل هي من المحكم الواضح الجلي. وإن كَانَ في بعضها ما قد لا يفهمه إلا أولو العلم أو بعض طلبة العلم، لكنها بالجملة من المحكم، وأما الفهم فتتفاوت الأفهام بما يقدر الله ﷿ لكل إنسان من معرفة اللغة والأهلية عَلَى ذلك.\rفهذه المميزات وغيرها تجعلنا جميعاً ندين الله ﷾ بهذه العقيدة دون غيرها، ونتعلمها ونتعبد الله ﷿ بها دون غيرها، وإن تعلمنا غيرها فمن باب معرفة الباطل ليجتنب لا من باب معرفته ليعتقد.\r\rوحسبنا ما في هذه العقيدة، فإن النبي ﷺ كما في الحديث الذي رواه النَّسَائِيُّ لما رأى في يد عُمَرَ ﵁ صحيفة من التوراة قَالَ: (أوقد فعلتموه، والله لو كَانَ موسى بن عمران حياً ما وسعه إلا اتباعي) ، ولما فتح سعد بن أبي وقاص المدائن -مدائن كسرى - وجدوا من الكتب الضخمة التي كَانَ كسرى يحتفظ بها في سائر العلوم والفنون، فكتبوا إِلَى عُمَر رضى الله عنه وَقَالُوا: هل ترى أن ننقلها إِلَى الْمُسْلِمِينَ أو أن نستفيد منها؟\rفقَالَ: أحرقوها أو أغرقوها. فما كَانَ فيها من شر فليرحنا الله منه، وما كَانَ فيها من خير فقد أغنانا الله بما هو أعظم منه، والْحَمْدُ لِلَّهِ.\rفلا نحتاج في مصدر ديننا، وفي معرفة ربنا ﷾، أن نتلقى من غير ما كَانَ النبي ﷺ وأصحابه يأخذونه، وهو الوحي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688886,"book_id":1659,"shamela_page_id":12,"part":null,"page_num":12,"sequence_num":12,"body":"فالمسألة خطيرة، لأنها ليست قضية رأي وعقل يفكر به الإِنسَان ويختار؛ بل هي قضية اتباع وتسليم لله ﷿، فمن أراد الحق، والدين لله ﷾ بالحق فعليه بهذه العقيدة الإجماعية، التي لا يجوز الخروج عليها.\rوإلا فإنه كما قال تعالى: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ [النساء:١١٥] ، فهذه الآية من الآيات التي تدل عَلَى حجية الإجماع -كما نص عَلَى ذلك العلماء- وأن اتباع غير سبيل المؤمنين هو التفرق عن الدين القويم قال الله تعالى: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام:١٥٣] .\r\rقَالَ المُصنِّفُ ﵀: -\r[بسم الله الرحمن الرحيم حسبي الله ونعم الوكيل، وبه نستعين، الْحَمْدُ لِلَّهِ، نستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد:\rفإنه لما كَانَ علم أصول الدين أشرف العلوم، إذ شرف العلم بشرف المعلوم، وهو الفقه الأكبر بالنسبة إِلَى فقه الفروع، ولهذا سمى الإمام أبو حنيفة رحمة الله عليه ما قاله وجمعه في أوراق من أصول الدين: الفقه الأكبر وحاجة العباد إليه فوق كل حاجة، وضرورتهم إليه فوق كل ضرورة، لأنه لا حياة للقلوب، ولا نعيم ولا طمأنينة، إلا بأن تعرف ربها ومعبودها وفاطرها، بأسمائه وصفاته وأفعاله، ويكون مع ذلك كله أحب إليها مما سواه، ويكون سعيها فيما يقربها إليه دون غيره من سائر خلقه] اهـ\rالشرح:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688887,"book_id":1659,"shamela_page_id":13,"part":null,"page_num":13,"sequence_num":13,"body":"بدأ المُصنِّفُ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- كتابه بهذه الخطبة -خطبة الحاجة- التي كَانَ النبي ﷺ -كما صح عنه- يستفتح بها، وهذه سنة ينبغي لنا أن نقتدي بها جميعاً.\rوكل خطبة لا يذكر فيها الشهادة أو لا يتشهد فيها، فهي كاليد الجذماء، كما جَاءَ في الحديث. وكذلك في الحديث: (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أقطع) أو (فهو أبتر) وإن كَانَ في الحديث ضعف من حيث الإسناد، ولكن هو ثابت من فعل النبي ﷺ في خطبه ومكاتباته إِلَى الملوك وغيرهم.\rفالبداية بذكر الله ﷾، أو بالْحَمْدُ لِلَّهِ، أو ببسم الله، أو بخطبة الحاجة، هي سنة ثابتة عن النبي ﷺ لا ينبغي العدول عنها، وهكذا بدأ المُصنِّفُ ﵀ بذكر الله ﷾.\rثُمَّ قال بعد ذلك: \"أما بعد\"، وهذه أيضاً سنة النبي ﷺ في خطبه وكتبه، كَانَ بعد أن يسمي الله أو يحمد الله، أو يثني عَلَى الله تَعَالَى بما هو له أهل، يقول: أما بعد، ثُمَّ يبدأ في الموضوع الذي يريده.\rوعلم أصول الدين أشرف العلوم؛ لأن شرف الشيء من شرف موضوعه، وموضوع علم التوحيد هو معرفة الله وصفاته، وما ينبغي لوجهه من التعظيم والثناء، وما ينبغي لحقه ﷾ من العبادة وهو حقه عَلَى العباد.\rوبذلك نستنتج قضية مهمة لا ينبغي أن نفوتها -وإن كانت معلومة ومفهومة لدى الجميع- وهي التشكيك في تعليم التوحيد والعقيدة وأصول الدين، والقول بأن هذه الأمور لا داعي لها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688888,"book_id":1659,"shamela_page_id":14,"part":null,"page_num":14,"sequence_num":14,"body":"فيُردُّ عليهم بمثل ما افتتح المصنف، أن شرف العلم بشرف المعلوم، فمعرفة الله ﵎ هي الفقه الأكبر، وهي أعظم العلوم والغايات، وأشرف ما يسعى إليه المؤمنون جميعاً، فلا يجوز لأحد أن يُهوِّنَ من أمرها أو يشكك فيها، أو يقول: ليس هناك داعٍ إِلَى معرفة توحيد الأسماء والصفات!!\r\rلو قال رجل: ليس هناك داع أن يعلم الناس الصلاة والزكاة، لأنكر عليه جميع الْمُسْلِمِينَ. فكيف بالتوحيد! وهو أعظم؛ لأن معرفة الله تَعَالَى في ذاته أعظم من معرفة حقه، فاعتقادنا فيه أعظم من فعلنا له، وكما سيأتي من كلام المُصنِّفِ ﵀ وهو يقول: إن القُرْآن كله توحيد، فأفضل ما في القُرْآن هو ما يتعلق بتوحيد الله ﷾.\rوالنبي ﷺ أمضى الفترة الطويلة في تعليم التوحيد، ثُمَّ لم يزل في المدينة تنزل عليه أحكام الفروع مرتبطة بالعقيدة يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: ١٨٣] .\r\rوهكذا الجهاد في سبيل الله ﷿ شرع لتكون كلمة الله هي العليا، ومن أوائل ما شرع وفرض هو قتال أهل الكتاب الذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة، والذين قالوا: إن الله هو المسيح عيسى ابن مريم.\rفأمر الله ﷾ في سورةِ التوبة بقتالهم، وهو واجب محتم كقتال الْمُشْرِكِينَ المعطلين، فمن عرف الله ووصفه بغير صفته، أو جعل له خدناً أو صاحبةً أو ولداً، أو أشرك في صفاته في أي نوع من أنواع الشرك، فإنه يقاتل كما يقاتل المشرك المعطل.\rالحديث عن كتاب الفقه الأكبر\rوهنا ينبغي لنا أن نتجه إِلَى قضية ثبوت كتاب الفقه الأكبر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688889,"book_id":1659,"shamela_page_id":15,"part":null,"page_num":15,"sequence_num":15,"body":"الواقع أن الإمام أبو حنيفة ﵀ نُسِبَتْ إليهِ بعضُ الكتبِ التي لم يكتبها ولم يؤلفها، وإنما كتبها عَلَى ما يبدو أحد أئمة الحنفية المسمى أبي مطيع البلخي الحكم بن عبد الله، ونسبها إِلَى الإمام أبي حنيفة.\rوفيها حق كثير لاشك فيه، لكن يهمنا أن نعرف أنها ليست لأبي حنيفة، فرسالة العالم والمتعلم، ورسالة الفقه الأكبر وإن كَانَ أكثرها صحيح، وشرحت عَلَى أنها للإمام أبي حنيفة، لكنها من الناحية العلمية توثيقاً للكتاب ليست لأبي حنيفة.\rوالحكم نفسه ضعيف؛ بل هو متهم بالوضع.\rولأن المؤلف حنفي -والحنفية هم أكثر الْمُسْلِمِينَ في ذلك العصر بل هم الدولة- انطلق المُصْنِّف في شرحه عَلَى أن هَؤُلاءِ الحنفية يُثبتون ويعتقدون أن الفقه الأكبر صحيح وثابت عن أبي حنيفة، وربما يقولون: إن الحكَم -وهو أبو مطيع البلخي - ثقة.\rونقول لهم: إذا انتسبتم إِلَى هذا الإمام فانظروا ماذا قال، ولا تعتقدوا عقائد بدعية مخالفة لمذهبه حدثت في القرن الرابع عَلَى يد أبي منصور الماتريدي، ثُمَّ عَلَى يد النسفي وغيرهم من الذين أحدثوا في مذهب الحنفية ما ليس منه، في مجال العقيدة.\rلا حياة للقلوب إلا بمحبة الله ومعرفته\rوأما قول المُصْنِّفِ: وحاجة العباد إليه فوق كل حاجة وضرورتهم ... إِلَى آخر العبارة.\rهذه العبارة هي عنوان باب عقده الإمام ابن القيم ﵀ في إغاثة اللهفان: أنه لا حياة للقلب ولا طمأنينة ولا نعيم إلا أن يكون الله ﷾ هو معبوده وإلهه، واختصر المُصْنِّفُ ﵀ هذه الأسطر من ذلك الكتاب.\r\rمشكلة الإنسان المعاصرة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688890,"book_id":1659,"shamela_page_id":16,"part":null,"page_num":16,"sequence_num":16,"body":"والقرن العشرون أكثر القرون في تاريخ البشرية اضطراباً وحيرة وتفككاً وضياعاً، ومعلوم أن الذي يعبر عن هذا حق التعبير في أي واقع ومجتمع -سواء كَانَ هذا الواقع حقاً أو باطلاً عقيدة أو سلوكاً- بالتعبير الدقيق هم أصحاب الإحساس العميق الدقيق، كالشعراء والأدباء وأمثالهم.\rفماذا يقول أدباء وشعراء أوروبا حول قضية أنه لا حياة للإنسان، ولا سعادة ولا هناء إلا بأن يعرف الله ﷾؟!!\r\rعبروا عن ذلك بما يدل عَلَى الضياع والفراغ والحيرة، ويؤسفني جداً أن أقول: إن بعض أدباء الْمُسْلِمِينَ يسلكون وينتهجون منهج أُولَئِكَ الأدباء الحيارى الضائعين؛ ولذلك نجد كثيراً من الدواوين الشعرية ضائعة تماماً.\rفمثلاً شاعر نصراني يقول:\rجئت لا أدري من أين؟! ولكني أتيت\rوغيره من الشعراء يكتب ديواناً كاملاً تقرأ فيه الحيرة والضياع والألم، فيتألم من شيء لا يدري ما هو.\rونحن والله نعرف أن سببه هو عدم الإيمان بالله ﷿، وأنه لو عرف الله ﷾ وصلى وقرأ كتاب الله، لما كَانَ في شعراء الْمُسْلِمِينَ من يقول:\r\rومضى عمري ولا أعرف دربي أبداً.\rأما نَحْنُ والله إننا نعرف دربنا وإلى أين المصير، ونعرف أن مردنا إِلَى الله ﷾، وأنه فرض علينا فرائض وشرع لنا شرائع، فإذا وقفنا عند حدوده ووحدناه ﷾ وأطعناه فمصيرنا إِلَى الجنة والسعادة في الدنيا والآخرة، وإن عصيناه وتعدينا حدوده فمصيرنا إِلَى الشقاء وضيق الدنيا، وإلى النَّار في الآخرة أجارنا الله وإياكم، لكن الحيارى لا يدركون ذلك.\rوهذا شاعر فرنسي وهو من أكبر الشعراء أثراً في فرنسا يقول: \"حيرة الإِنسَان المعاصرة\"!!، طبعاً هم يعممون الإِنسَان لأنهم يظنون أن الْمُسْلِمِينَ حيارى، ونحن في الحقيقة حيارى؛ لأن القليل منّا من يمثل حقيقة الإسلام، فيظنون أننا مثلهم عَلَى هامش الأمم حيارى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688891,"book_id":1659,"shamela_page_id":17,"part":null,"page_num":17,"sequence_num":17,"body":"يقول: (ومشكلة الإِنسَان المعاصِرة قضية واحدة، وهي أنه يبحث عن سيد، يبحث عن إله) .\r\rفيحدد أول مرة سيداً عاماً لكنه في الأخير يقول: \"يبحث عن إله\" وهي مشكلة الإِنسَان المعاصرة، فالدمار والحروب المستمرة، والقنابل الذرية، والمصير الرهيب الذي ينذر البشرية، وتحاول أن تتخلص منه ولا تستطيع، هو الذي يلجئ أهل الإحساس وأهل الشعر وأهل النظرات البعيدة إِلَى المخدرات والانتحار، يتخلصون به من رعب المستقبل كما يسمونه، ولذلك نجد أرقى بلاد العالم في الحضارات المادية، وفي الشوارع الفسيحة، والعمارات الضخمة، والترف المادي في معدل المعيشة، هي أكثر بلاد العالم نسبة في الانتحار، لأنه كما قَالَ المُصْنِّفُ ﵀ وكما قال ابن القيم في إغاثة اللهفان: (لا حياة للقلوب ولا نعيم ولا طمأنينة إلا بأن تعرف ربها ومعبودها وفاطرها) .\rوالله لا يجد العبد الطمأنينة والراحة واللذة ولا يجد السعادة مهما أخذ من الدنيا وجمع من حطامها، بل يعذبه الله بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون.\rكيفية معرفة الله ﷾\rقَالَ المُصْنِّفُُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:\r[ومن المُحال أن تستقل العقول بمعرفة ذلك وإدراكه عَلَى التفصيل، فاقتضت رحمة العزيز الرحيم أن بعث الرسل به معرفين، وإليه داعين، ولمن أجابهم مبشرين، ولمن خالفهم منذرين وجعل مفتاح دعوتهم، وزبدة رسالتهم معرفة المعبود سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله، إذ عَلَى هذه المعرفة تبنى مطالب الرسالة كلها من أولها إِلَى آخرها، ثُمَّ يتبع ذلك أصلان عظيمان:\rأحدهما: تعريف الطريق الموصل إليه، وهي شريعته المتضمنة لأمره ونهيه.\rوالثاني: تعريف السالكين مالهم بعد الوصول إليه من النعيم المقيم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688892,"book_id":1659,"shamela_page_id":18,"part":null,"page_num":18,"sequence_num":18,"body":"فأعرفُ النَّاسِ باللهِ ﷿ أتبعهم للطريق الموصل إليه، وأعرفهم بحال السالكين عند القدوم عليه، ولهذا سمى الله ما أنزله عَلَى رسوله روحاً، لتوقف الحياة الحقيقة عليه، ونوراً لتوقف الهداية عليه، فَقَالَ تعالى: يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ [غافر:١٥] وقال تعالى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ [الشورى:٥٢-٥٣] فلا روح إلا فيما جَاءَ به الرسول، ولا نور إلا في الاستضاءة به. وسماه الشفاء كما قال تعالى: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ [فصلت:٤٤] فهو وإن كَانَ هدىً وشفاءً مطلقاً، لكن لما كَانَ المنتفع بذلك هم المؤمنون خصوا بالذكر اهـ.\rالشرح:\rبعد أن ذكر المُصْنِّف ﵀ أهمية العلم بالله ﵎ نبه إِلَى الأصل العظيم، وبداية انحرافات الفرق جميعاً التي تنتهي بها إِلَى الضلالة والهاوية.\rوهي: كيفية معرفة الله ﷾؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688893,"book_id":1659,"shamela_page_id":19,"part":null,"page_num":19,"sequence_num":19,"body":"إن من المحال أن تنفرد العقول وحدها بمعرفة ذلك وإدراكه عَلَى التفصيل، أما الإدراك المجمل والمعرفة المجملة فهذه موجودة في الفطرة، قال تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا [الأعراف: ١٧٣] ، فالله ﷾ قد أخذ الميثاق الفطريفِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاس عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ [الروم:٣٠]-وسيأتي بحثها عما قريب- وهي موجودة لكنها لا تعطي معرفة تفصيلية، وإنما تكون المعرفة التفصيلية عن طريق الوحي.\rوأما العقول والأذهان فلا تستقل بمعرفة ذلك، ولهذا تخبطت الفرق الإسلامية تخبطاً شديداً لما اتبعت آراء المتخرصين المتهوكين بعقولهم.\rوالله ﷾ أمرنا أن نتبع الدليل الشرعي والوحيقُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ [الأنبياء:٤٥] فنذارة النبي ﷺ بالوحي، وهذا الذي ميزنا الله ﷾ به وكرمنا به، ثُمَّ إن الله ﷾ قَالَ: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:٩] فالوحي محفوظ ومعصوم، فينبغي لنا أن ندرك نعمة الله ﷾ ولا نبحث عن مصدر آخر غير هذا الوحي، وإلا فالضلال والويل والخسارة والتخبط واقع كما وقع لمن خرج عن منهج السلف الصالح.\rنهاية إقدام العقول عقال وغاية سعي العالمين ضلال\rولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا\rفمن ينتهج غير منهج السلف الصالح نجد عادته جمع الأقوال والردود، وقال الحكماء، وقال فلان، ورد عليه فلان وفلان.\rلا يصل أبداً إِلَى اليقين والحقيقة؛ لأن هذا الدين ليس مما يدرك بالنظر والعقول، وليس مما تنفرد به الأفهام والأذهان، وإلا لو كَانَ كذلك لما احتيج للأنبياء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688894,"book_id":1659,"shamela_page_id":20,"part":null,"page_num":20,"sequence_num":20,"body":"حاجة الناس إلى الأنبياء والرسل\rالله ﷾ بعث الأَنْبِيَاء ليبينوا ذلك التوحيد، وجعله مفتاح دعوة الرسل يدعون أول ما يدعون إِلَى معرفته وتوحيده ﷾ في أسمائه وصفاته وأفعاله، وما يستحقه عَلَى العباد من أنواع الطاعات والتعبدات، فلا تستقل العقول ولا تنفرد بمعرفة هذا، ودلائل ذلك من الواقع أكثر من أن تحصر.\rفأيام اليونان كانت هناك نظريات عقلية بلا دين، فلما جَاءَ المنتسبون إِلَى الإسلام من الفلاسفة كابن سينا وابن رشد والفارابي والكندي نقدوا تلك النظريات وأبطلوا كثيراً منها، وأضافوا إليها إضافات هي صحيحة بالنسبة لباطل أولئك.\r\rثُمَّ جاءت النهضة الأوروبيه أو عصر التنوير - كما يسمى- في القرن السادس عشر والسابع عشر، فظهرت نظريات جديدة، ومنها النظريات القديمة سواء ما أضافه المنتسبون إِلَى الإسلام أو نظريات أرسطو وأفلاطون.\r\rثُمَّ جَاءَ القرن التاسع عشر فظهرت المذاهب التي تسمى المذاهب الوضعية، وفي القرن العشرين ظهرت نظريات أكثر حداثة وأكثر ردة، فيا سُبْحانَ اللَّه!!\rوكما قال بعض السلف رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُم:من جعل دينه عرضة للهوى أكثر التنقل.\r\rويكفينا قول الله ﷾: مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً [الكهف:٥١] فأي نظرية غيبية تتحدث عن نشأة الكون، أو ما يتعلق بالله ﷾، أو نشأة الإِنسَان عَلَى هذه الأرض، وكيف جاء؟ ولماذا جاء؟!\rهي باطلة من وضع المضلين الذين لم يشهدهم الله ﷾ خلق السماوات والأرض، ولم يشهدهم خلق أنفسهم فضلاً عن أن يشاركوه في ذلك، فهم مضلون، أضلوا بني الإِنسَانية وأضلوا أهل الديانات القديمة، ثُمَّ أضلوا أهل الإسلام فيما بعد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688895,"book_id":1659,"shamela_page_id":21,"part":null,"page_num":21,"sequence_num":21,"body":"ويسمونهم فلاسفةً وحكماء، وأصحاب العقول الضخمة، وهم لا قدرة لهم في معرفة ذلك إلا بالوحي، وأما ما يفهمه الإِنسَان من الوحي فيما يتعلق بمعرفة الله ﷾ فلا مدخل للعقل فيه.\rأما فيما يتعلق بالفروع فللعقول مدخل عليه، لأن الله ﷾ نزل هذا القُرْآن للتدبر والفهم والاستنباط، وكذا المعارف الدنيوية، فإن الله ﷾ أوكل أمرها إِلَى الإِنسَان نفسه وسمح له وأفسح له المجال أن يعمل ويكدَّ فيها ويتعلم.\rوأما ما يسمى بالعلوم الإِنسَانية أو النظريات الكونية (النظريات الإِنسَانية) فهذه لا يجوز للمسلم أن يستمد منها شيئاً.\r\rأصول المعرفة الكلية\rفالأصول ثلاثة:\rمعرفة الله ﷾.\rومعرفة الطريق الموصل إِلَى الله ﷾.\rومعرفة العاقبة والمآل لمن أطاع الله ولمن عصاه، وهذه أساس المعرفة بالآخرة.\rفالمعرفة الكلية تشتمل عَلَى هذه الأصول والأقسام الثلاثة، وأولها وأشرفها: معرفة الله ﷾.\rفائدة في كلمة المعرفة\rكلمة المعرفة ينكرها بعض الناس؛ لأن الصوفية يسمون الإِنسَان الذي بلغ عندهم درجةً ما \"العارف\"، وهذا المصطلح غريب عَلَى الإسلام.\rلكن معرفة الله ليست غريبة؛ بل وردت في الحديث الصحيح في إحدى روايات حديث معاذ بن جبل ﵁ عندما أرسله النبي ﷺ إِلَى اليمن قَالَ: (فإذا هم عرفوا الله فأنبئهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات) والشاهد أن هذه اللفظة في ذاتها لا غبار عليها، وإنما الخطأ في إطلاق كلمة العارف في المصطلح المتداول عند الصوفية، فالدرجات عندنا: مسلم ثُمَّ مؤمن ثُمَّ محسن.\r\rوهناك صفات أخرى وهي: المتقون، المفلحون، الفائزون، إِلَى آخره وليس فيها ولا منها العارفون.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688896,"book_id":1659,"shamela_page_id":22,"part":null,"page_num":22,"sequence_num":22,"body":"فمعرفة الله ﷾ هي الأصل الأول من أصول المعرفة ثُمَّ معرفة الطريق الذي يوصل إِلَى رضا وطاعة الله وهو حقيقة الشريعة، ومعرفة أحكام الحلال والحرام.\rفنعرف أولاً: التوحيد.\rثُمَّ نعرف ثانياً: الفقه والشريعة -أي: معرفة الحلال والحرام-.\rثُمَّ نعرف ثالثاً: مصيرنا، فنعرف أخبار الآخرة وما يتعلق بها، وما هو حالنا عند الموت وبعده، وما هو حالنا في العالم الآخر.\r\rفمن عرف هذه الثلاث اكتملت معرفته الضرورية في معرفة دينه، وهي وإن كانت -أي: معرفة أخبار الآخرة، وما يتعلق بها- مما لا يتعبد بها عملاً لكنها مما ينبغي معرفتها اعتقاداً.\rقَولُ المُصْنِّفِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: ولهذا سمى الله ... إلخ.\r\rالإشارة هنا \"ولهذا\" تعود إِلَى التعليل، والغرض من التعليل إثبات أن العقول لا تستقل بمعرفة الله وأنه يلزم أن تكون تابعة للشرع، ولهذا سَمّى الله ما أنزله عَلَى نبيه ﷺ روحاً وسماه نوراً، وسماه شفاءً.\rأخبرنا الله ﷾ في الكتاب والسنة، أنه خلق آدم ﵇ نبياً من الأنبياء، وأن ذريته بقيت عَلَى التوحيد، حتى اختلفوا كما قال ابن عباس ﵁: \"إنه كَانَ بين آدم ونوح عشرة قرون \"، ثُمَّ وقع الشرك في قوم نوح كما جَاءَ في الحديث الصحيح، ولم يكن هناك أعراف ولا كهان ولا سحرة؛ بل بعث الله ﷾ النبيين مبشرين ومنذرين ليقاوموا تلك الأعراف وأولئك الكهان. فصار الناس فريقين:\rالمؤمنون الموحدون.\r\rوالكفار المُشْرِكُونَ.\rوهذه الحضارات الموجودة آثارها إِلَى اليوم، كحضارة الفراعنة، والروم، وقوم هود، وقوم صالح؛ وكلها كَانَ هلاكها ودمارها بسبب تكذيبها بما جَاءَ به الأنبياء، والوحي الذي جَاءَ من عند الله سبحانه تعالى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688897,"book_id":1659,"shamela_page_id":23,"part":null,"page_num":23,"sequence_num":23,"body":"وليست العملية تطور علمي: وهو أن البشرية تطورت حتى وصلت إِلَى قمة العلم ثُمَّ الدين، ثُمَّ لما عرفت التوحيد جاءتها الكتب الثلاثة المنزلة كما يقولون.\r\rومن ذلك نظرية القانون يقولون: إن الإِنسَان بدأ يحتكم إِلَى الأعراف، وكان العُرف هو الذي يحكم الناس، ثُمَّ وجدت ما يسمونها نظرية العقد الاجتماعي ومعناه: أن أفراد المجتمع تعاقدوا فيما بينهم عقداً عرفياً بأنه لا تظالم، وأنه يتم بينهم أخذ وعطاء \"ولا تؤذيني ولا أؤذيك\"؛ ثُمَّ بعد ذلك جَاءَ الأَنْبِيَاء وجاءت الكتب.\r\rوهذا من الكذب والافتراء عَلَى الله ﷾، فإن هذه النظريات إنما عرفتها البشرية في فترات الانحراف -أزمان الفترة- التي لا يبعث فيها نبي، بل ينحرف الناس عن شريعة الأنبياء، ويتخذون الأحبار والرهبان والملوك والكهان يشرعون لهم من دون الله ﷾.\rوالله ﷾ عندما يبعث أي نبي إنما يبعثه بشرع ليتحاكم الناس إليه، وليحكموا به، والحاكم هو الله ﷾.\rوالحياة؛ إنما هي في القرآن، أحيا الله به العالمين وأخرجهم من الظلمات إِلَى النور ورحمهم به، وشفى ما كَانَ يعتلج ويختلج في صدورهم من الأوهام والظنون والنظريات الباطلة.\r\rوهنا قد يرد سؤال حيث يقول الله تعالى: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ [فصلت:٤٤] فكيف يكون هدى وشفاءً للذين آمنوا فقط؟ أليس القُرْآن هدىً للعالمين جميعاً؟\r\rنقول: بلى، إن القُرْآن هدىً للناس جميعاً، لكن المنتفع بهداية القُرْآن هم المؤمنون الذين يؤمنون به، أما الَّذِينَ كَفَرُوا فهو عليهم عمى.\rوقال تعالى: يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ [البقرة:٢٦] فمع أنه نور، لكنه قد يكون سبباً للضلال.\rفإنه إذا رأى الرائي النور أمامه فأعرض عنه فضلاله أعظم من ضلال من جَاءَ في الظلام ولم ير النور من أصله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688898,"book_id":1659,"shamela_page_id":24,"part":null,"page_num":24,"sequence_num":24,"body":"فالذي يرى النبي ﷺ ويسمع كلام الله ﷾، ثُمَّ يعرض عنه لا شك أنه لم يخالط قلبه هذا الدواء الذي أنزله الله ﷾، فكان ذلك سبباً لزيادة مرضه وضلاله وهلاكه.\r\rفالدواء دواء، والنور نور، والهدى هدى، والشفاء شفاء، ومن هنا كَانَ للذين آمنوا هدى وشفاء لأنهم يؤمنون به ويطمعون ويسعون للتداوي به والاقتداء والاستضاءة بنوره.\rماذا يجب على الإنسان معرفته من العقيدة\rقَالَ المُصْنِّفُُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:\r\r[والله تَعَالَى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، فلا هدى إلا فيما جَاءَ به، ولا ريب أنه يجب عَلَى كل أحدٍ أن يؤمنَ بما جَاءَ به الرَّسُول إيماناً عاماً مُجملاً، ولا ريب أن معرفة ماجاء به الرَّسُول عَلَى التفصيل فرض عَلَى الكفاية، فإن ذلك داخل في تبليغ ما بعث الله به رسوله، وداخل في تدبر القُرْآن وعقله وفهمه، وعلم الكتاب والحكمة، وحفظ الذكر، والدعاء إِلَى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعاء إِلَى سبيل الرب بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، ونحو ذلك مما أوجبه الله عَلَى المؤمنين، فهو واجب عَلَى الكفاية منهم. وأما ما يجب عَلَى أعيانهم: فهذا يتنوع بتنوع قدرهم، وحاجتهم ومعرفتهم، وما أمر به أعيانهم، ولا يجب عَلَى العاجز عن سماع بعض العلم أو عن فهم دقيقه ما يجب عَلَى القادر عَلَى ذلك. ويجب عَلَى من سمع النصوص وفهمها من علم التفصيل مالا يجب عَلَى من لم يسمعها ويجب عَلَى المفتي والمحدث والحاكم مالا يجب عَلَى من ليس كذلك] اهـ\rالشرح:\r\rيقول المُصْنِّفُ ﵀: إذا عرفنا أن القرآن، وأن الوحي عامة هو النور، وهو الهدى والشفاء، وهو الذي منه تعرف هذه الأصول الثلاثة، حيث تعرف الله ﵎ وما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، ومن أسمائه ومن صفاته، ومن حق العبودية علينا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688899,"book_id":1659,"shamela_page_id":25,"part":null,"page_num":25,"sequence_num":25,"body":"إذا كَانَ ذلك كذلك فما مقدار معرفة كل إنسان بهذا القرآن؛ وكأنه بذلك يحتاط ويحترز عن قول بعض الناس: إنه يجب عَلَى كل إنسان أن يعرف العقيدة كاملةً تفصيلاً، وإلا لم يكن مؤمناً.\rوهذا القول قاله بعض المتكلمين والخوارج، وكثير من الزائغين المنحرفين عن منهج أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ.\r\rأما أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ فقولهم هو ما يوافق الكتاب والسنة وهو: أن الإيمان عَلَى نوعين:\rإيمان مجمل.\r\rوإيمان مفصل.\r\rفأما الإيمان المجمل: فهذا الذي في إمكان كل إنسان أن يعرفه ويتعلمه مثل: معرفة أن الله ﷾ واحد لا شريك له، وأنه أرسل أنبيائه بالهدى، وأن محمداً ﷺ هو رَسُول الله المطاع المقتدى به وحده، وأن الصلاة والزكاة وأشباهها من الأمور الظاهرة المعروفة بالضرورة أنها فرائض، فرضها الله ﷾ عَلَى العباد، فهذا يسمى الإيمان المجمل، وهو الذي ذكره النبي ﷺ في حديث جبريل حين قَالَ: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره من الله تَعَالَى) وهذا الإيمان المجمل يجب أن يعلَّم للعوام حتى يعرفوه ويفهموه، وتقوم الحجة عليهم، وإلا فيأثُمَّ من لم يعلمهم.\rوأما الإيمان المفصل: فإن معرفته فرض كفاية، مثل: معرفة الأسماء والصفات بالتفصيل، وأدلة كل منها، ومعرفة الأحكام الشرعية تفصيلاً؛ لأن الإيمان شعب، وكل عبادة وطاعة من فرض أو نفل فهي شعبة من شعب الإيمان.\r\rوأما الخوارج فَقَالُوا: يجب معرفة الإيمان تفصيلاً، لأنه شيء واحد فقط، وهو ما يقوم في القلب.\r\rوالله ﷾ أمرنا أن نتعلم وحثنا عَلَى العلم، لكن العلم التفصيلي لا يجب عَلَى كل إنسان أن يتعلمه، وهو داخل في قوله ﵎: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:١٦] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688900,"book_id":1659,"shamela_page_id":26,"part":null,"page_num":26,"sequence_num":26,"body":"لكنه في حق الأمة كافة فرض كفاية، يجب أن يوجد في الأمة العلماء والمفتون والحكام الذين يحكمون بما أنزل الله، ويفتون النَّاس بما أنزل الله، ويعلمونهم شرع الله ﵎ وما جَاءَ به النبي ﷺ عَلَى التفصيل.\r\rوأما المعرفة العينية فهو متنوع بحسب قُدَرِهِمْ، فكل إنسان بحسب قدرته.\r\rمتى يعذر الإنسان بالجهل\rوهنا قضية مهمة ينبغي أن نتفطن إليها وهي: هل الإِنسَان معذور بالجهل أو غير معذور به؟\rالذي يعرف هذه الحقيقة التي سبق أن ذكرناها الآن، وذكرها الشارح ﵀ لا يخفى عليه الجواب، بل يعرف أن مثل هذا السؤال لا يجاب عنه بإطلاق؛ لأننا نفصل فنقول:\rأما الإيمان المجمل: فيجب عَلَى كل إنسان أن يعرفه، وهناك ما لا يعذر بجهله أحد من الْمُسْلِمِينَ، فإن كَانَ بإمكانه أن يعلم وجوب الصلاة وفرضية الصلاة وأعرض عنه ولم يبال به، فإنه لا يعذر بجهله هذا في الأصول، أما في الفروع فإنه يُعاقب؛ لأنه فرط ولم يتعلم ما يجب عليه من شعب الإيمان، فعلى حسب قدرته وطاقته يعاقب مادام بإمكانه أن يتعلم، أما من ليس بإمكانه أن يتعلم فلا يُكلف الله نفساً إلا وسعها.\rوقد يجهل الإِنسَان بعض الأمور لاعتباراتٍ كثيرة؛ بل قد يجهل الإِنسَان بعض صفات الله ﷿ الأساسية التي لا يليق بأحد أن يجهلها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688901,"book_id":1659,"shamela_page_id":27,"part":null,"page_num":27,"sequence_num":27,"body":"ومن ذلك: الرجل الذي من بني إسرائيل فقد ثبت في الصحيح بروايات صحيحة كثيرة أنه قال لأهله عندما حضره الموت: (إذا أنا مت فاحرقوني، ثُمَّ اطحنوني، ثُمَّ ذروني في البحر وفي البر، والله لئن قدر الله عليّ ليعذبني عذاباً لم يعذبه أحداً من العالمين) فإن هذا الرجل لإيمانه وخوفه من الله ﷿، ولشدة اعترافه وإقراره بتفريطه لحق الله ﷿ أوصى أهله أن يفعلوا به هذا الفعل، فجهل أن الله ﷾ عَلَى كل شيء قدير، وأنه يحي الموتى، (فجمعه الله وأعاده خلقاً سوياً كما كان) وهو قادر ﵎ عَلَى كل شيء، ثُمَّ قال له: (ما حملك عَلَى ما فعلت؟ قَالَ: خوفك يا رب!!)\rفلم يفعل ذلك جرأة عَلَى الله ﷿ أو شكاً في إيمانه أو قدرته، لكن خوف الله ﷿ هو الذي حمله أن يظن أنه سيتخلص من هذا الهول العظيم إذا أحرق وطحن ووزع في البر والبحر.\r\rفالإِنسَان قد يجهل مثل هذه الأشياء، ولو علم لتفطن أن الله عَلَى كل شيء قدير.\r\rفالشاهد أن قضية العذر بالجهل أو عدم العذر به قضية نسبية متفاوتة، وكل إنسان يحاسبه ربه ﵎ بمقدار ما بلغه من العلم وما يمكن أن يتعلمه.\r\rفالمصنف ﵀ بهذا الكلام الموجز يرد بذلك عَلَى هَؤُلاءِ المنحرفين من الخوارج أو من المتكلمين في هذه القضية المهمة، فالواجب أن يعلم الجاهل، وأن يدعى الغافل ويذكر، هذا هو واجبنا، وعلى كل من عرف شيئاً من الحق أن يبذله، وأن يعلم النَّاس العقيدة الصحيحة، ولا يكثر الخوض والجدل في العذر بالجهل أو عدم العذر به.\rفإن الله ﷾ سوف يحاسبهم كلاً منهم بما بلغه من العلم، ونحن سيحاسبنا هل بلّغْنَا دعوة النبي ﷺ أم لا؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688902,"book_id":1659,"shamela_page_id":28,"part":null,"page_num":28,"sequence_num":28,"body":"ولذلك يذكر المُصْنِّف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى هنا موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعاء إِلَى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، ضمن الفروض الكفائية التي يجب أن يقوم بها القادر عليها، وبذلك ينتشر العلم في الأمة ولا يفشو فيها الجهل، وبذلك تقوم الحجة.\r\rأسباب الضلال والحيرة\rقَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:\r[وينبغي أن يعرف أن عامة من ضل في هذا الباب أو عجز فيه عن معرفة الحق، فإنما هو لتفريطه في اتباع ماجاء به الرسول، وترك النظر والاستدلال الموصل إِلَى معرفته فلما أعرضوا عن كتاب الله ضلوا، كما قال تعالى: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى [طه: ١٢٣-١٢٦] .\r\rقال ابن عباس ﵄: (تكفل الله لمن قرأ القُرْآن وعمل بما فيه، أن لا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة، ثُمَّ قرأ هذه الآيات) .\r\rوكما في الحديث الذي رواه التِّرْمِذِيّ وغيره عن عَلِيّ ﵁ قَالَ: قال رَسُول الله ﷺ: (ألا إنها ستكون فتن، قلت: فما المخرج منها يا رَسُول الله؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688903,"book_id":1659,"shamela_page_id":29,"part":null,"page_num":29,"sequence_num":29,"body":"قَالَ: كتاب الله فيه نبأ ما كان قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل، ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسن، ولا تنقضي عجائبه، ولا تشبع منه العلماء، ومن قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إِلَى صراط مستقيم) إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث، الدالة عَلَى مثل هذا المعنى] اهـ.\rالشرح:\r\rلعل المُصْنِّف ﵀ هنا يجيب عَلَى تساؤل قد يقال وهو: إن الوحي من الكتاب والسنة مع أن فيه الحق والنور والهدى، ولكن نجد أقواماً كثيرين حتى من المنتسبين إِلَى الإسلام قد ضلوا وتخبطوا وتاهوا!\r\rفمنهم من عبر عن حيرته كما قال أحدهم:\r\rلعمري لقد طفت المعاهد كلها وسيرت طرفي بين تلك المعالم\rفلم أر إلا واضعاً كف حائر على ذقن أو قارعاً سن نادم\rوكما قال الآخر وهو الرازي:\r\rنهاية إقدام العقول عقال وغاية سعي العالمين ضلال\rولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا\rفعبروا عن حيرتهم وضياعهم مع أن الكتاب والسنة بين أيديهم، وهذا الهدى بين أيديهم؛ لكنهم خاضوا في علم الكلام والعقائد، لمعرفة الله ومعرفة اليوم الآخر ومعرفة صفات الله سبحانه، فتاهوا وحاروا وضلوا، فإذا قيل: كيف يضيع هَؤُلاءِ ويضلون ويتخبطون مع أن الكتاب والسنة بين أيديهم؟\r\rفيجيب المُصْنِّف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى ذلك ويقول:\r\r[إن عامة من ضل في هذا الباب أو عجز عن معرفته، فإنما بسبب تفريطه في اتباع ما جَاءَ به الرَّسُول ﷺ وترك النظر والاستدلال الموصل إِلَى معرفته] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688904,"book_id":1659,"shamela_page_id":30,"part":null,"page_num":30,"sequence_num":30,"body":"فلم يأخذ الحق من مصدره الصحيح، وإن كَانَ مؤمناً، وإن كَانَ القُرْآن بين يديه، لكنه فرط في اتباع هذا القُرْآن والاقتداء بهديه، فحينئذ عوقب بالضلال والحيرة والعياذ بالله.\r\rأنواع النظر والاستدلال\rالنظر والاستدلال هو بمعنى المعرفة العقلية، وإذا جاءت كلمة النظر في هذا الشرح فمعناها: المعرفة العقلية، أو الاجتهاد العقلي، أو الاستدلال العقلي.\rوالنظر نوعان:\r\rالنوع الأول: نظر عقلي محض وهو النظر الكلامي: وهو اتباع القواعد المنطقية والفلسفية في التفكير، فهذا النظر لا يأتي إلا بالضلال، ولا يثمر لصاحبه أي علم أو هدى.\rوهذا الذي سلكه هَؤُلاءِ المعبرون عن حيرتهم وضياعهم وضلالهم.\r\rالنوع الثاني: نظر شرعي وهو: النظر لفهم نصوص الكتاب والسنة بالتدبر والتأمل والتفكر لفهم كتاب الله ﷿، كما أمر الله ﷾.\rوهذا الاستدلال هو الذي يوصل إِلَى اليقين، فطريق اليقين هو: النظر أو الاستدلال الشرعي، لا الاستدلال والنظر الكلامي المنطقي، ومن ذلك أن الله ﷾ ضرب لنا الأمثلة الكثيرة عَلَى أعظم القضايا وهي قضايا الإيمان، فقضية الإيمان بالله سبحانه مثلاً ضرب الله عليها الأمثلة لإثبات وحدانيته سبحانه، وأنه حق، وعلى أن القُرْآن حق، وأن محمداً ﷺ حق.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688905,"book_id":1659,"shamela_page_id":31,"part":null,"page_num":31,"sequence_num":31,"body":"يقول الله ﷾: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [فصلت:٥٣] فهناك آيات في الكون، وآيات في النفس، فعلماء الفلك والطب مثلاً يعرفون هذه الأمور، والبدوي العامي الجاهل ينظر إِلَى السماء كيف رفعت، وإلى الجبال كيف نصبت، وإلى الأرض كيف سطحت، وبإمكانه أن ينظر إِلَى البعير الذي يركبه كيف خلق، فيصل به نظره وتدبره إِلَى اليقين والاعتقاد الجازم الصادق الذي لا يدخله ريب أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ [البلد: ٨-١٠] كل إنسان ينظر كيف خلقه الله ﷾، فيصل عن طريق هذا النظر إِلَى أن الله ﷾ حق.\rوكذلك الإيمان باليوم الآخر، وهو أكثر القضايا الغيبية إنكاراً عند الْمُشْرِكِينَ، فإن الله ﷾ أقسم عَلَى الإيمان باليوم الآخر، لأنه يقابل بالإنكار وبالجحود من كثير من الْمُشْرِكِينَ، فأقسم الله ﷾ عَلَى أن البعث حق في ثلاثة مواضع من كتاب الله ﷾، وبين الحكمة العظيمة في ذلك، بحيث لو تأملها الإِنسَان لفطن وتدبر أن الإيمان بالموت حق.\rفضرب الله ﷾ في سور كثيرة وآيات عديدة الأمثال بإحياء الأرض الميتة، فإذا جَاءَ المطر، أتت الزهور الخضراء والحمراء، والنباتات الطويلة، والنباتات الممتدة، ولها روائح مختلفة، ولها نسبة من السكر، هذا أكثر، وهذا أقل، وهذا مر، وهذا فيه دواء، وهذا فيه غذاء للناس، وهذا فيه غذاء للدواب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688906,"book_id":1659,"shamela_page_id":32,"part":null,"page_num":32,"sequence_num":32,"body":"فهو سبحانه ضرب المثل بأنه قادر عَلَى إحياء الموتى بإحياء الأرض الميتة، قال الله ﷾: وإِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى [فصلت:٣٩] فيضرب الله ﷾ لنا هذه الأمثلة لنستيقن، ونعلم أنه ﷾ حق، وأن الإيمان بالآخرة يقين لا يتزعزع لذلك يقول ﷾: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * ليُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ [النحل:٣٨-٣٩] .\r\rهنا آيات أخرى تدل عَلَى أن البعث حق؛ وهي: العبرة النظرية، حيث يتفكر الإِنسَان إذا قال المُشْرِكُونَ: \"والله لا يبعث الله من يموت\" وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [النحل:٣٩] ليبين الحكمة قال تعالى: لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ هذه واحدة.\rوالأخرى وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ لو تأمل الإِنسَان هاتين الحكمتين لاستيقن أنه لا بد من اليوم الآخر.\r\rلِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهَِ فكم يختلف البشر في قضايا علمية وفي دعاوى وحقوق، بل اختلف النَّاس في أمور أعظم من ذلك وهو ربهم ﷿، فمنهم من يعبد الأحجار ويقول: هذا ربي، ومنهم من يعبد الله ﷾ حق العبادة، ومنهم من يعبد ثلاثة، ومنهم من يعبد عشرة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688907,"book_id":1659,"shamela_page_id":33,"part":null,"page_num":33,"sequence_num":33,"body":"وهذه الاختلافات الواقعة بين النَّاس ووجود الظالم والمظلوم، والباغي الباطش المتكبر الجبار المحارب لله ﷿ الذي يعيش عمراً طويلاً في عافية وقوة، يظلم عباد الله ﷿، ويتسلط عَلَى دمائهم وأموالهم، ويفعل ما يشاء ثُمَّ يأتيه الموت، ويوجد من عباد الله الصادقين المخلصين المقربين لله ﷿ الذين يبتلون بأنواع من الآلام والفتن، ثُمَّ يموت.\r\rتنزيه الله تعالى لنفسه\rقَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:\r[ولا يقبل الله من الأولين والآخرين ديناً يدينون به؛ إلا أن يكون موافقاً لدينه الذي شرعه عَلَى ألسنة رسله ﵈ وقد نزه الله تَعَالَى نفسه عما يصفه العباد، إلا ما وصفه به المرسلون بقوله سبحانه: سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الصافات: ١٨٠-١٨٢] فنزه نفسه سبحانه عما يصفه به الكافرون، ثُمَّ سلم عَلَى المرسلين، لسلامة ما وصفوه به من النقائص والعيوب، ثُمَّ حمد نفسه عَلَى تفرده بالأوصاف التي يستحق عليها كمال الحمد] اهـ.\rالشرح:\r\rقال تعالى: سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ من قولهم: إن الملائكة إناث، وإنهم بنات الله، وجعلوا بينه وبينهم نسباً فَقَالَ تَعَالَى بعد ذلك: سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ تَعَالَى الله وتبارك وتقدس وتنزه عما يصفون.\r\rإِلاَّ عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ يعني: إلا الوصف الذي يصفه به عباده المخلصون، فما يطلقه عليه غيره من الأوصاف، فإنه ينزه عنه، إلا العباد الذين ذكرهم في هذه السورة وفي غيرها -وهم: نوح وموسى وإبراهيم- وأنبياء الله ﷾ الذين يصفون الله بأوصاف الحق.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688908,"book_id":1659,"shamela_page_id":34,"part":null,"page_num":34,"sequence_num":34,"body":"أما هَؤُلاءِ الذين يجعلون الملائكة بنات الله والعياذ بالله، ثُمَّ يقولون: إنهم يؤمنون بالله، فقد رد الله عليهم في سور كثيرة فَقَالَ ﷾ في سورة النحل: وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ * وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ * لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [النحل:٥٧-٦٠] .\r\rفهَؤُلاءِ ينسبون لله ما يترفعون عنه، أما عباد الله المخلصون فإنهم يصفونه بما هو أهل له، فغير الأَنْبِيَاء والمرسلين ومن سلك طريقهم هم ضالون مخطئون فيما يصفون به رَبّ الْعَالَمِينَ ﷾. ولو تأملنا الأمم والطوائف والفرق لوجدنا أن هذه الآية ترد عَلَى جميع الملل والفرق التي شذت وانحرفت فيما يتعلق بصفات الله ﷾، فاليهود قالوا: يد الله مغلولة! وقالوا في توراتهم المحرفة: إن الله صارع يعقوب إِلَى الفجر والعياذ بالله! وَقَالُوا: إن عزيراً ابن الله -تعالى الله عن ذلك-.\r\rوعن قول النَّصَارَى: إن المسيح ابن الله، وإنه ثالث ثلاثة، وتعالى الله عن قول مشركي العرب: إن الملائكة بنات الله.\rوتعالى الله عن قول أمم التتار والمغول واليابانيين وأمثالهم: إن الله ﵎ تزوج الشمس، وولد من الشمس هَؤُلاءِ الملوك والأباطرة الذين يتناسلون، وهم يعبدونهم من أجل ذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688909,"book_id":1659,"shamela_page_id":35,"part":null,"page_num":35,"sequence_num":35,"body":"وتعالى الله عن قول الشيوعيين: إنه لا إله، ولا وجود له تعالى، أو إنه أسير، أو هواء، كما يقول أصحاب النظرية الأثيرية وما أشبهها. وتعالى الله أن يكون العقل الكلي -كما يقول أفلاطون وأرسطو-:خلق عشرة عقول تدير الكون وبقي لا يعمل شيئاً.\rوتعالى الله أن يكون كما قالت الرافضة: إنه فوض أمر السماوات والأرض إِلَى الأئمة الإثني عشر يعملون ما يشاءون ويديرون الكون، فشابهوا قول اليهود أنه خلق السموات والأرض في ستة أيام، ثُمَّ استراح في اليوم السابع وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوب [ق:٣٨] وتعالى الله عما يقوله المعتزلة: من أنه عليم بلا علم، وقدير بلا قدرة، وعزيز بلا عزة، إِلَى آخر ما يقولون ويفترون، وتعالى الله عما يقول الحلوليون: من أنه يحل في كل مكان، حتى في الأماكن القذرة والنجسة، والعياذ بالله.\rوتعالى الله عما يقول الأشاعرة وغيرهم: من أنه ليس فوق السماوات ولا مستوياً عَلَى عرشه.\rوهكذا نجد أن الله ﷾ في هذه الآية عندما قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ [الصافات:١٥٩-١٦٠] نزه نفسه عن جميع الأوصاف التي يصفه بها جميع الأمم الضالة وجميع الفرق الضالة (إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ) ، وهم الأَنْبِيَاء والرسل، وهم مُحَمَّد ﷺ وصحبه، وهم أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ، والذين اتبعوهم بإحسان، وهم الذين يصفون الله ﷾ بالمحامد، وبالأسماء الحسنى وبالصفات العلا، ويثبتون له ما أثبته لنفسه.\rفهذه الطائفة -الفرقة الناجية المنصورة - وحدها هي المستثناة؛ لأنها تعلم أن له المثل الأعلى في السماوات والأرض، وأنه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:١١] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688910,"book_id":1659,"shamela_page_id":36,"part":null,"page_num":36,"sequence_num":36,"body":"يقول المُصْنِّف ﵀: [فنزه نفسه سبحانه عما يصفه به الكافرون، ثُمَّ سلم عَلَى المرسلين، لسلامة ما وصفوه به من النقائص والعيوب] .\rفقوله: [من النقائص والعيوب] \"من\": ترجع إِلَى كلمة سلامة، لا إِلَى كلمة وصفوه، أي: لسلامة ما قالوه في حق الله من النقائص والعيوب، أي أن كلامهم في حق الله سليم من النقائص ومن العيوب، وليس معناها: لِمَا وصفوه من النقائص والعيوب.\rثُمَّ حمد نفسه عَلَى تفرده بالأوصافِ التي يستحق بها كمال الحمد ﷾ فقَالَ: وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الصافات:١٨٢] فختم السورة، وختم هذه المعاني بقوله: وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الصافات:١٨٢] فهو المستحق ﷾ لكمال الحمد وكمال الشكر المتفرد به، وكلمة الحمد: تشمل جميع أنواع المحامد؛ لأن \"ال\" هنا للاستغراق، أي: جميع أنواع الحمد والثناء اللائق بجلال الله ﷾ فهو يستحقه ﵎.\r\rأهمية البصيرة في الدعوة إلى الله\rقَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:\r[ومضى عَلَى ما كَانَ عليه الرَّسُول ﷺ خير القرون، وهم الصحابة والتابعون لهم بإحسان، يوصي به الأول الآخر ويقتدي فيه اللاحق بالسابق، وهم في ذلك كله بنبيهم مُحَمَّد ﷺ مقتدون، وعلى منهاجه سالكون، كما قال تَعَالَى في كتابه العزيز: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [يوسف: ١٠٨] ، فإن كَانَ قوله أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي معطوفاً عَلَى الضمير في \"أدعو\" فهو دليل عَلَى أن أتباعه هم الدعاة إِلَى الله وإن كَانَ معطوفاً عَلَى الضمير المنفصل فهو صريح أن أتباعه هم أهل البصيرة فيما جَاءَ به دون غيرهم، وكلا المعنيين حق] اهـ.\rالشرح:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688911,"book_id":1659,"shamela_page_id":37,"part":null,"page_num":37,"sequence_num":37,"body":"يقول المُصْنِّف ﵀: مضى عَلَى الاعتقاد الصحيح -في حق الله ﷾ النبي ﷺ، وأصحابه خير القرون، كما قال الله ﷾: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يوسف:١٠٨] ويذكر المُصْنِّف ﵀ في هذه الآية معنيين، بحسب الوقوف.\r\rفإذا قلنا: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ فوقفنا ثُمَّ قلنا عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي فهذا له معنى، أي: أنا ومن اتبعني عَلَى بصيرة، وغيرنا ليس لديه بصيرة، فالمعنى أن النبي ﷺ أمر أن يقول: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ، ثُمَّ يخبر فَيَقُولُ: عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي أي نَحْنُ الوحيدون الذين عَلَى بصيرة، لأن منهجنا هو الحق، وأما غيرنا فهو عَلَى ضلال.\rوإذا قلنا: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي دون وقوف فهذا له معنى آخر، أي: أنا ومن اتبعني ندعو إِلَى الله عَلَى بصيرة لا عَلَى جهل. وكلا المعنيين لهما مدلول واضح وجيد.\r\rوإن كَانَ المعنى الثاني هو الأظهر، وهو المتبادر؛ لأن معناه: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي أي: إنني وأتباعي المؤمنون بالله ﷾ ندعو إِلَى الله عَلَى بصيرة، وغيرنا يدعو إِلَى الله؛ لكنه لا يدعو إِلَى الله عَلَى بصيرة، فإن أحبار اليهود ورهبان النَّصَارَى يدعون إِلَى الله -كما يظنون-، لكنهم لا يدعون إِلَى الله تَعَالَى عَلَى بصيرة، وإنما يدعون إِلَى الضلال والشرك بالله. وكم تبذل الكنيسة من الأموال ومن الجهود من أجل الدعوة إِلَى دينهم، عَلَى غير بصيرة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688912,"book_id":1659,"shamela_page_id":38,"part":null,"page_num":38,"sequence_num":38,"body":"قَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:\r[وقد بلغ الرَّسُول ﷺ البلاغ المبين، وأوضح الحجة للمستبصرين، وسلك سبيله خير القرون، ثُمَّ خلف من بعدهم خلف اتبعوا أهواءهم، وافترقوا، فأقام الله لهذه الأمة من يحفظ عليها أصول دينها، كما أخبر الصادق ﷺ بقوله: (لا تزال طائفةٌ من أمتي ظاهرين عَلَى الحق لا يضرهم من خذلهم) وممن قام بهذا الحق من علماء الْمُسْلِمِينَ: [الإمام أبو جعفر أحمد بن مُحَمَّد بن سلامة الأزدي الطّّحاويّ، تغمده الله برحمته، بعد المائتين، فإن مولده سنة (تسع وثلاثين ومائتين) ووفاته سنة (إحدى وعشرين وثلاثمائة) ] .\r\rفأخبر ﵀ عما كَانَ عليه السلف، ونقل عن الإمام أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، وصاحبيه: أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الحميري الأنصاري، ومُحَمَّد ابن الحسن الشيباني ﵃ ما كانوا يعتقدونه من أصول الدين ويدينون به رَبّ الْعَالَمِينَ] اهـ.\rالشرح:\rيقول المصنف: [وقد بلغ الرَّسُول ﷺ البلاغ المبين وأوضح الحجة] وهذا لا يشك فيه أحد ولو شك فيه أحد لكان كافراً مرتداً، وهذه القضية بديهة ومعلومة عند جميع الْمُسْلِمِينَ.\rلكن ما نجعله من لوازمها يخفى عَلَى كثير من الْمُسْلِمِينَ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688913,"book_id":1659,"shamela_page_id":39,"part":null,"page_num":39,"sequence_num":39,"body":"فإذا آمنا وأيقنا أن الرَّسُول ﷺ قد بلغ الدين كاملاً ولم ينقص منه أي شيء، فيترتب عَلَى ذلك أنه إذا وضع أحد قواعد نفهم بها بعض الآيات، أو جَاءَ بإضافات وأعمال جديدة لم يشرعها النبي ﷺ، وقَالَ: هذه من حقيقة الدين، فمعنى ذلك أن هذا الإِنسَان يقول بلسان حاله -إن لم يقل بلسان مقاله- أن ما جَاءَ به النبي ﷺ ناقص، وأنه لم يبلغ البلاغ، ولم يؤدّ الأمانة التي وكلت إليه وحاشاه ﷺ من ذلك، لكن هذه هي حقيقة قولهم.\rومن ذلك التأويل الذي سيذكره المصنف.\rبلاغ الرسول ﷺ يستلزم المنع من وضع قواعد وإضافات ليست مستمده منه\rفالذين وضعوا قواعد التأويل متفقون ومطبقون ومجمعون عَلَى أن هذا التأويل لم يعرفه النبي ﷺ ولا الصحابة، ويقولون: هذا من أصول الدين التي يجب أن نتمسك بها، ويردون بها كثيراً من النصوص، ويحرفون بها معاني كثير من الآيات لأنها قاعدة ضرورية!\rكيف تقولون إنه من أصول الدين مع قولكم: إن النبي ﷺ لم يذكره ولم يتعرض له ولم يأت به؟!\r\rفلازم كلامكم أنه ﷺ ما بلغ، وقد خان الأمانة والرسالة عياذاً بالله، وبذلك نفهم أهمية توثيق قضايا العقيدة التي خالفت فيها الفرق، وترتيبها وإرجاعها إِلَى القضايا المحكمة.\rولذلك قال الشيخ مُحَمَّد بن عبد الوهاب ﵀ في كشف الشبهات: \"إن العامي الموحد يغلب الألف من الْمُشْرِكِينَ أو من أصحاب البدع \".\rلأنه وإن كَانَ عامياً، وعلمه محدود، لكنه يرجع القضايا المشتبهة الشائكة التي يخوض فيها العلماء إِلَى قضايا واضحة وأصول وضوابط محكمة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688914,"book_id":1659,"shamela_page_id":40,"part":null,"page_num":40,"sequence_num":40,"body":"فنرد المتشابهات أو المشكلات إِلَى المحكم الواضح الجلي، فإن جَاءَ أحد وقَالَ: نؤول هذه، أو نترك هذه، فعندنا كلمة عامة محكمة وهي: ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له النبي ﷺ آمنا به، وهكذا ...\rفمن جاءنا وقَالَ: هذه زيادة نعمل بها، ولم يعملها بها الصحابة ﵃، ولم يأت فيها شيء عن النبي ﷺ، فالجواب عليه أنه: ما دام كذلك فهي ليست من الدين ولا أجر فيها ولا ثواب، بل فيها العقوبة والرد (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) .\rوهذا ينطبق عَلَى ما وضع من قواعد علم الكلام، والبدع العملية والفرعية، بل كل بدعة ابتدعت فهي داخلة فيما أحدث بعد النبي ﷺ، والافتراق لم يقع في عهد النبي ﷺ، ولم يكن هناك معتزلة أومرجئة.\rلكن كيف تفرقت الأمة؟ وكيف ظهرت هذه البدع؟\rورد الحديث بذكر ذلك، وإن كَانَ بعضهم يطعن فيه، لأنه ليس في الصحيحين، وإنما ورد في المسند، وعند ابن أبي عاصم، وفي السنن في روايات كثيرة: (إن هذه الأمة تفترق عَلَى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النَّار إلا واحدة) وبعضها تذكر (إن اليهود افترقت عَلَى إحدى وسبعين فرقة والنَّصَارَى افترقت عَلَى اثنين وسبعين فرقة، وهذه الأمة تفترق عَلَى ثلاث وسبعين فرقة) وبعضها لا يذكر زيادة (كلها في النَّار إلا واحدة) وبعض الروايات تذكر صفات الفرقة الناجية وأنها (ما أنا عليه اليوم وأصحابي) .\r\rالشاهد أن مجموع الروايات تدل عَلَى صحة الحديث، حتى إن بعضهم عده من الأحاديث المتواترة مع أنه ليس في أحد الصحيحين، لكن الافتراق في ذاته ثابت وواضح من أدلة قطعية غير هذه الألفاظ، وغير هذه الروايات التي وردت في الحديث.\r\rمن أسباب الاختلاف نسيان الحظ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688915,"book_id":1659,"shamela_page_id":41,"part":null,"page_num":41,"sequence_num":41,"body":"ونحن نعلم جميعاً أن اليهود والنَّصَارَى افترقوا إِلَى حد الاقتتال، وأنهم كما قال الله ﷾: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَر [البقرة:٢٥٣] فهم اختلفوا وتفرقوا بغياً بينهم فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء [المائدة:١٤] .\rوأخبرنا الله ﷾ أن اليهود والنَّصَارَى اختلفوا، وأخبرنا في هذه الآية من سورة المائدة أن سبب اختلاف النَّصَارَىأنهم نسوا حظاً مما ذكروا به.\rولو أخذنا هذه الآية فإنها تفسر لنا كثيراً جداً جداً من أسباب وقوع الخلاف بين الْمُسْلِمِينَ، كيف أنهم لما نسوا حظاً مما ذكروا به وقعت العداوة والبغضاء بينهم.\rونطبق هذه الجملة القرآنية عَلَى هذه الأمة، ونعرف أن هذه الأمة افترقت، بسبب \"نسيان الحظ\" وذلك بآيات وأحاديث الوعيد مثلاً:\r\rذكر الله ﵎ الوعيد فيمن قتل وزنى وسرق: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً [الفرقان:٦٨-٦٩] وجاء أن النبي ﷺ قَالَ: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ... إلخ) ، وجاء في الحديث الآخر: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688916,"book_id":1659,"shamela_page_id":42,"part":null,"page_num":42,"sequence_num":42,"body":"وهكذا نصوصٌ كثيرة في مقام الوعيد، فجاءت الخوارج فأخذت حظاً مما ذكروا به، حيث أخذوا بأحاديث الوعيد فقط، وَقَالُوا: إذاً من ارتكب كبيرة فهو كافر خارج من الملة، وتركوا الأحاديث والآيات التي تفسرها وأخذوا حظاً مما ذكروا به وتركوا الحظ الآخر، مع أنهم لو أخذوا هذا وهذا لفهموا ما أخبر به النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان دعواهما واحدة) ، فقد فُسِّر ذلك بأنه ما كَانَ من قتال في عهدعَلِيّ ومعاوية، وشهد لهم النبي ﷺ بالإيمان والإسلام مع وقوع القتال، وفي آية الحجرات يقول تعالى: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا [الحجرات:٩] فالقتال يقع بين المؤمنين ولا يخرجهم من الملة، نعم هو كبيرة وعليها وعيد شديد، ولكن لا يخرج من الملة.\rوأخذت المرجئة حظاً آخر مما ذكروا به، فأخذوا بآيات وأحاديث الوعد: (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة) ، فأخذوا بروايات مطلقة مع وجود روايات تقيدها وتفسر معناها وتدل عليها، منها تكفير تارك الصلاة مثلاً: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر) (بين العبد وبين الكفر أو الشرك ترك الصلاة) ، فتركوا جانب الوعيد كله، وأخذوا بجانب الوعد فقط.\rوفي موضوع الصفات: فإثبات صفات الله ﷿ جاءت في آيات كثيرة، والنبي ﷺ علمنا كيف نؤمن بصفات الله ﷿ وأنها عَلَى جانبين: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:١١] نفي وإثبات لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ هذا جانب نفي وتنزيه لله ﷾ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ هذا جانب إثبات لله ﷾.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688917,"book_id":1659,"shamela_page_id":43,"part":null,"page_num":43,"sequence_num":43,"body":"فجاءت المعطلة فأخذوا بجانب النفي والتنزيه فقط، وقالوا لا يسمع ولا يبصر، وليس له يد ولم يستو لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وإذا أثبتنا اليد والعين والنزول والرؤية، أصبح الإله من المخلوقات الممكنات، وأصبح له أعضاء والعياذ بالله، فقدموا أموراً لم ترد في كتاب الله ولا سنة رسوله، وقالوا نَحْنُ ننزه الله وننفي هذه كلها، ولو كانت في الكتاب والسنة، فإننا نأولها ونردها وننفيها حتى ننزه الله ﷾ عنها، فأخذوا حظاً مما ذكروا به لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١] هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً [مريم:٦٥] وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص:٤] ونفوا صفات الله ﷿ بمثل هذه الآيات.\rوبالمقابل جاءتالمشبهة ونسوا حظاً مما ذكروا به، وتركوا الآيات التي جاءت في تنزيه الله ﷾، وأثبتوا لله ﷾ الصفات كما يليق بالمخلوق -تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً- مشابهين في ذلك لليهودعندما قالوا: إن الله ﵎ -كما هو مذكور في التوراة- خلق السموات والأرض في ستة أيام واستراح في اليوم السابع والعياذ بالله!\r\rفجعلوا الله ﷾ يتعب ويلغب، كما يلغب ابن آدم إذا عمل عملاً ما، ولذلك نفى الله ﷾ ذلك فقَالَ: وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ [ق:٣٨] أي: لم يمسنا التعب ولا النصب ولا اللغب، وردّ عليهم، فجاء هَؤُلاءِ المشبهة، وأخذوا من اليهودالتشبيه وزادوا عليهم فَقَالُوا: له يد كيدنا، فجعلوا صفات الله ﷿ مثل صفات المخلوق.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688918,"book_id":1659,"shamela_page_id":44,"part":null,"page_num":44,"sequence_num":44,"body":"فإذا قال لهم أُولَئِكَ المعطلة: أنتم شبهتم، قالوا: أنتم عطلتم، لذا قال السلف الصالح: المعطل عابد عدم، والمشبه عابد صنم، فالمعطل عابد عدم لأنه يقول: إن الله تَعَالَى لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوقه ولا تحته، ولا يمينه ولا شماله، وليس له يد، وليس له عين، وليس له أي صفة من الصفات، ولا يسمع ولا يبصر.\rإذاً: فهذا معدوم غير موجود، فالمعطل عابد عدم، ولكن المشبه عابد صنم لأن الذي يقول يد الخالق كيد المخلوق، ووجهه كوجه المخلوق، وقدمه كقدم المخلوق، فإنما هو يعبد صنماً، لأن الأصنام نحتت لكي تعبد من دون الله، لكي يقَالَ: هذا هو الله تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.\rوالشاهد أن سبب الخلاف بينهما هو أن هذا أخذ حظاً مما ذكر به ونسي حظاً، وهذا أخذ حظاً مما ذكر به ونسي الحظ الآخر، فأغرى الله بينهما العداوة والبغضاء.\rفتجد في كتب المعطلة أنهم يكفرون المشبهة، وفي كتب المشبهة يكفرون المعطلة، وفي كتب المرجئة يكفرون الخوارج، وفي كتب الخوارج يكفرون المرجئة، أغرى الله ﷾ بينهم العداوة والبغضاء، وهذا من أعظم أسباب الاختلاف أن لا يؤخذ الكتاب كله ولا يتلقى العلم والدين كله من عند الله ورسوله ﷺ.\r\rوكذلك الشهوات وحب الدنيا\rومن أسباب الاختلاف: \"الشهوات وحب الدنيا\" فإن حب الدنيا يفسد النية والإرادة، وإذا فسدت الإرادة ودخل الدخن إِلَى القلب، فإن الأعمال تفسد، ويترتب عَلَى فساد الأعمال فساد في الاعتقاد، وأسباب ذلك تبدأ بسيطة لكنها فيما بعد تظهر وتبدو، حتى تكون منهجاً من المناهج.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688919,"book_id":1659,"shamela_page_id":45,"part":null,"page_num":45,"sequence_num":45,"body":"فحب الدنيا كَانَ من عوامل الإفساد بين الْمُسْلِمِينَ، ومن عوامل تفرق الْمُسْلِمِينَ وهلاكهم كما جَاءَ في الحديث الصحيح، لما جَاءَ أبو عبيدة من البحرين بالغنيمة أو الجزية إِلَى النبي ﷺ فقَالَ: (لعله بلغكم ما جَاءَ به أبو عبيدة من هجر) ومع ذلك قال لهم النبي ﷺ في آخر الحديث: (فو الله ما الفقر أخشى عليكم ولكني أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم) فالتنافس في الدنيا والتفرق فيها يؤدي إِلَى التفرق في الدين.\r\rولذلك لما قام بعض النَّاس يريد الخلافة وينازع فيها تفرقت الأمة الإسلامية، حتى أصبح لهم في عام (٧٢ أو ٧٣) أربعة أمراء للحج، حجت طائفة مع بني أمية تحت راية بني أمية في يوم عرفة، وحجت طائفة تحت راية المختار بن أبي عبيد، وحجت طائفة تحت راية عبد الله بن الزبير، وحجت طائفة للخوارج تحت راية نافع بن الأزرق، أربع رايات للحج في وقت واحد وفي يوم واحد يوم عرفة بعد حوالي \"٦٠ سنة\" من وفاة الرَّسُول ﷺ!\rوذلك لأجل الأهواء والشهوات وحب الدنيا والتنازع عَلَى الملك.\r\rكما قال أبو برزة في الحديث الذي رواه البُخَارِيّ، قَالَ: \"والله إني لأحتسب عند الله أني أصبحت ساخطاً عَلَى هذا الحي من قريش، إن هذا الذي في العراق إنما يقاتل عَلَى الدنيا، وإن هذا الذي هنا إنما يقاتل عَلَى الدنيا، وإن أُولَئِكَ -يعني القراء الخوارج - إنما يقاتلون عَلَى الدنيا \".\rفحب الدنيا كَانَ من أسباب تفرق الْمُسْلِمِينَ وتنازعهم واختلافهم.\r\rوكذلك دخول الحاقدين","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688920,"book_id":1659,"shamela_page_id":46,"part":null,"page_num":46,"sequence_num":46,"body":"ومن أسباب تنازع الْمُسْلِمِينَ واختلافهم: دخول الحاقدين، وهذا عامل خارجي، والعامل الخارجي لا يأتي إلا عقوبةً لخلل داخلي، كما أن الله ﷾ عاقب في يوم أحد: أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ [آل عمران:١٦٥] .\rفكانت العقوبة بسبب ما عند النفس من الذنوب كما جَاءَ في الآية الأخرى: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَة [آل عمران:١٥٢] فبسبب فساد الإرادة، أو بسبب الخلل الداخلي تأتي العقوبة الخارجية، وتسليط الأعداء، وإلا فقد قال ﵎: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً [آل عمران:١٢٠] ، فأعداؤنا يكيدون علينا ليل نهار دائماً، فإذا تحدثنا عن أي مصيبة أصابت الْمُسْلِمِينَ قلنا هو بسبب الأعداء، فالشيوعيون والصليبيون واليهود يخططون ويعملون ضدنا.. وهكذا وكأننا قوم مؤمنون صالحون متقون، ولكن هَؤُلاءِ آذونا وامتحنونا وفعلوا بنا!\rسُبْحانَ اللَّه!! لماذا لا ننظر إِلَى السبب الأعظم؟ وهو لماذا سلطهم الله ﵎ علينا؟\rلأنه لا تقوى ولا صبر لدينا، ولذلك سُلطوا علينا فضرنا كيدهم وأثر فينا، ولله في ذلك حكمة.\rفاليوم أكثر الْمُسْلِمِينَ يوالون الكفار مع هذه المخططات الواضحة الجلية، فبالله كيف يكون الحال لو أن كَانَ الكفار لا يخططون ضدنا؟\rإذاً لحييناهم ولقبلناهم وبششنا عَلَى وجوههم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688921,"book_id":1659,"shamela_page_id":47,"part":null,"page_num":47,"sequence_num":47,"body":"ولذلك شاء الله أن يكون مقتل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، وهو من أكبر الفجائع في التاريخ الإسلامي، عَلَى يد رجل مجوسي لنعتبر، وعندما جيء به ليحقق معه، شهد بعض الصحابة بأننفيلة النصراني والهرمزان، وهما من ملوك العجم جاءا وأظهرا الإسلام في المدينة، واتفقا مع أبي لؤلؤة المجوسي، ورآهم قبل ذلك بليال وهم يتحدثون، وسقط بينهم السيف الذي له نصلان، وهو الذي استخدم في قتل عمر الفاروق ﵁.\rفالنَّصَارَى والمجوس اتفقوا وبيتوا المؤامرة لمقتل عُمَرَ ﵁، واكتشف الْمُسْلِمُونَ هذه المؤامرة ليعرفوا أن لهم أعداءً، وأن العداوة هذه لن تخمد أبداً، وليحتاطوا من أمثال هَؤُلاءِ.\rواليهود وضعوا للنبي ﷺ السم في الشاة -كما جَاءَ في الحديث الصحيح- الشاة المسمومة التي أكل منها النبي ﷺ حتى قالت الذراع: إنها مسمومة، أنطقها الله لنبيه ﷺ.\rفهم ألد أعداء الإسلام كما قال الله ﵎: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا [المائدة: ٨٢] ولذلك جَاءَ اليهودي عبد الله بن سبأ وأثار الفتنة عَلَى عثمان ﵁، ليكمل الدور الذي قام به أبو لؤلؤة المجوسي عليه، ولما حرقعَلِيّ ﵁ هَؤُلاءِ الزنادقة وكانوا من طائفة عبد الله بن سبأ اليهودي، هرب عبد الله بن سبأ ولجأ إِلَى بلاد فارس، حيث بذر الفكر المجوسي، فالتقى الفكر المجوسي مع الفكر اليهودي، وبذروا الفكرة التي أصبحت تؤلّه علياً ﵁، لأن علياً ﵁ إنما حرقهم عندما قالوا: أنت أنت.\rقَالَ: من أنا؟\rقالوا: أنت الله.\rفقال ﵁:\rلما رأيت الأمر أمراً منكراً أججت ناري ودعوت قنبراً","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688922,"book_id":1659,"shamela_page_id":48,"part":null,"page_num":48,"sequence_num":48,"body":"قَالَ: أوقدوا لي نيراناً فأحرقوهم، فهرب عبد الله بن سبأ إِلَى بلاد فارس، وبذر هذه الفكرة في نفوس العجم، وأوجدت الدين السبئي الذي لا يزال قائماً حتى الآن.\rفمن أسباب تفرق الْمُسْلِمِينَ، وظهور هذه الفرق، هو المكر اليهودي والنصراني والمجوسي.\rوسنأتي أيضاً للتعرف عَلَى هذه الطائفة وغيرها عندما يأتي -إن شاء الله تعالى- الحديث عن الصحابة وما الذي يجب اعتقاده في حقهم رضوان الله عليهم؟\rفالمغرور والمخدوع من يظن أن هذه الطوائف الحاقدة التي أنشأها أعداء الإسلام، وبذروها في بلاد الْمُسْلِمِينَ، وفرقوا بها صف الْمُسْلِمِينَ-أنها يمكن أن تحب وتوالي الإسلام والْمُسْلِمِينَ، فإنها قامت عَلَى الحقد وبه تتغذى.\rوالفرق والطوائف المبتدعة المنحرفة تعتمد في تكونها وتركيبها وتجميع أفرادها عَلَى معادة أهل الحق -الطائفة الكبرى- فليس هناك قضية عقلية خاصة، أو بحث نظري مجرد يجمعها، أو هو الذي أعطاها منهجاً، وإنما الذي يجمعها هو العداوة لأهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ، أهل الحق، فيربون أنفسهم وأبناءهم وأجيالهم عَلَى الحقد عَلَى الطائفة الحق، لأهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ أو الطائفة المنصورة التي قال عنها النبي ﷺ: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين عَلَى الحق لا يضرهم من خذلهم) وفي الرواية الأخرى: (لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون عَلَى النَّاس) وفي رواية من حديث جابر في صحيح مسلم زيادة مهمة أو تفسير مهم وهي: (لن يبرح هذا الدين قائماً يقاتل عليه عصابة من الْمُسْلِمِينَ حتى قيام الساعة) ففيها زيادة أن هذه الطائفة تجاهد النَّاس من أجل إقامة هذا الدين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688923,"book_id":1659,"shamela_page_id":49,"part":null,"page_num":49,"sequence_num":49,"body":"وجهاد أهل البدع مشروع بالأحاديث المتواترة في قتال الخوارج، فهم من أهل البدع، والنبي ﷺ قال في الحديث الصحيح المتواتر كما قال بعض العلماء: (لو أدركتهم لقتلتهم قتل عاد) .\rومن هنا أخذ العلماء قاعدة عظمى وهي: \"مقاتلة أهل البدع\" وهي أن حكم أهل البدع؛ المقاتلة إذا تميزوا وأصبحوا طائفة، وأما إذا بقوا في المجتمع فإنه يجب علينا أن نكبتهم ونمنعهم من نشر بدعهم والدعوة إليها، ومع ذلك نعطيهم أحكام الإسلام الظاهرة عَلِيّ ﵁ -لما لجأوا إِلَى جنبات المسجد وَقَالُوا: لا حكم إلا لله، لا حكم إلا لله، فقال-: إن لكم علينا ألاّ نمنعكم البيت، ولا نمنعكم المساجد، يعني تصلون معنا وتأخذون حصتكم من الفيء من بيت مال الْمُسْلِمِينَ، إلاّ إذا أحدثوا حدثاً، أي: إذا عملوا عملاً يخل بأمر المجتمع المسلم والجماعة المسلمة، وأحكام أهل البدع طويلة ولعله يأتي بعضها إن شاء الله.\rوالطائفة المنصورة هي التي عَلَى مثل ما كَانَ عليه النبي ﷺ وأصحابه، كما فسرتها روايةالتِّرْمِذِيّ: (ما أنا عليه اليوم وأصحابي) ولما سئل الإمام أَحْمَد عن الطائفة المنصورة قَالَ: (إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم) وذلك أن لأهل الحديث مصطلحين:\rمصطلح علمي.\rومصطلح شرعي.\rفالاصطلاح العلمي المراد به هم الذين يشتغلون بدراسة الحديث، ونقد الرجال والمتون ومعرفتها وتخريجها، فهَؤُلاءِ يسمون علماء الحديث، كما تقول علماء النحو، وعلماء البلاغة، وعلماء اللغة، وعلماء التفسير، وليس هذا هو المعنى المراد من الإمام أَحْمَد، لأنه يوجد من المحدثين من هو عَلَى بدعة خاصة في القرون الأخيرة، ويوجد من المشتغلين بالرجال ودراسة الأسانيد من لا يمثل عقيدة أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ حق التمثيل.\rوالاصطلاح الشرعي: هم الذين يأخذون بالأحاديث ويعملون بها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688924,"book_id":1659,"shamela_page_id":50,"part":null,"page_num":50,"sequence_num":50,"body":"ولذلك أطلق السلف عَلَى الذين لا يأخذون بالحديث والأثر من طوائف أهل البدع: أهل الكلام وأهل الجدل، لأن بدعهم لا تقوم عَلَى دليل من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وإنما تقوم عَلَى الجدل وعلم الكلام، فبقيت الطائفة المنصورة أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ يأخذون بالأحاديث.\r\rولذلك يُسمون: أهل الأثر وأهل الحديث، أي: المتبعون لِمَا كَانَ عليهِ النبي ﷺ وأصحابه؛ فكلام الإمام أَحْمَد إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري منهم\" أي المتبع للأثر، حتى وإن كَانَ من أهل اللغة، فقدماء أهل اللغة عموماً النضر بن شميل والخليل بن أحمد وأبو عبيد القاسم بن سلام من علماء اللغة والحديث هَؤُلاءِ من أهل اللغة وهم من أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ أيضاً.\r\rفأهل الحديث المراد بهم أهل الأثر المتبعون لسنة النبي ﷺ، وعلى هذا نستطيع أن نفهم أن الطائفة المنصورة هي المتبعة لما كَانَ عليه النبي ﷺ وأصحابه، وهي الناجية الوحيدة، وهي التي قامت بإبلاغ ونقل ما ثبت عن النبي ﷺ.\rولذا يقول المصنف: [وممن قام بذلك الإمام أبو جعفر الطّّحاويّ] .\rفقد نقل عقيدة السلف، وبالذات عقيدة الإمام أبي حنيفة وتلميذيه، وهكذا كل من يأتي ويتكلم في عقيدة أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ إنما ينقل كلامهم ويشرحه ويوضحه، ولو جاءنا أحد بشيء من عنده لرددناه كما نرد عَلَى أهل البدع، فهذا هو الطريق المتبع وهذا هو طريق أهل الأثر.\r\rقَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688925,"book_id":1659,"shamela_page_id":51,"part":null,"page_num":51,"sequence_num":51,"body":"[وكلما بعد العهد ظهرت البدع، وكثر التحريف الذي سماه أهله تأويلاً ليقبل، وقلّ من يهتدي إِلَى الفرق بين التحريف والتأويل، إذ قد سُمِّى صرف الكلام عن ظاهره إِلَى معنى آخر يحتمله اللفظ في الجملة تأويلاً، وإن لم يكن ثَمَّ قرينة توجب ذلك، ومن هنا حصل الفساد، فإذا سموه تأويلاً قُبل وراج عَلَى من لا يهتدي إِلَى الفرق بينهما. فاحتاج المؤمنون بعد ذلك إِلَى إيضاح الأدلة، ودفع الشُبَه الواردة عليها، وكثر الكلام والشغب، وسبب ذلك إصغاؤهم إِلَى شُبه المبطلين، وخوضهم في الكلام المذموم الذي عابه السلف، ونهوا عن النظر فيه، والاشتغال به والإصغاء إليه، امتثالاً لأمر ربهم، حيث قال: وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِه [الأنعام:٦٨] فإن معنى الآية يشملهم. وكلٌ من التحريف والانحراف عَلَى مراتب: فقد يكون كفراً، وقد يكون فسقاً، وقد يكون معصية، وقد يكون خطأ.\r\rفالواجب اتباع المرسلين واتباع ما أنزله الله عليهم وقد ختمهم الله بمُحَمَّد ﷺ، فجعله آخر الأَنْبِيَاء وجعل كتابه مهيمناً عَلَى ما بين يديه، من كتب السماء، وأنزل عليه الكتاب، والحكمة، وجعل دعوته عامة لجميع الثقلين: الجن والأنس، باقية إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وانقطعت به حجة العباد عَلَى الله، وقد بين الله به كل شيء وأكمل له ولأمته الدين، خبراً وأمراً وجعل طاعته طاعة له، ومعصيته معصية له، وأقسم بنفسه أنهم لا يؤمنون حتى يحكموه فيما شجر بينهم، وأخبر أن المنافقين يريدون أن يتحاكموا إِلَى غيره، وأنهم إذا دعوا إِلَى الله والرَّسُول -وهو الدعاء إِلَى كتاب الله وسنة رسوله- صدوا صدوداً وأنهم يزعمون أنهم إنما أرادوا إحساناً وتوفيقا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688926,"book_id":1659,"shamela_page_id":52,"part":null,"page_num":52,"sequence_num":52,"body":"وكما يقول كثير من المتكلمة والمتفلسفة وغيرهم: إنما نريد أن نُحس الأشياء بحقيقتها، أي: ندركتها ونعرفها ونريد التوفيق بين الدلائل التي يسمونها العقليات -وهي في الحقيقية جهليات- وبين الدلائل النقلية المنقولة عن الرَّسُول أو نريد التوفيق بين الشريعة والفلسفة.\rوكما يقوله كثير من المبتدعة من المتنسكة والمتصوفة: إنما نريد الأعمال بالعمل الحسن، والتوفيق بين الشريعة وبين يما يدعونه من الباطل الذي يسمونه: حقائق وهي جهل وضلال وكما يقوله كثير من المتكلمة والمتأثرة: إنما نريد الإحسان بالسياسة الحسنة والتوفيق بينها وبين الشريعة ونحو ذلك.\r\rوكل من طلب أن يُحكم في شيء من أمر الدين غير ما جَاءَ به الرسول، ويظن أن ذلك حسن، وأن ذلك جمع بين ما جَاءَ به الرَّسُول وبين ما يخالفه، فله نصيب من ذلك، بل ما جَاءَ به الرَّسُول كافٍ كاملٌ يدخل فيه كل حق، وإنما وقع التقصير من كثير من المنتسبين إليه، فلم يعلموا ما جَاءَ به الرَّسُول في كثير من الأمور الكلامية الاعتقادية، ولا في كثير من الأحوال العبادية، ولا في كثير من الأمارة السياسية، أو نسبوا إِلَى شريعة الرَّسُول بظنهم وتقليدهم ما ليس منها وأخرجوا عنها كثيرا من ما هو منها.\r\rفبسبب جهل هَؤُلاءِ وظلالهم وتفريطهم وبسبب عدوان أُولَئِكَ وجهلهم ونفاقهم كثر النفاق ودرس كثير من علم الرسالة.\r\rبل البحث التام والنظر القوي والاجتهاد الكامل في ما جَاءَ به الرَّسُول ﷺ ليُعلم ويعتقد ويعمل به ظاهراً وباطناً، فيكون قد تُلي حق تلاوته، وأن لا يهمل منه شيء] اهـ.\rالشرح:\rكلما بعد العهد كثرت الانحرافات والتأويل الذي سماه أهله \"تأويلاً\" فإن من المعلوم أنه قد كثر التعطيل والتشبيه.\rالتأويل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688927,"book_id":1659,"shamela_page_id":53,"part":null,"page_num":53,"sequence_num":53,"body":"والتأويل هو أصل به هُدمت الشريعة، ويوضح ذلك: أن الذين ينفون صفات الله ﷿ كالمعطلة والباطنية والرافضة، وأمثالهم من الذين يضربون كتاب الله بعضه ببعض، هَؤُلاءِ هم قوم مجاهرون ومعادون لأهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ بوضوح، ويعادون الأمة الإسلامية وجماعة الْمُسْلِمِينَ، ويعادون الأصول الشرعية، فيردون الآية والحديث، وأمرهم واضح جلي، لكن المؤول أخطر وجنايته أكثر، لأنه يقول: أنا أؤمن بالآية والحديث، ويقول: أنا من أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وهكذا يدعي المؤولون: أنهم من أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ.\rوالتأويل هو صرف اللفظ عن المعنى الراجح إِلَى المعنى المرجوح قرينة،\rوالتأويلات كثيرة جداً، وبعضها مضحك، وبعضها يستدعي التعجب، فمثلاً بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة:٦٤] لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَي [ص:٧٥] هنا \"يدَي\"، وهناك \"يداه\"، فالمؤول يقول: نؤول اليد، مع أن ظاهر اليد صفة معروفة.\r\rفالذين يثبتون لله ﷿ هذه الصفة يقولون: اليد حقيقية تليق بالله ﷾، لا نعرف كيفيتها، فيقول المؤولة هذا الظاهر، ونحن مسلّمون بأنه ظاهر اللفظ وأنه تدل عليه الآية، لكن نصرف هذا الظاهر إِلَى وجه واحتمال مرجوح، وهو أن لفظة اليد معناها النعمة أو القدرة، لقرينة وهي: تنزيه الله ﷿، فالقواطع والبراهين العقلية دلت عَلَى أن الله ﷾ منزه عن الجارحة.\r\rفهناك قواعد عقلية وضعوها هم:\rمنها: أن الله ينزه عن الجارح، واليد جارحة، فتنفى عن الله ويصرف اللفظ من الاحتمال الراجح المتبادر الذي يعرفه كل من يقرؤه إِلَى احتمال مرجوح يقال فيها بوجود القرينة، وهي البرهان العقلي الذي قام عَلَى تنزيه الله تعالى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688928,"book_id":1659,"shamela_page_id":54,"part":null,"page_num":54,"sequence_num":54,"body":"وأولوا وحرفوا بتأويلات عجيبة، نذكر فقط بعض الامثلة، ففي الحديث الصحيح: (لا تزال النار تقول هل من مزيد حتى يضع الله تَعَالَى قدمه في النار) وروايات كثيرة في أن النَّار لا تمتلئ حتى يضع الجبار ﵎ فيها قدمه، وفي رواية: (رجله) كلها في صحيح البُخَارِيّ ومسلم، (يضع الله تعالى قدمه في النَّار فتقول: قط قط) وفي إحدى الروايات كلمة (الجبار) وفي روايات كثيرة: (يضع الله) (يضع الرحمن) فَقَالُوا: الجبار إما أنه أحد الملائكة اسمه \"الجبار\"، وإما أنه أحد الظلمة من أهل الأرض، فلا تمتلئ حتى يضع هذا الجبار الطاغوت قدمه أو رجله في النار، فتقول: قط قط قد امتلأت.\rوهذا تأويل أبي المعالي الجويني، وقد رجع عن ذلك، وتبعه عليهأبو حامد الغزالي، وهو موجود في كتابه المصقول في علم المعقول، وهم قالوا بذلك هروباً من أن يقولوا: هو الله ﷿.\r\rوالروايات الأخرى التي فيها (الله، الرحمن) قالوا: عندنا قرينة وهي: أن الله ينزه عن الأبعاض والجوارح، وهذا قد قامت عليه البراهين العقلية والأدلة القطعية من العقل، فتنفى.\r\rوحديث الحبر اليهودي، رواه الإمام أَحْمَد والبُخَارِيّ ومسلم وغيرهم، أنه جَاءَ إِلَى النبي وقَالَ: (أما علمت يا مُحَمَّد أن الله يَوْمَ القِيَامَةِ يضع السماوات عَلَى إصبع، والأرضين عَلَى إصبع، والثرى عَلَى إصبع، والشجر عَلَى إصبع، وبقية الخلائق عَلَى إصبع) وفي رواية الإمام أَحْمَد: (أنه يضع الأرض عَلَى ذه وأشار إِلَى السبابة) ثُمَّ استمر في بقية الأصابع.\rوفي الحديث: (فضحك النبي ﷺ تصديقاً لقوله) هكذا نص الحديث \"على إصبع\" فضحك النبي ﷺ تصديقاً لقوله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688929,"book_id":1659,"shamela_page_id":55,"part":null,"page_num":55,"sequence_num":55,"body":"ومثله الآية: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزمر:٦٧] ، فالنبي ﷺ ضحك تصديقاً لقوله، وأن هذا حق، لكن كيفية الصفة غير معلومة لنا، فله من الصفات ما يليق به كما أن للمخلوق ما يليق به.\rوأما المؤولة فقالوا هذا الحديث يؤول، وذلك كابن فورك، فإنه قَالَ: إن النبي ﷺ ضحك تعجباً من تشبيه هذا الكافر اليهودي.\rفيقال هل ضحك النبي ﷺ تعجباً من كفره؟!!\r\rتأويلات غريبة ليس عليها أي دليل، إلا أنه كما قالوا: قامت القواطع والبراهين العقلية عَلَى أن هناك قرينة تمنعنا من أن نقول بظاهر هذا اللفظ.\r\rومن الأدلة عَلَى بطلان التأويل، ما قاله: أبو المعالي الجويني نفسه -شيخ الغزالي - في آخر عمره لما رجع عن الأشعرية، وقد كَانَ إمامهم، وألف كتاباً سماه الرسالة النظامية \"إني اطلعت فرأيت السلف مطبقين عَلَى عدم التأويل مع كثرة اهتمامهم بفروع الشريعة، فلما رأيتهم قد نقلوا إلينا الشريعة كاملة، وأنهم أكثر منا اهتماماً بأصول الشريعة وفروعها، ورأيتهم مطبقين عَلَى عدم التأويل، علمت أن التأويل غير حق، فتركت التأويل \".\rخطر التأويل\rينبغي أن نعرف خطر التأويل، فإنه أخطر من قضية الأسماء والصفات، وإن كانت الأسماء والصفات تتعلق بالله ﷿ وتوحيده، وهي ركن عظيم من ديننا، لكن القول بالتأويل، نقض للدين كله أصوله وفروعه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688930,"book_id":1659,"shamela_page_id":56,"part":null,"page_num":56,"sequence_num":56,"body":"فاالروافض والباطنية قيامهم وتعلقهم وتطاولهم إنما هو بسبب انتشار التأويل بين الْمُسْلِمِينَ، تقول الرافضة: إن الله أمرهم أن يذبحوا عَائِِِشَةَ بنت أبي بكر، ولكنهم عصوه وأمّروها عليهم، وأركبوها جملاً، وذهبوا بها لتحارب أمير المؤمنين على بن أبي طالب ﵁ في معركة الجمل.\rوالدليل عَلَى ذلك إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً [البقرة:٦٧] فهل يُعقل أن الله تَعَالَى وهو العظيم الجليل يأمر في القُرْآن بذبح بقرة من التي تمشي في الأرض؟ لا. وإنما المسألة أعظم من ذلك.\rقال أهل السنة: هذه ليست في أم المؤمنين، وإنما هي في اليهود من بني إسرائيل، لأن موسى قال لقومه: إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة.\rوقالت الباطنية للمسلمين: لماذا تصلون وتصومون وتحجون؟\rقالوا: هذا ديننا، وهي من أركان الإسلام.\rفقالوا: هذه نؤولها عن ظاهرها، فالصلوات الخمس: عَلِيّ وفاطمة والحسن والحسين والإمام المنتظر، وتأويلنا هذا ليس بناءً عَلَى قرينة عقلية، بل بناءً عَلَى خبر يقين.\rوَقَالُوا: الإمام الغائب الذي في السرداب، وهو الإمام المعصوم هو المصدر العلمي اليقيني عندنا، وينقله إلينا الباب، فالباب ينقل كلام الإمام الغائب الذي في السرداب إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، فنحن نتكلم بيقين، لأن هذا الإمام المعصوم ينقل لنا الكلام عن طريق الباب، والباب يعطي الحجاب، والحجاب أو نواب الأمير ينقلون إلينا هذه المعاني، فعرفنا أن الصلوات الخمس هي هذه الأسماء الخمسة.\rوالصوم هو: أن يحفظ أسرار الطائفة، والحج: أن تقصد الأئمة وتتلقى عنهم وحدهم، فما هناك طواف بالكعبة، ولا هناك حجر.\rوكذلك الفلاسفة أولّوا كما أولّ الرافضة والباطنية، فقالت الفلاسفة: إن البعث لا حقيقة له.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688931,"book_id":1659,"shamela_page_id":57,"part":null,"page_num":57,"sequence_num":57,"body":"فقيل لهم: إن الله ﷾ أخبر بالبعث في كتابه، والأحاديث الصحيحة ذكرت البعث ووضحته، وأن الله ﷾ يحشر النَّاس يَوْمَ القِيَامَةِ حفاة عراة غرلا، وتدنوا منهم الشمس فيكلمهم ليس بينهم وبينه ترجمان.\rفقالوا: هذا البعث حشرٌ روحاني للأرواح فقط، ولا تعاد إِلَى البدن، لأن العقل يدل عَلَى أن هذا محال، وأن هذه الجثة بعد أن دخلت الأرض وصارت هباءً لا تعود حية.\rونعيم الجنة نعيم روحاني فقط، وهذا الكلام يكفرهم به المؤولة وغير المؤولة، فالْمُسْلِمُونَ جميعاً يكفرون من يقول بهذا الكلام حتى المؤولة يكفرونهم.\rلكن يرد الفلاسفة عَلَى المؤولة فيقلون: أنتم أوّلتم اليد والاستواء ونحن نؤول البعث أيضاً.\rقال المؤولة نحن أولّنا بقرينة.\rقال الفلاسفة: ونحن عندنا قرائن عقلية مثل ما عندكم قرينة عقلية، فالقواطع والبراهين العقلية تدل عَلَى أن الله ﷾ لا يتصف بهذه الصفات، وهو منزه عنها.\rهذه جناية التأويل وخطره عَلَى عقيدتنا، فلو فتحنا هذا الباب فمن يسده؟ وإذا أوّلنا وأوّلت جميع الطوائف فماذا بقي من القُرْآن والدين؟\rفهذا التأويل قبل وراج لما سمي تأويلاً، وإلا فهو تحريف، فالله تَعَالَى يقول: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:٥] ويقول المؤولة: الرحمن عَلَى العرش استولى زيادة تأويل، لكنه يحول ويغير المعنى، وإن كانوا لم يغيروا الآية، فهم لم يزيدوا في الآية إلا \"لام\" لكن إذا تركوها بهذا المعنى لم يبق من حقيقة الآية إلا ما هو مكتوب في المصحف فقط، أما ما تفهم به فهو المعنى الذي وضعوه، وهو بزيادة اللام.\r\rسبب التأليف في العقائد\rيقول المُصْنِّف ﵀: [من أجل ذلك احتاج المؤمنون إِلَى دفع الشبه] أي: من أجل انتشار التأويل وأمثاله، احتاج المؤمنون إِلَى التأليف في العقيدة، ليردوا عَلَى هذه العقائد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688932,"book_id":1659,"shamela_page_id":58,"part":null,"page_num":58,"sequence_num":58,"body":"والأصل هو كتاب الله ﷿ والسنة، وهذا ما كَانَ عليه الرَّسُول ﷺ وأصحابه، فاضطرنا هَؤُلاءِ أن نسلك هذه الطريقة وذلك لما كثرت البدع والتأويلات والانحرافات، فبدأنا نضطر أن نقاوم هذه البدع، ونبينها ونكشفها، لا نكتفي ببيان الحق، وإنما نبين ما يضاده من الباطل.\rثُمَّ يقول: [وكلٌ من التحريف والانحراف عَلَى مراتب: فقد يكون كفراً، وقد يكون فسقاً، وقد يكون معصية، وقد يكون خطأ ... ] .\r\rهذه قاعدة مهمة، وهذا من إنصاف المُصْنِّف وعدله رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فقد قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [المائدة:٨] .\rمراتب التأويل\rللتأويل ثلاث مراتب: قد يكون التأويل كفراً، مثل التأويلات الباطنية، وتأويلات الفلاسفة، وبعض التأويلات الكفرية، وبعض تأويلات الرافضة، كمن يؤول الصلوات الخمس بأنها الأئمة الخمسة، ويؤول الصوم بأنه حفظ الأسرار إِلَى غير ذلك، هذا التأويل كفر يخرج من الملة.\rوقد يكون معصية يخرج صاحبه إِلَى البدعة، يُحكم عَلَى صاحبه أنه مبتدع ومُنحلٌ، وذلك مثل التأويلات التي ذكرناها -تأويل صفات الله ﷿ مع نية تنزيهه.\rوقد يكون خطأً، فبعض النَّاس لا يتعمد التأويل، وهذا موجود حتى في بعض كتب التفسير لـ أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ.، وكتب الحديث لـ أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ، عندما يؤول بعض الصفات خطأ، فهذا لا يخرجه من أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ.\r\rفبعض علماء الْمُسْلِمِينَ المعتبرين قد يخطأ ويؤول بعض الصفات، فهذا خطؤه مغفورٌ له إن شاء الله، فقد يخطأ بعض الأئمة في فهم بعض الأحاديث في الصفات مع سلامة المنهج.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688933,"book_id":1659,"shamela_page_id":59,"part":null,"page_num":59,"sequence_num":59,"body":"وأما من كَانَ منهجه وأصوله بدعية، فهذا من أهل البدع المتوعدين بعقوبة الله، إلاّ أن يتوب أو يغفر الله ﵎ له، ولا نقطع له بجنة ولا نار.\rوالتأويل المكفر، الذي ذكرنا إنما عد كفراً لأنه مضادة للقرآن، وتعمد في تحريفه كما تعمدت اليهود، لما قال الله تَبَارَكَ وَتَعَالَىوَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ [البقرة:٥٨] فقالت اليهود: \"حنطة\".\r\rقال بعض العلماء: النون التي زادها اليهودفي \"حطة\" وجعلوها \"حنطة\" مثل: اللام التي زادها المؤولة، فقالوا في استوى: \"استولى\" هذا وجه الشبه بينهم، فالذي يزيد بنية المضادة أو الاستهزاء أو المحادة، فهذا يصبح من التأويل المكفر، أما الذي زاد لاعتماد أصول بدعية، فهو يدخل في باب التأويل المذموم المبتدع المتوعد عليه، وأما الذي أصوله صحيحة، لكن يقع منه خطأً كما يقع من سائر العلماء في سائر النصوص والأحاديث، فهذا يسمى خطأ، وهذا نرجو ألاّ يؤاخذ عليه عند الله تعالى، أما في الدنيا فنبين له؛ لأن الله تعهدنا بأن نبين الحق، وليس كلام أحد حجة وصواب إلا كلام مُحَمَّد ﷺ، وأما من عداه فإن كلامه يُبيّن وخطأه يوضح، دون أن ننتقص من قدره، ولا نخرجه من دائرة أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ.\r\rتاريخ ظهور البدع","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688934,"book_id":1659,"shamela_page_id":60,"part":null,"page_num":60,"sequence_num":60,"body":"وهذه الفرق انشقت عن الجماعة، وخالفت قول الله ﵎: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِه [الأنعام:١٥٣] فاتخذت دينها شيعاً، وتفرقت عن الدين، وأقدم هذه الفرق على ما يظهر لي هي الخوارج، لأن فكرة الخوارج بدأت في عهد النبي ﷺ حين (كان النبي يقسم غنائم حنين، فكان يعطي المؤلفة قلوبهم، ويترك بعض المهاجرين والأنصار، حتى وجد بعض الأنصار في أنفسهم) ، فكان بعض الأعراب يذهب بالألف أو الألفين من الغنم والإبل، فخرج منهم رجل له كساء، غائر العينين، شعث الشعر -كما في الحديث- (فقَالَ: اعدل يا محمد! إنها لقسمةٌ ما أريد بها وجه الله -والعياذ بالله- فَقَالَ النبي ﷺ: ويلك فمن يعدل إذا لم أعدل؟) فهو الذي شرع شريعة العدل ﷺ، وعلمنا إياها من عند ربه ﷿، ولكن هذا من ضيق لبه وجهله وقلة علمه، وعدم مراعاته للمقاصد والأحكام التي يراعيها الشارع في أحكامه فقد رأى أن هذه القسمة ليست عادلة، فاعترض عَلَى رَسُول الله ﷺ.\rفقال النبي ﷺ: (يرحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر) لما اتهمه قومه بأنه آدر، فما زالوا يتهمونه حتى برأه الله ﷾ وكذب قولهم، وغير ذلك مما أوذي به موسى ﵇.\rفقال النبي ﷺ: (يرحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر) ، ثُمَّ قَالَ: (يخرج من صلب هذا أقوام تحقرون صلاتكم إِلَى صلاتهم، وقراءتكم إِلَى قراءتهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688935,"book_id":1659,"shamela_page_id":61,"part":null,"page_num":61,"sequence_num":61,"body":"وثبت قوله في أحاديث كثيرة في قتال الخوارج (لئن أدركتهم لأقتلنهم) فأول فرقة مستقلة لها غاية، وتجمع كانت هي الخوارج. ومن مبادئهم التكفير بالذنب، وهم أصحاب الوعيد، حيث يأخذون الوعيد ويتركون الوعد، فيكفرون الزاني وشارب الخمر والسارق ونحو ذلك.\rويجاب عن ذلك أن الله قد جعل للمرتد عقوبة القتل، وللزاني الرجم، فإن كَانَ بكراً فعقوبته الجلد، وللسارق عقوبة القطع، فلو كَانَ الجميع يكفرون لكان الحد واحداً وهو القتل، والردود عليهم كثيرة.\rوخرج هَؤُلاءِ في عهد عَلِيّ ﵁ لما حكّم الحكمين، فَقَالُوا: لا حكم إلاّ لله، حكمت الرجال في دين الله؟ فخرجوا وأمّروا عليهم عبد الله بن وهب الواحدي وقيل غيره، لكن هذا الذي اشتهرت إمرته، ورفضوا بيعة عَلِيّ ﵁، وَقَالُوا: لا نبايع إلاّ مثل عُمَر، وإلاّ فلن نبايع، فبايعوا عبد الله بن وهب، وهو أعرابي جلف ليس له صحبة، ولا شهد له الله بخير كما يقول ابن حزم.\rوظهرت الشيعة بمبدأ التعطيل، كفكرة أولى هي موجودة في أمثال عبد الله بن سبأ اليهودي الذي أسس دينالشيعة منذ أن أثار الفتنة عَلَى عثمان ﵁، فبداية الفرقة موجودة، لكن ظهرت كفرقة واضحة عندما خرج الخوارج وكفّروا علياً ﵁.\r\rأقسام الشيعة\rالشيعة ثلاثة أقسام:\r\" الغالية، المؤلهة \" الذين غلوا في عَلِيّ ﵁، وَقَالُوا: أنت أنت.\rقَالَ: من أنا؟\rقالوا: أنت الله، وسجدوا له -والعياذ بالله-.\rوهَؤُلاءِ أمر عَلِيّ ﵁ بإحراقهم، وهرب عبد الله بن سبأ إِلَى بلاد العجم، وهناك بدأ الدين السبئي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688936,"book_id":1659,"shamela_page_id":62,"part":null,"page_num":62,"sequence_num":62,"body":"الفرقة الثانية: \"السبّابة\": الذي يسبون ويشتمون الشيخين، فهم لم يخرجوا من الإسلام ولم يؤلهوا علياً، ولكنهم سبوا الشيخين ﵄، وقد قال بعض الأئمة: إن سب الشيخين كفر لأن هذين كما قال علي بن الحسين زين العابدين الذي رفضته الرافضة قَالَ: كيف أسبهم وهما وزيرا جدي؟\rفالذي يسب وزيري النبي ﷺ فقد سب النبي، والذي يقول: إن أبا بكر عدو للإسلام فهو متهم لرَسُول الله، ومتهم للأمة كلها.\r\rكيف يكون هذا الرجل منافقاً عدواً للإسلام ويوليه الرَّسُول ﷺ الصلاة إشارة إِلَى تولية الإمامة العظمى؟\rوكان هو وعُمَر أفضل الصحابة؟\rفإذا كَانَ هذان كذابين -كما يقول هَؤُلاءِ المغترون- فالدين كله كذب، وما نقلت لنا السنة والشريعة إلاّ عن طريق الصحابة ﵃، وعلى رأسهم أبُو بَكْرٍ وعُمَر.\rوأما الفرقة الثالثة: وهي: \"المفضلة\": فهَؤُلاءِ هم الزيدية الذين وافقوا علي بن الحسين، فَقَالُوا: لا نشتم الشيخين، ولكنهم يفضلون علياً عليهما، ويقولون: إن إمامة المفضول جائزة مع وجود الأفضل.\rفعَلِيّ P> الأفضل، ولكن إمامة أبِي بَكْرٍ وعُمَر جائزة، وهذا الذي أنكره عليهم علماء السلف، وهو من البدع، ويكفينا في بدعيته أنه صح عن عَلِيّ ﵁ أنه قَالَ: \"ما جاؤني بأحد يفضلني عَلَى أبِي بَكْرٍ وعُمَر إلا جلدته حد الفرية ثمانين جلدة، وقال عَلِيّ ﵁، كما في البُخَارِيّ: \"والله ما من رجل وددت أن ألقى الله بعمله إلا هذا \" وكان يشير إِلَى \"عُمَر وهو في سكرات الموت\" وهذا الأثر معروف ومشهور ومتواتر بين الصحابة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688937,"book_id":1659,"shamela_page_id":63,"part":null,"page_num":63,"sequence_num":63,"body":"ولما اشتهر الخوارج وكفروا صاحب الذنب، كشارب الخمر والزاني والسارق، خرجت منهم فرقة تقول: لا نكفر أحداً يقول لا إله إلا الله، وكانوا مع الخوارج وجلسوا معهم فترة، فرجعوا إِلَى غلو آخر شديد وَقَالُوا: لا نكفر أحداً أبداً ما دام يقول لا إله إلا الله، حتى وإن سب الله ورسوله، وأنكر القرآن، فجنحوا إِلَى الطرف الآخر، وهَؤُلاءِ هم \"المرجئة \"، وظهروا في أواخر العهد الخامس.\rثُمَّ ظهرت القدرية، وكان ظهورها في العراق أيضاً، في عهد الصحابة بتأثير النَّصَارَى الذين كانوا في الشام، وكان لهم كلام في القدر والخوض فيه، فنقلوه إِلَى الْمُسْلِمِينَ، وقال به معبد الجهني، وقد ثبت في صحيح مسلم في حديث جبريل الطويل المشهور المعروف: (أنه أتى النبي ﷺ وأسند ركبتيه إِلَى ركبتيه، ووضع يديه على فخذيه، وقَالَ: يا مُحَمَّد أخبرني عن الإسلام؟ ... ) ، رواه عبد الله بن عمر عن أبيه عُمَر حيث جَاءَ بعض التابعين إِلَى عبد الله بن عمر وسأله فقَالَ: إن هناك أقواماً في العراق ينكرون القدر، فَقَالَ لهم: حدثني أبي، فذكر حديث جبريل الذي يدل عَلَى أن الإيمان بالقدر هو أحد أركان الإيمان الستة.\rفالخوارج والشيعة والمرجئة والقدرية هذه الفرق جميعاً ظهرت في عهد الصحابة ﵁ ُرَضِيَ اللهُ عَنْهُم، وهذه الفرق الأربع هي أصول الفرق التي تشعبت منها فرق صغيرة، وظهرت المعتزلة في أوائل المائة في عهد الحسن البصري، فاعتزلوا مجلسه، وهم في الحقيقة امتداد لفكر الخوارج، لكنهم لا يقولون: إن مرتكب الكبيرة يخرج من الملة، وإنما قالوا: يخرج من الإسلام ولا يدخل الكفر، فهو في منزلة بين المنزلتين، فَقَالُوا: يخرجونه من الإسلام لأن الآيات والأحاديث التي في المؤمنين لا تنطبق عليه، ولا يدخلونه في الكفر لأن الآيات والأحاديث التي في الكافرين لا تنطبق عليه، فجعلوه في منزلة بين المنزلتين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688938,"book_id":1659,"shamela_page_id":64,"part":null,"page_num":64,"sequence_num":64,"body":"ثُمَّ ظهر الجعد بن درهم، فضحى به خالد بن عبد الله القسري بعد المائة والعشرين، وقَالَ: أيها النَّاس ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضحٍ بالجعد بن درهم، فإنه أنكر أن الله كلم موسى تكليماً، ثُمَّ نزل من المنبر وذبح الجعد بن درهم.\rثُمَّ تلميذه الجهم بن صفوان، وخرج مع الحارث بن سريج عَلَى بني أمية سنة ١٢٨هـ، وكان كاتباً له فنشر فكر المرجئة، والجهم كَانَ ينفي جميع الصفات عن الله، وكان في نفس الوقت مرجئاً، يقول: إن الإيمان هو المعرفة القلبية فقط، فمن عرف الله بقلبه فهو مؤمن -عند جهم -، ولهذا فالمرجئة غلو في هذا الباب، لأن إبليس يعرف الله بقلبه، بل بلسانه قَالَ: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [ص:٨٢] وكان الجهم كثير الجدل بلا علم، لم يتفقه، ويخالط العلماء، ويقرأ كتب العلم، ويحفظ من كتاب الله وسنة رسوله، وإنما كَانَ يجادل فقط، فجاءه قوم من الهنود من عباد الأبقار، فَقَالُوا: جئنا نناظرك، فقالوا له: صف لنا ربك؟ هل رأيته؟ هل لمسته؟ هل شممته؟\rفبقي أربعين يوماً يفكر، كيف يرد عَلَى هَؤُلاءِ؟\rفقَالَ: هو كالهواء، ليس له أي صفة، لا يرى ولا يشم، ونتج عن ذلك نفي صفات الله ﷿.\rثُمَّ تلقى عن الجهم بشر المرّيسي، وهو يهودي في الأصل، لم يلق الجهم، ولكن لقي تلاميذ تلامذته، وتعلم مذهب الجهم\rثُمَّ تلقى عنه عبد الله بن سعيد بن كلاّب، وهو المؤسس الحقيقي للمذهب المسمى مذهب الأشعرية، ولذلك هجره الإمام أَحْمَد رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، لأنه وافق مقالة بشر وجهم، لكن ابن كلاب لم ينف جميع الصفات، كما قال جهم بأن الكلام كلام نفسي، ولكن أثبت ما يثبته العقل، ونفى ما ينفيه العقل، وحكّم العقل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688939,"book_id":1659,"shamela_page_id":65,"part":null,"page_num":65,"sequence_num":65,"body":"وهذا الذي قالته الأشعرية والماتريدية، فَقَالُوا: ما قامت القواطع العقلية عَلَى إثباته فإننا نثبته، وهي: الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والإرادة والكلام -الكلام النفسي- فهذه يدل العقل عَلَى إثباتها.\rوأما الأخرى فالعقل يحكم باستحالتها في حق الله تعالى، فلا نثبتها لله تعالى، وأصل هذا العقل هو عقل الجهم لما اختلى أربعين يوماً.\rوالقدرية تشعبت، فكان منها القدرية الغلاة الذين ينكرون العلم، ومن أنكر علم الله للأشياء قبل وقوعها فقد كفر، وهَؤُلاءِ أكفر القدرية فإنهم قالوا: لو كَانَ الله يعلم أنه يفعل المعصية، إذاً هو قدّر عليه المعصية، فكيف يجازيه عليها؟ وهكذا سوّل لهم الشيطان.\rوالله ﷾ أخبرنا أن هذه الحجة قديمة، قال تعالى: سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا [الأنعام:١٤٨] ويقول الله ﷿ في سورة النحل: كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ [النحل:٣٥،٣٦] وقال في الأنعام: قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ [الأنعام:١٤٩] ثُمَّ قَالَ: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ [الأنعام:١٥١] فالله تَعَالَى ذكر هذه الشبهة وردّ عليها بأنه لو كَانَ يلزم من ذلك أنه أراد الشرك -يعني قضاه وقدره- لما أرسل الأنبياء، ولما أقام الحجة البالغة.\rقَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688940,"book_id":1659,"shamela_page_id":66,"part":null,"page_num":66,"sequence_num":66,"body":"[وقد بلغ الرَّسُول ﷺ البلاغ المبين، وأوضح الحجة للمستبصرين، وسلك سبيله خير القرون، ثُمَّ خلف من بعدهم خلف اتبعوا أهواءهم، وافترقوا، فأقام الله لهذه الأمة من يحفظ عليها أصول دينها، كما أخبر الصادق ﷺ بقوله: (لا تزال طائفةٌ من أمتي ظاهرين عَلَى الحق لا يضرهم من خذلهم) وممن قام بهذا الحق من علماء الْمُسْلِمِينَ: [الإمام أبو جعفر أحمد بن مُحَمَّد بن سلامة الأزدي الطّّحاويّ، تغمده الله برحمته، بعد المائتين، فإن مولده سنة (تسع وثلاثين ومائتين) ووفاته سنة (إحدى وعشرين وثلاثمائة) ] .\rفأخبر ﵀ عما كَانَ عليه السلف، ونقل عن الإمام أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، وصاحبيه: أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الحميري الأنصاري، ومُحَمَّد ابن الحسن الشيباني ﵃ ما كانوا يعتقدونه من أصول الدين ويدينون به رَبّ الْعَالَمِينَ] اهـ.\rالشرح:\rيقول المصنف: [وقد بلغ الرَّسُول ﷺ البلاغ المبين وأوضح الحجة] وهذا لا يشك فيه أحد ولو شك فيه أحد لكان كافراً مرتداً، وهذه القضية بديهة ومعلومة عند جميع الْمُسْلِمِينَ.\rلكن ما نجعله من لوازمها يخفى عَلَى كثير من الْمُسْلِمِينَ.\rفإذا آمنا وأيقنا أن الرَّسُول ﷺ قد بلغ الدين كاملاً ولم ينقص منه أي شيء، فيترتب عَلَى ذلك أنه إذا وضع أحد قواعد نفهم بها بعض الآيات، أو جَاءَ بإضافات وأعمال جديدة لم يشرعها النبي ﷺ، وقَالَ: هذه من حقيقة الدين، فمعنى ذلك أن هذا الإِنسَان يقول بلسان حاله -إن لم يقل بلسان مقاله- أن ما جَاءَ به النبي ﷺ ناقص، وأنه لم يبلغ البلاغ، ولم يؤدّ الأمانة التي وكلت إليه وحاشاه ﷺ من ذلك، لكن هذه هي حقيقة قولهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688941,"book_id":1659,"shamela_page_id":67,"part":null,"page_num":67,"sequence_num":67,"body":"ومن ذلك التأويل الذي سيذكره المصنف.\rبلاغ الرسول ﷺ يستلزم المنع من وضع قواعد وإضافات ليست مستمده منه\rفالذين وضعوا قواعد التأويل متفقون ومطبقون ومجمعون عَلَى أن هذا التأويل لم يعرفه النبي ﷺ ولا الصحابة، ويقولون: هذا من أصول الدين التي يجب أن نتمسك بها، ويردون بها كثيراً من النصوص، ويحرفون بها معاني كثير من الآيات لأنها قاعدة ضرورية!\rكيف تقولون إنه من أصول الدين مع قولكم: إن النبي ﷺ لم يذكره ولم يتعرض له ولم يأت به؟!\rفلازم كلامكم أنه ﷺ ما بلغ، وقد خان الأمانة والرسالة عياذاً بالله، وبذلك نفهم أهمية توثيق قضايا العقيدة التي خالفت فيها الفرق، وترتيبها وإرجاعها إِلَى القضايا المحكمة.\rولذلك قال الشيخ مُحَمَّد بن عبد الوهاب ﵀ في كشف الشبهات: \"إن العامي الموحد يغلب الألف من الْمُشْرِكِينَ أو من أصحاب البدع \".\rلأنه وإن كَانَ عامياً، وعلمه محدود، لكنه يرجع القضايا المشتبهة الشائكة التي يخوض فيها العلماء إِلَى قضايا واضحة وأصول وضوابط محكمة.\rفنرد المتشابهات أو المشكلات إِلَى المحكم الواضح الجلي، فإن جَاءَ أحد وقَالَ: نؤول هذه، أو نترك هذه، فعندنا كلمة عامة محكمة وهي: ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له النبي ﷺ آمنا به، وهكذا ...\rفمن جاءنا وقَالَ: هذه زيادة نعمل بها، ولم يعملها بها الصحابة ﵃، ولم يأت فيها شيء عن النبي ﷺ، فالجواب عليه أنه: ما دام كذلك فهي ليست من الدين ولا أجر فيها ولا ثواب، بل فيها العقوبة والرد (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688942,"book_id":1659,"shamela_page_id":68,"part":null,"page_num":68,"sequence_num":68,"body":"وهذا ينطبق عَلَى ما وضع من قواعد علم الكلام، والبدع العملية والفرعية، بل كل بدعة ابتدعت فهي داخلة فيما أحدث بعد النبي ﷺ، والافتراق لم يقع في عهد النبي ﷺ، ولم يكن هناك معتزلة أومرجئة.\rلكن كيف تفرقت الأمة؟ وكيف ظهرت هذه البدع؟\rورد الحديث بذكر ذلك، وإن كَانَ بعضهم يطعن فيه، لأنه ليس في الصحيحين، وإنما ورد في المسند، وعند ابن أبي عاصم، وفي السنن في روايات كثيرة: (إن هذه الأمة تفترق عَلَى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النَّار إلا واحدة) وبعضها تذكر (إن اليهود افترقت عَلَى إحدى وسبعين فرقة والنَّصَارَى افترقت عَلَى اثنين وسبعين فرقة، وهذه الأمة تفترق عَلَى ثلاث وسبعين فرقة) وبعضها لا يذكر زيادة (كلها في النَّار إلا واحدة) وبعض الروايات تذكر صفات الفرقة الناجية وأنها (ما أنا عليه اليوم وأصحابي) .\rالشاهد أن مجموع الروايات تدل عَلَى صحة الحديث، حتى إن بعضهم عده من الأحاديث المتواترة مع أنه ليس في أحد الصحيحين، لكن الافتراق في ذاته ثابت وواضح من أدلة قطعية غير هذه الألفاظ، وغير هذه الروايات التي وردت في الحديث.\r\rمن أسباب الاختلاف نسيان الحظ\rونحن نعلم جميعاً أن اليهود والنَّصَارَى افترقوا إِلَى حد الاقتتال، وأنهم كما قال الله ﷾: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَر [البقرة:٢٥٣] فهم اختلفوا وتفرقوا بغياً بينهم فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء [المائدة:١٤] .\rوأخبرنا الله ﷾ أن اليهود والنَّصَارَى اختلفوا، وأخبرنا في هذه الآية من سورة المائدة أن سبب اختلاف النَّصَارَى أنهم نسوا حظاً مما ذكروا به.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688943,"book_id":1659,"shamela_page_id":69,"part":null,"page_num":69,"sequence_num":69,"body":"ولو أخذنا هذه الآية فإنها تفسر لنا كثيراً جداً جداً من أسباب وقوع الخلاف بين الْمُسْلِمِينَ، كيف أنهم لما نسوا حظاً مما ذكروا به وقعت العداوة والبغضاء بينهم.\rونطبق هذه الجملة القرآنية عَلَى هذه الأمة، ونعرف أن هذه الأمة افترقت، بسبب \"نسيان الحظ\" وذلك بآيات وأحاديث الوعيد مثلاً:\r\rذكر الله ﵎ الوعيد فيمن قتل وزنى وسرق: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً [الفرقان:٦٨-٦٩] وجاء أن النبي ﷺ قَالَ: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ... إلخ) ، وجاء في الحديث الآخر: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) .\r\rوهكذا نصوصٌ كثيرة في مقام الوعيد، فجاءت الخوارج فأخذت حظاً مما ذكروا به، حيث أخذوا بأحاديث الوعيد فقط، وَقَالُوا: إذاً من ارتكب كبيرة فهو كافر خارج من الملة، وتركوا الأحاديث والآيات التي تفسرها وأخذوا حظاً مما ذكروا به وتركوا الحظ الآخر، مع أنهم لو أخذوا هذا وهذا لفهموا ما أخبر به النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان دعواهما واحدة) ، فقد فُسِّر ذلك بأنه ما كَانَ من قتال في عهدعَلِيّ ومعاوية، وشهد لهم النبي ﷺ بالإيمان والإسلام مع وقوع القتال، وفي آية الحجرات يقول تعالى: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا [الحجرات:٩] فالقتال يقع بين المؤمنين ولا يخرجهم من الملة، نعم هو كبيرة وعليها وعيد شديد، ولكن لا يخرج من الملة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688944,"book_id":1659,"shamela_page_id":70,"part":null,"page_num":70,"sequence_num":70,"body":"وأخذت المرجئة حظاً آخر مما ذكروا به، فأخذوا بآيات وأحاديث الوعد: (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة) ، فأخذوا بروايات مطلقة مع وجود روايات تقيدها وتفسر معناها وتدل عليها، منها تكفير تارك الصلاة مثلاً: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر) (بين العبد وبين الكفر أو الشرك ترك الصلاة) ، فتركوا جانب الوعيد كله، وأخذوا بجانب الوعد فقط.\rوفي موضوع الصفات: فإثبات صفات الله ﷿ جاءت في آيات كثيرة، والنبي ﷺ علمنا كيف نؤمن بصفات الله ﷿ وأنها عَلَى جانبين: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:١١] نفي وإثبات لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ هذا جانب نفي وتنزيه لله ﷾ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ هذا جانب إثبات لله ﷾.\r\rفجاءت المعطلة فأخذوا بجانب النفي والتنزيه فقط، وقالوا لا يسمع ولا يبصر، وليس له يد ولم يستو لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وإذا أثبتنا اليد والعين والنزول والرؤية، أصبح الإله من المخلوقات الممكنات، وأصبح له أعضاء والعياذ بالله، فقدموا أموراً لم ترد في كتاب الله ولا سنة رسوله، وقالوا نَحْنُ ننزه الله وننفي هذه كلها، ولو كانت في الكتاب والسنة، فإننا نأولها ونردها وننفيها حتى ننزه الله ﷾ عنها، فأخذوا حظاً مما ذكروا به لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١] هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً [مريم:٦٥] وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص:٤] ونفوا صفات الله ﷿ بمثل هذه الآيات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688945,"book_id":1659,"shamela_page_id":71,"part":null,"page_num":71,"sequence_num":71,"body":"وبالمقابل جاءتالمشبهة ونسوا حظاً مما ذكروا به، وتركوا الآيات التي جاءت في تنزيه الله ﷾، وأثبتوا لله ﷾ الصفات كما يليق بالمخلوق -تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً- مشابهين في ذلك لليهودعندما قالوا: إن الله ﵎ -كما هو مذكور في التوراة- خلق السموات والأرض في ستة أيام واستراح في اليوم السابع والعياذ بالله!\r\rفجعلوا الله ﷾ يتعب ويلغب، كما يلغب ابن آدم إذا عمل عملاً ما، ولذلك نفى الله ﷾ ذلك فقَالَ: وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ [ق:٣٨] أي: لم يمسنا التعب ولا النصب ولا اللغب، وردّ عليهم، فجاء هَؤُلاءِ المشبهة، وأخذوا من اليهودالتشبيه وزادوا عليهم فَقَالُوا: له يد كيدنا، فجعلوا صفات الله ﷿ مثل صفات المخلوق.\rفإذا قال لهم أُولَئِكَ المعطلة: أنتم شبهتم، قالوا: أنتم عطلتم، لذا قال السلف الصالح: المعطل عابد عدم، والمشبه عابد صنم، فالمعطل عابد عدم لأنه يقول: إن الله تَعَالَى لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوقه ولا تحته، ولا يمينه ولا شماله، وليس له يد، وليس له عين، وليس له أي صفة من الصفات، ولا يسمع ولا يبصر.\rإذاً: فهذا معدوم غير موجود، فالمعطل عابد عدم، ولكن المشبه عابد صنم لأن الذي يقول يد الخالق كيد المخلوق، ووجهه كوجه المخلوق، وقدمه كقدم المخلوق، فإنما هو يعبد صنماً، لأن الأصنام نحتت لكي تعبد من دون الله، لكي يقَالَ: هذا هو الله تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.\rوالشاهد أن سبب الخلاف بينهما هو أن هذا أخذ حظاً مما ذكر به ونسي حظاً، وهذا أخذ حظاً مما ذكر به ونسي الحظ الآخر، فأغرى الله بينهما العداوة والبغضاء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688946,"book_id":1659,"shamela_page_id":72,"part":null,"page_num":72,"sequence_num":72,"body":"فتجد في كتب المعطلة أنهم يكفرون المشبهة، وفي كتب المشبهة يكفرون المعطلة، وفي كتب المرجئة يكفرون الخوارج، وفي كتب الخوارج يكفرون المرجئة، أغرى الله ﷾ بينهم العداوة والبغضاء، وهذا من أعظم أسباب الاختلاف أن لا يؤخذ الكتاب كله ولا يتلقى العلم والدين كله من عند الله ورسوله ﷺ.\r\rوكذلك الشهوات وحب الدنيا\rومن أسباب الاختلاف: \"الشهوات وحب الدنيا\" فإن حب الدنيا يفسد النية والإرادة، وإذا فسدت الإرادة ودخل الدخن إِلَى القلب، فإن الأعمال تفسد، ويترتب عَلَى فساد الأعمال فساد في الاعتقاد، وأسباب ذلك تبدأ بسيطة لكنها فيما بعد تظهر وتبدو، حتى تكون منهجاً من المناهج.\rفحب الدنيا كَانَ من عوامل الإفساد بين الْمُسْلِمِينَ، ومن عوامل تفرق الْمُسْلِمِينَ وهلاكهم كما جَاءَ في الحديث الصحيح، لما جَاءَ أبو عبيدة من البحرين بالغنيمة أو الجزية إِلَى النبي ﷺ فقَالَ: (لعله بلغكم ما جَاءَ به أبو عبيدة من هجر) ومع ذلك قال لهم النبي ﷺ في آخر الحديث: (فو الله ما الفقر أخشى عليكم ولكني أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم) فالتنافس في الدنيا والتفرق فيها يؤدي إِلَى التفرق في الدين.\r\rولذلك لما قام بعض النَّاس يريد الخلافة وينازع فيها تفرقت الأمة الإسلامية، حتى أصبح لهم في عام (٧٢ أو ٧٣) أربعة أمراء للحج، حجت طائفة مع بني أمية تحت راية بني أمية في يوم عرفة، وحجت طائفة تحت راية المختار بن أبي عبيد، وحجت طائفة تحت راية عبد الله بن الزبير، وحجت طائفة للخوارج تحت راية نافع بن الأزرق، أربع رايات للحج في وقت واحد وفي يوم واحد يوم عرفة بعد حوالي \"٦٠ سنة\" من وفاة الرَّسُول ﷺ!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688947,"book_id":1659,"shamela_page_id":73,"part":null,"page_num":73,"sequence_num":73,"body":"وذلك لأجل الأهواء والشهوات وحب الدنيا والتنازع عَلَى الملك.\r\rكما قال أبو برزة في الحديث الذي رواه البُخَارِيّ، قَالَ: \"والله إني لأحتسب عند الله أني أصبحت ساخطاً عَلَى هذا الحي من قريش، إن هذا الذي في العراق إنما يقاتل عَلَى الدنيا، وإن هذا الذي هنا إنما يقاتل عَلَى الدنيا، وإن أُولَئِكَ -يعني القراء الخوارج - إنما يقاتلون عَلَى الدنيا \".\rفحب الدنيا كَانَ من أسباب تفرق الْمُسْلِمِينَ وتنازعهم واختلافهم.\r\rوكذلك دخول الحاقدين\rومن أسباب تنازع الْمُسْلِمِينَ واختلافهم: دخول الحاقدين، وهذا عامل خارجي، والعامل الخارجي لا يأتي إلا عقوبةً لخلل داخلي، كما أن الله ﷾ عاقب في يوم أحد: أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ [آل عمران:١٦٥] .\rفكانت العقوبة بسبب ما عند النفس من الذنوب كما جَاءَ في الآية الأخرى: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَة [آل عمران:١٥٢] فبسبب فساد الإرادة، أو بسبب الخلل الداخلي تأتي العقوبة الخارجية، وتسليط الأعداء، وإلا فقد قال ﵎: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً [آل عمران:١٢٠] ، فأعداؤنا يكيدون علينا ليل نهار دائماً، فإذا تحدثنا عن أي مصيبة أصابت الْمُسْلِمِينَ قلنا هو بسبب الأعداء، فالشيوعيون والصليبيون واليهود يخططون ويعملون ضدنا.. وهكذا وكأننا قوم مؤمنون صالحون متقون، ولكن هَؤُلاءِ آذونا وامتحنونا وفعلوا بنا!\r\rسُبْحانَ اللَّه!! لماذا لا ننظر إِلَى السبب الأعظم؟ وهو لماذا سلطهم الله ﵎ علينا؟\rلأنه لا تقوى ولا صبر لدينا، ولذلك سُلطوا علينا فضرنا كيدهم وأثر فينا، ولله في ذلك حكمة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688948,"book_id":1659,"shamela_page_id":74,"part":null,"page_num":74,"sequence_num":74,"body":"فاليوم أكثر الْمُسْلِمِينَ يوالون الكفار مع هذه المخططات الواضحة الجلية، فبالله كيف يكون الحال لو أن كَانَ الكفار لا يخططون ضدنا؟\rإذاً لحييناهم ولقبلناهم وبششنا عَلَى وجوههم.\rولذلك شاء الله أن يكون مقتل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، وهو من أكبر الفجائع في التاريخ الإسلامي، عَلَى يد رجل مجوسي لنعتبر، وعندما جيء به ليحقق معه، شهد بعض الصحابة بأننفيلة النصراني والهرمزان، وهما من ملوك العجم جاءا وأظهرا الإسلام في المدينة، واتفقا مع أبي لؤلؤة المجوسي، ورآهم قبل ذلك بليال وهم يتحدثون، وسقط بينهم السيف الذي له نصلان، وهو الذي استخدم في قتل عمر الفاروق ﵁.\r\rفالنَّصَارَى والمجوس اتفقوا وبيتوا المؤامرة لمقتل عُمَرَ ﵁، واكتشف الْمُسْلِمُونَ هذه المؤامرة ليعرفوا أن لهم أعداءً، وأن العداوة هذه لن تخمد أبداً، وليحتاطوا من أمثال هَؤُلاءِ.\r\rواليهود وضعوا للنبي ﷺ السم في الشاة -كما جَاءَ في الحديث الصحيح- الشاة المسمومة التي أكل منها النبي ﷺ حتى قالت الذراع: إنها مسمومة، أنطقها الله لنبيه ﷺ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688949,"book_id":1659,"shamela_page_id":75,"part":null,"page_num":75,"sequence_num":75,"body":"فهم ألد أعداء الإسلام كما قال الله ﵎: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا [المائدة: ٨٢] ولذلك جَاءَ اليهودي عبد الله بن سبأ وأثار الفتنة عَلَى عثمان ﵁، ليكمل الدور الذي قام به أبو لؤلؤة المجوسي عليه، ولما حرقعَلِيّ ﵁ هَؤُلاءِ الزنادقة وكانوا من طائفة عبد الله بن سبأ اليهودي، هرب عبد الله بن سبأ ولجأ إِلَى بلاد فارس، حيث بذر الفكر المجوسي، فالتقى الفكر المجوسي مع الفكر اليهودي، وبذروا الفكرة التي أصبحت تؤلّه علياً ﵁، لأن علياً ﵁ إنما حرقهم عندما قالوا: أنت أنت.\rقَالَ: من أنا؟\rقالوا: أنت الله.\rفقال ﵁:\rلما رأيت الأمر أمراً منكراً أججت ناري ودعوت قنبراً\rقَالَ: أوقدوا لي نيراناً فأحرقوهم، فهرب عبد الله بن سبأ إِلَى بلاد فارس، وبذر هذه الفكرة في نفوس العجم، وأوجدت الدين السبئي الذي لا يزال قائماً حتى الآن.\rفمن أسباب تفرق الْمُسْلِمِينَ، وظهور هذه الفرق، هو المكر اليهودي والنصراني والمجوسي.\rوسنأتي أيضاً للتعرف عَلَى هذه الطائفة وغيرها عندما يأتي -إن شاء الله تعالى- الحديث عن الصحابة وما الذي يجب اعتقاده في حقهم رضوان الله عليهم؟\rفالمغرور والمخدوع من يظن أن هذه الطوائف الحاقدة التي أنشأها أعداء الإسلام، وبذروها في بلاد الْمُسْلِمِينَ، وفرقوا بها صف الْمُسْلِمِينَ-أنها يمكن أن تحب وتوالي الإسلام والْمُسْلِمِينَ، فإنها قامت عَلَى الحقد وبه تتغذى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688950,"book_id":1659,"shamela_page_id":76,"part":null,"page_num":76,"sequence_num":76,"body":"والفرق والطوائف المبتدعة المنحرفة تعتمد في تكونها وتركيبها وتجميع أفرادها عَلَى معادة أهل الحق -الطائفة الكبرى- فليس هناك قضية عقلية خاصة، أو بحث نظري مجرد يجمعها، أو هو الذي أعطاها منهجاً، وإنما الذي يجمعها هو العداوة لأهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ، أهل الحق، فيربون أنفسهم وأبناءهم وأجيالهم عَلَى الحقد عَلَى الطائفة الحق، لأهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ أو الطائفة المنصورة التي قال عنها النبي ﷺ: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين عَلَى الحق لا يضرهم من خذلهم) وفي الرواية الأخرى: (لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون عَلَى النَّاس) وفي رواية من حديث جابر في صحيح مسلم زيادة مهمة أو تفسير مهم وهي: (لن يبرح هذا الدين قائماً يقاتل عليه عصابة من الْمُسْلِمِينَ حتى قيام الساعة) ففيها زيادة أن هذه الطائفة تجاهد النَّاس من أجل إقامة هذا الدين.\rوجهاد أهل البدع مشروع بالأحاديث المتواترة في قتال الخوارج، فهم من أهل البدع، والنبي ﷺ قال في الحديث الصحيح المتواتر كما قال بعض العلماء: (لو أدركتهم لقتلتهم قتل عاد) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688951,"book_id":1659,"shamela_page_id":77,"part":null,"page_num":77,"sequence_num":77,"body":"ومن هنا أخذ العلماء قاعدة عظمى وهي: \"مقاتلة أهل البدع\" وهي أن حكم أهل البدع؛ المقاتلة إذا تميزوا وأصبحوا طائفة، وأما إذا بقوا في المجتمع فإنه يجب علينا أن نكبتهم ونمنعهم من نشر بدعهم والدعوة إليها، ومع ذلك نعطيهم أحكام الإسلام الظاهرة عَلِيّ ﵁ -لما لجأوا إِلَى جنبات المسجد وَقَالُوا: لا حكم إلا لله، لا حكم إلا لله، فقال-: إن لكم علينا ألاّ نمنعكم البيت، ولا نمنعكم المساجد، يعني تصلون معنا وتأخذون حصتكم من الفيء من بيت مال الْمُسْلِمِينَ، إلاّ إذا أحدثوا حدثاً، أي: إذا عملوا عملاً يخل بأمر المجتمع المسلم والجماعة المسلمة، وأحكام أهل البدع طويلة ولعله يأتي بعضها إن شاء الله.\rوالطائفة المنصورة هي التي عَلَى مثل ما كَانَ عليه النبي ﷺ وأصحابه، كما فسرتها روايةالتِّرْمِذِيّ: (ما أنا عليه اليوم وأصحابي) ولما سئل الإمام أَحْمَد عن الطائفة المنصورة قَالَ: (إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم) وذلك أن لأهل الحديث مصطلحين:\r\rمصطلح علمي.\rومصطلح شرعي.\rفالاصطلاح العلمي المراد به هم الذين يشتغلون بدراسة الحديث، ونقد الرجال والمتون ومعرفتها وتخريجها، فهَؤُلاءِ يسمون علماء الحديث، كما تقول علماء النحو، وعلماء البلاغة، وعلماء اللغة، وعلماء التفسير، وليس هذا هو المعنى المراد من الإمام أَحْمَد، لأنه يوجد من المحدثين من هو عَلَى بدعة خاصة في القرون الأخيرة، ويوجد من المشتغلين بالرجال ودراسة الأسانيد من لا يمثل عقيدة أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ حق التمثيل.\rوالاصطلاح الشرعي: هم الذين يأخذون بالأحاديث ويعملون بها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688952,"book_id":1659,"shamela_page_id":78,"part":null,"page_num":78,"sequence_num":78,"body":"ولذلك أطلق السلف عَلَى الذين لا يأخذون بالحديث والأثر من طوائف أهل البدع: أهل الكلام وأهل الجدل، لأن بدعهم لا تقوم عَلَى دليل من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وإنما تقوم عَلَى الجدل وعلم الكلام، فبقيت الطائفة المنصورة أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ يأخذون بالأحاديث.\r\rولذلك يُسمون: أهل الأثر وأهل الحديث، أي: المتبعون لِمَا كَانَ عليهِ النبي ﷺ وأصحابه؛ فكلام الإمام أَحْمَد إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري منهم\" أي المتبع للأثر، حتى وإن كَانَ من أهل اللغة، فقدماء أهل اللغة عموماً النضر بن شميل والخليل بن أحمد وأبو عبيد القاسم بن سلام من علماء اللغة والحديث هَؤُلاءِ من أهل اللغة وهم من أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ أيضاً.\r\rفأهل الحديث المراد بهم أهل الأثر المتبعون لسنة النبي ﷺ، وعلى هذا نستطيع أن نفهم أن الطائفة المنصورة هي المتبعة لما كَانَ عليه النبي ﷺ وأصحابه، وهي الناجية الوحيدة، وهي التي قامت بإبلاغ ونقل ما ثبت عن النبي ﷺ.\rولذا يقول المصنف: [وممن قام بذلك الإمام أبو جعفر الطّّحاويّ] .\rفقد نقل عقيدة السلف، وبالذات عقيدة الإمام أبي حنيفة وتلميذيه، وهكذا كل من يأتي ويتكلم في عقيدة أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ إنما ينقل كلامهم ويشرحه ويوضحه، ولو جاءنا أحد بشيء من عنده لرددناه كما نرد عَلَى أهل البدع، فهذا هو الطريق المتبع وهذا هو طريق أهل الأثر.\r\rقَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688953,"book_id":1659,"shamela_page_id":79,"part":null,"page_num":79,"sequence_num":79,"body":"[وكلما بعد العهد ظهرت البدع، وكثر التحريف الذي سماه أهله تأويلاً ليقبل، وقلّ من يهتدي إِلَى الفرق بين التحريف والتأويل، إذ قد سُمِّى صرف الكلام عن ظاهره إِلَى معنى آخر يحتمله اللفظ في الجملة تأويلاً، وإن لم يكن ثَمَّ قرينة توجب ذلك، ومن هنا حصل الفساد، فإذا سموه تأويلاً قُبل وراج عَلَى من لا يهتدي إِلَى الفرق بينهما. فاحتاج المؤمنون بعد ذلك إِلَى إيضاح الأدلة، ودفع الشُبَه الواردة عليها، وكثر الكلام والشغب، وسبب ذلك إصغاؤهم إِلَى شُبه المبطلين، وخوضهم في الكلام المذموم الذي عابه السلف، ونهوا عن النظر فيه، والاشتغال به والإصغاء إليه، امتثالاً لأمر ربهم، حيث قال: وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِه [الأنعام:٦٨] فإن معنى الآية يشملهم. وكلٌ من التحريف والانحراف عَلَى مراتب: فقد يكون كفراً، وقد يكون فسقاً، وقد يكون معصية، وقد يكون خطأ.\r\rفالواجب اتباع المرسلين واتباع ما أنزله الله عليهم وقد ختمهم الله بمُحَمَّد ﷺ، فجعله آخر الأَنْبِيَاء وجعل كتابه مهيمناً عَلَى ما بين يديه، من كتب السماء، وأنزل عليه الكتاب، والحكمة، وجعل دعوته عامة لجميع الثقلين: الجن والأنس، باقية إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وانقطعت به حجة العباد عَلَى الله، وقد بين الله به كل شيء وأكمل له ولأمته الدين، خبراً وأمراً وجعل طاعته طاعة له، ومعصيته معصية له، وأقسم بنفسه أنهم لا يؤمنون حتى يحكموه فيما شجر بينهم، وأخبر أن المنافقين يريدون أن يتحاكموا إِلَى غيره، وأنهم إذا دعوا إِلَى الله والرَّسُول -وهو الدعاء إِلَى كتاب الله وسنة رسوله- صدوا صدوداً وأنهم يزعمون أنهم إنما أرادوا إحساناً وتوفيقا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688954,"book_id":1659,"shamela_page_id":80,"part":null,"page_num":80,"sequence_num":80,"body":"وكما يقول كثير من المتكلمة والمتفلسفة وغيرهم: إنما نريد أن نُحس الأشياء بحقيقتها، أي: ندركتها ونعرفها ونريد التوفيق بين الدلائل التي يسمونها العقليات -وهي في الحقيقية جهليات- وبين الدلائل النقلية المنقولة عن الرَّسُول أو نريد التوفيق بين الشريعة والفلسفة.\rوكما يقوله كثير من المبتدعة من المتنسكة والمتصوفة: إنما نريد الأعمال بالعمل الحسن، والتوفيق بين الشريعة وبين يما يدعونه من الباطل الذي يسمونه: حقائق وهي جهل وضلال وكما يقوله كثير من المتكلمة والمتأثرة: إنما نريد الإحسان بالسياسة الحسنة والتوفيق بينها وبين الشريعة ونحو ذلك.\r\rوكل من طلب أن يُحكم في شيء من أمر الدين غير ما جَاءَ به الرسول، ويظن أن ذلك حسن، وأن ذلك جمع بين ما جَاءَ به الرَّسُول وبين ما يخالفه، فله نصيب من ذلك، بل ما جَاءَ به الرَّسُول كافٍ كاملٌ يدخل فيه كل حق، وإنما وقع التقصير من كثير من المنتسبين إليه، فلم يعلموا ما جَاءَ به الرَّسُول في كثير من الأمور الكلامية الاعتقادية، ولا في كثير من الأحوال العبادية، ولا في كثير من الأمارة السياسية، أو نسبوا إِلَى شريعة الرَّسُول بظنهم وتقليدهم ما ليس منها وأخرجوا عنها كثيرا من ما هو منها.\r\rفبسبب جهل هَؤُلاءِ وظلالهم وتفريطهم وبسبب عدوان أُولَئِكَ وجهلهم ونفاقهم كثر النفاق ودرس كثير من علم الرسالة.\r\rبل البحث التام والنظر القوي والاجتهاد الكامل في ما جَاءَ به الرَّسُول ﷺ ليُعلم ويعتقد ويعمل به ظاهراً وباطناً، فيكون قد تُلي حق تلاوته، وأن لا يهمل منه شيء] اهـ.\rالشرح:\rكلما بعد العهد كثرت الانحرافات والتأويل الذي سماه أهله \"تأويلاً\" فإن من المعلوم أنه قد كثر التعطيل والتشبيه.\rالتأويل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688955,"book_id":1659,"shamela_page_id":81,"part":null,"page_num":81,"sequence_num":81,"body":"والتأويل هو أصل به هُدمت الشريعة، ويوضح ذلك: أن الذين ينفون صفات الله ﷿ كالمعطلة والباطنية والرافضة، وأمثالهم من الذين يضربون كتاب الله بعضه ببعض، هَؤُلاءِ هم قوم مجاهرون ومعادون لأهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ بوضوح، ويعادون الأمة الإسلامية وجماعة الْمُسْلِمِينَ، ويعادون الأصول الشرعية، فيردون الآية والحديث، وأمرهم واضح جلي، لكن المؤول أخطر وجنايته أكثر، لأنه يقول: أنا أؤمن بالآية والحديث، ويقول: أنا من أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وهكذا يدعي المؤولون: أنهم من أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ.\rوالتأويل هو صرف اللفظ عن المعنى الراجح إِلَى المعنى المرجوح قرينة،\rوالتأويلات كثيرة جداً، وبعضها مضحك، وبعضها يستدعي التعجب، فمثلاً بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة:٦٤] لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَي [ص:٧٥] هنا \"يدَي\"، وهناك \"يداه\"، فالمؤول يقول: نؤول اليد، مع أن ظاهر اليد صفة معروفة.\r\rفالذين يثبتون لله ﷿ هذه الصفة يقولون: اليد حقيقية تليق بالله ﷾، لا نعرف كيفيتها، فيقول المؤولة هذا الظاهر، ونحن مسلّمون بأنه ظاهر اللفظ وأنه تدل عليه الآية، لكن نصرف هذا الظاهر إِلَى وجه واحتمال مرجوح، وهو أن لفظة اليد معناها النعمة أو القدرة، لقرينة وهي: تنزيه الله ﷿، فالقواطع والبراهين العقلية دلت عَلَى أن الله ﷾ منزه عن الجارحة.\r\rفهناك قواعد عقلية وضعوها هم:\rمنها: أن الله ينزه عن الجارح، واليد جارحة، فتنفى عن الله ويصرف اللفظ من الاحتمال الراجح المتبادر الذي يعرفه كل من يقرؤه إِلَى احتمال مرجوح يقال فيها بوجود القرينة، وهي البرهان العقلي الذي قام عَلَى تنزيه الله تعالى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688956,"book_id":1659,"shamela_page_id":82,"part":null,"page_num":82,"sequence_num":82,"body":"وأولوا وحرفوا بتأويلات عجيبة، نذكر فقط بعض الامثلة، ففي الحديث الصحيح: (لا تزال النار تقول هل من مزيد حتى يضع الله تَعَالَى قدمه في النار) وروايات كثيرة في أن النَّار لا تمتلئ حتى يضع الجبار ﵎ فيها قدمه، وفي رواية: (رجله) كلها في صحيح البُخَارِيّ ومسلم، (يضع الله تعالى قدمه في النَّار فتقول: قط قط) وفي إحدى الروايات كلمة (الجبار) وفي روايات كثيرة: (يضع الله) (يضع الرحمن) فَقَالُوا: الجبار إما أنه أحد الملائكة اسمه \"الجبار\"، وإما أنه أحد الظلمة من أهل الأرض، فلا تمتلئ حتى يضع هذا الجبار الطاغوت قدمه أو رجله في النار، فتقول: قط قط قد امتلأت.\rوهذا تأويل أبي المعالي الجويني، وقد رجع عن ذلك، وتبعه عليهأبو حامد الغزالي، وهو موجود في كتابه المصقول في علم المعقول، وهم قالوا بذلك هروباً من أن يقولوا: هو الله ﷿.\r\rوالروايات الأخرى التي فيها (الله، الرحمن) قالوا: عندنا قرينة وهي: أن الله ينزه عن الأبعاض والجوارح، وهذا قد قامت عليه البراهين العقلية والأدلة القطعية من العقل، فتنفى.\r\rوحديث الحبر اليهودي، رواه الإمام أَحْمَد والبُخَارِيّ ومسلم وغيرهم، أنه جَاءَ إِلَى النبي وقَالَ: (أما علمت يا مُحَمَّد أن الله يَوْمَ القِيَامَةِ يضع السماوات عَلَى إصبع، والأرضين عَلَى إصبع، والثرى عَلَى إصبع، والشجر عَلَى إصبع، وبقية الخلائق عَلَى إصبع) وفي رواية الإمام أَحْمَد: (أنه يضع الأرض عَلَى ذه وأشار إِلَى السبابة) ثُمَّ استمر في بقية الأصابع.\rوفي الحديث: (فضحك النبي ﷺ تصديقاً لقوله) هكذا نص الحديث \"على إصبع\" فضحك النبي ﷺ تصديقاً لقوله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688957,"book_id":1659,"shamela_page_id":83,"part":null,"page_num":83,"sequence_num":83,"body":"ومثله الآية: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزمر:٦٧] ، فالنبي ﷺ ضحك تصديقاً لقوله، وأن هذا حق، لكن كيفية الصفة غير معلومة لنا، فله من الصفات ما يليق به كما أن للمخلوق ما يليق به.\rوأما المؤولة فقالوا هذا الحديث يؤول، وذلك كابن فورك، فإنه قَالَ: إن النبي ﷺ ضحك تعجباً من تشبيه هذا الكافر اليهودي.\rفيقال هل ضحك النبي ﷺ تعجباً من كفره؟!!\r\rتأويلات غريبة ليس عليها أي دليل، إلا أنه كما قالوا: قامت القواطع والبراهين العقلية عَلَى أن هناك قرينة تمنعنا من أن نقول بظاهر هذا اللفظ.\r\rومن الأدلة عَلَى بطلان التأويل، ما قاله: أبو المعالي الجويني نفسه -شيخ الغزالي - في آخر عمره لما رجع عن الأشعرية، وقد كَانَ إمامهم، وألف كتاباً سماه الرسالة النظامية \"إني اطلعت فرأيت السلف مطبقين عَلَى عدم التأويل مع كثرة اهتمامهم بفروع الشريعة، فلما رأيتهم قد نقلوا إلينا الشريعة كاملة، وأنهم أكثر منا اهتماماً بأصول الشريعة وفروعها، ورأيتهم مطبقين عَلَى عدم التأويل، علمت أن التأويل غير حق، فتركت التأويل \".\rخطر التأويل\rينبغي أن نعرف خطر التأويل، فإنه أخطر من قضية الأسماء والصفات، وإن كانت الأسماء والصفات تتعلق بالله ﷿ وتوحيده، وهي ركن عظيم من ديننا، لكن القول بالتأويل، نقض للدين كله أصوله وفروعه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688958,"book_id":1659,"shamela_page_id":84,"part":null,"page_num":84,"sequence_num":84,"body":"فاالروافض والباطنية قيامهم وتعلقهم وتطاولهم إنما هو بسبب انتشار التأويل بين الْمُسْلِمِينَ، تقول الرافضة: إن الله أمرهم أن يذبحوا عَائِِِشَةَ بنت أبي بكر، ولكنهم عصوه وأمّروها عليهم، وأركبوها جملاً، وذهبوا بها لتحارب أمير المؤمنين على بن أبي طالب ﵁ في معركة الجمل.\rوالدليل عَلَى ذلك إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً [البقرة:٦٧] فهل يُعقل أن الله تَعَالَى وهو العظيم الجليل يأمر في القُرْآن بذبح بقرة من التي تمشي في الأرض؟ لا. وإنما المسألة أعظم من ذلك.\rقال أهل السنة: هذه ليست في أم المؤمنين، وإنما هي في اليهود من بني إسرائيل، لأن موسى قال لقومه: إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة.\rوقالت الباطنية للمسلمين: لماذا تصلون وتصومون وتحجون؟\rقالوا: هذا ديننا، وهي من أركان الإسلام.\rفقالوا: هذه نؤولها عن ظاهرها، فالصلوات الخمس: عَلِيّ وفاطمة والحسن والحسين والإمام المنتظر، وتأويلنا هذا ليس بناءً عَلَى قرينة عقلية، بل بناءً عَلَى خبر يقين.\rوَقَالُوا: الإمام الغائب الذي في السرداب، وهو الإمام المعصوم هو المصدر العلمي اليقيني عندنا، وينقله إلينا الباب، فالباب ينقل كلام الإمام الغائب الذي في السرداب إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، فنحن نتكلم بيقين، لأن هذا الإمام المعصوم ينقل لنا الكلام عن طريق الباب، والباب يعطي الحجاب، والحجاب أو نواب الأمير ينقلون إلينا هذه المعاني، فعرفنا أن الصلوات الخمس هي هذه الأسماء الخمسة.\rوالصوم هو: أن يحفظ أسرار الطائفة، والحج: أن تقصد الأئمة وتتلقى عنهم وحدهم، فما هناك طواف بالكعبة، ولا هناك حجر.\rوكذلك الفلاسفة أولّوا كما أولّ الرافضة والباطنية، فقالت الفلاسفة: إن البعث لا حقيقة له.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688959,"book_id":1659,"shamela_page_id":85,"part":null,"page_num":85,"sequence_num":85,"body":"فقيل لهم: إن الله ﷾ أخبر بالبعث في كتابه، والأحاديث الصحيحة ذكرت البعث ووضحته، وأن الله ﷾ يحشر النَّاس يَوْمَ القِيَامَةِ حفاة عراة غرلا، وتدنوا منهم الشمس فيكلمهم ليس بينهم وبينه ترجمان.\rفقالوا: هذا البعث حشرٌ روحاني للأرواح فقط، ولا تعاد إِلَى البدن، لأن العقل يدل عَلَى أن هذا محال، وأن هذه الجثة بعد أن دخلت الأرض وصارت هباءً لا تعود حية.\rونعيم الجنة نعيم روحاني فقط، وهذا الكلام يكفرهم به المؤولة وغير المؤولة، فالْمُسْلِمُونَ جميعاً يكفرون من يقول بهذا الكلام حتى المؤولة يكفرونهم.\rلكن يرد الفلاسفة عَلَى المؤولة فيقلون: أنتم أوّلتم اليد والاستواء ونحن نؤول البعث أيضاً.\rقال المؤولة نحن أولّنا بقرينة.\rقال الفلاسفة: ونحن عندنا قرائن عقلية مثل ما عندكم قرينة عقلية، فالقواطع والبراهين العقلية تدل عَلَى أن الله ﷾ لا يتصف بهذه الصفات، وهو منزه عنها.\rهذه جناية التأويل وخطره عَلَى عقيدتنا، فلو فتحنا هذا الباب فمن يسده؟ وإذا أوّلنا وأوّلت جميع الطوائف فماذا بقي من القُرْآن والدين؟\rفهذا التأويل قبل وراج لما سمي تأويلاً، وإلا فهو تحريف، فالله تَعَالَى يقول: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:٥] ويقول المؤولة: الرحمن عَلَى العرش استولى زيادة تأويل، لكنه يحول ويغير المعنى، وإن كانوا لم يغيروا الآية، فهم لم يزيدوا في الآية إلا \"لام\" لكن إذا تركوها بهذا المعنى لم يبق من حقيقة الآية إلا ما هو مكتوب في المصحف فقط، أما ما تفهم به فهو المعنى الذي وضعوه، وهو بزيادة اللام.\r\rسبب التأليف في العقائد\rيقول المُصْنِّف ﵀: [من أجل ذلك احتاج المؤمنون إِلَى دفع الشبه] أي: من أجل انتشار التأويل وأمثاله، احتاج المؤمنون إِلَى التأليف في العقيدة، ليردوا عَلَى هذه العقائد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688960,"book_id":1659,"shamela_page_id":86,"part":null,"page_num":86,"sequence_num":86,"body":"والأصل هو كتاب الله ﷿ والسنة، وهذا ما كَانَ عليه الرَّسُول ﷺ وأصحابه، فاضطرنا هَؤُلاءِ أن نسلك هذه الطريقة وذلك لما كثرت البدع والتأويلات والانحرافات، فبدأنا نضطر أن نقاوم هذه البدع، ونبينها ونكشفها، لا نكتفي ببيان الحق، وإنما نبين ما يضاده من الباطل.\rثُمَّ يقول: [وكلٌ من التحريف والانحراف عَلَى مراتب: فقد يكون كفراً، وقد يكون فسقاً، وقد يكون معصية، وقد يكون خطأ ... ] .\r\rهذه قاعدة مهمة، وهذا من إنصاف المُصْنِّف وعدله رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فقد قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [المائدة:٨] .\rمراتب التأويل\rللتأويل ثلاث مراتب: قد يكون التأويل كفراً، مثل التأويلات الباطنية، وتأويلات الفلاسفة، وبعض التأويلات الكفرية، وبعض تأويلات الرافضة، كمن يؤول الصلوات الخمس بأنها الأئمة الخمسة، ويؤول الصوم بأنه حفظ الأسرار إِلَى غير ذلك، هذا التأويل كفر يخرج من الملة.\rوقد يكون معصية يخرج صاحبه إِلَى البدعة، يُحكم عَلَى صاحبه أنه مبتدع ومُنحلٌ، وذلك مثل التأويلات التي ذكرناها -تأويل صفات الله ﷿ مع نية تنزيهه.\rوقد يكون خطأً، فبعض النَّاس لا يتعمد التأويل، وهذا موجود حتى في بعض كتب التفسير لـ أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ.، وكتب الحديث لـ أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ، عندما يؤول بعض الصفات خطأ، فهذا لا يخرجه من أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ.\r\rفبعض علماء الْمُسْلِمِينَ المعتبرين قد يخطأ ويؤول بعض الصفات، فهذا خطؤه مغفورٌ له إن شاء الله، فقد يخطأ بعض الأئمة في فهم بعض الأحاديث في الصفات مع سلامة المنهج.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688961,"book_id":1659,"shamela_page_id":87,"part":null,"page_num":87,"sequence_num":87,"body":"وأما من كَانَ منهجه وأصوله بدعية، فهذا من أهل البدع المتوعدين بعقوبة الله، إلاّ أن يتوب أو يغفر الله ﵎ له، ولا نقطع له بجنة ولا نار.\rوالتأويل المكفر، الذي ذكرنا إنما عد كفراً لأنه مضادة للقرآن، وتعمد في تحريفه كما تعمدت اليهود، لما قال الله تَبَارَكَ وَتَعَالَىوَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ [البقرة:٥٨] فقالت اليهود: \"حنطة\".\r\rقال بعض العلماء: النون التي زادها اليهودفي \"حطة\" وجعلوها \"حنطة\" مثل: اللام التي زادها المؤولة، فقالوا في استوى: \"استولى\" هذا وجه الشبه بينهم، فالذي يزيد بنية المضادة أو الاستهزاء أو المحادة، فهذا يصبح من التأويل المكفر، أما الذي زاد لاعتماد أصول بدعية، فهو يدخل في باب التأويل المذموم المبتدع المتوعد عليه، وأما الذي أصوله صحيحة، لكن يقع منه خطأً كما يقع من سائر العلماء في سائر النصوص والأحاديث، فهذا يسمى خطأ، وهذا نرجو ألاّ يؤاخذ عليه عند الله تعالى، أما في الدنيا فنبين له؛ لأن الله تعهدنا بأن نبين الحق، وليس كلام أحد حجة وصواب إلا كلام مُحَمَّد ﷺ، وأما من عداه فإن كلامه يُبيّن وخطأه يوضح، دون أن ننتقص من قدره، ولا نخرجه من دائرة أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ.\r\rتاريخ ظهور البدع","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688962,"book_id":1659,"shamela_page_id":88,"part":null,"page_num":88,"sequence_num":88,"body":"وهذه الفرق انشقت عن الجماعة، وخالفت قول الله ﵎: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِه [الأنعام:١٥٣] فاتخذت دينها شيعاً، وتفرقت عن الدين، وأقدم هذه الفرق على ما يظهر لي هي الخوارج، لأن فكرة الخوارج بدأت في عهد النبي ﷺ حين (كان النبي يقسم غنائم حنين، فكان يعطي المؤلفة قلوبهم، ويترك بعض المهاجرين والأنصار، حتى وجد بعض الأنصار في أنفسهم) ، فكان بعض الأعراب يذهب بالألف أو الألفين من الغنم والإبل، فخرج منهم رجل له كساء، غائر العينين، شعث الشعر -كما في الحديث- (فقَالَ: اعدل يا محمد! إنها لقسمةٌ ما أريد بها وجه الله -والعياذ بالله- فَقَالَ النبي ﷺ: ويلك فمن يعدل إذا لم أعدل؟) فهو الذي شرع شريعة العدل ﷺ، وعلمنا إياها من عند ربه ﷿، ولكن هذا من ضيق لبه وجهله وقلة علمه، وعدم مراعاته للمقاصد والأحكام التي يراعيها الشارع في أحكامه فقد رأى أن هذه القسمة ليست عادلة، فاعترض عَلَى رَسُول الله ﷺ.\rفقال النبي ﷺ: (يرحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر) لما اتهمه قومه بأنه آدر، فما زالوا يتهمونه حتى برأه الله ﷾ وكذب قولهم، وغير ذلك مما أوذي به موسى ﵇.\rفقال النبي ﷺ: (يرحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر) ، ثُمَّ قَالَ: (يخرج من صلب هذا أقوام تحقرون صلاتكم إِلَى صلاتهم، وقراءتكم إِلَى قراءتهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688963,"book_id":1659,"shamela_page_id":89,"part":null,"page_num":89,"sequence_num":89,"body":"وثبت قوله في أحاديث كثيرة في قتال الخوارج (لئن أدركتهم لأقتلنهم) فأول فرقة مستقلة لها غاية، وتجمع كانت هي الخوارج. ومن مبادئهم التكفير بالذنب، وهم أصحاب الوعيد، حيث يأخذون الوعيد ويتركون الوعد، فيكفرون الزاني وشارب الخمر والسارق ونحو ذلك.\rويجاب عن ذلك أن الله قد جعل للمرتد عقوبة القتل، وللزاني الرجم، فإن كَانَ بكراً فعقوبته الجلد، وللسارق عقوبة القطع، فلو كَانَ الجميع يكفرون لكان الحد واحداً وهو القتل، والردود عليهم كثيرة.\rوخرج هَؤُلاءِ في عهد عَلِيّ ﵁ لما حكّم الحكمين، فَقَالُوا: لا حكم إلاّ لله، حكمت الرجال في دين الله؟ فخرجوا وأمّروا عليهم عبد الله بن وهب الواحدي وقيل غيره، لكن هذا الذي اشتهرت إمرته، ورفضوا بيعة عَلِيّ ﵁، وَقَالُوا: لا نبايع إلاّ مثل عُمَر، وإلاّ فلن نبايع، فبايعوا عبد الله بن وهب، وهو أعرابي جلف ليس له صحبة، ولا شهد له الله بخير كما يقول ابن حزم.\rوظهرت الشيعة بمبدأ التعطيل، كفكرة أولى هي موجودة في أمثال عبد الله بن سبأ اليهودي الذي أسس دينالشيعة منذ أن أثار الفتنة عَلَى عثمان ﵁، فبداية الفرقة موجودة، لكن ظهرت كفرقة واضحة عندما خرج الخوارج وكفّروا علياً ﵁.\r\rأقسام الشيعة\rالشيعة ثلاثة أقسام:\r\" الغالية، المؤلهة \" الذين غلوا في عَلِيّ ﵁، وَقَالُوا: أنت أنت.\rقَالَ: من أنا؟\rقالوا: أنت الله، وسجدوا له -والعياذ بالله-.\rوهَؤُلاءِ أمر عَلِيّ ﵁ بإحراقهم، وهرب عبد الله بن سبأ إِلَى بلاد العجم، وهناك بدأ الدين السبئي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688964,"book_id":1659,"shamela_page_id":90,"part":null,"page_num":90,"sequence_num":90,"body":"الفرقة الثانية: \"السبّابة\": الذي يسبون ويشتمون الشيخين، فهم لم يخرجوا من الإسلام ولم يؤلهوا علياً، ولكنهم سبوا الشيخين ﵄، وقد قال بعض الأئمة: إن سب الشيخين كفر لأن هذين كما قال علي بن الحسين زين العابدين الذي رفضته الرافضة قَالَ: كيف أسبهم وهما وزيرا جدي؟\rفالذي يسب وزيري النبي ﷺ فقد سب النبي، والذي يقول: إن أبا بكر عدو للإسلام فهو متهم لرَسُول الله، ومتهم للأمة كلها.\r\rكيف يكون هذا الرجل منافقاً عدواً للإسلام ويوليه الرَّسُول ﷺ الصلاة إشارة إِلَى تولية الإمامة العظمى؟\rوكان هو وعُمَر أفضل الصحابة؟\rفإذا كَانَ هذان كذابين -كما يقول هَؤُلاءِ المغترون- فالدين كله كذب، وما نقلت لنا السنة والشريعة إلاّ عن طريق الصحابة ﵃، وعلى رأسهم أبُو بَكْرٍ وعُمَر.\rوأما الفرقة الثالثة: وهي: \"المفضلة\": فهَؤُلاءِ هم الزيدية الذين وافقوا علي بن الحسين، فَقَالُوا: لا نشتم الشيخين، ولكنهم يفضلون علياً عليهما، ويقولون: إن إمامة المفضول جائزة مع وجود الأفضل.\rفعَلِيّ P> الأفضل، ولكن إمامة أبِي بَكْرٍ وعُمَر جائزة، وهذا الذي أنكره عليهم علماء السلف، وهو من البدع، ويكفينا في بدعيته أنه صح عن عَلِيّ ﵁ أنه قَالَ: \"ما جاؤني بأحد يفضلني عَلَى أبِي بَكْرٍ وعُمَر إلا جلدته حد الفرية ثمانين جلدة، وقال عَلِيّ ﵁، كما في البُخَارِيّ: \"والله ما من رجل وددت أن ألقى الله بعمله إلا هذا \" وكان يشير إِلَى \"عُمَر وهو في سكرات الموت\" وهذا الأثر معروف ومشهور ومتواتر بين الصحابة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688965,"book_id":1659,"shamela_page_id":91,"part":null,"page_num":91,"sequence_num":91,"body":"ولما اشتهرالخوارج وكفروا صاحب الذنب، كشارب الخمر والزاني والسارق، خرجت منهم فرقة تقول: لا نكفر أحداً يقول لا إله إلا الله، وكانوا مع الخوارج وجلسوا معهم فترة، فرجعوا إِلَى غلو آخر شديد وَقَالُوا: لا نكفر أحداً أبداً ما دام يقول لا إله إلا الله، حتى وإن سب الله ورسوله، وأنكر القرآن، فجنحوا إِلَى الطرف الآخر، وهَؤُلاءِ هم \"المرجئة \"، وظهروا في أواخر العهد الخامس.\rثُمَّ ظهرت القدرية، وكان ظهورها في العراق أيضاً، في عهد الصحابة بتأثير النَّصَارَى الذين كانوا في الشام، وكان لهم كلام في القدر والخوض فيه، فنقلوه إِلَى الْمُسْلِمِينَ، وقال بهمعبد الجهني، وقد ثبت في صحيح مسلم في حديث جبريل الطويل المشهور المعروف: (أنه أتى النبي ﷺ وأسند ركبتيه إِلَى ركبتيه، ووضع يديه على فخذيه، وقَالَ: يا مُحَمَّد أخبرني عن الإسلام؟ ... ) ، رواه عبد الله بن عمر عن أبيهعُمَر حيث جَاءَ بعض التابعين إِلَى عبد الله بن عمر وسأله فقَالَ: إن هناك أقواماً في العراق ينكرون القدر، فَقَالَ لهم: حدثني أبي، فذكر حديث جبريل الذي يدل عَلَى أن الإيمان بالقدر هو أحد أركان الإيمان الستة.\rفالخوارج والشيعة والمرجئة والقدرية هذه الفرق جميعاً ظهرت في عهد الصحابة رَضِيَ اللهُ عَنْهُرَضِيَ اللهُ عَنْهُم، وهذه الفرق الأربع هي أصول الفرق التي تشعبت منها فرق صغيرة، وظهرت المعتزلة في أوائل المائة في عهد الحسن البصري، فاعتزلوا مجلسه، وهم في الحقيقة امتداد لفكر الخوارج، لكنهم لا يقولون: إن مرتكب الكبيرة يخرج من الملة، وإنما قالوا: يخرج من الإسلام ولا يدخل الكفر، فهو في منزلة بين المنزلتين، فَقَالُوا: يخرجونه من الإسلام لأن الآيات والأحاديث التي في المؤمنين لا تنطبق عليه، ولا يدخلونه في الكفر لأن الآيات والأحاديث التي في الكافرين لا تنطبق عليه، فجعلوه في منزلة بين المنزلتين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688966,"book_id":1659,"shamela_page_id":92,"part":null,"page_num":92,"sequence_num":92,"body":"ثُمَّ ظهر الجعد بن درهم، فضحى به خالد بن عبد الله القسري بعد المائة والعشرين، وقَالَ: أيها النَّاس ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضحٍ بالجعد بن درهم، فإنه أنكر أن الله كلم موسى تكليماً، ثُمَّ نزل من المنبر وذبح الجعد بن درهم.\rثُمَّ تلميذه الجهم بن صفوان، وخرج مع الحارث بن سريج عَلَى بني أمية سنة ١٢٨هـ، وكان كاتباً له فنشر فكر المرجئة، والجهم كَانَ ينفي جميع الصفات عن الله، وكان في نفس الوقت مرجئاً، يقول: إن الإيمان هو المعرفة القلبية فقط، فمن عرف الله بقلبه فهو مؤمن -عند جهم -، ولهذا فالمرجئة غلو في هذا الباب، لأن إبليس يعرف الله بقلبه، بل بلسانه قَالَ: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [ص:٨٢] وكان الجهم كثير الجدل بلا علم، لم يتفقه، ويخالط العلماء، ويقرأ كتب العلم، ويحفظ من كتاب الله وسنة رسوله، وإنما كَانَ يجادل فقط، فجاءه قوم من الهنود من عباد الأبقار، فَقَالُوا: جئنا نناظرك، فقالوا له: صف لنا ربك؟ هل رأيته؟ هل لمسته؟ هل شممته؟\rفبقي أربعين يوماً يفكر، كيف يرد عَلَى هَؤُلاءِ؟\r\rفقَالَ: هو كالهواء، ليس له أي صفة، لا يرى ولا يشم، ونتج عن ذلك نفي صفات الله ﷿.\rثُمَّ تلقى عن الجهم بشر المرّيسي، وهو يهودي في الأصل، لم يلق الجهم، ولكن لقي تلاميذ تلامذته، وتعلم مذهب الجهم\rثُمَّ تلقى عنه عبد الله بن سعيد بن كلاّب، وهو المؤسس الحقيقي للمذهب المسمى مذهب الأشعرية، ولذلك هجره الإمام أَحْمَد رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، لأنه وافق مقالة بشر وجهم، لكن ابن كلاب لم ينف جميع الصفات، كما قال جهم بأن الكلام كلام نفسي، ولكن أثبت ما يثبته العقل، ونفى ما ينفيه العقل، وحكّم العقل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688967,"book_id":1659,"shamela_page_id":93,"part":null,"page_num":93,"sequence_num":93,"body":"وهذا الذي قالتهالأشعرية والماتريدية، فَقَالُوا: ما قامت القواطع العقلية عَلَى إثباته فإننا نثبته، وهي: الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والإرادة والكلام -الكلام النفسي- فهذه يدل العقل عَلَى إثباتها.\rوأما الأخرى فالعقل يحكم باستحالتها في حق الله تعالى، فلا نثبتها لله تعالى، وأصل هذا العقل هو عقل الجهم لما اختلى أربعين يوماً.\rوالقدرية تشعبت، فكان منها القدرية الغلاة الذين ينكرون العلم، ومن أنكر علم الله للأشياء قبل وقوعها فقد كفر، وهَؤُلاءِ أكفر القدرية فإنهم قالوا: لو كَانَ الله يعلم أنه يفعل المعصية، إذاً هو قدّر عليه المعصية، فكيف يجازيه عليها؟ وهكذا سوّل لهم الشيطان.\rوالله ﷾ أخبرنا أن هذه الحجة قديمة، قال تعالى: سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا [الأنعام:١٤٨] ويقول الله ﷿ في سورة النحل: كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ [النحل:٣٥،٣٦] وقال في الأنعام: قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ [الأنعام:١٤٩] ثُمَّ قَالَ: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ [الأنعام:١٥١] فالله تَعَالَى ذكر هذه الشبهة وردّ عليها بأنه لو كَانَ يلزم من ذلك أنه أراد الشرك -يعني قضاه وقدره- لما أرسل الأنبياء، ولما أقام الحجة البالغة.\rقَالَ المُصنِّفُ رحمة الله:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688968,"book_id":1659,"shamela_page_id":94,"part":null,"page_num":94,"sequence_num":94,"body":"[وإن كَانَ العبد عاجزاً عن معرفة عض ذلك أو العمل به فلا ينهى عما عجز عنه مما جَاءَ الرَّسُول ﷺ بل حسبه أن يسقط عنه اللوم لعجزه، لكن عليه أن يفرح بقيام غيره به ويرضى بذلك ويود أن يكون قائماً به، وأن لا يؤمن ببعضه ويترك بعضه بل يؤمن بالكتاب كله، وأن يصان عن أن يدخل فيه ما ليس منه من رواية أو رأي، أو يتبع ما ليس من عند الله اعتقاداً أو عملاً كما قال تعالى: وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُون [البقرة:٤٢] وهذه كانت طريقة السابقين الأولين وهي طريقة التابعين لهم بأحسان إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وأولهم السلف القديم من التابعين الأولين ثُمَّ من بعدهم، ومن هَؤُلاءِ أئمة الدين المشهود لهم عند الأمة الوسط بالإمامة] .\rالشرح:\r\rإن الذي ينبغي عَلَى المسلم أن يتفقه في دينه، ويعرف تفاصيل معتقده عَلَى وفق منهج الأنبياء، فإذا قال أحد: أنا لا أستطيع الاعتقاد المفصل، ولا أستطيع أن أعتقد بجميع أحاديث العقيدة، وبآياتها وأجمع بين المتعارضات منها، خاصة في موضوع القدر والصفات، فنقول له: العاجز عن ذلك قد يسقط عنه لعجزه، لكن لا يجوز لك أن تحارب أو تعادي أو تلوم من قال بهذا الأمر، وإنما ينبغي عليك أن تؤيده وتناصره وتتعلم منه ما استطعت، وأن تفرح بقيام غيرك به؛ لأن هذا من باب الدفاع عن الدين، ومن ذلك: معرفة الفِرَقْ، فكثير من النَّاس لا يريد أن يتعلم الفرق، ويكره أن يعرف عنها شيئاً، فنقول له: إن لم تتعلم فعليك ألا تعايش شيئاً من هذه الفرق، وألا تعيب عَلَى من تصدى لها، بل عليك أن تفرح إذا وجد في الأمة من يتصدى لهذه الفرق، ويحارب هذه الضلالات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688969,"book_id":1659,"shamela_page_id":95,"part":null,"page_num":95,"sequence_num":95,"body":"ومما يجب عَلَى من لم يستطع الإيمان المفصل: أن يؤمن بالكتاب كله ويسلم له ولا يؤخذ بعضه ويترك البعض الآخر، وقد سبق أن ذكرنا في موضوع تعارض العقل والنقل أنهم لا يعارضون النقل بالعقل دائماً، وإنما يعارضون به في المواضع التي يرون وجوب التأويل فيها، وإعمال العقل فيها فقط، وهذا يتنافى مع التسليم، فإنه ليس هناك مواضع يجب أن نسلم فيها، ومواضع لا نسلم فيها بل نؤولها ونحكِّم العقل فيها، بل يجب علينا أن نسلم ونؤمن بالجميع ونؤمن بالكتاب الذي أنزله الله ﷾ كله.\rوإذا كنا نعرف أن الوحي هو نعمة الله الكبرى عَلَى العالمين، وتخيلنا بأذهاننا كيف يكون حال البشرية لو أن الله لم ينزل هذا الوحي عَلَى مُحَمَّد ﷺ؟\rفإننا لا نستطيع أن نحصر الضلالات والشركيات في الأرض اليوم مع وجود الوحي فكيف مع عدم وجود الوحي، فإن العالم فيه أمم تعبد أنواعاً من المعبودات مما لا يكاد الخيال يصدقه، حتى حدثني بعض الإخوة ممن ذهبوا إِلَى الهند أنهم وجدوا فيها أقواماً يعبدون الذر الصغير - فسُبْحانَ اللَّه - إذا كَانَ هذا حال البشرية مع وجود هذا النور وهذا الوحي، فكيف لو لم ينزل هذا النور وهذا الوحي المبين؟!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688970,"book_id":1659,"shamela_page_id":96,"part":null,"page_num":96,"sequence_num":96,"body":"فيجب أن نقدر هذا الوحي حق قدره، فلا ندخل فيه ما ليس منه، فكل حديث موضوع ننزه عنه الشريعة وننزه عنه الرسل، ولا تجوز روايته إلا عَلَى سبيل بيانه للناس، وكذلك تنزهه عن الآراء، فهو بذاته محفوظ بإذن الله تعالى، وقد كانت طريقة علماء السلف من التابعين ومن بعدهم هي اتباع السبيل، والحذر الشديد من البدع وأهلها، ولذلك كانوا رحمهم الله تَعَالَى لا يجادلون أهل البدع، بل إنهم يرفضون أن يكلموهم أصلاً، حتى أن أيوب السختياني رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ عرض عليه أن يسمع من بعض أهل البدع كلمة فقَالَ: لا ولا نصف كلمة وخرج وتركه، وبلغ بعض علماء السلف بدعة من بعض النَّاس فأقسم بالله أنه لا يؤيه وإياه سقف واحد إلا سقف المدينة.\r\rوقيل إن الحسن البصري رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى كما روى عنه الآجري في كتاب الشريعة، جاءه رجل وقال له تعال يا حسن أناظرك، فَقَالَ الحسن ﵁: \"أما أنا فقد عرفت ديني، وأما أنت فإن كنت أضللت دينك، فاذهب فالتمسه حيث شئت \".\r\rوجاء آخر إِلَى الإمام مالك فقال له: تعال أناظرك.\r\rفَقَالَ له مالك: أرأيت إن غلبتني؟\rقَالَ: اتبعتني، قال: فإن اتبعتك، فجاء رجل ثالث فغلبني وإياك.\r\rقَالَ: نتبعه، قَالَ: سبحان لله! إن دين الله واحد أنزله عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ وأمرنا باتباعه قصداً، فقد قال عمر بن عبد العزيز ﵁: \"من جعل دينه عرضة للخصومات أكثر التنقل \" فمتى يثبت وعلى أي دين يستقر.\rقَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688971,"book_id":1659,"shamela_page_id":97,"part":null,"page_num":97,"sequence_num":97,"body":"[فعن أبي يوسف رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى أنه قال لبشر المريسي: العلم بالكلام هو الجهل، والجهل بالكلام هو العلم، وإذا صار الرجل رأساً في الكلام قيل: زنديق، أو رمي بالزندقة. أراد بالجهل به اعتقاد عدم صحته، فإن ذلك علم نافع، أو أراد به الإعراض عنه أو ترك الالتفات إِلَى اعتباره. فإن ذلك يصون علم الرجل وعقله فيكون علماً بهذا الاعتبار. والله أعلم.\rوعنه أيضاً أنه قَالَ: من طلب العلم بالكلام تزندق، ومن طلب المال بالكيمياء أفلس، ومن طلب غريب الحديث كذب.\rوقال الإمام الشَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في العشائر والقبائل، ويقَالَ: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل عَلَى الكلام.\rوقال أيضاً رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:\rكل العلوم سوى القُرْآن مشغلة إلا الحديث وإلا الفقه في الدين\rالعلم ما كَانَ فيه قال حدثنا وما سوى ذاك وسواس الشياطين\rوذكر الأصحاب في الفتاوى: أنه لو أوصى لعلماء بلده: لا يدخل المتكلمون، ولو أوصى إنسان أن يوقف من كتبه ما هو من كتب العلم، فأفتى السلف أن يباع ما فيها من كتب الكلام. ذكر ذلك بمعناه في الفتاوى الظهيرية.\rفكيف يرام الوصول إِلَى علم الأصول، بغير اتباع ما جَاءَ به الرسول؟!\rولقد أحسن القائل:\rأيها المغتدي ليطلب علما كل علم عبد لعلم الرسول\rتطلب الفرع كي تصحح أصلا كيف أغفلت علم أصل الأصول\r]\rالشرح:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688972,"book_id":1659,"shamela_page_id":98,"part":null,"page_num":98,"sequence_num":98,"body":"يذكر المُصنِّفُ ﵀ كلام السلف والتابعين، ويحتج بأقوال الأئمة المتبوعين الذين يحتج بكلامهم،، وربما قدمه البعض منهم عَلَى أحاديث صحيحة ثابتة عن النبي ﷺ في الفروع، أو في المعاملات ونحو ذلك، فإذا جَاءَ إِلَى علم أصول الدين الذي هو أجل وأشرف من الفروع رمى بما قاله إمامه، وما ثبت عن السلف، واتبع كلام علماء الكلام، ولذلك ظهرت ازدواجية ثلاثية فتجد أحدهم علىعقيدة الأشعري، وفقه مالك وطريقة نمير كما قال أحد المتأخرين في منظومة له فوصل الأمر بهم إِلَى هذا الحد فسُبْحانَ اللَّه! كَانَ المُصنِّفُ ﵀ يريد أن يقول: إن كنتم صادقين أنكم تتبعون مالكاً والشَّافِعِيّ وأبا حنيفة فهذا كلامهم في أصول الدين وهو أعظم من الفروع، وهذا منهجهم في العبادة، ولا يقول أحد من أئمة النقد وعلم الرجال والجرح والتعديل أن ابن المودع أفضل من مالك في العبادة وأكثر منه اتباعاً للسنة، وكما يقول آخر: الفقه فقه أبي حنيفة، والدين دين مُحَمَّد بن كرَّام، فكان كرامياً في العقيدة لكنه حنفي في الفروع، فهذه الازدواجية، هي التي فرقت الأمة، وإلا فإن الأئمة الأربعة رضوان الله تَعَالَى عليهم أجمعين، وباقي الأئمة المتبوعين هم في أصول الدين سواء عَلَى عقيدة السلف إلا فيما ندر من بعض المسائل، كالإمام أبي حنيفة رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى في الإيمان كما سيأتي. وهذه من بدع الأقوال لا من بدع الأعمال كما قال الإمام أَحْمَد ﵀، فالأئمة الأربعة هم في أصول الدين ولله الحمد عَلَى مذهب واحد، وهو مذهب السلف والفرقة الناجية: أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ الذين هم أصحاب النبي ﷺ ومن سار عَلَى منهاجهم.\rموقف الإمام أبو يوسف من علم الكلام","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688973,"book_id":1659,"shamela_page_id":99,"part":null,"page_num":99,"sequence_num":99,"body":"وقد ذكر المُصْنِّف ﵀ قول أبي يوسف الإمام المشهور المعروف -وهو تلميذ أبي حنيفة ﵀ لبشر المريسي الذي كَانَ أبوه يهودياً، ودخل في دين الإسلام ليفسده عَلَى أهله، كما قالت أمه كما نقله الإمام الدارمي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في رده عَلَى ـبشر المريسي، وقد اشتهر بشر بالضلالة وكان تلميذاً لأبي يوسف، فَقَالَ له أبو يوسف هذه العبارة: العلم بالكلام هو الجهل، والجهل بالكلام هو العلم.\rفهذا أبو يوسف الذي كَانَ في وقته متهماً من قبل العلماء -في الفروع فقط- لأنه من أهل الرأي، وينصر مذهب أهل الرأي، وهذا كلامه في المبتدعة في أصول الدين، فما بالك بكلام الذين يتمسكون بمنهج أهل السنة والحديث في الأصول والفروع! وكما قيل: من طلب علم الكلام تزندق. وقد ذكر المُصْنِّف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى الأقوال عن علماء الكلام أنفسهم في ذم علم الكلام وأهله، وأنه لم يحصد منه إلا الحيرة والشك والندامة باعتراف أصحابه أنفسهم فضلاً عن غيرهم.\r\rوممن نقل عنهم ذلك الرازي والجويني وأبو حامد الغزالي، وغيرهم، وقوله: \"من طلب العلم بالكلام تزندق، ومن طلب المال بالكيمياء أفلس\" لأنه يضيّع ما معه من مال في شراء هذه المعادن وفي شراء الآلات، وفي النقل، وفي الغليان بدون فائدة.\r\rوقَالَ: \"ومن طلب غريب الحديث كذب\" أي أن الذي يتتبع الشواذ والروايات، فإنه يكذب كما حصل في العصور المتأخرة، حيث كَانَ الرجل يريد أن يثبت أن لديه سنداً عالياً إِلَى حافظ مثلاً، فيكذب ويجعل بينه وبين ذاك رجلاً واحداً أو رجلين.\r\rموقف الإمام الشافعي من علم الكلام","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688974,"book_id":1659,"shamela_page_id":100,"part":null,"page_num":100,"sequence_num":100,"body":"وقد نقل الحافظ ابن رجب ﵀ في كتابه فضل علم السلف عَلَى علم الخلف عن الشَّافِعِيّ أنه قَالَ: \"ما فسد النَّاس إلا لما تركوا لسان العرب، واتبعوا لسان أرسطو \"، فالمقصود أن الأمة الإسلامية إنما فسدت وانحرفت لما تركت المنهج الفطري، والمنطق العربي هو المنطق الفطري واللغة العربية هي لغة فطرية، ومنهجنا في الاستدلال فطري، ولغتنا فطرية، لا تكلف فيها ولا تعقيد، امتن الله تَعَالَى بها علينا فلماذا نعقد الأمور؟!.\rوهذه العبارة العجيبة من الشَّافِعِيّ ﵀ تدل عَلَى أن الإمام الشَّافِعِيّ قد خبر علم المنطق الذي جَاءَ به أرسطو، فعلماء السلف ليسوا يجهلون المنطق لا الشَّافِعِيّ ولا أَحْمَد ولا أبو يوسف، فقد كانوا يعرفونه، ولكنهم لما عرفوا حقيقة الموقف استغنوا عنه وهم مقتنعون تمام الاقتناع أنه لا حاجة لأي عاقل إليه، \"فلا يستفيد منه البليد ولا يحتاج إليه الذكي\"، فمن هذا المنطلق قال الشَّافِعِيّ وقال علماء السلف هذه المقول وليس كما يشترط المُصْنِّف هنا عندما يقول السلف: لم يحبوا التكلم بالجوهر والجسم والعرض لأنه السلاح البديل. أو لأنهم كانوا عاجزين عن فهمه، أو كانوا منشغلين بالجهاد والفتوحات، ولم يحرروا مسائل العقيدة ومسائل العلم والعبادة، هذه النظريات التي أكدها علماء اليونان وصلت إِلَى علماء الْمُسْلِمِينَ وترجموها\rواشتهر ذلك في عصر المأمون، وبناءً عليها ابتلي الإمام أَحْمَد في القول بخلق القرآن، وفي غيرها من الضلالات، كإذاعة أن الإيمان هو المعرفة القلبية المجردة، فجائتنا هذه الضلالات نتيجة نقل هذا العلم. ثُمَّ قال الإمام الشَّافِعِيّ ﵀ في المنسوب إليه:\r\rكل العلوم سوى القُرْآن مشغلة إلا الحديث وإلا الفقه في الدين\rالعلم ما كَانَ فيه قال حدثنا وما سوى ذاك وسواس الشياطين","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688975,"book_id":1659,"shamela_page_id":101,"part":null,"page_num":101,"sequence_num":101,"body":"وقال الإمام أَحْمَد ﵀ في تعريف أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ والطائفة المنصورة: \"إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم\"، وأهل الحديث هم الذين يتبعون الحديث وليس المراد بهم أنهم الذين يحكمون عَلَى متن الحديث والرجال ونحو ذلك ولو كانوا مبتدعة.\r\rموقف الأصحاب من هذا العلم\rقول المُصْنِّف ﵀ [قال الأصحاب] إذا قَالَ: الحنفي، قال الأصحاب، أي: فقهاء الحنفية، وإذا قال ابن قدامة في المغني قال أصحابنا فيعني علماء مذهب الحنابلة، وإذا قال في شرح المنهاج قال الأصحاب يعني: علماء الشافعية.. وهكذا، ولأنالشارح حنفي ولأن الحنفية أكثر المذاهب إتباعاً، وقد كثرت فيهم هذه الضلالات فننبه إِلَى ما هو موجود في كتبهم، فيقول المصنف: قال الأصحاب في الفتاوى: أنه لو أوصى لعلماء بلده بشيء فلا يدخل في ذلك المتكلمون، فعالم الكلام لا يدخل في ركب العلماء، فهو يشتغل في الجدل وفي المناظرات والمنطق، ولا تدخل كتبهم في كتب العلم فلو أن رجلاً قَالَ: كتبي كلها وقف لمكتبة الحرم، فننظر فما كَانَ من كتب الفقه والحديث والأصول والمصطلح، ونحو ذلك أدخلناه، وما كَانَ من كتب الجاهلية والفلسفة ونحو ذلك رميناه، إذاً فأصحاب علم الكلام لا يدخلون في العلماء ولا كتبهم تدخل في كتب العلم، ثُمَّ بعد ذلك ننتقل إِلَى موضوع أن نبينا مُحَمَّد ﷺ أوتي جوامع الكلم.\rقَالَ المُصنِّفُ ﵀:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688976,"book_id":1659,"shamela_page_id":102,"part":null,"page_num":102,"sequence_num":102,"body":"[ونبينا ﷺ أوتي فواتح الكلام وخواتمه وجوامعه، فبعث بالعلوم الكلية والعلوم الأولية والآخرية عَلَى أتم الوجوه، ولكن كلما ابتدع شخص بدعة اتسعوا في جوابها، فلذلك صار كلام المتأخرين كثيرا قليل البركة، بخلاف كلام المتقدمين، فإنه قليل، كثير البركة \" لا \" كما يقول ضلال المتكلمين وجهلتهم: إن طريقة القوم أسلم، وإن طريقتنا أحكم وأعلم وكما يقول من لم يقدّرهم قدرهم من المنتسبين إِلَى الفقه: أنهم لم يتفرغوا لاستنباطه، وضبط قواعده، وأحكامه، اشتغالاً منهم بغيره! والمتأخرون تفرغوا لذلك فهم أفقه!! فكل هَؤُلاءِ محجوبون عن معرفة مقادير السلف، وعمق علومهم، وقلة تكلفهم، وكمال بصائرهم، وتالله ما امتاز عنهم المتأخرون إلا بالتكلف والاشتغال بالأطراف، التي كانت همة القوم مراعاة أصولها، وضبط قواعدها، وشد معاقدها، وهممهم مشمرة إِلَى المطالب العالية في كل شيء، فالمتأخرون في شأن، والقوم في شأن آخر وقد جعل الله لكل شيء قدرا]\rالشرح:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688977,"book_id":1659,"shamela_page_id":103,"part":null,"page_num":103,"sequence_num":103,"body":"رحم الله المصنف! فقد أتى بكلام عظيم حتى نعرف قدر النبي ﷺ، وقدرالسلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان، والأئمة الذين كَانَ كلامهم درراً وإمامهم هو مُحَمَّد ﷺ عبد الله ورسوله الذي بعث بهذه الشريعة العظيمة، وأوتي جوامع الكلم كما في الحديث الصحيح: ((أعطيت جوامع الكلم) فكلام النبي ﷺ بالضد والنقيض لكلام هَؤُلاءِ الفلاسفة والمناطقة، الذين يتكلمون بالكلام الطويل المعقد من أجل قضية مدنية، بينما رَسُول الله ﷺ بعثه الله ﷾ بجوامع الكلام يقول قولاً واحداً، أو جملة واحدة، فتكون منهاجاً ودستوراً إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وبآلافٍ من آحاد القضايا والوقائع العينية، والأمثلة عَلَى ذلك كثيرة من أحاديث النبي ﷺ فمثلاً يقول النبي ﷺ: (كل بدعة ضلالة) فما أوجز هذه العبارة، ويدخل فيها كل ما يمكن أن يحدث في الدين، فكل بدعة أياً كانت ضلالة، وهذه العبارة قاعدة تشمل آلاف الوقائع، ومثل ذلك في الفقه قوله ﷺ: (لا ضرر ولا ضرار) وهذه العبارة البسيطة لو تأملها الإِنسَان لعجب، فأنت تحتاجها عندما تحكم بين اثنين، أو تصلح في أي قضية، أو تحكم في أي مسألة، وهكذا، ومثل ذلك في التعبد قوله ﷺ: (الدين النصيحة) فبهذه الكلمة نذكر كل ما أمر الله به ورسوله ﷺ، وفسر هذه الكلمة فقَالَ: (لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة الْمُسْلِمِينَ وعامتهم) وهكذا أمثلة كثيرة من أحاديث النبي ﷺ تدل عَلَى أنه بعث بجوامع الكلم، عبارات وألفاظ وكلمات محدودة لكنها جامعة لمعانٍ عظيمة.\rكلام المتأخرين كثير قليل البركة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688978,"book_id":1659,"shamela_page_id":104,"part":null,"page_num":104,"sequence_num":104,"body":"لو اجتمع أهل الأرض جميعاً، وأعملوا عقولهم عَلَى أن يأتوا بمثل هذا الإعجاز، ومثل هذه الذكرى ومثل هذا الشمول، واقتراب القاعدة لجميع الوقائع لعجزوا عن ذلك عجزاً بيناً، وفوق ذلك عجزهم عن كتاب الله ﷾ فهو أعظم.\rثُمَّ إن السلف الصالح كانوا كذلك، وكما سبق أن تحدثنا في مبحث الفرق، فالخوارج والقدرية والشيعة وجدوا في عهد السلف الصالح، وكذا المرجئة وجدوا أواخر عهد التابعين.\r\rفرد عليهم علماء السلف بكلمات قليلة ولكنها مفحمة غاية الإفحام، لكن المتأخرين لو أراد أحدهم أن يرد عَلَى الخوارج فقد يؤلف مجلدات، فتقرأها ولا تكاد تحصد منها شيئاً، لكن تجد أن ابن عباس ناظر الخوارج، فرجع ابن عباس ومعه الآلاف إِلَى معسكر عَلِيّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ بهذه الكلمات.\r\rوبهذا نعرف فضل علماء الصحابة والسلف رضوان الله تَعَالَى عليهم، فكانت كلما تهم من الجوامع بالنسبة لمن جَاءَ بعدهم، فكانت قليلة العبارات كثيرة البركة، فعندما يناظرون القدرية أو الشيعة أو أية فرقة فإنهم يأتون بعبارة واحدة موجزة، أو عبارتين فتغني عما وراءها وتكفي وتشفي من أراد الشفاء بإذن الله ﷾.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688979,"book_id":1659,"shamela_page_id":105,"part":null,"page_num":105,"sequence_num":105,"body":"وأما المتأخرون فتعمقوا وتنطعوا، ولما جَاءَ رجل إِلَى الإمام مالك وقال له: كيف استوى؟ قال له عبارات ما زلنا نستخدمها إِلَى الآن في جميع الصفات، وإذا تحدثنا عن صفات الله ﷿ فلو ألفنا كتباً ما خرج كلامنا عن هذه العبارات التي قالها الإمام مالك وهي: \"الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة \" سُبْحانَ اللَّه! كيف أعطاهم الله ﷿ هذا الملكة لأنهم كانوا يتلون كتاب الله ﷿ حق تلاوته، ويؤمنون بحديث النبي ﷺ، فبالإيمان فجَّر الله ﷾ في قلوبهم ينابيع الخير والتقوى والعلم النافع، وأعطاهم فراسة المؤمن وقوة النظر، فيأتون بهذه العبارات الجامعة الدقيقة، فمهما خضنا في الصفات فنحن لا نتكلم في أي صفةٍ إلا عَلَى ضوء هذه القواعد الأربع، لأن معانيها واضحة جلية لكل أحد أما أن كيفيتها مجهولة فلأننا نجهل ذاته ﷾ وإذا جهلنا ذاته جهلنا صفاته، وأما أن السؤال عنها بدعة فكل الطوائف التي خالفت ما أخبر به الله ورسوله فهي طوائف بدعية، وهذا من الأدلة الكثيرة الدلالة عَلَى ما ذكره المُصْنِّف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى من فضل السلف.\r\rولذلك عندما نقول ويقول كل مؤمن بالله وبرسوله: إن علينا أن نتبع آثارهم وأن نقتفي خطاهم، وننظر فيما خاضوا فيه فنخوض في كل ما خاضوا، وما سكتوا عنه نسكت عنه، وما أجابوا عنه بجواب فإننا نجيب عليه بمثل ما أجابوا، حينئذٍ نعرف أن هذا هو الصواب، كما فعل البُخَارِيّ ﵀ في باب الإيمان عندما رد علىالمرجئة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688980,"book_id":1659,"shamela_page_id":106,"part":null,"page_num":106,"sequence_num":106,"body":"يقوليزيد اليانق: سألتأبا وائل شقيق بن سلمة وهو التابعي المشهور تلميذ ابن مسعود رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ عن المرجئة فقَالَ: حدثني عبد الله -وهو ابن مسعود - أن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر) انتهت العبارة وانتهى الجواب وفهم السامع، ونستخرج من هذه العبارات أعظم رد عَلَى المرجئة، وأمثلة كثيرة جداً، فانظر! كيف كَانَ رد هَؤُلاءِ العلماء، وكيف أوتوا هذه المقدرة العقلية الهائلة.\rفالذين يقولون مثلاً في الفقه: إننا أفقه من الصحابة لأن الصحابة كانوا مشغولين بالجهاد، ولم يتفرغوا لاستنباط القواعد الفقهية ولم يعرفوا أصول علم الفقه، فلما أتينا وضعنا قواعد أصولية نستطيع من طريقها معرفة الدليل، فهَؤُلاءِ في الحقيقة ما قدروا الصحابة حق قدرهم.\r\rإن الاشتغال بما ورد عن الصحابة رضى الله عنهم، وتتبع فقههم وآثارهم، تُنزل عَلَى صاحبها الحكمة بإذن الله ﷾، فأصحاب مُحَمَّد ﷺ كانت الأمور تأتيهم عَلَى الفطرة، ويفهمون ما يقوله رَسُول ﷺ عَلَى الفطرة، فعرفوه علماً وجاهدوا عليه عملاً، ودعوا إليه ثُمَّ ماتوا وهم ثابتون عليه ﵃ أجمعين.\rفمن قال من أهل علم الكلام: إن علم السلف أسلم ونحن أعلم وأحكم، فهذا ضال مضل، وقد أساء وظلم نفسه، ولم يرع ما قال ﷾ من الثناء عَلَى أصحاب النبي ﷺ، وأئمة السلف، فإن الله ﷾ إنما جعل لنا الخير في أن نتبع هَؤُلاءِ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ [التوبة:١٠٠] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688981,"book_id":1659,"shamela_page_id":107,"part":null,"page_num":107,"sequence_num":107,"body":"ويقول ﷾: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا [الحشر:١٠] وهَؤُلاءِ يقولون: نَحْنُ أعلم وأحكم.\r\rوأهل السنة يؤمنون أنه لو أنفق الإِنسَان المسلم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه، كما صح ذلك عن النبي ﷺ؛ وهو إنما خاطب به خالد بن الوليد وأمثال خالد، وهو صحابي أيضاً بالنسبة لمن آمن قبل الفتح، فالخطاب في هذا الحديث إنما هو لأولئك الذين أسلموا بعد الفتح، أو ممن كَانَ من المفضولين بالنسبة لفاضلهم ولسابقهم ولمتقدمهم.\rفما بالك بالتابعين؟ فكيف بأتباعهم؟! فكيف بمن أتى بعدهم من القرون المتأخرة بعد القرون الثلاثة التي ظهر فيها قول الزور وأصبحوا يتهوكون في البدع، وتتجارى بهم الأهواء، كما يتجارى الكَلَبُ بصاحبه -كما ورد في الحديث عن النبي ﷺ؟!!.\r\rإن المجوس والبوذيين وغيرهم هم في الحقيقة ما قدروا الله حق قدره بعدم تقديرهم رسول الله حق قدره، أو الصحابة حق قدرهم، فالذين يقولون مثلاً في الفقه: إننا أفقه من الصحابة لأن الصحابة كانوا مشغولين بالجهاد ولم يتفرغوا لاستنباط القواعد الفقهية وما عرفوا أصول علم الفقه، فلما أتينا وضعنا قواعد أصولية نستطيع من طريقها معرفة الدليل، فهؤلاء في الحقيقة ما قدروا الصحابة حق قدرهم.\rإن الاشتغال بما ورد عن الصحابة رضى الله عنهم وتتبع فقههم وآثارهم تنزل على صاحبها الحكمة بإذن الله ﷾، فأصحاب محمد ﷺ كانت الأمور تأتيهم على الفطرة ويفهمون ما يقوله رسول ﷺ على الفطرة فعرفوه علماً وجاهدوا عليه عملاً، ودعوا إليه ثم ماتوا وهم ثابتون عليه ﵃ أجمعين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688982,"book_id":1659,"shamela_page_id":108,"part":null,"page_num":108,"sequence_num":108,"body":"فمن قال من أهل علم الكلام: إن علم السلف أسلم ونحن أعلم وأحكم، فهذا ضال مضل، وقد أساء وظلم نفسه، ولم يرع ما قال ﷾ من الثناء على أصحاب النبي ﷺ، وأئمة السلف، فإن الله ﷾ إنما جعل لنا الخير في أن نتبع هؤلاء وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ [التوبة: ١٠٠] .\r\rويقول ﷾: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) [الحشر:١٠] وهؤلاء يقولون: نحن أعلم وأحكم.\r\rوأهل السنة يؤمنون أنه لو أنفق الإنسان المسلم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه، كما صح ذلك عن النبي ﷺ؛ وهو إنما خاطب به خالد بن الوليد وأمثالخالد، وهو صحابي أيضاً بالنسبة لمن آمن قبل الفتح، فالخطاب في هذا الحديث إنما هو لأولئك الذين أسلموا بعد الفتح، أو ممن كان من المفضولين بالنسبة لفاضلهم ولسابقهم ولمتقدمهم.\r\rفما بالك بالتابعين؟ فكيف بأتباعهم؟!! فكيف بمن أتى بعدهم من القرون المتأخرة بعد القرون الثلاثة التي ظهر فيها قول الزور وأصبحوا يتهوكون في البدع، وتتجارى بهم الأهواء كما يتجار الكلب بصاحبه كما ورد في الحديث عن النبي ﷺ.\rقال المصنف رحمه الله تعالى:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688983,"book_id":1659,"shamela_page_id":109,"part":null,"page_num":109,"sequence_num":109,"body":"[وقد شرح هذه العقيدة غير واحد من العلماء، ولكن رأيت بعض الشارحين قد أصغى إلىأهل الكلام المذموم، واستمد منهم، وتكلم بعباراتهم، والسلف لم يكرهوا التكلم بالجوهر والجسم والعرض ونحو ذلك لمجرد كونه اصطلاحاً جديداً على معان صحيحة، كالاصطلاح على ألفاظ لعلومٍ صحيحة، ولا كرهوا أيضاً الدلالة على الحق، والمحاجة لأهل الباطل، بل كرهوه لاشتماله على أمورٍ كاذبة مخالفة للحق، ومن ذلك مخالفتها للكتاب والسنة، ولهذا لا تجد عند أهلها من اليقين والمعرفة ما عند عوام المؤمنين، فضلاً عن علمائهم ولاشتمال مقدماتهم على الحق والباطل، كثر المراء والجدال، وانتشر القيل والقال، وتولد لهم عنها من الأقوال المخالفة للشرع الصحيح والعقل الصريح ما يضيق عنه المجال، وسيأتي لذلك زيادة بيان عند قوله: [فمن رام علم ما حظر عنه علمه..] .\r\rوقد أحببت أن أشرحها سالكاً طريق السلف في عباراتهم، وأنسج على منوالهم، متطفلاً عليهم، لعلي أن أُنظم في سلكهم، وأدخل في عدادهم، وأحشر في زمرتهم مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقا [النساء:٦٩] ولما رأيت النفوس مائلة إلى الاختصار، آثرته على التطويل والإسهاب وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود: ٨٨] وهو حسبنا ونعم الوكيل] اهـ.\rالشرح:\rانظر إلى هذا التواضع من المصنف بالنسبة لمن يقولون: نحن أعلم وأحكم حيث يقول: [وقد أحببت أن أشرحها سالكاً طريق السلف في عباراتهم، وأنسج على منوالهم، متطفلاً عليهم، لعلي أن أنظم في سلكهم، وأدخل في عدادهم، واحشر في زمرتهم] .\rونحن نسأل الله تعالى أن ننظم في سلكهم، وندخل في عدادهم، ونحشر في زمرتهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688984,"book_id":1659,"shamela_page_id":110,"part":null,"page_num":110,"sequence_num":110,"body":"يذكر المصنف رحمه الله تعالى أن هذه العقيدة -يعني عقيدة الإمام الطحاوي أبي جعفر - شرحها غير واحد، لكن بعض من شرحها أصغى إلى أهل الكلام المذموم، كما في معنى الربوبية، ونقل ما فهمه من قول الإمام الطحاوي: [ولاتحويه الجهات الست كسائر المبتدعات] ، فقال: هو قولنا: لا داخل العالم ولا خارجه، ولا يمينه ولا شماله، ولا فوقه ولا تحته.\rملاحظات ابن أبي العز حول الشروحات السابقة\rوجد المُصْنِّف من شرح عقيدة الإمام الطّّحاويّ شرحاً أشعرياً ماتريدياً، فنبه الشارح هنا إِلَى أنه لما رآهم مالوا وشرحوها هذا الشرح أحب هو أن يشرحها شرحاً سلفياً.\rفما قالوا في هذه المواضع وفي غيرها خطأ، أو أوّلوا كلامه عَلَى غير ما أراده الطّّحاويّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فإننا ننبه عَلَى الخطأ.\rولا نقول إن أحداً معصوم إلا رَسُول الله ﷺ.\rوممن شرح هذه العقيدة ابن منكوبه ولا أحفظه إلا مخطوطاً، حيث شرحها شرحاً ماتريدياً.\rوممن فسرها تفسيراً أشعرياً ابن السبكي في طبقات الشافعية، وهو كتاب عظيم في التراجم وتاريخ العلماء ومؤلفاتهم، ولكنه أشعري متعصب -غفر الله لنا وله- فهو شديد التعصب عَلَى أن لديه علماً وفضلاً كأبيه، لكن وقع منه -أي: من أبيه- الحسد لشَيْخ الإِسْلامِابْن تَيْمِيَّةَ، حتى جره ذلك إِلَى التعصب لغير عقيدة السلف.\rفلما جَاءَ ابن السبكي صاحب الطبقات إِلَى ترجمة أبي الحسن الأشعري أثبت أن الأشعري مات عَلَى عقيدةالأشاعرة مع أنه رجع عنها.\rثُمَّ عقد مقارنة بين عقيدة الأشعري وبين عقيدة الطّّحاويّ، ليثبت أن الكلام متطابق، وأن الاثنين متفقان.\rوالعجيب أنه ذكر في مواضع الافتراق مواضع كثيرة جداً فوق العشرين، وعبارة العقيدة الطحاوية مائة جملة تقريباً، وبعض الجمل فيها مكررة، فإذا كَانَ الأشعري يختلف معه في ذلك، فأين الاتفاق أصلاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688985,"book_id":1659,"shamela_page_id":111,"part":null,"page_num":111,"sequence_num":111,"body":"فهو يريد أن يجعل العقيدة الطحاوية -وهي عقيدة مشهورة، ومجمع عَلَى فضلها بين الناس- هي عقيدة الأشعرية، ومعلوم أن عقيدة أبي الحسن الأشعري، ليست موافقة لعقيدة أبي جعفر الطّّحاويّ.\rولذلك رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: أنا أشرحها سالكاً منهج السلف.\r\rكراهية السلف للتكلم بالكلمات المجملة\rثُمَّ قَالَ: إن السلف لم يكرهوا التكلم في العرض والجوهر والحيز والجسم لأنه اصطلاح جديد، وإنما لأنها تشتمل عَلَى أمور كاذبة، وهذه قضية مهمة لئلا يأتي معترض ويقول: لماذا تنكرون عَلَى علم الكلام، ولا تنكرون عَلَى غيره من العلوم المستحدثة كعلم النحو وعلم الأصول، فالعرب كانوا يتكلمون اللغة بدون معرفة مبتدأ ولا خبر، ولا نواسخ، ولا مضاف ومضاف إليه، والفقهاء كانوا يقولون حرام وحلال، ولم يكونوا يعرفون الأحكام التكليفية والوضعية، والعلة والمناط، وغير ذلك من مباحث علم الأصول.\rفنحن جئنا بمثل ما جَاءَ به النحويون وضبطنا العقيدة، فوضعنا جسم وعرض، وحيز وجوهر، وتركيب وغير تركيب، أتينا بها حتى نفهَّم النَّاس العقيدة.\rوقالت الصوفية: نَحْنُ أتينا ورتبنا طريق السلوك، وجعلنا له مقامات، وأحوالاً، والحال له تعريف، والمقام له تعريف، وكيف نجمع بين هذا المقام وهذا الحال، فما أتينا إلا بمصطلحات نُفهم النَّاس كيف كَانَ الصحابة يتعبدون.\r\rفرد عليهم المُصْنِّف هذه الشبهة فقَالَ: [السلف لم يكرهوا ذلك لمجرد كونه اصطلاحات جديدة عَلَى معان جديدة، لكن أنكروا عليهم لأنها تشتمل عَلَى أمور كاذبة، ولأنها عبارات منقولة عن مشركي اليونان والمجوس، وتعبر عن عقائد جاهلية قديمة باطلة، وكل مصطلح منها له دلالة تختلف عند أهله عنها في لغة العرب.\rفالجسم في لغة العرب غير الجسم في تعريف المناطقة ... وهكذا بقية الأمور كالعرض، والجوهر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688986,"book_id":1659,"shamela_page_id":112,"part":null,"page_num":112,"sequence_num":112,"body":"فهي تعبر عن عقائد زائفة، وتشتمل عَلَى مقدمات باطلة، وتؤدي إِلَى نتائج كاذبة مبتدعة في الدين، لم يكن عليها السلف الصالح رضوان الله تَعَالَى عليهم، وإنما انتشر القيل والقال والجدال لما انتشرت مثل هذه الأقوال، وإلا فإن النبي ﷺ دعا النَّاس إِلَى عبادة الله ﷾، ودعا أصحابه النَّاس فأدخلوهم في دين الله، وأقنعوهم إقناعاً عقلياً حتى ولد منهم أكبر الدعاة إِلَى الله، وأكبر العلماء المؤلفين كالإمام البُخَارِيّ وغيره، فما أقنعوهم وناظروهم وأفهموهم بالمنطق اليوناني، وإنما أفهموهم بمنطق الوحي الذي يعطي الحجة، فيأتونهم بالوحي والمحجة الواضحة.\rكما مر أن الرَّسُول ﷺ علمنا منهج الدعوة، فكتب إِلَى هرقل عظيم الروم: هرقل عظيم الروم، أسلم تسلم، فإن أبيت فإنما عليك إثُمَّ الأريسيين) ثُمَّ كتب: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران:٦٤] وختم الكتاب.\r\rوهذه الآية تهدم جميع المعتقدات التي كانت تدين بها الإمبراطورية الرومية وأولها: وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً كَانَ الرومان يعبدون الإمبراطور، وكانوا يتلقون عن الأحبار والرهبان في الدولة كما قال تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ [التوبة:٣١] ولذلك لما جاءت هذه الآيات وهذا الكتاب إِلَى هرقل هزته -وهو أعظم ملوك الأرض- وأيقن أن النبي ﷺ عَلَى الحق، ولولا أنه آثر الدنيا عَلَى الأخرى لآمن بالله واتبع النبي ﷺ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688987,"book_id":1659,"shamela_page_id":113,"part":null,"page_num":113,"sequence_num":113,"body":"هذا هو أسلوب الدعوة الصحيح، أن ندعوهم بمنطق القرآن، لا أقول: نكتب الآية فقط! لكن نشرح الآية شرحاً فنوضح حجة القُرْآن للناس فهي التي تقنعهم، فإن لم تقنعهم فلا أقنعهم الله ﷿، وإن لم تهدهم فلا هداهم الله ﷿ فإننا أمرنا أن ندعوهم قال تعالى: قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْي [الأنبياء:٤٥] فننذر النَّاس أيضاً بالوحي، فمن آمن به واهتدى فالْحَمْدُ لِلَّهِ، ومن لم يهتد فإنما علينا البلاغ؛ بل نقول: يارب، بلغناهم ما أوحيت به إلينا فكفروا، لكن لو أنذرناهم بمنطقهم وبفلسفاتهم وجدالهم، فبم نجيب ربنا يَوْمَ القِيَامَةِ إذا قال لِمَ لم تنذروهم بالوحي، وأنا قلت للنبي ﷺ: قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْي [الأنبياء:٤٥] وأنتم تقولون أنكم من اتباع النبي ﷺ؟ فنسأل الله ﷿ أن يرزقنا البصيرة في الدين، وأن يجعلنا من المتبعين له ولأصحابه، المتمسكين بسنته السائرين عَلَى منهجه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688988,"book_id":1659,"shamela_page_id":114,"part":null,"page_num":114,"sequence_num":114,"body":"شرح العقيدة الطحاوية\rالأسماء والصفات\rفضيلة الشيخ د. سفر بن عبد الرحمن الحوالي\r\rموضوع التشبيه وما يتعلق به من أهم الموضوعات التي خاض فيها النَّاس قديماً وحديثاً، ولا يزالون يخوضون وفي ربهم يختصمون.\rفمنهم: من يشبه المخلوق بالخالق ﷾.\rومنهم: من يشبه الخالق ﷾ بالمخلوق.\rومنهم: من ينفي بعض صفات الله ﷾ أو كلها بدعوى التشبيه.\rومنهم: من يثبت إثباتاً مغالياً فيه، فيقع في التشبيه وهو يظن أنه من أهل الإثبات.\rومنهم: من يشتط ويغلو في نفي الشبيه عن الله ﷾، ولكنه ينفي بذلك ما ثبت وصح لله ﷾ من الأسماء والصفات.\rوهذا الموضوع جدير بأن نتأمله ونتفهمه ونعيه، فإنه من أهم أبواب العقيدة لاسيما وأن الذين ضلوا في أبواب العقيدة والإيمان في توحيد المعرفة والإثبات؛ إنما ضلوا لعدم فهمهم حقيقة التشبيه من حقيقة الإثبات والتنزيه، وهذا ما سوف نشرحه بإذن الله ﷾.\rالتشبيه\rقال الإمامالطّّحاويّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:\r[ولا شيء مثله] .\rقَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688989,"book_id":1659,"shamela_page_id":115,"part":null,"page_num":115,"sequence_num":115,"body":"[اتفق أهل السنة عَلَى أن الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، ولكن لفظ التشبيه قد صار في كلام النَّاس لفظاً مجملاً يراد به المعنى الصحيح، وهو ما نفاه القرآن، ودل عليه العقل، من أن خصائص الرب تَعَالَى لا يوصف بها شيء من المخلوقات، ولا يماثله شيء من المخلوقات في شيء من صفاته: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:١١] ، رد عَلَى الممثلة المشبهة (وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، رد عَلَى النفاة المعطلة، فمن جعل صفات الخالق مثل صفات المخلوق، فهو المشبه المبطل المذموم، ومن جعل صفات المخلوق مثل صفات الخالق، فهو نظير النَّصَارَى في كفرهم، ويراد به أنه لا يثبت لله شيء من الصفات، فلا يقَالَ: له قدرة، ولا علم، ولا حياة؛ لأن العبد موصوف بهذه الصفات! ولازم هذا القول أنه لا يقال له: حي، عليم، قدير؛ لأن العبد يسمى بهذه الأسماء، وكذا كلامه وسمعه وبصره ورؤيته وغير ذلك، وهم يوافقون أهل السنة عَلَى أنه موجود، عليم قدير، حي. والمخلوق يقال له: موجود حي عليم قدير، ولا يقَالَ: هذا تشبيه يجب نفيه، وهذا مما دل عليه الكتاب والسنة وصريح العقل، ولا يخالف فيه عاقل، فإن الله سمى نفسه بأسماء، وسمى بعض عباده بها، وكذلك سمى صفاته بأسماء، وسمى ببعضها صفات خلقه، وليس المسمى كالمسمى فسمى نفسه: حياً، عليماً، قديراً، رؤوفاً، رحيماً، عزيزاً، حكيماً، سميعاً، بصيراً، ملكاً، مؤمناً، جباراً، متكبراً. وقد سمى بعض عباده بهذه الأسماء فقَالَ: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ [الأنعام:٩٥] وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ [الذاريات:٢٨] فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيم [الصافات:١٠١] بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة: ١٢٨] فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً [الإِنسَان:٢] قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ [يوسف:٥١] وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ [الكهف:٧٩] أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً [السجدة: ١٨] كَذَلِكَ يَطْبَعُ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688990,"book_id":1659,"shamela_page_id":116,"part":null,"page_num":116,"sequence_num":116,"body":"اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ [غافر:٣٥] ومعلوم أنه لا يماثل الحيُّ الحيَّ، ولا العليمُ العليمَ، ولا العزيزُ العزيزَ، وكذلك سائر الأسماء، وقال تعالى: وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِه [البقرة:٢٥٥] أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ [النساء:١٦٦] وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ [فاطر: ١١] إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات: ٥٨] أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً [السجدة:١٥] ، وعن جابر ﵁ قَالَ: ﴿كَانَ رَسُول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: إذا هم أحدكم بالأمر، فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثُمَّ ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري -أو قَالَ: عاجل أمري وآجله- فاقدره لي، ويسره لي، ثُمَّ بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري -أو قَالَ: عاجل أمري وآجله- فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثُمَّ رضني به. قَالَ: ويسمي حاجته﴾ رواه البُخَارِيّ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688991,"book_id":1659,"shamela_page_id":117,"part":null,"page_num":117,"sequence_num":117,"body":"وفي حديث عمار بن ياسر الذي رواه النَّسَائِيُّ وغيره، عن النبي ﷺ أنه كَانَ يدعو بهذا الدعاء: ﴿اللهم بعلمك الغيب وقدرتك عَلَى الخلق، أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي، اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضى، وأسألك القصد في الغنى والفقر، وأسألك نعيماً لا ينفد، وقرة عين لا تنقطع، وأسألك الرضى بعد القضاء، وأسألك برد العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إِلَى وجهك الكريم، والشوق إِلَى لقائك في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين﴾ . فقد سمى الله ورسوله صفات الله علماً وقدرة وقوة، وقال تعالى: ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً [الروم:٥٤] وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاه [يوسف:٦٨] ومعلوم أنه ليس العلم كالعلم، ولا القوة كالقوة، ونظائر هذا كثيرة، وهذا لازم لجميع العقلاء] اهـ.\rالشرح:\r\rموضوع التشبيه من أهم الموضوعات التي ينبغي أن يعرفها المسلم، ليعرف حقيقة التشبيه، وماذا ينفى عن الله ﷾ من التشبيه، والفرق بين التشبيه والإثبات، فإن فيه أموراً دقيقة لا يدركها كل أحد.\r\rومن الأمور التي ينبغي معرفتها في مبادئ وأوليات موضوع التشبيه، أن أكثر الخلق وقعوا في تشبيه المخلوق بالخالق.\rفلو تأملنا قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح أو نحو ذلك من الأمم، لوجدنا أن أكثر شرك الأمم هو أنهم جعلوا المخلوقين كالخالق ﷾، وهذه حقيقة مهمة، ينبني عليها معرفة أن كثيراً من الخوض الذي خاض فيه المتكلمون، وأجهدوا أنفسهم فيه، هو فيما يتعلق بتشبيه الخالق بالمخلوق فقط؛ حتى أنهم نفوا الصفات الثابتة، وتركوا مع ذلك الجانب الأهم الذي وقع فيه أكثر النَّاس.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688992,"book_id":1659,"shamela_page_id":118,"part":null,"page_num":118,"sequence_num":118,"body":"فأول أمةٍ وقع فيها الشرك هم قوم نوح ﵇ حيث شبهوا المخلوقات بالخالق ﷾ ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسراً، وهم أُناسٌ صالحون عبادٌ لله ﷾، فصوروهم ليتذكروا بهم عبادة الله، ثُمَّ غلوا في التعظيم حتى عبدوهم، ثُمَّ جعلوهم آلهة، وجعلوا لهم مما لله ﷾ من الخصائص: وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرا [نوح:٢٣] فهم شبهوا هذه المخلوقات بالله ﷾ لما رفعوها إِلَى منزلة الله ﵎. وكذلك عُبّاد الأصنام من سائر الأقوام إلى بعثة النبي ﷺ، حيث كان العرب يفعلون ذلك، ومن أعظم الطواغيت الذي ذكرهم الله تعالى في القرآن فرعون، وقد قَالَ: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [النازعات:٢٤] فشبّه نفسه بالخالق ﷾ ولم يُشبه الله بنفسه. وهكذا كَانَ أكثر الأمم، إما أن يجعلوا الحجارة كالله ﷾، أو يجعلوا الملوك والأباطرة كالله ﷾، أو يجعلوا الأحبار والرهبان كالله ﷾ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ [التوبة:٣١] .\rوهذا ما وقعت فيه طائفة الصوفية من هذه الأمة وما شابهها من الطوائف، ولا سيما الرافضة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688993,"book_id":1659,"shamela_page_id":119,"part":null,"page_num":119,"sequence_num":119,"body":"ومن هذه الأمة من شبه الله بخلقه، وهذا ينسب لبعض من لهم دراية بالتفسير كمقاتل ونحوه، واشتهر عن طوائف من الرافضة، وقد فصّلها أبوالحسن الأشعري في كتابه: مقالات الإسلاميين فقليل من النَّاس من يقول: \"إن الله تَعَالَى مثل المخلوق\"، وأكثر من اشتهر عنه ذلك هم اليهود، كما في أول صفحة في التوراة الموجودة اليوم -والكلام بالمعنى-: (وإن آدم وحواء لمّا أكلا من الشجرة بدت لهما عورتهما، فاختبئا في ظل شجرة في طرف جنة عدن، وهي أرض تقع بين البصرة والفرات.\r\rفجاء الرّبُ يتمشى في الجنة فلم ير آدم وحواء وسمع صوتهما، وهما لما سمعا أقدام الرب اختبئا تحت الشجرة ليهربا منه، فسألهما الرب: كيف أصبحتما عارفين الخير والشر؟\rما أدراكما أنكما عريانين؟\rأأكلتما من الشجرة؟\rفيقولان: نعم يا رب) .\rفالرب ﷾ لم يدرِ أنهما أكلا من الشجرة إلا بعد أن رآهما قد سترا العورة، وهم يصورون الإِنسَان أنه كَانَ جاهلاً تماماً، ولا يبالي أنه كَانَ عارياً أو متستراً أو نحو ذلك، إلا بعد أن أكل من \"شجرة معرفة الخير والشر\".\rفتسميها التوراة المحرفة: (شجرة معرفة الخير والشر) التي إذا أكل منها الإِنسَان صار يعرف الخير والشر، وهذا كله باطل؛ لأن الله ﷾ علم آدم الأسماء كلها، وعلمه الخير والشر، وفطره عَلَى ذلك قبل أن يأكل من الشجرة. فنجد عدة معاني باطلة في مثل هذا النص تقطع بأن هذا ليس من كلام الله ولن يكون أبداً كلام الله، ومن أعظم الأدلة عَلَى أن هذا الكتاب ليس من عند الله أن الإِنسَان يقرأ في آخر السفر الخامس من الأسفار الخمسة: (ثُمَّ مات موسى ودُفِن في مكان كذا، ولا يزال قبره معروفاً حتى اليوم ولم يأتِ بعده نبيٌّ مثله) فهل يعقل وهل يصدق عاقل أن الله ينزل عَلَى موسى هذا الكلام؟!.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688994,"book_id":1659,"shamela_page_id":120,"part":null,"page_num":120,"sequence_num":120,"body":"وإنما هو كما قال الله ﵎: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّه [البقرة:٧٩] .\r\rوفي موضع آخر تقول التوراة المحرفة: (إن الله ﷾ نزل من السماء، وتصارع هو ويعقوب طول الليل إِلَى الفجر، وفي الصباح يرى يعقوب هذا الذي صارعه، وإذا به الرب، ويقول: أأنت الرب الذي كنت تصارعني طول الليل؟) .\r\rومما فيه أيضاً: أن موسى ﵇ قال للرب ﵎ لما أن غضب عَلَى بني إسرائيل وعاقبهم: يارب ارجع عن حموّ غضبك، واندم عَلَى ما فعلت بشعبك قَالَ: فندم الرب عَلَى ما فعل بشعبه.\rوقد بين الله ﷾ لنا جانباً من تشبيه اليهود حينما قال ﷾: وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة:٦٤] وقوله ﷾: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ [آل عمران:١٨١] .\r\rفتشبيه الخالق بالمخلوقين إنما أصله من اليهود، والذين نفوا صفات الله ﷿ التي في القُرْآن أو في السنة -بزعمهم-، وَقَالُوا: ننفي التشبيه عن الله، قد شبهوا القُرْآن بالتوراة المحرفة التي كتبها الأحبار والرهبان بأيديهم، وغيروا فيها وبدلوا.\r\rولم يُنَزِّل الله ﷾ في أي كتاب من كتبه ما فيه تشبيه له بخلقه ﷾. بل أعظم الحقائق التي يبينها الله ﵎ في كتبه هي ما يتعلق به وبمعرفته، وما يستحقه من الأسماء الحسنى والصفات العليا، وبما يجب له من حقٍ عَلَى العباد وهو توحيده ﷾، وإفراده وحده دون أحد سواه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688995,"book_id":1659,"shamela_page_id":121,"part":null,"page_num":121,"sequence_num":121,"body":"وأصل دين الرافضة من اليهود، وليس غريباً أن تكون الطائفة المشتهرة بالتشبية في أمة الإسلام هي الرافضة، لأن عبد الله بن سبأ الذي أسس دين الرافضة هو يهودي، خرج من يهود صنعاء اليمن، وجاء وبذر الفتنة والشقاق عند العوام، ولم يستجب له إلا: منافقٌ كَانَ مختفٍ بنفاقه عَلَى عهد النبيّ ﷺ أو عَلَى عهد أبِي بَكْرٍ وعُمَر إِلَى أول صدر خلافة عثمان، أو جاهل، أو الذين أسلموا خوفاً وحقداً، أو من المجوس الفرس -العجم- لأن هَؤُلاءِ القوم دكَّ الإسلام ملكهم، وشتت قوتهم وأباد دولتهم، وهدم معابدهم وسحقهم سحقاً تاماً، بخلاف النَّصَارَى؛ لأن الإسلام في أول أمره إنما احتل بلاد الشام وبقيتالقسطنطينية، لم تفتح إلا في عهدمُحَمَّد الفاتح، وبقيت لهم روما مقر البابوية فلم تُمس، فكأن الديانة النصرانية -العدو الغربي للإسلام- اقتِطعت منه بعض الأطراف، ولذلك لم تكن الصدمة عليه قوية وعميقة. لكن العدو الشرقي للإسلام طحن ودمر تدميراً كاملاً؛ ومن هنا كَانَ حقدهم أعظم وأكثر عَلَى هذا الدين.\rقالوا: أنت أنت!! لعَلِيّ أمير المؤمنين ﵁.\r\rـ قَالَ: ومن أنا؟\rـ قالوا: أنت الله.\r\rـ فقَالَ: أعوذ بالله.\r\rفحفر الحفر، وأوقد فيها النيران ورماهم فيها، وقَالَ:\rلما رأيت الأمر أمراً منكراً أججت ناري ودعوت قنبراً\rفلما فعل عَلِيّ >ٌ رضيَّ الله تَعَالَى عنه ذلك هرب عبد الله بن سبأ من الكوفة إِلَى كرمان في بلاد الشرق، وهنالك بذر دين التشييع والرفض، وأوجد في دينهم التشبيه، فقال عنهم أئمة الإسلام -أئمة أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ في عصرهم- أنتم كفار؛ لأنكم تُشبِّهون الله بخلقه.\r\rوهذا من أعظم الأدلة عَلَى أن أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة ونحوهم ليسوا مشبهة؛ لأنهم يُكفِّرون المُشبهة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688996,"book_id":1659,"shamela_page_id":122,"part":null,"page_num":122,"sequence_num":122,"body":"ولكن عقائد الرافضة المعاصرين في القرون المُتأخرة هي عقيدة المعتزلة ينفون الصِّفات جميعاً، ومن أسباب ذلك:\r١ـ أن التشبيه نبذته الأمة الإسلامية نبذاً شديداً، ورفضته رفضاً قاطعاً، وكفَّر علماء السلف أصحابه.\r\r٢ـ وأن الذين كانت لهم الجولة والصَّولة ضد أهل السنة إنما كانوا معطلة، كالذين عذبوا الإمام أَحْمَد وسجنوه وآذوه، وهم الذين دخلوا في الدولة وفي الوزارة وتمكنوا منها، حتى كَانَ منهم البرامكة وأمثالهم من المعطلة، الذين كانوا يجحدون الله ﷾ ولا يؤمنون إلا بدين مزدك، وتمكنوا وأظهروا السلاح الذي كَانَ بأيديهم يحاربون به الإسلام، فتحولت الرافضة من التشبيه إِلَى التعطيل، وذلك لأن الرافضة ليس لديهم في الأصل دين من عند الله ثابت، بل الثابت عند الرافضة هو: عداوة الإسلام، فهم يدورون مع عداوة أهل السنة ومع عداوة الإسلام الحقيقي حيثما دارت، وقد نص عَلَى ذلك شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ في كتابه العظيم منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية الذي ألفه رداً عَلَى ابن المُطَهِّر -كما سمى نفسه، وهو ابن المُنجِس- في كتابه منهاج الكرامة.\r\rبل المعتزلة أنفسهم كانوا يفسقون أو يكفرون الطائفتين المختلفتين، طائفة أهل العراق - عَلِيّ ومن معه- وطائفة أهل الشام معاوية ومن معه رضي الله عن الصحابة أجمعين؛ حتى قال عمرو بن عبيد: [[لو شهد عندي]] عَلِيّ ومعاوية وعَائِِِشَةَ والزبير وعمرو -يعني أصحاب الجمل، وأصحاب صفين- لو شهد عندي واحد من هَؤُلاءِ عَلَى درهم لرددت شهادته \" لأنه فاسق، والفاسق ترد شهادته، ثُمَّ بعد ذلك صاروا شيعة في العقيدة في مجال الصحابة، فالمعتزلة ليس اسمهم المعتزلة، بل هم نفس الشيعة، إما زيدية وإما إثنى عشرية، وذلك لأن المعتزلة أصل دينهم مرض في القلب وشبهات ونفاق، فدخلوا في طائفة الشيعة؛ لأنها طائفة عاطفة بلا عقليات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688997,"book_id":1659,"shamela_page_id":123,"part":null,"page_num":123,"sequence_num":123,"body":"فالتقت عاطفة بلا عقل صحيح سليم مع الجدليات-أي: الشيعة - وكلام بلا عاطفة -أي: المعتزلة - وأصبحا خطاً واحداً ومنهجاً واحداً، بينما لو قارنَّا كلام الشيعة المتأخرين لوجدناه يخالف كلام الشيعة الأولين في موضوع التشبيه؛ لأن الأولين مشبهة والآخرين معطلة، ولو نظرنا إِلَى المعتزلة الأولين لوجدناهم يكفرون أو يفسقون عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِب ﵁، وهم أقرب إِلَى رأي الخوارج، بينما المعتزلة المتأخرين نجد أنهم متشيعين يثبتون الإمامة والخلافة لعَلِيّ أمير المؤمنين وحده، ويبطلون خلافة من عداه.\rأما أهل السنة فقد اتفقوا عَلَى أن الله تَعَالَى ليس كمثله شيء، وهم وسط بين المعطلة والمشبهة، فعرفوا حقيقة الإثبات وحقيقة التنزيه؛ لأنهم اتبعوا ما جَاءَ في الكتاب والسنة.\r\rوموقف أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ من التشبيه أنهم ينفونه عن الله كما نفاه الله تَعَالَى عن نفسه حيث قال: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:١١] ونحوها من الآيات، لكن لفظة التشبيه صارت كلمة مجملة تحمل معنيين: أحدهما صحيح، والآخر باطل.\r\rفأهل السنة ينفون التشبيه بمعنى أنه نفي مالا يليق به -سبحانه- مما هو من صفات المخلوقين.\r\rوالمعطلة ينفون التشبيه عن الله ﷾ بمعنى نفي بعض صفاته، ويقولون: إننا ننفيها عنه؛ لأنها تقتضي أو تستلزم أو توهم التشبيه، ونحو ذلك من العبارات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688998,"book_id":1659,"shamela_page_id":124,"part":null,"page_num":124,"sequence_num":124,"body":"يقول الشيخ الشنقيطي ﵀ في معنى كلامه: \"إثبات الصفات التي تشترك فيها أكثر المخلوقات، فيها دليل عَلَى أن الله أولى بإثبات هذه الصفات وهذا الكمال، وهذا الإثبات ليس فيه تشبيه؛ لأنه قال في أول الآية:لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فنفى التشبيه، ثُمَّ أثبت لله ﷾ ما يليق به من الإثبات، فقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ رد عَلَى الممثلة المشبهة، وقوله: وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ رد عَلَى النفاة المعطلة.\rفمن جعل صفات الخالق مثل صفات المخلوق، فهو المشبه المبطل المذموم، مثل ما قلنا في اليهود والرافضة وأمثالهم، ومن جعل صفات المخلوق مثل صفات الخالق، فهو نظير النَّصَارَىفي كفرهم حيث قالوا: إن عيسى إله.\rوالنَّاس في هذا عَلَى مراتب: منهم من ينفي جميع الأسماء والصفات، ومنهم من يثبت الأسماء وينفي جميع الصفات، ومنهم من يثبت الأسماء وبعض الصفات، وينفي بعض الصفات؛ لكن يجمعهم جميعاً شبهة واحدة، وهي ما ذكره المُصْنِّف ﵀ هنا أنهم يقولون: إذا أثبتنا له شيئاً وللمخلوقات نظيره ففي هذا تشبيه.\rونبدأ في الرد عليهم بأهم وأول صفة لا نختلف نَحْنُ وإياهم عليها، وإن كَانَ فيهم من خالف؛ لكن معظم أهل القبلة المنتسبين للإسلام لا يخالفون فيها، وهي: وجود الله ووجود المخلوقات، فالله موجود والمخلوقات موجودة وليس الوجود كالوجود، وبما أن الوجود ليس كالوجود، فنقول ذلك في جميع الصفات فالحياة ليست كالحياة، واليد ليست كاليد، والاستواء ليس كالاستواء، والعلو ليس كالعلو، وهكذا في جميع ما أثبته الله لنفسه وما أثبته الرَّسُول ﷺ لله ﷾.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1688999,"book_id":1659,"shamela_page_id":125,"part":null,"page_num":125,"sequence_num":125,"body":"الاشتراك في الاسم هو الذي أوقع الشبهة لدى بعضهم، ولهذا أورد المُصنِّفُ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- كثيراً من الآيات والأحاديث التي تثبت أن الاشتراك في الأسماء أو الصفات إنما هو اشتراك لفظي، وأن إثبات أسماء الله ﷾ لا يستلزم التشبيه؛ لأنه لو كَانَ يستلزمه لما أثبت الله لنفسه أسماء وأثبت نفس الاسم للمخلوق أبداً.\rفمثلاً سمى الله سبحانه نفسه حياً، عليماً، قديراً، رؤوفاً، رحيماً، عزيزاً، حكيماً، إِلَى آخر ما مر من الآيات. وسمى المخلوقات بذلك، كما قال الله تعالى: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ [الأنعام:٩٥] وقَالَ: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة:١٢٨] وليس الحي مثل الحي، ويقول تعالى: فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ [الصافات:١٠١] ويقول عن النبي ﷺ: بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:١٢٨] ووصف نفسه في آيات كثيرة بأنه غفور ورحيم، ورؤوف رحيم.\r\rوقال تعالى: إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً [الإِنسَان:٢] ويقول: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:١١] ، فليس السميع كالسميع، وليس البصير كالبصير.\r\rوحديث الاستخارة جَاءَ فيه العلم: (اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم؛ فإنك تقدر ولا أقدر) ففيه إثبات صفة العلم والقدرة لله ﷾.\r\rوإبليس اللعين أثبت لله صفة العزة فقَالَ: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [ص:٨٢] فكيف ينفيها عنه بعض من يدعي أنه من الْمُسْلِمِينَ.\rا- دلالة المطابقة:\rب- دلالة تضمن.\r\rجـ- دلالة التزام.\r\rفمثلاً: اسم: \"الله\" هذا الاسم من أسماء الله يدل على ذات الله ﷾ دلالة مطابقة، وهو يدل على الصفة المشتقة منه بالتضمن، وهي الألوهية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689000,"book_id":1659,"shamela_page_id":126,"part":null,"page_num":126,"sequence_num":126,"body":"فالاسم يدل على المسمى -وإن كثرت وتعددت- دلالة مطابقة.\r\rواسم القدير: يستلزم إثبات القدرة له، والحي: يستلزم إثبات الحياة له، والرحيم: يستلزم إثبات الرحمة له، فهذه دلالة التزام.\r\rودلالته على بقية الصفات بالتضمن، فعندما نقول: الله قدير وعليم، فهذا الاسم يدل على أن الله حي، فدلالة الاسم على صفة أخرى غير الصفة التي تشتق منه تسمى: دلالة تضمن.\rوسوف نقرأ كلام المصنف عند تقسيم الطوائف الأربع في موضوع التشبيه، وأن الطوائف التي نفت جميع الأسماء ونفت جميع الصفات خارجة من الملة كالجهمية؛ لأنها نفت ما ثبت في القرآن والسنة. فهي لم تثبت إلا وجوداً مطلقاً لا يوصف بأي شيء.\rوالذين قالوا: نثبت الأسماء فقط كالمعتزلة، والأسماء تدل على الذات دلالة واحدة فقط وهي المطابقة، فلا تضمن ولا لزوم، فالأسماء كلها مترادفات لا تدل على صفات، ولا يشتق منها صفات لله ﷾ فلا يصفون الله ﷾ بشيء من الصفات التي تشتق من أسمائه ﷾ بطريقة اللزوم عند أهل السنة والجماعة.\r\rوأما الأشاعرة فقالوا: نحن نثبت الأسماء ونثبت سبع صفات أو إحدى عشرة أو ثلاثة عشر، وبعضهم يجعلها عشرين، لكن أصلها سبع، يركب منها حتى تصير عشرين فقط، وهي الصفات العقلية: العلم والحياة والإرادة والكلام والسمع والبصروالقدرة، ولا يثبتون الصفات الخبرية لله، كالغضب والرضا، واليد والاستواء والعلو، إنما يثبتون الصفات العقلية لأن العقل دل عليها.\rوقد مر أن اشتراك المخلوق والخالق ﷾ في لفظ الاسم لا يدل أبداً على الاشتراك في الحقيقة.\r\rفنقول للأشاعرة قولوا في صفة الغضب والرضا واليد مثل ما تقولون في صفة العلم والحياة والإرادة والكلام، فله -سبحانه- علم وإرادة ليستا كعلم المخلوقين وإرادتهم، فكذلك له غضب ورضىً لا كغضب المخلوقين ورضاهم، ويجيء وينزل ليس كنزول المخلوقين ومجيئهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689001,"book_id":1659,"shamela_page_id":127,"part":null,"page_num":127,"sequence_num":127,"body":"ونقول للمعتزلة: كما أنكم تثبتون الأسماء فأثبتوا أيضاً الصفات، فكما تقولون: الأسماء لا تشبه الأسماء، فكذلك الصفات لا تشبه الصفات.\r\rونقول للجهمية: بما أنكم تقولون وجود لا يشبه وجود المخلوقين، فقولوا في الحياة والإرادة والعلم واليد مثل ما قلتم في الوجود.\rقال المصنف رحمه الله تعالى:\r[فإن من نفى صفة من صفاته التي وصف الله بها نفسه، كالرضى والغضب، والمحبة والبغض، ونحو ذلك، وزعم أن ذلك يستلزم التشبيه والتجسيم! قيل له: فأنت تثبت له الإرادة والكلام والسمع والبصر، مع أن ما تثبته له ليس مثل صفات المخلوقين، فقل فيما نفيته وأثبته الله ورسوله مثل قولك فيما أثبته، إذ لا فرق بينهما، فإن قال: أنا لا أثبت شيئاً من الصفات، قيل له: فأنت تثبت له الأسماء الحسنى، مثل: حي، عليم، قدير، والعبد يسمى بهذه الأسماء، وليس ما يثبت للرب من هذه الأسماء مماثلاً لما يثبت للعبد.\r\rفقل في صفاته نظير قولك في مسمى أسمائه، فإن قال: وأنا لا أثبت له الأسماء الحسنى، بل أقول: هي مجاز، وهي أسماء لبعض مبتدعاته، كقول غلاة الباطنية والمتفلسفة!\rقيل له: فلا بد أن تعتقد أنه موجود، حق قائم بنفسه، والجسم موجود قائم بنفسه، وليس هو مماثلاً له، فإن قال: أنا لا أثبت شيئاً، بل أنكر وجود الواجب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689002,"book_id":1659,"shamela_page_id":128,"part":null,"page_num":128,"sequence_num":128,"body":"قيل له: معلوم بصريح العقل أن الموجود إما واجب بنفسه، وإما غير واجب بنفسه، وإما قديم أزلي، وإما حادث كائن بعد أن لم يكن، وإما مخلوق مفتقر إلى خالق، وإما غير مخلوق ولا مفتقر إلى خالق، وإما فقير إلى ما سواه، وإما غني عما سواه. وغير الواجب بنفسه لا يكون إلا بالواجب بنفسه، والحادث لا يكون إلا بقديم، والمخلوق لا يكون إلا بخالق، والفقير لا يكون إلا بغني عنه، فقد لزم على تقدير النقيضين وجود موجود واجب بنفسه قديم أزلي خالق غني عما سواه، وما سواه بخلاف ذلك. وقد علم بالحس والضرورة وجود موجود حادث كائن بعد أن لم يكن، والحادث لا يكون واجباً بنفسه، ولا قديماً أزلياً، ولا خالقاً لما سواه، ولا غنياً عما سواه.\r\rفثبت بالضرورة وجود موجودين: أحدهما واجب، والآخر ممكن، أحدهما قديم، والآخر حادث، أحدهما غني، والآخر فقير، أحدهما خالق، والآخر مخلوق، وهما متفقان في كون كل منهما شيئاً موجوداً ثابتاً.\rومن المعلوم أيضاً أن أحدهما ليس مماثلاً للآخر في حقيقته، إذ لو كان كذلك، لتماثلا فيما يجب ويجوز ويمتنع، وأحدهما يجب قِدمه وهو موجود بنفسه.\r\rوالآخر لا يجب قِدمه ولا هو موجود بنفسه، وأحدهما: خالق، والآخر: ليس بخالق، وأحدهما غني عما سواه، والآخر فقير. فلو تماثلا، للزم أن يكون كل منهما واجب القِدم ليس بواجب القِدم، موجوداً بنفسه غير موجود بنفسه، خالقاً ليس بخالق، غنياً غير غني، فيلزم اجتماع الضدين على تقدير تماثلهما، فعُلم أن تماثلهما منتف بصريح العقل، كما هو منتف بنصوص الشرع. فعلم بهذه الأدلة اتفاقهما من وجه، واختلافهما من وجه، فمن نفى ما اتفقا فيه كان معطلاً قائلاً للباطل، ومن جعلهما متماثلين كان مشبهاً قائلاً للباطل، والله أعلم وذلك لأنهما وإن اتفقا في مسمى ما اتفقا فيه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689003,"book_id":1659,"shamela_page_id":129,"part":null,"page_num":129,"sequence_num":129,"body":"فالله تعالى مختص بوجوده وعلمه وقدرته وسائر صفاته، والعبد لا يشركه في شيء من ذلك، والعبد أيضاً مختص بوجوده وعلمه وقدرته، والله تعالى منزه عن مشاركة العبد في خصائصه] اهـ.\rالشرح:\rعلم الكلام ثمرته قليلة، والمصنف ﵀ أطال في الرد هنا، يريد أن يلزمهم بجنس كلامهم، وإلا فالأسلوب الفطري أخصر وأسهل للفهم.\r\rفمن لا يثبت وجود الله لا بد أنه يثبت وجود المخلوقات، وهذه المخلوقات الموجودة كانت بعد أن لم تكن، وما كان بعد أن لم يكن فهو مفتقر إلى من أوجده، ومن أوجد يستلزم العقل أن يكون كائناً أزلياً لا أول لوجوده، أما هذا الذي كان بعد أن لم يكن فإنه مخلوق لخالق هو الله ﷾، وافتقار المخلوق إليه فهو افتقار إلى غني وإلى خالق أزلي لا أول لوجوده، وهذا أمر مقطوع به لا يكابر فيه إلا من سلب نعمة العقل بالكلية، فهذا شيء موجود وهذا شيء موجود، وتماثلهما ممتنع؛ لأنه اجتماع للضدين.\r\rبل لهذا وجود مستقل وصفات مستقلة، ولهذا وجود مستقل وصفات مستقلة عن الآخر، فالاشتراك في كونهما موجودين لا يستلزم الاشتراك في الصفات، فهما متفقان من وجه ومختلفان من وجه، متفقان في الاسم: أن هذا يسمى شيء ويسمى موجود، ولكن مختلفان في الحقيقة؛ فهذا وجوده وجود كمال وأزلي، وهذا وجوده حادث وناقص، فاتفقا من وجه واختلفا من وجه.\r\rفهذا كله لا يستلزم التشبيه ولا يقتضيه -ولله الحمد- فليس إثبات ما أثبته الله لنفسه أو رسوله مما يقتضي التشبيه أو يستلزمه.\rوالطائفة الأخيرة \"الرابعة\" هي: التي قالت بقضية الاشتراك الكلي والوجود الكلي، وكونه في الأعيان أو كونه في الأذهان.\rقال المصنف رحمه الله تعالى:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689004,"book_id":1659,"shamela_page_id":130,"part":null,"page_num":130,"sequence_num":130,"body":"[وإذا اتفقا في مسمى الوجود والعلم والقدرة، فهذا المشترك مطلق كلي يوجد في الأذهان لا في الأعيان، والموجود في الأعيان مختص لا اشتراك فيه، وهذا موضع اضطرب فيه كثير من النظار، حيث توهموا أن الاتفاق في مسمى هذه الأشياء يوجب أن يكون الوجود الذي للرب كالوجود الذي للعبد.\rوطائفة ظنت أن لفظ الوجود يقال: بالاشتراك اللفظي، وكابروا عقولهم، فإن هذه الأسماء عامة قابلة للتقسيم، كما يقال: الموجود ينقسم إلى واجب وممكن، وقديم وحادث، ومورد التقسيم مشترك بين الأقسام، واللفظ المشترك كلفظ المشتري الواقع على المبتاع والكوكب، لا ينقسم معناه، ولكن يقال: لفظ المشتري يقال على كذا وعلى كذا، وأمثال هذه المقالات التي قد بسط الكلام عليها في موضعه.\r\rوأصل الخطأ والغلط: توهمهم أن هذه الأسماء العامة الكلية يكون مسماها المطلق الكلي هو بعينه ثابتاً في هذا المعين وهذا المعين، وليس كذلك، فإن ما يوجد في الخارج لا يوجد مطلقاً كلياً؛ بل لا يوجد إلا معيناً مختصاً، وهذه الأسماء إذا سمي الله بها، كان مسماها معيناً مختصاً به، فإذا سمي بها العبد كان مسماها مختصاً به، فوجود الله وحياته لا يشاركه فيها غيره، بل وجود هذا الموجود المعين لا يشركه فيه غيره، فكيف بوجود الخالق؟ ألا ترى أنك تقول: هذا هو ذاك، فالمشار إليه واحد، لكن بوجهين مختلفين.\r\rوبهذا ومثله يتبين لك أن المشبهة أخذوا هذا المعنى، وزادوا فيه على الحق فضلوا. وأن المعطلة أخذوا نفي المماثلة بوجه من الوجوه. وزادوا فيه على الحق حتى ضلوا، وأن كتاب الله دل على الحق المحض الذي تعقله العقول السليمة الصحيحة، وهو الحق المعتدل الذي لا انحراف فيه، فالنفاة أحسنوا في تنزيه الخالق سبحانه عن التشبيه بشيء من خلقه، ولكن أساؤوا في نفي المعاني الثابتة لله تعالى في نفس الأمر. والمشبهة أحسنوا في إثبات الصفات، ولكن أساؤوا بزيادة التشبيه] اهـ.\rالشرح:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689005,"book_id":1659,"shamela_page_id":131,"part":null,"page_num":131,"sequence_num":131,"body":"قضية المشترك المطلق الكلي قد سبق أن قلنا: إنه لما وجد أناس ينكرون الحقائق رد عليهم آخرون، وأثبتوا الحقائق بإثبات المطلقات الكلية، ثم إثبات المعينات في الخارج.\r\rفمثلاً: الوجود المطلق، علمه كلي، والوجود أمر مطلق في الذهن لم يعين ولم يخصص، ويتحول هذا المطلق إلى الحقيقة إذا عين بآحاده، فنقول: الله ﷾ موجود، فكل ذلك يشمله لفظ الوجود، وهو يطلق على جميع معناه دون استثناء، وكذلك كلي -أي: أن جميع آحاده تدخل فيه كل الموجودات.\r\rوكلمة الوجود: هو الذي جعل المعطلة ينفون صفات الله ﷾ بزعم التشبيه، قالوا: لأن هذه كلها تشترك في حقيقة واحدة وهي الوجود.\r\rفمثلاً: الله عليم والمخلوق عليم، إذاً يشتركان في العلم لكن الاشتراك المطلق الكلي ما لم يعين أو يخصص لا يستلزم التشبيه أبداً حتى يتعين؛ لأن هذه قضية معينة لا وجود لها في الأعيان \"الذوات الخارجية\"، وإنما توجد في ذهن الإنسان، فقولك -مثلاً- \"الوجود \". لا يتصور به شيئاً معيناً أبداً، فإذا عينت وقلت: هذا موجود، أو زيد موجود، أو الله موجود، تعين هذا الموجود.\r\rفمجرد الاشتراك في هذا الشيء المطلق الذهني الذي لا وجود له خارج الذهن لا يستلزم التشبيه بحال من الأحوال بدليل أننا عندما نقسم الوجود نقول: ينقسم إلى قسمين: خالق ومخلوق؛ لأن مجرد الوجود هو عام لا يدل على شي معين بإطلاق، فالفرق بين الموجود الكلي والمشترك اللفظي هو: اسم يطلق على شيئين مختلفين في الحقيقة لكن اللفظ واحد، مثل المشتري والعين، فلفظة العين -مثلاً- تطلق على العين التي هي الباصرة، وتطلق على الماء الذي يجري، وتطلق على الذهب. وكذلك المشتري، يطلق على المبتاع الذي يشتري شيئاً، ويقال للكوكب مشتري، ولكن ليس المشتري كالمشتري، وليست العين كالعين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689006,"book_id":1659,"shamela_page_id":132,"part":null,"page_num":132,"sequence_num":132,"body":"لكن إثبات الصفات ليس من باب المشترك اللفظي فقط، بل ثبت أن علم المخلوقات غير علم الله، لكن يشتركان في مطلق كلي لا مجرد الاشتراك اللفظي، الذي يستخدم في علم البلاغة أو الأصول، بل علم الإنسان يعرف به الأشياء ويدرك حقائقها، ولكن بشكل محدود جداً، أما الله ﷾ فإن علمه أكمل وأعظم وأعم.\r\rفهناك اشتراك في الجنس، ولكنه لا يستلزم الاشتراك في الحقيقة أو الذات.\r\rفالقضية ليست من باب المشترك اللفظي، وإنما هي من باب الاشتراك في المطلق الكلي الذي يوجد في الأذهان، ولا يوجد في الواقع إلا معيناً مختصاً، فمثلاً: الإنسان مطلق كلي موجود في الأذهان، لكن عندما نقول: زيد وعمر والملك والخادم، فليس الملك كالخادم، فهما يشتركان في الإنسانية، لكن يختلفان في الصفات والحقيقة.\r\rوأعظم منه ما يتعلق بصفات الله ﷾، كالعلم والحياة والقدرة، وهي ثابتة لله ﷿، وأثبتها الله للمخلوقات، فلا يستلزم الاشتراك في الإطلاق الكلي، وهو ذهني مجرد، فإذا عين المراد به وعين المسمى به ـ الله أو المخلوق ـ اختلف اختلافاً بيناً.\rفالفلاسفة مثل أرسطو وأفلاطون وابن سينا والفارابي والكندي من فلاسفة اليونان أو المنتسبين للإسلام لهم اصطلاح.\rوالمتكلمون الذين هم: المعتزلة والأشعرية وأمثالهم لهم اصطلاح، فالفلاسفة يستخدمون عبارة واجب الوجود أو ممكن الوجود أو مستحيل الوجود، والمتكلمون يستخدمون عبارة قديم وحادث.\r\rوالفرق بينهم في الاستخدام والاصطلاح، أن الفلاسفة يقولون: العقل يدل على أن الأشياء إما واجبة بذاتها، وإما ممكنة، وإما ممتنعة الوجود لذاتها. فمثلاً يقولون: الله ﷾ واجب الوجود، لا يفتقر وجوده إلى أحد غيره، فالناس لا ينفون الوجود، وليست هي مشكلة الأنبياء مع أممهم، ولا مشكلة أهل السنة مع الطوائف الضالة، لأن الفلاسفة لا ينكرون الوجود، وإنما يسمونه واجب الوجود.\rوإنما القضية: \"قضية الألوهية\".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689007,"book_id":1659,"shamela_page_id":133,"part":null,"page_num":133,"sequence_num":133,"body":"فواجب الوجود عندهم هو ما كان وجوده لذاته، لا يحتاج ولا يفتقر وجوده إلى غيره وهو الله.\rوممتنع الوجود هو وجود شريك ومماثل لواجب الوجود.\rووجود أمثال الشجر والحجر يسمونها الممكنات، وبهذا نفهم اصطلاح الفلاسفة، الذي يريد به أصحابه ما نسميه نحن المربوبات كما سماه الله في كتابه قال تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ -فالمخلوقات أو العالمين: كلمة تشمل كل ما سوى الله -سبحانه- فكل ما عدا الله فهو مربوب، والرب هو الله ﷿، والمربوبات هي الممكنات، فهذا تقسيم الفلاسفة.\rوأما تقسيم المتكلمين فيقولون: الأشياء الموجودة إما أنها موجودة بعد أن لم تكن، وإما أنها أزلية الوجود، فالأزلي هو القديم الذي لا أول لوجوده وهو الله، والموجود بعد أن لم يكن هو الحادث.\r\rوما دام أن الله ﷾ موجود ومادام أنه واجب الوجود فلنثبت له ما شئنا والإثبات هذا وارد ومثبت في الكتاب السنة لكنه إثبات بلا تشبيه. فهم زادوا وغلوا في الإثبات حتى أثبتوها بما يشبه صفات المخلوقين وأما المعطلة فإنهم عرفوا جانباً من الحق وهو جانب عدم المشابهة وعدم المماثلة وهو حق وأن الله ﷾ لا يشابه ولا يماثله شيء لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:١١] هذا حق عرفوه ولكنهم زادوا عليه بأن نفوا ماله من الحق ﷾ وقالوا: إذاً لا نثبت له شيء حتى لا نقع في التشبيه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689008,"book_id":1659,"shamela_page_id":134,"part":null,"page_num":134,"sequence_num":134,"body":"قول المُصنِّفُ في آخر عبارة: [فالنفاة أحسنوا في تنزيه الخالق سبحانه عن التشبيه بشيء من خلقه، ولكن أساؤا في نفي المعاني الثابتة لله تَعَالَى في نفس الأمر. والمشبهة أحسنوا في إثبات الصفات، ولكن أساؤوا بزيادة التشبيه] وهذا الكلام يقتضي أن كل المعطلة وكل المشبهة وقعوا في التشبيه بنية حسنة، فمجرد التشبيه لا شك أن فيه إثباتاً، ومجرد التعطيل لا شك أنه متضمن للتنزيه هذا مجرد الحكم عَلَى العمل، لكن هل يعني أن المشبهة أو النفاة محسنوا النية، بحيث لا يوجد أحد ممن نفى الصفات إلا ونيته حسنه؟\rليس كذلك؛ لأن من أعظم المشبهة اليهود.\rوهل نيات اليهود حسنة بحيث أنهم أرادوا الإحسان في الإسلام وَقَالُوا: نشبه؟\rلا يمكن ذلك لكن وجد في الْمُسْلِمِينَ من أخذ هذا الكلام بحسن نية بغير فهم ولا عقل.\r\rفالنفاة المعتزلة وهم أشهر هذه الطوائف ليسوا كلهم عَلَى حسن نية وعلى تنزيه لله، فإبراهيم النظام على سبيل المثال لو قرأتم ترجمته في سير أعلام النبلاء وغيرها من الكتب التي ذكرت ترجمته كَانَ عَلَى دين البراهمة الذين في الهند وهم موجودون إِلَى اليوم وكان في البراهمة فلاسفة ينكرون النبوات والوحي فدخل إبراهيم النظام في دين الإسلام وعنده هذه العقيدة، ولهذا قال عنه بعض العلماء: \"وواقع حاله ينطق بذلك\" -أي: أنه دخل في الإسلام ليفسد دين الإسلام- وأفسده بطريق المبالغة في العقل؛ لأن البراهمة أو طائفة منهم يقولون: إن العقول تغني عن الشرائع.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689009,"book_id":1659,"shamela_page_id":135,"part":null,"page_num":135,"sequence_num":135,"body":"جاء إبراهيم النظام ودخل في المعتزلة وصار من رؤسائهم وقَالَ: إن العقل هو المعيار في إثبات أي شيء لله وفي نفي أي شيء ويكتفى به عن الشرع، وقال بعضالفلاسفة مثل: ابن رشد في كتاب فصل المقال بما بين الحكمة والشريعة من الاتصال يقولون: الشريعة لا تنافي الحكمة -والحكمة هي الحقيقة نفسها عند الصوفية - لكن العقل أو الحكمة لا تتنافى مع الشريعة؛ لكنهم لو صرحوا لقالوا: الشريعة تنافي الحكمة فحينئذ يكفرهم العوام وتنبذهم؛ لأنهم سوف يقولون: نَحْنُ مع الشريعة ولسنا مع الحكمة، وهذا شيء طبيعي عند الناس؛ لكنهم قالوا: الشريعة لا تتنافى مع الفلسفة، أي: الحكمة.\r\rويقولون: أعظم شريعة جاءت عَلَى ظهر الأرض وعرفها العالم شريعة مُحَمَّد ﷺ ونحن لو قرأنا هذا الكلام لقلنا: هَؤُلاءِ طيبون يمدحون الإسلام، ولكن هَؤُلاءِ في الحقيقة يقصدون شيء آخر.\r\rيقولون: نَحْنُ عندما عرضنا الشرائع القديمة عرضنا اليهودية والنصرانية عَلَى العقل، أي: عَلَى الحكمة التي هي الميزان فوجدنا فيها الخلل والاضطراب والتناقض، فمثلاً عندما يقرأ أي إنسان التوراة وعنده عقل. فأول ما يقرأ في سفر التكوين يقرأ عن قضية خلق آدم وأن جنة عدن في البصرة وأن الرب يمشي في الجنة، ولا يدري أين ذهب آدم وحواء، وأنهم كانوا مختبيئن، ثُمَّ طلعهم ثُمَّ كذا.. هذا الكلام لا يقبله العقل حتى الفلاسفة الأولين لما قرأوا هذا الكلام، قالوا: هذه الشريعة باطلة ينقضها العقل، وَقَالُوا: لما قرأنا القُرْآن وجدناه جَاءَ بحكمة عجيبة، ثُمَّ قالوا: لو نقول: إن في القُرْآن تشبيه، هكذا بصراحة لنفر منها الْمُسْلِمِينَ، لكن نقول لهم: الشريعة والحكمة كلاهما حق وكلاهما يدل عَلَى شيء واحد؟ ثُمَّ قالوا: إن الشرائع جاءت للعوام، والعوام لا يفهموا إلا أن تقول لهم يد وغضب ورضى ورحمة وخوف ورجاء وكذا لكي يفهموا؛ لكن العقلاء الحكماء هَؤُلاءِ جاءت لهم الحكمة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689010,"book_id":1659,"shamela_page_id":136,"part":null,"page_num":136,"sequence_num":136,"body":"أي: أن شريعة الله وحي رَبّ الْعَالَمِينَ الذي نزل به جبريل للضعفاء والبسطاء؛ ولكن نَحْنُ عندنا ما هو أعظم مما أنزل الله عياذاً بالله هذا كلامهم أعظم مما نزل الله في الكتب، وأعظم مما بعث به جبريل، وأعظم مما أرسل به مُحَمَّد ﷺ، وهو من كلامأرسطو وأفلاطون وفرخريون إِلَى ابن سينا والكندي والفارابي يقولون: هذا للطبقة العليا المثقفة وهذا يشبه قول الصوفية عندما قسموا الدين إلى: حقيقة وشريعة. وَقَالُوا: لا يوجد تعارض بين الحقيقة والشريعة. فالحقيقة للخاصة ولخاصة الخاصة أما الشريعة فهي للعامة.\rنرجع فنقول: هذا لأن كلمة المُصنِّفُ هنا قد توهم: لأن النَّاس قد يقولون: أنتم تهاجمون المعطلة وتهاجمون المشبهة والمصنف يقول: إن المعطلة والمشبهة أحسنوا، لكننا نقول: العمل في ذاته فيه حق وتبعه كثير من الباطل لكن لا يستلزم ذلك القول بأن هَؤُلاءِ النَّاس جميعاً جاؤا وأرادوا الحق وأرادوا الإحسان، بل الذين كانوا في عهد النبي ﷺ من المنافقين لما أقسموا بالله أنهم لا يريدون إلا الإحسان والتوفيق لم يقبل الله ﷾ منهم ذلك؛ بل رده عليهم وأمر رَسُول الله ﷺ أن يعرض عنهم وأن لا يصدقهم في هذا القول، فكثير من النَّاس يدعي الإحسان ويدعي التوفيق [إما التوفيق بين العقليات والنقليات، وإما الإحسان، وإما الإصلاح بين الحقيقة والشريعة، أو بين الحكمة والشريعة] كما يزعم هَؤُلاءِ، والْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689011,"book_id":1659,"shamela_page_id":137,"part":null,"page_num":137,"sequence_num":137,"body":"إن وجود الاقتران أو الاشتراك اللفظي هو سبب ضلال الفرق في معرفة الله ﷾، فالله ﷾ خاطبنا ووصف نفسه بكلامنا ولغتنا، فهذه اللغة أوهمت بعضهم حتى قال: نحن لا نتصور الاستواء إلا بالشكل الحسي المعروف، ولا نتصور النزول إلا بالشكل الحسي المعروف، وهو انتقال جسم من مكان إلى مكان، ولا نستطيع أن نتخيل اليد إلا جارحة، ولا نتخيل السمع إلا بأذن وصماخ ... الخ.\rهذا هو منشأ الخطأ في حق الله ﵎، مع أن الله تعالى أخبرنا عن الجنة أن فيها حوراً عيناً، وأن فيها أنهاراً من خمرٍ وأنهاراً من لبن وأنهاراً من عسل، وأن فيها فضةً وحريراً وذهباً، وأن فيها ولداناً وأشجاراً وثماراً، وغير ذلك من أنواع النعيم الذي في الجنة، ومع ذلك نعتقد أن ما عندنا من نعيم الجنة إنما هو الأسماء، فنؤمن به مع اعتقادنا أنه يكون لأهل الجنة، ونرجوا الله ﷾ أن نذوق هذا النعيم، ونؤمن أنه نعيم لا يشبهه في الدنيا، ولا يشبهه شيء مما تراه أعيننا في الدنيا، ولا يمكن أن تتخيل عقولنا وأذهاننا شيئاً يشبهه.\r\rفكيف نقول: إننا لا نفهم من صفات الله ﷾ إلا ما نعلمه من صفات المخلوقين، وأنه يجب أن نؤولها وننفيها، فخفاء صفات الله ﷾ عنا أعظم وأكثر من خفاء نعيم الجنة، وكذلك أحوال يوم القيامة، وغير ذلك من العوالم الغيبية التي نعلمها.\rفإن الشبهة الكبرى التي وقع فيها من أوّلَ في باب الصفات هي قولهم: إن الله أنزل هذا القرآن بلغة العرب، وخاطب العرب بما يفهمون، ونحن لا نفهم من لغة العرب إلا أن اليد جارحة، وأن النزول والمجيء هو الانتقال من مكان إلى مكان، وأن العين هي هذه الباصرة، وأن الغضب ثوران القلب، والرحمة استعطاف وانكسار في القلب، وهذه شبهه كبيرة، ولكنها ليست بشيء عند أصحاب العقول السليمة والفطر القويمة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689012,"book_id":1659,"shamela_page_id":138,"part":null,"page_num":138,"sequence_num":138,"body":"فصفات الله ﷾ جاءت بلغة العرب، فلو خوطبنا بشيء لا ندركه تماماً لما فهمنا أي شيء تماماً، فلا بد أن يكون هناك قدراً معيناً بين الألفاظ الموضوعة وبين المعاني التي وضعت لها الألفاظ، وهذا القدر المعين لا يستلزم بحال من الأحوال أن يكون كل من أطلق عليه اللفظ مساوياً للآخر في الحقيقة.\rقال الله ﷾: إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً [الإنسان:٢] وقال سبحانه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:١١] فالله ﷾ له سمع يسمع به وبصر يبصر به فيحيط به المسموعات والمرئيات والمبصرات.\r\rفنستطيع فهم الصفات واللوازم، وأما العين والحقيقة والذات فهذه لا نستطيع أن نفهم كيفيتها أبداً، فنؤمن أن الله سميع وبصير، وأنه على العرش، وأنه ينزل، وأنه يغضب، وأنه يرحم، مع الاعتقاد بأننا لا نستطيع معرفة كيفية الغضب والرحمة والاستواء وسائر الصفات؛ ولهذا عندما نفى علماء السلف الكيف وقالوا: نؤمن بلا كيف، ومعناه: إثبات شيء وبمعناه مع جهل كيفيته؛ لأنا إذا كنا ننفي نفس المعنى، فلا نحتاج أن نقول ليس له يد بلا كيف.\r\rقال المصنف -رحمه الله تعالى-:\r\r[واعلم أن المخاطب لا يفهم المعاني المعبر عنها باللفظ إلا أن يعرف عينها أو ما يناسب عينها، ويكون بينهما قدر مشترك ومشابهة في أصل المعنى، وإلا فلا يمكن تفهيم المخاطبين بدون هذا قط، حتى في أول تعليم معاني الكلام بتعليم معاني الألفاظ المفردة، مثل تربية الصبي الذي يعلم البيان واللغة، ينطق له باللفظ المفرد، ويشار له إلى معناه إن كان مشهوداً بالإحساس الظاهر أو الباطن.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689013,"book_id":1659,"shamela_page_id":139,"part":null,"page_num":139,"sequence_num":139,"body":"فيقال له: لبن، خبز، أم، أب، سماء، أرض، شمس، قمر، ماء، ويشار له مع العبارة إلى كل مسمى من هذه المسميات، وإلا لم يفهم معنى اللفظ ومراد الناطق به، وليس أحد من بني آدم يستغني عن التعليم السمعي، كيف وآدم أبو البشر أول ما علمه الله تعالى أصول الأدلة السمعية وهي الأسماء كلها، وكلمه وعلمه بخطاب الوحي ما لم يعلمه بمجرد العقل.\r\rفدلالة اللفظ على المعنى هي بواسطة دلالته على ما عناه المتكلم وأراده، وإرادته وعنايته في قلبه فلا يعرف باللفظ ابتداء. ولكن يعرف المعنى بغير اللفظ حتى يعلم أولاً أن هذا المعنى المراد هو الذي يراد بذلك اللفظ ويعنى به، فإذا عرف ذلك، ثم سمع اللفظ مرة ثانية، عرف المعنى المراد بلا إشارة إليه] اهـ\rالشرح:\r\rإن الألفاظ وضعت لتدل على معان معينة، وهذه المعاني لا بد أن يكون بينها وبين اللفظ قدراً مشتركاً ومن هنا كانت اللغة محتاجة إلى التعليم السماعي، ولذلك لو عاش طفل بين بعض الحيوانات -كما في علم الاجتماع - وصار يرضع منها، ويعيش معها، فإنه لا يتكون لديه لغة، لأن اللغة سماعية، ولها مراحل.\r\rالدرجة الأولى: وهي أبسط مراحل تعلم اللغة كأن تشير للطفل وتقول: هذا جبل، هذا قمر، هذا أب، هذه أم. والطفل يرتبط في ذهنه المعنى بالإشارة فيحفظ، ولذلك لو حفظ الطفل خطأ، وخاطب الناس فسيشير إلى الجبل ويقول: هذا ماء؛ لأنه أخذها تعلماً سمعياً.\r\rولهذا يذكر المصنف ﵀: أنه لا يمكن لأحد أن يستغني عن السماع، لأن أبانا آدم ﵇ علمه الله ﷾ أسماء كل شيء، وعلمه كيف يطلق الأسماء على مسمياتها، الموضوعه لها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689014,"book_id":1659,"shamela_page_id":140,"part":null,"page_num":140,"sequence_num":140,"body":"والدرجة الأولى أقل درجات الخطاب ومعرفة المخاطب، فالمتكلم إذا كان له معنى في نفسه يريد أن يعبر عنه ويشرحه لغيره، فأوضح شيء في الشرح أن يقول: لو سألك أحد عن شيء لا تعرفه تماماً فقل: مثل هذا، فاللفظ هنا يدل على المعنى الذي فهم عن طريق الإشارة، فهذه الدرجة أدنى درجات الإفهام، ولو ذهب أحدنا إلى أي بلد من البلدان وأراد أن يتعلم لغة ما، لتعلمها بهذه الطريقة، بل حتى في الكتب التعليمية تكتب الكلمة، ويرسم شكلها جوار الاسم، فيعرف أن المقصود بالكلمة المكتوبة هي هذه الصورة.\rقال المصنف -رحمه الله تعالى-:\r[وإن كانت الإشارة إلى ما يحس بالباطن مثل الجوع والشبع والري والعطش والحزن والفرح، فإنه لا يعرف اسم ذلك حتى يجده من نفسه، فإذا وجده، أشير له إليه، وعرف أن اسمه كذا. والإشارة تارة تكون إلى جوع نفسه أو عطش نفسه، مثل أن يراه أنه قد جاع فيقول له: جعت، أنت جائع، فيسمع اللفظ ويعلم ما عيَّنه بالإشارة أو ما يجري مجراها من القرائن التي تعين المراد، مثل نظر أمه إليه في حال جوعه وإدراكه بنظرها أو نحوه أنها تعني جوعه. أو يسمعهم يعبرون بذلك عن جوع غيره] اهـ.\r\rالشرح:\r\rالدرجة الثانية: هي الشيء غير المحسوس كالجوع والظمأ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689015,"book_id":1659,"shamela_page_id":141,"part":null,"page_num":141,"sequence_num":141,"body":"عندما يكون الشيء معقولاً، وليس أمراً مشاهداً؛ فإنه يفهمه إذا أحس من نفسه هذا الشيء أو من غيره، واحتفت قرائن تدل على أن هذا هو الشيء المراد، فمثلاً. الطفل يفهم معنى كلمة الجوع أو العطش، إذا أحس في نفسه هذا الشيء ووجد أن أمه تقول: أنت جائع، فتقدم له الطعام أو الحليب، وفي كل مرة يتكرر هذا العمل، أو تقول: أنت عطشان، وتأتي بالماء، فيقترن في ذهنه أن الماء للعطش، وأن الطعام للجوع، فيفهم أن هذا الشيء الذي ينشأ في داخله وهو الحاجة إلى لطعام يسمى جوعاً، والحاجة إلى الشراب تسمى عطشاً، فيفهم الطفل هذا الشيء ويتلقاه، مع أنه غير مشار إليه، فهذا النوع عقلي باطني يدرك بالعقل، فعندما يرى الطفل إنساناً عليه ملامح التجهم والانقباض ويقول أبوه: هذا غضبان، ويأتي إنسان عليه علامات الانشراح والابتسام فيقول الأب: هذا فرح، يفهم الطفل أو غيره معنى كلمة غضبان، ومعنى كلمة فرح.\rقال المصنف -رحمه الله تعالى:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689016,"book_id":1659,"shamela_page_id":142,"part":null,"page_num":142,"sequence_num":142,"body":"[إذا عرف ذلك، فالمخاطب المتكلم إذا أراد بيان معان، فلا يخلوا إما أن يكون مما أدركها المخاطب المستمع بإحساسه وشهوده، أو بمعقوله , وإما أن لا يكون كذلك، فإن كانت من القسمين الأولين، لم يحتج إلا إلى معرفة اللغة، بأن يكون قد عرف معاني الألفاظ المفردة ومعنى التركيب، فإذا قيل له بعد ذلك: أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ [البلد:٩،٨] أو قيل له: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [النحل:٧٨] ونحو ذلك، فهم المخاطب بما أدركه بحسه. وإن كانت المعاني التي يراد تعريفه بها ليست مما أحسه وشهده بعينه، ولا بحيث صار له معقول كلي يتناولها حتى يفهم به المراد بتلك الألفاظ، بل هي مما لم يدركه بشيء من حواسه الباطنة والظاهرة، فلا بد في تعريفه من طريق القياس والتمثيل والاعتبار بما بينه وبين معقولات الأمور التي شاهدها من التشابه والتناسب، وكلما كان التمثيل أقوى، كان البيان أحسن، والفهم أكمل.\r\rفالرسول -صلوات الله وسلامه عليه- لما بين لنا أموراً لم تكن معروفة قبل ذلك، وليس في لغتهم لفظ يدل عليها بعينها، أتى بألفاظ تناسب معانيها تلك المعاني، وجعلها أسماءً لها، فيكون بينها قدر مشترك، كالصلاة، والزكاة، والصوم، والإيمان، والكفر. وكذلك لما أخبرنا بأمور تتعلق بالإيمان بالله وباليوم الآخر، وهم لم يكونوا يعرفونها قبل ذلك حتى يكون لهم ألفاظ تدل عليها بعينها، أخذ من اللغة الألفاظ المناسبة لتلك بما تدل عليه من القدر المشترك بين تلك المعاني الغيبية، والمعاني الشهودية التي كانوا يعرفونها، وقرن بذلك من الإشارة ونحوها ما يعلم به حقيقة المراد، كتعليم الصبي، كما قالربيعة بن أبي عبد الرحمن: الناس في حجور علمائهم كالصبيان في حجور آبائهم] ا. هـ\rالشرح:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689017,"book_id":1659,"shamela_page_id":143,"part":null,"page_num":143,"sequence_num":143,"body":"إذا أردت أن تبين معنى من المعاني، فعليك باللفظ الذي يعرفه الناس إما معرفة حسية أو معرفة عقلية، كالأمثلة التي ضربها المصنف ومنها قوله تعالى: أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ [البلد:٩،٨] فاللغة كفت لبيان الأمور المحسوسة والمشاهدة، كما تكفي لمعرفة الأشياء المعقولة لدى الإنسان، كالعلم والرضا والجهل والكرم والغضب وأمثال ذلك من الأمور غير المشاهدة، وهي معلومة بعقول بني آدم.\rمثاله: لما قال النبي ﷺ للرجل: (لا تغضب) فعرف الرجل معنى: لا تغضب؛ لأن الغضب معروف لديه ولدى غيره من المخاطبين، وكذلك العلم والرحمة معروفة عند بني آدم.\r\rومن أمثلة ذلك أيضاً: أن النبي ﷺ بعثه الله ﷾ بمعان جديدة، كالصلاة؛ فإنها في لغة العرب بمعنى: الدعاء، والزكاة في لغة العرب بمعنى: التطهير، والصيام عند العرب بمعنى: الإمساك، وكذا الحج بمعنى: القصد إلى الشيء.\rفلما جاء الشرع من عند الله ﷾ وخاطب الناس بلغتهم: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ [إبراهيم:٤] عبر عن المعاني الجديدة التي لم يعرفوها قط عن طريق التمثيل والتقريب، وكلما كان المخاطِب أبلغ كان بيانه أجلى، وتمثيله أعظم.\r\rفأتى بالقدر المشترك، كالصلاة فطبقها النبي ﷺ أمامهم فبدأ بتكبيرة الإحرام، وانتهى بالتسليم، بما في ذلك من قراءة وركوع وسجود، وكذلك الحج: قصد البيت الحرام وأداء النسك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689018,"book_id":1659,"shamela_page_id":144,"part":null,"page_num":144,"sequence_num":144,"body":"فقربت هذه المعاني من جنس كلام العرب حتى يفهموها، وأصبح الإنسان بعد ذلك لا يفهم من الصلاة أنها الدعاء، وإنما يفهم منها الصلاة المعروفة، مع أن الصلاة المعروفة الآن بأركانها لا تشبه في مدلولها مجرد الدعاء، الذي يعرفه العرب في الجاهلية، فخوطب الإنسان بما يؤديه، ومن الممكن أن يفهمه، فكيف بما يتعلق بالإيمان بالله ﷾ والآخرة؟ وما يتعلق بالأمور الغيبية المطلقة التي لا يعلمها الإنسان ولا يمكن أن يفهمها.\rفلا بد أن هناك قدراً مشتركاً بين ما خوطب به الإنسان، وبين حقائقها الغيبية، فمثلاً: النار أو جهنم -والعياذ بالله- إذا قرأها الإنسان في القرآن، فإنه يعلم أنها لا تشبه نار الدنيا، لكن هناك قدر مشترك يجعل هذه تشبه هذه، وكذا الجنة وردت في القرآن بمعنى: الروضة الجميلة، والبستان -مثل أصحاب الجنة في سورة القلم وصاحب الجنتين في سورة الكهف- وليست هي مثل جنة الخلد، والعلاقة بين الطرفين أن فيهما نعيم ورخاء، وكلتاهما تستلذ وتستطاب، ومن أجل هذا القدر المشترك قرب لنا اللفظ، وسميت الجنة لنفهم ونعرف أن فيها نعيم.\rوالذين أنكروا الصفات قالوا: إن الجنة في كلام العرب لا تعقل، إلا أنه هذا النخل والعنب والشجر والماء، فجنة الآخرة مثلها، وهذه الجنة تفنى؛ لأنها أجسام معينة ونباتات، والنباتات من خواصها ولوازمها الفناء، فدخلوا في قضايا عقلية قياسية بسبب قولهم: إن اللغة وضعت هذه اللفظة هكذا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689019,"book_id":1659,"shamela_page_id":145,"part":null,"page_num":145,"sequence_num":145,"body":"ونرد عليهم: أن الرسول ﷺ يقول عن نعيم الجنة: فيها مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر) ، وكما قال ابن عباس: (ما عندكم في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء) أي: الاشتراك اللفظي فقط، فهذه جنة وهذه جنة، وهذا نهر وهذا نهر، وهذا خمر وهذا خمر، لا يعني أن جنة الدنيا كجنة الآخرة، ولا أن أنهارها كأنهارها، ولا أن خمرها كخمرها؛ لكن لما أراد الله ﷾ أن يفهمنا ويُعْلمَنا بهذه الجنة، وكانت مما لا ندركه بحواسنا ولا بعقولنا، خاطبنا بأمر نعقله عن طريق التمثيل للتقريب.\rوصفات الله ﷾ أعظم من ذلك وأجل، فإن الله ﷾ عليم، سميع، بصير، رحيم، كما أخبر عن نفسه، فهناك قدر مشترك لفظي فقط، بينها وبين صفات الإنسان، وهو أن الإنسان يدرك المسموعات التي تليق به، والله ﵎ يدرك المسموعات التي تليق به، وهو سبحانه قد أحاط بكل شيء علماً، ولا يفوته شيء، ولا يعجزه شيء، بخلاف الإنسان فإن سمعه محدود.\r\rوكذلك البصر فإنه لا يخفى على الله ﵎ شيء، وأما الإنسان فبصره محدود.\r\rفخوطبنا بهذه الكلمة من كلام العرب لكي نعرف حقيقة المعنى، ونميز بين هذا المعنى والمعنى الآخر، فكون الله ﷾ سميعاً غير كونه بصيراً، وكذلك الإنسان له سمع وبصر، وكونه سميعاً يفرق عن كونه بصيراً، فإذا قلت لك: هذا إنسان بصير، فإنك تفهم أن له عيناً يبصر بها.\r\rوإذا قلت لك: هذا إنسان سميع، فإنك فهمت شيئاً آخر، ولذلك جاءت الألفاظ في القرآن والسنة لتبين هذه المعاني، ونعرف القدر المشترك البسيط من إدراك المسموعات أو إدراك المبصرات، ولكن ليس الإدراك مثل الإدراك، أما حقيقة الذات المعني بها اللفظ فلا يمكن إدراكها، ولا يمكن للعقول أن تتخيلها أو تتوهمها، لأنك لا تستطيع أن تتخيل ما هو أهون من ذلك، وهو نعيم الجنة الذي هو أقل من ذلك بكثير.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689020,"book_id":1659,"shamela_page_id":146,"part":null,"page_num":146,"sequence_num":146,"body":"فالدرجة الثالثة: إذاً هي درجة الأشياء التي لا تدخل تحت معرفة البشر الحسية أو العقلية، ولكن الخطاب يكون بما يماثلها ليقربها، وكلما كان البيان أكمل كلما كان تقريب المعنى لديه أعظم.\rوهذا يستعمل حتى في الأشياء البشرية المستجدة؛ فلو أن هناك جهازاً اُخترع، وتريد أن تعرفه لإنسان وتشرحه له، وهو لم ير هذه الآلة من قبل، ولم يفكر فيها، فتضرب له مثلاً وتقول: هذه الآلة مثل الطائره -مثلاً- ليعرف أو يتصور شيئاً معيناً يميز به هذا الشيء، فإذا أريته الآلة، وقلت له: هذه الآلة التي كنت أشرحها لك، فإنه سيجد شيئاً غريباً لم يخطر على باله، والذي خطر على باله أولاً إنما هو شيء يميز به هذه عن غيرها.\r\rوهذا هو فائدة الاسم في اللغة العربية، أن يميز به الشيء عن الآخر، فالأسماء توضع للتمييز بين الأشياء فقط، فهذا أحمدُ، وهذا عليٌ وهكذا، ولكن قد يكون هناك شخصان كلاهما اسمه علي، وتختلف حقيقة كل منهما، فالألفاظ تأتي للتقريب والدلالة، وأسماء الله تعالى وصفاته وضعت لها ألفاظ ليميز بعضها عن بعض.\r\rوكذلك القدر المشترك اللفظي بين ما وصف الله ﷾ به نفسه، وما وصف به خلقه من بنى الإنسان، أمر معقول في كل ذهن، لا في الحقيقة والواقع والذوات؛ فليس هناك أي تشابه على الإطلاق.\rقال المصنف رحمه الله تعالى:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689021,"book_id":1659,"shamela_page_id":147,"part":null,"page_num":147,"sequence_num":147,"body":"[وأما ما يخبر به الرسول من الأمور الغائبة، فقد يكون مما أدركوا نظيره بحسهم وعقلهم، كإخبارهم بأن الريح أهلكت عاداً، فإن عاداً من جنسهم والريح من جنس ريحهم، وإن كانت أشد، وكذلك غرق فرعون في البحر، وكذا بقية الأخبار عن الأمم الماضية. ولهذا كان الإخبار بذلك فيه عبرة لنا، كما قال تعالى: لَقَدْ كَانَ فِي قَصصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ [يوسف:١١١] وقد يكون الذي يخبر به الرسول مما لم يدركوا مثله الموافق له في الحقيقة من كل وجه، لكن في مفرداته ما يشبه مفرداتهم من بعض الوجوه، كما إذا أخبرهم عن الأمور الغيبية المتعلقة بالله واليوم الآخر، فلا بد أن يعلموا معنى مشتركاً وشبهاً بين مفردات تلك الألفاظ وبين مفردات ألفاظ ما علموه في الدنيا بحسهم وعقلهم.\rفإذا كان ذلك المعنى الذي في الدنيا لم يشهدوه بعد، ويريد أن يجعلهم يشهدونه مشاهدة كاملة ليفهموا به القدر المشترك بينه وبين المعنى الغائب، أشهدهم إياه، وأشار لهم إليه، وفعل فعلاً يكون حكاية له وشبهاً به، يعلم المستمعون أن معرفتهم بالحقائق المشهودة هي الطريق التي يعرفون بها الأمور الغائبة، فينبغي أن تعرف هذه الدرجات:\rأولها: إدراك الإنسان المعاني الحسية المشاهدة.\rوثانيها: عقله لمعانيها الكلية.\rوثالثها: تعريف الألفاظ الدالة على تلك المعاني الحسية والعقلية.\rفهذه المراتب الثلاث لا بد منها في كل خطاب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689022,"book_id":1659,"shamela_page_id":148,"part":null,"page_num":148,"sequence_num":148,"body":"فإذا أخبرنا عن الأمور الغائبة، فلا بد من تعريفنا المعاني المشتركة بينها وبين الحقائق المشهودة والاشتباه الذي بينهما، وذلك بتعريفنا الأمور المشهودة، ثم إن كانت مثلها، لم يحتج إلى ذكر الفارق، كما تقدم في قصص الأمم، وإن لم يكن مثلها، بين ذلك بذكر الفارق، بأن يقال: ليس ذلك مثل هذا، ونحو ذلك، وإذا تقدر انتفاء المماثلة كانت الإضافة وحدها كافية في بيان الفارق، وانتفاء التساوي لا يمنع منه وجود القدر المشترك الذي هو مدلول اللفظ المشترك، وبه صرنا نفهم الأمور الغائبة، ولولا المعنى المشترك ما أمكن ذلك قط] اهـ\rالشرح:-\r\rلكي نفهم هذه المراتب الثلاث: المعرفة الحسية، والمعرفة العقلية، ومالا يدخل تحت الحس أو العقل، ينبغي أن نعرف الرد على الذين ينفون صفات الله ﷾ ويقولون: الألفاظ الموضوعة لا يفهم منها إلا هذا الشيء، فنحن لا نفهم من اليد إلا الجارحة، ولا نفهم من النزول إلا الانتقال، ولا نفهم من المجيء إلا الانتقال وهكذا، فنقول: ما أتفه هذه العقول وما أضلها، يقول تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:١١] فنحن لا نستخدم أي لفظ لم يأت به الشرع، بل هذا دليل على أن التشبيه في قلوبنا إن استخدامنا غير الألفاظ الشرعية، أما علماء الكلام ونفاة الصفات ففي قلوبهم وأنفسهم تشبيه فهم يحرفون كلام الله، ويضيفون إليه ما لم يضفه.\rقال الطحاوي ﵀:\r[ولاشيء يعجزه] .\r\rقال المصنف رحمه الله تعالى:\r[لكمال قدرته، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة:٢٠] : وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً [الكهف:٤٥] وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً [فاطر:٤٤] وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [البقرة:٢٥٥] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689023,"book_id":1659,"shamela_page_id":149,"part":null,"page_num":149,"sequence_num":149,"body":"لا يؤده أي: لا يكرثه ولا يثقله ولا يعجزه. فهذا النفي لثبوت كمال ضده، وكذلك كل نفي يأتي في صفات الله تعالى في الكتاب والسنة إنما هو لثبوت كمال ضده، كقوله تعالى: وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً [الكهف:٤٩] ، لكمال عدله، لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ [سبأ:٣] لكمال علمه. وقوله تعالى: وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ [ق:٣٨] لكمال قدرته. لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ [البقرة:٢٥٥] لكمال حياته وقيوميته. لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [الأنعام:١٠٣] لكمال جلاله وعظمته وكبريائه، وإلا فالنفي الصرف لا مدح فيه، ألا يرى أن قول الشاعر:\r\rقُبَيِّلة لا يغدرون بذمةٍ ولا يظلمون الناس حبة خردل\rلما اقترن بنفي الغدر والظلم عنهم ما ذكره قبل هذا البيت وبعده، وتصغيرهم بقوله: \"قُبيلة\" عُلم أن المراد عجزهم وضعفهم، لا كمال قدرتهم، وقول الآخر:\rلكن قومي وإن كانوا ذوي عدد ليسوا من الشر في شيء وإن هانا\rلما اقترن بنفي الشر عنهم ما يدل على ذمهم، عُلم أن المراد عجزهم وضعفهم أيضاً.\r\rولهذا يأتي الإثبات للصفات في كتاب الله مفصلاً، والنفي مجملاً، عكس طريقة أهل الكلام المذموم، فإنهم يأتون بالنفي المفصل والإثبات المجمل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689024,"book_id":1659,"shamela_page_id":150,"part":null,"page_num":150,"sequence_num":150,"body":"يقولون: ليس بجسم ولا شبح ولا جثة ولا صورة ولا لحم ولا دم ولا شخص ولا جوهر ولا عَرَض ولا بذي لون ولا طعم، ولا رائحة، ولا مجسة، ولا بذي حرارة ولا برودة ولا رطوبة ولا يبوسة ولا طول ولا عرض ولا عمق ولا اجتماع ولا افتراق ولا يتحرك ولا يسكن، ولا يتبعض، وليس بذي أبعاض وأجزاء وجوارح وأعضاء، وليس بذي جهات، ولا بذي يمين ولا شمال وأمام وخلف وفوق وتحت، ولا يحيط به مكان ولا يجرى عليه زمان، ولا يجوز عليه المماسة ولا العزلة، ولا الحلول في الأماكن، ولا يوصف بشيء من صفات الخلق الدالة على حدوثهم، ولا يوصف بأنه متناهٍ، ولا يُوصف بمساحة ولا ذهاب في الجهات، وليس بمحدودٍ، ولا والد ولا مولود، ولا تُحيط به الأقدار ولا تحجبه الأستار ... إلى آخر ما نقله أبو الحسن الأشعري ﵀ عن المعتزلة.\r\rوفي هذه الجملة حق وباطل، ويظهر ذلك لمن يعرف الكتاب والسنة. وهذا النفي المجرد مع كونه لا مدح فيه، فيه إساءة أدب، فإنك لو قلت للسلطان: أنت لست بزبال ولا كساح ولا حجام ولا حائك، لأدبك على هذا الوصف وإن كنت صادقاً، وإنما تكون مادحاً إذا أجملت النفي، فقلت: أنت لست مثل أحد من رعيتك، أنت أعلم منهم وأشرف وأجل، فإذا أجملت في النفي، أجملت في الأدب] ا. هـ.\rالشرح:-\r\rيقول الإمام أبو جعفر الطحاوي رحمه الله تعالى:\r\r[ولا شيء يعجزه] .\r\rفقال المصنف رحمه الله تعالى: [لكمال قدرته ... إلخ....]","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689025,"book_id":1659,"shamela_page_id":151,"part":null,"page_num":151,"sequence_num":151,"body":"وهذا من دقيق فهم ابن أبي العز \"الشارح\" ﵀، وهو أن الله ﷾ إذا وصف بنفي شيء، فإنما يكون لكمال ضده، فكل آية فيها نفي يأتي بعدها ما يدل على الكمال، كما قال: وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوب [ق:٣٨] وذلك لكمال قدرته ﷾ في خلق السماوات والأرض، وقال: لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْم [البقرة:٢٥٥] لكمال حياته وقيوميته التي وردت في أول الآية، وقال: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [الأنعام:١٠٣] أي: لكمال جلاله وعظمته أن يحيط بها أي شيء.\rفالنفي الصرف المطلق لا يقتضي المدح، أي: لا مدح فيه في لغة العرب، قال أحد الشعراء يهجو قبيلة:\r\rقبيلة لا يغدرون بذمة ولا يظلمون الناس حبة خردل\rفهذا ليس مدحاً لهم، وإنما أراد أن يقول: إنهم ضعفاء عاجزون لا يؤذون أحداً لضعفهم، ولا يغدرون إذا عاهدوا، ولا يظلمون الناس ولو حبة خردل لضعفهم وجبنهم، كما قال المتنبي:\rوالظلم من شيم النفوس فإن تجد ذا عفة فلعلة لا يظلم\rأي: أن هناك علة، كعدم قدرة أو خوف، وذلك لأن الظلم من شيم النفوس، وهذا هو المعنى الجاهلي، وكما قال آخر:\rلكن قومي وإن كانوا ذوي عدد ليسوا من الشر في شيء وإن هانا\rكأن ربك لم يخلق لخشيته سواهم من جميع الناس إنسان\rأي: كأن الله لم يخلق أحداً يخافه إلا قومه، ينفي عنهم الشر، وهذا ليس مدحاً لقومه، بل يهجوهم ويتهمهم بالضعف والخور والجبن والعجز.\rفالله ﷾ وهو أعظم من يُوصف ويُثنى عليه الثناء اللائق بجلاله، لا يوصف بمجرد السلوب.\rفلا نقول: لا يظلم فقط؛ وإنما: لا يظلم لكمال عدله، والذين يصفون الله بالنفي المجرد فقط فقد وقعوا في ضلال في صفات الله ﷾، ووقعوا في إساءة الأدب مع الله ﷾.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689026,"book_id":1659,"shamela_page_id":152,"part":null,"page_num":152,"sequence_num":152,"body":"فلو دخل أحد على ملك وأراد أن ينزه الملك، فقال: أيها الملك أنت لست بزبال، ولا كناس ولا طباخ، ولا حجام، فإن الملك سيؤدبه، والناس سيسخرون منه ويقولون: الملك في درجة عالية وأنت تخاطبه هكذا، فتنفي عنه أشياء حقيرة.\r\rفكيف يوصف مالك الملوك بصفة سلبية أو إضافية، فيقولون: ليس بجاهل، أو يقولون: له علم، أو عنده علم، فيضيفون له العلم، ولا يقولون: إنه عليم.\r\rلأنه يخيل إليهم أنهم إذا قالوا: \"عليم\"، أنهم قد أثبتوا شيئاً فيه تشبيه، أما إذا قالوا: \"ليس بجاهل\" فهذا مجرد نفي ولا يقتضي إثبات شيء.\r\rوقد ذكر المصنف ﵀ ألفاظاً كثيرة جداً فقال عنها: فيها حق وباطل، فقولهم: ليس بجسم ولا شبح ولا جثة ولا صورة ولا لحم ولا دم، هذه نفيها حق، وقد يكون فيها باطل، كما نفوا عن الله صفة ثابتة له بقولهم: وليس فوق، وأما قولهم: وليس بذي أبعاض وأجزاء وجوارح وأعضاء، فهذه توهم الباطل؛ فإنهم يريدون بقولهم هذا أن يوهموا ويجعلوا الصفات من باب الأعضاء والجوارح.\r\rوكقولهم: الحمد لله الذي تنزه عن الزمان والمكان، وأصرح منه: ولا يسأل عنه بالأين، فهذا كله باطل؛ لأن النبي ﷺ وهو أعرف الخلق بالله سأل الجارية (أين الله؟) ، وقولهم: ولا والد ولا مولود، هذا حق كما جاء في كتابه ﷾، فبعض كلامهم في النفي حق، وبعضه باطل، وبعضه يوهم الباطل أو قد يؤدي إليه.\rوأما في الثناء والمدح والإثبات فإننا نفصل، كما فصل الله ورسوله، فالآيات والأحاديث في الإثبات مفصلة، فيخبر الله ﷾ عن نفسه بأخبار مفصلة، كما في أواخر سورة الحشر، وآية الكرسي، والفاتحة، والإخلاص ونحو ذلك، وأما النفي فإنه مجمل، كما قال تعالى: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً [مريم:٦٥] وهو استفهام بمعنى النفي، وهو نفي مجمل، وقال تعالى: لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص:٣-٤] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689027,"book_id":1659,"shamela_page_id":153,"part":null,"page_num":153,"sequence_num":153,"body":"وأما لفظ: الجوهر والعرض والرطوبة والحرارة والعمق والارتفاع ونحوها.\r\rفهذا من إساءة الأدب مع الله ﷾، وهذا يدل على أن المعطلة هم في أصلهم مشبهة، وأن تعطيلهم نابع من التشبيه، فشبهوا الله بفهمهم ثم نفوا ما فهموه، فعندما قالوا: ليس بذي حرارة ولا رطوبة، كان هذا ما توهموه، وأن إثبات أسماء الله وصفاته يستلزم حرارة ورطوبة وطولاً وارتفاعاً، ثم قاموا بنفي ما فهموه، فالقاعدة المهمة في باب الصفات عند أهل السنة والجماعة أن نثبت لله ﷾ الصفات إثباتاً مفصلاً، وننفيها نفياً مجملاً.\rقَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:\r[والتعبير عن الحق بالألفاظ الشرعية النبوية الإلهية، هو سبيل أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ. والمعطلة يعرضون عما قاله الشارع من الأسماء والصفات، ولا يتدبرون معانيها، ويجعلون ما ابتدعوه من المعاني والألفاظ هو المحكم الذي يجب اعتقاده واعتماده.\r\rوأما أهل الحق والسنة والإيمان فيجعلون ما قاله الله ورسوله هو الحق الذي يجب اعتقاده واعتماده، والذي قاله هَؤُلاءِ إما أن يعرضوا عنه إعراضاً جملياً، أو يبينوا حاله تفصيلاً، ويحكم عليه بالكتاب والسنة، لا يحكم به عَلَى الكتاب والسنة. والمقصود: أن غالب عقائدهم السُلوب، ليس بكذا، ليس بكذا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689028,"book_id":1659,"shamela_page_id":154,"part":null,"page_num":154,"sequence_num":154,"body":"وأما الإثبات، فهو قليل، وهي أنه عالم قادرٌ حيٌ، وأكثر النفي المذكور ليس متلقى عن الكتاب والسنة ولاعن الطرق العقلية التي سلكها غيرهم من مثبتة الصفات، فإن الله تَعَالَى قَالَ: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:١١] ففي هذا الإثبات ما يقرر معنى النفي، ففهم أن المراد انفراده سبحانه بصفات الكمال، فهو ﷾ موصوف بما وصف به نفسه، ووصفه به رسله، ليس كمثله شيء في صفاته ولا في أسمائه ولا في أفعاله، مما أخبرنا به من صفاته، وله صفات لم يطلع عليها أحد من خلقه، كما قال رسوله الصادق ﷺ في دعاء الكرب: (اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القُرْآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي وغمي) .\r\rوسيأتي التنبيه عَلَى فساد طريقتهم في الصفات إن شاء الله تعالى.\r\rوليس قول الشيخ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: [ولا شيء يعجزه] من النفي المذموم، فإن الله تَعَالَى قَالَ: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً [فاطر:٤٤] .\rفنبه ﷾ في آخر الآية عَلَى دليل انتفاء العجز، وهو كمال العلم والقدرة، فإن العجز إنما ينشأ إما من الضعف عن القيام بما يريده الفاعل، وإما من عدم علمه به، والله تَعَالَى لا يعزب عنه مثقال ذرة، وهو عَلَى كل شيء قدير، وقد علم ببدائه العقول والفطر كمال قدرته وعلمه، فانتفى العجز، لما بينه وبين القدرة من التضاد؛ ولأن العاجز لا يصلح أن يكون إلهاً، تَعَالَى الله عن ذلك علواً كبيراً] اهـ.\rالشرح:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689029,"book_id":1659,"shamela_page_id":155,"part":null,"page_num":155,"sequence_num":155,"body":"قاعدة أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ في الأسماء والصفات أنهم يثبتون ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ إثباتاً مفصلاً، وينفون نفياً مجملاً، وأما طريقة أهل البدع فإنهم ينفون نفياً مفصلاً، ويثبتون إثباتاً مجملاً، والجهمية والباطنية الغلاة والمتفلسفة ينفون جميع الصفات ويوافقون في إثبات صفة واحدة وهي الوجود، وكلامهم خارج عن الكتاب والسنة؛ لأنه لم يرد فيهما الاقتصار عَلَى النفي فضلاً عن النفي بالسلب فقط، وكذلك هو خارج عن الطرق العقلية التي يتخذها بعض مثبتة الصفات -أي: الطرق العقلية التي سلكها الأشاعرة في إثبات الصفات السبع- بل بعضهم يقول: لا نقول موجود، بل نقول: ليس بمعدوم فقط، فهم لا ينفون إلا بالسلب.\rوبعضهم يقول: موجود، ويسميه واجب الوجود.\r\rفيُقَالُ لهم: إذا أثبتم وجوداً لا يشبه وجود غيره وهي صفة ثبوتية، فكذلك أثبتوا له استواءً لا يشبه استواء غيره، ويداً لا تشبه يد غيره، وهكذا في جميع الصفات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689030,"book_id":1659,"shamela_page_id":156,"part":null,"page_num":156,"sequence_num":156,"body":"وفي هذا الحديث دعاء عظيم فمن دعا بهذا الدعاء فكأنما دعا الله باسمه الأعظم؛ لأنه يقول: (اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحد من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك ... إلخ) وفي الجملة الأخيرة يدخل الاسم الأعظم وإن كَانَ ورد أنه في آية الكرسي أو نحو ذلك، لكن حقيقة الاسم الأعظم، أو حقيقة أن لله ﷾ صفات وأسماء لا نعلمها، هذه ثابتة بنص هذا الحديث، ولذلك فإن الله ﷾ يثبت له ما أثبت لنفسه ﷾ وبعض صفاته التي لم يخبرنا بها، فاعتمادنا عَلَى ما ثبت به الدليل وليس للعقل أو غيره مجال في ذلك، ثُمَّ عاد المُصنِّفُ معقباً عَلَى قول الإمام الطّّحاويّ الذي هو جزء من الآية \"لا يعجزه شيء\" وهل يدخل في النفي المحض أم لا؟ ونحن نقول: لا يدخل في ذلك لأن هذا جزء من الآية، التي في آخر سورة فاطروَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً [فاطر:٤٤] ويكون العجز من الإِنسَان بسبب الجهل وقد يكون عالماً بالشيء؛ لكنه لا يقدر عليه، أما الله ﷾، فإنه نفى عن نفسه العجز، وأثبت العلم والقدرة، فمن كَانَ لديه كمال العلم وكمال القدرة -وهو الله ﷾ فإنه لا يعجزه شيء في السماوات ولا في الأرض ﷾.\rقال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: [ولا إله غيره]\rقال المصنف ﵀:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689031,"book_id":1659,"shamela_page_id":157,"part":null,"page_num":157,"sequence_num":157,"body":"[هذه كلمة التوحيد التي دعت إليها الرسل كلها كما تقدم ذكره، وإثبات التوحيد بهذه الكلمة باعتبار النفي والإثبات المقتضي للحصر، فإن الإثبات المجرد قد يتطرق إليه الاحتمال، ولهذا - والله أعلم - لما قال تعالى: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ [البقرة:١٦٣] قال بعده: لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [البقرة:١٦٣] فإنه قد يخطر ببال أحدٍ خاطر شيطاني: هب أن إلهنا واحد، فلغيرنا إله غيره، فقال تعالى: لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ.\rوقد اعترض صاحب \" المنتخب \" على النحويين في تقدير الخبر في \" لا إله إلا هو \" فقالوا: تقديره: لا إله في الوجود إلا الله، فقال: يكون ذلك نفياً لوجود الإله ومعلوم أن نفي الماهية أقوى في التوحيد الصرف من نفي الوجود، فكان إجراء الكلام على ظاهره، والإعراض عن هذا الإضمار أولى.\rوأجاب أبو عبد الله محمد بن أبي الفضل المرسي في \" ري الظمآن \" فقال: هذا كلام من لا يعرف لسان العرب فإن \" إله \" في موضع مبتدأ على قول سيبويه وعند غيره اسم \"لا\" وعلى التقديرين، فلا بد من خبر للمبتدأ، وإلا فما قاله من الاستغناء عن الإضمار فاسد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689032,"book_id":1659,"shamela_page_id":158,"part":null,"page_num":158,"sequence_num":158,"body":"وأما قوله: إذا لم يضمر يكون نفياً للماهية، فليس بشيء، لأن نفي الماهية هو نفي الوجود، لا تتصور الماهية إلا مع الوجود، فلا فرق بين \"لا ماهية\" و\"لا وجود\". وهذا مذهب أهل السنة، خلافاً للمعتزلة، فإنهم يثبتون ماهيةً عاريةً من الوجود. و\"إلا الله\" مرفوع، بدلاً من \"لا إله\" لا يكون خبراً لـ\"لا\" ولا للمبتدأ، وذكر الدليل على ذلك، وليس المراد هنا ذكر الإعراب، بل المراد دفع الإشكال الوارد على النحاة في ذلك، وبيان أنه من جهة المعتزلة، وهو فاسد؛ فإن قولهم: \" في الوجود \" ليس تقييداً، لأن العدم ليس بشيء، قال تعالى: وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً [مريم:٩] . ولا يقال: ليس قوله: \"غيره\" كقوله: \"إلا الله\" لأن \"غيراً\" تعرب بإعراب الاسم الواقع بعد \"إلا\" فيكون التقدير للخبر فيهما واحداً، فلهذا ذكرت هذا الإشكال وجوابه هنا] اهـ.\rالشرح:\rهنا المبحث ذو شقين، الشق الأول يتعلق بمعنى لا إله إلا الله وبأهميتها، والشق الآخر يتعلق بإعرابها وما أثاره بعضهم حول إعراب \"لا إله إلا الله\"، ونحن كما ذكر المصنف ﵀ لا يهمنا الإعراب والخلاف فيه، أو الخلاف في التقدير، وإنما الذي يهمنا هو معرفة حقيقة لا إله إلا الله، لكن مع ذلك لا بد أن نشرح هذا الكلام بقدر ما نستطيع من التبسيط والتقريب إن شاء الله.\r\rأهمية معنى (لا إله إلا الله) .\r\rيقول المصنف ﵀: [هذه كلمة التوحيد التي دعت إليها الرسل] ، أي: كلمة الشهادة، فكلمة لا إله إلا الله هي الشهادة لله ﷾ بالوحدانية أي أن يكون الله تعالى هو وحده المعبود دون ما سواه من المعبودات والآلهة، هذا هو ما جاءت به جميع الرسل ودعت إليه أقوامهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689033,"book_id":1659,"shamela_page_id":159,"part":null,"page_num":159,"sequence_num":159,"body":"وقوم لوط ﵇ هم الأمة الوحيدة التي كانت دعوتها إلى ترك الفاحشة، وإلى التقوى والإيمان بالله ﷾ ولكن مرد ذلك إلى أن هؤلاء القوم كانوا موحدين، لكنهم كانوا يرتكبون الفاحشة، وإلا فعموم قوله تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:٣٦] يدخل فيه قوم لوط وغيرهم فإن التوحيد يدعى إليه الموحد أيضاً، لكن قد يأتي نبي كما هو الحال في لوط ﵇، أو يأتي أي داعية من الدعاة إلى ناس من أهل التوحيد يرتكبون منكراً ظاهراً، فيكون همّ دعوته هو القضاء على هذا المنكر وإن كان أقل من الشرك.\rومع ذلك لا ينبغي لأي داعية أن يُغفل جانب الألوهية والدعوة إلى تصحيح أنه لا معبود إلا الله ﷾ وأنه لا يجوز صرف أي نوع من أنواع العبادة، من الدعاء أو الرجاء أو الخوف أو النذر أو الرغبة أو الرهبة أو المحبة أو الخشوع أو الذبح أو نحو ذلك من أنواع العبادات لغير الله تعالى؛ بل تصرف كل هذه العبادات لله وحده، وكذلك الطاعة والتسليم والانقياد في التحليل والتحريم واتباع الأمر لا يكون ذلك إلا لله ﷾ وحده، فالمراد أن هذا هو ما دعى إليه الأنبياء، فكل نبي جاء إلى قومه وقال لهم: اعبدوا لله ما لكم من إله غيره، وجميع الأنبياء قالوا ذلك، وإن كان بعضهم أو بعض الدعاة قد يدعو ويجعل محور دعوته أمراً غير ذلك إذا كان التوحيد متحققاً، ولكن بعض لوازمه غير متحققة كالمجتمع الذي تفشوا فيه المنكرات وتنتشر فيه الرذيلة، مع وجود القدر المطلوب من التوحيد، ومع ذلك فإن هذا من مقتضيات التوحيد ومن لوازمه وهو الانقياد لأمر الله ﷾.\rأركان كلمة لا إله إلا الله","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689034,"book_id":1659,"shamela_page_id":160,"part":null,"page_num":160,"sequence_num":160,"body":"تتكون كلمة التوحيد من ركنين هما النفي (لا إله) والإثبات (إلا الله) ، ومن هذين الركنين يتكون معنىً أعم وأبلغ وأدق من المعنى المثبت بدون نفي، فلو قلنا: الله الإله، أو الإله الله، فقط من دون النفي والإثبات لم يكن أدق ولا أبلغ من قولنا: (لا إله إلا الله) ، ولذلك يقول المُصْنِّف مثلاً لما قال الله ﷾: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ [البقرة:١٦٣] هذه الآية جاءت إثبات فقط دون نفي، لكن قال عقب ذلك: لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [البقرة:١٦٣] فأعقب ذلك بالنفي لحكمة كما قال المصنف: [إنه قد يتبادر خاطر شيطاني] وهذا الخاطر الشيطاني كأن يقول: هذا إلهكم إله واحد، فلغيركم إله آخر، فتأتي الآية فتنفي هذا الخاطر الشيطاني وتشمل وتعم نفي جميع المعبودات من دون الله، فيقول الله ﷾ بعد ذلك: لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وإلهكم معاشر المخلوقين أو المخاطبين إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، فدل ذلك عَلَى نفي ألوهية غير الله ﷾ وأنه لا إله سواه جل شأنه، فهذا الذي يدل عَلَى أن اللفظة ما دامت مركبة من النفي والإثبات، فهي أبلغ وأدل مما لو كانت فقط للإثبات، ولهذا كانت (لا إله إلا الله) تكون من ركنين \"النفي والإثبات\"، هذا النفي المقرون بـ \"إلا\" يسمى في اللغة العربية: \"الحصر\" أو \"القطع\" وهو في قوة \"إنما\" وهي أداة حصر، تسبق المبتدأ والخبر، فكأنه يقول: إنما الإله الله، هذه أساليب الحصر، و\"إنما\" من أدوات الحصر، ولذلك جَاءَ في القرآن: \"إنما الله إله واحد\" والأسلوب الثاني من أساليب الحصر هو النفي \"بلا\" والاستثناء بعد \"لا\" \"بإلا\"، فهذان الركنان النفي والإثبات هما ركنا شهادة أن لا إله إلا الله.\r\rشروط لا إله إلا الله","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689035,"book_id":1659,"shamela_page_id":161,"part":null,"page_num":161,"sequence_num":161,"body":"أما شروط لا إله إلا الله، فقد قلنا: إنها سبعة، لو تأملناها لوجدنا أنها أعمال القلوب الرئيسية، أي: أصول أعمال القلوب من \"العلم، واليقين، والصدق، والإخلاص، والمحبة والانقياد، والقبول\"، هذه الشروط أعمال قلبية، وهي أساس أعمال القلوب، فلو أن إنساناً عنده شك ففي المقابل ليس عنده يقين، كَانَ يكون عنده شك في الله! هل يكون هذا مؤمناً أو مسلماً؟ لا يكون أبداً، وإذا كَانَ إنسان ليس عنده علم بأن الله هو الإله وحده ﷾ هذا لا يكون مسلماً أيضاً، فهو يقول: (لا إله إلا الله) لكنه غير صادق في قول (لا إله إلا الله) إنما يقولها كما يقولها المنافقون نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ [المنافقون:١] ، فلا تنفعه؛ لأنه يقولها وهو غير محبٍ لها ولقائلها وغير منقادٍ لها وللوازمها ولمقتضياتها، وغير قابل لها أيضاً، وهذا لا ينفعه، ولذلك نقول: ليس المطلوب منا هو مجرد لفظة (لا إله إلا الله) .\r\rبعض المفاهيم الخاطئة من مفهوم لا إله إلا الله","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689036,"book_id":1659,"shamela_page_id":162,"part":null,"page_num":162,"sequence_num":162,"body":"غلط من غلط في معنى (لا إله إلا الله) ، وظن أن المراد من هذه الكلمة هو مجرد اللفظ، وقال من قال لا إله إلا الله، أو من نطق بلا إله إلا الله، فإنه يكون مسلماً وإن عمل ما عمل، وإن اعتقد ما اعتقد، وهذا من أبطل الباطل، ومن أعظم الأدلة عَلَى ذلك: أن المنافقين عَلَى كثرتهم في عهد النبي ﷺ كانوا يقولون: لا إله إلا لله، ويغزون، ويحجون ويتصدقون ويصلون ويصومون لكن لا ينفعهم ذلك؛ لأنهم كانوا كاذبين، وكانوا غير مخلصين، فلو أنهم صدقوا الله في قولهم (لا إله إلا الله) وصدقوا في قولهم: نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّه [المنافقون:١] وأخلصوا دينهم لله ﷾ لكانوا من المؤمنين، وإن كانت فيهم بعض المعاصي، لكن لما أنهم لم يكونوا كذلك لم ينفعهم مجرد أن قالوا: (لا إله إلا الله) أو شهدوا أنه (لا إله إلا الله) فهذا أحد أنواع الغلط في شهادة (لا إله إلا الله) وذلك لظنهم أنها مجرد لفظ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689037,"book_id":1659,"shamela_page_id":163,"part":null,"page_num":163,"sequence_num":163,"body":"النوع الثاني من أنواع الغلط في شهادة أن (لا إله إلا الله) : قول من ظن أن معناها: (لا رب إلا الله) بمعنى: الربوبية أي: (لا خالق إلا الله) ، و (لا رازق إلا الله) ، و (لا فاعل إلا الله) ، وهذا يقول به طوائف من الناس، وسبق أن تحدثنا عن ذلك، وتحدث عنه المُصْنِّف وهذا قول بعض طوائف من المتكلمين وبعض الصوفية الذين يقولون: إنه لا فاعل إلا الله، ولا موجود إلا الله، فمعنى (لا إله إلا الله) عندهم هو الفاعل لكل شيء، وأن غيره كالسراب لا وجود له ولا فعل ولا تأثير له، وهذا أيضاً قول باطل، فإن إثبات أن الله هو الخالق، وهو الرازق ﷾ وأنه المحيي والمميت لم يخالف فيه العرب في الجاهلية؛ بل كانوا يقولون في تلبيتهم: (لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك) ، وكما تقرأون في آيات الله ﷾: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لقمان:٢٥] فهذا التوحيد في الحقيقة جزء من توحيد الربوبية، كَانَ يؤمن به المُشْرِكُونَ الذين بعث فيهم النبي ﷺ، والجزء المتعلق به هو جانب الألوهية وهو الذي كانت فيه المعركة بين النبي ﷺ وبينهم، ولهذا لا يجوز لأحد كائناً من كَانَ أن يجعل همه من الدعوة إِلَى (لا إله إلا الله) أن يدعو النَّاس إِلَى أن يعتقدوا أنه لا خالق إلا الله، ولا رازق إلا الله، ولا ضار إلا الله، ولا نافع إلا الله ويقف عند هذا، نعم هذا جزء من الحق لكن ليس هو الحق كله؛ بل يجب علينا أن نبين ونوضح معنى شهادة أن (لا إله إلا الله) كاملةً، كما وضحها النبي ﷺ، ومن ذلك: نفي اتخاذ شفيع أو وسيط من دون الله ﷾ تصرف بعض من أنواع العبادة له، ومن ذلك أيضاً نفي اتخاذ متبوع أو مطاع، يقدم كلامه وأمره ونهيه عَلَى أمر الله ورسوله،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689038,"book_id":1659,"shamela_page_id":164,"part":null,"page_num":164,"sequence_num":164,"body":"وكلام الله ورسوله، ونهي الله ورسوله ﷺ، فلا بد أن نكون عالمين بهذه المعاني، عَلَى أن التعرض لمثل هذه الجوانب هو جزء من الحق كما قلنا، وقد يوجد عند الإِنسَان اليقين بأن الله هو الرازق، وبأنه هو الخالق، وبأنه هو الضار النافع المحيي المميت، وهذا اليقين مطلوب بلا شك، وهو يثمر في القلب الإيمان بالله ﷾ ويثمر عند الإِنسَان من الخوف، ومن الرجاء الشيء العظيم، ولكن الاعتراض هو عَلَى الاكتفاء بهذا فنحن يجب علينا أن نبين للناس حقيقة الربوبية، ونقول هذا الكلام؛ لأن بعض النَّاس قد يفهم خطأ وربما أيضاً وجد ممن يتكلم ويقول: بأن توحيد الربوبية مفروغ منه، لأن كل العرب في الجاهلية يثبتونه، فلا يتحدث عنه، وإنما نتكلم فقط في الألوهية، فنقول: ليس الأمر كذلك، بل يجب أن يعرض أيضاً توحيد الربوبية، لكن الخطأ هو أن يكتفى به عن الألوهية، فيجب تعليم النَّاس حقيقة أن الله هو الخالق الرازق، وأن الله هو الضار النافع، ويربط ذلك بواقع حياة الناس، فكثيراً من عوام الْمُسْلِمِينَ لو ناقشته في هذا الموضوع فإنه يقول لك: نعم الله هو الخالق، وهو الرازق، والضار، والنافع، لكن ليس هناك أثر لهذا الكلام في حياته، ولا بد أن يظهر أثر ذلك عظيماً جداً في حياة المسلم، وهو أنه لا يأخذه الهلع والجشع عَلَى الدنيا، ولا يأخذه الحرص واللهث وراء هذا المتاع الفاني، ولا يتعلق بالأسباب ويظن أن الرزق يأتيه من هذه الأسباب، أو يأتيه من كدحه أو من عمله أو من اجتهاده أومن مصادر الثروة التي يظنها مصادر للثروة أو من أي شيء، يستيقن أنه لا رازق إلا الله ﷾، فيصل إِلَى اطمئنان، وإلى إيمان ويقين يدفع به هلع النفس وحرصها الشديد؛ لأن الإِنسَان شديد في حب الخير، كما ذكر الله ﷾، وكما هو معلوم أن الإِنسَان يحب المال حباً جما، ويأكل التراث أكلاً لما، كما","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689039,"book_id":1659,"shamela_page_id":165,"part":null,"page_num":165,"sequence_num":165,"body":"أخبر الله ﷾ وغير ذلك من الصفات التي هي صفات متأصلة في النفس الإِنسَانية، فإذا أيقن أن الرازق هو الله ﷾ فإنه يزكي نفسه ويطهرها وينقيها من رواسب هذه الصفات السيئة، التي هي من صفات غير الموقنين بأن الله هو الرازق وحده ﷾ لا شريك له، ولذلك فلا يجوز أن تصرف العبادة إلا له ﷾، فما دام أنه هو الذي يرزق الخلق فهو الذي يجب أن يعبد وحده ﵎، فنعلم النَّاس توحيد الربوبية وإن كانوا مقرين به في الأصل، لكن نعلمهم حقائقه ومقتضياته الواقعية، التي يجب أن تطبق عَلَى نفوسنا، ومن ذلك الدعاة، فإذا دعا الداعية إِلَى الله ﷾ فيجب أن يعلم هذا التوحيد، أن الله هو الرازق، فلو آمن به الدعاة جميعاً حق الإيمان لما رأينا الإحجام والتردد في الدعوة، فإذا علمت أن الله هو الرازق فإنك تدعو إِلَى الله، وتنكر المنكر، وتقول الحق ولا تخاف عَلَى رزقك ولا عَلَى طعامك ولا عَلَى رزق أولادك من بعدك، لأنك تعلم أن الله هو الذي يرزقك وأن الله هو الذي يرزقهم، وأن سبيل الدعوة محفوف بالأذى واالمخاطر، ومنها قطع هذا السبب الذي هو سبب ظاهر جعله الله ﷾ مصدراً لرزقك، فكثير من النَّاس يقول: لولا عملي، أو لولا رزقي، أو لولا وظيفتي، أو لولا خشية أن ينقطع راتبي لقلت الحق، ولأمرت بالمعروف، ولدعوت إِلَى الله، فيا سُبْحانَ اللَّه! هل يكون مثل هذا الإِنسَان مؤمناً حقيقة بتوحيد الربوبية، وأنه لا رازق إلا الله.\rفلا بد من الصبر ولا بد من المجاهدة، فهذا الجانب من التوحيد مهم وينبغي الحث عليه وينبغي الإيمان به.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689040,"book_id":1659,"shamela_page_id":166,"part":null,"page_num":166,"sequence_num":166,"body":"وكذلك من أسمائه الضار النافع، وهذا جزء من توحيد الربوبية ولا يجوز إهمالها، فكثير من النَّاس يقول: إن الله هو الضار وهو النافع ومع ذلك تراهم يلتمسون أسباب الشفاء، وأسباب النفع من الوسائل المحرمة، ومن غير الطريق المشروع وهذا دليل عَلَى أنهم لم يستيقنوا فعلاً أن الضار النافع هو الله ﷾، فالذي يوقن بأن الله هو الضار النافع هل يذهب إِلَى الكهان والسحرة والمشعوذين، ويأخذ منهم أنواعاً من العلاجات والأدوية وهو يعلم أن فيها شركيات؟ إن الذي يوقن بأن الله هو الضار النافع يكون قلبه كما قال النبي؛ (واعلم أن الأمة لو اجتمعوا عَلَى أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ولو اجتمعوا عَلَى أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك) فهناك فرق بين من يعرف حقيقة معنى الضار النافع، وبين من يجهله، وقس عَلَى ذلك بقية أمور الربوبية، فهذان النوعان من أنواع الغلط في مفهوم لا إله إلا الله والآن ينتقل المُصْنِّف إِلَى ما يتعلق بكلمة (لا إله إلا الله) من ناحية الإعراب.\r\rصاحب المنتخب وانتقاده على بعض النحويين من إعراب لا إله إلا الله\rيقول المُصْنِّف ﵀: [وقد اعترض صاحب المنتخب عَلَى النحويين في تقدير الخبر] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689041,"book_id":1659,"shamela_page_id":167,"part":null,"page_num":167,"sequence_num":167,"body":"أولاً: صاحب المنتخب لم أستطع أن أعرف من هو فكتاب المنتخب بعضها في الأدب وبعضها في اللغة، ولعله الحسن بن صالح المتوفى ٥٦٨هـ الملقب بملك النحاة، نقول ذلك ولا نجزم به حتى نطلع عَلَى الكتاب ونجد هذا اللفظ فيه، ويبدوا أن هذا الكتاب مفقود، أو مخطوط قال صاحبه فيه: \"إن النحويين أخطأوا في إعراب (لا إله إلا الله) \" \"النحويون يقولون لا إله موجودٌ إلا الله \" يقدرون خبر (لا) بأنه موجود، بينما الصحيح أن لا يكون هناك تقدير، ولا نقدر الموجود؛ لأننا إذا قلنا لا إله موجود، فالمنفي هو وجود الإله، يقول: ولكن المفروض أن ينفى ماهية الإله (ذاته) وليس وجوده، فنقول: (لا إله) أي: لا ماهية إله بدلاً من أن نقول: وجود إله، وكلمة \"موجود\" نلغيها ونجعل النفي منصباً عَلَى كلمة إله، (وإلا الله) تكون بدلاً، هذا الكلام في حقيقته فيه نوع من الصواب، من حيث عدم التقدير، وإن كَانَ المُصْنِّف مال إِلَى غيره وقَالَ: إنه كلام المعتزلة، وهذه القضية تحتاج إِلَى شيء من الدقة والتبسيط، فقوله (لا) هذه تسمى لا النافية للجنس، وتدخل عَلَى المبتدأ والخبر، وهي تفيد النفي المطلق، ولذلك قيل لنفي الجنس أي: لا يمكن أن تقول: لا رجلٌ في الدار بل رجلان؛ لأن قولك لا رجل في الدار يعني: أنك تنفي نفياً مطلقاً أن يكون في الدار رجل، إذا كانت لمجرد النفي نقول: لا رجلٌ في الدار بل رجلان، فنفينا وجود \"رجل\" وأثبتنا رجلين، وهذه (لا) قد لا تحتاج إِلَى خبرٍ أصلاً فتستغني عن الخبر بالكلية، ومن ذلك قول الله ﵎:، َفَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجّ [البقرة:١٩٧] فلا تحتاج إِلَى خبر وقد يضمر الخبر أو يحذف، عَلَى خلاف في لغات العرب بين لغة الحجازيين ولغة الطائيين أو الشماليين هل يحذف وجوباً؟ أو يحذف جوازاً؟، الشاهد: أنه قد تستغني \"لا\" عن الخبر نهائياً أو يحذف خبرها مطلقاً، وإن ذكر خبرها فهي تدخل عَلَى المبتدأ وعلى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689042,"book_id":1659,"shamela_page_id":168,"part":null,"page_num":168,"sequence_num":168,"body":"الخبر، فلو حذفنا (لا) وحذفنا (إلا) من كلمة (لا إله إلا الله) وتركنا المعنى يبقى (الإله الله) المبتدأ والخبر، كلمة \"الإله\" ندخل عليها \"أل\" لأنه لا يجوز الابتداء بالنكرة فنقول: (إله الله) ، ومن أجل زيادة التأكيد ينفى الجنس فنقول: (لا إله) فحذفنا (إلا) لأن لا النافية للجنس لا تدخل إلا عَلَى النكرات فنحذف (الأل) فنقول: (لا إله إلا الله) إذاً فالكلام ليس فيه تقدير.\rفكون صاحب المنتخب هذا معتزلياً، أو غير معتزلي، لا يجعلنا نخطأه إذا كَانَ قوله صواباً، نعم أخطأ المعتزلة عندما فرقوا بين الوجود وبين الماهية، لكن كلام الرجل بعضه صحيح، وقوله: \" إن النحويين قالوا: تقديره لا إله في الوجود إلا الله وهذا يكون نفياً لوجود الإله ومعلوم أن نفي الماهية أقوى في التوحيد الصرف من نفي الوجود \" معناه: نَحْنُ لا نقدر موجود فننفي نفس ماهية الإله وقَالَ: \" فكان إجراء الكلام عَلَى ظاهره والإعراض عن هذا الإضمار أولى \" وكلامه هذا الأخير صحيح، لأن إجراء الكلام عَلَى ظاهره والإعراض عن هذا الإضمار أولى، لكن كلامه الأول في كون العلة هي أن نفي الوجود ليس أقوى من نفي الماهية خطأ، أما إذا نظرنا إِلَى المسألة نظرة لغوية بحتة فإننا نجد أن كلام هذا الرجل صحيح في أنه لا إضمار في الكلام، فالشهادة تتكون من مبتدأ وخبر فأدخلنا عليها \"لا\" النافية وأدخلنا الحصر الذي يفيد التأكيد وهو أكثر من مجرد الإثبات كما قلنا، فصار الكلام (لا إله إلا الله) ، مثل قولنا: لا حولا ولا قوة إلا بالله، فليس في الكلام تقدير في هذا الباب عَلَى هذا الوجه اللغوي البحت.\r\rالمرسي يرد على صاحب المنتخب","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689043,"book_id":1659,"shamela_page_id":169,"part":null,"page_num":169,"sequence_num":169,"body":"أراد أبو عبد الله مُحَمَّد بن أبي الفضل المرسي أن ينتصر لمذهب أهل السنة، ضدالمعتزلة ولا نعلم حقيقة ما إذا كَانَ هذا الرجل سنياً بمعنى: أنه من أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ أم أنه أيضاً متأثر بإحدى المذاهب المنتسبة إِلَى السنة، لكن هذا الرجل يقول عن كلام صاحبالمنتخب: [هذا كلام من لا يعرف لسان العرب] فخطأه؛ لأن (إله) في موضع مبتدأ عَلَى قول سيبويه وعند غيره اسم (لا) وكلاهما لا فرق بينهما، أي سواء قلنا هي مبتدأ أو اسم \"لا\" \"وعلى كلا التقديرين فلا بد من خبر المبتدأ، وإلا فما قاله من الاستغناء عن الإضمار فاسد\"، يقول المرسي:\" الاستغناء عن الإضمار خطأ \"، نبدأ بالكلام الصواب من كلام المرسي الذي يبين لنا الخطأ من كلام صاحبالمنتخب، وأما قوله: إذا لم يضمر يكون نفياً للماهية، فليس بشيء؛ لأن نفي الماهية هو نفي للوجود، فلا تتصور الماهية إلا مع الوجود، فلا فرق بين لا ماهية ولا وجود، هذا مذهبأهل السنة خلافاً للمعتزلة، فإنهم يثبتون ماهية عارية عن الوجود.\rالماهية هي ذات الشيء أو حقيقته، وهي مشتقة بما يُسئل عنها (بما) ، وقد سبق هذا معنا، عندما خاطب فرعون موسى فقَالَ: وما رَبُّ الْعَالَمِينَ، قال المتكلمون: إنفرعون سأل موسى عن الماهية، أي: أنفرعونمن المتكلمين الباحثين في الصفات، فهو من المناطقة حيث سأل عن الماهية بـ \"ما\"، قَالَ: وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:٢٣] ، أي: ما كنهه وما ذاته وما حقيقته؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689044,"book_id":1659,"shamela_page_id":170,"part":null,"page_num":170,"sequence_num":170,"body":"ثُمَّ قال المتكلمون، إن موسى ﵇ حاد عن الجواب حينما قَالَ: قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ [الشعراء:٢٦] فلم يجب له بالأجوبة المنطقية، وسبق أن قلنا: إن هذا الكلام خطأ من المتكلمين؛ لأن فرعون لا يعرف المنطق ولا الفلسفة، ولا يتدخل في هذا الكلام كله، ف، فرعونيقول: وما رَبُّ الْعَالَمِينَ عَلَى سبيل الاستخفاف والعناد، فهو لا يؤمن به؛ بل ينكره، ولهذا قَالَ: فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ [القصص:٣٨] ففرعون لا يريد أن يؤمن بإله.\r\rوليست القضية عندفرعون قضية ماهية هذا الإله، أو السؤال عنه بـ \"ما\"، فلم يخطر لفرعون أن المناطقة يقولون: إن السؤال عن الماهية هو بحرف \"ما\"، ومعنى قول المرسي أنا إذا قلنا (لا إله) موجود فقد نفينا وجود الإله، وإذا قلنا: (لا إله) بدون تقدير نفينا ماهية الإله، إذاً عدم التقدير أفضل.\r\rفنقول: هذا التفريق بين الوجود وبين الماهية خطأ؛ لأن أي شيء نقول: إنه موجود، فمعنى ذلك أن له ماهية بطبيعة الحال، أما أن عدم التقدير صحيح فهذا الكلام أيضاً صحيح؛ لأن عدم التقدير هو الأولى.\r\rالإعراب الصحيح لـ\" لا إله إلا الله\"","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689045,"book_id":1659,"shamela_page_id":171,"part":null,"page_num":171,"sequence_num":171,"body":"وإعراب \"لا إله إلا الله\": (لا) : نافية للجنس، و (إله) : اسم (لا) أو المبتدأ، و (إلا) أداة استثناء، و (الله) : خبر، فهذا النفي والاستثناء أسلوب من أساليب الحصر المراد به تأكيد أبلغ وآكد في إثبات العلاقة بين الموضوع والمحمول أي: بين المبتدأ والخبر، وأن الإله وحده هو الله ﷾ لا إله غيره ﵎، هذا مختصر إعراب (لا إله إلا الله) وليس هناك تقدير فيها؛ لأن المبتدأ والخبر يدخل عليها الحروف (لا) و (إلا) فلا تقدير في الكلام بالكلية، هذا هو الراجح والصحيح في اللغة. قوله: [وليس المراد هنا ذكر الإعراب فالمراد هو رفع الإشكال الوارد عَلَى النحاة في ذلك، وبيان أنه من جهة المعتزلة وهو ثابت وقلنا: إن المنتقد من المعتزلة إذا كَانَ انتقاده صواباً قبلناه وإن كَانَ معتزلياً وفيلسوفاً ومتكلماً، فنحن نتبع الحق حيث كان، ولا يضرنا أن يكون قائله من غيرأهل السنة لا سيما وأن الموضوع موضوع لغة وليس موضوع دين وإيمان، قَالَ: \" فإن قولهم في نفي الوجود ليس تقييداً لأن العدم ليس بشيء\" يقول المُصْنِّف عندما قال النحاة (لا إله موجود) لم يقيدوا النفي بالوجود فقط حتى نقول: إنهم لم ينفوا الماهية، وإنما نفوا الوجود فقط، وإنما قال ذلك؛ لأن العدم ليس بشيء، وما دام أن العدم ليس بشيء فنفي الوجود هو العدم، والعدم ليس بشيء، إذاً ليس هناك شيء يقيده، فليست كلمة (في الوجود) قيداً، وإنما نفي أن يكون شيء في الوجود هو عدم، والعدم لا قيد فيه بإطلاق؛ لأنه ليس بشيء [كما قال الله تعالى: وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً [مريم:٩] ولا يقال ليس قولهم \"غير\" كقوله: (إلا الله) ] ، أي: بدلاً من أن نقول: (لا إله إلا الله) نقول: \"لا إله غير الله\"، يقول المصنف: \" لا نقول إن (غير) مثل (إلا) \" وكلامه هنا خطأ، بل الواقع أنها مثلها والمعنى واحد؛ لأن كلمة غير الله في قوة (إلا الله) ، فـ (لا إله غير","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689046,"book_id":1659,"shamela_page_id":172,"part":null,"page_num":172,"sequence_num":172,"body":"الله) أو (لا إله إلا الله) بمعنى واحد؛ لكن كلمة \"غير\" نفيها في ذاتها، وهي تنفي الشيء الآخر، وأما (لا إله إلا الله) فنفيها من (لا) وليس من \"غير\"، فلما اجتمع الحصر (لا) و (إلا) صار المعنى (لا إله إلا الله) فلما أخذنا (إلا) انتقل الحصر في عموم كلمة \"غير\"، وهي في ذاتها عامة تنفي؛ لأنها من ألفاظ العموم المطلقة الكلية، فأصبح (لا إله غيره) ، أو (لا إله إلا الله) ، بمعنى واحد، هذا هو ملخص ذلك.\rقال الإمام الطحاوي: [قديم بلا ابتداء، دائم بلا انتهاء]\rقال المصنف -رحمه الله تعالى-:\r\r[قال الله تعالى: هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِر [الحديد:٣] وقال ﷺ: (اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء) فقول الشيخ ﵀: [قديم بلا ابتداء، دائم بلا انتهاء] هو معنى اسمه: الأول والآخر.\r\rوالعلم بثبوت هذين الوصفين مستقر في الفطرة، فإن الموجودات لا بد أن تنتهي إلى واجب الوجود لذاته، قطعاً للتسلسل.\r\rفإنّا نشاهد حدوث الحيوان، والنبات، والمعادن، وحوادث الجو، كالسحاب والمطر، وغير ذلك، وهذه الحوادث وغيرها ليست ممتنعة، فإن الممتنع لا يوجد، ولا واجبة الوجود بنفسها، فإن واجب الوجود بنفسه لا يقبل العدم، وهذه كانت معدومة، ثم وجدت، فعدمها ينفي وجودها، ووجودها ينفي امتناعها، وما كان قابلاً للوجود والعدم لم يكن وجوده بنفسه، كما قال تعالى: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ [الطور: ٣٥] .\rيقول سبحانه: أحَدَثوا من غير محدثٍ أم هم أحدثوا أنفسهم؟\rومعلوم أن الشيء المحدث لا يوجد نفسه فالممكن الذي ليس له من نفسه وجود ولا عدم لا يكون موجوداً بنفسه بل إن حصل ما يوجده، وإلا كان معدوماً، وكل ما أمكن وجوده بدلاً عن عدمه، وعدمه بدلاً عن وجوده، فليس له من نفسه وجود ولا عدم لازم له.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689047,"book_id":1659,"shamela_page_id":173,"part":null,"page_num":173,"sequence_num":173,"body":"وإذا تأمل الفاضل غاية ما يذكره المتكلمون والفلاسفة من الطرق العقلية وجد الصواب منها يعود إلى بعض ما ذكر في القرآن من الطرق العقلية بأفصح عبارة وأوجزها، وفي طرق القرآن من تمام البيان والتحقيق، ما لا يوجد عندهم مثله، قال تعالى: وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً [الفرقان: ٣٣] .\r\rولا نقول: لا ينفع الاستدلال بالمقدمات الخفية، والأدلة الطويلة، فإن الخفاء والظهور من الأمور النسبية، فربما ظهر لبعض الناس ما خفي على غيره ويظهر للإنسان الواحد في حال ما خفي عليه في حالٍ أخرى.\rوأيضاً فالمقدمات وإن كانت خفية، فقد يسلمها بعض الناس وينازع فيما هو أجلى منها، وقد تفرح النفس بما علمته بالبحث والنظر ما لا تفرح بما علمته من الأمور الظاهرة، ولا شك أن العلم بإثبات الصانع، ووجوب وجوده أمر ضروري فطري، وإن كان يحصل لبعض الناس من الشبه ما يخرجه إلى الطرق النظرية] اهـ.\rالشرح:\r\rانتقل المصنف ﵀ إلى شرح قول الإمام أبي جعفر الطحاوي -رحمه الله تعالى-: [قديم بلا ابتداء دائم بلا انتهاء] والإمام أبي جعفر الطحاوي ﵀ في هذه العقيدة يريد أن يرد على الطوائف الضالة، ويأتي بكلام مبسط وواضح يعتقده المسلمون ويفهمونه.\r\rويقول: [قديم بلا ابتداء دائم بلا انتهاء] وهذا من المعاني الضرورية الفطرية عند الناس في حق الله ﷾، إلا أن لفظ (القديم) إطلاقه على الله تعالى خطأ، وسيأتي هذا في آخر كلام المصنف وهو أنه لم يرد في أسماء الله تعالى القديم وورد بدل هذه العبارة في القرآن ما هو أجلى وأعظم وهو قول الله ﵎: هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ [الحديد:٣] فهذا الإطلاق هو الأصح بل هو الواجب؛ لأنه هو الذي ورد في كتاب الله ﷾ فهو أبلغ لأنه هو الدرجة العليا في الفصاحة والبلاغة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689048,"book_id":1659,"shamela_page_id":174,"part":null,"page_num":174,"sequence_num":174,"body":"وجاء تفسير ذلك في قول النبي ﷺ في حديث الدعاء قبل النوم (اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء) وهذا هو الذي يسميه المتكلمون قطع التسلسل في الأول وكذلك في الآخر، فهم يقولون: يمتنع أن يكون لله ﷾ بداية كان قبلها عدماً , وكذلك يمتنع أن يكون له نهاية ويكون بعدها عدما، فقالوا إذاً نقول: التسلسل ممنوع في الأول وممنوع في الآخر، وهذا الكلام جاء في القرآن والسنة بأوفر بيان وأفضله، فقال الله ﷾: هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ، وقال النبي ﷺ: (اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء) وهذا يغني عن كلام الفلاسفة والمناطقة والمتكلمين، لكن المصنف هنا يريد أن يثبت ذلك من واقع كلامهم.\r\rفالفلاسفة ينظرون إلى الوجود من حيث إنه ثلاثة أقسام: واجب الوجود أو ممتنع الوجود، أو ممكن الوجود، فيقولون: إن هذه الأقسام الثلاثة، تحوي كل متعلقات الوجود، فإن الأشياء إما واجبة الوجود لذاتها، وإما ممتنعة الوجود لذاتها، وإما ممكنة الوجود والعدم، وذكر المصنف: أن هذه المخلوقات المشاهدة لا شك أن لوجودها بداية بدليل أننا نراها وجدت قبل أن لم تكن موجودة، فنحن -مثلاً- جئنا والأرض موجودة لكننا نرى السحاب كيف يوجد، ونرى الشجرة كيف تنمو وتوجد، فكثير من الأشياء توجد بعد أن لم تكن موجودة، إذاً هذه الأشياء لا نقول ممتنعت الوجود لأنها موجودة، ولا نقول: إنها واجبة الوجود لأنها كانت من قبل في العدم، إذاً فهي من القسم الآخر وهو ممكن الوجود، وأنتم متفقون معنا أي: الفلاسفة والمتكلمون على أن ممكن الوجود يفتقر إلى واجب وجود أوجده.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689049,"book_id":1659,"shamela_page_id":175,"part":null,"page_num":175,"sequence_num":175,"body":"إذاً فواجب الوجود هذا لا بد أن يكون أزلياً يعني: لا أول لوجوده، لأنه إذا كان لوجوده أول أصبح من جملة الموجودات الممكنات التي تحتمل الوجود والعدم، إذاً ثبت بالدليل العقلي من كلامكم ومن نظرياتكم أن الله ﷾ لا أول لوجوده أو لا بداية له وهذا مثل ما قطعه النبي ﷺ بقوله: (لا يزال الشيطان يأتي أحدكم فيقول: هذا خلق الله حتى يقول له: من خلق الله فإذا وجد ذلك فليستعذ بالله) ونحن نشاهد هذا الكلام لا ميزان له في العقل، هذا الشعور أو هذا الخاطر أو الهاجس لا وجود له ولا صحة له في نظر العقل السليم حتى عقولالفلاسفة أنفسهم نجد -على كلامهم هذا- أن الممكنات أو المحدثات لا بد لها من محدث فهي مفتقرة إلى واجب الوجود، ولو قلنا: إن واجب الوجود مثلها مخلوق أو ممكن أو محدث لاحتاج إلى واجب يوجده وهكذا يتسلسل الأمر إلى ما لا نهاية، إذاً لا بد أن نقول هناك موجودات وجدت ولوجودها بداية، وهناك خالق مُوجِدٌ أوجدها ولا أول لوجوده ولا بداية له.\rولهذا يقول المصنف: إن الله ﷾ قد ذكر ذلك في أوجز مما يقول هؤلاء ولم يذكر مصطلحاتهم لا الوجود ولا الإمكان وإنما قال ﷾: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ [الطور:٣٥] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689050,"book_id":1659,"shamela_page_id":176,"part":null,"page_num":176,"sequence_num":176,"body":"قال بعض السلف: \"لما قُرأت علي هذه الآية أو لما سمعت هذه الآية كاد قلبي أن ينصدع\" فكثير من الناس يمر عليها ولا يبالي، مع أنها على وجازتها شملت الرد على كل هذه الطوائف، وعلى كل هذه ضلالات أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ [الطور:٣٥] فأي ملحد أو أي إنسان ينكر وجود الله ﷾ فإن هذا السؤال يوجه إليه بأسلوب القرآن لا بأساليب الفلاسفة ولا المتكلمين وإنما يقال له: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ [الطور:٣٥] هؤلاء البشر وهذه الأجرام وهذا الكون كله، هل خلق من غير خالق؟ لا يمكن ذلك، أم هو الخالق؟\rأيضاً لا يمكن ذلك، إذاً النتيجة أنه مخلوق وأن الخالق هو الله ﷾ فنقول: هذه الآية تدل على نفي أن يكون غير الله ﷾ يشارك الله في أنه لا بداية لوجوده وأنه هو الأول، فالأول من أسمائه سبحانه تعالى، وهو بدلاً من قوله هنا قديم.\r\rوسيأتي كلام المصنف في معنى القديم وإطلاقه على الله ﷾؛ لكن يريد المصنف أن يقول: الشاهد من مثل هذه الآية ومثل هذا الحديث أننا نعرف أن المتكلمين ما يأتون به من طرق ومن مقدمات عقلية.\r\rفالحق والصواب من هذه المقدمات قد جاء به الكتاب والسنة في أوجز عبارة وأبلغها فبدلاً من قولهم -وهو كلام غايته حق- إن هذا الموجود ممكن والممكن مفتقر إلى واجب وجود، والواجب الوجود لا أول له، فبدلاً من هذه المصطلحات جاء القرآن بما هو أوجز منه وأفضل.\rلا مانع من استخدام الأدلة النظرية للتفكر والتأمل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689051,"book_id":1659,"shamela_page_id":177,"part":null,"page_num":177,"sequence_num":177,"body":"ثُمَّ يقول المُصْنِّف يقول: [ولا نقول لا ينفع الاستدلال بالمقدمات الخفية والأدلة النظرية] فكلامنا السابق لا يعني أننا نعترض عَلَى أي أحد يستدل بمقدمات أو بكلام خفي؛ لأن الظهور والخفاء أولاً من الأمور النسبية، وحتى في الأمور الواضحة وضوحاً كاملاً تجد بعض النَّاس يقتنع بالأمر الخفي الدقيق ولا يقتنع بالأمر الظاهر الجلي.\r\rفالذي يهمنا أن يقتنع الإِنسَان وأن يعرف الحق مثال ذلك: إذا جَاءَ أحد وقَالَ: أنا أستدل عَلَى عظمة الله ﷿ وآياته بخلق الإِنسَان، فإن الله تَعَالَى جعل له العيون وجعل له الفم، وأعطاه الأعضاء كالسمع والبصر وكذا وكذا، فهذا الاستدلال بالأمور الظاهرة أكثر وهو الذي ورد الاستدلال به في القرآن؛ لأن العوام وهم أكثر النَّاس ليسوا كلهم فلاسفة ولا كيميائيين ولا أطباء والعبرة واحدة، والتعمق فيها تعمق في نفس العبرة، أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ [البلد:٨-١٠] كلام واضح أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ [الغاشية:١٧-١٨] كلام واضح أيضاً فَلْيَنْظُرِ الإِنسَانسَانُ إِلَى طَعَامِهِ [عبس:٢٤] وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً [الأنبياء:٣٢] آيات كثيرة جداً في القُرْآن تلفت النظر إليها وأن عَلَى الإِنسَان أن يتأمل في ملكوت السماوات والأرض، ويتأمل في خلق السماوات والأرض في الجبال والنبات والإبل والدواب والشجر وغير ذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689052,"book_id":1659,"shamela_page_id":178,"part":null,"page_num":178,"sequence_num":178,"body":"لكن مع ذلك ما دام أن الاستدلال بالأدلة الخفية ينفع بعض النَّاس فلا بأس من أن نستخدم المقدمات الخفية ولا بأس بأن نستدل بها، ولذلك كما قلنا لما قيل: إن الإمام أحمد أوالإمام الشَّافِعِيّ أحدهما قَالَ: إن من الأدلة عَلَى وجود الله، وعظمته هذه البيضة التي ظاهرها عَظْم وباطنها الماء ثُمَّ يخرج منها هذا الحيوان وله منقار وله سمع وله بصر، وهذا المثال من الأمثلة الكثيرة جداً عَلَى وجود الله وعظمتة وحكمتة ﷾، وهذا المثال يذكره الإمام كمثال من أمثلة كثيرة، وربما ذكره لخفائه عَلَى بعض الناس، وكذلك هو من ضمن مدلول الآيات القرآنية، كما قال الله ﷿: (فَلْيَنْظُرِ الإِنسَانسَانُ إِلَى طَعَامِهِ [عبس:٢٤] ؛ لأن كثيراً من النَّاس يأكل ولا يذكر أن يتفكر في هذا الشيء، إذاً فما الفرق بين الإِنسَان وبين الحيوان الذي يهجم عَلَى أي شيء فهو يأكل ولا يفكر ما أصل هذه الشجرة ومم تركيبها، المهم عنده أن يأكل، فالإِنسَان لا ينبغي ولا يجوز له أن يكون كذلك، فليتأمل في هذا الطعام كيف سخر الله ﷿ له من زرعه وحصده وخبزه، حتى وصل إليه رزقاً مقسوماً مكتوباً في ساعة معينة، لم يكتب الله أن هذا الرغيف يقع في يد غيره، ولم يكتب الله ﷿ أن يكون هذا الرغيف غداء أو فطوراً وإنما كَانَ عشاء.\r\rإذاً فَلْيَنْظُرِ الإِنسَانسَانُ إِلَى طَعَامِهِ [عبس:٢٤] تشمل كل هذه الأشياء، فتشتمل أيضاً الماء الذي يشربه، ثُمَّ ذكر الله تَعَالَى بعد تلك الآيات كيفية نشأة الطعام منذ أن شق الله ﷾ الأرض إِلَى أن يخرج منها الحب إِلَى أن أكله الإِنسَان وهكذا النظر في السماوات أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ [الغاشية: ١٧، ١٨] والنظر في السماء كيف رفعت معناه: أن يتأمل الإِنسَان في عظمة هذه المخلوقات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689053,"book_id":1659,"shamela_page_id":179,"part":null,"page_num":179,"sequence_num":179,"body":"فبعض النَّاس قبل تطور العلم يتعجبون من القمر يرون أنه أكبر شيء في السماء فيتعجبون من ضوءه ومن كبر حجمه، ويستدلون بذلك عَلَى عظمة الله ﷾ الآن عرف النَّاس أن هذا القمر جرم صغير وأن هناك أجراماً أخرى أكبر وأعظم، لكن لأنها أبعد ترى أصغر، كل ذلك داخل في النظر والتفكر في السماوات، وإنما أصبح أكثر تفصيلاً، فلا يضر الجاهل الأول أنه لا يعرف حجم القمر.\r\rولم يزد المعاصر معرفته بما هو أكبر من القمر إنما العبرة واحدة، وهكذا سائر الآيات والأحاديث التي فيها ما يدل عَلَى إثبات أمر من الأمور.\r\rوَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَار وَالْأَفْئِدَةَ [النحل:٧٨] فكل إنسان تقرأ عليه هذه الآية يفهم ماذا تريد منه، لكن هناك أناس متخصصون متعمقون يدرسون الأعصاب، ويعرفون جهاز الإحساس عند الإِنسَان وكيف ينشأ عنده العلم بالأشياء، وكيف تسقط من ذاكرته الأشياء يتعمقون جداً، فهذا الكلام قد ينفع بعض الناس، وقد لا يجدي معهم إلا هذه الأشياء المتعمقة، ولكن أكثر النَّاس يفهم هذا الاستدلال بمجرد الأمر الظاهر وكذلك نجد عالماً كبيراً جداً.\r\rومع هذا لما خلق من بطن أمه لم يكن يعلم شيئاً فمن الذي علمه وأعطاه السمع والبصر والفؤاد؟ إنه الله سبحانه تَعَالَى فالعبرة واحدة وإن أخذها بعضهم بالتفصيل وبعضهم بغير ذلك.\r\rالاقتصار على دلائل الكتاب والسنة هو الأفضل\rإن ما يتعلق بالمقدمات وخفاء الأدلة، نَحْنُ نقول: إن الطريقة الصحيحة الواجب اتباعها هي طريقة القُرْآن والسنة، وهي أجلى وأوضح من كل طريق، لكن مع ذلك لو استُخدمت طريق أخرى أقل جلاءً أو طريق خفية.\rودلت عَلَى المراد الذي دل عليه الكتاب والسنة فلا بأس بها نظراً لمرض يقع في قلوب النَّاس وفي تفكيرهم فيفهمون بالخفي ولا يفهمون بالجلي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689054,"book_id":1659,"shamela_page_id":180,"part":null,"page_num":180,"sequence_num":180,"body":"وهذا حتى عند بعض النَّاس الذين ينكرون الحقائق نهائياً ويستدلوا عَلَى وجود الشمس بالحرارة التي يحس بها الإِنسَان في النهار ولا يحس بها في الليل، وحقيقة الأمر أن هذا الدين أنزله الله ﷾ عَلَى أمة فطرية، ليس عندها تعمقات ولا تعقيدات الأمم اليونانية، مثلاً أو الهندية.\r\rفالفطرة السليمة نزل القُرْآن عليها وخاطبها، فآمنت واعتقدت ما يتلى عليها، ولذلك انظروا كيف غير في معاني الكتاب والسنة لما دخل فيه أُولَئِكَ الذين تأثروا بغير منطق العرب، كما قال الإمام الشَّافِعِيّ ﵀: \" ما فسد النَّاس وتناقضوا واختلفوا إلا عندما تركوا منطق العرب ومالوا إِلَى منطق أرسطو طالين \" فالمنطق معناه أسلوب التفكير العربي فلما تركه النَّاس -حتى من كَانَ عربياً منهم- ومالوا إِلَى طريقة المتكلمين الفلاسفة كـ، المتكلمين الذين أخذوا طريقة الفلاسفة أو كَانَ هو أعجمي الفطرة، ثُمَّ دخل في الإسلام، مثل: الإمام فخر الدين الرازي عَلَى عظمته وعلى سعة علمه وعلى مؤلفاته لولا لاحظتم كتابه التفسير الكبير ستشاهدون التأثر الكبير بالفلاسفة لأنه من أئمة الكلام، فكان إمام الأشعرية في عصره.\rتجد هذا الشيء الذي يتنافى مع الفطرة العربية التي هي فطرة العربي الجاهلي في فهم الألفاظ -مثلاً- يقول في قول الله ﷾: وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ [البقرة:٣٥] يقول: ربما فهم آدم وحواء أن النهي عن الأكل من الشجرة منصب عليهما مجتمعين، لأن اللفظ مثنى \"لا تقربا\" لكن لو أكل كل واحد منهم وحده لكان جائزاً، ولذلك أكل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689055,"book_id":1659,"shamela_page_id":181,"part":null,"page_num":181,"sequence_num":181,"body":"كلام لا يمكن لأي إنسان عنده أدنى فطرة من كلام العرب أن يصدقه، فضلاً عن عالم كبير؛ لكنه يقول: هذا ليبين أن آدم معصوماً لا يخطأ، أمثلة كثرة جداً إذا قرأها أي إنسان منكم يتعجب، وسبب وقوع هذه العقول الكبيرة الضخمة في مثل هذا الشيء هو فساد الفطرة في هذه الفلسفات، بينما العرب الذين نزل عليهم القُرْآن قريش وغيرهم كانوا يعاندون، ويكابرون وينفون نبوة مُحَمَّد ﷺ ويقولون: وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا القُرْآن آنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف:٣١] ، ويقولون: لولا أنزل معه ملك، جاءوا بحجج كبيرة جدّاً فيها عناد،، لكن لم يأتوا أبداً بمناسبات أو بردود من جنس هذا الكلام الذي فيه مماحكات أو مماطلات ليس لها معنى، بل لا يقبلها العقل ولا تقبلها الفطرة، فهم إما أن يؤمنوا به عالمين حقيقته، وإما أن ينكروه مكابرة وعناد.\rقال المصنف -رحمه الله تعالى-:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689056,"book_id":1659,"shamela_page_id":182,"part":null,"page_num":182,"sequence_num":182,"body":"[وقد أدخل المتكلمون في أسماء الله تعالى \" القديم \" وليس هو من الأسماء الحسنى فإن \" القديم \" في لغة العرب التي نزل بها القرآن: هو المتقدم على غيره، فيقال: هذا قديم للعتيق وهذا حديث للجديد، ولم يستعملوا هذا الاسم إلا في المتقدم على غيره، لا فيما لم يسبقه عدم كما قال تعالى: حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ [يس:٣٩] . والعرجون القديم: الذي يبقى إلى حين وجود العرجون الثاني، فإذا وجد الجديد قيل للأول: قديم، وقال تعالى:وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيم [الأحقاف:١١] . أي: متقدم في الزمان وقال تعالى: قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ [الشعراء:٧٦،٧٥] . فالأقدم مبالغة في القديم، ومنه: القول القديم والجديد للشافعي ﵀، وقال تعالى: يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّار [هود:٩٨] ، أي: يتقدمهم، ويستعمل منه الفعل لازماً ومتعدياً كما يقال: أخذني ما قدم وما حدث ويقال: هذا قدم هذا وهو يقدمه، ومنه سميت القدم قدماً لأنها تقدم بقية بدن الإنسان، وأما إدخال \"القديم\" في أسماء الله تعالى فهو المشهور عند أكثرأهل الكلام وقد أنكر ذلك كثير من السلف والخلف منهم ابن حزم ولا ريب أنه إذا كان مستعملاً في نفس التقدم، فإن ما تقدم على الحوادث كلها، فهو أحق بالتقدم من غيره، لكن أسماء الله تعالى هي الأسماء الحسنى التي تدل على خصوص ما يمدح به، والتقدم في اللغة مطلق لا يختص بالتقدم على الحوادث كلها، فلا يكون من الأسماء الحسنى، وجاء الشرع باسمه\" الأول \". وهو أحسن من \"القديم\"، لأنه يشعر بأن ما بعده آيلٌ إليه وتابع له بخلاف \"القديم\"، والله تعالى له الأسماء الحسنى لا الحسنة] اهـ\rالشرح:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689057,"book_id":1659,"shamela_page_id":183,"part":null,"page_num":183,"sequence_num":183,"body":"لما قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: [قديم بلا ابتداء دائم بلا انتهاء] أخذ المصنف ﵀ يشرح ذلك، فتحدث عن إطلاق وصف القديم على الله ﷾، وهل هو من أسماء الله الحسنى؟ فالإمام الطحاوي قال: [قديم بلا ابتداء] يريد أن يوضح حقيقة الأزلية، فاستخدم لفظة مفهومة عند الناس وفسرها فقال: [قديم بلا ابتداء] لأن القديم في كلام العرب هو الشيء المتقادم البعيد وإن كان له بداية، فكلام الإمامالطحاوي هنا هو مجرد إخبار ولم يسم الله تعالى قديماً، وإنما أخبر فقط، قال: [قديم بلا ابتداء] حتى لا يدخل في الوهم أن القديم في اللغة العربية الذي يكون له بداية، وإن كان قديم العهد لكن المصنف هنا لم ينتقد الإمام الطحاوي فلم يقل وقد أخطأ الإمام في أنه جاء بهذا الاسم وإنما هو استطراد لبيان الحقيقة في ذلك، وهو أن أحداً يأتي ويقول: ما حكم إطلاق اسم القديم على الله؟ لأن الطحاوي يقول: [قديم بلا ابتداء] فيكون الجواب عليه: أن قوله: [قديم بلا ابتداء] هذا خبر أطلقه عليه أما \"القديم\" المستخدم في كتب علم الكلام فهو الذي يمتنع كما في عبارةالجنيد أنه سأل ما التوحيد؟ قال: التمييز بين القديم والمحدث، وغير ذلك كثير في كلامالصوفية وفي كلام المتكلمين يقول المصنف ﵀: \" المتكلمون الذين أدخلوا اسم القديم من أسماء الله مخطأون في ذلك؛ لأن القديم في لغة العرب يطلق على الشيء البعيد العهد وقد يكون له بداية ولا يختص بما لا بداية له، بل الذي ورد في القرآن يدل على أنه كان له بداية أي: قد سبقه العدم، كقول الله ﵎: وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ [يس:٣٩] فلا شك أن القديم سبقه عدم، وليس هذا هو المراد بالإطلاق على الله ﷾ الذي يريده المتكلمون فهم يريدون القديم أي الذي لا أول لوجوده ولم يسبقه عدم، فالدلالة تختلف بين هذا وبين هذا، كما قال","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689058,"book_id":1659,"shamela_page_id":184,"part":null,"page_num":184,"sequence_num":184,"body":"تعالى: قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ [الشعراء: ٧٥-٧٦] من كلام إبراهيم ﵇ لقومه، أي: مهما كان آباؤكم موغلين في هذا الشرك ومتقدمين في فعله، فإنهم عدو لي إلا رب العالمين فالأقدم مبالغة في القديم، ومنه مذهب الشافعي القديم والجديد] ، فالشافعي ﵀ لما كان في العراق كان له مذهب لأنه تعلم الحديث وهو مذهب أهل المدينة، فانتقل إلى العراق وتعلم مذهب أهل الرأي فأصبح لديه فقه مستقل، فانتقل إلى مصر وصار له مذهب جديد غير ما كان يفتي به في العراق فصار يُقال للشافعي مذهبان، وهذا من أعظم الأدلة على أنه لا يجوز أن يقلد رجل في كل كلامه، ويؤخذ جميع ما يقول لأن الإمام الشافعي حتى وهو إمام -رضي الله تعالى عنه- رجع عن بعض آرائه فله شيء في القديم وشيء في الجديد، إذاً القديم معناه ما تقدم الجديد،أي:ما تقدمه غيره، وليس المقصود أنه الذي يسبقه عدم، ولهذا أنكر كثير من العلماء إدخال اسم القديم في أسماء الله ﷾، والذي نقوله: إنه لا يطلق على الله اسماً بمعنى الاسم إلا ما ثبت إطلاقه وتسمية الله ﷾ به، أما مجرد إخبار بدون تسمية فهذا يجوز، أو قد يتساهل فيه، لأنك تخبر مجرد خبر لا أن تسمي الله ﷾ اسماً بغير ما أنزل في كتابه ولا في سنة رسوله ﷺ، ودليل ذلك ما ذكره المصنف في كلامه الأخير: [أن أسماء الله حسنى وليست حسنة] ، لأن الحسنى أعظم وأعلى من مجرد أنها أسماء حسنة، فقولنا: إنه متقدم على الحوادث كلها فهو أحق بالتقدم من غيره هذا معنىً حسن، وهذا الذي يريده المتكلمون ولهذا يسمون الله تعالى القديم، لكن الحسنى تأنيث الأحسن، فالأحسن من ذلك \"الأول\" الذي جاء في القرآن لأنه يدل على أعظم من كون أنه مجرد متقدم على الحوادث، فدلالة اسم \"الأول\" أعظم بدليل أنه قد يدخل في ذلك معاني كثيرة، ويدخل في ذلك أنه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689059,"book_id":1659,"shamela_page_id":185,"part":null,"page_num":185,"sequence_num":185,"body":"سبحانه وتعالى خالقها، فقد نقول: فلان أقدم من فلان، أو قديم بالنسبة لفلان دون أن يكون هو الذي أوجده، لكن في حق الله ﷿ لا يقال هذا، فالأول هو الذي أوجد هذه المخلوقات ﷾، أما كلمة القديم فإنها غاية ما تدل عليه أنه متقدم عليها في الوجود فقط، فلذلك لا نسمي الله ﷾ إلا بما ثبتت تسميته به أما في الإطلاقات فقد يتساهل في ذلك إذا كان المعنى حقاً، وصحيحاً، لكن لا نعدل عما جاء به القرآن أو السنة، إلا على سبيل الشرح أو الإيضاح هذا هو الأفضل والأوجز.\rونحن لم نستخدم كلمة \"القديم\" إلا لأن المتكلمين استخدموها في معنىً على قواعدهم هم لا يؤديه إلا هذه الكلمة، لكن كلمة العتيق ليست كلمة اصطلاحية حتى نقول هذا المصطلح يؤدي نفس المعنى ولاجاءت في الشرع حتى نقول: إنها كلمة، وشرعية هذه الكلمة \"القديم\" لولا أنها دخلت في اصطلاح المتكلمين لما بحثناها هنا، لكن لأنهم أطلقوها واستعملوها، فنظرنا فإذا المقصود منها معنىً صحيحاً، وهو أنه لم يتقدمه شيء من المخلوقات، قلنا: إذاً هذا هو موضع البحث، وكلام الإمام الطحاوي ﵀ لما قال: [قديم بلا ابتداء] هو من هذا الباب إذاً فلا حرج، لأن هذا مجرد إيضاح لأولية الله ﷾ لكن التسمية لا نسميه إلا بما ثبت في الكتاب والسنة.\rقال الطّّحاويّ ﵀: [لا يفنى ولا يبيد]\rقَالَ المُصنِّفُ ﵀ تعالى:\r[إقرار بدوام بقائه ﷾، قال عز من قائل: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ [الرحمن:٢٧،٢٦] والفناء والبيد متقاربان في المعنى، والجمع بينهما في الذكر للتأكيد، وهو أيضاً مقررٌ ومؤكدٌ لقوله: \" دائم بلا انتهاء \"] ا. هـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689060,"book_id":1659,"shamela_page_id":186,"part":null,"page_num":186,"sequence_num":186,"body":"هذه الفقرة الأخرة لا يفنى ولا يبيد واضحة، وهو أن الإمام أبو جعفر الطّّحاويّ يقول: إن الله ﷾ لا يفنى ولا يبيد، وهذا لكمال حياته ولكمال قيوميته، كما قلنا: إن النفي المحض ليس مدحاً في حق الله، لكن إذا نفي شيئاً فهو لكمال الصفة المتعلقة به، أي: لكمال حياته ولكمال قيوميته، ولهذا يستدل المُصنِّفُ ﵀ تَعَالَى بقوله تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ [الرحمن:٢٦-٢٧] ويبين أن الفناء والبيد متقاربان في المعنى وهذا لا إشكال فيه.\rقال الطحاوي رحمه الله تعالى:\r[لا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأفهام] .\r\rقال المصنف رحمه الله تعالى:\r\r[قال الله تعالى: وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً [طه:١١٠] قال فيالصحاح: توهمت الشيء: ظننته، وفهمت الشيء: علمته.\r\rفمراد الشيخ ﵀: أنه لا ينتهي إليه وهم، ولا يحيط به علم.\rقيل الوهم: ما يرجى كونه، أي: يظن أنه على صفة كذا، والفهم: هو ما يحصله العقل ويحيط به، والله تعالى لا يعلم كيف هو إلا هو ﷾، وإنما نعرفه سبحانه بصفاته، وهو أنه أحدٌ، صمدٌ، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْض [البقرة:٢٥٥] هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الحشر:٢٤،٢٣] اهـ.\rالشرح:\r\rموضوع نفي أو تشبيه الله بخلقه، قد سبق الحديث عنه عند قول المصنف ﵀:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689061,"book_id":1659,"shamela_page_id":187,"part":null,"page_num":187,"sequence_num":187,"body":"[فلا شيء مثله] ، وهذا استكمال وإيضاح لذلك؛ لأن الطحاوي ﵀ قد يأتي بعبارات مترادفة، والمقصود منها هو تجلية المعنى وإيضاحه وتحقيقه لدى السامع.\rولكن المصنف ﵀ يشرح كل جملة بما يراه مناسباً للفظها.\r\rوقوله: [لا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأفهام] في هذا نفي لجميع أنواع العلم؛ لأن العلم إما يقين يفهمه العقل ويعقله ويستوعبه ويتأمله، وإما ظن يتخيله العقل ويتوهمه ويحسبه.\r\rوالله ﷾ قد نفى إحاطة البشرية له علماً وعقلاً وفهماً ويقيناً، وكذلك ظناً وخرصاً وتوهماً، فالعقول لا تستطيع أن تعرف حقيقة الله وكنه ذاته ﵎ بحقائقها التي تفهم بها، ولا بظنونها وتخييلاتها وأوهامها وفي هذا النفي دليل على أنه ﷾ لا سبيل إلى معرفته إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به نبيه محمد ﷺ، فما جاء في الكتاب والسنة يفهمه العقل؛ لأن الله ﷾ خاطبنا بما نعقل، والرسول ﷺ شرح ذلك الخطاب، وخاطبنا أيضاً بما نفهم وبما نعقل، ومهما حارت عقولنا في فهم ما جاء به الرسول ﷺ فإننا لا نحيله، فقد تحار العقول في فهم إدراك حقائقه، ولكن لا تحكم باستحالته لا في إدراك معانيه اللغوية -كما مر معنا إيضاح الفرق بينهما.\rوالشرع جاء بمحارات العقول ولم يأت بمحالات العقول، فلم يأت الشرع بما تحيله العقول وتقطع وتجزم بنفيه، ولكن جاء بما قد تحار العقول في إدراك حقيقته وفهمه، مع العلم بأن الألفاظ من جنس الخطاب والكلام الذي يعهده العرب ويعرفه السامعون، فالله ﷾ لا تبلغه الأوهام ولا تدركه الأفهام، فليس هناك من سبيل إلى معرفة صفاته ﷿ إلا ما جاء في الكتاب أو السنة.\rوهناك مثلان مشهوران ذكرهما شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الرسالة التدمرية يبينان ذلك:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689062,"book_id":1659,"shamela_page_id":188,"part":null,"page_num":188,"sequence_num":188,"body":"الأول: نعيم الجنة، فقد صح الحديث أن (فيها مالا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر) ومعنى هذا أن الإنسان مهما توهم أو تخيل أنهار الجنة أو عسلها أو مياهها أو أشجارها أو مسكها أو زعفرانها، فإن هذا مجرد خيال يتخيله، وليست الجنة بما تصوره؛ لأن الحقائق التي فيها لا يستطيع الإنسان أن يتخيلها كما هي أبداً، وإنما هذه ألفاظ جاءت في القرآن أو السنة، كما قال عبد الله بن عباس -رضي الله تعالى عنهما-:\"ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء\" فهو اشتراك في الاسم فقط، أما في الحقائق فمختلفة تماماً.\r\rالثاني: الروح، فكل إنسان حيٍ له روح، يحس بهذه الروح، ويجزم بوجودها في الأحياء جميعاً، ومع ذلك لا ندري كنه هذه الروح، ولا كيف تعمل وتتأثر، ولا كيف حالها حال اليقظة وحال النوم، ومع ذلك إذا جاء أجل الإنسان فإن روحه تقبض، والناس ينظرون، كما قال ﷿: وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ [الواقعة:٨٤] ، فحقيقة الروح مجهولة، مع أننا نؤمن بها ونعرف من أوصافها ما جاء في الكتاب والسنة، ونسلم بحقيقة وجود الروح، ونعيم الجنة، مع أننا لا ندرك الحقيقة ولا الذات.\rفهذان مثلان مضروبان في مخلوقات الله ﷿، فكيف يكون الحال مع ذاته ﷾ الذي هو أجل وأعظم من كل شيء، الذي عجزت العقول عن أن تدركه، وأن تعرف حقيقة ذاته، ﷾، فما علينا إلا التسليم والانقياد والإذعان، ولنعرف ربنا بما أخبر ﷾ كما قال: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص] وكما قال: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْض [البقرة:٢٥٥] ، وكما قال:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689063,"book_id":1659,"shamela_page_id":189,"part":null,"page_num":189,"sequence_num":189,"body":"هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ [الحشر:٢٣] ونحو ذلك من الآيات، وكما أخبر عنه النبي ﷺ: (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام) وأنه ينزل ﷾ في الثلث الأخير، وأنه يضحك، ويعجب ونحو ذلك، مما يجب علينا أن نؤمن به دون أن يخطر ببالنا لحظة واحدة أن نطلب إدراك حقيقة اتصافه ﷾ وكيفيتها؛ لأنه أمر حجب عنه العقل البشري تماماً، ومن تخوض في ذلك فقد كلف نفسه مالا تطيق، ومصيره إلى الزيغ والضلال، وهذا من أخطر الأمور التي وقعت فيها الفرق، فلم يقفوا بالعقل البشري عند حدود ما شرع الله ﷾ وإنما تجاوزوا ذلك وتقحموا الحديث في أمور لا قبل لهم بها، ومن تكلف علم أمر لا قبل له به، فإنه يقع في الضلال حتماً ويقيناً سواء كان في المحسوسات، أو المعلومات، أو المرئيات.\r\rفالأفهام البشرية لم تحط علماً بالكون الذي تعيشه، ولم تدرك حقيقته، ولا كيفيته الكاملة، ولا نهايته، رغم المراصد ووسائل الاستكشاف.\r\rفيا سبحان الله مَن كان حائراً في معرفة حقيقة ما يرى ويسمع ويحس ويشاهد، فما باله يقحم نفسه في معرفة ما لا يمكن إدراكه قط؟! هذا من أعظم الأدلة على أن الإنسان ظلوم كفار كما قال الله تعالى في سورة الأحزاب، وهذا من أعظم الأسباب التي أوقعت الفرقة بين المسلمين، وجعلتهم شيعاً من المعتزلة والجهمية والرافضة وأمثالهم؛ فإنهم لم يقفوا عند ما أمر الله به، بل تجاوزوا الحد ونظروا إلى ما قاله علماء الكلام، وأخذوا يخوضون فيما خاض فيه أولئك، فكانت النتيجة أن وقعوا في الحيرة التي وقع فيها أولئك من قبل.\rقالالطّّحاويّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:\r[ولا يشبه الأنام] .\r\rقَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689064,"book_id":1659,"shamela_page_id":190,"part":null,"page_num":190,"sequence_num":190,"body":"[هذا رد لقول المشبهة الذين يشبهون الخالق بالمخلوق، ﷾، قال ﷿: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:١١] وليس المراد نفي الصفات كما يقول أهل البدع، فمن كلام أبي حنيفة ﵀ في الفقه الأكبر: لا يشبه شيئاً من خلقه، ولا يشبهه شيء من خلقه، ثُمَّ قال بعد ذلك: وصفاته كلها خلاف صفات المخلوقين، يعلم لا كعلمنا، ويقدر لا كقدرتنا، ويرى لا كرؤيتنا. انتهى. وقال نعيم بن حماد: من شبه الله بشيء من خلقه، فقد كفر، ومن أنكر ما وصف الله به نفسه، فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه. وقال إسحاق بن راهويه: من وصف الله فشبه صفاته بصفات أحد من خلق الله، فهو كافر بالله العظيم. وقَالَ: علامة جهم وأصحابه: دعواهم عَلَى أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ ما أولعوا به من الكذب أنهم مشبهة، بل هم المعطلة. وكذلك قال خلق كثير من أئمة السلف: علامة الجهمية تسميتهم أهل السنة مشبهة، فإنه ما من أحد من نفاة شيء من الأسماء والصفات إلا يسمي المثبت لها مشبهاً، فمن أنكر أسماء الله بالكلية من غالية الزنادقة القرامطة والفلاسفة، وقَالَ: إن الله لا يقال له: عالم ولا قادر، يزعم أن من سماه بذلك فهو مشبه، لأن الاشتراك في الاسم يوجب الاشتباه في معناه، ومن أثبت الاسم وقَالَ: هو مجاز، كغالية الجهمية، يزعم أن من قَالَ: إن الله عالم حقيقة، قادر حقيقة، فهو مشبه، ومن أنكر الصفات وقَالَ: إن الله ليس له علم، ولا قدرة ولا كلام، ولا محبة ولا إرادة، قال لمن أثبت الصفات: إنه مشبه، وإنه مجسم؛ ولهذا كتب نفاة الصفات من الجهمية والمعتزلة والرافضة ونحوهم، كلها مشحونة بتسمية مثبتة الصفات مشبهة ومجسمة، ويقولون في كتبهم: إن من جملة المجسمة قوماً يقال لهم: المالكية، ينسبون إِلَى رجل يقال له: مالك بن أنس! وقوماً يقال لهم: الشافعية، ينسبون إِلَى رجل يقال له:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689065,"book_id":1659,"shamela_page_id":191,"part":null,"page_num":191,"sequence_num":191,"body":"مُحَمَّد بن إدريس حتى الذين يفسرون القُرْآن منهم، كعبد الجبار، والزمخشري وغيرهما، يسمون كل من أثبت شيئاً من الصفات، وقال بالرؤية مشبهاً، وهذا الاستعمال قد غلب عند المتأخرين من غالب الطوائف؛ ولكن المشهور من استعمال هذا اللفظ عند علماء السنة المشهورين: أنهم لا يريدون بنفي التشبيه نفي الصفات، ولا يصفون به كل من أثبت الصفات، بل مرادهم أنه لا يشبه المخلوق في أسمائه وصفاته وأفعاله، كما تقدم من كلام أبي حنيفة: أنه تَعَالَى يعلم لا كعلمنا، ويقدر لا كقدرتنا، ويرى لا كرؤيتنا، وهذا معنى قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:١١] ، فنفى المثل، وأثبت الوصف، وسيأتي في كلام الشيخ إثبات الصفات، تنبيهاً عَلَى أنه ليس نفي التشبيه مستلزماً لنفي الصفات] اهـ.\rالشرح:\rموضوع نفي المثل عن الله ﷾ ونفي الشبيه قد تقدم في قول الإمام الطّّحاويّ ﵀: [ولاشيء مثله] وشرح هناك قوله ﵎: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:١١] .\r\rأما التشبيه فإنه خلق وعقيدة من أخلاق وعقائد اليهود، وأصل التشبيه هو عند اليهود، والتوراة المحرفة الموجودة إِلَى اليوم في أيدي الناس، فيها تشبيه الله ﷾ بخلقه.\rوأول فرقة عرفت التشبيه وأظهرته في الإسلام هي فرقة الرافضة، وسبب ذلك عبد الله بن سبأ اليهودي الذي أخذ ما كَانَ يعتقده -هو وقومه- من التشبيه، فأدخلوه في دين الرفض، واشتهر ذلك عن رجل من الرافضة يقال له: هشام بن الحكم.\rفكان يصف الله ﷾ بصفات المخلوقين، ويقول: هو مثل واحد من المخلوقين، ويشبه يد الله بيد المخلوق، وقد كفره علماء السلف وذكروا بدعته.\r\rوهذا من أعظم الأدلة عَلَى أن علماء السلف ليسوا مشبهة، ولكن هَؤُلاءِ الذين نفوا الصفات هم الذين اتهموهم بالتشبيه، لأسباب سيأتي إيضاحها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689066,"book_id":1659,"shamela_page_id":192,"part":null,"page_num":192,"sequence_num":192,"body":"ثُمَّ تطور معنى التشبيه حتى غلب -في القرن الثالث فما بعد- عَلَى إثبات الصفات، وأصبح الذي يثبت صفات الله ﷿ كما جاءت في الكتاب والسنة يسمى مشبهاً، وقد ذكرنا أن الرافضة تحولت من التشبيه إِلَى الاعتزال بعد المحنة والفتنة التي حدثت للإمام أَحْمَد رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.\r\rفاجتمع الرافضة -أصحاب عاطفة بلا عقل- والمعتزلة -أصحاب عقل بلا عاطفة- وكوَّنا منهجاً واحداً، ولا يوجد الآن فرقة اسمها: المعتزلة.\r\rفيقولون: إن الإمامأَحْمَد روى في مسنده أن الله ﷾ ينزل كل ليلة إِلَى السماء الدنيا وإلى الأرض، وأنه يركب عَلَى حمار ويمشي، وهذا كذب وبهتان، ولا يمكن لأحد عرف مسند الإمام أَحْمَد أن يخطر بباله أن هذا الحديث موجود في المسند، لكن يقولون لعوامهم هذا.\r\rفهَؤُلاءِ ينتقمون ويثأرون لما حصل لهم من الإمام أَحْمَد وأهل السنة، الذين كانوا يغلب عَلَى تسميتهم في بغداد الحنابلة فإنهم كانوا لا يدعون رافضياً إلا ضربوه أو قتلوه أو أخرجوه.\r\rفيفترون عَلَى الإمام أَحْمَد مثل هذا الحديث الذي لا يوجد -ولله الحمد- في مسنده، وهكذا انقلبت التهمة عند هَؤُلاءِ والرافضة قوم بهت، كما أن اليهود قوم بهت، كما في الحديث الصحيح لما جَاءَ عبد الله بن سلام -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- وقَالَ: يا رَسُول الله (إن اليهود قوم بهت إن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم بهتوني عندك فجاءت اليهود ودخل عبد الله البيت فقال رسول الله ﷺ أي رجل فيكم عبد الله بن سلام قالوا أعلمنا وابن أعلمنا وأخيرنا وابن أخيرنا فقال رسول الله ﷺ فرأيتم إن أسلم عبد الله قالوا أعاذه الله من ذلك فخرج عبد الله إليهم فقال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله فقالوا شرنا وابن شرنا ووقعوا فيه) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689067,"book_id":1659,"shamela_page_id":193,"part":null,"page_num":193,"sequence_num":193,"body":"وأول من أطلق كلمة: \"الجسم\" في هذه الأمة هوهشام بن الحكم الرافضي، فالتشبيه والتجسيم كلمة لم ترد في حق الله ﷿، وأول من أطلقها هم الرافضة.\r\rوعقيدة الإمامالطّّحاويّ مثل غيرها من عقائد أهل السنة شرحها بعض الماتريدية شرحاً ماتريدياً، فكما أولوا القُرْآن وأولو السنة، أولوا كلام الطّّحاويّ، فَقَالُوا: قول الطّّحاويّ: [لا يشبه الأنام] فيه نفي للصفات، مع أنه يريد نفي الشبيه والمثيل عن الله ﷾ وهو مثبت للصفات.\r\rومثلها عقيدة الإمام ابن أبي زيد القيرواني، الإمام المشهور عند المغاربة المالكية، ومن عادة كتب المالكية أنها في أول كتب الفقه، تُقدم بمقدمة في العقيدة، ثُمَّ تبدأ بأحكام الطهارة وأحكام الوضوء والصلاة، وهذه عادة حسنة؛ لأن الإِنسَان أول وأهم ما يجب أن يتعلمه هو العقيدة، فإذا صلحت العقيدة تعلم الوضوء والطهارة عموماً، وهذا ترتيب جيد في باب البحث والعلم والتصنيف.\r\rوالإمامابن أبي زيد ﵀ كتب عقيدة مبسطة سلفية واضحة في أول كتابه: الرسالة فشرحوا هذه العقيدة شرحاً أشعرياً تماماً.\r\rفيقول مثلاً: [ولا شيء مثله] فيقول الشارح وهو منهمالشنقيطي، في القرن الحادي عشر، والأزهري صاحب الفواكه الدواني هذا النفي إشارة إِلَى الصفات السلبية، وقوله: \"وهو الحي القيوم\": هذا الإثبات إشارة إِلَى الصفات الثبوتية.\r\rوقَالَ: [وهو عَلَى عرشه المجيد بذاته] فَقَالُوا: وهو عَلَى عرشه، والمجيد بذاته، فالله تَعَالَى مجيد بذاته ليس مجيداً بأحد من خلقه، ويحتمل أن \"بذاته\" يعود عَلَى العرش -يعني بذات العرش- فهو عَلَى عرشه المجيد بذات العرش.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689068,"book_id":1659,"shamela_page_id":194,"part":null,"page_num":194,"sequence_num":194,"body":"ولهذا نبه المُصنِّفُ ﵀ عَلَى هذه القضية فقَالَ: وليس المراد نفي الصفات كما يقول أهل البدع، فمن كلام أبي حنيفة ﵀ في الفقه الأكبر: لا يشبه شيئاً من خلقه، ولا يشبهه شيء من خلقه، ثُمَّ قال بعد ذلك: وصفاته كلها بخلاف صفات المخلوقين، يعلم لا كعلمنا، ويقدر لا كقدرتنا، ويرى لا كرؤيتنا، فالإمام أبو حنيفة يثبت لله الصفات وينفي التشبيه، وهذا هو مذهب أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ عامة، لكن بدأ بالإمام أبي حنيفة؛ لأن الإمام أبا جعفر الطّّحاويّ حنفيٌ، ولأن الذين شرحوا العقيدة وأولوها عن معانيها هم من الأحناف.\r\rوقال نعيم بن حماد رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ -شيخ الإمام البُخَارِيّ في مصر وإن كَانَ في روايته ضعف- وهو من أشد النَّاس عَلَى الجهمية، فلما سُئل عن ذلك؟ قَالَ: لأني كنت عَلَى منهجهم في أول أمري، فلما تعلمت الحديث عرفت الحق، فكان من أشد علماء الحديث والسنة عَلَى أهل البدع، لأن من عرف بدعة من البدع ثُمَّ هداه الله ﷾ للرجوع إِلَى حقيقة الدين فإنه يكون أشد عَلَى أهلها ممن لا يعرفها.\rقال -أي- نعيم بن حماد -: \"من شبه الله بشيء من خلقه فقد كفر ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه\"، فهذا كلام واضح وجلي بأن نفي الصفات شيء، وإثبات الصفات شيء، والتشبيه شيء آخر، فالمشبه هو الذي يقول: يد كيدي، أو رجل كرجلي، أو نزول كنزولي، وأما المثبت: فهو الذي يثبت ما يليق بجلاله فَيَقُولُ: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير [الشورى:١١] ، فيثبت له الصفات وينفي عنه التشبيه، كما جَاءَ في الكتاب والسنة.\r\rوكيف يقولون: إن من شبه الله تَعَالَى بخلقه فقد كفر، ثُمَّ يكونون مشبهة؟!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689069,"book_id":1659,"shamela_page_id":195,"part":null,"page_num":195,"sequence_num":195,"body":"وقال إسحاق ﵁ -شيخ الشيخين الإمام البُخَارِيّ ومسلم وقرين الإمام أَحْمَد، ومن أجل أئمة الإسلام وأعلامه-: مَن وصف الله، فشبه صفاته بصفات أحد من خلق الله، فهو كافر بالله العظيم.\rوهذه الأقوال هي جزء من أقوال كثيرة ذكرتها روايات كتب العقيدة، التي كانت تسمى كتب السنة أو الشريعة، مثل كتاب السنة لعبد الله بن أحمد، وكتاب الشريعة للآجري، وكتاب شرح أصول اعتقاد أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ لللالكائي بالسند المتصل إِلَى هَؤُلاءِ الرجال الأعلام الذين هم حجة في دين الله ﷿، وأئمة من أئمة السلف، الذين ورثوا العقيدة والإيمان والعلم النبوي الصحيح في عصرهم، وقاوموا هذه البدع التي نشأت في أيامهم مثل:\rابن الماجشون، وإسحاق، وابن المبارك، ونعيم بن حماد، والإمام أَحْمَد، والفضيل ابن عياض، ووكيع بن الجراح، ويحي بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي ... وغيرهم كثير.\r\rوكلها نقولٌ تبين حقيقة ما هم عليه من الاعتقاد قي ذات الله ﷾، وأنهم يثبتون الصفات، وينفون التشبيه عن الله ﷾، وكلامإسحاق: علامة وقاعدة على أن الجهمية يسمون أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ مشبهة، ولا يزال هناك قائلون بها منذ ظهور هذه البدع إِلَى هذا اليوم، حتى من المؤلفين الأحياء في هذا الزمن، كالكوثري وتلاميذه، كالدكتور على سامي النشار، ومثلهم كثير، ولا نريد أن نذكر الأسماء؛ وإنما لنبين أن هَؤُلاءِ يقولون: إن أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ مشبهة؛ لأنهم يثبتون الصفات، وأحياناً يقولون: إن الحنابلة مشبهة، أو أن ابْن تَيْمِيَّةَ تعلم التجسيم والتشبيه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689070,"book_id":1659,"shamela_page_id":196,"part":null,"page_num":196,"sequence_num":196,"body":"وكما قال الإمام إسحاق بن راهويه: علامة الجهمية تسمية أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ مشبهة، قَالَ: بل هم المعطلة، عطلوا ونفوا الصفات عن الله ﷾ وأما أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ فهم مثبتة وليسوا مشبهة.\rثُمَّ انتقل المُصنِّفُ ﵀ إِلَى بيان تدرج الفرق في إنكار الصفات، واشتراك جميع هذه الفرق في إطلاق التشبيه عَلَى أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ. الفرقة الأولى: الغلاة، الذين لا يثبتون أي صفة ولا اسم، وهم القرامطة والفلاسفة، وهم الطبقة الأولى من المنكرين، ولا يثبتون إلا الوجود المطلق، لا صفة له عَلَى الإطلاق، فكل من أثبت شيئاً من صفات هذا الموجود المطلق قالوا: هذا مشبه ومجسم. الفرقة الثانية: الجهمية، الذين قالوا: هذه الأسماء الموجودة مجازات لا حقيقة لها، فمن قَالَ: إن هذه الأسماء حقيقة، قالوا عنه: مشبه. الفرقة الثالثة: المعتزلة، الذين قالوا: هذه أسماء وليس له صفة تشتق منها، فمن قَالَ: إن له صفات فهو مشبه. الفرقة الرابعة: الأشعرية، الذين يثبتون العلم والإرادة والكلام عَلَى معنى يفهمونه ويفسرونه، لكن ينفون الصفات الخبرية -كما يسمونها - مثل اليد، والنزول، والاستواء ونحو ذلك، فهَؤُلاءِ يقولون: من أثبت له اليد، أو النزول، أو الغضب، أو الرضا، أو الضحك، أو العجب ونحو ذلك، فإنه مشبه. وهكذا ... فكل طائفة من طوائف أهل البدع تسمي من أثبت ما نفته هي مشبهاً، فهي تعتقد أن ما هي عليه هو الحق وغاية التنزيه، وإثبات شيء غيره تشبيه وتجسيم. ثُمَّ يقول المُصنِّفُ ﵀: إن كثيراً من الرافضة والمعتزلة أصبحوا يستخدمون هذا الكلام العجيب المضحك، فيقولون: المشبهة هم الذين يثبتون لله يداً وقدماً وساقاً وعيناً ونزولاً وكذا وكذا، يعنون أهل السنة، وهم عَلَى أنواع: أولاً: الشافعية: وهم ينتسبون إِلَى مُحَمَّد بن إدريس. ثانياً: الحنفية: وهم طائفة ينتسبون إِلَى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689071,"book_id":1659,"shamela_page_id":197,"part":null,"page_num":197,"sequence_num":197,"body":"أبي حنيفة. ثالثاً: الحنابلة، وهكذا ... ! فأهل السنة جميعاً -بما فيهم الأئمة الأربعة ومن هم أعظم منهم- كلهم مشبهة، كما في كتاب الزينة لأبي حاتم الرازي الرافضي، وهو غيرأبي حاتم الإمام المعروف، وكتاب الغلو والفرق الغالية وكلاهما مطبوع متداول. والقاضي عبد الجبار -وهو كبيرالمعتزلة - ألف أضخم مؤلفات المعتزلة التي ما تزال موجودة إِلَى اليوم، ومنها \"المغني \"، وهو أضخم كتب علم الكلام المطبوعة البدعية، وكتاب الأصول الخمسة -أصول المعتزلة الخمسة-، ونشر كتب هَؤُلاءِ المبتدعة والرافضة المعتزلة وأمثالهم من المبتدعة لا تجوز، خاصة في بلاد الْمُسْلِمِينَ، ولا يقَالَ: إنها مراجع ليعلم النَّاس باطلهم، لأنها تنشر محققةً مفهرسةً موضحةً، وتقذف إِلَى الأسواق. وكثير من النَّاس يعتمدون في كلامهم في التفسير عَلَى كلام عبد الجبار، ومحمود جار الله الزمخشري صاحب كتاب الكشاف الذي هو مليء بالاعتزاليات، ولأن الاعتقادات الضالة التي فيه، قد يأخذها الإِنسَان وهو لا يريد الضلال، ولكنه يقع في الضلال ويوقع غيره فيه؛ لأنه ينقل عن أمثال هَؤُلاءِ الذين يعتبرون أن أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ والأئمة الأربعة مشبهة. نعم لا بأس أن يؤخذ عنهم بعض المعاني اللغوية، أو بعض المعاني البلاغية التي لا علاقة لها بالعقيدة، ولا تتعارض معه، لكن أن يرجع إليهم في فهم آيات كتاب الله -وخاصة في فهم آيات الصفات- فهذا لا يجوز أبداً. قَالَ المُصنِّفُ ﵀: ثُمَّ غلب ذلك -يعني هذه التسمية وهي: \"نفي التشبيه\"- عند المتأخرين لما غلبت البدع وفشت وانتشرت، لكن علماء السنة -أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ - قديمهم وحديثهم لا يريدون بنفي التشبيه نفي الصفات، فهم يثبتون الصفات، وإنما ينفون التشبيه الذي هو تشبيه الله ﷾ بخلقه، أو تشبيه خلقه به ﷾. كما في كتب أهل السنة، ككتاب السنة لعبد الله بن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689072,"book_id":1659,"shamela_page_id":198,"part":null,"page_num":198,"sequence_num":198,"body":"الإمام أحمد.\rقال المصنف رحمه الله تعالى:\r[ومما يوضح هذا: أن العلم الإلهي لا يجوز أن يستدل فيه بقياس تمثيلٍ يستوي فيه الأصل والفرع، ولا بقياسٍ شمولي يستوي أفراده، فإن الله سبحانه ليس كمثله شيء، فلا يجوز أن يمثل بغيره، ولا يجوز أن يدخل هو وغيره تحت قضية كلية يستوي أفرادها، ولهذا لما سلكت طوائف من المتفلسفة والمتكلمة مثل هذه الأقيسة في المطالب الإلهية، لم يصلوا بها إلى اليقين، بل تناقضت أدلتهم، وغلب عليهم بعد التناهي الحيرة والاضطراب، لما يرونه من فساد أدلتهم أو تكافئها.\r\rولكن يستعمل في ذلك قياس الأولى، سواء كان تمثيلاً أو شمولاً، كما قال تعالى: وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى [النحل:٦٠] .\r\rمثل أن يعلم أن كل كمال ثبت للممكن أو للمحدث لا نقص فيه بوجه من الوجوه ـ وهو ما كان كمالاً للوجود غير مستلزم للعدم بوجه ـ: فالواجب القديم أولى به.\r\rوكل كمال لا نقص فيه بوجه من الوجوه، ثبت نوعه للمخلوق المربوب المدبر، فإنما استفاده من خالقه وربه ومدبره، فهو أحق به منه، وأن كل نقص وعيب في نفسه، وهو ما تضمن سلب هذا الكمال، إذا وجب نفيه عن شيء من أنواع المخلوقات والممكنات والمحدثات، فإنه يجب نفيه عن الرب تعالى بطريق الأولى.\r\rومن أعجب العجب: أن من غلاة نفاة الصفات الذين يستدلون بهذه الآية الكريمة على نفي الصفات أو الأسماء. ويقولون: واجب الوجود لا يكون كذا، ولا يكون كذا، ثم يقولون: أصل الفلسفة هي التشبه بالإله على قدر الطاقة، ويجعلون هذا غاية الحكمة ونهاية الكمال الإنساني، ويوافقهم على ذلك بعض من يطلق هذه العبارة، ويروى عن النبي ﷺ أنه قال: (تخلقوا بأخلاق الله) ، فإذا كانوا ينفون الصفات، فبأي شيء يتخلق العبد على زعمهم؟!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689073,"book_id":1659,"shamela_page_id":199,"part":null,"page_num":199,"sequence_num":199,"body":"وكما أنه لا يشبه شيئاً من مخلوقاته تعالى، لا يشبهه شيء من مخلوقاته، لكن المخالف في هذا النصارى والحلولية والاتحادية لعنهم الله. ونفي مشابهة شيء من مخلوقاته له، مستلزم لنفي مشابهته لشيء من مخلوقاته. فلذلك اكتفى الشيخ ﵀ بقوله: ولا يشبه الأنام. والأنام: الناس وقيل: الخلق كلهم، وقيل: كل ذي روح، وقيل: الثقلان.\r\rوظاهر قوله تعالى: وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ [الرحمن:١٠] يشهد للأول أكثر من الباقي. والله أعلم] ا. هـ.\rالشرح:\r\rمما يوضح ويجلي حقيقة إثبات صفات الله تعالى أن العلم الإلهي -وهو العلم بالله ﷾ لا يستدل فيه بقياس تمثيلي، ولا بقياس شمولي، والقياس التمثيلي توضيحه ببساطة: هو إلحاق أصل بفرع، أو: مساواة الشيء بنظيره، إذا كان لهذا النظير حكم معين، وله ما يناظره ويشابهه نلحق هذا بهذا، وهذا هو المعروف في أصول الفقه، وهو قياس الفقهاء، قال العلماء: كيف يصلي إنسان في الطائرة؟ قالوا: كما يصلى على السفينة، فتقاس الطائرة على السفينة مثلاً، ونحو ذلك من أنواع القياس المعروفة.\r\rالأرز مثلاً يقاس على الأصناف الستة في الربا أو في زكاة الفطر؛ لأن هذا مطعوم وهذا مطعوم، وهذا حب وهذا حب مقتاتان. فنلحق هذا بهذا بجامع مشترك وهو -مثلاً- القوت أو الحبوب أو نحو ذلك، والنتيجة: أن يأخذ الرز حكم البر -مثلاً- أو حكم الحبوب.\r\rفقياس التمثيل: أن يستوي فيه الأصل والفرع، الأصل: هو ما تبين حكمه لدى المخاطب أو السامع، والفرع: هو ما ألحق بذلك الأصل.\rقياس الشمول: هذا يستخدم عند المناطقة في علم الكلام، وليس في علم الفقه والأصول، وهو مساواة الشيء بالمستوي معه المماثل في الحقيقة بجامع اندراجهما معاً تحت أصل كلي شامل لهما.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689074,"book_id":1659,"shamela_page_id":200,"part":null,"page_num":200,"sequence_num":200,"body":"فقياس التمثيل: أن نلحق شيئاً بما يشبهه، لكن في قياس الشمول نلحق الشيء بما هو مثله تماماً، والجامع هو اسم مشترك أو كلي -كما يسمونه- يشمل هذا وهذا، فمثلاً: نقول زيد مثل علي، فهذا قياس شمول؛ لأن زيداً إنسانٌ وعلياً إنسانٌ، وكل إنسانٍ حيوانٌ ناطق.\r\rوالشيء الكلي: هو ما كان له إفراد مستوون في الحقيقة، مثل الإنسان، هذا يسمونه كلى؛ لأن له أفراداً متساوون في الحقيقة، فما أثبت لأحدهم يثبت للآخرين بجامع أن الكلي يشملهم، ولهذا يسمى قياس الشمول الكلي.\r\rفالمناطقة \"فلاسفة اليونان \" -الذين استخدموا قواعد المنطق- يعتمدون في إثبات الصفات أو نفيها على قياس الشمول، فيقولون مثلاً: إذا قلنا: إن له يداً، فمعنى ذلك أن له جسماً، وإذا قلنا: إنه مستو على العرش أو يسأل عنه \"بأين\"، فمعنى هذا أنه جسم، وكل جسم هو جواهر وأعراض، إذاً فله جواهر وأعراض، فجعلوا حقيقة الله -سبحانه- فرداً من كلي معين يتخيلونه هم.\r\rوهذا القدر هو أصل ضلالهم، فلا نستخدم في العلم الإلهي لا قياس التمثيل ولا قياس الشمول؛ لأنه تعالى ليس كمثله شيء، فالمثلية منفية عن الله ﷾ فما هو الأصل الذي نقيس الله تعالى عليه ونلحقه به بجامع علةٍ بينهما؟! وما هو الكلي؟ وما هو الكلي الذي تستوي أفراده في الحقيقة بحيث نجعل الله ﵎ جزءاً أو واحداً من أفراده المتساويين في حقيقته المشتركة؟! نحن لا نعلم حقيقة الله ﷾ حتى نجعل له حقيقة مشتركة، وذات تشترك مع غيرها من الذوات في كلي له حقيقة واحدة، بحيث نلحق هذا بهذا في الأحكام.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689075,"book_id":1659,"shamela_page_id":201,"part":null,"page_num":201,"sequence_num":201,"body":"والعلم بإلحاق المجهول بالمعلوم لا يخرج عن هذين الطريقتين عندهم، إما القياس بمصطلح الأصول الفقهي، وإما القياس بالمصطلح الكلامي المنطقي، فما دام أننا قد قررنا أنه لا تبلغه الأوهام ولا تدركه الإفهام، ولا يحيطون به علماً -كما أخبر ﷾ فلا يجوز أن يستدل في باب العلم الإلهي، لا بقياس الشمول ولا التمثيل.\rوإنما يستخدم قياس الأولى -وهو الذي لم يتنبه ولم يفطن له هؤلاء المعطلون للصفات- وهو: أن كل كمال للمخلوق لا نقص فيه بوجه من الوجوه فالله أولى به، فمثلاً: العلم صفة كمال للمخلوقين، فكل عامي من عوام المسلمين يدرك بفطرته أن الله عليم، فهذا قياس فطري جلي؛ لأن العلم صفة كمال لا نقص فيها، فالله ﵎ أولى وأحق بها من المخلوق.\r\rوقلنا: لا نقص فيه بوجه من الوجوه؛ لأن الإنسان يتزوج، وهي صفة كمال في حق الإنسان، فالذي لا يتزوج حصور، لكنها بالنسبة لله ﷿ نقص؛ لأنه ليس له صاحبة ولا ولد ﷾.\rوهذا من الأدلة الفطرية العقلية التي تتفق مع الأدلة النصية النقلية على إثبات صفات الله ﷾.\r\rأما قياس الشمول أوالتمثيل، فإنما أورث علماء الكلام الحيرة والشك والتناقض؛ لأنهم يقيسون على ما لا يعلمون حقيقته، ويجعلون هذه الذات -التي لا يدركونها ولا يمكن أن يدركوا حقيقتها- أفراداً من كلي تستوي في الحقيقة ثم يقيسون ويتكلمون في الاسم والتركيب والأعراض والجواهر وكذا وكذا، وكأنهم قد علموا حقيقته سبحانه، وعرفوا ذاته، وجعلوها كسائر الذوات.\r\rوالله ﷾ أعلم بنفسه وبصفاته سبحانه وتعالىقُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّه [البقرة:١٤٠] ، فلذلك لا نثبت لله إلا ما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ، ولا نخوض فيها بهذين القياسيين الباطلين في موضوع العلم الإلهي، وإن كان في مجال الأصول أو المنطق قد يصحان وقد يبطلان.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689076,"book_id":1659,"shamela_page_id":202,"part":null,"page_num":202,"sequence_num":202,"body":"وإنما القياس الذي يسمى قياساً اصطلاحاً، وإلا فهو معرفة فطرية بدهية -إن صح التعبير عنه- هو قياس الأولى، فكل كمال للمخلوق لا نقص فيه بوجه من الوجوه فالله أولى به؛ لأن مصدر هذا الكمال للمخلوق هو الله ﷾.\r\rيقول الله ﷾: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الزمر:٩] فالعلم صفة كمال، فإذا جاء أحد من المعتزلة أو المعطلة نلزمه بقياس الأولى، نقول: إذا كان العلم صفة كمال للمخلوقين ومدح وثناء فهو في حق الله أوجب وألزم؛ لأن هذا الكمال الموجود في الإنسان إنما أعطاه الله، فالذي أعطاه هذا الكمال - في نظرك - يكون هو ناقصاً خالياً منه.\r\rفغاية ما تقولون: ليس بجاهل، ولو قيل لكم: كيف علم الشيخ؟ وقلتم: إنه ليس بجاهل، كان هذا حطٌ من قيمته، فهذا غاية ما يصفون به الله ﷿: أنه ليس بجاهل، ولا يقولون: هو عليم ولا عالم.\r\rومن أعجب العجب أن غلاة نفاة الصفات الذين ينفون جميع الصفات عن الله، يقولون -في كتبهم القديمة-: غاية الفلسفة هي التشبه بالله على قدر الطاقة، والتخلق بأخلاق الله، وجاء المتفلسفون من المسلمين ومن اقتفى نهج هؤلاء من الصوفية، وأخذوا ينقلون هذا الحديث الذي هو \"تخلقوا بأخلاق الله\"، كما في إحياء علوم الدين وأمثاله، فكيف قلتم: ما له صفة، وإنما هو وجود مطلق فقط، ولا يوصف بشيء، فنتشبه بأي شيء إذن؟! وهذا من أعجب العجب، تناقض هؤلاء النفاة في مثل هذه الأقوال التي يقولونها.\r\rويقولون: إن الله موجود مطلق ليس له أي صفة، فغاية الكمال ـ وهذا خاص بالفلاسفة الذين يسمون في الإسلام صوفية -أن تمحى صفات المخلوق ويفنى حتى تتحد ذاته بذات الحق الخالق ﷾، فلا يبقي للإنسان صفة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689077,"book_id":1659,"shamela_page_id":203,"part":null,"page_num":203,"sequence_num":203,"body":"فكيف يمكن أن يدافعوا عن أنفسهم بهذا الكلام، وهو يخرجهم من الملة والدين لاعتقاد زوال البشرية بالاتحاد بذات الخالق الإله ﷾، وهذا الكلام في غاية الكفر، والله ﷾ قد كفر النصارىفي ما هو أقل من ذلك فكيف بهؤلاء؟\r\rوقد سبق الحديث بالتفصيل عن الحلولية والاتحادية، وأمثال هؤلاء القوم الذين يشبهون المخلوق بالخالق فالتشبيه نوعان:\r١-تشبيه الله بخلقه.\r\r٢-وتشبيه المخلوق بالخالق ﷾.\rوأكثر ما وقع فيه الناس وبسببه عبدت الأصنام أنهم شبهوا المخلوق بالخالق، فعبدوا الأحجار وشبهوها بالله، وظنوا أنها تنفع أو تضر أو تشفع عند الله إلى آخر ما ظنوا فيها من صفات الألوهية، مع أنها أحجار لا تسمع ولا تبصر ولا تغني عنهم شيئاً، فشبهوها بالله ﷾ وكذلك عندما أطاعوا الملوك أو الأحبار أو الرهبان، وعبدوا الكهان والأحبار والرهبان وشبهوهم بالله ﷾، وزادوا بأن شبهوا المخلوق بالخالق في نفس صفات الألوهية مثل ما قالالنصارى عن عيسى أنه هو إله بذاته، وأنه يحي الموتى ولا يعتريه الفناء السابق ولا اللاحق، وكذلك الحلولية والاتحادية الذين يشبهون المخلوقات أو الأقطاب أو الأغواث بالله ﷾ ويطبقون عليهم صفات الألوهية، حتى أن بعضهم يقول: تركت قولي للشيء كن فيكون، تأدباً مع الله تعالى -والعياذ بالله-.\rفنفي مشابهة شيء من المخلوقات لله مستلزم لنفي مشابهته لشي من مخلوقاته، فكل منهما يستلزم الآخر، فلا يشبه الأنام ﷾ ولا يشبهه الأنام ﷾، والأنام هم الناس أو المخلوقات، كما ذكر في الخلاف في تفسير هذه الآية.\rقال الطّّحاويّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:\r[حي لا يموت، قيوم لا ينام]\r\rقَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:\r[قال تعالى: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ [البقرة:٢٥٥] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689078,"book_id":1659,"shamela_page_id":204,"part":null,"page_num":204,"sequence_num":204,"body":"فنفي السنة والنوم دليل عَلَى كمال حياته وقيوميته، وقال تعالى: الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقّ [آل عمران:١-٣] وقال تعالى: وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ [طه:١١١] وقال تعالى: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ [الفرقان:٥٨] وقال تعالى: هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُو [غافر:٦٥] وقَالَ: ﷺ (إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام) ، الحديث.\r\rلما نفى الشيخ ﵀ التشبيه، أشار إِلَى ما تقع به التفرقة بينه وبين خلقه، بما يتصف به تَعَالَى دون خلقه، فمن ذلك: أنه حي لا يموت؛ لأن صفة الحياة الباقية مختصة به تَعَالَى دون خلقه، فإنهم يموتون.\rومنه: أنه قيوم لا ينام، إذ هو مختص بعدم النوم والسنة دون خلقه، فإنهم ينامون، وفي ذلك إشارة إِلَى أن نفي التشبيه ليس المراد به نفي الصفات، بل هو سبحانه موصوف بصفات الكمال، لكمال ذاته.\rفالحي بحياة باقية لا يشبه الحي بحياة زائلة، ولهذا كانت الحياة الدنيا متاعاً ولهواً ولعباً وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَان [العنكبوت:٦٤] ، فالحياة الدنيا كالمنام، والحياة الآخرة كاليقظة، ولا يقَالَ: فهذه الحياة الآخرة كاملة، وهي للمخلوق لأنا نقول: الحي الذي الحياة من صفات ذاته اللازمة لها، هو الذي وهب للمخلوق تلك الحياة الدائمة، فهي دائمة بإدامة الله لها، لا أن الدوام وصف لازم لها لذاتها، بخلاف حياة الرب تعالى، وكذلك سائر صفاته، فصفات الخالق كما يليق به، وصفات المخلوق كما يليق به.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689079,"book_id":1659,"shamela_page_id":205,"part":null,"page_num":205,"sequence_num":205,"body":"واعلم أن هذين الاسمين -أعني الحي القيوم- مذكوران في القُرْآن معاً في ثلاث سور كما تقدم، وهما من أعظم أسماء الله الحسنى، حتى قيل: إنهما الاسم الأعظم، فإنهما يتضمنان إثبات صفات الكمال أكمل تضمن وأصدقه، ويدل القيوم عَلَى معنى الأزلية والأبدية ما لا يدل عليه لفظ القديم، ويدل أيضاً عَلَى كونه موجوداً بنفسه، وهو معنى كونه واجب الوجود. والقيوم أبلغ من \"القَيَّام\" لأن الواو أقوى من الألف، ويفيد قيامه بنفسه، باتفاق المفسرين وأهل اللغة، وهو معلوم بالضرورة. وهل تفيد إقامته لغيره وقيامه عليه؟ فيه قولان، أصحهما: أنه يفيد ذلك، وهو يفيد دوام قيامه وكمال قيامه، لما فيه من المبالغة، فهو سبحانه لا يزول ولا يأفل، فإن الآفل قد زال قطعاً، أي: لا يغيب، ولا ينقص، ولا يفنى، ولا يعدم، بل هو الدائم الباقي الذي لم يزل، ولا يزال موصوفاً بصفات الكمال.\r\rواقترانه بالحي، يستلزم سائر صفات الكمال، ويدل عَلَى بقائها ودوامها، وانتفاء النقص والعدم عنها أزلاً وأبداً. ولهذا كَانَ قوله: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة:٢٥٥] أعظم آية في القرآن، كما ثبت ذلك في الصحيح عن النبي ﷺ. فعلى هذين الاسمين مدار الأسماء الحسنى كلها، وإليهما ترجع معانيها، فإن الحياة مستلزمة لجميع صفات الكمال، فلا يتخلف عنها صفة منها إلا لضعف الحياة، فإذا كانت حياته تَعَالَى أكمل حياة وأتمها، استلزم إثباتها إثبات كل كمال يضاد نفيه كمال الحياة.\r\rوأما القيوم، فهو متضمن كمال غناه وكمال قدرته، فإنه القائم بنفسه، فلا يحتاج إِلَى غيره بوجه من الوجوه، المقيم لغيره، فلا قيام لغيره إلا بإقامته، فانتظم هذان الاسمان صفات الكمال أتم انتظام] ا. هـ.\rالشرح:\r\rابتدأ المُصنِّفُ ﵀ بذكر الآيات الثلاث التي ورد فيها هذان الاسمان الحي القيوم وهي:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689080,"book_id":1659,"shamela_page_id":206,"part":null,"page_num":206,"sequence_num":206,"body":"١ـ آية الكرسي من سورة البقرة: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة:٢٥٥] .\r\r٢ـوأول سورة آل عمران: الم*اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [آل عمران:١،٢]\r\r٣ـ وفي سورة طه قوله تعالى: وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ [طه:١١١] .\r\rوجاء في حديث صحيح عن النبي ﷺ: (إن اسم الله الأعظم في ثلاث سور: البقرة، وآل عمران، وطه) ثُمَّ شرح ذلك هشام بن عمار -شيخ الإمام البُخَارِيّ بدمشق بالشام - فقَالَ: أما البقرة فقوله تعالى: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة:٢٥٥] وأما آل عمران فقوله تعالى: الم*اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [آل عمران:١،٢]\r\rوأما طه فقوله تعالى: وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ [طه:١١١] .\rفدل ذلك عَلَى أن هذين الاسمين هما: \"الاسم الأعظم\"، وقد سبق أن حقيقة الاسم الأعظم بالتعيين فيها اختلاف، وأن لله تَعَالَى حكمة في إخفاء هذا الاسم وتعيينه، كما أن هنالك حكمة في إخفاء ليلة القدر، ومن حكمة هذا الاسم أن يُدعى الله ﷾ بجميع أسمائه، لأن من دعا الله ﷾ بجميع أسمائه فقد دعا الله ﷾ باسمه الأعظم، كما إن من قام رمضان، بل قام العشر، بل قام الوتر من ليالي العشر، فقد أدرك ليلة القدر، فهذا الإخفاء فيه ترغيب وحث وحض حتى يديم الإِنسَان الطاعة.\r\rولو تأملنا هذه الآيات الثلاث لوجدنا فيها العجب العجيب من المعاني، فمثلاً: آية الكرسي التي تتكون من عشر جمل كلها في تعظيم الله ﷾ وفي توحيده بأنواع التوحيد، ولا سيما في معرفة الله ﷾ وما له من حق عَلَى العباد، ومعرفة عظمته ﵎.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689081,"book_id":1659,"shamela_page_id":207,"part":null,"page_num":207,"sequence_num":207,"body":"فابتدأها الله بقوله اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة:٢٥٥] ولفظ الجلالة: أعرف المعارف، واختلف النحويون في أعرف المعارف فَقَالَ بعضهم: العلم، وقال بعضهم: اسم الإشارة، وقال بعضهم: الضمير، وقال بعضهم: المعرف بـ \"الـ\"، وكل منهم نظر من زاوية ولكن سيبويه -إمام النحاة- قَالَ: أعرف المعارف لفظ الجلالة \"الله\"، وقيل: إنسيبويه رؤي في المنام. فقيل: ما حالك عند الله؟ فقَالَ: قد غفر لي، لأني جعلت أعرف المعارف \"الله\".\rواسم الجلالة: \"الله\" هو أعرف المعارف حقيقة وواقعاً، بحيث أنك مع أي بشر تخاطبه إما باللغة العربية -وهو الله- وإما بأية لغة ينطقها ويعرفها، فإنه هو أعرف المعارف عنده.\r\rفإذا قلت له: الله.\rفإنه يعرف تمام المعرفة ولا يختلط عليه، بخلاف لو قلت مثلاً: الملك أو الأمير أو كذا فربما يلتبس عليه.\r\rو\"لا إله إلا الله\" هي أعظم كلمة ذكر ودعاء، بعث بها رسل الله ﷾، وأنزلت بها الكتب من عند الله ﷾، وقام لأجلها الجهاد بين الأَنْبِيَاء وأممهم، وبين المؤمنين والكافرين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689082,"book_id":1659,"shamela_page_id":208,"part":null,"page_num":208,"sequence_num":208,"body":"ثُمَّ قال تعالى: الْحَيُّ الْقَيُّومُ فذكر هذين الاسمين اللذين ترجع إليهما جميع نعوت الجلال والكمال، وجاء هذان الاسمان أيضاً في أحاديث صحيحة عن النبي ﷺ منها: (كان النبي ﷺ إذا حزبه أمر -يعني أهمه- يقول: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث) ، يجمع بين هذين الاسمين معاً -يا حي يا قيوم- وهذه من الأدعية الجوامع التي بإمكان كل إنسان منا أن يحفظها ويرددها أيضاً، فيقول إذا أهمه أمر -يا حي يا قيوم! برحمتك أستغيث، وفي حديث آخر: (أنه ﷺ علم بعض أصحابه أن يقول: يا حي يا قيوم! برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، لا تكلني إِلَى نفسي طرفة عين) هذا تمام التوكل والتفويض والانقياد لله ﷾ ولهذا يكون هذا الدعاء حرياً بالإجابة بإذن الله ﵎.\rوجاء في الآيات اسم الله الحي مقروناً بتوحيد الألوهية والعبادة، كما في قوله تَعَالَى في سورة غافر: هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [غافر:٦٥] فلو تأمل الإِنسَان في هذه الآية مع الآيات السابقة، لعرف وتحقق أن اسم الله: \"الحي\" يوضح أن كمال الحياة لا يكون إلا في الله وحده ﷾، ولهذا لا يجوز أن نصرف العبادة إِلَى أحد غير الله ﷾ أياً كَانَ المعبود من دون الله.\r\rفالذين يعبدون الكواكب يعبدون الآفل؛ لأن هذه الكواكب تغيب وتأفل وتزول ويعتريها الكسوف والخسوف ونحو ذلك، وتتفتت وتتطاير في الفضاء، ثُمَّ إن مصيرها إِلَى الفناء، وليس لها الحياة المطلقة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689083,"book_id":1659,"shamela_page_id":209,"part":null,"page_num":209,"sequence_num":209,"body":"والذين عبدوا اللات والعزى إنما عبدوا أحجاراً صماء ليس فيها حياة. وهكذا كل ما عُبد من دون الله من ملك أو نبي أو ولي أو حجر أو شجر أو كوكب، نجد أنه ما كَانَ له أن يُعبد من دون الله لو أن العابدين له كانت لهم عقول، فلو أنهم تأملوا في حقيقة هذا الاسم، وقدروا الله حق قدره، وعرفوا حقيقة اسم الله: \"الحي\" لما عبدوا من دون الله ﷾ أحداً سواه بإطلاق.\rومن كمال حياة الله ﷾: أنه لا تأخذه سِنةٌ ولا نوم، أما البشر فلأن حياة الإِنسَان ناقصة، وله جسم يتعب ويلغب ويمسه النصب، فإنه يحتاج إِلَى أن ينام ويصحوا ويحيا ويموت، فلا يمكن أن يكون معبوداً، ولا يمكن أن يكون إلهاً.\r\rأما الله ﷾؛ فإنه لا تأخذه سنة ولا نوم، ولا تعتريه غفلة ولا سهو ﷾، وهذا الذي فسره النبي ﷺ بقوله: (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يرفع القسط ويخفضه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) .\r\rفهكذا من يقرأ هذه الآيات وهذه الأحاديث، ويستيقن حقيقة الله ﷾، ويحاول أن يتعرف عَلَى صفات الله ﷾، فإنه يعظم الله ﵎ في قلبه، فيخشع له ويخبت وينيب إليه وحده سبحانه لا شريك له، فمن كمال حياته ﷾: أنه لا تأخذه سِنةٌ ولا نوم، ولا يعتريه سهو ولا غفلة، ولا آفة من الآفات التي هي علامات نقص الحياة، ودلالات عَلَى أن حياة صاحبها ليست الحياة الكاملة المطلقة.\rولما نفى الشيخ ﵀ التشبيه، أشار إِلَى ما تقع به الفرقة بينه وبين خلقه بما يختص به ﷾ دون خلقه، فمن ذلك: أنه حي لا يموت.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689084,"book_id":1659,"shamela_page_id":210,"part":null,"page_num":210,"sequence_num":210,"body":"قَالَ: لأن صفة الحياة الباقية مختصة به تَعَالَى دون خلقة، فإنهم يموتون: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ [الرحمن:٢٧،٢٦] فلا بد أن يموتوا كما قال تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ [الأنبياء:٣٥] ، وفي ذلك إشارةٌ إِلَى أن نفي التشبيه ليس المراد منه نفي الصفات.\r\rومنه: أنه قيوم لا ينام، وفي ذلك إشارة إِلَى أن نفي التشبيه ليس المراد منه نفي الصفات، بل هو سبحانه موصوف بصفات الكمال؛ لكمال ذاته.\r\rوقَالَ: لا يشبهه الأنام، ثُمَّ قَالَ: حي وقيوم، فهذا دليل عَلَى أن المنفي هو التمثيل لا حقيقة الأسماء والصفات.\r\rوبعض الشراح من الماتريدية فهموا أن المؤلف لما قَالَ: [لا يشبه الأنام] أنه ينفي الصفات التي ينفونها هم، فالمصنف ﵀ وضح أن الإمام الطّّحاويّ لا ينفي الصفات، بدليل أنه بعد نفي التشبيه في الصفات أثبت فقَالَ: [حي لا يموت قيوم لا ينام] .\rوالفرق بين حياة الله ﷾ وبين حياة غيره. كالفرق بين الحياة الكاملة الباقية وبين أية حياة يمنحها الله ﷾ ويعطيها لمن يشاء من الحياة الناقصة، ولهذا قارن بين الحياة الدنيا وبين الحياة الآخرة، فالحياة الدنيا سميت في القرآن، \"لهو، ولعب، وغرور\"، لكن الحياة الآخرة قال الله ﷾ فيها: وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ [العنكبوت:٦٤] أي: الحياة الحقيقية.\r\rفالدنيا كالمنام، والآخرة كاليقظة، كما جَاءَ في الأثر عن عَلِيّ ﵁: \"النَّاس نيام، فإذا ماتوا استيقظوا\" فكأن الحياة الآخرة هي الحياة الحقيقية التي تكون فيها معاني الحياة كاملة، فإن قيل: أليست الدار الآخرة هي الحياة الحقيقية، والملائكة والولدان والحور العين الذين في الجنة يعيشون الحياة الكاملة؟ فما الفرق بين هذه الحياة وبين حياة الله ﷾؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689085,"book_id":1659,"shamela_page_id":211,"part":null,"page_num":211,"sequence_num":211,"body":"فنقول: الفرق عظيم بين ما يتصف به المخلوق وبين ما يتصف به الخالق ﷾، فإن حياة الله ﷾ هي من لوازم ذاته، فهو الحي بذاته ﷾، أما ما في الجنة من الملائكة وغيرهم إنما هم أحياء بإحياء الله لهم، فالله هو الذي أحياهم وهو الذي وهبهم الحياة، وإن كانت هذه الحياة هي فعلاً أكمل من الحياة الدنيا، وهي حياة حقيقية بالنسبة للحياة الدنيا العارضة الزائلة العابرة.\r\rفالله ﷾ الحي بذاته، وأما غيره ﷾ فإنما هو حي بإحياء الإله له، وليس الأحياء في الجنة ذاتهم من لوازم ذواتهم أن يكونوا أحياءً، ولكن الله هو الذي يمنحهم الحياة، ولو شاء لأهلكهم جميعاً ﵎، فما يليق بالخالق ﷾ له شأن، وما يليق بالمخلوق له شأن آخر.\rوالقيوم: يدل عَلَى معنى الأزلية والأبدية، يعني: عَلَى معنى: ما لا أول له ولا بداية له في الأزل، وعلى معنى: ما لا نهاية له في الأبد، فهو أعظم دلالة من اسم القديم، فإن اسم القديم وإن دل في الاصطلاح -لا في أصل اللغة- عَلَى ما لا أول له، فإنه لا يدل عَلَى ما لا آخر له.\r\rوقد سبق أن الاسم الذي جَاءَ في القُرْآن ويدل عَلَى معنى القديم عند المتكلمين هو اسم الله ﷾ \"الأول\"، والأول والآخر فسرها النبي ﷺ بقوله: \" (اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء) فالقيوم: يدل عَلَى معنى الأزلية والأبدية بما لا يدل عليه أي اسم.\r\rومنها: القديم، ويدل عَلَى كونه قائماً بنفسه، موجود بذاته ﷾، فهو يدل عَلَى معنى كونه واجب الوجود -أي في اصطلاح الفلاسفة - والقيوم أبلغ من القيام؛ لأن الواو أقوى من الألف، فالقيوم بما أنه ورد في القُرْآن فلا شك أنه أبلغ من القيام؛ وإن كَانَ معناها واحداً.\rوهل ورد القيام في شيء من الكتاب أو من السنة؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689086,"book_id":1659,"shamela_page_id":212,"part":null,"page_num":212,"sequence_num":212,"body":"نعم ورد القيام في حديث دعاء النبي ﷺ المشهور: كَانَ إذا قام إِلَى الصلاة في جوف الليل قَالَ: (اللهم لك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت قيام السموات والأرض وما فيهن، ولك الحمد أنت رب السموات والأرض ومن فيهن ... ) إِلَى آخر الحديث.\r\rوالمعنى واحد، لكن الأبلغ هو القيوم، وهو أيضاً يفيد قيامه بنفسه باتفاق المفسرين، وأهل اللغة، وذلك معلوم بالضرورة.\r\rلكن هل كونه قيوماً يفيد أن غيره لا يقوم إلا به؟\rفي المسألة قولان، وأصحهما أنه يفيد ذلك، أن غيره ﷾ لا يقوم إلا به، فهو قريب من اسمه الصمد في قوله تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَمَدُ [الإخلاص:١-٢] والصمد: هوالذي تعتمد عليه الخلائق في حوائجها، والذي لا يستغني عنه أي مخلوق، وهو غني عن جميع المخلوقات.\rوكذلك القيوم الغني الغنى المطلق عن كل من عداه، ومع ذلك فإن ما عداه لا يقوم إلا به ﷾، فهو يفيد دوام قيامه وكمال قيامه -كما قَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- لما فيه من المبالغة، فهو سبحانه لا يزول ولا يأفل.\r\rوأخذ المُصنِّفُ ذلك من نظر إبراهيم ﵇ لما أراه الله ﷾ ملكوت السموات والأرض، وناظر قومه فجادلهم، فرأى كوكباً. فقَالَ: هذا ربي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689087,"book_id":1659,"shamela_page_id":213,"part":null,"page_num":213,"sequence_num":213,"body":"فلما أفل قَالَ: لا أحب الآفلين، ثُمَّ رأى القمر، ثُمَّ رأى الشمس -كما في سورة الأنعام-، فالآفل لا يمكن أن يكون رباً معبوداً من دون الله، فالقيوم ينفي الأفول وينفي الزوال عن الله ﷿، فهو قيوم قائم بذاته ﷾، ولا قوام لغيره إلا به، وهو الذي قامت له السموات والأرض بإقامته لها، فالله ﷾ هو ربها، وهو الصمد الذي تصمد إليه الخلائق في حوائجها، والذي لولاه لما كانت هذه المخلوقات جميعها، فهو الدائم الباقي الذي لم يزل ﷾، ولا يفنى ولا يعدم ولا يزال موصوفاً بصفات الكمال.\rفالحي: يدل عَلَى كمال الحياة، والقيوم يدل عَلَى كمال الغنى، ومن هذين الاسمين معاً نفهم أن جميع صفات الكمال ونعوت الجلال ترجع إليهما، ولهذا كانت آية: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة:٢٥٥] أعظم آية في القرآن، كما ثبت ذلك في حديث أبي بن كعب لما سأله النبي ﷺ: (يا أبا المنذر! أي آية أعظم في كتاب الله ﷾؟ فَقَالَ له: آية الكرسي. فَقَالَ له: ليهنك العلم أبا المنذر) وهذا دليل عَلَى علم أبي بن كعب ﵁ حيث عرف أعظم آية في كتاب الله ﷾.\rفعلى هذين الاسمين مدار الأسماء الحسنى كلها، وإليها ترجع معانيها.\r\rفإن الحياة مستلزمة لجميع صفات الكمال، فلا يتخلف عنها صفة من الصفات إلا لضعف الحياة، فمثلاً: ضعيف القدرة دليل عَلَى أن حياته غير كاملة، وكذلك ضعيف الإرادة، فهذا يدل عَلَى أن حياته غير كاملة، وهكذا كل صفة.\r\rلكن الذي يتحقق فيه كمال الحياة يستلزم أن يكون لديه كمال القدرة، وكمال الإرادة، وكمال الحكمة، فترجع هذه الصفات جميعاً إليه ﷾، ويكفي غير الله أنه فانٍ وهالكٌ وميتٌ، والله ﷾ هو الحي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689088,"book_id":1659,"shamela_page_id":214,"part":null,"page_num":214,"sequence_num":214,"body":"فغير الله ﷾ لا يمكن أن يكون قيوماً، ولا يمكن أن يكون قَيَاماً؛ لأن غير الله محتاج مفتقر بذاته إِلَى الله ﷾ لأنه لولا الله لما وجد، فهو مفتقر إِلَى الله في إيجاده وفي كل أمر من أموره.\rفينبغي للمؤمن أن يتأمل في معاني هذه الاسمين، وأن يدعو الله ﷾ بهما، وأن يتقرب إِلَى الله ﷾ بمعرفة أسمائه وصفاته، ومنها هذان الاسمين: \"الحي القيوم \"، وهذه المعرفة هي التأمل والتفكر في عظمة الله المستلزمة للإخبات والخشوع والتذلل والرهبة والرغبة إِلَى الله.\r\rوقال بعض الضُّلال: مادام أن هذا الاسم فيه خصائص عظيمة فنحن نجعله الاسم الذي يردد في غالب الأذكار عَلَى طريقتهم البدعية التي ورثوها عن قدماءالمجوس والهنود وأمم الشرك والضلال.\r\rفتجدهم يقولون: الله حي، الله حي، الله حي، ويرددونها آلاف ومئات المرات، ويرقصون رقصاً شديداً، ويقولون: هذا من خواص هذا الاسم \"الحي\"، كما يروى عن يحي بن معاذ الرازي كما في ترجمته في الحلية أنه أنشد يقول:\rدققنا الأرض بالرقص على غيب معانيك\rولا عيب عَلَى الرقص لعبد هائم فيك\rوهذا دقنا الأرض إذا طفنا بواديك\r١\rإن حقائق اسم الله تَعَالَى ليست لمثل هذه التعبدات الضالة، وليس استخدامها أيضاً فيما يسمى بالرقى أو الحجب، وهو أن يكتب: يا حي يا قيوم، أو الحي عدة مرات، ويظن صاحبه أنه يتحقق بذلك الشفاء أو نحو ذلك، وإنما هي في استشعار عظمة الله تَعَالَى والخضوع والتذلل له وطاعته، ولهذا نجد أن أبا العلاء المعري - الشاعر الزنديق الذي اعترض حتى عَلَى أحكام الله يقول:\r\rيد بخمس مئين عسجد وديت ما بالها قطعت في ربع دينار\rوأمثال ذلك من الضلالات أو الشركيات الموجودة في ديوانه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689089,"book_id":1659,"shamela_page_id":215,"part":null,"page_num":215,"sequence_num":215,"body":"وقال لما سمع أن هَؤُلاءِ القوم يجلسون ويجتمعون في المساجد، وتحضر لهم الموائد -تهدى لهم من الأمراء والملوك- فإذا أكلوا وشبعوا قاموا يرقصون ويقولون: حي حي، هو هو، إِلَى آخره لما بلغه هذا قال:\r\rأرى جيل التصوف شر جيل فقل لهم وأهون بالحلول\rأقال الله حين عشقتموه كلوا أكل البهائم وارقصوا لي\rوأبو العلاء هذا الزنديق يطعن في الدين؛ لأنه يظن أن هَؤُلاءِ هم أهل الدين.\r\rفأولى بهَؤُلاءِ أن يتأملوا ويتفكروا إذا كَانَ الزنادقة عرفوا أن محبة الله ليست بأن يملؤا بطونهم ويرقصوا له، فكيف بمن يدعون الولاية العظمى، أو القطبية، أو الدرجات العلى ومرتبة الإحسان كما يسمونها؟!\rقال الإمام الطّّحاويّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:\r[خالق بلا حاجة، رازق بلا مُؤنة] .\r\rقَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689090,"book_id":1659,"shamela_page_id":216,"part":null,"page_num":216,"sequence_num":216,"body":"[قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:٥٦-٥٨] وقال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [فاطر:١٥] وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاء [محمد:٣٨] قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ [الأنعام:١٤] وقال ﷺ: من حديث أبي ذر ﵁: (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا عَلَى أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا عَلَى أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد، فسألوني، فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر) الحديث رواه مسلم. وقوله: بلا مؤنة: بلا ثقل وكلفة] اهـ.\rالشرح:\r\rإن الله تَعَالَى خالق بلا حاجة، وهو الذي خلق الخلق ولم يخلقهم لحاجة منه إليهم، لا لحاجة أن يعبدوه، ولا أن يرزقوه، ولا أن يطعموه ﷾، فهو الغني الغنى المطلق عنهم، كما سبق في قوله: القيوم، فقيوميته ﷾ تستلزم غناه المطلق عن أن يخلق الخلق لحاجة، وإنما خلقهم لحكمة عظيمة -ليبتليهم، وليعبدوه- ثُمَّ جعل منهم فريقاً في الجنة، وفريقاً في السعير، وليصطفي منهم من يشاء ﷾، ويتخذهم أولياء وأحباباً، ويرفعهم في الدرجات العلى، وليذل ويهين من شاء منهم في معصيته، فيسكنهم في جهنم وساءت مصيراً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689091,"book_id":1659,"shamela_page_id":217,"part":null,"page_num":217,"sequence_num":217,"body":"فلله ﷾ حِكم عظيمة في إيجاد الخلق، ليس منها أنه تَعَالَى محتاج أو مفتقر إِلَى وجود هذا الخلق، أو إِلَى أي مخلوق كائن من كان، كما بين ذلك في الحديث العظيم الذي رواه أبو ذر -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ-، وقال الإمام أَحْمَد: هذا أشرف حديث حدثه أهل الشام: (يا عبادي إني حرمت الظلم عَلَى نفسي وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا ... إلى أن قَالَ: يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وأنسكم وجنكم كانوا عَلَى أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً) سُبْحانَ اللَّه تعالى! هو الغني سبحانه ونحن الفقراء إليه، فهو في غنى عن عبادتنا وتقوانا.\r\rوفي المقابل: (لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا عَلَى أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا) سُبْحانَ اللَّه! فهو في غنى عن طاعتنا وعبادتنا ولا يضيره ﷾ في شيء معصيتُنا أو كفرنا يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ [فاطر:١٥-١٦] فنحن الذين في وجودنا وحياتنا وكل أمورنا وفي كل طرفة عين فقراء إِلَى الله ﷾.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689092,"book_id":1659,"shamela_page_id":218,"part":null,"page_num":218,"sequence_num":218,"body":"أما هو جل شأنه، فهو الغني الغنى المطلق التام، قال الله ﷾ في سورة الأنعام: قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ [الأنعام:١٤] سُبْحانَ اللَّه! هو يطعم المخلوقات جميعاً، وهو الذي يربيهم ﷾ بالنعم ولا يُطعم ﷾، فهل يعبد المطعوم ويترك من يطعمه ﷾؟! ولهذا كما جَاءَ في الحديث القدسي (أن الله ﷾ يقول: إني والإنس والجن لفي أمر عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر سواي، خيري إليهم نازل، وشرهم إلي صاعد، أتحبب إليهم بالنعم، ويتبغضون إلي بالمعاصي) هذا هو حال العالمين مع رَبِّ الْعَالَمِينَ ﷾ يخلق ويعبد سواه سُبْحانَ اللَّه وهذا من جهل الإِنسَان إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً [الأحزاب:٧٢] هكذا طبع الإِنسَان قُتِلَ الإِنسَانسَانُ مَا أَكْفَرَهُ [عبس:١٧] فمن جهل الجنس البشري وظلمه وكفره: أن الله هو الذي يرزقه، ومع ذلك فإنه يشكر ما سواه، ينظر إِلَى الأسباب التي أعطته الرزق وينسى الذي خلق الأسباب وهيئها وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا [هود:٦] .\rفمن اقتران الخالق مع الرازق أيضاً نفهم كمال الغنى لله ﷾ وكمال افتقار المخلوقين إليه؛ فإنهم مخلوقون والله هو الذي خلقهمأَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ [الطور:٣٥] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689093,"book_id":1659,"shamela_page_id":219,"part":null,"page_num":219,"sequence_num":219,"body":"وقوله: \" بلا مؤنة \" يدل عليه ما جَاءَ في حديثأبي ذر هذا، من قوله سبحانه: (يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد منهم مسألته ما نقص ذلك من ملكي إلا كما ينقص المخيط -يعني الإبرة- إذا غمس في البحر) فهذا دليل عَلَى كمال غنى الله ﷾ مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ [النحل:٩٦] وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ [الحجر:٢١] .\rقال الإمام الطّّحاويّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:\r[مميت بلا مخافة، باعث بلا مشقة] .\rقَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:\r\r[الموت صفة وجودية، خلافاً للفلاسفة ومن وافقهم، قال تعالى: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً [الملك:٢] والعدم لا يوصف بكونه مخلوقاً.\rوفي الحديث: (إنه يؤتى بالموت يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى صورة كبش أملح، فيذبح بين الجنة والنَّار) وهو وإن كَانَ عرضاً، فالله تَعَالَى يقلبه عيناً، كما ورد في العمل الصالح: (أنه يأتي صاحبه في صورة الشاب الحسن، والعمل القبيح عَلَى أقبح صورة) .\r\rوورد في القرآن: (أنه يأتي عَلَى صورة الشاب الشاحب اللون) الحديث، أي: قراءة القارئ.\r\rوورد في الأعمال: (أنها توضع في الميزان) ، والأعيان هي التي تقبل الوزن دون الأعراض، وورد في سورة البقرة وآل عمران: (أنهما يَوْمَ القِيَامَةِ يظلان صاحبهما كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف) .\rوفي الصحيح: (أن أعمال العباد تصعد إِلَى السماء) . وسيأتي الكلام عَلَى البعث والنشور إن شاء الله تعالى] اهـ.\rالشرح:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689094,"book_id":1659,"shamela_page_id":220,"part":null,"page_num":220,"sequence_num":220,"body":"قوله ﵀: [مميت بلا مخافة باعث بلا مشقة] ، هذا استمرار للنعوت والصفات في حق الله ﵎، فهو يحي ويميت ﷾ من يشاء بلا مخافة، ولا يبالي متى أهلكه، وإنما جَاءَ في حق العبد الصالح المؤمن المتقرب إِلَى الله ﷾، أن الله تَعَالَى يقول كما في الحديث القدسي: (وما ترددت في شيء كترددي في قبض نفس عبدي المؤمن، هو يكره الموت وأنا أكره مساءته) أما غير ذلك فالله ﷾ لا يبالي بأن يهلك أياً كَانَ من المخلوقين، وهو كذلك \"باعث بلا مشقة\" يبعثهم سبحانه تَعَالَى بلا مشقة.\rقَالَ المُصنِّفُ ﵀: إن الموت صفة وجودية، خلافاً للفلاسفة ومن وافقهم من متكلمي الْمُسْلِمِينَ؛ فإنهم يقولون: الموت ليس شيئاً وجودياً، إنما هو شيء عدمي لا وجود له، فعدم الموت عندهم هو عدم الحياة.\r\rلأن الله تَعَالَى يقول: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً [الملك:٢] خلق الموت وخلق الحياة يعني: أن هذا أمر وجودي مخلوق؛ لأن العدم لا يوصف بكونه مخلوقاً، (أنه يؤتي بالموت يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى صورة كبش أملح فيذبح بين الجنة والنَّار) فيذبح الموت بهذا الشكل، حتى يستيقن كلٌ من هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ بالخلود، ويعلم أهل الجنة أنهم في نعيم ولا فناء ولا موت ولا خروج، ويعلم أهل النَّار أنهم في شقاء وعذاب أبدي؛ إلا من ورد في حقه الخروج من العصاة في شفاعة النبيين والصالحين، أو بتحنن الله ﷾ عليهم من بعد ذلك.\r\rفالموت إذن أمر وجودي، ولهذا يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح فينادي مناد: يا أهل الجنة! فيشرئبون وينظرون، فَيَقُولُ: هل تعرفون هذا الكبش؟ فيقولون: نعم.\rهذا الموت وكلهم قد رآه، فيذبح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689095,"book_id":1659,"shamela_page_id":221,"part":null,"page_num":221,"sequence_num":221,"body":"ثُمَّ يقول: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النَّار خلود فلا موت، ثُمَّ قرأ: وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [مريم:٣٩] هذه رواية الإمام البُخَارِيّ ﵀ للحديث، وله روايات أخرى.\rوقد يُقَالُ: ولكن الموت عرض فكيف يوصف بأنه جسم؟\r\rوالجوهر عندهم: ما قام بذاته، والعرض: ما قام بغيره، فالإِنسَانُ جوهر، واللون لا يقوم بذاته فهو عرض، وهكذا الحياة والموت.\r\rوالجواب: أن الله ﷾ يقلب هذه الأعراض فتصير أعياناً، فمن ذلك: أن العمل الصالح يأتي صاحبه بصورة الشاب الحسن، والعمل القبيح يأتي في صورة الشاب القبيح، وذلك ضمن الحديث الطويل الذي رواه الإمام أَحْمَد فيالمسند في صفة موت المؤمن والكافر أو المنافق.\r\rفمن صفات المؤمن: (أنه إذا وضع في قبره يأتيه شاب حسن فَيَقُولُ: من أنت؟ فوجهك الوجه يبشر بالخير، أو وجهك الوجه الحسن، ويستبشر بوجوده، فَيَقُولُ: أنا عملك الصالح، وأما المنافق أو الكافر -والعياذ بالله- فإنه يأتيه في أقبح صورة، فَيَقُولُ: من أنت؟ قبحك الله أو قاتلك الله فوجهك الوجه ينذر بالسوء، فَيَقُولُ: أنا عملك القبيح) فصور الله ﷾ الأعمال التي كَانَ يعملها هَؤُلاءِ في صور محسوسة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689096,"book_id":1659,"shamela_page_id":222,"part":null,"page_num":222,"sequence_num":222,"body":"ومن ذلك أيضاً: ما ورد في القُرْآن أنه يأتي عَلَى صورة الشاب الشاحب اللون. ويقول ﷺ: ((تعلموا سورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا يستطيعها البطلة) والبطلة: هم السحرة؛ ولذلك من يقرأ سورة البقرة فإنه يعصم -بإذن الله ﷾ وينجو من شر السحرة وأعمالهم، ثُمَّ قال ﷺ: (تعلموا سورة البقرة وآل عمران، فإنهما الزهراوان يظلان صاحبهما يَوْمَ القِيَامَةِ، كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف) و (إن القُرْآن يلقى صاحبه يَوْمَ القِيَامَةِ حتى ينشق عنه قبره كالرجل الشاحب، فيقول له: هل تعرفني؟ فَيَقُولُ: ما أعرفك.\r\rفَيَقُولُ: أنا صاحبك الذي أسهرت ليلك وإن كل تاجر وراء تجارته، وإنك اليوم من وراء كل تجارة ... إلى آخر الحديث) ، الشاهد في هذا، هو قوله: \"إن القُرْآن يأتي في صوره الشاب الشاحب\"، وفي الحديث الآخر: (إن البقرة وآل عمران يظلان صاحبهما كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف) .\r\rفهذا من أعمال الإِنسَان التي توضع في الميزان، وتصعد إِلَى الله ﷾ مع أنها أعراض، لكي يُعرف أنه لا استدلال للجهمية القائلين بأن القُرْآن مخلوق بأمثال هَؤُلاءِ الآيات؛ لأن قرآتي مخلوقة وقرآتك مخلوقة، وأما القُرْآن الذي هو كلام الله فهو ليس بمخلوق، فالذي يأتي كل إنسان منا هو قرآته لا القُرْآن الذي هو كلام الله ﷾، وهذا مما أبطل به الإمام أَحْمَد رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى استدلالالجهمية الذين قالوا: إن القُرْآن مخلوق.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689097,"book_id":1659,"shamela_page_id":223,"part":null,"page_num":223,"sequence_num":223,"body":"وهذه الأعمال توزن يَوْمَ القِيَامَةِ في الموازين، كما ثبت ذلك وورد في أحاديث كثيرة صحيحة منها: حديث المفلس لما قال النبي ﷺ: (أتدرون من المفلس؟ قالوا: يا رَسُول الله! المفلس فينا من لا درهم له ولا دينار -هذا العرف المادي البشري- فَقَالَ النبي ﷺ: لكن المفلس من يأتي يَوْمَ القِيَامَةِ بحسنات كالجبال، أو قال بصلاة وصيام وجهاد وحج ثُمَّ يأتي وقد ظلم هذا وسرق هذا وأخذ مال هذا -حين تنصب الموازين- فيؤخذ من حسناته فيعطى هَؤُلاءِ الذين ظلمهم وضربهم من حسناته، فإذا نفذت أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه، فيلقى في النَّار) .\r\rوكما في حديث الرجل الذي يقول الله ﷾ له يَوْمَ القِيَامَةِ بعد أن توزن جميع أعماله، وإذا بحسناته طائشة، وإذا بسيئاته عظيمة وثقيلة، فتجعل سيئاته في تسعة وتسعين سجلاً، فيقول له الرب ﵎: (هل بقي لك من شيء) ، فَيَقُولُ: لا يا رب ما بقي شيء، فيقول الله: (ولكن لا يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد، بقي لك هذه البطاقة) ، فيرى بطاقة مكتوب فيها: \"لا إله إلا الله\" فَيَقُولُ: يا رب! وما تصنع هذه البطاقة بتسعة وتسعين سجلاً؟! فتوضع البطاقة فترجح عَلَى هذه السجلات جميعاً) التوحيد يرجح بجميع السجلات، فهذا كانت عنده حقيقة التوحيد، ولكنه كَانَ يرتكب ويفعل من الآثام ما الله ﷾ به عليم، وقد أحصاه عليه وعده، ثُمَّ أراه إياه، ثُمَّ تجاوز عليه بفضل تحقيقه للتوحيد.\rوسنتحدث عن الميزان في آخر الكتاب -إن شاء الله- ضمن الحديث عن البعث، وهناك نبين الرد عَلَى مثل هذه الشبه، وهي قول الفلاسفة والمعتزلة ومن وافقهم بأن الأعمال أعراض، والأعراض لا توزن، وانكروا لذلك الميزان، مع أن الله ﷾ قَالَ: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ وَزْناً [الكهف:١٠٥] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689098,"book_id":1659,"shamela_page_id":224,"part":null,"page_num":224,"sequence_num":224,"body":"من المشكلات التاريخية التي أثيرت عَلَى مذهب أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ بشكل عام وعلى شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ رحمة الله بشكل خاص هذه المسألة: حتى أن كثيراً من النَّاس لا يزالون يعادون شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ ويطعنون فيه، ويسيئون الظن فيه لا لذاته، وإنما للعقيدة التي يدعو إليها، والمبدأ الذي أحياه.\rومن أعظم المسائل التي يذكرونها -كمثال عَلَى أن شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ خارج عن مذهب السلف وغيره، وأنه مبتدع، ويأتي بأفكار لم يسبقه إليها أحد، ويخرق الإجماع- مسألة: القول \" بجواز حوادث لا أول لها \" حتى الشيخ شعيب مع أنه مهتم بالسنة والحديث؛ إلا أنه في هذا الموضوع -في مكان غير محتاج إِلَى التعليق نهائياً- أقحم هذه المسألة، وأخذ يتكلم في شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ بالكلام الذي نرده ونبين بطلانه وخطأه -بإذن الله تعالى- فالقضية أصبحت كأنها مسألة تشفي عَلَى شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ، مع أن ما كتبه شَيْخ الإِسْلامِابْن تَيْمِيَّةَ في هذه القضية تعجز عنه جميع العقول الفلسفية، فمن استطاع أن يفهمه فقد حاز عَلَى فضل كبير أما نقضه فإنه من المُحال.\rوقد ذكر الفخر الرازي أنه استقصى أعظم الأدلة في هذه المسألة في كتاب له اسمه المباحث المشرقية ذكر فيه عشرة براهين، ويقول: هذه هذه البراهين العشرة ليس بعدهها أي برهان ولا دليل عَلَى بطلان حوادث لا أول لها، وأن الحوادث كانت مسبوقة بالعدم المحض الكلي.\r\rوقد نقض شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ في منهاج السنة هذه البراهين العشرة برهاناً برهاناً، وبيّن بطلانها وخطأها، وأضاف عليها، فنقض كلام الرافضي وغيره.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689099,"book_id":1659,"shamela_page_id":225,"part":null,"page_num":225,"sequence_num":225,"body":"واستطرد في ذكركل ما في هذه المسألة من الفلاسفة المتقدمين أمثال أرسطو ومن شايعه وابن سينا، ومن كَانَ عَلَى منهجهم، ومن خالفهم في هذه المسألة، كابن رشد وغيره، فجاء عَلَى جميع أقوالهم في هذه المسألة وفندها جميعاً.\rفقضية بهذا العمق والطول، ليس من البساطة أن يأتي الإِنسَان فيجازف بالطعن في شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ أو يتهمه وينتقده، فلا نرضى لمن كَانَ سنياً أن يجازف بالطعن والرد عَلَى أي مبتدع مجازفة بدون علم، مع أن هذا سني يرد عَلَى مبتدع، فكيف بإمام من أئمة السنة؟! ثُمَّ نقول بأنه خارج عن الإجماع في هذه المسألة، أو أنه موافق للكرامية، أو أنه موافق للصائبة الحرانية.\r\rوهذا مما يدل عَلَى أن المسألة ينبغي لنا أن نفهمها بما يقدره الله من الفهم، ونحاول أن نستوضح ونعرف الخلفية التي وراءها، وما الذي يمكن أن يجر من لوازم؟\rقَالَ الطّّحاويُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:\r[ما زال بصفاته قديماً قبل خلقه، لم يزدد بكونهم شيئاً لم يكن قبلهم من صفته، وكما كَانَ بصفاته أزلياً، كذلك لا يزال عليها أبدياً] .\r\rقَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:\r\r[أي: أن الله ﷾ لم يزل متصفاً بصفات الكمال: صفات الذات، وصفات الفعل، ولا يجوز أن يعتقد أن الله وصف بصفة بعد أن لم يكن متصفاً بها، لأن صفاته سبحانه صفات كمال، وفقدها صفة نقص، ولا يجوز أن يكون قد حصل له الكمال بعد أن كَانَ متصفاً بضده.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689100,"book_id":1659,"shamela_page_id":226,"part":null,"page_num":226,"sequence_num":226,"body":"ولا يرد عَلَى هذا، صفات الفعل، والصفات الاختيارية، ونحوها، كالخلق والتصوير، والإحياء، والإماتة، والقبض، والبسط، والطي، والاستواء، والإتيان، والمجيء، والنزول، والغضب، والرضا ونحو ذلك مما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله، وإن كنا لا ندرك كنهه وحقيقته التي هي تأويله، ولا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا، ولا متوهمين بأهوائنا، ولكن أصل معناه معلوم لنا، كما قال الإمام مالك ﵁ لما سئل عن قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف:٥٤] .\r\rكيف استوى؟ فقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول.\rوإن كانت هذه الأحوال تحدث في وقت دون وقت، كما في حديث الشَّفَاعَةِ: (إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله) .\rلأن هذا الحدوث بهذا الاعتبار غير ممتنع، ولا يطلق عليه أنه حدث بعد أن لم يكن. ألا ترى أن من تكلم اليوم وكان متكلماً بالأمس، لا يقَالَ: إنه حدث له الكلام، ولو كَانَ غير متكلم، لآفة كالصغر والخرس، ثُمَّ تكلم يقَالَ: حدث له الكلام، فالساكت لغير آفة يسمى متكلماً بالقوة، بمعنى أنه يتكلم إذا شاء، وفي حال تكلمه يسمى متكلماً بالفعل، وكذلك الكاتب في حالة الكتابة هو كاتب بالفعل، ولا يخرج عن كونه كاتباً في حال عدم مباشرته الكتابة] اهـ.\rالشرح:\r\rإن الله ﵎ متصف بصفات الكمال قبل أن يخلق الخلق، وكذلك لا تزال هذه الصفات له بعد خلق الخلق، وهي أزلية وأبدية؛ لأن له الكمال المطلق ﷾، وهذا الكمال لا يجوز أن يقَالَ: إنه حدث له بعد أن لم يكن لديه؛ لأن عدم الكمال نقص، فلا يقَالَ: إنه موصوفٌ بالنقص، ثُمَّ حدث له الكمال، فالله لم يزل متصفاً بصفات الكمال -سواء صفات الذات أو صفات الفعل- ولا يجوز أن يُعتقد أن الله وُصف بصفة بعد أن لم يكن متصفاً بها.\r\rولا ترد عَلَى هذه القاعدة صفات الفعل والاختيار.\r٢-أنواع الصفات:\rوالصفات عَلَى نوعين:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689101,"book_id":1659,"shamela_page_id":227,"part":null,"page_num":227,"sequence_num":227,"body":"١ـ صفات ذاتية.\r\r٢ـ صفات فعلية.\rفالصفات الذاتية\rهي الصفات الملازمة لذاته ﷾، التي لا تنفك عنه ﷾ مثل: الحياة، والقيومية، والقدرة، والسمع، والبصر وأمثال ذلك.\r\rوأما الصفات الفعلية\rفهي الصفات المتعلقة بالإرادة، فهو يتكلم متى يشاء -مثلاً- ويغضب ويرضى، فهذه صفات فعل يفعلها ﷾ متى شاء بإرادته، لكنها ليست ملازمة لذاته، ولا يعني هذا أنه تحصل له هذه الصفة بعد أن خلق الكون، ولم يكن متصفاً بها من قبل.\rلكن قد يقال -مثلاً- نزوله إِلَى السماء الدنيا، كَانَ بعد أن خلق السماء الدنيا، أو إتيانه لفصل القضاء يَوْمَ القِيَامَةِ؛ فإنه كَانَ بعد أن خلق المخلوقين وكذلك بعد أن تقوم الساعة، فكأن هذه الصفات وُصف بها الله ﷾ بعد، واستفاد هذه الصفة من وجود المخلوقات.\r\rوالجواب أن نقول: إن هذه الصفات الاختيارية وإن كنا لا ندرك حقيقتها -كما هو معلوم، كما قال الإمام مالك في ذلك- لكنها تحدث في وقت دون وقت، ولا ينفي ذلك أن الله ﷾ متصف بالفعل وبالقوة.\r\rوالفرق بين القوة والفعل: أن الإِنسَان منا إذا كَانَ يجيد القرءاة أو الكتابة نقول: هذا الإِنسَان كاتب، ونصفه بأنه كاتب، فهذا يسمى: \"كاتب بالقوة\"، يعني: أن هذه الصفة والملكة موجودة فيه، فيستطيع أن يكتب، فإذا أمسك القلم وكتب سُمي كاتباً بالفعل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689102,"book_id":1659,"shamela_page_id":228,"part":null,"page_num":228,"sequence_num":228,"body":"فلا شك عندنا أن صفات الله ﷾ الاختيارية يتصف بها الله بعد أن لم يكن متصفاً بها من حيث وقوعها في الفعل، لا من حيث أصل الاتصاف بها، والدليل عَلَى أن هذه الصفات الاختيارية أو الفعلية تكون في وقت دون وقت قول النبي ﷺ: ﴿إن ربي قد غضب غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله﴾ ، وحديث النزول نفسه؛ ﴿ينزل ربنا ﵎ كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر﴾ ، بخلاف غيره من الأوقات، وهذه الأمور تحدث في وقت دون وقت.\r\rوكذلك رضا الله ﷾ عن الإِنسَان حال الطاعة، ثُمَّ غضبه عليه حال المعصية، فهذا الشيء يحدث في وقت دون وقت، والقول بأن هذا يستلزم حلول الحوادث بالله ﷾ كَانَ مدخل نفاة الصفات حين قالوا: إن -الله ﷾ يتنزه عن الزمان، والمكان، والانتقال، والتغير، وفي الحقيقة كل كلمة من هذه الكلمات تحتوى في ضمنها هدم لصفة من صفات الله أو أكثر، فقولهم: \"يتنزه عن المكان \" معناه: لا تقل أين الله؟\rلأنهم يظنون أنك تثبت له مكاناً يحويه ويحيط به، وقولهم:\"يتنزه عن الانتقال\" معناه: إبطال حديث النزول، والإتيان يَوْمَ القِيَامَةِ.\r\rوقولهم:\"يتنزه عن التغير\" معناه: لا يغضب ولا يرضى؛ لأن الغضب والرضا فيه تغير وأمثال ذلك من الصفات، كالخلق، والتصوير، والإماتة، والقبض، والبسط، والاستواء، والإتيان، والمجيء، والنزول، والغضب، والرضا. ويقولون: القواطع العقلية أو البراهين العقلية التي تدل عَلَى نفي التغير عن الله ﷾ أقوى في الاستدلال من ظواهر بعض الآيات، أو من الأحاديث التي هي آحادية وإن كانت صحيحة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689103,"book_id":1659,"shamela_page_id":229,"part":null,"page_num":229,"sequence_num":229,"body":"وهذه الصفات وإن كانت تحدث في وقت دون وقت، فإن الحدوث بهذا الاعتبار غير ممتنع، فالله ﷾ كلم موسى، وتكلم بالقرآن، وليس هذا من حدوث شيء بعد أن لم يكن مطلقاً، وإنما يقَالَ: هذا في الذي كَانَ أخرساً مريضاً، ثُمَّ عولج فتكلم، أو طفل بلغ مرحلة من العمر لم يكن ينطق ثُمَّ تكلم، فهذا الذي حدث له الكلام بعد أن لم يكن؛ لكن من كَانَ ساكتاً ثُمَّ تكلم فلا نقول: حدث له الكلام، وإنما نقول في حقه: تكلم فقط.\r\rفالله ﷾ لم يزل متكلماً كما يشاء بما يشاء ﷾، ومن كلامه: ما خاطب به موسى وآدم، وما أنزله من الكتب.\r\rقَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:\r[وحلول الحوادث بالرب تعالى، المنفي في علم الكلام المذموم، لم يرد نفيه ولا إثباته في كتاب ولا سنة، وفيه إجمال، فإن أريد بالنفي أنه سبحانه لا يحل في ذاته المقدسة شيء من مخلوقاته المحدثة، أو لا يحدث له وصف متجدد لم يكن، فهذا نفي صحيح، وإن أريد به نفي الصفات الاختيارية من أنه لا يفعل ما يريد، ولا يتكلم بما شاء إذا شاء، ولا أنه يغضب ويرضي لا كأحد من الورى، ولا يوصف بما وصف به نفسه من النزول والاستواء والإتيان كما يليق بجلاله وعظمته فهذا نفي باطل.\rوأهل الكلام المذموم يطلقون نفي حلول الحوادث، فيسلم السني للمتكلم ذلك، عَلَى ظن أنه نفى عنه سبحانه ما لا يليق بجلاله، فإذا سلم له هذا النفي، ألزمه نفي الصفات الاختيارية وصفات الفعل، وهو غير لازم له، وإنما أتي السني من تسليم هذا النفي المجمل، وإلا فلو استفسر واستفصل، لم ينقطع معه] اهـ.\rالشرح:\r\rالمثال الأول: حلول الحوادث بالله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689104,"book_id":1659,"shamela_page_id":230,"part":null,"page_num":230,"sequence_num":230,"body":"لا شك أن استخدام واستعمال الألفاظ الشرعية الصحيحة مثل: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:١١] يغنينا في التنزيه عن كل ما يقولون، فإذا أريد بنفي الحوادث بالله ﷾ أنه لا يحل به شيء من مخلوقاته؛ لأن الحوادث تطلق عَلَى المخلوقات، فالله تَعَالَى يتنزه أن يحل به شيء من مخلوقاته، فنوافقكم عليه، وهو كلام صحيح؛ لكن لا نجعله من لوازم صفات الله التي نصفه بها، بل عندما نقول: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:١١] ونعلم أن ذاته ليست كالذوات، وأنه ﷾ بائن من خلقه، يغنينا هذا عن القول المجمل الذي فيه احتمال حق وباطل.\r\rوإن كنتم تريدون بنفي حلول الحوادث فيه نفي الصفات الاختيارية فهذا باطل، فلا نسلم لهم، وإنما نفصل القول، فننفي من جهة ونثبت من جهة. .\r\rوهناك معركة تاريخية قديمة بدأها أعداء شَيْخ الإِسْلامِابْن تَيْمِيَّةَ في حياته منهم: الإمام السبكي ﵀، الذي رد عَلَى شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ في رده عَلَى الرافضي بالأبيات المعروفة -التي ذكرها طابع كتاب منهاج السنة - ومن جملتها أن ابْن تَيْمِيَّةَ يقول: بحوادث لا أول لها، وأن هذا الكلام يدل عَلَى أنه يقول: إن الحوادث تحل بالله ﷾.\r\rوالشيخ الأرنؤوط لم يفهم الفصل بين القضيتين، وكأنه كَانَ في النفس شيء، فمجرد أن جاءت فرصة انتهزها، فأخذ يعلق هذا التعليق، وسنقرأ هذا التعليق، وسنبين ما فيه من الخطأ، وليس هو بياناً لخطأ رجل، وإنما هو بيان لأخطاء كثير من النَّاس الذين يشنعون عَلَى شَيْخ الإِسْلامِ زوراً وظلماً.\r\rيقول الشيخ الأرنؤوط: \"جمهور المتكلمين من أشاعرة وماتريدية ومعتزلة وفلاسفة، اتفقوا عَلَى منع قيام الحوادث بذاته تعالى، وجوز قيامها بذاته تَعَالَى الكرامية، ففرقوا بين الحادث والمحدث.\rفالأول عندهم: هو ما يقوم بذاته تَعَالَى من الأمور المتعلقة بمشيئته واختياره.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689105,"book_id":1659,"shamela_page_id":231,"part":null,"page_num":231,"sequence_num":231,"body":"وأما الثاني: فهو ما يخلقه ﷿ منفصلاً عنه، وقد تبعهم شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ في تجويز قيام الحوادث بالذات، والمؤلف هنا يختصر كلامه المذكور في منهاج السنة وقد غلا ﵀ في مناصرة هذا المذهب والدفاع عنه ضد مخالفيه من المتكلمين والفلاسفة، وادعى أنه هو مذهب السلف مستدلاً بقول الإمام أَحْمَد ﵀ وغيره: [لم يزل الله متكلماً إذا شاء] ، لأنه إذا كَانَ كلامه تَعَالَى -وهو صفه قائمة به- متعلقاً بمشيئته واختياره، دل ذلك عَلَى جواز قيام الحوادث بذاته؛ لأن ما يتعلق بالمشيئة والاختيار لا يكون إلا حادثاً، ثُمَّ يقول: وقد انتهى به القول إِلَى أن كلام الله تَعَالَى قديم الجنس حادث الأفراد، وكذلك فعله وإرادته ونحو ذلك من الصفات غير اللازمة للذات، وبما أن القول بذلك يستلزم التسلسل، فقد جوزه في الماضي والمستقبل جميعاً، وادعى أن مثل هذا التسلسل ليس ممتنعاً.\rثُمَّ أخذ يرد عليه، يقول: وغير واحد من العلماء -ولم يذكر أسماء- يعدون هذا الذي انتهى إليه شَيْخ الإِسْلامِ من جملة ما ندَّ فيه عن الصواب، وينكرون عليه، ويقولون: كيف يقول بقدم جنس الصفات والأفعال مع حدوث آحادها؟ وهل الجنس شيء آخر غير الأفراد المجتمعة؟ وهل يتركب الكلي إلا من جزئياته؟ فإذا كَانَ كل جزئي من جزئياته حادثاً، فكيف يكون الكلي قديماً؟\r\rوكان عَلَى المُصنِّفُ ﵀ -كما يقولالأرنؤوط - أن يتجنب الخوض في هذه المسألة، ويكف عنها ويكتفي بما قاله الإمام أَحْمَد وغيره من السلف ﵏ في ذلك\".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689106,"book_id":1659,"shamela_page_id":232,"part":null,"page_num":232,"sequence_num":232,"body":"وهذه النصيحة ليت الشيخ الأرنؤوط لم يذكرها، بل كَانَ عليه هو أن يتجنب الخوض في هذه المسألة؛ لأن كلام المُصنِّفُ هنا ليس فيه اعتراض ولا إشكال، فالمصنف يشرح متناً معيناً؛ فإن كَانَ في هذا المتن خطأ فإنه لا بد أن يشرحه، ولا يكون هذا خوضاً؛ لأن هذا لابد منه سواء كَانَ مقراً أو غير مقرٍ، فمن لوازم كونه شارحاً أن يشرح هذا الكلام ويبين ما فيه، لكن المخرِّج والمعلق عَلَى الأحاديث لماذا يأتي بهذه المسألة، ثُمَّ يتمنى من غيره عدم الخوض؟\r\rفقول الشيخ شعيب: إن الأشاعرة والماتريدية والمعتزلة. والفلاسفة اتفقوا عَلَى منع قيام الحوادث بذاته تَعَالَى] لا حجة فيه؛ لأنه مهما اجتمع هَؤُلاءِ عَلَى أي شيء فليس اجتماعهم بحجة في دين الله ﷿، إنما الحجة هي فيما كَانَ من كتاب الله أو سنة رَسُول الله ﷺ أو مذهب السلف، ومن الفخر لشَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ أن يقَالَ: إنه خالف ما اتفق عليه الأشاعرة والماتريدية والفلاسفة والمعتزلة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689107,"book_id":1659,"shamela_page_id":233,"part":null,"page_num":233,"sequence_num":233,"body":"ثُمَّ يقول: [وجوز قيامها بذاته تَعَالَى الكرامية] ، وهي فرقة من الفرق المبتدعة وأكبر ما تظهر بدعتها في مسألة الإيمان، وشَيْخ الإِسْلامِابْن تَيْمِيَّةَ قد رد عَلَى الكرامية في مواضع كثيرة جداً فهو -ولله الحمد- متبع لمذهب السلف، وقد توجد مسائل عند الكرامية والمعتزلة والأشاعرة وافقوا فيها أهل السنة، حتى الرافضة والفلاسفة في بعض القضايا يوافقون شيئاً مما جاء به دين الإسلام، فهل يعني هذا أننا أخذنا منهم؟ لكن يريد بعض النَّاس تشويه ما يدعو إليه شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ فقَالَ: إن شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ في عقيدته إنما ينقلها عن الكرامية والصائبة الحرانية، والذي تولى كبر هذا القول من المعاصرين هو الكوثري، ثُمَّ تبعه الدكتور علي سامي النشار ﵀، وفي آخر أمره تبين له الحق -إن شاء الله- وجمع مجموعة رسائل وسماها عقائد السلف، فنرجو أن تكون هذه توبة له من كلام خطير وقع في كتابه: نشأه الفكر الفلسفي في الإسلام وقد كَانَ أكبر أستاذ للعقيدة فيمصر، وتتلمذ عليه مجموعة كبيرة من الأساتذة في العقيدة مثل الدكتور مصطفى حلمي، والدكتور عمار طالبي، والدكتور نصار، والدكتورة فوقية حسين، والدكتور سهير مختار، سلسة كبيرة جداً من المؤلفين في العقيدة تتلمذوا عَلَى الدكتور علي سامي النشار، وهذا الدكتور اعتمد عَلَى الكوثري كثيراً، وكان من هَؤُلاءِ: الشيخ مُحَمَّد خليل هراس ﵀ وكان عَلَى هذا القول حتى جَاءَ إِلَى المملكة، واتصل بأهل السنة وتبين له خلاف ذلك، وكتب كتابه ابْن تَيْمِيَّةَ السلفي ورد عليهم في هذه المسألة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689108,"book_id":1659,"shamela_page_id":234,"part":null,"page_num":234,"sequence_num":234,"body":"فالقضية إذاً ليست منقولة عن الكرامية، وللعلم؛ فإن الكرامية فرقة منقرضة، بل حتى على أيام شيخ الإسلام ابن تيمية لم يكن لها ذلك الوجود، وإنما كَانَ لها وجود أيام الفخر الرازي في جهة بلاد ما وراء النهر، والفخر الرازي هو الإمام المتأخر للمذهب الأشعري الذي يعتبرونه أعظم فلاسفة هذا المذهب، عَلَى ما فيهم من تناقضات، وله ردود كثيرة جداً عَلَى الكرامية، وابْن تَيْمِيَّةَ ما هو إلا كرامياً، -على حد زعمه- فهو من الفرقة التي سبقللرازي أن هزمها وانتصر عليها.\rفكأنهم يقولون: ابْن تَيْمِيَّةَ ما زاد عَلَى أن ابتدع بدعة جديدة أخذها من مذهب الكرامية، والكرامية قد كفينا أمرها بالإمام الفخر الرازي الذي من كلامه ومن قواعده استنبط كتاب المواقف، الذي لا يزال هو إِلَى الآن عمدة مذهب الأشاعرة، والمقرر الذي يدرس في الكليات المعتبرة الآن في معظم العالم الإسلامي تقريباً.\r\rوأما قوله: \"إنه غلا ﵀ في مناصرة هذا المذهب والدفاع عنه ضد مخالفيه من المتكلمين والفلاسفة، فنعم الموقف موقف الرجل الذي يناصر السنة ضد شَيْخ الإِسْلامِ ﵀ في هذا، وإنما ذكر ما يراه هو مذهب أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ، بل لم يقل هذا مذهب مجمع عليه، بل قَالَ: هذا مذهب أكثر أهل الحديث.\rثُمَّ أخذ يبين الرد ويتفلسف ويقول: \"إنه انتهى به القول إِلَى أن كلام الله تَعَالَى قديم الجنس حادث الأفراد وكذلك فعله وإرادته، وبما أن القول بذلك يستلزم التسلسل، فقد جوزه في الماضي والمستقبل جميعاً ... إِلَى آخر كلامه\".\rنقول: ذكر شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ ﵀ في منهاج السنة: أن التسلسل والدور عَلَى نوعين:\rباطل، وصحيح، فإما أن يكون في العلل والمعلولات -يعني في الفاعلين والمفعولات، وإما أن يكون في اسم الآثار والحادثات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689109,"book_id":1659,"shamela_page_id":235,"part":null,"page_num":235,"sequence_num":235,"body":"والتسلسل الباطل: هو ما كَانَ في العلل وفي المعولات- أي: في الفاعلين والمفعولات، مثل ما جَاءَ في ذلك الحديث الصحيح: ﴿يأتي الشيطان أحدكم فيقول من خلق كذا، من خلق كذا حتى يقول: من خلق الله؟) يعني أنت تقول: هذا خلقه مخلوق، والمخلوق خلقه مخلوق، هذا تسلسل باطل؛ فلا بد أن ينتهي إِلَى أنه خلقه خالق.\rوأما التسلسل بالآثار؛ فهذا غير باطل، فهو أن يكون حادث إثر حادث، وحادث إثر حادث؛ لأنها آثار من آثار الله ﷾؛ ولأنه ﷾ لم يزل خالقاً أزلاً وأبداً ﷾، فهو يخلق شيئاً، ثُمَّ يخلق بعده شيئاً ثُمَّ يخلق بعده شيئاً إِلَى ما لا نهاية، لما لا بداية له، ولا نهاية له، فلا يمتنع ذلك ما دمنا أننا قلنا: إن صفة الله ﷿ أزلية لا بداية لها، فإن آثارها ولوازمها التي تستلزمها أيضاً لا بداية لها.\rلكن هل يعني هذا أن هناك مخلوقاً أزلياً لا أول لوجوده؟ يقول شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ: لا، ليس هناك مخلوق أزلي لا أول لوجوده، لكن هناك مخلوق يحدث بعده مخلوق، ويحدث بعده مخلوق، أو مخلوق حدث قبله مخلوق، وهذا حدث قبله مخلوق. إِلَى آخره، فهذا تسلسل بالآثار، التي هي آثار الصفة التي يتصف بها الله ﷾ فالحوادث لا أول لها من حيث النوع والجنس، لكن الأفراد حادثة، فكل مخلوق بذاته هو حادث، لكن الجنس قديم -بمعنى: أن الله ﷾ هو خالق أزلاً، وكونه خالقاً ومريداً ومتكلماً، لأنه قد خلق أشياء وأراد أشياء، وهذه الأشياء ليست أزلية بذاتها، لكن لما كَانَ لا أول لصفة من صفاته، فإن آثارها ولوازمها مما لا أول له كذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689110,"book_id":1659,"shamela_page_id":236,"part":null,"page_num":236,"sequence_num":236,"body":"ولهذا يرد علينا كما سياتي إن شاء الله تَعَالَى حديث عمران بن حصين -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- المعروف في وفد اليمن، لما جاءوا إِلَى النبي ﷺ قالوا: يا رَسُول الله! جئناك نسألك عن أول هذا الأمر، أو عن هذا الأمر كيف كان؟ \"فالله ﷾ كما أخبر النبي ﷺ استأنف خلق المخلوقات بعد أن لم يكن معه شيء، وقد كفى ابْن تَيْمِيَّةَ الرد عَلَى هذه المسألة بأن شرح رسالة مستقلة طبعت في رسائل المسائل، وفي مجموع الفتاوى في حديث عمران بن حصين، وذكر فيه الروايات الثلاث:\r\r(ولم يكن قبله شيء) .\r\r(ولم يكن غيره شيء) .\r\r(ولم يكن معه شيء) .\r\rوذكر أن الذي ترجح من هذه الروايات هي رواية (قبله) !\rلأنها تتفق مع قول الله: هُوَ الْأَوَّلُ..، وتتفق مع الحديث الصحيح أيضاً \"أنت الأول فليس قبلك شيء\".\rوكذلك الدور نوعان:\r\r١- دور قبلي.\r\r٢- ودور اقتراني، أو معي من المعية والاقتران.\rفالدور القبلي: مثل قولك: لا يكون زيد إلا بعد عمرو، ولا يكون عمرو إلا بعد زيد، بمعنى توقف كل واحد من الشيئين عَلَى الآخر، فهذا باطل. فمثلاً نقول: أنا لا أقدر أن آتيك إلا بسيارة، وما أقدر أن أحصل عَلَى سيارة إلا عندما آتيك.\rوأما الدور الاقتراني: فهو صحيح، مثل قولك: أنا لا أقدر أن آتيك إلا مع محمد، ولا يقدر أن يأتيك مُحَمَّد إلا معي، فهذا صحيح؛ فإن اقتراني هذا يعني أن نجيء مع بعض أو نقعد مع بعض، ويُمثل هذا بالأبوة والبنوة، فلا تتصور الأبوة إلا بالنبوة، ولا بنوة إلا بالأبوة، فعندما نقول: هذا الشيء فوق، فإنه لا تتصور الفوقية إلا بالتحتية، ولا تحتية إلا بالفوقية، فكلمة فوق تستلزم بذاتها وجود تحت، وكذلك كلمة أب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689111,"book_id":1659,"shamela_page_id":237,"part":null,"page_num":237,"sequence_num":237,"body":"وأما التسلسل في المستقبل: فإنه متفق عليه عند أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ وأهل الملل، ما عدا الجهمية الذين قالوا: إن الجنة والنَّار تفنيان -كما سيأتي إن شاء الله- فمثلما قيل: إن التسلسل لا يمتنع في المستقبل فَلِمَ يمتنع في الماضي، وكلها متعلقة بإيجاد الله لها، وبإبقاء الله لها؟!\rقَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:\r\r[وكذلك مسألة الصفة: هل هي زائدة عَلَى الذات أم لا؟ لفظها مجمل، وكذلك لفظ الغير، فيه إجمال، فقد يراد به ما ليس هو إياه، وقد يراد به ما جاز مفارقته له.\r\rولهذا كَانَ أئمة السنة -رحمهم الله تعالى- لا يطلقون عَلَى صفات الله وكلامه أنه غيره ولا أنه ليس غيره، لأن إطلاق الإثبات قد يشعر أن ذلك مباين له، وإطلاق النفي قد يشعر بأنه هو هو، إذ كَانَ لفظ الغير فيه إجمال، فلا يطلق إلا مع البيان والتفصيل.\r\rفإن أريد به أن هناك ذاتاً مجردة قائمة بنفسها، منفصلة عن الصفات الزائدة عليها فهذا غير صحيح.\rوإن أريد به أن الصفات زائدة عَلَى الذات التي يفهم من معناها غير ما يفهم من معنى الصفة فهذا حق، ولكن ليس في الخارج ذات مجردة عن الصفات بل الذات الموصوفة بصفات الكمال الثابتة لها لا تنفصل عنها، وإنما يفرض الذهن ذاتاً وصفة، كلاً وحده، ولكن ليس في الخارج ذات غير موصوفة، فإن هذا محال. ولو لم يكن إلا صفة الوجود، فإنها لا تنفك عن الموجود، وإن كَانَ الذهن يفرض ذاتاً ووجوداً، ويتصور هذا وحده، وهذا وحده، لكن لا ينفك أحدهما عن الآخر في الخارج.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689112,"book_id":1659,"shamela_page_id":238,"part":null,"page_num":238,"sequence_num":238,"body":"وقد يقول بعضهم: الصفة لا عين الموصوف ولا غيره، وهذا له معنى صحيح، وهو: أن الصفة ليست عين ذات الموصوف التي يفرضها الذهن مجردة بل هي غيرها، وليست غير الموصوف، بل الموصوف بصفاته شيء واحد غير متعدد، والتحقيق أن يفرق بين قول القائل: الصفات غير الذات، وبين قوله: صفات الله غير الله فإن الثاني باطل لأن مسمى الله يدخل فيه صفاته بخلاف مسمى الذات، فإنه لا يدخل فيه الصفات، لأن المراد أن الصفات زائدة عَلَى ما أثبته المثبتون من الذات والله تَعَالَى هو الذات الموصوفه بصفاته اللازمة ولهذا قال الشيخ ﵀[لا زال بصفاته] ولم يقل \"لازال وصفاته\" لأن العطف يؤذن بالمغايرة وكذلك الإمامأَحْمَد ﵁ في مناظرته الجهمية لا نقول الله وعلمه، الله وقدرته، الله ونوره، ولكن نقول الله بعلمه، وقدرته ونوره، هو إله واحد ﷾، فإذا قلت: أعوذ بالله، فقد عذت بالذات المقدسة الموصوفة بصفات الكمال المقدس الثابتة التي لا تقبل الانفصال بوجه من الوجوه.\r\rوإذا قلت: أعوذ بعزة الله فقد عذت بصفة من صفات الله تعالى، ولم أعذ بغير الله، وهذا المعنى يفهم من لفظ \"الذات\"، فإن \"ذات\" في أصل معناها لا تستعمل إلا مضافة، أي: ذات وجود، ذات قدرة، ذات عز، ذات علم، ذات كرم إِلَى غير ذلك من الصفات، فذات كذا بمعنى صاحبة كذا.\rتأنيث ذو، هذا أصل معنى الكلمة، فعلم أن الذات لا يتصور انفصال الصفات عنها بوجه من الوجوه، وإن كَانَ الذهن قد يفرض ذاتاً مجردة عن الصفات، كما يفرض المحال.\rوقد قال ﷺ: (أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر) .\r\rوقال ﷺ: (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق) . ولا يعوذ ﷺ بغير الله.\rوكذا قال ﷺ: (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689113,"book_id":1659,"shamela_page_id":239,"part":null,"page_num":239,"sequence_num":239,"body":"وقال ﷺ: (وأعوذ بعظمتك أن نغتال من تحتنا) .\rوقال ﷺ: (أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات) ] اهـ.\rالشرح:\r\rالمثال الثاني: هل الصفة زائدة عَلَى الذات أم لا؟\rأهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ لم يستخدموا هذه الفلسفات ولم يتساءلوا: هل صفات الله هي ذاته أو ليست بذاته؟ لأن الله ﷾ طهر عقولهم، وزكاها عن الخوض في مثل هذه الأمور الجدلية الفلسفية، التي هي في الحقيقة منقولة عن قدامى اليونان الذين تقعروا في أمثال هذه المسائل، لكن لما اضطر أهل السنة أن يردوا عليهم ويبينوا لهم خاضوا في هذا المجال.\r\rفنقول: ماذا تقصدون بقولكم الصفة زائدة عن الذات أو هي غير الذات؟\r\rإن أردتم أن هناك ذات مجردة من الصفات فهذا مستحيل ولا يوجد في الخارج، وإن أردتم أن هناك ذاتاً، وهذه الذات لها صفات موصوفة بها من باب التفرقة الذهنية فقط، فهذا المعنى صحيح.\rفلا يوجد في خارج الذهن شيء لا صفة له مطلقاً؛ لأن صفات الشيء ملازمة لذاته، وأقل شيء صفة الوجود، فكونه موجود، فلا بد أن له من صفة الوجود، وهذه الصفة لا يجوز أن تنفك عنه إلا إذا عدم الشيء، فهذا هو التفصيل.\r\rومن أمثلة ذلك عندما يقول الإِنسَان: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. يستعيذ بالله، وعندما يقول: أعوذ بعزة الله، أو أعوذ بقدرة الله من شر ما أجد وأحاذر ... فالعوذ بعزة الله وقدرته عوذ بالله؛ لأن القدرة أو العزة هي عين الذات.\r\rفإذا استعذنا بصفات الله دل ذلك عَلَى تلازم صفات الله لذاته، فمن استعاذ بشيء من صفات الله فقد استعاذ بالله ﷾ فلا انفكاك بينهما.\r\rوكذلك: (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق) .\r\rو (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689114,"book_id":1659,"shamela_page_id":240,"part":null,"page_num":240,"sequence_num":240,"body":"وكذلك (أعوذ بعظمتك أن نغتال من تحتنا) ، فمن استعاذ بشيء من صفات الله، فإنما يستعيذ بالله ﷾، ولذلك يجوز الحلف بصفات الله ﷾ فَيَقُولُ: وعزة الله، وقدرة الله، وهكذا ... فإن هذا يدل عَلَى أن الصفات -علاقتها بالذات- خارج الذهن لا تنفك عن الذات، وأما في داخل الذهن، فالذهن يتصور التقسيم النظري، بأن هذا ذات وهذه صفات.\r\rويستدل عَلَى ذلك بالمعنى اللغوي، فكلمة \"ذات\" في لغة العرب هي: تأنيث لـ\"ذو\"، فعندما نقول: ذو المال، أو ذات الولد، أو ذو السلطان -أي: صاحب السلطان، ونقول ذات المال، أو ذات الولد، أو ذات كذا- بمعنى صاحبة كذا، فكلمة \"ذات\" في أصل اللغة هي: تأنيث لكلمة \"ذو\"، وهذه من الكلمات التي لا تستعمل إلا مضافة، فلا يمكن أن تستغني عن الإضافة، بل لا بد أن يُذكر بعدها مضاف إليه، فكيف يُقال إذاً بالتفريق بين الذات والصفات، مع أنها في أصل اللغة لا بد أن توصف بنفسها؟! فتقتضي بذاتها ولفظها أن لها موصوفا مضافاً.\r\rوقد مر بنا أن العقل والذهن يتصور أشياء هو يتخيلها، مع أنه لا حقيقة ولا وجود لها في الواقع الخارجي بإطلاق -فمثلاً- يقولون إن الشيء قد يكون جائزاً عقلاً، لكنه مستحيلاً عادة، فالشاعر إذا ذكر في قصيدته شيئاً مستحيلاً عادة، لكنه جائز عقلاً، كَانَ هذا من الأمر الممدوح الذي يدل عَلَى أن الشاعر لديه شاعرية عظيمة، كقول المعري:\r\rفلولا الغمد يمسكه لسالت يذيب منه كل عظم فلولاً\rأي لو أن الغمد مسك السيف لسال ولذاب، يعني: من شدة دقة السيف، مبالغة في وصف السيف بأنه حاد دقيق، وما عُلم أن سيفاً ذاب، فهذا مستحيل ولا يقع، لكن العقل يجوز ذلك.\r\rفالعقل يجوز أن المعادن تذوب، فلذلك يقولون: هذا ممدوح وليس عليه غبار.\r\rلكن قول أبي نواس:\r\rوأخفت أهل الشرك حتى إنه لتخافك النطف التي لم تخلق","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689115,"book_id":1659,"shamela_page_id":241,"part":null,"page_num":241,"sequence_num":241,"body":"قالوا عنه: هذا لا يجوز وهو خطأ، لأن كلامأبي نواس مستحيل عقلاً وعادة، فالنطف التي لم تخلق تخاف من الخليفة؟! هذا لا يمكن عقلاً ولا عادة.\r\rالشاهد: أنهم يوافقون أن الذهن قد يتصور أشياء في الذهن فقط، لكنها ليست موجودة في الواقع، ومن ذلك قولهم: بأن الصفة هل هي عين للذات أو غير الذات؟\r\rوقال بعض السلف قَالَ: نَحْنُ ننفي أن الصفة لا هي عين الموصوف ولا هي غيره، فننفي الاثنين، فليست الصفة هي عين ذات الموصوف التي يفرضها الذهن، بل هي شيء آخر، وكذا ليست غير الموصوف؛ لأنها متعلقة به، فهي وإياه كالشيء الواحد.\r\rفالاصطلاحات المجملة لا نستخدمها ولا نذكرها، ونعتبرها بدعية، أما وقد ذكرها غيرنا، فنبين ونفصل ما فيها من الحق والباطل، فالوجه الصحيح لا ننكره لمجرد أن اللفظة مجملة، واللفظ الباطل ننفيه، ولكن لا ننفي الكلمة كلها بإطلاق، وهذا من الإنصاف؛ لأن مذهب أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ -ولله الحمد- هو المذهب الوحيد الذي يقوم عَلَى الاتباع، لا عَلَى الحقد والعدواة، ولا عَلَى ردود الفعل، ولا هو موجه في الأصل ضد أحد، وإنما هو اتباع لما جَاءَ به الدليل، ومن جَاءَ بأي كلمة -وإن كَانَ أرسطو وأفلاطون - نقول: الكلام الذي قلته في هذه المسألة فيه خطأ وصواب، مع أننا نقول -ونحن واثقون- لا نحتاج إِلَى هَؤُلاءِ النَّاس مطلقاً، لا فلاسفة ولا متكلمين.\rقَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689116,"book_id":1659,"shamela_page_id":242,"part":null,"page_num":242,"sequence_num":242,"body":"[وكذلك قولهم: الاسم عين المسمى أو غيره؟ وطالما غلط كثير من النَّاس في ذلك، وجهلوا الصواب فيه: فالاسم يراد به المسمى تارة، ويراد به اللفظ الدال عليه أخرى، فإذا قلت: قال الله كذا، أو سمع الله لمن حمده، ونحو ذلك، فهذا المراد به المسمى نفسه، وإذا قلت: الله: اسم عربي، والرحمن: اسم عربي، والرحمن من أسماء الله تَعَالَى ونحو ذلك، فالاسم هاهنا للمسمى، ولا يُقال غيره، لما في لفظ الغير من إجمال: فإن أريد بالمغايرة أن اللفظ غير المعنى فحق، وإن أريد أن الله سبحانه كَانَ ولا اسم له، حتى خلق لنفسه أسماءً، أو حتى سماه خلقه بأسماء من صنعهم، فهذا من أعظم الضلال والإلحاد في أسماء الله تعالى] اهـ.\rالشرح:\r\rالمثال الثالث: هل الاسم هو المسمى أو هو غيره؟ وهذا قريب من المثال السابق:\r\rقال الطبري رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: وهذه المسألة نحمد الله أنه عافانا منها، ولم يخض فيها أحد ممن قبلنا، ولا تعرض لها السلف لأنها من الخوض الباطل.\r\rأما وقد قيلت، فنقول كما قَالَ المُصنِّفُ ﵀: ما المراد بالاسم؟ وما المراد بالغيرية -بكونه غيره-؟ لأن كلمة \"غيره\" تطلق عَلَى ضده، كما نقول: فلان غير الشيء، فمعناه: مباين له وضده، وتطلق عَلَى ما ينفك عنه، فنقول: لا نقول الاسم غير المسمى، ولا نقول الاسم هو المسمى، لأن لفظ الجلالة: \"الله\" قد يراد به الاسم، وقد يراد به المسمى، فإذا قلنا: سمع الله لمن حمده، أو أي شيء ننسبه إِلَى الله، فإن المراد به المسمى، أما إذا قلنا: الله مبتدأ، فالمقصود به لفظ الجلالة الاسم لا المسمى.\rوهذه الفلسفات والمماحكات التي أطال فيها أُولَئِكَ ويمهدون بها لأشياء أخرى، فقد يريدون أن الله ﷾ كَانَ ولا اسم له، ثُمَّ خلق لنفسه أسماء، أو سماه خلقه بأسماء، أو بعد أن خلق الخلق استفاد أسماء، فهذه اللوازم باطلة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689117,"book_id":1659,"shamela_page_id":243,"part":null,"page_num":243,"sequence_num":243,"body":"وأصل القضية هو ما سبق معنا من قول الفلاسفة: الوجود المطلق الذي لا صفة له.\r\rونعود إِلَى لب الموضوع وهو مسألة الحوادث التي لا أول لها.\r\rقَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:\r\r[والشيخ ﵀ أشار بقوله: [مازال بصفاته قديماً قبل خلقه ... ] إِلَى آخر كلامه إِلَى الرد عَلَى المعتزلة والجهمية ومن وافقهم من الشيعة، فإنهم قالوا: إنه تَعَالَى صار قادراً عَلَى الفعل والكلام بعد أن لم يكن قادراً عليه، لكونه صار الفعل والكلام ممكنا بعد أن كَانَ ممتنعاً، وأنه انقلب من الامتناع الذاتي إِلَى الإمكان الذاتي! وعلى ابن كُلاب والأشعري ومن وافقهما، فإنهم قالوا: إن الفعل صار ممكنا له بعد أن كَانَ ممتنعاً منه. وأما الكلام عندهم، فلا يدخل تحت المشيئة والقدرة، بل هو شيء واحد لازم لذاته.\rوأصل هذا الكلام من الجهمية، فإنهم قالوا: إن دوام الحوادث ممتنع، وإنه يجب أن يكون للحوادث مبدأ، لامتناع حوادث لا أول لها، فيمتنع أن يكون الباري ﷿ لم يزل فاعلاً متكلماً بمشيئته، بل يمتنع أن يكون قادراً عَلَى ذلك، لأن القدرة عَلَى الممتنع ممتنعة!\rوهذا فاسد، فإنه يدل عَلَى امتناع حدوث العالم وهو حادث، والحادث إذا حدث بعد أن لم يكن محدثاً، فلا بد أن يكون ممكناً، والإمكان ليس له وقت محدود، وما من وقت يقدر إلا والإمكان ثابت فيه، فليس لإمكان الفعل وجوازه وصحته مبدأ ينتهي إليه، فيجب أنه لم يزل الفعل ممكناً جائزاً صحيحاً، فيلزم أنه لم يزل الرب قادراً عليه، فيلزم جواز حوادث لا نهاية لأولها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689118,"book_id":1659,"shamela_page_id":244,"part":null,"page_num":244,"sequence_num":244,"body":"قالت الجهمية ومن وافقهم: نَحْنُ لا نسلم أن إمكان الحوادث لا بداية له، لكن نقول: إمكان الحوادث بشرط كونها مسبوقة بالعدم لا بداية له، وذلك لأن الحوادث عندنا تمتنع أن تكون قديمة النوع، بل يجب حدوث نوعها، ويمتنع قدم نوعها، لكن لا يجب الحدوث في وقت بعينه، فإمكان الحوادث بشرط كونها مسبوقة بالعدم لا أول له، بخلاف جنس الحوادث.\r\rفيقال لهم: هب أنكم تقولون ذلك، لكن يقَالَ: إمكان جنس الحوادث عندكم له بداية، فإنه صار جنس الحدوث عندكم ممكنا، بعد أن لم يكن ممكنا وليس لهذا الإمكان وقت معين، بل ما من وقت يفرض إلا والإمكان ثابت قبله، فيلزم دوام الإمكان وإلا لزم انقلاب الجنس من الامتناع إِلَى الإمكان من غير حدوث شيء، ومعلوم أن انقلاب حقيقة جنس الحدوث، أو جنس الحوادث، أو جنس الفعل، أو جنس الأحداث، أو ما أشبه هذا من العبارات من الامتناع إِلَى الإمكان، هو يصير ذلك ممكناً جائزاً بعد أن كَانَ ممتنعاً من غير سبب تجدد، وهذا ممتنع في صريح العقل.\r\rوهو أيضاً انقلاب الجنس من الامتناع الذاتي إِلَى الإمكان الذاتي، فإن ذات جنس الحوادث عندهم تصير ممكنة بعد أن كانت ممتنعة، وهذا الانقلاب لا يختص بوقت معين، فإنه ما من وقت يقدر إلا والإمكان ثابت قبله، فيلزم أنه لم يزل هذا الانقلاب ممكناً، فيلزم أنه لم يزل الممتنع ممكناً! وهذا أبلغ في الامتناع من قولنا: لم يزل الحادث ممكناً، فقد لزمهم فيما فروا إليه أبلغ مما لزمهم فيما فروا منه! فإنه يعقل كون الحادث ممكنا، ويعقل أن هذا الإمكان لم يزل، وأما كون الممتنع ممكناً، فهو ممتنع في نفسه، فكيف إذا قيل: لم يزل إمكان هذا الممتنع؟! وهذا مبسوط في موضعه] اهـ.\rالشرح:\r\rهذا المقطع ملخص من أوائل منهاج السنة لشَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689119,"book_id":1659,"shamela_page_id":245,"part":null,"page_num":245,"sequence_num":245,"body":"نحن نؤمن جميعاً -وأهل السنة يقولون ذلك، وكل العقلاء في العالم- بأن الله ﵎ لم يكن قبله شيء، وهي الرواية الحديثية الراجحة التي رجحها شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ، حتى تتفق مع اسم الله: \"الأول\" فلم يكن قبل الله ﷾ شيء، وهو الأول الذي لا بداية لوجوده ﷾، ليس قبله شيء، وهو أزلي لا بداية لوجوده، كما هو معلوم قطعي لدى جميع العقلاء.\r\rوصفاته ﷾ لم يزل متصفاً بها، فصفاته ﷾ أيضاً لا ابتداء لها، فلم يكن في وقت من الأوقات عاطلاً عن الخلق ثُمَّ خلق فصار اسمه الخالق؛ لأن صفات الكمال لم يكن الله في وقت من الأوقات غير متصف بها؛ لأن معنى ذلك أنه كَانَ في وقت من الأوقات ناقص، وهذا لا يجوز ولا يليق في ذات الله ﷾.\r\rوقياساً عَلَى المستقبل، وهو أننا نؤمن ونقطع جزماً أن أهل الجنة وأهل النَّار سيظلون في المستقبل خالدين مخلدين فيها، وهم مخلوقون ومحدثون، ومع ذلك لا نهاية لهم، فكذلك لا يمتنع أن توجد أنواع وجنس -لا آحادها- مخلوقات لا بداية لها في الماضي، فحيث كانت هذه الصفة قديمة لا بداية لها، فتقتضي وجود مخلوقات بعده، يخلق مخلوقاً، ثُمَّ يخلق بعده مخلوقاً آخر.\r\rويقول علماء الطبيعة عن الكون والمادة: لا تفنى ولا تستحدث، فنلزمهم من كلامهم، فنقول لهم: إذا كنتم تقولون هذا في حق المادة التي هي من مخلوقاته، فما بالكم في حق صفات الله أو آثار صفات الله تخالفون في ذلك؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689120,"book_id":1659,"shamela_page_id":246,"part":null,"page_num":246,"sequence_num":246,"body":"فنقول: ما دامت صفات الله ﷾ باقية ولا تحدث بعد إذ لم تكن، إذاً آثارها كذلك، وأوضح من ذلك ما يتعلق بصفة الكلام، فقد نص الجهمية والشيعة: أن الله ﷾ كَانَ ذاتاً بلا صفات، ثُمَّ حدثت له الصفات، فلما خلق الكون صار خالقاً بعد أن لم يكن خالقاً، فكان بذلك في زمن ليس متصفاً بهذه الصفات، فلم يفرقوا بين القوة والفعل، وإنما نظروا فقط إِلَى الفعل، فَقَالُوا: صار قادراً عَلَى الفعل والكلام بعد أن لم يكن قادراً.\rوالأشعرية نصوا عَلَى ذلك في الفعل دون الكلام، لأن الكلام عندهم صفة ذاتية متعلقة بالذات، قديمة بقدم الذات.\rبينما الكلام عند أهل السنة -نوعه وجنسه- قديم، لكن الآحاد حادثة، فالقرآن نزل بعد نزول التوراة والإنجيل، وهذا معلوم لجميع العقلاء، فدل ذلك عَلَى أنه يقع بعد أن لم يكن.\r\rإذاً فلا غبار في إثبات حوادث لها أول، ولا نخرج في ذلك عن الشرع ولا عن العقل، لأنه ما من وقت يقدر فيه إمكان الحدوث إلا وغيره ممكن أن يقع فيه وما من دليل يمنع حدوث حوداث قبل الوقت الذي حددتموه.\rوكل الفرق الإسلامية تقول: إن هذا العالم حدث بعد أن لم يكن، عدا الفلاسفة الذين يقولون: إنه قديم.\rوكلام المانعين لحوادث لا أول لها يدل عَلَى امتناع حدوث العالم؛ لأنه ما من وقت يقدر فيه الحدوث إلا وأمكن أن يقع قبله، وكذلك حديث عمران بن حصين هو نفسه دليل عَلَى أن الكلام ليس عن فترة لم يكن فيها، أيُّ مخلوق أبداً، وإنما يتكلم عن أمر هذا العالم والكون الأرضي الدنيوي، ولهذا لما سألوه قالوا: جئنا نسألك عن أول هذا الأمر كيف كان؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689121,"book_id":1659,"shamela_page_id":247,"part":null,"page_num":247,"sequence_num":247,"body":"فقولهم: \"نسألك عن هذا الأمر\" إشارة إِلَى الكون الحاضر المشهود، فلم يأت الجواب عن جنس الحوادث والمخلوقات، وإنما جَاءَ الجواب عن هذا العالم المخلوق، فقَالَ: كَانَ الله ولم يكن قبله شيء، وكان عرشه عَلَى الماء، وخلق السموات والأرض، وقوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ.. [فصلت:١١] يدل ذلك عَلَى أن العرش والماء والدخان من مخلوقات الله ﷿ قبل ذلك.\rقَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:\r\r[فالحاصل: أن نوع الحوادث هل يمكن دوامها في المستقبل والماضي أم لا؟ أو في المستقبل فقط؟ أو الماضي فقط؟\rفيه ثلاثة أقوال معروفة لأهل النظر من الْمُسْلِمِينَ وغيرهم:\r\rأضعفها: قول من يقول: لا يمكن دوامها لا في الماضي ولا في المستقبل كقول جهم بن صفوان وأبي الهذيل العلاف.\r\rوثانيها قول من يقول: يمكن دوامها في المستقبل دون الماضي، كقول كثير من أهل الكلام، ومن وافقهم من الفقهاء وغيرهم.\r\rوالثالث: قول من يقول: يمكن دوامها في الماضي والمستقبل، كما يقوله أئمة الحديث، وهي من المسائل الكبار. ولم يقل أحد يمكن دوامها في الماضي دون المستقبل] اهـ.\rالشرح:\r\rعلق الشيخ الأرنؤوط عَلَى كلمة ابن كلاب فقَالَ: هو عبد الله بن كلاب المتوفى بعد سنة مائتين وأربعين، كَانَ إمام أهل السنة في عصره، وإليه مرجعها إِلَى آخر كلامه.\r\rومعلوم أنه كَانَ معاصراً للإمام أَحْمَد، فكيف يكون هو إمام أهل السنة ومرجع السنة في عصره؟\rفهذا الكلام من الخطأ أن يقال في حق إمام فعلاً من أئمة أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ معاصر للإمام أَحْمَد، فكيف برجل ليس من أئمة أهل السنة.\r\rوهو الذي هجره وأمر بهجره الإمام أَحْمَد ﵀، وقَالَ: إنه مبتدع. فهجره أهل العلم نتيجة هذه البدع -وهي اشتغاله بعلم الكلام-، ونتيجة لهجر الإمامأَحْمَد له، فتضاءل تلاميذه وأثره.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689122,"book_id":1659,"shamela_page_id":248,"part":null,"page_num":248,"sequence_num":248,"body":"إن هذه العبارة \"إنه إمام أهل السنة في عصره وإليه مرجعها\" هو كلام الكوثري، نقله عنهالدكتور علي سامي النشار، ويبدو أن الشيخ شعيب نقل هذا الكلام من كلام الدكتور علي سامي النشار في مقدمة كتاب الشامل للجويني، أو نقله عن الكوثري مباشرة.\rفالقسمة العقلية المجردة النظرية تقتضي أن تكون المذاهب في هذا الموضوع أربعة، ولكن الموجود منها ثلاثة:\rالقول الأول: -وهو أضعفها- أنه لا يمكن دوامها لا في الماضي ولا في المستقبل، وهذا قول الجهم بن صفوان، وأبي الهذيل العلاف من شيوخ المعتزلة.\r\rوهذا القول تفرد به الجهم بن صفوان وأبو الهذيل العلاف، وهو قول شاذ حتى عند جميع أهل الملل، والفلاسفة، واليهود، والنَّصارَى، فلم يقولوا: بأن الحوادث لا تدوم لا في الماضي ولا في المستقبل، وينبني عليه أن الله ﷾ لم يكن خالقاً، ولا متكلماً، ولا فعالاً لما يريد في زمن من الأزمان، ثُمَّ حدث له ذلك - كما يقولون - فانتقل الأمر من الامتناع الذاتي إِلَى الإمكان الذاتي، ومن ذلك قولهم: إن الجنة والنَّار تفنيان، وعالم الملأ الأعلى يفنى.\rوالقول الثاني: يمكن دوامها في المستقبل الذي لا آخر له، ويسمى الأبد، ولا يمكن دوام نوع الحوادث في -الزمن الذي لا أول له- الأزل.\r\rوهَؤُلاءِ هم الكرامية والأشعرية والشيعة وبعض المعتزلة وبعض المنتسبين للمذاهب الأربعة، يقولون: لم يكن الله ﷾ في الماضي خالقاً، ولا رازقاً، ولا مُحيياً، ولا مميتاً؛ لأنه لم يكن هناك خلق يخلقهم، ولا يرزقهم، ولا يحييهم أو يميتهم قبل أن توجد هذه الحوادث، وأما في المستقبل فالإمكان وارد؛ لأن أهل الجنة وأهل النَّار يبقون أبد الآبدين ولا يفنون.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689123,"book_id":1659,"shamela_page_id":249,"part":null,"page_num":249,"sequence_num":249,"body":"القول الثالث: وهو الذي عليه أكثر أهل السنة والحديث من العلماء، وهو الذي انتصر له الإمام أَحْمَد ﵀: وهو أن أنواع الحوادث دائمة عَلَى طرفي الزمان بحسب الماضي والمستقبل، وهناك فرق بين هذا القول وبين قول الفلاسفة فإنهم يقولون: إن الكون أو بعضه، أو الأفلاك، أو العقول العشرة التي سماها أفلاطون، وما أشبه ذلك، قديمةٌ كقدم الله تعالى، ويسمونه واجب الوجود أي: الله ﷾.\rإن الأفلاك أو العقول أو هذا الكون المشهود إذا قيل: إنه لا أول له، هو كفر، وتكفر به الفلاسفة، ومنهم: ابن سينا والفارابي وأمثالهم.\r\rوأما أهل السنة فإنهم لا يتكلمون عن عين من أعيان المخلوقات، فلا يقولون: العرش قديم، ولا القلم قديم أي أزلي، وإنما يقولون: الجنس -جنس الحوادث- وأما الأعيان فكل مخلوق بذاته فهو مخلوق خلقه الله بوقت ما، وسيفنيه متى شاء.\r\rفنفترض أن هذا المخلوق كَانَ قبله شيء مخلوق وكلها مخلوقة، والله ﷾ هو الذي ابتدأ خلقها لا أحد سواه، أما هو جل شأنه. فإنه لا شيء قبله ﷾.\rالقسم الرابع: قلنا: إنه لم يقل أحد أنه يمكن أن تكون الحوادث لا أول لها في الماضي، ولا يمكن أن تكون في المستقبل، والقسم الرابع قسمة عقلية لم يقل به أحد.\r\rوالمسألة طويلة ومعقدة، وتعتمد عَلَى قضايا كثيرة لا يستطيع العقل أن يستوعبها، مثل: قضية الأزل، وتصور شيء لا أول له.\r\rوالزمان مخلوق من مخلوقات الله ﷾، نقدره في الأرض بالليل والنهار الذي جعله الله ﷾ لنا، لنعرف بها مواقيت عبادتنا والآجال والأعمار.\r\rولو تصورنا ما معنى الأزل قبل أن تخلق السماوات والأرض، وكيف يكون الزمان بعد أن تفنى السماوات والأرض وتكور الشمس والقمر، لأدركنا حينئذ أننا لا ندري حقيقة الزمان، ولا نستطيع أن نفهمها، ومع ذلك فإنه مما خلقه الله ﷾.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689124,"book_id":1659,"shamela_page_id":250,"part":null,"page_num":250,"sequence_num":250,"body":"والفخر الرازي المتوفى في أوائل القرن السابع، - إمام الأشعرية في عصره، وحوى وتبحر في العقليات والكلام الشيء الكثير -، فكتب كتاباً أسماه المباحث المشرقية وهو كتاب مطبوع وذكر عشرة براهين في نفي حوادث لا أول لها، وأنه لا يصلح القول: بحوادث لا أول لها.\r\rفجاء شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ ولم يكن قصده أن يرد عَلَى الفخر الرازي، لكن جَاءَ الذي سمى نفسه ابن المطهر الحلي وهو رافضي أبعد شيء عن الطهارة في الاعتقاد والعمل، فألف كتاباً أسماه \" منهاج الكرامة \" فأخذ ابْن تَيْمِيَّةَ يستعرض أقواله، فلما جَاءَ بمسألة الحدوث تطرق للبراهين العشرة التي للرازي، فنقضها شَيْخ الإِسْلامِ نقضاً طويلاً.\rوما ذكره المُصنِّفُ هنا في هذه المواضع إنما هو اختصار لها.\r\rقَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:\r\r[ولا شك أن جمهور العالم من جميع الطوائف يقولون: إن كل ما سوى الله تَعَالَى مخلوق، كائن بعد أن لم يكن، وهذا قول الرسل وأتباعهم من الْمُسْلِمِينَ واليهود والنَّصارَى وغيرهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689125,"book_id":1659,"shamela_page_id":251,"part":null,"page_num":251,"sequence_num":251,"body":"ومن المعلوم بالفطرة أن كون المفعول مقارناً -لفاعله لم يزل ولا يزال معه- ممتنع محال ولما كَانَ تسلسل الحوادث في المستقبل. لا يمنع أن يكون الرب سبحانه هو الآخر الذي ليس بعده شيء، فكذا تسلسل الحوادث في الماضي لا يمنع أن يكون الله ﷾ هو الأول الذي ليس قبله شيء، فإن الرب ﷾ لم يزل ولا يزال يفعل ما يشاء، ويتكلم إذا يشاء، قال تعالى: قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ [آل عمران:٤٠] وقال تعالى: وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيد [البقرة:٢٥٣] وقال تعالى: ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [البروج:١٦،١٥] وقال تعالى: وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّه [لقمان:٢٧] وقال تعالى: قُلْ لَوْ كَانَ َ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً [الكهف:١٠٩] ، والمثبت إنما هو الكمال الممكن الوجود، وحينئذ فإذا كَانَ النوع دائماً، فالممكن والأكمل هو التقدم عَلَى كل فرد من الأفراد بحيث لا يكون في أجزاء العالم شيء يقارنه بوجه من الوجوه. وأما دوام الفعل، فهو أيضاً من الكمال، فإن الفعل إذا كَانَ صفة كمال فدوامه دوام الكمال] اهـ\rالشرح:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689126,"book_id":1659,"shamela_page_id":252,"part":null,"page_num":252,"sequence_num":252,"body":"كل من يؤمن بالله ﷾ من أصحاب الملل، كاليهود والنَّصارَى والمجوس من الفلاسفة ومن غيرهم، يقولون: بأن كل ما سوى الله ﷾ فهو مخلوق، ومع ذلك يقولون بدوام نوع هذه المخلوقات إِلَى ما لا نهاية له في المستقبل، كما قلنا: إن الجنة والنَّار تبقى إِلَى الأبد، وهذا لا ينافي أن يكون الله ﷾ هو الآخر كما جَاءَ في الحديث: (وأنت الأخر فليس بعدك شيء) ، فإذا أمكن ذلك، فما المانع من مقابله أيضاً، أن يكون الله ﷾ هو الأول الذي ليس قبله شيء، ومع ذلك فإن نوع حوادث المخلوقات قديم.\r\rفالله ﷾ كَانَ ولم يزل فعالاً لما يريد، متكلماً كما يشاء ﷾ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ [آل عمران:٤٠] وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيد [البقرة:٢٥٣] فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [البروج:١٦] وهناك آيات متعلقة بكلامه ﷾، كقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّه [لقمان:٢٧] ، والكلمات هي أوامر الله ﷾ التي تكون بها المخلوقات وغير ذلك، فهذا دليل عَلَى أن أفعال الله وكلماته لا تتناهى أزلاً ولا أبداً، وهذا من صفات كماله سبحانه.\r\rوإنما يكون النقص والعيب لو أننا افترضنا مخلوقاً من مخلوقاته ﷾ متقدماً عليه أو متأخراً عنه، وأما القول بأن كل مخلوق يخلقه الله ﷾ ثُمَّ يفنيه إذا شاء أن يفنيه؛ فهذا لا يقتضي نقصاً، بل النقص أن يقَالَ: إنه ﷾ لم يكن متكلماً، ولم يكن مريداً لما يشاء في ذلك الزمن سواء كَانَ الأزل أو الأبد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689127,"book_id":1659,"shamela_page_id":253,"part":null,"page_num":253,"sequence_num":253,"body":"فالكمال الذي نريد إثباته لله ﷾ هو: أنه فعال لما يريد، متكلم بما يشاء في أي زمن من الأزمان، ونفي ما سوى ذلك هو النقص، إذا افترضنا أنه كَانَ ممتنعاً عليه من الكمال.\rثُمَّ ابتدأ المُصنِّفُ يرد عليهم في قولهم: إن هذا يلزم منه التسلسل.\r\rقَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:\r\r[قالوا: والتسلسل لفظ مجمل، لم يرد بنفيه ولا إثباته كتاب ولا سنة، ليجب مراعاة لفظه، وهو ينقسم إِلَى واجب وممتنع وممكن.\r\rوكالتسلسل في المؤثرين محال ممتنع لذاته، وهو أن يكون مؤثرون كل واحد منهم استفاد تأثيره ممن قبله لا إِلَى غاية.\rوالتسلسل الواجب: ما دل عليه العقل والشرع من دوام أفعال الرب تَعَالَى في الأبد، وأنه كلما انقضى لأهل الجنة نعيم أحدث لهم نعيماً آخر لا نفاد له.\r\rوكذلك التسلسل في أفعاله سبحانه من طرف الأزل، وأن كل فعل مسبوق بفعل آخر، فهذا واجب في كلامه، فإنه لم يزل متكلماً إذا شاء، ولم تحدث له صفة الكلام في وقت، وهكذا أفعاله التي هي من لوازم حياته، فإن كل حي فعال، والفرق بين الحي والميت بالفعل، ولهذا قال غير واحد من السلف الحي الفعال. وقال عثمان بن سعيد: كل حي فعال، ولم يكن ربنا تَعَالَى قط في وقت من الأوقات معطلاً عن كماله، من الكلام والإرادة والفعل.\rوأما التسلسل الممكن، فالتسلسل في مفعولاته من هذا الطرف. كما تتسلسل في طرف الأبد، فإنه إذا لم يزل حياً قادراً مريداً متكلماً -وذلك من لوازم ذاته- فالفعل ممكن له بوجوب هذه الصفات له، وأن يفعل أكمل من أن لا يفعل، ولا يلزم من هذا أنه لم يزل الخلق معه، فإنه سبحانه متقدم عَلَى كل فرد من مخلوقاته تقدماً لا أول له، فلكل مخلوق أول، والخالق سبحانه لا أول له، فهو وحده الخالق وكل ما سواه مخلوق كائن بعد أن لم يكن] اهـ\rالشرح:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689128,"book_id":1659,"shamela_page_id":254,"part":null,"page_num":254,"sequence_num":254,"body":"أولاً: كلمة التسلسل ليست كلمة شرعية، فلم ترد في الكتاب ولا في السنة لا بنفى ولا إثبات حتى نراعيها، لأن اللفظ الذي يجب علينا أن نراعيه هو ما جَاءَ في كتاب الله أو في سنة رَسُول الله ﷺ، فما جَاءَ في الكتاب نفيه يجب أن نراعي نفيه دائماً، وما جَاءَ في الكتاب إثباته فيجب أن نراعي إثباته دائماً، لكن ما لم يأت نفيه ولا إثباته فنحن ننظر فيه ونقيسه بالمقاييس الشرعية الكتاب والسنة، فإن كَانَ الأمر يقتضي نفيه نفيناه، وإن كَانَ الأمر يقتضي إثباته نثبته، وإن كَانَ فيه تفصيل فصلنا.\rوهذه الكلمة مما فيه تفصيل، فنقول: لا نطلق القول بأن التسلسل ممنوع، فإنا لو نظرنا إِلَى ما في الكتاب والسنة من البراهين لوجدنا أن التسلسل ثلاثة أقسام، وترد عليه الأحكام الثلاثة وهي: الوجوب أو الامتناع أو الجواز.\r\rوهذه الأحكام يسمونها: \"الأحكام العقلية الثلاثة التي ترد عَلَى كل شيء\"، فإما أن يكون واجب الوجود، أو ممتنع الوجود، أو ممكن الوجود، أي: جائز أن يوجد وجائز أن لا يوجد.\r\rوهذه الأحكام العقلية الثلاثة ترد عَلَى التسلسل، فمنه واجب يجب أن نثبته لله ﷾، ومنه ممتنع يجب أن ننفيه عنه، ومنه ما هو ممكن وجائز.\rالتسلسل الممنوع\rفالممتنع هو التسلسل في المؤثرين أي: في المفعولات، مثلما جَاءَ في الحديث: (لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال هذا خلق الله الخلق فمن خلق الله؟) ، هذا خلق هذا وهذا خلق هذا ... فالمفعولين أو المؤثرين، التسلسل فيهم ممنوع، بل لابد أن نصل إِلَى نهاية، وهذه النهاية في المفعولين أو المؤثرين هي إِلَى الله ﷾ وهذا أحد ما يدل عليه قوله تعالى: وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى [النجم:٤٢] .\r\rالتسلسل الواجب","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689129,"book_id":1659,"shamela_page_id":255,"part":null,"page_num":255,"sequence_num":255,"body":"وأما التسلسل الواجب فهو: ما دل عليه العقل والشرع من دوام أفعال الرب تَعَالَى في الأبد، والتى هي محل الاتفاق عند الجميع؛ إلا الجهم والعلاف، وهذان لا يؤبه لخلافهما، وهي أن الله ﷾ يديم نعيم أهل الجنة، وكذلك -والعياذ بالله- عذاب أهل النَّار الكفار إِلَى ما لا نهاية، فكلما انقضى نعيم أحدث لهم نعيما آخر، وهكذا تتسلسل إِلَى ما لا نهاية.\rوهذا تسلسل يجب أن نثبته، وبهذا يتضح أن القول بأن التسلسل ممتنع أو أنه غير جائز عَلَى الإطلاق ليس بصحيح.\rثُمَّ ذكر المُصْنِّف ﵀ التسلسل في أفعاله ﷾ بالنسبة إِلَى الأزل، أي: في الماضي، وأنه واجب في أفعاله ﷾، وواجب في كلامه، وإلا لزمكم -والعياذ بالله- أن تفترضوا أنه كَانَ أخرساً ممنوعاً من الكلام، ثُمَّ حدث له الكلام وتكلم، ومقتضى الكلام أفعال، بل مقتضى الحياة؛ لأن كل حي فعال، حتى أدق الكائنات، فكيف بالحي القيوم ﷾ الذي له مطلق الحياة وكمالها؟ إذاً فكونه حياً، وكونه متكلماً في الماضي إِلَى ما لا نهاية، يجب أن نثبته له ﷾، وإن كانت آثار أفعاله ﷾ تكون مخلوقات، لكن لا ضير في أن نثبت ذلك، بل هذا كمال الحق لله ﷾.\r\rالتسلسل الممكن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689130,"book_id":1659,"shamela_page_id":256,"part":null,"page_num":256,"sequence_num":256,"body":"ثُمَّ قال ﵀: وأما التسلسل الممكن: فالتسلسل في مفعولاته من هذا الطرف، كما تتسلسل من طرف الأبد، أي: أنه مثل ما قلنا: إن التسلسل في الماضي واجب، فإنه في المستقبل ممكن غير ممتنع؛ لأنه لم يزل حياً، قادراً، مريداً، متكلماً، فكونه يفعل أكمل من كونه لا يفعل، وكونه يتكلم أكمل من كونه لا يتكلم، وكونه يريد أكمل من كونه لا يريد، إذاً فإثبات هذا الكمال له ﷾ ممكن ليس ممتنع، كما يقولون هم بامتناعه، والخلاف بيننا وبينهم بالامتناع، امتناع حوادث لا أول لها، أو إمكان حوادث لا أول لها.\rيقول: وهذا الشيء لا يلزم منه أنه لم يزل الخلق كلهم معه، وإن افترضنا ذلك، فإنه ﷾ متقدم عليهم تقدماً لا أول له، فإن لكل مخلوق أول، والله ﷾ هو الذي لا أول له، وهو خالق كل شيء، وهو رب كل شيء؛ لأن الأزل نفسه ليس أمراً وجودياً، وليس بشيء، إنما هو ما لا أول له، فكل ما افترضناه نفترض أن قبله شيء آخر، فهذا هو الأزل.\r\rفنتج من هذا: أن التسلسل منه ما هو واجب اتفق الجميع عليه، وهو تسلسل أفعاله ﷾ في المستقبل، ومنه ما هو ممتنع -يتكلم فيه النَّاس عادة- وهو تسلسل المؤثرين أو المخلوقين، ومنه ما هو ممكن، وهو تسلسل أفعاله ﷾ في الزمن الماضي، إذاً فهذه القسمة الثلاثية تنفي أن القول بوجود حوادث لا أول لها يؤدي إِلَى التسلسل، هذا ملخص ما يريد المُصْنِّف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أن يقوله.\r\rالرد على المتكلمين\rثُمَّ قَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:\r[قالوا: وكل قول سوى هذا فصريح العقل يرده ويقضي ببطلانه، وكل من اعترف بأن الرب تَعَالَى لم يزل قادراً عَلَى الفعل لزمه أحد أمرين لا بد له منهما:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689131,"book_id":1659,"shamela_page_id":257,"part":null,"page_num":257,"sequence_num":257,"body":"إما أن يقول بأن الفعل لم يزل ممكناً، وإما أن يقول لم يزل واقعاً، وإلا تناقض تناقضاً بيناً، حيث زعم أن الرب تَعَالَى لم يزل قادراً عَلَى الفعل، والفعل محال ممتنع لذاته، لو أراده لم يمكن وجوده، بل فرض إرادته عنده محال. وهو مقدور له، وهذا قول ينقض بعضه بعضاً.\r\rوالمقصود: أن الذي دل عليه الشرع والعقل أن كل ما سوى الله تَعَالَى محدث كائن بعد أن لم يكن. أما كون الرب تَعَالَى لم يزل معطلاً عن الفعل ثُمَّ فعل، فليس في الشرع ولا في العقل ما يثبته، بل كلاهما يدل عَلَى نقيضه] اهـ.\rالشرح:\r\rمعنى قول المُصْنِّف ﵀: أن من اعترف بأن الرب ﵎ قادر، وأن هذه القدرة من صفاته ﷾ -وكل المتكلمين عن الإسلام إلا من شذ يقولون ذلك- إما أن يقول: إن الفعل لم يزل ممكناً، فإن قَالَ: نعم. إن العقل يقتضي أنه ممكن، قلنا: هذا هو المطلوب، فلا جدال إذاً بيننا وبينك، وإن قَالَ: لا، إنه لم يزل الفعل واقعاً، قلنا هذا تناقض، يعني: إذا قلت أن الله ﷾ قديرٌ عَلَى كل شيء، وفعله أو مقدوره وقع وحصل، وأنه متصف بالقدرة أزلاً وأبداً، فكيف تنفي أنه ﷾ لم يخلق، ولم يكن له هذه المقدورات أو هذه المخلوقات؟ أو أنه في وقت من الأوقات كَانَ فعلُ المقدور ممتنع؟ وإن قلت: إنه واقع فهذا زيادة في الإثبات أكثر، وهو أنه كَانَ واقعاً.\rوننبه إِلَى قضية وهي: أن الفلاسفة تصوروا أن العالم كله أو أن بعضه قديم، ويجعلون الله ﷾ علة فقط، وليس خالقاً مريداً، وكذبهم واضح من كلامهم؛ لأن العلة تستلزم وجود المعلول، فلو كَانَ مجرد علة لوجدت جميع المخلوقات دفعة واحدة، أما وأن هناك من يحي ويموت، ثُمَّ يحي غيره ثُمَّ يموت هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ [فاطر:٣٩] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689132,"book_id":1659,"shamela_page_id":258,"part":null,"page_num":258,"sequence_num":258,"body":"فهذا دليل عَلَى أنه ﷾ هو الذي يحيي ويميت، ويكون الليل ثُمَّ النهار، ثُمَّ فناء الليل والنهار، ويكون المطر، ثُمَّ يكون الصحو، والصحة والمرض، وهكذا سائر التغيرات في الكون دليلٌ عَلَى أنه ﷾ كل يوم هو في شأن، وأنه يفعل ما يشاء، ويخلق ما يشاء، ويأمر بما يشاء، ويغير كما يشاء ﷾، لا معقب لحكمة ولا راد لأمره.\rقَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:\r\r[وقد أورد أبو المعالي في إرشاده وغيره من النظار عَلَى التسلسل في الماضي، فَقَالُوا: إنك لو قلت: لا أعطيك درهماً إلا أعطيك بعده درهماً، كَانَ هذا ممكنا، ولو قلت: لا أعطيك درهما حتى أعطيك قبله درهماً، كَانَ هذا ممتنعاً.\r\rوهذا التمثيل والموازنة غير صحيحة، بل الموازنة الصحيحة أن تقول: ما أعطيتك درهماً إلا أعطيتك قبله درهماً، فتجعل ماضياً قبل ماض، كما جعلت هناك مستقبلاً بعد مستقبل.\r\rوأما قول القائل: لا أعطيك حتى أعطيك قبله، فهو نفي للمستقبل حتى يحصل في المستقبل ويكون قبله.\r\rفقد نفى المستقبل حتى يوجد المستقبل، وهذا ممتنع، لم ينفِ الماضي حتى يكون قبله ماض فإن هذا ممكن، والعطاء المستقبل ابتداؤه من المعطي، والمستقبل الذي له ابتداء وانتهاء لا يكون قبله ما لانهاية له فإن ما لانهاية له فيما يتناهى ممتنع] اهـ\rالشرح:\r\r[والعطاء المستقبل ابتداؤه من المعطي] في بعض النسخ، وهذه أوضح، يعني: جعلنا ابتداءه من المعطي وهو أفضل.\r\rوأبو المعالي الجويني هو صاحب كتاب الإرشاد والشامل، وهو إمام الأشعرية في زمنه، وأراد بهذا المثال أن يستدل عَلَى امتناع الحوادث بالنسبة للماضي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689133,"book_id":1659,"shamela_page_id":259,"part":null,"page_num":259,"sequence_num":259,"body":"وكان المُصْنِّف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فطناً ولبيباً في رده -وما أحسبه إلا أنه نقله من كلام شَيْخ الإِسْلامِابْن تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- فبين أن هذا التمثيل غير صحيح، لأن الماضي يعبر عنه بفعل الماضي لا بالمستقبل، فالصحيح أن تقول: ما أعطيتك درهماً إلا أعطيتك قبله درهماً، أما أن تعلق شيئاً في مستقبل بوقوع شيء في المستقبل، فإن هذا لم يقع!\rأما أن تعلق شيئاً بوجود شيء قبله في الماضي، فهذا غير ممتنع، بل هو ممكن من حيث القسمة العقلية. هذا ملخص الكلام، وبذلك نكون انتهينا من هذه الفقرة الكلامية.\r\rقال الطّّحاويّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:\r[ليس بعد -في نسخة منذ- خلق الخلق استفاد اسم الخالق، ولا بإحداثه البرية استفاد اسم الباري] .\r\rقَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:\r\r[ظاهر كلام الشيخ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى أنه يمنع تسلسل الحوادث في الماضي، ويأتي في كلامه ما يدل عَلَى أنه لا يمنعه في المستقبل، وهو قوله: والجنة والنَّار مخلوقتان لا تفنيان أبداً ولا تبيدان، وهذا مذهب الجمهور كما تقدم، ولا شك في فساد قول من منع ذلك في الماضي والمستقبل، كما ذهب إليه الجهم وأتباعه، وقال بفناء الجنة والنار، لما يأتي من الأدلة إن شاء الله تعالى.\r\rوأما قول من قال بجواز حوادث لا أول لها، من القائلين بحوادث لا آخر لها فأظهر في الصحة من قول من فرق بينهما، فإنه سبحانه لم يزل حياً، والفعل من لوازم الحياة، فلم يزل فاعلاً لما يريد، كما وصف بذلك نفسه، حيث يقول: ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [البروج: ١٦،١٥] . والآية تدل عَلَى أمور:\r\rأحدها: أنه تَعَالَى يفعل بإرادته ومشيئته.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689134,"book_id":1659,"shamela_page_id":260,"part":null,"page_num":260,"sequence_num":260,"body":"الثاني: أنه لم يزل كذلك، لأنه ساق ذلك في معرض المدح والثناء عَلَى نفسه، وأن ذلك من كماله سبحانه، ولا يجوز أن يكون عادماً لهذا الكمال في وقت من الأوقات، وقد قال تعالى: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ [النحل:١٧] ولما كَانَ من أوصاف كماله ونعوت جلاله، لم يكن حادثاً بعد أن لم يكن.\r\rالثالث: انه إذا أراد شيئا فعله، فان \"ما\" موصولة عامة أي: يفعل كل ما يريد أن يفعله، وهذا في إرادته المتعلقة بفعله، وأما إرادته المتعلقة بفعل العبد فتلك لها شان آخر؛ فإن أراد فعل العبد ولم يرد من نفسه أن يعينه عليه ويجعله فاعلا، لم يوجد الفعل، وإن أراده حتى يريد من نفسه أن يجعله فاعلا.\r\rوهذه هي النكتة التي خفيت عَلَى القدرية والجبرية، وخبطوا في مسألة القدر، لغفلتهم عنها، وفرق بين إرادته أن يفعل العبد، وإرادة أن يجعله فاعلا، وسيأتي الكلام عَلَى مسألة القدر في موضعه إن شاء الله تعالى.\rالرابع: أن فعله وإرادته متلازمان، فما أراد أن يفعل فعله، وما فعله فقد أراده، بخلاف المخلوق فإنه يريد ما لا يفعل، وقد يفعل ما لا يريده، فما ثُمَّ فعال لما يريد إلا الله وحده.\r\rالخامس: إثبات إرادات متعددة بحسب الأفعال، وأن كل فعل له إرادة تخصه، هذا هو المعقول في الفطر، فشأنه سبحانه أنه يريد عَلَى الدوام، ويفعل ما يريد.\r\rالسادس: أن كل ما صح أن تتعلق به إرادته، جاز فعله، فإذا أراد أن ينزل كل ليلة إِلَى السماء الدنيا، وأن يجيء يَوْمَ القِيَامَةِ لفصل القضاء، وأن يري عباده نفسه، وأن يتجلى لهم كيف شاء، ويخاطبهم، ويضحك إليهم، وغير ذلك مما يريد سبحانه لم يمتنع عليه فعله، فإنه تَعَالَى فعال لما يريد. وإنما تتوقف صحة ذلك عَلَى إخبار الصادق به، فإذا أخبر وجب التصديق، وكذلك محو ما يشاء، وإثبات ما يشاء، كل يوم هو في شأن ﷾.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689135,"book_id":1659,"shamela_page_id":261,"part":null,"page_num":261,"sequence_num":261,"body":"والقول بأن الحوادث لها أول، يلزم منه التعطيل قبل ذلك، وأن الله ﷾ لم يزل غير فاعل، ثُمَّ صار فاعلاً. ولا يلزم من ذلك قدم العالم، لأن كل ما سوى الله تَعَالَى محدث ممكن الوجود، موجود بإيجاد الله تَعَالَى له، ليس له من نفسه إلا العدم، والفقر، والاحتياج وصف ذاتي لازم لكل ما سوى الله تعالى، والله تَعَالَى واجب الوجود لذاته، غني لذاته، والغنى وصف ذاتي لازم له ﷾] ا. هـ.\rالشرح:\r\rهذه الأوجه الكثيرة يذكرها المُصنِّفُ ﵀ في شرح قوله تعالى: فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [البروج:١٦] لبيان عموم دلالة هذه الآية عَلَى إثبات ما يريده، وذكر أن ظاهر كلام الطّّحاويّ أنه يمنع تسلسل الحوادث في الماضي، إلا أنه يثبت اسمي الخالق واسمي الباري لله ﷾ وهذا لا نقاش فيه، لكن معنى كلامه: أنهما ثابتان له حتى في الفترة التي لم يكن فيها مخلوق بإطلاق، وهذا هو محل الخلاف، والذي رجحه المُصنِّفُ عدم القول بأن هناك فترة ليس فيها مخلوق بإطلاق، وهذا القول قوي، لأنه ما دام أن الله ﷾ موصوف في كل وقت بأنه خالق، وقادر، وفعال لما يريد، فإن مقتضى ذلك أن تكون له مخلوقات بأي وقت من الأوقات.\r\rوقد يتساءل بعض الناس: لماذا لم يرد في الكتاب أو في السنة ما يدل عَلَى أن شيئاً من الأشياء هو أول المخلوقات عَلَى الإطلاق؟ وإنما يرد ما يدل عَلَى أولوية بعض المخلوقات عَلَى بعض أولوية نسبية، كالعرش والقلم بالنسبة لهذا الكون الذي نراه؟ هذا ما سوف نشرحه -إن شاء الله- في حديث عمران بن حصين بعد أن نتكلم عن عموم دلالة قوله تعالى: فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [البروج:١٦] .\r\rوالشاهد هنا أن عموم قوله تعالى: فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [البروج:١٦] يدل عَلَى أنه تَعَالَى يفعل بإرادته ومشيئته، هذا هو الوجه الأول.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689136,"book_id":1659,"shamela_page_id":262,"part":null,"page_num":262,"sequence_num":262,"body":"والوجه الثاني: أنه لم يزل كذلك فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [البروج:١٦] في الماضي، وفَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [البروج:١٦] في المستقبل، فلو قدر وقت من الأوقات أنه لم يكن فيه فعال لما يريد، لكان ذلك نقص في حقه ﷾، فإن له الكمال المطلق في كل وقت.\rالوجه الثالث: -أي من أوجه دلالة قوله تعالى: فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [البروج:١٦]- أنه إذا أراد أي شيء فعله، فيدخل فيها كل شيء لعموم كلمة \"ما\"؛ لأنها اسم موصول من ألفاظ العموم، مثل كلمة \"شيء\"، تدل عَلَى الإطلاق وعلى العموم في سائر الزمان والأوقات.\rثُمَّ استطرد المُصنِّفُ ﵀ في ذكر إرادة الله المتعلقة بفعله، وهي: أن الله تَعَالَى قادر، فعال لما يريد فعله ﷾ وقوله: أما إرادته المتعلقة بفعل العبد فتلك لها شان آخر. هذا الشأن الآخر سبق معنا مجملاً في باب الإرادة، عندما أشار بكلمة الإرادة، ويأتي مفصلاً -إن شاء الله- في شرح أبواب القدر.\r\rلكن الشاهد هنا هو: التفريق بين هاتين الإرادتين، الإرادة الكونية التي في قوله تعالى: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:٨٢] ، والإرادة الشرعية التي هي: ما هو مطلوب من العبد أن يفعله من الأوامر والنواهي، فإن أراد الله أن يوفق العبد ويهديه لفعل من الأفعال أعانه عليه، وإن أراد خذلانه فإنه ﷾ لا يعينه عليه، فيجب أن نفرق بين فعل يريد الله ﷾ أن يفعله بنفسه، وبين فعل يريد من غيره أن يفعله.\rالرابع: أن فعل الله ﷾ وإرادته متلازمان لا ينفك بعضهما عن بعض، فما أراد أن يفعله فعله، وما فعله ﷾ فقد أراده، لا معقب لحكمه ولا راد لفعله، لأنه لا يفعل إلا ما يريد، بخلاف إرادة المخلوق وفعله فإنهما ينفكان، لأنه يريد ما لا يفعل -وهذا واضح- وأيضاً يفعل ما لا يريد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689137,"book_id":1659,"shamela_page_id":263,"part":null,"page_num":263,"sequence_num":263,"body":"فان قال قائل: هل كلما أراد الله شيئاً لا بد أن يفعله، أم أنه إذا أراد شيئاً فإنه قادر عَلَى فعله، قد يفعله وقد لا يفعله؟\rقلنا له: إذا أراد أن يفعل شيئاً فعله، وإن لم يرد أن يفعله لم يفعله، وما لم يرد فعله، فإنه لا يفعله ﷾، وهذا لا إشكال فيه.\r\rأما أنه إذا أراد شيئاً فإنه قادر عَلَى فعله، ولكن قد يفعله وقد لا يفعله، فلا؛ لأننا متفقون عَلَى أنه القادر عَلَى أن يفعله فكل شيء متى أراد أن يفعله فعله، وما لم يرد أن يفعله ﷾ لا يفعله، ولا يملك أي مخلوق عَلَى الإطلاق أن يفعل ذلك فإن المخلوق يريد ما لا يفعل، ويفعل ما لا يريد..\rأما الخامس فمعناه: أن كل ما أراده الله في الكون من الموجودات فله إرادة تخصه، كما هو واضح في الفطرة وظاهر في الأدلة، فإذا قلنا أراد الله أن توجد هذه الشجرة، وأراد الله أن يوجد هذا الجبل، وهكذا في بقية الأمثلة، فإنها إرادات متعددة، لا أنها إرادة واحدة فقط، كما يقول الفلاسفة -وهي عندهم العلة التامة الموجبة التي تقتضي إيجاد كل معلول لها- بل الله ﷾ يفعل ما يشاء.\r\rولكننا لا نعلم كيفية اتصاف الله ﷾ بالإرادة، كما هو معلوم في جميع الصفات، وإنما الذي نثبته ما دلت عليه عموم النصوص والفطرة والبداهة: أنه ﷾ له في كل فعل إرادة تخص ذلك الفعل، وباطل قطعاً قول من يقول: إنها إرادة واحدة اقتضت كل شيء دفعة واحدة، ثُمَّ بقيت الأمور تتسلسل هكذا في الطريق.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689138,"book_id":1659,"shamela_page_id":264,"part":null,"page_num":264,"sequence_num":264,"body":"أما السادس: فهو يربط الموضوع بما سبق، عندما شرح المُصنِّفُ قول الطّّحاويّ: [ما زال بصفاته قديماً قبل خلقه] . وذكرنا أن الله ﷾ لا يزال متصفاً بصفات الكمال، من صفات الذات وصفات الفعل، وأن صفات الذات تتعلق بذاته ﷾ لا تنفك عنه، والصفات الفعلية تتعلق بإرادته ﷾، وقد شرحناهما باستفاضة.\r\rلكن المُصنِّفُ ﵀ أراد أن يدخل من هذا الباب لإلزام هَؤُلاءِ بأصولهم في صفات الله ﷾ الفعلية؛ لأنهم يقولون: إن هذه الصفات يلزم منها الجسمية، والانتقال، والتبعيض، كما سبق أن أوضحنا بأن كل ما صح أن تتعلق به إرادة الله ﷾ جاز أن يفعله، فما المانع عقلاً أن تتعلق إرادة الله ﷾ بأنه ينزل كل ليلة إِلَى السماء الدنيا؟\r\rوبما أن ذلك جائز عقلاً، فكيف تنفونه؟ وكذلك: أنه يرضى، أو يغضب، أو يضحك، أو يفعل ما يشاء من الأفعال التي وردت؟\r\rولكن الذي تتوقف عليه إثبات هذه الأمور في الأصل هو صحة الخبر، فإن جَاءَ الخبر الصادق، كما في قوله تعالى: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صفّاً صَفّا) ً) [الفجر:٢٢] ، وكما في الحديث الصحيح: (ينزل ربنا إِلَى السماء الدنيا كل ليلة) وأمثال ذلك، فهذا لا اعتراض عليه، ولا يحيده العقل، بل حينما يخالفه العقل يكون صاحبه غير عاقل.\r\rفما الذي يجعلكم تقولون: إنه لا ينزل، أو لا يضحك، أو لا يرضى، أو لا يغضب، وإرادته عامة، فقد قال ﷾ أنه: فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [البروج:١٦] وما تقولونه: إنها القواطع العقلية أو البراهين النظرية، أو إمكان كذا واستحالة كذا، كل هذا الكلام يسقط أمام الحق والنور الواضح المبين من كلام الله وكلام رسوله ﷺ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689139,"book_id":1659,"shamela_page_id":265,"part":null,"page_num":265,"sequence_num":265,"body":"هذه الستة الأوجه كل منها عظيم، وهي مأخوذة من هذه الآية الموجزة اللفظ، ولكنها عظيمة ككل القُرْآن في معناه، وهي قوله تعالى: فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [البروج:١٦] ، ولو تأمل المتأمل لربما زادت عَلَى ذلك.\rثُمَّ يستدرك المُصنِّفُ ﵀ فَيَقُولُ:\r[وللناس قولان في هذا العالم: هل هو مخلوق من مادة أم لا؟\rواختلفوا في أول هذا العالم ما هو؟\rوقد قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ [هود:٧] .\r\rوروى البُخَارِيّ وغيره عن عمران بن حصين ﵁، قَالَ: (قال أهلاليمن لرَسُول الله ﷺ: جئناك لنتفقه في الدين، ولنسألك عن أول هذا الأمر، فقَالَ: كَانَ الله ولم يكن شيء قبله) .\r\rوفي رواية: (ولم يكن شيء معه) .\r\rوفي رواية: (غيره) .\r\r(وكان عرشه عَلَى الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السموات والأرض) ، وفي لفظ: (ثُمَّ خلق السموات والأرض) ، فقوله: (كتب في الذكر) ، يعني: اللوح المحفوظ، كما قال تعالى: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ [الأنبياء:١٠٥] سمى ما يكتب في الذكر ذكرا، كما يسمى ما يكتب في الكتاب كتابا.\r\rوالنَّاس في هذا الحديث عَلَى قولين، منهم من قَالَ: إن المقصود إخباره بأن الله كَانَ موجودا وحده، ولم يزل كذلك دائماً، ثُمَّ ابتدأ إحداث جميع الحوادث، فجنسها وأعيانها مسبوقة بالعدم، وأن جنس الزمان حادث لا في زمان، وأن الله صار فاعلاً بعد أن لم يكن يفعل شيئاً من الأزل إِلَى حين ابتداء الفعل ولا كَانَ الفعل ممكناً.\r\rوالقول الثاني: المراد إخباره عن مبدأ خلق هذا العالم المشهود الذي خلقه الله في ستة أيام، ثُمَّ استوى عَلَى العرش، كما أخبر القرءان في غير موضع.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689140,"book_id":1659,"shamela_page_id":266,"part":null,"page_num":266,"sequence_num":266,"body":"وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ أنه قَالَ: (قدر الله تَعَالَى مقادير الخلق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه عَلَى الماء) . فأخبر ﷺ أن تقدير هذا العالم المخلوق في ستة أيام كَانَ قبل خلقه بخمسين ألف سنة، وأن عرش الرب تَعَالَى كَانَ حينئذٍ عَلَى الماء] اهـ.\rالشرح:\r\rقوله: [والقول بأن الحوادث لها أول يلزم منه التعطيل قبل ذلك ... الخ] يحتاج إِلَى تفصيل؛ لأن الأنواع تختلف عن الذوات، فأما الذوات والأعيان، فكل شيء من المخلوقات بعينه، مخلوق حادث بعد أن لم يكن، وأما أنواع هذه الحوادث - وهو الذي نقول: إنه أثر صفات الله ﷾ فهذا الذي لا أول له؛ لأن صفات الله ﷿ لا أول لها.\r\rوالكلام في أن أعيان الحوادث لها أول، ينقلنا إِلَى النقطة المهمة التي هي هذا العالم الموجود، وهذا الكون المخلوق الذي نراه ونعيش فيه الآن، هل خلق من مادة، أو أن الله ﷾ خلقه من العدم بغير مادة؟ وما هو أول شيء خلق فيه؟\r\rوسنذكر بعض ما قيل في شرح حديث عمران بن حصين -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- وهو حديث صحيح، رواه الإمام البُخَارِيّ في أول كتاب بدء الخلق، وفي كتاب التوحيد من صحيحه، وله روايات كثيرة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689141,"book_id":1659,"shamela_page_id":267,"part":null,"page_num":267,"sequence_num":267,"body":"وذكر فيه أن النبي ﷺ خرج عَلَى وفد بني تميم فقَالَ: (اقبلوا البشرى يا بني تميم اقبلوا البشرى يا بني تميم) فَقَالُوا: قد بشرتنا فأعطنا -فرفض بنو تميم البشرى- فقَالَ: (اقبلوا البشرى يا أهل اليمن) قالوا: قد قبلنا يا رَسُول الله -قبل أهل اليمن البشرى وجلسوا مع رَسُول الله ﷺ وَقَالُوا: يا رَسُول الله، جئنا نسألك عن أول هذا الأمر كيف كان؟ فَقَالَ لهم النبي ﷺ: كان الله ولم يكن شيء غيره) ، وفي رواية: (كَانَ الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه عَلَى الماء، ثُمَّ خلق السموات والأرض) .\r\rثُمَّ اختلفت الروايات، وكلها تُجمع عَلَى أن رجلاً قَالَ: (يا عمران، أدرك ناقتك فقد ذهبت، قَالَ: فخرجت فإذا السراب يقطع دونها، فوالله وددت لو أني تركتها) .\r\rأما عمران بن حصين -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - فهو من خزاعة، كَانَ جالساً قبل أن يكمل النبي ﷺ الحديث، فهربت ناقته، فجاءه رجل يقول: أدرك ناقتك يا عمران، فخرج يظن أنه قد يلحقها ويدرك بقية الحديث، فإذا السراب يحول بينه وبينها، وقال مقولته التي في الحديث، لما فاته بقية مجلس النبي ﷺ، لكن لم يفت شيء من العلم والْحَمْدُ لِلَّهِ، لأن النبي ﷺ قد قرره في مواضع، وما قاله هنا بهذا القدر هو كافل لمعرفة الجواب الصحيح في هذه المسألة الشائكة.\r\rوالمتأمل للأقوال التي ذكرها المُصنِّفُ هنا، يجد أن النبي ﷺ اقتصر في الجواب عَلَى العالم الذي جاءنا خبره، ولا نستطيع أن نقول أن هذا كل العالم، أو هذا كل خلق الله ﷿.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689142,"book_id":1659,"shamela_page_id":268,"part":null,"page_num":268,"sequence_num":268,"body":"وحديث عمران قد شرحه شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- شرحاً مستفيضاً وافياً، وكلام المُصنِّفُ هنا ملخص منه، وهذا الشرح موجود في المجلد \"١٨\" من مجموع الفتاوى ابتداءً من صفحة \"٢١٠\"، وهي رسالة طبعت أيضاً في مجموعة الرسائل والمسائل اسمها، شرح حديث عمران بن حصين.\r\rوالروايات التي ذكرها المُصنِّفُ هنا في الشرح هي قول النبي ﷺ: (كَانَ الله ولم يكن شيء قبله) . ورواية: (ولم يكن شيء معه) . ورواية: (ولم يكن شيء غيره) .\r\rوحتى يعرف وجه الحق في هذه المسألة، يرجع إِلَى كلام عالم السنة الحافظ ابن حجر في الجزء \"٦\" من فتح الباري، في أول كتاب بدء الخلق، فقد ذكر روايات منها ما رواه الإمام أَحْمَد وغيره، (أن أول ما خلق الله العرش) ، ونقل أنه قول الأكثر.\r\rإلا أن ابن حجر يرى أن هناك أول مخلوق بإطلاق، ومعنى كلامه أن الروايات اختلفت أهو العرش أم القلم؟ وأن أكثر الروايات عَلَى أنه العرش، وذكر الرواية التي فيها الترتيب بأن الله خلق الماء، ثُمَّ العرش، ثُمَّ القلم.\rأول ما خلقه الله تعالى من هذا الكون المشهود هو العرش\rوإذا رجعنا إِلَى كلام شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ وجدناه يقول: وقول أكثر السلف أن أول ما خلقه الله ﷾ هو العرش.\r\rوشَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ لم يخض في هذا الموضوع بهذا الشكل، لأنه يرى أن ليس هناك ما يسمى بأول مخلوق بإطلاق، وإنما هناك مخلوقات قبلها مخلوقات، منها ما نعلمه ومنها ما لا نعلمه.\rأما الأحاديث التي جاءت، فهي في بيان أولية المخلوقات المعلومة لنا، وحديث عمران بن حصين نفسه يدل عَلَى أن العرش قبل القلم، لأن فيه (كَانَ الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه عَلَى الماء) ، إذاً كَانَ هناك ماء، وكان هناك عرش قبل أن تخلق السموات والأرض.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689143,"book_id":1659,"shamela_page_id":269,"part":null,"page_num":269,"sequence_num":269,"body":"ومعنى قول المُصْنِّف ﵀ في حديث: (أول ما خلق الله القلم ... ) -كما سيأتي في موضعه- أن كلمة \"أول\" هنا:\rإما أن تأتي مبتدأ والقلم خبرها، فنقول: أولُ ما خلق الله القلمُ -بضم آخر كلمتي أولُ والقلمُ- وهذا معروف، وعليه كلام الشيخ ناصر الدين الألباني ﵀.\r\rوإما أن تأتي كلمة أولَ منصوبة، فتكون ظرفاً، بمعنى: عندما خلق الله القلمَ، أي: أول ما خلقه الله قال له: اكتب.\rومن جمع الروايات تبين له أنها تصير عَلَى الوجه الأخير.\rوإنما قلنا العالم المشهود، لأن وفد اليمن قالوا: جئنا نسألك عن أول هذا الأمر، أي: أهو العرش، أم الماء، أم هما معاً؟ فيخبرهم النبي ﷺ أنه بعد أن خلق الله ﷾ العرش خلق القلم، وعندما خلق القلم -قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة كما جَاءَ في صحيح مسلم - أمره أن يكتب كل شيء.\rإذاً؛ فهذا لا يتعارض مع ذلك، بأنه خلق هذا، ثُمَّ خلق القلم، وهو ظاهر ما في صحيح مسلم، والقول بتقدم خلق القلم عَلَى جميع المخلوقات فيه خلاف، والظاهر من روايات حديث عمران بن حصين أن العرش متقدم عليه، ويشهد لهذا روايات أخرى جاءت في المسند وفي غيره، دلت عَلَى أن العرش هو أول المخلوقات من هذا الكون الحسي المشهود، ومن القرءان قوله ﷾: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ [هود:٧] ، فقوله: وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، يدل عَلَى أن العرش وهذا الماء غير داخلين في العالم المشهود الذي هو السموات والأرض.\rوذكر الشيخ العلامة المحدث مُحَمَّد ناصر الدين الألباني ﵀ في الجزء الأول من سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم \"١٣٣\" حديث: (أول ما خلق الله القلم) ، تحت عنوان: أول مخلوق.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689144,"book_id":1659,"shamela_page_id":270,"part":null,"page_num":270,"sequence_num":270,"body":"وتعرض هناك لنفس الكلام الذي قاله الشيخالأرنؤوط فيما سبق، وهو أن شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ أخطأ ووهم، لأنه خالف المذهب المشهور والصحيح، بقوله: بحوادث لا أول لها وليس هذا موضوعنا في الحقيقة، لكن المقصود أننا لما قرأنا تعليق الشيخ الأرنؤوط هنا، وتعليق الشيخ ناصر الألباني، وكلامه في سلسلة الأحاديث الصحيحة، وجدنا نوعاً من التعجل في تخطئة شَيْخ الإِسْلامِابْن تَيْمِيَّةَ، وكان الواجب التروي والتأكد أولاً.\rوالشيخ ناصر -جزاه الله خيراً- عالم جليل له قدره، وله مكانته، وكذلك أي عالم، فلا نتسرع ونقول: وهم أو أخطأ، أو خالف الحق، أو ندَّّ عن الصواب، كما قال الأرنؤوط في تخريج الحديث، إنما نتأكد ونبحث، حتى نتبين ونصل إِلَى الصواب، فإن ظهر لنا شيء قلنا: لعله ﵀ أراد كذا أو كذا.\r\rخاصة علماء الإسلام من أهل السنة، والأئمة الحفاظ، أما علماء البدعة -وإن كنا لا نظلمهم ولا نكذب عليهم- إذا رأينا قولا من أقوالهم الباطلة، خطأناهم وضللناهم لأنهم مبتدعة، وهذا ليس علينا فيه حرج -والْحَمْدُ لِلَّهِ- ثُمَّ لا ننسى أن النسخ تختلف، وأن ما وصلنا من النسخ قد لا يكون الكلام فيها كاملاً، بدليل أن بعض هذه الكتب قد تطبع في المرة الأولى، ثُمَّ تطبع في مرة أخرى عَلَى عدة نسخ، فيظهر أن الطبعة الأولى فيها نقص.\rوإن كَانَ لا بد من تبيين الخطأ فبأسلوب فيه أدب، وإنما قلت هذا الكلام لأن بعض النَّاس يتخذون من هذه القضية محلاً للتشينع والتشهير بشَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ، ولا غرابة أن يفعل ذلك أهل البدع وهم كثير، ومن أعظمهم في هذا العصرالكوثري، ومن تلاميذه من قد ذكرناهم فيما سبق من الشرح، لكن نأسف أن يتبعهم بعض أهل السنة الأجلاء كالشيخناصر مثلاً، كما في هذه المسألة، وإن كَانَ لا يوافقهم في ما يفعلونه من التشهير والتشنيع\r\rالترجيح بين روايات حديث عمران رضي الله عنه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689145,"book_id":1659,"shamela_page_id":271,"part":null,"page_num":271,"sequence_num":271,"body":"ومعنى كلام شَيْخ الإِسْلامِابن حجر وابْن تَيْمِيَّةَ، أن هذا الحديث قيل في موضع واحد، والجواب كَانَ في وقت واحد، لأن القصة واحدة، فلا بد إذاً أن أحد الروايات الثلاث -\"قبل\" أو \"مع\" أو \"غير\"- هي التي قالها النبي ﷺ، وأن الروايتين الأخريين رويتا بالمعنى، والذي رجحاه كلاهما من حيث الرواية هي رواية:\r(كَانَ الله ولم يكن شيء قبله) ، وهي رواية الإمامأَحْمَد ﵀، وإحدى روايتي البُخَارِيّ، كما في كتاب بدء الخلق من صحيحه.\r\rوتُرجَّح رواية \"قبل\" بدلالات: منها: قوله تعالى: هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ [الحديد:٣] وقوله ﷺ في حديث قيام الليل: (اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء) .\r\rومنها: أنها وردت من طرق صحيحة، بل يقول شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ: إنها رواية الأكثرين والأحفظ، ومنهم الحميدي وهو من أشهر حفاظ مشايخ الإمام البُخَارِيّ.\rومنها: أنها متفقة مع القرآن، ومتفقة مع الأحاديث الأخرى الصحيحة التي لا شك ولا غرابة فيها.\r\rأما الحافظ ابن حجر ﵀ فإنه يميل إِلَى أن رواية: (غيره) أولى من حيث المعنى، لأنه أصرح في نفي العدم، بمعنى كَانَ الله ولم يكن شيء غيره، ونفي الغير له أقوى في نفي العدم، ولكن ليس المقصود نفي العدم، فإن هذا هو عين القول الأول الذي سبق بعض ما فيه، وسنبين أنه خطأ فيما يأتي أيضاً. ١\r١. في مجموع الفتاوى (٢١٦/١٨) قال شيخ الإسلام: الوجه الثالث: أنه قال: (كان الله ولم يكن شيء قبله) وقد روي: (معه) وروي (غيره) والألفاظ الثلاثة في البخاري اهـ. مع العلم أن لفظة غيره هي في رواية غير البخاري. انظر الفتح (٣٣٣/٦)\rسبق أن أشرنا إِلَى أن البشرية كانت وتزال تخوض وتبحث في قضيتين مهمتين:\rالقضية الأولى: تتعلق بنشأة الكون وبأصله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689146,"book_id":1659,"shamela_page_id":272,"part":null,"page_num":272,"sequence_num":272,"body":"القضية الأخرى: قضية أصل الإِنسَان، وكيف وجد؟ وما هي وظيفته؟ مع أن التاريخ أمامهم بما فيه من آثار، وحفريات، وشواهد مكتوبة أو مرئية، ومع ذلك كله لم يصلوا إِلَى يقين، ولا إِلَى حقيقة، ولن يصلوا مطلقاً.\rوإن وصلوا إِلَى شيء فقد جَاءَ به الوحي، وقدمه إليهم غضاً طرياً بلا عناءٍ ولا كلفةٍ ولا مشقة، يقول الله ﵎: مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً [الكهف:٥١] ، فأخبر الله ﷾ أنه لم يشهد هَؤُلاءِ المضلين خلق السموات والأرض، فكل كلام يقولونه عن نشأة الكون، وعن كيفية خلق السماء والأرض، وعن تكون المجرات أو النجوم وما إِلَى ذلك، فهو كله افتراضات وتخمينات وظن.\rوكذلك خلق أنفسهم، فلم يشهد الله ﷾ هَؤُلاءِ المضلين كيف خلق الإِنسَان، وكيف ابتدأه، وإنما أخبرنا الله ﷾ أنه خلق آدم من الطين، ونفخ فيه من روحه ثُمَّ جعله بشراً سوياً، وجعل ذريته من سلالة من ماء مهين.\rهذا هو الذي جَاءَ في كتاب الله، وفي سنة رسوله ﷺ، فكل خوض بعد ذلك عن أصل الإِنسَان، وما إِلَى ذلك، إما باطل لا حقيقة له بإطلاق، وإما خوض فيما لا نتيجة من وراءه ولا غاية ولا ثمرة.\rوقد أغنانا الله ﷾ وأعفانا عن البحث في أول خلق الأشياء، بأن نتفكر في خلق الكون، لنصل بذلك إِلَى معرفة الله وتوحيده، وإلى إفراد العبودية كلها له سبحانه، وإلى انتظار اليوم الآخر الذي يجمع الله تَعَالَى فيه الأولين والآخرين.\rوهنالك يحاسبهم ويجازيهم عَلَى ما عملوا في هذه الحياة الدنيا، فالذين يضيعون أعمارهم في البحث عن أول نشأة الحياة، ثُمَّ يخرجون منها وهم لم يصلوا إِلَى يقين ولا إِلَى نتيجة في ذلك، نسوا الله فأنساهم أنفسهم، لماذا جاءوا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689147,"book_id":1659,"shamela_page_id":273,"part":null,"page_num":273,"sequence_num":273,"body":"ومن أعظم الأدلة عَلَى ذلك ما ترونه من اشتغال كثير ممن يسمَّون علماء الآثار، أو علماء التاريخ القديم، أو علماء الحفريات، حيث يقطعون الفيافي والقفار، ويجهدون أنفسهم، وينفقون الملايين في الحفر والتنقيب والبحث، لعلهم أن يجدوا أثراً من آثار الماضين، ثُمَّ هذا الأثر يقدر عمره بعشرة آلاف سنة، وهذا بخمسة عشر ألف، وهكذا تمضي أعمارهم.\rفإذا خرجوا يَوْمَ القِيَامَةِ من قبورهم، يسألهم الله ﷿ عن أعمارهم فيما أفنوها؟ مالكم وللقرون الأولى، فإن: عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى [طه:٥٢] ، وإنما عليكم أن تعتبروا بمصير هذه القرون، وتتعظوا بإهلاك الله ﷾ لها، مع ما فيها من قوة الخلق، ومن الشدة والبطش.\r\rوكان سبب إهلاكهم أنهم لما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم، كما تفرح كل أمة من الأمم بما عندها من الحضارة والثقافة، وبما عندها من الفن، وتقول: إن نُظُمنا وآدابنا وأخلاقنا وحضارتنا، تغنينا عن اتباع شرع الله، وعن الاقتداء بالأنبياء، فلسنا بحاجة إليهم أن يقولوا لنا: هذا حرام، وهذا حلال.\rهذا نموذج من نماذج كثيرة، من الضياع والفراغ الذي يعيشه الإِنسَان بعيداً عن الوحي، مصدر اليقين والمعرفة، سواء ما أنزله الله تَعَالَى من كلامه، أو ما قاله رسوله ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689148,"book_id":1659,"shamela_page_id":274,"part":null,"page_num":274,"sequence_num":274,"body":"فهذا الحديث العظيم، حديثعمران بن حصين -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- يبين لنا هذه الحقيقة، ويجب أن يعلم أن الرَّسُول ﷺ لم يتكلم ولم يخض في مسألة: هل هذا العالم خلق من مادة أو لم يخلق من مادة؟ ولم يجبهم عن أول المخلوقات بإطلاق، ولا عن بداية تأثير قدرة الله ﷾ وإنما سأله وفد اليمن عن هذا العالم المشهود الذي يرونه ويعيشون فيه، فأجابهم النبي ﷺ عن أول نشأته، وكيف خلقه الله ﵎ في جواب لا يمكن أن يهتدي إليه أو يعرفه أي إنسان عَلَى الإطلاق، إلا الأمين الذي يأتيه خبر السماء ﷺ لا غيره.\rأما هَؤُلاءِ فليس عندهم إلا مقولات أرسطو وأفلاطون، وما يسمونهم بأصحاب الحضارات والعلوم القديمة، الذين يقولون: إن العلة الأولى خلق عشرة عقول ثُمَّ استراح، ولم يعد ينظر في الكون؛ لأنه كامل -كما يقولون- والكامل لا يفكر في الناقص، والعقول العشرة خلقت الأفلاك، والأفلاك خلقت السموات والأرض، وهذه مقولات نظرية ليس لها أي أساس من الصحة، ولا حتى في عقول الذين جاءوا بها.\rوهكذا كل ما قالوه أو يقولونه غير هذه النظرية، فهو أبطل منها، أو هو الجهل المطلق قبل بعثة النبي ﷺ.\rأما الرَّسُول ﷺ، فلأنه لا ينطق عن الهوى، وإنما بما يوحي إليه ربه، فأخبر كما في هذا الحديث بهذه الأمور الغيبية التي يتقاصر دونها علم البشر، كائناً من كان، وفي أي زمان أو مكان، ولن يصل الإِنسَان بإطلاق إِلَى أن يعرف هذه الحقائق أبداً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689149,"book_id":1659,"shamela_page_id":275,"part":null,"page_num":275,"sequence_num":275,"body":"وهذه المقدمة بين يدي الحديث، لنعلم أن أهميته تتجاوز قضية معرفة هل الأصح هو القول بأن الحوادث لها أول أم لا؟ بل لنعرف ما هو أكثر عبرة وأكثر عظة، خاصة ونحن نعيش في عصر تكاثرت فيه النظريات عن الكون، وعن الإِنسَان، وهذه النظريات لم تعد حديث أذهان الفلاسفة، كما كَانَ أرسطو وأفلاطون وأمثالهم، وإنما أصبحت مصورة ومقربة تدرس في مناهج التعليم، حتى في البلاد الإسلامية، وتقدم للناس عَلَى أنها حقائق وعلم، تحتوي عَلَى كيفية نشأة الكون والإِنسَان.\rولا يجوز لنا أن نستسلم لها، وأن نقررها ونلقنها أبناءنا، لأنها كلها خبط عشواء، وقول عَلَى الله ﵎ بغير علم.\rسبق الكلام عَلَى تخريج حديث عمران ﵁ واختلاف الروايات، وأن الراجح منها هو رواية: (ولم يكن شيء قبله) ، لأنها موافقة للقرآن، وموافقة لقول النبي ﷺ في الأحاديث الأخرى الثابتة عنه.\rأما الذين ينكرون علو الله ﵎ عَلَى عرشه -من الجهمية ومن تابعهم- بأدلة وهمية هي عبارة عن تخرصات تخيلوها من عند أنفسهم.\rفقد رد عليهم أهل السنة وأفحموهم، وألزموهم بآلايات الصريحة الواضحة من كتاب الله ﵎ كقوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:٥] وغيرها من آيات الاستواء، وهي سبع آيات ذكر فيها استواء الرحمن ﷾ عَلَى العرش، فضلاً عن آيات وأحاديث العلو، فإن من أكثر صفات الله ﷿ التي دل عليها العقل والنقل والفطرة، بما لا يحصى ولا يعد من الأدلة هي: صفة علو الله ﷾ عَلَى جميع المخلوقات، فهي من أخص الصفات بعد صفة الحياة، لأن من يؤمن بالله فإنه يؤمن بأنه حي لا يموت ﵎، لكون هذه الصفة تشهد بها الفطرة السليمة.\rمن شبه أهل البدع في إنكار العلو","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689150,"book_id":1659,"shamela_page_id":276,"part":null,"page_num":276,"sequence_num":276,"body":"ومن أدلة أهل البدع العقلية التي يستدلون بها عَلَى أهل السنة، قولهم: أنتم تقولون: إن الرحمن استوى عَلَى العرش، إذاً هو عال عَلَى جميع المخلوقات، فقبل أن يخلق العرش أين كان؟ أما نَحْنُ فنقول: إنه الآن عَلَى ما كَانَ عليه، قبل أن يخلق السماوات والأرض، ولم يكن في علو، فيلزمكم ياأهل السنة أنه لما خلق السموات والأرض تغير، لم تكن له جهة وأصبحت له جهة.\rهذا إفكهم وما كانوا يفترون، وتقولهم عَلَى الله ﷾ بغير علم، ليردوا كتاب الله وسنة النبي ﷺ.\rولكن كلامهم هذا لما كَانَ مقولة نظرية، لم تقبله العقول السليمة، ولم تستسغه قلوب أهل السنة، الذين يتكلمون بالأدلة من كتاب الله وسنة رَسُول الله ﷺ، ويطالبونهم بمثل ذلك، فما كَانَ من بعض كذابيهم إلا أن وضعوا هذه الزيادة: وهو الآن عَلَى ما عليه كان، وبعضهم يرويها كحديث مستقل، يقول: كَانَ الله ولا مكان، وهو الآن عَلَى ما عليه كان.\rوهذه زيادة مكذوبة، لم يقلها النبي ﷺ، ولم تصح في أي كتاب من كتب الحديث عَلَى كثرتها، فلم يخرجها أحد منهم، ولم يسندها إِلَى أحد حتى نبحث بعد ذلك في سندها، وإنما هو قول ليس له أصل ولا إسناد عَلَى الإطلاق، لا صحيح ولا ضعيف.\r\rومن شبههم أن العرش أو القلم أول مخلوق مطلقاً\rوالشبهة الأخرى أنهم قالوا: قولكم يا أهل السنة خلاف أقوال النَّاس في هذا الحديث، فإنهم عَلَى قولين:\rالقول الأول: أن هذا الحديث هو إخبار عن الله ﵎ أنه كَانَ وحده، ولا شيء غيره من المخلوقات، لا جنسها ولا أعيانها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689151,"book_id":1659,"shamela_page_id":277,"part":null,"page_num":277,"sequence_num":277,"body":"ثُمَّ إنه ما يزال دائماً كذلك، ثُمَّ ابتدأ فخلق هذا الكون المشهود، وبذلك يكون أول المخلوقات هو إما العرش أو القلم عَلَى ما سبق أن أوضحنا، ورجحنا هناك أن العرش هو أول هذا الكون المشهود المسئول عنه، إلا أنهم يقولون: الأولية هنا بإطلاق أول شيء وجد، ولم يكن قبله من المخلوقات إلا العدم المحض.\rالقول الثاني: أن هذا الحديث لم يتعرض لمسألة كونه ﵎ كَانَ وحده بذاته، ولم يكن هناك مخلوق قط، فلم يتعرض لهذه المسألة من قريب ولا من بعيد، وإنما تعرض لجواب السؤال الذي سأله أهل اليمن، وكان سؤالهم عن هذا العالم المشهود الذي جَاءَ في القُرْآن بيان خلقه، منها آية سورة هود هذه: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ [هود:٧] وجاء الحديث موافقاً للفظ هذه الآية، فَقَالَ ﷺ: (وكان عرشه عَلَى الماء) ، ثُمَّ لم يتعرض لما قبل ذلك.\rفدل ذلك عَلَى أن أسبقية القلم هي بالنسبة للسموات والأرض، أما العرش فإنه هو والماء سابقان لوجود القلم.\r\rوهذه إنما هي مجرد مسألة علمية تذكر لتعلم، لكن الذي يهم هو أن نفهم خطأ من انتقد شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ في هذه المسألة، وقَالَ: إنه يقول: إن العرش أول المخلوقات، بينما القلم هو أولها.\r\rالرد على القائلين أن العرش أول مخلوق مطلقاً\rوخطؤه كما ترى من وجهين:\rالوجه الأول: أن الراجح هو القول بأن أول المخلوقات هو العرش، أي في هذا العالم المشهود -كما أسلفنا الآن-.\rوالوجه الثاني: أن شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ -كما في شرح حديث عمران بن حصين في مجموع الفتاوى، وكذلك في منهاج السنة في الجزء الأول- يقول: لا يوصف مخلوق بأنه الأول مطلقاً عَلَى جميع المخلوقات، فالأولية مقيدة بهذا العالم المشهود الذي سأل عنه أهل اليمن، أما قبل ذلك فلم يأت لا ما يثبته ولا ما ينفيه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689152,"book_id":1659,"shamela_page_id":278,"part":null,"page_num":278,"sequence_num":278,"body":"ومما سبق تقريره يتبين أن الله ﷾ أزلي بصفاته، خالق، ورازق، وقدير إِلَى ما لا بداية له، فآثار هذه الصفات ومفعولاتها تظهر في حوادث يرسلها ﵎ لا علم لنا بها، ولا نستطيع أن ندركها، لكننا لا ننفيها أيضاً، لأنه ليس في الدين ولا في العقل ما ينفيها، وإنما نؤمن بأنه سبحانه (لم يكن قبله شيء) ، كما في الرواية الراجحة المختارة.\rثُمَّ يشرع المُصْنِّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في بيان الأدلة الدالة عَلَى صحة القول الثالث، وهذه الأوجه هي بعض ما ذكر شَيْخ الإِسْلامِ فقد ذكرها بتوسع وتفصيل أكثر، فمن أراد الاستفادة فليراجع شرح حديث عمران ضمن مجموع الفتاوى (١٨/٢١٠)\r\rقَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:\r[ودليل صحة هذا القول الثاني من وجوه:\rأحدها: أن قول أهل اليمن: (جئناك لنسألك عن أول هذا الأمر) ، وهو إشارة إِلَى حاضر مشهود موجود، والأمر هنا بمعنى المأمور، أي: الذي كونه الله بأمره، وقد أجابهم النبي ﷺ عن بدء هذا العالم الموجود، لا عن جنس المخلوقات، لأنهم لم يسألوه عنه، وقد أخبرهم عن خلق السموات والأرض حال كون عرشه عَلَى الماء، ولم يخبرهم عن خلق العرش، وهو مخلوق قبل خلق السموات والأرض. وأيضاً فإنه قَالَ: (كَانَ الله ولم يكن شيء قبله) ، وقد روي (معه) ، وروي (غيره) ، والمجلس كَانَ واحداً، فعلم أنه قال أحد الألفاظ، والآخران رويا بالمعنى، ولفظ \"القَبْل\" ثبت عنه في غير هذا الحديث.\rففي صحيح مسلم عن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عن النبي ﷺ أنه كَانَ يقول في دعائه: (اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء) الحديث.\rواللفظان الآخران لم يثبت واحد منهما في موضع آخر، ولهذا كَانَ كثير من أهل الحديث إنما يرويه بلفظ \"القَبْل\"، كالحميدي والبغوي وابن الأثير.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689153,"book_id":1659,"shamela_page_id":279,"part":null,"page_num":279,"sequence_num":279,"body":"وإذا كَانَ كذلك لم يكن في هذا اللفظ تعرض لابتداء الحوادث، ولا لأول مخلوق.\rوأيضاً فإنه قَالَ: (كَانَ الله ولم يكن شيء قبله) أو (معه) ، أو (غيره) ، (وكان عرشه عَلَى الماء وكتب في الذكر كل شيء) .\rفأخبر عن هذه الثلاثة بالواو، و (خلق السموات والأرض) روي بالواو وبثم، فظهر أن مقصوده إخباره إياهم ببدء خلق السموات والأرض وما بينهما، وهي المخلوقات التي خلقت في ستة أيام، لا ابتداء خلق ما خلقه الله قبل ذلك، وذكر السموات والأرض بما يدل عَلَى خلقهما، وذكر ما قبلهما بما يدل عَلَى كونه ووجوده، ولم يتعرض لابتداء خلقه له] اهـ\rالشرح:\rتوضيح كلام المُصْنِّف في الوجه الأول: فيه أن كلمة [هذا الأمر] إشارة إِلَى حاضر مشهود موجود، والأمر بمعنى الكون، أي: أول هذا الكون المعروف المشهود، لأن النَّاس يعيشون فيه فتتطلع العقول والقلوب إِلَى نشأته، وكيف كَانَ أوله، وهذه فطرة في النفس الإِنسَانية.\rفمثلاً لو أدخلت أي إنسان إِلَى قصر كبير، فسيظل يسأل لمن: هذا القصر؟ ومن الذي بناه؟ وكيف جاء؟ وهكذا جميع البشر، حتى الطفل الصغير، فهي فطرة بشرية جعلها الله ﷾ في الناس، وهذه الفطرة في الإِنسَان دائماً تبحث عن العلم ومزيد من الفقه.\rفسؤال هَؤُلاءِ دلالة عَلَى كمال عقولهم ونضج تفكيرهم، وذلك لأنهم يتفكرون في خلق السموات والأرض، وقد أمر الله بالتفكر فيهما، فلم يخوضوا بأنفسهم كما خاض الفلاسفة من اليونان والهنود وغيرهم، بل ذهبوا إِلَى مصدر العلم اليقين -رَسُول الله ﷺ ليتفقهوا في الدين، فسألوه هذا السؤال، فأجابهم بما هو مذكور في الحديث.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689154,"book_id":1659,"shamela_page_id":280,"part":null,"page_num":280,"sequence_num":280,"body":"الوجه الثاني: الروايات، فقد سبق أن ذكرنا أن هذه الروايات الثلاث التي قال شَيْخ الإِسْلامِابْن تَيْمِيَّةَ: إنها في البُخَارِيّ وغيره، وقال ابن حجر: وفي رواية غيرالبُخَارِيّ: (معه) ، وأشار إليها شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ ﵀ في أول كلامه عن هذا الحديث، فإنهما كلاهما اتفقا عَلَى أن هذا الحديث قاله النبي ﷺ في موقف واحد، وعلى ذلك فلا يحتمل أن النبي ﷺ قال هذه الروايات الثلاث، وإنما قال واحدة.\rفرجح شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ رواية (قبله) بإطلاق؛ لأنها موافقة للحديث الآخر الصحيح، وموافقة للآيات الأخرى المعلومة، ولأنها رواية الحميدي، ورواهاالبغوي وابن الأثير أيضاً، وذكر المحقق أنها رواية الإمام أَحْمَد، فهي أوثق رواية وأكثر، وأرجح من حيث المعنى، وأما الحافظابن حجر فكأنه يرجح رواية (غيره) لأنها أصرح في نفي العدم، وهو صادق في أنها أصرح في نفي العدم المحض، وإثبات أنه لم يكن شيء موجود مطلقاً غير الله ﷾، لكن الحافظ ابن حجر لم يتعمق في هذه المسألة، فلم يبين رأياً قاطعاً، وإنما مال إِلَى ذلك، والصواب ما رجحه شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ ﵀.\rالوجه الثالث: لو نظرنا إِلَى نفس الألفاظ: (كَانَ الله ولم يكن شيء قبله) أو (غيره) ، (وكان عرشه عَلَى الماء، وكتب في الذكر كل شيء) -هذه معطوفة كلها بالواو- (ثُمَّ خلق السموات والأرض) ، وفي رواية: (وخلق السموات والأرض) ، وسواء كانت بالواو أو بثم، فإن هذا المسئول عنه قبله أشياء، فقبل خلق السموات والأرض كتابة الذكر، وقبلها العرش والماء، فأجابهم بما فيه زيادة بيان منه ﷺ، فبين لهم الحقيقة التي لا يمكن أن تصل إليها مجرد العقول البشرية بإطلاق، في نشأة هذا الكون.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689155,"book_id":1659,"shamela_page_id":281,"part":null,"page_num":281,"sequence_num":281,"body":"ومن هنا كَانَ في المسألة إثبات لعظمة الله ﷾ بمعرفة عظمة مخلوقاته ولاسيما العرش، وفيها إثبات للقدر، وأنه سابق لخلق السموات والأرض، فوجب عَلَى الإِنسَان أن يؤمن بالقدر خيره وشره من الله ﷾؛ لأن الله ﷾ كتب هذا قبل أن يخلق السموات والأرض، فمن ذا الذي يعترض عَلَى أقدار الله أو يأباها؟!\rثُمَّ فيها بيان بدء خلق السموات والأرض وإنشائها إنشاءً، وأنه ليس هناك مجال للخوض البشري في ماهيتها، كما خاض فيه الفلاسفة وأمثالهم، فَقَالُوا: هل وجد من مادة؟ أو من غير مادة؟ بل هذه الأمور لم يسأل عنها النبي ﷺ ولم يجب عليها، هذا ملخص الثلاثة الأوجه الأولى.\rقَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:\r[وأيضاً فإنه إذا كَانَ الحديث قد ورد بهذا وهذا، فلا يجزم بأحدهما إلا بدليل، فإذا رجح أحدهما، فمن جزم بأن الرَّسُول أراد المعنى الآخر، فهو مخطئ قطعاً، ولم يأت في الكتاب ولا في السنة ما يدل عَلَى المعنى الآخر، فلا يجوز إثباته بما يظن أنه معنى الحديث، ولم يرد (كَانَ الله ولا شيء معه) مجرداً، وإنما ورد عَلَى السياق المذكور، فلا يظن أن معناه: الإخبار بتعطيل الرب تَعَالَى دائماً عن الفعل حتى خلق السموات والأرض. وأيضاً، فقوله ﷺ: (كان الله ولم يكن شيء قبله) ، أو (معه) أو (غيره) ، (وكان عرشه عَلَى الماء) ، لا يصح أن يكون المعنى أنه تَعَالَى موجود وحده لا مخلوق معه أصلاً، لأن قوله: (وكان عرشه عَلَى الماء) ، يرد ذلك، فإن هذه الجملة وهي: (وكان عرشه عَلَى الماء) إما حالية، أو معطوفة، وعلى كلا التقديرين فهو مخلوق موجود في ذلك الوقت، فعلم أن المراد ولم يكن شيء من هذا العالم المشهود] اهـ.\rالشرح:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689156,"book_id":1659,"shamela_page_id":282,"part":null,"page_num":282,"sequence_num":282,"body":"ومن الوجوه أن يقَالَ: لو افترض أن الحديث ورد بهذا وهذا، فإن الحديث يحتمل القولين، ولا يجوز أن يجزم بأحدهما إلا بدليل قاطع خارق.\rوالجزم الذي يقوله أُولَئِكَ أن الحوادث لها أول، وأن هذا الأول المذكور في هذا الحديث مسبوق بعدم محض، لم يخلق الله تَعَالَى فيه أي شيء، يقتضي تعطيل الله ﷾ عن الخلق في ذلك الزمن، الذي لم يرد الحديث فيه بنفي ولا إثبات، وإنما هو محتمل للأمرين، وترجيح ما فيه تعطيل لصفات الله وما لم يرد به الدليل ترجيحٌ بلا مرجح، فلو أن المسألة مستوية الطرفين لكان الأولى ترجيح ما يدل عَلَى إثبات صفات الله ﷾؛ لكونه ﷾ موصوفاً بالخلق وبالحكمة.\rوالله ﷾ يخلق ما يشاء، ويتكلم متى شاء بما شاء، وإذا قلنا: إنه يتكلم، فمعنى ذلك أن له مخلوقات، كما سبق بيانه، وكما هو في قوله تعالى: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْر [الأعراف:٥٤] ، فإن كلمات الله ﷾ الكونية التي ينشئ بها المخلوقات لا حصر لها، كما سبق أن بينا ذلك، لأن الله تَعَالَى يقول للشيء: كن فيكون، فلا يُقَالَ: إن الكلام كَانَ ممتنعاً أو مستحيلاً عليه، ثُمَّ ابتدأ الكلام عندما أراد أن يخلق السموات والأرض فقط، فانتقل الحال من الامتناع الذاتي إِلَى الإمكان الذاتي -كما يقولون- بلا دليل ولا مرجح، بل لو لم يكن في الأمر إلا أن يتوقف الإِنسَان في هذه المسألة ولا يرجح شيئاً لكفى.\rأما الجزم بالوجه المرجوح المتضمن لتعطيل صفات الله ﷾، فإن هذا خطأ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689157,"book_id":1659,"shamela_page_id":283,"part":null,"page_num":283,"sequence_num":283,"body":"ولو نظرنا للدليل من وجوه أخرى، وقد ذكرها المُصْنِّف عن شَيْخ الإِسْلامِ هنا، عَلَى قوله ﷺ: (كَانَ الله ولا شيء قبله، وكان عرشه عَلَى الماء) ، علمنا أنه لا يصح أن يفهم أن المقصود بهذا الحديث: أن الله تَعَالَى كَانَ موجوداً ولم يكن شيء غيره موجوداً إلا العدم المحض، لأن قوله: (وكان عرشه عَلَى الماء) ، يحتمل أن يكون مجرد عطف جملة عَلَى جملة، أو أن الواو حالية، فيكون المعنى حال كون عرشه عَلَى الماء كَانَ ولم يكن قبله شيء، وهذا لا يقتضي أنه كَانَ هنالك مخلوق قبل الله ﷾.\r\rوالذي عليه أهل السنة الجماعة أنه لم يتقدم شيء عَلَى وجود الله ﷾؛ لأن وجوده ﵎ لا أول له، كما هو ثابت لدى جميع الفطر والعقول، فغاية ما في الحديث إثبات أنه لم يكن هناك عدم متقدم عَلَى الله ﷾، سواء كانت الواو عاطفة أو كانت حالية، هذا ما اقتصر عليه المُصْنِّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- مما ذكره شَيْخ الإِسْلامِ من الأوجه، وقد أطال فيها شَيْخ الإِسْلامِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، ومن أراد الاستفادة أكثر فليراجعها هناك، وفيما ذكرت الكفاية -إن شاء الله-.\rقال الطّّحاويّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:\r[له معنى الربوبية ولا مربوب، ومعنى الخالق ولا مخلوق] .\r\rقَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689158,"book_id":1659,"shamela_page_id":284,"part":null,"page_num":284,"sequence_num":284,"body":"[يعني: أن الله تَعَالَى موصوف بأنه \"الرب\" قبل أن يوجد مربوب، وموصوف بأنه \"خالق\" قبل أن يوجد مخلوق؛ قال بعض المشايخ الشارحين: وإنما قَالَ: (له معنى الربوبية ومعنى الخالق) دون الخالقية، لأن الخالق هو المخرج للشيء من العدم إِلَى الوجود لا غير، والرب يقتضي معاني كثيرة، هي: الملك والحفظ والتدبير والتربية وهي: تبليغ الشيء كماله بالتدريج، فلا جرم أتى بلفظ يشمل هذه المعاني، وهو الربوبية. انتهى. وفيه نظر لأن الخلق يكون بمعنى التقدير\r\rأيضاً] اهـ.\rالشرح:\r\rفي هذه الفقرة الخامسة عشر من كلام الإمام الطّّحاويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: الحديث عن الصفات، وفي معنى هذه العبارة أراد بعض الشارحين المتأخرين التعمق، فقَالَ: إنما قال هنا: الخالق، وهنا: الربوبية، ولم يقل: الخالقية؛ لأن الرب له عدة معاني: الملك، والحفظ، والتدبير، فكلمة الرب لم يستخدمها بمفردها، فإنها تطلق عَلَى المالك، فعبر بالربوبية.\r\rوأما الخالق فجاء به مفرداً لأن الخالق هو المخرج للشيء من العدم، ورد المُصْنِّف في شرح العبارة الآنف الذكر بكلمة لطيفة ولكنها كافية وذلك أن الخلق أيضاً له معاني منها: التقدير، كما أنه يطلق على: الإنشاء، والابتداء من العدم، فعلى هذا ليس في كلام الإمام الطّّحاويّ ﵀ ما يدل عَلَى أنه تعمد أن يفرق بين هذا اللفظ وذاك، وإنما هو كلام خرج عَلَى سجيته لم يقصد به معنى آخر.\rوبغض النظر عن هذا التفريق اللفظي، فمعنى هذه الفقرة الخامسة عشر، لا يخرج عن معنى الفقرة الرابعة عشر، والثالثة عشر في الجملة.\r\rاتصاف الله بالكمال في الأزل\rقال الإمام الطّّحاويّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:\r[وكما أنه محيي الموتى بعد ما أحيا استحق هذا الاسم قبل إحيائهم، كذلك استحق اسم الخالق قبل إنشائهم] .\rقَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689159,"book_id":1659,"shamela_page_id":285,"part":null,"page_num":285,"sequence_num":285,"body":"[يعني: أنه ﷾ موصوف بأنه محيي الموتى قبل إحيائهم، فكذلك يوصف بأنه خالق قبل خلقهم، إلزاماً للمعتزلة ومن قال بقولهم، كما حكينا عنهم فيما تقدم. وتقدم تقرير أنه تَعَالَى لم يزل يفعل ما يشاء] اهـ.\rالشرح:\r\rإن الله ﷿ يخلق هذه الأجيال جيلاً بعد جيل، ثُمَّ يجمع الأولين والآخرين، ويحي الموتى ﷾، ومع ذلك نصفه الآن بأنه محيي الموتى، قبل أن يحييهم، وكذلك نصفه ﷾ بأنه الخالق، قبل أن يخلق هذا الكون، وهذا هو المقصود والمراد؛ أن الله ﷾ موصوف بصفات الكمال في الأزل، وهو ﷾ متصفاً بها حتى قبل أن يخلق هذه الأعيان المشهودة المرئية لنا، وهذا إلزام للمعتزلة ومن قال بقولهم.\rوقد تقدمت مسألة أن الخلق متعلق بالإرادة، وكذلك أن كلام الله ﷾ متعلق بالإرادة، والمعتزلة والرافضة وأمثالهم خالفوا في الإرادة، إرادة الفعل، وإرادة الكلام، أما الأشعرية فإنما خالفوا في الإرادة فقط، وَقَالُوا: إن الكلام أزلي قائم بالنفس، وسيأتي تفصيل هذا الكلام إن شاء الله تعالى.\rوالمقصود: أن هذا إشارة إِلَى ما سبق في شرح الفقرة الثالثة عشر، عندما ذكرنا هنالك المذاهب في قدم صفات الله ﷾ وفي أزليتها.\r\rقال الإمام الطّّحاويّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:\r[ذلك بأنه عَلَى كل شيء قدير، وكل شيء إليه فقير، وكل أمر عليه يسير، لا يحتاج إِلَى شيء، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير] .\rقَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:\r\r[ذلك إشارة إِلَى ثبوت صفاته في الأزل قبل خلقه، والكلام عَلَى \"كل\" وشمولها وشمول \"كل\" في كل مقام بحسب ما يحتف به من القرائن، يأتي في مسألة الكلام إن شاء الله تعالى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689160,"book_id":1659,"shamela_page_id":286,"part":null,"page_num":286,"sequence_num":286,"body":"وقد حرّفت المعتزلة المعنى المفهوم من قوله تعالى: وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة:٢٨٤] ، فَقَالُوا: إنه قادر عَلَى كل ما هو مقدور له، وأما نفس أفعال العباد، فلا يقدر عليها عندهم. وتنازعوا: هل يقدر عَلَى مثلها أم لا؟! ولو كَانَ المعنى عَلَى ما قالوا لكان هذا بمنزلة أن يقَالَ: هو عالم بكل ما يعلمه، وخالق لكل ما يخلقه، ونحو ذلك من العبارات التي لا فائدة فيها، فسلبوا صفة كمال قدرته عَلَى كل شيء.\rوأما أهل السنة، فعندهم أن الله عَلَى كل شيء قدير، وكل ممكن فهو مندرج في هذا، وأما المحال لذاته. مثل كون الشيء الواحد موجوداً معدوماً في حال واحدة، فهذا لا حقيقة له، ولا يتصور وجوده، ولا يسمى شيئاً باتفاق العقلاء، ومن هذا الباب خلق مثل نفسه، وإعدام نفسه، وأمثال ذلك من المحال.\rوهذا الأصل هو الإيمان بربوبيته العامة التامة، فإنه لا يؤمن بأنه رب كل شيء إلا من آمن أنه قادر عَلَى تلك الأشياء، ولا يؤمن بتمام ربوبيته وكمالها إلا من آمن بأنه عَلَى كل شيء قدير] اهـ.\rالشرح:\r\rالمقصود بقول المُصنِّفُ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: [ذلك بأنه عَلَى كل شيء قدير وكل شيء إليه فقير] أن ذلك إشارة إِلَى الفقرات السابقة المتضمنة لأزلية صفات الله ﷾، وكونه لم يزل متصفاً بصفات الكمال ﷾ قبل إنشاء المخلوقات، ولم يزده خلق هذه المخلوقات صفاتاً أخرى لم يكن متصفاً بها من قبل.\rمن معاني كلمة \"كل\" في اللغة والرد على المعتزلة\rويشير المُصْنِّف إِلَى أن كلمة \"كل\" تطلق في اللغة العربية عَلَى معانٍ كثيرة سيذكرها فيما بعد.\rأقول:\r\rومنها: العموم، ولذلك يسمونها في المنطق: ألفاظ العموم، وهي التي تصور الشيء وتحيط بجميع ما تدل عليه، فإذا قلت: كل الطلاب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689161,"book_id":1659,"shamela_page_id":287,"part":null,"page_num":287,"sequence_num":287,"body":"معنى ذلك أنك لا تستثني منهم أحداً، ولكنها أيضاً تأتي أحياناً لعموم مقيد، وهو لا يعني العموم المطلق من كل وجه، ولهذا لما جَاءَ المعتزلة وغيرهم، يناظرون الإمام أَحْمَد ﵀ في مجلس الخليفة، قالوا له: يا أَحْمَد! أليس القُرْآن شيء؟. قَالَ: بلى. قالوا: أليس الله تَعَالَى يقول: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الزمر:٦٢] ؟ قَالَ: بلى، قالوا: إذن القُرْآن مخلوق.\rفرد عليهم الإمام أَحْمَد بإلزام يوضح أن كلمة كل هنا ليست بمعنى الإطلاق.\rوذلك أنه لما قال الإمام أَحْمَد: أو ليس الله تَعَالَى يقول في الريح التي أرسلها عَلَى عاد: تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا [الأحقاف:٢٥] ؟ فهل دمرت السماوات؟ وهل دمرت الأرض؟ وهل دمرت الرمال؟ إنما تدمر كل شيء أمرت بتدميره، وهو هَؤُلاءِ الناس، وما يتعلق بهم من أموالهم وأمتعتهم، أو مساكنهم أو نحو ذلك.\rفكلمة \"كل\" إذاً ليس مدلولها الشمولية الكاملة في كل وقت، وإنما تأتي هذه الكلمة بحسب السياق الذي تدل عليه، فعمومها قد يكون مطلقاً، وقد يكون مخصوصاً، أو خاصاً بما يقيده، وتعينه القرائن الحافة به.\rثُمَّ انتقل إِلَى تحريف المعتزلة لمعنى: وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة:٢٨٤] ، بأنه: وهو عَلَى ما يقدر عليه قدير، أو عَلَى ما يشاء قدير، ومقصودهم بذلك أنه لا يشاء أفعال العباد القبيحة، وأن الله لا يشاء معاصي العباد، كما سبق في بحث الإرادة، قالوا: وهو عَلَى ما يشاء قدير، ولا يقولون: عَلَى كل شيء قدير، حتى لا يدخلوا أفعال العباد هذه، وَقَالُوا: وهو عَلَى كل شيء مقدور له قدير، وأفعال العباد ليست مقدورة له.\rفرد عليهم المُصْنِّف ﵀ هنا بأنك إذا قلت: فلان بما يعلمه عليم، وفلان بما يقدر عليه قدير، أنها لا تثبت فائدة في حق المخلوق، فكيف في حق الله ﷾؟!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689162,"book_id":1659,"shamela_page_id":288,"part":null,"page_num":288,"sequence_num":288,"body":"والمعنى الصحيح أن الله ﷾ قدير عَلَى كل شيء بإطلاق، حتى أفعال العباد، فهي من مشيئته ﷾، ولهذا أذكر قصة وهي أشبه بالنكتة:\rدخلالزمخشري عَلَى أحد الأمراء، وعنده رجل جالس منأهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ، فأراد الزمخشري -وهو معتزلي- أن يغيظ هذا العالم السني، فقَالَ: سبحان من تنزه عن الفحشاء كلام عادي لو سمعه أي واحد، فإنه يقول: جزاه الله خيراً يذكر الله ﷿، ولكن هذا الخبيث يقصد أن الله ليس هو الذي خلق أفعال العباد، من المعاصي والأفعال السيئة- فَقَالَ السني: سبحان من يفعل ما يشاء. فألجمه وأفحمه، بأنه ﷾ يفعل ما يشاء، يخلق الشر كما يخلق الخير ﷾، وذاك ينزهه عن أن يكون خالقاً للشر، بينما الله يفعل ما يشاء، يخلق الخير ويخلق الشر.\rفكان إفحاماً سريعاً، وبنفس اللفظة، وعلى نفس السجعة، وهذا توفيق من الله ﷿.\rالشاهد أن قدرة الله ﷿ تتضمن كل شيء كلية مطلقة، لكن الذين طمس الله عَلَى بصائرهم، وأضل عقولهم، وختم عَلَى قلوبهم، دخلوا في أسئلة من الكلام المتناقض الذي يريدون به التشكيك، وبذر الشبهات في قلوب الْمُسْلِمِينَ.\rهل المحال يدخل في عموم كلمة \"كل\"\rجاء سؤال في إذاعة لندن، قبل زمن: إذا كَانَ الله عَلَى كل شيء قدير، فهل يقدر أن يخلق أكبر منه، أو أعظم منه؟\rوهذه شبهة قديمة -كما ترون ذكرها المُصْنِّف هنا- وهذه الشبهة لا يقولها إنسان عاقل؛ لأن هذا الإِنسَان العاقل إن كَانَ مؤمناً بالله، فإن كل من يؤمن بالله من مسلم أو يهودي أو نصراني أو غير ذلك، يؤمن بأنه عَلَى كل شيء قدير، وأنه ﷾ لا شيء مثله، ولا شيء أكبر منه، ومن قال أن هناك ما هو أكبر من الله، فالإله عنده هو الأكبر وليس الأصغر، فبطبيعة الحال يقال له: كيف تعبد الأصغر مع وجود الأكبر؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689163,"book_id":1659,"shamela_page_id":289,"part":null,"page_num":289,"sequence_num":289,"body":"والمعتزلة وأمثالهم يقولون: وجود مثيل لله من المحال، لأن واجب الوجود واحد لا يتعدد، وقولهم من المحال. أي: مما يحيله العقل. فيقال لهم: شيء يحيله العقل كيف تسألون عنه؟ هل يفعله الله أو يقدر عليه؟ فقد تناقضتم مع اعترافكم، ومع إقراركم بأنه محال، لا يمكن هذا أبداً، فالسؤال إنما يكون عن الأمور الممكنة، ولا يحتاج أن يرد عليكم إلا ليبين تناقضكم في نفس سؤالكم من نفس كلامكم وما تعقدونه.\rوأنتم تقولون وكل العقلاء: أن المحال شيء، والممكن شيء آخر، وأن الوصفين لا يجتمعان في حق أي شيء، فنقول: ممكن ومحال في نفس الوقت، فسؤالك هذا هو عن الإمكان، والسؤال عن الإمكان لا يكون بالمحال.\rوهذه من فلسفات الزنادقة، وتمويهات السفسطائية، يريدون أن يلبسوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وخاصة العوام بأمثال هذه الفلسفات، التي لا أصل لها، ولا حقيقة لها.\rوالحق ما أجمله المُصْنِّف بقوله: هو الإيمان بربوبية الله تَعَالَى العامة والتامة، فإنه لا يؤمن بأنه رب كل شيء إلا من آمن أنه قادر عَلَى تلك الأشياء. انتهى.\r\rومن قَالَ: إنه رب كل شيء، يجب عليه أن يؤمن بأنه رب جميع هذه الأشياء ﷾، فهو ما دام ربها فهو خالقها وحده ﷾، وكذلك لا يؤمن بتمام ربوبيته وكماله إلا من آمن بكمال قدرته ﷾؛ فالمعتزلة حينما يخرجون شيئاً عن قدرة الله، سواء كَانَ فعل الشر، أو أفعال العباد، أو غير ذلك، فإنهم ينقصون من قدر الربوبية، فكأن الله ليس رباً لكل شيء لما أخرجوا ذلك عن قدرته ﷾، وإلا ما دام أنه رب كل شيء كما تقولون، فإذاً كلها تخضع لقدرته ﷾.\r\rهل المعدوم الممكن يسمى شيئاً\rقَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689164,"book_id":1659,"shamela_page_id":290,"part":null,"page_num":290,"sequence_num":290,"body":"[وإنما تنازعوا في المعدوم الممكن: هل هو شيء أم لا؟ والتحقيق: أن المعدوم ليس بشيء في الخارج، ولكن الله يعلم ما يكون قبل أن يكون، ويكتبه، وقد يذكره ويخبر به، كقوله تعالى: إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ [الحج: ١] فيكون شيئاً في العلم والذكر والكتاب، لا في الخارج، كما قال تعالى: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:٨٢] ، وقال تعالى: وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً [مريم:٩] ، أي: لم تكن شيئاً في الخارج، وإن كَانَ شيئاً في علمه تعالى، وقال تعالى: هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً [الإِنسَان:١]] اهـ.\rالشرح:\r\rيعني: أن الشيء الذي اختلفوا فيه هو المعدوم الممكن، هل يسمى شيئاً أولا يسمى شيئاً؟\rوذكر المُصْنِّف ﵀: أن التحقيق في المعدوم في ذاته أنه ليس بشيء، فالمعدوم لا يسمى شيئاً، لكن ما كَانَ في علم الله أنه سيوجد يسمى شيئاً، باعتبار أن الله ﷾ يعلم أنه سيوجد، لأنه -جل شأنه- يعلم بالشيء متى يوجد؟ وكيف يكون؟ قبل أن يوجده.\r\rفما وجد وما لم يوجد بعد، هو سواء في علمه ﷾، وقد يسمى شيئاً عنده، أما بالنسبة لنا نحن، فإن ذلك متعذر علينا ولا نسميه شيئاً، ومن الأدلة عَلَى تسمية ما لم يوجد بعد شيئاً عند الله قوله تعالى: إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ [الحج:١] ، والساعة لم تقم بعد، وقد وصفها الله بأنها شيء عظيم؛ لأنها ستوجد، والله ﷾ يعلم بكيفيتها إذا حدثت، وقد أخبرنا بذلك. أما بالنسبة لنا نحن، فإن ذلك متعذر علينا ولا نسميه شيئاً،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689165,"book_id":1659,"shamela_page_id":291,"part":null,"page_num":291,"sequence_num":291,"body":"وكذلك قوله ﷾: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:٨٢] ، أي: إذا أراد الله شيئاً يكون عَلَى وفق ما يعلمه ﷾؛ لأنه يعلم الشيء قبل وجوده.\rوكذلك قوله تعالى: وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً [مريم:٩] وقوله: لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً [الإِنسَان:١] ، أي: لم يكن شيئاً في الوجود الخارجي، أو في العالم المشهود عند الناس، أما في علمه تَعَالَى فإنه موجود.\r\rقَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:\r[قوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:١١] رد عَلَى المشبهة. وقوله تعالى: وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: ١١] رد عَلَى المعطلة، فهو ﷾ موصوف بصفات الكمال، وليس له فيها شبيه، فالمخلوق وإن كَانَ يوصف بأنه سميع بصير، فليس سمعه وبصره كسمع الرب وبصره، ولا يلزم من إثبات الصفة تشبيه، إذ صفات المخلوق كما يليق به، وصفات الخالق كما يليق به.\rولا تنف عن الله ما وصف به نفسه، وما وصفه به أعرف الخلق بربه وما يجب له وما يمتنع عليه، وأنصحهم لأمته وأفصحهم وأقدرهم عَلَى البيان؛ فإنك إن نفيت شيئاً من ذلك كنت كافراً بما أنزل عَلَى مُحَمَّد ﷺ، وإذا وصفته بما وصف به نفسه، فلا تشبهه بخلقه، فليس كمثله شيء. فإذا شبهته بخلقه، كنت كافراً به.\rقال نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البُخَارِيّ: من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه، ولا ما وصفه به رسوله تشبيهاً.\rوسيأتي في كلام الشيخ الطّّحاويّ ﵀: [ومن لم يتوق النفي والتشبيه، زل ولم يصب التنزيه] . اهـ.\rالشرح:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689166,"book_id":1659,"shamela_page_id":292,"part":null,"page_num":292,"sequence_num":292,"body":"هذه الآية لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:١١] ، قد سبق شرحها، وأيضاً ذكر المُصنِّفُ شرحها هنا، وهي من الأدلة القطعية العظيمة، الدالة عَلَى صحة مذهب أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ، فإن قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ رد عَلَى المشبهة، وقوله: وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ رد علىالمعطلة.\r\rفنحن نثبت لله ﷾ ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات، في كتابه أو عَلَى لسان رسوله ﷺ، الذي هو أفصح الخلق وأعلمهم بما ينبغي لجلال وجه الله ﷾ من صفات الكمال والجلال، وأقدرهم عَلَى البيان، وننفي مع هذا الشبيه لله ﷾، وبذلك نكون عَلَى المنهاج القويم والقسطاس المستقيم.\rأما الذين استدلوا بقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فقط، فنفوا الأسماء والصفات، ولم يثبتوا إلا الوجود المطلق، والذين لم يثبتوا إلا أسماءً مجردةً من الصفات، والذين لم يثبتوا إلا صفات عقلية معينة، فإنهم قد ضلوا في فهم هذه الآية، وعموا عن آخرها الذي هو واضح في إثبات هذه الصفات، كما سبق بيانه.\rوقد ذكرنا كلام الشيخ الأمين الشنقيطي -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- في أن صفتي السمع والبصر من أكثر الصفات عموماً، حتى في أدنى الحيوانات، فهذا حد كل المخلوقات، فكل من له صفة الحياة نجد أن صفة السمع والبصر موجودة لديه، إلا القليل النادر، وفي هذا الدليل قوة عَلَى إثبات الصفة، لكن ليست في المخلوقات كمثلها في الله، لأن الله قد قال قبل أن يثبتها: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:١١] ، وهذا فيه قوة النفي المطلق للمثلية، وكذلك في آخر الآية قوة الإثبات لصفتي السمع والبصر، ومعلوم لجميع النَّاس أن عدم الاتصاف بها نقص.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689167,"book_id":1659,"shamela_page_id":293,"part":null,"page_num":293,"sequence_num":293,"body":"فلو رأينا -مثلاً- حيواناً أعمى، أو لا يسمع، فإنه يقال فيه: حيوان ناقص، هذا وهو حيوان، فكيف بمن له المثل الأعلى ﷾؟\rفيُقَالُ: ليس له سمع، أو ليس له بصر؟ هذا غاية النقص لقدره وجلاله ﷾.\r\rثُمَّ يذكر المُصنِّفُ ﵀ أن من نفى شيئاً من صفات الله الثابتة له فقد كفر، ومن شبه الله بخلقه فقد كفر، واستدل عَلَى ذلك بقول الإمام نعيم بن حماد شيخ الإمام البُخَارِيّ -رحم الله الجميع- وقد سبق أن أوردنا هذا القول له وشرحه فيما مضى.\rثُمَّ انتقل المُصنِّفُ إِلَى شرح آية: وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى [النحل:٦٠] ، مع أن الطّّحاويّ لم يذكرها إنما ذكر آية: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ... ، وذلك لأن نفاة الصفات عارضوا بين الآيتين، فأراد ﵀ أن يبين أنه لا تعارض بين الآيتين كما سيأتي.\rقَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:\r[وقد وصف الله تَعَالَى نفسه بأن له المثل الأعلى، فَقَالَ تعالى: لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى [النحل:٦٠] ، وقال تعالى: وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الروم:٢٧] ، فجعل ﷾ مثل السوء -المتضمن للعيوب والنقائص وسلب الكمال- لأعدائه الْمُشْرِكِينَ وأوثانهم، وأخبر أن المثل الأعلى -المتضمن لإثبات الكمال كله- لله وحده.\rفمن سلب صفات الكمال عن الله تعالى، فقد جعل له مثل السوء، ونفى عنه ما وصف به نفسه من المثل الأعلى، وهو الكمال المطلق المتضمن للأمور الوجودية والمعاني الثبوتية، التي كلما كانت أكثر في الموصوف وأكمل كَانَ بها أكمل وأعلى من غيره.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689168,"book_id":1659,"shamela_page_id":294,"part":null,"page_num":294,"sequence_num":294,"body":"ولما كانت صفات الرب تَعَالَى أكثر وأكمل، كَانَ له المثل الأعلى، وكان أحق به من كل ما سواه؛ بل يستحيل أن يشترك في المثل الأعلى المطلق اثنان، لأنهما إن تكافآ من كل وجه، لم يكن أحدهما أعلى من الآخر، وإن لم يتكافآ فالموصوف به أحدهما وحده، فيستحيل أن يكون لمن له المثل الأعلى مثل أو نظير] اهـ.\rالشرح:\r\rهذا المثل الأعلى المذكور في الآيتين لا يدل عَلَى أن الله ﷾ يشبهه شيء، أو يماثله شيء، كما يظن الظانون، وإنما يدل عَلَى أن الكمال المطلق في أي صفة من صفات الكمال له ﷾.\rفقوله سبحانه: وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى [الروم:٢٧] ، أي: الكمال المطلق الذي ليس فوقه شيء، أما مجرد الوصف فهو لجميع المخلوقات، كالوصف بالعلم والقدرة والحياة للإنسان مثلاً، لكن المثل الأعلى في هذه الصفات هو الله ﷾.\rوهذا يتضمن أن نثبت لله ﷾ كل صفة كمال، فأي صفة يكون عدم إثباتها نقصاً لله ﷿ فيجب أن نثبتها له، لأنه هو الذي له المثل الأعلى ﷾.\rوأي كمال يخطر ببال الإِنسَان في أن يصل به أي أحد، فإن الله ﷾ هو المتصف بغاية هذا الكمال، ولا يشاركه فيه أي مخلوق من العالمين.\rفهو وحده له الكمال الأعلى؛ لأن له المثل الأعلى، وأما الذين من دونه، الذين لا يؤمنون بالآخرة، فأمثالهم أمثلة السوء، كما ذكر الله ﷾.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689169,"book_id":1659,"shamela_page_id":295,"part":null,"page_num":295,"sequence_num":295,"body":"وهذه الآلهة التي يعبدونها من دون الله إما أنها حجارة لا تسمع ولا تنطق، وهذا من أدل الأدلة عَلَى أنها ليست آلهة، لأنها لا تتصف بالسمع ولا بالكلام، كما حآجَّ إبراهيم قومه في ذلك، كما في آخر سورة الأعراف، وكذلك العجل لمَّا اتخذه اليهود، احتج الله ﷾ عليهم بقوله: أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً [الأعراف:١٤٨] ، فالرب الذي لا يكلم ولا يهدي اتباعه كيف يكون رباً؟\r\rوهكذا نقول: إن مثل السوء -كل نقص في الصفات- فإنه يأتي في حق المعبودات التي عبدت من دون الله ﷾، وفي حق الذين لا يؤمنون بالآخرة.\rأقوال أهل العلم في تفسير المثل الأعلى\rقَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:\r\r[واختلفت عبارات المفسرين في المثل الأعلى، ووفق بين أقوالهم بعض من وفقه الله وهداه، فقَالَ: المثل الأعلى يتضمن: الصفة العليا، وعلم العالمين بها، ووجودها العلمي، والخبر عنها وذكرها، وعبادة الرب تَعَالَى بواسطة العلم والمعرفة القائمة بقلوب عابديه وذاكريه.\rفهاهنا أمور أربعة:\r\rالأول: ثبوت الصفات العليا لله سبحانه، سواء علمها العباد أو لا، وهذا معنى قول من فسرها بالصفة.\rالثاني: وجودها في العلم والشعور، وهذا معنى قول من قال من السلف والخلف: إنه ما في قلوب عابديه وذاكريه، من معرفته وذكره، ومحبته وإجلاله وتعظيمه، وخوفه ورجائه، والتوكل عليه والإنابة إليه.\r\rوهذا الذي في قلوبهم من المثل الأعلى لا يشركه فيه غيره أصلاً، بل يختص به في قلوبهم، كما اختص به في ذاته.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689170,"book_id":1659,"shamela_page_id":296,"part":null,"page_num":296,"sequence_num":296,"body":"وهذا معنى قول من قال من المفسرين: إن معناه: أهل السموات يعظمونه ويحبونه ويعبدونه، وأهل الأرض كذلك، وإن أشرك به من أشرك، وعصاه من عصاه، وجحد صفاته من جحدها، فأهل الأرض معظمون له مجلون، خاضعون لعظمته، مستكينون لعزته وجبروته، قال تعالى: وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ [الروم:٢٦] .\r\rالثالث: ذكر صفاته والخبر عنها، وتنزيهها من العيوب والنقائص والتمثيل.\rالرابع: محبة الموصوف بها وتوحيده، والإخلاص له، والتوكل عليه، والإنابة إليه، وكلما كَانَ الإيمان بالصفات أكمل، كَانَ هذا الحب والإخلاص أقوى.\rفعباراتالسلف كلها تدور عَلَى هذه المعاني الأربعة. فمن أضل ممن يعارض بين قوله تعالى: وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى [الروم:٢٧] ، وبين قوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:١١] ؟ ويستدل بقوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ عَلَى نفي الصفات ويعمى عن تمام الآية وهو قوله: وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:١١] ، حتى أفضى هذا الضلال ببعضهم، وهو أحمد بن أبي دؤاد القاضي.\rإلى أن أشار عَلَى الخليفة المأمون أن يكتب عَلَى ستر الكعبة: ليس كمثله شيء وهو العزيز الحكيم، حرّف كلام الله لينفي وصفه تَعَالَى بأنه السميع البصير، كما قال الضال الآخر جهم بن صفوان: وددت أني أحك من المصحف قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف:٥٤] ، فنسأل الله العظيم السميع البصير أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، بمنه وكرمه] اهـ.\rالشرح:\r\rهذا الذي ذكره المُصْنِّف ﵀ في تفسير المثل الأعلى، وأثنى عَلَى قائله هو من كلام الإمام ابن القيم رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وهو موجود في مختصر الصواعق.\rومعنى ما ذكره المُصْنِّف هنا: أن عبارات السلف التي اختلفت في تفسير المثل الأعلى تدور عَلَى أربعة معانٍ:\rفمنهم من فسره بأنه صفاته التي يوصف بها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689171,"book_id":1659,"shamela_page_id":297,"part":null,"page_num":297,"sequence_num":297,"body":"ومنهم من فسره بإدراك المخلوقين، أو إحساس كل مخلوق بأن الله هو الأعلى في كل شيء.\r\rومنهم من فسره بأنه ذكر صفاته والخبر عنها وتنزيهها من العيوب والنقائص والتمثيل.\r\rومنهم من فسره بأنه توحيده وإخلاص العبادة له.\rوالمثل الأعلى -هذه: الجملة العظيمة- يتضمن هذه الأمور جميعاً.\rواختلاف أقوال السلف من اختلاف التنوع لا من اختلاف التضاد، فإن قوله تعالى: وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى [النحل:٦٠] يتضمن هذه الأمور الأربعة:\rالأول: ثبوت الصفة العليا لله ﷾، أي صفة عليا، وأي صفة كمال، فهي ثابتة لله ﷾ سواء علمها العباد أو لم يعلموها، فما علمه الإِنسَان وما لم يعلمه من صفات الكمال، فإنه ثابت لله ﷾، وهو المتصف بالكمال المطلق وحده.\rوالثاني: وجودها في العلم والشعور، أي أنها توجد لدى الملأ الأعلى، ولدى الناس، حتى لدى الكافر منهم، كما قلنا -مثلاً- أن من يعبد الله ﷿ ويؤمن بوجوده، فلا بد أن يتصور أنه حي ﷾، وأن له كمال الحياة، وأن هذا الإله الحي يفعل ما يشاء، وأنه قدير عَلَى كل شيء ﷾.\rفهذه كلها تدل عَلَى أنه قد استقر في نفوس البشر، وفي أحاسيسهم وإدراكهم أن الذي له هذه الصفات بإطلاق، ولا ينازعه فيها شيء، ولا يقارنه في تمامها وكمالها شيء، هو الله وحده ﷾؛ ولذلك فإنك تجد أن أي إنسان إذا أعجزه أمر من الأمور يقول: هذا شيء لا يقدر عليه إلا الله. أما الكافر وإن كَانَ يقول أنه لا يؤمن بوجود الله، فإنه يُعبر عن هذا بالفطرة، فإنه مستقر في الذهن أن القدرة المطلقة التي لا يغلبها أي شيء، هي لله وحده، وهكذا بقية الصفات.\rالثالث: ذكر صفاته والخبر عنها وتنزيهها من العيوب والنقائص والتمثيل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689172,"book_id":1659,"shamela_page_id":298,"part":null,"page_num":298,"sequence_num":298,"body":"ومعنى هذا أن لله ﷿ من الصفات ما لا يترتب عليها عمل -أي بالجوارح- حسب فهم بعض الناس، فيُقال لهذا: مجرد علمك بها يزيد إيمانك بالله، ويزيد معرفتك به، ويجعل في القلب علم ونور.\rومثل هذا بعض الصفات التي جاءت في الأحاديث من أن الله ﷿ يخفض القسط ويرفعه، وأنه ﷾ خلق العرش، وخلق القلم، وأنه قدر المقادير، ولكن نقول: إن هذه الصفات قد يكون لها بعض الأثر المباشر أو غير المباشر في أعمال الجوارح، وقد قلنا: إن مجرد المعرفة القلبية نفسها عمل، ثُمَّ إنها قد تورث عملاً بالجوارح، وهذا من ثمرة معرفتك ربك ﷾.\rفعلى هذا: إذا سمعت من يقول لك: لا تتعلم الصفات، فاعلم أنه كأنما يقول لك: لا تقرأ القرآن، ولا تقرأ السنة، ولا تعرف ربك، كما قال بعضهم في كتاب له حق الله عَلَى العبا\r\rوحق العباد عَلَى الله: المهم أن الإِنسَان يطيع الله، فلو أني -مثلاً- أطعت الملك، وسواء كنت أعلم أن هذا الملك هو في هذا البلد أولاً.\r\rالمهم أنني أطعته، فكذلك الله -سبحانه- المهم أني أطعت أمره.\rفيأتينا بهذا المثال الذي فيه تشبيه بربنا ﷿، ويخبرنا الله أنه عَلَى العرش، لكنه يقول: لا يهم معرفة كونه عَلَى العرش أولا، فليس لنا دخل، المهم أن نطيعه، نصلي له ونعبده.\rفنقول له: -سُبْحانَ اللَّه! - أليست الصلاة نفسها نقول فيها: سبحان ربي الأعلى؟! إذاً فالصلاة مرتبطة بالإيمان، ومرتبطة بالأسماء والصفات.\rفهل يجوز لإنسان أن يقول: أنا حر في أن ألغي هذه الآيات التي في العلو، وهذه الآيات الكثيرة التي في الاستواء، والمهم أنني أصلي لله وأصوم له؟!\r\r-سُبْحانَ اللَّه! - كيف يعرض هذا الإِنسَان عن الفقه الأكبر -كما سماهأبو حنيفة ﵀ وهو معرفة الله، ويعمل بالفقه الأصغر، الذي هو الأحكام، والحلال والحرام؟!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689173,"book_id":1659,"shamela_page_id":299,"part":null,"page_num":299,"sequence_num":299,"body":"ونعود إِلَى الكلام عن توحيد العبد، حول الكلام عَلَى أن من عارض بين قوله تعالى: (وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى [النحل:٦٠] ، وبين قوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ... [الشورى:١١] ، فهو كما قال المصنف: ليس هناك أحد أضل منه.\rلأن مثل هذا الضلال أفضى بابن أبي دؤاد -وكان وزيراً للمأمون مقرباً عنده- إِلَى أن قال للمأمون لما عمل لباساً للكعبة: اكتب عَلَى سترالكعبة: ليس كمثله شيء وهو العزيز الحكيم. وذلك لأنه يرى أن في قوله سبحانه: وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:١١] تشبيه، وهذا لقلة عقله وفجوره.\r-سُبْحانَ اللَّه! - أوليس للبشر أيضاً عزة وحكمة، كما لهم سمع وبصر؟ بلى والله، ولكنه الضلال والافتراء والبهتان، قال الله تعالى: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون:٨] ، فيهم أيضاً صفة الحكمة، قال الله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ [لقمان:١٢] ، كما أن فيهم صفتي السمع والبصر، قال الله تعالى: إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً [الإِنسَان:٢] .\r\rإذاً الفرق بين صفات الله وصفات المخلوقين: أن صفات الله تَعَالَى لائقة بجلاله وعظمته، وأن صفات المخلوقين لائقة بهم، لجهلهم ونقصهم وعجزهم.\rكما قال أحد المعتزلة أيضاً: وددت أني أحك من المصحف قوله تعالى: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [المسد:١]-نعوذ بالله من الضلال-.\rوهذا المعتزلي قيل إنه: عمرو بن عبيد، ومما نقل عنه أنه كَانَ دائماً إذا قرأ هذه السورة يتضجر، ويريد أن لا تكون من القرآن، وسبب ذلك أن عقل هذا الفاجر الضعيف -سواء كَانَ هو عمرو أو غيره-، يقول: كيف ينزل الله هذه السورة: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [المسد:١]-وفيها دليل عَلَى أنأبا لهب سيموت كافراً- وأبو لهب لا يزال حياً وكأن فيها تعجيز؟!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689174,"book_id":1659,"shamela_page_id":300,"part":null,"page_num":300,"sequence_num":300,"body":"وأصل هذا السؤال أورده عليه الفلاسفة فَقَالُوا: كيف يكون موقف الرَّسُول ﷺ إذا آمن أبو لهب، وكان مصيره الجنة؟\rفاحتار ولم يعرف الجواب فقَالَ: ليتني أحك هذه السورة من المصحف، فنرتاح من المشكلة ومن الجواب، نسأل الله العفو والعافية.\rوكان الواجب عليه أن يسأل أهل العلم، كما قال الله تعالى: فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [الأنبياء:٧] .\rثُمَّ إن هذه الصفات التي ذكرها الله ﷾ في القرآن، وذكرها النبي ﷺ في السنة، صفات كمال ليس فيها نقص من وجه من الوجوه.\rوالمعنى الرابع: أن إثبات المثل الأعلى لله ﷾ يتضمن توحيده، وعبادته وحده لا شريك له بإخلاص؛ لأنه كلما كَانَ إيمان الإِنسَان بأن لله المثل الأعلى أكثر، كلما كانت عبادته لله ﷾ أكثر وأعظم، وهذا أمر محسوس.\rولذلك قال كثير من السلف في قوله ﷾: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ [النساء:١٧] ، ليس المقصود بالذي يعمل السوء: الذي يرتكب الفاحشة وهو جاهل، كَانَ يزني وهو لا يدري أن الزنى حرام، إنما المقصود أن كل من عصى الله فهو جاهل، أي: جاهل بقدر الله ﷿ حين ارتكب هذه المعصية فإن من كَانَ يعلم أن الله ﵎ مطلع عليه، عالم بأحواله، رقيب عليه ﷾ في كل حركاته، ولا يخفى عليه من أمره شيء، وأنه تَعَالَى شديد العقاب، قد أعد النَّار لمن يعمل هذه الفاحشة، فكل هذه الأمور التي وصف الله بها نفسه، من كَانَ يعلمها حقيقةً في تلك اللحظة، فإنه لا يفعل الفاحشة أبداً، فهو جاهل بقدر الله لا بحكمه، كما في حديث قصة الرجل الذي قيل له: (اتقِ الله، ولا تفض الخاتم إلا بحقه) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689175,"book_id":1659,"shamela_page_id":301,"part":null,"page_num":301,"sequence_num":301,"body":"فإن معنى اتق الله: تذكر هذه المعاني كلها، فكف عنها الرجل ولم يفعل شيئاً؛ لأنه في تلك اللحظة كَانَ جاهلاً بقدر الله ﷿، فأراد أن يرتكب المعصية فلما ذكرته بذلك تذكر الله وعظمته، وعظمة وعيد الله فلم يفعل.\rولذلك نقول: إنه كلما كَانَ الإِنسَان أعلم بالله، كَانَ أبعد عن معصية الله ﷾.\rمثال آخر: وهو ذلك الرجل الذي مر ذكر قصته قبل، وأنه قال حين موته: (إذا أنا مت فأحرقوني، ثُمَّ ذروني فضعوا نصفي في البحر ونصفي في البر ... ) ؛ والذي حمله عَلَى ذلك جهله بمعنى: إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة:٢٠] ، فما بالك بمن يجهل كثيراً من صفات الله ولا يعلمها؟\rوالرد عَلَى شبهات أهل الباطل من باب الجهاد بالقرآن، وهذا مما ابتلى الله به العلماء وقبلهم الأنبياء، وهذا لا بد منه، فإن النبي ﷺ لما بعثه الله، وكذلك جميع الأَنْبِيَاء -عليهم الصلاة والسلام- كانوا يتمنون أن يأتي أحدهم فيقول لقومه: (اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُه) ُ [هود:٥٠] ، فيؤمن القوم، وينتهي الأمر، لكن لم يكن ذلك، بل وجد من يعادي، ومن يجادل، حتى قال القائل: صف لنا ربك؟ وكثرت الشبهات والأقاويل في الله سبحانه، وفي الرَّسُول ﷺ بأنه ساحر ومفتر وكذاب، وَقَالُوا: أساطير الأولين اكتتبها، فكان لا بد من رد عَلَى هذه الشبهات، ولذلك رد القُرْآن عليها وبين بطلانها.\rوالكلام هنا عن الصفات من هذا القَبيل؛ لأن حقيقة معرفة صفات الله ﷿ ثمرتها أن يعرف الإِنسَان ربه، وهذا أشرف العلوم جميعاً؛ حتى ولو علمت صفة لا يترتب عليها عمل؛ لأن العلم بها يزيد إيمانك بالله، ويزيد معرفتك بالله ﷿.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689176,"book_id":1659,"shamela_page_id":302,"part":null,"page_num":302,"sequence_num":302,"body":"قد تقدم الحديث عن معنى قوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:١١] والمؤلف هنا استطرد في بيان أن قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:١١] ، مع دلالته عَلَى إثبات الصفات لله ﵎، ونفي المثيل عن الله ﷾، لا يعارض قوله ﵎: وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى [الروم:٢٧] ، فإثبات المثل الأعلى شيء، ونفي المثيل له ﷾ شيء آخر.\rواستطرد تبعاً لذلك في شرح معنى: الْمَثَلُ الْأَعْلَى.\r\rوموجز ذلك أن المثل الأعلى هو الكمال المطلق، والغاية العليا للصفة التي ليس وراءها شيء، فلله تَعَالَى المثل الأعلى في العلم فمهما كَانَ عند المخلوقين من علم، ومهما وصفنا أي مخلوق بأنه عالم، فإن لله المثل الأعلى في ذلك؛ بمعنى أن له الكمال المطلق في العلم الذي ليس وراءه أي شيء، وليس فيه نقص بأي وجه من الوجوه، وذكر المُصنِّفُ ﵀ الأمور الأربعة التي عبر بها السلف عن معنى المثل الأعلى، وتضمن كون المثل الأعلى لله ﷾ الأمور الأربعة التي هي ثبوت الصفات العليا لله ﷾، والشعور بها، وعلمها، وإدراكها، ثُمَّ ذكر صفاته والخبر عنها.\r\rثُمَّ الرابع محبته وتوحيده وإخلاص العمل لله ﷾، وتجريد متابعة رسوله ﷺ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689177,"book_id":1659,"shamela_page_id":303,"part":null,"page_num":303,"sequence_num":303,"body":"ثُمَّ يبين المؤلف أن هذه الآية لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:١١] فيها خلاف بين النحاة والشُّراح المفسرين من الناحية الإعرابية ويذكر هذه الأوجه، ويجيب في أثناء ذلك عَلَى الشبهة التي قد تطرح وهي دخول الكاف عَلَى المثل لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فيظن أن ليس في الآية نفياً مثلياً مباشرة، وإنما هي نفي شبيه المثلية، فهل هذه الآية عَلَى ظاهرها؟ أو ما المقصود من هذه الكاف الزائدة؟ هذا ما سوف نتحدث عنه فيما بعد.\rوالقول بأن هناك معارضة بين قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وقوله تعالى: وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى [الروم:٢٧] .\r\rدعا المؤلف إِلَى نوع من الاستطراد البياني، وأن هناك من يتلقون القُرْآن عَلَى غير ما أمر الله تَعَالَى به من التلقي والقبول؛ وهم الذين في قلوبهم مرض؛ الذين ذكرهم الله ﷾ في قوله: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ [آل عمران:٧] وذكرهم في قوله: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ [محمد:٢٦]\rوهنا مرضان من أمراض القلوب في تلقي القرآن، سواء ما كَانَ من الصفات أو غيرها، فالأول:\rاتباع المتشابه ورد المحكم\rوهو أن الإِنسَان يتبع المتشابهات ليحرف ويرد بها المحكمات، ويؤول معاني المحكمات لأجل المتشابهات، وهذا نوع من أنواع المرض والعياذ بالله.\r\rكراهية بعض ما أنزل الله","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689178,"book_id":1659,"shamela_page_id":304,"part":null,"page_num":304,"sequence_num":304,"body":"والثاني: أن يكره الإِنسَان بعض ما أنزل الله ويجامل أعداء الله ويقول: سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ [محمد:٢٦] فلا يسلم تسليماً كلياً قاطعاً لما أنزله الله ﷾ ولما جَاءَ عن رَسُول الله ﷺ، وهذا قدر موجب لإحباط العمل، فلذلك قال في آخر الآية: فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ [محمد:٢٨] لأن كراهية بعض ما أنزل الله سبب من أسباب إحباط العمل.\rفلو أن أحداً آمن بدين الإسلام كله وبشريعة الإسلام كلها، إلا أنه لم يؤمن بحرمة الربا -مثلاً- أو يكره في نفسه كون الربا حرام، أو كون الزنا حرام، أو يكره ويتضجر من أن الله ﷾ شرع للمرأة أن تقرَّ في بيتها وأن لا تتبرج وهو يريد هذا التبرج، أو يكره هذه الآيات، ويكره هذا الحكم، وإن كَانَ مسلماً منقاداً لبقية الشريعة فإن هذا كله يؤدي إِلَى إحباط عمله - والعياذ بالله؛ لأن هذا اعتراض وكراهية لبعض ما أنزل الله ﵎.\rومن هذا أيضاً ما كَانَ في نفاة الصفات كالذين تحدث عنهم المؤلف كابن أبي دؤاد حيث أشار عَلَى الخليفة المأمون -وكان وزيراً للمأمون مقرباً عنده- أن يكتب عَلَى ستر الكعبة: ليس كمثله شيء وهو العزيز الحكيم والعياذ بالله فقد كره أن يكتب وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:١١] ؛ لأن في نظره أن السمع والبصر من صفات المخلوقين، فيكون فيها تشبيه، أما العزة والحكمة، فلا تدل عَلَى التشبيه، وهذا من جهله، وعقله الفاجر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689179,"book_id":1659,"shamela_page_id":305,"part":null,"page_num":305,"sequence_num":305,"body":"فإن البشر أيضاً فيهم العزة وفيهم الحكمة، كما أن فيهم السمع وفيهم البصر، والله ﷾ قد أثبت العزة له ولرسوله وللمؤمنين، وكذلك أثبت الحكمة لبعض عباده فَقَالَ تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَة [لقمان:١٢] وعليه فليس الفرق بين صفات الله وصفات المخلوقين أن نرد بعض الصفات ونؤمن ببعض! وإنما الفرق أن نقول: إن ما يتعلق بذات الله من صفاته ﷾ يختلف اختلافاً كلياً عن صفات المخلوقين، فلله تَعَالَى صفات لائقة بجلاله، وللمخلوق صفات لائقة به وهو الجاهل والناقص والعاجز.\rوكذلك ما ذكره عن الجهم بن صفوان أنه قَالَ: وددت أني أحُكُّ من المصحف قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:٥] أعاذنا الله من الغواية والضلال، ومثله امرأةجهم فقد سمعت رجلاً يقرأ قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:٥] فقالت: محدود عَلَى محدود ليس هكذا.\r\rلذلك قال بعض العلماء: إن الجهمية يريدون أن يثبتوا أنه ليس في السماء شيء، وليس فوق العرش شيء، وهم -كما ذكرنا- يثبتون مجرد وجود مطلق لا يوصف بأي شيء، وهذا من الجرأة عَلَى الله، ومن الزيغ، ومن مرض القلب والضلال.\rومثال ثالث: وهو عمرو بن عبيد ومما نقل عنه أنه كَانَ دائماً لما يقرأ قوله تعالى: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [المسد:١] يتضجر ويريد أن لا تكون من القرآن، وسبب ذلك أن عقله الفاجر الضعيف يقول كيف ينزل الله هذه الآية تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [المسد:١] وفيها دليل عَلَى أن أبا لهب سيموت كافراً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689180,"book_id":1659,"shamela_page_id":306,"part":null,"page_num":306,"sequence_num":306,"body":"وأبو لهب مازال حياً؟! وهذا السؤال يورده الفلاسفة علىالجهمية فيقولون: إن من آمن دخل الجنة، فكيف يكون موقف الرَّسُول ﷺ إذا فعلأبو لهب ذلك؟ ولما سمع عمرو بن عبيد هذه الشبهة ولم يعرف لها جوباً، قَالَ: ليتني أحك هذه السورة من المصحف فنرتاح من المشكلة وشجوابها! نسأل الله العفو والعافية.\r\rعدم رد الأمر إلى ولي الأمر عند التنازع\rوالقاعدة التي يعرف بها وقوع الضلال والزيغ هي: أنه يأتي من عدم رد الأمر إِلَى أولي العلم، كما قال تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [الأنبياء:٧] ، وقَالَ: وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُول ولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء:٨٣] فلذلك إذا جاءنا أمر أي أمر كان: علمي، أو أمر من أمور الدعوة ومصالح الدعوة الإسلامية كما في بداية الآية:وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ [النساء:٨٣] .\rفيسأل فيه العلماء عند الإشكال ويتنبه إِلَى أنه قد لا يكون هناك إشكالٌ أصلاً مثل قوله تعالى: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [المسد:١] فليس فيه إشكال عَلَى الإطلاق؛ لأن الله ﷾ هو الذي خلق أبا لهب ويعلم عناده وكرهه للدين، وأنه لن يؤمن فمن المحال أن يقع خلاف ما قدره الله ﷿.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689181,"book_id":1659,"shamela_page_id":307,"part":null,"page_num":307,"sequence_num":307,"body":"فالله ﵎ أنزل القُرْآن بمقتضى ما علمه وقدره، مِنْ أن عناد هذا الرجل لن يجعله يوماً من الأيام يتوب إِلَى الرشد ويسلم، فيظل أبو لهب عَلَى الكفر حتى يموت، فهذا علمه الله ﷿ وقدره، ومن المحال أن يقع شيءٌ خلاف ما قدره الله ﵎، وليست المسألة بهذا الإشكال الذي يجعل الإِنسَان عندما يعجز عنها أو تواجهه القضية يتمنى أن هذه الآية ليست موجودة، أو أن هذا الحديث لم يصحَّ عن رَسُول الله ﷺ.\r\rبل الذي يتحتم عند مرور الآية والحديث الصحيح أن نتلقى ذلك بالإيمان، وبالقبول، وبالتصديق؛ فإن أشكل علينا شيء في معنى أحدهما رددناه إِلَى أولي العلم من الأحياء، أو من الأموات من خلال كتبهم، فإن لم يكن بعد ذلك معرفة رددنا علمه إِلَى الله ﷾، ويجب أن نعترف دائماً بعجزنا، وجهلنا، وقصورنا، عن فهم كثير مما جَاءَ به الوحي. هذا هو نهاية الاستطراد ثُمَّ بعد ذلك ينتقل المُصْنِّف إِلَى إعراب قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:١١] .\r\rقَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:\r[وفي إعراب كمثله وجوه، أحدها أن الكاف صلة زيدت للتأكيد.\r\rقال أوس بن حجر:\rليس كمثل الفتى زهير\rخلق يوازيه في الفضائل\r\rوقال آخر:\r\rما إن كمِثْلِهِمُ في النَّاس من بشر\rوقال آخر:\rوقَتْلى كمثل جذوع النخيل\rفيكون (مثله) خبر (ليس) ، واسمها (شي) .\r\rوهذا وجه قوي حسن، تعرف العرب معناه في لغتها، ولا يخفى عنها إذا خوطبت به، وقد جَاءَ عن العرب أيضاً زيادة الكاف للتأكيد في قول بعضهم: (وصاليات ككما يُؤْثَفَين) .\r\rوقول الآخر:\rفأصبحت مثلَ كعصف مأكولِ\rالوجه الثاني: أن الزائد مثل أي: ليس كهو شيء، وهذا القول بعيد؛ لأن \"مثل\" اسم، والقول بزيادة الحرف للتأكيد أولى من القول بزيادة الاسم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689182,"book_id":1659,"shamela_page_id":308,"part":null,"page_num":308,"sequence_num":308,"body":"الوجه الثالث: أنه ليس ثُمَّ زيادة أصلاً، بل هذا من باب قولهم: مثلك لا يفعل كذا، أي: أنت لا تفعله، وأتى بمثل للمبالغة، وقالوا في معنى المبالغة هنا: أي: ليس لمثله مثل لو فرض المثل، فكيف ولا مثل له، وقيل غير ذلك والأول أظهر] . اهـ.\rالشرح:\r\rهذه الوجوه التي ذكرها المُصنِّفُ ﵀ في إعراب: كَمِثْلِهِ، من الآية لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:١١] تتفاوت.\rأصح أوجه الإعراب أن الكاف حرف صلة زيدت للتأكيد\rوهذا هو الوجه الأول: وهو أن الكاف حرف صلة زيدت للتأكيد، فيكون إعراب الآية عَلَى هذا المعنى: (ليس) فعل ناسخ والكاف زائد (مثل) اسم مجرور، وهذا المثل في موضع خبر ليس، بحيث لو كَانَ غير قرآن لقلنا: ليس مثله شيء، وإعراب (شيء) اسم (ليس) متأخر.\rوهذا الإعراب عَلَى أساس أن الكاف زائدة، ومن المعلوم أن زيادة المبنى -أي: زيادة اللفظ- لا بد أن تقتضي الزيادة في المعنى، وهذه الزيادة لتأكيد نفي المثل في قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:١١] وقد ذكر المؤلف: أن هذا الوجه قوي، وهو الذي اختاره، ويقويه ويستدل عَلَى ذلك بما ورد في كلام العرب مما يدل عَلَى زيادة الكاف كما في الأبيات التي أوردها: (ليس كمثل الفتى زهير\r) .\r\rومقصود الشاعر بهذا أن نقول: ليس مثل الفتى زهير أحد من الخلق، فقَالَ: ليس كمثل الفتى زهير، وذلك زيادة لتأكيد أنه ليس هناك من يشبه زهير في الخلق.\rوقال آخر (ما إن كمثلهم في النَّاس من أحد) ، أو (ما إن كمثلهم في النَّاس من بشر) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689183,"book_id":1659,"shamela_page_id":309,"part":null,"page_num":309,"sequence_num":309,"body":"والكاف في هذا المثال زائدة، ومراد الشاعر أن يقول: ليس مثلهم في النَّاس من أحد، لكنه جَاءَ بحرف الكاف الزائد لزيادة التأكيد، فيكون إعراب الآية عَلَى هذا الوجه متكون من فعل ناسخ، وخبر مقدم، ومبتدأ مؤخر، وزيدت الكاف في الخبر المقدم وهو \"مثل\" للدلالة عَلَى تأكيد المعنى، وحرف الصلة الزائد يعمل لفظاً، وإن لم يكن يغير الحقيقة، وزيادته تدل عَلَى أنه لا بد أن يكون له معنى، وتكون دلالته عَلَى التأكيد غالباً، كما في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّه [فاطر:٣] أي هل خالق غير الله؟ فـ (مِنْ) هنا حرف جر زائد، زيادته للتأكيد، ولهذا يأتي التابع الذي بعده معطوفاً مرفوعاً بناءً عَلَى المحل هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ [فاطر:٣] فجاء بحسب المحل؛ لأن المحل مرفوع ولم يأت بحسب اللفظ.\r\rوإن كانت (من) في اللفظ أدت إِلَى خفض قوله (خالق) ، كما أن الكاف هناك خفضت قوله: (مثل) ، لكن هذا الأثر اللفظي لا يغير من مقصود الألفاظ والعبارات شيئاً، وهذا المعنى واضح إن شاء الله.\rيقول: (وقد جَاءَ عن العرب أيضاً زيادة الكاف للتأكيد في قول بعضهم:\"وصاليات ككما يُؤْثَفَيْن\"، أي كما أن الكاف تزاد في (مثل) ، فإنها تزاد أيضاً في (كما) ، وأصل البيت أن يقول: (وصاليات كما يؤثفين) ، فزاد الكاف وقَالَ: (وصاليات ككما يؤثفين) ، وهذا أيضاً من الشواهد الدالة عَلَى أن الكاف قد تأتي زائدة، ويذكر أيضاً البيت الآخر وهو المنسوب إِلَى رؤبة بن العجاج الرجّاز العربي المشهور فيقول:\r\rفأصبحت مثل كعصف مأكول\rومراد الشاعر أن يقول: أصبحت مثل عصف مأكول، أو فأصبحت كعصف مأكول لكنه جَاءَ بمثل وبالكاف معاً للدلالة عَلَى التأكيد، لا سيما وأنَّ وزن الرجز يقتضي أن يأتي بكلمة، فجاء بكلمة فيها زيادة معنى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689184,"book_id":1659,"shamela_page_id":310,"part":null,"page_num":310,"sequence_num":310,"body":"والرجز من البحور الشعرية الستة عشر التي أصّلها الخليل بن أحمد وهو من أكثر أشعار العرب.\r\rوالعرب يستخدمون الرجز كثيراً وخاصة في مواضع القتال، أو في المواقف التي فيها الحمية والحماس.\rومعظم الرجز يأتي في المعارك ومثاله ما تمثل به النبي ﷺ وذكره:\r\rهل أنتِ إلا أصبع دميتِ وفي سبيل الله ما لقيتِ\rومنه قول جعفر الطيار:\rيا حبذا الجنةُُُ واقترابها طيبة وبارد شرابها\rوالروم روم قد دنا عذابُها كافرة بعيدة أنسابها\rعليَّ إن لاقيتها ضرابها\rوالقصد أن الراجز أتى بالحرف الزائد من أجل وزن البيت، وهذا الحرف فيه زيادة في المعنى.\rإذاًً تأتي (الكاف) زائدة كما في قول رؤبة: (فأصبحت مثل كعصف مأكولِ) ومثله قوله تَعَالَى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:١١] .\rالوجه الثاني من الأعراب: أن الزائد هو كلمة (مثل) ، فمعنى لَيْسَ كَمِثْلِهِ أي ليس كهو أي كذاته - تَعَالَى - شيء وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:١١] فـ (مثل) هنا زائدة؛ لأنه ليس لله ﷾ مثل، فننفي هذه المثلية.\rويكون (الكاف) هو حرف التشبيه و (مثل) اعترضت بين الجار والمجرور بحيث لو كَانَ في غير القُرْآن لقلنا ليس كهو شيء وهو السميع البصير، وعلى هذا يرد قوله تعالى: (فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا [لبقرة:١٣٧] فإن المقصود: فإن آمنوا بالقرآن، أو فإن آمنوا بالله ﷿ فتكون \"مثل\" في هذه الآية زائدة المعنى زائدة اللفظ.\rولعل من الملاحظ أن هناك فرق بين هذه الآية وبين الآية التي في الشورى ففي آية الشورى نجد أن الحرف هو \"الكاف\" والاسم هو \"مثل\" والأحق أن حرف الكاف هو الزائد وأن \"مثل\" أصل في الكلام.\rوعلى هذا كَانَ هذا القول -أي القول الثاني- قولاً بعيداً لأن القول بزيادة الحرف للتأكيد أولى من القول بزيادة الاسم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689185,"book_id":1659,"shamela_page_id":311,"part":null,"page_num":311,"sequence_num":311,"body":"الوجه الثالث من الإعراب: أنه ليس في الآية زيادة أصلاً، فعندما تقول العرب: (مثلك لا يفعل كذا) فكأنهم قالوا: (أنت لا تفعل كذا) ، أي: مثلك لا يليق به القبائح، ويأتوا بكلمة \" مثل \" والمقصود بها أنت المخاطب، فقوله سبحانه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ أي ليس كذاته شيء، ليس كهو شيء، وعلى هذا تكون \" مثل \" غير زائدة وإنما جرت عَلَى أسلوب العرب وأتى بـ \"مثل\" للمبالغة وقالوا في معنى المبالغة: ليس كمثله مثل -لو فرض له مثل- فكيف ولا مثل له، أي: ليس لله ﷿ مثل، لكن لو فرض ذلك فإنه ليس لمثله مثل، فيكون هذا المعنى أقوى في نفي المثلية عن الله ﷿.\r\rوأصحاب هذا القول لا يريدون أن يثبتوا الزيادة في كلام الله تَعَالَى لأن بعض النَّاس عندما يسمع بعضهم يقول: \" لا \" زائدة في قوله تعالى: لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [القيامة:١] يقول: لا يجوز أن نقول: إن في القُرْآن شيء زائد.\rوكذلك في هذه الآية إنما فيها معنى أصلي والآن نعرف المقصود بالزيادة في كلام الله.\r\rالمقصود بالزيادة في كلام الله","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689186,"book_id":1659,"shamela_page_id":312,"part":null,"page_num":312,"sequence_num":312,"body":"والحقيقة أن قولهم: هذه الكلمة زائدة، لا يعني أن في القُرْآن شيئاً زائداً يمكن أن نستغني عنه أو لا قيمة له، كلا، إنما المقصود أن هذه الاصطلاحات وضعت لمعرفة معاني الألفاظ، ومعاني الكلمات والجمل لا أكثر ولا أقل، ولا شك أن قوله تعالى: لا أُقْسِمُ بِيَوْمَ القِيَامَةِِيَامَةِ [القيامة:١] أبلغ وآكد من قوله: أقسم بيَوْمَ القِيَامَةِ، ومثله قوله تعالى: هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ [فاطر:٣] ففي أصل الكلام ليس هناك خالق غير الله فلفظة (مِن) زائدة من ناحية لفظية، وأما من ناحية المعنى فلها فائدة عظيمة وهي: التعميم، فإن جملة: هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ أقوى من قول: (هل خالق غير الله) فظهر بهذا أن هذه الكلمات الزائدة تعطي معانٍ عظيمة لولاها لما حصلت هذه المعاني، وكما تحصل الفائدة في زيادة بعض الكلمات أيضاً تحصل الفائدة في الحذف، وهذا معروف في لغة العرب. وبهذا نكون قد أوضحنا الثلاثة الأوجه الواردة في الآية.\rقال أبو جعفر الطّّحاويّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:\r[خلق الخلق بعلمه] .\r\rقَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:\r[خلق: أي: أوجد وأنشأ وأبدع، ويأتي خلق أيضاً بمعنى: قدر. والخلق: مصدر، وهو هنا بمعنى المخلوق، وقوله (بعلمه) في محل نصب عَلَى الحال، أي: خلقهم عالماً بهم، قال تعالى: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [لملك:١٤] وقال تعالى: وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ * وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَار [الأنعام:٥٩-٦٠] وفي ذلك رد علىالمعتزلة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689187,"book_id":1659,"shamela_page_id":313,"part":null,"page_num":313,"sequence_num":313,"body":"قال الإمامعبد العزيز المكي صاحب الإمام الشَّافِعِيّ ﵀ وجليسه، في كتاب الحيدة الذي حكى فيه مناظرته بشراً المريسي عند المأمون حين سأله عن علمه تعالى: فَقَالَ بشر: أقول: لا يجهل.\rفجعل يكرر السؤال عن صفة العلم، تقريراً له، وبشر يقول: لا يجهل، ولا يعترف له أنه عالم بعلم، فَقَالَ الإمام عبد العزيز: نفي الجهل لا يكون صفة مدح، فإن قولي هذه الأسطوانة لا تجهل، ليس هو إثبات العلم لها وقد مدح الله تَعَالَى الأَنْبِيَاء والملائكة والمؤمنين بالعلم، لا بنفي الجهل.\rفمن أثبت العلم فقد نفى الجهل، ومن نفى الجهل لم يثبت العلم، وعلى الخلق أن يثبتوا ما أثبته الله تَعَالَى لنفسه وينفوا ما نفاه، ويمسكوا عما أمسك عنه.\r\rوالدليل العقلي عَلَى علمه تعالى: أنه يستحيل إيجاده الأشياء مع الجهل، ولأن إيجاده الأشياء بإرادته، والإرادة تستلزم تصور المراد، وتصور المراد: هو العلم بالمراد، فكان الإيجاد مستلزماً للإرادة، والإرادة مستلزمة للعلم، فالإيجاد مستلزم للعلم، ولأن المخلوقات فيها من الإحكام والإتقان ما يستلزم علم الفاعل لها؛ لأن الفعل المحكم المتقن يمتنع صدوره عن غير علم؛ ولأنُ من المخلوقات ما هو عالم، والعلم صفة كمال، ويمتنع أن لا يكون الخالق عالماً وهذا له طريقان:\r\rأحدهما: أن يُقَالَ: نَحْنُ نعلم بالضرورة أن الخالق أكمل من المخلوق، وأن الواجب أكمل من الممكن، ونعلم ضرورة أنا لو فرضنا شيئين، أحدهما: عالم والآخر: غير عالم، كَانَ العالم أكمل، فلو لم يكن الخالق عالماً لزم أن يكون الممكن أكمل منه، وهو ممتنع.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689188,"book_id":1659,"shamela_page_id":314,"part":null,"page_num":314,"sequence_num":314,"body":"الثاني: أن يُقَالَ: كل علم في الممكنات، التي هي من المخلوقات، فهو منه، ومن الممتنع أن يكون فاعل الكمال ومبدعه عارياً منه بل هو أحق به. والله تَعَالَى له المثل الأعلى، ولا يستوي هو والمخلوقات، لا في قياس تمثيلٍ، ولا في قياس شمولٍ، بل كل ما ثبت للمخلوق من كمال فالخالق به أحق، وكل نقص تنزه عنه مخلوق ما فتنزيه الخالق عنه أولى] اهـ.\rالشرح:\r\rانتقل المُصنِّفُ ﵀ إِلَى الفقرة الثامنة عشرة، وموضوعها إثبات صفة العلم لله ﷾.\rوالأدلة عَلَى ذلك من الكتاب والسنة والفطرة والعقل.\rفأبو جعفر الطّّحاويّ ﵀ تَعَالَى يقول: (خلق الخلق بعلمه) كما قال الشارح: أي: خلقهم عالماً بهم، أي خلقهم حال كونه عالماً بهم، وفي هذا إثبات العلم لله سبحانه.\rالعرب في الجاهلية يؤمنون بصفة العلم لله\rلقد كَانَ العرب في الجاهلية يؤمنون بذلك وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّه [لقمان:٢٥] فكل من يثبت أن الله هو الخالق عليه أن يثبت أن الله ﷾ عالم، وفي هذا رد عَلَى من ينكر هذه الصفة -صفة العلم- ويستدل عَلَى ذلك أيضاً بما ورد من الآيات كقوله تعالى: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:١٤] ، وقوله: وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [التحريم:٢] ، وقوله: وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً [النساء:٩٢] .\r\rالأدلة النقلية والعقلية في إثبات صفة العلم لا تحصى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689189,"book_id":1659,"shamela_page_id":315,"part":null,"page_num":315,"sequence_num":315,"body":"وأمثال ذلك من الآيات والأحاديث والأدلة العقلية كثيرة لا تحصى ولا تحصر في إثبات علم الله ﷾، ومنها ما تقدم الحديث عنه وهو المرتبة الأولى من مراتب القدر: وهو العلم بأن الله ﷾ يعلم ما كان، وما سيكون، وما لم يكن لو كَانَ كيف يكون، وأنه ﷾ قد كتب ذلك كله وقدره وهو عليم به -جل شأنه- وأن وقوع الشيء وفق ما قضاه وقدره لا يزيد الله ﷾ علماً بالشيء، فإنه يعلمه عَلَى صفته التي سيكون عليها قبل أن يكون.\rومن ذلك آيات علم الغيب قاطبة، ولهذا استدل المُصْنِّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- بآية الأنعام:وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ [الأنعام:٥٩] وأمثال ذلك من الآيات الدالة عَلَى أن الله ﷾ هو المتفرد بعلم الغيب.\r\rفهذا إثبات لصفة العلم، والذين ينكرون صفة العلم: هم الجهمية، ومن هَؤُلاءِ الجهمية بشر المريسي ولذلك نقل المُصْنِّف نصاً عن عبد العزيز الكناني -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- وعبد العزيز الكناني أو المكي تلميذ من تلاميذ الإمامالشَّافِعِيّ، وكان من جلسائه وخاصته.\r\rوتوفي الإمامالشَّافِعِيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- قبل أن تفشو فتنة القول بخلق القرآن، ويظهر أمرالجهمية، وبعضهم يقول: إنه أدرك ذلك؛ لكنه اتخذ سبيل التورية ونجا، لكن الأظهر أن الإمام الشَّافِعِيّ ﵀ لم يدرك ذلك وإنما أدركه تلاميذه، ومنهم عبد العزيز المكي أو الكناني، فلما ظهرت هذه الفتنة وفشت عند المأمون، رحل عبد العزيز الكناني - كما بين ذلك في كتابه الحيدة - إِلَى الخليفة المأمون، واستعد لمناظرة ـبشر المريسي أمام النَّاس عَلَى الملأ، ومناظرة الذين ينكرون صفات الله ﷾ ويحرفون كتاب الله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689190,"book_id":1659,"shamela_page_id":316,"part":null,"page_num":316,"sequence_num":316,"body":"ثُمَّ كتب الإمام عبد العزيز المكي خلاصة ما دار بينه وبين هَؤُلاءِ القوم في كتابه المسمى الحيدة.\rمع العلم أن هناك من يقول: إن كتاب الحيدة لا تصح نسبته للإمام عبد العزيز الكناني.\rوأقول: قد لا يكون الكتاب بهذا الشكل المتكامل له؛ لأن فيه بعض زيادات غيره، لكن الكتاب والقضية لهما أصل، والحوار هذا قد جرى ووقع، فقد يكون الذي كتب هذا الكتاب والمناظرة ابن عبد العزيز الكناني الذي اصطحبه معه من مكة إِلَى بغداد ليناظربشر المريسي.\rأما بشر فهو رجل يهودي، كَانَ أبوه صباغاً يهودياً - كما قال ذلك الإمام أحمد.\rوهذا الرجل تعلم الفلسفة وتعلم الكلام ليفسد به دين الإسلام،\r\rوكان زميلاً للقاضيأبي يوسف المعروف، وكان القاضي يقول له: يا بشر! إما أن تدع الكلام، أو تفسد علينا خشبة، يعني: نصلبك عَلَى خشبة فنخسر هذه الخشبة، لكنَّ بشراً عاند، وأخذ يتعلم هذه العلوم، وهذه الثقافات، يعارض بها كتاب الله ﷾، وكان عَلَى مذهب الجهم بن صفوان في نفي صفات الله ﷾.\r\rحتى أنه ورد أن أم بشر جاءت إِلَى أحد علماء الْمُسْلِمِينَ فقالت له: إن أباه كَانَ يهودياً، وإنه عَلَى دين أبيه، وإنما يريد أن يفسد دينكم بهذا العلوم (بعلم الكلام) الذي جَاءَ به.\r\rوقد رد الإمام المحدث الجليل عثمان بن سعيد الدارمي عَلَى بشر المريسي في كتابه المشهور المعروف: الرد عَلَى بشر المريسي العنيد، أو (رد الإمام عثمان بن سعيد على بشر المريسي العنيد) ، فرد عليه، وأثبت كثيراً من الصفات التي كَانَ بشر ينكرها ومنها صفة العلم، فبشر والجهمية عموماً يقولون في صفة العلم: ليس بجاهل، وهذا كما قلنا: أولاً: وجود مطلق لا يوصف بشيء إلا بالسلوب، يعني النفي فقط.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689191,"book_id":1659,"shamela_page_id":317,"part":null,"page_num":317,"sequence_num":317,"body":"فينفون عن الله الجهل ولا يثبتون له العلم، كما كَانَ يقول الإمام عبد العزيز في مناظرته لبشر: الله عالم أو الله يعلم، فيقولبشر: لا يجهل، فهذا يكرر السؤال وذاك يكرر الجواب لا يزيد عَلَى قوله: لا يجهل لا يجهل.\r\rفقال له الإمام عبد العزيز الكناني بعد ذلك: لو قلت هذه الأسطوانة لا تجهل لم يكن ذلك مدحاً لها بأنها تعلم.\r\rوكما قال المصنف: نفي الجهل لا يعني إثبات العلم ولكن إثبات العلم يعني نفي الجهل، فكان هذا مما أفحم به الإمام عبد العزيز الكناني بشراً في مجلس الخليفة.\r\rوقد مدح الله تَعَالَى الأَنْبِيَاء والملائكة والمؤمنين بالعلم لا بنفي الجهل، فمن أثبت العلم فقد نفى الجهل، ومن نفى الجهل لم يثبت العلم وعلى الخلق أن يثبتوا ما أثبته الله تَعَالَى لنفسه وينفوا ما نفاه، ويمسكوا عما أمسك عنه، ما أجمل هذه العبارات التي قالها الإمامعبد العزيز وأرشد الخلق إليها \"أن يثبتوا لله ما أثبته لنفسه، وينفوا ما نفاه، ويمسكوا عما أمسك عنه\" وهذه هي القاعدة العامة في مثل هذه الصفات: صفة العلم وغيرها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689192,"book_id":1659,"shamela_page_id":318,"part":null,"page_num":318,"sequence_num":318,"body":"ثُمَّ انتقل المُصْنِّف ﵀ إِلَى الدليل العقلي، وهذا الدليل قد سبق معنا عَلَى شكل قاعدة من القواعد التي نعرف بها إثبات الصفات، والتي نستدل بها عَلَى أن الفطرة الإِنسَانية والعقل الإِنسَاني يثبت صفات الله ﷿ وأن له الكمال المطلق ﷿ وهذه القاعدة هي: (كل صفة كمال لا نقص فيها بوجه من الوجوه فالله ﵎ أحق بها) فلو أخذنا صفة العلم وجدناها صفة كمال، والمخلوق يمدح بأنه عالم، وكلما كَانَ المخلوق أكثر علماً كلما كَانَ هذا زيادة في مدحه، فنقول: هو أكثر علماً من فلان، فالذي له المثل الأعلى ﷾ يجب أن يثبت له العلم من باب الأولى، والمخلوق إنما استمد علمه مما أعطاه الله إياه من العلم، وهذه القاعدة فصلها المُصْنِّف فيما سيذكره، يقول: (الدليل العقلي عَلَى علمه -تعالى- أنه يستحيل إيجاده الأشياء مع الجهل) هذا الأمر الأول، لأن الذي يؤمن بأن الله هو الذي خلق الكون، وخْلقُ هذه الأشياء يثبت لله صفة العلم، لاستحالة وجود هذه الأشياء مع الجهل، ولا يخلقها إلا من يعلمها كما قال تعالى: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:١٤] ﷾.\rالأمر الثاني: أن الإيجاد والخلق لا يكون إلا بإرادة، فالإِنسَان عندما يريد أن يعمل أي عمل، فإن ذلك العمل لا بد أن يُسبق بإرادة وتصور، وهذا معنى قول المصنف: ولأن إيجاده الأشياء بإرادته، فالإرادة تستلزم تصور المراد، وأن يكون معلوماً عند الفاعل، فتصور المراد هو العلم بالمراد، فكان الإيجاد مستلزماً للإرادة، والإرادة مستلزمة للعلم، وعليه فالإيجاد مستلزم للعلم، فإيجاد الله تَعَالَى للمخلوقات يقتضي أن يكون عالماً بها، وإن كنا لم نعرف الحقيقة الكاملة لعلم الله ﷿؛ لكن المقصود حقيقة الإيمان بعلم الله ﷿.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689193,"book_id":1659,"shamela_page_id":319,"part":null,"page_num":319,"sequence_num":319,"body":"وأن الناظر إِلَى الآيات الكونية والآيات النفسية والآيات الآفاقية، يجد أنها تدل دلالة قاطعة ليس معها شك ولا ريب عَلَى أن الذي خلق هذه متصف بصفة العلم، وأن هذا العلم لا يمكن للمخلوق أن يتصوره ولا يمكن للإدراك البشري أن يصل إليه عَلَى الإطلاق. هذه أدلة فطرية وحسية وعقلية يسقط معها ويتهافت. قول من يقول: إننا لا نثبت لله تَعَالَى العلم، بل ننفي عنه الجهل.\r\rولا يدخل الله ﷾ تحت قياس البشر لا في قياس التمثيل، ولا في قياس الشمول، يقول: (بل كل ما ثبت للمخلوق من كمال فالخالق أحق به وكل نقص تَنزّه عنه مخلوقاً ما فتنزيه الخالق عنه أولى) ، وهذه القاعدة يمكن أن نضيف إليها قيداً فنقول: (كل ما ثبت للمخلوق من كمال لا نقص فيه بوجه من الوجوه فالله ﷾ أولى به) .\rهذه هي الفقرة الثامنة عشر المتعلقة بإثبات صفة العلم لله ﷾، والرد عَلَى من أنكرها. والأدلة عَلَى إثبات العلم أكثر من هذا وإنما المقصود هنا التعرض لمذهب الجهمية النفاة وبيان بطلانه عقلاً ونقلاً.\r\rثُمَّ تأتي الفقرة التاسعة عشرة.\r\rقال أبو جعفر الطّّحاويّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:\r[وقدَّر لهم أقداراً]\r\rقَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:\r[قال تعالى:: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً [الفرقان:٢] وقال تعالى: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر:٤٩] وقال تعالى: وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً [الأحزاب:٣٨] وقال تعالى: الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى [الأعلى:٣،٢] ، وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ أنه قَالَ: (قدر الله مقادير الخلق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه عَلَى الماء) ] اهـ.\rالشرح:\r\rأقول: إن جملة: [وقدر لهم أقداراً] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689194,"book_id":1659,"shamela_page_id":320,"part":null,"page_num":320,"sequence_num":320,"body":"فيها دليل عَلَى إثبات القدر والمقادير أو التقدير.\rفأول ما خلق الله القلم قال له: اكتب فكتب مقادير كل شيء، فلا يقع بعد ذلك شيء في الدنيا إلا وهو موافق ومطابق لما كتبه الله ﷾، ولا يمكن أن يرد أحد من النَّاس ما قدره الله ﷾ وقضاه.\rوقد سبق شرح هذا في مبحث الإرادة.\r\rومن أركان الإيمان الستة: أن يؤمن الإِنسَان بالقدر أي: بأن الله ﷾ عالم بكل شيء، وذلك قبل أن توجد هذه الأشياء وقبل أن تخلق، وأنه قدر كل ما كَانَ وما سيكون وكتب ذلك عنده، وأن الخير والشر من عند الله ﷾، ولا يتنافى هذا مع ما قد سبق تقريره من أن سبب الخير فضل من الله ﷾ وسبب الشر ذنب العبد، ثُمَّ إن ما كتبه - سبحانه - وقدره لا معقب له، ولا راد لقضائه بأي وجه من الوجوه، بل كما قال النبي ﷺ: (واعلم أن الأمة لو اجتمعت عَلَى أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ولو اجتمعوا عَلَى أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام، وجفت الصحف) .\r\rفهذا دليل من أدلة كثيرة عَلَى أن الله ﷾ قد كتب القدر، وقدر المقادير أو التقدير.\rالفرق بين القدر والتقدير\rوالتقدير بمعنى: الخلق ومقادير المخلوقات بمعنى الموازين التي توزن به، وخلق الله ﷾ كل شيء بقدر قال تعالى: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً (الفرقان:٢] فقوله: فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً هو من هذا الباب أيضاً من باب التقدير الذي هو بمعنى وضع الأمور أي بخلق كل شيء، عَلَى مقتضى الحكمة التي قدرها الله ﷾ وشاءها، فهذه مقادير المخلوقات من الحياة والموت، ومن الحجم والطول والعرض.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689195,"book_id":1659,"shamela_page_id":321,"part":null,"page_num":321,"sequence_num":321,"body":"وتقدير الأمور هو أيضاً من خلق الله ﷾، كما قال سبحانه: الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى [الأعلى:٢-٣] فهذا من \"التقدير\" لا من \"القدر\"، وإن كَانَ المعنى اللفظي واحد، والفرق بينهما أن القدر الذي هو ركن من أركان الإيمان وهو الإيمان بأن الله ﷾ علم كل شيء، وكتبه، وقضاه، وقدره، وأنه لا يقع إلا وفق ما علمه ﷾ وكتبه وقدره وقضاه، وأنه لا يخرج عن هذا الأمر شيء، وأما إيماننا بتقدير الله مقادير المخلوقات فهذا جزء من إيماننا بأنه هو وحده الخالق، الحكيم، البارئ، المصور ﷾، وهذا الحديث قد سبق أن شرحناه وشرحنا قوله: وإن الله قدر مقادير الخلق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه عَلَى الماء.\rولم يخالف في إثبات القدر إلا القدرية ومن المعلوم أن مراتب القدر أربع: ومن القدرية من خالف في إثبات المرتبة الأولى وهي العلم، وهذه أقل فرقهم وقد سبق أن ذكرنا أن من أنكر العلم من القدرية فهو كافر.\rأكثر الاختلاف في القدر هو في باب أفعال المخلوقين\rأكثر الخلاف في القدر هو في أفعال المخلوقين وليس في العلم، ولهذا جَاءَ بالجملة التالية وهي امتداد لهذه الجملة، ليرد بذلك علىالمعتزلة الذين يقولون: إن الآجال ليست من تقدير الله ﷾، أو أن الآجال تقع خلاف ما كتب الله عَلَى النحو الذي سنفصله.\rيقول أبو جعفر الطّّحاويّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:\r[وضرب لهم آجالا]\r\rقَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689196,"book_id":1659,"shamela_page_id":322,"part":null,"page_num":322,"sequence_num":322,"body":"[يعني: أن الله ﷾ قدر آجال الخلائق، بحيث إذا جَاءَ أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون. قال تعالى: إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [يونس:٤٩] وقال تعالى: وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُؤَجَّلاً [آل عمران: ١٤٥] ، وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود قَالَ: (قالت أم حبيبة زوج النبي ﷺ ورَضِيَ اللهُ عَنْها: اللهم أمتعني بزوجي رَسُول الله، وبأبي أبي سفيان، وبأخي معاوية، قَالَ: فَقَالَ النبي ﷺ: قد سألت الله لآجال مضروبة، وأيام معدودة، وأرزاق مقسومة، لن يعجل شيئاً قبل حله، ولن يؤخر شيئاً عن حله، ولو كنت سألت الله أن يعيذك من عذاب في النَّار وعذاب في القبر كَانَ خيراً وأفضل) فالمقتول ميت بأجله، فعلم الله تَعَالَى وقدَّر وقضى أن هذا يموت بسبب المرض، وهذا بسبب القتل، وهذا بسبب الهدم، وهذا بسبب الحرق، وهذا بالغرق، إِلَى غير ذلك من الأسباب، والله سبحانه خلق الموت والحياة، وخلق سبب الموت والحياة.\rوعند المعتزلة: المقتول مقطوع عليه أجله، ولو لم يقتل لعاش إِلَى أجله فكأن له أجلان.\rوهذا باطل؛ لأنه لا يليق أن ينسب إِلَى الله تَعَالَى أنه جعل له أجلاً يعلم أنه لا يعيش إليه ألبتة، أو يجعل أجله أحد الأمرين، كفعل الجاهل بالعواقب، ووجوب القصاص والضمان عَلَى القاتل لارتكابه المنهي عنه ومباشرته السبب المحظور.\rوعلى هذا يخرج قوله ﷺ: (صلة الرحم تزيد في العمر) أي: سبب طول العمر.\rوقد قدر الله أن هذا يصل رحمه فيعيش بهذا السبب إِلَى هذه الغاية، ولولا ذلك السبب لم يصل إِلَى هذه الغاية.\r\rولكن قدر هذا السبب وقضاه، وكذلك قدر أن هذا يقطع رحمه فيعيش إِلَى كذا، كما قلنا في القتل وعدمه] اهـ.\rالشرح:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689197,"book_id":1659,"shamela_page_id":323,"part":null,"page_num":323,"sequence_num":323,"body":"قول أبي جعفر الطّّحاويّ ﵀: (وضرب لهم آجالاً) هذه الجملة مأخوذة ومستنبطة من الآيات الكثيرة الدالة عَلَى أن الله ﷾ قد جعل للخلق آجالاً فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [النحل:٦١] كما هو معلوم من آي كثيرة.\rثُمَّ يقول المُصْنِّف ﵀: [يعني أن الله ﷾ قدر آجال الخلائق بحيث إذا جَاءَ أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون قال تعالى: فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [النحل:٦١] . وقال تعالى: وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُؤَجَّلاً [آل عمران:١٤٥] وذكر الحديث الذي في صحيح مسلم، وفيه إثبات الآجال، وأن الله ﷾ جعل لكل مخلوق أجلاً، وهذا ثابت بنفس الآيات والأدلة التي تثبت القدر، ومنها الحديث الصحيح عنعبد الله بن مسعود ﵁ في أن الجنين (يكتب رزقه وعمله وأجله وشقي أم سعيد) فيؤمر الملك بكتب أربع كلمات، منها: الأجل، أي: أجل الإِنسَان، فليس هناك أي مجال لأن يتوقع أحد أن هذا الأجل يمكن أن يُغَيَّر ويمكن أن يُبَدَّل وقد كتبه الله ﵎ عَلَى الإِنسَان وهو لا يزال في بطن أمه؛ ليقطع الأمل؛ ويقطع تعلق النَّاس بأن أحداً غير الله يملك أن يمد في عمر فلان أو يقصر من عمر فلان، أو أنه إذا قتل فلاناً فإنه قد انتقصه شيء من عمره.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689198,"book_id":1659,"shamela_page_id":324,"part":null,"page_num":324,"sequence_num":324,"body":"والآجال والأرزاق قد قدرت وكتبت كما جَاءَ في الحديث الصحيح الآخر، يقول النبي ﷺ: (إن روح القدس -وهو جبريل ﵇ نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب) ، أي: إذا طلب الواحد شيئاً من أمور الدنيا فليطلبه بإحسان وليجمل في الطلب ولا يلح؛ فإنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها حتى آخر لحظة من لحظات الدنيا وهي ساعة الاحتضار فإن بقي له في تلك الساعة لقمة من طعام أو شربة من حساء أخذها، وكذلك العمر لن تموت نفس حتى تستوفي ما كتب الله لها من العمر وإن كَانَ لحظة واحدة أو نفساً واحداً، فإن الله ﷾ قد أحصى كل شيء، وهو العليم بكل شيء، وهو الذي قدر مقادير كل شيء، طويت الصحف ورفعت الأقلام، وما عَلَى العباد إلا التسليم والانقياد والإذعان والإيمان بكل ما يقدره الله ﷿ ويقضيه.\rأما حديث أم حبيبة بنت أبي سفيان ﵄ فهو حديث صحيح، وقد دعت الله ﷾ وسمعها النبي ﷺ وهى تدعو الله أن يمتعها بزوجها رَسُول الله ﷺ وبأبيها وبأخيها، وهكذا النفس البشرية تتمنى وتتعطش إِلَى الخلود، وتدعو وترجو أن تخلد أو يخلد من تحب، وهذا شيء موجود في النفس البشرية، وليس هذا بذاته بمحظور مادام أن الله تَعَالَى قد جعله، وله فيه حكم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689199,"book_id":1659,"shamela_page_id":325,"part":null,"page_num":325,"sequence_num":325,"body":"وهذا الشيء هو الذي جعل أبانا آدم يطيع الشيطان في قوله: إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ [الأعراف:٢٠] لما أغراه الشيطان بالخلود ولأن النفس الإِنسَانية تكره الموت والانقطاع وهذا هو الذي أشغل أبانا عن قضية أنه إذا أكل وقع في معصية الله ﷿، وأنساه عما أمر به الله ﷾. فالشاهد أن أم حبيبة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْها لما دعت بذلك وسمعها النبي ﷺ قَالَ: (قد دعوت الله بآجال مضروبة، وأيام معدودة، وأرزاق مقسومة) ، فلن يزيد عمر أحد يوماً واحداً، ولن يزيد رزقه ذرة واحدة، ولن يتأخر أجله ولو لحظة واحدة بسبب هذا الدعاء الذي قد يدعو به الإِنسَان، أو بأي سبب من الأسباب التي يلجأ إليها الإِنسَان. وأرشدها النبي ﷺ إلى الأولى والأحرى والأجدى فقال لها: (لن يعجل شيئا قبل أجله، ولن يؤخر شيئاً عن أجله، ولو كنت سألت الله أن يعيذك من عذاب في النَّار وعذاب في القبر كَانَ خيراً وأفضل) وهذا من آداب الدعاء، وهو أن الإِنسَان يسأل الله ﷾ أن يعيذه من عذاب النَّار ومن عذاب القبر، ويسأل الله ﷾ ما يتعلق بالنجاة وبالفوز الأخروي، هذا أهم وأولى ما يدعو به الإِنسَان، أما أن يدعو الإِنسَان بأمر فيه اعتداء، كالدعاء بطول العمر -مثلاً- وهو يعلم أن الله ﷾ قد ضرب أجلاً محدوداً، فهذا محرم، ومثله من يدعو الله بجميع أنواع الأدعية التي فيها اعتداء كدعاء الله أن يحي ميتاً من الأموات؛ بل عَلَى الإِنسَان أن يدعو بما فيه خيري الدنيا والآخرة، والأولى أن يدعو الله بما فيه علاقة بالفوز بالجنة والنجاة من النار.\r\rالرد على الجهمية والمعتزلة في قضية تقدير الله للآجال","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689200,"book_id":1659,"shamela_page_id":326,"part":null,"page_num":326,"sequence_num":326,"body":"ثُمَّ انتقل المُصْنِّف ﵀ بعد ذلك إِلَى بيان الرد عَلَى الجهمية والمعتزلة وخاصة المعتزلة في هذه القضية فذكر: أن الله ﷾ خلق الخلق وخلق أعمالهم، وخلق الموت وأسباب الموت، وخلق الحياة وأسباب الحياة، فهو الخالق لذلك كله، بخلافالمعتزلة الذين يقولون: إن العبد يخلق فعل نفسه، فعلى قولهم: لو أن أحداً قتل أحداً، فإن هذا القاتل قد قطع أجل المقتول الذي لو لم يقتله لعاش حتى يبلغه، ولهذا يقتل القاتل!\rفرد عليهم المُصْنِّف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: بأن الله ﷾ هو الذي خلق الموت، وخلق أسباب الموت، وهو الذي قدر أن هذا يموت بالحرق، وهذا بالغرق، وهذا يقتل بالسيف وهذا بالمرض.\rأما المعتزلة فقولهم واضح البطلان؛ لأنه يستلزم إثبات أجلين: أجلاً حقيقياً: وهو الذي قدر كما يقولون، وأجلاً واقعياً: وهو الوقت الذي بقي للمقتول.\r\rوهذا باطل؛ لأنه لا يليق أن ينسب إليه ﷾: أنه جعل للعبد أجلاً يعلم أنه لا يعيش إليه! وما الفائدة أن يجعل الله له أجل وهو يعلم أنه سيقتل دون أن يدركه، أو أن يجعل أجله أحد الأمرين كفعل الجاهل بالعواقب، وهَؤُلاءِ المعتزلة يقولون: إن الله أذن أن يعيش العبد ستين سنة -وأصل ضلالهم أنهم يقولون: إن أفعال العباد لا يخلقها الله- فلما قُتلَ وعمره أربعين سنة، فمعنى هذا أن الله ﷿ جعل له أجل أربعين، وأجل ستين إن لم يقتله أحد.\rوإذا قتله أحد فيما دون ذلك فيكون هذا هو الأجل الحقيقي، فكأنهم والعياذ بالله ينفون العلم عن الله ﷿ بدليل أنه لا يعلم أنه سيقتل، كل ذلك حتى يهربون من قضية أن الله هو الذي خلق أفعال العبد؛ لأنهم قالوا: إذا كَانَ الله هو الذي خلق فعل العبد فكيف يجازيه عليه؟ وإنما يجازى القاتل بالقتل حداً؛ لأنه قطع الأجل وهذا دلالة عَلَى الفعل إذا كَانَ الله خلق الفعل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689201,"book_id":1659,"shamela_page_id":327,"part":null,"page_num":327,"sequence_num":327,"body":"والرد عليهم كما ذكر المصنف: وجوب القصاص والضمان عَلَى القاتل وذلك لارتكابه المنهي عنه ومباشرته إياه برضاه وباختياره، فالذي قتل مسلماً معصوماً بريء الدم برضاه وباختياره مستوجب للقتل ومستحق له؛ لأنه ارتكب ما نهى الله تَعَالَى عنه، ولهذا فإن القاتل إذا كَانَ مجنوناً - مثلاً - فإنه لا يقتل وهذا دليل عَلَى أن القاتل يقتل، لا لأن القاتل قطع أجل الله الذي قدره للمقتول، كما تزعم المعتزلة، بل من أجل أن القاتل ارتكب ما نهى الله عنه ومباشرته السبب المحظور.\rثُمَّ يقول: (وعلى هذا يخرج قوله ﷺ: (صلة الرحم تزيد في العمر) أي: سبب طول العمر) ولفظ الحديث: (من أراد أن يُنسأ له في عمره، ويبارك له في رزقه، فليصل رحمه) .\rوقد يشكل فهم هذا الحديث عَلَى كثير من النَّاس مع ما قد قدره الله وكتبه من الآجال - كما في حديث ابن مسعود - وحتى يزول ذلك الإشكال لا بد أن يعلم أن الله خلق النتائج مثل الموت والحياة، وخلق ﷾ الأسباب: فقدر أن عمر هذا الإِنسَان ستين سنة -مثلاً- وقدر ﷾ أن من أسباب كون عمره ستين سنة أنه يصل رحمه، كما لو أن الله ﷾ قدر عمر إنسان ثمانين سنة، فلا يسلط عليه وباء ولا داء بل يرزقه الصحة والعافية، فهذه أسباب خلقها بها طال عمر هذا الإِنسَان إِلَى الثمانين، وما قيل في هذا الإِنسَان يُقال في الإِنسَان الأول الذي عمر ستين سنة فكانت صلة الرحم سبباً لطول عمره إِلَى هذا القدر، وعلى هذا فلا يفهم أن من المفترض أن يكون عمر إنسان ما خمسين سنة، فلما جَاءَ بصلة الرحم زاد عمره إِلَى السبعين مثلاً.\r\rقال الطّّحاويّ ﵀:\r[وحَبِيبُ رَبِّ الْعَالَمِينَ] .\r\rقَالَ المُصنِّفُ ﵀:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689202,"book_id":1659,"shamela_page_id":328,"part":null,"page_num":328,"sequence_num":328,"body":"[ثبت له ﷺ أعلى مراتب المحبة وهي الخلة، كما صح عنه ﷺ أنه قَالَ: (إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً) وقَالَ: (ولو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً ولكن صاحبكم خليل الرحمن) والحديثان في الصحيح وهما يبطلان قول من قَالَ: الخلة لإبراهيم والمحبة لمحمد، فإبراهيم خليل الله ومُحَمَّد حبيبه.\r\rوفي الصحيح أيضاً: (إني أبرأ إِلَى كل خليل من خلته) والمحبة قد ثبتت لغيره، قال تعالى: وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران:١٣٤] ، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [آل عمران: ٧٦] ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة: ٢٢٢] .\rفبطل قول من خص الخلة بإبراهيم والمحبة بمحمد، بل الخلة خاصة بهما، والمحبة عامة، وحديث ابن عباس ﵄ الذي رواه التِّرْمِذِيُ الذي فيه: (إن إبراهيم خليل الله ألا وأنا حبيب الله ولا فخر) لم يثبت.\r\rوالمحبة مراتب:\rأولها: العَلاقَةُ، وهي تعلق القلب بالمحبوب.\r\rوالثانية الإرادةُ، وهي ميل القلب إِلَى محبوبه وطلبه له.\r\rالثالثة: الصَبابةُ، وهي انصباب القلب إليه بحيث لا يملكه صاحبه، كانصباب الماء في الحدور.\r\rالرابعة: الغَرَامُ، وهي الحب اللازم للقلب ومنه الغريم لملازمته، ومنه: إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً [الفرقان:٦٥] .\r\rالخامسة: المَوَدَّةُ، والود، وهي صفو المحبة وخالصها ولبها، قال تعالى: سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً [مريم: ٩٦] .\r\rالسادسة: الشَّغَفُ، وهي وصول المحبة إِلَى شغاف القلب.\r\rالسابعة: العِشقُ، وهو الحب المفرط الذي يخاف عَلَى صاحبه منه، ولكن لا يوصف به الرب تَعَالَى ولا العبد في محبة ربه وإن كَانَ قد أطلقه بعضهم، واختلف في سبب المنع، فقيل: عدم التوقيف، وقيل: غير ذلك، ولعل امتناع اطلاقه: أن العشق محبة مع شهوة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689203,"book_id":1659,"shamela_page_id":329,"part":null,"page_num":329,"sequence_num":329,"body":"الثامنة: التَّتَيُّمُ، وهو بمعنى التعبد.\r\rالتاسعة: التَّعَبُّدُّ.\r\rالعاشرة: الخُلَّة، وهي المحبة التي تخللت روح المحب وقلبه.\rوقيل: في ترتيبها غَيْرُ ذلك.\rوهذا الترتيبُ تَقْرِيبٌ حسن يعرف حسنه بالتأمل في معانيه.\r\rواعلم أن وصف الله تَعَالَى بالمحبة والخلة هو كما يليق بجلال الله تَعَالَى وعظمته، كسائر صفاته تَعَالَى وإنما يوصف الله تَعَالَى من هذه الأنواع بالإرادة والود والمحبة والخلة حسبما ورد النص.\rوقد اختلف في تحديد المحبة عَلَى أقوال، نحو ثلاثين قولاً، ولا تحد المحبة بحد أوضح منها، فالحدود لا تزيديها إلا خفاء.\r\rوهذه الأشياء الواضحة لا تحتاج إِلَى تحديد كالماء والهواء والتراب والجوع والشبع ونحو ذلك] اهـ.\rالشرح:\r\rيقول الإمام: الطّّحاويّ ﵀: [وحبيب رَبِّ الْعَالَمِينَ] هذه الجملة معطوفة عَلَى الجمل السابقة في وصفه ﷺ والحديث عنه.\r\rوموضوع المحبة وعلاقتها بصفات الله ﷾ من الموضوعات التي ستأتي إن شاء الله في آخر الكتاب، وإن كانت أيضاً لا تأتي بالتفصيل اللازم، وإنما تأتي في مبحث الحديث عن الخُّلة والمحبة في الفقرة التي يقول فيها الإمام الطّّحاويّ ﵀: [ونقول: إن الله اتخذ إبراهيم خليلاً وكلم الله موسى تكليماً إيماناً وتصديقاً وتسليماً] .\rالرد على من نفوا محبة الله\rصفة المحبة اختلف فيها أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ مع الجهمية والمعتزلة، فأما الجهمية ومن اتبعهم، فإنهم قالوا: إن الله ﵎ لا يُحِب ولا يُحَب، فنفوا العلاقة من الطرفين، قالوا: فالله تَعَالَى لا يجوز أن نصفه بأنه يحب أحداً من خلقه، لأن هذا مما لا يليق في حقه، كما يزعمون.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689204,"book_id":1659,"shamela_page_id":330,"part":null,"page_num":330,"sequence_num":330,"body":"وقالوا أيضاً: إن الله تَعَالَى لا يُحَبُّ، فلا نقول إن أحداً يحب الله، لأن الله يتنزه أيضاً عن ذلك بزعمهم، وقولهم هذا ليس عليه أي دليل لا من كتاب ولا من سنة ولا عقل، إلا أن الله ﵎ حجب عقولهم وقلوبهم عن أشرف شيء، كما يقول ذلك الإمام ابن القيم في مدارج السالكين: هَؤُلاءِ الذين أنكروا محبة الله قد جعلوا عَلَى قلوبهم هذا الحجاب الغليظ الكثيف بينهم وبين الله ﵎، وأي حجاب وأي غفلة أعظم من أن يعتقد الإِنسَان [أنه لا يحب الله وأن الله لا يحبه] ، نسأل الله السلامة والعافية وهذا من طمس القلوب، وهذه عقيدة ليس عليها أي دليل، إنما هي مقولة منقولة عن علماء وفلاسفة اليونان الأقدمين -وهم مُشْرِكُونَ- نقلها عنهم الجهمية وجعلوها ديناً يدينون به وأرادوا أن يفرضوها عَلَى الأمة الإسلامية أيضاً، فَقَالُوا: إنه ﷾ يتنزه عن أن يُحِب أو أن يُحَب، ورد عليهم أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ بما لا يخفى من الأدلة.\r\rومنها ماذكره المؤلف ﵀ من الآيات وهي: وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران:١٣٤] ، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [آل عمران:٧٦] إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة:٢٢٢] ، قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران:٣١] .\r\rفالآيات والأحاديث الكثيرة صريحة في أن الله ﷾ يُحِبُ ويُحَب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689205,"book_id":1659,"shamela_page_id":331,"part":null,"page_num":331,"sequence_num":331,"body":"بل إن المحبة هي أساس كل عمل وكل عبادة قلبية، كما أن أسس كل عبادة عملية هو الصدق، فالمحبة أساس لجميع العبادات، وبيان ذلك أن الإِنسَان إذا صلى وهو لا يجب الصلاة ولا يحب من يصلي له، فإن صلاته لا تكون مقبولة، وكذلك إذا زكى أو حج وهو لا يحب من زكى له ولا من حج له فهذه الزكاة وهذا الحج ونحوهما من الأعمال لا تُقبل، وهكذا لوتأملنا لوجدنا أنه كما قال شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ في مجموع الفتاوى: \"إن المحبة هي أساس كل عمل باطن، من أعمال القلب، ثُمَّ بعد ذلك تتفرع منها بقية الأعمال \" فأي عمل تعمله الجوارح ولا يرتكز عَلَى المحبة القلبية، فإنه مثل ما لو كَانَ لا يرتكز عَلَى الصدق، فلو أن أحداً صلى، وهو غير صادق في صلاته كَانَ يصلي صلاة كذب واستهزاء، فإن صلاته لا تقبل.\rولهذا يقول الله ﵎: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ [البقرة:١٦٥] فالمُشْرِكُونَ يحبون الله، ويحبون أصنامهم سواء، ولكن المؤمنين يحبون الله ﵎ أكثر من محبة الْمُشْرِكِينَ لله تَعَالَى ولأصنامهم عَلَى القولين المذكورين في الآية، فالمؤمنون أشد حباً لله والله ﵎ يحب من يتقرب إليه باتباع النبي ﷺ وطاعته كما قال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران:٣١]","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689206,"book_id":1659,"shamela_page_id":332,"part":null,"page_num":332,"sequence_num":332,"body":"وكما جَاءَ في حديث الولي: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليّ عبدي بشيءٍ أحبُّ إلي مما افترضته عليه وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي عليها ... ) الخ، وهذا الحديث أيضاً من الأدلة عَلَى أن الله ﷾ يحب وأن محبته ﵎ درجة عالية، يحظى بها الإِنسَان بالاجتهاد في طاعة الله، والاجتهاد في اتباع رَسُول الله ﷺ.\rهذا ما يتعلق بإثبات صفة المحبة، لكن الإمام الطّّحاويّ ﵀ قال في وصف نبينا مُحَمَّد ﷺ: [وحبِيبُ رَبِّ الْعَالَمِينَ] فهل معنى هذا أنه هو وحده حبيب رَبِّ الْعَالَمِينَ، أو أن معناه أن صفة المحبة أكمل من غيرها حتى تقال للنبي ﷺ، الواقع أن محبة الله ﷾ يشترك فيها المؤمنون جميعاً، وإن كَانَ للنبي ﷺ الحظ الأوفر من محبة الله ﵎.\r\rإذاً القضية ليست من أجل الاختصاص، فإذا كَانَ الإمام الطّّحاويّ اختارها؛ لأنها أكمل وأعلى، فإن هذا القول مرجوح؛ لأن المحبة ليست هي أعظم الصفات في بابها حتى نقول إن الرَّسُول ﷺ هو حبيب رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ بل أعظم صفة في هذا الباب أن نقول: هو خليل الله وهو خليل الرحمن.\r\rالخلة أعلا من المحبة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689207,"book_id":1659,"shamela_page_id":333,"part":null,"page_num":333,"sequence_num":333,"body":"فقولنا: إن محمداً خليل الله أو خليل الرحمن أعلى وأفضل من قولنا: حبيب الله أو حبيب الرحمن، ولهذا استدل عليه المُصْنِّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- فقَالَ: إنه قد ثبت له ﷺ أعلى مراتب المحبة، كما سيأتينا بيان أنواع المحبة وأعلى مراتبها وهي الخلة، وهي ثابتةٌ له ﷺ كما في الحديث: (إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً) فهما خليلان للرحمن جل شأنه،\rويقول النبي ﷺ في الحديث الذي رواه مسلم: (لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً) هذا لو كنت، أي: لو كَانَ لي من البشر خليل، لما في الروايات الأخرى: (إني أبرأ إِلَى الله أن يكون لي منكم خليل) فليس له من المخلوقين خليل، ولو أنه كَانَ متخذاً أحداً خليلاً من الصحابة لاتخذ أبا بكر ﵁ خليلاً، ولهذا لما (سُئل النبي ﷺ أيُّ النساء أحب إليك؟ قال: عَائِِِشَةَ، قَالَ: ومن الرجال؟ قَالَ: أبوها) وهوأبُو بَكْرٍ ﵁ حبيب رَسُول الله ﷺ، وأحب النَّاس إليه من المخلوقين، ولو كَانَ متخذاً خليلاً غير الله ﷾ لاتخذ أبا بكر خليلاً، لأنه أحب أصحابه إليه، ولكنه خليل الله فقط، كما أن الله ﵎ اتخذ إبراهيم خليلاً، فهما خليلان إبراهيم ومُحَمَّد ﷺ ولهذا قَالَ: (ولكن صاحبكم - يعني نفسه ﷺ خليل الرحمن) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689208,"book_id":1659,"shamela_page_id":334,"part":null,"page_num":334,"sequence_num":334,"body":"وهذا معلوم لا ينكره أحد إلا الجهمية كما قلنا، لكن الذين اختلفوا فيه من غير الجهمية قالوا: إن إبراهيم خليل الله ومُحَمَّد ﷺ حبيب الله، واضطرهم هذا إِلَى أن يقولوا: إن المحبة أفضل من الخلة؛ لأنهم يرون أن ما يثبت لرَسُول الله ﷺ أفضل مما يثبت لإبراهيم وأعلى.\r\rفَقَالُوا: إن المحبة أعلى من الخلة؛ لأن إبراهيم خليل الله ومحمداً ﷺ حبيب الله، واستدلوا بحديث رواه ابن عباس ﵄ أن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (إن إبراهيم خليل الله ألا وأنا حبيب الله ولا فخر) وهو حديث في سنده ضعاف لا تثبت به حجة، ولا ينهض لمعارضة الأحاديث الصحيحة التي سبقت.\rوهذا القول أن المحبة أعلى من الخلة قاله بعض الصوفية لأنهم يتعلقون بكلمة المحبة.\rوقد ذكرنا عبارةالسلف في ذلك وهي: \"من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبد الله بالخوف وحده فهو حروري -أي: خارجي- ومن عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبد الله تَعَالَى بالحب والخوف والرجاء فهو المؤمن الموحد\" فالخوارج يعبدون الله تَعَالَى بالخوف وحده، والمرجئة يعبدون الله بالرجاء وحده والصوفية يعبدون الله تَعَالَى بالمحبة وحدها كما يزعمون.\r\rولهذا يستحلون كثيراً من المحرمات ويتركون الواجبات إِلَى حد أن بعضهم يترك جميع التعبدات ويقول: إن الحبيب لا يعذب حبيبه حتى أن بعضهم يقول: إن قلبي مشغول بمحبة الله، وإذا أشغلتني محبته عن عبادته وعن الصلاة له فإنه لن يؤاخذني عَلَى شيء من ذلك لأنه يعلم أنه ما أشغلني عن طاعته وعن صلاته إلا محبتي له، هكذا يزعمون وهذه هي الزندقة، ولذلك قال العلماء هذه المقالة: \"من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق\"، وهكذا كَانَ حالهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689209,"book_id":1659,"shamela_page_id":335,"part":null,"page_num":335,"sequence_num":335,"body":"إذاً يبطل القول بأن الخلة خاصة بإبراهيم ﵇، وأن المحبة خاصة بمُحَمَّد ﷺ، لا سيما وأنَّا قد عرفنا أن الله تَعَالَى يحب المتقين، ويحب التوابين، ويحب المتطهرين، ويحب المحسنين، إِلَى غير ذلك مما جَاءَ في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ، فليست المحبة خاصة بالنبي ﷺ بل يدخل معه فيها كل من عمل عملاً صالحاً يرضاه الله ﷾ ويحبه.\r\rذكر المُصنِّفُ ﵀ مراتب المحبة ليبين لنا أن الخلة هي أعلى مراتب المحبة، والمحبة مراتبها كثيرة، ولكلٍ فيها وجهة نظر من حيث ترتيبها وتقسيمها.\rفبعض العلماء يرى أن هذه الدرجات من قبيل المترادفات؛ لأن الشعراء العرب عندما يذكرون الحب أو العشق أو الصبابة أو الخلة أو التتيم يذكرونها عَلَى أنها مترادفات، يعطف بعضها عَلَى بعض حسبما تقتضيه ضرورة البيت الشعري، فَيَقُولُ: إنه يحبه أو متيم به ... إلخ.\r\rلكن بعض العلماء حاول أن يتلمس فروق بين هذه الأنواع ويجعلها درجات، وهذا هو ما ذكره المُصنِّفُ هنا نقلاً عن الإمام ابن القيم رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى، فإنه حاول أن يُفصّل هذه الأنواع وهذه الأقسام، وأشار إِلَى ذلك أيضاً شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ ﵀.\rالعلاقة\rأول مراتب المحبة هي: التعلق، أو العلاقة ومعناها: وجود علاقة بين طرفين، وهذه هي الدرجة الدنيا في المحبة، وقد وردت في شعر العرب، كما يقول قال الأعشى:\rعُلّقتها عرضا وعَلِّقت رَجُلاً غيري وعُلِّق أخرى ذلك الرَّجُل\rفعُلق وتعلَّق بمعنى أحب.\rوعُلِّقتها: أي حُبِّبْت إلي وأحببتُها وحُبِّبْتُ فيها.\rوعُلِّقت رجلاً غيري، أي وهي تعلقت رجلاً آخر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689210,"book_id":1659,"shamela_page_id":336,"part":null,"page_num":336,"sequence_num":336,"body":"وعُلِّق أخرى ذلك الرجل: والرجل تعلق امرأة أخرى، أي: أحب تلك المرأة الأخرى، والعلاقة لم ترد في صفات الله تعالى، فلا يجوز لأحد أن يقول تعلقت الله، ولا يقول: إن الله تعلقه.\r\rالإرادة\rوالثانية: الإرادة وهي ميل القلب إِلَى المحبوب وطلبه له، وقد وردت الإرادة بمعنى المحبة لله، فالله ﷾ يقولوَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [الكهف:٢٨] فجاءت الإرادة في حق الله ﷾، وأنه ﷾ هو أعظم مراد، ولهذا كَانَ أيُّ عملٍ خالص لوجه الله، فإنه يُقَالَ: إنه أريد به وجه الله، فالذين يريدون وجهه في قوله تعالى: ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّه [الروم:٣٨] أي: يحبونه ويطلبونه، فهو مرادهم ومتمناهم وغايتهم، فأعظم غاية وأعظم مراد وأعظم مطلوب هو وجه الله ﵎ وكذلك إذا قلنا: إن الله يريد منا الصلاة أو يريد منا الصيام، أو يريد كذا مما شرعه الله.\rفمعنى ذلك أن الله ﷾ يحبه ويطلبه منا، كما سبق في أقسام الإرادة.\r\rالصبابة\rوالثالثة: الصبابة وقد جاءت في أشعار العرب، والعرب كانوا يسمون المحب صباً، فيُقَالُ: فلانٌ صبٌ، أي: محب عاشق مُتيّمٌ إِلَى آخر هذه الأوصاف؛ لأنها مشتقة من انصباب القلب وتوجهه وميله.\rفكأن صاحبه لا يملكه وإنما هو منصب مثل انصباب الماء في المنحدر فلا يملكه صاحبه، والصبابة لا تطلق عَلَى الله ﷿ لا منه ولا إليه ﷾.\r\rالغرام","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689211,"book_id":1659,"shamela_page_id":337,"part":null,"page_num":337,"sequence_num":337,"body":"والمرتبة الرابعة: الغرام، ومعناه: الحب الملازم للقلب كملازمة الغريم للغريم، يُقالُ: فلانٌ غَرِيمُ فلان، يعني خصمه الملازم له، الذي لا يدعه ولا يفكه، ولذلك قال الله ﷾ في سورة الفرقان في الحديث عن جهنم: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً [الفرقان:٦٥] أي: ملازماً دائماً، نسأل الله العفو والعافية، ولهذا لا يوصف الله ﷾ بالغرام وكذلك لا توصف محبة الله ﷾ بالغرام.\rويجب أن يعلم أن هذه الكلمات: الغرام والعشق والصبابة والعلاقة والتعلق، تستخدمها الصوفية، في حق الله ﷾، ولذلك يأتون إلى قصيدة قالها بعض الشعراء في معشوقته الحسية وهي المرأة فأخذوها وجعلوها في حق الله ﷾ كما هي تماماً مثل البيت الذي كانوا يرددونه دائماً وينسبونه إلى الشبلي يقول:\rإنَّ بيتاً أنتَ ساكنُهُ غيرُ محتاجٍ إِلَى السُرج\rوجهكَ المأمونُ حُجتنَّا يومَ يأتي النَّاس بالحججِ\rهذه أصلها قصيدة قالها أحد الشعراء في محبوبته، يقول: إن البيت الذي هي فيه لا يحتاج إِلَى سراج، وأن وجهها حجته يوم يأتي النَّاس بالحجج، يعني: إذا سأله الله لماذا ضيعت الفرائض وضيعت الطاعات، ما هي حجتك في دنياك؟ فَيَقُولُ: هذه هي الحجة، فوجدوا أن الأنسب في المعنى أن يكون وجه الله هو الحجة يوم يأتي النَّاس بالحجج، وفعلاً من حيث المناسبة إن الشاعر بالغ حيث جعل وجه محبوبته هو الوجه المأمون وهو الحجة، لكنهم جاءوا بها كما هي وجعلوها في حق الله ﷾، ونتج عن معنى البيت الأول:\rإنَّ بيتاً أنتَ ساكنُهُ غيرُ محتاجٍ إِلَى السُرج","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689212,"book_id":1659,"shamela_page_id":338,"part":null,"page_num":338,"sequence_num":338,"body":"اعتقادُ أنه ﵎ يحل في البيوت، كما يحل غيره تَعَالَى الله عن ذلك علواً كبيراً، وهم إذ يقولون هذا البيت وأمثاله، إن جاءهم أحد من أهل السنة وسألهم: لماذا تطلقون هذا عَلَى الله؟\r\rقالوا: نَحْنُ لا نعتقد هذا، ولا نقصد الحلول، وإنما استشهدنا ببيت من كلام العرب.\rبينما التلاميذ والمريدون حينما يقولونه تقع في قلوبهم هذه المعاني وتثبت وهو أنه ﷾ يحل حيثما كانوا موجودين وأمثلة ذلك كثيرة.\rفكانوا يأتون إِلَى أرق الأشعار مثل أشعار مهيار الديلمي وأشعار عمر بن أبي ربيعة، ويجعلون أبياتهم الشعرية التي تغزلوا بها في من أحبوها من النساء العشيقات في حق الله ﷾، ولذلك ينبغي لنا أن نعرف ما هي الألفاظ التي يجوز أن تستخدم في حق الله ﷿، وما هي الألفاظ التي لا يجوز أن تستخدم في حقه تعالى.\r\rالمودة\rالخامسة مرتبة المودة: والود: هو صفو المحبة ولُبُّها؛ لأن خلاصة المحبة يسمى وداً، وقد جَاءَ هذا في القُرْآن يقول ﵎: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً [مريم:٩٦] ومن صفاته تَعَالَى الودود، فهو ودود جل شأنه، وهذه من الصفات التي وردت وثبتت له ﷾.\r\rالشغف\rوالمرتبة السادسة هي الشغف، يقولون: باطن القلب الرقيق جداً هذا هو شغافه، فما ملك شغاف القلب، ووصل إليه فهذا غاية المحبة وأعلى مما سبق من المراتب، وقد جَاءَ ذلك في القُرْآن الكريم عند الحديث عن امرأة العزيز في حبها ليوسف ﵇ عَلَى لسان النسوة اللاتى في المدينة، قلن: قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً [يوسف:٣٠] يعني وصلت محبته في قلبها إِلَى شغاف القلب وباطنه، فتمكنت بحيث لا يمكن أن تخرج، ولا يمكن أن تغادره، ولا يمكن أن تنسى هذا الحب ولا أن تلتفت عنه.\rالعشق","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689213,"book_id":1659,"shamela_page_id":339,"part":null,"page_num":339,"sequence_num":339,"body":"المرتبة السابعة العشق: وهو الحب المفرط الذي يخاف عَلَى صاحبه منه، وقد وقع غرائب منه لكثير من الشعراء مثل قيس وليلى، وأمثالهم من العشاق حتى يصل بهم الأمر -نسأل الله السلامة والعافية- إِلَى حد أنه يكون كالمجنون يتبعها أينما ذهبت، يهيم بها فينشد الأشعار فيها وهو في كل مكان؛ لأن عشقها قد تمكن في قلبه حتى قالالمجنون:\rأُصلي فلا أدري إذا ما ذكرتها أثنتين صليت العشاء أم ثمانيا\rوما بي إشراك ولكن حبها وعظم الهوى أعيى الطبيب المداويا\rنسأل الله العافية، يقول: أنا لا أشرك بالله؛ لكنني عندما أصلي لا أدري أصليتُ اثنتين أو ثمانيا؛ لأن قلبه قد شغله العشق ومحبة هذه المعشوقة حتى نسي كل شيء، هذا الوصف بهذه اللفظة أيضاً لا يطلق عَلَى الله ﷾، فلا يُقَالَ: إن الله يعشق أحداً، ولا يجوز أيضاً أن يُقَالَ: إن أحداً يعشق الله ﷾، فهذا لا يليق؛ لأن هذه الكلمة بالذات هي أكثر الأسماء دلالة عَلَى المحبة الشهوانية والحب الإباحي.\r\rفإذا قيل: عشق أو معشوق فهو الحب الشهواني الإباحي وهذا ينزه عنه الله ﵎ علواً كبيراً- وكذلك بالنسبة للمخلوقين، ومع ذلك فإن الصوفية يستخدمون هذه اللفظة كثيراً جداً في حق الله ﷾ علواً كبيراً، ويستخدمونها في حق النبي ﷺ أيضاً، حتى أن بعضهم يكتبها عَلَى ورقة ويلصقها عَلَى البيت وعلى السيارة هكذا (عاشق النبي يصلي عليه) سُبْحانَ اللَّه!\rكيف يُقال عاشق النبي؟ كيف تُستخدم هذه اللفظة التي يستخدمها الإباحيون والشهوانيون في حقه ﷺ؟\rفضلاً عن كون هذه الطريقة بدعية، وحجتهم أنهم يقولون: لنذكرالنَّاس بالصلاة عليه ﷺ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689214,"book_id":1659,"shamela_page_id":340,"part":null,"page_num":340,"sequence_num":340,"body":"ولذلك لما قَالَ المُصْنِّفُ هنا: [وإن كَانَ قد أطلقه بعضهم] يقصد الصوفية، ثُمَّ يذكر أن العلماء أو الباحثين اختلفوا في سبب منع اطلاق العشق عَلَى الله ﷾ منه وإليه، فقيل: لأنه لم يرد وهذا كلام صحيح.\r\rوقيل: غير ذلك، ولعل امتناع إطلاقه أن العشق محبة مع شهوة، ولا تعارض بين السببين؛ لأنه أولاً: لم يرد، وما لم يرد لا نطلقه عَلَى الراجح، والأمر الثاني أيضاً: أن العشق كما بينا لا يكون إلا مع الحب الشهواني الإباحي، فهذه اللفظة مستهجنة ومستقذرة في حق الله ﷾ فلا يجوز أن تطلق عليه.\r\rالتَّتِّيم\rالمرتبة الثامنة: وهو بمعنى التعبد، وكأن محبة المحبوب قد استعبدت هذا المحب حتى صار متيماً وكثيراً ما ترد هذه الكلمة أيضاً في أشعار العرب، وفي أخبار العشاق، فيُقَالُ: متيم بها، أو تيمتني، ومن أشعار الصوفية في مجالسهم: تيموني هيموني، أي جعلوني متيماً متعلق القلب ... الخ.\rوتَيَّم: معناها عَبَّد، ولذلك يُقَالَ: بنوا تيم الله، وتيم الله قبيلة من أحد أفخاذ قريش التي منها أبو بكر الصديق ﵁، فتيم الله معناها: عبد الله، وفلان متيم بالحب أي: مستعبد بالحب وصلت به محبته إِلَى درجة العبودية للمحبوب.\r\rالتعبد\rالمرتبة التاسعة التعبد: ومعناها أن يصل به الحب إِلَى أن يتعبد تعبداً ويقول إنه عبد، كما في البيت المشهور عن عنترة بن شداد:\rوأنا يا عبل عبد في الهوى ملك يمناك وفي القرب ابن عم\rيعني هو ابن عمها في النسب، ولكنه في الحب عبد، وكثيراً ما يذكر ذلك الشعراء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689215,"book_id":1659,"shamela_page_id":341,"part":null,"page_num":341,"sequence_num":341,"body":"يقول: وأصبحت في الحب عبدا، أي: أنه قد أصبح في الحب عبداً رقيقاً يملكه المحبوب أو المحبوبة، نسأل الله أن يعافينا وإياكم من هذا الداء الخبيث، فداء العشق داء عضال، والمناسبة فإن كتاب الجواب الكافي لابن القيم ﵀، كَانَ سبب تأليفه أن رجلاً عشق واجتهد في أن يزيل هذه المصيبة عن قلبه، فلم يستطع ويريد السبيل إِلَى علاجها أو إِلَى حلها.\r\rفكتب إِلَى ابن القيم ﵀ سؤالاً فيه الحياء وفيه اللطف والرقة، قَالَ: ما تقولون رحمكم الله أو ما رأيكم في رجل ابتلي ببلية فصبر وسكت ... الخ، ففهم ابن القيم ﵀ المعنى بأنه ابتلي بعشق امرأة وتمكن ذلك من قلبه ولم يستطع أن يفارقه فما هو الحل؟ فكتب الإمام ابن القيم ﵀ كتابه: الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي وكان هذا جواباً كافياً فعلاً، تحدث فيه عن أضرار المعاصي جملة وخطرها، ثُمَّ فصل الكلام في ضرر العشق - ومفاسده وفيما يجره عَلَى الإِنسَان، ومن أعظم ما ذكره وما نبه عليه في ذلك أن الإِنسَان إذا تعلق قلبه شيئاً ما وعشقه وأحبه فإنه يذكره عند موته، وعند الخروج من هذه الدنيا والإقبال عَلَى الآخرة، وينسى الأمور الثانوية، ولا يكون في قلبه إلا الشيء الذي كَانَ في دنياه والأساس الذي كَانَ متمكناً من قلبه وشاغلاً ذهنه هو الذي يذكره عند الموت، ولذلك يخشى عَلَى هَؤُلاءِ العشاق أن يموتوا عَلَى غير الإسلام؛ لأن أحدهم يأتيه الموت وهو لا يتذكر إلا هذه المعشوقة أو هذه الحبيبة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689216,"book_id":1659,"shamela_page_id":342,"part":null,"page_num":342,"sequence_num":342,"body":"وذَكَرَ عَلَى ذلك أمثلة من واقع التاريخ مثل الرجل الذي جاءته امرأة تريد حمام، والحمام معروف عند العرب قديماً أنه مكان كبير فيه أدوات النظافة والاستحمام وما أشبه ذلك، فكانت تريد الحمام، وكان بجواره حمام منجاب فوقفت وسألت هذا الرجل، فقالت له: أين حمام منجاب، فَقَالَ لها من هنا، ودلها عَلَى بيته فدخلت البيت ودخل هو معها البيت وأراد أن يفعل بها الفاحشة ولم يستطع، المهم أنه تعلقها من ذلك الوقت، فابتلاه الله بمحبتها فوقعت في قلبه فعمل في ذلك أبياتاً:\r\rيارب قائلة يوماً وقد تعبت أين الطريق إِلَى حمام منجاب\rوكان يكرر هذه القصيدة، فلما جاءه الموت -نسأل الله السلامة والعافية ونسأل الله لنا ولكم حسن الختام- قالوا له: قل لا إله إلا الله، اذكر الله، فقَالَ:\rيارب قائلة يوماً وقد سألت أين الطريق إِلَى حمام منجاب\rوما زال والعياذ بالله يكرر هذا البيت حتى قبضه ملك الموت - نسأل الله السلامة والعافية - فهذا داء خطير ابتلى به النَّاس في كل زمان وفي كل مكان، والله ﷾ لما ذكر قصة يوسف ﵇ في القُرْآن ذكر من العبر المستفادة: كيف تتمكن هذه الشهوة، وكيف يكون العشق، وما هو العلاج الذي يتخذ في علاج هذا المرض، وسبق أن قلنا: إن التعبد هو: أن يستشعر المحب أنه قد صار عبداً لمحبوبه، وهذه اللفظة تطلق عَلَى الله ﷾ منا وهذا معلوم ولا خلاف فيه، لكن -كما تعلمون ولا خلاف في ذلك- لا يطلق عَلَى محبة الله لنا أنها تعبدية، تَعَالَى وجل شأنه عن ذلك.\r\rالخلة\rالمرتبة العاشرة الخلة: وهي التي من أجلها جئنا بهذه المراتب، لنصل إِلَى أعلى درجات المحبة وهي الخلة، فالخلة هي أعلى ما يتصور من درجات المحبة، حتى في كلام العرب، يقول الشاعر:\rقد تخللتِ مسلك الروح مني ولذا سمي الخليل خليلاً","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689217,"book_id":1659,"shamela_page_id":343,"part":null,"page_num":343,"sequence_num":343,"body":"أي الذي تخللت محبته مسالك القلب ومسالك الروح فهذا يسمى خليل، وأما بالنسبة لله ﷾ فإن النبي ﷺ عندما قَالَ: (لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً) لأنه قد اتخذا الله خليلاً، فمحبة الله قد تخللت مسالك الروح منه ﷺ، ولا يزاحمه أحد من المخلوقين عَلَى الإطلاق، وكذلك بالنسبة لله ﷾ فإن الله تَعَالَى يحبه محبة لا يحبها أحداً من العالمين، يحب إبراهيم ويحب محمداً ﷺ محبة لا يحبها غيرهما من الناس.\r\rوأما المعنى اللغوي وهو: التخلل، فلا يكون إلا في حق المخلوقين ليس في حقه ﷾.\rهذه هي المراتب العشر، وكما يقول المصنف: [إنه قد قيل فيها غير ذلك] ، فقد قيل: إنها من باب المترادفات، وقيل: إن لها تفسيراً آخر، لكن هذا الترتيب من أفضل أنواع الترتيب، ومن تأمله وجد أنه من أحسن ما ذكر في الترتيب.\rلما ذكر المُصنِّفُ المراتب العشر للمحبة بيّن أنها لا تطلق كلها عَلَى الله ﷾ إنما يطلق ما ورد، فقَالَ: [واعلم أن وصف الله تَعَالَى بالمحبة والخلة هو كما يليق بجلال الله تَعَالَى وعظمته كسائر صفاته تعالى] .\rنثبت له أنه يُحب، ونثبت أنه اتخذ إبراهيم خليلاً، واتخذ محمداً ﷺ خليلاً، لكن خلته تَعَالَى ومحبته تليقان بجلاله، لا تشبه خلة المخلوقين ولا محبتهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689218,"book_id":1659,"shamela_page_id":344,"part":null,"page_num":344,"sequence_num":344,"body":"إنما يوصف الله تَعَالَى من هذه الأنواع الأربعة فقط: بالإرادة، وبالود، وبالمحبة، وبالخلة فالإرادة قد جاءت في الوحي كما ذكرنا في مبحث الإرادة وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ [النساء: ٢٧] وهي بمعنى: يُحب ذلك، فهذه مرتبة من مراتب المحبة التي هي الإرادة فقد ورد النص بها في حق الله ﵎، ووردت صفة الود إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً [مريم:٩٦] وصفة المحبة: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة:٢٢٢] ، وصفة الخلة (إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً) هذه الأربع فقط هي التي يوصف بها الله ﷾، والسِّتُ الباقية لا يوصف بها الله ﷾ وهي: الغرام، والصبابة، والعشق، والتتيم، والشغف، والعلاقة.\rقَالَ المُصنِّفُ ﵀:\r[وقد اختُلفَ في تحديد المحبة عَلَى أقوال نحو ثلاثين قولاً] والتحديد معناه: التعريف للمحبة، والمتكلمون اختلفوا في ذلك، فمنهم من يقول: تعلق القلب، ومنهم من يقول: ميل القلب وإرادته الشيء، ومنهم من يقول غير ذلك، إِلَى أن أتوا بثلاثين تعريفاً.\rوكلها لا فائدة فيها؛ لأن توضيح الواضح من المشكلات، والمحبة أوضح من أن نُعرّفها الطفل الصغير جداً، فلو قلت له: تُحب كذا، فيقول لك: نعم، فهو يعرف معنى المحبة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689219,"book_id":1659,"shamela_page_id":345,"part":null,"page_num":345,"sequence_num":345,"body":"فلا داعي إِلَى القول أنه لا بد أن نعرف المحبة، ونضع لها حداً منطقياً، وهذا الحدّ يكون جامعاً مانعاً لا يدخل عليه اعتراض؛ لأن المحبة شيء واضح لا يحتاج إِلَى أن يُعرَّف، وهذه القضية من القضايا التي نُعرَفُ بها -نحنأهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ - بطلان ما يُسمى بعلم المنطق، وننقض بها هذا الذي يسمونه المنطق؛ لأن المناطقة يقولون: إن الأشياء لا تدرك حقائقها إلا بالحدود والتصور، كما يقولون: لا ينال التصور إلا بالحد، فلا بد أن نضع حداً عَلَى الطريقة المنطقية، وذلك بأن تضع التعريف، ثُمَّ بهذا التعريف تعرف الشيء وتميزه عن غيره، وبغير ذلك لا نعرف أي شيء.\rفرد عليهم شيخ الاسلام ابْن تَيْمِيَّةَ؛ بل رد عليهم جميع العقلاء أن النَّاس يدركون حقائق الأشياء ويعرفونها من غير تعريف، والنحويون الأولون لما أرادوا أن يعرفوا ما هو الاسم؟ وما هو الفعل؟ كانوا يعرفون الأشياء تعريفاً بسيطاً، كقوله: الفعل مثل: ضرب، والاسم مثل: زيد، والحرف مثل: من، وفي، وعلى، فلما دخل علم المنطق النحو، عرَّفوا الاسم بأكثر من سبعين تعريفاً، وكذلك تكلم الفقهاء في تعريف الزكاة قبل أن يعرفوا علم المنطق، فلما دخل المنطق قالوا في تعريف الزكاة: إخراج مالٌ مخصوص في وقت مخصوص لطائفة مخصوصة.\r\rفإذا قلنا لهم: إن الزكاة معروفة، قالوا: لا، هذا هو التعريف الجامع المانع، وهو ليس فيه فائدة، إنما هو كلام كله لا ينفع.\rوهكذا المحبة ولذلك نقول: إن الأشياء الواضحة لا تحتاج إِلَى تحديد، كالماء والهواء والتراب والجوع ونحو ذلك، فتعريف الجوع عجز عنه الأطباء والفلاسفة، وقالوا عن الماء: إنه سائل شفاف ... سُبْحانَ اللَّه!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689220,"book_id":1659,"shamela_page_id":346,"part":null,"page_num":346,"sequence_num":346,"body":"إن الماء لا يجهله أي إنسان، وهذا مما نعرف به فساد ما يُسمى علم المنطق، والمناطقة إنما جاءوا بهذا العلم لمواجهة مجانين السفسطة الذين أنكروا حقائق الأشياء، فتثبت لهم الحقائق عن طريق التعريف العقلي المنطقي، حتى يؤمنوا بها ويثبتوها، هكذا كَانَ يريد علماء اليونان لمَّا وضعوا علم المنطق.\r\rوالمنطق قسمان:\r\rالقسم الأول: الحدود وهو هذا الذي تكلم عنه المُصنِّفُ هنا.\r\rوالقسم الثاني: في البراهين عَلَى صدق القضايا.\rوخلاصة ما سبق أن المحبة أوضح وأجلى من أن تعرف أو يكون لها حد، فمحبته ﷾ هي عَلَى المعنى الذي يليق بجلاله مثل سائر صفاته، ومحبة المخلوقين له ﷾ معروفة ولا تحتاج إِلَى إيضاح ولا تحديد ولا تقييد.\rقالأبو جعفر الطّّحاويّ ﵀:\r[وتعالى عن الحدود والغايات، والأركان والأعضاء، والأدوات، لاتحويه الجهات الست كسائر المبتدعات] .\r\rقَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:\r[أذكر بين يدي الكلام عَلَى عبارة الشيخ ﵀ مقدمة، وهي: أن للناس في إطلاق مثل هذه الألفاظ ثلاثة أقوال: فطائفة تنفيها، وطائفة تثبتها، وطائفة تفصل، وهم المتبعون للسلف، فلا يطلقون نفيها ولا إثباتها إلا إذا بين ما أثبت بها فهو ثابت، وما نُفي بها فهو منفي؛ لأن المتأخرين قد صارت هذه الألفاظ في اصطلاحهم فيها إجمال وإبهام، كغيرها من الألفاظ الاصطلاحية، فليس كلهم يستعملها في نفس معناها اللغوي، ولهذا كَانَ النفاة ينفون بها حقاً وباطلاً، ويذكرون عن مثبتيها مالا يقولون به، وبعض المثبتين لها يدخل فيها معنىً باطلاً مخالفاً لقول السلف، ولما دل عليه الكتاب والميزان.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689221,"book_id":1659,"shamela_page_id":347,"part":null,"page_num":347,"sequence_num":347,"body":"ولم يرد نص من الكتاب ولا من السنة بنفيها ولا إثباتها، وليس لنا أن نصف الله تَعَالَى بما لم يصف به نفسه، ولا وصفه به رسوله نفياً ولا إثباتاً، وإنما نَحْنُ متبعون لا مبتدعون، فالواجب أن ينظر في هذا الباب، أعني: باب الصفات، فما أثبته الله ورسوله أثبتناه، وما نفاه الله ورسوله نفيناه، والألفاظ التي ورد بها النص يعتصم بها في الإثبات والنفي، فنثبت ما أثبته الله ورسوله من الألفاظ والمعاني وننفي ما نفته نصوصهما من الألفاظ والمعاني.\rوأما الألفاظ التي لم يرد نفيها ولا إثباتها لا تطلق حتى ينظر في مقصود قائلها: فإن كَانَ معنى صحيحاً قبل، لكن ينبغي التعبير عنه بألفاظ النصوص، دون الألفاظ المجملة، إلا عند الحاجة مع قرائن تبين المراد، والحاجة مثل أن يكون الخطاب مع من لا يتم المقصود معه إن لم يخاطب بها، ونحو ذلك] اهـ.\rالشرح:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689222,"book_id":1659,"shamela_page_id":348,"part":null,"page_num":348,"sequence_num":348,"body":"المقصود من كلام المُصنِّفُ ﵀ هو إيضاح وتبيين قاعدة من القواعد المهمة التي ينبغي لطالب العلم أن يعرفها وهي: ما يتعلق باستخدام الألفاظ أو الإطلاقات التي تطلق في حق الله ﷾، ما الذي نستعمل؟ وما الذي لا نستعمل من الألفاظ في حق الله ﷾؟ فكل أحد من النَّاس يعبر عن المعني الذي يريده باللفظ الذي يريده، والنَّاس متفاوتون في المعاني، وقد يتفق الكثير من النَّاس عَلَى المعنى الواحد في أنفسهم، لكن يتفاوتون في التعبير عنه بالألفاظ فمثلاً: لو وقع أمر من الأمور أمام مجموعة من النَّاس وأخذتَ هَؤُلاءِ النَّاس واحداً واحداً وسألتهم لوجدت أن هذا عبر بتعبير يختلف عن هذا، وهذا أبلغ من ذاك وهكذا، والجميع يعبرون عن شيء واحد رأوه، فما بالك بالتعبير عن معانٍ غيبية لا تدرك بالحواس فإذاً لم يترك الأمر لاختيار البشر أو إِلَى الرأي الذي يرى الإِنسَان أنه ينزه به الله ﷿ أو يصفه به، إنما كَانَ الأمر كما هو مذهب أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ أمراً توقيفياً.\rوالمقصود هنا هو هذه الألفاظ التي يستخدمها المتكلمون والفلاسفة والتي وقع فيها صاحب المتن الإمام أبو جعفر الطّّحاويّ ﵀ فإنه استخدم هذه العبارات، كما قال في هذه الفقرة [وتعالى عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات] أو كسائر المبدعات، فاستخدم عبارات نفى فيها عن الله ﷿ أمراً لم يرده نفيه في الكتاب ولا في السنة فما هو موقف علماء السلف وغيرهم من أمثال هذه العبارات؟\rموقف الناس من إطلاق الألفاظ المجملة:\rيقول المُصْنِّف ﵀: [أن للناس في إطلاق هذه الألفاظ ثلاثة أقوال: طائفة تنفيها بإطلاق] يعني: يقولون نَحْنُ لا نستخدم هذه العبارات، بل ننفيها نهائياً، أو ننفي ما دلت عليه هذه العبارات بإطلاق.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689223,"book_id":1659,"shamela_page_id":349,"part":null,"page_num":349,"sequence_num":349,"body":"[وطائفة تثبتها] فيقولون: نَحْنُ نثبت هذه العبارات أو نثبت نفيها سواءً كانت سلباً أو إيجاباً، لأن المراد بها معنىً حسناً يقصد به تنزيه الله ﷿، فلماذا ننفيها؟ والأولون قالوا: إنها تحمل معنى غير لائق بالله ﷿، فلماذا نثبتها؟ فهما قولان متقابلان متناقضان.\r\r[وطائفة تُفصِّل وهم المتبعون للسلف] تقول: هذه العبارات المستحدثة لا ننفيها بإطلاق ولا نثبتها بإطلاق، بل نُفصِّل في ذلك.\rومن عمدة هَؤُلاءِ الإمام أَحْمَد رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فإنه لما وقعت فتنة والقول بخلق القرآن، أُتي بالإمام مقيداً بالأغلال، وأُتي بأئمة الاعتزال والبدع، الذين كانوا قد زينوا الأمر للخليفة وأن هذا عَلَى بدعة -يعنون الإمام أَحْمَد - فكانوا يسألون الإمام أَحْمَد، وكان الإمام أَحْمَد ﵁ ورحمه يضع قاعدة عامة في كل مناظرة ثُمَّ بعد ذلك يناقش عَلَى هذه القاعدة يقول: [ائتوني بشيء من الكتاب أو السنة، يقولون له: يا أَحْمَد قُل القُرْآن مخلوق، فَيَقُولُ: ائتوني بشيء من الكتاب أو السنة، فجاءه رجل من هَؤُلاءِ يدعى برغوث وهو من المعتزلة ومن الجهلة، لا علم له في الكتاب ولا في سنة رَسُول الله ﷺ، وإنما هو رجل تعلم من كلام اليونان ومن فلسفة المجوس والصابئين، فأصبح يرى ويظن أن هذه الأمور العقلية أعظم مما جَاءَ في الكتاب والسنة وما عرفه السلف، ولهذا تصدى لمناظرة الإمام أَحْمَد ﵀ ليفحمه وليبين له أنه عَلَى خطأ.\r\rفقال له برغوث يا أَحْمَد! يلزمك إن قلت: إن القُرْآن غير مخلوق أن تثبت أن الله جسماً؛ لأنه إذا كَانَ غير مخلوق يكون عرضاً، والأعراض والأفعال لا تقوم إلا بالأدوات أو بالأجسام.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689224,"book_id":1659,"shamela_page_id":350,"part":null,"page_num":350,"sequence_num":350,"body":"فقال الإمام أَحْمَد ﵀: أقول في ربي ﷿ أنه كما قَالَ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص:١-٤] وأما الجسم وأمثاله فلا نقول فيه لا نفياً ولا إثباتاً؛ لأن هذا شيء لم يأت لا في الكتاب ولا في السنة ولم يبلغنا عن السلف فلا يلزمني شيء، ولا يلزمني أنه جسم، وهكذا استمر الأمر في أكثر المناظرات.\rفهذه قاعدة عظيمة أرساها الإمام أَحْمَد ﵀، وقد أخذها عمن قبله من العلماء ونقلوها لنا، وهي: أننا في كل المعاني المحدثة أو الألفاظ التي تحتها معاني محدثة، فإننا لا ننفي ولا نثبت إلا ما جَاءَ في الكتاب أو السنة أو أقوال السلف هذا هو الذي نستخدمه، وما عدا ذلك فإننا نستفصل: ماذا تريد أيها المثبت؟ وماذا تريد أيها النافي؟ فإن ذكر معنىً حقاً، وقَالَ: أنا أريد بنفي الحدود نفي الجهة، أنا أنزه الله تَعَالَى عن الحلول عن الحركة، وأقصد تنزيه الله ﷾ عن أن يشبه المخلوقات، قلنا: المراد صحيح ولكن عبارتك خاطئة، فعليك أن تنزه الله بما نزه به نفسه أو نزهه به رسوله ﷺ ولا تتعدي ذلك ولا تخرج عنه.\r\rوإن قَالَ: أنا أقصد بنفي الانتقال ونفي الحركة به أن الله لا ينزل إِلَى السماء الدنيا في الثلث الأخير من كل ليلة، قلنا له: أخطأت وهذا كلام أهل البدع: يردون الحديث الصحيح الثابت المتواتر بأمثال هذه الجدليات والعقليات التي لا أصل لها من الشرع، فلفظك مبتدع ومعناه مبتدع، فنرد اللفظ والمعنى معاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689225,"book_id":1659,"shamela_page_id":351,"part":null,"page_num":351,"sequence_num":351,"body":"وإذا نظرت في أي كتاب من كتب الكلام وكتب العقائد البدعية كالأشعرية والاعتزالية فإنك لا بد أن تجد هذه العبارات عنده، ومن الممكن أن تسأل أيّ واحد منهم السؤال البسيط الذي سأله النبي ﷺ الجارية التي كانت ترعى الغنم، فعدا الذئب عليها وأخذ منها غنمة فجاء معاوية بن الحكم فصكها، ثُمَّ ندم عَلَى ضربها واستشعر الظلم؛ فأراد أن يكفر عن هذه اللطمة بأن يعتقها، وكانت أمهُ قد نذرت أن تعتق أمة مؤمنة، فيكون بذلك قد أرضى أمه حيث أعتق عنها ووفَّى بنذرها، وأحسن إِلَى هذه الجارية، لكنه لا يدري أتجزئ هذه الرقبة أو لا تجزئ لأنها أعجمية، ولا يدري حقيقة إيمانها؟! فذهب بها إِلَى رَسُول الله ﷺ وقَالَ: (يا رَسُول الله! إن أمي عليها عتق رقبة وإن هذه الجارية ترعى لي الغنم، وإن الذئب قد عدى عَلَى الغنم فأخذ منها شاة، وأنا بشر آسف كما يأسفون، فصككتها صكة فهل تجزئ في العتق) ؟!\rوالحديث صحيح رواه مسلم في صحيحه ورواه الإمام أَحْمَد في أكثر من موضع من المسند ورواه كثير من العلماء ولا شك في صحة هذا الحديث، والمراد معرفة أن هذه الجارية مؤمنة أم غير مؤمنة؟ وليس المراد هنا أعلى درجات الإيمان، وإنما إثبات إسلامها، فسألها النبي ﷺ عن أوضح شيء في العقيدة (فَقَالَ لها: أين الله؟ فقالت: في السماء، وأشارت بإصبعها إِلَى السماء) هذا هو السؤال الأول أجابت عليه بالإجابة الصحيحة.\rوالسؤال الثاني: (قَالَ: من أنا؟ قالت: أنت رَسُول الله، قَالَ: أعتقها فإنها مؤمنة) أي: مسلمة فعتقها يجزئ؛ لأنها من هذه الأمة ومن الْمُسْلِمِينَ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689226,"book_id":1659,"shamela_page_id":352,"part":null,"page_num":352,"sequence_num":352,"body":"ومن أعظم معرفة الله ﷿ أن يعرف أنه ﷾ فوق المخلوقات، والقصد أنهم يقولون: وهو تَعَالَى يتنزه عن المكان والزمان والجهة بلا أين؟ ولا متى؟ ويذكرون في ذلك أثراً مكذوباً موضوعاً عَلَى أمير المؤمنين على بن أبي طالب ﵁ أنه سأله رجل أين الله؟ فقَالَ: لا يُقال لِمَن أيّن الأين: أين؟ كأن معناه لا يُقال لِمَن خلق المكان الذي هو \"أين\" وجعله \"أيناً\": أين؟ أي: لا يُسأل عن الله بالأين، وكثير من النَّاس يظن أن من تنزيه الله أنك لا تسأل عنه بأين، فإذا قلت: أين الله؟ يقول: استغفر الله أنت تقول: إن الله في جهة وإن الله محصور -مع أنك لم تقل: إن الله محصور أو إنه في جهة- والسؤال بـ\"أين\" قد فعله رَسُول الله ﷺ؟ فهل أحد أعلم بالله من رسوله ﷺ؟!\rإذاً: نقول: إن الله فوق المخلوقات، في العلو، ولا نضيف من عند أنفسنا عبارات -بلا مماسة، ولا محاسبة- لم تأت لا في كتاب ولا في سنة فهو سبحانه في السماء أي: في العلو، كما أخبر تعالى: يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ [النحل:٥٠] وقال: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ [فاطر:١٠] ، وهكذا في حديث الإسراء لمَّا عُرِج به ﷺ إِلَى أن صار في المقام العظيم الذي سيأتي الكلام عنه إن شاء الله، والأدلة كثيرة ومتواترة تعد بالآلاف كما ذكر ذلك ابن القيم رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في الصواعق المرسلة، من الآيات والأحاديث والبراهين العقلية والفطرية.\r\rهذه الألفاظ في اصطلاح المتأخرين فيها إجمال وإيهام","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689227,"book_id":1659,"shamela_page_id":353,"part":null,"page_num":353,"sequence_num":353,"body":"يقول المُصْنِّف في تعليل الاستفصال من القائل بهذه العبارات البدعية: [لأن المتأخرين قد صارت هذه الألفاظ في اصطلاحهم فيها إجمال وإبهام كغيرها من الألفاظ الاصطلاحية، فليس كلهم يستعملها في نفس معناها اللغوي] هذا مع أن المعاني اللغوية تتفاوت، وهذه شبهة يجب أن نتنبه لها، وهي: أن بعض النَّاس يقول القُرْآن نزل بلسان عربي مبين ولغة العرب مفهومة، فلو أردنا أن نفهم معاني الصفات أو غيرها التي في القرآن، فلنرجع إِلَى لغة العرب، فنقول: هذا الكلام بإطلاق خطأ، لماذا؟\rلأن مجرد الإحالة إِلَى اللغة، إحالة إِلَى أوجه واحتمالات لا ضابط لها، فلغة العرب أوسع اللغات، فإنه يقَالَ: إن للأسد خمسمائة اسم، وللشمس كذلك خمسمائة أو ثلاثمائة، وهكذا كثير من الأشياء، فاللغة واسعة. فإذا قلنا: نفهم القُرْآن كما يفهم من لغة العرب، فإننا سنجد أن الكلمة القرآنية أو النبوية لها عدة معانٍ في اللغة العربية.\rفإذا أردنا أن نفهم القُرْآن فإننا نرجع إِلَى فهم النبي ﷺ أو إِلَى تفسيره، وإلى فهم الصحابة وفهم السلف الصالح سواء كَانَ ذلك فهماً خاصاً تناقلوه من عند أنفسهم أو عن أثر مرفوع إِلَى الرَّسُول ﷺ فالفهم الذي فهموه لا نتعداه لأن عندهم اللغة وزيادة، ولأنهم أفصح العرب، فالنبي ﷺ وأصحابه من أفصح العرب، وعندهم الوحي الذي علمهم الله ورسوله ﷺ إياه، فلا نعدل عن أي معنى فهموه إِلَى أي معنى آخر، وإن كَانَ ذلك المعنى وارداً صحيحاً في لغة العرب","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689228,"book_id":1659,"shamela_page_id":354,"part":null,"page_num":354,"sequence_num":354,"body":"يقول المصنف: [ولهذا كَانَ النفاة ينفون بها حقاً وباطلاً] فنرد عَلَى الطائفة التي تنفي هذه الألفاظ بأنكم أيها النفاة تنفون بها حقاً وباطلاً، فعندما يقول أحدهم: أنفي عن الله الأعضاء والجهة، ثُمَّ يأتي أحدهم ويقول: نَحْنُ ننفي هذا النفي؛ فإن هذا النافي يكون قد نفى حقاً وباطلاً في نفس الوقت؛ لأنه يحتمل أنه نفى مراد ذلك، وهو حق وصحيح وهو نفي التشبيه والتمثيل، ونفى معه المعنى الباطل وهو إنكار صفة العلو مثلاً، فهو نفي حقاً وباطلاً معاً، ويذكرون عن مثبتها مالا يقول به.\r\rيقولون: إن من يثبت العلو -مثلاً- لله ﷾ فإنه يثبت له المكان أو الجهة، ويقولون: أنت تقول: إن الله تَعَالَى محصور -تعالى الله عن ذلك- مع أنك لم تقل ذلك، لكن بناءً عَلَى الإثبات قالوا: أنت تثبته، والطرف الآخر من المثبتين يقول: نثبت هذه العبارات بإطلاق؛ لأنها صحيحة؛ ولأن فيها تنزيه لله ﷿، فأثبت مع المعنى الصحيح الذي يريده؛ المعنى الباطل الذي يحتمله هذا التعبير.\r\rالموقف الصحيح من الألفاظ المستحدثة\rوالموقف الصحيح في الألفاظ المجملة أننا نفصل فيها كما قَالَ المُصْنِّفُ ﵀: [وليس لنا أن نصف الله تَعَالَى بما لم يصف به نفسه ولا وصفه به رسوله نفياً ولا إثباتاً، وإنما نَحْنُ متبعون لا مبتدعون، فالواجب أن ينظر في هذا الباب أعني: باب الصفات فما أثبته الله ورسوله أثبتناه، وما نفاه الله ورسوله نفيناه. والألفاظ التي ورد بها النص يعتصم بها في الإثبات والنفي، فنثبت ما أثبته الله ورسوله من الألفاظ والمعاني، وننفي ما نفته نصوصهما من الألفاظ والمعاني] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689229,"book_id":1659,"shamela_page_id":355,"part":null,"page_num":355,"sequence_num":355,"body":"فنقول في النفي كما قال الله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:١١] ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص:٤] ، هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً [مريم:٦٥] وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ [البقرة:٢٥٥] ، لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ [الأنعام:١٠٣] ونثبت ما أثبت في كتابه كاليد والوجه والنفس، وفي السنة كالنزول والقَدم التي أولها أهل البدع.\rقال المصنف: [وأما الألفاظ التي لم يرد نفيها ولا إثباتها] مثل كلمة الجسم، أو الجهة، أو لا تحل فيه الحوادث، أو تنزه تَعَالَى عن الحوادث، أو نفي الحركة، أو نفي الانتقال، أو لا تتغير أحواله، وأمثال تلك العبارات التي يستعملها أهل البدع.\rفيقول المصنف: [لا تطلق حتى ينظر في مقصود قائلها: فإن كَانَ معنىً صحيحاً قبل] فنقبل هذا المعنى، ولكن ينبغي التعبير عنه بألفاظ النصوص، وينبغي أن يعبر عنه بما ورد دون الالتجاء إِلَى الألفاظ المجملة إلا عند الحاجة مع قرائن تبين المراد، قَالَ: [والحاجة مثل أن يكون الخطاب مع من لا يتم المقصود معه إن لم يخاطب بها] .\rومن أراد التفصيل في هذا فليرجع إِلَى منهاج السنة (١/٢٥٨) فقد ذكر شَيْخ الإِسْلامِم قصةَ الإمام أَحْمَد مع برغوث وذكر استخدام كلمة الجسم، وذكر القاعدة في مثل هذه الألفاظ، وكلام المُصْنِّف هذا قريب من كلام شَيْخ الإِسْلامِ.\rومن الحاجة أن يكون الرجل أعجمياً لا يفهم من لغة العرب شيئاً، فعندما تريد أن تعلمه ما يعرف به ربه ﷿، فلا بد أن تعلمه بلغته لكي يفهم، فهذه هي الحاجة وبلا شك أن المعنى الذي في اللغة الأردية أو اليابانية أو الإنجليزية يستخدم في حق المخلوقين، وقد ينصرف ذهنه إِلَى أننا نصف الله بما يتصف به المخلوق، لكن نبين المعنى مع الإتيان بقرائن تبين المراد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689230,"book_id":1659,"shamela_page_id":356,"part":null,"page_num":356,"sequence_num":356,"body":"ونقول له: إن الأصل أن الإِنسَان يستخدم اللغة العربية، وحتى هو لو شرحها لغيره فعليه يشرحها لهم مع القرائن بأن أي لفظ نستخدمه نَحْنُ في حق المخلوق فإنه في حق الله ﷾ غير ذلك لكن المعنى المقصود هو نفي أن يكون لله تَعَالَى مثيل وهكذا.\rوقد يشكل عَلَى بعض النَّاس أن المُصْنِّف ﵀ ذكر في مقدمة الكلام ما نصه [وليس لنا أن نصف تَعَالَى الله بما لم يصف به نفسه ولا وصفه به رسوله نفياً ولا إثباتاً وإنما تحن متبعون لا مبتدعون] .\rفقوله: [ليس لنا أن نصف] أي: -نفياً ولا إثباتاً- فإذا نفى أحد -مثلاً- اللسان لله فإنه قد نفى ما لم ينفه الله عن نفسه، وخالف كلام المُصْنِّف في قوله: [ليس لنا] ثُمَّ قوله: [نفياً ولا إثباتاً] فيُقَالُ: ننفي ذلك لأن الله ﷾ لم يثبت ذلك لنفسه في القُرْآن ولم يصح بذلك حديث عن النبي ﷺ، هذه قضية.\r\rوهناك قضية أخرى وهو إذا أتى أحد فقَالَ: أنا أنفي عن الله تَعَالَى الجهة، وهذا نقول له كما سبق فصَّل ماذا تريد بالجهة؟ يقول: أنا أريد بالجهة أن أنفي عن الله ﷾ مشابهة مخلوقاته؛ لأن المخلوقات لا تكون إلا في جهة، فيقال هل تثبت علو الله؟ فإن قَالَ: نعم أنا أثبت علو الله لكن أنفي الجهة، نقول: المعنى صواب، ولكن الخطأ في اللفظة لأنها لم ترد، وإن قَالَ: أنا أقصد بنفي الجهة نفي العلو فنقول له: أخطأت في اللفظ وفي المعنى، فهناك فرق بين الألفاظ المحتملة التي تحتمل معنيين: أحدهما حق والآخر باطل.\rوالإمام الطّّحاويّ ﵀ لا يقصد هنا معناً باطلاً؛ لأنه من أئمة أهل السنة ويتكلم في عقيدة لأهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ، ولذلك هو يرى أن هذا زيادة في تنزيه الله: أن ينفي عنه ما نفاه هنا من الأركان والأعضاء والأدوات والجوارح.\r\rقَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689231,"book_id":1659,"shamela_page_id":357,"part":null,"page_num":357,"sequence_num":357,"body":"[والشيخ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى أراد الرد بهذا الكلام عَلَى المشبهة، كداود الجواربي وأمثاله القائلين: إن الله جسم، وإنه جثة، وأعضاء وغير ذلك! تَعَالَى الله عما يقولون علواً كبيراً.\rفالمعنى الذي أراده الشيخ ﵀ من النفي الذي ذكره هنا حق، ولكن حدث بعده من أدخل في عموم نفيه حقاً وباطلاً، فيحتاج إِلَى بيان ذلك. وهو أن السلف متفقون عَلَى أن البشر لا يعلمون لله حداً، وأنهم لا يحدون شيئاً من صفاته. قال أبو داود الطيالسي: كَانَ سفيان وشعبة وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وشريك وأبو عوانة لا يحدون ولا يشبهون ولا يمثلون، يروون الحديث ولا يقولون: كيف؟ وإذا سئلوا قالوا بالأثر.\rوسيأتي في كلام الشيخ: وقد أعجز عن الإحاطة خلقه. فعلم أن مراده أن الله يتعالى عن أن يحيط أحد بحّده، لا أن المعنى أنه غير متميز عن خلقه، منفصل عنهم مباين لهم.\rسُئل عبد الله بن المبارك: بم نعرف ربنا؟\rقَالَ: بأنه عَلَى العرش، بائن من خلقه.\r\rقيل بحد؟\rقَالَ: بحد، انتهى.\rومن المعلوم أن الحد يُقال عَلَى ما ينفصل به الشيء ويتميز به عن غيره والله تَعَالَى غير حالٍّ في خلقه، ولا قائم بهم؛ بل هو القيوم القائم بنفسه، المقيم لما سواه فالحد بهذا المعنى لا يجوز أن يكون فيه منازعة في نفس الأمر أصلاً، فإنه ليس وراء نفيه إلا نفي وجود الرب ونفي حقيقته. وأما الحد بمعنى العلم والقول، وهو أن يحده العباد، فهذا منتفٍ بلا منازعة بين أهل السنة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689232,"book_id":1659,"shamela_page_id":358,"part":null,"page_num":358,"sequence_num":358,"body":"قال أبو القاسم القشيري في (رسالته) سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي سمعت أبا منصور بن عبد الله، سمعت أبا الحسن العنبري سمعت سهل بن عبد الله التستري يقول، وقد سئل عن ذات الله فقَالَ: ذات الله موصوفة بالعلم، غير مدركة بالإحاطة ولا مرئية بالأبصار في دار الدنيا، وهي موجودة بحقائق الإيمان من غير حد ولا إحاطة ولا حلول، وتراه العيون في العقبى، ظاهراً في ملكه وقدرته، وقد حجب الخلق عن معرفة كنه ذاته، ودلهم عليه بآياته، فالقلوب تعرفه، والعيون لا تدركه، ينظر إليه المؤمنون بالأبصار، من غير إحاطة ولا إدراك نهاية] اهـ.\rالشرح:\r\rأراد المُصنِّفُ ﵀ أن يبين لنا مأخذ صاحب المتن الإمام أبي جعفر الطّّحاويّ في إطلاق هذه العبارات، أو أن يبرر له استخدام هذه العبارات مع أنها لم ترد، ومن المعلوم أن نفاة الصفات يتهمون أتباع السلف الصالح دائماً بأنهم مشبهة مجسمة حشوية، وكأن الإمام أبا جعفر الطّّحاويّ يريد أن يرد عليهم وأن يسد هذا الباب وأن يقول: نَحْنُ لسنا بمشبهة ولا مجسمة ولا يصدق علينا ما تتهمونا به.\r\rولتأكيد ذلك قَالَ: نَحْنُ نقول: إنه تَعَالَى عن الحدود، والغايات، والأركان، والأعضاء، والأدوات، والعلماء يقولون في مثل هذا المقام: لا نقصد نفي ما تدل عليه أو إثبات ما تدل عليه هذه المعاني -التي هي كما قلنا معاني محتملة للحق والباطل- إنما لهم مقصد آخر وهو بيان أننا لسنا مشبهة ولا مجسمة؛ لأن المشبهة والمجسمة يثبتون هذه كما هي عند المخلوق مع أننا نقول: إن هذا خطأ؛ لكن لماذا وقعوا في هذا الخطأ، وما المعنى الذي قصدوه حتى وقعوا في ذلك؟\rذكر المُصنِّفُ ﵀ أنه أراد الرد بهذا الكلام عَلَى المشبهة؛ لكن حدث بعده من أدخل في عموم نفيه حقاً وباطلاً يعني: جَاءَ نفر من الشرَّاح الذين شرحوا كلامه وهم من الماتريدية، فشرحوها عَلَى الاحتمال الخطأ.\rأهل السنة ليسوا مشبهة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689233,"book_id":1659,"shamela_page_id":359,"part":null,"page_num":359,"sequence_num":359,"body":"نحتاج هنا أن نقف عند المشبهة لنعرف مذهبهم وفرقهم بإيجاز مع معرفتنا أن أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ -ولله الحمد- ليسوا مشبهة ولا ممثلة بل يثبتون ما أثبته الله ورسوله مع نفي التمثيل قال تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:١١] فلا يقولون بكيفية ولا بمثلية والمشبهة أو الممثلة الحقيقيون هم الذين يُطلق عليهم هذا الوصف، وهذه المعرة، وهذا الذم بحق وحقيقة، كما سبق أن أشرنا إِلَى أن التشبيه غلو ومجاوزة للحد.\r\rأول من أحدث التمثيل هم الروافض القدماء أما المتأخرون فهم معتزلة\rأول من أحدث التمثيل الذي يسمونه التشبيه في هذه الأمة هم الروافض وذلك لأنهم أخذو دينهم عن اليهود، ولهذا نجد أن أكثر المشبهة هم الرافضة.\rوكل من كتب عن الفرق الإسلامية مثل مقالات الإسلاميينن لأبي الحسن الأشعري، والفصل في الملل والنحل لابن حزم يذكرون في الممثلة قدماء الروافض، ونحن نأتي بكلمة قدماء الروافض؛ لأن المتأخرين منهم صاروا معتزلة.\r\rأما من القرن الرابع وإلى اليوم فالإمامية الإثني عشرية والزيدية هم معتزلة في باب الأسماء والصفات، وفي باب القدر.\rوقدماء الروافض كانوا عَلَى التمثيل والتشبيه ومتأخروهم عَلَى الاعتزال، فمن قدماء الروافض هشام بن الحكم الرافضي، إمام فرقة الهشامية من الرافضة وكان في القرن الثاني وهو مشهور بأنه يشبه الله تَعَالَى بخلقه تَعَالَى الله عن ذلك علواً كبيراً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689234,"book_id":1659,"shamela_page_id":360,"part":null,"page_num":360,"sequence_num":360,"body":"وهذا المذهب مشهور عند الهشامية والبيانية أصحاب بيان بن سمعان التميمي، وهناك فرقة تسمى المغيرية، نسبة إِلَى المغيرة بن سعيد العجلي من بني عجل، وكان هذا الرجل يقول: إن ربه أو معبوده مثل الإِنسَان له أعضاء وله جوارح يد وعين كالإِنسَان، وبعضهم يذكر طوله وعرضه وارتفاعه -تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، وإن كانوا هم يثبتون ذلك لمعبودهم لا لله ﷾ وينسب التشبيه إِلَى مقاتل بن سليمان المفسر والله أعلم بصحة ذلك، لكن ينسب إليه أنه كَانَ يقول: اعفوني عن اللحية والفرج، وما عدا ذلك فأنا أثبته، ونحن لا نجزم بصحة ذلك عنه، فهو مفسر كبير مشهور له قدره وإن كانت روايته ضعيفة.\r\rوأيضاً لم ترد هذه العبارات عنه من طريق إمام من أئمة السلف، وإنما أوردتها كتب المقالات ومن أقدمها مقالات الإسلاميين لأبي الحسن الأشعري، وهو ينقل غالباً عن المعتزلة وأمثالهم فيحتمل أن المعتزلة زيفوا عليه فلا بد من التأكد، لكنهشام بن الحكم، وبيان بن سمعان والمغيرة بن سعيد فهَؤُلاءِ ثبت ذلك عنهم؛ لأن الإمام ابن قتيبة ﵀ في كتابه عيون الأخبار يقول عن المغيرة بن سعيد إنه كَانَ سبئياً، والإمام ابن قتيبة عالم مشهور وهو ثقة من أئمةالسلف.\rوالسبئية -أتباععبد الله بن سبأ اليهودي - ممثلة أو مجسمة؛لأنهم هم الذين قالوا لأمير المومنينعلى بن أبي طالب أنت، فقَالَ: من أنا، قالوا: أنت الله.\r\rفإذاً هم يعتقدون أن الله -تعالى عن ذلك علواً كبيراً- يكون في صورة بشر، ولهذا لما قيل لعبد الله بن سبأ وهو منفي فيبلاد فارس إن علياً قد قتل، ضحك!\rوقَالَ: والله لو جئتمونا بدماغه في صرة ما صدقنا، وإنما رفع كما رفع المسيح، وإنه في السحاب، وإن الرعد صوته إذا تكلم، والبرق سوطه هذا هو عقيدة الفرقة التي تسمى السحابية وهذا هو أصل مذهب التمثيل والتشبيه.\r\rالكرامية مشبهة ومجسمة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689235,"book_id":1659,"shamela_page_id":361,"part":null,"page_num":361,"sequence_num":361,"body":"الفرقة الثانية التي ينسب إليها المشبهة: الكرَّامية أتباع ابن كرّام، قيل: عبد الله وقيل محمد، وعبد الله هو الأشهر، وقد عاش في القرن الثالث وتوفي في ٢٥٠ تقريباً وهو أول من أسس المذهب الذي يُقال لهم: الكرَّامية، وإذا صح ما نسب إليه فكلامه في الجملة قريب مما نسب إِلَى الروافض لأنه لم يكن رافضياً؛ بل كَانَ زاهداً متعبداً متنسكاً لكن وقع في هذا الخطأ، وهو التشبيه أو التمثيل والمشهور عنهم أنهم مجسمة فيقال الكرامية المجسمة.\rولهذا أعداء العقيدة السلفية كالكوثري -مثلاً- وتلاميذه يقولون: إن ابْن تَيْمِيَّةَ ومُحَمَّد بن عبد الوهاب عَلَى مذهب ابن كرام أو عَلَى مذهب الكرامية، فمن يثبت عقيدة السلف يجعلونه عَلَى مذهب الكرامية، قالوا: لأنهم يثبتون الجسم، فإنهم يقولون: إن لله يد وأن لله عين وأمثال ذلك.\r\rومذهب أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ في الألفاظ المجملة كما نقلنا عن الإمام أَحْمَد قوله: هذا اللفظ لم يرد إثباته ولا نفيه، فنحن لا نستخدمه فمثلاً الجسم إن كَانَ قصدهم معنىً باطلاً رد هذا المعنى، وإن كَانَ المراد به معنىً حقاً قبل، لكن هذه اللفظة نَحْنُ لا نستخدمها لعدم ورودها في الشرع، فلهذا لا يرد عَلَى أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ أي تهمة بأنهم مجسمة لأن هذه العبارات نفسها لا يقُّروْنها ولا يستخدمونها، إذاً فالفرقة الثانية من طوائف المشبهة بعد الرافضة هم الكرامية.\r\rغلاة قدماء الصوفية مشبهة مجسمة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689236,"book_id":1659,"shamela_page_id":362,"part":null,"page_num":362,"sequence_num":362,"body":"والطائفة الثالثة: غلاة الصوفية القدماء، أما المتأخرون فبعضهم عَلَى هذا المذهب وعبارة الإمام أبي الحسن الأشعري يقول: قدماء النساك، ويقصد طائفة القدماء منهم؛ لأن هَؤُلاءِ كانوا يقولون: إن الله تَعَالَى يَحِلُّ في مخلوقاته -تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً- أو يتحد بهم وهذا تمثيل وتشبيه، ويزعم أحدهم أنه عانق ربه، أو أنه رآه، أو أنه صافحه إِلَى آخر ما يدل عَلَى أن هَؤُلاءِ ليسو عَلَى ملة الإسلام؛ لأن علماء الملة اتفقوا عَلَى أن من يقول بالحلول أو الإتحاد أو التمثيل أو التشبيه أو أن الله يشبه خلقه بأنه كافر لا شك فيه.\rفكانت طائفة من الصوفية ولا تزال تطلق ذلك ولولا خشية الإطالة لفصلنا القول في هذه المسألة، كيف نشأت؟ ولماذا جاءتهم هذه الشبهة في الحلول؟ وكيف أن المتأخرين منهم أمثالعبد الغني النابلسي الذي توفي بعد الألف سنة (١١٤٣) وكذلك عبد الكريم الجيلي، وعبد االفتاح الجيلاني وهم متأخرون ولكنهم عَلَى هذه العقيدة الباطلة وذلك ظاهر في قصائدهم كعقيدة ابن الفارض التائية يقول:\rوما الكلب والخنزير إلا إلهنا وما الله إلا راهب في كنيسته\rوهذا يعدونه من الأئمة الأقطاب، وله كتاب اسمه: الإِنسَان الكامل ويوجد أعيان بأسمائهم اشتهر عنهم ذلك وهم مقاتل بن سليمان وهذا الله أعلم بنسبة ذلك إليه.\r\rوالثاني: هشام بن الحكم الرافضي وهذا تقدم الحديث عنه ضمن الرافضة، والثالث: داود الجواربي نسبة إِلَى الجوارب، وترجمته موجودة في لسان الميزان (٢/ ٤٢٧) والميزان (٢/٢٣) .\r\rقال الذهبي في الميزان داود الجواربي رأس في الرفض والتجسيم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689237,"book_id":1659,"shamela_page_id":363,"part":null,"page_num":363,"sequence_num":363,"body":"ونقل الذهبي عن الإمام المحدث يزيد بن هارون ﵀ أنه كَانَ يقول: الجواربي والمريسى كافران، ثُمَّ قال يزيد بن هارون إنما مثله -أي: داود - مثل طائفة كانوا في سفينة فعبروا جسر واسط فسقطوا في النهر، وكان معهم داود فخرج شيطان من النهر، فقَالَ: أنا داود الجواربي، فنشر هذا الضلال وهذه البدع.\r\rولما رأوه من بعد ما وقعت له هذه الواقعة -سقوطه في النهر- أصبح يهذي بهذه الأقوال الضالة فَيَقُولُ: إن ربه ومعبوده جسم وجثة وأعضاء إِلَى آخر ما ذكره عنه العلماء.\rوممن ذكر عنه ذلكابن حزم في الملل والنحل، وكذلك البغدادي في الفرق بين الفرق وذكره في مقالات الإسلاميين وفي اللسان والميزان، ونقلوا عنه هذا المذهب الخبيث تَعَالَى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.\r\rيذكر المُصنِّفُ في قول الإمام الطّّحاويّ: [وتعالى عن الحدود والغايات، فالمعنى الذي أراده الشيخ ﵀ من النفي الذي ذكره هنا حق؛ لكن حدث بعده من أدخل في عموم نفيه حقاً وباطلاً، فيحتاج إِلَى بيان ذلك -فبين أولاً كلمة الحد- وهو أن السلف متفقون عَلَى أن البشر لا يعلمون لله حداً، وأنهم لا يحدون شيئاً من صفاته.\rقال أبو داود الطيالسي: كَانَ سفيان وشعبة وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وشريك وأبو عوانة لا يحدون ولا يشبهون ولا يمثلون، يروون الحديث ولا يقولون كيف؟ وإذا سئلوا قالوا بالأثر] .\r\rوالمصنف نسب هذا القول إلىأبي داود الطيالسي، ولم يشر أين ذكره، ولم أستطع أن أعرف في أي كتاب ذكره أبو داود الطيالسي، ولكن سفيان وشعبه وحماد، كل هَؤُلاءِ الأئمة لا يمثلون ولا يشبهون ولا يحدون وأمثال هذه العبارات موجودة ومنقولة بكثرة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689238,"book_id":1659,"shamela_page_id":364,"part":null,"page_num":364,"sequence_num":364,"body":"وأشمل مرجع في ذلك هو كتاب شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ المُسمى الحموية الكبرى لأن الفتوى الحموية المعروفة هذه تسمى صغرى، ثُمَّ سميت كبرى لأنه أضاف إليها كلاماً جديداً ونقولاً طويلة، فسميت الحموية الكبرى، وهي موجودة في أول المجلد الخامس من مجموع الفتاوى وذكر شَيْخ الإِسْلامِ نقولاً طويلة عن عدد من الأئمة الذين ينقلون عن السلف بالسند مثل الهروي وأبي عبد الرحمن السلمي وأبي الشيخ الأصفهاني وابن عبد البر وابن أبي زمنين وغيرهم كثير.\r\rوممن نقل وتوسع في ذلك أيضاً: الإمام اللالكائي فيشرح أصول اعتقاد أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ نقل عن عدد كبير ما يدل عَلَى هذا\rالسلف كانوا لا يحدون\rالشاهد لِمَا يريد الشيخ هي كلمة الحد \"كانوا لا يحدون\" ما معنى أن السلف كانوا لا يحدون أو لا يثبتون الحد؟ يروون الحديث ويقولون بلا كيف؟ وإذا سئلوا قالوا بالأثر.\r\rقال المصنف: [وسيأتي في كلام الشيخ: وقد أعجز عن الإحاطة خلقه، فعلم أن مراده أن الله يتعالى عن أن يحيط أحد بحده] يعنى أن مراد المُصْنِّف في نفي الحد عن الله، أن الله سبحانه يتعالى أن يحيط أحد بحده، أي: أن يحيط أحد بصفته وبكيفيته، والمعنى أنه متميز عن خلقه منفصل عنهم مباين لهم.\rولهذا يقول السلف الصالح: وإنه تَعَالَى فوق عرشه بذاته بائن من خلقه، وهذه العبارة تدخل فيما قاله المصنف: [إلا عند الحاجة مع قرائن تبين المراد] كما احتجنا أن نقول: هو عَلَى العرش بذاته، فزدنا كلمة (بذاته) كما قال ذلك الإمام ابن أبي زيد القيرواني في مقدمة الرسالة: وهو عَلَى عرشه المجيد بذاته؛ لأن من النَّاس من يقول: وهو عَلَى عرشه في الأرض، والدليل قال تعالى: وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ [الأنعام:٣] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689239,"book_id":1659,"shamela_page_id":365,"part":null,"page_num":365,"sequence_num":365,"body":"فقال هو هنا وهنا، هو فوق العرش وفي الأرض والمعنى الصحيح للآية: هو الله الإله المعبود في السموات وفي الأرض ومثل هذه الإشكالات عند الحلولية وأمثالهم، فاحتاج السلف إلى إيضاح ذلك فقالوا وهو عَلَى عرشه بذاته، وهو مع مخلوقاته بعلمه، وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [الحديد:٤] أي: بعلمه وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ وَنَعْلَمُ [قّ:١٦] فالآيات في العلم ثُمَّ قَالَ: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [قّ:١٦] \"إذ\" ظرف، والظرف متعلق بالفعل إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ [قّ:١٧] أي: الملكان اللذان يكونان لقبض الروح.\r\rإذاً: الله مع المخلوق بعلمه وبملائكته، لكن بذاته هو عَلَى العرش، فأراد السلف أن يزيلوا اللبس عن العبارات التي هي حق ويستخدمها أعداء المذهب الصحيح والمخالفون له في معنىً باطل، فوضحوا الأمر أكثر بقولهم: بائن من خلقه.\r\rمعاني الحد\rيقول المُصْنِّف ﵀:\r[سئل عبد الله بن المبارك بم نعرف ربنا؟ قَالَ: بأنه عَلَى العرش، بائن من خلقه، قيل بحد؟ قَالَ: بحد] فكيف ينفي الحد؟ وهنا قول لبعض السلف بأنه يُحد.\r\rيقول: [ومن المعلوم أن الحد يقال عَلَى ما ينفصل به الشيء ويتميز به عن غيره] وهذا المعنى الأول، وهو ما يتميز به الشيء وينفصل به عن غيره.\r\rالمعنى الذي لا يجوز أن يكون فيه منازعة\r[والله تَعَالَى غير حال في خلقه، ولا قائم بهم، بل هو القيوم القائم بنفسه، المقيم لما سواه، فالحد بهذا المعنى] بالمعنى الأول [لا يجوز أن يكون فيه منازعة في نفس الأمر أصلاً] فهو تَعَالَى مباين للخلق منفصل عنهم ليس شيء من خلقه في ذاته وليس شيء منه أو ذاته في خلقه [فإنه ليس وراء نفيه] نفى الحد بهذا المعنى [إلا نفي وجود الرب ونفي حقيقته] إذا قالوا: لا داخل العالم ولا خارجه، فهذا معدوم وليس بموجود.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689240,"book_id":1659,"shamela_page_id":366,"part":null,"page_num":366,"sequence_num":366,"body":"والمعنى للحد الثاني [وأما الحدَّ بمعنى العلم والقول، وهو أن يحده العباد، فهذا منتفٍ بلا منازعة بين أهل السنة] .\r\rالتوفيق بين ماورد عن السلف من نفي الحد وإثباته\rوقد ورد عن الإمام أَحْمَد وعبد الله بن المبارك وإسحاق بن راهويه وعن غيرهم من أئمة السلف عبارات فيها إثبات الحد وعبارات فيها نفي الحد، فكيف توفق بين النفي والإثبات للحد؟\rالجواب: أننا نقول: الحد له معنيان، المعنى الأول بمعنى المباينة والانفصال، وهذا هو مراد من أثبته، فإذا قالوا: بحد، أي: نثبت أن الله عَلَى العرش يُحد، أي: بمباينة وانفصال عن المخلوقات، لأن المخلوقات محدودة بلا شك ولها نهاية، وهو سبحانه لا يحل فيها ولا تحل فيه، والمعنى الآخر هو: معنى القول أو العلم، وهو المعنى المنفي، هل يحده المخلوقون؟\r\rفَيَقُولُ: ومرادهم بقولهم ليس له حد، أي أن المخلوقين لا يستطيعون أن يحدوا الله ﷾، أي أن يعلموا له حداً، بمعنى أن يعلموا أن له كيفية لأن عقولهم تتقاصر عن ذلك، فإذا لا تناقص في كلام السلف، رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُم، فهم أعلم النَّاس وأثبتهم وأوثقهم، ولكن المسألة أن كلمة الحد لها معنيان.\r\rقول أئمة التصوف: نحن على مذهب الإمام أحمد في العقيدة\rقال أبو القاسم القشيري في رسالته، الرسالة وهي من أقدم الكتب المؤلفة في شرح أحوال أهل التصوف وأقدم منه كتاب اللمع للطوسي، قيل توفي في نهاية القرن الرابع.\rثُمَّ تلاه القشيري فألف كتاب الرسالة ينقل عن أئمة الصوفية أمثال الجنيد وسهل بن عبد الله ورويم، والمحاسبي وأمثالهم ما يقولونه وهَؤُلاءِ كانوا -بعضهم أو كثير منهم- يظهرون عباراتالسلف الصالح في الأسماء والصفات؛ لأنهم كانوا ينتسبون إِلَى أهل الحديث إما حقيقة وإما ادعاءً والله أعلم بالبواطن، أمثال هَؤُلاءِ يقولون: إنهم عَلَى مذهب الإمام أَحْمَد في العقيدة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689241,"book_id":1659,"shamela_page_id":367,"part":null,"page_num":367,"sequence_num":367,"body":"ولكننا نهتم بالتربية والتزكية وبالأذكار والأوراد، لكننا في باب الصفات عَلَى عقيدة الإمام أَحْمَد ومنهم القشيري وهو ينقل عن الشيخ أبى عبد الرحمن السلمي وهو أقدم طبقة من طبقة القشيري وقد ألف في التصوف، وهو من الناحية الحديثة رجل وضاع وكذاب، لكن عند الصوفية إمام جليل معتبر لا يداني رتبته عندهم إلا قليل.\r\rوهو ينقل بالسند عن أئمة التصوف ونحن لا نأخذ منه الحديث، لكن نأخذ نقوله عن أئمة الصوفية على أنه رجل من الصوفية يكتب عنهم، وله من الكتب المطبوعة مثلاً الملامية أو الملامتيه [يقول: سمعت أبا منصور بن عبد الله بسنده إِلَى سهل بن عبد الله التستري وهو الإمام المتصوف المشهور، يقول وقد سئل عن ذات الله فقَالَ: ذات الله موصوفة بالعلم، غير مدركة بالإحاطة ولا مرئية بالأبصار في دار الدنيا، وهي موجودة بحقائق الإيمان من غير حد ولا إحاطة ولا حلول، وتراه العيون في العقبى، ظاهراً في ملكه وقدرته، وقد حجب الخلق عن معرفة كنه ذاته، ودلهم عليه بآياته، فالقلوب تعرفه، والعيون لا تدركه ينظر إليه المؤمن بالأبصار، من غير إحاطة، ولا إدراك نهاية] اهـ.\r\rوهذا الكلام يسوقه القشيري لغرض، ويسوقه المُصْنِّف هنا لغرض، أما القشيري فيسوق هذا الكلام ليدلل عَلَى أن أئمة التصوف هم في العقيدة عَلَى مذهب السلف وهذا هو مقصوده.\rفَيَقُولُ: إن ذات الله تَعَالَى موصوفة بالعلم وليس مجرد إثبات لصفة العلم لله؟ لا. لكن توصف بالعلم، أي نَحْنُ نعتقد في الله ﷿ صفات من خلال العلم أي من خلال ما يرد إلينا من الكتاب أو السنة وليست بالرأي، وإنما يوصف الله بالعلم أي بالدليل والله أعلم، هذا ظاهر العبارة.\r\rقوله: [غير مدركة بالإحاطة ولا مرئية بالأبصار في دار الدنيا] كلام حسن مأخوذ من معاني القرآن، وقوله: [وهي موجودة بحقائق الإيمان] أي: وجودها ثابت بحقائق الإيمان في القلب، من غير حد ولا إحاطة ولا حلول.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689242,"book_id":1659,"shamela_page_id":368,"part":null,"page_num":368,"sequence_num":368,"body":"فسهل يريد أن يقول: نَحْنُ معاشر الصوفية وأئمة الصوفية لسنا حلولية ولا اتحادية، يقصد نفسه ومشائخه وطبقتهم ومن قبلهم كالجنيد والمحاسبي وأمثاله.\r\rفَيَقُولُ: نَحْنُ عَلَى مذهب أهل السنة ونحن نصف الله بهذا الشيء وينقل ذلك عنه القشيري لهذا الغرض، والمصنف ينقل هذا الكلام لغرض أن السلف ورد عنهم إثبات الحد وورد عنهم نفي الحد، هذا هو المقصود، ونحن -أهل السنة - لنا نقولات غير هذا النقل، فقد نقل الشيخ سليمان بن سحمان في حاشيته عَلَى كتاب لوامع الأنوار البهية (١/٢٠١) نقولاً كثيرة عن شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ وغيره أنه ورد عن السلف إثبات الحد ونفيه، وهذا يدلل عَلَى صحة ما ذهب إليه المصنف.\rالخطأ الذي وقع فيه بعض شراح كلام الطحاوي\rأطلق الإمام الطّّحاويّ ﵀ النفي فقَالَ: [وتعالى عن الحدود] والعبارة تحتمل الحق وتحتمل الباطل، مما فتح الباب لأي رجل مبطل بأن يقول: إن الإمام الطّّحاويّ ينفي الحد بمعنى ينفي المباينة وهذا ما وقع لبعض الشراح فَقَالُوا: إن الإمام الطّّحاويّ ينفي الحد لأنه قَالَ: [تعالى عن الحدود] .\rإذاً هو يقول: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته، أو أنه في كل مكان؛ لأنه نفى عنه الحدود، وهذا خطأ ولبس في فهم العبارة جَاءَ نتيجة استخدام لفظة محتملة، والألفاظ المحتملة لا تستخدم -كما قلنا- إلا ومعناها مبين أو مفصل، فإذا احتجنا أن نستخدم عبارة لم ترد في الكتاب والسنة فلا نستخدمها إلا مفصَلة أو موضَّحة، فلما أرادوا أن يوضحوا أن الله تَعَالَى فوق العرش وأن ينفوا الحلول والممازجة بينه وبين خلقه، قالوا كما قال ابن المبارك: هو فوق العرش، بائن من خلقه بحد، أي: مباينة بانفصال، والحد في اصطلاح المناطقة هو التعريف.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689243,"book_id":1659,"shamela_page_id":369,"part":null,"page_num":369,"sequence_num":369,"body":"يقول لك ما حد الإِنسَان؟ أي: ما تعريفه؟ وما حقيقته؟ وتجد في كل علم حده أو تعريفه أو صفته أو ما أشبه ذلك، هذا تابع للمعنى الثاني أو مشتق منه، من غير حدٍ ولا إحاطة ولا حلول، أي: من غير كيفية، ومن غير معرفة يعرفها البشر أو يطلع عليها البشر، فيما تعلق بذاته ﷾، وإنما هي موصوفة بالعلم، أي: عن طريق الخبر الغيبي الذي جَاءَ به النبي ﷺ، ومعنى قوله: [وتراه العيون في العقبى] أي في الآخرة.\rيقول: [ظاهراً في ملكه وقدرته، وقد حجب الخلق عن معرفة كنه ذاته] وهذه أيضاً معاني صحيحة وردت في الكتاب والسنة، فيريد أن يقول: نَحْنُ عَلَى هذا المذهب الصحيح، وهو أن الأدلة الشاهدة عليه سبحانه في ملكه وفي قدرته ظاهرة، أما ذاته تَعَالَى فقد حجبها وحجب الخلق عن معرفتها.\r\rيقول: [وقد حجب الخلق عن معرفة كنه ذاته ودلهم عليه آياته -الليل والنهار وكافة المخلوقات- فالقلوب تعرفه ﷾، والعيون لا تدركه] ثُمَّ قَالَ: [ينظر إليه المؤمنون بالأبصار] أي: تراه العيون في العقبي. كما قَالَ: [من غير إحاطة ولا إدراك نهاية] .\rكما قال ﷿: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ [الأنعام: ١٠٣] فكأنه يشرح هذه المعاني القرآنية الصحيحة بألفاظ من عنده ويقول: إننا لم نخرج عن مذهب السلف. هذا هو المقصود.\r\rقَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:\r[وأما لفظ الأركان والأعضاء والأدوات، فيستدل بها النفاة عَلَى نفي بعض الصفات الثابتة بالأدلة القطعية، كاليد والوجه. قال أبو حنيفة ﵁ في الفقه الأكبر: له يد ووجه ونفس، كما ذكر تَعَالَى في القُرْآن من ذكر اليد والوجه والنفس، فهو له صفة بلا كيف، ولا يُقَالَ: إن يده قدرته ونعمته، لأن فيه إبطال الصفة انتهى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689244,"book_id":1659,"shamela_page_id":370,"part":null,"page_num":370,"sequence_num":370,"body":"وهذا الذي قالهالإمام ﵁ ثابت بالأدلة القاطعة قال تعالى: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَي [صّ:٧٥] وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر:٦٧] وقال تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص: ٨٨] ، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ [الرحمن:٢٧] وقال تعالى: تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ [المائدة:١١٦] وقال تعالى: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام:٥٤] وقال تعالى: وَاصطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي [طه:٤١] وقال تعالى: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ [آل عمران: ٢٨] .\r\rوقال ﷺ في حديث الشَّفَاعَة لما يأتي الناسُ آدم فيقولون له: (خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شيء) الحديث.\rولا يصح تأويل من قَالَ: إن المراد باليد: القدرة، فإن قوله: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ [صّ: ٧٥]\rلا يصح أن يكون معناه بقدرتي مع تثنية اليد، ولو صح ذلك لقال إبليس: وأنا أيضاً خلقتني بقدرتك، فلا فضل له عليّ بذلك، فإبليس -مع كفره- كَانَ أعرف بربه من الجهمية ولا دليل لهم في قوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ [يس:٧١] لأنه تَعَالَى جمع الأيدي لما أضافها إِلَى ضمير الجمع، ليتناسب الجمعان اللفظيان، للدلالة عَلَى الملك والعظمة. ولم يقل \"أيديَّ\" مضاف إِلَى ضمير المفرد ولا \"يدينا\" بتثنية اليد مضافة إِلَى ضمير الجمع فلم يكن قوله: مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا [يّس:٧١] نظير قوله: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689245,"book_id":1659,"shamela_page_id":371,"part":null,"page_num":371,"sequence_num":371,"body":"[صّ: ٧٥] وقال النبي ﷺ عن ربه ﷿: (حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) ولكن لا يقال لهذه الصفات إنها أعضاء، أو جوارح، أو أدوات، أو أركان، لأن الركن جزء الماهية، والله تَعَالَى هو الأحد الصمد، لا يتجزأ ﷾ والأعضاء فيها معنى التفريق والتعضية، تَعَالَى الله عن ذلك، ومن هذا المعنى قوله تعالى: الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآن آنَ عِضِينَ [الحجر:٩١] والجوارح فيها معنى الاكتساب والانتفاع.\r\rوكذلك الأدوات هي الآلات التي ينتفع بها في جلب المنفعة، ودفع المضرة، وكل هذه المعاني منتفية عن الله تعالى، ولهذا لم يرد ذكرها في صفات الله -تعالى- فالألفاظ الشرعية صحيحة المعاني، سالمة من الاحتمالات الفاسدة، فلذلك يجب أن لا يعدل عن الألفاظ الشرعية نفياً ولا إثباتاً، لئلا يثبت معنى فاسد، أو يُنفى معنى صحيحٌ. وكل هذه الألفاظ المجملة عرضة للمحق والمبطل] اهـ.\rالشرح:\r\rالألفاظ التي لم ترد في الكتاب والسنة وهي ألفاظ مجملة تحتمل معنيين: أحد المعنيين حق، والآخر باطل، فإننا لا نطلقها ولا نستعملها في حق الله ﷿ لأننا إن استخدمناها وأردنا المعنى الصحيح، فإن غيرنا قد يفهم الاحتمال الآخر الباطل، وإن استخدمها أيضاً غيرنا في المعنى الباطل، ونفينا نَحْنُ ذلك المعنى، أو قلنا: له إن كلامك صحيح، فقد يفهم من ذلك إقرارنا معناه الباطل، ونحن إنما نقصد الإقرار للمعنى الذي في أذهاننا.\r\rفنتيجة لهذا اللبس، فإن الإِنسَان لا يستعمل في حق الله تَعَالَى إلا الألفاظ الشرعية الواردة في الكتاب والسنة، ولا يعدل عنها إِلَى غيرها إلا لضرورة البيان، أو لما تقتضيه الحاجة، أو بأن نذكر اللفظ الشرعي، ثُمَّ نوضحه ونبين دلالته بأي معنىً آخر من المعاني التي يعبر عنها لغرض الإيضاح لمعنى اللفظ الشرعي لا بإحلال معنىً آخر محله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689246,"book_id":1659,"shamela_page_id":372,"part":null,"page_num":372,"sequence_num":372,"body":"بطلان ما فهمه الشراح من نفي الصفات عن الله والسبب في هذا الفهم\rهذه العبارات التي اهتم المُصْنِّف هنا بشرحها، وبرد الجانب الآخر الباطل الذي فهمه منها بعض الشرّاح، لأن الإمام الطّّحاويّ ﵀ عندما استخدم هذه العبارات فنفاها عن الله؛ قَالَ: [وتعالى عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات] وذلك بغرض تنزيهه لله تعالى.\r\rلكن جَاءَ الشُرَّاح المؤولون من الماتريدية وغيرهم فأولوا كلام الطّّحاويّ على أنه موافق للعقيدة التي يعتقدونها، وهي نفي صفات الله ﷿، لذلك اهتم المُصْنِّف بأن يثبت هذه الصفات وأن يبين خطأ استخدام هذه الألفاظ التي قد تؤدي إِلَى نفي الصفات، ولهذا يقول: [وأما لفظ الأركان والأعضاء والأدوات فيستدل بها -أي بنفيها- النفاة عَلَى نفي بعض الصفات الثابتة بالأدلة القطعية] .\rفهم يقولون: نَحْنُ ننزه الله ﷿ عن الأعضاء والجوارح والأركان والجهات، فإذا أقررت لهم بذلك، استدلوا عليك بأنه لا يجوز أن تثبت أن لله يداً ولا وجهاً، ولا أنه فوق المخلوقات إِلَى آخر ما يثبت له من الصفات.\r\rقالوا: لأن هذه أعضاء أو أدوات أو جوارح، وأنت قد سلمت أن الله ﷿ ينزه عن ذلك، إذاً فنحن ننفيها عن الله ﷿، وينسبون ذلك إِلَى الإمام أبي حنيفة، وإلى عامة السلف ولاسيما أبي حنيفة لأن صاحب المتن حنفي وصاحب الشرح حنفي، والذين شرحوا المتن شرحاً ماتريدياً هم أيضا حنفية","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689247,"book_id":1659,"shamela_page_id":373,"part":null,"page_num":373,"sequence_num":373,"body":"فيريد المُصْنِّف أن يبين بطلان ما ذهبوا إليه، ولهذا بدأ بالاستدلال عَلَى ذلك بكلام الإمام أبي حنيفة نفسه في كتابالفقه الأكبر، الذي جمعه أبو مطيع الحكم بن عبد الله البلخي الحنفي كما سبق بيانه وهو من حيث الرواية ضعيف بل نسب إِلَى الوضع، والحنفية كمذهب فقهي يقولون: إن هذا الكتاب صحيح فيصححون نسبته إِلَى أبي حنيفة ويعتقدون أن أبا مطيع البلخي لم ينقل شيئاً غير الحقيقة، فهم من الناحية المذهبية يثبتون هذا الكلام للإمام أبي حنيفة.\r\rكما أننا نعلم جميعاً أن المغني لابن قدامة أو العمدة وما أشبهها من الكتب في الفقه الحنبلي لم يؤلفها الإمام أَحْمَد، وقد يكون فيها من الأقوال ما لا يصح نسبتها إِلَى الإمام أَحْمَد، لكن الحنابلة يقولون: هذا فقه الإمام أَحْمَد فمن الناحية المذهبية أي حنفي يسلم لك إذا استدللت عليه بما في كتاب الفقه الأكبر لأنه يعتقد أن نسبة هذا الكتاب إِلَى الإمام صحيحة.\rفنحن الآن لسنا في مقام تقرير إثبات الكتاب أو عدم إثباته بقدر ما نَحْنُ في مقام إلزام الحنفية بما في هذا الكتاب، لأنهم يقرون به ويعتمدونه في المذهب، ويقولون: نأخذ فروع ديننا من كتب الفروع المعروفة ككتاب القدوري أو الهداية وفتح القدير، ويقولون: نأخذ أصول ديننا من كتاب الفقه الأكبر، فنقول: قال الإمام أبو حنيفة في الفقه الأكبر: له -أي لله عزوجل- يد ووجه ونفس، فما ذكر الله في القُرْآن من ذكر اليد والوجه والنفس فهو له صفة بلا كيف \"ولا يقَالَ: إن يده قدرته ونعمته لأن فيه إبطال الصفة\" انتهى.\r\rيقول المُصنِّفُ ﵀: [وهذا الذي قاله الإمام ﵁ ثابت بالأدلة القاطعة، من الكتاب والسنة قال تعالى: [مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ [صّ: ٧٥] .] هذا استدلال؟ عَلَى اليد أو اليدين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689248,"book_id":1659,"shamela_page_id":374,"part":null,"page_num":374,"sequence_num":374,"body":"[وقال تعالى: وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر:٦٧]] وهذا أيضاً فيه إثبات اليد.\r\r[وقال تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص: ٨٨] وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ [الرحمن:٢٧]] وهذا إثبات لصفة الوجه.\r[وقال تَعَالَى - عَلَى لسان المسيح ﵇: تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ [المائدة:١١٦] ، وقال تعالى: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام:٥٤] ، وقال تعالى: وَاصطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي [طه:٤١] ، وقال تعالى: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ [آل عمران:٢٨] وقال ﷺ في حديث الشَّفَاعَة لما يأتي النَّاس آدم فيقولون له: (خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شيء) الحديث] .\r\rهذه الآيات وكذلك الحديث صريحة في إثبات هذه الصفات لله ﷿ وهي الصفات التي ينكرها المبتدعة بدعوى أنها جوارح، أو أعضاء، أو أركان، أو ما أشبه ذلك، لكن الصفات التي في القُرْآن أثبتها الإمام أبو حنيفة لأنها ثابتة في القرآن، والمصنف جَاءَ بهذه الآيات ليستدل بها عَلَى ما ذكره الإمامأبو حنيفة.\r\rفكل ما ثبت لله ﷾ من الصفات في كتابه، أو في سنة رسوله ﷺ فإننا نثبته، وهذا هو الواجب، وإن قال من قَالَ: إن هذا يقتضي الجسمية، أو يقتضي التحيز، أو يقتضي أنه عضو، أو أنه ذو أجزاء وأنه مركب! فأي اقتضاء يأتون به نَحْنُ لا نلتزم بما يلزموننا به ولا نبالي بهم، وإنما نثبت ما أثبته الله ورسوله ﷺ.\rتأويل الصفات بناءً على توهم التعارض بين العقل والنقل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689249,"book_id":1659,"shamela_page_id":375,"part":null,"page_num":375,"sequence_num":375,"body":"ولهذا أخذ المُصْنِّف ﵀ يرد عَلَى الذين يقولون بتأويل هذه الصفات الثابتة في الكتاب والسنة، الذين يقولون: ننفي الأعضاء والجوارح والأركان عن الله ﷿ بزعمهم فيقول القائل: هل تريدون بذلك إنكار اليد والوجه والعين فيقولون: نعم، نَحْنُ ننكر ذلك، فيقول لهم: فما تقولون في آيات الله ﷿ قالوا: يجب أن تؤول، ولماذا يجب أن تؤول؟ قالوا: حسب القاعدة التي ذكرنها في معارضة ظواهر الأدلة للبراهين العقلية، وظواهر الأدلة عندنا هنا هي الآيات.\r\rيقولون: هذه الآيات ظواهر نقلية، يعني: ظواهر من النقل، والمعارض العقلي لها هو: كونه تَعَالَى ليس له شبيه ولا مثيل، وليس له أعضاء ولا جوارح ولا أدوات هكذا يقولون، هذا معارض عقلي راجح وقوي وقاطع عندهم، فنعرض ظواهر النقل عَلَى العقل والبراهين العقلية، فما أثبته أثبتناه وما نفاه نفيناه، كلهم يقولون هذا!\rولذا وضع الفخر الرازي القانون الكلي في تعارض العقل والنقل، وقد ذكره مَنْ قبله؛ لكنه ذكره كقانون في كتاب أساس التقديس، الذي نقضه ورد عليه شَيْخ الإِسْلامِ في كتابه نقض التأسيس أو بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية.\rوقد ألف شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ كتاب درء تعارض العقل والنقل، وهو أعظم كتاب عقلي كتب في الإسلام، حتى قال بعض العلماء: إنه لم يكتب في تاريخ الفكر العالمي كتاب أدق وأعمق من هذا الكتاب؛ لأنه ما بقي من أنواع الفسلفات والآراء والنظريات التي يمكن أن تصعب أو يدق فهمها ولا يستطيع كل عقل أن يخوض فيها؛ إلا وتعرض لها شَيْخ الإِسْلامِ في هذا الكتاب بإسهاب عظيم، ويبقى هذا الكتاب حجة قائمة إِلَى قيام الساعة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689250,"book_id":1659,"shamela_page_id":376,"part":null,"page_num":376,"sequence_num":376,"body":"فأي نظرية تأتي بعدها نظريات لا تخلو عن أن يُقَالَ: إنها براهين أو قواطع عقلية، فهي من وضع عقول البشر فهو يبين كيف أنه لا يمكن أبداً أن يتعارض الوحي الصحيح الصريح مع العقل الصحيح الصريح، ويرد عَلَى كل الأقوال التي أوردها أُولَئِكَ النَّاس في هذا التعارض.\r\rابتدءشَيْخ الإِسْلامِ كتابه بذكر هَؤُلاءِ المؤولين الذين يقولون بهذا القانون الكلي؛ \" قانون التعارض \"، ثُمَّ أخذ في بسط الكلام في هذه المسائل بما يشفي ويكفي رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.\rفإذا نَحْنُ نقول: هذه التأويلات المبنية عَلَى هذا الزعم باطلة تردها النصوص الصريحة وتردها أيضاً العقول الصريحة.\rتأويلات المبتدعة وتلبيساتهم في اليد\rقولهم في اليد: ليس لله يد، وما ورد من إطلاق اليد فإنما المراد به القدرة، وقولهم مركب من جملتين قالوا أولاً: ليس لله يد، ثُمَّ قالوا: ما ورد في اليد فإنا نفسره بالقدرة.\r\rوإنما قلنا من جملتين لأننا قد نجد أنه منسوب إِلَى بعض السلف أنهم فسروا اليد بالقدرة.\r\rلكن لا يمكن أبداً أن ينقل عن أحد من السلف نفي اليد، ولا نفي صفة العين عن الله ﷿ لكن قد تجد من قال في تفسير قوله تعالى: بِأَعْيُنِنَا [هود:٣٧] من قَالَ: بحفظنا أو برعايتنا أو بعنايتنا إِلَى آخر ذلك، وهنا قضية مهمة جداً يجب أن نعلمها أن أهل البدع يقولون: أنتم تقولون: إننا أهل بدعة، وأهل ضلال وخارجون عن السنة وعن الطريق القويم؛ لأننا ننفي صفة اليد أو نؤولها.\r\rفانظروا إِلَى ما قاله مجاهد -مثلاً- وهو تلميذ ابن عباس ﵃ أجمعين - في قوله تعالى: تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ [الملك:١] قال قدرته فقالوا: إما أن تقولوا: إن مجاهداً ضال وخارج عن السنة والجماعة إِلَى آخره.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689251,"book_id":1659,"shamela_page_id":377,"part":null,"page_num":377,"sequence_num":377,"body":"وإما أن نكون نَحْنُ مثله، ونفي اليد وتفسيرها بالقدرة صحيح ولا منازعة فيه، وهكذا في صفة العين والوجه وغيرها من الصفات، فلذلك قلنا يجب أن نفهم هذه القضية.\r\rالفرق بين هؤلاء المؤولة وبين ما ورد عن السلف في تفسير بعض الآيات\rالمبتدعة ينفون اليد ثُمَّ يفسرون اليد الواردة في النصوص بالقدرة والنعمة والقوة والنصر، كما في قوله تعالى: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح:١٠] نصره وتأييده إِلَى آخره، أما مجاهد أو سفيان أو ابن عباس ﵃ وأمثالهم ممن ورد عنهم أمثال هذا الكلام الذين وردت عنهم ألفاظ قليلة في تفسير بعض الآيات، فإنهم لم ينفوا أي صفة من صفات الله ﷿ -فمجاهد لم يقل ليس لله يد، وأن المراد باليد: النعمة والقدرة، إنما فسر قوله سبحانه: تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ [الملك:١] بالملك في قدرته، وهل أخطأ مجاهد في المعنى؟!\rلو تأملنا كلامه لوجدنا أنه لم يخطئ ولم يؤول؛ لأن إثبات اليد قضية مفروغ منها، لكن معنى: بِيَدِهِ الْمُلْكُ [الملك:١] أن السماوات السبع تحت قدرته لا تخرج عن أمره، وأي معنى من هذه المعاني صحيح ولا غبار عليه، وقوله تعالى: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح:١٠] معناها ينصرهم ويؤيدهم، ويجعل الغلبة لهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689252,"book_id":1659,"shamela_page_id":378,"part":null,"page_num":378,"sequence_num":378,"body":"فالمعنى صحيح وحق وهذا هو المراد بهذه الآية، وهذا المعنى الذي يريد أن يقوله الله ﷿ للكفار، وهذا هو الذي فهمه الصحابة من هذه الآيات، ولا يعني هذا نفي صفة اليد عن الله تعالى، فالمعنى الإجمالي للعبارة وللاستعمال شيء، ونفي الصفة التي تدل عليها لفظة من الألفاظ في هذه العبارة شيء آخر، فإذا قلنا مثلاً: المملكة بيد الملك أو الجامعة بيد المدير، المقصود بذلك أنها تحت أمره وتحت قدرته، فنقول: نعم كلامكم هذا صحيح يفهمه أي عربي أن المقصود بـ\"المملكة بيد الملك\": أن المملكة في ملكه وفي قدرته وتحت أمره، لكن من فهم من هذه العبارة -من قولك: إن المملكة بيده أو الجامعة بيده- أنه أقطع ليس له يدان، نقول: هذا فهم خاطئ جداً، فهم المجانين لأن هذا لا يمكن أن يُفهم من هذه العبارة.\rوهم يقولون: ليس لله يدان، لأن معنى: بِيَدِهِ الْمُلْكُ [الملك:١] وما أشبهها مثل قوله تعالى: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح:١٠] معناها القدرة أو النصرة أو الحفظ فهذا خطأ، فمع أن للملك يده، وللمدير يده، لكن أيضاً الجامعة بيده والمملكة بيده، بمعنى: أنها تحت أمره وتحت حكمه وتحت قدرته هذا معنى واضح ولا تختلف العقول فيه؛ فكذلك نفهم هذا عَلَى ضوء لغة العرب.\rويقولون: إن القُرْآن نزل بلسان عربي مبين، كما قال الله ﷿، نقول: نعم، ونحن لا نتهم لغة العرب، ولا نخطئها، بل نتهم أفهامكم أنتم، فلغة العرب لا تقتضي نفي صفات الله ﷿، ولكن أنتم فهمتم منها ما يقتضي نفي صفات الله ﷿، وهكذا حتى في باب الكناية إذا قالوا -مثلاً-: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:٥] يقولون: هذا كناية عن القهر والغلبة والتمكن إِلَى آخره، فنقول لهم: الكناية لا تنفي الحقيقة في لغة العرب، والبيت الذي يأتون به في البلاغة دائماً في الدلالة عَلَى الكناية بيت الخنساء، وهي ترثي أخاها صخراً تقول:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689253,"book_id":1659,"shamela_page_id":379,"part":null,"page_num":379,"sequence_num":379,"body":"رفيع العماد طويل النجاد ساد عشيرته أمردا\rرفيع العماد، طويل النجاد، كثير الرماد، وما أشبه هذه الاصطلاحات كناية عن كرمه وعن شجاعته وعن قوته هذا الذي تريد أن تقوله عن أخيها، لكن لا يعني هذا أنه ليس عنده نجاد، أو بنية طويلة أو رمح طويل أو ليس كثير الرماد، فلا تنفي المعنى، فكثير الرماد تقصد أنه كريم، ولا ينفي أنه كثير الرماد فعلاً أنه يطبخ كثيراً ونتيجة الطبخ يكون الرماد، فالكناية لا تمنع الحقيقة.\r\rإذاً هم يخطئون في فهم الأساليب العربية ويحملونها مالا تحتمل من أجل نفي صفات الله ﷿.\r\rالرد على نفاة صفة اليد\rيقول المصنف: [ولا يصح تأويل من قَالَ: إن المراد باليد: القدرة، فإن قوله: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ [صّ:٧٥] لا يصح أن يكون معناه: بقدرتي] والمصدر في لغة العرب لا يثنى فمثلاً كلمة الضرب تطلق عَلَى أي ضرب في أي زمان وفي أي مكان من أي إنسان صدر، فهي كلمة تستغرق كل الحدث الذي تدل عليه هذه الكلمة، والقدرة مثلاً: تستغرق كل ما يدل عَلَى ذلك المعنى؛ ولا يصح في لغة العرب بأي حال من الأحوال أن يثنى المصدر، وهذا شيء معلوم في لغة العرب.\rولو قال قائل: وكلمة \" بيع \" مصدر، فلماذا يقولون في كتب الفقه كتاب البيوع، وهذا جمع للمصدر فيجاب عنه: بأن هذا الاصطلاح حادث في اللغة العربية، فالأصل أن تقول: كتاب البيع، ثُمَّ تقول: والبيع أنواع، ولو كانت ألف نوع أو أكثر، فكلها تدخل تحت كلمة البيع، لأن البيع يشملها، وأيضاً فهذا الجمع باعتبار الأنواع، مثلاً -بيع النقد بالنقد هذا بيع، والبيع المحرم والجائز، وبيع الغرر، فيقول المصنفون: كتاب البيوع، كأنه يقول لك: هذا الباب أو هذا الكتاب يشمل بيع كذا وبيع كذا، فهذه ألفاظ اصطلاحية وهي ليست مما يحتج به في لغة العرب، وقيلت للدلالة عَلَى غرض معين وهو التنوع والتعدد، لأن كل بيع منها مصدر، ويستغرق كل ما يقع تحته لفظ ذلك المصدر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689254,"book_id":1659,"shamela_page_id":380,"part":null,"page_num":380,"sequence_num":380,"body":"فالمقصود: أنه لا يصح بأي حال من الأحوال أن تفسر قول الله: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [صّ:٧٥] بأنها لما خلقت بقدرتيّ لأنه إن كَانَ المقصود الحصر فهل ليس له إلا قدرتان، فلماذا لا تكون ثلاث أو أربع، أو أكثر؟\rوإن أردنا أنها واحدة فلا يصح أن نقول: قدرَتَي بالتثنية وهي قدرة واحدة، ولو صح ذلك، وسلمنا جدلاً أنها قدرة، وأن المعنى ما منعك يا إبليس أن تسجد لما خلقت بقدرتي، لقال إبليس: وأنا أيضاً خلقتني بقدرتك، وكل المخلوقات مخلوقة بقدرة الله، فإذاً ينتفي الاختصاص.\rولا يصح لغة ولا يصح معنىً وتفسيراً أن يُقَالَ: إن اليد بمعنى القدرة؛ لأن القدرة صفة أخرى من صفات الله ﷿ وهو عَلَى كل شيء قدير ومن أسمائه القدير، وكذلك فإن اليد من صفات الله ﷾، ولا تفسر هذه بهذه ولا نلغي تلك أبداً.\r\rإبليس أعرف بربه من الجهمية\rقَالَ المُصْنِّفُ ﵀: [فإبليس -مع كفره- كَانَ أعرف بربه من الجهمية] ، يعني: هو يعرف أن لربه يدين، والجهمية لا يقولون بذلك إذاً هو أعرف بربه منهم.\rوالمقصود بالجهمية هنا: من ينفون هذه الصفات فليس الأمر خاصاً بالجهمية الذين هم أصحاب جهم.\r\rحقيقة الجهمية في هذا الموضوع بالذات\rالجهمية تطلق عَلَى جميع نفاة الصفات؛ لأن أصل نفي الصفات إنما هو من جهم، وقد سمى شَيْخ الإِسْلامِ رده عَلَى الرازي بـ\"بيان تلبيس الجهمية \".\rمع أن الرازي يقول: نَحْنُ لا ننتسب إِلَى جهم إنما نَحْنُ أشعرية ولسنا جهمية، لكنهم في الحقيقة جهمية لأنهم ينفون الصفات، والتجهم درجات كما سبق.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689255,"book_id":1659,"shamela_page_id":381,"part":null,"page_num":381,"sequence_num":381,"body":"وتلخيص ذلك: أن نفاة صفات الله ﷾ الذين يطلق عليهم الجهمية في كلامالسلف الصالح، فممن كتب من المؤلفين من السلف في الرد عَلَى الجهمية كالإمام البُخَارِيّ في صحيحه، كتب كتاب التوحيد والرد عَلَى الجهمية والإمام أبو داود ذكر في سننه كتاب الرد عَلَى الجهمية، والإمام أَحْمَد شيخ البُخَارِيّ وأبو داود له كتاب الرد عَلَى الجهمية، والإمام عثمان بن سعيد الدارمي له كتاب الرد عَلَى الجهمية وغيرهم كثير.\r\rالمهم أنهم درجات المقصود أنه يطلق عَلَى نفاة الصفات جهمية لكنهم درجات.\r\rدرجات الجهمية\rالدرجة الأولى: الذين ينفون جميع الأسماء وجميع الصفات، وهم الباطنية وغلاة الجهمية، وهَؤُلاءِ فرق كثيرة يقولون: لا نثبت له لا اسماً ولا صفة، حتى أنهم قالوا: لا نقول موجود ولا غير موجود، فالباطنية يقولون: ننفي الصفة وننفي ضدها، فالنفي عندهم شامل للسلب والإيجاب معاً، لا نقول موجود ولا غير موجود، فلا يوصف الله بشيء، وهذا أعلى درجات الكفر، وهم بلا شك خارجون من الملة.\rالدرجة الثانية: المعتزلة: وهَؤُلاءِ يثبتون الأسماء وينفون جميع الصفات، يقولون -مثلاً-: عزيز بلا عزة، حكيم بلا حكمة، سميع بلا سمع، بصير بلا بصر، عليم بلا علم.\r\rالدرجة الثالثة: الذين يثبتون الأسماء ويثبتون بعض الصفات وينكرون بعضها، وهَؤُلاءِ هم الأشاعرة وهم مضطربون فالباقلاني -مثلاً- وهو من أقدم أئمتهم يثبت بعض الصفات كالوجه واليد والعين، لكن أتى من بعده الجويني إمام الحرمين فنفى ذلك.\r\rثُمَّ استمر من بعده يتدرجون في النفي والتجهم، إِلَى أن جَاءَ الرازي، الذي يكاد أن يكون معتزلياً، ثُمَّ بعد ذلك يأتي الإيجي صاحب المواقف فيصبح المذهب مذهباً فلسفياً وكذا الآمدي والأرموي وأمثالهم، فهم يتدرجون ويتفاوتون.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689256,"book_id":1659,"shamela_page_id":382,"part":null,"page_num":382,"sequence_num":382,"body":"المقصود: أنهم كمجموعة يثبتون الأسماء ويثبتون بعض الصفات وينكرون البعض الآخر أو يؤولونه، ومما يثبتونه من الصفات سبع وبعضهم يجعلها أحد عشرة وبعضهم ثلاثة عشر، وبعضهم عشرين، مع التفريعات والتشققات، والباقي يؤولونه.\r\rوالاستواء والوجه وأمثالهما مما يطلقون عليه أنه جوارح وأعضاء وأركان هذا من أعظم ما تنفيه الأشعرية وبالتالي ينفيه المعتزلة بطبيعة الحال؛ لأنهم ينفون جميع الصفات، وبطبيعة الحال تنفيه الجهمية لأنهم ينفون الكل وكذلك الباطنية، فكل النفاة وكل المؤولين يشتركون جميعاً في نفي الصفات.\r\rقال المصنف: [فإبليس -مع كفره- كَانَ أعرف بربه من الجهمية] ، هذا القول إذاً ينطبق عَلَى جميع هَؤُلاءِ، وإن كَانَ إبليس قد كفر به ولكن كفره من كفر الكبر والإباء إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ [البقرة:٣٤] .\r\rالكفرة ملة واحدة وأسبابه تختلف\rفالكفر أنواع: كفر يتعلق بالطاعة، وكفر يتعلق بالمعرفة، وهَؤُلاءِ الجهمية وغيرهم من نفاة الصفات كَفَرُوا بمايتعلق بالمعرفة، \" أي: معرفة الله \" لأنهم جحدوا أسماء الله وجحدوا صفاته، والكفر يختلف في سببه ودافعه فإبليس أبى واستكبر أن يقر بالأمر في ذاته ونفاه ونفى حكمته.\rواليهود كفرهم من باب الحسد وهو قريب من كفر إبليس، لأن إبليس حسد آدم عَلَى المنزلة من حيث الدافع، لكن اليهود لا ينكرون النبوة في ذاتها بل يقرون بالنبوة والأنبياء، لكنهم كانوا يريدون أن يكون النبي من بني إسرائيل، فكفروا بمُحَمَّد ﷺ كما قال أبو جهل: من بني هاشم إذاً كفرنا، فليست القضية قضية حق أو باطل، بل ما دام أنه من بني هاشم إذاً كفرنا، لأننا كنا وإياهم كفرسي رهان، ولأنهم قالوا: منا نبي ولا نستطيع أن نأتي بنبي وهكذا.\rإذاً فأبواب الكفر مختلفة، والمقصود هنا: أن إبليس في باب المعرفة أعرف بربه من نفاة الصفات.\r\rشبهة في إثبات صفة اليد وردها","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689257,"book_id":1659,"shamela_page_id":383,"part":null,"page_num":383,"sequence_num":383,"body":"يأتي هنا إشكال قال المصنف: [ولا دليل لنفاه الصفات فيه، وهو في قوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ [يس:٧١]] .\rفيقولون: ليس لله يد عَلَى الحقيقة، ولا يتصف الله باليد كما تقولون؛ لأن الله ﷾ ذكر في هذه الآية أنه خلق الأنعام فقال: مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا [يس:٧١] فَجَمَعَ اليد، وأنتم تقولون: إن لله يدين، وتقولون: إن المصدر لا يُثَنّى ولا يجمع.\r\rالمقصود هنا هو قوله: أَيْدِينَا فَقَالُوا: أنتم تقولون: إن لله يداً وتقولون: إن لله يدين وتقولون: إن لله أيدي، وهذا ما وردت به النصوص، فكيف تقولون: إن الله يدين كما ذكر، فنحن نقول لهم: ما ذكره الله في الآية: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ [صّ:٧٥] فنحن نقول لهم: هذا فيه إثبات أن لله تَعَالَى يدين، كما يقول في الآية الأخرى رداً عَلَى اليهود في قولهم: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَة [المائدة:٦٤] فلما كَانَ المقام مقام رد عليهم من جهة إثبات الصفة لله ﷿ قَالَ: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة:٦٤] فعلمنا بذلك قطعاً وصراحة أن لله تَعَالَى يدين، وأن الصفة بلفظ اليدين، ولم يَقُل أيديه مبسوطة.\r\rوكما جَاءَ في الأحاديث الصحيحة (وكلتا يديه يمين) أي: هما يدان، ويأتي في لغة العرب إطلاق المفرد وهو في الحقيقة مثنى وهذا معروف، ولأن جميع النَّاس لكل واحد منهم يدان من حيث العدد، فإذا قال رجل: أخذت بيدي أو عملت بيدي؛ فإنه لا يعني بذلك أنه ليس له إلا يد واحدة، وهذا واضح جداً، ولله المثل الأعلى.\rوإذا استخدم الجمع فما معناه وكيف نفهمه؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689258,"book_id":1659,"shamela_page_id":384,"part":null,"page_num":384,"sequence_num":384,"body":"نقول: بما أن القُرْآن جَاءَ بأرقى وأفصح الأساليب العربية بلا شك، ولا ينازع في ذلك أحد من هَؤُلاءِ المناظرين، فالإضافة لمَّا جاءت إِلَى ضمير الجمع جُمع المضاف، لأن أول الآية أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا [يّس:٧١] بلفظ الجمع. لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا [يّس:٧١] لأن المضاف إليه ضمير الجمع \"نا\" فيجمع إذاً المضاف لمناسبة المضاف إليه، فليس في ذلك نفي لكون اليدين اثنتين وهذا باب معروف في اللغة العربية، كما قال الله ﷿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا [التحريم:٤] وهذا لا يناقشون فيه من جهة اللغة.\r\rوالمصنف هنا قَالَ: [لأنه تَعَالَى جمع الأيدي لما أضافها إِلَى ضمير الجمع ليتناسب الجمعان، فاللفظان للدلالة عَلَى الملك والعظمة -كلاهما- ولم يقل \"أيديَّ\"] لأنه إذا أراد أن يجمع المضاف والمضاف إليه مفرد، كما لو كَانَ التعبير هكذا لقَالَ: \"أيدي\" فهذا المضاف جمع والمضاف إليه مفرد \"أيديَّ\" فليس هذا هو المراد بذلك، وإلا لو قال \"أيدي\" لفهمنا أنها أيدي، فلم يقل \"أيديَّ\" مضافاً إِلَى ضمير المفرد، ولم يقل يدينا بتثنية اليد مضافة إِلَى ضمير الجمع [فلم يكن قوله: مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا [يّس:٧١] نظير قوله تعالى: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ [صّ:٧٥]] .\rأي: ليست آية مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا [يّس:٧١] مما ينفي دلالة لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ [صّ:٧٥] أو بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة:٦٤] وأمثال ذلك مما ورد في إثبات اليدين، لأنها وردت بهذا اللفظ في المقام الذي لا يحتمل التأويل في الآيات، وكذلك في الأحاديث الصحيحة الثابتة في الصحيحين وغيرهما.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689259,"book_id":1659,"shamela_page_id":385,"part":null,"page_num":385,"sequence_num":385,"body":"ثُمَّ انتقل المُصنِّفُ ﵀ إِلَى إثبات صفة الوجه لله تعالى، وقد سبق أن ذكر الآيات الدالة عَلَى إثبات الوجه كقوله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَه [القصص:٨٨] وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ [الرحمن:٢٧] وغير ذلك مما يدل عَلَى إثبات الوجه لله ﷾، وأنه صفة له تعالى، ولا نقول: إنه ذاته، ولا نقول: إن ذلك يقتضي أن له أعضاء أو جوارح، أو أركاناً، وإنما هو صفة عَلَى الحقيقة بلا كيف، كما قال الإمام أبو حنيفة: \"له وجه ويد ونفس، وقَالَ: كل ذلك فهو له صفة بلا كيف\" يعني: أننا نجهل الكيفية.\rويستدل عَلَى ذلك بالحديث الذي رواه الإمام أَحْمَد ومسلم وغيرهما (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) وورد في رواية (حجابه النار) والمعنى واحد ولا منافاة بينهما، لأنه قَالَ: (لو كشفه لأحرقت سبحات) أي: لأحرقت أنوار وجهه (ما انتهى إليه بصره من خلقه) ، لأن المخلوقات لا تصمد ولا تقف أمام نور الله ﷿، فهو نار محرق بالنسبة لها فحجابه النور أو حجابه النار، لا منافاة بينهما\rولو كشف سبحانه هذا الحجاب لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه، وهذا دليل عَلَى عظمة الله ﷿، وعلى أنه لا يستطيع البشر أن يتخيلوا ولا أن يدركوا كنه ذاته ﷾، فهو كما قَالَ: وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً [طه:١١٠] وهو أقوى في الدلالة عَلَى النفي منلا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [الأنعام:١٠٣] ، لأن الإدراك العلمي أوسع من الإدراك الحسي البصري، فإن كثيراً من الأشياء نسلم بها علمياً وذهنياً، وإن كنا لا نستطيع أن نراها لأن هذا مجال أوسع.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689260,"book_id":1659,"shamela_page_id":386,"part":null,"page_num":386,"sequence_num":386,"body":"فالله ﷾ نفى الإحاطة به علماً في الدنيا وفي الآخرة، ولما كَانَ سيرى في الآخرة عَلَى الحقيقة نفى الإدراك مع إثبات النظر والرؤية فقال: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصار [الأنعام:١٠٣] مع أنه ثابت أن المؤمنين يرونه ﷾.\rلا يقال لصفات الوجه واليدين وغيرها أعضاء وتعليل ذلك\rوبعد إثبات هذه الصفات قَالَ: [ولكن لا يُقال لهذه الصفات إنها أعضاء] فنحن نثبت الوجه واليد والعين وكل هذه صفات، ولا نقول: إنها أعضاء أو جوارح أوأركان أو أدوات، ثُمَّ أخذ يعلل لهذا، يقول: [لأن الركن جزء الماهية] يعني في حق الماهيات المعروفة، أي: في المخلوقات المعروفة الركن هو جزء الماهية الذي إذا ذهب ذهبت الماهية، وهو معروف، فمثلاً:\r\rنحن نقول: الركوع ركن في الصلاة، فلوصلى أحد ولم يركع فليس له صلاة، وكذلك الفاتحة ونحوها من الأركان إذا لم يأتي بها فلا صلاة له، لأن الركن هو الجزء من الماهية، وكذلك لو قلنا بالتعريف المنطقي المجرد أن الإِنسَان حيوان ناطق، فيقولون: الركنان هما الحيوانية والناطقية، فإذا انتفت الحيوانية انتفى ركن الماهية، فلم يعد هناك شيء اسمه إنسان، فمثلاً النباتات ليست إنساناً لانتفاء أحد أركان الماهية، وإذا انتفى ركن منها انتفت الماهية، لكن المقصود أننا لا نقول عن الصفات الإلهية هذه أركان، ويكفينا أنه لم يرد في حق الله ﷿ إثبات كلمة الركن فلا نقولها، والله تَعَالَى هو الأحد الصمد ﷾.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689261,"book_id":1659,"shamela_page_id":387,"part":null,"page_num":387,"sequence_num":387,"body":"يقول: [والأعضاء فيها معنى التفريق والتعضية] ونقول في كلمة العضو مثلما قلنا في كلمة الركن، لأن معنى العضية: التفريق [ومن هذا المعنى قوله تعالى: الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآن آنَ عِضِينَ [الحجر:٩١]] يعني: أعضاء، ففرقوا القُرْآن آمنوا ببعضه وكفروا ببعضه، فجعلوه عضين أي: أعضاء، فالشيء العضوي هو الذي يتكون من عناصر أو عدة أشياء يمكن أن يوجد البعض منها وننفي البعض منها، فنحن لا نطلق ذلك في حق الله ﷿. [والجوارح فيها معنى الاكتساب والانتفاع] وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ [الأنعام:٦٠] ما جرحتم أي: اكتسبتم وعملتم، وفيها نوع من معنى الاكتساب، فنقول: اليد الجارحة فيها أيضاً معاني الاكتساب فنلاحظ أن هناك معاني لهذه الألفاظ ودلالات لا تليق بالله ﷿، مثلاً معنى الاكتساب ومعنى الانتفاع.\rويكفينا أنها لم ترد لكن لا بد أنها لا تخلو من خطأ، وكذلك الأدوات، لماذا؟ لأن الأدوات بالنسبة للإنسان كما هو معلوم هي الآلات التي ينتفع بها في جلب المنفعة أو دفع المضرة، فالسيف آلة والرمح آلة والمحراث آلة، فهل نقول: نثبت آلات لله ﷿ وننفي آلات عن الله ﷿؟ نقول: هذه الألفاظ لم ترد ولهذا نَحْنُ نتجنبها.\r\rيقول: [وكل هذه المعاني منتفية عن الله، ولهذا لم يرد ذكرها في صفات الله تَعَالَى] وهكذا العبرة عندنا بالورود [فالألفاظ الشرعية -التي جاءت في الكتاب والسنة- صحيحة المعنى، سالمة من الاحتمالات الفاسدة] دائماً [فلذلك يجب أن لا يعدل عن الألفاظ الشرعية نفياً ولا إثباتاً لئلا يثبت معنى فاسد، أو ينفي معنى صحيح وكل هذه الألفاظ المجملة عرضة للمحق والمبطل] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689262,"book_id":1659,"shamela_page_id":388,"part":null,"page_num":388,"sequence_num":388,"body":"وهذا التلخيص من المُصْنِّف في الأخير هو الذي يردنا إِلَى أصل القضية، وهو أن كل لفظ مجمل في حق الله ﷿ لا نستخدمه ولا نستعمله، لأنه ما دام يحتمل معنيين أحدهما حق والآخر باطل، فإننا لابد أن نخطأ إذا أثبتناه بالكلية، أو نفيناه بالكلية، ولهذا لا نطلقه بالمرة، وإنما نقف عندما ورد، ونثبت ما ورد.\rهذه هي القاعدة الأساسية، وقد استثنى من ذلك -كما سبق- أنه قد يُوضح المعنى الشرعي بكلام آخر، أو بعبارات أخرى، المراد منها إيضاح دلالته مثل ما قلنا: استوى بذاته، ثُمَّ وضحناه وقلنا مباين لخلقه، من غير اختلاط ولا ممازجة، وهذه العبارات يستخدمها بعض السلف بقصد إيضاح المعنى الأساسي لا بقصد استخدام معنى جديداً له دلالة مجملة، فنقف حيث وقف السلف الصالح وهو أن ما ورد به النص قلناه وما نفاه نفيناه.\r\rقَالَ المُصنِّفُ ﵀:\r[وأما لفظ الجهة، فقد يراد به ما هو موجود، وقد يراد به ما هو معدوم، ومن المعلوم أنه لا موجود إلا الخالق والمخلوق، فإذا أريد بالجهة أمرٌ موجودٌ غير الله تَعَالَى كَانَ مخلوقاً، والله تَعَالَى لا يحصره شيء، ولا يحيط به شيء من المخلوقات، تَعَالَى الله عن ذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689263,"book_id":1659,"shamela_page_id":389,"part":null,"page_num":389,"sequence_num":389,"body":"وإن أريد بالجهة أمر عدمي، وهو ما فوق العالم، فليس هناك إلا الله وحده، فإذا قيل: إنه في جهة بهذا الاعتبار، فهو صحيح، ومعناه: أنه فوق العالم، حيثُ انتهت المخلوقات، فهو فوق الجميع، عال عليه، ونفاة لفظ \"الجهة\" الذين يريدون بذلك نفي العلوّ يذكرون من أدلتهم: أن الجهات كلها مخلوقة، وأنه كَانَ قبل الجهات، وأن من قَالَ: إنه في جهة يلزمه القول بقدم شيء من العالم، أو أنه كَانَ مستغنياً عن الجهة ثُمَّ صار فيها، وهذه الألفاظ ونحوها إنما تدل عَلَى أنه ليس في شيء من المخلوقات، سواء سمي جهة أو لم يسم، وهذا حق، ولكن الجهة ليست أمراً وجوديَّاً؛ بل أمر اعتباريّ، ولا شك أن الجهات لا نهاية لها، وما لا يوجد فيما لا نهاية له فليس بموجود] اهـ.\rالشرح:\r\rموضوع الجهة وما يتعلق به لا يخرج عما سبق؛ لكن لعلاقته بإثبات صفة العلو لله تَعَالَى -وهي ستأتي وقد سبقت أيضاً- فنحن نقدم للكلام فيها ببيان مذاهب النَّاس في إثبات هذه الصفة.\rمذهب السلف وهو إثبات صفة العلو\rالمذهب الأول: إثبات صفة العلو لله سبحانة وتعالى، وصفة العلو دل عليها القُرْآن والسنة، ودل عليها إجماع السلف الصالح وتدل عليها العقول والفطر السليمة جميعاً، عند المؤمنين وعند الكفار، بل ذكر بعضهم أن ذلك حتى عند الحيوان لمن تأمل، وهو أن الله ﷾ فوق المخلوقات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689264,"book_id":1659,"shamela_page_id":390,"part":null,"page_num":390,"sequence_num":390,"body":"وكل ما يمكن أن تتصور من الأدلة فإنه يدل بوضوح وجلاء عَلَى علو الله تَعَالَى فوق مخلوقاته، وأما استواؤه ﷾ عَلَى العرش فهذا دل عليه الوحي، ولو لم يأتنا نص لما علمنا أنه استوى أو لم يستو؛ لكن نَحْنُ نعلم أنه فوق المخلوقات، لكن الله ﷾ أخبرنا بالوحي أن له عرشاً هو أعظم من جميع المخلوقات، وأنه سبحانه مستو عَلَى ذلك العرش بكيفية لا نعلمها والعرش فوق جميع المخلوقات والله فوق العرش الذي هو أكبر من جميع المخلوقات؛ هذا المذهب الجلي الواضح الذي لا ينكره عقل ولا فطرة إلا إذا تلوث العقل أو فسدت الفطرة.\r\rمذهب بعض الخلف وهو إنكار العلو\rالمذهب الثاني: هو مذهب الذين أنكروا علو الله ﷾ عَلَى خلقه، وقد انقسموا في هذه الصفة إِلَى قسمين أساسيين:-\r(أ) أهلالحلول والاتحاد.\rوهم الذين يقولون: إن الله في كل مكان -والعياذ بالله- وأنه يحل في كل شيء، وهو حقيقة كل شيء، وأن الكون ما هو إلا مظاهر له، وهذا كفر صريح باتفاق فِرَقِ الْمُسْلِمِينَ، وهذا مذهب الاتحادية والحلولية الذي أصله من المجوس والبوذيين في الهند ثُمَّ انتقل إِلَى بعض من ينتسبون إِلَى الإسلام كابن عربي وابن الفارض والتلمساني وابن سبعين وأمثالهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689265,"book_id":1659,"shamela_page_id":391,"part":null,"page_num":391,"sequence_num":391,"body":"ويستدلون بما يُنسب إِلَى أبي حنيفة من مناظرة مكذوبة ومع الأسف أنها رائجة، حتى أن بعض النَّاس يطبعها ويتركها في برواز، وهي أن الإمام أبو حنيفة ناظره دهري زنديق لا يؤمن بالله واتفقوا أن يكون موعد المناظرة في مسجد معين ومكان معين، وتأخر الإمام أبو حنيفة ثُمَّ لما وصل إليه قالوا له: ما الذي أخرك يا أبو حنيفة؟ قَالَ: كنت واقفاً وجاء خشب وتجمع ثُمَّ تكونت منه سفينة، ثُمَّ كذا ثُمَّ قادتنا السفينة إليك فتأخرتُ، فَقَالَ له الرجل: كيف يتجمع بذاته؟ وكيف يمشي بذاته؟ قَالَ: فكيف بهذا الكون من يسيره ويدير شؤونه؟! ثُمَّ يقول الدهري الزنديق للإمام أبي حنيفة أين الله؟! قَالَ: الله في كل مكان، قال له: كيف يكون في كل مكان؟ قَالَ: مثل الزبدة في اللبن.\r\rهذا الكلام لا يصح، ولا تصح القصة من أصلها.\rوهل يمكن لأحد في زمن الإمام أبي حنيفة أن يأتي يناظر النَّاس وينكر وجود الله علناً؟! وإذا كنا الآن في زمن السوء الذي نعيش فيه لا يستطيع أحد أن يأتي ويقول: أنا أنكر وجود الله، فإن العوام يقتلونه قبل أن يصل إليه العلماء، فكيف بذلك الزمن؟ فلا يمكن حصول هذه القصة أصلاً، ثُمَّ كيف ينكر وجود الله، ثُمَّ يقول له: أين الله؟! فَيَقُولُ: هو كالزبدة في اللبن.\rوكيف يقول الإمام أبو حنيفة هذا، وهو الذي يقول كما في الفقه الأكبر وفي طرق أخرى غير الفقه الأكبر: من أنكر أن الله ﷾ عَلَى العرش فقد كفر، هذا ثابت عنه في عدة كتب من كتب المناقب، مثل مناقب أبي حنيفة.\rفالمقصود أن الذين يقولون: إن الله في كل مكان بهذا المعنى، فإنه مخالف ومنافٍ لما عليه السلف الصالح، فإنهم أجمعوا عَلَى أن الله فوق العرش، كما أجمع عَلَى ذلك المفسرون، ونقل الإجماع ابن كثير وغيره؛ أنه ﷾ فوق العرش وأنه وفي كل مكان بعلمه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689266,"book_id":1659,"shamela_page_id":392,"part":null,"page_num":392,"sequence_num":392,"body":"نعم علم الله تَعَالَى في كل مكان، فهو يعلم ما يدور في هذا الكون في أي مكان كان، ولو كَانَ في باطن الأرض، كما ذكر العبد الصالح لقمان: يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ [لقمان:١٦] وقوله: وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [الأنعام:٥٩] وأمثال ذلك كقوله تعالى: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [الحديد:٤] أي: بعلمه، لكن ذاته سبحانه في السماء، كما أقر النبي ﷺ الجارية عندما قالت في السماء.\r\rويستدلون أيضاً بما ذكرنا سابقاً يقولون مثلاً قال الله تعالى: وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ [الأنعام:٣] وما أشبه ذلك من الأدلة المجملة التي لا دليل لهم فيها، والمقصود هنا عرض المذهب إجمالاً لا تفصيل الرد عليها.\r\rب/ الفلاسفة والباطنية والأشاعرة ينفون عن الله جميع الجهات.\r\rوالفرقة الثانية من نفاة العلو: الذين يقولون: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته ولا قدامه ولا وراءه، ولا عن يمينه ولا عن شماله، فينفون جميع الجهات، وهذا مذهب حكماء اليونان -كما يسمونهم - أو فلاسفة اليونان أو بعضهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689267,"book_id":1659,"shamela_page_id":393,"part":null,"page_num":393,"sequence_num":393,"body":"ثُمَّ قال به الباطنية وأمثالهم من الذين غلو في النفي فيقولون: لا نقول داخل العالم ولا خارجه، وهذا هو مذهب الأشعرية الذي ذكر في كتاب المواقف، الكتاب المعروف الذي يُدرس الآن في الجامعات خارج المملكة عَلَى أنه كتاب العقيدة، فيقولون: قالت الحشوية أنه فوق المخلوقات، ونقول نحن: إنه لا داخل العالم ولا خارجه، وقد ذكر شَيْخ الإِسْلامِ عبارة عظيمة، وهي: \"عند العقلاء سواء أن تقول، فتشت عنه في كل مكان، وفي كل جهة فلم أجده، أو تقول: هو معدوم\" أي: إذا قلت لك ما رأيك في كون هذا الشيء لا يوجد لا داخل العالم ولا خارجه؛ لفهمت كلامي هذا أنني أنفي وجوده نفياً مطلقاً.\r\rإذاً: أنا قصدي ليس موجود عَلَى الإطلاق، فنقول لك: أي عاقل لا يفرق بين قولك: إن الشيء معدوم نهائياً، وبين أنك تقول: لا داخل العالم ولا خارجه، إذاً ليس له وجود، وحقيقة قولهم نفي وجوده، ولكنهم يريدون تنزيهه كما يزعمون أو كما يعتقدون.\r\rإذا قال المؤمن السني الذي يتبع السلف الصالح: إن الله تَعَالَى فوق المخلوقات، أو قال في السماء، كما جَاءَ في القُرْآن والسنة، فسيأتيه المجادلون من أهل البدع، فيقولون له: يلزمك من هذا أن الله له مكان، أو أن الله له جهة، ونتيجة لذلك يقولون: نَحْنُ ننفي الجهة عن الله ﵎.\rالمعنى الحق والمعنى الباطل لكلمة جهة\rكلمة الجهة محتملة وفيها لبس، ولابد من التفصيل فيها لنعرف المعنى الصحيح والمعنى الباطل أو الخطأ لهذه الكلمة فإذا قال أحد: إن الله ﵎ له جهة، قلنا له: ماذا تريد بقولك: إن الله له جهة، فإن قَالَ: أريد العلو، أي: أن الله ﷾ عال عَلَى المخلوقات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689268,"book_id":1659,"shamela_page_id":394,"part":null,"page_num":394,"sequence_num":394,"body":"وهذه الكلمة وردت في بعض كلام الأئمة من السلف فإنهم يقولون: نعم لله جهة، ويقصدون بها (جهة العلو) ، أي: أنه فوق المخلوقات؛ فنقول لمن يقول ذلك إثباتك للعلو حق وصواب، لكن كلمة الجهة تحتمل معنى آخر يلزمك به أهل البدع فلا تستخدم هذه الكلمة وقل: هو فوق المخلوقات كما أخبر ﷾.\r\rوإن جَاءَ أحد: وقَالَ: ليس لله جهة قلنا: ماذا تريد بذلك؟ فإن قَالَ: أريد أن الله ﷾ لا يحصره شيء وأنه فوق كل شيء، وأعظم من كل شيء، ومحيط بكل شيء، قلنا: هذا المعنى حق لكن هذه الكلمة (ليس له جهة) يستخدمها نفاة العلو، فيقولون: ليس له جهة أي: أنه ليس فوق المخلوقات، فلا تستخدم هذه الكلمة التي قد تلتبس عَلَى بعض الناس، واستخدم الألفاظ الشرعية التي لا إجمال فيها ولا لبس.\r\rونقول: هو فوق المخلوقات كما قال تعالى: وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ [الأنعام:١٨] يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِم [النحل:٥٠] أو هو في السماء، كما قال تعالى: أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ [الملك:١٦] أو كما قال النبي ﷺ للجارية: (أين الله؟ قالت: في السماء) والأمثلة كثيرة، وموضوع العلو والاستواء سيأتي مفصلاً إن شاء الله تعالى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689269,"book_id":1659,"shamela_page_id":395,"part":null,"page_num":395,"sequence_num":395,"body":"يقول المُصْنِّف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: [وأما لفظ الجهة فقد يراد به ما هو موجود، وقد يراد به ما هو معدوم، ومن المعلوم أنه لا موجود إلا الخالق والمخلوق] والله ﷾ هو الذي أوجد كل موجود فالموجودات خَلْقُ الله ﷾، وأما العدم فهذا لا وجود له [فإذا أريد بالجهة أمر موجود غيرُ الله تَعَالَى كَانَ مخلوقاً، والله تَعَالَى لا يحصره شيء، ولا يحيط به شيء من المخلوقات تَعَالَى الله عن ذلك] أي: إذا أردنا بالجهة شيئاً موجوداً غير الله كَانَ هذا المكان أو الحيز مخلوقاً، فإذا قلنا: الله في جهة، ونقصد به الجزء الأعلى من الكون، أي: داخله، فيكون بهذا قد حصرنا الله سبحانه وجعلناه في شيء من مخلوقاته معين.\r\rكيف يحد الله وهو أعظم من كل شيء؟\rلا يمكن في أي حال من الأحوال أن يصح في الأذهان أن الله ﷾ يحصره شيء أو يحده شيء من مخلوقاته، كيف وهذه المخلوقات جميعاً ما هي في قبضته ﷾ إلا كالخردلة في يد الإِنسَان، فعلى أي اعتبار نظرنا فهو فوقها وهو أعظم منها.\rوإذا أردت إيضاح ذلك فتأمل معي هذا العالم الذي نعيش فيه الآن عَلَى هذه الأرض وفوقنا السماء الدنيا، وهي أقرب سماء إلينا، أو هي التي نراها ونرى العالم الذي داخلها، هذه السماء الدنيا وسائر السماوات السبع ما هي في الكرسي إلا كحلقة ملقاة في فلاة، والله ﷾ أكبر وأعظم من كل شيء، فكيف يكون حالنا في هذا الكوكب ونحن في هذه الأرض التي لا تكاد تكون بالنسبة إِلَى عالم السماء الدنيا إِلَى الكون المنظور إلا هباءة أو ذرة؟!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689270,"book_id":1659,"shamela_page_id":396,"part":null,"page_num":396,"sequence_num":396,"body":"فلو نظرنا إِلَى ما يقول علماء الجغرافيا، الذين لا يؤمنون بأن السماوات سبعاً، ولا يؤمنون بوجود الله ﷾ ولا يؤمنون أصلاً بأن هناك شيئاً اسمه السماء الدنيا، لأن النظرة عندهم نظرةٌ مادية فقط، فبالمنظار المقرب والمكبر الذي يمتد عبر المراصد إِلَى آفاق الكون ينظرون به إِلَى آفاق السماء ويتخيلون أن السماء فراغ، وليس هناك جرم محسوس مخلوق يُقال له: السماء!\r\rهكذا أكثرهم، حتى بعض الْمُسْلِمِينَ مع الأسف -ممن كتب في هذا الموضوع- تجد من كلامه أن هذا الكون فضاء وفراغ يتمدد، وليس هناك جرم يسمى سماء.\r\rالسماء جرم حقيقي بدلالة الكتاب والسنة\rونحن بطبيعة الحال ما دمنا عند قضية وجود السماء، فإن نصوص الكتاب والسنة قطعية وواضحة في إثبات أن السماء جرم حقيقي موجود، وإلا فما معنى قوله تعالى: سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً [الملك:٣] ، وما معنى ما جَاءَ في حديث الإسراء والمعراج، وأن النبي ﷺ يصعد إِلَى السماء الدنيا ويستأذن ملائكتها هو وجبريل، ثُمَّ يصعدان إِلَى السماء التي تليها ثُمَّ إِلَى التي تليها ... ، بل هذا كله يدل عَلَى أن السماء أجرام حقيقية.\rوفي القُرْآن ما يدل عَلَى هذا دلالة واضحة قال الله ﷾: (يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ [المعارج:٨] والمهل: هو الرصاص المذاب أو هو الزيت السائل المعروف عند العرب، فكونها تتحول إِلَى حالة سائلة فيه دلالة بينه عَلَى أنها جرم حقيقي، وأنها في حالة صلبة، وأن هذه السماء جسم، أو شيء موجود حقيقة وليس مجرد فراغ أو هواء ننظر إليه ونظن أنه لا نهاية له، وبهذا نعلم خطأ من يقول: هذا الكون اللانهائي، وهذه العبارة غير صحيحة، فالسماء الدنيا لها نهاية بل الكون كله له نهاية، وكل المخلوقات لها نهاية، فكيف بهذه الدنيا التي هي محوية بالسماء التي فوقها؟!\r\rوأعظم من هذه السماء الكرسي، وأعظم من الكرسي العرش.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689271,"book_id":1659,"shamela_page_id":397,"part":null,"page_num":397,"sequence_num":397,"body":"لا يلزم من إثبات علو الله انحصاره في مكان\rالذين خاضوا في مسألة نفي علو الله ﷾ بحجة أنه يلزم من ذلك أن الجهة تحصره، أو أن مكاناً يحويه من هذه الدنيا، هَؤُلاءِ قاصري النظر والإدراك بالنظرة إِلَى العلم الحديث، فما بالك بالنظرة إِلَى الكتاب والسنة؟!\r\rما أوسع هذا الكون!\rيقول أصحاب العلم الحديث: هذا الكون فيه سعة وفيه امتداد لا يستطيع العقل أن يتخيله ولا يدري أين جهاته ولا يدري أين نهايته، وكما هو معلوم أن الأرض هي مثل الهباءة بالنسبة إِلَى هذا الكون الكبير جداً، فمن أي جهة من الأرض انطلقت المركبة الفضائية -مثلاً- فإنها تحتاج إِلَى أن تقطع في أعماق هذا الكون المسافات العظيمة، وما يزال الفضاء أوسع وأبعد مما يُتخيل، ونتيجةً للضخامة وكبر هذا الكون الهائل العظيم، فهم يعلنون أن هذا الكون أعظم من أن يكون نجماً أو كوكباً بل هو مجرة ومجرات ومجرات.\rوالمجرة تحوي ملايين من النجوم، والشمس -مثلاً- من أصغر النجوم في الكون، والشمس تتبعها المجموعة الشمسية، فإذا كانوا يكتشفون بعد الحين والحين مجرة، والمجرة فيها ملايين النجوم، والنجم أكبر من الشمس بأضعاف، والنجم له كواكب وتوابع كثيرة قد تبلغ أحياناً عشرات أو أكثر! فكيف سيكون حجم هذا الكون؟!\rوإن مثل علماء الفلك، كما قال بعضهم: مثل أناس كانوا محصورين في سور معين فأخذوا يعالجون الباب حتى فتحوه، ولما فتحوا الباب وإذا بسور آخر وفيه باب، وَقَالُوا: متى فتحنا هذا الباب وصلنا إِلَى النهاية، فكلما فتحوا باباً يكتشفون باباً آخر وهكذا، كلما تقدم العلم يفتحون باباً جديداً ويكتشفون أنهم ضاعوا، وفي النهاية أصبحوا عاجزين، فوضعوا مراصيد ضخمة جداً لكنها تكل تماماً، وترجع إليهم وهي حاسرة كسيرة لا تعرف هذه السماء الدنيا ولا تدري أين نهايتها، فسُبْحانَ اللَّه! إذا كَانَ عجزهم هذا عن سماء الدنيا، وعجزوا عن تصورها وهم بهذا العلم وبهذه المراصيد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689272,"book_id":1659,"shamela_page_id":398,"part":null,"page_num":398,"sequence_num":398,"body":"فهل يصح بهذا ما يقوله علماء اليونان من أنه سبحانه: لا داخل العالم ولا خارجه؟! بحجة أنَّا لو قلنا: إنه فوق للزم أنه في جهة، وأخذ بهذا القول علماء الكلام ومنكرو العلو، فكانوا يعتقدون أن السماء هذه مشابهة للأرض؛ أو قريبة للأرض في حجمها، وأن النجوم والكواكب هي مثل القناديل المعلقة في هذا المسجد أو في أي مكان، هكذا كَانَ تصور الذين نفوا علو الله ونفوا صفات الله ﷿.\rوالآن أصبح العلم الحديث يعجز ويحار في فقه ذلك ولا يستطيع أن ينفي أي شيء؛ لأنه لم يفقه هذه الحياة الدنيا، ولا هذه السماء الدنيا، فأصبحوا لا يستطيعون أن يوجدوا لغة يفهمونها للأطوال والأبعاد الكونية، ولذلك تجدون الأبعاد الفلكية تختلف جداً عن الأبعاد المعروفة لنا في الأرض، نَحْنُ نقيس المسافات -مثلاً- بالميل وبالكيلو، لكن علماء الفلك يقيسون المسافات بالسنة الضوئية، فالقمر -مثلاً- يستغرق نوره حتى يصل إِلَى الأرض ثانية واحدة تقريباً، لأن القمر يبعد ثلاثمائة ألف كيلو متر، فالقمر في ثانية واحد يصل نوره إِلَى الأرض، لكن الشمس يصل نورها إِلَى الأرض بعد ثمان دقائق، لأنها تبعد \"٩٣\" مليون ميل من الأرض تقريباً، فإذا كَانَ نور الشمس يصل إلينا وهي عَلَى بعد \"٩٣\" مليون ميل من أميالنا المعروفة في الأرض في ثمان دقائق.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689273,"book_id":1659,"shamela_page_id":399,"part":null,"page_num":399,"sequence_num":399,"body":"فإذا قسناها بالسنة الضوئية فكم ستكون ملايين؟ لا نستطيع أن نُعبر عنها إلا عن طريق الأس أو القوة، يقول إنشتاين: إن حجم الكون تقريباً ١٠ أُس ٨٢، يعني: عشرة مضروبة في نفسها اثنين وثمانين مرة، وليس هناك اصطلاح رياضي نعبر عنه، وإنما بلغة الأرقام فقط نعبر عنها، عشرة مضروبة في نفسها اثنين وثمانين مرة من السنين الضوئية، ومع هذا فما يزال هذا الكون في تمدد واتساعٍ ولا يعنون بذلك -أي: أهل العلم الحديث- إلا ما كَانَ دون السماء الدنيا، أي: الفراغ بين هذه الأرض التي نعيش عليها وبين السماء الدنيا هو فقط الذي لا يتمدد، ولذلك أوجدوا وحدات جديدة للقياس.\r\rأهل الكلام لم يعرفوا حقيقة هذا الكون\rإن عقولنا تعجز عن تصور عظمة الكون، ومع ذلك تجد من يخوض في عظمة الله ويقول يلزم أن يكون في جهة وأن تخلو منه باقي الجهات، سُبْحانَ اللَّه العظيم! ما أجهل الإِنسَان! إذا أنت لم تعرف هذا المخلوق ولم تقدره، فكيف تتكلم في الخالق وتقول: يلزم ويلزم؟! وهذا الكلام لو قاله إنسان في حق المجموعة الشمسية، أو في غيرها لسخر منه الناس، فضلاً عن الكون، فضلاً عن خالق الأكوان جميعاً.\rفعلى المخلوق أن يعرف قدره، ويعرف عجزه وضعفه.\r\rهذه النجوم يقدر أعمارها كما يقال بملايين من السنين، ومع ذلك كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص:٨٨] ﷾، فهذا النجم الذي يبقى ملايين ثُمَّ ينطفئ أو يتناثر في الفضاء، عبرة للإنسان المسكين لينظر كم سيعيش في هذه الدنيا؟ ستين سنة تقريباً، وستين سنة لا تساوي بالنسبة إِلَى هذه الأبعاد الكونية أي شيء حتى يُقال إن بعض النجوم كالشعرى مثلاً المذكور في قوله تعالى: وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى [النجم:٤٩] يُقدر بُعده عنا بنسبة ستة ملايين سنة ضوئية، أي لو أن الشعرى انطفأت في هذه اللحظة فإننا نفقد نورها بعد ستة ملايين من السنين، لأن النور يستمر في المجيء ستة ملايين سنة ضوئية!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689274,"book_id":1659,"shamela_page_id":400,"part":null,"page_num":400,"sequence_num":400,"body":"ثُمَّ نجد بعد هذا من يتكبر عَلَى الله تعالى، ويتطاول عَلَى أوامر الله وعلى نواهيه، ويتجرأ عَلَى حدوده، ويتكلم في ذات الله وفي صفاته، ينفي ما يريد ويثبت ما يريد، ومع الأسف فإن بعض العلماء كتب كتاباً اسمه هموم داعية يقول: ما دام أن الكون بهذه الأبعاد، والنَّاس اكتشفوا علو الفلك فلا داعي من أن نخوض ونتكلم في العلو ولا في الفوقية ولا في الاستواء! وينتقص مذهب السلف بناءً عَلَى أن الفلكيين توصلوا إِلَى آفاق جديدة في علم الفلك، فيا سُبْحانَ اللَّه! أليس ما وصلوا إليه هو دليل لمذهبالسلف أم أنه دليل عليه؟\r\rولا تقف ما ليس لك به علم\rوترى من علماء الفلك وغيرهم من يقول: ثُمَّ ماذا وراء ذلك؟!\rنقول لهم: نَحْنُ نعلم ما وراء ذلك، فإن كنتم لا تعلمون ما وراء ذلك فقفوا عند حدود ما تعلمون، ولا تتطاولوا عَلَى ما بعد ذلك، سواء في ذلك من غلط من فلاسفة اليونان ومن اتبعهم، أو من تكلم في هذا من فلاسفة العصر الحديث -الجغرافيين المتفلسفين- ومن يتبعهم في قولهم ممن خاض في هذه المسألة، كل أُولَئِكَ خالفوا قول الله ﵎: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ ِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً [الاسراء:٣٦] فأولئك قفوا ما ليس لهم به علم فوقعوا في الضلال ووقعوا في التخبط.\rوالمقصود أنه إذا أريد بالجهة أمر وجودي، أو جهة من الجهات الموجودة، ونحن لا نثبتها لك ولا يصح ذلك، فإن الله ﷾ أعظم من كل هذه الموجودات، ونحن لا نثبتها لك ولا يصح ذلك، وإن أُريدَ بالجهة أمر عدمي، وهو ما فوق العالم، فليس هناك إلا الله وحده، فإذا قيل: إنه في جهة بهذا الاعتبار فهو صحيح، ومعناه: أنه فوق العالم حيث انتهت المخلوقات فهو فوق الجميع عالٍ عليهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689275,"book_id":1659,"shamela_page_id":401,"part":null,"page_num":401,"sequence_num":401,"body":"فلم نقصد بكلمة الجهة حيزاً معيناً، وإنما أردنا شيئاً اعتبارياً أي: بالنسبة للكون فإنه توجد جهة ينتهي إليها فنقول ما فوق الكون، فلو قلنا: الكرسي فوق السماوات السبع، وفوقه العرش والله ﷾ فوق العرش، إذاً الجهة هنا ليست شيئاً وجودياً وإنما شيئاً اعتبارياً، وقد قلنا -ونعيد-: إن الجهة يمكن أن تكون أشياء اعتبارية فقط، فنحن -مثلاً- نقول للسقف: إنه عالٍ علينا وما ذلك إلا باعتبارنا نَحْنُ لأننا تحته.\rولو أن هنالك بيتاً للنمل في سقف، والنمل يمشي فيه، فبالنسبة للنملة يكون العلو ما نَحْنُ عليه ونعده أسفل، فالقصد أن هذا شيئاً اعتبارياً.\rفباعتبار الكون وأنه كله ضئيل وحقير بالنسبة لله ﷾، هل هناك جهة لله ﷾؟ نعم، جهة الفوقية، أي: أن الله فوق هذا الكون، ولكن نفاة لفظ الجهة نفوا الاحتمال الصحيح ويريدون بذلك نفي العلو.\rاللازم الباطل\rيذكر نفاة العلو من أدلتهم: أن الجهات كلها مخلوقة -وهذا في جميع كتب الأشعرية والمعتزلة - فكيف نثبت له جهة وهو موجود قبل الجهات؟ وهو الذي خلق الجهات؟ ولو قلنا: إنه في جهة للزم أن يكون شيء من العالم محيطاً به!!\rوهَؤُلاءِ يتكلمون عن الجهة باعتبارها حيزاً معيناً في طرف من أطراف الكون، وهذا من ضعف الخيال الإِنسَاني ومن قصور العقل البشري، نعم. الجهات كلها مخلوقة إذا قُصِدَ بالجهات الحيز، وأما إذا كنا نريد بها شيئاً اعتبارياً فليس بلازمٍ أن يكون في حيز، وإنما الجهة التي يمكن -على كلامهم- أن تمنع هي أن تكون من هذا الكون نفسه، بحيث لا يكون في جهة أخرى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689276,"book_id":1659,"shamela_page_id":402,"part":null,"page_num":402,"sequence_num":402,"body":"ثُمَّ يقولون: ومن قَالَ: إنه في جهة يلزمه القول بقدم شيء من العالم، أي قدم الجهة التي هو فيها أو أنه كَانَ مستغنياً عن الجهة ثُمَّ صار فيها! فبين الشيخ: أن هذه الألفاظ ونحوها إنما تدل عَلَى أنه ليس في شيء من المخلوقات، فهم يريدون أن يقولوا: إن الله ليس حالاً في شيء من المخلوقات ولا يحويه شيء من المخلوقات -تعالى الله عن أن يكون حالاً أو محصوراً في شيء من مخلوقاته- وكل خلقه بالنسبة له كالخردلة في يد الإِنسَان، ولله المثل الأعلى.\r\rوبناءً عَلَى قولهم السابق قالوا: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوقه ولا تحته ولا أمامه ولا خلفه وهذه عقيدة فلاسفة اليونان، أو بعضهم وهي التي عليها الأشاعرة كما في كتاب المواقف وغيره:\r\rثُمَّ يقول المصنف: [ما لا يوجد فيما لا نهاية له ليس بموجود] ، فإذا قلنا: إن الجهة لا نهاية لها، وما لا يوجد فيما لا نهاية له فهو معدوم، وبمعنى أوضح: نفي التعيين كَانَ نقول: هذا الشيء لا داخل ولا خارج، هو نفي للماهية، أي: نفي للوجود.\rوكما قال شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ: \"لو قال أحد: ما هو العدم لقال لك: العدم هو الشيء الذي لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوقه ولا تحته\"، وهذا تعريف صحيح باعتبار التعريفات السلبية، فالذين يصفون الله ﷾ بالعدم هروباً من إثبات العلو ما فعلوا ذلك إلا لأنهم ما فهموا معنى إثبات العلو، وما فهموا من إثبات الجهة -كما يسمونها- إلا حيزاً محصوراً موجوداً مخلوقاً.\rثُمَّ يأتي الحديث عن النزول والاستواء لما بينها من العلاقة، فإذا تكلموا في النزول قالوا: هل يخلو منه العرش أو لا يخلو؟ نقول لهم: أثبتوا أولاً أنه عَلَى العرش، ثُمَّ اسألوا هذا السؤال، وهذا دليل التناقض الفكري الذي لا بد أن يقع فيه كل من أعرض عن الكتاب والسنة. وما مذهب أهل البدع إلا مجموعة أمور متناقضة.\r\rهل الإمام أبو جعفر على مذهب الماتريدية؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689277,"book_id":1659,"shamela_page_id":403,"part":null,"page_num":403,"sequence_num":403,"body":"قَالَ المُصْنِّفُ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-:\rوقول الشيخ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: [لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات]\r\r[هو حق باعتبار أنه لا يحيط به شيء من مخلوقاته، بل هو محيط بكل شيء وفوقه، وهذا المعنى هو الذي أراده الشيخ ﵀ لما يأتي في كلامه: أنه تَعَالَى محيط بكل شيء وفوقه، فإذا جمع بين كلاميه، وهو قوله: لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات وبين قوله: \"محيط بكل شيء وفوقه\" عُلم أن مراده أن الله تَعَالَى لا يحويه شيء، ولا يحيط به شيء، كما يكون لغيره من المخلوقات، وأنه تَعَالَى هو المحيط بكل شيء، العالي عَلَى كل شيء.\rلكن بقي في كلامه شيئان: أحدهما: أن إطلاق مثل هذا اللفظ -مع ما فيه من الإجمال والاحتمال- كَانَ تركه أولى، وإلا تُسِلَطَ عليه، وألزم بالتناقض في إثبات الإحاطة والفوقية، ونفي جهة العلو، وإن أجيب عنه بما تقدم، من أنه إنما نفى أن يحويه شيء من مخلوقاته، فالاعتصام بالألفاظ الشرعية أولى.\rالثاني: أن قوله: \"كسائر المبتدعات\" يفهم منه أنه ما من مبتدع إلا وهو محوي!! وفي هذا نظر، فإنه إن أراد أنه محوي بأمر وجودي، فممنوع، فإن العالم ليس في عالم آخر، وإلا لزم التسلسل، وإن أراد أمراً عدمياً، فليس كل مبتدع في العدم، بل منها ما هو داخل في غيره، كالسموات والأرض في الكرسي ونحو ذلك، ومنها ما هو منتهى المخلوقات، كالعرش، فسطح العالم ليس في غيره من المخلوقات قطعاً للتسلسل، كما تقدم، ويمكن أن يجاب عن هذا الإشكال: بأن \"سائر\" بمعنى: البقية، لا بمعنى: الجميع، هذا أصل معناها، ومنه: \" السؤر \" وهو ما يبقيه الشارب في الإناء، فيكون مراده غالب المخلوقات، لا جميعها، إذ \" السائر \" عَلَى الغالب أدل منه عَلَى الجميع، فيكون المعنى: أن الله تَعَالَى غير محوي -كما يكون أكثر المخلوقات محوياً، بل هو غير محوي بشيء- تَعَالَى الله عن ذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689278,"book_id":1659,"shamela_page_id":404,"part":null,"page_num":404,"sequence_num":404,"body":"ولا يُظن بالشيخ ﵀ أنه ممن يقول: إن الله ليس داخل العالم ولا خارجه بنفي النقيضين، كما ظنه بعض الشارحين، بل مراده: أن الله تَعَالَى منزه عن أن يحيط به شيء من مخلوقاته، أو أن يكون مفتقراً إِلَى شيء منها، العرش أو غيره] اهـ.\rالشرح:\r\rمن منهج أهل البدع أنهم يأتون إِلَى المتشابه من الكلام ويؤولونه، فأولوا كلام الله، وأولوا كلام رسوله ﷺ فما بالكم بكلام البشر فبعض الماتريدية الحنفية المتأخرين في شروحاتهم عَلَى هذه العقيدة أو في كتبهم الأخرى يقولون: إن الإمام أبا جعفر الطّّحاويّ ﵀ كَانَ عَلَى العقيدة الماتريدية أي: عَلَى القول بأن الله لا داخل العالم ولا خارجه، ويستدلون عَلَى ذلك بأنه قَالَ: \"لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات\"، يقولون: والمعنى واحد.\rوعليه: فالإمامأبو جعفر عَلَى مذهبنا، وهذا الكلام الذي نقوله هو مذهب الإمام أبى جعفر الطّّحاويّ، وهو مذهب الإمام أبى حنيفة ﵀ كما سيذكر المصنف، والسبب الذي أوقعهم في ذلك هو اللبس والإجمال في العبارة ولهذا ينتقد المُصْنِّف ﵀ هذه العبارة لأنها تؤدي إِلَى هذا اللبس فأخذ في إبطال ذلك فقَالَ: [إن قول الشيخ: \"لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات\" هو حق باعتبار أنه لا يحيط به شيء من مخلوقاته، بل هو محيط بكل شيء وفوقه، وهذا المعنى هو الذي أراده الشيخ ﵀ لما يأتي في كلامه أنه تَعَالَى محيط بكل شيء وفوقه] .\r\rوهذا الكلام مشابه لقوله في موضع آخر: [وهو مستغن عن العرش وما دونه، محيط بكل شيء وفوقه، وقد أعجز عن الإحاطة خلقه] .\rفتركوا هذا الكلام الصريح المحكم وأخذوا بقوله المتشابه: \"لا تحويه الجهات الست\" وبناءً عليه قالوا: لا هو داخل العالم ولا خارجه ولا عن يمينه ولا عن شماله ولا فوقه وتحته!\rتوجيه كلام الإمام الطحاوي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689279,"book_id":1659,"shamela_page_id":405,"part":null,"page_num":405,"sequence_num":405,"body":"يقول المصنف: [فإذا جمع بين كلاميه وهو قوله: لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات، وبين قوله: \"محيط بكل شيء وفوقه\" علم أن مراده أن الله تَعَالَى لا يحويه شيء، ولا يحيط به شيء كما يكون لغيره من المخلوقات، وأنه تَعَالَى هو المحيط بكل شيء العالي عَلَى كل شيء، ولا يظن -نحن ولا كل منصف- بالشيخ ﵀ أنه ممن يقول: إن الله تَعَالَى ليس داخل العالم ولا خارجه بنفي النقيضين] لأن هذا الإطلاق نَفْيٌ للنقيضين، ويقول علماء المنطق، النقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان معاً، فلا يمكن أن نقول: لا داخل العالم ولا خارجه ولا يمكن أن يكون داخل العالم وخارجه في نفس الوقت فالنقيضان لا يجتمعان معاً ولا يرتفعان معاً.\rثُمَّ يقول المُصْنِّف مستدركاً: [لكن بقي في كلامه شيئان: أحدهما: أن إطلاق مثل هذا اللفظ -مع ما فيه من الإجمال والاحتمال -كان تركه أولى. وإلا تسلط عليه، وألزم بالتناقض في إثبات الإحاطة والفوقية ونفي جهة العلو، وإن أجيب عنه بما تقدم، من أنه إنما نفى أن يحويه شيء من مخلوقاته فالاعتصام بالألفاظ الشرعية أولى.\r\rالثاني: أن قوله: \"كسائر المبتدعات\" - يفهم منه أنه ما من مبتدع إلا وهو محوي] لأنه يقول: لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات، وما زال الإشكال قائماً في العبارات وبهذا نعلم أنه ينبغي للإنسان أن يزن كلماته وعباراته فلا يأتي بعبارات خاطئة أو محتملة، فالمصنف ﵀ أراد أن يؤكد أن الله لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات (أي: المخلوقات) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689280,"book_id":1659,"shamela_page_id":406,"part":null,"page_num":406,"sequence_num":406,"body":"ثُمَّ بيَّن المُصْنِّف ﵀ أنه إذا كَانَ قصد الطّّحاويّ ﵀ بالجهات الست أشياء وجودية وأمكنة حقيقية، وإن المخلوقات تحويها أشياء مخلوقه وكل مخلوق يحويه مخلوق إِلَى ما لا نهاية، وهذا لا يصح أن يكون فلذلك يقول: [وفي هذا نظر! فإنه إن أراد أنه محوي بأمر وجودي فممنوع، فإن العالم ليس في عالم آخر، وإلا لزم التسلسل، وإن أراد أمراً عدمياً، فليس كل مبتدع في العدم] ، وإذا كَانَ قصده المعنى العدمي لأن الجهة -كما قلنا- لها معنيان: معنى وجودي، ومعنى اعتباري أو عدمي- فنقول: ليس كل موجود في العالم هو في العدم، فمثلاً هذا المسجد في المدينة، والمدينة في الأرض، والأرض في السماء الدنيا وهكذا.\rفبعض الموجودات هي داخل موجود آخر، إلا الكون فلا يحويه موجود آخر، وإنما ينتهي بذلك إِلَى نهاية الكون أو سطح العالم، فيكون بعد ذلك العرش، وبعد العرش يكون الله ﷾ الذي استوى عَلَى العرش، وهو محيط به وبجميع المخلوقات عَلَى كيفية لا نعلمها يقول المصنف: [بل منها ما هو داخل في غيره كالسماوات والأرض في الكرسي] فإنها في الكرسي كحلقة ملقاة في فلاة-[ونحو ذلك، ومنها ما هو منتهى المخلوقات كالعرش، فسطح العالم ليس في غيره من المخلوقات قطعاً للتسلسل كما تقدم] .\r\rومما يمكن أن يكون جواباً للإشكال الحاصل في قوله: \"كسائر المبتدعات\"، بأن كلمة \"سائر\" بمعنى: البقية، أو بمعنى الغالب، وهذا الأصح في لغة العرب، أن تكون بمعنى البقية لا بمعنى الكل، ونحن نستخدمها في معنى الكل، ونقول: أنا مثل سائر النَّاس أي: مثل كل النَّاس.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689281,"book_id":1659,"shamela_page_id":407,"part":null,"page_num":407,"sequence_num":407,"body":"فمن الناحية اللغوية كلمة \"سائر\" لا تطلق إلا عَلَى الباقي، لكن النَّاس استخدموها في معنى الكل، مثلاً في حديث الغسل من الجنابة \"ثُمَّ أفاض الماء عَلَى سائر جسده\" أي: بعد أن غسل رأسه أو بعد أن توضأ \"أفاض الماء عَلَى سائر جسده\" أي: عَلَى بقية جسده، وكان ذلك بعد وضوئه كما هو ثابت في الصحيحين.\rوهذا هو التعبير الصحيح في اللغة العربية؛ فيقول المصنف: [ويمكن أن يجاب عن هذا الإشكال: بأن \"سائر\" بمعنى: البقية، لا بمعنى: الجميع، هذا أصل معناها، ومنه \"السؤر\" وهو ما يبقيه الشارب في الإناء] فسؤر القطة ما بقي في الإناء بعد أن تشرب منه [فيكون مراده غالب المخلوقات، لا جميعها، فيكون المعنى: أن الله تَعَالَى غير محوي] وأكثر المخلوقات محوية بمخلوق آخر إِلَى نهاية العالم.\rوهذا الكلام الذي ذكره المُصْنِّف لعله منقول بالنص من كلام شَيْخ الإِسْلامِابْن تَيْمِيَّةَ الذي في التدمرية صـ ٤٥، أو فيمنهاج السنة (١/٢٥٠) ، وهذا يبين أن شارح العقيدة الطّّحاويّة يعتمد اعتماداً شبه كلي عَلَى كلام شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ وابن القيم، وكذا الحافظابن كثير والذهبي، ولكن اعتماده الأكثر عَلَى كلام ابْن تَيْمِيَّةَ، وابن القيم رحم الله الجميع.\rوكان يترك التصريح بالأسماء خشية أن ينسب إليهم ثُمَّ يرد الحق الذي معه.\r\rماذا قال أبو حنيفة في علو الله تعالى؟\rقَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:\r[وفي ثبوت هذا الكلام عن الإمام أبي حنيفة ﵁ نظر، فإن أضداده قد شنعوا عليه بأشياء أهون منه، فلو سمعوا مثل هذا الكلام لشاع عنهم تشنيعهم عليه به.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689282,"book_id":1659,"shamela_page_id":408,"part":null,"page_num":408,"sequence_num":408,"body":"وقد نقل أبو مطيع البلخي عنه إثبات العلو، كما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى، وظاهر هذا الكلام يقتضي نفيه، ولم يرد بمثله كتاب ولا سنة، فلذلك قلت: إن في ثبوته عن الإمام نظراً، وإن الأولى التوقف في إطلاقه فإن الكلام بمثله خطر، بخلاف الكلام بما ورد عن الشارع، كالاستواء والنزول ونحو ذلك، ومن ظن من الجهال أنه إذا نزل إِلَى سماء الدنيا، كما أخبر الصادق ﷺ يكون العرش فوقه، ويكون محصوراً بين طبقتين من العالم.\r\rفقوله مخالف لإجماع السلف، مخالف للكتاب والسنة، وقال شَيْخ الإِسْلامِأبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني سمعت الأستاذ أبا منصور بن حمشاذ بعد روايته حديث النزول يقول: سُئل أبو حنيفة؟ فقَالَ: ينزل بلا كيف. انتهى.\r\rوإنما توقف من توقف في نفي ذلك، لِضعف علمه بمعاني الكتاب والسنة وأقوالالسلف، ولذلك ينكر بعضهم أن يكون فوق العرش، بل يقول: لا مباين ولا محايث، لا داخل العالم ولا خارجه، فيصفونه بصفة العدم والممتنع، ولا يصفونه بما وصف به نفسه من العلو والاستواء عَلَى العرش.\r\rويقول بعضهم: بحلوله في كل موجود، أو يقول: هو وجود كل موجود ونحو ذلك، تَعَالَى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علواً كبيراً.\rوسيأتي لإثبات صفة العلو لله تَعَالَى زيادة بيان، عند الكلام عَلَى قول الشيخ ﵀: \"محيط بكل شيء وفوقه\" إن شاء الله تعالى] اهـ.\rالشرح:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689283,"book_id":1659,"shamela_page_id":409,"part":null,"page_num":409,"sequence_num":409,"body":"قول المُصْنِّف ﵀: [وفي ثبوت هذا الكلام عن الإمام أبي حنيفة ﵁ نظر، فإن أضداده قد شنعو عليه بأشياء أهون منه؛ فلو سمعوا مثل هذا الكلام لشاع عنهم تشنيعهم عليه به] في هذا نقدٌ لمن ينسب إِلَى الإمام أبي حنيفة ﵀ قوله بنفي الجهات، سواء كَانَ التعبير بنفي الجهات كما قال الطّّحاويّ: [لا تحويه الجهات الست] أو أنه قَالَ: لا داخل العالم ولا خارجه، فيقول ﵀: إن ذلك لا يصح عنه وفي نسبة ذلك إليه نظر.\rلأن أضداد الإمام أبي حنيفة شنعوا عليه بأشياء أهون من هذا، ولو سمعوا عنه أو بلغهم عنه هذا لشنعوا عليه به؛ لأنه أشنع وأعظم وأخطر، فنجد مثلاً في كتاب السنة، للإمام عبد الله بن أَحْمد بن حَنْبَل -رحم الله الجميع ورضي عنهم-كلاماً طويلاً عن الإمامأبي حنيفة، وأقوالاً كثيرةً جداً، منها الثابت، ومنها غير الثابت، ومنها ما أخذ عليه شيء في عقيدته.\r\rوذكر ذلك أيضاً ابن حبان في كتاب المجروحين وغيرها من الكتب التي تعرضت له وجمعت ما له وما عليه، كما جمع الخطيب في تاريخ بغداد أشياء له وعليه، فلو بدر عن الإمام أبي حنيفة نفي العلو عَلَى أي تعبير جاء، لكان ذلك من أشنع ما ينسب إليه، كيف وقد نسب بعضهم إليه ما لم يقل؟\rفلا يمكن ولا يصح أن الإمام أبا حنيفة ﵀ أو أحداً من السلف أنكر العلو، بل أورد الشيخ وأورد يره ما يدل عَلَى أن الإمامأبا حنيفة يثبت العلو فذكر من ذلك: [وقد نقل أبو مطيع البلخي عنه إثبات العلو كما سيأتي ذكره - إن شاء الله تعالى-] في كتاب الفقه الأكبر.\rفكان مما قَالَ: \"من أنكر أن الله فوق العرش فقد كفر\"، هكذا قال الإمام أبو حنيفة، من نفى أو من أنكر أن الله تَعَالَى فوق العرش فقد كفر، لأن الله يقول: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:٥] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689284,"book_id":1659,"shamela_page_id":410,"part":null,"page_num":410,"sequence_num":410,"body":"ثُمَّ بيَّن المُصْنِّف أن العبارات المجملة الأولى أن لا تطلق، ويكتفى بما ورد عن الله ورسوله كالاستواء والنزول ونحو ذلك.\r\rثُمَّ استطرد يقول: [ومن ظن من الجهال أنه إذا نزل إِلَى السماء الدنيا] كما ورد بذلك الحديث الصحيح المتواتر الذي رواه جمع من الأئمة، ومن أكثر من أطال في نقل رواياته الإمام ابن عبد البر في كتاب التمهيد، وكذلك شرحه شرحاً مستفيضاً طويلاً شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ في كتابه شرح حديث النزول، فمن ظن أنه عندما ينزل في الثلث الأخير من الليل، ويكون العرش فوقه، أو يكون محصوراً بين طبقتين من العالم.\rفإن مثل هذه التصورات الجاهلية السخيفة الساذجة، أساسها سذاجة العقل وضيق الأفق، والإِنسَان مسكين لا يستطيع أن يتخيل شيئاً إلا عَلَى الكيفيات التي يعرفها، كما يُقَالَ: \"لو أنّ رجلاً ولد في السجن أو عاش في السجن وهو صغير ولا يرى إلا الصراصير، وأكبر حيوان يراه في السجن هو الفأر، وما خرج إِلَى الدنيا ولا رآها، ويسمع أباه والسجناء يقولون: الفيل، الثور، البقرة، فإنه سيسأل أباه: يا أبي! الفيل أكبر من الفأر أم مثل الصراصير؟!! \" وهكذا الفكر والعقل البشري محصور مسجون، فإذا جاءنا نصٌ فيه \"ينزل ربنا إِلَى السماء الدنيا \" قيل: معناها أنه بين سمائين!! ثُمَّ يتبادر سؤالٌ هل خلا منه العرش أم لا؟!\rوهذه تفكيرات ساذجة سطحية تدل عَلَى ضعف إدراك الإِنسَان.\rولهذا أول ما وصف الله به المؤمنين، وهو أعظم وصف لهم في جميع أبواب العقيدة قوله تَعَالَى:الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة:٣] فنؤمن بالغيب، ونؤمن بأن الله ﷾ صادق فيما أخبر وأن رسوله ﷺ كذلك، وأن عقولنا عاجزة وكليلة عن إدراك أمور الغيب، وعلى هذه العقول أن تؤمن سواء فهمت حقيقة ذلك وكيفيته أو لم تفهمه، فإذا جادلت وما طلت وكيفت وحُرِفت، فإنها لا تكون مؤمنة بالغيب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689285,"book_id":1659,"shamela_page_id":411,"part":null,"page_num":411,"sequence_num":411,"body":"ثُمَّ ينقل المُصْنِّف كلام شَيْخ الإِسْلامِ أبي عثمان الصابوني، وله كتاب في إثبات الصفات حققه الشيخ علي ناصر فقيهي وفيه يقول: \"سئل أبو حنيفة ﵁ عن حديث النزول، فقَالَ: ينزل بلا كيف\"، فأبو حنيفة ﵀ يثبت علو الله ﷿، ويثبت نزوله، كما ورد في الأحاديث، وينفي الكيفية، كما يقول ذلك سائرالسلف،\rثُمَّ يقول المُصْنِّف ﵀: [وإنما توقف من توقف في نفي ذلك -أي: من الشراح الذين توقفوا في نفي مثل هذه العبارات- لضعف علمه بمعاني الكتاب والسنة وأقوال السلف، ولذلك ينكر بعضهم أن يكون فوق العرش!] ينكر علو الله عَلَى عرشه! [بل يقول: لا مباين ولا محايث لا داخل العالم ولا خارجه، فيصفونه بصفة العدم والممتنع، ولا يصفونه بما وصف به نفسه من العلو والاستواء عَلَى العرش ويقول بعضهم بحلوله في كل موجود، أو يقول: هو وجود كل موجود، ونحو ذلك تَعَالَى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علواً كبيرا] ثُمَّ أشار المُصْنِّف إِلَى أنه سيأتي تفصيل ذلك.\r\rإحالة إلى ما قاله الشنقيطي في العلو والاستواء\rوبخصوص هذه القضية هناك مرجع سهل وميسر ومبسط جداً في مسألة العلو والاستواء، وهو كلام شيخنا الشيخ مُحَمَّد الأمين الشنقيطي رحمة الله عليه في كتاب أضواء البيان، عند قوله تَعَالَى في سورة الأعراف: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْش [لأعراف:٥٤] فقد تكلم بكلام رائع وعظيم ومفهوم وواضح.\r\rالبدعة بريد الكفر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689286,"book_id":1659,"shamela_page_id":412,"part":null,"page_num":412,"sequence_num":412,"body":"تقدم ذكر مذاهب النَّاس في مسألة العلو، لكن ينبغي أن نعرف خطر البدع وتسلسل بعضها من بعض، فإن أول ما يبدأ به الشخص أنه ينكر علو الله ﷿، ويقول: لا داخل ولا خارج ... ، فإذا أقر بهذا ودرسه وفهمه واستوعبه، أتاه الحلولي فقَالَ: ما دام أنك قلت: لا داخل ولا خارج ... ، فليس هو إلا هذا الكون فينتهي به الأمر إِلَى أن يقول: إن الله هو هذا الكون، أو إن الله حالٌ في هذا الكون، أي: إما اتحادي يقول اتحد في هذا الكون، أو يقول بوحدة الوجود، وأن ما في الوجود إلا هو، كما يقول ابن عربي في تفسير قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:٥] يقول: عَلَى أي شيء استوى، وما في الوجود إلا هو؟! فهو المستوي وهو المستوى عليه، عياذاً بالله.\rونحن نقول ويقول معنا الأشعرية والمعتزلة وأمثالهم: إن من قال إن الله تَعَالَى هو عين الموجودات كافر خارج عن الملة.\rلكن من الذي يمهد لهذا الإِنسَان هذه الطريق ليصل به إِلَى الكفر؟ إنه من يقول من أهل البدع: إن الله في كل مكان، أو إنه لا داخل العالم ولا خارجه، أما المؤمن الذي يقرأ كتاب الله ويقرأ سنة رَسُول الله ﷺ فإنك تجده يعرف ربه حق المعرفة؛ لأنه يقرأ سبعة مواضع في كتاب الله ﷿ في إثبات الاستواء، فما بالك بالعلو الذي أدلته لا تحصى؟!\r\rوكما سبق أن قلنا: إن العلو ثابت بالآيات والأحاديث، والعقل والفطرة والإجماع، لكن الاستواء بالذات ثابت بالنص أي بالآيات والأحاديث ونعلم أنه عال عَلَى المخلوقات حتى من غير النص ومن قبل أن يرد النص، يقول عنترة الشاعر المشهور:\rيا عبل أين من المنية مهرب إن كَانَ ربي في السماء قضاها\rفهو يثبت العلو ويثبت القدر، والذين ينفون العلو وينفون القدر خالفوا حتى المعاني الجاهلية، فالعلو ثابت بالعقول والفطر، والاستواء ثابت بالنص، وكل منهما يؤيد الآخر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689287,"book_id":1659,"shamela_page_id":413,"part":null,"page_num":413,"sequence_num":413,"body":"شرح العقيدة الطحاوية\rالإتباع والتسليم\rفضيلة الشيخ د. سفر بن عبد الرحمن الحوالي\r\rالعبودية: هي الدرجة العليا في حقيقة كل مخلوق كما قال الله ﵎: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات:٥٦] .\rإفتقار الإنسان إلى الله تعالى، وعبوديته له سبحانه شرعاً أو كوناً\rفكل مخلوق: هو عبد لله ﵎ عَلَى الحالتين، إما عبد من الناحية الاختيارية الشرعية، أو من الناحية الإجبارية الكونية، وذلك أن كل إنسان هو مخلوق بلا شك، ومحتاج، ومضطر، وفقير إِلَى من يطعمه، ويسقيه، ويسيِّر له هذا الجهاز الذي يحمله في المخ والقلب والمعدة والدورة الدموية وكل الأعضاء.\rفمن الذي يسير كل هذا ويحركه؟! إنه الله ﷾.\rففي الحقيقة أن جميع المخلوقين في هذا الجانب -من حيث التدبير والتصريف والقهر- بل جميع من في هذا الكون هو عبد خاضع لله ﵎، إذ هو الذي يحرك هذا الجسد، ويعطيه الغذاء، وهو الذي يسير كل أعماله.\rومع كل هذه النعم إلا أن بعض النَّاس في جانبهم الإرادي: يصرفون هذه الإرادات والحركات في غير طاعة الله ﷾، وفي غير تحقيق العبودية له سبحانه، وهذا هو سبب الشقاء الذي يقع فيه الكفار -أن الإِنسَان منهم مضاد لفطرته- فلو أنك جئت إِلَى إنسان فشققته شطرين، فكيف يمكن أن يستقر هذا الإِنسَان، وأي آلة من الآلات أو جهاز من الأجهزة يمشي في غير اتجاهه، فإنه يتقلب ويتصادم ويتمزق.\rولذلك نجد أن الإِنسَان الذي لا يطيع الله، ولا يحقق العبودية له سبحانه إنسان ممزق مضطرب، وكلما ازداد عبوديةً لله ازداد سكينة، وطمأنينة، وأمناً، وسلاماً، ورخاءً، وكلما بعد عن ذلك كلما زاد فيه الخوف، والشقاء، والتمزق، والاضطراب. فهذه حقيقة العبودية من الناحية الكونية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689288,"book_id":1659,"shamela_page_id":414,"part":null,"page_num":414,"sequence_num":414,"body":"أما من الناحية الإرادية؛ فإن الله ﷾ ميز الإِنسَان عن سائر الكائنات والمخلوقات؛ بأنه هو الذي يمكن أن يختار، وأن يفعل، وأنه قد يقتنع بالعمل ويفعله، ثُمَّ يندم ويحاسب نفسه لماذا أفعل أو العكس كما قال تعالى: لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ [القيامة:١-٢] بخلاف غير الإِنسَان كالحيوان حتى لو أنه عمل عملاً من الأعمال بدافع الغريزة، وكان عليه فيه ضرر أو ألم، فإنه لا يحس في داخل نفسه أن هذا الشيء مرجعه الندم القريب.\rفيعمل ويستمر في العمل ثُمَّ غريزة التراجع عن العمل هي التي ترده إذا رأى فيه ما يضره، كل ذلك بدافع واحد هو: دافع الغريزة فقط.\rأمَّا الإِنسَان فالدوافع مختلفة فيه، ولذلك يقول النبي ﷺ: (أصدق الأسماء حارث وهمام) وقوله (أصدقها) لا يدل عَلَى أفضليتها؛ لأن أفضلها عبد الله، وعبد الرحمن، وإنما أصدقها من حيث إنها ليس فيها مدح ولا ذم، أي كما نقول: فلان إنسان فهو كلام صرف ليس فيه زيادة ولا نقص، والإِنسَان حارث وهمام في طبيعته، فأي إنسان مثلاً سميته هماماً، مسلماً كَانَ أو كافراً فهو صادق عليه؛ لأن كل إنسان يهم، ويريد، ويفكر، ويتحرك قلبه، وشعوره، وإرادته.\r\rوهو أيضاً عامل يعمل في أي نوع من أنواع العمل فأصدق الأسماء: يعني الاسم الذي ينطبق عليه عَلَى الحقيقة البشرية هو: أنه حارث، وهمام، وفي كل الأوقات لا يخلو الإِنسَان من الحرث، ومن الهم.\rحقيقة العبودية ومتى تتحقق في الإنسان","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689289,"book_id":1659,"shamela_page_id":415,"part":null,"page_num":415,"sequence_num":415,"body":"حقيقة العبودية أن الإِنسَان المسلم المؤمن بالله ﷾ يصرف الحرث، والهم لوجه الله ﷾ فيجمع بين الشطر الإرادي، واللاإرادي في حياته، فيكون موحداً، والنفس البشرية تتوحد لذلك التوحيد بأنها تتوجه إِلَى إله واحد وتعبد رباً واحداً يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [يوسف:٣٩] كما ضرب الله تَعَالَى المثلين -المؤمن والكافر بأن المؤمن مثل (رجلٍ سلماً لرجل) أي: عبد خاص بإنسان واحد فقط، وأما الآخر: فهو عبد مملوك فيه شركاء متشاكسون، يتنازعونه هذا يقول: نعم، وهذا يقول: لا، فهذا إنسان ممزق، وموزع.\rالمهم: أن حقيقة العبودية تتجلى بهذا كلما كَانَ عبداً لله ﷾ واجتهد فيها، كما جَاءَ في الحديث عند التِّرْمِذِيّ وغيره قوله تَعَالَى في الحديث القدسي (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه -هذه الدرجة الأولى- ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه) هنا درجات، فإذا وصل الإِنسَان إِلَى درجة محبة الله ﷾ له، ومحبته لله إِلَى درجة اليقين، وإلى درجة الصبر عَلَى الطاعة، والصبر عن معصية الله والصبر عَلَى أقدار الله ﷾ حينئذ تحقق فيه كمال العبودية.\r\rأكمل الناس عبودية","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689290,"book_id":1659,"shamela_page_id":416,"part":null,"page_num":416,"sequence_num":416,"body":"وأعلى النَّاس مقاماً في العبودية هم الأَنْبِيَاء صلوات الله وسلامه عليهم، وأعلى الأَنْبِيَاء وأعلى البشر في ذلك هو نبينا مُحَمَّد ﷺ، فهو أعلى النَّاس في درجة العبودية؛ ولهذا كما مر معنا أنه في مواضع التكريم، والثناء يأتي وصفه بالعبودية كما قال تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى [الإسراء:١] هنا كلمة العبد كأنها تشير أنه الذي حقق العبودية، والذي أعلى صفة له العبودية.\rولهذا قال ﷺ: (إنما أنا عبدٌ، فقولوا: عبد الله ورسوله) ، فاختار ﷺ الآخرة عَلَى الدنيا، واختار العبودية لله ﷾ عَلَى الملك.\rفحقيقة العبودية في تعريف العبادة: أنها اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال، والأعمال الظاهرة والباطنة، فكلما حقق الإِنسَان ذلك كلما كَانَ أعلى في الكمال، وأكثر اقتداءً بالنبي ﷺ الذي هو الغاية، والذروة في كمال العبودية لله ﷾.\rوقد ادعى قوم الخروج عن دائرة العبودية ومقتضاها إِلَى شيء آخر وهم فئتان: الأولى: الفلاسفة، والثانية: الصوفية الغلاة، هذا في القديم، وفي عصرنا هذا برز غير ذلك -مما سنذكره إن شاء الله- ممن ادعو الخروج عن مقتضى العبودية، وزعموا أن الكمال؛ إما أنه في درجة الأعلى من العبودية، أو أن الكمال يتحقق بغير العبودية لله ﷾ وهاك بيان موقف هذه الفرق:\rالفلاسفة والعبودية","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689291,"book_id":1659,"shamela_page_id":417,"part":null,"page_num":417,"sequence_num":417,"body":"يقول الفلاسفة: كمال النفس في أن تعلم، وأن تكون عَلَى مقتضى الحكمة، أي: أن يكون لديها علم، وأن تكون أخلاقها وتصرفاتها عَلَى مقتضى الحكمة العقلية التي يرونها، قالوا: فليس هناك من ضرورة، ولا داعٍ يوجبُ أن يكونَ الإِنسَانُ عبداً لله، وأن يندرج تحت العبودية الشرعية إذ لو أن إنساناً بمقتضى حكمته العقلية يتحلى بالأخلاق الفاضلة، والمعاملات الجميلة التي يتكلم عنها الحكماء في كتبهم وتزين بها، وطبقها لاستغنى عن أن يكون عبداً ولما احتاج أن يدخل تحت هذه العبودية.\rوبالغ بعضهم في ذلك فقَالَ: إن النَّاس أكثرهم جهال وعوام، والحكمة العقلية لا يفهمها كل أحد ولا يمكن أن يكون النَّاس عَلَى مستوى يفهمون فيه كلام الحكماء والفلاسفة.\rفجاء الأَنْبِيَاء بالوعد والوعيد، والأمر والنهي، والجنة والنار؛ لأنها هي التي تشوق الجماهير وتجذبهم وتجعلهم يعملون الخير، بخلاف ما لو كَانَ كلاماً عقلياً فإنه لا يؤثر، فلذلك فإن هذه الشرائع التي جَاءَ بها الأَنْبِيَاء تصلح للجمهور؛ لكن الإِنسَان الفاهم -الذي يفهم بعقله كل شيء- لا يحتاج إِلَى أن يندرج تحت شرائع الأنبياء، هذا إفكهم وما كانوا يفترون، وهذا كلامهم الذي قالوه من قبل بعثته ﷺ؛ قاله فلاسفة اليونان، ثُمَّ جَاءَ من يسمون فلاسفة الإسلام، فادعوا ذلك وزعموه ومنهم: ابن سينا والفارابي ومنهم إِلَى حد ماابن رشد.\r\rولذلك قال بعضهم: إن الشريعة -التي هي الدين- والحكمة -التي هي الفلسفة- شيء واحد وتدعونا إِلَى شيء واحد وطريق واحد، وأنهم اختبروا جميع الشرائع، ووجدوا أن أفضلها: هي شريعة مُحَمَّد ﷺ، ولذلك يرتاحون لها ويقولون: لو أخذ بها الإِنسَان لكان حسناً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689292,"book_id":1659,"shamela_page_id":418,"part":null,"page_num":418,"sequence_num":418,"body":"فكل مكارم الأخلاق التي يتكلم عنها جاءت في هذه الشريعة وهذا منهج صحيح؛ لكنهم لا يوجبون دخول الإِنسَان تحت هذه الشريعة، كما نلاحظ اليوم من بعض المستشرقين، أو الكتاب الأوروبيون، فإنهم يثنون عَلَى الإسلام أنه جَاءَ بالأخلاق الراقية في حقوق المرأة، وفي أنظمة الحكم، ويمدحونه مدحاً طويلاً قد لا يكون لنا عليهم مأخذ في نفس المدح، وبقدر ما يكون الكلام كله مدحاً حقيقياً وصحيحاً؛ لكن لا يرى أنه يلزمه أن يدخل في هذا الدين.\r\rغلاة الصوفية والعبودية\rموقف غلاة الصوفية قد أوضحناه في أول الكتاب عندما تحدثنا عن توحيد الربوبية حيث ذكر المُصْنِّف ﵀ أن: غلاة الصوفية: يجعلون توحيد الربوبية هو غاية التوحيد، ومما أوضحنا به ذلك وشرحناه أننا قلنا: إنهم يرون أن العبد يترقى في مشاهدة الحقيقة -ويسمونها مشاهدة القدر أو شهود الحقيقة الكونية- حتى يصل به الأمر إِلَى أن يرى أن كل شيء في هذا الوجود إنما يحركه في الحقيقة الله ﷾: فالله هو الذي يسيره ويحركه، قالوا: إذا آمن الإِنسَان بهذا الشيء، وازداد الإيمان حتى يصل إِلَى أنه لا تأثير لشيء ولا فاعل في الوجود إلا الله، فحينئذ لا فرق بين أفعال من يصلي وبين أفعال النائم فكلها في الحقيقة بالتأمل وبالفهم العميق: أفعال لله ﷾.\rفهم بهذا الزعم -التوحيد الحقيقي شهود الحقيقة الكونية وتوحيد الربوبية الذي هو الكامل كما يزعمون ويسمونه توحيد خاصة الخاصة- يضيعون حقيقة الدين ويسقطون التكاليف، وبعضهم يصل به الأمر في هذا إِلَى الحلول والاتحاد -والعياذ بالله- فينتقل من دعوى أن فعله هو فعل الله إِلَى دعوى أعمق من ذلك فَيَقُولُ: تعمقتُ فترقيتُ فرأيتُ أنه ما في الوجود إلا هو فقط.\r\rفيصل والعياذ بالله إِلَى الكفر، وإن كَانَ الأول كفراً لكن هذا القول الأخير يصل بهم إِلَى الكفر الصراح التي تترفع عنه أية نفس.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689293,"book_id":1659,"shamela_page_id":419,"part":null,"page_num":419,"sequence_num":419,"body":"فلذلك يخيل لهم الشيطان هذه الأمور، ويزينها لهم بسوء أعمالهم وبتركهم للعبادات، فينقطعون عن العبادات وعن الفرائض، وعن الجمع والجماعات، ويقولون: نَحْنُ بلغنا الحقيقة فرأيناها، ووصلنا إِلَى اليقين الذي قال الله تَعَالَى فيه: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:٩٩] .\r\rفقالوا: إن العبادة لها أمد فإذا جَاءَ اليقين انتهت، وهذا من أكذب أنواع الافتراء عَلَى الله ﷾ لأن الذي أمر بهذه الآية هو: نبينا مُحَمَّد ﷺ وقد طبقها وقد عمل بها وظل عَلَى العبادة من صلاة وذكر وغير ذلك، ولم يخرج عن العبودية إِلَى أن جاءه اليقين الذي هو الموت، كما جَاءَ في الحديث الصحيح الآخر: (أما فلان فقد جاءه اليقين من ربه) أي جاءه الموت؛ لأن اليقين: هو الموت، فمعنى الآية: واعبد ربك حتى يأتيك الموت، وحتى يقبضك ربك إليه، فهَؤُلاءِ الملاحدة يقولون: إن حقيقة العبودية -عندهم- هي: شهود الحقيقة الكونية، ولذلك لا يرون أن الصلوات الخمس والعبادات التي نفعلها نَحْنُ الآن؛ إلا مجرد مظاهر أو وسائل عَلَى الطريق التي عندهموهم يقسمون الطريق إِلَى ثلاث مراحل:\rالمتعلم وهو الذي يسمى مريداً وهو: المبتدئ.\r\rثُمَّ السالك: وهو الذي مشى في الطريق مراحل.\r\rثُمَّ الواصل: وهو الذي سقطت عنه التكاليف، ولم يعد بحاجة إِلَى أن يعمل أعمال المريدين، أو السالكين الذين هم بحاجة للعبادة ليريحوا أنفسهم.\r١) أحوال الخارجين عن دائرة العبودية عند الموت:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689294,"book_id":1659,"shamela_page_id":420,"part":null,"page_num":420,"sequence_num":420,"body":"مما يكشِف ويدل عَلَى أن الله ﷾ قد جعل أمثال هَؤُلاءِ النَّاس فتنة لغيرهم وابتلاهم وفتنهم في أنفسهم ما يروى من أحوالهم عند ما جَاءَ الموت لابن الفارض ولابن سبعين وهما من كبار الدعاة إِلَى هذا المذهب، وهو سقوط العبادات والتكاليف، والوصول إِلَى الحقيقة الكونية، والحلول والاتحاد أو الفناء كما يسمونه، كلها مترادفات أو متداخلات في التعبير عن هذه القضية وابن الفارض هو في الحقيقة من الدرجة الأولى في الشعراء، حتى قال شَيْخ الإِسْلامِابْن تَيْمِيَّةَ - ومنزلة شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ في اللغة والشعر معلومة ليس فقط في العلوم الشرعية، بل هو في سائر العلوم حتى في علوم اللغة وتذوق الشعر -: إن هذا الرجل وأمثاله قدموا لحم الخنزير في طست من الذهب، فهَؤُلاءِ أتوا بالشعر الراقي الجميل - أي ابن عربي وابن الفارض - لكن؛ الذي يتضمن الحلول والاتحاد ووحدة الوجود والشرك والزندقة -نسأل الله العافية- فالآلة عاليةٌ قيمةٌ لكن المضمون والمحتوى سيء وخبيث وقبيح فلما حضرت وفاة ابن الفارض قَالَ:\r\rإن كَانَ منزلتي في الحب عندكم ما قد رأيت فقد ضيعت أحلامي\rأمنية ظفرت نفسي بها زمناً واليوم أحسبها أضغاث أحلام","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689295,"book_id":1659,"shamela_page_id":421,"part":null,"page_num":421,"sequence_num":421,"body":"عندما عاين ملائكة العذاب؟ أراد الله أن يدينه بلسانه ليسمع المريدين الذين حوله. فقَالَ: كَانَ يظن أنه يترقى حتى حلت فيه الألوهية، وإذا به في الأخير يكتشف أنه عبد مخلوق ذليل حقير، وأن ملائكة العذاب قد دنت لتنتزع منه هذه الروح، فهذا المسكين متى صار إله ومتى حل في الله ومتى اتحد في الله؟! كله كلام فارغ لا قيمة له، عند الموت تتجلى الحقائق تماماً، ولذلك لا يَثْبُتَ إلا من ثبته الله ﷿ من كَانَ في الدنيا ثابتاً عَلَى الإيمان والتقوى والاستقامة، ثبته الله ﷿ عند الموت كما أخبر تَعَالَى بقوله يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم:٢٧] .\r\rولكن أُولَئِكَ الزائغون المنحرفون الضالون، مهما تصنعوا في الدنيا ومهما جاءوا بالتأويلات والشبهات والعلل وادعوا أنهم أهل الحق، فعند الموت تتطاير وتتبخر وتتلاشى ولا يبقى إلا الحق واليقين فابن الفارض رأى ملائكة العذاب ورأى أن الأجل قد قرب منه فأظهر الله ﷾ ذلك عَلَى لسانه، وقال هذين البيتين: الأمنية التي عاش عمره كله يحلم بها أصبحت أضغاث أحلام، ليس فيها أي حقيقة عَلَى الإطلاق.\rوأما ابن سبعين فإنه يُحكي عنه مريدوه: أنه لما جاءه الموت وأراد أن يفيض اضطرب وخاف أو جزع، فَقَالَ له أحد مريديه: مالك يا شيخ؟ ما الذي تخاف منه؟ وأنت الذي كَانَ المريد يدخل عندك فيجلس ثلاثة أيام فيخرج وهو ولي من الأولياء في الطريقة، فما الذي يخيفك؟ فَقَالَ له: كل ذلك الآن لا حقيقة له.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689296,"book_id":1659,"shamela_page_id":422,"part":null,"page_num":422,"sequence_num":422,"body":"الآن لما رأى سكرات الموت لما بدأ يشعر بالانقطاع من الدنيا والإقبال عَلَى الآخرة قَالَ: كل ذلك لا حقيقة له، وليس بصحيح، لا الخلوات ولا الأذكار المنقولة ولا الدرجات كل تلك الفلسفات سقطت، وهو الذي بلغ به الفجور وركوب الرأي عَلَى غير هدى وبصيرة -نسأل الله العافية والسلامة- إِلَى عمى البصيرة، حتى أنه جاور بمكة وذهب إِلَى غار حراء وكان ينام فيه الليالي ويطمع أن ينزل عليه الوحي، ولما سمع رجل قال له: إن رَسُول الله ﷺ يقول لا نبي بعدي قال - والعياذ بالله -: (لقد حجَّر واسعاً) أي: ضيق شيئاً واسعاً؛ لأنه -نسأل الله العافية- كَانَ عَلَى نظرية الفلاسفة الذين يقولون: إن النبوة مكتسبة، وليست موهوبة من الله ﷾، وإنما هي مكتسبة يجتهد الإِنسَان كما يزعمون حتى يصل إِلَى الولاية، والولاية عندهم أعظم من النبوة، الولي عندهم فوق النبي وأعظم -فنسأل الله السلامة- وهكذا كَانَ ابن سبعين يفعل بمكة، فلما جاءه الموت تلك اللحظة وجاء التلميذ يريد أن يطمئنه كما طمئن عبد الله بن عباس ﵁ عمرَ بن الخطاب قال له: أبشر يا عُمَر، فوالله لقد كنت تحكم بالعدل، وقد بشرك النبي ﷺ بالجنة فأخذ يبشرعُمَر ويقول له، ذلك لأنه عَلَى الحق والحقيقة فصدقه عُمَر ولكن قال له أيضاً: إنما خوفي عليك وعلى أمثالك.\r\rفكأنعُمَر ﵁ يقول: إنما أجزع وأخاف عَلَى الرعية وعُمَر لما كَانَ مبشراً بالحق، رضي واطمأن، ومن السنة أن الإِنسَان إذا حضر إِلَى رجل قربت وفاته، أن يأتيه بالرجاء، ولا يذكر له الخوف والترهيب وإنما يأتيه بالترغيب، وما وعد الله ﷾ للمؤمنين (وأن الله تَعَالَى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر) وأنه لو كَانَ آخر كلامه لا إله إلا الله، دخل الجنة وأمثال ذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689297,"book_id":1659,"shamela_page_id":423,"part":null,"page_num":423,"sequence_num":423,"body":"فتلاميذ هذا المسكين الضال الزائغ جاؤا من هذا الباب: أرادوا أن يذكروه، فَقَالُوا: أنت الذي في ثلاثة أيام يأتيك المريد ويخرج ولياً من أولياء الله؛ تخاف من أي شيء؟ فقَالَ: كل ذلك الآن لا حقيقة له تبين له أنه لا حقيقة له، نعوذ بالله من سوء الخاتمة.\r٢) شبهة من يقول بالخروج عن العبودية والرد عليهم:\rومما استدل به من يخرج عن العبودية، أن موسى ﵇ لما ذهب إِلَى العبد الصالح الخضر وكان عَلَى غير شريعة موسى وهو حق فَقَالُوا: إذاً الولي لا يدخل تحت شريعة النبي، لأنه قد تلقى العلم اللدني\r\rوَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً [الكهف:٦٥] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689298,"book_id":1659,"shamela_page_id":424,"part":null,"page_num":424,"sequence_num":424,"body":"وهذا القول يعلم بطلانه، لأدلة كثيرة منها أن شريعةَ موسى ﵇ شريعةً محدودة بعثه الله ﷾ إِلَى قومه، أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّه [إبراهيم:٥] ، فموسى لم يقل له: لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [إبراهيم:١] ، وإنما: أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ والذي أمره الله أن يخرج النَّاس من الظلمات إِلَى النور، هو مُحَمَّد ﷺ، بعث للناس كافة وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيرا [سبأ:٢٨] فالعالمية في الرسالة لمُحَمَّد ﷺ أما موسى فإنه في نفس الحديث الذي جَاءَ فيه قصة الخضر وموسى، قال له الخضر: (يا موسى أنت عَلَى علم علمك الله إياه لا أعلمه، وأنا عَلَى علم علمني الله إياه لا تعلمه) فهذا نبي وهذا نبي، وليس هناك شك في أن موسى هو أعلى درجة عند الله ﷿ من الخضر؛ لأنه من أولي العزم -رغم ما فعل موسى ﵇ حينما ألقى الألواح، ورغم أنه لما وجد أبانا آدم أنكر عليه فقَالَ: أنت الذي خيبتنا وأخرجتنا من الجنة ويكون موسى ﵇ في هذه المواقف عَلَى غير الأولى أو في جانب الخطأ، ورغم كل ذلك لم تنزل درجته؛ لأنه من أولي العزم الذين جاهدوا في الله الجهاد العظيم الذي تلاه الله ﷾ وفصله علينا، وقاوم أكبر طاغوت في تاريخ الأمم الماضية، وهو فرعون.\r\rفالحاصل أنه ليست درجة الخضر كدرجة موسى، مع أن هذا نبي وهذا نبي، وإنما أراد الله ﷿ لموسى أن يتلقى عن الخضر لحكمٍ عظيمة ذكرها العلماء منها أن لا يدعي أحد العلم المطلق، أو أنه يعلم كل شيء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689299,"book_id":1659,"shamela_page_id":425,"part":null,"page_num":425,"sequence_num":425,"body":"لكن نبينا مُحَمَّد ﷺ لم يكن قبله ولا بعده، ولا في عصره من يمكن أن يتلقى عنه الرَّسُول ﷺ في أية حال من الأحوال، لأنه هو المبلغ العام للبشرية عامة عن الله ﷿، فلا أحد أعلم منه بالله أو بدينه في أي أمر من الأمور، وهذا مما يفضل به النبي ﷺ عَلَى سائر الأنبياء.\rفهذه شبه القوم، وردها واضح -إن شاء الله- ولهذا ذكر الشيخ مُحَمَّد بن عبد الوهاب ﵀ من جملة نواقض الإسلام العشرة: من اعتقد أن أحداً يسعه الخروج عن شريعة مُحَمَّد ﷺ كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى؛ ونص عَلَى المثال ليعلم المراد من قوله أن هذا الاعتقاد مخرج لصاحبه من الملة؛ لأن من ادعى أنه خارج عما ذهب إليه النبي ﷺ فإنه يحكم تلقائياً عَلَى نفسه بالخروج من الملة والخروج من الدين.\r٣) شبهات الفلاسفة والرد عليهم:\rأما الفلاسفة فمن الواضح كونهم يزعمون أن الحكمة العقلية تغني عن الشرائع الدينية والنبوية، وهذه الرد عليها واضح؛ لأن العرب الذين بعث الله ﷾ محمداً ﷺ فيهم، كَانَ لديهم الحكماء وكان عندهم ذو الأصبع العدواني وأكثُمَّ بن صيفي وقس بن ساعدة، كل هَؤُلاءِ كَانَ عندهم الحِكَم في أشعارهم، وأقوالهم ولكن لا قيمة لهذه الحكمة ولا قيمة للتحلي بأمثال هذه الأخلاق في نجاة العبد من عذاب الله ﷿ لأنها مثل شجرة مقطوعة لا صلة لها بالحياة، ولا صلة لها بالأرض فلا تنمو، فهي خشبة جوفاء، بخلاف الإيمان الذي هو شجرة نامية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689300,"book_id":1659,"shamela_page_id":426,"part":null,"page_num":426,"sequence_num":426,"body":"فأخلاق العرب مقطوعة عن الإيمان والإخلاص لله ﷾، فلا يترتب عليها فلاح في الدنيا، ولا نجاة يَوْمَ القِيَامَةِ من عذاب الله ﷾، وإنما غاية ما فيها أن يُقال عن الإِنسَان: إنه حسن الأخلاق، وجزاؤه يأخذه في الدنيا مقدماً كما جَاءَ في حديث الثلاثة الذين قاتل أحدهم ليقال له شجاع، قيل له: إنما قاتلت ليُقال لكَ شجاع، فقد قيل أي: أخذت الجزاء. والآخر المنفق يُقال له: إنما أنفقت ليقال لك جواد وقد قيل، ما الذي تطمع فيه بالآخرة كيف ترجو الآخرة.\r\rوكذلك القارئ ليُقَالَ: قارئ وقد قيل، إذاً ما دام أنه قد قيل انتهى؛ لأن هذا هو المراد.\r\rفمهما قلنا عن هَؤُلاءِ الناس، فإنما ينالون جزاءهم في الحياة الدنيا والله ﷾ لما بعث الأَنْبِيَاء بعث أكمل النَّاس عقولاً, فإنه جعلهم هم الأَنْبِيَاء وآتاهم الحكمة، وأعظم الحكمة هي توحيد الله وطاعة الله ﷾ هذه هي الحكمة الحقيقية ولذلك في سورة الإسراء بعد أن ذكر الله ﷾ الوصايا التي تزيد عَلَى ثمانية عشر وصية قال في آخرها ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَة [الإسراء:٣٩] الحكمة تعني: أن ترك الشرك، والتوحيد، وبر الوالدين والإنفاق المعتدل -لا إسراف ولا تقتير- من الحكمة، والوفاء بالكيل والوزن، وترك الفواحش من الحكمة، كل ما ذكره الله ﷾ في تلك الآيات هي الحكمة الحقيقية، والتي من عمل بها بلغ غاية الحكمة فنجد أن ما يقوله الفلاسفة ويتكلمون به من المثاليات الجوفاء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689301,"book_id":1659,"shamela_page_id":427,"part":null,"page_num":427,"sequence_num":427,"body":"ونجد أن أصحاب النبي ﷺ وأولياء الله وعباده الصالحون: يحققونه واقعياً، حتى أن العامي من الْمُسْلِمِينَ يفعل من الأخلاق مالا يفعله غيره ممن يعلم ضرر وخطأ وخطر البعد والخروج عن مقتضى العقل والحكمة، ومع ذلك يفعله لوجه الله وعلى منهج صائب وطريق مستقيم.\r\rلكن لو تركت العقول كما تشاء، لاختلف النَّاس فيقول أحدهم مثلاً: من الحكمة أن الإِنسَان لا يتزوج إلا زوجة واحدة، بالمقابل، هناك عقول أخرى قالوا: ما المانع من أن الإِنسَان يتزوج مائة لو استطاع، ليس هناك مانع في العقل ولا في الحقيقة، لكن الدين حدد أربعاً.\r\rإذاً عرفنا أن الخمس خارجة عن الحكمة، والذي يدعي أن الأربع منافية للحكمة فهذا قد نافى الدين، فهنا أمر ديني حدد لغير مقتضى عقلي يفرض الأربع أو الثلاث، وإنما هذا تشريع رباني فوق العقول البشرية، وفوق إدراكها، فجعل هناك حداً فما بعده لا يجوز الزيادة عليه.\rالطائفة الثالثة دعاة الحرية وموقفهم من العبودية\rوهي ليست طائفةً بالمعنى الصحيح، ولكن هي اتجاه فكري، ولم تكتب عنهم الكتب السابقة، لأنهم لم يكونوا قد برزوا في هذا الوضوح.\rدعاة الحرية أو التحرر في العصور الأخيرة عصور الإلحاد في أوروبا، والتي انتقلت إِلَى بلاد الْمُسْلِمِينَ فإذا قلت لأحدهم: هذا حرام يقول لك: أنا حر، ولو دققنا في الكلام لوجدنا أن مفهوم كلامه: أنه خارج عن مقتضى العبودية والشرع ودائرة الحلال والحرام، الذي جَاءَ في الشريعة، فيقول لك: انا حر إذا قلت له يا أخي ألبس زوجتك الحجاب، وإذا قلت: يا أخت تحجبي، قالت: أنا حرة سُبْحانَ اللَّه!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689302,"book_id":1659,"shamela_page_id":428,"part":null,"page_num":428,"sequence_num":428,"body":"فما معنى ذلك؟ إنه التمرد، وعلى من هذا التمرد هل هو عَلَى الأب الذي يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويقول لكَ أو لها: اتقوا الله ﷿؟ لا هذا تمرد عَلَى شرع الله ﷿ وخروج وفسوق عما أنزل الله ﷿ أن يدعي أحد كائناً من كَانَ أنه حر، ثُمَّ يفعل ما يشاء، أبداً، هذا كما قال الله ﷿: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ [المؤمنون:١١٥] ولو قدرنا أن المليار كل واحد منهم حر، فكيف ستكون الحياة الإِنسَانية، وأين تقف حريتك؟ وحرية كل فرد؟\r١- الحرية الحقيقية هي حرية العبودية لله عز جل:\r\rإن الله ﷾ قد بين أحكام الحلال والحرام، وأعطانا الحرية الحقيقية وهي حرية العبودية لله ﷾.\r\rفالحر الحقيقي هو من لم يمتلك قلبه أي شيء إلا محبة الله ﷾، أما من ملكته شهوة أو فتنة أو شبهة فهذا عبد حقير ذليل مقيد، وإن كَانَ يقول أنا حر، فمن أراد الحرية الحقيقية فليتق الله وليتمسك بدينه وليحقق العبودية له تعالى، فكلما كَانَ عبداً له وحده خالصاً كلما كَانَ أكثر حرية، ولهذا تجدون عباد الله الصالحين -الأحرار الحقيقيين- لا يحدهم أي شيء؛ لأن كل ما في الكون من العبيد هم عبيد لله ﷾، وما يصنعه العبيد لا يضرهم في شيء.\r\rفشَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ مثلاً لما سجنوه ثُمَّ أخذوا الأقلام عنه، فتركوه حتى لا يكتب، قَالَ: \" ما يصنع أعدائي بي، أنا قتلي شهادة، ونفيي سياحة، وسجني خلوة\" فهذه غاية في الحرية، لا يمكن أن يخشى من أحد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689303,"book_id":1659,"shamela_page_id":429,"part":null,"page_num":429,"sequence_num":429,"body":"فالحرية الحقيقية هي في التمسك بما أنزل الله ﷾ وبالثبات عَلَى دين الله ﷿، أما الإِنسَان الذي إذا أراد شيئاً من الدنيا يجد أنه يشعر بشيء من العبودية لصاحب هذه الحاجة، وإذا لم تكن لك عنده أي حاجة فإنك تجد نفسك عزيزاً حراً فلا تشعر أنك تتقرب إليه أو تخضع له بأي نوع من أنواع الخضوع، مهما كانت درجته وأياً كَانَ منصبه.\rفإذا جرد الإِنسَان التوحيد، ونقى قلبه من الخضوع والعبودية لغير الله؛ فإنه يكون في غاية الحرية التي ينشدها هَؤُلاءِ.\r٢- دوافع ظهور ومجيء فكرة التحرر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689304,"book_id":1659,"shamela_page_id":430,"part":null,"page_num":430,"sequence_num":430,"body":"نحن في ما يسمى بالعالم الشرقي -العالم الإسلامي- أخذنا هذه الفكرة دون أن ندرك ما الذي جعل الغربيين يدعون إليها ويؤمنون بها؟ ومن أين استقوا هذه الكلمة وكيف جاءتهم؟ نَحْنُ أخذناها من باب قول النبي ﷺ (لتتبعن أو لتركبن سنن من كَانَ قبلكم، حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه) هذا الإِنسَان الأوروبي تمرد عَلَى دينه وعلماء دينه، فقَالَ: أنا حر فجئنا نَحْنُ لنقول: نَحْنُ أحرار وعلى من نتمرد وعلى أي دين؟ عَلَى دين الله ﷿. فالإِنسَان الغربي لم يأت بكلمة الحرية هذه إلا من الضغوط التي كَانَ يعاني منها، أما أنت أيها المسلم فالله ﷿ أنعم عليك وأنقذك بهذا الدين وبعث محمداً ﷺ، فعلمك وعلم شعوب الأرض حقيقة الحرية فأنت الذي تُعلِّم جميع شعوب العالم الحرية، فأنت الحر الوحيد في هذا الكون لعبوديتك لله ﷾ ولو خرجت عنها لوقعت في الذل، لأن الإِنسَان إذا لم يعبد الله ﷿ يعبد الشيطان كما قال الخليل ﵇ يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ [مريم:٤٤] ويقول الله ﷾ في الشيطان أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [يّس:٦٠] فإذا عصيت الله ﷿، فقد وقعت في عبودية الشيطان.\r\rقَالَ المُصنِّفُ ﵀:\r[والطريقة المشهورة عند أهل الكلام والنظر، تقرير نبوة الأَنْبِيَاء بالمعجزات، لكن كثير منهم لايعرف نبوة الأَنْبِيَاء إلا بالمعجزات، وقرروا ذلك بطرق مضطربة، والتزم كثير منهم إنكار خرق العادات لغير الأنبياء، حتى أنكروا كرامات الأولياء والسحر، ونحو ذلك ولا ريب أن المعجزات دليل صحيح، لكن الدليل غير محصور في المعجزات]\rالشرح:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689305,"book_id":1659,"shamela_page_id":431,"part":null,"page_num":431,"sequence_num":431,"body":"أهل الكلام جميعاً: المعتزلة، والأشعرية، وأمثالهم، ينصون عَلَى أنه لا دليل عَلَى صدق النبي ﷺ إلا المعجزة.\rإن المتكلمين يريدون أن يدفعوا شبهة ألقاها إليهم الفلاسفة وأمثالهم، وهذه الشبهة مجملها: أن الأديان كلها تقليد، ويقولون: إن اليهودي ولد يهودياً، والنصراني ولد نصرانياً، والمسلم ولد مسلماً، ولا يوجد هناك دين بالعقل أو بالنظر، ويقولون: إن المسألة ليس فيها دليل عقلي وإنما هي تقليد وإرث واتِّباع، فجاء هَؤُلاءِ غلاة المعتزلة، وغلاة الأشعرية وأمثالهم من الذين يسمون أنفسهم المدافعين عن الإسلام، وأرادوا أن يردوا عَلَى هَؤُلاءِ فَقَالُوا: إن النبوة عندنا ليست مجرد تقليد، وإنما نؤمن بالأنبياء وأنهم يأتون بدليل مادي ظاهر لا يملك العقل أن يرده، وهذا الدليل هو المعجزة -وسموها معجزة- والله ﷾ يسمى ذلك حتى عَلَى لسان القوم بينة أو آية، والبينة أو الآية: هي التي بها تثبت صحة النبوة، وتثبت نبوة الأَنْبِيَاء بآيات بينات، وبراهين واضحات، وما يزعمه هَؤُلاءِ هو جزء من هذه البينات، وهي أن يجري الله ﷿ عَلَى يديه خارقاً من خوارق العادات، فالدليل عَلَى نبوة موسى ﵇ ليس فقط أنه ألقى العصا فإذا هي حية تسعى هذه هي آية قامت بها الحجة علىفرعون، لكن ليست هي الدليل الوحيد عَلَى نبوة موسى ﵇ وهذا بين من أصل نشأته لو فكر هَؤُلاءِ!\rمن الذي أوحى إِلَى أمه أن تضعه في التابوت؟ ومن الذي ساق التابوت إِلَى أن أوصله إِلَى قصرفرعون؟ ومن الذي ألقى في قلب امرأة فرعونأن تحبه؟ ومن الذي سخر فرعون أن يطيع امرأته لتربى هذا الولد وتحتضنه؟\rثُمَّ يأتي هذا الولد ويقف أمام الطاغوت الأكبر الذي يقول: َأَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [النازعات:٢٤] فيقول له: أعبد الله، وأنت عبد مخلوق؛ هذا بنفسه: بينة بل بينات وبراهين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689306,"book_id":1659,"shamela_page_id":432,"part":null,"page_num":432,"sequence_num":432,"body":"إذاً فالدليل عَلَى نبوة النبي براهين وبينات وأدلة كثيرة ليست محصورة في الخارق الذي يسمونه معجزة، وهى كما أن النبي ﷺ وضع أصبعه في الماء ففاض، وأعطى سمرة السهم ووضعه في بئر الحديبية ففاضت البئر، وأنه انشق له القمر أو نحو ذلك.\r\rهذه ليست الدليل الوحيد، والدليل عَلَى أنه نبي من عند الله ﷿؛ بل يعرف بالقرائن والأحوال، ومن رأى حياته وسيرته وسلوكه عرف صدق نبوته ﷺ.\rقالالطّّحاويّ ﵀:\r[وتفسيره عَلَى ما أراد الله وعلمه] .\r\rوهذا الموضوع وإن كَانَ جَاءَ به ضمن بحث الرؤية، إلا أنه مع ذلك من الموضوعات الأساسية في مباحث العقيدة، وهو معرفة حكم ألفاظ الشارع ومعانيها ودلالتها، وكيف فهمها أهل البدعة والرد عليهم في ذلك، فموضوع التأويل وأخذ الكلام عَلَى ظاهره من أساسيات موضوعات العقيدة ومباحث الصفات التي ينبني عليها: إما حق صراح وإما باطل محض، فعليها ركبت الضلالات والبدع عند أهل البدع، وعلى أساس فهمها الصحيح فهم أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ ما جَاءَ في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ من صفات الله، وكان منهجهم في ذلك واضحاً جلياً، ووضعوا في ذلك قواعد عامة يهتدي بها طالب العلم لمعرفة ما يثبت لله تَعَالَى وما لا يثبت، وكيف يستدل عَلَى إثبات ذلك ولماذا لا يؤول؟ ولا يصرف اللفظ عن ظاهره؟\rفيقول أبو جعفر الطّّحاويّ:\r[وتفسيره عَلَى ما أراده الله تَعَالَى وعلمه، وكل ما جَاءَ في ذلك من الحديث الصحيح عن رَسُول الله ﷺ فهو كما قال، ومعناه عَلَى ما أراد، لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا، ولا متوهمين بأهوائنا، فإنه ما سلم في دينه إلا من سلم لله عز وحل ولرَسُول ﷺ، ورد ما اشتبه عليه إِلَى عالمه] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689307,"book_id":1659,"shamela_page_id":433,"part":null,"page_num":433,"sequence_num":433,"body":"هذا العبارات تعطينا قاعدة عظيمة جداً من قواعد الأسماء والصفات وإثباتها: وهو أننا نثبت ما جَاءَ في كتاب الله وفي سنة رَسُول الله ﷺ من ذلك ونقول: تفسيره عَلَى ما أراده الله وعلمه، يعني: مع الإيمان بها وبمعناها الظاهر لنا، فإننا نقول: إن الكيفية وحقائق هذه المعاني يعلمها الله، أما المعاني فنحن ندركها ونعلمها من كلام العرب. وكان السلف الصالح أعلم النَّاس بلغة العرب وقد فهموا الآيات والأحاديث في صفات الله من كلام الله ومن كلام رَسُول الله ﷺ، واستفسروا عما كَانَ قد أشكل عليهم، وهم أعلم النَّاس في هذا الباب.\rأما حقائق الكيفيات التي لا يدركها الإِنسَان بعقله، ولا يمكن أن ينالها بنظره وفكره، فهذه نؤمن بها عَلَى ما أراد الله ولا ندخل في ذلك متأولين، كما أشار المُصنِّفُ ﵀ وبين في القاعدة العظيمة والأصل العظيم \"أنه ما سلم في دينه إلا من سلم لله ولرسوله ﷺ\" فهذه القاعدة تشمل الأحكام، فلا نعترض عَلَى أحكام الله ﷿ إذا أردنا أن يسلم لنا ديننا نسلم لله ﷿ كل حكم يحكم به في الأحكام الشرعية، وحتى في الأحكام الكونية القدرية نسلم لله، ولا نعترض عَلَى أي قدر من أقدار الله في أنفسنا أو في الكون، لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء:٢٣] فإذا كَانَ هذا هو الواجب علينا في هذه الأحكام فكيف بما يخبرنا به - سبحانه- عن نفسه؟ بل هو أولى؛ لأنه من الغيب المحض الذي لا تناله العقول وتتقاصر دونه الأفهام، فنسلم به لله ولرسوله، وكل ما أتانا من الوحي نؤمن به ولا نعارضه أبداً.\rقَالَ المُصنِّفُ ﵀:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689308,"book_id":1659,"shamela_page_id":434,"part":null,"page_num":434,"sequence_num":434,"body":"[وقوله: وتفسيره عَلَى ما أراده الله وعلمه إِلَى أن قَالَ: لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا. أي: كما فعلت المعتزلة بنصوص الكتاب والسنة في الرؤية، وذلك تحريف لكلام الله وكلام رسوله عن مواضعه.\rفالتأويل الصحيح هو الذي يوافق ما جاءت به السنة والفاسد المخالف له، فكل تأويل لم يدل عليه دليل من السياق، ولا معه قرينة تقتضيه، فإن هذا لا يقصده المبين الهادي بكلامه، إذ لو قصده لحفَّ بالكلام قرائن تدل عَلَى المعنى المخالف لظاهره، حتى لا يوقع السامع في اللبس والخطأ، فإن الله أنزل كلامه بياناً وهدى، فإذا أراد به خلاف ظاهره، ولم يحف به قرائن تدل عَلَى المعنى الذي يتبادر غيره إِلَى فهم كل أحد، لم يكن بياناً ولا هدى. فالتأويل إخبار بمراد المتكلم، لا إنشاء] اهـ.\rالشرح:\r\rالجهمية والمعتزلة الذين ينكرون صفات الله، أنكروا رؤية الله في الدنيا والآخرة، وكذلك من تبعهم من الخوارج ينكرون رؤية الله في الدنيا والآخرة، وكذلك الإمامية فإنهم أخذوا بعقيدة المعتزلة منذ القرن الرابع تقريباً فما بعد فكل هذه الفرق نفت وأنكرت الرؤية، ولم تعمل بما جَاءَ في كتاب الله وفي حديث رَسُول الله ﷺ فيما يتعلق بإثبات رؤية الله وحرفوا معناها، ولهذا ذهب المُصنِّفُ تبعاً للطحاوي إِلَى أن التأويل باطل، وقوله هنا: [وذلك تحريف لكلام الله وكلام رسوله ﷺ عن مواضعه] هذا هو التعريف الصحيح للتأويل الذي يدعيه ويزعمه المتأخرون، فهو في الحقيقة تحريف، ولكنهم سموه تأويلاً.\rمن معاني التأويل\r١- أنه بمعنى التفسير: وهو أكثر ما كَانَ يستخدمهالسلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن بعدهم مثل: تفسير الطبري فعند تفسيره للآية يقول: وتأويل قوله تَعَالَى: ... وكان السلف إذا سأل أحدهم عن معنى آية يقول: ما تأويلها. هذا هو معنى التأويل في كلامهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689309,"book_id":1659,"shamela_page_id":435,"part":null,"page_num":435,"sequence_num":435,"body":"٢- هو ما تؤول إليه حقيقة الشيء وقوعه، كقوله: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ [الأعراف:٥٣] أي: يوم يقع هذا الذي ينكرون، وفي قصة يوسف هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ [يوسف:١٠٠] أي: وقت وقوع الرؤيا التي رآها وهو صغير وهي قوله: إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ [يوسف:٤] .\r\rوبعد أربعين سنة جَاءَ أبوه وأمه وإخوانه الأحد عشر، ورفعوه عَلَى العرش وخروا له سجداً فقَالَ: هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ [يوسف:١٠٠] ولهذا فقوله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ [آل عمران:٧] يجوز للقارئ أن يقف هنا، وهو قول طائفة من السلف. والمقصود أن كيفية وقوعه وتحققه لا يعلمها إلا الله.\rفجاء المتأخرون ووضعوا معنى جديداً وسموه تأويلاً وهو: صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إِلَى الاحتمال المرجوح، لأن اللفظ يحتمل معنيين فيصرفونه عن المعنى الظاهر الراجح إِلَى المعنى المرجوح يضعونه من عند أنفسهم وهذا هو التأويل المذموم، وهو الذي مشى عليه الذين أولوا صفات الله تَعَالَى، وهو من أعظم الأبواب التي هُدم الدين بها، ولهذا جعله ابن القيم في كتاب الصواعق المرسلة عَلَى الجهمية والمعطلة: طاغوتاً من الطواغيت الكبرى، ورد عليه وهدمه؛ لأنه باب دخل منه المؤولة، فنفوا صفات الله: فنفوا اليد والعين والنزول والرضا والغضب وغيرها، وهذا المدخل لما دخل منه نفاة الصفات، وأقروه قالوا: هذا هو دين الإسلام وحقيقته، ولا يجوز لأحد أن يعتقد ظاهر هذه النصوص.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689310,"book_id":1659,"shamela_page_id":436,"part":null,"page_num":436,"sequence_num":436,"body":"ثُمَّ جَاءَ أناس شر منهم وأخبث، ودخلوا من باب التأويل، وهدموا دين الإسلام بالكلية، وهم الباطنية فقالوا: لا يوجد قيامة ولا بعث، ولا نشور، فيُقال لهم: في القُرْآن والسنة أحاديث تدل عَلَى وجود قيامة وعلى نعيم الجنة، وعذاب القبر ونعيمه، فيقولوا: نؤوله مثلما أولتم آيات الصفات، فذهبوا إِلَى أبعد من ذلك، فأولوا الصلاة والزكاة والحج حتى الأشياء التي تناقلها النَّاس بالعمل.\rفالصلوات الخمس عند الباطنية عَلِيّ وحسن وحسين وفاطمة، ومحسن هذه هي الصلوات، وعلى هذا لم يبق من الدنيا شيء يتمسك به، فهَؤُلاءِ القوم أولوا مثلما أول غيرهم، وكان السبب أُولَئِكَ الذين فتحوا باب التأويل وأقروه؛ لأن الإِنسَان عندما يقر مبدأ معيناً ويستخدمه، كيف يمنع خصمه أن يستخدمه، يقول الشاعر:\r\rفلا تغضبن من سيرة أنت سرتها وأول راضٍ سيرة من يسيرها\rأول من يرضى بها من سار بها، فلا تغضب إذا سار غيرك هذه السيرة، فكان هذا من أبواب الشر الكبرى التي فُتحت في دين الإسلام، ثُمَّ احتار النَّاس بعد ذلك ماذا يؤولون، وماذا لا يؤولون؟ ووقعت الأمة في خلاف عظيم كما في كتاب قواعد العقائد وقد طبع مستقلاً، وهو جزء من كتاب إحياء علوم الدين للغزالي فعند موضوع التأويل قَالَ: الخلاف في التأويل عظيم: فمن النَّاس من أول كل شيء حتى الصلوات، ومنهم من قَالَ: لا نؤول أي شيء، ومن ذلك الحنابلة، ثُمَّ احتاروا ولو أنهم ردوا الأمر عَلَى ما كَانَ عليه السلف لما كَانَ هناك حيرة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689311,"book_id":1659,"shamela_page_id":437,"part":null,"page_num":437,"sequence_num":437,"body":"ثُمَّ هو بين انحلال الباطنية والقائلين بالكشف، أي: الذين يذكرون الله كثيراً حتى يأتيهم الكشف! ثُمَّ يلقي في قلب أحدهم أن هذه الآية أولها، وهذه الآية لا تؤولها، أو يكون في المنام فيأتيه شخص فَيَقُولُ: أنا رَسُول الله أو أبُو بَكْرٍ أو عُمَر أو الشيخ الفلاني وهذه الآية لا تؤولها، وهذه الآية أولها، إِلَى هذا الحد يصل ديننا، فنحتاج إِلَى مكاشفات ومنامات وخيالات حتى نعرف حقيقة ما جَاءَ في كتاب الله وفي سنة رَسُول الله ﷺ!!\r\rهل أنزل الله القُرْآن هدى وبياناً وشفاءً لما في الصدور وجواباً قاطعاً لكل شبهة إِلَى قيام الساعة أم أنزله في وضع محير للعقول لا بد له من الكشف؟ وكم هم من يستطيع أن ينال الكشف من الناس؟! وإلا تحتار العقول كيف تؤول؟ والحل والمخرج الصحيح هو ما كَانَ عليه النبي ﷺ وأصحابه من غلق باب التأويل بالكلية.\r\rوقوله: [فالتأويل الصحيح هو الذي يوافق ما جاءت به السنة والفاسد المخالف له] . يعني: أن التفسير الصحيح هو الذي يفسر الآيات أو أحاديث الصفات عَلَى مايوافق السنة، أو عَلَى فهم الصحابة والتابعين النابع من فهمهم لكلام العرب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689312,"book_id":1659,"shamela_page_id":438,"part":null,"page_num":438,"sequence_num":438,"body":"ثُمَّ قال المصنف: [فكل تأويل لم يدل عليه دليل من السياق ولا معه قرينة تقتضيه، فإن هذا لا يقصده المبين الهادي بكلامه] والمبين الهادي هو النبي ﷺ هو الذي أنزل الله إليه الذكر ليبين للناس ما نُزِّل إليهم، وهو الذي يشرح ويوضح كلام الله تعالى، فإذا جَاءَ معنى من المعاني فلا بد أن يكون إما ظاهراً واضحاً بنفسه لمن تأمله، وأما أن يقول النبي ﷺ: لا تعتقدوا ظاهر هذا النص وهذا المعنى الواضح، الذي إذا قرأتموه فهمتموه، فإذا كَانَ هذا الأخير، فإنه يجب عليه ﷺ أن يبين هذا، فإذا كَانَ العرب يفهمون من استوى: استقر وعلا وارتفع وصعد وأمثال هذه المعاني الواضحة من لغة العرب، وفهمها السلف وفسروها بذلك، بينما يكون المعنى الصحيح هو استولى، فالنبي ﷺ لما أنزل عليه هذا القُرْآن وقرأه بين أظهرهم، وأوجب الله عليه أن يبين لهم، كَانَ ينبغي عليه ولو مرة من المرات في جلسة من الجلسات أن يقول لهم: انتبهوا إذا قرأتم شيئاً من كتاب الله أو قلت لكم حديثاً في الصفات، فلا تأخذوه عَلَى ظاهره؛ بل لا بد أن تؤولوه وتخرجوه عن كلام العرب، وهذا في الحقيقة لم يحصل ولا يمكن أن يحصل.\rولهذا فالذين تراجعوا عن التأويل من المؤولين استدلوا بهذا الدليل الجلي الواضح كما فعل ذلك أبو المعالي الجويني في الرسالة النظامية والتي رجع فيها عن مذهب التأويل مستدلاً بهذا الدليل فقَالَ: وجدنا السلف مطبقين مجمعين عَلَى عدم التأويل، وهم أعلم النَّاس بالدين وأشدهم فهماً وأحرصهم عليه، فلو كَانَ هذا التأويل، حقاً لسبقونا إليه فلما وجدنا إطباقهم جميعاً عَلَى عدمه علمنا أنه باطل، فهذا استدلال صحيح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689313,"book_id":1659,"shamela_page_id":439,"part":null,"page_num":439,"sequence_num":439,"body":"لكن تأتينا قضية أخرى لا بد من بيانها: وهي كلمة الظاهر في آيات وأحاديث الصفات، وقولنا تفهم عَلَى ظاهرها فما هو ظاهرها؟ وكيف نفهم هذا الظاهر؟ وما هي أقوال النَّاس في ذلك؟ وهذه القضية من أخطر القضايا التي ضل فيها كثير من الناس، ولم يفهموها حق فهمها.\r\rفنجد في كتاب العقائد من علم الكلام يقولون: (ونؤمن بهذه الصفات ونقرها مع اعتقاد أن ظاهرها غير مراد!) ويأتي بعضهم فَيَقُولُ: \"اتفق السلف والخلف عَلَى أن ظاهر الآيات غير مراد ولكن افترقوا فريقين: فالسلف فوضوا والخلف أولوا وطريقة السلف أسلم وطريق الخلف أعلم وأحكم، فعندما يقرأون قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى فالظاهر الذي فهموه من هذه الآية أن الاستواء هنا مثل استواء المخلوقين، ولهذا قالوا: إن السلف والخلف متفقون عَلَى أن الظاهر غير مراد، فنقول لهم: أخطأتم في إطلاق كلمة الظاهر هنا؛ لأنه لا يمكن أن يكون ظاهر كتاب الله وسنة رسوله ﷺ غير مراد! ومقولتكم هذه كانت بسبب ما تقرر لديكم ومن ثُمَّ أوجبتم تأويل ظاهر النصوص.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689314,"book_id":1659,"shamela_page_id":440,"part":null,"page_num":440,"sequence_num":440,"body":"فيذكر المُصْنِّف هذه القاعدة فَيَقُولُ: فكل تأويل لم يدل عليه دليل من السياق ولا معه قرينة تقتضيه فإن هذا لا يقصده المبين الهادي بكلامه إذ لو قصده -يعني: الهادي المبين وهو الرَّسُول الذي يبين كلام الله وكلامه ﷺ لو قصده أو حتى القُرْآن لو قصد المعنى غير المتبادر إليه- لحف بالكلام قرائن تدل عَلَى المعنى المخالف لظاهره، حتى لا يوقع السامع في اللبس والخطأ -لأنه إذا لم يبين ذلك وقع السامع في اللبس والخطأ- فإن الله أنزل كلامه بياناً وهدى فإذا أراد به خلاف ظاهره ولم يحف به قرائن تدل عَلَى المعنى الذي يتبادر غيره إِلَى فهم كل أحد، لم يكن بياناً ولا هدى فإذا كَانَ الله تَعَالَى يريد بهذه الكلمة معنى من المعاني، ولم يدل عليه ولم يجعل قرينة تدل عَلَى صرفه عن المعنى الذي يفهمه النَّاس منه، ولم يبين رَسُول الله ﷺ ذلك فعلى هذا لا يكون القُرْآن هدىً ولا بياناً بل يصبح ذا حيرة ومتاهة، وهذا لا يكون في كلام الله ولا في كلام رسوله ﷺ أبداً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689315,"book_id":1659,"shamela_page_id":441,"part":null,"page_num":441,"sequence_num":441,"body":"والسلف الصالح لم يكن يتبادر إِلَى أذهانهم عند قراءتهم لآيات الصفات أن الظاهر الذي يثبتونه لله هو ما يوافق وما يشابه صفات المخلوقين. فالخطأ عند المبتدعة كأهل الكلام والمعطلة أنهم تصورا أن هذا هو الظاهر، ومن ثُمَّ أخذوا يأولون عَلَى ما تصوروا، لكن السلف الصالح فهموا قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ فكانت قاعدة مقررة لديهم وكل مسلم تُرك عَلَى فظرته السليمة، فإنه يوقن بذلك، فإذا قلت لأحدهم: هل علمك مثل علم الله وحياتك مثل حياة الله؟ فسيقول: أعوذ بالله، وهذا هو لسان العوام الذين لم يعلموا من الدين إلا ما عليه الفطرة السليمة، فكيف يظن بأصحاب النبي ﷺ والسلف الصالح أنهم فهموا آيات الصفات أنها تعني مشابهة الله للمخلوقين، بل ظاهرها اللائق بجلال الله تَعَالَى وعظمته هو المعنى الظاهر عند السلف.\r\rوشَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ له رسالة مستقلة في موضوع الظاهر ومعناه، وأدلة السلف على أن ظاهر الصفات هو ما فهمه السلف الصالح وهو اللائق بجلال الله تعالى، وهذه الرسالة تسمى الرسالة المدنية طبعت مستقلة، وكذلك موجودة في الجزء السادس من مجموع الفتاوى والرسالة المدنية كتبها شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ إِلَى بعض أهل المدينة من أهل العلم يبين لهم حقيقة مذهب السلف الصالح في صفات الله، ورد فيها عَلَى القائلين بالتأويل والمجاز الزاعمين أنه خلاف الظاهر، ثُمَّ بين لهم ما معنى الظاهر وما حقيقته؟ ومن جملة ما بين لهم ما أخذ منه المُصْنِّف هنا بعض المقتطفات\rاحتياج صرف النصوص عن ظاهرها إلى أمور أربعة\rقَالَ: [إن صرف النصوص والأحاديث في الصفات عن معانيها اللائقة بجلال الله إِلَى أي معنى أخر يحتاج فيه إِلَى أربعة أمور] وهذه الأمور لم تتحقق:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689316,"book_id":1659,"shamela_page_id":442,"part":null,"page_num":442,"sequence_num":442,"body":"الأمر الأول: لا يستطيع أحد أن يثبت أن هذا الظاهر أو أن هذا اللفظ الذي استعمله فيما يتعلق بالصفات استُخدم في القُرْآن وفي السنة بالمعنى المجازي لا بالمعنى الحقيقي، وهذا الذي أشار إليه المُصْنِّف هنا وهي قضية مهمة جداً.\r\rفيقول المُصْنِّف ﵀: [فالتأويل إخبار بمراد المتكلم لا إنشاء] والفرق بين الإنشاء والخبر: أن الخبر ما يحتمل الصدق والكذب، كقولك: جَاءَ مُحَمَّد فهو محتمل للصدق والكذب، والإنشاء ما لا يحتمل الكذب أو الصدق كقولك: هل جَاءَ زيد؟ فهذا لا يحتمل الصدق ولا الكذب فالذي يقرأ قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:٥] ويقول: إن استوى بمعنى استولى ويقرأ قوله تعالى: وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [البقرة:٢٥٥] ويقول: العلو هنا علو القهر لا علو الذات يقال له: لقد قلت خبراً من عندك فهو إخبار بمراد المتكلم فكأنك تقول: إن ربكم تَعَالَى لما أنزل عليكم هذه الآية يقول لكم اعتقدوا أني عالٍ عليكم بقهري وغلبتي ولا تعتقدوا أني عالٍ عليكم بذاتي، وهذا كلام خطير جداً، هذه القضية الأولى أن يقول قائل: بأن المعنى الذي جَاءَ في الكتاب أو في السنة هو المعنى المجازي أو المعنى الذي يؤولونه به وليس غيره.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689317,"book_id":1659,"shamela_page_id":443,"part":null,"page_num":443,"sequence_num":443,"body":"القضية الثانية: أن يكون معه دليل يوجب صرف المعنى عن ظاهره، فيقول مثلاً: \" العلي\": تحتمل العلو بالذات، وتحتمل العلو بالقهر والغلبة؛ و\" الاستواء \" يحتمل الاستيلاء ويحتمل العلو والارتفاع، وأنا لدي دليل يوجب صرف المعنى الذي يقولهالسلف وهو: الاستواء الحقيقي، بحيث لو قال أحد: إن الله علا عَلَى خلقه بذاته قَالَ: هذا مشبه ومجسم، والاعتقاد الصحيح والراجح الذي يجب عَلَى كل مسلم أن يعتقده أنه علو بالغلبة فقط! أو أنه الاستيلاء وليس الاستواء! فإذا جئت إِلَى الدليل الصارف الذي يصرف المعنى من هذا إِلَى ذلك قال لك: البراهين العقلية تثبت أن الله لا يتصف بعلو الذات أو الاستواء، أي: أنه لا يتصف بصفات المخلوقين، والرد عليهم من وجهين:\rالوجه الأول: أن الظاهر -كما سبق أن قلنا- لا يدل عَلَى المشابهة.\rوالوجه الثاني: أن الذي ينفي هذه المعاني لو احتملها الخيال ليس القواطع أو البراهين العقلية، وإنما هو كتاب الله نفسه قال تَعَالَى:لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:١١] .\r\rفمنهج أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ هو إثبات ونفي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:١١] فما ننفي شيئاً إلا لأن الله نفاه، لا لأن العقول أو القواطع أو البراهين دلت عليه، وما نثبت شيئاً إلا لأن الله أثبته، هذا هو المنهج المتوازن، وليس فيه خلل ولله الحمد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689318,"book_id":1659,"shamela_page_id":444,"part":null,"page_num":444,"sequence_num":444,"body":"وأما هم فالخلل كبير جداً عندما أتوا ووضعوا قانون التأويل هكذا يسمونه، وقالوا به نعرف ما الذي يؤول وما الذي لا يؤول، وبمعنى آخر ما هي المواضع التي تقدم فيها البراهين العقلية، وماهي المواضع التي يؤخذ بها بظواهر الآيات، ولقد تكلموا في ذلك وأطالوا، وممن تكلم في ذلك إمامهم فخر الدين الرازي صاحب التفسير الكبير، وقد ذكر الرازي هذا المبدأ في التأويل ورجح أنه إذا تعارض الدليل العقلي مع الدليل النقلي قدم الدليل العقلي، فرد عَلَى هَؤُلاءِ الذين يرون أنه يمكن أن يتعارض دليل عقلي مع دليل نقلي شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ، في كتابه الكبير الذي لم يكتب في بابه مثله أبداً أي مؤلف لا منأهل السنة ولا من أهل البدعة وهو كتاب درء تعارض العقل والنقل، ذكر في أوله القانون الكلي للتأويل ثُمَّ أخذ يرد عليه من وجوه طويلة جداً استغرقت هذه المجلدات الطويلة، فالحاصل أن دعواهم باطلة، وحجتهم داحضة، فليس هناك دليل يوجب صرف اللفظ عن المعنى الراجح وعن الظاهر المتبادر إِلَى الاحتمال المرجوح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689319,"book_id":1659,"shamela_page_id":445,"part":null,"page_num":445,"sequence_num":445,"body":"القضية الثالثة: أن يسلم الدليل الصارف من المعارض، فنفرض وجود لفظ له احتمالات فأتى القوم بدليل يصرفه عن الاحتمال الراجح فيقال لهم: هل تجزمون أن دليلكم هذا سالم من المعارض؟ والجواب إن المعارض موجود وقوي في كل ما أولوه، هذه هي العقبة الثالثة التي لا يستطيعون أن يتجاوزوها. العقبة الرابعة: وهي أنه يجب عليهم أن يأتوا قبل أن يؤولوا ببيان عن رَسُول الله يبين أن الله أو أنه ﷺ أراد من اللفظ خلاف الظاهر وهذا لا يمكن أن يقع، فالنصوص التي يريد فيها النبي ﷺ معنى غير المعنى المتبادر، فإنه يوضحها ﷺ سواءً أحاديث الصفات أو غيرها فمثلاً حديث: (مرضت ولم تعدني) لم يقف النبي ﷺ، بل جَاءَ بعده فَيَقُولُ: (أتمرض يا ربي! وأنت رَبّ الْعَالَمِينَ، فَيَقُولُ: مرض عبدي فلان ولم تعده) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689320,"book_id":1659,"shamela_page_id":446,"part":null,"page_num":446,"sequence_num":446,"body":"فبين ﷺ أن المرض ليس من صفات الله، والنبي ﷺ لا بد له أن يبين حتى في غير نصوص الصفات، فالنبي ﷺ لما قال لأصحابه: (أتدرون من المفلس؟ قالوا يا رَسُول الله: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع) والرَّسُول يريد معنى آخر بين لهم ذلك بقوله: (المفلس من يأتي يَوْمَ القِيَامَةِ بحسنات مثل جبال تهامة، ولكن يأتي وقد ضرب هذا، وظلم هذا، وأخذ مال هذا، فيؤخذ من حسناته فتعطى لهم حتى إذا نفذت أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه فوضع في النَّار) فلما كَانَ النبي ﷺ يريد معنى غير المتبادر، وغير المفهوم عند النَّاس بين لهم. فالقصد أنه عندما نأتي إِلَى آيات وأحاديث الصفات، ولا نجد مرة واحدة قال فيها النبي ﷺ لا تفهموها عَلَى ظاهرها، فليس العلو مثلاً علو الذات بل هو علو القهر، وليست اليدان حقيقة بل هي الحفظ والرعاية، وليس الرضى والغضب عَلَى الحقيقة بل هو إرادة الانتقام فإن ذلك كله يدل دلالة واضحة عَلَى أن مذهبهم في التأويل باطل ومذهبهم في صرف اللفظ عن ظاهره باطل ولا يعول عليه هذه عقبات أربع لا يمكن أن يتجاوزوها أبداً.\r\rقال المصنف -رحمه الله تعالى-:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689321,"book_id":1659,"shamela_page_id":447,"part":null,"page_num":447,"sequence_num":447,"body":"[وفي هذا الموضع يغلط كثير من الناس، فإن المقصود فهم مراد المتكلم بكلامه، فإذا قيل: معنى اللفظ كذا وكذا، كان إخباراً بالذي عناه المتكلم، فإن لم يكن الخبر مطابقاً كان كذباً على المتكلم، ويعرف مراد المتكلم بطرق متعددة: منها: أن يصرح بإرادة ذلك المعنى. ومنها: أن يستعمل اللفظ الذي له معنى ظاهر بالوضع، ولا يبين بقرينة تصحب الكلام أنه لم يرد ذلك المعنى، فكيف إذا حف بكلامه ما يدل على أنه إنما أراد حقيقته وما وضع له، كقوله: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً [النساء:١٦٤] و (إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس في الظهيرة ليس دونها سحاب) ] اهـ.\r\rالشرح:\r\rعندما يتكلم أي متكلم فالمطلوب منا إذا استمعنا له أن نفهم ماذا يريد بكلامه على ظاهره الذي يفهمه أي إنسان مخاطب به، فإذا قيل: معنى اللفظ كذا كان إخباراً به عن المتكلم، فإن لم يكن الخبر مطابقاً كان كذباً على المتكلم، لأنك قد قلت كلاماً ما أراده عندما تكلم به.\r\rوهنا سؤال وهو كيف يعرف مراد المتكلم؟\rهناك أوجه عقلية يعرف بها مراد المتكلم:\rالأولى: أن يصرح بإرادة ذلك المعنى، بحيث لو اشتبه المعنى على بعض الناس تجده يقول: والمعنى الذي قصدته كذا وكذا، أو لو كانت كلمته مجملة تحتمل عدة معاني فإنه يقول: أنا أردت هذا المعنى ولم أرد ذلك المعنى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689322,"book_id":1659,"shamela_page_id":448,"part":null,"page_num":448,"sequence_num":448,"body":"الثاني: أن يستعمل اللفظ الذي له معنى ظاهراً في الوضع الذي وضع له في اللغة ولا يأتي بقرينة تدل على صرفه: فمثلاً كلمة العين في لغة العرب تطلق على الذهب وعلى عين الماء وعلى العين العادية، فلو أن شخصاً قال -بدون أي قرينة-: أنا عندي عين فمن الممكن أن يقصد أن عنده هذه العين التي في رأسه، أو عنده ذهب، أو عنده ماء، لأنه لا يوجد قرينة تدل على أحد هذه الأشياء فلو قال: أنا عندي عين أنظر بها فيكون بهذا قد اتضح المراد فلا يمكن أن تقول بعد ذلك لعل قصده الذهب أو الماء ... لوجود القرينة التي تدل على أنه قصد العين التي في رأسه وهي قوله: \"أنظر بها\"، فإذا دل ظاهر الكلام على المراد ولم تأت قرينة تصرفه عن ذلك، فهذا هو الأصل وهو: أن يؤخذ بظاهر الكلام.\r\rومن خالف فقد خالف ما هو معهود في كلام الناس فمثلاً يقول تعالى: وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ [البقرة:١١٣] فاليهود عندما قالت: يد الله مغلولة، فهم يقصدون بذلك اليد المعروفة، ولما ردَّ اللهُ عليهم قال: غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ [المائدة:٦٤] وهي الأيدي المتصف بها اليهودالمعروفة أيضاً في اللغة، ثم قال: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة:٦٤] فهل هذا المعنى يحتمل التأويل؟ لا يحتمل التأويل لأنه واضح ومحدد حتى في اللغة العربية، فإذا قال قائل معناها: نعمتاه مبسوطتان، قلنا له: هذا معنى بعيد جداً ولا يمكن أن يتصور في هذه الآية إذ المصدر لا يثنى، فلا يمكن أن يحمل قوله تعالى: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة:٦٤] إلا على المعنى الحقيقي، فكيف يصرف عن المعنى الظاهر والمتكلم قد جاء بالقرائن التي تدل على أنه يريد الظاهر الذي يفهمه كل إنسان من اللفظ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689323,"book_id":1659,"shamela_page_id":449,"part":null,"page_num":449,"sequence_num":449,"body":"يقول المصنف ﵀: [فكيف إذا حف بكلامه ما يدل على أنه إنما أراد حقيقتة وما وضع له كقوله: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً [النساء:١٦٤] وقوله هذا لا يمكن أن يحتمل أن يكون مراده الكلام النفسي أو أنه خلق الكلام في الشجرة، والشجرة خاطبت موسى كما تقول الأشعرية وغيرهم من المؤولة.\r\rفعندما تقول: قابلت فلاناً مقابلةً فإنه لا يمكن أن يكون بالتلفون ولا بالبريد، فإنك قد أتيت بالفعل وأتيت بالمصدر لتؤيد ذلك وتؤكده وعليه تكون قد نفيت أي احتمال، كذلك نصوص الصفات، فقول النبي ﷺ: (إنكم ترون ربكم عيانا ً كما ترون الشمس في الظهيرة ليس دونها سحاب) ، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون المراد منه: إنكم ترون نعمة الله، وفي الحديث الآخر: (كما ترون هذا القمر) فأشار بإشارة حسية إلى شيء معروف لدى جميع المخاطبين، حتى يفهم أقل الناس تفكيراً ونظراً وبهذا يتضح أنه لا يحتمل المعنى الذي ذهبت إليه الفرق التي تنفي رؤية الله سواء كانت المعتزلة أو الجهمية أو الإباضية أو أي فرقة من فرق الضلال.\rيقول المصنف -رحمه الله تعالى-:\r\r[فهذا مما يقطع به السامع فيه بمراد المتكلم، فإذا أخبر عن مراده بما دل عليه حقيقة لفظه الذي وضع له مع القرائن المؤكدة كان صادقاً في إخباره وأما إذا تأول الكلام بما لا يدل عليه ولا اقترن به ما يدل عليه فإخباره بأن هذا مراده كذب عليه، وهو تأويل بالرأي وتوهم بالهوى] اهـ.\rالشرح:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689324,"book_id":1659,"shamela_page_id":450,"part":null,"page_num":450,"sequence_num":450,"body":"ومعنى هذا الكلام أنك إذا قلت: إن الله تعالى أو إن رسوله ﷺ يريد بالرؤية الرؤية الحقيقية البصرية، فأنت تخبر عن الله فلا بد أن تقول هذا بعلم، فإن كنت قلته بناء على أن هذه الآيات والأحاديث واضحة بهذا المعنى فإخبارك عن الله صادق، فمن قال: إن المراد بقوله ﷺ: (إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس في الظهيرة ليس دونها سحاب) أننا نرى الله في الآخرة حقيقة بأبصارنا، فهو صادق في إخباره عن رسول الله أو عن الله تعالى، ولو أتى شخص وقال المراد بالرؤية النعمة، أو المراد انتظارها فإننا نقول: هذا كاذب في إخباره عن الله وعن رسول الله؛ لأنه ليس إنشاءاً بل خبر يحتمل الصدق ويحتمل الكذب.\rيقول المُصنِّفُ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-:\r[وحقيقة الأمر: أن قول القائل نحمله عَلَى كذا، أو نتأوله بكذا، إنما هو من باب دفع دلالة اللفظ عما وضع له، فإن منازعه لما احتج عليه به ولم يمكنه دفع وروده، دفع معناه، وقَالَ: أحمله عَلَى خلاف ظاهره] اهـ.\r\rالشرح:\r\rهذه قاعدة أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ التي بها عرفوا مدخل أهل البدع، وأصل أهل البدع في جميع الصفات، ولماذا ينفونها؟ وهو أنهم لما قالوا في آيات الصفات نحملها عَلَى كذا ونحملها عَلَى كذا أرادوا أن ينفوا المعنى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689325,"book_id":1659,"shamela_page_id":451,"part":null,"page_num":451,"sequence_num":451,"body":"فمثلاً علو الله تَعَالَى نفوه وعندما أتوا إِلَى الآيات التي تثبت العلو لم يقولوا: إن الله لم يقل في القُرْآن أنه العلي، أولم يقل في القرآن: أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ [الملك:١٦] لأنهم لو فعلوا ذلك لوقعوا في الكفر الصريح الواضح، فهم لا يريدون إثبات المعاني ويريدون أن تبقى الألفاظ، حتى لا يُقَالَ: إنهم أنكروا ألفاظ الكتاب والسنة، فَقَالُوا: لفظ العلو يحتمل معنيين معنى كذا ومعنى كذا، فنحن نصرفه عن المعنى هذا، ونأخذ المعنى الآخر، وهذا مدخل يريدون به أن يبقى اللفظ مجرد رسم وينفوا حقيقته التي أرادها الله تعالى، هذا هو حقيقة مذهبهم وهكذا فهم أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ مرادهم، فهم لا يستطيعون أن ينفوا الآيات لكن يأتون بما يخلي الآية ويفرغها من مضمونها ومحتواها.\rقَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:\r\r[فإن قيل: بل للحمل معنى آخر، لم تذكروه، وهو: أن اللفظ لما استحال أن يراد به حقيقته وظاهره، ولا يمكن تعطيله، استدللنا بوروده وعدم إرادة ظاهره عَلَى أن مجازه هو المراد، فحملناه عليه دلالةً لا ابتداءً] اهـ..\rالشرح:\r\rرد أهل البدع والمتكلمون عَلَى ما قلناه فَقَالُوا: نَحْنُ لم نقصد ما قلتموه بل للحمل معنى آخر لم تذكروه ولم تنتبهوا له ياأهل السنة وهو: [أن اللفظ لما استحال أن يراد به حقيقته وظاهره ولا يمكن تعطيله، استدللنا بوروده وعدم إرادة ظاهره عَلَى أن مجازه هو المراد فحملناه عليه دلالة لا ابتداء] .\r\rأي: أننا لم نرد من أول الأمر أن نغير النصوص ونفرغها من معانيها، ولكن عندما قرأنا هذه النصوص استحال بالعقل أن نقول إن الله فوق العالمين بذاته! هكذا قالوا! فاضطررنا أن نؤوله هذا حال المؤولين.\rمن مداخل المؤولين والرد عليهم\rوالرد عليهم واضح ومعلوم للجميع، أنه إذا كانت العقول تدرك ما يجب لله وما لا يجوز قبل أن تأتي النصوص، فما الحاجة إِلَى الوحي؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689326,"book_id":1659,"shamela_page_id":452,"part":null,"page_num":452,"sequence_num":452,"body":"أما الآخرون فيقولون: نَحْنُ قرأنا الآيات والأحاديث لأننا نريد أن نفهم منها ما يجب لله وما لا يجوز، فلما قرأناها وجدنا أن فيها نصوصاً يستحيل إثباتها عقلاً، ولهذا أولناها، ووجدنا نصوصاً أخرى لا يحكم العقل باستحالتها فأثبتناها.\r\rوإذا قالوا: نَحْنُ مضطرون إِلَى التأويل، فنرد عليهم بأن الله تَعَالَى أنزل في كتابه هذه الآيات الكثيرة وبلغها النبي ﷺ وذكر جملة من الصفات وفهمها هو والصحابة، والصحابة تعلموها وعلموها غيرهم، وما اضطروا إِلَى تأويلها حتى جئتم أنتم في القرن الخامس وفي القرن السابع والثامن، وقلتم: نَحْنُ مضطرون إِلَى التأويل!!\rإذاً: الخطأ في فهمكم أنتم عندما قلتم: يستحيل عقلاً إثباتها، ومعارضتكم للنص -أصلاً- خطأ ولو جعلتم عقولكم تابعة للكتاب والسنة ما وقع عندكم هذا، ولا اضطررتم إليه، وبعضهم يقول: نَحْنُ مضطرون إِلَى أن نؤول حتى لا يكون في كتاب الله تصادم وتناقض! سُبْحانَ اللَّه! ينزل الله في كتابه الهدى والبيان، وأنت أيها العبد الضعيف تأتي بعد قرون تؤول بعضه وتترك بعضه حتى لا يكون متناقضاً! كَانَ الأحرى بك عند توهمك التعارض أن تتهم عقلك وفهمك وأن تسأل أهل العلم كيف يجمعون بين الآيات وبين الأحاديث عند توهم التعارض. وبهذا يعلم أن القوم منهجهم التحريف في نصوص الكتاب والسنة ولا ضابط لهم إلا الهوى والتحكم بغير دليل، وهم فروا من التشبيه ووقعوا في شر منه وهم لا يشعرون.\r\rذكر استدراك يستخدم في لغة العرب\rولهذا أجاب المُصْنِّف فَقَالَ ﵀:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689327,"book_id":1659,"shamela_page_id":453,"part":null,"page_num":453,"sequence_num":453,"body":"[قيل: فهذا المعنى هو الإخبار عن المتكلم أنه أراده وهو إما صدق وإما كذب، كما تقدم، ومن الممتنع أن يريد خلاف حقيقته وظاهره ولا يبين للسامع المعنى الذي أراده؛ بل يقرن بكلامه ما يؤكد إرادة الحقيقة، ونحن لا نمنع أن المتكلم قد يريد بكلامه خلاف ظاهره إذا قصد التعمية عَلَى السامع حيث يسوغ ذلك، ولكن المنُكَر أن يريد بكلامه خلاف حقيقته وظاهره إذا قصد البيان والإيضاح وإفهام مراده، كيف والمتكلم يؤكد كلامه بما ينفي المجاز ويكرره غير مرة ويضرب له الأمثال] اهـ.\r\rالشرح:\r\rذكر المُصْنِّف أن الاستدراك الأخير جائز، وقد يقع في لغة العرب أو عند بعض النَّاس وذلك مثل الألغاز اللغوية أو الألغاز النحوية، وهو أن يأتي الشخص بكلامٍ ولا يقصد ظاهره ليعمي عَلَى النَّاس وحتى لايعرف المعنى الذي قصده صاحب اللغز وهو يريد التعمية عليك، ويقع هذا -أيضاً- في المعاريض، فلو سألك شخص أين فلان؟ وهو عندك، وتخشى عليه من صاحب ظلم وشر يريد أن يبطش به، فتقول: ليس هنا! وتشير إِلَى أصبعك فهذا وأمثاله يسمى المعاريض، وهي جائزة في الشرع إذا كانت المصلحة راجحة، فتستخدم مثل هذه الأمور من أجل التعمية والتورية.\rلكن هل ينطبق هذا عَلَى الكتاب والسنة؟ بمعنى هل ينزل الله شيئاً في كتابه ويريد به التعمية علينا حتى لا نفقه ظاهره؟ أو أنه جَاءَ بأوضح البيان وقال الله فيه: هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً [آل عمران:١٣٨] ؟\rوالجواب واضح وهو: أن هذا البيان والهدى والرحمة الذي أنزله الله تَعَالَى ما كَانَ يجعل فيه تعمية عَلَى العقول! بل حدى التأويل ببعض المؤولة إلى أن يؤولوا أحاديث الدجال فَقَالُوا: المقصود بالدجال الحضارة الغربية؛ لأنها حضارة عوراء فيها الجانب المادي وليس فيها الجانب العملي!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689328,"book_id":1659,"shamela_page_id":454,"part":null,"page_num":454,"sequence_num":454,"body":"والأحاديث التي فيها أنه رجل وأنه يخرج من المشرق ويمشي إِلَى المغرب ثُمَّ يقابله فتى يقول له كيت وكيت ومكتوب عَلَى جبهته كفر، قَالَ: هذه نؤولها! فيا ترى ما حال هَؤُلاءِ المؤولة عندما يظهر الدجال ويرونه بالوصف الذي أخبر به النبي ﷺ، وماهو موقفهم إذا تجلى الله لأهل الجنة ثُمَّ كشف الحجاب عن وجهه ورأوه؟ ماذا يكون موقف الذين ينكرون الرؤيا ذلك الوقت؟ فعلى الإِنسَان أن يحتاط لدينه.\r\rقَالَ المُصنِّفُ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-:\r[وقوله: فإنه ما سلم في دينه إلا من سلَّم لله ﷿ ولرسوله ﷺ، ورد علم ما اشتبه عليه إِلَى عالمه، أي: سلَّم لنصوص الكتاب والسنة، ولم يعترض عليها بالشكوك والشبه والتأويلات الفاسدة، أو يقول: العقل يشهد بضد ما دل عليه النقل! والعقل أصل النقل! فإذا عارضه قدمنا العقل! وهذا لا يكون قط، لكن إذا جَاءَ ما يوهم مثلَ ذلك، فإن كَانَ النقل صحيحاً فذلك الذي يدَّعي أنه معقول إنما هو مجهول، ولو حقق النظر لظهر ذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689329,"book_id":1659,"shamela_page_id":455,"part":null,"page_num":455,"sequence_num":455,"body":"وإن كَانَ النقل غير صحيح فلا يصلح للمعارضة، فلا يتصور أن يتعارض عقل صريح ونقل صحيح أبداً، ويعارض كلام من يقول ذلك بنظيره، فيُقَالَ: إذا تعارض العقل والنقل وجب تقديم النقل؛ لأن الجمع بين المدلولين جمع بين النقيضين، ورفعهما رفع النقيضين، وتقديم العقل ممتنع؛ لأن العقل قد دل عَلَى صحة السمع ووجوب قبول ما أخبر به الرَّسُول ﷺ، فلو أبطلنا النقل لكنا قد أبطلنا دلالة العقل ولو أبطلنا دلالة العقل لم يصلح أن يكون معارضاً للنقل؛ لأن ما ليس بدليل لا يصلح لمعارضة شيء من الأشياء، فكان تقديم العقل موجباً عدم تقديمه، فلا يجوز تقديمه، وهذا بين واضح، فإن العقل هو الذي دل عَلَى صدق السمع وصحته، وأن خبره مطابق لمخبره، فإن جاز أن تكون الدلالة باطلة لبطلان النقل، لزم ألا يكون العقل دليلاً صحيحاً، وإذا لم يكن دليلاً صحيحاً لم يجز أن يتبع بحال، فضلاً عن أن يقدم، فصار تقديم العقل عَلَى النقل قدحاً في العقل.\rفالواجب كمال التسليم للرَسُول ﷺ، والانقياد لأمره، وتلقي خبره بالقبول والتصديق دون أن يعارضه بخيال باطل، نسميه معقولاً، أو نحمله شبهة أو شكاً أو نقدم عليه أراء الرجال وزبالة أذهانهم فيوحده بالتحكيم والتسليم والانقياد والإذعان، كما وحد المرسِل بالعبادة، والخضوع والذل والإنابة والتوكل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689330,"book_id":1659,"shamela_page_id":456,"part":null,"page_num":456,"sequence_num":456,"body":"فهما توحيدان لا نجاة للعبد من عذاب الله إلا بهما: توحيد المرسل وتوحيد متابعة الرسول، فلا يحاكم إِلَى غيره، ولا يرضى بحكم غيره، ولا يقف تنفيذ أمره وتصديق خبره عَلَى عرضه عَلَى قول شيخه وإمامه وذوي مذهبه وطائفته، ومن يعظمه، فإن أذنوا له نفَّذه وقبل خبره، وإلا فإن طلب السلامة فوضه إليهم، وأعرض عن أمره وخبره، وإلا حرفه عن مواضعه، وسمى تحريفه تأويلاً وحملاً فقَالَ: نؤوله ونحمله فلأن يلقى العبد ربه بكل ذنب ما خلا الإشراك بالله خير له من أن يلقاه بهذه الحال؛ بل إذا بلغه الحديث الصحيح يعد نفسه، كأنه سمعه من رَسُول الله ﷺ، فهل يسوغ له أن يؤخر قبوله والعمل به، حتى يعرضه عَلَى رأي فلان وكلامه ومذهبه؟ بل كَانَ الفرض المبادرة إِلَى امتثاله من غير التفات إِلَى ما سواه ولا يستشكل قوله لمخالفته رأي فلان، بل يستشكل الآراء لقوله، ولا يعارض نصه بقياس بل تهدر الأقيسه وتلغى نصوصه، ولا يحرف كلامه عن حقيقته لخيال يسميه أصحابه معقولاً، نعم هو مجهول وعن الصواب معزول، ولا يوقف قبول قوله عَلَى موافقة فلان دون فلان كائناً من كان] اهـ.\rالشرح:\rهذا كلام عظيم جداً ينبغي لنا دائماً أن نعرفه، وأن نتعلمه ونعلمه للناس بهذه الألفاظ أو بأي ألفاظ أخرى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689331,"book_id":1659,"shamela_page_id":457,"part":null,"page_num":457,"sequence_num":457,"body":"إن ديننا هو دين اتباع وتسليم، ولو أننا كنا لا نؤمن إلا بما تقبله عقولنا لما دخلنا في دين الله تعالى. فعقل هذا لا يقبل عذاب القبر، وعقل هذا لا يقبل العلو، وعقل الثالث لا يتصور كيف ينزل الوحي من السماء، وعقل الرابع لا يتصور أن يكون الرَّسُول من بشر بل لا بد أن يكون عنده من الملائكة أو النور، وعقل هذا يريد أن تكون السنة كلها متواترة، وعقل الآخر يقول: لا داعي للسنة، والقرآن يكفي، كم عقول وكم أراء تواجه دين الله تعالى، فديننا اسمه (دين الإسلام) أي: أن نستسلم لله تَعَالَى بقلوبنا وعقولنا وجوارحنا، ونوحد الله تَعَالَى توحيد المرسل بعبادته والإنابة إليه، والتوكل عليه، والتحاكم إِلَى دينه، والرغبة والرجاء وكل أنواع التوحيد المعروفة وكل أنواع العبادات تصرف له وحده، ونوحد الرَّسُول ﷺ بالطاعة. وبالاتباع، فعنه نأخذ، وعنه نتلقى، ولا نعارض كلامه بكلام أي أحد من النَّاس كائناً من كان، ولا نوقف الإيمان بشيء جَاءَ في الكتاب أو في السنة حتى نرى ما قال فيه عقل أفلاطون أو ما قال فيه أصحاب الكلام أو ما ذكر الإمام أو المذهب فهذه معصية.\rإن من أعظم أسباب انحراف الْمُسْلِمِينَ وحلول الهزائم والمصائب بالأمة الإسلامية أنها أعرضت عن هذا الأصل، فإنك قد تقول لأحدهم: قال الله؛ قال رَسُول الله فيقول لك: أخر ذلك حتى نرى ما قالوا لعلهم أولوها!! سُبْحانَ اللَّه، أنزل الله كلاماً واضحاً ليتعبد به وليؤمن به، وهذا يحيل إِلَى معارض محتمل وإلى معارض متوهم ليعارض به ما جَاءَ في كتاب الله وفي سنة رَسُول الله ﷺ، وهذا هو أساس المصائب والبلايا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689332,"book_id":1659,"shamela_page_id":458,"part":null,"page_num":458,"sequence_num":458,"body":"والانحراف في الأسماء والصفات سببه كالانحراف في حياة الْمُسْلِمِينَ العامة، الانحراف في العبادات، فلو أنك ذهبت إِلَى بعض البلاد ونظرت إِلَى الصلاة التي يصلونها وما يكون من الأذكار البدعية قبل الصلاة وبعدها ماظننت أنها الصلاة التي يصليها الْمُسْلِمُونَ، مع أن النبي ﷺ ما جاءنا إلا بدين واحد، وما علم أصحابه إلا صلاة واحدة وما هذه النتيجة إلا لأنه لم يوحد الرَّسُول ﷺ بالاتباع وبالطاعة وبالتحكيم، ويقدم كلامه عَلَى كلام أي أحد كائناً من كان، فضعنا في عباداتنا وفي أحكامنا وقضاءنا ومعاملاتنا واعتقادنا وفي كل شيء، وسبب الضياع هو عدم التسليم لرَسُول الله ﷺ فيما يخبر، وعدم الإذعان لأمره، وعدم الانقياد للوحي والإيمان بأنه لا خير ولا نور ولا هدى ولا حكمة إلا فيما أنزل عَلَى رَسُول الله، وما عداه إن عارضه فإننا نضرب به عرض الحائط ولا نبالي به، كما علمنا أئمة الإسلام الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.\rومعنى ما ذكره المُصنِّفُ ﵀ يدور عَلَى موضوع تعارض العقل والنقل وهو من أكبر الأبحاث، وأعظم الموضوعات المهمة في أبواب العقيدة.\rبل إننا نقول الآن: إن مسألة المصدر الذي نتلقى منه الحق ونقيس به الأمور، فيعرف صحيحها من سقيمها والتي يجب عَلَى الإِنسَان أن يعرفها، هي أعظم المسائل التي خاضت فيها العقول البشرية والآراء والأفهام منذ القدم، فليس هناك من كتاب في الفلسفة أو التاريخ أو في أي فن من الفنون العلمية، إلا وهو يقول: إن ما نكتبه ونقوله هو الحق، ومعيارنا في ذلك هو الحق وكذلك ما من خطيب أو متكلم إلا ويقول: أنا الذي عَلَى الحق في هذا الرأي ودليلي ومعياري في هذا الحق هو كذا وكذا من الأدلة، ويأتيك بمصدره الذي استقى واستمد منه هذا الحق، ومن هنا نعرف أهمية مصدر الاستمداد والتلقي لكل إنسان.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689333,"book_id":1659,"shamela_page_id":459,"part":null,"page_num":459,"sequence_num":459,"body":"كل فكرة ومذهب -في اعتقادنا- لا تخرج بأي حال من الأحوال عن مصدرين:\rالمصدر الأول: الوحي، وهو الكتاب والسنة وما تفرع منهما واتبعهما، من الفهم والفطرة القويمة السليمة.\r\rوالمصدر الآخر، باطل: وهو إما الجهل وإما الهوى أو وحي الشياطين، وإن سماه أهله فلسفة أو أموراً عقلية.\rوقد ذكر الله ذلك عن الأمم السابقة حين قَالَ: فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ [غافر:٨٣] ، فكل نبي يأتي قومه فإنهم يجادلونه وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَق [غافر:٥] فالملأ المستكبر في الأرض وأصحاب الديانات في الأمم السابقة. وفي كل مكان يجادلون بما عندهم من الباطل، وكما تقول الحضارة الغربية اليوم: (إن فلسفتنا، إن العلم البشري، إن التجارب، إن الأنظمة البشرية، إن علوم الاجتماع وعلوم النفس، تقول غيرما تقولون أنتم في كتاب الله أو في السنة، فالديمقراطية والاشتراكية تقول هذا وغيرها من الأفكار التي قُدست أو عظمت، وهي في الحقيقة أصنام ولكنها ليست أختاماً منحوتة كتلك التي نحتها قوم إبراهيم ﵇ فكسرها وحطمها، ولكنها أصنام من المبادئ والأفكار والشعارات المضللة، وكهانها يختلفون عن كهان الأصنام السابقة؛ لأنهم يلبسون ثياب العلم والحضارة والرقي والتمدن، وما أشبه ذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689334,"book_id":1659,"shamela_page_id":460,"part":null,"page_num":460,"sequence_num":460,"body":"وهذان المصدران قائمان -منذ أن أمر الله الملائكة بالسجود ورفض إبليس ذلك وعصى وقَالَ: قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [الأعراف:١٢]- إِلَى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وأصحاب الوحي الشيطاني يقابلون الوحي والأمر الشرعي بالأدلة العقلية أو بالأقيسة، أو بالآراء المخالفة له، كما قال إمامهم في ذلك بعد الأمر الصريح من الله ﷿ اسْجُدُوا لِآدَمَ [البقرة:٣٤] فامتنع إبليس، لماذا لا تسجد إذ أمرتك؟ قَالَ: أنا خير منه؛ لأنه تصور أن المسجود له هو أفضل من الساجد!.\r\rيقول تعالى: هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً [الإِنسَان:١] بلى ولكن الله نفخ فيه من روحه فأصبح شيئاً عظيماً، وكرمه الله عَلَى مخلوقاته ولكن إبليس رجع إِلَى القياس قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [الأعراف:١٢] وهي العناصر الأساسية.\rيقول هذا لشيطان: لو حللنا قضية الإِنسَان، وقضية الشيطان فرجعنا إِلَى العناصر الأساسية التي يتكون كل منهما، -فسنجد حسب القياس الشيطاني- أن النَّار عنصر أفضل من عنصر التراب..!.\r\rإذاً: أنا محق عندما أرفض أو أعترض عَلَى أمر الله!! ثُمَّ أخذت الأمم طريق إبليس فكل من كذب رسل الله قالوا: ما جَاءَ به الأَنْبِيَاء معارض للعقول أو للحقائق أو للعلمفَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ [غافر:٨٣] ولا غضاضة في أن يسمى علماً؛ لكن هل هو علم يوصل إِلَى الحق؟! والسحر يقال له علم ولكنه كفر وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُر [البقرة:١٠٢] فهو كفر وضلال بشهادة الأستاذين الذين هم أول من علم النَّاس ذلك فهذه المعارضة معارضة قديمة، وهي التي أشار إليها المُصنِّفُ ﵀ هنا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689335,"book_id":1659,"shamela_page_id":461,"part":null,"page_num":461,"sequence_num":461,"body":"وقد سبق أن قلنا: إن الذين أنكروا صفات الله تَعَالَى وأولوا دين الله وحرفوا كتابه، إنما اعتمدوا في ذلك عَلَى ما يسمونه الأقيسة والآراء وسبق معنا هذا عند قول المصنف: [وهذا الذي أفسد الدنيا والدين -يعني التأويل والتحريف- وهكذا فعلت اليهود والنَّصارَى في نصوص التوراة والإنجيل وحذرنا الله أن نفعل مثلهم، وأبى المبطلون إلا سلوك سبيلهم وكم جنى التأويل الفاسد عَلَى الدين وأهله من جناية.\rيقول: [فهل قُتل عثمان ﵁ إلا بالتأويل الفاسد؟! وكذا ما جرى يوم الجمل وصفين ومقتل الحسين والحرة، وهل خرجت الخوارج واعتزلت المعتزلة، ورفضت الروافض، وافترقت الأمة عَلَى \" ثلاثة وسبعين \" فرقة، إلا بالتأويل الفاسد.؟!] .\r\rبل إن عباد الأصنام، إنما عبدوها -أيضاً- بالتأويل الفاسد، والشبهات الباطلة.\r\rفالقضية ليست مجرد شبهات إنما هي: هل هذا وحي من عند الله، أو هو آراء وظنون، وتخرصات، سماها أصحابها آراء عقلية أو براهين أو قواطع عقلية؟!\rفالأصل الذي يجب أن نعلمه، ويعلمه كل مسلم، هو أنه لا يمكن في أي حال من الأحوال أن يتعارض دليل نقلي صحيح، ودليل عقلي صريح أبداً، فإذا رأينا أن ذلك قد وقع فلا بد أن ننظر، فإما أن يكون الدليل الذي ظنناه عقلياً غير صريح، وإما أن يكون الدليل النقلي غير صحيح، وبسبب الجهل بهذه القاعدة، وقع كثير من الاضطراب في هذه الأمة قديماً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689336,"book_id":1659,"shamela_page_id":462,"part":null,"page_num":462,"sequence_num":462,"body":"مثلاً: أتى قوم من رواة الحديث المنتسبين إِلَى علم الحديث والسنة فرووا في باب صفات الله وغيره أحاديث مكذوبة عن ضعفاء، ومجاهيل، ووضاعين، ومن المعلوم أنه لا يجوز أن يستشهد بالحديث الضعيف فضلاً عن الواهيات والموضوعات في أبواب العقيدة، فما بالك إذا كَانَ في أخص الأمور -كصفات الله تعالى- التي هي من أمور الغيب؟! بل لا يجوز ذلك في الفروع -أي: الأحكام- فضلاً عن الأصول، لكن وقع من بعض المنتسبين إِلَى الحديث، والسنة أنهم ذكروا هذه الأحاديث ورووها، فجاء الذين في قلوبهم مرض منأهل الكلام والفلسفة والمنطق وأمثال ذلك.\r\rوقالوا: الوحي لا يؤخذ به في هذا الباب ولا نأخذ العقيدة بحال من الأحوال إذا عارضت القواطع العقلية، والبراهين النظرية التي ذكرها العلماء الثقات في المنطق والفلسفة، وسار عليها النَّاس في هذا المجال، وما هذا إلا لأنهم قرأوا هذه الموضوعات، فَقَالُوا: إذا تعارضت هذه الأحاديث مع ما عندنا من قواطع، ومقررات عقلية نرد النقل ونرد السنة، ولا نأخذ بالأحاديث، وهذا من جهلهم؛ لأن هذه الأحاديث غير صحيحة، أو مكذوبة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689337,"book_id":1659,"shamela_page_id":463,"part":null,"page_num":463,"sequence_num":463,"body":"وكان من أسباب وضعها الرافضة، وقدماء الصوفية الذين ذكروا أموراً تتعلق بصفات الله تَعَالَى لا أصل لها، فمثلاً ما يرويه هَؤُلاءِ الوضاعون من أن فلاناً من النَّاس رأى ربه فعانقه وبعضهم يقول: إنه صافحه، ومن هذا الكلام الذي جعل علماء الكلام يقولون: هَؤُلاءِ مجسمة، ومشبهة، وكأنهم هم أهل السنة وهم الذين يتكلمون باسم الإسلام، وهم غير ذلك في الحقيقة، وسبب ذلك هذه الأحاديث الموضوعة، التي قد توجد في بعض كتب أهل العلم الموثوقة كما في كتاب أصول اعتقاد أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ -مثلاً- وكذلك رد الدارمي عَلَى بشر المريسي، وغيرها من الكتب التي هي موثوقة في الجملة لكن فيها أحاديث ضعاف وقد يكون فيها - أحياناً- موضوعات، فأهل الكلام رأوا تلك الأحاديث فردوا كل ما في هذه الكتب بناء عَلَى هذه الموضوعات الموجودة، وَقَالُوا: كيف تأخذون من التوحيد لابن خزيمة أو من السنة لعبد الله بن أحمد أو من اللالكائي أو غيره وقد رووا كذا وكذا؟!\rوفي الحقيقة هل عارضوا الدليل الصحيح أم عارضوا شيئاً مكذوباً؟! وفي المقابل هناك آخرون ممن لديهم علم، وحب للسنة وللعقيدة الصحيحة، وجدوا أن بعض ما يقوله المتكلمون.\r\rكقولهم: إنه لا يجوز أن نصفه تَعَالَى بالتغير، ولا بالحلول، ولا بالتركيب، ولا بالتمثيل، ولا بالتبعيض.\rفقالوا: هذه قواعد عقلية صحيحة وسليمة، وهذا حق وأقروا بها، فلما جاءوا ينظرون في بعض الأدلة مثل حديث النزول وهو حديث صحيح، وهم يعلمون أنه صحيح، قالوا: هذه براهين عقلية قطعية ثابتة وعليه فهذا الحديث لا بد أن نؤله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689338,"book_id":1659,"shamela_page_id":464,"part":null,"page_num":464,"sequence_num":464,"body":"فالحقيقة أنهم عارضوا النقل الصحيح، وكان الأصل أنه لا تعارض بين نقل صحيح وعقل صريح قطعي الدلالة أبداًَ، وقد حصل تعارض بين صحيح وغير صحيح أو بين صريح وغير صريح، أما إذا كَانَ الدليلان ظنيين فهذا قد يكون من أسباب الخلاف، وذلك أنه قد يوجد حديث يفهمه بعض النَّاس عَلَى أنه مخالف لما يظنه هو -كما مر معنا في حديث التربة- ويقول: أنا أفهم أن هذا الحديث يخالف ما عليه النظريات العلمية الكونية في نشأة الكون -مثلاً- وفهمه لهذا الحديث هو فهمٌ ظني، لأنه ليس هناك قطع بأن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام بالأيام التي نعرفها نَحْنُ اليوم، وهذا الإِنسَان عارض هذا الأمر بنظريات ظنية واحتمالات وتخمينات، فيكون بهذا تعارض ظني بظني، وتعارض ظني بظني أهون وأيسر، وما علينا إلا أن نفكر وأن نمحص، فمتى ترجح أحدهما وتحول إِلَى قطعي أو كَانَ ظناً راجحاً أرجح من الآخر عملنا به، ولا غضاضة ولا حرج في ذلك، ولله الحمد.\r\rفيقول المُصنِّفُ ﵀: [أو بقوله: العقل يشهد بضد ما عليه النقل، والعقل أصل النقل فإذا عارضه قدمنا العقل] نقول: هذا لا يكون قط؛ لكن إذا جَاءَ ما يوهم مثل ذلك، فإن كَانَ النقل صحيحاً، فذلك الذي يدعى أنه معقول إنما هو مجهول، ولو حقق النظر لظهر ذلك إذا كَانَ النقل صحيحاً لا يمكن أن يعارضه شيء من ذلك أبداً -فمثلاً- عندما يثبت عندنا حديث النزول وفيه: (أن الله تَعَالَى ينزل كل ليلة في الثلث الأخير من الليل) ويثبت عندنا أيضاً الحديث الذي رواه مسلم وأَحْمَد وغيرهما أن النبي ﷺ: سأل الجارية أين الله؟ قالت: في السماء.\rفهل نقول: إن هذه الأحاديث تعارض قولهم: (إنه ﷿ تَعَالَى أن تحيط به جهة، أو أن يكون في مكان، أو يدرك وصفه بعلو أو بغيره، بل نرفع النقيضين ونقول: لا داخل العالم ولا خارجه وهذا هو قاطع عقلي وبرهان عقلي!) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689339,"book_id":1659,"shamela_page_id":465,"part":null,"page_num":465,"sequence_num":465,"body":"لا يمكن أن يقال هذا؛ لأن هذا القول لا يصلح أن يكون معارضاً في أي حال من الأحوال لهذه الأحاديث الثابتة، أما إذا كَانَ النقل غير صحيح مثل الأحاديث الموضوعة أو الضعاف الواهيات التي ذكرها بعضهم في صفات الله ﷿ والتي كانت مطية لأن يتطاول علماء الكلام والفلسفة وأهل التأويل عَلَى أهل السنة ويقولون: أنتم تروون أمثال هذه الأحاديث. وتقولون: إننا نأخذ صفات الله من الحديث، ولا نأخذها من العقل، فلا تصلح للمعارضة البتة، فإنه لا يمكن أن يتعارض نقل صحيح وعقل صريح أبداً.\rثُمَّ بين المُصنِّفُ ﵀ أننا نستطيع أن نرد عَلَى هذه القاعدة: وهي أنه إذا تعارض النقل والعقل قدمنا العقل فنعارض كلام هذا القائل بقاعدة عقلية نظير كلامه، بل هي أقوى: وهي أننا نقول إذا تعارض العقل والنقل، وجب تقديم النقل؛ لأنه قد ثبت بالدليل العقلي والبرهان العقلي الصحيح أنه إذا تعارض العقل والنقل قدمنا النقل؛ لأن العقل قد شهد بصحة النقل والجمع بين المدلولين بين مدلول هذا النقل الصحيح وبين مدلول المعارض العقلي جمع بين النقيضين ورفع النقيضين محال في العلوم العقلية، والنقيضان: هما اللذان لا يمكن أن يرفع أحدهما إلا بوجود الآخر، بخلاف الضديين مثل: الأسود والأبيض، فإذا سألك أحد ما لون هذا؟ فلا تستطيع أن تقول: أسود وأبيض بل إما أن تقول أبيض أو تقول أسود فلا يمكن أن يجتمعا لكن يمكن أن يرتفعا بأن تقول لا أسود ولا أبيض بل هو أحمر أو أخضر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689340,"book_id":1659,"shamela_page_id":466,"part":null,"page_num":466,"sequence_num":466,"body":"فالضدان ممكن أن يرتفعا، أما النقيضان إذا ارتفع أحدهما فبالضرورة أن يوجد الآخر، فإذا قلت لك: أزيد داخل البيت أم خارجه؟ فبالضرورة إذا قلت داخله أنه ليس خارجه مطلقاً وهذا معلوم بالضرورة العقلية، وبهذا نعرف بطلان مذهب الأشاعرة، وغيرهم من المؤولين في العلو لأنهم يقولون: لا داخل العالم ولا خارجه فرفعوا النقيضين، ورفع النقيضين محال في العقول البشرية، فإنه لا بد أن يوجد الشيء داخل أو خارج، ولا بد أن يكون كذلك أسفل أو فوق.\rومن أوضح الأمثلة عَلَى النقيضين أن نقول موجود أو غير موجود فإذا كَانَ موجوداً فلا يمكن أن تقول: إنه غير موجود أو العكس فالباطنية وغلاة الجهمية لا يرفعون النقيضين في جميع الصفات فيقولون: لا نقول موجود ولا غير موجود وهذا مذهب الباطنية ومذهب غلاة الجهمية.\rوالأشاعرة لا يقولون ذلك في جميع الصفات إنما يقولون ذلك في صفة العلو فهم يأخذون بشعبة من التجهم والباطنية والمقصود هنا، كيف نثبت هذه القضية؟\rيقولون: إن العقل هو الذي دلنا عَلَى صحة النقل ومن ثُمَّ وجب عند التعارض أن نحكم العقل ونحن عكسنا عليهم القضية وقلنا: العقل قد دل عَلَى صحة النقل، ومن ثُمَّ وجب عند التعارض أن نحكم النقل؛ لأننا إذا حكمنا العقل أبطلنا العقل والنقل معاً؛ لأن العقل هو الدليل، وهو الآلة التي عرفنا بها صحة النقل، فإذا قلنا: إن الدليل الذي دل عَلَى صحة شيء من الأشياء وكان هذا الشيء باطلاً، فإن الدليل الذي دل عليه باطل، فيكون النقل غير صحيح ويقدم عليه العقل، وكيف يدلنا عَلَى صحته وهو باطل؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689341,"book_id":1659,"shamela_page_id":467,"part":null,"page_num":467,"sequence_num":467,"body":"وعليه فإن هذا العقل غير صحيح وفي هذه الحالة نكون قد أبطلنا النقل لأن العقل دل عَلَى بطلانه، وعطلنا العقل لأنه دلنا عَلَى شيء باطل إذاً فهو باطل، فيتبين بهذه القاعدة العقلية السليمة أن تقديم العقل عَلَى النقل إبطال للعقل وللنقل معاً. لكن تقديم النقل عَلَى العقل بخلاف ذلك؛ لأن الدليل العقلي دل عَلَى صحة النقل، فنقدم النقل؛ لأنه قد دلنا العقل عَلَى صحته قطعاً فإذا وجد في العقل ما يعارض فإننا نرد هذا القول بنفس القاعدة التي قررها هذا العقل وهي: أن النقل صحيح مقدم.\r\rويضرب لذلك شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ مثلاً فَيَقُولُ: كمثل رجل جَاءَ إِلَى مدينة فيها عالم كبير حجة، يرجع إليه في العلم والدين، ووجد رجلاً سليماً صحيحاً معافىً يعرف أهل البلد فوجده وقال له: أريد عالماً أطلب عنده العلم فقَالَ: أنا أعرفه، وأخذ بيده وذهب به إِلَى ذلك العالم الكبير المشهور في البلد وقال له: هذا هو العالم ولما رأى ذلك الرجل هذا العالم واسع العلم، ووجد التعظيم له عند الناس، ووجد الكتب، ووجد النَّاس يرجعون إليه في الفتاوى تيقن صدقاً وقطعاً أن هذا فعلاً عالم، وأن الرجل الذي دله عليه كَانَ فعلاً صادق لم يكذب عليه فأخذ هذا الرجل العلم من العالم وتلقاه منه فلما فهم هذا الرجل مسألة من مسائل العلم الكبرى، وأخذ يبلغها ويدعو النَّاس إليها جَاءَ ذلك الرجل الذي دله وقال له: هذا الكلام غير صحيح، قَالَ: كيف يكون هذا الكلام غير صحيح وأنا أخذته من الشيخ الذي أنت دللتني عليه؟\rقَالَ: الذي دللتك عليه قال لك هذا؟!\rقَالَ: نعم.\r\rقَالَ: بما أنني أنا الذي دللتك عليه، فأنا أقول لك: لا تأخذ هذا الكلام، فإنه يتعارض مع كلامي ويجب أن تقدم كلامي؛ لأنني أنا الذي دللتك عليه!\rفماذا يكون الجواب الصحيح؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689342,"book_id":1659,"shamela_page_id":468,"part":null,"page_num":468,"sequence_num":468,"body":"الجواب الصحيح أن يقول له: أنت أصبت عندما دللتني عليه، ولكنك أخطأت عندما عارضت ما عنده من العلم بكلامك، فكونك أصبت بالدلالة عليه لا يعني أنك تحكم في كل شيء يقوله الشيخ! وإلا لو كَانَ كذلك لم يجتمع النَّاس عَلَى الشيخ ولم يأخذوا العلم منه وأنت موجود، فلنرجع إليك ولنأخذ منك العلم ما دمت أنت واقف بالباب وكل من أتى بمسألة من عند الشيخ قلت له: اعرضها عليَّ فإن وافقت عليها وإلا ردها لأنني أنا الذي دللتكم عليه! وهذا كلام -بلا شك- فاسد.\r\rهذا أقرب وأوضح الأمثلة في مسألة التعارض الذي يزعمونه بين النقل وبين العقل.\rوقد عُرف صدق الأَنْبِيَاء صلوات الله وسلامه عليهم بالفطرة السليمة، فكل ذي لب من خلق الله يرى نبياً ويسمع ما عنده من البينات يؤمن بأن هذا النبي صادق، وكل من كَانَ لديه عقل سليم من العرب -مثلاً- وسمع آيات من كتاب الله فإنه يوقن بأن هذا لا يمكن أن يقوله بشر بأي حال من الأحوال.\r\rإذاً: بهذه الآلة التي أعطانا الله إياها وهي الفهم والعقل عرفنا صحة النقل، وميزنا بين مُحَمَّد ﷺ عبد الله ورسوله وبين مسيلمة الكذاب والأسود العنسي حتى عندما قيل للرجل: لماذا تتبعونمسيلمة وتعلمون أنه عَلَى الكذب؟ قَالَ: كذاب اليمامة خير من صادق مضر! فقد شهد النَّاس بصحة نبوة النبي ﷺ وصحة الدين الذي جَاءَ به، ولكن للأهواء أو الحظوظ الدنيوية أو لأي أمرٍ من الأمور لم ينقادوا.\rوبهذا يتضح أن هذه الآلة التي أعطانا الله إياها بعد أن أثبتت صحة الدليل النقلي - الوحي من القُرْآن والسنة -لم يبق إلا أن نسلم لما في الوحي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689343,"book_id":1659,"shamela_page_id":469,"part":null,"page_num":469,"sequence_num":469,"body":"ولو أتى أحد وقَالَ: نَحْنُ لا نسلم بالأدلة النقلية إلا إذا عرضناها عَلَى الأدلة العقلية! قلنا: معنى ذلك: أن ترك النَّاس بلا دين وبلا وحي خير وأنفع لهم في دنياهم وأخراهم من أن ينزل عليهم هذا الكتاب ما دام أننا كلما قرأنا آية من هذا الكتاب عرضناها عَلَى العقل، فإذا قرأنا قوله تعالى: وَجَاءَ رَبُّك [الفجر:٢٢] قلنا: يا عقل! أصحيح أنه يجيء؟! وقل ذلك في قوله: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَان [المائدة:٦٤] وغيرها من الآيات في كل ذلك يقول العقل: لا، فيا ترى ما الفائدة من هذه النصوص التي نحفظها ونكتبها ونرويها بالسند ونتعب فيها ونحن لا ندري خطأها من صوابها! إذاً: لا داعي لها، وتعال يا عقل فأخبرنا عن الله مباشرة هذا هو لازم هذه المقالة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689344,"book_id":1659,"shamela_page_id":470,"part":null,"page_num":470,"sequence_num":470,"body":"بل لازم ذلك: أن هَؤُلاءِ النَّاس لا يؤمنون بصدق نبوة النبي ﷺ، ولبيان ذلك: لنفترض كما ذكر الشيخ هنا -وهذا الكلام منقول من درء التعارض وكلام ابن القيم في مدارج السالكين - لنفترض أن ثلاثة رجال جاءوا إِلَى النبي ﷺ وهو حي بين ظهرانيهم فأخبرهم بأمر من الأمور، وقَالَ: أنا رَسُول من عند الله، كما ثبت ذلك عنه في أحاديث كثيرة يأتيه الوفد من العرب فيأمرهم وينهاهم ويخبرهم عن الإيمان وعن المغيبات وأمثال ذلك -فقال الأول منهم: هذا الذي قلته يا محمد! لن أؤمن به ولن أصدقك حتى أرجع إِلَى بلادي وأسأل شيخ القبيلة! والآخر قَالَ: أنا أصدق أنك رسول، لكن ما قلته لا أؤمن به حتى أعرضه عَلَى عقلي! والشخص الثالث قَالَ: يا محمد! هذا الكلام الذي قلته مع تصديقي بنبوتك وبرسالتك لا أستطيع أن أؤمن به حتى أتأكد أن ليس له معارض، فأنا أتوقف فيه، فقد يكون هناك شيء معارض له! فهل يُقال في دين الإسلام: إن أحداً من هَؤُلاءِ الثلاثة مؤمن مسلم؟ لا ليسوا بالمؤمنين ولا بالْمُسْلِمِينَ أبداً. ولهذا قال ﵀: [ولا تثبت قدم الإسلام إلا عَلَى ظهر التسليم والاستسلام] فهذا أبو طالب ما منعه من أن يسلم وهو في آخر لحظة عند الموت- إلا بسبب المعارض الذي أتى له: وهو ملة عبد المطلب، مع أنه مصدق للنبوة ومقر بأن هذا رسول، لكن المعارض الذي يعارض الإذعان والاستسلام هو ملة عبد المطلب، وهكذا فهَؤُلاءِ لا يسمون مسلمين بأي حال من الأحوال ولا يدخلون في دين الإسلام، فيا أيها المؤولون والمعطلون، والذين تقدمون عَلَى شريعة رَسُول الله شيئاً غيره كيف تدعون الإيمان بدينه ثُمَّ تقولون: صح الحديث ورواه البُخَارِيّ؟!.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689345,"book_id":1659,"shamela_page_id":471,"part":null,"page_num":471,"sequence_num":471,"body":"وإذا سألت أحدهم هل تؤمن بهذا الحديث؟ قَالَ: اتركني أتأكد هل قال علماء المذهب به؟ وماذا قال شيخ الطريقة؟! هذا هو مثال حال الرجل الأول الذي قرأت له حديثاً صحيحاً عن رَسُول الله وقَالَ: هذا غير معقول فدعني أتأكد فلعل له معارض من العقول أو من العلوم أو من كلام البشر! ثُمَّ يقول بعد هذا: أنا مؤمن برَسُول الله! نقول له: لو آمنت أنه رَسُول من عند الله لقبلت ما جَاءَ به، أما لو تبين للشخص فيما بعد أن هناك دليل شرعي أقوى فهذا شيء آخر، لكن هذا رده أول ما سمعه زاعماً أنه قد يكون له معارضاً، والآخر الذي يقول: لا أستطيع أن أقول بهذا حتى أفكر فيه وأعرضه عَلَى عقلي؛ فيُقَالُ له: أنت إِلَى الآن في مرحلة الشك لم تؤمن برَسُول الله ﷺ وكثير من النماذج عَلَى هذا حتى في عصرنا الحاضر، ولكن بطرق ملتوية ومن ذلك حديث الذباب وهو حديث صحيح وفيه: أن في أحد جناحيها داء وفي الآخر دواء، قالوا: كيف نغمسه وكيف نعتقد أن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء؟ فنقول لهم: هل عندكم ما يطعن في إسناده أو في متنه؟ الجواب: لا. وهم ليسوا بعلماء حديث فَقَالُوا: نرى ما تقول معامل الكيمياء ومعامل الأحياء فأوقفنا الإيمان والعمل بحديث صح عن رَسُول الله ﷺ حتى تؤكد لنا الكيمياء صحة ذلك؟!.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689346,"book_id":1659,"shamela_page_id":472,"part":null,"page_num":472,"sequence_num":472,"body":"فلماذا التعب والحفظ للسند والمتن؟ فهذا ليس إسلاماً بل الإسلام لا يثبت إلا عَلَى قدم التسليم والاستسلام، وأكثر النَّاس تسليماً واستسلاماً هم أكثر النَّاس وأقواهم إيماناً بما جَاءَ عن رَسُول الله، ولهذا لما قيل للصديق ﵁: إن صاحبك زعم البارحة شيئاً عجيباً أنه ذهب إِلَى بيت المقدس ثُمَّ عرج به إِلَى السماء -قالته قريش لأبِي بَكْرٍ - فقَالَ: إن كَانَ قال ذلك فقد صدق، مع أنه قال شيئاً لا تصدقه العقول لكنه صادق ولا يمكن أن يعارض، وفي يوم الحديبية لما لم تكن القلوب قد بلغت السكينة منها مبلغها أخذ الفاروق عُمَر ﵁ يصيح ويقول ألست رَسُول الله؟! ألسنا عَلَى الحق؟! ألسنا الْمُسْلِمِينَ أليسوا بمشركين؟! نرضى بالدنية في ديننا؟ فكان أبو بكر الصديق ﵁ يقول يا عُمَر! \"إنه رَسُول الله \"، يعلم أنه مادام رَسُول الله فإنه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نعارض قوله بما يخيل إلينا أنه مصلحة، فنلغي العقل ونلغي المصلحة إذا كَانَ في مقابل النص ومقابل قوله ﷺ وهنا تكون حقيقة الإيمان بالله ﷾.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689347,"book_id":1659,"shamela_page_id":473,"part":null,"page_num":473,"sequence_num":473,"body":"فإذا كنا قد أبطلنا دلالة العقل فإنه لا يصلح أن يكون معارضاً للنقل؛ لأن ما ليس بدليل لا يصلح لمعارضة شيء من الأشياء، فكان تقديم العقل موجباً عدم تقديمه عَلَى القاعدة العكسية التي قلناها، يقول المُصنِّفُ ﵀: [تقديم العقل يوجب عدم تقديمه ... إلى أن قَالَ: [لزم أن لا يكون العقل دليلاً صحيحاً وإذا لم يكن دليلاً صحيحاً لم يجز أن يتبع بحال فضلاً عن أن يقدم فصار تقديم العقل عَلَى النقل قدحاً في العقل] بل هو كما قلنا قدح في العقل والنقل معاً وبهذا نخلص إِلَى أنه لا بد من تقديم النقل ولا بد من تجريد المتابعة ولهذا عقب المُصنِّفُ ﵀ عَلَى هذا الكلام بالنص الذي هو منقول في أصله؛ وقريب من حروفه من مدارج السالكين لـ ابن القيم رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.\rيقول الإمام مالك إمام دار الهجرة ﵀ ورَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: (أو كلما جاءنا رجل ألحن بحجته من الآخر أخذنا بقوله وتركنا ما نزل به جبريل عَلَى مُحَمَّد ﷺ إذا جعلنا الدين مرتهناً بالجدل والآراء والحجج والبراهين العقلية، فإنه لا بد أنه كلما أتانا رجل ألحن بالحجة ممن قبله، نترك ما نزل به جبريل عَلَى مُحَمَّد ﷺ ونأخذ بكلام هذا أو ذاك، فإذا كَانَ لدينا المنهج الواضح، فلنتمسك به، وندع تلك الآراء، وتلك الجدليات جميعاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689348,"book_id":1659,"shamela_page_id":474,"part":null,"page_num":474,"sequence_num":474,"body":"وابن القيم ﵀ لمَّا ذكر هذا الكلام قَالَ: وأنا سألت أحد هَؤُلاءِ الذين يقدمون عقولهم أو آراء مشايخهم عَلَى النص الثابت عن رَسُول الله ﷺ، فقلت له: أنشدك بالله لو أن رَسُول الله حي اليوم بين ظهرانينا، وقال لك: افعل كذا. أيجوز لك ويحق لك أن تقول: انتظر حتى أعرض هذا القول عَلَى قول الشيخ أو الإمام أو المذهب؟ قَالَ: لا ودهش. قَالَ: فقلت: أو إن كَانَ قد غاب بشخصه، وسنته باقية توقف القول والاعتقاد وما كانت عليه سنته حتى تعرضها عَلَى الإمام أو الشيخ أو المذهب؟! ما الفرق بين كونه ﷺ بشخصه يأمرنا وبين كون سنته تأمرنا؟ أما هو ﷺ فقد لحق بالرفيق الأعلى لكن دينه وسنته وشرعه باق فإذا بلغنا الحديث الصحيح عن رَسُول الله ﷺ فالواجب المبادرة للامتثال والطاعة بدون أي تردد هذا هو الذي يجب عَلَى كل مسلم.\rأما أهل الضلال فيأتيهم الحديث عن رَسُول الله ﷺ فيقول القائل: وهذا الحديث مع صحته قد ثبت لدى أرباب الكشف خلافه، عجيب!! ومن أرباب الكشف؟ يقول هَؤُلاءِ الذين خوطبوا وكوشفوا بالعلم اللدني!\rوالآخر يقول: وهذا الحديث وإن رواه الشيخان أو غيرهما إلا أن القواطع العقلية قد قامت عَلَى رده!\rبل ذكر بعضهم أن الأخذ بظواهر النصوص من أصول الكفر -عافانا الله وإياكم- يريد دون أن يعرضها عَلَى ما يدعونه من البراهين العقلية، إذاً فهَؤُلاءِ ليسوا موحدين في الحقيقة لأنهم عارضوا ما جَاءَ به النبي ﷺ إما بخيال -يسمونه كشفاً وهو في الحقيقة خيال وضلال- أو بأوهام وظنون وتخرصات ويظنون أنها آراء عقلية وقواطع وبراهين نظرية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689349,"book_id":1659,"shamela_page_id":475,"part":null,"page_num":475,"sequence_num":475,"body":"يقول المصنف: [فنوحده بالتسليم والتحكيم والانقياد والإذعان] أي: نوحد الرَّسُول r بالتسليم والتحكيم والانقياد والإذعان كما نوحد الله تَعَالَى بالعبادة والخضوع والإنابة والتوكل فهما توحيدان لا نجاة للعبد إلا بهما قال جل شأنه: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُول لٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّه [النساء:٦٤] وقال: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النساء:٦٥] فهذا هو الواجب في حقه ﷺ، فلا يحاكم إِلَى غيره ابتداء ولا يرضى بحكم غيره -إذا بلغه حكمه ﷺ وإن كَانَ عالماً من أهل الاجتهاد من الصحابة أو ممن دونهم، لانقدم قول أحد منهم عَلَى قول رَسُول الله ﷺ، نعم، له أجر الاجتهاد ولكن ليس له أجر الصواب؛ لأنه أخطأ عندما قال قولاً يخالف قوله ﷺ، وإن كَانَ لهذا المعارض مصدراً آخر غير الدين وغير الاجتهاد كَانَ يكون كشفاً أو عقلاً أو فلسفةً أو منطقاً أو علوماً من العلوم التي قال الله عنها: فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ [غافر:٨٣] علم النفس، أو علم الاجتماع، أو علم الاقتصاد، أو أي شيء قيل عنه: إنه علم فإننا نكذبه ونرده.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689350,"book_id":1659,"shamela_page_id":476,"part":null,"page_num":476,"sequence_num":476,"body":"ثُمَّ يقول المصنف: [ولا يوقف تنفيذ أمره وتصديق خبره عَلَى عرضه عَلَى قول شيخه وإمامه وذوي مذهبه وطائفته ومن يعظمه] فإن أصحاب الطرق يقولون هذا الحديث لا بد أن نعرضه عَلَى شيخ الطريقة، ويقولون: كن بين يديه كالميت بين يدي الغاسل، فما لك أمر ولا نهي حتى تأتي بالحديث تعرضه عَلَى الشيخ، إذاً فالمرجع هنا الشيخ وأصحاب المذهب يقول فيهم المصنف: [إن أذنوا له نفذه وقبل خبره، وإلا فإن طلب السلامة فوضه إليهم وأعرض عن أمره وخبره] يقول: نَحْنُ نريد الحق وهَؤُلاءِ الأئمة الأربعة لا يأخذون إلا من الكتاب والسنة فنحن نفوض الأمر إليهم ونتبعهم، أو يقول أنا مفوض أمري إِلَى شيخ الطريقة وهذا الحديث لابد أنه بلغ صاحب المذهب أو شيخ الطريقة وهو أعرف مني، فما قاله الشيخ أنا أقول به! وكأن المُصنِّفُ يصف ويشرح حالهم قديماً وحديثاً هذا إن طلب السلامة وأكثر من ذلك وأشد ما قاله الرازي: وإلا اشتغلنا بتأويلها عَلَى سبيل التبرع، يعنى: عند ذكر حديث النزول وغيره من أحاديث الصفات فإنه سوف يردها مباشرة لأنها ستعارض القواطع العقلية فيكون ردها جملة بناءً عَلَى القانون الذي ذكره -أي الرازي - أو يقول: عَلَى سبيل التبرع يأخذ هذه الأحاديث واحداً واحداً ويؤولها! وفي هذا غاية الاحتقار للوحي وللنص.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689351,"book_id":1659,"shamela_page_id":477,"part":null,"page_num":477,"sequence_num":477,"body":"يقول: [وسمى تحريفه تأويلاً وحملاً] فقَالَ: نؤوله ونحمله [فلأن يلقى العبد ربه بكل ذنب -ما خلا الإشراك بالله- خير له من أن يلقاه بهذه الحالة] بل إذا بلغه الحديث الصحيح يعد نفسه كأنه سمعه من رَسُول الله ﷺ؛ لأنه صح عنه وثبت، كأنه يقول له: افعل كذا، ولا يؤخر العمل به إن كَانَ مما يعمل به، أو يعتقده اعتقاداً جازماً إن كَانَ خبراً، فلا يؤخر العمل حتى يعرضه عَلَى الشيخ أو المذهب والأصحاب، ولا عَلَى العقل ولا عَلَى أي رأي من الآراء [ولا يستشكل قوله لمخالفة رأي فلان، بل يستشكل الآراء لقوله] فيستشكل كيف خالف فلان الحديث وإن كَانَ عالماً؟ فلا نقول: وهذا الحديث يشكل لأنه خالف ما عليه المذهب، أو القياس! كما يقولون في حديث المصراة وهو أن النبي ﷺ أمر الإِنسَان إذا اشترى ناقة أو بقرة أو شاة صريت أن يردها مع صاع من تمر) حديث صحيح لا شك في صحته، فَقَالَ أصحاب القياس: هذا الحديث مشكل؛ لأنه يخالف القياس وحاولوا أن يردوه أو يؤولوه! وأمثال ذلك من الأحاديث التي تجدونها في أبواب الفقه ابتداء من الطهارة وانتهاء بالشهادات والإقرار، وكثير جداً من يقدم محض القياس -كما يسمونه- عَلَى الحديث الصحيح الثابت عن رَسُول الله ﷺ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689352,"book_id":1659,"shamela_page_id":478,"part":null,"page_num":478,"sequence_num":478,"body":"فَيَقُولُ: [ولا يعارض نصه بقياس بل تهدر الأقيسة وتتلقى نصوصه] إذا كَانَ هذا في الفقه فما الظن في أمور الاعتقاد وأمور الغيب، حتى في الفقه لا شك أن النص يجب أن يقدم وذلك ضرورة عَلَى القياس؛ لأن القياس يقوم عَلَى النص ولهذا فضل شَيْخ الإِسْلامِ في رسالته تفضيل مذهب آراء أهل المدينة عَلَى أهل العراق لأن الأول: مبني عَلَى الحديث والنص، والثاني: عَلَى الرأي والقياس، ويدل عَلَى ذلك المناظرة التي جرت بين أبي يوسف الحنفي، والشَّافِعِيّ وكان شيخهمالك في الحديث وهو معلوم أنه كَانَ متبع للسنة ويعمل بعمل أهل المدينة، وأبو يوسف من تلاميذ الإمام أبي حنيفة على مذهب أهل العراق الذين يأخذون بالرأي.\r\rفَقَالَ الشَّافِعِيّ أنشدك الله أصاحبنا أعلم بالقرآن أم صاحبكم؟ \r\rقَالَ: بل صاحبكم.\rقَالَ: أنشدك الله أصاحبنا أعلم بالسنة أم صاحبكم؟\rقَالَ: بل صاحبكم.\r\rقَالَ: فعلى أي شيء يكون القياس إذا كنا أخذناه القاعدة من الكتاب والسنة، وكان هذا أعلم بالكتاب والسنة؛ فيقدم مذهبه؛ لأن القياس فرع لا يصار إليه إلا عند فقدان الأصل، كما لا يُصار إِلَى التيمم إلا عند فقدان الماء، وكان علماء السلف كالإمام أَحْمَد وإسحاق بن راهويه وأمثالهم من العلماء كابن المبارك، وابن عيينة ممن كانوا عَلَى الأثر، والحديث يعدون أهل الرأي من جملة أهل البدع الذين يردون الحديث بآرائهم، مع أن هذه مسألة أصولية اجتهادية.\rفما بالكم بالذين جاؤوا من بعدهم وردوا الدين والغيبيات وأحوال اليوم الآخر وصفات الله بالأقيسة والعقول لا شك أن هَؤُلاءِ أشد بدعة وضلالاً من أُولَئِكَ فالتسليم للوحي هو الأصل الذي يجب أن يكون عليه كل مسلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689353,"book_id":1659,"shamela_page_id":479,"part":null,"page_num":479,"sequence_num":479,"body":"ولا يحاكم إِلَى غير رَسُول الله ﷺ لا بالأمور الخبرية ولا بالأمور الغيبية الشرعية، فهذا رَسُول الله ﷺ ثبت لدينا أنه حكم عَلَى الزاني الثيب بالرجم فيقول عبد الله بن عباس ﵁: من كفر بالرجم فقد كفر بالقرآن حقيقة، وإن لم يذكر في القُرْآن ولكن لأدلة تفصيليه كثيرة، فالذي يعارض ذلك بالقوانين الوضعية المنقولة عن الأمم المتحضرة، التي ترى أن علاقات الحب علاقات سليمة لا غبار عليها، وأن الرجم لرجل وامرأة زنيا بالتراضي بينهما وحشية وكيف يرجما؟ ! هذا هو الكفر الصراح.\r\rوقد كفر العلماء من قال بذلك، وفي القديم جيء إِلَى نصير الكفر الذي يسمونهنصير الدين الطوسي -الذي كَانَ وزيراً للتتار- وقد جيء إِلَى السلطان الوالي برجلين فعلا فاحشة -اللواط- فَقَالَ لا بد أن يقام عليهما الحد فقَالَ: الفاعل منهما إنما فعلت ذلك برضى ذلك المفعول، فَقَالَ نصير الكفر الذي أظهر الله كفره في ذلك المجلس، قَالَ: نعم، وماذا نصنع بشريعة نبي العرب؟! نعوذ بالله فكفره العلماء بذلك فكل من يعلم -منأهل السنة - بحقيقة نصير الكفر الطوسي فإنه يحكم بكفره؛ لأنه مع كفره وزندقته كَانَ رافضياً وعلى دين الفلاسفة الذين يرون هذه الآراء وأصبح هذا الأمر هو القاعدة المعمول بها حتى في ديار الإسلام يزعمون الإيمان بمُحَمَّد ﷺ وهم لا يقيمون حدود الله التي أمر بها وأقامها بحجة أنهما ماداما متراضيين فلا حرج، وشارب الخمر لا حرج من شربه لها ما لم يحدث حادثا -أي: حادثاً مرورياً- أو اعتداء عَلَى أي شخص، فلا حرج في ذلك أبداً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689354,"book_id":1659,"shamela_page_id":480,"part":null,"page_num":480,"sequence_num":480,"body":"فتحكيم أو قبول كلام هَؤُلاءِ وتحكيم أي قانون من هذه القوانين هو محض الكفر والردة عن دين الله تعالى، وتكذيب لمُحَمَّد ﷺ فإذا قال علماؤنا فيمن يقدم القياس -وهو اجتهاد من الشرع- عَلَى النص ما قد سبق أن نقلناه فكيف بمن يقدم قوانين الكفار؟! كما يقَالَ: أثبت علماء النفس أن الاختلاط يهذب الجنسين، فهل نُقدم كلام علماء النفس أم نُقدم كلام رَسُول الله ﷺ؟! لذا قال المصنف: [فهما توحيدان لا نجاة للعبد من عقاب الله إلا بهما: توحيد المرسل وتوحيد متابعة الرَّسُول ﷺ فلا يحاكم إِلَى غيره ولا نرضى بحكم غيره] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689355,"book_id":1659,"shamela_page_id":481,"part":null,"page_num":481,"sequence_num":481,"body":"فمثلاً: الاختلاط شر ومعصية حتى لو كَانَ بين الأطفال المميزين الذين قد لا يرتكبون هذا الفاحشة، وحتى ولو من المثقفين الكبار، لا كما يقولون: من الممكن أن تكون الفاحشة بسبب الأمية أو الجهل إذا اختلت المرأة بالرجل، لكن فتاة مثقفة في الطب أو في الجامعة في المراحل النهائية تقع في الفاحشة مع رجل مثقف لا يمكن! وهذه معارضة لقول رَسُول الله ﷺ: (ما خلا رجل بامرأة) أيا كَانَ هذا الرجل مثقفاً أو غير مثقف وأياً كانت هذه المرأة مثقفة أو غير مثقة (إلا كَانَ الشيطان ثالثهما) بل هذا رَسُول الله ﷺ لما كَانَ ماشياً ومعه أم المؤمنين ورآه الأنصاريان قَالَ: على رسلكما إنها صفية وهذا لكي يعلمنا الرَّسُول ﷺ أن هذه الأمور بالغة الدقة والحساسية ويجب عَلَى الإِنسَان أن يبتعد عن أي شبهة في هذا المجال، فكل من قدم، أو قال قولاً أو رأى رأياً، أو دعى إِلَى رأي، وهو يعلم مخالفته لما جَاءَ به الرَّسُول ﷺ، فإنه لم يوحد الرَّسُول ﷺ بالتحكيم والمتابعة، وهذا هو الذي ينطبق عليه قوله تعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النساء:٦٥] والأمثلة عَلَى ذلك كثيرة جداً.\rومجمل القول وصفوته هو كلام رَسُول الله ﷺ فما صح عنه عملنا به وما قاله من خبر آمنا به وصدقناه واعتقدناه عَلَى الغيب فهذا ما يجب أن يكون عليه المؤمنون كما قال في أول سورة بعد الفاتحة الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة:٣] ثُمَّ قَالَ: وَيُقِيمُونَ الصَلاةَ [البقرة:٣] .\rقَالَ المُصنِّفُ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689356,"book_id":1659,"shamela_page_id":482,"part":null,"page_num":482,"sequence_num":482,"body":"[قال الإمام أَحْمَد: حدثنا أنس بن عياض، حدثنا أبو حازم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده - قَالَ: لقد جلست أنا وأخي مجلساً ما أحب أن لي به حمر النعم، أقبلت أنا وأخي وإذا مشيخة من أصحاب رَسُول الله ﷺ جلوس عند باب من أبوابه فكرهنا أن نفرق بينهم، فجلسنا حجرة إذ ذكروا آية من القُرْآن فتماروا فيها حتى ارتفعت أصواتهم فخرج رَسُول الله ﷺ مغضباً قد أحمر وجهه يرميهم بالتراب، ويقول: مهلاً يا قوم! بهذا أهلكت الأمم من قبلكم باختلافهم عَلَى أنبيائهم، وضربهم الكتب بعضها ببعض، إن القُرْآن لم ينزل يكذب بعضه بعضا وإنما نزل يصدق بعضه بعضا، فما عرفتم منه فاعملوا به وما جهلتم منه فردوه إِلَى عالمه) .\r\rولا شك أن الله قد حرم القول عليه بغير علم، قال تعالى: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَالا تَعْلَمُونَ [الأعراف:٣٣] وقال تعالى: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [الإسراء:٣٦] فعلى العبد أن يجعل ما بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه هو الحق الذي يجب اتباعه، فيصدق بأنه حق وصدق، وما سواه من كلام سائر النَّاس يعرضه عليه، فإن وافقه فهو حق، وإن خالفه فهو باطل، وإن لم يعلم: هل خالفه، أو وافقه لكون ذلك الكلام مجملاً لا يعرف مراد صاحبه، أو قد عرف مراده لكن لم يعرف هل جَاءَ الرَّسُول بتصديقه أو بتكذيبه فإنه يمسك عنه ولا يتكلم إلا بعلم، والعلم ما قام عليه الدليل، والنافع منه ماجاء به الرسول، وقد يكون علم من غير الرسول، لكن في الأمور الدنيوية مثل الطب والحساب والفلاحة، وأما الأمور الإلهية والمعارف الدينية فهذه العلم فيها؛ ما أخذ عن الرَّسُول لا غير] اهـ.\rالشرح:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689357,"book_id":1659,"shamela_page_id":483,"part":null,"page_num":483,"sequence_num":483,"body":"هذا الحديث استدل به المُصنِّفُ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - عَلَى القضية الأساسية وهي قضية عدم معارضة شيء مما جَاءَ به الرَّسُول ﷺ بالرأي، ومن هنا نهي عن الجدال؛ لأنه مدعاة لأن يتعصب الإِنسَان لرأيه فيتعسف في الأدلة ويأخذ منها ما يوافق هواه ورأيه ويرفض ما عداها ويقول هذا هو الصحيح فيضرب كتاب الله -تعالى- بعضه ببعض وهذا هو الذي حصل في جميع الفرق التي ضلت وانحرفت.\rأهل الوعد وأهل الوعيد\rجاء الخوارج والمعتزلة فأخذوا النصوص في الوعيد فقط: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) فَقَالُوا: لا يمكن أن يقع الزنا من المؤمن. إذاً: من زنا فهو كافر!\rوجاءت المرجئة فأخذت النصوص في الوعد (من قال لا إله الله دخل الجنة) قالوا: وإن عمل ما عمل فهو كامل الإيمان.\r\rأهل القدر بصنفيه\rوجاءت القدرية الذين ينفون القدر فأخذوا من الآيات والأحاديث ما يدل عَلَى إثبات القدر، وعلى إثبات الفعل للإنسان فنفوا قدر الله تعالى، وأخذوا ما يثبت عَلَى أن الفعل من الإِنسَان وجعلوا الإِنسَان هو الذي يخلق فعل نفسه، وقابل القدرية الجبرية فأخذوا الآيات التي تدل عَلَى أن الله تَعَالَى هو المتصرف وهو الذي يخلق، فجعلوا الإِنسَان معطلاً عن الفعل والإرادة، ونسوا أن العباد هم الذين يفعلون بإرادتهم واختيارهم، فأخذت كل فرقة بشيء من الدين وضاربوا النصوص بعضها ببعض.\r\rسبب تفرق المسلمين وكثرة الفتن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689358,"book_id":1659,"shamela_page_id":484,"part":null,"page_num":484,"sequence_num":484,"body":"كانت نتيجة ذلك أن تفرق الْمُسْلِمُونَ وكثرت الفتن في الدين والاختلاف فيما أنزل الله تعالى، فضربوا كتاب الله بعضه ببعض، فهذا يقرأ آيات الوعيد، ويضرب بها آيات الوعد، وهذا يقرأ آيات الوعد، ويضرب بها آيات أو أحاديث الوعيد، وكذلك في القدر، وفي الصفات فقد جَاءَ بعضهم فأخذو من قوله تَعَالَى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:١١] نفي الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:٥] ويأتي الآخر فيثبت الاستواء ويقول: إنه يستوي كإستواء المخلوقين وينسىلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ( [الشورى:١١] فالفِرق المنحرفة عن منهج أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ تضرب كتاب الله بعضه ببعض، وتضرب سنة النبي ﷺ بعضها ببعض وتماري في الدين بالهوى الذي يزعمون أنه عقل.\r\rمقالة أهل الكشف والذوق\rبعد ذلك ظهر من يماري ويجادل في الله ﵎ بالكشوفات والخيالات والمنامات والأذواق والمواجيد، ويقولون: إن الحق إنما يلتمس فيها، ومن قَالَ: إن الفاصل بين ما يؤول من الصفات وما لا يؤول إنما هو الكشف، فهذا الحديث الآتي أحد الأحاديث التي تنفي ذلك وترد عَلَى هذه المقالات جميعاً يقول: عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (لقد جلست أنا وأخي مجلساً ما أحب أن لي به حمر النعم، أقبلت أنا وأخي، وإذا مشيخة من أصحاب رَسُول الله ﷺ جلوس عند باب من أبوابه) هذا المتكلم هو عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ فكرهنا أن نفرق بينهم فجلسنا حجرة إذ ذكروا آية من القُرْآن -أي: جلسوا في ناحية منهم إذ ذكروا آية من القرآن- فتماروا فيها أي: تجادلوا في هذه الآية هذا يقول معناها كذا وهذا يقول: معناها كذا، حتى ارتفعت أصواتهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689359,"book_id":1659,"shamela_page_id":485,"part":null,"page_num":485,"sequence_num":485,"body":"(فخرج رَسُول الله ﷺ مغضباً) أي سمع النبي ﷺ جدالهم فخرج مغضباً (قد احمر وجهه -يرميهم بالتراب-) فأنكر النبي ﷺ عليهم بشدة لاختلافهم في القرآن، وقد ورد في بعض الآثار أن الخلاف كَانَ في القدر، فالصحابة خير النَّاس وأفضلهم وأتقاهم، فلما أن وصل بهم الجدال إِلَى أن ارتفعت الأصوات هذا يقول الحق ما أراه، وهذا يقول: أنت أخطأت في فهم الآية، فخرج عليهم النبي ﷺ مغضباً قد احمر وجهه يرميهم بالتراب ويقول: (مهلاً يا قوم بهذا قد أهلكت الأمم من قبلكم باختلافهم عَلَى أنبيائهم، وضربهم الكتب بعضها ببعض، إن القُرْآن لم ينزل يكذب بعضه بعضاً؛ بل يصدق بعضه بعضاً، فما عرفتم منه فاعملوا به وما جهلتم منه فردوه إِلَى عالمه) .\r\rالاختلاف على الأنبياء سبب الفتن والهلاك\rبين لنا النبي ﷺ بهذا الإنكار الشديد كيف اختلفت الأمم من قبلنا ووقعت فيهم الفتنة وهلكوا باختلافهم عَلَى أنبيائهم، وما أكثر اختلاف النَّاس عَلَى أنبيائهم، ففي سورة المائدة عندما دعى نبي الله موسى ﵇ قومه لأمر الله أن يدخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لهم فاختلفوا عليه، وَقَالُوا: إن فيها قوماً جبارين، إِلَى أن آل به الحال أن يقول ﵇ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي [المائدة:٢٥] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689360,"book_id":1659,"shamela_page_id":486,"part":null,"page_num":486,"sequence_num":486,"body":"واختلفوا حتى في الأمر البين الواضح الجليإِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَة [البقرة:٦٧] أمرٌ إلهي واضح صريح، فلو أخذوا أي بقرة وذبحوها لأجزأ، ولكنه الاختلاف والتنطع والتشدد ومحبة العناد والإخلاد إِلَى الدنيا والتحايل عَلَى أمر الله تعالى، والله لم يشدد عليهم أول الأمر فلما شددوا عَلَى أنفسهم شدد الله عليهم، ومثله حديث الرجل الذي في الصحيح لما قال النبي ﷺ: (حجوا فإن الله قد كتب عليكم الحج والعمرة فقام رجل فقَالَ: يا رَسُول الله أفي كل عام؟ قَالَ: لو قلت: نعم لوجبت) ثُمَّ ذكر النبي ﷺ حال الأمم قبلنا وأنهم إنما هلكوا بكثرة سؤالهم واختلافهم عَلَى أنبيائهم، فالإِنسَان يقف عند حدود ما أنزل الله تَعَالَى ولا يجادل ولا يماري ولا يقف ما ليس له به علم فقَالَ: (باختلافهم عَلَى أنبيائهم) هذا أولاً.\r\rأهل الكتاب يضربون كتاب الله بعضه بعض\rوقوله: [وضربهم الكتب بعضها ببعض] أي: يأتون إِلَى ما أنزل الله عليهم فيضربون بعضه ببعض، وهكذا كَانَ حال الأحبار والرهبان الذين كانوا يفسرون التوراة والإنجيل، فكانوا يضربون بعضها ببعض، فتفرقت النَّصَارَىواليهود إِلَى ما هم عليه اليوم شيعاً وطرقاً؛ حتى أنهم كتبوا أناجيل من عند أنفسهم، وكذلك أسفاراً للتوراة، فضاعت التوراة الحقيقية وضاع الإنجيل الحقيقي، ولما بعث مُحَمَّد ﷺ جَاءَ بالوحي المبين ودعاهم إِلَى الدين وإلى الشريعة الناسخة، وكانت كتبهم الماضية قد حرفت جميعاً وتعرضت للتغيير والتبديل، حتى لم يبق منها نسخة يعتمد عليها في الصحة بسبب هذا الاختلاف والشتات والتفرق، وبعض الأناجيل كتبت عمداً لتثبت قضية من القضايا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689361,"book_id":1659,"shamela_page_id":487,"part":null,"page_num":487,"sequence_num":487,"body":"فمثلاً: إنجيل يوحنا الذي يجادل به النَّصَارَىإلى اليوم ويفسرونه في إذاعاتهم؛ كتب ليثبت أن المسيح ابن الله -تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا- يكتبون الإنجيل ويقولون هذا من عند الله وما هو من عند الله -نعوذ بالله من البهتان ومن الافتراء عَلَى الله عزوجل- فيقول النبي ﷺ: (بهذا أهلكت الأمم قبلكم باختلافهم عَلَى أنبيائهم وضربهم الكتب بعضها ببعض) .\rإن القُرْآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضاً -حتى نأخذ آية ونعارض بها الآية الأخرى- بل يصدق بعضه بعضاً فكله من عند الله وكله حق، ولكن منه آيات محكمات هُنَّ أم الكتاب وأخر متشابهات، فالمؤمنون الذين وفقهم الله للحق والخير والهدى يردون المتشابه إِلَى المحكم، فيفهم المتشابه من خلال المحكم، وأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، فهَؤُلاءِ يتركون الآيات الواضحات المحكمات ويذهبون إِلَى المتشابهات ويضربون كتاب الله تَعَالَى بعضه ببعض.\r\rأمثلة لضرب النصوص الشرعية بعضها ببعض\rصاحب كتاب أساس التقديس الرازي وأمثاله يستدلون عَلَى نفي الصفات التي يسمونها الصفات الخبرية ونفي الاستواء، وأمثاله بقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَ٦٠٠٢٣١٤يْءٌ [الشورى:١١] وقوله: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الاخلاص:١] إِلَى آخرها وقوله: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً [مريم:٦٥] وأمثال ذلك من المعارضة.\rوكثير من النَّاس اليوم يعارضون كلام الله ورسوله بعضه ببعض فمثلاً: حرم الله الربا فَقَالُوا: إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا، البيع حلال فإذا اشتريتُ هذا بـ (١٠٠٠) ريال، فأبيعه بـ (١٥٠٠) ريال ورضي المشتري فهذا حلال، ثُمَّ قَالَ: ما الفرق بين هذا وبين من أقرضته (١٠٠٠) ريال ثُمَّ ردها إليّ بـ (١٥٠٠) ريال؟!! إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا فعارضوا بهذا القياس الباطل كلام الله ورسوله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689362,"book_id":1659,"shamela_page_id":488,"part":null,"page_num":488,"sequence_num":488,"body":"ومثال آخر يكاد يكون يومياً: كثيراً ما نقرأ الآيات والأحاديث الصحيحة الثابتة التي تأمر المرأة أن لا تخرج من بيتها إلا لضرورة، وأنه يجب عليها أن تستتر عن الأجانب، وأن صلاتها في قعر بيتها أفضل منها في المسجد فكل هذ الأدلة، وما كَانَ عليه واقع الصحابة وواقع الْمُسْلِمِينَ في القرون الماضية شاهد عَلَى ذلك، فيلغون هذا كله ويعارضونه بأن فلانة من الصحابيات اشتركت في غزوة كذا، وأن فلانة خرجت إِلَى العراق وأن فلانة كانت تتعلم العلم وكانت تفتي، فيهدرون جميع الأحاديث الصحيحة بل الآيات الصريحة والواقع الضخم الذي كَانَ معاشاً مقابل أنهم جاؤوا بهذه الجزئية ويضربون كتاب الله بعضه ببعض.\rويأتون إِلَى الآيات التي تحث عَلَى العمل حتى الآية التي أنزلها الله في المنافقين وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ [التوبة:١٠٥] .\r\rفيقولون: لا بد أن تعمل المرأة، فيضربون كتاب الله بعضه ببعض وينزلون الآيات والأحاديث في غير موضعها، وهذا كثير حتى عند العامة، وكل هذا مرجعه إِلَى القضية الأساسية، وهي: أنه لم يوحد رَسُول الله ﷺ بالاتباع والطاعة والتحكيم، ولم يقدر القُرْآن والسنة حق قدرهما، فأصبحت القلوب والعقول خاوية من الفهم الصحيح والتقدير لِمَا جَاءَ به النبي ﷺ من عند الله ولمعرفة قيمة هذا الوحي والتمسك به.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689363,"book_id":1659,"shamela_page_id":489,"part":null,"page_num":489,"sequence_num":489,"body":"وقد بين النبي ﷺ الواجب في مثل هذا الشأن فقَالَ: (إن القُرْآن لم ينزل يكذب بعضه بعضا بل يصدق بعضه بعضاً) فالواجب علينا عمله هو في قوله: (فما عرفتم منه فاعملوا به) وقد عرفنا الآيات في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وتحريم الربا وفي تحريم التبرج، في كل ما جَاءَ من الآيات الواضحة الجلية التي نعرفها إما بلغة العرب كما يقرأ القُرْآن ويفهمه العرب، وإما بتعليم أهل العلم لنا (فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إِلَى عالمه) .\rالواجب عدم الخوض فيما لا تدركه العقول، وما لا فائدة منه\rأما ما جهلناه من كتاب الله فلا نماري ولا نجادل ولا نخوض فيه بعقولنا الكليلة العاجزة؛ لنبحث في حقائقه ومعانيه وغيبياته التي لن تدركها عقولنا، وقد خاض النَّاس في كتاب الله ﷿ في أمور وفي مسائل قد لا يحتاجون إليها عَلَى الإطلاق وتركوا ما هو أولى وأجدى (فما عرفتم منه فاعملوا به) .\rفأولاً: أن نبدأ بما عرفنا فنعمل به، ونترك ما تركه الله تَعَالَى وأخفاه عنا من أمور ليس فيها مصلحة وإنما يشير إليها إشارة، كبعض القصص القرآنية، ثُمَّ تأتي كتب التفسير فتضخم هذه القصة وتذكر فيها الآثار الإسرائيلية وتفصيلات ما أنزل الله بها من سلطان ولا دليل عليها. فالقرآن أنزل للعبرة والاتعاظ فإذا قرأ الإِنسَان القصة عرفها وأخذ العبرة منها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689364,"book_id":1659,"shamela_page_id":490,"part":null,"page_num":490,"sequence_num":490,"body":"لكن يأتي أُولَئِكَ النَّاس الذين يتكلفون ويخوضون فيما لا علم لهم به، فيضيعون الأعمار عَلَى أنفسهم وعلى النَّاس فيما لا فائدة منه، مثل: معرفة فرعون؟! واسم أخي يوسف الأكبر والأصغر؟ ومقدار الدراهم التي بيع بها يوسف، وسد ذي القرنين أين يوجد في الشرق أو الغرب؟ ومتى عاش قبل موسى أم بعده؟ أمور متكلفة والفائدة التي منها لا تتجاوز بأي حال من الأحوال تصحيحاً لمعرفة من المعارف التي قيمتها لا تتقدم عَلَى معرفة الأمور الجلية، التي تنقص كثيراً ممن خاضوا في هذه الأمور؛ مثل أمور التوحيد، والفرائض التي فرضها الله وأمثالها، فهذا أيضاً من الخطأ في منهج دراسة القُرْآن الكريم وفي أخذه وتلقيه، فيجد الإِنسَان من الأقوال العظيمة والخلافات الكثيرة، في مسائل لو أغفلت وأغلقت تماماً ما نقص شيء، ولسنا بحاجة إِلَى بحثها أصلاً.\r\rولهذا يجب أن نمتثل قول النبي ﷺ: (فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إِلَى عالمه) ولا حاجة إِلَى إضاعة الأعمار وإلى الجدل في كتاب الله ﷾ دون نتيجة.\r\rالجدال والمراء مدعاة إلى القول على الله بغير علم\rلهذا عقب المُصْنِّف بقوله: [ولا شك أن الله قد حرم القول عليه بغير علم] ولما كَانَ الجدال والمراء والخوض والتكلف فيما لا تدركه العقول؛ موصلاً إِلَى الافتراء عَلَى الله والقول عليه بغير علم، عقب المُصْنِّف ببيان ذلك فقَالَ: ولا شك أن الله قد حرم القول عليه بغير علم قال تعالى: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ [الأعراف:٣٣] وكثير من النَّاس يجتنبون الفواحش الظاهرة مثل (الزنى -السرقة- شرب الخمر) لكن يغفلون عن الفواحش الباطنة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689365,"book_id":1659,"shamela_page_id":491,"part":null,"page_num":491,"sequence_num":491,"body":"وبعض المفسرين يقول: المقصود من هذه الآية ما أُعلن به وما استخفي به، لكن الذي يظهر ويترجح في معنى \"ماظهر\": يعني الأعمال الظاهرة، وما \"بطن\" يعني: الأعمال الباطنة ومن الفواحش الباطنة الأعمال القلبية التي نهى الله عنها.\r\rفالله قد نهى عن الحسد الذي يأكل الحسنات كما تأكل النَّار الحطب وهو عمل باطني في القلب، فقد لا يزني الإِنسَان ولا يسرق ولا يشرب الخمر؛ لكنه يحسد ويحقد عَلَى أخيه المسلم، ولا يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه بل يتمنى له الضرر؛ بل قد يكون أكبر من ذلك وهو أن يكون في قلبه شك فيما جَاءَ به الرَّسُول ﷺ، أو يكون فيه مرض من أمراض النفاق، أو أن تكون فيه نكتة من نكت المعاصي والذنوب فهذه من الفواحش الباطنة وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ [الأعراف:٣٣] وفي هذه الآية كلما أتى معطوف جديد، فإنه يأتي أكبر من المعطوف الذي قبله وَالْأِثُمَّ َ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً [الأعراف:٣٣] فالشرك أعظم من الإثُمَّ وأعظم من البغي بغير الحق، والإثُمَّ والبغي من أجمع الأسماء الدالة عَلَى المعاصي وعلى الموبقات وأسباب الهلاك، والبر: اسم جامع لكل خير، والإثم: اسم جامع لكل شر.\r\rكذلك البغي إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل:٩٠] فهذه الآية من أشمل الآيات التي تبين أصول ما يفعل ويستحب، وأصول ما يجتنب وينتهي عنه، قال تعالى: وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً [الأعراف:٣٣] هذا هو الذنب الأعظم من الآثام.\r\rبيان عظم خطر القول على الله بغير علم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689366,"book_id":1659,"shamela_page_id":492,"part":null,"page_num":492,"sequence_num":492,"body":"وأكبر مما سبق وأعظم وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [البقرة: ١٦٩] هذا الذنب أعظم من الشرك وهو من الشرك ومن الكفر، لكن الكفر بعضه أكبر من بعض، وفي الكفر زيادات كما قال تعالى: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا [التوبة:٣٧] فالقول عَلَى الله بغير علم أعظم جرماً وبهتاناً من مجرد شرك وهما مقترنان، أي: الافتراء واتباع غير ما أنزل الله تعالى، كما في قصة موسى ﵇ لما قال للسحرة وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ [طه:٦١] فالسحرة لم يقولوا: إن الله أحل السحر لنا أو أحل لنا عبادة فرعون، لكن كل من شرع سنة أو طريقة، وقَالَ: إنها هي الحق أو هي الصواب ويعلم مخالفتها لدين الله، فإنه قد افترى عَلَى الله الكذب؛ لأنه لا يملك أن يقول للناس: هذا هدىً وهذا ضلال إلا الله ﷿، فإذا جَاءَ أحد وقَالَ: هذا هو الهدى وهذا هو الضلال، فكأنه ينسب ذلك إِلَى الله، أو يجعل نفسه مكان الله تعالى، ويتلبس بصفات الألوهية فمن هنا كَانَ افتراءً عَلَى الله ﷿؛ أن يدُعو إِلَى غير الحق وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [البقرة: ١٦٩] الشاهد هنا هو: في النهي عن الجدال بغير الحق، وفي ضرورة اتباع ما أنزل الله تَعَالَى ورد مالم تعلمه العقول وما لم تدركه الافهام إِلَى الله تعالى، كما ثبت ذلك عن أصحاب النبي ﷺ، مثل ما سُئلالصديق وَفَاكِهَةً وَأَبّاً [عبس:٣١] قيل: ما الأبّ؟ قَالَ: أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله بغير علم، مع أن هذا من كلام العرب، ولا أثر في اعتقاد صاحبه إن قيل الأبّ هو ما تأكل الأنعام، أو ما تأكل الدواب، أو هو الأخضر، أو هو الحشيش كل ذلك لا يؤثر في إيمان قائله أو معتقده.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689367,"book_id":1659,"shamela_page_id":493,"part":null,"page_num":493,"sequence_num":493,"body":"فكيف بمن يخوض في معاني أسماء الله وصفاته؟! وفي القدر وفي أمر أعظم من هذا الأب وأمثاله، ويقولون: هذا هو الحق، وهذا هو الذي جَاءَ به النبي ﷺ؟! ويقول تعالى: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً [الإسراء:٣٦] وكثير من النَّاس ينسى هذه الآية فيقف ما ليس له به علم، والله تَعَالَى لما نهانا عن ذلك ختم الآية بالمسؤولية عن هذه الأعضاء التي هي منافذ العلم والإحساس، فلا تسمع ولا تبصر ولا تفكر إلا فيما أراد الله ﷾ وفيما رضي وشرع، وأما فيما سوى ذلك فرد الأمر إِلَى عالمه؛ هو الطريق الأسلم والأجدى.\r\rوما أوتيتم من العلم إلا قليلا\rالعلم البشري محدود، لذا جَاءَ في آخر سورة الإسراء: وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً [الإسراء:٨٥] فهل يستطيع علماء التشريح والطب والنفس وما إِلَى ذلك أن يجيبوا ما هي الروح؟ فضلاً عن النَّاس في القرون الماضية؟ لم ولن يستطيعوا أبداقُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً [الإسراء:٨٥] وفي قصة الخضر وموسى ﵉ المعروفة بعد أن انتهيا وبين له الخضر لماذا فعل هذه الأمور؛ جَاءَ طائر فنقر في البحر بمنقاره فأخذ قطرة من الماء، فَقَالَ الخضر لموسى أرأيت ذلك الطائر ما عندي وعندك من العلم في جانب علم الله إلا مثلما أخذ ذلك الطائر من ذلك البحر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689368,"book_id":1659,"shamela_page_id":494,"part":null,"page_num":494,"sequence_num":494,"body":"هذا وهو الخضر الذي قال الله عنه وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً [الكهف: ٦٥] وهو الذي أعلمه الله وأطلعه أنّ خرق هذه السفينة أولى وأجدى لأصحابها وأن هذا الغلام لو كبر سيكون كذا وكذا فليقتل وأن تحت هذا الجدار كنز، وأنه لغلامين يتيمين وأنهما سيكبران ثُمَّ يأخذانه، أمور غيبية عجيبة لا يستطيع الإِنسَان أن يعرفها ولا يصل إليها عَلَى الإطلاق، وكل ما عنده من العلم مما أعطاه الله من علمه لا يتجاوز ما أخذ ذلك الطائر الصغير من هذا البحر العظيم الكبير، حتى تقف العقول البشرية أمام القُرْآن والسنة ذليلة عاجزة خاضعة، ويستسلم الإِنسَان بقلبه وعقله وجوارحه لربه تَعَالَى.\r\rالموقف الشرعي من أقوال الرجال\rفكل ما جاءه عن الله ورسوله فليقابله بالتسليم والانقياد والإذعان، وهذا هو منهج النبي ﷺ وأصحابه الكرام الذين هم أعلم وأذكى وأفهم الناس، فيجب أن يكون حال من بعدهم هو أكثر انقياداً وإذعاناً للنصوص.\rقَالَ المُصْنِّفُ ﵀: [فعلى العبد أن يجعل ما بعث الله به رسله وأنزل به كتبه هو الحق الذي يجب اتباعه فيصدق بأنه حق وصدق وما سواه من كلام سائر النَّاس يعرضه عليه] .\r\rيقول: إذا جاءك الكلام من النَّاس الآخرين، ابتداءً من صحابة الرَّسُول ﷺ وهم أفضل النَّاس ثُمَّ العلماء ثُمَّ من بعدهم إِلَى أن نصل إِلَى أهل البدع والضلال، كل من جاءنا بقول نعرضه عَلَى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، فإن وافقه فهو حق، وإن خالفه فهو باطل مردود لا يؤخذ به.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689369,"book_id":1659,"shamela_page_id":495,"part":null,"page_num":495,"sequence_num":495,"body":"[وإن لم يُعلم] أي جاءك قول لا تدري أهو موافق للكتاب والسنة أو مخالف؟ يقول المُصْنِّف ﵀: [وإن لم يعلم هل خالفه أو وافقه يكون ذلك الكلام مجملاً لا يعرف مراد صاحبه] قد يكون السبب أن هذا الكلام مجملاً، مثل: كلمة الجهة كلمة مجملة تحتمل حقاً وباطلاً، ونفي الجسم كلام مجمل قد يحتمل الحق وقد يحتمل الباطل، وغير ذلك في باب الصفات وغيره، ففي هذا الكلام المجمل ينظر في مراد صاحبه هل يريد جانب الحق أو الجانب الآخر.\r\rكما كَانَ يدلس بعض المعتزلة ويقول: فلان ليس بمؤمن، فماذا يقصد بها؟ إن قصد بها أنه مسلم لكنه عاصٍ فاسق فاجر فهو محق، وإن قصد أنه ليس بمسلم بل كافر خارج عن الملة لمجرد أنه أذنب ذنباً من الذنوب، عرفنا أن هذا من أباطيل الخوارج ومن شايعهم، فالكلام المجمل إن لم نعرف مراد صاحبه فإنه يتوقف فيه ويمسك عنه، ونقول: إن احتمل كذا كَانَ كذا، وإن احتمل كذا كَانَ كذا، وإن عرفنا مراده ولم يكن الكلام مجملاً بل كَانَ كلامه واضحاً، لكن لا ندري هل هذا الكلام مما جَاءَ به الرَّسُول ﷺ؟ وهل يدل عليه دليل من الكتاب والسنة؟ أم لا؟ وهل هو حق أم باطل؟ وهذا الأمر صعب ولا يعرف ذلك إلا العلماء وبعد البحث والتنقيب أحياناً.\rفالخلاصة أنه إذا عرفنا مراد المتكلم ولم نعرف هل الرَّسُول جَاءَ بتصديقه أو بتكذيبه، فإن الإِنسَان يمسك عنه ويتركه ولا يتكلم فيه إلا بعلم وهذا كثير، فقد تأتي أخبار أو نظريات علمية، فلا ندري أفي كتاب الله ما يوافقها أو يخالفها؟! فالموقف من هذه الإمساك عنها، وعدم إشاعتها بين الناس، وعدم الخوض فيها وألا نجهد أنفسنا، ولا نجهد النَّاس في معرفتها وفي الاستدلال لها أو عليها، فضلاً عن أن نتفرق، فهذا ينفي وهذا يعارض وهذا يؤيد، وما أكثر ما يحدث وخاصة في أمثال هذه الأمور في هذا الزمان.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689370,"book_id":1659,"shamela_page_id":496,"part":null,"page_num":496,"sequence_num":496,"body":"قول المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: [ولا يتكلم إلا بعلم] العلم هو ما قام عليه الدليل، هذه هي حقيقة العلم أما ما عدا ذلك مما لم يقم عليه دليل فإنه ظن، والظنلا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً [يونس:٣٦] وهذه الكلمة -أي: العلم- تشمل العلم الشرعي وغير الشرعي، والعلم الشرعي يقوم عَلَى الدليل من الكتاب أو السنة أو القياس أو الفهم الصحيح للأدلة.\rتعريف العلم الدنيوي\rالعلم الدنيوي الحقيقي هو: الذي قام عليه الدليل من تجربة أو برهان من البراهين الذي يكفي مثلها لصحة هذا العلم.\r\rالنافع من العلم\rقول المُصْنِّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: [والنافع منه ما جَاءَ به الرَّسُول ﷺ] .\rأي: أن أنفع العلوم وأفضلها هو ما جَاءَ به الرَّسُول ﷺ، ولأن عليه تتوقف سعادة الإِنسَان في الدنيا والآخرة وعليه يتوقف الهدى والضلال، وهذا أعظم مطلب، فحاجة النَّاس إِلَى معرفة الهدى والضلال أعظم من حاجتهم إِلَى معرفة علم الطب مثلاً لأن حاجتك إِلَى أن تعرف ما يدلك إِلَى طريق الجنة ويباعدك عن طريق النَّار أعظم من حاجتك إِلَى معرفة ما يدلك إِلَى طريق السلامة والعافية مما يدلك إِلَى طريق المرض والهلاك، فإن الإِنسَان لو هلك وكان من أهل الجنة لما خسر شيئاً، ولكن لو سلم وعوفي في بدنه وكان من أهل النَّار فإن هذا هو الخسران المبين.\rوبذلك نعلم أهمية هذا العلم الشرعي دون أن ننقص من الأهمية للعلم الدنيوي الآخر، وقد يقول قائل: أنتم تقولون: لا نأخذ العلم إلا من الرَّسُول ﷺ؟ فهل الطب والفلاحة، والهندسة، والكيمياء، والفيزياء، أتت من طريق الرَّسُول ﷺ حتى لا نأخذها إلا من طريقه؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689371,"book_id":1659,"shamela_page_id":497,"part":null,"page_num":497,"sequence_num":497,"body":"نقول ليس هذا هو المراد؛ لأن الأصل في بعثة النبي ﷺ هو تبيين طريق الهداية لنا، وكذلك القُرْآن هو هدى ونور وشفاء وموعظة وذكرى، وما عدا ذلك من الأمور فهي بالتبع وليست بالأصالة.\r\rإذاً: فأصل ما جَاءَ به النبي ﷺ ليس أمور الدنيا، ومن هنا يكون قوله ﷺ: (أنتم أعلم بأمور دنياكم) . ولو أن الفلاسفة والمفكرين أجهدوا أنفسهم في معرفة الزراعة والطب والهندسة لأحسنوا إِلَى الإِنسَانية -لأن لديهم عقولاً ضخمة جبارة- ولأراحوا أنفسهم من العناء، لكن تركوا هذه التي أمروا أن يفكروا فيها، وأخذوا يفكرون في أمور الرسالة.\r\rمثل من يعرض عن ما أنزل الله\rومثل النَّاس الذين يعرضون عن الحق والهدى مع وضوحه مثل رجل جَاءَ وقَالَ: أنا أريد أن أعرف علم الجغرافيا فقيل له: إن الجغرافيا علم موجود من القديم، وهذه الخرائط والأنهار والجبال والنباتات والجغرافيا الطبيعية والاقتصادية موجودة، فقَالَ: حتى نصدق بهذا العلم لا بد أن نعرض هذا العلم عَلَى عقولنا وعلى أنظارنا وأن نفكر، ثُمَّ أخذ يقيس خط الاستواء وأخذ الذراع، ويريد أن يذرع خط الاستواء! وكم خطوط الطول وكم خطوط العرض! وكم طول البحر الأحمر، وكم تبعد مدينة القاهرة عن ,بغداد فهذا الرجل يكون مدعاة للسخرية، بل هو شخص مسكين ضعيف العقل يرثى له! وهذا هو واقع وحال الذين يتركون ما أنزل الله تَعَالَى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689372,"book_id":1659,"shamela_page_id":498,"part":null,"page_num":498,"sequence_num":498,"body":"ومعنى قول الصحابة ﵃ لقد تركنا رَسُول الله ﷺ وما من طائر يقلب جناحيه في السماء إلا أنبأنا منه علماً أي: أخبرنا ﷺ بما يصلحنا في دنيانا وفي أخرانا وأخبرنا وبما يصلح قلوبنا، ومعاملاتنا مع أهلينا ومجتمعنا، والمعاملة الناجحة بين الراعي والرعية، وبين الجار وجاره، وبين العبد وربه، وأخبرنا كيف يأتينا الموت؟ وكيف ننتقل إِلَى القبر؟ وماذا يحدث لنا في القبر؟ وكيف تقوم الساعة؟ وكيف نحاسب؟ وكيف نرد الصراط؟ وكيف يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النَّار النار؟ فهذا كلام لا يمكن أن تتخيله العقول ولا تصل إليه، مع ذلك فقد وضحه رَسُول الله لنا توضيحاً شافياً كاملاً، حتى كأننا نرى كل هذه الأمور، وما بقي إلا يقع حقيقة هذا الذي أنت قد رأيته بقلبك وإحساسك، ثُمَّ يأتي هَؤُلاءِ ويقولون: نلغي كل هذه العلوم، ويفكرون في الروح، وما هي الروح؟ وكيف تخرج؟ وأين تذهب؟ وأين يذهب الإِنسَان؟ ومن أين جاء؟ والله قد كفانا ذلك، أخبرنا عن ذلك كله.\r\rوقس عَلَى هذا كثيراً من الأمور الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي قد بينها الله حق البيان، ثُمَّ تأتي الدول الاشتراكية والرأسمالية وغيرها، ويتنازعون في وضع قوانين ونظم ينطلقون من خلالها في تعاملاتهم وحياتهم، فيختلفون في ذلك أشد الخلاف، ويعقدون المؤتمرات تلو المؤتمرات ولا يخرجون بنتيجة عَلَى الإطلاق مع أن الحق والهدى بين أيديهم. هذا في الأمور التي تدرك بالعقول وتنضبط بالمعايير المحسوسة، فكيف بأمور الغيب والتي لاتدرك بالحس ولا بالعقول؟!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689373,"book_id":1659,"shamela_page_id":499,"part":null,"page_num":499,"sequence_num":499,"body":"وصدق الله إذ يقول: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النساء:٨٢] لقد رحمنا الله وأعطانا هذا الدين القويم، وأرسل إلينا هذا النبي العظيم، وأنزل إلينا القُرْآن هذا الذكر الحكيم، وأعطانا كل الخير والهدى واضحاً جلياً، فهذا هو الحق وهذا هو العلم الصحيح الذي هو أعظم وأشرف هذه العلوم، فيجب علينا أن نتمسك بالكتاب والسنة، وأن نعبد الله عَلَى بينة وبرهان، وإن أعرضنا فإننا سوف نلتمس الهدى من عند الذين يخوضون ويبحثون، ولن يعرفوا حقيقة الروح ولن يعرفوا نشأة الكون ولا نهايته، ولن يعلموا الغيب وما يؤول إليه الإِنسَان بعد موته، وكيف يعيش في الدار الآخرة؟\r\rلا يمكن أن يصلوا إِلَى شيء من هذا؛ بل هم خراصون في ذلك كما قال الله، ويفترون عليه الكذب ويضيعون في أودية الكذب، حتى يأتي أحدهم الموت، وهو لم يخرج من هذه الدنيا بخير ولا فائدة.\r\rالأمور الإلهية لا مجال للعقل فيها\rوقول المُصْنِّف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:\r[وأما الأمور الإلهية والمعارف الدينية فهذه العلم فيها، ما أخذ عن الرَّسُول لا غير] أي: العلم في هذه الأمور الإلهية وهي ما يتعلق بالله ﷿ والمعارف الدينية؛ نأخذه من الرَّسُول ﷺ، ومن رحمة الله أن أرشدنا إِلَى القواعد العامة التي تتعلق بأمور الدنيا، والتي فيها صلاح أبداننا وصلاح عقولنا، فهل نعارض هذا بهذا ونقول مثلاً حديث الذباب لا يصلح؟\rونقول: كون السماوات جرم ولها أبواب وتفتح نرده؟\rونقول: هو اللانهاية، كما يقول علماء الفلك؛ بل نقول: كل ما جَاءَ عن الله ورسوله إن كَانَ من الأصل وهو الهداية أو كَانَ من الأمور التي جاءت تبعاً، وهي الكونية والمعارف والعلوم الدنيوية، فإنه حتى فيما جاءت به هذه العلوم يقدم الرَّسُول ﷺ عَلَى ما قالوه، ولا يتعارض -بإذن الله- نقل صحيح مع عقل صريح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689374,"book_id":1659,"shamela_page_id":500,"part":null,"page_num":500,"sequence_num":500,"body":"قال أبو جعفر الطّّحاويّ ﵀:\r[ولا تثبت قدم الإسلام إلا عَلَى ظهر التسليم والاستسلام]\rقَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:\r\r[هذا من باب الاستعارة، إذ القدم الحسي لا تثبت إلا عَلَى ظهر شيء، أي: لا يثبت إسلام من لم يسلِّم لنصوص الوحيين، وينقاد إليها، ولا يعترض عليها ولا يعارضها برأيه ومعقوله وقياسه.\rروىالبُخَارِيّ عن الإماممُحَمَّد بن شهاب الزهري ﵀ أنه قَالَ: من الله الرسالة، ومن الرَّسُول البلاغ، وعلينا التسليم، وهذا كلام جامع نافع.\r\rوما أحسن المثل المضروب للنقل مع العقل، وهو: أن العقل مع النقل كالعامي المقلد مع العالم المجتهد، بل هو دون ذلك بكثير، فإن العامي يمكنه أن يصير عالماً ولا يمكن للعالم أن يصير نبياً رسولاً، فإذا عرف العامي المقلد عالماً فدل عليه عامياً آخر، ثُمَّ اختلف المفتي والدال، فإن المستفتي يجب عليه قبول قول المفتي دون الدال، فلو قال الدال: الصواب معي دون المفتي لأني أنا الأصل في علمك بأنه مفت، فإذا قدمت قوله عَلَى قولي قدحت في الأصل الذي به عرفت أنه مفت، فلزم القدح في فرعه! فيقول له المستفتي: أنت لمَّا شهدت له بأنه مفت ودللت عليه شهدت له بوجوب تقليده دونك، فموافقتي لك في هذا العلم المعين لا يستلزم موافقتك في كل مسألة، وخطؤك فيما خالفت فيه المفتي الذي هو أعلم منك، لا يستلزم خطأك في علمك بأنه مفتٍ، هذا مع علمه أن ذلك المفتي قد يخطىء] اهـ.\rالشرح:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689375,"book_id":1659,"shamela_page_id":501,"part":null,"page_num":501,"sequence_num":501,"body":"قول الطّّحاويّ ﵀: [ولا تثبت قدم الإسلام إلا عَلَى ظهر التسليم والاستسلام] معناه: أن الإسلام هو: الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والخلوص من الشرك، أي: أن يلغي الإِنسَان كل شك أو شبهة تعارض ما جَاءَ به الرَّسُول ﷺ، ويتمثل قوله تعالى:] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً [البقرة: ٢٠٨] أي: ادخلوا في دين الله كله، وعلى ذلك قاتل النبي ﷺ، وأُمر أن يقاتلوَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ [الأنفال:٣٩] ويكون الإذعان والانقياد والطاعة لله تَعَالَى.\rوما قاله المُصنِّفُ عن كلام الطّّحاويّ: إنه من باب الاستعارة، وهي: التشبيه الذي حذف أحد طرفيه، بدلاً من أن نقول: مثل إسلام الإِنسَان كالإِنسَان الذي يقف عَلَى قدميه لا بد أن يقف عَلَى شيء، وهذا الشيء يجب أن يكون ثابتاً مثل التسليم والاستسلام، فنحن حذفنا أحد الطرفين، وهذه تسمى الاستعارة، فَيَقُولُ: القدم الحسي لا تثبت إلا عَلَى ظهر شيء فأخذ ذلك وقَالَ: لا يثبت إسلامك ولا إيمانك إلا عَلَى شيء، وهو: التسليم والاستسلام لله تعالى، فلا يثبت إسلام من لم يسلم لنصوص الوحيين -أي: الكتاب والسنة- وينقاد إليهما، فلا يعترض عليهما ويعارضهما برأيه ومعقوله وقياسه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689376,"book_id":1659,"shamela_page_id":502,"part":null,"page_num":502,"sequence_num":502,"body":"ثُمَّ استشهد عَلَى ذلك بما قاله الإمام العظيم مُحَمَّد ابن شهاب الزهري فيما رواه الإمامالبُخَارِيّ عنه قال هذه الكلمة الجامعة \"من الله الرسالة\" وهذه من رحمته أنه منَّ بها وأرسل رسوله ﷺ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:١٠٧] فالله رحمنا وأرسل الرَّسُول ﷺ وأنزل الرسالة فمن الله الرسالة \"ومن الرَّسُول البلاغ\" أي: الرَّسُول ﷺ مبلغ ومبين لِمَا أنزل الله، وعلينا نَحْنُ التسليم، فهذا الكلام العظيم كلام من تأدب بأدب النبي ﷺ، وأُعطي العلم النافع الصحيح، كما أخذه عن النبي ﷺ فكانت له مثل هذه الكلمات وهذا هو الواجب الذي يجب علينا؛ لأن الله قد منَّ علينا بالرسالة ورحمنا بها، والرَّسُول ﷺ قد بلغ الرسالة وأدى الأمانة، وجاهد في الله حق جهاده، وبين لنا كل خير وكل شر إِلَى أن نلقى الله، وبقي علينا التسليم والانقياد والإذعان.\rالمثال المضروب للنقل مع العقل\rثُمَّ ذكر المُصْنِّف ﵀ المثل المضروب للنقل مع العقل وقد ذكره شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ في درء التعارض فإن الذين يقولون: نقدم العقل عَلَى النقل حجتهم هي: أن العقل هو الذي دلنا عَلَى صحة النقل، فلولا العقل لم نعرف أن هذا رسول، ولم نعرف أن القُرْآن حق، فالعقل هو أصل النقل، وهو الذي دل عليه، والمجنون لا يكلف، ولا يحتاج إِلَى الحق، ولا يعرف صدق رَسُول من كذبه، ولا يفهم آية من غيرها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689377,"book_id":1659,"shamela_page_id":503,"part":null,"page_num":503,"sequence_num":503,"body":"فأراد شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ ﵀ أن يزيل هذا اللبس الذي حصل عندهم في علاقة هذا الدليل مع المدلول عليه، فقَالَ: هذا المثل الذي هو للتقريب -وإلا فإنه ليس تشبيهاً من كل جهة- وهو أن مثل العقل مع النقل كالعامي المقلد مع العالم المجتهد، فهذا العامي المقلد كلما أمره العالم بشيء فكر فيه وفهمه، ثُمَّ نفذه هذا هو الدور الحقيقي الذي يجب أن يكون عليه هذا.\r\rوليس في هذا المثل مطابقة من كل وجه؛ لأن هذا العامي المقلد يمكن أن يتعلم فيصير عالماً مجتهداً، بخلاف العقل فإنه لن يصل إِلَى رتبته؛ لأن الوحي أو الغيب لا تصل إليه العقول أبداً، فالعالم العاقل مهما أعمل عقله لن يصبح نبياً ولن يعرف علوم الأَنْبِيَاء أبداً، يقول: فإذا عرف العامي المقلد عالماً، ثُمَّ جَاءَ هذا العامي المقلد ودل عامياً آخر عَلَى هذا العالم، وقال له: خذ منه العلم، وكل شيء يقوله لك الشيخ لا بد أن تعرضه عليَّ، فإما أن أوافق عليه وإما أن أخالفه.\r\rفيقول ذلك العامي الغريب: أنت دللتني عليه عَلَى أساس أنه عالم آخذ منه العلم، وإذا كَانَ الأمر كذلك فأنت العالم! فلماذا تدلني عَلَى الشيخ؟ لا حاجة إذن إِلَى العالم أصلاً، وهذا الذي نقوله لمن يقول: تقدم العقول عند التعارض، فنقول: ما فائدة الوحي إذن إذا كنا سنحكم بآرائنا وعقولنا؟!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689378,"book_id":1659,"shamela_page_id":504,"part":null,"page_num":504,"sequence_num":504,"body":"يقول المُصْنِّف ﵀: [فإن المستفتي يجب عليه قبول قول المفتي] أي: يجب عَلَى هذا المستفتي أن يسمع قول المفتي العالم ولا يسمع كلام الذي دله عليه، فلو قال الدال: إن الصواب معي دون المفتي؛ لأني أنا الأصل في علمك بأنه مفتي، فإذا قدمت قوله عَلَى قولي قدحت في الأصل الذي به عرفت أنه مفتي، ولزم من ذلك القدح في فرعه وهو النقل، فيقول له المستفتي الغريب: أنت لما شهدت له بأنه مفتي ودللت عليه شهدت له بوجوب تقليده دونك، ولا أتبعك أنت، فأنت لا تتجاوز قدرك وطورك، فموافقتي لك في هذا العلم المعين لا تستلزم موافقتك في كل مسألة، وخطأك فيما خالفت فيه المفتي الذي هو أعلم منك لا يستلزم خطأك في علمك بأنه مفتي.\rأي: نَحْنُ عندما نقول للعقل أيها العقل بما أنك قد دللتنا عَلَى صحة الوحي وعلى صحة النقل، فهذه شهادة منك بأن الوحي هو الذي يرجع إليه، وأن المتَّبع هو الوحي، ولا نهدر قيمة العقل، وخطأك أيها العقل في أمر تخالف فيه الوحي لا يستلزم خطأك في قولك إن الوحي هو الصواب، فهو قد جَاءَ بحق وجاء بباطل، فالحق قوله: إن الوحي هو الصواب، والباطل هو قوله: إن ما جَاءَ به الوحي لابد أن تعرضوه عليَّ لأخبركم ما تأخذون منه وما لا تأخذون.\rفنقول: لا يلزم منا هذا، فلا يلزم من صوابك في الدلالة أن نأخذ كلامك دون الوحي، ولا يلزم من خطئك فيما عارضك فيه الوحي أنك مخطئ في دلالتك عَلَى صدق الوحي، وهذا من أحسن الأجوبة والأمثلة التي يتضح بها قيمة عقل الإِنسَان مع ما أنزل الله من الوحي الذي تعبدنا الله تَعَالَى به دون ما سواه.\r\rحقيقة المعارض لما جاء به النبي ﷺ\rقَالَ المُصْنِّفُ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689379,"book_id":1659,"shamela_page_id":505,"part":null,"page_num":505,"sequence_num":505,"body":"[والعقل يعلم أن الرَّسُول معصوم في خبره عن الله تعالى، لا يجوز عليه الخطأ، فيجب عليه التسليم له والانقياد لأمره، وقد علمنا بالاضطرار من دين الإسلام أن الرجل لو قال للرسول: هذا القُرْآن الذي تلقيه علينا، والحكمة التي جئتنا بها قد تضمن كل منهما أشياء كثيرة تناقض ما علمناه بعقولنا، ونحن إنما علمنا صدقك بعقولنا، فلو قبلنا جميع ما تقوله مع أن عقولنا تناقض ذلك، لكان قدحاً في ما علمنا به صدقك، فنحن نعتقد موجب الأقوال المناقضة لما ظهر من كلامك، وكلامك نعرض عنه لا نتلقى منه هدياً ولا علماً، لم يكن مثل هذا الرجل مؤمناً بما جَاءَ به الرسول، ولم يرض منه الرَّسُول بهذا، بل يعلم أن هذا لو ساغ لأمكن كل أحد أن لا يؤمن بشيء مما جَاءَ به الرسول، إذ العقول متفاوتة، والشبهات كثيرة، والشياطين لا تزال تلقي الوساس في النفوس، فيمكن كل أحد أن يقول مثل هذا في كل ما أخبر به الرَّسُول وما أمر به!!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689380,"book_id":1659,"shamela_page_id":506,"part":null,"page_num":506,"sequence_num":506,"body":"وقد قال تعالى: وَمَا عَلَى الرَّسُول ولِ إِلَّا الْبَلاغُ [النور: ٥٤] ، وقَالَ: فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ [النحل: ٣٥] وقَالَ: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُول لٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [إبراهيم:٤] ، قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ [المائدة: ١٥] ، حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ [الزخرف:١، ٢] ، تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ [يوسف:١] ، مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [يوسف: ١١١] ، وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ [النحل: ٨٩] ، ونظائر ذلك كثيرة في القرآن. فأمر الإيمان بالله واليوم الآخر: إما أن يكون الرَّسُول تكلم فيه بما يدل عَلَى الحق أم لا؟ والثاني باطل، وإن كَانَ قد تكلم بما يدل عَلَى الحق بألفاظ مجملة محتملة، فما بلغ البلاغ المبين، وقد شهد له خير القرون بالبلاغ، وأشهد الله عليهم في الموقف الأعظم، فمن يدعي أنه في أصول الدين لم يبلغ البلاغ المبين، فقد افترى عليه ﷺ] اهـ.\rالشرح:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689381,"book_id":1659,"shamela_page_id":507,"part":null,"page_num":507,"sequence_num":507,"body":"نسأل الله تَعَالَى أن يوفقنا جميعاً إِلَى أن نعرف قدر رَسُول الله ﷺ، وأن نحبه ﷺ، ونطيعه كما أمر الله، وكم في هذا القول وهو تقديم العقل عَلَى النقل وأمثاله من المخالفات واللوازم الباطلة التي ألقاها الشيطان في النفوس، وألقتها الطواغيت من الجن والإنس، وألقتها الشهوات والعقول الفاسدة، من قوانين أو مناهج أو براهين أو علوم أو ما أشبه ذلك من الأباطيل؛ ليعارض بها ما جَاءَ به الرَّسُول ﷺ، والأمثلة التي ذكرت هنا أو هذه القواعد هي مما لا يزال ينخر في كيان الأمة الإسلامية إِلَى اليوم، فقد يحسب بعض النَّاس أنه إنما خاض في ذلك علماء الكلام وانحرفوا عن الجادة، والحقيقة أن كل متبع للشيطان أو للهوى فإنه معارض لما أنزل الله عَلَى رسوله ﷺ.\rوكل شيء مما هو مخالف لما جَاءَ به الرَّسُول ﷺ إِلَى قيام الساعة فإنه يشمله هذا الحكم وتدل عَلَى بطلانه هذه القواعد.\r\rمن لوازم معارضة ماجاء به النبي ﷺ\rومن لوازم معارضة ماجاء به الرَّسُول ﷺ أن الرَّسُول ﷺ إما أنه لم يبلغ -عياذاً بالله- أو أنه بلغ غير ما أوحي إليه، أو أن بلاغه لأي أمر يتوقف تنفيذه عَلَى شيء سواه، وهذا كلام ليس مجرد بحوث عقلية؛ بل قد صار في الواقع العملي، فإنك ترى كثيراً ممن يدَّعون الإسلام يعرض عليهم تحريم الخمر وأن الله تَعَالَى أنزل حرمتها في كتابه، فيقولون نعرض الأمر عَلَى مجلس كذا وكذا، فإذا أقر المجلس أنها حرام حرمت، وإذا لم يقرها تعرض في الدورة التي بعدها أو التي بعدها أو تسقط قانونيتها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689382,"book_id":1659,"shamela_page_id":508,"part":null,"page_num":508,"sequence_num":508,"body":"وأمثال هذه المصائب والبلايا التي هي السبب في انحطاط الْمُسْلِمِينَ، وذلك أن يأتي الأمر من الله أو من رسوله ﷺ فيوقف تنفيذه لآراء البشر أو لأهواء الناس، والأصل أن كل أحد دونه ﷺ فإنه يجب أن يخضع وأن يلتزم لأمر الرَّسُول ﷺ قال الله تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُول ولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:٧] وهذا هو الأولى والأجدى فإن المسلم لا يكون مسلماً حقاً إلا إذا التزم بالعمل به وبتنفيذه، حتى من لم يعمل فإنه يجب عليه أن يلتزم بالعمل، أما أن يقول: ندع العمل به نهائياً؛ لأنه يخالف كذا وكذا، أو يقول: يمكن أن نعمل به بعد أن نأخذ رأي فلان؛ فإن معنى ذلك -عياذاً بالله- أن ثُمَّ إله غير الله ﷿ يستدرك عليه، وبهذا نجد الجرأة البالغة عَلَى الله ورسوله.\r\rفحياة الْمُسْلِمِينَ في كل مكان أصبحت تقوم عَلَى هذه الأمور إما ظاهرة وإما خفية، فأين المسلم الذي إذا قلت له: هذا حرام يقف عند النهي؟ أو أن هذا فيه حديث لعله ما بلغك، قال رَسُول الله ﷺ كذا فيقف. أين هذا في الأمة الإسلامية؟\rوبعض النَّاس إذا قلت له قال الله ورسوله، قال لك: بلاد الغرب يفعلون كذا والقوانين تقول كذا، والمجلس الفلاني يقول: كذا، والقضية لم تعرض عَلَى كذا؛ سُبْحانَ اللَّه! فيعارضون أمر الله وكلام رسوله ﷺ بهذه المحقرات، فلازم ذلك أن كلام رَسُول الله ﷺ إما أنه غير ملزم لهم، إذاً فهم لم يدخلوا في دين الله ولا آمنوا بالرسول، لأنهم يقولون: نؤمن به بعد أن يثبت لنا شيء آخر وكأنه شرط مفقود للإيمان بالرَّسُول ﷺ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689383,"book_id":1659,"shamela_page_id":509,"part":null,"page_num":509,"sequence_num":509,"body":"أو أنهم يقولون: إن الرَّسُول ﷺ لم يبلغ، وفي هذا إفك وافتراء وبهتان عَلَى الله ورسوله، فإن قالوا: بلغ ولا يلزمنا طاعته فهي مصيبة أعظم، وإن قالوا: لم يبلغ فهي أيضاً مصيبة أخرى، ولا فكَاكَ منهما، والسبب هو: أن الانتساب إِلَى الإسلام أصبح عند كثير من النَّاس إنما هو بالاسم ولا حقيقة وراء ذلك.\r\rفكما قال الإمام الطّّحاويّ: [ولا تثبت قدم الإسلام، إلا عَلَى ظهر التسليم والإستسلام] فمن لم يكن كذلك فإن إيمانه غير ثابت بل مزعزع أو مفقود، حتى يكون الإِنسَان منا إذا بلغه عن رَسُول الله شيء فكأنما يخاطبه رَسُول الله ﷺ يخاطبه ويناديه بالاسم ويقول له: يا فلان دع الربا، ويا فلان دع الزنى، ويا فلان أرجم الزاني والزانية ويا فلان حرم كذا أو أحل كذا، هكذا يجب أن يكون حالنا؛ لأن غياب شخصه ﷺ عنا لا يعني انقطاع الدين، فإن سنته قائمة ودينه وبلاغه قائم إِلَى أن تقوم الساعة.\r\rمن أعظم أمور العقيدة، ومن أعظم الأصول التي يجب عَلَى كل مسلم أن يدركها وأن يعيها بقدر ما يفتح الله ﵎ عليه، وهي أن الإِنسَان كليل العقل، محدود الإدراك، لا يستطيع أن يعلم كل شيء، ولا أن يحيط بكل ما جَاءَ في الكتاب أو السنة من أمور الغيب، وأن هذا الدين مبناه عَلَى الاستسلام لله ﷾ والإذعان والانقياد للرَسُول ﷺ، وعدم الاعتراض عليه بالعقول، أو الأهواء أو الآراء والأقيسة، أو الأذواق، أو المواجيد، أو الكشوف، أو بأي نوع من أنواع الاعتراض.\rوقد ذكر المُصنِّفُ ﵀: توحيدين لا نجاة للعبد إلا بها:\r\rالأول: توحيد المرسل: أي توحيد الله ﷾ بعبادته وطاعته.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689384,"book_id":1659,"shamela_page_id":510,"part":null,"page_num":510,"sequence_num":510,"body":"والثاني: توحيد متابعة الرَّسُول ﷺ، وكما أننا لا نعبد إلا الله، فكذلك لا نتبع اتباعاً مطلقاً بلا اعتراض إلا رَسُول الله ﷺ، وهذا الأصل تدل عليه الآيات والأحاديث الكثيرة جداً، كما قال الله ﵎: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُول لٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّه [النساء:٦٤] .\rحقيقة محبة الرسول ﷺ\rكما قال جل شأنه: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النساء:٦٥] الآية.\rوبهذا نعرف حقيقة محبة الرَّسُول ﷺ هذه المحبة التي هي من أصول الإيمان، فلو أن بشراً كائناً من كَانَ وقع في قلبه مثقال ذرة من كره النبي ﷺ لما كَانَ من الْمُسْلِمِينَ أبداً، إذ لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يجتمع في قلب العبد كراهيةً للنبي ﷺ، وإيمان بالله وبرسوله، وبما جَاءَ من عنده، فهو ليس بمسلم عَلَى الإطلاق.\r\rمن لوازم محبة الله محبة النبي ﷺ\rومن هنا نعرف حقيقة محبة النبي ﷺ بل من لازم محبة الله محبة النبي ﷺ، قال الله ﵎: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران:٣١] فالاتباع أصل عظيم من أصول الدين، وهو قاعدة الإسلام التي يقوم عليها؛ بل هو حقيقته ولبه، فلا يكون الإِنسَان مسلماً أبداً إلا إذا اتبع الرَّسُول ﷺ ظاهراً وباطناً، فإن حصل من العبد انقيادٌ واستسلامٌ ظاهري لِمَا جَاءَ به الرَّسُول ﷺ مع خلو باطنه من ذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689385,"book_id":1659,"shamela_page_id":511,"part":null,"page_num":511,"sequence_num":511,"body":"فهَؤُلاءِ هم المنافقون الذين كرهوا رَسُول الله ﷺ وكرهوا ما أنزل إليه، ولذلك خرجوا من الملة كلهم أو أكثرهم بسبب ذلك.\r\rوأما الطرف الآخر: وهو من يزعم أن محبة الله، ومحبة الرَّسُول ﷺ في قلبه، ولكن أعماله تكذب ذلك، ولا ينقاد ولا يستسلم لأوامر الله، ولا يطبق سنة رَسُول الله ﷺ، أو يعارض ماجاء عنه بأي نوع من أنواع المعارضات، فإن هذا كاذب في دعواه، ونستدل عَلَى ذلك بما قاله بعضالسلف: لما قرأ قول الله ﵎: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ قَالَ: هذه آية الامتحان، ادعى قوم محبة الله فأنزل الله آية الامتحان ليمتحنهم، وليبين من يحبه حقيقة ومن لا يحبه، وما يدعيه بعض النَّاس من محبة الرَّسُول ﷺ فإن واقع حالهم مخالف لما جَاءَ به الرَّسُول ﷺ ويقولون: إننا مع مخالفة السنة نتعرض للّوم، ولهذا يقال لهم: الملامية أو الملامتية، ويستدلون بقول الشاعر كعادتهم في هذا الشأن:\r\rأجد الملامة في هواك لذيذة حباً لذكرك فليلمن اللوم\rويغلون فيه ﷺ بأنواع الغلو، ويستجلبون اللوم بذلك ويقولون: لا تكون المحبة إلا باللوم فنقول لهم: إن المحبة الحقيقية لله ولرسوله ﷺ هي مدعاة للوم وليس في ذلك شك، فمن اتبع النبي ﷺ في جهاده ودعا إِلَى الله ليلاً ونهاراَ وسراً وعلانية، في أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689386,"book_id":1659,"shamela_page_id":512,"part":null,"page_num":512,"sequence_num":512,"body":"فإن هذا بلاشك يخالف أهل الرغبات، وأهل الشهوات، فيدعو النَّاس إِلَى لومه -وهذا شيء طبيعي- وهذه هي المحبة الحقيقية: أن يطبق الإِنسَان السنة، وليس التعرض للوم هو المقصود بل المراد بهذا أن نفهم حقيقة محبة الله ﷾ التي قال الله ﵎ فيها: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه [المائدة:٥٤] فأول صفة: يحبهم ويحبونه.\r\rمن كان عاملاً بالسنة فقد تعرض للوم والأذى\rولما ذكر الله الآية السابقة قال في الأخير: وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ معنى ذلك: أن المحبة الحقيقية لله لا بد أن يتبعها لوم اللائم، ولو طبقت السنة في نفسك فقط لوجدت اللوم والأذى مع أنك لم تدع أحداً! فكيف إذا دعوت إِلَى الله ﵎ كما أمر الرَّسُول ﷺ؟! وهذا مما ينبغي أن ينبه إليه وهو: أن أهل الانحراف والزيغ يريدون منك أن تكف عن دعوتهم، فيقولون لك إن كنت تدعوهم: لم يقل لك أحد لاتصل! بل صلِّ، واعفُ لحيتك، وقصر ثوبك.\rفهم يريدون في هذه المرحلة، أن يكتفي الإِنسَان بإصلاح نفسه ويترك غيره، فإذا فعل الإِنسَان السنة وانهزم عن دعوتهم لا يقتنعون بهذا، بل يأتون إليه، ويقولون له: لماذا تفعل هذا الشيء فتعرض نفسك للنقد، ولشتيمة النَّاس ولكذا وكذا؟ ولا يرضون لك حتى تصبح مثلهم، وهذا هو شأن المنافقين وأتباعهم، فإن النَّاس في النفاق درجات كما قال الله تعالى: وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً [النساء:٨٩] فهذا هو حالهم وشأنهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689387,"book_id":1659,"shamela_page_id":513,"part":null,"page_num":513,"sequence_num":513,"body":"العقل يعلم أن رَسُول الله ﷺ معصوم في خبره عن الله تعالى، هذه قاعدة متفق عليها بين الْمُسْلِمِينَ، فلو أن أحداً قَالَ: إن الرَّسُول ﷺ غير معصوم فيما يبلغ عن الله، لخرج من الإسلام.\rوأصحاب الفرق الضالة لا يقولون هذا، ولكنهم لا يلتزمون بلازم إثبات العصمة له ﷺ، فيقولون: إنه معصوم؛ لكن خبره هذا عارض البراهين العقلية، أو القواطع النظرية، أو الكشوفات الربانية، أو العلم اللدني، وهذا كله يعارض كونه ﷺ معصوماً في خبره عن الله تعالى.\rالمقدمة والنتيجة\rثُمَّ قَالَ المُصْنِّفُ ﵀: [والعقل يعلم أن الرَّسُول ﷺ معصوم في خبره عن الله - تعالى- لا يزيد عليه الخطأ، فيجب عليه التسليم له والانقياد لأمره] هذه مقدمة ونتيجة بدهية، ما دام مُقراً بأن الرَّسُول ﷺ معصوم عن الخطأ في البلاغ عن الله، فيجب عليه الانقياد، والإذعان، والتسليم دون أي منازعة، أو معارضة.\rوأتى بمثال يوضح ذلك فَيَقُولُ: بناءً عَلَى القاعدة التي قد شرحناها مراراً والتي تقول: إنه إذا تعارض العقل والنقل، فإننا نقدم العقل، ويقدمون العقل لأنهم قالوا: إذا قدمنا النقل فإن ذلك قدح في العقل؛ لأن العقل هو الوسيلة والدليل الذي عرفنا به صحة النقل، وهذا الدليل عكسناه عليهم في المرة الماضية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689388,"book_id":1659,"shamela_page_id":514,"part":null,"page_num":514,"sequence_num":514,"body":"فنقول: قد عملنا بالاضطرار -أي: ما يعلم بالتفكير بدون أدلة- لو أن رجلاً قال للنبي ﷺ: هذا القُرْآن الذي جئت به، وهذه الحكمة \"السنة\" التي جئت بها، قد علمنا بعقولنا أن فيها ما يخالف ما استقر في عقولنا، وفيها ما يعارضه، ولو أننا قدمنا كلامك الذي تقوله عن الله أو من عندك عَلَى عقولنا، لكان هذا قدحاً في العقل وقدحاً فيما تأتي به، فالأولى لنا أيها الرَّسُول أن نقدم ما تقرر في عقولنا عَلَى ما جئتنا به من عند الله، فكان هذا هو تقديم العقل عَلَى النقل، فلو قال هذا أحد للنبي ﷺ أو لأي رَسُول من الرسل لَمَا كَانَ مؤمناً أبداً.\r\rوكذا لو قال أحد من الناس: أنا آمنت بك أيها النبي، وصدقت أن كلامك صحيح، لكن لا أقر لك بذلك كاملاً حتى أعرضه عَلَى إمامي، أو عَلَى فلان من الناس، أو أفكر فيه وأعرضه عَلَى عقلي فليس هذا بمؤمن.\r\rولهذا قلنا: إن شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رَسُول الله والكلام نوعين: خبر وإنشاء، فلو قال الإِنسَان: أشهد أن لا إله إلا الله، فالصحيح: أن هذا إنشاء، وبهذا نعرف الفرق بين الإيمان وبين الشهادة في حقيقتها، وبين الدعاوى الباطلة، فالشهادة إنشاء، أي: أقر بذلك وألتزم بكل لوازمها، وبكل ما يترتب عليها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689389,"book_id":1659,"shamela_page_id":515,"part":null,"page_num":515,"sequence_num":515,"body":"أما مجرد الخبر، فمن الممكن أن تجد إنساناً يهودياً أو نصرانياً، يقول لك: أنا قرأت القُرْآن وقرأت السنة فوجدت أن هذا دين من عند الله فإننا لا نقول: إن هذا قد أسلم، فإن هناك فرقاً بينه وبين شخص آخر يقول: أنا أشهد أن محمداً رَسُول الله، وأنا مؤمن بالقرآن، ومن شدة إذعانه يقول: أي أمر جَاءَ في القرآن، أو أي خبر، فأنا مستعد أن أتلقى الأخبار بالتصديق، وأتلقى الأوامر بالتنفيذ، وأتلقى النواهي بالوقوف والارتداع. فهذا هو المؤمن، وهذا هو الذي يحكم بإسلامه وبدخوله في دين الله، والأدلة عَلَى ذلك كثيرة في عهد النبي ﷺ.\r\rالعقول متفاوتة والشبهات كثيرة\rثُمَّ قَالَ المُصْنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: [إذا العقول متفاوتة والشبهات كثيرة] .\rيذكر المُصْنِّف ﵀: أن هذه القاعدة التي يقولون لو كانت صحيحة لأمكن لكل أحد أن لا يؤمن بشيء مما جَاءَ به الرسول، فمثلاً: لو أن إنساناً أتينا له بالوضوء فقَالَ: فكرت فلم أجد فيه حكمة. فقلنا له: الصلاة، قَالَ: الصلاة ما مناسبتها؟ ولماذا في هذه الأوقات؟ ولماذا عدد هذه الركعات؟ فنقول له: الزكاة، فَيَقُولُ: ليس من الضروري أن يخرج الإِنسَان هذه المبالغ ويتعب نفسه، فقلنا له: الصوم، قَالَ: تجويع وتعب، فالحج، قَالَ: هذا مجرد بيت مبني!\rيقول المصنف: [العقول متفاوتة] المسألة الأولى: أن هناك أناساً يقولون: لم نستطع أن نفهم لماذا هذا الشيء كذا؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689390,"book_id":1659,"shamela_page_id":516,"part":null,"page_num":516,"sequence_num":516,"body":"والثانية: [والشبهات كثيرة] فإذا ألقى الشيطان في نفس هذا شبهة، وألقى في نفس ذاك الآخر شبهة أخرى، فبمجموع الشبهات مع تفاوت العقول في الفهم، تكون الحصيلة: وهي قوله: [لأمكن لأي أحد أن لا يؤمن بشيء مما جَاءَ به النبي ﷺ] وهذا انسلاخ من دين الإسلام، وهذا الذي وقع -كما ترون- في هذه الأزمنة من انتشار الإلحاد بين الْمُسْلِمِينَ، إلحاد يرد كل ما جَاءَ عن الله وعن رَسُول الله ﷺ. وإذا تكلمت مع أحدهم تجد أن لديه كثيراً من الشبهات والأقوال في الزنى، أو الاختلاط، أو الخمر، أو اللحية، أو الإزار إذا أسبل، وهلم جرا.\r\rلكل قوم شبة يتعلقون بها\rوكما مر أن الأصنام نفسها ما عبدت إلا بشبهات، فقوم نوح قالوا: نصور صورهم فنتذكرهم، فإذا تذكرناهم عبدنا الله، والمُشْرِكُونَ في عهد النبي ﷺ والعرب في ذلك الزمن ورثوا ذلك الشرك عن قوم نوح، وَقَالُوا: هَؤُلاءِِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ [يونس:١٨] ، وَقَالُوا: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:٣] وهكذا المُشْرِكُونَ في كل زمان ومكان، شبهات لا تنتهي، وعقول متفاوتة، فما الذي يضبط هذه العقول، وهذه الأهواء؟ فلو أننا قررنا هذه القاعدة التي يقولون وهي: تقديم العقل عَلَى النقل وجعلناه حكماً ومعياراً؛ لأمكن لكل أحد أن لا يؤمن بشيء مما جَاءَ به النبي ﷺ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689391,"book_id":1659,"shamela_page_id":517,"part":null,"page_num":517,"sequence_num":517,"body":"ثُمَّ سرد ﵀ الآيات التي فيها بيان أن الرَّسُول ﷺ جَاءَ بالبلاغ المبين، ولهذا قال: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُول لٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [إبراهيم:٤] لأنه بلغتهم يفهمون كلامه ويقول: ِ مَا كَانَ َ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [يوسف:١١١] وقال: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل:٨٩] .\r\rوالآيات كثيرة في هذا الشأن، وواقع سيرة النبي ﷺ هو هذا، فقد كَانَ يبين للناس بفعله ﷺ، وهو من أوضح أنواع البيان، ويبين بأقواله ﷺ، وبتقريراته، فما ترك شيئاً من الدين إلا وقد بينه، وأعظم شيء في ذلك هو بيان ما يتعلق بعالم الغيب الذي لا تدركه العقول، ولا يمكن أن تبلغه الأفهام وهذا الذي أشار إليه المُصْنِّف.\rثُمَّ ذكر أن أمر الإيمان بالله واليوم الآخر وعالم الغيب عموماً نلزمهم بهذا الإلزام العقلي، إما أن يكون الرَّسُول ﷺ قد بينه أو لم يبينه.\r\rوالثاني: أي: عدم الإبلاغ باطل.\r\rوهذا المتفق عليه بين الْمُسْلِمِينَ أنه بلَّغ، وأنه معصوم في بلاغه، فهل هذا البلاغ كَانَ واضحاً جلياً مفصلاً؟ أم أنه بيَّن بألفاظ مجملة وعبارات محتملة، وقرر بتقريرات موهمة كما يقول نفاة الصفات؟! فبقيت القضية دائرة بين طرفي البيان هل هو بيان شاف كاف واضح؟ أم أنه جَاءَ ببيان مجمل، وعبارات محتملة، وتقريرات موهمة، فحارت العقول! واضطربت الأفهام في فهم هذه العبارات والكلمات والتقريرات التي جاءت عنه ﷺ؟!\r\rلقد جاء الرسول ﷺ بالبيان التام الشافي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689392,"book_id":1659,"shamela_page_id":518,"part":null,"page_num":518,"sequence_num":518,"body":"لقد جَاءَ الرَّسُول ﷺ بالبيان الشافي الكافي الواضح الجلي بلا شك ولا ريب، ومن ذلك مثلاً ما يتعلق بالرؤية، كما قال النبي ﷺ: (إنكم سترون ربكم عياناً) وقَالَ: (لا تضارون في رؤيته كما ترون هذه -أشار إِلَى الشمس- في رابعة النهار أو القمر في ليلة البدر) فالعبارة الواضحة والإشارة والمثال الواضح، كلها تلغي أي احتمال لأن يكون اللفظ مجملاً أو موهماً، ومن أوَّل مثل هذا فلا يُؤْمَن أن يؤول الصلوات الخمس بأنها ذكر الأئمة الخمسة، أو يؤول صيام شهر رمضان، بأنه ذكر أسماء ثلاثين رجلاً من الأئمة، كما يقول الباطنية وغلاة الروافض.\rفَيَقُولُ: [وقد شهد له خير القرون بالبلاغ] وهم الصحابة -رضوان الله تَعَالَى عليهم- والتابعون، الذين لم تكن فيهم هذه الاعتراضات عَلَى ما جَاءَ به ﷺ، بل سلَّموا وأيقنوا وآمنوا وشهدوا له بالبلاغ [وأشهد الله] يعني: وأشهد الرَّسُول ﷺ عليهم في الموقف الأعظم -في حجة الوداع- ذلك المشهد العظيم، في أكبر اجتماع شهده الْمُسْلِمُونَ في عهد النبي ﷺ، وفي بقعة مقدسة -في المشاعر- ويخطب النبي ﷺ في أيام الحج، حتى أنه كرر الخطبة في منى، فَيَقُولُ: ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد، فالنبي ﷺ بلغ وأشهد، ولم يبق ولله الحمد أي لبس في دين الإسلام، ولا فيما جَاءَ به.\r\rفما علينا إذاً بعد هذا إلا أن نؤمن، وأن نستسلم وأن نذعن، ونتعلم هذا الدين، وكل ما علمناه من أمره ﷺ، أو من خبره عن الله أو من عنده، وما هو إلا وحي من الله ﵎ آمنا به كما قال الله ﵎:وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً [الأنعام:١١٥] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689393,"book_id":1659,"shamela_page_id":519,"part":null,"page_num":519,"sequence_num":519,"body":"كلمات الله ﷾ على نوعين\rكلمات الله ﷾ عَلَى نوعين: صدق في الأخبار، وعدل في الأحكام، فليس هناك أي مجال لطاعن ولا منتقد.\rمن لم يقنع بالتسليم فهمه حجبه مرامه عن خالص التوحيد.\rقال الطّّحاويّ ﵀:\r[فمن رام علم ما حظر عنه علمه، ولم يقنع بالتسليم فهمه، حجبه مرامه عن خالص التوحيد، وصافي المعرفة، وصحيح الإيمان] .\r\rقَالَ المُصْنِّفُ ﵀:\r\r[هذا تقرير للكلام الأول، وزيادة تحذير أن يتكلم في أصول الدين بل وفي غيرها بغير علم. وقال تعالى: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً [الإسراء:٣٦] وقال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيد ٦٠٠٢٥٩٨> كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِير [الحج:٣-٤] ، وقال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ * ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ [الحج ٨-٩] وقال تعالى: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [القصص:٥٠] وقال تعالى: إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى [النجم:٢٣] إِلَى غير ذلك من الآيات الدالة عل هذا المعنى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689394,"book_id":1659,"shamela_page_id":520,"part":null,"page_num":520,"sequence_num":520,"body":"وعن أبي أمامة الباهلي ﵁ قَالَ: قال رَسُول الله ﷺ: (ما ضل قوم بعد هدىً كانوا عليه إلا أو توا الجدل) ثُمَّ تلا: مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلاً الزخرف ٥٨، رواه التِّرْمِذِيّ، وقَالَ: حديث حسن. وعن عَائِِِشَةَ ﵂ قالت: قال رَسُول الله ﷺ: (إن أبغض الرجال إِلَى الله الألد الخصم) خرجاه في الصحيحين] اهـ.\rالشرح:\rيقول الطّّحاويّ ﵀: [فمن رام علم ما حظر عنه علمه، ولم يقنع بالتسليم فهمه، حجبه مرامه عن خالص التوحيد، وصافي المعرفة، وصحيح الإيمان] وهذا زيادة في التأكيد والتنبيه والتحذير من الخوض في دين الله بغير علم، ومن عدم الاقتناع والتسليم بما جَاءَ به النبي ﷺ، وأن من تتبع أو رام أمراً مما حظر علمه من أمور الغيب، كمعرفة كيفيات صفات الله ﷾، ومعرفة كيفية عذاب القبر ونعيمه، وأحوال يَوْمَ القِيَامَةِ، وأحوال الجنة والنار، وأمثال ذلك مما لا يستطيع الإِنسَان أن يدركه عَلَى حقيقته، فمن رام أن يعلم حقيقة ذلك، وتكلفه ولم يقنع بالتسليم، فإن هذا الفعل يصرفه عن أن يكون ذا توحيد خالص وإيمان صحيح، ومعرفة ويقين كما أمر الله ﵎.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689395,"book_id":1659,"shamela_page_id":521,"part":null,"page_num":521,"sequence_num":521,"body":"ولهذا جَاءَ المُصْنِّف ﵀ بالآيات الدالة عَلَى النهي عن الجدال في آيات الله ﷾، وهذا هو الجدال المذموم الذي بسببه تفرقت الفرق، وكثرت الأهواء، وتباينت الضلالات، لأنه جدال بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، فالمؤمنون إذا بلغهم شيء عن الله ورسوله ﷺ آمنوا وأذعنوا، أما الكفار فحالهم ما ذكر الله ﵎، ولهذا توعدهم بقوله تعالى: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً أي: مسئول عن كل ما يقوله اللسان، أو يجول في الفؤاد، أو تراه العين.\r\rفالإِنسَان مسئول عن هذه الأعضاء التي ملكه الله ﵎ إياها؛ فلا يجوز لأحد أن يَقْفُ ما ليس له بعلم، وأن يتكلف فوق ما أمره الله ﷾ من التسليم والانقياد وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيد، كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِير وهذا حال كثير من النَّاس وفي الآية الأخرى يقول -سبحانه:- وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ، ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ فالوعيد في الدنيا خزي وضلال، وفي يَوْمِ القِيَامَةِ عذاب الحريق، وهذا هو حال كل من أعرض عن دين الله، كما سيأتي إن شاء الله في أبيات عبد الله بن المبارك\rبقدر المعصية يزداد الذل والخزي أو يقل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689396,"book_id":1659,"shamela_page_id":522,"part":null,"page_num":522,"sequence_num":522,"body":"كل من أعرض عن الله أو أعرض عن سنة رسوله ﷺ، فإنه بقدر معصيته وبقدر إعراضه يناله الذل، والخزي في الدنيا، ويناله العذاب يَوْمَ القِيَامَةِ، وهذه سنة الله التي لا تتخلف، يقول: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ لا أحد أكثر ضلالاً من هذا الذي اتبع هواه بغير هدى من الله ﵎: إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ فنفهم من هذا أنهما طريقان: الطريق الأول: طريق الحق بأن يأتي رَسُول من عند الله ﷾ بالكتاب المبين والهدى والعلم. والطريق الآخر: طريق ضلال وأهواء وأقوال شياطين، ووساوس باطلة، وخطرات كاذبة، هذه هي القسمة الثنائية في هذا الشأن.\rوفي الحديث الذي رواه الإمام أَحْمَد والتِّرْمِذِيّ عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قَالَ: قال رَسُول الله ﷺ: (ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل) ثُمَّ تلا مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلاً أالزخرف:٥٨] فهذا الهدى الذي في الحديث، ما أعظم انطباقه عَلَى واقع الأمة الإسلامية التي كانت في زمن النبي ﷺ والخلفاء الراشدين، لا جدال ولا مراء في الدين، بل كانوا كما علمهم النبي ﷺ، -وكما مر في الحديث الماضي- لما خرج وهم يتجادلون في بعض آيات الله، غضب غضباً شديداً، ونهاهم عن ذلك فأخذوا هذا الحكم، وتقررت لديهم هذه القاعدة، أن لا يجادلوا ولا يماروا في أمر جَاءَ به النبي ﷺ؛ بل يستسلموا ويذعنوا ويوقنوا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689397,"book_id":1659,"shamela_page_id":523,"part":null,"page_num":523,"sequence_num":523,"body":"فلما انحرفت الأمة الإسلامية، وقعت الفتن فيما بينهم، وظهر أهل النفاق وأهل الزيغ من البلاد المفتوحة، ومن الأعراب وأمثالهم من الكائدين لهذا الدين، الذين دخلوا فيه زوراً وكذباً، فبثوا السموم في هذه الأمة، ومالت الأمة إِلَى الترف في الحياة الدنيا، وفتحت عليهم الأموال، وسبوا الجواري من أطراف الأرض، وامتلأت خزائنهم بما أنعم الله عليهم به.\r\rونتيجة هذا الانحراف ظهرت الفرق وظهر الجدال، وأعظم شيء كَانَ الجدال فيه هو: في صفات الله ﷾ وفي الأمور الغيبية التي لا يمكن للعقول أن تبلغها.\r\rاليقين القلبي أولاً\rلما ضل النَّاس عن الهدى وقعوا في هذا كما قال النبي ﷺ: (ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل) يستعيضون عن الإيمان واليقين الذي محله القلب بالاقتناع العقلي الذي هو من أعمال الذهن، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يقوم الاقتناع الذهني العقلي مقام اليقين القلبي أبداً، وهذا مما يجب أن نتنبه له!\rولا بد أن نعرف أننا عندما ندعو النَّاس لا ندعوهم إِلَى الاقتناع والتسليم العقلي، أو إِلَى نظريات عقلية مجردة، بل ندعوهم إِلَى اليقين والإيمان الذي يتبعه الانقياد والإذعان العملي، أما الاقتناع النظري فلا يترتب عليه إيمان ولا انقياد، ولا إذعان لله ﵎.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689398,"book_id":1659,"shamela_page_id":524,"part":null,"page_num":524,"sequence_num":524,"body":"أما إذا أردنا أن نقنع النَّاس بأن الإسلام، لا يتعارض مع العلم، ولا مع الحضارة نعقد مؤتمراً -مثلاً- ونقرأ عليهم أحكام الإسلام فيجدون أنها تطابق وتوافق الحضارة فهذا ممكن ولا يناقش منهم أحد، وإن ناقش أحد أقنعناه وجادلناه بالعقل فيسكت، لكن هذا لن يؤدي الثمرة التي نريد؛ كأن نقنع الإِنسَان بضرورة أن يؤمن بالله وحده، وأنه لا خلاص له ولا نجاة من عذاب الله، ولا سعادة له في الدنيا إلا بأن يؤمن بما جَاءَ به النبي ﷺ، والمسألة فيها دقة وهذا من لوازم هذا؛ ولكن هدف الدعوة ليس الاقتناع الذهني، وإنما هو الاقتناع اليقيني القلبي.\r\rفهَؤُلاءِ المتكلمون، حولوا الأمر إِلَى قضايا نظرية، فَقَالُوا: لا بد أن نقنع الفلاسفة بأن عذاب القبر حق، فتجادلوا، فظهرت طائفة: تنكر عذاب القبر وقالت: نَحْنُ لا نستطيع إثباته بالعقل؛ لأن الفلاسفة يلزموننا، فلا نجد إلا أن نؤول النصوص، وأولوا الصفات بحجة أنهم لا يستطيعون أن يقنعوا الفلاسفة أن هذه الصفات حقيقية، وهكذا أتوا إِلَى كثير من الأحكام، فحرفوها لتوافق عقول المجادلين من الفلاسفة وأمثالهم، بينما هم يريدون الدفاع عن الدين وإثبات حقائقه.\r\rومن الجدل ما أضل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689399,"book_id":1659,"shamela_page_id":525,"part":null,"page_num":525,"sequence_num":525,"body":"فهذا هو تصديق قول النبي ﷺ: (ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل) ثُمَّ تلا مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلاً [الزخرف:٥٨] الآية، والذي ضربوه جدلاً هو عيسى ﵇: وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ * وقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ [الزخرف:٥٧،٥٨] الآية، ولما ذهب ابن عباس ﵁ إِلَى الخوارج ليناظرهم وليقيم عليهم الحجة قالوا: لا تسمعوا لكلام ابن عباس فإنه من قريش وإن الله ﷿ يقول: بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ وهذه حقيقية؛ لأن قريشاً أُوتوا الجدل، ولهذا جادلوا النبي ﷺ جدالاً طويلاً، لكنهم في الإسلام أصبحوا قوة للدعوة، وإلزاماً للخصم بهذا الدين.\rوهَؤُلاءِ القوم الذين اصطفاهم الله بأن جعل هذا النبي ﷺ منهم، وجعل لغتهم هي اللغة التي نزل بها القرآن، وكفار قريش يعلمون أنه لا مقارنة، ولا وجهة للنسبة بين عيسى ﵇ وبين آلهتهم، ولكنهم يجادلون النبي ﷺ: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ [الأنبياء:٩٨]","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689400,"book_id":1659,"shamela_page_id":526,"part":null,"page_num":526,"sequence_num":526,"body":"ويقولون: إن عيسى لا يدخل النار؛ إذاً آلهتنا لا تدخل النار، فهذا من الجدل بغير الحق، ومعروف أن عيسى ﵇ لم يعبد وهو راض بالعبادة، بل دعاهم إِلَى عبادة الله وحدة لا شريك له حتى مات، ويَوْمَ القِيَامَةِ يقول عنه الله: وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ [المائدة:١١٦-١١٧] أي: وهو حي ﵇ (َلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِم [المائدة:١١٧] إِلَى آخر الآيات، فكان وهو حي يتبرأ من شركهم ومن عبادتهم في حياته، لأنه دعاهم إِلَى عبادة الله وحده، أما معبودات الْمُشْرِكِينَ وكل من عبد من دون الله وهو راضٍ بالعبادة، فإنه يحشر معهم، كما هو حال فرعون ومن معه الذين يجعلهم الله ﵎ أئمة يدعون إِلَى النار، والعياذ بالله.\r\rكما قال تعالى: يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ [هود:٩٨] ، لأنهم كانوا يعبدونه، وكان يدعوهم إِلَى عبادة نفسه، وكان راضياً بذلك، ويقول: إنه ربهم الأعلى، وأن له ملك مصر، والأنهار التي تجري من كذا وكذا، فيَوْمَ القِيَامَةِ يقدم قومه فيوردهم النَّار وبئس الورد المورود عافانا الله وإياكم من ذلك.\r\rفهذا هو المقصود بهذه الآية: مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلاً أنه عيسى ﵇.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689401,"book_id":1659,"shamela_page_id":527,"part":null,"page_num":527,"sequence_num":527,"body":"وفي حديث عَائِِِشَةَ -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْها- قالت: قال رَسُول الله ﷺ: (إن أبغض الرجال إِلَى الله الألد الخصم) فيه أن النَّاس نوعان: نوع كريم متسامح خلوق، وهذا ينطبق عليه وصف هذا الرجل الذي يأتي يَوْمَ القِيَامَةِ بين يدي الله ﷾ وكان تاجراً يتعامل مع الناس، فكان كل ما بقي بينه وبين أحد من النَّاس -كما يقال- قليل من الحساب: تجاوز عنه راضياً بالأمر الذي قاله النبي ﷺ وهو: (سمحاً إذا اشترى سمحاً إذا باع) فالله ﷾ يقول له: (قد تجاوزنَّ عنك بما كنت تتجاوز عن النَّاس) أو كما قال ﷺ، والجزاء من جنس العمل، وهذا التجاوز: لا يعني الضعف والخور والجبن، عن الموقف الحق، لكنها الرقة والرفق والحكمة مع قول الحق كاملاً.\r\rأما النوع الآخر: فهو الألد الخصم المعاند فتحتاج حتى تقنعه أن تبذل الجهد الجهيد في أمر بسيط، وتخاف إن قلت له كلمة أن يماطلك ويجادلك ويتهمك، ويذكرك بأخطاء سابقة، فهذا لا تحب أن تجالسه ولا تعرض عليه أي قضية، فإذا كَانَ هذا هو حاله في التعامل في أمور الدنيا، فكيف بالتعامل مع الله، وبالوقوف في مواقف الخصومة والعناد من الشرع؟!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689402,"book_id":1659,"shamela_page_id":528,"part":null,"page_num":528,"sequence_num":528,"body":"كما قال ﷿:وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ [البقرة:٢٠٤] أي: إذا تكلم وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وإن قَالَ: الله يعلم أني لم أقصد إلا الحق والخير وكذا وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ هذا هو الذي نهى عنه الله ورسوله، لأن هذا الدين حنيفية سمحة، وعلى الإِنسَان أن يأخذه بالإيمان والتسليم والإذعان، وباليسر، وعلينا أن نجتنب التكلف والتشدد، حتى في طريقة أخذنا لهذا الدين، كما قال ﷺ: (أيها الناس! حجوا إن الله قد كتب عليكم الحج، فَقَالَ رجل: أفي كل عام يارَسُول الله؟ فَقَالَ النبي ﷺ: لو قلت نعم لو جبت، إنما هلك من كَانَ قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم عَلَى أنبيائهم) .\r\rقَالَ المُصنِّفُ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-:\r[ولا شك أن من لم يسلم للرَسُول نقص توحيده، فإنه يقول برأيه وهواه، أو يقلد ذا رأي وهوى بغير هدى من الله، فينقص من توحيده بقدر خروجه عما جَاءَ به الرسول، فإنه قد اتخذه في ذلك إلهاً غير الله، قال تعالى: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ [الجاثية: ٢٣] أي: عبد ما تهواه نفسه، وإنما دخل الفساد في العالم من ثلاث فرق، كما قَالَ: عبد الله بن المبارك -رحمة الله عليه:\r\rرأيت الذنوب تميتُ القلوب وقد يورث الذل إدمانها\rوترك الذنوب حياة القلوب وخير لنفسك عصيانها\rوهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبارُ سوءٍ ورهبانها\r] اهـ.\rالشرح:\r\rيقول الإمام أبو جعفر الطّّحاويّ: [فمن رام علم ما حظر عنه علمه، ولم يقنع بالتسليم فهمه حجبه مرامه عن خالص التوحيد] يشرح المُصنِّفُ هذه العبارة ويبين كيف يؤثر هذا العمل في توحيد صاحبه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689403,"book_id":1659,"shamela_page_id":529,"part":null,"page_num":529,"sequence_num":529,"body":"فَيَقُولُ: [ولا شك أن من لم يسلم للرَسُول ﷺ نقص توحيده فإنه يقول: برأيه وهواه، ويقلد ذا رأي وهوى] فلو فرضنا أن هناك أمراً من أمور الغيب، فالإِنسَان إما أن يتبع فيه الرَّسُول ﷺ فيتحقق توحيد المتابعة، وإما أن يعارض كلامه بهوى ورأي، أو يكون المعرض تابعاً لقول أو هوى إنسان آخر، وعليه فمن عارض خبر النبي ﷺ بأي نوع من أنواع المعارضة فإنه ينقص من توحيده، وبقدر خروجه عما جَاءَ به الرَّسُول ﷺ.\r\rفهو في هذه الحالة قد اتخذ من أطاع واتبع إلهاً، وهذا هو معنى قوله تعالى: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاه فهو الذي لا يعمل ولا يقدم ولا يؤخر، ولا يستسلم إلا لما يأمر به الهوى، وداعي الشهوة، ثُمَّ يقول: [إنما دخل الفساد في العالم من ثلاث فرق ... ] .\r\rأتى بهذا الكلام من خلال أبيات الإمام المجاهد الثقة الحجةعبد الله بن المبارك -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- وهو من هو في فضله وعبادته وجهاده!! وهو من أئمة الإسلام العظام، ويكفيه إمامةً وفضلاً أن يكون الإمام أَحْمَد -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- يعظمه ويجله، ويثني عليه، ويستشهد بأقواله ويذكرها، ويذكر الإمام أَحْمَد أقواله معجباً بها ومثنياً عليها.\rومن عظمة شعر السلف الصالح، أنه أبيات معدودة، وكلمات محدودة، لكن ورائها المعاني والعبر والعظات يقول:\rرأيت الذنوب تميت القلوب وقد يورث الذل إدمانها\rوهذا البيت تحقيق لما جَاءَ في الآيات، وفي الأحاديث كقوله تعالى: كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين:١٤] الآية.\r\rوقول النبي ﷺ: (إن العبد إذا أذنب ذنباً نكت في قلبه نكتة سوداء) .\rالذنوب تميت القلوب\rيقول الإمام: عبد الله بن المبارك:\rرأيت الذنوب تميتُ القلوب","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689404,"book_id":1659,"shamela_page_id":530,"part":null,"page_num":530,"sequence_num":530,"body":"وهذا حق: فإن القلب بعد أن يكون كالسراج المنير المضيء بتقوى الله ﷾ تأتي الذنوب عليه فتمرضه في أول الأمر، فإذا ازداد توارد الذنوب عَلَى القلب زادته مرضاً حتى يموت، فإذا مات القلب بهذه الذنوب فقل عَلَى صاحبه العفاء، فيصبح بعد ذلك لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً، فهذه هي العبرة التي يجب أن تكون حاضرة في ذهن كل مسلم، أن الذنوب تميت القلوب، وقوله:\rوقد يورث الذل إدمانها\r\"قد\" هنا تفيد التحقيق، أي: أن الذنوب لا بد أن تورث الذل، وتكون سبباً في موت القلب.\r\rأبى الله إلا أن يذل من عصاه\rهذه حقيقة عبر عنها الحسن البصري -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- فقَالَ: \" أبى الله إلا أن يذل من عصاه\" كل من عصى الله ﷾ ولو كَانَ في وسط صخرة صماء، فإن الله ﷾ يظهر لعباده المؤمنين، ولأوليائه الصالحين، من الذل في وجهه ما يعلمون به أنه عاص لله، وكل من أطاع الله، واتقاه ولو كَانَ أيضاً في صخرة صماء، لا أحد يراه ولا يعلمه، يظهر الله ﷾ لأوليائه ولعباده الصالحين في وجهه وفي حياته من العزة، والهيبة، والوقار، ما يشعر به كل من رآه ومن عرفه من هَؤُلاءِ الصالحين.\rومن أدمن الذنوب واستسهلها، أصبح حاله كحال المنافق الذي أخبر عنه النبي ﷺ أنه يرى الذنب كذباب وقع عَلَى أنفه فَقَالَ به كذا، فهذا يموت قلبه، ويبلد إحساسه، فلا يعرف بعد ذلك معروفاً ولا ينكر منكراً، ثُمَّ يضرب عليه الذل.\r\rالذنوب تميت القلوب\rيقول الإمام عبد الله بن المبارك -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:\rرأيت الذنوب تميت القلوب وقد يورث الذل إدمانها","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689405,"book_id":1659,"shamela_page_id":531,"part":null,"page_num":531,"sequence_num":531,"body":"فالذنوب والمعاصي تميت القلب، وإذا مات فلا خير في الحياة بعده، إذ ما هي إلا حياة بهيمية، حياة الحيوان وإذا كَانَ القلب حياً كانت الحياة الطيبة الزكية المطهرة، التي يريدها الله ﵎ من كل إنسان، والتي من أجلها أنزل إلينا هذا النور المبين، وأرسل إلينا هذا الرَّسُول العظيم، ليزكينا وليطهر قلوبنا، ولتكون حياتنا حياةً إنسانيةً تليق بالتكريم الذي كرم الله ﵎ به بني آدم، واختصهم به دون بقية المخلوقات، أما إذا مات القلب، فإن الإِنسَان يكون حيواناً في صورة إنسان، حمار بالنهار جيفة بالليل، يقدح بالنهار قدح الحمير - يجمع ويجري ويلهث- وفي الليل جيفة هامدة.\rفيجب أن يعلم الفرد والأمة بأكملها أن الذنوب تميت القلوب، وأن القلب إذا مات فلا خير في ذلك الفرد ولا في تلك الأمة، وأن الذل مضروب عَلَى كل من مات قلبه، وقد ضرب الذل عَلَى هذه الأمة الإسلامية اليوم؛ لأن قلوبها قد ماتت، لأنها انصرفت وانحرفت عما شرع الله ﵎ فتحقق ما قاله النبي ﷺ: (إذا تبايعتم بالعينة ورضيتم بالزرع وأخذتم بأذناب البقر وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلاً، لا يرفعه عنكم، حتى ترجعوا إِلَى دينكم) .\r\rالذنب مقدمة لما بعده","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689406,"book_id":1659,"shamela_page_id":532,"part":null,"page_num":532,"sequence_num":532,"body":"إن من أسباب موت القلب تتابع الذنوب فالذنب يورث الذنب، كما أن الحسنة تستدعي وتستتبع الحسنة، ومن أشد أخطار الذنوب، أن يذنب العبد ذنباً يكون بعده الطبع أو الختم عَلَى قلبه أو إماتته بالكلية كما قال تعالى: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ [المائدة:١٣] فلما نقضوا الميثاق وتركوا ما أمرهم الله ﵎ به، ونقضوا ما عاهدوا الله تَعَالَى عليه من الإيمان والتقوى والصبر والجهاد؛ عاقبهم الله ﵎ بعقوبتين: اللعنة، كما قال جل شأنه لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ [المائدة:٧٨،٧٩] .\rفعوقبوا باللعنة نتيجة الكفر والعصيان، والعقوبة الثانية عوقبوا بقسوة القلب قال - عز من قائل-: وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَة [المائدة:١٣] ومن قسوة قلوبهم أخذوا يحرفون الكلم عن مواضعه، هذه الآيات التي إذا قرأها الإِنسَان يرق قلبه، ويلين ويخشع لكنهم لقسوة قلوبهم أصبحوا يقرأونها ليحرفوها عن مواضعها، وليصرفوها وفق أهوائهم وشهواتهم وحظوظهم العاجلة الفانية، فهذا حال أهل الكتاب، وهذا حال كل من عصى الله ﵎ يوشك أن يعاقبه الله تَعَالَى عَلَى هذا الذنب بذنب أعظم منه، يوشك أن يُعَاقب الإِنسَان عَلَى إدمان النظر إِلَى النساء بالزنى -والعياذ بالله- ويوشك أن يعاقبه عَلَى التدخين بشرب الخمر -عافانا الله وإياكم من ذلك- ويوشك أن يعاقبه عَلَى البدعة بالشرك، فكل ذنب هو وسيله ومقدمة لما بعده، وقد تقع العقوبة عليه بأن يرتكب ذنباً أكبر منه، نسأل الله تباك وتعالى السلامة والعافية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689407,"book_id":1659,"shamela_page_id":533,"part":null,"page_num":533,"sequence_num":533,"body":"ومن هنا فإن المؤمن حريص كل الحرص عَلَى أن ينقي قلبه ويتعاهده ما استطاع وأن يراقب نفسه دائماً ويحاسبها، عَلَى ما فرط في جنب الله ﵎، ويستدرك قبل أن تنزل عليه العقوبة، فلا يدري ما هي هذه العقوبة، ولو أن العقوبات عَلَى الذنوب تختص بما يقع في الأرض، من الجدب والخوف، والنقص في الثمرات والأموال، ومن كل الفتن التي تقع، لكانت أهون! ولكن أشد منه وأغلظ أن تقع العقوبة نفاقاً في القلب أو كفراً بالله ﵎ بعد ذلك، وهذا ما جرى لأهل الكتاب من قبلنا، وما جرى للمنافقين أيضاً في عهد النبي ﷺ.\rثُمَّ يقول رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:\rوترك الذنوب حياة القلوب وخير لنفسك عصيانها\rفمن أراد أن يكون قلبه حياً الحياة الحقيقية، الحياة الطيبة فعليه بترك الذنوب والتمسك بما أمر الله ﵎، فإن العز كل العز، والخير كل الخير، والسعادة كل السعادة في طاعة الله ﵎.\r\rالذنوب سبب للمصائب، وغفلة الناس عن هذا\rفكل من ارتكب الذنوب والمعاصي وغفل عن أمر الله، فإنه يعاني من النكد والألم، ومن سوء الحياة وفسادها بقدر ما ارتكبه من المعاصي، والمصيبة الكبرى أن كثيراً من النَّاس لا يربطون بين نقص الأموال والأنفس والثمرات وقلة الأمن، وبين الإكثار من المعاصي والذنوب، كالربا والزنا والتبرج وشرب الخمر، والإعراض عن دين الله، والوقوع في البدع، والشرك والضلالات، ويفسرون كل ما يقع من النكبات والأزمات بعوامل مادية بحتة، وينسون هذه الحقيقة التي ذكرها الله ﵎، وكررها مرات ومرات في القرآن، وبينها النبي ﷺ فما الذي أهلك الأمم قبلنا جميعاً؟ أهو نقص الخبرات أو ضعف العوامل الاقتصادية أو قلة عدد السكان؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689408,"book_id":1659,"shamela_page_id":534,"part":null,"page_num":534,"sequence_num":534,"body":"لا، بل بالإعراض عن دين الله ﵎، وبالغفلة عن ذكره ﵎، فإذا قرأنا ما قص الله ﷾ علينا من أخبار الأمم الماضية، وما أوصانا وأمرنا به، لوجدنا هذه الحقيقة بيضاء جلية ناصعة، فعلينا أن نعتني بقلوبنا، وأن نطهرها بتقوى الله ﷾، وبذكر الله وبمداومة قراءة القرآن، والتقرب إِلَى الله ﵎ بالأعمال الصالحة، واستغلال مواسم الخير ما استطعنا، ونحاول أن نحول هذه النفوس، من لوامة إِلَى مطمئنة بقدر ما يعيننا الله ﵎.\rثُمَّ يأتي الشاهد من هذا الموضوع وهو قول الإمام عبد الله بن المبارك ﵀ ﵎.\r\rوهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها.\r\rقَالَ المُصنِّفُ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-:\r[فالملوك الجائرة يعترضون عَلَى الشريعة بالسياسيات الجائرة، ويعارضونها بها، ويقدمونها عَلَى حكم الله ورسوله، وأحبار السوء، وهم العلماء الخارجون عن الشريعة بآرائهم وأقيستهم الفاسدة، المتضمنة تحليل ما حرم الله ورسوله، وتحريم ما أباحه، واعتبار ما ألغاه، وإلغاء ما اعتبره، وإطلاق ما قيده، وتقييد ما أطلقه، ونحو ذلك، والرهبان وهم جهال المتصوفة، المعترضون عَلَى حقائق الإيمان والشرع، بالأذواق والمواجيد والخيالات والكشوفات الباطلة الشيطانية، المتضمنة شرع دين لم يأذن به الله، وإبطال دينه الذي شرعه عَلَى لسان نبيه ﷺ، والتعوض عن حقائق الإيمان بخدع الشيطان وحظوظ النفس.\r\rفقال الأولون: إذا تعارضت السياسة والشرع قدمنا السياسة!\rوقال الآخرون: إذا تعارض العقل والنقل قدمنا العقل!\rوقال أصحاب الذوق: إذا تعارض الذوق والكشف، وظاهر الشرع قدمنا الذوق والكشف] اهـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689409,"book_id":1659,"shamela_page_id":535,"part":null,"page_num":535,"sequence_num":535,"body":"هذا الذي جَاءَ به المُصنِّفُ هنا ليبين لنا أصل الاعتراضات عَلَى الدين، ونحن نتكلم في مبحث وجوب التسليم لأمر الله وحكمه، ويأتي الاعتراض عَلَى دين الله، وشرعه، من ثلاثة مناهج وثلاثة طرق، وهذه الثلاثة هي أصل وأساس جميع الاعتراضات عَلَى دين الله ﵎.\rسن القوانين، ونشأتها\rالاعتراض الأول: منازعة أصحاب القوانين وأصحاب السياسات، وهَؤُلاءِ هم الذين بين الله تَبَارَكَ وَتَعَالَىحالهم في القُرْآن الكريم في مواضع منها قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً [النساء:٦٠] وقوله: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ َ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النساء:٦٥] وآيات سورة المائدة حينما تكلم الله ﷾، وتحدث عن اليهود وكيف أنهم تركوا حكم الله في التوراة، وتركوا إقامة التوراة والإنجيل.\r\rثُمَّ ذكر الله ﵎ بعد ذلك حكم من لم يحكم بما أنزل الله فَقَالَ تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:٤٤] وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة:٤٥] وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [المائدة:٤٧] فالاعتراض الأول: هو التحكيم أو التحاكم إِلَى غير دين الله، والرجوع إِلَى مصدر غير ما أنزل الله ﵎ من الوحي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689410,"book_id":1659,"shamela_page_id":536,"part":null,"page_num":536,"sequence_num":536,"body":"وقلنا: إن هذا الانحراف وقع في حياة الأمة الإسلامية بالتدريج، وكان أول ما ظهر، أنه عندما عجز بعض الفقهاء وبعض القضاة عن الاجتهاد عن الحكم في مسائل، أولم يحال إليهم الحكم بمسائل معينة من المنازعات والخصومات التي تقع بين الناس، أو أساءوا فهم بعض أمور الشرع والدين العامة فكانت النتيجة، أن ظن النَّاس أن الدين ناقص وعاجز عن الحكم في هذه الأمور.\rومن أمثلة ذلك ما ذكره الإمام ابن القيم -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في الطرق الحُكمية في البينة: فمن الأصول القطعية المقررة شرعاً، أنه لا حكم إلا ببينه، والبينة عَلَى المدعي، هذا أمر مقرر وقاعدة قطعية، لكن بعض الفقهاء فهموا أن البينة هي الشاهدان، فحصروا البينة في هذا، والمنازعات ووقائع الحياة تتعدد وتتوسع وتقع قضايا كثيرة جداً لا يمكن أن تثبت عن طريق الشاهدين مع قيام الدليل والحجة عَلَى أن الجاني فلان -مثلاً- لكن القاضي والفقيه لا يحكم بشيء إلا بوجود شاهدين! فأدى ذلك إِلَى أن يأتي الأمراء حتى لا يتركوا النَّاس بلا أحكام، فَقَالُوا: إذاً نَحْنُ نحكم في هذه المسائل من عندنا، فأصبحت تسمى سياسة، يقولون: هل قُتل فلان شرعاً؟ قالوا: لا لأننا لم نجد شاهدين، لكن قتل سياسة لأن الأمير رأى أنه يقتل؛ لأن البراهين قد قامت عَلَى أنه هو الجاني.\r\rويضرب ابن القيم ﵀ مثالاً عَلَى البينة فَيَقُولُ: لو أن إنساناً عَلَى رأسه عمامة، وفي يده عمامه وهو يجري، ووراءه إنسان ليس عَلَى رأسه عمامة وهو يصيح قائلاً: هذا أخذ عمامتي، يقول: فهنا البينة موجودة، فلا نحتاج أن نأتي بشاهدين عَلَى أن هذا سرق العمامة، لأن هذا بلا عمامة ويجري وراء إنسان هارب بيده عمامة، وأي إنسان يرى هذا المنظر يعلم أن هذا الإِنسَان سارق أو مختلس لكن بعض الفقهاء يقولون: لا بد من شاهدين.\r\rومثال آخر:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689411,"book_id":1659,"shamela_page_id":537,"part":null,"page_num":537,"sequence_num":537,"body":"إنسان كتب وثيقة أن لفلان عندي ألف ريال وخط فلان هذا معروف، قالوا: لا ينفع هذا الخط فلا بد من شاهدين، فمن أين يأتي بشاهدين؟!\rفلما حصلت هذه الأخطاء عند بعض القضاة، اضطر الأمراء حينئذ إِلَى أن يقولوا: لا؛ بل نحكم بموجب الكتابة، ونحكم بموجب القرائن، ونحكم بموجب وقائع مساعدة وغلبة الظن وأمثال ذلك، فخرجوا قليلاً قليلاً وبدأ الانفصال فأصبح هناك شرع وهو ما يحكم به القضاة، وهناك سياسة وهي ما يحكم به الأمراء، وهذه وإن لم تكن مخالفة للشرع بل هي داخلة ضمن عموميات الشرع.\rلكن الأمر اتسع حتى ظهر الياسق الذي سبق أن تكلمنا عنه وقلنا: إنه كتاب كتبه التتار الذي عَلَى ألواح من الفولاذ، وهو كتاب جنكيزخان وقد شرَّع فيه أحكام القتل والدماء وأمر أن يتوارثها أبناؤه، وتوارثها أمراؤه إِلَى أن جَاءَ هولاكو الذي دمر بغداد ودخل بلاد الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ دخل هَؤُلاءِ في الإسلام، وكان معهم هذا الكتاب يطبقونه عَلَى أنفسهم في الأمور العسكرية، وفي الأمور السياسية، وتركوا قضاة الْمُسْلِمِينَ يحكمون في الأمور الشرعية، فأدى ذلك إِلَى أن يقوم علماء الإسلام، ويبينوا حكم من تحاكم إِلَى غير دين الله، ومن تحاكم إِلَى هذا القانون المسمى بالياسق.\r\rفأصدر شَيْخ الإِسْلامِ ﵀ فتواه بتكفيره، وتكفير من تحاكم إِلَى هذا الكتاب، وأن التتار يجب أن يقاتلوا قتال ردة وكفر؛ لأنهم يتحاكمون إليه ولا يتحاكمون إِلَى دين الله، وأقبل عَلَى هذه الفتوى كثير من العلماء في ذلك الزمان، فكانت هذه أول واقعة في تاريخ الأمة الإسلامية أن يوجد قانون مكتوب يعارض به شرع الله ﵎ ثُمَّ ما لبث أن اضمحل وانتهى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689412,"book_id":1659,"shamela_page_id":538,"part":null,"page_num":538,"sequence_num":538,"body":"وعلى المستوى العالمي فيوجد هناك قوانين مكتوبة من قديم، وهنا ننبه إِلَى قضية مهمة، وهي أن البعض يقول: إن الصينيين القدماء، والأشوريين، والفينقيين والفراعنة، ودولة معين وسبأ في اليمن إلى آخر ذلك كَانَ يوجد عندهم قوانين مكتوبة، وهذا دليل كما يقولون: عَلَى تطور التشريع، وبداية التشريع عند الإِنسَان وقد سبق أن قلنا: إن هذا الكلام باطل، وإن هذه القوانين المكتوبة، إما أن تكون من بقايا شرائع الأنبياء، فإن هذه الأمم بعث الله تَعَالَى فيها أنبياء، وأنزل عليهم الكتاب ليحكم بين النَّاس فيما اختلفوا فيه، فكل أمة من الأمم لها دينها ولها كتابها وشرعها الذي لا يجوز أن تتحاكم إِلَى غيره، فإما أن تكون من بقايا شرائع الأنبياء، وإما أن يكونوا أحدثوا شرائع من عند أنفسهم معاندة وإعراضاً عن شرائع الأَنْبِيَاء.\rوفي أوروبا ظهرت قوانين نابليون التي كتبت بشكل واضح مكتوب مخالفة لما كانت عليه أوروبا من التحاكم إِلَى رجال الدين أي: إِلَى النصرانية وشريعة التوراة، وكان هذا في بداية القرن التاسع عشر أي ألف وثمانمائة وأربعة، وقانون نابليون قانون مشهور إِلَى اليوم إذ هو من أكبر القوانين، وهو أيضاً مستمد في بعض جوانبه من القوانين الرومانية القديمة، التي لما بعث النبي ﷺ كَانَ الرومان يتحاكمون إليها، لكنها كانت بدائية بالنسبة للقوانين الحديثة التي افتتحت بقانون نابليون.\rالمقصود: أن هذا القانون نقل إِلَى الأمة الإسلامية، وأول ما نقل إِلَى مصر، فعرض الخديوي القانون عَلَى بعض العلماء فأقروه.\rإذاً فالطريقة الأولى من الاعتراض هو القانون.\r\rعلماء السوء","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689413,"book_id":1659,"shamela_page_id":539,"part":null,"page_num":539,"sequence_num":539,"body":"علماء السوء هم الباب الثاني من أبواب الفساد، فالخديوي لماجاء بالقانون عرضه علىبعض علماء السوء، فَقَالُوا: كل ما في هذا القانون من مواد لا تخرج عن المذاهب الأربعة، ولابد أن توافق أحد المذاهب الأربعة ولو بوجه من الوجوه، ولو برأي أو قول ضعيف في مذهب أَحْمَد أو الشَّافِعِيّ أو مالك أو أبي حنيفة، فلا مانع من أن يقرَّ في بلاد الْمُسْلِمِينَ، فأقر هذا القانون بناءً عَلَى ذلك، فاتفق أصحاب السياسة، وعلماء السوء عَلَى إقرار هذا القانون وإدخاله إِلَى بلاد الْمُسْلِمِينَ.\rوالدولة العثمانية أدخلت النظم الغربية شيئاً فشيئاً، وكان أول ما أدخل قانون القناصل ومحاكم القناصل، فقد كانت لأوروبا قناصل في العالم الإسلامي، وكان القناصل يحكمون بين رعاياهم فقط، ولكن أحكامهم وقوانينهم توسعت حتى أصبحت تحكم بين الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ جَاءَ السلطان سليمان، وكان من أكبر وأعظم السلاطين في الحرب والقوة العسكرية، لكنه أتى من باب الجهل بالدين، ومن باب أيضاً سكوت علماء السوء، فأدخل القوانين، ولهذا سماه الغربيون، سليمان القانوني، وأدخلها باسم \"تنظيمات\" تحاشياً من أن يُقال قانون، فيُقَالُ: القوانين كفر، أو القوانين لا تجوز، فسموها تنظيمات، وجعلوها أنظمة، نظام التجارة، حتى نظام العقوبات الجنائية، بدَّل فيه كثيراً من الأحكام عن غير ما أنزل الله ﵎.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689414,"book_id":1659,"shamela_page_id":540,"part":null,"page_num":540,"sequence_num":540,"body":"ثُمَّ استمر الوضع شيئاًَ فشيئاً حتى جَاءَ الأوروبيون الصليبيون الجدد -الذين يسمون المستعمرين- واحتلوا العالم الإسلامي وفرضوا القوانين بالقوة وألغوا الشريعة الإسلامية، ابتداءً من الهند، التي كانت تحكم بالشريعة الإسلامية، وكان ملوك المغول هم حكام الهند لكن كما سبق في البيت الأول، \"وقد يورث الذل إدمانها\" عندما أذنب الْمُسْلِمُونَ في الهند وأقاموا الأضرحة الكبيرة، وانحرفوا عن دين الله ﷾ وعظموا الأولياء والموتى، وتركوا العقيدة الصحيحة، وتركوا الأكثرية تعبد البقر وهم يحكمونهم بشريعة الإسلام سُبْحانَ اللَّه!!.\r\rأين أنتم تحكمون أمةً تعبد البقر وتعبد الأصنام، ولم تتحركوا لإدخالهم في الإسلام وقد حكمتم البلاد ثمانمائة سنة؟! فلما جَاءَ الاستعمار وقضى عَلَى المغول، ألغيت معها الشريعة الإسلامية نهائياً.\rوكذلك دخل الاستعمار في بقية البلاد إلا من رحم الله ﵎، مثل وسط الجزيرة واليمن وأفغانستان وخراسان، وفي بعض الأطراف نسبة تقل أو تكثر، لكن الاستعمار حرص عَلَى أن يقضي عَلَى الشريعة الإسلامية قضاء باتاً، إلا البقية القليلة التي تسمى الأحوال الشخصية، لأن الأقطاب والمارون، والدروز كل منهم له أحوال شخصية خاصة فَقَالُوا: نجعل للمسلمين أحوالهم الشخصية ليس إقراراً للدين، لكن من باب أن هذه أمور خاصة جداً، وقد أُقرت جميع الملل عليها فليكن من ضمنها هَؤُلاءِ الْمُسْلِمُونَ، فهكذا أصبح الأمر، في ديار الإسلام، وأصبح التحاكم فيها إِلَى الطاغوت لا إِلَى ما أنزل الله ﵎.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689415,"book_id":1659,"shamela_page_id":541,"part":null,"page_num":541,"sequence_num":541,"body":"المدخل الثاني من مداخل الفساد هو مدخل الأحبار، والمقصود بالأحبار علماء السوء في جميع الملل، وفي هذا إشارة إِلَى ما يقع من ضعف وفساد في الدين سببه علماء السوء في جميع الملل، والأعصار، أما أهل الكتاب: فها أنتم تقرءون في كتاب الله ﷿ الكثير مما صنعوا، ومما أفسدوا في دينهم ودين أتباعهم، فأهل الكتاب كانوا يكفرون ببعض ويؤمنون ببعض، وكانوا يخرجون أبنائهم وأتباعهم ويقاتلونهم ويظاهرون عَلَى إخراجهم، وإذا جاءوهم أسارى يفادونهم كما ذكر الله ﵎ ذلك ولهذا قَالَ: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ [البقرة:٨٥] الآية فكان علماء السوء يبدلون ويحتالون عَلَى دين الله كما في قصة القرية التي كانت حاضرة البحر كما قال الله تَعَالَى: وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ [الأعراف:١٦٣] فماذا فعلوا؟ وكيف المخرج؟ جَاءَ علماء السوء المفتون، وَقَالُوا: الأمر بسيط! ألقو الشِبَاك يوم الجمعة ولا تصطادوا يوم السبت ثُمَّ خذوها يوم الأحد.\r\rتموت البقر فاحتالوا وَقَالُوا: اجمعوا الشحم وبيعوه عَلَى أنه زيت، فنحن لم نأكل التي حرم الله أكلها وإنما بعنا الزيت.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689416,"book_id":1659,"shamela_page_id":542,"part":null,"page_num":542,"sequence_num":542,"body":"فاليهودهم أهل الحيل، ولذلك يقول الإمام ابن القيم -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في الفوائد: كل من آثر الدنيا عَلَى الآخرة فلا بد أن يقول في دين الله وشرعه بغير علم، وأن ينحرف عما أنزل الله ﵎؛ لأن الدين جَاءَ عَلَى خلاف حظوظ النَّاس وأهوائهم، وهَؤُلاءِ يقدمون الحظ الفاني، ويقدمون الدنيا ويؤثرونها عَلَى الآخرة، فلا بد أن يقولوا عَلَى الله بغير علم تحايلاً للوصول إِلَى ما يريدون وإلى ما يشتهون فيحتالون، ومن هنا قلدهم في هذه الأمة من قلد، وليس المذمومون يهود فقط، ولذلك عندما قُرأ عند حذيفة -رضي الله ﵎ عنه- قول الله ﵎: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:٤٤] قال رجل ممن كَانَ عندحذيفة: هذه لليهودفانتبه حذيفة -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- إِلَى قضية خطيرة يقع فيها كثير من الْمُسْلِمِينَ وهي أننا نحيل دائماً العيوب والأخطاء إِلَى علماء اليهود والنَّصَارَى وننسى أننا قد نقع في نفس الشيء قال حذيفة رضى الله تَعَالَى عنه: (نعم أبناء عم لكم اليهود، ما كَانَ من حلوة فهو لكم، وما كَانَ من مرة فهو لهم) إذا قرأنا في القُرْآن ثناءً ومدحاً قلنا: هذا لنا لأمة مُحَمَّد ﷺ، وإذا قرأنا فيه ذماً وعيباً قلنا: هذا لليهودوالله تَعَالَى قَالَ: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ [المائدة:٧٨،٧٩] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689417,"book_id":1659,"shamela_page_id":543,"part":null,"page_num":543,"sequence_num":543,"body":"فإذا قيل لهم: مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، قالوا: هذه نزلت في اليهود، فكأن الذي لا يقيم التوراة والإنجيل يكفر ويعاقب، والذي لا يقيم القُرْآن يكون مؤمنا ويكرم ويعزز! لا، القُرْآن أعظم فإن الله ﷾ قَالَ: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ [المائدة:٤٨] الآية. فالتمسك بالكتاب المهيمن يكون أقوى وعقوبة الانحراف عنه أغلظ وأشد.\rوقد وقع في هذه الأمة من يسمون أهل الرأي، أو أهل القياس وهَؤُلاءِ قد شابهوا بعض المشابهة لأحبار اليهود والنَّصَارَى فإنهم ألفوا كتباً تسمى كتب الحيل، فيحتال مثلاً عَلَى عدة المطلقة، أو عَلَى أي نوع من أنواع الربا، أو عَلَى إرجاع المطلقة بتحليلٍ مثلاً، فأفسد علماء السوء في هذه الأمة أيضاً دين الْمُسْلِمِينَ كما أفسد أحبار اليهود دينهم، وانتشر البلاء وعم، ولهذا تجد أن كتب الرجال تنتقدهم مثل كتاب المجروحين لـ ابن حبان ﵀ فقد كَانَ ضد أهل الرأي، وهو في ذلك تبع للإمام البُخَارِيّ والإمام أَحْمَد -رحمهما الله- فكان إذا ذكر رجلاً من أهل الرأي يقول فيه ما يستحق من الذم، وهو من أكثر من جمع أصحاب الرأي وما اعترضوا به عَلَى دين الله ﷾ وهم مجرد أصحاب قياس ونظر، لكن اعترضوا عَلَى النصوص فردوها بحجة أنها تخالف القياس، فبدأ الانحراف بتعظيم القياس والرأي والهوى مقابل العمل بالسنة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689418,"book_id":1659,"shamela_page_id":544,"part":null,"page_num":544,"sequence_num":544,"body":"ويذكر شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ في حياة الإمام أَحْمَد أنه كَانَ يدرس في بغداد عَلَى عامة النَّاس كتابين: كتاب الإيمان وكتاب الأشربة يقول شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ: كَانَ يفعل ذلك لأن أصحاب الرأي -وهم الفقهاء- كَانَ لهم انتشاراً في بغداد، فكان يدرس كتاب الأشربة ليبين خطأهم في أحكام النبيذ، وكتاب الإيمان لأنهم كانوا مرجئةً في الإيمان، فكان الأئمة يعالجون الواقع ويحاولون أن يصلحوا الناس.\rثُمَّ يقول المصنف: [إن أحبار السوء هم العلماء الخارجون عن الشريعة بآرائهم وأقيستهم الفاسدة المتضمنة تحليل ما حرمه الله ورسوله وتحريم ما أباحه، واعتبار ما ألغاه، وإلغاء ما اعتبره، وإطلاق ما قيده، وتقييد ما أطلقه، ونحو ذلك] فهذا مما يفسد الدين والواجب عَلَى المسلم أن يذعن لأمر الله، وأن ينقاد له، وأن يقول كما قال أصحاب النبي ﷺ: سمعنا وأطعنا، فالأحاديث التي نقرأها اليوم ونتجادل فيها سمعها أصحاب النبي ﷺ منه وما اختلفوا فيها، كانوا يسمعون ويمتثلون فلذلك كَانَ خلافهم قليلاً.\r\rفالله تَعَالَى أنزل إلينا شريعة سمحة فطرية تتعامل مع الإِنسَان في كل زمان، ومكان، في كل بيئة ببساطة، ووضوح ويسر، وهكذا يجب أن ننظر دائماً إِلَى هذا الدين، وإلى هذه الشريعة، ونحمد الله تباك وتعالى أنه أنزلها إلينا.\rإذاً: فالذين يلغون ما اعتبره الشارع، أو يعتبرون ما ألغاه، أو يقيدون ما أطلقه، أو يطلقون ما قيده، هَؤُلاءِ من جنس النوع الثاني من أنواع الفساد وهو فساد الأحبار.\r\rجهلة العباد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689419,"book_id":1659,"shamela_page_id":545,"part":null,"page_num":545,"sequence_num":545,"body":"الطريق الثالث: العباد الذين يعبدون الله عَلَى جهل فقد أفسدوا الدين، كما أن العلماء الذين يفتون بالضلال أفسدوا الدين، وكذلك الحكام الذين يحكمون بغير ما أنزل الله أفسدوا الدين، وفساد الرهبان هو عن طريق: الأذواق والمواجيد، والكشوفات، والرؤى والأحلام، فعارضوا شرع الله ﷾ بأمثال هذه الأمور.\rومعلوم قصة الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفساً وجاء تائباً فَدُل عَلَى رجل عابد فذهب إِلَى أحد عباد السوء، وعباد الجهل، فقَالَ: إنني قد قتلت تسعة وتسعين نفساً فهل لي من توبة؟ قَالَ: لا أجد لك توبة، فقَالَ: ما دام أنه لا توبة لي فسوف أكمل بك المائة، فأكمل به المائة فلما ذهب إِلَى العالم البصير بالحق أفتاه بالحق، وقال له: إن التوبة لا تحجب، ولكن اذهب إِلَى أرض كذا، فإنها أرض خير، فذهب وكان ما قص رَسُول الله ﷺ من توبته وقبول الله ﵎ لها.\rفهَؤُلاءِ العباد الجهلة يفسدون الدين بظاهر أحوالهم ويتعبدون بغير ما أنزل الله ﵎، فإذا قلت له: هذا الذكر لم يشرع أو لم يرد لا في حديث صحيح ولا حسن ولا ضعيف فإنه يقول لك: نعم، ولكنا كوشفنا به إما في المنام كما هو عند البعض، أو بمخاطبة النبي ﷺ يقظة، بل بعضهم يقول بمخاطبة الله ﷻ له سماعاً.\rولهذا يقول المُصْنِّف ﵀: [والرهبان هم جهال المتصوفة المعترضون عَلَى حقائق الإيمان والشرع بالأذواق، والمواجيد، والخيالات، والكشوفات الباطلة الشيطانية، المتضمنة شرع دين لم يأذن به الله، وإبطال الدين الذي شرعه عَلَى لسان نبيه ﷺ، والتعوض عن حقائق الإيمان بخدع الشيطان وحظوظ النفس] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689420,"book_id":1659,"shamela_page_id":546,"part":null,"page_num":546,"sequence_num":546,"body":"والانحراف يقع بالتدريج، حتى في العبادات، فإن أول ما وقع الافتراق هو أنه وقع غلو بعض عبادة البصرة في التعبد، وسنة النبي ﷺ في العبادة واضحة، فأم المؤمنينعَائِِِشَةَ ﵂ مثلاً تجزم بأن النبي ﷺ ما زاد عَلَى إحدى عشرة ركعة لا في رمضان ولا في غيره، لكن لنفرض أن أحداً زاد وعمل ببعض الأدلة العامة، لكن لم يكن في السلف من يقوم الليل كله، أو يصوم النهار كله، ويصبح في العذاب الذي فعله هَؤُلاءِ العباد، وقد كَانَ السلف الصالح أخشع النَّاس قلوباً، ولن يخشع أحد من سماع القُرْآن أكثر من أصحاب النبي ﷺ أبداً، ومع ذلك فلم يعهد عنهم أنهم كانوا إذا سمعوا آية سقط أحدهم مغشياً عليه أو يموت، وإنما الذي روي من ذلك حالات قليلة لا تتناسب مع كثرة الصحابة وقوة إيمانهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689421,"book_id":1659,"shamela_page_id":547,"part":null,"page_num":547,"sequence_num":547,"body":"فلما ظهر الجيل الثاني والثالث: بدأ نوع من الضعف والنقص، فوجد من إذا سمع آية يغمى عليه أو قد يموت، وهو معذور عَلَى أية حال، وهذا من حسن الخاتمة - إن شاء الله- كما وقع لزرارة بن أوفى -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- فإنه لما سمع قول الله تعالى: فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ [المدثر:٨] سقط وهو في الصلاة ومات فهذا من قوة الإيمان ومن حسن الخاتمة له -إن شاء الله-، لكن جَاءَ أناس فجعلوا مقياس التأثر من سماع القُرْآن هو أن يقع الإِنسَان وأن يغمى عليه، حتى أنهم أخذوا يفضلون بعض أئمة التصوف الذين كَانَ يغمى عليهم من الذكر، عَلَى أصحاب النبي ﷺ في العبادة، فيقولون: أُولَئِكَ اشتغلوا بالجهاد واشتغلوا بكذا ولم يتفرغوا للعبادة، لكن هَؤُلاءِ الشيوخ تفرغوا للعبادة فكانوا إذا سمعوا الآية أو الحديث أو ذكروا الموت أو الآخرة يغمى عَلَى أحدهم وقد يموت، فيتوهم العامة أن هَؤُلاءِ أفضل من أولئك؛ لأن العوام لا يوجد عندهم إدراك لحقائق الأمور، فتبدأ هذه الأمور تدريجياً عند النَّاس فيتغير معيار العبودية الصحيح، ويتحول إِلَى أمور لم تشرع وليست هي الأساس وإنما يقع الانحراف قليلاً قليلاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689422,"book_id":1659,"shamela_page_id":548,"part":null,"page_num":548,"sequence_num":548,"body":"حتى إن بعض جهلة الصوفية فضل سماع القصائد والأشعار التي توقف القلب وتأتي بالذوق الإيماني -كما يقول- عَلَى سماع القُرْآن من سبعة أوجه، فذكر منها أنه يلين القلب، وأنه يحرك الساكن، وأنه يتكلم عن فناء الدنيا، والقرآن فيه الحديث عن الأحكام والحلال والحرام، أما الشعر فكله في الوجد، وكله في المحبوب، وهذا يجعله ذاكراً الله والآخرة، فهكذا يقع الفساد الكبير عندما يترك الإِنسَان الكتاب والسنة ويأخذ عن الزهاد والضُلال والعباد ويعارض به ما جَاءَ عن النبي ﷺ، فلا ينظرون إِلَى النبي ﷺ كيف عبد الله؟ وكيف قام وصلى؟ وكيف أفطر وصام؟ وكيف زكى؟ وكيف كَانَ توكله وأصحابه صلوات الله عليهم أجمعين؟\rبل إن الصوفية قد تجرأت حتى عَلَى الصحابة الكرام فمن ذلك أنه لما جاءت الغنيمة من البحرين وكثر الصحابة وامتلأ المسجد فتعجب النبي ﷺ من كثرتهم، وقَالَ: لعله بلغكم أن أبا عبيدة قدم بالمال من البحرين، فجاءوا من الأطراف يريدون العطاء والحاجة إِلَى المال، الحاجة إِلَى الإنفاق عَلَى العيال حاجة فطرية صحيحة ليس فيها اعتراض عَلَى دين الله، لكن هَؤُلاءِ الصوفية قالوا: هذا ليس توكلاً، التوكل أن تسير في البرية والخلاء بلا زاد، هذا أعلى درجة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689423,"book_id":1659,"shamela_page_id":549,"part":null,"page_num":549,"sequence_num":549,"body":"والدرجة الثانية: أن يجلس في المسجد أو أي مكان آخر ولا يتعرض لأسباب الكسب، لهذا لما قيل للإمام أَحْمَد أو غيره، قيل: إن فلاناً عنده توكل، ويجلس في المسجد قَالَ: إنما توكل عَلَى المتصدقين، ولم يتوكل عَلَى الله، فهو يعلم أن المصلين سيأتون ويتصدقون بمال أو طعام، إذاً أين التوكل؟ فأفسدوا معنى التوكل وحقيقته، وكذلك أفسدوا معنى الصبر وأفسدوا معنى الرضا بالقضاء والقدر، فالنبي ﷺ قَالَ: (إن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، ولا نقول: إلا ما يرضي ربنا ﷿ هكذا علمنا النبي ﷺ الصبر وعلمنا الرضا بالقضاء.\r\rأما هَؤُلاءِ العباد الضلال الجهال فأحدهم مات له ابن فما رؤي أحد أكثر منه في ذلك اليوم تطيباً قَالَ: حتى أثبت أني راضٍ، فهل أمر الله ﷾ إذا مات ابنك أن تفعل هذا؟\r\rوكذلك التواضع، فقد أمرنا به النبي ﷺ، وكان يتواضع ﷺ لأقل الناس، ويسمع أحوالهم، ويرى أمورهم، هذا التواضع الذي علمنا إياه ﷺ وأمرنا به، لكن هم كيف تواضعهم؟ قال أحدهم لأحد المشائخ: جئنا نتعلم منك التواضع؟ قال له: خذ مخلاه-الذي توضع عَلَى الدواب- وضعها عَلَى عنقك واملأها بالجوز واحلق لحيتك وانزل إِلَى السوق وقل للناس: كل من لكمني لكمة أعطيته جوزه، فإذا لطموك كلهم وانتهى الجوز فإنك ترجع وقد تعلمت الخشوع والتواضع.\r\rومن طوامهم أيضاً أنهم قالوا: القتلى نوعان:\rقتيل العدو، وقتيل الحبيب.\r\rقتيل العدو هو: المسلم الذي جاهد الكفار فقتلوه.\r\rوقتيل الحبيب هو: الذي قتله الحب، يذكر الله ويبكي بهذه المحبة الهائلة الهائمة ويموت في حالة الفناء، ويقولون: شتان ما بين قتيل الحبيب وقتيل العدو!\rيقولون: هذا هو الفرق، إذاً: لا جهاد للأعداء، ولا قتال للكفار.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689424,"book_id":1659,"shamela_page_id":550,"part":null,"page_num":550,"sequence_num":550,"body":"وهناك أمثلة كثيرة جداً تطول لو أردنا أن نستعرضها كلها، وهذه نماذج لما أفسد به الرهبان الصوفية في الأمة، فتكون النتيجة كما قَالَ المُصْنِّفُ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- عن هَؤُلاءِ الثلاثة: [فقال الأولون: إذا تعارضت السياسة والشرع قدمنا السياسة، وقال الآخرون: إذا تعارض العقل والنقل قدمنا العقل، وقال أصحاب الذوق -الصوفية -: إذا تعارض الذوق والكشف وظاهر الشرع، قدمنا الذوق والكشف] ، هذه الثلاثة: هي أصل الضلالات في الاعتراض عَلَى دين الله ﵎ وعلى شرعه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689425,"book_id":1659,"shamela_page_id":551,"part":null,"page_num":551,"sequence_num":551,"body":"شرح العقيدة الطحاوية\rكلام الله\rفضيلة الشيخ د. سفر بن عبد الرحمن الحوالي\r\rإثبات صفة الكلام من المواضيع الخطيرة الجليلة، فقد حدث فيها من الافتراق بين الأمة ما لم يحدث في أي موضوع آخر من موضوعات العقيدة، فقد كَانَ أكثر موضوعات العقيدة خلافاً هو موضوع الإيمان، وأكثر المجالات التي تصارعت فيها الفرق واختلفت فيها الآراء منذ أن ظهرت الخوارج إِلَى القرن الثاني.\rفلما ظهر القول بخلق القُرْآن وإنكار كلام الله ﷾ أصبحت قضية الكلام هي أخطر وأكبر قضية اختلف فيها الناس، وتجادلت فيها الفرق، وتنوزعت فيها الآراء.\rهل عرف النبي ﷺ وصحابته التفلسف\rلم يكن النبي ﷺ ولا أصحابه يعرفون التفلسف والتمنطق والابتداع، وإنما كانوا يؤمنون بما أنزل الله ويتبعون ما جَاءَ من عند الله ويعلمون أن ربهم ﵎ أجلَّ وأعظم من أن يكون صنماً لا يتكلم، كيف والهدى إنما نزل إليهم بكلام الله ﷾؟!\rوكيف ذلك وهم إنما يحرصون عَلَى القرآن؛ لأنه كلام الله ﷾؟! فالله ﵎ يقول لنبيه مُحَمَّد ﷺ: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ [التوبة:٦] وكيف ذلك والله ﵎ يقول في حق اليهود: وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ [الأعراف:١٤٨] فالرب والإله المعبود الذي لا يتكلم ولا يهدي، يسمى جماداً وصنماً، فلا يستحق أن يعبد: كالأحجار التي يعبدها الكفار، والأشجار والنيران والأبقار وبقية الأوثان التي يعبدونها من دون الله لا تكلمهم ولا تهديهم سبيلاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689426,"book_id":1659,"shamela_page_id":552,"part":null,"page_num":552,"sequence_num":552,"body":"هكذا كَانَ العجل الذي عبده بنو إسرائيل فجاء أحفاد عبدة العجل ليعلِّموا الْمُسْلِمِينَ أن ربهم ﵎ لا يُكلمهم ولا يهديهم سبيلاً: أما الكلام فقد أنكروه، وأما الهداية، فَقَالُوا: إن العقول تستقل بمعرفة الحق، والبراهين العقلية قائمة. وما جَاءَ في كتاب الله وفي سنة رَسُول الله ﷺ موافقاً للبراهين العقلية قبلوه، وما جَاءَ مخالفاً لها ردوه فجعلوا لله ﵎ صفات العجل: لا يُكَلِّمُهُم وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ [الأعراف:١٤٨] وهذا ظلم منهم وشرك لاتخاذهم إلهاً غير الله، والدليل عَلَى كذبهم في ذلك وإفكهم وأنهم مُشْرِكُونَ، حال هذا الإله الذي عبدوه وهو أنه لا يُكَلِّمُهُم وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ [الأعراف:١٤٨] .\r\rأول من عرف عنه بدعة القول بخلق القرآن\rومنذ أن ظهر القول بخلق القرآن، اُمِتَحنت الأمة من أجلها امتحاناً عظيماً، وأَحدثَتْ من الانشقاق والاختلاف بين الْمُسْلِمِينَ ما لا يُرأب صدعه إِلَى قيام الساعة، ولا يزال الخلاف إِلَى الآن قائماً، وسيظل إلا أن يرجع أهل البدع والضلال إِلَى كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ.\rإن أصحاب النبي ﷺ والتابعين لهم بإحسان، من القرون المفضلة المشهود لها بالخيريه عَلَى لسان نبينا مُحَمَّد ﷺ، حيث قال: (خير النَّاس قرني ثُمَّ الذين يلونهم ثُمَّ الذين يلونهم) لم تعرف عندهم هذه البدعة، ولم يقل بها أحد من السلف الصالح قط.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689427,"book_id":1659,"shamela_page_id":553,"part":null,"page_num":553,"sequence_num":553,"body":"وأول من أثرت عنه وعرفت عنه من المبتدعة رجل شاذ لا قيمة له في العلم، ولا في الفقه، ولا معرفة له بما أنزل الله ﵎، يُقال له: الجعد بن درهم كَانَ في آواخر عصر الدولة الأموية، وكان مؤدباً لمروان بن محمد آخر ملوك بني أمية، وعندما انتهى حكمه سنة مائة واثنين وثلاثين هجرية وقامت الدولة العباسية، هرب إِلَى مصر، ثُمَّ قبض عليه وقتل هناك وكان يُلقب بمروان الحمار؛ لأنه واجه في عصره شدائد، فقد ثارت عليه البلاد من كل ناحية، واستولى العباسيون وغيرهم عَلَى أجزاء من الدولة، وكان يحارب ويجاهد ويكافح من أجل بقاء الخلافة، فلقبه المؤرخون بالحمار لكثرة تحمله وشدة جلده.\r\rالحمار أستاذه الجعد بن درهم\rلقد كَانَ مؤدب ومعلم مروان: هو الجعد بن درهم ولهذا لا نستغرب أن تسقط دولة مروان؛ لأن من كَانَ المبتدعة أساتذته وهم الذين يربونه؛ لم تكن عاقبته إلا الخسارة.\rولذلك يقال لمروان: مروان الجعدي، لأنه اشتهر به لكثرة ملازمته وتربيته له، والجعد بن درهم لما أن أظهر بدعة القول بأن الله ﷾ لا يتكلم، ولم يكلم موسى ﵇ ولا محمداً ﷺ، ولا يكلم أحداً مطلقاً وأنكر أيضاً أن الله ﷾ يُحِبُ أو يُحَبُ، وأنكر أن يكون الله ﷾ اتخذ إبراهيم، ومحمداً ﷺ خليلين.\r\rسند القول بخلق القرآن وفائدة في الأخبار المشهورة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689428,"book_id":1659,"shamela_page_id":554,"part":null,"page_num":554,"sequence_num":554,"body":"لقد أخذ الجعد بن درهم مسأله القول بخلق القُرْآن عن بيان بن سمعان أحد المبتدعة، وهو أخذها عن طالوت اليهودي وطالوت أخذها عن لبيد بن الأعصم اليهودي الذي سحر النبي ﷺ ولبيد أخذها عن أحد اليهودباليمن، وليس من المهم معرفة أول من قال بها، ولا يشترط لمثل هذه القضية أن يكون لها إسناد صحيح؛ لأن أهل البدع لا يقبل حديثهم، ولاكلامهم، ولو نظرنا بالنظرة الحديثية وبالنقد الحديثي لم نقبل حديث الجعد ولا بيان ولا طالوت ولا لبيد فكلهم غير مقبولين عندنا في الحديث.\rلكن مثل هذه الأخبار إذا نقلها علماء الإسلام وأظهروها، فإننا نأخذها لشهرتها كأي خبر تاريخي يشتهر فيؤخذ ما لم يوجد دليل عَلَى نفيه، وما لم يوجد دليل عَلَى ضده، وسند هذا الكلام ذكره شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ وابن القيم والحافظ ابن كثير في البداية والنهاية، وذكره قبلهم كثير ممن كتب في العقيدة عَلَى منهج السلف، ورووا ذلك بالأسانيد، وممن ذكر ذلك بالسند الخطيب البغدادي وأمثال هَؤُلاءِ العلماء الذين يذكرونها بالسند.\r\rوقفة مع كلام الشيخ الأرنؤوط على هذا الاسناد\rإذا أتى آت كالشيخ الأرنؤوط جزاه الله خيراً وقَالَ: إن هذا السند لم يذكره ابن كثير لا يعول عليه؛ لأن الحافظ الذهبي ترجم للجعد بن درهم في سير أعلام النبلاء (٥/ ٤٣٣) ، وذكر فيه أن إسناده في إنكار الصفات يرجع إِلَى اليهودبمثل ما ذكرنا.\rوذكرالذهبي ﵀ أيضاً أن خالد بن عبد الله القسري أحد ولاة بني أمية قتل الجعد بن درهم وضحى به في يوم الأضحى، عندما كَانَ النَّاس مجتمعين لصلاة العيد، فقام فيهم قائلاً: أيها النَّاس! ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضحٍ بالجعدِ بن درهم، فإنه أنكر أن الله كلمَّ موسى تكليماً، واتخذ إبراهيم خليلاً، ثُمَّ نزل من عَلَى المنبر فذبحه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689429,"book_id":1659,"shamela_page_id":555,"part":null,"page_num":555,"sequence_num":555,"body":"قال الشيخ الأرنؤوط: إن هذا السند غير ثابت، ولم يصلنا إسناد صحيح، وبناءاً عليه، فإن الرجل ربما قتل لأن القضية كانت سياسية، وليس من أجل العقيدة والابتداع، ويقول: إنه لم يعرف عن ولاة بني أمية أنهم كانوا يقتلون الرجل لأجل العقيدة، وإنما يقتلونه لأجل مخالفته لهم في السياسة والحكم.\r\rقلتُ: وهذا الكلام احتمال لا دليل عليه وما دام أن الشيخ لم يأتينا بما يثبت أنه كَانَ بين الجعد بن درهم وبين خالد أو بين بني أمية قضية سياسية قتلوه من أجلها فيظل هذا مجرد احتمال، والاحتمالات لا نعمل بها مع ورود الخبر الذي نقله المؤرخون، مثل ابن عساكر والخطيب البغدادي في كتبهم، لا سيما وقد ذكر المؤرخون فيما بعد أنه قتل لهذا السبب وأن خالد بن عبد الله قَالَ: الكلام السابق، وعلى ذلك فإننا لا نستطيع رد هذا الكلام إلا بدليل، وليس هناك ثُمَّ دليل عَلَى أن السبب كَانَ قضية سياسية\r\rوقفات مع خلفاء بني أمية\rوأما القول بأن خلفاء بني أمية لم يكونوا يقتلون أحداً من أجل عقيدته، فهذا غير صحيح، فإن الدولة الأموية كانت بعد عصر الراشدين وقامت هذه الدولة مع وجود عدد من أصحاب النبي ﷺ، وكان عبد الملك بن مروان -على سبيل المثال- صنواً ونظيراً لسيد التابعين سعيد بن المسيب ﵁، طلبا العلم معاً، وطلبا الحديث والفقه، وكان له ما كَانَ لسعيد من المكانة العلمية، لكنه انصرف في آخر أمره إِلَى الدولة وانشغل بتدبيرها، ثُمَّ كَانَ الوليد بن عبد الملك من بعده حريصاً عَلَى العلم وعلى الجهاد والدعوة، فالقصد أنه وجد في خلفاء بني أمية الكثير من أهل الفضل والتقوى والصلاح.\r\rلا يطعن في معاوية إلا زنديق","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689430,"book_id":1659,"shamela_page_id":556,"part":null,"page_num":556,"sequence_num":556,"body":"وإن من خلفاء بني أمية معاوية رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، وهو صحابي جليل لا يطعن فيه إلا زنديق، وابنه يزيد بن معاوية كَانَ قائد الجيش الذي فتح القسطنطينية وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال:\r(أول جيش من أمتي يغزو القسطنطينية مغفور له) .\r\rالخلفاء الإثنى عشر وعمر بن عبد العزيز\rوكذلك في بني أمية عمر بن عبد العزيز، ولا يستطيع أي مؤرخ أو عالم بالرجال أن ينكر فضله وحسن سيرته التي كانت مشابهة لسيرة جده عمر بن الخطاب رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، وكان فيهم من الرجال الذين كانوا عزاً للإسلام ويشهد لذلك الحديث الصحيح المتفق عليه، أن النبي ﷺ قَالَ: (لا يزال هذا الدين عزيزاً ما وليه اثنا عشر خليفة كلهم من قريش) والتفسير الأوجه والأولى والأصح أن يقَالَ: إن الإثنى عشر خليفة هَؤُلاءِ قد مروا، وهم الخلفاء الذين سبقوا، فمنهم الخلفاء الراشدون الأربعة ثُمَّ الذين من بعدهم من بني أمية قطعاً؛ لأن الفتوحات في عهد بني أمية توسعت، وعز الإسلام عزاً عظيماً لم يبلغه في أية مرحلة من المراحل، وكان الدين عزيزاً أيضاً مع وحدة الكلمة، والْمُسْلِمُونَ كلهم جميعاً منضوون تحت لواء خلافة واحدة.\rبخلاف الحال في بني العباس فقد تفككت الخلافة في عهدهم.\r\rفتوحات قتيبه بن مسلم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689431,"book_id":1659,"shamela_page_id":557,"part":null,"page_num":557,"sequence_num":557,"body":"أقسم قتيبة بن مسلم قائد جيوش الوليد بن عبد الملك في المشرق لما ولي القيادة أنه ليطأنَّ أرض الصين، وتوغل في بلاد ما وراء النهر إِلَى أن وصل إِلَى تركستان التي هي الآن خاضعة للصين فأرسل ملك الصين إليه وزراءه ووفده، وقالوا له: لا تدخل إِلَى أرضنا ونحن نرضيك بما تشاء وندفع لك من الجزية ما تشاء، فَقَالَ لهم: أقسمت أن أطأ أرض الصين قالوا: نَحْنُ نعطيك تحله اليمين، فذهب وفد ملك الصين وأخذوا تراباً من تراب الصين وحملوه وجاءوا به إِلَى قتيبة، فوطأه بقدمه ووقف عليه، وأخذ منهم الجزية وهم صاغرون، إذاً فهذا عز عظيم للإسلام.\rوفي المغرب كَانَ موسى بن نصير وطارق بن زياد يريدان أن يفتحا الأندلس، ومنها ينطلقان فيفتحا جنوبأوروبا، ثُمَّ تكن حركة التفاف كبرى إِلَى أن يصلوا القسطنطينية التي هي اليوماسطنبول، وذلك عن طريق اقتحام أوروبا من الخلف حتى يصلوا إلىالقسطنطينية، ويلتقوا مع الجيش الذي جَاءَ من الشرق فيفتحوا هذه المدينة التي كَانَ فتحها نصراً وعزاً للإسلام، وكان الْمُسْلِمُونَ يتلهفون لفتحها دائماً فبلغ الإسلام قوة عظمى في عهد بني أمية وبهذا ينطبق عَلَى خلفائهم قوله ﷺ: (لا يزال هذا الدين عزيزاً ما وليه اثنا عشر خليفة كلهم من قريش)","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689432,"book_id":1659,"shamela_page_id":558,"part":null,"page_num":558,"sequence_num":558,"body":"ثُمَّ نقول: إن القول بأن بني أمية لا يقتلون الرجل من أجل العقيدة ليس بصحيح، فهذا الجهم بن صفوان تلميذالجعد بن درهم قتل من أجل عقيدته وبدعته، حتى أن سلم بن أحوز الذي كَانَ والي الشرطة في خراسان لما قُبض عَلَى الجهم وجيء به قَالَ: له الجهم اصفح عني، واعف، فَقَالَ سلم بن أحوز: والله يا جهم لا أقتلك لأنك ذو شأن عندي، ولكنني منذ أن سمعت بدعتك أقسمت بالله أنني لن أفلتك من القتل أبداً متى ما ظفرت بك، وكذلك قتل الجعد من أجل بدعته كما سبق، وهذا الموقف الذي وقفه خالد بن عبد الله أوسلم بن أحوز وأمثاله من ولاة بني أمية في محاربة أهل البدع هو الذي يجب أن يكون عليه الْمُسْلِمُونَ دائماً، وهذا موقف محمود مشكور لولاة بني أمية، فلا يليق بنا بعد ذلك أن نحاول أن نطعن فيهم أو أن نقول: إن العمل هذا لم يكن لوجه الله، أولم يكن لأجل العقيدة، فالواجب عَلَى كل من وُليّ أمر الْمُسْلِمِينَ، ورأى من يفسد الدين بالعقيدة الفاسدة، أن يعاقبه بذلك، وهذه قاعدة متفق عليها بين العلماء، ويدل عليها قول النبي ﷺ: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث النفس بالنفس والثيب الزاني والتارك لدينه المفارق للجماعة) فالمفارق للجماعة لبدعة من البدع التي تخل بالدين وتهدمه يجب قتله؛ لأن في ذلك مصلحة وراحة وإقامة للدين.\r\rمكانة قتال المرتدين من قتال الفرس والروم\rقتال المرتدين أهم من قتال الروم والفرس، فقد أجمع الصحابة -رضوان الله تَعَالَى عليهم- عَلَى قتال الخوارج؛ لأنهم أهل بدع، وقتال أهل البدع أصل معروف مشهور عند علماء الْمُسْلِمِينَ قديماً وحديثاً.\rولا ينبغي لنا أن نخرج هذه الأعمال التي قام بها ولاة بني أمية عن هذا المجال، بل يشكرون عَلَى ذلك، وإن كانت لهم أخطاء أو عيوب، فإن المرء المسلم له حسنات وله سيئات والله ﵎ هو الذي يتولى الحساب وهو العليم بالسرائر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689433,"book_id":1659,"shamela_page_id":559,"part":null,"page_num":559,"sequence_num":559,"body":"توضيح ما أشكل على الشيخ الأرنؤوط\rوأما ما قاله الشيخ الأرنؤوط وغيره: كيف يكونالجعد أخذ هذه المقالة عن اليهودمع أن المشهور عنهم هو التشبيه والتمثيل، وأن الرافضة كانوا عَلَى التشبيه؛ لأنهم نقلوه عن اليهود، وفي التوراة المحرفة -الموجودة إِلَى الآن- كثيرٌ من التشبيه والتمثيل لله ﷾ بخلقه الذي لا يليق بجلال الله ﷾؟\rفالجواب: أن الجعد بن درهم إنما نقل ذلك عن الفلاسفة اليهودلا عن الأحبار المتمسكين بالتوراة.\r\rيوجد في كل أمة فلاسفتها، فكما أنه يوجد في الْمُسْلِمِينَ الفلاسفة الذين أنكروا حقائق الأسماء والصفات، فكذلك في اليهود والنَّصارَى، ويبين ذلك أنه لما طلب المأمون من ملك الروم أن يبعث له بما لديهم من كتب الفلسفة والمنطق وكتب اليونان وكتب الأوائل فاستاشار الملك بطانته فَقَالُوا: كيف نعطيهم تراثنا، فَقَالَ أحد الأساقفة وكان ذكياً لبيباً فطناً: ابعثوا بها إليهم فوالله ما تعلمها أصحاب دين إلا كانت وبالاً عليهم؟ وهذا هو الذي هدم دين موسى ﵇ عندما دخل اليهود في الفلسفة وكان منهم الفيلسوف اليوناني المشهور أفلاطون وأفلاطين غيرأفلاطون فأفلاطون هو الفيلسوف اليوناني المعروف، وأما أفلاطين فإليك الحديث عنه.\rأفلاطين ودخول الفلسفة في دين اليهود","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689434,"book_id":1659,"shamela_page_id":560,"part":null,"page_num":560,"sequence_num":560,"body":"أفلاطين رجل يهودي أدخل الفلسفة في دين اليهود، وأخذ كلام أفلاطون وعدل ونقح وزاد فيه كما فعل ابن رشد وأمثاله في الإسلام ويسمى مذهبه الأفلاطونية الجديدة أو الأفلاطونية الحديثة، أما الأفلاطونية القديمة هي أفلاطونية أفلاطون والأفلاطونية الجديدة هي الأفلاطونية اليهودية وأفلاطين اليهودي كَانَ قبل ميلاد المسيح ﵇ بأكثر من قرنين واليهود كَانَ فيهم المتمسكون بالتوراة، وهَؤُلاءِ فيهم التمثيل والتشبيه، ولكن المتفلسفين من اليهودأمثال أفلاطين وأشياعه ينكرون الصفات، وكانوا عَلَى مذهب اليونان، فعندما نقول: إن أصل إنكار الصفات عن اليهودلا يعني بالضرورة أنه منقول عن الأحبار المؤمنين بالتوراة، وإنما هو عن فلاسفة اليهود والشيء الآخر الذي يؤيد ذلك أن الجعد بن درهم -كما يقول شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ - كَانَ من أهل حران من بلاد الشام، وهَؤُلاءِ كانوا عَلَى دين الصابئة، وما تزال الصابئة في تلك البقاع إِلَى اليوم، وهم -والله أعلم- كانوا قوم إبراهيم ﵇ الذين انحرفوا عن التوحيد، فقد كانوا يعبدون الكواكب، ثُمَّ دخلتهم الفلسفة، وأصبحوا يفلسفون العقائد والأمور بناءً عَلَى عبادة الكواكب، ومن فلاسفتهم من ينكر صفات الله ﷾ عَلَى نفس المنهج اليوناني القديم.\r\rنشأه الجعد بن درهم في بلاد الفلاسفة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689435,"book_id":1659,"shamela_page_id":561,"part":null,"page_num":561,"sequence_num":561,"body":"كان الجعد يعيش في بلاد الفلاسفة، وتعلم من فلاسفتها بدعة القول بخلق القرآن، ومما يذكر أن بعض المؤرخين والباحثين يقولون إن المعتزلة أخذوا القول بإنكار الصفات من النَّصَارَى، فانبرى بعض الباحثين الْمُسْلِمِينَ، وقَالَ: إن هذا من تشويه التاريخ الإسلامي أو كلما كَانَ لدينا رجل مفكر أو مبتكر أو عبقري يأتي الغربيون وينسبونه إِلَى اليهود والنَّصَارَى، وأخذ يدافع عنهم ويقول: إن المعتزلة أخذوا هذا من القرآن، وأرادوا أن ينزهوا القرآن، وهذا المدافع مخطئ وكلامه غير صحيح، بل المعتزلة فعلاً ومن كَانَ مع الجعد أو بعده أخذوا القول بأن كلام الله مخلوق عن النَّصَارَى لأن النَّصَارَىيعتقدون أو يسمون عيسى ﵇ الكلمة، ولا غبار عَلَى التسمية؛ لأن ذلك جَاءَ في الكتاب، وجاء في الحديث الصحيح أن عيسى ﵇ هو كلمة الله، وهم يقولون: كما في إنجيليوحنا، وهو الإنجيل الذي كتب خصيصاً لإثبات ألوهية المسيح كما يعترف بذلك علماء النَّصَارَىالموجودين اليوم أن الكلمة -أي: عيسى ﵇ كَانَ عند الله.\r\rتناقض واضح في عقيدة النصارى\rكان في البداية إطلاق الكلمة تعني عيسى ﵇. ثُمَّ أصبح عندهم هو الله فكيف كَانَ عند الله ثُمَّ هو الله؟ سُبْحانَ اللَّه هذا تناقض واضح في عقيدة النَّصَارَى، ولا يخفى ذلك عَلَى أي عاقل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689436,"book_id":1659,"shamela_page_id":562,"part":null,"page_num":562,"sequence_num":562,"body":"فالنَّصَارَى يقولون: إن عيسى هو الكلمة، وهذه الكلمة مخلوقة، أي: أن عيسى ﵇ مخلوق إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ َ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران:٥٩] ، فعيسى ﵇ كلمة الله بمعنى أن الله خلقه بكلمة منه كُنْ فَيَكُونُ، فكلام الله ﷿ الذي هو قوله كُنْ غير مخلوق، وإنما المخلوق هو عيسى ﵇ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [الأعراف:٥٤] فالأمر غير الخلق فكلمة كُنْ كلام الله وعيسى أو أي مخلوق آخر يقول له الله تعالى: كن فيكون، هو خلق الله ﷿ لكن القوم لما استمرؤوا أِن يسموه الكلمة، وهو في نفس الوقت يقولون: هو الله.\r\rالمعتزلة تناقش النصارى\rوجاء بعض الْمُسْلِمِينَ المحتكون بعقائد النَّصَارَىمن أمثال المعتزلة فقال لهم النَّصَارَى: إن القُرْآن مخلوق، فَقَالَ المعتزلة: لا، إنه ليس بمخلوق، هذا كلام الله، فَقَالُوا: أنتم تقولون -أيها الْمُسْلِمُونَ-: إن عيسى كلمة الله، وتوافقون عَلَى أنه كلمة، وتقولون إن عيسى مخلوق!! ولنا نَحْنُ أن نقول: إن عيسى إله وذلك أنكم -أيها المعتزلة - تقولون: القُرْآن كلام الله غير مخلوق، بل هو من صفات الله، إذاً نَحْنُ وإياكم سواء! فما الذي تعيبون علينا.\rأنكر المعتزلة ذلك، ثُمَّ قالوا: القُرْآن ليس كلام الله، القُرْآن مخلوق!! هكذا قال المعتزلة فِراراً من ذلك، وحتى لا يُقَالَ: إن القدماء متعددون كالنَّصَارَى، فالنَّصَارَى يقولون: في الأزل الآلهة القدماء -كما يسمونهم- متعددون وهم ثلاثة: الأب، والأبن، وروح القدس، أو الله، والكلمة، وروح القدس، هَؤُلاءِ كلهم قدماء.\r\rأي: هَؤُلاءِ الثلاثة هم في الأزل، فَقَالَ النَّصَارَى للمعتزلة: إذا قلتم أيضاً: إن القُرْآن قديم، فقد صرتم مثلنا، إذاً فلماذا تنتقدوننا؟!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689437,"book_id":1659,"shamela_page_id":563,"part":null,"page_num":563,"sequence_num":563,"body":"فأجاب المعتزلة وَقَالُوا: إن الله خلق القُرْآن كما خلق آدم، وخلق الشجر والحجر، تَعَالَى الله عن ذلك علواً كبيراً، وبهذا يتبين لنا كيف كَانَ تأثير اليهود والنَّصَارَى عَلَى عقيدة القول بخلق القرآن، وأن الذين اختلقوا وابتدعوا هذه البدعة إنما كانوا في الأصل من فروخ الصابئة واليهود والنَّصَارَى، ولم يأخذوا هذه المقالة من كتاب الله، ولا من سنة رَسُول الله ﷺ، ولا من كلام الصحابة، ولا من كلام أحد من علماء الإسلام أبداً.\r\rبل الثابت المنقول عن علماء الإسلام أن القُرْآن الكريم كلام الله غير مخلوق، وقد ذكر الأئمة من ذلك نقولاً كثيرة طويلة منهم عَلَى سبيل المثال الإمام اللالكائي.\r\rالإمام اللالكائي ينقل لنا أقوال السلف أن القرآن كلام الله غير مخلوق\rلقد ذكر الإمام اللالكائي صاحبشرح أصول اعتقاد أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ، فإنه ذكر أسماء العلماء من الصحابة إِلَى عقود متأخرة طبقة طبقة في المدينة، وفي الكوفة، وبغداد والبصرة، وفي كل البلاد: من علماء الحديث، والرجال، والفقه، والتفسير أنهم يقولون: القُرْآن كلام الله، ومن قَالَ: إنه مخلوق فقد كفر؛ لأنه كذَّب الله ﵎، وسوف نعرض بإذن الله الأدلة والأقوال مذهباً مذهباً ونبين بطلان تلك المذاهب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689438,"book_id":1659,"shamela_page_id":564,"part":null,"page_num":564,"sequence_num":564,"body":"يوجد في كل أمة فلاسفتها، فكما أنه يوجد في الْمُسْلِمِينَ الفلاسفة الذين أنكروا حقائق الأسماء والصفات، فكذلك في اليهود والنَّصارَى، ويبين ذلك أنه لما طلب المأمون من ملك الروم أن يبعث له بما لديهم من كتب الفلسفة والمنطق وكتب اليونان وكتب الأوائل فاستاشار الملك بطانته فَقَالُوا: كيف نعطيهم تراثنا، فَقَالَ أحد الأساقفة وكان ذكياً لبيباً فطناً: ابعثوا بها إليهم فوالله ما تعلمها أصحاب دين إلا كانت وبالاً عليهم؟ وهذا هو الذي هدم دين موسى ﵇ عندما دخل اليهود في الفلسفة وكان منهم الفيلسوف اليوناني المشهور أفلاطون وأفلاطين غيرأفلاطون فأفلاطون هو الفيلسوف اليوناني المعروف، وأما أفلاطين فإليك الحديث عنه.\rأفلاطين ودخول الفلسفة في دين اليهود","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689439,"book_id":1659,"shamela_page_id":565,"part":null,"page_num":565,"sequence_num":565,"body":"أفلاطين رجل يهودي أدخل الفلسفة في دين اليهود، وأخذ كلام أفلاطون وعدل ونقح وزاد فيه كما فعل ابن رشد وأمثاله في الإسلام ويسمى مذهبه الأفلاطونية الجديدة أو الأفلاطونية الحديثة، أما الأفلاطونية القديمة هي أفلاطونية أفلاطون والأفلاطونية الجديدة هي الأفلاطونية اليهودية وأفلاطين اليهودي كَانَ قبل ميلاد المسيح ﵇ بأكثر من قرنين واليهود كَانَ فيهم المتمسكون بالتوراة، وهَؤُلاءِ فيهم التمثيل والتشبيه، ولكن المتفلسفين من اليهودأمثال أفلاطين وأشياعه ينكرون الصفات، وكانوا عَلَى مذهب اليونان، فعندما نقول: إن أصل إنكار الصفات عن اليهودلا يعني بالضرورة أنه منقول عن الأحبار المؤمنين بالتوراة، وإنما هو عن فلاسفة اليهود والشيء الآخر الذي يؤيد ذلك أن الجعد بن درهم -كما يقول شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ - كَانَ من أهل حران من بلاد الشام، وهَؤُلاءِ كانوا عَلَى دين الصابئة، وما تزال الصابئة في تلك البقاع إِلَى اليوم، وهم -والله أعلم- كانوا قوم إبراهيم ﵇ الذين انحرفوا عن التوحيد، فقد كانوا يعبدون الكواكب، ثُمَّ دخلتهم الفلسفة، وأصبحوا يفلسفون العقائد والأمور بناءً عَلَى عبادة الكواكب، ومن فلاسفتهم من ينكر صفات الله ﷾ عَلَى نفس المنهج اليوناني القديم.\r\rنشأه الجعد بن درهم في بلاد الفلاسفة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689440,"book_id":1659,"shamela_page_id":566,"part":null,"page_num":566,"sequence_num":566,"body":"كان الجعد يعيش في بلاد الفلاسفة، وتعلم من فلاسفتها بدعة القول بخلق القرآن، ومما يذكر أن بعض المؤرخين والباحثين يقولون إن المعتزلة أخذوا القول بإنكار الصفات من النَّصَارَى، فانبرى بعض الباحثين الْمُسْلِمِينَ، وقَالَ: إن هذا من تشويه التاريخ الإسلامي أو كلما كَانَ لدينا رجل مفكر أو مبتكر أو عبقري يأتي الغربيون وينسبونه إِلَى اليهود والنَّصَارَى، وأخذ يدافع عنهم ويقول: إن المعتزلة أخذوا هذا من القرآن، وأرادوا أن ينزهوا القرآن، وهذا المدافع مخطئ وكلامه غير صحيح، بل المعتزلة فعلاً ومن كَانَ مع الجعد أو بعده أخذوا القول بأن كلام الله مخلوق عن النَّصَارَى لأن النَّصَارَىيعتقدون أو يسمون عيسى ﵇ الكلمة، ولا غبار عَلَى التسمية؛ لأن ذلك جَاءَ في الكتاب، وجاء في الحديث الصحيح أن عيسى ﵇ هو كلمة الله، وهم يقولون: كما في إنجيليوحنا، وهو الإنجيل الذي كتب خصيصاً لإثبات ألوهية المسيح كما يعترف بذلك علماء النَّصَارَىالموجودين اليوم أن الكلمة -أي: عيسى ﵇ كَانَ عند الله.\r\rتناقض واضح في عقيدة النصارى\rكان في البداية إطلاق الكلمة تعني عيسى ﵇. ثُمَّ أصبح عندهم هو الله فكيف كَانَ عند الله ثُمَّ هو الله؟ سُبْحانَ اللَّه هذا تناقض واضح في عقيدة النَّصَارَى، ولا يخفى ذلك عَلَى أي عاقل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689441,"book_id":1659,"shamela_page_id":567,"part":null,"page_num":567,"sequence_num":567,"body":"فالنَّصَارَى يقولون: إن عيسى هو الكلمة، وهذه الكلمة مخلوقة، أي: أن عيسى ﵇ مخلوق إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ َ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران:٥٩] ، فعيسى ﵇ كلمة الله بمعنى أن الله خلقه بكلمة منه كُنْ فَيَكُونُ، فكلام الله ﷿ الذي هو قوله كُنْ غير مخلوق، وإنما المخلوق هو عيسى ﵇ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [الأعراف:٥٤] فالأمر غير الخلق فكلمة كُنْ كلام الله وعيسى أو أي مخلوق آخر يقول له الله تعالى: كن فيكون، هو خلق الله ﷿ لكن القوم لما استمرؤوا أِن يسموه الكلمة، وهو في نفس الوقت يقولون: هو الله.\r\rالمعتزلة تناقش النصارى\rوجاء بعض الْمُسْلِمِينَ المحتكون بعقائد النَّصَارَىمن أمثال المعتزلة فقال لهم النَّصَارَى: إن القُرْآن مخلوق، فَقَالَ المعتزلة: لا، إنه ليس بمخلوق، هذا كلام الله، فَقَالُوا: أنتم تقولون -أيها الْمُسْلِمُونَ-: إن عيسى كلمة الله، وتوافقون عَلَى أنه كلمة، وتقولون إن عيسى مخلوق!! ولنا نَحْنُ أن نقول: إن عيسى إله وذلك أنكم -أيها المعتزلة - تقولون: القُرْآن كلام الله غير مخلوق، بل هو من صفات الله، إذاً نَحْنُ وإياكم سواء! فما الذي تعيبون علينا.\rأنكر المعتزلة ذلك، ثُمَّ قالوا: القُرْآن ليس كلام الله، القُرْآن مخلوق!! هكذا قال المعتزلة فِراراً من ذلك، وحتى لا يُقَالَ: إن القدماء متعددون كالنَّصَارَى، فالنَّصَارَى يقولون: في الأزل الآلهة القدماء -كما يسمونهم- متعددون وهم ثلاثة: الأب، والأبن، وروح القدس، أو الله، والكلمة، وروح القدس، هَؤُلاءِ كلهم قدماء.\r\rأي: هَؤُلاءِ الثلاثة هم في الأزل، فَقَالَ النَّصَارَى للمعتزلة: إذا قلتم أيضاً: إن القُرْآن قديم، فقد صرتم مثلنا، إذاً فلماذا تنتقدوننا؟!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689442,"book_id":1659,"shamela_page_id":568,"part":null,"page_num":568,"sequence_num":568,"body":"فأجاب المعتزلة وَقَالُوا: إن الله خلق القُرْآن كما خلق آدم، وخلق الشجر والحجر، تَعَالَى الله عن ذلك علواً كبيراً، وبهذا يتبين لنا كيف كَانَ تأثير اليهود والنَّصَارَى عَلَى عقيدة القول بخلق القرآن، وأن الذين اختلقوا وابتدعوا هذه البدعة إنما كانوا في الأصل من فروخ الصابئة واليهود والنَّصَارَى، ولم يأخذوا هذه المقالة من كتاب الله، ولا من سنة رَسُول الله ﷺ، ولا من كلام الصحابة، ولا من كلام أحد من علماء الإسلام أبداً.\r\rبل الثابت المنقول عن علماء الإسلام أن القُرْآن الكريم كلام الله غير مخلوق، وقد ذكر الأئمة من ذلك نقولاً كثيرة طويلة منهم عَلَى سبيل المثال الإمام اللالكائي.\r\rالإمام اللالكائي ينقل لنا أقوال السلف أن القرآن كلام الله غير مخلوق\rلقد ذكر الإمام اللالكائي صاحبشرح أصول اعتقاد أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ، فإنه ذكر أسماء العلماء من الصحابة إِلَى عقود متأخرة طبقة طبقة في المدينة، وفي الكوفة، وبغداد والبصرة، وفي كل البلاد: من علماء الحديث، والرجال، والفقه، والتفسير أنهم يقولون: القُرْآن كلام الله، ومن قَالَ: إنه مخلوق فقد كفر؛ لأنه كذَّب الله ﵎، وسوف نعرض بإذن الله الأدلة والأقوال مذهباً مذهباً ونبين بطلان تلك المذاهب.\rبعد أن قتل الجعد وقتل الجهم أيضاً، وجاء عصر المأمون وترجمت الكتب أنشأ المأمون دار الحكمة لترجمة علوم اليونان، وعلوم الأوائل، وجاء المترجمون، وكان بعض مترجمي الدار من الزنادقة المشهورين مثل عبد الله بن المقفع الأديب والكاتب المشهور المعروف وأمثاله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689443,"book_id":1659,"shamela_page_id":569,"part":null,"page_num":569,"sequence_num":569,"body":"فكانوا أيضاً ممن تشَّرب بتلك العقائد وآمن بها، فأخذوا يترجمون هذه الكتب ثُمَّ زينوا للمأمون أن يعتقد عقيدة خلق القُرْآن وقالوا له: إن لم تعتقد هذه العقيدة فإن النَّصارَى يفحموننا ويقولون: إننا نقول مثلهم بأن القدماء أو الآلهة متعددة، ونحن نقول إن الله وحده هو القديم.\rدور بطانة السوء\rزين رجال السوء للمأمون أن يعتقد القول بأن القُرْآن مخلوق حتى اعتقده واعتنقه وآمن به وكان له وزير يسمى أحمد بن أبي دؤاد وهو أبرز من زين له هذه البدعة، وكان من تلاميذ تلاميذ الجهم، فلما استقر المأمون على ذلك، لم يكتف بأن يعتقد البدعة؛ بل كتب أوامره إِلَى جميع الولاة في الدولة جميعاً أن يرغموا الناس، ويمتحنوهم عَلَى القول بخلق القرآن.\r\rفمن قال به نجا، ومن لم يقل بذلك فإنه يجلد ويعذب ويضرب، حتى يقول بهذه العقيدة الضالة المبتدعة، ومن هنا عظمت المحنة عَلَى علماء الإسلام، وابتلوا في كل مكان بالحبس والسجن والأذى، واشتد الأمر، وعظم الخطب، ونكل بهم المبتدعة الذين ولاهم ابن أبي دؤاد، وكانوا شديدي الحقد عَلَى هَؤُلاءِ العلماء من أهل السنة الذين هم عَلَى العقيدة الصحيحة.\r\rبلاء أهل السنة في هذه الفتنة\rومن لم يدن بهذه البدعة من الْمُسْلِمِينَ ناله بلاء عظيم ونكال كبير بسبب هذه الفتنة، ولم يبق من العلماء المشهورين إلا ثلاثة نفر، وكان الإمام أَحْمَد هو ثالثهم وأشهرهم، فأكثر العلماء تهربوا عن الجواب، أو جاملوا، وبعضهم سجن في بعض البقاع أو جلد، لكن لم يكن لهم من قوة التأثيرما كَانَ للإمام أَحْمَد.\rفالإمام أَحْمَد كان في بغداد -العاصمة- وكان أكبر علماء الإسلام في عصره؛ لأن هذا الكلام كَانَ بعد وفاة الإمام الشَّافِعِيّ فقد قيل: إنه أدرك أول الفتنة.\rلكن الامتحان الحقيقي كَانَ في آخر أيام المأمون، بدليل أن المأمون مات قبل أن يصل إليه الإمام أَحْمَد حين استدعاه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689444,"book_id":1659,"shamela_page_id":570,"part":null,"page_num":570,"sequence_num":570,"body":"وكان الإمام أَحْمَد أكبر علماء الإسلام في الحديث، وكانت الأمة مُصغية الآذان لما يقوله الإمام أَحْمَد، فإن وافق الإمام أَحْمَد لم يبق أحد إلا وافق، وإن رفض فلا موافقة، وإن كَانَ في ذلك من الأذى ما فيه، ولهذا لما جيء بالإمام أَحْمَد وسجن جَاءَ إليه بعض النَّاس فقَالَ: يا إمام!\rقد ابتُليتَ وعُذبتَ، وقد جعل الله ﵎ لك فسحة في قوله: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ [النحل:١٠] فلماذا تعذب نفسك يا أَحْمَد؟!\r\rالإمام أحمد يسترخص نفسه في سبيل الحق\rلقد ضَرب الإمام أَحْمَد حتى انشقت خاصرته وخرجت أمعاؤه منها، من شدة ضرب السياط كل ذلك من أجل أن يقول: إن القُرْآن مخلوق، وهو يأبى أن يقول بدعتهم، وناظرهم بالحجة والبيان.\rفلما أفحموا وعجزوا لجأوا إِلَى الضرب، وهذه حجة من لا يملك الحجة، وقد قال لهم الإمام أَحْمَد: تريدون أن أوافقكم عَلَى قولكم؟ قالوا: نعم.\r\rقَالَ: اخرجوا فانظروا!\rفخرجوا وإذا بالنَّاس أفواجاً وبأيديهم الأقلام، وعندهم المحابر والورق، فقالوا لهم: ماذا تنتظرون قالوا: ننتظر ما يقوله الإمام أَحْمَد فنكتبه.\rفرجعوا إليه فَقَالَ لهم الإمام أَحْمَد: ماذا رأيتم؟\rقالوا: رأينا النَّاس جالسين ينتظرون ما تقول، فيكتبونه.\rقَالَ: والله لأن أموت أهون عليَّ من أن أُضل الناس؛ لأنه يعلم أن الكلمة التي سيقولها ستكتب وتؤخذ عَلَى أنها دين وتنتشر في الآفاق، والنَّاس لا يدرون أن الإمام أَحْمَد مُكَرَهَ؟! وأنه لا يرضى بذلك؟! وكيف يتدارك الأمر فيما بعد؟! هذا شيء غير مضمون.\r\rولذلك نفهم من هذا دقة فهم الإمام أَحْمَد، ففي حالة الإكراه يجوز للإنسان أن يقول كلمة الكفر، لكن إذا كَانَ الأمر يقتضي من الإِنسَان أن لا يقول الكفر وأن يقف موقف الحق، فإنه مهما أكره ومهما أوذي فإنه يجب ويتعين عليه أن لا يقولها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689445,"book_id":1659,"shamela_page_id":571,"part":null,"page_num":571,"sequence_num":571,"body":"فالإمام أَحْمَد رأى أن الأمة كلها تريد أن تسمع ما يقول، فلابد حينئذٍ أن يثبت أمام هذه الضلالات ولو أدى الأمر إِلَى قتله، فيقتل ويُقَالَ: قتل؛ لأنه لم يوافقهم عَلَى كلامهم، فيبقى الحق حقاً ولو قتل من قتل في سبيل بقاء هذا الحق هكذا كَانَ رأي الإمام أَحْمَد ﵀ -وقد رفعه الله ﷿ بهذا الموقف وهذا الصبر.\r\rلله درك يا أحمد\rلقد قال كثير من علماء الإسلام: إن موقف الإمام أَحْمَد في المحنة كموقف أبي بكر الصديق يوم الردة وقد ذكرنا -سابقاً- أن المأمون لم يلتق بالإمام أَحْمَد لأن الإمام أَحْمَد دعا الله تَعَالَى أن لا يريه إياه، وفي الطريق جَاءَ الخبر بأن المأمون قد مات، وقد كَانَ الإمام أَحْمَد من قبل حدوث القول بخلق القُرْآن يتجنب السلاطين، فلا يدخل عليهم ولا يقبل هداياهم.\rبل كَانَ ابنه صالح قاضياً وكان من أعدل القضاة وأعلمهم بالكتاب والسنة، وكان الإمام أَحْمَد لا يأكل من طعامه، قَالَ: لأنه يأخذ من أموال هَؤُلاءِ الظلمة، فهذا حال الإمام أَحْمَد أنه كَانَ لا يدخل عَلَى السلاطين حتى ولا في حال المودة؛ بل إن المتوكل الذي جَاءَ وأحيا السنة وأعادها، وزجر المبتدعة ونكل بهم وعذبهم حتى ماتوا ومنهم ابن أبي دؤاد، لم يكن الإمام أَحْمَد يدخل عليه، ولما أصر المتوكل عَلَى أن يزوره الإمام أَحْمَد ذهب إليه الإمام، واشترط عليه أن لا يحضر مجلسه، فكان يؤتى بالطعام فلا يأكله، وكان يواصل إلا أنه يشرب الماء، فبقي ثمانية أيام حتى كاد أن يهلك جوعاً، كما قال ابنه عبد الله وكان الذي تولى الخلافة من بعد المأمون المعتصم وهو الذي قام بتعذيب الإمام أَحْمَد ﵀.\r\rالمعتصم رجل عسكري والمأمون رجل فلسفي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689446,"book_id":1659,"shamela_page_id":572,"part":null,"page_num":572,"sequence_num":572,"body":"لم يكن المعتصم مثل المأمون، فلقد كَانَ المأمون رجلاً فلسفياً متبحراً في العلم والجدال والفلسفة التي تعلمها، وكان يحضر في مجلسه العلماء من اليهود والنَّصَارَى والْمُسْلِمِينَ والفلاسفة فيتجادلون جميعاً ويشاركهم جميعاً، ويرى أن هذا من كثرة تمكنه وعبقريته وعقله، أما المعتصم فكان رجلاً عسكرياً، فقد كانت أمه تركية من الأتراك العسكر وتربى تربية عسكرية، ولم يكن يدرك هذه الأمور، فلم يكن يعرف إلا السوط، فلما تولى الخلافة وأراد أن يرفع الفتنة فزُين له الوزراء، وقالوا له: إنك إن فعلت ذلك تكون قد شهدت عَلَى من قبلك بالضلال.\rفلا بد أن تستمر، وإلا يُقَالَ: إنه عجز منك وخور، كيف تترك رجلاً واحداً، ومن معه يعمل كل هذا العمل؟! فهل تعجز الدولة عن هَؤُلاءِ؟!\rفلما زينوا له ذلك آذى العلماء وضربهم وعذبهم، واقتاد الإمام أَحْمَد بالقوة وأحضره إليه، وأخذ يحاول وينصح الإمام أَحْمَد كثيراً، ويقول: يا أَحْمَد! لا أريد عذابك، يا أَحْمَد! والله إني أكره أن أضرك، ويقول له: قل القُرْآن مخلوق، فيأبى الإمام، فيذهب الوقت الطويل في الاسترضاء، فيشتد الغضب بالمعتصم بعد ذلك فيأمرهم أن يضربوه، ويشتدوا في الضرب، وكان هذا حاله معه أياماً كثيرة.\rفكانت هذه المحنة العظمى للأمة من أجل أن تقر وتوافق بأن كلام الله ﷿ مخلوق، وأنه ليس وحياً منزلاً من عند الله وأنه لم يتكلم به عَلَى الحقيقة.\r\rالمتوكل ونصره للسنة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689447,"book_id":1659,"shamela_page_id":573,"part":null,"page_num":573,"sequence_num":573,"body":"عندما تولى المتوكل بعد المعتصم انتصر الإمام أَحْمَد -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- بل انتصر الحق فانتصرت السنة عَلَى البدعة، ولقي المبتدعة من النكال والأذى من الأمة أكثر مما لقوا من المتوكل عندما رجع إِلَى السنة، فإن المعتزلة وأمثالهم قد شهر الله تَعَالَى أمرهم وفضحهم في جميع البلاد وأصبح الْمُسْلِمُونَ -حتى العوام منهم في الأقطار المتنائية- إذا علموا أن فلاناً من المعتزلة يكادون أن يرجموه بالحجارة، ويحتقرونه ويطردونه ويذلونه، ولهذا يجب أن ندرس حقائق التاريخ، وكيف تقاوم البدع؟\rفإن في ذلك عبراً كثيرة جداً، وأعظم عبرة في هذا هي أن الإِنسَان لا يرد البدعة ببدعة، وهذا من منهج أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ أنهم يردون البدعة بالسنة ويردون الآراء والأهواء والفلسفات يقول الله، وقول رسوله ﷺ، وأقوال الصحابة والتابعين وهذا هو منهجنا.\r\rفلقد حاول القوم أن يتأولوا في الكلام، فتارة يقولون: إن الله ﷾ يقول: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الزمر: ٦٢] أليس كذلك يا أَحْمَد؟\rفَيَقُولُ: بلى.\r\rفيقولون: أليس القُرْآن شيء؟\rفَيَقُولُ: بلى.\r\rفيقولون: إذاً القُرْآن مخلوق.\r\rفيرد عليهم الإمام ويقول: ألم يقلِ اللهُ ﵎ عن الريح: تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا [الأحقاف:٢٥] .\r\rقالوا: بلى.\r\rقَالَ: أليست الأرض شيء والسماوات شيء؟\rفيقولون: بلى.\r\rفَيَقُولُ: فهل دمرتها الريح؟\rفيقولون: لا، وهكذا كَانَ يقاوم الحجة بحجة أقوى منها.\r\rفيقولون -مثلاً-: يقول الله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ [الأنعام:١] أليست جعل بمعنى خلق؟\rفَيَقُولُ: نعم.\r\rفيقولون: ألم يقل الله: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون [الزخرف:٣] أي: خلقناه؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689448,"book_id":1659,"shamela_page_id":574,"part":null,"page_num":574,"sequence_num":574,"body":"وهكذا كانوا يحولون الأدلة والإمام أَحْمَد -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- يرد عليهم ردوداً قوية، لكنه لما جَاءَ إِلَى مسألة القول بخلق القرآن.\r\rقالوا: لم لا توافق؟ هل عندك دليل عقلي؟\rفَيَقُولُ: ائتوني بشيء من الكتاب أو السنة.\rوهذا هو الذي نطالب به دائماً وأبداً، فكل من يأتينا ببدعة فإننا نطالبه بشيء من الكتاب أو بشيء من السنة، أما الجدليات والاستنباطات العقلية والتأويلات فهذه لا نهاية لها، حتى أنك تجد الذين عبدوا الأصنام والحجارة من دون الله ﷿ ما عبدوها إلا بتأويل وتفلسف، وبظنون يحسبونها حججاً وهكذا لا تجد أحداً يعمل شيئاً إلا ومعه شيء من هذا القبيل، لكن هل هذه حجة حقيقية؟ أم حجة داحضة؟ نعرف ذلك عندما نطالبه بشيء من الكتاب أو من السنة، وهذا هو منهجنا فلا نرد البدعة ببدعة، وإنما نرد البدعة بالسنة ونرد الباطل بالحق هذه هي العبرة الأولى.\rوالعبرة الأخرى هي أن الإمامأَحْمَد لم يتنازل عن شيء من الحق -كما هو واضح في الموقف السابق.\rلكن عبد الله بن سعيد بن كلاب اتخذ موقفاً وسطاً، فقَالَ: لا حاجة إِلَى أن نتشدد كما تشدد أَحْمَد، بل نقول: إن الكلام عَلَى نوعين: كلام الله النفسي، أي: الذي في نفس الله غير مخلوق، والذي أنزله في القُرْآن مخلوق!\r\rولو قيل له من أين جئت بهذا الكلام يا ابن كلاب؟ وهل هذا في الكتاب أو في السنة أو قال به أحد من الصحابة؟\r\rلقال لك: نريد أن نأخذ موقفاً وسطاً فنحل به المشكلة.\r\rوعلى هذا أصبح أهل السنة يحاربون بدعتين بدعة المعتزلة، وبدعة ابن كلاب؛ لأنه أراد أن يتوسط، مع أن الأمر واضح لا وسط فيه ولا هوادة ولا تهاون؛ بل هو حق مثل الشمس، وهذه من العبر التي نستفيدها من هذا الموقف.\rقال الطحاوي رحمه الله تعالى:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689449,"book_id":1659,"shamela_page_id":575,"part":null,"page_num":575,"sequence_num":575,"body":"[وإنَّ القُرآنَ كَلامُ اللهِ، مِنْهُ بَدَا بِلا كَيْفِيَّةٍ قَوْلاً، وأَنْزَلَهُ على رَسُوله وَحْياً، وصدَّقَهُ المؤمنونَ على ذلك حقّاً، وَأَيْقَنُوا أنَّه كَلامُ اللهِ تعالى بالحقيقَةِ، لَيْسَ بمخلُوقٍ كَكَلامِ البَرِيَّةِ، فَمَنْ سَمِعَهُ، فَزَعَمَ أنَّه كلامُ البَشَرِ فَقَدْ كَفَرَ، وقد ذمَّه اللهُ وعابَه، وأَوْعَدَه بِسَقَرَ حَيْثُ قال تعالى: سَأُصلِيهِ سَقَرَ [المدثر:٢٦] فلما أوعدَ اللهُ بسقر لِمَنْ قَاْلَ: إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ [المدثر:٢٥] عَلِمْنَا وَأَيقَنَّا أنه قَوْلُ خالِقِ البَشَرِ ولا يُشْبِهُ قَوْلَ البَشَرِ] .\r\rقال المصنف ﵀:\r\r[هذه قاعدةٌ شريفةٌ، وأصلٌ كبيرٌ من أصولِ الدين، ضَلَّ فيه طوائفُ كثيرةٌ من الناس، وهذا الذي حكاهُ الطحاوي ﵀ هو الحَقُّ الذي دَلَّتْ عليهِ الأَدِلَّةُ مِنَ الكِتاب والسُّنَّةِ لمن تَدَبَّرَهما، وشَهِدَت به الفِطْرَةُ السليمةُ التي لم تُغَيَّر بالشُّبُهَاتِ والشُّكُوكِ والآراء الباطلة.\r\rوقدِ افْتَرََ الناسُ في مسألةِ الكلامِ على تسعة أقوال:-\r\rأحدها: أنَّ كلامَ اللهِ هو ما يَفِيضُ على النفوسِ من معاني، إما مِنَ العقلِ الفَعَّالِ عندَ بعضهم، أو مِنْ غيرِه، وهذا قولُ الصابئة والمتفلسفة.\r\rوثانيها: أنَّه مخلوقٌ، خَلَقهُ اللهُ مُنفصلاً عنه، وهذا قَوْلُ المُعتَزِلَة.\r\rوثالثُها: أنَّهُ معنى واحدٌ قائمٌ بذاتِ اللهِ، هو الأمرُ والنَّهْيُ والخَبَرُ والاستخبارُ، إن عُبِّرَ عَنْهُ بالعربيةِ كانَ قُرآناً وإن عُبِّرَ عنهُ بِالعِبْرِية كانَ توراةً، وهذا قولُابنِ كُلَّابٍ وَمَنْ وافَقَه كالأشعري وغيره.\rورابعُها: أنَّه حروفٌ وأصواتٌ أزلِيَّة، مجتمعةٌ في الأزَلِ، وهذا قولُ طائفةٍ مِنْ أهلِ الكلام وَمِنْ أَهْلِ الحديث.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689450,"book_id":1659,"shamela_page_id":576,"part":null,"page_num":576,"sequence_num":576,"body":"وخامسُها: أنَّه حروفٌ وأصواتٌ، لكِنْ تَكَلَّمَ اللهُ بها بعدَ أن لم يَكنْ متكلِّماً، وهذا قولُ الكرَّامية وغيرهم.\rوسَادِسُها: أن كلامَه يَرجعُ إلى ما يُحْدِثُه مِنْ عِلْمِهِ وإرادتِه القائم بذاته، وهذا يقولُه صاحبُ المعتبر، ويميلُ إليهِ الرازي في المطالبِ العالية.\r\rوَسابِعُها: أنَّ كلامَهُ يَتَضَمَّنُ معنى قائماً بذاته هو ما خَلَقه في غيره، وهذا قولُ أبي منصور الماتريدي.\r\rوَثْامِنُها: أنه مُشْتَرك بَيْنَ المعنى القديمِ القائم بالذات وبينَ ما يَخلُقُه في غيره من الأصوات وهذا قول أبي المعالي ومَنْ تَبِعَهُ.\r\rوتاسعُها: أنَّه تعالى لم يَزَلْ متكلماً إذا شاء ومتى شاء وكيفَ شاء، وهو يَتَكلَّم به بصوت يُسْمَعُ، وأنّ نوعَ الكلام قديمٌ وإن لم يَكُن الصوتُ المعين قديماً، وهذا المأثور عن أئمة الحديث والسنة] اهـ.\rالشرح:\r\rهذه تسعة أقوال في إثبات صفة الكلام لله ﷾، وسوف نشرحها إن شاء الله واحداً واحداً.\rلكن ينبغي أن نَعلمَ أنَّ هذهِ الأقوالُ ليستْ كلّها على درجةٍ واحدة من الأهمية ومن الانتشار، فبعضها آراء فردية، وبعضها اجتهادات شخصية لأناس قالوها، وروجعوا عنها وما أشبه ذلك، ولكن الأقوال في هذه المسألة التي عليها مدار الخلاف قديماً وحديثاً ثلاثة أقوال:\rمذهب المعتزلة.\r\rومذهب الأشاعرة.\r\rومذهب أهل السنة التي هي المذاهب الثاني والثالث والتاسع.\r\rوأما قول الصابئة والمتفلسفة فهو تابع لقضية فلسفية عميقة، قد لا يحتاج إليها أحدٌ إلا مَن تخصص في دراسةِ الفِرَقِ الزائغةِ الخارجةِ عن الملةِ مثل النصيرية أوالدرزية أو الباطنية الإسماعيلية عموماً.\r\rوأما القول الرابع والخامس، فإنها قريبة من القول الثالث، وقد اندثر من قال بها، ولم ينسبها إلا أنه نسب الخامس إلى الكرامية وقد انقرضت.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689451,"book_id":1659,"shamela_page_id":577,"part":null,"page_num":577,"sequence_num":577,"body":"والقول السادس الذي يميل إليه صاحب المعتبر -وهو ابن ملكا - وكذلك الرازي، والرازي من أئمة الأشعرية وابن ملكا فيلسوف متحرر ليس بأشعري محض ولا بسلفي محض، وهو يندمج ضمن الأشعرية في الواقع وإن كان كل من الرجلين - أي ابن ملكا صاحب المعتبر والرازي - لم يؤسس مذهباً جديداً مستقلاً.\rوكذلك القول السابع الذي هو قول الماتريدية، فهم في أكثر مذاهبهم المتأخرة مالوا إلى مذهب الأشعرية.\r\rوأما القول الثامن فهو قول أبي المعالي الجويني أيضاً، وهو من أئمة الأشعرية.\rفكأن المصنف -رحمه الله تعالى- فصَل الأقوال أو الخلاف الذي بين أئمة الأشعرية كـ الرازي وأبي المعالي وغيرهما وجعلها مذاهب وأقوال مستقلة، ولكن الذي استقرت عليه الآراء والذي عليه مدار الخلاف قديماً وحديثاً وعليه المعركة إلى اليوم في هذه المسألة هي ثلاثة أقوال كما سبق.\rأصل جميع الضلالات\rقبل أن نبدأ في شرح الأقوال ينبغي لنا أن نعرف قضية مهمة -وقد سبقت معنا في أول الكتاب ونعيدها الآن- وهي أصل جميع الضلالات، أو المنبع الذي نبعت منه هذه الضلالات جميعاً في باب الأسماء والصفات.\r\rوهذا الأصل هو: أن المتكلمين وأولهم المعتزلة أرادوا أن يستدلوا عَلَى وجود الله ﷾ وجعلوا قضية وجود الله هي القضية المتنازع فيها مع أنها لم تكن عَلَى الإطلاق في القُرْآن محل النزاع والخلاف بين الأَنْبِيَاء وأممهم، وإنما النزاع في قضية الألوهية هل هي لله وحده؟ أم له مع غيره؟ أم لغيره من دونه؟\rفأرادوا أن يستدلوا عَلَى وجود الله بالطريقة الفلسفية اليونانية وفي هذه المسألة كَانَ علماء اليونان وعلماء الإغريق ومن اتبعهم من الصابئة وعلماء المجوس وأمثالهم عَلَى رأيين:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689452,"book_id":1659,"shamela_page_id":578,"part":null,"page_num":578,"sequence_num":578,"body":"الرأي الأول: أن هذا العالم قديم، بمعنى: أن هذا العالم وهذا الكون أزلي لا أول لوجوده، أي جَاءَ بنفسه هكذا يقولون: إنه خلق من غير شيء وهَؤُلاءِ من الفلاسفة الذين ينكرون وجود الله ﵎.\rوقد رد عليهم فلاسفة اليونان وعلماء الأغريق والصابئة وآخرون منهم فَقَالُوا: إن لهذا العالم خالقاً سموه واجب الوجود، أو ما أشبه ذلك.\rوواجب الوجود موجود، وهذا العالم حادث، فواجب الوجود قديم لا أول لوجوده، وأما الكون والعالم، فهو حادث لوجوده أول، وأغلبهم يميل إِلَى أنه نشأ عنه كما تنشأ العلة عن المعلول، أي: أن النسبة بينهما مثل نسبة السبب إِلَى المسبب أو العلة إِلَى المعلول، أي: ليس له إرادة وليس له صفات أوجدت هكذا.\rهذا هو مذهب الأكثرين من هَؤُلاءِ الفلاسفة الذين يثبتون وجود الله؛ لكنهم يريدون أن يثبتوا وجود الله، فأثبتوه علة تامة اقتضت معلولها وهو الكون، ولما أرادوا أن يبطلوا قول القائلين بأن العالم قديم وأزلي، قالوا لهم: الدليل عَلَى أن العالم حادث بعد أن لم يكن هو: أن الأعراض تلحق بهذا العالم، فالشمس تطلع وتغيب كما هو مشاهد، وتكون الصحة والمرض، وتكون الألوان والطعوم والروائح والأشياء المختلفة، فالتغير والأعراض التي تطرأ شيئاً بعد شيء عَلَى المخلوقات -كما يقول هَؤُلاءِ- دليل عَلَى أنها حادثة، وعلى أنها ليست قديمة؛ لأن القديم الموجود وجوداً أزلياً لا يمكن أن يلحق، وأن يطرأ عليه التغيير، هكذا قالت الفلاسفة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689453,"book_id":1659,"shamela_page_id":579,"part":null,"page_num":579,"sequence_num":579,"body":"فلما جَاءَ المتكلمون وجاء المعتزلة وترجموا كتب أُولَئِكَ مالوا مع القول الذي يثبت وجود الله؛ لأن هَؤُلاءِ ليسوا منكرين لوجود الله، فأخذوه وأخذوا أدلة أُولَئِكَ بأن الله ﷾ موجود، وأن الكون حادث، وإن كانوا لا يقولون: مخلوق وخالق، وإنما يقولون: هو حادث وأزلي وقديم فقط، فَقَالَ لهم المتكلمون: نَحْنُ نستدل عَلَى أن هذا الكون حادث بأنه تطرأ عليه الأعراض والتغيرات عرض بعد عرض وحال بعد حال فهذا دليل عَلَى أن الكون غير قديم بل هو مخلوق، فلما جاءوا يطبقون هذا عَلَى صفات الله ﷾ وقع الخلاف.\rفالفلاسفة الذين يثبتون وجود الله يثبتون أنه علَّةٌ تامة، ولا يصفونه بأي صفة ثبوتية وجودية، وإنما يصفونه بالسلوب والإضافات.\r\rيقولون: ليس بجاهل، ولا ظالم، ولا ذليل، ولا يصفونه بأنه عالم حكم عدل عزيز، فلما انتقلت هذه إِلَى الْمُسْلِمِينَ من المعتزلة وأمثالهم جاءوا فأرادوا أيضاً أن يأخذوا نفس الشيء لئلا ينتقض عليهم أصلهم؛ لأنهم قالوا: إن ما تقوم به الأعراض والأحوال، وتحل به الحوادث -كما يسمونها- لا يمكن أن يكون قديماً، وأزلياً لا أول لوجوده وإنما هو حادث، ويقرؤون في كتاب الله ﷿ أن الله ﷾ يتكلم متى شاء، وأنه يغضب، ويرضى، ويريد، ويشاء، ويختار، ويخلق، وفي الحديث الصحيح أنه ينزل، وأمثال ذلك.\r\rفقالوا: هذه حوادث وأعراض وأحوال، فإذا قلنا: إن الحوادث والأعراض تحل بالله فهو حادث وليس بقديم؛ إذاً ليس هناك دليل لدينا عَلَى أن نثبت وجود الله، فأصبحنا كأننا ننفي وجود الله، فصاروا بين نارين:\r\rإما أن يلتزموا القول بأن هذه فعلاً حوادث وأعراض تقوم بالله ﷾ فهو حادث مثل سائر الحوادث والعياذ بالله.\rوإما أن يقولوا: لا تقوم به هذه الحوادث، والأعراض وينفون عنه هذه الصفات، فيكون إذاً قديماً وأزلياً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689454,"book_id":1659,"shamela_page_id":580,"part":null,"page_num":580,"sequence_num":580,"body":"فاختار المعتزلة والمتكلمون القول الثاني، وَقَالُوا: نُجرده من الصفات، ونُثبِتُ وجوده، وأنه خالق هذا الكون خير من أن نجعل له صفات كما أن للمخلوقين صفات فإذا قلنا: إن البشر يغضب، ويرضى، وينزل، ويتكلم، وهذه أعراض وحالات وحوادث تحدث في كل إنسان، وقلنا: إن الله يتكلم، وينزل، ويغضب، ويرضى وهذه هي نفس الأعراض والأحوال.\rإذاً: لابد أن ننفيها عن الله ﷿ فنفوا صفات الله ﷾ ليوافقوا قول الفلاسفة المثبتين لوجوده، أي: المثبتين بأن الكون حادث وليس بقديم فكانت أهم وأبرز صفة ظهرت في أثناء النقاش والجدال والمعركة الجدلية هي صفة الكلام، وكما ذكرنا أن للنصارى دوراً في إثارة هذه القضية؛ لأنهم يقولون: عيسى كلمة الله -كما يقول بعضهم- ومنهم من يقول: ن الكلمة مخلوقة، وبعضهم يقول: لا! إنه كلمة الله ولكنه إله مثل الله، أي: ذات مستقلة، فالآلهة الثلاثة لكلٍ منها ذات مستقلة.\r\rفهَؤُلاءِ قالوا: إذا قلنا: إن القُرْآن كلام الله أيضاً، وقلنا: إنه ليس بمخلوق، فيلزمنا أن يكون ذاتاً مستقلة؛ لأنهم لا يفهمون من الصفة إلا أمراً عينياً متعيناً موجوداً، وليس صفة تقوم بشيء موصوف، فيثبتون الذات عَلَى أنها لا صفة لها، ويثبتون الصفات عَلَى أنها ذوات مستقلة منفصلة.\r\rفإذا قلنا: إن لله تسعة وتسعين اسماً، فإنهم يتصورون أنها تسعة وتسعين ذات منفصلة مستقلة، وهكذا نظرت النَّصَارَىوالعياذ بالله إِلَى أن الآلهة ثلاثة منفصلة مستقلة، وهي في نفس الوقت واحدة.\r\rفحصل من هذا وهذا أن نشأت قضية الجدل في صفة الكلام فَقَالُوا: إن كَانَ الله ﷿ لم يكن متكلماً ثُمَّ تكلم، فقد حلت به الحوادث -هكذا رأت عقولهم والعياذ بالله- وما كَانَ محلاً للحوادث فهو حادث.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689455,"book_id":1659,"shamela_page_id":581,"part":null,"page_num":581,"sequence_num":581,"body":"وإذا قلنا لهم: إن الآيات والأحاديث في كلام الله ﷾ أنه كلم الملائكة قبل أن يخلق آدم وكلم آدم وكلم موسى وهذا كله كلام الله.\rقالوا: لا، هذه مخلوقات أي أن القُرْآن مخلوق خلقه الله.\rوَقَالُوا: إنما قلنا ذلك حتى ننزه الله أن يكون محلاً للحوادث فننفي عنه الكلام مع أن الله ﷾ قد بين لنا في بيان أجلى وأوضح من الشمس أنه ﷾: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:١١] وكان عَلَى هذا البيان النبي ﷺ والصحابة رضوان الله عليهم، فليس كلامه ونظره ورضاه ورحمته ونزوله كنظر المخلوقين ورضاهم ورحمتهم ونزولهم ليس كمثله شيء أبداً، ولم يكن له كفواً أحد أبداً.\r\rوإذا أثبتنا لله ﷾ ما أثبته لنفسه، فإننا لا نُثبِتُ له ما هو في حق المخلوقات من الأعراض، أو الحوادث، أو الأحوال، أو التغيرات، ومن فهم ذلك فإنما الفساد جاءه من قبل عقله وفهمه، وليس من نصوص الكتاب والسنة أبداً بالإضافة إِلَى أن أصل قضية إثبات وجود الله بهذه الطريقة التي سلكوها نَحْنُ في غنى عنها وعن استيراد كتب الفلسفة وترجمتها وفي غنى عن الرد عَلَى الفلاسفة المنكرين لوجود الله بالرد عَلَى منهج الفلاسفة الذين يثبتونه علة تامة لا صفاتَ لها عَلَى الإطلاق، كُلُّ هذا الكلام نَحْنُ في غنى عنه لأن الله ﷾ قد بعث محمداً ﷺ بالنور وبالهدى التام المستبين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689456,"book_id":1659,"shamela_page_id":582,"part":null,"page_num":582,"sequence_num":582,"body":"وكما قال شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ وقرره غيره من العلماء أيضاً: إن نفس أمة اليونان الدولة الرومية عموماً واليونان خاصة كانوا عَلَى دين الفلسفة وعلى الشرك حتى دخلت عليهم النصرانية المنحرفة سنة ٣٢٥م فانتقلوا من الشرك ومن الوثنية الفلسفية إِلَى النصرانية، وهي عَلَى ما فيها من الشرك إلا أنها أفضل وأنسب حالاً لأن فيها آثاراً من كلام النبوة، أو آثاراً من الوحي الرباني، فانتقلوا من ذلك إِلَى ما هو أحسن حالاً وجاء الإسلام وأنزل الله ﷾ عَلَى مُحَمَّد ﷺ الفرقان الواضح فقضى عَلَى الأديان وأبطلها سواءً النصرانية أو غيرها، وإن كانت أفضل من الفلسفة اليونانية إلا أنها كفر وشرك.\rوكُلُّ من دان بها بعد بعثة النبي ﷺ، فهو كافر كما هو في الكتاب والسنة إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ [آل عمران:١٩] ، وفي قوله ﷺ: (والذي نفسي بيده لا يَسْمَعُ بي يَهُّودِيٌّ ولا نَصرَانيٌّ ثُمَّ لا يُؤمِنُ بي إلا دَخَلَ النَّار) فلا يقبل الله غير هذا الدين فكيف ينتكس ويرجع هَؤُلاءِ المتكلمون وغيرهم إِلَى ما كَانَ عليه هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689457,"book_id":1659,"shamela_page_id":583,"part":null,"page_num":583,"sequence_num":583,"body":"هذا هو غاية ما يُرِيدُ هَؤُلاءِِ النَّاس أن يقولوه أو يدعو إليه، أما نَحْنُ فنبطل هذه القضايا جميعاً لأن لدينا - ولله الحمد- المنهج والبرهان الواضح، فلا حاجة بنا إِلَى الخوض في مسألة وجود الله عَلَى طريقتهم، ولا حاجة بنا إِلَى ترجمة كلامهم، ولا حاجة للمسلمين إِلَى الاستعانة بكلام المثبتين منهم ضد النفاة، فنحن نرد عَلَى الجميع، ولكن هذا الذي حصل ووقع تاريخياً، أن المعتزلة التزموا القول بأن ينفوا صفات الله تبعاً لنفي حلول الحوادث في ذات الله ﷾ متبعين للقول بأن إثبات الصفات يستلزم إثبات لذوات متعددة -تعدد القدماء أو تعدد ذوات مختلفة- وبناءً عَلَى ذلك أنكروا أن يكون القُرْآن كلام الله ﷾، وَقَالُوا: إنه مخلوق، وسيأتي تفصيل كلامهم إن شاء الله تَعَالَى في قولهم: إن إضافته إِلَى الله إضافة تشريف، أو -مثلاً- استدلالهم بقوله تعالى: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً [الزخرف:٣] أواللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْء [الرعد:١٦] وأمثال ذلك من الشبهات التي سنعرض لها إن شاء الله بالتفصيل.\r\rللطوائف أقوال مختلفة في كلام الله نفصلها فيما يأتي:\rقول الصابئة والمتفلسفة\rوهَؤُلاءِ يقولون: إن كلام الله تَعَالَى هو ما يفيض عَلَى النفوس من المعاني، إما من العقل الفعال عند بعضهم، أو من غيره، وهذا قول الصابئة والمتفلسفة.\rفهَؤُلاءِ النَّاس يقولون: إنه ﷾ لا يُوصفُ بأي صفة ثبوتية وجودية. إذاً فهو مجرد علة تامة نشأ عنها المعلول، ونشأت عنها المخلوقات، وليس أكثر من ذلك.\r\rفكلام الله في نظرهم: هو الفيض الذي يفيضه العقل الكلي أو العقل الفعال.\r\rويقول بعضهم: إنه يفيض عَلَى النفس الكلية ثُمَّ النفس الكلية تفيضه عَلَى النفوس الجزئية.\r\rومنهم من يقول: العقل الكلي يفيضه عَلَى العقول الجزئية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689458,"book_id":1659,"shamela_page_id":584,"part":null,"page_num":584,"sequence_num":584,"body":"وهذه المسألة مختلف فيها ولا يهمنا هذا الخلاف؛ بل الذي يهمنا أن كلام أفلاطون وأمثاله الذين قالوا: إن العلة التامة الذي هو \"الله\" عندهم -كما يسمونه- لمَّا كَانَ لا يتصف بأي صفة، إنما نشأ عنه الكون بهذه الطريقة، نشأ عنه أول ما نشأ العقل الفعال، أو العقل الكلي، وهذا العقل موجود في الفضاء، ثُمَّ أصبحت هذه العقول بعد ذلك عشرة كما فصلها بعضهم، فالعقل الأول خلق الثاني، والثاني خلق الثالث، إِلَى أن صارت عشرة، ثُمَّ بعد ذلك: العقول العشرة هي التي خلقت الفلك.\r\rوبعضهم يقول: خلقت الأفلاك، والأفلاك هي التي تدير الكون -فنسأل الله السلامة والعافية- وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [الجاثية:٢٤] كلام لا صحة له ولا دليل عليه لا من نقل ولا من عقل وإنما هي تخرصات وافتراضات.\rفكلام الله أو الوحي عندهم هو الفيض الذي يحصل من العقول أو من النفوس الكلية إِلَى العقول أو النفوس الجزئية، العجيب في هذا الأمر أن أبا حامد الغزالي وهو الذي كتب كتابهتهافت الفلاسفة في الرد عَلَى الفلاسفة وإبطال مذهبهم هو نفسه: يقول إن الوحي هو انتقاش العلم من العقل الكلي أو النفس الكلية في العقول الجزئية؛ لأن أبا حامد الغزالي الذي كتب ضدهم والذي اشتهر عنه أنه ضد الفلاسفة في مواضع من كتبه، يقول: إن الوحي هو الفيض الذي يحصل من العقل الكلي إِلَى العقل الجزئي، أو انتقاش العلم من النفس الكلية إِلَى النفس الجزئية، وما أشبه ذلك.\rولهذا لما تعرض لذلك شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ قَالَ: \"إن كثيراً ممن قرأ لأبي حامد وجدوا أن الرجل يتناقض فإنه يرد عليهم في أمور وهو يقول بها في بعض كتبه حتى أنشد بعضهم في ذلك فقَالَ:\rيوماً يمانٍ إذا لاقيت ذا يمنٍ وإن لقيت معدياً فعدنان\r\"","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689459,"book_id":1659,"shamela_page_id":585,"part":null,"page_num":585,"sequence_num":585,"body":"أي أنه: أحياناً يكون مع الفلاسفة، وأحياناً يكون مع المعتزلة ضدالفلاسفة، فَقَالَ في أول كتابالتهافت نَحْنُ نرد عَلَى الفلاسفة بكل قول، أي: بقول المعتزلة، وبقول الكرامية، وما أشبههم، ومعنى هذا أنه ليس لأبي حامد مذهب معين ثابت ينطلق منه من أول حياته إِلَى قريب من نهايتها. المهم أن يرد عليهم، ثُمَّ هو في موضع آخر يرد عَلَى المعتزلة، أو يرد عَلَى غيرهم، فكان يأخذ من كلامالأشعرية، ومن كلام المعتزلة، ومن كلام الكرامية، ويرد به عَلَى الفلاسفة ثُمَّ هو في نفس الوقت يرد عَلَى الأشاعرة في بعض المواضع وينتقدهم، ويرد عَلَى المعتزلة أيضاً ثُمَّ يوافقهم في بعض المواضع، مع أنه أكثر ما كَانَ يميل إِلَى الأشعرية، وهكذا كَانَ منهجه مضطرباً.\rوالذي يهمنا هنا أن نقول: كَانَ هذا المذهب هو مذهب الصابئة ومذهب المتفلسفة، والمنتسبين أيضاً إِلَى الإسلام من الفرق والطوائف التي اتبعتهم كالباطنية والإسماعيلية والنصيرية والدروز وأمثالهم.\rوالخلاف الذي بين الفلاسفة في تحديد هذه الأمور بالدقة هو أيضاً موجود بين الفرق الإسماعيلية والدروز.\rوأيضاً وقع في هذه القضية أو تأثر بها أبو حامد الغزالي وهو ممن دخل في الفلسفة، ودخل أيضاً مع الباطنية، ثُمَّ ترك الطائفتين، ولكنه كما قال تلميذه الإمام أبو بكر ابن العربي دخل شيخناأبو حامد في الفلسفة ولم يستطع أن يخرج منها، فقد بقيت آثارها فيه، ولم يستطع أن يتجرد ويتخلى منها بالكلية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689460,"book_id":1659,"shamela_page_id":586,"part":null,"page_num":586,"sequence_num":586,"body":"فهذا القول قول الصابئة والفلاسفة قول كفري يخرج من الملة لم يقل به إلا الخارجون عن الملة، وما وقع في كلام أبي حامد فهو من آثار ذلك مع أنه مؤمن مسلم، ويدافع عن الإسلام ولا يخرجه ذلك من الملة، ونريد التنبيه عَلَى هذا، وهذا قد يقوله من هو مسلم وإن كَانَ هذا القول في الأصل قولاً كفرياً لا يقول به أي مسلم فمن قال بالقول الأول فهو خارج من الملة ولا خلاف في ذلك أي أن المعتزلة والأشعرية والماتريدية وغيرهم يوافقوننا عَلَى أن من أثبت الكلام بهذه الصفة، ومن قَالَ: إنه هو ﷾ مجرد علة تامة، أو أنه هو الذي خلق العقل الكلي، والعقل الكلي خلق سائر الكون، إِلَى غير ذلك، فإن هذا كافر وخارج عن الإسلام، وبعضهم ينتسب إِلَى الإسلام مثل ابن سينا، ولكن ابن سينا كان يظهر أنه شيعي رافضي، وهو في حقيقته فيلسوف لا يؤمن بأي دين من الأديان، ولو كَانَ فعلاً شيعياً فهو أيضاً حكمه كحكم الشيعة، هذا هو قول أُولَئِكَ القوم في مسألة كلام الله ﷾.\r\rقول المعتزلة\rوتقول المعتزلة: إن كلام الله مخلوق، خلقه الله منفصلاً عنه، وهذا هو القول الذي يجمع طوائفالمعتزلة عَلَى اختلافهم، وقد سبق أن ذكرنا السبب الذي أوقع المعتزلة في هذا الخوض.\rولما نشأ الخلاف بين المعتزلة وبين أهل السنة في هذه المسألة كما مرَّ معنا، وكانت الفتنة للإمام أَحْمَد ﵀ ومن معه من علماء السنة، خرج القول الثالث، ولهذا يذكر العلماء من القواعد الأصولية: إذا اختلفت الأمة عَلَى قولين واستقر الخلاف بينهم عَلَى أحدهما، فالقول الثالث -الذي يحدث بعد ذلك- قول محدث مبتدع والقول الثالث -وسيأتي- كَانَ منبعه من هذه القضية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689461,"book_id":1659,"shamela_page_id":587,"part":null,"page_num":587,"sequence_num":587,"body":"اختلاف أهل السنة والمعتزلة في الكلام، فيقول أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ، هو كلام الله ﷿ غير مخلوق، وتقول المعتزلة هو كلام مخلوق، وعلى هذا استقر الخلاف، وكانت الفتنة والمحنة والأذى والعذاب.\r\rقول ابن كُلاب\rوعبد الله بن سعيد بن كُلاب المعروف بالقطان، وقد ذكر عقيدته أبو الحسن الأشعري في آخر كتابه المقالات، وذكر أنه رجل أوتي جدلاً، وكان له باع طويل في النظر، ومن مآثره: أنه رد عَلَى المعتزلة والفلاسفة رداً قوياً، وأفحم كثيراً منهم وألزمهم.\rلكن ابن كُلاب أخطأ عندما لم يكن ينطلق في ردوده من الكتاب والسنة، وإنما من قوة عقله وتفكيره، فقوة الذكاء والعقل والتفكير والجدل لا تكفي وحدها أبداً، فانطلق يرد عَلَى هَؤُلاءِ ويجادلهم ويفحمهم، فلما رأى الأمة منقسمة بشأن القول بخلق القُرْآن إِلَى هذين القولين، فكّر فخرج بقول جديد ثالث، وهو قول باطل مبتدع، فقَالَ: نقول إن كلام الله عَلَى نوعين: كلام النفس وحديث النفس، أو المعنى القائم بالنفس وهذا نقول: إنه قديم غير مخلوق، وأما الكلام المركب من الحروف والأصوات الموجودة في المصاحف فهذا نقول إنه مخلوق.\rومعنى قوله: خرجنا وسطاً لا مع أَحْمد بن حَنْبَل، ولا مع الذين عذبوا أَحْمد بن حَنْبَل، وهذا قول جديد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689462,"book_id":1659,"shamela_page_id":588,"part":null,"page_num":588,"sequence_num":588,"body":"وقَالَ: إن هذا القول أفضل وأحسن لكي يجمع الناس، ولذلك تجدون الكوثرى في تعليقاته عَلَى كتاب تبيين كذب المفتري لابن عساكر يقول لو أن أهل السنة اتبعوا عبد الله بن سعيد بن كلاب لاستراحوا من الفتنة، واستراحوا من العذاب، ومما نزل بهم من الأذى، فإن المسألة بسيطة ولا تحتاج إِلَى نقاش وجدال، إنما الشد والأخذ والجدل هو الذي دفع بعضهم بتطرف المعتزلة في جهة وبتطرف أهل الحديث من جهة، وإلا فالمسألة بسيطة. حلها هذا الرجل، وجمع ووفق بين القولين، أي كَانَ ابن كلاب قام بعملية صلح بين الطرفين فكلامك أنت بأنه مخلوق صحيح، لأنه في المصاحف مخلوق، وكلامك أنت الآخر بأنه غير مخلوق وصحيح؛ لأن المعنى الذي في ذات الله غير مخلوق، وانتهت المشكلة ولا تحتاج إِلَى جدال!!\rولكن المسألة ليست قضية صلح بين فريقين اختلفا في الكلام وأصلح بكلام، بل المسألة دين واتباع، وهذا القول الثالث فيه من الابتداع في الدين ما الله تَعَالَى به عليم، عَلَى أي شيء بنى ابن كلاب هذا القول، وتبعه في ذلك الأشعرية، وما يزالون عَلَى ذلك إِلَى اليوم، بنى قوله عَلَى أن الكلام ليس هو الحروف والألفاظ والأصوات، إنما الكلام هو المعاني القائمة في النفس، والدليل أن الأخطل الشاعر النصراني يقول:\r\rإنَّ الكلامَ لفِي الفؤادِ وإنَّما جُعْلِ اللسانُ عَلَى الفؤادِ دليلاً\rفَيَقُولُ: إذاً فالكلام حقيقته أنه في النفس، وأما الألفاظ فهي دليل أو تعبير عما في النفس، ولذلك فكلام الله ﷿ هو ما في نفسه بناءً عَلَى هذا القول!!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689463,"book_id":1659,"shamela_page_id":589,"part":null,"page_num":589,"sequence_num":589,"body":"ويقول: هذا الكلام الذي في النفس معنى واحد قائم بالذات، فالخبر والنهي والأمر كُلُّ هذه المعاني سواء، فإذا عُبِّرَ عنه بالعربية فهو قرآن، وإن عُبِّرَ عنه بالعبرية فهو التوراة، وهكذا، فليس له حروف ولا أصوات، وليس هذا المسموع أو المقروء هو كلام الله ﷾ لأن المعاني القائمة بنفس الله لا يمكن لأحد أن يسمعها، ولا يمكن لأحد أن يقرأها ولا يحفظها، وما نسمع ونحفظ ليس كلام الله عَلَى مذهب الأشعرية الكلابية والعياذ بالله.\rواختلفوا بعد ذلك في هذه الألفاظ الموجودة، أو الكلام الموجود في المصحف من الذي عبَّر به أو من الذي حكاه.\rيقول الباقلاني كما في رسالته الموسومة بالإنصاف أو \"رسالة الحرة\" كما تُسمى وقد علق عليها الكوثري يقول: \"إما أن جبريل هو الذي عبر بهذه الحروف والأصوات أو أنه مُحَمَّد ﷺ\" انظروا إِلَى الباطل والابتداع إِلَى أي شيء يؤدي، فعلى هذا فما نقرؤه وما نتعبد به في صلاتنا ونتلوه من نظم جبريل أو مُحَمَّد ﷺ. سُبْحانَ اللَّه! وأين كلام الله؟ قالوا: كلام الله: هو المعاني القائمة بالنفس فقط ومن هنا قال الطّّحاويّ ﵀: [فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر فقد كفر، وقد ذمه الله وعابه، وأوعده بسقر حيث قال تعالى: سَأُصْلِيهِ سَقَرَ [المدثر:٢٦] ، فلما أوعد الله بسقر لمن قال إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ [المدثر:٢٥] علمنا وأيقنا أنه قول خالق البشر ولا يشبه قول البشر] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689464,"book_id":1659,"shamela_page_id":590,"part":null,"page_num":590,"sequence_num":590,"body":"يقول شَيْخ الإِسْلامِابْن تَيْمِيَّةَ \"إن الأشعرية في هذا الباب قد وافقوا الْمُشْرِكِينَ في نصف قولهم\" فانظر كيف كانت عبارته دقيقة لم يقل: إنهم مثل الْمُشْرِكِينَ الذين يقولون: إن القُرْآن كلام بشر؛ بل يقول: إنهم وافقوا الْمُشْرِكِينَ في نصف قولهم، فالمعاني من الله، وأما الألفاظ فهي من كلام البشر من جبريل أو مُحَمَّد ﷺ، فعجباً لابن كُلاب يستدل بيت لشاعر نصراني في صفات الله، وأعجبُ مِنْ ذلك أنَّ البيتَ محرفٌ.\rوذلك أن الأخطل لم يَقُل إن الكلام لفي الفؤاد، وإنما قال إن البيان لفي الفؤاد، فالرواية المشهورة في نقل الرواة الثقاة عن الأخطل أنه قال:\r\rإنَّ البيانَ لفي الفؤادِ وإنَّما جُعلَ اللسانُ عَلَى الفؤادِ دليلاً\rوالأخطل شاعر نصراني لا نأخذ بكلامه في مسألة من أمر ديننا، أنزلها الله ﷾ وأوضحها في كتابه، وبينها النبي ﷺ بياناً شافياً، واعتقدها الصحابة والتابعون ومن بعدهم، فلم يحوجنا الله ﷿ في معرفة الحق إِلَى أن نلجأ إِلَى شاعر نصراني، ويجب أن نعلم أن من عقيدة النَّصَارَىالاعتقاد بأن كلام الله مخلوق، لا يُستغرب ذلك منهم؛ لأنهم يُؤلهون عيسى ﵇، ومنهم من يقول: مع أنه الكلمة فإنه مخلوق، ويفهمون كلمة عَلَى أنها صفة، فهذا لا يستغرب من النَّصَارَى، ولكن لم يحوجنا الله ﷾ في مسألة العقيدة والدين إِلَى كلام أهل اللغة عامة، فضلاً عن كلام شاعر أو نصراني أو غير نصراني.\rفالحق إذاً أن نأخذ ديننا من الكتاب والسنة، وما كَانَ عليه السلف الصالح لا ما يقوله هَؤُلاءِ وأمثالهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689465,"book_id":1659,"shamela_page_id":591,"part":null,"page_num":591,"sequence_num":591,"body":"ثُمَّ إن الأدلة كثيرة جداً في إبطال قولهم: إن الكلام هو كلام النفس، وإثبات أن الكلام إنما هو الألفاظ أو الأصوات أو الحروف في حق أيُّ إنسان يُقال ذلك، ولهذا لا يأتي في القُرْآن ولا في السنة الكلام النفسي إلا مقيداً كما قال الله: وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ [المجادلة:٨] لو لم يقل الله تَعَالَى في أنفسهم، لفهمنا أنهم يصرحون بذلك لكن قوله: وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ هنا مقيد بقول النبي ﷺ: (إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل) .\r\rفلو أن إنساناً خطرت له شبهة شيطانية وحدث بها نفسه، فهل نجعله مثل من تكلم بها، ودعا إليها، وجاهر بها؟\rالجواب: ليس هذا مثل هذا عَلَى قول ابن كلاب إن الكلام هو ما في النفس،. ولهذا يقول النبي ﷺ في معاوية بن الحكم السلمي لما تكلم في الصلاة: (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام النَّاس إنما هي قرآن وذكر وتسبيح) فإذاً كَانَ حديث النفس كلاماً فكل مصلٍ يتحدث ويتكلم وعلى هذا فصلاة النَّاس باطلة، لأنه لا يخلو مخلوق إلا من عصمه الله ﷾ من أنه يحدِّث نفسه ولو في فريضة من الفرائض أو أكثر في العمر، فإذاً لو كَانَ كلام النفس هو الكلام الحقيقي، فعلى هذا القول فكل واحد صلاته باطلة، لكن النبي ﷺ لم يعتبر ما يدور في النفس كلاماً، ولم يُسم الشرع ولا العرف اللغوي ولا لسان العرب حديث النفس كلاماً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689466,"book_id":1659,"shamela_page_id":592,"part":null,"page_num":592,"sequence_num":592,"body":"هذه بعض أدلة من أدلة كثيرة لا مجال للاستطراد فيها وقد يأتي بعضها بالتفصيل إن شاء الله في بيان بطلان مذهب الأشعرية الكلابية، وهو قولهم: إن كلام الله ﷿ هو المعاني، وأن حقيقة الكلام هو ما يقوم بالنفس، أو بالذات من المعاني، وأما الأصوات والحروف، فإنها مخلوقة لله ﷾ كغيرها من المخلوقات!!\r\rقول طائفة من أهل الكلام ومن أهل الحديث\rأن كلام الله حروف وأصوات أزلية مجتمعة في الأزل، وهذا قول طائفة من أهل الكلام ومن أهل الحديث، وهذا القول من الأقوال التي نشأت بسبب الضلال والاضطراب والجدل والمناقشات، فخاض بعض النَّاس بآراء لم يتبينوا أدلتها، ولم يعرفوا حقيقتها، فقالوا إذاً نقول كل كلام الله ﷾ قديم، فهو عبارة عن حروف وأصوات أزلية قديمة في الأزل، وهذا المذهب تبين بطلانه؛ لأن الله ﷾ لمَّا نادى موسى وخاطبه كَلَّمَهُ بِكَلامٍ سمِعهُ موسى ﵇، ولما كَلَّمَ الملائكة عندما اعترضوا عَلَى خلق آدم كما قال تَعَالَى خالياً عنهم: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ [البقرة:٣٠] وجعلوا يسألون ويجيبهم الله ﷾ فهل هذا الكلام في الأزل الذي لا بداية له؟ وهل كُلُّ كَلامٍ تَكَلَّمَ به الله ﷾ أو أوحى به إِلَى نوحٍ، ثُمَّ هودٍ، ثُمَّ إبراهيمَ، ثُمَّ صالح، ثُمَّ موسى، ثُمَّ عيسى، ثُمَّ مُحَمَّد ﷺ، هل كل هذا كلام قديم لا أول لوجوده، مجتمعة حروفه وأصواته في الأزل، أم أنها كلام يأتي بعد كلام؟ وفي القُرْآن ما يرد ذلك، ويدل عَلَى بطلانه بأنه ينزل كلام بعد كلام ويأتي به جبريل إِلَى النبي ﷺ مبلغاً ومؤدياً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689467,"book_id":1659,"shamela_page_id":593,"part":null,"page_num":593,"sequence_num":593,"body":"فالقول هذا إذاً ليس بمذهب مشهور معروف، وإنَّما هو من ضمن الأقوال التي نشأت أثناء المعارك الجدلية والخلافية، ولم تُبنَ عَلَى أساس علمي صحيح سليم.\r\rقول الكرامية\rتقول الكرامية: إن القُرْآن حروف وأصوات، ولكن تكلم الله بها بعد أن لم يكن مُتكلِّماً.\rإذاً قد يُقَالَ: ما الفرق بين مذهب أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ وبين مذهب الكرامية؟\rالفرق أن الكرامية يقولون: إن الكلام كَانَ ممتنعاً عليه؛ أي: أنه لم يتكلم ولم يكن موصوفاً بكلام ولا بخلق ولا قدرة ولا إرادة ولا مشيئة ولا رزق، ثُمَّ تحولت من الامتناع الذاتي إِلَى الإمكان الذاتي فحدثت له قدرة وإرادة وكلام، سُبْحانَ اللَّه! كيف تضل هذه العقول إذا انحرفت عن هدي الله ﷿ فهذا الكلام الذي قالوه ما الدليل عليه: نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [الأنعام:١٤٣] قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [البقرة:١١١] من الذي قال لكم أن الله ﷿ كَانَ كذا ثُمَّ صار كذا، هل يوجد دليل في كتاب الله أو في سنة رَسُول الله أو في كلام أحد من الصحابة؟ لا يوجد أبداً إنما هذه أهواء وظنون وتخرصات.\rإذاً: فالفرق: أن أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ لا يقولون إن الكلام كَانَ مستحيلاً عَلَى الله ﷿ ثُمَّ تكلم! وإنما يقولون -والعبارة دقيقة ولابد أن نحفظها ونفهمها- \" إنَّ كلامَ الله ﷾ قديمُ النوعِ حادثُ الآحاد أي: أن نوع الكلام قديم أو أزلي النوع، فالله ﷾ لم يزل متكلماً متى شاء كيف شاء، ولكنه متجدد الآحاد أنزل التوراة، ثُمَّ أنزل الإنجيل، ثُمَّ أنزل القُرْآن وقولهم: \"ولكن نوع الكلام أزلي لا أول له\".\rأي: لم يكن الله ﷿ في الأزل غير متكلم ثُمَّ ظهر وبدا له الكلام وتحول من الامتناع إِلَى الإمكان، كما تقول الكرامية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689468,"book_id":1659,"shamela_page_id":594,"part":null,"page_num":594,"sequence_num":594,"body":"وقد سبق أن قلنا إن قولهم مندثر، فقد انقرضت هذه الفرقة ونسأل الله ﷿ أن تندثر وتنقرض كل الضلالات، وأن يمحوها ﷾ ببرهان السنة والحق إنه سميع مجيب.\r\rقول ابن ملكا ويميل إليه الرازي في المطالب العلية\rيقول صاحب المعتبر ويميل إليه الرازي إن كلام الله يرجع إِلَى ما يحدثه من علمه وإرادته القائم بذاته.\rوابن ملكا هو صاحب كتاب المعتبر ويسمونه أبو البركات ابن ملكا كَانَ يهودياً ثُمَّ أسلم ويقول شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ إن كل إنسان من هَؤُلاءِ الفلاسفة يتأثر بالبيئة التي نشأ فيها فإن ابن رشد نشأ بين الأشعرية الكُلابية ومن هنا اشتد عليهم.\rفإذا قرأتم كتب ابن رشد تجدون أنه اشتد عَلَى الأشعرية جداً، وابن سينا نشأ في بيئة كلامية اعتزالية فاختلفت وجهته، وأما أبو البركات ابن ملكا صاحب المعتبر، فإنه نشأ في بغداد، وفيبغداد كانت قوة أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ بعد أن أظهر الله ﷾ الإمام أَحْمد بن حَنْبَل وأيده بالحق، ودحر المعتزلة والمبتدعة وقهرهم وأذلهم، فبقيت في بغداد قوة عظيمة لأهل السنة إِلَى القرن التاسع الذين يسمونهم أحياناً الحنابلة، ويقولون في كتب التاريخ مثل الكامل لـ ابن الأثير -ومؤلفه متشيع.\r\rولذلك يقول: فتنة الحنابلة- يسميها فتنة- ويقول: في سنة كذا هجم الحنابلة عَلَى بغداد أو عَلَى الشوارع، فضربوا القيان، وكسروا القنان والخمور وأراقوها، وكسروا آلات اللهو وفعلوا وفعلوا -يتكلم عليهم- فبقيت لهم قوةٌ وبَقي لهم وجود، وابن ملكا نشأته في بغداد جعلته أقرب المتفلسفة إلى الحق، فهو يثبت من الصفات كثيراً مما ينفيه ابن رشد وابن سينا، فكتاب ابن ملكا موجود مطبوع طباعة هندية ولكنه نادر، والقليل من يهتم بمثل هذه الأمور أو يقرؤها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689469,"book_id":1659,"shamela_page_id":595,"part":null,"page_num":595,"sequence_num":595,"body":"وأما الرازي فقد يطول الحديث عنه، وهو من أكبر أئمة الأشعرية بل هو إمام المتأخرين؛ لأن الأشعرية الكلابية لهم ثلاثة أئمة أبو الحسن الأشعري وهو أول من أسس المذهب قبل أن يرجع إِلَى السنة، ثُمَّ أبو بكر الباقلاني وهو من تلاميذ تلاميذه، ثُمَّ الفخر الرازي،.\r\rوأحياناً يقول شَيْخ الإِسْلامِابْن تَيْمِيَّةَ وغيره من العلماء: قال الفخر، وكذلك الذهبي في الميزان في حرف الفاء يقول مثلاً ترجمة الفخر، هذا الفخر هو فخر الدين الرازي.\r\rوأحياناً يقولون: هذا مذهب ابن الخطيب؟ وهو الفخر الرازي وهذه قد تخفى عَلَى البعض، فيقال هذا مذهب ابن الخطيب أو قال ابن الخطيب. فقد كَانَ أبوه خطيب الري فسمي ابنه ابن الخطيب، هذا مما ينبغي أن نعرفه عن الرازي.\rويعتبر الفخر الرازي متمكناً في العقليات والجدليات، كما يلاحظ في كتابه التفسير الكبير، ولكنه كَانَ مرتكباً لأخطاء كبرى في الأصول التي بنى عليها مذهبه، ومن أخطر الأصول التي جَاءَ بها الرازي ونقلها واتبعها واتخذها قدوة وهدى وإماماً من بعده: القول بأنه إذا تعارض العقل والنقل فإننا نقدم العقل.\r\rولهذا فإن شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ حينما ألف كتابه الكبير العظيم المشهور درء تعارض العقل والنقل أو موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول رد عَلَى هذا المبدأ، وعلى هذا القانون، وقد قال به قبل الرازي أناس، ولكن الرازي هو أكثر من أشهر وأظهر هذا القانون، وعليه بنى عضد الدين الإيجي كتابهالمواقف، ثُمَّ بقي أصلاً من أصول القوم وهو من أخبث الأصول التي هدم بها الكتاب والسنة.\r\rوكتب الرازي كتاباً آخر هو أكبر وأقوى كتاب في الشبهات في نفي صفات الله ﷾، وهو كتابأساس التقديس.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689470,"book_id":1659,"shamela_page_id":596,"part":null,"page_num":596,"sequence_num":596,"body":"وهو الذي نقضه شَيْخ الإِسْلامِ في كتابه نقض التأسيس، وهو الكتاب المعروف المطبوع وإن كَانَ المطبوع منه ما هو إلا جزء منه، وقد كَانَ الدكتور مُحَمَّد رشاد سالم رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وهو قد توفي منذ حوالي أسبوعين كما بلغنا يعمل في تحقيق هذا الكتاب، فيكون آخر ما حققه الدكتورمُحَمَّد رشاد سالم ﵀ هو كتابنقض التأسيس، ونسأل الله ﷾ أن يكون قد أكمله ليخرج، لأن الموجود الآن ليس بكامل فشَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ لما أراد أن يرد عَلَى شبهات منكري الصفات، رد ونقض أقوى كتاب جمعوه وألفوه كما يشهد لذلك ترجمة الرازي في كتاب طبقات الشافعية\rلـ ابن السبكي، حيث جعله أعظم الأئمة وأثنى عليه بمدح عظيم.\rأنه يرجع إلى ما يحدثه من علمه وإرادته القائم بذاته\rقَالَ المُصْنِّفُ ﵀:\r[وسادسُها: أن كلامه يرجع إِلَى ما يحدثه من علمه وإرادته القائم بذاته وهذا يقوله صاحب المعتبر ويميل إليه الرازي في المطالب العالية]\rوذكرنا أن صاحب المعتبر هو أبو البركات ابن ملكا البغدادي وأنه من الفلاسفة الذين يدعون إِلَى الفلسفة والكلام؛ لكنه كَانَ أقرب إِلَى السنة من أكثر الفلاسفة، كما بيّن ذلك شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ في منهاج السنة يقول: إن الفلاسفة يتأثر كل واحدٍ منهم بحسب البيئة التي عاش فيها فابن رشد نشأ في بيئة كلابية أشعرية؛ ولهذا يكثر في كتب ابن رشد نقد الأشعرية بشدة، ومن ذلك نقدهللغزالي فلما كتب الغزالي تهافت الفلاسفة ردَّ عليه ابن رشد بكتاب تهافت التهافت.\r\rأما ابن سينا فإنه نشأ بين المعتزلة والشيعة وذكرنا أن ابن سينا هو في أصله شيعي من الإثنى عشرية الرافضة؛ ولكنه في حقيقته باطني زنديق فهو من الشيعة الغلاة القرامطة العبيديين","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689471,"book_id":1659,"shamela_page_id":597,"part":null,"page_num":597,"sequence_num":597,"body":"وأما أبو البركات ابن ملكا فإنه نشأ في بغداد حيث السنة والحديث، فتأثر بتلك البيئة فكان أخف المتفلسفة وأقربهم إِلَى منهج الحق والصواب بخلاف أُولَئِكَ الذين أوغلوا في التجديدات عَلَى طريقة الفلاسفة اليونان، وكتابه المعتبر هو في علم الكلام.\rوأما الرازي فالمقصود به هنا: صاحبالمطالب العالية وهوفخر الدين الرازي عبد الله، ويُقال له ابن الخطيب أو ابن خطيب الري؛ لأن أباه كَانَ خطيبَ الري، ثُمَّ ورث الخطابة أيضاً بالري من بعده، فإذا جَاءَ في أحد الكتب قال الفخر أو قال ابن الخطيب، فالمقصود به هذا.\r\rوإذا قيل: قال الرازي والرازي نسبة إلىالري، فمن كَانَ من العلماء أو المتكلمين أو الفقهاء من أهل الري فإنه يُقال له رازي، وهي نسبة من حيث اللغة خاطئة؛ لأن النسبة إِلَى الري ريي وليست رازي، ولكن هذا جرى عليه الاصطلاح.\rوإذا قيل الرازي في علم الكلام أو الفلسفة خاصة فإنه يحتمل اثنين:\rإما الفخر الرازي.\r\rأو الطبيب أبو زكريا الرازي المشهور بالطب أكثر منه في علم الكلام، أو في التفسير أو في الدين، ولكن التمييز بينهما ممكن واضح بأمور:\rأولاً: أنأبا زكريا الرازي الطبيب توفي سنة ٣١١هـ، بينما الفخر الرازي توفي سنة ٦٠٦هـ، فهناك ثلاثة قرون بينهما، فهذا مما يعين عَلَى معرفة صاحب القول.\r\rثانياً: أنه إذا كَانَ في موضوع الفلسفة البحتة الإلحادية وفي مجال الطب أو ما يسمى بالعلوم الطبية أو العلوم الطبيعية، إذا أطلق الرازي فهو الرازي الطبيب وقد كَانَ زنديقاً مُلحداً -نسأل الله السلامة والعافية- وهذا الذي يفتخر به الباحثون في العلوم أو في الطب، ويقولون: إنه ممن أسهم من الْمُسْلِمِينَ في تقدم البحث، فهذا هو الطبيب وليسالرازي فخر الدين المفسر المتكلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689472,"book_id":1659,"shamela_page_id":598,"part":null,"page_num":598,"sequence_num":598,"body":"وهو بلا شك مفخرة للإسلام في ظل حكم الإسلام وفي ظل حضارة الإسلام، أن ينبغ أي إنسان في أي مجال أو أن يخترع أو يكتشف أو يتفوق، حتى لو فرضنا أن هذا الإِنسَان يهودي أو نصراني؛ ولكنه نبغ في ظل الدولة الإسلامية أو العالم الإسلامي، واشتهر واخترع وابتكر، فهذا مفخرة للحضارة الإسلامية؛ لأن المكتشفين والمخترعين في الغرب، في ظل حكم الكنيسة النصرانية قبل القرن السادس عشر والسابع عشر كانوا يتعرضون للحرب والإعدام والصلب والسجن، وأمثال ذلك من العقوبات.\r\rلكن في ظل سماحة الإسلام ويُسره تتقدم وتنمو، أو تترقى هذه العلوم من طب أو هندسة أو فيزياء أو رياضيات أو ما أشبه ذلك، وإن كَانَ المبدع فيها ليس مسلماً، فإن الفضل للإسلام وللحضارة الإسلامية، فابن سينا أوالرازي هذا الطبيب كلاهما كَانَ مُلحداً زنديقاً بلا شك؛ ولكن علمهم وأمثالهم هو من إنتاج الحضارة الإسلامية، أي: ما أبدعوه في جانب الرياضيات والطب وغيرها فالفضل يعود فيه للإسلام، ولا نتكلم في جانب الإلهايات والعقيدة؛ لأنه مردود عليهم قطعاً، والمقصود أن الرازي الذي هو فخر الدين الرازي صاحب التفسير الكبير وصاحب الأصول هو صاحبالمطالب العالية الذي ذكره المُصْنِّف هنا.\r\rعيبان ظاهران في كتب الرازي\rومن عجائب الفخر الرازي التي ذكرها عنه العلماء أنه يورد الشبهة ويستدل لها، ثُمَّ لا يستطع أن ينقضها، ولهذا قال بعض العلماء: إنه يأتي بالشبهة نقداً، ويجعل الجواب عنها نسيئة، فالذي يقرأ كتبه قد يتشكك من إيراد الشبهات؛ ولكنه لا يجد الرد عليها، فالرازي كَانَ أولاً يطول النفس في الكتابة ثُمَّ ينقطع، فطول نفسه يذهب في إيراد الشبهات، فإذا أراد أن يُجيب كَانَ قد تعب فلا ينقض هذه الشبهات، ولهذا قيلت فيه هذه العبارة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689473,"book_id":1659,"shamela_page_id":599,"part":null,"page_num":599,"sequence_num":599,"body":"وهناك ظاهرة أخرى موجودة وملحوظة في كتبه وهي التناقض والافتراض، وهذه تهمنا هنا فالرازي في موقفه من قضية الكلام -التي هي موضوع حديثنا- مضطرب ومتناقض في عدة كتب من كتبه وقد كتب أحد الباحثين بحثاً طويلاً بعنوان فخر الدين الرازي وآراءه الكلامية فأقر هذه النتيجة أن الرازي مضطرب متردد متقلب في موقفه من العقيدة ومن علم الكلام خاصة.\r\rفمثلاً في بعض كتبه يقول: إن الكلام عَلَى نوعين: كلام قديم وهو المعاني القائمة بالنفس، وكلام حادث مخلوق وهو: الألفاظ والحروف والأصوات، وهذا هو مذهب الكلابية.\r\rوفي بعض كتبه يصرح بأن القُرْآن مخلوق، وأن الكلام لا يمكن أن يكون إلا مخلوقاً، وهو بذلك يشبه المعتزلة فهو مرة أشعري ومرة معتزلي.\rوفي كتب أخرى ينقض قول المعتزلة، وينقض قول الأشعرية، ويُقرر كلاماً من نوعٍ آخر، وهنا كما فيالمطالب العالية ذكر هذا الكلام: أن كلامه -تعالى- يرجع إِلَى ما يحدثه من علمه وإرادته القائم بذاته فيقول الرازي: إن كلام الله لا يخلو أن يكون خبراً أو إنشاءً أمراً أو نهياً فمثلاً أمر الله في شيء ليس هو كلامه الذي يأمر به، وإنما إرادته وإخباره بأنه سوف يثيب من فعل كذا وكذا، ونهيه عن شيء هو إرادته وإخباره بأن من فعل كذا وكذا فسوف يعاقب، وهذا القول نقده الأشعرية أنفسهم الذين يدعون أن الرازي من أعظم أئمتهم وهو - كما قلنا - إمام المرحلة الثالثة من مراحل تطور المذهب الأشعري حتى أن الشركساني صاحب المقاصد ذكر ذلك وقَالَ: إن هذا القول ضعيف؛ بل قَالَ: وهذا ظاهر الضعف؛ لأن إرادة الثواب للمطيع الممتثل للأمر، أو إرادة العقاب لمرتكب النهي هذه لوازم الأمر والنهي أو من نتائجه، وليست هي الأمر والنهي فإذا هذا الوجه ظاهر الضعف.\r\rوكما أشرنا إِلَى أن المذاهب الرئيسة هي الثلاثة التي ذكرناها:\r\rمذهب المعتزلة.\r\rومذهب الأشعرية الكلابية.\rومذهب السلف.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689474,"book_id":1659,"shamela_page_id":600,"part":null,"page_num":600,"sequence_num":600,"body":"وقول الرازي يعد من فروع مذهب الأشعرية الكلابية، وإن كَانَ أراد أن يتفلسف فيه قليلاً، لكن المذهب نفسه فيه التناقض والاضطراب، وهذا الذي حصل ووقع للرازي من بدايته، فقد تأرجح الرازي بين كونه فيلسوفاً، وبين كونه معتزلياً، وبين كونه أشعرياً، وفي آخر عمره يقول في وصيته وفي بعض كتبه: إن منهج القُرْآن هو الصحيح، وهو صاحب الأشعار التي يقول فيها:\rنِهَايةُ إِقْدَامِ العقولِ عِقَالُ وغَايةُ سعي العَالمِينَ ضلالُ\rوَلم نستَفِد مِنْ بحثِنَا طوُلَ عُمرِنَا سِوَى أنْ جَمعنَا فيه قِيلَ وقالوا\rهو الذي اعترف بذلك في قصيدة له ضمن أقسام اللذات، وأوصى عند موته بطريقة القرآن، وقَالَ: رأيت المناهج الفلسفية، والطرق الكلامية فما وجدتها تشفي عليلا ولا تروي غليلا، ووجدت أفضل الطرق طريقة القُرْآن أقرأ في الإثبات قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ [الإخلاص:٢،١] والرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:٥] واقرأ في النفي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:١١] فهو في آخر أمره رجع إِلَى مذهب أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وهذا ما حصللأبي حامد الغزالي، وحصل مثله للجويني الذي سيأتينا مذهبه وهو المذهب الثامن.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689475,"book_id":1659,"shamela_page_id":601,"part":null,"page_num":601,"sequence_num":601,"body":"وهذا الاضطراب الذي يقع فيه أكثر أئمة الأشعرية، ومنهم أبو الحسن الأشعري نفسه الذي انتقل من قول إِلَى قول؛ يدلنا عَلَى حيرة المتكلمين عموماً، ولا سيما المتكلم الذي يريد أن يوفق بين الفلسفة، والمنطق والكلام الذي هو كلام اليونان وأمثالهم؛ وبين الكتاب والسنة، فمن كَانَ لديه حظ من الكتاب السنة ومحبة للكتاب والسنة كما كَانَ هَؤُلاءِ، لكنه في الوقت نفسه لديه قناعة بصحة كلام الفلاسفة وأمثالهم؛ نجد أنه يضطرب ولا يزال عَلَى هذا الاضطراب حتى يتمحص في الأخير لأحدهما، فالجويني أبو محمد رجع إِلَى عقيدة السلف، وابنه أبو معاذ الجويني رجع إليها، وألف الرسالة النظامية، ومن قبل رجع أبو حامد الغزالي، والرازي؛ لكن بعضهم لم يرجع وإنما اضطرب وتخبط وتناقض، فهذا التناقض ظاهرة عامة.\r\rولذلك نجد هنا أن المذهب السادس، والسابع، والثامن، والرابع، هي في الحقيقة ترجع إِلَى المذهب الثالث، وهو المذهب الأشعري الكُلابي، وقد يكون السبب -والله أعلم- في هذه الحيرة أنه لضعف الحجج التي يحتج بها الأشعرية إذا أتي المعتزلي رد عليها ونسفها، فنتيجة لهذا الضعف يضطر أصحاب هذا المذهب أن يبحثوا عن تعليلات وعن تخريجات، ومن هنا كثرت الأقوال المتشعبة من هذا المذهب بل يمكن أن نعتبر منها أيضاً المذهب السابع الذي هو مذهب الماتريدية.\rإذاً المذهب السادس لا يُخالف أصحابه في أن القُرْآن مخلوق، فهم يقولون: إنه مخلوق، وإنما كلامهم في وصف حقيقة الكلام النفسي، وكفى بذلك بدعة وضلالا نسأل الله السلامة والعافية.\r\rالسابع أنه يتضمن معنى قائماً بذاته هو ما خلقه في غيره\rقَالَ المُصْنِّفُ رحمة الله:\r[وسابعُها أن كلامه يتضمن معنى قائما بذاته هو ما خلقه في غيره، وهذا قولأبي منصور الماتريدي] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689476,"book_id":1659,"shamela_page_id":602,"part":null,"page_num":602,"sequence_num":602,"body":"أبو منصور الماتريدي هذا رجل من الحنفية من أصحاب الرأي، عاش في بلاد ما وراء النهر، وتوفي في منتصف القرن الرابع حوالي سنة ٣٥٠هـ، وهو إمام الطائفة والفرقة المسماه بالماتريدية، وهذه الفرقة أقرب شيء إِلَى الأشعرية، إلا أن بين الفرقتين خلافات أكثرها كلامي نابع من الاجتهادات الكلامية البحته، وليس في قضايا النصوص وفي معرفة الأدلة، المهم أن أبا منصور الماتريدي هذا ينتمي إِلَى الإمام أبي حنيفة بحكم أنه حنفي، ويدعي أن ما هو عليه من المذهب هو مذهب الإمام أبي حنيفة.\rولهذا نجد أن المُصْنِّف ﵀ يقول في نفس البحث، بعد حوالي أربع ورقات أو خمس في آخرها، يقول لما ذكر كلام الإمام أبي حنيفة في الفقة الأكبر: [والقرآن كلام الله في المصاحف مكتوب، وفي القلوب محفوظ، وعلى الألسن مقروء، وعلى النبي ﷺ منزل، ولفظنا بالقرآن مخلوق، وكتابتنا له مخلوقة، وقرائتنا له مخلوقه، والقرآن غير مخلوق]\r\rلما ذكر المُصْنِّف هذا قال في شرح هذا الكلام: ففهم منه -يعني من كلام أبي حنيفة - ففهم منه الرد عَلَى من يقول من أصحابه: إنه معنى واحد قائم بالنفس لا يتصور أن يسمع، وإنما يخلق الله الصوت في الهواء.\rوسيأتي هذا إن شاء الله ونشرحه في موضعه، والمقصود أن قول الماتريدي قد شرحه المُصْنِّف بعد هذه الصفحات في هذا الموضع، وهو أن كلام الله ﷾ معنىً قائماً بنفسه تعالى، ولا يمكن أن يسمع ولا يتصور أن يسمع، فليت شعري يا أبا منصور فماذا سمع موسى عندما كلمه الله؟\rويقول: إن هذا خلقه الله، خلق الله الألفاظ وخلق الأصوات والحروف، وأما حقيقة الكلام النفسي فإنه لا يمكن أن يسمع لكن يطلق الكلام عند أبي منصور الماتريدي على المعنى الحقيقي الذي هو المخلوق، ولكن المخلوق يتضمن المعنى النفسي، وهذا هو الفرق بينه وبين المذهب الثامن.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689477,"book_id":1659,"shamela_page_id":603,"part":null,"page_num":603,"sequence_num":603,"body":"والمذهب الثامن يرى أن الإطلاق مشترك؛ فإذا قيل كلام الله، فإنه مشترك بين النفسي والحروف والأصوات بزعمهم، أما هذا فَيَقُولُ: كلامه هو ما خلقه في غيره لكنه يتضمن ما في نفسه، وليس عَلَى هذه الأقوال من دليل إلا الابتداع والظن واتباع الرأي، فيجهد الواحد منهم نفسه الليالي والأيام ليخرج برأي باطل، ولو أنهم اتبعوا الكتاب والسنة، وسألوا علماء الإسلام لما كَانَ نهاية فعلهم الوبال والضلال نسأل الله السلامة والعافية.\r\rفهل سمعت أو قرأت لأحد ممن اشتغل بعلم السنة ولم يشتغل بقيل وقال، وإنما اشتغل بكلام الله وكلام رسوله، وكلام علماء السلف، مثل الإمامأَحْمد بن حَنْبَل ومالك والشَّافِعِيّ وأبي حنيفة والفضيل وعبد الله بن المبارك، وسفيان بن عيينة وأمثال هَؤُلاءِ الأعلام، هل سمعت أحداً نشأ عَلَى كتبهم، وتربى عَلَى أقوالهم، وقرأ سيرهم وأحوالهم، شكى الاضطراب أو التناقض أو الحيرة، أو رجع عن ذلك -والعياذ بالله- إِلَى الفلسفة، أو إِلَى عكس ما كَانَ عليه؟ لا يوجد أبداً، وإنما يعيش الواحد منهم ويموت وهو مرتاح البال، مطمئن واثق من دين الله ﷿.\r\rالثامن: أنه مشترك بين المعنى القديم القائم بالذات وبين ما يخلقه في غيره من الأصوات\rقَالَ المُصْنِّفُ رحمة الله:\r[وثامنُها: وهو أنه مشترك بين المعنى القديم القائم بالذات وبين ما يخلقه في غيره من الأصوات وهو قول أبي المعالي ومن تبعه]\r\rأبو المعالي هو الذي تمنى عند موته أن يموت عَلَى عقيدة عجائز نيسابور، وكان من بلدة نيسابور.\rصحيح أن عقيدة عجائز نيسابور خير، وأفضل من عقيدة أهل الكلام وأهل الحيرة والضلال والشك -عافانا الله وإياكم- من ذلك؛ لكن أليس هناك ما هو أفضل من دين العجائز، أو عقيدة العجائز؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689478,"book_id":1659,"shamela_page_id":604,"part":null,"page_num":604,"sequence_num":604,"body":"بلى عقيدة الراسخين في العلم، لماذا لا نتمنى أن نموت عَلَى عقيدة الراسخين في العلم؟ الذين قال قائلهم لو كشف لما ازددت يقيناً، وقال الآخر: لو أني رأيت الجنة والنَّار لما كَانَ إيماني بها أقوى من إيماني بها الآن، قيل: وكيف ذلك؟\rقال لأني رأيتهما بعيني النبي ﷺ والله ﷾ يقول: مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى [النجم:١٧] ، ولو رأيتهما بعيني لربما زاغ بصري أو طغى، فسُبْحانَ اللَّه ما أعظم التمسك بالسنة، وما أبعده عن الشك والريب!\rبل هو اليقين كله والطمأنينة كلها والخير كله؛ أما هَؤُلاءِ فتجد الحيرة والتخبط والتناقض، كما هو ظاهر في أقوالهم، ولو أننا نسترسل في حكاية أقوالهم وفي تفصيلها، لمللت وسئمت من كلام معقد لا طائل تحته، ولا دليل عليه -نسأل الله العافية- ولكن نحاول أن نشرح بقدر ما نفهم الفكرة في الجملة ونستوعبها.\rوأبو المعالي الجويني هذا هو الملقب بإمام الحرمين وهو شيخ أبي حامد الغزالي، من أسباب خطأ الجويني في أول حياته أنه كَانَ جاهلاً بعلم الحديث، ولهذا يقول شَيْخ الإِسْلامِ إنه لما ألف كتاباً كبيراً في مذهب الشافعية -لأنه كَانَ شافعي المذهب- لم يأت فيه بحديث صحيح إلا حديثاً واحداً.\r\rوهذا الحديث عزاه للبخاري وليس فيه؛ لكن لو سُئل في علم الكلام، أولو قرأت كتاب الإرشاد، وهو مطبوع، لوجدت أنه مطلع عَلَى علم الكلام، وعلى الأقوال وعلى هذه الفلسفات والأمور التي لا خير فيها، ولا ثمرة ترجى منها، ولهذا رجع الجويني في آخر الأمر إِلَى عقيدة السلف في الجملة، وذلك في الرسالة النظامية، وإن كَانَ هو يظن أن السلف يفوضون المعنى، لكن يكفي أنه هدم المذهب الأشعري الذي كَانَ عليه هو وأصحابه، وهو التأويل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689479,"book_id":1659,"shamela_page_id":605,"part":null,"page_num":605,"sequence_num":605,"body":"وقَالَ: \"\"لما رأينا أن السلف والصحابة والتابعين ومن بعدهم مطبقون ومجمعون عَلَى عدم التأويل\"\" وهذه حقيقة، فلا يوجد أبداً في الصحابة ولا في التابعين مؤول عَلَى الإطلاق، قَالَ: \"\"وهم أزكى النَّاس وأعلم النَّاس وأحفظهم للدين\"\" هذا معنى كلامه، \"\"فلو كَانَ التأويل حقاً لسبقوا إليه ولكانوا أولى النَّاس به\"\" وهذا كلام صحيح.\r\rفترك التأويل وقال في صفات الله: نثبتها ونفوضها، بينما التفويض عند السلف في الكيفية فقط، والسؤال عن ذلك بدعة، والله ﷿ هو الذي يعلم ذلك، لكن نثبت المعنى، فالاستواء مثلاً معناه معلوم وهو: استقر، وعلا، وارتفع، وصعد، كما ذكر السلف، وهذا معنى معروف في لغة العرب؛ لكن الكيفية أمرها إِلَى الله في جميع الصفات، ونحن نجهل كيفية صفات الله ﷿ مثلما نجهل ذاته، وصفاته فرع عن ذاته، وأما إثبات الصفات، ومعرفة معناها، فإننا نعرف معناها، ونرى آثار الرحمة، ونفرق بين الرحمة وبين الحكمة وبين العلم. لأن لكل منها معاني وآثار كل منها تختلف في لغة العرب.\r\rوالشاهد أن أبا المعالي فوّض بإطلاق، فقول أبي المعالي وهو القول الثامن، هو أن كلام الله مشترك، بين المعنى القائم بالنفس، وبين المخلوق الذي هو الحروف والأصوات، لا كما يقول الأشعرية أن الكلام فقط هو ما في النفس، فكأن أبا المعالي جدد كلام ابن كلاب، فابن كلاب يقول: هو ما في النفس فقط، وأما الحروف والأصوات فهي مخلوقة، مثل أي خلق من مخلوقات الله، لا يطلق عليها كلام الله، وأبو المعالي يطلق كلام الله عَلَى النوعين عَلَى كلام الله الذي هو ما في نفسه من المعاني، وعلى كلام الله الذي هو ما خلق.\rالتاسع: مذهب أهل السنة\rالمذهب التاسع هو الذي يهمنا، وينبغي أن نفهمه ونعرفه الآن بالجملة، ثُمَّ نأخذ تفصيله إن شاء الله قليلاً قليلاً في أثناء البحث. قَالَ المُصْنِّفُ ﵀:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689480,"book_id":1659,"shamela_page_id":606,"part":null,"page_num":606,"sequence_num":606,"body":"[وتاسعها: أنه تَعَالَى لم يزل متكلماً، إذا شاء، ومتى شاء، وكيف شاء، وهو يتكلم بصوت يسمع، وأن نوع الكلام قديم، وإن لم يكن الصوت المعين قديماً، وهذا المأثور عن أئمة الحديث والسنة]\rمذهب أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ أن الله ﷾ يتكلم إذا شاء ومتى شاء وكيف شاء ﷾، وأن الله يتكلم بصوت يسمعه من يريد اللهُ ﵎ أن يسمعهم ذلك الصوت، وأن نوع الكلام قديم، وإن لم يكن الصوت المعين قديماً، وأن الله ﷾ يتكلم بما شاء في الأزل في ما لا أول له أو في ما لا نهاية له كما شاء، لا حجر عَلَى ذلك أبداً، وهذه العبارة رد عَلَى الكرامية أصحاب المذهب الخامس الذين قالوا: إن الكلام تحول من الامتناع الذاتي إِلَى الإمكان الذاتي، أي كَانَ ممتنعاً ثُمَّ تكلم ويتفلسفون في ذلك، كما ذكرنا في قضية حوادث لا أول لها، لكن مذهب أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ أنه ﷾ يتكلم كما يشاء في أي وقت شاء، وكذلك في الأزل فيما لا أول له، فالنوع قديم، وأما آحاد أو أعيان الكلام فإنها متجددة -مثلاً- أن الله ﷾ لما كلم موسى هل كلمه بما كلم به الملائكة لما خلق آدم؟ لا.\r\rإنما تكلم مع الملائكة، ثُمَّ تكلم مع موسى، وهكذا نجد أن ﷾ يخاطب من شاء ويتكلم ﷾ كما يشاء متى شاء، وأما الكيفية فكما قلنا في جميع الصفات: إن كيفية كلام الله ﷾ أمر لا يستطيع العبد أن يدركه، وإنما نثبت ما أثبته الله لنفسه، وما أثبته له رسوله ﷺ، وهو الكلام بالصوت الذي يسمعه المخاطب الذي يريد الله ﷾ مخاطبته وإعلامه وإفهامه به، كما سيأتي إن شاء الله في تفصيل الأدلة عَلَى ذلك، والمقصود أن نعلم أن هذا هو مذهب أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689481,"book_id":1659,"shamela_page_id":607,"part":null,"page_num":607,"sequence_num":607,"body":"قَالَ المُصْنِّفُ رحمة الله:\r[وقولُ الشيخ ﵀: وإنَّ القُرْآن كلامٌ الله \"إنّ\" بكسر الهمزة عطفٌ عَلَى قولهِ: \"إنّ الله واحد لا شريك له\" ثُمَّ قَالَ: وإنَّ محمداً عبده المصطفى، وكسر همزة (إنّ) في هذه المواضع الثلاثة لأنها معمول القول، أعني قوله في أول كلامه: نقول في توحيد الله.\rوقوله: كلام الله منه بدا بلا كيفية قولاً، رد عَلَى المعتزلة وغيرهم، فإن المعتزلة تزعم أن القُرْآن لم يبدُ منه، كما تقدم حكاية قولهم، قالوا: وإضافته إليه إضافة تشريف، كبيت الله، وناقة الله، يُحرِفوُن الكلم عن مواضعه، وقولهم باطل.\rفإنَّ المضافَ إِلَى الله تَعَالَى مَعَانٍ وأَعْيَان، فإِضَافةُ الأعيان إِلَى الله للتشريف، وهي مخلوقة له، كبيت الله، وناقة الله، بخلاف إضافة المعاني، كعلم الله، وقدرته، وعزته، وجلاله، وكبريائه، وكلامه، وحياته، وعلوه، وقهره، فإن هذا كلُّه من صفاته، لا يُمكن أنَّ يكون شيء من ذلك مخلوقاً] اهـ.\rالشرح:\rالقاعدة في اللغة العربية أن الهمزة بعد القول تكون مكسورة دائماً، وهذا يقول: [وإن القُرْآن كلام الله] هذا عطف عَلَى ما سبق في أول العقيدة، ثُمَّ يقول: [منه بدا بلا كيفية] أي نَحْنُ لا نفسر الكيفية ولا نعرفها وقوله: [بدا] يمكن أن تكون [بدأَ] من البدء، ويمكن أن تكون [منه بدا] أي ظهرَ، والذي مشى عليه المُصْنِّف ﵀ هو أن كلمة بدا من بدا يبدو، وبعض العلماء يقول: \"منه بدأَ وإليه يعود\" فالعبارة هنا بعد ذكر [وإليه يعود] يترجح أن تكون بدأَ من البدء لأن البدأَ يقابله العودة، لكن الإمام الطّّحاويّ هنا لم يذكر كلمة [وإليه يعود] وإن كَانَ هو يؤمن بها، فبقي الأمر محتملاً للاحتمالين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689482,"book_id":1659,"shamela_page_id":608,"part":null,"page_num":608,"sequence_num":608,"body":"والذي يبدوا لي أن المُصْنِّف اختار كلمة بدا أي ظهر، ولم يختر كلمة بدأ؛ لأن الحنفية شرحوا العقيدة الطّّحاويّ ة شرحاً ماتريدياً، وقد ألمحنا إِلَى ذلك فيما سبق، فإذا قَالَ: \"منه بدأ\" أي منه ابتدأ، فقد يفهم بعضهم أنه قبل ذلك لم يكن متكلماً، أو أنه ابتدأ الكلام، وأن جنس الكلام، أو نوع الكلام ليس بقديم، فحتى يزيل هذا الإشكال مال إِلَى قوله [منه بدا] مع أن هذا الإشكال له جوابه، وليس هذا موضعه، لكن فيما يبدو من اختيار المُصْنِّف أنه تعمد أن يختار \"بدا\" ولم يشر إِلَى \"بدأَ\" لأنه يقول: \"وإلى هذا أشار الشيخ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بقوله: \"منه بدا بلا كيفية قولاً\" أي ظهر منه، ولا ندري كيفية تكلمه به.\r\rوأكّد هذا المعنى في قوله \"قولاً\" فأتى بالمصدر المعرف للحقيقة؛ كما أكد الله تَعَالَى التكليم بالمصدر المثبت للحقيقة النافي للمجاز في قوله: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً [النساء:١٦٤] ونجد أن المُصْنِّف ﵀ عندما يتكلم في أصحابه الحنفية يذكر أنهم قالوا: إن إطلاق الكلام عَلَى القُرْآن هو من قبيل المجاز، فكأنه أراد أن يأتي بمعنىً لا يحتمل الشبهة ولا الشك ولا المجاز، فقَالَ: [منه بدا] أي ظهر منه كما سيأتي.\r\rشبهة المعتزلة والجواب عليها:\rتقول المعتزلة إذا قلنا: إن القُرْآن كلام الله، لا يمنع أن يكون مخلوقاً.\rودليلهم أنهم قالوا: نَحْنُ نقول بيت الله والبيت مخلوق، وناقة الله والناقة مخلوقة، إذاً كلام الله مخلوق، وهذه شبهة تبدو قوية.\r\rلكن -والْحَمْدُ لِلَّهِ- الجواب عليها واضح وسهل، فقد أجاب عليهاالسلف بأن ما يضاف إِلَى الله عَلَى نوعين: معانٍ وأعيان، الأعيان أي الأشياء الحسية، وهذه واضحة أنها مخلوقة، مثل بيت الله الكعبة، وناقة الله، وماء الله، وأي شيء نضيفه إِلَى الله ﷿ من الأشياء الحسية فإن هذا يكون من الأعيان، وتكون الإضافة هنا للتشريف.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689483,"book_id":1659,"shamela_page_id":609,"part":null,"page_num":609,"sequence_num":609,"body":"وإذا أضيفت المعاني إِلَى الله تَعَالَى مثل حياة الله، حكمة الله، علو الله، عزة الله، فهي صفات، فإذا قلنا: حكمة الله فالمقصود بها صفة الله التي هي الحكمة، ورحمة الله أي: الصفة التي يتصف بها الله ﷿، وكلام الله أيضاً معناه الصفة التي يتصف بها الله، فهي ليست مخلوقة، وإلا للزم عَلَى كلام المعتزلة أن جميع صفات الله مخلوقة، لأننا نقول: رحمة الله، وعلم الله وحياة الله، فهل حياة الله مخلوقة والعياذ بالله؟ حتى هم لا يقولون ذلك؛ فعُلم أن قول المعتزلة هذا ظاهر الفساد وظاهر البطلان، ولا بد أن نفرق بين الأعيان وبين المعاني، فما أضيف إِلَى الله ﷿ من الأعيان أي من الذوات فهذا يضاف للتشريف، فمثلاً كل النوق خلقها الله فكلها نوق لله، لكن عندما نقول: ناقة الله (بالذات) فهذه فيها إضافة تشريف، لأن هذه الناقة أخرجها الله ﷾ لتكون آية لثمود، فهي تختلف عن أي ناقة أخرى ولدت بطريقة طبيعية، كما شاء الله ﷿ أن يطبع المخلوقات في التناسل والتتابع.\rوبيت الله مثلاً، كل البيوت بيوت الله، والمساجد (بالذات) بيوت الله فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ [النور:٣٦] لكن إذا قلنا: بيت الله فإن التشريف هنا يحصل للكعبة أول بيت وضع للناس، وهكذا مثلاً رَسُول الله ﷺ؛ لأنه ذات معينة مخلوقة فنقول: رَسُول الله هنا للتشريف ﷺ.\r\rأما إذا قلنا: حكمة الله، حياة الله، علم الله، ومنها كلام الله؛ فلا يمكن أن يكون هذا مخلوقاً وإنما هي صفات، ولذلك لا نضيف إِلَى الله إلا الحق لأننا إذا أضفنا إليه شيئاً فإن هذا يدخل ضمن ما يوصف به الله في الجملة، وهذه الشبهة الأولى من شبهات المعتزلة:\rونقضها قول المُصْنِّف ﵀:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689484,"book_id":1659,"shamela_page_id":610,"part":null,"page_num":610,"sequence_num":610,"body":"[والوصفُ بالتكلُّم مِنْ أوصافِ الكمال، وضده من أوصاف النقص، قال تعالى: وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً [الأعراف:١٤٨] .\rفَكَانَ عُبَّادُ العِجْلِ مع كُفْرِهم، أَعْرَفُ باللهِ من المعتزلة، فإنَّهم لَمْ يقولوا لِموسى: وَرَبُكَ لا يتَكَلمَ، أيضاً.\rوقال تَعَالَى عن العجل أيضاً: أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً [طه: ٨٩] فعُلِمَ أَنْ نفي رَجع القولِ، ونفي التَكلِيم نقصٌ يُستَدلُ بِهِ عَلَى عْدَمِ ألوهيةِ العِجل] اهـ.\rالشرح:\r\rهذا أحد الأدلة البرهانية التي تؤمن بها العقول السليمة، والفطر القويمة، ومن خلالها نثبت أن الله ﷿ متكلم، وهو أن الكلام وصف كمال، بخلاف الخرص فإنه وصف نقص وعيب وذم، وقد سبق أن ذكرنا قاعدة وهي كل ما كَانَ صفة كمالٍ بإطلاق أي لا نقص فيه بوجه من الوجوه فالله تَعَالَى أولى به من المخلوقين، حتى لو كانت هذه الصفة في المخلوق.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689485,"book_id":1659,"shamela_page_id":611,"part":null,"page_num":611,"sequence_num":611,"body":"وقيدنا بقولنا: \"على الإطلاق\"؛ لأن من الصفات ما تكون كمالاً في المخلوق، وهي لا تليق بالخالق كالنكاح مثلاً فإن المخلوق الذي يتزوج أكمل من المخلوق العاقر، أو العقيم، أو الذي لا يتزوج؛ لكن هذا في حق الله -عز جل- يكون نقصاً، فلذلك قيدنا وقلنا \"لا نقص فيها بوجه من الوجوه\" أو \"لا نقص فيها عَلَى الإطلاق\" ومن ذلك أنه جل شأنه مُتَكلِّم؛ لأن صفة الكلام ممدوحة وهي كمال في حق المخلوق، والدليل عَلَى ذلك قوله ﵎: وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً [الأعراف:١٤٨] فدلت الآية عَلَى أن الإله الحقيقي يتكلم، ويأمر وينهى ويشرع، أما هذا الذي لا يتكلم ولا يهديهم سبيلاً فكيف يتخذُّ إلهاً؟\rوهنا أمر دقيق نريد أن ننبه عليه وإن استطردنا لكنه مهم، وهو أن الذين يدخلون في قضية لم يرد فيها شيء من الكتاب والسنة ويتعبون أنفسهم فيها، وهي قضية التجسيم، فيقولون: ما ثبت أنه جسم فليس بإله، نقول: ففي هذه الحالة عباد العجل ألم يكن العجل جسداً موجوداً أمامهم؟ أما كَانَ يكفي الله ﷿ وهو العليم أن يقول: ألم يروا أنه جسد، فما دام العجل جسداً إذاً فليس بإله.\r\rوكذلك في صفة الدجال فقد كَانَ يمكن أن يقول النبي ﷺ إنه ليس بإله لأنه جسم، والله ليس بجسم، ولكن الألفاظ المسكوت عنها في الكتاب والسنة، السكوت عنها له دلالته، وهذا دليل عَلَى أن الوحي من عند الله، والقرآن وكلام الرَّسُول ﷺ هو أعظم الأدلة وأصدق البراهين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689486,"book_id":1659,"shamela_page_id":612,"part":null,"page_num":612,"sequence_num":612,"body":"فلهذا لم يأت في القُرْآن والسنة لا إثبات الجسم ولا نفيه؛ بل هو أمر مسكوت عنه، ويجب علينا أن نسكت عنه ولا نخوض ولا نبحث فيه، ولا نتعرض لشيء مسكوت عنه، وإذا أثبتنا شيئاً لله فنثبت ما أثبته لنفسه ولا نزيد عليه، فلا نقول: جسم ولا غير ذلك من الزيادات، وإذا نفينا فننفي ما نفاه تَعَالَى عن نفسه في الجملة، ولا نقول: ليس بجسم، ولا بد أن نعلم أننا كلما تمسكنا بالوحي، فإننا نكون في عين اليقين، وبعيدين أيضاً عن كل شبهة، فالله ﷿ أتى بدليل واضح بَيِّن عَلَى أن العجل لا يمكن أن يكون إلهاً فقال: أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً [الأعراف:١٤٨] فالعجل له خوار لكن لا يتكلم بمعنى لا يهدي لا يقول كلاماً فيه هداية؛ فليس بإله.\r\rيقول المُصْنِّف ﵀: [فكان عباد العجل مع كفرهم] بل هم من أكفر خلق الله ﷿، لأنهم عبدوا العجل والنبي بين ظهرانيهم، وقد دعاهم إِلَى التوحيد فليسوا مثل الأمم الجاهلة، هذا غاية الكفر؛ لكن مع كفرهم [كانوا أعرف بالله من المعتزلة] ومن نفاة كلام الله جميعاً [فإنهم لم يقولوا لموسى: وربك لا يتكلم أيضاً] وإلا لأفحموا موسى عَلَى زعمهم، ولكنهم فهموا أن الله ﷿ يتكلم، وأنه كلم موسى، كما هو معلوم في القرآن، ونقول: إن هناك مناسبة بين قوله تعالى: أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ [الأعراف:١٤٨] وبين ما يعلمه قوم موسى ويفخرون به من هذه الميزة العظيمة، وهي أن الله ﷾ كلم موسى ﵇، وهذا لا شك مفخرة وميزة لكن كيف تثبتون أن الله كلم موسى نبيكم هذا ثُمَّ تعبدون العجل الذي لا يتكلم ولا يهدي؟! ومع ذلك فهَؤُلاءِ أعرف بالله من المعتزلة، ومن نفاة كلام الله ﷿ وإلا لقالوا إن ربك لا يتكلم أيضاً، فلو كَانَ عباد العجل معتزلة أو كلابية لقالوا: إن ربك لا يتكلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689487,"book_id":1659,"shamela_page_id":613,"part":null,"page_num":613,"sequence_num":613,"body":"فالمعتزلة والكلابية جعلوا الله -تعالى -عن ذلك علواً كبيراً- مثل العجل مع أن العجل له خوار، وهَؤُلاءِ أيضاً لم يثبتوا له شيئاً، ويقول الله ﵎ عن العجل: أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً [طه:٨٩] [فعلم أن نفي رجع القول، ونفي التكليم نقص يستدل به عَلَى عدم ألوهية العجل] فالإله الحقيقي -ولا إله إلا الله ﷾ يرجع القول ويتكلم ويقول، وأيضاً هو الذي يملك الضر والنفع فسُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عما تقوله المعتزلة علواً كبيراً.\r\rقَالَ المُصنِّفُ ﵀:\r[وغايةُ شُبهتهُم أنهم يقولون: يَلزمُ مِنه التشبيه والتجسيم؟\rفيُقال لهم: إذا قلنا: إنَّهُ تَعَالَى يَتَكلَّمُ كَما يليقُ بِجَلالهِ انتفتْ شُبهتُهم. ألا ترى أنه تَعَالَى قَالَ: الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ [يّس:٦٥] فَنحنُ نُؤمنُ أنَّها تكَلَّم، ولا نعلم كيف تتكلم، وكذا قوله تعالى: وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ [فصلت:٢١] وكذلك تسبيح الحصا والطعام وسلام الحجر كل ذلك بلا فم يخرج منه الصوت الصاعد من الرئة المعتمد عَلَى مقاطع الحروف.\rوإلى هذا أشار الشيخ ﵀ بقوله: \"منه بدا بلا كيفية قولاً\"، أي ظهر منه ولا ندري كيفية تكلمه به، وأكد هذا المعنى بقوله \"قولاً\"، أتى بالمصدر المعرف للحقيقة، كما أكد الله تَعَالَى التكليم بالمصدر المثبت للحقيقة النافي للمجاز في قوله:\rوَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً [النساء:١٦٤] . فماذا بعد الحق إلا الضلال؟!\rولقد قال بعضهم لأبي عمرو بن العلاء -أحد القراء السبعة-: أُرِيدُ أَنْ تَقرأ:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689488,"book_id":1659,"shamela_page_id":614,"part":null,"page_num":614,"sequence_num":614,"body":"وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى [النساء:١٦٤] بنصب اسم الله، ليكون موسى هو المتكلم لا الله! فقالأبو عمرو: هب أني قرأت هذه الآية كذا، فكيف تصنع بقوله تعالى:\r\rوَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ [الأعراف:١٤٣] ؟ فبهت المعتزلي!] اهـ.\rالشرح:\r\rشبهتهم متكررة قلّ أن يتركها أهل البدع في جميع صفات الله ﷾ وهي أنهم يأتون بلوازم تخترعها عقولهم الكليلة القاصرة في حق الله تعالى، فيقولون يلزم كذا ويلزم كذا إِلَى غير ذلك. ونذكر ما حدث لابن فورك عند دخوله عَلَى المجاهد محمود بن سبكتكين الذي فتح أكثر بلادالهند.\r\rفكان ذات مرة يتكلم وعنده أحد علماء أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ فسأل عن علو الله ﷾، فأنكر ابن فورك ذلك وهو من أئمة الأشعرية في التأويل ألف كتاب مشكل الحديث وبيانه كله تأويلات.\r\rفَقَالَ لمحمود وهو سلطان قائد عسكري فاتح لا يعرف علم الكلام ولا يعرف الأدلة واستنباطاتها: يلزمك إذا أثبتَّ له فوق أن تثبت له تحت، فَقَالَ له محمود السلطان بكل بساطة وهدوء: أنا لا يلزمني شيء؛ لأنه هو الذي أخبر أنه فوق، فأنا أقولُ بما أَخبرَ، أي إن كَانَ هناك ما يلزمني فيلزمه هو ﷾، لأنه هو الذي قال ذلك، وهل بإمكان أحد أن يلزم الله ﷾ بشيء!\rفيقول يا رب: أثبتَّ لنفسك العلو فيلزمك أن تثبت كذا عياذاً بالله!! فهذا هو الجواب الفطري الصحيح عَلَى جميع شبهاتهم وضلالاتهم، وكل الإلزامات، وكل الإيرادات التي يوردونها تنتفي وتنتهي عندما نقول: إن هذا كلام الله وكلام رسوله ﷺ، فمن أراد منكم أن يلزم فليلزمهما، أما نَحْنُ فلا يلزمنا شيء إلا أنه يلزمنا أن نؤمن بكلام الله ورسوله.\rشبهة من قال: إن إثبات الكلام لله تعالى يلزم منه التشبيه والتعطيل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689489,"book_id":1659,"shamela_page_id":615,"part":null,"page_num":615,"sequence_num":615,"body":"إن أرباب الكلام من معتزلة وكلابية وأشعرية وجهمية يقولون: إن إثبات الصوت يلزم منه هواء يتردد في الرئة، ويلزم منه شفتان، ويلزم منه حنجرة وقصبة هوائية! سُبْحانَ اللَّه! من أين جئتم بهذه اللوازم؟\rحتى الذين يؤمنون بإثبات صفة الكلام، ومنهم بعض الكُتّاب المعاصرين ردوا عليهم بأن قالوا: ونحن نثبت لله كلاماً، لكن من غير شفتين ولا لسان ولا قصبة هوائية ولا رئة ولا هواء ولا نفس، فأولئك أخطؤا في حق الله ﷿ لما قالوا يلزم أن نثبت له هذا، والآخرون قالوا نثبت بلا كذا ... ، يكفيك أن تقول: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:١١]\rومن الذي يرد في خاطره أو يجول في باله أن الله ﵎ كالمخلوق في هذه الأمور، أو في هذه اللوازم، إلا من كَانَ ضعيف الإيمان أو ضعيف العقل أو جاءه الشيطان بشبهة، وهذا عليه أن يطردها لا أن يقرَّرها، وقولهم هذا دليل عَلَى أنهم لم ينفوا ولم يعطلوا الصفات إلا لمَّا خطر في أذهانهم التشبيه، فأول الأمر شبهوا، فلما وقع التشبيه في قلوبهم لم يجدوا إلا أن يدفعوه بالنفي والتعطيل، فَقَالُوا: ما دام أن الكلام لا يتصور إلا بالشفة واللهاة والقصبة الهوائية والرئه والهواء والنفس وكذا.. إلخ.\rإذاً ندفع ذلك كله ونقول: إنه لا يتكلم أبداً، فنجعله أصم لا يسمع ولا يتكلم ولا يرى إِلَى آخر ما وصفوا الله ﵎ به، وما نفوا به صفاته.\r\rالرد على هذه الشبهة\rولذلك يرد عليهم المُصْنِّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- بقوله: [يُقالُ لهم إذا قلنا: إنه تَعَالَى يتكلم كما يليق بجلاله انتفت شبههم] وكلامه -جل شأنه- يليق بجلاله، وكماله المقدس، وكلام المخلوقين يليق بهم. فكل شيء تكلم به، فإنه يتكلم بكلام يليق به، وعلى الصفة التي هو عليها دون أن نلزمه بصفة شيء آخر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689490,"book_id":1659,"shamela_page_id":616,"part":null,"page_num":616,"sequence_num":616,"body":"ومن أوضح الأمثلة عَلَى ذلك أننا في هذا العصر نسمع من آلات التسجل كلاماً، وهي لا يوجد فيها اللسان ولا الشفتان ولا اللهاة ولا القصبة ولا النفس، وإنما هي آلات مخترعة ومع ذلك تحتفظ بالصوت وتردده وتخرج الكلام من جنس ما صنعه الله ﷾ أو ما صنعه الإِنسَان عَلَى الكيفية التي أرادها الله، ووفّق الله الإِنسَان فصنعها عليها، ومن الممكن أن توجد بطريقة وبأشكال أخرى، وكذلك مسألة الاحتفاظ بالصوت، فقد كانت بدائية قديمة، والآن تطورت وسيلة الحفظ، ويمكن أن تتطور إِلَى أشكال أخرى، ومع ذلك الصوت يسمع منها وهذا في المخلوقات.\r\rوضرب المُصْنِّف رَحِمَهُ اللَّهُه تَعَالَى هنا أمثلة منها تكليم الأعضاء يَوْمَ القِيَامَةِ: الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [يّس:٦٥] .\r\rفأعضاء الإِنسَان يَوْمَ القِيَامَةِ تتكلم وتنطق ويختم الله تَعَالَى عَلَى الأفواه، كما قال ذلك في سورة فصلت، وعندها يستغرب المجرمون الظالمون أن تشهد عليهم أعضاؤهم وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ [فصلت:٢١] فهو سبحانه أنطق كل شيء، وينطق كل شيء كما يشاء الله، ومتى شاء، فلو شاء لنطق الهواء، ولو شاء لنطقت الأرض، ولو شاء لأنطق أي شيء يريده ﷾، وكذلك تسبيح الحصا والطعام وكلام الحجر، هذا كله من الآيات البينات التي أظهرها الله ﵎ عَلَى يد النبي ﷺ كل ذلك بلا فم يخرج منه الصوت الصاعد من الرئة المعتمد عَلَى مقاطع الحروف، وهذه كلها من غير الأصوات المعروفة لبني آدم، فليس هناك صوت وليس هناك شفة ولا لهاة إِلَى آخر اللوازم التي قدروها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689491,"book_id":1659,"shamela_page_id":617,"part":null,"page_num":617,"sequence_num":617,"body":"هذه الشبهة التي تلازمنا دائماً في عدة أبحاث؛ فنجدهم في الرؤية يقولون: يلزم من رؤية الله أن يكون جسماً، وأن يكون مقابلاً، ويلزم منه أن يكون منفعلاً سُبْحانَ اللَّه!\rكل هذه شبهة واحدة يكررونها جميعاً فيلزمون ربهم ﵎ بما يلزمون به المخلوق، فهم يقيسون عَلَى ما يرون من هذا المخلوق العاجز الضعيف الكليل، الذي لا يستطيع أن يتكلم أو ينطق إلا بالوسائل التي جعلها الله ﵎ له، والذي نردُّ به عليهم دائماً هو أن كلام الله يليق بجلاله ﵎، ولا يشبهه أحد من خلقه لا في كلامه ولا في غير ذلك من صفاته ويقول المُصْنِّف إن أبا جعفر الطّّحاويّويّ صرح بنفي الكيفية عندما قَالَ: [إن القُرْآن كلام الله منه بدا بلا كيفية قولاً] فأشار إِلَى أن الكيفية التي تتخيلها أو تتوهمها عقول البشر منفية عن الله ﵎.\rثُمَّ قال المصنف: (قولاً) وكلمة قولاً هنا مهمة، فالإمام أبو جعفر الطّّحاويّويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- لما قال قولاً إنما يؤكد عَلَى حقيقة القول، وأن القُرْآن الذي هو كلام الله: هو هذا المتلو أو المسموع أو المحفوظ المكتوب بين الدفتين وليس الكلام المخفي وهذا احتراز جيد من الإمام ابن أبي العز ﵀ عندما نبه إِلَى هذه الكلمة، لأنه سبق أن قلنا: إن بعض الماتريدية شرح العقيدة الطّّحاويّويّة عَلَى أساس أنهم حنفية والإمام أبو جعفر الطّّحاويّ ﵀ حنفي، فأولوها بما يوافق مذهبهم، لكن الإمام ابن أبي العز ﵀، هنا إذا مرت به كلمة حاسمة في الموضوع لا تحتمل التأويل أكدها ليرد عليهم، ولذلك يقول المُصْنِّف [أتى بالمصدر المعرف للحقيقة تأكيداً، كما أكد الله تَعَالَى في التكليم بالمصدر المثبت للحقيقة النافي للمجاز الذي يقطع أي احتمال في قوله تعالى: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً [النساء:١٦٤]] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689492,"book_id":1659,"shamela_page_id":618,"part":null,"page_num":618,"sequence_num":618,"body":"فالله ﷾ لما ذكر المصدر المؤكد \"تكليماً\" أكد الحقيقة ونفى أي احتمال للمجاز أو التأويل أو التحريف.\rكما تقول: رأيت فلاناً رؤيةً، أو شاهدته مشاهدة، فإنك تقطع بذلك احتمال أن تكون رأيته في المنام، أو رأيته عن طريق واحد بالإخبار، وتقول: كلمته كلاماً، فمعنى ذلك أنه مشافهة ولم تكلمه مثلاً في رسالة أو في كتاب خطي أو نحو ذلك.\rومع ذلك قال المعطلة: نقرأها وكلم اللهَ موسى تكليماً بنصب لفظ الجلالة (اللهَ) ، فيكون موسى هو الذي كلم اللهَ ﷾.\rفرد عليهم أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ بما جَاءَ في الآية الأخرى، وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ [الأعراف:١٤٣] فكيف يمكن أن يؤولوا هذه! مع العلم أن القُرْآن إنما يقرأ بالتلقي، بل حتى القراءات وإن كانت صحيحة الإسناد، ولكنها ليست متواترة لا يجوز أن نقرأ بها، وإنما هي كتفسير أو ما أشبه ذلك، كما هو معلوم في مباحث علوم القرآن.\rوأولوها بتأويل آخر فَقَالُوا: إن التكليم: هو التجريح كما في لغة العرب: فيُقَالُ: فلان كَلَّمه أي جَرَّحه، فَقَالُوا: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً [النساء:١٦٤] أي جَرَّحه تجريحاً. ما معنى هذا الكلام ولماذا جرحه؟\rإنما هي شهوة المروق من الحق، وشهوة التأويل الفاسد، وعدم انقياد قلوبهم وأسماعهم وعقولهم لما أنزل الله ﵎، ولما قاله رَسُول الله ﷺ، ولو انقادوا لله ولرسوله وصدقوا ما قاله الله ورسوله لما خطر لهم أن ولا أن يحرفوا كلام الله ﵎.\rفلذلك عندما يذكر المُصْنِّف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى القصة التي وقعت لعمرو بن عبيد فقَالَ: لأبي عمرو ابن العلاء أحد القراء السبعة المعروفين المشهورين: أريد أن تقرأ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً [النساء:١٦٤] بنصب اسم الله ل يكون موسى هو المتكلم لا الله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689493,"book_id":1659,"shamela_page_id":619,"part":null,"page_num":619,"sequence_num":619,"body":"قال أبو عمرو: هب أن قراءة هذه الآية كذا وقرأتها كما تقول، فكيف تصنع بقوله تعالى: وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ [الأعراف:١٤٣] فبهت المعتزلي، فهذه القصة من ردود أهل السنة عَلَى المعتزلة، فهم يحاولون أن يؤولوا هذه الآيات بأي نوع من أنواع التأويل، وأن أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ ردوا كل وجه من هذه الوجوه ومنها هذا الوجه الذي أرادوا أن يقرؤها به، أو قالوا: لِمَ لا نقرأها به ردوه بما أثبته هنا وهي الآية الأخرى وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ وهي آية صريحة لا تحتمل أي تأويل، وكذلك لو قلنا من الناحية العقلية: وكذلك لو قلنا من الناحية العقليةوَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً [النساء:١٦٤] ما الميزة إذا كَانَ المراد أن موسى كلم الله أو خاطب الله أو دعا الله؟\rفكل خلق الله يدعون الله ﷿، نَحْنُ جميعاً كلنا ندعو الله تعالى، فما الميزة لموسى عن غيره، لو تأملنا بأي وجه من الوجوه فإننا لا نجد لهَؤُلاءِ القوم حجدة ولا سنداً إلا الهوى واتباع الظن ولهذا كَانَ هذا الفاجر عمرو بن عبيد إمام المعتزلة يتمنى ويقول: وددت أنني أحك سورة تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [المسد:١] من المصحف والعياذ بالله؛ لأن المعتزلة كانواقدرية، فلم يستطع عقله القاصر أن يستوعب أن أبا لهب من أهل النَّار رغم أنه ما زال حياً ومخاطب بالدعوة كما قال تعالى، تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ [سورة المسد] ؟ يقول: نزلت هذه السورة عَلَى أبي لهب وهو لا يزال حي ومخاطب بالدعوة، وفيها إخبار بأنه من أهل النار.\r\rفجاءت الشبهة: هل أبو لهب مجبور، لماذا لم يقل: أنا آمنت؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689494,"book_id":1659,"shamela_page_id":620,"part":null,"page_num":620,"sequence_num":620,"body":"يقول عمرو بن عبيد: كَانَ في إمكان أبي لهب أن يقول: أنا أؤمن، ومن آمن، فإنه يدخل الجنة، ولا يدخل النار، فيكون قد كذَّب بالقرآن والعياذ بالله.\rفلم يستطع عمرو بن عبيد أن يَحُلَ هذا الإشكال، فليس فيه إلا أن يقول إنه مجبور ويدخل النار، أو يؤمن ولا يكذب القرآن، فهذا الجاهل المسكين لما أخذ يفكر في القدر ويفكر في هذه الآيات وأمثالها بعقله القاصر، ولم يسأل أهل الذكر وقع في هذا الضلال المبين، وهَؤُلاءِ لم يعرف عنهم أنهم سألوا أهل العلم لا عمرو بن عبيد ولا واصل بن عطاء، إنما كانوا في حلقة الحسن البصري ﵀ فلما خرجوا عن قول الأئمة بقولهم بالمنزلة بين المنزلتين، طردهم الحسن البصري من حلقته، فاعتزلوا وسموا المعتزلة.\rفلو أنهم اتبعوا كلام أهل العلم وسألوهم، أو سلموا أمرهم إِلَى الله ﷿ وآمنوا بكتاب الله ما فهموا منه وما لم يفهموا، لما وقعوا في هذا التناقض. فلو أن المؤمن لا يؤمن بأي شيء من كتاب الله ولا من سنة رَسُول الله ﷺ، إلا إذا استوعبه عقله وفهمه وعرف أنه غير متناقض لما آمن أحد، وأكثر الْمُسْلِمِينَ لا يستطيعون أن يدركوا معاني الآيات ولا معاني الأحاديث، ولا يستطيعون أن يردوا شبهة الملحدين.\r\rومع ذلك هم ولله الحمد عَلَى الإيمان الصحيح، فالثقة في مصدر الكلام هي وحدها تكفي، وهذا أمر يعرفه البشر حتى في حدود أمورهم الدنيوية، فكيف بمن يعترض عَلَى الله ﵎ وعلى كتاب الله ﷿ بعقله القاصر الكليل، ويقول كيف تنزل هذه الآيات؟ أو إذا لم يفهمها سيقول وددت لو أنني حككتها والعياذ بالله، فهم لا يبالون في سبيل إقرار بدعتهم وشبهتهم أن يؤولوا أو يحرفوا، أو أن يفكروا في أن يحكوا الآية من المصحف.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689495,"book_id":1659,"shamela_page_id":621,"part":null,"page_num":621,"sequence_num":621,"body":"وهذا من عدم الإيمان واليقين في قلوبهم، والحقيقة: أن الإِنسَان إذا تأمل في سير هَؤُلاءِ، كيف كانت حياتهم، وكيف كانوا يعملون لوجد أنهم أصحاب ضلالات، وأن الغالب عليهم أنهم متعمدون إفساد دين الْمُسْلِمِينَ، وإلا فلو أن الأمر شبهة أو خطأ أو لَبْس، لسألوا عنه أهل العلم ولديهم عقول تفكر، وتبحث عن الصواب؟ لكنها ما دامت مقرة بالفلسفات اليونانية القديمة وبكلام الصابئين والملحدين، وتريد أن تطعن في دين الإسلام، وأن توجه النقد إليه؛ فأقل ما يقَالَ: إنها تهدم بعضه وتثبت بعضه.\rفتقر ما وافق هواها وفلسفاتها وعقولها، وتهدم ما تراه مخالفاً لها.\rفمن هنا جاءتهم شهوة الهدم ومن هنا وقعوا في التخبط ووقعوا في الضلال.\r\rثبوت تكليم الله لأهل الجنة وغيرهم\rقَالَ المُصْنِّفُ ﵀:\r[وكم في الكتاب والسنة من دليل عَلَى تكليم الله تَعَالَى لأهلِ الجنة وغيرهم قال تعالى: سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ [يس:٥٨] عن جابر ﵁ قَالَ: قال رَسُول الله ﷺ: (بين أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور، فرفعوا أبصارهم، فإذا الرب ﷻ قد أشرف عليهم من فوقهم، فقَالَ: السلام عليكم يا أهل الجنة وهو قول الله تعالى::سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ فينظر إليهم وينظرون إليه، فلا يلتفتون إِلَى شيء مما هم فيه من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم وتبقى بركته ونوره عليهم في ديارهم) رواه ابن ماجه وغيره.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689496,"book_id":1659,"shamela_page_id":622,"part":null,"page_num":622,"sequence_num":622,"body":"ففي هذا الحديث إثبات صفة الكلام، وإثبات الرؤية، وإثبات العلو، وكيف يصح مع هذا أن يكون كلام الرب كله معنى واحداً، وقد قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ ِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ [آل عمران:٧٧] فأهانهم بترك تكليمهم، والمراد أنه لا يكلمهم تكليم تكريم وهو الصحيح، إذ قد أخبر في الآية الأخرى أنه يقول لهم في النَّار اخْسَأُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ [المؤمنون:١٠٨] فلو كَانَ لا يكلم عباده المؤمنين لكانوا في ذلك هم وأعداؤه سواء، ولم يكن في تخصيص أعدائه بأنه لا يكلمهم فائدة أصلاً، وقال البُخَارِيّ في صحيحه (باب كلام الرب ﵎ مع أهل الجنة) وساق فيه عدة أحاديث، فأفضلُ نعيم أهلِ الجنة رؤيةُ وجهه ﵎ وتكليِمه لهم، فإِنكارُ ذلك إِنكَارٌ لروح الجنَّة، وأعلى نعيِمها وأَفضلِه الذي ما طابت لأهلها إلا به] اهـ.\rالشرح:\r\rذكر المُصْنِّف ﵀: أنه توجد في الكتاب والسنة أدلة كثيرة عَلَى تكليم الله تَعَالَى لأهل الجنة وغيرهم، وأما الحديث الذي رواه ابن ماجه عن جابر ﵁ فإنه حديث ضعيف كما علق عَلَى ذلك المحققان والشيخ إنما ذكره -والله أعلم- مع كثرة الأحاديث الصحيحة التي سيذكر بعضها إن شاء الله لعلاقته بالآية، لأن الآية واضحة بأن الله ﷾ يقول لهم: السلام عليكم يا أهل الجنة، وذلك قول الله تعالى: سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ [يّس:٥٨] لأن الآية تدل عَلَى ذلك، فذكر هذا الحديث تفسيراً لها ولأنه توسم فيه إثبات أكثر من صفة لأنه قال فيه إثبات صفة الكلام، وإثبات صفة الرؤية، وإثبات صفة العلو، ففيه أنه اشتمل عَلَى إثبات هذه الثلاث الصفات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689497,"book_id":1659,"shamela_page_id":623,"part":null,"page_num":623,"sequence_num":623,"body":"ولكن ما ذكره بعد ذلك واضح، وهو مثلاً قول الله ﵎: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ ِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ [آل عمران:٧٧] فنفى الله ﵎ التكليم عن أُولَئِكَ القوم الذين يشترون بآيات الله وبعهده وأيمانهم ثمناً قليلاً عقوبة لهم، وبين أن معناه أنه لا يكلمهم كلام تكريم، وإلا فإنه يقول لهم: اخْسَأُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ [المؤمنون:١٠٨] فيكلمهم، لكن لا يكلمهم كلام تكريم.\r\rمن أدلة تكليم الله ﷿ لمن يشاء من خلقه\rلو قلنا عن الله تعالى: إنه لا يتكلم بالكلية، لاستوى في ذلك الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً، والذين يعلمون الصالحات من الأَنْبِيَاء والصديقين.\rويدل عَلَى ذلك الحديث الصحيح الذي رواه الإمام البُخَارِيّ ﵀ وهي أحاديث كثيرة كما ذكر المُصْنِّف هنا أن النبي ﷺ قَالَ: ما منكم من أحد إلا وسيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان \".\rويقول لهذا المؤمن: ألم أعطك ألم أغفر لك؟ فيكلمه ﷾ حين يدنيه منه بكلام التكريم، وهذا يختلف عن الكلام الذي هو من جنس كلامه لأهل النَّار والعياذ بالله الذين لا يكلمهم، بمعنى: أنه لا يكلمهم كلام رضى، وإنما كلام الإهانة والسخط اخْسَأُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ [المؤمنون:١٠٨] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689498,"book_id":1659,"shamela_page_id":624,"part":null,"page_num":624,"sequence_num":624,"body":"وقد ذكر الإمام البُخَارِيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في كتاب التوحيد من صحيحه ذكر عدة أبواب في بيان إثبات الكلام لله ﷾ وقد ردَّ كذلك في كتاب الإيمان، وفي كتاب التوحيد، عَلَى أصناف المبتدعة والجهمية والزنادقة كما عنون لكتابه بذلك، فإنه رد عَلَى أصناف هَؤُلاءِ جميعاً بآيات وأحاديث صحيحة ثابتة، بمعانٍ عديدة مستنبطة، وتَعْجَب من دقته في الفهم، ومن دقته في الاستنباط، ومن ذلك أنه في مجال إثبات كلام الله ﵎ عقد باباً لكلام الله ﷾ لأهل الجنة وباباً لقوله تعالى: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً [النساء:١٦٤] وباباً لتكليم الله ﷾ للملائكة، وذكر في كل باب من هذه الأبواب أحاديث صحيحة.\rمنها: حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ إذا تكلم الله ﵎ بالكلام سمعته الملائكة كسلسلة عَلَى صفوان، فتضع الملائكة أجنحتها خضعاناً لقوله ثُمَّ تختلف روايات الحديث فمنها، فيمر جبريل ﵇ بأهل كل سماء فيفيقون فيقولون ماذا قال ربكم؟ قالوا الحق وهو العلي الكبير، وهذا الحديث هو تفسير لقوله تعالى: حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [سبأ:٢٣] فهذه الملائكة تصاب من وقع صوت كلام الله ﷾ عليها بالخضعان -الإغماء- حتى تفيق بعد ذلك ويكون أول من يفيق جبريل، ثُمَّ يمر عَلَى كل أهل سماء فيخبرهم بما يسألون؟ ماذا قال ربكم؟ فيقولون: قال الحق وهو العلي الكبير، حتى يمر إِلَى السماء الدنيا فيقول ذلك، فيسمعه الجن والشياطين الذين كانوا يقعدون منها مقاعد للسمع.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689499,"book_id":1659,"shamela_page_id":625,"part":null,"page_num":625,"sequence_num":625,"body":"ويذكر الإمام البُخَارِيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- أيضاً في باب كلام الرب ﵎ لأهل الجنة حديث (إن الله ﷾ إذا أَدْخَلَ أهل الجنة الجنة يناديهم) ، ومنها حديث آدم: (يقول الله ﵎: يا آدم يا آدم، فيقول لله ﵎: لبيك وسعديك، فينادي بصوت إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إِلَى النار) هكذا الرواية، وكما هو معلوم أن البعث إِلَى النَّار بأن يخرج من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إِلَى النار، وواحداً إِلَى الجنة، ولذلك لما جزع أصحاب النبي ﷺ من ذلك أخبرهم أن هَؤُلاءِ هم من قوم يأجوج ومأجوج نسأل الله العافية، وأن الأمة المحمدية ما هي في بقية الأمم إلا مثل الشعرة البيضاء في الثور الأسود.\rوفي الحديث الآخر الذي رواه الإمام البُخَارِيّ أيضاً في هذا الباب معلقاً (أنه ﷾ ينادي عباده يَوْمَ القِيَامَةِ بصوت يسمعه من بَعُدْ كما يسمعه من قَرُبْ) ، وفي ذلك دليل عَلَى أن كلام الله ﷿ يختلف عن كلام جميع المخلوقين، فقوله: (يسمعه من بَعُدْ كما يسمعه من قَرُبْ) هذا خاص بكلامه جل شأنه (فيقول لهم الله ﵎ أنا: الملك أنا الديان) حتى يسمع ذلك كل من في المحشر فتكون العبرة العظة لنا في هذه الحياة الدنيا، ولكل من يتكبر ويتجبر عَلَى الله ﵎، فحينما يقول يَوْمَ القِيَامَةِ (لمن الملك اليوم) ، فلا يجيب أحد من شدة الهول ومن كرب الموقف، فيجيب عَلَى نفسه، (لله الواحد القهار) نسأل الله أن يرحمنا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689500,"book_id":1659,"shamela_page_id":626,"part":null,"page_num":626,"sequence_num":626,"body":"ومما أورد الإمام البُخَارِيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- أيضاً في هذا الباب كلام الرب لجبريل في باب كلام الله مع الملائكة وأورد فيه الحديث الصحيح المعروف (إن الله ﵎ إذا أحب عبداً، نادى جبريل، فَيَقُولُ: يا جبريل إني أحب فلاناً فأحبه ... ) الحديث.\rفهذا كلام من الله عزوجل يخاطب به جبريل، وجبريل يسمعه. وأورد أيضاً حديثاً آخر وهو حديث: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويصعدون إِلَى الجبار ﵎، فيسألهم -وهو أعلم بهم- كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون) وهذا خطاب بين الله تَعَالَى وبين الملائكة، وأمثال ذلك من الأحاديث الصحيحة الثابتة التي يخاطب الله ﵎ فيها خلقه، كما خاطب الملائكة لمّا خلق آدم ﵇، وكما خاطب موسى ﵇، وكما يخاطب يَوْمَ القِيَامَةِ المؤمنين في الجنة ويخاطب الملائكة.\r\rومما ذكره الإمام البُخَارِيّ ﵀ أيضاً: خطاب الله تَعَالَى لأهل الجنة وهو: (إن الله ﵎ إذا أدخل أهل الجنة الجنة يسألهم جل شأنه فَيَقُولُ: يا أهل الجنة فيقولون: لبيك ربنا وسعديك فيقول لهم الرب ﵎: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من العالمين؟ فَيَقُولُ: أفلا أعطيكم ما هو أفضل من ذلك! فيقولون: وأي شيء أفضل من ذلك يا رب؟ فيقول أن أرضى عليكم فلا أحل عليكم سخطي أبداً) .\rوهذا تفسير لقوله ﵎: وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [التوبة:٧٢] فرضوان الله ﵎ أكبر من كل نعيم نسأل الله ﷾ أن يجعلنا وإياكم من أهل رضوانه وجنته.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689501,"book_id":1659,"shamela_page_id":627,"part":null,"page_num":627,"sequence_num":627,"body":"والمصنف ﵀ أشار هنا إِلَى عدة مواضع ذكرها البُخَارِيّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في صحيحه، وهي قوله باب كلام الرب ﵎ مع أهل الجنة، وساق فيه عدة أحاديث قَالَ: [فأفضل نعيم لأهل الجنة هو رؤية وجهه ﵎، وتكليمه لهم؛ فإنكار ذلك إنكار لروح الجنة وأعلى نعيمها وأفضله الذي ما طابت لأهلها إلا به] وهذا حق، وسوف نأتي -بإذن الله ﷾ عَلَى مبحث إثبات الرؤية وهناك نأتي عَلَى هذه الأحاديث بالتفصيل.\r\rويتبين لنا أن رؤية الله ﷾ هي أعظم نعيم في الجنة، وهي المزيد الذي يجعله الله ﷾ كما قَالَ: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس:٢٦] فرؤية وجه الله تَعَالَى زيادةٌ عَلَى الجنة، فهي أعظم النعيم، فمن أنكر كلام الله ﷾ لأهل الجنة ورؤيتهم له فقد أنكر أعلى وأفضل نعيم في الجنة.\r\rولهذا قال أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ كيف يرجو من ينكر رؤية الله ﷾ ويرد الآيات والأحاديث في ذلك أن يراه، وقد كَانَ في الدنيا ينكر ذلك؟ وكيف يرجو أن يدخل جنته؟ وأعظم نعيم في هذه الجنة هي رؤيته ﵎ فيزعم الإسلام والإيمان ويرجو أن يدخل الجنة وهو ينفي أعظم نعيم في الجنة جَاءَ التصريح به في كتاب الله وفي سنة رَسُول الله ﷺ، هذا عجيب في أمره.\rوالآن ننتقل إِلَى إحدى الشبهات في قولهم: إن القُرْآن مخلوق.\r\rرد شبهتهم في الاستدلال بقوله تعالى: ((الله خالق كل شيء))\rقَالَ المُصْنِّفُ ﵀:\r[وأما استدلالهم بقوله تعالى: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْء [الرعد:١٦] والقرآن شيء، فيكون داخلاً في عموم \"كل \" فيكون مخلوقاً!! فمن أعجب العجب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689502,"book_id":1659,"shamela_page_id":628,"part":null,"page_num":628,"sequence_num":628,"body":"وذلك: أن أفعال العباد كلها عندهم غير مخلوقة لله تعالى، وإنما يخلقها العباد جميعها، لا يخلقها الله فأخرجوها من عموم \"كل\" وأدخلوا كلام الله في عمومها مع أنه صفة من صفاته، به تكون الأشياء المخلوقة، إذ بأمره تكون المخلوقات، قال تعالى: وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْر [الأعراف:٥٤] ففرق بين الخلق والأمر، فلو كَانَ الأمر مخلوقاً للزم أن يكون مخلوقاً بأمر آخر، والآخر بآخر، إِلَى ما لا نهاية له، فيلزم التسلسل وهو باطل، وطرد باطلهم أن تكون جميع صفاته تَعَالَى مخلوقة، كالعلم والقدرة وغيرهما، وذلك صريح الكفر فإن علمه شيء، وقدرته شيء، وحياته شيء، فيدخل ذلك في عموم كل، فيكون مخلوقاً بعد أن لم يكن، تَعَالَى الله عما يقولون علواً كبيراً] اهـ.\rالشرح:\r\rهذا الاستدلال حقاً عجيب، وهو مما ناظروا به الإمام أَحْمَد والكناني وغيره، يقولون: إن الله تَعَالَى يقول: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْء [الرعد:١٦] أليس القُرْآن شيء؟\rفيُقَالُ: نعم شيء.\rفيقولون إذاً القُرْآن مخلوق، فيجعلونه مخلوقاً وهو كلامه ﷾ يتكلم به.\r\rفيقول المُصْنِّف ﵀: إن هذا من أعجب العجب أن تقولوا إن أفعال العباد كلها خلقها العبد، وهي شيء، ولا تدخل في قوله تعالى: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْء [الرعد:١٦] وتقولون إن كلام الله شيء، ويدخل تحت قوله تعالى: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْء [الرعد:١٦] فهو مخلوق عندكم، انتقل من الرد عليهم بالأدلة العلمية المعروفة، إِلَى الرد عليهم من داخل مذهبهم، كما سبق أن أوضحنا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689503,"book_id":1659,"shamela_page_id":629,"part":null,"page_num":629,"sequence_num":629,"body":"ونرد عليهم بأن كلمة \"كل\" هنا لا تعني كل المخلوقات بلا استثناء ولا عَلَى الإطلاق، ومن ذلك أن الله ﷾ قال عن الريح التي أرسلها وسلطها عَلَى عاد تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا [الأحقاف:٢٥] فمعنى ذلك عَلَى كلامهم: أنها تدمر السموات والأرض والجبال وكل ما يطلق عليه شيء، والواقع أنها لم تدمر إلا ما أُمِرَتْ بتدميره، وما كلفت أن تدمره، فليس معنى كلمة (كل شيء) عَلَى الإطلاق الذي لا استثناء فيه، وكذلك في قصة بلقيس ملكة سبأ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ [النمل:٢٣]\rفهل معنى ذلك: أنها أوتيت من كل خزائن الدنيا وملكها؟ لا، إنما أوتيت من كل شيء يحتاجه الملوك، أي: أنها ملكة ومملكتها فيها كل شيء من لوازم الملك، فلها مملكة مثلما أن لسليمان ﵇ مملكة، فالعموم في كلمة كل بحسب موضعها، وبحسب موقعه، لكن المُصْنِّف ﵀ عمد إِلَى الاستدلال عَلَى المعتزلة من واقع مذهبهم.\r\rقول المعتزلة في خلق أفعال العباد والرد عليهم\rتقول المعتزلة: إن الإِنسَان يخلق فعل نفسه، والله ﷿ لم يخلق في الإِنسَان الشر، ولم يرد منه أن يفعل الشر، وإنما الإِنسَان هو الذي يخلق المعاصي ويخلق فعل نفسه.\rويقولون: إن هذا تنزيه لله ﷾، وهذا من توحيد الله، مع أن هذا هو الشرك؛ لأن إثبات خالقين ليس توحيداً وإنما هو الشرك، كما كانت الثنوية المجوس يثبتون إلهين، فقالوا أي المعتزلة: إن الإِنسَان يخلق فعل نفسه ويستدلون بقوله تعالى: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْء [الرعد:١٦] عَلَى أن القُرْآن مخلوق.\rفيقال لهم: لماذا لم تدخلوا أفعال المخلوقات في عموم كل، وقد قال الله تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات:٩٦] فالله ﷾ خلق المخلوقات؛ وخلق أفعالهم، وكلمة كل شيء هنا تشمل أفعال المخلوقات وأنتم تنكرون ذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689504,"book_id":1659,"shamela_page_id":630,"part":null,"page_num":630,"sequence_num":630,"body":"ومثل هذا فعل عمرو بن عبيد الذي كَانَ يظهر التنسك والزهد والعبادة الشديدة، فجاءه أعرابي فرآه في تلك الحالة\rفقال له: إن ناقتي قد سرقت فادع الله أن يردها لي، فرفع عمرو بن عبيد يده\rفقَالَ: اللهم إنك لم ترد أن تسرق ناقة هذا الأعرابي، اللهم فارددها عليه، فالأعرابي عَلَى سذاجته لا يفهم شيئاً لكن بفطرته قَالَ: لا حاجة لي في دعائك\rقال عمرو: ولِمَ؟\rقَالَ: أخشى ما دام أنه لم يرد أن تسرق فسرقت أن يريد أن ترد فلا ترد.\rفالعقل السليم الفطري يرد أقوالهم هذه جميعاً، فهم يريدون أن ينزهوا الله بأنه لا يريد الشر ولا يخلقه، فهذه السرقة مثلاً يقولون: لا يريدها الله ولم يقدرها، ولم يخلقها وإنما العبد هو الذي يفعل.\r\rوأما أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ، فيقولون: إن الله ﷾ هو خالق الإِنسَان، وخالق أفعاله، وأنه ﷾ جعل للإنسان إرادة مخلوقه خلقها ﷾، ولذلك يُحاسِب ويجازي عَلَى نتيجتها، وهذا الرجل من شدة تمسكه بمذهبه لم يرد أن يتخلى عنه حتى وهو يدعو للأعرابي، وأراد الله ﷿ أن يفضحه عَلَى يد ذلك الأعرابي الذي لم يتعلم علم الكلام، وليس هو من أهل العلم بالكتاب والسنة، وإنما توسم في عمرو بن عبيد الخير، ورأى فيه علامات الزهد، فطلب منه الدعاء، فبين له الأعرابي بعد أن سماع دعاءه أنه عَلَى هذا الأصل الفاسد عافانا الله وإياكم.\r\rكلام الله غير مخلوق لأن بكلامه يكون الخلق\rاستدل المُصْنِّف ﵀ بدليل عقلي واضح عَلَى أن كلام الله ﷿ غير مخلوق، وذلك لأن بكلامه ﷾ يكون الخلق: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يّس:٨٢] وكما قال أيضاً: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [الأعراف:٥٤] فهو يأمر ويخلق، فإذا كَانَ كلامه وأمره مخلوقاً فبم يكون الخلق؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689505,"book_id":1659,"shamela_page_id":631,"part":null,"page_num":631,"sequence_num":631,"body":"فكلمة \"كُنْ\" إذا كانت مخلوقة تحتاج إِلَى أمر يخلقها، وهكذا تتسلسل إِلَى ما لا نهاية.\r\rالفرق بين الخلق والأمر\rإن الذي تقطع به العقول التي رزقها الله ﷾ الفهم الصحيح، أن الأمر غير الخلق، فخلق الله هو هذه المخلوقات التي خلقها ﷾ مما نرى ومما لا نرى، وأمره ﷾ وكلماته غير مخلوقة، بل بها يكون الخلق، وبها يكون الإخبار، وبها يكون الأمر والنهي.\rوفي هذا قطع لشبهتهم هذه في قولهم: إن القُرْآن مخلوق، وإن كلامه كله مخلوق، وقد بين المُصْنِّف ﵀: أنه عَلَى ذلك تكون جميع صفات الله تَعَالَى مخلوقة، كالعلم والقدرة وغيرها؛ لأنا إذا استدللنا بقوله تعالى: خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الأنعام:١٠٢] عَلَى أن كل شيء مخلوق، فعلمه شيء، وقدرته شيء، وإرادته شيء وهكذا، فتصبح كل صفات الله ﷿ مخلوقة، وهذا كفر، وهم كذلك يقولون: هذا الكلام كفر.\r\rفنقول لهم: وكلامه ﷾ صفة من صفاته، كسائر الصفات التي لا توصف بأنها مخلوقة؛ بل الله ﷾ له الخلق وله الأمر.\rوالآن ننتقل إِلَى شبهة من الشبهات التي يرددونها كثيراً، وهي قولهم: إن المُتكلّم هو من قام به الكلام لا من فَعَلَ الكلام.\r\rرد شبتهتهم أن المتكلم هو من قام به الكلام لا من فعل الكلام\rقَالَ المُصْنِّفُ ﵀:\r[وكيفَ يَصِحُ أن يكونَ مُتكلماً بكلام يَقُومُ بغيره؟ ولو صَحَّ ذلك لَلَزِمَ أن يكونَ ما أَحَدَثه مِن الكلام في الجمادات كلامه!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689506,"book_id":1659,"shamela_page_id":632,"part":null,"page_num":632,"sequence_num":632,"body":"وكذلك أيضاً ما خَلَقهُ في الحيوانات ولا يُفرَّقُ حينئذ بين نَطَقَ وأَنْطَقَ وإنَّما قالت الجُلُودُ أَنطَقَنَا اللَّهُ [فصلت:٢١] ولم تَقُلْ نطقَ الله؛ بل يلزم أن يكونَ مُتكلّماً بِكُلِّ كلامٍ خَلَقَهُ في غيرِه زوُراً كَانَ أو كذباً، أو كُفراً أو هذياناً!! تَعَالَى الله عن ذلك. وقد طرَّدَ ذلك الاتحادية فَقَالَ ابن عربي:\rوكُلُّ كَلامٍ في الوُجُودِ كلامُه سَوَاءٌ عَلَينا نَثْرُهُ وَنِظَامُهُ\rولو صَحْ أن يُوصَفَ أَحَدٌ بصفةٍ قامتْ بغيره لَصَحَّ أنْ يُقالَ للبصير: أعمى وللأعمى بصير! لأن البصيرَ قد قَام وصفُ العمى بغيره والأعمى قد قَامَ وَصفُ البصرِ بغيره، ولَصَحَّ أن يُوصَفَ اللهُ تَعَالَى بالصفاتِ التي خَلََقَها في غيره من الألوان والروائِح والطُّعُومِ والطول والقِصر ونحو ذلك] اهـ.\rالشرح:\r\rهذه شبهات ولكنها تبدوا لذى العقل السليم الناضج أنها لا تستحق أن يمارى ولا أن يجادل بها في كتاب الله ﷿، ولكن شهوة الجدل، والاعتراض عَلَى الله ورسوله، وعدم التسليم والانقياد له، هي الدافع وراء هذه الشبهات، فأرادوا أن يأتوا بهذه الشبهة ليتخلصوا من إثبات صفة الكلام لله ﷿.\r\rفَقَالُوا: إنَّ المتكلم ليس هو من فعل الكلام؛ ولكن المتكلم من يقوم به كلام غيره، فيقولون -مثلاً- في كلام الله لموسى: إن الشجرة هي التي نطقت وتكلمت، فكلام الله قام بالشجرة، فقالوا الشجرة هي التي تكلمت، أما الله ﷿ فإنه لا يتكلم، ونفوا عنه الكلام، فالكلام عندهم ما يقوم بغير المتكلم.\rومعنى قول المُصْنِّف ﵀: [وكيفَ يَصِحُ أن يكونَ مُتكلماً بكلام يَقُومُ بغيره؟] وهو المتكلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689507,"book_id":1659,"shamela_page_id":633,"part":null,"page_num":633,"sequence_num":633,"body":"نقول: هذا كلام الله قام بغيره [ولو صَحَّ ذلك لَلَزِمَ أن يكونَ ما أَحَدَثه مِن الكلام في الجمادات كلامه!] وغيرها كلامه، وبناءاً عَلَى كلامهم فإنه يمكن أن يكون كل كلام فإن الله هو الذي تكلم به وإنما قام بغيره، وعلى هذا لا يستقر للناس نظر ولا عقل.\r\rوذكر المُصْنِّف أن الجلود تقول: أنطقنا الله، ولم تقل: نَطَقَ الله، فالله ﷿ هو الذي انطقها وهي التي تتكلم، وعلى كلام المعتزلة وأمثالهم يكون الكلام كلامه والنطق نطقه قام بغيره، وهكذا الاتحادية أي: أصحاب الاتحاد الذين يقولون: إن الخالق والمخلوق متحدان في ذات واحدة -تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً- يقول: طردوا ذلك، أي عمموه وجعلوه قاعدة مطردة، فهذا اللازم الذي نَحْنُ نلزم به المعتزلة والكلابية ينفي أن يكون كلام أي شيء هو ما قام في غيره، هذا جعلته الاتحادية هو الحقيقة، ولهذا الاتحادية يقولون: إن كل متكلم في الوجود هو الله، وقد جَاءَ المُصْنِّف بكلام ابن عربي:\rوكُلُّ كَلامٍ في الوُجُودِ كلامُه سَوَاءٌ عَلَينا نَثْرُهُ وَنِظَامُهُ\rفكل متكلم عندهم هو الله، حتى أن هذا الخبيث الكافر ابن عربي قَالَ: لما قال فرعون أنا ربكم الأعلى كَانَ صادقاً.\rفإنه ما تكلم إلا الله -والعياذ بالله- فهو الذي قال أنا ربكم الأعلى، وكلام موسى كلام مَن؟!\r\rإذاً كَانَ كله كلام الله، فكيف يكون كلامفرعونهو كلام الله، وكلام موسى هو كلام الله، إذاً كلام الله يناقض بعضه بعضاً، وهذا المذهب واضح البطلان، وواضح التهافت، ومن وضوح بطلانه وفساده وكفر صاحبه وردته نستدل به عَلَى الكلابية والأشعرية والمعتزلة، لأنه يُلزم من كلامهم هذا الشيء، إلا أن يثبتوا أن كلامه جل شأنه هو الذي تكلم به سبحانه عَلَى الحقيقة، وكلام المخلوقات هو الذي خلقه فيها، وهو الذي أنطقها به، فالكلام كلامان كلام الله عزوجل غير مخلوق، وكلام المخلوقات وهو الكلام المخلوق.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689508,"book_id":1659,"shamela_page_id":634,"part":null,"page_num":634,"sequence_num":634,"body":"وذكر المُصْنِّف أيضاً بعض الأدلة العقلية التي لو تأملها العاقل لوجد أنها تقنعه يقول: لو صح أن يوصف أحد بصفة قامت بغيره، لصح أن يقال للبصير أعمى وللأعمى بصير، لأن الإِنسَان هو بصير لكن العمى قام في غيره، فيصح أن يقال لك أيها المبصر: أنت أعمى، فإذا قلت له: أنا لست أعمى: فيقال لك: أليس فلان أعمى؟ فالعمى قام بغيرك إذاً أنت أعمى، أو العكس، وهذا الكلام لا يقوله عاقل. وهذا دليل عَلَى أن هَؤُلاءِ لا عقل لهم ولا نقل.\rوقال أيضاً ولصح أن يوصف الله تَعَالَى بالصفات التي خلقها في غيره من الألوان والطعوم والروائح، والطول والقصر وهذا لازم ووارد، وهم يقولون إن من وصف الله بشيء منها فهو كافر، ويردون ما أثبت الله لنفسه من الصفات من أجل التنزيه، ويقولون مع ذلك: إن الكلام هو ما قام بغيره، فيقال لهم والعياذ بالله: إن هذه الطعوم والألوان والروائح وما في المخلوقات من الصفات نثبتها لله، فإذا قالوا: لا. كيف نثبتها لله؟ قلنا: هي له؛ ولكنها قامت بغيره كما تقولون في الكلام.\rفالكلام صفة من صفات الله غير مخلوق، وكذلك سائر صفات الله ﷿، فليس شيء من صفاته مخلوق أبداً، وما عداه ﷾، فإنه مخلوق، وكلامهم مخلوق.\rقال المصنف ﵀:\r[وبمثلِ ذلك ألزَم الإمامُ عبد العزيز المكي بِشْرَاً المريسي بينَ يدي المأمون بعد أن تكلم معه ملتزماً أن لا يخرج عن نص التنزيل وألزمه الحجة فقال بشر: يا أمير المؤمنين ليدع مطالبتي بنص التنزيل ويناظرني بغيره، فإن لم يدع قوله ويرجع عنه ويقر بخلق القرآن الساعة وإلا فدمي حلال.\r\rقال عبد العزيز تسألني أم أسألك؟\rفقال بشر اسأل أنت وطمع فيَّ.\r\rفقلت له: يلزمك واحدة من ثلاث لا بد منها:\rإما أن تقول إن الله خلق القرآن -وهو عندي أنا كلامه- في نفسه أو خلقه قائماً بذاته ونفسه، أو خلقه في غيره؟\rقال: أقول خلقه كما خلق الأشياء كلها وحاد عن الجواب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689509,"book_id":1659,"shamela_page_id":635,"part":null,"page_num":635,"sequence_num":635,"body":"فقال المأمون: اشرح أنت هذه المسألة ودع بشراً فقد انقطع.\r\rفقال عبد العزيز: إن قال خلق كلامه في نفسه فهذا محال؛ لأن الله لا يكون محلاً للحوادث المخلوقة، ولا يكون منه شيء مخلوقاً.\r\rوإن قال خلقه في غيره، فيلزم في النظر والقياس أن كل كلام خلقه الله في غيره، فهو كلامه فهو محال أيضاً؛ لأنه يلزم قائله أن يجعل كل كلام خلقه الله في غيره هو كلام الله.\r\rوإن قال خلقه قائماً بنفسه وذاته، فهذا محال لا يكون الكلام إلا من متكلم، كما لا تكون الإرادة إلا من مريد ولا العلم إلا من عالم ولا يعقل كلام قائم بنفسه يتكلم بذاته، فلما استحال من هذه الجهات أن يكون مخلوقاً علم أنه صفة لله.\r\rهذا مختصر من كلام الإمام عبد العزيز في الحيدة.] اهـ.\rالشرح:\r\rحدثت مناظرة بشر المريسي مع عبد العزيز الكناني في عهد المأمون بعد أن ظهرت بدعة القول بخلق القرآن وأراد المأمون ومن تبعه من الجهمية والمعتزلة أن يرغموا الأمة به.\r\rوالأمر -كما سبق- بدأ بالتدرج حتى اقتنع المأمون في الأخير باستخدام القوة وتعذيب من لم يعترف بأن القرآن مخلوق، ومن ذلك ما جرى للإمام أحمد ﵀، ومع أن الإمام أحمد لم يدرك المأمون ولم يناظره لأن الإمام أحمد حمل إلى المأمون وتوفي المأمون والإمام أحمد في طريقه إليه، وكانت المناظرة قبل أن يأخذ المأمون الأمة بالعزيمة والقوة ويرغمها إرغاماً.\r\rولهذا كان الكناني حُراً في مناظرته، بشكل لم يتوفر للإمام أحمد مثل ما جرى للكناني، فالإمام عبد العزيز بن يحي الكناني المكي المتوفي سنة ٢٤٠هـ مشهور بتلمذته على يد الإمام الشافعي وتتلمذ على سفيان بن عيينة ومن كان متتلمذاً على يد الشافعي وسفيان -وهما من خيار السلف ومن أئمة أهل السنة والجماعة - فلا غرابة أن تظهر فيه هذه القوة في المناظرة وفي الحجة والبرهان.\r\rوأما مُنْاظره فهو المبتدع الضال بشر بن غياث المريسي وقد سُئِلَ عنه الإمام أحمد فقال كان أبوه يهودياً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689510,"book_id":1659,"shamela_page_id":636,"part":null,"page_num":636,"sequence_num":636,"body":"فماذا يتوقع من رجل كان أبوه يهودياً صباغاً في بغداد ثم ولد له بشر فدخل بشر في علوم الجدل وعلوم المنطق والفلسفة حتى برع في مناظرتها ومجادلتها، ولكنه كان متستراً مخادعاً، وكان يجالس العلماء والقضاة والفقهاء، وقد كفره كثيرٌ من علماء السلف منهم الإمام أحمد وقتيبة بن سعيد وغيرهما من الأئمة الذين حكموا بكفره وحرم الإمام أحمد الصلاة خلف بشر وما ذلك إلا لأنه كافر.\r\rومن أسباب كفره أنه يقول: إن القرآن مخلوق، وقد رد عليه الإمام عثمان بن سعيد الدارمي رداً مفحماً في كتابه المشهور، والعبرة التي نأخذها من رد الإمام عثمان على بشرٍ مهمة جداً؛ لأننا عندما نجد الشبهات التي رد عليها الإمام الدرامي ونقضها ونقدها في موضوع صفات الله تعالى نجد أن هذه الشبهات وهذه الأقوال هي التي تبناها الأشاعرة ووسعوها وعمموها.\r\rولذلك يقول شيخ الإسلامابن تيمية: إن من تأمل في كلام الدارمي وما رد به على بشر المريسي يعلم أن تأويلات الأشاعرة هي تأويلات بشر، وإذا عرفنا أصل هذا المذهب، وأنه يعود إلى بشر، فلا غرابة بعد ذلك أن نعلم مخالفته لأهل السنة والجماعة، ونعلم أن وراء التأويل في صفات الله تعالى والإلحاد فيها المؤامرة، والحقد والزندقة والنفاق، وليس هناك من حجة أو برهان علمي أو عقلي.\r\rوقد ذكر الإمام الذهبي أنبشر المريسي لم يدرك الجهم بن صفوان وإنما أدرك تلاميذ جهم فتلاميذ جهم نقلوا التجهم إلى بشر فتلقفه بشر وكان الجهم بن صفوان مرذولاً مخذولاً وقتل بسبب مذهبه.\r\rوأما بشر فإنه مُكنَّ له في أيام المأمون فتمكن، فتعود أصول وجذور البدع مثل بدعة التأويل وبدعة نفي الصفات، وبدعة الإرجاء في مسألة الإيمان إلى بشر ومن بشر تعود إلى جهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689511,"book_id":1659,"shamela_page_id":637,"part":null,"page_num":637,"sequence_num":637,"body":"فالحاصل أن الإمامعبد العزيز بن يحيى الكناني المكي لما بلغته مقالة القول بخلق القرآن قرر وعزم عزيمة العالم الذي يرى أنه لا بد أن يبرِّأ ذمته وأن يقيم الحجة وأنه لا يجوز له أن يكتم العلم: أن يرحل إلى بغداد ويناظر الخليفة ويقنعه ويقنع من في مجلسه، فذهب إلى بغداد وكانت المناظرة بين يدي المأمون وكان مما دار فيها مما يتعلق بالقرآن، هذه المسألة التي ذكرها الشيخ هنا، وهي أن بشراً وكذلك ضرار بن عمرو شيخ الضرارية وزميله يسمى برغوث من كبار المعتزلة المبتدعة ناظروا الإمام أحمد، وكان هؤلاء هم بطانة المأمون وحاشيته، وكأن هؤلاء كانوا يناظرون ويناقشون بالعقل والرأي والجدل وإلا فهل يعقل أن برغوثاً أوضراراً أو بشراً وغيرهم من النكرات يكون كالإمام أحمد في العلم أو في السنة، إن الذي يتميز به ضرار أو برغوث أو بشر أو أمثالهم بالحجة العقلية في نظرهم وأنهم قرؤوا كتب الأوائل ومنطقهم وفلسفتهم فيستطيعون بذلك أن يفحموا الإمام أحمد أو الكناني أو أي إنسان.\rفلما تناظر عبد العزيز الكناني مع بشر بالقرآن وبالسنة أفحمه بطبيعة الحال لأن أولئك خلو من هذه الأمور جميعاً فعندئذ اقترح بشر وقال للمأمون: يا أمير المؤمنين ليدع مطالبتي بنص التنزيل، لا يناظرني بالقرآن ولا بالسنة، ويناظرني بغيره، يعني: بالجدل العقلي، فإن لم يدع قوله ويرجع عنه ويقر بخلق القرآن الساعة وإلا فدمي حلال.\r\rفكان بشر واثقاً من نفسه ثقة قوية أنه في باب المناظرة بالعقل لن يستطيع الكناني ولا غيره أن يمشي معه ويجاريه، أما بالقرآن والسنة فنعم! لكن نريد أن نناظره بغير التنزيل فوافق الإمام الكناني\rوقال: لا يمكن أن أُقِرَّ له أو أُظهرَ أنني لا أُحسن أيضاً المناظرة العقلية.\r\rفقال له: نعم أوافق.\r\rفقال: تسألني أم أسألك؟\rفقال بشر: اسأل أنت وطمع فيَّ؛ لأنه قال ما الذي يمكن أن يسألني فيه؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689512,"book_id":1659,"shamela_page_id":638,"part":null,"page_num":638,"sequence_num":638,"body":"فقال له الإمام الكناني: يلزمك واحدة من ثلاث، أي: لا بد لك أن تقر بواحدة من ثلاثة أمور قال ما هي؟\rقال: إما أن تقول: إن الله خلق القرآن في نفسه، وإما أن تقول: إن الله خلق القرآن في غيره، وإما أن تقول: إن الله خلق القرآن مستقلاً بنفسه، أي: أنه مخلوق آخر، فقال بشر: أقول خلقه كما خلق الأشياء كلها.\r\rفهو يعلم أنه إذا التزم واحدة منها، فإن الجواب سيكون ضده، فحاد عن الجواب ولم يواجه، ولهذا سمى الإمام عبد العزيز الكناني كتابه كتاب الحيدة؛ لأنه كل مرة يمسك بشراً ممسكاً قويا فيحيد بشر عن الجواب ويمتنع وينقطع فيضطر المأمون إلى أن يتدخل ويقول: أجب أنت يا عبد العزيز فإن بشراً قد انقطع وأفحم وحاد عن الجواب.\rفقال له عبد العزيز: إن التزم أن الله خلق القرآن في نفسه فهذا محال لأنه قد جعل الله محلاً للمخلوقات تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً فهم ينكرون صفات الله ﷿ بدعوى أن الله لا يكون محلاً للحوادث بزعمهم، فهم ينفون عن الله تعالى صفة الغضب والرضا والنزول والاستواء، ويقولون: إننا إذا أثبتناها فقد جعلنا الله محلاً للحوادث، فينفون هذه الأمور عن الله! فكيف يقولون: خلق القرآن في نفسه إذاً: قد جعلوه محلاً للحوادث فقال: هذا محال.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689513,"book_id":1659,"shamela_page_id":639,"part":null,"page_num":639,"sequence_num":639,"body":"الثانية: فإن قال خلقه في غيره، فيلزمه أن كل كلام في الدنيا هو كلام الله؛ لأن الله خلق كلام زيد في زيد وخلق كلام عمرو في عمرو وخلق كلام بكر في بكر، وكل إنسان يتكلم فإن الله هو الذي خلق كلامه فيه فإذا كان كلام الله هو ما خلقه في غيره فكل متكلم إنما يتكلم بكلام الله ولا فرق حينئذ بين القرآن وبين هذيان من الهذيان، وهذا الذي أشرنا إليه في الشبهة الماضية عندما قلنا: إنه لو صح أن يكون المتكلم متكلماً بكلام يكون في غيره لكان كل كلام في الدنيا هو كلام الله، كما لو كان يتكلم عمرو وننسب الكلام إلى زيد ونقول: هذا الكلام كلام زيد لكنه قام بعمرو، وهذا اللازم الذي فرت منه المعتزلة والأشعرية التزمه ورضي به الاتحادية كما قال كبيرهم ابن عربي:\r\rوكُلُّ كَلامٍ في الوُجُودِ كلامُه سَوَاءٌ عَلَينا نَثْرُهُ وَنِظَامُهُ\rوقال أيضاً: لمّا أن قال فرعون: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [النازعات:٢٤] قال: هذا كلام الله، والمعتزلة وغيرهم لم يكونوا ممن يقرِّ بكلام الاتحادية ولا يوافق عليه، فإذاً لا يستطيعوا أن يقولوا: إن الله خلق كلامه في نفسه، ولا أنه خلق الكلام في غيره، وإلا لزمهم أن يكون كل كلام هو كلامه تعالى.\rوأما الثالثة فلو قالوا: إن الله خلق القرآن قائماً بنفسه منفصلاً فهذا محال، أي: أن كلامه هو كلامه، ومع هذا خلقه خلقاً منفصلاً كما خلق السموات والأرض والجبال وفلان وفلان من الناس خلقاً منفصلاً قائماً بذاته، فيكون القرآن منفصلاً قائما بذاته فيكون هذا محال؛ لأن الكلام لا يكون إلا من متكلم، والإرادة لا تكون إلا من مريد، والعلم لا يكون إلا من عالم، وأي صفة من هذه الصفات لا بد أنها متعلقة بذات، ولا يمكن أن تكون هذه الصفة ذاتاً مستقلة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689514,"book_id":1659,"shamela_page_id":640,"part":null,"page_num":640,"sequence_num":640,"body":"فمثلاً نقول: إن علم عبد الله، هل يمكن أن يكون علمه شيئاً مستقلاً بذاته وعبد الله شيئاً مستقلاً بذاته ويكون علمه في الخارج لا يمكن ما دام أنه منسوباً إليه موصوفاً به، فإن الصفة لا تكون مستقلاً منفصلاً عن ذاته ولو أن المعتزلة تأملوا حقيقة في هذه الحجة لوجدوا أنها ملزمة وأنه ليس لهم وراءها أي شبهة، لكن القضية ليست قضية إقناع ولا حجة، هذه هي مشكلة الأنبياء مع أممهم، ومشكلة الدعاة مع المدعوين، ومشكلة أهل السنة مع المبتدعة دائما في كل زمان ومكان.\r\rفالمسألة مسألة عناد واستكبار وتمرد وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ [النمل:١٤] فمهما جاءتهم من الآيات وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا [الأنعام:٢٥] ومهما نوظروا به من الحجج فإنهم لن يهتدوا وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ [الحجر:١٥،١٤] فمهما يعطون: إن فتحت لهم في الأرض أنفاقاً فمشوا فيها، وإن عرج بهم في السماء، ولو رأوا الجنة والنار؛ لقالوا سحر محمد أعيننا فرأينا أشياء ثم لما ذهب عنا السحر ذهب ما كنَّا نرى، ليس هناك مجال لأن يقتنع من لم يرد أن يهتدي.\r\rفمن لم يوطن نفسه على الاقتناع، وعلى قبول الحق فإنه لن يقتنع، ومن طمس الله بصيرته، وأعماها عن الحق، فإنه لن يقبل، ولهذا لم يقبل بشر، ولم يقبل المأمون نفسه بعد أن سمع هذه الحجة وبعد أن رأى كيف انقطع بشر واستيقن من كلام الإمام الكناني فاستمر في الأمر وأمر أتباعه بأن يأخذوا الناس بقوة الحديد والنار، وأن يعذبوا ويمتحنوا العلماء واحداً واحداً؛ لكي يقولوا راغمين صاغرين: إن القرآن مخلوق وإلا فالويل والعذاب الشديد لمن لم يقر بذلك.\rثم قال المصنف ﵀:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689515,"book_id":1659,"shamela_page_id":641,"part":null,"page_num":641,"sequence_num":641,"body":"[وعموم (كل) في كل موضع بحسبه ويعرف ذلك بالقرائن ألا ترى إلى قوله تعالى: تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ [الأحقاف:٢٥] ومساكنهم شيء ولم تدخل في عموم كل شيء دمرته الريح، وذلك لأن المراد: تدمر كل شيء يقبل التدمير بالريح عادةً، وما يستحق التدمير، وكذا قوله تعالى حكاية عن بلقيس وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ [النمل:٢٣] المراد من كل شيء يحتاج إليه الملوك، وهذا القيد يفهم من قرائن الكلام، إذ مراد الهدهد أنها ملكة كاملة في أمر الملك غير محتاجة إلى ما يكمل به أمر ملكها ولهذا نظائر كثيرة] اهـ.\rالشرح:\r\rإن مما يحتج به أهل البدع على أن القرآن مخلوق قولهم: إن القرآن شيء وقد قال تعالى اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الزمر:٦٢] إذاً: فالقرآن مخلوق وكلمة \"كل\" للعموم يدخل فيها كل شيء.\r\rفنرد عليهم من القرآن نفسه لنبين لهم أن كلمة \"كل\" في كل موضع بحسبه، فلا يعني ذلك أنه إذا جاءت كلمة \"كل\" أنها تعني العموم والشمول المطلق الذي لا قيد فيه ولا استثناء على الاطلاق، وإنما بحسب القرائن فكل كلام يُقالُ عادة فإنما يقال ضمن قرائن في موضع معين، فالقرائن تدل على ما يريده المتكلم فمثلاً: كل الطلاب يتمتعون بالعطلة يفهم من ذلك أنهم الطلاب الذي يدرسون على نظام وزارة التعليم العالي أو نظام وزارة المعارف؛ لكن لو كان هناك طلاب في شركات يتدربون أو في أعمال أخرى لا يشملهم هذا، وبطبيعة الحال لا نحتاج إلى أن تستثنيهم لأن المقام ليس مقام الحديث عن كل طالب في الدنيا، وإنما الكلام عن الشيء المعروف والمشاهد، يقول الإمام الشافعي ﵀: ما فسدت عقول الناس إلا لما تركوا منطق العرب ومالوا إلى منطق أرسطو.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689516,"book_id":1659,"shamela_page_id":642,"part":null,"page_num":642,"sequence_num":642,"body":"فالعرب لهم منطق فطري يستدلون ويتكلمون بكلام معروف بقرائنه ولا يحتاج إلى أن يأتي أحد؛ فيقول: لا، هذا يكون عام أنت قصدت كل شيء، فأي إنسان من قريش ومن غيرهم نزل عليه القرآن اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا يمكن أن يرد في ذهنه أنه خالق صفاته؛ لأن صفاته شيء.\rفهذه تأتي على منطق اليونان (منطق أرسطو) الذي هو منطق فاسد الفطرة، فمجرد الاحتمالات العقلية تتوارد على الذهن أمور كثيرة لكن المنطق الفطري السليم لا ترد عليه أمثال هذه الإشكالات.\rولذلك نستدل عليهم بالقرآن فنقول: إن الله تعالى قال في أصحاب الأحقاف: تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ [الأحقاف: ٢٥] فالله تعالى لما سلط عليهم الريح العقيم ورأوا السحاب عارضاً فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا [الأحقاف:٢٤] كانوا يظنون أنه مطر وهذا من الاستهانة بعقوبات الله ﷿، ولهذا كان النبي ﷺ عندما يرى سحاباً عارضاً يتغير لونه ﷺ ويخاف ويقول: (إن أمة قد ظنت أنه عارض ممطرها وكان عذاباً) .\r\rفالمؤمن دائماً في قلبه وفي ذهنه الإحساس الدائم بأن هذا الكون بتدبير الله ﷿ وأن عقوبة الله قريب ممن يعصيه، فجاء العذاب ودمرهم ولم يبق إلا المساكن والآثار والديار الباقية بعد أن أصبحوا كأنهم أعجاز نخل خاوية فعندئذ يقول الله تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فأخبر عن الريح أنها تدمر كل شيء بأمر ربها فلم تدمر المساكن بل بقيت ولم تدمر السماء ولا البحر ولا الصحراء وكل ما كان حولهم كلها باقية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689517,"book_id":1659,"shamela_page_id":643,"part":null,"page_num":643,"sequence_num":643,"body":"إذاً: قوله تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ لا بد أن لها مفهوماً محدداً تحدده القرينة والواقع فيكون المعنى تدمر كل شيء كانت مأمورة بأن تدمره وأن تعاقبهم به، أو أي تفسير آخر يخرجها ولا يدخل فيها العموم والكلية المطلقة كالقول بأنها تدمر ما يقبل ويستحق التدمير.\r\rوكذلك قوله تعالى حكايةً عن بلقيس وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ [النمل:٢٣] فالهدهد لما أخبر نبي الله سليمان ﵇ فقال: إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ [النمل: ٢٣] بلقيس امرأة كانت تملك تلك البلاد التي لم يكن سليمان يعلم بها ووصفها الهدهد بقوله: وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ [النمل:٢٣] فأوتيت كل شيء يلزم الملك أو يهيء لهم أو يستحقون به أن يكونوا ملوكاً فيريد أن يستثير سليمان ﵇ إلى هذا الموضوع، فقال:أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ كأنه جاء بأمر جديد وغريب وأنها امرأة وأنها أوتيت من كل شيء ومع ذلك يعبدون شيئاً غير الله وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ [النمل: ٢٤] .\r\rولذلك وصفها بهذه الصفة التي جعلت سليمان ﵇ يهتم بالموضوع ويبذل كل الوسائل لكي يعرف ما هي حقيقة هذه المرأة التي جاء الهدهد بنبئها وخبرها، فالمراد إذاً: أنها ملكة أوتيت من أمور الملك ولوازمه ما يحتاجه الملوك عادة غير محتاجة إلى ما يكمل به أمر ملكها.\r\rوقال: [ولهذا نظائر كثيرة] ، أي: أنه يوجد في القرآن وفي السنة وفي لغة العرب أن الكلمة العامة مثل \"كل\" وغيرها من ألفاظ العموم يكون عمومها بحسب الموضوع وبحسب القرينة.\rثُمَّ قَالَ المُصنِّفُ ﵀:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689518,"book_id":1659,"shamela_page_id":644,"part":null,"page_num":644,"sequence_num":644,"body":"[والمراد من قوله: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الرعد:١٦] أي كل شيءٍ مخلوق وكل موجود سوى الله تَعَالَى فهو مخلوق، فدخل في هذا العموم أفعال العباد حتماً، ولم يدخل في العموم الخالق تعالى، وصفاته ليست غيره لأنه ﷾ هو الموصوف بصفات الكمال، وصفاته ملازمة لذاته المقدسة لا يتصور انفصال صفاته عنه، كما تقدم الإشارة إِلَى هذا المعنى عند قوله: ما زال بصفاته قديماً قبل خلقه، بل نفس ما استدلوا به يدل عليهم، فإذا كَانَ قوله تعالى: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ مخلوقاً لا يصح أن يكون دليلاً] اهـ.\rالشرح:\r\rبين المُصنِّفُ ﵀ معنى العموم في قوله تعالى: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ حيث يقول إن الله تَعَالَى خالق كل شيء مخلوق كل ما سوى الله تَعَالَى فهو مخلوق، فالله خالق كل شيء سواه، فلا يدخل في ذلك صفاته تعالى، ويُقَالَ: إنها مخلوقة؛ لأن صفاته تَعَالَى ليست ذواتاً منفصلة مستقلة، وإنما هي صفات لذاته ﷾ فيقول إنه لا يدخل في العموم الخالق ﷾، ولكن يدخل فيه أفعال العباد ونص عَلَى هذا الكلام في هذا الموضع لأن المعتزلة يقولون: إن العبد يخلق فعل نفسه، وهم الذين يقولون: إن القُرْآن مخلوق فيجمعون بين قولهم: إن القُرْآن مخلوق وبين قولهم: إن العبد خالق لأنه يخلق فعل نفسه.\rفَيَقُولُ: إذا كانت الآية عَلَى عمومها: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ إذاً: فهو خالق أفعال العباد؛ لأن أفعال العباد تدخل ضمن كل. فهذا مما يلزمكم ويفحمكم.\rأما صفات الله ﷿ ومنها كلامه، فإنها لا تدخل في عموم كل، لأن صفاته تَعَالَى لا يتصور انفصالها عنه، بل هو الموصوف ﷾ بجميع صفات الكمال، كما تقدم في قوله [مازال بصفاته قديما قبل خلقه] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689519,"book_id":1659,"shamela_page_id":645,"part":null,"page_num":645,"sequence_num":645,"body":"ثُمَّ قَالَ: [بل نفس ما استدلوا به يدل عليهم] أي أنه دليل عليهم فإن قوله تَعَالَى في الآية نفسها اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ إذا كانت مخلوقة لا تصح أن تكون دليلاً.\rوكما قلنا: إنه يلزم من ذلك التسلسل إِلَى ما لا نهاية؛ لأن الله ﷿ يقول: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [الأعراف: ٥٤] والخلق يكون بالأمر إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:٨٢] فالله يأمر فيكون الخلق؛ فله الخلق وله الأمر، فإذا قلنا: إن كلامه وأمره مخلوق، فالأمر كله داخل ضمن الخلق فيحتاج إِلَى أمر آخر فكل أمر يتخيله فهو مخلوق، وإذاً جعلنا كلمة \"كن\" مخلوق.\rفالله تَعَالَى إذا أراد: أن يقول للجبال: كوني أيتها الجبال فالجبال مخلوقة و\"كن\" مخلوقة فبأي شيء خلق \"كن\"؟ يحتاج إِلَى شيء آخر، وهكذا إِلَى ما لا نهاية. فلا بد: أن نقر بأن كلامه وأمره ﷾ غير مخلوق وإنما بها يكون الخلق.\rثُمَّ انتقل المُصنِّفُ ﵀ إِلَى الشبه الأخرى وهي: استدلالهم بكلمة (جعل) عَلَى أن القُرْآن مخلوق.\rقَالَ المُصنِّفُ ﵀:\r[وأما استدلالهم بقوله تعالى: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الزخرف:٣] ، فما أفسده من استدلال! فإن (جعل) إذا كَانَ بمعنى خلق يتعدى إِلَى مفعول واحد كقوله تعالى: وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ [الأنعام:١] وقوله تعالى: وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ * وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ [الأنبياء:٣١،٣٠] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689520,"book_id":1659,"shamela_page_id":646,"part":null,"page_num":646,"sequence_num":646,"body":"وإذا تعدى إِلَى مفعولين لم يكن بمعنى خلق قال تعالى: وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً [النحل:٩١] وقال تعالى: وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً [البقرة:٢٢٤] وقال تعالى: الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآن آنَ عِضِينَ [الحجر:٩١] وقال تعالى: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ [الإسراء:٢٩] وقال تعالى: وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ [الإسراء:٣٩] وقال تعالى: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً [الزخرف:١٩] ونظائره كثيرة فكذا قوله تعالى: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الزخرف:٣٠] اهـ.\rالشرح:\r\rإن من يستدل عَلَى أن القُرْآن مخلوق بقوله: إن جعل تأتي بمعنى خلق، شبهته باطلة فاسدة؛ لأنهم يقولون: أليس جعل تأتي بمعنى خلق في لغة العرب؟\rفيقول اللغويون لهم: نعم.\r\rفيقولون: إن الله تَعَالَى يقول: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أي خلقناه قرآناً عربياً إذاً فالقرآن مخلوق.\rيريدون أن يفحموا، ويلزموا بهذه الشبهة الواهية لمن تأملها وتدبرها، ويجاب عليهم بأن الفعل الماضي (جعل) يأتي في لغة العرب ناصباً لمفعولين، فإن أتى ناصباً لمفعول واحد، فهو بمعنى خلق أو قريباً من معناها مثل قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّور [الأنعام:١] جعل بمعنى خلق الظلمات والنور فـ\"جعل\" فعل ماضي والفاعل ضمير مستتر يعود إِلَى لفظ الجلالة، و\"الظلمات\" مفعول به وكذا قوله َجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ [الأنبياء: ٣٠] نفس الأولى \"جعل\" فعل ماضي و\"نا\" ضمير فاعل و\"كل\" مفعول به.\r\rوَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِي [الأنبياء:٣١] رواسي مفعول به، وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً [الانبياء:٣١] أيضاً مفعول واحد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689521,"book_id":1659,"shamela_page_id":647,"part":null,"page_num":647,"sequence_num":647,"body":"فمثل هذه المواضع تكون \"جعل\" بمعنى خلق؛ لكن هناك آيات تكون \"جعل\" فيها متعدية إِلَى مفعولين ولا يقول أحد إنها في هذه المواضع بمعنى خلق.\r\rولذلك نأتي بآيات قوية في الدلالة عَلَى هذا الشيء، لا يمكن للمعتزلي مهما مارى أن يقول إنها بمعنى خلق فقَالَ: إن قوله تعالى: وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً [النحل:٩١] هل يمكن أن تقول: قد خلقتم الله عليكم كفيلاً، لا يمكن لأي معتزلي أن يقرأ جعلتم في الآية هذه بمعنى خلقتم أبداً، فلفظ الجلالة مفعول أول وكفيلا مفعول ثاني فـ\"جعل\" هنا بمعنى: صير، فتنصب المفعولين، وتكون بهذا المعنى وقوله تعالى: وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ [البقرة: ٢٢٤] لا يمكن لأحد أن يقول: ولا تخلقوا الله، إنما معناه لا تجعلوه، ولا تتخذوه، ولا تصيروه، فلفظ الجلالة مفعول أول، وعرضة هو مفعول ثاني.\r\rوكذلك قوله تعالى: الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآن آنَ عِضِينَ [الحجر:٩١] عضين أي أجزاء، فعضة أو عضو بمعنى جزء، فهَؤُلاءِ جعلوا القُرْآن أجزاء يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض أو قسموه فيما بينهم فمنهم من يؤمن ومنهم من لا يؤمن. فنحن وأنتم نتناظر في مسألة القُرْآن نفسه هل هو مخلوق أو غير مخلوق، فإذا كَانَ قوله \"الذين\" تعود إِلَى الكفار كما في آخر سورة الحجر الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآن آنَ عِضِينَ فالكفار هم الذين خلقوا القُرْآن وأنتم لا تقولون بهذا أبداً إذاً فـ\"جعل\" ليس بمعنى خلق إنما بمعنى: اتخذوه عضين، أو صيروه عضين، أي: جعلوه أجزاءً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689522,"book_id":1659,"shamela_page_id":648,"part":null,"page_num":648,"sequence_num":648,"body":"وقال تعالى: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ [الإسراء:٢٩] فقوله: وَلا تَجْعَلْ ليس معناها ولا تخلق يدك، إنما معناها ولا تصير أو لا تتخذ يدك هذا هو المعنى القريب منها إذا كانت متعدية لمفعولين، وإذا كانت متعدية لمفعول واحد، فهو بمعنى خلق كقوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ [الأنعام:١]\rوالآية فيها عبرة ودقة، فلا يمكن أن يكون هذا من كلام البشر؛ لأنه خلق السموات والأرض والسموات والأرض، كما ترون جانب الخلق الحسي المشاهد عند الإِنسَان واضح فيها؛ لكن الظلمات والنور ليست أشياء يمكن للعقل أن يتصورها كمخلوقات محسوسة ملموسة أشبه ما تكون بالمعاني عَلَى الأقل في الذهن البشري.\r\rفي حسنا نَحْنُ البشر أن الظلمات والنور أشبه بالمعاني التي لا تنسب، ولا نستطيع أن نجعلها بنفس المستوى الذي هو للسموات والأرض، فهنا أتى بكلمة خلق، وهنا بكلمة جعل، ولله تَعَالَى في ذلك حكمة، وهكذا قد نظن وقد نتلمس الحكمة، ولكنَّ القُرْآن علمه عند الله ﷿، ومن قال فيه برأيه فليتبوأ مقعده من النار.\r\rوقال تعالى: وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً [الإسراء:٣٩] معناها أي لا تتخذ مع الله إلها آخر وكذلك قوله تعالى: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَاد الرحمن إناثاً [الزخرف:١٩] ليس معناها أنهم خلقوا الملائكة ولكن صيروهم واتخذوهم أو اعتبروهم، فالملائكة مفعول أول وإناثاً مفعول ثاني: ونظائره كثيرة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689523,"book_id":1659,"shamela_page_id":649,"part":null,"page_num":649,"sequence_num":649,"body":"فخلاصة ما سبق أن \"جعل\" في لغة العرب تأتي متعدية ناصبة لمفعول واحد، وتكون بمعنى \"خلق\"، وتأتي متعدية وناصبة لمفعولين، وتكون بمعنى اتخذ أو صير، ولم يأتِ ذكر في القُرْآن بأن \"جعل\" تتعدى إِلَى مفعولين إلا بالمعنى الثاني الذي هو بمعنى اتخذ وصير لا بمعنى خلق وإذا خرج ذلك فإنه تبطل الشبهة ويبطل الاستدلال الذي يستدل به المعتزلة ومن حذا حذوهم في هذا الباب.\r\rوالشبهة الثانية وهي قولهم: إن الله خلق الكلام في غيره. أي هو كلامه لكنه خلقه في غيره، وفي ذلك كلام المُصنِّفُ الآتي.\rشبهة من يقول: إن الله خلق الكلام في غيره والرد عليهم\rقَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:\r[وما أفسد استدلالهم بقوله تعالى: نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ [القصص:٣٠] عَلَى أن الكلام خلقه الله تَعَالَى في الشجرة، فسمعه موسى منها وعموا عما قبل هذه الكلمة، وما بعدها فإن الله تَعَالَى قَالَ: فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَن [القصص: ٣٠] والنداء: هو الكلام من بعد: فسمع موسى ﵇ النداء من حافة الوادي ثُمَّ قَالَ: فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ [القصص:٣٠] أي: أن النداء كَانَ في البقعة المباركة من عند الشجرة.\rكما يقول سمعت كلام زيد من البيت، يكون من البيت لابتداء الغاية، لا أن البيت هو المتكلم، ولو كَانَ الكلام مخلوقاً في الشجرة لكانت الشجرة هي القائلة يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [القصص:٣٠] وهل قَالَ: إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ غير رب العالمين؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689524,"book_id":1659,"shamela_page_id":650,"part":null,"page_num":650,"sequence_num":650,"body":"ولو كَانَ هذا الكلام بدا من غير الله لكان قول فرعون: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [النازعات:٢٤] صدقاً إذ كل من الكلامين عندهم مخلوق قد قاله غير الله وقد فرقوا بين الكلامين عَلَى أصلهم: أن ذلك كلام خلقه في الشجرة، وهذا كلام خلقه فرعون، فحرفوا وبدلوا واعتقدوا خالقاً غير الله وسيأتي الكلام عَلَى مسألة أفعال العباد إن شاء الله تَعَالَى] اهـ.\rالشرح:\rإن شبهة من يقول: إن كلامه هو ما يخلقه في غيره بينة البطلان وقولهم: إن خطاب الله لموسى ﵇ هو أن الله خلق الكلام في الشجرة والشجرة هي التي خاطبت موسى ﵇ ويستدلون بقوله تعالى: نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ [القصص:٣٠] وقد نبه المُصْنِّف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى أنه يجب عليهم أن يتأملوا السياق من أوله ثُمَّ ما بعدها ليعلموا من هو المتكلم حقيقة، لأن أول الآية فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ [القصص:٣٠] والنداء هو الكلام عن بعد، فنودي موسى ﵇ من شاطئ الوادِ الأيمن، فسمع موسى النداء من الشاطئ من عند البقعة المباركة من عند الشجرة فأنت عندما تقول: ناديت فلان من البيت. هل معنى ذلك أن البيت هو الذي ناداه؟ فالله تَعَالَى نادى نبيه موسى ﵇ من تلك البقعة من الشجرة -أي من عند الشجرة- فـ\"من\" هنا تسمى ابتداء الغاية أي منها ابتداء أو سماع النداء إِلَى موسى ﵇.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689525,"book_id":1659,"shamela_page_id":651,"part":null,"page_num":651,"sequence_num":651,"body":"فالشجرة إذاً ليست متكلمة لا بكلام تكلمت به، ولا بكلام خلقه الله تَعَالَى فيها، وإنما هي الموضع الذي سمع منه الكلام، وهذا واضح فيقول المُصْنِّف إِلَى قوله: نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [القصص: ٣٠] فهل يمكن أن نقول الشجرة هذه العبارة؟ لا يمكن أبداً.\r\rولو قالت ذلك لكان قول فرعون (أنا ربكم الأعلى) وكلامها سواء!! بل كلام الإِنسَان الحي الناطق أولى بالقبول وأولى بأن يكون هو كلام الله أو أن يكون هو الحق والصدق من كلام الشجرة؛ لأن الإِنسَان يتكلم كما هو معلوم ففرعون أو غيره إنسان أعطاه الله الكلام فقوله: (أنا ربكم الأعلى) وقول الشجرة: إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [القصص:٣٠]\rإذاً: كلاهما كلام الله!!\rلكن ما الذي فعلته المعتزلة عكست الموضوع! فقالوا كلام فرعونخلقه فرعون في نفسه، وكلام الله خلقه الله في الشجرة، سُبْحانَ اللَّه! انحرفت العقول وضلت حتى أصبحت تثبت أن الإِنسَان هو خالق فعل نفسه، فكلمة فرعون (أنا ربكم الأعلى) هو الذي خلقها في نفسه، فلماذا لا يكون كلام الله هو الذي تكلم به عَلَى الحقيقة؟\rفعلى قولهم هذا الكلام كلام الشجرة والله خلقه فيها فهو منها وهو كلام الله، وليس لله كلام إلا ما نطقت به الشجرة، فجعلوا الحق في موضع الباطل، والباطل في موضع الحق، عافانا الله من الضلالة، ولايكون هذا التفريق إلا إذا كَانَ مرجع الإِنسَان إِلَى الهوى والتحكم الذي لا دليل عليه، وهذا لا يمكن أن يضبط، وتجده يُجحف دائماً فيما كَانَ لغيره، ولكن ما كَانَ له فإنه يراه هو الحق وهو الصواب، ويعمي بصره عن قبول ما سواه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689526,"book_id":1659,"shamela_page_id":652,"part":null,"page_num":652,"sequence_num":652,"body":"وهَؤُلاءِ النَّاس لم يستمدوا الحق من كتاب الله ولا من سنة رَسُول الله ﷺ، فأثبتوا أنفرعونإلهاً وأن كل إنسان هو خالق، والخالق هو الله ﷾ من جهة.\r\rومن جهة أخرى: نفوا عن الخالق صفاته التي وصف بها نفسه ووصفه بها نبيه ﷺ في كتابه ومنها صفة الكلام التي وقع فيها الجدال.\rحتى قيل إن من أسباب تسمية العلم بعلم الكلام لما وقع فيه من الكلام والجدل\rولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا\rهذه هي حصيلة ما جمعوه.\r\rدعوة الفلاسفة والمفكرين إلى التفكير فيما ينفع\rإن الذي يضع رجله في الماء لكي لا ينام، ليفكر ويستنبط، وهذا أمثاله لو صرفت عقولهم إِلَى التفكير لا نقول في القُرْآن أو في التفسير أو في الحديث فقد كفى الله الأمة بهذه العلوم، ولكن لو أنها صرفت في التفكير الدنيوي مثل الرياضيات والحساب، أو في الفيزياء أو في الصناعة أو في الهندسة وفي غيرها من العلوم التي تنفع الأمة الإسلامية لكان للمسلمين في ذلك خير كثير، ولكن العقول الجبارة الضخمة اشتغلت بالشبهات والمناظرات والمناقشات في ذات الله، التي نهينا أن نفكر ونشغل عقولنا فيها، والكفار لما بدأ عندهم ما يسمى بعصر النهضة، شغلوا أنفسهم بالتجارب فقالوا دعونا من القياسات والاستنتاجات التي كَانَ يقول بها اليونانيون.\rيقول أرسطو: إذا سقطت كرتان من مسافة برج عالي فإن الكبرى منهما تصل الأرض قبل الصغرى هذا استنتاج عقلي.\r\rيقول العقل: الكبير يكون أثقل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689527,"book_id":1659,"shamela_page_id":653,"part":null,"page_num":653,"sequence_num":653,"body":"ويقول جاليلو: نجرب هذه قد لا تكون صحيحة فذهب ورمى كرتين فوقعتا عَلَى الأرض متساويتين فَقَالَ إن كلام أرسطو كلام غير صحيح. اعتبر الغربيون هذه الحادثة أول بداية النهضة وفي نظر كثير من الباحثين أن جاليلو اعتمد عَلَى التجربة الحسية وترك الاستنتاج العقلي المجرد، وهكذا لما عملت العقول، واستعملت فيما أذن الله أن تعمل فيه، وفيما شرع أن تشغل به وصلت إِلَى ماترون من التقنية لكن هَؤُلاءِ شغلوا عقولهم وعلومهم وأذهانهم بالشيء الذي أمرهم الله ﷿ أن يكفوا عنه، وأمرهم أن يسلموا فيه لله تَعَالَى وأن يقولوا كما قالالسلف الصالح كما ذكر الله عن الراسخين في العلم آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا [آل عمران:٧] آمنا بمحكمه وبمتشابهه بما علمنا وأدركنا وبما لم نعلم ولم ندرك بعقولنا.\rفعقولنا أدركت بسهولة: أن الله هو الخالق الذي خلق الكون وآمنت به، فإذا جَاءَ العقل يوسوس كيف ينزل وكيف استوى.\rنقول: كل من عند الله الذي قال هذه هو الذي قال هذه، وهكذا فالإِنسَان يؤمن بما جَاءَ من عند الله، ويكفيك أن هذا الكلام جَاءَ من عند الله، وبلّغه عنه رَسُول الله ﷺ، ونزل به الروح الأمين من عند الله ﷾، ثُمَّ نقله أصحاب مُحَمَّد إلينا، ثُمَّ من بعدهم من الثقات الأثبات، فيكفينا أن ينقلوا ذلك، وإذا كَانَ الإِنسَان لا يؤمن بشيء إلا إذا عرضه عَلَى عقله أو نظر هل يقبله العقل أولا يقبله؟\r\rفما أكثر الضلال حينئذ، فأي عقول هذه التي نتحاكم إليها؟ عقلي أم عقلك!.\r\rقال المصنف رحمه الله تعالى:\r[فإن قيل: فقد قال تعالى: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ [الحاقة:٤٠والتكوير:١٩] وهذا يدل على أن الرسول أحدثه، إما جبريل أو محمد ﷺ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689528,"book_id":1659,"shamela_page_id":654,"part":null,"page_num":654,"sequence_num":654,"body":"قيل: ذِكْرُ الرسول معرَّف أنه مُبَلِّغٌ عن مرسله، لأنه لم يَقُلْ: إنه قول ملك أو نبي، فعلم أنه بلغه عمن أرسله به، لا أنه أنشأه من جهة نفسه.\r\rوأيضاً: فالرسولُ في إحدى الآيتين جبريل، وفي الأخرى محمد، فإضافته إلى كل منهما تُبَيِّن أن الإضافة للتبليغ، إذ لو أحدثه أحدُهُما امتنع أن يُحدِثَه الآخرُ.\r\rوأيضاً: فقوله: رسول أمين، دليل على أنه لا يزيد في الكلام الذي أرسل بتبليغه، ولا ينقص منه؛ بل هو أمين على ما أرسل به يبلغه عن مرسله.\r\rوأيضاً: فإن الله قد كفَّر من جعله قول البشر، ومحمد ﷺ بشر فمن جعله قول محمدٍ بمعنى أنه أنشأه فقد كفر، ولا فرق بين أن يقول: إنه قول بشر أو جني أو ملك، والكلام كلام من قاله مبتدئاً، لا من قاله مبلغاً ومن سمع قائلاً يقول:\r\rقفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل\rقال: هذا شعر امرئ القيس، وَمَنْ سَمِعَهُ يقول: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) قال هذا كلامُ الرسول، وإن سمعه يقول: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:٢-٤] قال هذا كلام الله، إن كان عنده خبر ذلك، وإلا قال لا أدري مِن كلام مَن هذا؟ ولو أنكر عليه أحد ذلك لكذَّبه، ولهذا من سمع من غيره نظماً أو نثراً يقول له هذا كلام من؟ أهذا كلامك أو كلام غيرك] اهـ.\rالشرح:\rهذه الشبهة من الشبهات التي أثارها المبتدعة حول القرآن، وهي أحد الأقوال المشهورة في مذهب الأشعرية، ويقولون -كما قد سبق شرح مذهبهم-: إن القرآن الموجود بين أيدينا: هو عبارة أو حكاية عن كلام الله تعالى، وليس هو نفس كلام الله، وإنما كلام الله تعالى هو المعاني القائمة في نفسه، أو في ذاته ويستدلون بالبيت الذي ذكرناه سابقاً، وهو قول الأخطل الشاعر النصراني:\r\rإنَّ الكلامَ لفِي الفؤادِ وإنَّما جُعْلِ اللسانُ على الفؤادِ دليلاً","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689529,"book_id":1659,"shamela_page_id":655,"part":null,"page_num":655,"sequence_num":655,"body":"ويُردُّ عليهم أن الأخطل إنما قال: (إن البيان لفي الفؤاد) .\rوثانياً: لاعبرة بقول الأخطل ولا بغيره في أمر من أصول الدين.\rويقولون: الكلام على معنيين: الكلام النفسي، أي: ما تنويه في نفسك أنت وتريده من المعاني والألفاظ التي تخرجها، فقالوا في حق كلام الله ﷿: إن المعاني التي في نفس الله ﷾ غير مخلوقة، لأنه من المُحال أن يحل في ذاته تعالى شيء من المخلوقات أو شيء من المحدثات، فيكون محلاً للحوادث، وأما الكلام المقروء المتلو المتعبد به المكتوب في المصاحف المحفوظ في الصدور فإنه مخلوق، هذا موجز لمذهب الأشعرية الذي هو في الأصل، مذهب عبد الله بن كُلاِّب الذي جاء به كمذهب وسط بين أهل السنة وبين المعتزلة، وراج هذا المذهب عند المتأخرين كثيراً.\rوكان من أول من ذكر الإستدلال بقوله تعالى: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ [الحاقة:٤٠] وقال: إن معناه أن الذي عبر عن هذا الكلام هو: محمد ﷺ أو جبريل هو القاضيأبو بكر الباقلاني المتوفي سنة (٤٢٥) هـ، أو في أوائل القرن الخامس، إمام المذهب الأشعري، الذي أسس معظم القواعد المتبعة الآن، وانتشرت مؤلفاته في المغرب والمشرق، لأنه كان مالكي المذهب فانتشر مذهب الأشعرية في المالكية، وعلى هذا نص ابن عساكر في كتابه تبيين كذب المفترى فيما نسب إلى الإمام الأشعري قال: إن المذهب إنما راج وانتشر في أول القرن الخامس، لانتشار كتب القاضي ابن الطيب الباقلاني سنة (٤١٠هـ) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689530,"book_id":1659,"shamela_page_id":656,"part":null,"page_num":656,"sequence_num":656,"body":"والباقلاني له رسالة اسمها رسالة الحرة، كتبها إلى إحدى الوجيهات أو سيدات في المجتمع في أيامه، ليبين عقيدته، وتسمى الإنصاف، وقد طبعت بعنوان \"الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به \" بتحقيق محمد زاهد الكوثري، وذكر فيها الاستدلال بقوله تعالى: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ [الحاقة:٤٠] والآيات الكثيرة التي ورد فيها ذكر نزول القرآن كقوله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاه) أو (نَزَّلْنَا الذِّكْرَ) على أنه ليس المقصود به نزول حركة وانتقال، لأن الحركة والانتقال هي من شأن الأجرام، أو الأجسام، وإنما هو نزول إعلام وإفهام، فأوّلَ كذلك مسألة النزول؛ لأنهم لا يؤمنون بالعلو.\rثم قال: فالقرآن هو الكلام النفسي الذي هو كلام الله ﷾، يقول: وأما الذي بين أيدينا فإنما عبَّر عنه جبريل أو محمد ﷺ، ثم انتشرت هذه المقالة في كثير من كتبهم، ولا تزال حتى اليوم، فالقرآن مخلوق بمعنى أنه كلام أو ألفاظ جبريل أو ألفاظ محمد ﷺ، عبر به أحدهما عن كلام الله ﷿ النفسي، فالله خلق هذا الكلام فَعُبِّر عن كلامه به، فأحياناً يقولون عبارة وأحياناً يقولون حكاية، إلا أنهم يقولون كما نص على ذلك شارح كتاب الجوهرة بأنه يجب أن لا يُقال: إن القرآن مخلوق إلا في مقام التعليم فقط، ولا يُقال على العامة لأنه يُخشى أن يفهموا أن القرآن المخلوق هو كلام الله النفسي. وهذا لا يجوز، لكن إذا بينا لطلاب العلم أن مقصودنا بأن القرآن المخلوق هو هذا الذي في المصحف، فهذا لا بأس أن يُقال أو يُعلم.\rهكذا نصوا على ذلك، واستدلوا بقوله تعالى: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ [الحاقة:٤٠] في آية الحاقة وفي آية التكوير.\rالرد عليهم من عدة أوجه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689531,"book_id":1659,"shamela_page_id":657,"part":null,"page_num":657,"sequence_num":657,"body":"ذكر المُصْنِّف ﵀ الشبهة السابقة، وأخذ يرد عليها من عدة أوجه: الوجه الأول: (أنه ذكر الرَّسُول معرَّف بأنه مبلِّغ عن مرسِله) فعندما نقول قال الرسول، أو هو قول رسول، فإن كلمة \"رسول\" تدل عَلَى أنه مبلِّغ، وليس بمنشئ للكلام، فإذا قلت: قال لي رَسُول فلان كذا وكذا، فمعنى ذلك: أنك تقول إن فلاناً قال لي عَلَى لسان رسوله كذا وكذا، وهذا معروف ومفهوم في كلام العرب.\rالوجه الثاني: أن الرَّسُول في إحدى الآيتين جبريل، وفي الأخرى مُحَمَّد ﷺ، فقوله تَعَالَى كما في سورة الحاقةإِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُول لٍ كَرِيمٍ [الحاقة:٤٠] هو مُحَمَّد ﷺ، وفي سورة التكوير: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُول لٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ [التكوير:١٩-٢٠] هو جبريل؛ لأنه هو المطاع الأمين، وهو الذي له القوة عند ذي العرش ﷾، ثُمَّ قال وَمَا صَاحِبُكُمْ أي: مُحَمَّد ﷺ بِمَجْنُونٍ فالآيتان جاءتا بلفظ واحد إحداهما عن مُحَمَّد ﷺ، والأخرى عن جبريل ﵇، فعلى كلامكم: لو أن هذه الحروف من نظم جبريل، أو من نظم مُحَمَّد ﷺ! إذاً يكون كلٌ منهما قد تكلم بالقرآن أو نظَّم القرآن، وهذا غير صحيح، ولا يقبله العقل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689532,"book_id":1659,"shamela_page_id":658,"part":null,"page_num":658,"sequence_num":658,"body":"فإنه لا بد أن يكون الناظم أو المتكلم أحدهما، فإما أن يكون جبريل هو الذي نظمه ورتبه وقاله، أو مُحَمَّد ﷺ، وهذا لا يمكن أبداً؛ بل هو يدل عَلَى أن كلاً من جبريل ومُحَمَّد ﷺ ما هما إلا رسول، والذي تكلم به وقاله بهذا الترتيب المعروف المقروء هو الله ﷾، لكن جبريل بلَّغه من الله إِلَى مُحَمَّد ﷺ، ومُحَمَّد ﷺ سمعه من جبريل ثُمَّ بلغه إلينا.\r\rفهذا رَسُول من الله إِلَى مُحَمَّد ﷺ، ورَسُول الله مُحَمَّد ﷺ واسطة بيننا وبين جبريل ﵇، فالذي تلقاه من الله ﷿ أمين حفظه لم يزد فيه ولم ينقص، وإلا لحصل له الوعيد الذي توعد الله به في سورة الحاقة، وفي سورة الإسراء وغيرهما.\rفإذاً الإضافة هنا للتبليغ كما قال المصنف، لأنه لو أحدثه أحدهما أو تكلم به أو نظمه لامتنع أن يكون الآخر محدثاً وناظماً له.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689533,"book_id":1659,"shamela_page_id":659,"part":null,"page_num":659,"sequence_num":659,"body":"الوجه الثالث: قول المُصْنِّف فقوله: رَسُول لٌ أَمِينٌ دليل عَلَى أنه لا يزيد في الكلام الذي أرسل بتبليغه ولا ينقص منه؛ بل هو أمين عَلَى ما أرسل به يبلغه عن مرسله، وهنا علق الشيخ الألباني كما علق الشيخأحمد شاكر في الطبعة القديمة، يقول الشيخ أحمد شاكر ﵀: (إن الآية التي ذكرها الشارح إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُول لٍ كَرِيمٍ جاءت مرتين في سورة الحاقة آية ٤٠، وسورة التكوير آية ١٩، ثُمَّ قال في سورة التكوير: ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثُمَّ أَمِينٍ يقول: فتعبير المُصْنِّف بقوله: \"رَسُول أمين\" فيه شيء من التساهل؛ لأنه لم يرد به حكاية التلاوة \"بمعنى: ليس هناك آية تقول رَسُول أمين من الآيتين\" وإنما أراد المعنى فقط، ولو وصف الرَّسُول بأنه أمين لكان أدق وأجود، وهذا معنى واضح.\r\rفقوله: رَسُول أمين، المقصود وصف الله تَعَالَى للرَسُول بأنه رَسُول أمين دليل عَلَى أنه لا يزيد في الكلام، الذي يؤمر بتبليغه، ولا ينقص منه شيئاً، ولو كَانَ هو الذي ينشأ الكلام ويحدث الكلام من عند نفسه، لما كَانَ لهذه الصفة ميزة، فإن الإِنسَان لا يُقال عنه: إنه أمين في كلامه إلا باعتبار ما ينقل أو ما يتكلم به عن الغير، أما إذا تكلم عن نفسه فلا يقَالَ: إنه أمين فيما قال عن نفسه، وإنما يقال صادق أو ما أشبه ذلك.\rالوجه الرابع: أن الله ﷾ قد كفَّر من جعله من كلام البشر، ولا شك في كفر من قال ذلك، لكن ما الفرق بين القولين؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689534,"book_id":1659,"shamela_page_id":660,"part":null,"page_num":660,"sequence_num":660,"body":"يقول شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ: إن الفرق بين هَؤُلاءِ -أي الأشعرية - الذين يقولون إن القُرْآن له معنيان: المعنى النفسي غير المخلوق، والثاني الذي في المصاحف، فهو مخلوق من كلام البشر، أو من كلام جبريل أو مُحَمَّد ﷺ، وبين الكفار الذين قالوا: إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ، بمعنى: أن معناه وحروفه من كلام البشر، أي أن الله لم ينزل هذا القُرْآن ولم يتكلم به.\rالفرق أن هذا القول من الأشعرية فيه مضاهاةٌ للمشركين في نصف قولهم، إذ أن الْمُشْرِكِينَ قالوا: اللفظ والمعنى من كلام البشر، وهَؤُلاءِ قالوا: اللفظ من كلام البشر، فقالوا نصف ما قاله المُشْرِكُونَ، ومعلوم باتفاقأهل السنة والأشعرية وغيرهم أن الْمُشْرِكِينَ كفار؛ لأنهم أدعوا أن هذا القُرْآن هو من كلام البشر، يقول الشيخ فمن جعله قول مُحَمَّد ﷺ بمعنى: أنه هو الذي أنشأه وتكلم به من عنده فقد كفر، ولا فرق بين أن يقول إنه قول بشر أو جني أو ملك.\rثُمَّ انتقل المُصْنِّف ﵀ إِلَى الاستدلال بما هو معروف في كلام العرب، وهو: أن الكلام إنما هو كلام من قاله مبتدئاً لا كلام من قاله مُبلّغاً، فمن قَالَ: كلام مَنْ هذا؟ فإنّما يسأل عن الذي أنشأه وتكلم به وأستأنفه وابتدأه، لا من بلغه أو حكاه أو نقله، ويضرب لذلك أمثلة يقول ممثلاً بالمعلقة المشهورة التي هي أشهر الشعر عند العرب معلقة امرئ القيس:\rقفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل\rإلى آخر هذه المعلقة، فمن سمع قائلاً يقول هذا البيت، فإنه يقول هذا شعرامرئ القيس، وإن كَانَ معروفاً أن امرئ القيس توفي في الجاهلية، وإنما هو يعبر عما يسمعه الآن من قول، ولكن المقصود: أن هذا ليس هو كلام من ينطق به الآن، وإنما هو كلام من ابتدأه وقاله أولاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689535,"book_id":1659,"shamela_page_id":661,"part":null,"page_num":661,"sequence_num":661,"body":"وأيضاً: نفس القائل لو سمعناه يقول: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) أو (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) قلنا: هذا كلام رَسُول الله ﷺ، فهل معنى هذا أن الإِنسَان الواقف أمامنا هو رَسُول الله ﷺ عياذاً بالله؟ لا. وإنما هو ينقل أو يحكي كلاماً عن غيره، فالكلام إذاً يطلق عَلَى من تكلم به مبتدئاً، أما هذا فهو ناقل لكلام النبي ﷺ. إذاً ابتدأنا بالشاعر ثُمَّ انتقلنا إِلَى الرَّسُول ﷺ، والآن انتقلنا إِلَى درجة ثالثة.\r\rولو أن هذا القائل قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِين أو تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الملك:١] أو نحو ذلك، فنقول هذا كلام الله، ولا يعني أن الذي يتكلم وينطق بهذه الألفاظ هو الله عياذاً بالله، وإنما هذا كلام الله لأن الكلام لمن ابتدأه، وأما هذا الرجل فهو ينقل أو يحكي أو يقرأ كلام الله ﷿ بلسانه، فالقرآن هو كلام الله ﷿، ولا يخرجه عن ذلك أن أحداً يقرأه أو يكتبه أو يسمعه.\r\rولهذا يُقَالَ: لو أن هذا الرجل الذي علم أن هذا كلام الله قَالَ: عندما سمعه لا أدري كلام من هذا وهو لا يدري حقيقة، فيأتي رجلٌ فَيَقُولُ: كيف لا تدري؟ وهذا المتكلم أمامك؟\rفسيقول: أنا لم أقصد الذي ينطق به الآن، وإنما لا أدري الذي ابتدأ الكلام، فالذي يتكلم الآن أمامي واضح أعرفه، لكنه ليس من عنده، فهذا دليل فطري بدهي واضح عَلَى بطلان دعواهم وزعمهم.\r\rقَالَ المُصنِّفُ ﵀:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689536,"book_id":1659,"shamela_page_id":662,"part":null,"page_num":662,"sequence_num":662,"body":"[وبالجملة فأهل السنة كلهم، من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم من السلف والخلف متفقون عَلَى أن القُرْآن كلام الله غير مخلوق، ولكن بعد ذلك تنازع المتأخرون في أن كلام الله هل هو معنى واحد قائم بالذات، أو أنه حروف وأصوات تكلم الله بها بعد أن لم يكن متكلماً، أو أنه لم يزل متكلماً إذا شاء ومتى شاء وكيف شاء، وأن نوع الكلام قديم، وقد يطلق بعض المعتزلة على القُرْآن أنه غير مخلوق ومرادهم أنه غير مختلق مفترى مكذوب؛ بل هو حق وصدق، ولا ريب أن هذا المعنى منتف باتفاق الْمُسْلِمِينَ، والنزاع بين أهل القبلة إنما هو في كونه مخلوقاً خلقه الله، أو هو كلامه الذي تكلم به وقام بذاته؟ وأهل السنة إنما سئلوا عن هذا، وإلا فكونه مكذوباً مفترى مما لا ينازع مسلم في بطلانه، ولا شك أن مشايخ المعتزلة وغيرهم من أهل البدع، معترفون بأن اعتقادهم في التوحيد والصفات والقدر، لم يتلقوه لا عن كتاب ولا سنة، ولا عن أئمة الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وإنما يزعمون أن العقل دلهم عليه، وإنما يزعمون أنهم تلقوا من الأئمة الشرائع، ولو تُرِك النَّاس عَلَى فطرهم السليمة وعقولهم المستقيمة، لم يكن بينهم نزاع، ولكن ألقى الشيطان إِلَى بعض النَّاس أغلوطة من أغاليطة، فرقَّ بها بينهم وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ [البقرة:٧٦] اهـ.\rالشرح:\rيجب علينا أن ننتبه إِلَى هذه العبارة بدقة، لأنها قد تفهم عَلَى غير وجهها، وكان ينبغي للمصنف ﵀ أن يفصّل فيها وأن يوضحها أكثر من ذلك، لأنه يقول \"وبالجملة فأهل السنة كلهم من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم من السلف والخلف، متفقون عَلَى أن كلام الله غير مخلوق، ولكن بعد ذلك تنازع المتأخرون في كلام الله هل هو معنى واحد قائم بالذات، أو أنه حروف وأصوات تكلم الله بها بعد أن لم يكن متكلماً، أو أنه لم يزل متكلماً إذا شاء ومتى شاء، وكيف شاء، وأن نوع الكلام قديم)","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689537,"book_id":1659,"shamela_page_id":663,"part":null,"page_num":663,"sequence_num":663,"body":"فيريد المُصنِّفُ ﵀ أن يقول إن الذين قالوا: إن كلام الله مخلوق بدون تحفظ، هم مخالفون لمجموع الأمة كلها، فإن أكثر الأمة يقولون: إن القُرْآن غير مخلوق، وإنما اختلفوا في مفهوم القُرْآن هل هو المعنى القائم بالذات، أو هو الألفاظ والمعاني معاً، أو الحروف والأصوات معاً، أو أنه بدا له الكلام بعد أن لم يكن متكلماً كما هو مذهب الكرامية.\rففي هذه العبارة إجمال: لأن أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم قد انقسموا إِلَى من يقول إن القُرْآن مخلوق اللفظ والمعنى، وهَؤُلاءِ هم المعتزلة، وإلى الذين يتبعون السلف والأئمة الأربعة وهَؤُلاءِ يقولون: إن القُرْآن كلام الله ألفاظه ومعانيه غير مخلوق، ثُمَّ حدث الرأي الثالث.\rوقد نص العلماء عَلَى أنه إذا اختلف السلف الصالح فقالوا قولاً وخالفهم رجل أو طائفة فأحدثت قولاً بخلاف ما كَانَ عليه السلف، وأصبحت المسألة عَلَى قولين، فإنه لا يصح لأحد أن يأتي فيحدث قولاً ثالثاً.\r\rولهذا نقول: إن الذين قالوا بالفرق بين الكلام المعنوي أو النفسي، وبين الكلام اللفظي إنما هم مبتدعة أحدثوا بدعة جديدة، لكن المُصنِّفُ ﵀ كأنه يريد أن يقول: إن أهل السنة هنا بمعنى ما يقابل المعتزلة كذا، وتطلق بما يقابل الشيعة، فيُقَالُ:: قالأهل السنة كذا، وقال الشيعة كذا، وذلك كما ذكر شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية في منهاج السنة وفي غيره، لاشتهار الشيعة في مخالفة الحق وعدم اتباع السنة، فأصبح من لم يكن شيعياً فإنه من أهل السنة مع أنه قد يكون فيه من البدع ما الله به عليم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689538,"book_id":1659,"shamela_page_id":664,"part":null,"page_num":664,"sequence_num":664,"body":"وكذلك أول ما حدث الأمر أيام فتنة الإمام أَحْمَد ومن معه من العلماء، كَانَ النَّاس يعرفون بأحد تعريفين، فيُقَالُ: هذا من المعتزلة، وهذا من أهل السنة، أي: من الذين ليسوا عَلَى مذهب المعتزلة، فابن كلاب ومن معه كانوا ضد المعتزلة، ولذلك لما أعلنأبو الحسن الأشعري توبته ورجوعه عن المعتزلة أعلنها بقوة، وانخلع وتجرد عن مذهب الجبائي وعن مذهب المعتزلة، واعتبر نفسه من أهل السنة مع أنه في تلك المرحلة لم يدخل في مذهب أهل السنة، وإنما دخل في عقيدة عبد الله بن سعيد بن كلاب التي هي برزخ بين السنة وبين الاعتزال، فيجب أن نتنبه إِلَى مقصود المُصنِّفُ بهذه العبارة.\r\rوأما نزاع المتأخرين الذي أشار إليه هنا فيجب أن يُعتبر بدعة؛ لأنه لا يجوز إحداث قول ثالث، بل يجب أن يتبع كلام السلف الصالح وحدهم.\rأقسام المذاهب في الحديث عن القرآن\rوكلام المُصْنِّف فيه إشارة إِلَى الثلاثة المذاهب:\rالأول: أنه معنى واحد قائم بالذات، وهذا كلام ابن كلاب.\rالثاني: أنه حروف وأصوات تكلم الله بها بعد أن لم يكن متكلماً، وهذا هو مذهب الكرامية.\rالثالث: أنه لم يزل مُتكلّماً إذا شاء ومتى شاء، وكيف شاء، وأن نوع الكلام قديم، وهذا هو مذهب أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ. وهو المذهب الحق في هذه الأقوال الثلاثة، أما قول الكلابية فهو مذهب مبتدع كمذهب المعتزلة.\rوأما قول بعضالمعتزلة: إن القُرْآن غير مخلوق، بمعنى: أنه غير مختلق ولا مفترى، فيقول المصنف: إن هذا حق، فالقرآن غير مختلق ولا ريب أن هذا المعنى منتفٍ باتفاق الْمُسْلِمِينَ، فليس فيما قالوه جديد، وإنما النزاع والخلاف القائم في القُرْآن هل هو مخلوق خلقه الله مثل سائر المخلوقات؟ أو هل هو كلامه تكلم به عَلَى الحقيقة؟ هذا هو النزاع الحقيقي.\r\rاعتراض المصنف على قول المعتزلة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689539,"book_id":1659,"shamela_page_id":665,"part":null,"page_num":665,"sequence_num":665,"body":"ويتعرض المُصْنِّف ﵀ في آخر الحديث إِلَى قضية مهمة منهجية، فَيَقُولُ: [إن مشايخ المعتزلة وغيرهم من أهل البدع، معترفون بأن اعتقادهم في التوحيد والصفات والقدر، لم يتلقوه عن كتاب ولا سنة، ولا عن أئمة الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وإنما يزعمون أن العقل دلهم عليه] وهذا هو أساس البلاء والضلال والابتداع.\rفالمعتزلة يقولون: إن البراهين العقلية تقطع بأنه يستحيل أن تقوم الحوادث بذات الله، فالعقل يدل عَلَى أن هذا القُرْآن ليس كلام الله، وليس عَلَى هذا القول دليل من الكتاب أو السنة، أو قول أحد من الصحابة أو التابعين.\r\rوإنما يقولون: يدل عَلَى ذلك العقل والبراهين العقلية القطعية، وفي الحقيقة أن هذا العقل ليس هو عقل فلان ولا فلان من المعتزلة وغيرهم، إنما هذه العقول هي عقول الوثنيين الْمُشْرِكِينَ مناليونان، وهَؤُلاءِ نقلوا كلام اليونان وأدخلوه في كلام أهل الإيمان، فأفسدوا به العقول.\r\rوالمصنف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يقول: [ولو تُرك النَّاس عَلَى فطرهم السليمة وعقولهم المستقيمة لم يكن بينهم نزاع] أي: في كلام الله ﷿ وفي توحيده، وفي القدر وغير ذلك من أمور العقيدة، لأنها واضحة ومعلومة، والنبي ﷺ قد أكمل الله له الدين، فأعظم ما وضحه النبي ﷺ هو أمور التوحيد والإيمان. والصحابة -رضوان الله تَعَالَى عليهم- هم أكثر النَّاس علماً وعقلاً وذكاءً وفهماً، وما تركوا شيئاً مما يقربهم إِلَى الله إلا وتلقوه عن رَسُول الله ﷺ، إما سماعاً منه، وإما سؤالاً منهم له ﷺ، فهم أكمل النَّاس إيماناً، ومن مارى في ذلك أو جادل فلا شك في ضلاله وزيغه وإلحاده.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689540,"book_id":1659,"shamela_page_id":666,"part":null,"page_num":666,"sequence_num":666,"body":"ويقول المصنف: [ولكن ألقى الشيطان إِلَى بعض النَّاس أغلوطة من أغاليطه] فالشيطان هو الذي سول لعمرو بن عبيد وواصل بن عطاء وابن كلاب وغيرهم أن يخرجوا عما كَانَ عليه السلف الصالح -رضوان الله تَعَالَى عليهم- وأن يقولوا بهذا: إما بالرد لكلام الله ﷿ ولكلام رسوله ﷺ، وإما بالتأويلات، وإلا فإن الفطرة القويمة والعقل السليم يقطع بأنه لا بيان أوضح من بيان الله ﷿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ [المرسلات:٥٠] .\r\rفلا حديث بعد القُرْآن يؤمن به، ففيه الحجة والبرهان الساطع، والدليل الواضح في جميع ما اختلفت فيه الأمة من المسائل، ولكن وقع الشقاق والخلاف في الأمة لما أن ركضوا وراء الأهواء، وأخذوا يلوكون كلام الله ﷿، ويقولون فيه كما يشاءون، ويتقولون عَلَى رَسُول الله ﷺ بما يريدون، وإذا جاءهم من يقول هذا كلام رَسُول الله ﷺ أو كلام الصحابة أو التابعين، قالوا: هَؤُلاءِ حشوية ينقلون الكلام ولا يفهمون معناه ولا يعرضونه عَلَى عقولهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689541,"book_id":1659,"shamela_page_id":667,"part":null,"page_num":667,"sequence_num":667,"body":"وقد سبق أن أوضحنا أن الرد إِلَى العقول رد إِلَى الحيرة والضلال والشك، فأي عقل يرجع إليه النَّاس مع أن عقولهم تتفاوت في الأمور المشاهدة بالعين، فهذا يقول: إنه كبير، وهذا يقول: لا بل صغير، وهذا يقول: لونه كذا، وهذا يقول: لونه كذا، في شيء رأوه جميعاً بأعينهم، فكيف تحكم العقول في الأمر الذي لم تخلق لمعرفته ولا لاكتشافه، وإنما خلقت لتتلقى عن مصدر معلوم موثوق، ثُمَّ لتعتقد بعد ذلك ما يأتيها من عند الله ﷾، فالله ﵎ جعل هذه العقول آلة لفهم ما ينزل إليها من عند الله ﷾، ولهذا فالمجنون ومن لا عقل له غير مؤاخذ؛ لأنه لا يفهم ما ينزل من عند الله ﷾ وما يقوله رَسُول الله ﷺ، لكن العاقل الذي أعطي هذه الآلة ليفهم بها كلام الله مؤاخذ إن لم يتدبر ويتفقه كلام الله، ويعمل به ويمشي بموجبه.\r\rوليس المعنى: أن ما جَاءَ في الوحي يعرض عَلَى العقل، فما قبله كَانَ صحيحاً وما رده كَانَ خطأً أو باطلاً، فيصبح العقل حَكَماً عَلَى ما جَاءَ في الوحي، فإن هذا لا يمكن ولا يليق بحكمة الله ﷿، لكن اللائق بحكمته أنه ينزل الهدى والحق والنور، ثُمَّ من رحمته بالإِنسَان أنه أعطاه الآلة التي يتدبر بها هذا الحق والهدى والنور، ويفهمه ويستنبط منه، ويجتهد في العمل به وفي تطبيقه، أما إذا كَانَ العقل نداً وخصماً، فيخطئ ويصوب، فليس هناك حكمة، ولا فائدة في إنزال الوحي إذا كانت العقول يمكن أن تدرك الحق والهدى والضلال، وتستقل بمعرفته من دون كلام الله وكلام رسوله ﷺ، وهذا هو أساس التخبط والضلال.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689542,"book_id":1659,"shamela_page_id":668,"part":null,"page_num":668,"sequence_num":668,"body":"ذكر المُصنِّفُ ﵀ تَعَالَى أن هنالك طائفة من المتأخرين المنتسبين إِلَى الأئمة الأربعة وغيرهم من أهل العلم والفضل يقولون: إنما نتلقى عن الأئمة أحكام الحلال والحرام، وأما ما يتعلق بمسائل الاعتقاد وأمور الإيمان والغيب، فهذا نأخذه من أهل الكلام مع إطباق الأئمة عَلَى ذم علم الكلام وأهله، كما هو منقول في هذا الكتاب عندما نقل كلام الأئمة رحمهم الله تعالى، ومنهم الإمام أبا حنيفة وصاحباه، والشَّافِعِيّ وغيرهم في ذم أهل الكلام، وقالوا ذلك في كتب الفتاوى الحنفية كالفتاوى الظهيرية وغيرها وقد نصت: عَلَى أنه إذا أوقف الرجل وقفاً وجعله لأهل العلم فإن أهل الكلام لا يدخلون فيه، لأن الإمام أبا حنيفة نص عَلَى أن علم الكلام ليس من العلوم الشرعية، وكذلك صاحباه.\rفهكذا ينصون عليه في فتاواهم التي تقتفي أثر أئمتهم السابقين، ولكنهم مع ذلك يدَّعون ويزعمون أن الحق في أمور العقيدة ليس مع هَؤُلاءِ الأئمة، وأن هَؤُلاءِ الأئمة إنما كانوا عَلَى مذهب السلف الذي هو مجرد تفويض المعنى دون علم وفهم للصفات!\rوليس الموضوع خاصاً بالصفات؛ بل بكل أبواب العقيدة؛ فهو متعلق بالإيمان، وبالقدر، وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبغير ذلك من أبواب العقيدة، كما ستأتي إن شاء الله تعالى.\rونجد أن كثير اً من المتأخرين من أتباع الأئمة قد خالفوا أئمتهم المتقدمين أعلام الهدى المجمع عَلَى الاقتداء بهم -وكما سبق- أن الانتساب عند المتأخرين أصبحت نسبة ثلاثية، فتجدهم يذكرون ثلاثة ألقاب فيقولون: فلان الحنفي مذهباً الماتريدي عقيدة الجنيدي أو القادري طريقة، فلان بن فلان الحنبلي مذهباً القادري طريقة الأشعري عقيدة، وكذلك المالكي وهكذا، فنجد أن هناك ثلاث نسب: نسبة في الفقه وهذه للإمام.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689543,"book_id":1659,"shamela_page_id":669,"part":null,"page_num":669,"sequence_num":669,"body":"والنسبة الثانية: في العقيدة وهذه للمتكلمين والنسبة الثالثة: في السلوك وطريقة العبادة: وهذه يجعلونها لأحد أئمة الطرق الصوفية الذي ارتضوه شيخاً لهم، مع أن الأمة عندما أجمعت عَلَى فضل الأئمة الأربعة ارتضوا الآخرين كالإمامالأوزاعي، وابن المبارك، والفضيل بن عياض، ووكيع بن الجراح، وعبد الرحمن بن مهدي، وسفيان بن عيينه، وسفيان الثوري، والطبري وأمثالهم من الأئمة الأجلاء، فعندما أجمعت الأمة عَلَى فضل هَؤُلاءِ الأئمة والاقتداء بهم لم تجمع عليهم لكونهم أئمة في الفقه فقط فقد يستنبطون أحكاماً دون أن يكون لهم منهج صحيح في العبادة، فلو أن لهم مخالفةً في أمورِ العقيدةِ لنُسِبوا إِلَى البدعةِ، ولُذِكَرَ ما عندهم من المخالفات في العقيدة، ولما كانوا أئمة يحتج بهم، ومجمعاً عَلَى فضلهم.\rولهذا لما أخطأ الإمامُ أبو حنيفة ﵀ في مسألة الإيمان بيِّن الأئمة ذلك الخطأ مع إجلالهم له وإجماعهم عَلَى فضله -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- وأنه من الأئمة الذين أجمعت عليهم الأمة، وكذلك الإمام مالك ﵀ لا يستطيع أحد أن يطعن في عبادته أو يقلل من تقواه وورعه وزهده، وكان مضرب المثل في عصره ثُمَّ يأتي بعده من يقول: إنه المالكي مذهباً القادري طريقة!!\rوهل الإمام مالك ﵀ لم يكن لديه من التعبد والزهد والتقوى ما يجعلك لا تجد فيه أسوة في هذا الجانب أبداً؟ وإنما تذهب إِلَى عبد القادر الجيلاني أو الشاذلي أوالجنيد أو إِلَى أي فلان كائناً من كان! هذا الإِنسَان من القرون المتأخرة الذين لا يمكن أن يبلغوا من الفضل والتقى والورع والزهد مبلغ أُولَئِكَ الأئمة.\r\rوكذلك الإمام الشَّافِعِيّ -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- كَانَ حجة في جميع العلوم حتى في اللغة والشعر ومع ذلك يقولون: لا نأخذ عن الشَّافِعِيّ في العقيدة، إنما نأخذ عنه الأحكام.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689544,"book_id":1659,"shamela_page_id":670,"part":null,"page_num":670,"sequence_num":670,"body":"فمثلاً فخر الدين الرازي الإمام المتأخر من الأشعرية كتب كتاباً فيمناقب الشافعي يُدافع فيه عن مذهب الشَّافِعِيّ في الفروع، ولكنه في الأصول: كمسألة الإيمان يرجح غير ما رجحه الشَّافِعِيّ، وما ذكره الشَّافِعِيّ هو الصحيح، ونقل الإجماع عليه من الأئمة، ومع ذلك يخالفه!\rوالعجيب أن أتباع هَؤُلاءِ الأئمة هم من المقلدين المتعصبين للإمام في مسائل نجد أن الأئمة ﵏ خالفوا فيها الدليل وهذا لا يستغرب أن أحداً من الأئمة كائناً من كَانَ يكون له فتوى أو رأياً فقهياً مخالفاً للحديث الصحيح، وقد ذكر شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ ﵀ أسباب ذلك في كتابه رفع الملام عن الأئمة الأعلام وذكر من الأسباب أنه قد لا يبلغ الإمام الحديث، وقد يفهمه عَلَى غير وجهه أو قد لا يرى صحته وغيرها من الأسباب.\rفالمهم أن الإمام قد يخطئ ويكون له بذلك أجر واحد عَلَى اجتهاده. يقول المصنف ﵀: أو يذهب إلى قول مخالف للحديث الصحيح، مع أن الأئمة ﵏ جميعاً نصوا عَلَى أنه إذا خالف قول أحدهم الحديث الصحيح: فإنه يجب علينا أن نأخذ بالحديث وأن يضرب بأقوالهم عرض الحائط، لكن أتباعهم خالفوهم في هذا الشأن، فيتعصبون لهم أشد التعصب في مسائل فقهية مرجوحة وضعيفة.\r\rومع ذلك فهم لا يأخذون بأقوالهم في العقيدة التي هي مسائل قطعية إجماعية لم يختلف فيها السلف ولم يختلف فيها الأئمة الأربعة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُم أجمعين: كمسألة القُرْآن لم يختلف أحد من الأئمة الأربعة أن القُرْآن كلام الله غير مخلوق وسنرى ماذا قاله الأتباع وماذا قال أئمتهم.\r\rفمثلاً يأتي الحنفي فَيَقُولُ: إن شرب النبيذ حلال ما لم يسكر، وأن قليل الخمر الذي لا يسكر حلال.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689545,"book_id":1659,"shamela_page_id":671,"part":null,"page_num":671,"sequence_num":671,"body":"فيُقال له: إن هذا خلاف حديث النبي ﷺ وإن الأمر ليس مجرد الإسكار فقط بل الخمر قليلها وكثيرها حرام، كما قال النبي ﷺ: (ما أسكر كثيره فقليله حرام) (وكل مسكر خمر) ومع ذلك يقولون: لا، ويصرون عَلَى كلام الإمام.\r\rوفي مذهب الحنفية: أنه إذا ضحك أحد في الصلاة يجب عليه أن يتوضأ، مع أن القهقهة لا تنقض الوضوء، ولم يثبت في ذلك حديث صحيح عن النبي ﷺ، لكنَّ أبا حنيفة ﵀ ذكر ذلك فاتبعوه وتمسكوا بقوله أشد التمسك، ولا يقرون بأن أبا حنيفة أخطأ في هذه المسألة، بل الكرخي -أحد أئمتهم المتأخرين- يقول: كل حديث أو قول ليس في مذهبنا فإن الدليل أو الحديث الدال عليه إما منسوخ أو ضعيف أو مؤول والعياذ بالله، ولو كَانَ في صحيح البُخَارِيّ، أو كَانَ غير منسوخ من شدة تعصبهم لكلام الأئمة.\rوكذلك الشافعية يأتون مثلاً إِلَى أمور مرجوحة كمسألة اللمس أو المس. فمجرد ملامسة البشرة للبشرة عندهم تنقض الوضوء، مع أن النبي ﷺ (لمس ولمسته أمهات المؤمنين وقبَّل نسائه ولم يتوضأ) ومع ذلك فهم يقولون: إن مجرد اللمس ينقض الوضوء ويتحرجون من ذلك تحرجاً شديداً حتى أن الإِنسَان إذا توضأ يأخذ عَلَى يده أي شيء حتى لا يلمس يد زوجته وهو لا يقصد الشهوة ولا يقصد أي شيء، لكن هذا من شدة التمسك بالمذهب.\r\rفنقول لهم: مع هذا التمسك الشديد في الأمور الفرعية أين التمسك بالأصول القطعية المجمع عليها؟ فالإِنسَان في المسائل الفقهية بين الخطأ أو الصواب ولكنه في أمور العقيدة بين الكفر أو الإيمان، وبين السنة أو البدعة، فأيهما أولى بأن نكون حريصاً عليه؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689546,"book_id":1659,"shamela_page_id":672,"part":null,"page_num":672,"sequence_num":672,"body":"إنالسلف الصالح رضوان الله عليهم بينوا لنا ذلك، فالصحابة رضوان الله تَعَالَى عليهم اختلفوا في أحكام فقهية من الصلاة والغسل والوضوء والحج والمورايث وفي أمور معلومة، واختلافهم هذا رحمة بالنسبة لنا، لا كما يفهم بعض الذين ينسبون للنبي ﷺ الحديث الموضوع (اختلاف أمتي رحمة) إنما هو من باب: أن ديننا يقبل الاجتهاد والنظر، ولو لم يختلفوا لما جاز لنا أن نجتهد إلا أن نقول كما قالوا، ولهذا فنحن نقول في مسائل العقيدة: إن الصحابة أجمعوا عليها فلا يجوز لنا أن نجتهد عَلَى الإطلاق، والصحابة -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُم- ومع اختلافهم في هذه المسائل فقد اتفقوا عَلَى محاربة أهل البدع.\r\rفعندما ظهرت الخوارج قاتلهم أصحاب النبي ﷺ قتالاً بالسيف، ولما ظهرت الشيعة وجاءوا إِلَى عَلِيّ وَقَالُوا: أنت هو، قَالَ: من هو؟ قالوا: أنت الله، فحفر الأخاديد وأحرقهم بالنار ولم يخالفه أحد من الصحابة إلا أن ابن عباس -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- قَالَ: لو كَانَ الأمر إليَّ لقتلتهم بالسيف ولم أحرقهم لأن النبي ﷺ قَالَ: (لا تعذبوا بعذاب الله)\rفخالفه في الكيفية ولم يخالفه في نفس العمل أي: أنهم متفقون عَلَى أنهم يقتلون، واتفقوا كذلك عَلَى زجر القدرية وهجرهم وتبديعهم لهم والبراءة منهم، كما ورد عن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُم- فنجد أنهم مع اختلافهم في بعض الفروع فقد اتفقوا الاتفاق التام في العقيدة والأصول ومحاربة أهل الضلال والزيغ والابتداع.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689547,"book_id":1659,"shamela_page_id":673,"part":null,"page_num":673,"sequence_num":673,"body":"وورث الأئمة الأربعة وغيرهم من علماء الْمُسْلِمِينَ وأئمتهم وفضلائهم؛ ما كَانَ عليه الصحابة والتابعون في هذا الشأن، حتى نبغ هَؤُلاءِ المتأخرون وخالفوا في ذلك، وقالوا كما ذكر المصنف: نأخذ من الأئمة ونتلقى عنهم الأحكام فقط، وأما في أمور العقيدة وأصول الدين والإيمان فإننا نأخذها من المباحث العقلية التي حررها فلان، وفلان من أهل البدع ومن أهل الكلام، وهذا الذي من أجله أراد المُصنِّفُ ﵀ أن يرد عَلَى مذهب الماتريدية الحنفية بكلام الطّّحاويّ وكلام الإمام أبي حنيفة -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ-.\rقَالَ المُصنِّفُ ﵀:\r[والذي يدل عليه كلام الطّّحاويّ ﵀: أنه تَعَالَى لم يزل متكلماً إذا شاء كيف شاء، وأن نوع كلامه قديم، وكذلك ظاهر كلام الإمام أبي حنيفة ﵁ في الفقه الأكبر فإنه قَالَ: (والقرآن كلام الله في المصاحف مكتوب، وفي القلوب محفوظ، وعلى الألسن مقروء، وعلى النبي ﷺ منزل، ولفظنا بالقرآن مخلوق وكتابتنا له مخلوقة، وقراءتنا له مخلوقة والقرآن غير مخلوق، وما ذكره الله في القُرْآن عن موسى ﵇ وغيره من الأَنْبِيَاء عليهم الصلاة والسلام وعنفرعون وإبليس، فإن ذلك كله كلام الله إخباراً عنهم، وكلام الله غير مخلوق، وكلام موسى وغيره من المخلوقين مخلوق، والقرآن كلام الله لا كلامهم، وسمع موسى ﵇ كلام الله تعالى، فلما كلم موسى كلمه بكلامه الذي هو من صفاته لم يزل، وصفاته كلها خلاف صفات المخلوقين، يعلم لا كعلمنا ويقدر لا كقدرتنا، ويرى لا كرؤيتنا ويتكلم لا ككلامنا) انتهى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689548,"book_id":1659,"shamela_page_id":674,"part":null,"page_num":674,"sequence_num":674,"body":"فقوله: ولما كلم موسى كلمه بكلامه الذي هو له من صفاته يعلم منه أنه حين جَاءَ كلمه، لا أنه لم يزل ولا يزال أزلاً وأبداً يقول: يا موسى كما يفهم ذلك من قوله تعالى: وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ [الأعراف:١٤٣] ففهم منه الرد عَلَى من يقول من أصحابه: أنه معنى واحد قائم بالنفس لا يتصور أن يسمع وإنما يخلق الله الصوت في الهواء، كما قال أبو منصور الماتريدي وغيره. وقوله: الذي هو من صفاته لم يزل رد عَلَى من يقول: إنه حدث له وصف الكلام بعد أن لم يكن متكلماً] اهـ.\rالشرح:\rفي طبعة الشيخ الأرنؤوط أن المتن الذي نقله المصنف، نقله من نفس متن شرح الفقه الأكبر وقد سبق الحديث عن كتابالفقه الأكبر، ونسبته إِلَى الإمام أبي حنيفة صحيحة عند الحنفية، وأما إذا نظرنا إِلَى رجال السند فإنه يشك في نسبته إليه، بل لا يصح السند لأنه مروي من طريق أبي مطيع البلخي وهو الحكم بن عبد الله أحد فقهاء الحنفية في القرن الثالث، وهو ضعيف في الرواية؛ بل قد اتهم بأكثر من الضعف، ومع ذلك فهو من فقهاء الحنفية المعتبرين في الفقه، وهم يوثقونه، ويرون أن ما ينسبه إِلَى الإمام أبى حنيفة فهو كلام موثوق مقبول.\r\rوكتاب الفقه الأكبر -على ما فيه من بعض الأخطاء التي هي من وضع أبي مطيع البلخي؛ إلا أن الذي يبدو عند التحقيق أن الكتاب له أصل عن الإمام أبي حنيفة، ولكن أبا مطيع البلخي أضاف إليه من عنده أشياء ونسبه كله للإمام أبي حنيفة رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى، ولو أن الحنفية -على ما في الكتاب من بعض المخالفات كما في مسألة الإيمان- التزموا بما فيه لكان أهون، ولكنهم ليسوا متمسكين بما في الفقه الأكبر مع أنهم يصححون نسبته إِلَى الإمامأبى حنيفة ﵀ وليسوا أيضاً عَلَى ما في هذه العقيدة الطّّحاويّة (المتن) مع أن الإمام أبو جعفر الطّّحاويّ من كبار أئمتهم المعتبرين المعدودين، وهم مع ذلك قد خالفوا هَؤُلاءِ الأئمة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689549,"book_id":1659,"shamela_page_id":675,"part":null,"page_num":675,"sequence_num":675,"body":"مذهب الإمام أبي حنيفة في الكلام عن القرآن\rيقول الإمام أبو حنيفة -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-كما في كتابه الفقه الأكبر: (والقرآن كلام الله في المصاحف مكتوب، وفي القلوب محفوظ، وعلى الألسن مقروء، وعلى النبي ﷺ منزل، ولفظنا بالقرآن مخلوق، وكتابتنا له مخلوقه، وقراءتنا له مخلوقة، والقرآن غير مخلوق، وما ذكره الله في القُرْآن حكاية عن موسى وغيره من الأَنْبِيَاء صلوات الله وسلامه عليهم وعنفرعونوإبليس فإن ذلك كله كلام الله تعالى، إخباراً عنهم.\r\rوكلام الله غير مخلوق وكلام موسى وغيره من المخلوقين مخلوق، والقرآن كلام الله لا كلامهم، وسمع موسى ﵇ كلام الله تَعَالَى فلما كلم موسى كلمه بكلامه الذي هو له صفة في الأزل، وصفاته كلها خلاف صفات المخلوقين يعلم لا كعلمنا ويقدر لا كقدرتنا، ويرى لا كرؤيتنا ويتكلم لا ككلامنا) اهـ.\r\rهذا هو النص الموجود في الفقه الأكبر وفي شرحه للملا علي القاري أحد الحنفية المتأخرين المتوفي في القرن العاشر، وقد نقل المُصْنِّف هذا الكلام ليستدل به عَلَى أنه مطابق لما ذكره -أيضاً- الإمام الطّّحاويّ في المتن، فعندنا الإمامأبو حنيفة ﵀ الذي أصَّل المذهب الذي يُنتسب إليه الأحناف المتوفي سنة (١٥٠هـ) ، والإمام الطّّحاويّ ﵀ المتوفي سنة ٣٢١هـ والإمام ابن أبي العز هَؤُلاءِ الثلاثة هم من عمد المذهب، الأول إمام المذهب، والثاني من الأئمة المشهورين في عصره، والثالث كَانَ من كبار قضاة الحنفية بل وغيرهم في زمانه؛ لأنه وُلي ما يُسمى \"قاضي القضاة\"، أي رئيس القضاء الأعلى في البلد في أيام المماليك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689550,"book_id":1659,"shamela_page_id":676,"part":null,"page_num":676,"sequence_num":676,"body":"فهَؤُلاءِ الثلاثة يقولون قولاً واحداً وهو أن القُرْآن كلام الله غير مخلوق، ويخالفون في ذلك الماتريدية، وقلنا إن أبا منصور الماتريدي: رجل عاش في القرن الرابع في بلاد ما وراء النهر وينتسب إِلَى الإمام أبي حنيفة ﵀ في الفقه لكنه تعلق بعلم الكلام، وناظر المعتزلة وناقشهم وأكثر من مخالفتهم، وكان متأثراً بالمنهج الكلامي في الجملة، فخرج عن كثير مما قرره الإمام -أبو حنيفة ﵀، وأصبح الأحناف ينتسبون إليه في العقيدة وينتسبون إِلَى الإمام أبي حنيفة في الفقه.\rوالمصنف يريد هنا أن يبين أن الحنفية مخطئون عندما يتبعون أبا منصور، ويتركون كلام الطّّحاويّ، والإمام أبو حنيفة الذي ينتسبون إليه، فيأتي من الفقه الأكبر بما يدل عَلَى مطابقته لكلام الطّّحاويّ؛ لأن بعض الحنفية يشرحون العقيدة الطّّحاويّة شرحاً ماتريدياً، ويؤولون الألفاظ والكلمات التي جاءت فيها، ولا يستغرب ذلك لأنهم قد أولوا الآيات، وأولوا الأحاديث، فلا يستغرب أن يؤلوا أيضاً كلام الإمام الطّّحاويّ أو كلام الإمام أبي حنيفة لكن من كَانَ له فهم وعقل سليم فإنه يستطيع أن يقارن الكلام ويفهم، فهذا النص الذي قرأناه واضح كل الوضوح، في مخالفته لكلام الماتريدية.\rوالشراح المتأخيرن الذين شرحوا عقيدة الطّّحاويّ، وَقَالُوا: إن الإمام أبا حنيفة وأبا جعفر الطّّحاويّ يقولان بالكلام النفسي، وذلك أن في هذا النص كلمة وهي قول الإمام: [فلما كلم موسى كلمه بكلامه الذي هو له صفة في الأزل] قالوا: ومعنى ذلك: أن الإمام أبا حنيفة يقول: إن الله تَعَالَى لما كلم موسى كلَّمه بالكلام الذي هو من صفاته في الأزل وليس هناك من صفاته في الأزل إلا الكلام النفسي، أما الكلام الذي هو حروف وأصوات مسموعة فهذا ليس في الأزل، فحرفوا كلام الإمام مع أن أوله واضح كل الوضوح، أن القُرْآن كلام الله في المصاحف مكتوب وفي القلوب محفوظ وعلى الألسن مقروء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689551,"book_id":1659,"shamela_page_id":677,"part":null,"page_num":677,"sequence_num":677,"body":"وكذلك نص أكثر من مرة أن القُرْآن غير مخلوق وأنه كلام الله، وهم يقولون: كلام الله هو الكلام النفسي فقط، أما الحروف فإنها مخلوقة.\rفكلام الإمامأبي حنيفة ﵀ واضح في الرد عَلَى هذا القول، لكنهم وجدوا هذه الكلمة فأخذوا يحرفونها ويحرفون بها بقية الكلام، فأتى الإمام هنا ليرد عليهم، ويقول: إن قوله: [ولما كلم موسى كلمه بكلامه الذي هو له صفة في الأزل] يُعلم منه: أنه حين جَاءَ موسى، كلمه الله تَعَالَى لا أنه لم يزل ولا يزال أبداً يتكلم؛ لأن كلمة (في الأزل) مضمونها أن الله ﷾ اتصف بهذه الصفة في الأزل، ولو كَانَ عَلَى كلامهم أن الصفة التي في الأزل كلم بها موسى، لكان لا يزال وما يزال أبداً وأزلاً ينادي يا موسى يا موسى يا موسى، وهذا لا يقول به عاقل.\rوإنما لما جَاءَ موسى كلمه، وهنا تكون الخصوصية لموسى ﵇ أنه سمع كلام الله، أما إذا كَانَ كلام الله هو ما في نفسه، والذي سمعه موسى كلاماً مخلوقاً خلقه الله، فإنه لا ميزة لموسى بكونه كليم الله؛ لأن الله خلق الكلام في عمرو وفي زيد وفي فلان وفلان وأنا أسمع كلام الله الذي خلقه في فلان وفلان عَلَى قولهم، فعلى هذا ليس هناك أي فرق بين موسى ﵇ وبين أي إنسان آخر، إلا أن يكون موسى سمع كلام الله ﷿ وكلمه وليس بينه وبين موسى ترجمان ولا واسطة، فإذاً هذا الكلام يرد عَلَى قول الماتريدية، والحنفية المتأخرين عموماً.\r\rفقولهم -كما يقول المصنف-: إنه معنى واحد قائم بالنفس لا يتصور أن يسمع، وإنما يخلق الله الصوت في الهواء) فيقولون: من المُحال أن يسمع كلام الله، لأن كلام الله صفة أزلية قائمة بنفسه تعالى، فكيف يمكن لأحد أن يسمع شيئاً في نفس الباري جل شأنه؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689552,"book_id":1659,"shamela_page_id":678,"part":null,"page_num":678,"sequence_num":678,"body":"لا يمكن هذا أبداً، فالإمام أبو حنيفة ينص عَلَى أن الله كلم موسى ﵇ كما هو في القرآن، ويقول الماتريدي: إن الله يخلق صوتاً في الهواء فيسمعه المخاطب فيقول هذا كلام الله، فيقول المُصْنِّف رداً عليه: أين الدليل عَلَى أن الله خلق الصوت في الهواء؟ من كَانَ منكم حاضراً من أهل الكلام عندما كلَّم الله ﵎ موسى حتى تقولوا إن الله خلقه في الهواء! فهذا من التحريف والقول عَلَى الله بغير علم ومن الافتراء عليه ﷾.\rفيقولون: لم يكن متكلماً ولكن حدث له الكلام بعد ذلك، فيقول المصنف: إن هذا الكلام من أبي حنيفة هو رد عَلَى أُولَئِكَ لأنه قَالَ: إنه القُرْآن كله كلام الله ﷾، ثُمَّ ذكر أنه كلم موسى بكلامه الذي هو له صفة وذكر أن الله تَعَالَى متصف بهذا الكلام في الأزل، وأنه يتكلم متى شاء كيف شاء، فهذا هو الرد عَلَى من يقول: إنه حدث له الكلام بعد أن لم يكن متكلماً تَعَالَى الله عن ذلك علواً كبيراً.\rفاتضح بذلك أن كلام الإمام أبو حنيفة موافق لما عليه أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ وكذلك الإمام أبو جعفر الطّّحاويّ وهو الذي رجحه هنا، وأن بقية الأقوال مرجوحة.\r\rالرد على من زعم أن أبا حنيفة قال: (لفظي بالقرآن مخلوق)\rأما قول الإمام أبو حنيفة ﵀ في قوله: (القرآن كلام الله) حيث قَالَ: (لفظنا بالقرآن مخلوق، وكتابتنا له مخلوقة، وقراءتنا له مخلوقة، والقرآن غير مخلوق) فهذه الكلمة لا بد أن تشرح وأن يعقب عليها؛ لأن الإمام أَحْمَد ﵀ قَالَ: (ومن قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي. ومن قال لفظي بالقرآن غير مخلوق فهو مبتدع) والإمام أبو حنيفة يقول هنا: (لفظي بالقرآن مخلوق) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689553,"book_id":1659,"shamela_page_id":679,"part":null,"page_num":679,"sequence_num":679,"body":"فنقول: أولاً: أننا لا نستطيع أن ننسب إِلَى الإمام أبي حنيفة كل كلمة وردت في كتابالفقه الأكبر، وإنما الراجح المؤكد أنأبا مطيع البلخي أدخل كلمات كثيرة ضمن كلام الإمام أبي حنيفة ومن الأدلة عَلَى ذلك هذه الكلمة (لفظي بالقرآن مخلوق) ؛ لأن الكلام في قضية اللفظ: هل يُقال مخلوق أو غير مخلوق؟ لم يحدث إلا بعد حدوث الفتنة بفترة، أي: بعد سنة مئتين وعشرة هجرية.\rوالإمامأبو حنيفة ﵀ توفي سنة مائة وخمسين هجرية، فلا يمكن أن يتكلم الإمام أبو حنيفة بشيء لم يكن قد وقع الخلاف فيه بعد، وإنما حدث هذا الكلام في بداية أيام المعتزلة الأوائل الذين كانوا قبله أو معاصرين له، فبدؤا يثيرون هذا الكلام بينهم، ولكن لم يصل الأمر إِلَى حد أن يتعمقوا في مسائل خلق القُرْآن وعدمها إِلَى أن يصلوا إِلَى القول بأن اللفظ مخلوق أو غير مخلوق، إذاً: لا يصح ذلك عن أحد من الأئمة قبل وقوع الفتنة.\rثانياً: أن هذه العبارة تحتمل معنىً خطأً ومعنىً صواباً والإمام أَحْمَد ﵀ يريد بقوله: \"من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال لفظي بالقرآن غير مخلوق فهو مبتدع\" أن يقطع ويحسم المادة نهائياً فلا يقول أحد لفظي بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق ولهذا قال بعضهم: حيَّرنا هذا الرجل ماذا نقول؟ إن قلنا: مخلوق لا يرضى، وإن قلنا: غير مخلوق لا يرضى إذاً ما الذي يرضيه؟!\r\rنقول: إن الذي يرضي الإمام أَحْمَد ﵁ ويرضي علماء السلف هو ما يرضي الله ورسوله وهو أننا نقف عند كلام الله ورسوله ولا نزيد عليه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689554,"book_id":1659,"shamela_page_id":680,"part":null,"page_num":680,"sequence_num":680,"body":"فنقول: القُرْآن كلام الله غير مخلوق ونثبت لله ﷾ هذا الكلام وننفي عنه ما أثبته له المبتدعة وغيرهم، ولا نجاوز ذلك إِلَى أن نتعمق في أمور أخرى هذا هو الأصل الذي كَانَ يريده الإمام أَحْمَد بذلك؛ لكن لما أن توسع النَّاس في هذا الكلام وتجادلوا واختلفوا فحينئذ لا بد أن نفهم ما الذي كَانَ يريده الإمام أَحْمَد بهذه الكلمة وما حكم من يقولها.\r\rذكر الإمام أَحْمَد ﵀ أن الجهمية يقول أحدهم: لفظي بالقرآن مخلوق، وهم يريدون أن نقر بأن القُرْآن مخلوق؛ لأن الجهمية والمعتزلة والأشعرية -كلهم يسمون جهمية - لا يثبتون لله ﷾ صفة الكلام، ويقولون: إن القُرْآن مخلوق، والقرآن هو ما نقرؤه ونحفظه ونكتبه، ومع ذلك يقولون: لفظي بالقرآن مخلوق، ومعنى كلامهم أن القُرْآن مخلوق فيتوصل بهذه التورية إِلَى أن يقول عقيدته ويجاهر بها، فالإمام أَحْمَد ﵀ تنبه لهذا فقَالَ: من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي.\rولكن الآخرين الذين قالوا: لفظنا بالقرآن غير مخلوق فهَؤُلاءِ وقعوا في بدعة أخرى، أرادوا أن ينزهوا كلام الله ولكنهم وقعوا في بدعة لم يقلها أحد من سلف الأمة؛ لأنه لم ينزه الله تَعَالَى بهذه اللفظة أحداً؛ لأن كلام البشر مخلوق، ولأن قراءة وكتابة البشر مخلوقة، فإذا قال السُني -الذي يقول لفظي بالقرآن غير مخلوق- يقصد من ذلك: أن كلام الله تَعَالَى الذي أقرأه غير مخلوق، لكن يأتي الجهمي فَيَقُولُ: انظروا إِلَى هَؤُلاءِ الذين يقولون: إن حروفهم وأصواتهم أزلية وتعرفون أن الأشعرية ٢٠٠٠٠٠١>الجهمية - والمعتزلة يقولون: إن الحنابلة والحشوية يقولون: المداد قديم، والورق قديم، ولفظهم قديم وقد علق بعضهم في شرح عَلَى العقائد العضدية فقَالَ: فما بقي إلا أن يقولوا: إن الكاتب أزلي قديم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689555,"book_id":1659,"shamela_page_id":681,"part":null,"page_num":681,"sequence_num":681,"body":"فهم يعيبون أهل السنة ويسمونهم حشوية؛ لأنهم يقولون إن قراءتنا للقرآن لا تنفي عنه أنه كلام الله ولا يخرجه من كونه كلام الله. وكلام الله ﷾ أزلي قديم، فيقولون: أنتم تقولون حروفكم أزلية، والمداد المكتوب به أزلي، إذاً: كل شيء أزلي حتى الكاتب فأنتم خرجتم وجئتم بكلام لا يقبله أي عاقل عَلَى الإطلاق.\rومقصود أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ ليس هو هذا، وإنما مقصودهم: أن القُرْآن الذي نقرؤه نحن، سواء كَانَ مقروءاً بألسنتنا أو مكتوبا بأيدينا فهو غير مخلوق، ولا يعنون نفس الكتاب والمداد ونفس الحروف التي نخرجها من أفواهنا، وإنما يقصدون بذلك المضمون الذي هو القُرْآن نفسه كلام الله ﷿، فالإمام أحمد ﵀ لا يريد هذا ولا ذاك، وإنما نقف حيث وقف السلف الصالح.\rلكننا نفصل القول ونبين فنقول: من قال لفظي بالقرآن مخلوق ويقصد بذلك أن قراءته وحروفه أو أصواته مخلوقة، فهذا صحيح ومن قَالَ: لفظي بالقرآن مخلوق أي: أن القُرْآن مخلوق -ولا قرآن إلا هذا الذي نقرأه ونتلفظ به- وليس لله ﷾ صفة التكلم وإنما كلامه الذي خلقه فينا أو في الشجرة أو غيرها فهذا جهمي.\r\rوكذلك الذي يقول: إنه غير مخلوق، نقول: إن كَانَ يريد بقوله: غير مخلوق، الكلام النفسي، فهو غير مخلوق فهذا الكلام صحيح، وإن كَانَ يريد به كلامه وأصواته وقراءته هو له، فهذا مردود؛ لأن القُرْآن يطلق ويراد به القراءة، ويطلق ويراد به ما في المصحف الذي هو كلام الله (المقروء) .\rوكلمة قرآن في اللغة العربية: مصدر قرأ يقرأ قراءة وقرأ قرءاناً، وجاء ذلك في شعر العرب كقول أحدهم:\r\rيقطع الليل تسبيحاً وقرآناً","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689556,"book_id":1659,"shamela_page_id":682,"part":null,"page_num":682,"sequence_num":682,"body":"أي يقطع الليل تسبيحاً وقراءةً؛ بل جَاءَ ذلك في كتاب الله ﷿ حيث يقول الله ﵎: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ َ مَشْهُوداً [الإسراء: ٧٨] أي: قراءة الفجر، ليس المقصود هنا القُرْآن الذي هو كلام الله، بل قرآن الفجر: قراءته، وأيضاً منه قول النبي ﷺ: (زينوا القُرْآن بأصواتكم) أي: زينوا قراءتكم بالتجويد والترتيل، ويأتي القُرْآن بمعنى كلام الله كما قال الله تعالى: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ [الواقعة:٧٧] أي كلام الله ﷿ فالذي يقصد القراءة فالقراءة مخلوقة بلا شك، والذي يقصد القُرْآن الذي هو كلام الله فكلام الله غير مخلوق بلا شك.\r\rقَالَ المُصنِّفُ ﵀:\r[وبالجملة فكل ما تحتج به المعتزلة مما يدل عَلَى أنه كلام متعلق بمشيئته وقدرته، وأنه يتكلم إذا شاء، وأنه يتكلم شيئاً بعد شيء، فهو حق يجب قبوله، وما يقول به من يقول: إن كلام الله قائم بذاته، وإنه صفة له، والصفة لا تقوم إلا بالموصوف، فهو حق يجب قبوله والقول به، فيجب الأخذ بما في قول كل من الطائفتين من الصواب، والعدول عما يرده الشرع والعقل من قول كل منهما] اهـ.\rالشرح:\r\rذكر المُصنِّفُ ﵀: أن المعتزلة قالوا: إن القُرْآن مخلوق، ثُمَّ قالوا بعد ذلك: إنه يتعلق بقدرته ومشيئته، أي أنه متى شاء خلق الكلام، ثُمَّ قالوا: إنه يتكلم متى شاء، وأنه يتكلم شيئاً بعد شيء، ومعنى هذا: أنه يخلق الكلام متى شاء شيئاً بعد شيء.\r\rتوضيح كلامهم وشرحه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689557,"book_id":1659,"shamela_page_id":683,"part":null,"page_num":683,"sequence_num":683,"body":"ولتوضيح كلامهم عندنا مقدمتان أولاً: قولهم: إن الكلام مخلوق، وثانياً: قولهم: إنه يكون شيئاً بعد شيء، وأنه متعلق بالقدرة والمشيئة؛ فنأخذ الصواب ونرد الخطأ، فأما قولهم: إنه تَعَالَى يتكلم متى شاء، ويكون كلاماً بعد كلام فهو صحيح، لكنهم اخطاؤا باعتباره مخلوقاً، أي: لما قالوا إنه مخلوق، والماتريدية والأشعرية لما عكسوا فَقَالُوا: إن الكلام هو ما في النفس فقط.\r\rوبناءً عَلَى ذلك قالوا: إنه ما دام أنه في النفس فهو صفة له ﷾ مثل بقية الصفات التي نثبتها لله ﵎، وأن الصفة لا تقوم إلا بالموصوف لا كما يقول المعتزلة: إن الصفة تقوم بغيره!\rنقول لهم: إثباتكم أنه تَعَالَى موصوف بالكلام والتكلم وأنه صفة أزلية له ﷾ هذا حق لكنكم نفيتم الكلام الذي هو حروف وأصوات وقلتم: إن القُرْآن هذا المحفوظ والمقروء حكاية، أو عبارة عن كلام الله، أو دلالة عَلَى كلام الله النفسي، وليس هو كلام الله عَلَى الحقيقة، فنقول -كما نقول دائماً-: إن أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ لا يظلمون أية طائفة ولا فرقة من الفرق؛ بل يبينون ما عندها من الخطأ وما عندها من الصواب، فهم شهداء لله قائمون بالقسط لا يحيفون ولا يجورون في أحكامهم. فلذلك نقول للمعتزلي قد أصبت في هذا، ولكنك أخطأت في ذاك ونقول للأشعري والماتريدي: أحسنت في هذا، ولكنك أخطأت في ذاك، ولا نقول: إنه يجب الأخذ بما في قول كُلٍ منهما بمعنى أننا لم نعرف الحق إلا عن طريقهما.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689558,"book_id":1659,"shamela_page_id":684,"part":null,"page_num":684,"sequence_num":684,"body":"فمقصود المُصْنِّف ﵀ هنا أنه يجب الاعتراف أو الإقرار بما في قول أي منهما من الحق، وليس المعنى: أنه يجب الأخذ بما في قول كل من الطائفتين من الصواب وأنه يجب علينا أن نتبع ما قالته المعتزلة أو الأشعرية من الصواب؛ لأننا في غنى فالحق والصواب لا يمكن أن يخرج عن أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ فما كَانَ صواباً لدى أية فرقة من الفرق فإنه موجود عند أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ لكن ما عند أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ.. من الصواب ومن الحق لا يوجد عند أية فرقة من الفرق. فقول المصنف: [يجب الأخذ بما في قول كل منهما] أي الإقرار بصحته.\r\rولا نقول: كل كلام المعتزلة باطل، ولا كل كلام الأشعرية باطل، بل نقول: إثبات اتصاف الله ﷿ بالكلام صفة ذاتية وصفة أزلية، هذا حق كما قالت الأشعرية، وكما قالت الماتريدية ونقول: إن كونه تَعَالَى يتكلم متى شاء كيف شاء، وأن كلامه يأتي بعد كلام، وأن خطابه لموسى ﵇ غير خطابه للملائكة، وغير خطابه لآدم، والقرآن غير التوراة والإنجيل والإنجيل غير التوراة وهكذا هذا أيضاً حق وصواب، فنأخذ الصواب ونرد الخطأ والباطل من أي كان، وهذا منه ﵀ مشياً مع مذهب أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ الذين هذا شأنهم ودينهم في كل أمر من الأمور، لا يجورون ولا يحيفون في أحكامهم رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُم.\rقيام الحوادث بالله من الألفاظ المجملة\rقَالَ المُصْنِّفُ ﵀:\r[فإذا قالوا لنا: فهذا يلزم أن تكون الحوادث قامت به.\r\rقلنا: هذا القول مجمل، ومن أنكر قبلكم قيام الحوادث بهذا المعنى به تَعَالَى من الأئمة؟ ونصوص القُرْآن والسنة تتضمن ذلك، ونصوص الأئمة أيضاً مع صريح العقل] اهـ.\rالشرح:\rإذا قال أهل البدع: يلزم من إثبات أنه تَعَالَى يتكلم متى شاء كيف شاء أن تقوم به الحوادث وقيام الحوادث ممتنع","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689559,"book_id":1659,"shamela_page_id":685,"part":null,"page_num":685,"sequence_num":685,"body":"فنقول لهم أولاً: إن كلمة قيام الحوادث كلمة مجملة وطريقة أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ في أمور العقيدة في الدين: أنه إذا جَاءَ أحد بلفظ مجمل نقول له فصِّل ما تقول: فإن أتى بمعنى حسن قبلنا منه ذلك المعنى وقلنا: المعنى هذا صحيح ومقبول، ولكنَّ يجب أن تستخدم اللفظ الشرعي الصحيح فلا تقل: قيام الحوادث بالله تعالى، وقل كما قال الله ﷿: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:١١] هذا الذي نقوله: ما قاله الله ورسوله ﷺ، وإن قَالَ: أعني بقيام الحوادث أنه يغضب ويرضى ويضحك وينزل فنقول: هذا المعنى غير صحيح وغير مقبول عندنا،\rوالمصنف يقول لهم هنا: من أنكر قبلكم قيام الحوادث بهذا المعنى الصحيح الذي لا مشابهة ولا تمثيل فيه؛ لأن الله ﷾ هو الذي وصف نفسه بأنه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:١١] وهو الذي أخبرنا عن نفسه أنه كلم الملائكة وكلَّم موسى ويكلم من يشاء من عباده ﷾ فليس فيه تشبيه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689560,"book_id":1659,"shamela_page_id":686,"part":null,"page_num":686,"sequence_num":686,"body":"فنقول: من الذي أنكر قبلكم هذا المعنى والنصوص وكلام الأئمة تدل عليه؟ هذه بدعة محدثة أول من أحدثها هم أهل الكلام؛ وإلا فغيركم من الأئمة ممن تقدمكم من أهل الفضل والتقى الذين يقتدى بهم كانوا عَلَى ما في القُرْآن والسنة وقرؤا الآيات والأحاديث في ذلك ولم ينكروا منها شيئاً أو يردوا أو يؤولوا أي شيء، فأنتم ابتدعتم في دين الله ما لم يأذن به الله، فنرد هذه الكلمة وهذا المعنى، فلا تقولوا: قيام حوادث ولا هذه أعراض والأعراض لا تلحق به ولا تقولوا: حيز ولا جوهر ولا عرض ولا كمية ولا غيرها من المصطلحات الكلامية، فهذا الكلام هذا كله مما أخذتموه عن الفلاسفة ومما لاتفهم عقولكم غيره، أما نَحْنُ فنؤمن بالله كما أخبر الله ﵎، ونعلم أن العقول عاجزة عن إدراك حقيقة صفات الله ﷿ كما أنها لا تدرك ذاته ﵎.\r\rقَالَ المُصنِّفُ ﵀:\r[ولا شك أن الرسل الذين خاطبوا الناس، وأخبروهم أن الله قال ونادى وناجى ويقول، لم يفهموهم أن هذه مخلوقات منفصلة عنه؛ بل الذي أفهموهم إياه: أن الله نفسه هو الذي تكلم، والكلام قائم به لا بغيره، وأنه هو الذي تكلم به وقاله، كما قالت عَائِِِشَةَ ﵂ في حديث الإفك: (ولشأني في نفسي كَانَ أحقر من أن يتكلم الله فيّ بوحي يتلى) ولو كَانَ المراد من ذلك كله خلاف مفهومه، لوجب بيانه، إذ تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، ولا يعرف في لغة ولا عقل قائل متكلم لا يقوم به القول والكلام، وإنما قام الكلام بغيره، وإن زعموا أنهم فروا من ذلك حذراً من التشبيه فلا يثبتوا صفة غيره.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689561,"book_id":1659,"shamela_page_id":687,"part":null,"page_num":687,"sequence_num":687,"body":"فإنهم إذا قالوا: يعلم لا كعلمنا، قلنا: ويتكلم لا كتكلمنا وكذلك سائر الصفات وهل يعقل قادر لا تقوم به القدرة، أوحي لا تقوم به الحياة وقد قال ﷺ: (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق) فهل يقول عاقل: إنه ﷺ عاذ بمخلوق؟\rبل هذا كقوله: (أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك) .\r\rوكقوله: (أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر) .\r\rوكقوله: (وأعوذ بعظمتك أن نغتال من تحتنا) كل هذه من صفات الله تعالى.\rوهذه المعاني مبسوطة في مواضعها وإنما أشير إليها هنا إشارة] اهـ.\rالشرح:\rومما يبين أن القُرْآن غير مخلوق وأنه كلام الله: أن الأَنْبِيَاء جميعاً كما ذكر المُصنِّفُ ﵀: أخبروا أممهم بأن ربهم ﵎ كلمهم، وبينوا ذلك للناس، وأن الوحي الذي أنزل عليهم إنما هو كلامه ﵎ ولم يقل نبي من الأَنْبِيَاء حتى مُحَمَّد ﷺ: إن كلام الله مخلوق خلقه الله منفصلاً عنه وإنما كَانَ الصحابة -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُم- يفهمون من قولهم: كلام الله أنه ﷾ يتكلم كلاماً يليق بجلاله.\rمقولة عائشة بعد نزول القرآن فيها بتبرئتها\rولقد فهمت أم المؤمنين عَائِِِشَةَ -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْها- كما جَاءَ في حديث الإفك الطويل أنها كانت تتوقع براءتها لأنها تعلم أنها بريئة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْها، وبرأها الله وطهرها، ولعن من رماها بالإفك قديماً أو حديثاً لعناً كبيراً، فعندما برأها الله لم تكن تتوقع أن ينزل الله ﷾ فيها قرآناً يتلى إِلَى قيام الساعة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689562,"book_id":1659,"shamela_page_id":688,"part":null,"page_num":688,"sequence_num":688,"body":"ولم تكن تظن أن مسلماً يُؤمن بالله ورسوله يتهمها بالفاحشة عياذاً بالله، فربما وإن اتهمها المنافقون الذين اتهموها في عصره ﷺ؛ لكنها لا يمكن أن تتخيل أنه يأتي لهَؤُلاءِ المنافقين من يعقبهم ويخلفهم في هذا القول ويقتدي بهم وهو ينتسب إِلَى الإسلام وإلى أمة مُحَمَّد ﷺ، فكانت ترى أن الأمر أقل وأحقر من أن ينزل فيها قرءاناً.\rلكن العجيب أنه بعد أن أنزل الله فيها القُرْآن لا يزال الرافضة قبحهم الله ولعنهم يتهمون أم المؤمنين عَائِِِشَةَ ﵂ ويكذِّبون كلام الله وينسبون إليها ما برأها الله ﵎ منه وهذا من أعجب العجب.\rوليس العجب من شأنهم هم، فإن أعداء الإسلام من يهود ومجوس يفترون عَلَى الله ورسوله وأصحابه مثل ذلك وأعظم، ولكن أشدُّ العجب هو ممن يسمعهم يقولون ذلك في حق أم المؤمنين ويقرأ ذلك في كتبهم ومع ذلك يخطر بباله أن هَؤُلاءِ من أهل القبلة والعياذ بالله.\rفتقول ﵂: (لشأني في نفسي أحقر من أن يتكلم الله فيّ بوحي يتلى)\rوالشاهد مما في مقامنا هنا هو: أن الأَنْبِيَاء -صلوات الله وسلامه عليهم- علَّموا أممهم وعلموا أصحابهم أنه -جل شأنه- يتكلم بالوحي وأن هذا الكلام هو الذي يقرأ وهو الذي يتلى، فالآيات التي نزلت في براءتها في سورة النور مثلها في ذلك مثل سائر القرآن، كله كلام الله ﷿ أنزله وحياً يُتلى، فنحن نتلوه ونقرأه وهو كلامه جل شأنه.\r\rفلو أن ما تقوله الأشعرية وغيرهم هو الحق، لَمَا جاز للأنبياء أن يسكتوا عن بيانه؛ بل الواجب عليهم أن يقولوا للناس: إذا قرأتم آية فيها كلام الله، أو أن الله يتكلم، فأولوها بأنه خلقه، أو أن الشجرة هي التي تكلمت به أو غير ذلك!!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689563,"book_id":1659,"shamela_page_id":689,"part":null,"page_num":689,"sequence_num":689,"body":"وإن لم يقولوا أو يبينوا للناس هذا، فما بلغوا رسالة الله كما قال تعالى: وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاس [المائدة:٦٧] فأمر الله تَعَالَى النبي ﷺ أن يبلغ ما أنزل إليه من ربه وحفظه وعصمه من النَّاس حتى لا يمنعه الخوف، فَيَقُولُ: لو بلغت لربما آذوني أو قتلوني. فالأذى يحصل لكنه ابتلاء ولم يصل إِلَى حد القتل؛ لكن الله ﷿ أمره فقَالَ: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة: ٧] فإن لم يقولوا ولم يفعلوا لكانوا كاتمين غير مبلغين للحق، وحاشاهم من ذلك وسيدهم ﷺ: هو الذي بلغ ما أنزله إليه ربه، فتركنا عَلَى البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك.\rيقول المصنف: [ولا يعرف في لغة ولا عقل، قائل متكلم لا يقوم به القول والكلام] سبق أن بينا ذلك وقلنا: المتكلم هو من فعل الكلام، أما إذا قلنا: إن المتكلم هو من قام الكلام بغيره، فأنا أتكلم الآن، ويمكن أن ينسب كلامي هذا إِلَى فلان والآخر إِلَى فلان لأنه قام الكلام بغيره، فهذا لا يقول به عاقل لكن كما قال الإمام أبو حنيفة: يتكلم لا ككلامنا، ويعلم لا كعلمنا، ويقدر لا كقدرتنا، ويرى لا كرؤيتنا.\r\rقال المصنف رحمه الله تعالى:\r[وكثيرٌ من متأخري الحنفية على أنه معنى واحد، والتعددُ والتكثر والتجزي والتَّبَعُّضُ في الحاصل في الدّلالات، لا في المدلولِ، وهذه العبارات مخلوقة، وسميت \"كلام الله\" لدلالتها عليه وتأديه بها، فإن عُبِّرَ بالعربية فهو قرآن، وإن عُبِّرَ بالعبرية فهو توراة، فاختلفت العبارات لا الكلام، قالوا: وتسمى هذه العبارات كلام الله مجازاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689564,"book_id":1659,"shamela_page_id":690,"part":null,"page_num":690,"sequence_num":690,"body":"وهذا الكلام فاسد، فإن لازِمَهُ أن معنى قوله: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى [الإسراء:٣٢] هو معنى قوله: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ [البقرة:٤٣] . ومعنى آية الكرسي هو معنى آية الدين! ومعنى سورة الإخلاص هو معنى تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [المسد:١] وكلما تأمل الإنسان هذا القول تبين له فساده وعلم أنه مخالف لكلام السلف.\r\rوالحقُّ أن التوراةَ والإنجيلَ والزبورَ والقرآنَ من كلام الله حقيقة، وكلامُ الله تعالى لا يَتَنَاهى، فإنه لم يَزَلْ يتكلم بما شاء إذا شاء كيف شاء، ولا يَزَالُ كذلك، قال تعالى: (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً [الكهف:١٠٩] وقال تعالى: وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [لقمان:٢٧] .\r\rولو كان ما في المصحف عبارةً عن كلام الله وليس هو كَلامَ الله لما حرم على الجنب والمحدث مسه، ولو كان ما يقرؤه القارئ ليس كلام الله لما حرم على الجنب قراءة القرآن.\r\rبل كلامُ الله محفوظ في الصدور مقروء بالألسن، مكتوب في المصاحف كما قال أبو حنيفة ﵀ في الفقه الأكبر وهو في هذه المواضع كلها حقيقة.\r\rوإذا قيل المكتوب في المصحف كلام الله فهم منه معنى صحيح حقيقي.\r\rوإذا قيل: فيه خط فلان وكتابته، فُهم منه معنى صحيح حقيقي.\r\rوإذا قيل: فيه مداد قد كتب به فهم منه معنى صحيح حقيقي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689565,"book_id":1659,"shamela_page_id":691,"part":null,"page_num":691,"sequence_num":691,"body":"وإذا قيل: المداد في المصحف كانت الظرفية فيه غير الظرفية المفهومة من قول القائل: فيه السماوات والأرض، وفيه محمد وعيسى، ونحو ذلك. وهذان المعنيان مغايران لمعنى قول القائل: فيه خط فلان الكاتب، وهذه المعاني الثلاثة مغايرة لمعنى قول القائل: فيه كلام الله. ومن لم يتنبه للفروق بين هذه المعاني ضل ولم يهتد للصواب] اهـ.\rالشرح:\rهذا المذهب الذي أشار إليه المصنف -رحمه الله تعالى- هو ما ذهب إليه كثير من متأخري الحنفية وهو أن كلام الله ﷿ معنى واحداً ولكن تختلف العبارات فيه، وقد سبق شرح هذا الكلام، فمتأخري الحنفية هم في الحقيقة على مذهب ابن كلاب والأشعري ولم يأتوا في هذا الباب بجديد، وإنما قد تختلف بعض العبارات في التعبير، ولكن الفكرة والغاية واحدة فهم يقولون: إن التعدد والتكثر والتجزء والتبعض حاصل في الدلالات لا في المدلول.\r\rفدَلالة أو دِلالة أو دُلاله بتثليث الدال هي: الألفاظ، والمدلول هو: المعنى.\r\rفيقولون: إن التبعض والتكثر حاصل في الدلالات في الألفاظ التي عُبِّر عنها، سواء قلنا الذي عبر عنها هو جبريل، أو محمد ﷺ أو أن الله ﷿ خلق التعبير عنها، لكنها في ذاتها شيء واحد، أي: أن كلام الله عندهم صفة ومعنى قائم في ذاته ﷾.\r\rفمثلاً التوراة والإنجيل والقرآن هذه كتب مختلفة وعبارات متنوعة فآية الكرسي وآية الدين وسورة الإخلاص وتَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [المسد:١] إلى آخر هذه العبارات ألفاظها مختلفة، لكنهم يقولون: الأصل أن المعنى واحد ولا فرق فيه بين خبر ونهي ولا توراة ولا إنجيل ولا قرآن من حيث المدلول، أي: أن المعاني واحدة، لكن عند التعبير سواء كان المعبر هو جبريل، أو محمد ﷺ، أو أن الله خلق هذا اللفظ الذي يعبر عن الكلام الذي في نفسه-أو في ذاته- عند هذا تختلف العبارات وتختلف الدلالات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689566,"book_id":1659,"shamela_page_id":692,"part":null,"page_num":692,"sequence_num":692,"body":"فيقولون: العبارات مخلوقة، سواءً كانت خلقاً خلقه الله منفصلاًُ، أو من كلام جبريل أو محمد، فهي مخلوقة، ويقولون: سميت كلام الله؛ لأنها دالة عليه ومؤدية لمعناه، فيفهم كلام الله الذي هو المعنى النفسي القائم به من خلال هذه العبارات والحكايات والألفاظ الدالة عليه، وتسميتها كلام الله من قبيل المجاز، فالكلام شيء واحد، والعبارات مختلفة، وكلها مخلوقة، ويطلق عليها كلام الله على سبيل المجاز؛ لأنها تدل على كلام الله ﷿، هذا ملخص مذهب الحنفية المتأخرين، وهو مذهب غيرهم كالأشاعرة وأمثالهم.\rالرد على من يقول بأن كلام الله معنى واحد\rلقد رد المُصْنِّف هنا عليهم بردود سهلة لكل ذي عقل وبصيرة، فَيَقُولُ: [وهذا الكلام فاسد فإن لازمه أن معنى قوله وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى هو معنى قوله: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ ومعنى آية الكرسي هو معنى آية الدين، ومعنى سورة الإخلاص هو معنى تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَب [المسد:١] .\rوهذا القول لا يقول به عاقل ولا دليل عليه مطلقاً، فليس هناك من داع يدعو إِلَى هذا القول إلا مأزق كلامي أو أغلوطة ألقاها الشيطان في أنفسهم وعجزوا عن جوابها؛ حتى لا يثبتوا أن الحوادث تحل بالله وهذا يقتضي المماثلة والمشابهة وغيرها من التعليلات؛ فهل معنى آية الكرسي هو معنى آية الدين؟! من المعلوم أن آية الكرسي أفضل وأعظم آية في كتاب الله ﷿، وهي تتعلق بصفات الله تعالى، وآية الدين تتعلق بالأحكام، وكذلك هل معنى سورة الإخلاص قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ هو نفس معنى تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ وبينهما من الفرق ما يعرفه كل عاقل! فهما مختلفتان تماماً في المعنى واللفظ، فلا حاجة إِلَى هذا القول الذي يظهر لمن تأمله سقوطه وبطلانه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689567,"book_id":1659,"shamela_page_id":693,"part":null,"page_num":693,"sequence_num":693,"body":"وأما التوراة والإنجيل والزبور والقرآن وكلام الله جملة فبين المُصْنِّف ﵀ أن هذه الكتب جميعاً هي كلام الله ﷿ فهو ﵎ لم يزل يتكلم بما شاء متى شاء وكيف يشاء، يتكلم مع ملائكته الذين يصعدون كل يوم إليه -جل وعلا- بأعمال العباد فيسألهم عنها وهو بهم أعلم، ويتكلم بالأمر الذي يريد أن يقضيه مع من شاء من ملائكةٍ آخرين. فتخر الملائكة صعقاً من خشيته وهيبته، ثُمَّ يَوْمَ القِيَامَةِ يتكلم مع من يشاء من عباده، فقد تكلم الله بالتوراة وبالإنجيل وبالقرآن وتكلم فيما مضى ولا يزال يتكلم.\rوالتكلم: صفة فعلية لله ﷿، لكن عَلَى كلامهم أنه معنى واحد في الأزل موجود، وإنما تختلف العبارات، إذا فكيف يمكن الجمع بين هذا الذي ثبتت به النصوص، وبين قولهم: إنه معنىً واحد؟ لا يمكن هذا!! لكنهم لو اتبعوا كلام الله ورسوله وآمنوا بأن هذه النصوص هي الحق والصواب، وأن الله تَعَالَى يتكلم بما شاء متى شاء كيف شاء، لما وقعوا في هذه الخلط. ويستدل المُصْنِّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- عَلَى ذلك بقوله تعالى: قُلْ لَوْ كَانَ َ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً فكلمات الله ﵎ لا تتناهى، فكيف يجعلون لها معنىً واحداً فقط؟!\r\rوأيضاً قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [لقمان:٢٧] فهذا دليل آخر عَلَى أنها لا تتناهى، فكيف تكون معنى واحداً؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689568,"book_id":1659,"shamela_page_id":694,"part":null,"page_num":694,"sequence_num":694,"body":"ثُمَّ يستدل ببعض الأدلة الفقهية العقلية فَيَقُولُ: [ولو كَانَ ما في المصحف عبارة عن كلام الله وليس هو كلام الله؛ لما حرم عَلَى الجنب والمحدث مسه] لأنه لو كَانَ مجرد معنى كلام الله ﷿ فهو إذا كَانَ معنىً مخلوقاً مثل سائر المعاني، ومثل كلام البشر الآخرين، فلماذا اختص وحده بأنه يحرم عَلَى الجنب والمحدث أن يمسه؟ لو جئنا بإنسان وكتب عن معنى من معاني سورة من السور كما يفهمها هو في ورقة.\r\rفإن هذه الورقة يمكن لأيِّ إنسان أن يمسها ولو كَانَ جنباً؛ لأنه ليس فيها كلام الله، إنما فيها المعاني التي يدل عليها كلام الله ﷿، فهناك فرق بين حقيقة نفس كلام الله ﷿، وبين معانيه التي يدل عليها، ويقول أيضاً: [لو كَانَ ما يقرؤه القارئ ليس كلام الله لما حرم عَلَى الجنب والمحدث قراءة القرآن] وبالأخص الجنب.\rفنفس الدلالة واحدة، أي: لو كَانَ هذا القُرْآن مجرد معانٍ، فإن المعاني يجوز أن يقرأها الإِنسَان أو يمسها عَلَى آية حال كان؛ لكن حقيقة كلام الله المقروء الذي في المصحف فإنه لا يقرأ، ولا يمس إلا عَلَى طهارة كما هو مذهب المُصْنِّف ورجحه هنا.\r\rكلام الله حقيقة وليس مجازاً\rفالمقصود بهذا الكلام الاستدلال به عَلَى أن القُرْآن كلام الله حقيقة، وأما المعاني فهي معاني هذا الكلام، وليس ما في المصحف هو معنى الكلام والمدلول هو في ذات الله ﷾ كما يذهب إِلَى ذلك الخلف عموماً، ويقول: [بل كلام الله محفوظ في الصدور، مقروء بالألسن، مكتوب في المصاحف كما قال ذلك أبو حنيفة في الفقه الأكبر] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689569,"book_id":1659,"shamela_page_id":695,"part":null,"page_num":695,"sequence_num":695,"body":"أراد المُصْنِّف ﵀ أن يرد عَلَى من يقول: إنه يطلق عَلَى القُرْآن كلام الله عَلَى سبيل المجاز وليس عَلَى الحقيقة، وأن يقرر: بأن القُرْآن في هذه الثلاث الحالات -حالة كونه في المصاحف مكتوباً، أو بالألسن مقروءاً، أو في الصدور محفوظاً- هو كلام الله ﷿ عَلَى الحقيقة، فهو حقيقة في الثلاث الحالات، لكن الإطلاقات تختلف.\r\rولو قلنا: إن فيه خط فلان مثلاً فيكون المعنى حقيقياً وليس مجازياً، ويفيد أن هذا الخطاط كتب كلام الله ﷿ وهو أيضاً كلام الله عَلَى الحقيقة؛ لأنه ينسب إِلَى من قاله مبتدءاً، وهو الله ﷿.\r\rفنقول: هذا كلام الله؛ لأنه هو الذي قاله وتكلم به ﷾ وهذا كلام حقيقي لا مجاز فيه، ونقول: هذا خط فلان وهو حقيقي لا مجاز فيه لأننا نعني عملية رسم المصحف نفسها.\r\rوإذا قيل: فيه مداد قد كتب به فهم منه معنىً صحيحاً حقيقياً، أن هذا كلام الله، وفيه مداد، وقد كتب به، فهذا معنى حقيقي؛ لأن هذه الحروف كتبت بمداد معين، فالمعنى إذاً حقيقي وليس هناك مجاز في هذه الحالات الثلاث.\r\rبعض إلزامات أهل البدع لأهل السنة في مسألة الكلام. والرد عليهم\rقال المصنف: [وإذا قيل: المداد في المصحف] وأتى بها المُصْنِّف لأن الأشعرية والماتريدية ومن نحا نحوهم، يقولون لأتباع السلف نلزمكم بأحد قولين:\rإما أن تقولوا مثل قولنا: إن القُرْآن مخلوق.\r\rوإما أن تقولوا بكلام الحلولية.\rفأنتم إذاً حلولية! لأنكم تقولون: إن ما في المصحف كلام الله.\r\rإذاً كلام الله الذي هو صفة الله يحل في المصحف فهذه شبهة شيطانية ألقاها عَلَى أولئك، ولكنَّ ردها من أسهل وأبسط ما يمكن، فقد تطرق لها المُصْنِّف ﵀ هنا.\r\rفَيَقُولُ: إذا قيل: المداد مخلوق؟\rنقول: نعم مخلوق.\r\rوإذا قيل: المداد في المصحف.\r\rفنقول: نعم صحيح.\r\rفيقولون: كلام الله في المصحف؟\rنقول: نعم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689570,"book_id":1659,"shamela_page_id":696,"part":null,"page_num":696,"sequence_num":696,"body":"يقولون: إذاً فكلام الله مخلوق؟\rنقول: لا.\r\rيقولون: لماذا فرقتم بينهما؟\rنقول: \"في\" كلمة الظرفية تختلف من كلمة إِلَى كلمة، ومن معنى إِلَى معنى، وكلها حقيقة.\r\rفإذا قلنا: المداد في المصحف فالظرفية هنا حقيقة؛ لأن الظرف في اللغة العربية هو الوعاء أو المكان أو الزمان فالظرفية كأنها شيء يحويه أو يستوعبه، ويكون حالّاً فيه مكاناً أو زماناً، والمداد الذي هو الحبر في المصحف لأن هذا القُرْآن الذي هو كلام الله كتب بمداد، إذاً هذا إطلاق حقيقي بالنسبة للمداد، لكن هذا الإطلاق يختلف عن قولنا: القرآن: فيه السماوات والأرض، وفيه: محمد، وعيسى ﵉ ونحو ذلك.\r\rوقولنا: فإن معنى هذا: أن فيه لفظ السماوات، والأرض وفيه كلمة مُحَمَّد ﷺ وفيه كلمة عيسى ﵇ أو فيه خبرهما، فهنا كلمة \"في\" موجودة لكن لها هنا معنى وهو معنى حقيقي، ولها هناك معنى آخر.\r\rفإذا قلنا: القُرْآن فيه كلام الله فهذا معنى ثالث، أي هو كلام الله ﷿ مثلما لو جئنا بكتاب مثلاً: ديوان شعر فقلنا هذا الكلام فيه شعرامرؤ القيس أو هذا شعر امرؤ القيس فالكلام صحيح في كلا الحالتين؛ لأنه ديوانه الذي فيه شعره، فالذي قاله مكتوباً في هذا الديوان، فلو قلت: هذا كلام امرؤ القيس فالكلام صحيح ولا مجاز فيه، فيتبين بذلك أن كلمة \"في\" تختلف بحسب الإطلاق.\r\rفالظرفية تختلف من معنى إِلَى معنى آخر، وكون المداد بالمصحف، لأن الورق يحويه فهو ظرف له حوى المداد، ففيه القُرْآن وفيه السماوات والأرض، أي: فيه \"كلمة السماوات والأرض\" وليست نفس السماوات والأرض بحقيقتها في المصحف، لكن المداد نفس حقيقة المداد موجود في المصحف، وهذا المعنى حقيقي وذاك المعنى حقيقي، ولكن يختلف عن هذين المعنيين بمعنى أنه هو كلام الله ﷿، فعلى هذا فالكلمة تختلف من إطلاق إِلَى إطلاق.\rالفرق بين القراءة والمقروء","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689571,"book_id":1659,"shamela_page_id":697,"part":null,"page_num":697,"sequence_num":697,"body":"قَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:\r[وكذلك الفرق بين القراءة التي هي فعل القارئ، والمقروء الذي هو قول الباري، من لم يهتد له فهو ضال أيضاً، ولو أن إنساناً وجد في ورقة مكتوباً: ألا كل شيء ما خلا الله باطل.\r\rمن خط كاتب معروف، لقال هذا من كلام لبيد حقيقة، وهذا خط فلان حقيقة، وهذا كل شيء حقيقة، وهذا حبر حقيقة، ولا تشتبه هذه الحقيقة بالأخرى] اهـ.\rالشرح:-\r\rأتى المُصْنِّف ﵀ بمثال ليبين ويوضح به الفرق بين القراءة والمقروء، فيطلق كلام الله عَلَى المقروء وعلى القراءة، وذكر هذا المثال الذي فيه عدة معانٍ كلها حقيقة ليس فيها مجاز، وهي البيت المشهور عن لبيد:\r\rألا كل شيء ما خلا الله باطل وكل نعيم لا محالة زائل\rوهي التي قال فيها النبي ﷺ: (أصدق كلمة قالها لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل) ، فَيَقُولُ: لو أن إنساناً وجد هذا البيت، مكتوباً في ورقة، فقَالَ: هذا كلام لبيد، فالكلام هذا حقيقة؛ لأنه شعره الذي قاله وأنشأه وابتدأه، مثلما نقول في القرآن: إن هذا كلام الله لأنه هو الذي قاله، وتكلم به وابتدأه، وإن قال شخص هذا خط أحد الطلاب أو المدرسين مثلاً كتب هذه الكلمة من كلام لبيد، ووضعها في ورقة فهذا إطلاق حقيقي أيضاً وليس فيه مجاز، ولذا قَالَ: [وهذا كل شيء حقيقة] .\rمعناها أصدق كلمة قالها شاعر، وهي كلمة يشير إِلَى اللفظة ولا يشير إِلَى كل الأشياء التي خلقها الله في هذه الورقة، فكلمة كل شيء حقيقة فعلاً، لأنه أراد اللفظ وأراد الكلام، ثُمَّ يقول: [وهذا خبر حقيقة] أي أن أحد علماء البيان أو البلاغة قَالَ: هذا خبر حقيقة، وقصد البلاغي أن قول لبيد:\rألا كل شيء ما خلا الله باطل\rليس استفهاماً، ولا نهياً، ولا أمراً، وإنما هو خبر حقيقة وليس مجازاً، فانظروا كيف اختلفت الإطلاقات مع أن الشيء واحد وكلها حقيقة ليس فيها مجاز.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689572,"book_id":1659,"shamela_page_id":698,"part":null,"page_num":698,"sequence_num":698,"body":"فالمقصود أن العبارات تتعدد في التعبير عن شيء واحد، وتكون كلها حقيقة لأن الإطلاقات تختلف باختلاف النظر ففي حالة ننظر إِلَى المعنى، وفي حالة ننظر إِلَى اللفظ، وفي حالة ننظر إِلَى الكلام من حيث الذي أنشأه أول مرة، وفي حالة ننظر إِلَى الكلام من حيث الذي كتبه وهكذا، فحسب تعدد هذه الحالات يتعدد الكلام، وجميع الحالات حقيقي.\r\rإذاً: كلام الله ﷿ هو كلام الله حقيقة في حالة كونه مكتوباً أو محفوظاً أو مقروءاً، ولا خلاف في ذلك، ولله الحمد وليس مجازاً في أي حالة من الحالات.\rقَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:\r\r[والقرآن في الأصل: مصدر، فتارة يذكر ويراد به القراءة، قال تعالى: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ َ مَشْهُوداً [الإسراء:٧٨] وقال ﷺ: (زينوا القُرْآن بأصواتكم) وتارة يذكر ويراد به المقروء قال تعالى: فَإِذَا قَرَأْتَ القُرْآن آنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [النحل:٩٨] وقال تعالى: وَإِذَا قُرِئَ القُرْآن آنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأعراف:٢٠٤] ، وقال ﷺ: (إن هذا القُرْآن أنزل عَلَى سبعة أحرف) إِلَى غير ذلك من الآيات والأحاديث الدالة عَلَى كل من المعنيين المذكورين. فالحقائق لها وجود عيني، وذهني، ولفظي، ورسمي، ولكن الأعيان تعلم، ثُمَّ تذكر، ثُمَّ تكتب، فكتابتها في المصحف هي المرتبة الرابعة وأما الكلام فإنه ليس بينه وبين المصحف واسطة بل هو الذي يكتب بلا واسطة ذهن ولا لسان، والفرق بين كونه في زبر الأولين وبين كونه في رق منشور أو لوح محفوظ، أو في كتاب مكنون: واضح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689573,"book_id":1659,"shamela_page_id":699,"part":null,"page_num":699,"sequence_num":699,"body":"فقوله عن القرآن: وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ [الشعراء:١٩٦] أي ذكره ووصفه والإخبار عنه كما أن محمداً مكتوب عندهم، إذ القُرْآن أنزله الله عَلَى محمد، لم ينزله عَلَى غيره أصلاً، ولهذا قَالَ: في الزبر، ولم يقل في الصحف، ولا في الرق؛ لأن \"الزبر\" جمع \"زبور\" والزبر هو الكتابة والجمع.\r\rفقوله: وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ أي: مزبور الأولين، ففي نفس اللفظ واشتقاقه ما يبين المعنى المراد ويبين كمال بيان القُرْآن وخلوصه من اللبس وهذا مثل قوله: الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ [الأعراف:١٥٧] أي: ذكره بخلاف قوله: فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ [الطور:٣] أو فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ [البروج:٢٢] أو فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ [الواقعة:٧٨]\r\rلأن العامل في الظرف إما أن يكون من الأفعال العامة مثل الكون والاستقرار والحصول ونحو ذلك، أو يقدر: مكتوب في كتاب أو في رق، والكتاب: تارة يذكر ويراد به محل الكتابة وتارة يذكر، ويراد به الكلام المكتوب، ويجب التفريق بين كتابة الكلام في الكتاب، وكتابة الأعيان الموجودة في الخارج فيه، فإن تلك إنما يكتب ذكرها، وكلما تدبر الإِنسَان هذا المعنى وضح له الفرق] اهـ\rالشرح:\r\rالقرآن في الأصل مصدر، والمصدر تارة يذكر ويراد به القراءة، وتارة يذكر ويراد به المقروء، وهذا موجود في كلام العرب، فالقرآن بمعناه الاصطلاحي الذي هو كلام الله ﷿ المقروء فهذا لم يعرف إلا بعد نزول الوحي عَلَى نبينا مُحَمَّد ﷺ لكن كلمة قرآن موجودة في كلام العرب من قبل. ويقصدون بها القراءة، وكلمة قرأ قرآناً، أو قرأ قراءةً مترادفتان، فالمعنى واحد ومن ذلك قول الشاعر:\r\rضحوا بأشمط عنوان السجود له ويقطع الليل تسبيحاً وقرآناً","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689574,"book_id":1659,"shamela_page_id":700,"part":null,"page_num":700,"sequence_num":700,"body":"فهذا الشاعر يتكلم أو يصف أمير المؤمنين عثمان ﵁ لمَّا قتله أُولَئِكَ الثوار الفجرة الظلمة المعتدون، وذلك أنهم قتلوه رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ والمصحف بين يديه وهو يتلو كتاب الله، أي: يقطع الليل قراءة.\r\rوهذا البيت جارٍ عَلَى كلام العرب قبل نزول القُرْآن أنه بمعنى: القراءة، وإن كَانَ الشاعر قالها في الإسلام، فالمقصود أن في لغة العرب يطلق القُرْآن عَلَى القراءة؛ لكن بعد نزول القرآن، وتسميته بهذا الاسم غلبت عليه كلمة القُرْآن عند الناس، وصار في أذهانهم أن المقصود به هو كلام الله، أي: ما في المصحف، وأما من حيث اللغة، فيصح أن تستخدم كلمة القُرْآن بمعنى القراءة، فنقول مثلاً: هذا قرآني لهذا الشيء أي: قراءتي لهذا الشيء ولا حرج في ذلك من حيث اللغة، ولا من حيث الشرع، وليس هذا محرماً؛ لكن لاشتهار القُرْآن حتى أصبح علماً عَلَى كلام الله ﷿ فلا تستخدم هذه الكلمة لغيره؛ لأنها أهملت من الاستعمال لغيره.\rومن حيث الشرع فقد جَاءَ ذلك أيضاً في القرآن، كما قال الله ﵎: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ َ مَشْهُوداً [الإسراء: ٧٨] أي: قراءته، وليس المقصود هو المصحف الذي هو كتاب الله وإنما قراءة القرآن، وقوله ﷺ: (زينوا القُرْآن بأصواتكم) أي: زينوا قراءتكم للقرآن بأصواتكم بأن يقرأه الإِنسَان محسناً مجوداً مرتلاً.\r\rوتارة يذكر ويراد به المقروء، وهذا هو الغالب، وهذا الذي يطلق عليه القرآن، والقرآن بمعنى المقروء الذي هو كلام الله الذي نقرأه، فقوله تَعَالَى:فَإِذَا قَرَأْتَ القُرْآن آنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [النحل:٩٨] أي: إذا ابتدأت تقرأ القرآن، فالقرآن هنا بمعنى المقروء الذي سوف تقرؤه من كلام الله ﷿، ابدأه بالاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689575,"book_id":1659,"shamela_page_id":701,"part":null,"page_num":701,"sequence_num":701,"body":"وقوله تعالى: وَإِذَا قُرِئَ القُرْآن آنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأعراف:٢٠٤] ومعروف أنه سماع المقروء، ومعناها إن قرأ أحد كلام الله عزوجل فأنصت له واستمع، وقوله ﷺ: (إن هذا القُرْآن أُنزل عَلَى سبعة أحرف) معناه: إن هذا القُرْآن يقرأ، أو مقروء عَلَى سبعة أحرف، تقرؤونه بسبعة أحرف، المقصود هنا هو المقروء، وهناك آيات وأحاديث تدل عَلَى أن هناك فرقاً، بين القُرْآن بمعنى القراءة، وبين القُرْآن بمعنى المقروء.\r\rأنواع الوجودات\rانتقل المُصْنِّف ﵀ إِلَى التفريق بين الأعيان وبين المعاني أو الكلام من حيث وجودها أو ظرفيتها في الشيء كما عبر في آخر الكلام السابق، والمراد بهذه المعاني الأربعة؟\rيقول: إن الحقائق لها وجود عيني وذهني ولفظي ورسمي، والكلام هذا قد يبدوا أنه صعب لكنه في الحقيقة سهل وبسيط إن شاء الله.\r\rفبين أن الأشياء لها عدة وجودات وجود عيني، ويعني به: وجود العين الحقيقية ذاتها، فمثلاً الجبل وجوده العيني هو المشار إليه عندما تقول: هذا جبل وهو أمامنا، ونحن عَلَى الطبيعة فوجوده هنا اسمه للوجود العيني، والوجود الآخر وجود ذهني، كأن أقول لك: أنا في ذهني جبل معين أتخيله وأتصوره، فهذا تصور ذهني لذات جبل ما، والوجود اللفظي هو عندما أقول: جبل، فأنا لم أقل: شجرة ولا زيد ولا عمرو، وإنَّما قلت: جبل.\r\rوعندما أشير إليه وأقول: هذا جبل فأنا أقصد هذه الألفاظ أي: \"جيم وباء ولام\" حتى لا يشتبه عندك أني أقول مثلاً جمل، فوجوده هنا وجود لفظي، وهناك وجود آخر يسمى الوجود الرسمي، يعني: الرسم والخط والكتابة كأن أكون كتبت كلمة جبل، فأقول لك هذا جبل، معناه: هذا رسم أو شكل كلمة جبل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689576,"book_id":1659,"shamela_page_id":702,"part":null,"page_num":702,"sequence_num":702,"body":"فنجد في كل إطلاق أن المعنى يختلف؛ لكن في المجموع الكلام كله صحيح وكله حقيقي، وليس فيه مجاز يقول: لكن الأعيان الحقيقية الخارجية تعلم، ثُمَّ تذكر، ثُمَّ تكتب، فالكلام كأنه مر بأربع تعيينات في الوجود وجود عيني وذهني ولفظي ورسمي وكتابتها في المصاحف هي المرتبة الرابعة.\rيقول: [وأما الكلام، فإنه ليس بينه وبين المصحف واسطة؛ بل هو الذي يكتب بلا واسطة ذهن ولا لسان] .\r\rوالمقصود أن الكلام ليس مخلوقاً متشخصاً قائماً بذاته نشير إليه، فنقول: هذا هو الكلام، وإن أشرت فلا بد أن أشير فقط إما إِلَى الوجود اللفظي الذي أتكلم به، وإما أن أشير إِلَى الوجود الرسمي الذي هو الكتابة أو الحروف، فأقول لك: هذا كلام فلان أي: هذا كلام فلان الذي نطق به، أو هو مكتوب، فلا واسطة بين هذا وذاك بوجود حقيقي بذاته، كما قال هاهنا في الأخيرة: إن الكتاب يذكر تارة ويراد به محل الكتابة، ويذكر تارة ويراد به الكلام المكتوب.\r\rويجب التفريق بين كتابة الكلام في الكتابة، وكتابة الأعيان الموجودة في الخارج، فعندما أريد أن أكتب (جبل) إما أن أرسمه -كلمة جبل اكتبها- فهذا عين موجود في الخارج، لكن لا يمكن أن نقول: إن كتابة الجبل أو كتابة السماء أو كتابة الأرض أو كون السماء أو كون الجبل في كتاب، معناه ذكر حقيقتها العينية، لا؛ بل نقطها وحروفها، أما الكلام فإن حقيقته هي التي تكتب يعني الكلام نفسه يكتب؛ لأنه ينطق به اللسان فيكتب في الكتاب كما هو فيطلق عَلَى المكتوب، ويطلق عَلَى المنطوق، فهذا واضح المخالفة للأعيان.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689577,"book_id":1659,"shamela_page_id":703,"part":null,"page_num":703,"sequence_num":703,"body":"وإذا قالوا: إنكم تقولون بالحلول فنقول: لا نقول به؛ لأن هناك فرقاً بين الأعيان والذوات المتعينة في الخارج وبين الكلام فالكلام هو اللفظ وهو المكتوب، وليس هناك وجود له خارجي متشخص، فإذا قلنا: كتبنا كلام فلان فيعني ذلك أننا نقلناه من لفظه الذي تكلم به إِلَى الواقع لكن الأعيان إذا قلت: كتبت الجبل أو كتبت السماء أو كتبت زيداً فمعنى ذلك أننا كتبنا اللفظ أو الاسم الذي يدل عَلَى زيد أو السماء أو الجبل، فكتبت الوجود الرسمي الذي عبرنا عنه بالوجود اللفظي، والذي هو في الحقيقة تعبير عن شخصية حقيقية موجودة.\r\rفهم عندما يقولون: القُرْآن عبارة عن كلام الله وهذا المكتوب أو هذا الملفوظ ليس هو كلام الله وإنما كلام الله شيء أخر، فهم الذين تصوروا وافترضوا أن القُرْآن ذات متشخصة موجودة في الخارج، فلما أردنا أن نذكرها ونضعها في المصحف كتبنا وجودها اللفظي أو وجودها الرسمي، وهذا واضح البطلان، فإن القُرْآن أو الكلام بالجملة ليس له وجود عيني متشخص، وليس له ذات خارجية حقيقية، وإنما هو مباشرة من المتكلم إِلَى الورق، وهذا هو المقصود من هذه العبارات أيضاً.\rوقفة مع قوله: ((وإنه لفي زبر الأولين))\rإن المخالفين لعقيدة أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ الذين يقولون: إن القُرْآن مخلوق، ويقولون: لقد جَاءَ عن القُرْآن أنه في زبر الأولين، وأنه في رقٍ منشور، وأنه في لوح محفوظ، وأنه في كتاب مكنون، إذاً كيف تطلقون هذا وهو حلول.\rفنقول: أنتم لا تفهمون معاني كلام الله ﷿، فالإطلاقات تختلف فكل إطلاق في كل موضع له معنى غير المعنى الذي أطلقناه عليه في الموضع الأخر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689578,"book_id":1659,"shamela_page_id":704,"part":null,"page_num":704,"sequence_num":704,"body":"فقوله تعالى: وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ [الشعراء:١٩٦] لا يعني أن نفس الكلام والقرآن موجود في كتب الأولين أو في صحفهم أو في زبرهم، إنما معنى ذلك أنه يوجد فيها خبره وذكره كما قال الله ﵎ عن نبينا مُحَمَّد ﷺ: الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ والإنجيل [الأعراف:١٥٧] وكذلك يجدون خبر القُرْآن مكتوباً عندهم في زبر الأولين، وفي صحف الأولين.\rوأما كونه في رقٍ منشور، أو لوح محفوظ، أو كتاب مكنون، فيكون هنا بحسب العامل، ومعلوم في اللغة العربية أن الظرف يُقدر له عامل، فالعامل قد يكون عاما -الأفعال العامة- مثل الكون والاستقرار والحصول، فمثلاً إذا قلنا: مُحَمَّد في المسجد، أي: مُحَمَّد مستقر في المسجد، أو مُحَمَّد حاصل في المسجد، فغالباً كلمة \"في\" الظرفية تختلف بحسب العامل، فقد يكون العامل عاماً \"الكون والاستقرار\"، وهذا هو الغالب فبإمكانك في أي وقت من الأوقات تجد كلمة \"في\" أن تقدر: كائن أو يكون أو يستقر أو يحصل، وعلى كلا المعنيين ليس جائزاً أن تقدر متعلقاً عَلَى فعل الكون العام، فمثلاً تقول: القُرْآن في اللوح المحفوظ أي موجود ومستقر وحاصل وكائن في اللوح المحفوظ....الخ هذه حقيقة، فتقدر فعل أخص بأن تقول: القُرْآن مكتوب في اللوح المحفوظ أو في رق منشور هذا أيضاً معنى صحيح، إِلَى أن يقول: [أن الكتاب تارة يذكر ويراد به محل الكتابة] أي: ظرف الكتابة، وتارة يذكر ويراد به الكلام المكتوب نفسه أو الكلام المقروء.\r\rفمثلاً: إذا قلنا: أنهينا قراءة شرح العقيدة الطّّحاويّة أي أننا قرأنا الكلام الذي كتب في هذا الكتاب، وإذا قلت هذا هو كتاب العقيدة الطّّحاويّة وهذا شرح فلان للعقيدة، فمعنى ذلك: أنه المحل الذي يحوي هذا الكتاب وهو الظرف الذي حصل فيه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689579,"book_id":1659,"shamela_page_id":705,"part":null,"page_num":705,"sequence_num":705,"body":"فَيَقُولُ: فالتفريق واجب بين كتابة الكلام في الكتاب وكتابة الأعيان الموجودة في الخارج، أما كتابة الكلام، فلا فرق بين اللفظ وبين الرسم، وأما كتابة الأعيان، فلا تكتب الحقائق ذاتها - الجبل - الشجرة- مُحَمَّد - حسين - عمرو- بمعنى لايوضع هو بنفسه في الورق، وإنما يكتب خبره أو رسمه أو أي معنى من هذه المعاني.\r\rفالخلاصة: أن القُرْآن هو كلام الله ﷿ عَلَى الحقيقة، والله تَعَالَى تكلم بالتوراة، وتكلم بالإنجيل وبالقران وبالزبور ويتكلم بالأمر وبالنهي وبالخبر ويكلم من شاء كيف شاء في الماضي، والحاضر، والمستقبل فالأمر يعود إِلَى مشيئته وإرادته ﷾، وليس شيئاً من كلام الله مجازاً، ولا يطلق عَلَى القُرْآن في أي حالة من الحالات أنه مجاز، سواء كَانَ محفوظاً في الصدور، أو متلواً بالألسن، أو مكتوباً في الأوراق ولكن الإطلاقات تختلف.\rونرد عَلَى الذين يقولون: بأن هذا يقتضي الحلول بما سبق أن أوضحناه من اختلاف معنى الظرفية ومعنى الحالية واختلاف الإطلاقات التي تطلق عَلَى القرآن، فتارة يطلق عَلَى القراءة، وتارة عَلَى المقروء، وتارة يطلق عَلَى فعل العبد، وتارة عَلَى كلام الرب ﷾، ولا معارضة بين كونه في زبر الأولين وبين كونه في اللوح المحفوظ، وفي الكتاب المكنون، والرق المنشور، وبين كون الذي قرأه فلان أو الذي سمعه فلان، فهذه كلها عَلَى الحقيقة، وإنما تختلف من حال إِلَى حال بأن يكون المقصود في موضع خبره، وفي موضع كتابته، وفي آخر قراءته عَلَى المسموعة، وأمثال ذلك من الإطلاقات.\r\rقال المصنفابن أبي العز:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689580,"book_id":1659,"shamela_page_id":706,"part":null,"page_num":706,"sequence_num":706,"body":"[وحقيقة كلام الله تَعَالَى الخارجية: هي ما يسمع منه أو من المبلغ عنه، فإذا سمعه السامع علمه وحفظه، فكلام الله مسموع له معلوم محفوظ، فإذا قاله السامع فهو مقروء له متلو، فإن كتبه فهو مكتوب له مرسوم وهو حقيقة في هذه الوجوه كلها لا يصح نفيه، والمجاز يصح نفيه، فلا يجوز أن يُقَالَ: ليس في المصحف كلام الله، ولا: ما قرأ القارئ كلام الله، وقد قال تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [التوبة: ٦] وهو لا يسمع كلام الله من الله، وإنما يسمعه من مبلغه عن الله، والآية تدل عَلَى فساد قول من قَالَ: إن المسموع عبارة عن كلام الله وليس هو كلام الله، فإنه تَعَالَى قال: حَتَّى يَسْمَعَ كَلام، ولم يقل حتى يسمع ما هو عبارة عن كلام الله، والأصل الحقيقية.\r\rومن قَالَ: إن المكتوب في المصاحف عبارة عن كلام الله، أو حكاية كلام الله، وليس فيها كلام الله، فقد خالف الكتاب والسنة، وسلف الأمة وكفى بذلك ضلالاً] اهـ.\rالشرح:\rحقيقة كلام الله تَعَالَى الخارجية هي ما يُسمعُ منه جل شأنه، أو من المبلغ عنه، مثلما يسمع منه جبريل ﵇ أو سمع منه آدم أو الملائكة أو موسى أو نحو ذلك، ويُسمع منه ﷾ بلا واسطة، أو يسمع عنه بواسطة المبلغ كما نقرأ القرآن، أو كما سمع النبي ﷺ القُرْآن من المبلغ الذي هو الروح الأمين جبريل ﵇.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689581,"book_id":1659,"shamela_page_id":707,"part":null,"page_num":707,"sequence_num":707,"body":"فالكلام هنا وهنا حقيقة ككلام الله تَعَالَى مسموع معلوم محفوظ، فإذا قاله السامع فهو مقروء له متلو، فإن كتبه فهو مكتوب له مرسوم، وهو حقيقة في هذه الوجوه كلها وليس في شيء منها مجاز فهذه الفقرة لإيضاح أنه ليس فيه مجازاً، كما تقوله متأخرة الماتريدية والحنفية والأشعرية يقول المصنف: [والمجاز يصح نفيه] وهذه قاعدة مهمة وهي من أهم الأمور التي نستدل بها عَلَى إبطال المجاز، وأنه ليس في القُرْآن مجاز، وسيأتي إيضاحه إن شاء الله.\rالرد على القائلين بالمجاز في كلام الله\rإن البلاغيين الذين قالوا بالمجاز يعلمون أن أول من أحدثه وتكلم به هم المعتزلة بخلاف كلمة المجاز في لغة العرب قبل ذلك، فإنها تطلق بمعنى مكان العبور، أي: معبر تجوز منه وتعبر منه إِلَى مكان آخر، هذا أصله في اللغة.\r\rويقولون مثلاً: إذا دخل رجل كريم: دخل البحر، بمعنى الرجل الكريم أو الكثير العلم شبه بالبحر لكرمه أو لغزارة علمه، والمجاز يجوز نفيه، فيجوز أن يأتي أحدٌ ويقول هذا ليس بحراً، ولكنه رجل، وكلام هذا المعترض لنا صحيح، وكلام المتكلم صحيح مجازاً لكن كلام النافي صحيح وهذا هو الذي يهمنا؛ لأنه نفى ما قلته أنت عَلَى سبيل المجاز، وأثبت الشيء عَلَى حقيقته لأن هذا الرجل ليس بحراً، أي ليس ماءاً وإنما هو رجل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689582,"book_id":1659,"shamela_page_id":708,"part":null,"page_num":708,"sequence_num":708,"body":"إذاً: المجاز يجوز نفيه، فهذه القاعدة يجب علينا أن نعرفها لنرد بها قول من يقول: إن في القُرْآن مجاز ولا سيما في آيات الصفات، فإذا جَاءَ أحد وقال في معنى قوله تعالى: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة:٦٤] أن المعنى: نعمه وإفضاله، والقرينة الدالة عَلَى ذلك قوله تعالى: يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ [المائدة: ٦٤] وهذه قرينة تدل عَلَى أن المقصود هو الإنفاق، وجاء آخر عَلَى مذهبهم، وقَالَ: ليس لله يدان، وهذا هو حقيقة مذهب الذين ينفون صفات الله عزوجل، لكن لو جَاءَ أحدٌ من علماء السلف من أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ وقال لنا معنى قوله تعالى: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاء [المائدة: ٦٤] أن الله ﵎ كريم ينفق كيف يشاء ويعطي ويتفضل عَلَى عباده، فنجد مثل هذا الكلام.\r\rفيأتي المبتدعة ويقولون: إذاً لسنا نَحْنُ الذين أولنا، بل حتى -مثلاً- ابن جرير الطبري ومجاهد وعكرمة وابن عباس يقولون مثل قولنا.\r\rفنقول لهم: لابد أن تعرفوا الفرق بين من نَظَرَ إِلَى معنى الآية بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ [المائدة: ٦٤] وأن: معناها الإنفاق والتكرم والإنعام، والتفضل، ولكن هل اعتبر ذلك مجازاً ونفى الصفة؟ هل ابن عباس ومجاهد والطبري نفو الصفة؟\rالجواب: لا، إنهم لم ينفوا الصفة، أما أنتم فإنكم تعبرون بالمعنى عَلَى أساس أنه مجاز وتنفون الحقيقة فتقولون: ليس له يد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689583,"book_id":1659,"shamela_page_id":709,"part":null,"page_num":709,"sequence_num":709,"body":"لذا يقول الإمام الدارمي ﵀: اليهود أثبتوا اليدين وقالوا يد الله مغلولة كما قال الله عنهم: وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة: ٦٤] ، والله ﷿ قَالَ: اليد مبسوطة فجاء المعطلة وَقَالُوا: ليس له يدي، فهم خرجوا عن كلام الله، وعن كلام اليهود، فما كَانَ قصد اليهود نفي الصفة، ولا رد الله عليهم بإثباتها، فالخلاف هنا كَانَ بين الغلول وبين البسط، فجاء نفاة الصفات فنفوا وجود اليد نفسها.\r\rيقول: وبهذا يتضح لك مخالفتهم للحق وخروجهم عن الطريق المستقيم، ونعود إِلَى قاعدة أن المجاز يجوز نفيه، فنقول: يقول الله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [التوبة:٦] :فيجوز أن يأتي أحد من النَّاس فَيَقُولُ: هذا ليس كلام الله، هذا عبارة عن كلام الله، فلا أسمعه ولا يسمعه المشرك لأنه ليس كلام الله فلذلك يتضح لنا فساد وبطلان هذا المذهب، فإذا جَاءَ رجل يهين المصحف عياذاً بالله، فتقول له: هذا كلام الله، فيقول لك: لا هذا مجاز وليس هو كلام الله إنما هو عبارة عن كلام الله، وهكذا في أي موضع يمكن أن يسمع القُرْآن يتلى أو يحفظ.\rفالكلام حقيقةً سواء سمع من المتكلم بلا واسطة -كما سمع جبريل أو موسى من الله ﷿ أو بواسطة كما في هذه الآية: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [التوبة:٦] فلم يقل الله ﷾: حتى يسمع ما هو عبارة عن كلام الله والأصل في الكلام هو الحقيقة، إذاً فالمجاز يجوز نفيه عند علماء البلاغة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689584,"book_id":1659,"shamela_page_id":710,"part":null,"page_num":710,"sequence_num":710,"body":"والقضية الثانية: الأصل في الكلام هو الحقيقة، فمثلاً عندما نقول: بحر والبحر هو الماء، وعندما أقول أسد أعني الوحش المفترس، ولا أعني الرجل الشجاع، هذا هو الأصل في اللغة ولا يخرج عن ذلك إلا بدليل، فعندما يقول الله ﷿: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [التوبة:٦] فإن هذا يحمل عَلَى الحقيقة لا عَلَى المجاز لأن الحقيقة هي الأصل، وإن كَانَ لا يسمع كلام الله منه، ولكن ممن يبلغه عنه ﵎، فهو حقيقة في كلا الحالتين في حالة سماعه بواسطة، وفي حال سماعه بلا واسطة.\rيقول: ومن قَالَ: إن المكتوب في المصاحف عبارة أو حكاية عن كلام الله، وليس فيها كلام الله -أي: الحقيقة- فقد خالف الكتاب والسنة وسلف الأمة وكفى بذلك ضلالاً، فإنه لم يأت لا في كتاب الله، ولا في سنة رَسُول الله ﷺ، ولا حتى من أحد منالسلف والصحابة أنهم قالوا: إن هذا هو ليس حقيقة كلام الله، وإنما هو عبارة أو حكاية عن كلام الله، أو ما أشبه ذلك أبداً.\rوإنما كانوا يؤمنون أنه كلامه ﷿ عَلَى الحقيقة، هذا هو ما جَاءَ به الكتاب، وما جاءت به السنة في أحاديث كثيرةٍ لا تحصى، وما هو مشهور ومعلوم عند الْمُسْلِمِينَ خاصتهم وعامتهم في الصدر الأول لم يخالف فيه أحد حتى ظهر ابن كلاب وظهر معه من قَالَ: إنه عبارة عن كلام الله أو حكاية أو ما أشبه ذلك من المعاني التي ابتدعوها، ووضعوها، وقالوها عَلَى الله ﵎ بغير علم نتيجة الجهل، أو نتيجة محاولة إفحام المبتدعة والرد عليهم بغير منهج الكتاب والسنة، فالمبتدعة يرد عليهم بالكتاب والسنة أو بما دل عليه، لا بالهوى، ولا يرد عَلَى بدعة ببدعة.\r\rقَالَ المُصنِّفُ ﵀:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689585,"book_id":1659,"shamela_page_id":711,"part":null,"page_num":711,"sequence_num":711,"body":"[وكلام الطّّحاويّ ﵀ يرد قول من قَالَ: إنه معنى واحد لا يتصور سماعه منه، وأن المسموع المنزَّل المقروء والمكتوب ليس كلام الله، وإنما هو عبارة عنه، فإن الطّّحاويّ ﵀ يقول: كلام الله منه بدا، وكذلك قال غيره من السلف، ويقولون: منه بدا، وإليه يعود، وإنما قالوا: منه بدا، لأن الجهمية من المعتزلة وغيرهم كانوا يقولون: إنه خلق الكلام في محل، فبدا الكلام من ذلك المحل، فَقَالَ السلف: منه بدا، أي: هو المتكلم به، فمنه بدا لا من بعض المخلوقات كما قال تعالى: تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [الزمر:١] وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي [السجدة:١٣] وقال: قُلْ نزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقّ [النحل:١٠٢] ومعنى قولهم: وإليه يعود، أي: يرفع من الصدور والمصاحف، فلا يبقى في الصدور منه آية، ولا في المصاحف كما جَاءَ ذلك في عدة آثار] اهـ.\rالشرح:\r\rهذه الفقرة من كلام المُصنِّفُ ﵀ استمرار في الرد عَلَى الحنفية، القائلين بخلاف ما قاله الإمام أبو حنيفة وأصحابه المتقدمون، الذين قالوا: إن القُرْآن معنى واحد فقط هو: ما في نفس الباري جل شأنه، فأما ما بين الدفتين المقروء والمسموع والمتلو، فإنه عبارة عن كلام الله أو حكاية أو مجاز عنه إِلَى آخر ما سبق إيضاحه.\r\rفالمصنف ﵀ يريد أن يثبت أن الإمام أبا جعفر الطّّحاويّ هو عَلَى ما كَانَ عليه الإمام أبو حنيفة وأصحابه المتقدمون لم يغير من ذلك شيئاً، بخلاف ما ذهب إليه الشراح الماتريديون الذين شرحوا العقيدة الطّّحاويّة شرحاً ماتريدياً كما أن من المالكية من شرح مقدمة ابن أبي زيد شرحاً أشعرياً رغم وضوح سلفيته؛ لأن الهوى قد لعب بالمتأخرين من الطرفين وفسروا كلام الأئمة وشرحوه بما يوافق ما ذهبوا إليه وما ارتضوه ومالوا إليه لا ما هو واضح من منطوق العبارات ومفهومها.\rمعنى قوله [منه بدا]","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689586,"book_id":1659,"shamela_page_id":712,"part":null,"page_num":712,"sequence_num":712,"body":"لا يزال المُصْنِّف يشرح قول الطّّحاويّ ﵀ [منه بدا] يرد به عَلَى من قال إنه معنى واحد لا يتصور سماعه وهم يقولون: إنه معنى واحد وما دام أنه معنى واحد فلا يتصور أن يسمع كلام الله ﷿ وإنما يسمع الذي في المصاحف، وهو عبارة أو حكاية عبر بها جبريل أو مُحَمَّد ﷺ أو نحو ذلك وتقدم في كلامه، فَيَقُولُ: إن هذا يرده العبارة المأثورة عن السلف التي قالها الإمام أبو جعفر الطّّحاويّ [منه بدا وإليه يعود] وهذه عبارة سلفية مأثورة رددها العلماء من السلف والخلف من أهل السنة.\rومعنى [منه بدأ] أي أنه ﷾ تكلم به عَلَى الحقيقة، وهذا يرد وينفي كل الأقوال الأخرى المخالفة، ومعنى [منه بدأ] أي ظهر كما سبق بيانه؛ لكننا إن قلنا: إنه خلقه في محل، أو عبر عنه غير الله تعالى.\r\rكالقول بأن جبريل هو الذي عبر عن كلام الله فمعنى ذلك أن القُرْآن بدأ من جبريل، وإذا قلنا: إنه خلقه في محل أياً كَانَ المحل، الشجرة أو غير ذلك, فمعنى ذلك أن القُرْآن بدأ أي: ظهر من المحل الذي ابتدأ الظهور منه، فهذا رد عَلَى أُولَئِكَ بالعقل الصحيح، وبالنظر السليم المتأمل في كتاب الله وسنة رَسُول الله ﷺ ولهذا يقول الله ﵎: تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [الزمر:١] ويقول: وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي الآية ويقول: قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ [النحل: ١٠٢] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689587,"book_id":1659,"shamela_page_id":713,"part":null,"page_num":713,"sequence_num":713,"body":"وكثير من الآيات التي ستأتينا أيضاً وفيها تنزيل أو أنزل أو نزل فيما يتعلق بالقرآن نجد أن فيها صفة من صفات الله تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ أو تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ وما أشبه ذلك كما في أول الزمر أو غافر أو فصلت أو السجدة، وفي كثير من آيات القُرْآن كلمة (تَنْزِيلُ) والنزول يأتي بعد ذكر أنه من الله، وكذلك في الأحاديث.\rوعلى ذلك درج السلف وفهم المفسرون قبل الاختلاف وقبل وقوع البدع أنه من الله ﷾: وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي فالله ﵎ يقول:وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي فهو من الله تَعَالَى ابتداءاً وظهوراً فهو المتكلم به عَلَى الحقيقة الذي أنشأ الكلام وقاله وتكلم به وابتدأه وظهر منه، ولم يرد في القُرْآن ولا في السنة ما يخالف ذلك ولم يفهم أحد من السلف من الصحابة أو التابعين أومن بعدهم معنىً آخر غير ذلك المعنى.\r\rمعنى قوله (وإليه يعود)\rأما قوله: [وإليه يعود] فهي تتمة عبارة [منه بدأ] ومعناها: أن من أشراط الساعة أن يرفع القُرْآن من الصدور والمصاحف فلا يبقى منه آية لا في الصدور ولا في المصاحف، كما جَاءَ ذلك في عدة آثار منها ما رواه الحاكم وابن ماجه والبيهقي والديلمي وهو حديث صحيح عن النبي ﷺ أنه قَالَ: (يدرس الإسلام، كما يَدرس وشي الثوب) ومعنى يَدرس: يمحى قليلاً قليلاً، أي يذهب نسجه قليلاً قليلاً حتى يمحى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689588,"book_id":1659,"shamela_page_id":714,"part":null,"page_num":714,"sequence_num":714,"body":"قَالَ: (حتى لا يدرى ما صلاة ولا زكاة ولا صيام ولا نسك) أي يأتي قوم لا يدرون عن هذه الأمور وعن هذه الأحكام شيئاً، (ويسرى عَلَى القُرْآن في ليلة حتى لا يبقى منه آية) ، فيرفع القُرْآن من المصاحف ومن الصدور، حتى جَاءَ في رواية (أن الحافظ يلقى الرجل الذي كَانَ يحفظ القُرْآن كله أو بعضه فيقول له قد كنت أحفظ شيئاً أما الآن فلا أدري ما هو) نسأل الله أن يعافينا، وأن لا يدركنا ذلك الزمان المشؤوم، الذي يرفع فيه الهدى والنور والحق والبيان والشفاء من هذه الأرض، فذلك الزمان هو زمان شرار الناس، بين يدي الساعة وقبيل قيامها.\r\rوفي آخره لما سأل التابعي حذيفة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: (حتى لا يبقى إلا الرجل الهرم والمرأة العجوز يقولون: أدركنا من قبلنا يقولون: لا إله إلا الله فنحن نقولها) ، وفي هذا دليل عَلَى أنه لا يبقى من الإسلام إلا كلمة الشهادة، ولا يبقى عند هَؤُلاءِ النَّاس شيء إلا أنهم يعرفون أنه لا إله إلا الله، أما الصلاة والزكاة والصيام والنسك وكل الأمور المتعبد بها فلا يدرون عنها شيئاً، والقرآن ليس بينهم فلا يتلونه ولا يفقهون منه شيئاً.\r\r(فقَالَ: ما تنفعهم لا إله إلا الله؟ قال حذيفة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: تنجيهم من النار) في ذلك الوقت الذي لم يعد يدرى فيه عن الصلاة والزكاة ولا أي شيء من أحكام الدين إلا هذا، فمن أدركها فهو لم يدرك من الإسلام إلا هي فهو يقولها، فهذه تنجيه من النار، ثُمَّ إِلَى الله ﷿ الأمر إما أن يعذبهم، ثُمَّ يخرجهم من النَّار كما هو حال الموحدين العصاة، أو أنهم يدخلون الجنة ابتداءً؛ لأنهم لم يدركوا غير ذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689589,"book_id":1659,"shamela_page_id":715,"part":null,"page_num":715,"sequence_num":715,"body":"والمقصود أن هذه حالة خاصة في ذلك الوقت الخاص، فلا يأتي أحد يسمع آيات الله ليل نهار ويسمع ما جَاءَ في الكتاب والسنة عن الصلاة والزكاة والصيام والنسك وجميع الأعمال، ويقول: أنا أقول: لا إله إلا الله وتنجيني من النار؛ فإن هذا وضع خاص في وقت خاص -نسأل الله ﵎ أن لا يدركنا ذلك الزمان- لأنه من شرار الخلق الذين تقوم عليهم الساعة، كما ثبت بذلك الحديث عن النبي ﷺ، وهَؤُلاءِ هم المؤمنون الذين هم أفضل النَّاس حينئذ وليس لديهم من الإسلام إلا هذا.\r\rويحتمل والله تَعَالَى أعلم أنه كما يتضح من الأحاديث أن هذه الطائفة تكون بعد أن تأتي الريح الطيبة التي صح بها الحديث (أن الله ﷾ يبعث ريحاً طيبة تقبض أرواح المؤمنين) ، الذين قال عنهم النبي ﷺ: (لا تزال طائفة من أمتي عَلَى الحق منصورة يقاتلون حتى يأتي أمر الله) وأمر الله هو هذه الريح الطيبة التي تقبض أرواح المؤمنين فلا يبقى من هذه الطائفة المنصورة أحد ولكن يبقى أمثال هَؤُلاءِ الذين سمعوا أن شيئاً ما يُقال له: الدين، وأن شيئاً ما هو شهادة أن لا إله إلا الله، لكن لا يدركون من مقتضياتها ولا من أركانها وأعمالها شيئاً -عافانا الله من ذلك الزمن وأهله-","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689590,"book_id":1659,"shamela_page_id":716,"part":null,"page_num":716,"sequence_num":716,"body":"والمقصود أن هذا الحديث صحيح، وأن دِلاَلته عَلَى أن القُرْآن يرفع ثابتة، فالقرآن بدأ من الله ﵎، وإليه يعود: فيرفع من هذه الأرض؛ لأن الله ﵎ أنزله لحكمة، ليعمل به، وتقام حدوده، ولينتفع به، فإذا ذهبت حكمة الانتفاع فإنه يرتفع، فلم يبق في وجوده فائدة بين أيدي الناس، ومن تلك الحكمة التي قد نلمسها بأن الله ﷾ يخرج دابة، كما قال تعالى: وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآياتِنَا لا يُوقِنُونَ [النمل:٨٢] ، فيتناسب خروج الدابة مع حال النَّاس في آخر الزمان، وكان الله كلما ضلت أمة من القديم بعث إليهم رسولاً، فلما كَانَ رسولنا مُحَمَّد ﷺ خاتم الرسل لم يبق احتمال لإرسال رسول.\rوعندما تنحدر الإِنسَانية انحداراً لا يرجى بعده صلاح تأتيهم دابة من جنس حالهم -فإنها تكون حين يقل الإيمان ويضعف الناس- وهنا تصدم حواس النَّاس وتفجعهم لأنها دابة، ومع ذلك تكلمهم وتخبرهم عن أمر الله ﷾، وتبين الكافر والمنافق من المؤمن.\r\rفالمقصود أن ذلك الزمان لفساده وفساد أهله وقلة الخير فيه يرفع القُرْآن منه، وتخاطب فيه النَّاس الدابةُ، فذلك دليل عَلَى أنهم لا ينتفعون بعد ذلك بخير.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689591,"book_id":1659,"shamela_page_id":717,"part":null,"page_num":717,"sequence_num":717,"body":"فإذا طلعت الشمس من مغربها فحينئذ يقفل باب التوبة كما يقفل عند الغرغرة إذا بلغت الروح الحلقوم في حق الإِنسَان الفرد عندما يقول رَبِّ ارْجِعُون [المؤمنون:٩٩] وكما قال فرعون قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [يونس:٩٠] في ذلك الوقت لا ينفع الإِنسَان أن يقول لا إله إلا الله، أو أن يتوب من المعاصي وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً [النساء:١٨]\rفللتوبة موضعها، وللإيمان موضعه فنوصي أنفسنا وإخواننا بالإقبال عَلَى كتاب الله ﷿، وباغتنام هذه الفرصة -القرآن- ما دام أنه بين أيدينا قراءة وفهماً وحفظاً وتدبراً وعملاً ودعوةً، فإن الإِنسَان لا يُقدر الشيء حق قدره إلا إذا فات، كما أنه لا يُقدر العافية حق قدرها إلا إذا فاتت، وكذلك المال والفراغ وسائر النعم فإذا أُهمل القُرْآن ثُمَّ أُهمل وتمادى الإهمال، فإنه يرفع بالكلية، نعوذ بالله أن يدركنا ذلك الزمان.\rقال المصنف ﵀:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689592,"book_id":1659,"shamela_page_id":718,"part":null,"page_num":718,"sequence_num":718,"body":"[وقوله: بلا كيفية، أي: لا تعرف كيفية تكلمه به قولاً ليس بالمجاز، [وأنزله على رسوله وحياً] أي: أنزله إليه على لسان الملك فسمعه الملك جبريل من الله، وسمعه الرسول محمد ﷺ من الملك وقرأه على الناس، قال تعالى: وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً [الإسراء:١٠٦] وقال تعالى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء:١٩٣-١٩٥] ، وفي ذلك إثبات صفة العلو لله تعالى وقد أُورد على ذلك أن إنزال القرآن نظير إنزال المطر، أو إنزال الحديد، وإنزال ثمانية أزواج من الأنعام.\r\rوالجواب: أن إنزال القرآن فيه مذكور أنه إنزال من الله قال تعالى: حم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [غافر:١-٢] وقال تعالى: تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [الزمر:١] وقال تعالى: تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [فصلت:٢] وقال تعالى: تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت:٤٢] وقال تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينََ [الدخان:٣-٥] ، وقال تعالى: قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [القصص:٤٩] ، وقال تعالى: وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [الأنعام:١١٤] وقال تعالى: قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقّ [لنحل:١٠٢] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689593,"book_id":1659,"shamela_page_id":719,"part":null,"page_num":719,"sequence_num":719,"body":"وإنزال المطر مقيد بأنه منزل من السماء قال تعالى: أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً [لرعد:١٧] والسماء العلو، وقد جاء في مكان آخر: أنه منزل من المزن، والمزن: السحاب، وفي مكان آخر: أنه منزل من المعصرات، وإنزال الحديد والأنعام مطلق، فكيف يشتبه هذا الإنزال بهذا الإنزال وهذا الإنزال بهذا الإنزال؟!\rفالحديد إنما يكون من المعادن التي في الجبال، وهي عالية على الأرض وقد قيل إنه كلما كان معدنه أعلى كان حديده أجود، والأنعام تخلق بالتوالد المستلزم إنزال الذكور الماء من أصلابها إلى أرحام الإناث، ولهذا يُقال: أنزل ولم ينزل، ثم الأجنة تنزل من بطون الأمهات إلى وجه الأرض، ومن المعلوم أن الأنعام تعلو فحولها إناثها عند الوطء، وينزل ماء الفحل من علو إلى رحم الأنثى، وتلقي ولدها عند الولادة من علو إلى أسفل وعلى هذا فيحتمل قوله: وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ [الزمر:٦] وجهين:\rأحدهما: أن تكون (من) لبيان الجنس.\r\rالثاني: أن تكون (من) لابتداء الغاية، وهذان الوجهان يحتملان في قوله: جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجاً [الشورى:١١] اهـ.\rالشرح:-\r\rيقول المصنف ﵀ في قوله: [بلا كيفية] أي: لا تعرف كيفية تكلمه به، وهذه قاعدة عامة معروفة لدينا جميعاً في أية صفة من صفات الله ﷿ أن الكيفية غير معقولة، أو مجهولة كما قال ذلك، الإمام مالك وربيعة بن عبد الرحمن ﵏: \"الكيف مجهول\" فنؤمن بالصفة أياً كانت هذه الصفة وأما الكيف فإنا لا نتخيله ولا نتصوره لأنه غير معقول.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689594,"book_id":1659,"shamela_page_id":720,"part":null,"page_num":720,"sequence_num":720,"body":"فالعقل البشري لا يدرك ذات الله ﵎، والصفات إنما هي فرع عن الذات وكما أننا لا نستطيع إدراك الذات فكذلك الصفات وهذا معنى مقرر ومعروف أخذه المصنف من كلمة \"قولاً\" وقد فسرها المصنف بقوله: ليس بالمجاز أي \"قولاً تكلم الله تعالى به\" فليس مجازاً ولا حكاية ولا عبارة،، وقوله: [وأنزله على رسوله وحياً] ، أي: جبريل ﵇ من الله ﵎، وسمعه محمد ﷺ من جبريل ﵇، فهذا معنى قوله ﵀.\r\rولهذا قال الله ﵎: وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً [الإسراء:١٠٦] قال: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ [الشعراء:١٩٣-١٩٤] وقال تعالى: فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ [القيامة:١٨] كما صح في الحديث أن النبي ﷺ: (كان يعجل في متابعة جبريل ﵇ في القرآن لكي لا ينساه) فتكفل الله ﵎ له بحفظه وأمره بأن يتأمل وأن يتابع القارئ الذي هو جبريل ﵇، إذا قرأه عليه، أما حفظه فقد تكفل الله ﷾ له به كما قال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:٩] .\rترد علينا مسألة إنزال القرآن، ونحن نعلم ما يعلمه جميع الْمُسْلِمِينَ منالسلف الصالح، ومن بعدهم أن الله ﷾ فوق العرش كما أخبر أنه فوق المخلوقات، وأن جبريل ﵇ كَانَ يسمع القُرْآن من الله ﷿ ثُمَّ ينزل به إِلَى مُحَمَّد ﷺ في هذه الأرض، أينما كَانَ رَسُول الله ﷺ، لكننا نجد اشتراكاً في الأصول البدعية، وهو إنكار علو الله ﷿ ولديهم أصل آخر وهو: إنكار أن يكون القُرْآن كلام الله ﷿.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689595,"book_id":1659,"shamela_page_id":721,"part":null,"page_num":721,"sequence_num":721,"body":"فحصل هنا التقاء بين هذين الأصلين وهو قولهم: إن القُرْآن مخلوق لله، أو كما يقولون: إنه عبارة أو حكاية خلقها جبريل أو مُحَمَّد ﷺ فأشكلت عليهم الآيات التي فيها (أنزل، نزل) كقوله تعالى: نزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ [الشعراء:١٩] وما أشبهها من الآيات التي تدل عَلَى أن القُرْآن من الله ﷿، وأن الله ﷿ في العلو فوق العالم فيورد المُصنِّفُ مسألة إنكارهم لعلو الله.\r\rفهم يتصورون بذهنهم المحدود أنه لا يوجد شيء إلا وبجواره شيء آخر، والصحيح أن المخلوقات هي التي يتصور فيها هذه الجهات، وهذه المجاورة، والله ﷿ أكبر وأعظم من كل شيء كما قال تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [الأنعام:١٠٣] وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً [طه:١١٠] لكنهم غفلوا عن هذا فظنوا أنه لا بد من وضع جهة معينة، بمعنى: أنه تحده أو تحوطه الجهات.\r\rفقالوا: ننفي جميع الجهات وهذا مذهب الفلاسفة عموماً وتبعهم في ذلك المعتزلة والأشعرية، والمذهب الآخر أصحاب \"الأين\" أو \"الأينية\" وهو: أنه في كل مكان، وهذا الذي ذهب إليه الصوفية ومن اتبعهم الذين يؤمنون بالعقل كما يسمونه ويحكمون العقل المجرد، وإنما نفوا جميع الصفات؛ لأن العقل عندهم لا يقرها، والذين يؤمنون بالكشف والذوق والعلم الباطن أو ما أشبهه، قالوا: هو في كل مكان نعوذ بالله من الضلال","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689596,"book_id":1659,"shamela_page_id":722,"part":null,"page_num":722,"sequence_num":722,"body":"أما ما يدل عليه القُرْآن والسنة؛ بل الفطرة السليمة والعقول القويمة فإنها تدل عَلَى علو الله ﷾. وليس هذا موضع التفصيل فيه؛ لكن الموضع موضع عرض الشبهة التي وقعت عندهم. قالوا: إن إنزال القُرْآن لا يعني علو الله ﷿، ولا يعني أنه غير مخلوق، إنما هو كإنزال الحديد في قوله تعالى: وَأَنزَلْنَا الْحَدِيد [الحديد:٢٥] وإنزال الأنعام في قوله تعالى: وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ [الزمر:٦] ، وقالوا وإنزال المطر والأنعام والحديد لا يستلزم جهة العلو\rوهنا بدأ الشارح -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- يفصل في الرد عليهم فنبه عَلَى أن هناك فرقاً واضحاً بين الإنزال هنا والإنزال من عند الله، كما في الآيات التي مرت معنا) >تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ * قُلْ نزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ [النحل:١٠٢] قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّه [القصص:٤٩] فإنزال القُرْآن يأتي بعده (من) الجارة ويأتي بعدها ما يدل عَلَى أنه من عند الله: إما بلفظ الجلالة أو صفة من صفات الله ﷾ فالقرآن لم يأتِ فيه مجرد الإنزال المطلق، إنما هو إنزال مقيد بأنه من عند الله ﵎\rوأما إنزال المطر فإنه جَاءَ في القُرْآن مقيداً بحرف الجر \"في\" في ثلاثة مواضع في قوله تعالى: وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً [الفرقان:٤٨] وقوله: أَأَنْتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ [الواقعة:٦٩] وقوله: وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجاً [النبأ:١٤] وهذه الآيات لو تأملناها لوجدنا\rأن العلو فيها واضح والسماء تطلق ويراد بها معنيان:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689597,"book_id":1659,"shamela_page_id":723,"part":null,"page_num":723,"sequence_num":723,"body":"الأول: بمعنى الجرم المعروف لقوله تعالى: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ [البروج:١] فذات البروج هي السماء التي هي الجرم أو الجسم الذي له أبواب وفيه الملائكة وصفاته الأخرى المعروفة.\r\rالثاني: تطلق بمعنى العلو علي أي شيء عالٍ نقول: هذه المروحة في السماء أي فوق، ونقول: السحاب في السماء أي أنه فوقنا في العلو فقط وليس المقصود أنه في نفس جسم السماء، والقمر في السماء كما قال الله تعالى: تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُنِيراً [الفرقان:٦١] فالسراج الذي هو الشمس والقمر في السماء أي في العلو -في جهة العلو- ولا يعني ذلك أنه ملتصق بنفس جرم السماء وإنما هو في جهة العلو. وعلى هذا فالمعنى الأول وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً في الآية الأولى واضح فالمطر نزل من العلو إِلَى الأسفل وفي هذا إثبات للعلو.\rوالعلو أيضاً وارد كما أن القُرْآن أنزله الله ﷾ وهو عال عَلَى مخلوقاته، ونزل به جبريل عَلَى مُحَمَّد ﷺ فالمعنيان ليس فيهما تناقض بل هما متفقان، وكذلك ما ورد من الإنزال من المزن أو من المعصرات -السحب- فالمطر ينزل منها من العلو إِلَى الأسفل وهذا أيضاً يتفق مع نزول الوحي من جبريل ﵇ إِلَى مُحَمَّد ﷺ وكل هذه المعاني لا إشكال فيها بل هي متفقة عَلَى أن النزول يكون من أعلى إِلَى أسفل.\r\rأما إنزال الحديد والأنعام فقد جَاءَ في القُرْآن مطلقاً ولم يرد مقيداً، هذا هو الفرق الأول، ثُمَّ لو تأملناه لوجدنا فيه مناسبة أيضاً وذلك في كونه من العلو إِلَى الأسفل كما ذكر المُصنِّفُ أن الحديد إنما يكون من المعادن التي في الجبال وكلما ارتفع المعدن أو المنجم كلما كَانَ الحديد أجود، فهذا يحتمل أيضاً أن الحديد ينزل من الجبال ثُمَّ يستخدم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689598,"book_id":1659,"shamela_page_id":724,"part":null,"page_num":724,"sequence_num":724,"body":"وأما الأنعام فإن الإنزال يفصل عَلَى معنيين:\r\rالأول: إنزال النطفة من الذكر إِلَى رحم الأثنى.\r\rالثاني: عند ولادة المولود، فينزل من الأعلى إِلَى الأسفل، وهذا المعنى وارد في الأنعام، حتى في الحديد، والذي يبدوا أن الراجح في نظري -والله تَعَالَى أعلم- أن الإنزال: إنزال جميع النعم أي أن الله ﷾ يمتن علينا بإنزال جميع النعم التي ينعم بها علينا فعامة الرزق منزل من عند الله ﷾: قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلالاً [يونس:٥٩] وأمثال ذلك وَيُنزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقاً [غافر:١٣] الرزق عموماً، سواء المطر أو الأنعام أو الحديد، وغير ذلك.\r\rفالفضل كله من عند الله ﷿، وخزائن ذلك عنده ﵎: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ [الحجر:٢١] وينزل ذلك متى يشاء، وأين يشاء ﷾ فعلى هذا فالحديد مما أنزل الله ﷾ من خزائنه، وكذلك الذهب والفضة وسائر أنواع الخيرات من الزروع والحرث والأنعام، أما كيفية الإنزال فالله ﷾ أعلم بها، فهو ينزلها كما يشاء ومنها ما نعرفه بأسباب المشاهدة، كما نرى نزول المطر من السحاب، ومنها ما لا نعرفه، لكننا نستيقن ونعلم أنه جل شأنه هو الذي ينزل هذه الخيرات، فإن قيل لماذا اختص الحديد والأنعام بالإنزال إذا كانت كلها منزلة؟ فالجواب: أنه قد ورد الإنزال بالكل كما في هذه الآية: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وإن أفرد الله ﷾ أو خص شيئاً ما بالإنزال فهذا فيه زيادة فضل، وتأكيد لهذا الشيء، لأن الحديد أساس من أساسيات حياة الإِنسَان في القديم والحديث.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689599,"book_id":1659,"shamela_page_id":725,"part":null,"page_num":725,"sequence_num":725,"body":"ولو تأملنا لوجدنا أن الحديد من أساس ما يعتمد عليه الإِنسَان في حياته للحرث في الزراعة، وأما في العصر الصناعي فظاهر جداً لدى الجميع، وفي جميع العصور لا يستغني عن الحديد فميزته مهمة، ولا سيما أثناء القتال في الجهاد الذي نزلت الآية في شأنهفِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاس [الحديد: ٢٥] فالله ﷾ أنزل الكتاب، وأنزل الميزان، وأنزل الحديد- أي: أنزل الحق الذي يجب أن تعلمه الأفهام والعقول السليمة، وأنزل الحديد ليردع العقول المنحرفة والقلوب المريضة والميتة ليردها إِلَى الحق، والأنعام أيضاً من أعظم نعم الله ﷿ فلا غرابة أن تختص بالذكر؛ لأنها من أعظم نعم الله، انظروا إِلَى اللبن وحده بغض النظر عن اللحم وغير ذلك كما يشتق منه أنواع الغذاء من الأجبان والزبدة والأدوية والفيتامينات وأمور لا تحصى، هي من أساسيات الحياة، واختص الله ﵎ بذكرها لما فيها من الفضل.\r\rولو قلنا: إن الله ﷾ أنزل الأصل، ثُمَّ تناسل ذلك عَلَى الأرض فإن هذا لا إشكال فيه، كما نرى الآن ونشاهد في الأرض أن الجو يكون صحواً فيأتي السحاب فينزل المطر فنرى الماء، وقد نكون بمكان فلا نجد الماء وبعد حين من الدهر يكتشف وجود الماء، فرزق الله ﷿ يأتي بوسائل نعلمها، ووسائل لا نراها ولا نعلمها ومنه هذه المعادن، وهذه الخيرات، والكنوز التي في الأرض، فإن الله ﷿ متى ما شاء سلبها منها، وإذا شاء أنزل فيها من الذهب والفضة والخير والكنوز ما لم نستطع أن ندرك كيف أنزله جل شأنه، هذا هو المراد الذي يتضح به أن الإنزال والنزول حقيقي في كل هذه الأمور وأنه لا شبهة لأولئك في نفي علو الله ﷿ من جهة ولا في نفي أن القُرْآن كلام الله ﷿ منزل غير مخلوق من جهة أخرى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689600,"book_id":1659,"shamela_page_id":726,"part":null,"page_num":726,"sequence_num":726,"body":"وأما قول المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: [وعلى هذا فيحتمل قوله: وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ [الزمر: ٦] وجهين:\r\rأحدهما: أن تكون \"من\" لبيان الجنس.\r\rوالثاني: أن تكون \"من\" لابتداء الغاية] .\r\rوقال أيضاً: [وهذان الوجهان يحتملان في قوله: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً [النحل:٧٢] هذا كلام في تفسير هذه الآية، وعلى كلا التوجيهين فالمعنى واضح ولا إشكال فيه؛ فإذا كانت \"من\" لبيان الجنس كما في قوله تعالى: وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ [الزمر:٦] فتختلف عن كونها لابتداء الغاية في المعنى؛ لأن \"من\" لبيان الجنس، أي: جنس المنزَّل وهي الأنعام يكون الكلام كأنه قَالَ: وأنزل لكم الأنعام، لكنه بيَّن بعد ذلك فقَالَ: وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ [الزمر:٦] فهذه لبيان الجنس، وإن كَانَ لابتداء الغاية فمعنى ذلك أن الثمانية الأزواج مبتدئة من الأنعام.\r\rفمعاني الحروف من حيث الجملة هي من الأمور الدقيقة، ولكن كلا الوجهين محتملين والمعنى واضح عَلَى كلا الوجهين، فالله ﷾ هو الذي أنزل هذه الأنعام، وهذه الأنعام منها هذه الأزواج الثمانية فهي أيضاً من الأنعام أي: تبتدأ منها، و\"من\" تأتي لبيان الجنس، وتأتي لابتداء الغاية وتأتي للتبعيض، وتأتي زائدة إِلَى غير ذلك من المعاني المعروفة في اللغة، وفي علم التفسير.\rوهذه الآية يجوز فيها الوجهان وعلى كلا الوجهين: معنى العلو هو كما سبق لا ينتقض ولله الحمد وهذا هو الذي يهمنا هنا.\rقال المصنف رحمه الله تعالى:\r[وقوله: [وصدقه المؤمنون على ذلك حقاً] ، الإشارة إلى ما ذكره من التكلم به على الوجه المذكور وإنزاله، أي: هذا قول الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وهم السلف الصالح، وأن هذا حق وصدق.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689601,"book_id":1659,"shamela_page_id":727,"part":null,"page_num":727,"sequence_num":727,"body":"وقوله: \"وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة ليس بمخلوق ككلام البرية\"، رده على المعتزلة وغيرهم بهذا القول ظاهر، وفي قوله: \"بالحقيقة\" رد على من قال: إنه معنى واحد قام بذات الله لم يسمع منه، وإنما هو الكلام النفساني، لأنه لا يقال لمن قام به الكلام النفساني ولم يتكلم به: إن هذا كلام حقيقة، وإلا للزم أن يكون الأخرس متكلماً، ولزم ألا يكون الذي في المصحف عند الإطلاق هو القرآن ولا كلام الله، ولكن عبارة عنه ليست هي كلام الله، كما لو أشار أخرس إلى شخص بإشارة فهم بها مقصوده، فكتب ذلك الشخص عبارته عن المعنى، الذي أوحاه إليه ذلك الأخرس، فالمكتوب هو عبارة ذلك الشخص عن ذلك المعنى، وهذا المثل مطابق غاية المطابقة لما يقولونه، وإن كان الله تعالى لا يسميه أحد (أخرس) لكن عندهم أن الملك فهم منه معنى قائماً بنفسه، لم يسمع منه حرفاً ولا صوتاً؛ بل فهم معنى مجرداً ثم عبر عنه، فهو الذي أحدث نظم القرآن وتأليفه العربي، أو أن الله خلق في بعض الأجسام كالهواء الذي هو دون الملك هذه العبارة.\r\rويقال لِمَن قال: إنه معنى واحد: هل سمع موسى ﵇ جميع المعنى أو بعضه؟ فإن قال: سمعه كله فقد زعم أنه سمع جميع كلام الله، وفساد هذا ظاهر، وإن قال: بعضه، فقد قال: يتبعض وكذلك كل من كلمه الله، أو أنزل إليه شيئاً من كلامه.\rولمَّا قال تعالى للملائكة: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَة [البقرة:٣٠] ولما قال لهم:اسْجُدُوا لِآدَمَ [البقرة:٣٤] وأمثال ذلك هل هذا جميع كلامه أو بعضه؟ فإن قال: إنه جميعه، فهذا مكابرة، وإن قال بعضه فقد اعترف بتعدده] اهـ.\rالشرح:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689602,"book_id":1659,"shamela_page_id":728,"part":null,"page_num":728,"sequence_num":728,"body":"في هذا الكلام بين المصنف أن هذا مذهب السلف الصالح وأنهم صدقوا أن يكون القرآن كلام الله منزل غير مخلوق حقاً، وأنهم آمنوا بذلك بالحقيقة وفي قوله بالحقيقة تأكيد في الرد على القائلين بأنه معنى واحد قائم بالذات، أي: المعنى النفسي القائم بذات الباري ﷾ لم يتكلم به، ولم يسمعه منه الملك فضلاً عن أنه سمعها غير الملك.\rولهذا عاد فألزمهم بما قد سبق أن ذكره، وهو أن إثبات الكلام النفسي يلزم منه أن يكون الأخرس متكلماً، وهذا واضح لأنَّا إذا قلنا: فلان يتكلم بمعنى أن غيره يعبر عنه أو يحكي عنه، فإن الأخرس يقال له متكلم لأن غيره يحكي عنه ويلزم منه أيضاً ألا يكون الذي في المصحف عند الإطلاق هو كلام الله ﷿.\rأما ابن كلاب، فيلزمهم أن يقولوا: إن هذا ليس كلام الله وقد ذكرنا أنهم يقولون: إن القرآن الذي في المصحف مخلوق، ولكنهم قالوا: لا يُقال ذلك إلا في مقام التعليم ولا يقال أمام العامة، حتى لا يفهم عنهم أنهم معتزلة.\r\rفنحن نقول: إن هناك كلاماً نفسياً وكلاماً لفظياً لكن لايقال إلا في مقام التعليم: وإن هذا الكلام المقروء المسموع المكتوب مخلوق، وأما النفسي فإنه غير مخلوق، فهذا مذهب الكلابية الذي تفرع منه الأشعرية والماتريدية، وهم يقولون إن الله ﷿ لايتكلم، أو أن الله ﷾ كلَّم واحداً من الناس فكتب هذا الكلام، فإنه لم يسمع حرفاً ولا صوتاً، وإنما كتب هذا المعنى أو هذا الكلام، والمكتوب هو: عبارة أو حكاية عن كلام الله ﷿ فمن خلال هذا المثال يتضح أن مذهبهم باطل.\r\rوهم لم يقولوا: إن الله أخرس -كما ذكر المصنف- ولا يلتزمون ذلك!\rفنقول هذا لازم لكم، ولو تأملتم فإنه لا فرق بين هذين المثالين، فلا بد أن تثبتوا أنه ﷾ يتكلم حقيقة، وأن الملك يسمع منه الكلام على الحقيقة، ثم ينقله الرسول الذي يسمع منه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689603,"book_id":1659,"shamela_page_id":729,"part":null,"page_num":729,"sequence_num":729,"body":"وأيضاً: القول بأن الله خلق كلامه في الملك نفس الشيء أو في الهواء أو في أي شيء آخر كما يقوله بعضهم.\rثم يرد عليه أيضاً بحجة عقلية قوية وهي: أنكم يا كلابية منأشعرية وماتريدية تقولون: إن القرآن معنى واحد: الخبر والأمر والنهي والاستفهام كله واحد.\r\rوقلنا كما سبق أن هذا الكلام معناه أنّ قوله تعالى: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى [الإسراء:٣٢] مثل قوله تعالى: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ [النساء:٤٣] وهذا غير معقول؛ لكنهم يقولون: إنَّ معنى ذلك واحد، إن عُبِّرَ عنه بالعربية كان قرآنا، أو بالعبرانية كان تواره، أو بالسريانية كان إنجيلاً إلى آخر ما يفصلون في كتبهم.\rفيقال: ما الذي سمع موسى ﵇ من ربه ﷿ لما كلمه؟\rإن قالوا: سمع جميع كلام الله؛ لأنه معنى واحد لا يتجزأ ولا يتبعض، فهذا واضح البطلان؛ لأنه إنما سمع بعضه.\r\rوإن قالوا: سمع البعض.\r\rقلنا: إذاً قد أقررتم أنتم بالتبعيض وبالتعدد، فقد ناقضتم أنفسكم، وهذا اعتراف منكم بأن قولكم: \"إنه معنى واحد لا يتبعض ولا يتعدد قائم بالنفس\" باطل، ثم نقول: هل سمع موسى ﵇ كل ما في نفس الله ﷾، فإن قالوا نعم فهذا باطل؛ لأنه ﷾ لا أحد يحيط بعلمه أبداً فعلمه ﷾ فوق إدراك كل إنسان. والله ﷿ إذا كلَّم إنساناً، فإنما يُكلمه بشيء قليل جداً بالنسبة كلامه ﷿ الذي لو كان البحر مداداً له لنفد البحر بل تنفد سبعة أبحر قبل أن تنفد كلماته ﷾، فإذاً موسى سمع شيئاً قليلاً جداً من كلام الله ﷿، وعلى قولكم: إنه معنى في النفس هل يفهم جميع المعاني أي: كل ما في نفس الله ﷿ يفهمه أو يعلمه إنسان يكلمه الله ﷿؟! هذه الأمثلة براهين وحجج واضحة تدل على بطلان مذهبهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689604,"book_id":1659,"shamela_page_id":730,"part":null,"page_num":730,"sequence_num":730,"body":"وكذلك مخاطبة الله ﷿ للملائكة: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ولما قال لهم: اسْجُدُوا لِآدَم وعندما يُخاطبُ الله ﷿، عيسى يوم القيامة عليه السلامأَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّه [المائدة:١١٦] .\r\rهل هذا الكلام هو كل كلام الله ﷿؟\rلا يقول ذلك عاقل؛ لأن هذا بعض كلام الله، ومعناه واضح والحمد لله، ويسمعه عيسى ﵇، ويجيب ﵇ بما ذكر الله ﷿ في القرآن، إذاً فالقول بأنه معنى واحد قائم بالنفس لا يتصور سماعه، مكابرة للعقول ومن يقرأ في الحواشي العضدية والنسفية في التعليق على هذا الكلام يجد الألغاز المعماة المعقدة في شرح معنى أن الله تكلم، ومعنى الكلام، ومعنى كلام نفسي، يجد أشياء غريبة جداً، ولو أن هذا هو ديننا الذي أنزله الله والذي يجب أن نعتقده، لما دخل الجنة أحد إلا هؤلاء أصحاب الألغاز، وهم أيضاً متناقضون مختلفون، فلا ندري من يدخل الجنة منهم، سبحان الله!\rفالله ﷿ أنزل إلينا الدين واضحاً جلياً، فكل ذي فطرة وعقل سليم يفهم من معنى الكلام أن الكلام منه بدأ، وهو الذي تكلم به على الحقيقة، أما كيفية كلام الله ﷿ فشأنها كشأن سائر الصفات لا نخوض في الكيفية، ولن تدركها عقولنا بأية حال من الأحوال هذا غاية ما يمكن أن يقال في هذا الموضع.\rقَالَ المُصنِّفُ ﵀:\r[وللناس في مسمى الكلام والقول عند الإطلاق أربعة أقوال:\r\rأحدها: أنه يتناول اللفظ والمعنى جميعاً، كما يتناول لفظ الإِنسَان للروح والبدن معاً، وهذا قول السلف.\r\rالثاني: أنه اسم للفظ فقط، والمعنى ليس جزء مسماه، بل هو مدلول مسماه، وهذا قول جماعة من المعتزلة وغيرهم.\r\rالثالث: أنه اسم للمعنى فقط، وإطلاقه عَلَى الفظ مجاز؛ لأنه دالٌ عليه، وهذا قول ابن كلاب ومن اتبعه.\r\rالرابع: أنه مشترك بين اللفظ والمعنى، وهذا قول بعض المتأخرين من الكلابية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689605,"book_id":1659,"shamela_page_id":731,"part":null,"page_num":731,"sequence_num":731,"body":"ولهم قول خامس يروى عن أبي الحسن أنه مجاز في كلام الله حقيقة في كلام الآدميين؛ لأن حروف الآدميين تقوم بهم فلا يكون الكلام قائماً بغير المتكلم بخلاف كلام الله، فإنه لا يقوم عنده بالله، فيمتنع أن يكون كلامه، وهذا مبسوط في موضعه] اهـ.\rالشرح:\rهذا الكلام استطراد لكن لا بأس أن نعرفه وإن كَانَ ليس مهماً لأنه من فضول العلم وهو في الحقيقة خوض في أمور فلسفية وذلك أنهم تأملون فَقَالُوا: هل الكلام -حقيقة- هو اللفظ، أي: هل هذه الألفاظ (ك، ت، ب) مجردة عن المعنى هي الكلام؟ أو أن الكلام يطلق عَلَى اللفظ بمعناه مع بعض دون فصل بينهما، أو يطلق عَلَى واحد منهما؟ هذا من التفصيل الذي خاض فيه المتأخرون، والأقوال فيه أربعة، وذكر المُصنِّفُ قولاً خامساً في ذلك.\r\rالقول الأول: ما عليه السلف الصالح، وعليه العقلاء من النَّاس أجمعين أن الكلام يتناول اللفظ والمعنى بغير فصل، كما أن كلمة إنسان تتناول البدن والروح، أي الجانب الظاهر منه والجانب الباطن فالكلام يشمل الصوت الذي يصدر من الحلق أو الحرف مع المعنى أيضاً المقترن به ولا انفكاك بينها.\rوالقول الثاني الذين قالوا: الكلام في الحقيقة هو اللفظ فقط، أي: مجرد الحروف أو مجرد الهواء الذي يخرج من الأجهزة الصوتية، وأما المعنى فهو يطلق عليه بالمجاز أو هو مدلوله، وهذا مذهب جماعة من المعتزلة.\r\rوالقول الثالث: قول الأشعرية وهو ضد قول المعتزلة أن الكلام في الحقيقة هو المعنى وأما الألفاظ التي تخرج فهذه لا تسمى كلاماً إلا مجازاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689606,"book_id":1659,"shamela_page_id":732,"part":null,"page_num":732,"sequence_num":732,"body":"والقول الرابع قول طائفة من الأشعرية الكلابية أنه مشترك بين اللفظين؟ والفرق بين قول السلف وقول الكلابية أنه مشترك بين اللفظ والمعنى، أن السلف يقولون: إنه يتناول اللفظ والمعنى معاً بدون انفصال: فإذ قال متكلم كلمة فإنه قال بحرف وصوت مع المعنى الذي يقصد ذلك المتكلم معاً بلا انفصال بينها، لكن هَؤُلاءِ يقولون هو مشترك بين اللفظ والمعنى، أي: يطلق عَلَى مجرد الألفاظ أنها كلام ويطلق عَلَى المعنى الواحد أنه كلام بخلاف مذهب السلف فإن الكلام يطلق عَلَى الاثنين، ولا يطلق عَلَى مجرد الكلام النفسي كلاماً في مذهب السلف ولا العقلاء جميعاً إلا إذا جَاءَ مقيداً كَانَ تقول: تكلمت في نفسي فنفهم منه أنك أسررت شيئاً في نفسك ولكن لم تبح به.\rالقول الخامس: يروى عن أبي الحسن الأشعري أنه مجاز في كلام الله حقيقة في كلام الآدميين.\rقَالَ المُصنِّفُ ﵀:\r[وأما من قال إنه معنىً واحد، واستدل عليه بقول الأخطل:\rإنَّ الكلامَ لفِي الفؤادِ وإنَّما جُعْلِ اللسانُ عَلَى الفؤادِ دليلاً\rفاستدلال فاسد، ولو استدل مستدل بحديث في الصحيحين لقالوا: هذا خبر واحد، ويكون مما اتفق العلماء عَلَى تصديقه وتلقيه بالقبول والعمل به.\r\rفكيف وهذا البيت قد قيل: إنه موضوع منسوب إِلَى الأخطل وليس هو في ديوانه.\r\rوقيل: إنما قَالَ: \" إن البيان لفي الفؤاد\"، وهذا أقرب إِلَى الصحة.\r\rوعلى تقدير صحته عنه فلا يجوز الاستدلال به، فإن النَّصارَى قد ضلوا في معنى الكلام وزعموا أن عيسى ﵇ نفس كلمة الله، واتحد اللاهوت بالناسوت أي شيء من الإله بشيء من الناس؛ أفيستدل بقول نصراني قد ضل في معنى الكلام ويترك ما يعلم من معنى الكلام في لغة العرب؟!\r\rوأيضاً: فمعناه غير صحيح إذ لازمه أن الأخرس يسمى متكلماً لقيام الكلام بقلبه، وإن لم ينطق به، ولم يسمع منه، والكلام عَلَى ذلك مبسوط في موضعه، وإنما أشير إليه إشارة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689607,"book_id":1659,"shamela_page_id":733,"part":null,"page_num":733,"sequence_num":733,"body":"وهنا معنى عجيب وهو أن هذا القول له شبهٌ قويٌ بقول النَّصارَى القائلين باللاهوت والناسوت، فإنهم يقولون: كلام الله هو المعنى القائم بذات الله الذي لا يمكن سماعه، وأما النظم المسموع فمخلوق، فإفهام المعنى القديم بالنظم المخلوق يشبه امتزاج اللاهوت بالناسوت الذي قالته النَّصارَى في عيسى ﵇، فانظر إِلَى هذا الشبه ما أعجبه] اهـ.\rالشرح:\r\rاستدل الذين يقولون: بأن كلام الله هو الكلام النفسي، بأن القُرْآن المتلو والمحفوظ والمسموع والمقروء الذي بين أيدينا في المصاحف مخلوق، وأن الكلام الذي هو صفة الله هو المعنى القائم في نفسه ﵎ ومن جملة الشبهات التي أوردوها: عَلَى ذلك البيت المنسوب إِلَى الأخطل وهو:\rإنَّ الكلامَ لفِي الفؤادِ وإنَّماجُعْلِ اللسانُ عَلَى الفؤادِ دليلاً\rيقولون: إن هذا الشاعر يعبر ويشرح معنى الكلام ويقول: إن الكلام لفي الفؤاد، فالكلام في الحقيقة هو ما في النفس، أي: ما يقوله الفؤاد وما يقوم في القلب من المعنى، وأما اللسان فإنما هو مُعبِرٌ عمَّا في الفؤاد فقط، ولذلك فهم عندما يقولون: إن القُرْآن ليس هو كلام الله ﷿، وإنما هو عبارة أو حكاية عن كلام الله، فإن هذا المعنى صحيح؛ لأنه يتفق مع هذا البيت، وقد أخذ العلماء في رد هذا القول من عدة أوجه كما ذكر المُصنِّفُ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- هنا جملة من ذلك.\rالوجه الأول: أن البيت مصنوع\rهذا البيت موضوع كما في بعض النسخ، والأفضل أن يُقَالَ: إنه مصنوع؛ لأن كلمة موضوع خاصة بمصطلح الحديث وهو الأولى، فالحديث المكذوب عَلَى رَسُول الله ﷺ يُقال له: الموضوع؛ لأنه وضع عَلَى رَسُول الله ﷺ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689608,"book_id":1659,"shamela_page_id":734,"part":null,"page_num":734,"sequence_num":734,"body":"وأما الأبيات المنتحلة أو المكذوبة، كأن يقول الرجل أبياتاً من عنده، وينسبها إِلَى أحد الشعراء، فيُقَالَ: إن هذه القصيدة مصنوعة أو منحولة، يُقَالَ: شعرٌ منحول أو شعر مصنوع، والذي في بعض النسخ مصنوع وهو الأرجح.\rفإذا هذا البيت لم يقله الأخطل، فالقول الأول في رده: أنه لم يثبت أن هذا الشاعر قاله.\r\rالوجه الثاني: ورود البيت برواية أخرى\rورد فيما نُسبَ إِلَى الأخطل برواية أُخرى غير رواية\rإنَّ الكلامَ لَفِي الفؤادِ وإنَّما\rوهي:\rإنَّ البَيَانَ لَفِي الفؤادِ وإنَّما\rوالبيان غير الكلام، وإنما الخلاف والنقاش في موضوع الكلام، وأما البيان فهذا أمر آخر، فاللسان يعبر عما في الفؤاد من البيان بمعنى: أن الإِنسَان يسوغ الفكرة في قلبه، ثُمَّ يعبر عنها باللسان، أو بالكتابة، وهذا أمرٌ لا خلاف فيه ولا غبار عليه.\r\rالوجه الثالث: أن الأخطل نصراني ولا يستدل بقوله\rإذا قدرنا أن هذا البيت صحيح، وأنه بنفس لفظة (الكلام) فإنَّ الاستدلال به لا يجوز شرعاً؛ لأن الأخطل شاعر نصراني، ومعلوم أن شعراء العهد الأموي ثلاثة -الذين هم الطبقة الأولى-: جرير، والفرزدق، والأخطل وقد كَانَ الأخطل تغلبياًً نصرانياً من ديار بكر وتغلب التي تسكن في شمالالعراق، وكانت النصرانية قد دخلت العرب؛ لمجاورتهم للروم حيث دخلوا في دينهم، فكانوا عَلَى تلك الملة، والإِنسَان لابد أن تظهر عقيدته في كلامه وفي شعره وفي نثره، فإذا قال هذا الشاعر النصراني:\rإنَّ الكلامَ لَفِي الفؤادِ وإنَّما\rفلا غرابة في ذلك؛ لأن هذا اعتقاده ودينه الذي يدين به.\r\rفالنَّصَارَى قد ضلوا في مفهوم الكلمة، حيث إنهم جعلوا عيسى ﵇ هو نفس الكلمة، فهم يقولون: الكلمة تجسدت في عيسى، وعندهم أن عيسى هو كلمة الله بمعنى أنه هو ذات كلمة الله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689609,"book_id":1659,"shamela_page_id":735,"part":null,"page_num":735,"sequence_num":735,"body":"أما نَحْنُ فإننا نعتقد أن عيسى كلمة الله كما أخبر الله ﷾ في قول الملائكة لمريم إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ [آل عمران:٤٥] ، وكما جَاءَ أيضاً في الحديث الآخر الصحيح (وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إِلَى مريم وروح منه) ، وسمي بالكلمة: لأنه وجد بكلمة من الله، فالله ﷿ قال له: كن، فكان إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران:٥٩] فليس عيسى هو نفس كلمة الله ﷿ ولكن لأنه وجد بالكلمة، فأطلقت عليه الكلمة، وليس هو نفس ذات الكلمة، فهو خارج عن العادة في الخلق، فالعادة أن يُخلق النَّاس من أم وأب إلا أن آدم خلقه الله ﷿ لأنه أول الخلق من غير أم ولا أب، وخلق المسيح من أم بلا أب، فهذا مثل هذا من حيث أنه وجد بكلمة من الله ﷿ وليس بالعادة والسنة الإلهية التي جعلها الله ﷾ في كل مولود.\r\rفالنَّصَارَىتقول: إن عيسى هو نفس الكلمة، وعيسى الذي هو كلمة الله هو بشر من ناحية، وهو إله من ناحية أخرى، فاتحد الناسوت باللاهوت، أي: اتحد عنصر الناسوت الإنسي البشري باللاهوت وهو العنصر أو الأقنوم الإلهي، فتركب منهما عيسى ﵇، ولذلك يقول النَّصَارَىكما في الأناجيل وكما يرددونه في الإذاعات: إن المسيح لمَّا ركبَ في الزورق هو وطائفة من أصحابه، فهاج بهم الموج، فخافوا من الغرق، فكان عيسى لمَّا خاف من الغرق في الحالة الناسوتية -أي: أنه بشر مثل البشر خاف أن يغرق- وبعد قليل قال عيسى ﵇ للزورق: اهدأ فهدأ البحر وهدأ الزورق ونجا هو وأصحابه، فَقَالُوا: في هذه الحالة كَانَ يتكلم باسم الحالة اللاهوتية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689610,"book_id":1659,"shamela_page_id":736,"part":null,"page_num":736,"sequence_num":736,"body":"وعندما يقولون: إنه صُلِبَ، فقد ردَّ اللهُ عَلَى كذبهم بقوله: وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ [النساء:١٥٧] فيقولون كما في بعض الأناجيل: إنه لما وضع عَلَى الصليب قَالَ: إيلي إيلي باللغة السريانية يعني إلهي إلهي! أو يا ربي يا ربي! أو يا الله يا الله! لماذا تركتني؟! فلما نادى عيسى هذا النداء في هذه الحالة كَانَ في الحالة البشرية الناسوتية؛ لأنه دعا الله، لكن بعد ثلاثة أيام من الصلب كما يزعمون عاد ورجع وخاطب النَّاس ورأوه وكان في صورته الإلهية.\r\rفالنَّصَارَىهذا دينهم وهذا مفهومهم في الكلمة فكيف نأخذ كلامهم، حتى لو قال الأخطل هذا البيت وثبت عنه فلا نأخذ بكلام شاعر نصراني هذه عقيدته في الكلام وفي المسيح ﵇ ويقول المُصْنِّف في ذلك: [أفيستدل بقول نصراني قد ضل في معنى الكلام عَلَى معنى الكلام، ويُترك ما يعلم من معنى الكلام في لغة العرب] وهذا غير ممكن.\r\rالوجه الرابع: أن معنى البيت غير صحيح\rلأن لازمه أن يكون الأخرس متكلماً كما قد أوضحنا ذلك مراراً، فإذا كَانَ الكلام هو ما في الفؤاد، وليس ما ينطق به اللسان، فإن الأخرس الذي لا يتكلم بلسانه يسمى متكلماً؛ لأنه بطبيعة الحال يفكر بقلبه، ويحدث نفسه بأشياء ويتكلم في نفسه عَلَى هذا المفهوم، ثُمَّ يؤشر بإشارة ويُعبر فيفهمُ النَّاس أنه يريد كذا أو يريد كذا.\r\rالاستدلال بخبر الآحاد والرد عليهم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689611,"book_id":1659,"shamela_page_id":737,"part":null,"page_num":737,"sequence_num":737,"body":"هنا قضية مهمة لابد أن نعلمها وهي من أهم الأصول في مسائل العقيدة وهي موضع الفصل بين أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ من جهة، وبين غيرهم من الطوائف من جهة أخرى، وهي ما أشار إليه المُصْنِّف ﵀ تَعَالَى بقوله: [ولو استدل مُستدلٌ بحديث في الصحيحين لقالوا: هذا خبر واحد، ويكون مما اتفق العلماء عَلَى تصديقه وتلقيه بالقبول والعمل به] أي: لو جئناهم بحديث من الصحيحين قد اتفق العقلاء عليه وعلى تلقيه بالقبول، وقلنا لهم: هذا كلام رَسُول الله ﷺ، فإنهم يقولون: هذا خبر آحاد وخبر الآحاد لا يحتج به في العقيدة، هذا مذهب عموم أهل الكلام والمعتزلة والأشعرية.\rفيحتجون كما يقولون بالبراهين القطعية الثابتة، أما الأدلة الشرعية، فهم يقولون: إن ما جَاءَ في القرآن، وما جَاءَ في السنة فإنها عَلَى أحد نوعين:\rالنوع الأول: إما أن تكون الآيات أو الأحاديث متواترة.\r\rالنوع الثاني: أن تكون الأحاديث التي رويت عن النبي ﷺ آحاداً، أما الآحاد فلا يشتغلون بها نهائياً، حتى قال قائلهم وهو أبو المعالي الجويني: إن اشتغلنا به عَلَى سبيل التبرع فنؤوله، وإذا أولناه فلا ننظر إليه نهائياً مادام أنه في باب العقيدة، لكن لو اشتغلنا به فهو تبرع منا أو تطوع ونؤله، هذا موقفهم من خبر الآحاد وبهذا نعرف ضلال أصحاب علم الكلام ومدى ما وقعوا فيه من الحيرة والشك والريب الذي اعترى قلوبهم لما أن تركوا الهدى الواضح ومالوا إلى القواعد والبراهين العقلية التي قررها أفلاطون وأرسطو وأمثالهما، وأما القرآن والسنة فنؤلهما لتوافق هذه القواعد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689612,"book_id":1659,"shamela_page_id":738,"part":null,"page_num":738,"sequence_num":738,"body":"إذاً ما الفائدة من إنزال القرآن؟ أمن أجل أن نشتغل بتأويله ليوافق ما قاله أرسطو وأفلاطون! ومن ثُمَّ ننظر ما ثبت متواتراً منها اشتغلنا بتأويله وما كَانَ آحاداً رددناه! فهذا مضيعة مشغلة، وكان الأولى أن نشتغل ونجعل الوقت والجهد كله فيما قرره هَؤُلاءِ من القواعد والبراهين وننتهي من إضاعة العمر في رد ونقض القُرْآن والسنة وتأويلها لتوافق ما قالوا.\r\rهذا هو لازم لهم بأي حال من الأحوال ولا يمكن أن يحيدوا عنه أبداً والواقع معلوم، وكما يعلم كل ذي لب من مؤرخ أو مفكر مؤمن وغير مؤمن أن علم اليونان وعلم غيرهم كَانَ موجوداً قبل بعثة النبي ﷺ وكان متداولاً حتى في بعض الأقطار التي فتحها الْمُسْلِمُونَ مثل بلاد الشام وبلاد مصر وكانت هذه الفلسفات معروفة فماذا أغنت عنهم وما أعطتهم من الحق والهدى؟ لم تعطهم إلا الضلال والحيرة والعياذ بالله، فلا بد إذاً من الرجوع إِلَى الكتاب وإلى السنة.\r\rولو نظرنا إِلَى ما يمكن أن نرد به علىهَؤُلاءِ من واقع دعوة النبي ﷺ فسنجد الإمام البُخَارِيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عقد باباً في صحيحه سماه أخبار الآحاد وأيضاً كتاباً آخر أسماه الاعتصام بالكتاب والسنة، وقد تعمد الإمام البُخَارِيّ ﵀ أن يعقد هذا الباب لينبه إِلَى هذه المسألة المهمة، ويبين لنا خطر ما يدعو إليه أُولَئِكَ المتكلمون وذكر فيه جملة من الأحاديث التي تبين وتقطع ببطلان دعوى التواتر.\r\rومن ذلك النبي ﷺ لمّا بعث الرسل إِلَى ملوك الأرض قاطبة ليبلغهم العقيدة فبعث دحية الكلبي إِلَى هرقل ملك الروم وهو رجل واحد ولم يبعث عشرين ولا ثلاثين ولا سبعين.\r\rوبعث إِلَى الفرس أيضاً رجلاً واحداً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689613,"book_id":1659,"shamela_page_id":739,"part":null,"page_num":739,"sequence_num":739,"body":"وبعث كذلك إِلَى المقوقس ملك، أو عظيم القبط رجلاً واحداً، ولنفرض أنهم رجلين، فهذا لا يؤثر، فقد بعث النبي ﷺ معاذاً إلىاليمن ثُمَّ أبا موسى الأشعري وهم آحاد ولم يصل العدد إِلَى حد التواتر، وقد كَانَ يأتي إِلَى النبي ﷺ الرجل مثل عامر بن الطفيل الدوسي ومثل ضمام الذي قال أنا ضمام أخو بني سعد بن بكر، فسأل النبي ﷺ عن التوحيد والإيمان ثُمَّ رجع وأنذر قومه وبلغهم.\r\rوكثير من هَؤُلاءِ الصحابة الذي كَانَ يذهب الواحد منهم ويعود إِلَى قومه ويبلغهم عن النبي ﷺ، وكذلك أهل المدينة كيف دخلوا في الإسلام، هل أرسل لهم النبي ﷺ عدد التواتر؟\rإنما بعث إليهممصعب بن عمير ﵁ رجلاً واحداً أدخلهم في الإسلام حتى أنهم استقبلوا النبي ﷺ بالأحضان من أول يوم وصل المدينة، وإذا به سيد المدينة، وحاكمها المطلق، فآمنوا واهتدوا وهم أفضل الأمة بعد المهاجرين بدعوة رجل واحد.\rفدعوى من يقول: إن العقيدة لا تؤخذ عن الخبر الواحد دعوى واضحة البطلان، ومن ذلك ما يقول به كثير من النَّاس اليوم، الذين يردون بعض الأحاديث الصحيحة، كحديث الذباب فيجدر بنا أن نتنبه إِلَى خطورة هذه القضية: بعض النَّاس قد يكونون إسلاميين أو دعاة أو ما أشبه ذلك، ولكنهم منحرفون في هذه القضية ولا يضرنا ذلك ومن ذلك ما راج من بدعة إنكار آحاد السنة وبالذات حديث الذباب الذي صح عن النبي ﷺ أنه قَالَ: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء) فردوا هذا الحديث مع أنه حديث صحيح ثابت عن النبي ﷺ وَقَالُوا: إن العلم يثبت أن هناك ميكروبات، فكيف يردونه؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689614,"book_id":1659,"shamela_page_id":740,"part":null,"page_num":740,"sequence_num":740,"body":"قالوا: هذا آحاد، لم يثبت بالتواتر، سُبْحانَ اللَّه! ولو أننا من أجل حديث الذباب لا بد أن نأتي برواية أربعين عن أربعين، أو ثلاثين عن ثلاثين، أو سبعين عن سبعين، فمعنى ذلك أن لا إله إلا الله والصلاة لابد له من رواية ألف عن ألف عن ألف، حتى تثبت وهذا شيء عجيب، وإذا كانوا يريدون التواتر في الذباب إذاً متى يقبلون منَّا خبر الآحاد؟ ولماذا يجهد البُخَارِيّ ومسلم والإمامأَحْمَد أنفسهم ويجمعون الطرق.\r\rوبعض الصحابة ما روى إلا حديثاً واحداً عن رَسُول الله ﷺ وما لقيه إلا تابعي واحد أو اثنان، فمعنى ذلك: أن من كَانَ الراوي له من التابعين واحد أو اثنان أو أقل من التواتر فإننا نرد جميع أحاديثه، ومن ذلك بعض أمهات المؤمنين؛ لأنه لم يكن يدخل عليهن أو يخاطبهن إلا بعض أقاربهن فمعنى ذلك أن نرد كل ما روي عنهن؛ لأنه لم يرد عنهن عدد التواتر سبعين أو أربعين أو ثلاثين مثلاً مع الخلاف الذي بين المعتزلة، فهذه من أبطل الدعاوى وأكثرها بهتاناً وإفكاً فالغرض منها هو هدم الدين من أساسه ولكن غلَّفوا ذلك الهدم باسم أننا نريد التواتر ونريد أن نستوثق؛ لأن الراوي الواحد قد يخطئ وقد ينسى وقد يضل وغيرها من الاحتمالات ونحن لا ننكر أن بعض الرواة يخطئ، وهذا موجود!\rوقد قال علماؤنا في نقدهم للأحاديث في المتون: هذه الكلمة مدرجة، وأخطأ الراوي في هذه الكلمة، وأصاب فلان، وَقَالُوا: هذا الحديث شاذ، والشاذ هو ما خالف فيه الثقة ثقات آخرين، فهم يعرفون هذا، فما قلنا ولم نقل: إن كل من روى له البُخَارِيّ أو مسلم أو كل من قال العلماء: إنه ثقة أو صدوق أنه معصوم لا يخطئ، لم يقل ذلك أحد من العلماء بإطلاق؛ لكن هل يرد حديثه بناءً عَلَى أنه غير معصوم؟!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689615,"book_id":1659,"shamela_page_id":741,"part":null,"page_num":741,"sequence_num":741,"body":"ونضرب عَلَى ذلك مثالاً واقعياً: الآن هل يوجد طبيب في الدنيا معصوم لا يمكن أن يخطئ في أي علاج، لا، بل كل طبيب يمكن أن يخطئ، فلو جَاءَ وقَالَ: ما دام أنه كذا فتغلق جميع المستشفيات وجميع العيادات ولا نقبل أي شيء لأنه من الممكن أن يخطئ فمن الممكن أن يذهب أحد النَّاس ويعطي له إبرة أو حبوب أو شيء فيموت، فما دام أنَّ احتمال الخطأ وارد فلا نقبل من أي طبيب عَلَى الإطلاق، ويصبح النَّاس لا يتداوون ولا يتعالجون، فيقول النَّاس عن هذا: إنه مجنون فلو أنه أخطأ مرة أو مرتين فالخطأ يمكن أن يتدارك، ولو لم يتدارك فجانب المنفعة عظيم جداً والخطأ نزر وقليل فيغتفر ويحتمل.\r\rفكذلك عندما يقولون ألستم تعترفون أن الرواة قد يخطئون نقول: قد يخطئ، فهل ما دام أنه قد يخطئ إذاً لا نقبل أي حديث، سُبْحانَ اللَّه!! هذا الكلام لا نقبله منهم، بينوا لنا أنه أخطأ في هذه اللفظة، ونحن لا نقول بهذه اللفظة، أعطونا الدليل عَلَى ذلك، قولوا: قال أَحْمَد، قال البُخَارِيُّ، قال ابن معين، قال ابن المديني، قال النَّسَائِيُّ، قال أبو داود: إن هذا أخطأ في هذه اللفظة ونحن نقبل هذا الكلام ولا مشاحة في ذلك؛ لأن هذا علم اسلكوا طريقه وتعلموه ثُمَّ ناقشونا به، لكن الرد بدون علم لا نقره، ولا يقره أي إنسان في أي علم فضلاً عن أشرف العلوم بعد كتاب الله، وهو علم السنة التي تكفل الله تَعَالَى بحفظها عن طريق هَؤُلاءِ الأئمة الثقات الأثبات.\rوهناك لفتة عجيبة أشار إليها المُصْنِّف ﵀ بعد ذلك لما قَالَ: [وهنا معنى عجيب وهو أن هذا القول له شبه بقول النَّصَارَى] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689616,"book_id":1659,"shamela_page_id":742,"part":null,"page_num":742,"sequence_num":742,"body":"وهذا اتضح حينما قلنا: إن النَّصَارَىيقولون: حلَّ الناسوتُ باللاهوت، وهذا بمعنى أنه يقوم مقامه ويتكلم باسمه، فكذلك يقول هَؤُلاءِ: إن الكلام المخلوق الذي في المصحف هو عبارة أو حكاية عن كلام الله، فالعلاقة بين المعنى القائم بالنفس، وبين الكلام المخلوق أو النظم الموجود بين الدفتين في المصحف تُشَابِهْ تماماً العلاقة التي تقولها النَّصَارَىبين الناسوت واللاهوت ففي هذا مشابهة عجيبة ودليل عَلَى أن هذه الفكرة أصلها ومنشأها من غير الإسلام.\rوقد أشرنا إِلَى ذلك عندما استعرضنا في أول مبحث الكلام وهو: أنهم أخذوه من النَّصَارَىوأرادوا أن يردوا عَلَى النَّصَارَىفاضطروا إِلَى القول بأنه مخلوق، فسواء كَانَ التأثير مباشراً، أو ردة فعل عكسية، فأيا كَانَ الأمر فإن هذا القول غريب عن دين الإسلام والْمُسْلِمِينَ.\rقال المصنف -رحمه الله تعالى-:\r[ويرد قول من قال: بأن الكلام هو المعنى القائم بالنفس قوله ﷺ: (إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس) وقال: (إن الله يحدث من أمره ما يشاء وإن مما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة) واتفق العلماء على أن المصلي إذا تكلم في الصلاة عامداً لغير مصلحتها بطلت صلاته واتفقوا كلهم على أن ما يقوم بالقلب من تصديق بأمور دنيوية وطلب لا يبطل الصلاة، وإنما يبطلها التكلم بذلك فعلم اتفاق المسلمين على أن هذا ليس بكلام.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689617,"book_id":1659,"shamela_page_id":743,"part":null,"page_num":743,"sequence_num":743,"body":"وأيضاً ففي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل به) فقد أخبر أن الله عفا عن حديث النفس إلا أن تتكلم ففرق بين حديث النفس وبين الكلام وأخبر أنه لا يؤاخذ به حتى يتكلم به والمراد حتى ينطق به اللسان باتفاق العلماء فعلم أن هذا هو الكلام في اللغة لأن الشارع إنما خاطبنا بلغة العرب وأيضاً في السنن أنمعاذاً ﵁ قال: يا رسول الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به فقال: (وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم) .\r\rفبين أن الكلام إنما هو باللسان، فلفظ القول والكلام وما تصرف منهما من فعل ماض ومضارع وأمر واسم فاعل إنما يعرف في القرآن والسنة وسائر كلام العرب إذا كان لفظاً ومعنى ولم يكن في مسمى الكلام نزاع بين الصحابة، والتابعين لهم بإحسان وإنما حصل النزاع بين المتأخرين من علماء أهل البدع ثم انتشر.\rولا ريب أن مسمى الكلام والقول ونحوهما ليس هو مما يحتاج فيه إلى قول شاعر فإن هذا مما تكلم به الأولون والآخرون من أهل اللغة وعرفوا معناه كما عرفوا مسمى الرأس واليد والرجل ونحو ذلك] اهـ\rالشرح:\r\rيستمر المصنف -رحمه الله تعالى- في بيان هذه الحقيقة وهي: أن القول أو الكلام وما يتفرع عنه من الفعل أو المصدر أو اسم الفاعل، إذا قلنا: قال فلان أو يقول أو قولاً أو تكلم كلاماً كل هذا فإن المراد به الكلام المعروف المعهود عند الناس وهو المنطوق باللسان أي: يشمل اللفظ والمعنى معاً ولم يعهد عن أحد من السلف من التابعين أو الصحابة -رضوان الله تعالى عليهم- أنه قال بالفرق بينهما كما تقدم بيانه وأن هذا إجماع منهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689618,"book_id":1659,"shamela_page_id":744,"part":null,"page_num":744,"sequence_num":744,"body":"وهذه القاعدة تؤكدها الأحاديث الثابتة الواردة بإبطال قول من يقول: إن الكلام هو ما في القلب ويستدل عليها بقول الشاعر النصراني ومن ذلك قول النبي ﷺ: (إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس) هذا جزء من حديث معاوية بن الحكم السلمي رضي الله تعالى عنه والذي بيَّن فيه عدة من الأحكام مثل علو الله ﷿ وهذا الحُكم من أحكام الصلاة وأثبت فيه أيضاً الكهانة والطيرة وهو حديث عظيم رواه الإمام مسلم وغيره وهو من أحاديث العقيدة المهمة فلما أن عطس الرجل فشمته معاوية بن الحكم السلمي بصوت عالي، فتأثر الصحابة ﵃ وضربوا على أفخاذهم، فقال: ما لكم، فتأثروا أكثر، فاضطر أن يسكت، فلما انتهى تعجب ما الذي جرى فاستدعاه النبي ﷺ وأخذه بلطف وقال له: (إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس) فإذا كان الكلام هو ما في الفؤاد فمن من المسلمين -إلا من عصمه الله من السلف الأولين أو من أشباههم- لا يكلم نفسه في أثناء الصلاة.\rوقد اتفق العلماء والفقهاء جميعاً على أن حديث النفس حتى ولو بشيء من أحاديث الدنيا أو بأي أمر من الأمور، فإنه لا يبطل الصلاة، فيجب أن نفرق بين الخشوع وبين البطلان فالكلام هنا في البطلان فمن تكلم بكلام أو قول أي أظهر لفظاً أو نطق بكلام لغير مصلحة الصلاة بطلت صلاته عند جميع الفقهاء لكنه لو تكلم بهذا الكلام في نفسه، فإن صلاته لا تبطل ولكن ينقص الخشوع.\rفالكلام النفسي موجود دائماً ولا يخلوا إنسان من أن يحدث نفسه هذا أحد الأدلة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689619,"book_id":1659,"shamela_page_id":745,"part":null,"page_num":745,"sequence_num":745,"body":"والدليل الآخر هو أن النبي ﷺ قال: (إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن مما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة) وهذا الحديث يدل على ما يدل عليه حديث معاوية بن الحكم: أن الصلاة في أول الأمر كان الكلام فيها جائزاً ثم مما أحدث الله ﷿ أن الكلام منع في الصلاة وهذا من أدلة النسخ فإن بعض الأحكام تكون جائزة ثم تنسخ فتصبح محرمة أو العكس، وكذلك أيضا قوله ﷺ في الحديث المتفق عليه: (إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تكلم أو تعمل به) هذا من فضل الله ﷿ ورحمته علينا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689620,"book_id":1659,"shamela_page_id":746,"part":null,"page_num":746,"sequence_num":746,"body":"فالله تجاوز عن حديث النفس الخواطر والهواجس فإذا تكلمت به وعملت به فإنها تؤاخذ بما تكلمت وعملت، ولكن من شك في بعض ما أخبر الله به أو أخبر به النبي ﷺ، وهذا الشك استيقن به صاحبه، حتى أصبح عنده حقيقة، فكيف ينطبق عليه هذا الحديث؟ هو لم يتكلم ولكن هذا الشك انتشر حتى صار مؤكداً وحقيقة في نفسه أنه يكذب أو يشك في شيء مما جاء عن الله أو عن رسول الله ﷺ فانطوى قلبه على عقيدة باطلة بخلاف ما جاء في كتاب الله وفي سنة رسول الله ﷺ هذا من عمل القلب، وينطبق عليه الحديث؛ لأنه قد عمل قلبه به لأن عمل القلب الشرعي مثلاً: اليقين وقد حل محله الشك فيكون من عمل القلب الكفري الذي هو ضد العمل الإيماني، وكذلك الإخلاص مطلوب وهو من أعمال القلب الواجبة فإذا حل محله الرياء فإن عمل القلب هنا يفسد، فإذاً سواء كان العمل قلبياً أو عملاً بالجوارح فلا يؤاخذ الله ﷿ بالخواطر والهواجس وإنما يؤاخذ بالعمل، إذا كان عملاً بالقلب أو عملاً بالجوارح أو كلاماً يتفوه به الإنسان، لأنه إذا تفوه وتكلم به فإنه قد تقرر به أما الهاجس والخاطر العارض فإنه يطرده، ولا يستقر في قلبه، وما دام يدافعه فلا حرج عليه، لذا قال النبي ﷺ: (إن الشيطان لا يزال يأتي الإنسان حتى يقول الله: هذا خلق الله، فمن خلق الله) ، فالشيطان يأتي الإنسان بالشكوك حتى أن أبا هريرة -رضي الله تعالى عنه- روى هذا الحديث لمَّا جاءه رجل فسأله هذا السؤال فضحك أبو هريرة ﵁ وعجب، وقال: (صدق خليلي ﷺ قد أخبر بذلك، وها هو قد قيل ما كان وأخبر به النبي ﷺ فالشيطان يأتي يلقي الشبهات والشكوك والواجب على المؤمن أن يحاربه وأن يقاومه فهو يدعو إلى الفحشاء والمنكر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689621,"book_id":1659,"shamela_page_id":747,"part":null,"page_num":747,"sequence_num":747,"body":"وهذا من الفوارق الدالة على أن الكلام هو: القول واللفظ، وليس مجرد حديث النفس، ولذلك فالعبارة الأخيرة التي ذكرها المصنف هنا: إن مسمى الكلام والقول ونحوهما ليس مما نحتاج فيه إلى قول شاعر أي: مثل هذه المعاني الواضحة في الكلام العام لا نحتاج إلى الاستدلال عليها بقول شاعر ولا حتى بغير ذلك كالرأس والرجل واليد والسماء والأرض والجبل..لا نحتاج أن نأتي عليه بشاهد لا من كلام العرب ولا من غيره؛ لأنه معروف ومعلوم لدى كل عربي أن هذا يسمى جبل، وهذه تسمى سماء، وهذه أرض، وهذا لا يحتاج فيه إلى شاهد، فهو ثابت بالتواتر بالجمع الغفير جداً، وهو كل من يتكلم بهذه اللغة.\r\rومن ذلك أن كلمة الكلام والقول إنما تطلق على ما يتلفظ به وما يُقال باللسان، فلا يحتاج إلى قول أحد ويشهد لذلك الحديث الذي رواه الترمذي والإمامأحمد من حديث معاذ المعروف الذي قال في آخره: (يا رسول الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به، فقال ﷺ: ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يُكبُّ الناس في النار على وجوههم -وقال في رواية أخرى: على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم) .\r\rفدل ذلك على أن القول المؤاخذ به الذي يكب في النار هو ما يقوله اللسان لا مجرد ما يخطر في القلب فهذا من أحد الشواهد. والأدلة المتظافرة من الشرع والعرف واللغة على أن الكلام هو ما ينطق به وما يتلفظ به.\rقال المصنف -رحمه الله تعالى-:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689622,"book_id":1659,"shamela_page_id":748,"part":null,"page_num":748,"sequence_num":748,"body":"[ولا شك أن من قال: إن كلام الله معنى واحد قائم بنفسه تعالى وإن المتلو المحفوظ المكتوب المسموع من القارئ حكاية كلام الله وهو مخلوق، فقد قال بخلق القرآن في المعنى وهو لا يشعر فإن الله تعالى يقول: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ [الإسراء:٨٨] أفتراه ﷾ يشير إلى ما في نفسه أو هذا إلى المتلو المسموع ولا شك أن الإشارة إنما هي إلى هذا المتلو المسموع إذ ما في ذات الله غير مشار إليه ولا منزل ولا متلو ولا مسموع وقوله لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ أفتراه سبحانه يقول: لا يأتون بمثل ما في نفسي مما لم يسمعوه ولم يعرفوه وما في نفس الباري ﷿ لا حيلة إلى الوصول إليه ولا إلى الوقوف عليه فإن قالوا: إنما أشار إلى حكاية ما في نفسه وعبارته وهو المتلو المكتوب المسموع فأما أن يشير إلى ذاته فلا، فهذا صريح القول بأن القرآن مخلوق؛ بل هم في ذلك أكفر من المعتزلة فإن حكاية الشيء بمثله وشبهه، وهذا تصريح بأن صفات الله تعالى محكية ولو كانت هذه التلاوة حكايةً لكان الناس قد أتو بمثل كلام الله فأين عجزهم؟!\rويكون التالي -في زعمهم- قد حكى بصوت وحرف ما ليس بصوت وحرف، وليس القرآن إلا سوراً مسورة وآيات مسطرة في صحف مطهرة قال تعالى: فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَات [هود:١٣] : بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ [العنكبوت:٤٩] فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ [عبس:١٤،١٣] .\r\rويكتب لمن قرأ بكل حرف عشر حسنات قال ﷺ: (أما إني لا أقول آلم حرف ولكن ألف حرف ولا م حرف وميم حرف) وهو المحفوظ في صدور الحافظين المسموع من ألسن التالين] اهـ.\rالشرح:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689623,"book_id":1659,"shamela_page_id":749,"part":null,"page_num":749,"sequence_num":749,"body":"يذكر المصنف ﵀ أن من قال: إن كلام الله معنى نفس وأن ما في المصاحف المتلو هو حكاية أو عبارة عن كلام الله وهم الحنفية والأشعرية والماتريدية ومن قال بهذا القول، فقد قال بخلق القرآن شعر أم لم يشعر.\r\rوسبق أن قلنا: إن كتب المتأخرين وكذلك الشروح والحواشي المتأخرة صَّرحت بذلك، قالوا: إن القرآن مخلوق ولكن لا يُقال مخلوق إلا في مقام التعليم، فلو قال أحد: مخلوق أمام العامي الذي لا يدري فقد يظن أنك تعني ما في ذات الله وما في ذات الله غير مخلوق أما هذا الذي في المصحف فهو مخلوق وتقول مخلوق أمام من يفهم الفرق بينهما.\r\rفهذا ليس فقط وهو لا يشعر؛ بل هم قد قالوا ذلك، وأقروا به، والتزموا به، ولم يعودوا ينكرونه؛ بل هم يصرحون به حتى المعاصرين منهم في هذا الزمان، ويرد عليهم ﵀ بأن الله ﷾ تحدى العالمين الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [الإسراء:٨٨] .\r\rفما الذي تحدى الله ﷿ به المخلوقين أهو ما في ذاته؟ أم هو هذا المكتوب المتلو المحفوظ؟ فالإشارة في هذا لو فكر أي عاقل لوجد أنها بلا شك إلى هذا الذي يقرأه الناس ويتلونه ويسمعونه، فهذا هو كلامه الذي يتحدى أن يأتي بمثله.\r\rأما إن كان التحدي لِمَا في ذات الله فَمَا في ذات الله ﷿ لا يشار إليه بهذه الآية ولا غيرها ولا هو منزل ولا متلو ولا مسموع، كما يقولون: إنه ليس بحرف ولا صوت، وإنما هو شيء في الذات معنىً قائم بالله تعالى فكيف يتحدى به وأين الوصول إليه وكيف يعلم حتى يؤتى بمثله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689624,"book_id":1659,"shamela_page_id":750,"part":null,"page_num":750,"sequence_num":750,"body":"فعندما يتحدى الله ﷿ أن يأتوا بمثله فهو شيء موجود بين أيدينا يقول: هذا هو القرآن اقرؤه وأتوا بمثله ولن تأتوا أبداً! أما إذا كان التحدي بالمعنى القائم في الذات، فأين الوصول إليه؟ وذاته بالاتفاق لا يمكن لأحد أن يعلمها، أو يسمعها، أو يحيط بها، فشيء لا سمعناه ولا عرفناه ولا ندركه كيف نُتَحدى أن نأتي بمثله، فهذا دليل على أن الكلام والقرآن إذا أُطلق وتُحديَّ به، هو ما في هذا المصحف، فهو كلامه ﷿ حقيقة لا عبارة ولا حكاية ولا مجاز ولا شيء من هذه الضلالات، فإن قالوا: لا، نحن نقصد أن التحدي جاء بهذا الذي هو عبارة أو حكاية عن الكلام المعنى القائم بالنفس، فيقول المصنف: إذا قالوا ذلك فإن هذا اعتراف بأن القرآن مخلوق.\rومن ناحية أخرى: أن قولكم في هذا أشد من قول المعتزلة؛ لأن المعتزلة يقولون: القرآن خلقه الله كأي خلق من الخلق، أما أنتم فتقولون: إن الله ﷿ له صفة قائمة بذاته هي الكلام، وهذا القرآن تعبير أوحكاية أو مجاز عنه، فأنتم تقولون: إن من صفات الله ﷿ ما يحكى أو يتشبه به كما يقول المصنف: إن حكاية الشيء تكون بمثله أو بشبهه، فمن هذا الذي يحاكي كلام الله؟! فسواءً قالوا جبريل، أو محمد ﷺ حاكى كلام الله بكلام مثله أو بشيء يشبه.\r\rفإذاً لا داعي للتحدي لأن جبريل، أو محمداً ﷺ هو من المخلوقات، وقد حاكى الصفة التي يقولون إنها قديمة وهي في ذات الله وهذا مما يتناقضون به ويكذب ويبطل دعواهم لأن صفات الله ﷿ ليس فيها ما يمكن أن يحاكى أبداً.\rالشيء الآخر: أن الكلام الذي يثبته هؤلاء المؤولة فيقولون: إن كلام الله معنى قائم بنفسه تعالى، ليس بحرف ولا صوت؛ أليس هذا القرآن الذي بين أيدينا المقروء المحفوظ المتلو حروفاً وأصواتاً؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689625,"book_id":1659,"shamela_page_id":751,"part":null,"page_num":751,"sequence_num":751,"body":"وهذا تناقض؛ لأنكم شبهتم الشيء الذي ليس بحرق ولا صوت، بأنه حُكي وعُبِّرَ عنه بشيء هو حرف وصوت، وهذا تناقض ودليل ملزم لهم، فالقرآن إذا أُطلق إنما هو هذه الآيات المحفوظة والمتلوة والمسموعة كما جاء في هذه الآيات التي ذكرها المصنف ﵀ حيث استدل على الحرف بالحديث الذي أخرجه الترمذي وهو قول النبي ﷺ: (أما إني لا أقول ألم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف) فهذا القرآن حروف وأصوت وقد سبق، وأن ذكرنا الدليل عليه في الحديث الصحيح: (إن الله ﷿ يتكلم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب) .\rقال المصنف -رحمه الله تعالى-:\r\r[قال الشيخ حافظ الدين النسفي ﵀ في المنار إن القرآن اسم للنظم والمعنى.\r\rوكذا قال غيره من أهل الأصول وما ينسب إلى أبي حنيفة ﵀ أن من قرأ في الصلاة بالفارسية أجزأه فقد رجع عنه وقال: لا تجوز القراءة مع القدرة بغير العربية، وقالوا: لو قرأ بغير العربية فإما أن يكون مجنوناً فيداوى أو زنديقاً فيقتل، لأن الله تكلم به بهذه اللغة والإعجاز حصل بنظمه ومعناه] اهـ.\r\rالشرح:\r\rيستدل المصنف هنا على أصحاب أتباع مذهب الحنفية بكلام أحد أئمتهم المشهورين وهو حافظ الدين النسفي ﵀ واسمه: عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي أبو البركات ﵀ الذي توفي سنة ٧١٠هـ وله من المؤلفات التفسير المعروف بتفسير النسفي الذي سماه مدارك التنزيل وله كتاب المنار في أصول الفقه وهذا الذي نقل منه المصنف هذا الكلام وله في العقيدة كتاب عمدة العقائد أيضاً، كما هو مترجم له في كتاب الأعلام للزركلي (٤/٦٧) ، وهناك توجد المصادر التي نقل، منها كُتب طبقات الحنفية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689626,"book_id":1659,"shamela_page_id":752,"part":null,"page_num":752,"sequence_num":752,"body":"الحافظ النسفي يقول في المنار: إن القرآن اسم للنظم والمعنى، فهو يردُّ هنا على أصحابه القائلين بالكلام النفسي، وقال: [وما يُنسب إلى أبي حنيفة ﵀ أنه قال: من قرأ في صلاته بالفارسية أجزأه] إذا قرأ بمعنى القرآن بلغة غير العربية فإن ذلك يجزئه في صلاته، فالإمام أبو حنيفة رجع عن هذا القول كما يقول الإمام المصنف ابن أبي العز وهو من أئمة المذهب، وهو يعلم المذهب ويعلم الأقوال فيه، وقد يسلم الإنسان في هذه اللحظة، وهو لا يجيد اللغة العربية، فلا نلزمه أن يصلي باللغة العربية، وهو إلى الآن لم يتعلمها، ولكن ينبغي أن يتعلمها في أسرع ما يمكن.\r\rثم قال الأئمة الحنفية: ما حكم من قرأ بغير العربية؟\rقالوا: إما أن يكون مجنوناً فيداوى -يُعالج حتى يشفى- أو زنديقاً فيُقتل -إنسان ساخر هازل زنديق فهذا يقتل- لأنه قرأ بغير اللغة العربية، قال: لأن الله تكلم بالقرآن، وأنزله بهذه اللغة بلسان عربي مبين كما قال تعالى: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً [الزخرف:٣] والإعجاز حصل بلفظه ومعناه، فإذا غير إلى لغة أخرى فإن ذلك إبطال للإعجاز والتحدي فهؤلاء الأئمة في الفقه لم يفرقوا بين اللفظ والمعنى، فيقولون: إن المعنى قائم بالنفس، وأن اللفظ مخلوق أو مصنوع أو عبارة وحكاية عنه.\r\rفهذا مما يَستدِلُ به المصنف ﵀ على الماتريدية وقد نبهنا لماذا نقول ذلك؛ لأن العقيدة الطحاوية شرحها ماتريديون ينتسبون إلى نفس المذهب الحنفي لكنهم على مذهب أبي منصور الماتريدي فأولوها وحرفوها كما أولوا كلام الله، فهو هنا يَردُّ عليهم: أن هذا الذي قاله أبو جعفر الطحاوي هو الصحيح وهو الذي عليه الإمام أبو حنيفة وهو الذي عليه النسفي وهو الذي عليه نفسه ﵀، وكل علماء المذهب الحقيقين هم على هذا المذهب وعلى هذا القول الصواب الذي كان عليه السلف في مسمى الكلام وفي مسمى القول.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689627,"book_id":1659,"shamela_page_id":753,"part":null,"page_num":753,"sequence_num":753,"body":"[قَالَ المُصنِّفُ ﵀: [وقوله: [ومن سمعه وقال إنه كلام البشر فقد كفر] لا شك في تكفير من أنكر أن القُرْآن كلام الله؛ بل قَالَ: إنه كلام مُحَمَّد أو غيره من الخلق، ملكاً كَانَ أو بشراً.\rوأما إذا أقر أنه كلام الله ثُمَّ أوَّل وحَرَّف فقد وافق قول من قَالَ: إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ في بعض ما به كفر، وأولئك الذين استزلهم الشيطان وسيأتي الكلام عليه عند قول الشيخ: [ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله] إن شاء الله تَعَالَى] اهـ.\rالشرح:-\r\rكلام المُصنِّفُ هنا عَلَى من قَالَ: إن القُرْآن من كلام البشر، وقائلُ هذا الكلام عَلَى أحدِ أمرين: إما أن يكونَ مُرادُه أنَّ هذا القُرْآن لم ينزل من عند الله ﵎ وإنما افتراه بشر، كما قاله المُشْرِكُونَ للنبي ﷺ: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ [يونس:٣٨] وَقَالُوا: إنما يعلمه بعض الأعجميين، وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا [الفرقان:٥] إِلَى آخر ما قاله المُشْرِكُونَ الجاحدون.\r\rوالقصد أن من جحد أن الله ﷿ أنزل القرآن، وأنزل الذكر الحكيم، وأن هذا القُرْآن الذي بين أيدينا من كلام غير الله ابتداءً وتبليغاً، فقد أتى بالكفر الصُرَاحِ الذي لا شك فيه، وبهذا نزلت الآيات ونطقت السنّة، ولا خلاف في ذلك بين الْمُسْلِمِينَ جميعاً. أهل السنة أو المعتزلة أو الأشاعرة أو غيرهم.\rوإما أن يكون مُرادُه: أنَّ القُرْآن ليس كلام الله عَلَى التأويل الذي مر معنا: تأويل المعتزلة أو تأويل الأشعرية، فيقولون: هو حكايةٌ عن كلام الله، أو عبارةٌ عن كلام الله، أو بعبارة أخرى هو كلام الله بالمعنى، لكن النظم نظم جبريل أو نظم مُحَمَّد ﷺ، وما أشبه ذلك وهَؤُلاءِ هم المؤولة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689628,"book_id":1659,"shamela_page_id":754,"part":null,"page_num":754,"sequence_num":754,"body":"وهنا قاعدة: وهي أن كل من ردَّ شيئاً من الدين، أو ما ثبت في السنة الصحيحة، أو رد شعيرة من شعائر الإسلام الظاهرة، أو أمراً معلوماً من الدين بالضرورة عَلَى سبيل الجحود والنكران، فهذا كافر خارج عن الملة.\r\rوأما من رده عَلَى سبيل التأويل، أو لديه اجتهادات خاطئة أوقعته في هذه البدعة وهذا الضلال والانحراف، دون أن يكون قصدُه في نفسه مُعَاندَةُ شرعِ الله أو جحوده؛ فهذا في الجملة لا يَكفر، وإنما يكون مبتدعاً ضالاً منحرفاً، ثُمَّ بعد ذلك تختلف المقالات ويختلف الأفراد فيما بينهم وبين الله ﷿، فقد يكون منهم من هو كافر في الحقيقة أو زنديق، ولكن يتلبس بأنه لم يجحد ولم ينكر، فالذين يتأولون -كما هو حال الذين قالوا: إن القُرْآن ليس كلام الله بل هو حكاية أو عبارة أو مجاز ونحو ذلك- لا يخرجون من الملة ولا يكفرون كفراً ينقلهم من الإسلام إِلَى الكفر وإنما هم أهل ضلال وابتداع وانحراف، وتفصيل الكلام في هذه المسألة -مسألة متى يكفر المؤولون ومتى لا يكفرون؟ وهل أصحاب البدع يكَّفرون بإطلاق؟ - يأتي إن شاء الله في آخر هذه العقيدة عند قوله: [ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله] ، وإنما المراد هنا ما يتعلق بقضية الكلام فقط.\rقال المصنف رحمه الله تعالى:\r[وقوله: ولا يُشبه قول البشر، يعني أنه أشرف وأفصح وأصدق قال تعالى: وَمَنْ أَصدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً [النساء:٨٧] .، وقال تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْل هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ [الإسراء:٨٨] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689629,"book_id":1659,"shamela_page_id":755,"part":null,"page_num":755,"sequence_num":755,"body":"وقال تعالى: قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِه [هود:١٣] وقال تعالى: قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ [يونس: ٣٨] فلما عجزوا -وهم فصحاء العرب مع شدة العداوة- عن الإتيان بسورة مثله تبين صدق الرسول ﷺ وأنه من عند الله، وإعجازه من جهة نظمه ومعناه لا من جهة أحدهما فقط، هذا مع أنه قرآن عربي غير ذي عوج، بلسان عربي مبين، أي: باللغة العربية، فنفي المشابهة من حيث التكلم، ومن حيث التكلم به، ومن حيث النظم والمعنى، لا من حيث الكلمات والحروف، وإلى هذا وقعت الإشارة بالحروف المقطعة في أوائل السور، أي: أنه في أسلوب كلامهم وبلغتهم التي يتخاطبون بها، ألا ترى أنه يأتي بعد الحروف المقطعة بذكر القرآن؟ كما في قوله تعالى: آلم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة:١-٢] ، آلم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقّ [آل عمران:١-٣] الآية آلمص كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْك [الأعراف:١-٢] الآية الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ [يونس:١] .\r\rوكذلك الباقي ينبههم أن هذا الرسول الكريم لم يأتكم بما لا تعرفونه؛ بل خاطبكم بلسانكم، ولكن أهل المقالات الفاسدة يتذرعون بمثل هذا إلى نفي تكلم الله به وسماع جبريل منه. كما يتذرعون بقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:١١] إلى نفي الصفات، وفي الآية ما يَردُّ عليهم قولهم، وهو قوله تعالى: وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: ١١] . كما في قوله تعالى: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِه [يونس:٣٨] ما يرد على من ينفي الحرف فإنه قال: فَأْتُوا بِسُورَةٍ ولم يقل: (فأتوا بحرف أو بكلمة) وأقصر سورة في القرآن ثلاث آيات، ولهذا قال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: (إن أدنى مايجزئ في الصلاة ثلاث آيات قصار، أو آية طويلة؛ لأنه لا يقع الإعجاز بدون ذلك والله أعلم] اهـ.\rالشرح:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689630,"book_id":1659,"shamela_page_id":756,"part":null,"page_num":756,"sequence_num":756,"body":"هذا الموضوع تابع لما سبق في مناقشة الماتريدية والأشعرية فيما يتعلق بنفيهم الحرف والصوت من كلام الله ﷿، وإثباتهم كلاماً نفسياً معنوياً، والعلاقة بين هذا الكلام وذاك أنهم يقولون: إن هذا القرآن المقروء النظم -يعني: الحروف وهذه المنظومة المقروءة التي يقرأها القارئون، ويسمعها السامعون، ويحفظها الحافظون- ليس هو: كلام الله؛ لأن هذه حروف وأصوات والحروف والأصوات من جنس كلام الناس، فالناس يتكلمون بحروف وبأصوات وعليه، فالقرآن الذي تُحدي به أو القرآن الذي هو حقيقة كلام الله هو المعنى الذي في نفس الله ﷾، وليس هذا هو القرآن.\rومن هنا كان لا بد أن نتعرض لموضوع التحدي بالقرآن ومعنى الإعجاز بالقرآن وما هي المذاهب فيه فنقول: إن الله ﷾ كما أخبر النبي ﷺ في الحديث الصحيح (ما من نبي بعثه الله ﵎ إلا آتاه ما يؤمن الناس على مثله) فقد أعطاه بينة يؤمن الناس بها، (وإنما كان الذي أوتيته وحياً) وهو هذا القرآن، ولذلك قال: (فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة) وهو كذلك؛ فإن هذه الأمة هي أكثر الأمم، فهي أكثر من نصف أهل الجنة؛ لأن هذا وحي مقروء يقرأ في كل زمان وفي كل مكان، فآياته وبراهينه ودلالاته متنوعة متعددة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689631,"book_id":1659,"shamela_page_id":757,"part":null,"page_num":757,"sequence_num":757,"body":"وإذا بحث الإنسان في علوم اللغة فإنه لا يجد أبلغ من القرآن، فيتراجع ويعجز ويتقهقر أمام هذه البلاغة العظيمة، والإنسان الذي يبحث في العلوم الكونية ينبهر ويذهل لما يجد في هذا القرآن مما لا يستطيع أن يُقال وأن يتصور إلا عن طريق هذا الوحي، والإنسان الذي يبحث في التاريخ يجد في هذا القرآن من أخبار الأمم الماضية ومن أحوالها العجب العجاب، الذي لم يأت به المؤرخون فضلاً عن رجل أمي لم يقرأ ولم يكتب ولم يجالس مؤرخاً ولا غير مؤرخ، ثم يحدث عن ثمود وعاد بل عن آدم ﵇؛ بل عما هو أقدم من ذلك من نشأة هذا العالم وكيف نشأ؟ وكيف وجد؟ ألا يدل هذا على أن هذا القرآن وحي من السماء؟! أليس ذلك عن طريق الوحي؟ فكيف عرفنا العرش وكيف عرفنا ابتداء خلق السماوات والأرض وليس في إمكان العقول التي تتحدث عن التاريخ أن تبحث أوتتكلم عن مثل هذه الأمور على الإطلاق.\r\rثم تأتي الأخبار الغيبية المستقبلية في القرآن الكريم فتحصل بعضها وتتحقق وبعضها لم يأذن الله بحصولها، ومما حصل في زمن النبي ﷺ: آلم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ [الروم:١-٣] فكان مما أخبر به القرآن أنهم يفتحون مكة ويدخلونها وحصل ذلك، وأخبر أن الله سيظهر هذا الدين على الدين كله ولو كره الكافرون، وغير ذلك مما قد حصل ووقع.\rومن هذه الأخبار الغيبة المستقبلية، ما أخبر به عن أمور تقع بين يدي الساعة ولما تقع بعد، كخروج الدابة، وظهور الدجال.\r\rوالدجال وإن لم يذكر في القرآن صريحاً ولكنه ذكر تلميحاً كما في قوله تعالى يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ [الأنعام:١٥٨] وأشباه ذلك، ومن أعظم آيات الله التي تأتي آخر الزمان الدجال وطلوع الشمس من مغربها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689632,"book_id":1659,"shamela_page_id":758,"part":null,"page_num":758,"sequence_num":758,"body":"وهنا أمر نحب أن ننبه إليه وهو أنه كان في الجاهلية قلوب فطرها سليمة نقية رفضت عبادة الأوثان ورفضت الانغماس في أعياد الجاهلية، واختلاط الجاهلية وإباحيتها، فساحوا في الدنيا يبحثون عن دين يريدون شيئاً يتعبدون الله به في قلوبهم لأن كل ما على هذه الأرض من أديان فهو باطل، ومن هؤلاء: ورقة بن نوفل، وأمية بن أبي الصلت، وزيد بن عمرو بن نفيل، وسلمان الفارسي الذي بحث عن الأديان في بلاد فارس، والعراق، وأطراف الشام فهؤلاء أناس يريدون أن يعبدوا الله ﷿.\r\rونجد اليوم في الغرب حيارى كثير من هذا النوع، فإذا وجدوا القرآن سلموا له واطمأنت قلوبهم به، فيعتقدونه غاية الاعتقاد وغاية الصدق واليقين، ويقرون أن هذا من عند الله، لِمَا يرون من بيان القرآن وإعجازه وإحكامه حتى ما يتعلق بالشرائع والأحكام التي فيه، فإن من نظر إلى أي مُشَّرعٍ أو مقننٍ أو باحثٍ في أحوال الناس وشرائعهم قبل الإسلام أو في أيام بعثة النبي ﷺ ورأى حال الروم وحال الفرس وحال العالم وما فيهم من الظلم والإجحاف والقوانين الجائرة والأحكام الطاغوتية، ثم نظر إلى هذه الشريعة العادلة السمحة، وما جاءت به من حدود ومن تعزير ومن أحكام مفصلة، سيرى العجب العجاب ويرى ما يذهل عقله ولبه.\rفمْنِ أي زاوية نظرت إلى القرآن فهو معجز أو مُتَحدىً به أن يأتي الناس بمثله، فليس الأمر مقصوراً على جانب من الجوانب، لكن لما ظهر أصحاب الكلام وظهرت الفرق وأخذوا يتكلمون عن إثبات القرآن وإثبات النبوة والمعجزة عن طريق العقل والرأي، وكيف نستدل على أن هذا نبي؟ وكيف نعرف أن هذا هو قرآن حقاً؟ عندئذ أخذوا يخوضون بعقولهم وبآرائهم، ودخل من هذا الباب أهل الضلال والبدع وأهل الزندقة الذين يظهرون الإسلام، ويبطنون الكفر والعياذ بالله.\rوقد انقسم النَّاس فيما يتعلق بهذا القُرْآن وبالتحدي به إِلَى ثلاثة طوائف رئيسية:\rأهل السنة والجماعة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689633,"book_id":1659,"shamela_page_id":759,"part":null,"page_num":759,"sequence_num":759,"body":"وهم كما هو معلوم دائماً عَلَى ما جَاءَ في الكتاب والسنة، فيقولون: إن كتاب الله ﷿ مُتَحدىً به ومعجز، ومُفحم للخلق بلفظه وبمعناه، وأنه معجز في أحكامه، وفي إخباره بالمغيبات أو بالمستقبليات، وفي ما جَاءَ به من الحلال والحرام، والأمر والنهي، وفي قصصه، وفي نظمه، وفي بيانه، وفي كل أمر من أموره ولا يستطيع البشر أن يأتوا بمثله، وهذا الأمر واضح.\rلكن المُختلف فيه هو في مقدار الجزء المتحدى به من القرآن؟ فبعضهم أخذ يدقق في ذلك ويقول: هل السورة، أو هي أقل من السورة، وما القدر الذي يمكن من السورة؟ والذي يظهر -كما في القرآن- أن أقل ذلك سورة من سور القُرْآن وإن كانت أصغر سورة، يعني: لو أن الإنس والجن اجتمعوا عَلَى أن يأتوا بمثل سورة: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر:١] مثلاً لما استطاعوا أن يأتو بمثله ولما استطاعوا أن يأتوا بمثل سورة: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:١] ولا المعوذتين ولا ما أشبهها؛ لأن فيها من البيانات ومن المعاني ومن العبر والعظات والهداية والنور ما يعجز البشر عن إدراكه، ولا يمكن أن يأتوا به رغم وجازتها، هذا موجز مذهب أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ.\r\rالمعتزلة\rبعضالمعتزلة ولا سيما إبراهيم النظَّام يقول النظّام: إن المتحدى به في القُرْآن ليس هو الألفاظ وليس هو اللغة والبيان، وإنما هو المعاني، يعني: الإخبار بالمغيبات الماضية والمستقبلية التي يعجز النَّاس عن إدراكها أو عن معرفتها، أما النظم نفسه والبيان فمن الممكن لأي شاعر أو ناثر أن يأتي بعبارات مثل القُرْآن والعياذ بالله، هذا كلام إبراهيم النظَّام ولمَّا سُئل هل حصل ذلك من العرب؟ ولماذا لم يحصل؟\rقَالَ: لمْ يحصل من العرب.\r\rقيل له: لِمَ لمْ يحصل؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689634,"book_id":1659,"shamela_page_id":760,"part":null,"page_num":760,"sequence_num":760,"body":"قَالَ: لأن الله ﷿ هو الذي صرفهم، فهو أمر كوني لا يمكن أن يفعلوه، فالله ﷿ صرفهم رغماً عن أنوفهم عن أن يأتوا بمثل هذا القرآن، وإلا فمن الممكن أن يأتوا بمثله وأن يركبوا كلاماً مثله والعياذ بالله، ولم يوافقه عَلَى هذا القول أحد منأهل السنة المعتبرين إلا أبو مُحَمَّد ابن حزم فقد وافق النظّام عَلَى أن الذي منع النَّاس من الإتيان بمثل هذا القُرْآن هو أن الله تَعَالَى صرفهم عنه، فهم لو حاولوا لما استطاعوا، والردُّ عَلَى ذلك واضح، فيُقَالَ:\rأولاً: مخالفته للإجماع، ولِمَا كَانَ عليه السلف الصالح رضوان الله ﵎ عليهم.\r\rوثانياً: أن الله ﵎ قَالَ: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا [البقرة:٢٣-٢٤] قالوا: قوله: ولن تفعلوا معناه: لن تستطيعوا، بمعنى أنكم لن تفكروا ولن تحاولوا، أي: قدراً وقضاء، فأنتم مصروفون عن ذلك، وإلا لو حاولتم ولو كَانَ لكم الإرادة والخيار لاستطعتم، لكن في الحقيقة أن قوله تعالى: وَلَنْ تَفْعَلُوا إخبار بالواقع، وليس أمراً كونياً قدرياً، يعني: حقيقة لن تفعلوا ذلك، فلتحاولوا إن شئتم ولستم مصروفين عن المحاولة، لكن لن تفعلوا ولن تستطيعوا أن تأتوا بمثله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689635,"book_id":1659,"shamela_page_id":761,"part":null,"page_num":761,"sequence_num":761,"body":"ولهذا جاءت الحروف المقطعة في أوائل السور، ثُمَّ يأتي بعد هذه الحروف وصف القُرْآن الكريم كقوله: آلم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة:١-٢] وقوله: حم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [غافر:١-٢] وقوله: حم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [الأحقاف:١-٢] وقوله: (آلمص) ، (ق) ، (حم * عسق) إِلَى آخره أكثر السور التي في أوائلها الحروف المقطعة يأتي بعدها ذكر القُرْآن ووصفه، أو القسم بالقرآن، أو ما يدل عَلَى أن المراد هو القرآن.\rومعنى ذلك: أنكم أيها العرب! تتكلمون باللغة العربية وتتعاظمون وتتفاصحون بها وبلغ من تعظيم العرب للبلاغة والبيان أنهم كتبوا المعلقات العشر أو السبع، وعلقوها في الكعبة، وهي أعظم ما يفتخر بها العرب وذلك لما تحمله من بلاغة وبيان، وكانت العرب تفتخر وتفاخر بالفصاحة والبلاغة والبيان حتى أنهم يسمون كل من ليس عربياً أعجمياً، فمهما كَانَ عند الروم وعند الفرس من الحضارات، فإن العرب يسمون الدابة عجماء، ويسمون الذي لا يتكلم العربية أعجمياً يعني: كأنه كالدابة التي لا تتكلم بشيء فلا يعترفون ولا يعدون أي بيان إلا البيان العربي فقط.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689636,"book_id":1659,"shamela_page_id":762,"part":null,"page_num":762,"sequence_num":762,"body":"فالشاهد أن العرب كانوا يتحدون بذلك، ورَسُول الله ﷺ كَانَ أفصحهم بياناً لأنه من قريش، ولأن الله ﷾ أعطاه الفصاحة والبيان وأعطاه جوامع الكلم، فكان ﷺ من قبل أن يوحى إليه من أوسط العرب وأعلاهم في الفصاحة والبيان، فأتاه هذا الكلام الذي يختلف عن كلامه هو، رغم أن كلامه ﷺ في أعلى درجات البيان البشري، لكن أتاهم بكلام هو أعظم وأعلى من كلامه الذي يخاطبهم به في العادة ويقول: إن هذا من عند الله ويتحداهم أن يأتوا بمثله وليس ذلك التحدي لقريش أو للعرب فقط بل للإنس والجن قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا القُرْآن آنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [الإسراء:٨٨] ثُمَّ جَاءَ التحدي بعشر سور مفتريات كما يزعمون.\r\rثُمَّ جَاءَ التحدي في سورة يونس وفي سورة البقرة بسورة واحدة فقط ولو كانت مثل: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر:١] فإنهم لن يستطيعوا أن يأتوا بمثلها، رغم أنهم فكروا: ماذا نقول في هذا القرآن؟ شعر، أو سحر؟ كما فعل الوليد الذي فكر وقدر، فقتل كيف قدر، ثُمَّ قتل كيف قدر، ففكروا في ذلك، ولكنهم لم يجدوا إلا أن يقولوا: إنه كلام الله ﷿، وليس مجرد أنهم صُرِفوا عنه كما يقول النظَّام.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689637,"book_id":1659,"shamela_page_id":763,"part":null,"page_num":763,"sequence_num":763,"body":"ونوضح هذا بمثال من كلام المعتزلة على الصرفة، يقولون: إن النَّاس يمشون ويحركون أيديهم وأرجلهم -قاسوا الكلام عَلَى الحركات- فافترضوا افتراضاً لو أن نبياً من الأَنْبِيَاء جَاءَ فقَالَ: أنا نبي فإذا قال الناس: ما آية نبوتك؟ قال علامة نبوتي أنه لن يستطيع أحد منكم أن يمد يده أو يحرك رجله، قالوا: بمجرد أن يقول النبي ذلك سوف تتوقف جميع حركات الأمة التي يدعيها هذا النبي؛ لأن الله ﷿ لما أعطاه هذه الآية فإنه سيمنع أُولَئِكَ عن الحركة رأساً! هذه الشبهة وهذا الخيال افترضوه في عقولهم وقاسوا عليه كتاب الله وكلام الله ﷿.\r\rمذهب الأشعرية والماتريدية\rالأشعرية والماتريدية يقولون: إن النظم أو الحروف المقروءة والمتلوة والمسموعة هذه ليست مُتحدىً بها ولانقول كما يقوله النظَّام وابن حزم من أن البشر مصروفون عنه، ولكن نقول: إن تعبير جبريل أو مُحَمَّد ﷺ أو من عبر عنه كَانَ بإلهام من الله فلا يستطيع أحد أن يأتي به، فالإعجاز إذاً منحصر عَلَى الحقيقة في المعاني وفيما يتضمنه من الإخبار بالمغيبات والأحكام التي يعجز البشر عن الإتيان بمثلها.\rهذا موجز لكلام النَّاس واختلافهم في التحدي وفي الإعجاز بالقرآن، -والمقصود وهو محل الشاهد- من هذا هو قوله: [فنفي المشابهة من حيث التكلم، ومن حيث التكلم به، ومن حيث النظم والمعنى، لا من حيث الكلمات والحروف] يعني: الكلمات والحروف التي في القُرْآن موجودة عند العرب، إنما المتحدى به أن يركب مثل هذا الكلام لفظاً ومعنىً وهذا واضح لكل من تدبر ذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689638,"book_id":1659,"shamela_page_id":764,"part":null,"page_num":764,"sequence_num":764,"body":"والأحرف المقطعة في أول السور مسألة فيها خلاف، فمن المفسرين من يقول: إن هذا مما استأثر الله ﵎ بعلمه، ومنهم من يقول: إنها رموز أو أسماء لما لا نعلم، ومنهم من يقول كما هو القول الراجح الذي اختاره أكثر العلماء المحققين، وهو الذي ذكره المُصْنِّف هنا: إن المراد من هذه الحروف هو تحدي العرب وبيان أن القُرْآن من جنس كلامكم، وأن حروفه من جنس حروفكم ومن جنس لغتكم، فهو نزل بلسان عربي مبين إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الزخرف:٣] ، ولكنكم مع ذلك لن تستطيعوا أن تأتوا بمثله، هذا إضافة إِلَى أن هناك فائدة أخرى في أن القُرْآن يبتدئ بهذه الحروف: وهي أن العرب لم يعهدوا ولم يسمعوا عن استخدام هذه الحروف بهذا الشكل، فإذا بدأ الإِنسَان يتكلم وابتدأ كلامه بشيء غريب غير معهود فإنه يشد الذهن أكثر، فالعرب لم تتعود أن تسمع إلا المعلقات والأشعار، والأشعار تبدأ عادة بالغزل وتنتهي بالموضوع الذي يريدون، وكذلك النثر والخطابة.\r\rفالعرب ما تعودوا أن يسمعوا (آلم) ، فعندما يسمعون هذه الحروف فإنها تشد الذهن وتنبهه ثُمَّ يقول بعد ذلك ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة:٢] أو حم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ أو حم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [الأحقاف:١-٢] وإتيان القُرْآن بهذا الشكل فيه زيادة في النكاية بهم وإرغام لهم عَلَى الإقرار والخضوع والاعتراف بالعجز، والقصور عن أن يأتوا بمثل هذا القُرْآن فهذا هو المراد هنا، لكن كما ذكر ﵀ أن أهل المقالات الفاسدة يتذرعون بما ورد في المعجزة أو في التحدي لنفي الحرف والصوت -وخاصة الحرف- كما يتذرعون بقوله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:١١] لنفي الصفات أو التأويل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689639,"book_id":1659,"shamela_page_id":765,"part":null,"page_num":765,"sequence_num":765,"body":"وأما أقصر سورة في القرآن فخي ثلاث آيات، ولهذا قال أبو يوسف ومحمد بن الحسن: \"إن أدنى ما يجزى في الصلاة ثلاث آيات قصار أو آية طويلة، لأنه لا يقع الإعجاز بدون ذلك\" وهذا مذهب الحنفية، إن كَانَ المراد عندهم أن القُرْآن يجزء منه آية أو سورة قصيرة عن الفاتحة، فهذا القول غير صحيح، وإن كَانَ المؤلف هنا لا يقصد الحكم الفقهي، وإنما يريد الاستشهاد به عَلَى العقيدة، فإن أبا حنيفة ينسب إليه أنه قَالَ: \"لا تتعين قراءة الفاتحة في الصلاة بل يكفي أي شيء من القرآن\" بدليل قوله تعالى: فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ [المزمل: ٢٠] .\r\rفهذا المذهب مرجوح لما ثبت وصح عن النبي ﷺ أنه قَالَ: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) وقوله: (من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القُرْآن فهي خداج) ، وإن كَانَ المقصود أنه بعد الفاتحة لا يجزئ إلا سورة قصيرة أو آية طويلة ليقع بها الإعجاز، فعدم الإجزاء هنا لا يعني الوجوب حتى عند الحنفية، بمعنى أن قراءة شيء من القُرْآن في الصلاة بعد الفاتحة ليس واجباً لا عند الحنفية ولا عند غيرهم.\r\rقال الطحاوي ﵀:\r[ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر، فمن أبصر هذا اعتبر، وعن مثل قول الكفار انزجر، وعلم أن الله بصفاته ليس كالبشر]\r\rقال المصنف رحمه الله تعالى:\r[لما ذكر فيما تقدم أن القرآن كلام الله حقيقة، منه بدا، نبه بعد ذلك على أنه تعالى بصفاته ليس كالبشر نفياً للتشبيه عقيب الإثبات، يعني: أنه تعالى وإن وصف بأنه متكلم لكن لا يوصف بمعنى من معاني البشر التي يكون الإنسان بها متكلماً، فإن الله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وما أحسن المثل المضروب للمثبت للصفات من غير تشبيه ولا تعطيل باللبن الخالص السائغ للشاربين، يخرج من بين فرث التعطيل ودم التشبيه، والمعطل يعبد عدماً، والمشبه يعبد صنماً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689640,"book_id":1659,"shamela_page_id":766,"part":null,"page_num":766,"sequence_num":766,"body":"وسيأتي في كلام الشيخ: [ومن لم يتوق النفي والتشبيه زلَّ ولم يصب التنزيه] وكذا قوله: [وهو بين التشبيه والتعطيل] أي: دين الإسلام، ولا شك أن التعطيل شر من التشبيه، لِمَا سأذكره إن شاء الله تعالى، وليس ما وصف الله به نفسه ولا ما وصفه به رسوله تشبيهاً بل صفات الخالق كما يليق به وصفات المخلوق كما يليق به وقوله: [فمن أبصر هذا اعتبر] أي: من نظر بعين بصيرته فيما قاله من إثبات الوصف، ونفي التشبيه، ووعيد المشبه اعتبر وانزجر عن مثل قول الكفار] اهـ.\rالشرح:\r\rاختتم المصنف ﵀ بما يتعلق بموضوع القرآن عند ما قال الإمام الطحاوي: [ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر] فهذا زيادة في الإيضاح.\r\rوفي نفي المماثلة في القرآن أو في غيره قال: [ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر] حتى لا يظن أن أهل السنة والجماعة يشبهون الله ﷿ بخلقه عندما يقولون: إنه تعالى يتكلم بما شاء متى شاء كيف شاء، فهم يثبتون من غير تشبيه، وينفون من غير تعطيل.\r\rوضرب على ذلك هذا المثل الذي ذكره الله ﵎ في سورة النحل عن اللبن أنه مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خَالِصاً سَائِغاً لِلشَّارِبِينَ [النحل: ٦٦] فيكون أهل السنة والجماعة مثل اللبن الخالص السائغ للشاربين يخرج من بين فرث التعطيل ودم التشبيه، فشبه التعطيل بالفرث، وشبه التشبيه بالدم، فأهل السنة والجماعة لا يشبِّهون، كما يفعل الذين يقولون له: يد كيدنا، أو يقولون إن الله هو عيسى -تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً- أو يقولون: إنه علي بن أبي طالب أو نحو ذلك أو يصفونه بصفة من صفات المخلوقين تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689641,"book_id":1659,"shamela_page_id":767,"part":null,"page_num":767,"sequence_num":767,"body":"وهم أيضاً: لا ينفون صفات ذات الله ﷿ كما يقول الجهمية والمعتزلة والأشعرية الذين ينفون الصفات جميعاً فراراً من التشبيه فيقولون: نحن نفر من التشبيه فلا نصفه بأي شيء، وهذا هو حقيقة التعطيل، لأن التعطيل هو نفي الصفات وجحودها، فالتعطيل كما قال أحد العلماء في مناقشته لهم: لو وصف أحد العدم بمثل قول نفاة الصفات: لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوقه ولاتحته، ولا عن يمينه ولا عن شماله، لما كان هناك أبلغ من هذا، فكيف يجعلونه ﷿ هكذا.\r\rوأما المشبه فهو عابد صنم، كما أخبرنا القرآن عن قوم إبراهيم ﵇ أنهم كانوا يعبدون أصناماً ينحتونها بأيديهم، فينحت الحجر، ويجعل له يداً ورجلاً وعيناً، ثم يعبده ويقول: هذا هو الإله، وكما فعل السامري لما صنع العجل وبنو إسرائيل تسمع خوار العجل، ويرونه أمامهم عجلاً من الذهب ويقول السامري لهم: هذا إلهكم وإله موسى، ويقولون: صدقت، ويتبعونه ويعبدون العجل، فعبد هؤلاء الأشياء المادية الضئيلة وهي محدودة ومشاهدة وملموسه، فالذين يقولون: إن يده ﷾ كيد المخلوقين أو كلامه ككلام الخلوقين أو وجهه كوجه المخلوقين أو يقولون: إنه عيسى أو علي أو ما أشبه ذلك، مثلهم كمثل هؤلاء عباد الأصنام عبدوا شيئاً مجسداً مادياً محسوساً يراه الناس ويمكن لهم أن يفعلوا به ما شاءوا.\r\rكما فعل إبراهيم ﵇ لما جعلهم جذاذاً إلا كبيرهم، وكما فعل موسى ﵇ لما حَّرق العجل ونسفه في اليم نسفاً، فمن قال: إنه ﷾ على هذه الصفات فقد شبه الله ﷾ بخلقه فهو عابد صنم، ومن نفى عن الله تعالى صفاته فهو عابد عدم، وبلغ الأمر بالباطنية أنهم قالوا: إن لفظ الوجود لا يطلق على الله ﷿، فلا يقولون: موجود ولا غير موجود والعياذ بالله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689642,"book_id":1659,"shamela_page_id":768,"part":null,"page_num":768,"sequence_num":768,"body":"إذاً: لا نصفه بأي وصف على الإطلاق، إذاً هذا هو العدم بل العدم يمكن أن يعرف فيُقال: العدم غير موجود، وهذا دليل على أن الناس ضلوا في هذا الطريق على طرفي نقيض، فرث التعطيل، ودم التشبيه، ووفق الله ﷿ أهل السنة والجماعة إلى إثبات بلا تشبيه، وإلى تنزيه ونفي بلا تعطيل كما قال جل شأنه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ هذا نفي وتنزيه وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ إثبات لله ﷾ وإثبات صفاته ﵎.\rقال الطّّحاويّ ﵀:\r[والرؤية حق لأهل الجنة بغير إحاطة ولا كيفية كما نطق به كتاب ربنا وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:٢٢، ٢٣] ، وتفسيره عَلَى ما أراد الله تَعَالَى وعلمه، وكل ما جَاءَ في ذلك من الحديث الصحيح عن رَسُول الله ﷺ فهو كما قال، ومعناه عَلَى ما أراد، لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا، ولا متوهمين بأهوائنا، فإنه ما سلم في دينه إلا من سلم لله ﷿ ولرسوله ﷺ، ورد علم ما اشتبه عليه إِلَى عالمه] اهـ\rقَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:\r\r[المُخالف في الرؤية الجهمية والمعتزلة ومن تبعهم من الخوارج والإمامية وقولهم باطل مردود بالكتاب والسنة وقد قال بثبوت الرؤية الصحابة والتابعون وأئمة الإسلام المعروفون بالإمامة في الدين , وأهل الحديث وسائر طوائف أهل الكلام المنسوبون إِلَى السنة والجماعة، وهذه المسألة من أشرف مسائل أصول الدين وأجلها، وهي الغاية التي شمَّر إليها المشمرون وتنافس فيها المتنافسون، وحرمها الذين هم عن ربهم محجوبون وعن بابه مطرودون] اهـ.\rالشرح:-","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689643,"book_id":1659,"shamela_page_id":769,"part":null,"page_num":769,"sequence_num":769,"body":"إن مسألة رؤية الله تَعَالَى في الجنة من أشرف مسائل أصول الدين ومن أعظمها، ولم تكن عند الصدر الأول ولا عند السلف موضع جدال ولا خلاف وكان اهتمامهم بموضوع الرؤية هو اهتمامهم بالجد في طاعة الله ﷿ والاجتهاد في عبادته والتقرب إليه، ليحظوا بهذه المنزلة وبهذه الدرجة العظيمة، وهذا النعيم الذي لا يعادله نعيم لا في الدنيا ولا في الآخرة.\rفإن رؤية وجه الله ﵎ أعظم من كل نعيم لأهل الجنة، وهو الذي اشتاق إليه السلف الصالح الذين عبدوا الله ﷾، وزهدوا في الدنيا ورغبوا في الآخرة وتتطلعوا إِلَى ما عند الله وإلى رضوانه وإلى رؤية وجه الله ﷾، وكان هذا من أعظم ما خفف عنهم أعباء الحياة، وأعباء الدعوة إِلَى الله ﷿، وتكاليف الجهاد والمشقات والأذى والعنت، الذي لقيه هَؤُلاءِ من الْمُشْرِكِينَ ومن المضلين والمبتدعين، فكان هذا هو أعظم غاية يسعون إليها، فلم يخطر ببال أحدهم أن ينكر ذلك أيُّ إنسانٍ، ولكن لمَّا ظهرت البدع وفتنت هذه الأمة بالتفرق، ولما ألبسها الله ﵎ شيعاً، وأذاق بعضها بأس بعض عقوبةً عَلَى ما وقع منهم من ركونٍ إِلَى الدنيا، ومن تفريطٍ في بعض الحق الذي أنزله الله ﷾، حينئذٍ تشعبت الآراء والأهواء حتى خاضوا في هذا الأمر.\rالزائغون في هذا الطريق\rهناك طائفة لم يذكرها المُصْنِّف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، ويجدر بنا أن نذكرها قبل أن نخوض في موضوع أهل الكلام.\r\rهذه الطائفة هي زنادقة الصوفية، الأولون الذين نشأوا وخرجوا في الوقت الذي خرج ونشأ فيه المعتزلة،، فمثلاً: رابعة العدوية كانت في نفس الفترة التي كَانَ فيها واصل بن عطاء فقد كَانَ واصل بن عطاء يؤسس بدعة الكلام وبدعة الاعتزال ونفي الصفات ونفي رؤية الله ﷿.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689644,"book_id":1659,"shamela_page_id":770,"part":null,"page_num":770,"sequence_num":770,"body":"وكانت رابعة وأمثالها في الطرف الآخر يقولون: إن الله تَعَالَى يُعْبَد بالحب؟! ماذا يريدون من ذلك؟ يقولون: نريد أن نعبده لكي نتمتع برؤية وجهه فقط!! هذا الذي نريده، ولا نريد جنة ولا نخاف من ناراً، ولا نخاف من حساب ولا من عقاب ولا نرجو جزاءً ولا ثواباً.\r\rإنما الهدف محصور في أنهم يريدون أن يروه في الدنيا أو في الآخرة!!\rوأصل هذه الفكرة من مذاهب ودين البوذيين والهندوس الذين يرى دينهم أن الإِنسَان أنزل إِلَى هذه الدنيا ليكابد العناء والمشقات والعبادات لكي يصفي وينقي روحه فترتقي من الجسد وتلتصق وتلتحق بالروح الأعظم الروح الكلي -الذي هو الله- عندهم وتصبح جزءاً من ذاته وتتحد به والعياذ بالله، فلذا كانت عبادة الرهبان الهندوس مثل الصيام الطويل، وتعذيب الجسد، والهيام في الغابات، والانقطاع في الخلوات والإكثار من الأذكار والعبادات التي ابتدعوها ولم يشرعها الله ﷾، كل ذلك من أجل أن يسلموا من التناسخ المستمر، ومعنى التناسخ عندهم: أن نفس الإِنسَان إذا ارتكبت ذنباً وأتاها الأجل وهي مرتكبة للذنوب تخلق في زمن بعيد آخر في شكل حيوان، وتعاقب وتتصفى حتى تكون مؤهلة لئن تتحد بالبراهما الذي يسمونه الله، يسمون البراهما \"الإله الكلي\" التي تلتحق به هذه النفوس.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689645,"book_id":1659,"shamela_page_id":771,"part":null,"page_num":771,"sequence_num":771,"body":"وهَؤُلاءِ الصوفية، يقولون:نحن نعذب الجسد في هذه الحياة فنكتفي بدورة واحدة فقط ولا نأخذ دورات من التناسخ، ونلتحق بهذا الرب فهذا مذهبهم وانتقلوا إِلَى بلاد الإسلام من الهند، لِمَا في الإسلام من الروحانية والشفافية وطهارة القلب وتزكية النفس ودخلوا من هذا المدخل، والإسلام فيه الحب والذل والخضوع والخوف والرجاء لله تَعَالَى وهذا صحيح بلا شك ولكنهم لم ينظروا إلا إِلَى جانب المحبة فقط، فَقَالُوا: نأخذ هذا الجانب ونتستر ونتلبس به وننتسب إِلَى دين الإسلام ثُمَّ نضيف في هذا الدين ما نشاء، فالذي يريد أن تتحد هذه الروح ببراهما فليسلك طريق النصرانية أو البوذية أواليهود بأي طريق.\r\rولهذا فالدين الهندوسي والبوذي ليس له عبادات محددة لكن المهم أن يعذب الإِنسَان نفسه بأي شكل، وهذا هو الذي ورثه الصوفية، وكل طريقة لها أذكار ولها خلوات ولها تعبدات خاصة بها، وهكذا كل أحد يمشي في المسلك والمنهج الذي يريده من التعبد، فلم يلتزموا بما جَاءَ به النبي ﷺ من العبادة والتقرب، بمعنى: أننا لا نفترض أنهم لا بد أن ينكروا ما جَاءَ به النبي ﷺ وأن يقولوا: إن هذا ليس هو الطريق الصحيح، لا؛ بل منهم من يقول: إن النبي ﷺ وأبُو بَكْرٍ وعُمَر والصحابة جميعاً سلكوا طريقاً في التعبد يوصل إِلَى الله ﷿، لكننا لسنا ملزمين في أن نتبع نفس الطريق فلنا أن نتخذ طريقاً آخر وغيرنا له أن يتخذ طريق آخر وهكذا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689646,"book_id":1659,"shamela_page_id":772,"part":null,"page_num":772,"sequence_num":772,"body":"ويمكن لأي إنسان أن ينتهج أي طريق لكن المهم هو أن يكون القلب متعلقاً بالله، ويكون هدفه محبة الله ﷿ ولا يفكر في جنة ولا في نار ولا في حساب ولا ثواب، كما يزعمون! المهم أنه يرى الله حتى قال قائلهم: لو أدخلني النَّار وهو راضٍ عني، أو أدخلني النَّار وأراني وجهه لم أبالِ بحرها، فليدخلني النَّار أو ليضعني أينما شاء -والعياذ بالله- من ذلك، فجعلوا رؤية الله محوراً أو ستاراً لبث الضلالات والكفر بين الْمُسْلِمِينَ وإدخال دين الهندوس والبوذيين بين هذه الأمة.\rثُمَّ قالوا: إن من يعبد الله ﷾ قاصداً بذلك الجنة أو النَّار فهذا مجرد تاجر يبيع ويشتري، هذا لا محبة عنده ولا يريد محبة الله ﷿ فدرجته منحطة -هكذا يزعمون- وقد سبق الرد عليهم كما قال الله ﵎ في حال الأَنْبِيَاء وعباده الصالحين: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [الأنبياء:٩٠] فالعبادة تكون بالحب وبالخضوع وبالذل وبالخوف وبالرجاء، ولا يجوز أن نكتفي بشيء منها عن شيء، فلا بد أن تجتمع فيها هذه الأربعة غاية الحب مع غاية الذل والخضوع، وغاية الرجاء مع غاية الخوف، وبذلك تكون العبودية الصحيحة لله ﵎ أما قولرابعة:\rأُحِبُكِ حُبَينِ حُبُ الهَوى وحبٌ لأنَّكِ أَهْلٌ لِذَاكا\rفهذا البيت وإن احتمل معنى صحيحاً فلسنا بحاجة إليه فإن الله أغنانا عنه والمعاني الباطلة التى يتضمنها -هو وأمثاله- مردودة بكتاب الله وبسنة رسوله الله ﷺ الذي كَانَ أكثر دعاؤه كما روىأنس بن مالك رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ كما في الصحيحين رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار [البقرة:٢٠١] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689647,"book_id":1659,"shamela_page_id":773,"part":null,"page_num":773,"sequence_num":773,"body":"فالنبي ﷺ يستعيذ من النَّار وأصحاب النبي ﷺ يقومون الليل وكانوا إذا مر أحدهم بآية فيها ذكر الجنة بكى شوقاً إليها، وإذا مر بآية فيها ذكر النَّار بكى خوفاً منها، فالسلف الصالح كانوا يعبدون الله طمعاً ورغبة في أجره وثوابه ومغفرته وجنته، وكانوا يعلمون ويعتقدون أن أفضل النعيم نعيم الجنة، وأعلى ما في الجنة من النعيم هو رؤية الله ﵎، كما جَاءَ ذلك في الأحاديث الصحيحة.\r\rوأما هَؤُلاءِ الصوفية فيقولون: لا نريد جنة ولا ناراً، وإنما يريدون الذات ويريدون الوجه.\rوبعضهم يقول: إن هذا يمكن أن يحصل في الدنيا وكثير منهم يزعم ذلك، فإذا حصلت الرؤية في الدنيا فما الحاجة إذاً إِلَى الآخرة، إذاً انتهى الحساب وانتهى الجزاء وانتهى التكليف، وقد أخبر النبي ﷺ أنه لن يحصل ذلك لأحد في الدنيا، كما قال ﷺ: (لن يرى أحدكم ربه ﷿ حتى يموت) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689648,"book_id":1659,"shamela_page_id":774,"part":null,"page_num":774,"sequence_num":774,"body":"شرح العقيدة الطحاوية\rالحوض\rفضيلة الشيخ د. سفر بن عبد الرحمن الحوالي.\r\rقال أبو جعفر الطّّحاويّ:\r[والحوض الذي أكرمه الله تَعَالَى به غِيَاثاً لأمته حق]\r\rقَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:\r\r[الأحاديث الواردة في ذكر الحوض تَبْلُغُ حَدَّ التواتُرِ، رواها من الصحابة بِضْعٌ وثلاثونَ صحابياً، ﵃، ولقد استقصى طرقها شيخنا الشيخ عِمَادُ الدين ابن كثير -تغمده الله برحمته- في آخر تاريخه الكبير المسمى بالبداية والنهاية.\rفمنها: ما رواه البُخَارِيّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى عن أنس بن مالك ﵁ أن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (إن قدر حوضي كما بينأيلة إِلَى صنعاء من اليمن وإن فيه من الأباريق كعدد نجوم السماء) .\rوعنه أيضاً عن النبي ﷺ قَالَ: (ليردن علي ناس من أصحابي الحوض حتى إذا عرفتهم اختلجوا دوني فأقول: أصيحابي، فَيَقُولُ: لا تدري ما أحدثوا بعدك) ورواه مسلم.\r\rوروى الإمامُ أَحْمَد عن أنس بن مالك ﵁ قَالَ: (أغفى رَسُول الله ﷺ إغفاءةً فرفع رأسه متبسماً إما قال لهم وإما قالوا له: لم ضحكت؟ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ: إنه نزلت عليّ آنفاً سورة فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر:١] حتى ختمها، ثُمَّ قَالَ: هل تدرون ما الكوثر؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قَالَ: هو نهر أعطانيه ربي ﷿ في الجنة، عليه خير كثير، ترد عليه أمتي يَوْمَ القِيَامَةِ، آنيته عدد الكواكب يُخْتَلجُ العبد منهم، فأقول: يارب إنه من أمتي، فيُقَالُ: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689649,"book_id":1659,"shamela_page_id":775,"part":null,"page_num":775,"sequence_num":775,"body":"ورواه مسلم، ولفظه (فإنه نهر وعدنيه ربي عليه خير كثير، هو حوض ترد عليه أمتي يَوْمَ القِيَامَةِ) والباقي مثله. ومعنى ذلك أنه يَشْخُبُ فيه مِيزَابَانِ من ذلك الكوثر إِلَى الحوض] اهـ.\rالشرح:\r\rهذا الموضوع هو أحد أمور الغيب التي صح بها الخبر وثبتت عن النبي ﷺ بأحاديث كثيرة، وهذا مما يجب الإيمان به، فيجب أن نؤمن بالحوض، وبالصراط وبالميزان، وبجميع ما أخبر الله به ورسوله ﷺ من أمور الغيب، والمراد إثبات هذه العقيدة، والرد عَلَى من خالف فيها وإبطال شبههم، وقوله: (والحوض الذي أكرمه الله تَعَالَى به غياثاً لأمته حق) ، والضمير في (أكرمه) يعود إِلَى النبي ﷺ، وابتدأ المُصنِّفُ ببيان الأحاديث الواردة في الحوض وأنها تبلغ حد التواتر.\rاختلف العلماء في الحوض: هل هو مختص بالنبي ﷺ أم أن غيره من الأَنْبِيَاء لهم حوض؟\rوسبب الاختلاف: يرجع إِلَى الحكم في تصحيح النقل في ذلك، لأن علماءأهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ كما علمنا في باب المغيبات وغيرها إنما يتبعون النقل الصحيح عن النبي ﷺ، فهذا النقل ورد فيه حديث وراه التِّرْمِذِيّ (إن لكل نبي حوضا) وهذا الحديث قال التِّرْمِذِيّ بعد أن ذكره، اختلف في وصله وإرساله، والمرسل أصح، وهذا القول هو الصحيح.\r\rوقال الحافظابن حجر -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- المرسل أخرجه ابن أبي الدنيا بسند صحيح عن الحسن فالحديث مرسل، فمن يعمل بالمرسل -من الفقهاء- فقد رأى أن هذا الحديث صحيح وثابت، والاستدلال به جائز، ومن كَانَ لا يقبل المرسل أو لا يعمل به أولم يثبت لديه هذا الحديث -وهو مذهب المحدثين- فلا يثبت، وعليه فلا نثبت لغير النبي ﷺ حوضاً، إلا أن يصح النقل من غير هذه الطريق.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689650,"book_id":1659,"shamela_page_id":776,"part":null,"page_num":776,"sequence_num":776,"body":"ولهذا عقب الحافظ ابن حجر -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- عَلَى هذا فقَالَ: \"فإن ثبت فالمختص بنبينا ﷺ الكوثر الذي يصب ماؤه في حوضه، فإنه لم ينقل نظيره لغيره فوقع الامتنان عليه به في السورة المذكورة) ، وهذا الكوثر كما مر معنا في طرق حديث الإسراء: نهر في الجنة، وهذا النهر الذي في الجنة -كما سيأتي في الحديث الذي رواه الإمام أَحْمَد هنا- هو يصب في الحوض، وبهذا يجمع بين الروايات في الحوض وفي الكوثر.\r\rوروى الإمام أَحْمَد - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - وهو من ثلاثياته عن أنس، قَالَ: أغفى رَسُول الله ﷺ إغفاءةً فرفع رأسه متبسماً إما قال لهم وإما قالوا له: لم ضحكت؟ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ: إنه أُنزلت علي آنفاً سورة فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ [الكوثر] حتى ختمها ثُمَّ قال لهم: هل تدرون ما الكوثر؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قَالَ: هو نهر أعطانيه ربي ﷿ في الجنة عليه خير كثير ترد عليه أمتي يَوْمَ القِيَامَةِ آنيته عدد الكواكب يختلج العبد منهم، فأقول: يا رب! إنه من أمتي، فيُقَالُ: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك.\r\rورواه مسلم ولفظه: (إنه نهر وعدنيه ربي عليه خير كثير هو حوض ترد عليه أمتي يَوْمَ القِيَامَةِ) ، فيلاحظ أنه سمى النهرُ حوضاً، والحوضُ نهراً، وذلك ثابت في طرق كثيرة غير هذه.\rالذين أنكروا الحوض: هم طائفة قليلة من أهل البدع والضلال، وبعض فرق الخوارج، وبعض المعتزلة وتأولوه وَقَالُوا: لا يثبت للنبي ﷺ حوض، وإنما هذا كناية عن الكرم والعطاء.\rحكم من أنكر الحوض","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689651,"book_id":1659,"shamela_page_id":777,"part":null,"page_num":777,"sequence_num":777,"body":"وهذا المذهب لا دليل عليه، لا من النقل ولا من العقل والنظر، فما الذي يمنع أن الله ﷾ يجعل كرمه وعطاءه إكراماً للنبي ﷺ في صفة هذا الحوض، ولا سيما في ذلك اليوم الذي هو يوم العطش الأكبر \"يَوْمَ القِيَامَةِ\" حين تدنو الشمس من النَّاس عَلَى مسافة ميل فمنهم من يلجمه العرق إلجاماً، ومنهم من يبلغ العرق إِلَى منكبيه، ومنهم يبلغ إِلَى سرته، ومنهم من يبلغ إِلَى ركبتيه، ففي ذلك اليوم تكون المنة، ويكون التكريم العظيم من الله ﷾ عَلَى نبيه مُحَمَّد ﷺ مع الشَّفَاعَة العظمى.\rفليس هناك أدنى شبهة لا نقلية ولا عقلية لمن ينكر الحوض، وقد ثبت بالتواتر ومعنى ذلك: أن منكره بعد قيام الحجة عليه كافر، فمن أنكره فقد أنكر أمراً معلوماً بالتواتر.\r\rمتى ظهر منكري الحوض\rنقل إنكار الحوض في أواخر عصر الصحابة، حتى أن أنس بن مالك وهو من أواخر الصحابة -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُم جميعاً- وفاةً، قَالَ: \"ما ظننت أني أعيش حتى أسمع من ينكر الحوض\".\rوكما ظهرت البدع الأخرى حين ظهرت القدرية والمرجئة في أواخر عصر الصحابة، بخلاف الرافضة والشيعة والخوارج فإنها ظهرت في زمن أمير المؤمنين عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِب رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ وعن أصحاب نبيه أجمعين.\r\rهل عبيد الله بن زياد أنكر ثبوت الحوض؟\rوممن نُقل عنه إنكار الحوض كما ذكر ذلك الحافظابن حجر وجمع طرفاً فيه: هو عبيد الله بن زياد أميرالعراق؛ لكن الذي يظهر لمن تأمل ما ورد عن عبيد الله بن زياد أنه لم ينكر الحوض.\r\rوجوب تعليم الناس العلم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689652,"book_id":1659,"shamela_page_id":778,"part":null,"page_num":778,"sequence_num":778,"body":"لهذا وجب عَلَى الْمُسْلِمِينَ أن ينشروا العلم، لأن العلم لا يموت حتى يكون سراً كما قال ذلك أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- فالعلم يجب أن يظهر وينشر ولا يقَالَ: هذا الموضوع لا يجوز التحدث عنه ولا يهم الكلام فيه فما كَانَ من أمور ديننا -من أمور الغيب- نظهره للناس ونبينه لهم فيزداد العالم علماً ويعلم الجاهل، وتقوم الحجة عَلَى المنكر والمعاند.\rهذه الروايات التي وردت في الحوض ذكر المُصنِّفُ ﵀ أنها بلغت حدًّ التواتر فقد رواها من الصحابة -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُم- بضع وثلاثون صحابياً، ثُمَّ قَالَ: ولقد استقصى طرقها شيخنا الشيخ عماد الدين ابن كثير -تغمده الله برحمته- في آخر تاريخه الكبير المسمى البداية والنهاية في الجزء الأخير الذي هو النهاية في الفتن والملاحم، وذكر فيه أشراط الساعة وعلاماتها وأهوالها، ولقد ذكر الحافظ ابن حجر - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - في الفتح من نقل هذه الطرق وعددها.\rويقول عن نفسه: \"فزدت عليهم أجمعين قدر ما ذكروه سواء، فزادت العدة عَلَى الخمسين\"، ويقول: \"بلغني أن بعض المتأخرين وصلها إِلَى رواية ثمانين صحابياً\" وهَؤُلاءِ الصحابة الحديث عن بعضهم فيه ضعف ولا يعني أن الثمانين قد صحت الرواية عنهم كلهم لكنها وردت عنهم، والإمام البُخَارِيّ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- ذكر في آخر كتاب الرقاق من صحيحه أحاديث الحوض من تسعة عشر طريقاً، وأشهر هَؤُلاءِ الصحابة الذين يروون عنهم هذا الأحاديث هم:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689653,"book_id":1659,"shamela_page_id":779,"part":null,"page_num":779,"sequence_num":779,"body":"أنس بن مالك، وحذيفة، وعبد الله بن مسعود، وأبو بكرة، وسهل بن سعد، وجندب بن عبد الله، وابْنُ عُمَرَ، وابن عباس، وابن عمرو، وأَبُو هُرَيْرَةَ، وأم المؤمنينعَائِِِشَةَ، وأم المؤمنين أم سلمة، وأبو ذر، وعقبة بن عامر، وحارثة بن وهب، والمستورد، وثوبان، وجابر بن سمرة وهَؤُلاءِ هم أشهر من صحت الطرق عنهم في الصحيحين وغيرها، وورد عن غيرهم، كأبي بكر الصديق، وأسماء بنت أبي بكر.\r\rفالمقصود أن ثبوت هذا الحديث مثل الشمس، لا يماري ولا يجادل فيه أحد، وأنه كرامة للنبي ﷺ وأنه يكون يَوْمَ القِيَامَةِ، وأن أمته ترده، وورد أحاديث كثيرة في وصفه عَلَى اختلاف الروايات، منها ما ورد في عرضه، وما ورد في آنيته، وما ورد في بياضه وحلاوته، وما ورد أيضاً من ذود النَّاس عنه، وقد ذكر المُصنِّفُ ﵀ رواية أنس يقول: [منها: ما رواه البُخَارِيّ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- عنأنس بن مالك -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- أن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (إن قدر حوضي كما بين أيلة إِلَى صنعاء من اليمن وإن فيه من الأباريق كعدد نجوم السماء) ] هذا الحديث ذكره البُخَارِيّ في نفس باب الحوض من كتاب الرقاق في آخره، وأيضاً أخرجه الإمام أَحْمَد.\r\rوله حتى إن حديث أنس له طرق أخرى، فالمصنف اختار الرواية التي فيها أن قدره كما بين أيلة إِلَى صنعاء؛ وكأنه تعمد أن يختار هذه الرواية التي ذكر فيها قدر الحوض.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689654,"book_id":1659,"shamela_page_id":780,"part":null,"page_num":780,"sequence_num":780,"body":"وأيلة هي المعروفة باسم إيلات وهي كما وصفها الحافظابن حجر يقول: إنها في زمانه مدينة خربة عَلَى الخليج بجوار العقبة، وهي الآن معمورة ومعروفة وتسمى إيلات وهي ميناء لليهودقبحهم الله تَعَالَى ونسأل الله ﷾ أن يذلهم ويخذلهم وأن يردها أرضاً للمسلمين كما كانت وهي عَلَى الخليج المسمى بخليج إيلات، والذي يسميه العرب خليج العقبة وكأن هذه كما يظهر من أطول المسافات.\rاختلاف الروايات في تحديد عرض الحوض لا يعني أن الحديث مضطرب:\rوالذي ينبغي أن يُعلم أن اختيار المُصْنِّف لهذه الرواية لا يعني أن غيرها لم يصح، فالروايات الصحيحة كثيرة ومختلفة في تحديد المسافة في عرض الحوض، حتى أن بعض النَّاس توهم أنها من قبيل الاضطراب في الحديث؛ لأن فيها ما بين أيلة إِلَى مكة وما بينصنعاء إلى مكة.\r\rوفي بعضها ما بين أذرح إِلَى جرباء.\r\rوفي بعضها ما بين عمان إلىأيلة.\r\rوبعضها بين عمَّان.\r\rوبعضها بصرى.\r\rوبعضها ما بين صنعاء وعدن، فذكرت عدة مناطق وعدة مدن؛ نظراً لكثرة الروايات.\r\rالعلة من تعدد الروايات من قبل الرواة\rلا شك أن كثرة الروايات، وكثرة الرواة والطرق، قد يكون الخلاف يعود إِلَى عدم ضبط بعض الرواة، وقد يعود إِلَى أن المسافات تختلف بحسب السرعة والإبطاء، فقد تكون مسافة ما بين بلد وبلد بحسب سرعة الإبل السريعة مثلاً، أو الخيل السريعة، وبين بلد وآخر، ولكن بحسب سرعة أخرى.\rوقد يكون بحسب المقامات التي ذكرها النبي ﷺ، وقد تكون بحسب القبائل، فإذا جاءته قبيلة من جهة ما وصف لهم عرض الحوض أو طوله بحسب ما يعرفون من المدن إن كانوا من اليمن بيَّن لهم بمدن من اليمن، وإن كانوا من أهل الشام بين لهم بمدن منالشام والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689655,"book_id":1659,"shamela_page_id":781,"part":null,"page_num":781,"sequence_num":781,"body":"والمسألة ليست -ولله الحمد- مما يقتضي الإشكال، وإنما المراد من المثال أن هذا الحوض طويل وعريض، وأنه بهذه السعة، وبهذا العرض وبهذا الطول، هذا هو غاية ما ينبغي أن يفهم، ثُمَّ يقول: (وعدد ما فيه من الأباريق كعدد نجوم السماء) وهذا أيضاً دليل عَلَى كثرته، فهو طويل وعريض، وهو أيضاً كثير الأباريق وكثير الكيزان، كما وردت في روايات أخرى، والكيزان: جمع كوز.\r\rوعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قَالَ: (ليردن عليّ أناس من أصيحابي حتى إذا عرفتهم اختلجوا دوني، فأقول أصيحابي، فيُقَالُ:: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك) وكأن المُصنِّفُ اختار الحديث الأول ليدلنا عَلَى المسافة.\rواختار الحديث الثاني لشيء آخر هو شأن الذين يُردَّون ويذادون عن الحوض، ولو نظرنا إِلَى حديث سهل بن سعد وهو أيضاً مما رواه البُخَارِيّ وفي رواية أبي سعيد يقول النبي ﷺ: (إنهم مني، فيُقَالُ: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقاً لمن بدل بعدي) .\r\rوالأحاديث غير هذين الحديثين أيضاً كثيرة في خصوص هذه القضية، وهي أنه يذاد عن حوضه ﷺ بعض هذه الأمة وأنه ﷺ يستغرب ذلك، ويقول: أمتي أمتي، أو أصحابي أصحابي، وأن الجواب يكون إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، أو إنهم غيروا وبدَّلوا، فهَؤُلاءِ قوم كانوا يستحقون الرد بما ارتكبوا، وبدلوا، وبما حرفوا، وابتدعوا في دين الله ﷾، حجبوا ومنعوا من ورود الحوض، وصحت الرواية أنه (من شرب منه لم يظمأ بعدها أبداً)\rهل الصحابة ارتدوا كما زعمت الرافضة\rولورود الآحاديث السابقة برز قرن فرقة خبيثة وطائفة من أعظم طوائف هذه الأمة نفاقاً -كما وصفهم بذلك العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم- وهم: الروافض عليهم من الله ما يستحقون.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689656,"book_id":1659,"shamela_page_id":782,"part":null,"page_num":782,"sequence_num":782,"body":"فقالوا: إن هذا الحديث دليل لمذهبهم الخبيث بأن أصحاب النبي ﷺ قد ارتدوا من بعده إلا أربعة نفر، وعلى أكثر أقوالهم: إنهم اثني عشر فقط، وأما البقية فإنهم قد ارتدوا عَلَى أعقابهم وأنهم يطردون عن الحوض.\rفيقولون: إن سبب ذلك أن النبي ﷺ في منصرفه من حجة الوداع، وبعد أن أراد أن يكمل الدين وأن يودع الْمُسْلِمِينَ ويبين لهم أحكام الدين جميعاً، أخذ يجدد عليهم العهد في إمامة عَلِيّ ﵁ من بعده لأنهم يقولون: العهد قديم، ونزلت فيه آيات، وقرأها الصحابة، وبلغهم إياها النبي ﷺ وهذه الآيات تدل عَلَى إمامة عَلِيّ من بعده وأنه الوصي.\r\rوَقَالُوا: إن معرفة الإِنسَان لإمامته ركن من أركان الدين وأصل من أصوله، ولا بد منه، فالنبي ﷺ لا يُخِفي شيئاً من الدين، فقد بلغ هذا الركن وهذا الأصل، ومن ذلك: أنه في غدير خم -كما يسمونه- أشهد الصحابة جميعاً وجمعهم -وكانوا آلاف مؤلفة- وبلغهم هذا وأخذ عليهم العهد والميثاق أن الخليفة من بعده هو عَلِيّ ولكن الذي حصل: أنهم ما كاد النبي ﷺ يموت، حتى اتفقوا جميعاً وتواطئوا وكتموا الآيات والأحاديث، وكتموا هذه الوصية، وحولوا الخلافة إِلَى أبِي بَكْرٍ ثُمَّ عُمَر ثُمَّ عثمان وغمطوا علياً وأهل البيت حقهم؛ وأنكروا أصلاً من أصول الدين وركناً من أركان الإيمان والإسلام.\r\rويقولون: هَؤُلاءِ هم من الصحابة الذين كانوا في عهد النبي ﷺ، ولكن يَوْمَ القِيَامَةِ يأتون والنبي ﷺ لا يدري ما أحدثوا من بعده، فيطردهم النبي ﷺ، ويقول لهم: سحقاً وبعداً ولذا طردوا؛ لأنهم غيروا ونقضوا وصيته لابن عمه عَلِيّ، هذا هو قول الرافضة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689657,"book_id":1659,"shamela_page_id":783,"part":null,"page_num":783,"sequence_num":783,"body":"مقتضى كلام الرافضة في الصحابة\rكلام الرافضة في الصحابة يقتضي أموراً كثيرة منها:\rأولاً: أن الصحابة الكرام -رضوان الله تَعَالَى عليهم- كفار مرتدون متواطئون عَلَى ترك أمر من ضرورات الدين وأصل من أصوله وركن من أركانه.\r\rثانياً: أن هذا طعن في جميع أصحاب النبي ﷺ حتى في الأربعة الخلفاء ومنهم عَلِيّ! ومن معه؛ لأن هذا ركن من أركان الدين فترك هذه الألوف المؤلفة هذا الأصل وسكوت الأربعة عنه، ومنهم عَلِيّ -لأنه لم يقم بأي عمل، ولم يقل للناس أخرجوا عليهم، ولم يثأر من أجل أصل من أصول الدين- إذاً: كل الصحابة متهمون بموجب هذه الدعوى، فليس فيهم مؤمن بل كلهم كفار، والأربعة منافقون.\r\rثالثاً: وهذا القول فيه اتهام للنبي ﷺ نفسه لأنه هو الذي زكاهم ورباهم، وهو الذي مدحهم، وأثنى عليهم، وجاهد بهم الكفار، وعاش بينهم، وأخذوا منه أخلاقهم ومعاملاتهم، وكل ما يتصفون به من الصفات النبيلة والحميدة أخذوها من النبي ﷺ، فإذا كانوا أخذوا منه هذا ويصلون إِلَى حد أنهم وهم ألوف مؤلفة يتواصون ويتواطئون ويتفقون عَلَى ترك ركن من أركان الدين وأصل من أصوله؛ ليجحدوا ابن عمه فضله وحقه، فإذاً هو الذي رباهم عَلَى الغش والخداع والتواطؤ والنفاق والكذب كيف يصحبونه ويكونون من خاصته ومن أصفيائه وحواريه، وهم خونة وكذبة وفجرة، يتواطئون عَلَى أمر من أمور الدين العظيمة ويكتمونه، ويتواطئون عَلَى رجل عظيم فيغمطونه حقه؟!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689658,"book_id":1659,"shamela_page_id":784,"part":null,"page_num":784,"sequence_num":784,"body":"ولو اتفقوا عَلَى دينار من الحرام لكان هذا طعن فيهم، فكيف وهذه قضية من أمور الدين ومن أصوله الكبرى، مثلاً: لو أنك وجدت مجموعة من الطلاب يدَّعون الإسلام والدين الصحيح، وَقَالُوا: الذي ربانا عَلَى هذا الدين شيخنا فلان، وكانوا يعظمونه ويتبعونه، فلما جالستهم وخبرتهم وعرفت أفعالهم، وجدتهم عَلَى بدعة وعلى كذب وزور وفجور؛ كيف يكون ظنك بشيخهم؟! بطبيعة الحال نقول: هذه تربيته، وهذه طائفته.\r\rإذاً: هذا طعن بلا ريب في رَسُول الله ﷺ وأكبر من ذلك وهو جلي أيضاً أن يقَالَ: إن هذا الطعن في أصحاب النبي ﷺ هو أيضاً اتهام وسب لله ﷿؛ لأنه ﷾ أثنى عليهم ومدحهم وزكاهم في كتابه العزيز وبين أحوالهم وصفاتهم الجليلة ولم ينزل هذا الدين إلا عليهم، فاصطفاهم واختارهم ليكونوا حواريين وأصحاباً لرَسُول الله ﷺ، ثُمَّ نصرهم الله ﷾ عَلَى اليهود والنَّصَارَى والمجوس وعلى أهل مكة الذين كانوا يدعون أنهم عَلَى دين إسماعيل، ويظهرهم عَلَى الدين كله ويمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، ويبدلهم بعد الخوف، والذل عزاً وأمناً وأصبحت الدنيا كلها تلهج بذكرهم وبثنائهم ويشتهر عنهم العلم في آفاق الدنيا.\r\rفكل هذا يحصل من الله ﷾ وحياً منزلاً ونصراً وتأييداً بالواقع المشاهد، ويكون هذا العمل ويقع لأناس مرتدين منافقين كاذبين متواطئين ومتآمرين، وهذا يتنافى مع حكمة الله ﷾ وهو تكذيب لكتاب الله، فإنه قد جرت السنن الربانية الموصوفة في التاريخ أن الله يذل الكاذب الفاجر الظالم الغادر ولو بعد حين، وأن الله يفضحه ويخزيه ويعرف النَّاس حقيقته.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689659,"book_id":1659,"shamela_page_id":785,"part":null,"page_num":785,"sequence_num":785,"body":"أما وهو بهذا الشكل، يشهد أبناء الدنيا جميعاً مؤمنها وكافرها بإجماع التاريخ البشري الموجود أنه لا يوجد أمة أطهر ولا أزكى من هذه الأمة ويكونون في الحقيقة والواقع خونة متآمرين إِلَى آخره، هذا اتهام لله ﷾ وسبٌ له، وطعن فيه وفي دينه وفي كتابه بلا ريب.\r\rقد يقول قائل: كيف نفسر الحديث، وكيف نستشهد به في موضوعه الصحيح؟ وفي بعض روايات الحديث: أصحابي وفي بعضها: أمتي والجواب عَلَى التفصيل الآتي:\rتفسير رواية (أمتي أمتي)\rالروايات التي فيها \" أمتي أمتي \" لا إشكال أن في هذه الأمة من يذاد عن الحوض؛ لأن فيهم من أهل البدع والنفاق والضلال أو ليس المنافقون يَوْمَ القِيَامَةِ يطمعون أن يحشروا مع المؤمنين لأنهم منهم، ولكن يضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب، ويظنون أنهم من هذه الأمة ويحاولون السجود ولكن تتصلب ظهورهم، وهَؤُلاءِ ممن يحسب في الدنيا أنهم من هذه الأمة، ويتبين لهم يَوْمَ القِيَامَةِ أنهم ليسوا من هذه الأمة وإن انتسبوا إليها.\rومن أولى النَّاس بهذا الطرد الرافضة: لأننا إذا أثبتنا أن أصحاب النبي ﷺ يشربون من الحوض، وأنهم كذلك بلا ريب، فإن من أبعد النَّاس عن مشاركتهم فيه من يكفرهم ويلعنهم ويعد ذلك ديناً له، فالخوارج والروافض وأهل الضلالات ينطبق عليهم هذا الحديث: (إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك) فإن النبي ﷺ لا يعلم الغيب.\r\rوقد أَحدث بعده الطوائف من الضلالات والبدع ما هو كفر وخروج من الدين، فمن كَانَ ينتمي إِلَى هذه الأمة، ولكنه في الحقيقة ليس منها، فإنه لا يَرِدَ الحوض ولا يشرب منه، وبالتالي لا يدخل الجنة لأنه مرتد منافق -نسأل الله العفو والعافية- وهذا حال بعض أهل الفرق وأهل البدع، فهذا تفسير رواية: (أمتي أمتي) .\r\rتفسير راوية: (أصحابي أصحابي)","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689660,"book_id":1659,"shamela_page_id":786,"part":null,"page_num":786,"sequence_num":786,"body":"الرواية الثانية قوله: (أصحابي أو أصيحابي) لا إشكال فيها، لأن النبي ﷺ آمن به في حياته جمع كثير بل كل العرب أرسلت إليه الوفود فمثلاً من الوفود التي جاءت إِلَى النبي ﷺ وفد بني حنيفة ومنهم مسيلمة فرأوا رَسُول الله ﷺ وأظهروا الإسلام، فدخلوا في حكم الصحبة في حياته ﷺ، فلما توفي ﷺ أو قبيل ذلك بعد أن فارقوه -وهو لا يعلم- أحدثوا الردة عن الإسلام، وكذلك قبائل بني تميم وقبائل غطفان وبعض أهل اليمن اتبعوا الأسود العنسي وحصلت الردة من أناس جاءوا ووصلوا إليه ﷺ وانتسبوا إِلَى أمته.\rفهو يظن ﷺ وهو لا يعلم الغيب - أنهم من أصحابه، فيأتون يَوْمَ القِيَامَةِ فيذادون، لأنهم ليسوا من أصحابه، فيقال له: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فكان هذا حالهم فهَؤُلاءِ الذين ينطبق عليهم الحديث: (ولفظه: أصيحابي) تدل عَلَى لفظ التصغير الذي يدل عَلَى القلة ولا يعني هذا أن أصحابه ﷺ يذادون وإنما هَؤُلاءِ أصيحاب جزء منهم ويكون أصيحاب كما قال أبو فراس الحمداني مثلاً:\rوقال أصيحابي الفرار أو الردي فقلت هما أمران أحلاهما مر\rلو قَالَ: إن أصحابه كثير وقعوا في أسر الروم لكان هذا كالذي يريد أن يذم نفسه ويقول: نَحْنُ كثيرون، ولكننا نفكر، هل نهرب أو نقع في الأسر أو في الموت؟ لا، وإنما يقول: نَحْنُ قلة قليلة، وأحاط بنا من الروم وهم جمع كبير فصار الأمران أحدهما مر: إما أن نموت وإما أن نفر، وفعلاً وقعوا في الأسر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689661,"book_id":1659,"shamela_page_id":787,"part":null,"page_num":787,"sequence_num":787,"body":"والذين ثبت وصح أنهم مبشرون بالجنة عن رَسُول الله ﷺ هم أول من ينطبق عليهم ثناء الله ﷾ في القُرْآن فهَؤُلاءِ لا يمكن أن يدخلوا في المطرودين والمبعودين عن الحوض.\r\rغرض الرافضة من الطعن في الصحابة\rهَؤُلاءِ الروافض إنما يقصدون بالدرجة الأولى أبُو بَكْرٍ وعُمَر وعثمان، ومن كَانَ معهم من العشرة المبشرين بالجنة وأصل عداوتهم منصبه ومحصورة بالذات في هَؤُلاءِ، وموقف الرافضة منمسيلمة كما يقول هذا الذي يسمي نفسه ابن المطهر الحلي صاحب منهاج الكرامة يقول: ومن الأدلة عَلَى عدم انعقاد بيعة أبِي بَكْرٍ أن بعض الْمُسْلِمِينَ لم يبايعه مثل بني حنيفة، فاعتبر مسيلمة وبني حنيفة من الأمة ومن الْمُسْلِمِينَ وهَؤُلاءِ رفضوا بيعة أبِي بَكْرٍ، واجتمعوا وولوا عليهم مسيلمة.\rإذاً هذا يدل عَلَى أن الإجماع لم ينعقد عَلَى بيعة أبِي بَكْرٍ والعياذ بالله فانظر كيف يجعلون أبا بكر وعُمَر وعثمان رؤساء الكفر والردة، ويجعلون مسيلمة من الْمُسْلِمِينَ!!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689662,"book_id":1659,"shamela_page_id":788,"part":null,"page_num":788,"sequence_num":788,"body":"وكان يجب أن يأخذ رأيه في الإمارة والخلافة ولما لم يوافق، فالبيعة لم تنعقد والإجماع لم يصح، وإنما أوردتُ هذا لتعرفوا أن غرضهم هو -كما قال من أدركهم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم-: إنهم قوم منافقون، ما قصدوا إلا الطعن في الدين، ولكن لما عجزوا أن يقولوا للمسلمين: إن القُرْآن باطل، وإن محمداً ﷺ كذاب -وهو الصادق الأمين- وحاشاه من ذلك، فَقَالُوا: نكذب أصحابه، فإن الكتاب والسنة إنما يؤخذ عنهم، فإذا كُذِّبَ الشهود بطلت القضية (إذا كُذِّبَ النقلة بطل الخبر) هذا هو المقصود والمراد منهم، فإذاً تبين لنا أن هذا الحديث حق، وأن قوماً يذادون عن الحوض؛ لأنهم من المرتدين أو من أصحاب البدع والضلالات التي تجعلهم جديرين وأهلاً لأن يطردوا عن حوضه ﷺ، وأنه ﷺ لا يعلم الغيب، وهذا من الأدلة الكثيرة عَلَى ذلك، ولهذا يقال له: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك.\r\rالحديث الثالث من أدلة الحوض: هو حديث الإمام أَحْمَد -الذي قلنا: إنه من ثلاثيات المسند- عنأنس بن مالك ﵁ قَالَ: (أغفى رَسُول الله ﷺ إغفاءة فرفع رأسه متبسماً إما قال لهم وإما قالوا له: لم ضحكت؟ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ إنه نزلت علي آنفاً سورة فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ [الكوثر] وقام متبسماً بهذه البشرى العظيمة وهذا الاختصاص وهذا الفضل الجزيل الذي امتن الله ﵎ به عليه ﷺ، وهو أيضاً مِنِّة عَلَى الأمة جميعاً، لأن هذا الحوض تشرب منه هذه الأمة المصطفاة المختارة من بين الأمم.\rخلاف الفقهاء في البسملة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689663,"book_id":1659,"shamela_page_id":789,"part":null,"page_num":789,"sequence_num":789,"body":"بعض الفقهاء استدلوا بهذا عَلَى أن (بسم الله الرحمن الرحيم) هي آية من كل سورة؛ لأنه ﷺ قرأ فقَالَ: بسم الله الرحمن الرحيمإِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ هذه قضية فقهية فرعية، لكن لا بأس أن نقول: إن هذا الاستدلال ليس راجحاً، لأن الإِنسَان يمكن أن يقرأ البسملة قبل أي سورة، يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ثُمَّ يقرأ بالبسملة فتكون قراءته ﷺ بـ (بسم الله الرحمن الرحيم) ليست لأنها نزلت عليه مع السورة.\rولكن لأن الإِنسَان إذا أراد أن يقرأ فإنه يقول: (بسم الله الرحمن الرحيم) ولأن النبي ﷺ فعل ذلك كالعادة المتبعة في القرآن، وليس لخصوص أن الله أنزل عليه بسم الله الرحمن الرحيمإِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فالمهم أن النبي ﷺ قرأها هكذا (بسم الله الرحمن الرحيم) ثُمَّ قَالَ: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ.\r\rمعنى الكوثر\rسأل النبي ﷺ أصحابه هل تدرون ما الكوثر؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، فهم لا يعلمون الغيب ولا يعرفون شيئاً حتى يخبرهم ويطلعهم الله ﵎ عن طريق الوحي الذي يأتي به رَسُول الله ﷺ قَالَ: (هو نهر أعطانيه ربي ﷿ في الجنة) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689664,"book_id":1659,"shamela_page_id":790,"part":null,"page_num":790,"sequence_num":790,"body":"وهذا ينطبق عَلَى ما جَاءَ في حديث الإسراء أنه رأى ذلك النهر العظيم في الجنة (عليه خير كثير، ترد عليه أمتي يَوْمَ القِيَامَةِ، آنيته عدد الكواكب) والآنية والأباريق والكيزان -كلها جاءت في الروايات- عدد الكواكب: أي: عدد نجوم السماء، وذلك لكثرتها، فالله ﵎ أعطى رسوله ﷺ هذا الحوض عريضاً واسعاً وعذباً شهياً أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل، وهذا النهر ترابه المسك وحصباؤه الدر والياقوت، وهذا شيء عظيم لا يمكن أن يتخيل.\r\rهل الكوثر مشقوق في الأرض\rوالكوثر ليس مشقوقاً في الأرض كما جَاءَ في بعض الروايات وإنما يجري فوق الأرض، حتى يكون الأخذ منه أسهل، ويكون الامتنان به أعظم، وهو أغرب للعقل البشري بأن يرى الإِنسَان نهراً يجري هكذا فوق الأرض وليس مشقوقاً، نسأل الله ﷾ أن يجعلنا ممن يَرِدُه إنه عَلَى كل شيء قدير.\rيقول: (يُخْتَلجُ العبدُ مِنْهُم) ، والاختلاج يشبه الانتهاب أو الاختلاس، يأتي أناس يردون فيتقدمون ليشربوا من الحوض فيختلجون ويجذبون من بين الذين يردون عَلَى الحوض.\r\rفالنبي ﷺ يقول: (يا رب! إنه من أمتي) فانظر إِلَى شفقته ﷺ ورحمته بأمته! يرجوا أن لا يختلج ولا يذاد ولا يطرد أحد عن الحوض.\r\rفيقال لي: (إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك) العلة في طردهم أنهم أحدثوا بعدك أموراً تقتضي أن يطردوا وأن يذادوا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689665,"book_id":1659,"shamela_page_id":791,"part":null,"page_num":791,"sequence_num":791,"body":"ثُمَّ ذكر لفظ مسلم: (إنه نهر وعدنيه ربي عليه خير كثير هو حوض ترد عليه أمتي يَوْمَ القِيَامَةِ) والحوض في العرصات يشخب فيه ميزابان يصب من النهر الذي ورد كما في حديث الإسراء أنه في الجنة في السماء السابعة، فهو نهر غريب بصفته، وكذلك في أرضه كما يذكر القرطبي -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- أن الأرض التي يكون عليها هذا النهر ليس في هذه الأرض وإنما هي الأرض المبدلة يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ [إبراهيم:٤٨] فهو في السماوات المبدلة التي تكون يَوْمَ القِيَامَةِ.\r\rقال المصنف رحمه الله تعالى:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689666,"book_id":1659,"shamela_page_id":792,"part":null,"page_num":792,"sequence_num":792,"body":"[والحوض في العرصات قبل الصراط؛ لأنه يختلج عنه، ويمنع منه أقوام قد ارتدوا على أعقابهم، ومثل هؤلاء لا يجاوزون الصراط، وروى البخاري ومسلم عن جندب بن عبد الله البجلي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (أنا فرطكم على الحوض) والفرط الذي يسبق إلى الماء، وروى البخاري عنسهل بن سعد الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إني فرطكم على الحوض، من مر علي شرب، ومن شرب لم يظمأ أبداً ليردن على أقوام أعرفهم ويعرفونني، ثم يحال بيني وبينهم) قال أبو حازم فسمعني النعمان بن أبي عياش وأنا أحدث هذا، فقال: هكذا سمعت منسهل؟ فقلت: نعم فقال: (أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته وهو يزيد فيها فأقول: (إنهم من أمتي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً لمن غير بعدي) سحقاً: أي بعداً، والذي يتلخص من الأحاديث الواردة في صفة الحوض: أنه حوض عظيم، ومورد كريم، يمد من شراب الجنة، من نهر الكوثر، الذي هو أشد بياضاً من اللبن، وأبرد من الثلج، وأحلى من العسل، وأطيب ريحاً من المسك، وهو في غاية الاتساع، عرضه وطوله سواء، كل زاوية من زواياه مسيرة شهر، وفي بعض الأحاديث: (أنه كلما شُرب منه وهو في زيادة واتساع، وأنه ينبت في حالٍ من المسك والرضراض من اللؤلؤ وقضبان الذهب ويثمر ألوان الجواهر) فسبحان الخالق الذي لا يعجزه شيء وقد ورد في أحاديث: (إن لكل نبي حوضا وأن حوض نبينا ﷺ، أعظمها وأجلها وأكثرها واردا) جعلنا الله منهم بفضله وكرمه.\rقال العلامة أبو عبد الله القرطبي -رحمه الله تعالى- في التذكرة: واختلف في الميزان والحوض: أيهما يكون قبل الآخر؟\rفقيل: الميزان وقيل: الحوض.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689667,"book_id":1659,"shamela_page_id":793,"part":null,"page_num":793,"sequence_num":793,"body":"قال أبو الحسن القابسي: والصحيح أن الحوض قبل. قال: القرطبي: والمعنى يقتضيه فإن الناس يخرجون عطاشاً من قبورهم كما تقدم، فيقدم قبل الميزان والصراط قال أبو حامد الغزالي ﵀ في كتاب كشف علم الآخره: حكى بعض السلف من أهل التصنيف أن الحوض يورد بعد الصراط، وهو غلط من قائله قال القرطبي: هو كما قال، ثم قال القرطبي: ولا يخطر ببالك أنه في هذه الأرض، بل في الأرض المبدلة، أرض بيضاء كالفضة لم يسفك فيها دم، ولم يظلم على ظهرها أحد قط، تظهر لنزول الجبار ﷻ، لفصل القضاء. انتهى، فقاتل الله المنكرين، لوجود الحوض، وأَخْلِقْ بهم أن يُحال بينهم وبين وروده يوم العطش الأكبر] اهـ.\rالشرح:\r\rقد سبق الحديث عن الحوض لما ذكره المصنف رحمه الله تعالى، وذكرنا بعض من خالف فيه، وهل الحوض خاص بالنبي ﷺ، أم أنَّ لغيره من الأنبياء حوضاً؟\r\rوتعرضنا للقول في كثرة الطرق التي ورد منها، والروايات التي كثر فيها إثبات الحوض، فهو متواتر من حيث كثرة من رواه من الصحابة فمن بعدهم، وكذلك شرحنا الأحاديث التي ذكرها المصنف هنا.\r\rومنها: حديث أنس الذي رواه البخاري، والإمام أحمد رحمه الله تعالى.\r\rوالرواية الأخرى التي أخرجها مسلم من حديث أنس في تفسير قوله تعالى: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر:١] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689668,"book_id":1659,"shamela_page_id":794,"part":null,"page_num":794,"sequence_num":794,"body":"ثم بعد ذلك يبين المصنف رحمه الله تعالى، معنى [يشخب فيه ميزابان من ذلك الكوثر إلى الحوض] ، وقد بينا أن المراد بذلك أن الكوثر نهر عظيم في السماء السابعة كما في حديث الإسراء والمعراج في الرواية الصحيحة، وليس في السماء الدنيا كما ورد في رواية شريك بن عبد الله، وهذا النهر من أعظم أنهار الجنة، ومعنى يشخب: أي يصب منه ميزابان فينزل ذلك الماء من الجنة إلى أرض المحشر، ويتكون من الميزابين الحوض الذي ترده هذه الأمة، وأول من يرده منها نبيها محمد ﷺ، فهو أول الواردين على الحوض، وتأتي أمته تباعاً له لتشرب وترد منه، ثم يذاد عنه من يذاد كما سبق.\rوالصراط: هو جسر منصوب على متن جهنم، ويعبر الناس عليه بحسب أعمالهم، وفيه كلاليب تختطف من يعبر عليه ممن كتب الله ﵎ عليه الشقاوة والعذاب، ودعوى الأنبياء في ذلك اليوم حين عبور الناس للصراط ﴿اللهم سلم سلم﴾ فمن نجى منه فقد زحزح عن النار وأدخل الجنة، ومن اختطفته تلك الكلاليب وقع في النار، هذا أحد الأهوال والمواقف التي لا بد منها يوم القيامة للناس جميعاً.\rاختلف العلماء هل الحوض يكون بعد الصراط أم قبله؟\rالقول الأول\rمن المعلوم أنه قد جَاءَ في أحاديث الحوض الثابته أنَّ قوماً يذادون ويردون، فإن كَانَ هَؤُلاءِ الذين يذادون عن الحوض من أهل النار، فكيف نجو من الصراط ولم تختطفهم الكلاليب، ثُمَّ بعد ذلك يذادون ويطردون من الحوض ويُقال لهم سحقاً سحقاً، أو بعداً بعداً؟\rفهذا يقتضي أن يُقَالَ: إن الحوض قبل الصراط، والذين يذادون عن الحوض يردون بعطشهم، ثُمَّ أثناء اجتياز الصراط تخطفهم الكلاليب، فيكونون من أصحاب النار، هذا هو ما قاله بعض العلماء لمقتضى الأحاديث.\r\rالقول الثاني","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689669,"book_id":1659,"shamela_page_id":795,"part":null,"page_num":795,"sequence_num":795,"body":"وذهب بعض أهل العلم إِلَى عدم ذلك، ولم يثبت في ذلك حديث صريح ولا قولٌ لأحد من الصحابة أو علماء الأمة المتقدمين، وإنما هذا اختلاف من العلماء، كالقاضي عياض وأبي طالب المكي والقرطبي والغزالي والسيوطي والحافظ ابن حجر وأمثالهم ﵏.\rوالعلماء الذين يرون أن الحوض بعد الصراط يقولون: إنه قد ثبت في الأحاديث أن الحوض يشخب فيه ميزابان من نهر الكوثر الذي في الجنة، فمعنى ذلك أن النَّاس بعد أن يجتازوا الصراط يقفون في أرض دون الجنة يشخب فيها هذان الميزابان، فالنهر الذي في الجنة هو الكوثر، والميزابان يصبان منه في أرض المحشر في الحوض، ويكون النَّاس قد اجتازوا الصراط ولكنهم لم يدخلوا الجنة بعد، وإنما بعد ما نالهم من النصب والتعب في الموقف وفي الحساب، وأثناء الأهوال العظيمة التي تقع لهم، واجتياز الصراط، فإنهم حينئذ يشربون ثُمَّ يدخلون الجنة ولم ينظروا إِلَى مصير الذين يذادون أول الأمر، بل يقولون: يقتضي الأمر أن تكون أرض الحوض قريبة من الجنة فيصب الميزابان من الكوثر الذي في الجنة إِلَى أرض الحوض، وهذا يقتضي أن الحوض بعد الصراط.\r\rالقول الثالث\rوقال بعض العلماء لما رأوا المسألة تحتمل هذا وذاك: نجمع بين الأحاديث بأن هذا الحوض كبير وعظيم، ومنه ما هو قبل الصراط، ومنه ما هو بعد الصراط، وأن ذلك بحسب أعمال الناس، فمن النَّاس السعيد من السابقين المقربين، فهَؤُلاءِ يشربون ويجتازون -أو العكس- ولا يتوقفون.\rوأما الآخرون الذين لهم ذنوب فإنهم قد يشربون، ولكن تخطفهم بعد ذلك الكلاليب، فيعذبون في النار، أو أنه من شدة الحساب يحجزون بعد أن يطردوا من الحوض، ثُمَّ أثناء عبور الصراط تخطفهم الكلاليب، أو يعفوا الله عمن شاء منهم، وقد طُرِدَ من الحوض، لكنه يضل بعطشه، كأن ذلك من ضمن أهوال الموقف، وهو أن هَؤُلاءِ لا يشربون من الحوض؛ بل يذادون ويطردون، ولا يعني ذلك أنهم لا يغفر لهم، أو أنهم لا يجتازون الصراط.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689670,"book_id":1659,"shamela_page_id":796,"part":null,"page_num":796,"sequence_num":796,"body":"بيان الراجح في هذه المسألة\rالحقيقة أن هذه المسألة ليس فيها نص قاطع، وهي تحتمل هذا وذاك، وهي من أمور الغيب التي لا يجوز الخوض ولا القول فيها بالظن، ولا بمجرد الاستنباط الذي يبدو لصاحبه رجحانه، ولو دقق فيه لتبين خلافه، ولهذا لو قيل في هذه المسألة: إن الأرجح فيها هو التوقف، وأن يُرَّد علم ذلك إِلَى الله ﷾، فيُقال في ذلك: الله أعلم، فنسبة العلم إليه ﷾ أسلم، فهذا الذي نميل إليه ونختاره، والله ﷾ أعلم.\rوما دام أنه لم يثبت في الحوض هل هو قبل الصراط أم بعده نص صريح ولا يترتب عليه كبير فائدة، فإن العبرة والموعظة قائمة سواء كَانَ ذلك قبله أو بعده، وسنكمل ما يتعلق بذلك عندما نتعرض لكلام العلامة القرطبي في الأخير، لأن المُصنِّفُ فصَل الكلام هنا، فذكر بعضه وأشار إليه في الأول، ثُمَّ أكمل في الآخر.\rفقال ﵀: [والحوض في العرصات قبل الصراط؛ لأنه يُختلج عنه، ويُمنع منه أقوام قد ارتدَّوُا عَلَى أعقابهم، ومثل هَؤُلاءِ لا يجاوزون الصراط] هذا هو الرأي الذي اختاره المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى،\rثُمَّ قَالَ: [وروى البُخَارِيّ ومسلم عن جندب بن عبد الله البجلي قَالَ: سمعت رَسُول الله ﷺ يقول: أنا فَرَطُكُم عَلَى الحوض) .\r\rقَالَ: والفَرَطُ الذي يسبق إِلَى الماء.] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689671,"book_id":1659,"shamela_page_id":797,"part":null,"page_num":797,"sequence_num":797,"body":"هذا الحديث متفق عَلَى صحته، ورواه أيضاً الإمام أَحْمَد وغيره وفيه الدلالة عَلَى أن النبي ﷺ هو صاحب الحوض وهو أول من يرد عَلَى الحوض، فالفرط هو المقدمة أو الأول، وفي هذا دليل عَلَى ثبوت الحوض، وقَالَ: [وروى البُخَارِيّ عن سهل بن سعد قَالَ: قال رَسُول الله ﷺ (أنا فرطكم عَلَى الحوض) ثُمَّ قَالَ: (من وَرَدَهُ شرب منه) ] وهناك خلاف في الألفاظ حسب الروايات (ومن شرب منه لم يظمأ أبدا) فمن ورد الحوض سمح له بأن يشرب منه، فإذا شرب منه فإنه لا يظمأ بعد ذلك أبدا، والكيزان: جمع كوز، يعني: آنيته، كما ورد ذلك في الروايات، كعدد نجوم السماء، فهو عَلَى سعته وكبره وحجمه فيه من الآنية بعدد نجوم السماء، أعداد لا يعلمها إلا الله ﷾.\rهل يسقي النبي ﷺ الناس بيده\rوليس في هذه الروايات أن النبي ﷺ يسقي النَّاس بيده الشريفة، كما يزعم بعضهم فيدعو ويقول: (اللهم اسقنا من يده الشريفة شربة هنيئة لا نظمأ بعدها أبدا) فهذا لم يرد في حدود ما اطلعت عليه من الروايات، هذا من جهة النص.\r\rومن جهة النظر، فكأن النبي ﷺ هو وحده وبيده الشريفة يسقي هَؤُلاءِ الناس، وبهذا العدد الكبير وعلى هذه السعة العظيمة، ثُمَّ إن ذلك لا يتناسب مع مقام النبوة، فكأن النبي ﷺ إنما هو سقاء يسقيهم الماء مع أن النبي ﷺ هو أول من يرد، والحوض حوضه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689672,"book_id":1659,"shamela_page_id":798,"part":null,"page_num":798,"sequence_num":798,"body":"ولا يقتضي إعطاءه الحوض أنه يسقي النَّاس بيده، وإنما هو صاحبه الذي يتقدم أمته ثُمَّ يُسر برؤيتهم وهم يشربون مع كثرتهم، وهم يردون من هذا الخير العظيم الذي أعطاه الله إياه، وأكرمه به ويتألم ﷺ عند ما يرى أن قوماً يذادون، إذاً هو لا يسقي لأن التصريح جَاءَ بأنهم يردون ويشربون، وهَؤُلاءِ يطردون؛ بل يذادون.\r\rذود أناس من أمة النبي ﷺ عن الحوض\rقال ﷺ كما في حديث سهل (أنا فرطكم عَلَى الحوض من ورده شرب منه، ومن شرب منه لم يظمأ أبدا) ثُمَّ قَالَ: (ليردن عليّ أقوام أعرفهم ويعرفونني، ثُمَّ يحال بيني وبينهم) وهذه الرواية تصريح بأن النبي ﷺ يعرفهم وأنهم يعرفونه.\rوقد سبق أن قلنا: إن الذين يذادون عن الحوض إن كانوا من عموم أمته ﷺ حين يقول: (أمتي أمتي) فذلك محتمل أن يذاد أناس من عامة الأمة، وهو أمر واقع ممن ينتسبون إليه ﷺ وإلى أمته، ولو بعد وفاته بقرون، وهَؤُلاءِ ليسوا من أمته في الحقيقة بل هم مبدلون ويعرفهم النبي ﷺ بالعلامات التي يعرف بها أمته، أو يكون هذا الحوض له ولأمته ﷺ، فحينئذ يتعجب أو يستغرب، لماذا يذادون؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689673,"book_id":1659,"shamela_page_id":799,"part":null,"page_num":799,"sequence_num":799,"body":"وأيضاً كونهم ممن رآهم النبي ﷺ ورؤه، فهذا الاحتمال أيضاً وارد، ولا تعارض بينهما، ولا ينفي ذلك كما سبق، أو لا يقتضي ما يقوله أهل البدع من الروافض وأشباههم من أن بعض الصحابة ارتدوا بعد وفاته ﷺ؛ لأن النبي ﷺ قد عرف أقواماً، ثُمَّ ارتدوا بعد وفاته، وهَؤُلاءِ ليسوا من الصحابة ولا يشملهم اسم الصحبة، كما وقع ذلك من مسيلمة الكذاب وغيره من المرتدين، فينطبق عَلَى هَؤُلاءِ قول: النبي ﷺ: (أعرفهم ويعرفونني، ثُمَّ يُحال بيني وبينهم) ، وظاهر الفاعل المجهول للفعل \"يحال\" أنهم ملائكة العذاب يذودون ويطردون أهل الشقاوة، الذين لم يكتب الله لهم ورود الحوض.\r\rذكر طرق أحاديث الحوض\rسبق ذكر كلام ابن حجر أنه قَالَ: \"أحصيت نحو خمسين أو زدت عليها\".\rومنهم من قَالَ: إنها ثمانين، والحديث روي عن عدد من الصحابة وبعض الرواة قد يزيد أو ينقص بحسب الرواية وبحسب المجالس، فقد يكون النبي ﷺ حدث بذلك في مجالس متعدده، فلما سمع أبو حازم هذا القدر من الحديث عنالنعمان بن أبي عياش قَالَ: هكذا سمعته منسهل قَالَ: نعم.\rقالأبو حازم: وأنا أشهد عَلَى أبي سعيد الخدري لسمعته يزيد فيه -أي: في موضوع الحوض- أنّ النبي ﷺ يقول: إنهم مني أي هَؤُلاءِ من أمتي، فلماذا يذادون عن الحوض قَالَ: فيقال: إنك لا تدري ما بدلوا بعدك، أي أنت تعرفهم ويعرفونك، وهم منك عَلَى عهدك عَلَى حد علمك، وأنت في الدنيا، ولكنك لا تدري ما أحدثوا بعدك.\rهل النبي ﷺ حيٌّ في قبره؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689674,"book_id":1659,"shamela_page_id":800,"part":null,"page_num":800,"sequence_num":800,"body":"وفي الحديث السابق دليل عَلَى أن النبي ﷺ لا يعلم الغيب، وليس كما يقول أهل البدع: إن النبي ﷺ حي في قبره حياة حقيقية، وأنه بجسده وروحه يجوب الأرض ويطلع عَلَى أحوال الْمُسْلِمِينَ ويعرفها ويشفع ويفعل.. وغير ذلك مما يبتدعون، والنبي ﷺ لو أنه يعلم بعد موته، لكان أول ما يعلم ما وقع من الردة، فإنها أمر عظيم وخطب جلل كبير، كيف يلتحق ﷺ بالرفيق الأعلى بعد أن جمع الله تعالىجزيرة العرب كلها تحت لواء الإيمان، وأطاعت وانقادت له ﷺ ثُمَّ يموت وإذا بكثير منها من الشرق واليمن يرتدون حتى أنه لم يثبت الثبات الكامل إلا الطائف ومكة والمدينة وبنو عبد القيس، إذاً الموضوع مهم، فكان هذا من أول ما ينبغي أن يعلمه النبي ﷺ، ولأنه قريب عهد به؛ لأن الردة كانت بعد وفاته ﷺ.\rإذاً فالقول بأنه يطلع عَلَى أحوال الأمة وهو حي في قبره حياته العادية من قول أهل الضلال الذين يريدون أن يجعلوا ذلك ذريعة إِلَى الشرك من دعائه ﷺ، والاستغاثة به من دون الله فيوقعون الأمة في الشرك الأكبر الذي جَاءَ النبي ﷺ وجميع الرسل لمحاربته، وللدعوة إِلَى توحيد الله وحده ﷾.\r\rالنبي ﷺ لا يعلم الغيب","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689675,"book_id":1659,"shamela_page_id":801,"part":null,"page_num":801,"sequence_num":801,"body":"وهو ﷺ لا يعلم الغيب إلا ما أطلعه الله ﵎ عليه، وهذا في حياته ﷺ، أما بعد وفاته فإنه لم يبق له في هذا العالم تأثير، وإنما بقيت رسالته ﷺ أمانة في عنق الأمة يجب عليهم أن يتمسكوا ويقتدوا بها، فقد تركنا عَلَى المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، ولم يتركنا للأوهام والظنون والتخرصات والافتراءات، وإن كَانَ المقصود بها تعظيمه ﷺ، فإن أعظم تعظيم له ﷺ: أن يطاع أمره، وتتبع سنته، ويحب حباً لا يقدم عليه حب شيء من المخلوقات.\rوالأحاديث التي وردت في الحوض، رواها جمع غفير من الصحابة، ووردت بطرق كثيرة، وورد بعضها ضمن أحاديث القيامه والمحشر، فأراد المُصنِّفُ أن يجمع الكلام في الحوض، فقَالَ: [والذي يتلخص من الأحاديث الواردة في صفة الحوض، أنه حوض عظيم، ومورد كريم، يمد من شراب الجنة من نهر الكوثر الذي هو أشد بياضاً من اللبن، وأبرد من الثلج، وأحلى من العسل، وأطيب ريحاً من المسك] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689676,"book_id":1659,"shamela_page_id":802,"part":null,"page_num":802,"sequence_num":802,"body":"ونهر الكوثر وردت فيه بذاته أحاديث منها الحديث الذي رواه الإمام أَحْمَد، وكذلك رواه الشيخان: حديث أنس بن مالك الذي تقدم إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ [الكوثر] ثُمَّ قال لأصحابه: أتدرون ما الكوثر؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قَالَ: هو نهر أعطانيه ربي ﷿ في الجنة عليه خير كثير ترد عليه أمتي يَوْمَ القِيَامَةِ، آنيته عدد نجوم السماء، يختلج العبد منهم ... وفي حديث الإسراء المتقدم: نهر عظيم في الجنة، وفي أحاديث أخرى وصفت ماءه بأنه أشد بياضاً من اللبن، وأنه أبرد من الثلج، وأحلى من العسل؛ وأطيب ريحاً من المسك، وكما ورد في الحديث الذي تقدم أيضاً أنه يشخب أي يصب ميزابان من هذا النهر فيكونَّان الحوض. ثم قال المصنف: [وهو في غاية الإتساع عرضه وطوله سواء كل زاوية من زواياه مسيرة شهر] الكلام في طول الحوض وعرضه وسعته قد سبق أيضاً وذكر المصنف هنا أيضاً حديثاً صحيحاً عند البُخَارِيّ عن أنس قَالَ: (إن قدر حوضي كما بين أيلة إلى صنعاء) ، وهذه من أرجح الروايات وأكثرها شهرة، وفي رواية ما بين جرباء وأذرح، وهاتان الروايتان هما الأكثر والأشهر والله أعلم، وفي رواية أخرى ما بين أيلة إلىمكة، وفي رواية بين عدن وفي بعضها عُمان وفي بعضها بصرى.\r\rاختلفت تلك الروايات، فقيل: هو إما بحسب السرعة، أو بحسب الاتساع، أو بحسب اختلاف الصحابة في السماع، أو بحسب اختلاف من بعدهم أيضاً في النقل، وما أشبه ذلك، فمن هذه الروايات نفهم أن الحوض في غاية الاتساع.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689677,"book_id":1659,"shamela_page_id":803,"part":null,"page_num":803,"sequence_num":803,"body":"يقول المصنف: [وفي بعض الأحاديث أنه كلما شرب منه وهو في زيادة واتساع] أي: لا ينقص ذلك منه شيئاً، وهكذا حال الجنة فإن نعيمها لا ينفذ أبداً كحال هذه الدنيا التي ينفد ما فيها من الخير وإن كَانَ كثيراً، أما الجنة فإن أكلها دائم وظلها، لا ينفد شيء من نعيمها ولا ينتهي، وأنه ينبت في حالٍ من المسك -أي ينبت المسك فيه- والرضراض في لغة العرب هي: الحصى الصغيرة، وهي من اللؤلؤ يجري هذا النهر فوقها، [وأنه يثمر ألوان الجواهر، فسبحان الخالق الذي لا يعجزه شيء، ولا تنفد خزائنه، إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يّس:٨٢] .\rثُمَّ قَالَ: [وقد ورد في أحاديث أن لكل نبي حوضاً وأن حوض نبينا مُحَمَّد ﷺ أعظمها وأحلاها وأكثرها] .\rوقد سبق أن ذكرنا أن الاختلاف واقع في الحوض هل هو خاص بالنبي ﷺ، أم ثابت لغيره؟\rسبب الخلاف\rإن سبب الخلاف يرجع إِلَى الخلاف في ثبوت الأحاديث، وإن كَانَ الأظهر -على قاعدة المحدثين- أن الحوض خاص به ﷺ، لأن حديث (إن لكل نبي حوضاً) قال فيهالتِّرْمِذِيّ إن المرسل أصح، أي: أنه ورد مرسلاً صحيحاً، ورفع هذا الحديث لا يصح.\r\rوأيضاً الرواية الأخرى فيها ضعف ذكر هذا الأرنؤوط فقَالَ: أخرجه التِّرْمِذِيّ: في صفة القيامة، باب ما جَاءَ في صفة الحوض من حديث سمرة بن جندب قَالَ: قال رَسُول الله ﷺ: (إن لكل نبي حوضاً وإنهم يتباهون أيهم أكثر وارده، وأني أرجو أن أكون أكثرهم وارداً) يقول: قال التِّرْمِذِيّ ورد مرسلاً والمرسل أصح هذا الذي في التِّرْمِذِيّ، ثُمَّ يقول: (وذكر الهيثمي في المجمع قَالَ: ورواه الطبراني وفيه مروان بن جعفر السُمري وثقهابن أبي حاتم، وقالالأزدي: يتكلمون فيه، وبقية رجاله ثقات) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689678,"book_id":1659,"shamela_page_id":804,"part":null,"page_num":804,"sequence_num":804,"body":"أما الشيخ الألباني فقَالَ: حديث حسن، أخرجه التِّرْمِذِيّ وقَالَ: غريب، ثُمَّ ذكر أنه ورد مرسلاً، وقَالَ: وهو أصح، ورواه الطبراني أيضاً كما في المجمع وقَالَ: (وفيه مروان بن جعفر السمري وثقه ابن أبي حاتم، وقال الأزدي: يتكلمون فيه وبقية رجاله ثقات، ثُمَّ وجدت ما يقوي الحديث فخرجته في الصحيحة ... ) اهـ.\r\rفلا بأس بالأخذ بأحد القولين: قول من يرى بأن هذه الطرق الضعيفة يجبر بعضها بعضاً، فيثبت بها أنَّ لكل نبي حوضاً، وقول من يرى بأن هذه الطرق ضعيفة جميعاً وبأن الاختصاص في قوله تعالى: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر:١] فيه إشعار بأنه ﷺ، فُضل أو خصص بذلك من دون الأَنْبِيَاء.\r\rالترجيح بأن الحوض خاص بالنبي ﷺ\rوإن كنا قد نميل إِلَى القول بأن هذا اختصاص بالنبي ﷺ، لكن لا نحرج عَلَى من يقول: إن الروايات تجبر بعضها بعضاً، وإن للأنبياء أحواضاً بناءاً عَلَى ذلك، فإن هذه من الأمور المحتملة التي لا ينبغي أن تكون مثار النزاع.\r\rاختيار الحافظ ابن حجر\rأما الحافظ ابن حجر ﵀ فكأنه توقف في المسألة، ولم يرجح أو لم يرَ أنها تستدعي أن يقف عندها، والله أعلم.\rقَالَ المُصنِّفُ ﵀: [قال العلامة أبو عبد الله القرطبي ﵀ في التذكرة: واختلف في الميزان والحوض أيهما يكون قبل الآخر، فقيل: الميزان وقيل: الحوض] ثُمَّ انتقل المُصنِّفُ يتحدث عن الميزان، ثُمَّ عقبه بالصراط فقَالَ: [قالأبو الحسن القابسي: والصحيح أن الحوض قبل، قال القرطبي: والمعنى يقتضيه فإن النَّاس يخرجون عطاشاً من قبورهم -كما تقدم فيقدم- قبل الميزان والصراط] هذا كلام القرطبي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689679,"book_id":1659,"shamela_page_id":805,"part":null,"page_num":805,"sequence_num":805,"body":"ويريد أن يقول: إننا إذا نظرنا إِلَى المعنى بالعقل، فإنه يقتضي أن يكون الحوض قبل الميزان وقبل الصراط ووجه ذلك بأن النَّاس يخرجون عطاشاً من قبورهم، فيقتضي ذلك أن يشربوا أولاً ثُمَّ توزن أعمالهم، ثُمَّ بعد ذلك يكون الصراط، إذاً هذا بالنظر العقلي فقط، ولم يأت بدليل ينص عَلَى أن الحوض قبل الصراط وقبل الميزان، وهذا في الحقيقة ليس بالمستند القوي أو الحجة التي يثبت بها مثل هذا.\r\rثُمَّ يقول: [قالأبو حامد الغزالي ﵀ في كتاب كشف علم الآخرة: حكى بعض السلف من أهل التصنيف أن الحوض يورد بعد الصراط، وهو غلط من قائله] هذا البعض الذي قال عنه: إنه بعض السلف هو أبو طالب المكي صاحب كتاب قوت القلوب، فإن غالب كلام أبي حامد الغزالي في الرقاق كما في الإحياء وغيره منقول عنه، وهذا الكتاب قوت القلوب من أوائل الكتب التي صنفت في \"التصوف\" وقوله: قال بعض السلف، وهو ليس من السلف لأنه في القرن الخامس تقريباً، فليس بينه وبين الغزالي كبير فرق.\r\rوقد وافق صاحب القوت عَلَى ذلك، القاضي عياض ﵀ فقَالَ: إن الحوض بعد الصراط، وقوله [وهو غلط من قائله] هذا من كلام الغزالي، فهو يغلط أبا طالب ومن معه، وكذلك وافقه القرطبي فقَالَ: [هو كما قال] أي هو غلط فالقرطبي والغزالي، وكذلك السيوطي يرون أن الحوض قبل الصراط، إذاً أصبح عندنا القاضي عياض وصاحب كتاب قوت القلوب يقولون: الحوض بعد الصراط، ومال إِلَى ذلك أيضاً السيوطي.\r\rأما القرطبي والغزالي فيميلون إِلَى غير ذلك","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689680,"book_id":1659,"shamela_page_id":806,"part":null,"page_num":806,"sequence_num":806,"body":"ثُمَّ قَالَ المُصنِّفُ ﵀: [قالالقرطبي: ولا يَخْطُرْ ببالك أنه في هذه الأرض] يقول: إذا قلنا: إن الحوض هو في أرض المحشر، أو أنه قبل دخول الجنة -وهو كذلك- فهو ليس في هذه الأرض التي نراها اليوم: بل في الأرض المبدلة، والأرض المبدلة هي أرض المحشر كما قال الله تعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَات [إبراهيم:٤٨] فهي أرض مُبدَّلةٌ، ثُمَّ وصفها القرطبي فقَالَ: [أرض بيضاء كالفضة لم يسفك فيها دم، ولم يُظلم عَلَى ظهرها أحد قط تظهر لنزول الجبار ﷻ لفصل القضاء] وهذه الأرض سوف يأتي بإذن الله تَعَالَى التفصيل في حقيقتها عند الحديث عن أهوال يَوْمَ القِيَامَةِ ومنها هذا التغيير.\rيقول المُصنِّفُ ﵀: [فقاتل الله المنكرين لوجود الحوض، وأخلق بهم أن يُحال بينهم وبين وروده يوم العطش الأكبر] نعم، قاتل الله الذين ينكرون الحوض، وإنهم لجديرون أن يحال بينهم وبين وروده، لأنهم أنكروه وهو ثابت صحيح، نسأل الله ﷾ أن يجعلنا وإياكم ممن يرده ويشرب منه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689681,"book_id":1659,"shamela_page_id":807,"part":null,"page_num":807,"sequence_num":807,"body":"شرح العقيدة الطحاوية\rعلم الكلام\rفضيلة الشيخ د. سفر بن عبد الرحمن الحوالي\r\rشهرته\rقَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:\r\r[ومن كلام أبي حامد الغزالي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في كتابه الذي سماهإحياء علوم الدين وهو من أجل كتبه، أو أجلِّها (فإن قلت: فعلم الجدل والكلام مذموم كعلم النجوم أو هو مباح أو مندوب إليه؟ فاعلم أن للناس في هذا غلواً وإسرافاً في أطراف فمن قائل: إنه بدعه وحرام، وإن العبد أن يلقي الله بكل ذنب سوى الشرك خير له من أن يلقاه بالكلام، ومن قائل: إنه فرض، إما عَلَى الكفاية، وإما عَلَى الأعيان، وإنه أفضل الأعمال وأعلى القربات، فإنه تحقيق لعلم التوحيد، ونضال عن دين الله، قَالَ: وإلى التحريم، ذهب الشَّافِعِيّ ومالك وأَحْمد بن حَنْبَل وسفيان وجميع أئمة الحديث من السلف وساق ألفاظاً عن هَؤُلاءِ قَالَ: وقد اتفق أهل الحديث من السلف على هذا، ولا ينحصر ما نقل عنهم من التشديدات فيه، قالوا: ما سكت عنه الصحابة -مع أنهم أعرف بالحقائق وأفصح بترتيب الألفاظ من غيرهم- الإ لما يتولد منه من الشر، ولذلك قال النبي ﷺ: (هلك المتنطعون) أي المتعمقون في البحث والاستقصاء. واحتجوا أيضاً بأن ذلك لو كَانَ من الدين لكان أهم ما يأمر به رَسُول الله ﷺ ويعلِّم طريقه ويثني عَلَى أربابه، ثُمَّ ذكر بقية استدلالهم، ثُمَّ ذكر استدلال الفريق الآخر. إِلَى أن قال فإن قلت: فما المختار عندك؟ فأجاب بالتفصيل، فقَالَ: فيه منفعة، وفيه مضرة: فهو باعتبار منفعته في وقت الانتفاع حلال أو مندوب أو واجب، كما يقتضيه الحال، وهو باعتبار مضرته في وقت الاستضرار ومحله حرام.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689682,"book_id":1659,"shamela_page_id":808,"part":null,"page_num":808,"sequence_num":808,"body":"قَالَ: فأما مضرته فإثارة الشبهات، وتحريك العقائد وإزالتها عن الجزم والتصميم، وذلك مما يحصل بالابتداء، ورجوعها بالدليل مشكوك فيه، ويختلف فيه الأشخاص. فهذا ضرره في اعتقاد الحق، وله ضرر في تأكيد اعتقاد المبتدعة وتثبيتها في صدورهم بحيث تنبعث دواعيهم ويشتد حرصهم عَلَى الإصرار عليه، ولكن هذا الضرر بواسطة التعصب الذي يثور من الجدل، قَالَ: وأما منفعته، فقد يظن أن فائدته كشف الحقائق ومعرفتها عَلَى ما هي عليه وهيهات، فليس في الكلام وفاء بهذا المطلب الشريف، ولعل التخبيط والتضليل فيه أكثر من الكشف والتعريف، قَالَ: وهذا إذا سمعته من محدَّث أو حشوي ربما خطر ببالك أن النَّاس أعداء ما جهلوا، فاسمع هذا ممن خبر الكلام، ثُمَّ قاله بعد حقيقة الخبرة وبعد التغلغل فيه إِلَى منتهى درجة المتكلمين، وجاوز ذلك إِلَى التعمق في علوم أخرى تناسب علم الكلام، وتحقق أن الطريق إِلَى حقائق المعرفة من هذا الوجه مسدود، ولعمري لا ينفك الكلام عن كشف وتعريف وإيضاح لبعض الأمور، ولكن عَلَى الندور) . انتهى ما نقلته عن الغزالي ﵀] اهـ.\rالشرح\rهذا الكلام الذي نقله المصنف، جدير بأن يتأمل كثيراً لأنه منقول عن عَلَمٍ من أعلام الفقه والأصول، والتصوف والكلام، وله شهرة واسعة وكبيرة في أكثر أنحاء العالم الإسلامي، وهو أبو حامد الغزالي، يقول: \"وإذا سمعته من محدث أو حشوي ربما خطر ببالك أن النَّاس أعداء ما جهلوا\" لأن من المعروف أن أهل الحديث وأهل السنة أعداء لعلم الكلام.\r\rتغلغله في علم الكلام\rثُمَّ يقول: [فاسمع هذا ممن خبر الكلام ثُمَّ قاله بعد حقيقة الخبرة، وبعد التغلغل فيه إِلَى منتهى درجة المتكلمين] وهذه حقيقة تنطبق عليه، فالرجل قد خبر هذا العلم، وبلغ منه مبلغاً عظيماً، ووصل فيه إِلَى الرتبة العليا في علم الكلام، والجدل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689683,"book_id":1659,"shamela_page_id":809,"part":null,"page_num":809,"sequence_num":809,"body":"ومع ذلك يقول: اسمع هذا الكلام، وانظر ما أقوله لك عن مضار هذا العلم، وعلى ما فيه من تناقض، لأن من المشكلات العويصة في فكر أبي حامد الغزالي، التناقض والاضطراب، فمن يقرأ في أي كتاب من كتب الغزالي يجد أنه متناقض، فأحياناً يتناقض بعد صفحة أو صفحتين، فضلاً عن الكتاب أو الكتابين، وسبب التناقض سنعرفه عندما نتعرض لحياة أبي حامد الغزالي وكيف عاش؟ فإننا نجد في معرفة حياته أهمية نأخذ منها العبرة، ولو أن كل مسلم، وكل عالم، وكل داعية تأمل في حياة الغزالي، وسيرته، وما تقلب فيه من الأفكار، لأخذ العبرة والعظة، ولبدأ من حيث انتهى. فالرجل ذو العقل الضخم، والفكر الواسع، والمؤلفات الكبيرة، لماذا نجرب نفس التجربة؟ لماذا لا نبدأ من حيث انتهى؟\rأبو حامد الغزالي: رحل من بلاد العجم، من بلاد دوس شرق إيران، ولد سنة ٤٥٠ للهجرة فأول ما برع في الفقه وبلغ فيه منزلة عالية، حيث كَانَ هناك العلماء والفقهاء من الشافعية حتى أصبح فقيها من فقهاء الشافعية يتكلم ويفتي ويعلق وهو لا يزال في مقتبل العمر.\r\rتأثره بمذهب شيخه الجويني في علم الكلام\rلقد دخل عَلَى الغزالي الداء العضال من قبل شيخه الإمام الكبير المشهور أبي المعالي الجويني، وشيخة هذا عَلَى شهرته وإمامته في مذهب الشافعية، وقع في الخطأ الكبير كما قال عن نفسه في الرسالة النظامية: لقد ركبت البحر الخضم، وخضت في الذي نهى عنه علماء الإسلام، وهو علم الكلام، وفي آخر المطاف تمنى أن يموت عَلَى عقيدة عجائزنيسابور، ولا يموت عَلَى علم الكلام والجدل الذي تعلمه وأضاع عمره فيه، فهل اتعظ التلميذ؟ كلا لم يتعظ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689684,"book_id":1659,"shamela_page_id":810,"part":null,"page_num":810,"sequence_num":810,"body":"لقد علَّم أبو المعالي تلميذه الشك؛ لأن علم الكلام كما قال الغزالي: يولد الشك والحيرة، مع أن الغزالي من قوة ذكائه، وبراعته في العلم كَانَ يفتي الناس، وأصبح طلاب العلم يتوافدون، ويتزاحمون عَلَى منبره وعلى بابه، ومع ذلك كَانَ الشك في قلبه، والنَّاس يسمعونه يفتي في الفقه وفي الأحكام من الخارج ولا يدرون بحقيقة هذا الشك، فالغزالي احتار وقَالَ: أين نجد اليقين الذي لا يعدله شيء في الدنيا؟ فليحمد الإِنسَان الله ﷿ إذا وفق لليقين وللإيمان، وللاعتقاد الصحيح.\r\rأما أهل الحيرة والشك، فلا يشبعهم في هذه الدنيا أي متاع أبداً، مادام عنده شك في دينه، مثل الفلاسفة، واليهود والنَّصَارَى والشيوعيين وأمثالهم يفكرون ليلاً ونهاراً في هذه المجرات يُقَالَ: إنها بالملايين وأعمارها بالملايين: ما الهدف منها؟ أشياء كثيرة محيرة لا حل ولا علاج لها إلا باليقين وبالإيمان الذي يأتي نتيجة قراءة كتاب الله وسنة رَسُول الله ﷺ.\rفهذا أبو حامد وُلد عَلَى الفطرة، ولكن علم الكلام أفسده عن طريق الشيخ الإمام أبي المعالي فهذا الشك جعلأبو حامد يقول: -كما ذكر عن نفسه في كتابه المنقذ من الضلال -: فكرت وفكرت فقلت: إن الحق لا يخرج عن أربعة أصناف - المتكلمون: أهل علم الكلام لعل الحق عندهم، واليقين يُستفاد عن طريقهم، ثُمَّ الباطنية، وهَؤُلاءِ قد سبق أن تحدثنا عنهم حيث يقولون: إنهم تلقوا العلم والهدى عن طريق الإمام المعصوم، وأهل الكلام يقولون: اليقين يتلقى عن طريق العقل والبحث، ثُمَّ الفلاسفة: قالأبو حامد: لو دخلت في الفلسفة ربما اهتديت ووجدت اليقين، ثُمَّ الصوفية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689685,"book_id":1659,"shamela_page_id":811,"part":null,"page_num":811,"sequence_num":811,"body":"أما علماء الإسلام منأهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ فلم يأتِ بهم؛ لأنه تعلم من علم الكلام: أن إيمان العوام، وإيمان النَّاس بالدين، وبالأدلة السمعية، مجرد تقليد والعياذ بالله، قالوا: هذا اليهودي يأخذ اليهودية عن أبيه عن جده، والمسلم يأخذها عن أبيه عن جده، فأغفلوه عن الحق ونسي أن في هذا الدين اليقين، وأنه دين الفطرة، وأن النبي ﷺ جَاءَ بالهدى التام، وبالحق الكامل، الذي يغني عما عند المتكلمين والباطنية والفلاسفة والصوفية، لكن هذه هي بداية الانحراف، وبداية الزلل، فقد كانت هذه الأشياء كلها تتفاعل في نفس الغزالي\rومع ذلك هو يعلم ويفتى النَّاس ويتحدث إليهم، وهؤلا النَّاس لا يدرون، فأقبل عَلَى كتب المتكلمين، فأخذ منه ونهل كما قَالَ: حتى بلغ فيه درجة عليا، وأخيراً لم يجد فيه اليقين، لأنها نفسية حساسة شفافة، وفي منتهى الذكاء والفهم، وجد فيه تناقضاً واضطراباً فرفضه، بعد أن ألف فيه كتباً وقَالَ: إنه علم عظيم.\r\rودخل في الباطنية، ولم يجد عندهم إلا الشر والشؤم والكفر والضلال المحض، فرفضهم ورفض ما هم عليه، ثُمَّ دخل في الفلسفة مع أنه رد عَلَى الفلاسفة في كتاب سماه تهافت الفلاسفة وهو من أكبر الردود عليهم، وكفَّرهم، لكنه دخل وتعمق فيهم، وأخيراً قال: لم أجد اليقين.\r\rودخل في الصوفية أخيراً، ولما كتب كتابه المنقذ من الضلال الذي هو في نظره التصوف يقول فيه: الآن وجدت الحق وعرفت الطريق، وأن الهدى واليقين لا يُتلقى لا عن طريق العقل كما يقول علماء الكلام، ولا عن طريق الإمام المعصوم كما تقول الباطنية، ولا عن طريق الفلسفة، وإنما يتلقى اليقين عن طريق الكشف والذوق والوجد وهذا هو مصدر الحق واليقين، ثُمَّ بعد أن تعمق في التصوف كتب: إحياء علوم الدين وهو أجل وأكبر كتب أبي حامد الغزالي في هذه الفترة التي رأى أنه لا بد أن ينتقل فيها إِلَى التصوف.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689686,"book_id":1659,"shamela_page_id":812,"part":null,"page_num":812,"sequence_num":812,"body":"التصوف الذي دخل عَلَى الإمام أبي حامد الغزالي أتاه من مدخل يأتي إِلَى كثير من النَّاس في زمانه وفي كل زمان دائماً وهو من باب ترك الدنيا، والانعتاق منها، والتجرد والخروج عنها، وكذلك تضخيم حقارة الإِنسَان، وإزدراء عمله، وأنه غير مقبول، وأنه مرذول عند الله، وأن الله لا يتقبل منه، وأن صلاته، وأعماله لا تساوي شيئاً، فضخموا هذا بشكل كبير حتى حالهم، كما قال شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ كمن بنى قصراً ولكنه هدم مصرا، فيؤدي بهم إِلَى إحباط شديد لدى الإِنسَان وعدم ثقته لا بالدين ولا بالعمل، وقد يؤدي بهم -والعياذ بالله- إِلَى الضياع والضلال، حتى أصبحوا يشربون الخمر ويعربدون ويسكرون، ويستعملون الحشيش -والصوفية أول من اكتشف الحشيش، ولهذا يسمونها: حشيشة الفقراء، والفقراء معناها: الصوفية، كانوا يسمون أنفسهم وما يزالون الفقراء- والشاهد: أنهم كانوا يريدون الهروب من الواقع، كما فعل الحارث المحاسبي وغيره، من التيئيس والتنفير من الدنيا.\rيقول الغزالي أنه لما عرف طريق التصوف بدأ يتهم نفسه، قَالَ: أنا في مدرسة عظيمة -النظامية- وهي مدرسة كبيرة أشهر مدرسة في الدنيا، وفي بغداد عاصمة الدنيا جميعاً، وكان يأتي إِلَى حلقته أربعمائة عمامة، أي: أربعمائة من العلماء يجلسون في حلقته، يقول: إذا عرفت أن هذا هو الطريق الصحيح، واحتقرت عملي، وعرفت أني كنت فيه مرائي كما يقول عن نفسه: وجدت أن أعمالي الماضية في العلم كلها رياء، ولما وجدت أن هذه الأعمال كلها فيها رياء قررت أن أنسلخ، فتحايل بحيلة، وقَالَ: أريد أن أحج حتى يسمح له الوزير بالخروج: فاحتال أنه يريد أن يحج فخرج من بغداد ولم يرجع، قَالَ: وقررت أن لا أعود إليها أبداً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689687,"book_id":1659,"shamela_page_id":813,"part":null,"page_num":813,"sequence_num":813,"body":"وخرج إِلَى بلاد الشام وقرر أن يعتكف ويعيش هناك في عزلة بعيدة عن كل الناس، تلميذه أبو بكر ابن العربي الإمام المحدث المعروف، يبحث عنه وتلميذه هذا هو صاحب العبارة التي يقول فيها عن شيخه أبي حامد: (دخل في الفلسفة فلم يستطع أن يخرج منها) وقَالَ: (كنت أمشي في البرية، في صحراء دمشق، وإذا بشيخي أبي حامد يمشي ومعه عكازه وهو لابس لباساً مرقعاً، ومعه ركوة فيها ماء وهو يمشي في البر، قَالَ: فتعجبت قلت: يا شيخ ألم يكن تدريسك في بغداد ومقامك فيها خير لك من هذه الحال؟ كيف تركت الحلقة الكبيرة والنَّاس والخليفة والوزراء يحترمونك ويقدرونك، وينفع الله بك هناك، أما الآن ماذا تصنع؟ فأجاب أبو حامد عَلَى طريقة الصوفية، قال له شيخة: لما طلع قمر السعادة في فلك الإرادة، وجنحت شمس الوصول إِلَى عالم الأصول، وأخذ بعد ذلك يقول أبياتاً:\rتركت هوى ليلى وسعدى بمعزل وعدت إِلَى تصحيح أول منزل\rأي يقول: نبدأ من الآن بعمل خالص لله، ونترك تلك الدنيا بكل ما فيها.\r\rونادت بي الأشواق مهلاً فهذه منازل من تهوى رويدك فانزل\rغزلت لهم غزلاً دقيقاً فلم أجد لغزلي نساجاً فكسرت مغزلي\rيقول في البيت الأخير لما كنت في بغداد، كنت أعطيهم علوماً دقيقة، والعلم الذي أريد أن أقوله لن يستوعبوه، ولن يفهموه، هذا علم -كما يقول في بعض كتبه-: المظنون به عَلَى غير أهله، هذا علم توحيد التوحيد، وخاصة الخاصة، لذا قَالَ: فكسرت مغزلي، أي: ترك المدرسة النظامية، وترك العلم وأخذ يحمل هذه الركوة، فالتناقض في هذه الأبيات واضح، لأنه إذا كَانَ يعلم أنها لغير الله، ويريد أن يصحح أول منزل، ويمشي الطريق من أوله، فكيف يقول في البيت الثالث: السبب أني لم أجد أحداً يستوعب العلم الذي أريد أن أقوله، وإنما وجدت أناساً لا يستحقونه فهناك تناقض لأنه لو كَانَ الغرض هو: التنفير من الدنيا، أو طلب الآخرة لصحح أول منزل وهو هناك، وقد يجد من يستمع إليه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689688,"book_id":1659,"shamela_page_id":814,"part":null,"page_num":814,"sequence_num":814,"body":"فالمقصود أن الرجل قال لتلميذه هذه الأبيات وذهب في الخلاء، وترك الماضي ولا يريد أن يعود إليه، ولما كتب المنقذ من الضلال، ذكر كل فرقة من هذه الفرق وما وجد عندها من الاضطراب، فَقَالَ عن علماء الكلام: لم أجد عندهم إلا الحيرة، والشك، والتناقض، وليس عندهم يقين أبداً، فتركتهم وانتقلت إِلَى الباطنية، فوجدتهم يتلقون عن هذا الإمام المعصوم كما يزعمون وفي نفس الوقت قتل الباطنية الوزير نظام الملك صاحب المدرسة واغتالوا الخليفة المقتدي، قَالَ: فطلب منه الخليفة المستظهر أن يؤلف كتاباً ضدهم، فكتب كتاباً سماه فضائح الباطنية أو المستظهِري نسبة إِلَى الخليفة - في الرد عَلَى الباطنية، ورد عَلَى الفلاسفة لأنه وجد أنها لا تصلح، ثُمَّ قبل في آخر الأمر التصوف ولما وصل إِلَى هناك واعتزل الناس، بدأ يكتب الإحياء، وهو أعظم كتبه، واهتم في كتابه الإحياء بالكلام عن الدنيا والتنفير منها والتحذير من علماء السوء، لأنه جرب أنه كَانَ عالم سوء، وكان يفتي النَّاس بهذا العدد الضخم، ولا يوجد عنده يقين.\rولم يتعرضالغزالي في كتابه الإحياء للجهاد نهائياً، وإنما أتى بكل الأبواب -الزكاة والصلاة، والمعاملات، والأخلاق، إلا الجهاد لم يأتِ به أبداً، ولم يتعرض له؛ لأن الإِنسَان إذا دخل في الصوفية وتعمق فيها لا يفكر في الجهاد أبداً.\rالجهاد عند الصوفية","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689689,"book_id":1659,"shamela_page_id":815,"part":null,"page_num":815,"sequence_num":815,"body":"والجهاد عند الصوفية هو: مجاهدة النفس، ولو كانوا حقاً يجاهدون النفس لجاهدوا ولتكلموا عن الجهاد، ولأمروا بالمعروف، ولنهوا عن المنكر؛ لأن النفس لن تصل أبداً في أي مرحلة من مراحل العمر إِلَى اليقين الكامل الذي يزعمونه، إنما بمجاهدتها بالصلاة وبقراءة القرآن، وبالأمر بالمعروف، وبقتال الكفا ممكن أن تتقوى لتصل؛ لكن يريدونها أن تصل أولاً! فيموتون ولم تصل؛ هذا هو واقع النفس جعلها الله تَعَالَى متقلبة مترددة، وليست كأي علم من أنواع العلوم يتعلمه الإِنسَان حتى يبلغ النهاية ويثبت.. لا. فهذه يمكن أن ترتفع وتنخفض عَلَى حسب نسبة الإيمان.\r\rفالشاهد أن الغزالي كتب عن هذه المعاني جميعاً.\r\rبعض تناقضات الغزالي\rولما كتب في كتاب الإحياء عن العقيدة، كتب عن التوحيد وعقد له باباً أسماه قواعد العقائد، ضمن كتاب الإحياء، وهذا الكلام المنقول هنا هو منه، ولهذا نرى التناقض والاضطراب في حياة الغزالي وفي كلامه، فإذا كنت قد رفضت علم الكلام، وهو أول ما بدأت به، ووصلت إِلَى الاقتناع.\rفلماذا ترجع في الإحياء إِلَى علم الكلام، لأنه بدأ الكلام بالذم لعلم الكلام وبعد، صفحتين بدأ يقول: إن علم الكلام يدفع الشبهات، وينفع في تثبيت العقيدة، وينفع في الرد عَلَى الملحدين، فهذا تناقض كيف يكون هذا الكلام؟ وأبو حامد لما كَانَ فيبيت المقدس يتعبد، جاءت الحروب الصليبية وسمع بمقدمها وعاد مرة ثانية إِلَى بلاد المشرق، وهنالك قبيل آخر أيام حياته ألف كتاباً اسماه إلجام العوام عن علم الكلام بدأ من جديد يرد، ويرفض علم الكلام ويقول: إنه علم كله شر وكله فساد، وكله لا خير فيه، وفي تلك الفترة التي رفض فيها علم الكلام يظهر أنه اقتنع أن التصوف لا خير فيه، ولهذا فإنه أخذ يقرأ في كتب السنة، حتى ذكروا أنه مات وصحيح البُخَارِيّ على صدره، وهذه الأبيات التي قالها عندما لقي أبا بكر ابن العربي تنطبق عَلَى آخر مرحلة من حياته.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689690,"book_id":1659,"shamela_page_id":816,"part":null,"page_num":816,"sequence_num":816,"body":"تركت هوى ليلى وسعدى بمعزل وعدت إِلَى تصحيح أول منزل.\rوالأصل أن الغزالي لما بدأ من صحيح البُخَارِيّ، هنا يكون أول منزل؛ لأن الكتاب والسنة هي: المنزل الأول الذي يجب أن ينطلق منه الإِنسَان، ويبدأ منه الطريق، ويترك ما عداها، ويترك الهوى الآخر، والكلام والباطنية، والفلسفة والتصوف وتوفي ﵀ سنة خمسمائة وخمس.\rوهذه كانت آخر مرحلة في حياته، والغربيين لم يكتبوا عن أحد من علماء الإسلام مثل ما كتبوا عن أبي حامد الغزالي، ألفوا عنه وكتبوا، وإلى الآن تحضر رسائل ماجستير ودكتوراه عن الغزالي، وذلك لأن الغزالي تأثر به رجل غربي مفكر مشهور، وهو ديكارت حيث يعتبرديكارت من دعائم وأسس النهضة العقلية والفكرية فيأوروبا.\r\rلقد قرأ ديكارت كلام الغزالي في مرحلة الشك -لما شك في كل شيء- يقول: أشك في العلم التقليدي، أي: الدين -الكتاب والسنة- أي أنه: أول ما بدأ يشك -والعياذ بالله- في هذا الدين.\rيقول: هذا تقليد لما شك فيه الغزالي. يقول: الشك يُوصل إِلَى النظر، والنظر يوصل إِلَى اليقين، أولاً تشك ثُمَّ تتأمل ثُمَّ تفكر ثُمَّ تنظر، وتصل إِلَى اليقين بعد ذلك -هكذا كَانَ يظن ولم يصل- ثُمَّ تنقل في هذه المذاهب الأربعة الفكرية وأخيراً رجع إِلَى أول منزل، وهو إِلَى الكتاب والسنة، وديكارت، أخذ هذا الشك وقَالَ: كانت أوروبا تعيش فعلاً في ظلام دامس وكان هذا الظلام نتيجة التقليد، وكان البابوات ورجال الدين يفرضون أي شيء، ويؤمنون بالأناجيل عَلَى ما فيها من تناقض، وبكتب ورسائل بولس وأمثاله عَلَى ما فيها من كذب وتناقض واضطراب، فكان الإِنسَان الغربي يؤمن بأي شيء إيماناً وتقليداً أعمى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689691,"book_id":1659,"shamela_page_id":817,"part":null,"page_num":817,"sequence_num":817,"body":"فلما جَاءَ ديكارت قَالَ: لا بد أن نشك، ومن الشك ننطلق إِلَى النظر، ومن النظر نصل إِلَى اليقين، لكن هناك فرقاً بين من يشك في الإسلام لأنه يشك في الحق، وبين من يشك في النصرانية لأنه يشك في الباطل، فلما شك ديكارت وقال العبارة المشهورة: \"أنا أفكر إذاً أنا موجود\" شك في كل شيء حتى في نفسه، فبدأ يقول: ما الدليل عَلَى أنني موجود؟ قَالَ: لأني أفكر هل أنا موجود أو غير موجود، وما دمت أفكر هل أنا موجود أو غير موجود إذاً: أنا موجود، وبدأ من أول الطريق، ومن أول منزل كما قال الغزالي.\r\rفأخذت أوروبا واستفادت منديكارت أنها تشك في كل ما جاءها عن الكنيسة ورجال الدين والأناجيل المحرفة، ولما شكت أوروبا ونظرت، وجدت أنها فعلاً كانت تعتقد الضلال، فبذلك انتقلت من العلم التقليدي، ومن منطق أرسطو، ومن علم الدين والضلال الذي كانت عليه إِلَى العلم التجريبي. والعلم التجريبي: الحق فيه واضح لأن العلم الغيبي لا يظهر الحق فيه إلا في الدار الآخرة، فأوروبا بدأت تسلك هذا الطريق، فتجربة وراء تجربة وتقدمت في المجال الصناعي نتيجة أخذ هذا العلم عن طريق الْمُسْلِمِينَ وقضايا أخرى.\rديكرت والنهضة الأوروبية\rيُعَّدُديكارت من دعائم عصر النهضة الأوروبية، فالغربيون أعجبوا بهذا للسبب المتقدم، ولسبب آخر هو: أن الغزالي إمام كبير من أئمة الإسلام وشك في دينه الإسلام، وسمى الوحي بالعلم التقليدي، وهذا هو الذي يريدونه، فكل طالب ابتعث إِلَى أوروبا، وخاصة في جامعة الصوربون في فرنسا وهي مهتمة كثيراً بالغزالي وعلومه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689692,"book_id":1659,"shamela_page_id":818,"part":null,"page_num":818,"sequence_num":818,"body":"فإذا جَاءَ أحد قالوا: تعال ابدأ فقدوتك الإمام الغزالي، ابدأ فشك في كل شيء ثُمَّ في القُرْآن والسنة ثُمَّ في نبوة مُحَمَّد ﷺ والعياذ بالله، وبعد ذلك انظر وابحث واجتهد حتى تصل إِلَى اليقين، ولهذا نجد كثيراً من المتصوفين الكبار، تخرجوا من الصربون، وما يزالون يتخرجون وعلى منهج الغزالي يسيرون، فهم أخذوا العبرة الخطأ والضلال.\rونحن لم نأخذ العبرة وهي أن الإِنسَان يبدأ من حيث انتهى إليه الغزالي، نبدأ بالكتاب والسنة، لماذا نجرب ونجرب؟!\r\rالغزالي رجل غير تقليدي هذا صحيح، لكنه جعل الدين من التقليد، لكنَّ كونه تنقل في هذه الأربعة دليل عَلَى أنه غير تقليدي، ولو كَانَ تقليدياً لتمسك بواحدة من هذه المراحل التي مر عليها وبقي عليها، ولربما كَانَ بقي عَلَى الأصل الإيمان، وهو الدين والإسلام، لكنه شك ثُمَّ شك في أول الأمر، فهو ولد عَلَى الفطرة كما قال النبي ﷺ: (كل مولود يولد عَلَى الفطرة) وفي آخر الأمر يموت والفطرة عَلَى صدره وهي هذا الدين، فلف لفةً طويلة حتى رجع، لماذا لا يبدأ الطريق من أوله؟! فالدعاة والمربون والموجهون والعلماء، الذين يأتون بالمناهج الشرقية أو الغربية المنحرفة، أو البدع الضالة من صوفية أوعلم كلام أو فلسفات أو نظريات، لماذا لا يأخذون العبرة ويبدأون جميعاً من حيث انتهى أبو حامد، وتكون البداية بأول منزل وهو كتاب الله وسنة رَسُول الله ﷺ، هذه العبرة التي يجب أن نأخذها جميعاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689693,"book_id":1659,"shamela_page_id":819,"part":null,"page_num":819,"sequence_num":819,"body":"يقولأبو حامد: فإن قلت فعلم الجدل والكلام مذموم كعلم النجوم أو هو مباح أو مندوب إليه، فاعلم أن للناس في هذا غلواً وإسرافاً في أطراف، فمن قائل: إنه بدعة حرام وأن العبد أن يلقى الله بكل ذنب سوى الشرك خير له من أن يلقاه بالكلام -فنفهم أن هذا إفراط وإسراف- ومن قائلٍ إنه فرض إما عَلَى الكفاية، وإما عَلَى الأعيان، وإنه أفضل الأعمال، وأعلى القربات فإنه تحقيق لعلم التوحيد ونضال عن دين الله، فهناك إفراط عند من قَالَ: حرام وعند من قَالَ: واجب، وإلى التحريم ذهب الشَّافِعِيّ ومالك وأَحْمد بن حَنْبَل وسفيان وجميع أئمة الحديث من السلف سُبْحانَ اللَّه! جعل هَؤُلاءِ الأئمة مفرطين ومنهم الإمامالشَّافِعِيّ.\rوالغزالي شافعي وهو من أكبر أئمة الشافعية ويكتب دائماً الشافعي في اسمه، وله كتاب المنخول في أصول الفقه عَلَى طريقة الشافعية، وكتبه في مذهب الشَّافِعِيّ معروفة.\rفكيف تجعل الذي تقلده وتنتمي وتنتسب إليه في مقابل طرف غلو وتجعل علماء الكلام المذمومين، المرذولين في طرف غلو آخر، فكيف هذا التناقض؟ وسبق أن قلنا إن من أسباب هذا التناقض: أن الرجل مر بعدة أطوار فأصبحت عقليته مضطربة مختلطة، مع قوة الحافظة والذكاء، وغزارة الفهم، يفهم الكل، ومع فهم الكل بلا منهج ولا معيار يقيس ما حفظ وما علم وما فهم صار يكتب كلاماً وينقضه فيما بعده، ثُمَّ نقل عن هَؤُلاءِ، ألفاظاً كثيرة منها:\rكلمة الإمام الشَّافِعِيّ ﵀ التي قالها: (لأن يلقى العبد الله تَعَالَى بكل ذنب ما خلا الشرك خير له من أن يلقاه بعلم الكلام) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689694,"book_id":1659,"shamela_page_id":820,"part":null,"page_num":820,"sequence_num":820,"body":"وكلمة مالك لما قَالَ: (لا تقبل شهادة أهل الأهواء) ، وفسرها ابن خويز منداد فقَالَ: (إن مالكاً يعني بأهل الأهواء: أهل الكلام أشعرياً كَانَ أو غير أشعري) ، فإن علماء الكلام هم أهل الأهواء وكلام سفيان وكلام الإمام أَحْمَد وجميع أئمة الحديث من السلف والنقول عنهم معلومة، قَالَ: [وقد اتفق أهل الحديث من السلف على هذا، أي: عَلَى ذم علم الكلام، ولا ينحصر ما نقل عنهم من التشديدات فيه، وَقَالُوا: ما سكت عنه الصحابه -مع أنهم أعرف بالحقائق، وأفصح بترتيب الألفاظ- إلا لما يتولد منه من الشر] وهذا حق لأن أي علم من العلوم لو كَانَ خيراً، فالصحابة أسبق النَّاس إليه، ولن يأتي بعدهم من يسبقهم إِلَى خير أبداً.\rيقول: [وكذلك قال ﷺ: (هلك المتنطعون) أي: المتعمقون في البحث والاستقصاء] .\r\r[واحتجوا أيضاً بأن ذلك لو كَانَ من الدين لكان أهم ما يأمر به الرَّسُول ﷺ ويعلم طريقه ويثني عَلَى أربابه] لأنه إذا كَانَ لا يمكن أن نصل إِلَى اليقين، إلا بعلم الكلام، لكان أول علم يعلمه النبي ﷺ الأمة هو هذا العلم لأنه جَاءَ ليعلمهم اليقين، ويذهب عنهم الشك والضلال: وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ [البقرة:١٩٨] فجاء يعلمنا الكتاب والحكمة ويزكينا، ويبعدنا عن طريق الضلال، فلو كَانَ الذي يزيل وينقذ من الضلال هو علم الكلام؛ لكان هو أول علم يعلمه النبي ﷺ الصحابة هو علم الكلام، ونقول أيضاً للغزالي: لو كَانَ المنقذ من الضلال هو التصوف لكان أول علم يعلمه النبي ﷺ الأمة لينقذهم به من الضلال، ثُمَّ ذكر بقية استدلالهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689695,"book_id":1659,"shamela_page_id":821,"part":null,"page_num":821,"sequence_num":821,"body":"وذكر استدلال الفريق الآخر، حيث يقولون: فيه دفاع عن الدين، ومناظرة الملحدين، وقمع للشبهات، هكذا ذكر ذلك وهي موجودة في الجزء الأول من الإحياء كما قلنا قواعد العقائد.\rقَالَ: [فإن قلت: فما المختار عندك؟] بعد أن ذكر أن السلف جميعاً مجمعون عَلَى شيء، وأن أهل الكلام خالفوهم؛ فأجاب بالتفصيل فقَالَ: فيه منفعة، وفيه مضرة؛ لأن السلف ذموه بإطلاق قالوا: لا نفع فيه ولا خير فيه وذكر أنهم مجمعون عَلَى ذلك، فلماذا تخالف إجماع السلف؟\rفهو كما يقول: تركت التقليد وأخذت انتهج سبيل النظر حتى أصل إِلَى اليقين؛ كأنه يعتذر من اتباع السلف؛ لأنه من باب التقليد، وترك كلام السلف وإجماعهم، ويقول: فيه منفعة، وفيه مضرة، فهو في وقت الانتفاع حلال أو مندوب أو واجب كما يقتضيه الحال، وهو باعتبار مضرته في وقت الاستضرار ومحله حرام، قَالَ: فأما مضرته فإثارة الشبهات فهذا ضرر، وهذا يكفي وتحريك العقائد، وإزالتها عن الجزم والتصميم وذلك مما يحصل بالابتداء، وأي إنسان يتعمق في الجدل وعلم الكلام فإنه تحصل عنده الزعزعة، ورجوعها في الدليل مشكوك فيه..... إلخ، وهذا ينطبق عليه ﵀.\r\rأهذا لديه اتباع للنبي ﷺ وللسلف الصالح؟ فلو أنالغزالي قَالَ: نَحْنُ مع هَؤُلاءِ السلف، لأراح نفسه واتخذ موقفاً واضحاً، لكنه قَالَ: فيه تفصيل وقد يكون واجباً، ثُمَّ يقول كلاماً يوجهه إِلَى كل باحث، وإلى كل مطلع، وإلى كل قارئ من أي اتجاه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689696,"book_id":1659,"shamela_page_id":822,"part":null,"page_num":822,"sequence_num":822,"body":"قَالَ: [وهذا] أي: إن كلامي هذا عندما قلت: إنه ضار [إذا سمعته من محدث، أو حشوي] والحشوية: هم الذين ليس عندهم حشو الكلام وهم ينبزون علماء الحديث بهذا [ربما خطر ببالك أن النَّاس أعداء ما جهلوا] أي: هَؤُلاءِ علماء حديث ما عندهم إلا قال الله وقال رَسُول الله ﷺ وعن فلان عن فلان، فلان ضعيف، وفلان ثقة، ما عندهم شيء،..فلذلك لا تستغرب أنه يَذُّم علم الكلام، ويذم علم الفلسفة.\r\rقَالَ: [فاسمع هذا ممن خبر الكلام ثُمَّ قاله بعد حقيقة الخبرة، وبعد التغلغل فيه، إِلَى منتهى درجة المتكلمين] كَانَ يقول: فَخُذْ عني فأنا متأكد، وقد خبرت كل هذا، فقد بلغت إِلَى منتهى درجة المتكلمين، إذاً: وصل إِلَى منتهى درجة المتكلمين [وجاوز ذلك إِلَى التعمق في علوم أخرى تناسب علم الكلام] يقول: أنا كذلك الآن جاوزت إِلَى التعمق في علوم أخرى، في الباطنية، وفي الفلسفة، وفي التصوف، فتعمق حتى قال كما في المنقذ من الضلال: \"وجدت علم الكلام علماً وافياً بمقصوده غير وافٍ بمقصودي\" أي أن هذا العلم في ذاته عَلَى قدر أهله يكفي؛ لكنه بالنسبة لرغبتي غير كافٍ لها لأنه يقول: أنا أريد اليقين وأبحث عنه، لكن مقصود هذا العلم الجدال والنزاع وإثارة القضايا والإستنباطات؛ لأنه علم كامل، يغرق فيه الإِنسَان، فوجدته كافياً بمقصوده غيركافٍ بمقصودي، ثُمَّ يقول: \"وجاوز ذلك إِلَى التعمق في علوم أخرى تناسب علم الكلام: وتحقق أن الطريق إِلَى حقائق المعرفة من هذا الوجه مسدود \" يقول: أنا تحققت أن الطريق ومعرفة الحق عن طريق علم الكلام مسدودة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689697,"book_id":1659,"shamela_page_id":823,"part":null,"page_num":823,"sequence_num":823,"body":"ثُمَّ يقول أخيراً: [ولعمري لا ينفك الكلام عن كشف وتعريف وإيضاح لبعض الأمور ولكن عَلَى الندور] فبعض النَّاس يفك الحجاب الذي كتبه المشعوذ ويجد أن آية الكرسي وقل هو الله أحد -اسم الله الأعظم فيه- فيقول الْحَمْدُ لِلَّهِ وتطمئن نفسه، ولا ينظر إِلَى تلك الطلاسم من فوق ومن تحت وجميع الأطراف، وهكذا كل العلوم لا بد أن تأتي بشيء من الحق لتعمي عَلَى الناس، والبريء منهم والساذج أو المغفل عندما يرى هذا الشيء من الحق ينسى تلك الطلاسم وتلك الحواشي، فهو مثل علم النجوم، كما قال النبي ﷺ: إن الجني يتلقى الكلمة فيلقيها إِلَى وليه قبل أن يدركه الشهاب، فيحفظها الولي من الإنس، فيضع معها تسعة وتسعين كذبة، والنَّاس دائماً يتعلقون بذكر الواحدة، وينسون التسعة والتسعين فهذه طريقة الشيطان، وهذا تلبيسه، فعلم الكلام في هذا مثل خبر الكاهن، صدقه واحدة ولكن معها تسعة وتسعون كذبه، هذه هي غاية ما في علم الكلام.\r\rهدم الدين وإفساده\rقَالَ المُصْنِّفُ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-:\r[وكلام مثله في ذلك حجة بالغة والسلف لم يكرهوه لمجرد كونه اصطلاحاً جديداً عَلَى معان صحيحة، كالاصطلاح عَلَى ألفاظ لعلوم صحيحة، ولا كرهوا أيضاً الدلالة عَلَى الحق والمحاجة لأهل الباطل، بل كرهوه لاشتماله عَلَى أمور كاذبة مخالفة للحق، ومن ذلك: مخالفتها للكتاب والسنة وما فيه من علوم صحيحة، فقد وعّروا الطريق إِلَى تحصيلها وأطالوا الكلام في إثباتها مع قلة نفعها، فهي لحم جمل غث عَلَى رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقى، وأحسن ما عندهم فهو في القُرْآن أصح تقريرا، وأحسن تفسيرا، فليس عندهم إلا التكلف والتطويل والتعقيد كما قيل:\rلولا التنافس في الدنيا لما وضعت كُتْبُ التناظر لا المغني ولا العمد\rيحللون بزعمٍ منهمُ عقدا وبالذي وضعوه زادت العقد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689698,"book_id":1659,"shamela_page_id":824,"part":null,"page_num":824,"sequence_num":824,"body":"فهم يزعمون أنهم يدفعون بالذي وضعوه الشبهه والشكوك والفاضل الذكي يعلم أن الشبهه والشكوك زادت بذلك] اهـ. .\r\rالشرح:\r\rلقد دخل أهل الكلام في هذا الدين كما دخل المنافقون من قبل وأخذوا يهدمون ويفسدون في هذا الدين، فمما أفسدوا في هذا الدين قولهم: إن القُرْآن غير معجز وأنه بإمكان أي إنسان أن يأتي بمثل هذا القُرْآن إلا أن الله صرفهم عنه، وقد سبق هذا مبحث الكلام عَلَى القُرْآن والخلق وقولهم كما قال النظام: إن الخبر لا يقبل إلا إذا رواه جمع عن جمع، وأنكروا خبر الآحاد، يريدون بذلك هدم السنة؛ لأننا إذا اشترطنا في أي حديث أن يرويه جمع عن جمع، وهذا الجمع اختلفوا في تحديده، حتى قيل عن بعضهم: لا بد أن يكون سبعين عن سبعين، ولا يوجد عندنا إلا النادر وقليل جداً الذي يمكن أن يرويه هذا العدد جيل عن جيل إِلَى جيل.\r\rالهدف من وضع مصطلحات جديدة لعلم التوحيد\rهناك أناس يهدفون إِلَى إبطال دلالة الكتاب والسنة، وهَؤُلاءِ لا يمكن وصف غرضهم بأنه وضع اصطلاحات جديدة لعلم التوحيد بحجة تفهيمه للأمة لتسير عليه، وإذا نظرنا إِلَى واقع السلف الذين أنكروا عَلَى أهل هذا العلم نجدهم لا ينكرون أي اصطلاحات في أي علم من العلوم، مادام ليس فيها بدعة وضلال.\rوكذلك إذا نظرنا إِلَى حال من أنكر عليهم السلفُ من أمثال بشر ومن جَاءَ بعده من أصحاب الكلام كعبد الجبار لم ينكر عليهم لوضع اصطلاحات جديدة إلا لأنها تهدف إِلَى إبطال دلالة النصوص الشرعية، وألفت الكتب المعروفة في كتب العقيدة التي تضع أبواباً في ذم علم الكلام لما ظهر أئمة البدع.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689699,"book_id":1659,"shamela_page_id":825,"part":null,"page_num":825,"sequence_num":825,"body":"سبق أنه لم يكن أحد من علماء السلف ينتقد هَؤُلاءِ لمجرد أن هناك اصطلاحات جديدة، وأيضاً إذا نظرنا إِلَى حال الذين وضعوا علم الكلام لا نجدهم من علماء الإسلام الذين اشتغلوا واهتموا به ولكنهم وضعوا اصطلاحات جديدة لهذا العلم كما وضع الفقهاء اصطلاحات فقهية وكما وضع النحاة والمفسرون وسائر العلماء لسائر العلوم، فالسلف إذاً: لم يكرهوا الدلالة والاستدلال عَلَى الحق والمناظرة.\rتكفير الإمام الشافعي لأحد أعلام المعتزلة\rإن الإمام الشَّافِعِيّ ﵀ ناظر حفصاً الفرد أحد المعتزلة وقال كفرت -بالله العظيم عَلَى هذا الاعتقاد وناظر غيرهم من أهل البدع.\rوالمعتزلة لا يخفى عَلَى أحد من الْمُسْلِمِينَ أنهم خارجون عن الطريق المستقيم وعن السنة والجماعة.\r\rهل الأشاعرة على طريق أبي الحسن الأشعري أم لا؟\rلكن الذين اشتغلوا بعلم الكلام ممن ينتسبون إِلَى أبي الحسن الأشعري يقولون: نَحْنُ علماء كلام أهل السنة، والمعتزلة علماء كلام أهل البدعة، ونحن ندافع عن السنة، وهدفنا إثبات الحق والعقيدة الصحيحة، والاستدلال للحق، وهَؤُلاءِ ينتسبون وينتمون إِلَى الإمامالشَّافِعِيّ، ولهذا نجد كتاب تبيين كذب المفتري فيما نسب إِلَى الإمام الأشعري الذي ألفه الحافظ ابن عساكر وقد وقع الحافظ ﵀ في هذه الغلطة مع أنه أورد معظم كتاب الإبانة للأشعري ضمن كتابه الذي يقول فيه أبو الحسن الأشعري: إنه في الأصول والفروع في العقيدة عَلَى ما كَانَ عليه الإمام أَحْمد بن حَنْبَل -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- والسلف الصالح وأثبت جميع الصفات وأثبت أن الإيمان قول وعمل وأثبت القدر، أثبت كل شيء عَلَى منهج السلف ومع ذلك هم متمسكون بما كَانَ عليه من قبل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689700,"book_id":1659,"shamela_page_id":826,"part":null,"page_num":826,"sequence_num":826,"body":"وابن عساكر مع أنه جَاءَ بقطعة كبيرة جداً من الإبانة ضمن الكتاب هذا؛ لكنه استدرك في ترجمة الأشعري ابتداءً من صفحة (٣٣٣) من الكتاب الذي حققه الكوثري يقول في معنى كلامه: فإن قيل إن غاية ما مدح به الأشعري ومن اتبعه أنه متكلم، وقد ورد في ذم علم الكلام ما هو معلوم عند السلف فكيف توفقون بين هذا وهذا؟ فأورد الإشكال وأراد أن يحله، لكنه لم يستطع.\rفنقل عن الشَّافِعِيّ ﵀ وعن غيره ما ذموا به الكلام وأهله ثُمَّ حل المشكلة فقَالَ: (إن ما ذَمَّ به الشَّافِعِيّ وغيره من العلماء علم الكلام إنما هو علم الكلام البدعي وأما ما اشتغل به الأشعري ومن اتبعه فإنه علم الكلام السني) ، فهل هذا الكلام صحيح؟\rلو نظرنا ودققنا فإنه ما دام أنه علم كلام فهو مذموم، واستدل بأن الشَّافِعِيّ ﵀ الذي أورد هذا الذم لعلم الكلام نقد حفصاً الفرد وغيره، وذكر بعض النصوص التي نقلها عن طريق الخطيب البغدادي وغيره أن الشَّافِعِيّ ناظر وجادل أهل البدع. وكما قال المصنف: هنا لا يكره السلف الصالح ولا يمنعون الدلالة عَلَى الحق ولا المحاجة لأهل الباطل.\r\rفكتاب الله ﷿ فيه المحاجة للمشركين وفيه المحاجة لليهود وللمنافقين، وفيه أيضاً بيان ومنهج في محاجة أصحاب المعاصي الذين يغفلون عن الله ﷿ ويرتكبون ما حرم الله، فنجد أن في القُرْآن ما ينير لنا الطريق ويدلنا كيف نجادل جميع أنواع المنحرفين حتى قال عبد الله بن عباس ﵄ حبر الأمة وترجمان القُرْآن (ما من شبهة إِلَى أن تقوم الساعة إلا وجوابها في كتاب الله ﷿ علمها من علمها وجهلها من جهلها) ففيه الهدى الكامل والشفاء الكامل، والجواب الكامل عن كل شبهة.\r\rإن الجدل ليس ممنوعاً بإطلاق ولا ممدوحاً بإطلاق.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689701,"book_id":1659,"shamela_page_id":827,"part":null,"page_num":827,"sequence_num":827,"body":"وأعظم من ذلك أننا نستدل عَلَى الحق بالبراهين العقلية والنظرية؛ فالله ﷿ استدل عَلَى أعظم قضية كَانَ ينكرها المُشْرِكُونَ -وهي قضية البعث بعد الموت- بالأدلة العقلية الحسية المشاهدة، مثل ضرب المثل في الأرض الهامدة كيف أن الله ينزل عليها الماء فتحيا وكذلك يحي الموتى، وغير ذلك من الآيات التي جعلها الله ﷾ أمثلة وعبر، فالجدال والاستدلال للحق ليس مذموماً.\rلكن الاستدلال للحق بالمنهج الكلامي هو المذموم، وهذا هو الذي كرهه السلف الصالح -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُم- فكرهوه، كما قَالَ: [لاشتماله عَلَى أمور كاذبة مخالفة للحق، ومن ذلك مخالفتها للكتاب والسنة، وما فيه من علوم صحيحة، فقد وعروا الطريق إِلَى تحصيلها، وأطالوا الكلام في إثباتها مع قلة نفعها] ثُمَّ ذكر المثل المعروف عند العرب [فهي لحم جمل غث، عَلَى رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقى] فحال علماء الكلام غاية ما فيه أنهم يحصلون قضايا بدهية، كما قال شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ ﵀ في درء تعارض العقل والنقل وهو الخبير بهم وبأحوالهم يقول: إن ما اتفق عليه الخائضون في الأمور العقلية من فلاسفة ومتكلمين لا يكادون يتفقون إلا عَلَى ما يتفق عليه عقلاء بني آدم الذين لم يتعلموا من علم الكلام شيئاً. وإذا أراد علماء الكلام أن يضربوا مثلاً في قضية متفق عليها ماذا يقولوا؟ كما أن الكل أكبر من الجزء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689702,"book_id":1659,"shamela_page_id":828,"part":null,"page_num":828,"sequence_num":828,"body":"إذاً: ما دام الجزء من الشيء فالشيء كله أكبر من جزئه، فيأتون بهذا المثال من شدة ما أفلسوا في القضايا البرهانية لم يبق لديهم إلا الاستدلال عَلَى أمور لا ينكرها ولا يكابر فيها أحد من العقلاء حتى الذين لم يشغلوا أنفسهم بهذه العلوم، وقوله: [وأحسن ما عندهم فهو في القُرْآن أصح تقريراً، وأحسن تفسيراً، فليس عندهم إلا التكلف والتطويل والتعقيد] هذا هو حال علماء الكلام: فلو أرادوا أن يثبتوا صفة الإرادة مثلاً يقولون: إذا نظرنا إِلَى الكون نجد أن فيه تخصيص. هذا طويل، وهذا قصير، وهذا غني، وهذا فقير، ويطيلون بكلام لا يكاد يفهم صفحات طويلة تخرج منها بأن الخالق الذي خلق هذا البشر مريد، وهذه القضية بدهية عند كل مسلم: أن الله ﷾ يريد ويفعل ما يريد، كما هو في الكتاب والسنة لكنهم لا يريدون هذه الطريق، وإنما يريدون الطرق العقلية كما يقولون، ولهذا قال هذا الشاعر الذي لم نعثر عَلَى اسمه، ولا عَلَى عصره؛ لكنه قال بيتين وهما في معناهما من أجود ما قيل يقول:\rلولا التنافس في الدنيا لما وضعت كُتْب التناظر لا المغني ولا العمدُ\rيحللون بزعم منهم عقدا وبالذي وضعوه زادت العقدُ.\rالتنافس في الدنيا هو الذي أدى إِلَى أن توضع كتب التناظر وكتب المقالات وذكر مثالين: المغني وهو كتاب للقاضيعبد الجبار المعتزلي المتوفي سنة (٤١٥) وهو أكبر وأجمع كتاب من كتب المعتزلة وهو في علم الكلام وفي الضلال، والقاضيعبد الجبار هو: إمام المعتزلة المتأخرين، ولم يظهر في المعتزلة بعده مثله وحتى قبله النظام والعلاف كانا في الابتداء، وأكبر مصدر ومرجع للمعتزلة هو كتاب المغني.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689703,"book_id":1659,"shamela_page_id":829,"part":null,"page_num":829,"sequence_num":829,"body":"وكتب القاضي عبد الجبار مجلدات ومنها: كتاب الأصول الخمسة الذي شرح فيه الأصول الخمسة التي هي أصول المعتزلة، وقد نقب المستشرقون وأتباعهم وأذنابهم عن كتاب المغني في جميع مكتبات العالم، وهو مكون من عشرين مجلداً ولم يستطيعوا أن يظفروا إلا بأربعة عشر مجلداً متفرقة غير مرتبة، والستة الأخرى ضائعة، وهم متحسرون عليها، ونرجو أن لا يجدوها، ولا يوجد فيه إلا كما قَالَ المُصنِّفُ هنا: [لحم جمل غث، عَلَى رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقى] بعد طول الكلام المعقد غير المفهوم يقرر شيئاً جَاءَ في آية، أو في حديث عن النبي ﷺ، ويُغني عن كل ما كتب هذا الرجل من تعقيد وتطويل.\r\rوأما كتاب العمد هذا، فهو لأبي الحسن الأشعري: ويمتاز كتاب العمد عن بقية كتب الأشعري بأنه ذكر فيه كتبه وهي تعد بالمئات قيل: إنها مائتين وقيل إنها ثلاثمائة كتاب ألفها الأشعري قد تكون رسائل صغيرة، وقد تكون مجلدات، فقد قال في كتابه العمد: رددت عَلَى المجوس وعلى النَّصارَى وعلى الثنوية وعلى النظام وعلى العلاف وعلى ابن الراوندي وعلى ابن الخياط وعلى الكعبي وعلىالخالدي وعلى كذا وعلى كذا.. ذكر أصنافاً من أهل الضلالة، ومن أمم الكفر رد عليها.\rوكتاب العمد خاص لإثبات الرؤية؛ لكن كيف يثبت الأشعرية الرؤية؟ وننظر كلام المُصنِّفُ لنرى التطويل والتعقيد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689704,"book_id":1659,"shamela_page_id":830,"part":null,"page_num":830,"sequence_num":830,"body":"يقولون: هذه الرؤية ليست في جهه، يعني: ليس أحد لا الرائي ولا المرئي في جهة وليس فيها تقابل، أي أن: الإِنسَان ليس في مقابل الله ﷿ وليس فيها أبعاد ولا فيها كذا ولا كذا فعقدوا الموضوع؛ ولو جئنا إِلَى أحد من أهل السنة وقلنا له: هل تثبت الرؤية؟ فسيقول: نعم، قال الله ﷾: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:٢٢، ٢٣] تقول له: كيف يُرى؟ يقول: قال الله ﷿: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:١١] لا نعلم الكيفية، فهذا عالم الآخرة لا ندركه، وإننا لا ندرك حقائق الجنة والنَّار ونعيمها، فضلاً عما يتعلق بالله ﷿.\rهذه الخلاصة أن تأتي بآية أو بآيتين من كتاب الله ﷿ وتريحك عما عداها، وهم يأتون بفلسفات: هل النظر لا بد أن يكون من شعاع ينطلق من العين ويقع عَلَى المرئي؟ أو يخرج من المرأي، والبعد والجهة والمقابلة كلام طويل جداً، وفي الأخير نثبت رؤية لا تتفق مع ما جَاءَ في الكتاب والسنة. وغاية ما فيها أننا دحضنا شبهات المعتزلة في إنكار الرؤية بحجج لو جَاءَ في المعتزلة من هو أذكى لنقض هذه الحجج، ولقَالَ: لا تتصور المقابلة إلا بين اثنين متناظرين.... إلخ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689705,"book_id":1659,"shamela_page_id":831,"part":null,"page_num":831,"sequence_num":831,"body":"ولكن إذا قلنا: قال الله، وقال رَسُول الله، ألجمنا المخالف إلجاماً تاماً، وأثبتنا ما جَاءَ في الكتاب والسنة وكنا عَلَى يقين وثقة من أننا لم نقلد فلاناً من النَّاس الذي قد يرد عليه فلان، إنما اتبعنا ما أنزل الله عَلَى مُحَمَّد ﷺ كما قال الإمام مالك: (أو كلما جَاءَ أحد هو ألحن بحجته من الآخر تركنا ما نزل به جبريل عَلَى مُحَمَّد ﷺ؛ لقول ذلك الآخر) لا نقف عند حد إذاً: لا المغني ولا العمد يعطينا الحق الذي نريده، وإنما تطويل وتعقيد وتكلف، والشاعر بهذين المثالين يشير إِلَى أن علم الكلام وكتب المناظرات والمقالات لكلا الفرقتين المعتزلة والأشاعرة لم يحصلوا فيها العلم النافع، ولم يدلونا عليه ولن يفعلوا ذلك فإنما وضعت الكتب في هذا العلم من أجل التنافس عَلَى الدنيا فأشار بالمغني إِلَى المعتزلة وبالعمد إِلَى الأشعرية.\r\rوالمقصود بالتنافس عَلَى الدنيا هنا ليس بمعنى الحصول عَلَى المال، وإنما هو إثبات أن الإِنسَان لم يفحم في المناظرة، فالتنافس كَانَ عَلَى المكانة الدنيوية، وكان يعز عَلَى أي متكلم أن يُقَالَ: إن فلاناً قد غلبك وأفحمك، فالتنافس من أجل أن يُقَالَ: فلان رد عَلَى فلان وفلان غلب فلاناً، هذا الذي كَانَ عليه علماء الكلام في السابق، وهم لا يسمون علماء إلا بالتقييد، ولا يدخلون في العلماء -وكما سبق أن أوضحنا أنه إذا وقف أحدٌ ماله، وقَالَ: هذا وقف للعلماء أو لطلبة العلم، فلا يدخل فيه علماء الكلام - لأن علم الكلام ليس بعلم كما في فتاوى أهل العلم، وحتى لا يُقَالَ: فلان غلب فلاناً، كَانَ كل منهم يفتعل الحجج والبراهين، ويفتري عَلَى الخصم الآخر ليبين أنه لم يغلب وأنه لم يهزم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689706,"book_id":1659,"shamela_page_id":832,"part":null,"page_num":832,"sequence_num":832,"body":"ومن الأدلة عَلَى ذلك: أنهم يكتبون عن مذهب السلف الصالح فيقولون: قالت الحشوية: إنه تَعَالَى جسم عَلَى العرش يمسه كما يمس الجسم الجسم إذا وضع عليه، ثُمَّ يردون عَلَى هذا الكلام الذي هو من وضعهم وعندهم فيه خبرة، وعندهم كلمة \"المثلية\" فيقولون: لا يمكن أن يكون جوهر عَلَى جوهر، ولا جسم عَلَى جسم ... ، وهم لم يردوا عَلَى منهج السلف وإنما ردوا عَلَى الكلام الذي وضعوه ثُمَّ نقضوه، فالتنافس يمكن أن يفسر بأنه تنافس في المناظرة والمجادلة.\r\rوالمناظرة والمجادلة غالباً ما تحمل صاحبها عَلَى التمحل، وعلى أن يكون للنفس حظ في هذا الجدل؛ ولهذا نُهينا عن الجدال إلا لحاجة وبالتي هي أحسن؛ حتى مع أهل الكتاب كما قال الله تعالى: وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [العنكبوت:٤٦] وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن [النحل:١٢٥] أي: نبين الحق وندحض الباطل ولا نكثر الجدال معهم. ولا نسترسل ليصبح مراءً، فالأمر عند هَؤُلاءِ ليس أمر اقتناع ولا نقص في الحجج ولا ضعف فيها، ولكنه هوىً يجمح بهم، فعلينا أن نوضح لهم الطريق، فإذا استبانت سبيل المجرمين، تركناهم وشأنهم.\rأما قول الشاعر عن المتكلمين:\rيحللون بزعم منهم عقدا وبالذي وضعوه زادت العقد\rمعناه: أن أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ لا تعقيد عندهم، فمثلاً: في إثبات صفات الله ﷿، نأخذ كتاب العقيدة الواسطية لشَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ ﵀ فإنه يأتي بالآيات والأحاديث، وأيُّ إنسان عنده فهم يستطيع أن يقرأ هذه الآيات وهذه الأحاديث؛ فيجد أن هذا منهج واضح في إثبات صفات الله ﵎ ولا شبه فيه ولا شك ولله الحمد، لكن إذا قارنت هذا بالمغني أو بالعمد أو بأي كتاب من كتب الكلام قديمها وحديثها تجد الفرق والبون شاسعاً بين منهج يقوم عَلَى الوحي ميسر مقرب واضح، وبين منهج يقوم عَلَى الكلام، والفلسفة والجدال.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689707,"book_id":1659,"shamela_page_id":833,"part":null,"page_num":833,"sequence_num":833,"body":"فأعقد مسألة في العقيدة وأكثرها إشكالاً -مثلاً مسألة الصفات- وربما تكون أكثر من ذلك وهي مسألة القدر، وإذا سمعت من يتكلم في القدر بمجرد الكلام العقلي، فإنك تسمع كلاماً كثيراً جداً!! إن كَانَ مؤلفاً فقد يكون مجلدات، وإن كَانَ كلاماً فقد يكون ساعات أو محاضرات من أجل إثبات القدر، وهذه حقيقة معروفة.\r\rواسألوا من قرأ في هذه الكتب التي كتبت عَلَى الطريقة الكلامية في القدر، ماذا استفاد بعد أن انتهى من الكتاب؟ يشك، ويحتار كثيراً، ويذهب ليسأل العلماء، ويكون حاله بعد أن قرأ أسوأ من حاله قبل أن يقرأ، وإذا سمع كلاماً من هذا النوع عن القدر، تزداد لديه الشبهات، أن يقول: وفي الأخير يقول: لم أفهم ما قال؛ فيذهب يبحث عند هذا المتكلم أو عند غيره، وتستمر عملية البحث فيصبح في حيرة وقد لا يخرج منها -والعياذ بالله- وقد تنقدح في قلبه شبهات لا تحل أبداً نسأل الله السلامة والعافية.\r\rولو نظرنا في منهج السلف الصالح في أي كتاب من كتب السلف يمكن أن نثبت كل موضوعات القدر من أولها إِلَى آخرها بعدة آيات وأحاديث، ولا يبقى بعد ذلك شبهة أبداً.\rفمراتب القدر عند أهل السنة نثبتها بآيات وأحاديث لا تعقيد فيها:\rمرتبة العلم\rفنثبت العلم لله ﷿ أنه عليم بما كَانَ وماسيكون يقول الإمام أَحْمَد ﵀: \"ناظروا القدرية بالعلم\" فاختصر علينا الطريق، ومعنى ذلك: قولوا لهم: هل يعلم الله ما سنفعل من خير أو شر، وما سيقع إِلَى أن تقوم الساعة؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689708,"book_id":1659,"shamela_page_id":834,"part":null,"page_num":834,"sequence_num":834,"body":"فإن أقروا به خصموا، وإن أنكروه كَفَرُوا أي: أننا من غير أن نبحث عن علاقة فعل العبد بفعل الرب، والتأثير، والكشف، نمسك الطريق من أوله، ونقول له: أتؤمن أن الله يعلم ما كَانَ وما سيكون إِلَى قيام الساعة، ويعلم من سيطيعه ومن سيعصيه، فإذا أقر بهذا خصم حينئذ يقال له: من علم ذلك، أليس هو الذي خلقه؟! أليس هو الذي أوجده؟! أليس مبنياً عَلَى العلم والعلم مقتضاه الحكمة والعدل والرحمة؟!\rوإذا أنكروا علم الله كفروا؛ لأنهم أنكروا ما هو معلوم من كتاب الله وعند جميع الْمُسْلِمِينَ بالضرورة. .\r\rمرتبة الكتابة\rوالمرتبة الثانية: بعد مرتبة العلم أن الله كتب مقادير كل شيء قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، كما في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قَالَ: (أول ما خلق الله القلم، فَقَالَ له: اكتب، قال: وما أكتب، قال: اكتب مقادير كل شيء قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة) فكتب ما كَانَ وما سيكون من خير أو شر، من مصيبة أو طاعة أو معصية، فكل شيء مكتوب في اللوح المحفوظ كما قال تعالى: وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ [يس:١٢] .\rفنقول لمن يشكك في القدر: هل تؤمن بالمرتبة الثانية، وهي: أن الله كتب مقادير كل شيء؟ فَيَقُولُ: نعم، ولا يستطيع أن ينكر هذا؛ لأنه لو أنكره لكان حكمه كحكم من أنكر العلم.\r\rمرتبة المشيئة\rالمرتبة الثالثة: وهي أن نثبت أن لله تَعَالَى مشيئة، وأنه ﷾ يفعل ما يشاء، كما قال الله تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [التكوير:٢٩] وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ [البقرة:٢٥٣] وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ [الأنعام:١١٢] وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً [يونس:٩٩] آيات كثيرة في إثبات المشيئة.\r\rمرتبة الخلق","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689709,"book_id":1659,"shamela_page_id":835,"part":null,"page_num":835,"sequence_num":835,"body":"المرتبة الربعة: مرتبة الخلق فأمر علمه الله وكتبه وشاءه، فما المانع من أن يخلقه؟ فخلق الله تَعَالَى هذا الفعل طاعة كَانَ أم معصية.\rفإن قَالَ: قائل أمر كتبه الله وشاءه وخلقه إذاً ماذا أعمل؟ نقول: هذا الكلام سبق إليه أصحاب النبي ﷺ، ولا يمكن أبداً أن يأتي أي جيل من الأجيال أذكى وأدق وأعلم من أصحاب النبي ﷺ، حتى في الأمور السياسية، وفي فن القتال، ونحن نتحدى كل العالم في الزمان الماضي وفي المستقبل أن يأتوا في منهج السياسة العادلة الحكيمة مثل سياسة عُمَر -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- أو في القضاء مثل أي قاضي من أصحاب النبي ﷺ، أو في فن القتال والتخطيط الحربي مثل أي أحد من أصحاب النبي ﷺ، والله لا يستطيعون ولن يستطيعوا أبداً، فكيف يكون حالهم في أمر الدين والعقيدة، الذي تفجرت به هذه الطاقات ووجدت هذه المعارف وهذه العلوم التي لا تُحصّل أبداً بدون الإيمان!!\rفالصحابة -رضوان الله عليهم- انتبهوا لهذه اللفظة وقالوا للنبي ﷺ: (يا رَسُول الله: ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه أشيء قضى عليهم ومضى فيهم من قدر قد سبق أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم فقال لا بل شيء قضى عليهم ومضى فيهم) ، وهذا الحديث صحيح روي بعدة روايات وفي رواية أخرى (قالوا: ففيم العمل يا رَسُول الله؟) .\r\rالسؤال سألوه وهم أفضل وأذكى جيل. قالوا: يا رَسُول الله إن كَانَ العمل في أمر قد قضي ومضي وجفت به الصحف ورفعت الأقلام ففي أي شيء العمل؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689710,"book_id":1659,"shamela_page_id":836,"part":null,"page_num":836,"sequence_num":836,"body":"قَالَ: النبي ﷺ (بل اعملوا فكل ميسر لما خلق له فمن كَانَ من أهل السعادة فهو ميسر لعمل أهل السعادة، ومن كَانَ من أهل الشقاوة فهو ميسر لعمل أهل الشقاوة، وقرأ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى [الليل:٥-١٠] ﴾\rأذكى النَّاس في الدنيا سألوا هذا السؤال، وأجابهم أعلم الخلق عَلَى الإطلاق بالله ﷿ وبالقضاء والقدر، قال لهم: (اعملوا) وقَالَ: (كلٌ مُيَسرٌ لِمَا خُلِقَ لهُ) وعندما يأتي حديث عبد الله بن مسعود ﵁: وأن الملك يكتب عند نفخ الروح أربع كلمات (رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد) نفهم هذا الحديث بنفس كلامعبد الله بن مسعود -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - لما قَالَ: (السعيد من سعد في بطن أمه والشقي من شقي في بطن أمه) فالمعنى واحد: السعادة كتبت عَلَى الإِنسَان فيسر لها، والشقاوة كتبت عَلَى الإِنسَان فسوف ييسر لعمل أهل الشقاوة. ومع ذلك أمرنا بالعمل. إذاً: لا يوجد لأي إنسان مجال أن يقول نريد في أمور الدين أن نشقق وأن نحلل وأن نوضح؛ لأن هذه التفريعات والتشقيقات والتحليلات لا تزيد الأمر إلا تعقيداً، كما قال هذا الشاعر:\rيحللون بزعم منهم عقدا وبالذي وضعوه زادت العقد\rفيعقدون المسألة في أي باب من أبواب الإيمان بالله ﷾ وستأتي النقولات عن أئمة الكلام واعترافاتهم وبعضهم لا يعترف إلا عند الموت كما فعل الجويني، والرازي أو قريب الموت كما فعل الغزالي حين يكون العمر لا يسمح للإنسان بأن يبدأ الطريق من أوله.\r\rقال المصنف رحمه الله تعالى:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689711,"book_id":1659,"shamela_page_id":837,"part":null,"page_num":837,"sequence_num":837,"body":"[ومن المحال أن لا يحصل الشفاء والهدى والعلم واليقين من كتاب الله وكلام رسوله، ويحصل من كلام هؤلاء المتحيرين؛ بل الواجب أن يجعل ما قاله الله ورسوله هو الأصل، ويتدبر معناه ويعقله ويعرف برهانه ودليله إما العقلي وإما الخبري السمعي، ويعرف دلالته على هذا وهذا، ويجعل أقول الناس التي توافقه وتخالفه متشابهة مجملة، فيقال لأصحابها: هذه الألفاظ تحتمل كذا وكذا.\rفإن أرادوا بها ما يوافق خبر الرسول قُبِلَ وإن أرادوا بها ما يُخالفه رُدَّ، وهذا مثل لفظ المركب، والجسم، والمتحيز، والجوهر، والجهة، والحيز، والعرض ونحو ذلك، فإن هذه الألفاظ لم تأت في الكتاب والسنة بالمعنى الذي يريده أهل هذا الاصطلاح، بل ولا في اللغة بل هم يختصون بالتعبير بها عن معاني لم يعبر غيرهم عنها بها، فتفسر تلك المعاني بعبارات أخر وينظر ما دل عليه القرآن من الأدلة العقلية والسمعية وإذا وقع الاستفسار والتفصيل تبين الحق من الباطل مثال ذلك في التركيب فقد صار له معان:\rأحدها: التركيب من متباينين فأكثر، ويسمى تركيب مزج، كتركيب الحيوان من الطبائع الأربع والأعضاء، ونحو ذلك، وهذا المعنى منفي عن الله ﷾، ولا يلزم من وصف الله تعالى بالعلو ونحوه من صفات الكمال أن يكون مركبا بهذا المعنى المذكور.\r\rالثاني: تركيب الجوار كمصراعي الباب ونحو ذلك، ولا يلزم أيضا من ثبوت صفاته تعالى إثبات هذا التركيب.\r\rالثالث: التركيب من الأجزاء المتماثلة، وتسمى الجواهر المفردة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689712,"book_id":1659,"shamela_page_id":838,"part":null,"page_num":838,"sequence_num":838,"body":"الرابع: التركيب من الهيولى والصورة، كالخاتم -مثلاً- هيولاه الفضة وصورته معروفة وأهل الكلام قالوا: إن الجسم يكون مركباً من الجواهر المفردة، ولهم كلام في ذلك يطول، ولا فائدة فيه وهو أنه: هل يمكن التركيب من جزئين أو من أربعة، أو من ستة، أو من ثمانية، أو ستة عشر، وليس هذا التركيب لازماً لثبوت صفاته تعالى، وعلوه على خلقه، والحق أن الجسم غير مركب من هذه الأشياء وإنما قولهم مجرد دعوى، وهذا مبسوط في موضعه.\rالخامس: التركيب من الذات والصفات، هذا سموه تركيباً لينفوا به صفات الرب تعالى، وهذا اصطلاح منهم لا يعرف في اللغة ولا في استعمال الشارع، فلسنا نوافقهم على هذه التسمية ولا كرامة، ولئن سموا إثبات الصفات تركيباً، فنقول لهم: العبرة للمعاني لا للألفاظ، سموه ما شئتم، فلا يترتب على التسمية بدون المعنى حكم، فلو اصطلح على تسمية اللبن خمراً، لم يحرم بهذه التسمية.\rالسادس: التركيب من الماهية ووجودها، وهذا يفرضه الذهن أنهما غيران، وأما في الخارج، هل يمكن ذات مجردة عن وجودها، ووجودها مجرد عنها؟ هذا محال، فترى أهل الكلام يقولون هل ذات الرب وجوده أم غير وجوده؟ ولهم في ذلك خبط كثير، وأمثلهم طريقة رأي الوقف والشك في ذلك وكم زال بالاستفسار والتفصيل كثير من الأضاليل والأباطيل] اهـ.\rالشرح:\rقوله: [ومن المحال أن لا يحصل الشفاء والهدى والعلم واليقين من كتاب الله وكلام رسوله، ويحصل من كلام هؤلاء المتحيرين] يقول هؤلاء: إنهم يؤلفون هذا العلم ويقعدون هذه القواعد من أجل أن يحصل اليقين، ويبطلوا شبه الملحدين والمارقين حتى تتقوى العقيدة كما ذكر ذلكالغزالي عنهم قال: إنهم يقولون: إن علم الكلام إنما نريد به إثبات العقائد وتأكيدها وتقوية العامة، ودفع الشبهات والشكوك التي يثيرها أعداء الإسلام.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689713,"book_id":1659,"shamela_page_id":839,"part":null,"page_num":839,"sequence_num":839,"body":"فيقول لهم المصنف ﵀: [ومن المحُال أن لا يحصل الشفاء والهدى والعلم واليقين من كتاب الله] فالله ﷾ أنزل القرآن شفاءً لما في الصدور وأنزل فيه الهدى الكامل، والعلم النافع الذي لا يمكن أن يأتي الإنسان إلا من طريق الوحي، هذا العلم الذي لو اجتمع الإنس والجن لم يهتدوا ولم يصلوا إليه أبداً.\rفالعلم الموجود اليوم في الأرض على كثرته ما هو في الحقيقة إلا بحث في الأمر الظاهر من الحياة الدنيا؛ كما الله ﵎ يقول عنهم: يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُون [الروم:٧] فهم يبحثون في طبيعة المادة وفي الفلك وفي الإنسان وفي كذا وفي كذا.. أمور هي ظواهر فقط، ومع هذا فهم لا يصلون إلى شيء؛ بل كما قالوا بأنفسهم: إن العلم الحديث اليوم يمكن أن يفسر لك كيف، ولكنه لا يستطيع أبداً أن يفسر لك لماذا؟ ويسمونها في الفلسفة أو المنطق: العلة الصورية، والعلة الفاعلة، أو العلة الحقيقية، والعلة الصورية هي: ما تراه أنت علة في الظاهر، مثل الشمس عندما تسطع على البحار فيتبخر الماء فتتكون السحاب، هذه علة صورية.\rوهذا في كيفية تكوين السحاب؟ لكننا إذا قلنا: لماذا الشمس وسيلة إلى هذا الشيء؟ ولماذا يرتفع السحاب بهذا الشكل؟ ولماذا يأتي فيمطر مدينة ويدع مدينة أخرى؟ لا يستطيعون ذلك، فهو يصف لك السحابة كيف مشت بسرعة من كذا إلى مكان كذا، فتكاثفت وحصلت الكهربائية في الجو، ثم سقط المطر. وصف طويل جداً كله في العلة الصورية في الشيء الظاهر. ولكن لماذا وقع؟ لا يوجد جواب، يقولون لك: أنت الآن نقلتنا إلى قضية فلسفية خارج إطار العلم، نحن ننظر في الموجود. والأمور والقضايا الفلسفية هي خارج نطاق المعامل والمراصد، فليست من شأن العلم والعلماء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689714,"book_id":1659,"shamela_page_id":840,"part":null,"page_num":840,"sequence_num":840,"body":"نأتي إلى مسألة: لماذا خلق هذا الإنسان؟ لا يمكن أن يجيبوا عليه أبداً؛ لأنه لا يعرف إلا عن طريق الوحي، ولهذا كريس مرسون مؤلف كتاب العلم يدعو إلى الإيمان كان رئيس أكاديمية العلوم في نيويورك أكبر بلد في العالم في هذه العلوم المادية، وهو رئيس الأكاديمية المختصة بهذا الشأن، لما تكلم في الجانب العلمي في هذا الكتاب، تكلم عن آخر ما وصلت إليه الإنسانية في هذا الفن، لكنه يريد أن يثبت أن الدين حق. وليس أصل عنوان كتاب العلم يدعو إلى الإيمان وإنما هو الإنسان لا يقوم وحده رداً على الكتاب الذي ألفه جوليان هكسلي وهذا من أكبر الملاحدة في العالم، وهو من الدروينة الحديثة ألف كتاباً اسمه الإنسان يقوم وحده أي: بدون خالق فرد عليه هذا العالم، وكتب كتاب الإنسان لا يقوم وحده ودلالته ترجمت بالعلم يدعو إلى الإيمان.\r\rفالشاهد: أنه تحدث فيه عن قضايا علمية في منتهى ما وصل إليه الإنسان من العلم، لكنه لما ربط هذه بالدين؟ لا يوجد عنده إلا التوراة، فجعل يقول: قال في الإصحاح رقم كذا وذكرت التورة كذا، وهذا الكلام لا يتناسب مع ما جاء به، فلو قورن كلام هذا العالم وما جاء به من التوراة -الوحي الذي جاء من عند الله كما يزعم اليهود والنصارى- لكان الوحي أقل بكثير جداً من العلم، وهذه هي الفكرة العامة عند الغرب وهي التي كانت راسخة في العقلية اليونانية القديمة التي أوجدت لنا الفلسفة وعلم الكلام فترجمها المسلمون، فكانت اللوثة والمرض الخطير الذي نتحدث عنه، وهو علم الكلام، وهي نفس القضية: أن العلم البشري يمكن أن يكون أرقى مما جاء به العلم الإلهي الذي جاء به الأنبياء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689715,"book_id":1659,"shamela_page_id":841,"part":null,"page_num":841,"sequence_num":841,"body":"وأول ما في التوراة هو سفر التكوين، وفيه يقول: كانت الأرض مظلمة ثم بعد ذلك أراد الرب أن يخلق، قال الرب: لتكن سماءً، فكانت سماءً، وقال: لتكن أرضاً، فكانت أرضاً، ثم قال ليكن الإنسان، فوجد الإنسان، ثم جاء وخلقه، ثم يقول: كان الرب يمشي في الجنة -هكذا قال؟! يتمشى في الجنة- يبحث عن الإنسان، فلم يجده فقال: أين أنت يا آدم؟ فقال: اختبأت عنك يا رب -كلام لا يدخل في الذهن- أهذا دين؟! فقال: إنني ها هنا اختبأت، فقال: لماذا اختبأت؟ لأنك عريان. قال: نعم يا رب!! قال: لماذا أكلت من الشجرة؟ وهكذا تمضي القصة، وما الذي جعله يأكل من الشجرة، وما الذي جعله يتعرى، قال: الحية، يقول في نفس التوراة: وكانت الحية أحيل الحيوانات في البرية، فجاءت إلى حوى وأغرتها، وحواء أغرت آدم ليأكل من الشجرة.\r\rقال: فعاقبها الرب -كما تقول التوراة المحرفة- بأن قال من الطين تأكلين، أي: عقوبتها أنها لا تأكل إلا من الطين من التراب، وأنها تطرد ويكرهها الناس ويقتلونها، فيحاول المؤلف في هذا الكلام أن يقول: إن العلم مهما ترقى لا يمكن أن يتنافى مع الدين فيحاول حذف بعض المقاطع التي فيها مثل قصة الحية هذه، فلو ذكر هذه الأمور فإن الملحد الذي ألف الكتاب إلإلحادي، سيفحمه ويغلبه، فيأتي بمقاطع معينة من التوراة، ومع ذلك يمكن أن يقول هكسلي: هذا الكلام الذي جئت به باطل؛ كيف يكون الرب يمشي مثل الإنسان والعياذ بالله؟ وتعالى الله عما يقولون علواً كبيراً- وما يدري أنه أكل من الشجرة، وكيف تكون الحية بهذا الشكل، متى تكلمت الحية، ويثير عدة إشكالات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689716,"book_id":1659,"shamela_page_id":842,"part":null,"page_num":842,"sequence_num":842,"body":"ونحن أحوج ما نكون إلى معرفة أمور الغيب -الحشر والصراط والميزان والجنة والنار- من معرفتنا للمجرات والكواكب وغيرها، هذا الذي يحتاجه كل إنسان مهما بلغ من القوة والمنصب في أي بلد وفي أي أمة. يحتاج أن يعرف لماذا جئت؟ وكيف أموت؟ وإذا مت إلى أين أذهب؟ وما هي الطريقة التي سأصل إليها؟ وما هي نهاية كل إنسان؟ وهذه لا توجد أبداً إلا في الوحي \"في القرآن والسنة\" فإذا كان هذا الحال مع علماء العصر على ما وصولوا إليه، فما بالكم بعلماء الكلام من الفلسفة واليونان ومن قبلهم. فلو جمعت علومهم اليوم وأعطيت إلى أصغر طالب في الكيمياء أو الفيزياء أوفي أي علم من العلوم المعروفة اليوم لاعتبر أن علومهم من أتفه العلوم في الكون.\r\rإذاً: فالشفاء التام من جميع الأمراض القلبية والحسية في كتاب الله ﷿ والهدي التام الذي لا ضلال معه على الإطلاق كما قال ﷺ: (تركت فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً كتاب الله وسنتي) والعلم اليقين هو العلم الذي لا يمكن أن تشوبه أدنى شائبة من الجهل أو الخطأ أو النسيان؛ بل لا يمكن أن يرقى البشر إلى معرفته أبداً وهو ما جاء به القرآن والسنة، وأفضل العقول وأكملها هو من يستطيع أن يفهم كتاب الله ويستنبط منه هذا العلم الذي يحتاجه جميع البشر والذي يضطر كل إنسان إلى معرفته، وكذلك اليقين: لا يقين أعظم من اليقين الذي يولده كتاب الله ﷾ وسنة رسوله ﷺ في القلوب، ففيهما، كما قال ابن عباس ﵁ (جواب لكل شبهة إلى قيام الساعة علمها من علمها وجهلها من جهلها) فالشبهة في أي موضوع كانت: فهي موجودة في القرآن مع حلها إما بالنص وإما بالاستنباط لمن كان من أهل العلم والاستنباط، فيؤخذ الحق، والهدى، والعلم، واليقين من كلام الله ورسوله، ولا يؤخذ من كلام هؤلاء المتحيرين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689717,"book_id":1659,"shamela_page_id":843,"part":null,"page_num":843,"sequence_num":843,"body":"فالكلام الذي يقوله المصنف ﵀ يرسم لنا منهجاً علمياً نظرياً يقول: [بل الواجب أن يجعل ما قاله الله ورسوله هو الأصل - في أي قضية نقول: ما قاله الله ورسوله هذا هو الأصل- ويتدبر معناه ويعقله ويعرف برهانه ودليله العقلي والخبري والسمعي] أي: نعرف دليل هذه القضية من الكتاب ومن السنة ومن العقل الذي يؤيدها ونستنبط أيضا حتى تكون قضية واضحة بين أيدينا، وبعد ذلك نعرض دلالته على هذا وهذا بتفاصيل تلك الدلالات، ثم نجعل أقوال الناس التي تخالفه أو توافقه متشابه مجملة، فهذا هو المعيار: أقوال الناس مهما كانوا نجعلها في حكم المتشابه المجمل الذي يحتمل الخطأ والصواب.\r\rثم نأتي بكلام الناس هذا ونعرضه على هذا المعيار السابق، فيقال لأصحابها: هذه الألفاظ تحتمل كذا وكذا، مثل الكلام الذي يأتي به هنا، فكلمة الجسم تحتمل كذا وكذا، وكلمة الجهة تحتمل كذا وكذا، فما وافق ما جاء به الرسول ﷺ قبلناه وما خالف ذلك رددناه، وسبق أن أوضحنا مسألة الجهة وقلنا: إن كان المراد بالجهة العلو فنحن نثبت أن لله جهة كما قال الله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:٥] وهناك أدلة كثيرة جداً من العقل والفطرة على إثبات أن الله -سبحانه تعالى- فوق المخلوقات وإن أردتم بالجهة شيئاً وجودياً حيزاً محصوراً محدوداً، فلا نثبت هذا المعنى على اصطلاحكم ونأتي بالاصطلاح أو بالكلمة الشرعية لأنها لا تحتمل ذلك.\rوكذلك لفظة الجسم: هل نثبت أن الله جسم أو غير جسم وكذلك هل هو مادة أو غير مادة، وهل هو جوهر أو غير جوهر؟ والجوهر اختلف فيه هل هو أصل الأشياء وخلقتها أم لا؟ يقولون: الجوهر هو: الحقائق، والأعراض هي: ما يقوم بالجواهر من الصفات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689718,"book_id":1659,"shamela_page_id":844,"part":null,"page_num":844,"sequence_num":844,"body":"وهذا كلام نحن في غنى عنه، فهم لا يستطيعون -حتى أصحاب العلم الحديث- أن يميزوا بين شيء ذاتي وبين شيء عرضي فمثلاً كان الأولون يقولون: الشمس ذاتها هي الجرم. والنور الساطع منها عرض من أعراضها، فهل نستطيع أن نفصل بين أشياء ذاتيه وبين أشياء عرضية فبعض الأشياء التي تبدوا لنا عرضية ربما تكون ذاتية، فيصعب جداً أن نفصل بين أشياء ذاتية وأشياء عرضية، فمثلاً: زيد ذاته هذا الجسم؛ لكن علمه وطوله ولونه عرض، فهذه الأشياء العرضية يمكن أن تتغير وتزول، لكننا لو دققنا في الموضوع لما استطعنا أن نفصل فصلاً تاماً بين الأشياء العرضية التي تنفك عن الإنسان وبين الأشياء الذاتية التي لا تنفك عن حقيقته، فمثلاً لوجئنا إلى صفات أخرى عضوية أو معنوية نجد أننا لا نستطيع أن نفصل بين ما كان ذاتياً وبين ما كان عرضياً، فهذه أمور معقدة لا داعي لها.\rثم يقول المصنف: [فإن هذه الألفاظ لم تأتِ في الكتاب والسنة بالمعنى الذي يريده أهل الاصطلاح بل ولا في اللغة] أي: لغة العرب، ليس فيها هذه الكلمات وهذه الاصطلاحات، إنما هي اصطلاحات وضعية مترجمة ومنقولة عن اليونان وغيرهم، فيقول: [بل هم يخصون بالتعبير بها عن معاني لم يعبر غيرها عنها بها، فتفسر تلك المعاني بعبارات أخر، وينظر ما دل عليه القرآن من الأدلة العقلية والسمعية] فيقال لهم: فسِّروا معنى الحيز والجوهر فإذا قالوا الجوهر كذا وكذا، نقول: ننظر إلى هذا المعنى هل دل عليه القرآن، وهل يتفق مع معناه أو يخالفه؟ [وإذا وقع الاستفسار والتفصيل تبين الحق من الباطل]\rثم ذكر المصنف أن التركيب له عدة معانٍ وهي كالتالي:\rالتركيب المزجي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689719,"book_id":1659,"shamela_page_id":845,"part":null,"page_num":845,"sequence_num":845,"body":"المعنى الأول: التركيب المزجي: وهو أن يتكون الشيء من متباينين، فأكثر كتركيب الحيوان من الطبائع الأربع، وهذا الكلام لا يتماشى مع الطب الحديث، فلا يمكن أن نتعسف الأدلة، ونقول: إن معناها كذا، عَلَى خلاف ما هي عليه، فكلام ابن القيم في الطب النبوي يدور عَلَى هذه الطبائع الأربع، وقد كَانَ في مرتبة عالية من العلم حتى في الطب؛ لأنه كَانَ ينتقد حتى الأطباء، وكان في عصره ابن سينا وداود الأنطاكي، وأمثالهم من أكبر الأطباء الذين تكلموا في خواص الأشياء، فكل الطب مبنى عَلَى هذه الأربع؛ لكن الطب الحديث الآن لا يقر بهذا الكلام ولا يعترف به ولا يدري ما معنى رطب ويابس.\r\rوينبغي ملاحظة أمر مهم: وهو أننا نأخذ من كلام ابن القيم ﵀ الحديث وشرحه في الطب، لكن الكلام في هذه الأربع لا تقرأ؛ لأنه كلام مبني عَلَى علم عصري في عصرهم انتهى زمانه، وانتهى مفعوله الآن، ولو نسبت إِلَى النبي ﷺ لكنا في مشكلة، فلنحذر من أن ينسب إِلَى الله ورسوله شيء مما وصلت إليه العلوم في هذا العصر بقطع ويقين، وغاية ما في الأمر أنها قد تفسر بعض ما دل عليه القُرْآن في الجملة، وأمر به من القول أو النظر في الآفاق أو النظر في الأنفس، فتركيب الحيوان من الطبائع الأربع عَلَى قولهم، منفي عن الله ﷾ فنحن نحلل المعاني معنى معنى، وننظر أنه -جل شأنه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيرا- يتركب كما تتركب أعضاء المخلوقات -عياذاً بالله- فهذا المعنى نرده ولا نقبله ولا يلزم من وصف الله تَعَالَى بالعلو، أو بأي شيء من الصفات الثابتة بالوحي أن يكون مركباً بهذا المعنى\r\rتركيب الجوار","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689720,"book_id":1659,"shamela_page_id":846,"part":null,"page_num":846,"sequence_num":846,"body":"المعنى الثاني: [تركيب الجوار: كتركيب مصراعي الباب ونحو ذلك ولا يلزم أيضاً من ثبوت صفاته تَعَالَى إثبات هذا التركيب] ، فالباب يتركب من مصراعين، وهذا يسمى تركيب جوار؛ لأن هذا جاور هذا، وليس تركيب مزج، والفرق بينهما: أن التركيب المزجي لحم وأعضاء وعصب تركب منها الكائن الحي، أما تركيب الجوار فهو عبارة عن جسمين تلاصقا فكونا شيئاً واحداً وهو الباب، وهذا التركيب أيضاً لا نثبته لربنا ﵎.\r\rالتركيب من الأجزاء المتماثلة\r[الثالث: التركيب من الأجزاء المتماثلة، وتسمى الجواهر المفردة] والجسم يتركب من أجزاء متماثلة كلها سواء -فمثلاً- الخلايا، أو الذرات أو أي شيء، كالمعادن فإنها تتركب من أشياء متماثلة، فهذه يسمونها بالجواهر المفردة وتسمى اليوم بالذرة، والذرة تتركب من النواة والالكترونات الموجبة والسالبة، ولم يأتِ في الكتاب والسنة أن هذا التركيب يطلق عَلَى الله ﷿ فلا نثبته.\r\rالتركيب من الهيولي والصورة\rالرابع: التركيب من الهيولي والصورة كالخاتم، والهيولى: هي مصدر الأشياء التي تتكون منها الأشياء، فالمثال الذي ذكره هنا أن الخاتم هيولاه الفضة وصورته معروفة، تشكلت المادة أو المصدر بشكل خاتم، فمثلاً المكرفون ألمنيوم، والألمنيوم مادة هيولى تشكل بشكل مكرفون، هذا الشكل يسمى صورة، هذا هو الفرق بين الهيولى والصورة، مثال آخر الخشب والكرسي: الخشب كشيء وهمي متخيل في الذهن، هذا هو الهيولى والأخشاب المتعينة هيولى، والكرسي والباب أو أي شيء في الخارج نراه هذا يسمى صورة الهيولى أو المصدر، وهذا تجدونه كثيراً في كتب العقائد.\rوقال أهل الكلام: إن الجسم يكون مركباً من الجواهر المفردة، ولهم كلام في ذلك يطول ولا فائدة فيه أبداً، وهو أنه هل يمكن التركيب من جزئين، من أربعة، من ستة، من ثمانية، من ستة عشر إِلَى آخر ذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689721,"book_id":1659,"shamela_page_id":847,"part":null,"page_num":847,"sequence_num":847,"body":"يقول المصنف: [وليس هذا التركيب لازماً لثبوت صفاته تَعَالَى وعلوه عَلَى خلقه] فنحن نعرض هذا الكلام في التركيب عَلَى الكتاب والسنة، هل هذا التركيب جَاءَ في الكتاب والسنة، من قرأ آية أو سمع حديثاً هكذا؟ لا يوجد قطعاً.\r\rإذاً: هذا المعنى من معاني التركيب باطل ولا يثبت لله ﷿، ثُمَّ يقول المصنف: [والحق أن الجسم غير مركب من هذه الأشياء وإنما قولهم مجرد دعوى وهذا مبسوط في موضعه] فتكلم في قضية لا نريد الخوض فيها.\r\rالتركيب من الذات والصفات\rالخامس: التركيب من الذات والصفات يقول أهل الكلام: إننا إذا أثبتنا أن لله تَعَالَى يداً ووجهاً وسمعاً وبصراً وغير ذلك من الصفات، فإننا أثبتنا تركيباً، فنحن ننفي التركيب فيقولون: ليس له صفات والعياذ بالله.\rقال أبو جعفر الطّّحاويّ:\r[فيتذبذب بين الكفر والإيمان، والتصديق والتكذيب، والإقرار والإنكار، موسوساً تائها، شاكاً زائغاً لا مؤمناً مصدقاً، ولا جاحداً مكذباً]\r\rقَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689722,"book_id":1659,"shamela_page_id":848,"part":null,"page_num":848,"sequence_num":848,"body":"[يتذبذب؛ يضطرب ويتردد، وهذه الحالة التي وصفها الشيخ ﵀ حال كل من عدل عن الكتاب والسنة إِلَى علم الكلام المذموم، أو أراد أن يجمع بينه وبين الكتاب والسنة، وعند التعارض يتأول النص ويرده إِلَى الرأي والآراء المختلفة، فيؤول أمره إِلَى الحيرة والضلال والشك، كما قال ابن رشد الحفيد - وهو من أعلم النَّاس بمذهب الفلاسفة ومقالاتهم، في كتابه تهافت التهافت: \"ومن الذي قال في الإلهيات شيئاً يُعتدُّ به؟ ! \" وكذلك الآمدي أفضل أهل زمانه واقف في المسائل الكبار حائر، وكذلك الغزالي ﵀، انتهى آخر أمره إِلَى الوقف والحيرة في المسائل الكلامية، ثُمَّ أعرض عن تلك الطرق، وأقبل عَلَى أحاديث الرَّسُول ﷺ، فمات وصحيح الإمام البُخَارِيّ عَلَى صدره، وكذلك أبو عبد الله مُحَمَّد بن عمر الرازي، قال في كتابه الذي صنفه في: أقسام اللذات:\rنهاية إقدام العقول عقال وغاية سعي العالمين ضلال\rوأرواحنا في وحشة من جسومنا وحاصل دنيانا أذى ووبال\rولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا\rفكم قد رأينا من رجال ودولة فبادوا جميعاً مسرعين وزالوا\rوكم من جبال قد علت شرفاتها رجال فزالوا والجبال جبال\rلقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفى عليلاً. ولا تروى غليلاً، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، أقرأ في الإثبات الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:٥] إِلَيْهِ يَصعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ [فاطر: ١٠] . وأقرأ في النفي: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:١١] وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً [طه:١١٠] ثُمَّ قَالَ: (ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي) .\r\rوكذلك قال الشيخ: أبو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الكريم الشهرستاني، إنه لم يجد عند الفلاسفة والمتكلِمين إلا الحيرة والندم، حيث قَالَ:\rلعمري لقد طفت المعاهد كلها وسيرت طرفي بين تلك المعالم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689723,"book_id":1659,"shamela_page_id":849,"part":null,"page_num":849,"sequence_num":849,"body":"فلم أر إلا واضعاً كف حائر على ذقن أو قارعاً سن نادم\rوكذلك قَالَ: أبو المعالي الجويني ﵀: يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي إِلَى ما بلغ ما اشتغلت به، وقال عند موته: لقد خضت البحر الخضم، وخليت أهل الإسلام وعلومهم، ودخلت في الذي نهوني عنه، والآن فإن لم يتداركني ربي برحمته فالويل لابن الجويني، وها أنا ذا أموت عَلَى عقيدة أمي، أو قَالَ: عَلَى عقيدة عجائز نيسابور] اهـ.\rالشرح:\rكما هو معلوم أن العلم الذي يورث اليقين، والخشية، والثمرة الصالحة -وهي الأعمال الصالحة- التي تقرب إِلَى الله تعالى، هو العلم الذي جَاءَ به الكتاب والسنة، وأنزله الله ﵎ شفاء ورحمة وحياة ونوراً وهدىً للناس.\rآثار العلم غير النافع\rأما ما عدا ذلك، ما يناقضه ويضاده من أنواع العلوم والمعارف الأخرى، فإنها لا تفضي إِلَى اليقين، ولا تثمر العمل الصالح، بل مآلها إِلَى الخسارة والشك والحيرة والرّيب التي تقتل الإِنسَان وهو حي بين الناس، وتورث له العمى في بصيرته وعقله وفكره فالإِنسَان قد يولد سليماً معافى في بصره، ثُمَّ يصاب بآفة أو مرض أو عاهة، فيعمى بصره فيرى الدنيا وهي ظلام، فلا يهتدي فيه إِلَى شيء، وتضيق عليه الأرض بما رحبت، فكذلك الإِنسَان يولد عَلَى الفطرة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689724,"book_id":1659,"shamela_page_id":850,"part":null,"page_num":850,"sequence_num":850,"body":"فإذا تعلم العلم النافع من الكتاب والسنة، وأخذ من العلوم التي لا تتعارض مع الكتاب والسنة، فإنه يزداد نوراً إِلَى نوره وهداية إِلَى هدايته، فإذا دخله الشك والريب نتيجة العلوم التي تورث ذلك ذهبت بصيرته، وذهب نور قلبه، فيصبح كالأعمى الذي يتخبط ويحار ويضيق، فهو مريض ولكنه في هيئة المعافى، ألا ترون إِلَى الذي يبتلى بمرض من الأمراض النفسية تراه يرى وهو لا يدري ماذا يرى، ويرى البشر ولكنه في الحقيقة لا يراهم، كيف تكون حياة هذا الإِنسَان؟ ومن ذلك الإِنسَان الذي يغبطه عَلَى هذه الحياة، أو يتمنى أن يكون مثله؟ هذا هو الحاصل والواقع في عالم المادة، وفي عالم الحس وفي عالم البصيرة، وفي عالم الحقيقة.\rأثر العلم غير النافع على أصحاب العقول\rتجد ممن يستمون بالعلماء: أصحاب عقول راجحة، وأصحاب فكر ورأي ثاقب تركوا القُرْآن والسنة وأعرضوا عما أنزله الله ﵎، مما يورث اليقين، ويذهب الريب والشك، واتجهوا إِلَى علوم اليونان من الفلسفة وعلم الكلام والجدل، والمناظرات في أمور لا خير فيها، أو ليست مما يدرك بالنظر، ولا بالعقل ولا بالبحث، ولا بالجدال، فآل أمرهم وحالهم إِلَى أن وقعوا في هذا الريب، وفي هذا الشك، الذي عبروا عنه، وكل منهم عبر عنه بما يتفق مع ما بذل من حياته، وجهده إن كَانَ قد وفق إِلَى التوبة في آخر عمره.\rفهَؤُلاءِ نماذج نتحدث عن بعضهم:\rابن رشد الحفيد وعلم الكلام\rفابن رشد الحفيد هو:مُحَمَّد بن أحمد بن مُحَمَّد بن رشد، من أكبر من يسمون بفلاسفة الإسلام، بل هو في الحقيقة أكبر الفلاسفة الذين ظهروا في القرون الوسطى كما يعبر عنها في التاريخ الأوروبي، والغربيون يعتبرونه الرجل، أو الفيلسوف المؤثر في الفكر الغربي كله، ويسمونه المعلم الثاني عَلَى أساس أن المعلم الأول هو أرسطو، فإن ابن رشد أضاف إِلَى كلام أرسطو الشيء الكثير: حذفاً وإضافة ونقداً وتعديلاً.\r\rابن رشد والأشاعرة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689725,"book_id":1659,"shamela_page_id":851,"part":null,"page_num":851,"sequence_num":851,"body":"وقد نقد منهج الأشاعرة نقداً شديداً وبين ما فيه من تناقض وخلل واضطراب وهذا حق، لكن لم ينقده لأنه مؤيد لمنهج الكتاب والسنة كما فهم الشيخ شعيب الأرناؤوط في تعليقه عَلَى الشرح، وملخص رأي ابن رشد الذي يخالف فيه رأي الأشاعرة كما ظنه الأرناؤوط أن الأشاعرة يرون أن كلام الفلاسفة باطل أو كثير منه باطل، وأنه يجب أن يردوا عليه، وابن رشد يرى غير ذلك.\rفهو يرى أن الفلسفة التي يسميها الحكمة، والشريعة لا يتعارضان، يعني: أن ما جَاءَ به الوحي، إِلَى مُحَمَّد ﷺ من عند الله لا معارضة ولا منافاة ولا تناقض بينه وبين ما قرره أرسطو من العقليات في الإلهيات، وليس الكلام في الطبعيات، ولا في الرياضيات؛ بل الكلام في الإلهيات، فيقول ابن رشد: إن الحكمة للشريعة رضيعة، فكلاهما أختان من الرضاع، وكلاهما يدعون إِلَى أمر واحد، ويتفقان في منهج واحد، ومن هنا اشتغل بالدفاع عن الفلسفة وأنها لا تتعارض مع الشريعة.\r\rولذلك ألَّف كتاباً اسمه\" فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال \" ذكر فيه أن الشريعة والحكمة -أي الفلسفة وهي ليست بحكمة بل هي ضلال- متصلتان تؤديان نفس الغرض ونفس المنهج، وهذا الكلام أكثر ضلالاً ممن يقول إنه يرد عَلَى الفلاسفة من غير منهج الكتاب والسنة.\r\rابن رشد الحفيد وموقفه من الإلهيات\rيقولابن رشد: (ومن الذي قال في الإلهيات شيئاً يعتد به) وهذه فلتة لسان أراد الله تَعَالَى أن يظهر بها الحق، وإلا فبالنظر إِلَى حياته ومنهجه يعلم أنه لا يقرها، لكنه قالها لحكمة من الله ﷿ وهو الإقرار بالحق، والإِنسَان لو ترك فطرته عَلَى السجية لنطقت بالحق، فهو يقول: إذا كَانَ الأمر أمر الإلهيات، فمن الذي قال في الإلهيات شيئاً يعتد به، يريد: من أهل العقول، ومن أهل الآراء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689726,"book_id":1659,"shamela_page_id":852,"part":null,"page_num":852,"sequence_num":852,"body":"وأما الحق الخالص النقي في باب الإلهيات هو في كتاب الله، وفي سنة رسوله ﷺ. ورَسُول الله مُحَمَّد ﷺ أكمل النَّاس عقلاً وفهماً لم يكن يعلم عن هذا الأمر شيئاً حتى أنزل الله ﵎ عليه جبريل بالرسالة، ولهذا قال تعالى: وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى [الضحى:٧] فحصلت له الهداية من الله ﵎ بهذا النور، وإلا فما كَانَ يدري ما الكتاب ولا الإيمان، ولم يكن يعرف عن ربه ﷿ هذه المعرفة العظيمة قبل أن ينزل عليه الوحي، وهو أكمل النَّاس بلا شك عقلاً وفهماً وصحابته الكرام هم أعظم النَّاس رأياً وعقلاً وفكراً، ومع ذلك كيف كانت حياتهم في الجاهلية؟! فلما نزل القُرْآن واتبعوا الرَّسُول وأخذوا من نوره، واقتبسوا من العلم الذي جَاءَ به أصبحوا أعقل النَّاس وأعلم الناس، وأفضل النَّاس وأكمل النَّاس في الإلهيات وفي معرفة الله ﵎، فمن الذي قال في الإلهيات شيئاً يعتد به من غير الرسل، ومن غير طريق الوحي؟ لم يأت أحد بشيء أبداً.\r\rامتحان العلماء للآمدي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689727,"book_id":1659,"shamela_page_id":853,"part":null,"page_num":853,"sequence_num":853,"body":"قال الحافظ ابن حجر في لسان الميزان (٣/١٣٤) : قرأت بخط الحافظ الذهبي فيتاريخ الإسلام قَالَ: كَانَ شيخنا القاضيتقي الدين سليمان يحكي عن الشيخ شمس الدين ابن أبي العز أنه كَانَ يحضر مجالسسيف الدين الآمدي، قَالَ: فأردنا أن نمتحنه، لأنهم رأوه يتخلف عن الصلاة، فلم يدروا أيصلي الرجل أم لا؟ فوضعنا الحبر في رجله فمكث أكثر من يومين وهو باق لم يذهب! فعلموا أنه لا يتوضأ ولا يصلي- نسأل الله العافية- فماذا كَانَ يقول الآمدي؟ كَانَ يجلس ويقرر المسائل العظيمة في علم الكلام وفي الأصول، وفي الجدل والمناظرة والبحث حتى أن العز بن عبد السلام يقول: ما تعلمت أصول البحث والمناظرة إلا من السيف الآمدي، وكان يحفظ المستصفى وغيره من كتب الأصول وهي من أعقد وأصعب العلوم، وله كتاب اسمه: الإحكام في أصول الأحكام، في الأصول.\rفكان متبحراً في العقليات وفي الجدليات، وفي النظريات، وفي علم الكلام، وفي الأصول لكن كَانَ حاله في الدين ماذكرنا، وليس الأمر كما قال الأرنؤوط: \"ثُمَّ حسده جماعة من فقهاء البلاد وتعصبوا عليه، ونسبوه إِلَى فساد العقيدة، وانحلال الطوية\"، ليس الأمر كذلك، وإنما اجتمع العلماء أو الفقهاء، وكتبوا عليه محضراً لفساد العقيدة والطوية وميله إِلَى آراء الفلاسفة فكان ما كَانَ هذا الرجلسيف الدين الآمدي، كَانَ إمام الأشعرية في عصره، وإمام علماء الكلام في عصره، وكان يقول العز بن عبد السلام: لو أن زنديقاً جَاءَ ليجادل الْمُسْلِمِينَ لوجب أن ينبري الآمدي لمناظرته، لقوته في الجدل وفي الحجج العقلية، لكن حاله في نفسه كَانَ كما نقل عنه الذهبي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689728,"book_id":1659,"shamela_page_id":854,"part":null,"page_num":854,"sequence_num":854,"body":"فالأمر إذاً ليس أمر عقليات ولا كلاميات أو حفظ مسائل ومتون، وإنما الأمر أمر إيمان ويقين، والعلم إذا لم يثمر الإيمان واليقين وتقوى الله ﵎ وخشيته في السر والعلن فلا خير فيه، بل هذا دليل عَلَى أن ذلك العلم خبيث، وإن كَانَ العلم حقاً، وكانت النية لغير الله ﷿ فإن صاحبه لا ينتفع به، فكيف إذا اجتمع الأمران: علم لا ينفع، ونية فاسدة نسأل الله العفو والعافية.\rويقاس عَلَى هذا نظريات علم الاجتماع، وعلم النفس، والقوانين الوضعية بجميع أنواعها، وأكثر هذه العلوم التي تسمى العلوم الإِنسَانية، التي لا تثمر هدى ولا صلاحاً، ولا فلاحاً ولا خيراً لمن يقرأها. فتجد أحدهم يتعمق فيها ويناقش الأدلة، ويرد من كلام هذا، ويأخذ من كلام هذا، ويؤلف المجلدات، أو يحصل عَلَى أعلى الشهادات، وكلها لا خير فيها، ولا فائدة من ورائها أبداً، والفرق بين هذه العلوم وبين علم الكلام: أن علم الكلام كَانَ النَّاس في ذلك الزمن ينظرون إليه بمنظار الدين، حتى في أوروبا، فقد كَانَ رجال الدين يمثلون حال الكنيسة التي تتحكم في كل شيء، وفي كل علم، بخلاف دين الإسلام فهذه العلوم عندما كانت لأنها تسمى علوماً إلهية، وتتعلق بصفات الله ﷿، كَانَ النَّاس كانوا يتجهون إليها، فكان الواحد منهم -أي من علماء الكلام - يظن أنه يتعلم علم الكلام ليدافع عن الدين، وليعتقد اليقين -كما مر- وأن هذا علم نافع، وأنه مثل علم النحو، وعلم الفقه ونحو ذلك من العلوم، التي طورت ودونت وأحدثت لها مصطلحات جديدة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689729,"book_id":1659,"shamela_page_id":855,"part":null,"page_num":855,"sequence_num":855,"body":"أما العلماء المعاصرون اليوم في الاجتماع والقانون والنفس وأمثال ذلك فإنهم يأخذونها عَلَى أنها آراء لهم، لا أنها تقرب إِلَى الله، فلا يقولون: إنها هي الحق الذي يريده الله، بل يأخذونها عَلَى أساس أنها هي العلم الإِنسَاني الذي لو انتظمت الحياة عليه لصلحت الحياة الإِنسَانية؛ لأنهم يؤمنون مسبقاً بأن الدين لا دخل له في شئون الحياة، ولا يمكن أن ينظم الحياة، ولا يصلح في عصر الحضارة والتطور، لكن يقولون: إن الإِنسَان ارتقى في الماديات، وفي التقنية، وكذلك ارتقى في القانون وفي الاجتماع وفي الفلسفة، ويريدون أن تتواكب العلوم الإِنسَانية مع الزمن الحضاري، وذلك لأن الجانب الإِنسَاني قاصر جداً عن مجاراة التفوق في الجانب المادي؛ لأن الجانب المادي هو مما خُلِق عقل الإِنسَان ليعمل فيه، أما الجانب الآخر فهو مما حجب عنه العقل البشري، فالنتيجة واحدة لا إيمان ولا تقوى، ولا خشية ولا صلة بالله تَعَالَى.\r\rتوبة أبي حامد الغزالي في آخر عمره\rأبو حامد الغزالي: هو الذي مر الحديث عنه، وانتهى آخر أمره إِلَى الوقف والحيرة في المسائل الكلامية، وألف في آخر عمره كتاب إلجام العوام عن علم الكلام كتبه ليبين أن علم الكلام لا يؤدي إِلَى الثمرة التي يظنها النَّاس منه، عَلَى ما في كتابه من اضطراب وتناقض سبق أن أشرنا إليه.\rوالمهم أنه أقبل عَلَى حديث رَسُولِ اللهِ ﷺ ومات وصحيح البُخَارِيّ على صدره، وأول منزل، وآخر منزل يجب عَلَى الإِنسَان أن يسير فيه من منازل الطريق هو الكتاب والسنة، وليس الأمر كما قال ﵀: أن أول المنازل هو التصوف.\r\rأبو عبد الله محمد بن عمر الرازي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689730,"book_id":1659,"shamela_page_id":856,"part":null,"page_num":856,"sequence_num":856,"body":"ثُمَّ يقول المصنف: [وكذلك أبو عبد الله مُحَمَّد بن عمر الرازي] ، الفخر أو فخر الدين، وقد ترجم له الحافظ الذهبي ﵀ في الميزان في حرف الفاء وأخذ باللقب وقد أورد الحافظ ابن حجر ﵀ في اللسان إشكالاً في ترجمة الآمدي، وقَالَ: إنه أي الذهبي أدخل ترجمة الآمدي وترجمة الفخر الرازي في الميزان وهما مما لا يدخل في موضوع الكتاب، وهذا نقلاً عن ابن السبكي صاحب طبقات الشافعية، عندما لام الحافظ الذهبي بقوله: لماذا تدخل الرازي في كتاب الميزان؟!، وكتاب الميزان وضع فيه الرجال المتكلم فيهم من الرواة. والفخر الرازي ليس من أصحاب الرواية، ثُمَّ اعتذر عنه فقَالَ: ولعله أراد أن يبين أمره لأنه عنده من المبتدعة. والآمدي أيضاً ذكر في قسم السيف الآمدي.\rيقول الحافظ ابن حجر: ذكره باللقب دون الاسم، كأنه يشعر بالتقليل من شأنه فالله أعلم، يقول الحافظ ابن حجر ﵀ في لسان الميزان في ترجمة الشهرستاني: إن الشهرستاني له شيء من الرواية، ومع ذلك لم يدخله الذهبي في الميزان، فَيَقُولُ: إذا كَانَ الأمر أمر بيان لأهل البدع فليدخل كل أهل البدع، وإن كَانَ الأمر أمر الرواية فإن الرازي لا رواية له، وشَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ كثيراً ما يسميالرازي بابن الخطيب، لأن أباه كَانَ خطيب الري، وهي من أكبر المدن في بلاد الفرس، ويُقَالَ: إنها هي التي تسمى اليوم طهران، والنسب إِلَى الري رازي، وهو خطأ مخالف للقياس؛ لأن الزاي هذه زيادتها مخالفة للقياس، وهكذا وقع الاصطلاح: أنهم يزيدونها، والرازي ألف كتاباً سماه أقسام اللذات يقول فيه هذه الأبيات:\rنهاية إقدام العقول عقال وغاية سعي العالمين ضلال.\rوكما بينا أن إقدام العقول وخوضها فيما لم تخلق له نهايته ضلال، وغايته لا خير فيه، يقولالرازي:\rوأرواحنا في وحشة من جسومنا وحاصل دنيانا أذىً ووبال","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689731,"book_id":1659,"shamela_page_id":857,"part":null,"page_num":857,"sequence_num":857,"body":"وقد بينا لماذا توجد الوحشة والجفوة بين الروح والجسد وبيان ذلك وموجزه، أن الجسد يمشي وفق ما أمر الله، ووفق النظام الكوني، والأمر الكوني الذي جعله الله ﷾ عليه، وجعل للروح الأمر الشرعي، فمن مشى متبعاً للشرع، وجعل قلبه وروحه متفق مع الشرع اتفق قلبه وجسمه، أو اتفقت روحه وجسمه، فلم يكن هناك وحشة بين الروح وبين الجسد.\r\rأما إذا جعل الإِنسَانُ الجسدَ يمشي، وهو بطبيعته يمشي وفق الأمر الكوني، لكن لو اختار لقلبه طريقاً غير طريق الإيمان بالله، فهنا تحصل الوحشة، ولهذا تجد الذين ينتحرون وهم في غاية النعيم الجسدي من الأموال والملذات الدنيوية، وكل ما يطمح إليه الجسد موجود، فينتحر بسبب وجود الوحشة والتنافر بين الجسد والروح، بين القلب وبين هذه الحياة، لا يأنس ولا يطمئن لهذه الحياة أبداً لأنه لا راحة ولا طمأنينة إلا بالإيمان بالله ﵎ واتباع أمره، ونسبة الانتحار في المجتمعات الفقيرة نادرة جداً، ولكن نسبة الانتحار في المجتمعات الثرية عالية جداً، وكفى بهذا عبرة للإنسان إذا تأمل.\r\rوليعلم أن الحياة السعيدة هي في الإيمان بالله ﷾، وأن أعظم تنمية يجب أن تسعى إليها جميع الشعوب، ويسعى إليها جميع الأفراد هي تنمية الإيمان بالله ﷿ لأنه هو الذي ينمي السعادة والراحة، والطمأنينة، وهو الذي يعقب أيضاً الرخاء في الحياة الدنيا، والنماء فيما يرزقه الله ﵎ كما قال نوح ﵇ لقومه: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ َ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689732,"book_id":1659,"shamela_page_id":858,"part":null,"page_num":858,"sequence_num":858,"body":"[نوح:١٠-١٢] فالتنمية المادية، والرخاء المادي، والثروة الاقتصادية الوفيرة كل ذلك يأتي تبعاً للإيمان بالله ﵎، فالإيمان بالله هو الأساس لسعادة الدنيا والآخرة فتلتئم النفس والروح مع الجسد، ويلتئم الفرد مع المجتمع، وتلتئم الحياة البشرية مع الكون الذي يحيط بها، لأن الصلة بالله ﷿ موجودة، وكل مافي الكون خلق الله ﷾. وعندما ننظر كيف كَانَ النبي ﷺ وأصحابه نجد التآلف يصل بين المؤمن بالله ﷿ وبين الماديات، ليس فقط مع الأشخاص، فالمنبر -جذع النخلة- يحن؛ لأن النبي ﷺ ترك الخطابة عليه، وجبل أُحد قال فيه النبي ﷺ: نحبه ويحبنا؛ لأن له إحساس، يحب أو يبغض سُبْحانَ اللَّه! فالقصد أنه إذا وجد الإيمان بالله ﷿ وجد التآلف حتى مع الأمور المادية، فأصلح أيها العبد العلاقة مع الله عزوجل، وأصلح صلتك بالله ﷿ فإن هذا الكون كله خلق الله ﷾.\rوكل هَؤُلاءِ البشر عبيده ﷾ يُسخٍرهم كما يشاء، لكن إذا أفسدت العلاقة مع الله عزوجل، وقطعت الصلة بالله -عزوجل- وجدت النفرة مع الزوجة ومع الأولاد، ومع الزملاء في العمل، ومع الحياة جميعاً، كما قال تعالى: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف:٦٧] يتلاعنون في النار، ويتخاصمون، وكل منهم يلوم الآخر وهكذا كل محبة في هذه الحياة الدنيا.\rيقولالرازي:\rولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أنا جمعنا فيه قيل وقالوا\rهذا هو علم الكلام: قيل وقالوا، فإن قيل قلنا؛ لكن هل هذا الكلام يصدر عن يقين وعن اعتقاد، وهل هذا الكلام نافع أو هو علم مثمر؟ قلنا: ليس شيئاً من ذلك.\rفكم قد رأينا من رجال ودولة فبادوا جميعاً مسرعين وزالوا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689733,"book_id":1659,"shamela_page_id":859,"part":null,"page_num":859,"sequence_num":859,"body":"وكم من جبالٍ قد علت شرفاتها رجال فزالوا والجبالُ جبالُ\rوهنا حصل ما نسميه بيقظة الروح، أو يقظة الضمير، وذلك عندما يتفكر الإِنسَان أين مصير الناس، وهذا من أكثر ما يورث اليقين في القلب، ولو أن الرازي فطن إِلَى هذا الأمر وحده - كما ذكر في هذه الأبيات- لأغناه، وهذه العبرة كررها الله ﷾ في القُرْآن ولأنها عظيمة، ولأنها مؤثرة، وهي التفطن والتفكر في الأمم الذين خلوا من قبل قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ َ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ [آل عمران:١٣٧] انظروا إِلَى الآثار التي خلفها الذين من قبلكم، الرومان، الفرس، الصينيون، الآشوريون، البابليون، الفينقيون، الفراعنة، أمم وحضارات ودول ذهبت وزالت كما يقولون: سادت ثُمَّ بادت، هذا هو المصير، ألا يكفي أن يثير هذا الأمر العبرة في كل ذي قلب وفي كل ذي عقل إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ َ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [قّ:٣٧] والرازي في لحظة اليقظة يقظة الضمير أو يقظة الروح، استطاع أن يعبِّر عن هذه القضية، وعن هذه العبرة وهكذا الحياة هذا شأنها، لو تأمل الإِنسَان إِلَى البحر كم ركبه؟ وكم طوى فيه؟ والأرض التي نَحْنُ فيها، كم علاها من أقوام، وكم صار فوقها، وربما كَانَ أحدهم يتبختر في مشيه، وكأنه لن يموت وكأنه كما قال الله ﷿: إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً [الاسراء:٣٧] ثُمَّ في الأخير أين هو الآن؟ كما قال المعري -وكان من كبار الملاحدة -:\r\rخفف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689734,"book_id":1659,"shamela_page_id":860,"part":null,"page_num":860,"sequence_num":860,"body":"معنى قوله: أن من مات فهو أديم الأرض والطبقة العليا من الأرض، فتراب الأرض ما هو إلا ركام الأجساد التي كانت تسير عليها ثُمَّ ماتت وبادت، وفي زماننا لو أمكن النَّاس أن يبنوا عَلَى المقابر العمائر لفعلوا، فلا حول ولاقوة إلا بالله! ولم يكتفوا بذلك بل عصوا الله فوقها؛ فوق مقابر الذين عصوا الله وهلكوا -نسأل الله العفو والعافية، نسأل الله البصيرة في أمرنا.\r\rاعتراف الرازي بحقيقة التوحيد وخاصة في الأسماء والصفات\rثُمَّ يقول الرازي: لقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية -وهما قريبان من بعض- فما رأيتها تشفي عليلاً، ولا تروي غليلاً -وهذه المقولة مقولة مجرب عالم بصير- ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، بل الصواب محصور فيها وحدها، في طريقة القرآن، أقرأ في الإثبات الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:٥] إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ [فاطر:١٠] وكما هو معلوم أن أمر العقيدة يدور عَلَى مسألتين: عَلَى النفي والإثبات، ماذا نثبت لله عزوجل، وماذا ننفي عنه؟ بالأخص في موضوع الأسماء والصفات فَيَقُولُ: إذا قرأت في الإثبات الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:٥] إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ [فاطر:١٠] الآيات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689735,"book_id":1659,"shamela_page_id":861,"part":null,"page_num":861,"sequence_num":861,"body":"أفهم بجلاء وبوضوح أن الله ﵎ فوق المخلوقات، عالٍ عَلَى جميع المخلوقات ﷾، مع أن الرازي له كلام شديد وطويل في نفي العلو، فَيَقُولُ: دعك من هذا كله واقرأ في الإثبات الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:٥] إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ [فاطر:١٠] وإذا بك تجد نفسك مؤمناً بعلو الله ﵎ وبجميع الصفات، التي وردت في الإثبات ثُمَّ قَالَ: واقرأ في النفيلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:١١] الآية تكفيك من أن تقول: ليس بجوهر ولا عرض، ولا مادة ولا مركب ولا متحيز، فكل كلمة من هذا الكلام تحتمل تفصيلات ونقاشات؛ لكن الله تَعَالَى يقول: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:١١] فتكفيك هذه في النفي، وفي التنزيه لله ﵎ وقوله: وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً [طه:١١٠] .\r\rفإذا عرفنا أننا لا نحيط بالله ﵎ علماً فهذا موجب لعدم الخوض في أمر من أمور الغيب، وفيما يتعلق بصفاته ﵎، لأن علمنا قاصر محدود عن إدراك هذه الأمور، فنؤمن به كما أخبر، ونتبع قول أعلم النَّاس به وأتقاهم له وهو رَسُول الله ﷺ، ولهذا قلنا: إن العلم الصحيح يورث التقوى، فعندما كانت معرفة النبي ﷺ صحيحة حقيقية أورثت التقوى، فأصبح بذلك أعرف النَّاس بربه وأخشاهم وأتقاهم له، وكذلك كل من كَانَ عَلَى طريقتة إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:٢٨] فكلما كَانَ الإِنسَان أكثر علماً، كلما كَانَ أكثر خشية، كما قال سفيان ﵀: في تفسير هذه الآية ثُمَّ يقول الرازي: \"ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي\".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689736,"book_id":1659,"shamela_page_id":862,"part":null,"page_num":862,"sequence_num":862,"body":"والمشكلة أنهم يقولون هذا الكلام الصريح الجلي ويأتي تلاميذهم وينسون هذا الكلام، ويأخذون بما في كتبهم، وهكذا الجويني رأى مارآه الرازي ثُمَّ أعلن توبته كما سيأتي، ثُمَّ جَاءَ أبو حامد الغزالي تلميذه وأخذ يسلك المناهج وفي الأخير تاب أبو حامد، وعندما جَاءَ من بعده الرازي لم يقل: نبدأ من حيث انتهى الغزالي، فنبدأ من صحيح البُخَارِيّ بل بدأ بما نهى عنهالغزالي وألف في ذمه كتاب إلجام العوام عن علم الكلام ثُمَّ جَاءَ الرازي واشتغل طول عمره في علم الكلام، وفي الأخير عند الموت وإذا به يقول: هذا الكلام، ويقول: أقرب الطريق طريقة القرآن، ثُمَّ أتى الإيجي صاحب المواقف الذي هو حجة في علم الكلام عند أكثر أهل الكلام في هذا العصر، فترك كلام الرازي الأخير، وأخذ ينقل من كلامه في الأربعين، ومن كلامه في التفسير.\rوهكذا نجد الخطأ يتكرر، وهذا من أعجب العجب! فالعاقل يتعظ بغيره، لكن هَؤُلاءِ لا يتعظون بقول الرازي: من جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي. الذي يتعظ بغيره لا يحتاج أن يجرب، ثُمَّ ضم إِلَى هذه العبارة قول أبي حامد الغزالي: \"وهذا يعني ذم علم الكلام إذا سمعته من محدِّث أو حشوي ربما خطر ببالك أن النَّاس أعداء ما جهلوا\" لأن أهل الحديث يكرهون علم الكلام.\rيقول: [فاسمع هذا ممن خبر الكلام -يعني: نفسه- ثُمَّ قاله بعد حقيقة الخبرة وبعد التغلغل فيه إِلَى منتهى درجة المتكلمين] أي خذ هذا الذم لعلم الكلام ممن بلغ هذه الدرجة، وبعد هذا أين من يعتبر؟ وأين من يتعظ؟ فهَؤُلاءِ أربعة: ابن رشد، الآمدي، الغزالي، الرازي قد قالوا هذا الكلام.\r\rحيرة الإمام الشهرستاني وتوقفه\rالخامس أبو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الكريم الشهرستاني، وهذا أيضاً لم يجد عند الفلاسفة والمتكلمين إلا الحيرة والندم حيث قال:\r\rلعمري لقد طفت المعاهد كلها وسيرت طرفي بين تلك المعالم\rفلم أر إلا واضعاً كف حائر على ذقن أو قارعاً سن نادم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689737,"book_id":1659,"shamela_page_id":863,"part":null,"page_num":863,"sequence_num":863,"body":"ووقع الشيخشعيب أيضاً في نفس الخطأ -غفر الله لنا وله-، عندما قَالَ: هو مُحَمَّد بن عبد الكريم الشهرستاني من فلاسفة الإسلام! وكذا عرف من قبله، فهل في الإسلام فلاسفة؟! لا يوجد فلاسفة للإسلام، ولا يصح إطلاق هذه العبارة، فالإسلام له علماؤه الذين يتبعون الكتاب والسنة، أما من اشتغل بالفلسفة فهو من المبتدعة الضَُّلال، وكما ذكرنا أنابن السبكي اعتذر للذهبي ﵀ عن إيراد الرازي والآمدي في الميزان ثُمَّ ابن حجر في اللسان، فقَالَ: لأنهم من أهل البدع فيريد أن يبين حالهم، وإلا فليسوا من أهل الروايات فالغرض هو بيان أنهم من أهل البدع، هكذا اعتذر ابن السبكي عَلَى تعصبه لهَؤُلاءِ.\r\rثُمَّ يأتي الشيخ شعيب -يغفر الله لنا وله- ويكون أكثر تعصباً حين يقول: من فلاسفة الإسلام! ومعنى هذه الكلمة أن هذا الدين يحتاج إِلَى فلاسفة، يحتاج إِلَى أناس يتعمقون في هذه العلوم، ويأتون بما يخالف الكتاب والسنة، فإن جاءوا بما يوافق الكتاب والسنة لم يعدوا فلاسفة بل فقهاء، فالفقيه هو الذي يستنبط من الكتاب ومن السنة، وإن جاءوا بعلوم اليونان وأباطيلهم فهذه هي الفلسفة، ومن هذا شأنه فليس من الدين في شيء، بل هو مبتدع مارق، ولا يضاف إِلَى الإسلام، ولا ينسب إليه.\rالقصد أن الشهرستاني كَانَ إماماً في علم الكلام عَلَى مذهب الأشعري، وكان إماماً في نحل الأمم ومذاهب الفلاسفة، وكان عَلَى معرفة عظيمة بأقوال الفلاسفة والنحل والفرق، ولهذا ألف كتاب الملل والنحل، وقد ذكر الإمام الذهبي في السير، وابن حجر في لسان الميزان أن الشهرستاني أخذ الكلام عن أبي نصر القشيري، وأبو نصر القشيري هو ابن القشيري صاحب الرسالة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689738,"book_id":1659,"shamela_page_id":864,"part":null,"page_num":864,"sequence_num":864,"body":"وهَؤُلاءِ وغيرهم كانوا في زمنهم عَلَى عداوة شديدة مع أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ، الذين كانوا يسمون أحياناً أو في بعض الكتب بالحنابلة، فكانت المعركة قائمة بين القشيري وتلامذته، وبين أهل السنة أو المسمون بالحنابلة ومن كَانَ معهم، وكان معروفاً عند العامة وعند الناس، أن من انتحل طريق ابن القشيري ومنهجه أنه من أهل البدع كما هو موضح في ترجمة ابن القشيري في كتاب المنتظم لابن الجوزي، فالمراد أن هَؤُلاءِ هم شيوخه. يقول ياقوت الحموي في وصفه: الفيلسوف المتكلم صاحب التصانيف، كَانَ وافر الفضل كامل العقل ثُمَّ يقول: ولولا تخبطه في الاعتقاد ومبالغته في نصرة مذاهب الفلاسفة والذب عنهم لكان هو الإمام.\rونقل الحافظ ابن حجر في اللسان قريباً من قول ياقوت عن الخوارزمي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689739,"book_id":1659,"shamela_page_id":865,"part":null,"page_num":865,"sequence_num":865,"body":"ونقل أيضاً عن ابن السمعاني في اتهامالشهرستاني بالإلحاد، وهما أفضل وأوثق من ياقوت، وقول ياقوت: لولا تخبط الشهرستاني في الاعتقاد ومناصرته لأهل الإلحاد لكان هو الإمام لم يكن فيه الصراحة في النقد ولعل ذلك بسبب المحبة أو الهوى أو الميل أو التعصب المذهبي لأن بعضهم كانوا شافعية، وهذا شافعي، فتجدهم يصفونه بأعظم الأوصاف لأنه شافعي المذهب أو أشعري مثلهم، وهذا من الهوى الذي لا نجده عند علماء الجرح والتعديل الذين جعلهم الله ﵎ ميزاناً ومعياراً لمعرفة النَّاس والحكم عليهم، هذا من فضله ﵎ حماية لهذا الدين دون تعصب لأي أحد كائناً من كان، من تصانيفالشهرستاني كتاب نهاية الإقدام في علم الكلام قال في بدايته: لما وجدت النَّاس في حيرة وضلال وشكوك ورأيتهم محتاجين إِلَى علم صحيح وعقيدة صحيحة ألفت هذا الكتاب! وليتأمل عنوان الكتاب مع أبيات الرازي مع ملاحظة أن الشهرستاني توفي عام خمسمائة وثمانية وأربعين، وتوفي الرازي عام ستمائة وستة، والرازي قطعاً اطلع عَلَى كتاب الشهرستاني، وتأمله، وهو من أعظم الكتب في مذهب الأشعرية وفي عقيدتهم.\rفعندما قال الرازي:\rنهاية إقدام العقول عقال وغاية سعي العالمين ضلال\rفكأنه يقول: ما كنا نعتبره النهاية في الإقدام في العلم وفي العقيدة، وغاية ما ألَّفه علماؤنا في هذا المذهب هو ضلال ووبال وخسارة ولا فائدة فيه، إِلَى أن قال:\r\rولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا\rوالشهرستاني ذكر في أول هذين البيتين أنه ما ألَّف هذا الكتاب إلا ليحل هذه المشكلة، يقول: (لعمري لقد طفت المعاهد كلها) مر عَلَى معاهد العلم وعلى الحلقات.\r\r(وسيرت طرفي) -أي: عيني- بين تلك المعالم، فرأى النَّاس المشتغلين بعلم الكلام، فقَالَ:\rفلم أر إلا واضعاً كف حائر على ذقن أو قارعاً سن نادم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689740,"book_id":1659,"shamela_page_id":866,"part":null,"page_num":866,"sequence_num":866,"body":"أي: وجد أنهم في حيرة وفي ندم وفي تخبط سواء كَانَ الغزالي أو الجويني، وقبلهم الأشعري وعندما قَالَ: سأؤلف هذا الكتاب، ليقطع الريب، وليأتي بالعلم الصحيح، سُبْحانَ اللَّه! وهل هذا مما وكل إلىالشهرستاني أو إِلَى من هو أجل وأعظم منه؟ لا والله، فلم يرجع الله ﵎ النَّاس لمعرفة الحق واليقين والهدى إِلَى الشهرستاني ولا غيره، وإنما هو في كتاب الله وفي سنة رَسُول الله ﷺ، فلو أنه -وهو يعبِّر عن حال هَؤُلاءِ الناس- قَالَ: كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى: \"الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من اتعظ بغيره\" ورأى مصير هَؤُلاءِ، وهنا مسألة نريد أن ننبه عليها لها أثرها بالنسبة للشهرستاني وهي أن مقولة ابن السمعاني فيالشهرستاني: أنه كَانَ متهماً بالميل إِلَى أهل الإلحاد.\r\rوكذا قالها الخوارزمي وياقوت الحموي.\r\rوفسرها ابن حجر ﵀ فقَالَ: وكان الشهرستاني مائلاً إِلَى مذهب الإسماعيلية وهم الذين يسمون أهل الإلحاد، وكان إلحادهم مشهوراً عند العامة والخاصة، عند أهل السنة، وعند الأشعرية، وعند المعتزلة بل حتى عند الشيعة الإثنى عشرية، يعتبرون الشيعة الإسماعيلية ملاحدة، فكان الشهرستاني مائلاً إِلَى قول الملاحدة وكانوا في تلك الفترة -أي فترة القرن السادس- لهم انتشار ووجود كبير، وهذا أيضاً مما يعين عَلَى فهم نفسية الرجل، ومع ذلك يعتبره بعض النَّاس من أئمة أهل السنة، ويقولون: كتابهنهاية الإقدام من أعظم ما كتب في نصرة مذهب أهل السنة، سُبْحانَ اللَّه كيف يكون من كَانَ متفلسفاً متكلماً مائلاً إِلَى نصرة الإسماعيلية من أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ؟!\r\rتوبة الجويني وسببها","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689741,"book_id":1659,"shamela_page_id":867,"part":null,"page_num":867,"sequence_num":867,"body":"والسادس: أبو المعالي الجويني، والمصنف ﵀ لم يراع الترتيب التاريخي، يقول الجويني: يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي إِلَى ما بلغ ما اشتغلت به، وقال عند موته: \"لقد خضت البحر الخضم، وخليت أهل الإسلام وعلومهم، ودخلت في الذي نهوني عنه، والآن فإن لم يتداركني ربي برحمته فالويل لابن الجويني، وها أنا ذا أموت عَلَى عقيدة أمي، أو قَالَ: عَلَى عقيدة عجائز نيسابور!..\".\rهذا الكلام ذكره الحافظ الذهبي ﵀ في ترجمة أبي المعالي في سير أعلام النبلاء.\r\rوذكره شَيْخ الإِسْلامِ في التسعينية في علم الكلام.\r\rوذكره الحافظ ابن حجر ﵀ أيضاً في فتح الباري، في كتاب التوحيد، والكلام مشهور عن الجويني.\rولمَّا تاب الجويني من علم الكلام ألف كتاب اسمه النظامية وهي الرسالة التي ألفها باسم نظام الملك وزير السلاجقة يقول فيها: \"لما رأيت علماء الإسلام وهم الصحابة والتابعون منصرفين عن التأويل وهم أعلم النَّاس بالدين، وأحرصهم عَلَى حفظه ... ثُمَّ قَالَ: ولو كَانَ ذلك خيراً لكانوا أسبق إليه من غيرهم\".\r\rوهذا دليل فطري منطقي سليم، لصاحب المنطق السليم الصحيح، فلا يمكن أن تُطبق القرون الثلاثة المفضلة عَلَى عدم التأويل، ويكون ذلك خطأً أو مفضولاً أو مرجوحاً ثُمَّ يأتي بعد ذلك من يؤول ويقول: تأويله هو الأعلم والأحكم والأسلم لا يمكن ذلك أبداً، وعلى هذا بنى رسالته النظامية، وهو يميل فيها إِلَى التفويض كما مر- ويظن أن مذهب السلف هو التفويض المطلق، يعني: تفويض المعنى والكيفية، وتقدم الفرق بينهما وأن السلف يفوضون في الكيفية، وأما المعاني فهم يثبتونها لصفات الله ﷾، كما فهمها النبي ﷺ وأصحابه والسلف الصالح، والمفسرون وعلماء اللغة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689742,"book_id":1659,"shamela_page_id":868,"part":null,"page_num":868,"sequence_num":868,"body":"وكان موقف من المواقف سبباً من أسباب توبةالجويني، وذلك أنه لما وقف عَلَى المنبر وتكلم في أمر العقيدة وفي نفي العلو كَانَ أبو جعفر الهمداني جالساً في المسجد فَقَالَ له: أيها الشيخ \" دع عنك هذا، دعنا من الجدل ومن النقاش ومن العقليات، وأخبرنا عن الضرورة، التي يجدها الإِنسَان حين يدعو الله عزوجل.\rفما من داع يدعو الله إلا ويجد ضرورة أن يتجه إِلَى العلو فقَالَ: ما سر هذه الضرورة الفطرية المغروسة في كل نفس فأخذ الجويني يلطم بكمه في المنبر ويقول: حيرني الهمداني حيرنيالهمداني ونزل من عَلَى المنبر، وهذه واقعة ثابتة ومشهورة، نثبت بها أن علم الكلام مصادم للفطرة السليمة.\r\rفالفطرة المغروسة في كل نفس، أن الإِنسَان إذا دعا يتجه إِلَى العلو، وليس هناك من حل يدفع هذه الضرورة إلا الإيمان فعلاً بأن الله تَعَالَى فوق مخلوقاته، وعند الموت أخذ الجويني يوصي تلاميذه، وهذه الوصية كَانَ عَلَى الغزالي أن يعمل بها، وكان مما يقَالَ: إنه ما من تلميذ غلب شيخه حتى طمس ذكره في حياة شيخه كأبي حامد الغزالي في حياة الجويني؛ لأن الشيخ خفتت سمعته وتضاءلت وهو حي لمَّا نبغ الغزالي في وفرة ذكائه وسعة إطلاعه، ومعرفته ودقته في العلوم فيقول الجويني لأصحابه: \"لقد خضت البحر الخضم، وخليت أهل الإسلام وعلومهم\".\rيعني أنه كَانَ يقول: هذه العلوم نقلية، وهذه العلوم علوم الحشوية والنابتة فنحن نتركها ونأخذ بالعلم اليقيني المحقق، بالعقل وبالدليل، وبالحجة وبالمجادلة، وبالنظر وما أشبه ذلك، فقَالَ: \"خليت أهل الإسلام وعلومهم، ودخلت في الذي نهوني عنه\".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689743,"book_id":1659,"shamela_page_id":869,"part":null,"page_num":869,"sequence_num":869,"body":"ومن هنا نعلم أن علماء الإسلام ينهون عن علم الكلام، وأن هذا أقدم عَلَى علم الكلام وهو يعلم أن علماء الإسلام ينهون عنه، والجويني مذهبه شافعي، ومن أكثر الأئمة الذين ثبت عنهم ذم علم الكلام الإمام الشَّافِعِيّ كما ذكر ذلك الحافظ ابن عساكر بالسند في كتابه \" تبيين كذب المفتري \" وكما ذكر المُصْنِّف ﵀ هنا، فالجويني، والغزالي، والجويني، ومعظم أئمة الأشعرية شافعية، وتراهم يُقدمون عَلَى هذا العلم وهم يعلمون أن إمام مذهبهم ينهى عنه.\rثُمَّ يقول الجويني بعد ذلك عندما حصحص الحق وجاء اليقين، وأصبح الإِنسَان في حال إقبال عَلَى الآخرة، وإدبار من الدنيا وعندما لا ينفع الجاه ولا العلم، ولا التلاميذ، ولا الشهرة، ولا أقوال الناس، في تلك اللحظة التي يتخلى فيها الإِنسَان عن كل شيء وتتضح له حقيقته ونفسه وتنتهي كل البهارج والزخارف، يقول: والآن فإن لم يتداركني ربي برحمته فالويل لابن الجويني: يسأل الله الرحمة وألا يبتلى عند الموت، وألا يكون اشتغاله بعلم الكلام وخوضه فيما نهى عنه علماء الإسلام سبباً لسوء الخاتمة عافانا الله من ذلك؛ لأن الإِنسَان عند الموت غالباً ما يختم له بما كَانَ يشغل به نفسه في الدنيا، كما ذكر ابن القيم ﵀ في الجواب الكافي أمثلة كثيرة في ذلك فكل من كَانَ مشغولاً بشيء في الدنيا تمثل عند موته سواء كَانَ مشغولاً بالتجارة أو بالعشق أو بالمال أو بالمتاع الزائل، أوبالأغاني أو بالمنصب؛ لأن الموت فراق لما يحب الإِنسَان فأي شيء كَانَ الإِنسَان يحبه، ويتأمل فيه يتذكره عند الموت، ومن كَانَ متعلقاً بالله، ومتعلقاً بالمساجد وبالذكر، فإنه يتذكر ذلك ويأتيه ذلك عند الموت، ونِعْمَ ما يتذكر حينئذ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689744,"book_id":1659,"shamela_page_id":870,"part":null,"page_num":870,"sequence_num":870,"body":"يقول: والآن فإن لم يتداركني ربي برحمته فالويل لابن الجويني، وها أنا ذا أموت عَلَى عقيدة أمي، أو قَالَ: عَلَى عقيدة عجائز نيسابور، أبعد هذا الخوض وبعد هذا الإطلاع، وبعد ما ألف كتاب الشامل -وهو كتاب ضخم، ومطبوع حققه الدكتور علي سامي النشار وبعض تلاميذه- وكتاب الإرشاد -وهو مطبوع أيضاً- بعدما ألف هذه الكتب وظن أنه بَيَّن للناس الاعتقاد الصحيح وقال بوجوب التأويل، وبوجوب أخذ العقيدة عن طريق العقل وعرضها عَلَى العقل وفي الأخير يقول: وها أنا ذا أموت عَلَى عقيدة أمي، وياليتها تحصل، إذا حصلت لكل علماء الكلام فهذا حسن؛ لأن الأمهات والعجائز عَلَى الفطرة السليمة، بل تراهم يقولون في نهاياتهم إذا سلموا من العذاب: إنهم بمنزلة أتباع أهل العلم من الصبيان والنساء والأعراب!\r\rهذا هو حال من أعرض عن كتاب الله، واتخذ أي منهج آخر من مناهج الضلال، يريد الإِنسَان منهم أن يعود إِلَى أول منزلة، منزلة الفطرة وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً [النحل:٧٨] يريد أن يكون بمنزلة الأمي الذي لا يعلم شيئاً، فأما من علَّمه الله وفقهه في الدين حتى أصبح لديه من اليقين ما تبدوا أمامه كل الشبهات الفلسفية والكلامية مثل الهباءة في الهواء لا يأبه لها ولا يلتفت إليها فهذا الذي أراد الله به خيراً، وهذا هو الذي يجب أن يكون عليه حال المؤمنين، وحال طلبة العلم الصادقين نسأل الله ﷾ أن يجعلنا منهم.\rالخسروشاهي\rقَالَ المُصْنِّفُ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689745,"book_id":1659,"shamela_page_id":871,"part":null,"page_num":871,"sequence_num":871,"body":"[وكذلك قال شمس الدين الخسروشاهي، وكان من أجل تلامذة فخر الدين الرازي لبعض الفضلاء، وقد دخل عليه يوماً، فقَالَ: ما تعتقده؟ قَالَ: ما يعتقده الْمُسْلِمُونَ، فقَالَ: وأنت منشرح الصدر لذلك مستيقن به؟ أو كما قال، فقَالَ: نعم، فقَالَ: اشكر الله عَلَى هذه النعمة، لكني والله ما أدري ما أعتقد، والله ما أدري ما أعتقد، والله ما أدري ما اعتقد؟ وبكى حتى أخضل لحيته ولابن أبي الحديد، الفاضل المشهور بـ العراق.\rفيك يا أُغلوطةَ الفِكَرِ حارَ أَمري وانقضى عمري\rسافرتْ فيكَ العقول فما ربحتْ إلا أذى السفر\rفلحا اللهُ الأولى زعموا أنك المعروف بالنظر\rكذَبوا إنَّ الذي ذكروا خارجٌ عن قوة البشر\rوقال الخونجي عند موته: ما عرفت مما حصلته شيئاً سوى أن الممكن يفتقر إِلَى المرجح، ثُمَّ قَالَ: الافتقار وصف سلبي، أموت وما عرفت شيئاً.\rوقال آخر: أضطجع عَلَى فراشي وأضع الملحفة عَلَى وجهي، وأقابل بين حجج هَؤُلاءِ وهؤلاء حتى يطلع الفجر، ولم يترجح عندي منها شيء] اهـ.\rالشرح:\rمر بنا: ابن رشد، والآمدي، والغزالي، والرازي والشهرستاني، والجويني.\rبقي الخسرو شاهي وشمس الدين الخسروشاهي قد عرَّفه المُصْنِّف ﵀ فقَالَ: [وكان من أجل تلامذة فخر الدين الرازي] توفي سنة ٦٥٢ هجرية، وهذا شمس الدين الخسرو شاهي دخل عليه يوماً بعض الفضلاء ووجده مشتغلاً ومنهمكاً بالعلم الذي حذر منه، ونهى عنه شيخه فخر الدين الرازي وقَالَ: لقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلاً ولا تروي غليلاً، فهذا المسكين اشتغل بالذي لا يشفي عليلاً، ولا يروي غليلاً، فزاره بعض الفضلاء من العلماء فَقَالَ الخسروشاهي للرجل: ما تعتقده؟\rفقال الرجل: ما يعتقده الْمُسْلِمُونَ، أعتقد في الله عزوجل -وفي الإيمان وفي الإلهيات- ما يعتقده الْمُسْلِمُونَ.\rقَالَ: وأنت منشرح الصدر لذلك مستيقن به؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689746,"book_id":1659,"shamela_page_id":872,"part":null,"page_num":872,"sequence_num":872,"body":"قَالَ: نعم، فهذه مسلمات لا مجال للشك فيه فَقَالَ له: اشكر الله عَلَى هذه النعمة، ثُمَّ قَالَ: لكني والله لا أدري ما أعتقد؟ والله لا أدري ما أعتقد؟ والله لا أدري ما أعتقد؟ وأخذ يبكي حتى اخضلت لحيته، أي: حتى أغرق لحيته بالدموع وهو يبكي، يقول: لا أدري ما أعتقد، أنت الذي تعتقد ما يعتقده الْمُسْلِمُونَ احمد الله عَلَى هذه العقيدة، واحمد الله عَلَى هذه النعمة.\rوبهذه القصة وبالتي قبلها يعلم الإِنسَان أن الإيمان والحق واليقين لا يكون إلا باتباع منهج الكتاب والسنة، فالفطرة التي عليها الْمُسْلِمُونَ موافقة لما في الكتاب والسنة، وزيادة عَلَى ذلك ما يعلمه علماء التفسير، وعلماء الحديث، والفقهاء في الدين، من أمر الله ﷿، ومن علم صفات الله وأحوال الآخرة، وغير ذلك هو أضعاف ما يعتقده العامة.\r\rأما هَؤُلاءِ القوم فإنهم لا يدرون ماذا يعتقدون، فإذا أراد أن يعتقد مثلاً مسألة القدر، وهو عَلَى مذهب الرازي والخسرو شاهي والجويني مذهب الأشعرية، فيمر عَلَى الكسب فلا يقدر عقله أن يحلله، أو أن يستوعبه، وإذا نظر إِلَى النَّاس الذين يعيشون في الدنيا وجدهم مؤمنين بالقدر، مطمئنين للإيمان بالقدر، فيظل غارقاً في الشبهات والنَّاس من حوله خيرٌ منه.\r\rوقل ذلك في أي باب من أبواب العقيدة فإنهم يبنونها عَلَى حجج واهيات يسهل الرد عليها؛ كما أتى عليها شَيْخ الإِسْلامِ فهدم بنيانها لأنها ليست عَلَى شيء.\r\rالإمام الجيلاني وقصة الرجلين\rوقد ذكر شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ قصة قريبة من حال هذا في أيام عبد القادر الجيلاني وهي أنه جَاءَ إليه رجلان: أحدهما عَلَى مذهب المعتزلة، والآخر عَلَى مذهب الأشاعرة، وقالوا له: ياشيخ إننا في حيرة من أمرنا، وإنه ترد لنا واردات وتخطر لنا خاطرات، ولا ندري ما الجواب عليها فهل عندكم من يقين؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689747,"book_id":1659,"shamela_page_id":873,"part":null,"page_num":873,"sequence_num":873,"body":"وقد كَانَ الشيخ الجيلاني معروفاً بأنه يربي المريدين- فقَالَ: نعم، عندنا يقين لا تأتيه هذه الخواطر ولا هذه الوساوس، فاحتارا.\r\rفأما المعتزلي فإنه ترك الاعتزال ودخل مع الشيخ عبد القادر حتى أصبح من كبار طلاب الشيخ، ووجد اليقين في الإيمانيات.\r\rوأما ذلك الآخر فإنه قَالَ: لا. وشك في الأمر، ثُمَّ تركه وبقي عمره في الحيرة وفي الشك.\r\rوالقصد أنهم يتعجبون ممن يمتلك اليقين في أبواب العقيدة، وهم مع خوضهم البحر الخضم لم يصلوا إليه! وهذا هو حال الملاحدة اليوم في الغرب، فالنَّصَارَى بالذات في الدول الأوروبية لا يعلمون ديناً غير دين النَّصَارَى.\r\rولو قلت لأحدهم: أيها أفضل دين النَّصَارَىأو الإسلام أو البوذية؟\rفإنه يقول لك: لا توجد نسبة، دين النَّصَارَىدين عظيم وممتاز! والإسلام همجية، والبوذية همجية! فهو يتصور أن أعظم دين وأفضله دين النصرانية.\r\rفإذا سألته هل أنت تؤمن بالنصرانية؟\rفإنه يقول لك: لا؛ أنا إنسان أؤمن بالعلم فقط، ولا أؤمن بالدين؛ لأن فيه خرافات وكذا وكذا، والنتيجة تصبح أنه لا يؤمن بأي دين، فيكون حائراً ملحداً.\r\rثُمَّ يقول لك: أحسن شيء أنني لا أتكلم في الغيبيات والفلسفات بل أبقى إنساناً عملياً، أفكر في الأمور العملية فقط، مثل النظرية التي مشت عليها أمريكا الفلسفة العملية.\rفتقول: أنت لا تنظر إِلَى الشيء من حيث أنه خطأ أو صواب، حق أو باطل فهذا لا يعنيك، يعنيك فقط، هل له ثمرة عملية موجودة؟\rويقول لك: لا تحكم لي عَلَى هذا العمل أهو أخلاقي أو غير أخلاقي؟ أصواب أم خطأ؟\rبل قل لي: هل توجد ثمرة مادية أم لا؟\rوهكذا إذا أتيت إِلَى عالم الفلك وقلت له: عندما تتأمل في الكون وفي المنظار تتأمل المراصد وترى هذه العجائب ألا يحدث عندك شيء من الإيمان بالله؟ فإنه يقول: إنني إنسان علمي، أتكلم في النتائج العلمية فقط، لا أحاول أن أُشْغِل نفسي بأمور فلسفية خارج النطاق.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689748,"book_id":1659,"shamela_page_id":874,"part":null,"page_num":874,"sequence_num":874,"body":"واسأل عالم التاريخ وقل له: عندما تنظر في الأمم والدول، هل تلاحظ أن الأمم حينما تأخذ في شرب الخمر وفي الزنا تهلك وتضيع وتضل؟!\rفسيقول لك: هذا موجود فإذا قلت له: لا تتكلمون عَلَى هذا الشيء وتنشرونه، فإنه يقول لك: لو تكلمت عن هذا الأمر لتحولت إِلَى عالم أخلاق، والأخلاق لها أناس متخصصون وأنا عملي أني إنسان مؤرخ فقط، أتعرض لوقت الحالات والأشياء، سُبْحانَ اللَّه! فما هي ثمرة التاريخ إذاً؟! وما فائدة دراسة التاريخ أصلاً إن لم يؤدِ بك إِلَى أن ترى سنن الله عزوجل في الذين خلوا من قبل، وتقولها لنفسك وللناس؟!\r\rابن أبي الحديد وحيرته\rابن أبي الحديد هو صاحب شرح نهج البلاغة الذي جمع كلمات بليغة منسوبة إِلَى عدة من الحكماء أو الخطباء، ونسبها جميعاً إِلَى عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِب رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، وقد كَانَ في درجة من الفصاحة، والبلاغة، يقول هذه الأبيات:\rفيك يا أُغلوطةَ الفِكَرِ حار أمري وانقضى عمري\rيقول: هذا العلم: علم الإلهيات وعلم معرفة اليقين والحق عن طريق الكدح الذهني والنظر والمجادلة وأشباه ذلك:\r\rحار أمري وانقض عمري\r\rفهذه العلوم تحار فيها العقول ولا تصل بها إِلَى نهاية\rسافرت فيك العقول فما ربحت إلا أذى السفر\rفنهايتها مشقة السفر فقط والتعب والأذى ولم تصل فيها إِلَى نتيجة قط.\rفلحا الله الألى زعموا أنك المعروف بالنظر\rلحاهم الله يعني: عابهم ولا مهم وأهلكهم، فهو يدعو عليهم، فلحى الله الألى زعموا: أي: الذين زعموا أنك المعروف بالنظر وبالعقل. يقول:\r\rكذبوا إن الذي ذكروا خارج عن قوة البشر\rنعم، فإن الذي ذكروه خارج عن قوة البشر، وهو الوصول إِلَى الحق من عالم الغيب أمر خارج عن قوة البشر، لا يمكن الوصول إليه عن طريق العلوم النظرية ولا العلوم البشرية أبداً، وإنما يوصل إليه عن طريق علم الغيب وهو الوحي، أما العلم البشري الحسي المحدود فإنه لا يستطيع أن يدرك عالم الغيب، فيقول:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689749,"book_id":1659,"shamela_page_id":875,"part":null,"page_num":875,"sequence_num":875,"body":"فلحى الله الألى زعموا أنك المعروف بالنظر\rكذبوا إن الذي ذكروا خارج عن قوة البشر\rوهذا مثلما قال الشاعر فيما مر معنا سابقاً:\rلولا التنافس في الدنيا لما وضعت كُتْبُ التناظر لا المغني ولا العمد\rابن أبي الحديد مشهور ومعروف فينبغي لنا أن نعرف عن حياته وعن وفاته وهو صاحب هذه الأبيات المشهورة:\rفيك يا أغلوطة الفكر حار أمري وانقضى عمري\rسافرت فيك العقول فما ربحت إلا أذى السفر\rفلحى الله الألى زعموا أنك المعروف بالنظر\rكذبوا إن الذي ذكروا خارج عن قوة البشر\rكانابن أبي الحديد وزيرالمستعرم بالله آخر خلفاء بني العباس الذين هجم عليهم التتار وقضوا عَلَى دولتهم وقتلوا هذا الخليفة المستعصم بالله، وكان وزيره قبل ذلك الرافضي ابن العلقمي، وكان قد قرب الروافض جميعاًًًً وأقصى ونحى أهل السنة، وكان ممن قربه ابن أبي الحديد وهو الذي شرح نهج البلاغة يقول الحافظ ابن كثير ﵀ عنه: \"إنه كَانَ حظياً عند ابن العلقمي لما بينهما من المناسبة والمقاربة والمشابهة في التشيع والأدب فهم عَلَى دين واحد، وفن واحد، هذا كَانَ حال ابن أبي الحديد وقد أورد له ابن الساعي أشياء كثيرة من مدائحه وأشعاره الفائقة الرائقة وكان أكثر فضيلة وأدباً من أخيه أبي المعالي موفق الدين بن هبة الله وإن كَانَ الآخر -يعني: موفق بن هبة - فاضلاً بارعاً أيضاً\" وشرحه نهج البلاغة كَانَ سبباً لشهرته. أما شعره فلا يوجد الآن منه شيء.\r\rثُمَّ يقول ابن كثير ﵀ في ترجمة الناصر داود من ملوك الدولة الأيوبية: \"واشتغل في علم الكلام عَلَى الشمس الخسرو شاهي تلميذ الفخر الرازي، وكان يعرف علوم الأوائل جداً وحكوا عنه أشياء تدل -إن صحت- عَلَى سوء عقيدته، عَلَى ذلك، وكان من جلساء الملكالناصر داود ملك الدولة الأيوبية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689750,"book_id":1659,"shamela_page_id":876,"part":null,"page_num":876,"sequence_num":876,"body":"روى عن الناصر داود أشياء تدل عَلَى سوء عقيدته لأن من جالس أناساً تأثر بهم فتأثر بمنطقهم وفلسفتهم وعلومهم الباطلة، ففسدت عقيدة هذا الملك.\rأماالخونجي فهومُحَمَّد بن ناماور بن عبد الملك الخونجي أبو عبد الله فضل الدين توفي (٦٤٦) أو (٦٤٩) كَانَ من أعلم أهل زمانه بالفلسفة أو ما يسمى بالحكمة؛ وكان قد ولي قضاء مصر وكان ينشر هنالك فلسفته وعلم الأوائل -أي: علم اليونان - وأشهر كتاب كتبه الخونجي كشف الأسرار عن غوامض الأفكار كتبه في الفلسفة ويظن أنه كشف الأستار عن الأفكار الغامضة ووضحها وجلاها للناس، وعند الموت قَالَ: \"ما عرفت مما حصلته شيئاً سوى أن الممكن يفتقر إِلَى المرجح\" ثُمَّ استدرك عَلَى نفسه فقَالَ: \"الافتقار وصف سلبي، أموت وما عرفت شيئاً \" نعوذ بالله من علم لا ينفع.\rوالخسرو شاهي وابن أبي الحديد والخونجي كلهم متعاصرون في زمن واحد.\rوالخسرو شاهي كان من أجل تلامذة الفخر الرازي، والرازي له كتاب الآيات البينات وشمس الدين الخسرو شاهي له تلخيص الآيات البينات وهو أشعري شافعي.\r\rوابن أبي الحديد شيعي رافضي ومع ذلك فإن له كتاب اسمه شرح الآيات البينات، فتستنتج أنه يشترك في الاقتباس من علوم الفخر الرازي فقد جمع الرازي في كتبه بين مذاهب الرافضة والأشعرية والفلسفة والجامع المشترك لهذه المذاهب الفلسفة.\rومما يذكر أن رجلاً يهودياً يسمى يوسف بن ميمون كان من كبار الفلاسفة في الأندلس، ألف كتاباً في صفات الله ﷾ ينفى صفات الله ويقرر الإيمان بالله عَلَى طريقة الفلاسفة، واسم كتابه المقدمات الخمس والعشرون ذكر خمساً وعشرين مقدمة في ذلك الشأن.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689751,"book_id":1659,"shamela_page_id":877,"part":null,"page_num":877,"sequence_num":877,"body":"واهتم تلاميذ الرازي والذين كَانَ منهمشمس الدين بهذا الكتاب، وأخذوا يشرحونه ويستدلون به، حتى جَاءَ الكوثري الذي كَانَ من آخر كبار علماء الضلال والمحرفين والمؤولين فاهتم أيضاً بنشر هذا الكتاب وهو مؤلف مستشرق يهودي كَانَ يعيش في مصر قبل قيام دولة إسرائيل اسمه اسرائيل وليفنستن، فاشتغل الكوثري بهذا الكتاب وقدم له وأثنى عليه، وهكذا تجد ميل أهل البدع من الأشعرية والرافضة إِلَى الفلسفة والفلاسفة ويجمعهم عَلَى ذلك التعلق بعلوم اليونان وإنكار صفات الله ﷾ وعداوة مذهب السلف الصالح.\r\rقَالَ المُصنِّفُ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-:\r[ومن يصل إِلَى مثل هذه الحال إن لم يتداركه الله برحمته وإلا تزندق كما قال أبو يوسف ﵀: \"من طلب الدين بالكلام تزندق، ومن طلب المال بالكيمياء أفلس، ومن طلب غريب الحديث كذب\" وقال الشَّافِعِيّ ﵀: \"حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في القبائل والعشائر، ويُقَالَ: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة، وأقبل عَلَى الكلام\" وقَالَ: لقد اطلعت من أهل الكلام عَلَى شيء ما ظننت مسلماً يقوله، ولأن يُبتلى العبد بكل ما نهى الله عنه - ما خلا الشرك بالله - خير له من أن يُبتلى بالكلام\". انتهى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689752,"book_id":1659,"shamela_page_id":878,"part":null,"page_num":878,"sequence_num":878,"body":"وتجد أحد هَؤُلاءِ عند الموت يرجع إِلَى مذهب العجائز فيقر بما أقروا به ويعرض عن تلك الدقائق المخالفة لذلك التي كَانَ يقطع بها، ثُمَّ تبين له فسادها أولم يتبين له صحتها، فيكونون في نهاياتهم - إذا سلموا من العذاب- بمنزلة أتباع أهل العلم من الصبيان والنساء والأعراب؛ والدواء النافع لمثل هذا المرض ما كَانَ طبيب القلوب صلوات الله وسلامه عليه يقوله: إذا قام من الليل يفتتح الصلاة (اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إِلَى صراط مستقيم) خرَّجه مسلم]\rتوسل ﷺ إِلَى ربه بربوبية جبرائيل وميكائيل وإسرافيل أن يهديه لما اختلف فيه من الحق بإذنه إذ حياة القلب بالهداية، وقد وكلَّ الله -سبحانه- هَؤُلاءِ الثلاثة بالحياة: فجبريل موكل بالوحي الذي هو سبب حياة القلوب، وميكائيل بالقطر الذي هو سبب حياة الأبدان وسائر الحيوان، وإسرافيل بالنفخ في الصور الذي هو سبب حياة العالم وعود الأرواح إِلَى أجسادها، فالتوسل إِلَى الله -سبحانه- بربوبية هذه الأرواح العظيمة الموكلة بالحياة له تأثير عظيم في حصول المطلوب، والله المستعان] اهـ.\rالشرح:\rيذكر المُصنِّفُ ﵀ أن من يصل إِلَى مثل هذه الحال إن لم يدركه الله برحمته وإلا تزندق، ومات عَلَى الزندقة، وبعض الزنادقة ما مرقوا من الدين وخرجوا منه إلا لما اشتغلوا أول أمرهم بعلم الكلام، ولذلك يقول الإمام أبو يوسف ﵀ وهو صاحب الإمام أبي حنيفة: \"من طلب الدين بالكلام تزندق، ومن طلب المال بالكيمياء أفلس، ومن طلب غريب الحديث كذب\".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689753,"book_id":1659,"shamela_page_id":879,"part":null,"page_num":879,"sequence_num":879,"body":"وهذا الكلام المنقول عن أبى يوسف قد نقله المُصنِّفُ في أول الكتاب وأيضاً نقله في موضع آخر، فهو يستشهد به أكثر من مرة ﵀ لأنه من الكلام النفيس الذي يقوله هَؤُلاءِ العلماء، الشاهد أن علماء السلف كأبي يوسف والشَّافِعِيّ يقولون مثل هذا الكلام الذي يحمل الدرر، والذي إذا قرأه الإِنسَان أخذ منه العبرة والعظة.\r\rوقد ذكرهما الحافظ ابن عساكر بسنده إِلَى كل منهما في كتاب تبيين كذب المفتري فيما نسب للإمام الأشعري صفحة (٣٣٣) و (٣٣٥) إلا أن الكلام الذي نُقل عن أبي يوسف نقل أيضاً عن الشعبي، ولكن الراجح أنه لأبي يوسف، وليس للشعبي لأن وفاة الشعبي متقدمة ولم يكن في عصره قد اشتهر علم الكلام، فالصحيح أنه لأبي يوسف.\r\rومعنى قوله: من طلب الدين بالكلام تزندق وذلك لأن علم الكلام يفضي إلي الشك والحيرة وهي الزندقة أو بابها ومن طلب المال بالكيمياء أفلس وكانوا يظنون أنه عن طريق الكيمياء يمكن تحويل المعادن الخسيسة إِلَى معادن نفيسة، وهذا عجزت عنه الكيمياء الحديثة، لأن الذهب لا يمكن أن يستخرج من الرصاص وإلا فالكيمياء الحديثة أقدر عَلَى ذلك ولو أمكن ذلك لما كَانَ هناك أزمة ذهب أو أزمة عملة صعبة كما يسمونها، لكن الذهب هو الذهب فطلبوا استخراج الذهب من غيره وفي هذا جهد ومشقة وضياع وقت وعمر.\r\rوالثالثة: من طلب غريب الحديث كذب، أي: أن الإِنسَان إذا أراد أن يجمع الحديث، واستكثر من غرائب الحديث اضطر إِلَى أن يكذب؛ لأن غريب الأسانيد أو غريب الألفاظ أو كلاهما أصبح مطلوباً، وهو ظاهر في المتأخرين أكثر منهم في المتقدمين، وهذه الثلاثة التي ذكرها أبو يوسف نتيجتها واحدة وهي الخسارة.\rنقل ابن عساكر لكلام الشافعي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689754,"book_id":1659,"shamela_page_id":880,"part":null,"page_num":880,"sequence_num":880,"body":"الرد عَلَى أهل الشبه في القديم والحديث في أي زمان ومكان إنما يكون بالكتاب والسنة أو بما دل عليه الكتاب والسنة ثُمَّ يقول: الشَّافِعِيّ ﵀: حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال ويطاف بهم في القبائل والعشائر ويقال هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل عَلَى الكلام.\rفإن هذا من روائع كلام السلف نقله ابن عساكر في نفس الموضع تقريباً صفحة (٣٣٥) كأن قائلاً أو سائلاً قال للإمام الشَّافِعِيّ ﵀: ما رأيك في أهل الكلام، وبم تحكم عليهم؟ فذكر أن حكمه فيهم هو أنهم يزجرون ويردعون ويعزرون ويمنعون من الخوض في هذه العلوم، وهذه العقوبة إنما يستحقونها بناء عَلَى إعراضهم عن الكتاب والسنة واشتغالهم بعلم الكلام الذي يزعمون أنه لولا اشتغالهم به لما استطاعوا أن يدافعوا عن العقيدة ويذودون حياضها وذلك لما كثرت الشبهات، وكثرت الفتن أما السلف الصالح فلم يكونوا يشتغلون بذلك لقلة الشبهة في أيامهم!.\r\rالرد على شبهة أهل الكلام\rالرد عَلَى أهل الشبه في القديم والحديث في أي زمان ومكان إنما يكون بالكتاب والسنة أو بما دل عليه الكتاب والسنة ثُمَّ يقول الشَّافِعِيّ: \" لقد اطلعت من علم أهل الكلام على شيء ما ظننت مسلماً يقوله\" بل وصل الأمر بهم إِلَى إنكار جميع أسماء الله وصفاته ﷾؛ بل وصل الأمر بالغلاة من الجهمية والقرامطة إِلَى أن يقولوا: لا نقول موجود ولا غير موجود، وهذا الكلام الذي يقوله فلاسفة اليونان C>.\rوكان يقول أفلاطون: الله تَعَالَى كامل والكامل لا يفكر في الناقص فإذا قلنا: إن الله يعلم أحوال النَّاس أو يطلع عليها أو يراقبها أو يحصيها فنكون قد انتقصنا الله، وهذا لا يقوله إلا الزنديق المجوسي أو اليوناني المشرك الوثني.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689755,"book_id":1659,"shamela_page_id":881,"part":null,"page_num":881,"sequence_num":881,"body":"ثُمَّ يقول الشَّافِعِيّ ﵀: \"ولأن يبتلى العبد بكل ما نهى الله عنه -ما خلا الشرك بالله- خير له من أن يبتلى بالكلام\". فجعل الشرك بالله والاشتغال بالكلام في منزلة واحدة؛ لأن الفتنة بهما هي أعظم أنواع الفتنة؛ فالشرك أعظم الذنوب؛ لأنه توجه بالعبادة لغير الله، فهو شرك في الطلب والإرادة والقصد، والاشتغال بعلم الكلام شرك في الأسماء والصفات، وصاحبه يصرف النَّاس عن معرفة الله المعرفة الحقيقية إِلَى الضلالات والبدع والآراء الباطلة.\rثُمَّ يقول المُصْنِّف ﵀: [وتجد أحد هَؤُلاءِ عند الموت يرجع إِلَى مذهب العجائز، فيقر بما أقروا به، ويعرض عن تلك الدقائق المخالفة لذلك التي كَانَ يقطع بها، ثُمَّ تبين له فسادها أو لم يتبين له صحتها] كما قال أبو المعالي الجويني: وها أنا ذا أموت عَلَى عقيدة أمي، أو وها أنا ذا أموت عَلَى عقيدة عجائز نيسابور -البلد التي كَانَ فيها-.\r\rفغاية ما في الأمر أن الواحد منهم عند الموت يقول: أنا أموت عَلَى دين العجائز، أما الدقائق والغوامض التي ألفوا وأفنوا الأعمار فيها فهي إما قد ظهر لهم فسادها، وإما أنهم غير متأكدين من صحتها، مع أنهم كانوا في حياتهم يجزمون بها ويوالون ويعادون عليها كانوا يقولون: هذا هو الكتاب وهذا هو الحكم من لم يعتقده فليس عَلَى عقيدة الإسلام الصحيحة.\r\rطعن الرازي في البخاري ومسلم وفي كتابيهما والرد عليه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689756,"book_id":1659,"shamela_page_id":882,"part":null,"page_num":882,"sequence_num":882,"body":"الرازي الشيخ الكبير، شيخ المتأخرين منأهل الكلام وإمامهم لما كتب كتاب أساس التقديس لم يسلم منه أصحاب النبي ﷺ، فكان مما قَالَ: إذا أخذنا بالروايات التي في الصحيحين وغيرهما في الأسماء والصفات، فإن هذا هو مذهب المشبهة والحشوية، والبُخَارِيّ ومسلم ما كانا يعلمان الغيب! هكذا يطعن بغير حجة وبغير علم في الرجال أو في الروايات الصحيحة، فيزعم أنه لا يبعد أن الزنادقة قد أدخلا في كتابيهما أحاديث -أي في الأسماء والصفات- ولم يعلما من هَؤُلاءِ الزنادقة! كيف لا يدري البُخَارِيّ ومسلم ما في كتابيهما وهما مرويان بالسند. بل إنك تجد الذهبي ﵀ -وهو متأخر- يترجم في سير أعلام النبلاء لرجل ويقول: ومن طريقه روينا كتاب أبي داود أو كتاب البُخَارِيّ أو كتاب مسلم، ويأتي بالسند من القرن الثامن حتى يصل إِلَى البُخَارِيّ ومسلم وغيرهما.\rثُمَّ تجدالرازي يقول: إنأبا هريرة قال كذا وخطأه فلان في كذا، وعَائِِِشَةَ استدركت عَلَى بعض الصحابة كابن عمر وعَلِيّ وغيرهما، ويأتي ببعض الروايات التي حصل فيها نوع من الخلاف بين الصحابة -رضوان الله تعالى- عليهم ليستشهد بها عَلَى أنه لا يؤخذ قولهم في هذه المسائل وأن الضبط لم يكن دقيقاً!\rوقد رد عليه شَيْخ الإِسْلامِابْن تَيْمِيَّةَ في كتابه نقض التأسيس الذي يُسمى بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية ومطبوع بعض الكتاب، ولعله يخرج كاملاً -إن شاء الله- وهو كتاب عظيم ونفيس جداً في الرد عَلَى كتاب أساس التقديس للرازي، وكتاب الرازي مطبوع أيضاً طبعة قديمة في مصر. المقصود أن هذه الأمور التي كانوا يقطعون بها ويوالون فيها ويعادون من أجلها ويتهمون غيرهم ومخالفهم فيها بأنه عَلَى مذهب الحشوية أو النابتة أو غير ذلك، يقر أصحابها عند الموت بأنها كانت باطلاً وخطئاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689757,"book_id":1659,"shamela_page_id":883,"part":null,"page_num":883,"sequence_num":883,"body":"ثُمَّ يقول المُصْنِّف ﵀: [فيكونون في نهاياتهم -إذا سلموا من العذاب-] يعني: إذا قدر الله تَعَالَى وكتب لهم حسن الخاتمة قبل الموت وسلموا من الموت عَلَى هذه البدع يكونون [بمنزلة أتباع أهل العلم من الصبيان والنساء والأعراب] بعد أن كانوا في حياتهم ينافسون أهل العلم وينتقدون أهل العلم كما كَانَ الرازي ينتقد البُخَارِيّ ومسلم وهما من هما في المكانة والثقة والتثبت، فهم الآن عند الموت يريدون أن يموتوا عَلَى دين العجائز، عَلَى دين أتباع أهل العلم من العجائز والصبيان والأعراب، حتى المعاصرين منهم المتعمقين في الكلام وأساتذة الكلام المتمرسين فيه في أرقى الجامعات التي تدرس علم الكلام يقولون: دين العجائز هو أصح الأديان! فإذا كَانَ دين العجائز أصح الأديان فلماذا تتعلمون علم الكلام؟! لكن المؤمنون الصادقون وعلماء السلف وأئمتهم عَلَى دين الراسخين في العلم الذين يكشفون الشبهات والذين يقيم الله ﷾ بهم الحجة عَلَى الناس، وأتباع أهل السنة من العجائز وغيرهم هم أفضل من أولئك، فكيف بأولئك العلماء الأجلاء الذين جعلهم الله ﵎ في كل زمان فترة، مقيمين للحجة ينفون عن هذا الدين انتحال المغرضين وتأويل الجاهلين والمبطلين؟!\r\rعلماء الكلام يقولون: إن الدين دينان: دين التقليد وهذا ما عليه العوام ويدخلون فيهم العلماء المشتغلين بالحديث؛ لأنهم لم يشتغلوا بعلم الكلام فيقولون: هَؤُلاءِ مؤمنون عَلَى التقليد، ولدوا عَلَى الإسلام وتعلموا القُرْآن والسنة ولم ينقحوا الإيمان ولم يقووه بالدلائل العقلية!\rوالنوع الآخر إيمان علماءأهل الكلام الذي يقولون فيه: إنه إيمان راسخ، مبني عَلَى العلم، وعلى البرهان، والحجة والدليل. والواقع أن اعترافهم في آخر أعمارهم بأن دين العجائز أفضل مما هم عليه ينفي ذلك أي: أنه تقليد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689758,"book_id":1659,"shamela_page_id":884,"part":null,"page_num":884,"sequence_num":884,"body":"فالمسألة إذاً ليست تقليد، فهذا الدين هو فطرة الله التي خلق النَّاس عليها لا تبديل لخلق الله- فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا [الروم:٣٠] فالله تَعَالَى فطر النفوس عَلَى هذا الدين كما وضح ذلك النبي ﷺ في الحديث الصحيح (كل مولود يولد عَلَى الفطرة) أي: يولد عَلَى الملة، وفي رواية: (عَلَى هذه الملة) وكلها معناها واحد وهو: أن كل مولود يولد عَلَى الإسلام، وعلى الملة الصحيحة القويمة، وهي الإسلام والتوحيد، ومعرفة الله تَعَالَى معرفة مجملة؛ لكنها صحيحة وسليمة، ولهذا لو سألت العجوز أو الأعرابي أو الطفل -المميز- أين الله تعالى؟ لقال لك: في السماء. حتى أولاد اليهود وأولاد النَّصارَى يولدون عَلَى أن الله واحد، وإذا كَبُرَ علَّموه أنه سبحانه ثلاثة تَعَالَى الله عن ذلك علواً كبيراً.\r\rومن رحمة الله تَعَالَى وحكمته أنه لم يُقِمِ الحجةَ علينا بالمعرفةِ الفطرية وحدها، وإلَّا لكانت كافية قال تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى [الأعراف:١٧٢] فهذا الميثاق الفطري الذي أخذه الله - تعالى- من الذرية من ظهور بني آدم، هو فطرهم عَلَى الشهادة والإقرار له ﷾ بالوحدانية، فهو إذاً أمر موجود في النفوس؛ لكن من رحمة الله أنه لم يجعل ذلك مناط العقوبة، فيعاقبنا بناءً عَلَى العهد الذي أخذه منا، أو بناءً عَلَى الفطرة التي فطرنا عليها؛ بل بعث الله تَعَالَى الرسل رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء:١٦٥] وهذا من فضله تَعَالَى أنه لا يعاقب أحداً إلا بعد مجيء النذير وهو الرَّسُول أو القُرْآن أو الحق. فهذا من كمال عدل الله وحكمته.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689759,"book_id":1659,"shamela_page_id":885,"part":null,"page_num":885,"sequence_num":885,"body":"ثُمَّ يقول المُصنِّفُ ﵀: [والدواء النافع لمثل هذا المرض] مرض الشك والريب وعدم معرفة الأدلة ووضوحها أمام اختلاف الآراء فيها [ما كَانَ طبيب القلوب صلوات الله وسلامه عليه يقوله: إذا قام من الليل يفتتح الصلاة] كما في صحيح مسلم [اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إِلَى صراط مستقيم] خرَّجه مسلم وهذا تعليم لنا، فنحن أحوج -بلا شك ولا ريب- إِلَى أن ندعو بهذا الدعاء، والنبي ﷺ هداه ربه إِلَى ما اختلف فيه من الحق من هذه الأمور، عَلَى أن كثيراً مما يختلف فيه علماء الكلام هو بالنسبة لنا إذا أخذناه من كلامالسلف الصالح ومنهجهم لا اختلاف فيه ولا شبهة ولا شك، لكن قد توجد أمور دقيقة في بعض المسائل مما يغمض ويدق فهذا الذي ندعو الله أن يرينا الحق فيه، وقد كَانَ أكابر العلماء كشَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ ﵀ يدعون بهذا الدعاء وأمثاله، إذا أشكلت عليهم المسائل وتعقدت عليهم الأمور فترى أحدهم يتوجه إِلَى الله ﷾؛ لأنه هو الذي يعلم الغيب وهو الذي بيده كل شيء، وهو الذي ﷾ أحاط بكل شيء علماً.\rثُمَّ يقول المُصنِّفُ ﵀: [توسل ﷺ إِلَى ربه بربوبية جبريل ... ] يعني: ربوبية الله -تعالى- لجبريل وميكائيل وإسرافيل [أن يهديه لما اختلف فيه من الحق بإذنه إذ حياة القلب بالهداية] فإذا لم يكن القلب مهتدياً كَانَ ميتاً.\rوالقلوب ثلاثة أنواع:\r١- قلب حي.\r\r٢- قلب ميت.\r\r٣- قلب مريض.\r\rوقد دل القُرْآن عليها وجاءت بذلك الأحاديث، والقلب يحيى بالهداية وبالإيمان بالله ﷾، وبقراءة القرآن، وبذكر الله، وبالتفكر في آلاء الله، وشكره عليها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689760,"book_id":1659,"shamela_page_id":886,"part":null,"page_num":886,"sequence_num":886,"body":"والمناسبة في سؤال الله بهَؤُلاءِ الثلاثة من الملائكة أنهم موكلون بأمور الحياة هكذا جعلهم الله -تعالى-، فعندما يدعو العبد بهذا الدعاء فكأنه يدعو الله الذي جعل عَلَى أيدي هَؤُلاءِ الثلاثة الحياة وهو ربهم ﷾ أن يحيي قلبه بالهداية قال المصنف: [فجبريل موكل بالوحي الذي هو سبب حياة القلوب] جبريل أمين الوحي، وبالوحي تحيى القلوب وتحيى الأمم أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ [الأنعام:١٢٢] فهذا النور هو القُرْآن العظيم، وهو الذي أحيا الله ﵎ به القلوب الميتة، وفتح به الآذان الصم، والأعين العمي: أي بالنبي ﷺ وبما أعطاه الله من الوحي.\r\r[وميكائيل موكل بالقطر] والقطر المطر وهو سببٌ لحياة الحيوان، والنبات في هذه الحياة الدنيا.\r\r[وإسرافيل موكل بالنفخ في الصور الذي هو سبب حياة العالم وعود الأرواح إِلَى أجسادها] ينفخ النفخة الثانية فيقوم الخلائق لله رَبِّ الْعَالَمِينَ ﷾ فالنبي ﷺ يدعو ربه ويتوسل إليه ﷾ بربوبيته لهؤلاء الملائكة العظام الثلاثة الذين بهم حياة القلوب، والأحياء، والأجساد بعد الموت، أن يمن عليه بمعرفة الحق المختلف فيه. [فاطر السماوات والأرض] هو الله ﷾ الذي أنشأهما وذللهما ابتداء لم يشاركه فيه أحد وأوجدهما على غير مثال سابق لهما عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَة [الأنعام:٧٣] أحاط بكل شيء علماً يعلم الغيب والشهادة ولا يخرج عن علمه أي أمر مختلف فيه بين الناس، والنَّاس يختلفون لقلة أفهامهم في العلم؛ لأن النَّاس يتفاوتون في الفهم حتى العالم الكبير قد يخفى عليه أمور من العلم، لكن عالم الغيب والشهادة لا يخفي عليه شيء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689761,"book_id":1659,"shamela_page_id":887,"part":null,"page_num":887,"sequence_num":887,"body":"ثُمَّ قَالَ: [أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون -وهذا هو وجه الشاهد من الحديث- اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إِلَى صراط مستقيم] فالله ﷾ هو الذي يحكم بين عباده وقد اختلف أهل الكتاب من قبلنا واختلفت هذه الأمة والله -تعالى- هو الذي يحكم بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون وجعل لذلك أجلاً مسمى ليبلو بعضهم ببعض قال تعالى: وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ [يونس:١٩] فهذا دعاء عظيم نسأل الله ﷾ أن يهدينا إِلَى الصراط المستقيم إنه سميع مجيب.\rقال الطّّحاويّ ﵀:\r[ولا يصح الإيمان بالرؤية لأهل دار السلام لمن اعتبرها منهم بوهم أو تأولها بفهم، إذ كَانَ تأويل الرؤية وتأويل كل معنى يضاف إِلَى الربوبية بترك التأويل ولزوم التسليم وعليه دين الْمُسْلِمِينَ، ومن لم يتوق النفي والتشبيه زلَّ ولم يُصب التنزيه]\r\rقَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:\r\r[يشير الشيخ ﵀ إِلَى الرد عَلَى المعتزلة ومن يقول بقولهم في نفي الرؤية وعلى من يشبه الله بشيء من مخلوقاته فإن النبي ﷺ قَالَ: (إنكم ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر) الحديث، أدخل \"كاف\" التشبيه عَلَى \"ما\" المصدرية أو الموصولة بـ \"ترون\" التي تتأول مع صلتها إِلَى المصدر الذي هو الرؤية، فيكون التشبيه في الرؤية لا في المرئي. وهذا بيَّنٌ واضحٌ في أن المراد إثبات الرؤية وتحقيقها ودفع الاحتمالات عنها وماذا بعد هذا البيان وهذا الإيضاح؟ !\rفإذا سلط التأويل عَلَى مثل هذا النص كيف يستدل بنص من النصوص؟!\rوهل يحتمل هذا النص أن يكون معناه: إنكم تعلمون ربكم كما تعلمون القمر ليلة البدر؟!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689762,"book_id":1659,"shamela_page_id":888,"part":null,"page_num":888,"sequence_num":888,"body":"ويستشهد لهذا التأويل الفاسد بقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصحَابِ الْفِيلِ [الفيل:١] ونحو ذلك مما استعمل فيه \"رأى\" التي من أفعال القلوب، ولا شك أن \"رأى\" تارة تكون بصرية وتارة قلبية وتارة تكون من رؤيا الحلم وغير ذلك، ولكن ما يخلو الكلام من قرينه تخلص أحد معانيه من الباقي: وإلا لو أخلى المتكلم كلامه من القرينة المخلصة لأحد المعاني لكان مجملاً مُلغزاً لا مبيناً موضحاً وأي بيان وقرينة فوق قوله: (ترون ربكم كما ترون الشمس في الظهيرة ليس دونها سحاب) فهل مثل هذا مما يتعلق برؤية البصر أو برؤية القلب؟!\rوهل يخفى مثل هذا إلا عَلَى من أعمى الله قلبه؟!\rفإن قالوا: ألجأنا إِلَى هذا التأويل حكم العقل بأن رؤيته -تعالى- محال لا يتصور إمكانها. فالجواب: أن هذه دعوى منكم خالفكم فيها أكثر العقلاء وليس في العقل ما يحيلها، بل لو عرض عَلَى العقل موجود قائم بنفسه لا يمكن رؤيته لحكم بأن هذا محال وقوله: (لمن اعتبرها منهم بوهم) أي: توهم أن الله تَعَالَى يرى عَلَى صفة كذا فيتوهم تشبيهاً، ثُمَّ بعد هذا التوهم إن أثبت ما توهمه من الوصف فهو مشبه وإن نفى الرؤية من أصلها لأجل ذلك التوهم -فهو جاحد معطل. بل الواجب دفع ذلك الوهم وحده ولا يعم بنفيه الحق والباطل فينفيهما رداً عَلَى من أثبت الباطل، بل الواجب رد الباطل وإثبات الحق وإلى هذا المعنى أشار الشيخ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- بقوله: (ومن لم يتوق النفي والتشبيه زل ولم يصب التنزيه) فإن هَؤُلاءِ المعتزلة يزعمون أنهم ينزهون الله بهذا النفي وهل يكون التنزيه بنفي صفة كمال؟!\rفإن نفي الرؤية ليس بصفة الكمال إذ المعدوم لا يُرى، وإنما الكمال في إثبات الرؤية ونفي إدراك الرائي له إدراك إحاطة كما في العلم، فإن نفي العلم به ليس بكمال، وإنما الكمال في إثبات العلم ونفي الإحاطة به علماً، فهو سبحانه لايحاط به رؤية كما لا يحاط به علماً] اهـ\r\rالشرح:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689763,"book_id":1659,"shamela_page_id":889,"part":null,"page_num":889,"sequence_num":889,"body":"خرج المُصنِّفُ ﵀ من موضوع الرؤية إِلَى موضوع التأويل وهو من أدق الموضوعات ومن أهمها التي ينبغي أن تفهم، فإنه إذا أُولت آيات الرؤية وأحاديث الرؤية وهي في غاية الوضوح كَانَ ما سوى ذلك أسهل في التأويل، ويستنبط الإمام أبي جعفر الطّّحاويّ أنه لا تأويل في شيء من صفات الله ﷾ أبداً، ولذا كَانَ تأويل كل معنى يضاف إِلَى الربوبية من باب أولى؛ لأنه أعم فلا يؤول أي معنى يضاف إِلَى الله ﷾ مطلقاً. .\rأهل البدع يكفرون من قال إن الله يرى في الآخرة\rقَالَ: [ولا يصح الإيمان بالرؤية -أي: برؤية المؤمنين لربهم في الجنة- لمن اعتبرها منهم بوهم أو تأولها بفهم] وسيأتي الإيضاح في ذلك.\rيقول المخالفون في الرؤية من الجهمية والمعتزلة ومن تبعهم من الخوارج والإمامية والإباضية: من قال إن الله -تعالى- يرى في الآخرة فقد كفر، وعلى كلامهم هذا يكون أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ كفاراً؛ لأنهم يعتقدون أن الله يُرى.\r\rفهَؤُلاءِ يرون أن من قَالَ: إنه يُرى -سبحانه- في الدنيا أو في الآخرة فقد كفر! هكذا بإطلاق، وهو قول الإمامية أو الإثنا عشرية، ويسمى بهم أغلب الشيعة ويسمون أيضاً جعفرية من الناحية الفقهية، وهم أغلب الشيعة المعروفين اليوم؛ ولكن الإمامية أو الإثنا عشرية أو الجعفرية غالباً إذا ذكر اسم الشيعة فإنه ينصرف إليهم.\rوكما قَالَ المُصْنِّفُ إن أبا جعفر رد عَلَى المعتزلة ومن تبعهم من المؤولة الذين يقولون: نؤول رؤية الله، فنوؤل قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:٢٢، ٢٣] ، ونؤول قول النبي ﷺ: (سترون ربكم كما ترون هذا وأشار إِلَى القمر) وفي حديث آخر: (فأشار إِلَى الشمس) وقَالَ: (كما ترون الشمس في الظهيرة) وكان مما قالوه إنّ كلمة \"ترى\" أو \"رأى\" أو \"أرى\" تفيد الرؤية العلمية، لا الرؤية البصرية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689764,"book_id":1659,"shamela_page_id":890,"part":null,"page_num":890,"sequence_num":890,"body":"وقال الأشعرية: إنه يرى من غير جهة ولا مقابلة، فينكرون أن يكون المخلوق -مثلاً- في جهة، والله تَعَالَى عالٍ عليه فلا يتصورون ذلك، ويقولون: هذا شيء لا تدركه عقولنا، وهل ندرك الجنة ونعرف نعيمها أصلاً حتى نتكلم عن رؤية الله في الجنة؟! فالتجأوا إِلَى أن يقولوا: يرى من غير جهة ومن غير مقابلة، فأنكروا الجهة وأنكروا العلو لله تَعَالَى وأثبتوا رؤية هي أشبه ما تكون بالشيء المحال، فقالت لهم المعتزلة: من أثبت الرؤية ونفى الجهة فقد أضحك النَّاس عَلَى عقله! وهذا الذي قاله المُصْنِّف لو أنه عرض عَلَى العقل موجود قائم بنفسه ولا يمكن رؤيته، لحكم باستحالة ذلك، والمقصود أنهم أولوها وغيروها وحرفوا معناها بالأوهام وبالتأويلات الباطلة.\r\rالرد على المعتزلة وذكر معاني \"رأى\"\rيقول المُصْنِّف ﵀: [يشير الشيخ ﵀ إِلَى الرد عَلَى المعتزلة ومن يقول بقولهم] أي: من الفرق التي ذكرنا [في نفي الرؤية وعلى من يشبه الله بشيء من مخلوقاته، فإن النبي ﷺ قَالَ: (إنكم ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر) الحديث أدخل كاف التشبيه عَلَى \"ما\" المصدرية أو الموصولة] كلاهما يصح ومما هو معلوم أن المصدر المنسبك والمؤول يتركب من ما المصدرية أو الموصولة، والفعل، أو أن والفعل كقوله ﵎: وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُم [البقرة: ١٨٤] أي: صيامكم خير لكم.\rوفي الحديث: (كما ترون) أي: كرؤيتكم، فيكون التشبيه في الرؤية لا في المرئي، يعني: ترونه رؤية كرؤية القمر، فهل يعد هذا تشبيهاً لله تَعَالَى بالقمر تَعَالَى الله عن ذلك علواً كبيراً؟! لا يمكن، وقد فهم القوم من هذا الحديث أنه يوهم التشبيه فَقَالُوا: لابد أن نؤوله، فأعمى الله أبصارهم عن هذه الحقائق التي تتضح لمن يفهم لغة العرب وأسلوبها، ولجأوا إِلَى التأويل الباطل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689765,"book_id":1659,"shamela_page_id":891,"part":null,"page_num":891,"sequence_num":891,"body":"قَالَ: [ومن تأمل النصوص حق التأمل علم أن المراد إثبات الرؤية وتحقيقها ودفع الاحتمالات عنها] لأن النبي ﷺ -كما في الروايات الأخرى- لما أشار أشار إِلَى القمر ثُمَّ قَالَ: (لا تُضامُّون في رؤيته) فلا يمكن بعد هذا البيان أن يؤول، وإذا أولنا مثل هذه الأمور الواضحة فما الذي لا يؤول؟! فذكر المُصْنِّف أنه [إذا سلط التأويل عَلَى مثل هذا النص كيف يستدل بنص من النصوص] فما هو النص الذي يمكن أن نقول: إنه صريح قطعي لا يحتمل التأويل؟! وهل يحتمل هذا النص أن يكون معناه \"أنكم تعلمون ربكم كما تعلمون القمر ليلة البدر\"؟! هذا مما لا يقوله إنسان عربي فضلاً عن رَسُول الله ﷺ أعلم النَّاس بربه وأفصح العرب.\rثُمَّ يقول المصنف: ويستشهد لهذا التأويل الفاسد بقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ [الفيل:١] ونحو ذلك مما استعمل فيه رأى التي من أفعال القلوب] ، فالمؤولة يقولون: الرؤية التي في الحديث ليست رؤية حقيقة؛ وإنما هي رؤية قلبية كما في قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ [الفيل:١] والنبي ﷺ ولد في عام الفيل ولم ير ما فعل الله بأصحاب الفيل.\rفالرؤية إنما كانت رؤية قلبية أو مثلها قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ [المجادلة: ٧] يعني: ألم تعلم ذلك بقلبك! وهذا الاستدلال في غير موضعه فهو من أبطل الباطل في مثل هذه النصوص الواضحة نعم، تأتي \"رأى\" لثلاثة معان: بصرية وقلبية ومن الرؤيا التي تحصل في المنام، فكما في البيت الشعري المشهور\rرأيت الله أكبر كل شيء محاولة وأكثرهم جنودا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689766,"book_id":1659,"shamela_page_id":892,"part":null,"page_num":892,"sequence_num":892,"body":"وقد نصبت مفعولين في هذا البيت: المفعول الأول: لفظ الجلالة \"الله\" والمفعول الثاني: أكبر، وكقولك: رأيت زيداً عالماً، أي: علمته عالماً أو وجدته عالماً فـ\"زيد\" مفعول أول.\rو\"عالماً\" مفعول ثان، أما رأى البصرية فإنها تنصب مفعولاً واحداً، تقول: رأيت زيداً، أي: بعيني.\rأما رأى التي تأتي بمعنى الرؤيا التي تحصل في المنام: فتتضح من خلال السياق مثالها: قول إبراهيم ﵇ لابنه إسماعيل: إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ [الصافات: ١٠٢] وقول يوسف ﵇ لأبيه: إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ [يوسف:٤] فَقَالَ له أبوه: يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلَى إِخْوَتِكَ [يوسف:٥] ومعنى هذا أنه قال له: إني رأيت ذلك في المنام، فَقَالَ له أبوه: لا تقصص رؤياك، وفي آخر الأمر قَالَ: هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ [يوسف:١٠٠] فعلم بعد هذا التفريق أن الثلاثة المعاني لا تشتبه ولا تلتبس في الكلام، وإذا جَاءَ شخص، وقَالَ: أنا لم أفهم من كلام فلان ماذا يقصد بالرؤية أهي القلبية أو البصرية أو المنامية؟! كَانَ هذا من ضعف تعبير المتكلم وعجزه وعيه، وليس هذا من فصاحته وبلاغته أو أن يكون تعمد عدم الإفهام، وهذه الاحتمالات لاترد بأي حال من الأحوال في كلام الله، ولا في كلام رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689767,"book_id":1659,"shamela_page_id":893,"part":null,"page_num":893,"sequence_num":893,"body":"يقول المصنف: [ولا شك أن \"رأى\" تارة تكون بصرية وتارة قلبية وتارة تكون من رؤيا الحلم وغير ذلك، ولكن ما يخلو كلام من قرينه تخلص أحد معانيه من الباقي؛ وإلا لو أخلى المتكلم كلامه من القرينة المخلصة لأحد المعاني -الثلاثة- لكان مجملاً ملغزاً لا مبيناً موضحاً وأي بيان وقرينة فوق قوله: (ترون ربكم كما ترون الشمس في الظهيرة ليس دونها سحاب) فهل مثل هذا مما يتعلق برؤية البصر أو برؤية القلب، وهل يخفى مثل هذا إلا عَلَى من أعمى الله قلبه؟!] نسأل الله العافية فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج:٤٦] فإذا عميت القلوب فإنها تعمى عن الأدلة الواضحة الجلية، ولا حيلة فيمن عمي قلبه عن فهم هذه النصوص، ولا نستطيع أن نهدي من أضل الله، والواجب عَلَى المتبصرين أن يقيموا الحجة عَلَى أهل العمى وأما هدايتهم وبصيرة قلوبهم فهي عَلَى الله ﷾ متى أراد ومتى شاء الهداية منَّ بها عليهم، وإلا تركهم في ضلالهم يعمهون.\rثُمَّ يقول ﵀: [فإن قالوا: ألجأنا -أي: ألجأتنا قرينة عقلية- إِلَى هذا التأويل حكم العقل بأن رؤيته تَعَالَى محال لا يتصور إمكانها! فالجواب: أن هذه دعوى منكم خالفكم فيها أكثر العقلاء] ومن الذي قال لكم: إن العقل يحكم في هذه الأمور، وإنه المرجع لها؟! ثُمَّ كيف وقد جَاءَ النص بتقرير هذه الأمور؟!\r\rإيمان الصحابة برؤية الله تعالى في الآخرة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689768,"book_id":1659,"shamela_page_id":894,"part":null,"page_num":894,"sequence_num":894,"body":"أصحاب النبي ﷺ أعقل النَّاس ولا يوجد أعقل منهم ولا أذكى، وعندما سمعوا هذا الكلام منه ﷺ أصبحوا يشتاقون إِلَى رؤية الله -تعالى- حتى قال عبد الله بن مسعود وهذا مما له حكم المرفوع: (إن منازل النَّاس من رؤية الله ﵎ في الجنة كمنزلتهم منه في الحضور إِلَى صلاة الجمعة) فمن يبكر إِلَى صلاة الجمعة ويكون في الصف الأول؛ فإنه يكون يَوْمَ القِيَامَةِ في مقدمة من يرى الله ﷾.\rفالصحابة رضوان الله تَعَالَى عليهم كانوا يفهمون هذا المعنى وكانوا يحثون التابعين وتلاميذهم عَلَى المبادرة والتبكير إِلَى صلاة الجمعة مقرين بهذا الأمر بأنكم ترون ربكم بمقدار ما تبكرون وتسبقون إِلَى صلاة الجمعة، فيكون النَّاس صفوفاً لرؤية الله تَعَالَى وأقربهم وأدناهم منه منزلة أقربهم إِلَى الإمام في يوم الجمعة، فكان هذا الذي فهمه الصحابة -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُم- وربوا عليه من بعدهم.\r\rفياترى من هو أكمل عقلاً: أفلاطون أو أرسطو أوالجهم وغيرهم ممن أعمى الله بصائرهم من أهل الشرك والوثنية والمجوسية، أم الصحابة رضوان الله عليهم؟ العقل الحقيقي، والفهم الصحيح، والعقلاء لا ينفون ذلك؛ بل يقول: [وليس في العقل ما يحيلها؛ بل لو عرض عَلَى العقل موجود قائم بنفسه لا يمكن رؤيته لحكم بأن هذا محال] لقال العقل: إن هذا محال، فما الذي جعل رؤيته مستحيلة وهو موجود قائم بنفسه؟ إن العقل السليم النقي لا يقول بذلك، ولا يحكم به؛ بل يستغرب ويتعجب! كيف لا وهو أعظم الموجودات، والموجودات الأخرى ما هي إلا آثار من موجوداته سبحانه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689769,"book_id":1659,"shamela_page_id":895,"part":null,"page_num":895,"sequence_num":895,"body":"قَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: [وقوله: لمن اعتبرها منهم بوهم أي: توهم أن الله تَعَالَى يرى عَلَى صفة كذا فيتوهم تشبيهاً] فأول ما يأتي عَلَى ذهن أهل التأويل: يأتيهم الشيطان بوهم وبتشبيه معين، ثُمَّ بعدها يتوهمون أنهم إذا أثبتوا ما توهموه من الوصف فهم مشبهة، فانقسموا نوعين: منهم من أثبت هذا الوهم الذي ألقاه الشيطان في ذهنه، فهذا هو المشبه الذي يشبه الله -تعالى- بخلقه، والبعض الآخر قَالَ: مادام أنه لا يوجد إلا هذا الشكل فأنا أنفي الرؤية كليةً وأنفي الشكل الذي ألقاه الشيطان في ذهني! وذلك لأنه لم يتصور هذه الصفة إلا بهذا الشكل، فنتج عن ذلك أنه أنكرها بالكلية.\rفيقول المُصْنِّف ﵀: [إن اثبت ما توهمه من وصف فهو مشبه، وإن نفى الرؤية من أصلها لأجل ذلك التوهم فهو جاحد معطل، بل الواجب دفع ذلك الوهم وحده] فإذا دفعت هذا الوهم عن عقلك فستجد نفسك بعد ذلك أنك تؤمن بأنه -تعالى- لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:١١] وتؤمن بأنه ﷾ يُرى، ويزول عنك كل تناقض قد يرد بل هذا هو الذي يؤمن به العقل وتؤمن به الفطرة يقول: [ولا يعم بنفيه الحق والباطل] ينفي الدليل وينفي الوهم [فينفيهما رداً عَلَى من أثبت الباطل] والصحيح والواجب هو رد الباطل: وهو التوهم والتشبيه وإثبات الحق: وهو الإثبات إثبات الصفة أو المعنى المضاف إِلَى الربوبية [وإلى هذا المعنى] أي: معنى إثبات الحق ورد الباطل أشار الشيخ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- بقوله: [ومن لم يتوق النفي والتشبيه زل ولم يصب التنزيه] .\r\rالتنزيه لا يكون بنفي صفة الكمال\rيزعم أهل البدع من المعتزلة وغيرهم أنهم بنفيهم للصفات ينزهون ﷾ والأمر ليس كما توهموه وزعموه فإن التنزيه لا يكون بنفي صفة الكمال.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689770,"book_id":1659,"shamela_page_id":896,"part":null,"page_num":896,"sequence_num":896,"body":"يقول: [فإن نفي الرؤية ليس بصفة كمال إذ أن المعدوم لا يرى، وإنما الكمال في إثبات الرؤية ونفي إدراك الرائي إدراك إحاطة]\rأما نَحْنُ أهل السنة فنثبت الرؤية وننفي أن يكون أحد يرى ربه ﷾ رؤية إدراك كما في العلم لا يحيطون به علما ولا يحيطون به -تعالى- كذلك رؤيةً [فإن نفي العلم به ليس بكمال، وإنما الكمال في إثبات العلم] وهكذا يُقال في الرؤية: فالكمال هو في إثباتها لا في نفيها، ومع ذلك فإننا ننفي الإحاطة به رؤيةً -سبحانه- كما ننفي الإحاطة به علماً، فهو ﷾ لا يحاط به رؤيةً كما لا يحاط به علماً، وهناك رسالة لشَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ اسمها الإكليل في المتشابه والتأويل مطبوعة مستقلة وموجودة أيضاً في ضمن الجزء الثالث عشر من مجموع الفتاوى، يمكن أن يرجع إليها من شاء.\r\rإن موضوع التأويل موضوع مهم لكثرة ما يثار حوله.\rفما هو التأويل؟\rوما هي أنواعه؟\rوهل نؤول أو نفوض في صفات الله تعالى أم ماذا نفعل؟\rوهل التأويل يدخل في أمور أخرى غير العقيدة -الصفات- أم لا؟\r\rونظراً لتعدد معانيه فإن اللبس قد يقع لطالب العلم وهو يقرأ أي كتاب من الكتب حول هذا الموضوع؟\rولذلك سنوضحه إن شاء الله.\r\rقال المصنف -رحمه الله تعالى-:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689771,"book_id":1659,"shamela_page_id":897,"part":null,"page_num":897,"sequence_num":897,"body":"[وقوله: \"أو تأولها بفهم\" أي: ادعى أنه فهم لها تأويلاً يخالف ظاهرها، وما يفهمه كل عربي من معناها، فإنه قد صار اصطلاح المتأخرين في معنى التأويل أنه صرف اللفظ عن ظاهره، وبهذا تسلط المحرفون على النصوص، وقالوا: نحن نؤول ما يخالف قولنا فسموا التحريف: تأويلاً، تزييناً له وزخرفة ليقبل، وقد ذم الله الذين زخرفوا الباطل، قال تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً [الأنعام:١١٢] ، والعبرة للمعاني لا للألفاظ، فكم من باطل قد أقيم عليه دليل مزخرف عورض به دليل الحق، وكلامه هنا نظير قوله فيما تقدم [لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا] ، ثم أكد هذا المعنى بقوله: [إذ كان تأويل الرؤية وتأويل كل معنى يضاف إلى الربوبية بترك التأويل، ولزوم التسليم وعليه دين المسلمين] .\r\rومراده ترك التأويل الذي يسمونه تأويلاً وهو تحريف؛ ولكن الشيخ رحمه الله تعالى تأدب وجادل بالتي هي أحسن كما أمر الله تعالى بقوله: وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:١٢٥] ، وليس مراده ترك كل ما يسمى تأويلاً، ولا ترك شيئاً من الظواهر لبعض الناس لدليل راجح من الكتاب والسنة، وإنما مراده ترك التأويلات الفاسدة المبتدعة المخالفة لمذهب السلف، التي يدل الكتاب والسنة على فسادها وترك القول على الله بلا علم، فمن التأويلات الفاسدة تأويل أدلة الرؤية، وأدلة العلو، وأنه لم يكلم موسى تكليماً، ولم يتخذ إبراهيم خليلا، ثم قد صار لفظ التأويل مستعملاً في غير معناه الأصلي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689772,"book_id":1659,"shamela_page_id":898,"part":null,"page_num":898,"sequence_num":898,"body":"فالتأويل في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ هو: الحقيقة التي يؤول إليها الكلام، فتأويل الخبر: هو عين المخبر به، وتأويل الأمر: نفس الفعل المأمور به كما قالت عائشة ﵂ (كان رسول الله ﷺ يقول في ركوعه: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي) يتأول القرآن، وقال تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقّ [الأعراف:٥٣] ، ومنه تأويل الرؤيا وتأويل العمل كقوله: هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ [يوسف:١٠٠] وقوله: وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيث [يوسف:٦] وقوله: ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً [النساء:٥٩] وقوله: سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صبْراً [الكهف:٧٨] إلى قوله: ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صبْراً [الكهف:٨٢] .\rفمن ينكر وقوع مثل هذا التأويل، والعلم بما تعلق بالأمر والنهي منه؟ وأما ما كان خبراً كالإخبار عن الله واليوم الآخر فهذا قد لا يعلم تأويله الذي هو حقيقته إذ كانت لا تعلم بمجرد الإخبار فإن المخبر إن لم يكن قد تصور المخبر به، أو ما يعرفه قبل ذلك لم يعرف حقيقته التي هي تأويله بمجرد الإخبار، وهذا هو التأويل الذي لا يعلمه إلا الله، لكن لا يلزم من نفي العلم بالتأويل نفي العلم بالمعنى الذي قصد المخاطب إفهام المخاطب إياه فما في القرآن آية إلا وقد أمر الله بتدبرها، وما أنزل آية إلا وهو يحب أن يعلم ما عني بها، وإن كان من تأويله ما لا يعلمه إلا الله فهذا معنى التأويل في الكتاب والسنة وكلام السلف وسواء كان هذا التأويل موافقاً للظاهر أو مخالفاً له.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689773,"book_id":1659,"shamela_page_id":899,"part":null,"page_num":899,"sequence_num":899,"body":"والتأويل في كلام كثير من المفسرين كابن جرير ونحوه، يريدون به تفسير الكلام وبيان معناه سواء وافق ظاهره أو خالف وهذا اصطلاح معروف وهذا التأويل كالتفسير يحمد حقه ويرد باطله، وقوله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ الآية [آل عمران:٧] فيها قراءتان:\rقراءة من يقف على قوله: إِلَّا اللَّهُ وقراءة من لا يقف عندها، وكلتا القراءتين حق، ويراد بالأولى: المتشابه في نفسه الذي استأثر الله بعلم تأويله.\rويراد بالثانية المتشابه الإضافي الذي يعرف الراسخون تفسيره وهو تأويله، ولا يريد من وقف على قوله: إِلَّا اللَّهُ أن يكون التأويل بمعنى التفسير للمعنى، فإن لازم هذا أن يكون الله أنزل على رسوله كلاماً لا يعلم معناه جميع الأمة ولا الرسول ويكون الراسخون في العلم لاحظ لهم في معرفة معناها سوى قولهم: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا [آل عمران: ٧] .\rوهذا القدر يقوله غير الراسخ في العلم من المؤمنين والراسخون في العلم يجب امتيازهم عن عوام المؤمنين في ذلك وقد قال ابن عباس ﵄: أنا من الراسخين في العلم الذين يعلمون تأويله، ولقد صدق ﵁ فإن النبي ﷺ دعا له وقال: (اللهم فقه في الدين وعلّمه التأويل) رواه البخاري وغيره ودعاؤه ﷺ لا يرد.\r\rقال مجاهد: عرضت المصحف على ابن عباس من أوله إلى آخره أقفه عند كل آية وأسأله عنها.\r\rوقد تواترت النقول عنه أنه تكلم في جميع معاني القرآن، ولم يقل عن آية: إنها من المتشابه الذي لا يعلم أحد تأويله إلا الله] اهـ.\rالشرح:\r\rقول الطحاوي ﵀: (أو تأولها بفهم) كلمة (تأولها) جعلت المصنف ابن أبي العز ﵀ يستطرد الكلام في بيان ما هو التأويل، وبيان معانيه الثلاثة وهي: الحقيقة (حقيقة الكلام) .\r\rثانياً: التفسير.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689774,"book_id":1659,"shamela_page_id":900,"part":null,"page_num":900,"sequence_num":900,"body":"وثالثاً: صرف اللفظ عن معناه الراجح إلى معناه المرجوح لقرينة، فيقول ﵀: (أو تأولها بفهم) أي: ادعى أنه فهمها بتأويل يخالف ظاهرها، وما يفهمه كل عربي من معناها فإنه قد صار اصطلاح المتأخرين في معنى التأويل أنه صرف اللفظ عن ظاهره، وبهذا تسلط المحرفون على النصوص.\rالتعريف المبتدع للتأويل\rالتعريف الثالث: هو تعريف المتأخرين، وهو تعريف مبتدع، وهو: صرف اللفظ عن معناه الظاهر الراجح إِلَى معنى مرجوح لقرينه أو احتمال مرجوح.\rوبهذا تسلط المحرفون عَلَى النصوص، وَقَالُوا: نَحْنُ نؤول ما يخالف قولنا، فسموا التحريف تأويلاً تزييناً له وزخرفة ليقبل، وقد ذم الله -تعالى- الذين زخرفوا الباطل لكننا نؤمن بجميع ما أثبت الله لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ من الصفات من غير تكييف ولا تمثيل ولا تحريف -تأويل- ولاتعطيل.\r\rفقوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:٥] هذا المعنى ظاهر اللفظ وما يفهمه كل عربي من الاستواء كما قال الإمام مالك.\r\rوكما قال شيخهربيعة من قبل: (الاستواء معلوم) أي: معلوم في لغة العرب: وفسره السلف بأنه علا وارتفع وصعد، فعندما يأتي شخص ويقول: إن معنى (استوى) أي (استولى) فإن هذا تحريف، لا تأويل كما يدعي.\r\rومثال آخر في الحديث الصحيح (إن الله ﷾ يضع قدمه في النَّار فتقول: قط قط) وفي بعض الروايات (يضع الجبار) الذي هو الله ﷾ فإذا قال شخص: (الجبار) ملك من الملائكة أو رجل من أهل النَّار يأمره الله تَعَالَى فيضع قدمه في النَّار.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689775,"book_id":1659,"shamela_page_id":901,"part":null,"page_num":901,"sequence_num":901,"body":"فنقول: هذا تحريف وصرف للفظ عن معناه الظاهر الواضح إِلَى معنى بعيد لا يكاد يخطر عَلَى ذهن الإِنسَان، ويقولون: نَحْنُ نضطر إِلَى التأويل حتى ندفع التشبيه، فنرد عليهم: بأنه ليس في إثبات صفات الله ﷾ تشبيه وليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ أي معنى يضاف إِلَى الربوبية يوهم التشبيه، إنما أنتم قد تتوهمون في أنفسكم، وهذه الزخرفة أو تغيير المعنى من التحريف إِلَى التأويل ليقبل المعنى تسمية اصطلاحية بدعية حديثة لم تكن معروفة لا في نصوص الكتاب والسنة ولا في كلام سلف الأمة، إِلَى أن ظهر هَؤُلاءِ المبتدعة، واستخدموا كلمة التأويل بمعنى صرف اللفظ عن ظاهره الواضح الذي يفهمه النَّاس إِلَى معنى آخر، وسموه تأويلاً ليقبل، فهذه هي الزخرفة التي أرادها المُصْنِّف ﵀.\r\rويقول ﵀: [وقد ذم الله الذين زخرفوا الباطل قال تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً [الأنعام:١١٢]] ، فهم يزخرفون القول لكي يقبل عند من لا يفقه الحقيقة.\r\rالعبرة بالمعاني لا بالألفاظ\rيقول المُصْنِّف ﵀: [والعبرة للمعاني لا للألفاظ، فكم من باطل قد أقيم عليه دليل مزخرف عورض به دليل الحق] أي: أن الذين يسمون نفي الصفات تنزيهاً، ويسمون تحريف المعاني تأويلاً، أياً كانت المسميات والأسماء والألفاظ والتحريفات والزخرفات، فإنها لا تغير الحقيقة، فقد يأتي إنسان بقولٍ كاذب ويزخرف أدلته ويظهره في قالب الحق كما هو في عصرنا، فكم من كتب وأفكار ونظريات وآراء باطلة، ولكنها مزخرفة ومموهة وكأنها هي الحق ولكنها في الواقع من أبطل الباطل، فالعبرة بالحقائق وليست بالاصطلاحات ولا بالألفاظ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689776,"book_id":1659,"shamela_page_id":902,"part":null,"page_num":902,"sequence_num":902,"body":"ثُمَّ يقول: [وكلامه هنا نظير قوله فيما تقدم \"لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا\" ثُمَّ أكد هذا المعنى بقوله: إذ كَانَ تأويل الرؤية، وتأويل كل معنى يضاف إِلَى الربوبية بترك التأويل] وإذاً هنا: تعليلية، وتأويل الرؤية هو ترك التأويل، وكيف يكون التأويل هو ترك التأويل؟!\rيقول المصنف [ومراده ترك التأويل الذي يسمونه تأويلاً] هذا هو الصحيح، لكن الإمام الطّّحاويّ ﵀ تأدب وجادلهم بالتي هي أحسن، وتنزل معهم في العبارة كأنه يقول: التأويل هو ترك التأويل، فإذا كنتم ترون التأويل بأنه حق، وأنه واجب، فالواجب هو ترك التأويل.\rفلهذا قَالَ: [وتأويل كل معنى يضاف إِلَى الربوبية: بترك التأويل] وليس مراد المُصْنِّف ترك كل ما يسمى تأويلاً، لأن التأويل له معانٍ منها ما هو حق، ومنها ما هو باطل وهو يقصد المعنى الباطل لأنه عطف فقَالَ: [ولا ترك شيء من الظواهر لبعض النَّاس لدليل راجح من الكتاب والسنة] أي: لا يقصد ترك الحق لأجل النَّاس.\r\rليس كل ما في نصوص الكتاب والسنة يؤخذ على ظاهره\rليس في ظواهر نصوص الكتاب والسنة أي ممسك للمبتدعة بأن يقولوا: إن ظواهر نصوص الكتاب والسنة تفيد التشبيه، فيجب نفيها أو تحريفها، ونقول: كل لفظ في القُرْآن والسنة لا يؤخذ عَلَى ظاهرة مطلقاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689777,"book_id":1659,"shamela_page_id":903,"part":null,"page_num":903,"sequence_num":903,"body":"بمعنى: أن بعض الألفاظ ليست عَلَى ظاهرها بإطلاق، لكن هذه الألفاظ ليست في باب الصفات والعقائد ولكنها في باب الأحكام، فمثلاً: الألفاظ العامة التي ورد ما يخصصها، فلا يراد به ظاهر اللفظ لأنه ما دام أنه قد خصص فلا يراد به الظاهر بإطلاق، وإنما يراد ظواهر الألفاظ العامة فيما لم يخصص، وكذلك المطلق: فإن الألفاظ جاءت في كتاب الله ﷿ مطلقة وورد تقييدها إما في القُرْآن وإما في السنة فلا نأخذ بظاهر المطلق في كل شيء؛ ولكن فيما لم يقيد، وكذلك الألفاظ المجملة لا يؤخذ بظاهرها مطلقاً، وإنما يؤخذ بظاهر الذي لم يبين، والأمثلة عَلَى ذلك كثيرة جداً.\r\rمعنى النسخ عند السلف وعند المتأخرين\rكان السلف الصالح ﵃ يسمون العام الذي خصص أو المطلق الذي قيد نسخاً، ففي أيام الصحابة ﵃ كانوا يسمون بعض الأحكام محكمة وبعضها منسوخة كما في آية: مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ [آل عمران:٧] فالمنسوخ عندهم أي: الذي قيد أو خصص أو بُيِّن، فعدم إرادة الظاهر بإطلاق يسمى عندهم في الجملة منسوخ، لكن علماء الأصول المتأخرين حددوا هذه الألفاظ بتحديدات اصطلاحية فنية، وذهبوا إِلَى أن النسخ هو تغيير الحكم أو تبديله، وأن تخصيص العام وتقييد المطلق وبيان المجمل لا يسمى نسخاً.\rفمثلاً: كل لفظ جَاءَ في الحث عَلَى إقامة الصلاة فهذا لفظ عام يشمل جميع الْمُسْلِمِينَ، لكن الحائض والنفساء، لا تدخل في هذا اللفظ العام. إذاً هذا العموم يُخصُ منه الحائض والنفساء، ومثل: عتق الرقبة في الكفارات، فقد جعل في بعض الآيات مطلقاً وفي بعضها مقيداً بالإيمان، كما قال تعالى:: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ [النساء:٩٢] فذاك يسمى إطلاق وهذا يسمى تقييد وكذلك الآيات التي جاءت تدل عَلَى الجهاد مثل آيات الاستنفار انْفِرُوا خِفَافاً [التوبة:٤١] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689778,"book_id":1659,"shamela_page_id":904,"part":null,"page_num":904,"sequence_num":904,"body":"فهذه الآيات تدل عَلَى أن كل مسلم يجب عليه أن ينفر، فجاءت آيات وأحاديث أخرى تخصص الضعفاء والمرضى الذين لا يجدون نفقة الجهاد، والذي لم يستأذن أبويه، أو كَانَ أبواه ضعيفين وهكذا: فالألفاظ التي في الكتاب والسنة التي لا يؤخذ ظاهرها بإطلاق، مثل العام المخصص، أو المطلق المقيد، أو المجمل المبين وهذا لا يكون إلا في الأحكام إلا أنه قد تشتبه بعض المعاني، فنحتاج إِلَى أن نجمع بين النصوص في غير الأحكام في أمور العقيدة كما يأتي، مثل: أمور الوعد والوعيد وما أشبه ذلك، لكن هذه ليست هي الأصل فيما نقوله هنا؛ بل تدخل في قسم المتشابه عَلَى قول بعض السلف.\rفالمقصود: أن نعرف أن بعض ألفاظ الكتاب والسنة يراد بها غير ظاهرها -كما سبق- أما أن يأتي لفظ من الكتاب والسنة ويغير معناه بالكلية إِلَى معنى آخر بعيد لمجرد قرينه عقلية كما يسميها أصحابها فلا. هذا هو التأويل الذي وقع فيه المتأخرون.\r\rقَالَ المُصنِّفُ ﵀: [ليس مراده ترك كل ما يسمى تأويلاً] لأن التأويل له معانٍ: منها حق ومنها باطل [ولا ترك شيء من الظواهر لبعض النَّاس لدليل راجح من الكتاب والسنة، وإنما مراده ترك التأويلات الفاسدة المبتدعة المخالفة لمذهب السلف التي يدل الكتاب والسنة عَلَى فسادها؛ وترك القول عَلَى الله بلا علم] ففي نفي شيء أثبته الله لنفسه، أو إثبات شيء لم يثبته الله لنفسه قول عَلَى الله تَعَالَى بغير علم، وكفى بذلك إثماً مبينا.\r. بعض التأويلات الفاسدة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689779,"book_id":1659,"shamela_page_id":905,"part":null,"page_num":905,"sequence_num":905,"body":"يقول: [فمن التأويلات الفاسدة تأويل أدلة الرؤية] فأولوا قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:٢٢، ٢٣] قالوا: ناظرة اسم فعل من الانتظار فهي ناظرة أي: تنتظر رحمة الله، قوله: [وأدلة العلو] مثل: تحريف الاستواء بالاستيلاء [وأنه لم يكلم موسى تكليما] ، أولوا آيات التكليم، فَقَالُوا: الكلام ينسب إِلَى الشجرة، لأنه - تَعَالَى - قَالَ: (مِنَ الشَّجَرَةِ) فالشجرة: هي التي تكلمت.\rولهذا قال كثير منالسلف الصالح وهذا مروي عند الأئمة بالأسانيد، كما في كتاب السنة لعبد الله بن الإمام أحمد والشريعة للآجرى والإبانة لابن بطة وغيرهم أن من يقول: \"إنني أنا الله لا إله إلا أنا\" وهو مخلوق فقد كفر، وقالوا في قوله تعالى: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً [النساء:١٦٤] قالوا: نجعل موسى هو المتكلم والله هو المتكلَم معه، فقيل لهم: ما تقولون في قوله: وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ [الأعراف:١٤٣] فحرفوا معنى الكلام في \"كلَّمه\" وَقَالُوا: هو من التكليم الذي هو التجريح؛ لأن الكَلْم هو الجرح، فإذا قلنا: رجل مكلوم أي: مجروح.\r\rثُمَّ يقولون: [وهذا هو المعنى الحق، والذي يعتقد خلاف ذلك، فهو حشوي مشبه مجسم إِلَى آخره] كما يقول الكوثري وتلاميذه، ولهم كتب كثيرة ورائجة تدرس في أكثر جامعات العالم الإسلامي، أمثال هذه التأويلات عافانا الله منها.\r\rويقولون: إن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً، وأنكروا المحبة، وَقَالُوا: إن الله لا يُحِب ولايُحَب ولهذا لما قتل خالد بن عبد الله القسري ﵀ الجعد بن درهم كان هذا من أجل هذه البدعة، وإن كَانَ هناك من يقول: إنما قتله لقضية سياسية كانت بينهما.\r\rمعنى التأويل في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689780,"book_id":1659,"shamela_page_id":906,"part":null,"page_num":906,"sequence_num":906,"body":"يقول المُصْنِّف ﵀: [ثُمَّ قد صار التأويل مستعملاً في غير معناه الأصلي، فالتأويل في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ هو الحقيقة التي يؤول إليها الكلام] والمآل هو: والعاقبة والنهاية، أي: ينتهي إليها الكلام وتراد بالكلام [فتأويل المخبر به] مثلاً أخبرنا الله ﷿ عن الجنة والنار، فَقَالَ في النار: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا [مريم:٧١] فتأويل هذه الآية -على هذا المعنى- أن العالمين جميعاً يردون فوق جسر جهنم هذا تأويلها.\rوتأويل دخول الجنة أن يدخل المؤمنون الجنة.\r\rوتأويل دخول النَّار أن يدخل الكفار النار.\r\rوتأويل أخبار الدجال أن يظهر الدجال وتظهر الآيات التي ذكرها النبي ﷺ فيه.\r\rوتأويل أخبار الدابة أن تظهر الدابة فإذا خرجت قلنا قد وقع تأويل ذلك، فكل ما كَانَ من الأخبار فتأويله هو وقوع نفس المخبر به.\r\rوتأويل الأمر: نفس الفعل المأمور به.\rفعندما يقول الله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ [البقرة:٤٣] فتأويلها أن تصلي، فإذا كنت تصلي فأنت تأول هذه الآية بمعنى تأتي بما أمرك الله به وعلى هذا الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه عن أم المؤمنين عَائِِِشَةَ قالت كان النبي ﷺ يقول في ركوعه (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي يتأول القرآن) أي: يتأول قوله تعالى: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ َ تَوَّاباً [النصر:١-٣] فالنبي ﷺ لما تحقق له ذلك تأول القُرْآن أي: عَلَى لغتنا يطبق ذلك ويتمثله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689781,"book_id":1659,"shamela_page_id":907,"part":null,"page_num":907,"sequence_num":907,"body":"وقال تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقّ [الأعراف:٥٣] أي: هل ينظرون إلا أن يأتي تأويله: فالنبي ﷺ يحدث كفار قريش وما أكثر ما يحدثهم بكتاب الله عن قيام الساعة؛ لكنهم ينكرونها ويكذبون بها كما قال تَعَالَى عنهم: بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ [النمل:٦٦] فلا يؤمنون بأن الساعة ستقوم والنبي ﷺ يكرر عليهم الآيات والأحاديث في الإيمان بها فماذا ينتظرون بعد ذلك: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ أي: وقوع ذلك الشيء، فإذا وقع وجاء سيؤمنون! يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقّ فهم ينكرون البعث؛ فإذا نفخ في الصور وبعثر من في القبور، فإنهم حينئذ يقولون: قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ لكن هل ينفع حينئذٍ؟ لا ينفع؛ لأن من صفات المؤمنين الإيمان بالغيب قال تعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة:٣] وأخبرنا النبي ﷺ أن كل إنسان سوف يموت كما قال تَعَالَى:حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ [الأنعام:٦١] فتنزع روحه الملائكة، إما ملائكة الرحمة، إن كَانَ من أهل النعيم والإيمان، وإما ملائكة العذاب إن كَانَ من الشقاوة والجحيم، هكذا أخبرنا النبي ﷺ فنؤمن بذلك ونصدق به، فتأويل هذا وتحققه أنه عندما تأتي الملائكة لقبض الروح لا يزداد المؤمن إيماناً، ولا يؤمن المنافق أو الكافر، وكذلك قوله تعالى: بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُه [يونس:٣٩] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689782,"book_id":1659,"shamela_page_id":908,"part":null,"page_num":908,"sequence_num":908,"body":"فقوله: بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ أي: القُرْآن هذه العلة الأولى من مناط التكذيب، الثانية: هو\rوَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُه أي: لم يستطيعوا أن يستوعبوه بعقولهم ولا أن يفهموه، فنشاهد في هذه الآية أن الأمر عندهم دائر بين شيئين: أنهم لم يحيطوا بعلمه، وأنهم لمَّا يأتهم تأويله.\r\rالفرق بين الإحاطة بالعلم وبين التأويل\rهناك فرق بين الإحاطة بالشيء علماً وبين أن يأتي تأويله، فكثير من المكذبين الذين يكذبون بآيات الله، كعذاب القبر وغيرها يقولون: هذا شيء ليس معقولاً بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ [يونس:٣٩] فهو لم يدرك ذلك بعقله الضعيف، ولم يستوعب هذا الشيء وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُه أي: أمر لم يقع، ولم يؤمنوا به حتى يقع، هذا هو التفريق بين الإحاطة بالعلم وبين التأويل، ومن هذا نفهم آية آل عمران وهي قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ [آل عمران:٧] وهذه الآية أشكل تفسيرها عَلَى أكثر المفسرين قديماً وحديثاً.\r\rالكلام على قوله: ((وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ))\rإن التفريق بين الإحاطة بالعلم وبين التأويل يعين عَلَى فهم قوله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ [آل عمران:٧] لأن الراسخين في العلم يحيطون بمعاني القُرْآن علماً، ولكن لا يدركون تأويله عَلَى معنى الوقف عَلَى قوله: إِلَّا اللَّهُ فهذا أحد ما يُخَّرج به ذلك وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران:٧] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689783,"book_id":1659,"shamela_page_id":909,"part":null,"page_num":909,"sequence_num":909,"body":"فالراسخون في العلم لا يجهلون معاني كتاب الله ﷿، كما ورد عن ابن عباس أنه كَانَ يوقفه تلميذه مجاهد عند كل آية ويسأله عن معناها، فلا توجد آية خَفْيَ معناها عَلَى ابن عباس -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُما- سواء كَانَ هذا التفسير صواباً، أو قد يكون هناك ما هو أولى منه، لكن المقصود أن ابن عباس -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُما- يعلم التأويل، إذاً هذا أحد الأوجه التي نفهم بها الآية وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ [آل عمران:٧] فهم يعلمون معاني القُرْآن إذا كانت أخباراً، ولكنهم لا يعلمون تأويله، أي: حقيقته التي يؤول إليها، وأما الأوامر والنواهي فإن تأويلها معروف وذلك بتحقيقها وتطبيقها.\r\rأمثلة لمعنى التأويل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689784,"book_id":1659,"shamela_page_id":910,"part":null,"page_num":910,"sequence_num":910,"body":"يقول المُصْنِّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: [ومنه تأويل الرؤيا وتأويل العمل] أي: تفسيرها الذي ستقع وفقه، فملك مصر رأى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ [يوسف:٤٣] فأرادوا تأويلها، فالذين لا علم لهم قالوا: أَضْغَاثُ أَحْلامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعَالِمِينَ [يوسف:٤٤] لكن الذي أعطاه الله تَعَالَى العلم وعلمه من تأويل الأحاديث، قَالَ: هذه السبع السمان هي السنوات المخصبة التي فيها الخصب والنماء: يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ [يوسف:٤٣] أي: يأتي بعد ذلك سبع سنين فيها جدب وقحط، فيأكل النَّاس ويستهلكوا ما ادخروه في أيام الخصب، فهذا تأويلها وتفسيرها، وكذلك لمَّا رأى يوسف ﵇ الرؤيا، فقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ [يوسف:٤] ثُمَّ قَالَ: وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ [يوسف:١٠٠] وقد قيل: إن بين الرؤيا وبين وقوع التأويل أربعون سنة، فتأويلها إذاً تفسيرها أو وقوعها، وتأويل العمل تفسيره، وبيان لماذا وقع بهذه الكيفية أي: بيان الحكمة.\rومثال آخر قوله تَعَالَى حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا [الكهف:٧١] تعجب موسى ﵇: كيف يحسنون إلينا ويركبوننا في السفينة ثُمَّ نخرقها؟!\rوبعدها لَقِيَا غُلاماً فَقَتَلَهُ [الكهف:٧٤] فَقَالَ موسى: أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْس [الكهف:٧٤] كأنه يقول: ما ذنب هذا الغلام الصغير حتى تقتلته؟\rوفي الثالثة يذهب موسى والخضر إِلَى قرية من القرى فيستطعموا أهلها فيأبوا أن يضيفوهما، ثُمَّ يجدون فيها جداراً يريد أن ينقض فيقيمه الخضر حتى لا يسقط، فيتعجب موسى من ذلك فيقول: لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً [الكهف:٧٧] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689785,"book_id":1659,"shamela_page_id":911,"part":null,"page_num":911,"sequence_num":911,"body":"فما كَانَ من الخضر ﵇ إلا أن قَالَ: قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً [الكهف:٧٨] أي: أنا سأخبرك الآن بالعلة والسر والحكمة في الأفعال التي رأيتها ولم تستطع أن تصبر عليها، ثُمَّ أخذ يبين له: أَمَّا السَّفِينَةُ فتأويلها العملي فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً [الكهف:٧٩] عن أهلها وبعد أن نزل موسى والخضر ﵉ من السفينة، ذهب المساكين بسفينتهم إِلَى الميناء وجاء أعوان ذلك الملك الظالم، فَقَالُوا: نريد هذه السفينة إن كانت تصلح لنا وإلا تركناها؟ فخاف المساكين عَلَى سفينتهم فلما رأى أعوان الظالم الخرق قالوا: هذه مخروقة لو ركب فيها الجند لغرقوا فتركوها، ففرح المساكين وذهبوا وأصلحوا الخرق وسلمت لهم السفينة. إذاً هذا الخرق كَانَ خيراً لهم، لكن موسى ﵇ لا يعلم تأويل ذلك، ولا يعلم الغيب الذي أطلع الله تَعَالَى عليه الخضر ولم يطلع عليه موسى، ولهذا قال له الخضر: أنت عَلَى علم من الله علمك إياه لا أعلمه، وأنا عَلَى علم من الله علمني إياه لا تعلمه.\r\rوكذلك أولَّ لَهُ سببَ قتله للغلام وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً [الكهف:٨٠] قال المفسرون: إن هذا الغلام طبع يوم طبع كافراً، فكان جزاؤه أن يُقتل لئلا يفتن أبويه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689786,"book_id":1659,"shamela_page_id":912,"part":null,"page_num":912,"sequence_num":912,"body":"وكذلك الجدار الذي أقامه لم يكن إكراماً لتلك القرية اللئيمة، وإنما كَانَ لحكمة غيبية لا يطلع عليها إلا من أطلعه الله ﷿ عَلَى علم وذلك أنه كان: لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً [الكهف:٨٢] فجدد هذا البناء لكي يبلغا أشدهما ويستخرجا الكنز عندما يكبرا، ويطلعهم عَلَى ذلك الكنز.\r\rقال في الأخير: ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً [الكهف:٨٢] فكل هذه المعاني التي جاءت في القُرْآن سواءً كَانَ وقوع حقيقة الشيء المخبر به، أو تأويل الرؤيا، أو تأويل العمل، فالمعنى فيها واحد، وهذا هو التأويل الذي جَاءَ في الكتاب والسنة.\rيقول: [فمن ينكر وقوع مثل هذا التأويل والعلم بما تعلق بالأمر والنهي منه؟] ، هذا رد من المُصْنِّف ﵀ عَلَى من فهم أن الإمام أبا جعفر أبا جعفر الطّّحاويّ ينكر التأويل بإطلاق فَيَقُولُ: هو لا ينكر التأويل بإطلاق لكن ينكر التأويل بالمعنى البدعي المحدث.\r\rأمور الغيب لا يعلم تأويلها إلا الله","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689787,"book_id":1659,"shamela_page_id":913,"part":null,"page_num":913,"sequence_num":913,"body":"قَالَ المُصْنِّفُ ﵀: [وأما ما كَانَ خبراً كالإخبار عن الله واليوم الآخر فهذا قد لا يعلم تأويله الذي هو حقيقته إذ كانت لا تعلم بمجرد الإخبار؛ فإن المخبر إن لم يكن قد تصور المخبر به، أو ما يعرفه قبل ذلك لم يعرف حقيقته التي هي تأويله بمجرد الإخبار وهذا هو التأويل الذي لا يعلمه إلا الله] كالحديث عن الجنة والنَّار وعن صفات الله ﷾ وعن صفات بعض المخلوقات كالملائكة كما قال عبد الله بن المبارك -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: \"قد بلغنا -وذلك كما في الحديث الصحيح- أن لجبريل ستمائة جناح، ونحن نعلم أن الطير ماله إلا جناحان فأين يكون الثالث؟ \" أي: أن العقل لا يستطيع أن يتصور أين يكون الجناح الثالث؟ فكيف يستطيع العقل أن يتصور ستمائة جناح؟ فهذه من الأمور الغيبية التي أخبرنا الله بها ورسوله الله ﷺ، وكذلك صفات الله، وصفات العالم الغيبي، هذه أمور لا نعلم حقيقتها بمجرد الإخبار، وإلا فالنبي ﷺ وأصحابه هم أعلم النَّاس وأفهمهم للقرآن؛ لكنهم لم يعرفوا حقيقة هذه الأمور إلا ما أطلع الله عليه رسوله ﷺ كما في الإسراء، فمثلاً: نؤمن بأن الجنة فيها أنهار من عسل ولبن وخمر وماء وفواكه وغير ذلك، وكل ذلك لا نعلم حقيقته، إلا أنَّ هناك لفظاً مشتركاً يدل عَلَى قدر معين من العلم والشوق والرغبة إِلَى هذا الشيء، وإن كنا لا ندري حقيقته الكاملة، فذهب الجنة وزعفرانها وفضتها والحور العين واللؤلؤ والمرجان كل ذلك أسماء إلا أنها تدلنا عَلَى معنى الآخرة حتى قال بعض العلماء: إن الله ﷾ جعل في الأرض الأنهار والأشجار والنساء الجميلات ... ، وجعل هذه الأشياء، لكي يستدل العاقل بها عَلَى نعيم الجنة، فعندما تذهب إِلَى بلد من البلدان وترى منظراً لم يكن يخطر عَلَى بالك أن في الدنيا هذا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689788,"book_id":1659,"shamela_page_id":914,"part":null,"page_num":914,"sequence_num":914,"body":"الجمال والأشجار والمياه والفاكهة والخضرة، فتتعظ وتعتبر، فكيف لو رأيت الآخرة؟!.\r\rالتأويل الباطني الخبيث\rإن فائدة القول بهذا القدر اللفظي المشترك أنه يعيننا في الرد عَلَى الباطنية الذين أوّلوُا النعيم، وَقَالُوا: هذا ليس له أصل وإنما هو تقريب للأذهان، فينكرون الحقائق، ويقولون: هذا عالم غيب، وأنتم لا تعرفون عنه شيئاً، فنقول لهم: لكننا بناءاً عَلَى ما نعرف من الألفاظ التي أنزلها الله تعالى، ومعرفة أن هذه المعاني مراده، وأن لها مدلولات حقيقية هي فوق ما نتخيل من المعاني، فهذا القدر نرد به عَلَى أمثال هَؤُلاءِ المعطلين الذين عطلوا النصوص جميعاً، ولم يكتفوا بإنكار الصفات؛ بل أنكروا الحشر، وَقَالُوا: حشر روحاني، وأنكروا نعيم الجنة، وَقَالُوا: نعيم روحاني، وأنكروا عذاب النار، فَقَالُوا: عذاب روحاني، إِلَى آخر ما أبطلوا به الكتاب والسنة، فأبطلوا الصلاة والزكاة وصفات الله وأبطلوا الجنة ولم يُبقوا من كتاب الله ﷿ شيئاً.\rفعندما نقول لهم قال الله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ [البقرة:٤٣] قالوا: الصلوات الخمس هي عَلِيّ وفاطمة والحسن والحسين، ومحسن، وقالوا في قوله تعالى: وَآتُوا الزَّكَاةَ أن تدفع المال للإمام المعصوم أو تنفق في كذا، وفي قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ [البقرة:١٨٣] هو حفظ أسرار الإمام المعصوم، وقوله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْت [آل عمران:٩٧] أن تذهب إِلَى الإمام المعصوم، فهذه هي حيلة اليهود والمجوس الذين أسسوا دين الرفض، ثُمَّ دين الباطنية والصوفية الذي هو أوسع من الرافضة، الذي يخرج الإِنسَان من جميع التكاليف ومن جميع التعبدات، فلا يؤمن بكتاب ولا بسنة، ولا بأمر ولا بنهي عافانا الله من ذلك\rفالمقصود من ذلك: أن التأويل الذي هو معرفة حقيقة ما يؤول إليه المخبر عنه في الكتاب والسنة لا يعلمه إلا الله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689789,"book_id":1659,"shamela_page_id":915,"part":null,"page_num":915,"sequence_num":915,"body":"ثُمَّ قَالَ المُصْنِّفُ ﵀: [لكن لا يلزم من نفي العلم بالتأويل نفي العلم بالمعنى الذي قصد المخاطب إفهام المخاطب إياه -ثُمَّ وضح ذلك فقال- فما في القُرْآن آية إلا وقد أمر الله بتدبرها، وما أنزل آية إلا وهو يحب أو أن يُعلم ما عني بها وإن كَانَ من تأويله ما لا يعلمه إلا الله، فهذا معنى التأويل في الكتاب والسنة وكلام السلف] .\rإذاً مع قولنا: إن حقائق الأشياء لا يعلمها إلا الله، لكن هل يفهم من هذا أن معانيها لا تعلم؟ فهل نقول: الفاكهة أو الرمان والنخل والحور العين والأبكار واللحم والطير لا يعلم معناها؟ لا، ليس الأمر كذلك، فمعنى استوى نعلمه، ومعنى الجبار نعلمه، والقيوم والعزيز والحكيم كل هذه المعاني نعلم معناها؛ لكن حقائقها وكيفية اتصاف الله ﷿ بها لا نعلمه، فالمهم هو: معرفة أن نفي العلم بتأويل -حقيقة- الشيء لا يعني نفي معرفة المعنى، فلا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا.\rلا يلزم من نفي العلم بالتأويل نفي العلم بالمعنى\rولا يلزم من نفي العلم بالتأويل نفي معرفة المعنى هذا أمر مهم جداً، فما في القُرْآن آية إلا وقد أمر الله بتدبرها.\rفالمفوضة تقول: نَحْنُ لا نثبت أي معنى من هذه المعاني، فإذا قلت له: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:٥] يقول: الله أعلم بمراده فلا أنفي ولا أثبت! يقول: لأن الله تَعَالَى يقول: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا [آل عمران:٧] ، فنحن نتبع سبيل الراسخين في العلم، فنؤمن بأنها آية في القرآن؛ لكن لا نؤمن بأن لها معنى ولا نفسر هذا المعنى، وهذا مذهب خطير جداً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689790,"book_id":1659,"shamela_page_id":916,"part":null,"page_num":916,"sequence_num":916,"body":"ونتيجةً لجهل أكثر المتكلمين المتأخرين بهذا المعنى وقعوا في الحيرة، والاضطراب فأخذوا بهذا المبدأ، وَقَالُوا: نَحْنُ نفوض، فكانوا مفوضة، ومنهجهم خارج عن منهج السلف الصالح، وباطل كما أن مذهب المؤولة باطل، وهناك طائفة أخرى: لما رأوا أن هَؤُلاءِ أحجموا، وَقَالُوا: لا نثبت أي معنى من المعاني، قالوا: نَحْنُ نعرف هذه المعاني، ونعرف التأويل، ولهذا: أخذوا يؤولون الآيات ويخرجونها وفق قواعد اللغة العربية حسب زعمهم، والواقع أن كلاً منهما مخطئ من جهة، وهذا الذي يجب أن نعلمه في آية آل عمران.\r\rيقول المصنف: [فهذا معنى التأويل في الكتاب والسنة وكلام السلف وسواء كَانَ هذا التأويل موافقاً للظاهر أو مخالفاً له] أي: إن كَانَ المقصود بكلمة \" التأويل\" تأويل المعنى فالأمر واضح أن المعنى قد يوافق الظاهر، وقد يخالفه، فالذين يتكلمون في معاني القُرْآن قد يفسرونه بالمعاني التي توافق الظاهر أو تخالفه هذا شيء آخر.\r\rلكن المقصود: أنهم يفسرون القُرْآن بمعانٍ ولا يفوضون، ويقولون: لا نعلم منه شيئاً، وإن كَانَ المقصود أن هذا التأويل هو وقوع حقيقة الشيء، وقد تكون موافقةً للفظ وقد تكون مخالفة له وهذا الاحتمال قد يرد، وتوضيحاً لهذا نقول: عندما أخبرنا النبي ﷺ عن صفات الدجال، قد يفهم الإِنسَان من ظاهر هذه الصفات معنى معيناً في الدجال، فإذا ظهر الدجال قد يكون التأويل خلافاً لِمَا كَانَ مفهوماً من ظاهر النص.\r\rوهنا لا بد من التنبيه عَلَى أمر مهم وهو:\rالتأويل قد يقع خلاف الظاهر المفهوم من النص\rقد يقع التأويل خلاف الظاهر الذي كَانَ مفهوماً من ظاهر النص فيحتمل هذا المعنى أو ذاك","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689791,"book_id":1659,"shamela_page_id":917,"part":null,"page_num":917,"sequence_num":917,"body":"الأولى: في التفسير نرجع الضمير إِلَى المعاني وليس إِلَى وقوع الحقيقة؛ لأن كلمة \"الظاهر\": ومعرفة الظاهر ومعرفة ما عدا الظاهر، سواء كَانَ هذا معنى راجحاً أو مرجوحاً، هذه مسألة تعود إِلَى الفهم والفقه والاجتهاد، فالخلاف في هذا لا حرج أن يقع، ولهذا فالتفسير الذي يأتي عن أصحاب النبي ﷺ قد يكون منه ما هو خطأ لأنه فهم محض، فتجد آية فهمها أحد الصحابة عَلَى وجه والآخر فهمها عَلَى وجه آخر، ولا نستطيع أن نجمع بينهما، فنرجح فهم هذا عَلَى فهم ذلك كما في الأحكام، فقد يكون الواحد مخطئاً لكن له أجر، والآخر مصيب فله أجران، فمعاني القُرْآن التي يفسرها العلماء قد تكون موافقة لظاهره أو مخالفة، وقد تكون خطأً، وقد تكون صواباً -هذا بالنسبة لأفهام الناس- لكنه في ذاته -أي: القرآن- لا بد أن له مراداً يريده الله ﷾ أو لا بد أن هذه الآية لها من يفهمها ولا يمكن أن يكون في القُرْآن آية يخفى معناها عَلَى جميع العلماء ويخطئ جميع العلماء في معناها\rيقول المصنف: [والتأويل في كلام كثير من المفسرين كابن جرير ونحوه يريدون به تفسير الكلام وبيان معناه] يقول ابن جرير في تفسيره: تأويل قوله تَعَالَى كذا، قال ابن عباس كذا ويأتي بسند إِلَى ابن عباس، وكذلك يأتي بسند إِلَى ابن جبير، وسند إِلَى جابر بن زيد، وسند إِلَى كذا، هذا هو التفسير، [سواء وافق ظاهره أو خالفه] فهو مجرد تفسير للكلمة [وهذا اصطلاح معروف، وهذا التأويل كالتفسير يحمد حقه ويرد باطله] أياً كان، وقد يكون من الحق ما يوافق ظاهر اللفظ، وقد يكون الظاهر مخالفاً له، كَانَ يكون هذا الظاهر عاماً مخصصاً أو مطلقاً لكنه قيده في موضع آخر، أو مجملاً وبيَّن في موضع آخر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689792,"book_id":1659,"shamela_page_id":918,"part":null,"page_num":918,"sequence_num":918,"body":"ثُمَّ ذكر المُصْنِّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- قوله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ [آل عمران:٧] وأن فيها قراءتين قراءة من يقف عَلَى قوله \"إلا الله\" ومَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ثُمَّ يستأنف.\r\rوالقراءة الأخرى -لِمن لا يقف- معناها: والراسخون في العلم حال كونهم قائلين آمنا به كل من عند ربنا، والقراءتان كلتاهما حق ولا اعتراض عليهما.\rفإذاً يجوز لك أن تقف عَلَى قوله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ باعتبار، ويجوز لك أن لا تقف باعتبار آخر، ولذا قَالَ: [يراد بالأولى المتشابه في نفسه الذي استأثر الله بعلم تأويله، ويراد بالثانية المتشابه الإضافي الذي يعرف الراسخون تفسيره وهو تأويله ولا يريد من وقف عَلَى قوله \"إلا الله\" أن يكون التأويل بمعنى التفسير للمعنى] هذا مهم جداً، والمقصود به بيان أن هذه الآية مما أشكل فهمها وتفسيرها عَلَى كثير من الناس.\r\rيرد متشابه القرآن إلى محكمه\rلقد ذكر الله ﷾ أنه أنزل القُرْآن عَلَى نبيه مُحَمَّد ﷺ وأنه جعله عَلَى قسمين: محكم ومتشابه، فالسلف الصالح كابن عباس، وابن مسعود، وسعيد بن جبير، والحسن وكثير من مفسري السلف فسروا المحكم كما في الدر المنثور في أول الجزء الثاني -وهو ينقل المأثور سواء كَانَ عن ابن أبي حاتم أو البيهقي أو البغوي أو الحاكم بالسند إِلَى من قال القول ويقول: قال السلف إن المحكم هو: الحلال والحرام والأمر والنهي مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ [آل عمران:٧] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689793,"book_id":1659,"shamela_page_id":919,"part":null,"page_num":919,"sequence_num":919,"body":"والمتشابهات: مثل الوعد والوعيد، وما يؤمن به ولا يعمل به كثير من السلف كما في الدر المنثور، يعبرون عن أنفسهم وعن حالهم مع كتاب الله ﷿. يقولون: نعمل بمحكمه ونؤمن بمتشابهة، ونتدبر أمثاله وأقسامه فبعضهم يقول: إذاً المحكم هو الحلال والحرام والأمر والنهي أي: ما نعمل به مثل: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ومثل: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة:٢٢٨] إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنّ [الطلاق:١] فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ [المائدة:٨٩] فهذه الآيات في الأحكام نعمل بها، وأيضاً في الأوامر والنواهي كما في الآيات التي في سورة الإسراء كالنهي عن الإسراف والتبذير والكبر والحقد والغل وغيرها من النواهي، والمتشابه مثل: الوعد والوعيد والأمثال، وكثير من النَّاس لا يفهم ما هو المراد بأمثال القرآن، ولكنه يؤمن به ويقول: كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا [آل عمران:٧] وهذا قول أكثر السلف.\rوقال بعض السلف ﵏: المحكم هو الذي لم ينسخ، والمتشابه: المنسوخ، وهذا في الحقيقة جزء من ذلك، لأن الإحكام قد يقابل النسخ، فمثلاً سورة المائدة: قد روى الحاكم وصححه والنَّسَائِيُّ أن عَائِِِشَةَ ﵂ قالت: هذه السورة من آخر ما نزل، فما وجدتم فيها من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيها من حرام فحرموه، أو: فإنها محكمة، أي: أن سورة المائدة محكمة. فليس فيها حكم منسوخ لأنها آخر ما نزل. بخلاف السور الأخرى التي نزلت من قبل فقد يكون فيها آيات منسوخة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689794,"book_id":1659,"shamela_page_id":920,"part":null,"page_num":920,"sequence_num":920,"body":"إذاً: فالمحكم يأتي مقابل المنسوخ كما في أصول الفقه، ولكن إذا جَاءَ المحكم مقابل المتشابه فمعناه الذي لا يحتمل إلا معنىً واحداً أو هو النص الواضح الجلي، والمتشابه: ما يلتبس معناه وما يخفى، وقوله: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ [آل عمران:٧] فهو ولا يريد الذين يتبعون المنسوخ بل الذين يتبعون ما تشابه منه مثل: الوعد والوعيد والأمثال والأقسام وأمثال ذلك مما قد يدق معناه ويخفى\rولهذا قَالَ: ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وقد روي مرفوعاً عن النبي ﷺ، لكن لا يصح رفعه \"إنهم الخوارج \" هكذا فسرها المفسرون من السلف، وقد جَاءَ في الصحيحين أن أم المؤمنين عَائِِِشَةَ ﵂: لما قرأت هذه الآية قالت: \"فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذرهم\" وكأن أم المؤمنين عَائِِِشَةَ ﵂ تشير إِلَى الخوارج \"الحرورية \" فهم مثلاً يتبعون قوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:٤٤] فيجدون قاضي من قضاة الْمُسْلِمِينَ خالف أمر الله في مسألة فيقولون: هذا كافر، وآخر من الْمُسْلِمِينَ شرب الخمر فيقولون: هذا كافر؛ لأن معصية الله تَعَالَى عندهم كفر ويستدلون بقوله تَعَالَى: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً [الأحزاب:٣٦] الضلال المبين هو الكفر كما في آيات أخرى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689795,"book_id":1659,"shamela_page_id":921,"part":null,"page_num":921,"sequence_num":921,"body":"إذاً: هذا كافر -هكذا يزعمون- فاتبعوا ما تشابه أي: ما تشابه معناه واحتمل عدة معاني، ولم يردوها إِلَى المحكم، ولوردوها إِلَى المحكم لوجدوا أن في كتاب الله إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:٤٨] فالآية محكمة واضحة المعنى جلية لا التباس في معناها، وكذلك كلمة الضلال المبين والضلال البعيد تارة تطلق عَلَى الكفر وتارة تطلق عَلَى المعصية فقوله تعالى: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:٧] الضالين: اليهودكما فسرها النبي ﷺ واليهود كفار.\r\rوالضالين أيضاً تلطق عَلَى الخارجين عن السنة إِلَى البدعة قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ [القلم:٢٦] أي: لمخطئون، تائهون عن الطريق، والمقصود هنا: أن الضلال يأتي بمعنى: الخطأ والذنب والكفر، لكن هذه الآية محكمة إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:٤٨] فتدل عَلَى أن صاحب الكبيرة تحت المشيئة يغفر الله له إن شاء أو يعذبه إن شاء، وأما قوله تعالى: ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ [آل عمران:٧] فهَؤُلاءِ ابتغوا الفتنة كالخوارج وأمثالهم وابتغوا المتشابه؛ كما قيل: إن النَّصَارَىقالوا: إن في القُرْآن ما يدل عَلَى أن الآلهة ثلاثة كما في قوله: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ [الحجر:٩] قالوا: ونحن عَلَى الجمع وأقل جمع ثلاثة إذاً هو ثلاثة كما في التوراة، يقال لهم إن: معنى \"نحن\" متشابه، فالواحد المعظم لنفسه يقول: نحن، والجماعة يقولون: نحن، وهذا لا يلتبس بكتاب الله؛ لأننا نرده إِلَى المحكم، وهو قوله: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ [البقرة:١٦٣] إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ [الأنعام:١٩] لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ [المائدة:٧٣] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689796,"book_id":1659,"shamela_page_id":922,"part":null,"page_num":922,"sequence_num":922,"body":"وكذلك من التبس عليه قوله تعالى: فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا [الطور:٤٨] وقوله: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ [ص:٧٥] فنردها إِلَى الأصل الثابت ليس كمثله شيء وليس ذلك لأن الآية متشابهة، فإن آيات الصفات ليست من المتشابة، ولكن قد يشتبه في الذهن معناها فنردها إِلَى المحكم.\r\rوإذا أضفنا قوله: ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ إِلَى قوله: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ فمعنى ذلك أن الذين يتبعون الفتنة يظنون أنهم سيعلمون كيفية حقائق الأسماء والصفات، وحقائق الجنة والنَّار والوعد والوعيد، في حين أنه لا يعلمها إلا الله ﷾ والراسخون في العلم يقولون في أمثال هذه الحقائق: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا أي: ما فهمنا معناه وما كَانَ واضحاً جلياً لنا؛ وما كَانَ في أخبار الآخرة، أو ما كَانَ في حقائق الأشياء، أو ما كَانَ مما يدق علينا أن نفهمه وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ والراسخون في العلم يقولون ذلك عَلَى المعنى الآخر وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ أي: أن أهل البدع الذين يتبعون المتشابهات ليسوا من الراسخين في العلم، وخطؤهم يأتي من جهة أنهم لا يفهمون كتاب الله، ولا يرجعون الأمر إِلَى الراسخين في العلم، كما قال الله تعالى: فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْر [النحل:٤٣] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689797,"book_id":1659,"shamela_page_id":923,"part":null,"page_num":923,"sequence_num":923,"body":"فالله تَعَالَى يذمهم بالجهل، ويعيب عليهم أنهم لا يعلمون هذا التأويل، وتأويله لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم، وأولئك الذين يتبعون الفتنة ليسوا من الراسخين في العلم، ومن هنا يخرج قول ابن عباس ﵁ لما قَالَ: (أنا من الراسخين في العلم) فنافع بن الأزرق الذي أوَّل كتاب الله، واستحل دماء الْمُسْلِمِينَ، لو ردَّ هذه الآيات إِلَى الراسخين في العلم من آيات الوعد والوعيد وغيرها إِلَى أمثال ابن عباس رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُما لما وقعت الفتنة، ولكنه ردها إِلَى عقله وهواه، فقَالَ: هَؤُلاءِ كفار واستحل دمائهم وأموالهم.\r\rفلذلك ذهب المُصْنِّف إِلَى أن الأرجح في الآية: أن يكون التأويل فيها بمعنى الحقيقة التي يؤول إليها الشيء إذا وقفنا عَلَى قوله: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ويكون الوقف عَلَى وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ إذا كَانَ المقصود بالتأويل هو المتشابه الإضافي.\r\rالوقف على \"إلا الله \" ارجح\rلكننا نقول: ما ميزة الراسخين في العلم وبمقدور كل إنسان أن يقول: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا؟ نقول: إذا كَانَ الراسخون في العلم لا يعلمون تأويله ولكنهم يؤمنون به وبمعانيه وبحقائقه وهم لا يعلمونها، فأولى وأحرى بمن كَانَ دونهم من الجهال والعوام والأتباع أن يتأسوا بهم، وهذا معنى عظيم في الآية.\rفلا يتجرأ بعد ذلك مبتدع أو صاحب شبهة في التعدي والتقول عَلَى الله تعالى، وليقف حيث وقف القوم هذا هو الذي يقوي وجهة نظر القائلين بأن الوقف أولى.\rوتعبير المُصْنِّف [المتشابه في نفسه الذي لا يمكن أن يعرفه أحد؛ لأنه في ذاته متشابه] كما إذا قلنا: إن حقائق اليوم الآخر لا يمكن أن يعرفها أحد، لأنها في ذاتها متشابه، أي: يدق معناها، ويصعب فهمها في ذاتها فلذلك نؤمن بها. هذا هو المتشابه في نفسه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689798,"book_id":1659,"shamela_page_id":924,"part":null,"page_num":924,"sequence_num":924,"body":"وأما المتشابه الإضافي: ما كَانَ متشابهاً بالإضافة، أو بالنسبة لأحد دون أحد كآية يعلم تفسيرها عبد الله بن عباس رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُما، ولكن لا يدرك معناها مجاهد أوسعيد بن جبير مثلاً، كما في عدد أصحاب الكهف، مثلاً فإن ابن عباس ﵄، فهم المراد من الآية، وأن المعنى الصحيح في عددهم سبعة وثامنهم كلبهم، وهذا معنى يدق فهمه وتفسيره، وهو من المتشابه الإضافي الذي قلَّ من يفهمه من الناس، فمن لم يفهم معنى آية من الآيات فليردها إِلَى الراسخين في العلم ليبينوا له معناها.\r\rليس في القرآن آية لا يفهمها جميع الأمة\rلابد أن يُعلم أنه ليس في القُرْآن آية لا يفهمها جميع الأمة، وهذا هو الذي من أجله ساق المُصْنِّف ذلك الكلام فلا يلبس علينا المؤولون والمحرفون ويقولون: إن معنى قوله: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ أن في القُرْآن آيات لا يعرف تفسيرها أحد إلا الله، ولازم ذلك: أن الله أنزل علينا كتاباً وأمرنا بتدبره وتعقله والتفكر في آياته، وفيه مالا يعقله منا أحد مطلقاً، ابتداءً من النبي ﷺ وانتهاءً بآخرنا، ولا مدخل للمؤولين من جهة الصفات من الباطنية أو المفوضة الذين يقولون: إن في القُرْآن مالا يعلم معناه، فالقرآن بالنسبة للمفسرين وللعلماء كله معلوم، وإن كَانَ هذا التفسير قد يكون فيه الخطأ والصواب فهذا شيء آخر عائد إِلَى الأشخاص، لكن الأمة بمجموعها تعلم القُرْآن كله ولا تخطئ في فهم آية منه، وليس فيه ما لم يرد الله تَعَالَى منهم أن يفهموا معناه، هذا بالمعنى، وأما بالحقائق التي يؤول إليها وهي أمور الغيب فهذه لا يعلمها إلا الله ﷾.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689799,"book_id":1659,"shamela_page_id":925,"part":null,"page_num":925,"sequence_num":925,"body":"هذه الآية أشكلت عَلَى كثير من المفسرين وغيرهم من العلماء، واختلفت فيها آراؤهم قديماً وحديثاً، وقد سبق أن الوجه الراجح الذي يُختار في الآية وفي القراءة من حيث الوقف والوصل هو أن يكون معنى التأويل: ما يؤول إليه الكلام، أي: حقيقته التي يؤول إليها، وهذا هو المعنى الذي كَانَ متداولاً عند السلف لا المعنى الآخر الذي هو التفسير وإن كَانَ أيضاً معروفاً عندهم.\rالسلف لم يقروا المعنى الثالث للتأويل\rأما المعنى الثالث للتأويل: وهو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إِلَى احتمال مرجوح، فالسف الصالح لم يكن معروفاً عندهم إلا المعنيين السابقين، إما التفسير وإما الحقيقة التي يؤول إليها الشيء.\rأما الاصطلاح الحادث، فهذا لم يتكلم فيه السلف، ولا يقرونه إنما يقرونه أهل الزيغ: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ.\rولا نختار أن نقف هنا؛ لأن الذين في قلوبهم زيغ، ومنهم الفرق التي ظهرت في زمن الصحابة رضوان الله تَعَالَى عليهم، كالخوارج وأشباههم لم يكونوا يتبعون المتشابه من القرآن، ابتغاء الفتنة، وابتغاء تأويله، بمعنى: ابتغاء تفسيره، وإنما ابتغاء الفتنة ليجادلوا ويماروا بالقرآن، (والمراء بالقرآن كفر) .\rكما ورد عن النبي ﷺ، فالفرق المارقة وأصحاب البدع، يتبعون المتشابه من الآيات التي يشكل معناها، أو تحتمل معنيين، فلا يردون المتشابه إِلَى المحكم، وإنما يتبعون هذا المتشابه، ابتغاء الفتنة وإيقاعها في قلوب الناس، وتفريقاً بينهم وإبعاداً لهم عن الطريق المستقيم الذي عليه الجماعة، وهم أصحاب النبي ﷺ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689800,"book_id":1659,"shamela_page_id":926,"part":null,"page_num":926,"sequence_num":926,"body":"فأهل الزيغ يبتغون أن يعلموا ما تؤول إليه معاني وحقائق هذا القرآن، فمن ذلك: أنهم ينزلون بعض الآيات عَلَى أن معانيها منزلة عَلَى أشخاص معينين وهي لم تنزل فيهم، أو يريدون معرفة معانيها التي لا يمكن أن يعلمها أحد وعلى هذا المعنى يكون الوقف عَلَى قوله: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ أولى، والمعنى متناسق، لأن الله تَعَالَى وحده هو الذي يعلم ما يؤول إليه هذا الكلام، مع أن التشابه نسبي.\rسيبقى الإشكال -إذا كَانَ هذا هو الوجه المختار- فلماذا خُص الراسخون في العلم بأنهم يقولون: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا أي: إذا قلنا: إن الراسخين في العلم لا يعلمون تأويله، وإنما يقولون: \"آمنا به\" فكل جاهل وكل إنسان لا يعلم المعنى وبإمكانه أن يقول: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا.\r\rوالله تَعَالَى إنما خص الراسخين في العلم تنبيهاً عَلَى من دونهم، فإذا كَانَ الراسخون في العلم من كبار الصحابة ومن بعدهم يقولون: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا أي: لا يعلم معناها وما تؤول إليه حقائقها إلا الله، ونرد تأويل ذلك إِلَى الله ﷾، فمعنى ذلك: أن من عداهم من باب أولى أن لا يتكلم وأن لا يخوض في تأويله.\r\rومنهم بطبيعة الحال الذين يريدون الفتنة لأن في قلوبهم زيغ؟ إذا قلنا مثلاً: إن عبد الله بن عباس ﵁ وهو حبر الأمة وترجمان القرآن، كَانَ يقول في مثل هذه الآيات آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا فكيف يجب أن يكون نافع بن الأزرق زعيم الخوارج الأزارقة الذي كَانَ يسائل عبد الله بن عباس كثيراً عن معاني القُرْآن في كثير من الآيات؟!.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689801,"book_id":1659,"shamela_page_id":927,"part":null,"page_num":927,"sequence_num":927,"body":"هذا الذي في قلبه زيغ، أي: نافع يتبع الفتنة، وابتغاء تأويل هذه المعاني أولى وأحرى به أن يقول ما قاله الراسخون: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا فكذلك من بعدهم أولى وأحرى بذلك وأعظم، فيكون في ذكر الراسخين في العلم مناسبة وحكمة جليلة عظيمة لمن تأملها.\rليس في القرآن شيء لا تفهمه جميع الأمة\rالقضية الأخرى التي يجب أن نفهمها ونعلمها، هي أن الله ﵎ لا يذكر في القُرْآن شيئاً لا يعلم معناه أحد من الأمة! لا يمكن ذلك أبداً؛ لأن الله تَعَالَى لم ينزل هذا القرآن، إلا وأمرنا بتدبره، والتفكر في آياته، وأن نعقل أمثاله بحسب الاستطاعة، والنَّاس يتفاوتون في ذلك بحسب ما يعطيهم الله من مواهب ومن فهم يمنُّ به عَلَى من يشاء، وفقه في دين الله ﷾ وتعليم لتأويل كتابه، فهذا فضل من الله يتفاوت فيه الناس، لكن أن توجد آية لا يعلمها كل الأمة بإطلاق، لا النبي ﷺ، ولا أحد؟! لا يمكن أن يكون ذلك أبداً.\rفهذا هو الوجه الذي يقول به من يقول: إن الوصل أولى، أي: أن الراسخين في العلم يعلمون التأويل، ونحن نقول هذا كلام صحيح، نقرره ونؤكده مع ترجيح الوقف الأول، حتى لا يكون للتأويل كلمتان وردتا في آية واحدة، وتكون إحداهما لها معنى والأخرى لها معنى آخر، وإنما السياق يقتضي أن يكون معناهما واحداً.\r\rقَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689802,"book_id":1659,"shamela_page_id":928,"part":null,"page_num":928,"sequence_num":928,"body":"[وقول الأصحاب ﵏ في الأصول: إن المتشابه: الحروف المقطعة في أوائل السور، ويروى هذا عن ابن عباس، مع أن هذه الحروف قد تكلم في معناها أكثر الناس، فإن كَانَ معناها معروفاً، فقد عرف معنى المتشابه، وإن لم يكن معروفاً، وهي المتشابه كَانَ ما سواها معلوم المعنى، وهذا المطلوب، وأيضاً فإن الله قَالَ: مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ [آل عمران:٧] وهذه الحروف ليست آيات عند جمهور العادّين] اهـ.\rالشرح:\r\rإذا قال الإمام ابن أبي العز ﵀: (وقول الأصحاب) ، فإنه يعني بالأصحاب الأحناف، لأنه حنفي المذهب، فهو يقول: إن أصحاب أبي حنيفة ﵏ يقولون: إن الراجح في مذهب أبي حنيفة والمختار عندهم: أن المتشابه هو الحروف المقطعة في أوائل السور مثل: (الم، حم، كهيعص، المص، ق، ن) إِلَى آخرها، جمعها بعض العلماء في عبارة (نص حكيم له سر قاطع) فهي النون والصاد والحاء والكاف والياء والميم والقاف والألف والطاء والعين واللام والهاء والسين والراء، هذه الحروف المقطعة التي وردت في أوائل السور، وقول الأصحاب هذا هو مما قيل في معاني الحروف المقطعة، فهناك قولان في معنى الحروف المقطعة.\rالقول الأول: أنها من المتشابه\rفريق يقولون عن الحروف المقطعة - الله أعلم- بمراده، وهذا يروى كما ذكر المصنف، وكما هو في الدر المنثور، عن عبد الله بن عباس وعلى ذلك عدد من العلماء، كما في تفسير الجلالين فنجده دائماً عند الحرف المقطعة يقول: الله أعلم بمراده، ولا يتكلم فيه أبداً، إنما يكل علمه إِلَى الله. فيقولون: إن المتشابه الذي استأثر الله تَعَالَى بعلمه ولا يعلمه أحد، هو هذه الحروف.\r\rالقول الثاني: أن لهذه الحروف معنى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689803,"book_id":1659,"shamela_page_id":929,"part":null,"page_num":929,"sequence_num":929,"body":"والفريق الآخر وهم أكثر العلماء يقولون: إن لهذه الحروف معنى، وهذا المعنى اختلفوا فيه اختلافاً كثيراً، ولم يجمعوا فيه عَلَى قول كما نقل ذلك الحافظ ابن كثير ﵀، ولو ورد ذلك لألزم به الباقون.\rإن هذه أسماء للسور، فـ\"الم\" كأنه اسم للسورة، ومنهم من قَالَ: إن هذه أسماء للقرآن، ومنهم من قَالَ: إنها فواتح يفتتح الله ﵎ بها القرآن، ومنهم من قَالَ: هي حروف من حروف المعجم ذكرها الله ﷾ في أول القرآن، أو في أول الآيات، لينبه إِلَى أن القُرْآن مركب من هذه الحروف التي هي حروف المعجم، ومنهم من قَالَ: إن هذه أسماء من أسماء الله ﵎.\rحتى ورد عن بعض السلف أنه قَالَ: آلم، اسم الله الأعظم، وورد عن بعضهم الألف إشارة إِلَى الله، واللام إِلَى اللطيف، والميم إِلَى المجيد، وأمثال ذلك، والأقوال في المسألة اجتهادية، وللإنسان أن يختار ويرجح القول الذي يراه، لكن لو تأملنا الحكمة التي ذكرها العلماء.\rهذه الحكمة تدلنا عَلَى المعنى الصحيح -إن شاء الله- كما ذكرها الحافظابن كثير ﵀ واختارها وهي أنها بيان إعجاز القرآن، وبعضهم قَالَ: المقصود منها إثارة الْمُشْرِكِينَ؛ لأنهم يسمعون كلمات غريبة جديدة عَلَى أسماعهم فيصغون ويلقون السمع للقرآن، لكن مما هو معلوم أن في القُرْآن كثير من هذه الحروف المقطعة، كما في البقرة، وآل عمران، وغيرها من السور التي نزلت في المدينة، وهذا مما يضعف هذا القول كقولٍ من الأقوال.\r\rالقول الراجح في ذكر الحروف المقطعة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689804,"book_id":1659,"shamela_page_id":930,"part":null,"page_num":930,"sequence_num":930,"body":"والقول الذي يختار ويرجح، والذي تظهر حكمته وفائدته جلية إن شاء الله، هو أن نقول: إن هذه الحروف ذكرها الله ﷾ في أوائل السور، وكأنه يقول: إن القُرْآن يتركب من هذه الحروف، فهل تستطيعون أن تأتوا بمثله -لن تستطيعوا أن تأتوا بمثله- فآمنوا به، فإنكم لن تأتوا بمثله أبداً، ويرجح هذا القول: أن هذه السور التي وردت فيها هذه الحروف المقطعة عددها تسع وعشرون سورة، وأنها تشتمل عَلَى ما يدل عَلَى أن القُرْآن من عند الله، وينفي أقوال الْمُشْرِكِينَ بأنه مفترى، وتأتي فيها الإشارة إِلَى هذا القرآن، عقب ذكر هذه الحروف المقطعة، وهذا مما هو معلوم عند الجميع.\rمثلاً: (الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ) [البقرة:٢,١] آلم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقّ [آل عمران:١-٣] . يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ [يّس:١،٢] حم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [غافر:١،٢] حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ [الدخان:١،٢] ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ [صّ:١] ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ [قّ:١] .\rفلو تأملنا لوجدنا أن هذا المعنى ظاهر، وهو أن الله ﷾، يأتي بما يدل في السورة -ولكن غالبها يأتي عقب هذه الحروف المقطعة- أن هذا القُرْآن من عند الله ﷾، وهذه الحروف هي من كلام البشر العربي عموماً، فكلام أبلغ البلغاء وأقلهم بلاغة يتركب في هذه الحروف، وهذا القُرْآن أنزله الله تَعَالَى مركباً من هذه الحروف التي تقولونها، ومع ذلك فلن تستطيعوا أن تأتوا بمثله، ولو اجتمع الجن والإنس عَلَى ذلك، ولو كَانَ بعضهم لبعض ظهيراً، أو استعانوا أيضاً بمن شاءوا ممن عداهم لا يمكن أن يأتوا بمثل هذا القرآن، بل ولا بعشر سور، بل ولا بسورة من مثله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689805,"book_id":1659,"shamela_page_id":931,"part":null,"page_num":931,"sequence_num":931,"body":"فهذا دليل عَلَى أن هذه الحروف لها حكمة واضحة، وأن هذا يعين عَلَى فهم معناها، بمعنى أنه لا يشترط أن نقول: النون لها معنى خاص، أو القاف لها معنى خاص، الحكمة من ذكرها تشير أو تدل عَلَى المراد، وهو أنه ﷾، يصدر كتابه بهذه الحروف للدلالة عَلَى ما قلنا: إن القُرْآن يتركب منها، ومن يريد أن يكذب ويقول: أن هذا ليس من عند الله، كما قيل: وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ [الشعراء:٢١٠] وقيل: إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ [النحل:١٠٣] وقيل: أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا [الفرقان:٥] وأمثال ذلك فهذه هي حروف القُرْآن التي تقولونها وتستخدمونها، فهل تستطيعون أن تأتوا بمثله؟!.\r\rالرجل البهائي ورقم \"١٩\"\rومن المناسب أن نذكر لكم الشبهة التي خرجت مؤخراً، والتي اعتبرها النَّاس فتحاً عظيماً، وخطب بها خطباء الجمع، وكتبت في الجرائد والمجلات والكتب، وقيل: هذا من الإعجاز، وهذا من آيات القرآن، وهذا دليل عَلَى أن العصر الحديث، وأن الكمبيوتر يصحح أن القُرْآن من عند الله.\rفإن قوماً افتروا فريةً وهي أن الحروف الموجودة في أوائل سور القُرْآن مركبة كلها عَلَى رقم (١٩) كما يزعمون، إما (١٩) أو أي مضاعف من مضاعفاته، وأمثال ذلك مما ذهب إليه بعض المفترين، ونحب أن نوضح أن الطائفة البهائية الخبيثة المجرمة التي نشأت في بلاد إيران في القرن الميلادي الماضي أو قبله، هي التي تركب عقائدها عَلَى الرقم (١٩) وجعلوا السنة (١٩) شهراً، والشهر (١٩) يوماً وهكذا، فركبوا عَلَى الرقم (١٩) معاني وعقائد وديناً كله يدور حول هذا الرقم.\rوكما هو معلوم أن الباطنية هي التي تؤول كتاب الله ﷿ بالتأويل الباطني، الذي لا يقبله عقل ولا يدل عليه نقل، وهذه البهائية ما هي إلا فرقة حديثة من فرق الباطنية التي خرجت في نفس المنبت الذي هو منبت الرفض.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689806,"book_id":1659,"shamela_page_id":932,"part":null,"page_num":932,"sequence_num":932,"body":"وأصلهم هو أصل التكذيب بكتاب الله، والتحريف لكلام الله ﷾، والذي كتب هذا وأشاعه رجل مصري، لكنه بهائي وهو الذي جَاءَ بهذه الفرية، وقَالَ: إن أول آية من القُرْآن هي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ تسعة عشر حرفاً، والقرآن كله يتركب عَلَى هذا الأساس، وهذا من أول ما يدل عَلَى كذبه أن نفس بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أكثر من تسعة عشر حرفاً.\rوسبب خطئه أنه وضعها في الكمبيوتر، والكمبيوتر يسجل بحسب الحروف كما هي مكتوبة، ولا يحسب الحرف المكرر، ولا يحسب المد في مثل \"الرحمان\" فلذلك نجد أن هذا كلام إفك، وبهتان، وافتراء، المقصود منه تصحيح مذهب هذه الفرقة الضالة، وليس موضوعنا الآن بيان هذه الفرقة، ولا ما يتعلق بها، ولا حتى الاستطراد في شرح الحروف المقطعة.\rلكن المقصود أنه يجب علينا قبل أن نفرح بأي نتيجة، أو نظن أنها تخدم ديننا، أو تهدف إليه، أن ندرك أن وراء هذا خططاً، فهذا الرجل أول ما أظهر هذا الكلام، اشتهر عند الْمُسْلِمِينَ وكتبوا عنه ونشروا اسمه، وعرف حتى أصبح كأنه من أعظم المكتشفين ومن أعظم العلماء الذين يؤخذ كلامهم في أي موضوع من موضوعات الدين، ومن جملة من أشهره أناس طيبون في الخطب عَلَى المنابر، والمجلات والجرائد الإسلامية.\rوبعد سنوات أخذ يخرج السموم وينفثها ويقول: إن السنة لا حاجة لها، وحسبنا القرآن، هذا بعد أن اشتهر، فكيف يكون موقفنا بعد ذلك عندما نكذبه ونتهمه ونحن الذين رفعناه وأشهرناه؟! كَانَ الذي ينبغي علينا أن نقوم به أن نعرف دين الرجل وعلمه، فهذا الرجل يعيش في أمريكا وأتباعه في أمريكا كثير؛ لأن الجهل بالإسلام فيها كبير، فبحكم أنها بلد الصناعة والتكنولوجيا أدخلت الكمبيوتر في كل شيء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689807,"book_id":1659,"shamela_page_id":933,"part":null,"page_num":933,"sequence_num":933,"body":"فجاء هذا الرجل فأدخل السنة في الكمبيوتر فلم يستوعبها لكثرة رواياتها واختلطت عليه، فحينئذ ترك السنة لأن الكمبيوتر لم يتقبلها ... ؟! فالواجب علينا أن نعي ما يخطط أعداء الإسلام قديماً وحديثاً، فهم لن يتركوا معاداة هذا الدين أبداً، كما قال الله ﷿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ [الصف:٨] فهم يحاولون ويحاولون وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا [البقرة:٢١٧] هذا هو عملهم، وهذا ما أحببنا أن ننبه إليه، نسأل الله أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى، وأن يجعلنا جنوداً للدفاع عن دينه!! .\r\rثُمَّ قال المصنف: [مع أن هذه الحروف قد تكلم في معناها أكثر الناس، فإن كَانَ معناها معروفاً] إن كَانَ هذا المعنى عَلَى احتمال وافتراض أن ما قالوه من المعاني حقيقية، وأن معانيها معروفة [فقد عرف معنى المتشابه] ، إذاً ليس في كتاب الله ﷿ شيء، لا تعرف جميع الأمة معناه [وإن لم يكن معروفاً] عَلَى فرض أن غيرها قد عرف، فإذاً ما سواها هو المعلوم، فتكون هي المتشابه، وهذا هو المطلوب، أن آيات الصفات والآيات الأخرى ليست من المتشابه، فيبقى عَلَى هذا القول أن المتشابه رغم أنه ليس الراجح هو هذه الحروف المقطعة، وما عداها من القُرْآن ليس من المتشابه، إذاً القُرْآن ليس فيه حكم إلا وتعرفه الأمة، علمه من علمه منها وجهله من جهله، وهذا وجه في الجواب عن قول الأصحاب (إن الحروف المقطعة هي المتشابه) أي أنه قد تكلم في معناها كثير من النَّاس والوجه الثاني هو قوله: [فإن الله قَالَ: مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ\r\rمُتَشَابِهَاتٌ [آل عمران:٧] وهذه الحروف ليست آيات عند جمهور العادّين] اهـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689808,"book_id":1659,"shamela_page_id":934,"part":null,"page_num":934,"sequence_num":934,"body":"هنا رجع المُصْنِّف إِلَى مسألة اصطلاحية فنية، وهي أن الله تَعَالَى يقول: مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ وهذه الحروف عند البعض -سواءً صح أنها عند الجمهور، أو ليست عند الجمهور- ليست آيات، وإنما هي حروف، فلا تعد ولا تحسب آيات، وكما هو معلوم أن هناك اختلافاً بين العلماء رحمهم الله تَعَالَى في عدد آيات القرآن، وهذا لا يؤثر في ثبوت القرآن، وإنما هي أمور اصطلاحية فنية نقلية رآها العلماء، وليست مبنية عَلَى التوقيف، وهذا وجه من الأوجه التي قد تنفع في بيان أنه لا يوجد في القُرْآن شيء إلا وهو معلوم عند الأمة عامة، وليس فيه شيء لا يعلمه أحد من هذه الأمة والله أعلم.\r\rقال المصنف رحمه الله تعالى:\r[والتأويل في كلام المتأخرين من الفقهاء والمتكلمين: هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح، لدلالة توجب ذلك، وهذا هو التأويل الذي تنازع الناس فيه في كثير من الأمور الخبرية والطلبية. فالتأويل الصحيح منه: الذي يوافق ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، وما خالف ذلك فهو التأويل الفاسد، وهذا مبسوط في موضعه، وذكر في التبصرة أن نصير بن يحي البلخي روى عن عمرو بن إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة عن محمد بن الحسن ﵏: أنه سئل عن الآيات والأخبار التي فيها من صفات الله تعالى ما يؤدي ظاهره إلى التشبيه؟ فقال: نمرها كما جاءت، ونؤمن بها، ولا نقول: كيف وكيف، ويجب أن يعلم أن المعنى الفاسد الكفري ليس هو ظاهر النص ولا مقتضاه، وأن من فهم ذلك منه فهو لقصور فهمه ونقص علمه، وإذا كان قد قيل في قول بعض الناس:\r\rوكم من عائبٍ قولاً صحيحاً وآفتهُ مِنْ الفهم السّقيم\rِ\r\rوقيل:-\r\rعليَّ نحت القوافي من معادنها وما عليَّ إذا لم تفهم البقر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689809,"book_id":1659,"shamela_page_id":935,"part":null,"page_num":935,"sequence_num":935,"body":"فكيف يقال في قول الله، الذي هو أصدق الكلام وأحسن الحديث وهو الكتاب الذيأُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود:١] إن حقيقة قولهم: إن ظاهر القرآن والحديث هو الكفر والضلال، وإنه ليس فيه بيان ما يصلح من الاعتقاد، ولا فيه بيان التوحيد والتنزيه!! هذا حقيقة قول المتأولين - والحق أن ما دل عليه القرآن فهو حق، وما كان باطلاً لم يدل عليه.\rوالمنازعون يدعون دلالته على الباطل الذي يتعين صرفه! فيقال لهم: هذا الباب الذي فتحتموه، وإن كنتم تزعمون أنكم تنتصرون به على إخوانكم المؤمنين في مواضع قليلة خفية: فقد فتحتم عليكم باباً لأنواع المشركين والمبتدعين، لا تقدرون على سده، فإنكم إذا سوغتم صرف القرآن عن دلالته المفهومة بغير دليل شرعي، فما الضابط فيما يسوغ تأويله وما لا يسوغ؟\rفإن قلتم: ما دل القاطع العقلي على استحالته تأولناه، وإلا أقررناه!\r\rقيل لكم: وبأي عقل نزن القاطع العقلي؟\rفإن القرمطي الباطني يزعم قيام القواطع على بطلان ظواهر الشرع!\rويزعم الفيلسوف قيام القواطع على بطلان حشر الأجساد، ويزعم المعتزلي قيام القواطع على امتناع رؤية الله تعالى، وعلى امتناع قيام علم أو كلام أو رحمة به تعالى!!\rوباب التأويلات التي يدعي أصحابها وجوبها بالمعقولات أعظمُ من أن تنحصر في هذا المقام، ويلزم حنيئذٍ محذوران عظيمان:\r\rأحدهما: أن لا نقر بشيء من معاني الكتاب والسنة حتى نبحث قبل ذلك بحوثاً طويلة عريضة في إمكان ذلك بالعقل، وكل طائفة من المختلفين في الكتاب، يدَّعون أن العقل يدل على ما ذهبوا إليه، فيؤول الأمر إلى الحيرة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689810,"book_id":1659,"shamela_page_id":936,"part":null,"page_num":936,"sequence_num":936,"body":"المحذور الثاني: أن القلوب تنحل عن الجزم بشيء تعتقده مما أخبر به الرسول، إذ لا يوثق بأن الظاهر هو المراد والتأويلات مضطربة، فيلزم عزل الكتاب والسنة عن الدلالة والإرشاد إلى ما أنبأ الله به العباد، وخاصة النبي هي الإنباء، والقرآن هو النبأ العظيم، ولهذا نجد أهل التأويل إنما يذكرون نصوص الكتاب والسنة للاعتضاد لا للاعتماد، إن وافقت ما ادعوا أن العقل دل عليه قبلوه، وإن خالفته أولوه! وهذا فتح باب الزندقة والانحلال، نسأل الله العافية] اهـ.\rالشرح:\r\rهذا هو المعنى الثالث من أنواع التأويل وهو التأويل الذي اصطلح عليه أهل البدع: وهو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لقرينة، فيأتون إلى الآية أو الحديث الذي دلالته ظاهرة جلية، فيقولون: هذه الدلالة الظاهرة الجلية هي الاحتمال الراجح، لكن هناك احتمال مرجوح، فهم لا يستطيعوا أن يقولوا: إن ذلك الاحتمال أرجح، لأن هذا واضح لكل من يفهم البيان العربي، يقولون: لكن نصرف اللفظ من الراجح إلى المرجوح لقرينة الدلالة العقلية.\r\rفهذا التأويل بهذا المعنى: هو الذي يقول المصنف ﵀ فيه: [هذا هو التأويل الذي تنازع الناس فيه في كثير من الأمور الخبرية والطلبية] لأن النصوص ترد على نوعين:\rالنوع الأول: الأخبار.\r\rوالنوع الثاني: الطلب.\r\rأي: الأوامر والنواهي، فالأمة وقعت في خلاف حول هذا التأويل في كلا الجانبين، في الأمور الخبرية والأمور الطلبية، فيقول المصنف: [فالتأويل الصحيح منه: الذي يوافق ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، وما خالف ذلك، فهو التأويل الفاسد، وهذا مبسوط في موضعه] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689811,"book_id":1659,"shamela_page_id":937,"part":null,"page_num":937,"sequence_num":937,"body":"هذه العبارة يلاحظ فيها شيء من اللبس إذا دققنا النظر فيها، فهذا اصطلاح بدعي وهو صرف اللفظ إلى الاحتمال المرجوح، فكيف نقول: التأويل بهذا المعنى منه صحيح ومنه باطل؟ فالصحيح ما يوافق الكتاب والسنة، والباطل ما يخالفه، هكذا بإطلاق، وقد سبق أن قلنا: إن هذا المعنى بدعي، لكن كيف نُوجِّهُ كلام المصنف؟\rلا شك أنه ﵀ يقصد معنى حقيقياً، لا غبار عليه، ولكن نفس التعبير فيه نظر، فكأنه جعل هذا التأويل بدعي، وجعله على قسمين: قسم منه يوافق الكتاب والسنة، وقسم آخر يخالف الكتاب والسنة فظاهر العبارة قد يفهم هكذا، لكن المقصود هو مجرد صرف النصوص عن ظاهرها، وهل كل ظاهر في الكتاب والسنة، يؤخذ على إطلاقه؟ فهناك من النصوص ما لا يؤخذ على إطلاقه، كالعام المخصص، لأن هذا الإطلاق مخصوص.\r\rوالأحكام المطلقة أيضاً، فالمطلق لا يؤخذ ظاهره بإطلاق؛ بل يؤخذ مضموماً إلى النص المقيد له، وكذلك الألفاظ المجملة إذا جاء ما يبينها، فالمقصود هو أن نفهم أنه ليس كل ظاهر في الكتاب والسنة يؤخذ على إطلاقه، ومما يدل على أن هذه العبارة فيها نظر، أننا إذا قلنا: إن كان الدليل يقتضي صرف دلالة الآية أو الحديث عن الظاهر.\r\rإذاً: فليس هذا الظاهر راجحاً ما دام أن هناك دليلاً صحيحاً على صرفه، بل ننظر إلى هذا النص نظرة واحدة وهي أن له ظاهراً، لكن هذا الظاهر مخصوص أو مقيد، إذاً فليس الظاهر راجحاً وما صرفناه إليه مرجوحاً، بل ذاك هو الراجح وهذا يسمى متبادر، أي أن هذا المعنى يتبادر إلى ذهن الإنسان في الأول، لكن إذا تأمل وضم الدلالات إلى بعضها وجد أن هذا الذي يتبادر إلى ذهنه من العموم مثلاً ليس على إطلاقه، لورود نص مخصص يبين ويوضح أن هذا ليس على إطلاقه.\rالتأويل بالمعنى الثالث كله مردود","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689812,"book_id":1659,"shamela_page_id":938,"part":null,"page_num":938,"sequence_num":938,"body":"ونخرج بنتيجة وهي أن التأويل بهذا المعنى كله مردود، وباطل وليس يصح منه شيء، أما مسألة الظاهر والقول به أو عدم القول به فترجع إِلَى أن الظاهر قد لا يكون هو المعنى المراد أصلاً من الشارع عندما خاطبنا، فإن كَانَ في الأمور الخبرية، فإنه لم يرد أن يخبرنا به، وإن كَانَ في الأمور الطلبية، فإنه لم يطلب منا ذلك بإطلاق عَلَى ظاهره، وإنما المقصود من الخبر أو من الطلب أمراً مخصوصاً أو معيناً، وأن غيره لا يدخل فيه.\r\rوذكر المُصْنِّف أنه قد ذُكر في التبصرة -وهو كتاب تبصرة الأدلة لأبي المعين النسفي، من كتبهم في علم الكلام- بسندٍ عن مُحَمَّد بن الحسن صاحب الإمام أبي حنيفة رحمهما الله تعالى، أنه سئل عن الآيات والأخبار التي فيها من صفات الله تَعَالَى ما يؤدي ظاهره إِلَى التشبيه وليس في الآيات ولا في الأحاديث ما يؤدي ظاهره إِلَى التشبيه في الحقيقة، لكن قد يتبادر عند من لا يفهم أنه يؤدي إِلَى التشبيه، مع أن الله هو الذي وصف نفسه، ووصفه رسوله ﷺ، مع العلم بالفرق بين صفات الخالق والمخلوق، وهذا دليل عَلَى أن ظاهرها حق، وأنها كما جاءت لا نغيرها عن ظاهرها، ولا نكيفها، كما قال الإمام مالك أو شيخه ربيعة (الاستواء معلوم، والكيف غير معقول أو الكيف مجهول) ، فنمرها كما جاءت ولا نفسرها أي بمعنى: لا نكيفها.\r\rآيات الصفات نمرها كما جاءت\rهناك قاعدة في الصفات وهي: إن كل ما يأتي من نصوص الصفات، فإننا نمرها كما جاءت ونؤمن بها، من دون تحريف ولا تبديل ولا تغيير في المعنى، ولا نخوض في الكيفية","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689813,"book_id":1659,"shamela_page_id":939,"part":null,"page_num":939,"sequence_num":939,"body":"إذاً: أئمة المذهب الحنفي هم كغيرهم من الأئمة المعاصرين لهم كسفيان بن عيينة، ووكيع وعبد الله بن المبارك، وعبد الرحمن بن مهدي ثُمَّ الإمام أَحْمَد، كل أُولَئِكَ العلماء الأجلاء، كانوا جميعاً عَلَى هذا المذهب وعلى هذه القاعدة الذهبية العظيمة، وهو: أن ما جَاءَ عن الله أو صح عن رسوله ﷺ فإنهم يؤمنون به ويثبتونه، ويعتقدون أن ظاهره حق، فنفهم من هذا أن مذهب السلف يتنافى مع التأويل، لأنه قَالَ: (كما جاءت) فلا تأويل، فلا نقول: استوى، بمعنى استولى، واليد بمعنى القدرة، وينزل ربنا أي تنزل رحمته، أو أمره، وإلا فإننا لم نمرها كما جاءت، وإنما حولناها وحرفناها، فالتحريف هو التأويل في حقيقته؛ لأنه يغير المعنى ويغيير اللفظ عما أراده المخاطب الذي قاله.\r\rويرد علىأهل التفويض الذين لا يثبتون المعنى، يقولون في: الرحمن عَلَى العرش استوى الله أعلم بمراده، وله يد الله أعلم بمراده، وهكذا، لكن السلف الصالح يثبتون المعنى فالاستواء معلوم والكيف غير معقول\rفبعض المفوضة يستدل بمثل هذه النصوص، ويقول: إن مذهب السلف هو التفويض لأنهم قالوا: نمرها كما جاءت، بمعنى نثبت الحروف والألفاظ كما جاءت دون أي فهم، ولا معنى لها، وهذا خطأ، وإنما مقصود السلف، هو أن نثبت ظاهرها ونؤمن به، ونقره ونمره كما جاء، إذاً هذه العبارة التي وردت عن كثير من السلف بمعاني وألفاظ متقاربة ترد عَلَى أهل التأويل، كما ترد عَلَى أهل التفويض\rالمعنى الكفري ليس هو ظاهر النص ولا مقتضاه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689814,"book_id":1659,"shamela_page_id":940,"part":null,"page_num":940,"sequence_num":940,"body":"ثُمَّ يقول المصنف: [ويجب أن يعلم أن المعنى الفاسد الكفري ليس هو ظاهر النص ولا مقتضاه] أراد بهذا أن ينفى ما يقوله أهل البدع والذي قد يفهم من عبارته السابقة خطأً وهو لا يريده، فهنا وضح وقَالَ: المعنى الفاسد الكفري -كأن يقال مثلاً: إن لله يداً كيد المخلوقين- ليس هو ظاهر النص ولا مقتضاه، فلا يدل قوله تعالى: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح:١٠] .\rوقوله: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة:٦٤] عَلَى أنها كيد المخلوقين أبداً، فهذا المعنى الباطل الكفري الفاسد ليس هو ظاهر النص ولا مقتضاه، ومن فهم ذلك وقَالَ: إن العرب لا يفهمون من اليد إلا الجارحة، فإننا نقول: إن كتب اللغة القديمة كانت تقول: إن اليد كذا أو اليد كذا، وتأتي للكلمة الواحدة بعدة معاني في لغة العرب، حتى ظهرت المعتزلة وهم أصحاب التأويل، ونفي الصفات.\r\rالزمخشري يخالف أئمة اللغة\rوممن كَانَ يفعل ذلك مخالفاً لأئمة اللغة الزمخشري في كتابه المعجم الذي سماه أساس البلاغة فيأتي بالمعنى ويقول: معناه كذا والمجاز منه كذا، ويأتي بعدة معاني يجعلها مجازية، ويجعل معنى واحداً هو الأصل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689815,"book_id":1659,"shamela_page_id":941,"part":null,"page_num":941,"sequence_num":941,"body":"وهذا لا يوجد في كلام الخليل، ولا أبي عبيدة، ولا الزجاج، ولا النضر بن شميل وهَؤُلاءِ الذين هم أئمة اللغة المتقدمين، ما كانوا يقولون: إن الكلمة لها معنى أصلي والباقي مجاز، فجاء المعتزلة وفعلوا ذلك ثُمَّ جعلوا المعنى الذي في المخلوق هو الأصل وهو والظاهر والحقيقة، والذي في الله هو المجاز، وَقَالُوا: مثلاً: ننفي عن الله سبحانه، الرحمة؛ لأنها رقة وإنكسار في القلب، وهي في المخلوق عَلَى الحقيقة وفي الخالق عَلَى المجاز!! ولو أنهم قالوا: ما يتصف به الله ﷿ هي الرحمة الحقيقية، وهي في المخلوق مجاز أو الملك أو الحكمة في المخلوق مجاز، وفي الله ﷾ حقيقة لكان أقرب، أما أن يجعلوا الصفة في المخلوق عَلَى الحقيقة، وما يتصف به الله مجازاً، ثُمَّ ينفونه، فهذا من البدع ومن الضلال، ويكون هذا الظاهر غير مراد، فمن قال ذلك ففي فهمه ضعف وقصور.\r\rوكم من عائب قولاً صحيحاً\rومن ظن أن الآيات والأحاديث فيها معان فاسدة كفرية باطلة في حق الله ﷿، وأنها لا بد أن تؤول وأن تخرج عَلَى معاني لغوية، ليستقيم وصف الله تَعَالَى بها، فهذا من فساد عقله وفهمه، ولهذا استشهد المُصْنِّف بالبيت الذي قاله المتنبي:\rوكم من عائب قولاً صحيحاً وآفته من الفهم السقيم\rوالمتنبي شاعر مشهور وهو في هذا البيت يعتز بنفسه كما هي عادة الشعراء فهو يقول للذين يعيبون عليه شعره:-\r\rوكم من عائب قولاً صحيحاً وآفته من الفهم السقيم\rولكن تأخذ الأفهام منه على قدر القرائح والعلوم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689816,"book_id":1659,"shamela_page_id":942,"part":null,"page_num":942,"sequence_num":942,"body":"يقول: أنا أقول كلاماً ولا يفهمه كثير من الناس، لكن يجب عليهم أن يفهموا من كلامي عَلَى قدر عقولهم، وتبقى هناك معاني لا يفهمها الناس، سُبْحانَ اللَّه! هذا الوصف لا يصح أن يقال إلا في القُرْآن أو في الحديث، الذي فيه من الحكم والعبر ما تعجز عنه العقول، أما شعر شاعر لا نأخذ منه إلا عَلَى قدر عقولنا، والباقي عميق لا يفهمه النقاد، ولا حتى ابن جني، ولا حتى النقاد الكبار، الذين انتقدواالمتنبي؟! فهذا من الاعتداد والفخر الكاذب، فأولى بهذا الوصف أن يكون لكلام الله ﷿ وأنه:\r\rوكم من عائب قولاً صحيحاً وآفته من الفهم السقيم\rمثل ما تروى أحاديث القدر، كحديث عبد الله بن مسعود ﵁ (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة..) قيل: للبدعي أتتهم رَسُول الله ﷺ؟ قَالَ: لا، أتتهم ابن مسعود؟ قَالَ: لا، أتتهم أبا وائل؟ قَالَ: نعم، في رواية قَالَ: اتهم من بعده.\rفهو لا يستطيع أن يتهم النبي ﷺ، وخاف كذلك أن يتهم الصحابي فقَالَ: أتهم الذي رواه من التابعين أو أتباع التابعين، فيقال له: أنت لم تفهم الحديث.\rوهَؤُلاءِ النَّاس لو كانوا منصفين أو عَلَى الحقيقة لاتهموا عقولهم، فالنقلة الحفاظ الأثبات نقلوا الكلام بحق، وليسوا بمتهمين فيه، والصحابة والعلماء أجل النَّاس وأعظمهم فهماً وقد فهموا هذه النصوص بلا تعارض، إذاً فالمتهم هو عقول هَؤُلاءِ.\rوكم من عائب قولاً صحيحاً وآفته من الفهم السقيم\rولو اتهموا عقولهم لما اتهموا أحداً من السلف، ولا من الرواة النقلة، كما فعل الرازي في أساس التقديس عندما اتهم أكثر الرواة حتى الشيخين، بل حتى أصحاب النبي ﷺ، وقال البحتري:\r\rعليَّ نحت القوافي من معادنها وما عليَّ إذا لم تفهم البقر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689817,"book_id":1659,"shamela_page_id":943,"part":null,"page_num":943,"sequence_num":943,"body":"النقاد ينتقدون شعره فَيَقُولُ: أنا علي أن آتي بالقوافي من معادنها الأصلية والمعاني الجزلة البليغة، وما علي إذا لم تفهم البقر، وكأن الذين لا يفهمون شعره من البقر، فإذا كَانَ هذا ما قاله شاعر أو آخر في كلامه، فكلام الله ﷿ كما قَالَ المُصْنِّفُ ﵀:\r[فكيف يقال في قول الله، الذي هو أصدق الكلام، وأحسن الحديث] كما قال ذلك النبي ﷺ، وكان يكرره في خطبه الثابتة المشهورة [وهو الكتاب الذي أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود:١]] اهـ.\rفإن الأفهام تعجز عن إدراك حقيقته، والعيب ليس فيه، ولكن في الذين لا يفهمونه، وحاشاه من العيوب.\r\rحقيقة قول المتأولين\rثُمَّ يقول المُصْنِّف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: [إن حقيقة قولهم إن ظاهر القُرْآن والحديث هو الكفر والضلال، وإنه ليس فيه بيان لما يصلح من الاعتقاد، ولا فيه بيان التوحيد والتنزيه، هذا حقيقة قول المتأولين] اهـ.\rيقول السنوسي في شرح العقائد الكبرى: من أصول الكفر الأخذ بظواهر النصوص، كآيات الصفات، كاليد والاستواء، وما أشبه ذلك فجعلوها من أصول الكفر عافانا الله وإياكم؛ لأن هذه الظواهر تدل عَلَى الكفر، فيقول لا بد أن نحولها ونحرفها عن معانيها، وقالأبو المعالي الجويني -وتبعه كثير من الأشعرية في هذا-: نَحْنُ نؤول تأويلاً كلياً، وكذلك قال الرازي: نؤول تأويلاً كلياً، أي: نقول كل آيات وكل أحاديث الصفات ظاهرها غير مراد: وهذا يسمى التأويل الإجمالي، لقيام القاطع والبرهان العقلي عَلَى أن الله لا يشبهه شيء، ولا يشبه هو شيئاً، فكلها مؤولة تأويلاً إجمالياً، ثُمَّ إن شئت قلت: الله أعلم بمعانيها الحقيقية، وإن شئت أخذت في التأويل التفصيلي.\r\rالتأويل عند الأشاعرة نوعان","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689818,"book_id":1659,"shamela_page_id":944,"part":null,"page_num":944,"sequence_num":944,"body":"التأويل عند الأشاعرة نوعان: التأويل الإجمالي: وهو أن ترد كل معاني الصفات في الجملة وتقول بأن ظاهرها غير مراد، لقواطع وبراهين عقلية قامت عَلَى أن الله لا يشبهه شيء، فهذا هو التأويل الإجمالي، أما التأويل التفصيلي: أن تأخذ كل آية من آيات الصفات، وتخرجها بتأويل عَلَى مقتضى أي وجه من أوجه اللغة أو أي معنى كان، ولو كَانَ معنى بعيداً، ومثال ذلك ما ذكرهأبو حامد الغزالي في قوله ﷺ: \"يضع الجبار قدمه \" قَالَ: الجبار هو الرجل الظالم، أو ملك يخلقه الله، يضع قدمه في النَّار.\rالمهم أن نخرج الكلام بأي معنى من المعاني، فهذا هو التأويل التفصيلي، وقد سبق أنهم يقولون: إن ظاهر النصوص هو الضلال، ولا بد من تأويلٍ إما تفصيلي وإما إجمالي لهذه النصوص، إذاً فحقيقة قولهم هذا أن ظاهر القُرْآن هو الضلال، وأنه ليس فيه ما يصلح للاعتقاد، وليس فيه توحيد، ولا تنزيه، هذا حقيقة ما يقوله هَؤُلاءِ المؤولون.\r\rيقول المصنف:\r[والحق أن ما دل عليه القُرْآن فهو حق وما كَانَ باطلاً لم يدل عليه] اهـ.\r\rفأي معنى باطل فإن القُرْآن والسنة لا يدل عليه، فلا نقول: القُرْآن دل عَلَى معنى باطل، ثُمَّ ننفي هذا المعنى، بل نقول: القُرْآن لا يدل عَلَى معنى باطل، وظاهر الآيات، والأحاديث لا يمكن أن تدل عَلَى معنى باطل، قال المصنف:\r[والمنازعون يدعون دلالته عَلَى الباطل الذي يتعين صرفه] اهـ.\r\rفيلاحظ الفرق بيننا وبينهم، نقول: هذا ظاهر القُرْآن والسنة، وهو حق، لا يمكن أن يدل عَلَى باطل، ولا يكون المعنى الباطل ظاهر النص ولا مقتضاه، فجاء هَؤُلاءِ وَقَالُوا: المعنى الذي يدل عليه ظاهر النص باطل، ومن هنا يتعين علينا أن نصرفه إما صرفاً إجمالياً كلياً، وإما صرفاً تفصيلياً، وهذا هو التأويل، فنرد عليهم بما قاله المُصنِّفُ ﵀.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689819,"book_id":1659,"shamela_page_id":945,"part":null,"page_num":945,"sequence_num":945,"body":"قَالَ المُصنِّفُ ﵀: [فيُقَالُ لهم: هذا الباب الذي فتحتموه، وإن كنتم تزعمون أنكم تنتصرون به عَلَى إخوانكم المؤمنين في مواضع قليلة خفية: فقد فتحتم عليكم باباً لأنواع الْمُشْرِكِينَ والمبتدعين، لا تقدرون عَلَى سده، فإنكم إذا سوغتم صرف القُرْآن عن دلالته المفهومة بغير دليل شرعي، فما الضابط فيما يسوغ تأويله، وما لا يسوغ؟ فإن قلتم: ما دل القاطع العقلي عَلَى استحالته تأولناه وإلا أقررناه، قيل لكم: وبأي عقل نزن القاطع العقلي؟ فإن القرمطي الباطني يزعم قيام القواطع عَلَى بطلان ظواهر الشرع! ويزعم الفيلسوف قيام القواطع عَلَى بطلان حشر الأجساد، ويزعم المعتزلي قيام القواطع عَلَى امتناع رؤية الله، وعلى امتناع قيام علم أو كلام أو رحمة به تَعَالَى!! وباب التأويلات التي يدعي أصحابها وجوبها بالمعقولات، أعظم من أن تنحصر في هذا المقام] .\rقول أهل التحريف فتح باباً للمشركين والمبتدعين\rهذا موضوع مهم جداً وهو: ما هو موقف الناس، وما هي آراؤهم في الأخذ بدلالات الكتاب والسنة؟ نستطرد في بيان هذه الحقيقة بإجمال، ثُمَّ نعود إِلَى الشرح الذي له علاقة فقط بموضعنا هنا، وهو الرد عَلَى الذين يؤولون في الصفات ممن ينتسبون إِلَى أهل السنة، الذين ليسوا باطنية،ولا روافض، ولا شبههم، بل نَحْنُ وهم متفقون عَلَى الرد عَلَى الرافضة والباطنية والقرامطة وأمثالهم.\r\rوقد ذكر المُصنِّفُ بعض هذه الفرق في آخر الكتاب ولا بأس أن نأخذ هنا ما يهمنا حتى نفهم أقسام الفرق في الأخذ بالنصوص.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689820,"book_id":1659,"shamela_page_id":946,"part":null,"page_num":946,"sequence_num":946,"body":"قَالَ المُصنِّفُ ﵀: [ولفرق الضُلال في الوحي: طريقتان: طريقة التبديل، وطريقة التجهيل، أما أهل التبديل فهم نوعان: أهل الوهم والتخييل، وأهل التحريف والتأويل، فأهل الوهم والتخييل هم الذين يقولون: إن الأَنْبِيَاء أخبروا عن الله واليوم الآخر والجنة والنَّار بأمور غير مطابقة للأمر في نفسه! لكنهم خاطبوهم بما يتخيلون، ويتوهمون به، أن الله شيء عظيم كبير، وأن الأبدان تعاد، وأن لهم نعيماً محسوساً، وعقاباً محسوساً، وإن كَانَ الأمر ليس كذلك، لأن مصلحة الجمهور في ذلك، وإن كَانَ كذباً فهو كذب لمصلحة الجمهور، وقد وضع ابن سينا، وأمثاله قانونهم عَلَى هذا الأصل] اهـ.\rأهل الوهم والتخييل (الفلاسفة)\rفأصحاب التخيل بالجملة هم الفلاسفة، المنتسبين للإسلام، ابن سينا، والكندي والفارابي، وأمثالهم، ومذهبهم: أن كل ما جَاءَ في الكتاب والسنة فهو عبارة عن تخيلات، وهذه الخطابات التي خاطب الله بها عباده تخيلات، وإنما ذكرت لمصلحة الجمهور، وهم عامة النَّاس ومصلحتهم أن يُقال لهم: هناك عذاب، ونعيم وجنة، ونار حتى تقوم حياتهم وفق قانون منضبط، فتكون حياة عَلَى العدل والاستقامة والخير؛ لكن في الحقيقة هذه الأمور ليس لها أصل من الصحة -هكذا يقولون- والعياذ بالله، وليس بعد هذا الكفر كفر، وهَؤُلاءِ ليسوا من الإسلام في شيء بإطلاق.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689821,"book_id":1659,"shamela_page_id":947,"part":null,"page_num":947,"sequence_num":947,"body":"ومن ذلك الرسالة الأضحوية لابن سينا مطبوعة حققها الدكتورسليمان دنيا، ذكر فيها أن البعث للأجساد ليس حقيقياً - والعياذ بالله - وإنما هو خيال، أي: هذه أشياء خيالية، أو روحانية، إِلَى آخر ما لا يجوز أن ينقل إلا عَلَى سبيل الذم - عافانا الله وإياكم- من هذه الخيالات، وهذه الأباطيل، فهذا المذهب مذهب أهل التخييل الذين يجعلون الخطابات الشرعية مجرد خيالات، فلا يثبتون لا ظواهر النصوص ولا ما دلت عليه، ولا ما نقل عن السلف في شرحها، وهذا هو الذي كَانَ عليه فلاسفة اليونان، والأوربيون من قديم، فإنهم قالوا: إن شرائعهم وأديانهم، ما هي إلا خيالات وتخيلات وإيهامات باطلة لمصلحة الناس، وإلا فلا حقيقة لما يوهمون به.\r\rأهل التحريف والتأويل\rالفريق الثاني أهل التحريف والتأويل قَالَ المُصْنِّفُ ﵀:\r[وأما أهل التحريف والتأويل، فهم الذين يقولون: إن الأَنْبِيَاء لم يقصدوا بهذه الأقوال ما هو الحق في نفس الأمر، وأن الحق في نفس الأمر هو ما علمناه بعقولنا، ثُمَّ يجتهدون في تأويل هذه الأقوال إِلَى ما يوافق رأيهم بأنواع التأويلات، ولهذا كَانَ أكثرهم لايجزمون بالتأويل، بل يقولون: يجوز أن يراد كذا، وغاية مامعهم إمكان احتمال اللفظ] اهـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689822,"book_id":1659,"shamela_page_id":948,"part":null,"page_num":948,"sequence_num":948,"body":"أي أن الفريق الثاني أهل التحريف والتأويل يقولون: إن هناك معاني جَاءَ بها الأنبياء، وقالوها وتدل عليها النصوص، لكن لا نأخذ معانيها عَلَى ظاهرها؛ بل لا بد أن نؤولها، والحق في نفس الأمر هو ما نعلمه، وما نستنبطه نَحْنُ من القواعد والبراهين العقلية، أما ظواهر النصوص فتُحرف لتوافق ما نَحْنُ عليه، فحسبهم في الرد عليهم وفي بيان بطلان مذهبهم قولهم: إن التأويل ظني، وهم متفقون عَلَى ذلك، وهذا ما جعلأبا المعالي الجويني في الرسالة النظامية يقول: \"إن ترك التأويل والانكفاف عنه هو الصحيح\" بعد أن كَانَ هو أول من توسع في التأويل؛ لأن شيخ الأشعرية المؤولين الذي ينتسب إليه الأكثر بعد الأشعري، هو القاضيأبو بكر بن الباقلاني، كَانَ يثبت صفة الوجه، ويثبت صفة اليد ويثبت كثيراً من الصفات التي تسمى خبرية؛ حتى جَاءَ أبو المعالي الجويني، فتوسع لهم في التأويل في الشامل، وفي الإرشاد، وبنى عليه بعد ذلك الغزالي، ثُمَّ الرازي المذهب، وأصبح التأويل مشهوراً معلوماً، كما قال صاحب الجوهرة:\rوكل نص أوهمَ التشبيها أوله أو فوض ورم تنزيها\rفإما أن تؤول، وإما أن تفوض.\r\rفالمقصود أن مما جعل الجويني يرى أن ترك التأويل هو الصحيح، اتفاقهم عَلَى أن التأويل ظني، وعلى هذا يجوز هذا المعنى، ويجوز غيره، وحسبهم أنهم يتركون ما دل عليه الكتاب والسنة، وفهمه السلف بوضوح، ويحيلوننا إِلَى أمور ظنية ليست بأكيدة، ولا قطعية.\r\rأهل التجهيل والتضليل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689823,"book_id":1659,"shamela_page_id":949,"part":null,"page_num":949,"sequence_num":949,"body":"يقول المُصْنِّف ﵀: [وأما أهل التجهيل والتضليل، الذين حقيقة قولهم: إن الأَنْبِيَاء وأتباع الأَنْبِيَاء جاهلون ضالون، لا يعرفون ما أراد الله بما وصف به نفسه من الآيات، وأقوال الأَنْبِيَاء! ويقولون: يجوز أن يكون للنص تأويل لا يعلمه إلا الله، لا يعلمه جبريل ولا مُحَمَّد ولا غيره من الأنبياء، فضلاً عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وأن محمداً ﷺ كَانَ يقرأ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:٥] إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ [فاطر:١٠] مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ [صّ:٧٥] ولا يعرف معاني هذه الآيات! بل معناها الذي دلت عليه لا يعرفه إلا الله تَعَالَى!! ويظنون أن هذه طريقة السلف] >اهـ.\rالفريق الثالث: التي هي فرقة التجهيل والتضليل، ويسمون أنفسهم المفوضة وأحياناً يقولون نَحْنُ عَلَى مذهب السلف، نفوض المعنى، ونقول: لا يعلم تأويلها إلا الله كما مر معنا في معنى التأويل، فكل نصوص الصفات، وكثير من الآيات الخبرية أو الطلبية لا يعلم معناها إلا الله، هكذا بإطلاق، لا النبي ﷺ ولا جبريل ولا الصحابة ولا أحد يعلم معناها، ويظنون أن هذا هو حقيقة الإيمان وحقيقة مذهب السلف، وهو في الحقيقة تجهيل للنبي ﷺ وللصحابة، وللراسخين في العلم، بأنهم لا يعلمون معاني كتاب الله ﷾.\rالرد على أصحاب التأويل\rأما أصحاب التأويل، وهم الأشعرية والماتريدية، فيقال لهم: هذا الباب الذي فتحتموه، وإن كنتم تزعمون أنكم تنتصرون به عَلَى من يثبتون الأسماء والصفات، وتسمونهم مشبهة، وتنتصرون عليهم في مواضع قليلة خفية، قد لا يدرك بعض النَّاس معناها، وبعض الأحاديث قد لا تبلغ بعض الناس.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689824,"book_id":1659,"shamela_page_id":950,"part":null,"page_num":950,"sequence_num":950,"body":"يقول المصنف: [فقد فتحتم عليكم باباً لأنواع الْمُشْرِكِينَ والمفسدين، لا تقدرون عَلَى سده، فإنكم إذا سوغتم -أي: جوزتم- صرف القُرْآن عن دلالته المفهومة بغير دليل شرعي، فما الضابط فيما يسوغ تأويله وما لا يسوغ؟ فإن قلتم: ما دل القاطع العقلي عَلَى استحالته تأولناه، وإلا أقررناه] .\r\rأي: أرجعونا إِلَى العقل! فما دلت البراهين والقواطع العقلية عَلَى تأويله أولناه، والذي لا تدل عليه آمنا به فهو بهذا يقول لك: ضع عقيدتك وراء عقلك، كما كتب بعضهم في مقدمة كتاب كبرى اليقينيات الكونية: (الإهداء إِلَى كل حر يضع عقيدته وراء عقله) ! فأول شيء تفكر فيه أن تعرض العقيدة عَلَى العقل فإن وافق عليها تماماً فتؤمن بها، وإن لم يوافق عقلك عليها فتردها، إذاً فأين الذين يؤمنون بالغيب؟! أين الذين وصفهم الله بـ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة:٣] ؟! فنقول: إذا كانت القضية قضية الدلالة العقلية، فما الضابط فيما يؤول، وما لا يؤول؟ قالوا: القاطع العقلي، نقول: بأي عقل نزن القاطع العقلي؟\rفالرافضي مثلاً!! يقول له عقله: كل آية فيها وعيد للكفار، فالمقصود بها بنو أمية ومعاوية وعمرو بن العاص وعَائِِِشَةَ.\rوالباطني القرمطي يقول: كل آية في القُرْآن فيها وعيد أو عذاب، فهي مجرد تخييل ليس له دلالة ولا أصل في الواقع!، والصلاة هي فلان وفلان أسماء خمسة سبق ذكرهم، والصيام: حفظ الأسرار، والحج: أن نقصد الإمام المستور إِلَى آخر ذلك، وعندما نقول لصاحب العقل: لا بد أن تؤمن بالقرآن، فإنه يقول: إن القاطع العقلي عندي قام عَلَى أني لا أومن بظاهر النص.\r\rبالتأويل الباطل تزندق من تزندق\rوممن يستدل بالقاطع العقلي الباطنية والروافض وهم لا يرجعون إِلَى مجرد القاطع العقلي، لكن يضيفون إِلَى ذلك شيئاً آخر وهو العلم المستور، يأخذونه عن الأبواب والحجج، أو صيحة من ينوب عن الإمام المستور!!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689825,"book_id":1659,"shamela_page_id":951,"part":null,"page_num":951,"sequence_num":951,"body":"وهو الإمام الغائب الذي في السرداب أو في غير السرداب، لأن عنده العلم الحقيقي، عنده الجفر والجامعة وهما كتابان، يقولون: إن فيهما كل العلم، وهو ينقل عنهما ويبلغه إِلَى الناس، فيقولون: نَحْنُ لا نؤمن بظاهر القُرْآن والسنة إلا عَلَى هذا المعنى، الذي دلت عقولنا عليه، وهَؤُلاءِ لهم أقوال كثيرة.\rوالفيلسوف يقول: قام القاطع العقلي عَلَى أن الحشر ليس حقيقياً، وإنما هو للأرواح.\rوالمعتزلي يقول: دل العقل عَلَى أن الرؤية ممتنعة في حق الله ﷾.\rوالآخر يقول: صفة العلم لله تَعَالَى أو الكلام أو الرحمة دل العقل عَلَى امتناعها، إذاً كل واحد يؤول عَلَى ما يهواه، والعقول تختلف، فما الذي يضبط هذه العقول؟ لأن كل لفظ يمكن أن يؤول حتى قوله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة:٤٣] إِلَى آخره، فلا يبقى لدينا أي شيء لا يمكن أن يؤول، إذاً لم يبق من ديننا شيء.\r\rفإن قالت الأشاعرة والماتريدية: نَحْنُ لا نقصد هذا.\rنقول: نعم، أنتم لم تقصدوا هذا، لكن إذا فتحتم هذا الباب جاءت الفلاسفة، والقرامطة، وَقَالُوا: لماذا تأويلكم أنتم صحيح، ونحن تأويلنا خطأ؟!، تؤولون الاستواء وتؤولون العلو -والعلو ثابت بأدلة تعد بالآلاف- ونحن نؤول البعث، فلا فرق بيننا، هذه آيات وهذا آيات، عندكم قاطع عقلي، وعندنا قاطع عقلي!\rإذاً: لا بد أن يكون لدينا ما يلزم الجميع، وهو تفسير القرآن، بكتاب الله ﷿ وبسنة النبي ﷺ، كما فسرها النبي ﷺ والصحابة، وفهمها السلف، وما عدا ذلك فهو مبتدع، ثُمَّ قد يكون كفراً، وقد يكون ضلالاً، وقد يكون خطأً.\r\rالتأويل ثلاثة أنواع","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689826,"book_id":1659,"shamela_page_id":952,"part":null,"page_num":952,"sequence_num":952,"body":"التأويل ثلاثة أنواع: فمنه ما هو كفر، مثل تأويل الباطنية، والروافض فقد قالوا في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً [البقرة:٦٧] :عَائِِِشَةَ وهذا كفر، لأن موسى يقول ذلك لليهود، وعَائِِِشَةَ لم تكن موجودة ذلك اليوم، وهو تحريف لكلام الله ﷿ مُتعمد.\rومن التأويل ماهو ضلال: مثل تأويل استوى بمعنى: استولى.\r\rومن التأويل ما هو خطأ: مثل ما يقع في كلام بعض السلف، لا عن قصد تحريف للكلام عن موضعه، لكنه يكون قد فهم من الآية فهماً خاطئاً، كما فهم بعضهم أن الكرسي هو العلم فهذا خطأ، والمخطئ في ذلك قد يكون له أجر الخطأ، وليس له أجر الصواب، لكن ليس ضالاً ولا كافراً.\r\rلازم قول المؤولة\rيلزم من قول المؤولة محذوران عظيمان: أحدهما: أن لا نقر بشيء من معاني الكتاب والسنة، فإذاجاء أحدهم وقَالَ: قال الله تَعَالَى كذا، قلنا له: اصبر حتى نفكر، فيمكن أن يكون فيه ما يوجب تأويله، ويمكن أن يكون الظاهر غير مراد.. الخ الموانع العشرة التي قالها الرازي.\rفعندما يأتيك بآية أو حديث لا بد أن تفكر فيه وتنظر هل الجويني أولها، أو أولها الرازي، أو يمكن العلماء قد أولوها؟! لأنهم يرون أن الإيمان بظواهر النصوص كفر كما قالوا: (من أصول الكفر الإيمان بالظاهر) .\r\rالمحذور الثاني: أن القلوب تتخلى عن الجزم بشيء مما تعتقده مما أخبر به الرَّسُول ﷺ، إذ لا يوثق بأن الظاهر هو المراد، والتأويلات مضطربة، كتأويلهم اليد فتارة يقولون: النعمة، القدرة، والجبار قالوا: ملك، وَقَالُوا: ظالم، وَقَالُوا: شيطان، فاختلفت التأويلات!!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689827,"book_id":1659,"shamela_page_id":953,"part":null,"page_num":953,"sequence_num":953,"body":"فما آمنا بالكتاب والسنة، لأننا قلنا: إن ظاهره غير مراد، فيجب التأويل، فإذا ذهبت إِلَى التأويل وجدت المؤولين مختلفين، فبكلام من تأخذ؟! فالنتيجة هي الحيرة، فلا يوجد شيء نؤمن به، وهذا ضلال وخروج عن الصراط المستقيم، فترى أحدهم لا يؤمن بشيء مما قاله النبي ﷺ، حتى يتأكد عند شيخ من الشيوخ هل هو من قول أفلاطون! أم من قول أرسطو! أم من القواطع العقلية! أم من البراهين النظرية! فهذا كله من عدم الإيمان؛ لأن الله يقول: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النساء:٦٥] بلا اعتراض، ولا منازعة، ولا مدافعة.\r\rيقول: [وخاصة النبي: هي \"الإنباء\" والقرآن \"هو النبأ العظيم\"] فإذا كَانَ كلما أخبرنا الرَّسُول بشيء قلنا: انتظر حتى نعرضه عَلَى أئمتنا، فقد أفقدنا النبي ﷺ خاصيته، ومن القُرْآن خاصيته، ولهذا نجد أهل التأويل إنما يذكرون نصوص الكتاب والسنة، للاعتضاد لا للاعتماد، واقرأ إن شئت شرح العضدية، أو النسفية، أو الجوهرة، اقرأ مائة ورقة، مائتين ورقة، لا تجد آية، وإذا وجدت فليست للاعتماد، بل للاعتضاد والاستئناس، يستأنسون بها مع أنهم متفقون عَلَى أن ظاهرها غير مراد، يقول: وهذا فتح باب الزندقة -نسأل الله العافية- بناءً عَلَى ذلك تزندق من تزندق، وألحد من ألحد، وكفر من كفر، وضل من ضل في كتاب الله ﷾.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689828,"book_id":1659,"shamela_page_id":954,"part":null,"page_num":954,"sequence_num":954,"body":"شرح العقيدة الطحاوية\rالتوحيد\rفضيلة الشيخ د. سفر بن عبد الرحمن الحوالي\r\rقال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى:\r[نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: إن الله واحد لا شريك له] .\rقال المصنف رحمه الله تعالى:\r[اعلم أن التوحيد أول دعوة الرسل، وأول منازل الطريق، وأول مقام يقوم فيه السالك إلى الله ﷿، قال تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:٥٩] وقال هود ﵇ لقومه: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:٦٥] وقال صالح ﵇ لقومه: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:٧٣] وقال شعيب ﵇ لقومه: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:٨٥] وقال تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوت [النحل:٣٦] وقال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُون [الأنبياء:٢٥] وقال ﷺ: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله) ولهذا كان الصحيح أن أول واجب يجب على المكلف شهادة أن لا إله إلا الله، لا النظر، ولا القصد إلى النظر، ولا الشك، كما هي أقوال لأرباب الكلام المذموم؛ بل أئمة السلف كلهم متفقون على أن أول ما يؤمر به العبد الشهادتان، ومتفقون على أن من فعل ذلك قبل البلوغ لم يؤمر بتجديد ذلك عقيب بلوغه، بل يؤمر بالطهارة والصلاة إذا بلغ أو ميز عند من يرى ذلك. ولم يوجب أحد منهم على وليه أن يخاطبه حينئذ بتجديد الشهادتين، وإن كان الاقرار بالشهادتين واجباً باتفاق المسلمين، ووجوبه يسبق وجوب الصلاة، لكن هو أدى هذا الواجب قبل ذلك، وهنا مسائل تكلم فيها الفقهاء: فمن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689829,"book_id":1659,"shamela_page_id":955,"part":null,"page_num":955,"sequence_num":955,"body":"صلى ولم يتكلم بالشهادتين، أو أتى بغير ذلك من خصائص الإسلام، ولم يتكلم بهما، هل يصير مسلماً أم لا؟ والصحيح أنه يصير مسلماً بكل ما هو من خصائص الإسلام. فالتوحيد أول ما يدخل به في الإسلام، وآخر ما يخرج به من الدنيا، كما قال النبي ﷺ: (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة) فهو أول واجب وآخر واجب] اهـ\rالشرح:\rابتدأ الماتن -رحمه الله تعالى- واضع العقيدة وهو الإمام الطحاوي بهذه الجملة:\r\r[نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: إن الله واحد لا شريك له] .\rفابتدأ العقيدة بالتوحيد، وهذا هو اللائق، لأن التوحيد هو أشرف وأهم فروع العقيدة، بل العقيدة كلها توحيد، والقرآن كله توحيد، فالتوحيد هو أول ما يجب، وأول ما يدعى إليه، وحول التوحيد كانت المعركة بين الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- وبين الأمم.\rوَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:٢٥] وقال ﵎: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:٣٦] فهذا هو ما دعا إليه الأنبياء جميعا، دعوا إلى توحيد الله ﵎ حيث افتتحوا دعوتهم واختتموها بذلك. فإن الشرائع والتعبدات جميعاً إنما هي فروع وتوابع للتوحيد.\rومعنى كون التوحيد أول دعوة الرسل: هو أن كل نبي إنما يأتي قومه لينذرهم أنه لا إله إلا الله، ويحذرهم من عبادة الطاغوت.\rوأما قوله: [وأول منازل الطريق وأول مقام يقوم فيه السالك إلى الله ﷿] ، هذه العبارات استعارها المصنف من المصطلحات الصوفية، فالصوفية عندهم أن الناس ثلاثة أنواع: مريد -وهذا هو المبتدئ- ثم السالك الذي يسير في الطريق، ثم الواصل الذي وصل وسقطت عنه التكاليف، ووصل إلى حقيقة المعرفة كما يقولون.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689830,"book_id":1659,"shamela_page_id":956,"part":null,"page_num":956,"sequence_num":956,"body":"وهذه الاستعارة إنما هي على سبيل التقريب، لأن كثيراً من الناس يظنون أن المصطلحات الصوفية ما هي إلا اصطلاحات فنية -أي عبارات أو معاني أو ألفاظ- أُطلقت على المعاني القلبية لنعرف بها هذه المدلولات، ويقول كثيرٌ منهم: إن التصوف هو شرح لحقيقة المرتبة الثالثة من مراتب الدين التي هي الإحسان.\r\rهؤلاء القوم أي الصوفية يقولون -كما هو أصل ديانتهم في الهند -: إن بين العبد وبين الرب ألف مقام من الظلمة، يقطعها حتى يصل إلى النور أو التوحيد الذي هو عندهم المحو والفناء في ذات الله، بحيث تتحد نفسه بالباري، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.\rوهذه المصطلحات نقلت إلينا على سبل، فنقلها بعضهم وهو من أهلها، ونقلها بعضهم على سبيل التقريب أو استعارة لاصطلاحات لا يؤمن بمدلولاتها، ونقلها بعضهم وهو لا يدري على أي شيء تدل.\rفالنقطة الأولى: نقطة الانطلاق ونقطة البدء في حياة الإنسان ومعاملته وعبادته هي: توحيد الله ﵎، فلا شيء قبله، ولا يقبل من العبد شيء إلا بعد أن يوحد الله ﵎ وأن يؤمن به ﷾، فهي أول دعوة الأنبياء، وأول ما يبدأ فيه الإنسان في عبادته لله ﵎ وهذه الأمة هي أمة التوحيد، وأبو الأنبياء جدنا الخليل إبراهيم ﵇ هو إمام الموحدين، وهو الذي جاء بملة إبراهيم ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً [النحل:١٣٢] فهي الملة الحنيفية التي تقوم على التوحيد. ثم جاء النبي ﷺ بعد أن ارتدت العرب إلى الشرك وعبدت الأوثان، وأشركت مع الله غيره، وعبدت المعبودات التي كان قوم نوح يعبدونها، فجاء بدعوة التوحيد وهي: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وجاء بالسيف كما قال ﷺ: (بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له)","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689831,"book_id":1659,"shamela_page_id":957,"part":null,"page_num":957,"sequence_num":957,"body":"يعني: دعوة التوحيد هي موضوع المعركة بين الرسول ﷺ وبين المشركين، -ومن هنا نعرف أهمية هذا العلم وأهمية معرفته، ولذلك يقول النبي ﷺ كما في هذا الحديث: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله) فهو بعث بالقتل والقتال حتى يعبد الله وحده ﵎ وذلك تحقيق منه ﷺ لآخر ما أنزل الله تعالى من أحكام القتال. فالجهاد أول ما بدأ به كان إذناً فقط، فلم يكن أمراً مستحباً ولا واجباً أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصرِهِمْ لَقَدِيرٌ [الحج:٣٩] فأذن الله تعالى للمؤمنين بالقتال بعد أن تحرقت قلوبهم وتشوقت إلى أن يقاتلوا الكفار، ثم استمر الأمر إلى أن وصلت المرحلة الأخيرة، وهي الأمر بالقتل لكل مشرك، وآخر مهلة للكفار في جزيرة العرب خاصة، أربعة أشهر يسيحون في الأرض، ثم بعدها تكون النهاية فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصد [التوبة:٥] هذه الآيات آخر ما نزل في شأن الجهاد، وقال ﷾ عقبها: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُم [التوبة:٥] وقال بعد ذلك أيضاً: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ [التوبة:١١] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689832,"book_id":1659,"shamela_page_id":958,"part":null,"page_num":958,"sequence_num":958,"body":"فمنطوق الحديث: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة) هو نفس مدلول الآية: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُم [التوبة:٥] وفَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ [التوبة:١١]-أي: وجبت لهم الأخوة- فمن لم يأت بهذه الأركان الثلاثة فلا أخوة له في الدين ولا يخلى سبيله، بل يقاتل، ولم يذكر الصيام والحج مع الشهادتين والصلاة والزكاة؛ لأن الصوم عبادة خفية لا يعلم بها ولا يطلع عليه فيقاتل عليها، لكن نقاتل ونقتل واحداً عرفناه بعينه، أو عرفنا أمة أو قرية أو طائفة امتنعت عنه، فنقاتلها قتال كفر وردة، كما أجمع الصحابة بعد المناظرة مع أبي بكر على أن يقاتلوا تاركي الزكاة كما يقاتلون المرتدين..\r\rوقال عمر \" لو لم نطع أبا بكر لكفرنا بغداة واحدة \" بعد أن تذكروا وتنبهوا إلى أنَّ قولَ أبي بكر: \"والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة \" هو نفس منطوق الآية: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ [التوبة:١١] . والحج يجب مرة واحدة في العمر، ويجب على من استطاع الزاد والراحلة، وهذا لا نستطيع أن نعرفه -أيضاً- بسهولة، لأننا لو جئنا وقلنا لأمة من الأمم لم لا تحجون؟ قالوا: نحج السنة القادمة -إن شاء الله- أو بعدها فلا نستطيع أن نقاتلهم، لكن لو قالوا: لا لن نحج هذا البيت أبداً، لحكمنا بأنهم كفار، وقاتلناهم قتال كفر وردة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689833,"book_id":1659,"shamela_page_id":959,"part":null,"page_num":959,"sequence_num":959,"body":"فهذه الأركان الأساسية الثلاثة التي هي: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وهو الركن الأول، وإقام الصلاة وهو الركن الثاني، وإيتاء الزكاة وهي الركن الثالث الذي ورد النص صريحاً في المقاتلة عليها، لأنها هي التي تعطي الطابع العام للمجتمع أو للفرد، أما الحج والصوم فهذا حكمه بينه وبين ربه، بخلاف الصلاة فنقاتله ونقتله إن أصر على تركها، وكذا الزكاة نقتله أو نأخذها منه قهراً، فإذا أخذنا الزكاة منه قهراً وسكت وهو في قلبه كاره لذلك؛ فهو منافق بينه وبين ربه، لكنه في الأحكام الدنيوية الظاهرة مسلم، وزكاته أخذناها منه قهراً كما قال النبي ﷺ: (إنا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا) .\rوالإمام البخاري -رحمه الله تعالى- لما وضع كتاب التوحيد، ذكر فيه أول ما ذكر حديث معاذ لما بعثه الرسول ﷺ إلى اليمن فقال له: (إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب، أو إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب من اليهود، فليكن أول ما تدعهم إليه عبادة الله) وهذا يدل على دقة فهم البخاري، وفقه البخاري في تراجمه وتبويبه.\rفهذه روايات صحيحة وثابتة في البخاري، وبعضها في مسلم في ألفاظ حديث معاذ:\rالرواية الأولى: (فليكن أول ما تدعهم إليه عبادة الله، فإذا عرفوا الله، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات) .\rالرواية الثانية: (فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله) .\r\rالرواية الثالثة: (فليكن أول ما تدعهم إلى أن يوحدوا الله، فإذا عرفوا ذلك، فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689834,"book_id":1659,"shamela_page_id":960,"part":null,"page_num":960,"sequence_num":960,"body":"فمن مجموع هذه الروايات نفهم أن أول ما يجب أن يدعى إليه هو التوحيد، وهو شهادة أن لا إله إلا الله. فالتوحيد هو أول ما ندعو إليه، وعلى جميع الدعاة إلى الله ﷾ في كل زمان ومكان أن يبدؤوا دائماً بالتوحيد. فإن ذهبنا إلى قوم لا يعرفون التوحيد، فأول ما ندعوهم إليه التوحيد، فإذا قالوها علمناهم معناها ولوازمها، ومقتضياتها وحقوقها وفروعها، وإن ذهبنا إلى قوم يقولون أو يشهدون أن لا إله إلا الله، فندعوهم أن يصححوا عقيدة التوحيد إن كان فيها خلل أو خطأ، ولاشك أنه مع تطاول القرون، ومع دخول كثير من العجم وغيرهم في هذا الدين، ومع انتشار الجهل وفشو البدع والضلالات، صارت عقيدة التوحيد فيها غبش يتفاوت كثرةً بحسب البلدان.\rفأول ما ندعوا إليه المسلمين هو تصحيح عقيدة التوحيد، وأول ما ندعو إليه غير المسلمين هو عقيدة التوحيد.\rفمثلاً: إذا ذهبنا إلى أوروبا فأول ما ندعو إليه التوحيد، لا نناقش ابتداءً في المشاكل الاجتماعية التي يعيشها الغرب إلا في حالة واحدة وهي: أن نناقشها لنربطها بحقيقة التوحيد.\rثم ذكر الإمام البخاري -بعد حديثمعاذ - حديث فضل قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فذكر حديثين:\rالحديث الأول: ﴿إنها لتعدل ثلث القرآن﴾ .\r\rوالحديث الآخر: ﴿أن النبي ﷺ الله عليه وسلم بعث رجلا على سرية وكان يقرأ لأصحابه في صلاته فيختم بـ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي ﷺ، فقال سلوه لأي شيء يصنع ذلك؟\r\rفسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها، فقال النبي ﷺ أخبروه أن الله يحبه﴾ .\rوذلك لأنه أحب صفات الله ﷿، فمن هنا نعرف أهمية توحيد الأسماء والصفات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689835,"book_id":1659,"shamela_page_id":961,"part":null,"page_num":961,"sequence_num":961,"body":"فالإمام البخاري ﵀ عقد كتاب التوحيد، وافتتحه بهذين المضمونين: مضمون توحيد الألوهية الذي هو حديث معاذ بن جبل ﵁، ومضمون توحيد الأسماء والصفات الذي هو حديث فضل قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ.\rيقول المصنف رحمه الله تعالى: [ولهذا كان الصحيح أن أول واجب يجب على المكلف شهادة أن لا إله إلا الله] .\rأول ما يجب على كل مخلوق خلقه الله ﷿ هو: شهادة أن لا إله إلا الله، هذا أول الواجبات.\r\rولا شك أن شهادة أن لا إله إلا الله أول الواجبات، ولها معنيان، وكلا المعنيين حق:\r\rالأول: أنها أول الواجبات، بمعنى أول ما ندعو إليه من الواجبات، وأول ما نبدأ به هو: شهادة أن لا إله إلا الله.\rوالثاني: أنها أول الواجبات، بمعنى أهم الواجبات وأعظم شيء. إذاً هي أول ما نبدأ بها، وهي أعظم شيء.\rفأول ما يأتينا الكافر ليدخل في دين الإسلام ندخله من باب شهادة أن لا إله إلا الله، وآخر ما نطلبه من الإنسان عند الموت هو شهادة أن لا إله إلا الله، -أي التوحيد-.\rفإذا عرفنا أن التوحيد هو أول الأمر وآخره عرفنا أهميته. فهو الأول من ناحية الابتداء، والأول من ناحية الأهمية.\rقال المصنف رحمه الله تعالى:\r[لا النظر ولا القصد إلى النظر ولا الشك كما هي أقوال لأرباب الكلام المذموم] .\rاختلف الناس في قضية أول واجب على المكلف، وهذا الاختلاف هو لأهل البدع الذين خرجوا عن كتاب الله وعن سنة رسوله الله ﷺ، وأعرضوا عن هذه الآيات العظيمة التي مرت بنا -على كثرتها- وأعرضوا عما أمر به النبي ﷺ رسله، وأخذوا بالنظر العقلي المجرد.\rفقالوا: أول ما يجب هو معرفة الإله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689836,"book_id":1659,"shamela_page_id":962,"part":null,"page_num":962,"sequence_num":962,"body":"ونقول لهم أما إذا كان المقصود بالمعرفة عندكم معرفة أسماء الله وصفاته وحقه على العباد وحق العباد عليه ﷾ فهذه لا خلاف فيها، ولذلك جاء في رواية للبخاري في كتاب الزكاة (فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات) فمعرفة الله هي: ذات التوحيد، لكن التوحيد أو المعرفة عندنا غير المعرفة العقلية عندهم، فهم يريدون معرفة عقلية فلسفية نظرية.\rمثلاً يقول المعتزلة: يجب عليه أن يعرف الأصول الخمسة:\rا-العدل.\r٢-التوحيد.\r٣-الوعد والوعيد.\r٤- المنزلة بين المنزلتين.\r٥-الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\rولهم على كل واحدة منها تأويل وتفسير.\rفمعرفة الله -كما وضعوا- تعني معرفته ذاتاً مجردة من جميع الصفات كما يريد الجهمية، أو معرفته بماله من أسماء، ولا يثبت له أي صفة أبداً كما يقول المعتزلة، أو معرفته بأن نثبت له بعض الصفات، إما سبعة، أو تسعة، أو إحدى عشر، أو ثلاثة عشر، كما يقول الأشعرية. وننفي عنه الباقي. هذه هي المعرفة التي يريدها أهل البدع. ويقولون: معرفة الله -أي: معرفة وحدانيته-.\r\rفنحن نقول: توحيد الله هو: إفراد الله بالعبادة، لأن التوحيد مصدر وحد يوحد توحيداً. فمعرفة وحدانيته هو: إفراد الله بالعبادة، وأما وحدانية الله عندهم فهم يقولون في كتب علم الكلام: هو نفي الكمية المتصلة ونفي الكمية المنفصلة، وهذا كلام فلسفي جاءوا به من الفلسفة اليونانية.\r\rفالكمية المتصلة: أي: ننفي أن يكون هذا الإله أبعاضاً أو أجزاء، فليس له أجزاء ولا أبعاض، ولا هو أرباع ولا هو كسور.\rوالكمية المنفصلة: أي: هو واحد، لا نقول اثنين، ولا ثلاثة، ولا أربعة، ولا خمسة، فهو واحد ليس هناك كمية منفصلة عنه ولا كمية متصلة به.\r\rهذا هو التوحيد عندهم، لذلك لا يكفرون من يعبد ويدعو غير الله ويذبح لغير الله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689837,"book_id":1659,"shamela_page_id":963,"part":null,"page_num":963,"sequence_num":963,"body":"فالمقصود أنهم يجعلون الوحدانية هي: نفي الكمية المتصلة، ونفي الكمية المنفصلة، فيثبتون رقماً مجرداً، ثم يقولون: هذا الرقم المجرد ليس له أي صفة من الصفات كما يقول الجهمية، أو كما يفعل بعض أتباع الفرق الضالة يثبتون البعض وينكرون البعض الآخر، فهو واحد فقط ليس متعدداً ولا متبعضاً.\rوهذا هو مفترق الطريق بيننا وبينهم، فهم يرون أنهم موحدون، لأن الله عندهم شيء واحد -ذات مجردة هلامية- هكذا.\rفيقولون: هذا الرقم الواحد ليس أرباعاً ولا أثماناً، ولا اثنين ولا ثلاثة ولا أربعة، وهذا هو حقيقة التوحيد عندهم، بل إذا قلنا: نثبت له صفات كالعين، أو الوجه، أو اليد، أو القدم، قالوا هذه أبعاض، والأبعاض منفية، لأن الكمية المتصلة منفية، كما أن الكمية المنفصلة منفية. فلأنهم ينفون صفات الله ﷿ ويثبتون أنه واحد يظنون أنهم هم الموحدون، ونحن نثبت لله هذه الصفات، وننهى عن الشرك بالله، وندعو إلى توحيد الله -وهو إفراده وحده بالعبادة والتوجه والتقرب.\rفقالوا: أنتم مشبهون لأنكم تثبتون هذه الصفات، وتقولون لله أبعاض، وأنتم تكفرون المسلمين، لأنكم تأتون إلى موحد يعتقد في الله هذا الاعتقاد، ولكنه يدعو غير الله حيث يدعو الأولياء ويذبح للأموات وتقولون: هذا مشرك وهو لم يشرك. فالذين قالوا: إن أول ما يجب هو التوحيد أو المعرفة يعنون بها توحيدهم ومعرفتهم.\r\rوقال بعضهم: أول واجب هو النظر، لأن المعرفة تترتب على النظر، فالإنسان أول شيء يحصل منه هو النظر. والنظر معناه: التفكير.\rفالقضية النظرية: قضية ذهنية وعقلية تفكيرية، فأول ما يجب هو التفكير والنظر والاستدلال بالعقل. لأن المعرفة سببها وقوع النظر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689838,"book_id":1659,"shamela_page_id":964,"part":null,"page_num":964,"sequence_num":964,"body":"والمسلم -عندهم- إذا بلغ التكليف مثلاً في هذه الليلة باحتلام، أو إنبات، أو بلوغ خمسة عشر سنة، يجب عليه من هذه اللحظة -لحظة ما بلغ- أن يفكر، فيقول: هذا العالم حادث، وكل حادث لابد له من محدث، وهذا العالم متغير، والمتغير حادث، والحادث لابد له من محدث. والمحدث هو الله، ويعيد المقدمات حتى يتأكد أن المحدث هو الله، ثم يعرفه بأنه واحد، لا هو أبعاض ولا هو أعداد، فإذا عرف هذا الشيء فقد وحد وأصبح مسلماً. والعجيب أنهم بحثوا في حكم من مات في أثناء النظر على أي دين يموت؟\rفقال بعضهم: يموت على الكفر، لأنه لم يدخل في الإسلام.\rوقال بعضهم: هو مسلم لكنه عاصي.\rوأطالوا الكلام في هذا كما في كتاب الإرشاد للجويني -فيا سبحان الله- كيف نضع الأصول الفاسدة، ثم نركب عليها لوازم باطلة، ثم يتشعب الباطل حتى نجد باطلا كاملاً؟!\r\rفأول واجب عندهم هو النظر، كما قال الجويني، وابن فورك، وكلاهما من أئمة الأشعرية.\rوقال القاضي أبو بكر بن الطيب الباقلاني -إمام الأشعرية في زمانه- أول ما يجب: هو أول جزء من النظر، وليس كل النظر بحيث يرتقي بعد ذلك حتى يصل إلى المعرفة.\rوهناك قول رابع جاء به أبو هاشم الجبائي شيخ المعتزلة في زمانه فقال: أول ما يجب على الإنسان: هو الشك. لأنك إذا شككت وصلت إلى اليقين. على طريقة ديكارت حيث قال: \"أنا أفكر؛ إذاً أنا موجود\" هذه النظرية كانت أعظم نظرية، وأعظم فتح في تاريخ الفلسفة الأوروبية والعالم الغربي-كما يقولون-، حيث تحرر من قيود الرجعية ومن قيود الفلسفة الكلاسيكية بهذه القاعدة العظيمة \"أنا أفكر؛ إذاً أنا موجود\".\rفالشك في الأشياء أو السفسطة -وهو إنكار حقائق الأشياء- مخيم على أذهانهم، وأن كل ما نراه الآن قد يكون حقاً وقد يكون غير موجود. فابتلاهم الله تعالى بالشك والزيغ في قلوبهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689839,"book_id":1659,"shamela_page_id":965,"part":null,"page_num":965,"sequence_num":965,"body":"وظهر في بريطانيا رجل اسمه هيوم زعيم الشكاك أو شيخ الشكاك، حيث أعاد نظرية الشك اليونانية القديمة وقال: لابد من الشك في كل شيء، وكل الحقائق الموجودة تقبل الجدال وتقبل النزاع، ولا يوجد أي حقيقة مطلقاً.\rفاعتبروا نظرية ديكارت انتصاراً؛ لأنه قال: \"أنا أفكر؛ إذاً أنا موجود\" وخرج يصيح ويقول: \"أنا أفكر. إذاً أنا موجود\" فانظروا ما مقدار النعمة التي أكرمنا الله تعالى بها لما أعطانا هذا الوحي، ولم يكلنا إلى زبالة أذهان هؤلاء المتهوكين أئمة الضلالة؟! فلو خرج أحد منا من بيته وقال: \"أنا أفكر. إذاً أنا موجود\". لقلنا: إنه مجنون. وهم إذا جاءتهم دعوة الأنبياء وأتباع الأنبياء قالوا: أنتم مجانين.\rفهؤلاء أعمى الله بصائرهم، فهم في ظلمات وفي شك.\rفأول شيء كما قال أبو هاشم الجبائي: أن نشك في كل شيء، وبعد الشك نبدأ في اليقين، ثم نستدل بحدوث العالم على وجود الله، ثم نعتقد أن الله موجود، ثم نعرف ما يجب لله من التوحيد على منهجهم الذي هو منهج المعتزلة.\rفهذا هو كلامهم في مسألة أول ما يجب على المكلف. وهو مردود ومنقوض بما في صريح القرآن، وبما دعا إليه الأنبياء أن أول ما يدعى إليه هو شهادة إن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فهي دعوة واضحة إلى توحيد الله ﷾.\rومع ذلك سنرد عليهم بمنطقهم العقلي وحججهم النظرية، وهنا لفتة: وهي أن أصحاب الكلام جميعاً يقولون: إننا ندافع عن الإسلام في وجه أعداء الدين من الملاحدة والفلاسفة العقليين الذين يقولون: \"كل الأديان تقليد\"، فالمسلم لأنه عاش في دار الإسلام وولد فيها صار مسلماً؛ وكذا اليهودي والنصراني، والتقليد لاينفع، بل لا بد أن نقيم ديننا على حجج وبراهين وننبذ التقليد.\rفقال علماء الكلام: ونحن ليس عندنا تقليد أبداً، فإننا نقول أول ما يجب على الإنسان هو أن ينظر، أو يشك حتى نحرر عقله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689840,"book_id":1659,"shamela_page_id":966,"part":null,"page_num":966,"sequence_num":966,"body":"وأما من يعيش في بادية وهو أمي، ويعبد الله ﷿ ويقوم بجميع الواجبات والفرائض دون أن يستدل بالعقل على وحدانية الله كما يريدون، فهذا يسمى مقلداً، وقد اختلفوا في إيمان المقلد كما مر، فقال بعضهم: لا يثبت له إيمان. وقال بعضهم: إنه عاصي. وقال بعضهم: إنه معذور.\rفاليهودي مقلد، والنصراني مقلد، والمسلم مقلد، فالأديان كلها تقليد، وأما الحق فهو ما يعتقدونه من البراهين والحجج العقلية.\rونحن نرد عليهم بالآتي:\r\rأولاً: كيف رضيتم أن يسوى بين الإسلام، وبين غيره من الأديان الباطلة المحرفة؟ فإن من ولد على الإسلام ليس بمقلدٍ أبداً، بل كل مسلم ليس بمقلد في أصل الدين -أي في إيمانه بالله- إلا على المعنى الذي سنذكره -إن كان يسمى تقليداً-، لأن النبي ﷺ يقول: (كل مولود يولد على الفطرة) (كل مولود يولد على الملة) وفي رواية: (كل مولود يولد على هذه الملة) ، فنحن نجزم ونعلم أن أولاد اليهودوالنصارى، وأولاد المجوس كلهم يولدون على هذه الملة، ولذلك قال: (فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه) ولم يقل يمسلمانه. ثم قال ﷺ: (كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل ترون فيها من جدعاء؟) فالبهيمة لا تولد مقطوعة الأذن، أو عليها علامات مميزة، وإنما تولد جمعاء. فالذي يشرط ويقطع الأذن، ويجعل علامة معينة لانتماء معين هو المجتمع أو التربية؛ بحيث يربى على اليهودية، فيصير يهودياً. وإلا فهو في أصله ولد على الإسلام.\rثانياً: أنكم إن قلتم إنه لا إيمان للمقلد.\r\rفمن هو المقلد؟\rوما هو التقليد؟\r\rفنحن وهم متفقون على أن التقليد هو: اتباع الغير بلا حجة، لذا لو قلت له: أنا اتبعك في كل ما تقول، فإنه سيقول: لا تقلدني. لكن لو قلت: ما هي براهينك؟ فقال: كذا وكذا.\rفقلت: أنا عرفت هذه البراهين واتبعتك تقليداً لك.\rفإنه سيقول: لا، أنت لست مقلداً؛ لأنك آمنت واتبعتني بعد ما عرفت براهيني.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689841,"book_id":1659,"shamela_page_id":967,"part":null,"page_num":967,"sequence_num":967,"body":"فنقول: -يا سبحان الله! - وأي حجة أعظم من إرسال الرسل؟!\rوهل اتباع الأنبياء تقليد؟!\rوهل هناك حجة أعظم من اتباع الأنبياء ومن الوحي الذي أنزله الله؟!\r\rوما من نبي إلا وأتى بآيات بينات خارقات على أنه نبي من عند الله، وما من نبي كُذِّب إلا وأهلك الله ﷿ المكذبين ودمرهم، وأنجى المؤمنين وأنجى نبيهم. فالحجة هي في إرسال الرسل. قال تعالى: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء:١٦٥] وقال تعالى: قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَة [الأنعام:١٤٩] فكيف تقولون: إننا نأخذ كلام الغير بلا حجة ونحن نتبع أنبياء الله ورسله، ونتبع الآيات والبراهين البينات التي نجدها في الكتاب والسنة؟\rثانياً: القرآن العظيم قد جاء بالحجج العقلية النظرية مثل ما جاء بالحجج النقلية، وهو واضح لكل من يقرأه ويتدبره، فلم يذكر في القرآن وجود الله ولا الإيمان باليوم الآخر مجرداً، بل جاء ذكرها بما يهز العقل والفطرة هزاً شديداً.\rأفلا ينظرون؟!\rأفلا يتدبرون؟!\rأفلا يتذكرون؟!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689842,"book_id":1659,"shamela_page_id":968,"part":null,"page_num":968,"sequence_num":968,"body":"آيات عظيمة! ويستدل الله علينا ويحتج بأنه قادر على إحياءنا بعد الموت بالحجج السمعية والخبرية، وكذا بالحجج والبراهين العقلية. ولذلك لم يثبت ولم يصمد أمام أصحاب محمد ﷺ ولا التابعين أي مناظر من الملحدين أبداً، بل كانوا يفتحون قلوب الأمم والشعوب قبل أن يفتحوا بلادهم، لأن النور الذي يحملونه معهم يضيء لتلك القلوب فيظهر الميثاق الفطري: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا [الأعراف:١٧٢] فهم شاهدون ومقرون، فإذا جاء هذا المبلغ عن رسول الله ﷺ ودعاهم إلى التوحيد، تطابقت هذه الدعوة مع الفطرة تماماً، ولذلك قال الله تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّه [الروم:٣٠] فهذا الدين منقوش في الفطرة لا يبدله أحد، ثم يأتي الأنبياء بما يصدق ويؤيد هذه الفطرة، فليس في الأمر إذن تقليد مطلقاً، وإنما هو حجج عقلية.\rأما أهل الكلام فكلامهم هو محض التقليد، ومحض الهوى والتخرص والظنون، ولذلك اختلفوا وأعرضوا وتركوا سنة رسول الله ﷺ.\r\rفالفقهاء مثلاً متفقون على أنه إذا بلغ الصبي لا يجب على وليه أن يقول له: قل لا إله إلا الله. لأنه ولد على الإسلام، فهو مسلم بالفطرة وبالاتباع لأبويه، وهما مسلمان، بل يغلب جانب الإسلام دائماً.\rفلو وجدنا لقيطاً مرمياً في بلاد الكفار، فإننا نفترض في هذا اللقيط الإسلام، ونأخذه ونربيه على أنه مسلم، ونسميه محمداً، ولا ندعه للكفار أبداً؛ لأن الأصل في كل مولود هو الإسلام، وهو مولود على هذه الملة.\rوهذا الكلام تجده عند أصحاب البدع في كتب فقههم؛ حيث تجد بعضهم من أرباب الفقه وأرباب الكلام.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689843,"book_id":1659,"shamela_page_id":969,"part":null,"page_num":969,"sequence_num":969,"body":"فإذا جاء في الفقه ذكر هذا الكلام، وإذا جاء في علم الكلام قال: لابد من ترك التقليد، وهل يكفر المقلد أو لا يكفر؟ ... إلخ، كأنه يشرح لأمة أخرى غير أمة محمد التي يشرح لها الفقه.\rفأول واجب على المكلف هو: الإقرار بالشهادتين والنطق بهما، وهو أخص من القول، فالنطق: مجرد إخراج الحروف، أما القول فهو في اللغة العربية: يطلق على الفعل، فإذا حرك رجل يده تقول: وقال بيده هكذا، كما جاء في الحديث: (وقال بيديه هكذا) فلا يكون الإنسان مسلماً أبداً إلا إذا شهد أن لا إله إلا الله، وليس في هذا خلاف -ولله الحمد- بين علماء السنة والجماعة، ولا بين الفقهاء، إلا لما ظهرت البدع، فقالوا: إن الإيمان يكون في القلب، ولا يشترط أن ينطق بلسانه، ولذلك قال بعض المؤلفين: إن من عرف الله بقلبه ولم يشهد أن لا إله إلا الله ولم ينطق بها، يمكن أن ينجوَ عند الله ولا يعذبه؛ لأن التصديق حصل عنده، وهذا كلام باطل مخالف للإجماع المنعقد من عهد النبي ﷺ إلى اليوم من أهل السنة والجماعة، وهو: أن الإنسان لا بد له أن يشهد أن لا إله إلا الله، ولابد له -أيضا- أن يؤدي الصلاة والزكاة ظاهراً؛ حتى يكون له حكم الإسلام، ولا يهم إن كان في قلبه غير مقر بها، فإننا لم نؤمر أن نشق عن قلوب الناس.\rوهناك فرق بين أحكام المرتد، وبين أحكام الكافر الأصلي كاليهودي أو النصراني، فمن شهد أن لا إله إلا الله، وقال: أنا مسلم، أو فعل شيئاً من خصائص الإسلام، ثم نكث وكفر فحمل الصليب مثلاً، أو سجد لغير الله، فهذا مرتد يقتل، بخلاف الثاني فإنه على دينه من الأصل.\rقال المصنف رحمه الله تعالى: [وهاهنا مسائل تكلم فيها الفقهاء: كمن صلى ولم يتكلم بالشهادتين، أو أتى بغير ذلك من خصائص الإسلام، هل يصير مسلماً؟ الصحيح أنه يصير مسلماً بكل ما هو من خصائص الإسلام]","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689844,"book_id":1659,"shamela_page_id":970,"part":null,"page_num":970,"sequence_num":970,"body":"قال عمر ﵁: \"لو أنني بعثت جيشاً فحاصروا حصناً من العجم، فخرج منهم رجل من الحصن المحاصر، فرفع يديه إلى السماء وأشار بإصبعه، فقتلهم المسلمون -لقتلتهم، أو وديتهم \" -أي: إما أقتلهم أو أدفع دياتهم- لأنه أشار بالتوحيد، وهي قرينة تدل على الإسلام. فهذا هو القول الصحيح.\rفلو رأينا إنساناً يصلي فهو مسلم، لأنه فعل خصيصة من خصائص الإسلام. هذا بالنسبة للفرد، وبالنسبة للدار نعرف أنها دار إسلام أو دار كفر بما ثبت عنه ﷺ (أنه كان يبعث الجيش أو السرية في الليل، فيبيتون قريباً من العدو، فإن سمعوا الأذان وإلا أغاروا) فالبلد الذي يؤذن فيه هو بلد إسلام، ثم بعد ذلك نتعرف عن بقية الأحكام، فقد تكون جالية مسلمة فقط، والكفار هم الأكثرية، فهناك علامات مبدئية، ثم بعد ذلك يأتي البحث والاستقصاء، ويأتي الإلزام بالشريعة والتمسك بها. فإثبات الإسلام للإنسان يثبت على القول الصحيح بأي شيء من خصائص الإسلام، وعادات المسلمين وأحياناً قد تكون قرائن، ولكنها ضعيفة. فمثلاً: لو دخلت بيت إنسان، وإذا هو معلق صورة الكعبة على بيته، أو فيها سجادة وبجوارها مصحف، وأنت لم تجد فيها إنساناً، فإنك تستشعر حتى ولو كنت في بلد كفر أن هذه الغرفة يسكنها إنسان مسلم، فلو جاء وقال: السلام عليكم. تأكدت أن هذا مسلم، ولا يعني هذا أنك تشهد له أنه من أهل الجنة، أو أنه كامل الإيمان. فهذا مجرد إثبات مبدئي للأحكام ولا يعني الشهادة له بالجنة، أو بكمال الإيمان.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689845,"book_id":1659,"shamela_page_id":971,"part":null,"page_num":971,"sequence_num":971,"body":"وفي بعض الأحاديث زيادة، كما يقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (فإذا صلوا صلاتنا، واستقبلوا قبلتنا، وأكلوا ذبيحتنا، قال: فهم المسلمون، أو فهو المسلم له مالنا وعليه ما علينا) فأكل ذبيحة المسلمين معناه: أنه دخل في دين الإسلام، لأننا لا نأكل ذبائح المشركين، ولنفترض أن المشركين لا يأكلون ذبائحنا، فهو المسلم، له مالنا وعليه ما علينا من حقوق ومعاملات دنيوية، أما ما بينه وبين الله ﷿ فهذا حسابه إلى الله، ونحن إنما نعامل الناس بالأحكام الظاهرة، ولذلك من قال: لا إله إلا الله ولو كان في المعركة كان له حكم الإسلام، كما في حديث أسامة ﴿بعثنا رسول الله ﷺ إلى الحرقة فصبحنا القوم فهزمناهم ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلا منهم فلما غشيناه قال لا إله إلا الله فكف الأنصاري عنه فطعنته برمحي حتى قتلته فلما قدمنا بلغ النبي ﷺ فقال يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله قلت كان متعوذا فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم﴾ .\rلذا لما اقتتل الصحابة ووقعت الفتنة بينهم، اعتزل أسامة جميع الفرق، ولم يقاتل، مع حبه لعلي ﵁ حتى قال لـ علي: لو كنت في شدق الأسد لوددت أن أكون معك إلا في هذا الأمر. لأنه قد التزم أن لا يقاتل مسلماً أبداً بعدما قال له النبي ﷺ: (أشققت عن قلبه؟!) .\rذكر الحافظ ابن حجر ﵀ في شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري كلام أئمة الأشاعرة في قضية النظر، فذكر كلام أبى جعفر السمناني -وهو من أئمة الأشاعرة الكبار- أنه قال: (مسألة أول واجب هو النظر أو بداية النظر أو أجزاء النظر، هذه المسألة بقيت في مذهب الأشعري من المعتزلة) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689846,"book_id":1659,"shamela_page_id":972,"part":null,"page_num":972,"sequence_num":972,"body":"والإنسان قد يعود إلى الحق عودة إجمالية، لكن لا يعرف تفاصيل هذا الحق، كما حصل لأبي الحسن الأشعري، كما قد يعيش مفكراً كبيراً في الشيوعية، أوفي اليهودية، ثم يقرأ عن الإسلام، فيدخل فيه، فلا يعني دخوله في الإسلام أنه عرف جميع تفاصيل الإسلام، فعلماء الكلام من رجع منهم إلى عقيدة أهل السنة والجماعة إنما كان رجوعاً مجملاً، وقد لا يتاح له أن يعرف تفاصيلها.\rفمثلاً: أبو حامد الغزالي - وهو من هو في العلم والتبحر - مات وصحيح البخاري على صدره مع أنه أفنى عمره في كتابات كثيرة في التصوف وعلم الكلام، وفي آخر أمره اقتنع أن علم الكلام لا يصلح، وألف كتاب إلجام العوام عن علم الكلام.\rفإنه قبل موته بدأ في طريق الحق، ولا يقتضي ذلك أنه عرف الحق كله، فكذلك أبو الحسن الأشعري رجع إلى مذهب أهل السنة والجماعة في الجملة، فكلامه في أول ما يجب على الإنسان وهو النظر من بقايا الاعتزال.\rذكر ابن حجر في الفتح في شرح كتاب التوحيد فقال: \"< فإن قال: عبث ولعب.\rفيقال له: أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُون \"، ومعنى هذا: أنه دخل في دين الله هزواً وكذباً، وهذا هو الزنديق المرتد الملحد. فنقتله على قول من يرى أن الزنديق لا توبة له، وعلى القول الآخر يستتاب، فإن تاب وإلا قتل.\rفلا نسمح لأي إنسان أن يعبث بديننا، فيصلي عبثاً أو يؤذن تقليداً للمؤذنين واستهزاء بديننا، بينما الكافر الأصلي نرضى أن يذهب إلى الكنيسة ولا نتدخل في دينه على الشروط المعروفة المعلومة في حكم أهل الذمة، لكن لو قال: لا إله إلا الله، أو دخل المسجد وصلى، أو عمل عملاً من الشعائر الإسلامية، فلا بد له أن يلتزم بالإسلام وهو دين الله ﷾ ولا يقبل منه الرجوع عن هذا الدين أبداً، فإن قال: أنا عابث أو مستهزئ، عاقبناه على هذا العبث والاستهزاء.\rقَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689847,"book_id":1659,"shamela_page_id":973,"part":null,"page_num":973,"sequence_num":973,"body":"[فالتوحيد أول الأمر وآخره، أعني توحيد الإلهية، فإن التوحيد يتضمن ثلاثة أنواع:\rأحدها: الكلام في الصفات.\r\rوالثاني: توحيد الربوبية وبيان أن الله وحده خالق كل شيء.\r\rوالثالث: توحيد الإلهية وهو استحقاقه ﷾ أن يعبد وحده لا شريك له.\rأما الأول فإن نفاة الصفات أدخلوا نفي الصفات في مسمى التوحيد كالجهم بن صفوان ومن وافقه، فإنهم قالوا: إثبات الصفات يستلزم تعدد الواجب، وهذا القول معلوم الفساد بالضرورة، فإن إثبات ذات مجردة عن جميع الصفات لا يتصور لها وجود في الخارج، وإنما الذهن قد يفرض المحال ويتخيله وهذا غاية التعطيل وهذا القول قد أفضى بقوم إِلَى القول بالحلول أو الاتحاد، وهو أقبح من كفر النَّصارَى، فإن النَّصارَى خصوه بالمسيح، وهَؤُلاءِ عموا جميع المخلوقات.\rومن فروع هذا التوحيد: أن فرعون وقومه كاملو الإيمان عارفون بالله عَلَى الحقيقة.\rومن فروعه أن عباد الأصنام عَلَى الحق والصواب وأنهم إنما عبدوا الله لا غيره. ومن فروعه: أنه لا فرق في التحريم والتحليل بين الأم والأخت والأجنبية، ولا فرق بين الماء والخمر، والزنى والنكاح، الكل من عين واحدة، لا بل هو العين الواحدة. ومن فروعه أن الأَنْبِيَاء ضيقوا عَلَى النَّاس تَعَالَى الله عما يقولون علواً كبير] .\rالشرح:\rابتدأ المُصنِّفُ ﵀ يشرح أنواع التوحيد الثلاثة، وهنا شبهة يثيرها بعض المبتدعة وهي: أن تقسيم التوحيد إِلَى ثلاثة أقسام بدعة. فلم نقرأ في القُرْآن ولا في السنة توحيد الأسماء والصفات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689848,"book_id":1659,"shamela_page_id":974,"part":null,"page_num":974,"sequence_num":974,"body":"وهذه الشبهة دالة عَلَى جهلهم ومكابرتهم، وإلا فإنهم لا يتحرجون من البدع حتى يقولون: إن هذا التقسيم بدعي، ولكن نقول لهم مع ذلك: إن أقسام التوحيد الثلاثة نقرأها في كل ركعة من صلاتنا، فإذا قرأنا: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فهذا توحيد الربوبية، وإذا قرأنا الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فهذا توحيد الأسماء والصفات، ثُمَّ إذا قرأنا بعد ذلك إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ فهذا توحيد الألوهية أو توحيد العبادة.\rفمن أهمية هذه الأقسام الثلاثة أننا نرددها في كل فريضة، وهي في القرآن، وكذلك آخر سورة في القرآن، فإذا قرأنا قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ فهذا توحيد الربوبية. مَلِكِ النَّاسِ فهذا يشمل توحيد الربوبية. إِلَهِ النَّاسِ فهذا يشمل توحيد الألوهية، وتشمل الآيات توحيد الأسماء والصفات، لأنه سمى نفسه رباً وملكاً وإلهاً. فالقرآن من أوله إِلَى آخره توحيد، وصلاتنا في كل ركعة نذكر فيها التوحيد بأنواعه الثلاثة، وعلماء الإسلام فهموا هذا الفهم، ولذلك من ألف منهم في التوحيد كابن مندة -وهو من العلماء المتقدمين- ذكر هذه الأنواع الثلاثة في القرن الرابع، فليس هذا التقسيم من اختراع شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَمِيَّةَ ولا غيره.\rفأنواع التوحيد ثلاثة جاءت في الكتاب والسنة، كما في الحديث عن عَائِِِشَةَ ﵂ أن النبي ﷺ بعث رجلا عَلَى سرية وكان يقرأ لأصحابه في صلاته فيختم ب قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي ﷺ فَقَالَ سلوه لأي شيء يصنع ذلك فسألوه فَقَالَ لأنها صفة الرحمن وأنا أحب أن أقرأ بها فَقَالَ النبي ﷺ أخبروه أن الله يحبه) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689849,"book_id":1659,"shamela_page_id":975,"part":null,"page_num":975,"sequence_num":975,"body":"إذاً توحيد الأسماء والصفات معروف لدى السلف الصالح، والأدلة عَلَى ذلك كثيرة، وسورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن؛ لأنها صفة الرحمن، ومعنى هذا أن توحيد الأسماء والصفات هو ثلث التوحيد، والثلث الثاني هو توحيد الربوبية، والثلث الأخير هو توحيد الألوهية.\rفالأدلة من الكتاب ومن السنة ومن فعل السلف دالة عَلَى أنواع التوحيد الثلاثة، ولا ينكر ذلك إلا مكابر، ولو أنهم حققوا التوحيد لما اختلفنا في الأسماء، لكن التوحيد عندهم نظري، وهو: نفي الكميه المتصلة، ونفي الكميه المنفصلة، هذا هو التوحيد عندهم، فلذلك قالوا: هذه الأقسام الثلاثة بدعة.\r\rيقول المُصنِّفُ أما بيان التوحيد الأول، فإن نفاة الصفات أدخلوا نفي الصفات في مسمى التوحيد، فالتوحيد عند الجهمية: أن لا يثبت لله صفة قط، والتوحيد عند المعتزلة: أن ننفي جميع الصفات مع إثبات الأسماء، عليم بلا علم، قدير بلا قدرة، مريد بلا إرادة، عزيز بلا عزة، هكذا يقول المعتزلة من عند أنفسهم افتراء عَلَى الله ﷿.\rوالله ﵎ قد جعل القول عليه بغير علم في درجة بعد درجة الشرك في الزجر، فقَالَ: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثُمَّ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً [الأعراف:٣٣] ثُمَّ قَالَ: وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [الأعراف:٣٣] فهذا أعظم من الشرك. فالمشرك يعبد غير الله ﷿، لكن من يقول عَلَى الله بغير علم أعظم من مجرد هذا المشرك؛ لأنه يقنن، وينظّر لهذا الشرك، ويفتري عَلَى الله ﷿.\rفنفاة الصفات جعلوا التوحيد هو: نفي الصفات، فقالت الجهمية: إثبات الصفات يستلزم تعدد الواجب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689850,"book_id":1659,"shamela_page_id":976,"part":null,"page_num":976,"sequence_num":976,"body":"فالواجب عندهم هو: واجب الوجود، فالفلاسفة يسمون الله تَعَالَى واجب الوجود، ويقولون: الموجودات تنقسم إِلَى ثلاثة أقسام: واجب، وممكن، ومستحيل، من حيث الوجود. فواجب الوجود هو: ما يوجد بذاته مستغنى عن غيره وغيره مفتقر إِلَى وجوده، أي الله ﷿. والممكن: وجود المخلوقات، والمستحيل: وجود واجبين، كما هو مستحيل وجود إلهين -مثلاً-.\rفواجب الوجود عندهم -كما يقولون- هو الله ﷿، فلا يثبتون له إلا أنه واجب الوجود، وأنه موجود في عالم المثال -أي: في الذهن- فلا يثبتون أي صفة وجودية -كما قلنا- حتى لا يتعدد ويصبح في عالم الواقع، حيث ننفي الكمية المتصلة والكمية المنفصلة، فنقول: بإثبات ذات مجردة عن جميع الصفات.\rوهذا في الحقيقة لا يتصور له وجود في خارج الذهن، بحيث نثبت ذات ليس لها أي صفة. فكل شيء له وجود لابد أن يكون له صفات، فنقول مثلاً: هو طويل، عريض، ضخم، أحمر أو أبيض، فلابد له من وصف مادام موجوداً في الخارج. فواجب الوجود الذي يتكلم عنه الفلاسفة غير موجود أبداً، إلا في أذهان الفلاسفة فقط.\rنفي الصفات أفضى إلى الحلول والاتحاد\rثُمَّ ذكر المُصْنِّف قضية خطيرة وهي: أن هذا القول قد أفضى بقوم إِلَى القول بالحلول والاتحاد، وهذه أخطر من مجرد نفي الصفات.\rفنفي الصفات كفر بالله ﷿ يخرج من الملة؛ لأنه تكذيب لكتاب الله، ولكن أكفر منه مذهب الحلول والاتحاد الذين يقولون: لا يوجد متعيناً في الخارج.\rوهذا مصطلح من المصطلحات اليونانية، فاستوعبت اللغة العربية هذه المصطلحات لأنها لغة واسعة، ومعنى هذا المصطلح: أنه إذا وجد أي شيء متعين خارج الذهن فلابد له من صفات، والله عندهم لا صفة له مطلقاً، -إذاً- لا يكون موجوداً متعيناً في الأعيان، وإنما يبقى في الأذهان فقط.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689851,"book_id":1659,"shamela_page_id":977,"part":null,"page_num":977,"sequence_num":977,"body":"فجاء بعض علماء الصوفية وبنوا عَلَى هذا الكلام شيئاً آخر، فَقَالُوا: مادام أنه لا وجود له في الأعيان، فليس في حقيقة الأمر إله غير هذه الأعيان، وهي ذات الله سبحانه -تعالى الله عما يقولون علواً كبيرا- فهكذا ركبوا قضية وحدة الوجود أو الحلول، فهذا العالَم هو الرب والإله، وهو الخالق والمخلوق معاً، ولذا قال المصنف: [وهذا أقبح من كفر النَّصَارَى] ، لأن النَّصَارَى خصوه بالمسيح، فَقَالُوا: المسيح هو الله أو الإله حل في المسيح، وأما هَؤُلاءِ فَقَالُوا: حل في كل شيء، فالوجود الخارجي هذا هو نفس الإله.\rثُمَّ ذكر المُصْنِّف ما يلزم قول هَؤُلاءِ فقَالَ:\r[من فروع هذا التوحيد أن فرعون وقومه كاملوا الإيمان عارفون بالله عَلَى الحقيقة] أي: أن كل من أنكر الله ﷿ فهو مؤمن بالله. وقولفرعون: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [النازعات:٢٤] صدق. فهذا هو لازم قولهم، بل صرح بعض الصوفية بأنفرعون كَانَ صادقاً عندما قال: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [النازعات:٢٤] ، لأنه ليس في الوجود إلا هو، فهو تكلم عن ذات الحقيقة، وهو من الوجود لم يكذب، ولذلك ألفوا كتاباً في إثبات إيمان فرعون. وقال بعضهم: إنفرعون أصلاً لم يكفر ولم يشرك، وكل من عبد الأصنام، أو عبد الكواكب، أو عبد الأحجار، فإنه لم يعبد غير الله، وإنما اختلفت المسميات، أو اختلفت الأنظار، ومراد الكل واحد.\rولهم في ذلك أشعار -نسأل الله العافية- كما في شعرابن الفارض، وابن عربي، بل في كتاب الفتوحات المكية لابن عربي من أمثال هذا الكلام الشيء الكثير.\rقال شاعرهم عبد الكريم الجيلي:\rوما الكلب والخنزير إلا إلهنا وما الله إلا راهب في كنيسة\rنعوذ بالله من هذا القول الساقط الذي يستحي الإِنسَان أن يقول مثل هذا الكلام: أن الكلب والخنزير هو إلههم، وأن الله عندهم راهب في كنيسة.\rوكما يقول: ابن عربي:\r\rأدينُ بدينِ الحبِ أنَّى توجهت ركائبُهُ فالحبُ ديني وإيماني","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689852,"book_id":1659,"shamela_page_id":978,"part":null,"page_num":978,"sequence_num":978,"body":"فأصبح قلبي حاوياً كل ملةٍ وكعبةُ أوثانٍ وديرٌ لرهبانِ\rيعني أن جميع الأديان عنده سواء، فاليهود والمجوس والنَّصَارَى والْمُسْلِمُونَ كلهم يعبدون شيئاً واحداً، وكذا من يعبد الكلب والخنزير، ومن يعبد الشجر والحجر والكواكب، ليس هناك أي فرق لأن الموجود واحد، كما قال ابن عربي:\rالعبد رب والرب عبد ياليت شعري من المكلف\rإن قلت عبد فذاك رب أو قلت رب أنى يكلف\rأي ليس هناك تكليف نهائياً؛ لأنه إن كلفنا العبد فذاك رب، وإن كلفنا الرب فإنما يكلف العبد ولا يكلف الرب، فهذا هو دين القوم الذي يسمونه: توحيد خاصة الخاصة، ومن فروعه أنه لا فرق في التحريم والتحليل بين الأم والأخت والأجنبية لأن الكل واحد، بل هم اعترفوا ببعضه. فبعضهم لما أراد أن يزني بامرأة فامتنعت قال لها: الله أنا، وكلامهم موجود في مصادره. فسُبْحانَ اللَّه كيف ينتسب لهذا الدين من يقول هذا القول؟!\r\rوأيضاً قالوا: الماء والخمر مشروب كله. ومن فروعه: أن الأَنْبِيَاء ضيقوا عَلَى النَّاس -تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً- لأنهم جعلوا لنا عبادات وعقيدة معينة، فجعلوا طريق الله واحداً وغيره باطل، بينما كل الطرق تؤدي إليه، وكل العبادات صواب -كما يقولون والعياذ بالله- إذاً الأَنْبِيَاء ضيقوا وحجروا واسعاً!!\r\rوابن سبعين -وهو من أئمة الصوفية الحلولية - ترجم له الذهبي وغيره، ومما ذكروا: أنه كَانَ يتعبد في مكة، وأقام بغار حراء فترة طويلة ينتظر الوحي.\rوكان يقف بالطواف والنَّاس يطوفون ويقول: هَؤُلاءِ كالحمير التي تدور في الطاحون، فقالوا له: لم تتعبد عند الكعبة مادمت تقول هذا الكلام، فقَالَ: انتظر الوحي.\rفقالوا: لا وحي بعد مُحَمَّد ﷺ وقد انقطع الوحي.\rفقَالَ: لقد ضيق ابن آمنة واسعاً.\rفهذا دين القوم. نسأل الله السلامة والعافية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689853,"book_id":1659,"shamela_page_id":979,"part":null,"page_num":979,"sequence_num":979,"body":"وهم في الحقيقة زنادقة تستروا بالانتساب إِلَى الدين ليهدموه، وهذه النظريات ودعاوى الصوفية كلها تعود إِلَى الوثنية اليونانية.\r\rفالفلاسفة الرواقيون كانوا من أكثر النَّاس عبادة وزهداً، وكانوا يقولون: إذا أردت الحكمة أن تنقدح في قلبك وتنطق بها، فلا تأكل في اليوم إلا لوزة أو حبة.\rوفيهم الفلاسفة المشاؤون، وهم الذين يلقى أحدهم الدرس التمهيدي وهو ويمشي ويقول: التفكير مع المشي أعمق، ولذا سموهم المشائين.\rوأما الرواقيون فكانوا يجلسون بين الأروقة فسموهم رواقيين.\rوكذلك أصحاب وحدة الوجود والحلول والاتحاد قالوا: إذا تعبدنا وزهدنا كثيراً في الدنيا، وضيقنا عَلَى أنفسنا فاضت علينا الحكمة والعلم اللدني، وينزل في قلوبنا العلم الباطن، حدثني قلبي عن ربي. لذا يقولون: أنتم تأخذون دينكم من ميت عن ميت. فتقولون: حدثنا عبد الرزاق -وقد مات- عن معمر -وقد مات- عن أيوب -وقد مات- وأما نَحْنُ فنأخذ علمنا عن الحي الذي لا يموت، -تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً-.\r\rقالت الجهمية: إن إثبات صفة أو أكثر مع الذات التي هي واجبة الوجود -كما يسمونها- يستلزم تعدد القدماء، أو تعدد الواجب، فهو العلة الأولى، وعنه وجدت الموجودات الممكنة -أي المخلوقات- فلو أثبتنا له الصفات للزم من ذلك تعدد الذات، فلا نثبت إلا وجوداً مطلقاً.\rوقالوا بنظرية المثل الأفلاطونية: أن عالم المثال موجود وهو عالم حقيقي.\rويرد عليهم: أن هذه الصفات هي لذات واحدة لم تتعدد.\rوكلام الجهمية هو امتداد لكلام الفلاسفة اليونانيين في إثبات الموجودات الكلية المطلقة التي لا أعيان لها في الخارج.\rفيقولون: إن الإِنسَان موجود في الدنيا فهو عين للوجود الكلي المطلق للإنسان.\r\rفنقول لهم: إن وجود إنسان كلي لا تعيين له إنما يتخيل في الذهن، وأما في الواقع فلا يوجد إلا فلان وفلان معين بذاته.\rالفرق بين الحلول والاتحاد\rلماذا كَانَ نفي الصفات طريقاً إِلَى الحلول والاتحاد؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689854,"book_id":1659,"shamela_page_id":980,"part":null,"page_num":980,"sequence_num":980,"body":"أولاً: نذكر الفرق بين الحلول والاتحاد: وهو أن الحلول: أن تحل الذات الإلهية -كما يقولون- في ذات أخرى، كما تقول النَّصَارَىفي المسيح، حيث يقولون: إن الألوهية حلت في المسيح. فعندما كَانَ يحي الموتى كانت الألوهية هي التي تحي الموتى -تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً-.\rوالاتحاد: أن تقترن ذات بذات حتى تصبح شيئاً واحداً، فالذين قالوا: إن الله في كل مكان يقولون: هو حال بذاته في هذه الأمكنة وهو قول الحلولية، أو يقولون: اتحد بهذه الأمكنة فأصبح شيئاً واحداً وهو قول الاتحادية.\rفالمتكلمون الجهلة بصفات الله ﷿ قالوا بالحلول في حق الله وأنه تَعَالَى في كل مكان.\rأما أُولَئِكَ الذين قالوا بالاتحاد فهم أصلاً أصحاب نظرية الفناء الهندية الصوفية الذين قالوا: إن الله يُعبد ثُمَّ يُعبد ثُمَّ يُتَقْربُ إليه، وتصفى الروح تماماً بالزهد والعبادة والمشي في الفلوات وسكنى المغارات وغير ذلك، حتى تتحد بالذات الإلهية الواحدة وتصبح شيئاً واحداً.\rودين الصوفية أعظم شراً من النَّصَارَى، لأن النَّصَارَى قالوا: إنه تَعَالَى حل بالمسيح. وهَؤُلاءِ قالوا: إنه حل أو اتحد بكل شيء، فكل شيء هو عينه وهو ذاته، وفي ذلك يقولابن عربي:\rالعبد رب والرب عبد يا ليت شعري من المكلف\rإن قلت عبد فذاك رب أو قلت رب أنى يكلف\rوكما قال في أبيات أخرى:\rفيحمدني وأحمده ويعبدني وأعبده\rوكما قال في أبيات أخرى:\rأدين بدين الحب أنى توجهت ركائبه فالحب ديني وإيماني\rيعني: محبة الله أو العشق الإلهي المطلق، وهي محبة الزنادقة كما قال علماء السلف: (\r\rمن عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبد الله بالخوف وحده فهو حروري خارجي، ومن عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبد الله بالحب والخوف والرجاء فهو المؤمن الحنيفي) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689855,"book_id":1659,"shamela_page_id":981,"part":null,"page_num":981,"sequence_num":981,"body":"فهم يقولون بالحب المطلق، ولذلك يستحلون جميع المحرمات حيث يقولون: إنك إذا أحببت شخصاً وأحبك هو كذلك، لم تغضب إذا أخذ من مالك شيئاً أو أخطأ عليك لوجود المحبة بينك وبينه، ونحن بيننا وبين الله المحبة المطلقة والفناء في ذاته، فلا نبالي بأي معصية نعملها، لأن المحب من عادته التجاوز عن المحبين، ثُمَّ يستدلون بأشعار العرب مثل من يقول:\rوقف الهوى بي حيث أنت فليس لي متأخر عنه ولا متقدم\rإلى أن يقول:\rأجد الملامة في هواك لذيذة حباً لذكرك فليلمن اللوم\rومثل من يقول:\rيا حبيباً من أجله أحببت العمر وأوقفت كل عمري عليه\rفهم ينقلون هذه المعاني ويجعلونها في حق الله ﷿، ويقولون: إنه مادام الحبيب لا يؤاخذ حبيبه في أي شيء فليس هناك أي حرج.\rوقد رد الله عَلَى اليهود والنَّصَارَى حين ادعوا أنهم أبناء الله وأحباؤه فقَالَ: وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ [المائدة:١٨] وقال تعالى: لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ [النساء:١٢٣] بل الأَنْبِيَاء كذلك، فآدم عندما عصى جازاه الله عَلَى معصيته، والخطيئة التي أخطأها داود ﵇ بكى عليها وندم، بل هدد الله الأَنْبِيَاء تهديداً فقَالَ: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الزمر:٦٥] .\rعلاقة الحلول والاتحاد بنفي الصفات","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689856,"book_id":1659,"shamela_page_id":982,"part":null,"page_num":982,"sequence_num":982,"body":"الذين نفوا الصفات خرجوا قبل الحلولية والاتحادية، لأن الجهم بن صفوان قتل سنة ١٢٨هـ، وأما من قالوا بالحلول والاتحاد فقد أقيمت لهم أول محاكمة علنية حوالي عام ٢٨٠هـ أو بعدها، وذلك بعد أن أشيع في بغداد أنهم زنادقة، فجمع منهم الجنيد،وذا النون المصري وعدد كبير من عبادهم يزيد عن ٨٠ رجلاً، وسجنوا وحقق معهم، ولكنهم قالوا: نَحْنُ نظهر الإسلام ونقيم الشعائر الخمس وليس عندنا أي زندقة، وأخذت التوبة عليهم، وكان الذي تولى شكواهم وإثارة الدعوة ضدهم هو غلام خليل أحد تلاميذ تلامذة الإمامأَحْمدُ بن حَنْبَل -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- وهذه القضية تعرف بقضية غلام خليل.\rوقد بنوا مذهبهم عَلَى مذهب نفي الصفات كالتالي:\r\rقال أهل الحلول والاتحاد: مادام أن الصفات منفية وأن لله وجوداً مطلقاً لا صفة له، فهذا الوجود هو عين ذات الله.\rفمن تأثر بعلماء الكلام إِلَى حد التجهم ونفى جميع الصفات، من الممكن أن يصبح عند الصوفية اتحادياً وحلولياً، لأنه لم يكن يثبت شيئاً إلا وجوداً مطلقاً، فأتى عند الصوفية فَقَالُوا: هذا الوجود المطلق الذي لا صفة له هو هذه الأعيان الموجودة.\r\rلأنه عندما قال أفلاطون: إن هناك عالم الموجودات وعالم المثل لم يره أحد ولم يسمع به أحد إلا أفلاطون، وعالم أعيان مشاهد الوجود، فالحقيقي هو هذه الأعيان. فلو كَانَ موجوداً هذا الرب الذي يقوله أفلاطون، فهو هذا الوجود الحقيقي الذي نراه بالعين، ومن هنا قالوا: إن كل العباد والعقائد والأديان هي تهدف إِلَى شيء واحد وإلى حقيقة واحدة، هي حقيقة الوجود وحقيقة الموجودات؛ لكن بعضهم عدَّد في الإشارة وبعضهم وحَّد.\r\rفهم يقولون كما يقول شاعرهم: ما في الوجود حقيقة إلا هو، والصوفية يزيدون عَلَى ذلك بعبارات روحانية فيقولون: إن الإِنسَان إذا نظر بعين البصيرة والتأمل رأى أن هذا كله سراب، فالبشر والحجارة لاوجود لها أصلاً، إنما الوجود الحقيقي هو الله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689857,"book_id":1659,"shamela_page_id":983,"part":null,"page_num":983,"sequence_num":983,"body":"فمن هنا اجتمعت النظريتان، الكلامية والصوفية وأدتا إِلَى مدلول واحد، وهو إما: الحلول وإما: الاتحاد وهما متقاربان. فلذلك يذكر المُصْنِّف هنا ما يلزم عليهم، فقَالَ: إن كفرهم أقبح من كفر النَّصَارَى فالنَّصَارَى قالوا: إن الله حل في المسيح، وكفرهم الله تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَم [المائدة:٧٢] فهذا كفر، فكيف بمن قَالَ: إن الله هو هذه الحجارة وهذه الأشجار، فهذا أقبح وأشد كفراً.\rومن فروع هذا الكلام أو التوحيد عندهم: أن فرعون وقومه كاملوا الإيمان، عارفون بالله عَلَى الحقيقة، ولذلك صرح ابن عربي بأنفرعونعندما قَالَ: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [النازعات:٢٤] لم يكن مخطئاً، ولم يقل إلا الحق، لأنه ليس في الوجود إلا هو، فهو تكلم عن ذات الحقيقة الكلية وعن ذات الوجود.\rولذا قال الحلاج وأبو يزيد وغيرهم: \"سبحاني سبحاني ما أعظم شأني\" و\"ما في الجبة إلا الله\"!!.\rوقالفرعون: \"أنا ربكم الأعلى\"، فكان كافراً فما الفرق بين العبارتين؟!\r\rلا شك أن العبارتين واحدة ومدلولهما واحد، ولكنهم عكسوا القياس فَقَالُوا: الحلاج وأبو يزيد مسلمان مؤمنان مع قولهم: \"سبحاني، سبحاني\" وقولهم \"ما في الجبة إلا الله\" ففرعون هو كذلك مؤمن ومسلم وموحد فر من الشرك إِلَى التوحيد.\rولذلك يقول هَؤُلاءِ -ومنهم ابن سينا -: القُرْآن شرك كله، وإنما التوحيد عندنا، لأن الإثنينية شرك.\rفإن قلت: خالق ومخلوق، وعابد ومعبود، فهذا شرك لأنك عددت.\rوأما التوحيد فهو: اعتقاد أن كل الوجود واحد، وما في الوجود إلا هو.\rقال الحلاج:\rحتى لقد عاينه خلقه كنظرة الحاجب للحاجب\rولما قيل للحلاج إن هذا الكلام كفر قَالَ:\rكفرت بدين الله والكفر واجبٌ عليَّ وعند الْمُسْلِمِينَ قبيح\rيعني: نظرتكم نظرة كفر ولا يهمني هذا الذي تقولونه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689858,"book_id":1659,"shamela_page_id":984,"part":null,"page_num":984,"sequence_num":984,"body":"بل يقولون: إن موسى ﵇ كَانَ يدعو إِلَى الشرك، لأنه كَانَ يدعو إِلَى اثنين، وأما فرعونفهو الموحد، لأنه يدعو إِلَى شيء واحد، فهو ينطق بعين الحقيقة. ومن فروعه: أن عباد الأصنام عَلَى الحق والصواب لأنهم إنما عبدوا الله لا غير، لأن الوجود كله واحد -وجود مطلق- ولا موجود حقيقي إلا هو كما يقولون، فهذه الموجودات هي ذاته!!\r\rثُمَّ يقول المُصْنِّف ﵀: [مما نلزمهم به التحليل والتحريم بين الأم والأخت والأجنبية] لأن الذي يثبت ذوات مختلفة فهو شخص معدد، والتوحيد عندهم أن الكل ذات واحدة، فما الفرق بين الأجنبية وغيرها؟! ولذلك وجد في سيرهم وكتبهم أنهم كانوا يتعاشرون بالإباحية فيقولون: هذا حلال في حقهم، وإنما التحريم في حق العوام لأنهم عَلَى الشرك، فتوحيد العوام أن يقولوا: \"لا إله إلا الله\"، وأن الله فوق السماوات، لأنهم لا يفهمون. وأما هم فقد عرفوا حقيقة التوحيد، وأن الأشياء كلها واحدة، وسقطت عنهم الحواجز، فلم يعد هذا حلال وهذا حرام.\rوقد عقد ابن الجوزي في تلبيس إبليس فصلاً طويلاً عن الصوفية فيما يتعلق بالعشق الذي يجعلونه فيما بينهم -والعياذ بالله- فذكر كلاماً يندى له الجبين، ولا يكاد يصدقه أحد أو يفعله أحد من فساق الْمُسْلِمِينَ مجاهرة، فضلاً أن تكون هي أخلاق أولياء الله الذين هم القدوة وأوتاد الأرض، ولولاهم لنزل البلاء من السماء ولمحقت البركات، ومن عجائبهم: أن النوري -لما صاح غراب عَلَى المنارة- قَالَ: لبيك لبيك. قالوا: لماذا؟ قَالَ: الحق ناداني. فهل الحق في الغراب والعياذ بالله؟!\r\rوهذه كلها مرجعها إِلَى شيء واحد وهو: قضية الفناء الصوفي التي بنيت عَلَى قضية كلامية.\rثُمَّ قَالَ المُصْنِّفُ ﵀: [ومن فروعه أن الأَنْبِيَاء ضيقوا عَلَى النَّاس] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689859,"book_id":1659,"shamela_page_id":985,"part":null,"page_num":985,"sequence_num":985,"body":"لأن الأَنْبِيَاء في نظرهم عينوا لهم معبوداً واحداً، بينما المعبودات في نظرهم كثيرة جداً، وعينوا لهم أنواع محدودة من العبادات.\rفهذا دين الله الذي جَاءَ به الأَنْبِيَاء جميعاً عقيدة وعبادة وشريعة محددة، وأما هَؤُلاءِ فوسعوا عَلَى النَّاس وَقَالُوا: الآلهة والمعبودات والعبادات متعددة كله لله ومن الله، بل قالوا: إن الفاعل الحقيقي هو الله، وهنا تلتقي النظرية الجبرية مع النظرية الصوفية.\rبل قالوا أشد من ذلك: أنه لا فاعل في الحقيقة إلا الله -هذا حقيقة التوحيد عندهم- والبشر وجودهم عارض لا قيمة له، فلو أن إنساناً أعطى فلاناً مبلغاً من المال فالمعطي الحقيقي هو الله، ولاشك أن الله هو الرازق، ولكن يجب أن ينتبه إِلَى أن هَؤُلاءِ يأتون بمثل هذه الأمثلة ثُمَّ يدخلون عليها أمثلة أخرى فيقولون: فإذا زنى الزاني ولا فاعل حقيقي إلا لله؟ ! -والعياذ بالله- فيجب أن يعلم أن هناك فرقاً بين الخالق للأسباب والفاعل للأسباب فكون الله هو خالق الأسباب هذا شيء، وكونه هو فاعل الأسباب جميعاً هذا شيء آخر، فالله خلقني وجعلني سبباً أن أعطي فلاناً هذا المبلغ من المال، ولا نقول: إن الله أعطى ذلك دون سبب مني. والجبرية والجهمية شيء واحد يقولون: إن البشر كالريشة في مهب الريح، فكل ما يفعله الإِنسَان مقهور عليه، والله هو الذي قدره عليه. وهذه المقولة مع شناعتها وكفرها أقرب من كلام أُولَئِكَ إِلَى العقل.\r\rقَالَ المُصنِّفُ ﵀:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689860,"book_id":1659,"shamela_page_id":986,"part":null,"page_num":986,"sequence_num":986,"body":"[وأما الثاني: وهو توحيد الربوبية، كالإقرار بأنه خالق كل شيء، وأنه ليس للعالم صانعان متكافئان في الصفات والأفعال، وهذا التوحيد حق لا ريب فيه، وهو الغاية عند كثير من أهل النظر والكلام وطائفة من الصوفية، وهذا التوحيد لم يذهب إِلَى نقيضه طائفة معروفة من بني آدم، بل القلوب مفطورة عَلَى إلا قرار به أعظم من كونها مفطورة عَلَى الإقرار بغيره من الموجودات، كما قالت الرسل ﵈، فيما حكى الله عنهم: قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض [إبراهيم:١٠] .\r\rوأشهر من عرف تجاهله وتظاهره بإنكار الصانع فرعون، وقد كَانَ مستيقناً به في الباطن، كما قال له موسى ﵇: لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ [الإسراء:١٠٢] وقال تَعَالَى عنه وعن قومه: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً [النمل: ١٤] ولهذا لما قَالَ: وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ عَلَى وجه الإنكار له تجاهل العارف، قال له موسى: رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ * قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ * قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ * قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ * قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ [الشعراء:٢٤-٢٨] .\rوقد زعم طائفة أن فرعون سأل موسى مستفهماً عن الماهية، وأن المسؤول عنه لما لم تكن له ماهية، عجز مُوسَى عن الجواب، وهذا غلط.، وإنما هذا استفهام إنكار وجحد كما دلت سائر آيات القُرْآن عَلَى أن فرعون كَانَ جاحداً لله نافياً له، لم يكن مثبتاً له طالباً للعلم بماهيته، فلهذا بيّن لهم موسى أنه معروف، وأن آياته ودلائل ربوبيته أظهر وأشهر من أن يسأل عنه بما هو؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689861,"book_id":1659,"shamela_page_id":987,"part":null,"page_num":987,"sequence_num":987,"body":"بل هو سبحانه أعرف وأظهر وأبين من أن يجهل، بل معرفته مستقرة في الفطر أعظم من معرفة كل معروف.\rولم يعرف عن أحد من الطوائف أنه قَالَ: إن العالم له صانعان متماثلان في الصفات والأفعال، فإن الثنوية من المجوس، والمانوية القائلين بالأصلين: النور والظلمة، وأن العالم صدر عنهما: متفقون عَلَى أن النور خير من الظلمة. وهو الإله المحمود، وأن الظلمة شريرة مذمومة، وهم متنازعون في الظلمة، هل هي قديمة أو محدثة؟\rفلم يثبتوا ربين متماثلين.\rوأما النَّصارَى القائلون بالتثليث، فإنهم لم يثبتوا للعالم ثلاثة أرباب ينفصل بعضهم عن بعض، بل هم متفقون عَلَى أن صانع العالم واحد، ويقولون: باسم الأب والابن وروح القدس إله واحد، وقولهم في التثليث متناقض في نفسه، وقولهم في الحلول أفسد منه، ولهذا كانوا مضطربين في فهمه، وفي التعبير عنه، لا يكاد واحد منهم يعبر عنه بمعنى معقول، ولا يكاد اثنان يتفقان عَلَى معنى واحد، فإنهم يقولون: هو واحد بالذات، ثلاثة بالأقنوم! والأقانيم يفسرونها تارة بالخواص، وتارة بالصفات، وتارة بالأشخاص. وقد فطر الله العباد عَلَى فساد هذه الأقوال بعد التصور التام، وفي الجملة فهم لا يقولون بإثبات خالقين متماثلين.\rوالمقصود هنا: أنه ليس في الطوائف من يثبت للعالم صانعين متماثلين، مع أن كثيراً من أهل الكلام والنظر والفلسفة تعبوا في إثبات هذا المطلوب وتقريره، ومنهم من اعترف بالعجز عن تقرير هذا بالعقل وزعم أنه يتلقى من السمع] اهـ.\rالشرح:\rهذا الكلام كله في قضية واحدة معلومة لدى الجميع وهي: أن الله ﷾ خالق كل شيء وحده لا شريك له.\rإثبات وجود الله قضية فطرية","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689862,"book_id":1659,"shamela_page_id":988,"part":null,"page_num":988,"sequence_num":988,"body":"وهذه القضية بديهية فطرية، وهي توحيد الربوبية الذي أتى به الأنبياء، ولمعرفة حقيقة الفلسفة اليونانية فأفلاطون وأرسطو وغيرهم من أئمة الضلال في العالم لم يكونوا ممن ينكر وجود الله، بل هم وضعوا نظريات لإثبات وجود الله، ولكن لما كانوا ضالين وكاذبين ومفترين وتخيلوه عَلَى غير حقيقته، فهم كفار لأنهم لم يتبعوا شرائع الأنبياء، فلم ينفعهم إثبات وجود الله، لأنهم غير موحدين عَلَى دين الأنبياء.\rوالمتكلمون الذين ورثوا هذه الفلسفات من المعلم الأول أرسطو، قالوا: أعظم آية هي الإتيان بحجج تقرر بأن الله موجود، فأتوا بدليل التمانع وأتعبوا أنفسهم في تقرير ذلك، وسيمر بنا -إن شاء الله-.\rووجوده سبحانه في النفوس أعظم يقيناً من بديهيات الرياضيات مثل \"١+١=٢\" ومن كلام علماء الكلام؛ العلم الضروري أنه لابد أن تعلم أن الكل أكبر من الجزء، ويقولون: هذا علم ضروري، ولو أتيت بشخص من البادية فلعله لا يفهم مثل هذا الكلام، ولكنه يفهم أن الله موجود، ولذلك يقول علماء الاجتماع: عندما بدأت حركة الكشوفات في القرن السابع عشر والثامن عشر، وذهبوا إِلَى مناطق في أفريقيا والهند وأمريكا حيث لم يسبقهم أحد إليها وجدوا مجتمعات بدون حضارة أو دولة أو فن، ولكن لم يجدوا قط مجتمعاً بلا دين أبداً، ووجدوا أن كل هَؤُلاءِ النَّاس يؤمنون بأن هناك طوفان أتى وعم الأرض كلها وأطلقوا عليها اسم الضلالة المشتركة، وهي الحقيقة المشتركة: أن نوحاً هو أبو البشر الثاني بعد آدم وهَؤُلاءِ من ذريته، وأصبحوا يتناقلونها بينهم، فهي حقيقة مشتركة، وكذلك وجود الله هي حقيقة مشتركة، فالأدلة الفطرية عَلَى وجود الله أعظم وأشهر من أن يتكلم فيها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689863,"book_id":1659,"shamela_page_id":989,"part":null,"page_num":989,"sequence_num":989,"body":"وأما الصوفية فالغاية عندهم إثبات أن الله خالق كل شيء، فالموحد الحقيقي لا يثبت لأحد الأفعال، بل هو سبحانه الفاعل الحقيقي ولذلك لما دخل التتار إِلَى بغداد أخذ القطب الأكبر يقود الفرس لجنكيز خان ويقول: هذا هو الله، فعلينا أن نرضى بفعل الله، وهذا يقولونه عن اعتقاد أن هذا هو غاية التوحيد، وهو شهود الحقيقة الكونية بحيث لا ترى في الكون إلا هو، وأن كل ما يقع في الكون فهو منه تَعَالَى وهو الذي يفعله بذاته، وأما غيره فلا يثبت له أي شيء من ذلك.\rوشهود الحقيقة الكونية هو عين توحيد الربوبية فيسقط اللوم ويعذر الخليقة؛ لذا لو وجدت شخصاً منهمكاً في المعصية فلا تلمه، لأن الله هو الذي يفعل هذه الأشياء وله حكم في ذلك.\rفالصوفية وعلماء الكلام جعلوا توحيد الربوبية هو غاية التوحيد، بينما هو أمر فطري يستلزم التوحيد الذي جَاءَ به الأَنْبِيَاء وهو توحيد الألوهية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689864,"book_id":1659,"shamela_page_id":990,"part":null,"page_num":990,"sequence_num":990,"body":"ولذلك عندما يقول المتكلمون: إن الله واحد في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله، غير متعدد ولا متبعض، فهم يقصدون بواحد في صفاته أنه ليس له صفة، وواحد في أفعاله أن كل ما في الكون هو فعله وحده لا يشاركه أحد، ففرعون أنكر وجود الله، ولكنه لم يقله عن اعتقاد ويقين في نفسه لأن الله تَعَالَى يقول: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّا [النمل:١٤] وقال له موسى: قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وإني لأظنك يا فرعون مثبوراً [الإسراء:١٠٢] فالخذلان الذي كتب عليه هو الذي جعله يقول ذلك، وإلا فهو يعلم أن ما أنزل هذه الآيات إلا الله، وهو وإن جحد الله باللسان فهو مستيقن بربوبيته بالقلب، فالنفس قد تستيقن بالشيء ولكن تأبى الإقرار به مكابرة، وهذا لا غرابة فيه، لأن من هم أعظم من فرعون في الدلائل أنكروا من هو أعظم أدلة من موسى وهم اليهود، فلديهم من الدلائل عَلَى نبوة مُحَمَّد ﷺ أعظم من أدلة فرعون عَلَى نبوة موسى ﵇، ومع ذلك كفروا.\rوفي صحيح مسلم قال ﷺ للحبر: (أينفعك شيء إن حدثتك؟ فَقَالَ الحبر: (أسمع بأذني) .\r\rوالحبران اللذان جاءا وقبلا قدميه لما سألاه عن الآيات التسع، فقال لهما النبي ﷺ: ﴿لماذا لا تؤمنان بي؟ فقالا: إن الله قد أخذ علينا العهد أن لا يزال في ذرية داود نبي﴾ .\rفالمشكلة عندهم أنه ﷺ من ذرية إسماعيل ولم يكن من ذرية إسحاق وداود.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689865,"book_id":1659,"shamela_page_id":991,"part":null,"page_num":991,"sequence_num":991,"body":"وكذلك كفار قريش لما جحدوا نبوة النبي ﷺ كانوا يعلمون صدقه، كما في الحديث: ﴿لما نزلت وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشعراء:٢١٤] صعد النبي ﷺ على الصفا فجعل ينادي يا بني فهر يا بني عدي لبطون قريش حتى اجتمعوا فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو فجاء أبو لهب وقريش فقال أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي، قالوا: نعم ما جربنا عليك إلا صدقا، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لهب: تباً لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا﴾ .\r\rوكذلك ﴿لما نزلت أول سورة فصلت وقرأها عليهم النبي ﷺ إِلَى قوله تعالى: َإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ [فصلت:١٣] فقَالَ عتبة: (يا مُحَمَّد ناشدتك الله والرحم) فخاف مع ادعائه أنه كذب وسحر وأساطير الأولين، قال تعالى: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام:٣٣] .\rفتكذيب فرعون من هذا القبيل؛ لأن قضية وجود الله فطرية.\rوكذلك الثنوية الذين يقولون: إن للعالم صانعين هما: النور والظلمة، لم يدّعوا أنهما متماثلان، ولذا قالوا: إن الإله الحق هو النور، ويحبونه ويجعلون له صفات الله، وأما الظلمة: فإنهم يجعلون له صفات الشيطان، وقال بعضهم: إن النور قديم واجب الوجود وهو الخالق، وأما الظلمة فهي محدثة مخلوقة، فالمجوس إذاً لا يثبتون حقيقة إلا رباً واحداً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689866,"book_id":1659,"shamela_page_id":992,"part":null,"page_num":992,"sequence_num":992,"body":"وكذلك النَّصَارَى الذين يقولون: بثلاثة آلهة كلهم خالق ورازق، وهم أكثر أمم أهل الأرض عدداً وأكثرها حضارة، في الحقيقة لم يثبتوا إلا رباً واحداً، لا ينفصل بعضه عن بعض، وقد نظر أحد ملوك الهند اللادينيين في أديان العالم، فلما بلغه دين النَّصَارَى، قَالَ: هذه الأمة سبة في جبين بني الإِنسَان؛ لأنهم يقولون عن عيسى: \"إنه رب، وله أم ولدته، ونشأ عَلَى الأرض، وأن أعداءه اليهود قتلوه وصلبوه، فلذا نتخذ هذا الصليب شعاراً نرفعه عَلَى صدورنا ونضعه عَلَى الكنائس\".\rفهَؤُلاءِ ليس عندهم عقول، وإذا سئلوا: لماذا قتل الرب؟\rقالوا: ليفدي الرب بني آدم من الخطيئة، لأن ابتداءنا كَانَ من الخطيئة، حيث أخطأ وأذنب آدم، ففدى الله الخليقة بابنه الوحيد.\rسُبْحانَ اللَّه! أليس يقدر الله أن يغفر لهم ولا يعذب ابنه عَلَى زعمهم؟!\rبل الذي أغرى آدم بالخطيئة هو الشيطان، فلماذا لا يكون الفداء بالشيطان أو بابنه؟!\rهذه كلها تناقضات ودين لا يقبله العقل، وكيف يصلب اليهودالإله؟!\rولماذا يتخذ الصليب إله؟!\rالمفروض أن النصراني إذا رأى الصليب بكى وحزن وغضب.\rويقول بعض العلماء: إن شر الفرق وأجهلها وأقلها عقلاً هم الرافضة، ومع ذلك إذا ذكروا بمقتل الحسين بكوا وضربوا أنفسهم، فهم إذاً أعقل من النَّصَارَى.\rقَالَ المُصْنِّفُ ﵀: [مع ذلك هم لا يقولون إن الإله لا ينفصل بعضه عن بعض، بل يقولون باسم الابن والأب وروح القدس -والمعروف في الأناجيل باسم الأب والابن وروح القدس- إله واحد] .\rكيف ثلاثة هم واحد؟!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689867,"book_id":1659,"shamela_page_id":993,"part":null,"page_num":993,"sequence_num":993,"body":"قال المصنف: [ولهذا كانوا مضطربين في فهمه، وفي التعبير عنه، حتى لا يكاد واحداً منهم يعبر عن ذلك بمعنى معقول، ولا يكاد يتفق اثنان منهم عَلَى معنى واحد] . ولذا ذكر مؤلف كتاب إظهار الحق أن أحد علماء النَّصَارَىذهب إِلَى الهند أو أفريقيا للتبشير، فجاء رجل كبير من الكنيسة الأم يزور المدارس التابعة لهم التي تبذل عليها الأموال والتضحيات، فَقَالَ العالم النصراني: هَؤُلاءِ الشباب كلهم أدخلتهم في نور المسيحية. فسأل الرجل ثلاثة طلاب: ماذا تعلمتم؟\rفَقَالَ أحدهم: علمني القسيس أن الآلهة ثلاثة، واحد منهم نزل وبقي اثنان.\r\rفَقَالَ له: أنت لا تعرف شيئاً وضربه.\r\rثُمَّ قال الثاني: علمني القسيس أن الآلهة ثلاثة: الأب والابن وروح القدس، فأما روح القدس فهو الطائر الذي مثل الحمام لا نراه، وإنما أتى وسيلة وانتهى عمله، وأما الثاني فقد قتل عَلَى الصليب، فقتل منهما اثنان وبقي واحد.\rفقَالَ: ما أحسنت العلم.\r\rثُمَّ قال الثالث: علمني أن الآلهة ثلاثة، وأن الثلاثة واحد، وأن واحداً منهم قتل عَلَى الصليب، فلما قتل الواحد -والثلاثة واحد- قتل الثلاثة، فلا إله الآن. قَالَ: هذا شر الثلاثة.\rالأقنوم: لم يقدر النَّصَارَىأن يشرحوها، فَقَالَ بعضهم: هو الذات. يعني ثلاثة ذوات، وبعضهم قَالَ: هو بمعني العنصر، وقال بعضهم: هو بمعني الصفة، أي ثلاث صفات لإله واحد، وقال بعضهم: الأشخاص يعني الأعيان ولذلك النَّصَارَىيقولون: واحد وهو ثلاثة. فكيف هذا الواحد نزل ثلثه وقتل عَلَى الصليب، والثلث الثاني فوق العرش، والثلث الثالث مرة قالوا: مريم، ومرة قالوا: روح القدس جبريل وهو الحمام.\rفالأناجيل مختلفة والقساوسة مختلفون، فكل واحد يفهم فهماً مخالفاً للآخر، كما قَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: [إنهم مضطربون لا يكاد يتفق اثنان من النَّصَارَىعلى معنى] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689868,"book_id":1659,"shamela_page_id":994,"part":null,"page_num":994,"sequence_num":994,"body":"ولذا نرى الإلحاد في أوروبا؛ لأنهم يقولون: إن كَانَ الله عَلَى هذه الهيئة، فدين الشيوعية أفضل من دين هَؤُلاءِ. وقد طبع رسمياً في أوروبا سبعون إنجيلاً تسمى الكتاب المقدس، كل واحد يكذب الآخر في اسم المسيح ونسبه! وهم متفقون أنه ليس له أب، ويقولون إنه عيسى بن يوسف النجار.\rفالنَّصَارَىمضطربون، ومع ذلك فإن الإله عندهم هو إله واحد -كما يدعون ويزعمون- فهم لا يعارضون هذه الحقيقة القطعية.\rقَالَ المُصْنِّفُ ﵀ سابقاً: [وهذا التوحيد لم يذهب إِلَى نقيضه طائفة معروفة من بنى آدم] .\rتوحيد الربوبية لم يذهب إلى نقيضه أحد\rوالشيوعية لم تكن معروفة من قبل لذا يقول ابن أبي العز: لم يذهب طائفة معروفة إِلَى نقيضه، فهل الحقيقة غير الكلام؟\rفالشيوعيون حقيقة سموه بغير اسمه، لأنهم إذا سئلوا: من خلق الكون؟ قالوا: الطبيعة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689869,"book_id":1659,"shamela_page_id":995,"part":null,"page_num":995,"sequence_num":995,"body":"وهي كلمة معروفة باللغات القديمة وباللغة العربية، ومعناها واحد هو: الطبيعة والمدلول كذلك واحد -أي: فعيلة بمعني مفعولة أو بمعني فاعل- مثل أن تقول: فلانة كريمة بمعنى كارمة، أو امرأة قتيلة بمعنى مقتولة، فالطبيعة إما فاعلة أو مفعولة، فإن كانت فعيلة بمعنى مفعولة فلا شيء فيها، ومعناها: أنها مخلوقة، فلا بد لها من خالق وهو الله ﷾ فإن كانت فعيلة بمعنى فاعلة ومعناها أنها خالقة، قلنا: أنتم سميتم الله تَعَالَى بغير اسمه، ولا يقولون الخالق هو الله، لأنهم لا يعرفون إلا الله التابع للكنيسة التي لا يتفقون معها، فاختاروا اسماً بعيداً فسموه الطبيعة، ولذا وجد في أوروبا في القرن التاسع عشر ما يسمى بالدين الطبيعي، والفلاسفة الطبيعيين، وعلم الاجتماع الطبيعي، وهذه النظريات تقول: إن الطبيعية هي الجمال الذي في الكون، وفي الأدب الرومنسي يقولون: \"عبادة الطبيعة\" لأن الطبيعة هي المناظر التي تعجبنا، والدين الطبيعي كما يقول روسو: \"دين حر ليس كمثل أديان الكنيسة\"، فإن رجال الدين يأتون بما يخالف العقول، فيفرضون الإتاوات والعشور والرهبنة عَلَى الناس، بخلاف الدين الطبيعي؛ فإنك تعشق وتحب وتتزوج وتقول الشعر وترسم كما تشاء، والكنيسة تقول: لا ترسم إلا صورة العذراء وصورة المسيح، وفي الحقيقة لا يوجد شيء اسمه دين طبيعي، ولكنهم أتوا بهذا الاسم حتى يخرجوا من سيطرة البابوات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689870,"book_id":1659,"shamela_page_id":996,"part":null,"page_num":996,"sequence_num":996,"body":"وجاء اليهودي كارل ماركس وإنجلز بنظريات اجتماعية للاشتراكية، وهي ليست من بنات أفكارهم، وإنما ذكرها أفلاطون في كتاب الجمهورية فقَالَ: \"أحسن شيء أن يعيش النَّاس بلا أحقاد، فيكون الزواج مشاعاً، والأموال مشاعة، والسياسيون والجنود لا يملكون أي شيء\" وذكرها شخص يسمى سان سيمون -وهو فرنسي وهذا الكلام كذلك جَاءَ به المنتسبون إِلَى الإسلام من الفلاسفة، كما في آراء أهل المدينة الفاضلة للفارابي، وكذلك اليوتوبايه جَاءَ به رجل يسمى توماس مور ومعناها: المدينة الفاضلة -قال سان الفرنسي -وهو قبل ماركس -: \"يجب أن نقضي عَلَى الملكية الخاصة ونجعل الملكية مشاعة للجميع رحمة بالضعفاء والعمال\" فجاء كارل ماركس وأخذ الإلحاد من الفلاسفة الطبيعيين، وأخذ مبدأ العدالة الإشتراكية من سان، وقَالَ: \"هذه نظرية علمية لأن سان سيمون وتوماس مور وأفلاطون كلهم مثاليون خياليون غير حقيقيين، وأما نظريتي فهي علمية، لأنها مبنية عَلَى حتميات التطور، لأن نظرية ماركس: \"أن الإِنسَان تطور\"، وحقيقة أوروبا كانت تعيش في تطور من عصر الإقطاع إِلَى عصر الحضارة، فهذه النظرية تتفق مع العلم ومع التطور، فاشتراكيتي وشيوعيتي فقط هي العلمية، وأما اشتراكية من قبلي، فهي مثالية، لأنها مبنية عَلَى خيال وأخلاق، وأما أنا فلا أنظر إِلَى الأخلاق ولكن أنظر إِلَى العلم، والتاريخ يتطور حتماً من مرحلة إِلَى مرحلة، والشيوعية مرحلة حتمية في تاريخ الإِنسَان. فهذه خلاصة إنكار الله عند الشيوعيون، فهي نظرية يهودي حاقد عَلَى البشرية وعلى كل الأديان سماها بالطبيعة، وتبعه من الغرب من تبعه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689871,"book_id":1659,"shamela_page_id":997,"part":null,"page_num":997,"sequence_num":997,"body":"وهناك مفكر غربي ملحد اسمه أدنكتوت قَالَ: إن قلنا: \"الله\" عدنا إِلَى مشاكل الكنيسة، ومن قَالَ: \"الطبيعة\" فهذا إنسان جاهل أحمق ومغفل، ثُمَّ وجد أن علماء عصره يسمونها \"الصدفة\"، فإذا سئلوا: كيف نشأ الكون؟ قالوا: صدفة. فلم يجد بداً أن يسمي نظريته: \"ضد المصادفة\"، فالذي أنشأ الإِنسَان هو ضد المصادفة ولا يقدر أن يقول: الله، لأن الله هو ذلك التابع للكنيسة. فكلام شارح الطحاوية حق، وهو أنه لا يوجد أحد ينكر وجود الله عَلَى الحقيقة، لكن الشيوعيون والملاحدة يسمونه بغير اسمه، فهذا مجمع عليه بين بني الإِنسَان حتى الأطفال يسألون في كل شيء من أتى بهذا؟\rلأن الفطرة في ذهن البشر أنه لابد وراء كل موجود من فاعل، ولذلك الذي جَاءَ به الأَنْبِيَاء هو أن يعبد هذا الخالق وحده لا شريك له، كما جَاءَ في الحديث القدسي: إنني والجن والإنس لفي أمر عظيم أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر سواي) والله تَعَالَى يفضح كل معاند وكل جبار وكل كذاب، فمسيلمة مثلاً يتفل في عين الرجل حتى تبرأ فتعمى عينه فضيحة من الله، حيث أراد أن يتشبه بمُحَمَّد ﷺ عندما تفل في عين علي فبرأت، ولم يوجد أحد ادعى أنه خلق أبداً، وما ادعاه الكذابون فقد فضحهم الله، لئلا يغتر بهم أحد.\rويدل عَلَى ذلك الدلائل الفطرية، والآيات الكونية، والبراهين العقلية، ولذلك قال المصنف: [ومنهم من اعترف بالعجز عن تقرير هذا بالعقل، وزعم أنه يتلقى من السمع] .\rإثبات وجود الله موجود في الفطرة قبل أن يعقل الإِنسَان وهو \"الميثاق الفطري\". وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا [الأعراف:١٧٢] فإذا تحركت العقول بالنظر فإنها لا تخرج إلا بهذه النتيجة، وهو أنه موجود.\rفواعجباً كيف يعصى الإله أم كيف يجحده الجاحد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689872,"book_id":1659,"shamela_page_id":998,"part":null,"page_num":998,"sequence_num":998,"body":"وفي كل شيء له آية تدل عَلَى أنه واحد\rوأما قول المُصْنِّف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى الذي سبق ومنه هذا الكلام:\r\r[وقد زعم طائفة أن فرعون سأل موسى مستفهماً عن الماهية، وأن المسؤول عنه لما لم تكن له ماهية، عجز موسى عن الجواب، وهذا غلط.، وإنما هذا استفهام إنكار وجحد كما دل سائر آيات القُرْآن عَلَى أنفرعون كَانَ جاحداً لله نافياً له، لم يكن مثبتاً له طالباً للعلم بماهيته، فلهذا بين لهم موسى أنه معروف، وأن آياته ودلائل ربو بيته أظهر وأشهر من أن يسأل عنه بما هو؟ بل هو سبحانه أعرف وأظهر وأبين من أن يجهل، بل معرفته مستقرة في الفطر أعظم من معرفة كل معروف] .\r\rكلام حول الماهية\rاستطرد المُصْنِّف هنا فتكلم عن مسألة الماهية.\rيقول علماء المنطق: السؤال عن الماهية له أداتان \"ما\" وَ \"أي\".\rفـ\"ما\": تسأل به عن الشيء لتعرف ماهيته أو حقيقته.\rو\"أي\": تسأل به عن الشيء لتخصيصه عن غيره.\rولما قال فرعون: وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:٢٣] سأل موسى عن الماهية، لأن \"ما\" أداة الماهية، فعجز موسى عن شرح ماهية الله، فعدل عن الجواب وقَالَ: رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا [الشعراء:٢٤] وهذا الكلام خطأ متناقض.\rوذلك أنفرعون لم يكن يعرف علم المنطق ولا الماهية معروفاً عنده، وإنما أراد أن يجحد وينكر أن يكون هناك إله، فقَالَ: وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:٢٣] أي: ليس موجوداً هذا الإله، ولذلك لما ألزمته الحجة وقال له موسى: (رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ [الشعراء:٢٦] قَالَ: إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ [الشعراء:٢٧] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689873,"book_id":1659,"shamela_page_id":999,"part":null,"page_num":999,"sequence_num":999,"body":"فلم يكن له حجة، ولذا نسب كلام موسى للجنون، ولم يكن مقصوده الاستفهام عن ماهية الله، ولذلك لما جَاءَ وقت الشدة قَالَ: آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ [يونس:٩٠] فالشاهد أنفرعون كَانَ عالماً بوجود الله، ولكنه أنكر ذلك جحداً وقوله: وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:٢٣] هو إنكار وجحد، وأما الاصطلاح المنطقي عن الماهية، وأنها تطلق عَلَى الذات مجردة من الصفات -أي عن الحقيقة الكلية الوجودية- فهذا كلام لا داعي بأن نتعب أنفسنا فيه وهو باطل ومردود.\r\rيقول المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689874,"book_id":1659,"shamela_page_id":1000,"part":null,"page_num":1000,"sequence_num":1000,"body":"[والمشهور عند أهل النظر إثباته بدليل التمانع، وهو: أنه لو كَانَ للعالم صانعان فعند اختلافهما مثل أن يريد أحدهما تحريك جسم والآخر تسكينه، أو يريد أحدهما إحياءه والآخر إماتته- فإما أن يحصل مرادهما أو مراد أحدهما أو لا يحصل مراد واحد منهما، والأول ممتنع، لأنه يستلزم الجمع بين الضدين، والثالث ممتنع، لأنه يلزم خلو الجسم عن الحركة والسكون، وهو ممتنع، ويستلزم أيضاً عجز كل منهما، والعاجز لا يكون إلها، وإذا حصل مراد أحدهما دون الآخر، كَانَ هذا هو الإله القادر، والآخر عاجزاً لا يصلح للإلهية، وتمام الكلام عَلَى هذا الأصل معروف في موضعه، وكثير من أهل النظر يزعمون أن دليل التمانع هو معنى قوله تعالى: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء:٢٢] لاعتقادهم أن توحيد الربوبية الذي قرروه هو توحيد الإلهية الذي بينه القرآن، ودعت إليه الرسل ﵈ وليس الأمر كذلك،، بل التوحيد الذي دعت إليه الرسل، ونزلت به الكتب، هو توحيد الإلهية المتضمن توحيد الربوبية، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، فإن الْمُشْرِكِينَ من العرب كانوا يقرون بتوحيد الربوبية، وأن خالق السموات والأرض واحد، كما أخبر تَعَالَى عنهم بقوله: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ () [لقمان:٢٥] قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689875,"book_id":1659,"shamela_page_id":1001,"part":null,"page_num":1001,"sequence_num":1001,"body":"سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ [المؤمنون:٨٤، ٨٥] ومثل هذا كثير في القرآن، ولم يكونوا يعتقدون في الأصنام أنها مشاركة لله في خلق العالم، بل كَانَ حالهم فيها كحال أمثالهم من مشركي الأمم من الهند والترك والبربر وغيرهم، تارة يعتقدون أن هذه تماثيل قوم صالحين من الأَنْبِيَاء والصالحين، ويتخذونهم شفعاء، ويتوسلون بهم إِلَى الله، وهذا كَانَ أصل شرك العرب، قال تَعَالَى حكاية عن قوم نوح: وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً [نوح:٢٣] وقد ثبت في صحيح البُخَارِيّ، وكتب التفسير، وقصص الأَنْبِيَاء وغيرها، عن ابن عباس ﵄ وغيره من السلف، أن هذه أسماء قوم صالحين في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا عَلَى قبورهم، ثُمَّ صوروا تماثيلهم، ثُمَّ طال عليهم الأمد فعبدوهم، وأن هذه الأصنام بعينها صارت إِلَى قبائل العرب، ذكرها ابن عباس ﵄ قبيلة قبيلة] . اهـ\r\rالشرح:-\r\rذكر المُصنِّفُ أن وجود الله ﷾ والاقرار بتوحيد الربوبية في الجملة أمر مجمع عليه، مفطورة عليه الخلائق، وذكر عجز المتكلمين وأصحاب النظر والاجتهاد العقلي، أو البحث الكلامي، وأنهم كلما جاؤوا بدليل وضعوه عَلَى وجود الله ﷾ جَاءَ الفلاسفة فأبطلوا عليهم هذا الدليل، فتناقض القول بذلك؛ لأن المتكلمين يضعون أدلة من جنس قواعد الفلاسفة - والفلاسفة أعلم بقواعدهم- فإذا وضعوا دليلاً من كلامهم هدمه أُولَئِكَ من قواعدهم وكلامهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689876,"book_id":1659,"shamela_page_id":1002,"part":null,"page_num":1002,"sequence_num":1002,"body":"فلذلك اضطر بعضهم أن يقول: إن وجود الله وتوحيد الربوبية، أمر ثابت بالسمع وبالوحي فقط، بحيث لو لم يرد به الوحي فإن العقول تعجز عن إثباته؛ لأنه ما من دليل تضعه العقول إلا وتأتي عقول أخرى تنقض هذا الدليل، وهذا الذي بلغ بهم حتى أن أقروا بذلك، فَقَالُوا: إن القضية قضية خبرية ووحيٌ، وهذا من تفريطهم وجهلهم، وقد أوضحنا أن الله ﷾ لما نزل هذا القرآن أنزل فيه أدلة برهانية، فهو أمر تسمعه، وخبر من عند الله تعتقده، وليس بنظريات فلسفية وإنما هو تنزيل من العزيز الحكيم ﷾ ومع ذلك يشتمل على: البراهين القوية التي ليس في بابها أشد وأعظم إقناعاً منها، فذكر سبحانه تعالى الإيمان باليوم الآخر، وذكر صدق أنبيائه، بأقوى البراهين وأقوى الحجج، بل ويتحدى المشركين ويقول: قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [البقرة:١١١] ، [النمل:٦٤] .\r\rفمثلاً: قضية النبوة هي من أهم قضايا العقيدة، وقد ذكر لنا القُرْآن من الدلائل العظيمة عَلَى صدق الأَنْبِيَاء ما يذعن له كل أحد مهما قيل عن عقله، إلا أن يكون مكابراً معانداً، فإن العناد طبع وجبلة في أعداء الله المستكبرين، وما من نبي بعثه الله إلا وله أعداء.\rوَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً [الفرقان:٣١] وكل نبي ينقسم قومه إِلَى فريقين:\r١-الملأ الذين استكبروا وهم الطبقة العليا أصحاب المناصب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689877,"book_id":1659,"shamela_page_id":1003,"part":null,"page_num":1003,"sequence_num":1003,"body":"٢-والملأ الذين استضعفوا وهم الأتباع وحواشي الناس، وطبيعة الطبقة العليا -المستكبرين في الأرض- أنهم يحادون ويعاندون أي دعوة جديدة، وخاصة إذا كانت ناشئة من الطبقات الدنيا، الذين لا مال لهم ولاجاه عندهم، ولذلك قالوا: لَوْلا نُزِّلَ هَذَا القُرْآن آنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف:٣١] لأن النبي ﷺ ليس من أصحاب الثرآء، ولا من أصحاب الأموال، فيعترضون عَلَى الأَنْبِيَاء بهذه الاعتراضات.\r\rفالاعتراضات قديمة من عهد نوح ﵇، كل نبي يعترض عليه باعتراضات قديمة، والأنبياء يأتون بالحجج والبراهين والآيات البينات، التي لا يملك أي بشر إلا أن يؤمن بنبوتهم، ومن ثُمَّ يؤمن بأن الله ﷾ حق، فإن أعتى طواغيت العالم -وهوفرعون- يتحدث عنه القُرْآن أنه يأتيهم هذا النبي وحده منفرداً، قد نشأ وتربى في بيته وفي رعايته، ولم يكن يدري أن له أباً ولا أماً ولا أحداً، وإنما هو لقيط، التقطه من البحر وربّاه، ثُمَّ يأتي ويقتل النفس ويهرب، ويقدر الله سبحانه أن يأتي هذا الذي تطالبه العدالة، وتبحث عنه لتقتص منه، وإذا به يدعي النبوة.\r\rوجاء بدعوة جديدة غريبة، لا يطيق فرعون أن يسمعها ولا يأبه لها، فهل قال له موسى: القضية خبرية؟!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689878,"book_id":1659,"shamela_page_id":1004,"part":null,"page_num":1004,"sequence_num":1004,"body":"لا، إنما قَالَ: أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ * قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَادِقِينَ [الشعراء:٣٠،٣١] فأخرج يده فإذا هي بيضاء للناظرين، ووضع العصا فإذا هي حية تسعى، ثُمَّ تأتي المناظرة العظمي حيث أراد الله ﵎ أن يفضح فرعون عَلَى الملأ مثل ما ادعى الربوبية عَلَى الملأ فشاور قومه، فأشاروا عليه فَقَالُوا: أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ [الشعراء:٣٦] ، فالأمر بسيط جداً، ليس هناك أمة يجتمع لديها من السحرة أكثر من أمتنا، فليجمع السحرة جميعاً، وكانت حكمةً من الله، لأنه لو بقي أحد لقالوا: بقي سحرة، فجاء السحرة أجمعون، واحتاط فرعون بحيث لم يترك أحداً، وجاؤوا جميعاً ليتحدوا هذا الساحر بزعمهم: وَقَالُوا يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ [الزخرف:٤٩] فأمرهم موسى ﵇ بإلقاء عصيهم، فلما ألقوها، خاف موسى ﵇، ولم يتوقع أن الله يوحي إليه، ولا أن يوجهه إِلَى هذا الطاغوت العنيد الجبار، فَأَلْقَى مُوسَى عَصاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ [الأعراف:١١٧،١١٨] فأتى بآيات عظيمة لا يمكن لأحد أن يماري فيها، لا من السحرة ولا من الجمهور، ولا من الملأ المستكبرين في الأرض.\r\rفتأتي هذه الحية فتلقف جميع الحيات، ويأتي السحرة الذين أتى بهم فرعون. وقَالَ: إن لكم لأجراً، فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ [الشعراء:٤٦-٤٨] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689879,"book_id":1659,"shamela_page_id":1005,"part":null,"page_num":1005,"sequence_num":1005,"body":"فأي حجة أعظم من هذه الحجة، وأي فضيحة أخزى وأذل لأعداء الله من هذه الفضيحة، فكل نبي من الأَنْبِيَاء يأتي بآية ومعجزة وبرهان يدل عَلَى أن المسألة ليست مجرد وحي أو سماع فقط، وإنما الوحي نفسه يأتي بالأدلة والبراهين الجدلية، التي لا يقوى أي مجادل ولا مناظر أن يقف أمامها بإطلاق، وأقل الأَنْبِيَاء معجزة هو شعيب، وكل نبي من الأَنْبِيَاء يأتي بآية بينة -كما سَّماها الله سبحانه- ولو لم يأت بآيةٍ إلا أن يتحدى قومه بأن الله سبحانه سيعصمه وسيحميه من مكرهم ومن شرهم، فهذه معجزة عظمى، وآية بينة، لو تأملتها الأمم! كل ذلك بينات عَلَى صدق الأنبياء، ولم يقف أي مناظر ولا مجادل في وجه النبي ﷺ، فقد جادله اليهود، ولما جَاءَ وفد نجران إلى المدينة وأخذوا يجادلون النبي ﷺ، فأنزل الله ﵎ عليه صدر سورة \"آل عمران\" وقرأها عليهم وجادلهم بما فيها، وكذلك جادله المُشْرِكُونَ طويلاً وأكثروا الجدال، وكذلك أصحابه من بعده، ما وقف في وجههم أي مجادل ولا مناظر، بل كانت الحجة والبينة والبرهان الساطع بين أيديهم دائماً في كل موقف، ولهذا جعلهم الله ﷾ هم الأعلون: الأعلون في الحجة والبيان، والأعلون في السيف والسنان، فعجز المتكلمون عن إثبات دليل عَلَى ربوبيته هو عجز لهم، لأنهم رفضوا منهج القُرْآن -وهو اليقين- واتبعوا مناهج الفلاسفة واليونان المتقدمين، فأفحمهم أُولَئِكَ وعجزوا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689880,"book_id":1659,"shamela_page_id":1006,"part":null,"page_num":1006,"sequence_num":1006,"body":"ودليل التمانع: قال بعض المتكلمين عنه: عندنا دليل عَلَى وجود الله، ولا يستطيع أحد أن ينقضه. فلو افترضنا أن للعالم إلهين متماثلين، فلا بد أن لكل منهما إرادة مستقلة عن الآخر، فتأتي لجسم من الأجسام أحدهما: يريد تحريكه، والآخر: يريد تسكينه، فإما أن تتحقق الإرادتان وهذا ممتنع، لأنه لا يمكن أن يكون الجسم الواحد متحرك وساكن في لحظة واحدة! وإما أن لا تتحقق الإرادتان معاً وهذا باطل، لأن الجسم لا يخلوا عن الحركة أو السكون وأيضاً إذا بطلت الإرادتان معاً، فهما عاجزان كلاهما، فلا بد أن تتحقق إرادة واحد منهما، ولا تتحقق إرادة الآخر، فالذي تتحقق إرادته: هو الإله الواحد، والآخر ليس بإله، فَقَالُوا: هذا دليل عقلي عَلَى إثبات وحدانية الله، وهذا غاية ما عند المتكلمين، وهو يبين لنا هزال المتكلمين وجهلهم بالله ﷾ وَقَالُوا: هذا الدليل العقلي جَاءَ به القرآن، وهم في الحقيقة أخذوه من علماء اليونان الذين كانوا يثبتون وجود الله بهذه الطريقة التي أغنانا الله ﷾ عنها.\r\rقالوا: والدليل عَلَى ذلك قول الله: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء:٢٢] أي: لو كَانَ هناك أكثر من إله، لأراد هذا الإله أن يحرك السموات والأرض، والإله الآخر لا يريد أن تتحرك، فإما أن تتفق الإرادتان، وإما أن تتخلف الإرادتان، وإما أن تتحقق إرادة واحدة، والموجود في العالم اليوم هو إرادة إله واحد وهو الله ﷾.\rوقد رد عليهم المُصنِّفُ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: بأن التوحيد الذي قرره الله ﷾ في هذه الآية ليس هو توحيد الخلق توحيد الربوبية، وإنما المراد بالتوحيد هنا هو: توحيد الألوهية، وهو موضوع المعركة بين الأَنْبِيَاء والرسل وبين قومهم، فالذي جاءت به هذه الآيات أنه إذا عبد غير الله ﷾ حصل الفساد، لأن المعبود واحد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689881,"book_id":1659,"shamela_page_id":1007,"part":null,"page_num":1007,"sequence_num":1007,"body":"فالمعبود في السماء واحد، وهو الله ﵎ ولا فساد عَلَى الإطلاق في السماء، وإنما هنالك الملائكة الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، فننفي الفساد عنها، لأن المعبود في السماء واحد، والله ﵎ قَالَ: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَه [الزخرف:٨٤] يعني: وهو الذي في السماء معبود وفي الأرض معبود، فأما في السماء فظاهر، وصلاح السماء ظاهر، بأن الله ﷾ هو وحده المعبود فيها، كما قال ﷺ: (أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع شبر إلا وفيها ملك ساجد أو راكع أو قائم) ولهذا انتفى عنهم الفساد، ولهذا قالوا: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ [البقرة:٣٠] ، ولذلك قَالَ: أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء:٢١،٢٢] فالله ﷾ ذكر أنهم اتخذوا آلهة في الأرض، وأما السماء فلأن الملائكة المقربين لم يعبدوا غير الله، ولم يتخذوا إلهاً غيره؛ فالصلاح فيها ظاهر، والصلاح ظاهر في المكان الذي يعبد فيه الله وحده في الأرض، وأما المكان الذي يعبد فيه مع الله غيره؛ فإن فيه أكبر الفساد وأعظمه وهو الشرك.\rفعلم بذلك أن توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية متلازمان.\rوأما من حيث أن نظام الكون لم يختل، لأنه من صنع إله واحد سبحانه فهذا حق، لكنه ليس هو كل الحق، وإنما المراد ربط هذا الحق بالأهم وهو جانب الألوهية.\rفإذا عبد الله -سجانه وتعالى- وحده لا شريك له، صلح الحال كله، لأنه هو وحده الذي يدبر نظام الكون، وأما من صادم ربه ﵎ بعبادته غير الله فحينئذٍ يحصل الفساد في الأرض.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689882,"book_id":1659,"shamela_page_id":1008,"part":null,"page_num":1008,"sequence_num":1008,"body":"فالمؤمن يتآلف مع هذه المخلوقات جميعاً، لأنه يشعر أنها تعبد الله، والنجم والشجر يسجدان، كل شيء يسجد لله، وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُم [الإسراء:٤٤] ويقول النبي ﷺ عن أحد: (جبل يحبنا ونحبه) .\rفهناك علاقة ومحبة بيننا وبين مخلوقات الله ﷾ فنحن نشعر بأن هناك ما يربطنا به، وهو: عبوديتنا جميعاً لله ﷾ أما أعداء الله والمستكبرون فلا ينظرون إليها إلا نظرة العداوة، ولذلك اصطلحت أوروبا منذ عصر ما يسمى: \"عصر النهضة\" إِلَى اليوم عَلَى أن تسمي كل إنجاز أو اكتشاف علمي \"قهراً للطبيعة\" فإذا فتحوا طريقاً في الجبل، قالوا: قهرنا الطبيعة، وفتحنا هذا الطريق، فالمسألة مقاهرة ومغالبة ومعاندة، أما المؤمن فيثق أن الله تَعَالَى سخر له ذلك، فإن فعل شيئاً من هذا فإنه يقول: هذا من فضل الله ﷾، وهذا من تسخير الله ﷾ فهذا هو توحيد الألوهية المتضمن لتوحيد الربوبية، والتوحيدان متلازمان.\rتوحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689883,"book_id":1659,"shamela_page_id":1009,"part":null,"page_num":1009,"sequence_num":1009,"body":"والتوحيد الذي جاءت به الأَنْبِيَاء هو: توحيد الألوهية، فكل ما جَاءَ في القُرْآن أو في دعوات الأَنْبِيَاء من بيان توحيد الربوبية، فهو ليبني عليه الإلزام بتوحيد الألوهية، وهكذا كانت العرب -كما ذكر المصنف- في الجاهلية يقرون بأن الله وحده لا شريك له، هو الإله الذي خلق السموات والأرض، وهو الذي يدبر الأمر، ولكنهم اتخذوا من دونه آلهة أخرى لدعاوي عدة، إما أن هذه الآلهة تقربهم إِلَى الله تَعَالَى زلفى! فهو الإله الأكبر، وهذه الآلهة الصغرى واسطة بيننا وبين الإله الأكبر، كما كانوا يقولون في تلبيتهم: (لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك) ووقع الشرك في الأمم بسبب تعظيم غير الله ﷾، وإن كَانَ المقصود به عبادة الله، فأي بشر إن قدسته وعظمته بما يعظم به الله ﷾ فقد أشركت به مع الله، وإن كانت النية في الأصل سليمة.\rوالله ﷾ خلق الخلق عَلَى الحنيفية كما قال الله ﷾ في الحديث القدسى عن عياض بن حمار في صحيح مسلم: (وإني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين) فبقوا عَلَى الحنيفية عشرة قرون، كما ورد في تفسير ابن عباس عند قول الله ﵎: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِين فتقدير الآية: كان الناس أمة واحدة على التوحيد فاختلفوا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689884,"book_id":1659,"shamela_page_id":1010,"part":null,"page_num":1010,"sequence_num":1010,"body":"وقبل أن يختلفوا لم يُبعث نبي وإنما كانوا يعبدون الله، حتى ظهر قوم نوح وظهر الشرك فيهم، فقد كَانَ في قوم نوح أناسٌ صالحون متبتلون متعبدون لله ﷾ وذكر الله ﷾ وداً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسراً، وهم رجال صالحون- فلما مات هَؤُلاءِ القوم؛ جَاءَ الشيطان ولعب بعقول قومهم فقَالَ: هَؤُلاءِ النَّاس كانوا يعبدون الله ويذكرونكم بعبادة الله وهم أحياء، وهم اليوم أموات، فصوروا صورهم حتى تتذكروا عبادة الله، فتعبدون الله وتتقربون مثل ما كانوا يتقربون ... فصوروا هذه الصور، وجعلوهم تماثيل، وأخذوا يتذكرون هَؤُلاءِ بوجود هذه الصور، ثُمَّ تناسخ العلم ومرت أجيال نست أن هَؤُلاءِ ليسوا معبودين، وأنهم إنما صوروا للتذكير فقط، فكانوا يرون آباءهم يأتون إِلَى هذه الصور، ويدعون الله بعدما يتذكرون الله بهذه الصور، فأصبحوا يدعون هذه المعبودات من دون الله ﷾ ثُمَّ جَاءَ نوح ﵇ فوقع بينه وبين قومه ما وقع، وأغرقهم الله ﷾ جميعاً وأهلكهم ودمرهم، وما آمن معه إلا قليل، وعاد التوحيد مرة أخرى -وهو الأساس- في الأرض، وقضي عَلَى الشرك، وقطع دابر القوم الَّذِينَ كَفَرُوا، ولم يبق منهم ديار، كما دعا نوح ﵇، وعاد الأمر من جديد عَلَى التوحيد، ولكن الشيطان عاد من جديد، فأعاد الشرك وأعاد الأصنام، ولم يبعث النبي ﷺ إلا ووداً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسراً يعبدن بأعيانهن، وهي التي كانت أيام نوح، في أمد لا يعلمه إلا الله ﷾ ومع ذلك -ولأن الشيطان واحد- أعاد تلك الأصنام بأعيانها وبأسمائها، كما فسرها ابن عباس رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُما في صحيح البُخَارِيّ، فكل قبيلة من العرب عبدت إلهاً من هذه الآلهة، الذي هو في الأصل اسم رجل صالح من قوم نوح، وقد سبق أن تحدثنا: كيف","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689885,"book_id":1659,"shamela_page_id":1011,"part":null,"page_num":1011,"sequence_num":1011,"body":"وقع الشرك في بلاد العرب؟، وقلنا إنه كَانَ بسبب الانبهار الحضاري، وأن عمرو بن لحي الخزاعي هو الذي أسس الشرك في جزيرة العرب بعد التوحيد، وغيّر ملة إبراهيم وإسماعيل ﵉ وذهب إِلَى بلاد الشام، ورأى النَّاس يعبدون الأصنام هناك، فجاء إِلَى العرب بهذه التجارة الفاسدة، واستوردها وجعلها عند البيت الحرام الذي جعله الله ﷾ أول بيت وضع لكي لا يعبد إلا الله، فجاء عمرو بن لحي بالأصنام، ثُمَّ عبدت وبقيت قريش تتناقل ذلك، حتى بعث فيهم النبي الأمي دعوة إبراهيم ﵇ وهو مُحَمَّد ﷺ.\rفلم يكن الشرك واقعاً في الربوبية، كما في توحيد الألوهية، وكان سبب وقوع الشرك هو: تعظيم غير الله ﷿ وتقديسهم وخاصة الصور.\rولذلك ذكر المُصْنِّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- الأحاديث الواردة في ذلك، وفي طمس الصور، وتسوية القبور، لأنها ذرائع إِلَى عبادة غير الله ﵎.\r\rيقول المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:\r[وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي الهيّاج الأسدي قَالَ: قال لي على بن أبي طالب ﵁: ألا أبعثك عَلَى ما بعثني رَسُول الله ﷺ؟: (أمرني أن لا أدع قبراً مشرفاً إلا سويته، ولا تمثالاً إلا طمسته) .\r\rوفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال في مرض موته: ﴿لعن الله اليهود والنَّصارَى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا قالت عَائِِِشَةَ ﵂: ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجداً﴾ ، وفي الصحيحين أنه ذكر له في مرض موته كنيسة بأرض الحبشة، وذكر له من حسنها وتصاوير فيها، فقَالَ: (إن أُولَئِكَ إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا عَلَى قبره مسجداً وصوروا فيه تلك التصاوير، أولئك شرار الخلق عند الله يَوْمَ القِيَامَةِ) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689886,"book_id":1659,"shamela_page_id":1012,"part":null,"page_num":1012,"sequence_num":1012,"body":"وفي صحيح مسلم عنه ﷺ أنه قال قبل أن يموت بخمس: (إن من كَانَ قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك] اهـ.\rالشرح:\rهذه الأحاديث من أعظم ما يدل عَلَى حرص النبي ﷺ عَلَى حماية جناب التوحيد، وسده لكل ذريعة توصل إِلَى الشرك بالله ﷾، بأي صورة من الصور، فإن علياً ﵁ يقوللأبي الهياج: (ألا أبعثك عَلَى ما بعثني عليه النبي ﷺ، قَالَ: أمرني أن لا أدع قبراً مشرفاً إلا سويته ولا تمثالاً إلا طمسته) وهذه سنة لكل موحد من الموحدين من المؤمنين، أنه لا يدع قبراً مشرفاً إلا ويسويه، ولا يرى تمثالاً إلا ويطمسه، ومن سار عَلَى نهج النبي ﷺ يجب عليه إذا رأي قوماً يعظمون ذلك أو يفعلونه أن ينكر عليهم ويبين لهم، فإن كَانَ يستطيع أن يغيره باليد، كما فعل أبو الهياج وكما فعل عَلِيّ ﵁ فيجب عليه ذلك باليد، وإن لم يستطع وجب عليه أن يقيم الحجة عَلَى عباد القبور الذين يرفعون القبور، والذين ينصبون الصور والتماثيل ويعبدونها من دون الله ﷾ فإن من رحمة الله -سبحانه- أننا أمة لا تنحت التماثيل، ولا تعظمها، ولا تقدسها، وهذه القضية ذكرها كثير من علماء الغرب في الدول الغربية، وحتى في كثير من دول العالم الإسلامي، لا تمر بميدان إلا وتجد تمثالاً، وهناك حركات دينية في داخل أوروبا تسمى حركة طمس التماثيل أو تحطيم التماثيل، ويدعون أن هذا امتهان للإنسان الحي، وتأليه للإنسان الميت، فكأن قائلاً يقول: إنكم أيها الأحياء لا يوجد فيكم من يمكن أن يقدم لأمته، مثل ما قدم هذا الرجل، وهذا احتقار للبشر الأحياء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689887,"book_id":1659,"shamela_page_id":1013,"part":null,"page_num":1013,"sequence_num":1013,"body":"وقد قال النبي ﷺ: (لتتبعن سنن من كَانَ قبلكم، حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، وحتى لو أن أحدهم أتى امرأته عَلَى قارعة الطريق لفعلتموه!) فالواجب عَلَى المؤمنين الموحدين هو: إنكار هذه الأمور أشد الإنكار وتوعية الناس، وتعليم الجهال بأن لا يرفعوا القبور، وأن لا ينصبوا التماثيل، وهذا مما هو مجمع عليه -ولله الحمد-، ولم يخالف عليه أحد من العلماء بإطلاق، ولم يكن هذا الأمر في أي بلد من بلدان الْمُسْلِمِينَ -على ما كثر فيها من الجهل والضلال- إلا في هذا العصر، متأثرين بأوروبا النصرانية الملحدة التي تصور عيسى ﵇ وأمه في كل مكان كما سيأتي في الحديث الآخر الذي اتفق عليه الشيخان وهو قوله ﷺ: ﴿لعن الله اليهود والنَّصارَى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد﴾ ولما ذكر له الكنيسة التي بأرض الحبشة وما فيها من الصور، وهذا من ديدن الكنائس أنهم يجعلون صور المسيح ﵇ في الكنائس وفي كل مكان، ولهذا يعبدونه من دون الله، ولم يعبدوا المسيح فقط بل حتى القديسين الذين يقدسونهم عبدوهم، بل في العالم الغربي لا يزال إِلَى الآن في قلوبهم تعظيم القديسين، وما تزال أسماء مدنهم وشوارعهم بأسماء القديسين سان مون، أو باسم القديس يوحنا، أو القديس جورج، أو القديس فلان فلعنهم النبي ﷺ لأنهم كانوا إذا مات فيهم النبي أو العبد الصالح إما أن ينصبوا تمثالاً يعبدونه، وإما أن يتخذوا قبره مسجداً فيبنون عليه القبة، ويقولون: نَحْنُ لا نعبد صاحب القبر وإنما نعبد الله كما قال أسلافهم: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:٣] فإذا قيل لهم: إذا كنتم تعبدون الله، فلم لا تعبدونه إلا عند هذا القبر؟\rولم تشيدون هذا القبر؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689888,"book_id":1659,"shamela_page_id":1014,"part":null,"page_num":1014,"sequence_num":1014,"body":"قالوا: صاحب هذا القبر يقربنا إِلَى الله -بنفس الكلام الذي قاله أصحاب الجاهلية: (هَؤُلاءِ شفعاؤنا عند الله) - فهذا الميت الذي في القبر يشفع لنا عند الله، هذا ما يقولونه وهذا ما يزعمونه، ولكنه في الحقيقة: هو عين الشرك الذي جَاءَ النبي ﷺ والأنبياء بمحاربته.\rوأوحى الله إِلَى نبيه مُحَمَّد ﷺ وإلى من قبله: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الزمر:٦٥] وتهدد الله ﷾ أنه لا يدخل الجنة مشرك قط أبداً، فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النَّار وما للظالمين من أنصار.\r\rويجب أن تبين لهم هذه الحقيقة، ليتركوها وليرتدعوا عنها، ولا يصلى في المسجد الذي فيه قبر، فهذا محرم، ولكن ليس فاعله مشركاً لأنه:\rأولاً:- لا يجوز الصلاة في أماكن القبور.\rثانياً:- لأنه إذا كانت هذه الأماكن يعبد فيها غير الله، ثُمَّ جَاءَ الإِنسَان يعبد الله فيها، فكأنه يكثر سواد الْمُشْرِكِينَ، ولا يجوز لأحد أن ينحر بمكان ينحر فيه لغير الله، ولا أن يصلي بمكان يصلى فيه لغير الله، وإن لم يقصد الشرك لأن فيه تكثيراً لسوادهم وهو ذريعة بأن يأتي بعده أحد فيشرك، كما وقع الشرك في قوم نوح، ولهذا قطع عُمَر ﵁ الشجرة التي في الحديبية ولم يعلم أحد بمكانها.\rففي المرة الأولى: ستزار عَلَى أنها أثر مقدس، يتذكر الإِنسَان فيها الصحابة ﵃، وكيف بايعوا تحت هذه الشجرة.\rوالمرة الثانية: يزداد تعجباً ويتأمل في الأغصان وفي السيقان، وينسى موضوع البيعة.\rوالمرة الثالثة: يقول: إن كَانَ لي حاجة أقضيها دعوت الله عند هذه الشجرة فيستجيب الله لي، لأن هذا المكان عظيم اجتمع فيه الصحابة وبايعوا فيه الرَّسُول ﷺ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689889,"book_id":1659,"shamela_page_id":1015,"part":null,"page_num":1015,"sequence_num":1015,"body":"والرابعة: يتمسح بالشجرة ويقول كما كَانَ يقول المُشْرِكُونَ في نجد قبل دعوة الشيخ مُحَمَّد بن عبد الوهاب ﵀ إذا أتوا إِلَى الجذع الضخم من جذوع الشجرة -النخل الذكور- قالوا: (يا فحل الفحول أبغي ولد قبل الحول) يعني: تريد من الشجرة أن تعطيها ولداً قبل نهاية الحول، فكأن الذي يخلق الأولاد والذرية هو هذه الأشجار.\rوالصحابة -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُم- كانوا يحاربون أشد المحاربة كل ما يخرم كمال التوحيد، أو يخدش جناب التوحيد، ولو كَانَ من آثار النبي ﷺ فضلاً عن غيره، ولهذا قطعت تلك الشجرة، ويجب أن تقطع كل شجرة يظن فيها ذلك، ويجب أن يطمس ويسوى كل قبر يظن فيه ذلك، حتى نحمي جناب التوحيد ونحفظه.\rوأما قبره ﷺ فكما تعلمون جميعاً أن قبر النبي ﷺ ليس مسجداً، ولم يكن موجوداً في المسجد؛ كما يظن الجهال، وإنما يدفن الأَنْبِيَاء في المكان الذي قبضوا فيه، كما في الحديث الصحيح ﴿ما قبض الله نبياً إلا في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه﴾ ، فيدفن في المكان الذي قبض فيه، ودفن ﷺ في حجرة عَائِِِشَةَ، ودفن بجواره صاحباه الصديق رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ والفاروق رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689890,"book_id":1659,"shamela_page_id":1016,"part":null,"page_num":1016,"sequence_num":1016,"body":"وبعد التوسعة للمسجد من جميع الجهات في أيام الوليد بن عبد الملك أصبحت الحجرات وكأنها داخلة في بناء المسجد، ثُمَّ جَاءَ عصر المماليك فأدخلت أكثر، وهكذا مع الزمن أصبح القبر كأنه وسط المسجد، وأصبح الجاهل الذي لا يدري يقول: إن المسجد بني عَلَى القبر، وكذا بعض الجهال يظنون أن الكعبة -البيت الحرام - إنما بنيت عَلَى قبر إبراهيم ﵇، لأن أكثر ما رسخ في أذهان الْمُسْلِمِينَ هو تقليد اليهود والنَّصارَى في اتخاذهم قبور أنبيائهم مساجد، ثُمَّ تناقله الْمُسْلِمُونَ أنفسهم بعد، عَلَى أنه لا يوجد مسجد بأي مكان إلا وهو عَلَى قبر.\rوهذا من أعظم الخطر الذي أصاب الأمة الإسلامية، حتى لما جَاءَ التتر كَانَ بعض سدنة القبور يقول:\r\rيا خائفين من التتر لوذوا بقبر أبي عمر\rفكان النَّاس يجتمعون عند أصحاب القبور يدعونهم ويقولون: إن المدينة الفلانية محروسة بالولي الفلاني -ويسمونه (الحارس) - فلا يدخلها التتار ولا الصليبيون لأن الحارس موجود. فإذا جَاءَ العدو تزاحموا عند القبر يدعون ... يا حارس! ... يا حارس!.\rفاقتحم التتار المدن ودمروها، لأن هذه الضلالات والخرافات لا تقف أمام الواقع والحقيقة.\rوهذا هو عين الشرك الذي إذا لم تتخلص هذه الأمة منه، فلن يرفع الله عنها الذل، وإذا وحدته وحده لا شريك له نصرها وأعلا شأنها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689891,"book_id":1659,"shamela_page_id":1017,"part":null,"page_num":1017,"sequence_num":1017,"body":"والشرك كما يباعد النَّاس عن الله وعن الجنة، فإنه يفرق القلوب، لأنه كذب وافتراء، فالحسين مثلاً: يُعبد في العراق عَلَى أن قبره هناك! ويُعبد فيالشام عَلَى أن قبره هناك! ويُعبد في مصر عَلَى أن قبره هناك! أو نفيسة، وزينب، وعَلِيّ، هم في كل مكان، حتى عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِب -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- فإنه معروف قطعاً أنه إنما قتل في الكوفة، ودفن فيها في مكان مجهول، ومع ذلك نجد في مدينة من المدن الإسلامية التي تقع عَلَى الحدود مع الاتحاد السوفيتي، اسمها مزار شريف -أي المزار الشريف، فيقولون: هو دفن هناك وراء تركستان عَلَى حدود النهر.\rوحدثني بعض إخواننا من تلك البلاد ممن درسوا معنا، أن عدد من يزور هذا المزار يصل أكثر من أربعة ملايين سنوياً.\r-سُبْحانَ اللَّه العظيم! - كيف يلعب الشيطان بعقول هذه الأمة؟!، نعجب أن لعب بعقول اليهود والنَّصارَى واستحقوا اللعن الذي قاله النبي ﷺ: (لعن الله اليهود والنَّصارَى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) ونعجب أكثر لأمة التوحيد التي تقول: لا إله إلا الله، والتي ترفع مآذنها خمس نداءات في اليوم \"أشهد أن لا إله ألا الله وأشهد أن محمداً رَسُول الله\"، فوافقنا أهل الكتاب اليهود والنَّصارَى -أعداء الله- في الشركيات وفي عبادة غير الله، فكيف تقدس أمة تتبع أعداء الله وتواليهم؟!.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689892,"book_id":1659,"shamela_page_id":1018,"part":null,"page_num":1018,"sequence_num":1018,"body":"فأعظم أسباب وقوع الشرك هو: تعظيم الأولياء -وسيذكر المُصنِّفُ أسباباً أخرى- وقد رد الله تَعَالَى عليهم جميعاً فقَالَ: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ [الإسراء:٥٧] أي: أُولَئِكَ المدعوون أنفسهم الذين يدعونهم هم يدعون الله، ويبتغون إِلَى ربهم الوسيلة، فهم يرجون رحمة الله، ويخافون عذابه، فكيف تأتي أنت وتدعوهم من دون الله؟! فإذا وقع بأحدهم الكرب قَالَ: يا عَلِيّ! يا عَلِيّ!، وعَلِيّ -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- عانى من الكروب في حياته، وآخرها انشقاق الأمة عليه، وخروج الخوارج عليه، حتى أتى الأشقى فقتله.\rفلم يملك عَلِيّ ﵁ لنفسه نفعاً ولا ضراً، ولم يحم نفسه من هذا الخارجي، ولا من عدوان الخوارج، ولا ممن انشقوا عن طاعته. وكان يريد أن يكون أمير المؤمنين عامة ويتوحدوا جميعاً تحت طاعته، والحسين ﵁ لما خرج إِلَى البر وجاءه الجيش وقتلوه، لا شك أنه قتل مظلوماً، وأن دمه لا يحل، ولا يحل دم أي مسلم أصلاً، ولا يجوز القتال في الفتنة -أصلاً- بين الْمُسْلِمِينَ، لكن لما جاءوا وأحاطوا به مات عطشاناً في البر، لا يملك أي شيء.\rوالآن! يبكون ويقولون: كيف نشرب الماء وقد مات الحسين عطشاناً في البر؟، ثُمَّ إذا نزل بأحدهم كرب قَالَ: يا حسين، سُبْحانَ اللَّه! كيف يقول ذلك والحسين لم يملك لنفسه شربة ماء؟!\rتعظيم الأولياء والصالحين\rيقول المُصْنِّف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689893,"book_id":1659,"shamela_page_id":1019,"part":null,"page_num":1019,"sequence_num":1019,"body":"[ومن أسباب الشرك عبادة الكواكب واتخاذ الأصنام بحسب ما يظن أنه مناسب للكواكب من طباعها. وشرك قوم إبراهيم ﵇ كَانَ - فيما يقال- من هذا الباب، وكذلك الشرك بالملائكة والجن واتخاذ الأصنام لهم. وهَؤُلاءِ كانوا مقرين بالصانع، وأنه ليس للعالم صانعان، ولكن اتخذوا هذه الوسائط شفعاء، كما أخبر عنهم تَعَالَى بقوله: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:٣] وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىَ عَمَّا يُشْرِكُونَ [يونس:١٨] وكذلك كَانَ حال الأمم السالفة -الْمُشْرِكِينَ الذين كذبوا الرسل- كما حكى الله تَعَالَى عنهم في قصة صالح ﵇ عن التسعة رهط الذين تقاسموا بالله (أي: تحالفوا بالله) لنبيتنه وأهله، فهَؤُلاءِ المفسدون المُشْرِكُونَ تحالفوا بالله عَلَى قتل نبيهم وأهله، وهذا بيُّنٌ أنهم كانوا مؤمنين بالله إيمان الْمُشْرِكِينَ.\rفعلم أن التوحيد المطلوب هو توحيد الإلهية، الذي يتضمن توحيد الربو بية. قال تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ\rمُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنْ الْمُشْرِكِينَ\rمِنْ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُون","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689894,"book_id":1659,"shamela_page_id":1020,"part":null,"page_num":1020,"sequence_num":1020,"body":"وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ\rلِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ\rأَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ\rوَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُون [الروم:٣٠- ٣٦] اهـ.\r\rالشرح:\rيذكر المُصْنِّف من أعظم أسباب وقوع الشرك هو تعظيم الأولياء والصالحين من دون الله ﷾ وهناك أسباب أخرى في وقوع الشرك، ومنها: تعظيم الكواكب.\r\rتعظيم الكواكب\rوهذا الشرك وجد عند الصابئين، كما كَانَ عند قوم إبراهيم ﵊، الذين كانوا يعبدون الأصنام ببلاد الشام تجاه حران وما حولها، فكانوا يعبدون الكواكب ويبنون لها الهياكل، وما تزال هذه الهياكل أو بعضاً منها باقية إِلَى اليوم، حتى أن علماء الحفريات والآثار لما بحثوا وجدوا أن أُولَئِكَ القوم كانوا يبنون المراصد والهياكل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689895,"book_id":1659,"shamela_page_id":1021,"part":null,"page_num":1021,"sequence_num":1021,"body":"فهَؤُلاءِ القوم عظموا الكواكب، كما عظم أصحاب القبور قبورهم، والأولياء أولياءهم، ويبدو -والله أعلم- أن سبب تعظيمهم للكواكب أنهم رأوا الخلق والرزق والمطر والخير والبركة تنزل من السماء، ورأوا أن هذه أعظم شيء في السماء -كما يرون- فاتجهوا إِلَى تعظيم هذه المخلوقات، ولا سيما وقد أوحى إليهم الشيطان أنه إذا ظهر الكوكب الفلاني في المكان الفلاني يكون الدمار، وتكون الزلازل، ويكون الخسف، وإذا ظهر الكوكب الفلاني واقترب من الكوكب الفلاني يكون المطر، ويكون الخير، والرحمة والبركة، هذا مما أوحى الشيطان إِلَى الكهان والمنجمين منهم، فنظروا إِلَى هذه الكواكب نظرة التعظيم، واعتقدوا أن لهذه الكواكب تأثيراً في العوالم السفلية، وأن ما يقع في الأرض فإنه يكون بسبب تلك الكواكب، ولا يزال هذا فاشياً في الْمُشْرِكِينَ حتى اليوم، بل وبعض من يدعي الانتساب إِلَى هذه الملة يسألك عن نجمك! أو عن برجك! برج السرطان!! يقول لك: حظك طيب، وزواجك موفق وكذا وكذا!! أو يقول لك: لا، أنت من برج العقرب، وخطيبتك من برج السرطان، فلا تتزوجها وابحث عن واحدة من برج الحمل مثلاً!\rهذه الخرافات ما تزال حتى في هذه الأمة -نسأل الله ﷿ أن يرفع عنها هذا البلاء والضلال ويردها إليه تائبة موحدة عابدة - فوقع هذا الشرك في الصابئين، ولذا كَانَ الآشوريون والبابليون وأمثالهم يبنون الهياكل العظيمة ويرصدون الكواكب، لا للعلم الجغرافي الذي هو معروف اليوم، وإنما لغرض التقرب إليها، ومعرفة أحوالها، والاستدلال بها عَلَى أحوال العالم الأرضي، وكان لها شياطينها؛ فكانت الشياطين تنزل وتوحي إِلَى أوليائها الأخبار عن أمور معينة، أو أحداث أو أحوال، فيأتي كهنة كل كوكب ويخبرون النَّاس بما أخبرهم، وأوحى به إليهم هَؤُلاءِ المردة والشياطين، فيظن النَّاس أن الإله هو الذي أوحى إليهم، وأنه الذي يملك هذه الحقائق، أو الذي يعلم الغيب، وهو الذي يدبر الكون.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689896,"book_id":1659,"shamela_page_id":1022,"part":null,"page_num":1022,"sequence_num":1022,"body":"وكانت كل منطقة من المناطق تنافس المنطقة الأخرى، وتحاربها وتتقاتل معها، عَلَى أن إله هَؤُلاءِ أفضل من هَؤُلاءِ. هكذا كَانَ البشر يتخبطون في الضلالات والجهل، ثُمَّ وضعت أصنام في الأرض كما يقولون بما يتناسب مع طباع الكواكب، فبعضهم يعبد الكوكب في السماء، وبعضهم يعبد الأصنام في الأرض، وينحت هيكلاً من صخر؛ ويقول: هذا مناسب لطباع المشتري أو زحل، فيعبد النَّاس هذا الصنم بناء عَلَى تعظيم الكوكب الذي يتناسب مع طباعهم، ويأتي أولياءهم من الجن والشياطين، فتدخل في جوف هذه الأصنام والأحجار، فتكلمهم وتخاطبهم باسم الصنم المعبود، وهذا ما كَانَ حاصلاً إِلَى زمن بعثة النبي ﷺ، فكانت الشياطين تخاطبهم من الأصنام، وتكلمهم وتحكم بينهم منها، فيظن النَّاس أن هذه الأرباب الآلهة هي التي تتكلم، وهكذا أغوى الشيطان بني آدم.\rالشرك بالملائكة\rوكذلك الشرك بالملائكة أو الجن، واتخاذ الأصنام لهم -كما يقول المصنف- فهناك قوم قالوا: الملائكة من جنس الصالحين، وهم عباد لله ﷿ يسبحون الليل والنهار لا يفترون، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وقد أخبر الأَنْبِيَاء عن صفاتهم العظيمة، وطاعتهم لله ﷿.\rفقالوا: إذاً نتخذ الملائكة شفعاء عند الله، فندعو الملائكة من جبريل أو ميكائيل، أن يشفع لنا عند الله، ثُمَّ يدعونه استقلالاً، وإذا قيل لهم: لماذا تدعون الملائكة؟ قالوا: ما نعبدهم أو ندعوهم إلا ليقربونا إِلَى الله زلفى لأنهم أقرب عند الله، وأما أنا فمسكين مذنب، لا أستطيع أن أدعو الله، فكيف أدعو الله وأنا مليء بهذه الذنوب؟ وإنما أدعو هَؤُلاءِ لأنهم مقربين عند الله، فهم يشفعون عند الله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689897,"book_id":1659,"shamela_page_id":1023,"part":null,"page_num":1023,"sequence_num":1023,"body":"الله الذي فتح باب التوبة عَلَى مصراعيه! ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، وهو يقبل التوبة عن عباده، غافر الذنب، وقابل التوب، شديد العقاب، ذي الطول ﷾ وهو الذي ينجي كل من دعاه في ظلمات البر والبحر، فالله لا يحتاج إِلَى من يتوسط عنده، أو يشفع عنده، أو يدعى غيره، ويعبد غيره لكي ينزل رحمته ﷾ عَلَى أحد؟!.\r\rسبحانك هذا بهتان عظيم!\r\rهذا أصل الذين عبدوا الملائكة.\rعبادة الجن\rوأما عبادة الجن، فيوم يبعثهم جميعاً -يَوْم القِيَامَةِ- يأمر الله ﷾ كل أناس كانوا يعبدون الطواغيت، أن يتبعوا ما كانوا يعبدون، فيتبع عباد الطواغيت الطواغيت، ويتبع عباد الجن الجن، لأنهم كانوا في الدنيا يعبدونهم، فيحكم الله ﷾ بين الطواغيت وبين عبادهم، فيقول الله ﷾: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْأِنْسِ [الأنعام:١٢٨]-أي: الذين يعبدون الجن أكثر طائفة بني آدم- وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْأِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا [الأنعام:١٢٨] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689898,"book_id":1659,"shamela_page_id":1024,"part":null,"page_num":1024,"sequence_num":1024,"body":"فسبب وقوع عبادة الجن هو: استمتاع الإنس بالجن بعضهم ببعض، هذا جواب الإنس، وقال تَعَالَى في سورة الجن: وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً [الجن:٦] فالإنسي يظن أنه يستفيد من الجني، فكان إذا نزل بوادٍ مخيفٍ قَالَ: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه، يعني: يحصل الاستمتاع بالسلامة من أذى الجن السفهاء، وذلك مقابل دعاء سيدهم، والجن استمتعوا، بأن الإنس عبدوهم من دون الله ﷾ فاستمتع بعضهم ببعض، لكن زادوهم رهقاً، حيث يأتي الإنسي فيمر بالوادي، فيسلط سيد الوادي أحد الأتباع ليخيفه، فإذا أخافه وأرهقه قَالَ: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه، فزادوهم رهقاً وخوفاً ليزداد أُولَئِكَ لهم عبادة، وهذا هو الحاصل دائماً للمتعاملين مع الجن، يحصل لهم نوع من الاستمتاع بحيث يعظمه الناس، ويعطونه الأموال ويأتون له بما يشاء، مقابل أنه يشفي مرضاهم، ويفك السحر عنهم، أو يخبرهم بشيء ضيعوه، أو حاجة فقدوها، أو أمر من الأمور، فيحصل استمتاع للإنسي بما يأخذ من أموال الناس، وبما يكسب من الجاه ويقَالَ: هذا ولي، ويحصل الاستمتاع للجني، بأن يعبده هذا الرجل الذي يذهب إليه الناس، ويسألونه عن الأخبار، أو يطلبون فك السحر عنهم، وهم يعلمون أنه يتعامل مع الجن، فهو يسجد له، ويضع القُرْآن في الأماكن النجسة والقذرة تقرباً، ويكتب القُرْآن -والعياذ بالله - بالدم النجس القذر، ويجعله في أوراقٍ، ويسمونها حجباً أو أحرازاً، وإن صلى ظاهرا -أمام الناس- أو صام وزعم أنه مسلم. فمثلاً: أناس يعتقدون في هذا الولي، أنه يخرج الجن من الإِنسَان؛ لأنه يستخدم الجن، ويعرف كيف يفكهم، فيسبب الضرر لهم بتسليط أحد الأتباع -أوليائه- من الجن عَلَى أحد من الإنس فيدخل فيه، فيأتي الإنسي إِلَى الولي -من الإنس- ويقول: دخل جني في ولدي، فيقول الولي: الدواء عندي، فيقوم الولي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689899,"book_id":1659,"shamela_page_id":1025,"part":null,"page_num":1025,"sequence_num":1025,"body":"الإنسي، فيتقرب إِلَى الجن بعبادتهم، فعندها يأمر السيد الجني وليه أن يخرج من الولد، فتكون النتيجة أن هذا الولي أخرج الجني وأنه رجل عظيم فيزيدهم رهقاً وشركاً.\rويكثر في الأرض الشرك بسبب هَؤُلاءِ القوم، ولذلك يقول الله تعالى: إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَه [النحل:١٠٠] فالذين لا يعتقدون في هذا الرجل الصلاح -نهائياً- ولا يعتقدون أنه ولي، بل يعتقدون أنه مشرك يتعاون بالجن، هَؤُلاءِ يكونون أكثر حفظاً بإذن الله تَعَالَى من ضرر الجن من أُولَئِكَ الذين يعتقدون فيه الولاية والصلاح، ومع ذلك فلا شك أن هذا الأمر ابتلاء، فقد يبتلى الإِنسَان بالجن، وهو ليس من أوليائهم، ولا يعبدهم، ولا يعتقد فيهم، ولكن نسبة دخول الجن، وإيذائهم بهَؤُلاءِ المؤمنين الموحدين أقل بكثير جداً من نسبتها في القبائل أو الطوائف أو المدن التي تعتقد في هَؤُلاءِ الأولياء؛ لأن سلطان الشيطان عَلَى أوليائه الذين يتولونه أكثر، وحماية الله ﷿ للذين لا يعتقدون فيهم ذلك قائمة، ومناعتهم من كيد هَؤُلاءِ الشياطين أكثر؛ لأن الذي يعتقد فيهم هو مستسلم، قد فتح قلبه وأفرغه؛ لأن تأتي إليه الشياطين بالأوهام، ثُمَّ بالمرض، ثُمَّ تأتيه بالعلاج.\rفيقولون: يا ملك الأرض السابعة من الجن، إن أحد أتباعك فلان، دخل في فلان فأخرجه منه بكذا وبكذا، ثُمَّ يكتبون أسماءً وأرقاماً وألغاز بالسريانية -كما يقولون- أو بلغة مجهولة لأن الشياطين تعلمهم رموزاً معينة هي رموز عبادتهم- فيكتبون هذه الرموز، ثُمَّ يدعونهم، فإذا دعاهم، أتى ملك هَؤُلاءِ الجن، فيأمر وليه من الجن -الذي آذى الإنسي الآخر- أن يخرج منه، وهكذا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689900,"book_id":1659,"shamela_page_id":1026,"part":null,"page_num":1026,"sequence_num":1026,"body":"وأما الملائكة والأنبياء -رضوان الله تَعَالَى عليهم- فلا يرضون أن يدعو من دون الله، ومن عُبد من دون -وهو غير راض- فإنه يتبرأ يَوْمَ القِيَامَةِ من هَؤُلاءِ، كما تبرأ المسيح، قال الله: وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ [المائدة:١١٦-١١٧] وهذا القول هو أول قول قاله بعدما خلقه الله: إني عبد الله، ويَوْمَ القِيَامَةِ يقول: ما قلت لهم إلا ما أمرتني به: أن اعبدوا الله، -يعني: أنا بريء منهم ومن شركهم- فحينئذٍ يقع الشرك عليهم، وتقع العقوبة والعذاب عَلَى العابدين فقط.\rوأما الجن فلأنهم رضوا أن يعبدوا فتكون النَّار للجميع هم ومن عبدهم.\rوأما الملائكة فيقولون: بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ [سبأ:٤١]-أي: أكثر الإنس مؤمنون بالجن- فالذين يعبدون الجن من الإنس أكثر من الذين يعبدون الملائكة، لأن الملائكة تتبرأ يَوْمَ القِيَامَةِ منهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689901,"book_id":1659,"shamela_page_id":1027,"part":null,"page_num":1027,"sequence_num":1027,"body":"فأعظم أسباب وقوع الشرك: تعظيم غير الله، ولذلك يقول الله ﷾ في أول سورة الأنعام: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الأنعام:١] أي: يجعلون أحداً عديلاً له، يساويه بالله في المحبة، وفي التعظيم والتقديس وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ [البقرة:١٦٥] فالعدل والتسوية هي في المحبة والتعظيم والتقديس؛ لا في اعتقاد أنهم يخلقون كخلق الله، أو يرزقون كما يرزق الله سبحانه.\rوهنا شيء عجيب، وهو أن النَّاس كانوا إذا مسهم الضر دعوا الله مخلصين له الدين، وهذا هو شرك القدامى، ولكن عظم الشرك في المتأخرين، حتى أصبحوا يدعون غير الله تَعَالَى في وقت الشدة، وفي وقت الرخاء معاً، وهذا -والعياذ بالله- غاية الانتكاسة، نسأل الله ﷾ أن يجنبنا وإياكم الشرك دقيقه وجليله، وأن يباعدنا عنه، وعن طريقه، وعن كل ما يوصل إليه، وأن يجعلنا من عباده الموحدين المؤمنين.\r\rأهمية توحيد الألوهية\rموضوع توحيد الألوهية هو موضوع مهم، يبنغي لنا أن نعيد النظر والكرة إليه ونتأمله، لا سيما أنه في هذا الكتاب قد لا يعود إلينا إلا في الأخير في مواضيع متفرقة، لأن الشغل الشاغل لابن أبي العز رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- هو توحيد الأسماء والصفات، ثُمَّ ما يتعلق بمسائل العقيدة الأخرى، كالقدر والإيمان والصحابة وكرامات الأولياء ونحو ذلك، أما موضوع توحيد الألوهية فهو عَلَى أهميته لم يكن هو الموضوع الأساس في هذه العقيدة، وإنما هو أحد هذه الموضوعات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689902,"book_id":1659,"shamela_page_id":1028,"part":null,"page_num":1028,"sequence_num":1028,"body":"فجدير بنا أن نراجعه، وأن نتأمله، وأن نرجع إِلَى الأصول التي شرحته وبينته، ولا سيما كتاب تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد، فإنه من أعظم الكتب التي فصلت في هذا الجانب، وبينت أن توحيد الربوبية لم تكن تنازع فيه الأمم السابقة، أي: الإيمان والإقرار والاعتراف بأن الله ﷾ هو وحده الخالق الرازق، المحيي المميت، الذي يدبر الأمر وينزل الغيث، ولم تقع العداوة والخصومة فيه بين الأَنْبِيَاء وأممهم، وإنما جَاءَ الرسل والأنبياء من الله ﷾ إِلَى النَّاس ليقولوا لهم: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُه [هود:٦١] أي: جاءوا داعين إِلَى إفراد الله ﷾ بتوحيد الألوهية أو توحيد الإلهية.\rفهذا هو الذي وقعت فيه الأمم، أي وقعوا في شرك العبادة، عبادة غير الله ﷾ ودعاء غير الله والاستغاثة بغير الله، ورجاء النفع أو الضر من عند غير الله ﵎، والذبح لغير الله، والنذر لغير الله، واعتقاد أن غير الله ﵎ يعلم الغيب أو يملك من الأمر شيئا، هذا هو الموضوع الذي وقع به الشرك. عندما اختلف النَّاس بعد أن كانوا عشرة قرون بعد آدم ﵇ عَلَى التوحيد كما قال تعالى: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً أي: فاختلفوا فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِين [البقرة:٢١٣] .\rفكانوا عشرة قرون عَلَى التوحيد، حتى جاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحولتهم وصرفتهم من التوحيد إِلَى الشرك، فوقع الشرك في قوم نوح، وهي أول أمة مشركة بسبب تعظيم الأولياء الذين يظن النَّاس فيهم الخير، فكان ذلك ذريعة إِلَى الشرك، وموصل إليه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689903,"book_id":1659,"shamela_page_id":1029,"part":null,"page_num":1029,"sequence_num":1029,"body":"فإن هَؤُلاءِ الذين ذكرهم الله من آلهتهم ودّاً، وسواعاً، ويغوث، ويعوق، ونسراً كانوا رجالاً صالحين من قوم نوح، كما في الحديث الذي رواه الإمام البُخَارِيّ في صحيحه، فأراد الشيطان أن يضل قوم نوح فَقَالَ لهم: (لو صورتم هَؤُلاءِ وعملتم لهم التماثيل لتذكرتم عبادة هَؤُلاءِ لله، وتذكرتم قربهم من الله ﵎، فعبدتم الله ﷾ مثل ما يعبده هَؤُلاءِ) هكذا زين لهم الشيطان في أول الأمر، فوضعت التماثيل لهم ليتذكروا بها عبادة الله سبحانه فقط.\rثُمَّ نسخ العلم، وتخلف الخلوف، وهكذا عادة الأمم، تخلف خلوف وأجيال فتنسى الغرض الأساسي الذي من أجله أنشئت البدعة أو نصب التمثال، فيتخذ التمثال أو الصورة إلهاً معبوداً من دون الله ﵎.\rفحدث ذلك وعبدت هذه الآلهة من دون الله، فهذا هو أحد أسباب وقوع الشرك في بني آدم، وهو ما ذكره الله ﷾ من العدل أو من التسوية التي قال الله ﵎ فيها: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ َ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الأنعام:١] وقال في آية أخرى حكاية عن أهل النار: قالوا: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:٩٧،٩٨] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689904,"book_id":1659,"shamela_page_id":1030,"part":null,"page_num":1030,"sequence_num":1030,"body":"فهم عدلوا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ غيره، وسووا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﷾ غيره في التعظيم والمحبة والتقديس، لا في اعتقاد أن غير الله هو الذي يخلق أو يرزق أو يضر أو ينفع أو يحيي أو يميت أو يدبر الأمر أو ينزل الغيث، بل هو من شرك المحبة والتعظيم والتقديس، كما قال ﵎: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ [البقرة:١٦٥] وهو من أخطر وأعظم أبواب الشرك،\rومن لوازمه: أن هَؤُلاءِ الْمُشْرِكِينَ وإن كانوا يدعون هَؤُلاءِ الصالحين أو الأَنْبِيَاء أو المقربين وقت الرخاء، فإنهم كانوا إذا ركبوا في الفلك، وجاءتهم الريح من كل مكان وأحاط بهم الموج دعوا الله مخلصين له، ويتضرعون طالبين منه الغوث، وهذا بخلاف شرك المتأخرين، فإنهم يدعون غير الله ﵎ في الرخاء والشدة.\r\rوهذا من أعظم البلاء الذي وقع في هذه الأمة، نسأل الله ﵎ أن يرفعه عنها فالذي وقع أنهم يعتقدون أن لغير الله ﷾ تصرفاً في الربوبية، فالمُشْرِكُونَ الأولون كانوا يعتقدون أن آلهتهم إنما هي شفعاء، تقربهم إِلَى الله زلفى، ولكن الْمُشْرِكِينَ المتأخرين يعتقدون في آلهتهم ومعبوداتهم أنها تخلق وترزق وتحيي وتميت، وهذا ما لم يقع فيه أصحاب الشرك الأول، وهو دليل عَلَى انحطاطهم، فإن البشرية كلما تقدم بها الزمن وكلما بعدت عن رسالات الأَنْبِيَاء ازدادت انحطاطاً وشركاً عياذاً بالله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689905,"book_id":1659,"shamela_page_id":1031,"part":null,"page_num":1031,"sequence_num":1031,"body":"وأعظم المصائب أن يقع هذا الشرك ممن ينتمي إِلَى أمة مُحَمَّد ﷺ، فيعتقد أن الأقطاب أو النجباء أو الأبدال أو الأولياء يملكون النفع والضر والخلق والرزق والتصرف في الكائنات، كما يزعمون أن الله ﵎ قد وكل أمر تصرف العالم إِلَى هَؤُلاءِ الأولياء، فهم يتصرفون فيه كما يشاءون، ويقولون ذلك تلبيساً عَلَى الناس، حتى إذا قال أحدهم: الله هو المتصرف في كل شيء قالوا: نعم. إن الله هو المتصرف في كل شيء.\rولكنه تَعَالَى يعطي من يشاء فيتصرف في ملكه. وهذا من أبطل الباطل؛ لأن الله ﷾ إن أكرم أحداً من العباد أو من الأولياء أو الصالحين فلن يعطيه شيئاً من خصائص الألوهية، لأن هذه ألوهيته ﷾ وهي التي من أجلها خلق السماوات والأرض، فالملائكة المقربون والأنبياء والمرسلون، ثُمَّ بعد ذلك عباد الله جميعاً والخلق جميعاً يعبدون الله ﷾ ويتوجهون إليه ﵎ وهذا هو شأنهم، وهذا هو ديدنهم جميعاً، فلا يمكن ولا يصح بحال من الأحوال أن يعطي الله ﷾ أحداً منهم شيئاً من خصائص الألوهية.\rبل هذا تكذيب لما هو ثابت بالقرآن والسنة وعلى ألسنة جميع الأَنْبِيَاء من أن الله ﷾ هو وحده الإله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689906,"book_id":1659,"shamela_page_id":1032,"part":null,"page_num":1032,"sequence_num":1032,"body":"فإن قالوا: إن الله هو الذي يعطي هَؤُلاءِ الأولياء التصرف في الأكوان، والقدرة عَلَى الخلق والرزق والأحياء والإماتة ... فإن هذا من الباطل الذي ترده بديهة المسلم وفطرته، لعلمه اليقيني أن الله تَعَالَى إنما بعث الأَنْبِيَاء من قبل وبعث آخرهم محمداً ﷺ ليفرده النَّاس بالإلهية، كما قال تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:٣٦] فكيف يجعل ﷾ غيره إلهاً وطاغوتاً يعبد من دونه؟!\rومن أسباب وقوع الشرك: تعظيم الكواكب أو القياس عَلَى الكواكب، كما قلنا: إن الحرانيين الصابئين -قوم إبراهيم- والأمم قبلهم من الكنعانيين والبابليين والآشوريين وكثير من الأمم البائدة، كانوا يعتقدون أن للأفلاك والكواكب تأثيرات وتدبيرات في العوالم السفلية، ومن أجل ذلك بنوا الهياكل، ثُمَّ صوروا عَلَى مثال تلك الكواكب الأصنام. ونحتوها، وأخذوا يعبدون هذه الأصنام من دون الله ﵎ بسبب هذا الاعتقاد.\rوذكر المُصْنِّفُ ﵀ الأحاديث الصحيحة في النهي عن عبادة القبور، وعن اتخاذ القبور مساجد، وهي أحاديث كثيرة وصحيحة.\r\rحديث اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد لا يفهم منه جواز تعظيم القبور والتقرب إليها","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689907,"book_id":1659,"shamela_page_id":1033,"part":null,"page_num":1033,"sequence_num":1033,"body":"ولكن هنا إشكال يرد، ونحب أن نفصل فيه حتى تزول الشبهة، وهو قول النبي ﷺ كما روى الإمام مالك في الموطأ عنه أنه قال: (اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد اشتد غضب الله عَلَى قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) فأورد بعض دعاة الشرك قديماً وحديثاً أن الرَّسُول ﷺ مجاب الدعوة، وهو في هذا الحديث قد دعا الله ﷾ أن لا يجعل قبره وثناً يعبد، إذاً فلن يعبد قبره ﷺ، فمهما عبدنا، ومهما دعونا القبر، ومهما استغثنا، ومهما طفنا، فهذه ليست بعبادة.\rوهذه الشبهة هي من أعظم شبهاتهم -كما يظنون- ولكنها إذا عرضت عَلَى الدليل العلمي الصحيح تزول بإذن الله ﷾ وتنكشف، وكما سبق وأن قلنا ونعيد القول بأن أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ ودعاة التوحيد -ولله الحمد والمنة- مستعدون للإجابة عن أية شبهة علمية يوردها هَؤُلاءِ، فالجواب عليها موجود عند علماء أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ وفي كتبهم، ولذلك نَحْنُ نريد من هَؤُلاءِ النَّاس أن يحرروا عقولهم من التقليد والتبعية لغير الرَّسُول ﷺ، وينظروا إِلَى الأمور بنظرة علمية خالصة جادة، فإذا وافقوا عَلَى ذلك، ولم يبق إلا مثل هذه الشبهات العلمية، فان الجواب عنها قريب بإذن الله ﷾.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689908,"book_id":1659,"shamela_page_id":1034,"part":null,"page_num":1034,"sequence_num":1034,"body":"وأما الشبهات التي هي هوىً وظنون وتأويلات من عند أنفسهم، فهذه يجب عليهم هم أن يردوها، وكذلك ما كَانَ بالتقليد كقولهم: هذا رواه الأولياء، أو هذا ثبت بالتجربة عند المشايخ، أو هذا مما لُقِنَاهُ بالعلم الباطن أو نحو ذلك، فإن هذا الكلام مردود أصلا وبداهةً ولا نناقش في هذا الكلام، إلا عَلَى سبيل رده جملةً وتفصيلاً، لكن إذا جاءونا بأدلة علمية وَقَالُوا: قال الله: أو قال رَسُول الله ﷺ، لكنهم فهموا الآية عَلَى غير وجهها، أو فهموا الحديث عَلَى غير وجهه، قلنا لهم: نعم، إذاً؛ نَحْنُ وإياكم نبحث عن الدليل العملي الصحيح ونتبعه بإذن الله ﷾.\rهذه قاعدة عامه في مجادلة هَؤُلاءِ الْمُشْرِكِينَ، ولا نجادلهم إلاّ بالتي هي أحسن.\rفنقول: إن قول النبي ﷺ: (اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد، اشتد غضب الله عَلَى قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) .\rالكلام عليه يتلخص في أمرين:\rالأول: في ثبوته.\rوالثاني: في معناه، وفي رد شبهة الْمُشْرِكِينَ في الاستدلال به.\rأما ثبوت هذا الحديث: فإن الإمام مالك ﵀ قد رواه في الموطأ مرسلاً عن زيد بن أسلم، وروي أيضاً مرسلاً عن عطاء، والحديث المرسل هو: الحديث الذي سقط منه الصحابي، يعني أن يقول التابعي: قال رَسُول الله ﷺ، فهذا الحديث يسمى مرسلاً، كما قال الناظم: (ومرسل منه الصحابي سقط) وزيد بن أسلم أو عطاء تابعيان، ومثل ذلك سعيد بن المسيب ﵏، والزهري، ونافع، وأمثالهم ممن يروون عن الصحابة -رضوان الله عليهم- فإذا قال أحد هَؤُلاءِ التابعين: قال رَسُول الله ﷺ، أو عن رَسُول الله ﷺ، ولم يذكر الصحابي الذي روى عنه -فلم يقل عن أنس ولاعن جابر ولا عن أَبِي هُرَيْرَةَ - فهذا الحديث يسمى مرسلاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689909,"book_id":1659,"shamela_page_id":1035,"part":null,"page_num":1035,"sequence_num":1035,"body":"والمرسل لا يحتج به بعض العلماء، لأنه يحتمل أن التابعي رواه عن تابعي أو عن أكثر من تابعي، فقد يروي الرجل الحديث عن اثنين أو عن ثلاثة من أقرانه، ثُمَّ يكون الثالث أو الرابع رواه عن صحابي عن النبي ﷺ، والتابعي لم يدرك النبي ﷺ وإنما أدرك الصحابة.\rفالتابعي وإن كَانَ ثقة، لكنه قد يروي عن تابعي ضعيف، أو تابعي غير مقبول، وذهب بعض علماء الحديث وكثير من الفقهاء إِلَى أن المرسل مقبول يحتج به، وَقَالُوا: إن التابعي إذا قَالَ: قال رَسُول الله ﷺ فإنه إنما قاله متأكداً أن النبي ﷺ قد قاله، وراوياً له عن الصحابي الذي أسقطه، لأنه ليس من الضروري أن يذكر الراوي من روى عنه، فهو يقول: قال رَسُول الله ﷺ ليقينه أنه سمع هذا الحديث من أحد الصحابة، هذه وجهة نظر الآخرين.\rوتوسّط في ذلك بعض العلماء فَقَالُوا: إنّ بعض التابعين يقبل حديثه المرسل بإطلاق، كسعيد بن المسيّب ﵀ فإنه إذا قال: قال رَسُول الله ﷺ. فإنّا نقبله بإطلاق، وأمّا بعضهم فإنّ مراسيله غير مقبولة كالزّهري مثلاً، كما قال العلماء، فالزهري وغيره يروون كثيراً جداً عن التابعين وعن أقرانهم، ويرفعون أحاديث كثيرةً إِلَى النبي ﷺ، فإذا قال مثل هَؤُلاءِ: قال رَسُول الله. فإنه لا يقبل، وخاصة من كَانَ منهم من صغار التابعين.\rفالحديث رواه الإمام مالك مرسلاً، وهذا المرسل مردود عند بعض العلماء ومقبول عند بعضهم، ثُمَّ أورد لهذا الحديث بعض طرق روي بها مرفوعاً عنأبي سعيد الخدري، وأورد الإمام أَحْمَد في المسند له شواهد، فنقول: إنّ الحديث بمجموع هذه الشواهد يرتقي إِلَى الصّحة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689910,"book_id":1659,"shamela_page_id":1036,"part":null,"page_num":1036,"sequence_num":1036,"body":"وأما دلالة هذا الحديث ومعناه فنقول لهم: إنّ النبي ﷺ، بل كل الأَنْبِيَاء ليسوا مجابي الدعوة بإطلاق، فليس صحيحاً أنّ النبي ﷺ تستجاب له كل دعوة يدعو بها ﷺ، وهذا لا غرابة فيه، بل وردت وصحت عن النبي ﷺ أحاديث لم يستجب فيها دعاؤه، لأن الله ﷾ له حكم عظيمة لا يدركها أحدٌ من البشر وإن كَانَ نبيّاً.\rوهو ﵎ قد قدر أقدارًا، وقد كتب في اللوح المحفوظ أقداراً وأموراً مما تقتضيها حكمته، فتقع هذه الأمور وتجري في الكون، ولا يحيط الأَنْبِيَاء ولا غيرهم بها علماً.\rفيأتي النبي فيدعو الله بدعوة، ويكون الله ﵎ قد قضى وقدر أن هذا الأمر يمضي وينفذ، فلا تستجاب دعوة النبي في هذا الأمر، ولا يعني هذا أن النبي غير مقبول عند الله، فإن جميع الأَنْبِيَاء مقبولون عند الله ﷾، ولا سيما رَسُول الله ﷺ الذي هو أفضلهم، وهو سيد ولد آدم يَوْم القِيَامَةِ ولكن لله تَعَالَى حكم عظيمة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689911,"book_id":1659,"shamela_page_id":1037,"part":null,"page_num":1037,"sequence_num":1037,"body":"مثال ذلك: لو أن أحداً منا كَانَ رجلاً صالحاً تقياً عابداً، لا يدعو الله ﷾ في شيء إلا واستجاب له، وقد كَانَ في هذه الأمة من هو مجاب الدعوة مثل: سعد بن أبي وقاص ﵁، فلو دعا الله ﷾ أن يبعث النبي ﷺ مثلاً، أو يبعث أبا بكر حتى يراه، لا يقبل دعاؤه، لأنه وإن كانت دعوته مستجابة فإن الدعاء لا يجوز الاعتداء فيه، وهذا من الاعتداء في الدعاء، فلا يصح أبداً أن تدعو الله به. فإذا دعوت الله تَعَالَى به فإنك معتد في الدعاء، وهذا الدعاء مردود، وإن كنت مستجاب الدعوة في أمور أخرى. وهكذا ما يذكر في قصة عابد بني إسرائيل -وقد كَانَ مجاب الدعوة- فقيل له: ادع الله عَلَى موسى ﵇، فلما دعا اندلق لسانه -والعياذ بالله- وكان ذلك شؤماً عليه وخسارة.\rولهذا جَاءَ الحديث عن النبي ﷺ أنه دعا الله ﷾ ثلاث دعوات، فاستجاب الله له دعوتين ولم يستجب له الثالثة، ثُمَّ بين الله تَعَالَى ذلك فقال: (يا مُحَمَّد إني إذا قضيت قضاء فإن قضائي لا يرد) فدعا النبي ﷺ ربه أن لا يهلك أمته بسنة بعامة أي: بالجدب والقحط العام الذي يفنيهم جميعا، كما بينته الرواية الأخرى، وفي رواية أخرى أعم من ذلك دعا الله ﵎ أن لا يهلكهم بما أهلك الأمم قبلهم، وفي بعض الروايات -وهي كلها صحيحة- عينت أنه الغرق، قَالَ: (اللهم لا تهلكهم بالغرق، أو قَالَ: دعوت ربي ألا يهلك أمتي بالغرق) فاستجاب الله له.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689912,"book_id":1659,"shamela_page_id":1038,"part":null,"page_num":1038,"sequence_num":1038,"body":"والدعوة الثانية: (أن لا يسلط عَلَى أمته أهل الشرك) وفي رواية حديث شداد قال: (ولا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم) فاستجاب الله ﵎ لنبيه ﷺ بأن لا يسلط علينا الكفار فيستأصلونا جميعا، فإنه لا تزال في هذه الأمة طائفة باقية، ولا تزال طائفة منصورة يقاتلون عَلَى أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله، فلا يسلط الله علينا اليهود ولا النَّصَارَى ولا الْمُشْرِكِينَ، فيبيدونا إبادة تامة حتى لا يبقى عَلَى وجه الأرض مسلم، فهذا لا يقع.\rوالدعوة الثالثة: (أن لا يجعل بأسنا بيننا شديداً) .\rوهذه لم تُستجب للرَسُول ﷺ، فَقَالَ الله تَعَالَى له: (يا محمد، إني إذا قضيت قضاء فإن قضائي لا يرد، وإني لن أهلك أمتك بسنة بعامة) أو (وإني وعدتها ألا أهلكها بسنة بعامة وألا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم حتى يقتل بعضهم بعضا، ويسبي بعضهم بعضا) .\rوهذا الذي جَاءَ في الحديث قد جَاءَ في صريح القُرْآن مع بيان سبب النزول، وهو قول الله ﵎ في سورة الأنعام: قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْض [الأنعام:٦٥] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689913,"book_id":1659,"shamela_page_id":1039,"part":null,"page_num":1039,"sequence_num":1039,"body":"روى الإمام البُخَارِيّ ﵀ في هذه الآية أن النبي ﷺ لما نزلت: قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ [الأنعام:٦٥] قَالَ: (أعوذ بوجهك) . فاستعاذ النبي ﷺ أن ينزل الله ﷾ علينا عذاباً من فوقنا، إما القذف بالحجارة من السماء، وإما الغرق والمطر أو أي عذاب يأتي من السماء، كالصيحة أو الصاعقة ونحو ذلك، قَالَ: أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ. فَقَالَ النبي ﷺ: (أعوذ بوجهك) فاستجاب الله ﷾ له وأعاذنا من أن يرسل علينا عذابا من تحت أرجلنا، وهو الخسف أو الغرق أيضا، أو أي عذاب يكون من تحت أرجلنا فيهلك الأمة عامة، وإلا فإن الخسف قد يقع لبعض الأمة والغرق والزلازل، ثُمَّ قَالَ: أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْض قال النبي ﷺ: (هذه أهون، هذه أيسر) فهذا يدل عَلَى أن هذه الآية نزلت بعد أن دعا الله ﷾ بالدعوات الثلاث، فلم تستجب له الدعوة الثالثة. فلذلك لم يقل النبي ﷺ في هذه الثالثة: أعوذ بوجهك. بل قَالَ: (هذه أهون هذه أيسر) هذا هو الظاهر، والله تَعَالَى أعلم.\rولكن المهم من ذلك أنه كما روى الإمام مسلم، والإمام أَحْمَد في المسند وغيرهما أن النبي ﷺ قد استجاب الله له دعوتين ولم يستجب له الثالثة، وقد ورد في طرق هذا الحديث أن النبي ﷺ صلى صلاة حسنة طويلة خاشعة فَقَالَ له معاذ -وفي بعض الروايات خباب -: يا رَسُول الله إنك صليت صلاة ما رأيتك صليت مثلها من قبل! قَالَ: (نعم، إنها صلاة رغب ورهب) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689914,"book_id":1659,"shamela_page_id":1040,"part":null,"page_num":1040,"sequence_num":1040,"body":"فصلى هذه الصلاة ليتضرع إِلَى الله ﷾ ويدعوه بأمر مهم عظيم جداً فقَالَ: (إني صليت هذه الصلاة، وإني سألت ربي ثلاثاً، فأعطاني اثنتين ومنعني الثالثة) >\rدليل آخر -وهو أيضاً صحيح- رواه البُخَارِيّ والإمام أَحْمَد وغيرهم أن النبي ﷺ: ﴿كان يقنت بعد الركوع إذا قَالَ: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، يدعو عَلَى بعض الْمُشْرِكِينَ، يقول: اللهم العن فلاناً والعن فلاناً﴾ .\r\rوممن ذكر بالتعيين، بالاسم في هذا الحديث كما في رواية المسند:\r\r﴿الحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو، وصفوان بن أمية﴾ .\r\rوقنت عَلَى قبائل من العرب بأعيانها، فقنت عَلَى رعل وذكوان وعصّية، فأنزل الله ﵎ عَلَى النبي ﷺ: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ [آل عمران:١٢٨] .\rأي: ليس لك من الأمر شيء، إنما عليك البلاغ والبيان والدعوة، أما إهلاك هَؤُلاءِ فإنه إِلَى الله ﷾، فإن شاء تاب عليهم ﷾، وإن شاء عذبهم، فالأمر إليه ﵎ وحده، فلما نزلت هذه الآية لم يعد النبي ﷺ بعدها إِلَى القنوت عَلَى هَؤُلاءِ، ولما كَانَ عام الفتح أسلم سهيل بن عمرو، وصفوان بن أميه، والحارث بن هشام، كما أن القبائل الأخرى أسلمت، ومنها: رعل وذكوان وعصية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689915,"book_id":1659,"shamela_page_id":1041,"part":null,"page_num":1041,"sequence_num":1041,"body":"وكذلك دعا النبي ﷺ عَلَى مضر، وقد سبق معنا حديث وفد عبد القيس لما جاءوا إِلَى النبي ﷺ، فكانوا من أول قبائل العرب إيماناً واستجابة للنبي ﷺ لذلك قالوا، كما في الحديث الذي في البُخَارِيّ ومسلم، ﴿قالوا: إنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في الشهر الحرام، لأن بيننا وبينك هذا الحي من مضر﴾ وكفار مضر من بني تميم ومن حولهم وكانوا في وسط نجد يحولون بين هَؤُلاءِ القوم وبين المجيء إِلَى المدينة، إلا في الشهر المحرم، فإذا جَاءَ الشهر المحرم وامتنع العرب عن القتل، جاءوا إِلَى رَسُول ﷺ، وكانوا من أشد الكفار عَلَى رَسُول الله ﷺ، فدعا النبي ﷺ عليهم فقَالَ: ﴿اللهم اشدد وطأتك عَلَى مضر، واجعلها عليهم سنينَ كسني يوسف﴾ أي: أهلكهم بالجدب فيأخذهم القحط، كما أخذ قوم يوسف ﵇، بقوا سبع سنوات عجاف، ولم يستجب هذا الدعاء، بل أسلمت مضر بعد ذلك ودخلت في الإسلام، وإن ارتد منهم بعد ذلك من ارتد، فإنهم قد دخلوا في الإسلام واهتدوا وأصبحوا من المؤمنين.\rإذاً؛ فنقول لهَؤُلاءِ الْمُشْرِكِينَ أو دعاة الشرك أو أصحاب الشبهات الشركية الذين قالوا: إن رَسُول الله ﷺ قد قَالَ: (اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد) ودعاؤه مستجاب ﷺ، فمهما عبدنا ومهما فعلنا ومهما أشركنا حول القبر، ومهما طفنا به أو استغثنا به أو شددنا الرحل إليه، فهذا ليس شركاً؛ لأن الرَّسُول ﷺ دعا الله ألا يجعل قبره وثناً، وهذه ليست من الوثنية في شيء!.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689916,"book_id":1659,"shamela_page_id":1042,"part":null,"page_num":1042,"sequence_num":1042,"body":"نقول لهم: هذا القول مردود بأن النبي ﷺ قد دعا بدعوات ولم يستجب له فيها، ونستطيع أن نتلمس الحكمة في ذلك أن الله ﷾ قد قضى وقدر أن هذه الأمة يكون فيها ما كَانَ في الأمم قبلها، كما ثبت في الحديث الصحيح: (لتتبعن سنن من كَانَ قبلكم حذو القذة بالقذة) فقدر الله تَعَالَى ذلك، ولا راد لقضائه، وقدر الله ﷾ أن هذه الأمة تعود إِلَى الشرك، وأن فئام منها تلحق بالْمُشْرِكِينَ، وأنه (لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس عَلَى ذي الخلصة) -كما في الحديث الصحيح-، فهذا مما قدره الله ولا راد لقضائه.\rولكن دعوة رَسُول الله ﷺ وقوله: (اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد) فيها فوائد عظيمة لما سبق أن الله ﷾ يجمع العبيد الذين عبدوا غير الله، يَوْمَ القِيَامَةِ ويجمع من عُبِدَ أو عبدوهم من دونه، ويسأل هَؤُلاءِ وهؤلاء، ويرى ماذا يجيبون؟!.\r\rومن ذلك: أنه ﵎ يسأل المسيح عيسى بن مريم: وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ [المائدة: ١١٦] .\rفالله ﵎ يسأله ويسأل المرسلين والأولياء والملائكة: هل أنتم رضيتم أن تعبدوا من دون الله؟\rهل أنتم دعوتم النَّاس إِلَى أن يعبدوكم من دون الله؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689917,"book_id":1659,"shamela_page_id":1043,"part":null,"page_num":1043,"sequence_num":1043,"body":"فيقول كل منهم: يا رب لم آمرهم بعبادتي، ولم آذن لهم أن يعبدوني، وما دعوتهم إلا إِلَى التوحيد ولا علم لي بهذه العبادة، كما قال عيسى ﵇: مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ [المائدة:١١٧] فإذا وقع الشرك في هذه الأمة وعملوا مثل ما اعتقد قوم عيسى في عيسى، وعظموا قبره ﷺ وقبور الأولياء والصالحين من هذه الأمة، مثل ما عظم اليهود والنَّصَارَى، واتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، فهنا تنفع دعوة النبي ﷺ، لأنه قد قَالَ: (اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد) فهذه براءة من الرَّسُول ﷺ إِلَى الله ﷾، وأنه لم يكن راضيا بذلك.\r\rفهو لعلمه ﷺ بأن ذلك سيقع تبرأ إِلَى الله ﷾، كأنه ﷺ يقول: اللهم إني أبرأ إليك ممن سيتخذ قبري وثنا يعبد، فإن فعلوه واتخذوه فهذا أمر لم أرده ولم أرض به ولا أقره، مثل عيسى ﵇ لم يُرد ولم يقر ولم يرض أن يعبده النَّصَارَى من دون الله ﷾، ولذلك يقول النبي ﷺ: (لا تطروني كما أطرت النَّصَارَىعيسى ابن مريم) ويقول كما في هذا الحديث: (لعن الله اليهود والنَّصَارَى اتخذوا قبور أنبياءهم مساجد) .\rفهذه الشبهة التي يتعلل بها دعاة الشرك القدامى منهم، والمعاصرون في قولهم: إن ما يفعلونه ليس وثنية وشركاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689918,"book_id":1659,"shamela_page_id":1044,"part":null,"page_num":1044,"sequence_num":1044,"body":"نقول: إن الوثنية والشرك يقعان في هذه الأمة. ولكن الله ﷾ قد برأ رسوله ﷺ من الرضى بهذا الشرك، فأنتم حين تجعلون قبره وثناً وتشدون الرحل إليه وتطوفون به، وحين تدعونه ﷺ وتستغيثون به، قد حاددتم وضاددتم الرَّسُول ﷺ حتى في هذا الحديث، فإنه يدعو الله أن لا يتخذ قبره وثناً، وأنتم تتخذونه وثناً.\rوقد جمع الإمام ابن كثير -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- الأحاديث التي تدل عَلَى ما استجاب الله لنبيه ﷺ، وما لم يستجب له في تفسير قول الله ﵎: قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ [الأنعام:٦٥] .\r\rتنبيه على كلام شيخ الإسلام وابن القيم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689919,"book_id":1659,"shamela_page_id":1045,"part":null,"page_num":1045,"sequence_num":1045,"body":"وهنا قضية أخرى ينبغي التنبيه إليها: وهي أن الإمام ابن القيم ﵀ ومثله شَيْخ الإِسْلامِابْن تَيْمِيَّةَ من قبل في الجواب الباهر قالوا: إن الله ﷾ قد استجاب للرَسُول ﷺ هذا الحديث-أي: حديث (اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد) - فإن الصحابة -رضوان الله عليهم- لما دفن رَسُول الله ﷺ في موضعه -وهذه سُنة دفن الأَنْبِيَاء جميعا- وكان محاطا بالحجرة، ثُمَّ أحيط بالجدران بعد ذلك، ثُمَّ لما أراد بعض الصليبيين أن يعتدوا عَلَى قبره ﷺ في أيام المماليك صب عليه من الرصاص في أطرافه فأصبح مخفيا جداً بهذه الجدران، وهذا مثل ما جَاءَ في الحديث الآخر الذي روتهعَائِِِشَةَ ﵂ قالت: (ولولا ذلك لأبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ وثنا) فخشية أن يتخذ وثناً لم يجعل بارزا، ولم يأمر بأن يبنى عليه القبة كما بني عَلَى قبور الأَنْبِيَاء من قبل، وكما فعل اليهود والنَّصَارَى من قبل.\rهذا في عهد الصحابة -رضوان الله عليهم- ومن بعدهم، ثُمَّ جاءت التوسعة العمرانية في أيام الوليد بن عبد الملك ومن بعده.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689920,"book_id":1659,"shamela_page_id":1046,"part":null,"page_num":1046,"sequence_num":1046,"body":"يقول القرطبي: فلما جَاءَ ذلك وخشي النَّاس أن يتخذ القبر قبلة، بني بناء القبر وما حوله عَلَى شكل مثلث وجعل قاعدته من جهة القبلة، ورأس المثلث من جهة الشمال، فإذا وقف الإِنسَان فإنه لا يستطيع أن يتخذ القبر قبلة ولا أن يدعوه لأنه عَلَى رأس القائمة، ولذلك من يظن أنه يعبد قبره أو أراد الوصول إليه فإنه لا يستطيع، بل ولا يستطيع أن يراه. ولكن هذا الذي ذكره هَؤُلاءِ العلماء الأجلاء لا يعارض ولا يمانع ما هو واقع الآن ومشاهد حساً، ووقع في القرون الماضية، وهو أن النَّاس الجهال يتخذون القبر وثنًا، وهذا يدل عَلَى أن هذا الحديث ليس المراد به الإجابة المطلقة، لوقوع ذلك من الجهال، فالنبي ﷺ قد تبرأ ممن يفعل ذلك وسأل الله ﷾ ذلك لكي لا يؤاخذ أو يظن به أنه مقر بهذا الفعل.\rوالاحتياطات تبرىء الرَّسُول ﷺ والصحابة ﵃ عندما أحاطوه بالجدران، وأيضاً تبرئ من بعدهم ممن وضع البناء عَلَى شكل مثلث، ومثل ذلك ما فعل النبي ﷺ لما أرسل خالد بن الوليد ﵁ إِلَى العزى فقطعها، وأرسل عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِب إِلَى القبور والصور فطمسها ومحاها، ومع ذلك تعود عبادة العزى من دون الله ﷿ قبل قيام الساعة، وتعود الأصنام وعبادة القبور.\rفاتخاذ الأسباب والاحتياطات لعدم وقوع الشرك ضروري ومطلوب وواقع، لكن لا يتنافى مع وقوع الشرك بالفعل، مثل ما فعل عُمَر ﵁ عندما قطع شجرة الحديبية، وهذا هو الواجب من سد ذرائع الشرك.\rوالآن نعود إِلَى موضوع إثبات الفطرة الذي هو دليلٌ عَلَى توحيد الربوبية، وبيان أن الرسل إنما جاءوا لتقرير توحيد الألوهية\r\rقَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689921,"book_id":1659,"shamela_page_id":1047,"part":null,"page_num":1047,"sequence_num":1047,"body":"[وقال تعالى: أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض [إبراهيم:١٠] وقال ﷺ: (كل مولود يولد عَلَى الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) ولا يقَالَ: إن معناه يولد ساذجاً لا يعرف توحيداً ولا شركاً -كما قاله بعضهم- لما تلونا، ولقوله ﷺ فيما يروي عن ربه ﷿: (خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين) الحديث.\rوفي الحديث المتقدم ما يدل عَلَى ذلك، حيث قَالَ: (يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) ولم يقل: ويسلمانه. وفي رواية: (يولد عَلَى الملة) وفي أخرى: (عَلَى هذه الملة) ] اهـ.\rالشرح:\rهذا موضوع الفطرة\r\rقال رَسُول الله ﷺ: (كل مولود يولد عَلَى الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) وفي رواية: (كل مولود يولد عَلَى الملة) وفي رواية أجلى وأصرح: (كل مولود يولد عَلَى هذه الملة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) وكما في رواية الصحيح قَالَ: (كما تنتج البهيمة البهيمة جمعاء هل ترون فيها من جدعاء؟) معنى هذا الحديث أو دلالة هذا الحديث: أن الله ﷾ قد أودع في فطر النَّاس الإيمان بالله ﷾ فكل مولود من بني آدم يولد، فهو مقر بالله ومتجهٌ بفطرته إليه ﷾ ومفطور عَلَى الإقرار والإيمان به ﵎ بحيث لا يحتاج إِلَى أن يلقن ذلك ولا أن يعلّم، بل هو مولود عَلَى نفس هذه الملة -ملة الإسلام- التي لا يقبل الله ﷾ من أحد غيرها.\rوضرب مثالاً لذلك بالبهيمة (كما تنتج البهيمة البهيمة) أي: تلد البهيمة بهيمةً جمعاء كاملة ليس فيها أثر من آثار إحداث الآدمي، كقطع الآذان أو العلامات التي توضع سمة عَلَى الإبل والبقر والغنم لتعرف، وإنما الذي يجدعها صاحبها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689922,"book_id":1659,"shamela_page_id":1048,"part":null,"page_num":1048,"sequence_num":1048,"body":"وكذلك الإِنسَان يولد عَلَى التوحيد سليماً نقياً حتى يهوّد أو ينصر أو يمجس، فتجدع هذه الفطرة وتوضع عليها علامة معينة قد تكون نصرانية أو يهودية أو مجوسية.\rوإن لم يوضع علامة فهو يولد عَلَى هذه الملة والدين.\rمعنى الفطرة عند المعتزلة والرد عليهم\rويقول المُصْنِّف ﵀: [ولا يُقَالَ: إن معناه يولد ساذجاً لا يعرف توحيداً ولا شركاً] .\rوهذا قول بعضالمعتزلة: يولد عَلَى الفطرة: أي يولد ساذجاً لا يعرف شركاً ولا توحيداً، خالي الذهن، ثُمَّ أبواه يهودانه أو ينصرانه.\rويقال لهم: لم يذكر النبي ﷺ الإسلام في الحديث: (أو يسلمانه) فإذا كَانَ يولد لا يعرف توحيداً ولا شركاً، فمن أين يأتي إليه التوحيد والإسلام؟\rفهم أولوه بهذا التأويل ليبنوا أو يؤسسوا قواعدهم التي وضعوها، وتركوا الوحي الذي أنزله الله ﷾ في المولود، وهذه قاعدة فاسدة من قواعد المتكلمين من المعتزلة وغيرهم فهم يقولون: إن التقليد ليس إيماناً، فإن اليهود يولد أبناؤهم يهوداً، والنَّصَارَى يولد أبناؤهم عَلَى دينهم أيضاً، والمجوس كذلك، أي أن كل واحد يولد يتبع ويقلد آباءه وبيئته ومجتمعه.\rقالوا: ويجب عَلَى كل إنسان أن ينظر ويتأمل ويفكر، حتى يعرف الله ويعرف توحيد الله، ويتأكد هل القُرْآن حق أم لا؟!، ويتأكد هل مُحَمَّد ﷺ رَسُول أم لا؟!\rفلو مات وهو في أثناء مرحلة التفكير والنظر، قيل: يكون مسلماً، وقيل: لا يكون مسلماً.\rوهكذا دار الخلاف بينهم لأنهم بنوا عَلَى هذا الأصل الباطل الفاسد.\rقالالمعتزلة: هذا الحديث معناه: أنه يولد ساذجاً خالياً كالورقة البيضاء ليس فيها شيء، لكن قد يكتب فيها الإيمان والإسلام، وقد يكتب فيها والنصرانية، وقد يكتب فيها واليهودية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689923,"book_id":1659,"shamela_page_id":1049,"part":null,"page_num":1049,"sequence_num":1049,"body":"وقد كذبهم النبي ﷺ بنص الحديث الذي قال فيه: كل مولود يولد عَلَى الملة) أو (على هذه الملة) أي: يولد متديناً بهذا الدين، فهذا صريح بأن المولود لا يولد ساذجاً لا يعرف شركاً ولا توحيداً، بل يولد عَلَى التوحيد الذي أخذ الله ﷾ ميثاقه علينا في الفطرة، كما قال تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى [الأعراف:١٧٢] ولذلك لما يدخل أهل النَّارِ النارَ يَوْمَ القِيَامَةِ، فيقول الله ﷾ كما في الحديث الصحيح لبعض أهل النار: (ابن آدم! لو أن لك ملك الأرض جميعاً أتفتدي به من عذاب النار؟ فَيَقُولُ: نعم يا رب والله لو كَانَ لي ملك الأرض لافتديت به من هذا العذاب الذي أنا فيه، فيقول الله ﷾: قد طلب منك ما هو أهون من ذلك، قد أخذت عليك العهد وأنت في صلب أبيك ألا تشرك بي شيئاً \" الشاهد هو قوله ﷺ في هذه الحديث الصحيح: (صلب أبيك) فهذا يدل عَلَى أن الميثاق الذي أخذه الله ﷾ عَلَى بني آدم ميثاق حقيقي، وعهد حقيقي، أخذه الله تَعَالَى عليهم في الأصلاب، ثُمَّ بعد ذلك يقرون به وتبقى في فطرهم، والميثاق الفطري هذا سيأتي الكلام عليه إن شاء الله في موضوعه، لكن الشاهد منه أن هذا هو الميثاق الذي أخذه الله ﷾ في عالم الذر، وولد به الإِنسَان في عالم الوجود -في العالم الحقيقي الذي نعيشه الآن- فكل مولود يولد عَلَى الفطرة، ومن أراد التوسع في موضوع الفطرة والرد عَلَى أقوال المعتزلة فليراجع كتاب شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ درء تعارض العقل والنقل، فإن الجزء الثاني منه والتاسع امتداد وشرح لهذا الحديث، وبيان لأدلة المعتزلة والمتكلمين والفلاسفة،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689924,"book_id":1659,"shamela_page_id":1050,"part":null,"page_num":1050,"sequence_num":1050,"body":"وإبطال لها ونقل لكلام العلماء في معنى ذلك، ومنهم الإمام مالك وأبو عمر بن عبد البر.\r\rفالشاهد أن هذا هو المعنى الحقيقي للحديث فلا يقال إن معناه أنه يولد ساذجاً،\rومن الأدلة عَلَى ما ذكرناه حديث عياض بن حمار رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ وهو: قوله: (خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين، وحرمتْ عليهم ما أُحِلَ لهم) فإن هذا دليل عَلَى أن الله ﷾ قد خلق البشرية في الأصل عَلَى التوحيد، وفطرهم عَلَى الإيمان ثُمَّ أشركوا، وكذلك كل أحد من آحاد بني آدم فإنه يولد عَلَى التوحيد، حتى تجتاحه وتجتاله شياطين الإنس أو الجن فيصرفونه ويحولونه من التوحيد إِلَى الشرك، ويصرفونه عن الفطرة التي هي دين الله ﷾ كما قال تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [الروم:٣٠] فدين الإسلام هذا دين الفطرة، وهو الدين القيم وإن اختلفت الشرائع فإن الله ﷾ جعلنا عَلَى ملة إبراهيم، وأمرنا أن نتبعها فقَالَ: ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً [النحل:١٢٣] وملة إبراهيم وملة الأَنْبِيَاء جميعاً هي التوحيد الذي هو دين الفطرة لا تغيير له أبدا، ولكن الشرائع والتعبدات تختلف من دين إِلَى دين.\rالأدلة العقلية تدل على وجود الفطرة\rثُمَّ يقول المُصْنِّف ﵀:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689925,"book_id":1659,"shamela_page_id":1051,"part":null,"page_num":1051,"sequence_num":1051,"body":"[وهذا الذي أخبر به ﷺ هو الذي تشهد الأدلة العقلية بصدقه، منها: أن يُقَالَ: لا ريب أن الإِنسَان قد يحصل له من الاعتقادات والإرادات ما يكون حقاً، وتارة ما يكون باطلاً، وهو حساس متحرك بالإراداة، فلا بد له من أحدهما، ولا بد له من مرجح لأحدهما. ونعلم أنه إذا عرض عَلَى كل أحد أن يصدق وينتفع وأن يكذب ويتضرر، مال بفطرته إِلَى أن يصدق وينتفع، وحينئذ فالاعتراف بوجود الصانع والإيمان به هو الحق أو نقيضه.\rوالثاني فاسد قطعاً، فتعين الأول، فوجب أن يكون في الفطرة ما يقتضي معرفة الصانع والإيمان به، وبعد ذلك: إما أن تكون محبته أنفع للعبد أو لا.\rوالثاني فاسد قطعاً، فوجب أن يكون في فطرته محبة ما ينفعه.\rومنها: أنه مفطور عَلَى جلب المنافع ودفع المضار بحسبه وحينئذ وإن لم تكن فطرة كل واحد مستقلة بتحصيل ذلك، بل يحتاج إِلَى سبب معين للفطرة، كالتعليم ونحوه، فإذا وجد الشرط وانتفى المانع استجابت لما فيها من المقتضي لذلك.\r\rومنها: أن يقَالَ: من المعلوم أن كل نفس قابلة للعلم وإرادة الحق، ومجرد التعليم والتحضيض لا يوجب العلم والإرادة، لولا أن في النفس قوة تقبل ذلك، وإلا فلو علم الجماد والبهائم وحضضا لم يقبلا.\rومعلوم أن حصول إقرارها بالصانع ممكن من غير سبب منفصل من خارج، وتكون الذات كافية في ذلك. فإذا كَانَ المقتضي قائماً في النفس وقُدِّر عدم المعارض، فالمقتضي السالم عن المعارض يوجب مقتضاه، فعلم أن الفطرة السليمة إذا لم يحصل لها من يفسدها، كانت مقرة بالصانع عابدة له.\rومنها: أن يقَالَ: إنه إذا لم يحصل المفسد الخارج، ولا المصلح الخارج كانت الفطرة مقتضية للصلاح لأن المقتضي فيها للعلم والإرادة قائم، والمانع منتف] اهـ.\r\rالشرح:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689926,"book_id":1659,"shamela_page_id":1052,"part":null,"page_num":1052,"sequence_num":1052,"body":"[وهذا الذي أخبر به ﷺ هو الذي تشهد الأدلة العقلية بصدقه] هذه الأدلة العقلية التي ذكرها المُصْنِّف ﵀ فيها صعوبة، ولا يستطيع أي إنسان أن يفهمها إلا أن تؤخذ كلمة كلمة، ومع ذلك فإن فائدتها النهائية واضحة، وهي ما سبق أن قلناه، ونحب أن ننبه بهذه المناسبة أنه ستأتي موضوعات في شرح هذه العقيدة من مثل هذا النوع، فنقول: إننا -إن شاء الله تعالى- سوف نقتصر عَلَى الأمور التي يكون إيضاحها:\r\rأولاً: الأمور النقلية التي جاءت في الآيات والأحاديث.\r\rثانياً الأمور العقلية التي تكون واضحة وجلية، أما القضايا الكلامية التي فيها تعقيدات، أو التي فيها بحوث متعمقة جداً نضيع من أجلها ساعات وراء ساعات، وقد يكون في الحاضرين من لا يستطيع أن يفهم هذه المصطلحات ولا يدركها، فهذه إن شاء الله سوف نضرب عنها صفحاً، ولأن هذه الموضوعات معقدة أو بعضها معقدة جداً، ويحتاج الإِنسَان أن يبين كل كلمة وكل مصطلح، فتضيع الفائدة العامة عَلَى الجميع، وهذا الأمر ليس بدعياً من عندنا، بل حتى في الجامعات كما هو معلوم أن هذا الكتاب مقرر في كليات المملكة جميعاً -تقريباً- وأن هناك مقاطع تحذف من المنهج إذا كانت في مثل هذه الأمور، لكن نقول: إن هذه التفصيلات ليست صعبة جداً لكن نَحْنُ ننبه إِلَى ما بعدها، وإلا ففي الإمكان أن تفهم وسنوضح هذه الوجوه التي ذكرها المُصْنِّف ﵀ هنا إن شاء الله، بكلام إذا فهم تفهم جميعاً بإذن الله فنقول: كل إنسان عنده إرادة وإحساس، فهو حساس ومريد، وكما قال ﷺ: (أصدق الأسماء حارث وهمام)","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689927,"book_id":1659,"shamela_page_id":1053,"part":null,"page_num":1053,"sequence_num":1053,"body":"لأن كل إنسان من البشر هو حارث وهمام، مؤمناً كَانَ أو كافراً، غبياً أو ذكياً، ما دام أنه إنسان فهو حارث وهمام، أي له إرادات واعتقادات وتصورات، ويقوم بأعمال يعملها بناءً عَلَى هذه الإرادات والإحساسات، والله ﷾ قد فطر كل إنسان أن تكون إراداته وهمه وحرثه فيما ينفعه لا فيما يضره، فأي إنسان عندما يعمل أي عمل إنما يجتهد في عمل ما ينفعه، وإن كَانَ قد يكون ضاراً في الحقيقة، مثل الكافر الذي يجتهد في عبادة الأصنام فهذا شيء آخر، المهم أن يكون اجتهاده حسب ما يعتقد هو ويرى أنه نافع له، فهذه حقيقة واضحة فإذا كانت الفطرة بهذا الشيء، وكان الإِنسَان حارثاً وهماماً، وأنه لا يعمل ولا يكدح إلا فيما يعتقد أنه ينفعه، لا فيما يعتقد أنه يضره\rفالمشاهد والمحسوس الآن عند النَّاس جميعاً أنهم يتجهون إِلَى الله ﷾، وأن كل البشر الذين يولدون، يولدون وهم يريدون أن يتبعوا ديناً ما، ويتجهون إِلَى ربٍّ ما، كما سبق أن بينا شبه من يقول: إن الشيوعيين لا يتجهون إِلَى إله، بأن الشيوعي قبل أن يلقن مبادئ الحزب، وقبل أن يعرف أن مصلحته الدنيوية هي في اتباع هذا الحزب، هو أيضاً متجه إِلَى الإله بأي شكل من الأشكال، ولا يوجد عَلَى الإطلاق في أي عصر من العصور، وفي أي أمة من الأمم لا يوجد أبداً مجتمع بلا دين أبداً، حقاً كَانَ أو باطلاً، المهم أن هناك اتجاه إِلَى أن يكون هناك دين، وإله معبود.\r\rوقد قلنا إن أكبر الملاحدة من أمثال البيركامل الذي هو من المدرسة العدنية -كما يسمونها- وهي مدرسة فلسفية أوروبية قال هذا الملحد: \"إن مشكلة الإِنسَان المعاصر تتلخص في كلمة واحدة، وهي البحث عن الإله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689928,"book_id":1659,"shamela_page_id":1054,"part":null,"page_num":1054,"sequence_num":1054,"body":"إذاً فكل إنسان وكل مجتمع وكل أمة تتجه وتبحث عن إله، وتبحث عن دين، وهذا دليل عَلَى وجود الفطرة، وعلى أن هذه الفطرة تتجه إِلَى الله ﷾؛ لكن قد تضل وقد تصيب، ولنضرب عَلَى ذلك أمثلة واقعية حسية من واقع الحيوان، فالحيوان إذا رأى النَّار ابتعد عنها، ولا يمكن أن يأتي حيوان ويدخل في النار، إلا إذا وقع طريق الخطأ، مثل الفراشة لأنها عندما ترى النَّار تظن أن هذه ألوان الطيف من الجمال، مثل الأزهار الجميلة، فالجمال يجعل الفراشة تقع في النار، مع أنها لا تريد أن تعذب نفسها، ولذلك إذا وقعت في النَّار واحترق جناح من أجنحتها تهرب وتحاول أن تتحرك لتبتعد عن النار، فكل إنسان متجه إِلَى ما ينفعه لا إِلَى ما يضره.\rفإن زين له، أو لبس عليه، أو أغري فوقع فيما يضر، فإنه سرعان ما يحاول الخروج، وذلك مثل الكفار، عندما تزين لهم الشبهات فيعبدون غير الله، فالاتجاه إِلَى الإله موجود، لكن زينت لهم الشبهات والشهوات، وسول لهم الشيطان أن يعبدوا غير الله، فعبدوا غير الله ووقعوا في النَّار فعندما يقولون: رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ [المؤمنون:١٠٧] يدعون الله ويتمون أن يخرجهم من النَّار لأنهم قد وقعوا فيها بسبب التلبيس؛ لكن هل المُشْرِكُونَ والكفار عبدوا غير الله ليدخلوا النار؟\rلا؛ بل قالوا: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:٣] فهم لا يريدون أن يدخلوا النار، ولا يعبدون أصنامهم إلا لتدخلهم الجنة إن كَانَ هناك بعث.\r\rوقد قالوا لرَسُول الله ﷺ: إن افترضنا عَلَى كلامك أن هناك جنة وناراً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689929,"book_id":1659,"shamela_page_id":1055,"part":null,"page_num":1055,"sequence_num":1055,"body":"فنحن أهل الجنة لأننا أكثر أموالاً وأولاداً في هذه الدنيا، وقالوا مرة أخرى نَحْنُ الذين بنينا البيت ونحن الذين نعظم الحرم، ونسقي الحجاج، فإن كَانَ هناك من جزاء ومن عمل يحاسب عليه الإِنسَان جزاؤه الجنة، فنحن من أهل الجنة.\r\rفالشاهد مما سبق أن كل إنسان يتجه إِلَى ما ينفعه، وإلى ما يعتقد أن فيه مصلحته، ما لم يأت صارف فيصرفه عن ذلك، مثل ما جاءت الشياطين فاجتالت بني آدم عن دينهم وقالت: إن عبدتم غير الله فهذا خير لكم، مثل ما زين الشيطان لأبوينا عندما قال لهما: مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ [الأعراف:٢٠] سُبْحانَ اللَّه! آدم ﵇ نسي ما أخذه الله عليه من العهد، ووقع في المعصية؛ لأنه طمع أن يكون من الملائكة أو أن يكون من الخالدين.\r\rونسي أن الله ﷾ تكفل له ما دام فيها ولم يأكل منها، أنه لا يجوع ولا يعرى ولا يضحى ولا يمسه أي أذى أو نصب أو ألم، لكنه نسي طمعاً في لذة أعظم من اللذة الموجودة، فالإِنسَان حساس ومتحرك وله إرادات، ولا يعمل أي عمل إلا وفيه مصلحته، وإن عمل غير ذلك فلأنه في تصوره يسعى إِلَى لذة أعلا، وإلى مصلحة أعظم، فهذا دليل عَلَى وجود الفطرة وأن الفطرة تتجه في طبيعتها إِلَى الله ﷾،\rولو خلي الإِنسَان -الذي يبحث عن الحق مع نفسه- لاتجه إِلَى عبادة الله وحده لا شريك له، لكن تأتيه شياطين الجن والإنس، فتلبس له الشرك وتزينه له.\r\rوإذا قلنا: إن توحيد الله ﷾ هو الحق وهو النافع، فلو عرض عَلَى أي إنسان يهودي أو نصراني أو مجوسي فإنه يتجه إليه، ويترك التكذيب الذي يؤدي به إِلَى النار، وإنما يقع الشرك؛ لأنه يلبس عَلَى الإِنسَان الذي ينفعه بالذي يضره، لكن لو خليت الفطرة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689930,"book_id":1659,"shamela_page_id":1056,"part":null,"page_num":1056,"sequence_num":1056,"body":"ولو جئنا إِلَى هذا الإِنسَان، وأقنعناه أن يترك تقليده الذي مشى عليه، ويترك الفلسفات التي ورثها، ويتخلى عن حقده للنبي ﷺ لدين الإسلام، ويتخلى عن تعصبه، أي لو قلنا له: أزل هذه الموانع الخارجية جميعاً.\r\rثُمَّ انظر إِلَى نفسك فاختر الدين الذي تريد، ثُمَّ أزال هذه جميعاً، وأخذ يقرأ القُرْآن وبدأ بالفاتحة مثلاً ثُمَّ بالبقرة، وقرأ في الأحاديث، فإنه سيجد أن هذا هو الدين الحق، وسوف يؤمن به، وإذا قرأتم قصص الذين دخلوا في الإسلام، وما كتبوه، لوجدتم هذا الكلام تصديقا لما قَالَ المُصْنِّفُ ﵀ هنا؛ أنه إذا خليت النفس عن الموانع الخارجية، من التقليد أو الاتباع فإنها تهتدي إِلَى الدين الحق.\r\rتجد الواحد منهم يقول: قرأت أديان الهند، وقرأت أديان الصين، ودخلت في دين كذا ودين كذا، ثُمَّ لم أقتنع بها، وأخذت أبحث عن الدين الحق وهنا جَاءَ ما يقوله المُصْنِّف أن الفطرة تبحث، وأنها لو تركت لاهتدت، يقول أحدهم: في أثناء البحث تعرفت عَلَى شاب مسلم، أو وقع بيدي نسخة من القرآن، فلما قرأت عرفت أن هذا هو الدين الحق، فاهتدى الرجل فأسلم، فهذا دليل عَلَى وجود الفطرة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689931,"book_id":1659,"shamela_page_id":1057,"part":null,"page_num":1057,"sequence_num":1057,"body":"لكن الفطرة وحدها لا تهتدي فقد تضل، والذي يقوم الطريق ويمنع الفطرة من الخطأ هو الوحي، ولذلك لم يؤاخذنا الله ﷾، ولم يحاسبنا بمقتضى العهد الذي أخذه علينا في عالم الذر، ولم يحاسبنا ﷾ أو يؤاخذنا بمقتضى الفطرة التي فطرها في أنفسنا، وإنما بعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب، لئلا يكون للناس عَلَى الله حجة بعد الرسل، -أي: أن الحجة والبلاغ إنما هي بدعوى الأنبياء- فهذا من حكمة الله، ومن فضله ﷾ علينا؛ أنه لا يعذب أحداً وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً [الاسراء:١٥] مع قيام الحجج في الفطرة، وقيام الحجج في العقل، ومع الميثاق الذي أخذه الله في عالم الذر، والبراهين التي جعلها في الكون والنفس والآفاق، مع ذلك كله فإن العذاب ودخول النَّار لا يكون إلا عَلَى ما يبلغ الإِنسَان من العلم النبوي،.\r\rفهذا ملخص لهذه للأوجه التي ذكر المُصْنِّف ﵀ هنا، وهو أن الفطرة تتجه إِلَى الله ﷾، وأن الإِنسَان لديه قابلية الاتباع، كما أن لدى كل إنسان قابلية التعلم والعبادة لله، والاهتداء بهديه ﷾، فما لم يحل حائل، أو يأتي حجاب من الحجب يحجب الإِنسَان عن التوحيد، فإن بني آدم جميعاً يتجهون إِلَى التوحيد.\r\rوكل مسلم عَلَى ظهر الأرض فليس مقلداً؛ لأنه مؤمن بالله بمقتضى الميثاق في عالم الذر، وبمقتضى الفطرة التي خلقه الله تَعَالَى عليها، وبمقتضى الإيمان بالنبي ﷺ، الإيمان البدهي الذي هو أقوى من البراهين النظرية العقلية، ومع ذلك فلكل مؤمن براهينه وحجته التي أعطاه الله ﷾ إياها عَلَى قدر علمه وعلى قدر ما بلغه.\r\rدليل على وجود الله والكلام عليه\rقَالَ المُصْنِّفُ ﵀:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689932,"book_id":1659,"shamela_page_id":1058,"part":null,"page_num":1058,"sequence_num":1058,"body":"[ويُحكى عن أبي حنيفة ﵀: أن قوماً من أهل الكلام أرادوا البحث معه في تقرير توحيد الربوبية، فَقَالَ لهم: أخبروني -قبل أن نتكلم في هذه المسألة- عن سفينة في دجلة تذهب فتمتلأ من الطعام والمتاع وغيره بنفسها، وتعود بنفسها، فترسي بنفسها، وتتفرغ وترجع كل ذلك من غير أن يدبرها أحد؟!\rفَقَالُوا: هذا محال لا يمكن أبداً!\rفَقَالَ لهم: إذا كَانَ هذا محالاً في سفينة، فكيف في هذا العالم كله علوه وسفله؟!\rوتحكى هذه الحكاية عن غير أبي حنيفة أيضاً.\rفلو أقر رجل بتوحيد الربوبية الذي يقر به هَؤُلاءِ النظار، ويفنى فيه كثير من أهل التصوف، ويجعلونه غاية السالكين كما ذكره صاحب منازل السائرين وغيره، وهو مع ذلك إن لم يعبد الله وحده ويتبرأ من عبادة ما سواه كَانَ مشركاً من جنس أمثاله من الْمُشْرِكِينَ] ا. هـ.\rالشرح:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689933,"book_id":1659,"shamela_page_id":1059,"part":null,"page_num":1059,"sequence_num":1059,"body":"يقول المُصْنِّف ﵀: [ويُحكى عنأبي حنيفة] كلمة \"يحكى\" أو \"يُقال\" معناها: أن الخبر فيه كلام، فليس موثوقاً، والحقيقة أن هذه الواقعة لا تتصور أنها تصح عن الإمام أبي حنيفة لأنه لا يمكن أن يتجرأ أحد من الملاحدة في عهد الإمام أبي حنيفة وفي أوائل القرن الثاني، ويقول أنا أنكر وجود الله، ثُمَّ يؤتى به إِلَى الكوفة إلى عالم من أكبر علمائها ويقول له: أنا أريد أن أناظرك!! لأنه حتى في هذا العصر -والْحَمْدُ لِلَّهِ- عَلَى ضعف إيماننا، وعلى ضعف علمنا، لا يتجرأ الملحد أن يأتي فضلاً عن أن يبحث عن عالم من علماء الْمُسْلِمِينَ الكبار ويقول: أنا أريد أن أناظره، لأن الله ﷾ ضرب عليهم الذل، وعلماء الْمُسْلِمِينَ والْمُسْلِمُونَ جميعاً حتى العامة منهم يرفضون أصلاً أن يقابلوا مثل هذا الإِنسَان، أو يتحدثوا معه، فضلاً عن أن يفتحوا له الطريق ويقبلوا المناظرة، ويقولون وإذا لم نقنعك نذهب بك إِلَى الإمام أبي حنيفة نقول: هذا لا يمكن ولا يتخيل لكن هذا مما يذكره بعض المتكلمين ليبينوا أن الأئمة الأربعة وغيرهم قد عرفوا الأدلة والبراهين والحجج العقلية، ومثل ذلك ما ينقل عن الإمام أَحْمَد والإمام الشَّافِعِيّ أنهم قالوا: انظروا إِلَى هذه البيضة أو عجبت لهذه البيضة، التي ظاهرها هذا العظم وباطنها الماء، ثُمَّ يخرج منها ذلك الحيوان ثُمَّ يكون له العين والمنقار والرئتان، مع ذلك نقول أن هذه النقولات لو ثبتت فليس معنى ذلك أن دليل الإمامأَحْمَد عَلَى وجود الله، هو هذه البيضة، أو أن دليل الإمام أبي حنيفة عَلَى وجود الله وعلى توحيد الربوبية هو السفينة.\r\rأو من قال من الأئمة: من أراد أن يعرف الله فلينظر إِلَى الإِنسَان كيف خلق من طين، ثُمَّ من ماء، هذه أمثلة وعبر، مثلهم مثل أي واحد يرى منظراً في ملكوت الله في السماء فَيَقُولُ: سُبْحانَ اللَّه كيف ينكر الله ﷿ أحد؟!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689934,"book_id":1659,"shamela_page_id":1060,"part":null,"page_num":1060,"sequence_num":1060,"body":"انظر هذا دليل عَلَى ربوبية الله، فليس هذا هو دليله الوحيد الذي يقوم إيمانه ويعتمد عليه إنما هو كمثال من الأمثلة وكدليل من جملة الأدلة، فهذا الدليل دليل السفينة يذكر كذلك، ولا يعني هذا أننا لا نؤمن بالله إلا بناء عَلَى هذا الدليل، أو أن هذا هو حجتنا الوحيدة، أو أننا لا نملك عَلَى وجود الله إلا أمثال هذه الأدلة.\rفالله ﷾ له في كل شيء آية تدل عَلَى أنه واحد ﵎ ووجوده أيقين في النفوس من وجود المخلوقين أنفسهم؛ لأننا نعلم أن هَؤُلاءِ المخلوقين إنما وجدوا؛ لأن الله ﷾ هو الذي خلقهم، فوجود الخالق الموجد ﷾ إيمان النفس به أكثر يقيناً من يقينها بوجود بلد اسمه أمريكا أو الهند، ومع أنه قد يكون الإِنسَان ربما لم يرها قط ومع ذلك هو مؤمن بوجودها، فالإيمان بوجود الله أعظم وأكثر يقيناً من اليقين بذلك؛ لأنه تمتلأ به الفطرة والقلب قبل أن يعرضه الدين عَلَى المباحث العقلية النظرية والمصنف ﵀ ذكر هذا المثال. وتفسيره واضح.\rونختتم بما ذكره مؤلف منازل السائرين، وهذا الكتاب ألفه الإمام أبو إسماعيل عبد الله الهروي والذي شرحه الإمام ابن القيم في كتابه مدارج السالكين شرح منازل السائرين وهو المذكور هنا في قوله: \"ويفنى فيه كثير منأهل التصوف ويجعلونه غاية السالكين\".\r\rأما المتكلمون والنظار فقد سبق الحديث عنهم، وأما هذا الهروي صاحب منازل السائرين فإنه قد وقع -عفا الله عنه- فيما وقع فيه الصوفية من الحديث عن الفناء، حيث قالوا: إن حقيقية الفناء وحقيقة التوحيد، هو توحيد الربوبية: أن تعتقد أنه لا خالق إلا الله، وأنه لا فاعل إلا الله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689935,"book_id":1659,"shamela_page_id":1061,"part":null,"page_num":1061,"sequence_num":1061,"body":"وسيأتي تفصيل هذا قريباً، كما سيأتي ذكر الأبيات التي ذكرها المُصْنِّف ﵀ عن الهروي نفسه، وهي أبيات مردودة في موضوع التوحيد، وهذا الكلام الذي ذكره الهروي نقله صاحب حلية الأولياء عن الجنيد، وهو من كلام الصوفية حيث يعتقدون أن توحيد الربوبية هو غاية التوحيد فمن وصل عندهم إِلَى توحيد خاصة الخاصة فهو الذي يصل إِلَى اعتقاد أنه لا فاعل إلا الله، وأن كل ما في الكون إنما يتحرك بإذن الله ﷾، وأن الله هو الذي حركه، أي: حقيقة الفعل هذه منسوبة إِلَى الله.\r\rفلا ترى لغير الله فعلاً ولا حركة ولا إرادة فهذا هو غاية التوحيد عندهم، أما ما دمت تثبت فعلين، فأنت لا تزال في توحيد أقل، أو في الشرك كما قال ذلك ابن سينا حيث قَالَ: القُرْآن كله شرك، والعياذ بالله، وهذا كلام الفلاسفة، وأخذه الصوفية في الأصل أخذوا عن الفلاسفة، من اليونان والهنود، لكن فلسفة هَؤُلاءِ فلسفة روحانية، وأولئك فلسفة عقلانية.\r\rوالشاهد أن دعاوى المتكلمين والنظار، ودعاوى الصوفية وأمثالهم، أن التوحيد الحقيقي هو توحيد الربوبية، وهذا مردود عليهم؛ لأن التوحيد الحقيقي هو توحيد الألوهية، فهو الذي أمر النَّاس أن يتدرجوا فيه حتى يعرفوه حق معرفته، ويقوموا به حق قيامه، وكما سبق أن بينا أنه ليس كل الصوفية يقولون بوحدة الوجود، وليسوا جميعاً يقولون: إن التوحيد الحقيقي هو توحيد الربوبية، وإنما النَّاس دائماً درجات ومراتب في البدعة، أو في الضلالة، أو في الشرك، أو الكفر، فهم درجات ومراتب، والكلام عَلَى المنهج العام يختلف عن الكلام في الأعيان والأشخاص.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689936,"book_id":1659,"shamela_page_id":1062,"part":null,"page_num":1062,"sequence_num":1062,"body":"فالأشخاص فيهم من يأخذ بذلك المنهج كله، وفيهم من يأخذ منه ببعضه، وفيهم من ينتسب إليه بالاسم ويدعيه وهو لا يعرفه ولا يأخذ منه بشيء، فالشاهد هو هذا، وسوف يأتي -إن شاء الله ﷾ مزيد من الحديث عن الهروي وعن كتابه عند الحديث عن الأبيات التي ذكرها في نفس هذا الموضع فيما سيأتي.\r\rإنما يقصد بتوحيد الربوبية الاستدلال والإلزام به على توحيد الإلوهية\rوامتداداً لذلك نظر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- إِلَى بيان أن هذا التوحيد ليس هو المطلوب لذاته، وإنما يأتي في القُرْآن للاستدلال به، وإلزام الْمُشْرِكِينَ بتوحيد الألوهية.\rومن جعله هو المطلوب لذاته وهو الغاية من الطريقة والعبادة كما يقول بعض الضلال والصوفية أو بعض علماء الكلام - فهو عَلَى خطأ عظيم، فالصوفية يدعون أن غاية التوحيد هو أن يعتقد أنه لا تأثير لأحد في الكون إلا لله ﷾، ويقول صحاب جوهرة التوحيد المنظومة في العقيدة الأشعرية:\r\rوالفعل في التأثير ليس إلا للواحد القهار جل وعلا\rومن يقل بالقوة المودعةِ فذاك بدعي فلا تلتفتِ\rومن يقل بالطبع أو بالعلة فذاك كفر عند أهل الملة\rفالتوحيد هو: أن يعتقد الإِنسَان أنه لا مؤثر ولا فاعل في الكون إلا الله ﷾ ولو دعا غير الله، أو ذبح لغير الله، أو صرف أي نوع من أنواع العبادة لغير الله، وهو يعتقد أن المؤثر هو الله وحده، وأن هذا المدعو أو المرجو أو المعبود من دون الله سواء كَانَ ملكاً أو نبياً أو عبداً صالحاً ما هو إلا واسطة ووسيلة وشفيع، وأن المؤثر الفاعل الحقيقي هو الله فهذا عندهم لا يسمى مشركاً، فمن قَالَ: إنه مشرك فقد كفّر الْمُسْلِمِينَ وهو من الخوارج إِلَى آخر ما يقولون!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689937,"book_id":1659,"shamela_page_id":1063,"part":null,"page_num":1063,"sequence_num":1063,"body":"فإن حقيقة التوحيد عندهم، والغاية النهائية من التوحيد أن يترقى الإِنسَان في فهم الوحدانية حتى يصل به الأمر -كما يقولون- إِلَى أن يعتقد أن هذا العالم كله لا تأثير فيه لأحد إلا الله، وكل هذه الأفعال التي نراها في الكون هي من فعل الله وحده فقط.\rونحن نرد عليهم ونبين ونكشف هذه الشبهات بالأدلة القطعية الجلية من كتاب الله ﷾ ومن سنة رسوله الله ﷺ، ومن البراهين اليقينية التي يجدها كل مسلم في نفسه، وهي: أن الْمُشْرِكِينَ في الجاهلية ما كانوا يعتقدون لأحد تأثيراً غير الله، وما كانوا يعتقدون أن أحداً خلق أو رزق غير الله ﷾.\r\rهذه هي عقيدة الجاهليين والذين يعبدونهم من دون الله من الآلهة -اللات والعزى ومناة وهبل وود وسواع ويغوث ويعوق ونسرا، فهذه المعبودات والكهان الذين كانوا يطيعونهم بما يأمرونهم، ويلقون إليهم إنما هم واسطة أو وسيلةأَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ [الزمر:٤٣] ويقولون في تلبيتهم: \"لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك\".\rفلم يجعلوا لغير الله ملكاً ولا تأثيراً ولا فعلاً، ولم يكن أحد من كفار قريش يعتقد أن اللات أو هبل هي التي خلقت هذه الجبال التي يراها أهل مكة، أو هي التي خلقت فلاناً وفلاناً قصي وعبد المطلب من زعماء مكة.\rإذاً؛ نقول لهم: أنتم تريدون أن ترجعونا إِلَى عين الشرك القديم، وإلى حقيقة الشرك القديم، وهو أنكم تقولون: إنَّ هَؤُلاءِ الْمُشْرِكِينَ الذين يدعون الإسلام -مثلاً- يعتقدون أنه لا تأثير لأحد إلا الله ﷾.\r\rالقرآن مملوء بالأدلة على توحيد الربوبية\rقَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689938,"book_id":1659,"shamela_page_id":1064,"part":null,"page_num":1064,"sequence_num":1064,"body":"[والقرآن مملوء من تقرير هذا التوحيد وبيانه وضرب الأمثال له. ومن ذلك أنه يقرر توحيد الربوبية، ويبين أنه لا خالق إلا الله، وأن ذلك مستلزم أن لا يعبد إلا الله، فيجعل الأول دليلاً عَلَى الثاني، إذ كانوا يسلمون الأول، وينازعون في الثاني، فيبين لهم - سبحانه- أنكم إذا كنتم تعلمون أنه لا خالق إلا الله، وأنه هو الذي يأتي العباد بما ينفعهم، ويدفع عنهم ما يضرهم، لا شريك له في ذلك، فلم تعبدون غيره وتجعلون معه آلهة أخرى؟\r\rكقوله تعالى: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ [النمل:٦٠،٥٩] .\rيقول الله تَعَالَى في آخر كل آية: أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ أي: أإله مع الله فعل هذا؟\r\rوهذا استفهام إنكار، يتضمن نفي ذلك، وهم كانوا مقرين بأنه لم يفعل ذلك غير الله، فاحتج عليهم بذلك، وليس المعنى استفهام: هل مع الله إله؟ -كما ظنه بعضهم- لأن هذا المعنى لا يناسب سياق الكلام، والقوم كانوا يجعلون مع الله آلهة أخرى كما قال تعالى: أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لا أَشْهَد [الأنعام:١٩] .\rوكانوا يقولون: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص:٥] .\rلكنهم ما كانوا يقولون: إن معه إلهاً جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً [النمل:٦١] بل هم مقرون بأن الله وحده فعل هذا وهكذا سائر الآيات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689939,"book_id":1659,"shamela_page_id":1065,"part":null,"page_num":1065,"sequence_num":1065,"body":"وكذلك قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:٢١] .\rوكذلك قوله في سورة الأنعام: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ [الأنعام:٤٦] وأمثال ذلك] اهـ.\rالشرح:\rيبين المُصْنِّفُ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- أن القُرْآن مملوء من تقرير وذكر توحيد الربوبية، وأن الله ﷾ هو وحده الخالق الرازق المُحيي المميت الضار النافع، الذي يدبر الأمر، والذي يغيث الملهوف، ويجيب المضطر، ويكشف السوء ممن دعاه إِلَى غير ذلك من خصائص الربوبية، التي منها أيضاً التفرد: بعلم الغيب المطلق، والتي منها: التفرد بحق التشريع للبشر في الدين وفي مصالح الدنيا، ومنها لوازم كثيرة لعلنا نعرض بعضها -إن شاء الله-.\rوالقرآن مملوء بذكر هذا التوحيد لكن لا عَلَى انفراد، ولا عَلَى أساس أنه يقره كأمر جديد، وإنما يقول للمشركين: هذا الذي أنتم مقرون به يستلزم ويستوجب منكم الإقرار بما أنتم منازعون فيه، فالمُشْرِكُونَ كانوا ينازعون في أن الله تَعَالَى هو وحده المعبود، وهو الذي يرجى ويدعى ويخاف وحده لا شريك له، وكانت هذه هي المعركة بينهم وبين الرسل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689940,"book_id":1659,"shamela_page_id":1066,"part":null,"page_num":1066,"sequence_num":1066,"body":"وكان المُشْرِكُونَ وأهل الكتاب -أيضاً- يعتقدون أن غير الله هو الذي يملك أن يشرع وأن يحلل أو يحرم فالله ﷾ يلزمهم بأنه وحده الذي خلق الكون والبشر، فهو وحده الذي يشرع لهم، وهو وحده الذي يجب أن يطيعوه، وأما غيره فلا يجوز أن يتخذ رباً كما قال تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ [التوبة:٣١] وقال تعالى: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّه ... إِلَى أن قَالَ: فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض.. ثُمَّ قَالَ: لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض.. [الشورى:١٠-١٢]\rومن كَانَ فاطر السماوات والأرض، وله مقاليد السماوات والأرض، فهو الذي يحق له وحده أن يشرع في السماوات والأرض، وأن يطاع شرعه ويتبع أمره.\rوالآيات كثيرة من كتاب الله التي تذكر بهذه المعاني لتلزم بما بعدها من توحيد الألوهية، ومنها هذه الآيات التي في سورة النمل: قال الله ﷾: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى [النمل:٥٩] آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ [النمل:٥٩] .\r\rثُمَّ ذكر خمس آيات تنتهي كل منها بقوله تعالى: أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ ... قال تعالى: أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ [النمل:٦٠] إِلَى أن يقول: أَمَّنْ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [النمل:٦٤] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689941,"book_id":1659,"shamela_page_id":1067,"part":null,"page_num":1067,"sequence_num":1067,"body":"وفي هذه السورة بعد أن ذكر في أولها تكذيب قومفرعون: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً [النمل:١٤] وبعد أن ذكر تكذيب قوم سبأ، وقصة أهل اليمن -الذين كانت ملكتهم بلقيس مع سليمان ﵇ ثُمَّ دخولها في دين الله ﷾ وبعد أن ذكر تكذيب ثمود قوم صالح، ثُمَّ ذكر قوم لوط وإهلاكهم وما كَانَ لهم، ذكر بعد ذلك هذه الآيات، فالموضوع كله في بيان موضوع أن الله ﷾ هو وحده المعبود، وهو وحده المطاع، وأنه ﵎ لا يجوز أن يشرك مع غيره في طاعته وفي عبادته وفي التقرب إليه.\rفضرب لهم هذه الأمثلة وبين لهم: أنكم أنتم تقولون: إنه لم يخلق السماوات الأرض إلا الله، ولم ينزل الغيث من السماء فينبت به هذه الحدائق ذات البهجة إلا الله، فيقول ﵎ بعد ذلك منكراً عليهم: أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ أي: أإله مع الله فعل هذا، فتعبدونه مع الله، فإنه إذا كَانَ غيره قد شاركه في فعل ذلك، فيجوز أن تعبدوا غيره الذي شاركه في هذا الفعل، أما إذا كنتم تقرون بأنه وحده: هو المتفرد بخلق هذه المخلوقات، والمتفرد بخلق السماوات والأرض، والمتفرد بأنه جعل الأرض قراراً، وجعل فيها أنهاراً، وجعل فيها رواسي، وجعل بين البحرين حاجزاً، والمتفرد بأنه: هو الذي يهدي في ظلمات البر والبحر، وأنه هو الذي يكشف الضر ممن دعاه، فيجب عليكم أن تفردوه وحده بالعبادة، ولا تعبدوا غيره أبداً -سبحانه- فلا تدعوا غيره، ولا تصلوا لغيره، ولا تذبحوا لغيره، ولا تنذروا لغيره.\r\rالتفسير الصحيح لقوله تعالى ((أإله مع الله))\rيقول المُصنِّفُ: ليس الأمر كما فهم بعض الشراح أو بعض المفسرين أن السياق قد انتهى، وكأن قوله:\rأَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ معناه هل هناك شريك لله؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689942,"book_id":1659,"shamela_page_id":1068,"part":null,"page_num":1068,"sequence_num":1068,"body":"فهذا الوجه خطأ لأن الكلام يجب أن يقرأ متصلاً فنقول مثلاً: (أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّه [النمل:٦٠] التقدير: أإله مع الله فعل هذا؟!\rسيكون جوابهم: لا. وهذا سؤال إنكار هذا الوجه هو الصحيح في الآية أما الوجه الخطأ فهو أن يظن أن الآية تقول: أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا [النمل:٦٠] انتهى.\rثُمَّ يقول: أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ كأنه سؤال جديد يقول: هل لله شريك؟\rفهذا الوجه خطأ لأنهم يثبتون لله شريكاً، والله تَعَالَى لا يسألهم هل له شريك؟\rيعني مجرد سؤال، إنما المقصود أإِله مع الله فعل هذا فتعبدونه من دون الله؟ فإذا قلتم: لا، لم يفعل هذا أحد مع الله، وإنما فعله الله وحده، فهَؤُلاءِ الشركاء الذين تعبدونهم من دون الله إذن عبادتكم لهم باطلة وشرككم لهم باطل فهذا هو المراد.\rوكما قال ﷾: أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى [الأنعام:١] فهم يشهدون، ولكن أنت قُلْ لا أَشْهَد أي: أنهم هم يشهدون أن مع الله آلهة أخرى ويدعون مع الله آلهة أخرى، والاستفهام هنا إنكار عليهم، كيف تؤمنون وتقرون بأنه لم يفعل ولم يخلق أحد غير الله ثُمَّ تعبدون وتدعون غير الله ﷾؟!\r\rوذكر المُصْنِّفُ ﵀ أيضاً الآيات التي في سورة البقرة -التي قلنا أن فيها أول أمر في القرآن- منها قول تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:٢١] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689943,"book_id":1659,"shamela_page_id":1069,"part":null,"page_num":1069,"sequence_num":1069,"body":"وسورة البقرة أول سورة نزلت في المدينة، وهي من أعظم سور القرآن؛ لاشتمالها عَلَى أعظم آية في كتاب الله ﷾ وهي: آية الكرسي ولما اشتملت عليه من الأحكام العظيمة، والمعاني الجليلة، ولذلك -كما في الحديث الصحيح- (لا تستطيعها البطلة) -أي: السحرة والكهان- والشيطان يفر من البيت الذي يسمع سورة البقرة تقرأ فيه -كما في الحديث الآخر.\rوهي أول سورة نزلت في المدينة، جاءت في مفتتح القُرْآن بعد الفاتحة، فذكر الله ﷾ في أولها صفة القُرْآن العظيم، ثُمَّ صفات المؤمنين فيه ثُمَّ الكافرين ثُمَّ المنافقين، وبعد الانتهاء من صفات المنافقين أمر بهذا الأمر الذي هو أول أمر في القُرْآن فقوله سبحانه: يَا أَيُّهَا النَّاسُ هذا خطاب عام لجميع النَّاس اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:٢١] .\rأمر النَّاس جميعاً أن يعبدوه وحده، لأنه هو الذي خلقهم الَّذِي خَلَقَكُمْ فكونه هو الذي خلقكم، وكونه هو الذي خلق الذين من قبلكم، هذه قضية بدهية، وهي حقيقة مقررة عندكم؛ إذاً فاعبدوه وحده لا شريك له وأفردوه بالعبادة ﷾.\rوالآية التي في سورة الأنعام قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ [الأنعام:٤٦] وهم مقرون وعالمون أنه لا أحد غير الله يأتيهم بذلك، وأن الله هو الذي رزقهم.\rفهذا يبين ويوضح أن كل الآيات التي وردت في القُرْآن -ومنها الآيات التي في سورة النمل- إنما المراد بها أنكم لِمَ تجعلون لله شريكاً في العبادة ما دام أنه ليس له شريكاً في الخلق؟! هذا هو مضمون ما ذكره المُصْنِّفُ -رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى- في ذلك.\r\rالغاية العظمى لإرسال الرسل هو توحيد الألوهية\rقَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689944,"book_id":1659,"shamela_page_id":1070,"part":null,"page_num":1070,"sequence_num":1070,"body":"(وإذا كَانَ توحيد الربوبية، الذي يجعله هَؤُلاءِ النظار، ومن وافقهم من الصوفية هو الغاية في التوحيد: داخلاً في التوحيد الذي جاءت به الرسل ﵈ ونزلت به الكتب، فليعلم أن دلائله متعددة كدلائل إثبات الصانع ودلائل صدق الرسول، فإن العلم كلما كَانَ النَّاس إليه أحوج كانت أدلته أظهر، رحمةً من الله بخلقه.\rوالقرآن قد ضرب الله للناس فيه من كل مثل، وهي المقاييس العقلية المفيدة للمطالب الدينية، لكن القُرْآن يبين الحق في الحكم والدليل، فماذا بعد الحق إلا الضلال؟\rوما كَانَ من المقدمات معلومة ضرورية متفقاً عليها استدل بها، ولم يحتج إِلَى الاستدلال عليها، والطريقة الفصيحة في البيان أن تحذف، وهي طريقة القُرْآن بخلاف ما يدعيه الجهال، الذين يظنون أن القُرْآن ليس فيه طريقة برهانية، بخلاف ما قد يشتبه ويقع فيه نزاع، فإنه يبينه ويدل عليه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689945,"book_id":1659,"shamela_page_id":1071,"part":null,"page_num":1071,"sequence_num":1071,"body":"ولما كَانَ الشرك في الربوبية معلوم الامتناع عند النَّاس كلهم، باعتبار إثبات خالقين متماثلين في الصفات والأفعال، وإنما ذهب بعض الْمُشْرِكِينَ إِلَى أن ثُمَّ خالقاً خلق بعض العالم كما يقوله الثنوية في الظلمة، وكما يقوله القدرية في أفعال الحيوان، وكما يقوله الفلاسفة الدُّهرية في حركة الأفلاك أو حركات النفوس، أو الأجسام الطبيعية، فإن هَؤُلاءِ يثبتون أموراً محدثة بدون إحداث الله إياها، فهم مُشْرِكُونَ في بعض الربوبية، وكثير من مشركي العرب وغيرهم قد يظن في آلهته شيئاً من نفع أو ضر بدون أن يخلق الله ذلك، فلما كَانَ هذا الشرك في الربوبية موجوداً في الناس، بيَّن القُرْآن بطلانه، كما في قوله تعالى: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ [المؤمنون:٩١] فتأمل هذا البرهان الباهر، بهذا اللفظ الوجيز الظاهر، فإن الإله الحق لا بد أن يكون خالقاً فاعلاً، يوصل إِلَى عابده النفع ويدفع عنه الضر فلو كَانَ معه -سبحانه- إله آخر يشركه في ملكه لكان له خلق وفعل، وحينئذٍ فلا يرضى تلك الشركة، بل إن قدر عَلَى قهر ذلك الشريك وتفرده بالملك والإلهية دونه فعل، وإن لم يقدر عَلَى ذلك انفرد بخلقه وذهب بذلك الخلق، كما ينفرد ملوك الدنيا بعضهم عن بعض بممالكه، إذا لم يقدر المنفرد منهم عَلَى قهر الآخر والعلو عليه، فلا بد من أحد ثلاثة أمور:\rإما أن يذهب كل إله بخلقه وسلطانه.\rوإما أن يعلو بعضهم عَلَى بعض.\rوإما أن يكونوا تحت قهر ملك واحد يتصرف فيهم كيف يشاء، ولا يتصرفون فيه بل يكون وحده هو الإله، وهم العبيد المربوبون المقهورون من كل وجه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689946,"book_id":1659,"shamela_page_id":1072,"part":null,"page_num":1072,"sequence_num":1072,"body":"وانتظام أمر العالم كله وإحكام أمره، من أدل دليل عَلَى أن مدبره إله واحد، وملك واحد، ورب واحد، لا إله للخلق غيره، ولا رب لهم سواه. كما قد دل دليل التمانع عَلَى أن خالق العالم واحد، لا رب غيره ولا إله سواه، فذاك تمانع في الفعل والإيجاد، وهذا تمانع في العبادة والإلهية، فكما يستحيل أن يكون للعالم ربان خالقان متكافئان، كذلك يستحيل أن يكون لهم إلهان معبودان، فالعلم بأن وجود العالم عن صانعين متماثلين ممتنع لذاته، مستقر في الفطر معلوم بصريح العقل بطلانه، فكذا تبطل إلهية اثنين. فالآية الكريمة موافقة لما ثبت واستقر في الفطر من توحيد الربوبية، دالة مثبتة مستلزمة لتوحيد الإلهية] اهـ.\rالشرح:\r\rهذا المقطع الطويل كله في بيان حقيقة توحيد الربوبية، ويبدؤه المُصْنِّف ﵀ ببيان أنه إذا كَانَ توحيد الربوبية الذي يجعله بعض النظار أو المتكلمين هو الغاية؛ فإن التوحيد الذي جَاءَ به الأَنْبِيَاء -وهو توحيد الألوهية- متضمن لهذا التوحيد، بمعني: أن توحيد الربوبية داخل في توحيد الألوهية، فكيف تجعلونه غاية وهي داخلة في الغاية العظمى التي دعا إليها الأَنْبِيَاء وهي التوحيد الحقيقي توحيد الألوهية؟! ثُمَّ يقول: إذا علم ذلك وأن هذا التوحيد داخل في ذلك التوحيد، فينبغي أن يعلم أن دلائل ذلك التوحيد -أي توحيد الربوبية- كثيرة مثلما أن دلائل توحيد الألوهية كثيرة، وأن دلائل صدق النبي ﷺ كثيرة، والدلائل عَلَى أن القُرْآن حق كثيرة، ثُمَّ يقول المُصْنِّف في تعليل كثرة الأدلة عَلَى توحيد الربوبية:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689947,"book_id":1659,"shamela_page_id":1073,"part":null,"page_num":1073,"sequence_num":1073,"body":"إن العلم كلما كانت الحاجة إليه أكثر، كلما كَانَ دليله أظهر وأقوى رحمة من الله ﷾ بخلقه، فإن أمور العقيدة الدقيقة التي لا يحتاج إليها كل إنسان لا يعلمها إلا الراسخون في العلم، وأدلتها تحتاج إِلَى تتبع وقراءة ودراسة ونظر، ولكن الأمور العظمى والكبرى التي يترتب عليها كون الإِنسَان مؤمناً أو كافراً، يدخل الجنة أو يدخل النار، فمن رحمة الله ﷾ أنه أوضحها وأظهرها وجلاها لعباده، فجعل الأدلة عَلَى توحيد الربوبية كثيرة جداً في الكون وفي الآفاق وفي الأنفس.\rإلا أنه قد يقال كما يقول هَؤُلاءِ النظار: أين الأدلة البرهانية في القُرْآن عَلَى توحيد الربوبية أي: الأدلة العقلية فقط.\r\rعندما يقول الله ﷾: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ [الغاشية:١٧] وقوله ﷾: إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ [يونس:٦] في الآيات الكونية، فعندما يقول: وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ [الذاريات:٢١] وغير ذلك يقولون: هذه الآيات عيانية يعني: تشاهد بالعين والنظر، فهل جَاءَ في القُرْآن براهين نظرية يقينية عقلانية نفحم بها الفلاسفة ونسكت بها الملاحدة؟ فنقول لهم: إن الإعجاز العظيم والمعجزة العظمى التي جَاءَ بها القرآن، هو الإعجاز اليقيني قبل أي نوع من أنواع الإعجاز، والإعجاز اليقيني وبلاغته التي هي من أعظم أنواع الإعجاز الذي خرصت العرب أمامها، ما هي إلا وسيلة للإعجاز اليقيني، وهو أن هذا القُرْآن جعله الله ﵎ هداية مطلقة لا ضلال معها أبداً، وما من شهوة إِلَى قيام الساعة وإلا في القُرْآن ما يعالج هذه الشهوة، وما من بدعة ولا انحراف إلا وفي القُرْآن ما يدل عَلَى بطلانه، وبيان ضرره وانحرافه أوضح وأجلى بيان، علمه من علمه وجهله من جهله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689948,"book_id":1659,"shamela_page_id":1074,"part":null,"page_num":1074,"sequence_num":1074,"body":"فالقرآن إنما جَاءَ بياناً وهدى ورحمة وشفاء لما في الصدور، شفى الله ﷾ به القلوب، وقضى عَلَى الشكوك والريب، فلا تجد إنساناً في أي دين من الأديان غير هذا الدين يعبد عَلَى ثقة واطمئنان قلبي أبداً، بل يتردد ويتشكك، ولهذا يوجد من كبار علماء اليهود والنَّصَارَى وأحبارهم من يفكر ثُمَّ يلحد ويترك دينه نهائياً، ويوجد منهم من يفكر ثُمَّ يدخل في الإسلام أو ينقلب إِلَى أي دين غير دينه، ولكن لم يوجد -ولله الحمد- فيمن رسخ إيمانه في هذا الدين من يرتد إِلَى دين آخر أبداً، لأن هذا الدين دين اليقين، وكل من يعبد الله بغير دين الإسلام فإنه في شك مما يعبد، ولو أنه حكم عقله لعرف أنه لا يعبد حقيقة إلا وفق آراء بشرية ومكتوبات إنسانية، إلا المؤمن فإنه يعبد الله ﷾ عَلَى بينة وبرهان وطريق مستنير واضح.\rفمعنى قول المصنف: إن هذه الشبهة التي يزعم بعض النظار أنهم يدافعون بها عن الإسلام، لأن القُرْآن إنما جَاءَ بالأدلة الخطابية والأدلة العيانية، ويقولون: نَحْنُ نزيد ونضيف فندافع عن الدين بالقضايا العقلية، قد يكون هذا قول بعضهم، وإما أن يكونوا ملاحدة ينكرون ما في القُرْآن لأنه لم يأت بهذه القواعد، وكلاهما عَلَى خطأ، وإن كَانَ هَؤُلاءِ كفار وأولئك مخطئون، لكن نقول كما قال المصنف: إن القُرْآن تضمن هذه الأدلة وجاء بأوجز وأعظم الأدلة البرهانية، فإن من أعظم ما تسمونه البراهين النظرية أن تقولوا مثلاً: العالم متغير وكل متغير حادث وكل حادث لا بد له من محدث، إذاً فالله موجود وهو المحدث لهذا الكون، هذه التي يسمونها براهين تقوم عَلَى مقدمات، وطريقة القُرْآن تأتي في أجلى وأوضح أنواع الاستدلال، بحيث تحذف المقدمة الضرورية المعلومة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689949,"book_id":1659,"shamela_page_id":1075,"part":null,"page_num":1075,"sequence_num":1075,"body":"فمثلاً: كون الكون متغيراً فهذه معلومة بدهية كل النَّاس يعرفونها، يتغير الليل والنهار والحياة والموت والمطر والجفاف، فالشيء البدهي المعلوم يستدل به ولا يستدل عليه، فالله ﷾ لما كَانَ توحيد الربوبية بدهياً معلوماً، استدل به عَلَى توحيد الألوهية الذي فيه النزاع.\rفالقرآن يجمع بين غاية الإعجاز اليقيني وغاية الإعجاز البلاغي العلمي في الأسلوب، فلا يصل به إِلَى الحق واليقين بعد مقدمات طويلة لا ثمرة ولا فائدة من ذكرها، فمثلاً العرب في الجاهلية كانوا يعظمون الشعر، ولذلك تجد المعلقات العشر، ولما فيها من البلاغة وقوة التعبير كتبوها وعلقوها في الكعبة، وسميت المعلقات لعظمتها ونفاستها، فالعرب أمة بيان يهمها البيان، فلما أنزل الله ﷾ هذا القُرْآن الذي جَاءَ بالهداية، تضمنه كلام معجز لا يستطيع العرب ولا الإنس ولا الجن ولو اجتمعوا وكان بعضهم ظهيراً لبعض، أن يأتوا لا بمثله ولا بعشر سور من مثله ولا بسورة من مثله أبداً، فلما سمع أعرابي قول الله ﷾ في سورة يوسف: فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيّاً [يوسف:٨٠] ما كَانَ منه إلا أن نزل من فوق البعير وسجد، وهو لم يؤمن ولم يدر أن في القُرْآن شيء اسمه سجود فتعجبوا وَقَالُوا: ما لك؟ قَالَ: والله هذا ليس من كلام البشر أبداً، فالجملة موجودة في كلام العرب (استيأس وخلص والنجوى والنجيء) لكن لم يوجد عَلَى الإطلاق في كلام العرب لا شعراً ولا نثراً أن جَاءَ بهذا المعنى فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيّاً في ثلاث كلمات تدل عَلَى معنى طويل جداً، تدل عَلَى أنهم جادلوا الملك -الذي هو يوسف وهم لا يعرفونه- حتى تعبوا ثُمَّ اتفقوا عَلَى أنهم يخرجون إِلَى مكان بعيد ثُمَّ أخذوا يتشاورون: ماذا نصنع؟ وماذا نفعل؟ كل هذه المعاني التي هي عبارة عن عدة حلقات أو عدة فصول من الحديث والنقاش جاءت","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689950,"book_id":1659,"shamela_page_id":1076,"part":null,"page_num":1076,"sequence_num":1076,"body":"في هذه الكلمات الموجزاة، فلذلك لم يملك الأعرابي إلا أن نزل من عَلَى ظهر البعير وسجد وقَالَ: والله لا يكون هذا من كلام البشر أبداً.\rوالأعرابي الآخر الذي كَانَ يطوف وسمع القارئ يقرأ: وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ * وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ [الذاريات:٢١-٢٣] فعجب وقَالَ: من أغضب الجبار؟! من أغضب الجبار؟!، هذا الكلام الذي لم يعهدوا مثله يأتي باليقين إِلَى قلوبهم، حتى أنه لا يحتاج إِلَى تأكيد ولا يمين فَيَقُولُ: من الذي أغضب الجبار حتى أقسم فقَالَ: فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ فمجرد أن سمع ذلك أيقن أنه حق ولا مجادلة فيه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689951,"book_id":1659,"shamela_page_id":1077,"part":null,"page_num":1077,"sequence_num":1077,"body":"والآية التي ذكرها المُصْنِّف ﵀: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ [المؤمنون:٩١] هي حقيقة يقررها الله ﷾ أنه ما اتخذ الله من ولد -كما يقول اليهود والنَّصَارَى وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ كما يقول جميع الْمُشْرِكِينَ \"إذاً\" نلاحظ الكلمة -كلمة \"إذاً\"- أي: لو كَانَ كذا وكذا إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ [المؤمنون:٩١] أي: لو افترض وجود ولد أو إله مع الله ﷾ عَلَى الحقيقة - كما تزعمون - لحدث الذي يحدث في حال ملوك الدنيا وهو مشاهد أنهم يتغالبون، ويحاول الملك أن يأخذ ما تحت قبضة الملك الآخر ليتفرد وحده بالملك، فإن عجز عن المغالبة فإنه ينفرد بملكه، ويتصرف في مملكته، ويتصرف الآخر في مملكته، فانتظام أمر العالم واتساقه واتفاقه ينبيء ويشعر ويدل عَلَى أن مدبره واحد وهو الله ﷾ أما التعارض والتصادم والاختلاف فهو الذي ينبيء ويشعر بأن هناك عدة آلهة وأنَّ كلاً منهم يملك جزءاً من هذا الكون، وحينئذ فلا بد إما أن يكون هذا الإله يغالب الإله الآخر وإما أن يتفرد بجزء من الكون، وإما أن يكون لا وجود له بل يغلبه الإله الآخر ويأخذ ما عنده.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689952,"book_id":1659,"shamela_page_id":1078,"part":null,"page_num":1078,"sequence_num":1078,"body":"فالنتيجة أن المتفرد واحد، وما دام أن الكون عَلَى انتظام ولم يحدث أية تعارض ولا تصادم فيه، فالإله واحد ﷾ كما يضرب علماء الفلك لذلك فيقولون: إن احتمال أن يتصادم نجم مع آخر في المدارات التي تدور فيها النجوم مثل احتمال أن تصطدم سفينة تمخر في المحيط الهادي بسفينة أخرى في المحيط الأطلسي، فلا يمكن عَلَى الإطلاق أن تصطدم سفينة في هذا المحيط بسفينة في المحيط الآخر، بل لو لم يكن بينهما إلا مسافة مائة ميل أو عشرة أو ميل واحد لما اصطدمتا، ما دام أن كلاً منها يتجه في اتجاه، فكيف إذا كانت هذه في محيط وهذه في محيط، هل يتصور أنهما تتصادمان؟!\r\rويقولون: إن هذا مثال بسيط للنجوم في مداراتها لا يتصور أن يصطدم نجمان عَلَى الإطلاق مع كثرة هذه المجرات والمجموعات ضمن المجرات التي لم يصلوا بعد إِلَى عمقها وإلى نهايتها، فهذا دليل عَلَى أن خالقهم واحد ﷾.\rوقد سبق أن الشرك في الربوبية وإن كَانَ ممتنعاً بإطلاق، لكن توجد أنواع من الفرق مثل الثنوية الذين يقولون: إن الظلمة إله والنور إله، وهم مقرون في النهاية -كما سبق- بأن الإله الواحد والإله الحقيقي هو النور وهي الديانة الإيرانية القديمة.\r\rوالقدرية في أفعال الحيوان يقولون: إن الإِنسَان يخلق فعل نفسه والله لم يخلق أفعال العباد الاختيارية وإنما خلق أفعالهم غير الاختيارية -تعالى الله عن ذلك- هذا أيضاً نوع خفي من الشرك في الربوبية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689953,"book_id":1659,"shamela_page_id":1079,"part":null,"page_num":1079,"sequence_num":1079,"body":"وكذلك شرك الفلاسفة الدهرية الذين يقولون: إن الأفلاك بعضها يحرك بعضاً، فيثبتون وجود الله لكن يجعلونه وجوداً مطلقاً لا تأثير له في الكون، وأن الأفلاك بعضها يحرك بعضاً، فيقولون مثلاً: هذه الأفلاك تؤثر في المصائب والنكبات والزلازل والفتن، فإذا تحرك الكوكب واتجه اتجاهاً معيناً قالوا: سيذهب ملك فلان ويقوم ملك لفلان، سيموت كذا من الأمة، ويأتي كذا من الغيث، ويعتقدون أن هذه الأمور تكون بتدبير من الأفلاك، كل هذه الأفكار هي أنواع من الشرك في الربوبية، ولذلك جاءت الأدلة في القُرْآن لتنفي هذا الشرك، والأصل أن يستدل بنفي الشرك في الربوبية عَلَى تقرير حقيقة الألوهية وهذا هو الأهم.\rويقول المُصْنِّف ﵀: [كما قد دل دليل التمانع عَلَى أن خالق العالم واحد] فهذا الدليل كذلك يدل عَلَى أن الإله أو المعبود واحد.\rفهذا الدليل العقلي البرهاني -كما يسمونه-: عَلَى أن خالق الكون واحد. وهناك شيء مهم يجب أن يفهم في كلمة الكون أو الفساد، فالكون نعني به: العالم كله، نقول: في الكون كذا أي في العالم، والفساد هو البطلان أو هو ضد الصلاح.\rوأما اصطلاح الفلاسفة عندما يقولون الكون والفساد يقصدون بالكون: الوجود أو الإيجاد، ويقصدون بالفساد ضد ذلك وهو العدم، وأصل المعنى اللغوي للكون هو: كَانَ يكون كوناً أي وجد يوجد وجوداً، فالكون والوجود لهما معنى عند الفلاسفة أكثر اصطلاحاً من المعنى اللغوي الذي نَحْنُ نستخدمه، وهذا هو سبب ضلالهم في قول الله ﵎:لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء:٢٢] فظنوا أن الفساد هو العدم، فيقولون: لو كَانَ هناك أرباباً لم يوجد الكون؛ لأن هذا الإله يريد أن يخلق والآخر لا يريد أن يخلق فتتعارض إرادتان فيكون الذي تحققت إرادته هو الإله، ولهذا رد عليهم المُصْنِّفُ في هذه الآية كما سبق.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689954,"book_id":1659,"shamela_page_id":1080,"part":null,"page_num":1080,"sequence_num":1080,"body":"التفسير الصحيح لقوله تعالى: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلَّا اللهُ لَفَسَدتَا\rقَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:\r[وقريب من معنى هذه الآية قوله تعالى: لَوْ كَانَ َ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء:٢٢] وقد ظن طوائف أن هذا دليل التمانع الذي تقدم ذكره، وهو أنه لو كَانَ للعالم صانعان.. الخ. وغفلوا عن مضمون الآية، فإنه سبحانه أخبر أنه لو كَانَ فيهما آلهة غيره. ولم يقل أرباب.\rوأيضاً فإن هذا إنما هو بعد وجودهما، وأنه لو كَانَ فيهما -وهما موجودتان- آلهة سواه لفسدتا.\rوأيضاً فإنه قَالَ: (لَفَسَدَتَا) وهذا فساد بعد الوجود، ولم يقل: لم يوجدا، ودلت الآية عَلَى أنه لا يجوز أن يكون فيهما آلهة متعددة، بل لا يكون الإله إلا واحدا، وعلى أنه لا يجوز أن يكون هذا الإله الواحد إلا الله ﷾ وأن فساد السماوات والأرض يلزم من كون الآلهة فيهما متعددة، ومن كون الإله الواحد غير الله وأنه لا صلاح لهما إلا بأن يكون الإله فيهما هو الله وحده لا غيره، فلو كَانَ للعالم إلهان معبودان لفسد نظامه كله، فإن قيامه إنما هو بالعدل، وبه قامت السماوات والأرض، وأظلم الظلم عَلَى الإطلاق الشرك وأعدل العدل التوحيد] اهـ.\rالشرح:\rهذه الآية: لَوْ كَانَ َ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء:٢٢] دلالتها عظيمة عَلَى توحيد الألوهية.\r\rوهي برهان عقلي، لا كما يظنون أنها برهان التمانع أو دليل التمانع بمعنى أنه دليل لوجود الله فقط.\rوذلك: أولاً: أن الله قَالَ: لَوْ كَانَ َ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ ولم يقل: (لو كَانَ فيهما أرباب) .\rوثانياً: الكلام إنما هو بعد وجود السماوات والأرض فلو كَانَ فيهما هاتين الموجودتين آلهة غير الله لفسدتا وليس الكلام قبل أن توجدا -كما يقولون- وأن الفساد عندهم: هو عدم الوجود والكون: هو الوجود.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689955,"book_id":1659,"shamela_page_id":1081,"part":null,"page_num":1081,"sequence_num":1081,"body":"وثالثاً: قوله: (لفسدتا) فلو فرضنا أن الفساد هو عدم الوجود فالآية تقول: لو كَانَ فيهما آلهة غير الله ﷿ لفسدتا فعلى كلامكم: لو كَانَ هناك أرباب أخرى لبطل وجود السماوات والأرض؛ لأن الفساد عدم الوجود.\r\rفأنتم تقولون: إنها دليل عَلَى أن الخالق في الابتداء هو واحد، والآية تتكلم عن شيء قد خلق ووجد، والفساد الذي يحصل فيه يكون بعد وجوده وخلقه، فهذا يوضح أنها ليست دليل التمانع الذي يقولون، وإنما هي دليل للألوهية وأنه متى عبد غير الله ﷿ في السماوات أو في الأرض فإن الفساد يقع الذي هو ضد الصلاح، لأن السماوات والأرض لم تقم إلا بالعدل، وأعظم العدل هو التوحيد، وأعظم الظلم هوالشرك: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:١٣] أي: أكبر الظلم.\rفانتظام السماوات والأرض وصلاح أمر السماوات والأرض، لا يكون إلا بأن يكون المعبود هو الله، وليس فقط أن نقول أن الذي أوجدها هو الله، وقد قلنا: إن السماوات لا فساد لها؛ لأن المعبود فيها واحد ﷾: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَه [الزخرف:٨٤] أي: هو الذي في السماء معبود، وفي الأرض معبود؛ لكنه في السماء معبود وحده ﷾ ليس ثُمَّ شرك بالله تعالى، فالملائكة كلهم عباد الرحمن المكرمون يعبدونه ﷾: يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ [الأنبياء:٢٠] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689956,"book_id":1659,"shamela_page_id":1082,"part":null,"page_num":1082,"sequence_num":1082,"body":"وأما الأرض ففيها يقع الفساد، ولذلك قالت الملائكة منذ اللحظة الأولى: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ [البقرة:٣٠] لأن الأرض مكان يتوقع فيه وقوع عبادة غير الله كالإشراك بالله ﷾ وهذا أعظم الفساد، لكن لو انتظم أمر النَّاس في هذه الأرض، فلم يعبدوا ولم يطيعوا إلا الله ولم يتبعوا إلا أوامر الله ﷾ لانتفى الفساد من الأرض، مثلما انتفى من السماء؛ ولكن حكمة الله ﷿ أنهم لا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم، حكمة الله أنه لا يزال إيمان وكفر وصلاح وفساد، ولذلك شرع الله ﵎ الجهاد ليدفع النَّاس بعضهم بعضاً وليدفع شر أهل الشر بقوة الحق عند أهل الإيمان؛ ولذلك كانت الأرض هي مكان التكليف والتعبد، وأما الذين في السماء فإنهم يعبدونه ﷾ دائماً وأبداً بلا جزاء ولا ثواب، لأنهم لم يكلفوا بأمر يترتب عليه دخول الجنة أو دخول النار.\rوهذه الآية عَلَى وجازة لفظها تدل وتبين أن صلاح العالم كله إنما يكون بأن يعبد الله وحده لا شريك له، وأن يطاع وحده لا شريك له، ولننظر إِلَى واقع العالم اليوم -مثلاً- في حق النساء جعل الله للمرأة أعمالاً ومهمات محددة تعملها، ولا تتعداها، وجعل خروجها عن ذلك فساداً في الأرض وخروجاً عما أراد الله ﷾. فلما ترك النَّاس أمر الله ﷾ في هذا الموضوع واتبعوا أمر غير الله ﷾ وأُخرجت المرأة -كما في العالم الغربي وأكثر العالم الإسلامي- عن العمل الذي شرعه -اللهُ سُبْحَانَهُ- واتبعت أهواء وأقوال الشياطين ودعاة الضلالة، كم حصل من الفساد؟ \rوكم حصل من الشرور؟ \rوتجدون أن الأمراض في العالم الغربي ومن قلده كلها ترجع إِلَى أن الأسرة متفككة، وأن المرأة خرجت لتعمل مثل الرجل، والكفار أنفسهم مقرون بذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689957,"book_id":1659,"shamela_page_id":1083,"part":null,"page_num":1083,"sequence_num":1083,"body":"فلو كَانَ الله هو وحده المعبود المطاع واتُبعت أوامره ﷾ لما كَانَ إلا الصلاح والخير، ولما وجد هذا الفساد في الأرض بإطلاق.\rوكذلك القتل فالعالم يموج ويضطرب بالقتل، لا يكاد يمر يوم إلا والقتلى بسبب حروب أو انفجارات أو تدميرات، لأن الله ليس هو وحده المعبود ﷾ بل اتخذوا آلهة من دون الله، فأطاعوا أحباراً ورهباناً أرباباً أو زعماء من دون الله -سُبْحَانَهُ- ومن هنا كَانَ الفساد والاضطراب في الأرض.\rولذلك فهذه الآية عَلَى قلة ألفاظها تدل عَلَى هذه المعاني كلها وأنه لَوْ كَانَ َ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء:٢٢] فالفساد الواقع في الأرض اليوم إنما هو نتيجة أن المحكم هو غير شريعة الله -سُبْحَانَهُ- فجميع الشرور التي في العالم هذا مصدرها وهذا سببها.\r\rتوحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية دون العكس\rقَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:\r[وتوحيد الإلهية متضمن لتوحيد الربوبية دون العكس. فمن لا يقدر عَلَى أن يخلق يكون عاجزاً. والعاجز لا يصلح أن يكون إلهاً قال تعالى: أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ [الأعراف:١٩١] .\rوقال تعالى: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ [النحل:١٧] .\r\rوكذا قوله تعالى: قُلْ لَوْ كَانَ َ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً [الإسراء:٤٢] وفيها للمتأخرين قولان:\rأحدهما: لاتخذوا سبيلاً إِلَى مغالبته.\rوالثاني: وهو الصحيح المنقول عن السلف كقتادة وغيره، وهو الذي ذكره ابن جرير ولم يذكر غيره: لاتخذوا سبيلاً بالتقرب إليه، كقوله تعالى: إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً [الإِنسَان:٢٩] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689958,"book_id":1659,"shamela_page_id":1084,"part":null,"page_num":1084,"sequence_num":1084,"body":"وذلك أنه قَالَ: لَوْ كَانَ َ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ وهم لم يقولوا: إن العالم له صانعان بل جعلوا معه آلهة اتخذوهم شفعاء وَقَالُوا: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:٣] بخلاف الآية الأولى] اهـ..\rالشرح:\rهذه الكلمة مهمة وهي قول المُصْنِّف ﵀: [وتوحيد الإلهية متضمن لتوحيد الربوبية دون العكس] فإن من أثبت أن الله خالق رازق محي ومميت، لا يلزم منه ولا يتضمن أنه مفرد وموحد له بالعبادة وبالطاعة، وهذا هو المهم في العلاقة بين التوحيدين، وفي بيان أن توحيد الألوهية هو الأهم.\rوأما قول الله ﵎: قُلْ لَوْ كَانَ َ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً [الإسراء:٦٢] فهي أيضاً تتضمن برهاناً يقينياً عَلَى أن الإله المعبود واحد ﷾، وكأنه يقول: لو كَانَ معه آلهة كما يقولون أو كما يزعمون إذاً لابتغوا إِلَى ذي العرش سبيلاً، فالمُشْرِكُونَ يثبتون ذا العرش الإله الأعظم أو الإله الأكبر -كما يسمونه- الذي هو الله ﷾ ويثبتون معه آلهة أخرى هي شفعاء وتقرب إِلَى الله -سبحانه- وهي واسطة ووسيلة إِلَى الله سبحانه -كما يقولون- فيرد الله ﷾ عليهم فَيَقُولُ: لو كَانَ هَؤُلاءِ الآلهة موجودين -كما تزعمون- لابتغوا إِلَى ذي العرش سبيلاً.\rوفي معنى: لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلا:\r\rيقول بعض المفسرين: أي لابتغوا طريقاً إِلَى مغالبته، أي: لو كَانَ هناك آلهة لغالبوا ذا العرش حتى يكونوا هم الآلهة الكبرى، ولكن هذا المعنى مرجوح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689959,"book_id":1659,"shamela_page_id":1085,"part":null,"page_num":1085,"sequence_num":1085,"body":"والمعنى الصحيح: أنه لو كَانَ هناك آلهة غير الله سبحانه ممن تعبدون لابتغوا إِلَى ذي العرش سبيلاً، أي: لابتغوا التقرب والتعبد والتزلف إليه ﷾ كما في الآية الأخرى: إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً [الإِنسَان:٢٩] كما في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَة [المائدة:٣٥] وكما في قول الله ﷾: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ [الإسراء:٥٧] فالمعبودون من الملائكة والأنبياء والأولياء الصالحين لله -سبحانه- هم يبتغون إِلَى الله سبيلاً.\rفأنت تقول: أنا أتخذهم وسيلة إِلَى الله، بينما هم أنفسهم يتخذونه وسيلة إِلَى الله بالعبادة والعمل الصالح والخوف والرجاء والتقرب إليه، فعليك أن تتخذ أنت وسيلة إِلَى الله أيضاً.\rوأما الأحجار والأشجار والأبقار والنَّار وكل ما يعبده المُشْرِكُونَ من دون الله مما لا تملك شيئاً ولا تفقه شيئاً، فهَؤُلاءِ لو كانت لهم إرادة في هذا الأمر -مثلاً- لتقربت هي إِلَى الله واتخذت الوسيلة إليه؛ لأن الله ﷾ له وحدة الربوبية والألوهية لجميع المخلوقات فلا معبود سواه أبداً، فلو كَانَ هناك آلهة أخرى لكان شأنها أن تتقرب هي إِلَى الله سبحانه.\rإذاً؛ لا توجد آلهة من دون الله ﷾، وهذا من الأدلة عَلَى أن هناك آيات في كتاب الله ﷿ لها كلمات موجزة، تتضمن من الدلائل اليقينيات والبرهانيات ما يعجز العقل عن تصوره.\r\rقَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:\r[ثُمَّ التوحيد الذي دعت إليه رسل الله ونزلت به كتبه نوعان: توحيد في الإثبات والمعرفة، وتوحيد في الطلب والقصد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689960,"book_id":1659,"shamela_page_id":1086,"part":null,"page_num":1086,"sequence_num":1086,"body":"فالأول: هو إثبات حقيقة ذات الرب تَعَالَى وصفاته وأفعاله وأسمائه، ليس كمثله شيء في ذلك كله، كما أخبر به عن نفسه، وكما أخبر رسوله ﷺ. وقد أفصح القُرْآن عن هذا النوع كل الإفصاح، كما في أول (الحديد) و (طه) وآخر (الحشر) وأول آلم تنزيل السجدة وأول آل عمران وسورة الإخلاص بكمالها وغير ذلك.\r\rوالثاني: وهو توحيد الطلب والقصد: مثل ما تضمنته سورة: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ وقُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ\r\r[آل عمران:٦٤] وأول سورة: (تنزيل الكتاب) وآخرها، وأول سورة (يونس) وأوسطها وآخرها، وأول سورة (الأعراف) وآخرها وجملة سورة (الأنعام) .وغالب سور القُرْآن متضمنة لنوعي التوحيد بل كل سورة في القرآن.\r\rفإن القرآن: إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله وهو التوحيد العلمي الخبري.\rوإما دعوة إِلَى عبادته وحده لا شريك له، وخلع ما يُعبد من دونه، فهو التوحيد الإرادي الطلبي.\r\rوإما أمر ونهي وإلزام بطاعته، فذلك من حقوق التوحيد ومكملاته.\rوإما خبر عن إكرامه لأهل توحيده، وما فعل بهم في الدنيا وما يكرمهم به في الآخرة، فهو جزاء توحيده، وإما خبر عن أهل الشرك، وما فعل بهم في الدنيا من النكال، وما يحلُّ بهم في العقبى من العذاب فهو جزاء من خرج عن حكم التوحيد.\r\rفالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه، وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم،\rفـ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ توحيدالرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ توحيدمَالِكِ يَوْمِ الدِّينِتوحيدإِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ توحيد اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَتوحيد متضمن لسؤال الهداية إِلَى طريق أهل التوحيد الذين أنعم عليهم غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَالذين فارقوا التوحيد] اهـ.\rالشرح:-","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689961,"book_id":1659,"shamela_page_id":1087,"part":null,"page_num":1087,"sequence_num":1087,"body":"جرى المُصنِّفُ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- هنا عَلَى أحد القسمة الاصطلاحية في التوحيد.\r\rفبعض العلماء يقسم التوحي-د إِلَى نوعين، وبعض العلماء يقسمه إِلَى ثلاثة، وبعضهم يقسمه إِلَى نوعين باعتبار آخر ووجهة نظر أخرى، وبعضهم يقسمه إِلَى أربعة وغير ذلك.\r\rفأما العلماء الذين قسموا التوحيد إِلَى نوعين ومنها هذه القسمة التي هنا أي: توحيد الإثبات والمعرفة، وتوحيد الإرادة والطلب، وإن شئت فقل: هو التوحيد العلمي الاعتقادي أو التوحيد العملي الخبري.\r\rوليس هناك خلاف بين من يجعل التوحيد ثلاثة أقسام أو قسمين أو أربعة، وإنما كلٌ يقسم باعتبار.\rأقسام التوحيد باعتبار تعلقه بالله تعالى\rفإذا قسمنا التوحيد باعتبار أنه حق الله تعالى، وباعتبار تعلقه بالله ﷾ فهو ثلاثة أنواع: توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية توحيد الأسماء والصفات وهذا هو المشهور كثيراً.\r\rأقسام التوحيد باعتبار تعلقه بالعباد\rوأما إذا نظرنا إِلَى التوحيد من جهة تعلقه بنا نَحْنُ كحق لله تَعَالَى علينا فإنه نوعان:\r١-التوحيد الاعتقادي أو توحيد المعرفة والإثبات وهو: أن نثبت لله تَعَالَى ما أثبته لنفسه، ونعتقد له ما أخبر به في كتابه، سواء التوحيد العلمي الاعتقادي، أو توحيد المعرفة والإثبات بالنسبة لنا.\r\r٢-والتوحيد العملي أو التوحيد الإرادي الطلبي فهو: أن نعبده ﷾ وحده، فنعرفه حق معرفته ونعبده حق عبادته، فلا يغني أحد نوعي التوحيد عن الآخر.\r\rتقسم آخر لأنواع التوحيد\rومن ناحية أخرى بعض العلماء يجعل التوحيد قسمين:\r١- توحيد المرسِل.\r\r٢-وتوحيد متابعة الرَّسُول ﷺ.\r\rوسورة الفاتحة يجب أن ننتبه لها، وأن نعلم أن هذه السورة ليست مجرد عبارات نكررها حتى تعود كأنها ألفاظ روتينية عادية، وإنما لا بد أن نعي ونتدبر معاني هذه السورة العظيمة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689962,"book_id":1659,"shamela_page_id":1088,"part":null,"page_num":1088,"sequence_num":1088,"body":"الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:٢] (هذا إثبات لتوحيد الربوبية،) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّين [الفاتحة:٣،٤] إثبات لتوحيد الأسماء والصفات وقوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:٥] توحيد الألوهية وقوله: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:٦] هذا توحيد من النوع الآخر وهو توحيد متابعة الرَّسُول ﷺ.\r\rفالصراط المستقيم هو الذي أوصى به الله ﷿، وهو الوصية العاشرة من الوصايا العشر التي لا يدخلها التغيير ولا يدخلها النسخ مهما تغيرت الشرائع (َأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ [الأنعام:١٥٣] فلما فسرها النبي ﷺ: (خط خطاً واحداً مستقيماً وخط خطوطاً معوجة فقرأ هذه الآية) .\r\rوالخط المستقيم هو: الصراط المستقيم الذي نسأل الله ﷿ وندعوه أن يهدينا إليه في كل ركعة، (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ وهو السنة الصحيحة التي كَانَ عليها النبي ﷺ، ومهما اختلفت الأقوال في تفسيره فقيل: القُرْآن أو الإسلام أو السنة أو طريق أبِي بَكْرٍ وعُمَر فمعناها واحد، وهو من اختلاف التنوع لا من اختلاف التضاد، فهذا توحيد متابعة الرَّسُول ﷺ وترك البدع.\r\rوقوله تعالى: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّين) [الفاتحة:٧] أي: غير من غلى ومن جفا ومن فرط ومن أفرط وهكذا فاليهود والنَّصَارَى هم قمة في الاتجاهين.\r\rفالخوارج والصوفية غلوهم يشبه غلو النَّصَارَى، وأيضا المرجئة تفريطهم يشبه تفريط اليهود، وكذا أهل الكلام -مثلا- مجادلتهم في دين الله ﷿ تشبه مجادلات ومماحكات اليهودمع أممهم ومع كتبهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689963,"book_id":1659,"shamela_page_id":1089,"part":null,"page_num":1089,"sequence_num":1089,"body":"وإن قلنا إن التوحيد نوعان: فتكون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هذا توحيد المعرفة والإثبات، و (ِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ إِلَى آخرها توحيد الإرادة والطلب؛ لأن الإرادة والطلب لا تكون إلا بعبادة الله وحده، والاستعانة بالله وحده، واتباع طريق النبي ﷺ وحده الذي هو الصراط المستقيم، فتكون السورة نصفين عَلَى هذا الأساس أي: توحيد المعرفة والإثبات، وتوحيد الطلب والإرادة والقصد.\rوكما يقول المُصْنِّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: إن القُرْآن أفصح عن النوع الأول - توحيد المعرفة- كل الإفصاح، وقد سبق أن شرحنا معنى (المعرفة) .\r\rومعرفة الله ﷾ إثبات ما أثبته لنفسه تَعَالَى أو أثبته رسوله ﷺ مما يتعلق بمعرفته، ولا يستلزم منا -عملاً- إلا الإيمان به والإقرار به، وإن كَانَ له أثره عَلَى جوارحنا وعلى أعمالنا.\rوتوحيد الألوهية: هي أوامره علينا، فيأمرنا الله ﷿ أن نصلي له وحده، وأن نذبح له وحده، وأن ننذر له وحده، وكذلك الخوف والرجاء والمحبة وبقية أنواع العبادة، هذا جانب توحيد الألوهية.\r\rوأما توحيد المعرفة والإثبات، أو توحيد الأسماء والصفات، فإنما يستلزم أو يتطلب منا أن نعرفه، ونؤمن به، ونستيقن، ولا يشترط أن يترتب عليه في ذاته أمر لنا إلا الاعتقاد، فلم يكلفنا نَحْنُ بعمل، لكن كلفنا أن نعتقد أن لله ﷾ يدين وأن له عينين، وأنه ينزل في الثلث الأخير من كل ليلة، فنؤمن ونعتقد بها، ونؤجر عَلَى الإيمان بها واعتقادها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689964,"book_id":1659,"shamela_page_id":1090,"part":null,"page_num":1090,"sequence_num":1090,"body":"أما توحيد الألوهية الذي هو توحيد الإرادة والطلب فإنه أعمال؛ ولذلك قلنا التوحيد العملي وذاك التوحيد الاعتقادي، فهذا إيضاح لسبب هذه القسمة، ولذلك ذكر المُصْنِّف -هنا- أمثلة كما في أول سورة \"الحديد:\"، وسورة \"طه\"، وآخر سورة \"الحشر\"، وسورة \"السجدة\"، وآخر سورة \"آل عمران\" وسورة \"الإخلاص\"، وآية الكرسي وهي أعظم آية في كتاب الله ﷿.\r\rوآية الكرسي: هي من أعظم الأدلة عَلَى توحيد المعرفة والإثبات، وكذلك تضمنت توحيد الألوهية أو توحيد الطلب والإرادة؛ وهي آية قصيرة أو صغيرة وقد لا يدرك المرء معانيها ولكنها في الحقيقة لم تكن أعظم آية من كتاب الله إلا لحكم عظيمة لو تأملها المسلم لو عرف شيئاً كثيراً منها.\r\rفآية الكرسي: عبارة عن عَشْر جُمل، كل جملة من هذه الجمل تشتمل عَلَى أصل عظيم، وقاعدة عظيمة فيما يتعلق بمعرفة الله ﷾ ولو أن أحداً فهم هذه الآية حق الفهم، وأدرك معانيها حق الإدراك، لعرف حقيقتها وعرف الله ﷾ معرفة عظيمة بآية واحدة في جمل معدودة، وهذا من عجائب القُرْآن وعظمته، حيث أودع فيه من العجائب ما لا تدركه أكثر الأفهام، مهما نهلت منه ومهما أخذت منه.\rفهذه السور في التوحيد الطلبي والقرآن كله متضمن لنوعي التوحيد:\rتوحيد المعرفة والإثبات، كالآيات التي جاءت في الاستواء، والتي جاءت في صفات الله ﷾ مثل: آخر سورة \"السجدة\" وأول \"الحديد\".\rوسورة \"الإخلاص\"كلها كما قَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، ولذلك صح الحديث (بأن سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن) لاشتمالها عَلَى نوع من أنواع التوحيد وهو توحيد الأسماء والصفات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689965,"book_id":1659,"shamela_page_id":1091,"part":null,"page_num":1091,"sequence_num":1091,"body":"فالإِنسَان يقرأ سورة: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُون [الكافرون:١] وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد [الإخلاص:١] في ركعتي الفجر، وفي سنة المغرب والوتر وكذلك ركعتي الطواف ونحو ذلك، حيث تضمنت هذه السورة توحيد المعرفة والإثبات، وتضمنت سورة: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ توحيد الطلب والإرادة.\r\rفهناك حكمة في فضل هاتين السورتين، وتكرر قراءة النبي ﷺ لهما فيما ذكرنا.\r\rأما التوحيد الثاني الذي ذكره المُصْنِّفُ فهو: توحيد الطلب والقصد ودليله مثل قوله تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ وقُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ الآية [آل عمران:٦٤] التي كتبها النبي ﷺ إِلَى أعظم الملوك في الأرض في زمانه وهو هرقل عظيم الروم، وهو الذي كَانَ يمثل قمة وزعامة أرباب أوروبا النصرانية التي تدين بالدين المعروف الذي ينسبونه إِلَى المسيح ﵇.\r\rفهذه الآية من الأدلة عَلَى التوحيد العملي وتوحيد الألوهية، وكذلك أيضاً أخبرنا الله ﷾، عن أهل الكتاب أنفسهم في سورة التوبة حين قَالَ: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّه [التوبة:٣١] وهنا يقول: وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ آل عمران:٦٤] ، فهذه الآية دالة عَلَى أن أهل الكتاب وخاصة النَّصَارَىأعظم ما أضلوا فيه أنهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله فالبابوات والكردينلات والأساقفة والقساوسة والبطاريق يشرعون لهم العبادات من دون الله ﷾ فيطيعونهم في تحريم الحلال وتحليل الحرام، ولذلك نزلت هذه الآية في حقهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689966,"book_id":1659,"shamela_page_id":1092,"part":null,"page_num":1092,"sequence_num":1092,"body":"ويقول الله ﷾ في حق أهل الكتاب: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [البينة:٥] فإن أهل الكتاب أتاهم الشيطان من هذا الجانب فعبدوا المسيح بن مريم واتخذوه وأمه إلهين، وعبدوا الأحبار والرهبان.\rوكذلك أول سورة: تَنْزِيلُ الْكِتَابِ [الزمر:١] فإنها تكرر فيها ذكر الإخلاص لله ﷿ في أولها وفي آخرهاقُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ * وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ [الزمر:٦٤-٦٦] فهذه الآيات من ضمن الآيات التي جاءت في سورة الزمر تدل عَلَى أفراد الله ﷾ بالعبادة وهو توحيد الألوهية، وكذلك أول سورة يونس وأوسطها وآخرها هي في التوحيد الذي هو توحيد الألوهية، وكذلك أول سورة الأعراف والآيات الأخيرة من السورة، وجملة سورة الأنعام من السور المتميزة المتفردة عَلَى طولها؛ لأنها ناقشت وبحثت وتحدثت عن قضية توحيد الله ﷾ بجميع أنواعه، فجاءت بذكر ما لم يذكر في السور الأخرى من تفصيل لشرك الْمُشْرِكِينَ.\r\rمثلاً: ذكر في بعض السور أن الْمُشْرِكِينَ عبدوا وأطاعوا من دون الله كما في الآية من سورة التوبة: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ [التوبة:٣١] وقوله تعالى: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [الشورى:٢١] ونحو ذلك من السور، لكن في سورة الأنعام تأتي الآيات بالتفصيل في بيان ما حرم المُشْرِكُونَ، وما شرعوا من البدع الضالة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689967,"book_id":1659,"shamela_page_id":1093,"part":null,"page_num":1093,"sequence_num":1093,"body":"وفي سورة المائدة: (َما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَام) [المائدة:١٠٣] وفي سورة الأنعام تفصيل أكثر: بأنهم حرموا ما رزقهم الله ﵎ واستحلوا المحرمات مثل قتل الأنبياء، وحرموا بعض الأنواع من الأنعام التي لا مجال الآن لتفصيلها، فرد الله ﷾ عليهم بقوله -مثلا في الأنعام-: آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ [الأنعام:١٤٣] بمعنى: إما أن يكون التحريم لجنس الأنثى فتحرم كل أنثى، وإما أن يكون التحريم لجنس الذكور فيحرم كل ذكر، وإما أن يكون التحريم لما حمل البطن فيحرم ما حمل البطن جميعاً لكنهم خصصوا.\r\rوهذا من أعظم الأدلة عَلَى تحريم البدع في دين الله ﷿، مثال ذلك: لك أن تتصدق بما شئت وتقول هذه الشاة لله تعالى، وهذا المبلغ لله؛ لكن أن تخصص وقتاً معيناً ومبلغاً معيناً لكيفية معينة وتتحرى زمناً معيناً فيها فهذا التخصيص يجعل القضية تخرج من السنة إِلَى البدعة، وإلا لو بقي الأمر عَلَى إطلاقه لدخل في الأدلة العامة ولَمَا كَانَ هناك حرج.\rفسورة الأنعام هي: سورة التوحيد الكبرى التي جَاءَ فيها تحريم اتخاذ غير الله رباً وولياً وحكماً، وهذه هي أصول التوحيد الثلاثة فإن الله ﷾ هو وحده الرب الذي يعبد دون من سواه، وهو وحده الولي وهو وحده الحكم الذي يتحاكم إليه، وعلى هذه الثلاث القضايا تدور أكثر السورة بالإضافة إِلَى ما اشتملت عليه من توحيد الأسماء والصفات وتمجيد الله ﷾.\rالقرآن كله في التوحيد\rيقول المُصْنِّف ﵀:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689968,"book_id":1659,"shamela_page_id":1094,"part":null,"page_num":1094,"sequence_num":1094,"body":"[وغالب سور القُرْآن متضمنة لنوعي التوحيد] بل إن كل سورة في القُرْآن متضمنة للتوحيد، والقرآن كله في التوحيد فمثلاً: يذكر الله ﷾ القصص في القرآن، وقد يذكر ما ليس له تعلق بالأنبياء، كقصة قارون ويحدثنا بالتفصيل عن أحوال الأمم، وهلاك قوم عاد وثمود ونوح وتكذيبهم، وما أجابوا من الرسل وليس فيها أمر صريح بالتوحيد، ولكنه خبر عن حال الذين كذبوا بالتوحيد، وماذا كَانَ مصيرهم لما جحدوا بالتوحيد وأشركوا بالله ﷾.\r\rوكذا الآيات في وصف الجنة، في وصف النار، كما في سورة الإِنسَان، وكذلك في سورة الواقعة، علاقتها بالتوحيد أنها تتحدث عن مصير الموحدين وهو الجنة، وعن مصير الْمُشْرِكِينَ وهو النار، فكل شيء في القُرْآن فهو: إما عن التوحيد في ذاته وإما عن لوازمه ومقتضياته، وكذلك إما عن الشرك في ذاته وحقيقته، وإما عن لوازم الشرك ومقتضياته، وإما عن جزاء أهل الشرك أو جزاء أهل التوحيد.\r\rفذكر المُصْنِّف ﵀ أن القُرْآن إما أخبر عن الله وأسمائه وصفاته مثل سورة: قلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد وآية الكرسي وما أشبه ذلك، وهو التوحيد العلمي الخبري، أو توحيد المعرفة والإثبات أو التوحيد الاعتقادي كلها أسماء لشيء واحد.\r\rوإما دعوة إِلَى عبادة الله وحده لا شريك له، وخلع ما يعبد من دونه وهو التوحيد الإرادي الطلبي، فمثلاً: سورة الكافرون والأنعام والزمر هي أمر ونهي وإلزام لطاعته، فآيات تأمرنا بالمحافظة عَلَى الصلاة، وآيات تحث عَلَى الإنفاق وتبين فضل الإنفاق في سبيل الله ﷾ وآيات تدل عَلَى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالصلاة والزكاة من حقوق التوحيد كما قال النبي ﷺ: (أمرت أن أقاتل النَّاس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رَسُول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة) وقَالَ: (إلا بحقها) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689969,"book_id":1659,"shamela_page_id":1095,"part":null,"page_num":1095,"sequence_num":1095,"body":"وبذلك استدلأبو بكر الصديق ﵁ بعد وفاة النبي ﷺ لما ارتدت العرب فَقَالَ له عُمَر ﵁ ومعظم الصحابة: كيف تقاتل من يشهد أن لا إله إلا الله، وقد قال النبي ﷺ: (أمرت أن أقاتل النَّاس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله) فاستدلوا عَلَى أبِي بَكْرٍ بالرواية المطلقة التي ليس فيها التفصيل واستدل عليهم أبُو بَكْرٍ بقوله: (إلا بحقها) وأن الزكاة حق المال.\r\rومثلاً تحدث في سورة يوسف عن سيرة إنسان موحد هو نبي من أنبياء الله، اصطفاه الله تَعَالَى لتتحقق عَلَى يديه هذه الآيات البينات ويدعو إِلَى الله ﵎ فَقَالَ في السجن: يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ يوسف:٣٩] وأخذ يدعوهم وهم في السجن.\r\rوأما قصة حسد إخوانه، وكيف ألقوه في البئر، وكيف شروه بثمن بخس، وكيف وقعت له الفتنة مع المرأة وخلصه الله ﷾ ورفعه عن دنس الحرام والزنى، وكيف صار ملكاً، كل هذا حديث عن إكرام من الله لأهل التوحيد.\rسعة مفهوم التوحيد\rكل ما ذكر الله في القُرْآن من توحيد سواء في موضوعه من أصله أو مكملاته، كل هذا يدلنا عَلَى أهمية التوحيد من ناحية، وعلى سعة مفهوم التوحيد من ناحية أخرى، فإذا دعونا إِلَى الله ﷿ فأول ما ندعو إليه هو توحيد الله، وهو البدء بتصحيح عقائد النَّاس سواء كانوا مسلمين لديهم انحرافات؛ أو كانوا كفاراً يعبدون غير الله، فندعوهم إما إِلَى التوحيد نفسه أو إِلَى تحقيقه وتصحيحه عند الْمُسْلِمِينَ فهذا في أهميه التوحيد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689970,"book_id":1659,"shamela_page_id":1096,"part":null,"page_num":1096,"sequence_num":1096,"body":"والجانب الآخر في سعة مفهوم التوحيد، فإن بعض النَّاس يأخذ أجزاء من التوحيد ويدعو إليها وينسى الأجزاء الأخرى، وهذا لا شك أنه قد أحسن وأنه يجزى عَلَى ذلك أجراً -بإذن الله تعالى- لكن ينبغي أن ندعو إِلَى التوحيد كله كما قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً [البقرة:٢٠٨] وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ الأنفال:٣٩] فينبغي لنا أن ندعو إِلَى جميع أنواع التوحيد.\r\rوبعض النَّاس - هداهم الله - قد يكون عن إخلاص أو اجتهاد يدعون إِلَى أن يوحد الله في الألوهية، وأن يطاع وحده، وأن تتبع شريعته وحده ولكنهم لا يريدون الحديث عن توحيد الأسماء والصفات، فنقول لهم: مهلاً -جزاكم الله خيراً- هذا خطأ فكيف تدعون إِلَى جانب من جوانب التوحيد وتتركون الجانب الآخر.\rوأكثر من ذلك أن يأتي فينتقد هذا الجانب من التوحيد وينتقد من يدعو إليه!! وهذا الإِنسَان في الحقيقة يخشى عليه لأن المسألة حرب أو إنكار لنوع من أنواع التوحيد هي في غاية الخطورة، ولولا ما نعرفه أنه قد يكون بعضهم قصده حسناً وهو جاهل به لكان حكمهم أصعب مما يظنون، لأن هذا محاربة لنوع من أنواع التوحيد.\r\rوبعض النَّاس يدعو إِلَى توحيد الأسماء والصفات -مثلاً- أو إِلَى جانب من جوانب الألوهية، ويترك جوانب أخرى، فمثلاً يدعو إِلَى نبذ الشرك والتقرب والتنسك لغير الله ﷿ كشرك الدعاء وما أشبه ذلك، ويهمل بالكلية مثلاً شرك الطاعة وشرك الاتباع.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689971,"book_id":1659,"shamela_page_id":1097,"part":null,"page_num":1097,"sequence_num":1097,"body":"فكما نفرد الله ﷾ بالعبادة وبالطاعة وبالتقرب معاً، فكذلك ندعو إِلَى توحيده ﷾ بالطاعة والاتباع، فلا يحاكم إِلَى غير شرعه، ولا تتبع غير شرعته، ولذلك جاءت الآيات بنفي الإيمان عمن تحاكم إِلَى غير شرع الله فَقَالَ ﵎: اَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِه [النساء:٦٠] فدلت هذه الآية عَلَى أنه لا يتحاكم إلا لشرع الله وحده ﷾ ولا يتحاكم إِلَى أي قانون بشري أو نظام وضعي أبداً فإن هذا من الشرك بالله، مثَلُه في ذلك مثل من يعبد غير الله عند قبر فيدعوه أو يتوسل بصاحبه، فالشرك في هذا كالشرك في هذا.\r\rفيجب أن ندعو إِلَى التوحيد بشموله، وكماله الذي يجتث هذه الأمراض والأخطاء والجزئيات الكثيرة، التي لو ذهبنا نعالجها لتفانت الأعمار ولم تعالج، لكن إذا عولج الأصل وهو أن يدعى إِلَى الإيمان بالله ﷿، وأن يوضح الإيمان بالله، وتوحيد الله كاملاً، فسنجد أن المسلم الذي يعبد الله وحده تتكامل شخصيته بتكامل حقيقة التوحيد في قلبه.\r\rقَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:\r[وكذلك شهد الله لنفسه بهذا التوحيد، وشهدت له به ملائكته وأنبياؤه ورسله قال تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلام [آل عمران:١٨، ١٩] فتضمنت هذه الآية الكريمة إثبات حقيقة التوحيد، والرد عَلَى جميع طوائف الضلال، فتضمنت أجلَّ شهادة وأعظمها وأعدلها وأصدقها، من أجلَّ شاهد بأجلِّ مشهود به.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689972,"book_id":1659,"shamela_page_id":1098,"part":null,"page_num":1098,"sequence_num":1098,"body":"وعبارات السلف في (شهد) تدور عَلَى الحكم، والقضاء، والإعلام، والبيان والإخبار.\r\rوهذه الأقوال كلها حق لا تنافي بينها: فإن الشهادة تتضمن كلام الشاهد وخبره، وتتضمن إعلامه وإخباره وبيانه.\r\rفلها أربع مراتب: فأول مراتبها: علم ومعرفة واعتقاد لصحة المشهود به وثبوته، وثانيها: تكلمه بذلك وإن لم يعلم به غيره، بل يتكلم بها مع نفسه ويذكرها وينطق بها أو يكتبها. وثالثها: أن يعلم غيره بها بما يشهد به ويخبره به ويبينه له. ورابعها: أن يلزمه بمضمونها ويأمره به.\r\rفشهادة الله -سبحانه- لنفسه بالوحدانية والقيام بالقسط تضمنت هذه المراتب الأربع: علمه سبحانه بذلك، وتكلمه به، وإعلامه وإخباره لخلقه به، وأمرهم وإلزامهم به.\r\rفأما مرتبة العلم فإن الشهادة تضمنتها ضرورة، وإلا كَانَ الشاهد شاهداً بما لا علم له به قال تعالى: إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [الزخرف:٨٦] وقال ﷺ: (عَلَى مثلها فاشهد، وأشار إِلَى الشمس) .\r\rوأما مرتبة التكلم والخبر، فَقَالَ تعالى: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلونَ [الزخرف:١٩] فجعل ذلك منهم شهادة، وإن لم يتلفظوا بلفظ الشهادة ولم يؤدوها عند غيرهم.\r\rوأما مرتبة الإعلام والإخبار فنوعان: إعلام بالقول، وإعلام بالفعل، وهذا شأن كل معلم لغيره بأمر: تارة يعلمه به بقوله، وتارة بفعله.\r\rولهذا كَانَ من جعل داره مسجداً وفتح بابها وأفرزها بطريقها وأذن للناس بالدخول والصلاة فيها معلماً أنها وقف وإن لم يتلفظ به، وكذلك من وجد متقرباً إِلَى غيره بأنواع المسار، يكون معلما له ولغيره أنه يحبه وإن لم يتلفظ بقوله، وكذلك بالعكس.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689973,"book_id":1659,"shamela_page_id":1099,"part":null,"page_num":1099,"sequence_num":1099,"body":"وكذلك شهادة الرب ﷿ وبيانه وإعلامه، يكون بقوله تارة وبفعله أخرى، فالقول ما أرسل به رسله وأنزل به كتبه. وأما بيانه وإعلامه بفعله فكما قال ابن كيسان: شهد الله بتدبيره العجيب وأموره المحكمة عند خلقه: \"أنه لا إله إلا هو\" وقال آخر:\rوفي كل شيء له آية\rتدل عَلَى أنه واحد\rومما يدل عَلَى أن الشهادة تكون بالفعل، قوله تعالى: مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ [التوبة:١٧] فهذه شهادة منهم عَلَى أنفسهم بما يفعلونه، والمقصود أنه -سبحانه- يشهد بما جعل آياته المخلوقة دالة عليه، ودلالتها إنما هي بخلقه وجعله] اهـ.\rالشرح:\rلما أراد المُصنِّفُ ﵀ أن يستشهد عَلَى أن الله قد بين أنواع التوحيد، وأن القُرْآن كله توحيد، جَاءَ بآية الشهادة وهي من أعظم الدلائل عَلَى الأصل الكلي: أن القُرْآن هو الدعوى وهو الشاهد، وهو أيضاً الحكم وهذه الثلاث من خصائص القُرْآن.\r\rفالقرآن تضمن الدعوى والبرهان القاطع عَلَى أنه من عند الله ﷾ فكل من أراد أن يتأمل حقيقة الدعوى، عليه أن يتأمل القُرْآن فإن الدعوى هي نفسها البرهان.\r\rهذه الآية هي حقاً من كتاب الله ﷾ ففيها الدعوى وفيها البرهان معاً قال تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران:١٨] ثُمَّ قَالَ: (ِإنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ [آل عمران:١٩] هذه الشهادة شهادة الله ﷾ لنفسه، فما بالكم بأمر يكون الشاهد فيه هو الله ﷾ والمشهود له هو الله سبحانه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689974,"book_id":1659,"shamela_page_id":1100,"part":null,"page_num":1100,"sequence_num":1100,"body":"فيشهد ﷾ أنه هو وحده الإله فهو الشاهد، وهو المشهود له؛ ولذلك يقول المُصنِّفُ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: إن هذه الآية تضمنت إثبات حقيقة التوحيد والرد عَلَى جميع طوائف الضلال الذين خالفوا في توحيد الله ﷾ وأنها تضمنت أجل شهادة وأعظمها وأعدلها وأصدقها من أجل شاهد بأجل مشهود به وهو التوحيد.\r\rفهي الشهادة التي جَاءَ بعدها قول الله تعالى: (ِإنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ فشهادة أن لا إله الله هي: دين الإسلام وحقيقته، وبقية أركان الإسلام وشعب الإيمان هي أسنان لهذه الشهادة.\rوسبب نزول سورة آل عمران أن وفد نجران الذين كانوا عَلَى دين النَّصارَى، جاءوا إِلَى النبي ﷺ وجادلوه في ألوهية المسيح وبنوته لله -كما يعتقدون- فأنزل الله ﷾ هذه الآيات يبين فيها حقيقة المسيح ﵇، ورد دعاوى هَؤُلاءِ النَّصارَى في ألوهية المسيح أو أنه ابن لله، وبين تَعَالَى أن ملة إبراهيم هي التوحيد، وأن أولى النَّاس بإبراهيم هم الذين آمنوا به في عهده والنبي ﷺ ومن اتبعه أيضاً، وأنكر عَلَى أهل الكتاب أنهم يكتمون الحق، وأنهم يلبسون الحق بالباطل، وألزمهم إن لم تنفع وتجدي فيهم هذه الحجج بالحجة المعروفة المشهورة التي لو تأملها كل من ينتمي إِلَى هذا الدين لأيقن بحقيقة دين الإسلام، وهي أنكم إن كنتم تقولون: أن المسيح ﵇ هو ابن لله! - تَعَالَى الله عن ذلك علواً كبيراً -لأنه ولد من أم بلا أب، فماذا تقولون في آدم؟!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689975,"book_id":1659,"shamela_page_id":1101,"part":null,"page_num":1101,"sequence_num":1101,"body":"إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران:٥٩] فالأعجوبة الخارقة في آدم أعظم منها في عيسى، لأن الله ﵎ خلق آدم من غير أب ولا أم، ثُمَّ إنه خلق حواء من أب -وهو آدم- وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا [النساء:١] بدون أم، وخلق عيسى ﵇ من أم بدون أب، فالله ﵎ يخلق ما يشاء، فلماذا يكون عيسى هو إله أو ابن لله كما تزعمون؟!\r\rوبعد ذلك تأتي الحجة الأخيرة الدامغة في مناظرتنا دائماً لأهل الكتاب وهي المباهلة، ولهذا يقول الله ﷾ في ذلك إذا حاجونا من بعد ما جاءتهم البينات موضحة لهم، أن نقول كما قال الله تَعَالَى لنبيه: فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ [آل عمران:٦١] .\rوعبارات السلف في شهد جاءت بمعنى: حكم، وقضى، وأعلم، وبين وأخبر، وكلها حق، فحكم الله -سبحانه- أنه لا إله إلا هو، وقضى أنه لا إله إلا هو، وأعلم أنه لا إله إلا هو، وبين، وأخبر أنه لا إله إلا هو، فكل ذلك حق وكل ذلك تتضمنه كلمة شهد، فإذا أردنا أن نتبين ذلك فلنعلم مراتب الشهادة.\rمراتب الشهادة\rهذه الشهادة تتضمن أربع مراتب وهي: العلم، والتكلم، والإعلام والإخبار، والأمر والإلزام.\r\rالأولى: مرتبة العلم، فعندما نقول: فلان يشهد بشيء، معنى ذلك أنه يعلمه لأنه شهد به، لكن فرق بين مرتبة العلم ومرتبة الإعلام؛ لأن الإِنسَان قد يعلم الشيء ولكنه لا يتكلم به ولا يخبر به.\r\rوهذه المرتبة قد دلت عليها أدلة كثيرة من كتاب الله تعالى، ومن سنة رسوله ﷺ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689976,"book_id":1659,"shamela_page_id":1102,"part":null,"page_num":1102,"sequence_num":1102,"body":"والمخلوقون ينبغي لهم أن يعلموا حقيقة هذه الشهادة أيضاً: إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [الزخرف:٨٦] أي: أنه لا إله إلا هو، فهو ﷾ يعلم أنه لا يوجد هناك إله معبود بحق سواه ﷾ ولا يمكن أن يكون شيء خارج عن علم الله، فهذا علم الله.\rوفي حقنا نَحْنُ فالعلم بها: أن نعتقدها ونصدقها بأنه ﷾ واحد لا شريك له.\rالثانية: مرتبة التكلم، وفيه الحديث: (عَلَى مثلها فاشهد) فهذا الحديث معناه صحيح ولكن لفظه ضعيف، وهو ﴿أن رجلاً جَاءَ إِلَى النبي ﷺ فسأل عن الشهادة، فأشار النبي ﷺ إِلَى الشمس وقَالَ: عَلَى مثلها فاشهد، أو دع﴾ فالإِنسَان لا يشهد إلا بما يعلم لا بما يظن، فلا يجوز لشاهد في قضية دنيوية أن يشهد فيها بظنه؛ وإنما يشهد بما يعلم وما هو متأكد ومستيقن منه، فما بالك بمن يشهد أنه لا إله إلا هو!\r\rفمرتبة التكلم: أن تتكلم بما تشهد به بالنسبة لله تَعَالَى وبالنسبة لنا، فتتكلم به وتقول للناس: إن الله ﷾ تكلم بهذه الشهادة، فجاءت ضمن القُرْآن شهادة أن لا إله إلا الله والأمر بتوحيد الله.\r\rوالتكلم بشيء شهادة له، والدليل عَلَى ذلك في كتاب الله قال تعالى: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلونَ [الزخرف:١٩] فهذا القول بذاته شهادة، فهم شهدوا بأن الملائكة إناث مع أنهم لم يقولوا شهدنا، وإنما قالوا: الملائكة إناث.\rالثالثة: مرتبة الإعلام والإخبار: وهي أن تتكلم بشيء فتخبر غيرك به وهذا يكون شهادة، يقول المصنف: إنه عَلَى نوعين، فقد يكون بالفعل وقد يكون بالقول.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689977,"book_id":1659,"shamela_page_id":1103,"part":null,"page_num":1103,"sequence_num":1103,"body":"النوع الأول: ومثاله: لو أن إنساناً فتح باباً لمبنى وجاء النَّاس يصلون فيه، وفرشه ووضع فيه مكبر الصوت -مثلاً- فهو وإن لم يكتب صكاً بأن هذا وقف فإنه يحكم فيه أنه وقف. ومثله إنسان يفتح بابه ويضع مائدة يدخل النَّاس إليها، ويأتي الذي يعرف والذي لا يعرف، فهو كأنه يقول: تعالوا أنا أدعوكم إِلَى وليمة، ودلالة الحال تدل عليه، ففعله هذا يدل عَلَى أنه معلن ومخبر.\r\rوالإعلام يكون بالفعل المجرد عن اللفظ، ويكون ذلك في حق الله ﷾ بأن الله شهد بفعله وبقوله: أنه لا إله إلا هو، ولذلك قال ابن كيسان: شهد الله بتدبيره العجيب وأموره المحكمة عند خلقه أنه لا إله إلا هو. حيث جعل الله ﷾ السماء بروجاً، وجعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وخلق الإِنسَان في أحسن تقويم، وأنزل من السماء ماء فأخرج به ثمرات مختلفةً ألوانها، وبث في الأرض من كل دابة، وسخر الرياح وسخر النجوم.\rفبهذه الأفعال التي فعلها الله ﷾ شهد أنه لا إله إلا هو كما قالأبو العتاهية:\rفواعجباً كيف يُعصى الإله أم كيف يجحده الجاحد\rوفي كل شيء له آيةٌ تدل عَلَى أنه الواحد\rفهذه من الشهادة بالفعل، ولذلك يكون الإخبار عن صدق القُرْآن دل عليه السمع والبصر والقلب والنقل الذي هو الشرع.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689978,"book_id":1659,"shamela_page_id":1104,"part":null,"page_num":1104,"sequence_num":1104,"body":"فعندما يقول الله ﷾: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً [الإسراء:٣٦] وكما في الآيات الأخرى التي تتحدث عن الأصنام والمعبودين من دون الله ﷾ أنه ليس لهم سمع وليس لهم بصر، وكذلك الآيات التي تنفي السمع عمن يعبدون الأصنامإِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً [الفرقان:٤٤] وأن النبي ﷺ لا يعطي العُمي الأبصار، ولا يعطي الصم الأسماع.\r\rهذه كلها تدل عَلَى أن الله ﷿ قد جعل الآيات الدالة عَلَى توحيده من هذه المنافذ العظيمة - منفذ السمع والبصر- فما يبصره الإِنسَان في هذا الكون من المخلوقات تنطق وتشهد بأنه لا إله إلا هو، وإن لم تتكلم بالكلام الحسي الذي نألفه ونعرفه.\r\rدلالة الشهادة بالفعل\rيقول المُصْنِّف ﵀: [ومما يدل عَلَى أن الشهادة تكون بالفعل] قوله تعالىمَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ [التوبة:١٧] فهذه شهادتهم عَلَى أنفسهم بما يفعلون من أعمال الكفر وأقواله - في بعض طبعات الكتاب نقص، والزيادة هي قوله: [بما يفعلون من أعمال الكفر وأقواله]- فهي شهادة بكفرهم، وهم شاهدون عَلَى أنفسهم بما شهدت عليهم] .\rفلو أن إنساناً يأكل الحرام -أجارنا الله وإياكم- وفي يوم من الأيام وقف وتكلم عن تحريم أكل الحرام فإنك ستقول: شهد عَلَى نفسه، وإن لم يقل أشهد عَلَى نفسي.\r\rومثله ما قاله الله تَعَالَى عن الْمُشْرِكِينَ: (مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ فإن هذا الفعل منهم شهادة بكفرهم ودلالة عَلَى أنهم لم يوحدوا الله ﷾.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689979,"book_id":1659,"shamela_page_id":1105,"part":null,"page_num":1105,"sequence_num":1105,"body":"قَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:\r[وأما مرتبة الأمر بذلك والإلزام به وإن كَانَ مجرد الشهادة لا يستلزمه، لكن الشهادة في هذا الموضع تدل عليه وتتضمنه فإنه -سبحانه- شهد به شهادة من حكم به، وقضى وأمر وألزم عباده به، كما قال تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:٢٣] وقال تعالى: وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ [النحل:٥١] وقال تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً [التوبة:٣١] وقال تعالى: وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ [الإسراء:٣٩] وقال تعالى: وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ [القصص:٨٨] والقرآن كله شاهد بذلك.\r\rووجه استلزام شهادته -سبحانه- لذلك: أنه إذا شهد أنه لا إله إلا هو، فقد أخبر وبيَّن وأعلم وحكم وقضى أن ما سواه ليس بإله، وأن إلهية ما سواه باطلة، فلا يستحق العبادة سواه، كما لا تصلح الإلهية لغيره، وذلك يستلزم الأمر باتخاذه وحده إلهاً والنهي عن اتخاذ غيره معه إلهاً، وهذا يفهمه المخاطَب من هذا النفي والإثبات، كما إذا رأيت رجلاً يستفتي رجلاً أو يستشهده أو يستطبّه وهو ليس أهلاً لذلك، ويدع من هو أهلاً له فتقول: هذا ليس بمفت ولا شاهد ولا طبيب، المفتي فلان، والشاهد فلان والطبيب فلان، فإن هذا أمر منه ونهي.\r\rوأيضاً: فالآية دلت عَلَى أنه وحده المستحق للعبادة، فإذا أخبر أنه هو وحده المستحق للعبادة، تضمن هذا الإخبار أمر العباد وإلزامهم بأداء ما يستحقه الرب تَعَالَى عليهم، وأن القيام بذلك هو خالص حقه عليهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689980,"book_id":1659,"shamela_page_id":1106,"part":null,"page_num":1106,"sequence_num":1106,"body":"وأيضاً: فلفظ \"الحكم\" و\"القضاء\" يستعمل في الجمل الخبرية، ويقال للجمل الخبرية: قضية، وحكم، وقد حكم فيها بكذا، قال تعالى: أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [الصافات:١٥١-١٥٤] فجعل هذا الإخبار المجرد منهم حكماً وقال تعالى: أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [القلم:٣٥،٣٦] لكن هذا حكم لا إلزام معه.\r\rوالحكم والقضاء بأنه لا إله إلا هو متضمن للإلزام. ولو كَانَ المراد مجرد شهادة لم يتمكنوا من العلم بها، ولم ينتفعوا بها ولم تقم عليهم بها الحجة، بل قد تضمنت البيان للعباد ودلالتهم وتعريفهم بما شهد به، كما أن الشاهد من العباد إذا كانت عنده شهادة ولم يبينها بل كتمها، لم ينتفع بها أحد ولم تقم بها حجة، وإذا كَانَ لا ينتفع بها إلا ببيانها، فهو سبحانه قد بينها غاية البيان بطرق ثلاثة:\rالسمع والبصر والعقل] اهـ.\rالشرح:\rذكر المُصْنِّف ﵀ المرتبة الأخيرة من مراتب الشهادة وهي أهم المراتب: مرتبة الأمر والإلزام به.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689981,"book_id":1659,"shamela_page_id":1107,"part":null,"page_num":1107,"sequence_num":1107,"body":"وقلنا: وإن كَانَ مجرد الشهادة لا يستلزمه؛ لأنه إذا شهد إنسان بشيء فشهادته في الأصل لا تستلزم أمراً ولا نهياً ولذا يقول المصنف: لكن الشهادة في موضع التوحيد لله ﷾ تستلزم وتتضمن ذلك، -أي: المرتبة الرابعة والأخيرة- فإن الله ﷾ شهد شهادة من حكم وأمر وقضى به، ولذلك جاءت الآيات في القُرْآن دالة عَلَى الأمر والقضاء بتوحيد الله ﷾، وهو ما يقتضي أن شهادة الله عندما قال ﷾: َشهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [آل عمران:١٨] تتضمن أمر الله بأنه لا يكون هناك إله إلا هو، وقال تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البينة:٥] وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ [الإسراء:٢٢،٣٩] (َلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَر [القصص:٨٨] إِلَى غير ذلك.\rفالمرتبة الرابعة من مراتب الشهادة: هي أمر الله وقضاؤه وحكمه بأن يفرد ويوحد بالعبادة ﷾ دون من سواه، كما دلت الآيات الأخرى التي ورد فيها القضاء والأمر، وورد فيها النهي.\r\rفمجرد الشهادة في ذاتها لا تتضمن الأمر؛ لكن هذه الشهادة - خاصة- أنه \"لا إله إلا الله\" تستلزم الأمر، ووجه استلزامها ذلك أن الله ﷾ شهد أنه يعلم أنهم ما يدعون من دونه من شيء، فهو يعلم أنه هو الله الإله الواحد ثُمَّ أخبر به كما في الآية، ويتضمن ذلك أن إلهية ما سوى الله باطلة إذ كَانَ هو الإله المعبود بحق.\r\rويضرب المُصْنِّف ﵀ لذلك مثالاً فَيَقُولُ: لو جئت إِلَى إنسان قد ذهب إِلَى طبيب ما، فقلت له: ليس هذا بطبيب، الطبيب فلان، فأنت الآن لم تأمر باللفظ ولم تنه ولكن دلالة ذلك أنك تقول: دع هذا الإِنسَان واذهب إِلَى الطبيب الذي هو فلان.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689982,"book_id":1659,"shamela_page_id":1108,"part":null,"page_num":1108,"sequence_num":1108,"body":"فعندما تقول: لا إله إلا الله فهذا نفي وإثبات، وهو متضمن للأمر والنهي أي: لا تعبدوا هذه الآلهة واعبدوا الله، فمعنى أنه إله ورب إلزام العباد أن يعبدوه وحده وأن العبادة خالص حقه -كما في الحديث المشهور- قال ﷺ: (حق الله عَلَى العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً) .\r\rمن استعمالات الحكم والقضاء\rومن الأدلة عَلَى أن لفظ الحكم والقضاء قد يستعمل في الجمل الخبرية:\rأولاً: أن الكلام نوعان: \"خبر، وإنشاء\" والفرق بينهما أن الجملة الخبرية تحتمل الصدق والكذب، تقول: جَاءَ فلان، ويقول آخر: ما جَاءَ فلان، فهذا محتمل الرد أو القبول يعني: التصديق أو التكذيب.\r\rوأما الجمل الإنشائية فهي التي لا تتضمن ذلك مثل الأمر، كأن تقول: قم يا فلان، فهذا لا يحتمل الصدق والكذب، ومثل الاستفهام، تقول كيف حال فلان؟ فهذا لا يحتمل أن تقول له كذبت.\rوالحكم والقضاء في الأصل أمر ونهي ويكون في الجمل الإنشائية، فإذا قال الله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة:١١٠] وَأَنْفِقُوا [الجمعة:٩] (َكُلُوا وَاشْرَبُوا [الأعراف:٣١] هذه الأوامر كلها إنشاء.\r\rفقوله تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [آل عمران:١٨] هذا خبر، ولذلك يحتمل التكذيب، وقد كذب به الكفار المُشْرِكُونَ وصدق به المؤمنون فهذه الجمل خبرية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689983,"book_id":1659,"shamela_page_id":1109,"part":null,"page_num":1109,"sequence_num":1109,"body":"ثانياً: أن المرتبة الرابعة من مراتب الشهادة: فيها الأمر والإلزام وهو متعلق بالجمل الإنشائية، والآية هي جملة خبرية، فهذا إشكال، وحله أن لفظ: \"الحكم والقضاء\" يأتي في الجمل الخبرية، فإذا أخبرنا إنسان بشيء فكأنه أنشأ فحكم ودليله من القرآن: أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [الصافات:١٥١-١٥٤] هم قالوا: ولد الله، ولم يأمروا ويلزموا فهذا خبر والله تَعَالَى يقول: مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَفهذا الكلام منهم حكم، مثلما قال عن قول الملائكة: إنه شهادة: سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلونَ [الزخرف:١٩] فكما أن الله سمى اتخاذهم للولد حكماً، لكنه حكم لا إلزام معه، فإن حكم الله ﷾ بأنه لا إله غيره وشهادته ﷾ تتضمن الإلزام والأمر، فتأتي الجمل الخبرية في موضع الجمل الانشائية، كما تأتي الجمل الإنشائية في موضع الجمل الخبرية، وكل ذلك بحسب دلالة المعنى، كما يقول الله ﷾: أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ [إبراهيم:١٠] فهذا استفهام لكن معناه نفي -أي: ليس في الله شك- وهذا كله مفصل في علم البلاغة.\rفهذه الشهادة فيها إقامة الحجة عَلَى العباد حينما يعلمون أنه أعلمهم بذلك، وشهد أن لا إله إلا هو بآياته الكونية وآياته النفسية، وبما أنزل من الآيات القرآنية، فإن الله ﷾ قد بين هذه الشهادة -شهادة أن لا إله إلا هو- بطرق ثلاث هي السمع والبصر والعقل.\r\rطرق بيان الله لها\rقَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689984,"book_id":1659,"shamela_page_id":1110,"part":null,"page_num":1110,"sequence_num":1110,"body":"[أما السمع: فبسمع آياته المتلوة المبينة لما عرفنا إياه من صفات كماله كلها، الوحدانية وغيرها، غاية البيان، لا كما يزعمه الجهمية ومن وافقهم من المعتزلة، ومعطلة بعض الصفات، من دعوى احتمالات توقع في الحيرة، تنافي البيان الذي وصف الله به كتابه العزيز ورسوله الكريم، كما قال تعالى: حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ [الزخرف:٢،١] الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ [يوسف:١] الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ [الحجر:١] هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران:١٣٨] فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ [المائدة:٩٢] وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [النحل:٤٤] .\rوكذلك السنة تأتي مبينة أو مقررة لما دل عليه القرآن، لم يحوجنا ربنا ﷾ إِلَى رأي فلان، ولا إِلَى ذوق فلان ووجْدِه في أصول ديننا. ولهذا نجد من خالف الكتاب والسنة مختلفين مضطربين، بل قد قال تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينا [المائدة:٣] فلا يحتاج في تكميله إِلَى أمر خارج عن الكتاب والسنة.\rوإلى هذا المعنى أشار الشيخ أبو جعفر الطّّحاويّ ﵀، فيما يأتي من كلامه بقوله: \"لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا، ولا متوهمين بأهوائنا، فإنه ما سلم في دينه إلا من سلم لله ﷿ ولرسوله ﷺ.\rوأما آياته العيانية الخلقية: فالنظر فيها والاستدلال بها يدل عَلَى ما تدل عليه آياته القولية السمعية، والعقل يجمع بين هذه وهذه، فيجزم بصحة ما جاءت به الرسل، فتتفق شهادة السمع والبصر والعقل والفطرة] اهـ.\rالشرح:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689985,"book_id":1659,"shamela_page_id":1111,"part":null,"page_num":1111,"sequence_num":1111,"body":"من رحمة الله ﷿ أن بين للبشر وحدانيته ﷾ غاية البيان، بطرق البيان الثلاثة وهي وسائط المعرفة التي عن طريقها نعرف أي شيء وهي:\r\rأ-السمع.\rب-والبصر.\rجـ-والعقل أو القلب أي: التفكر والتدبر.\rوهذه الثلاثة هي المنافذ التي تصب جميعاً في المعرفة، فتتكون معرفة الإِنسَان للأشياء والأمور بهذه الطرق الثلاثة، ولذلك نجد أن الذي ولد أعمى -مثلاً- لا يكون لديه أحد هذه المصادر وهو النظر، فلا يستطيع أن يتمتع بآيات الله الكونية، وفاقد السمع أشد من ذلك، لأنه لا يستطيع أن يفهم إلا عن طريق السمع، وإن كَانَ يبصر هذه الأشياء، ومن حرم التفكير والعقل فقد حرم كل شيء أصلاً، وإن كَانَ به سمع أو بصر.\rوالله ﷾ قد بين وجلى وحدانيته ﷾ وأنه لا شريك له من هذه الطرق الثلاثة كلها، حتى يقر في قلب الإِنسَان معرفة الله ﷾ ووحدانيته.\rوأعظم المعارف -كما قال إمام النحاة - سيبويه- هو الله ﷾؛ لأن هذه المنافذ الثلاثة، ووسائل المعرفة كلها تدل دلالات قطعية، وتبين بيانات لا لبس فيها أبداً؛ أنه واحد ﷾ وأنه لا شريك له، لا في ربوبيته، ولا في أسمائه وصفاته.\rقول المصنف: [أما السمع فبسمع آياته المتلوة ... ] .\r\rكلمة السمع تطلق ويراد بها: هذه الحاسة \"أي: الأذن\" وتطلق في علم الكلام -كما يسمونه- بما يقابل الأدلة العقلية.\r\rأنواع مباحث العقيدة عند علماء الكلام\rيقولون في علم الكلام إن المباحث عَلَى نوعين:\rعقليات وسمعيات:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689986,"book_id":1659,"shamela_page_id":1112,"part":null,"page_num":1112,"sequence_num":1112,"body":"فالعقليات هي: التي يضبطها العقل؛ لأن الحَكَم هو العقل، ولذلك نجدهم يبدؤن الحديث عن الله ﷾ وعن صفاته فيقولون: ما يجوز لله عقلاً، وما يجب له عقلاً، وما يمتنع عنه عقلاً، فتقول الأشعرية: إن العقل هو الذي يثبت الصفات السبع، وتقولالمعتزلة: العقل هو الذي يثبت الأسماء وينفي الصفات، وتقول الجهمية: إن العقل هو الذي ينفي الأسماء والصفات، ولا يثبت إلا وجوداً مطلقاً. فهذا القسم \"العقليات\" تدخل فيه معظم المباحث المتعلقة بصفات الله ﷾.\rوالسمعيات أي: التي دل عليها الخبر المجرد، والعقل لا يقتضي إثبات ذلك ولا نفيه -مثلاً- يقولون: الإيمان باليوم الآخر وما يكون فيه، لا يقتضي العقل وجوده ولا يحكم بنفيه، فهو من القسم الجائز عقلاً؛ لكن ورد خبراً وسمعاً ومثله: عذاب القبر.\rويرد عليهم: أن الآيات القرآنية التي تظنونها سمعية -كالآيات التي تتعلق بالآخرة- هي براهين عقلية، وقد استدل الله ﷾ وبين حقيقة البعث والحساب والنشور بحجج وآيات، هي في ذاتها براهين عقلية لا تملك العقول إلا أن تسلم بصحتها، وتقتضيها إما اقتضاءً كلياً وإما اقتضاءً جزئياً -أي يقتضي كل مسألة بذاتها- مثل: مسألة اليوم الآخر، والبعث، والنشور، فإننا نرى رجلاً جباراً طاغياً ظالماً سفَّاكاً للدماء طول عمره، ثُمَّ يموت، ونرى آخر براً رحيماً تقياً عادلاً حسن العشرة إِلَى آخر صفات الخير ثُمَّ يموت. فالعقل السليم يقتضي -بدون أن يأتيه وحي- أن يكون هنالك جزاء، ويجازى هذا بظلمه وشره، ويجازى هذا بخيره وبره، والله ﷾ سمى نفسه الحكيم، وعدم الحساب خلاف الحكمة.\rوكلمة \"السمع\": تطلق عَلَى الأدلة النقلية، والنقل يعني: الكتاب والسنة. أي: التي نقلت إلينا عن النبي ﷺ، ويقال لها: دليل خبري.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689987,"book_id":1659,"shamela_page_id":1113,"part":null,"page_num":1113,"sequence_num":1113,"body":"ويبين المُصْنِّف ﵀: أن الله ﷾ أنزل هذا القُرْآن بياناً للناس ولذلك قَالَ: حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ [الزخرف:٢] في آيات كثيرة، وقَالَ: هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ [آل عمران:١٣٨] فهذا الكتاب مبين أي: مبين للحجج موضح للحق، وأعظم قضية بينها القُرْآن هي وحدانية الله، بل سائر صفات الله ﷾ وما يتعلق بتوحيده في أنواعه الثلاثة -التي مرت معنا- لا كما يزعمه الجهمية ومن وافقهم من المعتزلة ومعطلة بعض الصفات؛ من دعوى أن الآيات والأحاديث السمعية النقلية توقع في الحيرة وتدل عَلَى معانٍ محيرة؛ ولهذا لجؤوا إِلَى القواطع أو البراهين العقلية، فرد عليهم المُصْنِّف ﵀ بأن الله ﷾ قد أوضح وبين في كتابه، وحدانيته ﷾ وسائر صفاته بما لا مجال معه لقول هَؤُلاءِ النَّاس بأنها غير واضحة، أو أنها توقع في الحيرة، فمثلاً: في قوله ﷾: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:٥] ورد الاستواء في سبع آيات من القُرْآن الكريم فيقولون: إن هذا المعنى يوقع العقول في حيرة، فهي تتصور كذا وتتصور كذا، فتقع في حيرة، فنقول لهم: إن الله ﷾ قد بين أعظم البيان، ولكن الحيرة أو الاضطراب وعدم الفهم سببه أن المحل الذي خوطب لا يفقه ولا يفهم كما قال الشاعر:\rوكم من عائبٍ قولاً صحيحاً وآفته من الفهم السقيم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689988,"book_id":1659,"shamela_page_id":1114,"part":null,"page_num":1114,"sequence_num":1114,"body":"فلما تخيلوا معنى الاستواء أنه ﷾ فوق العرش بشكل هم يتخيلونه، وتركوا الآيات والأحاديث الأخرى، مثل قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:١١] التي تدل عَلَى التنزيه، وأن الله ﷾ أعظم من أن تتوهمه الأذهان أو الخيالات، قالوا هذه الآيات توقع في الحيرة، كيف نقول: إن الله عَلَى العرش استوى ثُمَّ نقرأ قوله تعالى: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [الحديد:٤] ؟ هذه توقع في الحيرة، فيردون هذه الآية، ويلجؤون إِلَى قواعد وضعوها هم أنه لا داخل العالم ولا خارجه، فردوا الآيتين معاً، ولو أنهم إذ لم يفهموا ذلك رجعوا إِلَى أهل العلم ليبينوا لهم أن الله ﷾ بذاته فوق جميع المخلوقات، والعرش أحد هذه المخلوقات، وهو بعلمه ﷾ وباطلاعه وإحاطته مع كل أحد، وليس هناك أي تعارض ولا تنافي، بل النبى ﷺ فصل ذلك، والصحابة فهموه ومن بعدهم وأجمعوا عليه، وليس في ديننا شيء أوضح من معرفة الله ﷾ لأنها هي أشرف أنواع المعلومات، فهي أشرف العلوم جميعاً.\r\rبعض أدلة وحدانية الله تعالى\rإن الله ﷾ قد بين في القُرْآن حقيقة الوحدانية في آي كثيرة جداً:\rأ- منها: الاستدلال بتوحيد الربوبية الذي يؤمن به الكفار عَلَى الوحدانية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689989,"book_id":1659,"shamela_page_id":1115,"part":null,"page_num":1115,"sequence_num":1115,"body":"ومنها الاستدلال بالأمم الماضية ومانرى من آثارهم قال تعالى: وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْل أفلا تبُصِرون [الصافات:١٣٧-١٣٨] فهذه الآية نزلت في قوم لوط، وكذلك الطوفان الذي أهلك الله به قوم نوح يؤمن به جميع البشر، فإن العلماء الذين تخصصوا في الدراسات الجيولوجية يثبتون أن الأرض في فترة ما قد عمها الماء، وكذا علماء الاجتماع درسوا دراسات نظرية بعيدة جداً عن الدراسات العلمية البحتة فَقَالُوا: إن الخرافة المشتركة هي أسطورة الطوفان؛ لأن كل مجتمع درسوه ودرسوا لغته فيأفريقيا، وفي أمريكا الوسطى، واستراليا، ومناطق آسيا يجدون أن هذه القبائل القديمة أو الهمجية عندها إثبات الطوفان، فَقَالُوا: هذه خرافة أو أسطورة مشتركة.\rومنها: الآيات القرآنية، فلها تعلق بالآيات العيانية، وهي نوع من أنواع الاستدلال عَلَى وحدانية الله، فإن الله سبحانه أخبرنا أن هذا هو مصير من كفر وكذب وجحد بآيات الله كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ [فاطر:٣٦] أَفَلا يَعْقِلُونَ [يس:٦٨] أَفَلا يَسْمَعُونَ [السجدة:٢٦] فهي قرآنية سمعية نقلية خبرية، ولكنها أيضاً عقلية، فلو تأملها الإِنسَان لوجد أنها معجزة عظيمة، وكل الأمم قبلنا قد أهلكها الله ﷾ لما كفرتوَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ [القصص:٥٨] وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُون [القصص:٥٩] وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ [فاطر:٢٤]","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689990,"book_id":1659,"shamela_page_id":1116,"part":null,"page_num":1116,"sequence_num":1116,"body":"ومنها كذلك: السنة فإنها تأتي مبينة ومقررة لما دل عليه القُرْآن في باب معرفة الله ﵎ وبيان أنواع التوحيد، فإن النبي ﷺ قد سد كل الذرائع المفضية إِلَى الشرك؛ ولذلك نهانا عن قول: ﴿لو أني فعلت كذا لكان كذا، وكذا﴾ ونهانا أن نقول: ﴿ما شاء الله وشئت﴾ بحرف العطف مباشرة، وهذه الأمور هي من باب الألفاظ، فما بالك بما كَانَ من باب الاعتقاد.\rوكذلك توحيد الأسماء والصفات أو توحيد المعرفة، قد بينه النبي ﷺ غاية البيان؛ ولهذا جاءت بعض صفات الله ﷾ في السنة ولم تأتِ في القرآن، وهو يفسر قوله تعالى: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل:٤٤] فهذا بيانه ﷺ لما في كتاب الله ﵎ ولم يحوجنا الله إِلَى رأي فلان، ولا إِلَى ذوق فلان.\rوهذه قاعدة عظيمة جداً، فكل إنسان له رأى، وكل ناظر من النٌظار يأتي برأي جديد، ويأتي بمذهب كلامي جديد، وهذا يرد عَلَى هذا، وهذا يناقض هذا؛ لذا الجميع حيارى -كما يقولون- والله ﷾ لم يحوجنا في هذا الباب الذي هو أعظم أبواب العلوم أعني معرفة الله تَعَالَى إِلَى أي وجد من الوجدان، ولا أدلة عقلية مركبة من مقدمات ونتائج.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689991,"book_id":1659,"shamela_page_id":1117,"part":null,"page_num":1117,"sequence_num":1117,"body":"فإن الصوفية وأمثالهم يعتمدون عَلَى الأدلة الوجدانية والأذواق والكشوفات الروحانية، وأهل الكلام يعتمدون عَلَى الأدلة العقلية المركبة من مقدمات ونتائج، فلا عَلَى هذا ولا هذا نعتمد في بيان ديننا، وإنما نعتمد عَلَى كتاب الله وعلى سنة رسوله ﷺ ولذا يقولأبو جعفر الطّّحاويّ: [لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا، ولا متوهمين بأهوائنا، فإنه ما سلم في دينه إلا من سلَّم لله ﷿ ولرسوله ﷺ] أي: إنما نؤمن بما جاءنا عن الله ورسوله، ولا نتوهم بآرائنا وعقولنا.\rومنها: الآيات العيانية والبصرية التي يبصرها الإِنسَان فإنها عظيمة جداً قال تعالىإِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّار [آل عمران:١٩٠-١٩١] فالمتأمل في آيات الله من أعظم الأدلة عَلَى التوحيد، لذا قال تعالى: وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ [الذاريات:٢٠] وأينما رمى الإِنسَان ببصره ولاحظ، فإنه يجد الآيات العظيمة الدالة عَلَى وحدانية الله ﷾، وهذه الآيات تحول الإيمان من مجرد إيمان فطري إِلَى إيمان راسخ عميق، فإن الإيمان يزيد وينقص كما هو في مذهب أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ، والوسيلة لكي يزيد هذا الإيمان هي هذه المجالات الثلاثة: الآيات القرآنية، والآيات العيانية البصرية، والآيات العقلية أو التفكر العقلي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689992,"book_id":1659,"shamela_page_id":1118,"part":null,"page_num":1118,"sequence_num":1118,"body":"حتى إن العلماء الكفار \"علماء الكون\" الذين تمردوا عَلَى النصرانية، وتدينوا -كما يقال- بدين العلم، عندما تعمقوا، وجدوا أن كل هذه العلوم، وكل نتائجها تدل عَلَى أن لهذا الكون إلهاً واحداً هو الله ﷾، فهذه الآيات قادتهم إِلَى الاعتقاد بأنه لا إله إلا الله، وأنه حكيم، خالق، رازق، يدبر هذا الكون وينظمه.\r\rولا شك أن المؤمن بالله ﷾، وبما أنزل إذا تأمل في آيات الله الكونية يكون إيمانه أضعاف ذلك الإيمان السابق، ويختلف اختلافاً كلياً عن إيمان ذلك العالم الطبيعي أو الكيميائي أوالفيزيائي.\rوالله سبحانه خلق الكون لم يخلقه عبثاً ولا باطلاً؛ بل هذا ظن الكفار وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ [ص:٢٧] أما قول المؤمنين فإنهم يقولون: رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران:٩١] كما تأمل من قبل إمام الموحدين إبراهيم ﵇ في ملكوت السموات والأرض، وهكذا كل مؤمن يكون حظه من زيادة الإيمان بقدر ما يقرأ ويتدبر من الآيات القرآنية، ومن النظر في الآيات العيانية المشاهدة، وبالتفكير بعقله في هذه الحجج والبراهين التي أنزلها الله ﷾ في كتابه وأودعها في مخلوقاته.\rفوحدانية الله مما تتفق شهادة السمع والبصر والعقل والفطرة عليها كما قاله المُصْنِّف ﵀.\r\rالآيات التي أعطاها الله للأنبياء تدل على وحدانية الله ﷾\rقَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689993,"book_id":1659,"shamela_page_id":1119,"part":null,"page_num":1119,"sequence_num":1119,"body":"[فهو -سبحانه- لكمال عدله ورحمته وإحسانه وحكمته ومحبته للعذر وإقامته الحجة، لم يبعث نبياً إلا ومعه آية تدل عَلَى صدقه فيما أخبر به، قال تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ [الحديد:٢٥] وقال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ * بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ [النحل:٤٤،٤٣] وقال تعالى: قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ [آل عمران:١٨٣] ، وقال تعالى: فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ [آل عمران:١٨٤] وقال تعالى: اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ [الشورى:١٧] ، حتى إن من أخفى آيات الرسل آيات هود، حتى قال له قومه: يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ [هود:٥٣] ، ومع هذا فبينته من أوضح البينات لمن وفقه الله لتدبرها، وقد أشار إليها بقوله: إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [هود: ٥٤-٥٦] ، فهذا من أعظم الآيات: أن رجلاً واحداً يخاطب أمة عظيمة بهذا الخطاب، غير جزعٍ ولا فزعٍ ولا خوَّار، بل هو واثقٌ بما قاله، جازم به، فأشهدَ الله أولاً عَلَى براءته من دينهم، وما هم عليه إشهاد واثق به معتمد عليه، معلم لقومه أنه وليه وناصره وغير مسلط لهم عليه، ثُمَّ أشهدهم إشهاد مجاهر لهم بالمخالفة أنه برئٌ من دينهم وآلهتهم التي يوالون عليها، ويعادون","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689994,"book_id":1659,"shamela_page_id":1120,"part":null,"page_num":1120,"sequence_num":1120,"body":"عليها، ويبذلون دماءهم وأموالهم في نصرتهم لها، ثُمَّ أكد ذلك عليهم بالاستهانة بهم، واحتقارهم وازدرائهم، ولو يجتمعون كلهم عَلَى كيده وشفاء غيظهم منه، ثُمَّ يعاجلونه ولا يمهلونه لم يقدروا عَلَى ذلك إلا ما كتبه الله عليه، ثُمَّ قرر دعوتهم أحسن تقرير، وبين أن ربه تَعَالَى وربهم الذي نواصيهم بيده هو وليه ووكيله القائم بنصره وتأييده، وأنه عَلَى صراط مستقيم، فلا يخذل من توكل عليه وأقر به، ولا يُشمت به أعداءه.\rفأي آية وبرهان أحسن من آيات الأَنْبِيَاء ﵈ وبراهينهم وأدلتهم؟\rوهي شهادة من الله-سبحانه- لهم، بينها لعباده غاية البيان] اهـ.\rالشرح:\r\rموضوع النبوات يأتي -بإذن الله ﷿ في باب قادم، لكن الشاهد هنا أنه من آيات الله ﷾ الدالة عَلَى وحدانيته آيات الأنبياء.\r\rب- ومنها الآيات التي أعطاها لأنبيائه:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689995,"book_id":1659,"shamela_page_id":1121,"part":null,"page_num":1121,"sequence_num":1121,"body":"فالله ﷿ بيّن وحدانيته بالقرآن والسنة والآيات الكونية، وبآيات أعطاها لأنبيائه الداعين إليه، تدل عَلَى أن الواحد المعبود حقاً هو الله ﷾، وأن الأَنْبِيَاء عندما يدعون الأمم إِلَى التوحيد لا يدعونهم بكلام مجرد، وإنما ببراهين قاطعة لا يملك أحد إلا أن يؤمن بها، إلا من يكابر ويعرض ويستكبر بعد قيام الحجة ووضوحها، فهو ﵎ لكمال عدله ورحمته وإحسانه بخلقه، ولأنه لا أحد أحب إليه العذر منه كما في الحديث الصحيح: (ليس أحد أحب إليه العذر من الله) ؛ يقدم ويعطي للإنسان طرق الخير موضحة، فإن عذب بعد ذلك وأهلك وعاقب، فإنما يعاقب بعد إقامة الحجة والإعذار البالغ الذي ليس وراءه إعذار، ولو أن الأمم جاءها العذاب قبل أن يأتيها الأَنْبِيَاء لقالوا: رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى [طه:١٣٤] ، ولكن حكمة الله اقتضت أن جعل رسلاً مبشرين ومنذرين؛ لئلا يكون للناس عَلَى الله حجة بعد الرسل، فآيات الأَنْبِيَاء عظيمة، وهي من أعظم الأدلة عَلَى أنه تَعَالَى قد جلى ووضح هذه الوحدانية، فكل نبي جَاءَ ببينة عظيمة يراها قومه ويفتخرون بها، ومن أعظم هذه البينات -ليس كما يقول علماء الكلام: إنها مجرد معجزة أن موسى ﵇ قد ألقى العصا فإذا هي حية، وأن عيسى ﵇ أحيا الموتى، ففي حقيقة الأمر لو تدبرنا آيات الأنبياء، لوجدناها من أولها إِلَى آخرها دلائل وبراهين عَلَى أنهم عَلَى الحق، وأنهم يدعون إِلَى الحق، ويولد أحدهم وينشأ عَلَى ما يدل عَلَى الاختيار والاصطفاء اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ [الحج:٧٥] وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ [القصص:٦٨] يختاره الله من أوسط قومه وأشرفهم، كما في صحيح البُخَارِيّ قصة هرقل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689996,"book_id":1659,"shamela_page_id":1122,"part":null,"page_num":1122,"sequence_num":1122,"body":"لما سأل أبا سفيان فقَالَ: ما نسبه فيكم؟\rفَقَالَ أبو سفيان: هو من أوسطنا نسباً -أي من أشرفنا- فيقولهرقل: وكذلك الأَنْبِيَاء تبعث من أوسط أقوامهم، يختار الله نسبه وأباءه من أشرف القوم، لا من أراذلهم المحتقرين أو المرذولين، فمثلاً: موسى ﵇، كَانَ فرعون يأمر بقتل كل طفل يولد من بني إسرائيل، إلا هذا الطفل حفظه الله ﷾، والأم التي هي أحرص ما تكون عَلَى ابنها ينفث في روعها ونفسها أن تضع هذا الابن -الذي تخاف عليه من زبانية الطاغوت- في صندوق ثُمَّ ترميه في البحر، ثُمَّ يلتقطه آل فرعون، ثُمَّ لما شعر أنه لم يلب ما في نفس زوجته من حاجة ومن إلحاح فطري إِلَى وجود ابن، لما قالت له: قُرَّتُ عينٍ لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً [القصص:٩] انهزم الطاغوت أمام إلحاح المرأة فقَالَ: فليكن ذلك، وهذه المرأة ألقى الله محبة موسى في قلبها، فبعثت إِلَى المراضع تخشى أن يموت هذا الطفل ولم يرضع من امرأة قط، وأرسلت أم موسى أخته فتتبعت وسمعت أن في بيتفرعونطفلاً حالته كذا وكذا، وهو لا يرضع من أي امرأة، فقالت: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ [القصص:١٢] وتكون النتيجة أن يعود الطفل إِلَى الأم، وفرحت امرأة فرعون فرحاً شديداً لما رأت الطفل قبل هذا الثدي، وأعطوها النفقة ورجع إِلَى أمه، ثُمَّ كَبُر، ونشأ تنشئة العز في مجتمع الذل -مجتمع بني إسرائيل- ثُمَّ يوحى إليه ويأتي إِلَى هذا الطاغوت، بالآيات الأخرى، ثُمَّ تكون الآية العظمى -بعد ذلك- الدالة عَلَى صدق ما جَاءَ به، ثُمَّ يهلك اللهفرعون وجنده، ويغرقهم في الوقت الذي ينجي فيه موسى ﵇ ومن آمن معه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689997,"book_id":1659,"shamela_page_id":1123,"part":null,"page_num":1123,"sequence_num":1123,"body":"فآيات الأَنْبِيَاء عظيمة وعجيبة كآيات النبي ﷺ، حيث تأتي البشائر منذ لحظة ولادته، فيولد في المكان الذي كانت العرب تهفو قلوبها إليه ثُمَّ ينشأ، ويسمونه الأمين ﷺ، ولم يحفظوا عنه كذباً قط، وكان معصوماً بعصمة الله ﷿ عن أن يعبد الأصنام أو يسجد لها، أو يشارك أهل الجاهلية في أي عمل من أعمالهم الشركية الجاهلية، وما كَانَ يرجو أن يلقى إليه الكتاب، وما كَانَ يعلم ذاك ولا يتوقعه أبداً، ثُمَّ جاءت رحمة الله ﷾ وبعث بالآيات البينات، فلما جاءه جبريل بالوحي، كَانَ تقييم ورقة بن نوفل له ﷺ -شهادة شهد بها رجل من أُولَئِكَ القوم عنده علم من الكتاب فإنه قَالَ: (إن هذا هو الناموس الذي أنزل عَلَى موسى) يعني: جبريل ﵇ ثُمَّ يؤيده الله ﷾ بالبراهين العظيمة، كانشقاق القمر، وتكثير الماء من بين أصابعه، والإسراء، والمعراج به إِلَى السماء، ثُمَّ يكون التأييد الأعظم الذي ليس بعده تأييد؛ أن تتحول الأمة الأمية المحتقرة التي ليس لها تأريخ عَلَى الإطلاق ولا حضارات ولا أمجاد، وإنما يعرف الرجل منهم أن أباه فلان، وأنه من قبيلة كذا، وهي أقل أمم الأرض عدداً، أن تتحول هذه الأمة فتكون سيدة العالم وتفتح دول العالم، كل هذه آيات بينات عَلَى صدق رَسُول الله ﷺ.\rوكذلك ثمود لما أعطاهم الله ﷾ الناقة مبصرة، وأخرج لهم هذا الحيوان العجيب العظيم الذي يأتي وله شرب يوم، ويعطيهم الحليب، كل هذه آيات بينات جعلها الله ﷾ لأنبيائه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689998,"book_id":1659,"shamela_page_id":1124,"part":null,"page_num":1124,"sequence_num":1124,"body":"وحقيقة الأمر: أن أعداء الله ﷾ ليس الأمر أنهم لم يعقلوا، وأن المجادلة لهم كَانَ فيها ضعف في الحجة مثلاً، أو لم تأتهم براهين عقلية تقنعهم بها، بل كما قال تعالى: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام:٣٣] لذا قال قوم هود: إن من كَانَ قبلك جاؤا ببينات، وأنت يا هود ما جئتنا ببينة فلن نؤمن لك. فكان جوابه ﵇ هو في حد ذاته بينة قال:: إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [هود: ٥٤-٥٦] فكان هود ﵇ يقول: إني أعلن إعلاناً عاماً عَلَى الملأ أنني برئ من معبوداتكم التي تقولون: إنها تضر أو تنفع فأنا برئ من هذه الآلهة، ومما تشركون من دونه، فكيدوني بأي أمر تريدون، واعملوا بي ما شئتم، فإنني لن يصيبني إلا ما يقدره الله ﷾ فهو ربي وربكم، ما من دابة إلا هو آخذٌ بناصيتها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1689999,"book_id":1659,"shamela_page_id":1125,"part":null,"page_num":1125,"sequence_num":1125,"body":"فماذا بعد هذا التحدي لهم؟ من إعطائهم آية وبرهاناً مثل من أحيا ميتاً، أو ألقى عصاً فإذا هي حيةٌ تسعى، أو أخرج لهم من الجبل ماءً، وهذه آيةٌ خفية؛ لكن من تدبرها وجدها آيةً عظيمة؛ إذْ كيف يأتي هذا الرجل فيتحدى أمةً من الأمم بآلهتها وقواها ومعبوداتها، وهو مطمئن معتمد عَلَى صدق توكله إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ [هود:٥٦] فلا يجرؤ الكاذب في أي قضية من القضايا عَلَى أن يتحدى جميع الملأ وجميع الناس، ويصبر وهو كاذب، بل الكاذب إذا حدث اثنين فلا يريد أن يدري الثالث بهذه الكذبة، ولذلك نجد أن خوارق الكُهّان والمشعوذين والسحرة لا يبرزونها للعيان أبداً، لأنها ليست آيات، بل هي شعوذات وأكاذيب وأوهام مختلقات، وتجده مخفياً لا يعرفه إلا بعض مريديه ومن يأتون إليه، وتجده مع دعوى أنه يشفي جميع الأمراض، ويستطيع أن يخبرك بأي شئ من المغيبات، لا يعرفه أهل العلم والعقول؛ بل هو في الأحياء الفقيرة والأماكن المنزوية، ومع الطبقات الحقيرة أو مع النساء، فكلما كَانَ المجال والوسط الذي يعيش فيه أضعف عقلاً كَانَ عمله هناك أكثر.\rوأما أنبياء الله عزوجل فلأنهم عَلَى الصواب والحق والبرهان، يواجهون نفس الطاغوت الأكبر، فيأتي موسى ويخاطبفرعون، ويأتي إبراهيم ويخاطب النمرود، ويأتي نبينا ويخاطب الملأ الأعلى من قومه فيرقى عَلَى الصفا ويدعو جميع كبراء قريش، فيخاطبهم خطاباً عاماً ويبين لهم ما يدعوهم إليه من الحق.\r\rدلالة الأسماء والصفات على وحدانية الله ﷾\rقَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690000,"book_id":1659,"shamela_page_id":1126,"part":null,"page_num":1126,"sequence_num":1126,"body":"[ومن أسمائه تعالى: \"المؤمن\" وهو في أحد التفسيرين: المصدق الذي يصدق الصادقين بما يقيم لهم من شواهد صدقهم؛ فإنه لا بد أن يُري العباد من الآيات الأفقية والنفسية ما يبين لهم أن الوحي الذي بلغته رسله حقٌ، قال تعالى: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [فصلت:٥٣] .\r\rأي: القرآن، فإنه هو المتقدم في قوله: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [فصلت:٥٢] ثُمَّ قَالَ: أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [فصلت:٥٣] فشهد سبحانه لرسوله بقوله: إن ما جَاءَ به حق، ووعد أن يُري العباد من آياته الفعلية الخلقية ما يشهد بذلك أيضاً، ثُمَّ ذكر ما هو أعظم من ذلك كله وأجل، وهو شهادته -سبحانه- عَلَى كل شيء، فإن من أسمائه: الشهيد الذي لا يغيب عنه شيء، ولا يعزب عنه، بل هو مُطًّلعٌ عَلَى كل شيءً مشاهدٌ له، عليم بتفاصيله.\rوهذا استدلال بأسمائه وصفاته، والأول استدلال بقوله وكلماته، والاستدلال بالآيات الأفقية والنفسية استدلال بأفعاله ومخلوقاته.\rفإن قلت: كيف يستدل بأسمائه وصفاته، فإن الاستدلال بذلك لا يعهد في الاصطلاح؟\rفالجواب: أن الله تَعَالَى قد أودع في الفطر التي لم تتنجس بالجحود والتعطيل، ولا بالتشبيه والتمثيل، أنه -سبحانه- الكامل في أسمائه وصفاته، وأنه الموصوف بما وصف به نفسه ووصفه به رُسُلُه، وما خفي عن الخلق من كماله أعظم وأعظم مما عرفوه منه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690001,"book_id":1659,"shamela_page_id":1127,"part":null,"page_num":1127,"sequence_num":1127,"body":"ومن كماله المقدس شهادته عَلَى كل شيء واطلاعه عليه، بحيث لا يغيب عنه ذرة في السماوات ولا في الأرض باطناً وظاهراً، ومَن هذا شأنه كيف يليق بالعباد أن يشركوا به، وأن يعبدوا غيره، ويجعلوا معه إلهاً آخر؟! وكيف يليق بكماله أن يقر من يكذب عليه أعظم الكذب، ويخبر عنه بخلاف ما الأمر عليه، ثُمَّ ينصره عَلَى ذلك ويؤيدَه ويعلي شأنه ويجيب دعوته، ويهلك عدوه، ويظهر عَلَى يديه من الآيات والبراهين ما يعجِزُ عن مثله قوى البشر، وهو مع ذلك كاذب عليه مفتر؟! ومعلوم أن شهادته ﷾ عَلَى كل شيء وقدرته وحكمته وعزته وكماله المقدس يأبى ذلك، ومن جوَّز ذلك فهو من أبعد النَّاس عن معرفته.\rوالقرآن مملوء من هذه الطريق، وهي طريق الخواص، يستدلون بالله عَلَى أفعاله وما يليق به أن يفعله وما لا يفعله، قال تعالى: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ [الحاقة:٤٤-٤٧] وسيأتي لذلك زيادة بيان إن شاء الله تعالى.\rويستدل أيضاً بأسمائه وصفاته عَلَى وحدانيته وعلى بطلان الشرك كما في قوله تعالى: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ [الحشر:٢٣] وأضعاف ذلك في القرآن. وهذه الطريق قليل سالكها، لا يهتدي إليها إلا الخواص. وطريقة الجمهور الاستدلال بالآيات المشاهدة؛ لأنها أسهل تناولاً وأوسع، والله سبحانه يفضل بعض خلقه عَلَى بعض.\rفالقرآن العظيم قد اجتمع فيه ما لم يجتمع في غيره، فإنه الدليل والمدلول عليه، والشاهد والمشهود له، قال تَعَالَى لمن طلب آية تدل عَلَى صدق رسوله:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690002,"book_id":1659,"shamela_page_id":1128,"part":null,"page_num":1128,"sequence_num":1128,"body":"أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [العنكبوت:٥١]] اهـ.\rالشرح:\r\rهذا نوع آخر من أنواع الاستدلالات في بيان وحدانيته ﷾ وهو:\rالاستدلال بأسمائه وصفاته عَلَى وحدانيته -سبحانه- وهذا الاستدلال خفي لا يدركه كل أحد، بخلاف الاستدلال بالآيات الكونية أو النفسية المشاهدة، لكن من رقي إيمانه وعظم في قلبه معرفة الله تَعَالَى وقدر الله تَعَالَى حق قدره، فإنه يستدل بمعرفته بالله ﷾ عَلَى ما يليق به تَعَالَى أو ما لا يليق به من الأفعال.\rومن ذلك: أنه يستدل بمعرفته بالله ﷾ وأسمائه وصفاته عَلَى أنه لا يجوز أن يُشْرَك به ﷾ أي أحد سواه، بأي نوع من أنواع العبادة، ومن أسمائه تَعَالَى \"المؤمن\" ومعناه عَلَى أحد القولين: \"المصدق\" الذي يصدق الصادقين. -أي: يصدق المؤمنين بما يقيم لهم من شواهد صدقهم، وبما يعطيهم من الأدلة الشاهدة عَلَى أنهم صادقون-، كما قال الله تعالى: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ [النحل:٣٨] وهذا قول الكفار من الأمم الماضية، فكان الجواب عَلَى ذلك: بَلَى وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ*لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيه [النحل:٣٨،٣٩] فهذه حكمة، أن جعل الله هنالك يوماً يبين فيه الذي يختلفون فيه فيظهر المحق من المبطل، ثُمَّ قَالَ: وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ [النحل:٣٩] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690003,"book_id":1659,"shamela_page_id":1129,"part":null,"page_num":1129,"sequence_num":1129,"body":"وقال تَعَالَى في آخر سورة فصلت: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [فصلت:٥٣] ، ثُمَّ قَالَ: أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [فصلت:٥٣] أي: إننا سنري الْمُشْرِكِينَ آياتنا، وهذا والله أعلم فيه إشارة إِلَى ما وقع وترونه الآن، أن أكثر الآيات الكونية والنفسية أكثر النَّاس إطلاعاً عليها هم الكفار، ومع ذلك لم يؤمنوا، لكن الله تَعَالَى يقول: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [فصلت:٥٣] أي: القُرْآن حق، ثُمَّ قَالَ: أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [فصلت:٥٢] .\rومن ذلك: أننا نطبق هذا الاستدلال عَلَى نبوة النبي ﷺ، وعلى القُرْآن الذي جَاءَ به النبي ﷺ، فنقول: إن الله ﷾ لما بعث هذا الرَّسُول وأنزل هذا القرآن، كَانَ النَّاس في الأرض عَلَى نوعين:\r١- أهل كتاب يزعمون: أن ما في أيديهم من الصحائف والكتب هو الوحي الحق المنزل من عند الله.\r٢- ومشركين كمشركي العرب وغيرهم من عبدة النيران والأبقار، الذين لا كتاب لهم وإنما ورثوا هذه الأديان عن الآباء والأجداد كما قال الله عنهم: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ [الزخرف:٢٣]\rفكانت البشرية عَلَى نوعين، فظهرت دعوة جديدة عَلَى يد رجل يزعم أنه نبي -كما يقولون- وأن كتاباً من عند الله ﵎ نقياً خالصاً، قد نزل تصديقاً لما بين يديه من الكتب، وهدى وبشرى للمؤمنين، ومن علماء أهل الكتاب من شهد بصدق هذا النبي ﷺ أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرائيلَ [الشعراء:١٩٧] وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى مِثْلِهِ [الأحقاف:١٠] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690004,"book_id":1659,"shamela_page_id":1130,"part":null,"page_num":1130,"sequence_num":1130,"body":"وقَالَ: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ [القصص:٥٢-٥٣] ومن كذب بهذا النبي الذي جَاءَ بهذا القُرْآن يقتلهم، كما فعل ببني قريظة، ويجليهم من بلادهم، كما فعل ببني النضير، ويأتي إِلَى مقر الدولة العظمى التي تحمي هذا الدين، وهي الامبراطورية الرومانية في بلاد الشام الذين يقولون: نَحْنُ أهل الدين الحق، ولدينا الإنجيل، ونحن أتباع عيسى، فيقتلهم ويأخذهم أسرى عنده، ويحكم بأن هذه الكتب باطلة ومحرفة، فيضرب عليهم الجزية ويسترق منهم من يسترق، ويقتل منهم من يقتل.\r\rثُمَّ يأتي أيضاً إِلَى الأمم الشرقية التي كانت تعبد النيران والأحجار، الذين يقولون: نَحْنُ أهل الدين الحق، ونحن الذين عَلَى ملة إسماعيل وإبراهيم، فيقتلهم أيضاً كما فعل في بدر ويوم الفتح ببعضهم، ثُمَّ يفتح هذا البيت، ويكون له ولأتباعه من بعده إِلَى قيام الساعة، وقريش لم تأخذ من النبي ﷺ شيئاً، وإنما هو ظاهرٌ عليها، حتى عندما حاولت أن تقتله لم تستطع، وحاولت اليهودية أن تضع له السم فأنطق الله الذراع المسمومة، فما عمل عملاً إلا والنصر معه، وما خطا خطوة إلا والنصر حليفه، وما تقدمت الجيوش التي ترفع رايته لتعلى كلمته إلا وهي منتصرة عَلَى رغم قلة العدد والعدة، وكثرة الأعداء، وما نوظروا بمناظرة إلا وأفحموا خصمهم، ولا جادلوا غيرهم إلا وغلبوه، وما احتج عَلَى دينهم أحد إلا وغُلب وأُفحم وظهر عليه الخزي والذل والعار.\rهذا التمكين للنبي ﷺ يدل عَلَى صدقه أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [فصلت:٥٣] فلولا أن هذا النبي حق ورسالته صدق لما تحصلت له هذه الأدلة العظيمة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690005,"book_id":1659,"shamela_page_id":1131,"part":null,"page_num":1131,"sequence_num":1131,"body":"لذا قال تعالى: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ [الحاقة:٤٤-٤٦] أي: لعاقبناه عقوبة أعظم من عقوبتكم.\rفهل يليق فعلاً بمن يؤمن بالله، وأنه حكيم وعادل ورحيم، أن يظن أن الله يؤيد هذا الرجل وهو كاذب عليه؟!\rلا شك أن رحمة الله بالعالمين، وحكمته وإحسانه بالبشرية هو الذي اقتضى بأن يبعث في الأميين رسولاً منهم، هذا هو اللائق بالله ﷾.\rوبهذا الاستدلال الخفي العجيب -الذي لا يستدل به إلا الخواص -كما يقول المصنف- استدلت خديجة رضى الله عنها، وهذا يدل عَلَى فقهها وكمال عقلها، فإن النبي ﷺ قال لها: (لقد خشيت عَلَى نفسي، فقالت له خديجة رضى الله عنها: كلا والله لا يخزيك الله أبداً) .\rفلا يصح ما قاله بعض المتكلمين: أنه يجوز أن يدخل الله إبليس الجنة، ويعذب الأولياء والأنبياء؛ لأن هذا لا يليق بحكمة الله تعالى، كما قال تعالى: (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [القلم:٣٥،٣٦] فحكمة الله تدل عَلَى أن هذا غير ممكن أبداً، ولذلك لما ادعى مسيلمة الكذاب النبوة، وأن لديه قرآناً، فضحه الله من واقع كلامه الذي يقوله: يا ضفدع نقي.. في الماء تنقنقين.. ولا الطير تبلعين..، وأيضاً: والطاحنات طحناً، والعاجنات عجناً ...\rفلا يمكن أن يكون هذا قرآناً أبدا، وقالوا لـ مسيلمة الكذاب: إن محمداً جيء له بعلي يوم خيبر، وكان في عينه رمد فتفل فيها فبرأت، فجيء له برجل مريض العين فتفل فيها فعميت.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690006,"book_id":1659,"shamela_page_id":1132,"part":null,"page_num":1132,"sequence_num":1132,"body":"وقالوا لـ مسيلمة: إن كل نبي يأتي برحمة يرحم بها قومه، فبم ترحم قومك؟ قَالَ: \"قد أسقطت عنكم ثلاث فرائض فصلوا فريضتين\" لكن النبي ﷺ لما قال له الكفار: ائت بقرآن غير هذا أو بدله، قال الرَّسُول ﷺ: قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ [يونس:١٥] وقالت عَائِِِشَةَ ﵂: لو كَانَ الرَّسُول ﷺ كاتماً شيئاً من القُرْآن لكتم هذه الآية التي جاءت بشأن قصة زيد ﵁، قال الله ﷾: وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً [الأحزاب:٣٧] ولكتم قوله تعالى: عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى [عبس:١-٢] وهذا عتاب من الله ﷿ له، ولكتم قوله تعالى: لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [الأنفال:٦٨] أما أحمد القادياني -هذا الكذاب- فإنه كَانَ يأتي بكتب ويسميها البيان والكتاب الأقدس، ويقول: هذا وحي، أوحي إلي من عند الله، وهذا الرجل كَانَ لا يعرف الحذاء الأيمن من الأيسر إذا أراد أن يلبس، ولذلك اضطر -كما يقول خادمه- أن يغير لون أحد الأحذية، ثُمَّ يقول: قد سقط عنكم جهاد الإنجليز، والحكومة الإنجليزية هي التي تمثل الله في الأرض.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690007,"book_id":1659,"shamela_page_id":1133,"part":null,"page_num":1133,"sequence_num":1133,"body":"وما كَانَ للأنبياء فهو أيضاً لأتباع الأنبياء، فلو قيل لأحدنا -مثلاً- من هو الخليفة الذي عذب الإمام أحمد؟ أو من هو قائد الشرطة أيام الإمام أَحْمَد؟ ومن هو الوالي الذي طرد البُخَارِيّ وأخرجه وآذاه؟! لما عرف هذه الأسماء إلا من تخصص وقرأ، بل لو قيل لأحدنا: من العلماء الذين كانوا في زمن شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ يناظرونه ووشوا به إِلَى السلطان فسجن من أجلهم؟! لما عرفهم أحد إلا من تخصص في التاريخ؛ لكن الإمامأَحْمَد أظهره الله ونصره، حتى عرفه الخاصة والعامة، وعرفوا أنه كَانَ صادقاً، وأنه عَلَى الحق. وكذلك الإمام البُخَارِيّ، والإمام شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى الذي أصبح يعرفه أكثر الْمُسْلِمِينَ الآن في العالم، وقد ظهرت دعوته، وانتشرت كتبه، وقد مات وهو سجين وحيد في القلعة، لا يملك أي شيء، حتى أنهم جردوه من قلمه.\rفمن كَانَ عَلَى الحق فإن الله ﷿ ينصره ويؤيده ولو بعد حين، ومن كَانَ عَلَى الباطل ونسبه إِلَى الله، وافترى الكذب عَلَى الله، وابتدع في دين الله ونسبه إليه، فإن الله ﷿ يفضحه ويخزيه، ويظهر للعالمين كذبه وزيف ما ادعاه وبطلانه، ولو بعد حين.\r\rقَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:\r[وإذا عرف أن توحيد الإلهية هو التوحيد الذي أرسلت به الرسل وأنزلت به الكتب، كما تقدمت إليه الإشارة، فلا يلتفت إِلَى قول من قسم التوحيد إِلَى ثلاثة أنواع، وجعل هذا النوع توحيد العامة، والنوع الثاني: توحيد الخاصة، وهو الذي يَثبُت بالحقائق، والنوع الثالث: توحيد قائم بالقِدم، وهو توحيد خاصة الخاصة، فإن أكمل النَّاس توحيداً الأَنْبِيَاء - صلوات الله عليهم- والمرسلون منهم أكمل في ذلك، وأولو العزم من الرسل أكملهم توحيداً وهم: \"نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومُحَمَّد، صلى الله وسلم عليهم أجمعين\".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690008,"book_id":1659,"shamela_page_id":1134,"part":null,"page_num":1134,"sequence_num":1134,"body":"وأكملهم توحيداً الخليلان: مُحَمَّد وإبراهيم صلوات الله عليهما وسلامه، فإنهما قاما من التوحيد بما لم يقم به غيرهما علماً ومعرفةً وحالاً ودعوةً للخلق وجهاداً، فلا توحيد أكمل من الذي قامت به الرسل، ودعوا إليه، وجاهدوا الأمم عليه، ولهذا أمر سبحانه نبيه ﷺ أن يقتدي بهم فيه، كما قال تَعَالَى بعد أن ذكر مناظرة إبراهيم قومه في بطلان الشرك، وصحة التوحيد وذكر الأَنْبِيَاء من ذريته: أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام:٩٠] .\rفلا أكمل من توحيد من أُمر رَسُول الله ﷺ أن يقتدي بهم.\rوكان ﷺ يعلم أصحابه إذا أصبحوا أن يقولوا: ﴿أصبحنا عَلَى فطرة الإسلام، وكلمة الإخلاص، ودين نبينا محمد، وملة أبينا إبراهيم حنيفاً مسلماً وما كَانَ من الْمُشْرِكِينَ﴾\r\rفملة إبراهيم: التوحيد، ودين مُحَمَّد ﷺ: ما جَاءَ به من عند الله قولاً وعملاً واعتقاداً، وكلمة الإخلاص: هي شهادة أن لا إله إلا الله، وفطرة الإسلام هي: ما فطر عليه عباده من محبته وعبادته وحده لا شريك له، والاستسلام له عبوديةً وذلاً وانقياداً وإنابةً.\rفهذا هو توحيد خاصة الخاصة الذي من رغب عنه فهو من أسفه السفهاء، قال تعالى: وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [البقرة:١٣٠-١٣١]","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690009,"book_id":1659,"shamela_page_id":1135,"part":null,"page_num":1135,"sequence_num":1135,"body":"وكل من له حس سليم، وعقل يميز به، لا يحتاج في الاستدلال إِلَى أوضاع أهل الكلام والجدل واصطلاحهم وطرقهم ألبتة، بل ربما يقع بسببها في شكوك وشبه يحصل له بها الحيرة والضلال والريبة، فإن التوحيد إنما ينفع إذا سلم قلب صاحبه من ذلك، وهذا هو القلب السليم الذي لا يفلح إلا من أتى الله به] اهـ.\rالشرح:\r\rتدّعي الصوفية أن العلم علمان: علم الحقيقة وعلم الشريعة، فالشريعة هي ظاهر هذه الآيات: من القُرْآن والسنة، والأحكام الظاهرة التي نسميها نَحْنُ الشريعة يسمونها هم -أيضاً- الشريعة، ويقولون: إن الحقيقة أمر آخر غير الشريعة، وقد يثبت بالحقيقة ما لا يثبت بالشريعة، -وسبق أن ضربنا مثالاً لذلك- وهو استدلالهم بقصة الخضر مع موسى ﵉، فإنهم قالوا: إن الشريعة لا تبيح أن تقتل نفس برئية، والشريعة لا تبيح أن تخرق مركب لمن قد أحسن إليك، والشريعة أيضاً لا تجيز أن الإِنسَان يذهب ويحسن إِلَى قوم لم يطعموه ولم يضيفوه ويبني هذا الجدار عندهم، إما أنها لا تجيز ذلك أو أنها لا تدعو إليه، فكيف فعل الخضر ذلك؟!\rيقولون: إن موسى كَانَ عَلَى الشريعة، وأما الخضر فإنه كَانَ عَلَى الحقيقة، وقد فندنا ذلك القول ولا داعي لإعادته، فالخلاصة أن كلاً منهما كَانَ عاملاً بالشريعة ولم يخالفها، وأما ما يسمى بالحقيقة فإنه لا وجود له إلا في أذهان الذين اختلقوه ليهدموا به الدين، فيقولون: الصلاة والزكاة والحج والجهاد هذه كلها من الشريعة، أما نَحْنُ فنحن أهل الحقائق. والذين يسمونهم الخاصة هم الذين يوحدون الله بتوحيد الحقيقة. كما سبق. حيث يقولون: إن غاية التوحيد هو إثبات الربوبية، ثُمَّ أن يترقى الواحد منهم في التوحيد حتى يرى من قوة توحيده أن الله تَعَالَى هو الفاعل لكل شيء، وأنه لا فعل لأحد معه عَلَى الإطلاق في هذا الكون، هذا هو غاية التوحيد عندهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690010,"book_id":1659,"shamela_page_id":1136,"part":null,"page_num":1136,"sequence_num":1136,"body":"وتوحيد خاصة الخاصة: هو الحلول والاتحاد وهو أن لا يبقى ذات معبودة وذات عابدة، وإنما تصبح الذاتان ذاتاً واحدة -والعياذ بالله- وهذا هو الفناء وهو غاية السالكين كما يسمونه؛ لأن الطريق عندهم كالتالي:\r\rيبدء المرء مريداً، وهذا المريد يتعلم، ثُمَّ السالك يمشي في المقامات، ثُمَّ الواصل وهو الذي قد وصل وانتهى وفني وسقطت عنه التكاليف، فهذا يسمى الواصل.\r\rوعندما يبتدئ الإِنسَان عندهم يقولون له: عَلَى المريد أولاً: أن يلتزم بأحكام الشريعة، ويجب عليه أن يصلي وأن يصوم لأنه أولاً: لن يألف توحيد خاصة الخاصة لأن قلبه لم يتعود بعد عليه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690011,"book_id":1659,"shamela_page_id":1137,"part":null,"page_num":1137,"sequence_num":1137,"body":"ثانياً: حتى لا ينكر عليه العامة، إذ لو أنكروا عليه العامة في أول الطريق لهرب منهم، ولم يمشِ في الطريق، ففي أول الطريق يعمل بالأحكام الظاهرة، التي هي الشريعة الظاهرة من إقامة الصلاة ونحو ذلك كما يعمل النَّاس وهذا هو توحيد العامة عندهم، ولكنه يترقى بالأفكار التي يعطونه وكل طريقة تعطيه كما تشاء، حتى يصبح من أهل الحقيقة فإذا أصبح من أهل الحقيقة فإن التكاليف تتحول عنده من تكاليف صلاة وصيام ونحو ذلك، إِلَى أذكار وأوراد وعبادات يملونها هم عليه، ثُمَّ يترقى حتى يصبح من أهل الفناء ومن أهل الشهود، وهَؤُلاءِ هم أهل وحدة الوجود -والعياذ بالله- فيرى نفسه أنه هو الخالق والمخلوق عياذاً بالله فلا يبقى هناك ذاتان منفصلتان، وإنما ذات واحدة، وهذا من أعظم أنواع الكفر، وأبو حامد الغزالي -غفر الله له- قد رجع عن هذا في آخر حياته، وندم عَلَى ما فرط منه، لكن نقول: إن أبا حامد عندما ذكر هذه الأشياء ذكرها كمصدر من مصادر الحقيقة ومصادر المعرفة، ولم يكن مستيقناً من لوازم هذا القول وما ينبني عليه، لأنه يقول كما ذكر في الإحياء: كيف يترقى الإِنسَان لينتقل من كونه من أصحاب توحيد العامة [من أصحاب الشريعة] إِلَى أن يكون من أصحاب الحقيقة، يقول: إما أن يذهب إِلَى جبل أو إِلَى مغارة يختبئ فيها ويذكر الله حتى يأتيه الكشف، فإن لم يستطع فليأخذ كساء أسوداً غليظاً ويلفه عَلَى رأسه، وبهذا يكون قد اختلى ويظل يردد ويقول: الله الله الله وغيرها من الأذكار حتى يأتي الكشف، فمثل هذا الكلام من الإمام أبي حامد الغزالي والهروي شيء غريب جداً لكن نحسن الظن بهم لأنهم لم يكونوا يدركون ماذا سيترتب عَلَى هذا الكلام، فإنه كَانَ سبباً لأن يأتي بعدهم الملاحدة الذين كشفوا القناع وصرحوا بذلك، وقد كَانَ قبلهم من صرح بذلك، ولكن أكثر المتأخرين يعتمدون عَلَى كتاب الهروي منازل السائرين الذي شرحه ابن القيم في كتابه مدارج السالكين، وكتاب أبي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690012,"book_id":1659,"shamela_page_id":1138,"part":null,"page_num":1138,"sequence_num":1138,"body":"حامد الغزالي إحياء علوم الدين وكذلك المنقذ من الضلال، وكذلك الرسائل الأخرى التي جمعت وطبعت وفيها من هذا الكلام.\rالرد عليهم\rونرد عَلَى هَؤُلاءِ جميعاً وهذا هو الذي يهمنا بأن أكمل النَّاس توحيداً هم الخليلان كما قال الإمام مالك: مُحَمَّد ﷺ وإبراهيم ﵇ هما أكمل النَّاس توحيداً، فليس هناك رقي ولا ترقي في التوحيد بحيث يكون الإِنسَان أعظم من مُحَمَّد ﷺ أو إبراهيم ﵇، ومع ذلك: فإن دين الخليل ودين مُحَمَّد ﷺ هو إفراد الله بالعبادة، أي توحيد الألوهية وهو عبادته تَعَالَى إِلَى أن يأتي الموت كما قال تعالى: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:٩٩] أي: لا تنفك عن عبادته تَعَالَى إِلَى أن يدركك الموت، فما دمت عبداً حياً فوصف العبودية لا ينفك عنك مطلقاً، أما ما يقال من الحقيقة والفناء أو من الشهود، فهذه مصطلحات بدعية شركية لم يعرفها الخليلان ولم يعرفها أصحاب النبي ﷺ من بعده، ولم يعرفها أولوا العزم من الرسل، وإنما هذه بدع وضلالات ابتدعها هَؤُلاءِ القوم وأدخلوها في دين الإسلام، فهل كَانَ فيما حققوه أنهم جعلوا التوحيد ثلاثة أقسام، توحيد العامة، وتوحيد الخاصة، ثُمَّ توحيد خاصة الخاصة؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690013,"book_id":1659,"shamela_page_id":1139,"part":null,"page_num":1139,"sequence_num":1139,"body":"بل وإنما كانت الدعوة إِلَى عبادة الله، وكان النبي ﷺ يعبد الله أمام أصحابه، وكان أصحابه يقتدون به في عبادته، وهكذا كَانَ الأَنْبِيَاء من قبل ولم يكن أحد منهم أبداً عَلَى هذا التوحيد الذي هو مجرد ذكر أو ترانيم، توصل صاحبها إِلَى ما يسمى بالفناء المزعوم، قال تعالى: وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [البقرة:١٣٠-١٣١] وفي الحديث الذي أخرجه الدارمي وابن السني أن النبي ﷺ كَانَ يعلم أصحابه ويقول: (أصبحنا عَلَى فطرة الإسلام وكلمة الإخلاص ودين نبينا مُحَمَّد ﷺ وملة إبراهيم حنيفاً مسلماً وما كَانَ من الْمُشْرِكِينَ) ويستدل المُصْنِّف بمعناه، ومعناه صحيح من حيث إن ملة إبراهيم هي دين مُحَمَّد ﷺ، ولا شك في ذلك وهي كلمة التوحيد التي جعلها إبراهيم في عقبه كما قال تعالى: وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الزخرف:٢٨] وهي الشهادة شهادة أن لا إله إلا الله كلمة التوحيد فبين المُصْنِّف ﵀ أن هَؤُلاءِ الصوفية ومن ادَّعى هذه الدعوى قد افتروا عَلَى الله الكذب حين قسموا التوحيد إِلَى هذه الأنواع الثلاثة، وأما القسمة الصحيحة الحقيقية للتوحيد فهي أن نقول: إنه توحيدان توحيد خبري علمي اعتقادي، الذي هو توحيد المعرفة أي توحيد الأسماء والصفات، وتوحيد عملي طلبي إرادي وهو توحيد الألوهية، أي: توحيد العبادة، وأيضاً قلنا: إن المُصْنِّف قال إن هناك توحيدان -أي باعتبار آخر- توحيد المرسِل، وهو الله ﷾، وتوحيد المرسَل أي: متابعة الرَّسُول","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690014,"book_id":1659,"shamela_page_id":1140,"part":null,"page_num":1140,"sequence_num":1140,"body":"صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فنوحد الله تَعَالَى بالطاعة والعبادة بأن نعبده وحده، ونوحد النبي ﷺ بالاقتداء فلا نقتدي بأحد غيره.\r\rشرح أبيات الإمام الهروي والرد عليها\rثُمَّ قَالَ المُصْنِّفُ ﵀:\r[ولا شك أن النوع الثاني والثالث من التوحيد الذي ادعوا أنه توحيد الخاصة وخاصة الخاصة، ينتهي إِلَى الفناء الذي يشمر إليه غالب الصوفية، وهو درب خطر، يفضي إِلَى الاتحاد. انظر إِلَى ما أنشده شَيْخ الإِسْلامِ أبو إسماعيل الأنصاري رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حيث يقول:\r\rما وحد الواحد من واحد إذ كل من وحده جاحد\rتوحيد من ينطق عن نعته عارية أبطلها الواحد\rتوحيده إياه توحيده ونعت من ينعته لاحد\rوإن كَانَ قائله ﵀ لم يرد به الاتحاد، لكن ذكر لفظاً مجملاً محتملاً جذبه به الاتحادي إليه، وأقسم بالله جهد أيمانه أنه معه، ولو سلك الألفاظ الشرعية التي لا إجمال فيها كَانَ أحق، مع أن المعنى الذي حام حوله لو كَانَ مطلوباً منا لنبه الشارع عليه، ودعا النَّاس إليه وبينه، فإن عَلَى الرَّسُول البلاغ المبين، فأين قال الرسول: هذا توحيد العامة، وهذا توحيد الخاصة، وهذا توحيد خاصة الخاصة؟ أو ما يقرب من هذا المعنى؟ أو أشار إليه؟ ! هذه النقول والعقول حاضرة.\rفهذا كلام الله المنزل عَلَى رسوله ﷺ، وهذه سنة الرسول، وهذا كلام خير القرون بعد الرسول، وسادات العارفين من الأئمة، هل جَاءَ ذكر الفناء فيها، وهذا التقسيم عن أحد منهم؟ وإنما حصل هذا من زيادة الغلو في الدين، المشبه لغلو الخوارج، بل لغلو النَّصَارَى في دينهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690015,"book_id":1659,"shamela_page_id":1141,"part":null,"page_num":1141,"sequence_num":1141,"body":"وقد ذم الله تَعَالَى الغلو في الدين ونهى عنه، فَقَالَ تعالى: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُول لُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً [النساء:١٧١] قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ [المائدة:٧٧] .\rوقال ﷺ: (لا تشددوا فيشدد الله عليكم، فإن من كَانَ قبلكم شددوا فشدد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات، رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم) رواه أبو داود] اهـ\rالشرح:\rكما ذكر المُصْنِّف ﵀، أن القول بقسمة التوحيد إِلَى ثلاثة أقسام يفضي إِلَى القول بالحلول والاتحاد وقد ذكر المُصْنِّف عَلَى ذلك مثالاً: فالأبيات التي ذكرها الهروي في كتابه منازل السائرين يقول:\rما وحد الواحد من واحد\r\rالواحد هو الله ﷾، أي: [لم يوحده أحد] .\rإذ كل من وحده جاحد\r\rفيحكم بأن كل من وحد الله فهو جاحد\rتوحيد من ينطق عن نعته عارية أبطلها الواحد\r\rيقول: إن توحيد من ينطق عن نعته أي: كل من تكلم في التوحيد وفي صفات التوحيد من النَّاس فإن هذا التوحيد عارية أبطلها الواحد الذي هو الله ﷾ فلا حقيقة لتوحيد هَؤُلاءِ القوم.\rتوحيده إياه توحيده","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690016,"book_id":1659,"shamela_page_id":1142,"part":null,"page_num":1142,"sequence_num":1142,"body":"\"توحيده\" الأولى مبتدأ، و\"توحيده\" الثانية خبر، فتوحيد الله لنفسه هو التوحيد [توحيده إياه توحيده] حقيقة توحيده هو ما وحد به نفسه لا ما وحده غيره.\rونعت من ينعته لاحد\r\rأي أن وصف غير الله له ﷾ إلحاد، ونستطيع أن نرد عَلَى هذه الأبيات كما رد عليها ابن القيم في المدارج وهو قول الله تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [آل عمران:١٨] ثُمَّ قال بعد ذلك:\r\rوَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ فأثبت الله ﷾ أن الملائكة وأن أولى العلم وحدوه أي شهدوا له بالوحدانية فمن يقول: إنه لم يوحد الله أحد، وأن من وحده أو نعته فإنه ملحد جاحد، فهو مكذب لهذه الآية، فإن الله ﷾ قد بين أن عباده يوحدونه، بل إن ابن القيم رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يقول: \"إن الأرض والسماء نفسها هذه هي التي تسبح الله وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء:٤٤] فهي نفسها توحد الله وتعبده فهذا نقض لهذا الكلام الذي ذكر فيه أن لا شيء يوحد الله لا الأنبياء، ولا العباد الصالحون، ولا مخلوقات الله التي تسبح الله ﷾ وحده والآيتان دليل عَلَى بطلان هذا القول، والذي أوقع الهروي في هذا هو الغلو في فهم التوحيد، حتى ظن أن حقيقة التوحيد -الذي في ذهنه- أمر خفي عميق بعيد لا يدركه أحد، ومن هذا المنطلق -منطلق الغلو مع الابتعاد عن نصوص الكتاب والسنة- وقع فيما وقع فيه أهل الكتاب لقوله بهذا القول الذي تبطله الآيات الصريحة والأحاديث الصحيحة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690017,"book_id":1659,"shamela_page_id":1143,"part":null,"page_num":1143,"sequence_num":1143,"body":"وجاء أهل الحلول والاتحاد، وتعلقوا بهذه الأبيات وَقَالُوا: إن الهروي كَانَ من أهل الحلول والاتحاد، لأنه يقول: إن الله لم يوحده أحد غيره، فهو الذي وحد نفسه إذاً كل البشر لا يوحدون الله، والذي يعرف حقيقة التوحيد -كما قالوا- هو من يؤمن بوحدة الوجود، أي: من يؤمن بالحلول والاتحاد، فهذا الكلام دليل لهم.\r\rيقول المصنف: [وإن كَانَ قائله ﵀ لم يرد به الاتحاد] نعم الهروي إنما أراد الغلو في مفهوم التوحيد ولم يرد حقيقة الاتحاد؛ لكنه لما جَاءَ بهذا الكلام الباطل الذي أبطله القُرْآن وأبطلته السنة جَاءَ الاتحادي فنسبه إليه وادعاه، ولا يهمنا أن يكون الهروي أراد هذا أو لم يرده وإن كَانَ الظاهر من سيرة الرجل أنه كَانَ آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، وكان من المثبتين لصفات الله تعالى، وإنما المأخذ عليه هو أنه مشى عَلَى منهج الصوفية، وأخذ اصطلاحاتهم في المقامات والأحوال والمنازل والإشارات، لكن لا يهمنا ذلك بقدر ما يهمنا أن هذه المعاني باطلة، وأن التوحيد الحقيقي الذي هو توحيد الله ﷾ قد قام به الأَنْبِيَاء أكبر قيام ومنهم الخليلان إبراهيم ومُحَمَّد صلى الله عليهما وعلى أنبيائه أجمعين، وقام به أصحابه ﷺ وأننا يجب علينا أن نبتعد عن الغلو في الدين، حتى ولو كَانَ غلواً في التوحيد فلا نعمل ولا نقول إلا بما ثبت في القُرْآن أو في السنة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690018,"book_id":1659,"shamela_page_id":1144,"part":null,"page_num":1144,"sequence_num":1144,"body":"وأما الغلو فإنه قد أهلك أهل الكتاب من قبلنا، وقد أهلك هَؤُلاءِ الذين ظنوا أنهم بهذه التعقديات والتجريدات والخيالات والشطحات، يوحدون الله ﷾ حق توحيده، ويعرفون قدره وعظمته، ويظنون أن من تعظيم الله أن يقولوا: إن الله لن يوحده أحد، ونحن نقول: من تعظيم الله ﷿ أن نقول: إننا لم نعبد الله حق عبادته ﷾، ونقر بأننا لا نعرف الله حق معرفته ولا نقدر الله حق قدره؛ لأن هذه درجة عالية عظيمة، ولكن نسأل الله أن نحقق ذلك في أنفسنا، وأن يتحقق لنا، ونسعى في ذلك ونرجوه.\r\rأما أن نقول: إنه لم يوحده أحد، وأن كل من نعته أو وصفه فإنه ملحد، فهذا غلو فاحش باطل، وهذا هو الفرق بين اعتراف المؤمن بالتقصير، وأنه لم يعرف الله حق معرفته، ولم يعبده حق عبادته ولم يتقه حق تقاته، وبين من يقول: إنه لم يوحده ولن يوحده أحد مطلقاً وإنما توحيده إلحاد، ووجه استدلال المُصْنِّف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في الرد عَلَى الأبيات هو في قوله تعالى: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ [المائدة:٧٧] أي: أن هذه نتيجة الغلو، وبقول النبي ﷺ في الحديث الذي رواه أبو داود (لا تشددوا فيشدد الله عليكم) فإن هذا نهي عن التشدد حتى في مفهومات الإيمان والتوحيد ولذلك وقع الخوارج في تكفير الْمُسْلِمِينَ بسبب هذا التشدد، والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690019,"book_id":1659,"shamela_page_id":1145,"part":null,"page_num":1145,"sequence_num":1145,"body":"اللهُ ﷾ هو الغاية التي يسعى إليها كل المخلوقين، فيسعون إِلَى معرفة ربهم ﷾، ويسعون إِلَى نيل رضاه، ويحرصون عَلَى أن يدفع الله ﵎ عنهم ما يكرهون، وأن يمنَّ عليهم ويتكرم بما يريدون، فالأصل في البشرية جميعاً أن اتجاهها هو إِلَى اللهِ ﷾، وأن غايتها وإرادتها تنتهي إليه ﷾، ولكن الانحراف واقع، وقد وقع قديماً وحديثاً، فيظن أن غير الله ﷾ يملك ما يملكه الله، أو يمكن أن يكون وسيلة إِلَى ما عند الله ﷾.\rأعظم ما يتوسل به إلى الله\rإن القلوب لا تطمئن ولا تسعد ولا ترتاح في هذه الحياة الدنيا إلا إذا عرفت ربها ﷾، وتقربت إليه بأنواع القربات، التي جعلها الله ﵎ وسيلة إليه، فهذه هي الوسيلة الشرعية، والله ﵎ لما أن علم ذلك وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة:٢٩] جعل هذه النفوس هكذا مجبولة، لا ترتاح ولا تطمئن ولا تسعد في الدنيا ولا في الآخرة، إلا بعبادته وطاعته، وبمعرفته، وبالتقرب إليه، وما عدا ذلك فهو شقاء وضياع ونكد، وهو أرحم الراحمين، وهو الغني ﷾، وهو الكريم الذي كَّرم بني آدم، وهو الذي امتن عليهم بالرسل، وهو الذي أنزل عليهم الكتب، فجعل هذا الباب واسعاً جداً، لأنه لا سعادة للخلق إلا به.\rوهو ﷾ جعل نعيمه مترتباً عَلَى التقرب والتوسل إليه بما شرع، وجعل عقوبته وعذابه لمن توسل أو تقرب إليه بغير ما شرع ﷾، أو استكبر وأعرض عن التقرب والتوسل إليه ﷾.\r\rتوسل الأنبياء والملائكة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690020,"book_id":1659,"shamela_page_id":1146,"part":null,"page_num":1146,"sequence_num":1146,"body":"لقد ذكر الله ﷾ عن أفضل خلقه وأعلاهم درجة، وأرفعهم رتبة وقرباً منه ﷾، وهم الأنبياء، فقَالَ: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً [الإسراء:٥٧] فهَؤُلاءِ الأنبياء والملائكة، والصالحون الذين ما دعوا وعبدوا إلا لمتابعتهم لطريق الأنبياء -هَؤُلاءِ- أعظم ما وصفهم الله ﷾ به أنهم يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ، واللهُ تَعَالَى أمرنا جميعاً بأن نبتغي إليه الْوَسِيلَةَ فَقَالَ سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ [المائدة:٣٥] فيجب أن نبتغي إِلَى اللهِ الْوَسِيلَةَ وأن نتزلف ونطلب الْوَسِيلَةَ إليه والقرب منه، فهَؤُلاءِ الأنبياء والملائكة والصالحون الذين عبدوا من دون الله، والذين أُشِرك بهم مع الله ﷾، والذين ابتدع أهل الباطل وأهل الشرك في حقهم ما لم يأذن به الله، وما لم يشرعه ﷾، هَؤُلاءِ المدعوون المعبودون، الذين يشرك بهم من أشرك ويستغيث ويستعيذ ويلوذ بهم البعض، هَؤُلاءِ بأنفسهم يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ، فجبريل ﵇ أفضل الملائكة، ومُحَمَّد ﷺ أفضل البشر يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ، والملائكة الذين خلقهم الله ﷾ مطهرين من كل ذنب، ولا تخطر لهم خاطرة بسوء أو معصية، وهم مع ذلك من خشيته مشفقون، ويعبدونه ﷾، ويسبحون له بالليل والنهار، لا يملون ولا يفترون، ويتقربون إليه جل شأنه، ويخافون من عذابه وسطوته، ومن نقمته ﷾، وهم بهذه الحالة من القرب ومن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690021,"book_id":1659,"shamela_page_id":1147,"part":null,"page_num":1147,"sequence_num":1147,"body":"التقرب.\r\rتوسل النبي ﷺ بربه\rوقد كَانَ ﷺ مع أنه أعرف الخلق بالله، وأقرب الخلق إِلَى الله، وأخشى الخلق لله واتقاهم له سبحانه، كما صرح بذلك ﷺ، فقَالَ: (إني: لأعلمكم بالله، وأخشاكم له) ومع ذلك كله كَانَ يتقرب بنفسه إِلَى الله وكان يبتغي إِلَى الله الوسيلة بكل ما تستجلب به مرضاة الله، وكل ما يؤدي إِلَى جنة الله ووعده، وبعث الله أنبياءه الكرام جميعاً ليعلموا النَّاس كيف يتوسلون إليه، وكيف يتوصلون إليه.\r\rالتوسل بمعناه العام","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690022,"book_id":1659,"shamela_page_id":1148,"part":null,"page_num":1148,"sequence_num":1148,"body":"وأعظم ما يُتوسل به إِلَى الله ﷾ هو توحيده جل شأنه ثُمَّ يتوسل إليه بالعمل الصالح، وهذه هي الوسيلة العامة، أو الدعاء بمعناه العام، و (الدعاء هو العبادة) ، كما صح في الحديث عن النبي ﷺ، فمن يعبد الله فهو يدعو الله، أو من يدعو الله، فهو يعبد الله ﷾، فكل ما يريده الناس من قربة تقربهم إِلَى الله، أو يتطلعون إِلَى وسيلة تكون لهم زلفى عند الله ﷾، فقد جَاءَ بها الأَنْبِيَاء والرسل، وامتن الله ﵎ بها عليهم، وهي أعظم ما امتن به، حتى أن الله ﷾ لما قَالَ: الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنسَانسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ [الرحمن:١-٤] في هذه الآيات جعل تعليم القُرْآن قبل خلق الإِنسَان لأن تعليم دين الله ﷾، وما يقرب إليه سُبْحَانَهُ وما يهتدي به المهتدي إليه أعظم من كونه خلق الإِنسَان، وإلا فكم من مخلوق ليس بمهتد إِلَى اللهِ ﷾ ولا يعرف الطريق إِلَى ربه لا فائدة في حياته، والأموات خير منه، وعدمه خير من وجوده أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ [الأنعام:١٢٢] هذا هو المؤمن الذي أحياه الله ﷾ وأنار قلبه بالإيمان والهدى، والقرآن، فهذا الدعاء بمعناه العام، والتوسل بمعناه العام، هو العبادة، ولهذا لا طريق للتوسل إِلَى الله ﷾ إلا بما شرعه الله وبما أنزله عَلَى نبيه مُحَمَّدٍ ﷺ، وما سنه رَسُولهُ ﷺ، وما عدا ذلك فلا يوصل إِلَى الله، ولا يقرب منه بل هو طريق الضلال، والغواية وفي الأخير نهايته إِلَى النار، وإلى غضب الجبار، تَعَالَى وتقدس.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690023,"book_id":1659,"shamela_page_id":1149,"part":null,"page_num":1149,"sequence_num":1149,"body":"لقد انحرف كثير من النَّاس في مفهوم التوسل فوقعوا في التوسل بذوات المخلوقين، حتى بلغ بهم الأمر أن عبدوا أُولَئِكَ المخلوقين، وما كَانَ غرضهم في الأصل إلا أن يتوسلوا بذواتهم أو يتقربوا بهم إِلَى الله ﷾.\rشرك قوم نوح\rأقدم شرك وقع في بني آدم هو شرك قوم نوح، وذلك بسبب هذا الأمر، أنه كَانَ يوجد فيهم عباد وأولياء صالحون، \"ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسراً\" كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ في حديث ابن عباس، وهَؤُلاءِ الصالحون قال قومهم لما ماتوا: كيف نتذكرهم؟ وكيف نعبد الله مثل عبادتهم ونتقرب إليه مثل تقربهم؟ فلو صورناهم فتذكرنا عبادتهم وتقواهم، فعبدنا مثل عبادتهم واتقينا مثل تقواهم، فلما صوروهم، ونسخ العلم، وجاءت الأجيال بعد الأجيال نسيت القضية الأساسية وهي التذكر وأصبحت توسلاً، فَقَالُوا: نتقرب بهَؤُلاءِ إِلَى اللهِ، ثُمَّ أصبحوا يعبدونهم من دون الله ﷾، ومن النَّاس من عبد الملائكة، ومنهم من عبد الكواكب، والهدف واحد مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:٣] الآية. أي: جعلناهم واسطة بيننا وبين ربنا ﷿، ووسيلة نتوسل بها إِلَى الله ﷿.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690024,"book_id":1659,"shamela_page_id":1150,"part":null,"page_num":1150,"sequence_num":1150,"body":"ولما أن بعث الله ﷿ نبينا محمداً ﷺ بالهدى ودين الحق، ورفع راية التوحيد ونشرها في الآفاق، وحطم الله ﷾ به الطواغيت والأصنام، وهدمت بيوت النار، وهدمت الصوامع الشركية وكل أنواع العبادات لغير الله بما قدَّر الله ﷾ أن تصل إليه دعوة الإسلام؛ ظل أعداء الإسلام يكيدون لهذه الأمة وحرصوا عَلَى أن يعيدوها إِلَى ملة الجاهلية الأولى، وِإلَى التوسل، ودعاء غير الله، ودعاء الأموات، وعبادة الصالحين، يريدون أن يردوها إِلَى تلك القرون السحيقة، وكأن نوحاً لم يبعث ولا النبيون من بعده وآخرهم مُحَمَّد ﷺ.\r\rالعبيديون وإحداث بدعة التوسل\rنستطيع أن نقول: إن أول من أحدث وأحيا عبادة القبور وبنى الأضرحة والقباب في دين الإسلام هم العبيديون المنتسبون زوراً وبهتاناً إِلَى فاطمة، وهذه الحركة الباطنية جزء من المجوسية الباطنية، أو من الباطنية التي كانت مكونة من اليهود والمجوس وأعوانهم، ممن أرادوا هدم الإسلام عن طريق هذه الحيلة العظيمة، وكتابهم الذين يرجعون إليه ويقتبسون منه، وينقلون منه، وأرادوا أن يجعلوه بديلاً عن القرآن.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690025,"book_id":1659,"shamela_page_id":1151,"part":null,"page_num":1151,"sequence_num":1151,"body":"وهو عبارة عن خمسين رسالة كتبت عَلَى رأس الثلاث المائة، قيل: إنه بُدئ في كتابتها في أيام المأمون ولكن المترجح أنها عَلَى رأس الثلاث مائة وزيادة، وهي خمسون رسالة كتبت في الفلسفة، كل رسالة في موضوع معين من الموضوعات الفلسفية، مشتقة من الفلسفة اليونانية القديمة، ومن بعض فلاسفة الهند وفارس، وكانوا يرجعون إليها وينسجون عَلَى منوالها، ويهتدون بما فيها -وما فيها إلا الضلال- وهذه الرسائل سميت رسائل إخوان الصفا وخلان الوفا وهي موجودة الآن ومطبوعة، وهي تشتمل عَلَى هذا الشرك ويقول أصحابها: وجدنا أننا ضعفاء عاجزون، ومذنبون، وأنه لا يمكن الوصول إِلَى الله ﷾ مباشرة، فلا بد أن نتخذ بيننا وبينه الوسائل والوسائط نتوسل بها إليه ﷾، وكلاماً هذا مجمل معناه، فأحيوا هذا الدين الفاسد وإلا فهو قديم من عهد قوم نو.\r\rولما أن سيطر هؤلاء العبيديون، وحكموا القسم الغربي من العالم الإسلامي -كما هو معلوم- فإن حكمهم بدأ من المغرب، من المدينة التي سماها أبو عبيد الله الشيعي بالمهدية في تونس، وهناك بدأت الدعوة ثُمَّ جاءوا إِلَى مصر، وكان قائدهمجوهر الصقلي، ففتحوا القاهرة، وفتحوا مصر، وفيها أسسوا قاعدتهم ومنها دخلوا إِلَى بلاد الشام، فاحتلوها حتى أنهم في فترة من الفترات، وصلوا بغداد وخطب لهم عَلَى منابر ببغداد في أيام وسط فترة خلافة الدولة العباسية.\r\rحتى جَاءَ ملوك السلاجقة، فطردوهم عَلَى ما هو مفصل في التاريخ، فاحتلوا هذه المساحة الكبيرة من المغرب، ومصر والشام وكذلك الحجاز واليمن، وكان في القسم الشرفي الذي يشمل جنوب بلاد الشام وشرقيها وجنوب العراق، وبلاد فارس وشرق الجزيرة العربية كَانَ القرامطة وهم أيضاً عَلَى دين الباطنية، وأعلنوا الكفر بالله ﷾ والشرك جهاراً نهاراً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690026,"book_id":1659,"shamela_page_id":1152,"part":null,"page_num":1152,"sequence_num":1152,"body":"وشرعت مسألة التوسل تطبيقاً لماشرعه أُولَئِكَ الكهنة أو الأحبار الذي كتبوا رسائل إخوان الصفا ففي مصر لما بنوا المدينة التي سموها القاهرة قالوا: نَحْنُ من آل البيت، وابتدعوا قولاً وهو أن رأس الحسين بن علي رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُما لما قتل في كربلاء أرسل إِلَى مصر، وليس لهذا ذكر في التاريخ، وليس له من مبرر، حتى قيل: إن إرسال رأسه من كربلاء إلى دمشق لم يحصل أصلاً، ولماذا يرسل رأسه هل للتأكد من موته؟ وهل هو إنسان مجهول حتى يعلم أنه مات أو لم يمت؟!\rإن موت الكبراء والعظماء معروف سواء كانوا عَلَى حق أو عَلَى باطل، فزعموا وادعوا أنالحسين قد أرسل رأسه إِلَى مصر فقالوا: نتوسل إِلَى الله بالحسين، وبرأس الحسين ثُمَّ وضعوا أيضاً، مشهداً للسيدة زينب، وهذا للسيدة نفيسه وهكذا حتى يؤكدوا أنهم من آل البيت، وأنهم يعظمون ويحيون ما اندرس من شعائر الدين التي يستحقها أهل البيت، والتي يأذن بها ويشرعها أهل البيت، عملاً بما جَاءَ في كتب الرافضة -قبحهم الله- من كذب وافتراء عَلَى آل البيت أنهم هم الوسيلة إِلَى الله -كما في كتاب الكافي - فالأصل أن المنبع واحد، فهذا هو الذي أوجد قضية التوسل في العالم الإسلامي، وأصبحت بهذا الشكل المشاهد الآن.\rفالرافضة رووا روايات -كما في الكافي - عن جعفر الصادق أنه قال (نَحْنُ آل بيت رَسُول الله، ونحن الوسيلة إِلَى الله، ولا وسيلة إِلَى الله إلا عن غير طريقنا أو من سوانا) فَقَالُوا: إذاً آل البيت هم الوسيلة إِلَى الله، وأولئك يزعمون أنهم من آل البيت فاتفقت الفكرة المجوسية القديمة، مع تلك الفكرة الرافضية التي منابعها وأصولها مجوسية أيضاً، والهدف من الجميع واحد وربما كَانَ المخطط أيضاً واحد، فهؤلاء أقاموا في بلادهم القباب والقبور وشيدوها وكذلك هؤلاء وكل ذلك بدعوى محبة آل البيت، وبهذه الطريقة انتشرت عبادة القبور.\r\rالصوفية والتوسل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690027,"book_id":1659,"shamela_page_id":1153,"part":null,"page_num":1153,"sequence_num":1153,"body":"تُعدُّ الصوفية الجناح الثالث الذي نشر هذه الفكرة باسم التوسل وتعظيم القبور، حتى أصبح الآن أنك إذا قلت: هذا صوفي، فمعناه: أنه يعظم الأموات والقبور، بينما كانت في الأصل الباطنية.\rوالقائمون اليوم عَلَى الأضرحة والمشاهد والقباب والقبور كُلهم من الصوفية، مما يدل عَلَى أن هناك أصلاً مشتركاً، كما أنهم يقولون: إن أصل التصوف هو عَلِيّ رضي الله تَعَالَى عنه، وأصل العلم الباطن هوعَلِيّ فكل دعاة الإلحاد والإفساد في دين الله دخلوا من باب التشيع ومن باب محبة آل البيت، إلا أنه وفي المرحلة الأولى، وأول ما وجدت هذه المشاهد كانت عَلَى أيدي العبيديون، الذين كانوا كما قيل فيهم: ظاهرهم الرفض، وباطنهم الكفر المحض، فأظهروا المولد وبنوا المساجد عَلَى القبور كما فعل النَّصَارَى الذين قَالَ فِيهمُ النبي ﷺ: (لعن الله اليهود والنَّصَارَى اتخذوا قبورا أنبيائهم مساجد) أو قَالَ: (كانوا إذا مات فيهم العبد الصالح بنوا عَلَى قبره مسجداً) هذا ما فعله أُولَئِكَ وامتلأ به العالم الإسلامي.\r\rالرافضة والتوسل\rبعد أن انقرضت وهلكت دولة العبيدين عَلَى يد الأمير المجاهدصلاح الدين الأيوبي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى الذي أفنى الله تَعَالَى بسيفه أُولَئِكَ المجرمين الزنادقة وأهلكهم وورث التركة الرافضة وورثتها الصوفية فيما بعد، فأما الرافضة فإنهم يعتقدون أن الوسيلة التي شرعها الله هي التوسل إِلَى الله بعبادة الذوات وبالأخص أهل البيت: علي، الحسن، الحسين، عقيل، وصاحب السرداب هذا المعدوم الموهوم وغيره.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690028,"book_id":1659,"shamela_page_id":1154,"part":null,"page_num":1154,"sequence_num":1154,"body":"وتجدون ذلك في جميع كتبهم كما في كتابهم المسمى الجنان أو البستان وتعليق عَلَى البستان وأمثال ذلك، ففيها أدعية من أولها إِلَى آخرها ماذا يقال عند مشهد وقبر كل واحد منهم، حتى ألف أحدهم وهو من كبرائهم الخبيث المسمىابن المفيد ألف كتاباً سماه مناسك المشاهد فكما أن للحج والعمرة مناسك، فقد جعلت الرافضة مناسك لزيارة المشاهد وَقَالُوا: إن تربة قبر الحسين عندهم أفضل من الكعبة، وأن من جَاءَ لزيارة الحسين فهو أفضل من الحج إِلَى مكة، قيل: بسبع مرات، وقيل: بسبعين مرة، وقيل أضعاف ذلك، فهذا هو الرفض الأساسي، صرف النَّاس عن التوحيد وعن تعظيم ما عظم الله، فالله تَعَالَى شرع تعظيم شعائره، ومن شعائره تعظيم هذا البيت المحرم، وهذا الحرم الآمن فهم يريدون أن ينقلوا ذلك إِلَى غيره، فهم اتجهوا شرقاً، والعبيديون اتجهوا غرباً.\rقبر الحسين عند الرافضة:\r\rلقد أصبحنا نجد في مصر قبراً يقال له: قبر الحسين أو مشهد الحسين وهو من أكبر أماكن العبادة لغير الله، والعياذ بالله، كما يوجد في شمال أفغانستان في مدينة كبيرة مشهورة تسمى مزار شريف أي المزار الشريف وهو قبرُ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، في بلد لم يصل أمير المؤمنين علي رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ وإنما المعروف المتواتر أنه قتل بالكوفة ودفن هنالك وجُهِلَ وخفي قبره.\rويحضر عنده الآلاف للحج كأنك ترى النّاس في منى أو في عرفة، وخاصة في فترات معينة من السنة، يحضرون من أفغانستان ومنباكستان ومن التركستان ومن مناطق عديدة، وترى النّاس وكأنك في المشاعر التي عظمها الله وقدسها وأمرنا أن نعظمها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690029,"book_id":1659,"shamela_page_id":1155,"part":null,"page_num":1155,"sequence_num":1155,"body":"وفي نفس الوقت تجد الحسين الذي قتل في كربلاء يعبد في مصر، ويعبد في دمشق ويعبد في العراق أيضاً، فكل يدعي أن الحسين قبر عندهم ولو ثبت أنه في مكان معين لما صح أن يعبد الله ﷿ عند قبره فضلاً عن أن يعبده أو أن يدعوه من دون الله، ثم جَاءَ بعد ذلك دور التصوف لما ظهرت أعلام السنة، وأصبح كل من انتسب إِلَى الرافضة أو التشيع عرف الْمُسْلِمُونَ أنه عدو الله ولرسوله وللمؤمنين.\r\rالحروب بين الرافضة وأهل السنة:\r\rقامت الحروب المشتعلة في كل مكان بين الْمُسْلِمِينَ وبين هَؤُلاءِ الروافض، فعلى سبيل المثال في بغداد عاصمة العالم الإسلامي عاصمة الدنيا جميعاً في القرون الوسطى، كانت تنقسم إِلَى قسمين: الكرخ، والرصافة، ففي كتب التاريخ أن المعارك نشبت بين الكرخ وبينالرصافة، والشيعة في الكرخ وأهل السنة فيالرصافة، فأحياناًأهل السنة يهجمون عَلَى الكرخ ويحرقونهم.\r\rوأحياناً يحرق أهل الكرخ الرصافة وهكذا طوال التاريخ، وهذه عاصمة الخلافة الإسلامية، وعاصمة الدنيا، وهذا الحال فيها، وكذلك كثير من البلدان، فعداوة الرافضة اتضحت وأُعِلَنت، فجاءوا من طريق آخر خفي وهو الأخبث، ولا يزال موجوداً إِلَى اليوم ينشر الشرك وهو الذي وَرِثَتهُ الصوفية عن الرافضة والباطنية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690030,"book_id":1659,"shamela_page_id":1156,"part":null,"page_num":1156,"sequence_num":1156,"body":"كتب أحد أساتذة التاريخ في جامعة القاهرة كتاباً كبيراً عنوانه السيد البدوي بين الحقيقة والخرافة أثبت الكاتب فيه بالمصادر وبالتحليل أن المسألة تدبير وتخطيط لإعادة المجد العبيدي الفاطمي -كما يُسَمى- فهي مؤامرة للقضاء عَلَى الإسلام متلبسة بلباس أهل البيت ولكن عن طريق آخر غير صريح، ولا مباشر، وهذا هو طريق التصوف، ولهذا فالبدوي وأمثاله يدعون أنهم من أهل البيت، فكل من خرج وادَّعى وشرع طريقة من طرق الصوفية فهو من آل البيت، ولو كَانَ من أبعد بلاد الله تَعَالَى عن جزيرة العرب فضلاً عن أن يكون عربياً، فضلاً عن أن يكون من قريش، يختلقون له نسباً ويدَّعون أنه من أهل البيت لتتوطد تلك العلاقة التي يريدونها.\rفذكر الكاتب كيف أن هذا البدوي وأمثاله خططوا لإعادة تلك الفكرة سواء عن طريق دولة تقوم أو عن طريق إحياء ذلك المبدأ وذلك الهدف الذي شرع، والغرض منه القضاء عَلَى الإسلام وأن ينقل الْمُسْلِمُونَ من دين الإسلام إِلَى دين الشرك وهم يظنون أنهم مسلمون، وبذلك يحقق أعداء الإسلام من اليهود والمجوس والنَّصارَى وأمثالهم المآرب التي يريدونها؛ لأنهم يعلمون أن هذه الأمة متى خرجت عن دينها وانحرفت، ومتى تعلقت بالأموات والقبور، فلن تقومَ لها قائمة، بل هي من ذُلٍ إِلَى ذُلٍ، ومن هزيمةٍ إِلَى هزيمةٍ، ومن ضياعٍ إِلَى ضياعٍ.\r\rوإذا وحَّدت وآمنت واعتصمت بالله فإنها سوف تحقق الأعاجيب، وقد رأوا ذلك في تاريخهم القديم، وفي تاريخهم الحديث وهم جربوا ذلك وعرفوه بالتجربة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690031,"book_id":1659,"shamela_page_id":1157,"part":null,"page_num":1157,"sequence_num":1157,"body":"وذكر الكاتب كيف كَانَ الدعاة يأتون من المشرق والمغرب يهدفون جميعاً إِلَى شيء واحد، وكانت لهم صلة لا تخفى عَلَى كل من قرأ حياتهم بشياطين الجن، فكانوا هم شياطين الإنس، وأولئك هم شياطين الجن كما قال الله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً [الأنعام:١١٢] .\r\rفكانوا يستعينون بأولئك الشياطين ويدعون الكرامات والخوارق الكاذبة حتى سحروا ألباب النَّاس وسخروا من عقولهم، فغنموا الأموال والجاه والسلطة، وغنموا كل شيء باسم أنهم أولياء وأتقياء لله ﷾، ومن أهل الدين، ومن أهل الولاية والقربة، فكان كثير منهم له غرض واضح في إقامة دولة مجوسية شيعية، والبعض الآخر لم يفكر في ذلك، أو لم يستطيع أن يفعل ذلك؛ لكنه اكتفى بغرض هدم الدين، وإخراج الْمُسْلِمِينَ عن الصراط المستقيم، وعن عبادة الله ﷾ وتوحيده الذي هو أساس نجاحهم وسر حياتهم.\rأثر هذه المخططات أيام الاستعمار\rوقد ظهرت آثار هذه المؤامرات والاتصالات الخفية عندما جَاءَ الاستعمار، وإذا به يدس في أولئك من أوليائه وتكون الصلة بينهم وبينه، وما دخل الاإنجليز والفرنسيون بلداً، إلا ولهم أولياء وأصفياء مقربون من أهل تلك البلاد، ولذلك لما دخل الانجليز إِلَى الهند مثلاً ظهر الذي يسمى سيد أحمد خان، وجاء بدعوة جديدة، وظهر أيضاً في المقابل أحمد القادياني والكل يدعو إِلَى تعظيم الإنجليز وإلى محبتهم، وإلى ترك الخروج عليهم وعدم مجاهدتهم.\rوهكذا ظهر من الباطنية سيف الدين الذي تنتسب إليه الفرقة السيفية من الباطنية التي لا تزال قائمة إِلَى اليوم، وقد أمَّده الانجليز وساعدوه وشجَّعوه في إحياء الباطنية من جديد، وكذلك الآغاخانية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690032,"book_id":1659,"shamela_page_id":1158,"part":null,"page_num":1158,"sequence_num":1158,"body":"وهكذا في كل بلد دخلها هَؤُلاءِ يمدون العلاقات والصلات مع الباطنية ومع الصوفية، فانتشرت هذه الضلالات وهذا الشرك في العالم الإسلامي تحت اسم التوسل، فإذا قلت لأحد منهم: لا تشرك بالله، لا تقل: يا علي، يا حسين، يا عباس، يا كذا! لا تدعوا غير الله فَيَقُولُ: أنا لا أشرك بالله بدعاء هَؤُلاءِ الأولياء والصالحين، بل هذا توسل والتوسل قد قال بعض العلماء: إنه بدعة، وقال بعضهم: لا بأس به فينقلك إِلَى خلاف العلماء، فهو يفعل التوسل الشركي، ويحاول أن يجعله من التوسل البدعي.\r\rوالتوسل البدعي هو الذي تكلم عليه المُصْنِّف ﵀ وسوف نشرحه بإذن الله؛ لكن رأينا أن أهم منه وأولى الحديث عن التوسل الشركي الذي ابتدأ منذ أن عبد الرجال الصالحون من قوم نوح، وانتهى بما ترونه اليوم مما يعبد في مشارق الدنيا ومغاربها من الأضرحة والقبور والأولياء بحجة واحدة وهي التوسل، وكثير من النَّاس أصحاب علم في تلك البلاد، وأصحاب عمائم ولديهم الباع الطويل في الفقه وفي غيره، ولكنهم واقعون في هذا الشرك والعياذ بالله ويبررونه ويفلسفونه، ويقولون: هذا هو التوسل، بل يسمون تلك الأماكن بالأماكن المباركة، المقدسة، الطاهرة، ويحرصون أن يُعقد الزواج في تلك الأماكن المقدسة، وأن تكون حلقات العلم في تلك الأماكن المقدسة، هكذا بلغ تقديسها وتعظيمها، وكأنك تقول أنت أيها المؤمن الموحد السني: إننا في بيت من بيوت الله أو في مسجد رَسُولِ اللهِ ﷺ أو في المسجد الأقصى، فالمساجد التي هي فعلاً بيوت الله، وقد أمر الله أن ترفع وأن تقَّدس وتعظَّم، وهي لا تعظم عندهم إلا إذا كَانَ فيها شرك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690033,"book_id":1659,"shamela_page_id":1159,"part":null,"page_num":1159,"sequence_num":1159,"body":"ولهذا فالعلامات كثيره والأمر واضح، وتجدون أن زعيم الباطنية الآغاخانية وزعيم الصوفية الجديدة وأمثالهم يتبرعون بتكاليف بناء المنابر والقباب -وبتجديدها وتلميعها- عَلَى الأضرحة وعلى المزارات التي يعبد فيها غير الله ﷾، وينفقون عَلَى ذلك الأموال الطائلة، وتطلى بالذهب وبأفخر أنواع الرخام والفضة والخشب النادر الثمين، وأُولَئِكَ المغفلين السذج يتقربون إليها ويعبدونها.\rفهذا كاتب مصري ليس من العلماء عاش مأساة هذه الأمور ثُمَّ هداه الله ﷾ وعرف التوحيد عَلَى يد الشيخ مُحَمَّد جميل غازي كتب كتيباً صغير سماه اعترافات كنت قبورياً ذكر فيه أمور يتعجب منها القارئ، هذه الأمور التي ذكرها لا يصح معها دين ولا صلاة ولا صيام كيف يقبل عمله وهو يعتقد أن البدوي يرزق الولد، ويحفظه من الموت، فأي عبادة تقبل منه والله ﵎ يقول: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً [الفرقان:٢٣] فإذا خاطبت هَؤُلاءِ الجهال احتجوا بالعلماء، وإذا ذهبت إِلَى العلماء قالوا: هذا توسل، نتوسل إِلَى الله، والشرك فقط أن تعتقد أن أحداً غير الله يؤثر في شيء من الأشياء، ونحن نعتقد أنه لا فاعل إلا الله ولا مؤثر إلا الله، فجعلوها جبرية محضة، وأثبتوا جزءاً من توحيد الربوبية، وليس هو توحيد الربوبية الحقيقي، وإنما هو ما ظنوه أو فهموا أنه هو التوحيد، وهو أن تعتقد أن الله خالق كل شئ وأنه الفاعل لكل شيء، وهذه عقيدة شركية باطلة، فمعنى من يعتقد أن الله هو الفاعل لكل شيء: أنه إذا زنى زان، أو شرب الخمر شارب، ماذا يُقال عَلَى اعتقادهم هذا عياذاً بالله؟ الجواب معروف يعتقدون المجاز؟ فهم يعبدون الأموات ويدعون غير الله الزمن الطويل ولا يعبدون ولا يدعون الله إلا قليلاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690034,"book_id":1659,"shamela_page_id":1160,"part":null,"page_num":1160,"sequence_num":1160,"body":"فيقال لهم: لو كَانَ ذلك حقاً وأنكم ترون أن عين التوحيد وحقيقته هو ذلك، فلماذا تقولون إن البدوي حفظ الولد، فالبدوي لا يحفظه؛ لأنه لا فاعل إلا الله فالفاعل الحقيقي هو الله وهذا عَلَى سبيل التنزل معهم، ولكنَّ هذا من تلبيسات الشيطان، والله ﷾ جعل ذلك فتنة للناس، وكما مر معنا أنه ما عُبدَ غيرُ اللهِ، ولا أُنكِرت صفاته، ولا أَلحدَ المُلحدون، ولا ابتدع المبطلون، إلا بشبهات وتأويلات.\r\rأن مما يفسر به هَؤُلاءِ الصوفية والروافض قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ [المائدة:٣٥] قالوا: إن الله يأمرنا أن نبتغي إليه الوسيلة ومعنى ذلك أن نتخذ وسائل ووسائط من العباد لندعو الله عن طريقهم أو ندعوهم فإذا قال أحدهم: بجاه مُحَمَّد، أو بجاه الحسين، أو بجاه عَلِيٍّ، أعطني يارب كذا فَيَقُولُ: الآن اتخذت إِلَى الله الوسيلة، وهذا هو التوسل البدعي كما سنفصله إن شاء الله.\rلكن أكثر ما يستخدمون هو الدعاء المباشر يا علي، يا حسين، يا بدوي، فإذا قلت لهم: كيف تدعون هَؤُلاءِ من دون الله، قالوا: هذا فقط مجرد وسيلة، فنحن لا نقصد الدعاء المباشر لهم، فسواء قلنا: يا علي، أو قلنا بجاه علي، أو يا مُحَمَّد أو بجاه مُحَمَّد كله واحد لأنه لا فاعل إلا الله، فنجدهم يلَّبسون فيجعلون التوسل الشركي بدعياً ثُمَّ يأتون للبدعي ويقولون: هذا هو الصحيح.\r\rفتكون النتيجة: أنهم نقلوا الجماهير المغفلة المسكينة من الشرك الأكبر، إِلَى حقيقة التوحيد -في ظنهم وفي زعمهم- فيشركون بالله ليلاً ونهاراً وهم يحسبون أنهم يحسنون وأنهم يوحدون الله ﷾.\rالتوسل المشروع\rوأعظم ما يكون به التوسل عند أهل السنة هو التوسل بتوحيد الله وبطاعته.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690035,"book_id":1659,"shamela_page_id":1161,"part":null,"page_num":1161,"sequence_num":1161,"body":"فمن أراد أن يتوسل إِلَى الله فهذا طريقه الذي أمر الله به أن تبتغى إليه الوسيلة هي: أن يطاع وأن يتقرب إليه بما شرع فهذا هو ابتغاء الوسيلة، وهذا هو توسل عباد الله الصالحين (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ) [الإسراء:٥٧] في أنهم يعبدون الله ويتقونه ويخشونه، ولا يبتدعون في دين الله بل ولا يعصونه فيما هو أقل من ذلك.\r\rالتوسل الشركي\rوأما التوسل الشركي فهو: أن يُدعي غير الله، وأن يستغاث بغير الله ﷾ وأن يذبح وينذر لغير الله، أو أن يصرف أي نوع من أنواع العبادة لغير الله، ويُقَالُ: هذا واسطةٌ بيننا وبين الله، وهذا هو عين ما قاله المُشْرِكُونَ حينما قالوا: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:٣] .\r\rالتوسل البدعي\rوأما التوسل البدعي فهو أن يكون المدعو والمعبود هو الله ﷾ عَلَى الحقيقة ولكن يتوسل إليه بذات من ذوات المخلوقين أو بجاههم، أو بعمل من الأعمال التي لا يصح التوسل بها، أو بحق من الحقوق فهذا هو التوسل البدعي، لأن لدينا قاعدة بسيطة سهلة يحفظها الجميع وهي أن كل عمل لم يعمله النبي ﷺ فهو بدعة، حتى ولو جَاءَ إنسان وقَالَ: هذا رَسُولُ اللهِ ﷺ وجاهه عند الله عظيم.\rفنقول: نعم، النبي ﷺ كذلك؛ لكن هل معنى ذلك أننا نسأل الله بذاته؟ هل ورد ذلك؟ هل فعل الصحابة ذلك بعد مماته؟ لا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690036,"book_id":1659,"shamela_page_id":1162,"part":null,"page_num":1162,"sequence_num":1162,"body":"ومن هنا نرجع إِلَى قضية الاتباع وليس الابتداع، فإذا وجدنا أن أصحاب النبي ﷺ بعد مماته توسلوا بذاته إِلَى الله، أو دعوا الله بذاته، فهم أولى النَّاس بالإتباع، وهم أعرف النَّاس بالدين، فنتبعهم وإن كانوا لم يفعلوا؛ بل بينوا لنا ما هو التوسل المشروع كما في قصة عُمَر ومعاوية مع العباس رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُم، عرفنا ما هو التوسل المشروع وما هو غير المشروع.\r\rقَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:\r[وأما الاستشفاع بالنبي ﷺ وغيره في الدنيا إِلَى الله تَعَالَى في الدعاء، ففيه تفصيل: فإن الداعي تارة يقول: بحق نبيّك. أو بحق فلان، يقسم عَلَى الله بأحد من مخلوقاته، فهذا محذور من وجهين:\rأحدهما: أنه أقسم بغير الله.\r\rوالثاني: اعتقاده أن لأحد عَلَى الله حقاً، ولا يجوز الحلف بغير الله، وليس لأحد عَلَى الله حق إلا ما أحقه عَلَى نفسه، كقوله تعالى: وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصرُ الْمُؤْمِنِينَ [الروم: ٤٧] وكذلك ما ثبت في الصحيحين من قوله ﷺ لمعاذ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ وهو رديفه يا معاذ، أتدري ما حقُّ الله عَلَى عباده؟\rقال: قلتُ: الله ورسوله أعلم.\r\rقَالَ: حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً.\r\rقال: أتدري ما حقُّ العباد عَلَى الله إذا فعلوا ذلك؟\rقلت: الله ورسوله أعلم.\r\rقَالَ: حقهم عليه أن لا يعذبهم) .\r\rفهذا حق وجب بكلماته التامة ووعده الصادق لا أن العبد نفسه مستحق عَلَى الله شيئاً كما يكون للمخلوق عَلَى المخلوق، فإن الله هو المنعم عَلَى العباد بكل خير، وحقهم الواجب بوعده هو: أن لا يعذبهم، وترك تعذيبهم معنى لا يصلح أن يقسم به، ولا أن يسأل بسببه، ويتوسل به، لأن السبب هو ما نصبه الله سبباً] اهـ.\r\rالشرح:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690037,"book_id":1659,"shamela_page_id":1163,"part":null,"page_num":1163,"sequence_num":1163,"body":"الاستشفاع بالنبي ﷺ له صور وحالات، فبعض الناس يدعو الرَّسُول ﷺ أو غيره مباشرة، فيقولون: الشَّفَاعَة يارَسُول الله! أو الشَّفَاعَة يا ابن عباس، أو يا حسين، أو يا عَلِيّ، أو يا جيلاني، أو يا بدوي أو غير ذلك، وهذا ما يكون دارج عَلَى ألسنة كثير من النّاس عافانا الله وإياكم من الشرك، فهو يطلب الشَّفَاعَة من غير الله طلباً صريحاً.\rهل من استشفع بغير الله قصده أن يدعو الله\rمن المعلوم أن من دَعَا غيرَ اللهِ ﷾ مباشرةً، فلا مجال لقول المتمحلين أو الملبسين: أن هذا إنما قصده أن يدعو الله، ولكن دعا ذلك الرجل ليقربه من الله.\r\rوإذا قلنا: إن هذا يحتمل أنه إنما أراد أن يقول: يا الله، ولكن سأل أو دعا غير الله، لقرب ذلك المدعو منه، فهذا من التوسط فقط.\rولو قلنا بذلك لفسدت العقيدة والدين بل وتفسد اللغة العربية وأساليب العرب، فمثلاً: إذا كَانَ اسمك محمد، واسم ابنك علي، فلو قلت عَلَى سبيل المثال: يا علي فأجاب فتقول له: أنا لم أقصدك، وإنما أقصد أباك، فيقول الأب: أنا اسمي محمد، فأقول له نعم أنت اسمك محمد، ولكن هذا علي ولدك فأنا أدعو ولدك وأقصدك فهل هذا الكلام يعقل؟\rفاللغة والمعاني تختل ويصبح ليس هناك عقل مميز، لأن القرب -كما تعلمون- درجات فالنبي ﷺ أقربُ الخلقِ إِلَى اللهِ ﷾ وهم مُتوسلون به ﷺ، وقد يتوسلون بأبِي بَكْرٍ وعُمَر، وهما أقل بلا شك في القرب من الرَّسُولِ ﷺ، وقد يتوسلون برجل في القرن العاشر أو الثامن أو الرابع عشر أو الخامس عشر، وإذا قيل لهم: هذا شرك، قَالَ: أنا لم أقصد هذا، إنما أقصد \"يا الله\"، لكن هذا مقرب عند الله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690038,"book_id":1659,"shamela_page_id":1164,"part":null,"page_num":1164,"sequence_num":1164,"body":"وهذا الكلام لا يقوله عاقل أبداً، ولو فتشنا لغة العرب من أولها إِلَى آخرها لما وجدنا عَلَى الإطلاق ما يؤيد هذا الكلام ولا ما يشهد له، فإن العرب وإن كَانَ في كلامها ما يسمى مجازاً أو استعارة وما يسميه غيرهم: أسلوباً من أساليب العرب في الفصاحة والبلاغة، لا بد لهذه الأساليب من رابطة، ومن علاقة واضحة محددة ومفهومة، أما مجرد أن تدعو فلاناً وتقول: أنا لم أقصده وإنما أقصد غيره فهذا لا يمكن.\r\rفكيف بالله ﷾ -ولله المثل الأعلى- فالفرق بينه وبين قرب كل أحد منه وبين قرب أي مخلوق من مخلوق فرقٌ بعيد جداً؛ لأن الكل بالنسبة إِلَى الله ﷾ عبد فقير محتاج مضطر بالذات إِلَى اللهِ ﷾، فمهما كانت درجته، ومهما كَانَ قُربهٌ من اللهِ، فهو مُفتقر إليه لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً، حتى رَسُولَ اللهِ ﷺ لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً، ولا يملك لأحدٍ من الناسِ، بل هو ﷺ والملائكة والأنبياء يدعون الله ﷾، وينكسرون بين يديه ويطلبون منه أن يقضي حوائجهم من جلب نفع أو دفع ضر.\r\rولهذا قال تعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ [الإسراء:٥٧] فالأنبياء يتوسلون إِلَى اللهِ تَعَالَى ويرجون رحمته، ويخافون عذابه، ولا يملكون جنة، ولا يدفعون عن أنفسهم ولا عن أحد النَّار أبداً، فهذا هو الأصل.\r\rفمن قَالَ: إنه يدعو ذلك لقربه من الله، أو لعلاقة ما بينه وبين الله، ويدعو ذلك دعاءً صريحاً، ويزعم مع ذلك أنه إنما يدعو الله؛ فهذا شرك أكبر، ومهما تمحل من الاعتذار لشركه بأنه يقصد كذا أو كذا فهذا مما لا تقره الأساليب العربية، ويعرف ذلك كل من عرف لغة العرب وأساليبهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690039,"book_id":1659,"shamela_page_id":1165,"part":null,"page_num":1165,"sequence_num":1165,"body":"هذا هو النوع الأول، وهو شرك أكبر، ولذلك كَانَ هو التوسل الشركي، أو هو نوع من أنواعه.\r\rدعاء الله تعالى بواسطة غيره من البشر\rيقول المصنف: [وأما الاستشفاع بالنبي ﷺ وغيره في الدنيا إِلَى الله تَعَالَى في الدعاء، ففيه تفصيل، فإن الداعي تارة يقول: بحق نبيك، أو بحق فلان] في هذه الصورة من صور الاستشفاع وهي: أن أحداً لا يقول: يا رَسُولَ اللهِ! اشفع لي، ولكن يقول: يارب! بحق نبيك، أو بحق فلان من الصالحين أعطني أو أدخلني الجنة، أو يدعو بما شاء، متوسلاً بحق أي إنسان ولو كَانَ رَسُولُ الله ﷺ، فهو يقسم عَلَى الله بأحد من مخلوقاته فهذا محذور من وجهين:\r[أحدهما: أنه أقسم بغير الله] وذلك حينما قَالَ: \"بحق فلان\" كائناً من كان فلان، وكما سيذكر بعد ذلك في حكمه.\r[والثاني: اعتقاده أن لأحد عَلَى الله حقاً ولا يجوز الحلف بغير الله] هذا إبطال للعلة الأولى.\r\rوفي الحديث الصحيح عن عبد الله بن مسعود رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك) .\r\rوالشرك ينقسم إِلَى قسمين:\r١- الشرك الأكبر: الذي يخرج صاحًبه من الإسلام عافانا الله وإياكم.\r\r٢- الشرك الأصغر: وهو ما كان دون ذلك، إلا أنه من أكبر الكبائر، فهو أكبر من الزنى ومن شرب الخمر، ومن اللواط، ومن كل معصية لم يسمها الله تَعَالَى ورسوله شركاً.\r\rدرجات المعاصي\rالمعاصي عَلَى ثلاث درجات: النوع الأول: وهو أكبر الكبائر، وهو الشرك بالله الذي يخرج بصاحبه من الملة، وهو المعصية الكبرى التي لا يغفرها الله ﷾ أبداً إلا لمن تاب منها.\rوالنوع الثاني: المعاصي التي لا تخرج صاحبها من الملة، ولكن سماها الله ورسوله شركاً أو كفراً، فهذه أكبر مما دونها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690040,"book_id":1659,"shamela_page_id":1166,"part":null,"page_num":1166,"sequence_num":1166,"body":"والنوع الثالث: المعاصي المعروفة، التي هي الكبائر والصغائر، التي لا يخفى أمثالها عَلَى أحد.\r\rالفرق بين الشرك الأكبر والأصغر\rسميت المعاصي التي لا تخرج صاحبها من الملة شركاً تعظيماً لشأنها، وأنها أقرب شيء إليه، ولأن علاقتهما به واضحة، وهي أكبر في درجة المعصية من مجرد المعاصي، لأن النبي ﷺ سمى الرياء: الشرك الأصغر حينما قال لأصحابه: (أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، فلما سئل عنه؟ قَالَ: الرياء) .\rأما الذين هم خارجون من الملة، يتقربون لغير الله، ويعبدونه رأساً من اللات أو العزى أو فرعونأو الأحبار أو الرهبان أو كائناً من كان، فهَؤُلاءِ يدعونه رأساً.\rأما المرائي فإنه يعبد الله من أجل غير الله، فهذا قريب ويلتحق بذلك، وهو أكبر من مجرد المعصية، ولهذا سمي شركاً وهو أصغر؛ لأنه لا يخرج من الملة.\r\rفمثلاً: الحلف بغير الله ﷾ لا بد أن نفصل فيه:\rفإذا حلف بغير الله، معتقداً أن للمحلوف به ما لله ﵎ من التعظيم والمقام والقدر فسوى بين الله وبين أحد من خلقه، فهذا شرك أكبر يخرج صاحبه من الملة من أجل ذلك الاعتقاد فهذا اللفظ يعبر عن اعتقاد، وبمجموعهما خرج من الملة، أو فبالاعتقاد وحده وإن لم يحلف يخرج من الملة، لأن من ساوى بين الله وبين أحد من خلقه في الاعتقاد فقد خرج من دين الإسلام.\r\rخطورة الشرك","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690041,"book_id":1659,"shamela_page_id":1167,"part":null,"page_num":1167,"sequence_num":1167,"body":"لقد مقت الله الْمُشْرِكِينَ، وكتب وأوجب عليهم الخلود ولعنهم من أجل الشرك، كما ذكر الله تَعَالَى في القُرْآن في سورة الأنعام في موضعين منها حقيقة ما يفعله المُشْرِكُونَ، فَقَالَ في أول آية: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الأنعام:١] والعدل في اللغة العربية معناه: التسوية أو المساواة، فكان العربي إذا ركب البعير أو الدابة وضع هاهنا حملاً وهاهنا حملاً فتعادل، فلا يميل أحدهما عَلَى الآخر.\rقَالَ: ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ أي: يساوون، وجاء في آخر السورة أيضاً وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الأنعام:١٥٠] وهذا العدل الذي جَاءَ في سورة الأنعام جَاءَ في سورة الشعراء مُعبراً عنه بكلمة أخرى هي التسوية كما قال تعالى: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الشعراء:٩٧] لماذا استوجبتم النَّار؟ عافانا الله وإياكم من ذلك، يقولون:\rإِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:٩٨] فالعدل والتسوية هي الشرك بالله ﷾، ويكون العدل، وتكون التسوية، كما بين ذلك في سورة البقرة فقَالَ: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ [البقرة:١٦٥] عدلوا بالله غيره وسووا بين الله وبين وغيره في المحبة التي هي أساس كل الأعمال، ومن ساوى بين الله وبين أحد من خلقه في المحبة والتعظيم والإجلال، اللذان لا ينشأن إلا عن محبة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690042,"book_id":1659,"shamela_page_id":1168,"part":null,"page_num":1168,"sequence_num":1168,"body":"فقد اتخذ من دون الله أنداداً بل حتى الخوف الحقيقي الذي هو خوف العباد لا يكون إلا من خوف المحبة وكذلك الرجاء الحقيقي لا ينشأ إلا عن المحبة، فالمحبة أساس كل عمل من الأعمال بحيث لو أن أحداً أبغض الله، أو أبغض رسوله ﷺ، أو أبغضَ شيئاً مما جَاءَ به رَسُول الله ﷺ فإنه يخرج من الدين نسأل الله العفو والعافية.\r\rوالبغضُ هنا بغض اعتقاد لا مجرد غلبة النفس، أو عدم رغبتها، فالمقصود أن من حلف بغير الله، أو ساوى الله تَعَالَى بغيره، وعادله بالله، في التعظيم والإجلال فإنه يكفر -والعياذ بالله- ولا يكون مؤمناً قط وإن عمل ما عمل من الطاعات لأن الله ﵎ قال: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً [الفرقان:٢٣] ولا ينفع الْمُشْرِكِينَ أي عمل وإنما من فضله وعدله أنه لا يظلم أحداً، فيعجل لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا، ويعطيهم بها الذكر الحسن، أو الصحة أو العافية أو المال، أو ما يشاؤون في هذه الحياة الدنيا، أما يَوْمُ القِيَامَةِ فلا يجدون شيئاً عَلَى الإطلاق؛ لأنه لا أساس لهذه الطاعات من توحيد الله، فكل ذلك قد محقه الشرك وأذهبه.\r\rالتسوية مع التعظيم \"شرك أكبر\"\rهناك صور أشنع ممن عظَّم غير الله تعظيماً مساوياً لتعظيم الله وهو أن من يعتقد أن لغير الله ﷾ من التعظيم أعظم مما لله عياذاً بالله، كمن يُحْلَف له بالله فلا يُصدِق، أو يحلف هو بالله، فلا يُصدَق فيحلف له بالشيخ فلان فيصدق ذلك، فلما أن جعل الشيخ آخر شيء؟! دل عَلَى أن الشيخ ليس بعده احتمال ولا ملجأ، فقد حلف حتى بالشيخ، وفي أول مرة حلف بالله، ولم يصدقه، وفي الأخير يقول: أخذنا معه حتى حلف بالشيخ، أي: ليس وراء الحلف بالشيخ أي شيء والعياذ بالله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690043,"book_id":1659,"shamela_page_id":1169,"part":null,"page_num":1169,"sequence_num":1169,"body":"إذاً: الأكثر تعظيماً هو هذا الشيخ، فهَؤُلاءِ الأمر عندهم ليس مجرد تسوية أو عدل، بل أكثر من ذلك فهم عكس من قَالَ اللهُ فيهم: وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ [البقرة:١٦٥] .\r\rالحلف بغير الله عادة أو وراثة \"شرك أصغر\"\rالحالة الثانية: أن يحلف الرجل بغير الله، إما عادة تعودها أو وراثة ورثها، أو سبق لسانه إِلَى ذلك مع خلو القلب من اعتقاد أن ذلك الإِنسَان مثل الله أو أنه أحب إِلَى الله، فهذا هو الشرك الأصغر، ونعود إلى القاعدة السابقة: فمعصية سُميت شركاً هي أكبر من معصية لم تسم شركاً.\rولهذا قال عبد الله بن مسعود رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: \" لأن أحلف بالله كاذباً، أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقاً \" انظروا إِلَى فقه الصحابة الكرام ومعرفتهم للتوحيد، ولهذا نقول: هذا هو الأثر والثمرة والبركة، ومن أثر ذلك: نصر الله الصحابة الكرام، فقد رفعهم في الدنيا قبل الآخرة، لأنهم عرفوا الله ولم يدعو إلا إِلَى توحيد الله، ووحدوه، وعبدوه عَلَى علم وبصيرة وبينة.\r\rحكم اليمين الغموس\rأما حكم الحلف بالله كاذباً فهذه هي اليمين الغموس، وهي كبيرة من الكبائر التي ورد التغليظ فيها، ولا يغرنكم ما هو رائج في النَّاس اليوم، فإن ما وقعت فيه الأمة من المصائب والدواهي فهي أكثر من أن تحصر، ولا سيما ما يتعلق بالتجار، يحلف ليروج سلعته، وأن هذا أفضل نوع، وأن رأس ماله كذا، وما أشبه ذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690044,"book_id":1659,"shamela_page_id":1170,"part":null,"page_num":1170,"sequence_num":1170,"body":"فالحلف الكاذب وهو أحد الثلاثة الذين َلا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ -والعياذ بالله- لأنك حلفت عَلَى أمر من أمور الدنيا وكلها لا تساوي عند الله جناح بعوضة فلا يستحق أن تحلف كاذباً بربك العزيز الجبار المتكبر ﷾، حتى أن المشترين أصبحوا لا يبالون بالأيمان؛ لأنهم تعودوا أن يحلفوا بغير الله كذباً، فترى الواحد يتناقض بيمينه في نفس اللحظة، فنحن تهاونا بها لكنها في الحقيقة غموس تغمس صاحبها في النَّار ولا كفارة لها إلا ذلك، وهذا مما يخطئ فيه بعض العوام والواجب عَلَى طلاب العلم أن يعلموا النَّاس أن الكفارة لا تكون إلا عَلَى فعل شيء مستقبل، وقد أرشد النبي ﷺ إلى الحل وهو: إذا حلف أحدكم ورأى غيرها خيراً منها، فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير.\rفمن أقسم أنه لا يأكل نوع من الطعام، أو أنه لا يفعل عمل من الأشياء الحلال، وإِنْ كَانَ هذا العملُ وَاجِبَاً، فهذا أشد بلا شك وأوجب لأن يكفر عن يمينه بأن يطعم عشرة مساكين أو كسوتهم من أوسط ما يطعم أهله فإن لم يجد فليصم ثلاثة أيام هذا في اليمين المنعقدة التي يعقدها الإِنسَان عازماً عَلَى أمر ما، لكن إذا نوى الكذب وأن يحلف عَلَى شيء ليس له أصل، فهذه تسمى اليمين الغموس، ولا كفارة لها إلا النار، إلا إذا تاب، فالله ﵎ يقبل التوبة عن عباده مما هو أكبر من ذلك وهو الشرك.\r\rضرورة معرفة حقيقة ألفاظ الشارع","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690045,"book_id":1659,"shamela_page_id":1171,"part":null,"page_num":1171,"sequence_num":1171,"body":"إذا حلف الرجل بالولي فلان، وقال: إنني أعطيتك كذا، وقَالَ: أنا صادق فيما أحلف، نقول: القضية ليست في الكذب أو الصدق، لأننا خرجنا الآن من قضية المعاصي إِلَى مبحث آخر أهم وأكبر وهو أنك فعلت ما سماه الله ورسوله شركاً، فلا ننظر إِلَى كونه وقع أو لم يقع، وإنما ننظر إِلَى ذات اللفظ حين حلفت وأقسمت بغير الله، وهذا لا يجوز بأي حال من الأحوال، ومثل ذلك: الحديث الصحيح الثابت عن عبد الله ابن مسعود ﵁ يقول النبي ﷺ: (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر) كما نطبق ذلك عَلَى نفس الدرجات الثلاثة.\rهل قوله: (قتاله كفر) تعني: من قتل، أو قاتل مسلماً كفر وخرج من الملة؟\rلا، فاللهُ تَعَالَى قَالَ: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا [الحجرات:٩] فكون الإِنسَان قَتَلَ أو قَاتَلَ مؤمناً، لا يعني أنه قد خرج من الملة، لكن هذا الذنب عظيم لأن الرَّسُول ﷺ سماه كفراً، إذاً عندنا الكفر الحقيقي وعندنا ما سمي كفر هو أعظم من ما لم يسمَّى كفر، وهكذا فإذا قلت: إنَّ السبَّ مجرد فسق، فقد قال النبي ﷺ: (سباب المسلم فسوق) فإذا آذيته فهذا فسق؛ لكنك إذا قاتلته أو قتَلْتَهُ فهذا كفر كما سماه الرَّسُول ﷺ؛ لذلك فهو جريمة أكبر وأشنع مما سبق، وهذا فعل الكفار، فلا يقتل الْمُسْلِمِينَ إلا الكفار -وإن كنا لا نخرجه من الملة- فهو إن قتلهم قال: أنا مسلم، وكفى بالله زَاجِرَاً لِمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللهِ ورَسُولِهِ واليَومِ الآخِرِ.\rفلو قال قائل قال النبيُّ ﷺ: (بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة) هل هو مثل القتل، أم لا؟\rالجواب: لا، وهو من ناحيتين:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690046,"book_id":1659,"shamela_page_id":1172,"part":null,"page_num":1172,"sequence_num":1172,"body":"أولاً: أن ترك الصلاة قد دلت الأدلة وأجمع الصحابة -ولا يعتد بخلاف من خالف بعد إجماع الصحابة- عَلَى أن تارك الصلاة كافراً كفراً يخرج من الملة.\rوالشيء الثاني: -كما في نفس اللفظ- فرق بين قوله: (قتاله كفر) ، وقوله: (بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة) الكفر المعرف هذا غير قوله: (قتاله كفر) .\r\rولهذا يجب أن نفهم ألفاظ ديننا فبعض النَّاس يخلط بين هذا وذاك، تجده لا يفقه نصوص الوعيد، ولا يفقه كلام العلماء، فإذا قال العلماء: هذا الفعل شرك، قَالَ: أنت تحكم عَلَى هَؤُلاءِ بأنهم مشركون، وفرق بين قوله: (هذا الفعل شرك) وبين قوله: (هَؤُلاءِ مُشْرِكُونَ) ، فلهذا لا مجال للغلو فيه كما فعلت الخوارج حين جعلوا مجرد ارتكاب المعصية كفراً، وهذا لا يجوز لأنه من المروق في الدين والغلو فيه، ولا مجال أيضاً للاستهانة بالأوامر، وبما حرم اللهُ ﷾ وارتكاب حدود الله بحجة أن هذه لا تخرج من الملة؛ بل يجب أن نعرف حقيقة وعيد الشارع وألفاظ الشرع ونتقيد بها، وتظهر مقتضياتها في حياتنا, هذا الوجه الأول.\r\rالوجه الثانية: اعتقاد ذلك الذي يقول \"بحق نبيك أو بحق فلان\" أنَّ لأحدٍ عَلَى الله حقاً، يقتضي أن يدعوه وأن يسأله به، فجعل ذلك الحق من الوجوب والتأكيد كما لو كَانَ من أسماء اللهِ ﷾ وسيبدأ المُصْنِّف بالموضوع من أوله وسيأتي بتفصيل كلام العلماء في كلمة \"الحق\" وما تحتمله من معاني.\r\rكلمة \" بحق فلان \" وضلال المعتزلة فيها","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690047,"book_id":1659,"shamela_page_id":1173,"part":null,"page_num":1173,"sequence_num":1173,"body":"نبدأ بقضية الحق من أولها، لأن هذه الكلمة لا يعرفها النَّاس حق المعرفة، عندما نقول: \"حق فلان عَلَى الله\"، أو \"حق فلان عند الله\" والمعتزلة تَعرِفون ضلالهم وهو قولهم: إنه يجب عَلَى الله أن يعاقب المسيء نعوذ بالله كيف يجرأ لسان أو فم أو قلب أن يوجب عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ ﷾ شيئاً الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، والذي عنده خزائن كل شيء وله الأمر والخلق، ولا معقب لحكمه ولا رادّ له ولا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، ومع ذلك يقولون: يجب.\rولهذا كما سبق لما أنكروا الشَّفَاعَة، قالوا: كيف نثبت الشَّفَاعَة في إنسان عصى الله وتذهب المعصية هكذا، لا، بل يجب عَلَى الله أن يعذبه -والعياذ بالله- وهَؤُلاءِ حجروا رحمة الله، وهو ﷾ قد كتبها وجعلها سابقة لغضبه.\rفيقول المُصْنِّف ﵀: ليس لأحد عَلَى الله حق إلا ما أحقه عَلَى نفسه، ولا يفرض أحد عليه حقاً، بل هو من كمال عدله جعل ذلك وإلا لو شاء لفعل غير ذلك، ومن الذي يحاسبه أو يؤاخذه أو يقول: لم فعلت؟ لا أحد، فكل الخلق نواصيهم بيده ﷾.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690048,"book_id":1659,"shamela_page_id":1174,"part":null,"page_num":1174,"sequence_num":1174,"body":"ثُمَّ من هذا الذي عَبَدَهُ فاستحقَّ بعبادته أن يكون له حق واجب عَلَى الله ﷾، فلو نظرنا إلى هذا العابد: من الذي خلقه وهداه وأطعمه وسقاه وقواه وعلمه هذه العبادة؟ لوجدنا أنَّهُ اللهُ ﷾، إذ الفضل أولاً وأخيراً لله وحده، فمن أين يكون لأحد حق عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ ﷾؟ لكن مِنْ رحمةِ اللهِ وفضله وعدله وهو الذي لا يظلم أحداً، وأخبرنا بذلك ويخاطبنا بهذا النداء ونحن العبيد الضعفاء المخلوقين: (يا عبادي: إني حرّمتُ الظلم عَلَى نفسي، وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا) فلو أن من يظلمون خلق الله بأي نوع من أنواع الظلم، فطنوا إِلَى هذا المعنى الذي يقوله الله تَعَالَى في هذا الحديث القدسي، حرَّمَ الظلم عَلَى نفسه.\r\rفهل يرضى منك أيها المخلوق أن تظلم مخلوقاً غيرك، وقد حرمه الذي له الفضل عَلَى كل أحد من كل وجه، وفي كل لحظة؟! لا والله؛ لكنهم ما قدروا الله حق قدره، ولم يعلموا عقوبته، ولهذا تجد الْمُسْلِمِينَ يفتري بعضهم عَلَى بعض، ويظلم بعضهم بعضاً عافانا الله وإياكم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690049,"book_id":1659,"shamela_page_id":1175,"part":null,"page_num":1175,"sequence_num":1175,"body":"والله تَعَالَى هو الذي أوجب عَلَى نفسه وحرم عَلَى نفسه ما يريد فَيَقُولُ: وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [الروم:٤٧] وقَالَ: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً [النساء:١٢٢] وقَالَ: إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ [آل عمران:٩] فإذا وجدنا أناساً غير منصورين -كحالنا نَحْنُ الْمُسْلِمِينَ اليوم- فمعنى ذلك أنا لسنا بمؤمنين إيماناً نستحق به الوعد كما قال تعالى: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:١٣٩] وفي الواقع اليوم الْمُسْلِمُونَ هم من أرذل الأمم إن لم يكونوا أرذلها في المجامع والمحافل العالمية، لأننا لسنا من الإيمان بالصفة التي نستحق أن نكون بها الأعلين، ويقول الله تعالى: وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً [النساء:١٤١] ونجد الآن أن الكفار متسلطين عَلَى المؤمنين، لأنهم ليسوا من الإيمان بحيث يستحقون ذلك، وهكذا قس ما شئت، والحديث الثابت في الصحيحين لما قال ﷺ لمعاذ: يا معاذ أتدري ما حق الله عَلَى عباده؟\rقَالَ: قلت: الله ورسوله أعلم.\rقَالَ: حقه عليهم أن يعبدوه لا يشركوا به شيئاً) .\r\rوأعظم حق له جل شأنه عَلَى عبيده هو التوحيد قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ [الأنعام:١٥١] الآية.\rأو وصية من الوصايا: أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً؛ ولهذا لما رتب الله الحقوق جعل أعظم حق هو التوحيد، وقال بعد ذلك: وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً لأن الحق الثاني بعد حق الله حق الوالدين.\rثُمَّ قال ﷺ: (أتدري ما حق العباد عَلَى الله إذا فعلوا ذلك؟\rقال قلت: الله ورسوله أعلم.\rقَالَ: حقهم عليه أن لا يعذبهم)","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690050,"book_id":1659,"shamela_page_id":1176,"part":null,"page_num":1176,"sequence_num":1176,"body":"فجاءت هنا كلمة \"الحق\"، فمعنى ذلك كما يقول المصنف: [فهذا الحق وجب بكلماته التامة، ووعده الصادق، لا أن العبد نفسه مستحق عَلَى الله شيئاً، كما يكون للمخلوق عَلَى المخلوق] فالمخلوق ممكن أن يستغني عنه ولكن لا غنى للمخلوق عن الله ﷾.\r\rالتوسل المشروع\rوهو ماذكر في الفقرة الثالثة، وهذا النوع من التوسل لا خلاف فيه وَلله الحمد بين العلماء بل هو الذي ينبغي أن نتوسل به إِلَى الله تَعَالَى بعد توسلنا إليه بأسمائه الحسنى. كما علَّمنا ربنا ﵎ وأخبرنا عن حال أولي الألباب الذين قالوا: رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا [آل عمران:١٩٣] وهذا العمل الصالح هو أعظم الأعمال، كما ثبت عن النبي ﷺ لما سئل أي العمل أفضل؟ قَالَ: (إيمان بالله وبرسوله) فهذا هو العمل المتوسل به والمطلوب في هذا التوسل هو رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ [آل عمران:١٩٣] ومثل هذا في القُرْآن والسنة كثير، وسوف نذكره إن شاء الله في موضعه.\rوالمقصود أنه يبقى نوعان من التوسل هما اللذان فيهما الإجمال أو الإشكال، النوع الأول كقوله: \"اللهم بحق نبيك\" أو \"بحق الشيخ فلان\" أو \"بحق الوالي فلان\"، وهو يقصد بذلك: أن يقسم عَلَى الله تعالى بهذا المتوسل به، وهذا فيه محذوران كما تقدم، ويأتي بعد ذلك إن شاء الله تفصيل الكلام في النوع الثاني.\r\rيقول المُصْنِّف ﵀: [فإن الله هو المنعم عَلَى العباد بكل خير، وحقهم الواجب بوعده هو أن لا يعذبهم وترك تعذيبهم معنىً لا يصلح أن يقسم به، ولا أن يسأل بسببه ويتوسل به؛ لأن السبب هو ما نصبه الله سبباً] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690051,"book_id":1659,"shamela_page_id":1177,"part":null,"page_num":1177,"sequence_num":1177,"body":"والمقصود بهذا النوع في الحديث: (لا يعذبهم) من حقق كمال اليقين وكمال الإخلاص، وفي الوقت نفسه لم يأت بكبائر الذنوب التي تضعف ذلك وتوهنه. والأحاديث التي وردت في فضل قول: \"لا إله إلا الله\" عَلَى نوعين:\rالنوع الأول: التي تدل عَلَى أن من قال: \"لا إله إلا الله\" عَلَى الروايات المطلقة، والروايات المقيدة (خالصاً من قلبه) أو (غير شاك) ، وأمثالها دخل الجنة.\rوالنوع الثاني: التي تدل عَلَى أن من قال: \"لا إله إلا الله\" حرم الله عليه النَّار كما في حديث عتبان الطويل وفيه (فإن الله حرم عَلَى النَّار من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه) .\rوالوعد بدخول الجنة ليس معناه أنه لا يدخل النَّار إذ يحتمل أن يدخل النار، ثُمَّ يخرج منها، لأنه من أهل التوحيد -كما سبق معنا في أبواب الشَّفَاعَة الماضية-، أما النصوص التي جاءت بتحريم النَّار عليه كما في قوله: (فإن الله قد حرم النار) وقوله: (إلا غفرت لك ولا أبالى) وأمثال ذلك مما جَاءَ فيمن حقق التوحيد فإنها تفيد معنى آخر.\r\rوهو أن الذي حرم الله تَعَالَى عليه النَّار لاشك أن توحيده ويقينه وإخلاصه وصدقه أعظم من ذلك الذي جَاءَ فيه الوعد بأنه يدخل الجنة.\rوحديث معاذ قوله: (حقهم عليه أن لا يعذبهم) من النوع الثاني ومثل حديث عتبان رضى الله تَعَالَى عنه الذي يفيد أن من حقق التوحيد يحرم عَلَى النار، وهذا كما ذكر شَيْخُ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ ﵀: أن هذا الذي شهد أن لا إله إلا الله، وأتي بهذه الشهادة مع اليقين والإخلاص والصدق، ولم يأتِ معها بسيئات تضعفها أو توهنها، وهذا يحتمل في حقه حالتين:\rالحالة الأولى:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690052,"book_id":1659,"shamela_page_id":1178,"part":null,"page_num":1178,"sequence_num":1178,"body":"أن يكون شهد أن لا إله إلا الله بهذا اليقين والإخلاص والصدق وحقق سائر الشروط، ثُمَّ ظلَّ يقوي إيمانه ويجاهد نفسه وكلما أرادت نفسه أن تضعف درجتها ومنزلتها في التوحيد والإيمان قواها، فلقي الله ﷾ وهو لم يزل عَلَى تلك القوة في الإيمان وفي تحقيق الشهادة، فلذلك حَرُمَ عَلَى النَّار.\rالحالة الثانية:\rارتكب المعاصي ثُمَّ حقق شروط التوحيد: كمن ارتكب من الموبقات والذنوب والمعاصي ما شاء الله ﷾، وعند قرب الموت تاب توبة نَصوحاً، وشهد أن لا إله إلا الله بيقين وصدق وإخلاص، وحقق شروطها، لقي ربه ﷾ وهو لم يقارف ما يوهنها من كبيرةٍ أو إصرارٍ عَلَى صغيرة، فهذا حاله يكون من النوع الأخير وهو الذي (حرم الله عليه النَّار) ومن هذه الطائفة السبعون ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب، وهَؤُلاءِ هم قمة وذروة من حقق التوحيد من المؤمنين، وبهذا نعرف حقيقةُ مذهبِ السلف الصالح رِضْوُانُ اللهِ تَعَالَى عليهم، ومباينته لما كَانَ عليه الخوارج والمعتزلة من جهة، والمرجئة من جهة أخرى، عافانا الله وإياكم من الضلال.\rالتوسل الممنوع\rثُمَّ يقول المصنف: [لأن السبب هو ما نصبه الله سبباً] أي: أن السبب هو ما جعله الله ﵎ سبباً، لا ما يتوهمه النَّاس سبباً، فترك تعذيب أهل التوحيد معنى من المعاني لم يجعله الله تَعَالَى سبباً من الأسباب التي نتوسل بها إليه، بل هو مسألة أجنبية بعيدة فقول القائل: \"بحق فلان\" أو \"بجاه فلان\" أما النبي ﷺ فله جاه عند الله ﵎ ومنزلة عظيمة، لكن هذا القائل أجنبي عن هذا الجاه وعن هذه المنزلة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690053,"book_id":1659,"shamela_page_id":1179,"part":null,"page_num":1179,"sequence_num":1179,"body":"وقد وعد اللهُ تَعَالَى أهل الخير والصلاح والتقوى بالأجر العظيم، فما شأن هذا القائل عندما يتوسل إِلَى ربه بمنزلة غيره؟! وما العلاقة؟! لِمَ يسأل الله بعمل غيره والله ﷾ جعلنا جميعاً عبيداً له، وافترض علينا عبادته وطاعته، وجعل لنا أسباباً مشروعة هي الوسيلة إليه ﷾، وأمرنا أن نبتغي إليه الوسيلة بها، وهي توحيده جل وعلا وطاعته، وشرع لنا ما نتوسل به إليه وهي أسماؤه الحسنى، وكذلك الأعمال الصالحة عَلَى ما يأتي تفصيله إن شاء الله، ولكن المقصود هنا أن السبب هو ما جعله الله تَعَالَى سبباً لا ما جعله النَّاس أو توهموه أنه سبب، وهذا من القول عَلَى تَعَالَى بغير علم، أن يظن بعض النَّاس أن منزلة فلان عند الله تشفع للأجنبي فلان بن فلان!!\rأما إذا قال قائل: \"اللهم إني أتوسل إليك بمحبتي أو باتباعي لرسولك ﷺ \" لم تعد القضية علاقة أجنبية؛ بل أصبح هناك رابطاً لأن اتباعه ومحبته للرَسُول ﷺ من عمله، وهو في هذه الحالة يتوسل إِلَى ربه بعمله الذي عمله، وهو محبته له ﷺ واتباعه له، وهذه هي الوسيلة المشروعة التي شرعها الله ﵎، والتي وصف بها أولياءه في القُرْآن بأنهم يتوسلون إليه بالإيمان به وبطاعته.\r\rقَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:\r[وكذلك الحديث الذي في المسند من حديث أبي سعيد رضى الله عنه عن النبي ﷺ في قول الماشي إِلَى الصلاة (أسألك بحق ممشاي هذا، وبحق السائلين عليك) فهذا حق السائلين، هو أوجبه عَلَى نفسه، فهو الذي أحق للسائلين أن يُجيبهم، وللعابدين أن يُثيبَهم، ولقد أحسن القائل:\r\rما للْعِبَادِ عَلَيْهِ حَقٌ وَاجِبٌ كَلاَّ وَلا سَعْيٌ لَدَيْهِ ضَائِعُ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690054,"book_id":1659,"shamela_page_id":1180,"part":null,"page_num":1180,"sequence_num":1180,"body":"إنْ عُذِّبُوا فَبِعَدْلِهِ أو نُعِّمُوا فَبِفَضْلِهِ وَهُوَ الكَرِيمُ السامِعُ\rفإن قيل: فأيُّ فرقٍ بين قول الداعي: (بحق السائلين عليك) وبين قوله: (بحق نبيك) أو نحو ذلك؟ فالجواب أن معنى قوله: (بحق السائلين عليك) أنك وعدت السائلين بالإجابة، وأنا من جملة السائلين، فأجب دعائي، بخلاف قوله: بحق فلان، فإن فلاناً وإن كَانَ له حقٌ عَلَى الله بوعده الصادق، فلا مُناسبة بين ذلك وبين إجابة دعاء هذا السائل: فكأنه يقول: (لكون فلانٍ من عبادك الصالحين أجب دعائي) وأي مناسبة في هذا وأيُّ ملازمة؟ وإنما هذا من الاعتداء في الدعاء، وقد قال تعالى: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [الأعراف:٥٥] وهذا ونحوه من الأدعية المبتدعة، ولم يُنقل عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة ولا عن التابعين، ولا عن أحدٍ من الأئمة رضى الله عنهم، وإنما يُوجَد مثل هذا في الحُروز والهياكل التي يكتبها الجُهَّال والطُّرقية.\r\rوالدعاءُ من أفضلِ العبادات، والعباداتُ مبناها عَلَى السنة والاتباع، لا عَلَى الهوى والابتداع] اهـ.\rالشرح:\r\rهذا الحديث أخرجه الإمام أَحْمَد في المسند وكذلك ابن ماجه عن فضيل بن مرزوق عن عطية العوفي عن أبي سعيد والحديث في إسناده كلام.\rالكلام على الحديث سنداً\rأولاً: فُضيل بن مرزوق ضعيف.\r\rثانياً: فيه عطية العوفي، وفيه يقولُ شَيْخُ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ: \"إنه ضعيف باتفاق العلماء\" أي: أنه لم يوثقه أحد من العلماء إلا الحافظ ابن حجر ﵀ قَالَ: \"إنه صدوق كثير الخطأ والأوهام\"، ثُمَّ قَالَ: \"كان شيعياً مدلساً\"، وكيف كان مدلساً؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690055,"book_id":1659,"shamela_page_id":1181,"part":null,"page_num":1181,"sequence_num":1181,"body":"ذكر ذلك الشيخ الأرناؤوط ناقلاً عن ابن حبان قوله -وهو من كلام الإمام أَحْمَد عندما سُئل عن عطية - قَالَ: سمع من أبي سعيد الخدري أحاديث، فلما مات جعل يجالس الكلبي ويحضر قصصه، وكان الكلبي من القصاص المشهورين بذلك، فإذا قال الكلبي: قال رَسُول الله ﷺ بكذا، فيحفظه عطية ورواه عن الكلبي مكنياً له بأبي سعيد فَيَقُولُ: عطية حدثنا أبو سعيد والنَّاس يعلمون أنه لقي أبا سعيد الخدري الصحابي المشهور رضى الله تَعَالَى عنه، بينما هو في الحقيقة رواه عن أبي سعيد الكلبي.\r\rوهذا نوع من شر أنواع التدليس؛ لأنه بمنزلة الكذب فهو يوهم السامع بأنه رواه عن ذلك الصحابي وأن الحديث محفوظ ومتصل وهو في الحقيقة ليس كذلك. وكفى بهذا الطعن رداً لهذا الحديث، والحديث لم يأت إلا من هذه الطريق، فهو لا يصح.\r\rالكلام عليه متناً\rثُمَّ نقل المُصْنِّف ﵀ كلام شَيْخِ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ الموجود في قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة قَالَ: [فإن قيل: فأي فرق بين قول الداعي \" بحق السائلين عليك \" وبين قوله: \"بحق نبيك أو نحو ذلك\" فالجواب أن معنى قوله: \" بحق السائلين عليك\" أنك وعدت السائلين بالإجابة وأنا من جملة السائلين] نفترض صحة الحديث، فإذا سأل العبد الله تَعَالَى بعمل عمله هو ويظن عند نفسه أن هذا العمل خالص لِوجه الله ﷾، وأنه خرج من بيته متطهراً يبتغي وجه الله، ورضوانه، إِلَى بيت من بيوت الله فيتوسل إِلَى الله بهذا العمل فَيَقُولُ: \"أسألك بحق مماشى هذا\" فهو يسأل الله بعمل له صالح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690056,"book_id":1659,"shamela_page_id":1182,"part":null,"page_num":1182,"sequence_num":1182,"body":"ثُمَّ يقول: [وبحق السائلين عليك] ، وهو أحد السائلين، وعطفهم عَلَى عمله الذي عمله بنفسه فهذا لا يماثل من قَالَ: \"أسألك بحق فلان\" لأنه كما ذكر المُصْنِّف هنا لا مناسبة ولا ملازمة ولا علاقة بين هذين الأمرين فيقول المصنف: ففي قوله:\"أسألك بحق ممشاى هذا وبحق السائلين عليك\" هذا حق السائلين هو الذي أوجبه سبحانه عَلَى نفسه فهو الذي أحق لهم أن يجيبهم، وللعابدين أن يثيبهم.\r\rوالمصنف ﵀ بنى الكلام عَلَى أساس افتراض صحة الحديث، والحديث غير صحيح فكلام المُصْنِّف هنا يجب أن يعلق عليه بأن الحديث غير صحيح وأن هذا الكلام عَلَى فرض صحته زيادة من علماء السنة رحمهم الله تَعَالَى في نفي أي استدلال لأهل البدعة بأي وجه من الوجوه، فأجابَ شَيْخُ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ بهذا الكلام الذي لخصه المُصْنِّف هنا:\r\rوهو أن الحديث لا دلالة فيه حتى عَلَى فرض صحته، ثم ذكر في ذلك قول الشاعر:\r\rما للْعِبَادِ عَلَيْهِ حَقٌ وَاجِبٌ كَلاَّ وَلا سَعْيٌ لَدَيْهِ ضَائِعُ\rنعم، ليس لأحدٍ من الخلق عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ ﷾ حق واجب، وكذلك لا سعي ضائع لأحد منهم، لأنه ﷾ لا يظلم مثقال ذرة كما قَالَ: وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا [النساء:٤٠] وقال أيضاً: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا [الأنعام:١٦٠] فهذا ميزانه ﷾، وهذه معاملته لعباده: \"إن عذبوا فبعدله\" فالله ﷾ لا يظلم مثقال ذرة ولن يعذب الله ﵎ أحداً، إلا وهو مستحق لذلك.\rفإن عذبوا فبعدله أو نعموا فبفضله ﷾، فهو الذي أعطاهم الهداية، وهو الذي وفقهم لكل خير وصلاح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690057,"book_id":1659,"shamela_page_id":1183,"part":null,"page_num":1183,"sequence_num":1183,"body":"فالخير من الله ﷾، وهو الذي أعطى الإِنسَان خلقه، وعافاه وهداه للإيمان، وأنعم عليه بنعمه ظاهرةً وباطنه، فإذا عبده العبد، أو أطاعه بأي أمر من الأمور فالفضل له أولاً وآخراً ﷾.\r\rولو أن الله ﵎ لم يجعل لعباده من الجزاء والإفضال مقابل ما يقدمونه من طاعات إلا ما أنعم به عليهم من النعم في هذه الحياة الدنيا، لكان الفضل أيضاً لله ﷾؛ لأن عبادةَ هَؤُلاءِ الخلق لا تكافئ أن تكون مقابل بعض نعمه ﷾ التي تفضل بها عليهم، فكيف وهو جل شأنه الذي يمد الإِنسَان بالقوة والعافية والهداية، ثُمَّ يثيبه عَلَى ما يعمل من طاعات، وَهو الذي وفقه لها بجنةٍ عرضها السماوات والأرض خالداً فيها أبداً، هذا غاية الكرم ولا أحد أكرم منه ﷾ فلهذا قال الشاعر:\r\rإنْ عُذِّبُوا فَبِعَدْلِهِ أو نُعِّمُوا فَبِفَضْلِهِ وَهُوَ الكَرِيمُ السامِعُ\rولو أنه قَالَ: \"وهو الكريم الواسع\"، لكان أولى من ناحية المعنى لأن الواسع ورد في القُرْآن إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة:١١٥] وهو سامع أيضاً ﷾، لكن ما دام أن القافية تصح مع ما ورد فأظن أن ذلك أولى.\rفإن قيل: فأي فرق بين قول الداعي: \"بحق السائلين عليك\" وبين قوله: \"بحق نبيك\" وأهل البدعة يأتون بمثل هذا الحديث. ويقولون: \"إن الشيخ مُحَمَّد بن عبد الوهاب ﵀ قد ذكر هذا الحديث في كتابه آداب المشي إِلَى الصلاة فالشيخ مُحَمَّد بن عبد الوهاب يقر التوسل الذي -أنتم أيها الوهابيه - تنكرونه وتسمونه بدعياً\"! فأنتم حتى خارجون عن الوهابية.\r\rوهذا الذي يريد أهل البدع أن يقولوه، وقد ذكر شَيْخ الإِسْلامِ عَلَى فرض صحة الحديث أن هناك فرق بين قول القائل \"بحق السائلين عليك\" وبين قوله: \"بحق نبيك\" ﷺ أو \"بحق فلان من الناس\".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690058,"book_id":1659,"shamela_page_id":1184,"part":null,"page_num":1184,"sequence_num":1184,"body":"يقول المصنف: [فالجواب أن معنى قوله \"بحق السائلين عليك\" أنك وعدت السائلين بالإجابة وأنا من جملة السائلين فأجب دعائي] فهو في حالة سؤاله يسأله بحق السائلين، وهو منهم فهو لم يسأل بأجنبي، فَيَقُولُ: إنما أنا من جملة السائلين فأجب دعائي، فهنا صلة بين المتوسَّل به، وبين المتوسِل.\rأما قوله: \" بحق فلان أو بحق فلان من النَّاس \" فإن فلاناً وإن كَانَ له حق عَلَى الله بوعده الصادق ﷾ فإنه لا مناسبة بين حق فلان الذي وعده الله تَعَالَى به وبين الداعي، ولهذا بين المُصْنِّف أن هذا الداعي المبتدع كأنه يقول: [لكون فلان من عبادك الصالحين أجب دعائي] وهذا حقيقة ما يريدون أن يقولوه، ولا ملازمة، ولا مناسبة، ولا علاقة بين هذا وبين ذاك، فعباد الله الصالحين كثر، فمنهم الملائكة المقربون عنده، ومنهم الأَنْبِيَاء والرسل والشهداء وعباد الله الصالحين، وكلهم عبيد لله ﷾، كما قَالَ: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً [مريم:٩٣] فهذا هو حالهم جميعاً وهذا السائل من جملة المطالبين بالعبودية لله، والعبد مطلوب منه أن يعبد الله، وأن يتوسل إليه بما شرع من أعمال الخير، والطاعات وعلى رأسها التوحيد وعدم الابتداع.\r\rثُمَّ قال المصنف: [وإنما هذا من الاعتداء في الدعاء، وقد قال تعالى: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [الأعراف:٥٥]] .\rووجه الاعتداء فيه أنه دعا بأمر غير مشروع وجعل سبباً لم يجعله الله ﵎ سبباً، وتوسل بما لم يجعله الله ﵎ وسيلة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690059,"book_id":1659,"shamela_page_id":1185,"part":null,"page_num":1185,"sequence_num":1185,"body":"ثُمَّ يقول: [وهذا ونحوه من الأدعية المبتدعة لم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة ولا عن التابعين، ولا عن أحد من الأئمة رضى الله عنهم] وهذا صحيح، فلا يوجد نقل صحيح يُثبت ذلك، وإنما نقل من بعض الكتب التي تروي الموضوعات أو الواهيات كما ورد شيء من ذلك في كتاب حلية الأولياء لأبي نعيم، وفي تاريخ ابن عساكر.\r\rوذكر بعضاً منها شَيْخُ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ رحمه الله تَعَالَى في كتابه قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة وبين وجه بطلانها، وعدم صحتها، كما ينقل عن عبد الله بن الزبير أنه قَالَ: أسألك بحرمة هذا البيت العتيق وبحق الطائفين أن تزوجني فلانة، وهذه الرواية بعينها لم تصح، وغير هذا مما هو مشهور في كتب الأدب، ولا يصح ولا يمكن أن يحصل هذا عن أحد من السلف وإن حصل فالعبرة بما صح عن النبي ﷺ، وأهل البدع يتمسكون بمثل هذه الأمور ليوقعوا النَّاس في الشرك الأكبر.\rثُمَّ يقول ﵀: [وإنما يوجد مثل هذا في الحروز والهياكل التي يكتبها الجهال والطرقيه] ، ومثل هذا مما هو موجود في كتب السحر والشعوذة التي فيها الاستعانة والاستعاذة والاستغاثة بمردة الشياطين وملوكهم والتقرب إليهم بأنواع العبادات -عافنا الله من ذلك- وإذا كَانَ مَنْ يتوسل بحق النبي ﷺ، أو بحق أي رجل صالح يكون توسله بدعياً، لا يصح ولا يُقبل الدعاء به! فما بالك بمن يتوسل بالشياطين المردة، الذين يتقرب إليهم هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ بأنواع من العبادات التي لا تجوز إلا لله ﷾؟! وإذا سُئِلَ هذا المشرك المتقرب إِلَى هَؤُلاءِ الشياطين ماذا تفعل؟ قَالَ: هذا خادم لي أو هذه خادمة -أي: الشيطان- ولو سُئِلَ الشيطان المارد أيضاً لقال: هذا خادم لي -يعني: الإنسي- فكل منهما يخدم الآخر هذه هي الحقيقة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690060,"book_id":1659,"shamela_page_id":1186,"part":null,"page_num":1186,"sequence_num":1186,"body":"ولهذا في يَوْمِ القِيَامَةِ إذا تجلت الحقائق، وانكشفت ولم يعد هنا مجال للكذب، والإنكار والافتراء فإنهم يقولون: رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ [الأنعام:١٢٨] ، وكما هو ملاحظ أنه كلما كثرت عبودية، وتعلق النَّاس بهَؤُلاءِ -الذين يسمونهم سادة أو أولياء وهم مشعوذون دجالون- تكثر الأمراض ويكثر دخول الجن في بني آدم ويكثر أذية الجن للناس لأنهم يزيدونهم رهقاً وخوفاً، وأذىً، حتى ظفر أُولَئِكَ بمزيدٍ من العبودية لأوليائهم الذين هم واسطة بين هَؤُلاءِ النَّاس المخدوعين العوام، وبين ذلك الطاغوت من طواغيت الجن الذي يعبد ويعظم من دون الله ﷾.\rمروجو الأدعية المبتدعة هدموا العقيدة والحياة\rالطرَّقية: نسبة إِلَى الطرق، والطرق الصوفية من أسباب تدهور الْمُسْلِمِينَ في العقيدة؛ وفي الحياة والعلم؛ لأن الإيمان بهذه الحروز والهياكل يدمر العقيدة فيجعل الإِنسَان مشركاً يعبد ويخاف، ويرجو غير الله، ويقضي كذلك عَلَى الحياة؛ لأن الله ﷾ شرع لنا الأسباب التي بها ندفع العدو، وبها نتقي الأمراض،\rفالأمة التي لا تتعلق بهذه الخرافات تقوي نفسها وتعد ما استطاعت من قوة لمواجهة عدوها، وكذلك تتعلم ما ينفعها من العلوم كالطب وأمثاله، لكن عندما لجأوا إِلَى هَؤُلاءِ الطرُّقية أصبحوا يستدفعون الأعداء، ويستجلبون النصر عليهم بهذه الحروز والهياكل، فلا إعداد بعد ذلك ولا جهاد ولاصناعة حربية! لأن الأمر بيد هَؤُلاءِ الشياطين والعفاريت! فإذا قدم عليهم عدو توسلوا بقبر فلان ولاذوا بالولي فلان: كما قال قائلهم:\r\rيا خائفين من التتر لوذوا بقبرأبي عمر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690061,"book_id":1659,"shamela_page_id":1187,"part":null,"page_num":1187,"sequence_num":1187,"body":"ويأتي هولاكو بجيش عرمرم ويفعل تلك المجزرة الرهيبة، ويأتيقازان ومن بعده بجيوش يدكون بها بلاد الْمُسْلِمِينَ، وهَؤُلاءِ يقولون: إذا خفتم من التتر لوذوا بقبر أبي عمر! وما ذلك إلا لأنهم تركوا ما أمروا به وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ [الأنفال:٦٠] .\rهكذا أمر الله ﷾ عباده المؤمنين وهكذا كَانَ أصحاب النبي ﷺ من بعده يمتثلون ذلك، فلم يكونوا يعلقون أحرازاً وتمائم ولو كانت من القرآن؛ لأنهم يعلمون أن هذه أمور لا تجوز ولأنها دمار الحياة والعقيدة.\r\rوعندما تفشت الأمراض بين الْمُسْلِمِينَ في العصور الأخيرة كالجدري وغيره من الأوبئة وكانت تأخذ من النَّاس بالآلاف وربما بالملايين لم يأخذ الْمُسْلِمُونَ بالأسباب المشروعة كالأدعية الصحيحة، أو الرقى المشروعة، أو تعلم الطب الصحيح أو غيرها بل لجأوا إِلَى أصحاب الأحراز والهياكل، وتعلقوا بما يعطونهم من حروز وهياكل، بل واتبعوهم وامتثلوا أوامرهم التي تجانب الكتاب والسنة صراحة.\r\rقَالَ المُصنِّفُ ﵀:\r[وإن كَانَ مراده الإقسام عَلَى الله بحق فلان فذلك محذور أيضاً؛ لأن الإقسام بالمخلوق عَلَى المخلوق لا يجوز فكيف عَلَى الخالق؟ وقد قال ﷺ: \" من حلف بغير الله فقد أشرك \" ولهذا قال أبو حنيفة وصاحباه ﵃: يكره أن يقول الداعي أسألك بحق فلان أو بحق أنبيائك ورسلك وبحق البيت الحرام والمشعر الحرام ونحو ذلك حتى كرهأبو حنيفة ومحمد ﵄ أن يقول الرجل: اللهم إني أسألك بمعقد العز من عرشك، ولم يكرهه أبو يوسف ﵀ لما بلغه الأثر فيه، وتارة يقول: بجاه فلان عندك، أو يقول: نتوسل إليك بأنبيائك ورسلك وأوليائك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690062,"book_id":1659,"shamela_page_id":1188,"part":null,"page_num":1188,"sequence_num":1188,"body":"ومراده لأن فلاناً عندك ذو وجاهة وشرف ومنزلة فأجب دعاءنا. وهذا أيضاً محذور، فإنه لو كَانَ هذا هو التوسل الذي كَانَ الصحابة يفعلونه في حياة النبي ﷺ لفعلوه بعد موته، وإنما كانوا يتوسلون في حياته بدعائه، يطلبون منه أن يدعو لهم، وهم يؤمِّنون عَلَى دعائه، كما في الاستسقاء وغيره. فلما مات ﷺ قال عُمَر ﵁ لما خرجوا يستسقون: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا. معناه: بدعائه هو ربه وشفاعته وسؤاله، ليس المراد أنا نقسم عليك به، أو نسألك بجاهه عندك، إذ لو كَانَ ذلك مراداً لكان جاه النبي ﷺ أعظم وأعظم من جاه العباس] اهـ.\rالشرح:\rصور التوسل تنحصر في ثلاث صور إما أن يقول الرجل: اللهم إني أسألك بحق نبيك، أو بجاه نبيك مثلاً، أو بجاه فلان من النَّاس عندك.\r\rوإما أن يقول: أسألك باتباعي لنبيك، أو بمحبتي له.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690063,"book_id":1659,"shamela_page_id":1189,"part":null,"page_num":1189,"sequence_num":1189,"body":"وسبق أن قلنا: إن الإِنسَان إذا قَالَ: اللهم بحق نبيك، هكذا مجملة من غير أن يأتي بالفعل \"اعطنا كذا\" \"اغفر لي\" -أو بحق أي مخلوق- يحتمل الأمر وجهين: أن يكون سؤالاً وأن يكون إقساماً، فعلى هذا يكون الجاه \"بحق\" متعلقة بأي شيء لنقدر الفعل \"أسأل\" فكأنه قَالَ: اللهم إني أسالك بحق فلان، وإذا كانت كذلك كَانَ الاحتمال الآخر فكان الجاه متعلقه بفعل هو \"أقسم\" فكأنه يقول: أقسم عليك يا ربي بحق فلان، سواءً كَانَ ذلك النبي ﷺ أو غيره، أما إذا كَانَ الإقسام سؤالاً بالحق كَانَ يقول رجل: اللهم إني أسألك بحق نبيك مُحَمَّد ﷺ أو بحق فلان من النَّاس عندك أن تغفر لي فهذا الوجه من التوسل البدعي إذ لا مناسبة ولا علاقة بين كون هذا الرجل له حق عند الله ﷾، وبين أنك أنت ذلك الأجنبي البعيد تدعو الله أو تسأله بحق فلان عندك، ما العلاقة بينك وبين فلان؟\rفاللهُ تَعَالَى له عباد طائعون وله عباد عاصون، وله أولياء وله أعداء، ويجازي هذا بطاعته وبتقربه ويجازي ذلك بمعصيته.\r\rفما العلاقة أن مقصراً أو عاصياً يقول: يا رب! أسألك بحق فلان -عبدك الذي أطاعك- أن تغفر لي. ما العلاقة بينهما؟ إن هذا الشيء محذور وبدعي؛ لأنه لا يثبت أصلاً لأحد عَلَى الله حق، وإنما كتب الله ﷾ ذلك عَلَى نفسه، وجعله حقاً يجازي به ذلك المحسن، فما علاقة المسيء الذي يريد أن يدعو ربه من خلال حق فلان عنده؟ هذا هو الوجه الأول.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690064,"book_id":1659,"shamela_page_id":1190,"part":null,"page_num":1190,"sequence_num":1190,"body":"وقد استطرد المُصنِّفُ في الكلام السابق وتعرض لحديث: (أسألك بحق ممشاي هذا وبحق السائلين) وقد بينا أن هذا الحديث لا يحتج به ولا يثبت بحال من الأحوال، وعلى تقدير ثبوته فإنه لا وجه فيه للاستشهاد، لأن قوله: (بحق ممشاي وبحق السائلين) يدخل في عمل العبد نفسه، وأنه عمل المشي، وهو من جملة السائلين فهذا لا يدخل ولا يصلح دليلاً لما يستدلون به عَلَى جواز أن يقول الإِنسَان: أسألك بحق فلان؛ لأن كون الإِنسَان من جملة المجاهدين أو الحاجين أو المصلين، ويسأل الله ﵎ بذلك، هذا أقرب إِلَى أن يكون التوسل مباحاً؛ لأنه هو الذي عمل هذه الطاعة فهو يرجع في الحقيقة إِلَى النوع الثالث المباح الذي سوف نبينه إن شاء الله، وهو أن يسأل الله ﷾ بالعمل الصالح، أو باتباع النبي ﷺ ومحبته، وهذا لا خلاف في جوازه، بل هذا هو كل العبادة وهذه حقيقة العبادة، وهي ابتغاء الوسيلة إِلَى الله ﵎.\rثُمَّ ذكر المُصنِّفُ أن هذه الأدعية البدعية توجد في الحروز والهياكل التي يكتبها الجهال والطرُّقية وسبق أن التوسل الموجود فيها هو في الحقيقة من النوع الشركي؛ لأنه توسل بأسماء مجهولة، وهي في الغالب أسماء شياطين من الجن، يتقرب إليهم أصحاب الهياكل والحروز بهذه التوسلات، وغيرها من أنواع التعبدات، في مقابل أن يقدموا لهم أي خدمة، كَانَ يدخلوا في إنسان ثُمَّ يتركوه، أو يعطوه أمراً كخبر عن غائب، المهم أن يخدموه في أي قضية من القضايا التي هي من باب الاستمتاع الذي ذكره الله ﵎.\rالدعاء من أفضل العبادات","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690065,"book_id":1659,"shamela_page_id":1191,"part":null,"page_num":1191,"sequence_num":1191,"body":"ختم المُصْنِّف هذه الفقرة بقوله: [والدعاء من أفضل العبادات، والعبادات مبناها عَلَى السنة والاتباع، لا عَلَى الهوى والابتداع] وحينما يكون دعاء أكثر الْمُسْلِمِينَ الذين وقعوا في هذه البدعة \"اللهم وبجاه نبيك\" أو \"بحق نبيك\" كلما جلس أو قام، وكلما تذكر أن له حاجة، يتحول الأمر إِلَى اعتداء وابتداع، في حين أن الأدعية المشروعة المأثورة في القُرْآن والسنة كثيرة جداً، ومع ذلك فالدعاء المباح بابه واسع.\r\rوكون الدعاء من أفضل العبادات يدل له أن النبي ﷺ قَالَ: (الدعاء هو العبادة) فحقيقة العبادة بجميع أنواعها هي التقرب إِلَى الله لنيل رضاه واجتناب سخطه هذه هي: التي من أجلها يسعى الساعون جميعاً، من الأَنْبِيَاء والملائكة إلى أدنى عباد الله، هذا هو غايتهم، إذاً فالدعاء هو العبادة، والعبادة هي الدعاء في حقيقتها.\rوالله ﵎ هو الذي شرع لنا الدين، وأمرنا بعبادته، وجعل لنا هذا الطريق المشروع الواضح إليه، وأرسل رسله ليبينوه، فهل يضيِّقون علينا طريق دعائه، وطريق الوسيلة إليه، فلا يكون إلا عن طريق التوسل بالذوات المخلوقة، قلنا: هذا لا يمكن. وقد ذكر الشيخ مُحَمَّد الأمين الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان هَؤُلاءِ الجُّهال عند تفسير قوله تَعَالَى من سورة المائدة: أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ [المائدة:٣٥] قَالَ: وليست الوسيلة ما يزعمه جهال الملاحدة من الصوفية وأمثالهم أنها الواسطة، وبين أن من الوسيلة هي: العمل الصالح فقوله: وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ أي: تقربوا إليه وتوسلوا إليه ﷾ بما شرع.\r\rوكما بين المصنف: أن العبادات مبناها عَلَى السنة والاتباع فنتقرب إليه ﷾ ونتوسل إليه بالاتباع بما شرع، لا بالأهواء والبدع.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690066,"book_id":1659,"shamela_page_id":1192,"part":null,"page_num":1192,"sequence_num":1192,"body":"ثم انتقل المصنف ﵀ إلى الاحتمال الثاني: وهو أن يقول الرجل: اللهم بحق فلان أعطني كذا، أو اللهم بحق نبيك محمد ﷺ اغفر لي ذنبي أو اشفِ مريضي أو ما أشبه ذلك، فإذا قالها هذا الرجل، وهو يقصد الإقسام على الله بحق النبي ﷺ، أو بحق أي مخلوق يظن أنه من الأولياء لله المقربين عنده ﷾.\rيقول المصنف: [وإن كان مراده الإقسام على الله بحق فلان فذلك محذور أيضاً؛ لأن الإقسام بالمخلوق لا يجوز فكيف على الخالق؟] أي أن مجرد أن يقسم إنسان بأي شيء مخلوق لا يجوز، بل هو شرك قد يكون أكبر وقد يكون أصغر، فكيف إذا كان الإقسام على الله؟!\r\rفإنه يتضاعف الإثم والكبيرة، ومن ذا الذي يقسم على الله ويتألى عليه بحقه أو بحق أحد من خلقه، هذا فيه زيادة اعتداء فهو يجمع بين أنه إقسام وحلف بغير الله، وبين ما فيه من الاعتداء، وهو أنه على الله ﷾ لا على أحد من خلقه،\rيقول: [وقد قال ﷺ: (من حلف بغير الله فقد أشرك) ] أو فقد: (فقد كفر) على روايتين، وبيِّنا أن الحالف بغير الله ﵎ إن كان معتقداً تعظيم المحلوف به ومساواته بالله تعالى، وأنه يقسم به لأنه في منزلة من التعظيم، كما لو أقسم بالله فهذا يكون من الشرك الأكبر، لأن هذا هو العدل والتسوية والندِّية التي ذكرها الله ﷾ في قوله تعالى: مِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً [البقرة:١٦٥] ، وفي الآية الأخرى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الأنعام:١] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690067,"book_id":1659,"shamela_page_id":1193,"part":null,"page_num":1193,"sequence_num":1193,"body":"وفي الآية الثالثة إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِين [الشعراء:٩٨] فالمصيبة التي وقع فيها المسلمون في هذا الباب: أنهم أصبحوا يحلفون بالولي أو بالشيخ، مع اعتقاد أن له التصرف في الكون، وأنه يضر أو ينفع؛ بل يعتقدون أنه يحيي ويمت -عياذاً بالله- ويوردون ذلك في أخبارهم عندما يتحدثون عن كرامات الشيخ وعن أحواله، أنه أحيا، وأنه أمات، وأنه اطلع على اللوح المحفوظ، وأنه تصرف في الكون إلى آخر ذلك، فلو حلف أحد بالشيخ على هذا الاعتقاد فيكون هذا النوع من الشرك الأكبر، أما الشرك الأصغر فهو شرك الألفاظ، وندِّية الألفاظ كـ (الرجل الذي جاء إلى النبي ﷺ فقال: ما شاء الله وشئت فقال رسول الله ﷺ: أجعلتني لله نداً؟) ، هذا لم يجعله لله نداً في الخلق والرزق والإحياء والإماتة وتدبير الأمر ولا شيء من ذلك، وإنما قرنه في اللفظ بواو العطف فقال له النبي ﷺ: (أجعلتني لله نداً؟ قل: ما شاء الله، ثم شئت) و\"ثم\" للتراخي تفيد أن المعطوف غير الغاية المعطوفة عليه ومتراخية عنه، لكن الواو للمصاحبة والمساواة فجعله النبي ﷺ نوعاً من الندِّية فقال: (أجعلتني لله نداً) لكن النوع الذي في الآيةوَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ [البقرة:١٦٥] من أنواع الشرك الأكبر؛ لأن المحبة والتعظيم والإجلال تدخل في باب الشرك الأكبر لأنها إما أن تصرف لله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690068,"book_id":1659,"shamela_page_id":1194,"part":null,"page_num":1194,"sequence_num":1194,"body":"وإما أن تصرف لغير الله، فتكون شركاً أكبر، وهذا مناقض للتوحيد، الذي من أجله كان الجهاد بالقرآن وبالدعوة، ثم الحرب بالسيف، وهذا يدل على أن التوحيد شأنه أعظم مما يظن هؤلاء، ومن لم يكن الله ﵎ في قلبه بالمنزلة اللائقة بجلاله ﷾، وبربوبيته للعالمين جميعاً، فإنه لا يستحق أن يكون من أهل الإيمان، لأنه قد ارتكب الشرك المخرج من الملة عافانا الله وإياكم من دقيقه وجليله.\rبعد ذلك انتقل المصنف إلى بيان المذهب، والمصنف -رحمه الله تعالى- حنفي المذهب وهو أيضاً ثقة عندما ينقل عن المذهب؛ لأنه من علمائه المتمكنين منه، فهو يكتب في بعض الأبواب ثم يعرج على المذهب ليبين ما وقع فيه أصحابه، لأن أتباع أبي حنيفة ﵀ هم أكثر أتباع المذاهب الأربعة عدداً، في نفس الوقت يقع فيهم من الشرك ومن الأخطاء الشيء الكثير لا سيما معظمهم من العجم، وطريقة المصنف أن يأتي بمذهب السلف من آيات وأحاديث ليوضح مذهب السلف الحق، ثم يأتي بالمذهب الفقهي أبي حنيفة ﵀ هم أكثر أتباع المذاهب الأربعة عدداً، في نفس الوقت يقع فيهم من الشرك ومن الأخطاء الشيء الكثير لا سيما ومعظمهم من العجم.\r\rوطريقة المصنف أن يأتي بمذهب السلف من آيات وأحاديث ليوضح مذهب السلف الحق، ثم يأتي بالمذهب الفقهي لأبي حنيفة ﵀ ولصاحبيه، ليبين أن هذا مثل هذا، وأنه لا منافاة بينهما لأن الأئمة الأربعة -رضي الله تعالى عنهم أجمعين- على عقيدة ومنهج السلف الصالح، فلم يكن في الأئمة الأربعة من هو مبتدع في أي باب من أبواب العقيدة والإيمان، إلا ما نقل عن أبي حنيفة في مسألة الإرجاء، وقد نقل الرجوع عنه، وهو أخف أنواع الإرجاء؛ لكن الإمام أبا حنيفة رحمة الله في الصفات من أشد الأئمة في هذا الباب حتى أنه قال: من قال: لا أدري أربي في السماء أو في الأرض فقد كفر؛ لأن الله ﵎ قال: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:٥] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690069,"book_id":1659,"shamela_page_id":1195,"part":null,"page_num":1195,"sequence_num":1195,"body":"فالمؤسف أن الأمة الإسلامية لما انحرفت وضلت عبر القرون، أصبح الإنسان ينتمي إلى أي مذهب من المذاهب في الفقه فقط، وينتمي إلى أي مذهب كلامي في العقيدة، فيكون مثلاً معتزلياً في العقيدة حنفياً في الفقه، صوفياً في الطريقة؛ والمصنف هنا يأتي بكلام الإمام أبي حنيفة وصاحبيه -رضي الله تعالى عنهم- ليبين أنهم على منهجالسلف، وأن من انتسب إليهم في الفقه يجب عليه أن يكون على مذهبهم في العقيدة، والطريقة من باب أولى؛ لأن ما أحدث من الطرق الصوفية هو أكثر وأوغل في البدعة، حتى جعلوا الفقه -مع أنه يقبل الاجتهاد مع المرونة التي فيه- لا يتعلق بالتعبد، فالأئمة الأربعة وكل علماء الإسلام لم يكن لهم في التعبد إلا منهج واحد فقط، فالعبادة أوضح شيء في حياة المسلم لأنها عمل يومي، وقد كان النبي ﷺ والصحابة يعملونه يومياً ولذلك طبقته الأمة ونقلته بالتواتر حتى جاء هؤلاء الصوفية فغيروا طريقة التعبد في الصلوات وتلاوة القرآن وقراءة الأذكار النبوية، فكتبوا الأوراد وجعلوها كتباً عقيمة سقيمة، تحفظ غيباً ولا يفهمها أحد ولا يفقه معناها، وأرغموا بها الناس وجعلوها ورداً للطريقة تتبع ويتقرب بها إلى الله في اليوم آلاف المرات.\r\rفهؤلاء الانتساب إليهم لا أصل له بإطلاق؛ لأن الانتساب في الفقه أصله أن رجلاً رأى إماماً من أئمة الفقه والعلم فانتسب إليه، لكن هذا ينتسب إلى أي شيء عندما يقول: أنا طريقتي شاذلي، أو قادري، أو رفاعي، ماذا عمل الشاذلي، أو الرفاعي، إن كانت عبادات وأذكار مشروعة يعملها المسلمون، فنحن والحمد لله نأخذ هذه العبادات من مصادرها الصحيحة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، ولماذا نفرق أنفسنا فنجعل هذا قادري وهذا شاذلي وهذا رفاعي؟\rمن الذي شرع هذا الاسم بالذات؟ وشرع لي هذا الانتماء، وهذا الانتساب بالذات؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690070,"book_id":1659,"shamela_page_id":1196,"part":null,"page_num":1196,"sequence_num":1196,"body":"وإذا لقيت الله ﷾ يوم القيامة فقلت له: يا رب أنا عبدتك على الطريقة الشاذلية، فإن قبلها الله ﷿ وقال: نعم هذا هو المقبول، إذاً لن يقبل لا رفاعياً ولا نقشبندياً ولا ... ولا ... آلاف من الطرق، وإن قلت: يقبل الجميع، فعلام التفرقة؟\rلكنهم يقولون: كلها طرق تؤدي إلى الله، سبحان الله! وهل قال الله ﷿: \"وأن هذه طرقاً تؤدي إلي\" أو قال: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ [الأنعام:١٥٣] فالصراط واحد، والرسول واحدٌ أرسله الله إلينا، فكيفما تعبد رسول الله ﷺ نتعبد، وكيفما ذكر الله نذكر، وما ورد به الأمر سعة فنحن في السعة من الأذكار والحمد لله.\r\rويرد المصنف على هؤلاء بأن الإمام أبا حنيفة وصاحبه ﵁ قالوا: يكره أن يقول الداعي: أسألك بحق فلان، أو بحق أنبيائك ورسولك، أو بحق البيت الحرام والمشعر الحرام ونحو ذلك وهذا هو المنقول عنهم، وكرهوه لأنه بدعة، والكراهية في كلام العلماء المتقدمين لا تعني بالضرورة ما اصطلح عليه الفقهاء، فكلمة: كره عند السلف كانوا يطلقونها على \"الأمر الحرام\" يقول أحدهم: أكره كذا، وكانوا يفعلون ذلك -رضي الله تعالى عنهم- أي التعبير بالكراهة، لأن أحدهم كان يستصعب أن يقول: هذا حرام وإن كان يعلم أنه حرام، ويعلم الناس أنه لو قال: أكرهه فإنه حرام، حتى لا يتجرأ على الله، أو يقول أحدهم: كانوا يكرهون كذا فيحيل إلى من قبله من العلماء من الصحابة والتابعين، ويفتي في ذلك ليعلم السامعون أن هذا الأمر لا يجوز، أو أنه بدعة، لكن فيما بعد أصبح من الجهال ممن يقولون على الله بغير علم من يقول: هذا حلال وهذا حرام بدون تفصيل، وبلا دليل وقد قال الله تعالى: وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِب [النحل:١١٦] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690071,"book_id":1659,"shamela_page_id":1197,"part":null,"page_num":1197,"sequence_num":1197,"body":"ولا يجوز للإنسان أن يتكلم إلا بعلم وببينة في هذا الأمر وفيما عداه، فكرهوا أن يقول: بحق فلان، أو بحق أنبيائك ورسلك، أو بحق البيت الحرام، أو المشعر الحرام وغير ذلك، لأن كل ذلك لم يرد لا في الكتاب ولا في السنة، ولا على ألسنة الصحابة الكرام، بل الذي ورد إنما هو عن العرب في الجاهلية، فكانوا يقسمون بغير الله، ويسألون بغير الله، ومن جملتها السؤال بالحق، والإقسام بالحق، فيأتي الإسلام فيحرم ويمنع منعاً باتاً الإقسام أو الحلف بغير الله ﷾، ولم يرد في الكتاب ولا في السنة الإقسام بحق أي أحد من الخلق، وهذا مما يدل على أن الأمر فعلاً بدعة الجاهلية، فهذا طرفة بن العبد صاحب المعلقة المشهورة يقول:\rولولا ثلاث هن من عيشة الفتى وجدن لم أحفل متى قام غودي\rلولا ثلاث حاجات منها:\r\rسقي العاذلات بشربة كؤوس متى ما تغلى بالماء تزبد\rأول شيء شرب الخمر، هذه الشربة الحمراء الأرجوانية التي إذا غليت بالماء يكون لها زبد، وهؤلاء الشعراء هم أفضل ما كانت القبائل في الجاهلية تعتد بهم، فلولا الخمر والزنى والسلب والنهب لما بالى طرفة متى يموت.\r\rفالمقصود أن الحلف بالحق كان معروفاً عند العرب في الجاهلية، فلما كان الحلف بغير الله لا يجوز بأي حال من الأحوال، كان هذا الحلف بالحق لا يجوز كالحلف بالأمور المعظمة عند المسلمين، كأن يحلف الرجل بالكعبة أو بالنبي ﷺ، أو بحق الكعبة أو بحق النبي ﷺ أو بحق الأنبياء أو بحق الرسل أو بحق المشعر الحرام أو ما أشبه ذلك، لأنه لم يرد عن السلف، مع أن هذه مما عظمها الله ﷾، كما قال تعالى: وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج:٣٢] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690072,"book_id":1659,"shamela_page_id":1198,"part":null,"page_num":1198,"sequence_num":1198,"body":"لكن لا يجوز أن نقسم ولا أن نحلف بغير الله ﵎، فمن حلف بذلك أو سأل الله بذلك فلا يجوز له، لأن سؤاله هذا إن كان سؤالاً فلا يجوز، وإن كان إقساماً فهو أيضاً لا يجوز، فعلى كلا الحالين لم يرد، ولهذا كرهه العلماء رضي الله تعالى عنهم ونهوا عنه، ومنهم أبو حنيفة وأصحابه، وكل العلماء الذين يعتد بقولهم في هذا الشأن لم يقل أحد منهم أن ذلك جائزاً، ولكن وُجِدَت روايات في كتب تروي الضعاف والمنكرات ولم يصح منها شيء.\rأبو حنيفة وكراهيته للإقسام بشيء مخلوق\rيقول المصنف: حتى كره أبو حنيفة ومحمد ﵄ أن يقول الرجل: اللهم إني أسألك بمعقد العز من عرشك] .\rالإمام أبو حنيفة معروف، وصاحباه هما مُحَمَّد بن الحسن الشيباني، وأبو يوسف القاضي، وقول المُصْنِّف أن: أبا حنيفة ومحمد كرها أن يقول الرجل: اللهم إني أسألك بمعقد العز من عرشك، أما أبو يوسف فلم يكرهه لأنه بلغه الأثر فيه، وهما كرهاه لأنه لا يوجد فيه أثر، وتبقى مسألة هل صح هذا الأثر أم لا؟ الذي توصلت إليه أن هذا الأثر لا يصح.\r\rفلا يجوز أن يسأل الله ﷾ بمعقد العز من عرشه؛ لكن نقول: هذا لم يثبت إِلَى حد الآن بحسب علمنا أنه ورد عن النبي ﷺ، يقول الشيخناصر: [قلت: هو حديث مرفوع موضوع كما بينه الزيلعي في نصب الراية (٤/ ٢٠٣) ] يعني: كونه مرفوعاً إِلَى النبي ﷺ هذا موضو كما قال الشيخ ناصر، وتبقى أيضاً مسألة هل هو موقوف عَلَى أحد من الصحابة أو من كلام أحد التابعين أو من أمثالهم؟ وهذا لم يثبت، لكن لو ثبت عن صحابي أو عن تابعي فإن الحجة هي فيما يثبت عن الرَّسُول ﷺ وحده، وما صح فنحن تبع له كما فعل هَؤُلاءِ الأئمة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُم أجمعين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690073,"book_id":1659,"shamela_page_id":1199,"part":null,"page_num":1199,"sequence_num":1199,"body":"يقول المصنف: [وتارةً يقول: بجاه فلان عندك، أو يقول: نتوسل إليك بأنبيائك ورسلك وأوليائك، ومراده لأن فلاناً عندك ذو وجاهة وشرف ومنزلة] فأقول: أسألك بجاهه عندك أن تغفر لي وترزقني وتحفظني إِلَى آخر ما يدعو به النَّاس كثيراً في هذه الأيام، يقول: [وهذا أيضاً محذور فإنه لو كَانَ هذا هو التوسل الذي كَانَ الصحابة يفعلونه في حياة النبي ﷺ لفعلوه بعد موته] فكيف يموت هذا الجاه أو المنزلة عند الله ﷿؟!!\rفإذاً كَانَ المقصودُ مِنَ النبي ﷺ ليس هو ذاته الشريفة، فكيف يصح هذا وقد كَانَ الصحابة الكرام يتبركون بشيء من ذاته، فلما مات انقطع التبرك، وجاه الرَّسُول ﷺ عند ربه هل ينقطع بموته؟ هل ينتهي بانتهاء وجوده في هذه الحياة الدنيا والتحاقه بالرفيق الأعلى؟\r\rوالجواب: أن جاهه لا ينتهي فهو موجود، إذاً فما المحذور؟ المحذور أن ندعو الله بجاهه، إذ لو أن المسألة تعود إِلَى مجردِ أن له جاهاً عِندَ اللهِ لما ترك الصحابة التوسل به. نعم له جاه ﷺ ومَن مِنْ الخلق أعظم جاهاً عندَ اللهِ مِنْ مُحَمَّدٍ ﷺ وهو سيد ولد آدم الأولين منهم والآخرين، وهو أفضل الرسل أجمعين، وهو خيرة الله ومصطفاه من هَؤُلاءِ الخلائق أجمعين، وهل أحد أكثر جاهاً عند رَبّ الْعَالَمِينَ من عبده ورسوله الأمين مُحَمَّد ﷺ؟! لا يوجد أبداً من هو أكثر جاهاً ومنزلة وشرفاً من رَسُول الله ﷺ، وهل يوجد في الأمة من هو أكثر عبادةً وأكثر حرصاً عَلَى التوسل والتقرب إِلَى الله ﷿، وأكثر معرفة بقدر النبي ﷺ وجاهه من صحابته الكرام؟ لا يمكن أبداً، ولكن بماذا دعا الصحابة؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690074,"book_id":1659,"shamela_page_id":1200,"part":null,"page_num":1200,"sequence_num":1200,"body":"توسل الصحابة بجاه النبي ﷺ في حياته\rيقول المصنف: [فإنه لو كَانَ هذا التوسل، هو الذي كَانَ الصحابة يفعلونه في حياة النبي ﷺ لفعلوه بعد موته، وإنما كانوا يتوسلون في حياته بدعائه يطلبون منه أن يدعو لهم وهم يؤمِّنون عَلَى دعائه، كما في الاستسقاء وغيره، فلما مات ﷺ قال عُمَرُ -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- لما خرجوا يستسقون: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا ﷺ فسقينا، وإنا نتوسل بعم نبينا]- يعني: العباس.\r\rثُمَّ أمر العباس بالدعاء فدعا العباس، ودعا الصحابة -رضوان الله تَعَالَى عليهم- والصحابة الكرام هم أفضل النَّاس في العبادة وأحرصهم عَلَى التوسل الصحيح المشروع، وأرجاهم لله، وأحرصهم عَلَى قبول العمل عند الله ﷾، وأعظمهم معرفةً بحق رَسُول الله ﷺ ومنزلته.\r\rفقد كانوا في حياته ﷺ يستسقون ويتوسلون بدعائه، فهذا رجل دخل والنبي ﷺ عَلَى المنبر فقَالَ: يا رَسُول الله هلكت العيال وانقطعت السبل، وكذا وكذا، فادعو الله لنا، فدعا النبي ﷺ ربه فجاء الغيث العميم، والحديث مخرج في الصحيحين.\r\rكذلك الأعمى الذي جَاءَ إِلَى النبيِ ﷺ وشكا إليه أنه لا بصر، فخيره النبي ﷺ بين أن يصبر أو يدعو له، فاختار الدعاء، فدعا له النبي ﷺ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690075,"book_id":1659,"shamela_page_id":1201,"part":null,"page_num":1201,"sequence_num":1201,"body":"وهكذا نَجِدُ أنَّ الصحابة الكرام في حياة النبي ﷺ كانوا يتوسلون إِلَى الله بدعائه، وقد يرده ﷺ، فلما جاءوا إليه وهو متوسداً في ظل الكعبة قالوا: يا رَسُول الله ﷺ ادعُ اللهَ لنا، إن البلاء قد اشتد علينا من قريش، فلم يستجب لهم؛ بل قام ﷺ وهو محمر وجهه من الغضب، المقصود من هذا كله أنهم كانوا يأتون إِلَى رَسُول الله ويقولون: ادع الله لنا في كذا، أو يخرجون يدعون وهو يدعو معهم، أو يدعو وهم يؤمنون، فهذا هو التوسل المقصود به في حياته ﷺ.\r\rوما ورد فيه من أحاديث كثيرة فهذه صورته وهذه حقيقته، فعندما توفي رَسُولُ اللهِ ﷺ وجَاءَ الجدب في عهد عُمَر خرجوا يستسقون ويدعون الله، فلو كَانَ التوسل بالرَّسُول ﷺ جائزاً فلماذا لم يقولوا: اللهم إنا نسألك بجاه نبيك ﷺ أن ترحمنا وأن تسقنا وأن تغيثنا؟ ما المانع من ذلك؟!\r\rوهَؤُلاءِ هم الصحابة كلهم وعلى رأسهم أمير المؤمنين عُمَر، الذي تعلمون عِلمَهُ وفقهه ودرجته في الدين يقول: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا مُحَمَّد ﷺ، والآن لأنه ﷺ قد مات نتوسل إليك بعم نبينا، إذاً المسالة بعد وفاته ﷺ تختلف اختلافاً كلياً عنها في حياته.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690076,"book_id":1659,"shamela_page_id":1202,"part":null,"page_num":1202,"sequence_num":1202,"body":"وقوله: [وإنما كانوا يتوسلون في حياته بدعائه، يطلبون منه أن يدعو لهم وهم يؤمِّنون عَلَى دعائه كما في الاستسقاء وغيره] ، ثُمَّ ذكر ماذا صنع الصحابة الكرام بعد وفاة النبي ﷺ، مع أنهم أكثر الأمة إيماناً، وحرصاً عَلَى الخير، وأعظمهم تقرباً وحباً لرَسُول ﷺ، ومعرفة لمنزلته وجاهه عند ربه، حتى توفي ولحق بالرفيق الأعلى.\rوإن توسل الصحابة بجاهه كما يزعم هَؤُلاءِ النَّاس فهم القدوة، ولا محظور في ذلك، وما نَحْنُ إلا أتباع وإن كانوا انصرفوا وعمدوا إِلَى أمر غير ذلك مع معرفتهم به، فنذهب إِلَى ما ذهبوا إليه، إلا أن يتهمهم متهم بأنهم جهلة ولاسيما أنهم جميعاً خرجوا للاستسقاء واحتاجوا إِلَى ذلك، ولم يتوسلوا بجاه النبي. فهل جهلوا أو نسوا كلهم أن الرَّسُول ﷺ له جاهه عند الله لا يموت ولا يفني بموته ﷺ وانتقاله إِلَى ربه، وأنه كَانَ يجب عليهم أن يتوسلوا بهذا الجاه، فإن قال ذلك قائل، فيا لها من تهمة، وإن لم يقلها فالحق واضح، فالذي وقفنا عليه هو: أن النبي ﷺ لما مات انقطع توسل الصحابة الكرام بدعائه ﷺ.\r\rتوسل عمر بدعاء العباس دليل واضح على عدم جواز التوسل بالنبي ﷺ بعد موته\rعندما وقع الجدب في زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، خرج الصحابة يستسقون، وكان معهم العباس بن عبد المطلب عم النبي ﷺ، فَقَالَ أمير المؤمنين في دعائه، اللهم إنِّا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، أي: كنا في حياته ﷺ نتوسل إليك يارب بدعائه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690077,"book_id":1659,"shamela_page_id":1203,"part":null,"page_num":1203,"sequence_num":1203,"body":"فهو يدعو ﷺ، أو هم يطلبون منه الدعاء، وعلى أي حال: فطلب الدعاء من الْمُسْلِمِينَ بعضهم لبعض لا محذور فيه إن لم يتجاوز به قدره، ويعتقد في إنسان بذاته، ولم يتكل عَلَى دعاء غيره له، لكنك لو دعوت لي وأنا دعوت لك، فهذا لا حرج فيه لأنه من التعاون عَلَى البر والتقوى، وفي الحديث الصحيح (ما من عبد يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا وكل به ملك يقول: آمين، ولك مثل ذلك) .\r\rفينبغي لنا أن نغتنم هذه الفرصة، وأن يدعو بعض الْمُسْلِمِينَ لبعض، وكان الْمُسْلِمُونَ ولا يزالون أهل الخير والتقى والصلاح يفعلون ذلك، لكن المحظور أن يستغني الإِنسَان عن التضرع إِلَى الله، والانكسار بين يديه، بالذهاب إِلَى أخ صالح أو فاضل يدعو له وهذا لا ينبغي؛ لأن الدعاء هو العبادة، فعلى الإِنسَان أن يتضرع إِلَى الله، ويبذل السبب، ولا بأس أن يستعين بدعاء أخيه له.\r\rهل كل دعوات النبي ﷺ مستجابة؟\rالحالة الأولى: لمَّا اشتد أذى قريش عَلَى المؤمنين في مكة، ذهب الصحابة إِلَى النبي ﷺ وهو متوسد في ظل الكعبة نائم، وشكوا إليه ما يلاقون وَقَالُوا: ادعوا الله لنا عَلَى قريش، فلم يستجيب الرَّسُولُ ﷺ، بل قام غاضباً محمرَّاً وجهه وبين لهم أنهم يستعجلون، كما في حديث خباب في البُخَارِيّ، وأنهم لو تدبروا ما لاقى الأنبياء، وما يلاقي دعاة الخير من الأذى لما استعجلوا؛ ثُمَّ بشرهم بأن الله سيتم هذا الأمر حتى يسير الراكب ما بين حضرموت وصنعاء لا يخاف إلا الله والذئب عَلَى غنمه، وهذا الحديث صحيح له عدة روايات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690078,"book_id":1659,"shamela_page_id":1204,"part":null,"page_num":1204,"sequence_num":1204,"body":"الحالة الثانية: طلبوا منه أن يدعو لهم، فدعا واستجيب له، وهذا مثل ما حصل في الاستسقاء (أجدبت المدينة واشتد القحط والمحل في زمنه ﷺ، وكان عَلَى المنبر يخطب الجمعة، فدخل رجل من الأعراب وقَالَ: يا رَسُول الله، هلكت العيال، وانقطعت السبل) الحديث متفق عليه، وكحديث الأعمى وغيره مما هو موجود في كتب السنة الثابتة.\rالحالة الثالثة: أن يدعو النبي ﷺ، فلا يستجاب له وهذا واقع في السيرة، فمن ذلك: لما صلّى ﷺ ركعتين، صلاة رغبة ورهبة أطال فيها، وسأل ربه ﷿ ثلاثاً فأعطاه اثنتين ومنعه الثالثة، بمقتضى ما أنزل الله ﵎ في سورة الأنعام: قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْض [الأنعام:٦٥] الآية.\rوأيضاً قنت النبي ﷺ يدعو عَلَى زعماء قريش.\r\rوكذلك قنت شهراً يدعو عَلَى رعل وذكوان وعصية ولم يستجب له؛ بل أنزل الله تعالى: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ [آل عمران:١٢٨] . فكان أن تاب وأسلم من تلك القبائل خلق كثير، وكذلك من زعماء قريش، فلا بد أن نعلم أن لمقام الألوهية قدر عظيم جداً، والله هو الذي يفعل ما يشاء فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [هود:١٠٧] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690079,"book_id":1659,"shamela_page_id":1205,"part":null,"page_num":1205,"sequence_num":1205,"body":"فمشيئته ﷾ لا يحدها ولا يقيدها أحد، تنفذ كما يشاء وكما يريد، لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، ومقام الرسالة عظيم، ولهذا كَانَ الصحابة الكرام يطلبون من النبي ﷺ أن يدعو الله لهم، لمعرفتهم بقدره ﷺ ومقامه عند ربه، ولا يتوسلوا في حياته لا بالعباس ولا بغيره، فلما توفي ﷺ ولحق بالرفيق الأعلى، كان الصحابة يعرفون حقيقة التوحيد، فقالوا كما قال عُمَر ﵁ في حياته: \"اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبيك فتسقينا وإنا نتوسل إ ليك بعم نبينا ﷺ فاسقنا\" مع أن العباس لم يكن أفضل الأمة بعد الرَّسُول ﷺ بل كَانَ عُمَر ﵁ وبقية العشرة، وأهل بدر وأهل الشجرة أفضل، ولكن العباس رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ أفضليته هنا من جهة قرابته، ولذلك قال عُمَر: \"بعم نبينا\" ولو أن الأفضلية للعباس في ذاته لقالوا: نتوسل إليك بالعباس، فهو رجل صالح فاضل، وهو قريب رَسُولِ اللهِ ﷺ وكبير القرابة، وإن كَانَ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِب ابن عمه؛ لكن العباس أكبر، وهو بمنزلة الوالد، والعم أولى وأقرب من ابن العم، ولم يكن العباس ﵁ رغم تأخر إسلامه يوماً ما يتمنى الهزيمة للمسلمين، أو الخذلان لمُحَمَّدٍ ﷺ.\r\rوقد قال بعض العلماء: إنه كَانَ يكتم إيمانه، وكان عيناً للنبي ﷺ، ويرسل إليه بكل ما يقع، ويحاول أن يطلعه عَلَى كل ما تديره قريش، وكان يحضر معهم عَلَى أنه من كبار قريش، الذين يعملون ضد الدعوة، لكن شيمة الوفاء والقرابة والغيرة والحمية لرَسُولِ ﷺ كانت لديه كما كانت لدى أبي طالب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690080,"book_id":1659,"shamela_page_id":1206,"part":null,"page_num":1206,"sequence_num":1206,"body":"فالقرابة هي السبب في التوسل، ولايعني ذلك أن التوسل محصور في قرابة رَسُول الله ﷺ، وعُمَر رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ إنما اجتهد ورأى أن فعله هذا قرينة يستجاب له مع وجودها، وليس شرطاً أننا لا نتوسل إلا بقريب لرَسُول الله ﷺ.\r\rوكذلك ما فعله معاوية رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ وقد وصفه ابن عباس بأنه فقيه، فأعطى أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان هذه الشهادة وهي وثيقة عظيمة بقوله: \"إنه فقيه\"، فمن فقه معاوية ﵁ أنه لما أجدب أهل دمشق فاحتاجوا إِلَى استسقاء، خرجوا وكان معهم جملة من خيار الأمة في الشام، وكان أحد التابعين الفضلاء الصالحين الأولياء يُقال له: الأسود بن يزيد الجرشي فقال معاوية كمقولة عُمَر في العباس \"اللهم إنا نتوسل إليك بالأسود بن يزيد يا أسود ارفع يديك وادع واسأل الله فدعا ودعوا، فمطروا بإذن الله تعالى\".\r\rفهذا فقه الصحابة الكرام، كانوا يعلمون حقيقة التوسل بعبدٍ من عباد الله الصالحين، نخرج به إِلَى الاستسقاء يدعو ونؤمن عَلَى دعائه، فإن كَانَ قريباً للنبي ﷺ فحسن، وإن لم يكن فلا بأس، وليس في ذلك تحديد ﵃ وأرضاهم.\rوقول عُمَر رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: \"اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبيك\" أي: بذات نبيك، \"بدعائه وسؤاله\" وليس بجاهه، أو أن نقسم عليك به، فالاحتمالين كلاهما غير وارد في الباء.\r\rيقول: [إذ لو كَانَ ذلك مراداً، لكان جاه النبي ﷺ أعظم وأعظم من جاهالعباس] وجاه النبي ﷺ لا ينقطع بالموت، لكن لأن الأموات لا يدعون، ولا يطلب منهم أن يدعو ولو كَانَ ذلك رَسُول الله ﷺ، أما إن كَانَ من الأحياء، فنطلب منه أن يدعو الله تَعَالَى وهذا كل ما في الأمر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690081,"book_id":1659,"shamela_page_id":1207,"part":null,"page_num":1207,"sequence_num":1207,"body":"ذكر حديث الأعمى والتعليق عليه\rأما حديث الأعمى الذي يشيعه أهل البدع ويحتجون به فقد رواه التِّرْمِذِيّ والنَّسَائِيُّ والبيهقي، وغيرهم، وقضيته أن رجلاً أعمى جَاءَ إِلَى النبي ﷺ فقَالَ: يا رَسُول الله ادع الله أن يرد علي بصري، فَقَالَ له النبي ﷺ: (إن شئت صبرت وإن شئت دعوت لك) .\rفالنبي ﷺ لم يجعل الأمر مجرد دعاء، وإنما خيره بين الصبر والدعاء، -والصبر أعظم- كما في الحديث الآخر (ما من عبد صالح أخذت منه حبيبتيه -أي عينيه- فصبر إلا عوضته عنهما الجنة) فالذي يصبر عَلَى اللأواء والنصب يخفف الله تَعَالَى عنه، فلا نكره المرض والمصائب، وإن كنا نكرهها بحكم الجبلة والطبيعة الإِنسَانية، لكن إذا وقعت فنقول: قدر الله وما شاء فعل، ونقول: إن لله ما أخذ وله ما أعطى، ولعل في هذا خير فقد يكفر عنا من الذنوب والخطايا.\r\rلكن الأعمى لم يأخذ بذلك الصبر، لأنه لو كَانَ عنده صبر لما جَاءَ إِلَى النبي ﷺ، وقال له: يا رَسُولَ اللهِ! بل ادع لي، فقَالَ: قم فتوضأ وصل ركعتين، وادعوا الله فذهب الرجل فتوضأ وصلى، ثُمَّ أخذ يدعو: اللهم يا رب رد علي بصري، أو \"يا مُحَمَّد يا نبي الرحمة، إني أتوجه إِلَى الله بك\"، أو \"اللهم شفعه فيَّ، ورد علي بصري\" عَلَى ألفاظ مختلفة في الروايات.\r\rوهذا الحديث صحيح وإن كَانَ التِّرْمِذِيّ قد شكك في أحد الرواة عَلَى أنه مجهول العين إلا أنه قد عُلم هذا المجهول من روايات أخرى، وقد صححه شَيْخُ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ ﵀، وغيره من الحفاظ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690082,"book_id":1659,"shamela_page_id":1208,"part":null,"page_num":1208,"sequence_num":1208,"body":"وفيه دلالة عظيمة لمذهب أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ في التوسل ورد جلي عَلَى أهل البدع والضلال، لأن النبي ﷺ كَانَ حياً يقول: إن شئت دعوت لك، وأيضاً لم يكتفِ ﷺ بأن دعا له بل قَالَ: توضأ وصل وادعو، فيكون ذلك أرجى لقبوله دعائه، فالاستجابة بعد وضوئه وصلاته ركعتين بإخلاص لا سيما في ذلك الوقت، لأن المسألة ليست هينة، بل مسألة عظيمة ترتب عليها أن يعود له بصره.\rفكم كَانَ في المدينة من عميان في ذلك الزمان؟ وكم فيها من ذوي العاهات؟ وهل أحد أحرص عَلَى الخير من أصحاب النبي ﷺ؟ ومع ذلك لم يبلغنا قط عن أحد منهم أنه دعا بهذا الدعاء، أو بمثله أو توسل بالنبي ﷺ أو بجاهه ليشفى من مرضه، فهل القوم جهلة؟ أم غافلون عن هذا الدعاء؟ لا؛ بل علموا أن هذه معجزة للنبي ﷺ، ودليل من دلائل النبوة الدالة عَلَى صدق نبوته ﷺ؛ لأنه تحقق شيء يعجز عنه الأطباء ويعجز عنه كل البشر إلا إذا شاء الله، فعلم الصحابة أن هذه الحادثة خاصة بهذا الأعمى، ولو أن الأمر أمر دعاء لحفظ كل أعمى هذا الدعاء ودعا به، فبقيت هذه القصة دليلاً من أدلة نبوته ﷺ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690083,"book_id":1659,"shamela_page_id":1209,"part":null,"page_num":1209,"sequence_num":1209,"body":"ولهذا يروي هذه القصة أصحاب السيرة عَلَى أنها من دلائل النبوة، لا عَلَى أنها من الأدعية والأذكار الواردة، ومن هنا فرق بين هذا وهذا، وقوله: \"اللهم شفعه في\" نعم، يجوز هذا لمن كَانَ في حياته ﷺ، وقصده دعاء الرَّسُول ﷺ، فلا تزاح الأحاديث الصحيحة التي أثبتت أن الشَّفَاعَةَ للأمةِ جميعاً، فنحن ندعو الله أن يجعلنا من الأمة المرحومة التي يشفع فيها النبي ﷺ، ولا حرج في هذا الدعاء، لأننا لم ندعُ إلا الله، ولم نعتدِ في الدعاء، بل دعوناه بأمر قد أخبرنا أنه حق.\r\rما كَانَ لنبي قط أن يرضى بأدنى جرح في التوحيد، فضلاً عن رَسُول الله ﷺ الذي سد كل ذريعة توصل إِلَى الشرك من الآثار أو المقابر، أو ما يعظمه النَّاس كتعظيم الصور والتماثيل، والصلاة عَلَى المقابر، كل ذلك ورد النهي عنه صريحاً، وأنه وسيلة إِلَى الشرك، وقد نهى النبي ﷺ بنفسه رجلاً أتاه فقَالَ: \"ما شاء الله وشئت\"، فَقَالَ له النبي (أجعلتني لله نداً؟ بل ما شاء الله وحده) .\rوفي الحديث الآخر -وإن كَانَ في سنده كلام- أنهم لما قالوا: قوموا بنا نستغيث بالرَّسُول ﷺ فقَالَ: (إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690084,"book_id":1659,"shamela_page_id":1210,"part":null,"page_num":1210,"sequence_num":1210,"body":"ولما جَاءَ رجل وأخذ يطري فيه قَالَ: (إنما السيد الله) وينكر في مواضع كثيرة من يقرنه بالله تَعَالَى اقتراناً لفظياً فقط، والله تَعَالَى يقول: مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:٧٩-٨٠] .\r\rفالآية تفيد أن الله تَعَالَى يقول: إنه لم يكن وما كَانَ أبداً، ولا ينبغي ولا يصح لنبي من الأَنْبِيَاء أن يقول للناس: كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ لأن الله بعثهم ليخرجوا النَّاس من الشرك إِلَى التوحيد، فهذا الرجل الأعمى إنما كَانَ يخاطب النبي ﷺ -يا محمد- ويكلمه لأنه بين يديه، والآن وبعد تلك القرون يقوم الرجل فيعثر فَيَقُولُ: يا محمد، أو يكتب عَلَى السيارة وعلى جدار المسجد \"يا الله يا محمد\" وإن أنكرت عليه استدل بحديث الأعمى، ولا تقارب بينهما، ولو سأل النَّاس أهلَ الذكر ما وقعوا في أمثال هذه الأغلاط الجسيمة.\rالتوسل الشرعي وبم يكون\rوهو قول المصنف:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690085,"book_id":1659,"shamela_page_id":1211,"part":null,"page_num":1211,"sequence_num":1211,"body":"[وتارة يقول: باتباعي لرسولك ومحبتي له، وإيماني به، وبسائر أنبيائك ورسلك وتصديقي لهم، ونحو ذلك فهذا من أحسن ما يكون من الدعاء والتوسل الاستشفاع، فلفظ التوسل بالشخص والتوجه به فيه إجمال، غلط بسببه من لم يفهم معناه، فإن أريد به التسبب به لكونه داعياً وشافعاً، وهذا في حياته يكون، أو لكون الداعي محباً له، مطيعاً لأمره، مقتدياً به، وذلك أهل للمحبة والطاعة والاقتداء، فيكون التوسل إما بدعاء الوسيلة وشفاعته، وإما بمحبة السائل واتباعه، ويراد به الإقسام به والتوسل بذاته، فهذا الثاني هو الذي كرهوه، ونهوا عنه، وكذلك السؤال بالشيء قد يراد به التسبب به، لكونه سبباً في حصول المطلوب، وقد يراد به الإقسام به.\r\rومن الأول: حديث الثلاثة الذين أووا إِلَى الغار، وهو حديث مشهور في الصحيحين وغيرهما، فإن الصخرة انطبقت عليهم، فتوسلوا إِلَى الله بذكر أعمالهم الصالحة الخالصة، وكل واحد منهم يقول: فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج عنا ما نَحْنُ فيه، فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون، فهَؤُلاءِ دعوا الله بصالح الأعمال، لأن الأعمال الصالحة هي أعظم ما يتوسل به العبد إِلَى الله، ويتوجه به إليه ويسأله به؛ لأنه وعد أن يستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ويزيدهم من فضله] اهـ.\rالشرح:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690086,"book_id":1659,"shamela_page_id":1212,"part":null,"page_num":1212,"sequence_num":1212,"body":"التوسل الشرعي هو: طلب الوسيلة من اللهِ تَعَالَى كما قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ [المائدة:٣٥] الآية. وهي أن يتوسل العبد ويتقرب إِلَى الله تَعَالَى بالأعمال الصالحة، فما كَانَ له علاقة بالنبي ﷺ، فإن التوسل إليه تَعَالَى يكون باتباعه وبمحبته ﷺ وهذا عمل صالح ينجينا، بل نتوسل إليه بغير ذلك مما قد لا تظن أنه عمل في ذاته، وهو: الإقرار والاعتراف بالذنب والانكسار بين يدي الله كما في الحديث الثابت عن النبي ﷺ قوله: (رب إني ظلمت نفسي ظلماً كثيرا فاغفر لي) كأنك تقول: اللهم إني أتوسل إليك بإقراري واعترافي بتقصيري وذنوبي وأخطائي، أن تغفر لي، وأبوء بنعمتك علي، وأبوء بذنبي، فهذا الإقرار هو في ذاته عمل صالح.\r\rفوسيلتنا إليه العمل الصالح وإن دعونا فبذلك العمل، لأن العبادة كلها دعاء، ومن الدعاء: دعاء المسألة، وهي: أن يكون لك حاجة فتدعو ربك، اللهم اعطني كذا، واصرف عني كذا؛ فأنت العبد الفقير الضعيف تدعو الغني الحميد في هذه المسألة.\r\rأمثلة على التوسل\rهناك أمثلة تدل عَلَى هذا النوع من التوسل الشرعي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690087,"book_id":1659,"shamela_page_id":1213,"part":null,"page_num":1213,"sequence_num":1213,"body":"فمثلاً: حديث الثلاثة النفر الذين خرجوا ولم يجمعهم أيُّ جامع إلا أنهم خافوا من المطر، فأووا إِلَى غار فانطبقت عليهم الصخرة، وفي هذه الحالة الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء هو الله، ولو انطبقت عَلَى أعتى الطواغيت، وأكبر الملحدين المنكرين لوجود الله، لتضرع ودعا الله، لأن ذلك الوقت تتبخر فيه تلك البهرجة والكذب المنمق والأفكار المادية، والنظريات عن الكون والحياة، لكن أين الملجأ في هذه الحالة؟ مهما كَانَ عتو العبد وطغيانه فلن يبقى أمامه إلا رب العباد ﷾، فهذا: الطاغية الكبير وهو عَلَى سرير الملك يقول \"أنا ربكم الأعلى\"، فلما أدركه الغرق ماذا قَالَ: آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيل [يونس:٩٠] لكنه لم ينفعه ذلك.\rفكلنا نضطر في لحظات الضيق والكرب إِلَى أن ندعو الله، لكن المؤلم والمؤسف أن بعض من ينتسب إِلَى مُحَمَّد ﷺ ودينه نجده في حالة الكرب والضيق والشدة يقول: يا سيدي فلان، فأين تذهب العقول حتى في هذه الحالة؟ فهل ملكوا -هؤلاء المدعويين- لأنفسهم شيئاً لما جَاءَ ملك الموت؟ بل إنما يدعون من لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً، وينسون الحي الذي لا يموت، الذي يجيب المضطر إذا دعاه، ويكشف السوء.\r\rفهَؤُلاءِ الثلاثة قالوا: ما الحيلة؟ كل منَّا يدعو الله بخالص عمله، فنجاهم الله ﷾، بل حتى الكفار فإنهم إذا ركبوا في الفلك، وجاءت الريح وهاجت الأمواج من كل مكان دعوا الله مخلصين له الدين نجاهم، لكن إذا نجاهم إِلَى البر إذا هم يشركون.\r\rفالإِنسَان هكذا إذا مسه الضر دعا ربه قائماً وقاعداً وعلى جنب، ولكن إذا عوفي مر كَانَ لم يدع الله إِلَى ضر مسه، سُبْحانَ اللَّه! ما أكثر عتوه! لأنه ظلوم جهول.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690088,"book_id":1659,"shamela_page_id":1214,"part":null,"page_num":1214,"sequence_num":1214,"body":"فهَؤُلاءِ الثلاثة توسل الأول منهم ببر الوالدين، ولو كَانَا كافرين، كما قال تعالى: وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً [لقمان:١٥] الآية. أي: الأبوان الكافران لا تطعهما عَلَى الكفر، ولكن صاحبهما في الدنيا معروفاً، قدم لهم الطعام والكساء، وأعطهم طلباتهم المادية في غير معصية الله، وادعهم إِلَى الخير بالتي هي أحسن، هذا حق واجب عليك وهما كافران، فكيف إذا كانا مؤمنين، فهذا الأول كَانَ يحلب لهما اللبن، وينتظرهما ويعطيهما قبل أن يطعم الأطفال، وذات مرة غلبهما النوم فانتظرهما وهو واقف، والأطفال يتضاغون ويصيحون، ولم يوقظهما ولم يطعم أطفاله، تأمل هذه المواقف، كيف وقف هذا الرجل؟!\rوالثاني توسل إليه بترك الزنى، الذي أصبح اليوم في هذه الدنيا وكأنه من مستلذات الحياة، ومن الأمور العادية -عافانا الله من ذلك- فهذا الرجل تمكن من الفاحشة، ثُمَّ قام لما قالت له: اتق الله، وهذا الزمان كم من واحد تقول له: اتق الله ولكنه من الذين قال الله فيهم: وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْأِثْمِ [البقرة:٢٠٦] ، وقد قال الله تَعَالَى لنبيه يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ [الأحزاب:١] وكلنا في حاجة إِلَى أن يقال لنا: اتق الله في كل وقت وحين، ولا خير فينا إن لم نقلها لبعضنا البعض ونتناصح بها، فلما قالت له: اتق الله، ماتت الشهوة وذهبت، واستحضر عظمة الله، وقام وقد قعد منها مقعد الرجل من أهله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690089,"book_id":1659,"shamela_page_id":1215,"part":null,"page_num":1215,"sequence_num":1215,"body":"في هذا الموقف والصخرة عَلَى فم الغار فرجت للأول قليلاً لكن لا يستطيعون الخروج منها، وفرجت للثاني قليلاً؛ ولكنهم كذلك لا يستطيعون الخروج منها، والثالث: دعا الله أنه أوفى الأجير حقه بعد أن نماه له، فهَؤُلاءِ النَّاس عملوا أعمالاً صالحة، وتوسلوا إِلَى الله بها، ألم يكن عندهم أنبياء؟ بلى كَانَ عندهم أنبياء وأولياء ولم يتوسلوا إلا بالمشروع، ففرج الله عنهم ما هم فيه بالتوحيد فالتوحيد يفرج الله به عن الإِنسَان، فبالتوحيد تنال العزة في الدنيا والآخرة، وبالشرك يكون الخزي والذل في الدنيا ويكون العذاب الأبدي في الآخرة، فهذا هو شأن الثلاثة، فالتوسل بالأشخاص لم يكن لا بالنبي ﷺ ولا بغيره، وفيه إجمال كما قال المصنف.\r\rأما التوسل بدعائه في حياته فلا بأس به أما بعد موته فلا نتوسل إلا بالإيمان به، وبمحبته وطاعته ﷺ، فإن كَانَ عبداً صالحاً حياً فلا بأس أن يدعو للمسلمين، وإن كَانَ ميتاً فلا يُدعى، وأما إذا أريد به الإقسام بالحق والجاه -ولو كان جاه النبي - فلا يجوز، وهو مما لم يُشرع لنا أن نتقرب به إِلَى ربنا، يقول المُصْنِّف ﵀: فهَؤُلاءِ -يعني: الثلاثة- دعوا الله بصالح الأعمال؛ لأن الأعمال الصالحة هي أعظم ما يتوسل به العبد إِلَى الله، ويتوجه به إليه ويسأله به، لأنه وعد أن يستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله.\r\rالتوحيد أمر مركوز في الفطر لا يحتاج إِلَى استدلال، وإنما يحتاج إِلَى أن يتذكر ويستظهر، ولذلك ذكر الله ﵎ دلائل الربوبية العظمى في القُرْآن مربوطة بالنظر في ملكوت السموات والأرض والتأمل في الأنفس والآفاق.\rقَالَ المُصنِّفُ ﵀:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690090,"book_id":1659,"shamela_page_id":1216,"part":null,"page_num":1216,"sequence_num":1216,"body":"[ومحال توهم عمل الطبائع فيها لأنها موات عاجزة، ولا توصف بحياة، ولن يتأتى من الموات فعل وتدبير، فإذا تفكر في ذلك، وانتقال هذه النطفة من حال إِلَى حال، علم بذلك توحيد الربوبية، فانتقل منه إِلَى توحيد الإلهية.\r\rفإنه إذا علم بالعقل أن له رباً أوجده، كيف يليق به أن يعبد غيره؟ وكلما تفكر وتدبر، ازداد يقيناً وتوحيداً، والله الموفق، لا رب غيره، ولا إله سواه] اهـ.\rالشرح:\r\rتعرض المُصنِّفُ لشبهة كانت تثار قديماً وحديثاً وهي القول بأن الطبيعة هي التي تخلق، فتسند أفعال الربوبية إِلَى الطبيعة، فيُقَالُ: الطبيعة خَلَقت، والطبيعة أَوجدَت، والطبيعة أَعطَت، إِلَى آخر ما تقرأونه وتسمعونه، فينسبون أفعال الربوبية إِلَى الطبيعة.\rوالمصنف رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى ذكر هذا هنا -وذكره من قبله من العلماء- لأن التأليه للطبيعة أو نسبة الربوبية لها كانت معروفة عند اليونان، فهم أول من أطلق هذه الكلمة وأله الطبيعة، واليونان أمة جاهلية وثنية، وأول نظرية ظهرت واصطدمت بهذا هي نظرية جاليلو، ونظرية كوبرنيك التي حولت أنظار النَّاس إِلَى أن الأرض ليست هي مركز الكون كما قال كوبرنيك: إن الأرض ليست مركز المجموعة الشمسية أو الكون، وإنما الأرض تابع للشمس، ومعها ظهرت نظريةجوردا نوبرونو وأمثالهم.\rفقام البابوات فأحرقوا هَؤُلاءِ، وأما كوبرنيف فكان له رتبة من رتب الكنيسة فسلم من الأذى، وأما جاليلو فقد عذب وسجن، فكانت هذه المعركة سبباً في أن هرب من الكنيسة هَؤُلاءِ الذين يريدون أن يتخذوا طريقة للعلم والبحث والفكر والعقل، وفي ذلك الوقت لم تكن الطبيعة تسمى إلهاً، وإنما بعد ذلك بزمن، وبالذات لما ظهرت نظرية نيوتن في الجاذبية، قالت النظرية: \"إن هذا الكون متماسك بشكل ميكانيكي\" أي كل مجموعة وكل جرم من أجرامه متماسك مع الآخر حسب قوانين الجاذبية، فهو بهذه الطريقة يتحرك ويدور تلقائياً وفق هذا القانون الذي اكتشفه نيوتن.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690091,"book_id":1659,"shamela_page_id":1217,"part":null,"page_num":1217,"sequence_num":1217,"body":"صراع بين الكنيسة والعلم والعلماء\rبعد هذا الصراع وجد هَؤُلاءِ النافرون من العبودية لرجال الدين مهرباً يفسرون به هذه الحياة بعيداً عن الإنجيل وبعيداً عن سيطرة رجال الدين، وَقَالُوا: إن كَانَ هناك من إله فإنه قد خلق الكون، ثُمَّ تركه يمشي في طبيعته ويسير وفق هذا القانون، ونادى بذلك كثير من الزعماء، في نفس الوقت الذي كانت الديانة النصرانية ضد الفطرة وضد الطبيعة في الناحية الاجتماعية.\rولقد وصف الله تَعَالَى الرهبانية بقوله: وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ [الحديد:٢٧] .\rفهذه الرهبانية تفرض عَلَى رجل الدين - لكي يكون الإِنسَان ديِّناً، ومقبولاً في ملكوت الرب كما يعبرون - أن لا يتزوج، فيمتنع عن هذه الغريزة الفطرية التي جعلها الله ﵎ في جميع الحيوانات، فكان هذا بالنسبة لهم موضع ثورة عَلَى الكنيسة تبدأ الاعتراضية من هنا وعلى مبادئها -فالكنيسة معناها المجمع البابوي ورجال الدين \"البابا\" والكاردينالات الذين من تحته، ثُمَّ القساوسة، ثُمَّ هذا المجمع الديني كله يسمى الكنيسة- لأنهم وجدوا أن هذا ضد الفطرة وضد الطبيعة، وبدأوا يتحللون من هذه القيود، فثار مارتن لوثر وكالسن وأمثالهم من رجال الدين من أجل أن يتحرروا ويتزوجوا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690092,"book_id":1659,"shamela_page_id":1218,"part":null,"page_num":1218,"sequence_num":1218,"body":"أما بالنسبة لبقية المجتمع فهم يريدون أن يثوروا عَلَى هذا النظام الذي هو ضد الفطرة من أجل تحقيق الشهوات، فعندما يلبي بنفسه هذه الرغبة الفطرية حكم عَلَى نفسه بأنه خارج أهل الطهر وأهل النقاء الذين يترفعون عن الشهوات، فوجدت في نفسياتهم هذه الحاجة والإلحاح وهو الزواج، إلا أن يحطم هذا القيد حتى ولو تزوج فإنه يستشعر أنه مقصر ومذنب، هذا الشعور هو الذي بقي مكبوتاً، ثُمَّ تولدت عنه الثورة الجنسية التي شاعت وعمت في أوروبا إِلَى اليوم فلم تشبع ولا تريد أن تشبع من الانهماك في هذه اللذة وهذه الشهوة، كيف قاوم علماء الاجتماع، هذه النظرية وهذا الوضع؟\rقالوا: لو ترك الإِنسَان عَلَى طبيعته لتزوج، فالحيوان يتزوج في الغابة، إذاً هذه القيود ضد الطبيعة، ثُمَّ جاءت نظرية نيوتن، وقالت: الطبيعة نظمت الكون، فالأجرام لا تصطدم بعضها ببعض؛ لأن الطبيعة نسقتها ورتبتها، وَقَالُوا: لو تركت الحياة الإِنسَانية عَلَى الطبيعة لانتظم أمر النَّاس ولأفلحوا ولسعدوا، وإنما يأتي الخلل والضرر والشر من تدخل الملوك والأباطرة فيفرضون عَلَى الناس أمور غير طبيعية، ومن هنا دخل تأليه الطبيعة في جميع مناحي الحياة.\rيقول علماء الاجتماع: الإله هو الطبيعة، ويقولون: الطبيعة هي التي تنظم حياة النَّاس في صورة تلقائية لا انفصام فيها ولا عداء، وعلماء القانون وجد عندهم ما يسمى بالقانون الطبيعي وهو عبارة عن مبادئ عامة أو ما يسمى أحياناً بالعدالة المطلقة وهي مبادئ مركوزه في الطباع مبثوثة في الكون، فيقولون: الطبيعة أودعت قوانين أبدية سرمدية هي الحق والعدل، والإِنسَان إذا خالف هذه القوانين يكون مخطئاً، ومتجاوزاً للحد، فوضعوا قانوناً يسمى القانون الطبيعي، أو الشريعة الطبيعية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690093,"book_id":1659,"shamela_page_id":1219,"part":null,"page_num":1219,"sequence_num":1219,"body":"وجاء علماء الاقتصاد فَقَالُوا: إن تحريم الربا، أو تحريم بعض الأنواع من البيوع، أو تحريم حركة الإِنسَان يخالف الطبيعة؛ لأن النظام السائد في أوروبا هو النظام الإقطاعي، أي: مجموعة قرى يملكها واحد يتحكم فيها، والفلاحون الذين هم فيها أرقاء له، فلا يخرجون إِلَى أي إقطاعية أخرى، ولا يعملون عند أي إقطاعي آخر، فهو متحكم في الأرض ومن عليها قالوا: هذا قانون ضد الطبيعة، وهي أن الإِنسَان يمشي كما يشاء، ويعمل كما يشاء، ولهذا أطلقت جميع القيود باسم القانون الطبيعي وباسم العدالة الطبيعية.\rففي علم الاقتصاد أُلَّهت الطبيعة بناءاً عَلَى هذا الشيء، فخرج النَّاس وقامت الثورات وابتدأت ما يسمى بـ\"حرية الإِنسَان\" بأن يكسب المال بأي وجه شاء، وينفقه فيما يشاء، لأن هذه الحرية هي مقتضى الطبيعة، وهذا هو الذي تدعوا إليه طبائع الأشياء، أو تؤيده القوانين الطبيعية المودعة في الأشياء.\rونتيجة لذلك نجد أن الطبيعة قد ألهت في معظم مجالات الحياة، حتى أصبحت بمنزلة الإله فعلاً، فهي تُشرِّع وتَقنَّن وتخلق وترزق، وفي الجانب العلمي الخاص كَانَ العجب أكثر، لأن الذين يشتغلون في الجوانب العلمية في دراسة الطبيعة التي هي الطبيعة فعلاً، لما أخذوا يدرسونها بدأوا يقولون: الطبيعة هي التي تخلق، ثُمَّ بعد ذلك قالوا: كيف نقول: إن الطبيعة تخلق، وكلمة الرب تخلو عنها تماماً؟ فأصبحوا يكتبون كلمة الطبيعة عَلَى أنها علم لا مجرد مخلوق، ولذلك يبتدئون الاسم بالحرف الكبير عادة، كعادة الأعلام في اللغة الإنجليزية وغيرها من اللغات. وثاروا عَلَى ما يسمى بالإله والرب عند النصرانية وأسندوا هذه الأفعال إِلَى الطبيعة.\r\rبطلان نظرية المصادفة في الكون","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690094,"book_id":1659,"shamela_page_id":1220,"part":null,"page_num":1220,"sequence_num":1220,"body":"كلما تطور العلم نظر هَؤُلاءِ الطبائعيون في دقائق الكون ووجدوا أن هذا لا يمكن، ولا يؤدي إِلَى تفسير صحيح، فَقَالُوا: إذاً لمن ننسب الخلق ولمن ننسب الحياة؛ فَقَالُوا: إِلَى المصادفة، فاستخدموا كلمة المصادفة، ووجدوا بعد ذلك أن القوانين الرياضية، والقوانين العلمية نفسها تنفى نفياً قاطعاً أن يكون للمصادفة أي دور في إيجاد هذا الخلق، أفهذا الكون المنظم البديع وجد بالمصادفة؟\rهذا شيء لا يقبله أي عقل ولا يمكن عَلَى الإطلاق، بل علماؤهم في أوروبا كتبوا كتباً كثيرة ضد المصادفة، وَقَالُوا: لا يمكن أن يكون للمصادفة أي دور في الحياة لا لأنهم متدينون، ولكن بالنظريات العقلية والبراهين الرياضية وجدوا أن المصادفة لا يمكن أن تفعل أي شيء عَلَى الإطلاق، ولهذا ظهر واشتهر عالم إنجليزي كبير في الطبيعة اسمه وايت هيد فقَالَ: نضع اصطلاحاً وهو: ضد المصادفة، فضد المصادفة هو الذي خلق الإِنسَان، وضد المصادفة خلقت الطبيعة.\rإذاً ما هو ضد المصادفة؟ فلو قالوا: الطبيعة ليس تحتها حقيقة وإن قالوا مصادفةً، فقد أنكروها، وإن قالوا الرب، قالوا: لا، الرب قد تركناه من قبل أربعة أو خمسة قرون وانتهينا مع الكنيسة.\rإذاً: ما الذي نقول؟ قالوا: نقول ضد المصادفة، ويعتبرون هذا الوصف أفضل ما يعبر عنه، بل قال بعض مفكريهم لاداعي أن نستخدم أي فاعل أصلاً، فنقول: وجد الإِنسَان قبل ١٠٠٠٠ سنة مثلاً، ووجدت الأرض قبل كذا، ونأتي بها منسوبة إِلَى المجهول، فلا داعي لذكر فاعل يدخلنا في ورطة كما سبق، فنجعلها عامة هكذا، فنقول: وُجِد وخُلِق وهكذا تصبح الأفعال مبنية للمجهول ونرتاح، فانظروا إذا غفلت القلوب وطبع عليها، هَؤُلاءِ النَّاس الذين ألهوا الطبيعة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690095,"book_id":1659,"shamela_page_id":1221,"part":null,"page_num":1221,"sequence_num":1221,"body":"أما في المجال العلمي الخاص، وفي المجال العام وفي المجال الصحفي وفي مجال المؤلفات، بقيت كلمة الطبيعة هي الرائجة وهي المشهورة، لأنها سهلة، ولأنها متداولة عند اليونان وعند الرومان في أكثر من قرنين أو ثلاثة قرون في أوروبا ولأنها أيسر، حتى أصبحت إلها، وأصبح الإِنسَان يستخدمها وهو لا يشعر، فَيَقُولُ: أوجدت الطبيعة، وخلقت الطبيعة وفعلت الطبيعة، وهذا كله مصادم للفطرة السليمة.\r\rوهذا أول رائد فضاء في العالم جاجارين السوفيتي، عندما خرج إِلَى الفضاء، ورأى الأرض فذهل ودهش ونسي الرقابة الأرضية عليه واستيقظت فطرته، لأنه ابتعد عن الأرض ونسي أن كلامه محسوب عليه، فكان يقول وهو في الفضاء عندما رأى هذا الكون: لا بد أن لهذا الكون من إله، ولما هبط إِلَى الأرض أرغمته وكالة الأنباء السوفيتية أن يعترف أنه ليس لهذا الكون إله، لا يريدون أن يقولوا: هذا الكون خلقه الله، حتى لا يقال لهم: أنتم رجعيون متعصبون، ومتزمتون ومتدينون ومتطرفون، فيهربون من هذه الكلمة، فَقَالُوا: نقول الطبيعة لأنها تدل عَلَى أننا أناس علميون متحضرون.\rوفي الحقيقة ما زادوا عَلَى أنهم سموا الله ﵎ بغير اسمه، فسموه \"الطبيعة\" وليس من أسماء الله ﷾ الطبيعة، وهم يثبتون الحكمة، ويقولون: الطبيعة حكيمة، الطبيعة عاقلة، الطبيعة تقدر، الطبيعة تخلق، وهذه صفات الله، لكن لا يريدون أن يسمونه باسمه، فهم في الحقيقة لم ينكروا وجود خالق، وإنما سموا هذا الخالق بغير اسمه. وإن كانوا يقولون: نَحْنُ نقصد بالطبيعة حقيقة هذه الأشياء المخلوقة، الموجودة، فنقول: أنتم نسبتم هذا الشيء إِلَى نفسه مثل الذي يقول: الإِنسَان خلق الإِنسَان، والطبيعة خلقت الطبيعة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690096,"book_id":1659,"shamela_page_id":1222,"part":null,"page_num":1222,"sequence_num":1222,"body":"وهذا الكلام لا يقبله أي عاقل، لأنها هي الخالقة وهي المخلوقة في نفس الوقت، وهذا لا يمكن أبداً، وإنما هي اسم يطلق عَلَى المخلوقات، فمن الذي يخلق المخلوقات؟ فأنتم إِلَى الآن لم تأتوا بحل، والكفار في الغرب والشرق الذين نشروا هذا المذهب الإلحادي، والذين أظهروا هذه الكلمة، وعممومها في العالم، وجعلوها هي الإله، أو الذي يُكتب مكان الإله هم يعرفون أنهم يتعلقون بأسماء سموها ليس لها حقيقة، وليس تحتها شيء، وإنما هي أسماء واصطلاحات وضعت هروباً من الإقرار بالله ﷾ ومن الاعتراف بالحق.\rوإذا بينا للناس حقيقة صفات الله ﷾ كما وردت في الكتاب والسنة، فإنه لن يبقى في أذهان النَّاس التباس بأن هذا هو الله وهو الرب وهو الخالق ﷾، من آمن منهم يؤمن عَلَى بينة، ومن كفر فإنه يكفر عن بينة أيضاً، وإلا فإن هذا مفطور ومركوز في جميع الأذهان، وفي جميع القلوب: بأن الله ﷾ عالم بكل شيء، وأنه عَلَى كل شيء قدير، وأنه هو الخالق ﷾، وأنه الرزاق، وأنه المدبر.\rفهذه أمور في ذهن كل إنسان، ولكن هذه المعارك التاريخية التي تدور، وهذه الأحقاد والمخاصمات والمجادلات التي تقع بين الناس، وحب الشهوات والاستكبار، وحب الاستعباد، كل هذه أسباب تطرأ عَلَى الإِنسَان، فينكر ربه ﷾، ويُؤلِّه غير الله كما ألهت الطبيعة من قبل.\r\rاستحالة عمل الطبائع في النطفة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690097,"book_id":1659,"shamela_page_id":1223,"part":null,"page_num":1223,"sequence_num":1223,"body":"يقول المُصْنِّف ﵀: [ومحال توهم عمل الطبائع فيها] أي: في هذه النطفة التي خلق الإِنسَان منها، وهي عجيبة. وأصبحت أكثر إثارة للعجب في العصر الحاضر، لأن هذه النطفة عدة ملايين من الحيوان المنوي، يقول: [لأنها موات عاجزة ولا توصف بحياة، ولن يتأتى من الموات فعلٌ وتدبير] كيف يأتي من الميت الذي يسمونه الطبيعة، وهي الجبال والأشجار وما إِلَى ذلك إيجاد الحياة، وكيف يتأتي منها الفعل أو التدبير؟ فإذا تفكر الإِنسَان كيف تنتقل هذه النطفة من حال إِلَى حال، علم بذلك توحيد الربوبية، وهل يكفي أن يعلم الإِنسَان توحيد الربوبية؟\rيطلق الناس عَلَى بعض العلماء -في الغرب- أنهم مؤمنون، لأنهم يؤمنون بوجود الله، وأن الذي خلق هذا الكون ويدبره هو الله، والذي يؤمن بوجود الله من علماء الطبيعة والفيزياء والكيمياء، فليس بمؤمن في الشرع؛ لأنه لا فرق بينه وبين كفار قريش، كما قال الله تَعَالَى عنهم: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لقمان:٢٥] .\rفهم مؤمنون بأن الله هو الخالق وكانوا يدعونه، بل كانوا يصرفون أنواعاً من العبادات له سبحانه، لكن يشركون فيها معه غيره، إذاً فكفار قريش أكثر إيماناً من هَؤُلاءِ، لأن هَؤُلاءِ لا يتعبدون لله تَعَالَى بشيء، ولا يؤمنون بدين الإسلام ولا بنبوة مُحَمَّد ﷺ، ولا يؤمنون بالقرآن، ولا يقدمون لله تَعَالَى أي نوع من أنواع العبودية، إلا أنهم يقولون: إن الله موجود وهو الذي خلق ورزق وهو الذي يدبر الكون، وهَؤُلاءِ ليسوا بمؤمنين، وإنما هم كفار، ولكن نقول: هَؤُلاءِ الكفار يقرون بالربوبية، هذا غاية ما في الأمر.\rحقيقة العبودية","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690098,"book_id":1659,"shamela_page_id":1224,"part":null,"page_num":1224,"sequence_num":1224,"body":"إن التوحيد الذي أنزل الله ﵎ من أجله الكتب، وأرسل من أجله الرسل، هو توحيد الألوهية، ليس توحيد الله في أفعاله، كما هو الحال في توحيد الربوبية، بل هو توحيد الله في أفعال العباد، بأن يعبده الخلق وحده لا شريك له، وأن ينقادوا لأمره، ولا يعترضوا عَلَى حكمه القدري أو حكمه الشرعي، بل يكونون عبيداً لله ﷾، فالحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه الله، والتقرب إِلَى الله بما شرع، هذه حقيقة العبودية كما قال تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:٥] فلا بد من تحقيق ذلك، لكي يكون العبد مؤمناً، وإلا فإنه مشرك.\rفَيَقُولُ: إذا علم ذلك وتفكر في حال النطفة وفي خلقه وفي طعامه كما أمر الله ﷾: فَلْيَنْظُرِ الإِنسَانسَانُ إِلَى طَعَامِهِ [عبس:٢٤] إذا تأمل في هذا الكون فإنه يقر حينئذ بتوحيد الربوبية، وإذا فعل ذلك انتقل منه إِلَى توحيد الألوهية، فإنه إذا علم بالعقل أن له رباً أوجده، كيف يليق به أن يعبد غيره؟ سُبْحانَ اللَّه! يخلقك ويرزقك ويحييك ويميتك ويعطيك وينعم عليك، ثُمَّ تعبد غيره قُتِلَ الإِنسَانسَانُ مَا أَكْفَرَهُ [عبس:١٧] وَكَانَ الإِنسَانسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً [الكهف:٥٤] .\rولهذا روي في بعض الآثار القدسية (إني والجن والإنس لفي أمر عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر سواي، خيري إليهم نازل، وشرهم إِلَى صاعد، أتحبب إليهم بالنعم، ويتبغضون إليّ بالمعاصي) ، وهذا من العجب وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ [يونس:١٨] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690099,"book_id":1659,"shamela_page_id":1225,"part":null,"page_num":1225,"sequence_num":1225,"body":"يعبدون الأبقار في الهند قرابة ٨٠٠ مليون، وفي الصين أكثر من ١٠٠٠ مليون، يعبدون تماثيل بوذا -سُبْحانَ اللَّه- وفي الدول الأخرى يعبد الصليب ويعبد عيسى وتعبد مريم، كيف يعبدون غير الله؟! (أخلق ويعبد غيري) وعبدوا النَّار الكواكب، حتى يقال: إنه يوجد في الهند، من يعبد النمل! إن الإِنسَان إذا لم يعبد الله فإنه يتيه ويضل، يوقد النَّار ويعبدها، يصنع الصنم من التمر كما كَانَ العرب في الجاهلية ويعبدونه، ويصنع الحجر ويعبده، فإذا أراد أن يطبخ جَاءَ بحجرين وهذا الثالث وطبخ فوقه، أهذا إله؟ أين عقلك أيها الإِنسَان؟ والعجب أنهم يقولون: إن الله هو الخالق.\rفإذاً يخلق ويعبدون غيره، هذا من العجب العجاب، ويرزق ويشكرون سواه، انظروا إِلَى حال النَّاس اليوم، إن حصل أحدهم عَلَى رزق، كم من النَّاس يرد الفضل والشكر لله وحده، وكم منهم من النَّاس من يقول إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي [القصص:٧٨] (هَذَا لِي) [فصلت:٥٠] وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً [فصلت:٥٠] .\r\rالاعتماد على الأسباب ينافي حقيقة العبودية\rقال النبي ﷺ كما في حديث ابن عباس ﵄: (واعلم أن الأمة لو اجتمعت عَلَى أن يضروك، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، ولو اجتمعوا عَلَى أن ينفعوك، لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690100,"book_id":1659,"shamela_page_id":1226,"part":null,"page_num":1226,"sequence_num":1226,"body":"فالله تَعَالَى هو الذي كتب الخير والشر، فهذه الأرزاق من الله ﷿، وهَؤُلاءِ البشر يسخرهم الله ﷾، نعم يُثنى عَلَى النَّاس ويشكرون ويكافئون ولو بالدعاء، وهذا من حسن أخلاق المسلم أنه يكافئ ويحسن إِلَى من أحسن إليه ولو بالدعاء إذا عجز، لكن أن ينسب كل خير ونعمة وفضل إِلَى الأسباب وينسى الله ﵎، فهذه غفلة كبيرة عن الله ﷾، ولو علم أنه ﷾ هو وحده الخالق والرازق لعبده وحده كما أشار المُصْنِّف ﵀ هنا كما قال الله تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [إبراهيم:٣٤] ,.\rهذا هو الوصف الذي وصفه الله رَبّ الْعَالَمِينَ، هذا الإِنسَان وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [النحل:٥٣] فالله ﵎ هو الذي يخلق، ولكن يعبد سواه، ويرزق، ولكن يعبد غيره، خيره نازل إِلَى العباد، فكم ينزل الله ﵎ كل يوم من الخيرات عَلَى هَؤُلاءِ العباد، فكم من فقير أغناه الله تعالى، وكم من مريض عافاه الله ﷾، وكم من مكروب فرج الله تَعَالَى كربه، وكم من مهموم أزال الله همه؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690101,"book_id":1659,"shamela_page_id":1227,"part":null,"page_num":1227,"sequence_num":1227,"body":"كم وكم يتحنن عَلَى هَؤُلاءِ العباد ويرحمهم ويمتنُّ عليهم كل يوم، بل كل حين، بل كل لحظة ونِعَم الله ﷾ نازلة عَلَى هَؤُلاءِ العباد، ولكن ما الذي يصعد إِلَى الله ﷾، فالملائكة الذين يتعاقبون فينا في الليل والنهار، ما الذي يصعدون به، دعونا من عالم الكفر، فماذا تتوقعون أن تصعد الملائكة به من عالم الكفر، انظروا إِلَى عالم الْمُسْلِمِينَ ودعونا من عالم الْمُسْلِمِينَ عامة، انظروا إِلَى حالتنا نَحْنُ طلبة العلم الذين نعيش -ولله الحمد- في الغالب مع كتاب الله وسنة رَسُول الله ﷺ، ومع أهل الذكر، ومع أهل الخير، بم ترتفع الملائكة إِلَى ربنا ﷿، ما الذي في صحفنا، صلوات نغفل عنها، ونحن في أثنائها قد لا ندري كم صلينا، وربما جاءت من هاهنا كلمة، ومن هاهنا نظرة، ومن هاهنا شبهة أوشك، فدمرت وأهلكت ما يظن الإِنسَان أنه جمعه من حسنات نتيجة هذه الصلوات، فمن الذي يسلم إلا من عصمه الله تَعَالَى وسلمه.\r\rنحن لا نستغني عن الله ﷾ فخير الله إلينا نازل، كل حين يمدنا بالنعم وبالعافية، وبهذه الحواس التي أعطانا الله إياها من سمع وبصر وفكر وأجساد وقلوب وأموال كل ذلك من نعم الله، وسخر لنا هذه الدنيا وهذا الكون وهذه الكواكب، وجعل الشمس والقمر دائبين لأجل هذا الإِنسَان وليعرف المواقيت والزمان، وليكون لديه نصف العمر ضياءاً، فيكدح ويعمل وينصب، والنصف الآخر هدوءً وراحةً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690102,"book_id":1659,"shamela_page_id":1228,"part":null,"page_num":1228,"sequence_num":1228,"body":"وهذا الماء العجيب الذي لا يمكن للحياة أن تكون بغيره كيف أنزله الله ﵎، وكيف جعله نوعين عذب فرات، وملح أجاج، وهذا فيه من العجائب وهذا فيه من الفوائد وغير ذلك، وكل هذا من عظيم نعم الله ﷾ فخير الله إلينا نازل، ولكن شرورنا وذنوبنا وسيئات أعمالنا إليه صاعدة، تصعد بها الملائكة كل يوم، وهو ﵎ يتحبب إلينا بالنعم، ولكننا نتبغض إليه بالمعاصي نعوذ بالله، فإن العبد إذا عصى الله ﵎ فقد باعد بينه وبين ربه ﷾، الصلة فتضعف حتى تنقطع.\rومع ذلك يتحبب إليه الله ﷾ بالنعم ويستر عليه، حتى إذا فعل الذنب وراء الذنب والله تَعَالَى يستره عليه، ويذكره ولا يوجد مذنب يفعل ذنباً إلا ويقول الآن سلمت، إذاً لماذا لا أتوب؟ يذكره الله ﷾ أن داعي الخير في نفسه موجود، وقد جعله الله تَعَالَى في قلب كل مؤمن عرف الله وآمن به، فنعمة الرزق رغم الاستمرار في المعصية موجودة ونعمة الفؤاد موجودة ولم يحجبها الله ﷾ عنه، ومع ذلك يلح الإِنسَان ويصر إلا أن يستخدم هذه النعم في معصية المنعم الذي أعطاه إياها ﷾، فالإِنسَان ظلوم كفار وهذا شأنه، ولكن في الحقيقة هل العبد يظلم ربه: وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [البقرة:٥٧] هذا التمادي إنما هو عليك أيها العبد الفقير المسكين المحتاج إِلَى ربك وإذا جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ يتعجب كثير من النَّاس.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690103,"book_id":1659,"shamela_page_id":1229,"part":null,"page_num":1229,"sequence_num":1229,"body":"قال الله تعالى: وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر:٤٧] فماذا تتوقعون أن يرى الكافر، وكذلك المسلم العاصي؟ كَانَ بعض السلف إذا قرأ هذه الآية يبكي: وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ، لأن الإِنسَان لا يدري ما حاله عند الله، كيف إذا جيء بالثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النَّار نسأل الله العفو والعافية، يؤتى بالقارئ أو العالم فَيَقُولُ: قد قرأت القرآن، وتعلمت العلم، وتفقهت في الدين، من أجلك يارب، فيُقَالُ له: كذبت، إنما تعلمت ليقال قارئ أو عالم، وقد قيل، اذهبوا به إِلَى النَّار نسأل الله العفو والعافية، كَانَ يرى أنه عَلَى خير، وعلى حسنات، وإذا بتلك الأكوام من الحسنات تذهب وتمضي، وكذلك الجواد الكريم المرائي، وكذلك المجاهد المرائي.\rكذلك الذي يظلم عباد الله ﵎ ويغشهم ويفتري عليهم ويغتابهم ويضربهم ويؤذيهم هَؤُلاءِ يأتون بحسنات كالجبال، ولكن يأتي أحدهم وقد ضرب هذا، وظلم هذا، وسفك دم هذا، وغصب مال هذا، فماذا تكون النتيجة إذا طالب أهل الحقوق بحقوقهم؟ يأخذ من حسناته فتعطى لهم، ففي الآخرة لا درهم ولا دينار، إنما هي الحسنات والسيئات فيؤخذ من حسناته فيعطى لأولئك الغرماء، وإذا لم تكفِ يؤخذ من سيئاتهم فتطرح عليه فيطرح في النَّار نسأل الله العفو والعافية، إذاً هذا يوجب من العبد كمال التيقظ ودوام التذكر والتدبر، فالعبد إذا عرف بالعقل أن له رباً أوجده، كيف يليق به أن يعبد غيره؟ وكلما تفكر وتدبر، ازداد يقينا وتوحيداً، والله الموفق، لا رب غيره، ولا إله سواه.\rدعوة إلى التفكر في الأنفس والآفاق","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690104,"book_id":1659,"shamela_page_id":1230,"part":null,"page_num":1230,"sequence_num":1230,"body":"ولهذا أُمرنا في آيات كثيرة بأن نتفكر وأن نتدبر في أنفسنا وفي الآفاق وفي الأحياء والأموات وفي الماء وفي الجبال والشمس والقمر والنجوم والسماء وفي هذه الحدائق والأزهار والأشجار، وكل ما نراه أمامنا فهو موضع عبرة، وموضع تفكر، لو تفكر الإِنسَان لازداد يقيناً، وازداد توحيداً، وطاعة لله ﷾.\rولقد كَانَ السلف الصالح رضوان الله تَعَالَى عليهم يتفكرون في هذا، ويتفكرون معه في أحوال الأمم، وفي مصير الغابرين والهالكين من الموتى، وهذه عبر عظيمة لا يتفكر فيها إلا المؤمنون.\rفالنظر في الطبيعة من هذا الكون يشترك فيه المؤمن والكافر ويتعجبون، لكنِ المؤمنون يختصون بنظر اعتبار وإيمان في الموتى وفي الأمم الخالية وفي العصور السابقة.\rويتفكر الإِنسَان أين قوم نوح؟ وكم كَانَ يعيش الإِنسَان من قوم، نوح وأين عاد؟\rوكيف كَانَ حال عاد؟ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ [الفجر:٧،٨] .\rوكيف كَانَ حال ثمود الذين نحتوا الجبال واتخذوا من سهولها قصوراً، وأمدَّهم الله ﵎ بالأنعام والبنين، ماذا صنع الله ﵎ بهم؟ وماذا كَانَ جزاؤهم ومصيرهم؟\rوأين قوم لوط؟ ولماذا أهلكوا؟ ولماذا عذبوا؟ وما هو الذنب الذي فعلوه؟ كل ذلك مما يتفكر به عباد الله المؤمنون، يتفكرون في أقدار الله ﷾، وفي عجائب خلقه وتدبيره.\rكيف يموت أبو طالب عَلَى الكفر وقد ولد وتربى مُحَمَّد ﷺ في حضنه وفي حجره، جَاءَ الوحي إِلَى النبي ﷺ وعاش ﷺ يدعو إِلَى الله وهو في حماية أبي طالب حتى أنه حوصر معه في الشعب، ودافع عنه وحماه، ولكنه مات عَلَى الكفر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690105,"book_id":1659,"shamela_page_id":1231,"part":null,"page_num":1231,"sequence_num":1231,"body":"وسلمان الفارسي في أقصى البلاد يترك النَّار ويتحول من راهب إِلَى راهب، كل ذلك ليبحث عن الدين والحق، ثُمَّ يؤمن، فيهديه الله ﵎ للإيمان وينفر بفطرته من الكفر، وهذا الذي يرى الآيات البينات الساطعات أمام عينيه، ولكنه لم يؤمن، فالله ﷾ إذا شاء أهلك الإِنسَان، وأماته وهو في منتهى القوة، وإذا شاء ﷾ أنقذه من موت محقق، وقد شارف عَلَى الهلاك وقارب الموت، فإذا به يعود صحيحاً سوياً معافىً كأنه لم يضره شيء.\r\rاعرف نفسك تعرف ربك\rلو تفكر الإِنسَان في ربه ﷾ لآمن به وازداد به يقيناً ومعرفة، ولهذا قال من قال من السلف: \"اعرف نفسك تعرف ربك\"، فإذا عرفت ضعفك عرفت قوة الله ﷾، وإذا اعرفت جهلك عرفت علم الله سبحانه تعالى، وإذا عرفت ذنوبك عرفت رحمة الله ﷾ بك ولطفه، وأنه لم يهلكك بهذه الذنوب ولم يؤاخذك بها بل تركك لعلك تتوب، وإذا عرفت تقصيرك عرفت كرم الله ومنَه عليك بالنعم والخيرات التي تتابع وتتوالى وأنت في غفلة عنها ولا تدري ولا تحسب لها أي حساب، ولو فقدت واحدة منها لتغيرت حياتك جميعها.\rإذاً: لو أن الإِنسَان عرف نفسه عَلَى الحقيقة فلن يرى في نفسه إلا الضعف والعجز والافتقار، ويعرف أن ربه ﷾ هو الموصوف بكمال الغنى، وكمال العلم، وكمال الحكمة، وأنه ﵎ لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، فالتفكر في هذه الأمور، مما يجب علينا جميعاً، لنزداد إيماناً بالله ﵎، ونزداد عبودية له سبحانه في أنفسنا.\r\rالعبودية عبوديتان","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690106,"book_id":1659,"shamela_page_id":1232,"part":null,"page_num":1232,"sequence_num":1232,"body":"لنكن عباداً لله حقيقة وإلا فكل ما في الكون هو عبد لله: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً [مريم:٩٣] كلهم عباده، لكن فرق بين العبد المتعبد بالاختيار، وبين العبد الذي يتكبر عَلَى الله، فلا بد أن نحقق عبودية الاختيار لله ﷾، ولنحذر من الاعتراض عَلَى الله ﵎ والاعتراض عَلَى أمره وأقداره وأحكامه، فإن هذه تتنافى مع اليقين والتوحيد، وتتنافى مع التفكر، لأنه لا يعترض إلا الجاهل الذي لم يتفطن إِلَى حكمة الله ﷾ أبداً، من إذا قيل له: هذا حرام اعترض، هذا جاهل بحكمة الله ﷾ في التشريع، ومن إذا قيل له: هذا قدر الله، فاعترض وأبى هذا جاهل بحكمة الله ﷾ بالمقادير،.\rفيجب أن يكون المؤمن دائماً منقاداً مذعناً مستسلماً لربه ﵎، هذه الدرجة التي لو بلغ الإِنسَان ذروتها لكان كما قال ﷺ في حديث جبريل (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) وإذا وصل العبد إِلَى هذه الحالة، فإنه يصبح في منزلة عظيمة عند ربه ﷿ كما في حديث الولي (وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي عليها، ولئن سئلنى لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن، هو يكره الموت، وأنا أكره مساءته، ولا بد له منه) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690107,"book_id":1659,"shamela_page_id":1233,"part":null,"page_num":1233,"sequence_num":1233,"body":"فالإِنسَان إذا ازداد به اليقين والتفكر والتأمل يصل إِلَى هذه الدرجة، الله ﷾ هو الذي كتب الموت عَلَى كل حي كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ [الأنبياء:٣٥] ، فلا يتردد ﷾ في شيء مثل تردده في هذا، وهنا أمران يتعارضان، هو يكره الموت، وأنا أكره مساءته، لا يريد أن يسوء هذا العبد بالموت، والعبد طبيعتة أنه يكره الموت، فهذا الذي هو ملك لله، وهو غني عنه في لحظة، ومع ذلك تبلغ قيمة هذا العبد عند الله أن يصير عنده بهذه المنزلة، وبهذه الدرجة، لما أن تقرب إِلَى الله ﷾.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690108,"book_id":1659,"shamela_page_id":1234,"part":null,"page_num":1234,"sequence_num":1234,"body":"شرح العقيدة الطحاوية\rالقدر\rفضيلة الشيخ د. سفر بن عبد الرحمن الحوالي\r\rموضوعنا هو عن إثبات الإرادة لله ﷾ والفرق بين الإرادة والمشيئة، ومتعلق كل منهما، وأما موضوع الإيمان بالقدر بكامله وما يتعلق به؛ فإنه من المباحث التي تأتي -بإذن الله تعالى- في الثلث الأخير من هذا الكتاب، عند قولالطّّحاويّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: [وأصل القدر سر الله في خلقه لم يطلع عليه ملك مقرب، ولا نبي مرسل، والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخِذلان وسلم الحرمان، ودرجة الطغيان.\rفالحذر كل الحذر من ذلك نظراً وفكراً ووسوسة، فإن الله طوى علمه عن أنامه، ونهاهم عن مرامه، كما قال تَعَالَى في كتابه: لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء:٢٣] ، فمن سأل لِمَ فعل؟ فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب كَانَ من الكافرين] .\rيحسن بنا أن نبدأ الحديث عن نشأة القدرية، وما حكمهم؟ ومن هم القدرية الموجودون اليوم؟\r\rأولاً: حديث جبريل ﵇ لما جَاءَ إِلَى النبي ﷺ فأسند ركبتيه إِلَى ركبتيه، ووضع يديه عَلَى فخذيه، وسأل النبي ﷺ عن أركان الإسلام وأركان الإيمان، فَقَالَ له النبي ﷺ: (الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره) .\r\rفكان أصحاب النبي ﷺ يؤمنون بالقدر، وأنه من ضمن العقيدة التي يجب أن يعتقدها كل مؤمن.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690109,"book_id":1659,"shamela_page_id":1235,"part":null,"page_num":1235,"sequence_num":1235,"body":"ومن ذلك حديث علي قال: ﴿كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتانا رسول الله ﷺ فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة فنكس فجعل ينكت بمخصرته ثم قال ما منكم من أحد ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة والنار وإلا وقد كتبت شقية أو سعيدة قال فقال رجل يا رسول الله أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل فقال من كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة فقال اعملوا فكل ميسر أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة، ثُمَّ قرأ قول الله ﵎: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى *وَصدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى [الليل:٥-١٠] .\r\rفبين لهم النبي ﷺ أنه لا بد من العمل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690110,"book_id":1659,"shamela_page_id":1236,"part":null,"page_num":1236,"sequence_num":1236,"body":"وفي حديث صحيح آخر سأله الصحابة سؤالاً أصرح وأجلى من ذلك، ﴿بين لنا ديننا كأنا خلقنا الآن فيما العمل اليوم، أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير، أم فيما نستقبل؟﴾ -أي: هذه الأعمال والطاعات والكدح في الدنيا أفي أمر قد جرت به الأقدار، وجفت به الأقلام، أم هو أمر جديد؟ - فَقَالَ النبي ﷺ: ﴿بل فيما جفت به الأقلام، وجرت به الأقدار﴾ ، أي: أن الله ﵎ قد علمه وكتبه، ومع ذلك اعملوا؛ فإنكم لا تدرون الغيب المكنون ولا ما كتب لكم، فيجب علينا أن نعلم أن الله قد كتب كل شيء الطاعة والمعصية، وأما قبل ذلك، فإن بأيدينا حرية الاختيار، وعلم الغيب محجوب عنا، فعلينا أن نختار طريقة أهل الخير والطاعة والسعادة وأهل الحسنى، ونعمل بما أمر الله ﷾ فإننا إن فعلنا الخير والطاعة أو فعلنا الشر؛ فإنه يطابق ما عند الله ﷾ كوناً وقدراً وإرادةً؛ لأنه لا يخرج عن إرادة الله سبحانه شيء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690111,"book_id":1659,"shamela_page_id":1237,"part":null,"page_num":1237,"sequence_num":1237,"body":"قال تعالى: إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً [الإِنسَان:٣] فهو الذي يختار أن يكون من الشاكرين أو يكون من الكافرين بمحض إرادته واختياره، والله ﵎ إنما فضل بني آدم عَلَى المخلوقات في الأرض بهذه الإرادة وهذا الاختيار، وكذلك إذا عمل بالطاعة أكرمه الله ﵎ بالجزاء الأوفى، وهي الجنة ورؤيته ﵎ وإن عمل بالمعصية عاقبه أعظم وأشد العقوبة وهي النار، بخلاف العجمي-الحيوان- يحشرها الله يَوْمَ القِيَامَةِ ويقتص لبعضها من بعض؛ حتى إنه ﴿يقتص للشاة الجلحاء -التي ليس لها قرون- من الشاة القرناء﴾ -ذات القرون- وبعد أن يفصل الله ﵎ بينها يقول لها ﵎: كوني تراباً، وحينئذٍ يقول الكافر: يا ليتني كنت تراباً؛ لأنه في الدنيا اختار المعصية، فتمنى يَوْمَ القِيَامَةِ أن يكون حيواناً ليكون تراباً ولا يدخل النَّار.\r\rفالإِنسَان قد احتمل الأمانة وكلف بهذا الدين، وجعل الله ﷾ له سبيل الاختيار، فبإمكانه أن يترقى في أعلى درجات المقربين، وبإمكانه أن يسفل إِلَى أحط درجات المبعدين المبغضين عند الله ﵎.\rوأول ما ظهر التكذيب بالقدر في مكانيين: البصرة، ودمشق.\rوالذي أظهره في البصرة هو معبد الجهني، وفي دمشق رجل يدعى غيلان الدمشقي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690112,"book_id":1659,"shamela_page_id":1238,"part":null,"page_num":1238,"sequence_num":1238,"body":"أما غيلان فإنه يبدو أنه أخذها عن أهل الكتاب -فإنه كَانَ في دمشق نصارى- ويقَالَ: إنه تتلمذ عَلَى يد أحد الرهبان يدعى يوحنا النصراني -وهذا في أيام بني أمية- وقال عنهالذهبي: ضال مسكين أخذ هذه البدعة -إنكار القدر- من يوحنا، وأما معبد الجهني فإنه كَانَ بالبصرة، وكانت أول بلاد الإسلام ظهوراً للبدع؛ لأنها تقع في أقرب نقطة إِلَى الفرس وبلاد الهند، وهذه الدول لها فلسفات وأديان وعقائد موروثة، فلما اختطتالبصرة وسكنها الْمُسْلِمُونَ من قبائل بني تميم وأشباهها -ممن تأخر دخولهم في الإسلام وبعضهم ارتد عن الإسلام بعد وفاة النبي ﷺ ثُمَّ عاد فيه، كَانَ فيها بعض أصحاب النبي ﷺ، وهم الذين أشاعوا فيها النور والخير؛ لكن مع ذلك فيها هَؤُلاءِ الذين أسلموا حديثاً من الفرس والهنود، ولديهم بقايا من موروثاتهم ومعتقداتهم.\rفظهرت في البصرة أول البدع، من ذلك بدعة الغلو في العبادة، والزهد إِلَى حد التصوف، وبدعة إنكار القدر، وفي أول صحيح مسلم أن رجلين من التابعين أتيا إِلَى ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُما- وقالا له: إن قوماً عندنا بالبصرة قد أظهروا إنكار القدر، فغضب ابْنُ عُمَرَ ﵁ من ذلك غضباً شديداً، وقَالَ: بلغوهم أنني منهم براء، وأنهم مني براء، ثُمَّ ذكر الحديث عن أبيه عمربن الخطاب وهو حديث جبريل المعروف.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690113,"book_id":1659,"shamela_page_id":1239,"part":null,"page_num":1239,"sequence_num":1239,"body":"وأما عبد الله بن عباس ﵄ فإنه لما بلغه قول من أنكر القدر -وكان قد كبر وكف بصره- قَالَ: قربوه مني فوالله لئن أمكنني الله منه لأدقن عنقه، ثُمَّ أَخبر أن هَؤُلاءِ مجوس مُشْرِكُونَ، وأنهم والله سينكرون الخير كما أنكروا الشر، يعني: كما أنكروا نسبة الشر إِلَى الله فسوف يأتي عليهم يوم ينكرون أيضاً الخير، فيكونون مجوساً، ويعلنون الشرك، كما أن إليات نساء دوس ستضطرب عَلَى ذي الخلصة، فكما سيقع الشرك في الألوهية والعبودية، فسوف يقع شرك هَؤُلاءِ في القدر، هكذا قال ابن عباس ﵄ فيما رواه اللالكائي.\r\rفالقول بالقدر ظهر في أواخر حياة الصحابة -وعبد الله بن عمر وابن عباس من صغار الصحابة- ثم ظهرت المعتزلة وأخذوا مقالة المجوس الذين قالوا: أن للعالم إلهين، أو خالقين: إلهاً للخير، وإلهاً للشر، فالمعتزلة الذين سُمو قدرية قالوا: إن الله ﷾ إنما يقدر على أن يخلق في الإنسان، وأما الشر: فإن الإنسان هو الذي يخلقه من عند نفسه، فجعلوا خالقاً مع الله ﷾، وجعلوا الله خالقاً للخير، والإنسان خالقاً للشر، ولهذا سموا ﴿مجوس هذه الأمة﴾ ، وقد ورد تسميتهم في عدة أحاديث مرفوعة، وكثير من العلماء يرجح أنها موقوفة عَلَى كلام الصحابة كابن عباس وغيره، وسيأتي تفصيله -إن شاء الله-. .\r\rثانياً: إنما سميت القدرية بهذا الإسم لأنهم نفوا القدر، فنُسبوا إِلَى الشيء الذي نفوه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690114,"book_id":1659,"shamela_page_id":1240,"part":null,"page_num":1240,"sequence_num":1240,"body":"وقد جَاءَ رجل من الأعراب فيه ذكاء وذهن وقاد إِلَى عمرو بن عبيد، وكان المعتزلة يعظمونه ويقولون: هذا يضرب به المثل في العبادة والزهد في الدنيا والتقشف والتقلل؛ لكنه كَانَ عَلَى عقيدة منحرفة لا تغني ولا تنفع صاحبها أبداً، مثل أحبار اليهود والنَّصارَى، يتعبدون ويخشعون ولكن لا ينفعهم ذلك، فالأعرابي -مسكين من أهل البصرة - سرقت ناقته فلم يجدها فاحتار، فَقَالُوا: اذهب إِلَى هذا الولي العابد الزاهد، واطلب منه أن يدعو الله ليرد لك ناقتك، فذهب إِلَى عمرو بن عبيد وشكا إليه الحال، وقَالَ: إن الناقة قد سرقت، وإني أرجو أن تدعوا الله أن يرد إلي الناقة، فرفع عمرو بن عبيد يديه وقَالَ: اللهم إنك لم ترد أن تسرق ناقة هذا الأعرابي، اللهم فارددها عليه! فَقَالَ الأعرابي: لا حاجة لي في دعائك!! ما دام أنه أراد أن لا تسرق فسرقت، فأخشى أن يريد أن ترجع فلا ترجع.\rفالفطرة السليمة عندما تكون حاضرة وحية في النفس، تعرف بالذكاء أن هذا المذهب مذهب باطل.\rفمذهب المعتزلة: أن الخير ينسب إِلَى الله، والشر يخلقه ويفعله العبد، والله تَعَالَى لم يرد وقوعه، وتطور هذا المذهب إِلَى أن صار مذهب عامة المعتزلة وفرقهم عَلَى اختلافها.\r\rسبق في موضوع التمثيل والتشبيه أن الشيعة كانوا مشبهة، ثُمَّ غَلب عليهم التعطيل لما دخلوا في مذهب الاعتزال واعتنقوه.\r\rوذكرنا السبب الذي جعل الشيعة يصبحون معتزلة وقدرية، فالشيعة الزيدية والشيعة الغلاة الرافضة كلهم يجمعهم أنهم عَلَى مذهب الاعتزال في القدر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690115,"book_id":1659,"shamela_page_id":1241,"part":null,"page_num":1241,"sequence_num":1241,"body":"وشَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ رد عَلَى الشيعة بكتاب منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية لأن الذي سمى نفسه بالمطهر ألف كتاب منهاج الكرامة وقَالَ: إن مذهبنا -مذهب القدرية - إنما أخذه عمرو بن عبيد، وواصل بن عطاء عن أبي هاشم أخي الحسن بن مُحَمَّد بن عَلَى بن أبي طالب الذي يسمى مُحَمَّد بن الحنفية، وهو ابن لعَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِب، ولكن ليس منفاطمة ﵃ أجمعين- وأمه من بني حنيفة.\r\rفمذهبنا في نفي القدر صحيح؛ لأن واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد تتلمذا علىأبي هاشم، ولذلك رد عليهم شَيْخ الإِسْلامِابْن تَيْمِيَّةَ فقَالَ: هذا الكلام غير صحيح، فإن أبا هاشم لم يكن من المعتزلة، والمعروف عنمُحَمَّد بن الحنفية أنه لم يكن معتزلياً، ولو أن أحداً من ذريته أثرت عنه بدعة، لما كَانَ حجة في أن تتبع ويخالف ما كَانَ عليه النبي ﷺ وأصحابه، لكن الشيعة اختلفوا سنداً لنفي القدر لا ينتهي إِلَى عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء الذين هم أساس الاعتزال؛ لأنه لو قيل إنهم أخذوا القدر عن معبد وغيلان وعن تلاميذهم، لكان هذا عاراً ومسبةً، فجعلوا كل علومهم وأديانهم متلقاة عن آل النبي ﷺ، ولذلك أتوا بهذا السند وَقَالُوا: أخذوا عن أبي هاشم بن مُحَمَّد بن عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ، وهذا كذب صراح؛ لأن النبي ﷺ لم ينكر القدر والعياذ بالله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690116,"book_id":1659,"shamela_page_id":1242,"part":null,"page_num":1242,"sequence_num":1242,"body":"وهناك فرقة أخرى تسمىالقدرية؛ لأنها تثبت القدر إثباتاً مطلقاً، فيقولون: كل ما يفعله الإِنسَان فإن الله قد قدره عليه، والإِنسَان ليس له إرادة مطلقاً، فلا يختار الخير ولا الشر، وإنما هو كالريشة في مهب الريح، فهَؤُلاءِ يسمون القدرية للغلو في إثباته، لكن اسمهم المشهور هو الجهمية؛ لأن أول من قال بهذه المقالة في الإسلام هو الجهم بن صفوان.\rوأشهر ما يسمون به الجبرية، وأعظم ما يستدلون به حديث احتجاج آدم وموسى ﵉، وهي فكرة قديمة موروثة أخذوا يتلمسون ويبحثون لها عن حجج واهية، أو متشابه من الكتاب والسنة يفهمونها فهماً خاطئاً ثُمَّ يدعون أنها بينات.\rفهاتان الفرقتان -الذين غلو في نفي القدر، والذين غلوا في إثبات القدر- يسميان القدرية؛ ولكن أحدهما: قدرية نفاة، والأخرى جبرية.\r\rثالثاً: حكم القدرية:\r\rأما من ينفي علم الله ﷾ بالأعمال قبل أن تقع سواء كانت أعمال الخير أو أعمال الشر ويقول: إن الله لا يعلمها حتى تقع؛ فإنه كافر خارج من الملة؛ لأنه نفى صفة من صفات الله ﷿ ورد إثباتها في مواضع كثيرة من القُرْآن والسنة.\rفالله ﷾ عليم بكل شيء، لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، فمن ظن أنه يعزب عن علم الله شيء من ذلك، وأن الله لا يعلمه فقد كفر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690117,"book_id":1659,"shamela_page_id":1243,"part":null,"page_num":1243,"sequence_num":1243,"body":"بل اللوح المحفوظ الذي ذكره الله ﷾ كتب فيه مقادير كل شيء، كماجاء في الحديث الصحيح: (أول ما خلق الله القلم، فَقَالَ له: اكتب. فكتب مقادير كل شيء) وهذا كَانَ قبل أن يخلق الله السموات والأرض بخمسين ألف سنة، ولذلك قال ابن عباس ﵄: ألستم عرباً تقرؤون؟! إنما يكون النسخ من كتاب، وهذا في قول الله ﵎: إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثية:٢٩] فالملائكة الذين يكتبون ما يعمله كل إنسان، يستنسخون من اللوح المحفوظ، فما يفعله الإِنسَان يأتي يَوْمَ القِيَامَةِ ويعرض عليه، ويقال له: اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً، فهذا مستنسخ من اللوح المحفوظ وهو مطابق لما سيفعله.\r\rونجد أن أول ما خلق الله ﷾ آدم ﵇ أخذ من صلبه ذريته، فكان كل منهم كالذر، وقال هَؤُلاءِ في الجنة ولا أبالي، وهَؤُلاءِ في النَّار ولا أبالي، كما سيأتينا -إن شاء الله تعالى- في شرح آية الميثاقوَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا [الأعراف:١٧٢] .\rوكل واحد من بني آدم عندما يكون في رحم أمه، بعد أن يأتي عليه أربعون ليلة، أو اثنتان وأربعون ليلة، أو مائة وعشرون ليلة -على اختلاف الروايات، والأرجح -والله أعلم- أن رواية الثنتين والأربعين نص في ذلك- يأتيه ملك، فيؤمر بكتب أربع كلمات، وهذا هو القدر الشخصي للإنسان، والذي كتب لما خلق الله القلم هو القدر الكوني العام، ولما خلق الله ﷾ آدم كتب قدر البشرية جميعاً، فهذا التقدير مكتوب معلوم عند الله -سبحانه تعالى- عَلَى مستوى الكون كله، وعلى مستوى العالم الإِنسَاني، وعلى مستوى الفرد البشري يعلمه الله ﷾ ويكتبه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690118,"book_id":1659,"shamela_page_id":1244,"part":null,"page_num":1244,"sequence_num":1244,"body":"وأما من قَالَ: إن الله يعلم ذلك، لكن لا نثبت أنه أراد ذلك؛ تنزيهاً له ﷾ عن إرادة الشر، فهَؤُلاءِ عَلَى بدعة خطيرة وضلالة كبيرة، ولكن لا يكفرون، وإنما تقام عليهم الحجة الدامغة، فلعلهم يرجعون ويهتدون، ونجادلهم بقضية العلم، ثُمَّ نثنّي عليها بآيات الإرادة، ونبين لهم معنى الإرادة وأنها نوعان.\r\rوأما الجهمية الذين قالوا: إن الإِنسَان لا إرادة له مطلقاً، وأنه كالريشة في مهب الريح، فإن هَؤُلاءِ يكفرون، وقد سبق الكلام في الجهمية ومن كفرهم من العلماء مثل: وكيع، وابن المبارك، والإمام أَحْمَد، وسفيان بن عيينة، وإسحاق بن راهويه ﵃ أجمعين- وهي ليست من فرق الأمة الثلاث والسبعين.\r\rقال الإمامالطّّحاويّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:\r\r[ولا يكون إلا ما يريد] .\r\rقَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:\r[هذا رد لقول القدرية والمعتزلة، فإنهم زعموا أن الله أراد الإيمان من النَّاس كلهم، والكافر أراد الكفر، وقولهم فاسد مردود لمخالفته الكتاب والسنة، والمعقول الصحيح، وهي مسألة القدر المشهورة، وسيأتي لها زيادة بيان -إن شاء الله تعالى-.\r\rوسُموا قدرية لإنكارهم القدر، وكذلك تسمى الجبرية المحتجون بالقدر قدرية أيضاً، والتسمية عَلَى الطائفة الأولى أغلب.\rأما أهل السنة، فيقولون: إن الله وإن كَانَ أراد المعاصي قدراً، فهو لا يحبها ولا يرضاها، ولا يأمر بها، بل يبغضها، ويسخطها، ويكرهها، وينهى عنها، وهذا قول السلف قاطبة، فيقولون: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ولهذا اتفق الفقهاء عَلَى أن الحالف لو قَالَ: والله لأفعلن كذا إن شاء الله، لم يحنث إذا لم يفعله، وإن كَانَ واجباً أو مستحباً، ولو قَالَ: إن أحبّ الله، حنث إذا كَانَ واجباً أو مستحباً. والمحققون من أهل السنة يقولون: الإرادة في كتاب الله نوعان:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690119,"book_id":1659,"shamela_page_id":1245,"part":null,"page_num":1245,"sequence_num":1245,"body":"إرادة قدرية كونية خلقية، وإرادة دينية أمرية شرعية، فالإرادة الشرعية: هي المتضمنة للمحبة والرضى. والكونية: هي المشيئة الشاملة لجميع الحوادث.\r\rوهذا كقوله تعالى: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَعَّدُ فِي السَّمَاءِ [الأنعام:١٢٥] وقوله تَعَالَى عن نوح ﵇: وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ [هود:٣٤] وقوله تعالى: وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ [البقرة:٢٥٣] وأما الإرادة الدينية الشرعية الأمرية، فكقوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة:١٨٥] وقوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [النساء:٢٦] وقوله تعالى: وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً * يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانسَانُ ضَعِيفاً [النساء:٢٨،٢٧] وقوله تعالى: مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [المائدة:٦] وقوله تعالى: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً [الأحزاب:٣٣] ، فهذه الإرادة هي المذكورة في مثل قول النَّاس لمن يفعل القبائح: هذا يفعل ما لا يريده الله، أي: لا يحبه ولا يرضاه ولا يأمر به.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690120,"book_id":1659,"shamela_page_id":1246,"part":null,"page_num":1246,"sequence_num":1246,"body":"وأما الإرادة الكونية، فهي الإرادة المذكورة في قول الْمُسْلِمِينَ: ما شاء الله كان، وما لم يشاء لم يكن. والفرق ثابت بين إرادة المريد أن يفعل، وبين إرادته من غيره أن يفعل. فإذا أراد الفاعل أن يفعل فعلاً فهذه الإرادة المعلقة بفعله، وإذا أراد من غيره أن يفعل فعلاً، فهذه الإرادة لفعل الغير، وكلا النوعين معقول للناس، والأمر يستلزم الإرادة الثانية دون الأولى، فالله تَعَالَى إذا أمر العباد بأمر، فقد يريد إعانة المأمور عَلَى ما أمر به، وقد لا يريد ذلك، وإن كَانَ مريداً منه فعله] ا. هـ\rالشرح:\rقول الطّّحاويّ ﵀: [ولا يكون إلا ما يريد] هذا رد عَلَى القدرية والمعتزلة؛ فإنهم زعموا أن الله أراد الإيمان من النَّاس كلهم، والكافر أراد الكفر.\r\rفغلبت إرادة الكافر إرادة الله -والعياذ بالله- عَلَى مقتضى كلامهم؛ ولهذا يقولون: إن الكافر يخلق فعل نفسه، وأما الله ﷾ فلا يخلق فعل الكافر ولا معصية العاصي، ويقولون: ننزه الله ﷾ ونجله عن ذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690121,"book_id":1659,"shamela_page_id":1247,"part":null,"page_num":1247,"sequence_num":1247,"body":"وهذا مردود بالكتاب والسنة -كما بينا - وأما أهل السنة فيقولون: إن الله وإن كَانَ يريد المعاصي قدراً، فهو لا يحبها ولا يرضاها؛ لأن الإرادة الكونية أمر مقضي مكتوب قبل أن تخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وأما الإرادة الشرعية فإنها تأتي بعد ذلك في حق الإِنسَان، فمثلاً: لما بعث الله ﷾ الأَنْبِيَاء أتى كل نبي يأمر قومه بما يريده الله شرعاً وأمراً من الإيمان به وتوحيده -جل شأنه- أو الكفر بالطاغوت والانتهاء عن المعاصي، فكل من يبلغه كلام الله يقتضي منه ذلك، وهو فعل مأمور أو ترك محظور، فإن هذه هي إرادة الله الشرعية، يريد منه شرعاً أن يصلي، ويريد منه شرعاً أن ينتهي عن الزنا أو الربا أو الخمر أو غير ذلك، أما الإرادة الكونية فأمرٌ قد أمضاه الله ﷿، وجفت به الأقلام، وجرت به المقادير، كما جَاءَ في الحديث.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690122,"book_id":1659,"shamela_page_id":1248,"part":null,"page_num":1248,"sequence_num":1248,"body":"وأما احتجاج الْمُشْرِكِينَ بقدر الله ﷾ فيقول الله ﷾ في سورة الأنعام: سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ * قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ [الأنعام:١٤٨-١٤٩] وقال الله ﵎ في سورة النحل: وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ [النحل:٣٥] وقال في سورة الزخرف: وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ [الزخرف:٢٠] وفي سورة يس: قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [يس:٤٧] .\r\rفالمهم هي هذه المواضع الثلاثة الأولى التي احتج بها المُشْرِكُونَ عَلَى شركهم بالقدر.\r\rفكان الرد عليهم من القُرْآن الذي فيه البيان الشافي والجواب الكافي لكل شبهة إِلَى أن تقوم الساعة، كما قال عبد الله بن عباس ﵄: \" ما من شبهة إِلَى أن تقوم الساعة إلا وجوابها في القرآن \".\r\rفأجاب الله ﷾ عَلَى الذين يحتجون بالقدر من الْمُشْرِكِينَ، أو من عصاة هذه الأمة، ويقولون: إن الله قد قدر علينا المعاصي!!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690123,"book_id":1659,"shamela_page_id":1249,"part":null,"page_num":1249,"sequence_num":1249,"body":"أولاً قَالَ: كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا [الأنعام:١٤٨] وقال في سورة النحل: كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [النحل:٣٣]\r\rفهذا الكلام قد قاله أمم من قبلهم -وهو الاحتجاج بالقدر- فكفار قريش قالوا: نَحْنُ نحتج عَلَى مُحَمَّد بأنه لو كَانَ الله لا يرضى أن نعبد هذه الأصنام فكيف شاء ذلك؟ فلو شاء الله ما أشركنا؛ لكن نَحْنُ نعبدها لأنه شاء ذلك، فَقَالَ الله ﷿: كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [الأنعام:١٤٨] ثُمَّ طالبهم الله ﷿ بالحجة، وذكر أنه قد بين جل شأنه الحجة، وأن حجته الأمرية الشرعية لا يمكن أن تتفق مع كونه رضي بذلك الشيء وأقره.\r\rفقَالَ: قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا [الأنعام:١٤٨] ، وقال جل شأنه: قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ [الأنعام:١٤٩] ، وقال جل شأنه: وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ [الزمر:٧] فلو أن المشيئة هي الرضا لهداكم أجمعين، فلو شاء لهداكم أجمعين، وخلقكم أمة واحدة مؤمنة، لكن من حكمة الله أن خلقكم فمنكم كافر، ومنكم مؤمن، وهذا فيه حكم عظيمة جداً منها: بعث الرسل، واصطفاء عباد الله المؤمنين، وإذلال الكافرين، وليكون الإِنسَان الذي كرمه الله تَعَالَى عَلَى جميع المخلوقات حر الإرادة، يختار هذا الطريق أو ضده، ومنها: أن يكون للجنة أهل، وللنار أهل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690124,"book_id":1659,"shamela_page_id":1250,"part":null,"page_num":1250,"sequence_num":1250,"body":"فالاحتجاج بالمشيئة والإرادة قد أجاب الله عنه في سورة النحل، فَقَالَ جل شأنه: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:٣٦] فجعل الإِنسَان مختاراً وأقام الحجة عليه، فيا سُبْحانَ اللَّه! كيف تقولون: إن الله تَعَالَى راض عن شركنا، وأنه يريد لنا الشرك، وهو يقول: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:٣٦] ولو قيل كيف يهدي أناساً ويضل آخرين، قال الله: فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ [النحل:٣٦] .\r\rثُمَّ قال بعد ذلك إِنْ تَحْرِص عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [النحل:٣٧] .\r\rفالله ﵎ يوفق للهداية من شاء تفضلاً بعد أن تقوم الحجة، ويحجب هذه الهداية عمن شاء بعد أن تقوم عليه الحجة، فما كفر كافر إلا باختيار منه بعد قيام الحجة عليه من الأنبياء، وهو يتحمل عاقبة وجزاء هذا الاختيار، وما آمن مؤمن إلا بفضل من الله ﷿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [يونس:١٠٠] فهذا فضل وتكرم من الله ﷿ ومن كمال عدله ﷾ أنه أوجب عَلَى نفسه أن لا يعذبهم حتى يبعث فيهم رسولاً: رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء:١٦٥] .\rوالنَّاس يَوْمَ القِيَامَةِ نوعان:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690125,"book_id":1659,"shamela_page_id":1251,"part":null,"page_num":1251,"sequence_num":1251,"body":"أ-نوع لم يأتهم نذير: كمن عاش في جزيرة نائية؛ أو في مكان لم تبلغهم الدعوة قط، فعدل الله ﷿ ورحمته وحكمته اقتضت أن لا يعذبهم حتى يقيم عليهم الحجة؛ لأنهم لم يأتهم نذير، فيختبرهم الله ﷿ يَوْمَ القِيَامَةِ؛ فإن أطاعوه أدخلهم الجنة، وإن عصوه أدخلهم النار، عَلَى القول الراجح.\r٢-نوع يقولونها افتراءً وكذباً، كما في الحديث الصحيح عندما يسأل الله قوم نوحوَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ [القصص:٦٥] ماذا أجبتم نوح؟! هل جاءكم من نذير؟! لماذا أشركتم؟! فيجيب قوم نوح: ما جاءنا من نذير.\rفيقول الله ﷿: يا نوح ما صنعت بقومك؟ فَيَقُولُ: يا رب دعوتهم إِلَى ما أمرتني به.\rفيقول لقوم نوح: ما تقولون في قوله هذا فيقولون كذب، فيقول الله ﵎: يا نوح من يشهد لك؟ فيقول نوح: مُحَمَّد ﷺ وأمته، فيأتي رَسُول الله ﷺ وأمته فيشهدون أن نوحاً قد بلّغ -ونحن والله نشهد أن نوحاً بلغ أمته- لأن كتاب الله بين أيدينا ينطق بذلك وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُول ولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [البقرة:١٤٣] فنحن شهداء عَلَى الناس، ما من نبي تكذبه أمته يَوْمَ القِيَامَةِ في البلاغ؛ إلا ونحن نشهد أنه قد بلغ؛ لأن الله أخبرنا بذلك في كتابه -الذكر المحفوظ - الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فاحتجاج الْمُشْرِكِينَ باطل ومردود بأعظم دليل وهو بعثة الرسل، فإن بعثة الرسل تبطل دعواهم أن الله ﷾ شاء لهم الكفر، أي: رضيه لهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690126,"book_id":1659,"shamela_page_id":1252,"part":null,"page_num":1252,"sequence_num":1252,"body":"وكذلك كل من فجر أو بغى أو عصى من هذه الأمة فقَالَ: لا أصلي؛ لأن الله لم يشأ لي الهداية، يرد عليه بما رد الله ﵎ أن الله لو شاء ذلك بمعنى: أنه رضيه له، فلماذا شرع الحلال والحرام؟! ولماذا بعث نبينا ﷺ؟! فحرم الزنا، وشرع عقوبة له، إما الجلد وإما الرجم، وشرع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كل هذه الأمور لماذا تكون؟!\r\rفلو أن الله رضي بالزنا -والعياذ بالله- فلماذا حرمه؟!.\r\rإذن. لا يرضاه، فإنه تَعَالَى وإن كَانَ كتبه أو شاءه إلا أنه يبغضه ويسخطه ولا يرضاه، بل توعد صاحبه بالنَّار والجزاء الأشد، فلماذا تختار ذلك بمحض مشيئتك وإرادتك؟!\r\rفأنت تعاقب عَلَى هذه المشيئة والإرادة، ولهذا فرق بين من جيء به مقيداً مغلولاً فأخذ مال إنسان أو قتل إنساناً دون أن يتعمد ذلك، وهو مقيد مغلول مقهور، وبين من يذهب إليها راضياً مطمئناً، فعندما يحتج هذا بأنه مجبور وأنه مقدر عليه؛ فكأنه يقول: أنا مكتَّف ومقيد ومرغم عَلَى أن أفعل هذا.\r\rوإنما قالت القدرية ذلك لجهلهم وسوء استدلالهم، كما في قصيدة شَيْخ الإِسْلامِ التائية في الاحتجاج بالقدر التي شرحها الشيخ عبد الرحمن بن سعدي رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى يقول: إن قول هَؤُلاءِ النَّاس كقول الذئب هذه طبيعتي، فلو جَاءَ ذئب وهجم عَلَى مزرعتك، وعبث في الغنم، ثُمَّ قتلته، فقيل لك: أتقتله وهذه طبيعته وهو هكذا خُلق يأكل الغنم؟ فلا شك أنك لن تقبل هذا الكلام، فالله خلقه ليأكل الغنم وهذا قدر الله، لكن أيضاً قدر الله ﷿ أن أعطاني أيضاً من الإرادة ما أحفظ بها غنمي، فأنا أرد القدر بالقدر.\r\rفالواحد منهم لو أخذ الذئب غنمه لكان أشجع ما يكون حتى يقتله، وإذا ارتكب معاصي الله قَالَ: هذا قدر الله علينا، وهذه طبيعتنا، وكذا خلقنا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690127,"book_id":1659,"shamela_page_id":1253,"part":null,"page_num":1253,"sequence_num":1253,"body":"وهذه الشبهات تنشأ من مرض القلب، وليست مبنية عَلَى هدى، فلذلك قال الله ﷿: قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا [الأنعام:١٤٨] .\rهناك فرق بين المشيئة والمحبة، فالمشيئة غير المحبة فمثلاً الله أراد الكفر قضاءً وقدراً، وكتب أن هناك أناساً يكفرون؛ لأنه لا يقع إلا ما يريد الله، ولكنه -سبحانه- لا يحب الكفر ولا يرضى لعباده الكفر، والله لا يحب الكافرين، ولا يحب الفاسقين، ولا يحب الظالمين، فهناك فرق بين الرضا وبين المشيئة، ولذا ذكر المُصنِّفُ مثالاً فقهياً -حتى من كَانَ معتزلياً أو قدرياً فإنه يفتي به- وهو أنه لو حلف أو نذر رجل عَلَى شيء، ثُمَّ علقه بالمشيئة أو بالمحبة، فقَالَ: والله لأتصدقن بألف ريال -إن شاء الله- فهذا عند جميع المذاهب الأربعة حكمه أنه إن تصدق فله الأجر، وإن لم يتصدق فلا شيء عليه؛ لأنه قَالَ: إن شاء الله، يخير الإِنسَان في فعله أو عدمه؛ لأنه لا يدري هل يشاء الله أم لا يشاء؛ لأن ذلك في اللوح المحفوظ، والإِنسَان بحريته واختياره يفعل ما يشاء وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الإِنسَان:٣٠] ، لكن لو قَالَ: والله لأتصدقن بألف ريال إن أحب الله، قال الفقهاء: يجب عليه أن يتصدق، فالله يحب المتصدقين، ويحب عطاء المساكين.\rفكونه شاء شيئاً لا يقتضي أنه يحبه، لكن كونه يحب شيئاً فمعناه أنه مأمور ومطلوبٌ شرعاً، إما وجوباً وإما استحباباً، فهذا هو الفرق: أن المشيئة لا تتضمن المحبة.\rوالإرادة الواردة في القُرْآن والسنة نوعان:\rالإرادة الكونية القدرية","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690128,"book_id":1659,"shamela_page_id":1254,"part":null,"page_num":1254,"sequence_num":1254,"body":"وهي: أن ما أراده الله وقضاه كوناً وقدراً قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، جرت به المقادير وجفت به الأقلام، فلا ينسخه شيء، وهو في اللوح المحفوظ، ومن هذه الإرادة: أن الله ﷾ أراد أن يوجد فرعون ويكون كافراً، ويكذب موسى ثُمَّ يغرق، وأن يكفر أبو لهب، وأن يكون من أهل النار، قال الله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً [الفرقان:٣١] ، وهذه الإرادة لا يخرج عنها شيء بإطلاق، فإن الله ﷿ قد شاء وأراد وكتب وقضى، وقدر طاعة المطيع ومعصية العاصي، وكفر الكافر، وشرك المشرك، وبدعة المبتدع، والحياة والموت وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [الأنعام:٥٩] حتى سقوط الحبة يابسة جافة في ظلام الليل لا يسمعها الإِنسَان وهو في جوارها؛ فإنها مكتوبة، حتى حركة الذر، وحركة أصغر الكائنات -الميكروبات أو الجراثيم- كل شيء مكتوب، فهذه الإرادة الكونية شاملة لجميع الموجودات والكائنات، ولذلك نقول: أراد الله كذا. أي: خلقة وقدره وشاء وقوعه.\r\rالإرادة الشرعية الأمرية","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690129,"book_id":1659,"shamela_page_id":1255,"part":null,"page_num":1255,"sequence_num":1255,"body":"هذه الإرادة الشرعية مثل إرادة الله منا أن نصلى ونزكي، وإرادته من قوم نوح أن يؤمنوا، ومنفرعون أن يؤمن، ومن أبي لهب أن يؤمن، فهنا شرع وطلب ذلك، والفرق -كما يذكر المُصْنِّف -أن الإرادة الأولى فعل من الله ﷿ هو كتبه وأمضاه وقدره، وأما الإرادة الثانية فهو فعل من العبد مطلوب منه أن يفعله، فالكونية (أراد) بمعنى: خلق وقدر، والشرعية (أراد) بمعنى: أمر ونهى، فهما إرادتان مختلفتان، فالله ﷾ يقول: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [القصص:٥٦] فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ [الأنعام:١٢٥] ويقول نوح لقومه: وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ َ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ [هود:٣٤] وقول الله ﷿: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ [البقرة:٢٥٣] وقوله ﷿: فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [البروج:١٦] وقوله تعالى: لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء:٢٣] فهذه الإرادة الكونية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690130,"book_id":1659,"shamela_page_id":1256,"part":null,"page_num":1256,"sequence_num":1256,"body":"وأما الإرادة الشرعية الأمرية فمثل قول الله سبحانه: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة:١٨٥] أي: شرع لكم وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً [النساء:٢٧] ويقول: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [النساء:٢٦] يقول: مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ [المائدة:٦] فلم يرد الله لنا شرعاً أن نقع في حرج، لكن قد نقع فيه قدراً كونياً.\rفالله ﷾ أراد كوناً وقدراً أن أبا لهب وفرعون لا يؤمنان، بل يكونان كافرين، وأراد منهما شرعاً وأمراً أن يؤمنا، وجاءت لهما البراهين والبينات من موسى ﵇ ومُحَمَّد ﷺ، فكفرفرعونوأبو لهب بهذه الآيات وبهذا النور المبين، فاستحق كل منهما عذاب الله ولم تتحقق فيهما الإرادة الشرعية؛ لأنها من فعل العبد، فلا يلزم أن تتحقق ولا أن تقع، وإنما له الخيار أن يفعل فيدخل الجنة، أو أن يعصي فيدخل النار، فوقع منأبي لهب وفرعون اختيار الكفر، أما المؤمن كأبِي بَكْرٍ وعُمَر ﵄ فإن الله تَعَالَى أراد لهم الهداية كوناً وقدراً وكتب عنده في اللوح المحفوظ أنهما يكونان مؤمنين قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، فلما بعث الله نبيه محمداً ﷺ طلب منهما طلباً وشرعاً أن يؤمنا فآمنا، فتحققت فيهما إرادة الله الكونية التي لا يقع شيء إلا وفقها ومقتضاها، وتحققت الإرادة الشرعية التي هي محل اختيار العبد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690131,"book_id":1659,"shamela_page_id":1257,"part":null,"page_num":1257,"sequence_num":1257,"body":"فمن هنا نعرف الفرق بين الإرادتين، ويتبين لنا كيف نرد عَلَى شبهة هَؤُلاءِ القدرية: الذين يقولون إن الإرادة والمشيئة تستلزم المحبة.\r\rولهذا يقول المُصْنِّف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: فهذه الإرادة -يعني: الإرادة الشرعية- هي المذكورة في مثل قول النَّاس لمن يفعل القبائح: هذا يفعل ما لا يريده الله، يعني: لا يرضاه ولا يحبه الله، لكن لو قالها آخر بمعنى: ما قدره الله ولا كتبه، فهذا إما أن يكون منكراً للعلم فيكون كافراً، وإما أن يكون فقط ينكر نسبة الشر إِلَى الله فيكون ضالاً مبتدعاً، ففرق بين الحالتين، لكن عامة النَّاس يستخدمونها بمعنى: لا يحبه، وهو شيئ محرم؛ لأن الله ورسوله لا يريدان الحرام وهكذا ...\r\rوأما الإرادة الكونية فهي الإرادة المذكورة في قول الْمُسْلِمِينَ: ما شاء الله كَانَ وما لم يشأ لم يكن، يعني: ما أراد الله كَانَ وما لم يرد الله لم يكن، فتبين لنا الفرق بين نوعي من الإرادة.\r\rثُمَّ قَالَ: والفرق ثابت بين إرادة المريد أن يفعل، وبين إرادته من غيره أن يفعل، أي: بين إرادة الله ﷿ أن يفعل الشيء سبحانه؛ فهو فعال لما يريد، وبين إرادته من غيره أن يفعل، فالأولى متعلقة بفعله، والأخرى متعلقة بفعل المأمور، ثُمَّ إن المأمور قد يعان عَلَى ما أمر، وقد لا يعان.\r\rقَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690132,"book_id":1659,"shamela_page_id":1258,"part":null,"page_num":1258,"sequence_num":1258,"body":"[وتحقيق هذا مما يبين فصل النزاع في أمر الله تعالى: هل هو مستلزم لإرادته أم لا؟ فهو سبحانه أمر الخلق عَلَى ألسن رسله ﵈ بما ينفعهم ونهاهم عما يضرهم، ولكن منهم من أراد أن يخلق فعله، فأراد سبحانه أن يخلق ذلك الفعل، ويجعله فاعلاً له، ومنهم من لم يرد أن يخلق فعله، فجهة خلقه سبحانه لأفعال العباد وغيرها من المخلوقات غير جهة أمره للعبد عَلَى وجه البيان، لما هو مصلحة للعبد أو مفسدة، وهو سبحانه إذا أمرفرعون وأبا لهب وغيرهما بالإيمان، كَانَ قد بين لهم ما ينفعهم ويصلحهم إذا فعلوه، ولا يلزم إذا أمرهم أن يعينهم، بل قد يكون في خلقه لهم ذلك الفعل وإعانتهم عليه وجه مفسدة من حيث هو فعل له؛ فإنه يخلق ما يخلق لحكمة، ولا يلزم إذا كَانَ الفعل المأمور به مصلحة للمأمور إذا فعله أن يكون مصلحة للآمر إذا فعله هو، أو جعل المأمور فاعلاً له، فأين جهة الخلق من جهة الأمر؟ فالواحد من النَّاس يأمر غيره وينهاه مريداً لنصحه ومبيناً لما ينفعه، وإن كَانَ مع ذلك لا يريد أن يعينه عَلَى ذلك الفعل، إذ ليس كل ما كَانَ مصلحتي في أن آمر به غيري وأنصحه، يكون مصلحتي في أن أعاونه أنا عليه، بل قد تكون مصلحتي إرادة ما يضاده، فجهة أمره لغيره نصحاً غير جهة فعله لنفسه، وإذا أمكن الفرق في حق المخلوقين، فهو في حق الله أولى بالإمكان.\r\rوالقدرية تضرب مثلاً بمن أمر غيره بأمره؛ فإنه لا بد أن يفعل ما يكون المأمور أقرب إِلَى فعله، كالبشر والطلاقة وتهيئة المساند والمقاعد، ونحو ذلك.\r\rفيقال لهم: هذا يكون عَلَى وجهين: أحدهما: أن تكون مصلحة الأمر تعود إِلَى الآمر، كأمر الملك جنده بما يؤيد ملكه، وأمر السيد عبده بما يصلح ملكه، وأمر الإِنسَان شركاءه بما يصلح الأمر المشترك بينهما، ونحو ذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690133,"book_id":1659,"shamela_page_id":1259,"part":null,"page_num":1259,"sequence_num":1259,"body":"الثاني: أن يكون الآمر يرى الإعانة للمأمور مصلحة له، كالأمر بالمعروف، وإذا أعان المأمور عَلَى البر والتقوى، فإنه قد علم أن الله يثيبه عَلَى إعانته عَلَى الطاعة، وأنه في عون العبد ما كَانَ العبد في عون أخيه. فأما إذا قدر أن الآمر إنما أمر المأمور لمصلحة المأمور لا لنفع يعود عَلَى الآمر من فعل المأمور، كالناصح المشير، وقدر أنه إذا أعانه لم يكن ذلك مصلحة للآمر، وأن في حصول مصلحة المأمور مضرة عَلَى الآمر، مثل الذي جَاءَ من أقصى المدينة يسعى، وقال لموسى ﵇: إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ [القصص:٢٠] فهذا مصلحته في أن يأمر موسى ﵇ بالخروج، لا في أن يعينه عَلَى ذلك، إذ لو أعانه لضره قومه، ومثل هذا كثير.\r\rوإذا قيل: إن الله أمر العباد بما يصلحهم، لم يلزم من ذلك أن يعينهم عَلَى ما أمرهم به، لا سيما وعند القدرية لا يقدر أن يعين أحداً عَلَى ما به يصير فاعلاً.\r\rوإذا عللت أفعاله بالحكمة، فهي ثابتة في نفس الأمر، وإن كنا نَحْنُ لا نعلمها، فلا يلزم إذا كَانَ في نفس الآمر له حكمة في الأمر أن يكون في الإعانة عَلَى فعل المأمور به حكمة، بل قد تكون الحكمة تقتضي أن لا يعينه عَلَى ذلك. فإنه إذا أمكن في المخلوقات أن يكون مقتضى الحكمة والمصلحة أن يأمر بأمر لمصلحة المأمور، وأن تكون الحكمة والمصلحة للآمر أن لا يعينه عَلَى ذلك، فإمكان ذلك في حق الرب أولى وأحرى.\r\rوالمقصود: أنه يمكن في حق المخلوق الحكيم أن يأمر غيره بأمر ولا يعينه عليه، فالخالق أولى بإمكان ذلك في حقه مع حكمته، فمن أمره وأعانه عَلَى فعل المأمور، كَانَ ذلك المأمور به قد تعلق به خلقه وأمره نشأةً وخلقاً ومحبةً، فكان مراداً بجهة الخلق ومراداً بجهة الأمر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690134,"book_id":1659,"shamela_page_id":1260,"part":null,"page_num":1260,"sequence_num":1260,"body":"ومن لم يعنه عَلَى فعل المأمور، كَانَ ذلك المأمور قد تعلق به أمره ولم يتعلق به خلقه، لعدم الحكمة المقتضية لتعلق الخلق به، ولحصول الحكمة المقتضية لخلق ضده.\rوخلق أحد الضدين ينافي خلق الضد الآخر، فإن خلق المرض الذي يحصل به ذل العبد لربه ودعاؤه وتوبته، وتكفير خطاياه، ويرق به قلبه، ويذهب عنه الكبرياء والعظمة والعدوان، يضاد خلق الصحة التي لا تحصل معها هذه المصالح، ولذلك كَانَ خلق ظلم الظالم الذي يحصل به للمظلوم من جنس ما يحصل بالمرض، يضاد خلق عدله الذي لا يحصل به هذه المصالح، وإن كانت مصلحته هو في أن يعدل.\rوتفصيل حكمة الله في خلقه وأمره، يعجز عن معرفتها عقول البشر، والقدرية دخلوا في التعليل عَلَى طريقة فاسدة مثلوا الله فيها بخلقه، ولم يثبتوا حكمة تعود إليه] اهـ\rالشرح:\r\rهذا الكلام على طوله يناقش قضية فرعية جزئية قالها القدرية وهي: أن الآمر إذا أمر بشيء، أو المريد إذا أراد شيئاً، فإن إرادته ذلك تستلزم الإعانة على فعله.\r\rوقد رد المُصنِّفُ ﵀ عَلَى القدرية: بأن الموضوع له جهتان:\rجهة خلقه وإرادته للشيء والأمر به.\rوجهة إعانته العبد عَلَى فعل ما أراده ﷾.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690135,"book_id":1659,"shamela_page_id":1261,"part":null,"page_num":1261,"sequence_num":1261,"body":"والله ﷾ إنما يعاقب العبد الكافر والعاصي بعد أن يبين له الحجة، وهو ﷾ قد كتب عَلَى نفسه أن لا يعاقب أحداً إلا بعد أن يبين له الحق والحجة والصواب وَمَا كَانَ َ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ [التوبة:١١٥] فضرب المثال بفرعون وأبي لهب، جاءتهما الحجج من عند الله ﷾ والبيان فكفرا به، فلا يلزم من إرادة الإيمان منهما أن يعينهما الله ﷿، وأن يوفقهما الله ﷾ للإيمان؛ لأن هناك حِكما ومصالح تفوت في عدم كفرفرعون وأبي لهب، بل في وجود الكافرين عموماً، فهذه الحكم تفوت وتنتفي لو أنه وفقهما للإيمان كما وفق أبا بكر وعُمَرَ، وإنما بيّن لهما وأراهما الحجة، ثُمَّ وفقهما الله ﷿ وتفضل عليهم فاختارا الهدى، فهو أعان المؤمنين عَلَى هداهم ووفقهم وتفضل عليهم بالهداية، لكنه لم يمنع الكافرين حقاً لهم عليه ﷾.\r\rوإنما أعذر إليهم وأقام الحجة عليهم، فقول القدرية هَؤُلاءِ: إن الآمر يلزمه أن يعين المأمور، كلام مردود، وهذا من تشبيههم لله ﷿ بخلقه، مثلما قالوا: إن الإِنسَان إذا أمر أحداً بشيء فإنه لا بد أن يظهر عليه من البشر أو الطلاقة أو من واقع الحال ما يدل عَلَى أنه يعينه عليه، لذلك قالوا: إن الله ﷿ يلزم عليه أن يعين الكافر ويوفقه للإيمان أو الطاعة.\r\rمع أن الخلق عندهم الأمر ينفك عن الإعانة، فقد لا يكون مصلحة للآمر أن يعينه، بل قد يكون خلاف ذلك، كالرجل الذي جَاءَ من أقصى المدينة يسعى فَقَالَ لموسى: إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ [القصص:٢٠] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690136,"book_id":1659,"shamela_page_id":1262,"part":null,"page_num":1262,"sequence_num":1262,"body":"فمصلحته أن يأمر موسى ﵇ بالخروج فقط، لكنه لو أعانه وأرشده وأخذ بيده، أو حمله عَلَى بعيره حتى يخرجه، لكانت هناك مضرة عَلَى هذا الرجل لو رآهفرعون وقومه؛ لكن هو مصلحته في أن يخبره ويبلغه، فَقَالَ له: إن بقيت ظفر بك قومفرعون؛ فإنهم سوف يؤذونك ويقتلونك، وإذا خرجت فستسلم، فاخرج إني لك من الناصحين.\rقَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:\r[فإن قيل: هل يلزم من تأثير صلة الرحم، في زيادة العمر ونقصانه تأثير الدعاء في ذلك، أم لا؟\rفالجواب: أن ذلك غير لازم، لقوله ﷺ لأم حبيبة ﵂: (قد سألت الله تَعَالَى لآجال مضروبة) الحديث، كما تقدم.\rفعُلمَ أن الأعمار مقدرة، لم يشرع الدعاء بتغييرها، بخلاف النجاة من عذاب الآخرة. فإن الدعاء مشروع له نافع فيه، ألا ترى أن الدعاء بتغيير العمر لما تضمن النفع الأخروي شرع كما في الدعاء الذي رواه النَّسَائِيُّ من حديث عمار بن ياسر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قَالَ: (اللهم بعلمك الغيب وقدرتك عَلَى الخلق أحيني ماكنت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي) إِلَى آخر الدعاء.\rويؤيد هذا مارواه الحاكم في مستدركه من حديث ثوبان ﵁ عن النبي ﷺ: (لا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر، وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه) .\rوفي الحديث رد عَلَى من يظن أن النذر سبب في دفع البلاء وحصول النعماء، وقد ثبت فيالصحيحن عن النبي ﷺ أنه (نهى عن النذر، وقَالَ: إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل) .\rواعلم أن الدعاء يكون مشروعاً نافعاً في بعض الأشياء دون بعض، وكذلك هو.\r\rولهذا لا يحب الله المعتدين في الدعاء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690137,"book_id":1659,"shamela_page_id":1263,"part":null,"page_num":1263,"sequence_num":1263,"body":"وكان الإمام أَحْمَد ﵀ يكره أن يدعى له بطول العمر، ويقول: هذا أمر قد فرغ منه] اهـ.\rالشرح:\r\rهو ماورد في الحديث وذلك بأن نسأل الله ﷾ بكل اسم هو له -مثلاً- اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك ... إِلَى آخر الدعاء المعروف.\r\rأو نقول: (اللهم إني أسألك بأنك أنت الله، لا إله إلا أنت الحي القيوم) أو نحو ذلك، فهذا أفضل أنواع التوسل أن يُسأل الله بأسمائه وصفاته، أو بعمل صالح عمله الإِنسَان كما كَانَ من أصحاب الغار -الثلاثة النفر- الذين دعوا الله بأعمالهم الصالحة التي فعلوها فكشف الله ﷿ عنهم ما هم فيه.\rوأما التوسل بذوات المخلوقين فإنه لا يجوز بل هو بدعة، فالأولى للعبد المسلم أن يتوسل إِلَى الله ﷾ بأسمائه وصفاته أو بعمل صالح عمله، وكذلك التوسل بجاه فلان من النَّاس لا يجوز، ولو كَانَ هذا المتوسل بجاهه نبي، أو ولي ممن لديه منزلة عظيمة عند الله؛ لأنه لا رابطة هنا بين المتوسل والمتوسل به.\rومن شروط الدعاء وآدابه: ألا يدعو فيه بقطيعة رحم، كما جَاءَ في الحديث: (لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم) ، وكثير من النَّاس لم يعملوا بهذا الشرط فتراهم يدعون عَلَى أزواجهم وأولادهم وأقربائهم وهذا لا ينبغي أن يكون ولو حصل له من هَؤُلاءِ الأذى والعنت.\rفقد (جَاءَ رجل إِلَى النبي ﷺ وقَالَ: يا رَسُول الله ! إن لي قرابة: أصلهم ويقطعونني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي قَالَ: إن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل) والمل هو الرماد الحار.\r\rوالشرط الأخير: أن لا يدعو الإِنسَان بدعاء فيه اعتداء قال تعالى: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [الأعراف:٥٥] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690138,"book_id":1659,"shamela_page_id":1264,"part":null,"page_num":1264,"sequence_num":1264,"body":"والاعتداء في الدعاء يمنع من قبول الدعاء. ومثاله: أن تعلم أن الله ﷿ إذا قبض ميتاً لا يبعثه مرة أخرى في هذه الحياة الدنيا، فتدعو الله أن يبعثه! لأن هذا لا يمكن أن يتحقق. أو تدعو الله ﷿ أن ينتقم من رجل صالح من عباد الله الأتقياء، وأنواع الاعتداء في الدعاء كثيرة.\r\rوظاهر دعاء أم حبيبة ﵂ أنه نوع من الاعتداء في الدعاء؛ لأن دعاء الإِنسَان لأحد بطول العمر أو قصره مع الاعتقاد الجازم أن الله خلق الخلق وقدر لهم أقداراً، وضرب لهم آجالاً، فيه اعتداء واضح.\r\rوجهة النظر الأخرى: الدعاء سبب والأسباب مخلوقة والله ﷿ يقول: يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد:٣٩] فلا يبعد أن يكون هذا من الأسباب التي تدفع البلاء وترد القضاء وتجعل صاحبها يطول عمره، وكما أن الإِنسَان إذا وصل رحمه، فإنه يطول عمره فكذلك إذا قطعهم، فإنه يقصر عمره.\rالنذر لا يرد القضاء\rوتطرق المُصْنِّفُ بعد ذلك إِلَى النذر، لأن كثيراً من العوام يظنون أن النذر يحقق لهم ما يريدون، فإذا مرض لأحدهم مريض نذر أنه إذا شفى الله مريضه أن يتصدق بكذا وكذا من المال، فإذا شفي المريض ظن أن ذلك بسبب النذر، وأنه قد استرضى الله تَعَالَى بهذا العمل الصالح، وهذا أيضاً مما رده النبي ﷺ في قولهِ: (إن النذر لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل) وذلك أن البخيل قبل أن يبتليه الله تَعَالَى لا ينفق ولا يتصدق، فلما حلت به البلية نذر عَلَى نفسه بالإنفاق والتصدق، وهذا مالا ينبغي أن يكون عليه المؤمن.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690139,"book_id":1659,"shamela_page_id":1265,"part":null,"page_num":1265,"sequence_num":1265,"body":"كما قال النبي ﷺ عندما (سُئل أي الصدقة أعظم أجراً، قَالَ: أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخاف الفقر وترجو الغنى) فالمؤمن في وقت الرخاء يتصدق ويعطي، فإذا نزلت به بعد ذلك نازلة فإنه يسأل الله ﷿ ولا ينذر، فإن سأله - مثلاً - بالعمل الصالح الذي عمله في وقت الرخاء، كأن يقول: اللهم يا رب! إني تصدقت بتلك الصدقة عَلَى فلان فإن كنت تعلم أنها خالصة لوجهك الكريم فاشف مريضي، كما فعل أصحاب الغار، فهنا يكون الدعاء في محله، وتكون تلك الصدقة في محلها؛ لأنها حصلت في وقت رخاء، فيكون أحسن حالاً من ذلك البخيل.\r\rالدعاء وهو العبادة\rوالذي ينبغي أن يعلم أن الدعاء بحد ذاته عبادة لا يستغنى عنه أي مخلوق، وقد طلب الله تَعَالَى منا ذلك بقوله: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:٦٠] ، أما ما يقوله بعض الفلاسفة أو بعضالصوفية الغلاة - وتسرب إِلَى بعض العوام- أنه لا حاجة إِلَى الدعاء، وبعضهم يفلسفها بكلمة واحدة فَيَقُولُ: (علمه بحالي يغني عن سؤالي) ، وهذا غير صحيح، لأن الله سبحانه يعلم أحوال العباد لكنه يريد من العبد أن يتضرع إليه وأن يظهر الانكسار بين يديه، والخضوع؛ لأن هذه قربة وعبادة، وأشد ما يكون العبد خاضعاً لله ﷿ عندما يتضرع إليه في أمر ملح وهو محتاج مضطر إليه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690140,"book_id":1659,"shamela_page_id":1266,"part":null,"page_num":1266,"sequence_num":1266,"body":"قول هَؤُلاءِالفلاسفة -ومن قال بمقالتهم-: إن المقادير إن كانت قد جرت بأن يتحقق للعبد ما يريد فلا حاجة للداعي أن يدعو، وإن كانت قد جرت بما لا يريده العبد فلا فائدة في الدعاء!! ورؤيتهم إنما هو اعتراض عَلَى القدر وهي من أبطل الباطل، وهذا مما زينه الشيطان لهَؤُلاءِ المتصوفة وأمثالهم، وإلا فالأنبياء هم أكثر النَّاس دعاءً، والنبي ﷺ قد شرع لنا الأدعية المأثورة الكثيرة الصحيحة في معظم الحركات والسكنات منها: إذا دخل بيته وإذا خرج منه، وإذا أتى أهله، وإذا أخذ مضجعه لينام، وإذا قام من مضجعه.\rفالحياة كلها متصلة بالدعاء وبذكر الله ﷿ وما ذاك إلا لبيان الافتقار والحاجة إليه ﷾، أما قولهم: إن كَانَ قد قضى ما نريد فلا حاجة إِلَى الدعاء، وإن قضى بضده فلا فائدة في الدعاء، فالرد عليهم بما أوضحنا في أول الموضوع وهو أن الدعاء سبب من الأسباب، فكما أنني إذا رأيت وحشاً يهجم علي وعندي بندقية فسأطلقها عليه، ولا أقول: إن كَانَ قد قدر الله موتي فلا يفيد إطلاق النار، وإن لم يكن قدر الله موتي، فإنه لن يأكلني، نقول: لا، بل أطلق النَّار عليه وأدفعه عني؛ لأن إطلاق البندقية سبب لدفع المكروه، فكذلك يُقال في الدعاء: إنه سبب، فإن نفع هذا السبب واستجيب الدعاء فالْحَمْدُ لِلَّهِ، وإن لم يقع فنقول حينها قد اتخذنا السبب، وأقدار الله ﷿ لا غالب لها، ولا ينفع معها أي سبب من الأسباب.\r\rومن هنا نفهم أنهم مخالفون للعقل وللشرع، وأن الحق هو ما عليه أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ في هذه المسألة كما في غيرها من المسائل وهو الموافق للنصوص الشرعية، والموافق أيضاً للعقل والفطرة السليمة عند التأمل.\r\rقَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:\r[وأما قوله تعالى: وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ [فاطر:١١]\rالشرح:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690141,"book_id":1659,"shamela_page_id":1267,"part":null,"page_num":1267,"sequence_num":1267,"body":"قال بعض العلماء عندما قرأوا هذه الآية: إن العمر يزيد وينقص، يعني: أن عمر الإِنسَانِ يقبل الزيادة والنقصان فلو أن الإِنسَان اجتهد في الطاعة أو بذل الأسباب من السلامة والوقاية فإن عمره يزيد، ولو أن الإِنسَان قصر في ذلك، فإن عمره ينقص وذلك بناء عَلَى أن الضمير في قوله تَعَالَى: وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ [فاطر:١١] يعود عَلَى ذات الإِنسَان الواحد.\rفيرد عليهم المؤلف قائلاً: أنه بمنزلة قولهم: عندي درهم ونصفه، أي: ونصف درهم آخر، لكن هذا الضمير عود لفظي فقط، وليس عائداً عَلَى حقيقة الشيء، فيكون تفسير الآية عَلَى هذا المعنى: لا يزيد عمر أحد ولا ينقص عمر أحد آخر، إلا كَانَ ذلك في الكتاب، فمن النَّاس من يمد الله في عمره حتى يصل إِلَى مرحلة الضعف الأخيرة (الشيبة) .\r\rومنهم من قضى الله بأن يموت وهو طفل وكل ذلك في كتاب، ومن ثُمَّ إذا قلنا: إن الآجال مقدرة ومضروبة، وأن كل ذلك في كتاب، وأنه قد تؤثر بعض الأسباب وبعضها لا تؤثر، فإن المعنى صحيح، وللقدر مراتب زمانية.\rمراتب القدر الزمنية\rقَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:\r[وأما قوله تعالى: وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ [فاطر:١١]","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690142,"book_id":1659,"shamela_page_id":1268,"part":null,"page_num":1268,"sequence_num":1268,"body":"فقد قيل في الضمير المذكور في قوله تعالى: مِنْ عُمُرِه إنه بمنزلة قولهم: عندي درهم ونصفه، أي ونصف درهم آخر، فيكون المعنى: ولا ينقص من عمر معمر آخر، وقيل الزيادة والنقصان في الصحف التي في أيدي الملائكة، وحمل قوله تعالى: لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ * يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد:٣٨-٣٩] عَلَى أن المحو والإثبات من الصحف التي في أيدي الملائكة، وأن قوله: وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد:٣٩] اللوح المحفوظ. ويدل عَلَى هذا الوجه سياق الآية وهو قوله: لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ، ثُمَّ قَالَ: يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ أي: من ذلك الكتاب، وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد:٣٩] أي: أصله، وهو اللوح المحفوظ. وقيل: يمحو الله ما يشاء من الشرائع وينسخه، ويثبت ما يشاء فلا ينسخه، والسياق أدل عَلَى هذا الوجه من الوجه الأول، وهو قوله تعالى: وَمَا كَانَ لِرَسُول لٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ [الرعد:٣٨] فأخبر تَعَالَى أن الرَّسُول لا يأتي بالآيات من قبل نفسه، بل من عند الله، ثُمَّ قَالَ: لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ * يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد:٣٨-٣٩] أي: أن الشرائع لها أجل وغاية تنتهي إليها، ثُمَّ تنسخ بالشريعة الأخرى، فينسخ الله ما يشاء من الشرائع عند انقضاء الأجل، ويثبت ما يشاء. وفي الآية أقوال أخرى، والله أعلم بالصواب] ا. هـ.\rالشرح:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690143,"book_id":1659,"shamela_page_id":1269,"part":null,"page_num":1269,"sequence_num":1269,"body":"وقد سبق أن ذكرنا أن هناك تقديراً يومياً، وتقديراً سنوياً، وتقديراً عمرياً -على العمر كله- وتقديراً كونياً -على عمر الكون كله-، واللوح المحفوظ - أم الكتاب - قدر الله فيه الأمور الكونية التي لا تتغير ولا تتبدل، وهو الذي في حديث (أول ما خلق الله القلم، قال له: اكتب: قال وما أكتب، قال: اكتب مقادير كل شيء قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة) ، فهذا لا يتغير ولا يتبدل، أما التقدير اليومي في قوله ﷿: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [الرحمن:٢٩] فمعناه أنه يرفع ويخفض ويعطي ويمنع، وأما التقدير السنوي ففي ليلة القدر، وهي ليلة واحدة في العام فيقدر الله ﷿ فيها ما سيقع في ذلك العام، فهذا التقدير عَلَى مستوى العام في العمر كله، يعني كل سنة من سنين العمر الكوني فإن الله تَعَالَى يقدر في ليلة القدر من تلك السنة من الآجال والأرزاق والحياة والموت وما أشبه ذلك، والتقدير العمري هو ما يتعلق بالعمر وهو أن العبد - كما مر معنا في حديث عبد الله بن مسعود - إذا مرت عليه مائة وعشرون ليلة أو اثنتان وأربعون ليلة - كما في الرواية الأخرى التي صرحت بذلك (أن الملك ينفخ فيه الروح ويكتب فيها رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد) ، هذا التقدير عَلَى مستوى عمر الإِنسَان، أحد ماسبق من المراتب.\r\rولأجل هذه التقادير المختلفة اختلف العلماء في أيها يقع النسخ والتقدير، فذهب ابن عباس ﵁ وأبو وائل شقيق بن سلمة ومجاهد وبعض العلماء من السلف أن التقدير السنوي الذي في ليلة القدر: فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ [الدخان:٤] يغير الله ﷾ فيه ما يقضي وما يقدر.\rأصل التقدير الثابت في اللوح المحفوظ لا يغير","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690144,"book_id":1659,"shamela_page_id":1270,"part":null,"page_num":1270,"sequence_num":1270,"body":"لكن التقدير الذي لا يغير ما كَانَ في أم الكتاب، وعلى ذلك حملوا الآية في سورة الرعد لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ * يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد:٣٨-٣٩] أي: الآجال، كل أجل له كتاب والله ﷿ يمحو ما يشاء ويثبت من هذه الآجال ثُمَّ قَالَ: وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ وأم الكتاب هو اللوح المحفوظ المذكور في قوله تعالى: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْر [الأنبياء:١٠٥] ، فما كَانَ في اللوح المحفوظ فإنه لا يتغير ولا يتبدل ولا ينسخ منه شيء.\r\rالتغيير في صحف الملائكة\rأما الصحف التي في أيدي الملائكة فهذه تقبل التغيير، والملائكة لا يعلمون الغيب إنما يأمرهم الله ﷿ أن ينقلوا من اللوح المحفوظ، ولهذا قال ابن عباس - لما تقول الملائكة يَوْمَ القِيَامَةِ: إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثية:٢٩]- ألستم عرباً؟ ألا تقرأون؟ فالملائكة تستنسخ بإذن الله ﷿، والله ﷾ يقدر الأقدار العمرية والسنوية ويأمر الملائكة بها؛ لكن المكتوب في اللوح المحفوظ الذي تستنسخه الملائكة هو النهاية الأخيرة التي لا تقبل التغيير والتبديل بأي حال من الأحوال، لذلك ذكر المصنف: إن زيادة ونقص العمر وأثر الأسباب في الآجال يحمل عَلَى الصحف التي في أيدي الملائكة، أو بمعنى أوسع. نقول: عَلَى القدر العمري أو القدر السنوي، أما أصل الكتاب فإنه لا يدخله التغيير ولا يدخله التبديل.\rثُمَّ قَالَ: يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِت [الرعد:٣٩] أي: من هذه الآجال، وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ التي لا محو فيها ولا تغيير وذهب البعض الآخرين من العلماء -من الذين لا يرون أثراً للأسباب في الآجال- إِلَى أن آية الرعد ليست في موضع علاقة الدعاء بالقضاء والآجال، وإنما هي في موضوع الشرائع.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690145,"book_id":1659,"shamela_page_id":1271,"part":null,"page_num":1271,"sequence_num":1271,"body":"فالكتابة -التي هي الكتابة القدرية الكونية القضائية- إنما هي في الشرائع والأديان بدليل أول الآية، كما قال الله ﷿: وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِت وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد:٣٨، ٣٩] .\r\rالنسخ في زمن الشرائع\rويقولون: إن ظاهر الآية - وهذا الذي رجحه المُصْنِّف - يدل عَلَى أن الأَنْبِيَاء لا يأتون بآيات، ولابشرائع من عند أنفسهم، وإنما يأتيهم بها الله ﷾، والله جعل لهذه الشرائع آجالاً لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ [الرعد:٣٨] ، فإذا انتهى الأجل بطلت تلك الشريعة والعمل بها، وتأتي شريعة أخرى تنسخها، ثُمَّ قال بعد ذلك: يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِت وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد:٣٩] .\r\rالقول الراجح في هذه المسألة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690146,"book_id":1659,"shamela_page_id":1272,"part":null,"page_num":1272,"sequence_num":1272,"body":"وإن كَانَ لهذا القول الآنف الذكر وجه من القوة إلا أن المتأمل لا يرى تناسباً وتوافقاً بين تفسيرهم لأم الكتاب أنها شريعة مُحَمَّد ﷺ التي نسخت جميع الشرائع وبين قوله: وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ لكن إن قلنا: إن أم الكتاب هو اللوح المحفوظ كَانَ ذلك المعنى مطرداً، وأما أول السياق وَمَا كَانَ َ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [الرعد:٣٨] ، فلا تعارض بينه وبين ما بعده؛ لأن الله ﷿ يبين أن الأَنْبِيَاء لا يأتون بشيء من عند أنفسهم وإنما يأتون بأمر يعطيهم الله ﵎ ثُمَّ قال بعد ذلك: لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ [الرعد: ٣٨] أي: أن الآجال مكتوبة ومقدرة سواء ما كَانَ منها للأعمار أو للشرائع أو لغيرها، فالعام لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ، ثُمَّ يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِت وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ تكون خاصة بالأقدار التي يقدرها الله ﷿، ولا شك أن إعطاء الرسل الآيات هو من أقدار الله ﷿ أيضاً، فيكون في الآية انتقال من معنى إِلَى معنى آخر، مع وجود علاقة ورابطة بينهما، ولا يشترط أن تكون الآية إِلَى آخرها والآيات التي بعدها كلها في موضوع واحد وهو سياق أول الآية الأولى، هذا الذي يظهر والله أعلم، والذي يترجح وهو خلاف ما رجحه المُصْنِّف والله أعلم.\rقَالَ المُصْنِّفُ ﵀: [وفي الآية أقوال أخرى والله أعلم بالصواب] ، ومن أراد أن يطلع ويستفصل الأقوال الأخرى فليراجع تفسير ابن كثير ﵀ للآية، فإنه أطال النفس في تفسير هذه الآية، وذكر الأقوال عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690147,"book_id":1659,"shamela_page_id":1273,"part":null,"page_num":1273,"sequence_num":1273,"body":"ولأجل هذه التقادير المختلفة اختلف العلماء في أيها يقع النسخ والتقدير، فذهب ابن عباس ﵁ وأبو وائل شقيق بن سلمة ومجاهد وبعض العلماء من السلف أن التقدير السنوي الذي في ليلة القدر: فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ [الدخان:٤] يغير الله ﷾ فيه ما يقضي وما يقدر.\rأصل التقدير الثابت في اللوح المحفوظ لا يغير\rلكن التقدير الذي لا يغير ما كَانَ في أم الكتاب، وعلى ذلك حملوا الآية في سورة الرعد لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ * يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد:٣٨-٣٩] أي: الآجال، كل أجل له كتاب والله ﷿ يمحو ما يشاء ويثبت من هذه الآجال ثُمَّ قَالَ: وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ وأم الكتاب هو اللوح المحفوظ المذكور في قوله تعالى: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْر [الأنبياء:١٠٥] ، فما كَانَ في اللوح المحفوظ فإنه لا يتغير ولا يتبدل ولا ينسخ منه شيء.\r\rالتغيير في صحف الملائكة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690148,"book_id":1659,"shamela_page_id":1274,"part":null,"page_num":1274,"sequence_num":1274,"body":"أما الصحف التي في أيدي الملائكة فهذه تقبل التغيير، والملائكة لا يعلمون الغيب إنما يأمرهم الله ﷿ أن ينقلوا من اللوح المحفوظ، ولهذا قال ابن عباس - لما تقول الملائكة يَوْمَ القِيَامَةِ: إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثية:٢٩]- ألستم عرباً؟ ألا تقرأون؟ فالملائكة تستنسخ بإذن الله ﷿، والله ﷾ يقدر الأقدار العمرية والسنوية ويأمر الملائكة بها؛ لكن المكتوب في اللوح المحفوظ الذي تستنسخه الملائكة هو النهاية الأخيرة التي لا تقبل التغيير والتبديل بأي حال من الأحوال، لذلك ذكر المصنف: إن زيادة ونقص العمر وأثر الأسباب في الآجال يحمل عَلَى الصحف التي في أيدي الملائكة، أو بمعنى أوسع. نقول: عَلَى القدر العمري أو القدر السنوي، أما أصل الكتاب فإنه لا يدخله التغيير ولا يدخله التبديل.\rثُمَّ قَالَ: يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِت [الرعد:٣٩] أي: من هذه الآجال، وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ التي لا محو فيها ولا تغيير وذهب البعض الآخرين من العلماء -من الذين لا يرون أثراً للأسباب في الآجال- إِلَى أن آية الرعد ليست في موضع علاقة الدعاء بالقضاء والآجال، وإنما هي في موضوع الشرائع.\r\rفالكتابة -التي هي الكتابة القدرية الكونية القضائية- إنما هي في الشرائع والأديان بدليل أول الآية، كما قال الله ﷿: وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِت وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد:٣٨، ٣٩] .\r\rالنسخ في زمن الشرائع","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690149,"book_id":1659,"shamela_page_id":1275,"part":null,"page_num":1275,"sequence_num":1275,"body":"ويقولون: إن ظاهر الآية - وهذا الذي رجحه المُصْنِّف - يدل عَلَى أن الأَنْبِيَاء لا يأتون بآيات، ولابشرائع من عند أنفسهم، وإنما يأتيهم بها الله ﷾، والله جعل لهذه الشرائع آجالاً لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ [الرعد:٣٨] ، فإذا انتهى الأجل بطلت تلك الشريعة والعمل بها، وتأتي شريعة أخرى تنسخها، ثُمَّ قال بعد ذلك: يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِت وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد:٣٩] .\r\rالقول الراجح في هذه المسألة\rوإن كَانَ لهذا القول الآنف الذكر وجه من القوة إلا أن المتأمل لا يرى تناسباً وتوافقاً بين تفسيرهم لأم الكتاب أنها شريعة مُحَمَّد ﷺ التي نسخت جميع الشرائع وبين قوله: وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ لكن إن قلنا: إن أم الكتاب هو اللوح المحفوظ كَانَ ذلك المعنى مطرداً، وأما أول السياق وَمَا كَانَ َ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [الرعد:٣٨] ، فلا تعارض بينه وبين ما بعده؛ لأن الله ﷿ يبين أن الأَنْبِيَاء لا يأتون بشيء من عند أنفسهم وإنما يأتون بأمر يعطيهم الله ﵎ ثُمَّ قال بعد ذلك: لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ [الرعد: ٣٨] أي: أن الآجال مكتوبة ومقدرة سواء ما كَانَ منها للأعمار أو للشرائع أو لغيرها، فالعام لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ، ثُمَّ يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِت وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ تكون خاصة بالأقدار التي يقدرها الله ﷿، ولا شك أن إعطاء الرسل الآيات هو من أقدار الله ﷿ أيضاً، فيكون في الآية انتقال من معنى إِلَى معنى آخر، مع وجود علاقة ورابطة بينهما، ولا يشترط أن تكون الآية إِلَى آخرها والآيات التي بعدها كلها في موضوع واحد وهو سياق أول الآية الأولى، هذا الذي يظهر والله أعلم، والذي يترجح وهو خلاف ما رجحه المُصْنِّف والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690150,"book_id":1659,"shamela_page_id":1276,"part":null,"page_num":1276,"sequence_num":1276,"body":"قَالَ المُصْنِّفُ ﵀: [وفي الآية أقوال أخرى والله أعلم بالصواب] ، ومن أراد أن يطلع ويستفصل الأقوال الأخرى فليراجع تفسير ابن كثير ﵀ للآية، فإنه أطال النفس في تفسير هذه الآية، وذكر الأقوال عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم.\r\rسعة علم الله وإحاطته بما كان وما لم يكن\rقال الطّّحاويّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:\r[ولم يخف عليه شيء قبل أن يخلقهم، وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم] .\r\rقَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:\r\r[فإنه سبحانه يعلم ما كَانَ وما يكون، ومالم يكن أن لو كَانَ كيف يكون، كما قال تعالى: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ [الأنعام:٢٨] . وإن كَانَ يعلم أنهم لا يُردون، ولكن أخبر أنهم لو ردوا لعادوا، كما قال تعالى: وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [الأنفال:٢٣] وفي ذلك رد عَلَى الرافضة والقدرية الذين قالوا: إنه لا يعلم الشيء قبل أن يخلقه ويوجده، وهي من فروع مسألة القدر، وسيأتي لها زيادة بيان إن شاء الله تَعَالَى] اهـ.\rالشرح:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690151,"book_id":1659,"shamela_page_id":1277,"part":null,"page_num":1277,"sequence_num":1277,"body":"قول الإمام الطّّحاويّ ﵀: [ولم يخف عليه شيء قبل أن يخلقهم، وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم] . شرحها المُصْنِّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- بالعبارة المعروفة التي نعتقدها في حق الله ﷿، وفي علمه، وهو أنه جل شأنه يعلم ما كان، وما سيكون، وما لم يكن لو كَانَ كيف يكون، وهذه هي الإحاطة الكاملة بكل ما هو مندرج تحت إمكان العلم، فيعلم ما كَانَ جل شأنه لا يخفى عليه شيء مما مضى، ولهذا لما قالفرعون: قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى [طه:٥١] قال موسى ﵇: عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى [طه:٥٢] ﷾، فهو يعلم الماضي بكل دقائقه وتفاصيله، وأما نَحْنُ فما كلفنا أن نعلم هذه التفاصيل، وإنما كلفنا أن نأخذ العبرة والعظة من مصارع الله في الكون، وأيضاً يعلم الله جل شأنه ما يكون، ويعلم ما سيكون، وهذه هي العقبة التي تقف عندها جميع العقول وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوت [لقمان:٣٤] .\r\rأي أن كل العقول البشرية، والعلم البشري مهما توصل إليه، ومهما حاول أن يتقدم لا يمكن أن يعرف ما سيكون بعد لحظة واحدة، وفي هذا إفحام من الله ﷿ لهَؤُلاءِ المخلوقين، فهذا العلم استأثر الله به وحده ﷾ فهو الذي يعلم ما كَانَ وما سيكون، ويعلم ما لم يكن لو كَانَ كيف يكون.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690152,"book_id":1659,"shamela_page_id":1278,"part":null,"page_num":1278,"sequence_num":1278,"body":"ومن ذلك هذه الآية وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ [الأنعام:٢٨] فهَؤُلاءِ الكفار إذا وقفوا عَلَى النَّار يقولون: يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا [الأنعام:٢٧] أي يتمنون أن يعودوا إِلَى الدنيا ولئن عادوا فلن يكذبوا بزعمهم، بل ويكونوا من الموقنين، ومع ذلك يقول الله ﷿: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ [الأنعام:٢٨] ؛ لأن مسألة الكفر والإيمان ليست متعلقة بقضية أنهم رأوا الحق أو لم يروا الحق؛ بل هي مسألة استكبار وعناد في نفوس الكفار، كما قال الله في آية أخرى وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ [الحجر:١٥،١٤] فالكبر والعناد الذي في أنفس الكفار يجعلهم لا يقبلون الحق مهما رأوا من آيات الله في ذلكوَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا [الأعراف:١٤٦] نسأل الله أن يعافينا من الكبر ومن الاستكبار والعناد وأن يرزقنا الإخلاص والانقياد والإذعان لأمره والتسليم له.\r\rوأيضاً قوله تعالى: وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُم [الأنفال:٢٣]-على افتراض ذلك- لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [الأنفال:٢٣] .\r\rإذاً هو يعلم جل شأنه ما كَانَ وما سيكون وما لم يكن لو كَانَ كيف يكون.\r\rقَالَ: وفي ذلك رد عَلَى الرافضة والقدرية.\r\rالغاية من الخلق\rقالالطّّحاويّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:\r[وأمرهم بطاعته ونهاهم عن معصيته]\r\rقَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690153,"book_id":1659,"shamela_page_id":1279,"part":null,"page_num":1279,"sequence_num":1279,"body":"[ذِكرُ الشيخ ﵀ الأمر والنهي، بعد ذكره الخلق والقدر، إشارةً إِلَى أن الله تَعَالَى خلق الخلق لعبادته، كما قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:٥٦] ، وقال تعالى: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً [الملك:٢] اهـ.\rالشرح:\r\rبعد أن ذكر الطّّحاويّ أن الله ﷾ خلق الخلق، وقدر لهم أقداراً وضرب لهم آجالاً، وأنه لم يخف عليه شيء قبل أن يخلقهم، وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم، قَالَ: وأمرهم بطاعته ونهاهم عن معصيته.\rفالكلام الأول يتعلق بالأمر الكوني، وهو أنه ﷿ خلق الخلق وقدر الآجال، وعلم ما كَانَ وما سيكون، وهذا أمره وقضاؤه وقدره الكوني.\r\rثُمَّ انتقل إِلَى الحديث عن أمره الشرعي، فقَالَ: (وأمرهم بطاعته ونهاهم عن معصيته) كما قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:٥٦] الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً [الملك:٢] .\rوالأمر والنهي ابتلاء من الله ﷿ لبني آدم، ولذلك كَانَ الخيار لهم فيه، فمع تقديره لآجالهم وأرزاقهم، وعلمه ما سيعملون كوناً وقدراً ابتلاهم بالأمر والنهي؛ ليطيعه من أطاعه فينجو، وليعصيه من عصاه فيهلك، فينجوا هذا عن بينة، ويهلك هذا عن بينة، وتقوم الحجة عليهم من أنفسهم.\r\rآثار صفات الله وأسمائه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690154,"book_id":1659,"shamela_page_id":1280,"part":null,"page_num":1280,"sequence_num":1280,"body":"تظهر آثار صفات الله وأسمائه، لما سمى نفسه الغفور الرحيم ظهر أثر مغفرته ورحمته لهذا المخلوق، وهو رحمته به والتوبة عليه إذا أذنب واستغفر، ولما سمى نفسه الكريم ﷾ ظهر أثر كرمه، وهو أن العبد يفعل الحسنة التي لا حول له فيها ولا قوة؛ بل هي من الله ﷿ الذي وفقه لها وأعطاه القوة عليها، ثُمَّ يقابله الله ﷿ بأن يجعل له عشرة أمثالها إِلَى سبعمائة ضعف، إِلَى أضعاف كثيرة، ولهذا الموضوع علاقة قوية بالدعاء.\r\rعلاقة الدعاء بصفات الله وأسمائه\rذكر ابن عقيل ﵀ في كتابه الفنون أن من حكم مشروعية الدعاء أنه يدل عَلَى صفات الله جل وعلا، فمن ذلك الوجود لأنه لا يدعى إلا وهو موجود، ومن ذلك الغنى لأن الفقير لا يدعى، فمن دعا الله ﷿ فهو مؤمن ومثبت لصفة الغنى، وهو أن الله ﷿ غني والعبد هو الفقير الذي يحتاج إِلَى الله ﷾، ومن ذلك أيضاً أنه كريم؛ لأنه يوجد من الأغنياء من هو بخيل، ولكن الله ﷿ غني ومع ذلك كريم ﷾ فإنه يعطي حتى الكافر إذا دعاه في ساعة الشدة، وهكذا نجد أن الدعاء يتضمن هذه الصفات، فكذلك جميع أنواع العبادة تتضمن الإثبات، وظهور آثار صفات الله ﷿ وأسمائه ﷾.\rفالله ﷿ خلق الخلق وقدر لهم الأقدار، ثُمَّ أنزل لهم هذه الشرائع وأعطاهم المشيئة والقدرة والاختيار عَلَى أن يختاروا: طريق الإيمان أو طريق الكفر، وهذا الموضوع كله لا يزال دائراً في مسألة القدر وعلاقة ذلك بعلم الله وتقديره ﷾ وبمشيئته جل شأنه.\r\rولهذا نجد أن المُصْنِّف استمر في هذا الكلام كما سيأتي.\r\rقال الطّّحاويّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:\r[وكل شيء يجري بتقديره ومشيئته، ومشيئته تنفذ، لا مشيئة للعباد إلا ما شاء لهم، فما شاء لهم كان، وما لم يشأ لم يكن]","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690155,"book_id":1659,"shamela_page_id":1281,"part":null,"page_num":1281,"sequence_num":1281,"body":"قَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:\r\r[قال تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً [الإِنسَان:٣٠] وقال تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير:٢٩] وقال تعالى: وَلَوْ أَنَّنَا نزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الأنعام:١١١] ، وقال تعالى: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ [الأنعام:١١٢] . وقال تعالى: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً [يونس:٩٩] وقال تعالى: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَعَّدُ فِي السَّمَاءِ [الأنعام:١٢٥] وقال تَعَالَى حكاية عن نوح ﵇ إذ قال لقومه: وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ [هود:٣٤] وقال تعالى: مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الأنعام:٣٩] إِلَى غير ذلك من الأدلة عَلَى أنه ما شاء الله كَانَ ومالم يشأ لم يكن.\r\rوكيف يكون في ملكه ما لا يشاؤه؟! ومن أضل سبيلاً وأكفر ممن يزعم أن الله شاء الإيمان من الكافر، والكافر شاء الكفر، فغلبت مشيئة الكافر مشيئة الله!! تَعَالَى الله عما يقولون علواً كبيراً.\r\rفإن قيل: يشكل عَلَى هذا قوله تعالى: سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا [الأنعام:١٤٨] الآية وقوله تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ [النحل:٣٥] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690156,"book_id":1659,"shamela_page_id":1282,"part":null,"page_num":1282,"sequence_num":1282,"body":"وقوله تعالى: وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ [الزخرف:٢٠] فقد ذمهم الله تَعَالَى حيث جعلوا الشرك كائناً منهم بمشيئة الله، وكذلك ذم إبليس حيث أضاف الإغواء إِلَى الله تَعَالَى إذ قَالَ: رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [الحجر:٣٩] .\r\rقيل: قد أجيب عَلَى هذا بأجوبة، من أحسنها: أنه أنكر عليهم ذلك لأنهم احتجوا بمشيئته عَلَى رضاه ومحبته، وَقَالُوا: لو كره ذلك وسخطه لما شاءه، فجعلوا مشيئته دليل رضاه، فرد الله عليهم ذلك.\r\rأو أنه أنكر عليهم اعتقادهم أن مشيئة الله دليل عَلَى أمره به، أو أنه أنكر عليهم معارضة شرعه وأمره الذي أرسل به رسله وأنزل به كتبه بقضائه وقدره، فجعلوا المشيئة العامة دافعة للأمر، فلم يذكروا المشيئة عَلَى جهة التوحيد، وإنما ذكروها معارضين بها لأمره، دافعين بها لشرعه، كفعل الزنادقة، والجهال إذا أُمروا أو نُهوا احتجوا بالقدر.\r\rوقد احتج سارق عَلَى عُمَر ﵁ بالقدر، فقَالَ: وأنا أقطع يدك بقضاء الله وقدره.\r\rيشهد لذلك قوله تَعَالَى في الآية: كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [الأنعام:١٤٨] .\rفعلم أن مرادهم التكذيب، فهو من قبل الفعل، من أين له أن الله لم يقدره؟ أطلع الغيب؟\r] اهـ.\rالشرح:\r\rهذه الفقرة كلها متماسكة، وموضوعها هو موضوع الاحتجاج بالقدر، وإثبات مشيئة الله ﷿، والرد عَلَى المحتجين بالقدر وهو رد عَلَى بعض شبهاتهم، كما في الشبهة الإبليسية والشبهة الشركية، شبهة الْمُشْرِكِينَ وشبهة إبليس اللعين حينما احتج هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ بقدر الله تعالى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690157,"book_id":1659,"shamela_page_id":1283,"part":null,"page_num":1283,"sequence_num":1283,"body":"يقول أبو جعفر الطّّحاويّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: [وكل شيء يجري بتقديره ومشيئته ﷾، ومشيئته تنفذ، لا مشيئة للعباد إلا ما شاء لهم، فما شاء لهم كان، وما لم يشأ لم يكن] .\rالأدلة على المشيئة الكونية\rواستدل الشارح عَلَى ذلك بالآيات الكثيرة المعروفة: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير:٢٩] وأمثال ذلك من الآيات، كما في قوله تعالى: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً [الأنعام:١٢٥] ونحوها من الآيات التي تدل عَلَى أن مشيئة الله ﷿ شاملة ونافذة، لا يندُّ ولا يخرج عنها شيء رداً عَلَى دعوى المجوس، ومن اتبعهم في ذلك من هذه الأمة، وهم القدرية من المعتزلة وغيرهم\rإن الله ﷾ قد كتب مقادير كل شيء، وما شاءه الله ﷾ فهو كائن، فلا بد من هداية المهتدي، وإضلال المضل، وكفر الكافر، وإيمان المؤمن فكل ذلك لا يخرج عما شاءه الله ﷿، وعما كتبه، وعما قدره وقضاه.\rالشبهة الإبليسية\rأما الشبهة التي وقعت لإبليس اللعين من قبل لما قال: رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْض [الحجر:٣٩] ، كأنه يقول: إن ما سوف أفعله من التزيين ومن الإغواء إنما هو بسب أنك أغويتني، يعني: كأن هذا سببه هذا.\r\rالشبهة الشركية\rوالمُشْرِكُونَ لما قالوا: (لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا [الأنعام:١٤٨] ، وَقَالُوا: لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ [الزخرف:٢٠] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690158,"book_id":1659,"shamela_page_id":1284,"part":null,"page_num":1284,"sequence_num":1284,"body":"فاحتجوا عَلَى عبادتهم للأصنام بأن الله ﷾ لو شاء ما أشركوا، وعلى تحريم ما أحل الله بأن الله ﷿ لو شاء ما حرموا من دونه من شيء، كما في سورتي الأنعام والنحل، وأنهم لو شاء الله ما عبدوا هذه الآلهة. والرد عَلَى إبليس وعلى الْمُشْرِكِينَ قد سبق بيانه في أكثر من مرة عند تعرضنا لموضوع القدر، ومن الردود عَلَى ذلك ما ذكره المُصْنِّف بقوله:\r\rالرد على الشبهة الإبليسية والشركية\r(من أولى الأوجه ومن أحسنها: أنه أنكر عليهم ذلك لأنهم احتجوا بمشيئته عَلَى رضاه ومحبته) فحجة الْمُشْرِكِينَ قولهم: ما دام أن الله شاء أن نعبد الأصنام إذاًً هو راضٍ أن نعبدها، ولهذا جَاءَ تكذيبهم بأن الله بعث الرسل، وقد قال تَعَالَى في سورة النحل: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:٣٦] فليس الأمر كما يزعمون، فإذا كَانَ الله تَعَالَى راضياً بما هم عليه من الشرك فلماذا يرسل رسلاً ينهون عنه، وينزل عليهم كتباً فيها تكفيريهم واستباحت دماءهم وأموالهم؟!! إذاً لا تدل مشيئته عَلَى رضاه ومحبته، ولا تلازم بين المشيئة وبين المحبة.\rالوجه الثاني في الرد عَلَى شبهتهم في اعتقادهم أن مشيئة الله دليل عَلَى أمره به، فيقولون: إنه ما دام أن الله شاءه، فقد هو أمر به وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا [الأعراف:٢٨] والعياذ بالله، وهذه حجة من حجج الكفار الباطلة وهي: أنهم يحتجون عَلَى ما يفعلون بأن الله أمر به، والله ﷾ لا يأمر بالفحشاء، ولذلك قَالَ: أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [الأعراف:٢٨] هذا من التقول عَلَى الله بلا علم؛ لأنه لا يأمر بالفحشاء ﷾.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690159,"book_id":1659,"shamela_page_id":1285,"part":null,"page_num":1285,"sequence_num":1285,"body":"الوجه الثالث: أنهم عارضوا مشيئة الله وقدره بشرعه، فردوا شرعه الذي أنزله عَلَى رسله وكتبه بمشيئته، وهذا من باب العناد ومن باب الاستكبار عَلَى الله ﷿ أن يرد أمره ووحيه بمشيئته وقدره، ولذلك قال في سورة الأنعام: كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [الأنعام:١٤٨] أي أن هذا التكذيب حصل من الكفار، فليس قول هَؤُلاءِ الكفار أو إبليس اللعين يعني أنهم يثبتون قدر الله ﷿ ويؤمنون به، لا.\r\rإنما قالوه اعتراضاً منهم عَلَى الأمر وعلى التوحيد، ومثل هذا ما اعترض به السارق عَلَى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فقال السارق: كيف تقطع يدي يا أمير المؤمنين وما سرقت إلا بقدر الله وقضاءه؟! واحتج بالقدر عَلَى فعل المعاصي.\r\rفأجاب أمير المؤمنين بجواب الموحدين. فقَالَ: أنت سرقت بقدر الله وأنا أقطع يدك بقدر الله.\r\rفقطع يده فعلمنا أن الله قدر أن تقطع يده، ولو لم يشأ الله أن تقطع يده، لما قطعها عُمَر.\r\rإذاً هذه بقدر الله وتلك بقدر الله، لأنه لا تعارض بين أمر الله شرعه وقدره، ولا تعارض بين إقامة الحد وبين القدر؛ لأن الحدود إنما تقام بقدر الله ﷿، وهذا دليل عَلَى كمال فهم الصحابة ﵃ لهذه الأمور، لا كما يقول المتفلسفة والمتكلمون: إن الصحابة ما عرفوا هذه المسائل ولا أتقنوها ولا فهموها ولا استوعبوها؛ بل كانوا مشتغلين بالجهاد في الفتوحات، وليس الأمر كذلك؛ بل كانوا يفهمون ذلك غاية الفهم، ولكن لم يخوضوا فيها ولم يحتاجوا أن يتحدثوا عنها إلا بما ورد، وهو كثير وكافٍ لمن أراد الحق، ومن ذلك هذا الأثر المشهور.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690160,"book_id":1659,"shamela_page_id":1286,"part":null,"page_num":1286,"sequence_num":1286,"body":"(١١,٦٨٦) >إن إثبات المشيئة الكاملة النافذة لله تَعَالَى التي ذكرها المُصنِّفُ ﵀ لا يعني أن يحتج المحتجون من العصاة والفجار بالقدر فيفعل أحدهم الذنب ويقول: إن الله قدره علي، وهذا الإثبات رد عَلَى الذين ينكرون القدر بحجة إنكار الله عَلَى من يحتج بالقدر، فإن الله أنكر عَلَى الذين يحتجون بالقدر بقوله: وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ [الزخرف:٢٠] وقوله: لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا [الأنعام:١٤٨] فأنكر عليهم هذا.\rفقال الذين ينكرون القدر: إذاً فليس لله مشيئة لأن الكفار والْمُشْرِكِينَ احتجوا بالمشيئة، والله تَعَالَى قد أنكر عليهم هذا القول، فعلى هذا فالله ينكر عَلَى من يثبت المشيئة، وقولهم هذا غير صحيح.\rفالله ينكر عَلَى من يحتج بالمشيئة عَلَى الرضا، فإن الله شاء أن يكفر الكفار بدليل أن الكفر واقع منهم، فيوجد في الأرض كفار، وهذا الذي نراه في الكون عليكم أن تؤمنوا أن الله شاءه وقدره، وإلا أن تقولوا: إن الله يقع في ملكه وكونه ما لا يشاؤه، فيلزمكم أن تقولوا أحد الأمرين إما: أن العبد يعمل مالم يشاؤه الله ولم يأذن به وهذا لا يقول به مسلم، وإما أن تؤمنوا بالقدر، وقد سبق شرح الآيات التي في الأنعام والزخرف والنحل في موضوع القدر مثل قوله تعالى: سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا [الأنعام:١٤٨] وقوله: وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا [النحل:٣٥] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690161,"book_id":1659,"shamela_page_id":1287,"part":null,"page_num":1287,"sequence_num":1287,"body":"وقوله: وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ [الزخرف:٢٠] بالأوجه التي ذكرها المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى، والتي من أجلها ومن أوضحها أن الكفار احتجوا بأن الله تَعَالَى لو شاء ما عبدوا هذه الأصنام وعليه فعبادة الأصنام هذه حق والله تَعَالَى راضٍ، بها وأيضاً فدعوى الأَنْبِيَاء مردودة عندما قالوا: يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:٥٩] كيف ذلك؟\r\rقال المُشْرِكُونَ للأنبياء: لو أن الله لا يرضى منا أن نعبد الأصنام لما شاء ذلك، وما دام أنه قد شاء وقد وقع منا الشرك فهو راضٍ به، فنحن نرد كلامكم ولا نقبل دعواكم. وهذه هي شبهة الْمُشْرِكِينَ قديماً كما قال تعالى: كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ [النحل:٣٥] ، أي: أن تكذيب الْمُشْرِكِينَ للنبي ﷺ قد سبقهم أمم من قبل ذلك في تكذيب غيره من الأَنْبِيَاء ولذلك رد الله تَعَالَى عليهم فقَالَ: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:٣٦] فلو كَانَ هذا مما يرضى الله به لما بعث الرسل ينكرون وأيدهم بالحجج والبينات الظاهرة التي تقطع كل دعوى ومنها هذه الشبهة. ولهذا قال تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ [النحل:٣٦] فجعل الله تَعَالَى الهداية فضلاً منه فقَالَ: فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ فهذا توفيق من الله وفضل ونعمة منه تعالى، وأما الضلال فَقَالَ فيه: وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فهذا من فعلهم فهم أعرضوا عن الحق فلم يوفقهم للإيمان عدلاً منه تعالى وهذا ما سيأتينا عند قول الطّّحاويّ رَحِمَهُ اللهُ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690162,"book_id":1659,"shamela_page_id":1288,"part":null,"page_num":1288,"sequence_num":1288,"body":"تَعَالَى: [وكلهم يتقلبون في مشيئته بين فضله وعدله] فنحن في كل الأمور نتقلب بين فضل الله وعدله.\rتعذيب الله لعباده بسبب ذنوبهم ليس فيه ظلم لهم\rأما الظلم فإن الله لا يظلم أحداً كما قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً [النساء:٤٠] لأن الله تَعَالَى غني عن العالمين فما الذي يدفعه إِلَى ظلمهم وهو غني عنهم ﷾ وهو الذي يقول كما أخبر عن نفسه في الحديث القدسي: (يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم، كانوا عَلَى اتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئاً يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا عَلَى أفجر قلب رجل واحد منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئاً) .\r\rفلماذا يظلمهم؟ وهو الغني وهم فقراء إليه، وهو القادر عليهم في كل حال، وهم الضعفاء الذين لا حول لهم ولا قوة أمام قدرته ﵎ وهو الذي خلقهم ومَنَّ عليهم وأسبغَ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة، ولو شاء لما خلقهم ولما أوجدهم، فمهما فكَّر الإِنسَان بنظره وبعقله فإنه يجد أن الله ﵎ غير محتاج إِلَى أن يظلم العباد وأنه تَعَالَى بريء من الظلم إذاً: فالبشرية يتقلبون بين فضل الله وعدله أما الذين يحتجون بالقدر فهذا من باب اتهام الله ﷾ أنه ظالم للعبد، بمعنى: أن الله تَعَالَى يقدر عَلَى العبد الذنب ويرغمه عليه ثُمَّ يحاسبه عليه فلا خيار للعبد في هذا الفعل ولا إرادة له وهذا ظلم قبيح لا يليق بأي مخلوق فكيف يليق بالله ﵎؟\r\rأقسام الناس في القدر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690163,"book_id":1659,"shamela_page_id":1289,"part":null,"page_num":1289,"sequence_num":1289,"body":"لقد ضل النَّاس في القدر عَلَى فرقتين الجبرية والقدرية، فالقدرية ابتدأ أصلهم منغيلان الدمشقي ومعبد الجهني وهَؤُلاءِ كانوا في أواخر عهد الصحابة -رضوان الله عليهم- في زمن التابعين، وأظهرا بدعة إنكار القدر ولهذا لما ظهر معبد الجهني وأنكر القدر بالبصرة جَاءَ التابعي من البصرة فحدثه ابن عمر بالحديث عن أبيه عُمَر بما رآه من مجيء جبريل إِلَى النبي ﷺ فالكلام في القدر حدث من أيام التابعين، من معبد الجهني بالبصرة ومن غيلان الدمشقي بالشام، والجبر حدث بعد ذلك من الجهم بن صفوان المتوفي سنة ١٢٨هـ.\rثُمَّ تطور كلٌ من المنهجين من مجرد فكرة بسيطة -ومجرد إنكار للقدر أو إثبات له- كما تتطور الأفكار عادة فتدخل فيها الحوارات والنقاشات والآراء ثُمَّ تتطور وتتسع دائرتها حتى تصبح ألغازاً وهذا ما وقع في باب القدر.\rفأصبح المعتزلة الذين ابتدأ أصلهم منواصل بن عطاء وعمرو بن عبيد الذين كانوا في مجلس الحسن البصري -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- كانوا قدرية، وهم أنفسهم المعتزلة تعددت مآربهم ومشاربهم في أبحاث فرعية فرعوها عن باب إنكار القدر، وقد انقرض مسمى الجهمية ولكن ورث الجهم في مسألة الجبر أبو الحسن الأشعري الذي جَاءَ بنظرية الكسب وطلابه إِلَى الآن عَلَى ذلك، وهم أنفسهم عاجزون عن إيضاح هذه النظرية، ولهذا قال فيهم الشاعر:\r\rمما يُقال ولا حقيقة تحته معقولة تدنو إِلَى الأفهام\rالكسب عند الأشعري والحال عند البهـ شمي وطفرة النظام\rهذه ثلاثة أشياء عجزت العقول عن معرفتها، وعجز أصحابها عن شرحها وإيضاحها للناس.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690164,"book_id":1659,"shamela_page_id":1290,"part":null,"page_num":1290,"sequence_num":1290,"body":"إن حقيقة مذهب الكسب عند الأشعرية أنه يؤول كثيراً بهم الأمر إِلَى الجبر ولذلك يقول الخطيب البغدادي صاحب كتاب الفرق بين الفرق: وهو كثير ما يقول قالأهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ أو أجمعأهل السنة فلا بد أن ننتبه فهو لا يقصد أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ إنما يقصد الكلابية والأشعرية.\rومن ذلك عندما يقول مثلاً: \"وأجمع أهل السنة عَلَى سكون الأرض \"فلو أتى أحد وقَالَ: عندنا دليل عَلَى أن الأرض تدور، وهذا الموضوع لا يهمنا؛ لأنه لا يدخل في مباحث العقيدة والدين؛ ولكن عندما يأتي شخص وينسب هذا إِلَى أهل السنة فقد يتضح الأمر خلاف ذلك، أو قد يقول به أحد من أهل السنة فيقول المخالف لأهل السنة هذا الإجماع خطأ، والإشكال ليس في أن أهل السنة أجمعوا عَلَى هذا أولاً: الخطأ في أن البغدادي يقول أهل السنة ونحن نظن أنه يقول أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ بينما هو يعني المتكلمين من الكلابية والأشعرية.\r\rولذا نحذر من أمثال هذه الكتب واصطلاحتها.\rوالبغدادي هو من أوضح من أراد أن يفسر نظرية الكسب وعلاقتها بالجبر أو القدر فقَالَ: إن فعل العبد مع الله مثلاً: لو أن رجلين يحملان حجراً كبيراً، وأحد الرجلين كبير والآخر صغير، والصغير لا يستطيع أن يحمل الحجر بمفرده لا بد أن يحمله معه الكبير، والكبير يستطيع أن يحمل الحجر بمفرده، فإذا تعاونا وحملا الحجر مع بعض، فإننا لا نكون مخطئين حينما نعاقب الصغير، لأنه أيضاً حمل الحجر وإن كَانَ وحده لا يستطيع حمل الحجر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690165,"book_id":1659,"shamela_page_id":1291,"part":null,"page_num":1291,"sequence_num":1291,"body":"فيشبه قدرة الله بقدرة الكبير وقدرة الصغير بقدرة العبد، والقدرتين تتعاون مع بعض في فعل الذنب، فإذا فعل أحد ذنباً فقدرة الله في نظره، كالرجل الكبير وقدرة العبد مثل الصغير، فإذا عاقب الله العبد لم يكن ظالماً، وهذا كما تلاحظون أقرب شيء إِلَى أن العبد مجبور؛ لأن الصغير مادام أنه لا يستطيع وحده أن يحمل أي شيء، وما دام أن الكبير هو وحده الذي حمل فاللوم والعقوبة تتوجه إِلَى الكبير هذا في حكم البشر، وهذا مما يدل عَلَى خطأ هَؤُلاءِ النَّاس وعلى أنهم لم يؤمنوا بالقدر مثل ما آمن به السلف الصالح وهذا الكلام جرّأ الذين ينكرون القدر بأن ينكروه ولا يؤمنوا به نهائياً.\rوالحديث الذي سنذكره الآن من أعظم الأدلة التي احتج بها الأشعرية عَلَى مذهبهم، ولكن المعتزلة والقدرية تجرؤوا أيما تجرؤ، فأنكروا الحديث الذي هو حديث محاجة آدم وموسى ﵉.\rقَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690166,"book_id":1659,"shamela_page_id":1292,"part":null,"page_num":1292,"sequence_num":1292,"body":"[فإن قيل: فما تقولون في احتجاج آدم عَلَى موسى ﵉ بالقدر إذ قال له أتلومني عَلَى أمر قد كتبه الله علي قبل أن أخلق بأربعين عاماً، وشهد النبي ﷺ أن آدم حج موسى أي غلب عليه بالحجة، قيل: نتلقاه بالقبول والسمع والطاعة لصحته عن رَسُول الله ﷺ، ولا نتلقاها بالرد والتكذيب لراويه، كما فعلت القدرية ولا بالتأويلات الباردة؛ بل الصحيح أن آدم لم يحتج بالقضاء والقدر عَلَى الذنب، وهو كَانَ أعلم بربه وذنبه؛ بل آحاد بنيه من المؤمنين لا يحتج بالقدر، فإنه باطل، وموسى ﵇ كَانَ أعلم بأبيه وبذنبه من أن يلوم آدم عَلَى ذنب قد تاب منه وتاب الله عليه واجتباه وهداه، وإنما وقع اللوم عَلَى المصيبة التي أخرجت أولاده من الجنة، فاحتج آدم بالقدر عَلَى المصيبة لا عَلَى الخطيئة، فإن القدر يحتج به عند المصائب لا عند المعايب، وهذا المعنى أحسن ما قيل في الحديث، فما قدر من المصائب يجب الاستسلام له، فإنه من تمام الرضى بالله رباً، وأما الذنوب فليس للعبد أن يذنب وإذا أذنب فعليه أن يستغفر ويتوب فيتوب من المعايب ويصبر عَلَى المصائب، قال تعالى: فَاصبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [غافر:٥٥] وقال تعالى: وَإِنْ تَصبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً [آل عمران:١٢٠] .] اهـ.\rالشرح:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690167,"book_id":1659,"shamela_page_id":1293,"part":null,"page_num":1293,"sequence_num":1293,"body":"هذا الحديث ثابت وصحيح باتفاق الحفاظ وعلماء الحديث وقد رواه الإمام البُخَارِيّ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - في صحيحه ومن أشهر من رواه الإمام: أبو بكر بن خزيمة في كتاب التوحيد في باب إثبات اليد لله تعالى؛ لأنه ورد في أكثر روايته في قول آدم ﵇: (يا موسى أنت كليم الله وأنت نبي الله الذي كلمه الله من وراء حجاب وكتب له التوراة بيده) وذكر روايات كثيرة لهذا الحديث وكذلك ذكر الحافظابن حجر فيالفتح أنه روي من عشر طرق عن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ وكذلك رواه الإمام البُخَارِيّ في كتاب القدر، والمعروف عند علماء الحديث أنه إذا طعن أحد في صحة الحديث، أو تكلم في سنده أو متنه من واقع كونه عالماً من علماء السنة وعالماً من علماء الحديث، فإننا نقبل كلامه من حيث المبدأ ولا اعتراض عليه أن ينقض حديثاً ما، لكن علينا أن نتبين فقد يكون مخطئاً في الاعتراض.\rفنقول: تضعيف فلان للحديث خطأ هكذا يرد عليه علماء الحديث الآخرون، لكن هذا الحديث لم يضعفه أحد من علماء الحديث.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690168,"book_id":1659,"shamela_page_id":1294,"part":null,"page_num":1294,"sequence_num":1294,"body":"فإن قيل ما الفرق بين تضعيف أحد علماء الحديث لحديث وبين رد أحد آخر غيره؟ نقول: الذي ليس من علماء الحديث؛ بل من المتكلمين ويرد الحديث ويقول: أنا أرده بالعقل كما قال بعضهم في حديث موسى مع ملك الموت لما لطمه: لا يمكن أن يصح، ولو رواه البُخَارِيّ في صحيحه، ولا يوجد عنده أي عذر في السند أو المتن؛ وهذا الرد والاعتراض والإنكار ليس مبني عَلَى علم وبصيرة بل عَلَى هوى، فالحديث إذاً ثابت وصحيح وأما ما فعلته الجبرية والقدرية فكما قال الإمام المقبلي صاحب كتابالعلم الشامخ في تفضيل الحق عَلَى الآباء والمشايخ وهو كتاب عظيم فيه فوائد عظيمة وفيه رد عَلَى المتكلمين وعلى الصوفية كابن عربي وأمثاله، وإن كَانَ عليه بعض الملاحظات التي لا يخلوا منها بشر؛ لكنه كإنسان متحرر من التقليد يعتبر رجلاً مجدداً؛ لأنه عاش في القرن الثاني عشر الهجري، فيقول -وكلامه صحيح-: هذا الحديث قد أطال فيه الأشعرية جداً حتى كأنهم جعلوا آدم ﵇ أشعرياً وموسى ﵇ معتزلياً، فهَؤُلاءِ أخذوا بطرف وهَؤُلاءِ أخذوا بطرف وعجزوا عن فهم الأحاديث، حتى أن كثيراً من كتب علم الكلام وخاصة الكتب الأشعرية التي هي أكثرها انتشاراً إذا وصل مصنفوها إِلَى هذا الحديث قالوا: وهذا الحديث مشكل، فيستدلون به عَلَى مذهبهم ويردون به عَلَى المعتزلة بقول النبي ﷺ في الأخير: (فحج آدم موسى) فهم يحتجون بالقدر ويثبتونه إِلَى حد أنه جبر، لكنهم يردون به عَلَى المعتزلة فإذا رجعوا إِلَى أنفسهم قالوا هذا الحديث مشكل، ومعناه غير مفهوم لنا؛ لكنهم لا يرضون أن يحتج به المعتزلة أما المعتزلة والقدرية فإنهم ينكرون الحديث.\rسبب ردّ القدرية حديث محاجة آدم وموسى عليهما السلام","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690169,"book_id":1659,"shamela_page_id":1295,"part":null,"page_num":1295,"sequence_num":1295,"body":"ومن أسباب رد القدرية لهذا الحديث هو قول النبي ﷺ في آخر الحديث: (فحج آدم موسى) ولهذا فإن بعض المعتزلة قالوا: نَحْنُ لا ننكر الحديث لكن نقول: (فحج آدمَ موسى) يجعلون موسى هو الذي غلب آدم ﵇ بالحجة، ويقولون: إننا عندما نعترض عَلَى الذين يقولون بالقدر معنا حق، لأنه قد سبقنا إِلَى ذلك موسى ﵇ فنحن نعترض، ولذلك من حقنا إذا قال أحد: إن الله قدر كذا أن نقول له: أنت الذي فعلت ذلك، ولم يقدره وننكر القدر؛ لأن موسى ﵇ قال لآدم ﵇: أنت أبونا أخرجتنا من الجنة وخيبتنا وفعلت وفعلت فلامه ولم يقبل منه الاحتجاج بالقدر ورواية (فحج آدم موسى) تعني: أن النبي ﷺ لما سقط قال هذه الكلمة، فيجعلون الفاعل هو موسى، والمفعول هو آدم.\r\rالرد على من رد حديث المحاجة\rويرد عليهم: أن النبي ﷺ قال كما في بعض الروايات (فحجه آدم) وهذا الحديث واضح لمن تأمله، وأن الذي غلب بالحجة هو آدم ﵇، فعلينا أن نأخذ روايات هذا الحديث ونتأمل معناه ونأخذ خلاصته ونرى هل هو مشكل إِلَى هذا الحد؟ أم أن الإشكال ورد عند الشبهات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690170,"book_id":1659,"shamela_page_id":1296,"part":null,"page_num":1296,"sequence_num":1296,"body":"فلو أن كل أحد جعل في نفسه قاعدة، وهي أنك تأخذ الحق من الكتاب والسنة، وكلما أتاك حديث آمنت به، ثُمَّ اطلعت عَلَى معناه إن لم تفهمه، أو تسأل أهل الذكر عن معناه حتى تفهمه، فإنك بذلك لا تجد أي إشكالٍ بإذن الله ﵎؛ لأن هذا الدين لا تناقض فيه أبداً كما قال الله تعالى: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النساء:٨٢] فهو من عند الله والنبي ﷺ يتكلم أيضاً من عند الله كما قال الله في نبيه ﷺ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:٤] فلا يمكن أن يكون هناك اختلاف أو تناقض.\r\rوإن أشكل شيء فإنما قد يشكل عَلَى عقول بعض النَّاس لكن لو ردوه إِلَى أهل العلم وأهل الذكر لزال هذا الإشكال، فأكثر روايات الحديث عَلَى كثرتها وكثرت ألفاظها فيها أنه (لقى موسى آدم ﵇ .\rومن الممكن أن يقَالَ: أين لقي آدم موسى.\rيقول لبعض العلماء: إنه لم يلقه وإنما هذا سيكون إذا التقيا في الآخرة والنبي ﷺ أخبر عن شيء سيقع وهذا خلاف ظاهر الحديث.\rفما الذي يجعلنا نقول: إنه لم يلقه وإنما سوف يلقاه؟ بل نقول: لقيه وعادت الأرواح في الملأ الأعلى ونحن لا ندرك منه شيئاً إلا ما جاءنا عن الله وعن رسوله ﷺ لكن عندنا علم أن الأرواح تتلاقى وتتزاور وتتخاطب وأن لها أموراً لا نعلمها عند الله تَعَالَى لا نعلمها وأكمل حياة برزخية هي للأنبياء، ولهذا فالنبي ﷺ قابلهما وقابل غيرهما من الأَنْبِيَاء ليلة أسري به إِلَى السماء، ودار بينهما هذا النقاش وهذه المحاجة عندما لقي موسى آدم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690171,"book_id":1659,"shamela_page_id":1297,"part":null,"page_num":1297,"sequence_num":1297,"body":"وهذا الحديث أيضاً فيه دليل عَلَى إثبات اليد لله تَعَالَى كما في آخره (وكتب لك التوراة بيده) في كلا القولين عَلَى هذه الرواية إثبات اليد لله تَعَالَى.\r\rولا حجة لمن يحتج بالقدر عَلَى الإطلاق، لأن هناك شيئين: هناك ذنب أو معصية فعلها آدم ﵇ وهي أنه أكل من الشجرة، وترتب عَلَى الأكل من الشجرة عقوبة ربانية من الله ليكون درساً لآدم وذريته، ألا يطيعوا الشيطان ولا يتبعوا سبيله وغيرها من الحكم الكثيرة، وهناك شيء آخر وهو: إخراج الله تَعَالَى آدم ﵇ بأن قال له: أنت الذي أذنبت، وأنت الذي عصيت وأنت الذي أكلت من الشجرة؟ لا، فلم يكن اللوم متوجه إِلَى المعصية، ولو قلنا ذلك؛ لكان موسى لائماً بهذا، ولقال له آدم في الجواب: هذا ذنب قد غفره الله لي، فإذا غفر الله لعبد ذنباً لا يحق لأحد من المخلوقين أن يقول له: لماذا تخطئ وتذنب قد غفر الله لك، فإن الله هو الذي يحاسب العبد وليس للعبد أن يُحاسب عبداً هذه المحاسبة في ذنب قد غفر الله تَعَالَى له، فاتضح بهذا أن السؤال لم يكن هكذا ولكن قال أنت أخرجتنا وخبيتنا فكان جواب آدم ﵇ لست أنا الذي أخرجتكم فآدم ﵇، ليس هو الذي أخرجنا وقد بكى الأعوام الطوال -كما يروى- (أن دموعه خطت خديه، ونزلت إِلَى الأرض) لأنه لما أنزل من النعيم الذي في الجنة إِلَى هذا التراب بكى وندم، فالإخراج ليس بإرادة آدم ﵇ فلذلك احتج ورد عليه، قال له: (أتلومني عَلَى أمر قد كتبه الله علي قبل أن أخلق بأربعين سنة) فأنا ما خرجت ولا أخرجتكم هذا معنى كلام أبينا آدم ﵇ لكن الإخراج والإنزال إِلَى الأرض كتبه الله علي قبل أن أخلق بأربعين سنة\rمعنى التقدير قبل أربعين سنة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690172,"book_id":1659,"shamela_page_id":1298,"part":null,"page_num":1298,"sequence_num":1298,"body":"وقد بحث بعض العلماء في معنى تقدير الله قبل أن يخلق آدم بأربعين سنة، قالوا: لماذا يقول آدم أربعين سنة مع أن الله قدر مقادير كل شيء قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، والأظهر والله أعلم في معنى هذه الأربعين أنها الفترة التي لم يكن آدم فيها مذكوراً، كما جَاءَ في الحديث الصحيح في تفسير قوله تعالى: هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً [الانسان:١] قال النبي ﷺ: (أربعون سنة) فيقول آدم منذ أن خلقني الله تَعَالَى من الطين قبل أن ينفخ فيَّ الروح كتب أنه ينزلني إِلَى الأرض.\rويظهر أن هذا وقت الخطاب من الله للملائكة إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ [البقرة:٣٠] وهذا الكلام موجود في التوراة ولهذا قال آدم يا موسى أتلومني عَلَى أمر تجده عندك في التوراة مكتوباً قبل أن أخلق بأربعين عاماً كيف تقرأ في التوراة أن الله سيجعل في الأرض خليفة والملائكة تعترض عَلَى ذلك ثُمَّ يعيبهم الله تَعَالَى بعد ذلك، وتأتي وتلومني وتقول أنت الذي أخرجتنا وأنت الذي خيبتنا.\rفالإخراج والإنزال إِلَى الأرض مكتوب علي قبل أن أخلق.\rفهناك فرق بين الإخراج وبين الذنب فالذنب وقع من آدم أما الإخراج فهو من الله تعالى، وكذلك أن آدم تاب وموسى يعلم أن الله قبل توبته فلا يمكن لموسى أن يعاتب عَلَى الذنب وقد تاب منه وغفر الله تَعَالَى له.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690173,"book_id":1659,"shamela_page_id":1299,"part":null,"page_num":1299,"sequence_num":1299,"body":"مثال ذلك: لو أن رجلاً كَانَ كافراً ويشرب الخمر أو يأكل الميتة ثُمَّ أسلم، فأتى شخص وقال له أنت في جاهليتك شربت الخمر أو أكلت الميتة هل هذا كلام يقال؟ لاأحد يقوله؛ لأنه سيقول له: أنا أسلمت والإسلام يجب ما قبله، وكذلك التوبة تجب ما قبلها فلذلك عندما تأتي فالقدرية ومنهم كثير من الصوفية حتى صاحب منازل السائرين يقولون: لا تنكرون عَلَى أصحاب المعاصي؛ لأن الكل في العبودية سواء فأنت ومن يفعل المنكر سواء في العبودية والذي ينكر عليه ويحاسبه هو الله تَعَالَى أما أنت فإذا رأيت أحداً يعمل شيئاً فقل: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ [الأنعام:١١٢] وهذا القول من أسقط الأقوال أبعدها عن الكتاب والسنة لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد والشعائر العظيمة تبطل بهذا القول.\r\rخطر من يحتج بالقدر على المعاصي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690174,"book_id":1659,"shamela_page_id":1300,"part":null,"page_num":1300,"sequence_num":1300,"body":"إن غرض هَؤُلاءِ أنهم يريدون أن يبطلوا بهذا الكلام وبهذا اللغو الشريعة والدين، وكوني أنا وهو عبيد نعم، ولكن الله أمرني أن أنكر المنكر، وهو عبد وقع في المنكر فلا بد أن أنكر عليه، وكون الله هو الذي يحاسب العباد فهذا لا شك فيه، ولكن يجب علي أن أنكر المنكر، ولا أحاسبه محاسبة الرب للعبد، فلا حجة لهم في قولهم إن آدم قد غلب موسى، فإن كل من فعل ذنباً ثُمَّ أتيت تنكر عليه فإنه يغلبك بالحجة إذا احتج بالقدر كما تقوله الجبرية لأن معنى هذا لا تنكر أي منكر وهذا ترده الأصول الشرعية القوية المبنية عَلَى آيات وأحاديث عن النبي ﷺ، وهذا يدل عَلَى بيان ضلال وخطأ هَؤُلاءِ والمصنف ركز عَلَى هذه الفقرة الواضحة في الرد عَلَى هَؤُلاءِ الذين لم يفهموا هذا الحديث وهي قوله (وقع اللوم عَلَى المصيبة ولم يقع عَلَى المعصية والقدر والأقدار يحتج بها عَلَى المصائب ولا يحتج بها عَلَى المعاصي، فقد أمرنا بشيئين أمرنا في باب الأقدار أن نصبر عَلَى أقدار الله وهذا من الإيمان بقدر الله تَعَالَى أما المعاصي والذنوب، فأمرنا بالتوبة والاستغفار ولم نؤمر بالرضى بها وأن نفعلها فضلاً عَلَى أن نقر من يحتج بها من المحتجين.\rقَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:\r[وأما قول إبليس رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي [الحجر:٣٩] إنما ذم عَلَى احتجاجه بالقدر لا عَلَى اعترافه بالمقدر وإثباته له ألم تسمع قول نوح ﵇ ولا يَنْفَعُكُمْ نُصحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ َ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ A> [هود:٣٤] ولقد أحسن القائل:\r\rفما شئتََ كَانَ وإن لم أشأ وما شئتُ إن لم تشأ لم يكن\rوعن وهب بن منبه أنه قَالَ: \"نظرت في القدر فتحيرت ثُمَّ نظرت فيه فتحريت ووجدت أعلم النَّاس بالقدر أكفهم عنه، وأجهل النَّاس بالقدر أنطقهم به\"] اهـ.\rالشرح:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690175,"book_id":1659,"shamela_page_id":1301,"part":null,"page_num":1301,"sequence_num":1301,"body":"من الآيات التي استدل بها من يحتج بالقدر عَلَى المعاصي، آيات الأنعام، والنحل، والحديث الذي سبق، واستدلوا كذلك بقوله تعالى: رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي [الحجر:٣٩] فَقَالُوا: إن إبليس لما قَالَ: رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي [الحجر:٣٩] أنكر الله عليه واحتجاجه هذا مردود وعلى هذا فنحن لا نثبت المشيئة، أي: لا نقول إن الله هو الذي أغوى إبليس؛ لأن إبليس هو الذي قال إن ربه هو الذي أغواه محتجاً بذلك، فبناءاً عليه فنحن ننكر الإغواء، فهم يريدون أن ينكروا أن الله قدر الأقدار بناءاً عَلَى أن الذين احتجوا بالقدر هم المُشْرِكُونَ، ومنهم إبليس وَقَالُوا: لا نأخذ ديننا عن إبليس ولا عن الْمُشْرِكِينَ فلا قدر إذاً، ونرد عليهم بمثل ما رددنا عَلَى الْمُشْرِكِينَ من أن الله تَعَالَى لم ينكر أنه شاء الشرك، ولم ينكر أنه أغوى إبليس.\r\rوإنما كَانَ الإنكار بما يحتج المُشْرِكُونَ -بمشيئته عَلَى شركهم- وبما يحتج إبليس -بإغواء الله له عَلَى ما فعله من التزين بالإِنسَان وإغواءه- فَيَقُولُ: إنما ذم عَلَى احتجاجه بالقدر لا عَلَى اعتراضه به فنحن نقول: إن اعتراض الْمُشْرِكِينَ بأن الله هو الذي شاء أن يعبدوا هذه الأصنام لا اعتراض عليه.\rونقول: لا يقع في ملك الله إلا ما شاؤه الله، واعتراض قول إبليس بأن الله قدر عليه الغواية نَحْنُ نقول نعم قدر الله عليه الغواية، لكن احتجاجه بأن الله قدر عليه بأنه غير مؤاخذ هذا الذي نرده.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690176,"book_id":1659,"shamela_page_id":1302,"part":null,"page_num":1302,"sequence_num":1302,"body":"فإن المشيئة لا تستلزم الجبر والقهر فهذا شيء شاءه الله تعالى، لكن المسئول عنه هو من فعله، أي: أن إبليس خاطبه الله تَعَالَى وأمره بالسجود مع الملائكة وهو يعلم عقوبة المعصية ومع ذلك ارتكبها بمشيئة الله، ولأن لله حكمة لكنه بإرادته وبطوعه خالف أمر الله وعصاه، ومن هنا طُرد ولُعن وأصبح رذيلاً مذموماً ويستدل عَلَى ذلك بقوله تَعَالَى عن نوح ﵇: (َلا يَنْفَعُكُمْ نُصحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ َ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [هود:٣٤] فما عَلَى الرَّسُول إلا البلاغ مع أنه يبين لهم ويدعوهم إِلَى الله، ويقول لهم إن ما آتيكم به من الحجج والبراهين لا ينفعكم إن كَانَ الله يريد أن يغويكم، لكن لو فرضنا أن الله يريد أن يغويهم -ولا شك أنه أغوى منهم الأكثرين وما آمن له منهم إلا القليل- لكنه ﷾ ليس راضياً بغوايتهم بدليل أنه بعث فيهم نوحاً يجادلهم ألف سنة إلا خمسين عاماً ليلاً ونهاراً سراً وعلانية يدعوهم، كما ذكر الله ذلك في سورة نوح واستخدم معهم شتى أنواع الدعوة فالله ليس راضياً عن شركهم وما فعلوه وكونه ﵎ اقتضت حكمته ومشيئته أن يكون في النَّاس مؤمن وكافر، فإن هذا شيء نقرُّ به ونؤمن به، وهذا من حكمته التي لا نستطيع أن ندركها وأن نعرف أبعادها، يقول المُصنِّفُ نقلاً عن هذا الشاعر:\r\rفما شئتَ كَانَ وإن لم أشأ وما شئتُ إن لم تشأ لم يكن\rلقد أحسن القائل، وهذه الأبيات التي قالها السلف الصالح في بيان الإيمان بالقدر وأن الله تَعَالَى مع أنه أعطانا مشيئة، إلا أن المشيئة النافذة هي مشيئته فَيَقُولُ: (فما شئت كَانَ وإن لم أشأ) ما شاء الله كَانَ وإن لم يشأ العبد أن يكون (وما شئت) أي: أنا المخلوق (إن لم تشأ لم يكن) فالمشيئة التي تنفذ هي مشيئة الله.\rمقالات بعض السلف في القدر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690177,"book_id":1659,"shamela_page_id":1303,"part":null,"page_num":1303,"sequence_num":1303,"body":"يقول المُصْنِّف عن وهب بن منبه وهو من أهل الكتاب الذين أسلموا قَالَ: [نظرت في القدر، فتحيرت، ثُمَّ نظرت فيه فتحيرت، فوجدت أعلم النَّاس بالقدر أكفهم عنه، وأجهل النَّاس بالقدر أنطقهم به] .\rوذلك لأن الله لما خلق النَّاس وجعلهم فريقين هذا إِلَى الجنة وهذا إِلَى النار، ووفق هذا إِلَى الهدى وحجبه عن هذا، وهذه الأمور من الأمور العميقة الدقيقة، ولا يعني قول وهب أن كل أحد يتوقف فيها أولا يدرك حكمتها، فإذا كَانَ وهب بن منبه لم يدرك شيئاً من ذلك، فإن غيره قد يدرك ما يفتح الله به عَلَى أهل العلم، وإنما يأتي المُصْنِّف بأمثال هذا الكلام ليبين أن الأصل هو عدم الخوض في باب القدر، وأن علينا أن نؤمن بالقدر بأن الله قدر مقادير كل شيء، ثُمَّ نؤمن بأنه تَعَالَى لا يظلم أحداً، ثُمَّ نؤمن بأنه ليس لأحد يعصي الله تَعَالَى أن يحتج بالقدر نؤمن بذلك كله، ونرد علم غير ذلك إِلَى خالقه تعالى، كما قال تعالى: وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً [الإسراء:٨٥] وعقولنا لا تستطيع أن تفسر كل شيء إِلَى أبعاده أعماقه، ولكن إذا وجدنا من العلماء الموثوق بهم أو من السلف الصالح كلاماً في بيان بعض الاشكالات التي تعترضنا، حمدنا الله تَعَالَى وعرفناها وتعلمناها، وإن لم نجد نقف حيث وقفوا، ونكِلُ ما وراء ذلك إِلَى الله ﵎.\r\rمذهب المعتزلة والرد عليهم\rثُمَّ قَالَ المُصْنِّفُ ﵀:\rقال الإمام الطّّحاويّ ﵀:\r[يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلاً، ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلاً] .\r\rيقول المُصْنِّف ﵀:\r\r[هذا رد عَلَى المعتزلة في قولهم بوجوب فعل الأصلح للعبد عَلَى الله، وهي مسألة الهدى والإضلال، قالت المعتزلة: الهدى من الله بيان طريق الصواب، والإضلال: تسميه العبد ضالاً أو حكمه تَعَالَى عَلَى العبد بالضلال عند خلق العبد الضلال في نفسه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690178,"book_id":1659,"shamela_page_id":1304,"part":null,"page_num":1304,"sequence_num":1304,"body":"وهذا مبني عَلَى أصلهم الفاسد أن أفعال العباد مخلوقة لهم والدليل عَلَى ما قلناه قوله تعالى: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [القصص:٥٦] ولو كَانَ الهدى بيان الطريق لما صح هذا النفي عن نبيه؛ لأنه ﷺ بين الطريق لمن أحب وأبغض، وقوله تعالى: وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا [السجدة:١٣] وقوله: يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [المدثر:٣١] ولو كَانَ الهدى من الله البيان وهو عام في كل نفس لما صح التقييد بالمشيئة وكذا قوله تعالى: وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ [الصافات:٥٧] وقوله: مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الأنعام:٣٩] اهـ.\rالشرح:\r\rإن مسألة الهدى والضلال من أدق الأمور التي ينبغي أن نفهمها لكثرة ما وقع فيها من الخوض، لا سيما بين المعتزلة والأشعرية حيث قالت المعتزلة -الذين أورد المُصْنِّف هذه الفقرة في الرد عليهم-: الهدى من الله هو أنه بين طريق الصواب، مثل ما نقول: وضع علامات عَلَى الطريق، وقال هذا هو الطريق الحق وأما الإضلال من الله، فهو أنه يسمى العبد ضالاً إذ أن العبد ضل من عند نفسه وارتسم الضلال فيه فسماه الله ضالاً.\rهذا هو معنى الهدى والضلال عند المعتزلة وهذا باطل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690179,"book_id":1659,"shamela_page_id":1305,"part":null,"page_num":1305,"sequence_num":1305,"body":"والصحيح في معنى الهدى والضلال، أن الهدى من الله وهو توفيق العبد للإيمان وإعانته عليه، والفضل كما قال المصنف: (ويعصم ويعافي فضلاً) أي: تفضل الله عَلَى العبد بأن يعينه ويوفقه إِلَى طريق الحق والخير، ويمده بذلك كما نقول دائما في صلاتنا إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:٥] وهذه الاستعانة لا تريدها المعتزلة، يقولون: نَحْنُ من عند أنفسنا نخلق فعل أنفسنا ونفعل الطاعات، أما المؤمن فَيَقُولُ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:٥] فإليك نتوجه يا رب وبك نستعين، ولولا عون الله -تعالى- وتوفيقه لنا ما عبدناه ولا صلينا ولا زكينا، ولكن وفقنا لذلك وبينه لنا، وهدانا إليه، وأعطانا القوة عليه، وحجب عنا الشبهات والشهوات، وذلك من فضله ومنته حتى عبدناه فصلينا وصمنا إِلَى آخر ذلك، فالمسألة أكبر من أنه بين الطريق لنا فقط أو قال هذا هو الحق؛ بل إنه وفقنا وأعاننا وأمدنا وتفضل علينا، حتى فعلنا الهدى واهتدينا، وأما إضلال العبد فليس أن الله يسميه ضالاً بعد أن خلق العبد فعل نفسه الذي هو المعصية إنما إضلال الله ﵎ للعبد أي يُحجب الله عنه ويحرمه الفضل ويحرمه التوفيق مع بيان طريق الحق له.\rوهذا هو الفارق وما تجعله المعتزلة للمؤمنين وهو بيان طريق الحق، ونحن نقول هذا البيان حصل ووقع للعاصي وللكافر، وللفاجر، بين لكل واحد منهم طريق الحق، لكنه لم يعينه ولم يوفقه إلا أنه يفعله عدلاً منه ﵎ وأما المؤمن فمع أنه بين له أيضاً إلا أنه وفقه وأمده وأعطاه فضلاً منه ﵎ فالمعتزلة يقولون: يجب عَلَى الله.\rوفي هذه العبارة جرأة، فمن يتجرأ أن يوجب عَلَى الله تَعَالَى شيئاً أن يفعل الأصلح للعباد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690180,"book_id":1659,"shamela_page_id":1306,"part":null,"page_num":1306,"sequence_num":1306,"body":"والأصلح لهذا العبد: أن يبين له طريق الهدى وأن يتركه ليعمل لنفسه مثلاً، فيرون أنه يجب عليه ذلك فنقول: لا يجب عَلَى الله تَعَالَى شيء ولكن الأمر يدور بين العدل وبين الفضل، فأما فضله تَعَالَى فإنه عَلَى المؤمنين: وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً [النساء:١١٣] تفضل الله عَلَى النبي ﷺ بأن أوحى إليه، وأنزل إليه الكتاب، وجعله سيد ولد آدم، وجعله إمام المتقين، وإمام الغر المحجلين، ورسالته رحمةً للعالمين، كل هذا فضل من الله عَلَى نبيه مُحَمَّد ﷺ.\rلا يستطيع أحد أن يوجب على الله فعل شيء\rلا يستطيع أحد أن يوجب عَلَى الله شيئاً ولكن الله تَعَالَى حجب الإيمان وحرم الهداية والتوفيق عدلاً منه جل شأنه، فقد حرم أبا لهب ومنعه من هذا الإيمان، وبين له الطريق وأوضحها له ومن أعظم الأدلة عَلَى ذلك: أن أبا لهب كَانَ يعلم أن النبي ﷺ صادق، وأنه لا يكذب أبداً، ولو أن أبا لهب وسأل نفسه هل مُحَمَّد هذا صادق أم أنه كاذب في دعوى الوحي! لقالت له نفسه: هو نبي وصادق، وما أكثر ما صرح به الكفار المعاندون للنبوة.\rفالحجة قامت عَلَى أبي لهب ولكن لماذا لم يؤمن؟\rهل هو من عند نفسه؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690181,"book_id":1659,"shamela_page_id":1307,"part":null,"page_num":1307,"sequence_num":1307,"body":"نعم، نقول: إن الله لم يوفقه ولم يتفضل عليه بالإيمان؛ لكن هذا التوفيق فضل من الله يعطه من يشاء ويحجبه عمن يشاء، ولا يحرمه أحد إلا لسبب من العبد لذاته، علم الله أنه لا خير فيه، كما قال الله تعالى: وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ [الأنفال:٢٣] لكن علم أنه لا خير فيه وأنه يرفض هذا الإيمان رغم الحجج الواضحة البينة، ولهذا لم يوفقه للإيمان وهذا عدل منه ﵎ مع أنه بين له طريق الهدى وقول المعتزلة بأن الهدى بيان الطريق وأن الإضلال تسمية العبد ضالاً هذا خطأ بل الهدى من الله تعالى: هو التوفيق والعون والإمداد والتفضل بالهداية وسلوك طريق الطاعة، وأما الإضلال فهو: صرف الإِنسَان وحجبه عن طريق الخير لفعل يفعله بسبب منه لعدم قابليته الهدى فالله ﷾ لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.\r\rولهذا جَاءَ في الحديث الصحيح (عملت اليهود إلى منتصف النهار كما نقول: إِلَى صلاة الظهر وعملت النَّصَارَى ما بين صلاة الظهر والعصر، وعملت هذه الأمة من صلاة العصر إِلَى المغرب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690182,"book_id":1659,"shamela_page_id":1308,"part":null,"page_num":1308,"sequence_num":1308,"body":"فضرب الله لذلك مثلاً بثلاثة عمال فرجل استأجرته بأجر إِلَى الظهر، فأعطيته ديناراً، والآخر استأجرته من الظهر إِلَى العصر فأعطيته ديناراً، ورجل استأجرته من العصر إِلَى المغرب فأعطيته ثلاث دنانير أو أكثر، فَقَالَ الأول والثاني لماذا تعطيه أكثر منا؟ فاحتجت اليهود والنَّصَارَى- عَلَى أن الله تَعَالَى أعطى هذه الأمة أكثر منها - فَقَالُوا: يا رب عملوا قليلاً وأعطيتهم كثيراً؟ فَقَالَ تعالى: (أوقد حرمتكم من حقكم شيئاً) قالوا: لا يا رب قَالَ: (ذلك فضلي أعطيه من أشاء) فهذا فضل من الله، فأنت إذا حرمت شيئاً من حقك تطالب به، فلا تعترض وقد أعطيت حقك إذا أعطى غيرك أكثر مما يستحق لتفضل المعطي بذلك، ومع ذلك إذا كَانَ المتفضل هو الله، فإنما يتفضل عَلَى أحد ويحرم آخر من هذا الفضل لِمَا يعلمه ﷾ مما في نفس هذا من الخير والقابلية والتوجه ومراغمة النفس عَلَى قبول الحق، وما يعلم في نفس ذلك من رد الحق ودفعه وغمطه.\rفلما لم يقم العبد بما وجب عليه من طاعة الله ﵎ والاستعانة به عَلَى نفسه خذله الله ووكله إِلَى نفسه، ومن وُكل إِلَى نفسه فقد خاب وخسر، ولهذا كَانَ من دعائه ﷺ: (يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث أصلح لي شأني كله ولا تكلني إِلَى نفسي طرفة عين) وفي الرواية الأخرى: (فإنك إن تكلني إِلَى نفسي تكلني إِلَى ضعف وعجز وخطيئة) فالإِنسَان إذا وكل إِلَى نفسه فقد وكل إِلَى عقله وتفكيره وحرصه وأنه يعرف الحق ويعرف الخير والهدى والضلال فيخيب ويخسر ويشقى، بل الواجب عَلَى الإِنسَان أن يدعو الله تَعَالَى أن يهديه للحق، فإذا وجد من يبين له الحق فعليه أن يحمد الله ﵎ وأن يشكره.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690183,"book_id":1659,"shamela_page_id":1309,"part":null,"page_num":1309,"sequence_num":1309,"body":"ولذلك استدل المُصْنِّف في الرد عَلَى قول المعتزلة بأن الهدى لو كَانَ هو بيان الطريق لما قال الله لنبيه: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص:٥٦] لأن النبي ﷺ قد بين الطريق فالبيان والإرشاد حصل منه ﷺ، لكن هداية التوفيق والامتثال والتفضل ليست من عنده كما قال الله تعالى: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [القصص:٥٦] وقد قال له وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى:٥٢] أي: إنك تبين الطريق المستقيم وتدعو إليه وتوضحه للناس، أما قوله: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص:٥٦] أي: إنك لا توفق من تشاء ليكون مؤمناً.\rوهذه الآية نزلت في عمه أبي طالب لما حرص النبي ﷺ وأخذ يُلح عليه أن يسلم، ويقول له: (يا عمِ قل كلمة أحاجُّ لك بها عند الله) ففاضت روح عمه وهو يقول إنه عَلَى ملة عبد المطلب، فرَسُول الله يُلح عليه وهو يعلم صدقه، ولا يوجد أحد من الْمُشْرِكِينَ أعلم بصدق النبي ﷺ منأبي طالب، ولذلك حماه وأواه وحوصر معه في الشعب في سبيل نصرته النبي ﷺ.\r\rولو كَانَ كاذباً لما تحمل هذا الأذى كله من أجله، ولكنه يعلم أنه صادق لكن مع ذلك كله لم يؤمن به فالمسالة مسألة هداية وتوفيق من الله وليست بالرأي ولا بالعقل ولا ببيان الحجج فعلينا أن نسأل الله دائماً الهدية والتوفيق كما جَاءَ في سورة الفاتحة إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:٥] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690184,"book_id":1659,"shamela_page_id":1310,"part":null,"page_num":1310,"sequence_num":1310,"body":"ونعلم أنه هو الذي يعيننا عَلَى الطاعة، وأنه لو وكلنا إِلَى أنفسنا طرفة عين لهلكنا، ونقول بعد ذلك: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:٦] فهو الذي يهدينا ﷾، فندعوه دائماً في كل ركعة بأنك أنت الذي تعين العبد ولولا توفيقك وإعانتك لما عبدك أحد، ولما آمن بك أحد، حتى بعد أن يدخل أهل الجنة الجنة يقولون: =وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ فالأمر كله فضل منه ﵎.\rثُمَّ قال الطّّحاويّ ﵀:\r\r[وكلهم يتقلبون في مشيئته بين فضله وعدله] .\r\rقَالَ المُصْنِّفُ ﵀:\r\r[فإنهم كما قال تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ [التغابن:٢] فمن هداه إِلَى الإيمان فبفضله وله الحمد، ومن أضله فبعدله وله الحمد، وسيأتي لهذا المعنى زيادة إيضاح إن شاء الله تعالى، فإن الشيخ ﵀ لم يجمع الكلام في القدر في مكان واحد، بل فرقة، فأتيت به عَلَى ترتيبه] اهـ\rقال الطّّحاويّ ﵀:\r[وهو متعال عن الأضداد والأنداد] .\rقَالَ المُصْنِّفُ ﵀:\r\r[الضد: المخالف، والند: المثل، فهو سبحانه لا معارض له، بل ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا مثل له، كما قال تعالى: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص:٤] ويشير الشيخ ﵀ بنفي الضد أو الند إِلَى الرد عَلَى المعتزلة في زعمهم أن العبد يخلق فعله] اهـ.\rقال الطّّحاويّ ﵀:\r[لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولا غالب لأمره]\r\rقَالَ المُصْنِّفُ ﵀:\r\r[أي لا يرد قضاء الله راد ولا يعقب أي: لا يؤخر حكمه مؤخر، ولا يغلب أمره غالب، بل هو الله الواحد القهار] اهـ\rقال الطّّحاويّ ﵀:\r[آمنا بذلك كله وأيقنا أن كلاً من عنده]","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690185,"book_id":1659,"shamela_page_id":1311,"part":null,"page_num":1311,"sequence_num":1311,"body":"قَالَ المُصْنِّفُ ﵀:\r\r[أما الإيمان فسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى، والإيقان الاستقرار من يقن الماء في الحوض إذا استقر، والتنوين في \"كلاً\" بدل الإضافة: أي كل كائن محدث من عند الله أي: بقضائه وقدره وإرادته ومشيئته وتكوينه، وسيأتي الكلام عَلَى ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى] اهـ.\r\rالشرح:\r\rقوله: [وهو متعالٍ عن الأضداد والأنداد] لقد نفى الله ﷾ أن يكون له ضد أو ند في ملكه وأفعاله أو أفعال العباد كما قال تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [الاخلاص] بل يجب أن يفرد وحده بالعبادة، وأما الذين اتخذوا من دون الله أنداداً؛ فأولئك هم المُشْرِكُونَ الذين توعدهم الله بالعذاب الشديد في الدنيا والآخرة، والتخليد في النارفي النار فاتخاذ الأنداد من دون الله تَعَالَى هو عين الشرك، فليس له تَعَالَى ضد ولا ند.\rوقوله ﵀: [ولا راد لقضائه] .\rقد سبق شرحه، ومعناه: أنه قد كتب مقادير كل شيء قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكل ما كتبه الله تَعَالَى فهو واقع لا محالة ولا راد له كائناً من كان.\r\rوقوله [ولا معقب لحكمه] الحكم هنا يشمل الحكم الشرعي والقدري فأما حكمه القدري: فهو قضاؤه الذي سبق أن حكم به فلا يستطع أحد أن يدفعه.\rوأما حكمه الشرعي: فلا معقب لحكمه أي: لا مستدرك عليه مثال ذلك: عقوبة الزاني الجلد إن كَانَ بكراً، والرجم إن كَانَ ثيباً فلا معقب لحكمه كَانَ يأتي أحد فيجعلها السجن والغرامة أو يجعل الجلد أقل أو أكثر، كذلك حرم الله تَعَالَى الربا، فلا معقب لحكمه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690186,"book_id":1659,"shamela_page_id":1312,"part":null,"page_num":1312,"sequence_num":1312,"body":"كأن يأتي أحد فَيَقُولُ: الربا حلال ويتأول ويتفلسف في بيان استحلال ما حرم الله تعالى، فلا معقب لحكمه أبداً ﷾ فما عَلَى العباد إلا أن يطيعوه وينقادوا له ويسلموا ولهذا خلقهم وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:٥٦] فلم يخلقهم ليعترضوا عليه، وإنما أعطاهم الله العقول؛ ليفكروا بها فيما ينفعهم في دنياهم وآخرتهم ويفهموا بها دينه وشرعه فلم يعطهم العقول ليفكروا بها فيما يعارضون به شرعه ودينه، ويردون به عَلَى أنبياءه، أو عَلَى من يدعوهم إِلَى الحق والهدى.\r\rوقوله: [ولا غالب لأمره] أي: ولا غالب لأمر الله تَعَالَى إذا قدَّر أمراً بخلاف المخلوقين فإنه يغلب عَلَى كثير من أمورهم إلا ما شاء الله أنه ينفذ.\r\rوقوله: [آمنا بذلك كله وأيقنا أن كلاً من عنده] أي: آمنا بجميع ما تقدم من المباحث في إثبات الصفات والقدر آمنا بذلك كله، وأيقنا أنه من عند الله تعالى، وكل ما جَاءَ في كتاب الله، أو في سنة الرَّسُول ﷺ، فنحن نؤمن به.\r\rإن علاقة الميثاق بالعقيدة هي:\rأولاً: من جهة الفطرة، ففي سورة الأعراف يقول الله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [الأعراف:١٧٢] هذا عَلَى قراءة، وعلى قراءة أخرى سبعية وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهُمْ بالجمع ونحن نقرأ عَلَى القراءة الأولى وهي وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ [الأعراف:١٧٢، ١٧٣] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690187,"book_id":1659,"shamela_page_id":1313,"part":null,"page_num":1313,"sequence_num":1313,"body":"دليل الفطرة\rآية الميثاق ذكرها الله في كتابه، وقرأها السلف الصالح والجميع عَلَى اختلافهم يقولون: هل كَانَ ذلك استخراجاً حقيقياً أو أنها مجرد الفطرة؟ وكلا القولين يؤدي إِلَى أن الله ﷾ قد أخذ إقرار بني آدم عَلَى التوحيد وفطرهم عليه، هذا من جهة.\r\rومن جهة أخرى أن كل إنسان يعرف الله ﷾ بالفطرة، وأنه قد بين ذلك وفصله وخلقهم عليه.\r\rوموضوع الفطرة هو من الموضوعات التي تدخل في صلب العقيدة والإيمان، سواءً من جهة ما يجب علينا وهو أن نؤمن بأن الله ﷾ قد فطر العباد على الإيمان به وتوحيده، أو من جهة ما يقتضيه ذلك الإيمان من الانقياد، وإخلاص التوحيد لله ﷾، فكل ذلك حق، وقد أطال السلف في هذه المسألة، وممن أطال فيها أيضاً: شيخ الإسلام ابْن تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في كتابه -العظيم المشهور الكبير- درء تعارض العقل والنقل، حيث سرد الأقوال التي ذكرت فيها، والترجيح في ذلك، والرد عَلَى الفرقِ والمذاهب المخالفة.\r\rومعنى دليل الفطرة هو أن النبي ﷺ قَالَ: (ما من مولود إلاّ يولد عَلَى الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) في روايات كثيرة ذكرها الإمام مسلم رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، ورواها غيره.\r\rلكن الإمام مسلم ﵀ فصل الروايات وذكرها عَلَى نسق، (كل مولود يولد عَلَى الفطرة) وفي رواية (عَلَى الملة) وفي رواية (ما من مولود إلاّ يولد عَلَى هذه الملة) والأدلة قطعية ونصية عَلَى أن الإِنسَان مخلوق ومفطور عَلَى ملة الإسلام.\r\rالأصل في الإنسان أن يولد على فطرة الإسلام","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690188,"book_id":1659,"shamela_page_id":1314,"part":null,"page_num":1314,"sequence_num":1314,"body":"إن كل إنسان في أي بيئة وجد فيها يولد عَلَى الإسلام الذي بعث به الرسل، وبيَّن ذلك النبي ﷺ حين ضرب لأصحابه ما كانت تفعله العرب، كانوا إذا أنتجت الدابة من الإبل أو البقر أو الغنم يقطعون أذنها أو يَسِمُونها بعلامات -كما هو معروف إِلَى الآن- وهذه العلامات تبين انتماء هذه الدابة لصاحبها، لكن التي تولد ولا تكون عليها علامة أبداً، كما قال ﷺ (كما تنتج البهيمة بهيمةً جمعاء هل ترون فيها من جدعاء) فكل مولود يولد عَلَى هذه الملةِ، كالصفحة البيضاء النقية التي لو تركت وحدها لما عرفت إلاّ توحيد الله ولم تنحرف عنه إِلَى الشرك، لكن يأتي من يجعل لها انتماء إِلَى أي دين، أو إِلَى أي ملة.\rفالتربية أو المجتمع يهودان أو ينصران أو يمجسان، أو عَلَى أي مذهب من المذاهب، لكن هذا لا يلغي الحقيقة، لأنها حقيقة أزلية أخبر الله ﵎ عنها بقوله: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّم [الروم:٣٠] هذا هو الدين القيم، ولا يستطيع أحد أن يبدله ولا يمكن أبداً أن يولد مولود إلاّ عَلَى هذا الدين القويم، ولكن حكمة الله ﷾ في أن جعل النفس البشرية تتأثر وتقبل التغيير.\rولهذا اختلف العلماء رحمهم الله تَعَالَى في مسألة أطفال الْمُشْرِكِينَ إذا ماتوا، هل يكونون من أصحاب الجنة أم لا؟ وهل يمتحنون أم لا؟ عَلَى أقوال معروفة ليس هذا مجالها، إنما المقصود أن هَؤُلاءِ الأطفال يولدون عَلَى الإسلام، وأن الذي يصرفهم عن ذلك هي التربية أو المجتمع من الأحبار، أو الرهبان، أو الكهان، أو ما أشبه ذلك من الصوارف.\r\rحكم الغلام الذي قتله الخضر عليه السلام","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690189,"book_id":1659,"shamela_page_id":1315,"part":null,"page_num":1315,"sequence_num":1315,"body":"ورد في الغلام الذي قتله الخضر ﵇ كما قال له موسى: أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْس [الكهف:٧٤] أنه كَانَ قد طبع كافراً مخالفاً لبقية النَّاس، وأن له حكماً خاصاً، وهو أنه خلق كافراً، ولهذا كَانَ حكمه مخالفاً ومغايراً لحكم سائر الناس، فإنهم يدعون فإن أسلموا وإلاّ قتلوا.\rفالمقصود أنه لا خلاف بين المسلمين في أن الله ﷾ قد فطر النَّاس وغرس في أذهانهم الدلائل والبراهين عَلَى معرفته ﷾ والاتجاه إليه وحده لا إِلَى أحد سواه.\r\rومن أعظم الشبهات التي دخلت في علم الكلام، وأفسد بها علماء الكلام دين الْمُسْلِمِينَ قولهم بأن التدين إنما يكون تقليداً، وممن ذكره وفصله أبو حامد الغزالي في الإحياء وذكره غيره، وهو أن النَّاس إنما يتعبدون بحسب البيئة التي يولدون عليها، ولهذا يصبح الإِنسَان الذي ينشأ بين النَّصارَى نصرانياً والذي ينشأ بين اليهوديهودياً.\rوقد أدخل علماء الكلام -وأصلهم زنادقة براهمية- هذا على المسلمين، ولبسوا عليهم ذلك، فَقَالُوا: إذا كان من يولد بين الهنود يصبح هندوسياً، والذين يولد بين المسلمين يصبح مسلماً، أي: أن الأمر كله تقليد، ولا أصل للفطرة.\r\rإذاً لا بد أن نقول للناس -حسب انحرافهم-: لا تؤمنوا إلاّ إيماناً عقلياً لا تقليد فيه، ولذا نجد في كتبأهل الكلام وكتبالأشاعرة، وكتب أخرى كثيرة كما في شرح المواقف وشرح اليقينات الكبرى، وشرح السنوسية، والجوهرة، وغيرها من كتبهم نجد مسائل منها: حكم المؤمن المقلد.\rحكم المؤمن المقلد عند أهل الكلام\rيقولون في كلامه عَلَى حكم المؤمن المقلد، وقد اختلف فيه، فَقَالَ بعضهم: إنه كافر لا يقبل إيمانه، وقَالَ بعضهم: إنه عاصي، وقال بعضهم: يقبل لأن الإِنسَان ضعيف وجاهل لا يملك إلا التقليد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690190,"book_id":1659,"shamela_page_id":1316,"part":null,"page_num":1316,"sequence_num":1316,"body":"وهذه الأقوال كلها مبنية عَلَى أصل فاسد؛ لأن المسلم ليس مقلداً في الفطرة، بل الأصل في جميع بني آدم منذ أن خلقهم الله ﷾ إِلَى أن يرث الله الأرض ومن عليها أنهم يولدون عَلَى هذه الفطرة وعلى هذا الدين، فمن كَانَ مؤمناً من الْمُسْلِمِينَ فقد بقي عَلَى الأصل الذي ولد عليه ولهذا تأتينا مسائل لها علاقة بهذا الموضوع ونعرف بطلانها وفسادها:\rالمسألة الأولى: وهو قول علماء الكلام إنه يجب عَلَى كل عاقل مكلف أن يخرج من هذا الخلاف ويتخلص منه بأن ينظر ويتفكر في دليل عقلي يدله عَلَى وجود الله وعلى الإيمان بالله، ولو مرة واحدة، يجلس ويقول: العالمَ متغير، وكل متغير حادث، والحادث لا بد له من محدث، فالعالم محدَث، والله هو المحدِث، ويقولون: بهذا يخرج إيمانك عن كونه تقليداً، وعلى هذا تكون قد آمنت عَلَى عقل لا عَلَى تقليد، مع أن الحقيقة أن هذا هو عين التقليد، وأصبح هذا الدليل يلقن للناس؛ بل وللعامة، وهو مقرر ومكتوب في كتب راقية تدرس كمناهج التعليم.\r\rبعض المسائل التي بنيت على الأصل الفاسد في مفهوم الفطرة\rوهناك مسائل بنيت عَلَى الأصل الفاسد الذي بناه علماء الكلام في حقيقة الفطرة ومن هذه المسائل: أنه يجب عَلَى الإِنسَان إذا وصل إِلَى مرحلة البلوغ أن يقول: (أشهد أن لا إله إلاّ الله وأشهد أن محمداً رَسُول الله) ويكون بذلك قد دخل في الإسلام، ثُمَّ ينظر في إيمانه عَلَى ذلك الدليل الذي سبق، لأنه في البداية لم يكن مسلماً، وأما الآن فهو يدرك ويعي، فالآن عليه أن يسلم!! سُبْحانَ اللَّه!! كيف يُسلم وهو إنما وُلد عَلَى الفطرة من أبوين مسلمين في دار الإسلام.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690191,"book_id":1659,"shamela_page_id":1317,"part":null,"page_num":1317,"sequence_num":1317,"body":"فنسألهم ما حكم هذا الإِنسَان قبل ذلك؟ ثُمَّ نقول لهم: لو أنه مثلاً حينما رأى علامة البلوغ ذهب فتوضأ فصلى وَالمفترض أنه يصلي قبل ذلك، لأن المسلم لا يمكن أن يصل إِلَى هذا السن ولم يصل ماذا تعتبرون هذه الصلاة هل هي باطلة لأنه لم يتشهد حين البلوغ؟\rهذا كلام لا دليل عليه، فيتناقضون في أمثال هذه المسائل، وهكذا! وكم تترتب من مسائل باطلة، لا نريد أن نستطرد فيها، وليس المقام مقام إيضاحها، وإنما هو مقام توضيحٍ لأهمية اتباع ما دل عليه الكتاب والسنة في مسألة الإيمان، وفي مسألة الفطرة، وهو: أن الله ﷾ قد فطر العباد جميعاً عَلَى معرفته وعلى ربوبيته، وقد أشهدهم عَلَى ذلك.\r\rإعتراف الذين أسلموا بأن الإسلام هو دين الفطرة\rعندما ندعو يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً؛ فإنما ندعوه إِلَى أمر يعلمه في نفسه ولا ندعوه لأن يصرف فطرته إِلَى أمر لم يخلق عليه، ويشهد لذلك من دخل في الإسلام من غير الْمُسْلِمِينَ، فكثير منهم يصرح ويقول: إنني لم أذهب إِلَى الكنيسةِ في حياتي قط منذ أن وعيت وأدركت إلا وأنا أشعر بفطرتي أن هذا الدين باطل.\rوبعد أن أسلم بعض القساوسة يقول: كنت أحس بنفسي أن هذا ليس هو دين الله ﷿، فلمّا قرأت عن الإسلام كتاب كذا وكتاب كذا وترجمة معاني القرآن، وجدت أن هذا هو الذي أشعر به في فطرتي.\rوهكذا نفهم ونستنتج منه أيضاً دليلاً حسياً حقيقياً عَلَى أننا عندما ندعو أي إنسان إِلَى دينِ الإسلام، فإننا ندعوه إِلَى ما هو في فطرته التي خلقه الله ﷾ عليها لا ندعوه إِلَى أمر يخالف ذلك، ومن هنا دخل أقوام كثيرون في دين الله مع أن كثيراً منهم يجهل كثيراً مما جَاءَ به الإسلام، لكنهم يدركون أن الله ﷾ حق وأنه إله واحد، وأنه رب السماوات والأرض.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690192,"book_id":1659,"shamela_page_id":1318,"part":null,"page_num":1318,"sequence_num":1318,"body":"ولهذا كَانَ عُمَرُ ﵁ إذا أرسل جيشاً يَقَولُ: (إذا حاصرتم قلعةً أو حصناً أو قوماً فأخرج أحدهم يده وأشار إِلَى السماء فاقبلوا منه) وهذا يستدل به عَلَى إثبات العلو، وأنه فطري، وأن الإيمان بالله ﷾ فطري، فمن عبر بالإشارة حيث لا يستطيع أن يعبر باللسان فتعبيره مقبول، ومن هنا كَانَ أول واجب عَلَى الإِنسَان هو شهادة أن لا إله إلا الله وهو توحيد الله.\r\rأما أهل الكلام فيقولون: الواجب عَلَى الإِنسَان أن ينظر في هذا الكون ويتفكر فيه.\rوقال بعضهم: إذا الإنسان لم ينظر، فكيف نلزمه أن ينظر، قالوا: إذاً نجعل أول واجب عَلَى الإِنسَان القصد إِلَى النظر.\r\rوقال بعض المعتزلة -: نفس القصد هو النظر فكيف نوجبه عليه؟\rوقال أبو هاشم الجبائي -وهو من أئمة المعتزلة -: وأفضل شيءٍ أن نقول: إن أول واجبٍ عَلَى الإِنسَانِ هو الشكُّ، لأنه بعد أن يشك يحتاج إِلَى أن ينظر، فإذا قصد إِلَى النظر نظر، فإذا نظر آمن، فيكون قد أتى بالثلاثة كلها، وبعد ذلك يؤمن أن هذا الكون متغير، وكل متغير حادث، وكل حادث لا بد له من محدِث إذن له رب خلقه.\r\rكل هذا الكلام الطويل، وهذه الفلسفة التي ما أنزل الله بها من سلطان مؤدّاها ونهايتها لكي يقول: (إن لهذا الكون رباً وإلهاً) سُبْحانَ اللَّه! وهل وجدت أمة تنكر أن هذا الكون ليس له خالق؟\r\rحتى الْمُشْرِكِينَ كانوا يقولون: إنَّ اللهَ هُوَ الخالقُ، واللهُ ﷾ إنما بعثَ الرسل ليقولوا للناسِ: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:٥٩] وهم يقولون: نَحْنُ نعبد الله، ولكن نعبد معه غيره، ونتقرب إِلَى الله بعبادة الصالحين.\rوأما الذين أعلنوا الإلحاد الصريح كفرعون حيث قَالَ: \" أنا ربكم الأعلى\" وَكَمَا كَانَ حال صاحب الأخدود الذي كَانَ يريد أن يقول للناس أن يؤمنوا بأنه ربهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690193,"book_id":1659,"shamela_page_id":1319,"part":null,"page_num":1319,"sequence_num":1319,"body":"وأما أن أناساً كانوا ينكرون ذلك بحق وحقيقة فلا يوجد ذلك، حتى فرعون فقد قال الله ﵎ عنه: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً [النمل:١٤] وهو الذي يقول لموسى ﵇: وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:٢٣] .\r\rوهذا السؤال لغرض التحايل والتهرب، وليس غرضه أن يعلم ما هي ماهيته، بل هو إنكار يحيد به عن الإيمان بالله ﷾ وإلاّ فهو يعلم ذلك، فلا نحتاج إِلَى أن نشك في أن فرعون يعلم أو لا يعلم، لأنه لما أدركه الغرق قال: آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ [يونس:٩٠] ولم يقل: أنا ربكم الأعلى، فذهبت هذه المقالة في القصر في مكان العز والتمكين أما عند الغرق فقد نطقت الحقيقة، ولكن حيث لا ينفع الإقرار بها.\rفمسألة الفطرة من أجل المباحث التي ينبغي أن تبحث، لكن ليس المقصود هنا هو ذلك وإنما المراد هنا أن نعرف علاقة الميثاق الذي أخذه الله ﵎ عَلَى بني آدم بالفطرة، فالله ﷾ أخذ الميثاق عَلَى بني آدم حينما استخرج ذرية آدم ﵇ من صلبه وأشهدهم عَلَى أنفسهم واستنطقهم كما قال المفسرون في تفسير الآية وفي قول النبي ﷺ (وأن عيسي عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إِلَى مريم وروح منه) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690194,"book_id":1659,"shamela_page_id":1320,"part":null,"page_num":1320,"sequence_num":1320,"body":"وقالوا: إن عيسى روح من الأرواح التي خلقها الله واستنطقها، كما صرح بذلك كعب الأحبار وغيره، فالله تعالى خلق الأرواح ثم استنطقها، فسألها أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا [الأعراف:١٧٢] أي شهدنا عَلَى أنفسنا ونطقنا بذلك، ثُمَّ يقول الله ﵎: أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ [الأعراف:١٧٢] جملة أن تقولوا معناها: أي استنطقناكم واستشهدناكم كي لا تقولوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ [الأعراف:١٧٢] وعَلَى الوجه الآخر أنه لا يجوز أن تقرأ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا [الأعراف:١٧٢] وتقف عَلَى كلمة (شَهِدْنَا) بعد أن وقفت عَلَى كلمة (بَلَى) ، بل تقف عَلَى الأول أو الثاني لأن كلمة (شَهِدْنَا) ستصبح هنا لا متعلق لها ولا معنى، فهذا الذي نفهم به هذه الآية من جهة علاقتها بموضوع الفطرة.\rعلاقة الميثاق بالروح\rهذه المسألة تترتب عليها مسألة هل الأرواح مخلوقة قبل الأجساد أم لا؟\rفذهب بعض النَّاس إِلَى أن الأرواح في جميع بني آدم خلقها الله ﵎ في القدم، فبعد أن خلق آدم ﵇ خلق أرواح ذريته جميعاً، فإذا أراد الله ﷿ أن يخلقَ واحداً بعينه، يُحضرُ الملك الموكل بالأرواحِ، فينفخ تلك الروح فيه بينما هي مخلوقة من قبل وذهب إِلَى هذا القول بعض العلماء.\r\rوقال بعضهم: لا يشترط أن تكون الروح بذاتها مخلوقة موجودة مستقلة قبل أن تخلق الأجساد، ولكنَّ الله ﷾ الذي هو عَلَى كل شيء قدير استخرجها ثُمَّ أعادها، فهي كما شاء ﷾ في عالم الغيب إِلَى أن يشاء أن يخلق من شاء، فحينئذ يخلق روحه وما ذلك عَلَى الله بعزيز.\r\rعلاقة الميثاق بالقدر وبمراتبه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690195,"book_id":1659,"shamela_page_id":1321,"part":null,"page_num":1321,"sequence_num":1321,"body":"العلاقة الأخرى لموضوع الميثاق هي علاقته بموضوع القدر وهو من أجل وأهم الموضوعات، لأنه ركن من أركان الإيمان، ولا يصح إيمان أحد إلاّ به \"ولو أنفق الإِنسَان مثل أحد ذهباً ما تقبل منه حتى يؤمن بالقدر\" كما صرح بذلك أصحاب النبي ﷺ، وأن الرجل لا يؤمن ولا يتقبل منه صلاة ولا صيام ولا حج ولا عمل إلاّ إذا آمن بالقدر.\rومعنى أننا نؤمن بالقدر أن نؤمن بمراتبه الأربع، ونضع الميثاق في مرتبة الكتابة، ونختصر المراتب الأربع إِلَى مرتبتين هما: (العلم، والكتابة) وكل المراتب الأربع مترابطة، أي: كل ما خلقه فهو يشاؤه، وكل مايشاؤه، فهو أيضاً كتبه وكل ما كتبه فهو علمه.\rولقد قسم العلماء مرتبة الكتابة إِلَى خمسةِ أنواعٍ:\rالنوع الأولى: هي ماكتبه الله ﷾ قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وهي الكتابة الكونية، وسميت كونية: لأن الله كتب كل ما يقع في هذا الكون.\r\rالنوع الثاني: الكتابة النوعية: أي ما يتعلق منها بنوع الإِنسَان خاصة، وهذه هي التي كتبها الله ﷾ عَلَى ذرية آدم، حينما كتب أن هَؤُلاءِ في النَّار، وأخذ قبضةً بشمالهِ وقَالَ: هَؤُلاءِ في النَّار ولا أبالي، وأخذ قبضةً بيمنيه، وقَالَ: هَؤُلاءِ في الجنة ولا أبالي، والميثاق يتعلق بها، وهو أن الله ﷾ استنطق تلك الأرواح، ولكن تلك الأرواح كانت عَلَى نوعين:\rنوع منها: كتب الله ﷾ له السعادة أزلاً، فهذا النوع مكتوب له أنه من أهل الجنة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690196,"book_id":1659,"shamela_page_id":1322,"part":null,"page_num":1322,"sequence_num":1322,"body":"والنوع الآخر: من كَانَ من أهل الشقاوة، وهذا قد ورد ما يؤيده فيحديث الإسراء لما عرج بالنبي ﷺ فوجد أبانا آدم فإذا عن يمينه أسودة، وعن يساره أسودة، فإذا نظر ذات اليمين ضحك، وإذا نظر ذات الشمال بكى، فلما سأل النبي ﷺ جبريل ما هذا يا جبريل قَالَ: هذا آدم إذا نظر إلي اليمين رأي أهل الجنة من ذريته فيضحك، وإذا نظر إِلَى اليسار رأى أهل النَّار من ذريته فيبكي، إذاً فالأمر قد كتب وَقُدِرَ عَلَى النَّوعِ الإِنسَاني، أنهم فريق في الجنة، وفريق في السعير.\r\rالنوع الثالث: الكتابة العُمْرية أو الفردية: التي تتعلق بالعمر ومقداره، وقد دل عليها حديث عبد الله ابن مسعود رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: أخبرنا النبي ﷺ وهو الصادق المصدوق (إن أحدكم ليجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثُمَّ يكون علقة مثل ذلك ثُمَّ يكون مضغة مثل ذلك ثُمَّ يرسل إليه الملك فيؤمر بكتب أربع كلمات: رزقه وعمله وأجله وشقي أو سعيد) فكل إنسان له كتابة خاصة، الكون له كتابة عامة، والجنس الإِنسَاني له كتابة عامة.\rالنوع الرابع: الكتابة السنوية أو الحولية وهي: ما يقدره اللهُ ﷾ في كلِ سنةٍ، وتكون هذه الكتابة في ليلة القدر إِلَى مثلها في العام القادم.\r\rالنوع الخامس: التقدير اليومي، كما قال الله ﵎: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [الرحمن:٢٩] فالله ﷾ كل يوم يقضي ويحكم ويكتب ما يشاء كما قَالَ: يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد:٣٩] وكل حادث يحدث لك في كل لحظة أو في كل يوم فهو أيضاً بقدر وبتدبير وبتصريف منه ﷾، لا شريك له في ذلك كله.\rوبهذا التفصيل كله نفهم أن هذه الكتابة التي هي مرتبة من مراتب القدر تتعلق بالأنواع الخمسة كلها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690197,"book_id":1659,"shamela_page_id":1323,"part":null,"page_num":1323,"sequence_num":1323,"body":"المؤمنين بالقدر والجاحدين له\rيمكن أن ندرك غاية الفرق بين المؤمنين بالقدر، وبين الكفار المنكرين له، وذلك بأن نتصور كيف تكون حياتنا ومشاعرنا وإحساسنا إذا أدركنا هذه الحقيقة؟ وهي: أن الله ﷾ قد كَتَبَ كل هذا الذي سبق، وأنه ﷾ يَعلمُ كُلَّ شَيءٍ.\rفلو أنك تستشعر هذه الحقيقة دائماً وتتفكر فيها، وتقارن نفسك بأولئك الكفار في الصين أو الهند أو أمريكا أو في أي مكان من الذين لا يدرون لماذا جاءوا؟ وإلى أين يذهبون؟ ولماذا تقدر عليهم هذه الأقدار؟\rأُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلّ [الأعراف:١٧٩] فهم يعيشون في ظلام دامس، لو عرفنا ذلك لاشتد خوفنا من الله ولاجتهدنا في طاعته، فهل يمكن لأي عقل مهما كَانَ أن يتصور مراتب القدر الأربع وأن يتصور مراتب الكتابة الخمس، وأن يتفكر كيف يدبر الله ﷾ هذا الكون، فهذا شيء لا يمكن عَلَى الإطلاق أن يوصل إليه إلا عن طريق الوحي، والوحي قد جاءنا من الله ﷾ بفضله ومنه وكرمه قال تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا [فاطر:٣٢] فهو اختيار من الله، ثُمَّ تأتي الأمة المصطفاة المختارة فتتبع الأمة الضالة الضائعة الذين حكى الله حالهم أنهم يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ [محمد:١٢] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690198,"book_id":1659,"shamela_page_id":1324,"part":null,"page_num":1324,"sequence_num":1324,"body":"فالكافر مثل قطعة الخشب المنقطعة -التي لها مدة مقطوعة- لا تشعر أن لها صلة بماضٍ ولا بمستقبل، وأما المؤمن فهو كالغصنِ المُزهرِ الرطب كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ [إبراهيم:٢٤] تمتد في أعماق الدنيا، فنحن الآن بإيماننا بالله وبرسوله ﷺ، وبإيماننا بأقدار الله، وما كَانَ منها وما سيكون، نشعر بأننا مرتبطون بآدم ﵇، أو بأبينا الثاني نوح ﵇ وبدعوته فحينما نقرأ دعوته ومعاناته مع قومه، نشعر كأننا نعيش معه، وعندما نقرأ عن إبراهيم الذي جعله الله إماماً للناس، ونحن من أبنائه بالذات العرب، والذي أمرنا الله ﷾ أن نتبعه ومن معه، وأن نكون عَلَى ملته ونتبرأ من الْمُشْرِكِينَ، كما تبرأ أي نبي من الأنبياء.\r\rوإذا قرأ الواحد منا قصة الشاب الذي يكفر بالدجال ويقاومه فيقتله الدجال ويشقه بالسيف، ثُمَّ يحييه، ثُمَّ يقول: أرأيت أنني ربك؟ فَيَقُولُ: والله ما أزددت بك إلاّ كفراً، إذا عرفت ذلك تشعر بأنك مُرتبط بهَؤُلاءِ، ومُرتبط بهَؤُلاءِ وهذه الرابطة هي رابطة الإيمان بالله ﷾ التي يجب علينا أن نتمسك بها وأن نحمد الله تَعَالَى الذي وفقنا لها، لكن الذي لا يؤمن بذلك، لا يشعر بهذه الرابطة عَلَى الإطلاق، ولهذا تجدون مجتمعاتهم مقطعة الأوصال، الابن لا يعرف أباه، والأب لا يعرف ابنه، والزوجة لا تعرف زوجها، أمة ضائعة تائهة، تعيش كما تعيش أحقر البهائم في الغابة، اللهم إلا أن تلك البهائم لا عقل لها ولاحساب عليها إلا القصاص الذي يقتص الله ﷾ لبعضها من بعض، أما أُولَئِكَ القوم فإن لديهم العقول ولكن لا يفقهون بها، وعندهم الآذان ولكن لا يسمعون بها، وعندهم الأعين ولكن لا يبصرون بها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690199,"book_id":1659,"shamela_page_id":1325,"part":null,"page_num":1325,"sequence_num":1325,"body":"وكذلك أصحاب الغفلة من المؤمنين متى يفيقون؟ إذا رأو ملائكة الموت حينئذٍ يقولون: رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ [المؤمنون:٩٩،١٠٠] لا ينفع هذا الآن لأنه انتهى وقته.\r\rأين القلب والسمع والبصر والجوارح والعبر والعظات، والآيات المقروءة والآيات الناطقة المشاهدة في الكون؟\r\rيقولميمون بن مهران ﵀ وهو سيد التابعين - في بلاد العراق -: (كَانَ أبي شيخاً كبيراً وكنا بالبصرة نذهب، فنستمع إِلَى موعظةالحسن البصري ﵀ -وكان مشهوراً بمواعظه البليغة المؤثرة- فَقَالَ أين ميمون - وكان ضريراً -؟ يا ميمون! خذ بيدي نذهب إلىالحسن البصري نسمع منه موعظة يقول: ففرحتُ لعلي أسمع موعظة الحسن قَالَ: فذهبت بأبي وفي الطريق قابلنا جدول صغير، فلم أستطع أن أعبر بأبي -لأن أباه كَانَ أعمى- فلم أجد إلاّ أن انبطحت وعبر من فوق ظهري، ولا أستطيع أن أحمله -فمد جسمه كالجسر وعبر أبوه من فوق ظهره- ثم أخذ بيده ودخلا عَلَى الحسن ﵀ فقَالَ: أبوه، يا أبا سعيد جئناك لتعظنا -انظر إِلَى الذين يبحثون عن طب القلوب، يذهب إليه، ويقول له: عظني ذكّرني- فجلس الحسن ﵀ وقَالَ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ * أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ [الشعراء:٢٠٤-٢٠٧] ثُمَّ أخذ الشيخ في البكاء فبكى الحسن، يقول ميمون: فبكيا بكاءً شديداً وأنا أعجب، قَالَ: ثُمَّ أخذت أبي، فلما خرجُت قلت لأبي: أهذه موعظة يا أبتاه، إني ظننت أنه سيقول شيئاً من كلامه، قَالَ: يا بني قد قرأ آية لو قرأت عَلَى الجبال لتفطرت أو لتزلزلت.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690200,"book_id":1659,"shamela_page_id":1326,"part":null,"page_num":1326,"sequence_num":1326,"body":"نعم هذا القُرْآن أعظم موعظة، ولكن الغفلة تعرض لقلوب النَّاس والقرآن يذهبها، والشاهد هو الآيات التي ذكرها الله سبحانه تَعَالَى بعد ذلك حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ [المؤمنون:٩٩،١٠٠] .\r\rعلاقة هذه بما قبلها: أن الإِنسَان في حال النعيم يستعجل العذاب أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ * أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ ماذا سيغني ذلك المتاع حين تأتي ملائكة الموت لقبض روحك، فحينها تكون الحسرة والندامة رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ يتوسل ويترجى كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [المؤمنون:١٠٠] فإذا حضر الموت وعاين الملائكة أخذ يتمنى الرجوع، ولكن لا وقت لذلك، فلا ينفع الاستعتاب ولا الرجاء ولا الاستيقاظ، وإنما الآيات تتلى وتشاهد في كل وقت وفي كل حين لنؤمن بالله ﷾ حق الإيمان قبل أن تدركنا تلك الحالة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690201,"book_id":1659,"shamela_page_id":1327,"part":null,"page_num":1327,"sequence_num":1327,"body":"فالشاهد أن الله ﷾ قد ألهمنا وفطرنا عَلَى التوحيد والإيمان به ﷾، وقد أخذ منا العهد والميثاق عَلَى أن نعبده وحده لا شريك له، وأشهدنا عَلَى أنفسنا أنه هو وحده ربنا ولا رب لنا سواه، وموجب ذلك ومقتضاه: أن نعبد الله ولا نشرك به شيئاً، وأن لا نغفل عن طاعته ولا نعتذر بأي عذر أو علة فنقول: إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ [الأعراف:١٧٣] ولن يحاسبنا يَوْمَ القِيَامَةِ على الميثاق، وإنما عَلَى إجابةِ الرسل فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ [الأعراف:٦] يسألنا ويقول: مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ [القصص:٦٥] وهذه نعمة من الله ﷿ أنه لا يحاسبنا عَلَى الميثاق وحده، وإنما يحاسبنا عَلَى ما جاءنا من الرسل، وكذلك السؤال في القبر (ماذا كنت تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟) .\r\rفبعد دليل الفطرة المجمل، جَاءَ دليل النبوة مفصلاً كاملاً واضحاً ناصعاً يبين لنا الطريق، فلا عذر ولا حجة لأحد، ولا أحد أحب إليه العذر من الله ﷿، ولهذا أرسل الرسل وأنزل الكتب، فما بقي لمن بلغه هذا الدين وهذا النبي ﷺ ومن سمع به إلا الإيمان والاتباع قال ﷺ: (والذي نفسي بيده لا يَسْمَعُ بي يَهُّودِيٌّ ولا نَصرَانيٌّ ثُمَّ لا يُؤمِنُ بي إلا دَخَلَ النَّار) لأن الفطرة موجودة في قلوب النَّاس، وسمعوا بالنبي الذي بعث بهذه الملة.\r\rقال الإمام الطحاوي ﵀:\r[والميثاق الذي أخذه الله تعالى من آدم وذريته حق]\r\rقال المصنف رحمه الله تعالى:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690202,"book_id":1659,"shamela_page_id":1328,"part":null,"page_num":1328,"sequence_num":1328,"body":"[قال تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ [الأعراف:١٧٢] يخبر سبحانه أنه استخرج ذرية بني آدم من أصلابهم شاهدين على أنفسهم أن الله ربهم ومليكهم وأنه لا إله إلا هو، وقد وردت أحاديث في أخذ الذرية من صلب آدم ﵇ وتمييزهم إلى أصحاب اليمين وإلى أصحاب الشمال وفي بعضها الإشهاد عليهم بأن الله ربهم.\rفمنها:\rما رواه الإمام أحمد عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم ﵇ بنعمان -يعني: عرفه - فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها، فنثرها بين يديه، ثم كلمهم قبلا، قال: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا [الأعراف:١٧٢] إلى قوله (الْمُبْطِلُونَ) ورواه النسائي أيضاً وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم في المستدرك وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\r\rوروى الإمام أحمد أيضاً عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه سئل عن هذه الآية فقال سمعت رسول الله ﷺ سئل عنها، فقال: (إن الله خلق آدم ﵇ ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية، قال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره، فاستخرج منه ذرية، قال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون، فقال رجل: يا رسول الله ففيم العمل؟\rقال رسول الله ﷺ: إن الله ﷿ إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخل به الجنة وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخل به النار) ورواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن أبي حاتم وابن جرير وابن حبان في صحيحه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690203,"book_id":1659,"shamela_page_id":1329,"part":null,"page_num":1329,"sequence_num":1329,"body":"وروى الترمذي عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ (لما خلق الله آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة وجعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصاً من نور، ثم عرضهم على آدم، فقال: أي رب من هؤلاء؟\rقال: هؤلاء ذريتك فرأى رجلاً منهم، فأعجبه وبيص ما بين عينيه.\r\rفقال: أي رب من هذا؟\r\rقال: هذا رجل من آخر الأمم من ذريتك يقال له: داود.\r\rقال رب كم عمره؟\r\rقال: ستون سنة.\r\rقال: أي رب زده من عمري أربعين سنة، فلما انقضى عمر آدم جاء ملك الموت.\r\rقال: أولم يبق من عمري أربعون سنة؟\rقال: أولم تعطها ابنك داود؟\r\rقال: فجحد فجحدت ذريته ونسي آدم فنسيت ذريته وخطئ آدم فخطئت ذريته) ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح ورواه الحاكم وقال صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.\r\rوروى الإمام أحمد أيضاً عن أنس بن مالك ﵁، عن النبي ﷺ قال: (يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة: أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء. أكنت مفتدياً به؟ قال فيقول: نعم، قال فيقول: قد أردت منك أهون من ذلك قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئاً، فأبيت إلا أن تشرك بي) وأخرجاه في الصحيحين أيضاً] اهـ.\rالشرح:\r\rذكر المصنف ﵀ الآيات والأحاديث التي تدل على الميثاق، وذكر من هذه الآيات قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ [الأعراف:١٧٢،١٧٣] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690204,"book_id":1659,"shamela_page_id":1330,"part":null,"page_num":1330,"sequence_num":1330,"body":"وهذه الآيات العظيمة من أعظم الآيات الدالة على توحيد الربوبية، وعلىأنه أمر فطري فطر الله تعالى الخلق عليه، فمعناها ومضمونها مؤكد لقوله تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [الروم:٣٠] فهذا الإيمان والإقرار بربوبية الله تعالى، وأنه هو وحده الرب الخالق الرازق وأنه يجب علينا أن نعبده وحده، وأن نتوجه ونتقرب إليه وحده، هذا أمر فطر الله عليه كل نسمة خلقها منذ أن خلق الإنسان الأول أبانا آدم ﵇ إلى آخر مخلوق يُخلق في هذه الأرض.\rويتضح بذلك ما سبق بيانه وهو بطلان قول المتكلمين الذين قالوا: إن أول ما يجب على الإنسان هو: النظر، أو القصد إلى النظر، أو الشك، أو ما أشبه ذلك ليستدل على وجود الله وإلا كان إيمانه عن تقليد!\rوكيف يصبح إيمان المقلد؟! فحكم بعضهم بأن هذا كفر، وقال بعضهم: إن الإيمان عن طريق التقليد ليس بكفر وإنما هو معصية!\r\rوقال بعضهم: إنه من الخطأ المغفور له، وهذا من الخبط والتخليط الذي سببه الابتعاد عن الدليل، والإعراض عن كتاب الله تعالى المصرح فيه بأنه تعالى فطر العباد على التوحيد، وشهدت بذلك الأحاديث الصحيحة التي سبق ذكرها، ولا يوجد خلاف فيها بين أهل السنة والجماعة.\rالخلاف في معنى الإشهاد مع ذكر الراجح\rوقد حصل الخلاف هل كَانَ الإشهاد حقيقياً؟ يعني: هل الله تَعَالَى استخرج من ظهر آدم ذريته عَلَى الحقيقة كالذر، وأشهدهم عَلَى أنفسهم، وخاطبهم واستنطقهم ونطقوا؟ أم أن هذا مجاز أو للتقريب؟! وتعلمون أننا قد رجحنا مقدماً أن الأمر عَلَى الحقيقة، وأن هذا هو الأصل الذي يجب أن نسير عليه، فلا عدول عن الحقيقة، ولا عن ظواهر النصوص الشرعية أبداً فهذا هو مضمون الآية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690205,"book_id":1659,"shamela_page_id":1331,"part":null,"page_num":1331,"sequence_num":1331,"body":"ومعناها الذي أخبر الله ﷾ به، وفي قوله تعالى بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ [الأعراف:١٧٢] سواء كانت قراءتنا في الآية شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا فيكون المعنى وأنطقناكم واستشهدناكم عَلَى الربوبية أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أو قرأناها بَلَى شَهِدْنَا فتكون كلمة شَهِدْنَا هنا من قول الذرية، ثُمَّ قال تعالى: أَنْ تَقُولُوا أي: فعلنا ذلك وأخذنا الإقرار منكم لكي لا تقولوا يَوْمَ القِيَامَةِ إنا كنا عن هذا غافلين، فلا عذر ولا حجة لِمَنْ يأتي يَوْمَ القِيَامَةِ، وقد عَبَدَ غيرَ اللهِ تَعَالَى بأن يقول: إني كنت في غفلة عن هذا الأمر، أو إنني إنما اتبعت شرك آبائي وأجدادي.\rولكن هل اكتفى الله تَعَالَى من الأعذار لبني آدم بهذا الإقرار؟ وهل يحاسبهم يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى مجرد هذا الإقرار؟ \"لا\"؛ لأن الله أعذر بغير هذا الإقرار، وهم: الرسل. رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُل [النساء:١٦٥] .\r\rلهذا لا يكون السؤال يَوْمَ القِيَامَةِ عن الإقرار، وإنما يكون مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ [القصص:٦٥] فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ [الأعراف:٦] فالله يسئل الرسل: ماذا أُجبتم؟ ويسأل المرسل إليهم: ماذا أجبتم المرسلين؟ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي [الأنعام:١٣٠] ويقول: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ [الملك:٨] فيقررهم الله تَعَالَى يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى إرسال الرسل وكفرهم بهم، وليس عَلَى مجرد الإقرار، وهذا فضل منه ﷾ وقطع للحجة لكي لا يبقى بعد ذلك عذر لأحد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690206,"book_id":1659,"shamela_page_id":1332,"part":null,"page_num":1332,"sequence_num":1332,"body":"ولهذا إذا قال أُولَئِكَ المجرمون المُشْرِكُونَ: رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا [الأحزاب:٦٧] فلا يقبل جوابهم، وهم لا يؤاخذون ولا يحاسبون عَلَى ما أخذ الله تَعَالَى عليهم وهم في ظهر آدم ﵇ في قولهم: إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا عَلَى طاعةِ الرَّسُولِ ﷺ، فيكونُ هَؤُلاءِ المجرمون بين طاعتين: إما أن يطيعوا الرَّسُول الذي بعثه الله ﷿، وإما أن يطيعوا السادة والكبراء والآباء والمجتمع الذي رباهم عَلَى أمر ما وهذا من فضله تَعَالَى عَلَى الإِنسَانية جمعاء، ومن كمال عدله ﷿.\r\rثُمَّ يقول ﵀: [يُخْبِرُ سبحانَه أنَّه استخرج ذُرِّيَّةَ بني آدَمَ من أصلابهم شاهِدِينَ عَلَى أنفسهم أنَّ اللهَ رَبُّهُمْ ومليكُهم وأنَّه لا إله إلا هُوَ، وقَدْ وَرَدتْ أحادِيثُ في أخذِ الذُّرِّيَّةِ من صُلْبِ آدَمَ ﵇، وتمييزهم إِلَى أصحابِ اليمين، وإلى أصحاب الشمال، وفي بعضها الإشهادُ عليهم بأن اللهَ ربُّهم] وهنا يبدأ المُصنِّفُ ﵀ يمهد للقول الذي اختاره، وهو أن الإشهاد لم يكن حقيقياً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690207,"book_id":1659,"shamela_page_id":1333,"part":null,"page_num":1333,"sequence_num":1333,"body":"وهذا الكلام فيه إشعار وتمهيد لما يريدُ المُصنِّفُ ﵀ أن يقوله، وذكر أشهر الأحاديث وأكثرها ذكراً واستشهاداً عَلَى موضوع الميثاق هو حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قَالَ: (إنَّ اللهَ أَخَذَ المِيثَاقَ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ ﵇ بِنَعْمَانَ -يعني عَرَفَهَ) ونَعْمَانَ هو الوادي المعروف، وكما هو معروف في الكتب القديمة أنه بطن واد لهذيل، وهو أيضاً لهذيل إِلَى اليوم تسكنه هذه القبيلة المعروفة، ففي هذه الرواية ورد تعيين المكان أنه في نعمان أو أنه في عرفة وعَرَفَهَ ونَعْمَانَ ليس بينهما كبير مسافة ولعل نَعْمَانَ اسم عَرَفَهَ وغيرها فتكون عَرَفَهَ جزء منه، فالله أعلم أي ذلك وقع.\r\rوالمقصود أنه وقع في هذه الأرض بعد إنزال أبينا آدم ﵇، فأخرج من صلبه كل ذريته، وفي ذلك الوقت لم يكن الله قد خلقها وإنما كل ذرية كتب أنه سيخلقها (فَنَثَرَهَا بَيْنَ يَدَيهِ، ثُمَّ كَلَّمَهُم قُبُلا) فليس في الأمر مجاز ولا احتمال للمجاز، بل أخرجهم من ظهره ونثرهم بين يديه وكلمهم وخاطبهم قبلاً أي: مقابلة، فقَالَ: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا [الأعراف:١٧٢] رواه الإمام أَحْمَد والنَّسَائِيُّ والحاكم ورواه غيرهم كابن أبي حاتم.\rتعليل ابن كثير لحديث ابن عباس\rولو رجعنا إِلَى تفسير ابن كثير فسنجد أنه أعله بأنه موقوف، وقد سبق أن أحلنا إِلَى سلسلة الأحاديث الصحيحة.\rوما كتبه الشيخ ناصر الدين هو الصواب، وهو الحق وهو الذي عليه كثير من السلف قديماً وحديثاً.\r\rوما ذهب إليه المُصْنِّف وابن كثير وابن القيم قول مرجوح لا ينبغي أن يذهب إليه من قرأ تلك الروايات التي جمعها الشيخ ناصر.\r\rتصحيح الشيخ ناصر لحديث ابن عباس","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690208,"book_id":1659,"shamela_page_id":1334,"part":null,"page_num":1334,"sequence_num":1334,"body":"فهذا الحديث قد صح متصلاً مرفوعاً عن ابن عباس عن النبي ﷺ، وقد ورد عن عدة من الصحابة غير ابن عباس بآثار كثيرة عن أعلام المفسرين من الصحابة من التابعين كلُّها تؤيد وتشهد أنه أخذ واستخراج حقيقي وإشهاد حقيقي، فهذا الحديث علق عليه الشيخ ناصر وقَالَ: صحيح بطرقه وشواهده.\rأي: الحديث السابق المروي من طريق كلثوم بن جبر عنسعيد بن جبير عن عبد الله بن عباس رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُما.\r\rوهذا هو الذي رواه الإمام أَحْمَد والنَّسَائِيُّ والحاكم في المستدرك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690209,"book_id":1659,"shamela_page_id":1335,"part":null,"page_num":1335,"sequence_num":1335,"body":"وأما الحديث الثاني وهو: ما رواه الإمام أَحْمَد عن عُمَرَ بن الخطاب أنه سُئِلَ عَنْ هذه الآية وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ [الأعراف:١٧٢] فَقَالَ عُمَرُ ﵁: سمعتُ رَسُولَ الله ﷺ سُئِلَ عَنَها، فقَالَ: (إنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ ﵇ ثُمَّ مَسَحَ عَلَى ظَهْرِهِ بِيَمِينِهِ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً، قَالَ: خَلَقْت هَؤُلاءِ لِلجنَّةِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ الجََنَّةِ يَعْمَلُونَ ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً، قَالَ: خَلَقْتُ هَؤُلاءِ للنَّارِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ يَعْمَلُونَ فَقَالَ رجل: يا رَسُول الله فَفِيمَ العَمَلُ؟ قال رَسُول الله ﷺ: إنَّ اللهَ ﷿ إِذَا خَلَقَ العَبْدَ لِلجنَّةِ استَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجََنَّةِ، حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ الجََنَّةِ، فَيَدْخُلُ بِهِ الجَنَّةَ وَإِذَا خَلَقَ العَبْدَ للنَّارِ استَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ النَّارِ، فَيَدْخُلُ بِهِ النَّارَ) ورواه أبو داود والتِّرْمِذِيُّ والنَّسَائِيُّ وابنُ أبي حاتِمِ وابنُ جرير وابنُ حِبَّان في صحيحه.\r\rتعقب على العلامة الألباني أثابه الله","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690210,"book_id":1659,"shamela_page_id":1336,"part":null,"page_num":1336,"sequence_num":1336,"body":"والشيخ ناصر الدين الألباني يعلق هنا ويقول: صحيح لغيره إلا مسح الظهر فلم أجد له شاهداً، والشيخناصر استدرك عَلَى ابن القيم وابن كثير وعلى المُصْنِّف وعلى من تقدمهم من العلماء الذين مالوا إِلَى القول بأن الإشهاد غير حقيقي، وإنما هو الإقرار والاعتراف الفطري، وهو نفسه ﵀ أخطأ عندما قَالَ: إن المسح الذي في حديث عُمَر لم يجد له شاهداً، ولو نظرنا إِلَى الحديث الآخر الذي رواه التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ورواه الحاكم وقَالَ: صحيح عَلَى شرط مسلم وقال الشيخناصر نفسه عن الحديث: (صحيح وجدت له أربع طرق بعضها عند ابن أبي عاصم في السنة بتحقيقي) لوجدناه شاهداً للفظة (ثُمَّ مسح عَلَى ظهره) فيكون الشيخ استدرك عَلَى من قبله ووقع هو في خطأ آخر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690211,"book_id":1659,"shamela_page_id":1337,"part":null,"page_num":1337,"sequence_num":1337,"body":"فالحقيقة أن حديث عُمَر ﵁ (إنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ ﵇ ثُمَّ مَسَحَ عَلَى ظَهْرِهِ بِيَمِينِهِ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً، قَالَ: خَلَقْت هَؤُلاءِ لِلجنَّةِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ الجََنَّةِ يَعْمَلُونَ ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً، قَالَ: خَلَقْتُ هَؤُلاءِ للنَّارِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ يَعْمَلُونَ فَقَالَ رجل: يا رَسُول الله فَفِيمَ العَمَلُ؟ قال رَسُول الله ﷺ: إنَّ اللهَ ﷿ إِذَا خَلَقَ العَبْدَ لِلجنَّةِ استَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجََنَّةِ، حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ الجََنَّةِ، فَيَدْخُلُ بِهِ الجَنَّةَ وَإِذَا خَلَقَ العَبْدَ للنَّارِ استَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ النَّارِ، فَيَدْخُلُ بِهِ النَّارَ) ولا نجد عند التأمل ذكراً للميثاق والاستشهاد في هذا الحديث، إذاً المُصْنِّف لما قال: (في بعضها الإشهاد عليهم) كَانَ كلامه علمياً وصحيحاً، وبعض الأحاديث ليس فيها: أن الله استشهدهم، إنما فيها: أنه استخرجهم، لكن هل هذا يعني أنه لا يصلح أن يكون دليلاً لمن يقول: إن الاستشهاد والإخراج حقيقي؟\rالجواب: بلى يصلح، وإن كَانَ ليس فيه ذكر، ذلك لأننا نضم الأحاديث بعضها إِلَى بعض ويكفينا من هذا الحديث أنه صرح أن الله مسح عَلَى ظهر آدم بيمينه واستخرج منه الذرية.\rإذاً: الاستخراج حقيقيٌ، ثُمَّ بعد أن استخرجهم، واختلفت الروايات في ذكر ما قال لهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690212,"book_id":1659,"shamela_page_id":1338,"part":null,"page_num":1338,"sequence_num":1338,"body":"اختلفت الروايات في ذكر ماذا قال الله لذرية آدم فرواية تقتصر عَلَى أنه قَالَ: خلقت هَؤُلاءِ للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثُمَّ مسح ظهره فاستخرج ذرية قَالَ: خلقت هَؤُلاءِ للنار وبعمل أهل النَّار يعملون) وفي روايات أخرى أنه (نثرهم بين يديه وكلمهم قبلاً، وقال لهم: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ [الأعراف:١٧٢،١٧٣] .\rولا تعارض بين الروايتين فبعد الاستخراج كَانَ ذلك، وما المانع أن يستخرجهم ﷿ ثُمَّ يخاطبهم، وبعد أن يخاطبهم يجعل من يشاء منهم في الجنة ومن يشاء في النار، ويقول: (خلقت هَؤُلاءِ للجنة ولا أبالي، وخلقت هَؤُلاءِ للنار ولا أبالي) لا مانع من ذلك ولا تعارض بين الحديثين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690213,"book_id":1659,"shamela_page_id":1339,"part":null,"page_num":1339,"sequence_num":1339,"body":"وحديث التِّرْمِذِيّ الذي يرويه عن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ فيه اختلاف في ألفاظه يقول: (لَمَّا خَلَقَ اللهُ آدَمَ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَسَقَطَ مِنْ ظَهْرِهِ كُلُّ نَسَمَةٍ هُوَ خَالِقُهَا مِنْ ذُرِّيَّتِه إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ وَجَعَلَ -وهنا الزيادة- بَيْنَ عَيْنَي كُلِّ إنسَانٍ مِنْهُم وَبِيصاً مِنْ نُورٍ) فهو لما استخرجهم في عالم الذر جعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصاً من النور كأنه علامة عَلَى أن هذا إنسان وهذا إنسان، فجمعهم كلهم سبحانه بين يديه ورآهم آدم ورأى هذه الأشكال، ورأى أن علامة كل إنسان أن بين عينيه وبيص من النور فيرى هذه الجموع التي لا يعلم عددها إلا الله [ثُمَّ عَرَضْهَم عَلَى آدَمَ، فقَالَ: أَيْ رَبِّ مَنْ هَؤُلاءِ؟ قَالَ: هَؤُلاءِ ذُرِّيَّتُكَ] فأخذ آدم ينظر ويتعجب، هذه ذريتي ويكون منها هَؤُلاءِ البشر إِلَى قيام الساعة؟! فتعجب! ولكن الله تَعَالَى عَلَى كلِ شيءٍ قدير يفعل ما يشاء.\rثُمَّ إن آدم [رَأَى رَجُلاً مِنْهُم، فَأَعْجَبَهُ وَبِيصُ ما بَيْنَ عَيْنَيْهِ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ مَنْ هذا؟ قَالَ: هَذَا رَجُلٍ مِنْ آخرِ الأُمَمَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ يُقَالُ لهُ دَاودُ ﵇] .\rهنا جَاءَ السؤال من آدم ﵇ بعد أن أعجبه هذا الوبيص الذي بين عينيه [قَالَ: رَبِّ، كم عُمرُهُ؟ قَالَ: سِتُّونَ سَنَةَ، قَالَ: أَيْ رَبِّ زِدْهُ مِنْ عُمُرِي أَرْبَعَينَ سَنَةَ، فَلَّمَا انقَضَى عُمُرُ آدَمَ، جَاءَ مَلَكُ المَوْتِ، قَالَ: أَولَمْ يَبْقَ مِنْ عُمُرِي أَرْبَعُونَ سَنَةَ؟] وانظر كيف حرص الإِنسَان عَلَى الحياة؟ [قَالَ: أَوَلَمْ تُعْطِهَا ابنَك دَاوُدَ؟]","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690214,"book_id":1659,"shamela_page_id":1340,"part":null,"page_num":1340,"sequence_num":1340,"body":"فعقبَّ النبيُّ ﷺ بعد ذلك بقوله: [فَجَحَدَ! فَجَحَدَتْ ذُرِّيَّتَهُ، وَنَسِيَ آدَمُ، فَنَسِيَتْ ذُرِّيَّتَهُ، وَخَطِئ آدَمُ فَخَطِئَتْ ذُرِّيَّتَهُ] هكذا ركبنا نَحْنُ البشر من الجحود والنسيان والخطأ، وليس هذا هو الشر بذاته ولا عيب بذاته، إنما العيب والخطأ أن يصر ابن آدم عَلَى الجحود، وأن يستمر عَلَى النسيان وأن لا يبالي بالأخطاء، فلا يستغفر ولا يتوب، فهذه هي المشكلة.\r\rأما فطرته وجبلته وخلقته ففيها الجحود والنسيان والخطأ، فإن آدم حاج في هذه الأربعين وجحدها بعد أن كَانَ أعطاها ونسي وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً نسي ما أوصاه الله تَعَالَى به، ولم يكن له العزم ليقف أمام شهوة حب الخلود، وأن يكون ملكاً؛ بل أغراه الشيطان بذلك فضاعت عزيمته أمام هذه الحيلة الشيطانية وخطئ آدم فأكل من الشجرة فخطئت ذريته، وكل بني آدم من طبعه الجحود والنسيان، والخطيئة هذا شرح ألفاظ الحديث والشاهد منه للباب هي الجملة الأولى فقط وهو قوله ﷺ: (لما خلق الله آدم مسح على ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة) وهذا يشهد لما تقدم في حديث عُمَرَ من أنه استخراج حقيقي وأن الاستخراج كَانَ بمسح الله تَعَالَى بيمينه الشريفة فخرجت ذرية آدم من ظهره.\r\rإذاً: هذا الحديث من النوع الذي ليس فيه تعرض ولا ذكر للاستشهاد، ولكن فيه ذكر للاستخراج فهو كحديث عُمَر ﵁، ولهذا نجد أن أكثر من طعن في هذه الأحاديث تركز طعنه في ابن عباس لأنه هو الذي صرح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690215,"book_id":1659,"shamela_page_id":1341,"part":null,"page_num":1341,"sequence_num":1341,"body":"ولهذا يذكر المُصنِّفُ الحديث الذي يَسندُ ويرجح حديث ابن عباس - ولا شك في صحته - وهو حديث أنس الذي رواه الإمام أَحْمَد يقول: وروى الإمام أَحْمَد -وهو في الصحيحين - عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قَالَ: (يُقَالُ لِلرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ القِيَامَةِ: أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ مَا عَلَى الأَرْضِ مِنْ شيءٍ. أَكُنْتَ مُفْتَدِياً بِهِ؟ قَالَ: فَيَقُولُ: نَعَمْ، قَالَ: فَيَقُولُ: قَدْ أَرَدْتُ مِنْكَ أَهْوَنَ مِنْ ذَلِكَ، قَدْ أَخَذْتُ عَلَيْكَ في ظَهْرِ آدَمَ أنْ لا تُشْرِكَ بي شَيْئاً، فَأَبَيْتَ إلاَّ أنْ تُشْرِكَ بي) .\r\rوهذا الحديث رواه البُخَارِيّ ومسلم بالإضافةِ إِلَى رواية الإمامأَحْمَد، فلا مطعن فيه من حيث الصحة، ومع ذلك هو أصرح كما نص عَلَى ذلك المُصنِّفُ نفسه، فقد قال -كما سيأتي-: وأقوى ما يشهد لصحة القول الأول حديث أنس المخرج في الصحيحين، وليس فيه في ظهر آدم، وليس في الرواية الأولى إخراجهم من ظهر آدم عَلَى الصفة التي ذكرها أصحاب القول الأول وهناك رد عَلَى هذا الكلام سنبينه.\rومع قوة الدليل فإننا ننظر إِلَى منطوق الحديث وإلى منطوق الآية: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ [الأعراف:١٧٢، ١٧٣] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690216,"book_id":1659,"shamela_page_id":1342,"part":null,"page_num":1342,"sequence_num":1342,"body":"فنلاحظ أن منطوق الآية ومنطوق الحديث متفق، وهو أن الله أخذ العهد عليهم أن لا يشركوا به شيئاً، ولا إشكال في الحديث أنهم أخذوا من الظَهْرِ، ورُدُّوا إِلَى الظَهْرِ، ولم يكن هذا الخلق الحي الآن، ويكفي هذا الحديث دليلاً عَلَى ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، وهو أن الإخراج حقيقي والاستشهاد حقيقي، فيقول النبي ﷺ: (يُقَالُ لِلرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ القِيَامَةِ: أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ مَا عَلَى الأَرْضِ مِنْ شيءٍ. أَكُنْتَ مُفْتَدِياً بِهِ؟ - وفيه - قَدْ أَخَذْتُ عَلَيْكَ في ظَهْرِ آدَمَ ... ) الحديث.\rقَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:\r[وفي ذلك أحاديث أخر أيضاً كلها دالة عَلَى أن الله استخرج ذرية آدم من صلبه، وميز بين أهل النَّار وأهل الجنة، ومن هنا قَالَ من قال: إن الأرواح مخلوقة قبل الأجساد، وهذه الآثار لا تدل عَلَى سبق الأرواح الأجساد سبقاً مستقراً ثابتاً، وغايتها أن تدل عَلَى أن بارئها وفاطرها سبحانه، صور النسمة، وقدر خلقها وأجلها، وعملها واستخرج تلك الصور من مادتها، ثُمَّ أعادها إليها، وقدر خروج كل فرد من أفرادها في وقته المقدر له، ولا يدل عَلَى أنها خلقت خلقاً مستقراً واستمرت موجودة ناطقة كلها في موضع واحد ثُمَّ يرسل منها إِلَى الأبدان جملة بعد جملة، كما قاله ابن حزم.\rفهذا لا تدل الآثار عليه، نعم، الرب سبحانه يخلق منها جملة بعد جملة عَلَى الوجه الذي سبق به التقدير أولاً، فيجيء الخلق الخارجي مطابقاً للتقدير السابق كشأنه سبحانه في جميع مخلوقاته، فإنه قدر لها أقداراً وآجالاً وصفات وهيآت، ثُمَّ أبرزها إِلَى الوجود مطابقة لذلك التقدير السابق، فالآثار المروية في ذلك إنما تدل عَلَى القدر السابق، وبعضها يدل عَلَى أنه سبحانه استخرج أمثالهم وصورهم وميز أهل السعادة من أهل الشقاوة] اهـ.\rالشرح:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690217,"book_id":1659,"shamela_page_id":1343,"part":null,"page_num":1343,"sequence_num":1343,"body":"بعد ذكر الأحاديث التي سبق شرحها فيما مضى، قال المصنف: [وأحاديث أخرى كلها دالة عَلَى أن الله استخرج ذرية آدم من صلبة، وميز بين أهل النَّار وأهل الجنة] وذكر الفعل بالبناء للمجهول مبيناً أنه لم يتقدم هنا ما يدل عَلَى إمام أو مؤلف بعينه، وما ذكره ليس مختصاً ولا مقتصراً عَلَى الإمام أَحْمَد رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى، وإنما وردت آثار وأحاديث منها المرفوع ومنها الموقوف تثبت وتدل جميعها عَلَى أن الله ﷾ استخرج ذرية آدم من صلبه كما تقدم والمصنف ﵀ ذكر منها هنا:\r\rحديث عمر بن الخطاب ﵁ الذي رواه الإمام أَحْمَد ورواه -أيضاً- الإمام مالك في الموطأ.\rوقبله حديثابن عباس وهو أصرحها رواه الإمام أَحْمَد والحاكم، وغيرهما.\r\rوالثالث: حديث أَبِي هُرَيْرَةَ عند التِّرْمِذِيّ، ورواه -أيضاً- الحاكم.\r\rوالرابع: وهو ما رواه الإمام أَحْمَد وهو في الصحيحين.\rهل خلق الأرواح قبل خلق الأجساد؟\rيقول ﵀ [ومن هنا قَالَ من قَالَ: إن الأرواح مخلوقة قبل الأجساد] الذين قالوا بهذا القول، قالوه بناءً عَلَى أن الاستخراج كَانَ حقيقياً، وأنه ﵎ استخرج من ظهر آدم بنيه جميعاً استخراجاً حقيقياً وليس مجرد كناية عن الإخراج، وإنما استخرجهم وميزهم وخاطبهم واستنطقهم، وأقروا بما قال لهم وقطع الحجة والعذر عنهم، بناءً على ذلك قال من قال من السلف: إن الأرواح مخلوقة قبل الأجساد.\rودليلهم على ذلك قالوا: ما دام أن الله ﷾ قد خاطب الأرواح وخاطبته، فهي مخلوقة قبل الأجساد، وإذا أراد الله ﵎ أن يخلق إنساناً من البشر، فإنه ﷿ يأمر الملك بإدخال روحه في جسده فيكون بشراً حياً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690218,"book_id":1659,"shamela_page_id":1344,"part":null,"page_num":1344,"sequence_num":1344,"body":"ثُمَّ يقول المصنف: [وهذه الآثار لا تدل عَلَى سبق الأرواح الأجساد سبقاً مستقراً ثابتاً] وهذا من إضافة المصدر إِلَى فاعله، ومعناه أن هذه الآثار لا تدل عَلَى أن اللهَ ﷿ خَلَقَ الأرواح خلقاً مستقراً ثابتاً منفصلاً، وأنها موجودة في عالم الغيب عنده ﵎، [وإنما غايتها أن تدل عَلَى أن بارئها وفاطرها سبحانه، صور النسمة، وقدر خلقها، وأجلها، وعملها، واستخرج تلك الصور من مادتها، ثُمَّ أعادها إليها، وقدر خروج كل فرد من أفرادها في وقته المقدر له، وأن منهم أصحاب اليمين، ومنهم أصحاب الشمال] .\r\rبل ورد في بعض الروايات كما ذكرهاابن القيم رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في كتابه الروح أن آدم ﵇ لما رأى النَّاس رأى فيهم المعافى ورأى منهم المبتلى، فقَالَ: يا رب! هلّا عافيتهم جميعاً، قَالَ: إني أريد أن أُشْكر، فالله ﵎ أخرجهم عَلَى صفات، وعلى هيئات، وهو أعلم ﷾ بما سيكونون عليه في ذلك الوقت، ثُمَّ أعاد ذلك العالم \"عالم الذر\" إِلَى صلب أبينا آدم وأخذت ذريته تتناسل.\r\rوكل نسمة خلقها الله ﷿، فإنها تخرج بإذن الله ﷾ عندما يقدر الله أن يلتقي الزوجان الذكر والأنثى، وأن تخلق تلك النسمة فتنتقل من صلب ذلك الرجل، ثُمَّ تنفخ الروح وهكذا، فليس هنالك روح مستقلة منفردة موجودة من قبل، إنما يخلقها الله ﷾ في ذلك الوقت، فيخلق الروح التي قضي وقدر أنه سوف يخلقها، وهذا هو الفرق بين القولين.\r\rولهذا لما جَاءَ رجل إِلَى سعيد بن المسيب ﵁ فسأله عن العزل فقَالَ: إن الله ﵎ قَضَى بِكُلِ نسمة مخلوقة، واستخرجهم في كف آدم ورآهم وخاطبهم، وأنه لن يزيد من ذلك نفس، ولن ينقص منه نفس، فهذا ما يقرره السلف ويؤيدونه ويؤكدونه في مسألة القدر.\r\rتعلق مسألة الميثاق بمسألة القدر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690219,"book_id":1659,"shamela_page_id":1345,"part":null,"page_num":1345,"sequence_num":1345,"body":"لقد اهتم كثير من أهل العلم ومنهم ابن القيم وابن عبد البر وغيرهم بمسألة الميثاق وبمسألة القدر وعلاقة الميثاق بها، وإثبات أن الله ﷾ قد قدر أهل السعادة، وقدر أهل الشقاوة، وقضى ذلك وأمضاه.\rوهذا هو أكثر ما كَانَ يهم العلماء، وأن في ذلك تفسير للآية، وعليه يُقَالُ: إن ذلك استخراجاً حقيقي، فالاستخراج إذاً قضية من قضايا الغيب، مثله مثل قضايا الغيب الأخرى، كالإيمان بالصراط، والميزان، والحساب، والجزاء، والإسراء والمعراج ونحوها.\r\rكلام ابن حزم في هذه المسألة والرد عليه\rثُمَّ يقول المصنف: [ولا يدل عَلَى أنها خلقت خلقاً مستقراً واستمرت موجودة ناطقة كلها في موضع واحد ثُمَّ يرسل منها إِلَى الأبدان جملة بعد جملة كما قاله ابن حزم] أي: إن الصحيح هو إذا أراد اللهُ ﷿ أن يخلق إنساناً، فإنه يخلق روحه في ذلك اليوم الذي خلق فيه الجسد ويأمر الملك أن ينفخ فيه الروح، وقد ذكر ابن حزم ذلك في كتابه الفصل في الملل والأهواء والنحل ٤/١٢٣ وأشار إِلَى ذلك في (٥/٢١٩) في الطبعة التي أصدرتها دار عكاظ وحققها الدكتور عبد الرحمن عميرة وزميله.\rيقول ابن حزم: وهذا هو القول الصحيح؛ بل ادعى أيضاً الإجماع عَلَى أن قوله هو الصحيح!! وقَالَ: الأدلة واضحة وجلية وظاهرة من القُرْآن والسنة، أما القُرْآن: فإن الله ﵎ يقول: وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ َ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ َ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَم [الأعراف:١١] وهذه الآية تدل عَلَى أن الله ﷿ خلق الخلق أولاً ثُمَّ صورهم -وثُمَّ للتعقيب مع الترتيب- ثُمَّ أمر الملائكة أن تسجد لآدم وعليه تكون الأرواح مخلوقة قبل الأجساد!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690220,"book_id":1659,"shamela_page_id":1346,"part":null,"page_num":1346,"sequence_num":1346,"body":"ويعلق ابن القيم ﵀ عَلَى هذا فَيَقُولُ: \" هذا أليق بظاهريته\" فأخطأ والخلل جاءه من الظاهرية، وإذا أردنا أن نرد عَلَى هذا القول نرد على الظاهرية نفسها واللهُ ﷾ ذَكَرَ في قولهِ: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [الأعراف:١٧٢] من بني آدم وليس فقط من آدم بل أخذ الذرية من أصلابهم، وجاء في الحديث: أنه استخرجها من ظهر آدم والحديث يفسر الآية، فلما مسح بيده ﷾ عَلَى ظهر آدم واستخرج هذه الذرية، فإن آدم يكون موجوداً، فكيف يقول خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ َ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ َ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَم.\r\rومعنى هذا الكلام أنه خلق الأرواح وهي منفصلة، فكأن خلقها متقدم عَلَى تصوير آدم وعلى إسجاد الملائكة له، وهذا الكلام لا يقول به أحد بل لو نظرنا إِلَى قوله: وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ لوجدنا أن ظاهر الآية لاتخص آدم بذلك؛ بل إن اللهَ ﷾ لم يأمر الملائكة أن يسجدوا لآدم إلا بعد أن خلق البشر وبعد أن صورهم وهذا لا يقول به أحد، وابن حزم نفسه لا يقول بالظاهر المطلق، وهو يقول: وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ أي: ولقد خلقنا أرواحكم ثُمَّ َ صَوَّرْنَاكُمْ أي: صورهم في عالم الذر ثُمَّ َ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ، يقول ابن حزم: فما دام أنك قد قدرت مضافاً فالتقدير الصحيح للمضاف أن نقول: وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ أي: خلقنا أباكم الذي أنتم من ذريته وجمهور السلف قالوا في قوله: وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ َ صَوَّرْنَاكُمْ أي: قدرنا خلقكم وصوركم، فيكون اللهُ ﷾ قبل أن يخلق آدم قدر خلق الناس، وقدر صورهم، ثُمَّ خلق آدم وأسجد له الملائكة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690221,"book_id":1659,"shamela_page_id":1347,"part":null,"page_num":1347,"sequence_num":1347,"body":"أو وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ أي: خلقنا أباكم آدم، وقد ورد التعبير في القُرْآن الكريم عن الجنس الإِنسَاني كله بالبشر الواحد وهو آدم ﵇، أو يكون بالعكس؛ لأن هذه ذريته، والعلاقة بينها واضحة.\r\rوالقصد أن هذه الآية وما ماثلها ليس فيها دليل لابن حزم عَلَى أن الأرواح مخلوقة قبل الأجساد، وإنما تدل عَلَى أن الله ﷾، قدر الخلق وصوره ثُمَّ ركب الإِنسَان كما قَالَ: فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار:٨] فيخلق الإِنسَان ويركبه عَلَى الصورة التي قدرها ﷾ وقضاها.\r\rأو المعنى الآخر: أنه خلق أبانا آدم وصوره وأسجد له الملائكة، ثُمَّ جعلنا منه ذريته، فخلقه من طين، وجعل نسله من سلالة من ماء مهين.\r\rوالدليل الثاني: الذي استدل به ابن حزم هو قوله ﷺ في الحديث الصحيح: (الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف) ، ووجه استدلاله أن الروح مخلوقة موجودة مستقلة تتعارف وتتناكر منفصلة عن الجسد، هكذا يقول، والواقع أننا لو تأملنا الحديث لوجدنا أن ما يدل عليه أن الأرواح خلقٌ من خلقِ الله ﷾ \"جنود مجندة\" فهي أشباه ونظائر فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف، وهذا موجود في واقع النَّاس، فالأرواح المتشابهة المتعارفة تأتلف، والأرواح المتخالفة المتناكرة تختلف، ونجد أن أهل الخير يحبون أهل الخير، وأهل الشر يحبون أهل الشر؛ لأن الأرواح جنود مجندة خلقها الله ﷿ هكذا، وليس فيه دليل عَلَى أن الأرواح خلقت منفصلة في عالم الغيب، وبقيت هنالك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690222,"book_id":1659,"shamela_page_id":1348,"part":null,"page_num":1348,"sequence_num":1348,"body":"والدليل الثالث: الذي ذكره ابن حزم حديث عبد الله بن مسعود ﵁ الذي فيه: (إن أحدكم ليجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ثُمَّ يكون علقة مثل ذلك ثُمَّ يكون مضغة مثل ذلك، ثُمَّ يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بكتب أربع كلمات) ووجه استدلال ابن حزم أن الله ﷾ إذا أراد أن يخلق إنساناً، وأن ينفخ فيه الروح، فإنه يأتي بتلك الروح المخلوقة المنفصلة الموجودة التي خلقها واستنطقها وأقرها فينفخها في ذلك المخلوق، وهذا في الحقيقة لا دليل عليه، وإنما الوجه الصحيح في هذا أن الله ﷾ إذا أراد أن يخلق نسمة، فإنه يخلق روحها، ثُمَّ يأمر الملك بأن ينفخ هذه الروح المخلوقة في ذلك الجنين.\rوالذين قالوا: إن الأرواح قديمة أزلية هم طائفة من الفلاسفة ومن الزنادقة الذين لا يعتد بقولهم ولا بخلافهم في هذه المسألة.\rثُمَّ يقولابن حزم بعد ذلك: \"وقد ذكر مُحَمَّد بن نصر المروزي عنإسحاق بن راهويه -ذكر القول الذي قال به- ثُمَّ قَالَ: وعلى هذا أجمع أهل العلم، وقَالَ ابن حزم: وهذا قول جميع أهل الإسلام.\r\rونقل ابن القيم ﵀ أن ابن حزم ادعى الإجماع ها هنا في أمرين مختلفين، فإن السلف لم يجمعوا عَلَى أن الأرواح مخلوقة موجودة منفصلة قبل الأجساد حقيقة، وإنما أجمعوا عَلَى أن الأرواح مخلوقة من خلق الله ﷿، وعليه فإن الإجماع الذي نقله مُحَمَّد بن نصر المروزي عن إسحاق بن راهويه إنما هو في كون الأرواح مخلوقة.\rوالآثار التي ذكرها مُحَمَّد بن نصر المروزي، ونقلها ابن القيم ﵀ في كتاب الروح تدل عَلَى هذا، ويكون قولابن حزمٍ بهذا شاذاً.\r\rالقضايا المتعلقة بمسألة الاستخراج","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690223,"book_id":1659,"shamela_page_id":1349,"part":null,"page_num":1349,"sequence_num":1349,"body":"يقول المُصْنِّف ﵀: [فالآثار المروية في ذلك إنما تدل عَلَى القدر السابق، وبعضها يدل عَلَى أنه سبحانه استخرج أمثالهم وصورهم، وميز أهل السعادة من أهل الشقاوة] وهذه مرتبة الكتابة وهي من مراتب القدر التي نقسمها إِلَى خمس درجات:\rالدرجة الأولى: وهي: الكتابة العامة بما يقع في الكون، وهو الذي كتبه الله ﷿ في اللوح المحفوظ.\rوالدرجة الثانية: الكتابة النوعية، التي هي: كتابة ما سيكون من نوع الإِنسَان بالأخص من شقاء أو سعادة، فمما نؤمن به من أقدار الله ﷿ أنه ﷾ قدَّر أن بني آدم فريقان: فريق في الجنة، وفريق في السعير، وأنه استخرجهم عَلَى ما ورد في حديث الاستخراج، وهذا هو الذي أراده أكثر العلماء وقصدوه للاستدلال بهذه الأحاديث وهذه الآثار، كما فعل ابن أبي عاصم في كتاب السنة، وأبو عمر بن عبد البر، وابن القيم، وأمثالهم من العلماء الذين أرادوا إثبات القدر.\r\rولذا ذكروا هذه الأحاديث في أبواب القدر، ولكن المُصْنِّف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى هنا تبع الإمام أبا جعفر الطّّحاويّ حيث أفرد الميثاق بفقرة مستقلة في العقيدة والكلام من قوله: [هذه الآثار لا تدل عَلَى سبق الأرواح] إِلَى قوله: [من أهل الشقاوة] منقول عن ابن القيم من كتابه الروح، فيقول ابن القيم: إن الآثار تدل عَلَى القدر وبعضها يدل عَلَى أنه سبحانه استخرج أمثالهم وصورهم، وميز أهل السعادة من أهل الشقاوة، وبعضها فيها زيادة عَلَى القدر، وهي: أن ذلك القدر لم يكن مجرد تقدير منه ﷿، فخلق طائفة للجنة وطائفة للنار، وإنما استخرج أمثالهم وصورهم التي سيكونون عليها وميز هَؤُلاءِ من هَؤُلاءِ.\rوهنا أمور ثلاثة اتفق السلف عَلَى اثنتين منها واختلفوا في واحدة:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690224,"book_id":1659,"shamela_page_id":1350,"part":null,"page_num":1350,"sequence_num":1350,"body":"القضية الأولى: قضية التقدير والخلق وأنه ﷿ خلق طائفة للنار، وطائفة للجنة، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء، وقد صرحت بها الأحاديث.\rالقضية الثانية: ورد في الأحاديث أن الله ﷾ استخرج صورهم وأمثالهم وقدر طائفة في النار، وطائفة في الجنة، ولم يخالف فيه أحد من السلف والذي اختلف فيه السلف هي القضية الثالثة.\r\rالقضية الثالثة: أنه حين استخرج صورهم وأمثالهم خاطبهم وأشهدهم، وأن هذا هو تفسير آية الأعراف، والخلاف يكون في حديث ابن عباس الأول، وفي حديث عُمَرَ.\rأمَّا حديثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فلا إشكال فيه، ونصه (لَمَّا خَلَقَ اللهُ آدَمَ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَسَقَطَ مِنْ ظَهْرِهِ كُلُّ نَسَمَةٍ هُوَ خَالِقُهَا مِنْ ذُرِّيَّتِه إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ وَجَعَلَ بَيْنَ عَيْنَي كُلِّ إنسَانٍ مِنْهُم وَبِيصَاً مِنْ نُورٍ ثُمَّ عَرَضْهَم عَلَى آدَمَ ... ) إلخ.\r\rوبهذا يتضح أنه لا إشكال في القضية ولا علاقة لها بآية الأعراف وآية الميثاق، وكذلك الحديث الذي بعده، ولكن بالنسبة لحديث ابن عباس فإنه صريح في أن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم ﵇ فأخرج من صلبه ذرية ذرأها فنثرها بين يديه ثُمَّ كلمهم فقَالَ: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ [الأعراف:١٧٢،١٧٣] هذا بالنسبة للآية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690225,"book_id":1659,"shamela_page_id":1351,"part":null,"page_num":1351,"sequence_num":1351,"body":"أما حديث عُمَر ﵁ الذي رواه الإمام مالك في الموطأ والإمام أَحْمَد فهو أيضاً صريح في ذلك؛ لأن عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قيل له يا أمير المؤمنين ما معنى قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [الأعراف:١٧٢] فَقَالَ عُمَر ﵁: (سمعت النبي ﷺ سئل عنها فقَالَ: (إنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ ﵇ ثُمَّ مَسَحَ عَلَى ظَهْرِهِ بِيَمِينِهِ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً، قَالَ: خَلَقْت هَؤُلاءِ لِلجنَّةِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ الجََنَّةِ يَعْمَلُونَ ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً، قَالَ: خَلَقْتُ هَؤُلاءِ للنَّارِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ ... ) إِلَى آخر الحديث.\rفالخلاف إذاً محصور في آية الأعراف: أهي دليل عَلَى الاستخراج، وأن الاستخراج كَانَ حقيقياً، أم نقول كما قال بعض السلف: إنها الفطرة؟.\r\rيقول المصنف رحمه الله تعالى:\r[وأما الإشهاد عليهم هناك فإنما هو في حديثين موقوفين على ابن عباس وابن عمرو ﵃، ومن ثم قال -قائلون- من السلف والخلف: إن المراد بهذا الإشهاد إنما هو فطرهم على التوحيد كما تقدم في حديث أبي هريرة ﵁.\rومعنى قوله: \"شهدنا\": أي قالوا: بلى شهدنا أنك ربنا وهذا قول ابن عباس واُبيّ بن كعب.\r\rوقال ابن عباس أيضاً: أشهد بعضهم على بعض.\r\rوقيل: شهدنا من قول الملائكة والوقف على قوله: \"بلى \" وهذا قول مجاهد، والضحاك والسدي.\r\rوقال السدي أيضاً: هو خبر من الله تعالى عن نفسه وملائكته أنهم شهدوا على إقرار بني آدم والأول أظهر وما عداه احتمال لا دليل عليه وإنما يشهد ظاهر الآية للأول] اهـ. .\r\rالشرح:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690226,"book_id":1659,"shamela_page_id":1352,"part":null,"page_num":1352,"sequence_num":1352,"body":"يقول المصنف ﵀: وأما الإشهاد عليهم هناك فإنما هو في حديثين موقوفين على ابن عباس وابن عمرو ﵃] ولا يكفيان للاستدلال، لكن يقول الشيخ محمد ناصر الدين الألباني في تعليقه على كلام الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: \"إخراج الذرية من ظهر آدم، أخذ الله الميثاق من ظهر آدم بنعمان يعني: عرفة فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنشرهم بين يديه كالذر، ثم كلمهم قبلاً قال: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ *أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ أخرجه أحمد وابن جرير في التفسير وابن أبي عاصم في السنة، والحاكم والبيهقي في الأسماء والصفات كلهم من طريق الحسين بن محمد المروذي، ثنا جرير بن حازم عن كلثوم بن جبر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: فذكره، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي.\rقلت: وحقهما أن يقيداه بأنه على شرط مسلم فإن كلثوم بن جبر من رجاله وسائرهم من رجال الشيخين، وتابعه وهب بن جرير حدثنا أبي به، دون ذكر نعمان، وقال أيضاً: صحيح الإسناد، وقد احتج مسلم بكلثوم بن جبر، ووافقه الذهبي أيضاً.\r\rوأما ابن كثير فتعقبه بقوله في التفسير: \"هكذا قال، وقد رواه عبد الوارث عن كلثوم بن جبر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فوقفه، وكذا رواه إسماعيل بن علية ووكيع عن ربيعه بن كلثوم بن جبر عن أبيه به.\r\rوكذا رواه عطاء بن السائب وحبيب بن أبي ثابت وعلي بن بذيمة عنسعيد بن جبير عن ابن عباس وكذا رواه العوفي وعلي بن أبي طلحة عنابن عباس، فهذا أكثر وأثبت، والله أعلم.\r\rقلت: هو كما قال ﵀، ولكن ذلك لا يعني أن الحديث لا يصح مرفوعاً وذلك لأن الموقوف في حكم المرفوع لسببين:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690227,"book_id":1659,"shamela_page_id":1353,"part":null,"page_num":1353,"sequence_num":1353,"body":"الأول: أنه في تفسير القرآن، وما كان كذلك فهو في حكم المرفوع ولذلك اشترط الحاكم في كتابه المستدرك أن يخرج فيه التفاسير عن الصحابة كما ذكر ذلك فيه.\r\rالآخر: أن له شواهد مرفوعة عن النبي ﷺ عن جمع من الصحابة، وهم عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمرو، وأبو هريرة، وأبو أمامة وهشام بن حكيم، أو عبد الرحمن بن قتادة السلمي، على خلاف عنهما، ومعاوية بن أبي سفيان، وأبو الدرداء وأبو موسى، وهي وإن كان غالب أسانيدها فيها مقال فإن بعضها يقوي بعضاً، بل قال الشيخ صالح المقبلي في الأبحاث المسددة: ولا يبعد دعوى التواتر المعنوي في الأحاديث والروايات في ذلك، ولا سيما وقد تلقى هذا -ما اتفقت عليه من إخراج الذرية من ظهر آدم وإشهادهم على أنفسهم- السلف الصالح من الصحابة والتابعين دون اختلاف بينهم منهم عبد الله بن عمر وعبد الله بن مسعود، وأُبي بن كعب وسلمان الفارسي، ومحمد بن كعب والضحاك بن مزاحم والحسن البصري وقتادة وفاطمة بنت الحسين، وأبو جعفر الباقر وغيرهم.\r\rوقد أخرج هذه الآثار الموقوفة وتلك الأحاديث المرفوعة الحافظ السيوطي في الدر المنثور وأخرج بعضها الشوكاني في فتح القدير ومن قبله الحافظ ابن كثير في تفسيره وخرجت أنا - أي: الألباني - حديث عمر في الضعيفة -وصححته لغيره في تخريج شرح الطحاوية - وحديث أبي هريرة في تخريج السنة لابن أبي عاصم بتحقيقي، وصححته -أيضاً- هناك وفي الباب عن أبي الدرداء مرفوعاً وقد سبق برقم (٤٩) .\r\rوعن أنس برقم (١٧٢) ، وهو متفق عليه، فهو أصحها ولا إشكال في صحته على الإطلاق.\r\r(إن الله تعالى يقول للرجل من أهل النار يوم القيامة أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنت مفتدياً به؟ فيقول نعم، فيقول الله: قد أردت منك أهون من ذلك قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئاً فأبيت إلا أن تشرك بي!!)","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690228,"book_id":1659,"shamela_page_id":1354,"part":null,"page_num":1354,"sequence_num":1354,"body":"إذا عرفت هذا فمن العجيب قول الحافظ ابن كثير عقب الأحاديث والآثار التي سبقت الإشارة إلى أنه أخرجها: فهذه الأحاديث دالة على أن الله عزوجل استخرج ذرية آدم من صلبه وميز بين أهل الجنة وأهل النار، وأما الإشهاد عليهم هناك بأنه ربهم فما هو إلا في حديث كلثوم بن جبر عن سعيد بن جبير عنابن عباس وفي حديث عبد الله بن عمرو وقد بينا أنهما موقوفان لا مرفوعان كما تقدم.\r\rقلت: -أي الشيخ ناصر -: وليس الأمر كما نفى بل الإشهاد وارد في كثير من تلك الأحاديث الأول: حديث أنس هذا ففيه كما رأيت قول الله تعالى: \" قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئاً\"، قال الحافظابن حجر: في فتح الباري فيه إشارة إلى قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ [الأعراف:١٧٢] قلت: ولفظ حديث ابن عمرو الذي أعلهابن كثير بالوقف إنما هو \"أخذ من ظهره..\" فأي فرق بينه وبين لفظ حديث أنس الصحيح.\rفالشيخ الألباني رحمه ينقد -كلام الحافظابن كثير - فنعرف بذلك أن كلام المصنف الذي هو منقول من كلام ابن كثير منتقد وأنه مرجوح.\rوالحافظ ابن كثير ﵀ أعل حديث عبد الله بن عمر وقال: إنه موقوف ولفظ حديث عبد الله يقول: قال رسول الله ﷺ: (وإذا أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم، قال أخذ من ظهره كما يؤخذ بالمشط من الرأس فقال لهم ألست بربكم؟ قالوا بلى: قالت الملائكة شهدنا أن تقولوا يوم القيامة، إنا كنا عن هذا غافلين) ، يقول الشيخ ناصر: فأي فرق فلفظ حديث ابن عمرو الذي أعله ابن كثير \"أخذ من ظهره\"\rوفي حديث أنس في الصحيحين يقول: (قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئاً) فالحديثان في الحقيقة موردهما وموضوعهما واحد فحديث أنس لا شك في صحته وهو يؤيد ذلك الحديث الذي هو ضعيف أو موقوف.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690229,"book_id":1659,"shamela_page_id":1355,"part":null,"page_num":1355,"sequence_num":1355,"body":"الثاني حديث عمر بلفظ: (ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية..) .\r\rرواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن أبي حاتم وابن جرير وابن حبان ورواه كذلك الإمام مالك في الموطأ ومن هنا علق عليه الحافظابن عبد البر واحتج به لأن المالكية ﵏ يرون أن ما أخرجه مالك في الموطأ فهو صحيح.\rالثالث: حديث أبي هريرة الصحيح (مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة) وهو فيه قصة آدم وداود وكيف أنه أخذ من عمر آدم أربعين سنة وأضيفت إلى عمر داود.\rالرابع حديث هشام بن حكيم رضي الله تعالى عنه، عن عبد الرحمن بن قتادة السلمي عن أبيه عن هشام بن حكيم ﵏، أن رجلاً سأل النبي ﷺ فقال يارسول الله: أنبتدئ الأعمال أم قد قضى القضاء؟\rوهذا يوافق ما في الصحيحين من سؤال الصحابة الكرام، رضوان الله عليهم النبي ﷺ لما دخل على الجنازة ببقيع الغرقد، وجلس فسألوه فقالوا: يا رسول الله أهذه الأعمال أفيما يستأنف أم في أمر قد قضي وفرغ منه؟\rوهذا السؤال الذي يسأله كل إنسان عندما يفكر في القدر وفي علاقته بأحوال الناس، فالسؤال هذا يشهد له وعليه فإن ما ورد في الصحيحين وغيرهما مما لا شك في صحته قال: فقال: رسول الله ﷺ: \"إن الله قد أخذ ذرية آدم من ظهورهم ثم أشهدهم على أنفسهم، ثم أفاض بهم في كفيه، ثم قال: هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار فأهل الجنة ميسرون لعمل أهل الجنة وأهل النار ميسرون لعمل أهل النار \"\r\rكما قال في الحديث الآخر، المتفق عليه: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له ثم قرأ الآيات في سورة الليلفَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى [الليل:٥-١٠] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690230,"book_id":1659,"shamela_page_id":1356,"part":null,"page_num":1356,"sequence_num":1356,"body":"إذاً ليس في هذا الحديث أي إشكال، لأن ما ورد فيه تشهد له الأحاديث الصحيحة الثابتة.\rالخامس: حديث أبي أمامة ﴿لما خلق الله الخلق وقضي القضية أخذ أهل اليمين بيمينه وأهل الشمال بشماله فقال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى﴾ وهذا أيضاً ذكره الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى قال وروىجعفر بن الزبير \"وهو ضعيف\" عن القاسم عنأبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: (لماخلق الله الخلق وقضى القضية -أي: قدر ذلك وقضاه- أخذ أهل اليمين بيمينه وأهل الشمال بشماله فقال: يا أصحاب اليمين، فقالوا: لبيك وسعديك قال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى، قال: يا أصحاب الشمال، قالوا: لبيك وسعديك، قال: ألست بربكم قالوا: بلى، ثم خلط بينهم فقال قائل له: يارب لم خلطت بينهم، قال لهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون، أن يقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ثم ردهم في صلب آدم) والحديث يقول عنه الحافظ ابن كثير إن فيه جعفر بن الزبير وهو ضعيف، لكن ما مر من ألفاظٍ من الحديث تشهد لها الأحاديث الصحيحة ومنطوق الآيات، فهذا الحديث يصلح للاستشهاد، وبعض الأحاديث تشد بعضها بعضاً، ففي ذلك رد على قول ابن القيم أيضاً في كتابه الروح بعد أن سرد طائفة من الأحاديث المتقدمة، والله تعالى أعلم.\rقَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:\r[واعلم أن من المفسرين من لم يذكر سوى القول بأن الله استخرج ذرية آدم من ظهره وأشهدهم عَلَى أنفسهم ثُمَّ أعادهم، كالثعلبي والبغوي وغيرهما، ومنهم من لم يذكره، بل ذكر أنه نصب لهم الأدلة عَلَى ربوبيته ووحدانيته وشهدت بها عقولهم وبصائرهم التي ركبها الله فيهم، كالزمخشري وغيره، ومنهم من ذكر القولين، كالواحدي والرازي والقرطبي وغيرهم، لكن نسب الرازي القول الأول إلىأهل السنة، والثاني إِلَى المعتزلة] اهـ.\rالشرح:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690231,"book_id":1659,"shamela_page_id":1357,"part":null,"page_num":1357,"sequence_num":1357,"body":"إن كل المفسرين الذين يفسرون بالأثر عن السلف الصالح ومن هَؤُلاءِ الثعلبي والبغوي ذكروا الآثار التي تدل عَلَى أن الله استخرج ذرية آدم من ظهره، وأشهدهم عَلَى أنفسهم ثُمَّ أعادهم، ومنهم من ذكر أنه نصب لهم الأدلة التي تدل عَلَى وحدانية الله، وشهدت بذلك عقولهم وبصائرهم ومن هَؤُلاءِ الزمخشري ورد الأحاديث الصحيحة التي تدل عَلَى القول الأول، ولا غرابة في ذلك لأنه كما تعلمون يفسر القُرْآن بالرأي، ويأتي بالقول الذي يرى أنه موافق للعقل.\rومنهم من ذكر القولين كالواحدي والرازي والقرطبي وهَؤُلاءِ هم في الغالب: من الذين يجمعون بين النصوص، وبين كلامأهل الكلام، ولهذا نجد أن الرازي -مثلاً- وهو من أئمة المذهب الأشعري، يجتمع مع المعتزلة أحياناً، ومع أهل السنة أحياناً، يترددون ويتذبذبون بين هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ، ولهذا فإنه هو وأمثاله الذين ذكرهم المُصنِّفُ جمعوا بين القولين، لكن الرازي في تفسيره نسب القول الأول إلىأهل السنة.\r\rوالثاني إِلَى المعتزلة، وهذا ليس ببعيد أن يذكر أن أهل الحديث وأهل الأثر يقولون: إنه استخراج حقيقي عَلَى ظاهر النصوص وهو كذلك، والقول الثاني: نسبه إِلَى المعتزلة والواقع أنه ليس خاصاً بالمعتزلة؛ لأن هذا القول انتصر له الحافظ ابن كثير وانتصر له ابن القيم رحمها الله تَعَالَى كما سوف نلاحظ، وقد سبقت الإشارة إِلَى ذلك أيضاً.\rقال المصنف رحمه الله تعالى:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690232,"book_id":1659,"shamela_page_id":1358,"part":null,"page_num":1358,"sequence_num":1358,"body":"[ولا ريب أن الآية لا تدل على القول الأول، أعني أن الأخذ كان من ظهر آدم، وإنما فيها أن الأخذ من ظهور بني آدم، وإنما ذكر الأخذ من ظهر آدم والإشهاد عليهم هناك في بعض الأحاديث، وفي بعضها الأخذ والقضاء بأن بعضهم إلى الجنة وبعضهم إلى النار، كما في حديث عمر ﵁، وفي بعضها الأخذ وإراءة آدم إياهم من غير قضاء ولا إشهاد، كما في حديث أبي هريرة. والذي فيه الإشهاد -على الصفة التي قالها أهل القول الأول- موقوف على ابن عباس وابن عمرو، وتكلم فيه أهل الحديث، ولم يخرجه أحد من أهل الصحيح غير الحاكم في المستدرك على الصحيحين والحاكم معروف تساهله ﵀.\rوالذي فيه القضاء بأن بعضهم إلى الجنة وبعضهم إلى النار دليل على مسألة القدر. وذلك شواهده كثيرة، ولا نزاع فيه بين أهل السنة، وإنما يخالف فيه القدرية المبطلون المبتدعون.\rوأما الأول: فالنزاع فيه بين أهل السنة من السلف والخلف، ولولا ما التزمته من الاختصار لبسطت الأحاديث الواردة في ذلك، وما قيل من الكلام عليها، وما ذكر فيه من المعاني المعقولة ودلالة ألفاظ الآية الكريمة.\r\rقالالقرطبي: وهذه الآية مشكلة، وقد تكلم العلماء في تأويلها، فنذكر ما ذكروه من ذلك حسب ما وقفنا عليه. فقال قوم: معنى الآية:أن الله أخرج من ظهر بني آدم بعضهم من بعض، قالوا ومعنى وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ [الأعراف:١٧٢] : دلهم بخلقة على توحيده، لأن كل بالغ يعلم ضرورة أن له رباً واحداً أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ أي قال: فقام ذلك مقام الإشهاد عليهم والإقرار منهم، كما قال تعالى في السماوات والأرض: قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ [فصلت:١١] ذهب إلى هذا القفال وأطنب] اهـ.\rالشرح:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690233,"book_id":1659,"shamela_page_id":1359,"part":null,"page_num":1359,"sequence_num":1359,"body":"يقول ابن القيم ﵀ في كتابه الروح كما نقل عنه المصنف: إن هذه الآية لا تدل على القول بأن الاستخراج كان حقيقياً؛ لأن الله تعالى قال: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِم ذُرِّيَّتَهُمْ [الأعراف:١٧٢] والأخذ كان من ظهور بني آدم ولم يكن من ظهر آدم، وهذا الرأي ضعيف؛ لأن الآية فيها حكمة فلو تأملنا الأسلوب القرآني لوجدناه أبلغ أسلوب، ولا يمكن لأي أسلوب من الأساليب أن يشبهه، ولا يوجد في كلام العرب أبلغ منه على الإطلاق، ولا أوجز ولا أفصح ولا أوضح ولا أجلى منه فإذا وجدنا أن الأحاديث قد فسرت الآية، بأن الله تعالى مسح على ظهر آدم فاستخرج ذريته، فإنه ﷾ قد ذكر أن هذه الذرية كل إنسان هو من ظهر أبيه وهكذا يتعاقبون، فإذاً كل هؤلاء الناس أُخرجوا دفعة واحدة بين يدي آدم ونثروا بين يديه، فيكون الله تعالى فعلاً قد أخذ من بني آدم من ظهورهم ذريتهم.\rولو أن الآية اقتصرت على ذكر آدم، وأن الله تعالى أخرج من ظهر آدم ذريته، لقال قائل من الناس: هؤلاء ذرية آدم أخرجهم الله من ظهره -يعنى: أبناء من صلبه- فأين بقية البشر؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690234,"book_id":1659,"shamela_page_id":1360,"part":null,"page_num":1360,"sequence_num":1360,"body":"لا حجة عليهم، ولكن الله ﷿ يريد أن يبين أن الحجة قائمة على جميع بني آدم فلهذا جاء بذريتهم وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [الأعراف:١٧٢] فإذاً هو أخذ الذرية من \"عالم الذر\" وهذا كله بعضه من بعض أي: نثروا بين يدي آدم ﵇ الأجداد مع الأحفاد كلهم دفعة واحدة فلذلك كان الآخذ من ظهور بني آدم؛ لأنها أجيال متعاقبة إلى قيام الساعة؛ ولكنهم نثروا دفعة واحدة بين يديه فهذه الآية بهذا اللفظ تدل على معنى أعظم وأبعد مما يظنون، ولو كان الأمر كذلك لكان من ظهر آدم، قال: [إنما ذكر الأخذ من ظهر آدم والإشهاد عليهم هناك في بعض الأحاديث، وفي بعضها الأخذ والقضاء بأن بعضهم من الجنة وبعضهم من النار، كما في حديث عمر وفي بعضها الآخر الأخذ، وإراءة آدم إياهم من غير قضاء ولا اشهاد] ، وهذا صحيح. كما في حديث أبى هريرة لكن لا تُعارِض أحاديث ذكرت الأخذ والاستخراج وأحاديث ذكرت الإراء لآدم ... لا تعارض؛ لأن هذه كلها واقعة واحدة، ولكن قد يقتصر الراوي من الصحابة فما بعده على بعض الحديث فلا يذكره كله، فإذا كان الكلام في القدر يذكر من الحديث أنه ﷾ جعل طائفة في الجنة وطائفة في السعير، وإذا كان الكلام في الإقرار على توحيد الربوبية، يذكر منه الإقرار والاستشهاد والاستخراج، وإذا كان المراد أن آدم ﵇ رآهم وما في ذلك من العجب العجاب والآية البينة، يذكر أنه أريهم آدم ﵇، وهكذا ... )","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690235,"book_id":1659,"shamela_page_id":1361,"part":null,"page_num":1361,"sequence_num":1361,"body":"وقول المصنف: [والذي فيه الإشهاد على الصفة التي قالها أصحاب القول الأول، وهم المفسرون بالأثر، موقوف على ابن عباس وابن عمرو وتكلم فيه أهل الحديث ولم يخرجه أحد من أهل الصحيح غير الحاكم في المستدرك، والحاكم معروف تساهله] وهذا القول قد بينا لكم أنه قول ضعيف وخطأ؛ لأنه ليس بموقوف، بل له شواهد مرفوعة كثيرة وفي نفس الوقت ليس الحاكم وحده هو الذي رواها، بل رواها غيره مثل ابن أبي عاصم، وكثير ممن رووا ذلك ومنهم ابن جرير الطبري، والحافظابن كثير نفسه أعل هذا وذاك بالوقف مع أنه أوردها، وذكر من رواها وأخرجها فالقول: بأنه لم يروها إلا الحاكم خطأ، وإن كان قوله: (من أهل الصحيح) قد يوهم أن الذين رووا الاستخراج هم من غير العلماء الذين اشترطوا الصحة؛ لأن الحاكم اشترط الصحة كما اشترط الشيخان الصحة.\rلكن الحديث الصحيح يُقبل وإن رواه من رواه إذا صح السند؛ وإن كان من الكتب التي يغلب عليها الضعاف إذا صح أن هذا لا غبار عليه، والأمر الآخر: أنه ليس كل من ذكروا ذلك ممن لم يشترط الصحيح، فإن حديث أنس في الصحيحين كما سيأتي في آخر كلام المصنف، إذاً: ليس لكلام المصنف هنا أي تبرير إلا أن نقول: إنه خطأ غفر الله لنا وله آمين.\rاختلاف أهل السنة في معنى الاستخراج لافي القدر\rيقول المصنف: [والذي فيه القضاء بأن بعضهم إِلَى الجنة وبعضهم إِلَى النَّار دليل عَلَى مسألة القدر وذلك شواهده كثيرة ولا نزاع فيه بين أهل السنة، وإنما يخالف فيه القدرية المبطلون المبتدعون] .\rمسألة القدر لا خلاف بين أهل السنة فيها، وإنما يورد بعض أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ هذه الآية وبعض هذه الآثار التي ذكرها المُصْنِّف في باب القدر والرد عَلَى القدرية وهذا حق، ولكن لا ينفي هذا الجانب الآخر وهو مسألة الاستخراج.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690236,"book_id":1659,"shamela_page_id":1362,"part":null,"page_num":1362,"sequence_num":1362,"body":"يقول: [وأما الأول: فالنزاع فيه بين أهل السنة من السلف والخلف] أي: ما عدا القدر وهو مجرد الاستخراج والإشهاد فيه نزاع [ولولا ما التزمت من الاختصار لبسطت الأحاديث الواردة في ذلك، وما قيل من الكلام عليها، وما ذكر فيه من المعاني المعقولة، ودلالة ألفاظ الآية الكريمة] وبسط هذه الآثار.\r\rوالكلام عليها موحجود في وأيضاً في كتاب الروح وكتاب شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل لابن القيم ﵀ \"قال القرطبي: وهذه الآية مشكلة وقد تكلم العلماء في تأويلها وأحكامها، فنذكر ما ذكره من ذلك حسب ما وقفنا عليه.\rفَقَالَ قوم معنى الآية: أن الله أخرج من ظهور بني آدم بعضهم من بعض، قالوا: ومعنى: أشهدهم عَلَى أنفسهم ألست بربكم \" دلهم بخلقه عَلَى توحيده؛ لأن كل بالغ يعلم ضرورةً أن له رباً واحداً: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ [الأعراف:١٧٢] أي: قال فقام الإشهاد عليهم والإقرار منهم، كما قال تَعَالَى في السموات والأرض: قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ [فصلت:١١] وذهب إِلَى هذا القفال وأطنب\".\r\rمعنى الإشهاد في آية الميثاق\rقَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:\r[وقيل: إنه ﷾ أخرج الأرواح قبل خلق الأجساد، وإنه جعل فيها من المعرفة ما علمت به ما خاطبها. ثُمَّ ذكر القرطبي بعد ذلك الأحاديث الواردة في ذلك، إِلَى آخر كلامه.\rوأقوى ما يشهد لصحة القول الأول: حديث أنس المخرج في الصحيحين الذي فيه: قَدْ أَرَدْتُ مِنْكَ أَهْوَنَ مِنْ ذَلِكَ، قَدْ أَخَذْتُ عَلَيْكَ في ظَهْرِ آدَمَ أنْ لا تُشْرِكَ بي شَيْئاً، فَأَبَيْتَ إلاَّ أنْ تُشْرِكَ بي. ولكن قدر روي من طريق أخرى: قد سألتك أقل من ذلك وأيسر فلم تفعل، فيرد إِلَى النَّار. وليس فيه: (في ظهر آدم) . وليس في الرواية الأولى إخراجهم من ظهر آدم عَلَى الصفة التي ذكرها أصحاب القول الأول.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690237,"book_id":1659,"shamela_page_id":1363,"part":null,"page_num":1363,"sequence_num":1363,"body":"بل القول الأول متضمن لأمرين عجيبين: أحدهما: كون النَّاس تكلموا حينئذ وأقروا بالإيمان وأنه بهذا تقوم الحجة عليهم يَوْمَ القِيَامَةِ والثاني: أن الآية دلت عَلَى ذلك] اهـ.\rالشرح:\r\rيقول أصحاب القول الأول: كيف يقول الله تَعَالَى في ظاهر الآية: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا [الأعراف:١٧٢] فكيف تخرجون هذا القول وتصرفونه عن ظاهره أنه قول إلى مجرد أنه إقرار. أي: أنه إقرار وممن ذكر ذلك الفخر الرازي في تفسيره، وَقَالُوا: إن هذا القول ليس قولاً حقيقياً وإنما المقصود مجرد الإقرار واستدلوا بقوله تعالى: عندما خاطب السموات والأرض: ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ [فصلت:١١] فَقَالُوا: إن السموات والأرض لم تتكلم وإنما أذعنت وأقرت، فكان ذلك منزلة لو أنها نطقت، وهذا القول أيضا مرجوح.\rفما المانع أن تنطق السموات والأرض وكل شيء يبقى عَلَى الظاهر، فالبشر في عالم الذر نطقوا ولا غرابه في ذلك عَلَى قدرة الله ﷾ وكذلك السموات والأرض نطقت ولا غرابة في ذلك عَلَى قدرة الله، فقد أنطق النمل وأنطق الهدهد وفقه ما تكلم به سليمان ﵇، وأنطق الجبال سبحن مع داود بالعشي والإبكار، فما المانع أن تنطق السموات والأرض وينطق الإِنسَان في عالم الذر، في الحقيقة أن كل هذه الآيات لا حجة لهم فيها، لأننا لم نوافقهم عَلَى أن السموات والأرض لم تنطق، وإنما هو مجرد إقرار.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690238,"book_id":1659,"shamela_page_id":1364,"part":null,"page_num":1364,"sequence_num":1364,"body":"فالله ﷾ قادر عَلَى كل شيء، ويَوْمَ القِيَامَةِ إذا جحد الجاحدون والمكابرون ذنوبهم وأعمالهم ختم الله عَلَى فواههم وتكلمت أيديهم وتشهد أرجلهم وتنطق جلودهم؛ بل في آخر الزمان أخبر النبي ﷺ أنه يكلم الرجل فخذه وعذبة سوطه، وتخبره ما فعل أهله من بعده، وهناك أشياء كثيرة ثابتة لا مجال الآن لاستعراضها، والله ﷾ لا يعجزه شيء وقد ذهب إِلَى هذا القول القفال وغيره من الذين فسروا الآية عَلَى خلاف ظاهرها.\r[وقيل: إنه ﷾ أخذ الأرواح قبل خلق الأجسام؛ وأنه جعل فيها من المعرفة ما علمت به ما خاطبها، ثُمَّ ذكر القرطبي بعد ذلك الأحاديث الواردة في ذلك إِلَى آخر كلامه] ولا جديد في كلام القرطبي وإنما ذكره المُصْنِّف ﵀ ليبين أنه ذكر القولين، وأن المسالة خلافيه، والقول بأنه أخرج الأرواح هذا هو القول الذي يجري عَلَى ظاهر الآية.\r\rثُمَّ قال: [وأقوى ما يشهد بصحة القول الأول: حديث أنس المخرج في الصحيحين الذي فيه (قَدْ أَرَدْتُ مِنْكَ أَهْوَنَ مِنْ ذَلِكَ، قَدْ أَخَذْتُ عَلَيْكَ في ظَهْرِ آدَمَ أنْ لا تُشْرِكَ بي شَيْئاً، فَأَبَيْتَ إلاَّ أنْ تُشْرِكَ بي) ] يقول: وهذا أقوى ما يشهد بصحة القول الأول، [وكفى به دليلاً قوياً] لأن حديث يرويه الإمامان الجليلان البُخَارِيّ ومسلم، فلا نطعن في صحته بأي وجه من الوجوه، وفيه التصريح بأن الله ﷾ أخذ العهد عَلَى بني آدم في ظهر أبيهم آدم ألا يشركوا به شيئا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690239,"book_id":1659,"shamela_page_id":1365,"part":null,"page_num":1365,"sequence_num":1365,"body":"فلو نظرنا إِلَى منطوق الحديث، ومنطوق الآية لوجدنا أن منطوقهما واحد، وأنهما متظافران يدل بعضهما عَلَى ما يدل عليه الآخر. ولكن المُصْنِّف رده بقوله: [ولكن قد روي من طريق أخرى: قد سألتك أقل من ذلك وأيسر فلم تفعل، فيرد إِلَى النَّار] والحقيقة أنه لا تعارض بين الروايتين: فهذه فسرت تلك؛ لأن الأيسر والأهون هو التوحيد، الذي هو يسير عَلَى من يسره الله ﵎ عليه قَالَ: [وليس فيه: (في ظهر آدم) ، وليس في الرواية الأولى إخراجهم من ظهر آدم عَلَى الصفة التي ذكرها أصحاب القول الأول] ولكن فيه أخذ الإقرار وأنه إقرار وإشهاد حقيقي، وبعض الأحاديث تبين بعض، وكذلك الآيات والأحاديث تفسر الآيات ثُمَّ قَالَ: [بل القول الأول متضمن لأمرين عجيبين أحدهما: كون النَّاس تكلموا حينئذ وأقروا بالإيمان، وأنه بهذا تقوم الحجة عليهم يَوْمَ القِيَامَةِ، والثاني: أن الآية دلت عَلَى ذلك] .\r\rيذكر المُصْنِّف ﵀: أن القول بأن الاستخراج كَانَ حقيقياً يتضمن أمرين عجيبين الأمر الأول: ما ذكره كثير ممن طعنوا في هذا القول وهو أن النَّاس تكلموا وأقروا بالإيمان وأنه بهذا تقوم الحجة عليهم يَوْمَ القِيَامَةِ، حتى قال بعضهم: إن هذا يشبه القول بمذهب التناسخ، وما هذا إلا من التعسف في الفهم والاستدلال، فما هو الغريب أن يكون النَّاس تكلموا وأقروا بالإيمان فإن هذا شيء ذكره الله ﷾ وفسرته الأحاديث المرفوعة والموقوفة فلا غرابة ولا عجب فيه، فالله ﷾ خلق الأرواح واستنطقها، كما يستنطق ما شاء من خلقه ﷾، قال: [وأنه تقوم الحجة عليهم يَوْمَ القِيَامَةِ] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690240,"book_id":1659,"shamela_page_id":1366,"part":null,"page_num":1366,"sequence_num":1366,"body":"ولا يقول أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ عموماً: إن الحجة يَوْمَ القِيَامَةِ تقوم عَلَى الإِنسَان بما أشهده الله تَعَالَى عليه في عالم الذر -أي: لما استخرجهم من ظهر أبيهم- وهل يجازي الإِنسَانُ يَوْمَ القِيَامَةِ ويحاسبه بناءً عَلَى ما أشهده الله وأقره في ذلك اليوم؟ لا، وإنما يخاطبون فيسألون ماذا أجبتم المرسلين؟ فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ [الأعراف:٦] فالحجة التي يسأل عنها النَّاس هي إجابة المرسلين، ولا يمنع ذلك من أن يكون لهذه الحجة طريق مساندة وممهدة ومنها الفطرة وهذا الميثاق، فلو لم يكن إلا هذا الإقرار وهذا الميثاق لقال الناس: يا ربنا إن هذا الميثاق في أنفسنا لكنك لم تبعث إلينا رسولاً فيذكرنا أو يبين لنا، ولهذا قال ﷿: رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء:١٦٥] فلا حجة بعد الرسل، فالرسل جاءوا يذكرون بالميثاق وبما في الفطرة، فهي أدلة بعضها يؤيد بعضاً ولا تعارض بينها.\rوأما قوله: [إن الآية دلت عَلَى ذلك] فهذا ما يقوله أصحاب القول الأول، ثُمَّ أخذ يبني بأن الآية لا تدل عليه بوجه، وهذه الوجوه التي ذكرها المُصْنِّف هنا مختصرة هي من كتاب الروح لابن القيم ﵀، ولهذا نذكر هذه الوجوه إن شاء الله ونشرحها إجمالاً.\r\rالرد على المصنف فيما ذهب إليه في معنى الاستخراج\rقَالَ المُصْنِّفُ ﵀:\r[والآية لا تدل عليه لوجوه:\rأحدها: أنه قال: مِنْ بَنِي آدَمَ [الأعراف:١٧٢] ، ولم يقل: من آدم.\rالثاني: أنه قَالَ: مِنْ ظُهُورِهِمْ، ولم يقل: من ظهره، وهذا بدل بعض، أو بدل اشتمال، وهو أحسن.\rالثالث: أنه قَالَ: ذُرِّيَّتَهُمْ ولم يقل: ذريته.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690241,"book_id":1659,"shamela_page_id":1367,"part":null,"page_num":1367,"sequence_num":1367,"body":"الرابع: أنه قَالَ: وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أي: جعلهم شاهدين عَلَى أنفسهم ولابد أن يكون الشاهد ذاكراً لما شهد به وهو إنما يذكر شهادته بعد خروجه إِلَى هذه الدار كما تأتي الإشارة إِلَى ذلك لا يذكر شهادة قبله.\rالخامس: أنه سبحانه أخبر أن حكمة هذا الإشهاد إقامة الحجة عليهم، لئلا يقولوا يَوْمَ القِيَامَةِ: إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ، والحجة إنما قامت عليهم بالرسل والفطرة التي فطروا عليها، كما قال تَعَالَى: رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً [النساء:١٦٥] .\r\rالسادس: تذكيرهم بذلك، لئلا يقولوا يَوْمَ القِيَامَةِ: إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ومعلوم أنهم غافلون عن الإخراج لهم من صلب آدم كلهم وإشهادهم جميعاً ذلك الوقت، فهذا لا يذكره أحد منهم.\rالسابع: قوله تعالى: أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ، فذكر حكمتين في هذا الأخذ والإشهاد: لئلا يدَّعو الغفلة، أو يدَّعو التقليد، فالغافل لا شعور له، والمقلد متبع في تقليده لغيره. ولا تترتب هاتان الحكمتان إلا عَلَى ما قامت به الحجة من الرسل والفطرة.\rالثامن: قوله: أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ، أي: لو عذبهم بجحودهم وشركهم لقالوا ذلك، وهو سبحانه إنما يهلكم لمخالفة رسله وتكذيبهم، فلو أهلكهم بتقليد آبائهم في شركهم من غير إقامة الحجة عليهم بالرسل لأهلكهم بما فعل المبطلون أو أهلكهم مع غفلتهم عن معرفة بطلان ما كانوا عليه، وقد أخبر سبحانه أنه لم يكن ليهلك القرى بظلم وأهلها غافلون، وإنما يهلكهم بعد الإعذار والإنذار بإرسال الرسل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690242,"book_id":1659,"shamela_page_id":1368,"part":null,"page_num":1368,"sequence_num":1368,"body":"التاسع: أنه سبحانه أشهد كل واحد عَلَى نفسه أنه ربه وخالقه، واحتج عليه بهذا الإشهاد في غير موضع من كتابه، كقوله: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لقمان:٢٥] ، فهذه هي الحجة التي أشهدهم عَلَى أنفسهم بمضمونها، وذكرتهم بها رسله، بقولهم: أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض [إبراهيم:١٠] .\rالعاشر: أنه جعل هذا آية، وهي الدلالة الواضحة البينة المستلزمة لمدلولها، بحيث لا يتخلف عنها المدلول وهذا شأن آيات الرب تعالى، فإنها أدلة معينة عَلَى مطلوب معين مستلزمة للعلم به فَقَالَ تعالى: وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الأعراف:١٧٤] ، وإنما ذلك بالفطرة التي فطر النَّاس عليها لا تبديل لخلق الله، فما من مولود إلا يولد عَلَى الفطرة، لا يولد مولود عَلَى غير هذه الفطرة، هذا أمر مفروغ منه، لا يتبدل ولا يتغير. وقد تقدمت الإشارة إِلَى هذا. والله أعلم] اهـ..\rالشرح:-\r\rسوف نبين عدم رجحان هذه الأوجة العشرة التي استدل بها المُصْنِّف فيما ذهب إليه فقوله: أن الآية تضمنت ما يلي:\rالأول: أنه قال من بني آدم ولم يقل من آدم.\r\rوالثاني: أنه قال من ظهورهم ولم يقل من ظهره.\rوالثالث: أنه قال من ذريتهم ولم يقل من ذريته.\r\rهذه الأوجه الثلاثة مضمونها: أن إشهاد الله لم يكن من ظهر آدم، وإنما الألفاظ -كما تلاحظون- من بني آدم، وكذلك ظهورهم وذرياتهم وهذا لا اعتراض فيه، وذلك لأن ذكرهم بهذا الجمع يدل عَلَى استخراج الأبناء من الآباء إِلَى آخر ما يكون من بني آدم، ولو لم يذكر إلا آدم ﵇ لظن ظان أن الذين استخرجوا هم ذريه آدم فقط -أي: الذين هم من صلبه- فلا دليل بعد ذلك يبقى واضحا عَلَى الأحفاد إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690243,"book_id":1659,"shamela_page_id":1369,"part":null,"page_num":1369,"sequence_num":1369,"body":"والرابع أنه قَالَ: وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ [الأعراف:١٧٢] أي: جعلهم شاهدين عَلَى أنفسهم، ولابد أن يكون الشاهد ذاكراً لما شهد به، وهو إنما يذكر شهادته بعد خروجه إِلَى هذه الدار، ولا يذكر شهادة قبلها؛ نقول: ليس شرطاً أن يكون الشاهد ذاكراً لما شهد به، لأن الاستشهاد كَانَ في عالم آخر، ونحن الآن في عالم مغاير، فليس من الشرط أن يبقى ذاكراً لذلك، وأما يَوْمُ القِيَامَةِ فلا يستبعد أن يتذكروا أي: أننا الآن -بني آدم- في هذه الدنيا نقول: لم نتذكر أن الله تَعَالَى أخذ علينا العهد بهذا الشي بالذات، وهذا صحيح، لكن لا يبعد أننا نذكر ذلك في يَوْمِ القِيَامَةِ، والحساب أو السؤال عن هذا الميثاق إنما يكون يَوْم القِيَامَةِ: (أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ [الأعراف:١٧٢] وأما في هذه الدار فمن رحمة الله أن الحجة لا تقوم إلا عن طريق الرسل\rالخامس: أنه سبحانه أخبر أن حكمة هذا الإشهاد إقامة الحجة عليهم لئلا يقولوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ [الأعراف:١٧٢] والحجة إنما قامت عليهم بالرسل والفطرة التي فطروا عليها، كما قال تعالى: رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء:١٦٥] وهذا أيضا لا اعتراض فيه؛ لأننا نقول: إن إرسال الرسل، وإن الفطرة والميثاق الأول جميعها أدلة متظافرة ولا يتعارض بعضها مع بعض، فما المانع أن يكون مع هذين الدليلين، ومع هاتين الحجتين، دليل ثالث وحجه ثالثه، والله ﵎ قدير عَلَى ذلك.\rوالسادس: تذكيرهم بذلك لئلا يقولوا يَوْمَ القِيَامَةِ: إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ [الأعراف:١٧٢] ومعلوم أنهم غافلون عن الإخراج لهم من صلب آدم كلهم وإشهاد هم جميعا ذلك الوقت، فهذا لا يذكره أحد منهم] وهذا الوجه نجيب عليه بجوابين:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690244,"book_id":1659,"shamela_page_id":1370,"part":null,"page_num":1370,"sequence_num":1370,"body":"الأول: أنهم ليسوا غافلين عن التوحيد، وهو المقصود بالإشهاد والإخراج، فلا يقولوا يَوْمَ القِيَامَةِ إنا كنا غافلين عن التوحيد، بل هو موجود في أنفسهم.\r\rوالجواب الآخر: أنه لا يستبعد أنهم يَوْمَ القِيَامَةِ يتذكرون ذلك ويقرون به، أو ينكره بعضهم مكابرة منهم، مع أنه ينبغي له أن يذكره أو ينساه.\rوالسابع: قوله تعالى: أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ [الأعراف:١٧٣] فذكر حكمتين في هذا الإشهاد: لئلا يدعو الغفلة، أو يدعو التقليد فالغافل لا شعور له، والمقلد متبع في تقليده لغيره، ولا تترتب هاتان الحكمتان إلا عَلَى ما قامت به الحجة من الرسل والفطرة] نقول: الرسل والفطرة والإشهاد كلها مجتمعه تمنع وتقطع الشرك، وتمنع ادعاء الغفلة وادعاء التقليد، والله ﷾ عندما ذكر هذا الإشهاد وإلاقرار، لم ينص عَلَى أنه هو الدليل الوحيد.\rوالثامن: قوله: أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ [الأعراف:١٧٣] يقول: أي: لو عذبهم بجحودهم وشركهم لقالوا يا رب أفتهلكنا بما فعل المبطلون، ونحن لسنا من المبطلين، إنما نَحْنُ مقلدون أشرك آباؤنا وكنا ذرية من بعدهم، فتابعناهم عَلَى الشرك، فكيف تهلكنا بما فعل المبطلون. فَيَقُولُ: هذا لا يتناسب مع أن الله ﷾ لم يكن ليهلك القرى بظلم وأهلها غافلون، وإنما يهلكهم بعد الإعذار والإنذار بإرسال الرسل فنقول: هذا نفس الجواب: أنَّ اللهَ ﷾ لم يجعله دليلاً واحداً، وإنما جعله دليلاً من أدلة، فيَوْم القِيَامَةِ يسألهم ماذا أجبتم المرسلين؟ وسؤالهم عن ذلك يتضمن إنكارهم لرسالة المرسلين ويتضمن إنكارهم للفطرة وللميثاق الأول.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690245,"book_id":1659,"shamela_page_id":1371,"part":null,"page_num":1371,"sequence_num":1371,"body":"قوله التاسع: أنه سبحاه أشهد كل واحد عَلَى نفسه أنه ربه وخالقه واحتج عليه بهذا الإشهاد في غير موضع من كتابه كقوله: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لقمان:٢٥] أي: فكيف يصرفونه عن التوحيد بعد هذا الإقرار منهم أن الله ربهم وخالقهم وهذا كثير في القُرْآن [فهذه هي الحجة التي أشهدهم عَلَى أنفسهم بمضمونها وذكرتهم بها رسله بقوله: أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرضْ] .\rأما العاشر فهو نفس التاسع مؤداهما واحد، وهو: أن الله ﷾ قد أنزل وأودع في قلوب النَّاس الآية الدالة عَلَى وجوده وعلى توحيده وعلى ربوبيته، وهي الفطرة، والفطرة أمر معلوم أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرضْ [إبراهيم:١٠] فالله ﵎ فطر النَّاس عَلَى الإيمان به، وأنه الخالق الرازق، فالإقرار والميثاق هو هذه الفطرة التي يولد عليها كل مولود، والتي لاشك أن النَّاس جميعا لا ينكرونها، وهذا ما يريد أن يقوله المصنف، وأيضاً: لا منافاة كما سبق بين أن تكون هناك فطرة، وأن يكون هنالك استخراج وإشهاد.\r\rقال المصنف رحمه الله تعالى:\r[وقد تفطن لهذاابن عطية وغيره، ولكن هابوا مخالفة ظاهر تلك الأحاديث التي فيها التصريح بأن الله أخرجهم وأشهدهم على أنفسهم ثم أعادهم.\r\rوكذلك حكى القولين الشيخ أبو منصور الماتريدي في شرح التأويلات ورجح القول الثاني، وتكلم عليه ومال إليه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690246,"book_id":1659,"shamela_page_id":1372,"part":null,"page_num":1372,"sequence_num":1372,"body":"ولاشك أن الإقرار بالربوبية أمر فطري، والشرك حادث طارئ، والأبناء تقلدوه عن الآباء، فإذا احتجوا يوم القيامة بأن الآباء أشركوا ونحن جرينا على عادتهم كما يجري الناس على عادة آبائهم في المطاعم والملابس والمساكن، يقال لهم: أنتم كنتم معترفين بالصانع، مقرين بأن الله ربكم لا شريك له، وقد شهدتم بذلك على أنفسكم، فإن شهادة المرء على نفسه هي إقراره بالشيء ليس إلا، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ [النساء:١٣٥] وليس المراد أن يقول: أشهد على نفسي بكذا، بل من أقر بشيء فقد شهد على نفسه به، فلم عدلتم عن هذه المعرفة والإقرار الذي شهدتم به على أنفسكم إلى الشرك؟\rبل عدلتم عن المعلوم المتيقن إلى ما لا يعلم له حقيقة، تقليداً لمن لا حجة معه، بخلاف اتباعهم في العادات الدنيوية، فإن تلك لم يكن عندكم ما يعلم به فسادها، وفيه مصلحة لكم، بخلاف الشرك، فإنه كان عندكم من المعرفة والشهادة على أنفسكم ما يبين فساده وعدولكم فيه عن الصواب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690247,"book_id":1659,"shamela_page_id":1373,"part":null,"page_num":1373,"sequence_num":1373,"body":"فإن الدين الذي يأخذه الصبي عن أبويه هو: دين التربية والعادة، وهو لأجل مصلحة الدنيا، فإن الطفل لا بد له من كافل، وأحق الناس به أبواه، ولهذا جاءت الشريعة بأن الطفل مع أبويه على دينهما في أحكام الدنيا الظاهرة، وهذا الدين لا يعاقبه الله عليه على الصحيح حتى يبلغ ويعقل وتقوم عليه الحجة، وحينئذ فعليه أن يتبع: دين العلم والعقل، وهو الذي يعلم بعقله هو أنه دين صحيح، فإن كان آباؤه مهتدين، كيوسف الصديق مع آبائه، قال: وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوب [يوسف:٣٨] ، وقال ليعقوب بنوه: نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاق [البقرة:١٣٣] ، وإن كان الآباء مخالفين الرسل، كان عليه أن يتبع الرسل، كما قال تعالى: وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا [العنكبوت:٨] الآية.\rفمن اتبع دين آبائه بغير بصيرة وعلم، بل يعدل عن الحق المعلوم إليه، فهذا اتبع هواه، كما قال تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ [البقرة:١٧٠] .\rوهذه حال كثير من الناس من الذين ولدوا على الإسلام، يتبع أحدهم أباه فيما كان عليه من اعتقاد ومذهب، وإن كان خطأ ليس هو فيه على بصيرة، بل هو من مسلمة الدار، لا مسلمة الاختيار، وهذا إذا قيل له في قبره: من ربك؟ قال: هاه هاه لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690248,"book_id":1659,"shamela_page_id":1374,"part":null,"page_num":1374,"sequence_num":1374,"body":"فليتأمل اللبيب هذا المحل، ولينصح نفسه، وليقم لله، ولينظر من أي الفريقين هو والله الموفق، فإن توحيد الربوبية لا يحتاج إلى دليل فإنه مركوز في الفطر وأقرب ما ينظر فيه المرء أمر نفسه لما كان نطفة، وقد خرج من بين الصلب والترائب \"والترائب\": عظام الصدر، ثم صارت تلك النطفة في قرار مكين، في ظلمات ثلاث، وانقطع عنها تدبير الأبوين وسائر الخلائق، ولو كانت موضوعة على لوح أو طبق، واجتمع حكماء العالم على أن يصوروا منها شيئاً لم يقدروا] اهـ.\rالشرح:\r\rكما هو معلوم أن الإقرار بالربوبية أمر فطري، وأن الشرك حادث طارئ، وهذا الكلام ينطبق على بني آدم جميعاً من جهتين:\rالأولى: من جهة أصلهم ونشأتهم.\r\rوالثاني: من جهة كل فرد منهم.\rفأما من جهة النوع والجنس الإنساني ككل فهو: أن الله ﷾ فطرهم على التوحيد وظلوا كذلك فكان آدم ﵇ نبياً رسولاً مكلماً وبقيت ذريته على التوحيد عشرة قرون كما قال تعالى: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ [البقرة:٢١٣] فالناس كانوا أمة واحدة على التوحيد على القول الصحيح في الآية، فكان بنو آدم عشرة قرون على التوحيد حتى وقع الشرك الأول في قوم نوح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690249,"book_id":1659,"shamela_page_id":1375,"part":null,"page_num":1375,"sequence_num":1375,"body":"والله ﷾ خلق كل نفس منفوسة وخلق كل بشر على الفطرة الصحيحة كما قال ﷺ: (كل مولود يولد على الفطرة) وفي رواية أخرى: (يولد على الملة) ، أي: على الإسلام وعلى التوحيد الخالص وعلى الإقرار لله ﷾ بالربوبية والألوهية فكل مولود يولد على ذلك ولو ولد في بيئة يهود أو بيئة نصارى أو مجوس أو في أي مكان؛ فإنه يولد على ذلك، كما ذكر النبي ﷺ، وضرب له مثلاً بالبهيمة التي تنتج بهيمة جمعاء ليس فيها خطوط ولا علامات ولا تغيير، وكما تولد البهائم سليمة من جميع جوانبها هكذا يولد الإنسان في جملته ليس فيه أي انتماء أو تميز أو علامة تصرفه عن الفطرة القويمة السليمة، ولكن الأبوين والبيئة والتربية هي التي تجعله يهوديا أو نصرانيا أو مجوسيا، ولم يقل أو \"يسلمانه\"؛ لأن البقاء على فطرة الإسلام هو الأصل، كما أن البهيمة إذا ولدت تبقى بدون علامات هذا هو الأصل فيها، ولكن لو خطها أحد بعلامات تجعلها تبع لفلان أو لفلان لكان ذلك أمراً حادثاً وطارئاً عليها.\rفيقول إذا احتجوا يوم القيامة بأن آباءنا أشركوا فجرينا على عادتهم كما يجري الناس على عادات آباءهم في المطاعم والملابس والمساكن، فكذلك في ديننا كنا نعبد ما كان يعبد آباؤنا، لو أنهم قالوا ذلك يقال لهم: أنتم كنتم معترفين بالصانع، مقرين بأن الله ربكم لا شريك له، وقد شهدتم بذلك على أنفسكم، يقول: فإن شهادة المرء على نفسه هي: إقراره بالشي وسيأتي توضيح هذا.\rالإقرار شهادة على النفس","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690250,"book_id":1659,"shamela_page_id":1376,"part":null,"page_num":1376,"sequence_num":1376,"body":"إن مجرد الإقرار هي الشهادة، وليس من شرط الاقرار أن يقول: أشهد عَلَى نفسي بكذا، وهذا حق، فلو أنَّ إنساناً أقر بشيء لقلنا: شهد عَلَى نفسه، وهذا كلام صحيح شرعاً ولغةً، فإن الإشهاد لا يشترط فيه أن يقول: أشهد عَلَى نفسي أن لفلان عندي كذا، فإذا أقر وقال: لفلان عندي كذا من المال، قلنا: فلان شهد عَلَى نفسه يعني: أقر عليها، فهو يقصد بذلك أن الإقرار لا يشترط أن يكون تلفظاً، وأن يكونوا استخرجوا استخراجاً حقيقياً، وأن يكونوا تلفظوا بذلك قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا [الأنعام:١٣٠] كما هو ظاهر في الآية التي دلت عليها الأحاديث، ولكن نقول: هذا لا ينافي ذلك، بل يؤيده فكونه إن قَالَ: أشهد عَلَى نفسي قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا [الأعراف:١٧٢] ، هذا كله شهادة عَلَى نفسه، وإن لم يقلها فمجرد الإقرار هو شهادة عَلَى النفس، هذا حق.\rفيقال لهم: لماذا عدلتم عن هذه المعرفة والإقرار الذي شهدتم به عَلَى أنفسكم إِلَى الشرك؟\rبل عدلتم عن المعلوم المتيقن إِلَى مالا يعلم له حقيقة تقليداً لمن لا حجه معه، بخلاف اتباعهم لآبائهم في العادات الدنيوية.\r\rقيام الحجة على اليهود والنصارى والمشركين\rأبناء اليهود والنَّصَارَى والمجوس وجميع الْمُشْرِكِينَ الذين أشركوا لا حجة لهم عند الله تَعَالَى يَوْمَ القِيَامَةِ، إلا أن يقولوا: إنا وجدنا آباءنا عَلَى أمة، ونحن عَلَى آثارهم مقتدون ومهتدون ومتبعون، فيقال لهم: لماذا عدلتم وتركتم الدين الذي غُرس في نفوسكم - بالفطرة والإيمان الصحيح واليقين بأن الله ﷾ واحد - إِلَى الإشراك؟\rوليس الأمر كحال أموركم الدنيوية، لأن الأمور الدنيوية لا يعلم فسادها بمجرد العقل، وإنما قد يتبع فيها الإِنسَان، ويجوز أن يتبع الإِنسَان آباءه أو بيئته في أمور الدنيا، ولا يكون لديه حجة عقلية تبين فساد ما هم عليه، وأما الدين فلا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690251,"book_id":1659,"shamela_page_id":1377,"part":null,"page_num":1377,"sequence_num":1377,"body":"يقول المصنف: [فإن الدين الذي يأخذه الصبي عن أبويه هو دين التربية والعادة وهو لأجل مصلحة الدنيا فإن الطفل لابد له من كافل] وأحق النَّاس بكفالة الطفل أبواه، فتجعل الشريعة الطفل مع أبويه عَلَى دينهما في أحكام الدنيا الظاهرة، فهو منهم، كما أخبر النبي ﷺ عن نساء وذراري الْمُشْرِكِينَ أنهم منهم في الدنيا، أي: حسب الأحكام الظاهرة، أما لو مات فإن له حكماً آخر في الآخرة، وتفصيله هذا سيأتي فيما بعد.\r\rلكن المقصود هنا أن الإِنسَان لما كَانَ لابد له من مربي يربيه فإنه يسير عَلَى ما يربيه عليه أبواه، فإذا كَانَ الأبوان مشركين وربياه عَلَى الشرك، فليس له عذر ولا حجة يَوْمَ القِيَامَةِ؟ لأن الله ﷾ أعطاه العقل والهداية والفطرة التي يعرف بها أن هذين الأبوين عَلَى الشرك بخلاف بقيه الأمور. كما قال المصنف: [ولهذا جاءت الشريعة بأن الطفل مع أبويه عَلَى دينهما في أحكام الدنيا الظاهرة وهذا الدين لا يعاقبه الله عليه عَلَى الصحيح حتى يبلغ ويعقل وتقوم عليه الحجة] وهذا إشارة إِلَى الخلاف الموجود في المسألة.\r\rإن نشأة الطفل عَلَى دين أبويه ليس عَلَى الإطلاق، فيغلب جانب الإسلام في الأحكام الظاهرة، فمثلاً: لو وجدنا طفلاً ضائعاً أو لقيطاً ولم يعرف له أب في مدينة من المدن، ولم يكن في هذه المدينه إلا عدداً محدوداً من الْمُسْلِمِينَ وفيها أكثرية من الكفار.\rفالقول الصحيح: إن الطفل يلحق بالْمُسْلِمِينَ؛ لأنا لو أعطيناه الكفار لربوه عَلَى الكفر، ولكن يلحق بالْمُسْلِمِينَ، لأن الاسلام هو الأغلب والأعم لسببين:\r\rأولاً: أن الاسلام هو الأصل في بني الإِنسَان كافه، وإن انحرف من انحرف إِلَى الشرك، وإن كثروا فهم عَلَى خلاف الأصل وثانياً: أن هذا الطفل ولد عَلَى الفطرة، فالأصل أن يبقى عليها وأن يعطى لمن يكفله من الْمُسْلِمِينَ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690252,"book_id":1659,"shamela_page_id":1378,"part":null,"page_num":1378,"sequence_num":1378,"body":"ولهذا اختلف العلماء رحمهم الله تَعَالَى في رجلين تداعيا في طفل أحدهما كافر والآخر مسلم، وكان الكافر لديه من الحجج والبينات أقوى مما عند المسلم، فَقَالَ بعضهم: يحكم القاضي بالحق؛ لأن الأصل في ديننا هو الحق والعدل ونحكم بالحق فنعطيه للكافر، لأن دلائله أقوى من المسلم. وقال آخرون: إننا لا نعطي الكافر؛ بل نغلب جانب الإسلام وجانب مصلحة الطفل وليس مصلحة الأب، لأن هذا الطفل إذا حكمنا بأنه تابع للمسلم فإنه يكون مسلماً، فينجوا من عذاب الله بإذن الله ﷿، لكن لو حكمنا للأب فإن الأمر يكون بخلاف ذلك، فلا نضمن أنه يسلم، فقد يموت عَلَى الشرك.\r\rفالمقصود: أن الإسلام يغلب حتى في الأحكام الظاهرة؛ بل قال بعض الفقهاء: لو أن سفينة أو طائرة في هذا العصر سقطت فتحطمت أو غرقت وفيها مائة أو مائتان من الركاب، ونحن نعلم أن فيها واحداً من الْمُسْلِمِينَ، فَقَالُوا: يصلى عَلَى كل واحد من هَؤُلاءِ، من أجل هذا المسلم الذي بينهم، فالصلاة عَلَى الكافر لا تقع لكن من أجل هذا المؤمن نصلي.\rتعرض المُصنِّفُ ﵀ هنا بعد أن انتهى من الأقوال في حقيقة الميثاق إِلَى مسألة مهمة وهي مسألة توحيد الربوبية، وهل الربوبية أمر فطري أم غير فطري؟ وما رسمه الله ﵎ في العقول والفطر من معرفته ﷿ والإقرار بربوبيته، وتعرض لمسألة التقليد ومسألة الجهل، في عدم معرفة الله ﷿ بناءً عَلَى أحد هاتين العلتين:\rالعلة الأولى: الجهل وعدم المعرفة بالله.\r\rالعلة الأخرى: التقليد والمتابعة من غير علم ولا بصيرة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690253,"book_id":1659,"shamela_page_id":1379,"part":null,"page_num":1379,"sequence_num":1379,"body":"فالله ﵎ يقطع هاتين العلتين كما قال تَعَالَى أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ [الأعراف:١٧٢] أي: أشهدناكم وأقررناكم عَلَى ذلك لكي لا تقولوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ فهذا يقطع العلة الأولى وهي علة الجهل.\rوالكلام الآن في توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية خاصةً -تفصيلاته- لا يمكن أن تعلم إلا من طريق الرَّسُول، أي: كيف نعبد ربنا ﷿، وما هي أنواع العبادة، ولكن الإقرار بأن الله ﷿ ربنا وخالقنا ورازقنا وأنه الذي يستحق العبادة وحده هذا مركوز في الفطر، ويعلمه كل بنى آدم علماً ضرورياً بالبداهة من غير تفكير ولا نظر.\rفالعلة الأولى التي يعتذر بها المُشْرِكُونَ وأعداء الله تَعَالَى والجاحدون هي: أنهم لا يعرفون ربهم، أو قد يقَالَ: إننا لا نعرف ربنا قتقطعها هذه الجملةأَنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِِيَامَة إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ [الأعراف:١٧٢] فلا عذر لكم بالجهل فقد عُرِّفتم وعلمتم ربكم ﷿.\rوالعلة الأخرى: أن يقَالَ: إننا عرفنا ربنا ولم ننكر ولم نجحد، ولكننا وجدنا آبائنا عَلَى أمة، وإنا عَلَى آثارهم مقتدون، واتبعنا ما ألفينا عليه آباءنا، وأطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيل، إِلَى آخر ما يقوله أُولَئِكَ يَوْمَ القِيَامَةِ، هذا يقطعه ما أَنْ تَقُولُوا أي: لكي لا تقولوا أيضاً: إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ [الأعراف:١٧٣] أي: نَحْنُ لم نؤمن بالشرك، وإنما أشرك آباؤنا فتبعناهم وكنا ذرية من بعدهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690254,"book_id":1659,"shamela_page_id":1380,"part":null,"page_num":1380,"sequence_num":1380,"body":"ولهذا قالوا أفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ [الأعراف:١٧٣] أُولَئِكَ المبطلون الذين أحدثوا وغيروا ونحن اتبعناهم، ولو تأملنا حال كفار قريش الذين بعث فيهم رَسُول الله ﷺ لوجدناهم من هذا النوع، فالذي غير دين العرب وملة العرب هو: عمرو بن لحي الخزاعي وحرفهم عن الحنفية ملة إبراهيم وملة أبيهم إسماعيل، عقيدة الفطرة والملة القويمة.\rفانصرفوا عنها إِلَى عبادة الأصنام، كما ثبت عن رَسُول الله ﷺ، ومع ذلك فإن قريشاً اتبعت عمرو بن لحي فهل ينفعهم أن يقولوا: إننا كنا متبعين لآبائنا، لا ينفعهم ذلك لأن هذا عين ما قالوه للرَسُولِ ﷺ، ومع ذلك فإن الله ﷾ لم يقبل منهم هذا؛ بل جعل ذلك من موجبات غضبه عليهم؛ لأنه أقام عليهم الحجة، ثُمَّ احتجوا عليه بما فعل المبطلون.\rالمقصود من هذا: أن نعلم أنه ليس لأحدٍِ أن يعتذر عن عدم معرفته بالله ﷿ وعدم الإقرار بها، بأنه كَانَ جاهلاً بذلك. فإن الدليل الفطري مركوز في نفسه، أو يقول: إني تابعت الآباء والأجداد، أو أخضعتني التربية لذلك؛ لأن الله ﷾ قد قطع هذا العذر، ولو أن الإِنسَان فكر لعلم أن ما عليه الآباء والأجداد باطل.\rونتعرض الآن لمسألة ينبغي أن تعلم، وإن كانت ليست من مسائل أصول العقيدة، ولكنها من فروعها وأحكامها، ولكن المعرفة والعلم بها خير، ولا سيما وقد خالف فيها من خالف من الفرق، وهي مسألة الأطفال الذين يموتون صغاراً بِمَ يلتحقون؟ وهل يكونون مع المؤمنين في الجنة، أم مع الْمُشْرِكِينَ في النار؟.\rأطفال المشركين في الدنيا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690255,"book_id":1659,"shamela_page_id":1381,"part":null,"page_num":1381,"sequence_num":1381,"body":"نقول: أولاً: نفرق بين أطفال الْمُسْلِمِينَ وأطفال الْمُشْرِكِينَ، فأطفال الْمُسْلِمِينَ الذين يموتون وهم صغار فقول أكثر العلماء: إنهم في الجنة، بل لو قيل: إنه إجماع؛ لما كَانَ خطأً؛ لأن من خالف لم يأت بقول ثابت إِلَى مخالف من السلف وإنما قد ينقل أن السلف قد اختلفوا في الأطفال، وهم إنما اختلفوا في الحقيقة في أطفال الْمُشْرِكِينَ؛ لأنه يولد عَلَى الفطرة في دار الإسلام ومن أبوين مسلمين فسوف يموت عليه، ومن مات وهو دون سن التكليف لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:٢٨٦] لا يحاسبه الله ﷿ وهو دون سن التكليف.\rولهذا إذا رأى الطفل علامة البلوغ من شعر أو احتلام أو بلغ سنه الخامسة عشر أصبح من البالغين، فهل تقول له: أسلم وقل: لا إله إلا الله، ثُمَّ ابدأ بالصلاة؟ لا؛ لأن هذا ليس له أصل من كتاب الله ولا من سنة رسوله ﷺ، وإنما أحدثه بعض أهل الكلام لأنه مولود عَلَى الفطرة القويمة، وإنما انتقل من مرحلة ما دون التكليف إِلَى مرحلة التكليف والالتزام بالأحكام الشرعية،.\rفنأخذ من ذلك أن أطفال الْمُسْلِمِينَ مسلمون، والأبناء تبع لآبائهم، فأبناء الكفار في أحكام الدنيا تبعاً لآبائهم، فلو ذهبنا نقاتل كفاراً فهل نقتل أبناءهم، الأصل: أننا لا نقتل طفلاً أو امرأة ولا شيخاً هرماً، ولكن لو خرج الكفار بأطفالهم وذرياتهم صفاً فسيموتون جميعاً الأطفال والنساء والكبار، فأطفالهم منهم -كما جَاءَ في الحديث- في أحكام الدنيا، ولهذا من ثبت أنه ابن لكافرين، فإنه يظل ابناً لهما في أحكام الدنيا، سواء كانا ذميين أو حربيين، ولا ينقل عن ذلك إلا بالأحكام الشرعية المعروفة، بحيث لا يكون له عليهما ولاية.\r\rالمقصود: أنهم في الدنيا تبع لآبائهم، وفي الآخرة يختلف الحكم لأمر آخر؛ لأن هنالك الحساب وهنالك حكمة الله، فعدله سبحانه يمنع جريان ذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690256,"book_id":1659,"shamela_page_id":1382,"part":null,"page_num":1382,"sequence_num":1382,"body":"إذاً: فالأصل العام أن الأطفال تبعاً لآبائهم، وقد ثبت في الصحيحين (أن النبي ﷺ لما رأى من عجائب ما رأى في عالم الغيب ومن جملة ما رأى، أنه رأى شيخاً كبيراً وحوله ولدان، فلما سأل الملَكين اللَّذَيْن يقولان له: انطلق: من هذا الشيخ؟ ومن هَؤُلاءِ الذين معه؟ فَقَالُوا: هذا إبراهيم، وهَؤُلاءِ الذين معه ولدان لمسلمين) وأيضاً جَاءَ في رواية ذراري أو ولدان الْمُشْرِكِينَ) .\rولكن كلامنا الآن عن ولدان الْمُسْلِمِينَ، فنقول: إن هذا الحديث الصحيح المتفق عَلَى صحته دليل عَلَى أن أطفال الْمُسْلِمِينَ في الجنة، وقد اعترض عَلَى هذا القول بحديث عَائِِِشَةَ -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْها- لما أوتي بجنازة صبي فقالت: طوبى له عصفور من عصافير الجنة فَقَالَ ﷺ -ولم يقر عَائِِِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْها - أو غير ذلك ياعَائِِِشَةَ: (الله أعلم بما كانوا عاملين إن الله قد خلق الجنة وخلق لها أهلاً ولها يعملون وخلق النَّار وخلق لها أهلاً ولها يعملون) .\rفيجاب عن هذا بأن النبي ﷺ لم يعترض عَلَى عَائِِِشَةَ في أنها قالت: إن أطفال الْمُسْلِمِينَ في الجنة، ولكنه اعترض عَلَى الإطلاق العام والتعيين عندما قالت: طوبى له عصفور من عصافير الجنة، فهذا الإطلاق يفهم منه: أن كل معين يموت من أطفال الْمُسْلِمِينَ يقال: في الجنة بصيغة الجزم -وكما سبق- أن الصحيح أن أطفال الْمُسْلِمِينَ في الجنة، أي: في الجملة، كالشهداء في الجنة في الجملة، لكن لا نستطيع التعيين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690257,"book_id":1659,"shamela_page_id":1383,"part":null,"page_num":1383,"sequence_num":1383,"body":"ففي هذا الحديث أن عَائِِِشَةَ ﵂ لما أن جزمت بذلك وأطلقت ولم تستثنِ فالنبي ﷺ رد الأمر إِلَى القدر العام، وهو أن الله تَعَالَى خلق الجنة وخلق لها أهلاً ولها يعملون وخلق النَّار وخلق لها أهلاً ولها يعملون، فلم ينف الجنة عن ذلك، ولكنه نهى عن الإطلاق العام، وأما أطفال الْمُشْرِكِينَ فقد وقع فيهم خلاف.\r\rأطفال المشركين في الآخرة\rومجمل القول في ذلك: أن المسألة عَلَى ثلاثة أقوال:\rالقول الأول: أن أطفال الْمُشْرِكِينَ في الجنة، واحتج لهذا بما احتجوا به في أطفال الْمُسْلِمِينَ.\rأولاً: أنهم عَلَى الفطرة، (كل مولود يولد عَلَى الفطرة) .\r\rثانياً: أنهم لم يفعلوا ما يؤاخذون به، ولم يفعلوا ما يعذبون به، فهم إذاً عَلَى الفطرة القويمة السليمة، فاللائق بعدل الله ﷾ أنهم من أصحاب الجنة.\rثالثاً: احتجوا بالرواية التي وردت في حديث إبراهيم ﵇ أنه رأى ذراري الْمُشْرِكِينَ مع ذراري المؤمنين،، ثُمَّ اختلف هَؤُلاءِ: فَقَالَ بعضهم: إن أطفال الْمُشْرِكِينَ مثل أطفال الْمُسْلِمِينَ في الجنة. وبعضهم قَالَ: إنهم في الجنة لكن ليسوا بمنزلة أطفال المؤمنين بل هم خدم في الجنة، واحتج أصحاب القول الأول القائلين بأن أطفال الْمُشْرِكِينَ في الجنة بما رواه الإمام أَحْمَد -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- عن النبي ﷺ أنه قَالَ: (النبي في الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة، والوئيد -أي: الموؤد- في الجنة) ، قالوا: جعل المولود مع الشهيد، ومع النبي، ومع المؤود، فهذا المولود عام ذكراً كَانَ أو أنثى من أب كافر أو مسلم فهو في الجنة.\rوالقول الثاني: ذهب إليه الخوارج وبعض أهل العلم، وقد استدل من ذهب من العلماء إِلَى هذا القول بأحاديث رويت عن النبي ﷺ، لكن لا يثبت ولا يصح منها شيء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690258,"book_id":1659,"shamela_page_id":1384,"part":null,"page_num":1384,"sequence_num":1384,"body":"فأما الخوارج فإن كلمة الْمُشْرِكِينَ عندهم ليست الكلمة التي نستخدمها، فهم يقولون: كل من ليس من الخوارج فأطفالهم في النَّار؛ لأن الْمُسْلِمِينَ عندهم مُشْرِكُونَ، بل ذهب الحال ببعض الخوارج إلى أن قالوا: كل إنسان يبلغ سن البلوغ لا بد أن يمتحن فإن أقر بالإسلام والإيمان -كما يصفونه هم- وإلا فإنه كافر، والخوارج درجات أكثرهم غلواً الأزارقة أتباع نافع ابن الأزرق، ثُمَّ يليهم النجدات أتباع نجدة بن عامر الحنفي، ثُمَّ أخفهم الإباضية، ثُمَّ الميمونية وأشباههم وهم فرق كثيرة لا يعلمها إلا الله، كلهم ضلوا عن الحق،.\r\rواختلفنجدة ونافع بن الأزرق في هذه المسألة، قال نجدة: نعتبر الأطفال ومن كَانَ في دار المشركين -دار الإسلام- منافقين ولا يجرم بكفرهم، ومن حجة الأزارقة ومن اتبعهم في هذه المسألة قول الله ﵎ في سورة نوح إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً [نوح:٢٧] فَقَالُوا: إن الآية صريحة في أن أولاد الكفار يولدوا عَلَى الكفر.\rوالجواب عن هذا الاستدلال من عدة أوجه:\rأولاً: أن أطفال الكفار في الدنيا هم من الكفار كما سبق أن قررناه، ومنها أن نوحاً ﵇ قد يأس من دعوة قومه حتى أن ربه ﷿ أوحى إليه أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن، فلذلك دعا عليهم عندما تيقن أو غلب ذلك عَلَى ظنه.\rثانياً: أنه قال: ولا يلدوا إلا فاجراً كفارا، أي: أن أولادهم سيتربون عَلَى الكفر فيصبحون كفاراً إذا كبروا.\rوليس المراد أنه في حين ولادته يولد وهو فاجر كافر، إنما يولد عَلَى الفطرة كما ثبت ذلك في الأحاديث، ولكن هَؤُلاءِ القوم سيضلونهم، كما هو الحال فيمن ولد في بيئة شيوعية فإنه سيكون شيوعياً، فالتعبير عن الحال التي سيؤول إليه هذا الطفل إذا كبر في ظل هذه التربية وفي ظل هذا المجتمع.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690259,"book_id":1659,"shamela_page_id":1385,"part":null,"page_num":1385,"sequence_num":1385,"body":"القول الثالث وهو منسوب للإمام أَحْمَد -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وبعض السلف وهو: التوقف في الحكم عَلَى أطفال الْمُشْرِكِينَ، فلا نقول: إنهم من أهل الجنة، ولا من أهل النَّار، وذلك لما يلي:\rأولاً: لتعارض الأدلة في ذلك وعدم وضوح وبيان شيء منها في نظرهم.\rثانياً: ما ورد وصح عن النبي ﷺ في الحديث الصحيح السابق أنه قال: (الله أعلم بما كانوا عاملين) هذه هي المذاهب في ذلك.\r\rالقول الرابع: وهو الذي نرجحه ونختاره ونرجو أن يكون هو الصواب بإذن الله ﷿ هو: ما ذهب إليه ورجحه شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ وابن القيم وابن كثير وجمع من العلماء، وهو: أن أطفال الْمُشْرِكِينَ يمتحنون يَوْمَ القِيَامَةِ، فإن آمنوا دخلوا الجنة وإن كَفَرُوا دخلوا النار.\rوقد يتردد الإِنسَان في هذا الترجيح ومن أسباب هذا التردد أن حديث الامتحان لم يثبت بطريق يعتمد عليه بسند واحد صحيح، إنما هو في الحقيقة مجموع طرق يمكن أن يقَالَ: إنها حسنة، ويشد بعضها بعضاً، وحديث الامتحان رواه الإمام أَحْمَد وأبو يعلى وغيرهما بطرق مختلفة وبألفاظ مختلفة ولكنها متقاربة، أنه يأتي يَوْمَ القِيَامَةِ أربعة يحاجون الله ﷿ وهم رجل -في بعض الروايات- أصم، ورجل أبكم، ورجل أحمق، ورجل صاحب فترة، وفي بعض الروايات أنه مولود صغير والأحمق مكانه المجنون أو المعتوه والثالث أنه صاحب فترة والرابع أنه رجل هرم.\rيأتي هَؤُلاءِ فيقول الطفل الصغير: يا رب إنني صغير ولم أسمع ما جَاءَ به النبي ﷺ.\rويقول الكبير: يا رب قد بعث النبي ﷺ وأنا لا أعقل ولم أفهم شيئاً.\rويقول المجنون أو المعتوه: يا رب بعث النبي ﷺ والأطفال يخذفونني بالحجارة لا أعقل شيئاً.\rوالأصم والأبكم كذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690260,"book_id":1659,"shamela_page_id":1386,"part":null,"page_num":1386,"sequence_num":1386,"body":"فلو تأملنا مجموع الطرق لوجدنا أن الأربعة مرجعهم إِلَى فقدان العقل والإحساس، وهذا يشمل المعتوه والأصم والأبكم، وأنهم ليس لديهم الحاسة التي يستطيعون بها أن يعلموا.\rوصاحب الفترة يقول: يا رب ما سمعت ببني قط، وما وصلت إليَّ رسالة رَسُول قط، فهَؤُلاءِ الأربعة يمتحنهم الله في عرصات القيامة، بأن يوقد النَّار أو يخرج لهم لسان من النار، ويقول لهم: ادخلوها، فإن دخلوها كانت برداً وسلاماً عليهم، وإن عصوا وأبوا ألقوا فيها.\rوالاستدال عَلَى هذه القضية يأتي من وجهين:\rالوجه الأول: هو هذا الذي ذكرناه من الطرق والأحاديث والروايات.\rوالوجه الثاني: أن الامتحان والابتلاء ليس خاصاً بهذه الحياة الدنيا، فإن الإِنسَان يمتحن في البرزخ، ويدل له حديث القبر. وفيه:\rفيقال له: من ربك؟\rوما دينك؟\rومن نبيك؟\rوفي يَوْمِ القِيَامَةِ امتحانات، ومن ذلك أن الله ﷾ يتجلى لعباده المؤمنين في صورة غير الصورة التي يعرفون ليمتحنهم بذلك في الموقف المهيب كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح، لذلك فمن جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ وقال: يا رب لم تبلغنِ الدعوة لم يأتنِ الرَّسُول.\rوقد قال الله ﷾: رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء:١٦٥] وقال ﷺ في الحديث الصحيح (لا أحد أحب إليه العذر من الله) فقد أعذر إِلَى النَّاس وأقام عليهم البينات، ولهذا أرسل الرسل، وأنزل الكتب، فإذا جَاءَ هَؤُلاءِ واشتكوا إِلَى ربهم وَقَالُوا: ما أتانا من رَسُول، وما جاءنا من نذير، فمن حكمة الله وعدله ورحمته التي وسعت كل شيء أنه يمتحنهم، فمن أطاعه دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار، فإن الذي يدخل الجنة، أو الذي يدخل النَّار، سواء كَانَ امتحن في الدنيا أو امتحن في الآخرة، فإنه لن يدخل أحد الدارين إلا بما عمل بإرادته واختياره.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690261,"book_id":1659,"shamela_page_id":1387,"part":null,"page_num":1387,"sequence_num":1387,"body":"الجواب على الاستدلالات السابقة\rوحديث (الله أعلم بما كانوا عاملين) لا يتنافى مع القول بالامتحان، ويمكن أن نجعله دليلاً عَلَى الامتحان لأن الله يعلم ما كانوا عاملين، أي: إن نجحوا وآمنوا ساعة الامتحان يَوْمَ القِيَامَةِ فالله تَعَالَى سيدخلهم الجنة.\rوإن كَفَرُوا وعصوا الله تَعَالَى سيدخلهم النار، أما حديث الخليل ﵇ عَلَى رواية (أن ذراري الْمُشْرِكِينَ كانوا معه) يحتمل أنهم امتحنوا فنجحوا، أو أن هَؤُلاءِ سيكونون عَلَى الصورة التي كانوا عليها، أي: أن هَؤُلاءِ الذراري الذين امتحنوا فنجحوا سموا أطفال الْمُشْرِكِينَ، نسبةً إلى ما كانوا عليه في الدنيا، فلهذا قال: (ذراري الْمُشْرِكِينَ وأطفال الْمُشْرِكِينَ) فأطفال الْمُسْلِمِينَ دخلوا الجنة لأنهم أطفال الْمُسْلِمِينَ، وأطفال الْمُشْرِكِينَ كانوا مع الخليل في الجنة؛ لأنهم الذين نجحوا في الامتحان، أي أنهم أطاعوا الله ﷾.\rإذاً: لا يمنع أن يوجد منهم من هو في النار.\rهذا ما نلخص إليه في هذه المسألة وقد أطال فيها شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وذكرها الحافظ ابن كثير رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عند تفسيره لقول الله ﵎: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً [الإسراء:١٥] .\rأما أطفال أهل البدع والمعاصى، فإذا كَانَ المراد بهم أهل البدع والمعاصي من الْمُسْلِمِينَ الذين لم يلتحقوا بالْمُشْرِكِينَ، فهَؤُلاءِ من أطفال الْمُسْلِمِينَ وحكمهم حكم أطفال الْمُسْلِمِينَ، أما البدعة التي تُخرج من الملة وأصحابها مُشْرِكُونَ، لهم الحكم السابق الذي ذكر الخلاف فيه، ولا نتبعهم بآبائهم؛ لأنهم مُشْرِكُونَ فنقول: إنهم مُشْرِكُونَ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690262,"book_id":1659,"shamela_page_id":1388,"part":null,"page_num":1388,"sequence_num":1388,"body":"وهناك مسألة وهي لماذا أولاد الروافض يبقون روافض؟ هل دين الرفض من الفطرة وهل دين الخوارج من الفطرة، وهكذا فالصوفي يريد أن يكون ابنه صوفياً، والخارجي يريد أن يكون ابنه خارجياً، فالرافضي يريد أن يكون ابنه رافضياً.\rفإذاً لا ندعه عَلَى ذلك بل يوضح له الحق، فإذا وضح لديه الحق فقد قامت عليه الحجة، ولا نعنى بوضوح الحق أن يسمع جميع الحجج والبراهين، بل يكفي أن يفكر الإِنسَان في دينه وأن يعلم ويسمع بالمخالف، ولهذا نقول للنصارى واليهود الذين يقولون: نَحْنُ لا نسمع عن الإسلام شيئاً: يقال لهم: يكفيك أنك سمعت أن نبياً بعث هو محمد ﷺ، وأن أمته هي الأمة التي تعبد الله، قال تعالى: لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ َمَنْ بَلَغَ [الأنعام:١٩] ، وفي الحديث الصحيح (لا يَسْمَعُ بي يَهُّودِيٌّ ولا نَصرَانيٌّ ثُمَّ لا يُؤمِنُ بي إلا دَخَلَ النَّار) .\rفعنده الميثاق الأول والفطرة والسماع، فالذي ينبغي في هذه الحالة هو الإيمان، وحينئذٍ ليس هنالك من عذر لا للمشركين، ولا ممن كَانَ بين أهل الإسلام وولد في ديار الإسلام ولكنه اتبع ما عليه الآباء من العادات القبلية، أو التقاليد البيئية، التي فيها شركيات أو بدع أو ضلالات أو أخلاقيات مخالفة لأحكام الله ﷾.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690263,"book_id":1659,"shamela_page_id":1389,"part":null,"page_num":1389,"sequence_num":1389,"body":"ولهذا سماهم مسلمة الدار لا مسلمة الاختيار، مسلمة الدار، أي: مسلموا الدار، ولو ولدوا في أي دار لكانوا كما عليه أهل تلك الدار، وهذه نعمة من الله وفضل أن كثيراً من النَّاس يولد في دار الإسلام؛ لأن أكثر النَّاس لا يعقلون، ولا يفكرون، وإنما يدينون بما يرون النَّاس عليه، فمن لطف الله أن يولد ملايين من النَّاس في ديار الإسلام، فيكونون مسلمين بهذه التبعية، بغض النظر عما ينتشر من الخرافات والضلالات بين الْمُسْلِمِينَ، لكن هذا لا يعني أننا نرضى ونقر ونقول: إن إسلام الدار يكفي بل لا بد من الإسلام الطوعي -إسلام الاختيار- وهو أن يفقه الإِنسَان ما جَاءَ به مُحَمَّد ﷺ، فيتفقه في الدين ويتعلمه ويعرف ربه ﷿ حق المعرفة، ويعرف دينه، ويعرف كيف يعبد ربه، ولو إِلَى الحد الأدنى الذي لا يعفى ولا يعذر فيه أي إنسان، وعلى الإِنسَان أن ينظر من أي الفريقين هو.\r\rكيف نقول: إن توحيد الربوبية لا يحتاج إِلَى دليل لأنه قائم ومركوز في النفس، ثم نقول: تفكروا وتبصروا؟ نقول: وجود الدليل شيء واستظهاره شيء آخر.\rمثال ذلك: لا يوجد أحد إلا وهو متيقن بالموت، فالدليل قائم، ولكن من يستظهر هذا الدليل، وإلى أين سيذهب بعد الموت، وأكثر الناس في هذه المسألة كالأنعام بل هم أضل، وهذا حال عجيب كما قال الحسن ﵀: \" ما رأيت يقيناً لا شك فيه أشبه بشك لا يقين فيه من الموت \"، وكان أبو الدرداء يقول: \" حال النَّاس أنهم: يبنون ما لا يسكنون، ويجمعون ما لا يأكلون، ويؤملون مالا يدركون \" فما بالكم بالاستدلال عَلَى معرفة ربهم ﷿، فلو قلت لأي إنسان: اعرف ربك سيقول لك: تعلمني ربي أنا أعرف ربي، فأكثر النَّاس يعرف أن هناك رباً فقط، لكن هذا الرب ما شأنه؟ وما شأنك معه؟ وما معاملتك له؟ وما مدى إيمانك بربك ﷿؟ هل هو إيمان حقيقي وليس مجرد تقليد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690264,"book_id":1659,"shamela_page_id":1390,"part":null,"page_num":1390,"sequence_num":1390,"body":"ولو كان كذلك إذاً: انظر إِلَى ما شئت -كما ذكر المُصنِّفُ ﵀ انظر إِلَى أقرب ما ينظر إليه المرء في نفسه فَلْيَنْظُرِ الإِنسَانسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ [الطارق:٥-٦] وعلماء الإسلام -رحمهم الله تَعَالَى- مثّل بعضهم بالنطفة، وبعضهم مثل البيضة وَقَالُوا: انظر إِلَى هذه البيضة، كيف تكون ماء في داخل هذا العظم، وغشاء وبياضاً وصفاراً، وكيف يخرج منها طائر له هذا المنقار، وأظافر، ويخرج وعليه ذلك الريش أنعم من القطن ... إلخ.\r\rوالمصنف يقول هنا: لو كانت النطفة موضوعة عَلَى لوح أو طبق، واجتمع حكماء العالم عَلَى أن يصوروا منها شيئاً لم يقدروا، فكان العلماء في السابق يظنون أن الإِنسَان يخلق من هذه النطفة جميعاً، فَيَقُولُ: من يستطيع أن يصور من هذه النطفة الإِنسَان.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690265,"book_id":1659,"shamela_page_id":1391,"part":null,"page_num":1391,"sequence_num":1391,"body":"هذا الذي حير العقول بالماضي، ونحن الآن يجب أن نحتار أضعاف تلك الحيرة، لماذا؟ لأننا الآن عرفنا شيئاً كَانَ الأولون لا يعرفونه، عرفنا أن هذه النطفة ملايين من الحيوانات كما يقول علماء الأحياء، وكل واحد من هذه الملايين لو أراد الله ﷿ ودخل حيث أعد الله هذه البيضة في الرحم فإنه سيكون بشراً سويا، وبعد ذلك قالوا: وهذا الصغير الذي لا يرى إلا بالمكبرات والذي يكون منه هذا الإِنسَان المتكبر عَلَى الله الذي إذا قيل له: اتق الله أخذته العزة بالإثم، والذي يسمع نداء الله حي عَلَى الصلاة حي عَلَى الفلاح ويعرض ولا يبالي، هذا الذي هذا أصله، ولا نقف عند هذا الحد بل أن الجينات حاملات الوراثة التي لم تكتشف إلا في هذا القرن فيها مختزل شكل الإِنسَان، وحياته، وتفكيره، ورغباته، وميوله بحيث لو أن الأب عندما يبلغ الثلاثين من عمره أو الأربعين وجدت له حبة صغيرة سوداء في أي مكان من جسده، فكذلك تكون هذه الحبة في ولده إذا بلغ الثلاثين، وهذه الحبة مختزلة في تلك النطفة، ولو فتشت جسده الآن لا تجد شيئاً، لكن بعد سنوات سيكون هذا، وهو مختزل في هذه النطفة التي لا ترى بالمجاهر الكبيرة، فهذا شيء عجيب لو تأمله الإِنسَان، ولهذا قال الله ﵎: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [فصلت:٥٣] وليرجع إِلَى كتاب صغير ومؤلفه كافر لكن فيه العجائب مما يدل عَلَى أن توحيد الربوبية أمر مركوز في الفطرة كما قَالَ المُصنِّفُ ﵀ وهو كتاب العلم يدعو إِلَى الإيمان، لرجل يدعىكريس مرسون وهو رئيس الأكاديمية العالمية في نيويورك وعنوان الكتاب الأصلى الإِنسَان لا يقوم وحده أي لا بد للإنسان من خالق فالإِنسَان لا يقوم وحده، رد فيه عَلَى أحد الملاحدة الذي كتب كتاباً يقول فيه الإِنسَان يقوم وحده، وانظر إِلَى أي كتاب في الفلك أو","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690266,"book_id":1659,"shamela_page_id":1392,"part":null,"page_num":1392,"sequence_num":1392,"body":"الأحياء؛ فإنه سيدلك عَلَى توحيد الربوبية، والاستدلال عَلَى توحيد الربوبية وما يلزمه من الأولوهية، إنما يسره الله ﷾ لكل ذي لب وذي عقل.\rاهتمام كتب العقيدة بالقدر\rلقد اهتمت كتب العقيدة التي تسمى كتب السنة بمسألة القدر، فنجد أن من أطولها استدلالاً أبواب القدر، كما في السنة لابن أبى عاصم والشريعة للآجرى والإبانة لابن بطة وأمثالها من الكتب التي ألفت في شرح أصول اعتقاد أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ.\r\rأول شرك وقع في هذه الأمة في القدر\rباب القدر باب عظيم من أبواب الإيمان؛ وأول شرك وقع في هذه الأمة وقع فيه، والإيمان بالقدر لا تحفى أهميته فهو أحد أركان الإيمان الستة التي جاءت في الحديث العظيم المشهور حديث جبريل ﵇ لما جَاءَ إِلَى النبي ﷺ في آخر عمره بعد أن اكتملت الشريعة، وأبان الله ﵎ الدين وأظهره، كما روى ذلك عُمَر رضى الله تَعَالَى عنه (بينما نَحْنُ جلوس عند رَسُول الله ﷺ إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد) .\rفأفضل خلق الله تَعَالَى من الملائكة جَاءَ ليبين لهذه الأمة دينها، كما قال النبي ﷺ عند انصرافه: (يا عُمَر أتدري من السائل قَالَ: قلت: الله ورسوله أعلم، قال هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم) فسأله عن أركان الإسلام عَلَى أرجح الروايات، ثُمَّ سأله بعد ذلك عن أركان الإيمان فقَالَ: (أخبرني عن الإيمان فَقَالَ ﷺ أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690267,"book_id":1659,"shamela_page_id":1393,"part":null,"page_num":1393,"sequence_num":1393,"body":"فجعل الإيمان بالقدر ركنا من أركان الإيمان، وبهذا لا يمكن أن يؤمن أحد عَلَى الحقيقة إلا إذا آمن بالقدر، والإيمان بالقدر نعمة من نعم الله فوق أنه ركن من أركان الإيمان وعبادة لله ﵎، ومع ذلك يغفل عنه أكثر النَّاس ولا يأبهون به، بل أكثر خلق الله اليوم وفي كل زمان معترضون عَلَى أقدار الله ﵎، فكما أنهم يعترضون عَلَى أوامر الله الشرعية الدينية ويعصون الله ﷾ بمخالفة أمره ونهيه، كذلك يعترضون عَلَى أقداره وعلى ما يبتلون به من المصائب والنكبات التي لا يرضون بها مما يقع في هذا الكون.\r\rغلط الأمم الماضية في القدر\rالإيمان بالقدر معلومٌ لدى الفطر، فأكثر النَّاس في العالم من قديم الزمان وحديثه لا ينكرونه، ولا ينكر القدر إلا الشواذ، وإنما وقع غلط الأمم الماضية في فهمه عندما أثبتوه عَلَى غير الوجه الشرعي، كما ذكر الله ﵎ احتجاج الْمُشْرِكِينَ عَلَى النبي ﷺ في القدر سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا [الأنعام:١٤٨] وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا [النحل:٣٥] وكذلك لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ [الزخرف:٢٠] وغير ذلك مما اعترض به المُشْرِكُونَ واحتجوا به عَلَى النبي ﷺ فهم يثبتون المشيئة لله، وأجابهم الله تَعَالَى في الموضعين في سورتي الأنعام والنحل فَقَالَ في النحل: كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [الأنعام:١٤٨] وقَالَ: كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [النحل:٣٣] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690268,"book_id":1659,"shamela_page_id":1394,"part":null,"page_num":1394,"sequence_num":1394,"body":"فالأمم السابقة كانت تعرف القدر وتؤمن به وتثبته، ولكن لا تؤمن به عَلَى الحقيقة، وإنما تؤمن به في معرض الاحتجاج به لمضادة شرع الله، فتحتج بمشيئة الله عَلَى رضاه ومحبته وإرادته الدينية.\r\rإقرار أهل الجاهلية بعلم الله\rالمرتبة الأولى من مراتب القدر: العلم. لم يكن العرب في الجاهلية ولا أي إنسان يشك أن الله ﷾ يعلم كل شيء أبداً؛ بل ورد ذلك في أشعارهم، فهذا عنترة الفارس الجاهلي الشاعر المشهور يقول في أول قصيدة له:\rيا عبل أين من المنية مهرب إن كَانَ ربي في السماء قضاها\rفهو مقر بالقدر رغم جاهليته، لكن هذا الإقرار عَلَى تخبط.\r\rوكذلك زهير يقول وهو في الجاهلية في إثبات المرتبة الأولى من مراتب القدر أي: العلم:\r\rفلا تكتُمن الله ما في نفوسكم ليخفي ومهما يكتم الله يعلم\rيؤخر فيوضع في كتاب فيدخر ليوم حسابٍ أو يعجل فينقم\rكان يثبت أن الله لا يخفى عليه شيء إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ [الأنبياء:١١٠] فمضمون الآية ذكره زهير في شعره، وهو أن الله ﷾ عليم بكل شيء، وكان هذا معلوما لدى العرب الْمُشْرِكِينَ قاطبة، لكن زهيراً هو القائل:\rرأيت المنايا خبط عشواء من تصب تمته ومن تخطئ يعمر فيهرمِ\rفهذه نظرة زهير وهو حكيم العرب الذي يمتاز شعره بالحكم، ففي هذا البيت يذكر أن الموت والأقدار التي تنزل بالنَّاس فيموتون خبط عشواء، والعشواء هي الناقة ضعيفة البصر، تتخبط في المشي يميناً وشمالاً؛ لأنها لا ترى، لكن الأمر ليس كذلك فالله تَعَالَى يقول: وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَاب [فاطر:١١] ليس في هذا الكون خبط عشواء أبداً، بل هذا العلم أثبته زهير وكان العرب يثبتونه في الجاهلية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690269,"book_id":1659,"shamela_page_id":1395,"part":null,"page_num":1395,"sequence_num":1395,"body":"يقتضي أنه لا يوجد أدنى شيء في الوجود إلا وهو بحكمة والله هو الذي دبره وقدره كما قال تعالى: وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [الأنعام:٥٩] .\rفالشيء الرطب أدنى نقطة من الرطوبة من الماء يقول علماء الأحياء: \"لو وضعتها تحت المجهر لوجدت فيها الملايين من الأحياء، تعيش وتموت وفق أعمار قدرها الله ﵎\" فقدر أن هذا المكروب قد يعيش دقيقة أو نصف دقيقة، فبعضها لا يعيش إلا ثلاثين ثانية، وربما أقل من ذلك، لكن هذا العمر مكتوب ومحسوب ومقدر عند الله ﷾، ما تنزل قطرة من السماء إلا والله ﷾ يعلمها.\rفهو يعلم منذ أن أخرجها من البحر، وساقها بهذا السحاب، ثم أين تنزل، يصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء، كل هذا بقدره، ثُمَّ هذه النقطة تقع حيث شاء الله تَعَالَى، فكل شيء عند الله ﷾ معلوم؛ بل أعجب من ذلك: أن الله ﵎ قد كتبه وقدره قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، فعلْمهُ وكتْبهُ وخلْقهُ كل ذلك منه ﷾.\rإذاً: لا يوجد عَلَى الإطلاق في هذا الكون ولا أدنى ذرة إلا وهي بقدر من الله تعالى، فالعرب في الجاهلية لم تكن تنكر القدر ولكنها تخطئ في فهم حقيقة القدر.\r\rمن آثار الإيمان بالقدر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690270,"book_id":1659,"shamela_page_id":1396,"part":null,"page_num":1396,"sequence_num":1396,"body":"لما بعث الله ﵎ نبينا محمداً ﷺ بهذا الدين العظيم وبين ﷺ لنا ديننا؛ كَانَ من أعظم ما بينه الله في كتابه وما بينه رسوله مسألة القدر، فآمن بها صحابته الكرام والسلف الصالح، وكان لهذا الإيمان الأثر العظيم في طاعتهم لربهم وفي جهادهم في سبيل الله ﷾، وفي تمسكهم بكتاب الله، وصبرهم عَلَى الشدائد والمحن.\rفكان أحدهم يؤمن بأنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له، كما أمرهم الله ﷾ أن يقولوا للمنافقين الذين يشمتون بهم إذا أصيبوا قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا [التوبة:٥١] فكان هذا شأنهم لما آمنوا بهذه الحقيقة لا يعصون الله من أجل شيء من الدنيا؛ لأنهم يؤمنون أن ما كتب الله ﷾ للعبد من رزق فإنه آتيه، وما لم يكتبه الله ﷾ فلا يأتيه أبداً، كما قال النبي ﷺ: (إن روح القدس نفث في روعي -أي: ألقى في نفسي- أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقو الله وأجملوا في الطلب) .\rفالإِنسَان يحتاج وقد يطلب ولكن يطلب طلباً جميلاً، أما الإلحاف فليس هذا من شأن المؤمنين، وليس هذا من أدب المتقين في السؤال، فقد كَانَ الصحابة الكرام رضوان الله عليهم من أعظم النَّاس فهماً لحقيقة القدر، وأدركوا وعرفوا أن الإيمان بالقدر والتوكل عَلَى الله يدفع المؤمن إِلَى العمل الصالح، وإلى الاجتهاد في طاعة الله، والجهاد في سبيله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ولم تكن تأخذهم في لله لومة لائم ولا يهابون في الله ﷾ أحداً كائناً من كَانَ؛ فألقى الله ﵎ الرعب في قلوب أعدائهم لما امتلأت قلوبهم بمهابة الله وخوفه والتوكل عليه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690271,"book_id":1659,"shamela_page_id":1397,"part":null,"page_num":1397,"sequence_num":1397,"body":"ثُمَّ أنه حدث في هذه الأمة ما حدث في غيرها، كما أخبر بذلك النبي ﷺ: ﴿لتتبعن أو لتركبن سنن من كَانَ قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه﴾ وفي رواية: ﴿حتى لو أن أحدهم أتى امرأته عَلَى قارعة الطريق لفعلتموه﴾ .\rنعم هذه مصيبة ابتليت بها هذه الأمة كما ابتلي غيرها من الأمم من قبلها، وقد ظهر الجدال في القدر في الأمم التي قبلنا عند النَّصَارَىواليهود واليونان والهنود فكانوا بين جبرية وبين قدرية منكرين، وكان الغالب عَلَى النَّاس -كما هو الحال اليوم- الجبر والاعتراض والاحتجاج بالقدر عَلَى الشرع.\rأما النفي المطلق فلا ينفي القدر نفياً مطلقاً إلا الشواذ في جميع العصور؛ لكن وقع الخلاف فيمن كَانَ قبلنا وكذلك في هذه الأمة، وهذا أراده الله وقدره، ولم يقع الخلاف في القدر في عصر الخلفاء الراشدين، وإنما وقع بعد ذلك، والذين أدركوا القدرية هم صغار الصحابة الذين كانوا في عهد النبي ﷺ أحداثاً مثل عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وأمثالهما.\rفلما ظهرمعبد الجهني في البصرة، وأنكر القدر جَاءَ التابعون إِلَى أصحاب رَسُول ﷺ يسألونهم، فسألوا ابن عمر وسألوا ابن عباس، وظهرت مقالة القدر في موضعين: البصرة ودمشق، وظهر في البصرة أمر آخر هو الغلو في التعبد \"التصوف\". فالصوفية الأوائل ظهروا في البصرة.\r\rوأبعد البيئات عن البدع هي بيئة مكة والمدينة لوجود أصحاب النبي ﷺ فيهما بكثرة، ولأنها بعيدة عن فلسفات الهند واليونان، وبعيدة عن ضلالات اليهود والنَّصَارَى فهي بيئة نقية صافية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690272,"book_id":1659,"shamela_page_id":1398,"part":null,"page_num":1398,"sequence_num":1398,"body":"من أهم أسباب ظهور البدع في البصرة أنها منفذ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الهند، فالغلو في التعبد أُخذ من الطريقة البوذية وإنكار القدر كَانَ موجوداً في الهند والفرس المجوس ولا تزال كتب المجوس، وآثارهم وأفكارهم موجودة لدى تلك الأمم، فاستتروا بها سراً، وبثوها في ضعاف الإيمان هنالك.\rبدعة التجهم\rظهر معبد الجهني، وغيلان الدمشقي في دمشق ويقال: إن أستاذ غيلان هو رجل من النَّصَارَىيقال له: يوحنا الدمشقي، وهو الذي ألقى إِلَى غيلان هذه المقالة.\rولم يكن معبد وغيلان عَلَى حال واحد فـ\"معبد \" كَانَ عالماً محدثاً، ولم يكن من سقط النَّاس، فوقع فيما وقع فيه المغضوب عليهم، وأما غيلان فقد وقع في طريق الضالين الذين يتكلمون عن جهل، فلم يكن غيلان من أهل العلم ولا من أهل الفضل والشأن، وإنما تلقف هذه المقالة وأخذ ينشرها فاشتهر بين النَّاس بهذه المقالة.\rوالقدرية لم ينكروا القدر متعمدين أن ينكروا علم الله أو أن ينكروا أن الله كتب مقادير كل شيء، إنما كانت الشبهة في أفعال العباد من المعاصي، وهذا هو السبب والباعث لهم في إنكار القدر، هل المعاصي من زنا وشرب خمر شاءها الله سبحانه أم لم يشأها؟ كيف يشاء شيئاً ويقدره، ولكنه يكرهه ولا يرضاه، وكيف ننسب هذا إِلَى الله؟!\r\rمراتب القدر الأربع\rمراتب القدر أربع:\rأولاً: العلم: وهو أن نؤمن بأن الله ﷾ عليم بكل شيء ما كَانَ وما سيكون أزلاً وأبداً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690273,"book_id":1659,"shamela_page_id":1399,"part":null,"page_num":1399,"sequence_num":1399,"body":"وثانياً: الكتابة وهي: أن نؤمن بأن الله كتب كل شيء وفق ما علم ﷾، فلم يبدأ الجدال في إنكار علم الله ولا في إنكار الكتابة؛ لكن وقع الخلاف والجدال في المرتبتين الأخيرتين اللتين يمكن أن نجعلهما مرتبة واحدة، وهي المشيئة والخلق، ثُمَّ تطور الأمر بعد ذلك إِلَى أن وجد من ينكر المرتبة الأولى ثُمَّ الثانية، وهذا الإنكار وجد عند الجاهلية، فقد ثبت في صحيح مسلم أن الْمُشْرِكِينَ جاءوا يجادلون النبي ﷺ في القدر فأنزل الله ﷾ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ * وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ [القمر:٤٩،٥٠] .\rولما أراد علماء السلف -رضوان الله عليهم- أن يرسموا لنا الطريق الصحيح لمناظرة هَؤُلاءِ ولإفحامهم، أمرونا أن نناظرهم بالعلم، لنردهم إِلَى الأمر الأول الذي لا خلاف فيه بين جميع العقلاء، وهو أن الله بكل شيء عليم، وهذا هو موضوع المرتبة الأولى الذي بدأ به المُصْنِّف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى هنا، وقال الإمام الشَّافِعِيّ والإمام أَحْمَد وغيرهما: ''ناظروا القدرية بالعلم، فإن أقروا به خصموا وأقيمت الحجة عليهم''.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690274,"book_id":1659,"shamela_page_id":1400,"part":null,"page_num":1400,"sequence_num":1400,"body":"أي أن الله تَعَالَى يعلم ما كَانَ وما سيكون؛ لأن الإِنسَان إذا أقر بأن الله ﷾ بكل شيء عليم وأقر بأفعال العباد خيرها وشرها، فيقال: آمن بأن الله كتبها، فما الفرق بين العلم والكتابة؟ لهذا يمكن أن نجعلهما مرتبة واحدة، فإذا قال: أنا لا أؤمن بالمشيئة، فنقول: أمرٌ علمه وكتبه ما المانع أن يشاءه ﷾، إذاً: علمه وكتبه وشاءه، فَيَقُولُ: نعم شاءه فنقول: أمرٌ علمه وكتبه وشاءه خلقه وأوجده، فلم يبق معه حجة فغلب وأفحم؛ لكن إذا قال: الأمر مستأنف، فكل ما وقع في الكون هو جديد لم يكن الله ﷾ يعلمه والعياذ بالله، فنقول: كفرت؛ لأن من أنكر علم الله كفر، فلا نكون كفرناهم بالأمر الذي فيه شبهة أو إشكال، لأن الأمور المشتبهة لا يكفر بها، بل يكفر بالأمور الواضحة الجلية.\r\rبدعة الاعتزال\rظهرت بعد بدعة معبد وغيلان بدعة الاعتزال، ورؤوس المعتزلة الذين نشروا هذه المقالةواصل بن عطاء وعمرو بن عبيد، وأسسا مذهب المعتزلة القدرية وسموا قدرية لأنهم ينكرون القدر لا لأنهم يثبتونه، وقد يطلق عَلَى الجبرية قدرية لكن اصطلاح القدرية غلب عليهم، ولما ظهرت المعتزلة كان فيهم الغلاة الذين ينكرون علم الله، وحكم هَؤُلاءِ أنهم كفار لا حظ لهم في الإسلام، وكان منهم من ينكر فقط أن الله خالق أفعال العباد من الشر والمعاصي.\r\rالقدرية مجوس هذه الأمة\rتقول القدرية: لو أن عبداً من العباد صلى وصام وزكّى وحج وفعل غيرها من أفعال الخير، فهذه الأفعال من خلق الله ﷾، وإذا زنا وسرق وشرب الخمر، فهذه من فعله خلقها العبد، حتى لا ننسب الشر إِلَى الله، وحتى لا نقول: إن الله شاء شيئاً وقدره ثُمَّ يعذِّبه هكذا زعموا فوجد فيهم هَؤُلاءِ، ووجد فيهم هَؤُلاءِ ولهذا سمى هَؤُلاءِ مجوس هذه الأمة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690275,"book_id":1659,"shamela_page_id":1401,"part":null,"page_num":1401,"sequence_num":1401,"body":"فقد ورد ذلك في أحاديث لا يصح رفع شيء منها كما بين ذلك الحافظ ابن الجوزي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وغيره، أما ما في كلام السلف فقد ورد ذلك أنهم سموا القدرية مجوس هذه الأمة، وسموا بذلك لأن المجوس يقولون: إن الشر إله وهو الظلام، والخير إله وهو النور، فجعلوا خالقين، وهَؤُلاءِ القدرية جعلوا لأفعال العبد خالقين، فالطاعات والقربات خالقها الله، والشر والمعاصي خالقها الإِنسَان.\rإذاً: هَؤُلاءِ هم مجوس هذه الأمة؛ لأنهم شابهوا المجوس في ذلك، حيث أثبتوا خالقين، والله ﷾ هو الخالق لكل شيء وحده، وقد أجمعأهل السنة عَلَى أن الله ﷾ هو خالق أفعال العباد خيرها وشرها كما سيأتي بيانه إن شاء الله فيما بعد.\rوانتقلت هذه المسألة إلى قضية الجبر إلى معنى أبعد وأعمق وأعظم بكثير، فأتوا بقول المعتزلة القدرية الذين ينكرون القدر وهَؤُلاءِ أثبتوا الجبر، وغلوا فيه، حتى سلبوا العبد إرادته وقدرته ومشيئة الإرادية التي جعلها الله ﷾ فيه، فقالت الجبرية: إن الإِنسَان مثل الريشة في مهب الريح، وإن الحركات لا إرادية سواء فعل الخير أو فعل الشر فهي مثل حركات المرتعش؛ لأنها ليست إرادية ولا اختيارية.\rورأس هَؤُلاءِ الجبرية وزعيمهم الجهم بن صفوان الذي اشتهر إلحاده وعم شره في العالم الإسلامي ابتدع هذه المقالة التي أخذها من كلام الفلاسفة الصابئين فأثبت أن كل ما يجري في هذا الكون من أفعال أن الله تَعَالَى هو الفاعل لها، وليس لغير الله مشيئة ولا إرادة، فقابل الغلو بالغلو، وأخذ الفريقان يتصارعان.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690276,"book_id":1659,"shamela_page_id":1402,"part":null,"page_num":1402,"sequence_num":1402,"body":"فأصبحت الفرقتان متميزتين فرقة تغلو في نفى القدر وهم المعتزلة الغلاة والفلاسفة حتى أنكروا العلم الذي لا ينكره إلا كافر، وَقَالُوا: إن الله تَعَالَى لا يعلم إلا الكليات -تَعَالَى الله عن ذلك علواً كبيرا- ولا يعلم الجزئيات، وقد أجمع الْمُسْلِمُونَ بجميع طوائفهم عَلَى تكفير الفلاسفة سواءً كَانَ الكندي أو الفاربي أو ابن سينا أو أمثالهم.\r\rوقد أثبت الله تَعَالَى علمه بالجزئيات فأثبت علمه بالحبة والورقة التي تسقط قال تعالى: يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [غافر:١٩] .\r\rبدعة الصوفية وعلاقتها بالقدر\rجاءت الصوفية في القرن الثالث الهجري فَقَالُوا: إن الإِنسَان إذا وصل إِلَى مرحلة التوحيد الحقيقي بأن لا يرى في هذا الكون شيئاً سوى الله، أو يقول: لا موجود إلا الله، فلا يرى إلا الله، وأن حركات النَّاس وسكناتهم كلها من فعل الله؛ فلا تقل هذه طاعة ولا تقل هذه معصية ولا هذا كفر، فكله من الله، وهذا غاية التوحيد عندهم نسأل الله العفو والعافية فقد قال قائلهم:\rأصبحت منفعلاً لما تختاره مني ففعلي كله طاعات","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690277,"book_id":1659,"shamela_page_id":1403,"part":null,"page_num":1403,"sequence_num":1403,"body":"وأنا لا أختار شيئاً إن شاء الله فعلت المعصية، وإن شاء فعلت الطاعة، فهذه حقيقة التوحيد التي يزعمون، يقولون: ما دمت أيها العبد تؤمن بوجود ذاتيين منفصلتين عبد ومعبود، خالق ومخلوق؛ فأنت لم تصل بعد إِلَى قمة التوحيد والعياذ بالله ويجعلون توحيد الأَنْبِيَاء من توحيد العامة، وتوحيدهم: توحيد الخاصة، أو خاصة الخاصة، الذين إن ذكروا فبالضمير هو هو هو، لا يقولون: الله، لأن عندهم \"لا إله إلا الله\" للعامة و\"الله\" للخاصة، و\"هو\" لخاصة الخاصة، هذا ذكرهم وعبادتهم وعقيدتهم في الأفعال من طاعات أو معاصي أو فجور كلها من الله يسأل سائلهم يوسف الجنيد يقول: ما الخيرة؟ قال ترك الخيرة. قَالَ: فما الإرادة؟ ألا تريد. قَالَ: فما الحيلة؟ قَالَ: ترك الحيلة. هل هذا معقول؟ الخيرة: أن لا تختار، والإرادة: أن لا تريد، والحيلة: ألا تحتال؛ فهذا تناقض؛ فإما أن تريد الخير وإما أن تريد الشر، لكنهم قالوا:\rالعبد رب والرب عبد يا ليت شعري من المكلف\rإن قلت عبدٌ فذاك رب أو قلت رب أنّى يكلف\rتعالى الله عما يقولون علواً كبيرا، هذا هو الكفر الصريح بعينه وهو تطور لمسألة القدر، ووصل بهم إِلَى أن قالوا: إن الله هو الذي يفعل كل شيء ﷾.\rوانتشر التصوف في العالم الإسلامي شرقاً وغرباً وانتشرت معه هذه العقائد الضالة في باب القدر، وأمسى الاعتزال وقد خفت شأنه؛ لأن الاعتزال انحصر في الطبقة المثقفة الذين يطلعون عَلَى كلام اليونان وكلام الهنود فليس كل أحد من النَّاس يفعل ذلك، وقد تحول الاعتزال إِلَى عقيدة شعبية عن طريق الرفض، فالروافض اعتنقوا مذهب المعتزلة في القرن الرابع، بعد أن كانوا في الأصل جبرية، وبعد أن كانوا مشبهه وممثلة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690278,"book_id":1659,"shamela_page_id":1404,"part":null,"page_num":1404,"sequence_num":1404,"body":"فأصبحت هناك فئة من الْمُسْلِمِينَ -الروافض وهم فئة محدودة- عَلَى مذهب المعتزلة، وأغلب الْمُسْلِمِينَ الذين انتشر فيهم التصوف اعتنقوا مذهباً آخر في العقيدة وفي الكلام وفي القدر والإيمان وهو منهج الأشعرية والماتريدية.\r\rالكسب عند الأشاعرة\rوالأشعرية: أثبتوا شيئاً جديداً في مسألة القدر، وهو الكسب، والكسب في الحقيقة ليس من ابتداع أبي الحسن الأشعري وإنما نقله عن المعتزلة وعندما رجع عن الاعتزال إِلَى الكلابية وهي المرحلة الثانية من مراحله قبل أن يرجع إِلَى مذهب السلف، أخذ بهذه النظرية وهي الكسب، فقال: الله ﷾ فاعل، والعبد: نافذ، فجاء بنظرية يرى أنها وسط بين الجبرية والقدرية.\rوهي في الحقيقة وسط بين قول الجبرية وبين مذهب أهل السنة، وتمثل الأشعرية على ذلك بالمصباح الكهربائي: إذا أراد الأب أن يمتحن ابنه فَقَالَ له: لا تنفخ هذا المصباح فإذا نفخته وانطفأ عاقبتك، والمصباح الكهربائي لا ينطفئ بالنفخ، وإنما ينطفئ بالزر، والأب عنده الزر، فإذا نفخ الابن المصباح أطفأ الأب المصباح، ثُمَّ يضرب الابن فَيَقُولُ: أضربك لأنك خالفت أمري فأطفأت المصباح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690279,"book_id":1659,"shamela_page_id":1405,"part":null,"page_num":1405,"sequence_num":1405,"body":"ويضرب البغدادي صاحب الفرق بين الفرق مثالاً آخر فَيَقُولُ: في كتاب أصول الدين لو أن رجلين حملا حجراً واحداً وأحد الرجلين كبير والآخر صغير، فلو حمل الكبير الحجر وحده لاستطاع، لكن جَاءَ الصغير وحمل الحجر معه، فجاء المعاقب الذي يعاقب عَلَى حمل الحجر، فعاقب الصغير وضربه، فإنه لا يكون ظالماً، لأنه حمل مع الكبير، وإن كَانَ الكبير هو الذي يستقل بحملها وحده، يقول: هذا مثال عَلَى أن الله ﷾ هو الفاعل الحقيقي، ولكن العبد يشارك فقط، وإلا لو ترك العبد الفعل لوقع الفعل من غيره، لكن يعاقب عَلَى هذه المشاركة وإن كانت مشاركة غير مؤثرة -تَعَالَى الله عما يصفون- فكل هذا مخالف للإيمان بالله، وللإيمان بقدره عَلَى حقيقته، فمثلاً لو قيل لهم: ماذا تقولون في رجل زنى أتنسبون هذا الفعل إِلَى الله، وهذا لازم كلامكم أنه لا فاعل إلا الله؟ وفي عقيدة الأشعرية المسماة جوهرة التوحيد منظمومة شعر يحفظونها ويدرسونها في أكثر أنحاء العالم الإسلامي مع الأسف يقال فيها:\r\rوالفعل في التأثير ليس إلا للواحد القهار جلا وعلا\rفلا تثبت الفعل إلا لله جلا وعلا، فلا يؤثر إلا الله: ولا يفعل إلا الله: فيقال لهم: لو أن أحداً زنى من الفاعل في هذه الحالة؟ فإن قالوا: \"الله\" فهذا هو الكفر، وإن قالوا: فعل العبد فالعبد هو الفاعل، والله هو الخالق.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690280,"book_id":1659,"shamela_page_id":1406,"part":null,"page_num":1406,"sequence_num":1406,"body":"وقد نسب الله تَعَالَى في القُرْآن الكريم الأفعال إِلَى العبد فقَالَ: بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [المائدة:١٠٥] تَعْقِلُونَ [البقرة:٤٤] وكذلك الصلاة يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ [الحج:٧٧] وقَالَ: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى [الليل:٦،٧] وفي المقابل وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى [الليل:٨،٩] فهذه الأفعال فعلها العبد، والله تَعَالَى خلق الإِنسَان، وخلق أفعاله، وخلق القدرة التي بها يفعل الأفعال، لكن الفاعل هو الإِنسَان، والإِنسَان له إرادة وله مشيئة.\rقال تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الإِنسَان:٣٠] وقَالَ: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ [التكوير:٢٨] وقَالَ: فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُر [الكهف:٢٩] فالله ﷾ أثبت لنا المشيئة، وبين لنا الصراط المستقيم فَقَالَ: إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً [الإِنسَان:٣] إما أن يختار الكفر وإما إن يختار الإيمان، فكيف يقَالَ: إنه لا مشيئة له في الحقيقة والفاعل هو الله، فالعبد فاعل عَلَى الحقيقة، ولكن الخالق هو الله، ولهذا يجازي العبد ويحاسبه لا عَلَى مشاركة صورية، أو كسب أو تأثير لا قيمة له، إنما يحاسب العبد ويجازيه لأنه فعل ذلك حقيقة.\rأما دعاة الرفض فهم ينكرون القدر، وقد رد عليهم شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في كتابه العظيم النادر المثال الذي لم يكتب مثله وهو كتاب منهاج السنة النبوية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690281,"book_id":1659,"shamela_page_id":1407,"part":null,"page_num":1407,"sequence_num":1407,"body":"أما منهج أهل السنة والجماعة فهو من أوضح وأيسر ما يكون والحمد لله فهم يثبتون لله ﷾ القدر، ويؤمنون بهذه المراتب الأربع، ثم يثبتون للعبد فعلا وإرادة ومشيئة، ولا يخرج ذلك عن إرادة الله ومشيئته، وكما أن فعل العبد لا يخرج عن خلق الله ﷾: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات:٩٦]\r\rمن أعظم المميزات لعقيدة أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ أنها عقيدة فطرية ميسرة وواضحة يفهمها ويعقلها كل إنسان إذا ترك الجدال والتقليد.\rيقول صاحب الجوهرة تبعاً لما سبق:\r\rوالفعل في التأثير ليس إلا للواحد القهار جل وعلا\rفمن يقول بالطبع أو بالعلة فذاك كفر عند أهل الملة\rومن يقل بالقوة المودعة فذاك بدعيٌ فلا تلفت\rأي: لو أن الإِنسَان قَالَ: إن هذه الأشياء تفعل بطبعها أو أنها علة بذاتها فهو كفر مخرج من الملة، وكذلك من قَالَ: إن العباد يفعلون الأفعال بقوة أودعها فيهم، فالنَّار مثلاً تحرق لأن الله أودع فيها الإحراق وجعل الإحراق من خصائصها فهذا الكلام بدعي، فالذي يحرق هو الله، والنَّار ليس لها أي تأثير. فهذا التقليد والجمود المنافي للعقل والفطرة هو الذي أضل عوام الْمُسْلِمِينَ، أما إذا بقي الإِنسَان عَلَى فطرته فإنه لا يختار إلا منهج وعقيدة السلف الصالح لأنها واضحة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690282,"book_id":1659,"shamela_page_id":1408,"part":null,"page_num":1408,"sequence_num":1408,"body":"فعندما يسمع العامة قوله تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [التكوير:٢٩] يقولون: إن الله يقول: (تريد يا عبدي وأنا أريد ولا يكون إلا ما أريد) نسمع هذه من آبائنا، والله لم يقل هذه المقالة لكنها حق في ذاتها. فالفطرة موجودة لكنهم عبروا عنها بكلمة غير صحيحة عندما نسبوها إِلَى الله ﷾؛ لأن الله تَعَالَى يقول: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ فنقول: إن مشيئة العبد هي بعد مشيئة الله، فإن شاء العبد الخير وأراده وأحبه وفعله فكل ذلك بمشيئة الله سبحانه، وإذا شاء الشر واختاره وفعله وأراده فبمشيئة الله فعل ذلك، والله ﷾ يحاسب العبد لأنه هو الذي فعل واختار وأراد، فلو أن رجلاً مجنوناً ترك فريضة من الفرائض أو فعل محرما من المحرمات لم يحاسب، بل يحاسب الإِنسَان العاقل العالم؛ لأن الله ﷾ حكيم.\rإذاً: فهذا يحاسب لأنه فعل ذلك بإرادته واختياره، أما المجنون فمناط التكليف والإرادة مفقود عنده فلا يحاسبه الله تَعَالَى عَلَى ذلك، لكن عند هَؤُلاءِ لا فرق بين الفعلين: بين فعل المجنون وبين فعل العاقل، وإنما سبب ذلك كما أشرنا هو الجهل والتقليد الذي عمَّ بلاد الْمُسْلِمِينَ، حتى أصبحت كلياتهم العلمية وجامعاتهم ومعاهدهم تدرس هذه العقائد المنافية للفطرة وهم لا يشعرون، ولذا يجب علينا وجوباً أن ندعو ونسأل الله أن يرد الْمُسْلِمِينَ إِلَى عقيدتهم عقيدة أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ، لئلا يموت أحدهم وهو عَلَى ضلال في القدر وفي معرفة الله ﷾.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690283,"book_id":1659,"shamela_page_id":1409,"part":null,"page_num":1409,"sequence_num":1409,"body":"لقد ذكر الله تَعَالَى في سورة البقرة أعظم آية في كتاب الله وهي آية الكرسي التي اشتملت عَلَى أصول الصفات العظيمة فقال: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [البقرة:٢٥٥] فأول صفة ذكرها الله ﷾ أنه لا إله إلا هو، يجب أن يوحده الخلق جميعاً الْحَيُّ الْقَيُّومُ.\rفالسمع والبصر والكلام وسائر هذه الصفات مبنية عَلَى صفة الحياة، ومعنى \"القيوم\" أي: المستغني القائم بنفسه تعالى، فله كمال الغنى فكل ما ينفى عن الله من النقص فهو لكمال حياته وكمال قيوميته، لا تأخذه سنة ولا نوم لكمال حياته، ثُمَّ قَالَ: لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ. الشاهد قوله: يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ.\rفهذه المرتبة الأولى من مراتب القدر: أن نؤمن بأن الله ﷾ يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، وإذا علمنا بأن الله عليم فقد آمنا بصفة عظيمة يترتب وينبني عليها صفات وأبواب أخرى من أبواب الإيمان والعقيدة في باب القدر، أما حال بني البشر فكما قال الله تعالى: وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ كما في قصة الخضر مع موسى لما رأى الطير ينقر في البحر نقرة قال: أرأيت ما أخذ هذا الطائر من البحر فإن ما عندي وعندك من علم الله ﷾ إلا كما أخذ هذا الطائر من الماء؛ كم أخذ هذا الطائر من البحر؟ هذا هو العلم الذي أطلع الله ﷾ به خواص خلقه وأنبيائه، لأن الله ﷾ لا يطلع عليه كل أحد وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ [البقرة:٢٥٥] .\rأدلة إثبات العلم\rقال الإمام الطّّحاويّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:\r[وقد علم الله تَعَالَى فيما لم يزل عدد من يدخل الجنة، وعدد من يدخل النار، جملة واحدة، فلا يزاد في ذلك العدد ولا ينقص منه]","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690284,"book_id":1659,"shamela_page_id":1410,"part":null,"page_num":1410,"sequence_num":1410,"body":"[وكذلك أفعالهم فيما علم منهم أن يفعلوه] .\r\rقَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:\r\r[قال الله تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الأنفال:٧٥] وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً [الأحزاب:٤٠] فالله تَعَالَى موصوف بأنه بكل شيء عليم أزلا وأبداً، لم يتقدم علمه بالأشياء جهالة وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً [مريم:٦٤] وعن عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِب ﵁ قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتانا رَسُول الله ﷺ فقعد وقعدنا حوله، ومعه مخصرة، فنكس رأسه فجعل ينكت بمخصرته ثُمَّ قَالَ: ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة والنَّار وإلا قد كُتبت شقية أو سعيدة، قَالَ: فَقَالَ رجل: يا رَسُول الله أفلا نمكث عَلَى كتابنا وندع العمل؟ فقَالَ: من كَانَ من أهل السعادة فسيصير إِلَى عمل أهل السعادة، ومن كَانَ من أهل الشقاوة فسيصير إِلَى عمل أهل الشقاوة، ثُمَّ قَالَ: اعملوا فكل ميسَّر لما خلق له، أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة، ثُمَّ قرأ: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى [الليل:٥-١٠] خرجاه في الصحيحين] اهـ.\rالشرح:\r\rاستدل المُصْنِّف ﵀ عَلَى إثبات العلم لله ﵎ ببعض الآيات التي تدل عَلَى أن الله ﵎ عليم بكل شيء أزلاً وأبداً، فقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الأنفال:٧٥] وقوله تعالى: وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً [الأحزاب:٤٠] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690285,"book_id":1659,"shamela_page_id":1411,"part":null,"page_num":1411,"sequence_num":1411,"body":"فكلمة \"كل\" وكذلك \"شيء\" من ألفاظ العموم، بل قيل: إن كلمة \"شيء\" هي أعم كلمة؛ لأنها تشتمل أدق وأدنى ما يسمى أو ما يرى أو ما يكون في حيز الوجود وكذلك أعظم ما في الوجود يسمى \"شيء\" كما في قوله تعالى: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ [الأنعام:١٩] ، فكلمة \"شيء\" عامة تطلق عَلَى الكبير والصغير فإذا قلنا: \"أي شيء\"، فهم منه أن الكلمة هي أعم الكلمات، فالله تعالى يطلق عليه شيء، والله ﵎ يقول: إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ويقول:\rوَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً فهو ﷾ لا يخفى عَلَى علمه أدنى ما يمكن أن يوجد في حيز الوجود.\r\rالفرق بين الأزل والأبد\rيقول المُصْنِّف ﵀: [فالله تَعَالَى موصوف بأنه بكل شيء عليم أزلاً وأبداً] الأزل والأبد كلمتان متقابلتان تطلقان عَلَى أمرين متقابلين، فالأزل يطلق عَلَى ما ليس له ماضي ولا بداية له، والأبد يطلق عَلَى ما لا نهاية له بالنسبة لنا.\rفلا بداية لعلم الله ﷾، فلم يكن الله ﷿ في وقت من الأوقات جاهلاً بأي شيء كَانَ أو سيكون، ثُمَّ تجدد أو حصل أو بدا له علم في هذا الشيء، وكذلك لا يأتي عليه جل وعلا وقت يكون فيه لا يعلم بعض الأشياء، أو ينسى بعض الأشياء، ثُمَّ يقول المصنف: [لم يتقدم علمه بالأشياء جهالة] وكلمة \"علمه\" هنا مفعول و\"جهالة\" فاعل، فالجهالة لم تتقدم علم الله ﵎، بل هو عليم منذ الأزل وإلى ما لا نهاية كما قال تعالى: وَمَا كَانَ َ رَبُّكَ نَسِيّاً [مريم:٦٤] أي: لم ينسَ الله تَعَالَى فيما مضى أمراً أو شيئاً قد علمه، وكذلك لا ينسى الله ﷾ في المستقبل أمراً يعلمه الآن، أو فيما مضى\r\rالجهمية تنفي صفة العلم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690286,"book_id":1659,"shamela_page_id":1412,"part":null,"page_num":1412,"sequence_num":1412,"body":"الذين أنكروا صفة العلم لله تَعَالَى هم الجهمية الذي أنكروا جميع الأسماء والصفات، وهَؤُلاءِ أخرجهم بعض السلف ﵏ كعبد الله بن المبارك والفضيل بن عياض وأمثالهما من أجلة السلف من فرق الأمة، وَقَالُوا: هذه ليست من الاثنتين والسبعين فرقة، بل تلحق بفرق اليهود والنَّصَارَى والْمُشْرِكِينَ، لأنهم لم يثبتوا لله تَعَالَى اسماً ولا صفة.\rوكذلك لم يمار في هذه المسألة ممن ينتسب إِلَى الإسلام إلا الفلاسفة الذين تفلسفوا في مسألة العلم وَقَالُوا: إن الله تَعَالَى يعلم الكليات ولا يعلم الجزئيات -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عما يصفون- بل هو بكل شيء عليم، وأما من أنكر جميع الصفات كالجهمية ومنها صفة العلم فهَؤُلاءِ خارجون عن جميع الملل، وهناك من هو شر منهم وهم غلاة الباطنية.\r\rدرجات المنكرين للصفات\rتقدم في أول هذا الكتاب بيان درجات المنكرين للصفات، ولو رتبناهم بحسب قربهم منأهل السنة فنقول: الأشعرية يثبتون الأسماء وبعض الصفات، ثُمَّ أبعد منهم المعتزلة يثبتون الأسماء دون الصفات، ثُمَّ درجة ثالثة الجهمية ينفون الأسماء والصفات إلا أنهم يثبتون الوجود المطلق، ويلحق بهم الباطنية وهم أتباع للفلاسفة وجزء منهم في الحقيقة، فهَؤُلاءِ لا يثبتون حتَّى الوجود، وإنما يثبتون لله ﷾ المتناقضين، فيقولون: لا نقول إنه موجود، ولا غير موجود، والتعبير الصحيح عنهم أن نقول: إنهم يصفون الله برفع النقيضين، ولا نقول إنهم يثبتون النقيضين، وهَؤُلاءِ لا شك في كفرهم عند جميع الملل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690287,"book_id":1659,"shamela_page_id":1413,"part":null,"page_num":1413,"sequence_num":1413,"body":"ثبت في الحديث المتفق عليه عن أمير المؤمنينعَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِب ﵁ قَالَ: (كنا في جنازة في بقيع الغرقد) وهذا الموقف -موقف الموت- من أبلغ المواقف في قلوب البشر، وكثير من النَّاس لا يرِق قلبه ولا يلين لا في مسجد ولا في حلقة علم ولا ذكر؛ لكنه عند مشهد الموت وحين يدفن يقر الميت في قلبه الإيمان ويخشع ويعترف بتقصيره وذنبه، وربما كَانَ ذلك بداية لأن يلين قلبه لله ﵎ فيما بعد.\rولهذا كَانَ من السنة أن تزار المقابر، وأن تشيع الجنائز، فالنَّاس يعتبرون ويتعظون بمن سبقهم إِلَى الدار الآخرة.\r\rثُمَّ يقول: ﴿فأتانا رَسُول الله ﷺ فقعد وقعدنا حوله﴾ فقعد رَسُول الله ﷺ ليُفهِّم ويُعلِّم ويذكر النَّاس في الموقف المهيب، وتحلق الصحابة الكرام حوله ﷺ، وجلسوا جلسة مهيبة كَانَ عَلَى رؤوسهم الطير من الخشوع ومن استحضار هيبة هذا الموقف، وهيبة السؤال، وجلوسهم بين يد المعلم الأكبر ﷺ، والواعظ البليغ ليعظهم ويرقق قلوبهم في هذا الموقف.\rثُمَّ قَالَ: ﴿ومعه مخصرة﴾ أي: عصاً صغيرة ينكت بها الأرض ﴿فنكس رأسه، فجعل ينكت بمخصرته﴾ هذه الرواية تقول: (فنكس رأسه) أي: النبي ﷺ أيضاً أطرق رأسه وأخذ ينكت بمخصرته الأرض ويبحث بها، وهذا دليل عَلَى أن الإِنسَان يكون مشغولاً بأمر عظيم، فلو دخلت عَلَى إنسان ورأيته جالساً عَلَى هذه الهيئة لاستشعرت أنه يفكر في أمر عظيم، وأنه يريد أن يقول شيئاً عظيماً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690288,"book_id":1659,"shamela_page_id":1414,"part":null,"page_num":1414,"sequence_num":1414,"body":"ثُمَّ رفع ﷺ رأسه وخاطب أصحابه بهذه الموعظة البليغة فقَالَ: ﴿ما من نفس منفوسة -وفي رواية: ما منكم من أحد- إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة أو النَّار﴾ ، والصحابة الكرام رضوان الله تَعَالَى عليهم في هذا الموقف، وقد دفنوا أخاً لهم، كل منهم يفكر في هذا الإِنسَان هل هو من أهل الجنة، أو من أهل النار؟\r\rكل إنسان منهم مشغول، وكيف لو كَانَ أحدنا مكانه ماذا يكون جوابنا، وهل نثبت أو لا نثبت؟\rوكانت قلوب أصحاب النبي ﷺ حية بذكر الله، وكانت الآخرة حاضرة أمام أعينهم كأنهم يرونها دائماً، وذلك لحياة قلوبهم.\r\rفكأنهم يرونها بأبصارهم، ففي هذا الوقت جاءتهم هذه الموعظة من النبي ﷺ، فيخبرهم النبي ﷺ بأمر عظيم لو تفطن له الإِنسَان لأخذه العجب العجاب فَيَقُولُ: ﴿ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة أو النَّار﴾ والآن نَحْنُ الأحياء ما منا أحد إلا وقد كتب الله مكانه إما في الجنة أو النار، والعجيب أننا نتفكر في هذا الميت أهو شقي أم سعيد؟ أما نَحْنُ الأحياء فلا يخطر ببالنا أن كل واحد منا مكتوب أنه شقي أو سعيد.\rالأعمال مكتوبة والنهاية معروفة\rفهم الصحابة الكرام رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُم أن الأعمال مكتوبة، ونهاية هذه الأعمال معروفة، إما الجنة أو النار، فهي مكتوبة عند الله، فسأله الصحابة، حتى تعرفوا أن الصحابة الكرام هم أعلم وأذكى وأفطن وأبلغ النَّاس وأفقههم، ولم يأت بعدهم من هو قريب منهم في هذه الصفات فضلاً عن أن يكون مثلهم.\rجاء هذا السؤال الذي يتساءل النَّاس به دائماً والذي كثيراً ما يخطر عَلَى لسان، أو عَلَى قلب كل أحد، ويسأل بعضهم بعضاً، ما دام أنه مكتوب كل ما أعمل والنهاية معروفة ومحددة ففيم العمل؟ قال رجل منهم: أفلا نمكث عَلَى ما كتب لنا وندع العمل؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690289,"book_id":1659,"shamela_page_id":1415,"part":null,"page_num":1415,"sequence_num":1415,"body":"والحقيقة أن هذا السؤال له أجوبة كثيرة، وقد يبسط جواب النبي ﷺ ويتفرع منه أجوبة، لكن النبي ﷺ دائماً يجيب بالجواب العملي المقنع السريع، فلو أن إنساناً قَالَ: أنا لا أريد أن أعمل خيراً ولا شراً، وإنما أكتفي بكتابي، وأدع العمل، فهذا مستحيل أن يحصل، ومستحيل أن يبقى جماد لا يتحرك، فمثلاً المؤذن: إن ذهب إِلَى المسجد عمل خيراً، وإن لم يذهب عمل شراً، ومن رأى منكراً أمامه إن نهى عن المنكر عمل خيراً، وإن لم ينه عنه عمل شراً، ومن أكل من حلال عمل خيراً، وإن أكل من حرام عمل شراً.\r\rالإنسان حارث وهمام\rانظر إِلَى النبي ﷺ حين قَالَ: (وأحب الأسماء إِلَى الله عبد الله وعبد الرحمن، وأصدقها حارث وهمام) ، فلا بد فيه من حكمة، لأن الرجل قد يسميه أبوه ظالماً، وهو رجل عادل، فاسمه هذا غير صادق، كما أنك عندما تسمي ذلك البخيل اللئيم كريم فاسمه غير صادق، لكن التسمية بحارث وهمام أسماء صادقة.\rفمن النَّاس من يكدح ليلاً ونهاراً في المعاصي والذنوب فهو حارث، وكذلك آخر أعماله كلها خير فهو حارث، فيكون هذا الاسم أصدق الأسماء، وأصدق الأسماء أيضاً همام، لأن الإِنسَان أياً كَانَ ذا خير أو شر يمدح أو يذم فهو حارث وهمام، فإنه يحرث -لا بد له من عمل- وهمام لأنه يهم بخير أو شر، وهذا بمعنى الإرادة.\rفسواء حرث خيراً أو شراً فهذا أصدق الأسماء، وهو حقيقة الإِنسَان النفسية وهي أنه لا يخلو فكره عن العمل قط.\r\rوبالمثال يتضح المقال","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690290,"book_id":1659,"shamela_page_id":1416,"part":null,"page_num":1416,"sequence_num":1416,"body":"يقول ابن القيم ﵀: فكر الإِنسَان كالطاحون يدور، ثُمَّ يدور، وهكذا الإِنسَان لا يتوقف عن الهمّ، فإن الإِنسَان في أي لحظة وهو مستيقظ يفكر في شيء، والفكر يدور ويجول ولا يتوقف، فإن شغل فكره بالتفكير في الله ﷿ وفي آياته وخلقه وأمره ونهيه ووعده ووعيده، واجتهد في طاعة الله فنتيجة ذلك أنه سيعمل أعمالاً صالحة بإذن الله ﷾، وإن لم يشغل وقته في التفكير في أعمال الخير، فإنه سيفكر في ضدها من أعمال الشر.\rوجاء عنه ﷺ (ما جلس قوم مجلساً لم يذكروا الله تَعَالَى فيه، ولم يصلوا عَلَى النبي ﷺ؛ إلا كَانَ عليهم ترة يَوْمَ القِيَامَةِ) أي: نقصاً، وحسرة، وندامة يَوْمَ القِيَامَةِ، وذلك أنهم لم يذكروا الله في هذا المجلس فيمر هذا الوقت خسارة عليهم.\rولهذا فالسؤال بأننا نتكل عَلَى ما كتب وندع العمل، قلنا: إنه غير وارد لأنك يا أيها الإِنسَان حارث وهمام قال تعالى: يَا أَيُّهَا الإِنسَانسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ [الانشقاق:٦] خيراً كَانَ أو شراً، تكدح فتلاقيه، ويقول الله ﵎: قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِه [الإسراء:٨٤] قال ابن عباس وغيره: عَلَى طريقته.\rفكل إنسان بحسب إرادته ونيته يعمل، ولا يوجد إنسان لا يعمل أبداً، فلابد أن يعمل، فإما أن يكون الكدح والعمل عَلَى نهج، فيه خير وسنة وطاعة، فهذا مقبول، وإما أن يكون العمل عَلَى نهج وطريقة فيها فجور وضلال وشر، فيكون العمل والكدح شراً ضائعاً، ولهذا قال: فَمُلاقِيهِ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690291,"book_id":1659,"shamela_page_id":1417,"part":null,"page_num":1417,"sequence_num":1417,"body":"ثُمَّ فصل فقَالَ: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ [الانشقاق:٧] وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ [الانشقاق:١٠] أي: النَّاس الذين يعملون ويكدحون فإنهم لن يخرجوا عن هذا الأمر، إما أن يكونوا من أصحاب اليمين، وإما من أصحاب الشمال.\rفلابد من معرفة قيمة الزمن وقيمة العمر من قيمة الفكر نفسه، ولابد من محاسبة هذا القلب القاسي المتحجر كم مضى عليه من دهور لم يخشع لله ﷿، ولم يلن له، ولابد من التفكير في أعمارنا، فالكل في لهو وفي لعب، والكل في الباطل والحرام إلا من رحم الله، والأحرى أن نبكي عَلَى فوات العمر الذي ضاع في غير طاعة، وأن نبادر بالتوبة إليه ﷾، وأن نتدارك هذا العمر، ولهذا قال ﷿: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ [فاطر:٣٧] أي: أعطيناكم مهلة كافية حتى يتذكر كل ذي لب، ويرجع عن غيه، ويعرف طريق الهدى المستقيم وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ إن كَانَ النذير هو الرَّسُول ﷺ فقد جَاءَ إِلَى من بعث فيهم، وسنته جاءت إِلَى من بعده، وفسره بعض السلف بأنه الشيب، وهو نذير مفارقة هذه الحياة، فإذا عمر الإِنسَان وجاءه النذير فقد أعذر الله ﷿ إِلَى من بلغ الستين ولم يتب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690292,"book_id":1659,"shamela_page_id":1418,"part":null,"page_num":1418,"sequence_num":1418,"body":"فالإِنسَان إما أن يعمل خيراً أو يعمل شراً، ولهذا جَاءَ النبي ﷺ بجواب يتضمن هذا، فَقَالَ ﷺ: (من كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة فقال اعملوا فكل ميسر أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة) فالنبي ﷺ أجاب بجوابين متضمن لما ذكرنا وزيادة وهو أنه عندما سئل ألا نمكث عَلَى كتابنا وندع العمل قَالَ: (بل اعملوا فكل ميسر لما خلق الله..) .\r\rففي الحالين الشيء الموجود الذي لا بد منه هو: العمل، وإنما الخلاف فيما يكون العمل، أهو عمل خير، أو عمل شر، ويتحدد هذا بالتيسير من الله ﷿.\r\rفمن كَانَ من أهل السعادة فإنه ميسر لعمل أهل السعادة، وهل في ذلك ظلم؟\rجَاءَ في رواية أخرى للحديث لما قال عمران بن حصين رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: لأختبرن أبا الأسود الدؤلي قال: أفلا يكون ظلماً، يكتب عليهم ثُمَّ يدخلهم الجنة أو النَّار. قال: ففزعت فزعاً شديداً، قلت: لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، فقال: إنما سألتك لأحزر عقلك.\rفانظر إِلَى قوة فكره وعقله، أين الظلم من هذا التيسير الذي يسره الله ﷾؟ أمر مشاهد محسوس، فإذا رأيت الإِنسَان يقرأ القُرْآن، ويحب مجالس الذكر، ويحب مخالطة أهل الخير، ويحرص عَلَى ما يقربه إِلَى الله ﵎، فنقول: إنه من أهل السعادة، مع أننا لا نقطع لمعين بأنه من أهل الجنة أو من أهل النَّار، لكن الذي نقطع به أننا نقول: إن الذي يعمل الطاعات ويكره المعاصي والمنكرات فهذا هو سبيل أهل السعادة، وأن الذي يعمل المعاصي ويحب أهل المعاصي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690293,"book_id":1659,"shamela_page_id":1419,"part":null,"page_num":1419,"sequence_num":1419,"body":"فنقول: إن هذا هو سبيل أهل الشقاوة والفجور، وإلا فلا يجعل الله ﷾ أبا لهب وحمالة الحطب وأبيَّ بن خلف وأمية وأمثالهم الذين عذبوا المؤمنين مثل الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله، وقاتلوا وقتلوا، فإن هَؤُلاءِ مشو في طريق آخر، وكل من الطريقين سيؤدي بصاحبه إِلَى النتيجة التي لا بد منها، لكن الله ﷿ يسر لهَؤُلاءِ عمل أهل السعادة، ويسر لأولئك عمل أهل الشقاوة.\r\rهداية العبد للإيمان فضل ومِنّة من الله تعالى\rفأما من سلك سبيل السعادة ووفق في الثبات عليها فمن الله ﵎ فضلاً ومنةً وكرماً، ولهذا فإن الصحابة الكرام لما أنشدوا كانوا يقولون: اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا) . وكما قال تعالى: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [الحجرات:١٧] فالمنِّة لله ولرسوله ﷺ، وكذلك من يُسر لعمل أهل الشقاوة فهذا عدل، وليس في كلا الحالتين ظلم. ولهذا لما احتج المُشْرِكُونَ عَلَى الشرك بالمشيئة في قولهم: لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا [الأنعام:١٤٨] قلنا: إن الله ﷾ رد عليهم بالحجة العظيمة وهي إرسال الرسل فقَالَ:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690294,"book_id":1659,"shamela_page_id":1420,"part":null,"page_num":1420,"sequence_num":1420,"body":"وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:٣٦] فليس هناك حجة وقد جاءتكم الرسل تنذركم كما قال الله تعالى: فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ [النحل:٣٦] فالمجرمون حق عليهم الضلالة فلم يوفقهم الله للهداية، لأنهم أهلاً لئن يكونوا من أهل الشقاوة، فقد كانوا يرون أنفسهم عَلَى الشر بالسير في طريق الشقاوة، ولم يحاولوا أن ينصرفوا إِلَى الخير مع قيام الحجة عليهم، ووضوح البينة واستبانة الطريقة. ولهذا يقول ﷺ: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له) .\rيقول الله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى [الليل:٥-١٠] في هذه الآية أُسند الفعل أعطى واتقى، بخل واستغنى إِلَى العبد، فالعبد هو الفاعل، فهو إما أن يعطي ويتقي، وإما أن يبخل ويستغني، وعمله هذا وفعله مخلوق لله ﷿، وفي هذا رد عَلَى المعتزلة القدرية مجوس هذه الأمة، الذين قالوا: إن العبد يخلف فعل نفسه، وفي هذا أيضاً رد عَلَى القدرية الجبرية، عندما قلنا: إن العبد هو الفاعل، لأنهم يرون أن الله هو الفاعل.\rعلم الله السابق\rمرتبة العلم دل عليها الحديث السابق، ودل كذلك عَلَى مرتبة أخرى وهي مرتبة الكتابة، فإن الله قد كتب مصير كل نفس في الجنة أم النَّار، ولهذا قلنا: إن المراتب الأربع يمكن أن نختصرها إِلَى مرتبتين العلم والكتابة ومرتبة الخلق والمشيئة مرتبة ثانية، فالمصنف ﵀ أتى بالآيات الدالة عَلَى أنه لا حجة للخلق عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، بل لله الحجة البالغة عَلَى خلقه أجمعين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690295,"book_id":1659,"shamela_page_id":1421,"part":null,"page_num":1421,"sequence_num":1421,"body":"ولوضوح عبارة الطحاوي لم يتعرض المُصْنِّف ﵀ لها وهي قولالطّّحاويّ: [وقد علم الله تَعَالَى فيما لم يزل عدد من يدخل الجنة وعدد من يدخل ... ] فالله ﵎ يعلم عدد أهل الجنة وأهل النَّار، فلن يزداد في هَؤُلاءِ، ولن ينقص من هَؤُلاءِ أحد، وهنالك دليل تقدم معنا يدل عَلَى ذلك وهو: لما استخرج الله سبحانه من ظهر آدم ذريته فقَالَ: (هَؤُلاءِ للجنة ولا أبالي، وهَؤُلاءِ للنار ولا أبالي) .\rإذاً: فالله ﷾ لما استخرجهم منهم أصحاب اليمين، ومنهم أصحاب الشمال؛ فالأمر قد قضى وانتهى، وجفت به الأقلام، وجرت به المقادير، وكذلك أفعالهم علمها ﷾، والحديث الذي أورده المُصْنِّف يدل عَلَى هذا في قوله: [ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها في الجنة أو النار] ثُمَّ عقب هذا الكلام بقوله: [وكل ميسر لما خلق له] .\r\rالأعمال بالخواتيم\rقال الإمام الطّّحاويّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:\r[وكلٌ ميسرُ لما خُلق له، والأعمال بالخواتم، والسعيد من سعد بقضاء الله، والشقي من شقي بقضاء الله]\r\rالشرح:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690296,"book_id":1659,"shamela_page_id":1422,"part":null,"page_num":1422,"sequence_num":1422,"body":"وقوله: (والأعمال بالخواتم) يوضح أهمية كون الأعمال بالخواتم ما جَاءَ في حديث ابن مسعود الآتي الذي فيه دلالة عَلَى أن أهل الجنة ميسرون لعمل أهل الجنة، وأهل النَّار ميسرون لعمل أهل النار، ويكون حال الإِنسَان الثابت المؤكد لذلك بحسب ما ختم له من أعمال، فلا يحكم للعبد بمجرد ما يظهر للناس، ولهذا فإن من أصول أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ أنه لا يقطع لمعين بالجنة أو بالنَّار، إلا من شهد له الله ورسوله، لخفاء الخاتمة والعاقبة للإنسان، ولا يعني ذلك إساءة الظن بِرَبِّ الْعَالَمِينَ، وأنه قد يوجد إنسان يجتهد في الطاعات، ويبذل من الخير والصلاة وقراءة القُرْآن والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهكذا إِلَى الموت، والله قد كتب عليه أنه من أهل النَّار، فلا يليق هذا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ، وكذلك لو أن شخصاً مجرماً وظالماً فلن يموت مؤمناً، لأن الله كتب أنه من أهل الجنة فيدخل الجنة، ليس الأمر كذلك، ولا يمكن أن يأتي النبي ﷺ بما فيه إساءة الظن بِرَبِّ الْعَالَمِينَ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690297,"book_id":1659,"shamela_page_id":1423,"part":null,"page_num":1423,"sequence_num":1423,"body":"لكن في هذا تنبيه لشيئين عظيمين، الأول: اتهام النفس والعمل، والثاني: عدم القطع لأحد بالجنة أو النَّار ورد الأمر إِلَى مشيئة الله ﷾، أما اتهام النفس: لأنك مهما اجتهدت في الطاعات، فالأصل أن تبقى خائفاً من سوء الخاتمة، وتخاف أنها لم تُقْبل كما قال تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ [المؤمنون:٦٠] وليس هَؤُلاءِ الذين يزنون ويسرقون، بل هم الذين يتصدقون ويصلون ويعملون الطاعات، ولكن قلوبهم وجلة أنهم إِلَى ربهم راجعون، لايدرون أتُقبلت منهم أم لا -كما فسر ذلك النبي ﷺ فيدفعه ذلك إِلَى أن يجتهد، كما جَاءَ في حديث الشبهات (كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه) فالذي يخاف من سوء الخاتمة عليه أن يزداد عمقاً في الخير والصدقة والإنفاق ومحاسبة النفس واتهامها فلا يأتيه العجب أو الغرور، فيكون ذلك أدعى إِلَى أن يلقى الله ﷾ عَلَى خير وعلى خاتمة طيبة؛ ولكن لو أخذه الغرور والعجب ودخله الرياء، وأعجب بعمله -عجب بنفسه وأعجب النَّاس به- فهذا قد يكون سبب هلاكه وخسارته وضياعه.\rوأما الأمر الثاني فقد دل عليه حديث سهل بن سعد ﵁ (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النَّار -في الحقيقة وعند الله- وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النَّار فيما يبدو للناس وهو عند الله -في الحقيقة- من أهل الجنة) ، وأما الذي يعمل بعمل أهل الجنة وهو من أهل النَّار فكالمرائين والمنافقين يحجون، بل كانوا يجاهدون مع النبي ﷺ، فهذا عمل أهل الجنة لكنهم في الحقيقة من المنافقين وأمرهم واضح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690298,"book_id":1659,"shamela_page_id":1424,"part":null,"page_num":1424,"sequence_num":1424,"body":"والأمر الخفي أو الأقل وضوحاً هو: أمر الذي يعمل بعمل أهل النَّار، وقد يكون في الحقيقة من أهل الجنة، وذلك لأننا لا نطلع عَلَى أحوال العباد جميعاً، فقد نرى شخصاً -مثلاً- مقصراً في بعض الصلوات فهذا عمل من أعمال أهل النار، ولكن لديه مثلاً مرض عضال لا يطلع عليه أحد، وهو صابر ويحتسب أجر هذا المرض عند الله ﷿ وإذا رأيته تقول: هذا مقصر، وفي بعض الأوقات لا يأتي إِلَى المسجد لصلاة الصبح، لعل المرض يمنعه من الحضور، وإن كَانَ لا حرج أن نبني الحكم عَلَى الظاهر، لكن في الحقيقة يجب علينا أن نتهم علمنا، وأن نتهم أحكامنا، ونعرف أنها فقط عَلَى الظاهر، أما عند الله فلا ندري لعل هذا الرجل الذي نراه جلفاً غليظاً قاسياً ونقول: هذا من أهل النَّار ربما كَانَ براً بوالديه. نَحْنُ لا نرى ماذا يصنع مع أمه وأبيه، وربما كَانَ ممن يتصدق في السر، وإن كَانَ يفعل بعض المعاصي في العلن، وهكذا فقد يأتي الإِنسَان بعمل أهل الجنة في الظاهر وهو في الحقيقة عند الله من أهل النَّار، أو يعمل بعمل أهل النَّار في الظاهر، وهو في الحقيقة عند الله ﷾ من أهل الجنة.\r\rجف القلم بما هو كائن\rقال الإمام الطّّحاويّ ﵀:-\r[وكل ميسر لما خلق له، والأعمال بالخواتيم، والسعيد من سعد بقضاء الله، والشقي من شقي بقضاء الله]\r\rقَالَ المُصْنِّفُ ﵀: تقدم حديث عَلِيّ ﵁ وقوله ﷺ فيه: (اعملوا فكل ميسر لما خُلق له) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690299,"book_id":1659,"shamela_page_id":1425,"part":null,"page_num":1425,"sequence_num":1425,"body":"وعنزهير عنأبى الزبير عن جابر بن عبد الله ﵄، قَالَ: ﴿جَاءَ سراقة بن مالك بن جعشم فقَالَ: يا رَسُول الله! بين لنا ديننا كأنا خُلقنا الآن، فيم العمل اليوم؟ أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير، أم فيما يستقبل؟ قَالَ: لا، بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير، قَالَ: ففيم العمل؟ قال زهير: ثُمَّ تكلم أبو الزبير بشيء لم أفهمه، فسألت ما قال؟ فقَالَ: اعملوا فكل ميسر﴾ رواه مسلم.\r\rوعن سهل بن سعد الساعدي رضى الله عنه، أن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النَّار فيما يبدوا للناس، وهو من أهل الجنة) خرجاه في الصحيحين.\r\rوزاد البُخَارِيّ (وإنما الأعمال بالخواتيم) .\rوفي الصحيحين أيضاً عن عبد الله بن مسعود ﵁، قَالَ: حدثنا رَسُول الله ﷺ -وهو الصادق المصدوق- (إن أحدكم يُجمع خلقُه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثُمَّ يكون علقة مثل ذلك، ثُمَّ يكون مضغة مثل ذلك، ثُمَّ يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد، فو الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبقُ عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النَّار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النَّار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها) .\rوالأحاديث في هذا الباب كثيرة، وكذلك الآثار عن السلف قال أبو عمر ابن عبد البر في التمهيد قد أكثر النَّاس من تخريج الآثار في هذا الباب، وأكثر المتكلمون من الكلام فيه، وأهل السنة مجتمعون على الإيمان بهذه الآثار واعتقادها وترك المجادلة فيها، وبالله العصمة والتوفيق] اهـ.\rالشرح:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690300,"book_id":1659,"shamela_page_id":1426,"part":null,"page_num":1426,"sequence_num":1426,"body":"قَالَ المُصْنِّفُ ﵀: [تقدم حديث عَلِيّ ﵁ وقوله ﷺ: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له) ] وهذا الحديث قد تقدم شرحه.\r\rثُمَّ قال ﵀: [وعن زهير عنأبي الزبير عن جابر بن عبد الله ﵄ قَالَ: (جَاءَ سراقة بن مالك بن جعشم فَقَالَ يا رَسُول الله! بين لنا ديننا كأنا خلقنا الآن، فيم العمل اليوم، أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير، أم فيما يستقبل؟)\rهذا الصحابي الجليل سراقة بن مالك بن جعشم يسأل عن هذا الموضوع المهم، موضوع القدر، الذي يرد كثيراً على أذهان جميع البشر مؤمنهم وكافرهم، لماذا جئنا؟\rولماذا نعمل الشر؟\rولماذا نعمل الخير؟\rوهل ما نعمله مكتوب أم مستأنف جديد؟\rوأمثال ذلك من الأسئلة الكثيرة التي تتعلق بموضوع القضاء والقدر.\rفرأى الصحابي الجليل ﵁ أن يسأل عن ذلك أعلم الخلق بالله وبأوامره وأقداره وهو رَسُول الله ﷺ، الذي علَّم الإِنسَانية جميعا طريق الهدى والخير، فسأله سؤال المستفهم المُلِح يا رَسُول الله! بين لنا ديننا كأنا خلقنا الآن؟ وكأننا لا نفهم من قبل شيئاً، فكأنه يريد أن يقول: افترض أنه لا علم لنا بإطلاق، وأنك ستعلمنا هذه الحقيقة لنفهمها ونؤمن بها ونعتقدها منذ هذه اللحظة.\rفكان السؤال: فيم العمل اليوم؟\rثُمَّ فسر \"ما \" هذه بأحد احتمالين:\rقَالَ: (أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير، أم فيما نستقبل؟)\rأي: هذا العمل الذي نعمله يومياً من الطاعات أو المعاصي، من الخير أو الشر، أهو فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير، أي: أمر كتب وقضي، وفرغ منه، أم هو فيما نستقبل؟\rأي: نعمله دون أن يكون قد كتب وجرت به المقادير، وجفت به الأقلام.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690301,"book_id":1659,"shamela_page_id":1427,"part":null,"page_num":1427,"sequence_num":1427,"body":"فنحن نعمل أعمالاً بإرادتنا واختيارنا نعرف الخير منها ونعرف الشر، ففي أي الحالتين هذه الأعمال يا رَسُول الله؟ أهي فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير، أم فيما نستقبل؟ إذ نَحْنُ نفكر ونهم ثُمَّ نعزم ثُمَّ نختار ثُمَّ نفعل الأمر فحينئذ يكون أمراً جديداً حدثاً لم يكن قد قضي وقدّر من قبل.\r\rفأجاب النبي ﷺ فقَالَ: (لا؛ بل فيما جفت به الأقلام، وجرت به المقادير) وهذا إثبات لمرتبتي العلم والكتابة، وإن قلنا: مرتبة الكتابة فصحيح، لأن مرتبة الكتابة تتضمن العلم.\r(قَالَ: ففيم العمل؟)\rوقد ورد هذا السؤال من قبل في حديث عَلِيّ ﵁ المخّرج في الصحيحين لما كَانَ رَسُول الله ﷺ في بقيع الغرقد عند دفن تلك الجنازة فقيل له: (يا رَسُول الله! أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل؟)\rوهنا في هذا الحديث يقول سراقة: (يا رَسُول الله -مادام أن الأمر قد قضي وقدر، وجفت به الأقلام، وجرت به المقادير- ففيمّ العمل؟ قال زهير: ثُمَّ تكلم أبو الزبير بشيء لم أفهمه، فسألت ما قال؟ فقَالَ: (اعملوا فكل ميسر) .\rأي أن النبي ﷺ أعاد لسراقة نفس القول الذي ذكره في حديث عَلِيّ وهو في حديث عَلِيّ أطول، إذ فيه يقول الرَّسُول ﷺ: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة، ثُمَّ قرأ رَسُول الله ﷺ الآيات من سورة الليل وهي: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى [الليل:٥-٧] .\rأي: هذا الذي هو من أهل السعادة ميسر لعمل أهل السعادة، وهو أن يعطي ويتقي ويصدق، وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى -وهذه صفات أهل الشقاوة- فميسر له عمل أهل الشقاوة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690302,"book_id":1659,"shamela_page_id":1428,"part":null,"page_num":1428,"sequence_num":1428,"body":"فهذا الحديث هو تأكيد وتحقيق لما سبق في حديث عَلِيّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، فلا مجال إذاً أن يقال: فيم العمل؟\rأو أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل؟\rلأن الإِنسَان لا يخلو عن العمل فهو عامل إما أن يعمل بالطاعة أو يعمل بضدها فلا بد من العمل، والحل هو كما قال الصحابة رضى الله تَعَالَى عنهم في الرواية الأخرى (قالوا: إذاً نجتهد) فما دام الأمر متروكاً لنا (اعملوا فكل ميسر لما خلق له) .\rفالواجب علينا أن نجتهد، وأن نعمل الطاعات، ونجتهد في اجتناب المحرمات، وبذلك نكون قد سلكنا طريق أهل السعادة وابتعدنا عن طريق أهل الشقاوة، فهذا من فضل الله ومن حكمته ورحمته ﷾ أن جعل الأمر بيد المخلوقين ولذلك يجازيهم عليه، لأنه جعل المسؤولية عليهم، فهم يسألون عن أمر قد علموا أنهم مسئولون عنه.\rثُمَّ يؤكد ويؤيد رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى هذين الحديثين بحديث ثالث وهو حديث سهل بن سعد الساعدي رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ أن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النَّار فيما يبدو للناس، وهو من أهل الجنة) هذا الحديث المتفق عليه وزاد البُخَارِيّ جملة مهمة وهي (وإنما الأعمال بالخواتيم) .\rوالغرض من إيراد هذا الجزء هو إثبات الكتابة وإثبات العلم، ونأخذ ذلك من قوله ﷺ: (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس) هذا في العلم البشري (وهو من أهل النَّار) في علم الله وفي كتاب الله أنه مكتوب من أهل النار، وعكسه الرجل يعمل بعمل أهل النَّار فيما يبدو للناس في العلم البشري، لكنه في علم الله من أهل الجنة، فمكتوب عند الله في ديوان أهل الجنة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690303,"book_id":1659,"shamela_page_id":1429,"part":null,"page_num":1429,"sequence_num":1429,"body":"وسبب الحديث هو الرجل الذي كَانَ في جيش النبي ﷺ يقاتل مع الصحابة الكرام، وكان لا يدع للمشركين شاذة ولا فاذة إلا اتبعها يضربها بسيفه فَقَالَ الصحابة رضوان الله تَعَالَى عليهم: (ما أجزأ منا اليوم أحد كما أجزأ فلان) فيما يظهر لهم لأنه يبلي بلاءً شديدا ويقاتل، ويميل على الْمُشْرِكِينَ يمنة ويسرة يضربهم بالسيف حتى قال الراوي: (لا يدع لهم شاذة ولا فاذة إلا اتبعها يضربها بسيفه) .\rفكان الصحابة الكرام يثنون عليه -هذا العلم البشري الظاهر- يثنون على بلائه وجهاده وشجاعته، وإذا بالنبي ﷺ يقول: (أما إنه من أهل النَّار) فَكُبر ذلك على أصحاب النبي ﷺ وشق عليهم حتى قال بعضهم: (كدت أن أفتتن) فالأمر إذاً خطير، كيف نرى إنساناً يعمل هذه الأعمال من الطاعات والقربات والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وطلب العلم وأمثال ذلك، ويكون من أهل النار؟ هذا شيء عجيب!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690304,"book_id":1659,"shamela_page_id":1430,"part":null,"page_num":1430,"sequence_num":1430,"body":"ولو أن النَّاس اطلعوا على الغيب لربما ذهلوا من كثرة ما يقع من هذه الحالات، ولو أن الله ﷿ يطلعنا على الغيب لوجدت أن فلاناً الذي تحبه وتثق فيه وتظن فيه الدين والخير والإيمان من أهل النار، وفلاناً الشرير الذي لا تطمع فيه بخير ولا تنظر إليه بعين من أهل الجنة، فتستغرب ذلك، وربما ضلت وزاغت عقول، ولروبما فتنت قلوب، والمخرج من هذا وحتى لا يزعزع القلوب ولا يزلزلها أبداً هو عندما يؤمن الإِنسَان حقيقة بأن علمه قاصر، وأن نظرته محدودة، وأن الله ﷾ هو الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وأن الأمر ليس منه ﷾ ظلماً، أي: لا يجوز لنا أن نسيئ الظن بربنا، فنرى إنساناً عابداً تقياً زاهداً ثُمَّ يختم له بخاتمة سوء فنقول: ما دام أن هذا الرجل ختم له بالسوء فمن يأمن ربه تَعَالَى الله عن ذلك، لا نأمن أن يدخل الأولياء الصالحين العبُّاد النَّار، أو أن يدخل الفجار الأشرار الجنة.\rإذاً: المسألة مجرد احتمال، فيرجع الأمر إِلَى محض المشيئة، وهذا خطأ عظيم وقع فيه كثير من أرباب السلوك، المربون الذين يسمون بأهل السلوك من المتصوفة وغيرهم، الذين ظنوا أن الأمر راجع إِلَى محض المشيئة، فشاء لهذا فأدخله النار، وإن عمل ما عمل من الطاعات، وشاء لهذا فأدخله الجنة وإن عمل ما عمل من المعاصي لأن الأمر مشيئة فقط، والحق أن الأمر ليس متعلقاً بالمشيئة وحدها بل متعلق بغيرها، نعم المشيئة متعلقة بكل شيء، فلا يقع من شيء في الكون طاعة كَانَ أو معصية إلا بالمشيئة، هذا أمر مفروغ منه، لكن زيادة على المشيئة هنالك عدل الله ﷾ وحكمته وأنه تَعَالَى لا يظلم أحداً أبداً.\rوهنالك وجوب إحسان الظن بالله كما قال ﷺ: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه) فكيف يسيء العبد ظنه بربه إِلَى هذا الحد، ويجعل الأمر أمر مشيئة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690305,"book_id":1659,"shamela_page_id":1431,"part":null,"page_num":1431,"sequence_num":1431,"body":"إذاً فلماذا شرع الدين، وأنزلت الكتب؟\rولماذا أرسل الرسل إذا كَانَ الأمر محض مشيئة؟\rلا يمكن ذلك أبداً.\rفلما أثر الحديث على الصحابة رضوان الله تَعَالَى عليهم ولما شق عليهم الأمر وحال هذا الرجل: (قال أحدهم: أنا صاحبه) قَالَ: أنا سأتتبعه لأرى كيف يعمل بعمل أهل الجنة وهو من أهل النَّار قَالَ: (فخرج معه كلما وقف وقف معه، وإذا أسرع أسرع معه، قال: فجرح الرجل جرحاً شديداً فاستعجل الموت) .\rأصابه جرح شديد بالغ فلم يتحمل الألم فاستعجل الموت (فوضع نصل سيفه من الأرض وذبابه بين ثدييه ثُمَّ تحامل عليه -واتكأ بنفسه على السيف- فقتل نفسه) .\rفَقَالَ رَسُول الله ﷺ: (إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدوا للناس، وهو من أهل النَّار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النَّار فيما يبدو للناس، وهو من أهل الجنة) فأيقن الصحابة الكرام رضى الله تَعَالَى عنهم لما رأوا واطلعوا على ذلك الحدث، والذين لم يروا الرجل من الصحابة عندما وقعت له هذه النهاية السيئة والخاتمة السيئة -نعوذوا بالله من سوء الخاتمة- وإنما رأوا أفعاله الحسنة وجهاده، ثُمَّ سمعوا كلام رَسُول الله ﷺ فيه وقوله: (أما إنه من أهل النَّار) .\rفالواجب عليهم التسليم، ومع ذلك يجب عليهم حسن الظن بالله ﷾ حتى لا يخطر على العقول أنني قد أعمل الطاعات وأجتهد فيها، ثُمَّ لا أدري إلا وقد قُذف بي إِلَى النار، ليس الأمر كذلك، هذا الرجل عمل الطاعة فيما يبدو للناس، لكن لما كَانَ قلبه منطوياً على غير ذلك، ظهر أثر ذلك عندما عجّل نفسه إِلَى ربه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690306,"book_id":1659,"shamela_page_id":1432,"part":null,"page_num":1432,"sequence_num":1432,"body":"فالمجاهد المخلص يصبر على القتال، ويصبر على الجرح والألم، بل الإِنسَان حتى في غير الجهاد لا يجوز له أن يقتل نفسه، بل يجب أن يصبر على أي بلاء يبتلى به، فلما أن فعل الرجل ذلك انكشفت الحقيقة التي لم نكن نعلمها لولا أن رَسُول الله ﷺ قد أخبر بها من قبل، ثُمَّ شوهدت بالعين، وهي: أن عمل ذلك الرجل إنما كَانَ عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، في ظاهر علمنا البشري فقط، وإلا فخاتمته خاتمة سوء، ونهايته نهاية سوء، نسأل الله العفو والعافية.\r\rمن الخطأ الاقتصار على جانب الترهيب في الموعظة\rقال النبي ﷺ: (إنما الأعمال بالخواتيم) ولا بد أن نفهم هذه الحقيقة التي ضل فيها كثير من النَّاس، فقد كَانَ من المشهورين بالوعظ والتذكير والتربية عَلَى هذا الأمر الحارث المحاسبي واشتهر بذلك لأنه كَانَ يُعلِّم مريديه وتلاميذه المحاسبة، فيأمرهم أن يحاسبوا أنفسهم، ويعلم النَّاس في المساجد دقائق الأمور فَيَقُولُ: حاسب نفسك عَلَى المعصية فلا تقع في معصية، وإذا اجتهد الإِنسَان وأخلص وعمل الطاعة عَلَى الوجه الصحيح، وهو مخلص وصادق، أيضاً جاءوا إليه وأخذوا يكلمونه ويقولون: لا تدري ما نهايتك عند الله ربما تكون من أهل النار، وعمقوا هذا الكلام وربوا النَّاس عليه وأكثروا منه كانت النتيجة: أن قنط الأتباع، ولم يثقوا في عدل الله ولا في حكمته.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690307,"book_id":1659,"shamela_page_id":1433,"part":null,"page_num":1433,"sequence_num":1433,"body":"وأهُمِلَ الجانبُ الآخر جانب الرجاء والترغيب فيما عند الله، والتذكير بسعة رحمة الله، وأنها سبقت غضبه، وأن أمره ﷾ متردد بين الفضل وبين العدل، ولا يخرج عن العدل بأي حال من الأحوال إلى الظلم، تُرك هذا الجانب بقصد أن يتزكى الناس، وأن يخلصوا أعمالهم، فلما سلك أُولَئِكَ الشيوخ هذا المسلك المخالف لهدي النبي ﷺ، ولهدي القُرْآن الذى نراه بين أيدينا يأتي بأهل الجنة وبأوصافهم وأحوالهم، ثُمَّ يعرض لأهل النَّار وأوصافهم وأحوالهم، وإذا جاءت آيات في الترهيب جاءت آيات في الترغيب، فهذه هي التربية السليمة القويمة، لكن مجرد التركيز عَلَى جانب الترهيب فقط، فقد يؤدي إِلَى أن يقنط بعضهم وييأس.\rولو أن التخويف كان عند أهل المعاصي، لكان أقرب، مع أنه حتى أهل المعاصي لا ينبغي ولا يصح أن نأخذهم بمجرد التخويف، أرأيتم لو أن أناساً ممن يشربون الخمر ويزنون ويفعلون، من المحرمات ما يفعلون وكان الواعظ يعظهم دائماً بالتخويف.\r\rفإنه سينتج عندهم -أو عند بعضهم- هذه الحالة، وهو أن ييأس فيقول له الشيطان: أنت إذاً من أهل النَّار فاستمر عَلَى عمل أهل النار، فيستمر ولا يتوب، لكن لو اقترن بعد الترهيب وبعد الوعظ الشديد والزجر والردع عن هذه المعاصي القول بأن الله غفور رحيم، وأن رحمته سبقت غضبه، وأنه تَعَالَى يبسط يده بالليل ليتوب مسيئ النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، وأنه ﷾ يبدل السيئات حسنات لمن تاب، وأنه يقبل توبة العبد ما لم يغرغر، ويقبل التوبة ما لم تطلع الشمس من مغربها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690308,"book_id":1659,"shamela_page_id":1434,"part":null,"page_num":1434,"sequence_num":1434,"body":"فأنت في هذه الحالة بعد أن خوفتهم تماماً، أصبحوا يريدون أن يبحثوا عن المخرج، وأنت قد أعطيتهم المخرج، وهذا هو المخرج في أن يتوبوا إِلَى الله ويعودوا إليه ولن يردهم أبداً، بل يكفر عنهم ما أسلفوا من الخطايا ويقبلهم ويظهرهم منها، ويبدل تلك الخطايا والموبقات حسنات عظيمة، وهذا الترغيب مما يجعل التائب يقبل عَلَى الطاعة ويقلع عن المعصية، فهذا هو هدي القُرْآن وعليه ربى النبي ﷺ أصحابه، فكان ﷺ يأخذ كبار الصحابة المتمسكين الأوابين المخبتين، بالحساب عَلَى الدقائق، ولكنه ﷺ كَانَ يعامل المذنبين والمخطئين والمقصرين المقبلين إليه بالرحمة، وبالقبول وبالسعة، ليؤوي أولئك، ويحتضنهم هَؤُلاءِ.\r\rأما أُولَئِكَ المقربون فليزدادوا رفعة، وليزدادوا في درجة الإحسان، فهذه التربية الحكيمة لا بد منها، أما ما يفهمه كثير من الناس، وكثير من الوعاظ من أمثال هذه الأحاديث أنها لمجرد التئييس والتقنيط الذي يصل بالنَّاس إِلَى أن يسيئوا ظنهم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﷿ فهذا غير صحيح، وإن كَانَ لابد أن نتعظ ونعظ النَّاس بها لكن عَلَى الفهم الصحيح وقد وقع أهل الكلام في مثل هذا الفهم الخاطئ.\r\rفهذا مذهب الأشعرية القائلين بأن الأمر يرجع إِلَى المشيئة المحضة، فإن شاء جعل إبليس وجنوده في الجنة، وجعل أعظم الأولياء -ولا يقولون: محمداً ﷺ تورعوا عن الكلمة، وإلا فهذا مرادهم- وجعل أعظم الأولياء والصالحين في النار.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690309,"book_id":1659,"shamela_page_id":1435,"part":null,"page_num":1435,"sequence_num":1435,"body":"وهذا ليس مذهب أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ في الإيمان بالقدر، وإنما نؤمن بالقدر عَلَى أساس الإيمان معه بحكمة الله ﷾، والإيمان معه بعدل الله ﷾: (يا عبادي إني حرمت الظلم عَلَى نفسي، وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا) . فهو الغني ﷾ لم يظلمهم، وهو الغني عن طاعتهم، كما أنه لا تضره معصيتهم، إذاً فالأعمال بالخواتيم.\r\rالعبرة المأخوذة من حديث الصادق المصدوق\rوالحديث الآخر حديث الصادق المصدوق الذي نفهم منه العبرة التي أشرنا إليها فيما مضى وهي تتكون من أمرين:\rالأمر الأول: هو اتهام النفس، فلا يتهم ربه، وإنما يتهم الإِنسَان نفسه بالتقصير، ويعاملها بالاتهام ليدفع عنها الغرور والعجب، دون أن يخرجه ذلك إِلَى حد سوء الظن بالله، أو اليأس من رحمته؛ لأنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون، فلا ييأس الإِنسَان من روح الله ولا يقنط من رحمته، لكن ليجتهد في الطاعات، ومع ذلك يتهم نفسه وعمله ولا يدري أُقِبل عمله أم لم يُقبل؟ مع ثقته في أن الله ﷾ لن يضيع عمل عامل من المؤمنين أبداً.\r\rالأمر الثاني: عدم القطع لمعين بجنة أو نار؛ لأننا لا ندري، فقد نرى الإِنسَان يعمل عمل أهل الجنة فيما يظهر لنا، أو نراه يعمل بعمل أهل النَّار فيما يظهر لنا، والحال أنه يكون بخلاف ذلك عند الله، وهل يعني هذا أن نشك في أهل الخير والصلاح ولا نثق بهم؛ لأنه يمكن أن يكونوا من أهل النار، وأن نتودد أو نحسن الظن بالمجرمين، لأنهم يمكن أن يكونوا من أهل الجنة كما يفهم بعض النَّاس وكما فهم ذلك المتكلمون والأشعرية وغيرهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690310,"book_id":1659,"shamela_page_id":1436,"part":null,"page_num":1436,"sequence_num":1436,"body":"بل المقصود أنك إذا رأيت عبداً في طاعة وتقوى وإخلاص وعلم وجهاد وأمر بمعروف ونهي عن المنكر، وكل أعمال الجنة التي جعلها الله ﷾ أسباباً توصل إِلَى رضاه وإلى جنته، فإنك تحبه وتواليه وترجو له الجنة ولا تقطع؛ لأنك لا تدري عن الحقيقة، فعدم علمك بالحقيقة لا يجعلك تيأس أو تسيئ الظن به، بل يجعلك لا تجزم له فقط، وترجو له الثواب. .\rفإذا مات نرجو أن يكون من أهل الجنة فنقول: ما علمناه إلا صالحاً، وما علمنا عليه إلا الخير، هكذا نحسبه والله حسيبه، ولا نزكي عَلَى الله أحداً، كما علمنا النبي ﷺ، وأما الآخر صاحب الفجور والظلم والمعاصي والقبائح والموبقات، فإنك تخاف عليه من النار؛ لأنه يعمل بعمل أهل النَّار هذا الذي يظهر لك، وتخاف عليه منها، ولكن هل تجزم له بذلك، لا؛ لأنك لا تدري، ربما يكون له حسنة لا تعلمها، وإلا فإن شهادة المؤمنين معتبرة، كما في الحديث الصحيح (أنه مر عَلَى النبي ﷺ بجنازة فسأل الصحابة فأثنوا خيراً، فقال: وجبت، ثُمَّ مُر عليه ﷺ بجنازة أخرى فسألهم فأثنوا شراً، فقال: وجبت، ثُمَّ قال النبي ﷺ: أنتم شهداء الله في الأرض) والصحابة الكرام لم يقولوا: هذا من أهل النَّار يا رَسُول الله! ولا قالوا: هذا من أهل الجنة يا رَسُول الله، وإنما أثنوا عَلَى صاحب الخير خيراً، وذكروا صاحب الشر أيضاً بالشر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690311,"book_id":1659,"shamela_page_id":1437,"part":null,"page_num":1437,"sequence_num":1437,"body":"إذاً: إذا رأيت إنساناً مات ووجدت أهل الخير يثنون عليه خيراً، فإنك ترجو له الجنة وتزكيه، ولا تزكي عَلَى الله أحداً، ولكن ترجو له الخير والثواب؛ لأن هَؤُلاءِ هم شهداء الله في الأرض، لكنك لا تجزم؛ لأنك لا تعلم الغيب، وعكسه لو ذكر إنسان بالشر، وسمعت أهل الخير والإيمان والصلاح يذمونه، فإنك أيضاً تظن فيه الشر والسوء، وتخاف عليه من العذاب، تتوقع له ذلك لكن لا تجزم؛ لأنك حينئذ تقع في الخطأ والخلل، ويجب أن نوفق بين كون المؤمنين شهداء الله في الأرض، وبناءً عَلَى شهادتهم تجري الأحكام الظاهرة، أما علم الغيب الأحكام الباطنة فهي عند الله ﷿، وبين إيماننا بأن الله ﷾ عدل، بأنه حكم قسط، وأنه حكيم، وبين إيماننا أيضاً بأن مشيئته تنفذ، وأن من كتبت له الشقاوة فهو من أهلها، وأيضاً من كتبت له السعادة فهو من أهلها، هذا الذي يجب وينبغي لعباد الله حيال ذلك.\r\rأما حديث عبد الله بن مسعود في الصحيحين قَالَ: (حدثنا رَسُول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق) .\rعبد الله بن مسعود ﵁ يروى عن النبي ﷺ كثيراً من الأحاديث، وهذا الحديث بالذات يقول فيه: وهو الصادق المصدوق؛ لأن هذا الحديث يتضمن أموراً عجيبة، لا تُعلم إلا من طريق الوحي، وربما زلت فيها الأفهام، وضلت فيها العقول، وهو أمر القدر.\rفيقول رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: (وهو الصادق المصدوق) يوطئ لما سيخبرك عنه، فكأنه يقول: أيها العبد المؤمن صدق رَسُول الله ﷺ، فهو الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى ويقول: اسمعوا ما أقوله لكم من الصادق المصدوق وطنوا أنفسكم عَلَى قبوله، وهيؤها لتلقيه بالإيقان، وبالإعتقاد الجازم وعدم الشك أو التردد، لأنه صادق مصدوق ﷺ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690312,"book_id":1659,"shamela_page_id":1438,"part":null,"page_num":1438,"sequence_num":1438,"body":"قَالَ: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثُمَّ يكون علقة مثل ذلك، ثُمَّ يكون مضغة مثل ذلك، ثُمَّ يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات، بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد، فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النَّار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النَّار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها) .\rفمضمون هذا الحديث هو نفس رواية حديثسهل المتقدم بزيادة البُخَارِيّ رضى الله تَعَالَى عنه وهي قوله: (إنما الأعمال بالخواتيم) .\rأنواع الكتابة\rوالمصنف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يريد أن يثبت لنا في هذا الحديث مرتبة العلم والكتابة، ولهذا ذكر ذلك فقَالَ: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه ... ) إِلَى أن قال: (ثُمَّ يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله..) .\r\rفالمقصود إذاً هو الكتابة، وهي كتابة فردية لنفس الفرد، والكتابة الكونية: هي أول ما خلق الله القلم فَقَالَ له: اكتب، فكتب مقادير كل شيء وعرشه عَلَى الماء، فالكتابة الكونية كتابة تتعلق بالكون كله، وأما الكتابة في هذا الحديث فهي الفردية، والكتابة الكونية تتضمن الفردية لا العكس، ففي ذلك اللوح كتب شأن كل إنسان.\rولهذا قال من قال من السلف في قوله تعالى: إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُون [الجاثية:٢٩] قَالَ: [وهل يكون النسخ إلا من أصل] أي: الملائكة تطابق عَلَى ما في اللوح المحفوظ، فتستنسخ ذلك، وما تنسخه من اللوح المحفوظ هو ما يفعله العباد تماماً، وما محي من ذلك فليس في الأصل، وهو أم الكتاب يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد:٣٩] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690313,"book_id":1659,"shamela_page_id":1439,"part":null,"page_num":1439,"sequence_num":1439,"body":"فالكتابة الكونية هي الكتابة التي كتبها الله ﵎ أول ما خلق القلم، ولم يكن حينئذ من المخلوقات المعروفة لنا إلا العرش والماء -كما سيأتي- ثُمَّ خلق القلم قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وأمره أن يكتب كل ما هو كائن هذا نوع من الكتابة.\r\rوالنوع الثاني: الكتابة النوعية: أي التي تشمل النوع الإِنسَاني كله، وهي ما أخذه الله ﷾ من الميثاق لما استخرجهم من ظهر آدم، وكتب أن هَؤُلاءِ في الجنة وهَؤُلاءِ في النَّار، ثُمَّ الكتابة الفردية التي تتعلق بكل فرد في ذاته، وذلك عندما يأتيه الملك لينفخ فيه الروح ويكتب ما يتعلق بهذا الفرد في ذاته، من رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد.\rثُمَّ الكتابة الحولية: وهي ما يكون في ليلة القدر، أي: التقدير الحولي الذي يقدره الله ﵎ في ليلة القدر من هذه الليلة إِلَى مثلها من العام القادم، ثُمَّ بعد ذلك التقدير اليومي وهو: الإيجاد والخلق والتدبير، يدبر الله ﵎ هذا الكون، ويخلق ويوجد فيه ما قدره ﷾ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [الرحمن:٢٩] ، وقوله ﷺ: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثُمَّ يكون علقة مثل ذلك، ثُمَّ يكون مضغة مثل ذلك، ثُمَّ يرسل إليه الملك) .\rالنطفة: تطلق في لغة العرب عَلَى القليل من الماء، والمقصود بذلك هو الماء الذي يخلقه الله ﷾ ليقذف في الأرحام، ثُمَّ يكون علقة، والعلقة: هي الدم المتختر المتجمع، وهذه العلقة هي الحيوان المعروف في المياه، والمضغة هي القطعة من اللحم بقدر ما يمضغ الإِنسَان.\rوالمقصود أن هذه الثلاث المراحل معروفة وجاءت في الكتاب الحكيم، ثُمَّ جاءت في هذا الحديث تصديقاً لذلك (ثُمَّ يرسل إليه الملك) ثُمَّ هذه الأخيرة متى؟ بعد الثلاث المراحل أو بعد مرحلة منها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690314,"book_id":1659,"shamela_page_id":1440,"part":null,"page_num":1440,"sequence_num":1440,"body":"الخلاف في تحديد زمن نفخ الروح\rيرى بعض العلماء أن هذه المراحل عَلَى ظاهرها في الترتيب، أي أن الملك ينفخ فيه الروح بعد مائة وعشرين ليلة، فهذا وجه فهمته طائفة من العلماء، وطائفة أخرى قالوا: إن نفخ الروح يكون بعد الأربعين الأولى: وفي بداية الطور الثاني وهو طور العلقة، ويستدلون عليه بأحاديث صحيحة منها حديث حذيفة: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثُمَّ يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح) وقوله: (ثُمَّ يكون علقة مثل ذلك، ثُمَّ يكون مضغة مثل ذلك) استطراد فاصل لبيان أن هذه المراحل كل مرحلة منها مدته أربعون ليلة، ولا يكون المقصود أن النفخ مترتب عَلَى المراحل، هكذا فهم بعض العلماء، وتعارضت بذلك الأحاديث والله ﵎ أعلم، وهذا الأمر اختلف فيه أيضاً الأطباء واختلفت أنظارهم فيه، وإن كَانَ الطب الحديث كما سمعنا ونقرأ -وعلمنا بذلك محدود- يميل إِلَى القول إِلَى أنه يكون نفخ الروح في الطور الثاني، إلا أن هناك قولاً لابن القيم رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ربما يحل الإشكال لو تأملناه، أو لو ثبت لدينا بطريق القطع يقول ابن القيم رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: هنالك ملكان: أحدهما: ملك موكل بالنطفة، وهذا يأتي علي رأس الأربعين أو بعد اثنتين وأربعين ليلة لحديث حذيفة، وأما الملك الذي يكتب الأربع كلمات فهو: ملك آخر وهو يأتي عَلَى رأس المائة والعشرين ليلة، فكأن النطفة تمر بها حالتان: الحالة الأولى: يأتيها الملك الموكل بها يغيرها ويقلبها من طور إِلَى طور، وقد تنفخ فيها الروح وتكون ذات حياة، لكن هذه الحياة حياة خاصة حياة جنينية، وأما الحياة التي هي الحياة الحقيقية التي يكون بها الإِنسَان بشراً فهي بعد المائة والعشرين والله تَعَالَى أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690315,"book_id":1659,"shamela_page_id":1441,"part":null,"page_num":1441,"sequence_num":1441,"body":"وأنا أقول: لا نقطع بهذا مع أنه قول تبدو عليه الوجاهة لأن الأحاديث متعارضة، وقد حاولت أن أوفق وأجمع الأحاديث عَلَى هذا القول فلم تجتمع لدي تماماً، والأمر بحاجة إِلَى مزيد تتبع، ولعل الله أن يفتح لنا فيه، ويراجع شرح الحديث في جامع العلوم والحكم لابن رجب، وشفاء العليل لابن القيم.\rالكتابة العمرية\rوقال ﷺ: (ويؤمر بأربع كلمات) هذا الملك يأتي إِلَى هذا الجنين فيكتب أربع كلمات (رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد) فقوله: \"رزقه\" يكتب كل ما سيرزق هذا الإِنسَان في حياته، ويوضح ذلك ما قاله النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (إن روح القدس نفث في روعي) أي: ألقي في نفسي وألقي في قلبي (أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب) .\rفيكون الطلب كما وصفه الله ﷾ طلب الذين لا يسألون النَّاس إلحافاً، يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، وليس رزقه بكثرة الحرص ولا بالإلحاح ولا بكثرة الجهد والعمل، صحيح أنه يعمل ويجتهد ويطلب ويسأل النَّاس فيما هو جائز شرعاً أن يسألهم فيه، لكن كل ذلك مع التعفف عدم الإلحاح، بل مع الطلب الجميل، لأنه لن تموت نفس إلا إذا استكملت ما كتب لها من الرزق، ولو بقي لإنسان أن يأكل شيئاً ما لن يموت حتى يأكله.\rولهذا يعطى للإنسان الشربة من الماء أو التمرة فيشرب النصف أو يأكل النصف ثُمَّ تقبض روحه، ويترك النصف الآخر لأنه أخذ النصف المكتوب، وترك النصف الذي لم يكتب، فلا يمكن أبداً أن يموت إنسان وقد بقي مما كتب له شيء، فهذا الرزق أما الأجل فقد قال تعالى: إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [يونس:٤٩] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690316,"book_id":1659,"shamela_page_id":1442,"part":null,"page_num":1442,"sequence_num":1442,"body":"فكل نفس تتنفسه معدود، وعمر كل إنسان محسوب، فإذا جَاءَ الأجل فقد يستنشق الإِنسَان النفس ثُمَّ لا يخرجه، أو يخرجه ثُمَّ لا يدخله، عندئذ ينقطع عن هذه الدنيا فيستكمل ما كتب له نَفَساً نَفَساً، لأن الله ﷾ قد قدر ذلك وكتبه لا محالة، فهذا يكتب عند أول ما تنفخ الروح.\rلِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ [الحديد:٢٣] فلو أنا آمنا بالقدر بهذه الحقيقة، لما كَانَ هذا الأسى والجزع والقنوط إذا أصابنا الشر وأصابنا ما نكره، ولما كَانَ الهلع والفرح والعُجب إذا جاءنا ما نريد، فإن المسألة مكتوبة لا زيادة في أحدهما ولا نقصان منه،\rقوله: [وعمله] فكل ما يعمل من أعمال الخير أو الشر فإنه مكتوب مسطر، فالعمل مكتوب وقد يقول قائل مثلما قال سراقة رضى الله تَعَالَى عنه: (فيم العمل اليوم؟ أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير، أم فيما نستقبل؟ قال: لا؛ بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير) فيكتب العمل، ومع العمل يأتي الأمر الرابع وهو شقي أو سعيد.\rإذاً: عندنا أمران: الأول: عمل، والثاني: نهاية وخاتمة، فالعمل: عام قد يكون عمل خير أو عمل شر، والخاتمة هنا فَصَّلت (شقي أو سعيد) . فقد يكون العمل عملاً فيه خير لكن النهاية شقاوة، أو العكس.\rإذاً: هنا أمران كل منهما منفصل عن الآخر: العمل والخاتمة: إما الشقاوة وإما السعادة، ولهذا قَالَ: (فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النَّار فيدخلها) فهذا الكلام شرح لمسألة الشقاوة والسعادة ولهذا كَانَ عبد الله بن مسعود رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ يقول: \"السعيد من سعد في بطن أمه، والشقي من شقي في بطن أمه \".\r\rخطأ من فسر حديث ابن مسعود بحديث سهل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690317,"book_id":1659,"shamela_page_id":1443,"part":null,"page_num":1443,"sequence_num":1443,"body":"فالذين فسروا حديث عبد الله بن مسعود بحديث سهل في كلامهم شيء من الإخلال والتقصير، وذلك لأن حديثسهل بن سعد فيه: (يعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس) لكن هو في الحقيقة عامل بعمل أهل النَّار، وعكسه (يعمل بعمل أهل النَّار فيما يبدو للناس) لكنه في الحقيقة يعمل بعمل أهل الجنة هذه حالة، والذي تكلمنا عنه حالة أخرى، وهي حالة إنسان يعمل بعمل أهل الجنة لحظات أو أيام أو فترات، ثُمَّ يعمل بعمل أهل النَّار فترات، والاحتمال الثاني هنا أعم في الدلالة، فحديث عبد الله بن مسعود فيه زيادة وهي أن تتهم نفسك، وتحرص عَلَى الخير، وتجتهد عَلَى أن تقوي إيمانك كل ما ضعف، ولهذا يقول ﷺ: (إن الإيمان ليَخْلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب) يعني يبلي، فإن خَلق يخلق: بلي يبلي مثلها وزنا ومعنى، فالإيمان يبلى كما يبلى الثوب، فجدد إيمانك كما تجدد ثيابك تغسلها أو تغيرها، فلو جَاءَ الأجل والإِنسَان قد بلي إيمانه ولم يجدده فإن هذا هو الخطر، وإذا جاءه وقد جدد إيمانه يكون الخير، فيفهم من حديث عبد الله بن مسعود رضى الله تَعَالَى عنه أن الأعمال بالخواتيم، وأن الإِنسَان يجتهد في أن يزداد إيمانه، وأن يتهم نفسه، والإِنسَان في الحقيقة قد يكون ممن لديه إيمان، لكن هذا الإيمان بلي مع الزمن، كما طال الأمد عَلَى أهل الكتاب فقست قلوبهم، ثُمَّ عوتب أصحاب النبي ﷺ لذلك أيضاً قال تعالى: وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ [الحديد:١٦] فقد كَانَ إيمانهم حقيقياً صادقاً ولكن مع طول الأمد بغير تجديد، يقسو القلب ويصبح الإيمان أمراً عادياً لديه، فلو أدركت العبد منيته في حال قسوة القلب، لكان من أهل الشقاوة -عياذاً بالله- ليس لأنه كَانَ يعمل الطاعة فيما يبدو للناس، وإنما لأنه كَانَ يعملها، ثُمَّ فترت وضعفت همته، ولم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690318,"book_id":1659,"shamela_page_id":1444,"part":null,"page_num":1444,"sequence_num":1444,"body":"يواصلها، أو لم يجدد إيمانه.\rفهذا الفرق بين الحديثين وفي كل منهما عبرة لنا وعظة، وهي أنه يمكن أن تغير الكتابة الفردية العمرية التي يكتبها الملك للإنسان في الرحم وهو جنين في بطن أمه، تغير بناءً عَلَى ما سيعمله الإِنسَان من أعمال، وهذا التغيير يكون موافقاً لما في أم الكتاب، كما في حديث: (من أراد أن يُنسأ له في أثره فليصل رحمه) وحديث (لا يرد القضاء إلا الدعاء) فمن وصل رحمه، وأكثر من الدعاء، فقد يصرف عنه ما قد كتب عليه وهو في بطن أمه، لكن ما وقع يكون مطابقاً للكتابة الأزلية الكونية المطابقة لعلم الله ﷾. يقول: (إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النَّار فيدخلها) نسأل الله العفو والعافية.\r\rإذاً فدخول النَّار مترتب عَلَى العمل، وأما سبق الكتاب فهو في علم الله ﷾؛ لأن السعيد من سعد في بطن أمه، والشقي من شقي في بطن أمه، والعبرة بالخواتيم، فقد يعمل الإِنسَان بعمل أهل النَّار، ولكن يختم له بخاتمة خير، ومن النَّاس من أسلم وجاهد كما في الحديث الصحيح عن (الرجل الذي جَاءَ إِلَى النبي ﷺ فأسلم فدخل الصف فجاهد فقاتل فقتل، ولم يسجد لله ﷿ سجدة واحدة) أسلم ودخل المعركة، فهذا ختم له بخاتمة خير رغم أن كل ماضيه كَانَ غير ذلك، والحال أيضاً أن الإِنسَان قد يعمل بعمل أهل الجنة، ويظن المؤمنون أنه منهم.\rفلما جَاءَ الموت تكشفت الحقائق ونطق بما في قلبه، وأظهر الكفر الذي كَانَ يكتمه في قلبه، فيكون هذا حاله، لكن لا يشغلنا ذلك عن العبرة العظمى وهي: أن الأعمال بالخواتيم، لهذا جَاءَ في وصية النبي ﷺ: (اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق النَّاس بخلق حسن) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690319,"book_id":1659,"shamela_page_id":1445,"part":null,"page_num":1445,"sequence_num":1445,"body":"فلو أن العبد المؤمن كلما غلبته نفسه وغفلت فارتكب سيئة أتبعها بحسنة لمحتها وكفرتها، ولو لم تكن تلك الحسنة إلا أن يقول: استغفر الله ويتوب، فهذه حسنة من أعظم الحسنات، والاستغفار يمحو الله تَعَالَى به الخطايا.\r\rيقول: [والأحاديث في هذا الباب] أي: في باب إثبات الكتابة والعلم السابق [كثيرة وكذلك الآثار عن السلف] من أكثر من جمع ذلك الحافظ اللالكائي ﵀ في كتابه شرح أصول اعتقاد أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ والإمام الآجري ﵀ في كتابه الشريعة والإمام ابن بطة العكبري في الإبانة والحافظ أبو عمر ابن عبد البر أيضاً في التمهيد الذي أشار إليه هنا.\rوأيضاً كتب السنة أفردت أبواباً للقدر ذكرت فيه هذه الأحاديث وزيادة عليها، فغالب كتب الحديث والسنة ذكرت ذلك يقول: [قَالَ: أبو عمر ابن عبد البر ﵀ في التمهيد قد أكثر النَّاس من تخريج الآثار في هذا الباب، وأكثر المتكلمون من الكلام فيه، وأهل السنة مجتمعون عَلَى الإيمان بهذه الآثار واعتقادها وترك المجادلة فيها، وبالله العصمة والتوفيق] وأكثرشَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ ﵀ في كتابه درء تعارض العقل والنقل (ج ٨،٩) فيما يتعلق بمسألة القدر ومسألة الفطرة وذكر كلام ابن عبد البر وعلق عليه، واستدرك وأضاف رضى الله تَعَالَى عنهما.\r\rما هو سر الله في خلقه؟\rقال الطّّحاويّ ﵀:\r[وأصل القدر سر الله تَعَالَى في خلقه، لم يطلع عَلَى ذلك ملك مقرب، ولا نبي مرسل، والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان، وسلم الحرمان، ودرجة الطغيان، فالحذر كل الحذر من ذلك نظراً وفكراً ووسوسة، فإن الله تَعَالَى طوى علم القدر عن أنامه، ونهاهم عن مرامه، كما قال تَعَالَى في كتابه: لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء:٢٣] فمن سأل: لم فعل؟ فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب، كَانَ من الكافرين]","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690320,"book_id":1659,"shamela_page_id":1446,"part":null,"page_num":1446,"sequence_num":1446,"body":"قَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:\r[أصل القدر سر الله في خلقه، وهو كونه أوجد وأفنى وأفقر وأغنى، وأمات وأحيى، وأضل وهدى. قال علي ﵁:القدر سر الله، فلا تكشفه. والنزاع بين النَّاس في مسألة القدر مشهور، والذي عليه أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ: أن كل شيء بقضاء الله وقدره، وأن الله تَعَالَى خالق أفعال العباد، قال تعالى: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر:٤٩] وقال تعالى: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً [الفرقان:٢] . وأن الله تَعَالَى يريد الكفر من الكافر ويشاؤه، ولا يرضاه ولا يحبه، فيشاؤه كوناً، ولا يرضاه ديناً.\rوخالف في ذلك القدرية والمعتزلة، وزعموا أن الله شاء الإيمان من الكافر، ولكن الكافر شاء الكفر، فروا إِلَى هذا لئلا يقولوا: شاء الكفر من الكافر، وعذبه عليه! ولكن صاروا كالمستجير من الرمضاء بالنَّار! فإنهم هربوا من شيء، فوقعوا فيما هو شر منه، فإنه يلزمهم أن مشيئة الكافر غلبت مشيئة الله تعالى، فإن الله قد شاء الإيمان منه -على قولهم- والكافر شاء الكفر، فوقعت مشيئة الكافر دون مشيئة الله تعالى! وهذا من أقبح الاعتقاد، وهو قول لا دليل عليه، بل هو مخالف للدليل.\r\rروى اللالكائي من حديث بقية، عن الأوزاعي، حدثنا: العلاء بن الحجاج، عن مُحَمَّد بن عبيد المكي قال: قيل لابن عباس: إن رجلاً قدم علينا يكذب بالقدر، فقَالَ: دلوني عليه، وهو يومئذ أعمى، فقالوا له: ما تصنع به؟ فقَالَ: والذي نفسي بيده، لئن استمكنت منه لأعضن أنفه حتى أقطعه، ولئن وقعت رقبته بيدي لأدقنها، فإني سمعت رَسُول الله ﷺ يقول: (كأني بنساء بني فهم يطفن بالخزرج تصطك إلياتهن مشركات، وهذا أول شرك في الإسلام والذي نفسي بيده لينتهين بهم سوء رأيهم حتى يخرجوا الله من أن يقدر الخير، كما أخرجوه من أن يقدر الشر) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690321,"book_id":1659,"shamela_page_id":1447,"part":null,"page_num":1447,"sequence_num":1447,"body":"قوله: وهذا أول شرك في الإسلام، إِلَى آخره، من كلام ابن عباس. وهذا يوافق قوله: القدر نظام التوحيد، فمن وحد الله، وكذب بالقدر، نقض تكذيبه توحيده.\rوروى عمر بن الهيثم قَالَ: خرجنا في سفينة، وصحبنا فيها قدري ومجوسي، فَقَالَ القدري للمجوسي: أسلم، فَقَالَ المجوسي: حتى يريد الله، فَقَالَ القدري: إن الله يريد ولكن الشيطان لا يريد، قال المجوسي: أراد الله وأراد الشيطان، فكان ما أراد الشيطان! هذا شيطان قوي!! وفي رواية أنه قَالَ: فأنا مع أقواهما!!\r\rووقف أعرابي عَلَى حلقة فيها عمرو بن عبيد، فقَالَ: ياهَؤُلاءِ إن ناقتي سرقت فادعوا الله أن يردها علي، فَقَالَ عمرو بن عبيد: اللهم إنك لم ترد أن تسرق ناقته فسرقت، فارددها عليه، فَقَالَ الأعرابي: لا حاجة لي في دعائك، قَالَ: ولم؟ قَالَ: أخاف كما أراد أن لا تسرق فسرقت أن يريد ردها فلا ترد!!\r\rوقال رجل لأبي عصام القسطلاني: أرأيت إن منعني الهدى وأوردني الضلال، ثُمَّ عذبني، أيكون منصفاً؟ فَقَالَ له أبو عصام: إن يكن الهدى شيئاً هو له، فله أن يعطيه من يشاء، ويمنعه ممن يشاء] اهـ.\rالشرح:\r\rيقول الإمام الطّّحاويّ [وأصل القدر سر الله تَعَالَى في خلقه، لم يطلع عَلَى ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل] ويشرح المُصْنِّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- هذه العبارة فَيَقُولُ: [أصل القدر سر الله في خلقه وهو كونه أوجد، وأفنى، وأفقر، وأغنى، وأمات، وأحيى، وأضل، وهدى] أي: ليس القدر كله سراً، وإنما أصله هو الذي سر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690322,"book_id":1659,"shamela_page_id":1448,"part":null,"page_num":1448,"sequence_num":1448,"body":"ومعنى ذلك: أن الذين ينهون عن الخوض في القدر مطلقاً؛ لأن البحث يبعث الشك والريب، هذا خطأ منهم؛ لأن الصحابة -رضوان الله تعالى- عليهم سألوا النبي ﷺ عن أدق الأمور في القدر، أي: في القدر الذي يستطيع العقل أن يجول وينظر فيه كما سألوه في حديث عَلِيّ وجابر ﵄ وغيرهما عندما قالوا له: يا رَسُول الله! هذه الأعمال التي نعملها أهي فيما نستقبل من أمرنا، أم فيما جفت به الأقلام، وجرت فيه المقادير؟ .\rوحديثسراقة وغيره.\rوكذلك حديثعمران بن حصين -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- لما أن سأل أبا الأسود الدؤلي عن مسألة القدر فقَالَ: أفلا يكون ذلك ظلماً، فقال: أبو الأسود ففزعت لذلك فزعاً شديداً، وقلت: لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، فَقَالَ له عمران بن حصين -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ-: \"إنما سألتك لأحزر عقلك\" لأرى هل عندك عقل، هل أنت قوي الحجة؟.\rإذاً: الصحابة رضوان الله تَعَالَى عليهم سألوا النبي ﷺ في مسائل من القدر، ولم تزل الأمة تتسائل، والعلماء تجيب بأمور من القدر، فليس صحيحاً أن مبحث القدر لا يخاض فيه مطلقاً ومثل ذلك ما يقوله بعض النَّاس في مسائل الصفات يقولون: لا نبحث في مسائل الصفات مطلقاً، وإذا سألته أو حاولت أن تستفصل منه قال لك: نؤمن ونسلم، ولا نبحث في شيء.\r\rنعم لا بد أن نسلم وأن نؤمن هذا حق، لكن هذا المذهب إن لم يكن هو مذهب التفويض فإنه يفضي إليه، والمفوضة هم: الذين يؤمنون بأن هذه العبارات وهذا الكلام أنزله الله؛ لكن لا يبحثون عن معناه، ولا يعتقدونه، ولا يؤمنون به، وهذا المذهب من شر المذاهب، وهذه البدعة حاربها السلف رضوان الله تَعَالَى عليهم وقاوموها. ففي مبحث الصفات لا نبحث عن الكيفية، ولكن نبحث عن معنى الصفة وثبوتها، ودلالتها إذا كَانَ لها دلالة أو آثار، لكن لا نبحث عن الكيفية؛ لأننا نهينا عن ذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690323,"book_id":1659,"shamela_page_id":1449,"part":null,"page_num":1449,"sequence_num":1449,"body":"وكذلك في مسألة القدر نبحث -مثلاً- في مراتب القدر، وهل للعبد مشيئة أم لا؟ وما حدود هذه المشيئة؟ ونبحث عن المعاصي، ونقول: هل المعاصي داخلة في المشيئة، في خلق الله أم غير مخلوقة لله ﷾ وما أشبه ذلك من الموضوعات عَلَى ما فيها من دقة، وعلى ما فيها من أمور وعلى أنه ليس كل أحد يستطيع أن يجيب فيها، لكن هناك من يعلمها، وقد علمها السلف وعلموها أصحابهم وتلاميذهم، ومازال العلم يتناقل فيها إِلَى اليوم.\rأما الذي لم يطلع عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل والذي لا يخاض فيه فهو أصل القدر، وهو أن يقَالَ: لماذا خلق الله تَعَالَى فلاناً؟ ولماذا قدر هداية فلان ومعصية فلان وكفر فلان؟ كما إذا قيل: لماذا جعل الله تَعَالَى الإِنسَان مكلفاً، وجعل الملائكة خيراً محضاً، وجعل الشياطين شراً محضاً؟ وهذا السؤال يكون كفراً إذا كَانَ عَلَى جهة الاعتراض والرد.\rأما لو سأل وهو جاهل، أو سأل وهو يظن أن في ذلك حكمة تخفى عليه ويعلمها غيره فمثل هذا يوجه إِلَى الصواب في هذه المسألة، لكن من سأل عَلَى سبيل الاعتراض - وهذا هو الحاصل - ليردوا ما ثبت من القدر. فيقولون: لماذا أضل الشيطان وهدى آدم؟ على سبيل القول بأن ذلك -عياذاً بالله- من الظلم ومن التحكم، ومما لا نعلم له حكمة، هَؤُلاءِ الذين يسألون هذا السؤال هم المعترضون عَلَى الله ﵎، وهَؤُلاءِ كفار، كما ذكر المُصْنِّف ﵀.\rيقول: [فمن سأل لِمَ فعل؟ فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب كَانَ من الكافرين] أي من سأل سؤال المعترض المحاجج المخاصم لربه، ولهذا فإنالسلف الصالح -رضوان الله تَعَالَى عليهم- سموا القدرية خصوم ربهم، ومن أنت حتى تعترض عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ! وما لك من الأمر حتى تحاجه، وتقول له: لم فعلت؟! ليس لأحد من الأمر شيء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690324,"book_id":1659,"shamela_page_id":1450,"part":null,"page_num":1450,"sequence_num":1450,"body":"بل الأمر كله لله، ولكنه ﷾ كتب عَلَى نفسه الرحمة، وقد سبقت رحمته غضَبه، وهو حرم الظلم عَلَى نفسه. وجعله بيننا محرما، وهو لا يعامل العباد إلا بأمرين: إما بالفضل، وإما بالعدل، ولا يظلم ربك أحداً؛ فليس هنالك حكم ولا أمر من أوامر الله ﷾ القدرية يخرج عن العدل بأي حال من الأحوال. فأصل القدر هذا الذي هو سر الله في خلقه، والذي لا يسأل عنه ولا يخاض فيه، ولا يتعمق فيه؛ وهو كونه تَعَالَى أوجد وأفنى.\rلماذا أوجد؟ ولماذا أفنى؟ كل هذا لا يجوز أن يخاصم فيه بأية حال من الأحوال؛ لأن العقول تتقاصر عن معرفة ذلك، وهذا هو الذي أمرنا فيه أن نسلم لرَبِّ الْعَالَمِينَ ﷾ فهو الذي خلق هذا الخلق، وهو الذي أعطى ومنع، وهو الذي أمات وأحيا، وهو الذي أضحك وأبكى، وهو الذي أغنى وأقنى، وهو الذي أضل وهدى لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون.\r\rمعنى مقولة علي \" القدر سر الله ... \"\r[قال علي ﵁: \" القدر سر الله فلا نكشفه \"] هذا القول لعَلِيّ -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- يتناقل في بعض كتب الأدب وكتب التراجم، وأنا إِلَى الآن لم أعثر عليه مسنداً متصلاً بسند صحيح، ولكن إن كَانَ المقصود بالعبارة هو أن أصل القدر سر فلا نسأل عنه ولا نبحث عنه، فهذا يتفق مع ما ذكرنا ولا إشكال في ذلك.\rوأما إن كَانَ المراد من ذكر ذلك أن أمير المؤمنينعَلِيّ -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- يعرف ويعلم سر القدر، ولكنه -كما ذكر بعض الروافض- أنه سُئل عن القدر فقَالَ: ذلك سر الله، فلا نكشفه أي: أنا أعرفه ولأنه سر الله فأنا لا أكشفه، فهذا يتناقض مع ما قرره الشيخ ﵀ حيث يقول: [لم يطلع عَلَى ذلك ملك مقرب، ولا نبي مرسل] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690325,"book_id":1659,"shamela_page_id":1451,"part":null,"page_num":1451,"sequence_num":1451,"body":"فكيف يكون عَلِيّ -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- يعرفه ولكنه لم يبينه ولم يكشفه؛ لأن عقول النَّاس لا تحتمله، كما أشار إِلَى ذلك أبو حامد الغزالي وغيره ويقولون: إن علياً -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- عنده ألف باب من العلم، وفي كل باب إِلَى ألف مدينة.. إِلَى آخر ذلك، وأنه لا يمنعه من بث ذلك العلم إلا أن النَّاس لا تحتمله عقولهم -سُبْحانَ اللَّه- وأي علم لا تحتمله عقول خير البشر، وأفضل النَّاس علماً، وأكملهم عقلاً هم أصحاب النبي ﷺ أفلا كَانَ علم واحداً منهم هذا العلم، ولهذا عندما قال قائلهم الأبيات التي يتمثل بها الغزالي كثيراً.\rيارُب جوهر علم لو أبوح به لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا\rولاستحل رجال مسلمون دمي يرون أقبح ما يأتونه حسنا\rيقول: إن هناك جواهر من العلم لا يبوح بها، ولو أنه باح بها لقيل: إنه ممن يعبد الوثن. هذا الأبيات تنسب إِلَى بعض أهل البيت، وتمثل بها الغزالي وغيره، فلو أنه أباح به لقيل له: إنك تعبد الأوثان ولاستحلوا دمه، ولهذا يكتمه، ولهذا ألف كتابه المضنون به عَلَى غير أهله ويجعلون كلمة عَلِيّ -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- هذه من هذا الباب.\rوالباطنية الفرقة الخبيثة المرتدة التي هي أكفر من اليهود والنَّصَارَى يقولون: إن النبي ﷺ كَانَ لديه علم باطن، ويروون عن عُمَر -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- أنه قَالَ: \" كان النبي ﷺ وأبي بكر كَانَ يتحدثان وكنت كالزنجي بينهما \" أي: لا يفهم شيئاً مما يقولان أي: في العلم الباطن، فإذا تكلما في العلم الظاهر فهم الكلام ونقله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690326,"book_id":1659,"shamela_page_id":1452,"part":null,"page_num":1452,"sequence_num":1452,"body":"يعني أن هذا العلم الباطن يخفى حتى عَلَى عمر ثُمَّ يقولون: إنه أورثه الوصي أي: عَلِيّ -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- فعنده العلم الباطن وعنده الأسرار ومنها أنه مطلع عَلَى سر القدر. وكل هذا الكلام من الكفر الصريح؛ لأنه يناقض معلوماً من الدين بالضرورة، وهو أن النبي ﷺ بلغ الدين كاملاً، فالنبي الذي أرسله الله رحمة للعالمين يبث وينشر العلم الظاهر (علم الرسوم) .\rوأما الجواهر المكنونة والعلوم المضمونة التي هي أنفس وأغلى وأثمن يختص بها ابن عمه وزوج بنته -عياذاً بالله- حاشاه ﷺ، وهو الذي كَانَ يسأله الصحابة وكل النَّاس فيبين لهم. وهو ﷺ الذي أمرنا أن ندعو إِلَى الله وأن نجاهد الكفار لنبلغ دعوة الله إِلَى آفاق الدنيا، يكتم هذا العلم ولا يطلع عليه حتى عُمَر؟ وإنما يختص به علياً أو غيره. وعَلِيّ أيضاً يكتمه ولا يعطيه إلا أبناءه ويبقى سراً يتناقلونه. ماهذه الأخلاق؟! هذه ليست بأخلاق الأَنْبِيَاء ولا بأخلاق الفضلاء.\rوالله ﷿ قد أمر نبيه أن يبلغ دينه فَقَالَ له:يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ [المائدة:٦٧] ومع ذلك يقال: إنه لم يبلغ إلا العلم الظاهر، أما العلم الباطن فقد كتمه. ثُمَّ يأتي من يؤلف في العلم المضنون به عَلَى غير أهله، ما هو هذا العلم المضنون به؟ أي علم هو؟ أهو أفضل من القرآن، فالقرآن لم يُضَن به عَلَى أحد، بل يحفظه الأطفال في المساجد، وفي كل مكان، وإن كَانَ دونه، فكيف يظن بشيء أنه أعلى من القرآن؟ ولهذا يقول بعضهم: مما يضن به تفسير القرآن، وأن لكل حرف من حروف القُرْآن سر، ولهذا السر سر، ولهذا الباطن باطن، إِلَى سبعمائة باطن.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690327,"book_id":1659,"shamela_page_id":1453,"part":null,"page_num":1453,"sequence_num":1453,"body":"ونعود إِلَى القضية الأولى وهو: أن النبي ﷺ إنما علمنا من هذا القُرْآن رسمه أي حروفه فقط. لكن الحقائق والجواهر والمعاني الباطنة العميقة اختص بها علياً أو غيره.\rإذاً هذا النبي لم يبلغ، وحاشاه من ذلك ﷺ، فمثل هذه العبارة ينبغي أن ينتبه إِلَى ما فيها من الاحتمال، حيث قد يفهمها بعض النَّاس بل قد فهموها عَلَى غير حقيقتها.\rفأما إن كَانَ الجواب كما هو في بعض النسخ أنه قَالَ: سر الله فلا تكشفه. أي: لا تبحث عنه. فلا أنا أعلم ولا أنت تعلم ولا أحد يعلم، فهذا واضح، وسر الله ﷿ لا يعلمه أحد، فهذا هو المعنى أو الاحتمال الذي يظن بعَلِيّ -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- إن صحت عنه الرواية.\rالنزاع بين أهل السنة والقدرية\rقول المُصْنِّف -رحمة الله-: [النزاع بين النَّاس في مسألة القدر مشهور] قد ذكرنا فيما سبق أصل هذا النزاع، وكيف نشأ، أما الصحابة رضوان الله تَعَالَى عليهم فلم يكن فيهم قدري ولله الحمد.\rبل روى اللالكائي عن طاووس قَالَ: أدركت أكثر من ثلاثمائة نفس من أصحاب النبي ﷺ كلهم يؤمن بأن الله خالق الشر والخير.وذكر اللالكائي روايات عنهم. فالصحابة -رضوان الله تَعَالَى عليهم- كانوا يؤمنون بالقدر كما نص عَلَى ذلك حديث جبريل وغيره، وكما هو صريح القُرْآن كما في هذه الآيات، فلم يكن فيهم مخالف.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690328,"book_id":1659,"shamela_page_id":1454,"part":null,"page_num":1454,"sequence_num":1454,"body":"لكن وقع النزاع والاختلاف -كما ذكرنا- عندما ظهر معبد الجهني وغيلان الدمشقي، وكل منهما تلقى ذلك عن النَّصَارَىكما أشرنا إِلَى أنمعبداً كَانَ في البصرة، وهي قريبة من مذاهب البلاتشتية، ومذاهب وفلسفات الهند؛ فهنالك كانت لديهم هذه الأمور والفلسفات فوقعت في قلب معبد أو سمعها منهم، وأما غيلان فإنه كَانَ في دمشق وكان فيها النَّصَارَىوقد أعطوا العهد وبقوا في بلاد الشام من النَّصَارَى، ويقَالَ: إن سُوسَن النصراني أويوحنا هو الذي علم غيلان الدمشقي شبهة القدر.\rالمهم أن هذه الشبهة حصلت في عهد صغار الصحابة كابن عمر وابن عباس -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُما- ومنذ ذلك الحين والخلاف مستمر، وقد ذكرنا كيف تطور الأمر من مسألة الكلام في معاصي العباد إِلَى الجبر المحض وآل إِلَى وحدة الوجود عند الصوفية، وكذلك آل الآمر بالذين ينكرون القدر إِلَى أن وجد فيهم من ينكر علم الله ﷾ الذي لا ينكره ولا يجهله أحد.\rوقد ذكر المُصْنِّف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى هنا العبارة الأخيرة التي هي أهم مادار فيه البحث وهي: [أن الله ﷾ يريد الكفر من الكافر ويشاؤه] كما هو مذهبأهل السنة ويريد هنا بمعنى يشاؤه، وليست بمعنى يشرعه أو يطلبه.\rفإن الإرادة تختلف عن المشيئة؛ لأن الإرادة تكون شرعية وتكون قدرية كونية؛ فإذا كانت الإرادة قدرية كونية؛ فهي بمعنى المشيئة، لكن إذا كانت الإرادة شرعية فهي بمعنى شرع وطلب. فيجب أن نفرق بين معنيي الإرادة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690329,"book_id":1659,"shamela_page_id":1455,"part":null,"page_num":1455,"sequence_num":1455,"body":"والمصنف هنا لما عطف عليها المشيئة قصده أن معنى الإرادة هي الكونية أي: أن الله تَعَالَى يريد الكفر كوناً ويشاؤه، ولذلك قَالَ: [ولا يرضاه ولا يحبه، فيشاؤه كوناً ولا يرضاه دينا] فكل ما يكون في الكون كله من خير أو شر، من محبوب أو مبغوض، فهو كله بمشيئة الله وإرادته، فأما ماكان من مشيئة الله فلا بد أن يتحقق، فما شاء الله كَانَ وما لم يشأ لم يكن؛ لكن ما أمر الله به وشرعه فقد يكون وقد لا يكون؛ لأن الله ﷾ جعل حكمته في أن الابتلاء يكون في جانب الشرع هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ [التغابن:٢] فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ [النحل:٣٦] فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ [الأعراف:٣٠] .\rفالابتلاء في مسألة الأمر الشرعي الطلبي الذي أحبه الله ﷾ ورضيه، وهذا يتحقق من قوم ولا يتحقق من آخرين؛ لكن كل ما يفعله هَؤُلاءِ النَّاس مما وافق شرع الله أو خالفه؛ فهو موافق للإرادة الكونية وللمشيئة العامة الشاملة. هذا هو موجز كلام أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وخالف في ذلك القدرية والمعتزلة.\rوقد ذكرنا أن القدرية أول ما نشأت عَلَى يد معبد وغيلان ولم يكونا معتزليين، لكن لما جَاءَ زعيم المعتزلة عمرو بن عبيد ورث القدر عن معبد ونشره، وأصبح إذا قيل: القدرية تطلق على المعتزلة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690330,"book_id":1659,"shamela_page_id":1456,"part":null,"page_num":1456,"sequence_num":1456,"body":"وقد دخلت الروافض في مذهب الاعتزال في الصفات والقدر، واعتنقوه ابتداءً من القرن الرابع فما بعده، وأخذت الرافضة دين المعتزلة في جوانب الاعتقاد، وبقيت لها المسألة التي اختصت بها وهي الإمامة، وما أشبه ذلك، فأصبحت عقيدة المعتزلة الآن في القدر موجودة عند الروافض. فلما قال المصنف: \"القدرية والمعتزلة \" كأنه يشير إِلَى الترتيب التأريخي؛ لأن القدرية ظهرت أول الأمر في زمن الصحابة، ثُمَّ ظهرت المعتزلة وورثوا ذلك، ثُمَّ بعد ذلك ورث المعتزلة الرافضة.\r\rشبهة القدرية وردها.\rقول المُصْنِّف ﵀: [وخالف في ذلك القدرية والمعتزلة، وزعموا أن الله شاء الإيمان من الكافر، ولكن الكافر شاء الكفر] . أي: أن المشيئتين تعارضتا، ويلزمهم أن مشيئة العبد غلبت مشيئة الله -والعياذ بالله- وَقَالُوا: لأن الله تَعَالَى لم يشأ الكفر، لكن العبد فعل ما لم يشأه ربه، فوقع في الكفر هذا موجز الشبهة. [فروا إِلَى هذا؛ لئلا يقولوا: شاء الكفر من الكافر، وعذبه عليه] ، هذا أصل الشبهة، وأصل السؤال أنه قيل: آلله شاء الكفر من الكفار، وشاء المعصية من العاصي؟ قيل لهم: نعم قالوا: كيف يشاؤه ثُمَّ يعذبهم عليه، أليس هذا ظلماً؟! وهذا هو السؤال الذي سأله عمران بن حصين لأبي الأسود الدؤلي؛ لكن هَؤُلاءِ القوم لم يأخذوا الجواب من الصحابة، وإنما أخذوه -كما أسلفنا- من فلاسفة اليهود والنَّصَارَىوالصابئين فَقَالُوا: إذاً لا مخرج من هذا إلا أن نقول: أن الله يتنزه عن الظلم، ولهذا نقول: إن الله لم يشأ الكفر ولم يشأ المعاصي، وإنما وقعت بمحض مشيئة العبد. ولما قال غيلان ذلك في زمن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- جَاءَ به. وسأله عن العلم، قال: يا غيلان: أتؤمن أن الله عَلِمَ وكَتَب أفعال العباد خيرها وشرها؟ قَالَ: نعم، فقَالَ: أنت محجوج ولو جحدت لكفرت.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690331,"book_id":1659,"shamela_page_id":1457,"part":null,"page_num":1457,"sequence_num":1457,"body":"ولهذا أفضى القول بغلاتهم إِلَى إنكار العلم، فَقَالُوا: إن الله لم يعلم ذلك ولم يكتبه، وأن الأمر أُنف. والذين أنكروا العلم كفار، أفتى بذلك الإمام مالك والشَّافِعِيّ وأَحْمَد وغيرهم تبعاً لفتوى أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز؛ لأن صريح القُرْآن دال عَلَى كفرهم، ومعلوم من الدين بالضرورة عند الْمُسْلِمِينَ عامتهم وخاصتهم أن الله ﷾ يعلم ما كَانَ وما سيكون، فمن أنكر علم الله بمعاصي العباد وبكفرهم، وأنه لا يعلم بها إلا بعد أن يفعلوها فهو كافر.\rإذاً: هذا القول هو قول غلاة القدرية، أما غير الغلاة: فأنكروا المرتبة الأخيرة وهي: أن الله تَعَالَى خلق أفعال العباد من الشر، وَقَالُوا: كيف يكون الله ﷾ هو الذي خلق الكفر أو الفجور أو الخمر أو الزنى في العباد؟ فظنوا أنهم بذلك ينزهون الله تَعَالَى عن الظلم وعن الشر، ولهذا يقول المُصْنِّف ﵀: [فروا إِلَى هذا؛ لئلا يقولوا شاء الكفر من الكافر وعذبه عليه؛ ولكن صاروا كالمستجير من الرمضاء بالنار؛ فإنهم هربوا من شيء فوقعوا فيما هو شر منه] هربوا من نسبة مشيئة الشر إِلَى الله، ووقعوا في القول بأن مشيئة العبد غلبت مشيئة الرب، والغلاة وقعوا في شر من ذلك وهو أنهم أرادوا أن ينزهوا الله عن الظلم، وينزهوا الله عن نسبة الشر إليه ووقعوا في أقبح من ذلك وهو القول بأنه يجهل ذلك -تَعَالَى الله عن ذلك علواً كبيرا- هذا أضل وأخبث مما فروا منه، وَقَالُوا: إن الله لم يشأ من الكافر إلا الإيمان، ولكن الكافر خرج عن مشيئة الله وفعل الكفر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690332,"book_id":1659,"shamela_page_id":1458,"part":null,"page_num":1458,"sequence_num":1458,"body":"إذاً هم بهذه الحالة يجعلون المشيئة هي الرضى والشرع. نعم إن الله تَعَالَى لم يرض ولن يرض من الكافر ولا من أحد من الخلق إلا الإيمان ولم يشرع الله للخلق إلا الإيمان، لكن رضاه وشرعه شيء، ومشيئته شيء آخر. وهم لم يفرقوا بينهما فيقولون: [فإن الله قد شاء الإيمان منه] عَلَى قولهم [والكافر شاء الكفر، فوقعت مشيئة الكافر دون مشيئة الله تعالى! وهذا من أقبح الاعتقاد، وهو قول لا دليل عليه] أي: ليس لديهم دليل من النصوص وإنما هو قول مخالف للدليل، وهذه الشبهة وقعت عندهم بقصد أنهم يعظمون الله ويجلونه، ولغرض آخر وهو: أنهم قالوا: لا نفتح المجال لأهل المعاصي أن يحتجوا ويعتذروا بالقدر، وهذا يدل عَلَى ما أشرنا إليه -سابقاً- ونعيد الإشارة إليه وهو أننا لا نحكم عَلَى الأمور بمجرد مقاصد أصحابها.\rلا نقول فلان قصده طيب إذاً كلامه حق؛ بل يقَالَ: إن فلاناً قصده طيب ونيته حسنة ولكن كلامه باطل، فلا يعني صدق النية أحقية القول، فإن عمرو بن عبيد مثلاً كَانَ من العباد الزهاد ومعبد كَانَ فيه عبادة وعلم ولكن لما قالوا: ننزه الله ولا ننسب إليه الشر ولا الظلم ولا نفتح الباب للعصاة والمجرمين، فيذنبون ويجرمون ويقولون هذا بقدر الله، وإن كَانَ قولهم لحسن النية فقد يكون الإِنسَان عَلَى نية حسنة ولكن يكون فعله مردوداً، ولهذا لما قال ﷺ: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) لم يجعل عليه شرطاً أن تكون نيته سيئة أوقصده بهذا أن يهدم الدين.\r\rالأدلة على بطلان مذهب القدرية","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690333,"book_id":1659,"shamela_page_id":1459,"part":null,"page_num":1459,"sequence_num":1459,"body":"ذكر المُصْنِّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- ما يدل عَلَى قِدم الخلاف في القدر وعلى موقف الصحابة -رضوان الله تَعَالَى عليهم- من القدرية، وهو ما رواه اللالكائي بالسند المذكور أنه قيل لابن عباس: إن رجلاً قدم علينا يكذب بالقدر فقَالَ: دلوني عليه وهو يومئذ قد عمي فقالوا له: ما تصنع به فقَالَ: \"والذي نفسي بيده لأن استمكنت منه لأعضن أنفه حتى أقطعها \".\rوهذا الرجل هومعبد الجهني لما جَاءَ إِلَى مكة جاء بعض التابعين وقالوا لابن عباس: إن هاهنا رجلاً ويشيرون إلىمعبد الجهني يكذب بالقدر، وفي رواية أخرى أوردها اللالكائي أشار إِلَى أن معبد قَالَ: إنما يُكذَبُ عليَّ، فلم يستطع أن يقر. يقول ابن عباس: ولئن وقعت رقبته بيدي لأدقنها.\rانظروا إِلَى شدة الصحابة -رضوان الله تَعَالَى عليهم- في معاملة أهل البدع ومقاومتهم، ولو كَانَ أهل السنة قلة قليلة وأهل البدعة هم الغالبون، فحينئذ يكون الحال أن أهل السنة يكفوا أيديهم ويدعو أهل البدعة قليلاً قليلاً؛ لكن إذا كَانَ النَّاس في سنة وخير، ثُمَّ يأتي رجل مبتدع ليفسد ماهم عليه من الحق؛ فإنه يقاوم أشد المقاومة. وقوله: [فإني سمعت رَسُول الله ﷺ يقول: (كأني بنساء بني فهم يطفن بالخزرج تصطك إلياتهن مشركات) ] . هذا الحديث -كما ذكرالأرنؤوط - أنه ضعيف من هذه الطريق؛ لأن فيه العلاء بن الحجاج، ولا يهمنا إلا كلام ابن عباس ﵁ وموقفه من ذلك الرجل القدري.\rوقد ذكراللالكائي أيضاً هذه القصة في موضع آخر، وكذاابن بطة والآجري ذكروها بطرق أخرى، فمجموع الطرق تؤيد أن الأمر قد وقع، وأن ابن عباس ﵄ قد توعد ذلك الرجل الذي جَاءَ في إحدى روايات اللالكائي أنه معبد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690334,"book_id":1659,"shamela_page_id":1460,"part":null,"page_num":1460,"sequence_num":1460,"body":"أما مسألة عودة الشرك وهو المرفوع إِلَى النبي ﷺ: (أن إليات نساء دوس ستضطرب عَلَى ذي الخلصة) فهذا معلوم أنه صحيح ثابت مرفوع إِلَى النبي ﷺ، لكن ابن عباس ﵄ توعد معبداً بما تقدم، ثُمَّ استدل بأن الشرك سيقع في هذه الأمة عَلَى أن هذا من الشرك، ومادام أن النَّاس سيعودون كما نص النبي ﷺ: (لا تقوم الساعة حتى تلحق فئام من أمتي بالْمُشْرِكِينَ، وحتى تضطرب إليات نساء دوس عَلَى ذي الخلصة) وهو صنم خثعم في الجاهلية. أي: مادام أن الشرك سيقع وهذه الأمة هي أمة الإيمان، وأمة التوحيد والسنة، يعقب ابن عباس ﵁ فَيَقُولُ: هذا أول شرك في الإسلام.\rإذاً قد ابتُدئ، ولهذا جَاءَ في رواية أخرى: (أوقد فعلوها) . ولهذا قلنا: إن السلف سموا القدرية مجوس هذه الأمة؛ لأن المجوس أثبتوا إلهين خالقين إله الخير وإله الشر، وهَؤُلاءِ أيضاً أثبتوا أن العبد يخلق الشر، أن الله تَعَالَى يخلق الخير.\rإذاً: هذا أول شرك وقع في هذه الأمة. [قَالَ: والذي نفسي بيده لينتهين بهم سوء رأيهم حتى يخرجوا الله من أن يُقدر الخير كما أخرجوه من أن يُقدر الشر] ؛ لأن باب الشر إذا فتح لا ينغلق، ولهذا قال بعض السلف: \"إياكم ومحدثات الأمور فإنها تبدو صغارا ثُمَّ تؤول كبارا\". فأول ما بدأوا ينزهون الله -بزعمهم- عن الشر فلا يثبتون أنه خالق الشر، ثُمَّ انتهى بهم الحال إِلَى أن وجد من ينكر العلم. إذاً من أنكر علم الله ﷾ أسوأ ممن أنكر نسبة الشر إِلَى الله ﷾.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690335,"book_id":1659,"shamela_page_id":1461,"part":null,"page_num":1461,"sequence_num":1461,"body":"يقول المصنف-﵀: [قوله وهذا أول شرك في الإسلام..إلى آخره من كلام ابن عباس، وهذا يوافق قوله: القدر نظام التوحيد، فمن وحد الله وكذَّب بالقدر نقض تكذيبه توحيده] معنى نظامه أي: الذي به ينتظم، فلا ينتظم التوحيد إلا بالقدر، لأن من أنكر القدر فقد أثبت خالقاً غير الله-﷾ وهذا الذي وقعت فيه القدرية المجوسية.\rهذه الروايات موقوفة عَلَى ابن عباس ﵁ وليست مرفوعة إِلَى النبي ﷺ، ولكن العلماء كابن بطة فيالإبانة والآجري في الشريعة واللالكائي وغيره ذكروها، يقول: [وروى عمرو بن الهيثم قال: خرجنا في سفينة -والمصنف يروي هذه الواقعة ليبين أنهم هربوا من شيء فوقعوا فيما هو شر منه - وصحبنا فيها قدري ومجوسي، فَقَالَ القدري للمجوسي: أسلم] فالقدري داعية، ولا نستغرب هذا فإنه يوجد دعاة وهم عَلَى بدعة وضلالة، وقد يبذلون جهدهم في الدعوة إِلَى الله، ويكون قصدهم الدعوة إِلَى الحق لكنهم عَلَى باطل. فهذا القدري حريص عَلَى أن يسلم المجوسي، لكن انظروا إِلَى سوء بدعته وبطلانها كيف حالت بين هذا الرجل وبين الإسلام. [قال المجوسي: حتى يريد الله] ألا تذكرنا عبارة هذا المجوسي بمن نقول له: صلِّ فَيَقُولُ: إذا شاء الله؛ فالشيطان الذي يلقن المجوس، يلقن تارك الصلاة أيضاً، فعندما ذكر المجوسي لفظة الإرادة جاءت البدعة عند القدري [فقَالَ: إن الله يريد ولكن الشيطان لا يريد] . هذه هي العقيدة التي يريد القدري أن يعلمها إياه، [فأجاب المجوسي وقَالَ: أراد الله وأراد الشيطان فكان ما أراد الشيطان فأنا مع أقواهما!] عياذاً بالله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690336,"book_id":1659,"shamela_page_id":1462,"part":null,"page_num":1462,"sequence_num":1462,"body":"فنتبين بهذا بطلان مذهب القدرية ولو كَانَ المناظر سنياً، لأجابه ببساطة: إن الله ﷾ شاء منك المجوسية، ولكنه أمرك بالإسلام. ولا تعارض بين الأمر الكوني والأمر القدري الذي هو المشيئة، لكن الغالب في هذه المناظرة هو المجوسي؛ لأنه هو الذي قطع حجة القدري. ومما يدل أيضاً عَلَى بطلان هذه العقيدة الضالة قصة الأعرابي مع شيخ الاعتزال عمرو بن عبيد.\r\rواللالكائي ﵀ الذي ذكر هذه الوقائع، أفرد لعمرو بن عبيد ورؤساء المعتزلة باباً بيَّن فيه ما نقله العلماء من سوء عقيدتهم، وقد كَانَ السلف يحذرون من عمرو بن عبيد، ويحذرون من الجلوس معه، عَلَى ما كَانَ فيه من العبادة والزهد والتقشف، حتى كَانَ ضامراً من شدة العبادة، وكان لا يأكل إلا أقل القليل من متاع الدنيا، فجاء الأعرابي عَلَى حلقة فيها عمرو بن عبيد وخُدع الأعرابي بمظهرعمرو، وبما يُقال عنه من العبادة، ورأى عَلَى ظاهره علامات التعبد الطويل.\rفَقَالَ له: يا هَؤُلاءِ: إن ناقتي سرقت فادعوا الله أن يردها عليّ، فتقدم عمرو ليدعو الله عَلَى أساس أنه أصلح الموجودين وأتقاهم، الذي لو دعا لأُجيب من ولايته وصلاحه فقَالَ: اللهم إنك لم ترد أن تسرق ناقته فسرقت فارددها عليه. نزه الله عن الشر وإرادة المعاصي، ولكن الأعراب فيهم الذكاء السريع والبديهة الحاضرة فبدون أن يتكلف، وبدون أن يفكر قَالَ: لا حاجة لي في دعائك، قَالَ: لماذا؟ قَالَ: أخاف كما أراد أن لا تسرق فسرقت، أن يريد أن يردها فلا ترد، وذهب الأعرابي وتركه، فلو كَانَ لدى عمرو بن عبيد إيمان حق وصدق ويريد الحق لكفاه كلام هذا الأعرابي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690337,"book_id":1659,"shamela_page_id":1463,"part":null,"page_num":1463,"sequence_num":1463,"body":"وثعلب اللغوي والنحوي المشهور، سئل هل في الأعراب قدري؟ قال معاذ الله، ما في الأعراب قدري، بل هم في جاهليتهم وإسلامهم تنضح أشعارهم بإثبات القدر، والمصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- أورد هذا ليشير وليثبت أن هَؤُلاءِ فروا من شر توهموه فوقعوا في شر محقق، وقال رجل لأبي عصام القسطلاني: أرأيت إن منعني الهدى، وأوردني الضلال، ثُمَّ عذبني أيكون منصفا؟! يسأله عن الله، وعبارته توحي أن هناك اعتراضاً عَلَى الله ﷾؛ لأنه قال منعني وأوردني!.\rفقالأبو عصام: إن يكن الهدى شيئاً هو له، فله أن يعطيه من يشاء ويمنعه ممن يشاء؛ ولكن نقف مع عبارة السائل هذا \" أرأيت إن منعني الهدى \" هل الله ﷾ منع النَّاس الهدى؟ ليس بهذا الإطلاق، فإن الله ﷾ أوضح الهدى وبينه للناس، وأنزل عليهم كتاباً يتلى ورسولاً يدعوهم إِلَى الله ﷾ فقد بين الهدى ولم يمنعه، كما قال:إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيل) أي: بينا له ووضحنا لهإِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً [الإِنسَان:٣] أي: يختار هو ما يشاءوَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الإِنسَان:٣٠] .\rوقد أجابه أبو عصام: بجواب بسيط مقنع سهل جداً، ومفهومه: إن منعك شيء هو له فهو حقه، وإن منعك شيئاً هو لك فقد ظلمك، والحال أن كل ما في السموات والأرض هو ملك لله ﷾ لا يشركه فيه أحد من العالمين؛ فالله ﷾ لم يمنع أحداً من النَّاس حقه حتى يقال: لِمَ لم يعطه، أو أنه قد ظلمه، فليس لأحد عَلَى الله ﷾ حق بإطلاق.\r\rقال المصنف:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690338,"book_id":1659,"shamela_page_id":1464,"part":null,"page_num":1464,"sequence_num":1464,"body":"[وأما الأدلة من الكتاب والسنة، فقد قال تعالى: وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [السجدة:١٣] وقال تعالى: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [يونس:٩٩] وقال تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير:٢٩] وقال تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً [الإِنسَان:٣٠] وقال تعالى: مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الأنعام:٣٩] وقال تعالى: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَعَّدُ فِي السَّمَاءِ [الأنعام:١٢٥] .\r\rومنشأ الضلال: من التسوية بين المشيئة والإرادة، وبين المحبة، والرضا فسوى بينهما الجبرية والقدرية ثُمَّ اختلفوا:\r\rفقالت الجبرية: الكون كله بقضائه، وقدره فيكون محبوباً مرضياً.\r\rوقالت القدرية النفاه: ليست المعاصي محبوبة لله ولا مرضيةله، فليست مقدرة ولا مقضية، فهي خارجة عن مشيئته وخلقه] اهـ.\rالشرح:\r\rشرع المُصنِّفُ ﵀ في ذكر الأدلة من الكتاب والسنة بعد أن ذكر مذهب القدرية وأتى بالوقائع الدالة عَلَى تهافت مذهبهم وتناقضهم حينما أخرجوا المعاصي والكفر وما يكرهه الله ﵎ عن إرادة الله ومشيئته، وأن في ذلك تنزيهاً له -فيما زعموا- عن نسبة الشر إليه، أو أنه يريد المعاصي ثُمَّ يعاقب عليها فيكون ذلك ظلماً بزعمهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690339,"book_id":1659,"shamela_page_id":1465,"part":null,"page_num":1465,"sequence_num":1465,"body":"والأدلة من الكتاب والسنة تدل عَلَى ما أشار إليه من مذهب أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وهو كما قَالَ: والذي عليه أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ، أن كل شيء بقضاء الله وقدره، وأن الله خلق العباد وخلق أفعالهم.\rالأدلة من الكتاب والسنة على إثبات المشيئة\rقَالَ المُصْنِّفُ ﵀: [أما الأدلة من الكتاب والسنة، فقد قال الله تعالى: وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [السجدة:١٣] وقال تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ َ عَلِيماً حَكِيماً [الإنسان:٣٠] هاتان الآيتان الأولى منهما في سورة السجدة والأخرى في سورة الإنسان، وقد كَانَ النبي ﷺ يقرأ بهما في فجر يوم الجمعة. ولقد قسم الله ﵎ الأمم عَلَى قسمين:\rالقسم الأول: أمم لا كتاب لها وهم المجوس والهندوس والبوذيون وكثير من أمم الشرك، فهذه الأمم لم تعرف يوم الجمعة العيد الأسبوعي، بل لا تعرف الأسابيع لأنها ليس لها أسبوع يبدأ ثُمَّ ينتهي، إنما تعلمت ذلك من الأمم الكتابية، فالمُشْرِكُونَ المنقطعون عن الاتصال بالأمم الكتابية -اليهود والنَّصَارَى والمسلمون- لا يعرفون ذلك.\rوالقسم الثاني: الأمم الكتابية التي لديها أسبوع ضلت في معرفة هذا اليوم، فوقع اليهود على يوم السبت، والنَّصَارَى عَلَى يوم الأحد، وفضل الله ﵎ هذه الأمة بأن وقعت عَلَى اليوم الذي هو حقاً أفضل أيام الأسبوع وهو يوم الجمعة. وهو مقدم عَلَى السبت والأحد فأصبحت الأمم تالية لهذه الأمة المباركة المصطفاة.\r\rوقفات مع سورتي السجدة والإنسان","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690340,"book_id":1659,"shamela_page_id":1466,"part":null,"page_num":1466,"sequence_num":1466,"body":"في هذا اليوم -يوم الجمعة- يُسنُّ أن يقرأ الإمام في صلاة الفجر سورتي السجدة والإِنسَان، ولو تأملنا ما في هاتين السورتين لوجدنا أنهما تشتملان عَلَى بداية خلق الكون، وبداية خلق الإِنسَان، وتشتملان عَلَى أحوال أهل الجنة وأحوال أهل النار، وتشتملان عَلَى القدر، وعَلَى إثبات مشيئة الله ﷾، وهذه من أهم أصول العقيدة الإسلامية.\rفكأن العبد المسلم في كل أسبوع يأخذ من كلام ربه ﷿ هذه الدروس والعبر في عقيدته، فيعلم أول ما يسمع سورة السجدة أن هذا القُرْآن حق غير مفترى كما يزعم الزاعمون، ويدعون ويتبجحون، وأن الله ﷾ خلق هذا الكون وهو خالق كل شيء، وأنه ﷾ استوى عَلَى العرش، وخلق كل شيء وأحسن خلقه، ثُمَّ يأتي بعد ذلك خلق الإِنسَان، ثُمَّ نهايته وإثبات البعث.\rوالحديث عن المشيئة في هذه الآية: وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا [السجدة:١٣] أما في سورة الإِنسَان فيبتدأ يقول: هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً [الإِنسَان:١] وهنالك في السجدة: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانسَانِ مِنْ طِينٍ [السجدة:٧] ففترة كونه طيناً هي التي لم يكن فيها شيئاً مذكورا، حتى سواه ونفخ فيه من روحه بعد أربعين سنة.\rويقول في سورة الإِنسَان: إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً [الإِنسَان:٣] ويقول في سورة السجدة: وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا فالله ﷾ خلق هذا الإِنسَان وجعله مكلفاً مختاراً، فإن شاء اختار طريق الحق وإن شاء اختار طريق الضلال.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690341,"book_id":1659,"shamela_page_id":1467,"part":null,"page_num":1467,"sequence_num":1467,"body":"ولكن اقتضت حكمة الله تَعَالَى أن يكون في النَّاس أهل حق واستقامة وهدى، وأهل باطل وغواية وضلالة كما قال تعالى: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [هود:١١٨-١١٩] وهذا أمر فوق السؤال، فلا يقال: لماذا؟ فكلمة الله تمت بذلك، وقضى به وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا أي: ولو شئنا لوفقناها وآمنت واستقامت عَلَى الحق، أما قوله: إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ.\rفالمقصود هنا: هداية الدلالة والإرشاد، أي: دللناه وأرشدناه وبينا له معالم الطريق، وعليه أن يختار بعد ذلك إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً وهذا راجع إِلَى إرادته، أما الذين أعطاهم الله ﵎ هداية التوفيق فهم المؤمنون الذين آمنوا بالله ﷾، كما قال تعالى: وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا أي: الأمر كله راجع إِلَى مشيئتنا، فلو شئنا لكان النَّاس أمة واحدة عَلَى الهدى والحق، ولكن حق القول مني، وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً [الأنعام:١١٥] .\r\rفهذه الكلمات هي الكلمات الكونية، وليست الكلمات الشرعية، فالقرآن كلام الله عزوجل هو كلماته الدينية الشرعية، أما كلماته الكونية فهي أوامره التي خلق بها الأشياء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690342,"book_id":1659,"shamela_page_id":1468,"part":null,"page_num":1468,"sequence_num":1468,"body":"ويقول الله تَعَالَى في سورة يونس: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [يونس:٩٩] فمن كفر فإنما كفر بمشيئة الله، ومن آمن فإنما آمن بمشيئة الله هذا وجه الدلالة، ولا إشكال فيه، وقوله تعالى: أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ وموضع الآية هنا واضح إذا فهمنا مدلول الآية كلها.\r\rنجد أن كثيراً من المهزومين أو المخدوعين يقولون: إن هذا الدين دين دعوة فقط لا جهاد ولا قتال فيه، وإنما يدعو النَّاس إِلَى أن يؤمنوا به بطواعيتهم وباختيارهم، ويستدلون بقوله تعالى: أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ويقول: قال تَعَالَى: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ [البقرة:٢٥٦] .\rإذاً: ليس في الإسلام قتال من أجل الدين ولا جهاد، فإن قلنا: فهذه الفتوحات الإسلامية، والغزوات النبوية قرابة ثلاثين غزوة وقرابة المائة سرية، والصحابة من بعده وصلوا إِلَى نهاية العالم من جهة الغرب إِلَى المحيط الأطلسي، ولم يكن معروفاً في ذلك الوقت أن وراء هذا المحيط عالماً آخر.\r\rوتوغلوا من جهة الشرق حتى وقَّع لهم ملك الصين على دفع الجزية، ولم يبق شيء من العالم إلا أوروبا وهي قبائل همجية في الشمال وأجزاء قليلة في الجنوب، كيف يكون هذا المجد وهذا الكسب؟ قالوا: هذه حروب دفاعية فقط، فقريش أرادت أن تعتدي عَلَى النبي ﷺ فقاومها وحاربها ويستدلون بقوله تعالى: وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [البقرة:١٩٠] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690343,"book_id":1659,"shamela_page_id":1469,"part":null,"page_num":1469,"sequence_num":1469,"body":"فيأخذون هذه الآية مع الآيتين السابقتين ويشكلون منها قواعد وأحكام يقررونها، وهي أن هذا الدين لا جهاد فيه فيُقَالُ لهم: إن معنى قوله تعالى: لَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أنه قد كتب أزلاً وقدراً أن أناساً سيموتون عَلَى الكفر، وستمتلئ منهم جهنم، أما قوله: أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ فمعناها: أنهم لن يؤمنوا مهما بذلت وحاولت، وقد اختاروا الكفر بإرادتهم واختيارهم، وهذا مطابق لما قد كتب عليهم كوناً وقدراً.\rوليس المقصود من هذا أنك لا تجاهدهم، بل معناها: حتى وإن جاهدتهم فلن يؤمنوا، سواء دعوتهم سراً أو جهراً بالحكمة أو السيف؛ لأنك لا تستطيع أن تكره النَّاس حتى يكونوا مؤمنين، فقد اختاروا ذلك اختياراً، ولن يرجعوا عن ذلك، ولا يمكن واقعاً أن يتحول النَّاس إِلَى أمة واحدة، فاقتضت حكمة الله تعالى وتمت بذلك كلمته أن يكون النَّاس أمة خير وأمة ضلال، وقد جعل الله لكل نبي عدواً من المجرمين لحكمة.\rإذاً: لا تستغرب أيها النبي لأن لك أعداءً، وأنت تحرص عَلَى هدايتهم ومع ذلك لن يهتدي أحد أبداً.\r\rولاعلاقة لهم في كونك تجاهدهم أو لا تجاهدهم، فأمر الآية يتحدث عن أوامر كونية أزلية، وليس عن أوامر أو أحكام شرعية تعبدية؛ فحتى مع الجهاد -وهو مشروع بلا ريب لكي يدخلوا في الدين- لن يؤمن إلا من كتب الله ﵎ له الإيمان، لكن يجب عليك أن تقاتل كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ [التوبة:٧٣] أي: جاهدهم، لكن ليس في حولك ولا في قوتك أن تدخل الإيمان إِلَى قلوبهم، ولم يكلفك الله به، ولكن كلفك أن تدعوهم وأن تجاهدهم، إذاً لا تعارض ولا تناقض بين هذا وذاك.\rالفرق الضالة التي أنكرت الجهاد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690344,"book_id":1659,"shamela_page_id":1470,"part":null,"page_num":1470,"sequence_num":1470,"body":"الذين أنكروا الجهاد كثير منهم الروافض ولهذا سموا الخشبية لأنهم صنعوا لهم سيوفاً من الخشب، وَقَالُوا: لا جهاد إلا مع الإمام، وما دام أن الإمام لم يتول الحكم وكان الأئمة غائبين أو مجهولين، فالسيوف تكون من الخشب، فلما أن أختفى -بزعمهم- الإمام الثاني عشر ودخل السرداب، قالوا: لا جهاد، ولا جمعة، ولا أي حكم من الأحكام التي تتعلق بالإمامة، ولو كانت عَلَى مذهبهم وفقههم، إلاّ إذا خرج الإمام من السرداب.\r\rولهذا خالف منهم من خالف، وأصبح الذي يخالف منهم يعد مجدداً أو نائباً عن الإمام، لأنه غير هذا الحكم، الذي لا يقوم به إلا الإمام، ومع ذلك اتبعوه بزعم النيابة عن الإمام، وكذلك لما انتشر الاستعمار في دول العالم الإسلامي، أراد أن يقضي عَلَى فكرة الجهاد قضاءً مبرماً، وكذلك الأفكار الوافدة تأثر بها عدد كبير من الْمُسْلِمِينَ.\rفالاستعمار أوجد القاديانية التي من أهم أركان دينها إنكار الجهاد، وكَتَبَ القادياني الذي ادَّعى النبوة يقول: إنه يجب إعطاء الولاء للحكومة البريطانية، لأنها حكومة هيأها الله واختارها وأورثها الأرض، فلا يجوز لأي مسلم أن يخرج عليها أو أن يجاهدها، ومن فعل ذلك فقد خالف أحكام الدين وأوامر الله، وكذلك البهائية وغيرها من الفرق التي أنكرت الجهاد.\r\rالغزو الفكري ودوره في القضاء على الجهاد\rأما بالنسبة للغزو الوافد الذي اصطنعه الاستعمار وتأثر به كثير من الْمُسْلِمِينَ، فقد خُيَّلَ إليهم أن الجهاد خاصٌ بعصور الهمجية والانحطاط.\rيقولون: إن الإِنسَانية لما كانت في عصور الهمجية والانحطاط -في المرحلة التي أشار إليها المحللون والمفكرون الغربيون ومنهم كونت صاحب المدرسة الوضعية وغيرها- مرت بثلاث مراحل:\rالمرحلة الأولى: مرحلة الخرافة، والسحر، والكهانة.\rالمرحلة الثانية: مرحلة الدين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690345,"book_id":1659,"shamela_page_id":1471,"part":null,"page_num":1471,"sequence_num":1471,"body":"والمرحلة الثالثة: مرحلة العلم، ومرحلة الدولة الحديثة التي ظهرت ابتداءً من الثورة الفرنسية التي أعلنت مساواة النَّاس في الحقوق والواجبات، ولذلك فليس هناك من مجال لأن يقتل الإِنسَان أخاه الإِنسَان وهكذا يصدرون هذا الكلام لنا.\r\rولم يشهد العالم حروباً دامية مدمرة مثل الحروب التي دارت في أوروبا منذ الثورة الفرنسية إِلَى الآن، مثل حرب السبعين وهي الحرب المشهورة بين الإنجليز والفرنسيين، والحروب بين ألمانيا وفرنسا، والحروب بين ألمانيا وانجلترا \"الحربان العالميتان\" حروب طاحنة، ويقولون: إن ميثاق الثورة الفرنسية -الذي أصبح بعد ذلك أكثر تطوراً بميثاق حقوق الإِنسَان- قد تكفل بأن يعيش العالم الإِنسَاني أسرة واحدة -يسمونها الأسرة الدولية- وكلهم إخوة وأحبة، وعلى ضوء مواثيق الأمم المتحدة لا يكون هناك قتال بين الناس، وعقدوا اتفاقيات تسمى اتفاقيات تحريم الحرب، منها اتفاقياتباريس، ثُمَّ ما بعد الحرب العالمية الثانية، وكذلك اتفاقيات تحريم الرق، ويقولون: إن الإِنسَان أصبح إنساناً حراً متحضراً متطوراً.\rوقد تسامى وترفع عن عصور الانحطاط والجاهلية، التي كَانَ الإِنسَان يهاجم فيها أخاه الإِنسَان ويغزوه، وهذا الكلام يصدر إِلَى العالم الإسلامي ويشاع ويكتب، بل حتى كتب عن الجهاد في الإسلام بما يؤيد هذه الفكرة الاستعمارية والخديعة الماكرة، في حين أن الغرب لم يتخلَّ قط عن الأخذ بأسباب القوة، فالذي يُدرس في أوروبا يقال علناً في كل مكان وهو: \"إن الحياة صراع والبقاء للأقوى\"، هذا قانون علمي يدرَّس كنظرية علمية في الأحياء وفي الجيلوجيا وفي غير ذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690346,"book_id":1659,"shamela_page_id":1472,"part":null,"page_num":1472,"sequence_num":1472,"body":"وكذلك في واقع الحياة، ولهذا لا مجال لرحمة ضعيف هزم، في حين أنهم يصدرون إلينا المعاني الإِنسَانية التي تتضمن ترك هذا الواجب العظيم من الواجبات التي فرضها الله ﷾ عَلَى هذه الأمة، فتصبح الأمة الإسلامية ذليلة تابعة، وقد أسهمت الصوفية والمرجئة وغيرهم في إلغاء الجهاد، وفي كتابأهمية الجهاد في نشر الدعوة الإسلامية للدكتور علي العلياني تفصيل لهذه الأمور.\r\rوأما الحديث عن القدر فإن الله ﷾ قد قدَّر وقضى كوناً: أن النَّاس عَلَى طريق السعادة أو طريق الشقاوة، وقال تَعَالَى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير:٢٩] فهنا يثبت الله ﷾ المشيئة للعبد، فلا شك أن العبد ما دام أنه حي فهو بطبيعته فاعل متحرك، وهو عامل لأنه حارث وهمام.\rفبطبيعته يعمل ويتحرك، وهذه الحركة لا تكون إلا عن اختيار ومشيئة، إذاً فمشيئة العبد لا شك فيها، وأنها ليست موضع نقاش ولا جدال، أما قول: الجبرية فهو أمر خارج عن العقل والفطرة والشرع، وليس لهم شبهة في الحقيقة.\r\rأما نفي القدر فله شبهة التبست ووقع فيها بعض النَّاس، ولقد رد القُرْآن والأحاديث الصحيحة وأهل العلم عَلَى هذه الشبهة، فالله يقول: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فلستم مستقلين بأعمالكم ولا بإرادتكم، وإنما هي وفق مشيئة الله ﷾، فما شاء كَانَ وما لم يشأ لم يكن، كما قال الشاعر:-\r\rفما شئتَ كَانَ وإن لم أشأ وما شئتُ إن لم تشأ لم يكن\rمشيئة العبد تابعة لمشيئة الخالق","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690347,"book_id":1659,"shamela_page_id":1473,"part":null,"page_num":1473,"sequence_num":1473,"body":"المشيئة المطلقة هي لله ﷿ والعبد له مشيئة، لكن قد يشاء العبد أمراً فلا يكون إلا ما شاءه الله ﷾، ولهذا فالقدرية الذين يجعلون العبد مستقلاً بمشيئته، وقد وقع لهم عدد من النماذج، وقد روى اللالكائي ﵀ من ذلك قصتين منها:\rأن رجلاً من القدرية كان جالساً مع بعضأهل السنة وكان في يده بيضة فقَالَ: يقولون: إن الإِنسَان لا يفعل ما يشاء فها أنا أشاء أن آكل هذه البيضة من الذي يمنعني فوضعها في فمه، وكان موجوداً عنده بعض منأهل السنة فلما وضعها في فمه طرحوه عَلَى الأرض واستخرجوها من فمه وألقوها، وقالوا له: أين مشيئتك؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690348,"book_id":1659,"shamela_page_id":1474,"part":null,"page_num":1474,"sequence_num":1474,"body":"فالإِنسَان قد يشاء الأمر ويهيئ كل أسبابه وفي آخر لحظة تذهب تلك المشيئة وتلك الأسباب؛ لأن الله ﷾ لم يشأ؛ ويقول ﵎ كما في سورة الإِنسَان: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً [الإِنسَان:٣٠] وهذه مثل التي قبلها، فبعد أن بين في أول السورة: إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً [الإِنسَان:٣] لئلا يقَالَ: أنا اخترت طريق الخير بنفسي، مستقلاً عن إرادة ربي ومشيئته، أو اخترت طريق الشر، مستقلاً عن مشيئة الله وإرادته، لذا قال في آخر السورة وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً ففي أول الآية إثبات لمسئولية الإِنسَان وحريته في الاختيار، وآخرها فيه إثبات لمشيئة الله الشاملة العامة المطلقة التي لا يحدها ولا يقيدها شيء وقال تعالى: مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الأنعام:٣٩] هنا أيضاً هذه الآية والتي بعدها: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ [الأنعام:١٢٥] .\r\rهاتان الآيتان تدلان عَلَى أن الهداية والإضلال من الله ﷾ وأنه هو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء ﷿ لكننا نجد في سورة النحل قوله تعالى: فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ [النحل:٣٦] وقوله: فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ [الأعراف:٣٠] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690349,"book_id":1659,"shamela_page_id":1475,"part":null,"page_num":1475,"sequence_num":1475,"body":"فالضلالة منسوبة إِلَى الإِنسَان، وحقت عليه، فلم يقل: فمنهم من هدى ومنهم من أضل، ولا تعارض بين الآيات. بل في ذلك حكمة، لاسيما وأن آية النحل قد جاءت بعد أن ذكر الله ﷾ احتجاج الْمُشْرِكِينَ بالقدر عَلَى نفي الشرع، لأنهم يقولون: لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ [النحل:٣٥] يحتجون بمشيئة الله، كأنهم يقولون: إن الله هو الذي شاء أن نضل، فلن نهتدي.\rولو كَانَ المقصود: أن الله شاء أن نضل، بمعنى أنه كتب الضلالة عَلَى من ضل، وهو أيضاً أمرنا وشرع لنا أن نهتدي؛ لأن مجرد إثبات أن الإضلال لا يقع إلا من الله، فليس في ذلك من بأس؛ لأن الله نسب ذلك إِلَى نفسه كما في هاتين الآيتين، لكنهم يريدون أن يجعلوا المشيئة بمعنى المحبة والرضى، فالله ﷾ يقول: فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّه.\rإذاً: الهداية من الله وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فليس كما تزعمون أن الأمر جبر لا اختيار فيه ولا مشيئة لكم فالضلال جَاءَ استحقاقاً وعدلاً، والهداية جاءت توفيقاً وفضلاً من الله تعالى. كما قال تَعَالَى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير:٢٩] لكن مشيئة الضلال والإضلال لا تعني أنه ﷿ يحبه ويرضاه أو أنه شرعه وأمر به.\rولذلك عقب المُصْنِّف ﵀ عَلَى ذلك بقوله: [ومنشأ الضلال من التسوية بين المشيئة والإرادة، وبين المحبة والرضى فسوى بينهما الجبرية والقدرية أولاً ثُمَّ اختلفوا، فقالت الجبرية: الكون كله بقضائه وقدره، فيكون محبوباً مرضياً، وقالت القدرية النفاة: ليست المعاصي محبوبة لله ولا مرضية له، فليست مقدرة ولا مقضية، فهي خارجة عن مشيئته وخلقه] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690350,"book_id":1659,"shamela_page_id":1476,"part":null,"page_num":1476,"sequence_num":1476,"body":"وكلام المُصْنِّف هنا غير دقيق، لأن الإرادة تأتي بمعنى المحبة كما قال تعالى: فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً [الكهف:٨١] فـ\"أراد\" هنا: بمعنى أحبْ، فالإرادة تأتي بمعنى المحبة، والأصل أن نجعل المشيئة شيئاً، والمحبة والرضى شيئاً آخر مقابلاً لها، أما الإرادة فتأتي للمعنين.\r\rالإرادة الكونية تستلزم المشيئة والشرعية تستلزم الرضا والمحبة\rالإرادة الواردة في الكتاب والسنة لها إرادة كونية بمعنى المشيئة، وشرعية بمعنى الرضى والمحبة، فإذا أراد الله أن يُصلي العبد فمعنى ذلك أنه شرعه وأحبه ورضيه، فهذه إرادة شرعية، وإذاً أراد الله أن لا يصلي فمعناه أنه شاء أن لا يصلي، إذاً فالإرادة تأتي بمعنى المشيئة، وتأتي بمعني المحبة والرضى، ولهذا لا يحسن أن يبقى الكلام عَلَى إجماله، فيُقَالُ: منشأ الضلال من التسوية بين المشيئة، وبين المحبة والرضى، لأن الإرادة قد تكون شرعية وقد تكون كونية.\rفالإرادة الشرعية مثل قوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة:١٨٥] ، والإرادة الكونية تكون بمعنى المشيئة مثل: وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ [الأنعام:١٢٥] وقد سبق شرح هذا الكلام عند قول الإمام الطّّحاويّ: [ولا يكون إلا ما يريد] .\r\rقَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:\r[وقد دل عَلَى الفرق بين المشيئة والمحبة، الكتابُ والسنةُ والفطرة ُالصحيحة، أما نصوص المشيئة والإرادة من الكتاب، فقد تقدم ذكر بعضها. وأما نصوص المحبة والرضا، فَقَالَ تعالى: وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ [البقرة:٢٠٥] ، ولا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ [الزمر:٧] وقال تَعَالَى عقيب ما نهى عنه من الشرك والظلم والفواحش والكبر: كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً [الإسراء:٣٨] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690351,"book_id":1659,"shamela_page_id":1477,"part":null,"page_num":1477,"sequence_num":1477,"body":"وفي الصحيح عن النبي ﷺ: (إن الله كره لكم ثلاثاً: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال) .\rوفي المسند: (إن الله يحب أن يؤخذ برخصه، كما يكره أن تؤتى معصيته) وكان من دعائه ﷺ: (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك) .\rفتأمل ذكر استعاذته بصفة الرضى من صفة السخط، وبفعل المعافاة من فعل العقوبة:\rفالأول: للصفة.\rوالثاني: أثرها المرتب عليها.\rثُمَّ ربط ذلك كله بذاته سبحانه، وأن ذلك كله راجع إليه وحده لا إِلَى غيره، فما أعوذ منه واقع بمشيئتك وإرادتك، وما أعوذ به من رضاك ومعافاتك هو بمشيئتك وإرادتك، إن شئت أن ترضى عن عبدك وتعافيه، وإن شئت أن تغضب عليه وتعاقبه، فإعاذتي مما أكره، ومنعه أن يحل بي، هي بمشيئتك أيضاً، فالمحبوب والمكروه كله بقضائك ومشيئتك، فعياذي بك منك، عياذي بحولك وقوتك ورحمتك مما يكون بحولك وقوتك وعدلك وحكمتك، فلا أستعيذ بغيرك من غيرك، ولا أستعيذ بك من شيء صادر عن غير مشيئتك، بل هو منك.\rفلا يعلم ما في هذه الكلمات من التوحيد والمعارف والعبودية، إلا الراسخون في العلم بالله، ومعرفته ومعرفة عبوديته] اهـ.\rالشرح:\rمنشأ الضلال عند الجبرية والقدرية هو أن كلا الطائفتين قد سوّت بين المشيئة وبين المحبة والرضا؛ لأن الإرادة كما ذكرنا تأتي بالمعنيين، لكنهم سووا بين المشيئة وبين المحبة والرضا.\rشبهات في المشيئة\rذكر المُصْنِّف ﵀: أن منشأ الضلال في التسوية بين المشيئة وبين المحبة والرضا، فسوّى بينهما الجبرية والقدرية.\rثُمَّ اختلفوا، فقالت الجبرية: الكون كله بقضاءه وقدره، وكل ما يقع فهو محبوب مرضي عند الله تَعَالَى لأنه واقع بمشيئته، والمشيئة بمعنى المحبة، وهَؤُلاءِ لهم جواب بعيد، لكن التركيز هنا عَلَى القدرية النفاة لأن لهم شبهة، وهي قولهم: بما أن المعاصي ليست محبوبة لله ولا مرضية له.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690352,"book_id":1659,"shamela_page_id":1478,"part":null,"page_num":1478,"sequence_num":1478,"body":"إذاً فهي ليست بقدر الله، فهي خارجة عن مشيئته وخلقه.\rثُمَّ شرع المُصْنِّف ﵀ في الرد عَلَى هذه الطائفة، فذكر التفريق بين المشيئة والمحبة للرد عَلَى كلا الطائفتين، ولكنه استطرد في الرد عَلَى القدرية النفاة، لأن الفرقة التي يُعْلم فساد قولها بالفطرة والعقل، وبالبديهة، وبالعلم الضروري لا تحتاج إِلَى تفصيل في بيان بطلان مذهبها، لكن الفرقة التي يكون لانحرافها أو لباطلها شبهة قد تلتبس عَلَى بعض العقول فهذه يفصَّل ويطول في كشف شبهتها وبيان باطلها لئلا تعلق تلك الشبهة.\r\rالفرق بين المشيئة والمحبة\rقال المصنف: [وقد دل عَلَى الفرق بين المشيئة والمحبة، الكتاب والسنة والفطرة الصحيحة، أما نصوص المشيئة والإرادة من الكتاب فقد تقدم ذكر بعضها، وأما نصوص المحبة والرضا فقد قال تعالى: وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ [البقرة:٢٠٥]] وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْر [الزمر:٧] .\rإذاً الفساد غير محبوب لله كما نص عَلَى ذلك صريح القرآن، أنه لا يحب الفساد ولا يرضاه، والفساد واقع في العالم، ولكن لا يقع شيء بغير مشيئة الله، فما شاء الله كَانَ وما لم يشأ لم يكن، فهو سبحانه يشاء الفساد ولكن لا يحبه، كما قال تعالى: وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْر [الزمر:٧] وكذلك الكفر واقع في العالم.\rإذاً هو واقع بمشيئة الله ﷿، لكن لا يرضاه الله تعالى، فاجتمع فيه أنه بمشيئته، ومع ذلك فهو لا يرضاه، إذاً هو شاءه وقدره كوناً، ولكن نهى عنه وحذَّر منه شرعاً.\r\rثُمَّ يقول: [وقال تعالى: عقيب ما نهى عنه من الشرك، والظلم والفواحش والكبر كُلُّ ذَلِكَ كَانَ َ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً [الإسراء:٣٨] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690353,"book_id":1659,"shamela_page_id":1479,"part":null,"page_num":1479,"sequence_num":1479,"body":"فيلاحظ هذه الحكمة العظيمة التي عجزت الأمم، وعجز حكماء العالم وعقلاؤه أن يأتوا بأحكم منها، وكيف يأتون بأحكم منها وكلها مبنية عَلَى قاعدة التوحيد، فأعظم ما نهى الله تَعَالَى عنه وجعله من الحكمة في هذه السورة وفي غيرها هو الشرك.\rفمن وحّد الله ﵎ وترك الشرك فهذا عَلَى قاعدة الحكمة، فإذا أتبع ذلك بالإحسان إِلَى الوالدين وبترك الفساد، وترك قتل الأنفس وترك الكبر وترك أكل أموال اليتامى، وكل ما نهى الله ﷾ وحذَّر منه، فإنه من أهل الحكمة، والمتمسكين بها، وهو حكيم، وإن كَانَ أمياً عامياً، لا يفقه شيئاً مما يسميه الحكماء حكمةً أو فلسفةً أو علماً أو أخلاقاً، أو ما أشبه ذلك، ولهذا عقّب الله ﵎ عَلَى هذا فقَالَ: كُلُّ ذَلِكَ أي: كل ما تقدم النهي عنه في هذه الآياتكَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً [الإسراء:٣٨] .\r\rفالله ﷿ نهى عنه وهو يكرهه وإن كَانَ الله يشاء وقوعه، ثُمَّ يقول: [وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قَالَ: إن الله كره لكم ثلاثاً: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال] هذا الحديث في الصحيحين فقوله: (إن الله كره لكم ثلاثاً: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال) ] .\rهذا الحديث في الصحيحين فقوله: (إن الله كره لكم ثلاثاً) أي ثلاث خصال كرهها الله ﵎، والمؤمن إذا علم أن الله ﵎ كره شيئاً فإن عليه أن يجتنبه، لأن هذا الأمر هو مما لم يشرعه الله بل نهى عنه وشرع ضده، وقوله: (كره لكم ثلاثاً، قيل وقال) .\rولكن واقع أكثر الْمُسْلِمِينَ اليوم أنهم مشتغلون بالقيل والقال من حق أو باطل، ويفسر ذلك قوله ﷺ: (وهل يكب النَّاس في النَّار عَلَى مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم) ، فهذا هو القيل والقال.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690354,"book_id":1659,"shamela_page_id":1480,"part":null,"page_num":1480,"sequence_num":1480,"body":"(وكثرة السؤال) إن كَانَ السؤال المراد به السؤال في الدين أو في العلم، فما أكثره، وإن كَانَ النهي عن كثرة السؤال في طلب الناس، في أمرٍ من أمور الدنيا، فهذا أيضاً واقع.\r(وإضاعة المال) وهذا أيضاً واقع، فما أكثر المبذرين وما أكثر المضيعين للأموال فيما لا ينفعهم، فعلى أي حال من الأحوال فهذه التي كرهها الله ﵎ واقعة بين الناس، ومع ذلك فالله تَعَالَى يكرهها، وقد شاءها وقدرها كوناً، ولكنه يكرهها ولا يرضاها شرعاً، ثُمَّ ذكر الحديث الذي رواه الإمام أَحْمَد فيالمسند، أن النبي ﷺ قَالَ: (إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته) .\r\rفالله ﷾ شرع الرخص، وشرع ترك المعاصي، وهو ﷾ يحب أن تؤتى رخصه ويكره أن تؤتى معاصيه، فالمحبة والكره هما بالمعنى الشرعي، أي: شرع لنا أن نأخذ بالرخصة وشرع لنا أن نترك المعاصي، ومعلوم أنه يكره المعاصي.\r\rانتقل المُصنِّفُ ﵀ إِلَى دعاء النبي ﷺ المشهور المعروف وهو قوله: (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك) .\rوقد علق رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى عَلَى هذا الحديث بتعليق قيم، وهذه العبارات التي ذكرها المُصنِّفُ ﵀ هنا هي من نفائس الكلام، وقد ذكر بعضها شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ، وكذلك ابن القيم، وهذا مضمون ما ذكراه: والحديث جدير بنا أن نتأمله وأن نتدبر معناه، كما قال رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى في الأخير: (ولا يعلم ما في هذه الكلمات من التوحيد والمعارف والعبودية إلا الراسخون في العلم بالله ومعرفته ومعرفة عبوديته) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690355,"book_id":1659,"shamela_page_id":1481,"part":null,"page_num":1481,"sequence_num":1481,"body":"والنبي ﷺ أوتي جوامع الكلم وهي من خصائصه ﷺ، ومن ميزاته العظيمة وشمائله الكبرى، فهو يعبر عن المعاني العظيمة المتضمنة للحكم والمصالح الكبيرة ولدرء المفاسد والمضار الكثيرة، بلفظٍ موجزٍ قليل، ومعجزته في ذلك من جهة الفصاحة والبلاغة، ومن حيث وقعه عَلَى السمع، ومن حيث معانيه، كل ذلك يجتمع في أوجز وأبلغ لفظ، وكثير من الأحاديث التي قالها النبي ﷺ من باب جوامع الكلم التي تحوي العلوم الكثيرة، وهذا الحديث منها.\rوالذي يتأمله يجد أن فيه غاية التوحيد، فهو يتضمن الخوف من الله ﷾، وفيه بيان أن الله ﷾ منه المهرب وإليه الملجئ، فالخوف يكون من الله، والالتجاء يكون إِلَى الله ﷾، فَيَقُولُ: (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك) .\rيقول ﵀: [فتأمل ذكر استعاذته بصفة الرضى من صفة السخط، وبفعل المعافاة من فعل العقوبة] لكن الأمر كما قَالَ: [الأول: الصفة، والثاني: أثرها المرتب عليها] فأثر الرضا: المعافاة، وأثر السخط: العقوبة [فاستعاذ بالصفة من الصفة، ومن الفعل المرتب عَلَى هذه من الفعل المرتب عَلَى تلك، ثُمَّ ربط ذلك كله بذاته سبحانه، وأن ذلك كله راجع إليه وحده لا إِلَى غيره] وذلك في قوله: [وأعوذ بك منك] قَالَ: [فما أعوذ منه واقع بمشيئتك وإرادتك، وما أعوذ به من رضاك ومعافاتك هو بمشيئتك وإرادتك] .\rوأن إلى ربك المنتهى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690356,"book_id":1659,"shamela_page_id":1482,"part":null,"page_num":1482,"sequence_num":1482,"body":"ذكرابن القيم ﵀ في كتاب الفوائد تعليقاً عزيزاً لطيفاً عَلَى قول الله ﷾: وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى [النجم:٤٢] يقول في معنى كلامه: لا يوجد سبب من الأسباب مستقل بالتأثير، سواءً كَانَ السبب خيراً أو شراً، إلا أن يكون المؤثر والفاعل هو: الله ﷾، فكل سبب يستلزم وجود سبب آخر إِلَى أن تنتهي أسباب الخير وأسباب الشر -وكل ما يقع في الدنيا من خير أو شر، فالسبب وقوعه هو سبب آخر، والسبب الآخر سبب لآخر.. وهكذا تنتهي- كلها إِلَى الله ﷾.\rولهذا إذا أردت أن تختصر الطريق كحال المؤمنين الموحدين المنيبين، فإنهم إن وقع لهم خير أو شر أيقنوا وعلموا أنه من الله، وأنه بقدر منه، أما الذين لا يؤمنون بالله ولا بالقدر فإنهم إذا وقع لهم هذا الشيء، قالوا: إنه بسبب آخر.\rفمثال ذلك: الغبار الموجود.\rقالوا: السبب في هذا الغبار الانخفاض الجوي.\rفإذا قيل: ما السبب للانخفاض الجوي؟\rقالوا: بداية فصل ونهاية فصل.\rفإذا قيل: فما السبب في هذا وذاك؟\rقالوا: دوران الأرض حول الشمس، أو ما أشبه ذلك.\rفإذا قيل: ولماذا تدور، ولماذا..؟ أسباب ثُمَّ أسباب.. وهكذا إِلَى ما لا نهاية، أما المؤمن فيختصر ذلك كله.\rويقول: هذا من الله، دون أن ينكر تأثير الأسباب، التي تنتهي إِلَى الله ﷾ التي جعلها تؤثر وخلق فيها التأثير، ولهذا نجد أن ما يحسبه النَّاس أسباباً نهائية هو في الحقيقة من العلوم الدنيوية، وأن غاية ما يستطيع العلم البشري أن يفسره من الأحداث الكونية هو أن يبين كيف، لكن لماذا؟ هذا الذي تعجز عنه العقول وإن ادعوا، كيف يقع كذا فيمكن أن يعرف البشر كيف يقع، لكن لماذا يقع؟ هذا هو الذي يعجز النَّاس عن معرفته إلا المؤمنون.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690357,"book_id":1659,"shamela_page_id":1483,"part":null,"page_num":1483,"sequence_num":1483,"body":"مثال ذلك: السحاب يتبخر من البحر، ثُمَّ يرتفع في طبقات الجو العليا، ثُمَّ يبرد ثُمَّ يهطل عَلَى منطقة كذا من المناطق، فيمكن معرفة كيف وقع وذلك، بأن تتابع هذه العملية متابعة محسوسة حتى تنتهي، لكن لماذا وقع؟\rولماذا في هذا اليوم بالذات؟\rولماذا من هذا البحر بالذات؟\rولماذا خرجت هذه السحابة في هذا الوقت وبهذه السرعة؟\rولماذا سارت ألف ميل أو عشرة؟\rولماذا أمطرت في هذا البلد بالذات؟\rولماذا أمطرت في جزء منه دون جزء؟\rهذا الكلام لا يستطيع العلم البشري الإجابة عليه، إذاً نعرف بذلك (أن إِلَى ربك المنتهى) ، وأن نهاية الأمور كلها هي لله ﷾، وأنه خالق الأسباب والمسببات، فإذاً: كل شيء راجع إليه وحده لا إِلَى غيره أبداً.\rاستعاذة العبد داخلة تحت المشيئة\rإذا استعاذ المستعيذ المؤمن المنيب وقَالَ: (وأعوذ بك منك) فهو كما قال رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (فما أعوذ منه واقع بمشيئتك وإرادتك، وما أعوذ به من رضاك ومعافاتك هو بمشيئتك وإرادتك) ولكن ما علاقة هذا بالمشيئة؟ أن ما أعوذ منه وأخاف منه وأخشاه فهو واقعٌ بمشيئة الله، وكذلك ما أعوذ به وهو رضا الله ومعافاته ﵎ فهو أيضاً راجعٌ إِلَى مشيئته ﷾.\rولهذا قَالَ: \"بك منك\" فمعناه: إن شئت أن ترضى عن عبدك وتعافيه، وإن شئت أن تغضب عليه وتعاقبه، فهو كما يشاء ﷾، فمنعي وإعاذتي مما أكره هو بمشيئتك، كما أن هذا الواقع لو وقع فإنه بمشيئتك، أي: أن المحبوب والمكروه كله بقضاءك ومشيئتك.\rإذاً: هذا كله تسليم لله ﷾.\rثُمَّ يقول: (فعياذي بك منك، وعياذي بحولك وقوتك ورحمتك مما يكون بحولك وقوتك وعدلك وحكمتك) أي: أعوذ بحول الله وقوته مما يكون بحول الله وبقوته.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690358,"book_id":1659,"shamela_page_id":1484,"part":null,"page_num":1484,"sequence_num":1484,"body":"لكن لما قَالَ: ورحمتك قابلها بالعدل والحكمة، لأن الرحمة يقابلها العدل والحكمة، وهذه من الدقة في كلامه ﵀، فالعذاب لا يقع برحمة الله، ولكنه يقع بعدل الله وبحكمته وبقوته وبحوله وبقدرته، ولهذا قَالَ: (عياذي بحولك وقوتك ورحمتك مما يكون بحولك وقوتك وعدلك وحكمتك) .\rولهذا من الأخطاء في الدعاء أن نقول: (اللهم أهلك الكفار والمنافقين والشيوعيين، برحمتك يا أرحم الراحمين) فلا يناسب أن نسأل الله ﷾ بصفة الرحمة أن يهلك الكفار، لكن نقول: (اللهم اغفر لنا وارحمنا وتب علينا، واشف مرضانا برحمتك يا أرحم الراحمين)\rثُمَّ يقول: (فلا أستعيذ بغيرك من غيرك) المستعاذ منه واقع بمشيئتك، والمستعاذ به هو صفاتك، إذاً لا أستعيذ بغيرك من غيرك (ولا أستعيذ بك من شيء صادر عن غير مشيئتك) لما أستعيذ بك يا ربي من الشر، فأنا لا أستعيذ بك من شيء صادر من غير مشيئتك وإرادتك، بل هو مما شئته وقضيته وقدرته، فالمرجع كله إليك وإليك المنتهى.\r\rالراسخون في العلم: أعرف الناس بالله\rكما قَالَ المُصْنِّفُ ﵀: [فلا يعلم ما في هذه الكلمات من التوحيد والمعارف والعبودية إلا الراسخون في العلم بالله ومعرفته ومعرفة عبوديته] وصدق ﵀، فإن هذا يتضمن أن العبد لا حول له ولا قوة له، إن وقع به خير أو وقع به شر فهو مسلِّم في ذلك كله لله ﷾.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690359,"book_id":1659,"shamela_page_id":1485,"part":null,"page_num":1485,"sequence_num":1485,"body":"فأصل الشرك والكفر والجهل والجاهلية عند النَّاس هو شعورهم بأن لهم حولاً أو طولاً أو قوة ليست لله ﷾، وليست تابعة لمشيئة الله ﷾، فلو شعر النَّاس أو علموا حقيقة حالهم، وأنهم فقراء إِلَى الله ﵎ في كل نَفَس يتنفسونه، وفي كل لحظة، وأنه لا يمكن في أية حال من الأحوال أن يستقلوا بأنفسهم طرفة عين، لكانت عبوديتهم لله ﵎ غير ما نشاهد وغير ما نرى، ولهذا كَانَ من دعاء النبي ﷺ استعاذته أن لا يكله إِلَى نفسه طرفة عين، وهكذا المؤمنون، فلو وكلنا الله ﷾ إِلَى أنفسنا طرفة عين لهلكنا.\rولكنه ﷾ هو الذي يدبرنا ويسيرنا بفضله، المؤمن والكافر، لكن المؤمن يستشعر فقره: إِلَى الله ﵎ في كل شيء، فيكون مقتضى ذلك الشعور أن يعبد الله ﵎ وحده، ولهذا فالمؤمن رغم أنه يأخذ بالأسباب، لكن لا يجوز له أن يعلق قلبه بالأسباب، أو أن يخاف من بعض ما يخيفه، وهو من الأسباب أيضاً، لكن لا يعلق خوفه بالأسباب، فمنتهى الرجاء ومنتهى الخوف يكون إِلَى الله، ولهذا نقول: (أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك) .\r\rالسعادة في معرفة الله وعبوديته\rيقول المُصْنِّف هنا: إن أصل معرفة العبودية أن تكون مبنية عَلَى الافتقار إِلَى الله ﵎، ومن الافتقار إِلَى الله: أن القلوب لا تطمئن ولا تهدأ ولا تسكن ولا ترتاح إلا بأن تعرفه وأن تعبده ﷿، فإن من لم يعرف الله ﷿ حق المعرفة، ويعبده حق العبادة كَانَ فيه من الشقاء والألم، والنكد والنغص بقدر جهله بالله ﷾، ولهذا نجد عصاة المؤمنين أحسن حالاً من الكفار، والكفار شر من ذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690360,"book_id":1659,"shamela_page_id":1486,"part":null,"page_num":1486,"sequence_num":1486,"body":"فكلما نقصت من قلب هذا المعرفة نقصت السعادة والراحة والطمأنينة، وأكثر النَّاس سعادة وطمأنينةً في هذه الدنيا هم أكثرهم إيماناً بالله، ومعرفةً به ﷾، ولو جاءتهم مصائب الدنيا جميعاً ما لي أقلقتهم لحظةً واحدة.\rوالمؤمن قد يحزن أو يغتم، ولكن ذلك لا يفقده سعادته وطمأنينته ورضاه بأن كل هذا من الله وإلى الله، وأن لي في ذلك الأجر مهما عظمت المصيبة أو الفتنة، فإنه يرى أن ذلك لم يخرج عن كونه دافعاً وجالباً للطمأنينة، وللراحة التي يجدها.\rوأما الكافر فإن قلبه لا يحتمل ذرة من البلاء الذي يصيب المؤمن إلا ويقنط ويجزع ويسخط ويشكو ربه إِلَى النَّاس ويكفر بنعم الله جميعاً من أجل بلية اُبتِلَي بها، لا تعدل ولا تزن شيئاً قليلاً من نعم الله ﷾ التي أنعمها عليه، فيجب عَلَى الإِنسَان استشعار أنه فقير إِلَى الله، وأن يكون شعوره ومعرفته بأن قلبه لا يطمئن ولا يسكن ولا يرتاح إلا إذا عرف ربه وعبده واتبع مرضاته، واجتنب مساخطه، هذا هو الذي به تتحق العبودية الكاملة لله ﷾.\r\rقَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:\r[فإن قيل: كيف يريد الله أمراً ولا يرضاه ولا يحبه؟ وكيف يشاؤه ويكوّنه؟ وكيف يجتمع إرادته له وبغضه وكراهته؟ قيل: هذا السؤال هو الذي افترق النَّاس لأجله فرقاً، وتباينت طرقهم وأقوالهم. فاعلم أن المراد نوعان: مرادٌ لنفسه، ومراد لغيره، فالمراد لنفسه مطلوب محبوب لذاته وما فيه من الخير، فهو مراد إرادة الغايات والمقاصد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690361,"book_id":1659,"shamela_page_id":1487,"part":null,"page_num":1487,"sequence_num":1487,"body":"والمراد لغيره قد لا يكون مقصوداً للمريد، ولا فيه مصلحة له بالنظر إِلَى ذاته، وإن كَانَ وسيلة إِلَى مقصوده ومراده، فهو مكروه له من حيث نفسه وذاته، مراد له من حيث إفضاؤه وإيصاله إِلَى مراده، فيجتمع فيه الأمران: بغضه، وإرادته ولا يتنافيان، لاختلاف متعلقهما، وهذا كالدواء الكريه، إذا علم المتناول له أن فيه شفاءه، وقطع العضو المتآكل، إذا علم أن في قطعه بقاء جسده، وكقطع المسافة الشاقة، إذا علم أنها توصل إِلَى مراده ومحبوبه.\rبل العاقل يكتفي في إيثار هذا المكروه وإرادته بالظن الغالب، وإن خفيت عنه عاقبته، فكيف ممن لا يخفى عليه خافية، فهو سبحانه يكره الشيء، ولا ينافي ذلك إرادته لأجل غيره، وكونه سبباً إِلَى أمر هو أحب إليه من فوته، من ذلك: أنه خلق إبليس، الذي هو مادة لفساد الأديان، والأعمال، والاعتقادات، والإرادات، وهو سبب لشقاوة كثير من العباد، وعملهم بما يغضب الرب ﵎ وهو الساعي في وقوع خلاف ما يحبه الله ويرضاه، ومع هذا فهو وسيلة إِلَى محابَّ كثيرةٍ للرب تَعَالَى ترتبت عَلَى خلقه، ووجودها أحبُّ إليه من عدمها [اهـ.\rالشرح:\rهذا الكلام قد يكون فيه شيء من الغموض، لكن المراد منه واضح، والإشكال الذي أثاره القدرية ويثيره المعترضون عَلَى الله ﷾، هو قولهم: كيف يريد الله أمراً ولا يرضاه ولا يحبه، فما دام أنه لا يحبه ولا يرضاه، فلماذا يشاؤه ويقدِّره؟ وذكر المُصنِّفُ مثالاً عَلَى ذلك إبليس، فما يعمل من الشر في العالم لا يحبه الله ولا يرضاه؟ فلماذا خلقه؟ وكيف يجمع إرادته له وبغضه وكراهيته.\r\rوسبق أن ذكرنا من الأدلة التي تبين أنه يجتمع في الشيء الواحد مشيئة الله من جهة، وبغضه وكراهيته ومحبته من جهة أخرى.\r\rكيف يجتمع بغض الله لشيء ومشيئته له نفسه؟ يقول: [قيل هذا السؤال هو الذي افترق النَّاس لأجله فرقاً، وتباينت طرقهم وأقوالهم] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690362,"book_id":1659,"shamela_page_id":1488,"part":null,"page_num":1488,"sequence_num":1488,"body":"وهذا السؤال هو منشأ الضلال عند القدرية، وقد دفعهم إِلَى أن يسووا بين المشيئة وبين المحبة.\rالجواب عنها\rلقد بين المُصْنِّف ﵀ الجواب عَلَى مثل هذه الشبهات: (فاعلم أن المراد نوعان: مراد لنفسه ومراد لغيره، فالمراد لنفسه مطلوب محبوب لذاته، ولما فيه من الخير) فمثلاً خَلْقُ الرَّسُول ﷺ، هذا من أفعال الله التي فعلها وشاءها، وهو محبوب ومطلوب لذاته لما فيه من الخير، فرَسُول الله ﷺ خير مطلوب لذاته، ومحبوب لذاته [فهو مرادٌ إرادة الغايات والمقاصد] ، أي: مرادٌ لذات كونه غايةً، فهو مطلوب ومحبوبٌ في ذاته، والنوع الآخر: [والمراد لغيره، قد لا يكون مقصوداً وليس فيه مصلحة له بالنظر إِلَى ذاته، ولو كَانَ وسيلةً إِلَى مقصوده ومراده] ، مثال ذلك: خلق إبليس، ليس مقصوداً ولا مصلحة فيه له بالنظر إِلَى ذاته، \"أي: ذات إبليس\".\r\rوحكمة الله اقتضت كما بينا وقرأنا الآيات السابقة، أن يكون النَّاس منهم كافر، ومنهم مؤمن كما قال تعالى: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً [هود:١١٨] فاقتضت حكمته أن يكون النَّاس أمتين، إذاً هذا أمرٌ سبقت به الحكمة، وتمت كلمة الله ﵎ بأن يكون للجنة أهل، وللنار أهل.\rفهذا الأمر انتهى وفُرغ منه، فإبليس هذا الشر الذي لا يراد ولا يحب لله ﵎ هو من جهة أنه يتحقق به مراد الله الذي تمت به كلمته، وهو أن يكون للنار ملؤها، وللجنة ملؤها، فإبليس من هذه الجهة مرادٌ لغيره، فيريد الله من إبليس أن يجعل من النَّاس كما اقتضت حكمة الله ﵎ فيهم من يعصيه فيدخل الجنة، وفيهم من يطيعه فيدخل النار، فوجوده ينتج عنه مصالح، وحكم عظيمة، وإن كَانَ هو بذاته شراً محضاً، فهو مكروه له من حيث نفسه وذاته، مرادٌ له من حيث قضائه وإيصاله إِلَى مراده.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690363,"book_id":1659,"shamela_page_id":1489,"part":null,"page_num":1489,"sequence_num":1489,"body":"ثُمَّ يقول: (فيجتمع فيه الأمران بغضه وإرادته) فبغضه من جهة ذاته وشره، وإرادته من جهة ما ينتج عنه من المصلحة والحكمة، [ولا يتنافيان لاختلاف متعلقهما] ، فهذا متعلق بالمصلحة والحكمة، وهذا متعلق بالشر بذاته، وذكر ثلاثة أمثلة واقعية من واقع النَّاس المشاهد المحسوس. منها: أن الإِنسَان نفسه يبغض الشيء من جهة، ويحبه من جهةٍ أخرى ليقر الإِنسَان ويعترف بذلك.\rفمثلاً: الدواء في ذاته كريه لكن إذا علم المريض أن فيه شفاءه، مع أن هذا الدواء مر، ومنتن الرائحة، لا يذوقه الإِنسَان ولا يطيقه ولا يريده أبداً، ولو عرضته عَلَى إنسان سليم بأغلى الأثمان لما ذاقه ولا طعمه، ولكن هذا مجرب أنه دواء للعلة التي يشكو منها مريض مقعد مجهد، يعاني من العلل والأمراض والسقم، فيتحمل مرارة الدواء فيستعمله، لكنَّ محبته للدواء ليست لذاتها، لكن لكونها وسيلة إِلَى مرادٍ محبوب وهو الشفاء.\r\rقَالَ: (وقطع العضو المتآكل إذا علم أن في قطعه بقاء جسده) ، وهذا أيضاً مثال عقلي واضح، أن الإِنسَان إذا تآكل عضو من أعضاءه بعلة، وهذه العلة ستسري إِلَى سائر البدن ولا خيار إلا أن يقطع هذا العضو، أو أن تسري العلة إِلَى جميع البدن فيموت، فما الذي سيختاره الإِنسَان؟ سيختار القطع، فالقطع ليس محبوباً مرغوباً لذاته، فلا يرضى أحد أن يقطع منه عضواً، لكن لأنه وسيلة إِلَى منفعة وإلى أمر محبوب ومراد وهو الشفاء أو السلامة من تسرب وسريان الداء إِلَى بقية الأعضاء، قَالَ: (وكقطع المسافة الشاقة إذا علم أنها توصل إِلَى مراده ومحبوبه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690364,"book_id":1659,"shamela_page_id":1490,"part":null,"page_num":1490,"sequence_num":1490,"body":"مثلاً: الحج إِلَى بيت الله يركب الإِنسَان في بعض المناطق الباخرة شهوراً، أو يركبون السيارة أياماً وليالٍ، فهذا لا يريد المشقة لذاتها لكن لكونها توصل إِلَى المراد، وإلى المحبوب، أي: إِلَى بيت الله العتيق يستلذها ويستعذ بها، فهي من جهة ذاتها مشقة، ولكن بالنظر إِلَى غايتها ونتيجتها كأنها راحه فيتحملها، فهذه الثلاثة الأمثلة تدل عَلَى أنه لا تنافي بين أن يكون الشيء محبوباً، أو مكروهاً في ذاته، ومع ذلك هو محبوب أو مراد لغيره ليوصله إِلَى النتائج المرجوة منه.\r\rالعاقل يعمل بغالب الظن\rيقول ﵀: [بل العاقل يكتفي في إيثار هذا المكروه وإرادته بالظن الغالب وإن خفيت عنه عاقبته] ، أي: لو قال الطبيب لأحد المرضى: بتر العضو المتآكل نسبة الشفاء فيه (٧٠%) أو (٨٠%) فإنه سيختار القطع، مع أنه لم يجزم، فلم يقل له (١٠٠%) ، لكن (٧٠%) أحياناً أو (٥٠%) ، فسيوافق عَلَى القطع، لاحتمال أن الخمسين الأخرى تغلب.\rإذاً العاقل يعمل بغالب الظن، وربما بالظن في تحمل مالا يريد وما لا يحب فيحبه، لما يوصل إليه من محبوب متيقن أو متحقق، يوافق عليه ويقره؛ لأنه يوصل وينتج ما هو محبوب للعبد، هذا في حال العبد، فالعبد المخلوق لو قيل له في أمر من الأمور: هذا نافع (١٠٠%) فإنه لا يجزم بذلك؛ لأنه مخلوق، لكن بالنسبة إِلَى الخالق سبحانه فإنه بالنسبة إِلَى ما يعلمه الله مما قد نعلمه هو كله خير وكله مصلحة، ومتحقق فيه مراد الله ﷾، لأنه لا تخفى عليه خافية، وهو يعلم السر وأخفى، ويعلم كل شيء وما تكون عاقبته.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690365,"book_id":1659,"shamela_page_id":1491,"part":null,"page_num":1491,"sequence_num":1491,"body":"فالنظر إِلَى النتيجة متحقق فيه مرادٌ ومحبوب لله، وبالنظر إِلَى الذات فيه ذلك الشر، فإذا كَانَ العبد في أمور دنياه يعمل بالغالب من الظن، وربما بمجرد الظن ويجتمع له في أمر من الأمور أنه مكروه وأنه محبوب، فالله الذي تخفى عليه خافية، والذي قدَّر كل شيء يجتمع منه سبحانه في أمر من الأمور أنه يكرهه وأنه يريده ويشاؤه.\r\rكراهية الله لذات الشيء لا ينافي إرادته لأجل غيره لأجل غيره\rيقول المُصْنِّف ﵀: [فهو سبحانه يكره الشيء ولا ينافي ذلك إرادته لأجل غيره] فيكره الشيء أي: لذاته، ولا ينافى ذلك إرادته لأجل غيره لا لأجل ذاته، [وكونه سبباً إِلَى أمر هو أحب إليه من فوته] أي: من عدمه [من ذلك خلق إبليس الذي هو مادةٌ لفساد الأديان والأعمال والاعتقادات والإرادات] .\rأي: المادة التي تمد الفساد، ففساد الأديان والأعمال والاعتقادات والإرادات من إبليس، أعاذنا الله وإياكم من شره، [وهو سبب لشقاوة كثير من العباد] فكم أضل من النَّاس نسأل الله العافية، قال تعالى: وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ [الصافات:٧١] وقال أيضاً: وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [يوسف:١٠٣] .\rفكم أضل إبليس، فلم ينجو من شره وكيده ومكره إلا القليل، يقول: [وهو الساعي في وقوع خلاف ما يحبه الله ويرضاه] فلو استطاع إبليس أن يصرف الإِنسَان عن الدخول إِلَى المسجد، وقد توضأ وأتى يريد الطاعة، ويصرفه عنه إِلَى مكان الزنا أو الخمر لفعل ذلك ولم يتردد، ولهذا لا يترك العبد لحظةً واحدة، حتى إن غلبه العبد وصلى فإنه يأتيه بالوساوس، ويأتيه بالخطرات وبالمشاكل، ولا يدع العبد لحظةً واحدة، فهذا حاله، عدوٌ لله مترصد لأن يُعصى الله، ولا يريد أن يطاع أبداً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690366,"book_id":1659,"shamela_page_id":1492,"part":null,"page_num":1492,"sequence_num":1492,"body":"فهو إذاً الساعي في وقوع خلاف ما يحبه الله ويرضاه، ومع هذا الشر المستطير، فإن إبليس [وسيلة إِلَى محابَّ كثيرةٍ للرب تَعَالَى] وإلى أمور محبوبة كثيرة، هي مراده لله ﵎ [ترتبت عَلَى خلقه، ووجودها أحبّ إليه من عدمها]\rثُمَّ ذكر المُصْنِّف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بعضاً من الحكم في ذلك.\rفقال ﵀:\r[منها: أنه تظهر للعباد قدرة الرب تَعَالَى عَلَى خلق المتضادات المتقابلات، فخلق هذا الذات، التي هي أخبث الذوات وشرها، وهي سبب كل شر، في مقابلة ذات جبريل التي هي من أشرف الذوات وأطهرها وأزكاها، وهي مادة كل خير، فتبارك خالق هذا وهذا. كما ظهرت قدرته في خلق الليل والنهار، والدواء والداء، والحياة والموت، والحسن والقبيح، والخير والشر، وذلك من أدل دليل عَلَى كمال قدرته وعزته وملكه وسلطانه، فإنه خلق هذه المتضادات، وقابل بعضها ببعض، وجعلها محالّ تصرفه وتدبيره، فخلو الوجود عن بعضها بالكلية تعطيل لحكمته وكمال تصرفه وتدبير مملكته] اهـ.\rالشرح:\rإن هَؤُلاءِ القدرية الذين عطلوا حكمة الله، أو سألوا هذا السؤال: كيف يشاؤه وهو يكرهه، غافلون عن حكمة الله في خلق إبليس مثلاً، أو وجود الشر النافذ عنه.\rإظهار قدرة الله على خلق المتضادات\rمن هذه الحكمة العظيمة قي وجود الشر أن يظهر الله ﵎ للعباد قدرته عَلَى خلق المتضادات المتقابلات، فالكون كما ترون الآن فيه متضادات، خير وشر، وصلاح وفساد، وتوحيد وشرك، وسنة وبدعة، وطاعة ومعصية، وأولياء الله وأعداء الله، ومتقون وفجار، وهكذا.\r\rجبريل مثال للخير وإبليس مثال للشر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690367,"book_id":1659,"shamela_page_id":1493,"part":null,"page_num":1493,"sequence_num":1493,"body":"وكما يقول: فخلق الله هذه الذات أي: ذات إبليس التي هي أخبث الذوات وشرها، وهي سبب كل شر في مقابلة ذات جبرائيل التي هي من أشرف الذوات وأطهرها وأزكاها، وهي مادة كل خير، فجبريل ﵇ مادة كل خير من جهة أنه رَسُول الله ﵎ الملكي إِلَى رسله من البشر، ولهذا كَانَ التمثيل بجبريل ﵇، ولم يكن التمثيل بمُحَمَّد ﷺ؛ لأن جبريل هو الذي بلغ الوحي إِلَى مُحَمَّد ﷺ، وكذلك بلغه إِلَى موسى وإلى عيسى وإلى من قبله.\rحتى أن ورقة بن نوفل لما جاءته خديجة وأخبرته بشأن النبي ﷺ قَالَ: هذا هو الناموس الذي كَانَ ينزل عَلَى موسى ولهذا قال اليهود: إن عدوهم هو جبريل، قالوا: يا مُحَمَّد من الذي يتنَزل عليك بالوحي؟ قال جبريل ﵇ قالوا: ذاك عدونا من الملائكة -عياذاً بالله- ولهذا قال الله تَعَالَى فيهم في سورة البقرة: مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ [البقرة:٩٨] .\rفهذا يدل عَلَى أن اليهودمن جنس إبليس عياذاً بالله، من نفس المادة -مادة الشر- بل الله ﵎ سمى اليهودشياطين، كما سمى الشيطان شيطاناً، قال تعالى: وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ [البقرة:١٤] أي: إذا خلى المنافقون إِلَى اليهودقالوا: إنا معكم، فهم شياطينهم؛ لأن الشيطان يمد الإِنسَان بالشهوات والشبهات، واليهود أيضاً يمدون الإِنسَانية بالشهوات والشبهات، فانتشار القمار، والزنا، والربا في كل مكان وفي كل عصر عَلَى أيدي هَؤُلاءِ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690368,"book_id":1659,"shamela_page_id":1494,"part":null,"page_num":1494,"sequence_num":1494,"body":"فكانوا يأتون إِلَى المنافقين ويقولون: نبيكم مُحَمَّد فيه كذا وكذا؛ لأنهم يعتبرون أن عندهم علم من الكتاب وأولئك أميون، فالمنافقون إذا لقوا الذين آمنوا قالوا: آمنا، وإذا خلوا إِلَى اليهود، أي: إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ [البقرة:١٤] .\r\rفالغرض من ذلك هو دقة تعبير المُصْنِّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- لماّ قَالَ: [التي هي من أشرف الذوات] فلم يقل جبريل أشرف الذوات حتى لا يُفهم أنه يقول: إن ذات جبريل أفضل من ذات مُحَمَّد ﷺ، لأن العلماء اختلفوا، هل هذا أفضل أو هذا أو هما سواء، وليس هذا مراد المُصْنِّف هنا، وإنما مراده أن يخرج من الخلاف.\rفيقول لك: إن أصل مادة الشر هو إبليس، وأصل مادة كل خير هو جبريل ﵇؛ لأن ما جَاءَ إِلَى مُحَمَّد ﷺ من الخير والرسالة هو عن طريق جبريل، وكذلك كل ما أتى جميع الأَنْبِيَاء هو عن طريق جبريل ﵇ قَالَ: [فتبارك خالق هذا وهذا] ، فتبارك الله الذي خلق أصل كل شر وخلق أصل كل خير ﷾ هكذا اقتضت حكمة الله ﵎.\r\rثُمَّ يقول: [كما ظهرت قدرته في خلق الليل والنهار] كيف تكون حياتنا لو جعل الله علينا النهار سرمداً إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وكيف تكون حياتنا لو جعل الله علينا الليل سرمداً إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ؟ لا تصلح الحياة، لكن الله جعل الليل وجعل النهار، فاستقامت الحياة والمصالح، وانتظمت أمور العباد، وهذا دليل عَلَى حكمته ﵎ في خلق هذين الضدين، (الدواء والداء) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690369,"book_id":1659,"shamela_page_id":1495,"part":null,"page_num":1495,"sequence_num":1495,"body":"فلو كانت الدنيا كلها أدواء لما صلحت الحياة، ولو كانت كلها دواء، أو لا مرض فيها ولا داء، فإنها تفوت حكم عظيمة، لكن حكمة الله ﷿ أنها أدواء ومعها الدواء، ولذلك انتظمت مصالح ومعايش كثيرة لأناس كثيرون، فمرض هذا نفع لذلك، فإن كَانَ الذي مرض بالداء شريراً، استراح الخلق من شره.\rوأما إذا كَانَ المريض طيباً، فيستفيد الأطباء من ذلك، وأيضاً مساعدة هذا المريض والإحسان إليه يحصل بسبب ذلك الأجر من الله، وكمثال آخر: أن الله يبتلي بعض عباده بالفقر مع أنه مكروه لذاته -فالله ﷾ يكره أن يفقر عبده الصالح- لكن هناك حكم كثيرة وراء ذلك، فيبتليه ليرفع درجته وكذلك الإحسان إليه يكون سبباً في تحصيل الأجر من الله.\r\rوهكذا أمور كثيرة نجد أن لها حكماً عظيمة، يعجز العقل البشري عن حصرها، فتظهر بوجود هذه المتضادات المتقابلات والله تَعَالَى هو العليم بكل شيء. قوله: [والحياة والموت] ، وأيضاً الموت له حكم عظيمة، فإما أن يموت شرير فيستريح الخلق من شره، كما قال النبي ﷺ: (مستريح ومستراحٌ منه) .\rفلو كَانَ فرعون وماركس وغيرهما -عياذاً بالله- أحياء لما وجد النَّاس راحة في حياتهم، فيكفي أن الأمم والشعوب عانت من شرهم مدة حياتهم، فلما ماتوا استراح النَّاس من شرهم، وكذلك موت الأخيار أيضاً فيه حكمة.\rفأفضل خلق الله مُحَمَّد ﷺ، فلله ﷿ حكمة في موت النبي ﷺ ومنها: أنه بشر فلا يعبد من دون الله ولا يؤله، وليقوم النَّاس من بعده بالدين، وليعلموا أن مسؤلية هذا الدين عليهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690370,"book_id":1659,"shamela_page_id":1496,"part":null,"page_num":1496,"sequence_num":1496,"body":"ولهذا أعلنها الصديق رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ فقَالَ: (من كَانَ يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كَانَ يعبد الله فإن الله حيٌ لا يموت) وارتد من ارتد من العرب، وتبقى الصفوة المختارة المؤمنة لترد النَّاس إِلَى الدين، وهذه حكمة عظيمة جداً، عرفنا بها أنّ ديننا من مسؤليتنا وأن نشره يكون عَلَى أيدينا، فالله تَعَالَى لو شاء لجعل النَّاس أمة واحدة، لكن حكمة الله اقتضت أن نبذل الجهد، فكم خرج من الْمُسْلِمِينَ، وكم قتل منهم في معارك الفرس والروم، وكم فُتح من البلاد، وأسلم بسبب ذلك أناس كثيرون.\r\rفكان في ذلك كثير من الحكم والمصالح، ومع ذلك فإن موته ﷺ مصيبة، فأعظم مصيبة حصلت في هذه الأمة فقده ﷺ، ولا تعدلها أي مصيبة عَلَى الإطلاق، ومع ذلك فيها حكمة بل حِكم مما نعلم وما لا نعلم وهكذا.\rقَالَ: [والحسن والقبيح] ففي الحسن حكمة وفي القبيح حكمة، فلو كانت المخلوقات كلها حسنة ما عرف أنها حسنة، فُحَسنُ الحسَنِ لا يعرف جلياً إلا بقبح القبيح، ولهذا فإن بعض النَّاس قد يستقبح شيئاً، فإذا رأى القبيح رجع لذلك، وجعل له قيمة عظيمة، ولهذا فشكر النعم يأتي من نظرنا إِلَى من هو دوننا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690371,"book_id":1659,"shamela_page_id":1497,"part":null,"page_num":1497,"sequence_num":1497,"body":"فقد أمرنا النبي ﷺ أن ننظر في أمور الدنيا إِلَى من هو دوننا وأقل منا، قوله: [والخير والشر] فلا تصلح حياة النَّاس لو كانت كلها خيراً، فكيف نعرف الأخيار من الفجار؟ فلو كَانَ كل ما وجد في الدنيا خير ما ظهرت ميزة شيء عَلَى شيء، فهذه بهيمة الأنعام جعل الله الخير في ألبانها، وفي لحومها، وفي أصوافها، وفي أوبارها، فيستفاد من جميع أجزائها، حتى عظامها يُعمل منها صناعات معينة، فهذه كلها خير، وفي المقابل: الكلاب والخنازير والحيوانات السامة، هي شر، فجعل هذا وهذا لنعرف نعمة الله علينا بتلك فنشكره، ونعرف نعمة الله أن عافانا من هذه، وكيف لو خلق هذه مثل تلك -عياذاً بالله-.\rفإذاً بهذا نعرف أن لله ﷾ حكمة.\rخلق المتضادات تحقيق لحكمة الله وكمال تصرفاته\rفي خلق الله لهذه المتضادات المتقابلات، تبيين قدرة الله ﵎ عَلَى أن يخلق ما يشاء، وله في ذلك الحكمة، يقول: [وذلك] يعني وجود هذه المتناقضات والمتضادات [أدل دليل عَلَى كمال قدرته وعزته وملكه وسلطانه\"، فإنه خلق هذه المتضادات وقابل بعضها ببعض، وجعلها محالَّ تصرفه وتدبيره] ، فيصرفها ويدبرها ﷾، فيسلط إبليس عَلَى الكافرين، فيؤزهم أزاً، ويدفعهم إِلَى الشر، ويسلطه عَلَى المؤمنين فيرفضونه، ويعصونه، فترتفع درجاتهم عند الله ﷾.\rويسلط العقرب أو الحية، فتلدغ الفاجر فيكون ذلك عقوبةً ونكالاً وكفاً لشره عن الناس، ويسلطه عَلَى المؤمن، فيكون في ذلك رفعاً لدرجته وخيراً وطهوراً له من ذنوبه، وهكذا، فهو ﷾ جعلها محالَّ تدبيره، يدبر الخير أو الشر كما يشاء عن طريق هذه المحالَّ، وعندنا أمران أمر بهما الله ﵎ إبليس\":","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690372,"book_id":1659,"shamela_page_id":1498,"part":null,"page_num":1498,"sequence_num":1498,"body":"الأمر الأول: أن يسجد مع الملائكة، وذلك عند ما قال الله للملائكة: اسْجُدُوا لِآدَمَ [البقرة:٣٤] وهذا الأمر يشمل إبليس أيضاً، فقوله: اسْجُدُ يقابله عندنا فعل آخر، وهو: وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم [الإسراء:٦٤] الآية فهنا \"اسجد\" وهنا \"استفزز\"، فالأمر بالسجود أمر شرعي، لكن لما قال له: وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ [الإسراء:٦٤] فهذه الأوامر كونية، فالله تَعَالَى كوناً وقدراً، قضى بذلك وقدَّره.\r[وليس أمراً بفعل ذلك] أي: أذن لك بذلك كوناً وقدراً، لكن النهاية أنت ومن اتبعك مصيركم إِلَى النار، وأما الأمر بالسجود الذي أمر الله تَعَالَى به المؤمنين وهو الأمر الشرعي، فيجب أن يطاع، لا أنه مجرد مشيئة لله ﷾.\r\rولكن إذلال الشيطان لبني آدم، هذا بمشيئة الله ﷾.\r\rثُمَّ يقول: [فخلو الوجود عن بعضها بالكلية، تعطيل لحكمته وكمال تصرفه وتدبير ملكه] فلو خلى الوجود عن بعض هذه بالكلية، كما لو خلا من الليل فكان كله نهاراً، أو خلا من الأدواء وكان الوجود كله شفاءً وعافيةً، أو خلا من الموت فكان الوجود كله حياةً، أو خلا من القبح فكان الوجود كله حُسْناً، أو خلا من الشر فكان كله خيراً لكان في ذلك تعطيل لحكمته ولكمال تصرفه وتدبير ملكه ﷾، لكن وجود هذه المتناقضات والمتضادات فيها تحقيق لحكمته ولكمال تصرفه، فلنتدبر ذلك ونتأمله.\r\rظهورأسمائه القهرية\rقَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:\r[ومنها ظهور آثار أسمائه القهرية، مثل: القهار، والمنتقم، والعدل، والضار، والشديد العقاب، والسريع الحساب، وذي البطش الشديد، والخافض، والمذل، فإن هذه الأسماء والأفعال كمال، لا بد من وجود متعلَّقها، ولو كَانَ الجن والإنس عَلَى طبيعة الملائكة لم يظهر أثر هذه الأسماء] اهـ.\rالشرح:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690373,"book_id":1659,"shamela_page_id":1499,"part":null,"page_num":1499,"sequence_num":1499,"body":"إن الله ﷾ له أفعال تقتضي وجود وظهور آثاره، ومن أسماءه ﷾ \"القهار، شديد العقاب، سريع الحساب\" فلو لم يكن هنالك من يُقهر، ويُحاسب، ويُعاقب، ما ظهر أثر هذا الاسم، وأيضاً \"ذي البطش الشديد\".\rفلو لم يوجد مجرم مذنب يكون أهلاً لوقوع البطش لما ظهر أثر هذه الصفة.\rوفي \"الخافض\" لو لم يوجد من يخفض ويستحق الخفض لما ظهر أثر هذا الاسم، وهو الخافض.\rوفي \"المذل\" لو لم يوجد من يستحق أن يذلَّ لما ظهر أثر هذا الاسم، أو الفعل.\rفالقهار المنتقم يدل عَلَى أنه يوجد من يقهر، ويوجد من ينتقم، عدلاً، ومن عومل بالعدل فقد هلك.\r\"والضار\" لأن الله تَعَالَى هو النافع الضار، فلو لم يوجد من يُضر بإذن الله سبحانه تعالى، وينزل به ضرر من الله، فأين سيظهر أثر هذا الاسم؟\rوهكذا كثير من أسماء الله وأفعاله ﷾ تقتضي وجود آثارها، وقد ذكر المُصْنِّف آثار أسمائه المقابلة لهذه الأسماء المذكورة وهي المتضمنة لحلمه وعفوه ومغفرته.\rقال الشيخ: \"فإن هذه الأسماء والأفعال\" إذاً فبعضها أسماء، وبعضها أفعال، فهو لم يحب أن يدخلنا في قضية، هل هذا اسم أم أنه ليس اسم بل هو فعل، لكن كونها أفعال فلا شك أن الله ﷾ يفعل الانتقام، فهو إذاً منتقم، فقد سمى نفسه \"عزيز ذو انتقام\" وكونه \"ضار\" نَحْنُ لا نذكر هذا الاسم إلا مقروناً، فهو الأسماء التي لا تذكر مفردة، لكن نقول الله هو النافع الضار، والكلام الآن في جانب واحد وهو جانب الضرر، ويأتي بعد ذلك الجانب الآخر في الحكمة التالية التي تليها، فالكلام الآن عن جانب الضرر: القهر، الانتقام، الغضب، العقوبة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690374,"book_id":1659,"shamela_page_id":1500,"part":null,"page_num":1500,"sequence_num":1500,"body":"ويأتي بعد ذلك جانب العدل والرحمة، والحلم، والعفو، والستر، والتجاوز، وكذلك أيضاً الرافع والخافض، والمعز والمذل [فإن هذه الأسماء والأفعال كمال لله ﷾] وكل صفة كمال فالله ﷾ أولى وأحق بها ﷿.\rفَيَقُولُ: [لا بد من وجود متعلقها] أي: لا بد أن يوجد متعلق هذا الاسم، أي: لو كَانَ الجن والإنس عَلَى طبيعة الملائكة، لو كانوا خيراً محضاً لما غضب، ولما انتقم، ولا أذل، ولا خفض، ولا بطش بأحد، لأنهم كلهم عَلَى طبيعة الملائكة، لكن لما كَانَ فيهم الأخيار وفيهم الفجار، والأخيار درجات، والفجار درجات.\rفمن هنا تظهر آثار هذه الأسماء، فجانب الأشرار والفجار يكون متعلق لهذه الأسماء والصفات، ولهذه الأسماء والأفعال، فينتقم ممن يستحق الانتقام منهم، ويبطش بهم، ويذلهم، ويخفضهم، وفي المقابل ما يتعلق بظهور آثار أسماءه المتضمنة لحلمه وعفوه.\r\rظهور آثار أسمائه المتضمنة لحلمه وعفوه\rقَالَ المُصْنِّفُ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-:\r[ومنها ظهور آثار أسمائه المتضمنة لحلمه وعفوه ومغفرته وستره وتجاوزه عن حقه وعتقه لمن شاء من عبيده، فلولا خلق ما يكرهه من الأسباب المفضية إِلَى ظهور آثار هذه الأسماء لتعطلت هذه الحكم والفوائد، وقد أشار النبي ﷺ إِلَى هذا بقوله: (لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون ويستغفرون فيغفر لهم) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690375,"book_id":1659,"shamela_page_id":1501,"part":null,"page_num":1501,"sequence_num":1501,"body":"ومنها ظهور آثار أسماء الحكمة والخبرة، فإنه الحكيم الخبير الذي يضع الأشياء مواضعها وينزلها منازلها اللائقة بها، فلا يضع الشيء في غير موضعه ولا ينزله في غير منزلته التي يقتضيها كمال علمه وحكمته وخبرته، فهو أعلم حيث يجعل رسالاته، وأعلم بمن يصلح لقبولها ويشكره عَلَى انتهائها إليه، وأعلم بمن لا يصلح لذلك، فلو قُدِّر عدم الأسباب المكروهة لتعطلت حكم كثيرة ولفاتت مصالح عديدة، ولو عطلت تلك الأسباب لما فيها من الشر لتعطل الخير الذي هو أعظم من الشر الذي في تلك الأسباب وهذا كالشمس والمطر والرياح التي فيها من المصالح ما هو أضعاف أضعاف ما يحصل بها من الشر، ومنها: حصول العبودية المتنوعة التي لولا خلق إبليس لما حصلت، فإن عبودية الجهاد من أحب أنواع العبودية إليه سبحانه، ولو كَانَ النَّاس كلهم مؤمنين لتعطلت هذه العبودية وتوابعها من الموالاة لله ﷾، والمعاداة فيه، وعبودية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعبودية الصبر ومخالفة الهوى، وإيثار محابَّ الله تعالى، وعبودية التوبة والاستغفار وعبودية الاستعاذة بالله أن يجيره من عدوه ويعصمه من كيده وأذاه إِلَى غير ذلك من الحكم التي تعجز العقول عن إدراكها] اهـ.\rذكر المُصْنِّف ﵀ أن من الحِكَمَ في وجود الخير والشر هو ظهور آثار أسمائه القهرية أي: أن الله ﷾ يظهر آثار أسمائه القهرية وأفعاله، مثل كونه قهاراً منتقماً عدلاً ضاراً شديد العقاب سريع الحساب، إِلَى آخر ما تقدم شرحه، فلولا وجود الشر ما ظهرت آثار هذه الأسماء، وكذلك ما يقابلها وهو ظهور آثار أسمائه المتضمنة لحلمه وعفوه ومغفرته وستره وتجاوزه عن حقه، وعتقه لمن شاء من عبيده، فلولا خلق ما يكرهه من الأسباب المفضية إِلَى ظهور آثار هذه الأسماء لتعطلت هذه الحكم والفوائد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690376,"book_id":1659,"shamela_page_id":1502,"part":null,"page_num":1502,"sequence_num":1502,"body":"فالله ﵎ موصوف بهذه الصفات لأنه ﷿ ذو حلم وعفو ومغفرة وستر وتجاوز فيقتضي ذلك ويتضمن وجود عبادٍ يحلم عنهم ويغفر لهم ويستر عليهم ويتجاوز عنهم، وهذا لا يكون إلا من عبادٍ لهم ذنوب ولهم أفعال يكرهها الله ﵎، وتكون من إغواء عدو الله الذي هو مادة كل شر من أعمال العباد وهو إبليس اللعين، فلكي تظهر آثار هذه الأسماء والصفات والأفعال لله ﵎ كَانَ ذلك الشر موجوداً مع الخير، وكان لوجود الشر حكمة، كما أن لوجود الخير حكمة أيضاً، فوجود هذين معاً واجتماع إرادة الله ﵎ لها مع بغضه وكراهته لها أي: اجتماع ذلك في شيء واحد أو في هذه الأشياء، هو في غاية الحكمة لمن تأمله وتدبره.\rيقول: وقد أشار النبي ﷺ إِلَى هذا بقوله: [لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم] هذا الحديث الصحيح تضمن إشارةً إِلَى تلك الحكمة الجليلة، وهو أنه ﷺ يبين لأمته الذين يخافون من الذنوب -وكل مسلم ومؤمن يجب أن يخاف من الذنوب- أن هذا الذنب لا بد أن يقع منكم، ولكن يجب عليهم أن يستغفروا، فالحرج ليس في وقوع الذنب فهو لابد أن يقع.\rلكن يجب عليهم أن يبادروا إِلَى الاستغفار والتوبة والإنابة، فهذا أمر جبلت عليه الطبيعة الإِنسَانية، وهي أنها تقبل الخير وتقبل الشر، فقد يغلبها الهوى فتغلب النفس صاحبها، وإن كَانَ ذا إيمان ودين، لكن الواجب عليه أن يرجع وأن يتوب إِلَى ربه ﵎ وهو سبحانه تَعَالَى يغفر له، كما قال الله تَعَالَى في الحديث القدسي: (يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم) وكما قال ﷺ في الحديث الآخر: (كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690377,"book_id":1659,"shamela_page_id":1503,"part":null,"page_num":1503,"sequence_num":1503,"body":"فالخطأ من طبيعة البشر، لكن يجب عَلَى الإِنسَان أن يتوب وأن يستغفر، وأن يبادر إِلَى ربه ﵎ في ذلك، بل إن مما يشاهد ويلاحظ في واقع النَّاس أن بعض الذنوب والمعاصي والأخطاء التي يرتكبها بعض النَّاس ربما كانت سبباً في هدايته هدايةً عظيمة، واستقامته استقامةً لا مثيل لها قبل أن يقع منه ذلك الذنب، وهذا ما عبر عنه بعضهم بقوله: (رب معصيةٍ أورثت ذلاً وانكسارً خيرٌ من طاعةٍ أورثت عزاً واستكباراً) .\rفبعض المعاصي والذنوب يعرف بها صاحبها قدر نفسه ومنزلتها من طاعة الله ﵎، وربما كانت سبباً في إقلاعه عن سائر الذنوب واجتهاده في طاعة الله فترتفع درجته، ويزداد يقينه، ويعرف فضل الله ﵎ عليه بالتوبة وبالعصمة من الذنوب التي هي أكبر، ويعرف مقدار انحطاط العبد ومقدار غروره، ومقدار ظلمه لربه ولنفسه في حالة الذنب، وهذه العبر والحكم لا تكون إلا بناءً عَلَى ذنب بعد ذنب أذنبه.\r\rانظروا إِلَى أبينا آدم ﵇! لله حكمة عظيمة حيث قدر له أن يأكل من الشجرة، ألا ترون أن الله تَعَالَى نهاه من الأكل من الشجرة؟\rإذاً: الأكل من الشجرة بالنسبة لله ﵎ مبغضاً شرعاً لأنه نهاه، وهو كوناً وقدراً محبوب أي: مراد مطلوب، فاجتمعت فيه إرادته كوناً مع بغضه شرعاً، والإرادة الكونية لها حكم عظيمة وإن خالفت الإرادة الشرعية. فمن ذلك الحكم العظيمة التي نراها الآن في واقع هذه الدنيا.\r\rكيف ترون الحال لو أن آدم وذريته خلقهم الله تَعَالَى في الجنة وبقوا يتناسلون ويتكاثرون فيها، لما كانت هناك حكمة من خلق الإنس والجن مما هو في الدنيا، ومن حكمة خلق الإِنسَان وحكمة التكليف وتحمل الأمانة , وإرسال الرسل وإنزال الكتب وافتراق النَّاس إِلَى فريقين، هذا يجاهد في الله حق جهاده، وهذا يطيع عدو الله ويتبعه ويعادي ربه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690378,"book_id":1659,"shamela_page_id":1504,"part":null,"page_num":1504,"sequence_num":1504,"body":"كل هذه من الحكم التي نراها ووجود خلق من خلق الله اصطفاهم الله ﷾ وهم الأَنْبِيَاء وأفضلهم هو مُحَمَّد ﷺ، فلو تأملنا لوجدنا أنه لا معنى للوجود الإِنسَاني بإطلاق لو كَانَ في الجنة، فهناك نوع شر محض وهم الشياطين المردة، وإن كَانَ في وجودهم خير من جانب، وهناك خير محض وهم الملائكة، ووجود الجنس أو الطرف الذي يمكن أن يكون خيراً ويمكن أن يكون شراً لحكم عظيمة جداً، فوجد عن طريق خلق آدم فخلقه الله ﷾ قادراً لهذا ولهذا، فكان أكله من الشجرة ووقوع الذنب منه الذي لم يرض به الله ﷾ شرعاً، لكنه وقع لحكمة كونية فنزل آدم إِلَى الأرض، فلما نشأ عَلَى هذا التراب عرف قيمة الجنة وعرف قيمة الطاعة وعرف أثر المعصية وخطرها وضررها عليه وعلى ذريته.\rحتى قيل: إن آدم ﵇ بكى حتى كانت دموعه تجري في الأرض مثل الأنهار من كثرة البكاء، ولا نستغرب هذا لأن من رأى الجنة ثُمَّ جَاءَ إِلَى هذا التراب لا بد أن يبكي؛ لأنه شيء لا يمكن للإنسان أن يطيقه ويأتي إِلَى هذه الأرض، ففي هذا من الحكم والمصالح العظيمة ما لم يكن لولا ذلك الذنب، ثُمَّ استمرت الإِنسَانية قروناً عَلَى التوحيد، حتى وقع فيهم الشرك، فظهرت حكمة الله ﷾ في أن يكون النَّاس مختلفين وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً [هود:١١٨] لكن حكمته اقتضت أن يكون النَّاس مختلفين، وأن يكونا عَلَى فريقين، ثُمَّ نتج عن ذلك إرسال الرسل، وما يكون من رفعٍ لدرجات الرسل ولأتباعهم، وما يكون من إنزال العقاب والعذاب الأليم لمن خالفهم ولمن عصاهم وكفر بالله ﷾.\r\rظهور آثار أسماء الحكمة والخبرة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690379,"book_id":1659,"shamela_page_id":1505,"part":null,"page_num":1505,"sequence_num":1505,"body":"يقول: [ومنها ظهور آثار أسماء الحكمة والخبرة] إذاً: بالإضافة إِلَى هذه الأسماء المتقابلة من كونه منتقماً وشديد العقاب، وسريع الحساب، وكونه رحيماً وغفوراً وستيراً، أيضاً هنالك أسماء أخرى تظهر آثارها بوجود الخير والشر في هذا الكون، فمن ذلك: آثار أسماء الحكمة والخبرة، فالله ﷾ سمى نفسه في القُرْآن الحكيم بالخبير، يقول: [فإنه الحكيم الخبير الذي يضع الأشياء مواضعها، وينزلها منازلها اللائقة بها، فلا يضع الشيء في غير موضعه، ولا ينزله في غير منزلته التي يقتضيها كمال علمه وحكمته وخبرته] .\rفكونه حكيماً ﷾ وخبيراً فهو يخلق ما يشاء كيف يشاء، متى شاء، ويضعه إن كَانَ تصرفاً أو أمراً في موضعه اللائق به، إذاً فكيف تظهر آثار هذه الأسماء إلا مع وجود المتضادات من خير وشر، وطاعة ومعصية، وأولياء له وأعداء، فلو كَانَ الكون كله عَلَى حال واحد لم تتفاوت الأحوال، ولم تظهر حكمة في أن يوضع هذا الشيء في هذا الموضع، فإذاً لو أن النَّاس كلهم عَلَى حال واحدة فلم يكلفوا لم يفهم من ذلك حكمة، ولا يكون لذلك حكمة، لكن عندما يكون في النَّاس الطائع وفيهم العاصي، فيأتي العذاب عَلَى من عصى وكفر، وينجوا من أطاع الله ﵎، فيظهر هنالك أثر -فعلاً- أنه حكيم ﷾، حيث أصاب هَؤُلاءِ ونجى هَؤُلاءِ وهكذا.\r\rيقول: [فهو أعلم حيث يجعل رسالاته، وأعلم بمن يصلح لقبولها ويشكره عَلَى انتهائها إليه، وأعلم بمن لا يصلح لذلك] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690380,"book_id":1659,"shamela_page_id":1506,"part":null,"page_num":1506,"sequence_num":1506,"body":"إن أشرف ما امتنَّ الله تَعَالَى به عَلَى عباده في هذا الوجود هو الرسالة، وأشرف خلق الله ﷿ وأفضلهم وأعلاهم قدراً ومنزلةً هم الرسل، والله أعلم حيث يجعل رسالته، فله الحكمة ﷾، فهو الحكيم الخبير وهو الذي يضع هذه الرسالة في فلان، ولا يضعها في فلان، وإلا لو كَانَ الأمر موكولاً إِلَى أهواء البشر لقال الكفار كما قالوا: وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا القُرْآن آنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف:٣١] لماذا لم يكن فلان؟ ولماذا لم يكن فلان؟ وما قيمة فلان هذا؟ قالوا: لأنه صاحب مال وصاحب جاه ومنصب، مطاع في قومه إِلَى آخر ما يرونه من صفات.\rوالله تَعَالَى يقول: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام:١٢٤] ، ليس هنالك أحد أعلم من الله ﷾: أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الزخرف:٣٢] .\r\rأما المعيشة الدنيوية فإن الله ﷾ قسمها بينهم، ورفع بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً، لكن وَرَحْمَةٌ رَبِكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [الزخرف:٣٢] فالرسالة أفضل من كل ما يجمع النَّاس ومن كل ما يعطون في هذه الحياة الدنيا فيقسمونها، هذه الدنيا إذا تجردت عن الإيمان بالله تعالى، فهي أحقر عند الله ﷾ ولا تعادل ولا تزن جناح بعوضة، ومع ذلك لم توكل قسمتها لهم فهل يوكل إليهم قسمة الرسالة وهي أعظم من ذلك، وخير من ذلك، فيضعونها حيث شاؤوا؟!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690381,"book_id":1659,"shamela_page_id":1507,"part":null,"page_num":1507,"sequence_num":1507,"body":"فالله كونه هو الحكيم الخبير، هو أعلم حيث يجعل رسالته، فهو يخلق ما يشاء ويختار اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ [الحج:٧٥] وهو أعلم بمن يصلح لقبولها ويشكره عَلَى انتهائها إليه، سواءً كَانَ الرَّسُول الذي يصطفيه الله ﷾، أو كَانَ الأتباع الذين يشكرون الله ويحمدونه عَلَى أن هذه الرسالة قد بلغتنا وجاءتنا.\r\rولهذا فالمؤمنون لم ينافسوا في الرسالة بأن يقولوا: كيف يكون الرَّسُول فلان؟ ولماذا لم أكون أنا أو فلان؟ لم يقولوا ذلك، بل حمدوا الله ﷾ وشكروه عَلَى أن الرسالة قد أنزلت، وعلى أن هذا النور قد جاء، ووضع في الموضع اللائق، وأن هذا الرَّسُول الذي جَاءَ به هو خيرهم وأفضلهم نسباً وأمانةً وصدقاً وخلقاً وشجاعةً، فحمدوا الله وشكروه وعرفوا قدر هذه النعمة، أما المُشْرِكُونَ فلأنهم لم يقدروا النعمة حق قدرها، ولم يعرفوا الله حق معرفته، ولم يقدروه حق قدره، وكذلك لم يعرفوا منزلة الرَّسُول ﷺ الحقيقية -وإن كانوا مقرين بفضله- لكنه الاستكبار والجحود، فهَؤُلاءِ هم الذين أرادوها أن تكون في غيره ﷺ.\rفالله تَعَالَى أعلم بهذا وأعلم بالضد المقابل، فلو قدر عدم الأسباب المكروهة لتعطلت حكم كثيرة، ولفاتت مصالح عديدة، ولو عطلت تلك الأسباب لما فيها من الشر، لتعطل الخير الذي هو أعظم من الشر الذي في تلك الأسباب، فإذا نظرنا إِلَى واقع دعوة النبي ﷺ فإنه أوذي أشد أنواع الأذى، وأوذي أصحابه المؤمنون، وكان الابتلاء والامتحان والتضييق في مكة، وحوصروا فيالشعب، وهاجر من هاجر إِلَى الحبشة، كل هذا من أجل الله ﷾، ثُمَّ أخذ يعرض نفسه عَلَى القبائل فرده أكثرهم، حتى ضاقت به الدنيا ﷺ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690382,"book_id":1659,"shamela_page_id":1508,"part":null,"page_num":1508,"sequence_num":1508,"body":"ولكن هذه الابتلاءات لله تَعَالَى فيها حكمة عظيمة جداً، ارتفعت منزلة النبي ﷺ، وكان له الأجر عَلَى هذا الصبر، وعلى هذا الابتلاء.\rواختار الله ﷾ بعد ذلك الأنصار -الأوس والخزرج- وفضلهم عَلَى كل القبائل، ليكونوا أهلاً لقبول الدعوة ولإيواء النبي ﷺ، ولتكون بلدتهم يثرب -كما كانوا يسمونها- هي المنطلق والمرتكز لهذا الدين، كل هذا فيه حِكَم، فالمؤمنون الأولون الذين عذبوا وأوذوا هم الذين صبروا وصمدوا وعليهم قام هذا الدين، لكن الذين دخلوا في الإسلام بعد الفتح عشرات الألوف، وتوفي النبي ﷺ فلم ينتشر خبر وفاته إلا وارتد أكثر العرب، لأنهم لم يتربوا عَلَى هذا الدين ولم يعرفوا قيمته، لكن الذين كانوا محاصرين، وهاجروا إلى الحبشة، وكانوا يعذبون وتوضع عليهم الصخرات الثقيلة في شدة الرمضاء في مكة ليرجعوا عن دينهم، هَؤُلاءِ لم يرتدوا بعد وفاته ﷺ.\rإذاً: لله في إقداره حِكَم، فهذا الأذى الذي وقع من الكفار لا يريده الله بمعنى: لا يرضاه ولا يحبه فلا يرضى الكفر ولا يرضى إيذاء المؤمنين، لكن لما فيه من الحكم العظيمة.\r\rفأهل بدر الذين خرجوا وأكثرهم مشياً عَلَى الأقدام في عتادٍ وعدةٍ قليلة، وكانوا يواجهون من هو أقوى منهم عدداً وقوةً، وكانوا يودون أن غير ذات الشوكة تكون لهم، لكن كَانَ لله حكمة في أنهم وقع لهم ما وقع، لأن النصر جاءهم مع هذه القلة ومع هذا الضعف والصبر، وبقي لأهل بدر ميزة يتميزون بها عن أهل الإسلام كافة، إذاً في تلك المكروهات حكم ومصالح عظيمة لم تكن لتتحقق إلا بوجود تلك الأسباب المكروهة التي جعلها الله ﵎.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690383,"book_id":1659,"shamela_page_id":1509,"part":null,"page_num":1509,"sequence_num":1509,"body":"أرأيتم إِلَى موسى ﵇، لولا أن فرعون كَانَ عالياً من المسرفين في قمة الطغيان والاستبداد والاستعباد وجعل بني إسرائيل شيعاً، يذبح أبناءهم ويستحيي نسائهم، كل هذا الضغط وهذا الظلم الذي كَانَ يعاني منه بنوا إسرائيل، وهذه القوة والجبروت الذي كَانَ فرعونيعلنها أمام النَّاس أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [النازعات:٢٤] أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي [الزخرف:٥١] ، أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ [الزخرف:٥٢] ، كل هذا الكبر والاستعلاء في الأرض كَانَ فيه مصلحة وحكمة وهو: أن الله جعل موسى ﵇ من أولي العزم من الرسل، وبلغ عند الله منزلة عظيمة، وكلمه ربه ﵎، وأيده ونصره لأنه واجه هذا الظلم العظيم، فلو لم يكن فرعونبهذه المثابة من الكفر لما ظهر بذلك فضل موسى ﵇ وصبره وقوته في مقاومة هذا الباطل وهذا الظالم وهكذا.\rولهذا فالحال كما قال ﷺ: (يبتلى المرء عَلَى قدر دينه، فأشد النَّاس بلاءً الأَنْبِيَاء، ثُمَّ الأمثل فالأمثل) فالابتلاء والكفر والعناد الذي يقع من الكفار وهو مكروه ومبغوض لله ﷾ يكون فيه خير، وهو أنه يظهر به تفاوت المؤمنين ودرجاتهم عند الله ﵎.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690384,"book_id":1659,"shamela_page_id":1510,"part":null,"page_num":1510,"sequence_num":1510,"body":"ويضرب ﵀ لذلك مثلاً بالشمس والمطر والرياح، يقول: التي فيها من المصالح ما هو أضعاف أضعاف ما يحصل بها من الشر، ألا ترون الشمس ألا تؤذي، فمن النَّاس من تؤذيه الشمس بلا شك، ولو أن إنساناً جلس في الشمس يوماً أو أكثر لمرض وتأذى، وقد تؤثر عَلَى بعض المحاصيل أو بعض المنتوجات، وقد تمرض وقد تضر بأنواع من الضرر، لكن إذا قدرنا هذا الضرر الحاصل من الشمس بالخير الذي يحصل منها، وكذلك لو نظرنا إِلَى آثار الشمس عَلَى الحياة وعلى النبات والحيوان والإِنسَان لوجدنا أن النَّاس يتحدثون عنها، وقد وجد العلم البشري من الآثار العظيمة والفوائد للشمس ما لم يكن يعلمه، ولم يكن يتوقعه من قبل، إذاً: فيها أضرار، لكن هذه الأضرار بالنسبة إِلَى المنافع العظيمة لا تعد شيئاً، فوجود شيء أو جانب مكروه في أمر فيه حكمة وفيه مصلحة وفيه خير، لا يلزم أن نلغي هذا الخير كله لمجرد وجود هذا الشيء المكروه، فهذا هو المقصود بالمثال.\rوكذلك المطر: قد يهدم بيوتاً، ويغرق بعض الناس، لكن كيف يكون حال النَّاس لو لم ينزل هذا المطر؟ يحل بهم الجدب والقحط وأمور كلها مكروهة للناس نتيجة لانقطاع المطر ولعدم نزوله، وكذلك الرياح فكثير من النَّاس يتضايقون من الغبار ومن الرياح، لكن هل يعني ذلك أن الرياح لا تفيد، أو أن هذا الشيء المكروه كله شر؟! ففوائد الرياح عظيمة، مرسلة من عند الله ﷾، إن أرسلت بالخير جَاءَ الخير، وإن أرسلت بالشر جَاءَ الشر، وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ [الحجر:٢٢] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690385,"book_id":1659,"shamela_page_id":1511,"part":null,"page_num":1511,"sequence_num":1511,"body":"فجعلها الله ﷾ لواقح، وهذا من الخير الذي تأتي به الرياح، لكن إذا أراد الله أن يهلك أمةً من الأمم بالرياح أهلكهم بها كما أهلك قوم عاد، أرسل عليهم ريحاً صرصراً في أيام نحسات، فهلاك طائفة من النَّاس بالريح أو تضرر من محصولاتهم، أو أمور حياتهم ومعايشهم، لا يعني ذلك أنها شر محض، أو أنها لا تطلب، بل هذا الشر ضئيل محدود بالنسبة إِلَى ما فيها من الخير وإلى ما فيها من النفع العام , إذاً المراد بهذه الأمثلة أن يتضح لدينا أنه قد يجتمع في الأمر الواحد أن يكون مراداً من جهة، ومع ذلك مكروهاً مبغضاً من جهة أخرى، هذا بالنسبة للمخلوقين وكذلك بالنسبة لله ﷾.\r\rحصول العبودية المحضة\rثُمَّ يقول ﵀: [ومنها -أي من الحكم أيضاً- حصول العبودية المتنوعة، التي لولا خلق إبليس لما حصلت] لولا هذا العدو الشر المحض الذي لا يأتي بخير وهو إبليس، لولاه لما وجد خير عند كثير من الناس، ولما وجدت هذه العبوديات بالنسبة لله ﷾، التي تحصل من وجود هذا العدو الخبيث.\r\rعبودية الجهاد\rيقول المصنف: [فإن عبودية الجهاد من أحب أنواع العبودية إليه ﷾] يحب الله ﷾ الجهاد، ويحب المجاهدين في سبيله، ووعد المجاهدين في سبيله بأن لهم الجنة كما قال تعالى:\rإِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ [التوبة:١١١] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690386,"book_id":1659,"shamela_page_id":1512,"part":null,"page_num":1512,"sequence_num":1512,"body":"هذا بيع عقد بين الله ﷾ وبين عباده، والجهاد هو ذروة سنام الإسلام فلو كَانَ النَّاس كلهم مؤمنين لتعطلت هذه العبودية، لأنه من الذي يُجاهد؟ ومَنْ يُجاهد؟ لكن لما أن جَاءَ إبليس فاتبعه طائفة من النَّاس، فكفروا بالله، فكانوا أعداء الله، وفي المقابل آمنت طائفة من النَّاس، واتبعوا رسل الله، وعصوا إبليس، فكانوا أعداءً لأعداء الله، فسلط الله ﵎ أوليائه عَلَى أعداءه، فقاتلوهم فكان منهم الشهداء، وكان منهم من نال هذه المراتب العظيمة، وعذَّب أُولَئِكَ وأذلهم بأيدي المؤمنين، كما أنه إذا شاء عذبهم ﷾ بعذاب من عنده، من الأرض أو من السماء، فيخسف بهم الأرض أو يغرقهم أو يرسل عليهم الصيحة أو يعذبهم بما يشاء من أنواع العذاب، إذا ًوجود إبليس هو سبب لوجود هذا الكفر، وهذا الكفر حصلت بوجوده عبوديات لله ﵎ من غير أُولَئِكَ الكفار وهم المؤمنون الذين جاهدوا أعداء الله، فلو كَانَ النَّاس كلهم مؤمنين؛ لتعطلت هذه العبودية وتوابعها من الموالاة في الله ﷾ والمعاداة فيه التي هي أوثق عرى الإيمان كما جَاءَ في الحديث (أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله) ومنزلة النَّاس من الإيمان بحسب منزلتهم من ولاية الله والمؤمنين وعداوتهم للشيطان وللكافرين، فكل إنسان هو من الإيمان بحسب منزلته من تحقيق هذه الولاية، وتحقيق تلك العداوة، فلا بد منهما معاً، ومن حقق كمال الولاية لله ولرسوله وللمؤمنين وكمال العداوة للكفار ولإبليس اللعين، فهذا هو الذي بلغ الذروة والكمال في الإيمان كما كَانَ إبراهيم ﵇، وكما كَانَ مُحَمَّد ﷺ، وأصحابه من بعده.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690387,"book_id":1659,"shamela_page_id":1513,"part":null,"page_num":1513,"sequence_num":1513,"body":"فلا تجد قوماً يؤمنون بالله وبرسوله ﷺ يوادون من حاد الله ورسوله، ولا يجتمع في قلب أحد من النَّاس حب الله ﷾ وحب عدو الله إبليس، وحب الكفر والإيمان جميعاً.\rهذه الموالاة والمعاداة نتيجة وثمرة لوجود الكفر ولوجود الشر، ولوجود مادة ذلك الكفر والشر وهو إبليس، فتنوعت العبوديات لله ﵎، تبعاً لوجود هذا الشر الذي هو إبليس وأعوانه.\r\rعبودية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر\rلو كان النَّاس كلهم مؤمنين ولم يكن في هذا الكون شر، ولم يُخلَق إبليس اللعين لما وجدت المنكرات، ولما وجدت عبودية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\rبل لو كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يأتي بمجرد اللسان، أو بالأمر الهين لكان النَّاس كلهم آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر، لكن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يستلزم الصبر والمشقة والتضحية، ولعل في قول لقمان الحكيم لابنه وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ [لقمان:١٧] لعل في ذلك إشارة إِلَى هذه الحكمة وهي: أنه عقَّب عَلَى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالصبر، والصبر أعم من أن يكون عَلَى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل هو أعم من ذلك، لكن كونه يأتي بعده فيه إشارة إِلَى رابطة بينهما، بأنه لا يمكن أن يأمر أحد بالمعروف، أو ينهى عن المنكر إلا ويبتلى، فإذا أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر فاصبر عَلَى ما يصيبك، وأنت أيضاً مأمور بالصبر عَلَى الطاعة، ومأمور بالصبر عَلَى المعصية، ومأمور بالصبر عَلَى الأقدار، لكن في هذه الحالة بالأخص إذا أمرت بالمعروف أو نهيت عن المنكر فاصبر، كما قالورقة بن نوفل: ﴿ليتني أكون فيها جذعاً إذ يخرجك قومك﴾ قالها للنبي ﷺ لما أن نزل عليه الوحي، أي: ليتني أكون شاباً قوياً إذ يخرجك قومك حتى أنصرك نصراً مؤزراً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690388,"book_id":1659,"shamela_page_id":1514,"part":null,"page_num":1514,"sequence_num":1514,"body":"فقال النبي ﷺ: ﴿أو مخرجي هم﴾ فتعجب النبي ﷺ لماذا يخرجونني، مع أن الناموس الذي كان ينزل عَلَى موسى نوراً وهداية جَاءَ به جبريل من عند الله، فهذا خير عظيم، أيخرجونني لأنني أنزل الله علي هذا الخير أو جئتهم به؟! فتعجب لأن الله لم يكن أخبره عن حال الأمم السابقة، وعن حال الرسل مع أممهم وأقوامهم، فالذي ينظر أول وهلة يتعجب، كيف يأتيكم ليدلكم عَلَى طريق الجنة ويباعدكم من طريق النَّار فتؤذونه، هذا شيء عجيب كيف يقع؟ قال ورقة: ﴿ما جَاءَ أحد بمثل ما جئت به إلا عودي﴾ لأنه كان عنده علم من الكتاب، أي حتى ولو كنت تدل النَّاس إِلَى طريق الجنة.\rوقد كان النبي ﷺ كما قَالَ: ﴿فأنا آخذ بحجزكم عن النَّار وأنتم تتهافتون فيها﴾ ومع ذلك آذوه وضربوه ورموه وفعلوا به ما فعلوا، وهو آخذ بحجز هذه الأمة عن النَّار وهم يتهافتون فيها، فمن جَاءَ بهذا الدين لا بد أن يؤذى، ومن آثار هذه الحكمة أن يتعبد الله بالأمر بالمعروف وبالنهي عن المنكر، ويتعبد بالصبر عَلَى ما ينال الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وإلا لو تأمل العاقل لوجد أنه لا مصلحة في الدنيا لهذا الآمر في أن يأمرني، ولهذا فإن بعض النَّاس الذين لديهم شيء من البصيرة إذا قيل له: اتق الله. يتفكر ويقول: جزاك الله خيراً، يفكر في نفسه هل يريد هذا الإِنسَان أي مصلحة؟ لماذا أمرني ولماذا قَالَ: هذا حلال وهذا حرام؟ لا مصلحة له.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690389,"book_id":1659,"shamela_page_id":1515,"part":null,"page_num":1515,"sequence_num":1515,"body":"إذاً: جزاه الله خيراً فقد أخذني إِلَى الحق، سواءً عمل أو لم يعمل، كما قال الله: لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً [هود:٢٩] مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ [الفرقان:٥٧] ، لكن هَؤُلاءِ قليل، أما الأكثر فعكس ذلك تماماً يقابلك بالكلام البذيء والاستهزاء والسخرية، ولله تَعَالَى في ذلك حكمة، وإلا كان كل النَّاس آمرين بالمعروف وناهين عن المنكر، فإذا كان ذلك فكيف تكون ولاية لله؟ وكيف تعلم منزلة أبي بكر الصديق من غيره من المنافقين، الذين كانوا يحلفون ويقسمون أنهم مؤمنون، فالمسألة ليست مسألة أًيمان، فأي إنسان مستعد أن يحلف لك أنه يحب الله ويحب دينه، لكن الحقيقة تأتي في المحن وفي الشدائد والمكروهات، والله ﵎ لا يريد أن يعذب أوليائه، لكن ليظهر ظهور انكشاف، وإلا فهو تَعَالَى يعلم ذلك، وليعلم أيضاً الخلق أن هذا مؤمن صادق وأن ذاك منافق.\rفي غزوة تبوك خلفوا ثلاثة من المؤمنين -أي: تأخروا- عن الغزو، فندموا وتابوا، لكن المنافقين لم يفكروا في شيء، بل قالوا: يطمع مُحَمَّد ومن معه أن بني الأصفر \"الروم\" مثل قريش وغطفان، فكانوا يظنوا أن هذا نهاية الْمُسْلِمِينَ، ولهذا قالوا: قد أخذنا أمرنا من قبل، أي احتطنا وعرفنا أن المعركة خاسرة، فنحن نعرف متى نحارب ومتى لا نحارب، فكأن هذا من الذكاء والتخطيط، هكذا قال المنافقون وزين لهم الشيطان أعمالهم، فلما ظهر أمر الله وهم كارهون، وجاء النبي ﷺ منصوراً بإذن الله ﷾، وعاد إِلَى المدينة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690390,"book_id":1659,"shamela_page_id":1516,"part":null,"page_num":1516,"sequence_num":1516,"body":"فالثلاثة الذين كانوا حقيقة يريدون الخروج وأعدوا له العدة، فكان من حالهم ما تعلمون، لكن المنافقين جاءوا إِلَى النبي ﷺ، يحلفون له بالأيمان أنه ما منعهم إلا الحر، وآخر يقول: بنات بني الأصفر، وخاف الفتنة أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا [التوبة:٤٩] وقد كان ذلك، والذي يقول غير ذلك، فكل واحد يأتي بالأعذار، فظهر التفاوت الكبير بين الذين لو خرج رَسُول الله ﷺ إِلَى أي مكان في الدنيا ما فارقوه قط، بل حتى وهم فيالمدينة، كما أخبر عنهم النبي ﷺ (إن في المدينة رجالاً ما قطعتم وادياً ولا سرتم مسيراً إلا وهم معكم حبسهم العذر) .\rفالمعذورون الذين في المدينة تتقطع قلوبهم أنهم لم يكونوا مع النبي ﷺ، ولهذا لهم من الأجر كما لو كانوا مع النبي ﷺ في كل وادٍ ينزل فيه أو مكان أو مشقة أو جهاد أو نفقة، لأن قعودهم كان عن عذر، فلولا هذه الامتحانات وهذه الابتلاءات ووقوع هذا الخير، ووجود هذا الشر، لما ظهرت تلك العبوديات المتنوعة لله سبحانه تعالى، عبودية الصبر، وعبودية الجهاد، وعبودية كف النفس عن المحارم.\rألا ترون أن التبرج شر عظيم، وهو من أعظم أدواء الأمم، وما أصيبت أمة من الأمم بالتبرج والاختلاط، إلا وكان عاقبتها الدمار، فكل الحضارات الماضية لما تفشت فيها هذه الأمور دمرت، لكن مع أن هذا شر ويجب أن يقاوم وأن يحارب فيه وجه من الخير، فالذي يغض بصره عن هَؤُلاءِ المتبرجات ليس مثل الذي لم ير شيئاً فهو غاض النظر، فظهر في ذلك حكمة لله ﷾ -هذا وهو مكروه ومبغض- وهو أن هنالك من ترفَّع عن هذه الشهوات، وترفَّع عن هذه الرذائل، وينظر إِلَى ما عند الله ويقاوم هذا الشر ويحاربه، إذاً في هذا الشر حكمة ولوجوده حكمة.\r\rعبودية التوبة والاستغفار","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690391,"book_id":1659,"shamela_page_id":1517,"part":null,"page_num":1517,"sequence_num":1517,"body":"وأيضاً هناك من الحكم حصول عبودية التوبة والاستغفار، فالرجل الذي قتل تسعةً وتسعين نفساً، ثُمَّ سأل ذلك العابد الجاهل هل لي من توبة؟ قال: لا. فأكمل به المائة، فهو لا يزال في شدة قوة الاندفاع للشر، وعندما لم يجد من يفتح له باب الخير ظهر ما كَانَ كامناً عنده من دافع الشر، فأكمل به المائة، فلما ذهب إِلَى العابد العالم وأرشده إِلَى التوبة وأن يذهب إِلَى بلدة كذا، لكي يكون هنالك في البيئة الإسلامية الحسنة، بيئة الطاعة لا بيئة المعاصي، لما حصل ذلك حصلت هذه العبودية العظيمة عبودية التوبة، ألا ترون أن قتل مائة نفس مفسدة عظيمة جداً.\rفقتل نفس واحدةٍ مفسدة عظيمة، فكيف قتل مائة نفس؟ لكن حصل من ذلك وتضمن مصلحة عظيمة وهي أن هذا الرجل تاب توبة عظيمة، حتى أن الله ﵎ أمر أن تنقبض هذه الأرض، وأن تمتد تلك، لكي تقيس الملائكة فإذا قاست فيكون أقرب إِلَى أرض الخير، سُبْحانَ اللَّه! هذا الذي فعل هذا الفعل وارتكب هذه الجرائم، ومع ذلك يكرمه رب العزة والجلال الغني عنه وعن عبادته وعن توبته بهذه الكرامة، لأن التوبة لها عند الله ﷾ شأن عظيم، فلولا تلك الذنوب لما كانت تلك التوبة، والذنوب مكروهة ومبغضة، ولكن التوبة محبوبة مرضية لله، فاجتمع هذا وهذا، وكان هذا الذي هو الخير نتيجة لذلك الذي هو الشر.\r\rعبودية الاستعاذة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690392,"book_id":1659,"shamela_page_id":1518,"part":null,"page_num":1518,"sequence_num":1518,"body":"ثُمَّ قَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: [وعبودية الاستعاذة بالله أن يجيره من عدوه ويعصمه من كيده وأذاه] وجود إبليس يكون فيه عبودية من جهة، فالإِنسَان المسلم يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم في كل وقت ويقرأ الأدعية ويذكر الله، ويخاف من أذى هذا اللعين، ويقرأ المعوذات التي تعيذه من الشيطان، ويخاف من هذا العدو أن يباغته فيدله عَلَى شر أو يقحمه في ذنب، كل هذا يجعل المؤمن متصلاً بالله ﷿، دائماً ذاكراً لله متيقظاً مراقباً لنفسه ولأحواله من هذا العدو، فحصل بوجود هذا العدو خير، وعبوديات لله سبحانه تَعَالَى ما كانت لتحصل لولا هذا العدو، وهكذا.\rفَيَقُولُ: [إِلَى غير ذلك من الحكم التي تعجز العقول عن إدراكها] إذاً نقول: وجود إبليس ووجود الشر الذي يقود هَؤُلاءِ القدرية إِلَى أن يقولوا: إنه لا يمكن أن يقع أو ينسب الشر إِلَى الله، وأنه لا يقع بمشيئة الله، نقول لهم: بل وجوده فيه من الحكم العظيمة، ما تعجز العقول عن إدراكها.\r\rقَالَ المُصنِّفُ ﵀:\r[فإن قيل: فهل كَانَ يمكن وجود تلك الحكم بدون هذه الأسباب؟\rفهذا سؤال فاسد! وهو فرض وجود الملزوم بدون لازمه، كفرض وجود الابن بدون الأب. والحركة بدون المتحرك، والتوبة بدون التائب.\rفإن قيل: فإذا كانت هذه الأسباب مرادة لما تفضي إليه من الحكم، فهل تكون مرضية محبوبة من هذا الوجه، أم هي مسخوطة من جميع الوجوه؟ قيل: هذا السؤال يرد عَلَى وجهين: أحدهما: من جهة الرب تعالى، وهل يكون محباً لها من جهة إفضائها إِلَى محبوبه، وإن كَانَ يبغضها لذاتها؟ والثاني: من جهة العبد، وهو أنه هل يسوغ له الرضى بها من تلك الجهة أيضا؟؟ فهذا سؤال له شأن.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690393,"book_id":1659,"shamela_page_id":1519,"part":null,"page_num":1519,"sequence_num":1519,"body":"فاعلم أن الشر كله يرجع إِلَى العدم، أعني عدم الخير وأسبابه المفضية إليه، وهو من هذه الجهة شر، وأما من جهة وجوده المحض فلا شر فيه، مثاله: أن النفوس الشريرة وجودها خير من حيث هي موجودة، وإنما حصل لها الشر بقطع مادة الخير عنها، فإنها خلقت في الأصل متحركة، فإن أعينت بالعلم وإلهام الخير تحركت به، وإن تركت تحركت بطبعها إِلَى خلافه. وحركتها من حيث هي حركة: خير، وإنما تكون شراً بالإضافة، لا من حيث هي حركة، والشر كله ظلم، وهو وضع الشيء في غير محله، فلو وضع في موضعه لم يكن شراً، فعلم أن جهة الشر فيه نسبية إضافية] اهـ.\rالشرح:\r\rبعد أن بين المُصنِّفُ ﵀ الأمثلة والحكم الكثيرة في وجود الخير والشر، وما تضمنه الخير والشر من المصالح العظيمة أورد سؤالاً قد أثاره أهل البدع والقدرية من قبل.\rوهذا السؤال هو أن يقَالَ: فهل كَانَ يمكن وجود تلك الحكم بدون تلك الأسباب، أي: قد يقول قائل: هناك حكم من الشر وهناك حكم من وجود سبب الشر وهو إبليس، لكن ألا يمكن أن توجد الحكم مع عدم وجود الأسباب؟ هذا من الناحية العقلية سؤال يرد، فأجاب المُصنِّفُ عنه فقَالَ: [هذا سؤل فاسد! لأنه فرض وجود الملزوم بدون لازمه-أي- كفرض وجود الابن من غير الأب] ووجود الأبناء أمر محبوب ومراد ومطلوب، فلو أتاك رجل فقَالَ: ألا يمكن وجود ابن من غير أب أو من غير زواج؟ فإنك تقول له: هذا السؤال فاسد؛ لأن حكمة الله ﷾ اقتضت أن ترتب هذه الأسباب وتكون النتائج تبعاً لتلك الأسباب، فهذا نتيجة ذلك، فسؤالك عن وجود النتائج مع عدم الأسباب هذا سؤال فاسد لا يقبل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690394,"book_id":1659,"shamela_page_id":1520,"part":null,"page_num":1520,"sequence_num":1520,"body":"إذاً فالسؤال: ألا يمكن أن تقع الحكم التي أرادها الله من وجود الشر مع عدم وجود الشر، هذا أيضاً سؤال فاسد ولا يرد، لأن هذه الحكم لا توجد ولم توجد إلا مرتبطة بوجود ذلك السبب الذي نتجت منه، وكذلك [وجود الحركة بدون متحرك] نفس الشيء، فقد اقتضت حكمة الله أنه لا يمكن أن توجد حركة إلا بوجود متحرك، [ولا توبة إلا بوجود تائب] هذا هو المقصود بكلام المُصنِّفُ هذا.\rإذا كانت أقدار الشر لحكمة فهل يحبها الله من وجه؟\rوبعد ذلك أثار إشكالاً آخر أدق من ذلك وأغمض، لكن يمكن أن نوجزه رغم أن المُصْنِّف أطال فيه. وهذا سؤال يرد عند بعض النَّاس فيقولون: إذا كانت هذه الأسباب يعني: \"إبليس، الكفر، الشر\"، مرادة لما تفضي إليه من الحكم كما سبق، فهل تكون مرضية محبوبة من هذا الوجه؟، أي هل نقول: إن الله يرضى وجود إبليس ووجود الكفر، ويرضى وجود التبرج، لما ينشأ منه من فوائد وحكم وإن كَانَ مسخوطاً من حيث ذاته أو من حيث كونه معصية من أوجه أخرى؟ أو نقول: إنها مسخوطة من جميع الوجوه بإطلاق؟\rالسؤال يرد عَلَى وجهين [أحدهما: من جهة الرب تَعَالَى، وهل يكون محباً لها من جهة إفضائها إِلَى محبوبه، وإن كَانَ يبغضها لذاتها؟ والثاني: من جهة العبد، وهو أنه هل يسوغ له الرضى بها من تلك الجهة أيضاً؟ فهذا سؤال له شأن] هذه القضية لها جهتان: من جهة الله ﷾: هل يكون محباً لهذه المعصية؛ لأنها تفضي إِلَى طاعات وإلى عبوديات له ﷾، ويبغضها لذاتها، ويكرهها ويعذب من فعلها ويمقته ويمقتها؟ هذا من جهة الرب.\r\rومن جهة العبد: هل يسوغ للعبد أن يرضى بها من تلك الجهة؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690395,"book_id":1659,"shamela_page_id":1521,"part":null,"page_num":1521,"sequence_num":1521,"body":"لا يوجد مسلم يرضى بالمنكر، لأنه ليس وراء الإنكار بالقلب من الإيمان مثقال ذرة، وقد لا يستطيع الإِنسَان أن يغير باليد أو باللسان، لكنه لا بد أن يكرهه بقلبه، فلا يوجد مؤمن يرضى المنكر بقلبه، فإذا جَاءَ أحد وقَالَ: أنا مؤمن وأكره هذه المنكرات، لكن من جهة أنها صدرت من الله، وأن لله تَعَالَى حكمة في صدورها، فأنا أرضى عنها من هذه الجهة، لا من جهة أني أقرها ولا أكرهها، لكن هناك فرق عن كونها ذنباً إِلَى كونها مصيبة، فأكل الربا أو شرب الخمر أو الزنا أو التبرج، إذا نظرت إليها من جهة أنها ذنوب فموقفك منها الإنكار المطلق، لكن إذا نظرت إليها من جهة أنها مصائب، فأنا من هذه الجهة راضي بالقدر، لكن لا يرضى من جهة المعصية، فالجهة منفكة، والمصنف ﵀ لم يأت بجواب حاسم في المسألة، ولهذا وضحناها وقلنا: إنه يمكن أن تُرضى من جهة كونها مصيبة لا من جهة كونها معصية، فالجهتان تختلف.\r\rنعم المعصية هي في نفس الوقت مصيبة، لكن كونها معصية لا ترضى، والمصنف ﵀ هنا رد الأمر إِلَى أصل آخر ليبين لنا كيف نفهم هذه القضية وأمثالها، يقول: [فاعلم أن الشر كله يرجع إِلَى العدم] الشر كله مرجعه إِلَى عدم الخير، وعدم الأسباب المفضية المؤدية إليه، فهو من هذه الجهة شر، وأما من جهة وجوده المحض فلا شر فيه، ووضح ذلك، بأن النفوس الشريرة وجودها خير من حيث هي موجودة، والنفوس الشريرة، أتاها الشر بقطع مادة الخير عنها، فإنها في الأصل خلقت متحركة، فأصل وجود إبليس كمخلوق من خلق الله، ويتحرك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690396,"book_id":1659,"shamela_page_id":1522,"part":null,"page_num":1522,"sequence_num":1522,"body":"فهذا الأصل في ذاته خير، مجرد أنه موجود وله قدرة عَلَى أن يتحرك وأنه يخاطب وأن يتكلم، لكن الشر جَاءَ من أن الله ﷾ خذله وقطع عنه مادة الخير فأصبحت حركته في الشر، فليس الشر ناتجاً من وجوده ومن حركته، وإنما من عدم إمداده بالخير، وبانقطاع مادة الخير عنه، يقول: لأنها خلقت في الأصل متحركة، فإبليس أو الثعابين أو العقارب أو أي شيء من النفوس التي هي نفوس شر، خلقت في الأصل متحركة، فإن أعينت بالعلم وإلهام الخير تحركت به، وإن تركت تحركت بطبعها إِلَى خلافه، وحركتها من حيث هي حركة لا توصف بالخير ولا بالشر، لكن من جهة أن الله أوجدها خير، وإنما تكون شراً بالإضافة؛ لا أن الحركة نفسها شر، فكونها حركة ظلم أو حركة عدوان أو حركة بغي أو حركة بطش.\r\rإذاً هي شر بالإضافة، لا أنها مجرد حركة أو مجرد وجود، والشر كله ظلم، والظلم يعني: وضع الشيء في غير محله، إذاً: فالشر كله ظلم، إذاً عرفنا أن الشيء في ذاته يختلف عن الشيء في الإضافة، فالشيء في ذاته ووجوده في ذاته لا يكون شراً ولا خيراً، وهو بالنسبة إِلَى إيجاد الله له خير، لكن بالنسبة إِلَى إضافته إذا وضع في غير موضعه أصبح شراً، يقول: [فجهة الشر فيه إذاً نسبية إضافية] ، وضرب لذلك مثلاً بالعقوبات، مثل قطع يد هل هو خير أو شر؟ ننظر إِلَى السبب، فإذا قطعت يده من أجل أنه أراد أن يمدها إِلَى خير -إِلَى أمر بمعروف أو نهي عن منكر- فقطعت يده فهذا يكون شراً، وإن سرق مالاً من حرز معصوم فقطعت يده فهذا خير، فجاء الخير من أن الحركة وفقت، وكانت فيما يرضي الله، وجاء الشر من انقطاع مادة الخير، فهو إضافي وليس لذات الفعل المجرد.\r\rقَالَ المُصنِّفُ ﵀:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690397,"book_id":1659,"shamela_page_id":1523,"part":null,"page_num":1523,"sequence_num":1523,"body":"[ولهذا كانت العقوبات الموضوعة في محالها خيراً في نفسها، وإن كانت شراً بالنسبة إِلَى المحل الذي حلت به، لما أحدثت فيه من الألم الذي كانت الطبيعة قابلة لضده من اللذة مستعدة له، فصار ذلك الألم شراً بالنسبة إليها، وهو خير بالنسبة إِلَى الفاعل، حيث وضعه في موضعه، فإنه سبحانه لم يخلق شراً محضاً من جميع الوجوه، والاعتبارات، فإن حكمته تأبى ذلك، فلا يمكن في جناب الحق تَعَالَى أن يريد شيئاً يكون فساداً من كل وجه، لا مصلحة في خلقه بوجه ما، هذا من أبين المحال، فإنه سبحانه الخير كله بيديه، والشر ليس إليه، بل كل ما إليه فخير، والشر إنما حصل لعدم هذه الإضافة والنسبة إليه، فلو كَانَ إليه لم يكن شراً، فتأمله، فانقطاع نسبته إليه هو الذي صيره شراً.\r\rفإن قيل: لِمَ تنقطع نسبته إليه خلقاً ومشيئة؟ قيل: هو من هذه الجهة ليس بشَرِ، فإن وجوده هو المنسوب إليه، وهو من هذه الجهة ليس بشر، والشر الذي فيه من عدم إمداده بالخير وأسبابه، والعدم ليس بشيء حتى ينسب إِلَى من بيده الخير. فإن أردت مزيد إيضاح لذلك، فاعلم أن أسباب الخير ثلاثة: (الإيجاد، والإعداد، والإمداد) ، فإيجاد هذا خير، وهو إِلَى الله، وكذلك إعداده وإمداده، فإذا لم يحدث فيه إعداد ولا إمداد حصل فيه الشر بسبب هذا العدم الذي ليس إِلَى الفاعل، وإنما إليه ضده.\r\rفإن قيل: هلا أمده إذ أوجده؟ قيل: ما اقتضت الحكمة إيجاده وإمداده، وإنما اقتضت إيجاده وترك إمداده. فإيجاده خير، والشر وقع من عدم إمداده] اهـ.\rالشرح:\rالعقوبات مثال من الأمثلة التي تؤيد أن الأمر قد يكون شراً من جهة، وخيراً من جهة أخرى، فالرجل الذي يسرق، ثُمَّ تقطع يده، فإن هذا بالنسبة إليه شر، لكن من إِلَى جهة أخرى فإنها خير.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690398,"book_id":1659,"shamela_page_id":1524,"part":null,"page_num":1524,"sequence_num":1524,"body":"ثُمَّ يقول: [ولهذا كانت العقوبات الموضوعة في محالّها خيراً في نفسها] فقوله: [الموضوعة في محالها] تخرج بذلك فيما لو عاقبت إنساناً بعقوبة، أو حدٍ وهو بريء، وإنما المقصود بقوله: [في محالّها] أي: المحل الذي وقعت في ذلك الرجل الذي عُوقب بهذه العقوبة، وذلك الحد، ثُمَّ يقول [لما أحدثت فيه من الألم الذي كانت الطبيعة قابلة لضده من اللذة، مستعدة له] فطبيعة ذلك الإِنسَان لا تريد الألم، وإنما تسعد وترغب في اللذة والراحة، لكن حصل لها الألم بذلك الحد، ثُمَّ يقول: [فصار ذلك الألم شراً بالنسبة إليها وهو خير بالنسبة إِلَى الفاعل، حيث وضعه في موضعه] أي: أنه خير بالنسبة إِلَى الفاعل، وكذلك للمجتمع جميعاً، حيث وضعت العقوبة في موضعها.\rلا يوجد في خلق الله شر محض من جميع الوجوه\rثُمَّ يقول: [فإنه سبحانه لم يخلق شراً محضاً من جميع الوجوه والاعتبارات] وهذا هو وجه تنزيه الله عن كون الشر ليس إليه، [فإن حكمته تأبى ذلك] أي أن الله تَعَالَى حكيم، وحكمته تأبى أن يخلق شراً محضاً لا خير فيه بوجه من الوجوه، وإنما يخلق شراً وفيه جوانب من الخير، ويحقق به حكماً ومصالح، فَيَقُولُ: [فلا يمكن في جناب الحق تَعَالَى أن يريد شيئاً يكون فساداً من كل وجه لا مصلحة في خلقه بوجه ما، هذا من أبين المحال] أي: محال عن ذي العزة والجلال المتصف بصفات الكمال، أن يكون هذا من شأنه [فإنه سبحانه الخير كله بيديه، والشر ليس إليه] وهذا معنى نفي الشر عن الله وتنزيه عنه [والشر ليس إليه] .\r\r[والشر ليس إليه] هذه اللفظة يفهمها أهل السنة فهماً مغايراً لفهم المعتزلة لها، يقول أهل البدع: إن معنى والشر ليس إلى الله أي: أنه لم يخلق أفعال العباد، فالعباد إذا عصوا وفعلوا الموبقات والمنكرات، يقولون: إن الله لم يخلقها، فإن قلنا: إن الله خلقها أو شاءها وقدرها، فنكون قد نسبنا الشر إِلَى الله، والشر ليس إليه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690399,"book_id":1659,"shamela_page_id":1525,"part":null,"page_num":1525,"sequence_num":1525,"body":"أما أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ فيعنون بقول: [والشر ليس إليه] أي: ليس إليه شراً محضاً بوجه من الوجوه، أما إذا كَانَ الشيء قد يبدو شراً وفيه خير، أو هو شر بالنسبة إِلَى المخلوقين، ولكن فيه خيراً بالنسبة إِلَى حكمة الله، وإرادة الله، فإن هذا لا يسمى شراً، فتنزيه الله عن الشر أي: أنه تَعَالَى منزه أن يخلق أو يريد أو يشاء شراً، لا خير فيه بوجه من الوجوه، ويلاحظ الفرق بين المذهبين.\r\rثُمَّ يقول: [بل كل ما إليه فخير] أي: كل ما إِلَى الله هو خير، حتى وإن كَانَ شراً في ذاته، فهو من جهة نسبته إِلَى الله خير، ويأتي الشر من جهة أخرى.\rأقدار الله خير ومعصية العبد شر\rقوله: [والشر إنما حصل لعدم هذه الإضافة والنسبة إليه] أي: أنه إذا كَانَ فيه جهتان: من جهة كونه من الله فإنه خير، ومن جهة كونه من غير الله أو فيه نسبة إِلَى غير الله فإنه شر، ثُمَّ يقول: (فلو كَانَ إليه لم يكن شراً فانقطاع نسبته إليه هو الذي صيره شراً) يعني: إذا أحد عصى الله -كأن يزني مثلاً عياذاً بالله- فهذا من جهة أن الله قدره فهو خير، لأن الله ﷾ لم يقدر شيئاً إلا لحكمة، ولأمر قد نعلمه، وقد لا نعلمه، لكن من جهة أن العبد عصى الله وانتهك ما حرم الله، فهذا شر بلا شك، لكن إذا نظرنا إليه من جهة أنه مراد لله مقدر بقدر الله، فهو خير لله تَعَالَى فيه حكمة سواء علمناها أو لم نعلمها.\r\rاعتراض القدرية ورده","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690400,"book_id":1659,"shamela_page_id":1526,"part":null,"page_num":1526,"sequence_num":1526,"body":"أورد القدرية إشكالاً وهو قول المصنف: [فإن قيل: لم تنقطع نسبته إليه خلقاً ومشيئة] أي: من حيث أن الله خلقه وشاءه وأوجده، لأن الله تَعَالَى خالق كل شيء، فلا يكون في الكون شيء إلا بإرادة الله ومشيئته، فيقولون: إذاً هذا شر، فلم تنقطع نسبته إِلَى الله من جهة كونه خلقاً ومن جهة كونه مشيئة لله ﷾، قَالَ المُصْنِّفُ راداً عليهم: [قيل: هو من هذه الجهة ليس بشر] هذا الفعل من جهة الخلق، والمشيئة، ليس بشر [فإن وجوده هو المنسوب إليه، وهو من هذه الجهة ليس بشر] وجود الأشياء من حيث هي موجودة [كالنفوس الشريرة] وجودها وحركتها في ذاتها ليس بشر.\rثُمَّ يقول: [والشر الذي فيه، من عدم إمداده بالخير وأسبابه] هذا مثل ما ذكر المُصْنِّف سابقاً حيث قَالَ: [فإن أعينت بالعلم وإلهام الخير تحركت به، وإن تُرِكت تحركت بطبعها إِلَى خلافه] إذاً: الشر إنما جَاءَ من عدم إعانتها بالخير، أي من كونها وكلت إِلَى طبائعها، وإلى ذواتها، وهكذا، لو أن الله ﷾ وكلنا إِلَى أنفسنا لهلكنا، ولهذا كَانَ النبي ﷺ يسأل الله أن لا يكله إِلَى نفسه طرفة عين، فالكفار خلى الله بينهم وبين أنفسهم فخذلوا خذلاناً بيناً، وليس ذلك لأن وجودهم شر، فإن الله سبحانه خلقهم، فخلقه ومشيئته في إيجادهم وخلقهم هو خير، وإنما جاءهم الشر من جهة أنهم خُذلوا، لأن الله ﷾ لم يمدهم بأسباب الهداية، فتركوا لأنفسهم، فجاء الشر من أنفسهم، ومن شياطينهم، ومن أعمالهم التي ارتكبوها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690401,"book_id":1659,"shamela_page_id":1527,"part":null,"page_num":1527,"sequence_num":1527,"body":"يقول: [فالشر الذي فيه، من عدم إمداده بالخير وأسبابه، والعدم ليس بشيء حتى ينسب إِلَى من بيده الخير] أي أن العدم لا ينسب، لأنه شيء لا وجود له، والعدم ضد الوجود، فليس بشيء حتى ينسب، فالله ﷾ كما قَالَ: فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ [النحل:٣٦] وقَالَ: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ [النحل:٣٦] .\rفبعث الله تَعَالَى الرسل، ليعبدوا الله وحده لا شريك له، وأقام الرسل حجة الله تَعَالَى عَلَى الخلق فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ أمده الله تَعَالَى بالهداية، وتفضل عليه بأسبابها، ووفقه لها وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ ومنهم من لم يمده الله تَعَالَى بتلك الأسباب ولا با التوفيق، بل تركه إِلَى نفسه مع أنه رأى بعينه آيات الله البينات، ورأى معجزات الأَنْبِيَاء وغيرها، ولكنه لما وكل إِلَى نفسه خذلته فلم يؤمن، كما هو حال قوم فرعون، فإن الله ابتلاهم بالجراد والقمل والضفادع والدم، وكلما جاءتهم آية جاءوا إِلَى موسى ﵇ وَقَالُوا: ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ [الأعراف:١٣٤] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690402,"book_id":1659,"shamela_page_id":1528,"part":null,"page_num":1528,"sequence_num":1528,"body":"فإذا كشف الله تَعَالَى عنا، فإننا سوف نؤمن بك، فلما كشف الله عنهم ذلك، لم يلبثوا إلا أن يعودوا إِلَى ما كانوا عليه، فهَؤُلاءِ النَّاس جاءهم الشر من عند أنفسهم، حيث إن الله لم يوفقهم بل خذلهم ووكلهم إِلَى أنفسهم، ولما وكلوا إليها هلكوا، مع أن الله أعطاهم أسباب الهداية، فرأوا الآيات البينات والدلائل الواضحات، لكنه لم يمدهم في أنفسهم بما يجعلهم مهتدين، فعدم إمدادهم بذلك ليس شراً، لأنه عدم محض، وليس أمراً وجودياً حتى ينسب إِلَى الله ﷾، ثُمَّ يقول: [والشر الذي فيه من عدم إمداده بالخير وأسبابه، والعدم ليس بشيء حتى ينسب إِلَى من بيده الخير] .\rفحكمته ﷿ أنه يختص برحمته من يشاء، فأعطى أقواماً ومنع آخرين، فلما منعوا جاءهم الشر، لأن نفوسهم مقطوعة عن خير الله، وعن فضله، فتحركت بناءً عَلَى أن ما لديها هو الحق، ومع تزيين الشيطان لها ذلك وقعت في الشر الذي لا يرضاه الله ﷾.\r\rثُمَّ يقول: [فإن أردت مزيد إيضاح لذلك فاعلم أن أسباب الخير ثلاثة، الإيجاد، والإعداد، والإمداد] فأمَّا الإيجاد: فقد تقدم أن الله ﷾ لم يوجد إلا ما هو خير، أي أنه ليس شراً من جميع الوجوه، ثُمَّ إن أعده أو أمده بالخير فهنا يكمل الخير، ثُمَّ يقول: [فإيجاد هذا خير] أي: إيجاد الذي هو شر هو خير بالنسبة إِلَى الله، [وكذلك إعداده وإمداده، فإن لم يحدث فيه إعداد ولا إمداد] أي: بقي أنه موجود، وبقي أنه مراد، وأنه داخل في المشيئة، ولكن لم يعده الله للخير، ولم يمده بالخير.\rالشر في الأسباب وليس في الخلق والوقوع","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690403,"book_id":1659,"shamela_page_id":1529,"part":null,"page_num":1529,"sequence_num":1529,"body":"ثُمَّ يقول: [حصل فيه الشر بسبب هذا العدم الذي ليس إِلَى الفاعل، وإنما إليه ضده] فهذا إيضاح لما تقدم، وهو أن كونه خلقه الله ﷿ لا يعني أنه من هذه الصفة أو الجهة شراً، لكن من جهة أن صاحبه فعله يكون شراً بعد قيام الحجة عليه. ووجود أسباب الهداية بين يديه، فلو أنَّ أحداً فعل ذنباً محرماً، وهو لا يعلم، كَانَ يكون معذوراً بأي سبب من أسباب العذر.\rفإن جهة الشر أيضاً تنتفي منه من الناحية الشرعية، أي أنه لا يسمى شراً شرعاً إلا ما كَانَ متوفراً فيه الشروط التي وضعها الشرع، لاعتبار ذلك شراً أو جريمة أو منكراً أو معصية، فإذا حصلت ولم يتوفر شروطها لعارض من العوارض أو سبب من الأسباب، فإن ذلك لا يكون شراً ولا مكروهاً، مثل حال بعض أصحاب النبي ﷺ الذين كانوا يعذبون، حتى أن أحدهم يمر به الجعل، وهو الحيوان المعروف، فيقول له الكفار: قل هذا ربي.\rفَيَقُولُ: من شدة التعذيب والأذى والتعب: هذا ربي، وهذا الكلام في ذاته شر، لكنه شرعاً ليس بشر، لأن الله تَعَالَى يقول: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَان [النحل:١٠٦] فهو لم يقل الكفر عَلَى جهة الإنكار للحق والعناد، وإنما قاله وهو مكره، إذاً مجرد الخلق والوقوع والتقدير ليس بشر، وإنما لتوفر أسباب وشروط تجعله شراً أو تجعله خيراً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690404,"book_id":1659,"shamela_page_id":1530,"part":null,"page_num":1530,"sequence_num":1530,"body":"ومعنى [إليه ضده] أي: إنما ينسب إِلَى الفاعل أي \"الله\" ضد ذلك الذي هو الخير، أو \"إلى ضده\" أي ينسب إِلَى ضد الله الذي هو ضد الخالق وهو الفاعل، ثُمَّ يقول: فإن قيل (هلاَّ أمده إذ أوجده) هذا الإشكال معناه أي: ما دام أن الله أوجده وخلقه، فلماذا لم يمده كما أن هناك أشياء خلقها وأمدها؟ والجواب هو قول المصنف: [ما اقتضت الحكمة إيجاده وإمداده، وإنما اقتضت إيجاده وترك إمداده، فإيجاده خير، والشر وقع من عدم إمداده] ، حكمة الله ﷿ لم تقتضِ أن يخلقه، ويمده، ولكن له حكمة في أنه خلق أشياء، وأمدها، وخلق أشياء ولم يمدها، وبهذا يتضح الإشكال الذي سيذكره المُصْنِّف بعده.\rقَالَ المُصْنِّفُ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-:\r\r[فإن قيل: فهلا أمد الموجودات كلها؟ فهذا سؤال فاسد، يظن مورده أن التسوية بين الموجودات أبلغ في الحكمة! وهذا عين الجهل! بل الحكمة كل الحكمة في هذا التفاوت العظيم الذي بين الأشياء، وليس في خلق كل نوع منها تفاوت، فكل نوع منها ليس في خلقه تفاوت، والتفاوت إنما وقع بأمور عدمية لم يتعلق بها الخلق، وإلا فليس في الخلق من تفاوت، فإن اعتاص عليك هذا ولم تفهمه حق الفهم، فراجع قول القائل:\r\rإذا لم تستطع شيئاً فدعه وجاوزه إِلَى ما تستطيع\r]] اهـ.\rالشرح:\r\rهذا الإشكال تابع لما قبله، فأولاً قالوا: إذا أوجده لماذا لم يمده؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690405,"book_id":1659,"shamela_page_id":1531,"part":null,"page_num":1531,"sequence_num":1531,"body":"فيُقَالُ: إن الحكمة اقتضت إيجاده ولم تقتضِ إمداده، ثُمَّ قالوا: [فهلا أمد الموجودات كلها فهذا سؤال فاسد] معنى هذا: أنه يقول: لماذا لم يخلق الله الشياطين والبشر عَلَى نسق الملائكة؟ أو لماذا لم تكن الموجودات جميعاً ملائكة؟ فنقول: هذا سؤال فاسد، فإن الحكمة فيه الآن متحققة خلاف ما لو كانت المخلوقات عَلَى نسق واحد، إذاً فما وقع من الشر في الكون، فهو من جهة المخلوقات التي خلقها، ولم يمدها بأسباب الخير، وهنا يجب ملاحظة الفرق بين قولنا: لم يمدها بأسباب الخير وبين قولنا: إنه لم يبينها، فإن الله تَعَالَى بيَّن لأهل الشر هذا الشر، وأقام الحجة عليهم.\r\rلكن لم يوفقهم للعمل به، ولم يمدهم بالأسباب، عَلَى أن يكونوا من أهل الخير، فخذلهم ووكلهم إِلَى أنفسهم، فهم يعلمون أنه شر فاختاروه، وعصوا الله عَلَى علم، وكفروا به عَلَى بينة.\r\rهل التسوية بين الموجودات أبلغ في الحكمة؟\rومورد ذلك السؤال الفاسد هو ظنهم (أن التسوية بين الموجودات أبلغ في الحكمة) فنرد عليهم بقول المصنف: [هذا عين الجهل، بل الحكمة في هذا التفاوت العظيم الذي بين الأشياء] فكل نوع منها ليس في خلقه تفاوت، والتفاوت وقع لأمور عدمية يتعلق بها الخلق، وقوله تعالى: مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ [الملك:٣] أي: فليس عدم التفاوت المنفي عن الله أنه لم يخلق شراً وخيراً وحقاً وباطلاً، فوجود الأنواع المختلفة ليس تفاوتاً، بل هو عين الحكمة، أما لو خلق الله اثنين من نوع واحد وكلاهما عَلَى الهدى وهما في العمل الصالح، ثُمَّ جعل هذا في الجنة وهذا في النار، فهذا هو التفاوت، ولكن ما دام أن هذا نوع وهذا نوع، وهذا خير وهذا شر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690406,"book_id":1659,"shamela_page_id":1532,"part":null,"page_num":1532,"sequence_num":1532,"body":"فليس هناك تفاوت، والطاعة قد تكون خيراً من إنسان، وقد تكون شراً لآخر، فليس في هذا تفاوت من جهة أنها نوعين طاعة ومعصية، إنما يكون التفاوت إذا كَانَ النوع واحداً من جنس واحد، بشروط واحدة وحصل بينهما اختلاف، ولا يأت التفاوت لكون العباد عَلَى نوعين، نوع خير ونوع شر والتفاوت الذي هو تفاوت لا يليق أن يكون من أحد النوعين المتماثلين، فيكون في أحدهما ما يختلف عن الآخر، [فكل نوع منها ليس في خلقه تفاوت، والتفاوت إنما وقع لأمور عدمية لم يتعلق بها الخلق، وإلا فليس في الخلق من تفاوت] مجرد الإيجاد ليس فيه تفاوت، وإنما حصل الاختلاف في الإعداد والإمداد، فإن قيل: فهلا أمد الموجودات كلها، أي ما دام أنه أوجده فلماذا لم يمده؟\r\rالفرق بين الإيجاد والإمداد\rهناك فرق بين الخلق والإيجاد، وبين الإمداد وبين العمل الذي نعمله، فكل الأشياء من جهة أن الله خلقها هي خير، إذ لا يخلق الله ﷾ شراً محضاً من جميع الوجوه، وجاء الشر لبعضها من عدم إمدادها بالخير إضافة إِلَى الخلق في ذاته، فهذا المخلوق يعامل عَلَى أنه فاعل يتحرك، إذا أمده الله بالتوفيق تحرك في الخير، وإن تركه ولم يمده تحرك فيما طبع عليه، وما دعته نفسه وشيطانه وهواه إليه، وإن كَانَ الحق واضحاً أمامه، فإن قيل: هلا أمد الموجودات كلها، معنى ذلك ألا يوجد في الكون شراً بإطلاق.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690407,"book_id":1659,"shamela_page_id":1533,"part":null,"page_num":1533,"sequence_num":1533,"body":"الجواب: أن هذا السؤال فاسد، مورده يظن أن الحكمة أن تكون جميع المخلوقات كلها خيراً، فإذا وجد خير وشر في نظره فقد وجد تفاوت، لكن إذا كانت كل المخلوقات خير لم يحصل تفاوت والله تَعَالَى يقول: مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ [الملك:٣] فرد المُصْنِّف عليه بقوله: الحكمة في هذا وجود هذا التفاوت للأسباب المتقدمة، فالتفاوت الذي ينافي الحكمة ليس في أنه يوجد أنواعاً مختلفة، وإنما التفاوت أن يكون في النوع الواحد، ليس في كون الله ﷾ خلق محمداً ﷺ وهو أفضل الخلق، وخلق في المقابل إبليس، وهذا شر الخلق، فهذا تفاوت كبير. فهناك حكمة عظيمة أن يوجد هذا التفاوت، يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ [البقرة:١٠٥] هَؤُلاءِ في الجنة، وهَؤُلاءِ في النار، وقد ظهرت بذلك الحكم العظيمة التي تقدم بعضها. ثُمَّ يقول:\r\rإذا لم تستطع شيئاً فدعه وجاوزه إِلَى ما هو تستطيع\rأي: أن هذه الأمور يوردها بعض الذين ينكرون القدر، ويستفسرون عن هذه الإشكالات، لكن نقول لهم: الشيء الذي لا تستطيعونه، ولا تفهمونه دعوه وجاوزوه، إِلَى الذي تستطيعونه وهو التسليم والإقرار.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690408,"book_id":1659,"shamela_page_id":1534,"part":null,"page_num":1534,"sequence_num":1534,"body":"والأصل في باب القضاء والقدر هو التسليم، كما جَاءَ جبريل إِلَى النبي ﷺ فسأله عن الإيمان فقَالَ: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره) ، ولا يمكن أن يعجز أهل السنة عن الأجوبة العقلية، لأن الله ﷾ لم ينزل هذا الدين إلا وهو موافق للعقول السليمة، لكن العقول المريضة والعقول السقيمة، هي التي لا تستطيع أن تفهم ما أنزل الله، فتعارضه أو تضرب بعضه ببعض، فلذلك تجد أن الجبرية أو القدرية أخذت ببعض الدين وأنكرت البعض، لكنأهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ، لا يردون أي حديث ولا أي خبر يأتي من كلام الله ومن كلام رسوله، فيؤمنون بالجميع ويسلمون للجميع.\rأقدار الله الكونية يجب الرضى بها\rقَالَ المُصْنِّفُ ﵀:\r[وأما الوجه الثاني وهو الذي من جهة العبد فهو أيضاً ممكن بل واقع فإن العبد يسخط الفسوق والمعاصي ويكرهها من حيث هي فعل العبد واقعة بكسبه وإرادته واختياره، ويرضى بعلم الله وكتابته ومشيئته وإرادته وأمره الكوني فيرضى بما من الله، ويسخط ما هو منه، فهذا مسلك طائفة من أهل العرفان، وطائفة أخرى كرهتها مطلقاً وقولهم يرجع إِلَى هذا القول؛ لأن إطلاقهم للكراهة لا يريدون به شموله لعلم الرب وكتابته ومشيئته، وسر المسألة: أن الذي إِلَى الرب منها غير مكروه والذي إِلَى العبد مكروه] اهـ.\rالشرح:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690409,"book_id":1659,"shamela_page_id":1535,"part":null,"page_num":1535,"sequence_num":1535,"body":"نوضح ما ذكره المُصْنِّف بمثال: وهو أن إنساناً له قريب لا يصلي، فإن هذا الإِنسَان يكره هذا العمل كراهية شديدة، ويكره هذه المعصية من قريبه ويتألم من وقوعها منه، لكن إذا جَاءَ أحد فَقَالَ له: يا أخي هذا كله بقدر الله، والله ﷾ أمرنا أن نصبر عَلَى أقدار الله، فإذا كَانَ أبوك لا يصلي أو أمك لا تصلي فلا بد أن تصبر، فهذا قدر الله وهذا أمره، فارض بما كتب الله: أما وقوع المعصية من جهة العبد فليس بمرضيٍ، لكن وقوعه من جهة أقدار الله تَعَالَى مرضي، فنحن نرضى به.\rثُمَّ قَالَ: [فهذا مسلك طائفة من أهل العرفان] ولو قال: من أهل الإيمان لكان أفضل، وهم الذين قالوا: نرضى بكل ما هو من جهة الله وقدره، ونسخط المعاصي من جهة العبد، [وطائفة أخرى كرهتها مطلقاً وقولهم يرجع إلى القول الأول] فكرهوها من جهة أنها معصية لا من جهة أنها قدر من الله ﷾، يقول: [لأن إطلاقهم الكراهة لا يريدون به شموله لعلم الرب وكتابته ومشيئته] وإنما يريدون أنها مخالفة شرعية لأمره ونهيه، وهذا هو سر المسألة وخلاصتها: أن الذي إِلَى الرب منها غير مكروه، والذي إِلَى العبد مكروه.\r\rوهذان القولان: القول بالرضى، والقول بعدم الرضى وأنهما يرجعان إِلَى أصل واحد، يذكرنا بما سبق في حديث احتجاج آدم وموسىلما قال: (أنت موسى الذي كلمك الله، واصطفاك برسالته، وكتب لك التوراة بيده، تلومني عَلَى أمر قد كتبه الله عليَّ قبل أن يخلق السماوات والأرض بأربعين سنة، فَقَالَ النبيُ ﷺ: فحج آدم موسى) .\rوهذا الحديث لا حجة فيه للجبرية الذين يقولون: نعمل المعاصي ونقول: قدر الله ذلك، لأن هناك مصيبة وهناك معصية، فالمعصية هي أكل آدم من الشجرة، والمصيبة هي: الخروج من الجنة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690410,"book_id":1659,"shamela_page_id":1536,"part":null,"page_num":1536,"sequence_num":1536,"body":"فموسى ﵇ لامَ آدَمَ ﵇ عَلَى المصيبة لا عَلَى المعصية، فاحتج آدم بالقدر عَلَى المصيبة، والاحتجاج بالقدر عَلَى المصيبة جائز وصحيح، وبعض العلماء قالوا: الذنب أيضاً يحتج بالقدر عليه من جهة وقوعه قدراً، وهذا الوجه هو الذي يناسبنا هنا، فآدم لم يحتج عَلَى الذنب من جهة أنني أعمله وأستمر -كما فعل إبليس- ولكن من جهة وقوع المعصية بقدر الله عَلَى الجهة المكروهة.\rفخلاصة المسألة: العلم بأن ما كَانَ منها إِلَى الله فهو غير مكروه وليس فيه شر، وأن ما كَانَ منها -من أفعال الشر التي يفعلها الخلق- بالنسبة إِلَى العبد فهو مكروه، فالكراهة جاءت من فعل العبد ومن عمله.\r\rقول الجبرية مردود عند جميع العقلاء\rوالتساؤل الثالث:\rقَالَ المُصْنِّفُ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-:\r\r[فإن قيل: ليس إِلَى العبد شيء منها قيل: هذا هو الجبر الباطل الذي لا يمكن صاحبه التخلص من هذا المقام الضيق، والقدري المنكر أقرب إِلَى التخلص منه من الجبري، وأهل السنة المتوسطون بين القدرية والجبرية أسعد بالتخلص من الفريقين] اهـ.\rالشرح:\r\rإن الجبر الباطل هو: أن لا نجعل للعبد أي إرادة لأعماله، ولا نجعل له نسبة ولا إضافة في أعماله التي يعملها، ومن الجبر الباطل أن نجعل أعمال الإِنسَان الإرادية الاختيارية حين يأكل أو يشرب أو ينام أو يطيع أو يعصي مثل الريشة في مهب الرياح ليس لها أي إرادة، أو أن حركته بيديه أو بعينه مثل حركة قلبه حينما ينبض، وهذا قول لا يوافق عليه عاقل، وقد اتفق جميع العقلاء عَلَى نبذه ومخالفته.\r\rولهذا قلنا كما سبق: إن القدرية الجبرية ليس لهم شبهة وقولهم مخالف للعقل والنقل ولهذا لا نشتغل كثيراً بإبطال مذهبهم، أما القدرية النفاة فإن في كلامهم من الشبهات والاحتمالات ما قد يلتبس عَلَى كثير من النَّاس، ولذلك أطال العلماء في إيضاح هذه الشبه والرد عليها.\r\rوسطية أهل السنة في أفعال العباد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690411,"book_id":1659,"shamela_page_id":1537,"part":null,"page_num":1537,"sequence_num":1537,"body":"ثُمَّ يقول المصنف: [هذا هو الجبر الباطل الذي لا يمكن صاحبه التخلص من هذا المقام الضيق، والقدري المنكر أقرب إِلَى التخلص منه من الجبري] أي: القدري المنكر أقل شراً ممن يقول؛ بالجبر لأنهم ينسبون الشر والفساد والذنوب إِلَى العباد ولا ينسبون ذلك إِلَى الله تَعَالَى، بخلاف قول الجبرية تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.\rومذهب أهْلِ السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ أن الله ﷾ خالق أفعال العباد، وأن العباد فاعلين لها حقيقة.\r\rوخلاصة ما تقدم أن الجبرية يقولون: إن الله هو الفاعل لأفعال العباد، والقدرية النفاة يقولون: إن العبد هو الخالق، أما أهْلُ السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ فكما قال المصنف: [وأهل السنة المتوسطون بين القدرية والجبرية أسعد بالتخلص من الفريقين] فليس ثمت إشكال يواجههم في قضية أفعال العباد.\rفمعاصي العباد كلها بقدر الله وقضاءه وموافقة لإرادته الكونية القدرية، ولكنها مخالفة لإرادته الشرعية -لأمره ونهيه- ولهذا يؤاخذ عليها أصحابها ويعاقبون لأنهم فعلوها بإرادتهم، وهذه الإرادة تابعة لمشيئة الله، فإن فعلوا خيراً جوزوا به، وكان ذلك جزاءً لما فعلوه بإرادتهم واختيارهم من الطاعات، وإن فعلوا شراً عوقبوا به، وكان ذلك جزاءً عَلَى ما فعلوه بإرادتهم وباختيارهم من المعاصي والقبائح.\r\rيقول المُصنِّفُ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-:\r[فإن قيل: كيف يتأتى الندم والتوبة مع شهود الحكمة في التقدير ومع شهود القيومية والمشيئة النافذة؟] اهـ.\rالشرح:\r\rتقول الصوفية: مادام أنه لا يقع شيء في الكون إلا بحكمة الله ومشيئته ﷾، فلو شاء الله لما وقع ولا كان.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690412,"book_id":1659,"shamela_page_id":1538,"part":null,"page_num":1538,"sequence_num":1538,"body":"فكيف يكون الندم عَلَى ما يقع؟! وكيف تكون التوبة مما وقع؟ وكيف ننكر هذا المنكر وهو إنما وقع بمشيئة الله، ولله فيه حكمة؟! فهذا هو المنزلق الخطير الذي، ضلت فيه طوائف كثيرة جداً، وتقول الصوفية: لا بد أن يشهد الإِنسَان قدر الله، ويشهد الحكمة في هذه الأفعال التي تقع من العباد، ومعنى ذلك أنه يُسلم لكل ما يقع، وقد صرح أكثر الصوفية بعدم الاعتراض فيقولون: لا تعترض عَلَى أي شيء يقع، لأنك لا تبصر ولا تدرك سر الله تَعَالَى في القدر، وبعضهم إذا رأى منكراً وقيل له: هذا منكر قَالَ: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ [الأنعام:١١٢] أي: اتركهم عَلَى منكرهم. هكذا زعموا، نعم لو شاء ربك ما فعلوه ولا شك في ذلك، لكن الذي شاء أن يقع هذا المنكر، أمر وطلب منك أن تنكره، فلماذا تأخذ الأمر من جانب واحد وتترك الجوانب الأخرى؟\r\rمن مضار هذا الفهم بالأمة الإسلامية\rوقد وقع الانحراف الكبير في واقع حياة الأمة الإسلامية، وأدى إِلَى مصائب عظيمة وإلى حوادث فظيعة منها ما ذكره شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ ﵀، أنه لما دخل هولاكو بغداد عاصمة الإسلام وهي أكبر مدينة في العالم في ذلك الوقت، وقتل فيها عَلَى أقل تقدير ٨٠٠ ألف مسلم، وكلهم منأهل السنة، لم يقتل من الرافضة أومن النَّصَارَى أومن الباطنية أحداً، لأن الوزير الذي دلّه وأدخله كَانَ رافضياً.\rوبعد أن قتلوا ٨٠٠ ألف مسلم -بل ذكر بعض المؤرخين أنهم مليونين- خرج هولاكو وكان يمشي في شوارع بغداد، وإذا بشيخ أكبر الطرق الصوفية آخذ بعنان فرس هولاكو ويقوده بعد أن قَتل من قَتل، فرآه فقيه كَانَ متخفياً ولديه شيء من الفقه، ولكن ليس لديه بصيرة كافية يقول: فرأيت الشيخ فخاطبته فقلت: أبأمرٍ هذا؟ قَالَ: نعم بأمر، فسكت، أي: أنه لم يفعل هذا من عند نفسهوَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي [الكهف:٨٢] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690413,"book_id":1659,"shamela_page_id":1539,"part":null,"page_num":1539,"sequence_num":1539,"body":"أي أن الله أمره أن يقود فرس هذا الكافر الضال المضل -وهم لا يتورعون أن يقولوا إن هذا أمر كشفي خوطبنا به في قلوبنا- وقال: نَحْنُ بهذا العمل نوافق بين قدر الله وحكمة الله، فالْمُسْلِمُونَ عصوا الله فسلط عليهم هَؤُلاءِ الكفار.\rفنحن موافقون للقدر وللحكمة من وقوع هذا العذاب، فهذا يسمونه الاستبصار بسر الله في القدر، إذا وقع في قلب أحدٍ فلا يعترض عَلَى أي شيء يقع أبداً بل يرى أن كل هذه الأفعال إما أن تكون من فعل الله -كما أشرنا فيما مضى- فهولاكو ما هو إلا صورة لفعل الله، والله هو الذي فعل ذلك وأنا عندما أعمل هذا العمل فأنا أُنفذ حكم الله وفعله ﷾، أو أن تكون من فعل هولاكو ولكنه ما فعله إلا موافقة للقدر، فهو وإن كَانَ خارجاً عن الدين والشرع، لكنه موافق للقدر. وبذلك عبر شاعرهمعبد الكريم الجيلي:\r\rإذا كنت في حكم الشريعة عاصياً فإني في حكم الحقيقة طائع\rفلا مانع عندهم أن يعبد الله في الكنيسة أو في المسجد أو في إي مكان، فهم يقبلون أي دين -والعياذ بالله-، ومعنى البيت: إذا كنتُ خرجتُ عن حكم الشريعة، عن الأمر والنهي، فإني لم أخرج عن القدر وهو: شهود الحقيقة الكونية، فإذا شهد العبد -على زعمهم- الحقيقة الكونية فإن كل ما في الكون هو من أفعال الله، فلا ينكر منكراً، ولا يعترض عَلَى أي أمر يقع، لأنه من فعل الله، تعالى الله عما يقولون.\r\rولهذا يقول المُصْنِّف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى رداً عليهم:\r[قيل: هذا هو الذي أوقع من عميت بصيرته في شهود الأمر عَلَى خلاف ما هو عليه، فرأى تلك الأفعال طاعات لموافقته فيها المشيئة والقدر، وقَالَ: إن عصيت أمره فقد أطعت إرادته وفي ذلك قيل:\r\rأصبحت منفعلاً لما تختاره مني ففعلي كله طاعات","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690414,"book_id":1659,"shamela_page_id":1540,"part":null,"page_num":1540,"sequence_num":1540,"body":"وهَؤُلاءِ أعمى الخلق بصائر، وأجهلهم بالله وأحكامه الدينية والكونية، فإن الطاعة هي موافقة الأمر الديني الشرعي، لا موافقة القدر والمشيئة، ولو كَانَ موافقة القدر طاعة، لكان إبليس من أعظم المطيعين له، ولكان قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وقوم فرعون، كلهم مطيعين! وهذا غاية الجهل] اهـ.\rالشرح:\r\rمن شدة جهل الصوفية أنه يتردد عَلَى ألسنة بعضهم فيقولون: إن الواحد منهم من شدة استحضاره بأن الله ﷾ مدبر كل شيء، وخالق كل شيء..، تصبح أفعاله وأعماله كلها بغير اختياره، والله هو الذي يدبرها ويحركها، فيلغي إرادته بالكلية ويقول: أنا لا إرادة لي في ذلك، وكل ما أعمله فهو من الله، وكله موافق لإرادة الله الكونية ولأقداره التي كتبها، فإن هذا لم يصبح فاعلاً وإنما أصبح منفعلاً لما يختاره الله، فسواءً وافق ذلك حلالاً أو حراماً بحكم الشرع، فأنا منفعل لما يختاره الله.\r\rأصل ضلالهم أنهم فرغوا قلوبهم من ذكر الله فسكنتها الشياطين\rذكر الإمام الغزالي في الإحياء المدخل الخفي الذي يدخل منه هَؤُلاءِ الصوفية فقَالَ: يجب عَلَى الصوفي المريد في الخلوة أن لا يشتغل بشيء، لا بحديث، ولا بقراءة القُرْآن، ولا بالتفسير، وأن يفرغ قلبه من كل شيء، وبعد ذلك تنفعل حياته.\rيقول شَيْخ الإِسْلامِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: لما فرغوا قلوبهم من ذكر الله ومن القُرْآن والحديث سكنتها الشياطين فوجهتهم، فأصبحت الشياطين تأمرهم وتنهاهم، ويظنون أن هذا من أمر الله وقدره، وإلا كيف يفرغ المؤمن قلبه من ذكر الله ومن القُرْآن والحديث، وبعد ذلك يظن أنه بهذا التفريغ يكون منفعلاً لما يختاره الله منه، وفي الحقيقة هو منفعل لما يختاره الشيطان، فيكون حال الشيطان في هذه الحالة كحال من قيل فيه:\rأتاني هواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلباً خاوياً فتمكنا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690415,"book_id":1659,"shamela_page_id":1541,"part":null,"page_num":1541,"sequence_num":1541,"body":"ويتمكن الشيطان من هذه القلوب الخاوية من ذكر الله ﵎، فيوحي إليهم أن أفعالهم جميعاً كلها طاعات كما قال الجيلي:\r\rإذا كنت في حكم الشريعة عاصياً فإني في حكم الحقيقة طائع\rولهذا لا تنكر عَلَى أحد، وفي كتاب أخبار الحلاج يقول: أحد تلامذته: مررنا بالسوق فإذا برجل عند خياط يهودي فشتم المسلم اليهوديَّ قَالَ: فغضب الحلاّج غضباً شديداً، وأخذ الرجل أي: المسلم وشتمه شتماً شديداً، وقَالَ: لا تعترض عَلَى دين أحد قَالَ: لماذا يا شيخ؟. قَالَ: لأنك إذا اعترضت عليه أثبت له الاختيار، يقول الحلاج: لأن الذي يختار هو الله.\rولو كَانَ لدى هذا المسلم علم لقال له: وأنا لماذا تعترض علي وأنا منفعل؟! وإذا اعترضت عليّ فكأنك تثبت أني مختار، فلماذا أنا مختار وهذا اليهودي غير مختار؟ لكنه لا يدرك هذا، لأنه عندما يرى هذا الشيخ العابد الجليل صاحب الكرامات -كما يزعمون- تأخذه الهيبة ولا يستطيع أن ينكر عليه، ويظن أنه يرشده ويدله إِلَى كيف يعظم الله؟ وكيف يعرف قدر ﷾؟ .\rيقول المصنف: [وهَؤُلاءِ أعمى الخلق بصائر، وأجهلهم بالله وأحكامه الدينية والكونية] كليهما، فأما الحكمة الدينية فكل مسلم يعلم ضرورة أن الله أمر بطاعته، ونهى عن عصيانه، وأن العبد يمكن أن يفعل الطاعات، وفي مقدوره أيضاً أن يفعل المعصية، فإن فعل الطاعة فله الأجر، وإن فعل المعصية فعليه الوزر والعقوبة، وهذا أمر بدهي يعرفه حتى عامة الناس.\rفهَؤُلاءِ الصوفية أجهل النَّاس بأوامر الله الدينية والكونية، لأننا في أوامر الله الكونية لم نؤمر بالاستسلام المطلق، ولهذا لما قال أبو عبيدة لعُمَر ﵄: أتفر من قدر الله؟ قال له: نفر من قدر الله إِلَى قدر الله، فالعافية بقدر الله والمرض بقدر الله، فإذا ابتلي الإِنسَان بمرض فهذا بقدر الله الكوني ويكون دفعه بعمل يوافق القدر الكوني، فتطلب الدواء والعلاج.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690416,"book_id":1659,"shamela_page_id":1542,"part":null,"page_num":1542,"sequence_num":1542,"body":"ولهذا يجب عَلَى الإِنسَان أن يتخذ الأسباب: لأن الله تَعَالَى خلق أموراً وخلق أسباباً تدفعها أو تجلبها، فأخذ الإِنسَان بالأسباب لا بد منه، وسيأتي له مبحث في آخر الكتاب إن شاء الله. والأخذ بالأسباب ينافي القدر، بل هو من القدر، كما قال ﷺ لما سئُل: أرأيت أدوية نتداوى بها أتخالف قدر الله؟ قَالَ: هي من قدر الله، فالمرض من قدر الله، والعلاج من قدر الله.\rفالصوفية هم من أجهل النَّاس بالأحكام الشرعية والكونية لأننا حتى في القدر الكوني لا بد أن ندفع القدر بالقدر، يقول المصنف: [فإن الطاعة هي موافقة الأمر الديني الشرعي] كيف يكون فعله كله طاعات، والطاعة هي موافقة الأمر الديني الشرعي لا موافقة القدر والمشيئة، أي الأمر الكوني؟ .\r\rمن لوازم هذا القول الفاسد\rقال المصنف: [ولو كَانَ موافقة القدر طاعة] يعني: بغير التزام بالشريعة [لكان إبليس من أعظم المطيعين له] لأن كل ما يعمله إبليس فهو بقدر الله.\rهذا عند أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ، بل قال عن نفسه ذلك: قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ [الأعراف:١٦] فهو يعترف بأن الغواية من الله، وكأنه يقول: أنا منفعل لأمرك، فهذا الكلام نفسه هو مدلول كلام الصوفية.\r\rثُمَّ قَالَ: [ولكان قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وقوم فرعون كلهم مطيعين] أي: لأنهم لم يخالفوا قدر الله وإنما خالفوا شرع الله ودينه، أما قدر الله الذي كتب عليهم فكل ما فعلوه فهو مكتوب، وهو موافق لما كتبه الله تَعَالَى حتى عندما قال فرعون: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [النازعات:٢٤] ، وقَالَ: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص:٣٨] هذا كله بقدر الله، وموافق لقدر الله الذي كتبه قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690417,"book_id":1659,"shamela_page_id":1543,"part":null,"page_num":1543,"sequence_num":1543,"body":"إذاً ففرعونمعذور عندما قَالَ هذا القول، بل هم في الحقيقة لم يكتفوا بقولهم: إن فرعون معذور، حتى جعلوه مطيعاً وألّفوا الكتب في تصحيح إيمانفرعون، وأن فرعون لما قَالَ: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى كَانَ صادقاً والعياذ بالله. لأنه ليس له إرادة، إنما كَانَ ينطق عن الله -تعالى الله عما يقولون علواً كبيرا- فإذا كَانَ فرعونينطق عن الله، فموسى ينطق عن من؟ وبأمر من؟!\r\rهذه الطائفة تُكذِّب جميع الرسل وتكفرها جميع الملل\rإن هَؤُلاءِ النَّاس في الحقيقة يكذبون جميع الأَنْبِيَاء وجميع الرسالات، ولهذا -كما أشرنا فيما مضى -فإن هذه الطائفة يكفرها جميع أصحاب الملل والأديان، الْمُسْلِمُونَ واليهود والنَّصَارَى فلا توجد ملة أو دين سماوي يقر هَؤُلاءِ القوم، بل جميع الملل تكفرهم لأنهم خارجون عَلَى جميع الشرائع.\rولهذا كَانَ أصل كثير من هَؤُلاءِ إما من الرافضة وإما من الباطنية، ولكن لبسوا عَلَى النَّاس بادعائهم التصوف والولاية، فزعموا أن كل ما يفعلونه أو يفعله غيرهم هو فعل الله ﷾، كما يقول أحد الأقطاب: نار الخليل انطفأت؛ لأن الشيخ تفل فيها. ليس كما قال الله تعالى: قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء:٦٩] فيعتقدون أن الأقطاب هم الذين يتصرفون، وتصرفهم سابق لوجودهم، فهم موجودين في الأول وإلى الأبد، وكل ما وقع في الكون فهو من تصرفهم، حتى سفينة نوح زعموا أنهم هم الذين منعوها من الغرق، ونار إبراهيم هم الذين أطفؤها، وهم الذين نجو شعيباً وصالحاً ومحمداً ﷺ، وهَؤُلاءِ يتبعهم اليوم ملايين من النَّاس، ويظنون أنهم يتقربون إِلَى الله باتباع هَؤُلاءِ المضلين.\r\rالشهود الحقيقي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690418,"book_id":1659,"shamela_page_id":1544,"part":null,"page_num":1544,"sequence_num":1544,"body":"يقول المصنف: [فإن قيل: كيف يتأتى الندم والتوبة مع شهود الحكمة] يرد عليهم المُصْنِّف بأنه يمكن أن يتأتى الندم والتوبة مع شهود القدر من جهة أخرى غير الجهة التي يزعم هَؤُلاءِ الصوفية، وذلك إذا شهد العبد عجز نفسه ونفوذ الأقدار فيه وكمال فقره إِلَى ربه وعدم استغنائه عن حفظه طرفة عين، كَانَ بالله في هذه الحال لا بنفسه، ووقوع الذنب منه لا يتأتي في هذه الحال البتة، فإن عليه من الله حصناً حصيناً، فبهِ يسمع وبه يبصر وبه يمشي، والعبد المؤمن يحقق ما قاله النبي ﷺ في حديث جبريل لما سأله عن الإحسان قَالَ: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) .\rفهذا الإِنسَان يعبد الله كأنه يراه ويعلم عجزه وضعفه وفقره، وأنه لو وكل إِلَى نفسه طرفة عين لهلك، وإن كانت طاعة منه فهي فضل من الله ﷾، وأن كل معصية منه فهي من خذلان ربه له حيث وكله إِلَى نفسه فوقع في ذلك الذنب، فهذا هو الشهود الحقيقي للقدر، وفي هذه الحالة لا يتأتى الذنب من العبد، لا كما يزعمون هم يفعل جميع المعاصي والذنوب ويقول: أنا أشهد القدر، بل من يشهد حقيقة القدر هو من يفعل الطاعة ويقول: هذا من فضل الله وإرادته، ولو أنه في لحظة من اللحظات قال: هذا من نفسي، وهذا من فعلي، وأنا الذي اجتهدت في هذا لكان ذلك ذنباً، لأن الله هو الذي وفقك عَلَى أدائها، فأنت أطعت الله بأي جارحة بالعين -مثلاً- فمن الذي خلقها؟\rوأطعمها وغذاها؟\rوكذلك القلب من الذي خلقه؟\rومن الذي ألقي فيه الهدى؟\rومن الذي عرفك بالله؟\rإنه الله ﷾.\r\rإذاً: الفضل كله له ﷿، فإذا فعلت طاعة فله الفضل في ذلك، وإن فعلت معصية فمن نفسك لما أوكلت إليها، فهذا هو الشهود الحقيقي عكس ما يقولون، فلو أنهم يشهدون الأمر والنهي شهوداً حقيقياً لما أتت منهم الذنوب، ولكانوا من المقربين.\r\rقال المصنف رحمه الله تعالى:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690419,"book_id":1659,"shamela_page_id":1545,"part":null,"page_num":1545,"sequence_num":1545,"body":"[لكن إذا شهد العبد عجز نفسه، ونفوذ الأقدار فيه، وكمال فقره إلى ربه، وعدم استغنائه عن عصمته وحفظه طرفة عين: كان بالله في هذه الحال لا بنفسه، فوقوع الذنب منه لا يتأتى في هذه الحال ألبتة، فإن عليه حصناً حصيناً (فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي) ، فلا يتصور منه الذنب في هذه الحال، فإذا حجب عن هذا المشهد وبقي بنفسه، استولى عليه حكم النفس، فهنالك نُصبت عليه الشباك والأشراك، وأرسلت عليه الصيادون فإذا انقشع عنه ضباب ذلك الوجود الطبعي، فهنالك يحضره الندم والتوبة والإنابة، فإنه كان في المعصية محجوباً بنفسه عن ربه، فلما فارق ذلك الوجود صار في وجود آخر فبقي بربه لا بنفسه، فإن قيل: إذا كان الكفر بقضاء الله وقدره، ونحن مأمورون أن نرضى بقضاء الله فكيف ننكره ونكرهه؟\r\rفالجواب أن يقال:\r\rأولاً: نحن غير مأمورين بالرضا بكل ما يقضيه الله ويقدره، ولم يرد بذلك كتاب ولا سنة بل من المقضي ما يرضى به، ومنه ما يسخط ويمقت، كما لا يرضى به القاضي لأقضيته سبحانه، بل من القضاء ما يُسخط، كما أن من الأعيان المقضية ما يُغضب عليه ويمقت ويلعن ويذم.\r\rويقال ثانياً: هنا أمران:\rقضاء الله: وهو فعل قائم بذات الله تعالى.\rومقضي: وهو المفعول المنفصل عنه، فالقضاء كله خير وعدل وحكمة، فيرضى به كله، والمقضي قسمان: منه ما يرضى به، ومنه ما لا يرضى به.\rويقال ثالثاً: القضاء له وجهان: أحدهما، تعلقه بالرب تعالى ونسبته إليه، فمن هذا الوجه يرضى به، والوجه الثاني: تعلقه بالعبد ونسبته إليه، فمن هذا الوجه ينقسم إلى ما يرضى به وإلى مالا يرضى به، مثال ذلك: قتل النفس له اعتباران: فمن حيث قدره الله وقضاه وكتبه وشاءه وجعله أجلاً للمقتول ونهاية لعمره نرضى به.\r\rومن حيث صدر من القاتل وباشره وكسبه وأقدم عليه باختياره وعصى الله بفعله، نَسخطه ولا نَرضى به] اهـ.\rالشرح:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690420,"book_id":1659,"shamela_page_id":1546,"part":null,"page_num":1546,"sequence_num":1546,"body":"ختم المصنف ﵀ مسألة القدر ببحث لقضية القائلين بأن الإنسان إذا شهد مقام الحقيقة الكونية -كما يزعمون- يوافق المشيئة، ويعتبر أن كل أعماله التي تجري وتصدر منه على وفق رضى الله وشرعه وإرادته نظراً لجريانها وفق مشيئته وإرادته الكونية، ورد عليهم المصنف ﵀ بقوله: إن هؤلاء أعمى الخلق وأجهلهم بالله وأحكامه الدينية والكونية، فلو أن الأمر هو موافقة القدر والمشيئة، وليس موافقة الأمر الديني من الأمر والنهي لكان قوم نوح وهود وصالح وفرعون وقوم لوط وشعيب كلهم طائعون لله ﷿ لأنهم لم يخرجوا فيما ارتكبوا من ذنوب وقبائح وما واجهوا به أنبياءهم عن مشيئة الله وقضائه وقدره، فإذا كان كل ما قدره الله تعالى مرضياً له محبوباً عنده وغاية ما يريده من الخلق أن يوافقوا قدره الكوني، فإن هؤلاء من أرضى الناس وأعلمهم.\rلا شك أن هناك فارقاً دقيقاً وحاجزاً بين أولياء الرحمان وأولياء الشيطان، وإنما تختلف الأفهام والأنظار إلى الأمر الواحد، ويترتب على ذلك اختلاف الأعمال.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690421,"book_id":1659,"shamela_page_id":1547,"part":null,"page_num":1547,"sequence_num":1547,"body":"قال المصنف: [لكن إذا شهد العبد عجز نفسه، ونفوذ الأقدار فيه] أي: إذا استحضر العبد عجزه وجعل عجز نفسه أمامه كأنه شاهد بعينه عجز نفسه وهذا من أخص خصائص الإنسان أنه عاجز بالذات، ففقره ذاتي، وعجزه ذاتي، كما أن الله ﷾ غناه وقوته وعلمه لذاته ﷾ من غير معين، ولا سبب خارجي، أما الإنسان ففقره ذاتي، فلا يستطيع أن يكون غنياً إلا لسبب يقدره الله ﷾، وإذا شهد عجز نفسه نفوذ الأقدار فيه، وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه لو اجتمعت الأمة على أن يضروه لم يضروه إلا بشيء قد كتبه الله عليه، ولو اجتمعوا على أن ينفعوه لم ينفعوه إلا بشيء قد كتبه الله له، وكمال فقره إلى ربه كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [فاطر:١٥] فالخلق محتاجون إلى الله فيما يطعمون وفيما يتمتعون به من فهمه كما قال الله تعالى: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا [هود:٦] مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:٥٧،٥٨] فله ﵎ المنِّة على كل أحد وليس لأحد أبداً منِّة على الخالق العظيم ﷾.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690422,"book_id":1659,"shamela_page_id":1548,"part":null,"page_num":1548,"sequence_num":1548,"body":"قوله: [وعدم استغنائه عن عصمته وحفظه طرفة عين] فقد كان من دعائه ﷺ: (يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين) فالأنبياء وأتباعهم قالوا هذا لعلمهم شدة فقرهم إلى الله وحاجتهم إليه، أمَّا أولئك فقد استغنوا عن الله ﵎، فلا يذكرون الله إلا قليلاً، ولا يدعونه ولا يلجأون إليه، ولهذا كان السلف الصالح يدعون الله في كل وقت، ويحثون أبناءهم وتلاميذهم والمسلمين على دعاء الله حتى قال قائلهم: \"إني لأدعو الله ولو كان في شراك نعلي\"، فلو انقطع شراك نعله لدعا الله ﷾، فادعُ الله أيها العبد فأنت فقير إليه في كل لحظة، وفي كل حين وفي كل وقت، لكن أولئك يظنون أنهم في غنى عن الله، ولهذا تمر بهم الأيام ذوات العدد ولا يدعون الله ﷾ فيها، حتى وإن عبدوه.\r\rومن الناس من يصلي ويصوم ويؤدي الفرائض، ولكنه لا يدعو الله، لأن الشيطان قد أغفل قلبه وأشعره بأنه في غنىً عن دعاء الله ﵎، والمقصود أن العبد المؤمن إذا شهد هذا الحال من الافتقار ومراقبة الله له ارتفع إيمانه وما من قلب يرقى في درجات الإيمان وقطعيات اليقين إلا ويشهد ذلك بمقدار رقيه ورسوخ إيمانه ويقينه، فإذا شهد العبد ذلك واستشعره دائماً.\r\rالجواب: كان بالله في هذه الحال لا بنفسه، فوقوع الذنب منه لا يتأتى في هذه الحال ألبتة فإن عليه حصناً حصيناً، ثم ذكر الحديث أو جزءاً منه مضمناً إياه الكلام [فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي] فلا يتصور منه الذنب في هذه الحالة إذا استشعر فقره واستشعر مراقبة الله ﵎ له في كل وقت، وهي درجة الإحسان، التي قال فيها النبي ﷺ لما سأله جبريل: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690423,"book_id":1659,"shamela_page_id":1549,"part":null,"page_num":1549,"sequence_num":1549,"body":"فهو يرانا كل حين، فما نلفظ من قول، ولا نعمل من عمل ولا حركة ولا سكون، إلا والله ﵎ مطِّلع ورقيب علينا، يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [غافر:١٩] .\rإذا استشعر العبد افتقاره، وعلم أنه لو وكل إِلَى نفسه طرفة عين لغفل عن طاعة الله، ووقع في معصيته، وربما هلك بسبب ذلك، ففي هذه الحالة لا يتصور منه صدور الذنب، هذا هو الفرق بين المقامين، أُولَئِكَ يقولون: إذا استشعر العبد وشهد أن ما يفعله هو مقدور لله مقضي له، أصبحت أعماله جميعاً طاعات، لكن أولياء الرحمان لا يقولون هذا، بل ذلك باطل أشد البطلان، وأما الحق فهو: أن تستشعر هذه الحالة العالية السامية، فحينئذٍ لا تفعل الذنب، لأنك متى مرَّ بك حال تستشعر فيه أن الله رقيب مطلع عليك، وأنك لو عصيته لوكلك إِلَى نفسك فتكون الأعمال صالحة لذلك، لأنها وفق درجة الإحسان لا وفق القدر.\rمتى تكون الأعمال طاعات\rتكون أفعال العبد طاعات إذا كانت جميعاً عَلَى مقتضى مراقبة الله سبحانه خاصة، واستشعار عظمة الله، واستحضار افتقاره إِلَى الله تعالى، وأن أقداره تنفذ فيه، بنى عَلَى ذلك دوام الصلة بالله، ودعاء الله الهداية والثبات، فتكون الأعمال حينئذ طاعات، إذاً هذا مفرق طريق بين هَؤُلاءِ وبين هَؤُلاءِ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690424,"book_id":1659,"shamela_page_id":1550,"part":null,"page_num":1550,"sequence_num":1550,"body":"أعظم الأولياء أبو بكر الصديق رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، فلم يؤثر عنأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ في أحكامه وفي فقهه، ورأيه أي قول خالف فيه السنة، مع أن الذين من بعده من الصحابة نقل عنهم في بعض المواضع خالفوا فيها بعض الأحاديث، إما اجتهدوا فيها أو لم تبلغهم الحجة، أو بأي حكم من الأحكام، لكن غاية ما نجد أن الصديق رضى الله تَعَالَى عنه قد لا يبلغه الدليل، لكن لم ينقل عنه أنه اجتهد أو قال بما يخالف السنة، هذا بعد وفاته ﷺ، أما في حياته فهو في كل أمر موافق مطيع، فهذه الدرجة العليا درجة الإحسان ودرجة الصديقين، التي يكون هوى صاحبها تبعاً لما جَاءَ به النبي ﷺ، وموافقة للشرع من جميع الوجوه.\rالمقياس الشرعي للولاية\rيعد أبو بكر الصديق ﵁ من أعظم النَّاس ولاية لله تعالى، ثُمَّ النَّاس بعد ذلك بحسب ولا يتهم وقربهم من الله ﷾ وما وفقهم له من الفقه والعلم، يكونون أقرب إِلَى إصابة الحق وموافقة السنة من غيرهم، وهذا هو المقياس الشرعي للولاية، وليس ما جعله أُولَئِكَ الضالون المضلون، ومعنى قول المصنف: إنه لا يتصور من ولي الله الذنب في هذه الحالة، أي: فكيف يتأتي الذنب، وهو لا يأتي إلا في حال الغفلة والجهالة.\r\rتفسير السلف لقوله تعالى: ((إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ))\rوالجهالة: ليست الجهل بالحكم أنه حلال أو حرام، بل الجهالة هي الجهل بمقام الله ﷾، والجهل بقدر الله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690425,"book_id":1659,"shamela_page_id":1551,"part":null,"page_num":1551,"sequence_num":1551,"body":"قال بعض السلف: \"ما عصى الله ﷿ أحد إلا بجهالة\" أي: في حالة وقوع الذنب يكون العبد قد جهل مقام الله ﷾، وما عظمه حق تعظيمه، وما قدره حق تقديره، والقلوب عَلَى ذلك شواهد، فيعتري المؤمن حالات تصفو فيها نفسه وقلبه، ويرسخ ليقينه وإيمانه ويذكر ربه ﷿، فلو عرضت عليه معصية وخُيِر بين أن يفعلها وبين أن يلقى في النَّار أو يعذب أشد العذاب، لاختار هذا العذاب الأليم، ثُمَّ يعرض للقلب غفلات، وإذا بالنفس تهفو وتتطلع إِلَى أن تفعل تلك المعصية بذاتها التي كانت في تلك الحالة، وأصحاب النفوس اللوامة يشهدون هذا التفاوت دائماً، لكن أصحاب النفوس المطمئنة لا تلمُّ بقلوبهم إلا خطرات.\r\rأعظم الناس إيماناً ويقيناً\rأعظم النَّاس اطمئناناً ويقيناً وإيماناً بالله هم من أنزل الله ﵎ عليهم السكينة، وشهد لهم بالإيمان والطمأنينة والذكر وهم الصحابة -رضوان الله عليهم- ثُمَّ أهل القرون المفضلة ومن اقتفى نهجهم،.\rفإذا حُجب عن هذا المشهد، وبقي بنفسه أي لا بربه، استولى عليه حكم النفس، فهنالك نصبت عليه الشباك، والأشراك وأرسلت عليه الصيادون، والشراك هو الذي تقع فيه الفريسة وتقيد به، أي: أن الإِنسَان في هذه الحالة إذا غفل، واستولى عليه حكم النفس لا حال المراقبة واليقين، ولكن غلب عليه حال الهوى والشهوات، فمن كانت نفسه أمارة عليه فبماذا تأمره؟ ومن الذي وعده بالجنة وجعلها مأواه؟ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعات:٤٠-٤١] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690426,"book_id":1659,"shamela_page_id":1552,"part":null,"page_num":1552,"sequence_num":1552,"body":"لكن إذا سيطرت النفس وسيطر الهوى، حتى كَانَ كحال من اتخذ إلهه هواه، فحينئذ لا تأمره إلا بالشر، فالقلوب المؤمنة، والنفوس اللوامة، إذا اعترتها هذه الحالة وقعت في شراك الشيطان، والشهوة، والشبهة، والمعاصي، وحينئذٍ يكون الأمر والنتيجة عَلَى حالين: إما أن يفيق العبد، ويتوب وينيب إِلَى الله ﷾، وهذا ما ذكره المُصْنِّف ﵀ عندما قَالَ: [فإذا انقشع عنه ضباب ذلك الوجود الطبعي، فهنالك يحضره الندم والتوبة والإنابة، فإنه كَانَ في المعصية محجوباً بنفسه عن ربه، فلما فارق ذلك الوجود صار في وجودٍ آخر فبقي بربه لا بنفسه] وهذه الحالة، حالة من ثبته الله ﷾: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ [آل عمران:١٣٥] فماذا فعلوا فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِم.\rإذاً وقعوا في الشرك لكن تذكروا فاستغفروا الله ﷾ وتابوا وأنابوا إليه، فتعود النفوس إِلَى اطمئنانها، وينقشع ذلك الضباب وذلك الحجاب وذلك الران الذي حصل نتيجة حيلولة النفس بين العبد وبين مرضاة ربه ﷿،.\rوالحالة الأخرى: من غلبه الهوى والشهوة، فالشهوة إثر الشهوة والهوى إثر الهوى، حتى يطبع عَلَى قلبه، ويغلب عليه الران، فحينئذٍ لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً، ولهذا كَانَ السلف الصالح -رضوان الله عليهم- أحرص النَّاس عَلَى الثبات، وعلى الاستقامة، وكانوا أخوف النَّاس من النكوص ومن انقلاب الحال وتغيره إِلَى حال لا يرجى معها انتقال ولا شفاء، ثُمَّ يعود رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بعد ذلك، في مسألة القدر، وموقف المؤمنين منه\r\rيقول المُصنِّفُ ﵀: [فإن قيل: إذا كَانَ الكفر بقضاء الله وقدره، ونحن مأمورون أن نرضى بقضاء الله، فكيف ننكره ونكرهه؟] وهذه الشبهة تقع لكثير من النَّاس.\rفالجواب أن يقال:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690427,"book_id":1659,"shamela_page_id":1553,"part":null,"page_num":1553,"sequence_num":1553,"body":"أولاً: نَحْنُ غير مأمورين بالرضى بكل ما يقضي الله؛ لأن بعض النَّاس قد لا يفقه ذلك، ومن هنا أُتي الصوفية، وأمثالهم، أي: من عدم الفقه في الدين أو سؤال أهل العلم وأهل الذكر، فقولهم: إن الله قدر ونحن نرضى بما قدر، يقال لهم: لم نؤمر بأن نرضى بكل ما قدره الله ﷾، فالذي قدر الكفر هو الله، والذي قدر الزنا والمعاصي والفواحش جميعاً عَلَى العباد هو الله، لأنه لا يقع في الكون إلا ما قدره الله، فلا يجب أن نرضى بها، وهل نتعبد الله بالرضى بالكفر؟ لا. فمن فعل ذلك فقد كفر؛ لأنه هو ﷾ قَالَ: وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْر [الزمر:٧] وكما قال ﷾: إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْل [النساء:١٠٨] .\rفهو ﷾ لا يرضى بها، فنحن كذلك لا نرضى بكل ما قدره الله.\rإذاً: رضانا وغضبنا يدور مع الشرع، مع الأمر والنهي لا مع المشيئة والقدر الكوني، فرضانا تبع للشرع، فما رضيه الشرع لنا من الأمر والنهي رضينا به، وما كرهه كرهناه، وهذا المقام مقام الرضا طويل، وقد ذكره صاحب كتاب مدارج السالكين وكذلك صاحب كتاب منازل السائرين الهروي في ذكر منزلة الرضا، ووقع في خبط وخلط.\rتعقب الإمام ابن القيم على الهروي\rتعقب الإمام ابن القيم -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في مدارج السالكين في الجزء الثاني عَلَى صاحب كتاب منازل السائرين ابتداءً من صفحة ١١٧، لأن من الرضا ما هو محمود مطلوب، بل من الدرجات العليا من درجات الإيمان، وهو الرضا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمدٍ ﷺ نبياً ورسولاً، ولا يكون العبد مؤمناً إلا به، فبقدر رضاه بذلك يكون انقياده ويكون إذعانه، ويكون إيمانه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690428,"book_id":1659,"shamela_page_id":1554,"part":null,"page_num":1554,"sequence_num":1554,"body":"ولذا ورد أن من قَالَ: (رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمدٍ ﷺ رسولاً) في الصباح والمساء كَانَ حقاً عَلَى الله أن يرضيه. لأنه قال هذا رضاً بشرع الله. فمن رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمدٍ رسولاً، فقد رضي بكل أمرٍ أمر الله به، وبكل سنة سنها النبي ﷺ.\rإذاً: هذه درجة عظيمة، فحقاً عَلَى الله جل وعلا تكرماً منه أن يرضي من قال ذلك؛ وفي الرواية الأخرى (دخل الجنة) هذا هو الرضا.\r\rالواجب علينا أمام القدر\rأما الرضا بالقدر عَلَى المصائب فله تفصيل. لأن الرضا بالدين معروف، لكن هناك أقدار قضاها الله ﷾. فإذا وقع القدر وكان مما لا يرضينا أو مما نكره، فالذي أُمِرَنا به هو الصبر، ولو أُمِرَنا بالرضا لكان في ذلك مشقة علينا.\rلكن الذي أمرنا به فضلاً من الله تَعَالَى هو الصبر، فالكره: أمرٌ جبلي خلقي طبعي لا نستطيع أن نتخلص منه. لكن أن نسخط أو أن نقنط، فهذا مما لا يجوز: والعبد يستطيع أن يصبر، كما فعل ذلك النبي ﷺ عندما (رفع إليه الصبي ونفسه تقعقع كأنها في شنة ففاضت عيناه فقال له سعد ما هذا يا رسول الله قال هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده وإنما يرحم الله من عباده الرحماء) ، فليس هناك أحد أكثر رضاً بالقدر من النبي ﷺ أو أعلى منه منزلةً، وهل هذا الصبر منعه من أن تدمع عينه لما مات ابنه إبراهيم وقال: (إن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690429,"book_id":1659,"shamela_page_id":1555,"part":null,"page_num":1555,"sequence_num":1555,"body":"فهذا هو حال المؤمن، وليس معنى ذلك أن يغير طبيعته كما فعل ذلك بعضالمتصوفة عندما مات ابن له فحلق لحيته، وأخذ يضحك أمام النَّاس، ويقول: (أُرِاغَمَ نفسي وأرضى بقدر الله وقضاءه) فهذا عصى الله ﷾، وجعل من نفسه أمثولة؛ لأنه إِلَى ما قبل القرن العشرين كَانَ حلق اللحية مُثلة، عقوبة يُعاقب بها، فإذا أُريد أن يعاقب أحد حتى في الدول الكافرة تحلق لحيته.\rوكانت بعض الأمم الممسوخة -كما كَانَ بعضالمجوس - يفعلونه ومنهم الذين قدموا عَلَى النبي ﷺ، وهذا مسخ للفطرة، ولهذا أنكره النبي ﷺ، والشاهد أن هذا الصوفي لما فعل ذلك جعل نفسه مُثلة، وأضحك النَّاس عليه، وهو بزعمه يظن أنه يراغم النفس ويرضي الله؛ لأن ابنه قد مات، والنبي ﷺ أكمل النَّاس يقول: (إني لأعلمكم بالله وأتقاكم له) فهو ﷺ أعلم النَّاس بالله وأتقاهم له، ومع ذلك حزن قلبه، ودمعت عينه، فنحن مأمورون بالصبر.\rأما الرضا فكما يقول شَيْخ الإِسْلامِ ﵀: \"أما الرضا فلم نؤمر به\"، وما ورد من الأدلة يدل بعمومه عَلَى مدح من يرضى، والثناء عليه لا عَلَى وجوبه، ولهذا إذا كَانَ من باب الثناء والمدح فهو مندرج ضمن حالة الصبر، أي: أن يصبر العبد ويبلغ به الصبر أن يرضى بما قدر الله، دون أن يتعدى ذلك إِلَى مخالفة الفطرة، لأن النبي ﷺ لا يمكن أن يقال: إن أحداً قد فاقه أو يفوقه في ذلك المقام أبداً، فإذاً: لم يرد في الكتاب والسنة ما يوجب علينا أن نرضى بكل ما يقدره الله، بل الحال في ذلك تبعٌ للأمر والنهي.\r\rيقول: [بل من المقضي ما يرضى به ومنه ما يسخط ويمقت] وهذه العبارات إِلَى نهاية قوله: [والتعمق والنظر] منقولة من مدارج السالكين، لكن في موضعٍ آخر (في الجزء الأول صفحة ٢٥٦) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690430,"book_id":1659,"shamela_page_id":1556,"part":null,"page_num":1556,"sequence_num":1556,"body":"إذاً من المقضي ما يُرضى به، ومنه ما يُسخط ويُمقت لماذا؟ يقول: (كما لا يرضى به القاضي لأقضيته) أي أنه سبحانه القاضي الذي قضى بهذا القضاء لم يرضَ به.\r\rوقد لعن الله ﷾ الكافرين أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ [البقرة:١٥٩] وذمهم في مواضع كثيرة، والمؤمن في ذاته ليس ملعوناً، وليس مغضوباً عليه في ذاته، فقد يفعل من الأفعال ما هو ملعون أو مغضوب عليه، أو غير مرضي لله ﷾ سواءً في الأفعال أو في الذوات أو في الأعيان منها ما يبغضه الله ولا يرضاه، ونحن إذاً لا يجوز لنا أن نرضى بكل شيء، هذا هو الجواب الأول.\rوالجواب الثاني: قال: [هُنا أمران: قضاء الله، وهو: فعلٌ قائم بذات الله، ومقضي وهو: المفعول المنفصل عنه] هذا الموضوع فيه دِقة، وقد اختلفأهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ مع الأشعرية، فالأشعريّة جبريّة جهميّة، لكنهم لم يقولوا: إن الإِنسَان كريشة في مهب الريح، ولم يستطيعوا أن يصرحوا بالجبر.\r\rاختلاف أهل السنة مع الأشاعرة في مسألة أفعال الله\rاختلف أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ مع الأشعرية في مسألة أفعال الله سبحانه، فَقَالَ أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ كما قال ابن القيم ﵀: ''وهو قول سلف الأمة وجمهورها: إن القضاء غير المقضي''، وهذا معروف بالبديهة، فلو فكرت لوجدت أن القضاء غير المقضي، فقضاء الله فعله، والمقضي أثر القضاء، وآثار قضائه يدركه العقل والفطرة فَيَقُولُ: (قول سلف الأمة وجمهورها: إن القضاء غير المقضي، فالقضاء فعله ومشيئته، وما قام به -بذاته واتصف به ﷾ والمقضي مفعوله المباين له المنفصل عنه، وهو المشتمل عَلَى الخير والشر، فقضاؤه كله حق، والمقضي منه حق، ومنه باطل] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690431,"book_id":1659,"shamela_page_id":1557,"part":null,"page_num":1557,"sequence_num":1557,"body":"فمن حيث إن الله ﷾ خلق إبليس، وخلق الكفر، وخلق الشر، وأن الله قضى ذلك فهذا حق، لكن من حيث إن هذه الأعيان أو هذه الأفعال مذمومةٌ أو ملعونة شرعاً فهذه من جهة الشرع فيها الحق وفيها الباطل، ومنها ما يحمد ومنها ما يُذم، ومنها ما نرضى به ومنها ما نكره، لكن من حيث اتصاف الله ﷾ بأنه هو الذي يقضي، وله القضاء، وله الأمر فهذا حق، فالقضاء كله حق، لكن المقضي هو أثر القضاء أعياناً أو أعمالاً، فمنها ما يرضى ومنها ما يسخط، ومنها ما هو حق ومنها ما هو باطل، بميزان الأمر والشرع.\rفهُنا قال السلف هذا القول، فجاء الأشعرية وَقَالُوا: القضاء هو عين المقضي، والفعل هو عين المفعول، ولهذا وقعوا في الجبر، أو لم يستطيعوا أن يدفعوا عن أنفسهم هذا السؤال، ومنهم أبا بكر الباقلاني، شيخهم وإمامهم الأكبر، والسؤال الذي يسائله المُصْنِّف هُنا [إذا كَانَ الكفر بقضاء الله وقدره، ونحن مأمورون أن نرضى بقضاء الله فكيف ننكره ونكرههُ؟ وهذا عجز لأنه لا يفرق بين القضاء وبين المقضي، لكن أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ يفرقون، ولهذا يقولون: نَحْنُ نؤمن بالقضاء، ونحب قضاء الله، لكن نكره المقضي الذي هو الكفر، فيقول فهُنا أمران:\r\rقضاء الله وهو: فعل قائم بذات الله.\r\rومقضي وهو: المفعول المنفصل عنه.\rفالقضاء كله خير وعدل وحِكَمة نرضى به كله.\rوالمقضي قسمان: منه ما يرضى، ويوضح ذلك الوجه الثالث لأنهما متقاربان.\rوالقضاء الذي قضاه الله له وجهان:\rأحدهما: تعلقه بالرب تَعَالَى ونسبته إليه فمن هذا الوجه يُرضى به.\rوالوجه الثاني: تعلقه بالعبد ونسبته إليه، فمن هذا الوجه ينقسم إِلَى ما يرضى به، وإلى ما لا يُرضى به. ولهذا قال الله تَعَالَى لنبيه ﷺ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ [فاطر:٨] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690432,"book_id":1659,"shamela_page_id":1558,"part":null,"page_num":1558,"sequence_num":1558,"body":"ومن هنا أمر النبي ﷺ بأن يصبر من جهة أن الله يدخل من يشاء ويهدي من يشاء، ولا يعني ذلك أن يرضى بكفرهم فلم يأمره ربه بذلك وحاشاه ﷺ، بل هو الذي جاهدهم واستمر في جهادهم، لكن مع المجاهدة لم يؤمنوا؟ لأن الهداية والضلالة بيد الله تعالى، فقد كتب عليهم الشقاوة فليكونوا كذلك، فعليك أن تسلم بما كتب الله، ولهذا جَاءَ في سورة الأنعام ما هو أشد من ذلك، قوله ﷾ له: وَإِنْ كَانَ َ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُم فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّمَاءِ [الأنعام:٣٥] فلا يستطيع ذلك ولن يفعل.\rوإنما هذا زيادة في تثبيت النبي ﷺ عَلَى عدم اليأس والتحسر، وإنما عليه البلاغ وهذا له مقام آخر، وذكر المُصْنِّف ﵀ مثالاً عَلَى ذلك فقَالَ: لو قتل إنساناً نفساً، القتل له اعتباران من حيث قدَّره الله وقضاه وكتبه وشاءه وجعله أجلاً للمقتول ونهاية لعمره يرضى به، وهذا أمر كتبه الله وقدَّره قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، فلا مبدل لقدر الله ولا معقب لحكمه، فنرضى به من هذه الجهة، لكن لا نرضى عن القاتل، ولا نرضى عن فعله، فيُقَالُ: من حيث إن القاتل صدر منه القتل وباشره وكسبه وأقدم عليه باختياره وعصى الله بفعله نسخطه ولا نرضى به، وبهذه الأجوبة الثلاثة نكون قد أجبنا عَلَى السؤال الذي هو: كيف نرضى إذا كَانَ الكفر بقضاء الله وقدره؟\r\rقَالَ المُصنِّفُ ﵀:\r[وقوله: [والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان] إِلَى آخره، التعمق: هو المبالغة في طلب الشيء والمعنى: أن المبالغة في طلب القدر والغوص في الكلام فيه ذريعة الخذلان. الذريعة: الوسيلة، والذريعة والدرجة والسلم متقارب المعنى.\rوكذلك الخذلان والحرمان والطغيان متقارب المعنى أيضاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690433,"book_id":1659,"shamela_page_id":1559,"part":null,"page_num":1559,"sequence_num":1559,"body":"لكن الخذلان في مقابلة النصر، والحرمان في مقابلة الظفر، والطغيان في مقابلة الاستقامة. وقوله: فالحذر كل الحذر من ذلك نظراً وفكراً ووسوسة.\rعنأَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: جَاءَ ناسٌ من أصحاب النبي ﷺ إِلَى رَسُول الله ﷺ، فسألوه: (إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به، قَالَ: وقد وجدتموه؟ قالوا: نعم، قال: ذاك صريح الإيمان) رواه مسلم.\rالإشارة بقوله: (ذاك صريح الإيمان) إِلَى تعاظمهم أن يتكلموا به.\rولمسلم أيضاً عنعبد الله بن مسعود ﵁ قَالَ: سئل رَسُول الله عن الوسوسة، فقَالَ: (تلك محض الإيمان) وهو بمعنى حديثأَبِي هُرَيْرَةَ، فإن وسوسة النفس ومدافعة وسواسها بمنزلة المحادثة الكائنة بين اثنين، فمدافعة الوسوسة الشيطانية واستعظامها صريح الإيمان ومحض الإيمان.\rهذه طريقة الصحابة ﵃ والتابعين لهم بإحسان. ثُمَّ خلف من بعدهم خلف سوّدوا الأوراق بتلك الوساوس، التي هي شكوك وشبه، بل وسودوا القلوب وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق، ولذلك أطنب الشيخ ﵀ في ذم الخوض في الكلام في القدر والفحص عنه.\rوعنعَائِِِشَةَ ﵂ أنها قالت: قال رَسُول الله ﷺ: (إن أبغض الرجال إِلَى الله الألد الخصم) .\rوقال الإمامأَحْمَد: حدثنا أبو معاوية حدثنا داود بن أبي هند عنعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: خرج رَسُول الله ﷺ ذات يوم والنَّاس يتكلمون في القدر، قَالَ: فكأنما تفقأ في وجهه حب الرمان من الغضب قَالَ: فقال: (ما لكم تضربون كتاب الله بعضه ببعض؟ بهذا هلك من كَانَ قبلكم) قال. فما غُبطت نفسي بمجلس فيه رَسُول الله ﷺ لم أشهده بما غبطت نفسي بذلك المجلس أني لم أشهده. ورواه ابن ماجه أيضاً] اهـ. .\r\rالشرح:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690434,"book_id":1659,"shamela_page_id":1560,"part":null,"page_num":1560,"sequence_num":1560,"body":"أمور الإيمان وأمور العقيدة من أمور الغيب، لأن الاعتقاد هو الإيمان بالغيب، والله ﵎ أول ما وصف الله به المؤمنين وصفهم بأنهم يؤمنون بالغيب.\rدرجات الناس في الإيمان\rدرجات النَّاس في الإيمان متفاوتة عَلَى حسب إيمانهم بالغيب، فمن النَّاس من يبني إيمانه عَلَى ظاهر من القول وظاهر من الدليل، ويستمر في ذلك ويثبته الله ﷾، ولا تعرض له شُبهات ولا سُقوط، فيلقى الله وهو سليم القلب وهو عَلَى درجة من الإيمان.\rومن النَّاس من تُسلط عليه الشهوات والشبهات والشكوك ويضعف إيمانه ويقينه وسرعان ما ينقلب ذلك الإيمان وذلك اليقين؛ لأن مجرد تصديق وليس يقين، ومن النَّاس من يثبته الله ﷾ ويوفقه ويمنُّ عليه، فيرسخ في العلم والإيمان واليقين والصدق والإخلاص وفي الفقه في الدين، حتى يكون بالمنزلة التى جعلها الله ﷾ لأوليائه، الذين جعل تفاوتهم بحسب مراتبهم من اليقين ومن الفقه والعلم في الدين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690435,"book_id":1659,"shamela_page_id":1561,"part":null,"page_num":1561,"sequence_num":1561,"body":"فالمطلوب من العبد أن يؤمن بالغيب، وأن يؤمن بكل ما أخبر الله به، وأن يسلِّم، وأن يقوِّي ذلك الإيمان بكل ما يستطيع أن يقويه به، من الأدلة وبالحجج القرآنية وآثارها، ونعني بها الحجج الكونية العقلية النفسيّة، وأن ينظر بتدبر في ملكوت السموات والأرض، ويتفكر في أحوال النَّاس، وفي تدبير الله سبحانه له، وتصريفه لهذا الكون وتدبيره للخلق، فيزداد إيماناً ويقيناً، ويدفع عن نفسه الشبهات إذا وردت، لأن دفع الشبهات يكون بالاعتصام بالله والاستعاذه من الشيطان الرجيم، والإعراض عن الشبهة، فإن تمكنت في قلبه فليدفعها بسؤال أهل العلم لتُكشف عنه تلك الشبهة ويندفع عنه البلاء، وأمر هذا الدين مبني عَلَى الاستسلام، وإنما يثبت الإسلام عَلَى قدم الاستسلام لما أخبر به الله ورسوله ﷺ، لكن من قُدِّر له أن أعطاه الله ﷾ العلم، ومكنه من الرسوخ فيه، ومقاومة الشبهات، والذب عن هذا الدين، فهذا كطبيب يتعمق في معرفة الأمراض لا حرصاً منه عَلَى معرفه المرض، ولكن لكي يعالج النَّاس، أو يتعمق في معرفة الأدويّة ليداوي نفسه ويداوي غيره.\r\rالتعمق والنظر في أمور القدر الخفية\rيقول الإمام الطّّحاويّ ﵀: [والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان، وسلم الحرمان، ودرجة الطغيان، فالحذر كل الحذر من ذلك نظراً وفكراً ووسوسة] هذا الكلام قد يُفهم عَلَى إطلاقه فيُقَالُ: إذاً لا ننظر في مسألة القدر والصفات ولا نفكر في ذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690436,"book_id":1659,"shamela_page_id":1562,"part":null,"page_num":1562,"sequence_num":1562,"body":"أما الوسوسة فمذمومة عَلَى كل حال، لكن من وفقة الله وفقهه في الدين وكان علمه عميقاً وراسخاً؛ فهذه درجة مطلوبة محمودة، فكل إنسانٍ يأخذ من هذا الدين ومن أمر اليقين بقدر ما يوفقه الله ويؤهله ﷾، ولو أراد أحد أن يتجاوز قدره لسقط ولهلك، فالتعمق والنظر في أمور القدر الخفيّة الدقيقة من إنسان لا يعرف الأدلة، ولا يعرف كلام أهل العلم ولا يستطيع أن يفقه في المسألة هذا ذريعة الخذلان.\r\rكف العوام عن الخوض في القدر\rوينبغي علينا أن نكف العوام عن الخوض في القدر، فإن كَانَ ولا بد إذا وجدنا من أحدهم شبهة راسخة كشفناها بالدليل، ولكن لا يعني ذلك أن نعرض تعاريف القدر عَلَى العامة، أو نرضى أن يخوض العامة في تفصيلات القدر وغير ذلك من أمور الإيمان؛ لأن الخوض في ذلك مَزلة الأقدام، فهو بحر لا يستطيعون أن يبحروا فيه، لكن من كَانَ لديه استعداد للفهم من الكتاب والسنة وكلام العلماء.\rفينبغي له أن يزداد علماً، لأنه بذلك يزداد إيماناً ويزداد فهماً، وعندما ترد عليه شبهة سرعان ما يدفعها لما لديه من علم؛ وينبغي أن يقيد بهذا كلام الطحاوي ﵀، وأن نعرف المقصود من كلامه، ولهذا قَالَ المُصْنِّفُ ﵀: [والمعني أن المبالغة في طلب القدر والغوص في الكلام فيه ذريعة الخذلان] .\r\rفقوله: ذريعة: أي وسيلة، والذريعة والوسيلة والدرجة والسلم متقاربة، وكذلك الحرمان والطغيان والخذلان متقاربة، لكن الخذلان في مقابلة النصر، والحرمان في مقابلة الظفر، والطغيان في مقابلة الاستقامة، والإمام أبي جعفر الطّّحاويّ ﵀ جَاءَ بعبارات أدبيّة فيها سجع، وعطف جملة بعضها عَلَى بعض، وإلا فالمؤدى واحد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690437,"book_id":1659,"shamela_page_id":1563,"part":null,"page_num":1563,"sequence_num":1563,"body":"فهذا هو الذي يجب أن يُفهم، وقوله: [والحذر كل الحذر من ذلك نظراً وفكراً ووسوسة] ثُمَّ ذكر حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، وهو حديث صحيح رواه الإمام مسلم والإمام أَحْمَد وفيه: (جَاءَ ناس من أصحاب النبي ﷺ إِلَى رَسُول الله ﷺ فسألوه: إنّا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به؟ فشكوا ذلك إلى النبي ﷺ شكوى مجملة، فَقَالَ ﷺ: أو قد وجدتموه؟) .\r\rوجواب النبي هذا يدل عَلَى أنه كان منتظراً منهم هذا السؤال، وهذه بشرى لحديثي عهد بالتمسك، وفي رواية أخرى (لأن يصبح أحدنا حُممة محترقة) ، كيف يكون حال هذا الإِنسَان الذي يود لو أصبح فحمة محترقة ولم يتكلم بهذه الشكوك والخواطر، هذا قوي الإيمان، فلهذا يقول ﷺ (ذلك صريح الإيمان) وفي رواية أخرى (ذلك محض الإيمان) ويقول المُصْنِّف هنا: [ولمسلم عن ابن مسعود ﵁ قَالَ: سئل الرَّسُول عن ذلك فَقَالَ ذلك محض الإيمان] ومعنى حديثأَبِي هُرَيْرَةَ وسوسة النفس أو مدافعتها، أي أن الحديثين هما في الحقيقة وردا في موضع واحد أنه سئل عن الوسوسة، فيقول المصنف:\r[فإن وسوسة النفس أو مدافعة وسواسها بمنزلة المحادثة الكائنة بين الاثنين فمدافعة الوسوسة الشيطانية واستعظامها صريح الإيمان ومحض الإيمان] ، ويمكن أن يحمل الحديث عَلَى أحد الأمرين:-\r\rالأمر الأول: أن يكون المشار إليه بأنه الموصوف: [محض الإيمان] هو المدافعة كما ذكر ذلك المُصْنِّف ومعناه: أي أنكم ما دمتم تدافعونها فهذا دليل عَلَى قوة إيمانكم، فلا تيأسوا وهذه بشرى وخير لكم وليس شراً كما تظنون، والمدافعة والمجاهدة هذه هي محض الإيمان لأنها مترتبة عليه وناشئة عنه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690438,"book_id":1659,"shamela_page_id":1564,"part":null,"page_num":1564,"sequence_num":1564,"body":"الأمر الثاني: أن يكون (ذلك محض الإيمان أو صريح الإيمان) هو: وجود الوسوسة، لأنك في حالة قبل الاهتداء لم تكن تجد شيئاً فلما اهتديت وجدت، فوجودها دليل عَلَى وجود الإيمان، وإذا وجد الإيمان أرد الشيطان أن يبارزه في الشكوك، إذاً أنت في هذه الحالة والْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى خير، وهنا يدل عَلَى أن الإيمان قد نما في قلبك، عندما تجد تلك الوساوس، ولذلك يقول الرَّسُول ﷺ (ذلك محض الإيمان) أو (ذلك صريح الإيمان) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690439,"book_id":1659,"shamela_page_id":1565,"part":null,"page_num":1565,"sequence_num":1565,"body":"شرح العقيدة الطحاوية\rالنبوة\rفضيلة الشيخ د. سفر بن عبد الرحمن الحوالي\r\rمن أهم الموضوعات التي يجب عَلَى طالب العلم أن يلم ولو بقدر منها، حقيقة نبوة مُحَمَّد ﷺ ونبوة غيره من الأنبياء، لأن من أركان الإيمان الإيمان بأنبياء الله ﵎.\rفلا بد من معرفة النبوة وما حقيقتها ومدى حاجة النَّاس إليها وأمثال ذلك مما يجب أن يعلمه المسلم ولو إِلَى حد ما.\rويتبين لنا عظمة النبوة وأهميتها إذا عرفنا أن كل شي من الدين يعتبر فرعاً عن إثبات النبوة، فالإيمان بالقرآن الذي هو كلام الله ﵎ متفرع عن الإيمان بنبوة مُحَمَّد ﷺ، ولهذا كَانَ كفار قريش يجادلون النبي ﷺ بأنه ليس بنبيٍ؛ ليتوصلوا بذلك إِلَى الطعن في القرآن، لأن من أنكر نبوة مُحَمَّد ﷺ أو طعن فيها فقد طعن في القُرْآن وطعن في الإسلام.\rأساس الدين إثبات النبوة\rأساس الدين هو إثبات النبوة لنبيا مُحَمَّد ﷺ، ولهذا قال كفار قريش إنما أنت مفتر، وَقَالُوا: ساحر، وشاعر، ومجنون وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً [الفرقان:٥] ، وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُون [الفرقان:٤] وقالوا غير ذلك من السباب كقولهم: إنما يعلمه بعض الأعجميين، وقولوا: إنما يعلمه بشر، ويجب أن يُعلم أن كل أنواع الافتراءات التي تنكر القُرْآن تعتبر تكذيباً لدعوى النبوة، وإذا كذبوا النبي في دعوى نبوته ﷺ فبعد ذلك ينكروا ما شاءوا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690440,"book_id":1659,"shamela_page_id":1566,"part":null,"page_num":1566,"sequence_num":1566,"body":"لهذا كَانَ مبحث النبوة مبحثاً عظيماً ومهماً في أبواب العقائد، وقد ضل كثير من المتكلمين في هذا الموضوع، إما ضلالاً كلياً، وإما ضلالاً جزئياً، فلم يعرفوا حقيقة النبوة، ولم يدركوا معناها ولا غايتها؛ ولذلك فإنهم لما أرادوا أن يثبتوا نبوة النبي ﷺ بالطرق الكلامية العقلية أوهنوا دين الإسلام؛ لأن ما قرروه من الطرق والوسائل لإثبات النبوة ليست بالقوة التي يمكن أن يؤمن بها كل عقل؛ لأنها منحرفة عن منهج القُرْآن والسنة في إثبات نبوة النبي ﷺ، فلما أرادوا إثباتها بطرق محصورة معدودة -كما سنبين إن شاء الله بالتفصيل- كَانَ ذلك مما أوهن بل سهل لأعداء الإسلام أن يطعنوا في دين الإسلام، ولهذا قال شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ عن هَؤُلاءِ الناس: \"إنهم لا للإسلام نصروا، ولا للفلاسفة كسروا\" ومع دلائل النبوة التي لا تحصى، فقد أنكرها بعض من استهوتهم الشياطين.\r\rالذين ينكرون النبوة\rمن الذين ينكرون النبوة الفلاسفة ومنهم كما يقال البرهمية -الذين هم في الهند عباد الأبقار- والفلاسفة ينكرون النبوات ويقولون: لا حاجة لوجود نبي، والعقول تغني عن الشرائع، والأنبياء ما هم إلا أناسٌ عباقرةٌ عظماء نابغون، تعلموا أنواعاً من الحيل مثل حيل السحر، وجاؤا إِلَى قومهم وَقَالُوا: نَحْنُ أنبياء واستخفوا بعقولهم بهذه الخوارق للعادة فتبعتهم أقوامهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690441,"book_id":1659,"shamela_page_id":1567,"part":null,"page_num":1567,"sequence_num":1567,"body":"وليس لهم أي دليل من العقل، فلما جَاءَ أهل الكلام، وأرادوا أن يردوا عليهم، ولم يسلكوا منهج القُرْآن والسنة في إثبات نبوة مُحَمَّد ﷺ والرد عَلَى منكريها، مع كثرة ما جَاءَ في القُرْآن من الحديث عنها، ومع أنها قضية كبرى، ومعركة كبرى دارت بين النبي ﷺ وبين قريش، بل سلكوا منهجاً عقلانياً مجرداً يتوقف كله عَلَى إثبات ما أسموه \"المعجزة\" وأنه لا دليل لثبوت النبوة غير المعجزة، وحصروا الدلائل في المعجزة وحدها، وهذا فعل كثير منهم فلما فعل أهل الكلام ذلك، جَاءَ الفلاسفة وأبطلوا -أيضاً- تأثير المعجزة فكان ذلك مما هيئ لأن يطعن الطاعنون في دين الإسلام.\rإلا أن الإِنسَان الذي ينتهج في عقيدته منهج أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ فيقرأ كتاب الله ﵎ ويأخذ ويستقي منه كل ما يعتقد يجد إثبات نبوته ﷺ أجلى من الشمس في رابعة النهار، ولسنا في حاجة إِلَى أن نتعلم من الطرق العقلية ما نرد به عَلَى منكري نبوته ﷺ، والمصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- هنا قد جَاءَ بأدلة كثيرة هي جزء قليل من الأدلة العامة التي -هي أدلة متواترة مستفيضة- تدل عَلَى إثبات النبوة في الجملة، وإثبات نبوته ﷺ خاصة فلهذا نذكر كلامه -إن شاء الله- وبعد ذلك نتحدث عن أهمية دراسة سيرة النبي ﷺ.\r\rقال الطّّحاويّ ﵀:\r[وإن محمداً عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، ورسوله المرتضى] .\rقَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690442,"book_id":1659,"shamela_page_id":1568,"part":null,"page_num":1568,"sequence_num":1568,"body":"[الاصطفاء والاجتباء والارتضاء: متقارب المعنى. واعلم أن كمال المخلوق في تحقيق عبوديته لله تعالى، وكلما ازداد العبد تحقيقاً للعبودية ازداد كماله وعلت درجته ومن توهم أن المخلوق يخرج عن العبودية بوجه من الوجوه، وأن الخروج عنها أكمل، فهو من أجهل الخلق وأضلهم، قال تعالى: وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ [الأنبياء:٢٦] إِلَى غير ذلك من الآيات.\rوذكر الله نبيه ﷺ باسم العبد في أشرف المقامات، فَقَالَ في ذكر الإسراء: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ [الإسراء:١] وقال تعالى: وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ [الجن:١٩] وقال تعالى: فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى [النجم:١٠] وقال تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا [البقرة:٢٣] وبذلك استحق التقديم عَلَى النَّاس في الدنيا والآخرة. ولذلك يقول المسيحُ ﵇ يَوْمَ القِيَامَةِ، إذا طلبوا منه الشَّفَاعَةَ بعد الأَنْبِيَاءِ ﵈: \"اذهبوا إِلَى محمد، عبد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر\" فحصلت له تلك المرتبة بتكميل عبوديته لله تعالى. وقوله: \"وإن محمداً\" بكسر الهمزة عطفاً عَلَى قوله: \"إن الله واحد لا شريك له\" لأن الكل معمول القول، أعني: قوله: \"نقول في توحيد الله\"] اهـ.\rالحديث عن إثبات نبوة مُحَمَّد ﷺ وعن تقرير مبحث النبوة عامة، يقتضي منا أن نتحدث عن أهمية دراسة سيرة النبي ﷺ وأخلاقه؛ لأنه هو القدوة والأسوة قال تعالى: (َقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرا) [الأحزاب:٢١] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690443,"book_id":1659,"shamela_page_id":1569,"part":null,"page_num":1569,"sequence_num":1569,"body":"فكل مؤمن بالله منتسب إِلَى هذا النبي العظيم ﷺ، فلابد -وهو حري ومشتاق بلا شك- أن يقرأ سيرته ويطالع شمائله ويستنير بهداه ﷺ، إذ كل أمة من الأمم وكل مبدأ وكل مذهب لابد أن يكون له مثل أعلى، ونماذج حية يؤمن بها أصحاب هذا المبدأ ويتأسون ويقتدون بها، ويُشهرِونَ اسمها ويُخلدّوُنَ أعمالها، ويرفعون أمجادها، هذه سنة جعلها الله ﷾.\rفكل المتبوعين من البشر الحقيقيين أو المتبوعين من المتوهمين -كل هَؤُلاءِ- يرفعهم أتباعهم، ويعظمونهم، ويختلقون لهم من وسائل التمجيد والتكريم والتبجيل ما يرفعونهم به عن مستوى سائر البشر، لأن هذا التعلق طبيعي وفطري في النفس البشرية تجاه كل من تتبع وتدين بما يقول، ولكن نبينا مُحَمَّد ﷺ هو سيد ولد آدم أجمعين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690444,"book_id":1659,"shamela_page_id":1570,"part":null,"page_num":1570,"sequence_num":1570,"body":"وأفضل الأَنْبِيَاء والمرسلين وهو الذي زكاه وطهره وأثنى عليه ربه ﵎ وكل من رآه ﷺ من مؤمن أو كافر، شهد له بالغاية العظمى في الحلم، والكرم، وحسن الخلق، والصدق، والأمانة، والوفاء، هذه الشخصية - شخصية النبي ﷺ: لا تحتاج لمن يختلق الأمجاد لها، أو يفتري عليها، وإن كَانَ يظن أنه يكذب لها، لأنه ﷺ لما خصه الله تَعَالَى من الفضائل والخصائص؛ في غنى مطلق عمن يفتري ويختلق له ما ليس فيه. وما علينا إلا أن نقرأ الصحيح من سيرته ﷺ فنتأسى ونقتدي به، فإنه يوجد فيها من دلائل النبوة والآيات والبراهين البينات ما تنبهر له جميع النفوس؛ ولهذا فإن كثيراً من النَّاس أسلموا لمَّا رأوا سيرته ﷺ إما عياناً وإما قراءةً فبمجرد أن قرؤوها علموا أن هذا الإِنسَان ليس بكاذبٍ أو مفترٍ، وأنه لا يأتِ بشيءٍ من عنده، ولا يريد شيئاً لنفسه، وإنما هو من عند ربه ﵎ وأن دعوة النبوة حق ويقين وبرهان وليست مجرد دعوى.\rكل مسلم بحاجة إلى معرفة سيرة وأخلاق النبي ﷺ؛ ليقتدي به\rفالحكّام والأمراء يحتاجون سيرته ﷺ؛ ليتعلموا منه العدل والأمانة، ويتعلموا منه كل صفات الحاكم الناجح، والأمير الناجح. وكذلك العلماء يحتاجون سيرته ﷺ ليتعلموا منها دقائق العلم والفقه والأحكام التي لا توجد إلا في سيرته ﷺ؛ لأنها كلها حجة ونحن مأمورون أن نتبعها، وأن نتعبد بما صح منها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690445,"book_id":1659,"shamela_page_id":1571,"part":null,"page_num":1571,"sequence_num":1571,"body":"وكذلك طلاب المعرفة والأخلاق العالية والسامية، يقرؤون سيرة النبي ﷺ فيجدونه المثل الأعلى في الحلم، والعطف، والحنان عَلَى الفقراء والمساكين، والعفو والكرم، والشجاعة والمروءة.\rوالزوج الذي يريد أن يكون زوجاً حقيقياً، وأباً مثالياً في بيته، فليقرأ سيرة وشمائل النبي ﷺ، ليجد مثال الإِنسَانية العالية، والزوج الكامل الصفات في معاشرته لأهله ومعاملته لجيرانه ومن حوله، تجد تلك الصفات التي من تحلى بها بلغ الكمال ولم يحز أحدٌ منها مثلما حاز هو، فكل إنسان يحتاج إِلَى أن يقرأ سيرة النبي ﷺ الصحيحة، لا قراءة المطلع عَلَى أحداث التاريخ، وإنما قراءة المتعظ المعتبر المتأسي الممتثل لما يجده في هذه السيرة العطرة الزكية النيرة.\rولهذا من حكمة الله ﵎ ورحمته أن حفظ لنا سيرته كاملةً حتى نعرف كيف كَانَ ﷺ يقسم بين زوجاته وكيف كَانَ يأتيهن، وعندما تكون المرأة من أمهات المؤمنين حائضاً نعرف كيف كَانَ ﷺ يباشرها وهي حائض، وكيفية اغتساله ﷺ من الجنابة، وهل كَانَ يغتسل في إناء وحده أو مع إحدى زوجاته؟ فنعرف -ولله الحمد- حتى الأمور الدقيقة في حياته ﷺ التي هي عند أكثر النَّاس مجهولة أو معمية أو مخفية.\r\rوضوح سيرته ﷺ ليسهل التأسي والاقتداء بها:\rوقد جعل الله سيرة هذا النبي الكريم ﷺ واضحةً نيرة ليس فيها شيء مما يخشى أن لو انكشف لكان طعناً فيه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690446,"book_id":1659,"shamela_page_id":1572,"part":null,"page_num":1572,"sequence_num":1572,"body":"أما غيره من البشر من الزعماء المتبوعين فإنك تجد أن جوانب كثيرة من حياتهم مخفيه مجهولة؛ لأنها لو انكشفت أو عرضت لاطلع عليها النَّاس ورأوا فيها من المعايب والمعاور ما قد يصرفهم عنه، ولذلك تجد أن سيرة كثير من هَؤُلاءِ الأدعياء الذين يدعون الكمال أو يتوهمه فيهم أتباعهم، متناقضة إذ أنها تُعدَّل دائماً ويُحذَف منها: فهذا شيء اكتشف مثلاً أنه باطل، وهذا اكتشف أنه يؤدي إِلَى عكس المعنى الذي أرادوه لما وضعوه، وهذا الشيء إن اطلع عليه كَانَ نقصاً في حقه، وهكذا إلا محمداً ﷺ؛ فكل ما صح من سيرته ﷺ، فإنه الغاية في الحق والكمال، وهو قدوة ومعيار؛ لأن نقيس به ما عداه، فما كَانَ عَلَى مثل ما هو عليه فهو الحق، وما كَانَ مخالفاً له فهو الباطل المرذول، والمخالف والمجانب للصواب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690447,"book_id":1659,"shamela_page_id":1573,"part":null,"page_num":1573,"sequence_num":1573,"body":"فلذلك نجد أن الإِنسَان إذا أراد التأسي فإنه يمكنه أن يتأسى بسيرته ﷺ الواضحة، في مسجده وبيته، وقيادته للجيوش، أو في سياسته ﷺ للأمة عامة، سواءً في معاملته مع أصحابه، أو في معاملته مع أعدائه، فكلها أمور واضحة حتى أدق الأمور في السياسة، وكذلك معاملة الإِنسَان للكفار من خلال معاهدات واضحة، واتفاقيات أو عقود ذمةٍ واضحةٍ جليةٍ، مالها وما عليها، حتى مع اليهود، كل ذلك في منتهى الوضوح؛ لكي يتأسى به النَّاس ولكي يعلموا أن هذا نبي من خلال سيرته ﷺ، فليقرأها العالم ونتحداهم جميعاً أن يجدوا فيها مطعناً، وأي مطعن يمكن أن يجده الطاعنون في هذه السيرة الزكية العطرة، وهذا فضل من الله ﵎، ودلالة عَلَى أنه صادق وأن هذا القُرْآن من عند الله، وأنه ﷺ كما أخبر عنه ربه، ما كَانَ يرجو أن يلقى إليه القرآن، ولكن رحمة الله ﵎ للعالمين هي التي اقتضت أن ينزل هذا الكتاب وأن يبعث هذا الرَّسُول.\r\rواقع العرب بين ظلام الجاهلية ونور الإسلام:\rإذا أردنا أن نعرف شيئاً من عظمة النبي ﷺ وأثره في واقع هذه الدنيا وفي حياة الإِنسَانية؛ فلننظر إِلَى واقع الأمم التي بُعث فيها النبي ﷺ، وكيف كَانَ العالم قبيل مبعثه ﷺ، إن أي مؤرخ مُنصف يقرأ ويتتبع حال العالم قبل بعثته ﷺ، ثُمَّ حال العالم بعد أن عمَّ عليه نور الإسلام، فسيجد أن هذا نبي حقاً من عند الله، وليس بمفتر؛ بل سيجد أنه ﷺ أعظم الخلق منّهً عَلَى البشر، وعلى الإِنسَانية جمعاء، وعلى سائر الحضارات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690448,"book_id":1659,"shamela_page_id":1574,"part":null,"page_num":1574,"sequence_num":1574,"body":"فإن الأمة التي بعث منها النبي ﷺ هي أمة العرب وما أدراك ما أمة العرب في الجاهلية؟! لما ذهب وفد الْمُسْلِمِينَ إِلَى رستم تقدموا هنالك، وأخذوا يتوغلون في بلاد فارس وأرسل إليهمسعد بن أبي وقاص ﵁ الرسل، وكان منهم ربعي بن عامر والمغيرة بن شعبة، وكلهم كَانَ يواجههم رستم ويقول: أنتم العرب، كنتم تأكلون الميتة، والجعلان، وكان بعضكم يعتدي عَلَى بعض، ويذمهم بأنواع من الذم. ثُمَّ يقول لهم: فما الذي جَاءَ بكم؟\rفكان يجيبه المغيرة وربعي بن عامر، ويقولان: أيها الأمير! كَانَ ما تقول وأعظم، أنت لا تدري بالعرب، فالفرس والروم وكل من أراد أن يطعن في العرب لا يدري عن المعايب الأخرى، والعرب هم أعلم النَّاس بما كانوا فيه من الضلال، والأخطاء، والظلم، والفحشاء، كما جَاءَ في الحديث الصحيح أن الزواني كن ينصبن الرايات في الأسواق، فيأتي عليهن الرجال الواحد بعد الآخر، فإذا ولدت ألحقته بمن شاءت، هذه إحدى صور النكاح في الجاهلية التي جاءت في الحديث عن عَائِِِشَةَ ﵂، فكان الإِنسَان يستلحق من ليس بابنه ويدعيه ويأخذه.\rوكانت قطيعه الأرحام إِلَى حد كما قال شاعرهم:\rوأحياناً عَلَى بكر أخينا إذا ما لم نجد إلا أخانا\rيقول: نَحْنُ نغير عَلَى القبائل كلها، فنأخذ وننهب، وإذا لم نجد إلا أخانا أغرنا عَلَى أخينا وأخذنا ما عنده، ليس هنالك معيار ولا ضابط خلقي أبداً.\rوكانت من عادتهم إهانة المرأة واحتقارها؛ حتى أنها توأد وهي حية في التراب، وهذا إهدار لإنسانيتها ولكرامتها، وكان العرب يعبدون الأصنام، وكان أحدهم يجمع العجوة من التمر، فيعبده فإذا جاع أكله، وكان العرب عندما يتحاكمون يضربون بالأزلام، فإذا انقلبت عَلَى هذه الجهة حكم لفلان، وإذا انقلبت عَلَى الجهة الأخرى حكم لفلان.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690449,"book_id":1659,"shamela_page_id":1575,"part":null,"page_num":1575,"sequence_num":1575,"body":"وكانوا يذهبون إِلَى الكهان ويتحاكمون إليهم في أي أمر من الأمور، والكهان يحكمون بينهم، وكان السادة والكبراء يحكمون ويتسلطون، وأما الذين هم من بيوت وأسر دون ذلك من الطبقات فلا قيمة لهم ولا وزن، مهما كَانَ فيهم من الخير أو النبوغ وقد جَاءَ بعضها في الكتابِ والسنة وفي ديوان العرب -الذي هو شعر العرب -وجاء في حياتهم وسيرتهم الجاهلية ما يعطي الدلالة الواضحة عَلَى أن هذه الأمة لولا هذا الدين لما كانت شيئاً مذكوراً، بل لم تكن تسمى أمة، الميزة الوحيدة للعرب أنها كانت بعيدة عن الفلسفات والحضارات، هذه نقطة مهمة جداً فالإسفاف الذي كانت تعيشه كان إسفافاً مع وجود الفطرة التي تشعر أن هذا إسفاف، ولهذا لما كان أحدهم يعبد الصنم جاء إليه فوجد أن الثعلب قد رقى فوقه وبال عليه قال:\rأرب يبول الثعلبان برأسه لقد ضل من بالت عليه الثعالب\rجاء ﷺ رحمة بالمؤمن والكافر:\rأحصى المؤرخون أن الذين قتلوا في غزوات ومعارك النبي ﷺ من الْمُسْلِمِينَ ومن الكفار والْمُشْرِكِينَ: ألف وثمانية عشر رجلاً فقط، وهذا العدد من غير بني قريظة؛ لأن بني قريظة في العرف القانوني الحاضر يعتبرون مواطنين في الدولة.\rإنما كمعارك في بدربدر وأحد وفي يوم الأحزاب كل من قتل من الْمُسْلِمِينَ، ومن الْمُشْرِكِينَ، في عهد النبي ﷺ ألفاً وثمانية عشر رجلاً فقط، وقتل هَؤُلاءِ لم يكن صداً عن الدين؛ بل ثمرته أن يعم وينشر هذا النور في العالمين بقتلى هم ألف وثمانية عشر رجلاً فقط، لكن انظروا إِلَى حروب العالم الذين لم يكونوا رحمة للعالمين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690450,"book_id":1659,"shamela_page_id":1576,"part":null,"page_num":1576,"sequence_num":1576,"body":"الحرب العالمية الأولى قتلت ما بين أربعة ملايين إِلَى ستة ملايين قتيل وما يزيد عن عشرة إِلَى خمسة عشر مليون جريح، أما الحرب العالمية الثانية فإن التقديرات تدل عَلَى أن ما بين أربعين إِلَى ستين مليون قتيل وجريح، وماذا حققت من الخير والعدل بعد قتل هذه الملايين؟\rتأملوا لنعرف ما معنى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:١٠٧] ، ولنعرف مَنْ هذا الرجل الذي يجب عَلَى كل إنسان عَلَى ظهر الأرض أن يطيعه وأن يتبعه كما قال ﷺ: (والذي نفسي بيده لا يَسْمَعُ بي يَهُّودِيٌّ ولا نَصرَانيٌّ ثُمَّ لا يُؤمِنُ بي إلا دَخَلَ النَّار) .\rهذا الإِنسَان الذي بعثه الله ﷿ بالهدى، ودين الحق فنشر الرحمة ونشر العدالة بين الأمم.\r\rمن أثر ﵀ للعالمين بهذا الرسول ﷺ.\rإخراج جيل فريد هم النماذج العليا في كافة المجالات، والنماذج العليا من البشر: هم من اقتدوا بسيرته ﷺ واهتدوا بهداه ﷺ، ولهذا أفضل من عَلَى وجه المعمورة من الحكام؛ هم الخلفاء الراشدون، لأنهم أتباع مُحَمَّد ﷺ، وأفضل من شهدته المعمورة من العلماء؛ هم أتباع النبي ﷺ، ولنضرب مثلاً يوضح فضل علماء الإسلام علىغيرهم من علماء اليهود والنَّصَارَى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690451,"book_id":1659,"shamela_page_id":1577,"part":null,"page_num":1577,"sequence_num":1577,"body":"انظروا مثلاً قصة سلمان الفارسي ﵁ لما ذهب إِلَى الراهب في دمشق من علماء أهل الكتاب، وقد كَانَ خدمه سلمان أربعين سنة، وهو يتعبد فكان يجمع الزكوات والعطايا، عَلَى أن يعطيها الفقراء، وهو في الحقيقة يجعلها في قلال من الفخار ويكنزها، فلما مات وجاء النَّاس إِلَى سلمان قالوا: أنت الفارسي الذي جئت من بلاد الفرس تتعبد عند الحبر الأكبر؟ قالوا: نريد أن نعمل جنازة كبرى تليق بهذا الحبر العظيم، قال سلمان: قفوا!\rوقَالَ: هذه هي القلال من الذهب والفضة التي كنتم تعطونه إياها ليتصدق بها عَلَى النَّاس فلما رأوها تركوا جنازته ولم يعملوا له شيئاً.\r\rفهَؤُلاءِ هم علماء النَّصَارَىوما أدراك ما يفعل أحبار اليهود، ولكن أفضل العلماء همالعلماء الذين أنجبتهم هذه الأمة؛ لأن الذي رباهم هو مُحَمَّد ﷺ، اقرأوا سيرة عبد الله بن مسعود، ومعاذ بن جبل، وعبد الله بن عباس أحبار هذه الأمة -إن صح التعبير- وانظروا كيف كانت حياتهم كيف كانت سمعتهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690452,"book_id":1659,"shamela_page_id":1578,"part":null,"page_num":1578,"sequence_num":1578,"body":"وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؛ يظل علماء الإسلام هم النموذج العالي بين علماء أصحاب الديانات جميعاً، وأفضل قادة في التاريخ هم القادة الذين رباهم مُحَمَّد ﷺ وتخرجوا من مدرسته ﷺ، ولذلك لم يعرف قادة مُحَمَّد ﷺ بأنهم يمثلون بالناس، ولم يعرفوا أن يسبوا النساء ويستحلوهن لأنفسهم، ولم يعرفوا الغلول يضعونه وراء ظهورهم من الغنائم، لم يعرفوا شيئاً من هذا؛ بل كَانَ الرجل منهم يحارب لوجه الله وحده يريد الله والدار الآخرة والجنة فقط، إن كَانَ في الساقة كَانَ في الساقة، وإن كَانَ في الحراسة كَانَ في الحراسة، حتى سيف الله المسلول خالد بن الوليد يأتي الأمر بعزله فيمتثل الأمر ليحارب جندياً؛ لأنه كما قَالَ: إني لا أقاتل من أجلعُمَر إنما أحارب في سبيل الله، ولم ينتصر جيش الْمُسْلِمِينَ لأن قائده خالد أو أبو عبيدة، بل لأن قائده هو الإيمان بالله، ولأنهم يتبعون مُحَمَّد بن عبد الله ﷺ، وأعظم الزوجات هن زوجات النبي ﷺ، لا يمكن أن تقارن أي زوجة لأي شخص من النَّاس من عالم، أو عظيم، أو كبير، أو صغير بزوجات النبي ﷺ في الطهارة والعفة والعلم والأمانة، وهذا أيضاً من الدلالة عَلَى صدق نبوته ﷺ.\r\rالذين ينتقصون من قدره ﷺ:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690453,"book_id":1659,"shamela_page_id":1579,"part":null,"page_num":1579,"sequence_num":1579,"body":"ولا بد أن نُعِّرج عَلَى الذين يغضون من قدر نبوته ﷺ؛ بل يطعنون في نبوته ﷺ، شعروا بذلك أو لم يشعروا، وإن كَانَ زعماؤهم ومؤسسوهم يشعرون بلا شك: وهم الذين يتنقصون ويحطون من قدر أصحاب وزوجات النبي ﷺ، ويحطون من قدر علماء الإسلام الذين تعلموا العلم عن مُحَمَّد ﷺ، ورجال الإسلام وقادته الذين تلقوا عن مُحَمَّد ﷺ، فالذين يحطون من قدر هَؤُلاءِ: يطعنون في نبوته ﷺ.\rولبيان ذلك أضرب لكم مثلاً بسيطاً: لو أن أحدنا يعرف في البلدة مائة وعشرين رجلاً، فجاء رجل وقَالَ: إن المائة والعشرين هَؤُلاءِ أنا أعرفهم ليس فيهم إلا أربعة أشخاص طيبين والبقية مجرمون، كاذبون غشاشون، فاجرون، ظالمون، أيكون هذا الإِنسَان ثقة؟ أيكون أميناً أو طاهراً، ثُمَّ هَؤُلاءِ الأربعة ليسوا من المقربين عنده، لكن المقربين الممكَّنين منه الذين صُحْبَتُهمْ معه ليلاً ونهاراً هم أكبر المجرمين، والغشاشين والفجرة فكيف سيكون هو إلا مجرماً وغشاشاً فاجراً كذاباً وهذا شيء معروف.\r\rوأيضاً أصحاب النبي ﷺ عددهم ١٢٠ ألفاً، وليس ١٢٠ شخصاً، وكم الذين آمنوا منهم ولم يرتدوا عَلَى حسب زعم الرافضة؟ أربعة فقط؟ من الـ١٢٠ ألف لا يوجد إلا أربعة لم يرتدوا، والبقية مرتدون وخائنون وماكرون ومتآمرون، وعلى من تآمروا؟ عَلَى ابنته، وزوج بنته صلّى الله عليه وعلى أهل بيته وسلم!\r\rفهذا غاية الفجور والخيانة، إذاً فالرَّسُول ﷺ لم يعمل شيئاً، ولم يغير من حياة هَؤُلاءِ البشر، ولم يحدث شيئاً من التربية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690454,"book_id":1659,"shamela_page_id":1580,"part":null,"page_num":1580,"sequence_num":1580,"body":"وإذا كَانَ أكبر هَؤُلاءِ الظلمة الغشاشين من الـ١٢٠ ألف هم: اللذان كانا معه ليلاً ونهاراً لا يفارقانه أبُو بَكْرٍ وعُمَر، فإذا كَانَ هذان أكبر السفاحين، والظلمة، في نظر هَؤُلاءِ النَّاس المجرمين، فماذا يكون هذا النبي؟ إذاً فالجاهلية كانت أحسن من هذا النبي -والعياذ بالله- هذا هو حقيقة ما تقوله الرافضة، وكل إنسان يفكر في هذا منهم أو من غيرهم يجد هذه الحقيقة، إذا كَانَ بهذا الشكل فالجاهلية أحسن، قريش كانت تعادي الإسلام عداوةً واضحة، أما اثنان يعيشان معه ويظهران أنهما متدينان بدينه ومتمسكان به ووزراء وأتباع له، وبقيه الـ١٢٠ ألف كلهم أتباع له، ويحاربون معه، ويمشون معه، ويعملون كل شيء معه، فلما مات انقضوا عَلَى دينه يحرفون الكتاب الذي جَاءَ به، ويقومون عَلَى أهل بيته، ويأخذون حقوقهم ويهدروها، وينقضون العهد الذي أخذه عليهم في غدير خُمّ، أن الخليفة من بعده هو ابن عمه وزوج بنته فلان!\rهذا النبي لا يسمى نبياً وعبقرياً حتى عصابات المافيا لا تعمل هذا العمل والعياذ بالله، ثُمَّ لو كَانَ عدد المافيا ١٢٠ ألف مجرم، والذين عندهم إنسانية أربعة أشخاص، أي: نسبة واحد إِلَى ثلاثين ألف، ألا يوجد أحد عنده إنسانية يخاف الله يقول: هذا الرسول، كيف تضربون ابنته وتأخذون الخلافة من ابن عمه وقد عاهدكم وعاهدتموه؟! وهَؤُلاءِ الصحابة الأربعة لا يوجد فيهم أحد يتحرك قلبه فَيَقُولُ: يا أبا بكر يا عُمَر اتقوا الله!\rثُمَّ أنت يا صاحب الشأن أين الشجاعة التي ربَّاك عليها مُحَمَّد ﷺ؟ إذا كَانَ رباك عَلَى الشجاعة، أما تقول: يا أبا بكر هذا حقي لِمَ أخذته؟ ثُمَّ زوجت عمر بن الخطاب من ابنتك، وهو الذي ظلمك وفعل وفعل، وزوجته ابنتك بنت فاطمة بنت مُحَمَّد ﷺ وهو فاعل هذه الأفاعيل، وتسكت ولا تطالب بحقك قبل أن يموتوا؟!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690455,"book_id":1659,"shamela_page_id":1581,"part":null,"page_num":1581,"sequence_num":1581,"body":"فأي إنسان عنده عقل يجد أن هَؤُلاءِ الرافضة على أفجر دين وأخبثه، وأن هَؤُلاءِ غاية كلامهم وغاية دينهم ليس مجرد أن الحق مع فلان أو فلان أو الإيثار والانتقام لزيد، لا. إنما أساس دينهم الحط من هذا الدين بهدم نبوة مُحَمَّد ﷺ ليقول الناس: إن هذا ما ربى إلا هَؤُلاءِ الكذابين الخونة فيقيسوه عليهم -والعياذ بالله- هذا هو مقتضى كلامهم عند أي عاقل من العقلاء فلو أن رجلاً أراد أن يؤمن أو يدعو إِلَى دين مُحَمَّد ﷺ فأخذ يقرأ حياته فلم يقع في يده إلا كتاب من كتب أصحاب هذه الملة فبالله عليكم أي فكرة يأخذها عن رَسُول الله ﷺ بغض النظر عن الصحابة؟! هل تكون فكرة الإِنسَان النموذج العالي الكامل الذي ربى أصحابه عَلَى أن يعملوا لله، ويتجردوا من الدنيا وملذاتها وشهواتها؟! لا يكون هذا.\r\rأبُو بَكْرٍ ﵁ وعُمَر وعثمان والصحابة كلهم كيف كانت نظرتهم للدنيا؟ وكيف كانت نظرتهم للموت؟ انظر إِلَى التابعين، وأتباع التابعين، بل انظر إِلَى البقايا. الآن نَحْنُ في القرن الخامس عشر انظروا إِلَى علماء الإسلام الذين يتأسون بأصحاب النبي ﷺ، كيف يعيشون؟ هل يتهافتون عَلَى الدنيا ويتكالبون عَلَى الحطام؟ أو يغشون ويتكسبون بهذا الدين؟ هل يريدون لأبنائهم من بعدهم أن يكونوا فوق العالمين؟\rأي عالم من علماء الإسلام يتأسى بأصحاب النبي ﷺ؛ إذا رأيناه نرى فيه الأسوة والقدوة والورع والخلق، فبالله عليكم كيف بمن قبل خمسة عشر قرناً؟!\r\rإذا كَانَ هَؤُلاءِ تربوا عَلَى الكتب، فكيف بالذين تربوا تربية مباشرة عَلَى يد مُحَمَّد بن عبد الله ﷺ، كيف يظن فيهم هذه الظنون الكاذبة؟!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690456,"book_id":1659,"shamela_page_id":1582,"part":null,"page_num":1582,"sequence_num":1582,"body":"قَالَ المُصنِّفُ ﵀ هنا في وصف العبودية: [واعلم أن كمال المخلوق في تحقيق عبوديته لله] تعليقاً عَلَى قول الطّّحاويّ: [وإن محمداً عبده المصطفى ونبيه المجتبى] .\rوالمصنف ﵀ اتبع في هذا قول النبي ﷺ: (لا تطروني كما اطرت النَّصارَى ابن مريم، إنما أنا عبدٌ، فقولوا عبد الله ورسوله) وقد سبق بيان أعظم المقامات، وهو مقام العبودية.\rانظروا إِلَى عيسى ﵇ لما أراد الله أن يفضح النَّصارَى وأن يخزيهم في قولهم: إنه ابن الله، وذلك عندما جاءت به مريم ﵍ فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً [مريم:٢٧] أي: ما هذا؟ بنت بكر عذراء تحمل طفلاً، من أين أتت به؟ من أين ولدته؟ واجتمعوا حوله ولم تتكلم بل أشارت إليه فقط، كل واحد يقول: تعالوا انظروا هذا الغلام كيف جاء؟! الأذهان مندهشة ومستفزعة ومستفظعة الأمر، وفي هذه الحالة وهذا الموقف الرهيب يتكلم وهو مولود والكلمة التي سيقولها ستنحفر في الأعماق؛ لأنها في موقف رهيب، والأمر عجيب فليس الإِنسَان كبيراً ماذا قال؟ قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً [مريم:٣٠] حتى تقوم عليهم الحجة، وينقلوها جيلاً بعد جيل أنه قَالَ: إني عبد الله، فقالت النَّصارَى ابن الله، مادام أنه من أم بلا أب، فهو ابن الله -والعياذ بالله تَعَالَى الله عما يقولون علواً كبيراً- فالعبودية: هي أول المقامات وأعلاها وأشرفها، ولهذا قال ﷺ: (لا تطروني كما اطرت النَّصارَى ابن مريم، إنما أنا عبدٌ، فقولوا: عبد الله ورسوله)","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690457,"book_id":1659,"shamela_page_id":1583,"part":null,"page_num":1583,"sequence_num":1583,"body":"والخضر ﵇ مثلاً تمجده الصوفية وتفتري وتختلق الأكاذيب له، وتدعي أنه القطب الأعظم الذي يدير الكون والذي يفعل، ويفعل كل الأكاذيب التي يجل عنها الحقُ والعدلُ، ماذا قال الله ﷿ فيه؟ قَالَ: فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً [الكهف:٦٥] الميزة أن الله تَعَالَى آتاه رحمة، وهي النبوة وآتاه العلم الذي أوحاه إليه مما ليس عند موسى، فكان عنده علم ليس عند موسى، وكان عند موسى ﵇ علم ليس عند الخضر، ولا شك أن موسى أرفع عند الله من الخضر، ولهذا قال المصنف: [ومن توهم أن المخلوق يخرج عن العبودية بوجه من الوجوه، وأن الخروج عنها أكمل، فهو من أجهل الخلق وأضلهم] وهو كافر بالله العظيم مثل من يقول: إنه يسع أحداً من النَّاس أن يخرج عن دين الإسلام أو عن شريعة مُحَمَّد ﷺ، كما خرج الخضر عن شريعة موسى ﵇؛ لأن الولي يتلقى مباشرة من الله!\r\rهذا الكلام من أبطل الباطل؛ لأن الخضر ﵇ نبي، وموسى نبي، ولم يكن موسى مبعوثاً للعالمين، وإنما كَانَ مبعوثاً إِلَى قومه خاصة قال ﷺ: فكان النبي يبعث إِلَى قومه خاصة وبعثت إِلَى النَّاس عامة) في حديث الخمس اللواتي أعطيهن ولم يعطهن أحد قبله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690458,"book_id":1659,"shamela_page_id":1584,"part":null,"page_num":1584,"sequence_num":1584,"body":"فهذا النبي ﷺ في مواضع التكريم نجد وصفه بالعبودية، مثل قوله تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً [الإسراء:١] هذا النبي ﷺ وصل في ليلة الإسراء والمعراج إِلَى درجات عليا لم يصلها أي مخلوق قبله عَلَى الإطلاق، درجةً عليا عظيمة جداً فقد يتوهم متوهم أنه لا يفعل هذا إلا الإله، فَقَالَ الله -جل شأنه-:سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ [الإسراء:١] فهو عبد لله تعالى؛ لأنه حقق العبودية الكاملة، فأعطاه الله هذه الدرجات العالية هذا أولاً.\r\rوثانياً: مهما ارتفعت منزلته أو قيمته، فإنه ما يزال عبداً لله ﷾.\rأعظم وصف هو وصف العبودية:\rفوصف العبودية هو أعظم وصف، ولذلك كلما كَانَ الإِنسَان عبداً حقيقياً لله، في بيته وعمله ومسجده ومحكمته، وفي أي مكان حل فيه؛ يعد محققاً لعبودية الله في هذا الموضع، وما فرضه الله في هذا الوقت فهو أقرب إِلَى الكمال، الذي هو كمال التقوى، ودرجة الكمال التي لا يبلغها إلا القلة من النَّاس أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، هذا بشأن تحقيق العبودية.\r\rوإذا عرفنا حقيقة العبادة، فلا نستغرب أن تكون الهمة العالية لدى كل عباد الله الصالحين تتجه إِلَى تحقيق هذه العبودية لله ﷾، فإنه إذا كانت العبادة هي كما قال شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ: \"اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة\".\r\rفالأعمال الباطنة مثل: أعمال القلب من اليقين والصبر والتوكل والرجاء والخوف والمحبة والإنابة والإخبات.\r\rوالأعمال الظاهرة: كالصلاة والزكاة والجهاد والحج، وأمثال ذلك. فإذا كانت العبادة تشمل هذا كله، فكل من حقق شيئاً من هذه الأعمال الباطنة، فهو أكثر عبودية لله ﷾ من غيره.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690459,"book_id":1659,"shamela_page_id":1585,"part":null,"page_num":1585,"sequence_num":1585,"body":"فهذا تحقيق العبودية لله ﷾، وبيان أن الإِنسَان كلما حققها أكثر كلما ترقى أكثر، والنتيجة النهائية أن أعظم وصف وصف به النبي ﷺ؛ أنه عبد لله، ونحن نقول:أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فالنبي ﷺ هو صاحب العبودية الكاملة -لله ﷿ التي لم تتحقق في أي مخلوق؛ ولهذا فإن كل الأَنْبِيَاء يَوْمَ القِيَامَةِ يتراجعون إِلَى أن يصل الأمر إليه ﷺ، فَيَقُولُ: أنا لها! أنا لها! لأن العبودية الكاملة محققة فيه ﷺ.\r\rضوابط حبه ومدحه عليه الصلاة السلام:\rقال ﷺ: (لا تطروني كما أطرت النَّصَارَى ابن مريم) والإطراء: هو المبالغة في الثناء، فبعض النَّاس يطري -وإن كَانَ هذا الثناء حق- وينسى الكلمة الفاضلة، فَيَقُولُ: إن سيدنا ومولانا وقائدنا وإمامنا مُحَمَّد ﷺ مثلاً، بينما لو قَالَ: مُحَمَّد عبده ورسوله لكان أفضل؛ لأن العبودية: هي الأفضل وهي التي جاءت في القُرْآن في مقام التكريم، وهي التي قالها النبي ﷺ.\rثُمَّ بعد ذلك قل ما شئت وكونه إمامنا وقائدنا ومولانا وسيدنا كل هذا حق، ولكن الأفضل أن تستخدم اللفظة الشرعية التي وردت هذا الأصل: لأن العبودية هي أعظم وَصفٍ وُصفَ بهِ النبي ﷺ فمن بالغ فيه وظن أنه يمدحه، فهذا مثل شاعر من الشعراء أعرابي بدوي يسمونه علي بن الجهم من الشعراء المشهورين في الدولة العباسية، كَانَ لا يعرف شيئاً؛ لكن شعره شعرٌ عربي فصيح؛ لكن عَلَى ما في البادية، وما يفهمه النَّاس فيها، وما يمدح به النَّاس بعضهم بعضا، فلما جَاءَ إِلَى الخليفة في بغداد وأراد أن يمدحه بقصيدة قال له:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690460,"book_id":1659,"shamela_page_id":1586,"part":null,"page_num":1586,"sequence_num":1586,"body":"أنت كالكلب في الحفاظ عَلَى العهد وكالتيس في قراع الخطوب\rفقالوا هذا الخليفة -أمير المؤمنين- تشبهه بالكلب والتيس! فَقَالَ لهم الخليفة: دعوه، فهذا الشاعر لا يريد إلا المدح، ولا يقصد إلا الثناء، ولم يقصد إلا الجائزة من الخليفة، لكنه بدوي مسكين يعرف التيس ويرعى الغنم، ويعرف أن الكلب هو الذي يحميها من الذئب والوفاء عند هذا البدوي متمثل في الكلب، والقوة عنده في التيس الذي يناطح الصخور والحجارة فهذا الذي يعرفه.\rلكن لما اختلط بالبيئة المتحضرة قَالَ:\rعيون المها بين الرصافة والجسر جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري\rلما عاش في بيئة فيها نعيم بدأ بالشعر الراقي أو الشعر الحضاري، عَلَى أية حال وإن كَانَ قد لا يكون راقياً في ميزان الشرع! وأكثر الْمُسْلِمِينَ اليوم في جهل بمقام النبي ﷺ، كمثل هذا البدوي في جهله بمقام الخليفة فلا يدري أكثر الجهال أن مقام النبي ﷺ الذي يمدح به أن تقول فيه: هو عبد الله ورسوله.\r\rما يعاب على بعض المادحين له ﵊:\rأما غيره من المدح كَانَ يمدحه بشيء فيه ما يدعو إِلَى السخرية، كقولهم: كَانَ الذباب لا يقع عليه، وكان القمل لا يؤذيه، فهذا ليس المدح الذي مدحه الله به وأثنى به عليه، ومع ذلك تؤلف في ذلك الكتب ويقولون: إن من يدعو إِلَى التمسك بسنته، فإنه يكرهه.\rويقولون: هَؤُلاءِ يكرهون الرَّسُول ﷺ؛ لأنهم ينكرون علينا هذا المدح، ويقولون: \"لا تطروا الرسول، لا تبالغوا في مدح الرسول\" وبهذا الكلام يرون أن هذا هو غاية المدح، مثل ذاك الشاعر البدوي كما تقدم. فيجب أن نعلم أن الأمر ليس متروكاً لآرائنا وأهوائنا نمدح بما نشاء ونذم بما نشاء، وإنما نمدحه ﷺ في حدود ما أمر الله، مع حبه ﷺ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690461,"book_id":1659,"shamela_page_id":1587,"part":null,"page_num":1587,"sequence_num":1587,"body":"وهذه لها موضوع -وسيأتي بإذن الله- أهمية محبته ﷺ، وأن محبته غير طاعته، نعم هي تستلزم وتقتضي طاعته لكن المحبة نفسها كعمل قلبي، هذا أمر واجب لا يجوز أن يخلوا منه قلب مسلم.\rولو أن أحداً كَانَ في قلبه أدنى بغض لرَسُول الله ﷺ أو لما جَاءَ به لم يكن مسلماً عَلَى الإطلاق في مذهب أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ، بل هو منافق، وإذا لم نحب رَسُول الله ﷺ فمن الذي نحب إذاً.\r\rوقد ضرب الإمام أَحْمَد ﵀ مثلاً أعلى في هذا، فقد أمر المعتصم -الخليفة العباسي- به أن يُمد عَلَى الأرض ويضرب، فيضرب حتى تنفتق خاصرته، وتخرج أمعاؤه ﵁ ليقول البدعة والكفر، وهو يأبى إلا أن يقول الحق ويصبر عليه وذلك يضربه، ويعذبه، حتى أغمي عليه.\r\rومن المعلوم أن كل أئمة الإسلام وعلمائه لكثرة علاقتهم بالله ﷿ وثقتهم به وعبادتهم وتقواهم، لو رفعوا أيديهم عَلَى مخلوق لاستجاب الله ﷿ لهم؛ لأنهم يتحقق فيهم حديث الولي: (ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه) وقد كَانَ الإمام أَحْمَد -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- من الطبقة العليا من رجال الإسلام في الولاية لله ﷿، وفي طاعته لربه وقد روي ونقل عنه، أنه كَانَ مجاب الدعوة ﵁ فلما قيل له: أدعُ اللهَ عَلَى المعتصم.\r\rقَالَ: بل أغفر له لقرابته من رَسُول الله ﷺ، والمعتصم ابنٌ من أبناء العباس والعباس عم مُحَمَّد ﷺ فلذلك غفر له.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690462,"book_id":1659,"shamela_page_id":1588,"part":null,"page_num":1588,"sequence_num":1588,"body":"فأهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ لا ينكرون قرابة الرَّسُول مُحَمَّد ﷺ ولاينكرون محبته ﷺ؛ لكن الذي ننكره هو الغلو في أي بشر كائناً من كَانَ ورفعه عن مستواه، وننكر أن ينزل النبي ﷺ عن منزلته أيضاً فإن الله تَعَالَى بعثه بالهدى، والنور وبدين الحق، رحمةً للعالمين أجمعين.\r\rفمن أراد أن يجعل من هذا الرَّسُول مجرد ذكرى موسمية تؤكل عليها الموائد، أو يحتفل بها، أو وسيلة للربح الشخصي، أو لأي غرض من أغراض الدنيا، فإن هذا يحقر ويهون من شأن النبي ﷺ، وما هكذا عُني أصحاب مُحَمَّد ﷺ بنبيهم، الذين كانوا يعرفون قدره، ويعزرونه، ويوقرونه، ويعظمونه، كما شرع الله ﵎ وما علينا إلا أن نتأسى بهم وأن نقتدي بهم.\rيقول أهل الكلام: إنه لا دليل عَلَى صحة النبوة إلا المعجزة.\rوالمعجزة عند أهل الكلام هي: الأمر الخارق للعادة الذي يجريه الله ﵎ عَلَى يد مدعي النبوة إثباتاً لصدقه لا غير.\rوماذكره أهل الكلام فهو من تضييق الواسع، وهذا الدليل ليس هو كل الأدلة، بل هو جزء من كل، وقطرة من بحر، وفي دلائل النبوة ما يدل ويقطع لكل ذي لب أنه رَسُول الله، وإن لم يبلغه من ذلك إلا البعض.\rدلائل نبوته ﷺ لم تمت بموته","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690463,"book_id":1659,"shamela_page_id":1589,"part":null,"page_num":1589,"sequence_num":1589,"body":"فدلائل نبوته ﷺ ظاهرة، وأعلامها منشورة إِلَى قيام الساعة، لم تمت بموته ﷺ ولا بموت أصحابه، وإنما هي باقية مخلدة، وكل إنسان مؤاخذ ومخاطب بما جَاءَ من عند الله ﵎، وما من أحد يسمع به ﷺ في هذه الأرض ثُمَّ لم يؤمن به إلا كَانَ من أهل النار، وذلك لظهور الحجة واستبانة المحجة، وهذا من فضل الله ﵎، ورحمته بالعالمين.\r\rدلائل نبوته ﷺ يعرفها العالم والجاهل\rإن الله ﷾ لما أرسل هذا الرَّسُول للناس كافة جعل آياته عامة لهم إِلَى قيام الساعة، وعامة للعالم منهم والجاهل، فالجاهل الأمي البدوي أو الفلاح القروي يجد في دلائل نبوته ﷺ الشيء الكثير ويفهمها ويستوعبها ويُقرُّ بِها.\r\rدلائل نبوته ﷺ أبهرت علماء الدنيا\rوالعالم المتبحر - في أي علم - يجد فيها ما يبهره؛ فالمؤرخ يجد فيما جَاءَ به النبي ﷺ من أخبار التاريخ ما يذهل العقول ويحير الألباب، دون أن يكون هناك أي مصدر آخر لهذا الرَّسُول ﷺ: وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ [العنكبوت:٤٨] ، ومع ذلك يأتي بالآيات والأخبار عن الأمم الماضية التي لم يعرف المؤرخون كثيراً منها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690464,"book_id":1659,"shamela_page_id":1590,"part":null,"page_num":1590,"sequence_num":1590,"body":"وعالم الفلك يقرأ فيما جَاءَ به النبي ﷺ من العجائب ما لم يكن الفلك ولا علماؤه يعرفونه في ذلك الزمن، وربما فيما يستقبل من الزمان. وعالم الطب يجد فيما جَاءَ به النبي ﷺ من شفاء الأبدان، ومعالجة الأمراض ما تعجز عنه عقول البشر الذين تخصصوا في الطب وأفنوا أعمارهم فيه، وهكذا كل علم من العلوم حتى في علوم الرياضيات فإن ما جَاءَ به النبي ﷺ في هذا المجال في ذلك العصر، يُعجب منه، وأعظم من ذلك ما جَاءَ به النبي ﷺ من طرق ووسائل لإصلاح النفوس وتربيتها وتهذيبها.\r\rنجاح تربية النبي ﷺ للأمة وفشل علماء الأخلاق في تربية الفرد\rفإن علماء الأخلاق والحكماء والآباء والمربين يعجزون أن يربوا فرداً واحداً تربية متكاملة، وأما هذا النبي ﷺ فقد ربى أمة عظيمة، كانت أعظم الأمم جهلاً وأكثرها انحطاطاً في الحضارة، ثُمَّ أصبحت خير الأمم، وأصلحها، وأعدلها وأقومها بتمسكها بهديه ﷺ، وما تزال إِلَى اليوم هي الأمة الوحيدة التي يمكن أن تحقق في العالم العدل والسلام والحق الذي ليس وراءه حق، فالمعجزات كثيرة للنبي ﷺ، والدلائل عَلَى نبوته عظيمة.\r\rفي كل صحابي آية تدل على صدق الرسول ﷺ\rفي كل صحابي آية تدل عَلَى صدق الرَّسُول ﷺ:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690465,"book_id":1659,"shamela_page_id":1591,"part":null,"page_num":1591,"sequence_num":1591,"body":"ففي كل واحد ممن أسلم من الصحابة آية، وفي كل فتح فتحوه، وفي كل حق وخير وعدل وسلام نشروه في الأرض آية تدل عَلَى أنه نبي ﷺ، وأن هذا الدين ما كَانَ ليفترى من عنده ﷺ ولا من عند أحد، وإنما هو تنزيل من عند الله العزيز الحكيم، الذي اصطفى هذا النبي وفضله عَلَى سائر العالمين، واختاره ليكون نذيراً وبشيراً للعالمين، وأنزل عليه هذا النور دون غيره من البشر.\rقول المُصنِّفُ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:\r[فإن النبوة إنما يدعيها أصدق الصادقين، أو أكذب الكاذبين، ولا يلتبس هذا بهذا إلا عَلَى أجهل الجاهلين، بل قرائن أحوالها تعرب عنهما، وتعرَّف بهما، والتمييز بين الصادق والكاذب له طرق كثيرة، فيما دون دعوى النبوة، فكيف بدعوى النبوة؟ وما أحسن ماقال حسان ﵁:\rلو لم يكن فيه آيات مبينة كانت بديهته تأتيك بالخبر\r] .\rالشرح:\rمن أعظم الأدلة التي ينبغي أن يعيها كل إنسان منا، وأن يقيس بها بقية الأمور: أن النبوة ليست أمراً هيناً، وليست أمراً عادياً يمكن أن يدعيه كل أحد، وأن يكذبه فيه أي أحد.\r\rإن مسألة النبوة شأنها عظيم جداً، فلن يدعيها إلا أحد اثنين: إما أصدق الصادقين، وإما أكذب الكاذبين، فلا واسطة بينهما بإطلاق.\rوأي حرفة أو مهنة أو صنعة من الصناعات قد يدعيها من يتقن بعضها أو جزءً منها، وقد يصدقه البعض، وقد يكذبه البعض الآخر دون أن يؤثر ذلك كثيراً، إلا النبوة فإن مدعيها: إما أن يكون صادقاً حقاً، ويلزم من ذلك اتباعه في أوامر عظيمة، وأن الذي يأتي به هو الحق، وإما أن يكون كذاباً حقاً، فيلزم من ذلك أن يكون كل ما يأتي به ضلالاً ومحقاً واعوجاجاً وانحرافاً، ولا يخلو الأمر من أحد هذين التقديرين أبداً.\rللنبوة قرائن وأحوال تعرف بها","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690466,"book_id":1659,"shamela_page_id":1592,"part":null,"page_num":1592,"sequence_num":1592,"body":"ثُمَّ ذكر المُصْنِّف أنه لا يلتبس أصدق الصادقين، من أكذب الكاذبين حتى عَلَى الجاهل الأمي، فإنه يستطيع أن يميز بقرائن الأحوال، وهنا مبحث يسمى مبحث حصول العلم، متى يكون العلم نظرياً؟ ومتى يكون قطعياً؟ وهو يبحث في علم الأصول، ويبحث في كتب العقائد. والعلم القطعي هو الذي تجد في نفسك قطعاً أنك مصدق به بأي دليل من الأدلة، أما العلم النظري فهو العلم الذي يحتاج إِلَى استدلال وتفكير..\r\rالنبوة علم ضروري وبيان خطأ المتكلمين في ذلك\rوالمتكلمون يقولون: إن النبوة علم ضروري، فالعلم بنبوة مُحَمَّد ﷺ من العلم الضروري، والخطأ الذي يقعون فيه أنهم يحصرون العلم الضروري بمصادر محدودة، وينسون أن له مصادر ومجالات أعظم مما يحدونه به، ومن ذلك مثلاً: ما يقال في علم الكلام أو في كتب العقائد: أن من أهم السبل لحصول العلم الضروري القطعي طريق التواتر، فإذا أصبحت المسألة متواترة، لم تعد تحتاج إِلَى عرضها عَلَى العقل، ولا إِلَى النظر والتفكير، أو أنها صحيحة موجودة أم لا؟ وأصبح يُتكلم عنها كأنها حقيقة ترى بأم العين، هذا هو العلم القطعي الذي كَانَ سببه التواتر، والتواتر: هو أن جماعة كثيرين من النَّاس يستحيل في العادة أن يتواطئوا ويتفقوا عَلَى الكذب، فينقلون هذا الشيء ويتحدثون عنه.\rوالناظر إِلَى دلائل نبوة النبي ﷺ وإلى آياته يجد أن كل آية منها حصلت عن طريق التواتر إلا القليل، مثل القُرْآن المنقول إلينا عن طريق آلاف الأسانيد والأمة كلها مجمعة عليه.\r\rالعلم القطعي يحصل أيضاً بطريقة القرائن\rهناك شيء أعظم من الطريق الذي قاله المتكلمون وهو حصول العلم القطعي عن طريق القرائن التي قد تأتي عن خبر الواحد، أو حتى بدون خبر فتدل عَلَى القطع وعلى الضرورة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690467,"book_id":1659,"shamela_page_id":1593,"part":null,"page_num":1593,"sequence_num":1593,"body":"ومثاله: لو أنك مشيت فرأيت بيت القاضي وحوله أناس مجتمعون عَلَى وجوههم الوجوم والحزن والأسف، ثُمَّ رأيت الحرس واقفين مصطفين باتجاه المقبرة مثلاً، ثُمَّ رأيت من يأتي بسيارة إسعاف، ورأيت أشياء تدل بواقع الحال عَلَى أن هناك موتاً، وفي هذا الوقت لو جاءك أحدٌ ولو كَانَ طفلاً صغيراً وقال أما تدري أن القاضي قد مات، لاستيقنت قطعاً أنه قد حصل الموت، بخلاف ما لو كنت مثلاً راكباً في الطائرة وقال لك أحد الناس: إن القاضي قد مات، لم يكن هذا قطعاً لك بصدق الخبر، فإذاً القرائن والملابسات تؤدي إِلَى العلم القطعي.\rوعليه فليس من الشرط لحصول العلم القطعي التواتر؛ بل اليقين القطعي قد يحصل بقرائن الأحوال.\r\rقرائن أحواله وسيرته ﷺ أبهرت العقول\rإن النبي ﷺ قد احتفت بسيرته وبأحواله وبكلامه من قرائن الأحوال العجيبة ما يبهر العقول فأم معبد ينزل عندها النبي ﷺ في الخيمة وهو عابر سبيل فتقطع بأنه نبي مرسل.\rوالرجل الأعرابي يسمع أن هناك نبي ظهر فيقول أين هو؟ فيرى النبي ﷺ فَيَقُولُ: والله ما هذا بوجه كذّاب، وإن قالت قريش إنه كذّاب، ما نطق النبي ﷺ ولا قلب العصى حية، ولا أخرج يده فإذا هي بيضاء للناظرين؛ بل هي قرينة حاله ﷺ، فلو لم يكن هناك أي آيات إلا أن بديهته تأتيك بالخبر لكفى بذلك برهاناً ساطعاً عَلَى صدق نبوته.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690468,"book_id":1659,"shamela_page_id":1594,"part":null,"page_num":1594,"sequence_num":1594,"body":"ولذلك نجد السيرة كلها محفوفة بما يدل عَلَى نبوته ﷺ كما هو في كتاب دلائل النبوة للبيهقي، وهو -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- من المحدثين المهتمين بعلم الحديث، والنقاد الذين لهم خبرة ودراية بهذا الفن، ألف كتاباً بعنوان دلائل النبوة، فما هي دلائل النبوة التي جمعها وألفها البيهقي؟ هل تراه ألف في الأمور الحسية وخوارق العادات فقط؟! لا، إنما هو كتاب عن سيرة النبي ﷺ كأنه منسيرة ابن هشام، فيذكر حياته ﷺ وغزواته وأموره وأعماله، ففي كل غزوة وفي كل عمل من أعماله بينة تدل عَلَى صدقه.\rكما في بدر وفي الهجرة، وفي معاملته مع أزواجه، وفي معاملته مع اليهود، وفي معاملته مع الْمُشْرِكِينَ، وفي كتبه التي كاتب بها الملوك، كل ذلك دال عَلَى نبوته.\r\rوانظر التشريعات التي يأتي بها، فكلمة واحدة يقولها النبي ﷺ تصبح قاعدة من أعظم القواعد التي ترجع إليها أصول عظيمة من أصول التشريع، مثل: (لا ضرر ولا ضرار) ومثل: (الضمان بالخراج) يعجز أن يأتي بمثل هذه العبارات والتشريعات القانونيون الوضعيون أو المفكرون المبدعون، أو أن يشبه أحد من هَؤُلاءِ النبي ﷺ فهو أجل وأرفع من ذلك؛ لأنه يتكلم بكلام من عند الله وبنور الله ﷾، فسيرة النبي ﷺ حفت بقرائن كثيرة تدل عَلَى صدقه ﷺ، وكذلك كل أمر من أموره ﷺ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690469,"book_id":1659,"shamela_page_id":1595,"part":null,"page_num":1595,"sequence_num":1595,"body":"ولذلك يقول المُصْنِّف ﵀: [وما من أحد ادعى النبوة من الكذابين إلا وقد ظهر عليه من الجهل والكذب والفجور واستحواذ الشياطين عليه ما ظهر لمن له أدنى تمييز، فإن الرَّسُول لا بد أن يخبر النَّاس بأمور ويأمرهم بأمور، ولا بد أن يفعل أموراً يبين بها صدقه. والكاذب يظهر في نفس ما يأمر به ويخبر عنه وما يفعله ما يبين به كذبه من وجوه كثيرة، والصادق ضده بل كل شخصين ادعيا أمراً، أحدهما: صادق، والآخر كاذب. لا بد أن يظهر صدق هذا وكذب هذا] كما سيأتي شرحه.\r\rهرقل يشهد للنبي ﷺ بالنبوة في مناظرته لأبي سفيان\rإن من أعظم المناظرات في التاريخ هذه المناظرة التي جرت بينأبي سفيان وبين هرقل في شأن النبي ﷺ؛ فزعيم أعظم أمة متحضرة في العالم في ذلك الحين -الأمة التي تحمل لواء الحضارة العالمية وتسيطر عَلَى نصف العالم الغربي- يناظر العدو اللدود للدعوة آنذاك والذي يرفع لواء محاربة النبي ﷺ، وهو أبو سفيان فذاك يسأل وهذا يجيب.\rومن المعلوم أن هرقل ليس بمتهم أن يمالئ النبي ﷺ أو يجامل معه، وما الذي يدعوه إِلَى ذلك وهو لا يعرفه؟ وكذلك أبو سفيان ليس بمؤمن بالنبي ﷺ حتى يداري في الجواب ليجامله، بل كَانَ يتحين الفرصة للطعن في النبي ﷺ.\r\rولذلك لم يجد مطعناً يمكن أن ينفذ منه إلا لما قَالَ: \"وبيننا وبينه عهد لا ندري ماذا يفعل؟ \" ولم يستطع أن يتهمه أنه غادر أو كاذب، ثُمَّ تكون النتيجة بعد تلك المناظرة الاقتناع بصدق النبي ﷺ.\r\rفلا يمكن أن يلتبس أمر من يدعي النبوة وهو كاذب بأمر الرَّسُول حقاً، ولا سيما نبينا مُحَمَّد ﷺ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690470,"book_id":1659,"shamela_page_id":1596,"part":null,"page_num":1596,"sequence_num":1596,"body":"وقضية استلزام الصدق للبر والتقوى واستلزام الكذب للفجور، هذه حقيقة يعرفها كل واحد من الناس، حقيقة يتعامل بها النَّاس حتى بين الكفار بعضهم مع بعض: يعلمون أن من لوازم استقامة هذا الرجل أنه لا يكذب، وفي المقابل من عرف عنه أنه يكذب فمن غير المستبعد أن يسرق أو يختلس، وهكذا تلازم هذه الأمور هو كما ذكر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- هنا.\r\rوقَالَ المُصنِّفُ ﵀:\r[وما من أحد ادعى النبوة من الكذابين، إلا وقد ظهر عليه من الجهل والكذب والفجور واستحواذ الشياطين عليه ما ظهر لمن له أدنى تمييز، فإن الرَّسُول لا بد أن يخبر النَّاس بأمور، ويأمرهم بأمور، ولا بد أن يفعل أموراً يبين بها صدقه، والكاذب يظهر في نفس ما يأمر به، ويخبر عنه، وما يفعله، ما يبين به كذبه من وجوه كثيرة والصادق ضده. بل كل شخصين ادعيا أمراً: أحدهما صادق والآخر كاذب لا بد أن يظهر صدق هذا وكذب هذا ولو بعد مدة، إذ الصدق مستلزم للبر والكذب مستلزم للفجور.\r\rكما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قَالَ: (عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إِلَى البر، وإن البر يهدي إِلَى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إِلَى الفجور، وإن الفجور يهدي إِلَى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً) .\rولهذا قال تعالى: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ * وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ [الشعراء:٢٢١-٢٢٦] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690471,"book_id":1659,"shamela_page_id":1597,"part":null,"page_num":1597,"sequence_num":1597,"body":"فالكهان ونحوهم -وإن كانوا أحياناً يخبرون بشيء من المغيبات، ويكون صدقاً- فمعهم من الكذب والفجور ما يبين أن الذي يخبرون به ليس عن مَلَك، وليسوا بأنبياء، ولهذا لما قال النبي ﷺ لابن صيَّاد: (قد خبأت لك خبيئاً) فقَالَ: هو الدُّخ، قال له النبي ﷺ: (اخسأ فلن تعدو قدرك) يعني: إنما أنت كاهن.\rوقد قال للنبي ﷺ: (يأتيني صادق وكاذب) .\rوقَالَ: (أرى عرشاً عَلَى الماء) ، وذلك هو عرش الشيطان، وبين أن الشعراء يتبعهم الغاوون، والغاوي: الذي يتبع هواه وشهوته، وإن كَانَ ذلك مضراً له في العاقبة، فمن عرف الرَّسُول وصدقه ووفاءه ومطابقة قوله لعمله، علم علماً يقيناً أنه ليس بشاعر ولا كاهن.\rوالنَّاس يميزون بين الصادق والكاذب بأنواع من الأدلة، حتى في المدعي للصناعات والمقالات، كمن يدعي الفلاحة والنساجة والكتابة، أو علم النحو والطب والفقه وغير ذلك.\rوالنبوة مشتملة عَلَى علوم وأعمال لا بد أن يتصف الرَّسُول بها، وهي أشرف العلوم وأشرف الأعمال، فكيف يشتبه الصادق فيها بالكاذب؟!\r\rولا ريب أن المحققين عَلَى أن خبر الواحد والاثنين والثلاثة قد يقترن به من القرائن ما يحصل معه العلم الضروري، كما يعرف الرجل رضى الرجل وحبه، وبغضه وفرحه وحزنه، وغير ذلك مما في نفسه بأمور تظهر عَلَى وجهه قد لا يمكن التعبير عنها، كما قال تعالى: وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ [محمد:٣٠] ، ثُمَّ قَالَ: وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ [محمد:٣٠] . وقد قيل: ما أسرَّ أحد سريرة إلا أظهرها الله عَلَى صفحات وجهه وفلتات لسانه، فإذا كَانَ صدق المخبر وكذبه يعلم بما يقترن من القرآئن، فكيف بدعوى المدعي أنه رَسُول الله؟ كيف يخفى صدق هذا من كذبه؟ وكيف لا يتميز الصادق في ذلك من الكاذب بوجوه من الأدلة؟] اهـ\rالشرح:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690472,"book_id":1659,"shamela_page_id":1598,"part":null,"page_num":1598,"sequence_num":1598,"body":"قد يرد سؤال وهو: لماذا كذبت قريش بالنبي ﷺ؟! هل تكذيبها راجع إِلَى أنها غير مصدقة بأنه نبي ورَسُول وأنه يأتيه الوحي من السماء أم لأمر آخر؟!\rسبب رد قريش لما أتى النبي ﷺ\rالذي يتتبع أحوال القوم فيما صح من السيرة يُعلم يقيناً أنهم إنما كذبوه عناداً وكبراً، واقتداءً بالآباء والأجداد، وتمسكاً بالعادات وبالتقاليد، وحرصاً منهم عَلَى الجاه، وعلى المال، والدنيا، والمناصب، ونحو ذلك من الأسباب، وليس تكذيباً له في ذاته، ولذلك فرق بين ما تقوله قريش أمامه ﷺ، أو تقوله للعرب، وبين ما يقولونه في أنفسهم.\r\rسبب رد اليهود لما أتى به النبي ﷺ\rسبق أن قريشاً كفرت بالنبي ﷺ عناداً واستكباراً وتقليداً، وأما اليهودفإنما كَفَرُوا وا بغياً وحسداً، وأمراض القلوب كلها متداخلة، لكن أكثر ما يظهر في تكذيب قريش الكبر والعناد، ولذلك لما ذهب مقتضى ذلك، وظهر دين الله بالقوة، ونصر الله نبيه مُحَمَّد ﷺ، لم تجد قريش غضاضة في أن تدخل هذا الدين وتحمل لواءه، وأصبح كبار المقاتلين له ﷺ يقودون جيوش الإسلام، ويفتحون بلاد العالم.\rلكن اليهودعندما كَانَ كفرهم عن حسد، والحسد من أكبر أمراض القلوب تمكناً فيها، ولأنهم كانوا كذلك نجد أن أقل من أسلم من العالم هم اليهود، بخلاف النَّصَارَىوالفرس فكثير منهم أسلم، وأسلمت العرب قاطبة إلا الشواذ.\r\rولكن اليهودلم يُسلمْ منهم إلا القليل، حتى أنهم ليعدون عداً، ويقَالَ: إنهم عشرة أو بضعة عشر أو نحو ذلك، مع أنهم كانوا بنو قريظة، وبنو النضير والذين في خيبر وأمثالهم من القبائل، وهم عالمون بصدق نبوته ﷺ لكن هَؤُلاءِ هم اليهود!.\rموقف أبي جهل من دعوة النبي صلى الله عليه وسلم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690473,"book_id":1659,"shamela_page_id":1599,"part":null,"page_num":1599,"sequence_num":1599,"body":"لقد لاقى النبي ﷺ من بعض كفار قريش الويلات أمثال أبي جهل فقد كَانَ يتبع النبي ﷺ وهو يمر عَلَى العرب في الأسواق والمواسم يعرض عليهم دعوة ربه ﷿،\rفيقول لهمأبو جهل: أيها الناس! إن هذا الغلام منا، ونحن أعلم بكذبه، إنما هو كذاب صابئ فلا تصدقوه، وهكذا يتبع النبي ﷺ ليكذبه في كل مكان، هذا أمام الناس، لكن أمام نفسه وأمام من يثق به فإنه كَانَ يقول: لما قيل له: لماذا لا تسلم؟\r\rقَالَ: كنا وبني عبد مناف كفرسي رهان، لهم السقاية ولنا الرفادة، لهم كذا ولنا كذا، كلما عملوا عملاً عملنا مثله -منافسة بين بطنين من بطون قريش العظام- قَالَ: فلما نبغ هذا الرجل قالوا: منا نبي، فوالله لا نؤمن به أبداً!.\rفإنهم لا يكذبونك\rولقد كَانَ كفار قريش ينهون النَّاس عن الاستماع للقرآن الكريم ويقولون: هذا أساطير الأولين، وإفك قديم من كلام الكهان، وإن هو إلا قول البشر، وإنْ هذا إلا سحر يؤثر ... إِلَى آخر ما يقولون، ومع ذلك كانوا يجتمعون في الليل يستمعون القرآن، ويتعجبون من هذا الكلام الذي ليس له مثيل لا في كلام الشعراء، ولا في سجع الكهان أبداً، ففي أنفسهم يعلمون أنه الحق.\rلكن أمام النَّاس في المنتديات يقولون: هذا كذب! هذا باطل! نعوذ بالله: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ [الأنعام:٣٣] أي لا يعتقدون في قلوبهم أنك كاذب, ولا يقولون: إنه كاذب وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام:٣٣] فالظلم والإجحاف، والأنفة، والعناد والاستكبار في الأرض، ومكر السيء.\r\rومثل هذه الأمور هي التي حالت بينهم وبين الإيمان، مثل ما حالت بينفرعونوبين الإيمان، وأما اليهودفما أعجب ما فعلت في هذا الشأن! يتناجون بينهم أنه صادق وإذا ذهبوا إليه ﷺ كذبوه.\r\rحادثة زيد بن الصنعة مع النبي صلى الله عليه وسلم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690474,"book_id":1659,"shamela_page_id":1600,"part":null,"page_num":1600,"sequence_num":1600,"body":"ومن ذلك قصة اليهودي زيد بن سعنة - وكان من كبار أحبار اليهود- وذُكِرت في مجمع الزوائد، ورواها الطبراني وغيره وهي قصة حسنة السند، أنزيداً هذا قَالَ: لقد قرأت في التوراة وفي الأسفار من صفة النبي ﷺ واحدة واحدة، إلا صفة واحدة ما اختبرتها.\rوهكذا هي النفسية اليهودية يقولون: كيف نسلم لهذا الرجل من الأميين، ونحن ورثة العلم والكتاب؟ وأن يخرج نبي من الأميين من غير نسل إسرائيل من ذرية إسماعيل هذا شيء يستثقله اليهودجداً.\rفقَالَ: إلا خصلة واحدة بقيت وأردت أن أختبرها وأن أبلوها، وهي: أنه يسبق حلمه جهله، ولا يقابل الجهل بالجهل، وإنما يقابل الجهل بالحلم، قال فذهبت يوماً إليه ﷺ وهو جالس مع أصحابه وهم حوله، وإذا برجل منهم يقول: يا رَسُول الله إني قد ذهبت إِلَى بني فلان، ووجدتهم في سنة وجدب وقحط وشدة، وإني قلت لهم: أسلموا يفتح الله لكم وتمطرون وترزقون وقد أسلموا، وإني أخشى يا رَسُول الله إن بقي بهم الجدب والقحط أن يرجعوا عن إسلامهم قَالَ: فماذا نصنع؟ ثُمَّ قَالَ: أرى أن نرسل لهم بطعام وغذاء.\rهذا - كما هو واضح - من تأليف القلوب عَلَى الإيمان، فَقَالَ النبي ﷺ: (هل بقي من تمر بني فلان أو من حائط بني فلان شيئاً؟) قالوا: يا رَسُول الله ما بقي منه شيء. قال زيداً: فوجدتها فرصة، وجدت أن هذه هي بغيتي، قَالَ: قلت: يا مُحَمَّد أتعطيني كذا وكذا من حائط بني فلان يعني إذا أثمر، وأعطيك المؤونة؟ وهذا بيع السلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690475,"book_id":1659,"shamela_page_id":1601,"part":null,"page_num":1601,"sequence_num":1601,"body":"فقال النبي ﷺ: (نعم أعطيك، قال فدفعت إليه ما أراد من المؤونة والطعام وأخذها، وأرسل بها إِلَى أولئك، قَالَ: ثُمَّ انتظرت بعد ذلك حتى قاربت الثمار أن تنضج، قَالَ: فجئت إليه، وهو واقف وحوله أصحابه، وهم خارجون من مكان ما، قَالَ: فأمسكت بتلابيبه وشددتها عليه وقلت له: يا محمد أما آن لك أن تعطيني حقي: فوالله إنا لنعرفكم يا بني عبد المطلب إنكم قوم مطل -أي: تؤخرون صاحب الدين- فَحَلِمَ النبي ﷺ ولم يرد، ولكنعُمَر ﵁ اغتاظ غيظاً شديداً، وقَالَ: يا زيد أتفعل هكذا، ارفع يدك عن رَسُول الله ﷺ، وإلا فلقت هامتك بالسيف.\rفقال النبي ﷺ: (أو شيء غير ذلك يا عُمَر ! كَانَ عليك أن تأمره بحسن الطلب وتأمرني بحسن القضاء) .\rقالزيد: فعلمت حينئذ أن حلمه يسبق جهله، وأنه لا يقابل الجهل بالجهل، وإنما يقابل الجهل بالحلم فقَالَ: اذهب يا عُمَر فأعطاه ما طلب وزده عشرين صاعاً.\rقَالَ: فذهبت مع عُمَر ﵁، فكال له ما طلب منه النبي ﷺ، فلما اكتمل حقه، قَالَ: انتظر لك عشرون صاعاً، قال ما هي؟ قَالَ: أمرني النبي ﷺ أن أزيدك إياها مقابل ما روعتك وما كانت زيادة النبي ﷺ تلك إلا لما يعلمه من جشع وحرص اليهود على المادة.\rفتعجبزيد من ذلك، فقَالَ: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رَسُول الله، قَالَ: والله ما فعلت ذلك إلا أنني قد بلوت خبره من التوراة ومن الأسفار، فما بقي من أمره شيء إلا وقد عرفت صدقه، وعرفت أنه نبي، إلا هذه الكلمة: أنه يسبق حلمه جهله، ولا يقابل الجهل بالجهل، إنما يقابل الجهل بالحلم. فأسلم زيد، وحسن إسلامه فيما بعد، وقد كَانَ من أحبار اليهود الكبار.\r\rاليهود قوم بهت","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690476,"book_id":1659,"shamela_page_id":1602,"part":null,"page_num":1602,"sequence_num":1602,"body":"إن اليهود قوم بهت حسدوا النبي ﷺ وعادوه فلقد كانوا يتناجون ويقول بعضهم لبعض: أوليس هذا هو نبي العرب؟ ويقول الآخر: بلى أليس النبي الذي يأتي بين يدي الساعة؟ والآخر يقول: أوليس عندنا أنه يبعث من بني إسماعيل؟\rفإذا واجهوا النبي ﷺ قالوا: له لست بنبي، بل تآمروا عَلَى أن يقتلوه ﷺ وأن يلقوا عليه الصخرة، وأعطوه الشاة المسمومة، وما تركوا وسيلة من وسائل الأذى إلا فعلوها مع النبي ﷺ، بينما في أنفسهم وفي مجالسهم يعلنون بصدقه.\rوفي قصة عبد الله بن سلام ﵁ ما يدل عَلَى حقيقة اليهودفإنه لما بلغه خبر هجرة النبي ﷺ، كَانَ في نخلة يأخذ من تمرها، فسألت خالته -وكان عندها علم- وما شأنه مع موسى بن عمران؟ فَقَالَ عبد الله بن سلام وهو في النخلة: يا خالة! والله إنه لأخو موسى بن عمران دينهما واحد وربهما واحد لا خلاف بينه وبين موسى، فلما ذهب إِلَى النبي ﷺ وأيقن بالإسلام قَالَ: (يا رسول الله إن اليهود قوم بهت إن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم بهتوني عندك فجاءت اليهود ودخل عبد الله البيت فقال رسول الله ﷺ أي رجل فيكم عبد الله بن سلام قالوا أعلمنا وابن أعلمنا وأخيرنا وابن أخيرنا فقال رسول الله ﷺ فرأيتم إن أسلم عبد الله قالوا أعاذه الله من ذلك فخرج عبد الله إليهم فقال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله فقالوا شرنا وابن شرنا ووقعوا فيه)\rفالشاهد أنه لم يكن أحد ممن بلغته دعوة النبي ﷺ من العرب أو من اليهود! ومِنْ أمم الأرض ليشكك في صدق النبي وفي رسالته، بل كانوا عَلَى يقين أنه صادق وأن ما يأتي به إنما هو حق من عند الله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690477,"book_id":1659,"shamela_page_id":1603,"part":null,"page_num":1603,"sequence_num":1603,"body":"ولقد اتُهم النبي ﷺ باتهامات عدة فكان أكثر ما اتهم به أنه كاهن، فناقش المُصنِّفُ ﵀ مسألة الكهان؛ ولأن الكاهن يأتيه خبر من السماء، ويخبر بأمور مغيبة لا يعلمها الناس، فَقَالَ الكفار: إن محمداً كاهن، أو قالوا: ساحر؛ لأن الساحر يعمل أعمالاً خفية، ويفرق بين المرء وزوجه ونحو ذلك وهو قد فرق بينهم، وكانوا يقولون أيضاً: شاعر؛ لأن نظم القُرْآن يتفق في بعض الأحيان مع الأوزان الشعرية، أو قريب من الأوزان الشعرية التي كَانَ العرب يتعارفون فيها والعرب أنفسهم يعلمون أن حال النبي ﷺ يختلف عن حال هَؤُلاءِ.\rفأما الكهان فإن حالهم واضح وجلي، فقد كانوا يجلسون ويتصدرون لإخبار النَّاس بالمغيبات ويأتي الرجل إِلَى الكاهن فيخبأ خبأً ويضمر شيئاً حتى يتأكد من صدق الكاهن، كما فعل بعض العرب أنه ربط حبة بر في إحليل الفرس، فأتى الكاهن، فَقَالَ له: ما الذي خبأت لك، فَقَالَ له: ثمرة في كمرة، فيُقَالُ: أين؟ قَالَ: حبة بر في إحليل مهر، فإذا أخبر ما الذي خبأ قالوا: هذه علامة عَلَى أن الكاهن سيقول صدقاً؛ لأنه عرف الشيء المخبأ، وبعد ذلك يقول له: إني أريد أن أفعل كذا.\rأو يسأله عما وقع من الأمر فيجيبه الكاهن بالسجعات المعروفة، فهذا حال هَؤُلاءِ الكهان عند النَّاس فأي هدى جَاءَ به هَؤُلاءِ الكهان وهم يتوارثون الكهانة من عصور قديمة؟\rوهل جاؤوا بصلة الرحم أو بإعانة المظلوم؟! لم يأتوا بشيء من ذلك، بل أخذوا أموال النَّاس بالباطل وارتكبوا الفجور والفواحش، أما ما يخبرون به من المغيبات فقد كَانَ ذلك بسبب ما يسرقونه من الشياطين.\rولما بعث النبي ﷺ وجد الجن أن السماء قد ملئت حرساً شديداً وشهباً، إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690478,"book_id":1659,"shamela_page_id":1604,"part":null,"page_num":1604,"sequence_num":1604,"body":"فلما حصل ذلك تعجب الكهان وذعروا، وأصبح كل واحد منهم يتكلم عَلَى لسان التابع أو الجني الذي يأتيه بالخبر ويقول: ما حالنا؟ ما بال الأخبار انقطعت؟ وأصبح الجني يأتي بالخبر. فيرجم بالشهاب! هناك أمر عظيم، فوجدوا الإفلاس التام بعد ذلك، ثُمَّ بعد هذا يلتبس أمر النبي الذي يأتيه الوحي من السماء بأمر الكاهن؟\rثُمَّ أين القُرْآن من سجع الكهان؟ ولقد كَانَ العرب يحفظون ويسمعون من سجع الكهان الشيء الكثير فلا يبالون به لكنهم عند القُرْآن بخلاف ذلك، فذاك أعرابي يسمع رجلاً يقرأ قوله تعالى: فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيّاً [يوسف:٨٠] فيقفز من فوق الناقة ويسجد، مع أن الكلمات كلها معروفة عند العرب فاليأس كلمة معروفة عند العرب، وفي أشعار العرب، وكذلك الخلوص، والنجوى لكن نظم قوله تعالى: فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيّاً [يوسف:٨٠] هذه لا يمكن أن يركبها عربي عَلَى الإطلاق، وأمثال ذلك كثير، أما الكاهن فإنه لو سجع ألف سجعة ما أثر ذلك في القلب، وما تحرك له ساكن؛ لأنه كلام ملفق مركب واضح الافتعال والتكلف.\rالفرق بين الشعر والقرآن\rوأما الشعر فإن العرب من أعلم النَّاس به ولذلك قَالَ: الوليد بن المغيرة: لقد عرفت الشعر ونظمه ورجزه وهزجه.. الخ والله ما هذا بشعر، فالناقد الذواق لا يستطيع أن يقول: إن القُرْآن شعر؛ لأنه بصير بالأوزان وبالقوافي. ولقد كانت العرب تعلق أشعارها في الكعبة وتفاخر به غيرها حتى قالوا:\r\rألهى بني تغلب عن كل مكرمة قصيدة قالها عمرو بن كلثوم\rويحفظون أبناءهم الفخر، فهل ترى أن هذه القصائد أحدثت أموراً عظاما؟!\r\rوهل غيرت إنساناً ضالاً فهدته؟ أو فاجراً فأصلحته وبرته؟ وهل جاءت إِلَى إنسان ظالم مجحف فجعلته عدلاً براً تقياً؟ الجواب: لا.\r\rلم يحدث من ذلك شيء.\rالفرق بين السحر والقرآن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690479,"book_id":1659,"shamela_page_id":1605,"part":null,"page_num":1605,"sequence_num":1605,"body":"وأما السحر فإن مجرد الاشتراك في التأثير لا يعني أنه سحر، فقد قال النبي ﷺ: (إن من البيان لسحراً) ، فكل ما كَانَ مؤثراً ففيه نوع من السحر، وكل ما كَانَ دقيقاً وخفياً فإنه يسمى في اللغة سحراً، والقرآن ليس بكلام ساحر، فإذا لم يكن كلام ساحر، ولا كاهن، ولا شاعر فكلام من؟ قالوا: مجنون! وهذه أعجب وأعجب، أمجنون يأتي بهذا الكلام؟ وأنتم العقلاء الذين في تمام العقل والفكر والوعي، وبيدكم أزمة البلاغة لا تستطيعون أن تأتوا بكلمة واحدة أو بآية واحدة فكيف بالمجنون؟ وإذا كَانَ المجنون يأتي بالخير ويهدي النَّاس ويخرجهم من الظلمات إِلَى النور، فأين العقلاء؟!\rفقريش مهما حاولت بالطعن في النبي -وهي أكثر ما جَاءَ في القُرْآن التصريح بكذبها، وهي التي عاندته ووقفت في وجهه ﷺ لم يكن في كلامها ولا في مواقفها ما يدل عَلَى الإطلاق بأن هناك ما يقدح في نبوة مُحَمَّد ﷺ بل كَانَ الإِنسَان منهم يبهره خلقه وتبهره معاملته ﷺ.\rسراقة بن مالك وسواري كسرى\rفهذا سراقة بن مالك الجعشمي يطارد النبي ﷺ يوم الهجرة؛ ليفوز بالنوق التي جعلتها قريش لمن يخبر بالنبي ﷺ فلما ساخت قوائم الفرس في الصخر - وهذه من الله ﷿ آية للنبي ﷺ تعجب، وكان كلما مشى ساخت قوائم فرسه، ولا تستطيع أن ترفع يديها ليدرك النبي ﷺ، ومع ذلك لم يرد النبي ﷺ أن يعود خائباً، فقَالَ: (سراقة لم تصنع هذا؟) قَالَ: إن قريشاً قد وعدوني بكذا من الإبل، قَالَ: (أوليس لك بخير منها؟ قَالَ: وما هما، قَالَ: سواريكسرى) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690480,"book_id":1659,"shamela_page_id":1606,"part":null,"page_num":1606,"sequence_num":1606,"body":"فكان هذا الكلام غريباً عليه، وكسرى ملك الدنيا ذو الأسوار الثمينة من الذهب، ومن أفخر اليواقيت والأحجار الكريمة تصبح أساوره لهذا الإِنسَان العربي، فضحك سراقة وقَالَ: أعرابي من بني جعشم يلبس سواري كسرى! ما حلم بها سادات قريش حتى يحلم بها أعرابي من بني جعشم!\rوتمر الأيام وتنتصر جيوش الْمُسْلِمِينَ، ويدخلون المدائن فاتحين، ويأخذون كنوز البيت الأبيض، ويبعثون بها إلىعمر بن الخطاب ﵁ ويأتي إِلَى سواري كسرى فَيَقُولُ: أين سراقة بن جعشم فقَالَ: ماذا تريد؟ قال له إن رَسُول الله ﷺ قد وعدك بسواري كسرى، وها أنا ذا ألبسك إياها، ويلبسه السوارين، أليس في هذا دليل عَلَى أن هذا النبي -حقاً وصدقاً- هو نبي من عند الله ﷾.\rولهذا تحققت نبوءة النبي ﷺ من أمثال هذه الوقائع الكثيرة العظيمة البينة، فهل يصح مع هذا أن نقول: إنه لا دليل عَلَى صدق النبي إلا أن يأتي بخارقة أو معجزة؟ ! لا، فهذه الدلائل العظيمة كلها تدل عَلَى أنه نبي حقاً صادق من عند الله.\r\rالمعايير العقلية والفطرية تميز بين الصادق والكاذب\rوالمصنف ﵀ يضرب لنا مثلاً واضحاً وهو: أن النَّاس يميزون بين الصادق والكاذب بأنواع من الأدلة حتى في الحرف الفلاحة والنساجة والكتابة، فلايلتبس الصادق في هذه الحرف بالكاذب المدعي لها زوراً.\rففي كل الأمور تجد أن النَّاس يستخدمون للتمييز بين الصادق والكاذب في الأمور الحياتية الدنيوية المعايير العقلية والفطرية التي وهبها الله ﷿ لهم، فكيف بدعوى النبوة؟ !\rوالنبي يأتي بأقوال وبأعمال، وبأوامر، ويفنى عمره كُلّه في جهاد، وفي صراع، ثُمَّ يتهم بأنه كاذب أو يلتبس هل هو صادق أم كاذب؟!\r\rالأنبياء أبعد الناس عن طلب عرض من أعراض الدنيا من أتباع الدعوة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690481,"book_id":1659,"shamela_page_id":1607,"part":null,"page_num":1607,"sequence_num":1607,"body":"وإن من الممكن أن يكذب الإِنسَان لأجل عرض من أعراض الدنيا مثل أن يحصل عَلَى الأموال أو النساء أو القصور، فيدعي أنه نبي، لكن الأَنْبِيَاء فإنهم كما أخبر الله: قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ [سبأ:٤٧] أي: أي شيء أطلبه منكم فهو لكم، قُل مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ [صّ:٨٦] ، وكل الأَنْبِيَاء قالوا: ما أسألكم عليه مالاً، مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ [الفرقان:٥٧] .\r\rالأنبياء لم يورثوا مالاً\rلم يورث الأَنْبِيَاء ديناراً ولا درهماً وإنما ورثوا العلم، كما قال ﷺ: (نَحْنُ الأَنْبِيَاء لا نورث ما تركناه صدقة) ،\rفهل بعد هذا يتهم النبي ﷺ بأنه يريد عرضاً من أعراض الدنيا، وإن كَانَ الأَنْبِيَاء يريدون الجاه، فلماذا قتلوا؟ ومنهم من عذب، ونبينا ﷺ لقي من العنت والشدائد، ولقي من الأذى الشيء الكثير، إن من يحصل له هذا لا يريد الجاه وهكذا نجد أن الدلائل القطعية الثابتة عَلَى صدق نبوة النبي ﷺ هي أبين من الشمس في رابعة النهار، وأن الذين كذبوه إنما هم كما قال الله ﵎: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام:٣٣] .\r\rإن الردود كثيرةٌ عَلَى قول المتكلمين وأمثالهم: أنه لا دليل عَلَى صدق النبي إلا المعجزة، أي: الأمر الخارق للعادة، وإن العلم واليقين يقع في النفس بأمور غير هذه الخارقة؛ فإن لليقين طرقاً ومصادر يحصل بها؛ فقد يكون من تواتر الخبر وكثرة ناقليه، وقد يكون من القرائن التي تحف بالخبر، وقد يكون من الآيات الباهرات التي يجريها الله ﵎ عَلَى يد النبي ﷺ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690482,"book_id":1659,"shamela_page_id":1608,"part":null,"page_num":1608,"sequence_num":1608,"body":"فالأدلة كثيرة متظافرة، ولا وجه من الحق لدعوى من ادعى أنها محصورة في أمر واحد فقط، ليصحح بذلك النظر العقلي، والاستدلال العقلي الفلسفي الذي يقول: إن العقل وحده هو الذي يحكم، ويزن صدق أو كذب دعوى النبوة، وأن هذا العقل ما من شيء يحركه أو يلقي فيه اليقين إلا المعجزة الخارقة، التي يأتي بها الأَنْبِيَاء عادة.\rوذكر المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى هنا ثلاثة أمثلة من سيرة النبي ﷺ تدل جميعاً عَلَى أنه صادق، وأن الذين استدلوا بهذه الأدلة علموا علم اليقين أنه صادق في نبوته وأنه لا يدَّعي الكذب، وهذه الثلاثة هي:\r\rأولاً: خديجة ﵂ في أول نزول الوحي، واستدلالها عَلَى ذلك.\r\rوثانياً: ما وقع من النجاشي، وهو ملك نصراني بعيد من النبي ﷺ لم يره ولم ير دلائل نبوته وإنما بلغه الحق فآمن واعتقد باليقين الذي سوف نتحدث عن طريقة حصوله لديه.\r\rثالثاً: خبر هرقل عظيم الروم الذي هو زعيم الأمة النصرانية الكبرى التي لديها من العلم والأخبار ما تعرف به حقيقة الكاذب من الصادق في مثل هذه الدعوى، هذه الوقائع الثلاثة -وهي جزء من وقائع كثيرة - تدل عَلَى صدق ما يذهب إليه أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ في مقام تأييد النبوة وإثباتها.\rموقف خديجة ﵂ من الوحي\rقَالَ المُصْنِّفُ ﵀:\r\r[ولهذا لما كانت خديجة ﵂ تعلم من النبي ﷺ أنه الصادق البار، قال لها لما جاءه الوحي: ﴿إني قد خشيت عَلَى نفسي فقالت: كلا، والله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقرى الضيف، وتكسب المعدوم، وتعين عَلَى نوائب الحق﴾ ، فهو لم يخف من تعمد الكذب، فهو يعلم من نفسه ﷺ أنه لم يكذب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690483,"book_id":1659,"shamela_page_id":1609,"part":null,"page_num":1609,"sequence_num":1609,"body":"وإنما خاف أن يكون قد عرض له عارض سوء، وهو المقام الثاني، فذكرت خديجة ما ينفي هذا، وهو ما كَانَ مجبولاً عليه من مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم، وقد علم من سنة الله أن من جبله عَلَى الأخلاق المحمودة ونزهه عن الأخلاق المذمومة: فإنه لا يخزيه.\r\rوكذلك قال النجاشي لما استخبرهم عما يخبر به واستقرأهم القُرْآن فقرؤوا عليه: \"إن هذا والذي جَاءَ به موسى ﵇ ليخرج من مشكاة واحدة: وكذلك ورقة بن نوفل لما أخبره النبي ﷺ بما رآه، وكان ورقه قد تنصر، وكان يكتب الإنجيل بالعربية، فقالت له خديجة: أي عم اسمع من ابن أخيك ما يقول، فأخبره النبي ﷺ بما رأى فقَالَ: هذا هو الناموس الذي كَانَ يأتي موسى] اهـ.\rالشرح:\r\rخديجة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْها: امرأةٌ ذات عقل راجح، وحكمةٍ، ورويَّه، وتبصر بالأُمور. لما أتاها النبي ﷺ، وهو في تلك الحالة التي صورها حديث عَائِِِشَةَ في أول صحيح البُخَارِيّ في بدئ الوحي: أن النبي ﷺ جاء، وفؤاده يرجف، وهو خائف وجل من هذا الحدث الهائل، الذي لم يكن يتوقعه، والذي خاف منه عَلَى نفسه، كَانَ يتعبد ويتحنث في ذلك الغار، وإذا هذا الملك يأتي، والنبي ﷺ لم يكن يعرفه، ولم يسمع عنه من قبل ولم يسمع أنه جَاءَ إِلَى أحد، فيأتيه، ويناديه من بين السماء والأرض ثُمَّ ينزل إليه، فيغطه الثلاث المرات، ثُمَّ يقول له: اقرأ كما هو معلوم في الحديث، ويأتي النبي ﷺ، وفؤاده يرجف وهو خائف هلع في هذه الحادثة التي لا عهد له بها.\r\rفأتى إِلَى خديجة -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْها، وكانت نِعم الزوجة، وصارحها النبي ﷺ، وعرض عليها المشكلة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690484,"book_id":1659,"shamela_page_id":1610,"part":null,"page_num":1610,"sequence_num":1610,"body":"وقَالَ: ﴿لقد خشيت عَلَى نفسي﴾ ، فلا يدري ﷺ ما هذا الأمر، ويخشى أمراً لا يدري ما نهايته وهل له من نهاية أم يقف عند هذا الحد؟ كل ذلك غيب بالنسبة له ﷺ؛ لأنه ما كَانَ يرجو أن يلقى الله إليه الكتاب، ولا كَانَ يتوقع ذلك، ولا علم له بأمثال هذه الأمور المغيبة.\rالشاهد: أن خديجة ﵂ لما أرادت أن تطمئن النبي ﷺ من ناحية، وأن تفكر فيه وترى الحق والبصيرة من ناحية أخرى، لأنها هي أيضاً قد تخاف وتخشى عليه أن يكون ماحدث له ﷺ من الجان والشيطان، لكنها فكرت في ذلك بهذا العقل الراجح، وبهذه البصيرة التي لديها.\r\rفقالت للنبي ﷺ لما قال لها ﴿لقد خشيت عَلَى نفسي: كلا! والله لا يخزيك الله أبداً!﴾ أقسمت عَلَى ذلك وهي البارة الصدوق أن الله لا يخزيك أبداً، وذكرت هذه الصفات النبيلة الحميدة، التي من تحلى بها فلن يَخزى ولن يَذل أبداً ﴿إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتُقري الضيف، وتُكسب المعدوم، وتُعين عَلَى نوائبِ الحق هذه الصفات، صفات عجيبة، لا يمكن أن تجتمع في إنسان، ويخزيه الله ﷾.\r\rفأهل الجاهلية عَلَى ما فيهم، كانوا إذا اجتمع في الرجل منهم حب العدل والعفاف والكرم، توقعوا له الخير، وحسن العاقبة والسمعة الحسنة والقبول، لأن كل النفوس مجبولة عَلَى أن الله ﷾ عدل كريم يُجازي الإِنسَان من جنس ما يعمل، فهل يكون امرؤٌ يعمل هذه الأعمال الجليلة النبيلة التي تجمع العقول والفطر عَلَى نبلها وفضلها وشرفها، ويخزيه الله ﷾.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690485,"book_id":1659,"shamela_page_id":1611,"part":null,"page_num":1611,"sequence_num":1611,"body":"بينما رجل فاجر يتقحم في الموبقات، وفي المهلكات، والطغيان، والبغي، والعدوان ويكون له لواء المحامد والمناقب منشوراً مرفوعاً؟ ! هذا لا يمكن وليس هذا من سنة الله ﷾ حتى عند الجاهليين عَلَى ما لحق بفطرهم، وعقولهم من الضلال، والزيغ والانحراف.\rوهذه الصفات النبيلة وَصَفَ بها ابن الدغنة أبا بكر الصديق ﵁ وهذا دليل عَلَى المرتبة العليا التي كانت للصديق.\rوابن الدغنة لم يسمع كلام خديجة؛ لأنه كَانَ عَلَى كفره لما وصف الصديق، ومع ذلك وصفه بأنه: يصل الرحم، ويقرئ الضيف، ويحمل الكل بنفس العبارات -تقريباً- التي وصفت بها خديجة النبي ﷺ، فانظروا كيف تطابق هذا الوصف مع هذا، ثُمَّ انظروا كيف كَانَ أول رجل يؤمن بالنبي ﷺ هو أبو بكر الصديق ﵁ ولم يتردد قط، وإنما عَلَى الفطرة شهد أن الله واحد، وأن محمداً ﷺ صادق بلا تردد منه، فتطابق الصفات تدل عَلَى أن هذه الصفات صفات الخير تأتي في النبي وهي أعلاها.\r\rثُمَّ تكون في الصديق وهو الدرجة الثانية بعد النبوة، فأفضل الخلق بعد الأَنْبِيَاء هم الصديقون قال تعالى: فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ [النساء:٦٩] والواو هنا للترتيب، والترتيب في هذه الآية واضح أفضل النَّاس النبيين ثُمَّ الصديقين ثُمَّ الشهداء ثُمَّ الصالحين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690486,"book_id":1659,"shamela_page_id":1612,"part":null,"page_num":1612,"sequence_num":1612,"body":"فهذه الصفات دليل للعقل -إن صح التعبير- وللحكمة، أن النبي ﷺ صادق، ومع ذلك فإن خديجة ﵂ قد سلكت أقوى أنواع الاستدلال في النبوة، وأقوى أنواع اليقين، وأقوى أنواع العلم الضروري، كما يسمى العلم الضروري أي اليقيني الذي يقع في النفس بالبداهة، وخديجة -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْها- هي أكثر إنسان يهمها هذا الأمر، لأن هذا زوجها ﷺ فالأمر يهمها أكثر من أي إنسان آخر، والخبر لا يزال إِلَى الآن محصوراً فيها وفيه ﷺ، ولا تريد أن يظهر إلا وهي متأكدة، فماذا حصل منها؟ جمعت بين دليلين: العقلي والنقلي.\r\rأما العقل فهو هذا الذي نظرته بنظرها الثاقب.\r\rوأما النقل فإنها ذهبت، إِلَى أصحاب الكتب الذين لديهم العلم، ولديهم الآثار عن الأنبياء، فذهبت إِلَى ورقة بن نوفل وأخذت النبي ﷺ، وقالت له: قُص عَلَى ورقة ماذا جرى لك، فلما أخبره النبي ﷺ بذلك قالورقة: ﴿إن هذا لهو الناموس الذي نزل عَلَى موسى.\r\rموقف ورقة بن نوفل من الوحي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690487,"book_id":1659,"shamela_page_id":1613,"part":null,"page_num":1613,"sequence_num":1613,"body":"ثُمَّ آمن به ورقة وقَالَ: ليتني أكون فيها جذعاً إذ يخرجك قومك -ولهذا استغرب النبي ﷺ وقَالَ: (أَوَ مُخْرِجيَّ هم؟) ولايزال النبي ﷺ في أول الأمر، وهذا نور وحق جَاءَ به الأَنْبِيَاء من قبل، وهو من الله ﷿ نعمةٌ وهبةٌ، فلماذا يخرجه قومه؟! لم يكن قد تصور بعد أنه سيخرج، فما سر العداوة؟ فَقَالَ لهورقة: ما جَاءَ رجل بمثل ما جئت به إلا عُودي هذا حق، والحق أينما وقع فلا بد أن يعادى من قبل أهل الشروَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً [الفرقان:٣١] فورقة علم أن هذا وحي، وعلم سنة الله ﷾ في الأنبياء، وهو أنهم لا بد أن يعادوا وأن يكذبوا، ولكن تعهد لو أدركه ذلك اليوم لينصرن النبي ﷺ لأن الحق هو الذي سينتصر وإن العاقبة للتقوى، وحتى لو لم يدرك انتصار الحق، فيكفيه أنه يجاهد في سبيل الحق حتى يموت.\rهكذا أخذ ورقة على نفسه ولكنه لم يلبث أن توفي ولم يتحقق شيءٌ من ذلك، قبل أن يصدع النبي ﷺ بالدعوة.\rفخديجة -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْها- جمعت في الاستدلال عَلَى نبوة النبي ﷺ وصدقه بين دليلي العقل -العقل السليم- والنقل، وورقة بن نوفل اعتمد عَلَى الدليل النقلي الواضح الجلي، ومثله كمثل رجل منا، يقرأ حديثاً عن النبي ﷺ في مسألة، فيؤمن به، ويصدقه؛ لأنه يعلم أنه ﷺ صادق.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690488,"book_id":1659,"shamela_page_id":1614,"part":null,"page_num":1614,"sequence_num":1614,"body":"ومثل خديجة -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْها- مثل رجل جرب تجربة، وعرف أمراً من الأمور أنه حق وصواب، ثُمَّ أراد أن يستوضح عن حقيقة هذا الأمر فقد تأكد لديه أنه صواب، لكنه يريد أن يتأكد أكثر، فذهب إِلَى أحد العلماء فَقَالَ له: ما رأيكم في كذا؟ قَالَ: هذا الشيء ورد فيه حديث عن النبي ﷺ وتلا عليه الحديث، فاتفق لديه الدليل اليقيني الذي حصل له في فكره وفي نظره مع ما جَاءَ به الوحي، فحينئذٍ لا يشك في الوحي، ولا يشك فيما لديه من معلومة سابقة، وإنما يتفق هذا وهذا فيولد لديه اليقين؛ ولهذا كانت خديجة -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْها- من أصحاب اليقين، وصدقت نبوة النبي ﷺ وآمنت لتوِّها ثُمَّ اطمأنت طمأنينةً كاملة لمَّا حدثها ورقة وطمأنها بأن هذا هو النبي.\rوأما ورقة فإنه طابق بين الأصل وبين الصورة، تجدونه مكتوباً عنده في التوراة والإنجيل، فطابق بين ما لديهم في الإنجيل، وما جَاءَ به النبي ﷺ وما هو مذكور وصريح في الإنجيل أن هذا النبي سيكون من أمة العرب، من ذرية إسماعيل وأنه سيخرج من جبل فاران كما في التوراة نفسها الموجودة، وفاران كَانَ معروفاً وإلى الآن أنها جبال مكة وكان من أوصافه ﷺ في التوراة ما يجعلهم كما قال الله ﷾: يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ [البقرة:١٤٦] أي لا يضلون، ولا يخطئون في معرفته كما يعرفون أبناءهم، فطابق بين هذا وهذا وتأكد لديه صدقه ﷺ، وهذه المطابقة فعلها أيضاً النجاشي وفعلها هرقل.\r\rموقف النجاشي من الوحي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690489,"book_id":1659,"shamela_page_id":1615,"part":null,"page_num":1615,"sequence_num":1615,"body":"أما النجاشي فإن إيمانه أيضاً عجيب! هذا الرجل البعيد عن أرض العرب، والذي لا يعرف هذا النبي ﷺ ولا قومه، وإنما جاءه جماعه مهاجرة منمكة خرجت من اضطهاد القوم وأذاهم وتعذيبهم، وليس كل الذين هاجروا إِلَى الحبشة كَانَ سبب خروجهم وقوع الأذى عليهم؛ فعثمان -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- وبعض الأشراف لم يخرجوا؛ لأن هناك أذىً مباشراً وقع عليهم؛ لكنهم خرجوا لأنهم لم تحتمل نفوسهم أن يرو الحق ويعتقدوه، ومع ذلك يكذبهم قومهم ويتهمونهم بالسفاهة، فأخرجهم النبي ﷺ إِلَى هنالك.\rوكان في ذلك الخروج حكمة عظيمة غير مسألة أنهم يفرون بدينهم ليعبدوا الله، وهي: أن البيوت المكية تتضعضع وتتزعزع فيأتي الإِنسَان إِلَى بيت، فَيَقُولُ: لماذا خرج فلان؟ قَالَ: لأنكم عذبتموه، ولم تجعلوه يدين بالحق.\rفهذا يخرج ابنه، وهذا يخرج عمه، وهذا يخرج أبوه، وهذا تخرج زوجته، شيءٌ لا تطيقه النفوس، فحينئذ الضمير الداخلي يهتز، ويقولون لأنفسهم: ولِمَ لا ندعهم يدينون بما شاؤا؟ لِمَ لا ندعهم أحراراً يتعبدون كما شاؤا ويبقون في بلادهم؟.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690490,"book_id":1659,"shamela_page_id":1616,"part":null,"page_num":1616,"sequence_num":1616,"body":"فمن آثار الحكمة في ذلك أنه أثار هذا الضمير، ولذلك كَانَ أحد السفيرين اللذين بعثتهما قريش له ضمير حاضر حي كما سنرى في القصة، لقد رأت قريش أنه لا بد من إرجاعهم إِلَى مكة ولو لم يكن في ذلك الإرجاع أنهم سيعذبونهم ويذلونهم، لكن فيه القضاء عَلَى ما بدأت البيوت المكية تتفاعل معه؛ من مسألة فقد الآباء، والأقرباء والأرحام لأجل الدين، قالوا: إذاً نستردهم إليهم ويكون الموقف فيما بعد، فأرسلوا عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعه إِلَى النجاشي وأهدوا إليه هدايا، ومن أعظم الهدايا التي كَانَ يحبها النجاشي ويحبها قومه الجلود المدبوغة، وكانت توجد لدى العرب، ولا توجد عند غيرهم من الأمم بالشكل الذي عند العرب، فكانت تعجبهم هذه البضاعة وهذه الهدايا والتحف فأعطوهم التحف.\rوقد كَانَ قال أشراف قريش: اذهبوا إليه، وأعطوا رؤساء القوم والأساقفة والمستشارين كلاً منهم هديته، وأقنعوهم عَلَى الأمر قبل أن تكلموا النجاشي، فإذا كلمتموه، فإنهم يوافقونكم عَلَى ذلك، فذهب عمرو وعبد الله وجلسوا إِلَى المستشارين والمكرمين والوزراء، وأعطوا كلاً منهم هديته وتقبلوها.\r\rوقالوا لهم: الأمر كذا وكذا، ونريد إذا طرح الموضوع عند الملك أن تؤيدوه، ثُمَّ دخلوا عَلَى الملك فسلموا عليه وأهدوا إليه الهدية، وقالوا له: أيها الملك إننا جئنا إليك من أشراف قومنا، وإنه نبتت في قومنا صبية سفهاء تركوا دين قومهم وأشرافهم وكبارهم، وسفهوا أحلامهم، وخطئوا آراءهم، وقد جاءوا إليك مهاجرين وإن قومهم أعلم بهم منكم، فإن رأيتم أن تردوهم إِلَى أقوامهم، فإنهم أعلم بشأنهم وحالهم منكم؛ لكي لا تفسد المودة بينك وبينهم، هذا معنى كلامهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690491,"book_id":1659,"shamela_page_id":1617,"part":null,"page_num":1617,"sequence_num":1617,"body":"فَقَالَ النجاشي: إئتوني بهم واستشار قومه، فأشار المستشارون وقالوا أيها الملك: هَؤُلاءِ سفهاء وقومهم أعلم بهم وبحالهم فردهم إليهم، ولم يكونوا يريدون لا هَؤُلاءِ ولا عمرو وعبد الله - أن يأتي الْمُسْلِمُونَ إِلَى مجلس النجاشي لأنهم لو جاءوا، ودار الحوار فالنتيجة غير مضمونة، فكانوا يريدون أن يصدر أمر فوري وتنتهي المسألة.\r\rولكن النجاشي قَالَ: إئتوني بهم، لأرى ما عندهم، ولما بلغ الصحابة -رضوان الله تَعَالَى عليهم- أن النجاشي يريدهم، وأن رسل قريش قد جاءت اجتمعوا، وَقَالُوا: ماذا نصنع؟ فَقَالُوا: لا نقول -إن شاء الله- إلا الحق والله ﷾ سيظهر أمرنا، وسوف تكون العاقبة لنا.\r\rثُمَّ جاءوا إليه فَقَالَ لهم: ما شأنكم وما خبركم؟ فتكلم جعفر ﵁ وقَالَ: أيها الملك إنّا كنا في قوم كفر وجاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونقطع الأرحام، ونأكل مال اليتيم ونفعل ونفعل؛ وذكر من الموبقات التي كانوا يرتكبونها في الجاهلية وكنا نفعل أشياء غير ذلك فبعث الله -تعالى- فينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إِلَى عبادة الله وحده ونبذ ما نَحْنُ عليه من الأصنام، وأمرنا بالعفاف، والتقوى، وصلة الأرحام، وصيانة الأيتام، ونهانا عن الفجور، وعن كذا وكذا فآمنا به وصدقناه واتبعناه، فآذانا قومنا وأبوا علينا أن نتبعه، وأرغمونا عَلَى أن نعود فيما كانوا فيه من الكفر والضلالة والجاهلية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690492,"book_id":1659,"shamela_page_id":1618,"part":null,"page_num":1618,"sequence_num":1618,"body":"فلما رأينا الأمر كذلك جئنا إليك، وهاجرنا إِلَى بلادك؛ لعلمنا أنك ملك عادل لا يظلم أحد في جوارك، وهاهم قد أرسلوا إليك يطلبوننا فهذا هو شأننا معهم، فَقَالَ لهم النجاشي: هل عندكم مما جَاءَ به شيء؟ ... الخ الشاهد أن النجاشي الآن سمع الدعوى -دعوى النبوة- فيريد شيئاً يستدل به، وتأملوا كيف سيكون الدليل عَلَى صدق النبي ﷺ، الدليل: جزء من الدعوى؛ لأنه نفس القُرْآن وهو مما كذب به الكفار، وَقَالُوا: إنه قول شاعر أو ساحر أو كاهن أو كذا أو كذا، مما قالوا، فما الدليل أن هذا القُرْآن من عند الله؟ العادة لمثل هذه القضايا أن المسألة تحتاج إِلَى دليل خارجي؛ لأن هذا القُرْآن جزء من المشكلة الدائرة بين الْمُشْرِكِينَ وبين النبي ﷺ فكيف يأتون بهذه الدعوة ويجعلونها دليلاً أو يقدمونها؟\rالجواب: أن أصحاب النبي ﷺ لم يقدموها كدليل وإنما هي ذاتها دليل، هم قرءوا عليه جزءاً من أول سورة مريم، فلما سمع ذلك اخضلت عيناه بالدمع، وتلفت عمرو وعبد الله، وإذا بالقساوسة أيضاً تخضل لحاهم من الدمع، وإذا بهم يخشعون ويخضعون، سُبْحانَ اللَّه! وفيهم من لا يعرف اللغة العربية، وربما لا يترجم لهم شيئاً منها، وهذا القُرْآن هو نفسه القضية المختلف فيها كَانَ يمكن أن يقول: ما الدليل عَلَى أنه من عند الله لكن: اليقين أكبر من أنه يحتاج إِلَى دليل، فالدعوى نفسها تحمل دليلها في ذاتها، ومتى عرف العرب مثل هذا الكلام؟ وهذا الكلام لا يدخل للآذان، إنما يدخل إِلَى القلوب مباشرة، سواءً من يعرف لغة العرب أو من لا يعرفها، سُبْحانَ اللَّه!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690493,"book_id":1659,"shamela_page_id":1619,"part":null,"page_num":1619,"sequence_num":1619,"body":"ولذلك قال الله تعالى: وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُول ولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقّ [المائدة:٨٣] هذه الآية نزلت في النجاشي ومن سمع هذا القرآن، وأحق النَّاس بها هم أولئك فَقَالَ لهم: إن هذا والذي جَاءَ به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة.\r\rهذا الكلام يخرج من نفس ما جَاءَ به عيسى، وما جَاءَ به موسى، فكل من يؤمن برسالة عيسى وموسى وأي نبي؛ فعليه لزاماً أن يؤمن بهذا النبي، وأن هذا من عند الله ﵎.\rثُمَّ قَالَ: لن أردهم إليكم وأخرجهم، وقَالَ: هاتوا الأدم فأخذ الأدم والتحفة والهدية، وقَالَ: خذوها فرجعوا عنه.\rأما عبد الله بن أبي ربيعة فقد اقتنع ولم تكن ترضى نفسه أن يعود أُولَئِكَ إِلَى ما كانوا فيه من الاضطهاد، وأن يخرجوا أذلة من هذا البلد رغم العداوة ورغم أنه سفير قومهم إليهم.\r\rوأما عمرو بن العاص فإنه كَانَ لا يريد أن يرجع إلا وهو منتصر، وأحياناً يكون اشتداد القضية واشتداد الموضوع ادعى لأن يكون الحسم أكثر، فكّر عمرو وقَالَ: والله لآتينهم بالقاصمة التي لا يستطيعون ردها.\r\rفذهب إِلَى النجاشي في اليوم الثاني، وقَالَ: أيها الملك: إنهم يقولون في عيسى قولاً عظيماً إنهم يقولون: إنه عبد وهنا المشكلة لأن عمرو بن العاص يعلم أن النَّصَارَىجميعاً يقولون: إنه ابن الله، وأنه ثالث ثلاثة، وأنه إله ولاحظوا أنه لم يبين أنه عبد الله، المهم عبد ليكون نوع من الإثارة. والنجاشي أيضاً رجل عادل منصف، فاستدعاهم مرة أخرى ليسمع جواباً عَلَى هذه التهمة. فلما بلغ الصحابة -رضوان الله تَعَالَى عليهم- ذلك، قالوا: ماذا نصنع؟ قالوا: والله لن نقول إلا الحق، وما قاله رَسُول الله ﷺ وليكن ما يكون.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690494,"book_id":1659,"shamela_page_id":1620,"part":null,"page_num":1620,"sequence_num":1620,"body":"انظر إِلَى المسألة إذا كَانَ أمر دين واعتقاد لأن المسألة مسألة كفر وإيمان فلابد أن يقول الإِنسَان كلمة الحق، والنتيجة معروفة لطلبهم كي يرجعوا إِلَى مكة وهم خرجوا منها، ولهم من يعذب هناك فرَسُول الله ﷺ هناك وليس هناك الإكراه القاهر الملجئ الذي يضطرهم أن يقولوا كلمة الكفر لكن هناك صعاب ومتاعب؛ لكن لا تضر هذه الأمور في سبيل أن تقال كلمة الحق والله ما عدا عيسى هذا الوصف.\r\rهذه هي حقيقة عيسى ولا أكثر من ذلك أبداً، فتناخرت بطارقته -رجال الدين- فقَالَ: وإن تناخرتم! وفرح أصحاب النبي ﷺ وآمن النجاشي وأصبح بذلك مسلماً مؤمناً من المؤمنين، وقصته معروفة.\r\rولكن الشاهد هو أن النجاشي من وراء البحار والقفار، سمع دعوى النبوة، وصدق بنبوة النبي ﷺ بناءاً عَلَى بديهة ونظر وحكمة، ولم يكن بناءً عَلَى معجزة، فلم ير عصى تنقلب حية، ولم ير يداً بيضاء، أو ميتاً ينشر كما كَانَ عيسى ﵇، المهم أن لليقين مصادر أخرى، ولإثبات دعوى النبوة مصادر أخرى غير ما يقوله هَؤُلاءِ المتكلمون.\rموقف هرقل من الوحي\rأما هرقل، فإن شأنه أعجب كَانَ -كما هو معلوم- يحكم النصف الغربي من العالم، وكانتبلاد الشام، ومصر، وإفريقيا، كلها من مستعمراته ويحكم الإمبراطورية الرومانية، في أوروبا، وكانت روما مقر البابوية إِلَى اليوم، مقر الدين النصراني الكاثوليكي.\rوكان لديه من العلم بأخبار النبي ﷺ، وأحواله الشيء الكثير الذي تنطق به أناجيلهم وكتبهم، وتوراتهم، لأن النَّصَارَىيؤمنون بنفس توراة اليهود ويسمونها العهد القديم، ويضيفون إليه العهد الجديد، الذي هو الأناجيل، والرسائل التي كتبها من يسمونهم الرسل، وفي المجموع العهد القديم والعهد الجديد، يكون الكتاب المقدس عند النَّصَارَى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690495,"book_id":1659,"shamela_page_id":1621,"part":null,"page_num":1621,"sequence_num":1621,"body":"فهَؤُلاءِ جمعوا بين بشارات التوراة التي كَانَ يعلمها اليهودفي المدينة وأمثالهم، وبين بشارات الإنجيل، التي هي موجودة في الإنجيل أيضاً، فكانت لديهم هذه البشارات.\r\rوكانوا والفرس في حرب والنبي ﷺ وأصحابه، كانوا يتمنون أن يظهر الله ﷾ أهل الكتاب -الروم- عَلَى الفرس الْمُشْرِكِينَ، وكان المُشْرِكُونَ يتمنون أن يظهر الله الفرس؛ لأنهم مُشْرِكُونَ مثلهم عَلَى الروم، ولهذا قال الله ﷾: آلم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ [الروم:١-٤] .\r\rوحصل أنه بعد صلح الحديبية أو قريباً منه، قدر الله ﷾ وحصل ما أخبر به تعالى، وغلبت الرومُ الفرسَ وانتصروا عليهم انتصاراً عظيماً.\r\rوهرقل كانت نفسيته متقبلة للحق، وقد كَانَ أقسم عَلَى نفسه بالله إن نصرني الله عَلَى الفرس أنني أمشي من حمص إِلَى إيليا أي القدس، ماشياً يحج إِلَى القدس ماشياً شكراً لله عَلَى أنه نصره عَلَى الفرس، فلما حصل الانتصار أراد أن يفي بذلك، كانت تفرش له البسط وتوضع عليه الرياحين ويمشي عليها ووزراؤه راكبون، وهو يمشي حتى يبر بهذا اليمين فنزل واستقر في حمص.\r\rوكانت نفسيته مهيئة للحق ولشكر الله ﷾.\r\rوإذا به في تلك الأيام يأتيه دحية الكلبي بكتاب النبي ﷺ وجاء به إليه، فلما رأى الكتاب وقرأه كتب إِلَى الأسقف البابا الكبير الذي في روما، كما في لفظ صحيح البُخَارِيّ فجاء الأسقف هذا، وكتب له هرقل بما جرى، وأنه كما يعتقد ويظن هرقل أن هذا هو نبي آخر الزمان الذي بشر به المسيح، وينتظر الجواب منالأسقف.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690496,"book_id":1659,"shamela_page_id":1622,"part":null,"page_num":1622,"sequence_num":1622,"body":"والذي حصل أن هرقل قام يوماً من الأيام مهموماً مغموماً من رؤيا رآها، وكان له نظر في النجوم فقَالَ: هذا أوان ظهور ملك الختان أو أمة الختان، وجمع البطارقة، والأساقفة والقساوسة وقَالَ: هذا أوان ظهور ملك الختان أو أمة الختان، فَقَالَ له أصحابه: لا يهمك هذا الأمر يا ملك! قَالَ: لا.\rهذا يقين هذا حق، فابحثوا لي عن أي أمة تختن.\rقالوا: لا نعلم أمة تختتن إلا اليهود، وهم عبيدك وفي مملكتك، فلا يضرنك الأمر ولا تهولنك هذه الرؤيا.\rقَالَ: لا، ألا من أمة غيرهم.\rفكتب إِلَى ولاته قالوا نعم توجد أمة، وهي العرب أيضاً تختتن\rفقال لهم: من عثرتم عليه من هَؤُلاءِ القوم فابعثوا به إلي.\r\rوكان أبو سفيان زعيم قريش قد استغل الصلح الذي حصل في الحديبية وتاجر، كما فرحت قريش بالصلح والهدنة، لتتاجر، والنبي ﷺ وأصحابه فرحوا به ليتاجروا مع الله وليدعو النَّاس إِلَى دين الله ﷿ فكانت الكتب إِلَى ملوك الأرض بعده.\rفوجدوا أبا سفيان في غزة وما شعر إلا وهم يقبضون عليه من؟ وإلى أين؟ قالوا: إِلَى هرقل وحملوه إِلَى هرقل، ودخل عَلَى هرقل، فأجلسه هرقل وكان معه قرابة عشرين أو ثلاثين رجلاً من قريش.\r\rوقال له: إني سائلك عن أمر هذا الرجل وأنتم إن كذب فكذبوه -يعني- من معه وأبو سفيان -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- ذاك الوقت كَانَ كافراً، وكان يعلم أنه لو كذب لن يكذبه القوم لكن قَالَ: \"والله ما منعني أن أكذب إلا الحياء\" -الحياء لأن العرب لديهم الفطرة، ولما سأله قال من أقربكم إِلَى هذا الرجل؟ قال أبو سفيان: أنا، فهو زعيم القوم أولاً، وزعيم القوم لا يكذب، وإذا كذب الزعماء فكيف حال الأتباع، وخاصة أن العرب كانت تعد الكذب من الفجور.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690497,"book_id":1659,"shamela_page_id":1623,"part":null,"page_num":1623,"sequence_num":1623,"body":"ثُمَّ إنه أقرب النَّاس إِلَى النبي ﷺ من أُولَئِكَ الركب، لأنه من بني أمية وهم أقرب البيوت إِلَى بيت النبي ﷺ؛ لأن جد الجميع الرابع عبد مناف، وهو يريد أن ينتقم منه لأنه عدوه لكن الحياء والقرابة تمنعه وهو قد قَالَ: أنا أقرب النَّاس إليه فإذاً لن يلتزم في إجابته إلا أن يقول الحق, والصدق ثُمَّ ابتدأ تلك المناظرة الفريدة.\rأكبر ملوك الأرض وأكبر زعماء الدنيا صاحب الكتاب والرأي وصاحب الخبر الحسي والدليل النقلي الذي يملك بقايا الوحي من السماء، يسأل زعيم قريش، وعدو النبي ﷺ، التي تحاربه ليلاً ونهاراً وتسعد لاستئصاله كافة، وليس هناك أحد موجود لا النبي ﷺ موجود ولا أحد من أصحابه، وليس للنبي ﷺ سلطه لا عَلَى زعيم النصف الغربي من العالم، ولا عَلَى زعيم أعدائه حتى يجعلهم يحابونه أو يداهنونه، وإنما هي مناظرة تكون نتيجتها حقاً كم يظن هَؤُلاءِ النَّاس وكما يعتقدون من دون أي تأثير خارجي عَلَى الطرفين، ثُمَّ بدأت الأسئلة.\r\rوقبل أن نبدأ بالأسئلة ننبه إِلَى أن أسقف روما هذا الذي هو البابا الأكبر جَاءَ بنفسه لما جاءه كتاب منهرقل، وتعجب فلما دخل عَلَى هرقل قال له هذا هو النبي الذي بشر به عيسى، هذا هو النبي وآمن به وصدقه وشهد شهادة الحق، وقتل هذا الرجل فيما بعد لمَّا أن رفض قوم هرقل الإسلام وتراجع هرقل نفسه لكنه شهد شهادة الحق.\rولهذا لم يكن هرقل في موقف المناظرة -كما سوف نرى في الأسئلة- ولم يكن موقفه موقف الإِنسَان الذي يجهل شيئاً؛ بل في موقف المستدل بصدق النبوة والمستدل بصحتها والمقرع والموبخ لأبي سفيان، إذا كنت أنت قريبه وأنت الذي تعرف آياته ورأيتها وتكذب به فأنا أدلك عَلَى أنه كذا وكذا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690498,"book_id":1659,"shamela_page_id":1624,"part":null,"page_num":1624,"sequence_num":1624,"body":"وكانت العرب تنظر إِلَى الروم نظرة عالية كما ينظر مثلاً الآن بما يسمى، العالم الثالث إِلَى أمم الحضارة أن نظرتها أصوب ورأيها أدق، وكذلك معروف عن هرقل هذا وعن أمثاله الحلم والحكمة والروَّية، فكانوا يزنون رأيهم وزناً ثُمَّ إنه لقوتهم وهيبتهم وبطشهم يعلمون أنه لن يؤثر فيهم أي قوة، فكيف يرون أمر النبي ﷺ يصل إِلَى هذه القوه، لذلك قال أبو سفيان: لقد أَمِرَ أمر ابن أبي كبشة -يريد النبي ﷺ أي أن أمره قد ظهر حتى ليخافه ملوك بني الأصفر ملوك الروم صاروا يهابون مُحَمَّد ﷺ هذا الشيء عجيب ذهل أبو سفيان منه.\rنأتي إِلَى أسئلة المناظرة التي هي أكثر من عشرة أسئلة كلها في صميم إثبات نبوة النبي ﷺ.\r\rقَالَ المُصْنِّفُ ﵀:\r\r[وكذلك هرقل ملك الروم فإن النبي ﷺ لما كتب إليه كتاباً يدعوه فيه إِلَى الإسلام، طلب من كَانَ هناك من العرب وكان -أبو سفيان قد قدم في طائفة من قريش في تجارة إِلَى الشام فسألهم عن أحوال النبي ﷺ فسأل أبا سفيان وأمر الباقين إن كذَب أن يكذبوه، فصاروا بسكوتهم موافقين له في الإخبار.\r\rسألهم: هل كَانَ في آبائه من ملك؟\rفقالوا: لا.\r\rقَالَ: هل قال هذا القول أحد قبله.\r\rفقالوا: لا.\r\rوسألهم: أهو ذو نسب فيكم؟\rفقالوا: نعم.\r\rوسألهم: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟\rفقالوا: لا ما جربنا عليه كذباً.\r\rوسألهم: هل اتبعه ضعفاء النَّاس أم أشرافهم؟\rفذكروا أن الضعفاء اتبعوه.\rوسألهم: هل يزيدون أم ينقصون؟\rفذكروا أنهم يزيدون.\rوسألهم: هل يرجع أحد منهم عن دينه سُخطةً له بعد أن يدخل فيه؟\r\rفقالوا: لا.\r\rوسألهم: هل قاتلتموه؟\rقالوا: نعم.\r\rوسألهم عن الحرب بينهم وبينه؟\rفقالوا: يدال علينا مرة ونُدال عليه أخرى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690499,"book_id":1659,"shamela_page_id":1625,"part":null,"page_num":1625,"sequence_num":1625,"body":"وسألهم: هل يغدر؟\rفذكروا أنه لا يغدِر.\r\rوسألهم: بماذا يأمركم؟\rفقالوا: يأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئاً، وينهانا عما كَانَ يعبد آباؤنا، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة.\rوهذه أكثر من عشر مسائل، ثُمَّ بين لهم ما في هذه المسائل من الأدلة.\r\rفقَالَ: سألتكم هل كَانَ في آبائه من ملك؟\rفقلتم: لا.\r\rقلت: لو كَانَ في آبائه من ملك؛ لقلت: رجل يطلب ملك أبيه.\r\rوسألتكم: هل قال هذا القول فيكم أحد قبله؟\rفقلتم: لا.\r\rفقلت: لو قال هذا القول أحد قبله؛ لقلت: رجل ائتم بقول قيل قبله.\r\rوسألتكم: هل كنتم تتهمونه بالكذب، قبل أن يقول ما قال؟\rفقلتم: لا.\r\rفقلت: قد علمت أنه لم يكن ليدع الكذب عَلَى الناس، ثُمَّ يذهب فيكذب عَلَى الله.\r\rوسألتكم: أضعفاء النَّاس يتبعونه أم أشرافهم؟\rفقلتم: ضعفاؤهم، وهم أتباع الرسل، (يعني في أول أمرهم)\rثُمَّ قَالَ: وسألتكم: هل يزيدون أم ينقصون؟\rفقلتم: بل يزيدون وكذلك الإيمان حتى يتم.\r\rوسألتكم هل يرتد أحد منهم عن دينه سخطة له بعد أن يدخل فيه؟\r\rفقلتم: لا، وكذلك الإيمان، إذا خالطت بشاشته القلوب لا يسخطه أحد.\rوهذا من أعظم علامات الصدق والحق، فإن الكذب والباطل لابد أن ينكشف في آخر الأمر، فيرجع عنه أصحابه ويمتنع عنه من لم يدخل فيه، والكذب لا يروج إلا قليلاً ثُمَّ ينكشف.\rوسألتكم: كيف الحرب بينكم وبينه؟ فقلتم: إنها دول، وكذلك الرسل تبتلى وتكون العاقبة لها.\r\rقَالَ: وسألتكم هل يغدر؟\rفقلتم: لا، وكذلك الرسل لا تغدر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690500,"book_id":1659,"shamela_page_id":1626,"part":null,"page_num":1626,"sequence_num":1626,"body":"وهو لما كَانَ عنده من علمه بعادة الرسل وسنة الله فيهم أنه تارة ينصرهم وتارة يبتليهم وأنهم لا يغدرون -علم أن هذه علامات الرسل، وأن سنة الله في الأَنْبِيَاء والمؤمنين أن يبتليهم بالسراء والضراء، لينالوا درجة الشكر والصبر كما في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قَالَ: (عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له)\rوالله تَعَالَى قد بين في القُرْآن ما في إدالة العدو عليهم يوم أحد من الحكمة فقال: وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:١٣٩] .\rوقال تعالى: الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ [العنكبوت:٢،١] الآيات إِلَى غير ذلك من الآيات والأحاديث الدالة عَلَى سنته في خلقه وحكمته التي بهرت العقول.\r\rقَالَ: وسألتكم: عما يأمر به؟\rفذكرتم أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف والصلة، وينهاكم عما كَانَ يعبد آباؤكم، وهذه صفة نبي.\r\rوقد كنت أعلم أن نبياً يبعث، ولم أكن أظنه منكم، ولوددت أني أخلُصُ إليه، ولولا ما أنا فيه من الملك لذهبت إليه، وإن يكن ما تقول حقاً فسيملك موضع قدمي هاتين.\rوكان المخاطب بذلك أبو سفيان بن حرب وهو حينئذٍ كافر من أشد النَّاس بغضاً وعداوة للنبي ﷺ.\r\rقال أبو سفيان بن حرب: فقلت لأصحابي ونحن خروج: لقد أَمِرَ أَمْرُ ابن أبي كبشة، إنه ليُعَظِّمه ملك بني الأصفر، وما زلت موقناً بأن أمر النبي ﷺ سيظهر حتى أدخل الله عليَّ الإسلام وأنا كاره] اهـ.\rالشرح:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690501,"book_id":1659,"shamela_page_id":1627,"part":null,"page_num":1627,"sequence_num":1627,"body":"هذه الأسئلة أو المناظرة بين زعيمين كافرين في شأن نبوة النبي ﷺ، رتب هرقل الأمر وجعل أبا سفيان أمامه والقوم خلفه، وبإمكانهم أن يكذبوه، ولو بالإشارة ليتأكد من صدق أبي سفيان، وابتدأ الأسئلة أسئلة الإِنسَان البصير العالم الناقل الذي ينتقل خطوة خطوة حتى يصل إِلَى النتيجة الحاسمة المؤكدة.\rفبدأ يقول: (هل كَانَ من آباءه من ملك؟)\r\rلأنه عادة قد يقَالَ: إن هذا يريد الملك، ولهذا قالت قريش: وإن كَانَ إنما يريد ملكاً ملكناه، فالذي يريد أن يكون له أتباع قد يدعي النبوة، كما فعل مسيلمة وغيره.\rفقَالَ: (هل كَانَ من آباءه من ملك) فيريد أن يمشي عَلَى سنة آبائه ويكون له شأن؟\r(قالوا: لا) .\r(قَالَ: فهل قال هذا القول فيكم أحدٌ قبله؟)\r\rأي: هل كَانَ هناك أحد ادعى النبوة وفشل، وقال هذا: أنا سأرتبها وأدعي دعوة تنجح.\r\r(قالوا: لا)\r\r(فقَالَ: لو قال هذا القول أحد قبله لقلت رجل أتى بقولٍ قيل قبله) سمع ناساً قالوا شيئاً فظهر أمرهم فقَالَ: أنا أيضا سأدعو وأظهر حتى يكون لي مثل ما لهم لكن لم يعهد هذا في أمة العرب قال تعالى: مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِك [القصص:٤٦] .\r\r(قَالَ: وسألتكم أهو ذو نسب فيكم؟)\r\r(فَقَالُوا: نعم) وكما قلنا أبو سفيان عندما يزكي نسبه، فهو يزكي نسبه هو؛ لأن القرابة بينهما وهذا هو الحق، فأخبره هرقل أن الأَنْبِيَاء تبعث من أشراف القوم ولا تبعث من أراذلهم، قالهرقل: هذا أيضا دليل عَلَى أن هذا النبي صادق.\r(وسألهم: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟)\r\r(قالوا: ما جربنا عليه كذباً قط) .\r\r(فقَالَ: قلت قد علمت أنه لم يكن ليدع الكذب عَلَى النَّاس، ثُمَّ يذهب ويكذب عَلَى الله ﷿ هذا الذي ما كذب عَلَى النَّاس في شيء، لن يكذب عَلَى الله ويفتري عليه ويدعي عَلَى الله ما لم يقل، إذاً فهذا نبي صادق.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690502,"book_id":1659,"shamela_page_id":1628,"part":null,"page_num":1628,"sequence_num":1628,"body":"(وسألهم: هل اتبعه ضعفاء القوم أم أشرافهم؟) يعني في أول الأمر.\r\r(قالوا: بل اتبعه الضعفاء، قَالَ: وكذلك الأنبياء) لأنه يقرأ في قصص الأنبياء. كما تعلمون الملأ الذين استكبروا والملأ الذين استضعفوا، فريقان عادة أول ما يأتي أي نبي فإن الملأ الذين استكبروا يخافون عَلَى السلطان والمال والجاه والمكانة فلا يؤمنون، والملأ الذين استضعفوا لا يوجد معهم شيء من الدنيا، ويرون الحق واضحاً فيقدمون ويقبلون عَلَى الحق، لكن بعد ذلك يدخل الأشراف وغيرهم.\r\rوالنبي ﷺ قد دخل معه من أشراف القوم في أول الأمر أيضاً، لكن كَانَ في المقابل الزعماء والكبراء ضده ﷺ، لكن من المؤمنين من هو شريف ومنهم من هو من الموالي والعبيد، فهذه هي أيضاً علامة دالة عَلَى صدق النبي ﷺ.\rواستدل بها هرقل.\r\r(ثُمَّ سألهم هل يزيد أتباعه أم ينقصون؟) لأن الإِنسَان يمكن أن يدعو بأي دعوى فيتبعه كثير؛ لكن بعد ذلك يتناقصون؛ لأنهم يظنون فيه ظنوناً مثالية، فلما خبروه، تبين لبعضهم أنه كذاب أو أنه يريد مصلحةً لنفسه دائماً تتعارض الأقوال والرغبات فيتراجعون عنه وهكذا في كل دعوة يتراجع كثير من أصحابها.\r) (فسألهم: هل يرتد أحد منهم سخطةً في هذا الدين؟ قالوا: لا) .\r\rقال هرقل -انظروا كلامه وكأنه في أعلى درجات الإيمان واليقين-: (وكذلك الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب) سُبْحانَ اللَّه! كأنه إنسان من الأولياء المقربين؛ لأنه يعرف هذا من الأَنْبِيَاء من قبل، وكذلك الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب، لا يسخطه أحد ولا يرتد عنه أحد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690503,"book_id":1659,"shamela_page_id":1629,"part":null,"page_num":1629,"sequence_num":1629,"body":"(ثُمَّ سأل: هل قاتلتم هذا النبي؟ قالوا: نعم، قَالَ: كيف الحرب بينكم وبينه؟ قالوا: دول مرة لنا ومرة له) قَالَ: هذه أيضاً علامة الأَنْبِيَاء يبتلون ويمتحنون بأن يهزموا مرة أو مرتين؛ ولكن ستكون العاقبة لهم، ينذر أبا سفيان لا يغرك الصلح، كأنه يقول له: العاقبة له عليكم.\r\rوابتلاء الأَنْبِيَاء فيه حكمه: أن الأتباع ليسوا كلهم عَلَى درجة من الإيمان فبعضهم يتراجع ويتمحص صف الإيمان بهذه الهزائم والنكبات، ولا يبقى إلا المؤمن القوي الثابت، وهذا المؤمن المتمحص بالأحداث وبالفتن هو المؤهل لأن يقود الدعوة، ولأن يبلغ الدين، ولأن يورثه الله الأرض، فالعاقبة لهم قطعاً -العاقبة لهذا النبي واتباعه- لكن لو أن كل من دخل معه دخل وانتصر لدخل أصحاب الأهواء والمطامع والشهوات، لكن يقتل من يقتل ويعذب من يعذب فينهزمون مرة وينتصرون مرة، وهكذا فيتمحَّصون ويتربَّون فلا يستمر ولا يبقى لهذا الدين إلا من كَانَ حقاً قوي الإيمان وصادق الإيمان.\r(ثُمَّ سألهم: هل يغدر؟ قالوا له: لا يغدر، فقَالَ: هكذا الأَنْبِيَاء) لا يغدر النبي لأنه واثق من نصر الله، ولأنه يأتمر بأمر الله ﷾.\r(ثُمَّ سألهم ماذا يدعوكم إليه؟ فَقَالُوا: يأمرنا أن نعبد الله وحده ويأمرنا بالصلاة، والزكاة، والعفاف، وصله الأرحام، وبر الوالدين) وكلها محاسن وفضائل تطبق عليها الفطر والعقول، فقَالَ: هذه جَاءَ بها جميع الأنبياء، الوصايا العشر في آخر سورة الأنعام، جَاءَ بها جميع الأنبياء.\r\rإذاً هذا نبي، فاستنتج هرقل من هذا كله أنه ﷺ نبي حقاً بلا ريب.\rوقال هذه العبارة التي قالها في آخر مرة، قَالَ: (قد كنت أعلم أن نبياً يبعث ولم أكن أظنه منكم -أمة حقيرة تافهه- ولوددت أني أخلص إليه -أي أذهب إليه- ولولا ما أنا فيه من الملك لذهبت إليه) نعوذ بالله من الدنيا. .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690504,"book_id":1659,"shamela_page_id":1630,"part":null,"page_num":1630,"sequence_num":1630,"body":"(وإن يكن ما تقول حقاً فسيملك موضع قدمي هاتين) وفي رواية البُخَارِيّ ولم يذكرها المُصْنِّف هنا، قَالَ: (وددت لو أني أذهب إليه فأغسل قدميه) وهذه العبارة قالها المسيح ﵇ لما جاءه رجل فسأله: أأنت الذي يأتي في آخر الزمان ويكون لك كذا وكذا مما هو في التوراة؟ قَالَ: لا لست أنا، ذلك نبي يأتي من بعدي ووددت أني أدركه فأحل سيور نعليه، وأغسل قدميه.\r\rفعيسى ﵇ يتمنى ذلك وهرقل يقول نفس الكلمة التي قالها عيسى يتمنى أنه يرى النبي ﷺ فيغسل قدميه تشرفاً وتبركاً بغسل قدميه الشريفتين ﷺ.\r\rجمع هرقل أتباعه، وحاشيته، ومن يهمهم هذا الأمر من رؤساء الروم، ومن رجال السياسة، ورجال الدين، جمعهم جميعاً في مكان واحد وأوصد الأبواب، وقدم لهم وليمة، ثُمَّ فاتحهم في موضوع مهم وخطير، وعرفوا خطورته من خلال هذا الاجتماع الكبير الطارئ، وكان الإيمان قد وقر في قلب هرقل، وكانت دلائل الحق قد سطعت من أخبار النبي ﷺ التي جَاءَ بها ذلك الكتاب، والتي سمعها من فيِّ أبي سفيان.\rويستيقظ إيمان هرقل\rولم يكن أمام هرقل إلا أن تستيقظ وتصحو، لكن الأمر لم يصل إِلَى حد الإيمان الذي يدفع بصاحبه لأن يبيع كل عرض من أعراض الدنيا لهذا الدين، ولكن الله ﷾ يختص برحمته من يشاء.\rفهرقل لما جمعهم قَالَ: إن أمر هذا النبي قد ظهر، وإنه نبي حقاً، وإنه النبي الذي أخبرت عنه التوراة والإنجيل، وقد كتبت إِلَى صاحب روميا وصاحب روميا هو عادة يكون البابا الأكبر أي: أكبر رجل في الدين النصراني.\r\rوخاصة في المذهب الكاثوليكي الذي يقطن حالياً في روما في الفاتيكان - وقد صدق بهذا النبي، وأرى أن ندخل في دينه وأن نسلم جميعاً ونتبعه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690505,"book_id":1659,"shamela_page_id":1631,"part":null,"page_num":1631,"sequence_num":1631,"body":"فلما قال ذلك وجدها الأتباع كلمة ثقيلة جداً عليهم، ورأوا أنهم بين أحد أمرين: إما أن يدخلوا في الإسلام، وهذا شيء لا يريدونه ولا يطيقونه، ولا سيما من كَانَ منهم في منصب وفي مرتبة دينية عظيمة، فإنهم يتوقعون أن يفقدوها إذا آمنوا بالنبي ﷺ، فاحتاروا بين ذلك وبين أن يعلنوا مخالفتهم لهرقل، فربما أسلم وأخذ بالقوة والعزيمة فيقتلهم، أو تكون فتنة بينه وبينهم، فحاصوا وخرجوا مندفعين إِلَى الأبواب؛ ليفروا من هذا الاجتماع، ولينفضوا من هذا اللقاء.\rولكن هرقل كان قد أوصد الأبواب فلم يجدوا منها منفذاً، ولما رأى أن الأكثرية قد هربت وذهبت إِلَى الأبواب لتخرج منها، وهو في القلة التي لو آمنت لما كَانَ لها دوراً وقيمةً.\rآثر هرقل الدنيا عَلَى الآخرة، واختار الكفر عَلَى الإيمان، واختار المنصب والملك عَلَى الهداية والرشاد.\r\rفَقَالَ لهم: عودوا عودوا، إنما قلت ذلك لأختبر إيمانكم، واختبر قوة عقيدتكم، فما دمتم بهذه القوة فلا نزاع، فرجعوا جميعاً، وترك الموضوع، وذهب في موضوع آخر.\r\rومع ذلك بقي في نفس هرقل أن هذا النبي عَلَى حق، وأنه سوف ينتصر؛ ولهذا لما جاءه جيش أبي عبيدة ﵁ ودخلوا إِلَى دمشق، وتقدموا إِلَى حمص خرج هرقل، وقد كَانَ فيها وقَالَ: سلام عليك يا سوريا! سلام لا لقاء بعده.\rلأنه كَانَ يعلم أن ما قال لأبي سفيان: \"ليبلغن ملكه ما تحت قدمي هاتين\" سوف يتحقق.\r\rثُمَّ رحل من سوريا وتركها - وهي بلاد الشام، وأما صاحب رومية الذي كَانَ يعتبر القسيس الأعظم فإنه دخل في الإسلام، وأعلن إسلامه أمامهم، فتناوشوه بالسيوف وقطعوه، فكانت شهادة له عند الله بإذن الله.\r\rفهذا آخر ما آل إليه الخبر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690506,"book_id":1659,"shamela_page_id":1632,"part":null,"page_num":1632,"sequence_num":1632,"body":"والشاهد منه أننا نعلم أن هذا العدو -الإمبراطور عظيم الروم- أسلم وآمن بالنبي ﷺ من خلال ما يعرفه من صفات النبوة التي جاءت في الكتب المنزلة، والتي طابق وصف النبي ﷺ وصفها.\r\rمع أن هرقل لم يرَ آية من آيات النبي ﷺ، ولم يرَ انشقاق القمر، ولم يرَ الماء وهو ينبع من بين أصابعه ﷺ، ولم يرَ الطعام وهو يفرغ من القدر فيكفي المئات بينما هي طُبخت لأفراد، ولم يرَ النبي ﷺ وهو يعطي سهمه في الحديبية، ويوضع في البئر فإذا الماء يفور منها.\r\rوغيرها من الآيات البينات التي أعطاها الله ﷾ لنبيه ﷺ ولم يرها هرقل.\r\rوإنما جاءه هذا الكتاب فقط، وفيه دعوة موجزة إِلَى التوحيد، فطابق بين ذلك وبين ما وصفه به أبو سفيان عدوه في ذلك الحين، فرأى أن هذا هو النبي حقاً. فالشاهد من هذا أن العلم بالنبوة وثبوتها، أو العلم بأي قضية أو بأي مسألة من مسائل الاعتقاد لها في الإثبات طرق يحصل بها اليقين، غير الطرق التي يقولها المتكلمون.\r\rوالطرق التي يثبت بها المتكلمون النبوة إما أنها معجزة، أو آية مشاهدة خارقة، أو أنها تواتر ينقله جملة عن جملة عن جملة. وقد جَاءَ في السير أن النبي ﷺ لم يرسل إِلَى هرقل إلا رجلاً واحداً وهودحية الكلبي، وفي السير وفي كتب التاريخ اختلاف في إرسال دحية الكلبي، هل أرسله مرتين أو مرة واحدة؟ وهل جاءه إِلَى بصرى ثُمَّ ذهب إِلَى الشام؟ وهل هي واقعة أو واقعتين؟ المهم أنه رجل واحد أرسله النبي ﷺ، ولو فرضنا أنه أرسل اثنين أو ثلاثة لما كَانَ ذلك يبلغ مبلغ التواتر الذي يشترطه المتكلمون.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690507,"book_id":1659,"shamela_page_id":1633,"part":null,"page_num":1633,"sequence_num":1633,"body":"إن أول من جَاءَ بهذه الثلمة ووضعها في دين الإسلام، وأراد أن يفسد بها عقائد الْمُسْلِمِينَ، هم المعتزلة.\rخاصة اثنان من علماء المعتزلة:\r\rالأول منهما: أبو الهذيل العلاف.\r\rوالآخر هو: إبراهيم النظام.\rالنظام والعلاف أرادا هدم الدين\rفالعلاف والنظام أرادا أن يهدما دين الإسلام، وقد كَانَ النظام برهمياً عَلَى دين الهنود فأراد أن يهدم ملة الإسلام، فأعلن الإسلام ودخل فيه وتفلسف، ثُمَّ مال إِلَى المذهب المسمى بالاعتزال الذي أسسهواصل بن عطاء وعمرو بن عبيد كما سبق شرح ذلك فيما مضى.\r\rالنظام والعلاف يركبان في مذهب الإعتزال مبادئ فلسفية\rورث العلاف والنظام الاعتزال من واصل ومن عمرو بن عبيد وركبا فيه مبادئ فلسفية، أخذوها من الصائبة ومن فلاسفة الهنود ونحو ذلك وكان من فلسفة الهند أن البشر لا يحتاجون إِلَى الأنبياء، فالبرهمية ينكرون النبوات.\rحتى أنهم يقولون: إن بوذا الذي ينتسب إليه اليوم أكثر من خمسمائة مليون وهم عَلَى دينه البوذية ليس بنبي، وكذلك (تفنييوس) الذي يُنسب إليه أهل الصين إلى اليوم يقول أتباعه: إنه ليس بنبي، وإنما هو رجل مصلح، ورجل حكيم فقط.\rفهم ينتمون إِلَى دين ينكر النبوات ولا يثبتها. ويقولون: إن الحكمة العقلية يستغنى بها عن ذلك.\rوالنظام كَانَ في الأصل من هَؤُلاءِ القوم فجاء إِلَى دين الإسلام، وأراد أن يهدم النبوة ويهدم دلائل النبوة ولكن بطريقة خفية، فقَالَ: لا يمكن إثبات نبوة النبي إلا بالمعجزة.\r\rوآية خارقة يفعلها، وهذه المعجزة أو هذه الآية لا تثبت إلا بالتواتر، ثُمَّ بعد ذلك اختلفوا في تحديد التواتر، فَقَالُوا: سبعين عن سبعين عن سبعين شخص، واختلف المعتزلة بعد ذلك، فَقَالَ بعضهم: ثلاثين، وقال بعضهم: عشرين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690508,"book_id":1659,"shamela_page_id":1634,"part":null,"page_num":1634,"sequence_num":1634,"body":"ولو طبقنا هذا عَلَى ما جَاءَ في السنة من الآيات الحسية للنبي ﷺ فإننا قد لا نجد هذه الأعداد؛ لكنهم يريدون بهذا أن يتوصلوا إِلَى هدم الدين ولكن من بعيد، وبستار خفي.\r\rولقد تنبه علماء الإسلام إِلَى ذلك، وكفروا هَؤُلاءِ.\r\rوقد اخترع النظام والعلاف أموراً كثيرة تدل عَلَى أن كلاً منهما لم يكن يؤمن حقاً بدين الإسلام، وإنما كَانَ غرضه الهدم، فحصروا معرفة النبوة وحصول اليقين في التواتر فقط، وإلا فما عند الحكماء وما عند الفلاسفة يغني عن النبوة.\r\rالرد على ما اشترطه المتكلمون في باب النبوة\rلو أن عاقلاً فكر في كلامهم هذا لوجد أنه بالإمكان أن نرد عليهم ببساطه جداً، وذلك أن ما ورثه النظام والعلاف -ثُمَّ من تبعهم من المتكلمين من أشعرية وغيرهم- من طريق الفلاسفة، كيف ثبت لديهم؟ وكيف وصل إليهم؟\rهذا هو السؤال الذي يوجه إليهم، فنسألهم ونقول: إن النبي ﷺ توفي في السنة العاشرة أي: أن بينه وبين عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء حوالي مائة سنة فقط، ومائة وخمسين أو مائة وستين سنة بينه وبين العلاف والنظام، لكن كم بين العلاف والنظام وبين أرسطو وأفلاطون؟! قرون طويلة، مئات من السنين.\r\rوما كتبه أرسطو وأفلاطون كتبوه بلغتهم، وهذه اللغة ترجمت، ثُمَّ ترجم من الترجمة أحياناً ثلاث ترجمات أو أربع حتى وصل إِلَى اللغة العربية التي كَانَ العلاف والنظام يقرؤون بها، فلم تصلهم بالسند، ولم تصلهم بنفس اللغة التي كتبوها، ومع ذلك يقولون: هذه عقليات، وهذه قواطع، وهذه يقينيات!!\rأما النصوص والأحاديث النبوية التي جاءت عن النبي ﷺ فيعتبرونها من قبيل أخبار الآحاد فلا تثبت!!\rفلو أن العاقل تدبر هذا لعلم أنهم مجرد هدامين هذا أمر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690509,"book_id":1659,"shamela_page_id":1635,"part":null,"page_num":1635,"sequence_num":1635,"body":"والأمر الآخر أن القرآن -ولله الحمد- قد ثبت بالتواتر الذي لم يقع لأي كتاب في الأرض على الإطلاق، فالآلاف ترويه عن الآلاف، فلو أن هَؤُلاءِ القوم تهمهم مسألة التواتر والآحاد لآمنوا بما جَاءَ في القُرْآن كله، ثُمَّ نناقشهم في السنة؛ لكنهم يقولون: القُرْآن يصرف عن معناه إِلَى معاني مجازية، إِلَى التأويل.\rوالسنة غير متواترة، والمتواتر منها في نظرهم إذا كَانَ موجوداً يعامل معاملة القُرْآن يصرف بالمجاز وبالتأويل، إذا عَلَى قولهم هذا لم يبقوا كتاباًً ولا سنة، المتواتر أولوه والآحاد ردوه، وعليه فليس هناك وسيلة للعلم الشرعي؛ بل إن وجود القُرْآن والسنة عَلَى هذا الحال حسب كلامهم يصبح عائقاً بين النَّاس وبين الحق والعياذ بالله؛ لأن النَّاس كَانَ في إمكانهم أن يأتوا إِلَى ما كتبه أرسطو وأفلاطون والعلاف والنظام، ويأخذوا الحق منه مباشرة.\r\rفجاء القُرْآن وجاءت السنة فأشتغل النَّاس بتأويل هذا ورد هذا فكان مشغلة، وكان حاجزاً بين النَّاس وبين الحق عَلَى كلام هذين الخبيثين وأمثالهما.\r\rفمن هنا تعلم القضية التي أشار إليها المؤلف أن العلم اليقيني والعلم الضروري يحصل بطرق أخرى كثيرة.\r\rالنبي يرسل إلى ملوك الأرض آحاداً من الناس\rإن النبي ﷺ أرسل إِلَى ملوك الأرض آحاداً يبلغون النَّاس الدين، فلو أن كل أمة جاءت وقالت: لا نؤمن ولا نصدق بأن هذا الكتاب من عنده إلا إذا جاءنا من سبعين عن سبعين إِلَى آخره لكان هذا جنوناً في عقولهم، قبل أن يكون تكذيباً للرَسُول الذي أرسل هذا الرسول.\rوهذا أمر معروف لدى سائر البشر حتى اليوم، فإن لديهم علامات، ولديهم قرائن للحق غير التواتر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690510,"book_id":1659,"shamela_page_id":1636,"part":null,"page_num":1636,"sequence_num":1636,"body":"فلو أن النَّاس أخذوا هذا المبدأ، وَقَالُوا: لا نتعامل إلا بما ينقله جمع عن جمع لكلف ذلك شططاً، ولكنت تحتاج إذا أردت أن تشهد عَلَى قضية أو تكتب عن مسألة أن تشهد عليها سبعين أو عشرين، كما اشترط هَؤُلاءِ المتكلمون، ثُمَّ بعد ذلك يكون اليقين.\r\rوهكذا فالعاقل إذا تأمل ذلك يجد أنهم مجانبون للصواب بوضوح، وإنما كَانَ قصدهم زندقة وهدم لدين الإسلام، ولذلك ينبه المُصْنِّف ﵀ عَلَى شيء من كيفية حصول العلم وكيفية حصول اليقين في القلوب.\r\rبعثة محمد ﷺ تشغل أذهان كفار زمانه وعقولهم\rقَالَ المُصْنِّفُ ﵀:\r[ومما ينبغي أن يعرف: أن ما يحصل في القلب بمجموع أمور قد لا يستقل بعضها به، بل ما يحصل للإنسان من شبع وري وشكر وفرح وغم بأمور مجتمعة لا يحصل ببعضها؛ لكن ببعضها قد يحصل بعض الأمر.\r\rوكذلك العلم بخبر من الأخبار، فإن خبر الواحد يحصل للقلب نوع ظن، ثُمَّ الآخر يقويه، إِلَى أن ينتهي إِلَى العلم، حتى يتزايد ويقوى، وكذلك الأدلة عَلَى الصدق والكذب ونحو ذلك] اهـ.\rالشرح:\r\rيذكر المصنف: أن هناك قرائن وأموراً تجتمع في أي قضية فتحولها إِلَى يقين، وضرب أمثلة بحال الإِنسَان في الأكل والشرب وغير ذلك.\r\rفالإِنسَان إذا أكل شيئاً من الطعام حصل له شيء من الاكتفاء، فإذا أكل كثيراً حصل له الشبع التام هذا في المحسوسات.\rوكذلك اليقين في الأخبار العادية، فإنه إذا حدثك رجلٌ أن أمراً ما قد حدث، فإنه سيحصل عندك نوع من العلم بأن هذا الأمر قد وقع فعلاً؛ لكن لو حدثك آخر ثُمَّ آخر، ثُمَّ قرأته في كتاب، ثُمَّ سمعت النَّاس يتحدثون عنه، لحصل لديك به علم يقيني.\r\rبحيث لو جاءك إنسان آخر وقَالَ: هذا الكلام كله لم يحصل ولم يقع، فسيكون لك ردة فعل عَلَى هذا الكلام، ولا يمكن أن يدفع ما ثبت عندك يقيناً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690511,"book_id":1659,"shamela_page_id":1637,"part":null,"page_num":1637,"sequence_num":1637,"body":"وهكذا كَانَ حال النبي ﷺ فإنه لما بعث ﷺ تناقلت الركبان أخبار بعثته كما في حديث أبي ذر الغفاري المعروف الذي رواه البُخَارِيّ ومسلم فإنه لما سمع أن النبي ﷺ قد خرج، أرسل أخاه فَقَالَ له: ائتني بخبر هذا الرجل الذي قد خرجَ، والقصة معروفة.\r\rوغيرها كثير ممن سمع بالنبي ﷺ في الحج، أو في أسواق العرب التي كَانَ يغشاها النبي ﷺ، ويبلغ الدعوة فيها، ويتحدث عنها النَّاس وتأتيهم الأخبار من الذين يؤمنون من أقوامهم فيذهبون إليهم، ويقولون لهم: ذهبنا إِلَى هذا النبي، ورأيناه ووجدناه يدعو إِلَى كذا وكذا فيؤمن القوم أو بعضهم.\r\rثُمَّ بعد ذلك يأتي وفدهم إِلَى النبي ﷺ كما حصل للوفود التي وفدت إِلَى النبي ﷺ وقد آمنوا بنبوته، ولكن وفدوا يريدون اليقين، فعندما يسألونه ويرونه ﷺ يأتي اليقين الكامل بصدق نبوته، وقد يبقى أيضاً من الشكوك عند البعض الآخر فيرتدوا ثُمَّ تكون الحرب عليهم.\rالشاهد من هذا أن الخبر - دائماً - يحصل ويأتي إِلَى النفس بطريقة انفرادية، ثُمَّ ما يزال يقوى وتجتمع منه أمور معينة تجعله يتأكد وهذا يدل عَلَى أنه ليس من الشرط لحصول اليقين أن تلزم طريقاً واحداً، كما يلزمنا به المتكلمون من المعتزلة أو غيرهم، وطبيعة الحياة، وطبيعة الاجتماع البشري تكون في الأخبار والأحداث العظيمة عَلَى الطريقة التي ذكرنا، وليس هناك حدث أعظم وأضخم من حدث النبوة أو دعوى النبوة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690512,"book_id":1659,"shamela_page_id":1638,"part":null,"page_num":1638,"sequence_num":1638,"body":"إنها قضية كبرى عند جميع الناس، فالذين بعث إليهم النبي ﷺ كانت النبوة عندهم حدث عظيم؛ لأنه لم يبعث فيهم نذير ولا بشير قبله، فكان لا بد أن يستغرق أذهانهم بالتفكير فيه، ولا سيما أن هذا المبعوث بعث في قلب مركز وثنيتهم وعبادتهم، وبجوار البيت الذي يعظمونه جميعاً، ومن نفس الأسرة التي هي أشرف الأسر، وهو من ذرية إسماعيل ﵇ ولد إبراهيم ﵇، اللذين بنيا هذا البيت، وأما الروم واليهود وأمثالهم فإن لديهم الكتبَ التي فيها صفات هذا النبي، وكانوا ينتظرون زمانه، وقد أخبر كثير منهم بأن هذا الزمان هو زمان هذا النبي فعندما كانوا يتحسسون الأخبار كما حصل من بحيرا الراهب الذي كَانَ في بصرى، فقد كَانَ يخرج من الصومعة ويتحسس الأخبار، وينزل عَلَى طريق القوافل التجارية بين بلاد العرب وبين الروم، ويقول: هل ظهر نبي آخر الزمان؟ هل جاءكم أحد؟ هل أخبركم أحد؟ حتى وجد ركباً فأخبروه أنه قد ظهر نبي آخر الزمان.\rوأيضاً الراهبان اللذان تعبد عندهما سلمان الفارسي رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ ما زال كل واحد منهم يسلمه إِلَى الآخر، إِلَى أن قال له:آخرهم: لا أعلم أحداً اليوم في الأرض عَلَى ما أنا عليه إلا أن نبي هذا الزمان قد ظهر فالتمسه في بلاد العرب، في أرض ذات نخل بين حرتين، ولهذا جَاءَ سلمان الفارسي يبحث عن الدين لذاً كَانَ اهتمام القوم بهذا الأمر عظيماً؛ لأنهم يترقبون هذا النبي ويتوقعونه فأخذت آياته تظهر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690513,"book_id":1659,"shamela_page_id":1639,"part":null,"page_num":1639,"sequence_num":1639,"body":"وكانت أعظم آيات النبي ﷺ التي رآها أُولَئِكَ النَّاس أصحابه ﷺ؛ لأن الإِنسَان يرى هذه الأمة التي تحولت من عبادة الأوثان وشرب الخمور ووأد البنات والظلم والنهب والجور إِلَى أمة مؤمنة تقية عادلة بارة، لم يشهد التاريخ فاتحاً أرحم منها، ولا حاكماً أعدل منها، تتواصى بالحق وبالصبر، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتبعث مكارم الأخلاق التي اندثرت في قلوب الأمم عَلَى مر القرون.\r\rفكان الرجل من الأمم إذا رأى أحداً من أصحاب النبي ﷺ، أو استطلع أخبارهم وأحوال جيش الْمُسْلِمِينَ يتعجب أشد العجب من أخلاق هذه الأمة ومن تعاملها، وهذا هو الذي يغزو قلوب النَّاس أكثر مما تغزوهم المسائل النظرية والجدلية.\r\rوما زال خبر النبي ﷺ يتردد بينهم، وآياته تظهر حتى صدقوا وآمنوا، ودخلوا في دين الله برغبة وصدق، مع أنهم لم يكونوا يفهمون اللغة العربية إلا من كَانَ عربياً بطبعه، ومن تعلمها فيما بعد، فآمنوا وحملوا السيوف للجهاد، وآمنت أمم في أصقاع الدنيا وجاهدت من أجل هذا الدين، بناء عَلَى هذه الآيات الواضحات في خلق أصحاب النبي ﷺ، وفي الحق الذي جَاءَ به هذا النبي ﷺ، وبمقارنته بالفطرة وبمكارم الأخلاق التي تؤمن بها كل فطرة سليمة، ويهدي إليها كل عقل رشيد سليم، فهذا من أعظم الآيات الدالة عَلَى صدق النبي ﷺ دون حاجة إِلَى ما ذكره أُولَئِكَ المتكلمون، وهناك أدلة أخرى سيذكرها المؤلف أيضاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690514,"book_id":1659,"shamela_page_id":1640,"part":null,"page_num":1640,"sequence_num":1640,"body":"قَالَ المُصنِّفُ ﵀: [وأيضاً فإن الله ﷾ أبقى في العالم الآثار الدالة عَلَى ما فعله بأنبيائه والمؤمنين من الكرامة، وما فعله بمكذبيهم من العقوبة، كتواتر الطوفان، وإغراق فرعون وجنوده. ولما ذكر سبحانه قصص الأَنْبِيَاء نبياً بعد نبي في سورة الشعراء كقصة موسى وإبراهيم ونوح ومن بعده، يقول في آخر كل قصة: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ َ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [الشعراء:٦٨،٦٧] وبالجملة: فالعلم بأنه كَانَ في الأرض من يقول: إنه رَسُول الله، وأن أقواماً اتبعوهم، وأن أقواماً خالفوهم، وأن الله نصر الرسل والمؤمنين، وجعل العاقبة لهم، وعاقب أعداءهم: هو من أظهر العلوم المتواترة وأجلاها. ونقل أخبار هذه الأمور أظهر وأوضح من نقل أخبار من مضى من الأمم من ملوك الفرس وعلماء الطب: كبقراط وجالينوس وبطليموس وأفلاطون وسقراط وأرسطو وأتباعه، ونحن اليوم إذا علمنا بالتواتر من أحوال الأَنْبِيَاء وأوليائهم وأعدائهم علمنا يقيناً أنهم كانوا صادقين عَلَى الحق من وجوه متعددة، منها: أنهم أخبروا الأمم بما سيكون من انتصارهم وخذلان أُولَئِكَ وبقاء العاقبة لهم. ومنها: ما أحدثه الله لهم من نصرهم وإهلاك عدوهم إذا عرف الوجه الذي حصل عليه: كغرق فرعون، وغرق قوم نوح وبقية أحوالهم عرف صدق الرسل، ومنها: أن من عرف ما جَاءَ به الرسل من الشرائع وتفاصيل أحوالها، تبين له أنهم أعلم الخلق، وأنه لا يحصل مثل ذلك من كذاب جاهل، وأن فيما جاؤوا به من الرحمة والمصلحة والهدى والخير ودلالة الخلق عَلَى ما ينفعهم ومنع ما يضرهم ما يبين أنه لا يصدر إلا عن راحم برٍ يقصد غاية الخير والمنفعة للخلق. ولذكر دلائل نبوة مُحَمَّد ﷺ من المعجزات وبسطها موضع آخر، وقد أفردها النَّاس بمصنفات كالبيهقي وغيره] اهـ. الشرح: وهنا دليل آخر من أدلة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690515,"book_id":1659,"shamela_page_id":1641,"part":null,"page_num":1641,"sequence_num":1641,"body":"كثيرة عَلَى إثبات النبوة للأنبياء جميعاً، وإمكان العلم والمعرفة بها، وهذا الدليل هو ما أبقاه الله ﵎ من الآثار المكتوبة أو المحفوظة أو المحسوسة، للدلالة عَلَى صدق نبوة الأنبياء، فإن البشرية جمعاء والعالم أجمع يتناقلون هذه الآثار، فمثلاً الطوفان جَاءَ علماء الاجتماع أو المكتشفون الأوروبيون وذهبوا إِلَى أمريكا الجنوبية، وذهبوا إِلَى أفريقيا، وذهبوا إِلَى الهند، وإلى شرق آسيا، وإلى الأدغال والأحراش، ومناطق كثيرة لاكتشاف المجتمعات، كيف تعيش؟ وكيف تعتقد؟ وبماذا تدين؟\rالعالم أجمع يتناقل آثار الأمم الماضية\rوجد هَؤُلاءِ المستكشفون أن جميع المجتمعات تعتقد أدياناً ولهم عباداتهم، ووجدوا أنهم يؤمنون بالطوفان، وبأنه قد عم الأرض، وسموها الخرافة المشتركة، أو الأسطورة المشتركة؛ لأن كل القبائل اشتركت واتفقت عليها، بينما لكل قبيلة أو مجتمع أساطير أخرى، فيقال لهم: كيف تكون أسطورة مشتركة، وأنتم تقرؤون ذلك في كتبكم، في التوراة، وفي الإنجيل، والْمُسْلِمُونَ يقرؤون ذلك في القرآن، وهو محفوظ معصوم، والنَّاس الذين كتبوا التاريخ المحفوظ المقروء يتناقلونه، وهذا تاريخ محفوظ متناقل في السطور مذكور فيه والآثار الحسية في الأرض تقول بذلك.\rفإذا كانت كل الشواهد والدلائل تدل عَلَى أمر من الأمور فهل يكون هذا دليلاً عَلَى أنه خرافة مشتركة؟ إنما تدل عَلَى أن هذا الأمر حقيقة مشتركة.\rفاشتراك النَّاس في ذلك دليل عَلَى إثبات هذه الحقيقة، وكل البشر في جميع المجتمعات يعتقدون أن أصل البشر من أم وأب واحد، ثُمَّ يقولون: إنه بعد الطوفان غرق من في الأرض إلا النبي ومن كَانَ معه، ثُمَّ تناسلت منهم البشرية، وهذا كلام لا يمكن أن يكون مجرد اختلاق.\r\rأما دلالتكم أنتم عَلَى أن هذه الشعوب أو هَؤُلاءِ النَّاس خرافيون، وإنكاركم لآدم، وإنكاركم لنوح، هذا هو الظن والاختلاف الذي ليس عليه أي دليل عَلَى الإطلاق.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690516,"book_id":1659,"shamela_page_id":1642,"part":null,"page_num":1642,"sequence_num":1642,"body":"كتب التاريخ وتغيبها لقصص الأنبياء مع أقوامهم\rإن الله ﷾ أبقى من الدلائل عَلَى الأَنْبِيَاء وما حصل لهم مع أممهم، ما يدل عَلَى صدقهم، ونحن نؤمن به، ونقرأه في التواريخ وفي الآثار، وهو أكثر ثبوتاً من إثبات أرسطو وأفلاطون في علم الاجتماع وغيرهم في غيرها من العلوم، ونحن نجد من يكتب في التاريخ أنهم عندما يبدأون بالكلام عن الطب فيبدؤون بالطب عند اليونان، ويتكلمون عن تاريخ الطب وعلماء الطب من اليونان وجالينوس وبقراط.\rوفي علم الجغرافيا والفلك يبدؤون أيضاً من الجغرافيا عند اليونان فيحدثونك عن بطليموس وأمثاله، وهكذا كأن بداية العلم البشري ظهر من اليونان.\rولابأس عندنا بالتحديث عن تاريخ هذه العلوم، لكن لماذا يتحدثون عن هذا التاريخ، ثُمَّ ينتقلون منه إِلَى القرون الوسطى، ثُمَّ منه إِلَى العصر الحديث، ولا يأتي ذكر النبي ﷺ ولا ذكر الإسلام، ولا التاريخ الإسلامي إلا عرضاً؟! حتى في الجامعات الإسلامية تأتي هذه الأمور عرضية فهم يبدؤون بالكلام عن اليونان والرومان.\r\rثُمَّ العصور الوسطى ويتحدثون قليلاً عن الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ العصر الحديث، ولا تجد ذكراً للأنبياء في علم التاريخ؛ بل تجد الحديث عن الفراعنة ويؤلف فيهم المجلدات الطويلة ولا يذكر كفرهم، وما بعث الله إليهم من الأنبياء، ويعتبرون ذلك خاصاً بكتب الدين، حتى ما حصل من إغراق الله تَعَالَى لفرعون، فإنهم يمرون عليه كأنه حدث من جملة الأحداث العادية، فيقولون: في عصر فلان الثاني من ملوك الفراعنة، حصل أنه أراد أن يقاتل بعض الناس، فاجتاحه الماء وغرق، وانتهى الأمر.\r\rوماذاك -والله أعلم- إلا لأنهم لما نقدوا كتبهم وأناجيلهم وجدوها مزيفة لايصدقها التاريخ، ومع ذلك ليست كلها زائفة بل فيها حق وفيها باطل؛ لكن هَؤُلاءِ الحاقدين من الملاحدة الأوروبيين أنكروها بجملتها، وَقَالُوا: التاريخ هو الحقيقة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690517,"book_id":1659,"shamela_page_id":1643,"part":null,"page_num":1643,"sequence_num":1643,"body":"وأما الأديان فلا عبرة بها ولا يؤخذ بكلامها، ولا يؤخذ بالكتب الدينية في تسجيل الأحداث التاريخية.\r\rوفي المسلمين من يأخذ عن الحاقدين لهذا الدين\rفجاء بعض الْمُسْلِمِينَ وأخذ نفس الفكرة، وأخذ نفس الرأي فتراه يتحدث عن الفراعنة ولا يذكر موسى ﵇ ولا ما حصل له، ويتحدث عن الأشوريين والكلدانيين، ولا يتحدثون عن رسالة إبراهيم ﵇ ولا عن موقفه منهم، وهكذا. فكأن الأَنْبِيَاء ليسوا موجودين من التاريخ، لماذا؟\rلأن كتب التاريخ التي كتبها المُشْرِكُونَ والكفار من الأمم الماضية لم يذكروا فيها الأنبياء، وعليه فهم لا يذكرونها، بينما ذكرها الله ﷿ في كتابه.\rالشاهد مما سبق: أن خبر إغراق فرعون معلوم لدى الناس، والله ﷾ قد ترك من آثار الفراعنة شواهد دالة عَلَى أنه ﷾ قد عذبهم وأهلكهم، وكذلك كثير من الأنبياء.\r\rكما نشاهد في مدائن صالح ﵇، فقد ترك الله عزوجل هذه الآيات الواضحة ليرى النَّاس أن نبياً قد بعث، وأن قومه قد كَفَرُوا به، فأهلكهم الله عزوجل، وهذه جبالهم التي كانوا ينحتونها ويتخذون منها القصور والبيوت لا تزال شاهدة فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [النمل:٥٢] .\r\rمواقع الأمم الماضية آثار أم دمار؟!\rإن بقايا وآثار مساكن الكافرين متواترة ومشهورة عند الناس، لا يغفل عنها إلا أصحاب القلوب المعرضة، فالذين يذهبون في رحلة، وفي نزهة، ويصورون تلك الجبال، وبعضهم يضخمها صورة كبيرة، ويعلقها في البيت، سُبْحانَ اللَّه العظيم!\rهذا عذاب أمة عظيمة، أهلكها الله بالمعاصي أتعلق صورها للزينة!! والنبي ﷺ قد نهى أن نمر بها إلا مستعبرين، أي: باكين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690518,"book_id":1659,"shamela_page_id":1644,"part":null,"page_num":1644,"sequence_num":1644,"body":"ونهى عن الإقامة فيها كما هو ثابت في قصة غزوة تبوك، ولكن القلوب الغافلة أبت إلا أن تتخذها منتزهات وملاهي، ولذلك نبه المُصْنِّف ﵀: إن الله ﷾ في سورة الشعراء بعد أن يذكر كل أمة من الأمم، وماذا جرى لها يقول:إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [الشعراء:٨-٩] .\r\rويقول الله ﷾ في آخر سورة يوسف لما قص قصة يوسف: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ [يوسف:١١١] وأولوا الألباب هم فقط الذين يعتبرون عندما يرون أمثال هذه الأحداث.\rفترك الله ﷿ شواهد حسية مرئية، وشواهد منقولة بالتواتر تاريخياً، مكتوبة أو محفوظة تدل عَلَى أن له أنبياء، وأن هَؤُلاءِ الأَنْبِيَاء قد بعثوا إِلَى أقوامهم فمن آمن منهم نجى، ومن كفر من أقوامهم فإنه يهلك بأنواع من الهلاك ما تزال بعضها شاهدة شاخصة يراها أولوا الألباب، ويقر بها أولوا الأبصار.\r\rفهذه أيضاً من الدلائل التي يغفل المتكلمون والفلاسفة وأمثالهم عن الاستشهاد بها عَلَى صدق النبوة.\r\rهوس فلاسفة اليونان\rومن الأمثلة العجيبة أنه لما جَاءَ فلاسفة اليونان وقد بلغهم أن بيتاً في بلاد العرب -وهو الكعبة- يؤمه النَّاس من جميع الأقطاب؛ لأن هذا البيت من أعظم الآثار الواضحة عَلَى النبوة -كما هو معلوم- من عهد آدم ﵇، ثُمَّ نوح ﵇، ثُمَّ إبراهيم ﵇ الذي جدد بناءه، ثُمَّ بقي بناؤه من إبراهيم ﵇ إِلَى اليوم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690519,"book_id":1659,"shamela_page_id":1645,"part":null,"page_num":1645,"sequence_num":1645,"body":"وهذا أيضاً مما يدل عَلَى النبوة، فتنجذب إليه قلوب البشر من أنحاء أفريقيا، ومن آسيا، ومن كل أقطار العالم، فأخذ الفلاسفة يفكرون عندما حاروا في أمر هذا البيت، فظلوا يفكرون لانجذاب القلوب نحو هذا البيت يتفق مع ما يقولون به من أنه لا نبوة، ولا دين، ولا شيء من هذا قالوا: إذاً حجر المغناطيس موضوع تحت الكعبة؛ فلذلك ينجذب إليه الناس!!\rوَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ [الحجر:١٤-١٥]\rفيقال لهم: ومن وضع هذا الحجر؟! فإن كَانَ من عند الله فلماذا لم يضعه إلا في هذا المكان؟! وإن كَانَ الذي وضعه بشر فلماذا وضعه في بلاد العرب؟! ومن هذا البشر الذي وضعه؟! ولماذا لم يضعه في الأرض الخصبة، والأراضي المتحضرة؟! إن ما يقولونه لا يمكن أن يقبله العقل.\rفالقصد أن الله ﷾ ترك من الأدلة الواضحة الجلية عَلَى إثبات نبوة النبي ﷺ، والأنبياء جميعاً ما يقطع لكل ذي لب بأن النَّاس منذ عهد آدم ومنذ أن وقع الشرك، ثُمَّ صار النَّاس فريقين: مؤمنين وكافرين.\rوإن أصل إيمان المؤمنين هو: الإيمان بالنبوات؛ لأن الله ﷾ يبعث إليهم الرسل تتراً، أي: متتابعين، فيأتيهم النبي ويبلغهم رسالات ربهم، ويذكرهم بالله ويدعوهم إِلَى ما فيه صلاحهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690520,"book_id":1659,"shamela_page_id":1646,"part":null,"page_num":1646,"sequence_num":1646,"body":"فلهذا يقول المؤلف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: نَحْنُ اليوم نعلم بالتواتر من أحوال الأَنْبِيَاء وأوليائهم وكذلك من حال أعدائهم ما يدل قطعاً وصدقاً عَلَى نبوتهم، غير الأدلة التي يحصرنا فيها أُولَئِكَ الناس، فَيَقُولُ: ومن ذلك أنهم أخبروا الأمم بما سيكون من انتصارهم، وبقاء العاقبة لهم وخذلان أعدائهم، فمنذ أن يُبعث النبي وهو موقن بالانتصار، كما هو حال نبينا ﷺ، فقد كَانَ ورقة بن نوفل موقن بأنه نبي، ويقول: ليتني أكون فيها جذعاً، إذ يخرجك قومك، علم أن قومه سيخرجونه؛ لكنه هو الذي سينتصر في النهاية، وقد قالها هرقل: الأَنْبِيَاء يُغلبون ابتلاءً من الله، ولكن تكون العاقبة لهم، وهكذا أخبرنا النبي ﷺ أن العاقبة كانت للأنبياء الذين من قبله، وأن الله ﷾ أهلك الأمم التي كذبتهم وكفرت بهم جميعاً، كما في أحداث فرعون وقومه، ونوح وقومه وأمثالهم.\r\rالشيء العظيم جداً الذي اختص الله ﷾ بأعظمه وأشمله النبي ﷺ، وهو ما يأتي به الأَنْبِيَاء من الشرائع.\rولهذا يقول النبي ﷺ: \"وإنما كَانَ الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إلي وأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يَوْمَ القِيَامَةِ \" وماذاك إلا لأن الله ﷾ جعل بينته وحياً نورياً يتلى ويتناقل ويتداول، ولم تكن خارقة حسية يراها بعض الناس، أو يتناقل أخبارها بعض الناس، وإنما كانت مع وجود هذه الخوارق والآيات الحسية وحياً يتلى.\rما من خير إلا وقد دل عليه الأنبياء","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690521,"book_id":1659,"shamela_page_id":1647,"part":null,"page_num":1647,"sequence_num":1647,"body":"إن ما يأتي به الأَنْبِيَاء من الشرائع يدلُ كلَ ذي عقل ولبٍ سليم عَلَى أنهم صادقون، فهم يدعون إِلَى البرِّ، والعدلِ، ويدعون إِلَى الأخلاق الحسنة، ويدعون إِلَى إخلاص النيات والقلوب لله ﷾، ويدعون إِلَى المساواة بين النَّاس في الحقوق والواجبات، ويدعون إِلَى إصلاح الأسرة، ويدعون إِلَى إصلاح المجتمع، ويدعون إِلَى إصلاح الدولة، فلا خير إلا ويدل عليه الأنبياء، فلو تأمل العاقل ما يدعون إليه لوجد أنه الحق والخير والحكمة والهدى والرشاد.\r\rأحوال مخالفي الأنبياء تنبئك عن فساد ما يدعون إليه\rلو تأمل أحوال مخالفيهم والذين يناوئونهم لوجد العناد والكبر والاستخفاف.\rفماذا قال فرعون؟: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [النازعات:٢٤] ، مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص:٣٨] !!\rوماذا قال أبو جهل: لا نرجع حتى نرد ماء بدر فتعزف القيان ونضرب العود ويسمع العرب أننا أعزهم!!\rوإذا قورن كلام النبي بكلام أعداء النبي يظهر الفرق جلياً بين ما يريد هذا ويدعو إليه، وبين ما يريده أُولَئِكَ ويدعون إليه، فهم يريدون العلو والفساد في الأرض، والاستكبار عَلَى خلق الىله واستضعافهم، واستعبادهم.\r\rوأما الأَنْبِيَاء فإنهم يريدون الإيمان والصلاح، والخير والفلاح، لهَؤُلاءِ البشر جميعاً في الدنيا والآخرة، ولهذا يتبعهم الضعفاء أول أمرهم، وهم الأشراف العقلاء، أما أصحاب المناصب، وأصحاب الشهوات، وأصحاب الكبر والعناد، فإنهم يعرضون عنهم.\rفهذا الدليل -ما يأتي به الأَنْبِيَاء من الشرائع- هو نفسه من الأدلة القطعية عَلَى أنهم إنما يوحى إليهم، وإنما يتلقون ذلك من عند الله ﵎، فهذا أيضاً من ضمن الأدلة المعلومة بالتواتر وبالبراهين من واقع حال الأَنْبِيَاء صلوات الله وسلامه عليهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690522,"book_id":1659,"shamela_page_id":1648,"part":null,"page_num":1648,"sequence_num":1648,"body":"وهنا ينتقل المُصْنِّف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى دليل آخر قوي جداً وهو الاستدلال عَلَى صدق الأَنْبِيَاء وعلى حقيقة دين الأَنْبِيَاء بصفات الله ﷾، وقد كنا تحدثنا في أول الكتاب عن الاستدلال بصفات الله ﷾ عَلَى وجوده ﷾ وعلى إلاهيته وعلى توحيده.\r\rهنا نستدل بصفات الله ﷾ عَلَى إثبات نبوة الأنبياء، وكثير ممن دخل في الإسلام -حتى في هذا العصر- لو بحثنا في سبب إسلامه لوجدنا أنه أسلم استدلالاً بصفات الله ﷿ أولاً،.\rفتنظر إليه وهو يقول: لا بد لهذا الكون من إله، لا بد أن لهذا الكون خالق، وهذا الخالق: إما أن يكون عادلاً، أو ظالماً، فالذي ينظر ويتفكر في خلق السموات والأرض والكواكب والنجوم، ويرى أنه لا يمكن أن يحصل تصادم بين هذه المخلوقات، ولايرى في خلق الله تَعَالَى من تفاوت، ويرى الإبداع العجيب في ذلك كله يوقن أن هذا الإله عادل في كونه.\r\rثُمَّ يسائل نفسه هل يمكن أن هذا الإله العادل يترك الإِنسَان يموج في هذه الحياة، القوي يأكل الضعيف، والشعوب تقتل بعضها بعضا دون أن يعطي هذا الإِنسَان وصراطاً يمشي عليه؟ لا يمكن ذلك.\r\rفلا بد أن يكون له دين، وأن يكون له منهج يضعه للبشر، من هنا يبدأ هذا الإِنسَان البحث عن هذا الدين، فيحدث نفسه فياترى أين يكون؟ أهو اليهودية فيقرأها فلا ينتفع بها، النصرانية فيقرأها ولا ينتفع بها، البوذية الكونفوشية فيقرأها فلا ينتفع.\rفعندما يقرأ عن الإسلام يجد بغيته وكلما يقرأ شيئاً عن الإسلام يزداد يقيناً به، فيسلم ويستيقن بنبوة نبينا مُحَمَّد ﷺ بناءً عَلَى هذا الدليل.\rالطاعن في نبوة الأنبياء طاعن في صفات الله وربوبيته","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690523,"book_id":1659,"shamela_page_id":1649,"part":null,"page_num":1649,"sequence_num":1649,"body":"هذا الذي سيشير إليه الشارح رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، أن من يطعن في نبوة الأنبياء، ونبوته ﷺ خاصةً، فإنه يطعن في صفات الله ﷿، ويطعن في ربوبية الله ﷿.\r\rقَالَ المُصنِّفُ ﵀:\r[بل إنكار رسالته ﷺ طعن في الرب ﵎، ونسبته إِلَى الظلم والسفه، تَعَالَى الله عن ذلك علواً كبيراً، بل جحدٌ للرب بالكلية وإنكار.\rوبيان ذلك: أنه إذا كَانَ مُحَمَّد عندهم ليس بنبي صادق، بل ملك ظالم، فقد تهيأ له أن يفتري عَلَى الله ويتقول عليه، ويستمر حتى يحلل ويحرم، ويفرض الفرائض، ويشرع الشرائع، وينسخ الملل، ويضرب الرقاب، ويقتل أتباع الرسل وهم أهل الحق، ويسبي نساءهم، ويغنم أموالهم وذراريهم وديارهم، ويتم له ذلك حتى يفتح الأرض، وينسب ذلك كله إِلَى أمر الله له به ومحبته له، والرب تَعَالَى يشاهده، وهو يفعل بأهل الحق، وهو مستمر في الافتراء عليه ثلاثاً وعشرين سنة.\r\rوهو مع ذلك كله يؤيده وينصره، ويُعلي أمره، ويمكن له من أسباب النصر الخارجة عن عادة البشر، وأبلغ من ذلك أنه يجيب دعواته، ويهلك أعداءه، ويرفع له ذكره، هذا وهو عندهم في غاية الكذب والافتراء والظلم، فإنه لا أظلم ممن كذب عَلَى الله، وأبطل شرائع أنبيائه وبدَّلها، وقتل أولياءه، واستمرت نصرته عليهم دائماً، والله تَعَالَى يقره عَلَى ذلك، ولا يأخذ منه باليمين، ولا يقطع من الوتين.\rفيلزمهم أن يقولوا: لا صانع للعالم ولا مدبر، ولو كَانَ له مدبر قدير حكيم لأخذ عَلَى يديه، ولقابله أعظم مقابلة، وجعله نكالاً للصالحين؛ إذ لا يليق بالملوك غير ذلك، فكيف بملك الملوك وأحكم الحاكمين؟!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690524,"book_id":1659,"shamela_page_id":1650,"part":null,"page_num":1650,"sequence_num":1650,"body":"ولا ريب أن الله تَعَالَى قد رفع له ذكره، وأظهر دعوته، والشهادة له بالنبوة عَلَى رؤوس الأشهاد في سائر البلاد، ونحن لا ننكر أن كثيراً من الكذابين قام في الوجود، وظهرت له شوكة، ولكن لم يتم أمره، ولم تطل مدته، بل سلط الله عليه رسله وأتباعهم، فقطعوا دابره واستأصلوه.\r\rهذه سنة الله التي قد خلت من قبل، حتى إن الكفار يعلمون ذلك، قال تعالى: أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ * قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ [الطور:٣٠-٣١] أفلا تراه يخبر أن كماله وحكمته وقدرته تأبى أن يقر من تقوَّل عليه بعض الأقاويل؛ بل لابد أن يجعله عبرة لعباده.\r\rكما جرت بذلك سنته في المتقولين عليه، وقال تعالى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ [الشورى: ٢٤] ، وهنا انتهى جواب الشرط، ثُمَّ أخبر خبراً جازماً غير معلق: أنه يمحو الباطل ويحق الحق، وقال تعالى: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْء [الأنعام:٩١] فأخبر سبحانه أن من نفى عنه الإرسال والكلام لم يقدره حق قدره] اهـ.\rالشرح:\r\rاستمرار دعوته ﷺ دليل عظيم لمن تأمله وفطن إليه وفقهه الله ﷾، فتفكر في حقيقة أمر النبوة، وأمر النبي ﷺ خاصة، أياً كَانَ دينه، نقول هذا للمسلم ولغير المسلم.\rولنفترض أن هذا النبي -كما يقول الكاذبون والمرجفون- ليس موحاً إليه من عند الله، فكيف يأتي فيدعي النبوة وهي دعوى عظيمة، ثُمَّ يأتي فيستمر ثلاثاً وعشرين سنة وأمره مؤيد ظاهر؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690525,"book_id":1659,"shamela_page_id":1651,"part":null,"page_num":1651,"sequence_num":1651,"body":"فيحارب الأعداء وينتصر عليهم، ويرفع يديه إِلَى السماء فتستجاب دعوته فيهم، ويستبيح نسائهم وأموالهم، يقتل كل مخالفيه، ثُمَّ يذهب في الأرض فيأتي إِلَى أهل الكتاب: فإما الجزية، وإما الإسلام، وإما السيف، ويأتي إِلَى الْمُشْرِكِينَ: فإما أن يسلموا، وإما السيف، أمور يفعلها، وهو مؤيد ظاهر، وترتفع المآذن في شرق الأرض وفي غربها أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رَسُول الله، ويخلُد ذكره، ويعظم أمره.\rمن طعن في نبوته أو كذبه أو سبه أذله الله وأخزاه\rولا يعلم أن أحداً سبه أو طعن فيه أو كذبه إلا أذله الله وخذله، وهدم كبره، كل هذه الدلائل الواضحة البينة، ومع ذلك يكون هذا الرجل مفترياً عَلَى الله، ويقول هذا من عند الله وهو ليس من عند الله.\r\rوقفة مع منكري نبوات الأنبياء\rفي الحقيقة الذي يطعن في نبوة النبي لا يطعن فيه بل يطعن في الله هذا ما يريد المُصْنِّف أن يقوله، ويلزم من قوله: إما أن هذا الكون ليس له إله!\rوهذا لا يمكن؛ لأن أتباع الأَنْبِيَاء -على الأقل- جميعاً يؤمنون بأن الأَنْبِيَاء جاءوا من عند الله، وإما أن يكون هذا الرب لا حكمة له ولا تدبير، إنما هو ظالم، وهذا لا يليق بالله ﷿، فكل من يعلم شيئاً عن الله عزوجل لا ينسب الله تَعَالَى إِلَى الظلم؛ بل إن الكون يشهد بأن هذا الإله حكيم عدل.\r\rفكيف نقول: إنه ظالم؟ وإنه لا حكمة له ولا تدبير؟\rولا يليق بالله أن يرفع المفتري عليه فوق العالمين، ويظهر سلطانه، ويرفع شأنه ويؤيده، ويقال أيضاً لمنكري نبوات الأنبياء: ألا تؤمنون أن هذا الإله قدير؟ سيقولون: نعم هو قدير؛ لأنه خلق هذه النجوم والمجرات والكواكب العظيمة، فيقال لهم: هذا القدير ألا يقدر عَلَى بشر يفتري عليه؟!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690526,"book_id":1659,"shamela_page_id":1652,"part":null,"page_num":1652,"sequence_num":1652,"body":"ولذلك قَالَ: فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ [الشورى:٢٤] ولو أن هذا الإِنسَان يفتري عَلَى الله، فإن الله يختم عَلَى قلبه ويميته فينتهي الأمر، ولهذا قالت قريش: أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ [صّ: ٦] وَقَالُوا: شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ [الطور:٣٠] .\r\rقريش تتربص بالنبي ﷺ ريب المنون\rتظن قريش أن النبي ﷺ إذا مات انتهى أمره، لكن الأمر لم يكن كما كانوا يتوقعون، فالنبي مازال ينتصر ويظهر أمره، بل إِلَى الآن لا يوجد أحد يستطيع أن يطعن في دينه، أو يطعن في نبوته إلا ويذله الله تعالى، ويظهر التناقض من فمه، وفي كلامه، وفي رأيه.\rإذاً هذا لا يمكن إلا أن يكون حقاً نبياً من عند الله ﷾ ومن طعن في نبوته ﷺ فإنما هو طاعن في الله ﷾ وفي صفاته ﷾، وفي حكمته، وفي عدله.\r\rفي مسيلمة والعنسي عبرة ودلالة\rقد يقَالَ: إن بعض الكذابين ظهر لهم شأن، كمسيلمة الكذاب والأسود العنسي فإنه قد تبعهما بعض الناس، وظهر لهما شيء من الأمر، لكن الله ﷿ خذلهم وأذلهم، ونصر جنده عليهم، ومن عرفهم علم أنهم عَلَى غير هدى، وأن الله ﷾ لم ينصرهم ولم يؤيدهم، وإنما فتنهم وفتن بهم ولكن هذا الرجل الذي جَاءَ من أمة أمية، ويأتي للعالمين بالنور وبالضياء المبين، وبالهدى والرشاد، وهذا لا يمكن أن يكون إلا من عند الله ﷾.\rفمن كَانَ مؤمناً بالله ﵎ من أي دين، ومن أي جنس فعليه أن يؤمن بأن هذا رسوله حقاً.\r\rهنا نقطة البداية","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690527,"book_id":1659,"shamela_page_id":1653,"part":null,"page_num":1653,"sequence_num":1653,"body":"وهذا الكلام هو نقطة البداية التي يمكن أن نتحدث بها إذا أراد أحدنا أن يدعو أحداً إِلَى دين الإسلام، أو يخاطبه عن الإسلام، فلا بد أن ينظر: فإن كَانَ يؤمن بالله، وأن الله حكيم، وأن الله عدل ﷾، وأنه لديه عَلَى الأقل ما يسمونه \"حسن التصرف أو التدبير\" فيخاطبه بمثل هذا الكلام، ويخاطبه بصحة هذا القُرْآن الذي بين أيدينا، ويسألة: لِمَ لَمْ يتغير منه حرف؟\rولا يذهب أحد يطعن فيه ويغير فيه إلا فضحه الله ﷾ عَلَى العالمين؟ هذا لا يمكن أن يكون إلا بتأييد من الله، وبهذا يصل معه إِلَى النتيجة المطلوبة.\r\rلو كَانَ النبي ﷺ مدعياً مفترياً -كما يزعم المفترون قاتلهم الله أنى يؤفكون- لما أقره الله ﷾ وهو يفتري عليه؛ أنه أوحى إليه، وأن يفتري باسمه هذا القُرْآن وهذه الأحكام من حلال وحرام، ويسلطه عَلَى أتباع الأديان فيقتلهم ويحصرهم ويسبيهم.\rكل هذه الأمور لا يمكن أن تقع فمن قَالَ: إنها يمكن أن تقع من غير رَسُول يوحى إليه من الله، فهذا ليس طاعناً في هذا النبي فقط؛ بل هو طاعن في الله ﷾، وفي حكمة الله وعدله، وأنه يؤيد الكافرين المفترين عليه وينصرهم ويجعل الغلبة والعاقبة لهم في كل ميدان ومعركة وهم يكذبون عليه ليل نهار ويحاربون أولياءه ويستذلون عباده ويظلمون النَّاس بهذا الفعل، هذا لا يمكن أن يقول به إلا إنسان لا يؤمن بالله ﷾ حق الإيمان، ولا يصف ﷾ بما وصف به نفسه، ولا يقدره تَعَالَى حق قدره.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690528,"book_id":1659,"shamela_page_id":1654,"part":null,"page_num":1654,"sequence_num":1654,"body":"أما من كَانَ يعرف صفات الله ﷿ وحكمته وعدله ورحمته؛ فإنه يعلم أنه إنما فعل به ذلك لأنه نبي من عنده، وهو قادر ﷾ عَلَى أن يقضي عَلَى كل مفتري: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ [الحاقة:٤٤-٤٦] فأي إنسان تقول عَلَى الله، فإن الله ﷾ قادر عليه، وقال في آية أخرى: فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ [الشورى:٢٤] فإذا ختم عَلَى قلبه لم يعد يتكلم بأي كلام، ولا ينطق بأي نطق وانتهى الأمر.\r\rأو يهلكه كما أهلك مسيلمة، والأسود العنسي في اليمن، وأهلك كثيراً من الكذابين والدجالين، وأظهر كذبهم ومخازيهم عَلَى العالمين.\r\rإذاً: هذا دليل كبير نسميه دليل الواقع أو الدليل التاريخي وكل من أنكر ذلك من اليهود والنَّصارَى خاصة فإنه يلزمه أن ينكر نبوة موسى ونبوة عيسى ﵉ بأنه لم يمكن الله ﷿ لموسى ولا لعيسى ﵈ ولم يعطهما من الظفر والتأييد وبلوغ الرسالة ورفعة الذكر مثلما أعطى لمُحَمَّد ﷺ.\rفمن طعن في نبوة مُحَمَّد ﷺ فهو من باب أولى طاعن ومكذب بنبوة المسيح وموسى ﵉، فمن كَانَ مؤمناً -وهكذا حال أهل الكتاب- بأن عيسى نبي، وأن موسى نبي فالأولى به والإلزام أن يؤمن بأن محمداً ﷺ نبي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690529,"book_id":1659,"shamela_page_id":1655,"part":null,"page_num":1655,"sequence_num":1655,"body":"لأنه ما من آية آوتيها موسى وعيسى إلا وأوتي مُحَمَّد ﷺ أضعافها ولا سيما ما حصل له من الظهور والغلبة والتمكين ومحو الشرك والضلالات وإزالة الإلحاد، وقمع الظلم والفساد، وإقامة العدل وإعطاء الإِنسَان حريته وإنسانيته الحقيقية، عَلَى مستوى عام لم يشهد له التاريخ من قبل مثيلاً، ولم ولن يشهد له من بعد، إلا لمن يقتدي بمُحَمَّد ﷺ ويسير عَلَى منهاجه.\rبعد ذلك انتقل المُصنِّفُ ﵀ في آخر هذا المبحث إِلَى الفرق بين النبي والرسول.\rقَالَ المُصنِّفُ ﵀:\r[وقد ذكروا فروقاً بين النبي والرسول، وأحسنها: أن من نبأه الله بخبر السماء، إن أمره أن يبلغ غيره، فهو نبي رسول، وإن لم يأمره أن يبلغ غيره فهو نبي وليس رسول، فالرَّسُول أخص من النبي فكل رَسُول نبي، وليس كل نبي رسولاً، ولكن الرسالة أعم من جهة نفسها، فالنبوة جزء من الرسالة، إذ الرسالةُ تتناول النبوةَ وغيرها، بخلاف الرسل، فإنهم لايتناولون الأَنْبِيَاء وغيرهم، بل الأمر بالعكس.\r\rفالرسالة أعم من جهة نفسها، وأخص من جهة أهلها] اهـ.\rالشرح:\rهذا الموضوع ليس ذا أهمية كبرى، بالنسبة لمن يؤمن بالله ﷾، وكتبه، وملائكته، ورسله، ويؤمن بأن الله ﷾ يوحي إِلَى من يصطفي من عباده بهذا الوحي، فيكون نبياً، أو رسولاً، أو يسمى نبياً، أو رسولاً، ليست المسألة ذات أهمية؛ لكن ينبغي أن نعلمها، ولا سيما وقد تكلم فيها بعض العلماء أو كثير منهم.\r\rفمن العلماء من قَالَ: لا فرق بين النبي والرسول؛ فالنبي رسول، والرَّسُول نبي بإطلاق، ومنهم من قَالَ: لا؛ بل هنالك فرق، ثُمَّ لما جاءوا عند التفريق اختلفوا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690530,"book_id":1659,"shamela_page_id":1656,"part":null,"page_num":1656,"sequence_num":1656,"body":"فالمصنف -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- ذكر هذا الفرق بين النبي وبين الرسول، وهو: من أوحي إليه الله ﷾ بشيء، فإن أمر بتبليغه إِلَى غيره فهو رسول، وإن لم يؤمر بتبليغه فهو نبي.\r\rهذا كلام المُصنِّفُ ﵀، وهذا الكلام خلاف الصواب فهو كلام مرجوح، وفي هذا الشرح عَلَى عظمته ونفاسته مواضع للمصنف رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى أخذ فيها بالرأي المرجوح من أقوال العلماء وترك القول الراجح، وهذا الموضع منها؛ لأنه يمكن أن يُقال كيف يوحي الله ﷾ إِلَى أحد بشيء، ولا يؤمر بتبليغه فما الفائدة إذاً؟! هذا من ناحية النظر.\r\rومن ناحية أخرى؛ وردت آيات وأحاديث تدل عَلَى أن النبي يبلغ، ومنها حديث السبعون ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب يقول النبي ﷺ فيه: (ورأيت النبي ومعه الرجل والرجلان ورأيت النبي وليس معه أحد) فهذا سماه نبياً مع وجود الأتباع، وهذا يعني أنه كَانَ يبلغ.\r\rإذاً خلاصة القول: أن هذا ليس بالرأي الراجح.\rالرأي الراجح في المسألة\rالرأي الراجح في هذه المسالة:\r\rأن الرسول: هو من أرسله الله ﷾ بشرع جديد إِلَى قوم كافرين ومكذبين، ولهذا لم تأت كلمة التكذيب إلا في تكذيب الرسل، لأنهم يرسلون إِلَى قوم كافرين فيكذبونهم.\r\rفمن هنا نعلم الفرق، وهو أن الرَّسُول والنبي يُبلغان لكن الرَّسُول يأتي بشرع جديد إِلَى قوم كافرين به ويكون بينهم وبينه التكذيب والرد، حتى ينصره الله ﷾ عليهم، وأما النبي فإنه مجدد لشريعة الرَّسُول الذي قبله، ويصحح ما علق بها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690531,"book_id":1659,"shamela_page_id":1657,"part":null,"page_num":1657,"sequence_num":1657,"body":"ومثلهم في ذلك مثل العلماء المجددين في هذه الأمة فأنبياء بني إسرائيل -مثلاً- هم الذين بعثهم الله ﷾ في بني إسرائيل يحكمون بالتوارة قال تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ [لمائدة:٤٤] فكان النبيون والأحبار والربانيون يحكمون بالتوراة، والتوراة أنزلت عَلَى موسى.\r\rهارون ﵇ رسول\rفموسى وهارون ﵉ رسل؛ لكنَّ أنبياء بني إسرائيل يأتي الإِنسَان منهم إِلَى شريعة موسى ﵇ فيجددها، ويدعو النَّاس إليها وإلى إقامتها، فهذا نبي يبلغ.\rفمثلاً قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلأِ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [البقرة:٢٤٦] الآيات.\rهذا النبي من أنبياء بني إسرائيل اختلف في اسمه ولا يهمنا الاسم، المهم أن هذا النبي هو من بعد موسى وفي بني إسرائيل، طلب منه قومه ملكاً يقاتلون معه، فطلب ذلك من ربه فأوحى الله تَعَالَى إليه إني قد اخترت لهم طالوت ملكاً عليهم فإذاً هناك وحي وبلاغ لكن لا يسمى، هذا رسولاً.\rوالأنبياء من أقرب ما يشبههم بهذه الأمة، العلماء المجددون لكن شريعة مُحَمَّد ﷺ نزلت كاملة خاتمة، فالعلماء يجددون ما كَانَ من أمر الدين، ولا يشرعون شيئاً من عندهم، أما الأَنْبِيَاء فقد يأتون بأشياء من أمور التفصيل في بعض الحلال والحرام، أو يقودون النَّاس ببلاغ ووحي من الله ﷾.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690532,"book_id":1659,"shamela_page_id":1658,"part":null,"page_num":1658,"sequence_num":1658,"body":"فعلى هذا فالرَّسُول هو من جَاءَ بشرع جديد إِلَى قوم كافرين، والنبي هو من بعث بشريعة رَسُول قبله ليجددها، ويحيي معالمها، فهذا مأمور بالبلاغ الجديد المستأنف لقوم كفار، وهذا مأمور بالبلاغ للمؤمنين الذين ينتمون إِلَى شريعة سابقة، ولكنهم غيروا وبدلوا وضلوا وانحرفوا.\r\rشرعية التفريق بين الأنبياء والرسل\rوالتفريق بين الأَنْبِيَاء وبين الرسل صحيح، ويدل عليه حديث أبي ذر ﵁، وهو حديث طويل، يسأل فيه أبو ذر رَسُول الله ﷺ عن أمور كثيرة.\rومن آخرها: سأله عن آدم، هل كَانَ نبياً؟\rفقال له الرَّسُول ﷺ: نعم نبي مكلَّم.\r\rفقَالَ: يا رَسُول الله كم عدد الأنبياء؟\rقال ﷺ: مائة وأربعة وعشرون ألفاً، والرسل ثلاثمائة وبضعة عشر.\r\rوهذا الحديث ورد بعدة طرق، وصححه بعض العلماء.\r\rيقول بعض العلماء: إن عدد الأَنْبِيَاء كعدد أصحاب النبي ﷺ، وعدد الرسل كعدد أصحاب بدر.\rفهنا مناسبة بين عدد الأَنْبِيَاء وبين عدد الرسل من جهة، وبين عدد أصحاب النبي ﷺ جميعاً وبين عدد أصحاب بدر خاصة.\r\rفهَؤُلاءِ الرسل الذين هم من ضمن المائة والأربع وعشرين ألفاً هم الذين جاءوا وبعثوا إِلَى أمم كافرة، ولهذا الذين قص الله ﵎ في القُرْآن قصصهم مع أقوامهم هم من الرسل، ولهذا مع أن آدم ﵇ نبي كما جَاءَ في الحديث، وفي غيره من الأدلة.\rففي حديث الشَّفَاعَة الصحيح يقول الناس: يا نوح إنك أول رسول، إذاً آدم ﵇ نبي، ونوح أول الرسل، بمعنى: أنه جَاءَ إِلَى قوم كافرين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690533,"book_id":1659,"shamela_page_id":1659,"part":null,"page_num":1659,"sequence_num":1659,"body":"فبعثه الله بعد أن تخلى النَّاس عن التوحيد، وارتكبوا الشرك يوضحه قوله تَعَالَى في الحديث القدسي: (وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم)\rكما جَاءَ ذلك في حديث عياض بن حمار ﵁، فلما اجتالتهم الشياطين بعد قرون، قيل: إنها عشرة.\rكما قال عبد الله بن عباس ﵁: بعد عشرة قرون من آدم ﵇ وقع الشرك في قوم نوح، فأشركوا، فجاء نوح ﵇، لكن الأَنْبِيَاء قبل نوح موجودون، ومنهم آدم وقيل إن منهم إدريس ﵇، وفي الرسل هود، وصالح، وموسى، هَؤُلاءِ الرسل سمُوا رسلاً؛ لأنهم واجهوا أقوامهم بدين جديد فكذبهم أقوامهم في ذلك.\rفهذا هو أوضح وأجلى الفروق بين النبي وبين الرسول أما بقية كلام المُصْنِّف فصحيح، فإن الرسل أخص من الأنبياء، ولذلك عددهم أقل، وهذا هو الراجح، وهو ما اختاره شَيْخ الإِسْلامِابْن تَيْمِيَّةَ وغيره من المحققين.\rفكل رَسُول نبي، وليس كل بني رسول؛ لأن من بعثه الله ﷾ إِلَى قومه عَلَى شريعة من قبله وأوحى إليه أن يبلغهم فلا يسمى رسولاً عَلَى هذا الاصطلاح، وإنما هو نبي من الأَنْبِيَاء.\r\rمن نعم الله على الناس اصطفاء الرسل\rقَالَ المُصْنِّفُ ﵀:\r[وإرسال الرسل من أعظم نعم الله عَلَى خلقه، وخصوصاً مُحَمَّد ﷺ، كما قال تعالى: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [آل عمران:١٦٤] وقال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:١٠٧]] اهـ.\rالشرح:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690534,"book_id":1659,"shamela_page_id":1660,"part":null,"page_num":1660,"sequence_num":1660,"body":"هذه بقية من الكلام الذي سبق إيضاحه وهو أن من أعظم نعم الله ﵎ عَلَى بني الإِنسَان أنه اصطفى منهم رسلاً، وأنزل عليهم هذا النور المبين، والدين الذي لا تصلح حياة البشر في الدنيا والآخرة إلا به.\r\rولهذا يقول الله ﵎: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [آل عمران:١٦٤] فلو تصورنا كيف يكون حال الأمم بدون أنبياء؟ بل ما هو أبسط: كيف يكون حال الأمة المسلمة إذا لم يوجد فيها دعاة، ومجددون؟\rكيف كانت حالة جزيرة العرب قبل دعوة الشيخ مُحَمَّد عبد الوهاب ﵀ كمثال؟ فما بالكم بحال الإِنسَانية، وحال العرب قبل بعثة مُحَمَّد ﷺ أي مجتمع لا دعوة فيه، ولا أمراً بالمعروف، ولا نهياً عن المنكر، فسيكون محلاً للشقاء والضلال والضياع والحيرة والظلم والجور.\r\rفكيف بالمجتمع الذي لا دين فيه ولم يبعث فيه رَسُول من عند الله ﷾، فلولا الأَنْبِيَاء لما عرف النَّاس الحق من الباطل، والخير من الشر، ولم يهتدوا إِلَى ربهم ﷾ ولم يعرفوا طريق الجنة من طريق النار، فهذه نعمة كبرى نعمة عظيمة أنعم الله ﷾ بها عَلَى بني الإِنسَان قاطبة، ومن كَانَ عابداً لله حق العبادة معظماً له يقدره حق قدره، فعليه أن يعلم عظم هذه المنِّة وأنها منِّة عظيمة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690535,"book_id":1659,"shamela_page_id":1661,"part":null,"page_num":1661,"sequence_num":1661,"body":"وليؤمن بهَؤُلاءِ الأَنْبِيَاء وليتبع النبي ﷺ، الذي قال الله ﵎ فيه: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:١٠٧] فالنبي ﷺ رحمة للمؤمنين بلا شك؛ لأن الله ﷾ أخرجهم الله به من الكفر إِلَى الإيمان.\r\rالرسول ﷺ رحمة للعالمين\rفَبِعْثَته ﷺ ليست رحمة للمؤمنين فقط، بل هي رحمة للعالمين أجمعين.\rوذكرنا سابقاً أمثلة من كون دعوته ﷺ رحمة للعالمين، فقد بُعِثَ النبي ﷺ والدنيا تموج بالظلم موجاً في كل مكان، فلما انتصر هذا الدين، وهذا النور العظيم الذي يعطي الإِنسَان كرامته وحريته الحقيقية، ويرد له إنسانيته وتكوين الله ﷾ له.\rتأثرت الأمم جميعاً بهذا الدين، حتى الأمم التي لم تدخل في الإسلام شملتها رحمة الإسلام من اليهود والنَّصَارَى الذين أعطوا العهد والذمة أو دفعوا الجزية، أمنوا وارتاحوا فرحمهم الله ﷿ بهذا الدين.\r\rوحتى الأمم الأخرى التي لم تسلم رحمها الله ﷾ بهذا الدين فأصبحت تعلم قيمة الإسلام، وتعلم شناعة الظلم وبشاعة الاستعباد والطاغوتية التي كانوا يعيشون فيها، ولهذا فإن أوروبا كانت أشد العالم همجية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690536,"book_id":1659,"shamela_page_id":1662,"part":null,"page_num":1662,"sequence_num":1662,"body":"فلما جاءت الحروب الصليبية، وحاربوا الْمُسْلِمِينَ رأوا كيف يعيش الْمُسْلِمُونَ، مع أنهم تركوا كثيراً من الهدى الذي كَانَ عليه النبي ﷺ، ومع ذلك فالأوروبيون من فرنسيين وألمان وإنجليز تعجبوا كيف يعيش النَّاس في هذا النعيم وهذه الراحة ورأوا علماءهم يقولون: قال الله قال رَسُول الله وعلماء النَّصَارَى محتكرين للدين ويفسرونه كما يشاءون، ويحللون ويحرمون كما يشاءون، فالبابا مرة يحرم الطلاق ومرة يبيحه ومرة يحرم الربا ومرة يبيحه اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ [التوبة:٣١]\rفلما رأوا ذلك قامت في أوروبا الحركة التي تسمى حركة الإصلاح الديني، مارتن لوثر وكالفن.\rفقالوا: اطمسوا جميع الصور والتماثيل التي كانت في الكنائس، وَقَالُوا: لا نقول في الدين بالتثليث الأب، والابن، وروح القدس، أي: لا نقول: إنها آلهة؛ بل نقول: إله واحد، وهم لم يسلموا، ولكنهم يحاولون أن يقربوا إِلَى الإسلام، قالوا: ورجال الدين لا يحتكرون كل شيء، بل من حق كل إنسان أن يقرأ الكتاب المقدس ويعلم ما فيه مثلما رأوا حال الْمُسْلِمِينَ.\rيقول علماء التاريخ الأوربيون: إن حركة الإصلاح الديني أحد أهم الأسباب والعوامل في نهضة أوروبا بخروجها من القرون الوسطى إِلَى القرون الحديثة -كما يسمونها- فبذت الخرافات والضلالات والشركيات، نعم وقعت في الإلحاد هذا صحيح، لكن ليس السبب أنها خرجت من حق إِلَى باطل. لا؛ بل خرجت من باطل ورفضت الحق وهو الإسلام، ووقعت في باطل شر منه وهو الإلحاد الذي تعيش فيه اليوم، وكان عليها أن تخرج من الباطل، وتقع في الحق الذي هو دين الإسلام الذي لا حق سواه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690537,"book_id":1659,"shamela_page_id":1663,"part":null,"page_num":1663,"sequence_num":1663,"body":"إن دعوة النبي ﷺ وبعثته رحمةً للعالمين، وبإذن الله تَعَالَى كما أخبرنا النبي ﷺ (ليبلغن هذا الدين ما بلغ الليل والنهار) وسوف (ينزل عيسى ﵇ فيقتل الخنزير ويكسر الصليب ويضع الجزية فلا يبقى عَلَى الأرض مشرك) ، وفي آخر الزمان تقوم خلافة عَلَى منهاج النبوة ويدخل النَّاس جميعاً في دين الإسلام، ويتحقق أيضاً كمال الرحمة للعالمين بحيث لا يبقى عَلَى الأرض خارج عن هذا الدين.\r\rأنه خاتم النبيين\rقال الطّّحاويّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:\r[وأنه خاتم الأنبياء]\r\rقَالَ المُصْنِّفُ ﵀:\r\r[قال تعالى: وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب:٤٠] وقال ﷺ: (مثلي ومثل الأَنْبِيَاء كمثل قصر أُحسن بنيانه، وتُرك منه موضع لبنة، فطاف به النظار يتعجبون من حسن بنائه، إلا موضع تلك اللبنة، لا يعيبون سواها، فكنت أنا سددت موضع تلك اللبنة، ختم بي البنيان وختم بي الرسل) خرجاه في الصحيحين.\r\rوقال ﷺ: (إن لي أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي، يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر، الذي يحشر النَّاس عَلَى قدمي وأنا العاقب، والعاقب الذي ليس بعده نبي) .\rوفي صحيحمسلم عنثوبان قَالَ: قال رَسُول الله ﷺ: (وإنه سيكون من أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي) الحديث.\r\rولمسلم: أن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (فضلت عَلَى الأَنْبِيَاء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، وأرسلت إِلَى الخلق كافة، وختم بي النبيون) ] اهـ.\rالشرح:\rبعض خصائص النبي ﷺ:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690538,"book_id":1659,"shamela_page_id":1664,"part":null,"page_num":1664,"sequence_num":1664,"body":"هذا الموضوع، وهذه الجمل مهمة جداً عَلَى وضوحها ولله الحمد، وهو قوله ﷺ: (أنا خاتم النبيين فلا نبي بعدي) هذه واضحة -ولله الحمد- عند الْمُسْلِمِينَ جميعاً إلا من كفر وخرج من الإسلام، ولكن إيضاح الفرق المخالفة فيها وأسباب ضلالها هو المهم.\r\rهذه الأحاديث التي ذكرها المُصْنِّف ﵀ وما علم من الدين بالضرورة علماً قطعياً مجمعاً عليه، هو أن النبي ﷺ هو خاتم الأَنْبِيَاء وهناك أحاديث أخرى غير الآية مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُول لَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب:٤٠] والأدلة كثيرة، كلها تدل عَلَى أصل قطعي مجمع عليه بين الْمُسْلِمِينَ وهو أنه ﷺ خاتم الأنبياء.\rالحديث الأول: مثال يذكره النبي ﷺ (أن مثلي ومثل الأَنْبِيَاء من قبلي) عَلَى رواية البُخَارِيّ يقول: (كمثل رجل بنى بيتاً فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل النَّاس يطوفون به، ويعجبون له ويقولون هلا وضعت هذه اللبنة قَالَ: فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين) .\r\rفالمثال يوضح أن البناء قد اكتمل إلا موضع لبنة فجاء النبي ﷺ وكان هو هذه اللبنة، كما يقول ذلك الأحبار والرهبان الموحدون، فكانوا يقولون: متى يُبعث نبي آخر الزمان -كانوا يسمونه بنبي آخر الزمان أي: الذي ليس بعده نبي- فبعث ﷺ، وكان هو نبي آخر الزمان.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690539,"book_id":1659,"shamela_page_id":1665,"part":null,"page_num":1665,"sequence_num":1665,"body":"والحديث الثاني: في أسمائه ﷺ، وهو قوله ﵊: (إن لي أسماء أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي -ووضحه فقال:- يمحو الله بي الكفر) وقد محي به الكفر ولله الحمد والمنة (وأنا الحاشر) ووضح ذلك قَالَ: (الذي يحشر النَّاس عَلَى قدمي) فهو ﷺ الذي يشفع يَوْمَ القِيَامَةِ.\r\r(وأنا العاقب) والعاقب: هو الذي ليس بعده نبي.\rالحديث الثالث: يقول المصنف: في صحيحمسلم: عن ثوبان وهذه الرواية ليست في صحيح مسلم كما نبه إِلَى ذلك الشيخ الأرنؤوط، ولعل الشيخ الألباني نبه إِلَى ذلك، وفي صحيح مسلم نجد حديث ثوبان: (إن الله زوى لي الأرض وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض) إِلَى آخر حديث ثوبان المعروف وليس فيه هذه الزيادة، وإنما هي زيادة في مسند الإمامأَحْمَد وفي بعض السنن يقول في آخره: (وإنه سيكون في أمتي ثلاثون كذابون كلهم يزعم أنه نبي وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي) .\r\rوهذا الحديث، قد يستدل به عَلَى أن الذين يدعون النبوة عددهم ثلاثون، مع أن الذين ادعوا النبوة صاروا كثيراً، فكيف يكون الجمع؟\r\rإما أن يكون الثلاثون هم من ظهر أمرهم وعظم خطرهم وكان لهم أتباعاً كُثر.\r\rوإما أن يكون العدد للتكثير.\r\rوإما أن يكون الثلاثون هم الذين يدعون في الفترة القريبة من بعد النبي ﷺ.\r\rلكن بعضهم ادعاها وهو حي ﷺ مثل: مسيلمة الكذاب والأسود العنسي وفي جيل الصحابة ﵃ ادعى النبوة عدد فقد يكون هو هذا العدد والله أعلم.\rالمهم أنه يقول النبي ﷺ: (أنا خاتم النبيين ولا نبي بعدي) .\r\rأعطيت خمساً","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690540,"book_id":1659,"shamela_page_id":1666,"part":null,"page_num":1666,"sequence_num":1666,"body":"في الخصائص التي خص بها النبي ﷺ ماجاء في حديث الخمس التي أعطيها النبي ﷺ ولم يعطها أحد قبله، وفي رواية أنها ست، كهذه الرواية التي رواها مسلم يقول: (أعطيت جوامع الكلم) ومعنى (أعطيت جوامع الكلم) قد سبق معنا.\rوقلنا: إن جوامع الكلم هي: العبارة القليلة الألفاظ، الجامعة لمعان كثيرة وقواعد عظيمة في أمور الدين، مثل قوله ﷺ: (لا ضرر ولا ضرار) ومثل قوله ﷺ: (الدين النصيحة) ومثل قوله ﷺ: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) .\r\rفهذه أقوال وألفاظ موجزة؛ لكنها تشمل أموراً عظيمة جداً يُستدلُ بها في أبواب كثيرة، وتُستخرجُ منها مسائلُ كثيرةٌ جداً، مع أنها ألفاظ موجزة.\rوكما مرَّ معنا في حديث القدر ﴿كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتانا رسول الله ﷺ فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة فنكس فجعل ينكت بمخصرته ثم قال ما منكم من أحد ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة والنار وإلا وقد كتبت شقية أو سعيدة قال فقال رجل يا رسول الله أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل فقال من كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة فقال اعملوا فكل ميسر لما خلق له﴾ بهذه العبارة الموجزة، انحلت كل الإشكالات التي تتعلق بالقدر، من كَانَ من أهل النَّار فهو ميسر لعمل أهل النَّار والعياذ بالله، ومن كَانَ من أهل الجنة فهو ميسر لعمل أهل الجنة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690541,"book_id":1659,"shamela_page_id":1667,"part":null,"page_num":1667,"sequence_num":1667,"body":"وقوله ﷺ: (ونصرت بالرعب) وفي رواية أخرى (مسيرة شهر) ومعنى ذلك: أنه إذا عقد النبي ﷺ لواء جيش من الجيوش قذف الله تَعَالَى في قلوب أعدائه الرعب قبل أن يحاربهم، ولو كَانَ عَلَى مسيرة شهر منه ﷺ.\rقوله ﷺ (وأحلت لي الغنائم) كان الأَنْبِيَاء قبل النبي ﷺ إذا قاتلوا عدواً لهم فغنموا منه، فإنهم يجمعون الغنائم فيضعونها في مكان فتنزل نار من السماء فتحرقها، ومن غل منها شيئاً، فإنه يعاقب.\rفجاء الحكم بالتخفيف لهذه الأمة أن الغنائم حلال له ﷺ ولأمته عَلَى القسمة المعروفة إن كانت فيئاً أو إن كانت غنائم، فأحلت له ﷺ وأصبح كل مقاتل يأخذ ما كتب الله تَعَالَى له وشرع من الغنائم، هذه من خصائصه ﷺ؛ ولهذا يقول: (بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده، وجعل رزقي تحت ظل رمحي) فكان ﷺ يسترزق مما يقبضه من الغنائم التي أحلها الله ﵎ له من قتال الكفار.\r\rويقول ﷺ: (وجعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً) هذه نعمة عظيمة أيضاً، كانت الأمم قبلنا -وما يزالون إِلَى اليوم- لا يصلون إلا في الكنائس وفي المعابد، لكن هذا الدين رحمة للعالمين وهو دين عام للعالمين وعام لجميع الأزمان إِلَى أن تقوم الساعة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690542,"book_id":1659,"shamela_page_id":1668,"part":null,"page_num":1668,"sequence_num":1668,"body":"فالله ﷾ خفَّف عن هذه الأمة، كما قال ﷺ في رواية: (فحيث ما أدركت الصلاة أحداً من أمتي فعنده مسجده وطهوره) فإذا لم تجد الماء أو المسجد فتقول: بسم الله، وتتيمم، وتكبر، وتصلي، ليس هناك تخفيف مثل هذا، ولم يكن في أي ملة من الملل تخفيف من الله ﷿ مثله، وهذا دليل من الأدلة الكثيرة عَلَى أن هذا الدين دين رحمة للعالمين، وأنه دين العالم، وأنه دين الإِنسَانية جمعاء، فلا تتعطل أمور الحياة ولا تتوقف في أي مكان كنت، فحولك الأرض تتيمم وتصلي في أي مكان لا يشترط المسجد، ولا يشترط الماء إلا في حال كونهما موجودان فيجب أن تتوضأ وإذا كَانَ المسجد أيضاً موجوداً فيجب عليك صلاة الجماعة.\r\rوقوله ﷺ: (وأرسلت إِلَى الخلق كافة، وإنما كَانَ النبي يبعث إِلَى قومه خاصة) كما وضحت ذلك الروايات الأخرى فكان الأَنْبِيَاء يبعثون إِلَى أقوامهم، فموسى بعث إِلَى قومه، وزعيمهمفرعونوإلى بني إسرائيل خاصة ليخرجهم من طاغوتفرعون، ونوح، وهود، وصالح، وشعيب كذلك، ولكن مُحَمَّد ﷺ وعلى جميع الأَنْبِيَاء والمرسلين أزكى الصلاة والتسليم بُعث إِلَى الخلق عامة، فدعوته للثقلين الإنس والجن.\r\rولهذا يقول النبي ﷺ: (والذي نفسي بيده لا يَسْمَعُ بي يَهُّودِيٌّ ولا نَصرَانيٌّ ثُمَّ لا يُؤمِنُ بي إلا دَخَلَ النَّار) مجرد أنه سمع بهذا النبي ﷺ لأن دعوته عامة لجميع العالمين.\r\rقوله ﷺ: (وختم بي النبيون) هذه الجملة السادسة التي زادت في هذه الرواية.\rوهذه حقيقة قطعية لا يخالف فيها أحد من الْمُسْلِمِينَ وأعداء الله لم يخالفوا فيها من أول أمرهم بوضوح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690543,"book_id":1659,"shamela_page_id":1669,"part":null,"page_num":1669,"sequence_num":1669,"body":"وأول من قال ليس مُحَمَّد ﷺ بآخر الأَنْبِيَاء هم الرافضة قبحهم الله، وقد سبق أن قلنا: إنهم ينتمون إِلَى عبد الله بن سبأ اليهودي، فإنهم أخذوا يتحايلون عَلَى الوحي.\rفيقولون إن علياً ﵁ كَانَ إلهاً، وأنه يُوحى إليه، وأنه في السحاب، وأن البرق سيفه، والرعد صوته، هكذا قالعبد الله بن سبأ وبعد ذلك كانوا يُسمون الخشبية وتطور الأمر بهم إِلَى أن قالوا: إن الأئمة يعلمون ما كَانَ وما سيكون، ويقرءون اللوح المحفوظ، إلا أنهم لا يقولون بصراحة أن الإمام فلانٌ رَسُول لكن كلامهم: يقرأ اللوح المحفوظ، ويعلم الغيب.\r\rمثلاً الحسين -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- تقول الرافضة إنه قد أوحي إليه أنك ستنزل في كربلاء، ولهذا مشى في الطريق يسأل عن قرية حتى قالوا له هذه كربلاء، فنزل فيها، وَقَالُوا: هذا وحي من الله، وهكذا يقولون في الأئمة.\r\rفانتشر بين هَؤُلاءِ الرافضة الاعتقاد بأن الوحي يمكن أن يتم لكن دون أن يصرحوا أول الأمر أنه رَسُول وصرح بعضهم بذلك مثل الغرابية بعض الفرق التي هي كافرة حتى عند الشيعة.\rثُمَّ تطور الأمر إِلَى أن ظهرت الباطنية.\rالباطنية\rظهرت الباطنية في أول القرن الثالث، سنة مائتين وخمسة أو مائتين وعشرة أو قريباً من ذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690544,"book_id":1659,"shamela_page_id":1670,"part":null,"page_num":1670,"sequence_num":1670,"body":"وهذه الحركة دخلت من مدخل الشيعة فكانوا يظهرون الرفض، ويبطنون الكفر المحض، كما قال العلماء: يأخذون الإِنسَان، ويقولون له أول مرة: إن جميع الصحابة ارتدوا عن الإسلام إلا الأربعة فقط عَلِيّ وعمار والمقداد وسلمان ويكفرون بقية الصحابة ويقولون: أي: رواية جاءت في القُرْآن أو في السنة لا تصدق بها عَلَى الإطلاق، فيدخل في دينهم، وبعد فترة يقولون له -على تدرج عندهم- حتى هَؤُلاءِ الأربعة مثلهم كمثل باقي الصحابة فيخرج من الإسلام بالكلية ويلقنونه الأصول الفلسفية التي كتبوها والتي أنشأوها، ويسمونها رسائل إخوان الصفا وخلان الوفا، وهي رسائل فلسفية لعقائد فلسفية -من كلام اليونان وأمثالهم- وإلحادية لا تؤمن بأي دين عَلَى الإطلاق، فلما دخلت الباطنية قالوا مجاهرين: بأن النبوة والوحي ليس كما يزعم الأنبياء، وجميع أتباع الأَنْبِيَاء في الدنيا: أن الله ﷿ يرسل رسولاً فيوحي إِلَى الرَّسُول الإنسي بواسطة الرَّسُول الملكي؛ لأن الله ﷿ عند الباطنية: مجرد عقل كلي أو العلة الأول -كما سبق معنا إيضاح شيءٌ من ذلك- ويقولون: العقل الكلي يفيض منه العلم عَلَى العقول الجزئية، وهذا هو الذي يسمى وحي عند الباطنية.\r\rويقولون: النبوة بالاكتساب وبالاجتهاد وبالنظر والعياذ بالله تعالى.\rفهم خارجون عن دين الإسلام، وقد استطاعوا أن يخرجوا بعض الْمُسْلِمِينَ من دينهم لما فسروا الوحى بهذه الطريقة واستمر الأمر عَلَى ذلك؛ لكن لم يكن لهم شأن، لأن الأمة في قوة وإيمان.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690545,"book_id":1659,"shamela_page_id":1671,"part":null,"page_num":1671,"sequence_num":1671,"body":"هَؤُلاءِ الباطنية كفّرَهم الْمُسْلِمُونَ بالاتفاق، ولم يكن هناك أحدٌ يدعي النبوة بإقناع وصدق إلا وهو زنديق أو منافق يطمع في أمور الدنيا، بل إن كثيراً ممن ادعى النبوة كَانَ مجرد هازل ساخر، وتنشر حكاياتهم في أبواب الهزل والسخرية وكتب الأدب ونحو ذلك، لكن في هذه الفترة بدأت الأمور تتعمق أكثر، ثُمَّ ظهر في بقايا الباطنية \" الفرقة التي تسمى الأحمدية أو القاديانية \".\r\rالأحمدية أو القاديانية\rهذه الفرقة لابد أن نعرف شيئاً من أصولها ومبادئها، حتى إذا قيل لنا ما هي الفرقة التي تدعي أن النبي ﷺ ليس خاتم النبيين، وألفت في ذلك كتباً وجاءت بنبي تدعيه نبياً؟\rقلنا: هي الفرقة القاديانية، وتسمى أحياناً: الأحمدية، نسبة إِلَى أحمد غلام ميرزا القادياني الذي أسس هذه الفرقة، وهو من بلد يُقال لها: قاديان، بلدة في شمال باكستان في ولاية البنجاب\r.أحمد القادياني: كَانَ أبوه عميلاً للإنجليز -في جيش الإنجليز- موالياً لهم، والإنجليز توسموا في هذا الغلام أنه يمكن أن يستخدموه لمآربهم ولأغراضهم.\r\rولو نظرنا إِلَى الفترة التي تنبأ فيها أحمد القادياني لوجدنا أنها بعد ظهور دعوة الشيخ مُحَمَّد بن عبد الوهاب ﵀ وانتشار هذه الدعوة في أصقاع العالم الإسلامي ومنها الهند، فقامت دعوات جهادية في الهند متأثرة بدعوة الشيخ مُحَمَّد بن عبد الوهاب تحارب الإنجليز.\r\rفتفطن الإنجليز لذلك وَقَالُوا: لا بد أن نشعل فتنة بين الْمُسْلِمِينَ مستغلين بذلك الجهل الموجود في القارة الهندية فجاءوا إِلَى هذا الفتى أحمد القادياني ورأوا فيه أنه يمكن أن يقوم بتحقيق هذا الهدف.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690546,"book_id":1659,"shamela_page_id":1672,"part":null,"page_num":1672,"sequence_num":1672,"body":"فكان أول ما بدأ به الأمر أن كتب كتاباً أسماه البراهين الأحمدية يرد فيه عَلَى اليهود والنَّصَارَى فهو لم يدّعِ النبوة في البداية؛ لأنه لو قَالَ: أنا نبي لكذبه الناس؛ ولكنه لكي يتمكن بدأ بالرد عَلَى اليهود والنَّصَارَى وعلى أعداء الإسلام في كتاب براهين أحمدية وكأنه من المدافعين عن الدين.\r\rثُمَّ بعد فترة ادعى أنه مجدد القرن.\r\rثُمَّ بعد فترة ادعى أنه المهدي.\r\rوبعد فترة ادعى أنه المسيح.\r\rوبعد فترة ادعى النبوة بوضوح، وأنه رَسُول من عند الله، فلما مات أحمد القادياني عثر عَلَى آثاره وجمعت كتبه، فوجد فيها رسالة بعث بها أحمد القادياني إِلَى الحكومة الإنجليزية، وهي بخطه يقول فيها:\r\r\" إنني قد كتبت في مدح وتأييد الحكومة الإنجليزية وحث الْمُسْلِمِينَ في الهند على الولاء لها؛ ما يعادل لو جمع أكثر من خمسين خزانة، -هذه كتبه فقط في الموالاة للإنجليز- وإني قد دعوتهم في كل مكان إِلَى أن يتركوا الجهاد، وأن يخلصوا الولاء لهذه الدولة حفظها الله وحرسها \" إِلَى غير ذلك.\rإذاً فأحمد القادياني كَانَ يتلقى الوحي من لندن وكان يتلقاه من السياحة الإنجليزية، التي كانت تهدف إِلَى قمع آثار دعوة الشيخ مُحَمَّد بن عبد الوهاب وآثار الجهاد الذي كَانَ قائماً عند الْمُسْلِمِينَ.\r\rوكان من أهم الشرائع التي جاءت إِلَى هذا المتنبئ الدجال أنه أبطل الجهاد عَلَى الإطلاق! وكان يتنقل من بلد إِلَى بلد ويقول: لا جهاد، والحرب عَلَى أشدها بين الْمُسْلِمِينَ وبين الإنجليز في الهند، ثُمَّ أبطل كثيراً من المحرمات، وأخذا يُشرّعُ من عند نفسه، ولم يزل القاديانيون إلى اليوم منتشرون في أوروبا وفي أمريكا، والآن يغوصون في القارة الأفريقية مستغلين الجوع والحاجة وتؤيدهم دول الاستعمار الغربية؛ بنشر هذه الضلالات ويسمون أنفسهم الأحمدية ويعتقدون أن أحمد القادياني نبي، ولهم مكان يسمى الربوة في باكستان.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690547,"book_id":1659,"shamela_page_id":1673,"part":null,"page_num":1673,"sequence_num":1673,"body":"ويقولون: إن هذا هو الذي قال الله تَعَالَى فيه: وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ [المؤمنون:٥٠] مع أنها أرض جدباء لا يوجد فيها أنهارٌ ولا أشجار ولا خضرة مع ذلك يسمونها ربوة فأين القرار وأين المعين؟ فهم لا يبالون بالكذب ولا يبالون بالدجل؛ بل لقد أصبحت المسألة مسألة عمالة مع أعداء الله.\rولديهم من يسمونهم الخلفاء والآن الخليفة الثالث أو الرابع، كلما مات واحد منهم يأتي خليفة من بعده ويجدد الدين، ومن خطورتهم وخبثهم أنهم يترجمون معاني القُرْآن الكريم إِلَى اللغة الإنجليزية، ويترجمون بعض الكتب الإسلامية، ويوزعونها في أوروبا وأمريكا.\r\rوالنَّاس هناك يشتاقون إِلَى شيء يسمعونه عن الإسلام، ولا يجدون شيئاً إلا بلغتهم فيشترون الكتب القاديانية فيدخلون في القاديانية وكم من الْمُسْلِمِينَ الغربيين يسلم، ثُمَّ بعد فترة تجتاله القاديانية وتدخله في دينها، والشاهد أن هذه الفرقة هي أشهر من عُرفَ عنه إنكار ختم النبوة.\r\rالبهائية\rظهرت البهائية في إيران في وسط الشيعة وهي نابعة من نفس الفكر الشيعي الذي قلنا: إنه يرفع الأئمة ويعظمهم، ويدعي أنه يوحى إليهم، وأن محمداً ﷺ ليس خاتم الأَنْبِيَاء.\rظهر البهاء يتلقى وحيه من اليهود، واليهود كما تعلمون مندسون في صفوف الشيعة منذ أن أسسوا دين التشيع إِلَى اليوم، وتأسست هذه الفرقة عَلَى يد رجل يُقال له: أحمد الأحسائي وأصله كَانَ يهودياً إنجليزياً سكن في إيران، وانتسب إِلَى الأحساء وأسس هذا الدين.\rوالبهائية أشدُّ كُفراً من القاديانية؛ لأنها تنكر الإسلام كله وتمحوه كله، وتدَّعي أنه كذب ودجل، وتترك الشرائع جميعاً، وتنفي الفروق بين الأديان جميعاً وهم يحجون لكن إِلَى عكا في فلسطين، ولم يزل مقرهم وقاعدتهم في عكا، حتى تكون عَلَى مقربة من اليهود ومن تأسيس دولة اليهود.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690548,"book_id":1659,"shamela_page_id":1674,"part":null,"page_num":1674,"sequence_num":1674,"body":"ويجعلون القبلة إِلَى عكا إِلَى حيث يكون البهاء أو خليفتهم، وليست القبلة إِلَى الكعبة، وألغوا الصلوات، وارتكبوا جميع المحرمات، فكل شيء في الدين غيروه، وجاء هذا البهاء بكتاب سماه البيان فقَالَ: هذا كتاب ينسخ القُرْآن -والعياذ بالله- ويدعي أن هذا في القُرْآن قال تعالى: عَلَّمَهُ الْبَيَانَ [الرحمن:٤] فالبيان هو هذا الكتاب الذي جَاءَ به، وألف كتاباً آخر سماه كتاب الأطرش.\r\rالمهم أن لهم ضلالات كثيرة لا يهمنا أن نعرفها بالتفصيل لكن ينبغي لنا أن نعرف قدراً منها، وأن نعرف أن كونه ﷺ خاتم الأَنْبِيَاء هذه حقيقة لا يدخلها الشك، ومن شك فيها فقد كفر وخرج من دين الإسلام.\rولكن القاديانية والبهائية وأمثالها إنما نجحت وقامت أولاً: لأنها قامت في بلاد تتمكن فيها الإسماعيلية الباطنية والشيعة فأساس الضلال والخراب جَاءَ من هنا.\r\rوثانياً: أنها قامت لتبرر وجود الاستعمار والاحتلال الكافر لبلاد الْمُسْلِمِينَ، فهي لا تقوم عَلَى برهان علمي، ولا يهمها أن يعرف الْمُسْلِمُونَ كذبها وكفرها، وإنما الذي يهمها أن تأخذ من الأطراف في أفريقيا وأندونيسيا، وعن الجدد الذين يدخلون في الإسلام، من الأوروبيين والأمريكان لتأخذ هَؤُلاءِ النَّاس وتجتالهم وتدخلهم في هذه الأديان الباطلة، وتلبس عليهم، ويهم أعداء الله -من اليهود والنَّصَارَى والشيوعيين- أن يثبتوا للمسلمين أن ما تدعونه من كون مُحَمَّد ﷺ هو خاتم الأَنْبِيَاء والمرسلين غير صحيح؛ لأنه قد ظهر أنبياء بعده فظهر أحمد القادياني وظهر البهاء وظهر هَؤُلاءِ الكذابون والدجالون، هذه هي الأهداف التي يريد أعداء الإسلام أن يحققوها من هذه الدعاوي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690549,"book_id":1659,"shamela_page_id":1675,"part":null,"page_num":1675,"sequence_num":1675,"body":"وإلا فهي ولله الحمد لا ترقى أن تكون شبهات، وقد رد علماء الإسلام في جميع البلاد عليهم، حتى في باكستان حينما نشأت هذه الدعوات وفي إيران أيضاً، كَفَرُوا عقيدة الفرقتين، وأجمعوا عَلَى خروجهما من الملة، ولذلك ينبغي خاصة لمن يذهب إِلَى بلاد أوروبا وأمريكا أن يعرف شيئاً من حال هاتين الفرقتين ليُحذِّر منها هنالك، وأيضاً في بلادأفريقيا الغربية فإن لهما هناك وجوداً وخطراً، وتحاولان أن تستزلا الْمُسْلِمِينَ من الإسلام إِلَى هذين الكفرين اللذين جاءتا بهما.\r\rقال الطّّحاويّ ﵀:\r[وإمام الأتقياء] .\r\rقَالَ المُصنِّفُ ﵀:\r\r[الإمام الذي يؤتم به، أي: يقتدون به.\rوالنبي ﷺ إنما بعث للاقتداء به؛ لقوله تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران:٣١] وكل من اتبعه واقتدى به، فهو من الأتقياء] اهـ.\rالشرح:\rنعم هو ﷺ هو إمام الأتقياء، فالأتقياء هم الذين يتبعونه ويؤمنون به ويتمسكون بسنته، والتقوى كما تعلمون جميعاً، هي: من الوقاية أي: أن تجعل بينك وبين الله ﷿ وقاية، وفسرها بعض الصحابة رضوان الله تَعَالَى عليهم بأنها: العمل بالتنزيل والخوف من الجليل ﷾ والرضا بالقليل.\r\rالعمل بالتنزيل: أي العمل بالقرآن.\r\rوالخوف من الجليل: تخاف من الله ﷿ في كل أمر تفعله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690550,"book_id":1659,"shamela_page_id":1676,"part":null,"page_num":1676,"sequence_num":1676,"body":"والرضا بالقليل: وهو الزهد في هذا المتاع الفاني والحطام الزائل، متاع الحياة الدنيا، وكان أصحاب النبي ﷺ هم القدوة في التقوى. والنموذج العالي هو رسولنا ﷺ وهو إمام المتقين، وقوله تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [آل عمران:٣١] هذه سماها السلف آية المحنه أو الامتحان قالوا: ادعى قوم محبة الله فأنزل الله تَعَالَى عليهم آية المحنه أو الأمتحان.\rقال الطّّحاويّ ﵀:\r[وسيد المرسلين] .\r\rقَالَ المُصنِّفُ ﵀:\r\r[قال ﷺ: (أنا سيد ولد آدم يَوْمَ القِيَامَةِ، وأول من ينشق عنه القبر وأول شافع وأول مشفع) رواه مسلم.\r\rوفي أول حديث الشَّفَاعَة (أنا سيد النَّاس يَوْمَ القِيَامَةِ) وروى مسلم والتِّرْمِذِيّ عن واثلة بن الأسقع ﵁ قَالَ: قال رَسُول الله ﷺ: (إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم)\rفإن قيل يشكل عَلَى هذا قوله ﷺ: (لا تفضلوني عَلَى موسى، فإن النَّاس يُصعقون يَوْمَ القِيَامَةِ، فأكون أولُ من يُفيق، فأجدُ موسى باطشاً بساقِ العرش، فلا أدري هل أفاق قبلي، أو كَانَ ممن استثنى الله؟) خرّجاه في الصحيحين، فكيف يُجمع بين هذا، وبين قولهِ ﷺ: (أنا سيدُ ولدِ آدمَ ولا فخر) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690551,"book_id":1659,"shamela_page_id":1677,"part":null,"page_num":1677,"sequence_num":1677,"body":"فالجواب: أن هذا كَانَ له سبب، فإنه كَانَ قد قال يهودي: لا والذي اصطفى موسى عَلَى البشر فلطمه مسلم، وقَالَ: أتقول هذا ورَسُول الله ﷺ بين أظهرنا، فجاء اليهودي فاشتكى من المسلم الذي لطمه، فَقَالَ النبي ﷺ هذا؛ لأن التفضيل إذا كَانَ عَلَى وجه الحمية والعصبية وهوى النفس كَانَ مذموماً.\r\rبل نفس الجهاد إذا قاتل الرجل حمية وعصبية كَانَ مذموماً، فإن الله حرم الفخر، وقد قال تعالى: وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ [الإسراء:٥٥] ، وقال تعالى: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ [البقرة:٢٥٣] ، فعُلمَ أن المذمومَ إنّما هو التفضيلُ عَلَى وجه الفخر أو عَلَى وجه الانتقاص بالمفضول.\r\rوعلى هذا يُحمل أيضاً قولهُ ﷺ: (لا تفضلوا بين الأنبياء) إن كَانَ ثابتاً فإن هذا قد روى في نفس حديث موسى وهو في البُخَارِيّ وغيره.\r\rلكن بعض النَّاس يقول: إن فيه علة؛ بخلاف حديث موسى، فإنه صحيح لا علة فيه باتفاقهم.\r\rوقد أجاب بعضهم بجواب آخر وهو: أن قوله ﷺ (لا تفضلوني عَلَى موسى) ، وقوله (لا تفضلوا بين الأنبياء) ، نهيٌ عن التفضيل الخاص أي: لا يُفضل بعض الرسل عَلَى بعض بعينه: بخلاف قوله: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر) فإنه تفضيل عام فلا يمنع منه، وهذا كما لو قيل: فلان أفضل أهل البلد لا ينصب عَلَى أفرادهم، بخلاف ما لو قيل لأحدهم: فلان أفضل منك، ثُمَّ إني رأيت الطّّحاويّ ﵀ قد أجاب بهذا الجواب في شرح معاني الآثار] اهـ.\rالشرح:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690552,"book_id":1659,"shamela_page_id":1678,"part":null,"page_num":1678,"sequence_num":1678,"body":"يقول الإمام الطّّحاويّ ﵀: [وسيدُ المرسلينَ] أي: ونقول: إنّهُ ﷺ خاتمُ الأنبياءِ وإمامُ الأتقياءِ وسيدُ المرسلينَ، وعلى ذلك علّق المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى بذكر هذه الأحاديث الصحيحة التي ورد فيها إثبات هذه الصفة للنبي ﷺ، ومنها الحديث الصحيح المعروف (أنا سيد ولد آدم يَوْمَ القِيَامَةِ، وأول من ينشق عنه القبر وأول شافع وأول مشفع) .\rالكلام على إضافة كلمة \"سيدنا\" للرسول ﷺ\rوكون النبي ﷺ هو سيد ولد آدم لا غبار عليه، ولا إشكال فيه، وإنما الشبهة التي تثار وخصوصاً عند المتأخرين حول إطلاق كلمة سيدنا عَلَى رَسُول الله ﷺ، فيرى بعضهم: أن هذه الكلمة تصلح لأن تكون شعاراً وتتخذ سنة في الخطب، والمقالات، والمواعظ، حتى أن بعضهم يذكرها في التشهد في الصلاة!\r\rويقول: لماذا لا نقول: وأشهد أن سيدنا، أو اللهم صلى عَلَى سيدنا مُحَمَّد وعلى آل سيدنا محمد؟ ويقولون: إن هذا اللفظ قد ثبت من قوله ﷺ: هو سيد ولد آدم! وأن الذي يقول: اللهم صل عَلَى سيدنا مُحَمَّد في صلاته، أو في خطبة الجمعة، أو غير ذلك أفضل من الذي لا يذكر لفظ سيدنا!\rبل ليت الأمر وقف عند حدود الأفضلية، وإنما يقولون: عن الذي يقول: أشهد أن محمداً عبده ورسوله ولا يضيف سيدنا، هذا جافٍ يكره النبي ﷺ والعياذ بالله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690553,"book_id":1659,"shamela_page_id":1679,"part":null,"page_num":1679,"sequence_num":1679,"body":"وقد سبق أن قلنا: إن مما أجمع عليه أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ: أن من كره شيئاً مما جَاءَ به الرَّسُول ﷺ أو كَانَ في قلبه أدنى كراهية للرَسُول ﷺ فإنه كافراً قطعاً، وإن أظهر الإسلام، وأظهر الشعائر، فهو من المنافقين الذين لا يقبل منهم عمل بل هم في الدرك الأسفل من النار، فمن الخطورة بمكان أن يُقَالَ: إن فلاناً يكره الرَّسُول ﷺ؛ لإنه لا يقول: أشهد أن سيدنا محمداً رَسُول الله، وإنما يقول: أشهد أن محمداً رَسُول الله!\rوالقول الصواب في هذه المسألة أننا نقول: أولاً: لا بد أن نعلم أننا متبعون ولسنا مبتدعين، وأن الله ﷾ جعل هذا الدين اتباعاً قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران:٣١] وكذلك رَسُول الله ﷺ يقول له الله ﷿: قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ [الأنبياء:٤٥] ، فهو ﷺ لا ينذرنا بالعقل ولا بالهوى، ولا بالرأي، وإنما هو وحي إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:٤] .\r\rوهو ﷺ لو قال قولاً أو فعل فعلاً عَلَى خلاف ما يريد الله ﷾، لنزل عليه العتاب، وينزل تصحيح ذلك الخطأ من عند الله ﷾، فهو لا يأتي بشيء من عند نفسه ﷺ، بل هو متبع لما يوحى إليه وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [الأحزاب:٢] فالله ﵎ يأمر رسوله ﷺ أن يتبع ما يوحى إليه من ربه، وأن يقول للناس إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ [الأنبياء:٤٥] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690554,"book_id":1659,"shamela_page_id":1680,"part":null,"page_num":1680,"sequence_num":1680,"body":"وكذلك يأمرنا رَسُول الله ﷺ بأن نتبعه، لأنه لا ينطق عن الهوى، فالمسألة إذاً اتباع، والنبي ﷺ لما سأله أصحابه قالوا يا رَسُول الله: قد علمنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك؟ علمهم، ولا يوجد في أي حديث صحيح أنه علمهم إضافة كلمة \"سيدنا\"، فضلاً عن أن تكون شعاراً، بحيث لا يذكر النبي ﷺ إلا وتوضع قبله هذه الكلمة، ونحن نؤمن بثبوت هذه الصفة للنبي ﷺ، ولا ننكرها، بل هو ﷺ سيد ولد آدم.\r\rلكن يجب أن نفهم أن هذا لا يقال في أمر تعبدي، فلا يقال في الصلاة، ولا يقال في الأذان كما تفعله بعض الدول، وإذا قيلت اللفظة فلا تقال عَلَى سبيل اللقب، ولا بأس أن يقال خارج الصلاة والأذان، كما لو كَانَ في موعظة أو في درس أو في مقالة، فلا مانع أن يقَالَ: سيد المرسلين ﷺ، لكن لا عَلَى سبيل الالتزام المطلق الذي يجعل شعاراً.\r\rإذاً فهذه الصفة ثبتت للنبي ﷺ، لكنها لا تدخل في أي أمر تُعبدنا به جاءت صفته الشرعية التعبدية منقولة عن النبي ﷺ صحيحة بدون هذه الصفة.\rالأمر الثاني: أننا إذا قلنا: نشهد أن محمداً عبده ورسوله، أو إذا قلنا: قال رَسُول الله ﷺ قلتم: لا؛ بل قولوا: سيدنا رَسُول الله ﷺ، هذه أبلغ!\rفنقول:\rأولاً: تعظيمه ﷺ لا يكون إلا بما ورد، عند البُخَارِيّ ومسلم وغيرهما كالإمام أَحْمَد.\r\rفلم يرد مثلاً عند أَحْمَد في مسنده عن أَبِي هُرَيْرَةَ عن سيدنا مُحَمَّد ﷺ!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690555,"book_id":1659,"shamela_page_id":1681,"part":null,"page_num":1681,"sequence_num":1681,"body":"وهمُ السلف الصالح الذين يعرفون النبي ﷺ ويحبونه ويقدّرونه أعظم منا، مع أنهم لم ينكروا أنه سيد ولد آدم، كما جَاءَ في الحديث، ولكنهم لم يستخدموه شعاراً ولقباً، فنقف حيث وقف القوم.\rوالأمر الآخر: الذي يظهر أن هذا اللفظ ليس فيه زيادة توقير، ولا زيادة تعظيم للنبي ﷺ؛ لأن العرب وجميع الأمم تسمي كل من يتزعمها سيداً لها، كَانَ يُقَالَ: أبو سفيان سيد قريش، والأقرع بن حابس سيد بني تميم، وفلان سيد بنى حنيفة، وفلان سيد بنى كذا من قبائل العرب، فليس هناك غرابة أن يقَالَ: فلان سيد قبيلة، أو أمة من الأمم، بل لما جَاءَ الرسل من الفرس إِلَى الرَّسُول ﷺ، وكانوا يحلقون اللحية ويطيلون الشارب، فَقَالَ لهم النبي ﷺ من أمركم بهذا، قالوا: أمرنا ربنا أي: ملكهم كسرى، ومعنى ربنا أي: سيدنا، كما جَاءَ في القرآن: وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ [يوسف:٢٥] .\r\rأي: زوجها وصاحبها، فالمقصود أن هذه الكلمة تطلق عَلَى من يملك عبداً مملوكاً رقيقاً، فيقال له: هذا سيد فلان المملوك، وتقول للزعيم أو للأمير الذي تنتمي إليه هذا سيدنا، ويقول إنسان لأي إنسان آخر ينتمي، إِلَى أمة من الأمم: فلان سيد بني فلان، أو فلان سيد الدولة الفلانية أو الطائفة الفلانية، فليس في هذه العبارة ميزة اختصاص أو تفضيل، اللهم إلا أن هذا الرجل مفضل عَلَى قومه.\r\rوعلى هذا يفهم من قولنا: فلان سيد بني تميم أنه سيد في حدود قرية بني تميم، وأن هذا أفضل رجل فيهم، فإذا قال بنو تميم: سيدنا الأقرع أو سيدنا فلان، وقال أصحابُ النبي ﷺ سيدنا مُحَمَّد استويا! وليس الأمر كذلك، فالنبي ﷺ أعظم من ذلك، فلقبه أو اسمه أو صفته أعظم من كونه سيداً التي يفهم منها الزعامة الدنيوية العادية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690556,"book_id":1659,"shamela_page_id":1682,"part":null,"page_num":1682,"sequence_num":1682,"body":"فلهذا كَانَ الصحابة عَلَى وعي وفهم وسنة واتباع، عندما كانوا يقولون: أمرنا رَسُولُ اللهِ ﷺ ورَسُول الله هو رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﷾، وهذه ميزته التي لا يشاركه فيها أحد من العالمين في عصره عَلَى الإطلاق، وهذه هي التي بموجبها يلزم جميع العالمين أن يخضعوا لأمره ونهيه، ويتبعوه، لأنه يتكلم بكلام من عند رَبِّ الْعَالَمِينَ، وبوحي من الله تعالى، فإذا قيل: قال رَسُول الله كَانَ هذا الكلام من عند الله ﷿ بواسطة رسوله ﷺ، فيجب أن نتبعه، ولذا لما رد النبي ﷺ عَلَى صاحبي كسرىكسرى قَالَ: ولكن ربي أمرني، وما قَالَ: أنا سيد قومي، فأمرتهم بإعفاء اللحى، وسيدكم أمركم بإعفاء الشوارب، فهذان سيدان: هذا يأمر قومه، وهذا يأمر قومه، لكن هذا يقول: إن ربي الذي هو الله ﷿ أمرني بكذا، أما ذاك فهو ربكم أي سيدكم بشر مثلكم، فالذي يختص به النبي ﷺ ويمتاز به، ويرتفع به عن سائر العالمين هو تمام العبودية لله ﷾، وكمال الرسالة التي اختصه الله ﷾ بها دون العالمين أجمعين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690557,"book_id":1659,"shamela_page_id":1683,"part":null,"page_num":1683,"sequence_num":1683,"body":"لكننا لو قلنا: إنه سيد ولد آدم يَوْمَ القِيَامَةِ كما جَاءَ في الحديث: (أنا سيد ولد آدم يَوْمَ القِيَامَةِ) فيكون النبي ﷺ هنا حدد أنه سيد ولد آدم يَوْمَ القِيَامَةِ، وحال يَوْمَ القِيَامَةِ يختلف عن حال الدنيا تماماً، فيَوْمَ القِيَامَةِ ينادي الرب ﵎: أين الجبارون أين المتكبرون، فلا يجيب أحد فيأتوه مهطعين، مخبتين، شاخصة أبصارهم، ويأتيه جميع النَّاس في غاية الانكسار والخضوع، وتشخص أبصارهم فلا تسمع إلا همساً، بل المتكبرون الذين كانوا يتكبرون في الدنيا، يحشرون -كما جَاءَ في الحديث- عَلَى هيئة الذر يطؤهم النَّاس بأقدامهم، فيحشر خلق الله تَعَالَى عَلَى خلقة واحدة إلا المتكبرون، فإنهم يحشرون عَلَى هيئة الذر جزاءً ونكالاً لتعاليهم، وتفاخرهم في الحياة الدنيا، ففي ذلك الموقف الذي لا يتكلم فيه أحد، والذي يخرس فيه جميع المتكبرين، يقف جميع الأنبياء، ومنهم أولو العزم يعتذرون عن الشَّفَاعَة، وحينئذ يقوم ﷺ فيشفع، وهي السيادة الحقيقية عَلَى العالمين، فلذلك يقول: (أنا سيد ولد آدم يَوْمَ القِيَامَةِ، وأول من تنشق عنه الأرض، وأول شافع، وأول مشفع) .\r\rفلهذا جَاءَ الحديث بهذا القيد مع أننا نقول: لا يمنع من استعماله أو من إطلاقه في غير يَوْمَ القِيَامَةِ، لكننا لا ننسى أن هذا اللفظ إنما جَاءَ في معرض يَوْمَ القِيَامَةِ، فإن ليَوْمَ القِيَامَةِ تلك الحالة المخصوصة التي تختلف عن حال الدنيا، ولهذا فَهِمَ الصحابة -رضوان الله عليهم- أنهم لا يتخذون هذا اللقب دائماً، وكذلك العلماء من بعدهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690558,"book_id":1659,"shamela_page_id":1684,"part":null,"page_num":1684,"sequence_num":1684,"body":"وأيضاً إذا قيل: إنه ﷺ سيد المرسلين، فهو يختلف عن قولنا: إنه سيدنا، لأن المرسلين هم أفضل البشر وأعلاهم درجة ورتبة وشرفاً، فتفضيل النبي ﷺ عَلَى المرسلين بأنه سيد المرسلين، تفضيل واضح، بخلاف ما إذا قال العامي من الناس: سيدنا، فقد يفهم منها ما يستخدم عادة للعظماء أو للأمراء، أو للملوك، ولهذا إذا قال فلان: سيد العلماء الشَّافِعِيّ، وسيد المحدثين الإمام أَحْمَد، ففيه ميزة.\r\rلكننا لو قلنا سيدنا الإمام أَحْمَد، فإن هناك فرقاً بين هذا وهذا، وإذا قلنا فلان سيدهم أو أمير المؤمنين في الحديث، فهذا تفضيل، فلو فكرنا في هذه الأمور بعقل صائب سليم متزن، لوجدنا أن ما ورد في حقه ﷺ هو: أولاً: أنه المتبع الذي يجب أن يطاع. وثانياً: أن الأليق والذي فيه توقير وتعظيم له ﷺ أكثر، أن نقول: إنه عبد الله، ورسوله ﷺ.\r\rولما قال الإمام الطّّحاويّ: (وسيد المرسلين) ثار هنا إشكال!\rوهو كيف يُقَالَ: إنه سيد المرسلين مع أنه ﷺ قَالَ: (لا تفضلوني عَلَى موسى) و (لا تفضلوني عَلَى يونس) ، ولما قال النبي ﷺ: (لا تفضلوني عَلَى موسى) ، أو (لا تفضلوني على الأنبياء) ، أو (لا تخيروا بين أنبياء الله) ، فإنه يتعارض مع حديث (أنا سيد النَّاس يَوْمَ القِيَامَةِ) ، و (أنا سيد ولد آدم يَوْمَ القِيَامَةِ) .\rالمفاضلة بين النبي ﷺ وبين موسى ﵇\rذكر المُصْنِّف ﵀ أن لهذا النهي سبباً، وهذا السبب ذكره الإمام البُخَارِيّ ﵀ في الصحيح في أكثر من موضع.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690559,"book_id":1659,"shamela_page_id":1685,"part":null,"page_num":1685,"sequence_num":1685,"body":"والقصة التي ذكرها المُصْنِّف هنا، وهي أنه لما تخاصم اليهودي والمسلم، فأقسم اليهودي قائلاً: والذي فضل موسى عَلَى البشر، فلطمه المسلم، وقال له: أتقول هذا ورَسُول الله ﷺ بين أظهرنا، فجاء اليهودي فاشتكى من المسلم الذي لطمه فَقَالَ النبي ﷺ: (لا تفضلوني عَلَى موسى، فإن النَّاس يصعقون يَوْمَ القِيَامَةِ، فأكون أول من يفيق، فأجد موسى باطشاً بساق العرش، فلا أدري هل أفاق قبلي أو كَانَ ممن استثنى الله) .\r\rقَالَ المُصْنِّفُ ﵀: إنه إنما قال النبي ﷺ هذا لأنه قيل هذا عَلَى سبيل الحمية والعصبية، فالمسلم لما رأى أن الذي دفع اليهودي هي الحمية والفخر في قوله: والذي فضل موسى عَلَى سائر البشر أخذته الحمية، فقَالَ: والذي فضَّل محمداً، فلطمه وقَالَ: أتقول هذا ورَسُول الله ﷺ بين أيدينا) .\r\rوقد جَاءَ عن النبي ﷺ أنه إذا قاتل الإِنسَان وجاهد يريد الدنيا أو حمية وعصبية، فإنه لا يقبل منه، فكذلك هذا القول وإن كَانَ حقاً، لكن إذا كَانَ في مقام العصبية فإنه لا يقبل من صاحبه ويرد عليه، فالذي أنكره النبي ﷺ، هو أن يكون التفضيل عَلَى سبيل الحمية والعصبية.\r\rلكن هل تفضيل الأَنْبِيَاء بعضهم عَلَى بعض، وتفضيل النبي ﷺ حق أم لا؟\r\rفالجواب نعم هو حق بنص كتاب الله ﷾ حيث يقول الله ﵎: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ [البقرة:٢٥٣] ويقول: وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْض [الإسراء:٥٥] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690560,"book_id":1659,"shamela_page_id":1686,"part":null,"page_num":1686,"sequence_num":1686,"body":"فالله ﷾ أمر نبيه ﷺ أن يقتدي ببعض الأنبياء، ويقتدي بهداهم، أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام:٩٠] وقال أيضاً: فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ [القلم:٤٨]\rفيقول له: لا تفعل مثل هذا الفعل المغضوب عليه، وهذا تفضيل لمن أمره الله ﷾ بأن يقتدي به، وأن يكون مثله، واختص الله ﷾ بعض أنبيائه بخصائص كما هو معلوم من اختصاص إبراهيم ﵇ بأن جعله إماماً للناس، قَالَ: إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً [البقرة:١٢٤] .\r\rواختص موسى ﵇ بكلامه، واختص محمداً ﷺ بخصائص سبقت معنا، وفي نفس الحديث الذي سبق يقول النبي ﷺ كما في رواية مسلم: (فضلت عَلَى الأَنْبِيَاء بست) ثُمَّ ذكرها فبهذا يتضح أن تفضيله ﷺ عَلَى الأنبياء، وتفضيل بعض الأَنْبِيَاء عَلَى بعض، صحيح وثابت لا شك فيه،.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690561,"book_id":1659,"shamela_page_id":1687,"part":null,"page_num":1687,"sequence_num":1687,"body":"أما هذه الرواية فإنها تحتمل كما قَالَ المُصْنِّفُ وتخرج عَلَى أحد التخريجات، إما الهوى أو العصبية، وهي مذمومة، ولذلك لا يجوز التفضيل عَلَى هذا السبيل كما ذكر هو ﵀، وإما أن يكون النهي عن التفضيل المعين، أي: لا تقل: نوح أفضل من موسى أو موسى أفضل من عيسى، فالتفضيل المعين يشعر بانتقاص هذا المفضل عليه، كما لو قلت: فلان أفضل من فلان، فإنك تشعر بأنه أنقص، لكنك لو قلت فلان أفضل أهل البلد لكان أولى -كما ذكر مثالاً هنا- فأنت لما عممت لم يكن في هذا التعميم ما يسيء لأحد بعينه، فهو معقول ولا بأس أن تقوله، وبناءً عَلَى هذا نقول: إن رَسُول الله ﷺ أفضل الأنبياء، لكن لا نعين واحداً منهم فنقول النبي ﷺ أفضل من النبي فلان، وهذا الوجه ذكره المُصْنِّف ﵀، وذكر قبله الوجه الآخر.\rثُمَّ ذكر أيضاً مخرجاً ثالثاً وهو: أن زيادة لا تفضلوني عَلَى موسى غير ثابتة، وأنا في الحقيقة لم أجد في هذه الرواية ما يقدح فيها، وهذه الزيادة موجودة في صحيح البُخَارِيّ، مع أنها لم ترد في بعض الروايات، لكنها وردت في البعض الآخر، ومع هذا لم أجد فيها أي مطعن، إذاً هذا الحديث كله في صحيح البُخَارِيّ وفي بعض رواياته، هذه الزيادة وفي بعضه (لا تخيروا بين أولياء الله) وفي بعضها (لا تفضلوني عَلَى موسى) ولم أجد أن الحافظ ابن حجر رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ذكر فيها أي مطعن.\r\rوكلام المُصْنِّف موهمٌ حيث قَالَ: وعلى هذا يحمل قوله ﷺ: (لا تفضلوني بين الأَنْبِيَاء) إن كَانَ ثابتاً، مع أن هذا ثابت، في كتاب الأَنْبِيَاء من صحيح البُخَارِيّ، لكن الذي يظهر لي أن المُصْنِّف لم يذكر لهذه الرواية علة إلا الشذوذ، حيث إنها لم ترد في جميع الروايات، وأنا لا أذهب إِلَى ماذهب إليه، إلا إذا تيقنا الشذوذ ولم يمكن الجمع.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690562,"book_id":1659,"shamela_page_id":1688,"part":null,"page_num":1688,"sequence_num":1688,"body":"وخلاصة ما سبق أن الذي ينبغي لنا أن نعلمه، أن النبي ﷺ أفضل الأنبياء، وأن التفضيل بين الأَنْبِيَاء حق، كما هو صريح القرآن، وأننا نخرج هذه الزيادة عَلَى أحد هذه المخارج:\r\rإما لأنها لهوى وحمية وعصبية.\r\rوإما لأن فيها تفضيل معين عَلَى معين.\r\rوإما عَلَى كلام المُصْنِّف أن الرواية متكلم فيها.\r\rوالذي يبدو والله أعلم أن الرواية لا قدح فيها، وأن قوله ﷺ: (لا تفضلوا بين الأنبياء) ليس تخصيص، ولا معارض لما جَاءَ في القُرْآن من تفضيل بعض الأَنْبِيَاء عَلَى بعض، وإنما هو من باب التعليم والتأدب مع الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم، فإذا جاءنا التفضيل عن الله تَعَالَى أو عن رسوله ﷺ فإنه حق وبه نقول، ولا نَنَصِبَ أنفسنا مفضلين فنقول: فلان أفضل من فلان بدون علم من كتاب الله، ولا من سنة رَسُول الله ﷺ، فإنه ليس من التأدب مع الأنبياء، فمن باب الأدب، أننا لا نفضل نبياً عَلَى نبي، لكن إذا وجدنا علماً كما جَاءَ أن نوحاً وموسى وعيسى من أولى العزم، وأولوا العزم أفضل من غيرهم، فهذا لا بأس به وهذا حق، أو أن نقول: إن موسى ﵇ هو أفضل أنبياء بنى إسرائيل، هذا أيضا حق، وهكذا....\rوقد يقول البعض لم لا يكون ذلك في أول الإسلام؟ وقد خطر لي هذا القول وهو: لم لاتكون الخصومة وقعت بين اليهودي والمسلم في أول الإسلام؟ بدليل أن هذا اليهودي كَانَ يعيش في المدينة، ومعلوم أن اليهودأجلوا من المدينة على فترات، كما حصل لبنى قينقاع، وبني قريظة، وبني النضير، وأن الآية نزلت متأخرة؛ لكننا لا نستطيع أن نقول بهذا القول إلا إذا تأكدنا تماماً من تاريخ نزول الآية، والله ﵎ أعلم.\r\rوالآن ننتقل إِلَى موضوع المفاضلة بين النبي ﷺ ويونس بن متى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690563,"book_id":1659,"shamela_page_id":1689,"part":null,"page_num":1689,"sequence_num":1689,"body":"المفاضلة بين النبي ﷺ وبين يونس بن متى ﵇\rقَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:\r[وأما ما يروى أن النبي ﷺ قَالَ: (لا تفضلوني عَلَى يونس) وأن بعض الشيوخ قَالَ: لا يفسر لهم هذا الحديث، حتى يعطى مالاً جزيلاً، فلما أعطوه فسره بأن قرب يونس من الله، وهو في بطن الحوت، كقربي من الله ليلة المعراج، وعدوا هذا تفسيراً عظيماً، وهذا يدل عَلَى جهلهم بكلام الله وبكلام رسوله لفظاً ومعنى، فإن هذا الحديث بهذا اللفظ لم يروه أحد من أهل الكتب التي يعتمد عليها، وإنما اللفظ الذي في الصحيح (لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى) وفي رواية (من قَالَ: إني خير من يونس بن متى فقد كذب)\rوهذا اللفظ يدل عَلَى العموم أي: لا ينبغي لأحد أن يفضل نفسه عَلَى يونس بن متى، ليس فيه نهي الْمُسْلِمِينَ أن يفضلوا محمداً عَلَى يونس، وذلك لأن الله تَعَالَى قد أخبر عنه أنه التقمه الحوت وهو مليم، أي فاعل ما يلام عليه، وقال تعالى: وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:٨٧] .\r\rفقد يقع في نفس بعض النَّاس أنه أكمل من يونس، فلا يحتاج إِلَى هذا المقام، إذ لا يفعل ما يلام عليه، ومن ظن هذا فقد كذب، بل كل عبد من عباد الله يقول ما قال يونس: أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:٨٧] كما قال أول الأَنْبِيَاء وآخرهم، فأولهم آدم قد قَالَ: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف:٢٣] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690564,"book_id":1659,"shamela_page_id":1690,"part":null,"page_num":1690,"sequence_num":1690,"body":"وآخرهم وأفضلهم وسيدهم مُحَمَّد ﷺ قال في الحديث الصحيح حديث الاستفتاح من رواية على بن أبي طالب وغيره بعد قوله: (وجهت وجهي) إِلَى آخره، (اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، لا يغفر الذنوب إلا أنت) إِلَى آخر الحديث، وكذا قال موسى ﵇: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [القصص:١٦] وأيضاً فيونس ﷺ لما قيل فيه فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ [القلم:٤٨] فنُهي نبينا ﷺ عن التشبه به، وأمره بالتشبه بأولي العزم، حيث قيل له: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [الأحقاف:٣٥] فقد يقول من يقول: (أنا خير منه) وليس للأفضل أن يفخر عَلَى من دونه، فكيف إذا لم يكن أفضل فإن الله لا يحب كل مختال فخور.\r\rوفي صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قَالَ: (أوحي إليَّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد عَلَى أحد، ولا يبغي أحد عَلَى أحد) ، فالله تَعَالَى نهى أن يفخر عَلَى عموم المؤمنين، فكيف عَلَى نبي كريم، فلهذا قَالَ: (لا ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى) ، فهذا نهي عام لكل أحد أن يتفضل ويفتخر عَلَى يونس.\r\rوقوله: (من قال إني خير من يونس بن متى فقد كذب) ، فإنه لو قدر أنه كَانَ أفضل، فهذا الكلام يصير أنقص، فيكون كاذباً، وهذا لا يقوله نبي كريم بل هو تقدير مطلق، أي من قال هذا فهو كاذب وإن كَانَ لا يقوله نبي كما قال تعالى: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر:٦٥] وإن كَانَ ﷺ معصوماً من الشرك، لكن الوعد والوعيد لبيان مقادير الأعمال] اهـ.\rالشرح:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690565,"book_id":1659,"shamela_page_id":1691,"part":null,"page_num":1691,"sequence_num":1691,"body":"ذكر المُصْنِّف ﵀ بعض التفاسير لحديث النبي ﷺ: (لا تفضلوني عَلَى يونس بن متى) وذكر أن بعض أصحاب الطرق أو بعض أدعياء العلم الباطن من مشايخ الصوفية الذين يدعون العلم الباطن -ولم أستطع أن أعثر عَلَى ترجمته- يقول في معنى هذا الحديث: أنا أفسر لكم معنى هذا الحديث، لكن بشرط أن تعطوني مالاً جزيلاً -وسوف أشرحه لكم بالشرح الإشاري الصوفي- ويسمون تفسيرهم للقرآن تفسيراً إشارياً باطنياً.\r\rفيفسرون الآية عَلَى خلاف ما جاءت به، كما في كثير من تفاسيرهم، مثل تفسير روح المعاني وغيره، فوافقوا عَلَى ذلك فأعطوه مالاً جزيلاً، وقالوا له: اشرح لنا الحديث.\r\rفقَالَ: معناه \"إن قرب يونس من الله وهو في بطن الحوت كقربي من الله ليلة المعراج\".\r\rفَقَالُوا: يستحق الشيخ أن نعطيه كل المال من أجل هذا المعنى العظيم، وهذا دليل عَلَى جهلهم بكتاب الله ﷾، وبمعاني حديث النبي ﷺ، وجهلهم بالسنة أيضاً.\rوقد قال بعض العلماء: إن هذه اللفظة هي: (لا تفضلوني عَلَى يونس بن متى) لم تصح وإنما ورد ما يدل عَلَى معناها عند بعض العلماء، كما في الصحيح قوله ﷺ: (من قَالَ: إني خير من يونس بن متى فقد كذب) ، وقد اختلف العلماء في فهم هذا الحديث، فبعض العلماء فهم من هذا أنه يعني النبي ﷺ، أي: لا أحد يقول: إنه ﷺ خير من يونس.\r\rوالبعض الآخر قالوا: إن المقصود من قوله: إني -أي المتكلم- خير من يونس بن متى، فقد كذب، ويقول الحافظ ابن حجر: الرواية الأخرى (من قَالَ: أنا خير من يونس بن متى فقد كذب) هي في صحيح البُخَارِيّ وتدل عَلَى أن المقصود من قوله \"إني\" أي المتكلم، لأنه يقول: من قال \"أنا\"، فأي أحد من النَّاس يقول: أنا خير من يونس بن متى فقد كذب، لكن يُقال له:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690566,"book_id":1659,"shamela_page_id":1692,"part":null,"page_num":1692,"sequence_num":1692,"body":"أولاً: لم تصح هذه الرواية.\r\rوثانياً: عَلَى فرض أنها ثبتت، فإن هذا المعنى الذي فهمه بعض العلماء، ليس عَلَى إطلاقه، لكن عَلَى فرض ذلك فلا يكون تفسيره بأن قرب مُحَمَّد ﷺ من ربه ليلة الإسراء والمعراج مثل قرب يونس، وهو في بطن الحوت، هذا المعنى باطل؛ لأن الله ﷾ لما اختص الملائكة قَالَ: وَمَنْ عِنْدَهُ [الأنبياء:١٩] وقَالَ: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّب [فاطر:١٠] .\rفالنبي ﷺ لما عرج به إِلَى السماء كَانَ في موضع التكريم، وهناك ما يدل عَلَى أن العلو كلما كَانَ أكثر، كلما كَانَ فيه تكريم، وقرب من الله ﵎ عنده، ولهذا سمى الله ﷾ الملأ الأعلى بهذا الإسم، لأنهم أعلى من أهل الدنيا لقربهم منه ﷾، وكما جَاءَ في الحديث الآخر (وإذا ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه) .\r\rفالشاهد أن النبي ﷺ لما وصل إِلَى ذلك المقام الأعلى الذي لم يصل ولن يصل إليه مخلوق قط، كَانَ هذا تكريماً له ﷺ، فهو في هذه الحالة وبهذا العمل أفضل من كل النَّاس الذين لم يصلوا إليه وكذلك الأَنْبِيَاء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين لم يحظوا بأن يصلوا إِلَى هذه الدرجة وإلى هذه المكانة، فهذا تعظيم للنبي ﷺ، فهو أفضل من يونس بن متى عليهما الصلاة والسلام.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690567,"book_id":1659,"shamela_page_id":1693,"part":null,"page_num":1693,"sequence_num":1693,"body":"فقوله ﷺ: (لا يقل أحد: إني خير من يونس بن متى) ليس فيه منع تفضيل النبي ﷺ عَلَى يونس ﵇، وإنما الذي فيه النهي بأن أحداً لايجوز له أن يفضل نفسه عَلَى يونس ﵇، بأن يقول: إن يونس فعل ما يلام عليه، وأنا لم أفعل ما ألام عليه، ومع ذلك فإن يونس ﵇ قد استغفر وتاب، وقَالَ: سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:٨٧] . وفي قوله هذا دليل عَلَى أنه فعل ما يلام عليه، كما خاطب الله تَعَالَى نبيه بقوله: فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ [القلم:٤٨] .\rوكان سبب لوم الله ﷾ ليونس: أنه لما أمره أن ينذر قومه لم يصبر عَلَى أذاهم ولم يكن له العزم عَلَى مواجهتهم، وكذبوه إذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ * فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ [الصافات:١٤٠-١٤٢] ، فكان هذا الفعل سبباً للوم الله ﷾ له، وهذا دليل عَلَى أنه لم يكن من أولي العزم الذين قال الله تَعَالَى فيهم: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [الأحقاف:٣٥] فأولوا العزم أفضل من يونس ﵇، وأفضل من آدم ﵇، من هذه الناحية؛ لأن الله تَعَالَى قال في حقه وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً [طه:١١٥] فآدم ﵇ أيضاً لم يكن لديه عزم، ولذلك وقع في معصية الأكل من الشجرة، لكن هل معنى هذا أنه يجوز لأحدٍ من النَّاس أن يقول: إنه فعل ما يلام عليه، وأنا أفضل منه، لأني لم أفعل ما ألام عليه؟ لا يجوز لأحد ذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690568,"book_id":1659,"shamela_page_id":1694,"part":null,"page_num":1694,"sequence_num":1694,"body":"أما قوله: سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:٨٧] يذكر المُصْنِّف أن هذه العبارة يقولها كل عباد الله، قالها آدم ﵇: قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف:٢٣] معنى قوله ربنا ظلمنا أنفسنا، أي: إقرار منهما بالظلم، وأيضاً قد قالها النبي ﷺ كما في حديث الاستفتاح (أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي) .\r\rوقالها موسى ﵇: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي [القصص:١٦] ، ويقول المُصْنِّف ﵀ إن الفخر محرم ومنهي عنه، ولا ينبغي للفاضل أن يفتخر عَلَى المفضول، فإذا كَانَ كذلك فمن باب أولى أن لا يفتخر المفضول عَلَى الفاضل!\r\rوكيف يكون لأحدٍ من النَّاس كائناً من كَانَ في عبادته أو في ولايته أن يقول: إنه أفضل من يونس بن متى؟!\rوقد تستغربون وتقولون: وهل يوجد أحد يقول: إنه أفضل من نبي من الأَنْبِيَاء؟!\rنقول: نعم، هناك كثير من فرق وطوائف الصوفية يرون أن الولي أفضل من النبي فما بالكم بنبي الله يونس ﵇ الذي ليس من أولي العزم! والذي ذكر الله ﷾ عنه هذا الفعل ولامه عليه وقَالَ: وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ [القلم:٤٨] يكون عندهم أقل بكثير جداً.\r\rوالخلاصة: أن الأرجح في معنى قوله ﷺ: (من قال إني خير من يونس بن متى فقد كذب) أنه ليس معناه من قَالَ: إن محمداً ﷺ أفضل من يونس بن متى فقد كذب، لكن من قَالَ: أنا، أي: من قال عن نفسه ذلك: ويأتي هنا إشكال كما ذكر المُصْنِّف أخيراً وهو لو أن نبياً قال ذلك!!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690569,"book_id":1659,"shamela_page_id":1695,"part":null,"page_num":1695,"sequence_num":1695,"body":"فنقول: لا يمكن أن يقول أي نبي إنه أفضل من يونس بن متى عَلَى سبيل الفخر والانتقاص ليونس بن متى ﵇، فإن القول الذي قاله يونس قاله كل الأَنْبِيَاء حتى نبينا مُحَمَّد ﷺ، وهو أفضل الأَنْبِيَاء جميعاً.\rقَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:\r[وإنما أخبر ﷺ أنه سيد ولد آدم لأنا لا يمكننا أن نعلم ذلك إلا بخبره إذ لا نبي بعده يخبرنا بعظيم قدره عند الله، كما أخبرنا هو بفضائل الأَنْبِيَاء قبله صلّى الله عليهم وسلم أجمعين، ولهذا أتبعه بقوله \"ولا فخر\" كما جَاءَ في رواية (وهل يقول من يؤمن بالله واليوم الآخر: إن مقام الذي أسري به إِلَى ربه وهو مقرب معظم مكرم كمقام الذي ألقى في بطن الحوت وهو مُليم؟!\r\rوأين المعظم المقرب من الممتحن المؤدب، فهذا في غاية التقريب، وهذا في غاية التأديب، فانظر إِلَى هذا الإستدلال لأنه بهذا المعنى المحرف اللفظ لم يقله الرسول، وهل يقاوم هذا الدليل عَلَى نفي علو الله تَعَالَى عَلَى خلقه الأدلة الصحيحة الصريحة القطعية عَلَى علو الله تَعَالَى عَلَى خلقه التي تزيد عَلَى ألف دليل، كما يأتي الإشارة إليها عند قول الشيخ ﵀ (محيط بكل شيء وفوقه) ، إن شاء الله تَعَالَى] اهـ.\rالشرح:\r\rيقول المُصْنِّف ﵀: يأتي إشكال وهو قوله صلى الله علهي وسلم: وقوله: (أنا سيد ولد آدم يَوْمَ القِيَامَةِ) مع القول بأنه ﷺ نهى عن الفخر، وعن التفضيل، وأمر بالتواضع، والتفضيل حق وكونه ﷺ أفضل الأَنْبِيَاء حق، وقوله ﷺ: (أنا سيد ولد آدم) حق، فكيف نجمع بين هذا وهذا؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690570,"book_id":1659,"shamela_page_id":1696,"part":null,"page_num":1696,"sequence_num":1696,"body":"يقول: يكون الجمع بأنه ﷺ لا يُعلم فضله، ولا يُعلم تفضيله عَلَى الأَنْبِيَاء إلا بالوحي، والوحي يأتينا عن طريقه ﷺ، فهو يُخبرنا ﷺ بذلك، فهذا من قبيل الإخبار، وعليه توضحه رواية (ولا فخر) وإن كَانَ فيها ضعفاً.\r\rفقوله: (ولا فخر) أي لم أقل إني سيد ولد آدم يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى سبيل الفخر، فإن الفخر منهي عنه، والأمر والحال والشأن كما قال ﷺ: (يا عباد الله تواضعوا حتى لا يفخر أحد عَلَى أحد) فليس قوله ﷺ (أنا سيد ولد آدم) من الفخر، وإنما هو من قبيل الإخبار بالواقع وبالحقيقة الذي لا يمكن أن نعلمها إلا عن طريقه ﷺ، فكما أخبر عن يَوْمَ القِيَامَةِ وما يكون فيها، ولا يعلم ذلك إلا بالخبر، فكذلك قوله ﷺ أنه سيد الناس، أي: أفضل النَّاس في ذلك الموقف.\rوهذا يربط الكلام بما قلنا: في أول الحديث: إن يَوْمَ القِيَامَةِ أمر خاص وتفضيله ﷺ عَلَى النَّاس فيه له خصوصية، ولهذا قَالَ: (أنا سيد ولد آدم يَوْمَ القِيَامَةِ) ، بينما لم يقل ذلك مطلقاً ولم يرد هذا اللفظ عنه ﷺ، ولا عن أصحابه مطلقاً، وإن كَانَ هو حق في ذاته.\r\rويقول راداً عَلَى الشيخ الضال: كيف لا يكون هناك فرق بين النبي الذي أسري به مكرماً معززاً مقرباً، وبين الممتحن المؤدب الذي التقمه الحوت تأديباً وعقوبة من الله ﷾؟ \rفهذه من حذلقة الصوفية ومن إشارتهم التي يفسرون بها كتاب الله ﷾ عَلَى ما يقتضيه الهوى لا عَلَى ما يقتضيه الدليل والنص الشرعي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690571,"book_id":1659,"shamela_page_id":1697,"part":null,"page_num":1697,"sequence_num":1697,"body":"تنبيه: قَالَ المُصْنِّفُ [قوله ﷺ: (من قَالَ: إني خير من يونس بن متى فقد كذب) ، فإنه لو قدر أنه كَانَ أفضل، فهذا الكلام يصبح نقصاً، فيكون كاذباً!!\rوهذا لا يقوله نبي كريم، بل هو تقدير مطلق، وكما مر بنا أنا نفضل النبي ﷺ عَلَى جميع الأَنْبِيَاء كما ثبت ذلك، لكنه هو ﷺ لم يقل أو غيره من الأنبياء: إني أفضل من فلان من الأنبياء، لأنهم متأدبون صلوات الله وسلامه عليهم، ومثلما نهانا النبي ﷺ أن لا يفخر بعضنا عَلَى بعض، فإن الأَنْبِيَاء صلوات الله وسلامه عليهم لا يفخر بعضهم عَلَى بعض، مع أن التفضيل بين المؤمنين حاصل، والتفضيل بين الأَنْبِيَاء حاصل، وهذا هو المراد بهذه العبارة، والله أعلم.\r\rقال الإمام الطّّحاويّ ﵀:\r[وكُلُّ دعوى النبوة بعده فغيٌّ وهوى] .\rقَالَ المُصنِّفُ ﵀:\r[لَمّا ثَبَتَ أنه خاتمُ النبيين، عُلِمَ أن مَنِ ادَّعَى بعدَه النبوةَ فهو كاذبٌ، ولا يُقَالَ: فلو جَاءَ المدعي للنبوة بالمعجزات الخارقة والبراهين الصادقة، كيف يُقال بتكذيبه؟ لأنا نقولُ: هذا لا يتصور أن يوجد، وهو من باب فرض المحال؛ لأنَّ الله تَعَالَى لمَّا أخبرَ أنهُ خاتمُ النبيين، فَمِنَ المُحال؛ أن يأتي مُدّعٍ يدَّعي النبوة ولا تَظْهَرُ أمارةُ كذبه في دعواه.\rوالغيُّ: ضدُّ الرشاد، والهوى: عبارة عن شهوة النفس، أي: أن تلك الدعوة بسبب هوى النفس، لا عن دليلٍ، فتكون باطلة] اهـ.\rالشرح:\rهذه الفقرة تكميل لما تقدم من فقرات تتعلق بإثبات أن النبي ﷺ هو خاتم الأَنْبِيَاء والمرسلين، وقد تقدم شيء من ذلك، وتحدثنا عن بعض الفرق المخالفة في ذلك كالقاديانية والبهائية، كما أشرنا إِلَى غيرها من الفرق الضالة، وهذه الفقرة تكميل لما سبق.\rكل من ادعى النبوة فهو غيِّ وهوى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690572,"book_id":1659,"shamela_page_id":1698,"part":null,"page_num":1698,"sequence_num":1698,"body":"يقول الإمامالطّّحاويّ ﵀: [وكُلُّ دعوى النبوة بعده فغيٌّ وهوى] أي: كل من ادعى النبوة بعد مُحَمَّدٍ ﷺ فهو صاحب غيّ وهوى، ومعنى الغي: الضلالة، وصاحب الهوى: هو صاحب شهوة أو مطمع من مطامع الدنيا يريد أن يحققه بهذه الدعوة، وهذا ينطبق عَلَى الذين ادعوا النبوة بعده ﷺ، أو شككوا في ختم النبوة به ﷺ كأمثال الصوفية والشيعة.\r\rالولاية عند الصوفية\rالصوفية يرون أن الولاية لا تنقطع، وهذا صحيح، ولكن للولاية عندهم مفهوم مخالف لما اجتمع عليه الْمُسْلِمُونَ وما يُعَرِّفه به أهل السنة، فمفهوم الولاية عندهم هو كما عبر عنه شاعرهم في قوله:\rمقام النبوة في برزخ فويق الرَّسُولِ ودونَ الولي\rفالنبي عندهم في برزخ، والولاية أعلى منه، فالولي أعلى من الرَّسُولِ عَلَى هذا القول، وخاتم الأولياء أفضل من خاتم الأنبياء، حتى أنه يفهم من كلام ابن عربي في الفصوص والفتوحات أن خاتم الأولياء يكون لبنة من الذهب، كما جَاءَ في الحديث الذي تقدم أن النبي ﷺ قَالَ: (مثلي ومثل الأَنْبِيَاء قبلي كمثل: رجل بنى بناءً فأحسنه وكمله، ولم يبق منه إلا موضع لبنة، فكان النَّاس يمرون فيقولون: ما أجمل هذا البناء وما أكمله إلا هذا الموضع فكنت أنا تلك اللبنة) فـ ابن عربي يقول: إن هذه اللبنة، إن كانت لبنة ذهب فهي الولي، وإن كانت لبنة فضة فهي النبي!!\rوحتى لو قلنا: إن مدلول كلامه أن النبي لبنة الذهب وأن الولي لبنة الفضة فهو أيضاً لم يخرج من دعوى أن النبوة لم تختم وأن الوحي لم ينقطع فَيَقُولُ: ابن عربي في كتابه فصوص الحكم إن النبي ﷺ هو آخر الأنبياء، بمعنى أن شريعته هي آخر الشرائع؛ فلا يأتي بعد مُحَمَّد نبي مشرع.\r\rالفرق بين الولي والنبي عند الصوفية","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690573,"book_id":1659,"shamela_page_id":1699,"part":null,"page_num":1699,"sequence_num":1699,"body":"جعلت الصوفية الفارق الدقيق بين نبوة مُحَمَّد ﷺ وبين ادعائهم نبوة أوليائهم أن الوحي لا ينقطع، فيقولون إن النبي ﷺ أنزلت عليه شريعة، فهو نبي مشرع، وأما الأولياء فيأتيهم الوحي لأنفسهم فقط، فليس لديهم شرائع يدعون النَّاس إليها ويبلغونها للناس، والواقع أن هذا القول كذب؛ لأن أولياءهم يشرعون عبادات، وأذكار، وصلوات لم يشرعها الله ﵎.\r\rحكم من ادعى نزول الوحي على أحد بعد محمد ﷺ\rإن دعوى نزول الوحي عَلَى أحد بعد مُحَمَّد ﷺ كفر وردة، وتكذيب لما هو معلوم من الدين بالضرورة، يعلمه كل مسلم إلا من فتنه الله من هَؤُلاءِ الزنادقة الذين جمعوا بين الغيّ والهوى، فقد جمعوا بين الضلال في أنفسهم وبين الهوى الذي يريدون أنه يتمكنوا به، وأن تكون لهم السلطة عند الناس، وأن يحققوا المقام والمنزلة التي يزعمها النَّاس لهم.\rفالصوفية، تقول: إن نبوة مُحَمَّد ﷺ نبوة تشريعية، وكونه ﷺ خاتم الأَنْبِيَاء أي أن: شريعته آخر الشرائع، ولا يعني هذا أن الوحي لا ينزل عَلَى أحد من بعده!!\rولهذا فإن ابن سبعين -وهو من طواغيتهم الكبار- ذهب وجاور بمكة فترات طويلة: وكان لا يصلي ولا يتنسك بما يتعبد به الْمُسْلِمُونَ في المناسك وإنما كَانَ يطوف بالكعبة.\r\rويذهب إِلَى غار حراء ويبيت فيه منتظراً نزول الوحي عليه نسأل الله السلامة والعافية، وابن عربي وابن سبعين من كبار الملاحدة الذين يتبعهم عامة الصوفية، ويبجلونهم، ويقدسونهم ويعتقدون أن الفتوحات المكية والفصوص وأمثالهما في درجة لا تقل في التقدير عن كلام الأَنْبِيَاء حقاً.\r\rالفرق بين الرسول والنبي والإمام عند الشيعة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690574,"book_id":1659,"shamela_page_id":1700,"part":null,"page_num":1700,"sequence_num":1700,"body":"أما بالنسبة للشيعة فمفهوم انقطاع الوحي عندهم يختلف عما هو عليه عند باقي الْمُسْلِمِينَ، تقول الشيعة كما جَاءَ ذلك في كتابهم الكافي: أن أحدهم سأل علياً الرضا عن الفرق بين النبي والرَّسُول والإمام، فقَالَ:\r\"إن الرَّسُول يأتيه الملك ويراه ويخاطبه ويسمع كلامه؛ ولكنه لا يرى حقيقته، وهذه الدرجة الأولى هي درجة الرسالة.\r\rوأما النبي: فهو إما أن يسمع الكلام فلا يرى المتكلم، وإما أن يرى الملك ولكنه لا يسمع الكلام، وهذه هي الدرجة الثانية.\r\rوأما الدرجة الثالثة فهي درجة الإمام، فهو يسمع الكلام ولكنه لا يرى الملك\" هذا هو الفرق فقط.\rولهذا نقلوا عن جعفر الصادق ونسبوا إليه أن أحدهم قال له: \"يا أبا عبد الله أليس الله أبرُّ وأرحمُ وأرأفُ من أن يأمر النَّاس بطاعة عبد من عبيده ولا يأتيه الخبر من السماء؟\r\rفقال أبو عبد الله -كما يزعمون-: بل الله أرأفُ وأبرُّ وأرحمُ من أن يأمر عباده بطاعة عبد من عبيده ولا يأتيه الخبر من السماء صباحاً ومساءً\"، فهم يعتقدون أن الإمام ما دام أنه واجب الطاعة، وأنه معصوم، فإذاً لا بد أن يأتيه الخبر من السماء، ولذلك فهم يعللون عصمة الإمام بأن الوحي يأتيه، ولا يمكن أن يتصرف أي تصرف إلا وهو موحى به من عند الله حقاً، فلا اعتراض عليه في أية حال من الأحوال، فهذه هي منزلة الوحي عند الشيعة، وهذه عقيدتهم في ذلك قديماً.\rوكل هذا كذب، ولهذا نجد أن الأئمة الذين كتبوا عنهم نسبوا ذلك إليهم، فالإمام خُشيش بن أصرم الذي نقل الإمام الملطي كتابه في كتاب الفرق وكذلك الإمامأبو الحسن الأشعري في المقالات ذكروا ذلك عن طوائف من الشيعة، فهذه هي نظرتهم للوحي، ويرون أن أئمتهم معصومون يوحى إليهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690575,"book_id":1659,"shamela_page_id":1701,"part":null,"page_num":1701,"sequence_num":1701,"body":"بل في الحقيقة أعظم من ذلك ففي كتاب الكافي للكليني وفي غيره ما يدل عَلَى أن الأئمة (آلهة) عند الشيعة، وكتابالكافي عندهم بمنزلة صحيح البُخَارِيّ عندنا، إلا أنهم يقدسون كلام الكافي وما فيه عن الأئمة تقديساً عظيماً، بحيث يرجعون إليه وكأنه القرآن، بل لا يفهمون القُرْآن إلا من خلال ما يجدون من كلام أئمتهم، وإن كانوا يقرؤون نفس القُرْآن هذا؛ لكنهم لا يفهمونه إلا من خلال ما يفسر به في الكافي، فهو عندهم بهذه القداسة والمنزلة فهم يجعلونه أبوباً في نفسالكافي مثل باب: \" أن الأئمة يعلمون ما كَانَ وما سيكون\" -والعياذ بالله- وغير ذلك من الأبواب أو المباحث، التي فيها من الغلو ما يرفع الأئمة إِلَى مستوى ومنزلة الإله، فهذا موجز ملخص لكلام الشيعة في الوحي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690576,"book_id":1659,"shamela_page_id":1702,"part":null,"page_num":1702,"sequence_num":1702,"body":"وبناءً عَلَى ذلك، فإن الصوفية والشيعة لا تريان انقطاع الوحي من السماء، وإن كَانَ كل منهما لا يصرح بأن النبي ﷺ ليس خاتم الأنبياء، لكن مؤدى كلامهم، وصريح عبارتهم، أن الوحي لم ينقطع، وهذا ما يحدث فعلاً، فإن الجو الذي تسيطر عليه الصوفية والشيعة تهيء لأن يتنبأ فيها أي متنبئ، وأن يدعي أن جبريل ينزل عليه من السماء، ويأتي له بشرع جديد وهذا ما حصل عندما خرج أحمد القادياني فيالهند، وعندما خرج البهاء فيإيران والبهائية -كما هو معلوم- خرجت في وسط الشيعة وكان من الطبيعي أن يجد له أتباعاً كثيرين، وما تزال البهائية إلى الآن لها شأن كبير، وكذلك القاديانية؛ لأنها وجدت لها بيئات يدعي الأولياء فيها أن الوحي لم ينقطع ووضعوا لذلك الحجج والشبهات، وأن الله ﷾ يرسل الملائكة فتخاطب من يشاء ومع هذا كله فإن الشيعة عندما قالوا هذا القول في الكافي ونسبوه إِلَى علي الرضا وهو أن الإمام يسمع كلام الملك ولا يراه، لم يكتفوا بذلك بل جَاءَ في كتبهم وعند متأخريهم -من الشيعة والصوفية أن بعضهم يرى الله عزوجل، وبعضهم يرى جبريل، وبعضهم يخاطبه الله وتخاطبه الملائكة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690577,"book_id":1659,"shamela_page_id":1703,"part":null,"page_num":1703,"sequence_num":1703,"body":"حتى إن واحداً منهم يسمى عبد الجبار النسري ألف كتاباً كبيراً اسمه المواقف والمخاطبات ومع الأسف أنه طبع الطبعة الأولى، ثُمَّ طبع وحقق عَلَى يد جماعة ممن يسمون بالعلماء، ويقول في كتابه: وقفت بين يدي الرب فَقَالَ لي! وقال لي!.. الخ، كذباً وافتراءً عَلَى الله تَعَالَى نسأل الله العافية، والله ﵎ يقول: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثُمَّ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [الأعراف:٣٣] فجعل الله ﵎ القول عَلَى الله بغير علم في منزلة أعظم من الشرك به.\r\rفالشرك أعظم من الفواحش والافتراء عَلَى الله أعظم من الشرك، ولا شك أن الذي يشرك بالله ويدعو غير الله، أو يعبده بأي شكل من أشكال العبادة، لكنه أقل شراً وضرراً عَلَى الإسلام والدين من الذي يزعم أن الوحي يأتيه من السماء، ويشرع للناس ويقول هذا من عند الله، وما هو من عند الله، فهذا هو حال هاتين الطائفتين ومن اتبعهما ممن يدعون الإسلام، أو من المخدوعين، أو الجاهلين.\r\rقال الإمام الطّّحاويّ ﵀:\r[وهو المبعوث إِلَى عامَّة الجِنِّ، وكافَّةِ الوَرَى، بالحقِّ والهُدَى، وبالنُّورِ والضِّياءِ]\r\rقَالَ المُصنِّفُ ﵀:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690578,"book_id":1659,"shamela_page_id":1704,"part":null,"page_num":1704,"sequence_num":1704,"body":"[أما كونُه مبعوثاً إِلَى عامة الجن، فقد قال تَعَالَى حكايةً عن قَوْلِ الجن: يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ [الأحقاف:٣١] وكذا سُورَةُ الجن تَدُّلُ عَلَى أنه أُرسِل إليهم أيضاً، قال مُقَاِتل: لم يبعث الله رسولاً إِلَى الإنس والجن قبله، وهذا قولٌ بعيد، فقد قال تعالى: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُم [الأنعام:١٣٠] الآية والرسلُ من الإنس فقط، وليس مِن الجن رسول، كذا قال مجاهد وغيرُه من السلف والخلف.\rوقالابنُ عباس رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُما: الرسل من بني آدم، ومن الجن نُذُرٌ، وظاهرُ قوله تَعَالَى حكايةً عن الجن إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى [الأحقاف:٣٠] الآية يدل عَلَى أن موسى مرسل إليهم أيضاً. والله أعلم.\rوحكى ابن جرير عن الضحاك بن مزاحم أنه زَعَمَ أن في الجن رسلاً، واحْتَجَّ بهذه الآية الكريمة وفي الاستدلال بها عَلَى ذلك نظر لأنها محتملة وليست بصريحة، وهي - والله أعلم - كقوله: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ [الرحمن:٢٢] والمراد: من أحدهما] اهـ.\rالشرح:\r\rانتقل المُصنِّفُ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- إِلَى قضية أخرى وهي عموم رسالة نبينا ﷺ إِلَى الجن والإنس، فَيَقُولُ: [وهو المبعوث إِلَى عامة الجن، وكافة الورى بالحق، والهدى، وبالنور والضياء] ، ابتدأ الإمام ابن أبي العز الشرح بالكلام عن إرسال الرسل إِلَى الجن.\rتقرير بعثته ﷺ إلى الجن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690579,"book_id":1659,"shamela_page_id":1705,"part":null,"page_num":1705,"sequence_num":1705,"body":"وهذه حقيقة ثابتة كما جَاءَ في هذه الآية التي استدل بها قال الله تَعَالَى عن الجن: يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ [الأحقاف:٣١] وذلك حينما صرف الله ﷾ النفر من الجن إِلَى النبي صلىالله عليه وسلم فسمعوه، كما تَحَدثت بذلك الآيات التي في آخر سورة الأحقاف، وذكر الإمامابن كثير -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في تفسيره أحاديث كثيرة منها ما رواه البُخَارِيّ.\r\rومنها ما رواه مسلم.\r\rومنها ما رواه الإمام أَحْمَد من طرق عديدة تدل بمجموعها عَلَى أن النبي ﷺ مرسل إِلَى الجن، وأنه أتاه ﷺ داعي الجن، وأنه ذهب إليهم ليلة كما جَاءَ في إحدى الروايات عن عبد الله بن مسعود رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: (افتقدنا رَسُول الله صلىالله عليه وسلم ليلة وبحثنا عنه فلم نجده، فقلنا: استطير أو اغتيل فبتنا بشر ليلة، فلما جَاءَ الصباح جَاءَ رَسُول الله صلىالله عليه وسلم فقلنا: يا رَسُول الله! إنا افتقدناك البارحة، فقلنا: استطير أو اغتيل، وإنا بتنا بشر ليلة فقَالَ: أتاني داعي الجن فذهبت إليهم فعلمتهم) ، وفيه أن النبي صلىالله عليه وسلم علمهم في هذه الليلة ما أراد الله تَعَالَى أن يعلمهم من الأحكام، ومرة قبل ذلك، وهي التي رواها الإمام أَحْمَد عن عبد الله بن عباس رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ وهي المرة الأولى، كما يترجح ذلك بمجموع الروايات كَانَ النبي صلىالله عليه وسلم بعد فراغه من الطائف لا يعلم عن الجن شيئاً بل كَانَ يقرأ القُرْآن والجن يستمعون إليه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690580,"book_id":1659,"shamela_page_id":1706,"part":null,"page_num":1706,"sequence_num":1706,"body":"وأما الرواية التي رواها عبد الله بن مسعود رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ فهي أكثر من ليلة، ويذهب النبي صلىالله عليه وسلم إليهم أو يأتيه داعيهم، وفي ليلة أخرى يصطحب النبي معه عبد الله بن مسعود ولا يستجيب من الصحابة إلا هو، فيضع له خطاً ثُمَّ يتقدم النبي صلىالله عليه وسلم فيقول عبد الله بن مسعود وهو يصف لنا -حسب اختلاف الروايات- وصفاً عجيباً أنه رأى الجن تتهافت مثل النسور، ثُمَّ لما انتهى النبي صلىالله عليه وسلم مما أراد الله أن يبلغهم إياه تفرقوا مثل السحب إذا تطايرت، وعاد كل منهم إِلَى بلاده، ثُمَّ أتى النبي صلىالله عليه وسلم وعاد إِلَى أصحابه، هذه الروايات بعضها رواها البُخَارِيّ وبعضها رواها مسلم.\r\rبعض خصائص الجن\rومما أخبر به النبي ﷺ كما في رواية عند البُخَارِيّ أنهم سألوه ﷺ طعاماً، فأعطاهم العظم، قَالَ: (إن لكم بكل عظم أن يكون كما لو كَانَ قبل أن يؤكل) ، أي: أن أي عظم يجده الجن فإن لهم كحاله قبل أن يؤكل، (ولهم بكل روث أو بعرة كحالها قبل أن تؤكل) ولهذا نهينا أن نستنجي بالعظام وبالروث؛ لأنه طعام إخواننا من الجن الذي أعطاهم إياه النبي ﷺ في هذه الليلة، ومن خصائصهم ما في قول الله ﵎: إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ [الأعراف:٢٧] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690581,"book_id":1659,"shamela_page_id":1707,"part":null,"page_num":1707,"sequence_num":1707,"body":"فالجن أعطاهم الله ﵎ القدرة عَلَى التشكّل، ويرونا من حيث لا نراهم، فمن الممكن أن يكون من الجن من يجلس في مجالس الذكر عند النبي ﷺ أو عند الصحابة، أو من بعدهم من العلماء، ثُمَّ يبلغ إخوانه الهدى والحق والذكر، إذاً فالبلاغ يصل الجن، والنبي ﷺ مبعوث إليهم، لأنه ﷺ رحمة الله للعالمين، وهم من ضمن العالمين الذين ﵏ ﵎ ببعثته هذه هي القضية الأولى، ولزيادة الفائدة ففي هذا الموضوع رسالة خاصة لشَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ ولم يخالف في هذا أحد من الْمُسْلِمِينَ ولله الحمد.\r\rهل رسل الجن من الإنس أو من الجن\rالقضية الثانية: ذكر المُصْنِّف هنا قول مُقاتِل وهو: أن الله ﷾ لم يبعث رسولاً إِلَى الإنس والجن قبله ﷺ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690582,"book_id":1659,"shamela_page_id":1708,"part":null,"page_num":1708,"sequence_num":1708,"body":"والمراد من هذا ليس معناه أن الله لم يبعث إِلَى الإنس والجن رسولاً؛ ولكن المقصود عامة الجن والإنس قبله ﷺ وهذا الكلام حق، فالله لم يبعث أحداً إِلَى الإنس عامة والجن عامة إلا محمداً ﷺ ومقصود مقاتل ﵀ الذي انتقد عليه: أن الله ﵎ لم يبعث رسولاً من الإنس إِلَى الإنس والجن معاً، وإن كَانَ قد بعث إِلَى قومه من الإنس، فيدعو قومه من الإنس، ويدعو معهم طائفة من الجن أو قوماً من الجن، وهذا مردود بقصة الجن الذين ذكرهم الله ﷾ في سورة الأحقاف: قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ [الأحقاف:٣٠] فهذا دليل عَلَى أن أُولَئِكَ النفر من الجن كانوا عَلَى دين موسى ﵇، أو كانوا يسمعون عَلَى الأقل وكذلك كَانَ أجدادهم من قبل عَلَى دين موسى ﵇.\r\rثُمَّ جَاءَ بعده هذا النبي فَقَالُوا: إنا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسى قد يقول قائل لماذا قالوا: من بعد موسى مع أن الله ﷾ قد بعث من بعد موسى أنبياء، كداود وسليمان وكذلك عيسى ﵇؟ الجواب -كما هو معلوم- أن شريعة داود وسليمان وعيسى ﵈ وكل أنبياء بني إسرائيل هي التوراة التي أنزلت عَلَى موسى، وأما الزبور والإنجيل فإنها مواعظ وحكم وعبر وفيها بعض تقييدات في أحكام الحلال والحرام، كما قال الله ﷿ عَلَى لسان عيسى بن مريم وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ [آل عمران:٥٠] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690583,"book_id":1659,"shamela_page_id":1709,"part":null,"page_num":1709,"sequence_num":1709,"body":"فأحل عيسى ﵇ بوحي من الله ﷿ بعض ما كَانَ محرماً عَلَى بني إسرائيل في أحكام التوراة لكنه مكمل ومتمم ومصدق لما بين يديه من التوراة، ثُمَّ يأتي سؤال وهو هل رسل الجن من الجن أم من الإنس، اختلف العلماء في ذلك وقد نقل الإمام ابن أبي العز هنا كلام الحافظ ابن كثير في تفسير سورة الأحقاف وكذلك هو منقول من تفسير الإمام مُحَمَّد بن جرير الطبري في آية الأنعام، وهي قول الله ﵎: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ [الأنعام:١٣٠] .\r١) مذهب ابن عباس ومجاهد وابن جريج ﵃ في هذه المسألة:\rذهب ابن عباس ومجاهد وابن جريج ﵃ إِلَى أن الله ﷾ بعث من الإنس الرسل، ومن الجن النُذُر ومعنى ذلك: أن الله ﷾ يبعث رسله من الإنس فيسمعهم الجن كمثل الجن الذين سمعوا النبي ﷺ فولوا إِلَى قومهم منذرين، فيكون النذر من الجن، والرسل من الإنس: وهذا الذي قال به ابن عباس ومجاهد وابن جريج وهو قول أكثر السلف، وقال بعضهم: -ولم أجده -ذكر ابن جرير عن الضحاك، فقد ورد أن الضحاك بن مزاحم سأله رجل: هل بعث الله ﵎ من الجن رسلاً؟ فتلا عليه الضحاك هذه الآية نفسها من سورة الأنعام: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ [الأنعام:١٣٠] فاستدل بذلك الضحاك على أن الله ﷾ يقول يَوْمَ القِيَامَةِ إذا سأل الجن والإنس: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ [الأنعام:١٣٠] ففهم من ذلك أن الإنس تأتيهم الرسل من الإنس، وأن الجن تأتيهم الرسل من الجن.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690584,"book_id":1659,"shamela_page_id":1710,"part":null,"page_num":1710,"sequence_num":1710,"body":"أما الحافظ ابن كثير - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فإنه أطلق القول، وقَالَ: \"ولا شك أن الرسل من الإنس \"، ومما استدل به وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ [الأنبياء:٧] ومن أقوى ما استدل به قول الله - تَعَالَى - في حق إبراهيم ﵇ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَاب [العنكبوت:٢٧] فالله ﷾ خص إبراهيم ﵇ بأن جعل في ذريته النبوة والكتاب، فالقول بأن بعد إبراهيم نبي من الجن ينافي هذا التكريم وهذا الاختصاص الذي اختص الله ﵎ به إبراهيم ﵇.\r٢) القول الراجح في هذه المسألة:\rالذي يظهر أن الأمر ليس قوياً وقاطعاً بأن الله ﵎ لم يبعث من الجن رسلاً، وإنما هي وجهة نظر أقوى؛ لأن الذين قالوا بها منالسلف أكثر ونحن يسعنا ما وسعهم.\rفلا يعني ذلك أنه ينفى عن الجن هذا الشيء، بل يحتاج نفيه أو إثباته إِلَى دليل خارج فهذا الذي يبدو، والله تَعَالَى أعلم.\rلكن نظل نَحْنُ مع ما قاله ابن عباس ومجاهد وابن جريج كما هو ظاهر سورة الأحقاف أن الله يبعث الرسل من الإنس، وأن من الجن من يستمع ذلك الوحي فينذرون أقوامهم بذلك، وأما بقية الأحكام فليس هناك فرق ولا خلاف عَلَى الصحيح بين الإنس والجن، فهم يحاسبون يَوْمَ القِيَامَةِ، ويوقفون بين يدي الله ﵎، كما في هذه الآية وغيرها.\r\rالجن مثل الإنس في الثواب والعقاب","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690585,"book_id":1659,"shamela_page_id":1711,"part":null,"page_num":1711,"sequence_num":1711,"body":"إن الصالح من الإنس والجن يدخل الجنة، والطالح من الإنس والجن يدخل النار، هذا هو القول الراجح والصحيح، ومن قال بخلافه فإنه يعوزه الدليل عَلَى ذلك، وأما الآية الكريمة التي استدل بها ابن كثير وتبعه الإمامابن أبي العز رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في رد استدلال الضحاك لمَّا استدل بقوله تعالى: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ [الأنعام:١٣٠] فقَالَ: إن الله ﷾ يرسل الرسل من الإنس والجن، فقد رد عليه ابن كثير وتبعه الإمام ابن أبي العز: بأن هذا مثل قوله ﵎: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ [الرحمن:٢٢] وإنما يخرج اللؤلؤ والمرجان من الماء المالح لا من الماء العذب.\r\rمسألة تتعلق بلغة العرب في التفسير\rوالعرب تستعمل في كلامها ما يدل عَلَى أنها إذا أرادت أن تخاطب المفرد تأتي بالكلام عَلَى صورة جمع وهي تريد الفرد، حتى يقول الإمام ابن جرير الطبري ﵀: إن الإِنسَان إذا قَالَ: أكلت تمراً ولبناً، فإن ذلك صحيح في لغة العرب، لكن لو أفرده لا يصح أن يقول: أكلتُ لبناً، وإنما يقول: شربتُ لبناً، فهذا دليل عَلَى أن الأمر في حالة الاجتماع غيره في حالة الانفراد، وعليه فيكون المبعوثون من الإنس والجن، بينما يكون في الحقيقة والواقع لم يأت الرسل إلا من الإنس وحدهم، نقول: قد يترجح هذا القول، إلا أن هذه الآية يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ [الرحمن:٢٢] وإن كَانَ قد قال من قال من العلماء بأنه يخرج من أحدهما، إلا أن هذا القول غير صحيح من وجوه:\rأولاً: أنه خلاف ظاهر اللفظ؛ لأن اللفظ يخرج منهما، فلا يعدل عن الظاهر إلا بدليل، وليس هناك من دليل إلا أن النَّاس لم يكونوا يستخرجون الزينة واللؤلؤ والمرجان من الأنهار والبحار العذبة، وإنما كانوا يستخرجونها من المالح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690586,"book_id":1659,"shamela_page_id":1712,"part":null,"page_num":1712,"sequence_num":1712,"body":"ثانياً: إن التنوين الموجود في قوله تعالى: وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا [فاطر:١٢] في كلٍّ يسمى تنوين العوض، أي: عوض عن كلمة، أي: ومن كل واحد من البحرين تأكلون لحماً طرياً، وتستخرجون حلية تلبسونها، إذا: ليس هناك احتمال!\rفلماذا نقول: يخرج منهما، أي: من أحدهما؟ والله يقول: ومن كلٍ أي: من كل واحد من البحرين يخرج اللؤلؤ والمرجان، ولذلك أصبح النَّاس في العصر الحديث يستخرجون اللآلئ والحلي والزينة من المياةِ العذبة ومن الأنهار، كما أنها تستخرج من البحار، فمن قال بذلك من العلماء السابقين فإنما قال عَلَى اعتبار أنه في عصره لم يكن معروف لديهم هذا الاستخراج، فَقَالُوا: إذاً يستخرج من أحدهما فقط، لكن نعمة الله ﷿ وامتنانه ﷾ لا تقتصر عَلَى عصر من العصور.\r\rفالله ﵎ يمتن منة عامة قد يتحقق لبعض النَّاس منها شيء في وقت، ولا يتحقق لغيرهم شيء إلا في وقت آخر، وقد تتحقق بعض النعم لبعض النَّاس في بلد ولا تتحقق لهم في بلد آخر وهكذا..\rوهذا هو الذي يترجح في هذه الآية، والله ﵎ أعلم.\r\rقَالَ الإمامُ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690587,"book_id":1659,"shamela_page_id":1713,"part":null,"page_num":1713,"sequence_num":1713,"body":"[وأما كونُه مبعوثاً إِلَى كافة الورى، فقد قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً [سبأ:٢٨] وقال تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُُ إِنِّي رَسُول لُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً [الأعراف:١٥٨] وقال تعالى: وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [الأنعام:١٩] أي: وأُنْذِرُ مَنْ بِلَغَه، وقال تعالى: وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً [النساء:٧٩] وقال تعالى: أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ [يونس:٢] ، وقال تعالى: تَبَارَكَ الَّذِي نزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً [الفرقان:١] وقال تعالى: وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ [آل عمران:٢٠] ، وقال ﷺ: (أُعطِيتُ خَمْساً لم يُعْطَهُنَّ أحدٌ مِنَ الأنبياءِ قَبْلي: نُصِرْتُ بالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لي الأرضُ مَسْجِداً وطَهُوراً، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتي أَدْركَتْهُ الصلاةُ فَلْيُصلِّ. وأُحِلَّتْ ليَ الغَنَائِمُ وَلَمْ تُحِلَّ لأحَدٍ قَبْلي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وكانَ النبيُّ يُبعث إِلَى قَوْمِهِ خاصَة وَبُعثتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّة) أخرجاه في الصحيحين.\r\rوقال ﷺ: (لا يَسْمَعُ بي رَجُلٌ من هذه الأمَّةِ يَهُّودِيٌّ ولا نَصرَانيٌّ ثُمَّ لا يُؤمِنُ بي إلا دَخَلَ النَّار) رواه مسلم، وكونه ﷺ مبعوثاً إِلَى النَّاس كافة معلوم من دين الإسلام بالضرورة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690588,"book_id":1659,"shamela_page_id":1714,"part":null,"page_num":1714,"sequence_num":1714,"body":"وأما قول بعض النَّصارَى: إنه رَسُول إِلَى العرب خاصة، فظاهر البطلان، فإنهم لما صدقوا بالرسالة لزمهم تصديقه في كل ما يخبر به، وقد قَالَ: إنه رَسُول الله إِلَى النَّاس عامة، والرَّسُول لا يكذب، فلزم تصديقه حتماً، فقد أرسل رسله وبعث كتبه في أقطار الأرض إِلَى كسرى وقيصر والنجاشي والمقوقس، وسائر ملوك الأطراف، يدعو إِلَى الإسلام] اهـ.\rالشرح:\rقد دلت الآيات الصريحة من كتاب الله تَعَالَى وسنة رسوله ﷺ أنه مبعوث إِلَى النَّاس كما قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً [سبأ:٢٨] ، ويقول ﵎: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُُ إِنِّي رَسُول لُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً [الأعراف:١٥٨] ويقول ﵎: وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [الأنعام:١٩] وهذا يؤيده ويوضحه قوله ﷺ: (لا يَسْمَعُ بي رَجُلٌ من هذه الأمَّةِ يَهُّودِيٌّ ولا نَصرَانيٌّ ثُمَّ لا يُؤمِنُ بي إلا دَخَلَ النَّار) .\rفالأمر يعود إِلَى شيء واحد وهو البلاغ، فمن سمع عن النبي ﷺ وعن دعوته، فلا عذر له عَلَى الإطلاق؛ لأنه لم يتبعه ولم يؤمن برسالته ويهتدي بهديه ويدخل في دينه، ولكن الذي لم تبلغه لدعوة، فله حكم أهل الفترة، وأمره إِلَى الله ﷾.\rبعثته إلى الناس كافة معلوم من الدين بالضرورة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690589,"book_id":1659,"shamela_page_id":1715,"part":null,"page_num":1715,"sequence_num":1715,"body":"قال النبي ﷺ: (وكان النبي يبعث إِلَى قومه خاصة وبعثت إِلَى الخلق عامة) فبعثه الله ﷾ إِلَى الخلق عامة، وفي هذه القضية يقول الإمامابن أبي العز: وهذا معلوم من الدين بالضرورة، أي أن: عموم بعثته إِلَى جميع العالمين مسألة مجمع عليها بين الْمُسْلِمِينَ وهي معلومة من الدين بالضرورة، أي أن فيها المعرفة البديهية التي يجدها الإِنسَان في نفسه ضرورة دون حاجة إِلَى استدلال ولا بحث ولا نظر، فكل مسلم يعلم ضرورة من نفسه أن محمداً ﷺ هو رَسُول الله إِلَى العالمين أجمعين، ولم يخالف فيها إلا طائفتان من غير الْمُسْلِمِينَ.\rالطائفتان من غير المسلمين اللتان تخالفان في أن نبينا صلى الله علي وسلم بعث إلى العالمين\rالطائفة الأولى: فرقة من اليهود يقال لهم العيسوية، ظهرت في أيام أبي جعفر المنصور وكانوا من يهود إيران أي (من يهود الفرس العجم) واليهود في هذه البلاد كثيرون، وفي الحديث الصحيح يقول النبي ﷺ: (يتبع الدجال سبعون ألفاً من يهود أصبهان عليهم الطيالسة) ، وما يزال اليهودفي هذه المدينة -مدينة أصبهان - ولهم فيها أكبر تجمع يهودي، وأصل وجود اليهودهناك، وهو أنه لما سلط الله ﷾ عليهم بختنصر كما قال الله ﷾: عِبَاداً لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَار [الإسراء:٥] فهو الذي جاس خلال الديار، وأخذ بني إسرائيل وسباهم إِلَى أرض فارس، فتناسلوا هنالك، الشاهد أن هذه العيسوية قامت بثورة في أيام أبي جعفر المنصور، وَقَالُوا: إن محمداً ﷺ لم يبعث إِلَى العالمين، وَقَالُوا: حتى لا نكذبه: هو مبعوث إِلَى العرب خاصة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690590,"book_id":1659,"shamela_page_id":1716,"part":null,"page_num":1716,"sequence_num":1716,"body":"وقال بهذا القول أيضاً بعض طوائف من النَّصَارَىقالوا: بعث مُحَمَّد ﷺ إِلَى العرب خاصة، وأما نَحْنُ فإننا عَلَى دين عيسى الذي بعث به إلينا، وهذا الكلام من أبطل الباطل، ومن أجلى الكذب وأوضحه، وهذا الكلام يدل عَلَى كذب قائله؛ لأنكم إن صدقتم أنه رَسُول يوحى إليه من عند الله، فهذا الرَّسُول لا يكذب، وهذا الرَّسُول قد قَالَ: إن الله أوحى إليه وحياً عاماً للعالمين، جَاءَ ذلك في القُرْآن الذي أنزله الله عليه، وفي سنته ﷺ وسيرته حينما كتب إلى: ملوك الروم والفرس وكتب إِلَى جميع أطراف الأرض يبلغهم دعوته، فهذا دليل واضح عَلَى عموم رسالته، وأنتم قد أقررتم بنبوته، فكيف تدعون أنه كاذب؟ هذا كلام يناقض بعضه بعضا، وإما ألا تؤمنوا بنبوته ﷺ أصلاً فيكون لنا معكم شأن آخر.\r\rمن أعجب ما يقوله النصارى أن محمداً مبعوث إلى العرب خاصة\rمن أعجب ما يقوله النَّصَارَى: إن محمداً ﷺ مبعوث إِلَى العرب خاصة، مع أن في الأناجيل التي بين أيديهم الآن ويقرؤونها ويعتبرونها الكتاب المقدس أن عيسى ﵇ جاءته امرأة وقالت: يا فلان! أريد أن تعلمني الدين الذي تدعو إليه فقَالَ: من أين أنتِ أيتها المرأة؟ قالت: فينيقية، -ليست من بني إسرائيل- فَقَالَ المسيح -كما يقولون: إنما بُعثتُ إِلَى خراف بني إسرائيل الضالة.\rوهذا ما نص عليه القُرْآن وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرائيل [آل عمران:٤٩] ، فالله ﷾ قد حدد رسالة عيسى ﵇ بأنها إِلَى بني إسرائيل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690591,"book_id":1659,"shamela_page_id":1717,"part":null,"page_num":1717,"sequence_num":1717,"body":"كما جَاءَ في هذا الحديث: (وكان النبي يبعث إِلَى قومه خاصة) ، فعيسى ﵇ هو الذي بعث فعلاً إِلَى بني إسرائيل فقط، ولم يبعث إِلَى الروم، ولا إِلَى الفرس، ولا إِلَى العرب، إنما بعث إِلَى بنى إسرائيل، إذاً إذا أتانا نصارى من العرب، أومن الروم، أومن الفرس أومن نحوهم ويقولون: إن محمداً ﷺ بعث إِلَى العرب خاصة ونحن ندين بدين عيسى فإن هذا هو العجب، وهذه هي المغالطة، وهذا هو قلب الحقائق، بل يقال لهم: أنتم الذين تدينون بدين لم يبعث إليكم رسوله، وإنما بعثه الله إِلَى بني إسرائيل.\r\rأما الذي بعث إليكم وإلى العالمين جميعاً فهذا هو مُحَمَّد ﷺ، الذي أخذ الله ﵎ العهد عَلَى الأَنْبِيَاء وليس عليكم فقط أن يؤمنوا به قال تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ [آل عمران:٨١] ، فأخذ الله ﷾ الميثاق عَلَى الأَنْبِيَاء أن يؤمنوا بمُحَمَّد ﷺ وأن ينصروه، فكيف تدعون أنتم أنكم من أتباع موسى أو عيسى وتكذبون بنبوته ﷺ وتكفرون بها؟! أو تقولون كما قالت هذه الطائفة أو هذه الشرذمة: إن نبوته خاصة بالعرب؟! هذا كلام من المحال ومن الباطل والكذب.\r\rذكر الخلاف في إعراب كافة\rقَالَ المُصْنِّفُ ﵀:\r[وقوله: وكافَّةِ الورى. في جر (كَافَّة) نظر، فإنهم قالوا: لم تستعمل (كافة) في كلام العرب إلا حالا، واختلفوا في إعرابها في قوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ [سبأ:٢٨] عَلَى ثلاثة أقوال:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690592,"book_id":1659,"shamela_page_id":1718,"part":null,"page_num":1718,"sequence_num":1718,"body":"أحدُها: أنها حالٌ مِن (الكاف) في (أرسلناك) وهي اسمُ فاعل، والتاءُ فيها للمبالغة، أي: إلا كافَّاً للناسِ عنِ الباطل، وقيل: هي مصدر (كَفَّ) ، فهي بمعنى (كفّاً) أي: إلا أن تَكُفَ النَّاس كفّاً، ووقوع المصدر حالاً كثيرٌ.\rالثاني: أنها حالٌ من النَّاس واعْتُرِضَ بأن حال المجرور لا يَتَقدَّمُ عليه عند الجمهور، وأُجِيبَ بأنه قد جَاءَ عن العرب كثيراً فوجب قَبُولُه، وهو اختيارُ ابنِ مالك ﵀، أي: وما أرسلناك إلا للناس كافة.\rالثالث: أنها صفةٌ لمصدر محذوف، أي: رسالةً كافَّة، واعْتُرِض بما تَقَدَّم أنها لم تُسْتَعمَلْ إلا حالاً.\rوقوله: [بالحق والهدى، وبالنور والضياء] هذه أوصافُ ما جَاءَ به الرَّسُول ﷺ من الدِّينِ والشرع المؤيَّدِ بالبراهين الباهرة من القُرْآن وسائر الأدلة. والضياءُ: أكمل من النور، قال تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً [يونس:٥]] اهـ.\rالشرح:\rقال الإمام الطّّحاويّ ﵀: [وهو المبعوث إِلَى عامة الجن، وكافة الورى] ينقده المُصْنِّف ﵀ من حيث اللغة، فنحن لا نقول: إِلَى كافِةِ الورى، والصحيح أن لم نقل الواجب أن نقول: إِلَى الورى كافةً، فكلمة كافَّة لا تستعمل إلا حالاً، ومعناها: الكل والجمع، فلا تأتِ إلا حالاً دائماً، فلا تُجر ولا تُرفع ولا تُنصب أو نحو ذلك، وأما قوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاس [سبأ:٢٨] فقد اختلف في إعرابها، فقيل إنها حال من الكاف في \"أرسلناك\" لأن الحال لابد أن يكون حالاً من الفاعل، أو من المفعول به، أو حال من متعلق في الفاعل أو المفعول به.\r\rوذهب بعضهم إِلَى أن كلمة كافة تتعلق بالكاف أي: وما أرسلناك إلا كافة للناس، فأنت الكافة للناس، أي: الكاف لهم والتاء للمبالغة، كما يقال في (علامَّة) ، و (فهَّامة) أي: رجل كثير العلم والفهم، وهذا قول ضعيف.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690593,"book_id":1659,"shamela_page_id":1719,"part":null,"page_num":1719,"sequence_num":1719,"body":"والثاني: أنها حال من النَّاس في قوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاس [سبأ:٢٨] واعترض عليه بأنها تقدمت، وأن الحال المجرور لا يتقدم عليه عند الجمهور، والصواب: أن ذلك جائز وهو الذي رجحه الإمام ابن مالك وهذه الآية دليل له، فيقول إن معنى قوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاس [سبأ:٢٨] أي: وما أرسلناك إلا للناس كافة، فهي حال من النَّاس المجرور والله ﵎ أعلم.\rالقول الثالث: أنها صفة لمصدر محذوف وهذا قول مرجوح وضعيف؛ لأنها -كما قلنا سابقاً- ولا تكون إلا حالاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690594,"book_id":1659,"shamela_page_id":1720,"part":null,"page_num":1720,"sequence_num":1720,"body":"شرح العقيدة الطحاوية\rالرؤية\rفضيلة الشيخ د. سفر بن عبد الرحمن الحوالي\r\rقَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:\r[وقد ذكر الشيخ ﵀ من الأدلة قوله تَعَالَى وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:٢٢، ٢٣] وهي من أظهر الأدلة، وأما من أبى إلا تحريفها بما يُسميه تأويلاً: فتأويل نصوص المعاد والجنة والنَّار والحساب أسهل من تأويلها عَلَى أرباب التأويل. ولا يشاء مبطل أن يتأول النصوص ويحرِّفها عن مواضعها إلا وجد إِلَى ذلك من السبيل ما وجده متأول هذه النصوص.\rوهذا الذي أفسد الدنيا والدين، وهكذا فعلت اليهود والنَّصارَى في نصوص التوراة والإنجيل، وحذرنا الله أن نفعل مثلهم، وأبى المبطلون إلا سلوك سبيلهم، وكم جنى التأويل الفاسد عَلَى الدين وأهله من جناية، فهل قتل عثمان ﵁ إلا بالتأويل الفاسد؟ ! وكذا ما جرى في يوم الجمل وصِفِّين، ومقتل الحسين ﵁، والحرة، وهل خرجت الخوارج واعتزلت المعتزلة، ورفضت الروافض، وافترقت الأمة عَلَى ثلاث وسبعين فرقة، إلا بالتأويل الفاسد؟!\rوإضافة النظر إِلَى الوجه الذي هو محله في هذه الآية، وتعديته بأداة (إلى) الصريحة في نظر العين، وإخلاء الكلام من قرينة تدل عَلَى خلاف حقيقته وموضوعه، صريحٌ في أن الله أراد بذلك نظر العين التي في الوجه إِلَى الرب ﷻ، فإن النظر له عدة استعمالات، بحسب صلاته وتعديه بنفسه. فإن عدي بنفسه فمعناه: التوقف والانتظار، كقوله: انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ [الحديد:١٣] وإن عدي بـ (في) فمعناه: التفكر والاعتبار، كقوله: أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [الأعراف:١٨٥] وإن عدي بـ (إلى) فمعناه: المعاينة بالأَبصار، كقوله تعالى: انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَر [الأنعام:٩٩] فكيف إذا أضيف إِلَى الوجه الذي هو محل البصر؟!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690595,"book_id":1659,"shamela_page_id":1721,"part":null,"page_num":1721,"sequence_num":1721,"body":"وروى ابن مردويه بسنده إِلَى ابْنِ عُمَرَ قَالَ: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ [القيامة:٢٢] قَالَ: من البهاء والحُسن إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ قال في وجه الله ﷿.\r\rعن الحسن قَالَ: نظرت إِلَى ربها فنُضِّرت بنوره.\rوقال أبو صالح عن ابن عباس ﵄ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ قَالَ: تنظر إِلَى وجه ربها ﷿.\r\rوقال عكرمة: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ قَالَ: من النعيم إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ، قَالَ: تنظر إِلَى ربها نظراً َ.\r\rثُمَّ حكى عن ابن عباس ﵄ مثله.\r\rوهذا قول كل مفسر من أهل السنة والحديث] اهـ.\rالشرح:\rيثبت الإمام أبو جعفر الطّّحاويّ ﵀ أن من اعتقاد أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ: أن الرؤية حق لله ﵎ في الجنة، فأهل الجنة المؤمنون -جعلنا الله وإياكم منهم- يرون ربهم جل وعلا عياناً بالأبصار، كما جَاءَ في الحديث الصحيح، وهذا هو النعيم الأعلى والأعظم في الجنة، وهو أعظم نعيم يتنعم فيه أهل الجنة بل هو ألذ من جميع أنواع النعيم التي لم ترها عين، ولم تسمع بها أذن، ولم تخطر عَلَى قلب بشر، ثُمَّ يقول: [بغير إحاطه ولا كيفية] ، أي: أنه لا يستلزم من هذاالنظر الإحاطة.\rوالذين نفوا الرؤية كالمعتزلة وغيرهم قالوا: إن مما يدل عَلَى نفي الرؤية قول الله ﵎: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [الأنعام: ١٠٣] فما دام أن الأبصار لا تدركه؛ فهو لا يُرى وما علموا أن هناك فرقاً بين الرؤية والإدراك، فإن الإِنسَان قد يرى الشيء لكن لا يحيط به ولا يدرك حقيقته، والذي نفى الله ﵎ وقوعه هو الإحاطة به وإدراكه وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً [طه: ١١٠] فإذا كَانَ العلم لا يحيط به ﷾ -ومجاله أرحب وأوسع من الرؤية- فكيف تحيط به الرؤية؟!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690596,"book_id":1659,"shamela_page_id":1722,"part":null,"page_num":1722,"sequence_num":1722,"body":"قوله: [ولا كيفية] أي: لا نعلم الكيفية التي يرى بها المؤمنون ربهم جل وعلا، وكما قَالَ: [وتفسيره عَلَى ما أراد الله تَعَالَى وعلمه] يعني: تفسير الكيفية لا يعلمها إلا الله ﷾، فنحن نؤمن بالرؤية وأما كيفية وقوع هذه الرؤية فإن الذي يعلمها هو الله ﷾ ونحن لا نعلمها، وعماد استدلاله كَانَ بهذه الآية وبالأحاديث الصحيحة الدالة عَلَى الرؤية فقَالَ: [كما نطق به كتاب ربنا: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:٢٢، ٢٣] .\rقَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: في شرح هذا الكلام: [وقد ذكر المُصنِّفُ ﵀ من الأدلة قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:٢٢، ٢٣] . وهي من أظهر الأدلة] .\r\rومن أوضح وأبين وأجلى الأدلة عَلَى رؤية الله ﵎، ولهذا فإن الإمام البُخَارِيّ ﵀ في صحيحه جعل هذه الآية هي عنوان الباب، ثُمَّ أورد بعد ذلك أحاديث كثيرة في إثبات رؤية الله ﵎ عن عدد من الصحابة الكرام: عن جرير بن عبد الله البجلي، وأَبِي هُرَيْرَةَ، وأبي سعيد الخدري، وأورد أحاديث كثيرة في الحشر ويَوْمَ القِيَامَةِ، تثبت رؤية الله ﵎، منها الأحاديث التي ستأتي إن شاء الله تعالى. ٍٍ\r\rفالآية لوضوح دلالتها، ولوضوح معناها الذي لا يلتبس فيه عقل أحد كانت دليلاً عَلَى هذا الأصل العظيم، الذي هو أصل من أصول عقيدة أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ، لكن الجهمية والمعتزلة ومن اتبع مذهبهم أبوا إلا الانحراف.\rاستطرد المُصنِّفُ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- هنا في بيان خطر التأويل، هكذا يسميه أهل البدع وهو في الحقيقة تحريف، وقد سبق توضيح معاني التأويل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690597,"book_id":1659,"shamela_page_id":1723,"part":null,"page_num":1723,"sequence_num":1723,"body":"وقلنا: إذا كَانَ التأويل بمعنى التفسير فهذا هو المعروف في كلام العرب، كقولهم: هذه الآية تأويلها كذا، يعني: تفسيرها كذا، كما هو ملاحظ في تفسير الإمامابن جرير الطبري وأمثاله من كتب السلف، فإنهم يطلقون التأويل بمعنى التفسير، لكن التأويل المصطلح عليه عند المتأخرين: هو صرف دلالة اللفظ من المعنى الراجح إِلَى المعنى المرجوح، وهذا في الحقيقة تحريف للكلم عن مواضعه، فالله تَعَالَى يقول: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:٥] قالوا: نؤولها فنقول: استولى! وهذا تحريف، حرفوا كلمة \"استوى\" التي قالها الله وفهمها الصحابة إِلَى \"استولى\"، وأمثال ذلك من التحريفات.\r\rثُمَّ بين المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى أن تأويل هذه الآية مع وضوح دلالتها، فإن تأويل آيات المعاد والبعث والحشر وآيات الجنة والنَّار والجزاء أسهل؛ لأن هذه الآية واضحة كوضوح تلك الآيات، بل هذه الآية أوضح في بعض الجوانب، فالذي يؤول قول الله ﵎: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:٢٢، ٢٣] . ويحرفها عن معناها إِلَى معنى بعيد، لا يصعب عليه أن يؤول أيضاً كل الآيات التي تدل عَلَى البعث والنشور والحشر وأحوال يَوْمَ القِيَامَةِ بل حتى آيات الأحكام، كالصلوات الخمس: قالوا: هي عَلِيّ والحسن والحسين وفاطمة ومحسن!\r\rفإذا فتحنا باب التأويل في الأمور الواضحة الجلية، فإنه لن يبق هناك شيء لا يؤول من ديننا فيمسخ الدين والعياذ بالله، وهذا هو الذي فعله هَؤُلاءِ المؤولون؛ لأن التأويل كما ذكر المُصنِّفُ ﵀ هو الذي أفسد الدنيا والدين.\rرد النصوص أو رفضها لا يخلو من أحد أمرين\rرد النصوص أو رفضها وعدم قبولها لا يخلوا من أحد أمرين في الغالب:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690598,"book_id":1659,"shamela_page_id":1724,"part":null,"page_num":1724,"sequence_num":1724,"body":"إما رداً واضحاً مباشراً، وإنكاراً كلياً، كَانَ ينكر الإِنسَان ثبوتها، كما كذَّبَ بالقرآن من قبل، وأنكر أنه كلام الله ﷿، وهذا ردٌ واضحٌ مباشر، أو إنكار المعنى إنكاراً كلياً، هذا أحد الوجوه.\rالوجه الثاني: تأويلها وتحريفها، والاحتيال عليها، حتى تخرج عن المعنى الذي أراده الله ورسوله، إِلَى معنى آخر لم يرده الله ورسوله بهذا الخطاب، ولم يفهمهالسلف الصالح.\rوكلاهما رد، والرد الواضح يجرؤ عليه الملحدون والكفار المجاهرون، أما التأويل فإنما يلجأ إليه المتأولون الذين يزعمون أنهم ينزهون وكما قال المنافقون من قبلهم! إن نريد إلا إحسانا وتوفيقا.\rوهَؤُلاءِ يقولون: نَحْنُ نثب ألفاظ النصوص كما هي؛ لكن ننفي دلالاتها وننفي معانيها! فما الفائدة من وجود الألفاظ إذاً؟! أتجعل هذه الألفاظ رسماً في المصحف بدون معاني حقيقية، وبدون المدلولات، التي من أجلها جَاءَ هذا الخطاب، ونزل عَلَى النبي ﷺ، أو تكلم به النبي ﷺ؟!\rوبهذا التأويل هدمت الأديان التي من قبلنا، وهو الذي شتت هذه الأمة وفرقها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690599,"book_id":1659,"shamela_page_id":1725,"part":null,"page_num":1725,"sequence_num":1725,"body":"فإذا قلنا: إن التأويل سائغ وجائز، فإن المُصْنِّف يقول: [فهل قتل عثمان ﵁ إلا بالتأويل الفاسد] ، وذلك لمَّا خرج عبد الله بن سبأ اليهودي ومن اتبعه، وعملوا في السراديب وفي الظلام عَلَى إذكاء نار الفتنة بين الْمُسْلِمِينَ، ولم يكونوا يقولون للناس: نَحْنُ نعادي الإسلام، ونكره الدين، ونريد أن نقتل الخلفاء! لا؛ بل ألبسوها بتأويل العدل، والمطالبة بالعدل، والمطالبة بسنة عُمَر؛ لأن عثمان -كما يزعمون- انحرف عن منهج عُمَر ﵁، فكانوا يقولون: نريد منهج عُمَر! نريد منهج النبي ﷺ! ونريد أن لا يتولى أقارب الخليفة الإمارة بل يتولى الْمُسْلِمُونَ الآخرون! إِلَى أخر ما تأولوا به حتى قتلوه رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ.\rوكذلك في يوم الجمل ما خرجت الخوارج إلا بالتأويل، يقولون: إن الله ﷿ يقول: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً [الأحزاب:٣٦] والضلال المبين هو الكفر، وعلى هذا فمن عصى الله بزناً أو خمرٍ أو سرقةٍ فإنه كافر، وتأولوا بقية الآيات والأحاديث مثل: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) وتركوا جميع الأحاديث الصحيحة الدالة عَلَى أن أصحاب الكبائر لا يخلدون في النار.\rوكذلك الرافضة، أتوا إِلَى الآيات التي أنزلها الله ﷾ في المنافقين فجعلوها في أصحاب النبي ﷺ، مثل الآيات التي نزلت في عبد الله بن أُبيَّ بن سلول ومن معه، فجعلوها في أبي بكر الصديق صاحب رَسُول الله ﷺ في الغار ومن ماثله من الصحابة وهكذا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690600,"book_id":1659,"shamela_page_id":1726,"part":null,"page_num":1726,"sequence_num":1726,"body":"فتفرقت الأمة بناءً عَلَى هذا التأويل. فلو فتحنا المجال لِكُلِ إنسان بأن يؤول كما شاء في كتاب الله ﷿ لَمَا بقي من ديننا شيء، فلا بد من إغلاق هذا الباب واتباع منهجالسلف الصالح في فهم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، ومن ذلك فهم هذه الآية: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:٢٢، ٢٣] التي أنزلها الله عَلَى نبيه مُحَمَّد ﷺ، وقرأها عَلَى أصحابه، وقرأها الصحابة رضوان الله تَعَالَى عليهم، وقرأها السلف جميعاً فما سمعنا أن أحداً أولها، أو أخرجها عن معناها، بل في الآية نفسها ما ينفي وما يقطع أي تأويل يؤوله الجهمية ومن اتبعهم فيها.\rوالجهمية عندما أولوا هذه الآية: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ قالوا: إن \"إلى\" مفرد آلاء كما في قوله تعالى: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن: ١٣] فـ\"إلى\" بمعنى النعمة، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ يعني: منتظرة، تنتظر نعمة ربها، فمعنى الآية عندهم -على تأويلهم-: أن هذه الوجوه تنتظر نعمة الله ﷾ عليها! فانظروا إِلَى هذا التكلف والتلاعب بكتاب الله ﷿! ولذلك لما أخذ أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ يردون عليهم قالوا: أولاً: إضافة النظر إِلَى الوجه الذي هو محله من القرائن الدالة عَلَى أن المقصود هو المعنى الحقيقي: وهو النظر. فالنظر أضيف إِلَى الوجه الذي هو محل النظر، أي: أسند إليه، فهو الفاعل: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ فهو نظر حقيقي حسي، ثُمَّ \"إلى\" حرف جر وليست كما زعموا بأنها مفرد \"آلاء\" وإذا تعدى النظر بإلى لم يكن في معنى الانتظار إنما أصبح بمعنى النظر، نظرت إِلَى كذا، يعني: رأيته بالعين الحسية المعروفة.\rثُمَّ قَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690601,"book_id":1659,"shamela_page_id":1727,"part":null,"page_num":1727,"sequence_num":1727,"body":"[وإخلاء الكلام من قرينة تدل عَلَى خلاف حقيقته وموضوعه صريح في أن الله أراد بذلك نظر العين التي في الوجه إِلَى الرب ﷻ] .\rولو أخذنا كلمة نظر في اللغة العربية واستعمالاتها لوجدنا أنها تختلف بحسب ما بعدها وبحسب تعديها بالحرف أو بغيره، وبما يأتي بعدها من الصفة فيقول المصنف: فإن عدي بنفسه فمعناه التوقف والانتظار:انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُم [الحديد:١٣] فإذا قلت: انظر فمعناها توقف لي، وتمهل، وانتظرني، \" وإن عدي بـ (في) فمعناه التفكر والاعتبار \"، كما قال الله ﵎: أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [الأعراف: ١٨٥] أي: أولم يتفكروا في ملكوت السماوات والأرض، وهذا في القُرْآن الكريم كثير أَفَلا يَنْظُرُونَ [الغاشية:١٧] ، أي: يتفكرون، فالنظر بمعنى التفكر وبمعنى الاعتبار.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690602,"book_id":1659,"shamela_page_id":1728,"part":null,"page_num":1728,"sequence_num":1728,"body":"أما إن تعدى إِلَى مفعوله بـ\"إلى\" فهذا هو النظر الحسي الحقيقي بالعين والبصر، كما في قوله تعالى: انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ [الأنعام:٩٩] فانظروا بمعنى: تأملوا وشاهدوا وطالعوا ذلك بالعين لتتأملوا ذلك وتعلموا دقيق صنع الله ﷾، وعجيب خلق الله في هذه الثمار إذا أظهرها، وفي هذا الينع إذا أطلعه ﷾، إضافة إِلَى أن التعدي كَانَ بـ\"إلى\" في هذه الآية: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ فقد أُسند الفعل إِلَى الوجوه، والوجه محل النظر، وهو محل العينين، فلم يعد هناك أي احتمال لأن يكون معنى النظر الانتظار أو التفكر أوالتوقف. وهناك دليل آخر دل على هذا وهو الدليل الذي نعتمد عليه دائماً في كل أمر من الأمور، وهو أن أعلم الناس بكتاب الله ﷿ وبتفسيره هم السلف الصالح رضوان الله عليهم، فبماذا فسر السلف الصالح هذه الآية؟ فضلاً عن الأحاديث الأخرى التي جاءت تدل على رؤية الله ﷾، ولقد روى ابن مردويه بسنده إِلَى عبد الله بن عمر رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُما قَالَ: قال رَسُول الله ﷺ في قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ قَالَ: من البهاء والحُسن، وناضرة من النضارة إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ قَالَ: ناظرة في وجه الله ﷿، وسواء ثبت هذا مرفوعاً أو كَانَ من تفسير الصحابي فإنه -ولله الحمد- هو المعنى الذي لا يحتمل الكلام غيره، وعلى كلا الحالين فهو مقبول.\r\rوعن الحسن البصري ﵀ قَالَ: نظرت إِلَى ربها فنظرت بنوره يعني: وجوه يومئذ ناضرة عليها البهاء، وعليها الحُسن وعليها النضارة، لأنها نظرت إِلَى ربها فنضرت، وطلع عليها البهاء والحسن والجمال بنوره ﵎، هكذا فسرها هذا التابعي الجليل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690603,"book_id":1659,"shamela_page_id":1729,"part":null,"page_num":1729,"sequence_num":1729,"body":"وعن ابن عباس رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ أيضاً أنه فسر: إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ فقَالَ: تنظر إِلَى وجه ربها ﷿.\r\rوقال عكرمة تلميذ ابن عباس وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ قَالَ: ناضرة من النعيم، أي: متنعمة إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ قَالَ: تنظر إِلَى الله نظراً، يعني: تراه رؤية حقيقية، ثُمَّ حُكي عن ابن عباس مثله.\r\rثُمَّ قَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: [وهذا قول المفسرين من أهل السنة والحديث] فنقول لأهل البدع الذين أولوا هذه الآية: ائتونا بواحد من علماء السلف صح عنه أنه قال في هذه الآية: إنها ليست في الرؤية الحقيقية، بل هي في الانتظار أو بأي معنى من المعاني التي تبتدعونها! وإنهم لن يستطيعوا ذلك، ونحن يسعنا في كل أمر من الأمور ما وسع السلف الصالح والقرون المفضلة، فنقف حيث وقفوا، ونفسر كتاب الله ﷿ كما فسروا، ثُمَّ انتقل المُصْنِّف إِلَى دليل آخر من الأدلة عَلَى إثبات رؤية الله.\r\rقال المصنف رحمه الله تعالى:\r[وقال تعالى: لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ [ق:٣٥] ، قال: الطبري: قال علي بن أبي طالب، وأنس بن مالك: هو النظر إلى وجه الله ﷿.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690604,"book_id":1659,"shamela_page_id":1730,"part":null,"page_num":1730,"sequence_num":1730,"body":"وقال تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس:٢٦] فالحسنى: الجنة، والزيادة: هي النظر إلى وجهه الكريم، فسرها بذلك رسول الله ﷺ والصحابة من بعده، كما روى مسلم في صحيحه عن صهيب قال: قرأ رسول الله ﷺ: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس:٢٦] قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، نادى مناد يا أهل الجنة، إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه، فيقولون: ما هو؟ ألم يثقل موازيننا ويبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار؟ فيكشف الحجاب، فينظرون إليه، فما أعطاهم شيئاً أحب إليهم من النظر إليه وهي الزيادة) ورواه غيره بأسانيد متعددة وألفاظ أخر، معناها أن الزيادة النظر إلى وجه الله ﷿.\r\rوكذلك فسرها الصحابة ﵃، روى ابن جرير عن جماعة، منهم: أبو بكر الصديق، وحذيفة، وأبو موسى الأشعري، وابن عباس ﵃.\rوقال تعالى: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين:١٥] احتج الشافعي ﵀ وغيره من الأئمة بهذه الآية على الرؤية لأهل الجنة، ذكر ذلك الطبري وغيره عن المزني عن الشافعي، وقال الحاكم: حدثنا الأصم حدثنا الربيع بن سليمان قال: حضرتمحمد بن إدريس الشافعي ﵀، وقد جاءته رقعة من الصعيد فيها: ما تقول في قوله تعالى: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين:١٥] ؟ فقال الشافعي: لما أن حجب هؤلاء في السخط كان في هذا دليل على أن أولياءه يرونه في الرضا] اهـ.\rالشرح:\r\rهنا دليلان:\rالدليل الأول: الزيادة.\r\rوالدليل الثاني: حجب الكفار عن الله ﵎ مما يدل على رؤية المؤمنين لربهم جل وعلا.\r\rوكما هو واضح أن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم فسروا المزيد وفسروا الزيادة برؤية الله ﵎.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690605,"book_id":1659,"shamela_page_id":1731,"part":null,"page_num":1731,"sequence_num":1731,"body":"فعلي بن أبي طالب ﵁، وأنس بن مالك، وأبو بكر الصديق، وحذيفة، وأبو موسى الأشعري، وابن عباس -وهؤلاء أعلم الصحابة بالتفسير وبغيره من العلوم- كل هؤلاء فسروا المزيد بأنها رؤية الله ﵎ قال تعالى: لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ [قّ:٣٥] ، وقال سبحانه: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ.\r\rفإذا كانت الحسنى هي الجنة، وإذا كان لأهل الجنة ما يشاؤون من النعيم -كما هو متفق عليه بين أهل السنة والجماعة وبين المعتزلة وغيرهم- وفيها ما يشاء الإنسان مما تشتهيه الأنفس وتلذ به الأعين من أصناف النعيم وأنواع الملذات، وهي الحسنى التي وعد الله ﵎ بها عباده الصالحين، فما هي الزيادة على الجنة؟ والجنة نعيمها لا ينفذ ولا ينقطع وإنما هو متجدد دائم متصل.\r\rفَسَّرَ ذلك النبي ﷺ كما في هذا الحديث الصحيح الذي رواه صهيب رضي الله تعالى عنه قال: قرأ رسول الله ﷺ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وقال: (إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار نادى مناد: يا أهل الجنة! إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه، فيقولون: وما هو؟) لأنهم يرون أنهم قد زحزحوا عن النارفَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [آل عمران:١٨٥] .\r\rفالفوز الذي كانوا دائماً يحلمون به والأمنية العظمى التي كانت تراود أنفسهم وقلوبهم قد تحققت، فما أن اجتازوا وعبروا الصراط وأنجاهم الله ﵎ من الكلاليب التي مثل شوك السعدان والتي تخطف الناس وتهوى بهم إلى النار، فلما جاوزوا ذلك إلى الجنة، وجدوا فيها مالا عينٌ رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فعند ذلك تعجبوا، وماذا بقي بعد هذه الجنة؟! وماذا بقي من موعد وعدنا الله ﵎ به ولم يحققه لنا ﵎؟!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690606,"book_id":1659,"shamela_page_id":1732,"part":null,"page_num":1732,"sequence_num":1732,"body":"(فيقولون: وما هو؟ ألم يثقل موازيننا؟) يعمل المؤمن الحسنة فيجعلها الله ﵎ عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف، ويفعل الفعل من أفعال الخير ويأتي يوم القيامة وإذا به مثل الجبال ويجعله الله تعالى في الميزان عظيماً ثقيلاً وهو من فضله ﵎.\r\r(ألم يبيض وجوهنا؟) يوم تبيض وجوه أهل الإيمان والسنة وتسود وجوه أهل الكفر والنفاق والبدعة هكذا يسألون ربهم ﷿.\r\r(فيكشف الله ﷾ الحجاب عن وجهه الكريم فينظرون إليه) ثم يقسم النبي ﷺ فيقول: (فوالله ما أعطاهم شيئاً أحب إليهم من النظر إليه) كل ذلك النعيم الذي رأوه من الحور العين ومن الولدان ومن النعيم الذي لا ينقطع، والأنهار التي من العسل واللبن ومن ماء غير آسن ومن الخمر وكل ما في الجنة من نعيم ولذة وبهجة، كل ذلك لا يساوي لذة النظر إلى وجه الله الكريم، نسأل الله ﷾ أن يجعلنا ممن يمتعون بذلك إنه سميع مجيب.\rقال: (فوالله ما أعطاهم شيئاً أحب إليهم من النظر إليه ولا أقر لأعينهم) وقرة عين المؤمنين في الدنيا هي في معرفة ربهم ﷾ من صفاته ونعوت جلاله، واتباع دينه وعبادته، ومناجاته والتضرع إليه والعمل لوجهه الكريم، هذه قرة أعينهم في الدنيا، وقرة أعينهم يوم القيامة بالنظر إلى وجهه الكريم ﷾، وهذه أعظم نعمة. والإنسان في هذه الحياة الدنيا ينعم ويرتاح ويسعد بقدر ما يكون إيمانه ومناجاته لله ﷾، وقوة صلته بالله جل شأنه، وقوة يقينه بالله ومعرفته لنعوت جلاله وصفات كماله ﷾، فهذه غاية السعادة وغاية الطمأنينة والراحة في هذه الحياة الدنيا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690607,"book_id":1659,"shamela_page_id":1733,"part":null,"page_num":1733,"sequence_num":1733,"body":"يقول الإمام ابن القيم عن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمهم الله تعالى أجمعين: (إني لأكون في حال، أقول: إن كان أهل الجنة في مثل هذه الحال إنهم لفي نعيم) ، ما هي هذه الحال؟ إنها حال تلذذ القلب بذكر الله ﷾ والأنس به، ومناجاته والتضرع إليه ﷾، وقرة عينه في الآخرة التي هي قرة العين العظمى والغاية الكبرى ليست في نعيم الجنة: من الحور والولدان والمتاع والفاكهة واللحم، وإنما تكون قرة العين العظمى والكبرى والنعيم الأعظم واللذة التي لا يعدلها لذة، هي رؤية الله ﷾، فهو الذي تقر به العين ورؤيته تعدل جميع أصناف وجميع أنواع النعيم الذي أعده الله ﷾ لهم في الجنة.\rفذكر بعد ذلك المصنف ﵀ أن هذه الزيادة فسرها النبي ﷺ بأنها النظر إلى وجهه الكريم، وهذه الطريق جاءت مرفوعة صحيحة إلى النبي ﷺ وفي نفس الوقت جاءت عن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، كما روى ذلك الإمام ابن جرير الطبري عن أبي بكر وحذيفة وأبي موسى وابن عباس رضي الله تعالى عنهم أجمعين، بالإضافة إلى أن علي بن أبي طالب وأنس بن مالك فسروا قول الله تعالى وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ بأنها رؤية الله ﷾. فالآية من كتاب الله واضحة جلية، فلم يبق بعد ذلك مجال لمؤول ولا لمنكر وهذا الدليل الثاني.\r\rوالدليل الثالث على رؤية الله ﵎ هي قوله جل شأنه في حق الكفار: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ َ [المطففين:١٥] وهذه الآية احتج الشافعي ﵀ بها على الرؤية كما ذكر ذلك المصنف فقالالشافعي: (لما حجب هؤلاء بالسخط -أي: عن رؤيته- كان في هذا دليل على أن أولياءه يرونه في الرضا) فمقتضى رضاه أن يراه أولياؤه وأحباؤه المؤمنون كما كان من مقتضى سخطه وغضبه على الكافرين أن يمنعهم عن رؤية وجهه الكريم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690608,"book_id":1659,"shamela_page_id":1734,"part":null,"page_num":1734,"sequence_num":1734,"body":"أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [القلم:٣٥-٣٦] هل المسلمون والمجرمون سواء في الحجب عن رؤية الله ﷾؟\rوفي كلام الشافعي والإمام مالك: دليل وتصريح بأن المؤمنين يرون ربهم جل وعلا يوم القيامة، وهذا من الأدلة التي تبطل دعاوى المؤولين والمحرفين. ثم ذكر المصنف مناقشة المعتزلة وما استدل به المعتزلة والجهمية المنكرون لرؤية، وكما قلنا: لا بد لهم من تأويلات ولا بد لهم من شبهات.\r\rفمن ذلك أنهم استدلوا بقوله ﷾: قَالَ لَنْ تَرَانِي وبقوله: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [الأنعام: ١٠٣] وقد أطال المصنف -رحمه الله تعالى- هنا في إبطال استدلالهم بآية الأعراف وهي قوله تعالى: لَنْ تَرَانِي.\rقَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:\r[وأما استدلال المعتزلة بقوله تعالى: قَالَ لَنْ تَرَانِي [الأعراف:١٤٣] وبقوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصار [الأنعام:١٠٣] فالآيتان دليل عليهم:\rأما الآية الأولى: فالاستدلال منها عَلَى ثبوت رؤيته من وجوه:\rأحدها: أنه لا يظن بكليم الله ورسوله الكريم وأعلم النَّاس بربه في وقته أن يسأل ما لا يجوز عليه بل هو عندهم من أعظم المحال.\rالثاني: أن الله لم ينكر عليه سؤاله، ولما سأل نوح ﵇ ربه نجاة ابنه أنكر عليه سؤاله، وقَالَ: إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ [هود:٤٦]\r\rالثالث: أنه تَعَالَى قَالَ: لَنْ تَرَانِي ولم يقل: إني لا أُرى، أو لا تجوز رؤيتي أو لستُ بمرئي. والفرق بين الجوابين ظاهر، ألا ترى أن من كَانَ في كمه حجر فظنه رجل طعاماً، فَقَالَ أطعمنيه، فالجواب الصحيح: إنه لا يؤكل، أما إذا كَانَ طعاماً صح أن يقَالَ: إنك لن تأكله، وهذا يدل عَلَى أنه سبحانه مرئي، ولكن موسى ﵇ لا تحتمل قواه رؤيته في هذه الدار، لضعف قوى البشر فيها عن رؤيته تعالى، يوضحه:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690609,"book_id":1659,"shamela_page_id":1735,"part":null,"page_num":1735,"sequence_num":1735,"body":"الوجه الرابع: وهو قوله: وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي [الأعراف:١٤٣] فأعلمه أن الجبل مع قوته وصلابته لا يثبت للتجلي في هذه الدار فكيف بالبشر الذي خُلق من ضعف؟!\rالخامس: أن الله سبحانه قادر عَلَى أن يجعل الجبل مستقراً وذلك ممكن وقد علق به الرؤية، ولو كانت محالاً لكان نظير أن يقول: إن استقر الجبل فسوف آكل وأشرب وأنام، والكل عندهم سواء.\r\rالسادس: قوله تعالى: فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّا [الأعراف:١٤٣] فإذا جاز أن يتجلى للجبل، الذي هو جماد لا ثواب له ولا عقاب فكيف يمتنع أن يتجلى لرسله وأوليائه في دار كرامته؟ ولكن الله تَعَالَى أعلم موسى أن الجبل إذا لم يثبت لرؤيته في هذه الدار، فالبشر أضعف.\rالسابع: أن الله كلم موسى وناداه وناجاه، ومن جاز عليه التكلم والتكليم، وأن يسمع مخاطبه كلامه بغير واسطة - فرؤيته أولى بالجواز، ولهذا لا يتم إنكار رؤيته إلا بإنكار كلامه، وقد جمعوا بينهما. وأما دعواهم تأبيد النفي بـ (لن) وأن ذلك يدل عَلَى نفي الرؤية في الآخرة: ففاسد، فإنها لو قيدت بالتأبيد لا يدل عَلَى دوام النفي في الآخرة، فكيف إذا أطلقت؟\rقال تعالى: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً [البقرة:٩٥] مع قوله: وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ [الزخرف:٧٧] ولأنها لو كانت للتأبيد المطلق لما جاز تحديد الفعل بعدها، وقد جَاءَ ذلك، قال تعالى: فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي [يوسف:٨٠] فثبت أن (لن) لا تقتضي النفي المؤبد، قَالَ: الشيخ جمال الدين ابن مالك، ﵀:\rومن رأى النفي بلن مؤبدا فقوله اردد وسواه فاعضدا\r] اهـ.\rالشرح:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690610,"book_id":1659,"shamela_page_id":1736,"part":null,"page_num":1736,"sequence_num":1736,"body":"إن المُصنِّفُ ﵀ مثله في ذلك مثل أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ الآخرين، فقد قلبوا ما جَاءَ به الجهمية دليلاً للنفي عليهم وأثبتوا أنه دليل للإمكان وللإثبات، وأعظم ذلك قوله ﷾ لموسى ﵇: قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي [الأعراف: ١٤٣] وهذه الآية أخذ المعتزلة منها لَنْ تَرَانِي فقط وَقَالُوا: إن رؤية الله ﷾ محال فلا يمكن أن يرى لا في الدنيا ولا في الآخرة لأن \"لن\" لفظة للتأبيد إِلَى الأبد، يعني: لو قلت في شيء \"لن \" فمعناه إِلَى الأبد ولا يمكن أن يقع، فإذاً لَنْ تَرَانِي جَاءَ فيها النفي بلن مؤبداً فلا يمكن أن تقع الرؤية لله ﷾، لا في الدنيا ولا في الآخرة وهذا إفكهم وتأويلهم.\r\rفبين المصنف: أن الآية دليل عليهم، يعني: دليل عَلَى إثبات الرؤية من عدة وجوه، ذكر سبعة أوجه نأخذها واحداً واحداً، إن شاء الله.\rالأول: أنكم إذا قلتم إن رؤية الله ﷾ محال كما هو مذهبكم، فيُقَالُ: هل يظن بنبي الله وكليم الله وأعلم الخلق بالله في زمانه وهو موسى ﵇ أن يسأل أمراً محالاً في حق الله ﷿. فسؤال موسى ﵇ دليل عَلَى الإمكان، والأنبياء هم أعلم النَّاس وأعرفهم بصفات ربهم ﷿، أرسلهم الله ﷾، ليعلموا النَّاس صفات الله ﷾ وما ينبغي له وما لا يجوز أن يطلق عليه وما لا يجوز أن يقال في حقه، فإذا جَاءَ النبي وسأل ربه ذلك، فهذا في ذاته دليل عَلَى أنه ليس بمحال، ومنكرو الرؤية لا يجعلونه ممكن، بل يجعلونه محال استحالة مطلقة، فكأنهم أعرف بالله ﷿ وبما يليق به وما لا يليق من نبيه موسى ﵇!!.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690611,"book_id":1659,"shamela_page_id":1737,"part":null,"page_num":1737,"sequence_num":1737,"body":"الثاني: أنه ﷾ لم ينكر عَلَى موسى ﵇ سؤال الرؤية، بينما نجد أنه ﷾ ينكر ولو عَلَى الأَنْبِيَاء إذا سألوه وطلبوه أمراً محالاً، لا نقول: إحالة كلية لأن المحال بالمرة لا يسأله الأنبياء، ولكن إذا سألوا أمراً يظنون أنه ممكن وهو مما لم يشأ الله ﷿ أن يفعله، كما سأل نوح ﵇ ربه نجاة ابنه فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي [هود:٤٥] يستعطف ويسترحم ويسأل ربه ﷾ أن ينجي ابنه، فرد الله ﵎ عليه بقوله: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ [هود:٤٦] فسؤال الله ﷿ أمراً قد قطع الله ﷾ بأنه لا يتحقق هذا مما يفعله الجاهلون، ولهذا قال الله ﷾ لنوح ﵇: إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ، فهو ليس من الجاهلين ﵇، ولكن الرحمة والشفقة الفطرية جعلته يدخل الابن في عموم من ينجو من الأهل فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَق ولكن الله ﷾ ذكر أن الابن خارج عن الوعد وليس داخل فيه، ووعظ نبيه نوحاً أن يسأله مثل ذلك، فلو كَانَ سؤال نبي الله تَعَالَى موسى الكليم من هذا القبيل لقال له أيضاً، لا تفعل ذلك ولا تسألني مثل هذا ولا تطلب مني شيئاً من هذا، وهذا لم يقع ولم يحصل في سؤال الكليم موسى ﵇.\rالثالث: أنه تَعَالَى قَالَ: لَنْ تَرَانِي ولم يقل: إنني لا أُرى، أو إنني لا تجوز رؤيتي، أو إنني لست بمرئي، ففرق بين هذا وبين قوله: لَنْ تَرَانِي فهو مجرد نفي لوقوع الفعل، ليس نفياً لإمكان الوقوع مطلقاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690612,"book_id":1659,"shamela_page_id":1738,"part":null,"page_num":1738,"sequence_num":1738,"body":"ثُمَّ ضرب المُصنِّفُ مثالاً شاهداً لذلك: أنه من كَانَ في كمه حجر فَقَالَ له إنسان أطعمنيه، فالجواب الصحيح أن يقول: إنه لا يؤكل، وليس الصحيح أن يقول له: إنك لن تأكله، فالحجر لا يمكن أن يؤكل أصلاً، حتى يبين للطالب أو للسائل أن هذا محال نهائياً، لكن لو كَانَ في كمه طعاماً، وقال له إنسان: أعطني، فقَالَ: لن تأكل منه، فبهذا نعرف أنه طعام لكن لن يعطيه إياه، فمن الممكن أن يعطيه غداً، ويمكن أن يعطيه بعد غدٍ أو يمكن أن يعطى غيره، لأن هناك فرقاً بين نفي الفعل ونفي الإمكان بشكل مطلق وعام.\rوهنا حكمة عظيمة وهي أن موسى ﵇ في هذه الدار لا تستطيع قواه ومداركه أن ترى الله ﷾، ولذلك جَاءَ التعليق بالرؤية للجبل المخلوق العظيم القوي، الذي يراه الإِنسَان فيعجب من قوته ويعجب من صلابته، بالنسبة إِلَى هذا الضعف المشاهد في المخلوق المسكين الضعيف.\r\rفالله ﷾ قال: وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فعلق الرؤية بشيء ممكن وهو استقرار الجبل، وقوة الجبل أقوى من قوة موسى ﵇ في التحمل، فلما علق الرؤية بذلك كَانَ دليلاً واضحاً عَلَى أن عدم إمكان رؤية موسى ﵇ لربه جل وعلا، هو بسبب ضعفه في هذه الحياة الدنيا، فقواه تضعف عن احتمال رؤية الله ﷾، فيقول المصنف: فأعلمه أن الجبل مع قوته وصلابته لا يثبت للتجلي في هذه الدار فكيف بالبشر الذي خلق من ضعف فهو لا يثبت لتجلي الله ﷾ ولا يتحمل ذلك، فإذا كَانَ الجبل أصبح دكاً فإن الإِنسَان البشر يسحق أعظم من ذلك بمجرد أن يتجلى الله ﷾ عليه وهذا هو الوجه الرابع.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690613,"book_id":1659,"shamela_page_id":1739,"part":null,"page_num":1739,"sequence_num":1739,"body":"الخامس: أن الله ﷾ قادر عَلَى أن يجعل الجبل مستقراً وذلك ممكن وقد علق به الرؤية فالله تَعَالَى قادر عليه وليس بمحال أن يجعل الجبل مستقراً يعني: في تلك اللحظة لما قال الله ﷿ لموسى: لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي وبهذا يكون هناك بقية الأمل عند موسى ﵇، فلو استقر الجبل -وهذا ممكن- فسيرى ربه، فهناك نوع من الأمل ممكن أن يتحقق، وليس هناك نفي للوقوع مطلقاً فتعليقه بأمر ممكن غير تعليقه بأمر محال عَلَى الله ﷿، كما لو قَالَ: إن استقر الجبل فسوف آكل أو فسوف أنام أو أشرب أو غير ذلك مما تنزه الله ﷾ عنه، [والكل عندهم سواء] فكونه عندهم يُرى مثل كونه: يأكل أو ينام أو يسهو أو يغفل تَعَالَى الله عن ذلك علواً كبيراً.\rالسادس: قوله تعالى: فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً فإن الله ﷾ قد تجلى للجبل، فلما تجلى للجبل وهو مخلوق جماد لا ثواب له ولا عقاب عليه، فتجليه سبحانه لأوليائه ولأهل كرامته ولأحبائه وعباده الصالحين أمر ممكن ولا يجوز ولا يصلح بأي حال من الأحوال أن نجعله من قبيل المحال.\rالسابع: أن الله تَعَالَى كلم موسى وناداه وناجاه، ومن جاز في حقه التكليم جاز في حقه الرؤية؛ لأن كلام الله ﷾ لموسى وخطابه له أمر عظيم فإذا جاز ذلك فلا يمتنع أن يكشف الحجاب فيراه، ولتلازمهما نفت المعتزلة والجهمية الكلام والرؤية معاً.\rلا يستغرب أن أعداء الله ﷾ الذين لا يريدون الحق، ولا يريدون الهدى يبحثون عن أية شبهة مهما كانت ضعيفة أو بعيدة لتساند بدعتهم.\rالرد على استدلالهم بقوله تعالى: ((لَنْ تَرَانِي))","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690614,"book_id":1659,"shamela_page_id":1740,"part":null,"page_num":1740,"sequence_num":1740,"body":"ومن ذلك أنهم اخترعوا هذه الشبهة التي لا أصل لها في لغة العرب وهي قولهم: إن (لن) في لغة العرب تنفي نفياً مؤبداً، يعني: نفياً قطعياً إِلَى مالا نهاية، فكأنك إذا قلت -لن أدخل بيت فلان- فمعنى ذلك: النفي المؤبد الذي لا يمكن أن يكون فيه استثناء.\rولكننا نجد أن هناك من يقول: \" لن أفعل كذا \" ويفعله في ذلك اليوم أو في اليوم الثاني، ويكون منتهى ما يدل عليه ذلك النفي، أنه لن يفعل في ذلك الوقت الذي عرض عليه أن يفعله، ولا أكثر من ذلك، أما أن يحمل هذا الأسلوب -وهو استخدام \"لن\" مع الفعل- عَلَى النفي المطلق إِلَى ما لا نهاية، فهذا من الغلو ومن التعسف الذي لا أصل له، ولكن القلوب المريضة تتصيد الشبهات وتتبعها لتزيغ وتزداد زيغاً وضلالاً.\rوهكذا فعل المعتزلة ومن وافقهم فَقَالُوا: إن \"لن\" للتأبيد المطلق، ولما قَالَ: \" لن تراني \" أي لا يمكن بأية حال من الأحوال أن تراني لا في هذه الدنيا، ولا في الآخرة إِلَى أبد الآبدين وما لا نهاية، ولذلك أخذ المُصْنِّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- يرد عليهم.\rفبين ﵀ أن هذا القول باطل وفاسد لوجوه عديدة منها:\rالوجه الأول: أنه حتى لو قيد بالأبد لما دلت عَلَى ذلك. فلو أنه قَالَ: \"لن تراني أبداً\" لما دل ذلك عَلَى نفي الرؤية مطلقاً إِلَى ما لا نهاية له؛ لأن \"الأبد\" هنا له غاية محدودة هو هذه الحياة الدنيا، فإن الكلام إنما هو في الدنيا. وقد سأل الله ﵎ عبدُه وكليمُه موسى ﵇ الرؤيةَ في الدنيا، فأجابه الله ﵎ في حدود هذه الدنيا، ولم يتَعرض لقضية الآخرة والأزل في هذا الموضوع. فكيف وقد جاءت مطلقة لا مقيدة، فلم يأت فيها \" أبداً \"، ولم يقل الله \"لن تراني أبداً\" وإنما قَالَ: لَنْ تَرَانِي مع أنه في لغة العرب حتى ولو قال أحد: لن أفعل أبداً. لما دلّ ذلك عَلَى أن النفي سيستمر إِلَى قيام الساعة، وما بعد قيام الساعة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690615,"book_id":1659,"shamela_page_id":1741,"part":null,"page_num":1741,"sequence_num":1741,"body":"وقد بين المُصْنِّف ﵀ أنه قد جَاءَ في القُرْآن النفي بـ\"لن\"، وجاء مع ذلك ما يدل عَلَى عدم التأبيد، ومن ذلك أن الله ﷾ أخبر عن الْمُشْرِكِينَ من اليهود وغيرهم أنه تحداهم إن كانوا عَلَى الحق والعقيدة الصحيحة والدين الصحيح أن يتمنوا الموت؛ لأن اليهود كما قال تعالى: وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّر [البقرة:٩٦] فهم يخافون من الموت خوفاً لا نظير له، والواثق من دينه لا يخاف من الموت، نعم كل البشر يخافون من الموت لكن الذي يثق بدينه، وأنه إن مات عَلَى هذا الدين والإيمان، فإنه سيتلقاه الله ﷾ بالرحمة والرضوان؛ لأنه عَلَى هدى من ربه ويقين من دينه لا يخاف.\rلكن هَؤُلاءِ يخافون لأنهم ليسوا واثقين مما هم عليه من الدين، فلهذا قال الله ﵎ عنهم: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً [البقرة:٩٥] أما في الدنيا فنعم ولكن في الآخرة أخبر الله ﷾ عن أهل النَّار أنهم سيقولون: وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ [الزخرف:٧٧] ويتمنوا ذلك وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً [النبأ:٤٠] ولكن الله ﷾ قد كتب أنهم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخرجون منها - عافانا الله من عذابها -فلما أخبر تَعَالَى أنهم في الدنيا لن يتمنوه، وأخبر أنهم في الآخرة يتمنون ذلك علمنا أن \"لن\" ليست للتأبيد المطلق وإنما غاية ما تدل عليه أنهم لن يتمنوه في هذه الحياة الدنيا، فقوله: لَنْ تَرَانِي، غاية ما يدل عليه أن الرؤية لن تقع في حدود الحياة الدنيا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690616,"book_id":1659,"shamela_page_id":1742,"part":null,"page_num":1742,"sequence_num":1742,"body":"الوجه الثاني: أن \"لن\" لو كانت للتأبيد لما جاز أن يحدد الفعل بعدها، فلو كانت هذه الأداة في لغة العرب كما يزعمون للتأبيد المطلق لما صح أن يقع بعدها استثناء أو تحديد للفعل، بينما نجد أنه قد جَاءَ ذلك في القرآن، كما في قوله ﵎ عَلَى لسان أخي يوسف فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي [يوسف:٨٠] إذا حصل الإذن من أبيه فإنه سيبرح الأرض، فحصل النفي بـ \"لن\" وحصل معه التحديد، فالنفي يستمر إِلَى حالة حصول الإذن، فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي.\rإذاً: ليست \"لن\" للتأبيد المطلق الذي لا تحديد فيه، وإنما تأتي للتأبيد المحدد بقدر محدد، وهذا معلوم من لغة العرب، ولا يمكن لأي إنسان سليم الفطرة ونقي العقل يقرأ كلام العرب ويتخاطب به إلا فهم أنه لا يمنع أحداً أن يقول: \" لن أفعل كذا حتى يكون كذا \" بل هذا سائغ ووارد من كلام العرب.\rواستدل المُصْنِّف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى ذلك بقول الإمام الشيخ \" جمال الدين ابن مالك \"صاحب\" الألفية \" وغيرها من الكتب النحوية المشهورة، الذي بلغ صيته الآفاق في النحو وكان -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- من النحاة الكبار الذين أحيوا وجددوا هذا العلم في العصور المتأخرة، فابن مالك هذا -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- يقول:\rومن رأى النفي بلن مؤبداً فقوله اردد وسواه فاعضدا\rأي: والقول الآخر قوّه، ورد قول من يقول إن النفي \"بلن\" مؤبد.\rفهذا رجل من المشهود لهم بالمنزلة العالية في النحو وهو يشهد بما عليه مذهب أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ من أن \"لن\" ليست لتأبيد النفي، فبطل بذلك قول أُولَئِكَ المعتزلة -ولله الحمد- وبذلك نكون قد انتهينا من الكلام عن الآية الأولى وهو قوله تَعَالَى لموسى: لَنْ تَرَانِي.\r\rالرد على استدلالهم بقوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ\rالآية الثانية التي استدل بها المعتزلة: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690617,"book_id":1659,"shamela_page_id":1743,"part":null,"page_num":1743,"sequence_num":1743,"body":"قَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:\r[وأما الآية الثانية فالاستدلال بها عَلَى الرؤية من وجه حسن لطيف، وهو: أن الله تَعَالَى إنما ذكرها في سياق التمدح، ومعلوم أن المدح إنما يكون بالصفات الثبوتية.\r\rوأما العدم المحض فليس بكمال فلا يمدح به، وإنما يمدح الرب تَعَالَى بالنفي إذا تضمن أمراً وجودياً، كمدحه بنفي السِّنة والنوم المتضمن كمال القيومية، ونفي الموت المتضمن كمال الحياة، ونفي اللغوب والإعياء المتضمن كمال القدرة، ونفي الشريك والصاحبة والولد والظهير المتضمن كمال ربوبيتة وألوهيتة وقهره، ونفي الأكل والشرب المتضمن كمال صمديته وغناه، ونفي الشَّفَاعَة عنده إلا بإذنه المتضمن كمال توحده وغناه عن خلقه، ونفي الظلم المتضمن كمال عدله وعلمه وغناه، ونفي النسيان وعزوب شيء عن علمه المتضمن كمال علمه وإحاطته، ونفي المثل المتضمن لكمال ذاته وصفاته.\rولهذا لم يتمدح بعدم محض لا يتضمن أمراً ثبوتياً، فإن المعدوم يشارك الموصوف في ذلك العدم، ولا يوصف الكامل بأمر يشترك هو والمعدوم فيه.\rفإذاً المعنى: أنه يرى ولا يدرك ولا يحاط به، فقوله: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ [الأنعام:١٠٣] ، يدل عَلَى كمال عظمته، وأنه أكبر من كل شيء، وأنه لكمال عظمته لا يدرك بحيث يحاط به، فإن \"الإدراك\" هو الإحاطة بالشي -وهو قدر زائد عَلَى الرؤية- كما قال تعالى: فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء:٦٢،٦١] ، فلم ينف موسى ﵇ الرؤية، وإنما نفى الإدراك، فالرؤية والإدراك كل منهما يوجد مع الآخر وبدونه، فالرب تَعَالَى يرى ولا يدرك، كما يعلم ولا يحاط به علماً، وهذا هو الذي فهمه الصحابة والأئمة من الآية كما ذكرت أقوالهم في تفسير الآية، بل هذه الشمس المخلوقة لا يتمكن رائيها من إدراكها عَلَى ما هي عليه] اهـ.\rالشرح:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690618,"book_id":1659,"shamela_page_id":1744,"part":null,"page_num":1744,"sequence_num":1744,"body":"أما قوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ فإنها أيضاً تدل لمذهب أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وهو إثبات الرؤية، ولا تدل عَلَى ما ذهب إليه المعتزلة من نفي الرؤية، وتفصيل ذلك أن يقَالَ: إن هذه الآية جاءت في سياق التمدح والثناء من الله ﵎ عَلَى نفسه، وهو أولى شيء بالثناء، وهو المستحق لصفات الثناء والإجلال والمدح والكمال ﷾، فلما أن أثنى الله ﷾ عَلَى نفسه وتمدح بقوله: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ دلَّ ذلك عَلَى أن هذا المعنى يندرج تحت قاعدة عظيمة من قواعد الأسماء والصفات وهي: \"ليس في صفات الله ﷾ نفي -مطلق- عدمي، وإنما النفي يأتي لإثبات كمال وجودي\" فلا نصف الله ﷾ بالنفي المطلق، ولا يُمدح الله ﷾ بالنفي المجرد؛ لأنه عدم.\rوإنما يأتي النفي في القُرْآن والسنة في صفات الله ﷾ لإثبات متعلقه ومتضمنه وهو إثبات صفة وجودية ثبوتية لله ﷾.\rفالمدح إنما يكون بالصفات الثبوتية، وأما العدم المحض فليس بكمال فلا يمدح به، وذكر المُصْنِّف أمثلة عَلَى ذلك، مثلاً: قوله تعالى: لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ [البقرة:٢٥٥] هذا نفي يتضمن كمال حياته وقيوميته، فمن كمال حياته وقيوميته أنه لا تأخذه سنة ولا نوم، وقد سبق أن هذه الآية هي أعظم آية في كتاب الله، وهاتان الصفتان \" الحي القيوم \" تضمنتا جميع صفات الله ﷾ ودلتا عليها، فالحي: دليل عَلَى جميع الصفات الذاتية، والقيوم: دليل عَلَى جميع الصفات الفعلية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690619,"book_id":1659,"shamela_page_id":1745,"part":null,"page_num":1745,"sequence_num":1745,"body":"ونفي اللغوب والإعياء كما قال تعالى: وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ [قّ:٣٨] ، وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ [الأحقاف:٣٣] ، ونفيه للإعياء يتضمن كمال القدرة، وهذا لا يكون إلا الله ﷾، ونفي الشريك والصاحبة والولد والظهير -المعين- مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَداً [الجن:٣] ، وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ [سبأ:٢٢] هذا يتضمن كمال الربوبية والألوهية وكمال القهر، وليس مجرد نفي.\r\rوقوله تعالى: لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص:٣،٤] نفي يتضمن كمال صمديته وأحديته.\rوكما أن آية الكرسي هي أعظم آية في القرآن، فسورة الإخلاص قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:١] هي: أفضل سورة في القرآن، وهي ﴿تعدل ثلث القُرْآن﴾ كما قال ذلك النبي ﷺ، وفيهما إثبات عظيم وبعده نفي يؤكد كمال الإثبات ففي آية الكرسي اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة:٢٥٥] ثُمَّ أكد كمال الحياة والقيومية بقوله: لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ [البقرة:٢٥٥] ، وفي سورة الإخلاص: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد) ثُمَّ أكد الله كمال وحدانيته وصمديته بقوله: لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص:٣،٤] .\rوهذه هي أصول الصفات، وأصول المدح والثناء، فيأتي بصفة صفة ثبوتية ثُمَّ يعقبها نفي يؤكد كمال تلك الصفة الثبوتية، فلا مدح في النفي العدم المطلق المحض.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690620,"book_id":1659,"shamela_page_id":1746,"part":null,"page_num":1746,"sequence_num":1746,"body":"ونفي الأكل والشرب المتضمن لكمال صمديته وغناه، ونفي الشَّفَاعَة عنده إلا بإذنه: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة:٢٥٥] فذكر أولاً كمال الحياة وكمال القيومية، ثُمَّ ذكر ثانياً كمال الغنى وتوحده، فإن المخلوقين جميعاً مربوبون ومقهورون، فقراء إليه ﷾ وهو الغني عن كل أحد، ومن فضله ورحمته أنه يأذن لمن شاء أن يشفع عنده، فيأذن للشافع المرضي عنه كالأنبياء والملائكة والصالحين والشهداء أن يشفعوا لمن شاء من خلقه من أصحاب الكبائر ومن شاء الله.\rونفى الظلموَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً [الكهف:٤٩] لإثبات كمال عدله وقسطه ﷾، فلا يظلم أحداً لأنه المتفرد بكمال العدل والقسط والغنى أي: غني عن أن يظلم أحداً من خلقه، وهذا أيضاً يتضمن كمال علمه فإنه يعلم ذنوب العبيد جميعاً، فلا يخفى عليه منها شيء، ويعلم حسناتهم، فلا يخفى عليه منها شيء، وهو في غنى مطلق عنهم، فَلِم يظلمهم؟!\rونفى النسيان وعزوب الشيء عن علمه المتضمن لكمال علمه وإحاطته، فالله ﷾ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ [سبأ:٣] .\rوكذلك نفي المثل لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:١١] المتضمن كمال ذاته وصفاته، فهو نفى أن يكون له مثل، ليس لمجرد النفي كما يقول هَؤُلاءِ الجهمية، والقرامطة الباطنية.\rوهم درجات، فمنهم من ينفي الأسماء والصفات، ومنهم من ينفي الصفات ويثبت الأسماء، ومنهم من ينفي بعض الصفات ويثبت بعض الصفات، ويثبت بعض الأسماء، ومنهم من يثبت جميع الأسماء منفصلة.\rأما أهل الحق أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ فإنهم يثبتون جميع الأسماء والصفات الواردة في الكتاب والسنة.\rأماالقرامطة، الباطنية، الإسماعلية: فهَؤُلاءِ ينفون جميع الصفات والأسماء ووصل بهم الغلو إِلَى أن قالوا: \" لا يقال موجود ولا غير موجود!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690621,"book_id":1659,"shamela_page_id":1747,"part":null,"page_num":1747,"sequence_num":1747,"body":"وهذا مما أوجب أن يحكم العلماء بالإجماع عَلَى كفرهم، حتى المعتزلة والأشاعرة وغيرهم يكفرونهم فهم خارجون عن ملة الإسلام والعياذ بالله، متبعون لمذهب بعض كفار اليونان، يقولون: \"إن الله لا تدركه العقول فلا يوصف الإله بشيء فلا يُقَالَ: موجود ولا غير موجود\".\rفالنفي المحض العدمي هو من شأن هَؤُلاءِ الإسماعليين، وغلاة الجهمية شاركوهم في ذلك، فلا يصفون الله ﷾ إلا بالصفات السلبية، ولا يثبتون الصفات الثبوتية، فيقولون: الله ليس بجاهل، ولا يقولون: عالم، فهم يظنون أن الإثبات يدل عَلَى حقيقة وصفة لا يستطيعون إدراكها، وهذا من الإفك والافتراء عَلَى الله عزوجل.\rوأولئك الذين لا يصفونه إلا بالعدم المحض، والذين يصفونه بغير صفاته، ويثبتون له الصاحبة والولد، أو يشبهونه بأصنامهم ومعبوداتهم، أو يقولون بأن يده مغلولة، وما أشبه ذلك، رد الله ﷾ عليهم بالمنهج الذي ذكرناه بالقاعدة المذكورة، وهي: \" أنه يأتي بالنفي المتضمن مدحاً، ولذا قال المصنف: [فلم يمتدح بعدم محض لم يتضمن أمراً ثبوتياً؛ لأن المعدوم يشارك الموصوف في ذلك العدم ولا يوصف الكامل بأمر يشترك هو والمعدوم فيه] .\rأي: إذا كانت الصفة عدم محض فإنه لا يوصف بها شيء موجود فضلاً عن الذي هو في كمال الوجود ﷾؛ لأن العدم المحض هو صفة الشيء المعدوم الذي لا وجود له، فكيف يجعل هذا الذي لا وجود له مطلقاً مثل الذي له كمال الوجود، هذا لا يليق بالله ﷾.\rوعلى ضوء هذه القاعدة نفهم هذه الآية وندرك الاستدلال بها عَلَى خلاف فهم المعتزلة فمعنى قوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ أنه يرى ولا يدرك ولا يحاط به، لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ فهذا نفي يتضمن كمال عظمته وكبريائه ﷾، أي أنه لكمال عظمته لا يدرك بحيث يُحاط به.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690622,"book_id":1659,"shamela_page_id":1748,"part":null,"page_num":1748,"sequence_num":1748,"body":"فلا ينفي الرؤية وإنما ينفي الإحاطة به إدراكاً، وإثبات ضد ذلك هو كمال العظمة، وأنه أعظم شيء وأكبر من كل شيء، فلا تدركه الأبصار؛ ولأنه قد يظن بعض النَّاس بإثبات الرؤية أن الرائين يحيطون به ﷾ إدراكاً إذا رأوه؛ فجاء نفي الإدراك والإحاطة، فلا تدركه الأبصار لكمال عظمته ﷾، والإحاطة بالشيء قدر زائد عَلَى الرؤية.\rواستدل المُصْنِّف عَلَى ذلك باستدلال واضح وهو قوله تعالى: فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشعراء:٦١] .\rفلما رفض فرعوندعوة نبي الله موسى ﵇ أن يرسل معه بني إسرائيل وجادله بالمجادلة المعروفة في سورة الشعراء، وأرسل فرعون وحشر الجند والجمع وقَالَ: إِنَّ هَؤُلاءِاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ [الشعراء:٥٤،٥٥] واستثار فرعون الشعب ضد هَؤُلاءِ القلة، وهم بني إسرائيل وموسى ﵇ فخرج موسى كما أمره ربه ببني إسرائيل فأتبعهفرعون وجنوده، وهرب بنو إسرائيل وأولئك عَلَى آثارهم فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ يعني: لما رأى بعضهم بعضاً، رأى قومفرعونأصحاب موسى، ورأى أصحاب موسى جيش فرعون.\rفي هذه اللحظة بالحسابات المادية المجردة انتهى موضوع قوم موسى، لأن الجيش العرمرم القوي الفرعوني سوف يسحقهم، ليس هناك إمكان للنجاة، ولهذا قال أصحاب موسى: إِنَّا لَمُدْرَكُونَ، قضي علينا وانتهى أمرنا، فحصلت الرؤية ولكن لم يحصل الإدراك، فهم متراؤن يرى بعضهم بعضاً، قَالَ: كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء:٦٢] قد رأونا ولكن لن يدركونا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690623,"book_id":1659,"shamela_page_id":1749,"part":null,"page_num":1749,"sequence_num":1749,"body":"وعليه فالرؤية شيء والإدراك شيء آخر، ولم ينف موسى الرؤية وإنما نفى الإدراك، فالرؤية والإدراك يوجد كل منهما مع الآخر وبدونه، يعني: قد ترى شيئاً فتدركه، وقد تراه ولا تدركه، وقد تدرك شيئاً ولا تراه مثل الأمور الغيبية المعنوية، فتعرف صفاتها ولكن لا تراها بالعين، فالرب تَعَالَى يرى ولا يدرك، كما أنه في هذه الدار في الدنيا نعلم بصفاته وأسمائه ونعوت كماله ولكنه لا يحاط به علماً لا في الدنيا ولا في الآخرة، وهذا هو الذي فهمه الصحابة والتابعون من هذه الآية.\rثُمَّ قال المصنف: [بل هذه الشمس المخلوقة لا يتمكن رائيها من إدراكها] يعني: من إدراك صفتها، لقوة الشعاع والعلو والارتفاع والكبر والعظمة، فلا أحد يدرك حقيقة ما عليه الشمس، وبذلك تكون الآية بخلاف ما استدل به المعتزلة وإنما هي شاهد لأهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ ولله الحمد.\rفتدل بالدلالة اللطيفة الحسنة عَلَى إمكان رؤية الله وثبوت تلك الرؤية وأنه لا تدركه الأبصار، بل إنما تراه بالكيفية التي يعلمها، لكنها لا تدرك حقيقته، ولا كيفية ذاته من جميع الوجوه ﷾.\r\rقَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:\r[وأما الأحاديث عن النبي ﷺ وأصحابه ﵃، الدالة عَلَى الرؤية فمتواترة، رواها أصحاب الصحاح والمسانيد والسنن، فمنها: حديثأَبِي هُرَيْرَةَ: (أن ناساً قالوا: يا رَسُول الله هل نرى ربنا يَوْمَ القِيَامَةِ؟ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر؟ قالوا: لا يا رَسُول الله، قَالَ: هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا، قَالَ: فإنكم ترونه كذلك) الحديث أخرجاه في \" الصحيحين \" بطوله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690624,"book_id":1659,"shamela_page_id":1750,"part":null,"page_num":1750,"sequence_num":1750,"body":"وحديث أبي سعيد الخدري أيضاً \" في الصحيحين \" نظيره، وحديث جرير بن عبد الله البجلي قَالَ: (كنا جلوساً مع النبي ﷺ فنظر إِلَى القمر ليلة أربع عشرة فقَالَ: إنكم سترون ربكم عياناً كما ترون هذا لا تضامون في رؤيته) الحديث أخرجاه في \"الصحيحين \".\r\rوحديث صهيب ﵁ المتقدم، رواه مسلم وغيره.\rوحديث أبي موسى عن النبي ﷺ قَالَ: (جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب، آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن يروا ربهم ﵎ إلا رداء الكبرياء عَلَى وجهه في جنة عدن) أخرجاه في \"الصحيحين \".\rومن حديث عدي بن حاتم ﵁: (وليلقين الله أحدكم يوم يلقاه، وليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان يترجم له، فليقولن: ألم أبعث إليك رسولاً، فيبلغك؟ فَيَقُولُ: بلى يا رب، فَيَقُولُ: ألم أعطك مالاً وأفضل عليك؟! فَيَقُولُ: بلى يا رب) الحديث أخرجه \" البُخَارِيّ \" في \" صحيحه \".\rوقد روى أحاديث الرؤية نحو ثلاثين صحابياً، ومن أحاط بها معرفة يقطع بأن الرَّسُول قالها، ولولا أني التزمت الاختصار لسقت ما في الباب من الأحاديث، ومن أراد الوقوف عليها فليواظب سماع الأحاديث النبوية، فإن فيها مع إثبات الرؤية أنه يكلم من شاء، وإذا شاء، وأنه يأتي الخلق لفصل القضاء يَوْمَ القِيَامَةِ، وأنه فوق العالم، وأنه يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب، وأنه يتجلى لعباده، وأنه يضحك إِلَى غير ذلك من الصفات التي سماعها عَلَى الجهمية بمنزلة الصواعق] اهـ.\rالشرح:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690625,"book_id":1659,"shamela_page_id":1751,"part":null,"page_num":1751,"sequence_num":1751,"body":"الأحاديث التي تدل عَلَى رؤية المؤمنين لربهم ﵎ في الدار الآخرة متواترة، قد رواها نحو ثلاثين صحابياً، وتواتر ذلك نقله التابعون وتابعوهم ومن بعدهم، واتفقت الأمة عَلَى ذلك إِلَى أن ظهر أهل البدع الذين لا يعتد بخلافهم، والإجماع أيضاً عَلَى فهم هذه الأحاديث متواتر، فكلالسلف الصالح فهموا من هذه الآيات والأحاديث، حقيقة إثبات رؤية الله ﵎ ويكفينا ذلك دلالة عَلَى أن من خالف هذا الإجماع وهذا التواتر، أنه مكذب لله ولرسوله، وهو ضال مبتدع.\rولهذا عقَّب المُصنِّفُ ﵀ في الأخير ببيان أن هَؤُلاءِ يقولون في دين الله برأيهم، وأنهم لا يتبعون الكتاب والسنة في ذلك، فمن الأحاديث التي ذكرها:\rحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ الطويل في البُخَارِيّ في كتاب التوحيد في باب قول الله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:٢٢، ٢٣] ونفس هذا الحديث يأتي في باب إثبات الرؤية التي أولها وحرفها أُولَئِكَ المبتدعة الضلال، وفيه: أن ناساً سألوا النبي ﷺ وهو العليم بربه- قالوا: هل نرى ربنا يَوْمَ القِيَامَةِ؟ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ: هل تضارون في القمر ليلة البدر؟\rجاءت برواية \"تضارون\" بالراء، وفي أخرى \"تضامون\" بالميم، ولا تعارض بينهما، فلعله لتعدد القصة، وكل منهما يدل عَلَى معنى صحيح، فقَالَ: (هل تضارون في القمر ليلة البدر؟ قالوا: لا يارَسُول الله، قَالَ: هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا، قَالَ: فإنكم ترونه كذلك......) ثُمَّ ذكر الحديث وهو حديث طويل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690626,"book_id":1659,"shamela_page_id":1752,"part":null,"page_num":1752,"sequence_num":1752,"body":"ثُمَّ ذكر حديث أبي سعيد الخدري الذي يسمى حديث الشَّفَاعَة أو حديث الجهنميين، رواه أَبو هُرَيْرَة وأبوسعيد رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُما، وأخرجه البُخَارِيّ ومسلم وهو حديث طويل يتضمن أهوال المحشر والموقف إِلَى أن ينتهي الأمر بالشَّفَاعَة وإخراج آخر أهل النَّار وهم المسمون \"الجهنميون\" الذين يخرجون من النَّار بشفاعة الصالحين الذين يتحنن الله ﷾ عليهم برحمته، ويشفعهم فيهم فيكونوا آخر أهلها خروجاً. وفي كل منهما إثبات رؤية الله ﷾.\rوأيضاً حديث جرير بن عبد الله البجلي في الصحيحين قَالَ: كنا جلوساً عند النبي ﷺ فنظر إِلَى القمر ليلة أربع عشرة، فَقَالَ لهم رَسُول الله ﷺ: (إنكم سترون ربكم عياناً كما ترون هذا القمر) ، وهم أفهم النَّاس وأعلم الناس، وهذه إشارة وخطاب يفهمه البدوي والأمي الساذج لأنه كلام واضح، فليس هناك أي لبس يستدعي أدنى شبهة من التأويل أو من تحريف المعنى.\rوحديث عدي ابن حاتم الذي أخرجه الإمام البُخَارِيّ -وهذا الحديث ليس فيه دلالة واضحة عَلَى الرؤية- يقول النبي ﷺ: (وليلقين الله أحدكم يَوْمَ القِيَامَةِ وليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان يترجم له، فَيَقُولُ: ألم أبعث إليك رسولاً فيبلغك؟ فَيَقُولُ: بلى يا رب، فَيَقُولُ: ألم أعطك مالاً وأفضل عليك؟ فَيَقُولُ: بلى يا رب) .\rويأتي إن شاء الله أن هذا الخطاب ليس خاصاً بالمؤمنين؛ بل هو أقرب أن يكون في مخاطبة الكافرين المنكرين، وأما المؤمنون فمن فضل الله عليهم أنهم مقرون بالرسالة.\rواستدل النفاة المعتزلة علىنفي الرؤية بثبوت اللقاء من الله للكافرين والمؤمنين.\r\rفقال بعضهم لأحد أهل السنة: أنتم تثبتون الرؤية؟\rقَالَ: نعم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690627,"book_id":1659,"shamela_page_id":1753,"part":null,"page_num":1753,"sequence_num":1753,"body":"قال فما تفعل بقوله ﷾: فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ [التوبة:٧٧] ، فهَؤُلاءِ المنافقون نفاقاً أكبر، وجعل الرؤية لهم كاللقاء..\rوالجواب: أن اللقاء غير الرؤية، فاللقاء يكون للمؤمنين والمنافقين والكافرين، ولكن الرؤية أمر آخر ولا سيما رؤية النعيم، وأما الرؤية التي تحصل في الموقف والتي يكون المنافقون مشاركون فيها فهذه رؤية الاختبار والامتحان، سيأتي إن شاء الله ذكرها.\rقَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: [ومن أراد الوقوف عليها فليواظب سماع الأحاديث النبوية فإن فيها مع إثبات الرؤية أنه يُكلم من شاء] فهذه الأحاديث تتضمن أصولاً عظيمة من أصول الصفات، منها الرؤية والكلام، والإتيان والعلو؛ لأنه كما مر أن الله تَعَالَى يكلم الأنبياء، ويكلم الصالحين، يقول: اذهبوا فأخرجوا من وجدتم فيه أثر السجود، فيعرفونهم بعلامة السجود، ويكون لهم علامة. يقول: هل لكم من علامة؟ فيقولون: نعم، فيكشف عن الساق، ففيه خطاب بين الله عزو جل وبين أهل المحشر، وفيه إثبات الرؤية والكلام، يكلم من شاء بما شاء، وفيه إثبات الإتيان، وأنه يأتي لفصل الموقف يَوْمَ القِيَامَةِ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صفّاً صَفّاً [الفجر:٢٢] فإنه يأتي إِلَى المحشر ﷾ بكيفية لا نعلمها، وفيه إثبات العلو، وأنه فوق العالم كما قال ﷾: وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ [الحاقة:١٧] .\rكلام الله يكون بصوت خلافاً لتعليق الأرنؤوط\rقَالَ: [وأنه يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب] . لكن في طبعة الشيخ الأرنؤوط بعد أن ذكر الروايات قَالَ: ولم تثبت صفة الصوت في كلام الله عزوجل أو في حديث صحيح عن النبي ﷺ غير هذا الحديث الذي رواه البُخَارِيّ تعليقاً بصيغة التمريض. وليس بنا ضرورة إِلَى إثباته.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690628,"book_id":1659,"shamela_page_id":1754,"part":null,"page_num":1754,"sequence_num":1754,"body":"الرد على من أنكر الصوت من كلام شيخ الإسلام\rلأن هذا الشرح قد يلتبس عَلَى بعض الناس، ولأن المسألة أهم من قضية أن إنسان أخطأ أو اجتهد أو علق تعليقاً خطأً، أحببت أن أنقل إليكم كلام شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ ﵀ في مجموع الفتاوى (٦/٥١٣) ورده عَلَى هذا الزعم بنفسه، -وهو نفي أن الله ﷾ يتكلم بصوت- قَالَ: (.. وليس في الأئمة والسلف من قَالَ: إن الله لا يتكلم بصوت، بل قد ثبت عن غير واحد من السلف والأئمة أن الله يتكلم بصوت، وجاء ذلك في آثار مشهورة عن السلف والأئمة، وكان السلف والأئمة يذكرون الآثار التي فيها ذكر تكلم الله بالصوت ولا ينكرها منهم أحد، حتى قال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي، إن قوماً يقولون: إن الله لا يتكلم بصوت، فقَالَ: \"يا بني هَؤُلاءِجهمية، إنما يدورون عَلَى التعطيل\".\rثُمَّ ذكر بعض الآثار المروية في ذلك؛ أي: ثُمَّ ذكر عبد الله بن أحمد عن أبيه بعض الآثار، وهي موجودة في كتاب السنة لعبد الله بن أحمد.\r\rثُمَّ ذكر شَيْخ الإِسْلامِ مصدراً آخر قَالَ: ذكر ذلك البُخَارِيّ في كتابه \" خلق أفعال العباد \" وذكر أيضاً أن البُخَارِيّ ترجم لذلك في الصحيح الذي أنكره ونفاه الشيخ الأرنؤوط، قَالَ: وليس من طوائف الْمُسْلِمِينَ من أنكر أن الله يتكلم إلا ابن كلاب ومن اتبعه، يعني من الأشعرية، فنخشى أن يكون الشيخ هنا قد اتبع ابن كلاب في هذه القضية.\r\rيقول شَيْخ الإِسْلامِ أيضاً: قول القائل: إن الله لا يتكلم بصوت ونحو ذلك كلام لم يقله أحد من سلف الأمة وأئمتها، وليس فيه حديث لا صحيح ولا ضعيف -أي: في نفيه- وأما الإثبات ففيه عدة أحاديث في الصحاح والسنن والمسانيد، وآثار كثيرة عن السلف والأئمة، ثُمَّ استدلشَيْخ الإِسْلامِ بأدلة أخرى:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690629,"book_id":1659,"shamela_page_id":1755,"part":null,"page_num":1755,"sequence_num":1755,"body":"أولاً: ما جَاءَ في القُرْآن من آيات مناداة الله تَعَالَى للمشركين \" وناداهم، ويوم يناديهم، ويوم يحشرهم فيناديهم ... وما أشبه ذلك كثير في القُرْآن \"، فيقول شَيْخ الإِسْلامِ: إن المناداة تكون بصوت مسموع يسمعه المخاطب، وغير هذا لا يمكن أن يتصور، فالمناداة إنما هي بالصوت والكلام.\rالأمر الثاني: تكليم الله تَعَالَى لموسى، فإذا كَانَ النداء والكلام بدون صوت، فما الفرق بين كلام الله ﷾ لموسى ﵇ وبين وحيه إِلَى أي نبي من الأَنْبِيَاء عن طريق الإلهام، أن يلهمه الله في قلبه كما قال تعالى: وَمَا كَانَ َ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ [الشورى:٥١] .\rفهو أحد الحالتين: إما الوحي، أو من وراء حجاب، وأما إرسال الرَّسُول فهو وحي غير مباشر، وأما الوحي المباشر فيكون بالإلقاء أو الإلهام إِلَى الرَّسُول من دون سماع للصوت من الله ﷾، أو من وراء حجاب أي كلام وصوت من غير رؤية، فحصل لموسى ﵇ أنه نودي بصوت من غير رؤية، فإذا قلنا: لم يسمع موسى صوتاً، فالأمر كله إذاً من القسم الأول وهو مجرد الوحي ولم يسمع شيئاً.\r\rوهذا مما يدل عَلَى بطلان هذا الكلام الذي تكلم به الشيخ الأرنؤوط غفر الله له.\rوأيضاً يقول شَيْخ الإِسْلامِ: \"إن السلف -المفسرين من السلف - اتفقوا عَلَى أن الله ﷾ كلم موسى بصوت، وأيضاً من الأدلة ما جَاءَ في قوله الله ﵎: حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [سبأ:٢٣] لأن النبي ﷺ شبه سماع الصوت كأنه سلسلة عَلَى صفوان.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690630,"book_id":1659,"shamela_page_id":1756,"part":null,"page_num":1756,"sequence_num":1756,"body":"يقول: فمن أراد الوقوف عَلَى الحقائق، وأراد اتباع الدليل الصحيح، ومعرفة ما يصف به ربه ﷾، وما يدل عَلَى ذلك وما لا يدل، فليواظب عَلَى سماع الأحاديث النبوية، فهو الدليل والمنهج الصحيح الهادي إِلَى الرشاد في معرفة الله ﷾ وفي معرفة الحلال والحرام والأحكام والآداب والفضائل والسنة.\rففيها إثبات هذه الأحاديث التي إثباتها وسماعها علىالجهمية، بمنزلة الصواعق؛ لأن القوم قد أعموا أبصارهم ولا يريدون أن يسمعوا بأي حال من الأحوال ما يخالف ما استقرت عليه قلوبهم المريضة وعقولهم الضالة.\rقال المصنف رحمه الله تعالى:\r[وكيف تُعلم أصول دين الإسلام من غير كتاب الله، وسنة رسوله؟ وكيف يُفسر كتاب الله بغير ما فسره به رسوله ﷺ وأصحاب رسوله الذين نزل القرآن بلغتهم؟ وقد قال ﷺ \": من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار \" وفي رواية: \" من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار، وسئل أبو بكر ﵁ عن قوله تعالى: وَفَاكِهَةً وَأَبّاً [عبس:٣١] . ما الأب؟ فقال: أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني، إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم؟\rوليس تشبيه رؤية الله تعالى برؤية الشمس والقمر تشبيهاً لله؛ بل هو تشبيه الرؤية بالرؤية لا تشبيه المرئي بالمرئي، ولكن فيه دليل على علو الله على خلقه. وإلا فهل تعقل رؤية بلا مقابلة؟ ومن قال: يُرى لا في جهة فليراجع عقله!! فإما أن يكون مكابراً لعقله أو في عقله شيء، وإلا فإذا قال يرى لا أمام الرائي ولا خلفه ولا عن يمينه ولا عن يساره ولا فوقه ولا تحته، رد عليه كل من سمعه بفطرته السليمة] اهـ\rالشرح:\rحديث: (من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار) حديث ضعيف لأن مدار سنده على عبد الأعلى بن عامر الثعلبي وهو ضعيف، والحديث الآخر أيضاً: (من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار) حديث ضعيف.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690631,"book_id":1659,"shamela_page_id":1757,"part":null,"page_num":1757,"sequence_num":1757,"body":"وننبه إلى أن الشيخ ناصر الدين الألباني لما ذكر هذا قال: رواه أبو داود والترمذي وغيرهما من حديث جندب، فاستدرك عليه الشيخ الأرنؤوط فقال: وقول الشيخ: ناصر الدين الألباني رواه أبو داود والترمذي وغيرهما من حديث جندب وهم منه! فإن لفظ رواية جندب: (من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ) أخرجه الطبري، فرواية حديث جندب ليست فيها هذا النص وإنما هي (من قال بالقرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ) .\r\rولكن ضعف السند لا يعني بطلان المعنى، والمعنى الذي أراده المصنف ﵀ صحيح ولا شك فيه، وهو أنه قال: [فكيف تعلم أصول دين الإسلام من غير كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وكيف يفسر كتاب الله بغير ما فسره به رسول ﷺ وأصحاب رسوله الذين نزل القرآن بلغتهم؟]\rفكون القرآن لا يجوز أن يفسر بالرأي ولا بالهوى حتى ولو أصاب من فسره بمجرد الرأي، هذا أصل صحيح وقاعدة صحيحة تدل عليها الآيات والأحاديث الأخرى غير هذا الحديث الذي في سنده من ضُعِّفَ.\r\rومن ذلك أن نفهم أصل ذلك كله ونعلم أن القرآن هو كلام الله عزوجل، وأن تبيينه وإيضاحه وتفسيره بغير علم، وبالرأي والهوى؛ هو قول على الله ﷿ بغير علم، وحكم ذلك التحريم، قال الله ﷿: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [الأعراف:٣٣] وهذه الآية ذكرت فيها المنكرات والكبائر بالتدرج، وأكبر شيء بعد الشرك هو القول على الله ﷿ بغير علم، كأن يأتي إنسان فيضع ديناً جديداً من عنده، ويقول: هذا هو دين الله، وهذا الذي نتعبد الله به هذا أكبر وأعظم من مجرد الإشراك بالله في العبادة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690632,"book_id":1659,"shamela_page_id":1758,"part":null,"page_num":1758,"sequence_num":1758,"body":"وكذلك ما ورد في الأحاديث عن النبي ﷺ أنه كان يُسئل ﷺ في الأمر فلا يتكلم حتى ينزل عليه الوحي، وقال أبو بكر الصديق ﵁ لما سئل عن قوله تعالى: وَفَاكِهَةً وَأَبّاً [عبس:٣١] ما هو الأب؟\rفقال: أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني، إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم!\rوهم أعلم الناس بالقرآن وأفصح العرب وأعلمهم بلغة العرب.\rفهؤلاء الذين يعلمون حق العلم ما قاله الله ورسوله، ويفسرونه قد اتفقوا على إثبات رؤيته ﷾ وعلى إثبات صفات الله، كما مر عن ابن عباس، وعلي ابن أبي طالب، وأنس بن مالك، وأبي بكر، وحذيفة، وأبي موسى ﵃ وكلهم - ولله الحمد - فسروا الآيات لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ [قّ:٣٥] ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:٢٢،٢٣] ولِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس:٢٦] .\rفسروا النظر وفسروا الزيادة بالرؤية الحقيقية، وكذلك في كل باب من أبواب العقيدة نجد إجماع السلف الصالح، فلا يجوز لنا أن نتقدم عليهم.\r\rوليس المقصود من كلام النبي ﷺ تشبيه المرئي بالمرئي، وإنما هو تشبيه الرؤية بالرؤية، يعني: رؤيتكم لربكم كرؤيتكم للقمر، ولم يقل: إن ربكم كالقمر أو كالشمس كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:١١] وهي حقيقية مؤكدة قطعية ليس فيها شك ولا غيم ولا قتر ولا حجاب.\rوفيه دليل على علو الله على خلقه، فالنبي ﷺ أشار إلى القمر والشمس، ومعلوم أنها في جهة العلو.\rوالأشعرية يثبتون الرؤية وينكرون العلو، فيقولون: لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته ولا يمينه ولا شماله ولا خلفه ولا أمامه، وينكرون جميع الجهات -كما يسمونها- ويقولون: إنه يُرى لا في جهة!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690633,"book_id":1659,"shamela_page_id":1759,"part":null,"page_num":1759,"sequence_num":1759,"body":"فنقول لهم كما قال المصنف: من قال: يُرى لا في جهة من غير إثبات الجهة، يعني: من غير إثبات العلو، فليراجع عقله! فإما أن يكون مكابراً لعقله، وإما أن يكون في عقله خلل.\rقَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:\r[ولهذا ألزم المعتزلة من نفى العلو بالذات بنفي الرؤية، وَقَالُوا: كيف تعقل رؤية بغير جهة.\r\rوإنما لم نره في الدنيا لعجز أبصارنا، لا لامتناع الرؤية، فهذه الشمس إذا حدق الرائي البصر في شعاعها ضعف عن رؤيتها، لا لامتناع في ذات المرئي؛ بل لعجز الرائي، فإذا كَانَ في الدار الآخرة أكمل الله قوى الآدميين حتى أطاقوا رؤيته.\r\rولهذا لما تجلى الله للجبل وَخَرَّ مُوسَى صعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ [الأعراف ١٣٤] بأنه لا يراك حي إلا مات ولا يابس إلا تدهده، ولهذا كَانَ البشر يعجزون عن رؤية الملك في صورته إلا من أيده الله، كما أيد نبينا قال تَعَالَى: وَقَالُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ [الأنعام: ٨] .\r\rقال غير واحد من السلف: لا يطيقون أن يروا الملك في صورته، فلو أنزلنا إليه ملكاً لجعلناه في صورة بشر وحينئذ يشتبه عليهم: هل هو بشر أو ملك؟ ومن تمام نعمة الله علينا أن بعث فينا رسولاً منا.\r\rوما ألزمهم المعتزلة هذا الإلزام إلا لما وافقوهم عَلَى أنه لا داخل العالم ولا خارجه، لكن قول من أثبت موجوداً يرى لا في جهة، أقرب إِلَى العقل من قول من أثبت موجوداً قائماً بنفسه لا يرى ولا في وجهه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690634,"book_id":1659,"shamela_page_id":1760,"part":null,"page_num":1760,"sequence_num":1760,"body":"ويقال لمن قال بنفي الرؤية لانتفاء لازمها وهو الجهة: أتريد بالجهة أمراً وجودياً أو أمراً عدمياً؟ فإن أراد بها أمراً وجودياً كَانَ التقدير: كل ما ليس في شيء موجود لا يرى، وهذه المقدمة ممنوعة ولا دليل عَلَى إثباتها بل هي باطله، فإن سطح العالم يمكن أن يرى، وليس العالم في عالم آخر، وإن أردت بالجهة أمراً عدمياً كانت المقدمة الثانية ممنوعة، فلا نسلم أنه ليس في جهة بهذا الاعتبار.\rوكيف يتكلم في أصول الدين من لا يتلقاه من الكتاب والسنة وإنما يتلقاه من قول فلان؟ وإذا زعم أنه يأخذه من كتاب الله لا يتلقى تفسير كتاب الله من أحاديث الرسول، ولا ينظر فيها ولا فيما قاله الصحابة والتابعون لهم بإحسان، المنقول إلينا عن الثقات النقلة الذين تخيرهم النقاد، فإنهم لم ينقلوا نظم القُرْآن وحده؛ بل نقلوا نظمة ومعناه، ولا كانوا يتعلمون القرآن، كما يتعلم الصبيان؛ بل يتعلمونه بمعانية ومن لا يسلك سبيلهم، فإنما يتكلم برأيه، ومن يتكلم برأيه وما يظنه دين الله، ولم يتلقَ ذلك من الكتاب والسنة، فهو مأثوم وإن أصاب، ومن أخذ من الكتاب والسنة، فهو مأجور وإن أخطأ؛ لكن إن أصاب يُضَاعفُ أجره] اهـ. .\rالشرح:\r\rموضوع إثبات الرؤية له علاقة بنفس الأحاديث بموضوع إثبات علو الله ﵎، فلما ذكر المُصنِّفُ ﵀ قول النبي ﷺ: (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا) في الحديث المتفق عليه أراد المُصنِّفُ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- أن يستدرك أن هذا الحديث لا يقتضي أن يشبه الله ﷾ بالقمر ولا بالشمس، وإنما التشبيه تشبيه الرؤية بالرؤية، لا تشبيه المرئي بالمرئي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690635,"book_id":1659,"shamela_page_id":1761,"part":null,"page_num":1761,"sequence_num":1761,"body":"ثُمَّ قَالَ: وفي ذلك دليل عَلَى علو الله عَلَى خلقه لأن كلام النبي ﷺ في كلا الحالتين -عندما أشار إِلَى الشمس أو أشار إِلَى القمر في الليلة التي كَانَ فيها القمر أو لما قَالَ: (هل ترون الشمس أو ترون القمر ليس بينكم وبينها قتر ولا سحاب) كان يشير إِلَى شيء أعلى وهو هذا المخلوق - الشمس أو القمر - وهو في جهة العلو، فدل ذلك عَلَى علو الله ﵎ عَلَى خلقه.\rوإثبات علو الله ﷾ من أعظم ما تدل عليه النصوص والفطر والعقول حتى أن الأدلة عَلَى العلو من القُرْآن والسنة وكلام السلف لا تعد بالمئات فقط، بل قد تكون بالآلاف فالعلو ثابت بالأدلة، وبالنصوص وبالعقول وبالفطر، وأما الاستواء فهو الذي ثبت بالنص فالنَّاس قبل إرسال النبي ﷺ، حتى العرب في الجاهلية وغيرهم أصحاب الفطرة كل من يؤمن بالله بفطرته يعلم أنه ﵎ فوق المخلوقات ويثبت له العلو، لكن الاستواء لا يثبته له تَعَالَى إلا من قرأ وسمع الوحي ينزل عَلَى النبي ﷺ فهذا لا يعلم بالعقل ولا بالفطرة وإنما يعلم عن طريق الوحي، وكلاهما يدل عَلَى الآخر.\rمذاهب الناس في الرؤية والعلو.\rولما ذكر المُصْنِّف ﵀ موضوع الرؤي والعلو ناسب أن يذكر الفرقتين اللتين لهما كلام فيه، وهاتان الفرقتان هما: المعتزلة والأشعرية.\rفالمعتزلة: ينكرون الرؤية والعلو، والأشعرية يثبتون الرؤية وينكرون العلو.\r\rفقال المعتزلة للأشعرية: مادام أنكم تنكرون العلو إذاً فلتنكروا الرؤية مثلنا.\r\rفالأشعرية قالوا: لا، نَحْنُ نثبت الرؤية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690636,"book_id":1659,"shamela_page_id":1762,"part":null,"page_num":1762,"sequence_num":1762,"body":"فقال لهم المعتزلة: إذا أثبتم الرؤية فكيف يُرى أي شيء إلا في جهة، إذاً يلزمكم أن تثبتوا الجهة وأنتم لا تثبتون الجهة، حتى قالوا قولةً أصبحت شبيهة بالمثل، قالوا: (من أثبت الرؤية وأنكر الجهة فقد أضحك النَّاس عَلَى عقله) وهي التي نقلها المُصْنِّف هنا فقَالَ: [من قَالَ: يُرى لا في جهة فليراجع عقله] ووجه ذلك أن الرائي -بغض النظر عن كون المرئي تثبت له الجهة أو لا تثبت- لا بد أنه ينظر من جهة ما، في مكان ما ينظر منه، ولا بد أن يكون المرئي في جهه ما مِنهُ، إما أمامه مباشرة، وإما فوقه، وإما عن يمينه، وإما عن شماله، المهم أنه لا بد أن هناك جهة، فالقول بأن الرؤية تقع وتكون بالعين حقيقة وبدون جهة هذا فيه مكابرة للعقل.\rوقالأهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ: يلزمكم أيها الأشعرية وأنتم تثبتون الرؤية أن تثبتوا العلو، وقالت المعتزلة للأشعرية: يلزمكم وأنتم تنكرون العلو أن تنكروا الرؤية، فهذه ثلاثه مذاهب: أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ يثبتون العلو ويثبتون الرؤية، وهذا هو الذي يتفق مع جميع النصوص، ومع العقل السليم والفطرة السليمة.\r\rوالمعتزلة ينكرون العلو وينكرون الرؤية، والأشعرية يثبتون الرؤية ويقولون من غير جهة ولا مقابلة، فأصبحوا يتعاورهم الفريقان: أهل السنة يقولون: يلزمكم أن تثبتوا العلو مادمتم تثبتون الرؤية، وأما المعتزلة فقالوا لهم: ما دمتم مثلنا موافقون لنا في إنكار العلو فيلزمكم أن تنكروا الرؤية أيضاً، فينتهي حكاية كلام المعتزلة إِلَى عند قوله بغير جهة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690637,"book_id":1659,"shamela_page_id":1763,"part":null,"page_num":1763,"sequence_num":1763,"body":"يقول: [ولهذا ألزم المعتزلة من نفى العلو بالذات بنفي الرؤية] وقال كلمة [بالذات] ؛ لأن الأشعرية يقولون: العلو بالقهر وبالغلبة وبالسلطان وبالتمكينوَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِه [الأنعام: ١٨] يقولون: قاهر فوقهم مثل أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاء [الملك:١٦] يعني سلطانه وقهره وقوته، فلا يثبتون علو الذات وإنما علو القهر والغلبة والملك والتمكين، فلهذا قَالَ: (الذات) لأن الرؤية محلها أو متعلقها الذات وهذا الكلام هو عن الذات وليس عن أي شيء أخر من متعلقات الذات فهو متعلق بالرؤية فَيَقُولُ: [ألزم المعتزلة من نفى العلو بالذات نفي الرؤية] أي يلزمه أن ينفي الرؤية، [وَقَالُوا: كيف تعقل رؤية -بلا مقابلة- بغير جهة] .\r\rوالمصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- قال بعد ذلك: وما ألزمهم المعتزلة هذا الإلزام -يعني المعتزلة ما ألزموا الأشعرية والماتريدية أيضاً وهم في ذلك تبع لهم- إلا لما وافقوهم عَلَى أنه تَعَالَى لا داخل العالم ولا خارجه، يعني لم يثبتوا له أية جهة من الجهات، ولكن يستدرك المُصْنِّف فَيَقُولُ: [لكن قول من أثبت موجوداً يُرى لا في جهة، أقرب إِلَى العقل من قول من أثبت موجوداً قائماً بنفسه لا يُرى ولا في جهة] يقول: مع هذا الإلزام القوي من المعتزلة للأشعرية إلا أن المعتزلة أبعد، فهم يثبتون ذاتاً عَلَى الحقيقة قائمة بنفسها، ومع ذلك ليست في جهة، ولا يمكن أن تُرى، وأما أُولَئِكَ فإنهم أنكروا الجهة وأثبتوا الرؤية فهم أخف منهم في هذا الجانب، وإن كَانَ من حيث العقل المجرد -بالنسبة للمعتزلة على الأقل ومن نحا نحوهم- يرون أن مذهب الأشعرية هو الذي أبعد عَلَى العقل، لكن المُصْنِّف يرى أن الذي نفى الجهة ونفى الرؤية معاً أبعد في العقل من الذي أثبت أحدهما، وينتهي كلامه عن المعتزلة عند قوله: بلا مقابلة بغير جهة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690638,"book_id":1659,"shamela_page_id":1764,"part":null,"page_num":1764,"sequence_num":1764,"body":"يذكر المُصنِّفُ أننا لم نر الله في الدنيا لعجز أبصارنا، يعني هذا من الأدلة العقلية والحجج والبراهين التي يقولها أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ بعد أن أثبتوا الرؤية بالأدلة الشرعية وناقشوا أدلة المعتزلة فيها.\rثُمَّ أخذوا أيضاً يكلمونهم بالعقل السليم الصريح، فيقولون: إنما لم نره في الدنيا لضعف أبصارنا، فإن قُوْىَ الإِنسَان وإدراكاته في الحياة الدنيا محدودة، فلا تستطيع أن ترى الله ﵎ وليس لأن الرؤية مستحيلة.\r\rوضرب لذلك مثالاً بهذا المخلوق الذي يبعث النور في الأرض وهو الشمس فإن الإِنسَان لا يستطيع أن ينظر إِلَى الشمس ويتأكد من حرها وحجمها؛ لأن شعاعها ونورها يُعشي عينه، فهو أقوى من أن يطيقه بصره وحاسته، وليس ذلك لأن الشمس ليس بالإمكان أن ترى لكن لضعف الحاسة، فإن قويت وتضاعفت فإنها تستطيع أن ترى الشمس عَلَى حقيقتها وجرمها كما تشاء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690639,"book_id":1659,"shamela_page_id":1765,"part":null,"page_num":1765,"sequence_num":1765,"body":"أما بالنسبة لله ﷾ فنقول: إنه لا يرى في هذه الدار التي فيها هذا الضعف، وإنما يرى في الدار الآخرة حيث يكون الإِنسَان خلقاً آخر في قواه وفي إدراكاته، فذلك عالم آخر والله ﵎ يمن عَلَى المؤمنين بأن يعطيهم القدرة عَلَى أن يروه جل شأنه كما يليق بجلاله وعظمته، فيطيقون ذلك يَوْمَ القِيَامَةِ مع أنهم لا يطيقون هذا في الدنيا، فيستدل المُصنِّفُ عَلَى ذلك بنفس الآية التي سبقت وهي آية الأعراف عندما طلب موسى ﵇ أن يرى ربه، فَيَقُولُ: ولهذا لما تجلى الله للجبل خر موسى صعقاً، فلما أفاق قَالَ: سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ [الأعراف:١٤٣] أي: يقول: وأنا أول المؤمنين بأنه لا يراك حي إلا مات، ولا جمادٌ ولا يابس إلا تدهده، والجبل عَلَى عظمته لما حصل له التجلي، فإنه تدهده وتحول إِلَى حطام، وهذا لعجز الإِنسَان ولعجز حتى الجماد في هذه الحياة الدنيا عن تحمل تجلي الرب ﷾.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690640,"book_id":1659,"shamela_page_id":1766,"part":null,"page_num":1766,"sequence_num":1766,"body":"ثُمَّ يستدل عَلَى ذلك بشيء آخر فَيَقُولُ: ولهذا كَانَ البشر لا يطيقون أن يروا الملك عَلَى حقيقة الملائكة الذين هم من خلقه ﷾؛ لأن أجسامهم نورانيه عظيمة، لا يستطيع الإِنسَان أن يتحملها وأن يراها في هذه الحياة الدنيا فكيف برؤية الله ﷾، إلا من أقدره الله ﵎ عَلَى رؤية الملك كما أقدر النبي ﷺ، فإن الله ﷾ أقدره عَلَى أن يرى جبريل، وقد رآه مرتين عَلَى خلقته التي خلقه الله ﵎ عليها، له ستمائة جناح كل منها ملء الأفق، وهذا شيء لا يمكن للإنسان أن يتصوره ولا أن يستوعبه، حتى قال الإمام عبد الله بن المبارك -وهو من أئمة أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: (ما هَؤُلاءِ الذين يخوضون في الصفات؟! إن النبي ﷺ أخبرنا أن لجبريل ستمائة جناح، وإنما يعلم النَّاس أن للطائر جناحين فأين يكون الثالث) يعني: أن العقل البشري حينما يريد أن يتخيل طائراً فإنه يتخيله بجناحين هذا هو الذي يتخيله الإِنسَان، فأين يكون الثالث؟ فضلاً عَلَى الرابع، فضلاً عن الستمائة جناح، كيف تكون؟ هذا شيء لا يستطيع الإِنسَان أن يتخيله عَلَى حقيقته، فكيف ينكر فيما هو أعظم من جبريل ومن كل المخلوقات وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر: ٦٧] ﷾ عن أن تدركه الأبصار أو تحيط به العقول والأنظار.\rيقول المُصنِّفُ في قوله ﵎: وَقَالُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ [الأنعام: ٨] قال غير واحد من السلف: لا يطيقون أن يروا الملك في صورته.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690641,"book_id":1659,"shamela_page_id":1767,"part":null,"page_num":1767,"sequence_num":1767,"body":"إنَّ من العلل الواهية التي تعلل بها المكذبون للأنبياء أنهم قالوا: مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا [الشعراء: ١٥٤] ، إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا [إبراهيم:١٠] فكيف نؤمن بأنكم أنبياء من عند الله؟ نريد أن يكون النبي ملكاً من الملائكة، فرد الله ﷾ عليهم في مواضع منها هذا الموضع في سورة الأنعام وَقَالُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ [الأنعام:٨] يُحتمل المعنى: أنه لو أنزلنا ملكاً لم يستطيعوا أن يروه فيموتوا، ويحتمل: أنه لو أنزلنا ملكاً أن يروه كَفَرُوا به لاستحقوا العقوبة العاجلة بخلاف ما إذا كَانَ المخاطب لهم من أنفسهم؛ لأن الملك هذا من عالم الغيب، فأصبح في عالم الشهادة، يكلمهم ويخاطبهم، فحينئذ لا ينفع التكذيب ولا الرد ولا الجدال ولا يقبل عَلَى الإطلاق، إما أن يؤمنوا ويذعنوا فوراً وإما إن يحيق بهم العذاب من عند الله ﷾، لكن عندما يأتي بشر مثلهم فيدعوهم إِلَى الله فَيَقُولُ: إنه يوحى إليّ من الله، إذا أمنوا بنبوته فإنهم يؤمنون فعلاً عَلَى الغيب لا عَلَى الشهادة، فإذاً لم تأتهم الآية وإذا أتت الآية ورأوها عياناً فما بعدها إلا العذاب كما رأى قوم صالح الناقة مبصرة، فماذا حصل لهم لما عقروها؟ أهلكوا.\r\rأصحاب المائدة توعدهم الله ﷾ أنه بعد أن ينزلها عليهم فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينَ [المائدة: ١١٥] لأنهم يرون الغيب شهادة، فكذلك بالنسبة للأنبياء فمن رحمة الله ﷿ أنه أرسل الرسل من البشر ليكون هناك مجال للأخذ وللجدال وللنقاش، ولا يأتي العذاب المفاجئ، هذا أمر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690642,"book_id":1659,"shamela_page_id":1768,"part":null,"page_num":1768,"sequence_num":1768,"body":"والأمر الآخر وهو أظهر وأوضح في الحكمة أن النبي إذا كَانَ من الملائكة، وقال لهم: اتقوا الله لا تسرقوا ولا تزنوا ولا تخونوا الأمانة ولا تفعلوا كذا وكذا، ورأوه يلتزم بعمل ذلك لأنه بطبيعة الحال لابد أن النبي يلتزم ويعمل بما يدعو إليه، قالوا: هذا ملك ولكن نَحْنُ بشر مركب فينا الشهوة، والضعف، والذنب، إذاً لا تناسب.\r\rفمن حكمة الله ورحمته ولطفه أنه جعل الأَنْبِيَاء أيضاً من البشر، فليس هناك مجال للاعتذار، صحيح أنه لن يبلغ أحد من غير الأَنْبِيَاء مبلغ الأنبياء، ولكن مع ذلك تظل القدرة، وتظل إمكانية المتابعة والتأسي، ويبرز في الأمم التي بعث فيها الأَنْبِيَاء صديقون يقربون من درجة النبوة، كالأئمة العشرة المبشرين بالجنة ومن قاربهم من أصحاب النبي ﷺ في هذه الأمة، فهَؤُلاءِ أقرب النَّاس إِلَى مرتبة النبوة لأنهم كانوا في أخلاق وإحسان وتقوى الأَنْبِيَاء وتأسوا بخاتم الأَنْبِيَاء والمرسلين مُحَمَّد ﷺ، فقاربوهم في هذه الدرجة -درجة البشرية- فيكون الاقتداء وارداً وممكناً بخلاف ما إذا كَانَ هذا النبي من جنس آخر، ومن الحيوان المخلوق من لا يستطيع الإِنسَان رؤيته فضلاً عن الملك، أي أن الإِنسَان قدرته ونظرته محدودة وهذا لا يناسب موضوع الرؤية هنا، وقد قال ابن قتيبة ﵀: إن من الحيات نوع يموت الإِنسَان بمجرد أن يراه نوع مفزع مخيف وفي عينه شعاع خاص بمجرد أن يراه الإِنسَان يموت من عدم تحمل رؤية هذا الحيوان.\rيقول المصنف: [ويُقال لمن قال بنفي الرؤية لانتفاء لازمها -وهو الجهة- وهم المعتزلة: أتريدون بالجهة أمراً وجودياً أم أمراً عدمياً؟]\rما المقصود بالجهة؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690643,"book_id":1659,"shamela_page_id":1769,"part":null,"page_num":1769,"sequence_num":1769,"body":"إما أن تكون أمراً وجودياً أي: شيئاً موجوداً اسمه الجهة، أو حيزاً معيناً يُقال له الجهة من ضمن الموجود في هذا الكون، هذا شيء، وإما أن تكون الجهة أمراً عدمياً، يعني شيئاً مثلياً إضافياً، لا شيئاً موجوداً بذاته أو مميزاً بذاته.\r\rلا يخلو مرادهم بالجهة من هذين الاعتبارين، وعلى ذلك نقول لهم: إن كَانَ المقصود بالجهة الحيز والشيء الوجودي، فنحن أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ لا نثبت لله ﷾ الجهة بهذا الاعتبار؛ لأننا في الأصل لا نقول كلمة \"الجهة\" كما سبق، وإنما نقول: العلو، فنثبت له العلو، لأن الكلمات التي فيها لبس والتي تُحتمل معنيين لا نثبتها ولا نذكرها إلا مبينين أو مفسرين لِمَا نريد أن نقول.\rفـ\"الجهة\" هنا ليس أمراً وجودياً، يعني ليس ظرفاً أو حيزاً معيناً، فالأرض جميعاً قبضته يَوْمَ القِيَامَةِ والسماوات مطويات بيمينه، والكون كله في يده ﷾ كالخردلة في يد أحدكم، إذاً ليس هناك شيء يسمى جهةً أو ظرفاً وجودياً بمعنى أنه يحويه لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ ﷾، ليس هذا مرادنا، فلا حجة علينا بقولكم لنا: إنكم تثبتون الجهة فيلزم منها كذا ويلزم منها كذا ... إلخ لا حجة لكم علينا لأنا لا نثبت ذلك، ومع ذلك فإن كون الجهة أمراً وجودياً كما ذكر المُصنِّفُ هنا لا يعني النفي.\rلأنه يقول: تقدير دليلكم أن تقولوا: كل ما ليس في شيء موجود لا يُرى، يعني كأنهم يقولون: أي شيء ليس في شيءٍ موجودٍ لا يرى، فَيَقُولُ: هذا ليس بلازم، لا يلزم أنه لا يرى بمجرد أنه ليس في شيء موجود، ويستدل عَلَى ذلك بقوله: إن سطح العالم يمكن أن يرى وليس العالم في عالم آخر، يعني سطح العالم يمكن أن يرى، وهو ليس في شيء آخر بل هو ذاته نفسه يمكن أن يرى، فهذا إن قلنا: إن الجهة أمر وجودي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690644,"book_id":1659,"shamela_page_id":1770,"part":null,"page_num":1770,"sequence_num":1770,"body":"وأما إذا قلنا: إن الجهة أمر عدمي أو أمر اعتباري -وهذا هو الذي يقوله أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ فيقولون: إن الجهة أمر اعتباري وليس أمراً وجودياً- فالنملة إذا كانت تسير في هذا السقف فأين العلو بالنسبة لها؟ وبيتها وحبها وحياتها وكل شيء فوق -كثير من الحشرات تعيش فوق- فالعلو بالنسبة لها نحن، لكن نَحْنُ العلو بالنسبة لنا فوق، بالعكس إذاً الجهة عندما نقول: \"العلو\" هل هي أمر وجودي حقيقي أم أمر نسبي باعتبار إضافي؟ فبالنسبة للنملة نَحْنُ أسفل، لكن بالنسبة لنا هذا هو الفوق ونشير إِلَى النملة، ولكن النملة فوق بالنسبة لِمَا هو أسفل، وهكذا هذه قضية نسبية اعتبارية، والذي يجلس عَلَى يمينك يقول: فلان عَلَى يميني، وآخر يقول: فلان عَلَى يساري؛ لماذا؟\rلأن الجهة ليست شيئاً موجوداً، ليس هناك شيء موجوداً اسمه الشمال، ولا شيء موجود محدود اسمه اليمين؟ ولا فوق ولا تحت؟ كلها أمور اعتبارية نسبية، فهذا يمين بالنسبة لهذا، وهذا يسار بالنسبة لهذا، وهذا فوق بالنسبة لهذا، وهذا تحت بالنسبة لهذا.\r\rوبهذا نعرف أنه لا يلزم أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ من إثبات أن الله تَعَالَى فوق المخلوقات وإثبات العلو له ﷾ أن يكون محصوراً أو محدوداً في حيز وجودي يُسمى الجهة، ولكن بالنسبة للمخلوقات هو أعلى منها ﷾، أما الجهة بذاتها فليست شيئاً وجودياً مادياً محسوساً خارجاً، ومن هنا فإنه ﷾ يرى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690645,"book_id":1659,"shamela_page_id":1771,"part":null,"page_num":1771,"sequence_num":1771,"body":"وقولكم بأنه يلزم من إثبات الرؤية إثبات الجهة لا معنى له، مادام أن الجهة أمر نسبي اعتباري، فالله ﷾ يرى، وتجوز رؤيته، هذا بالأدلة العقلية، ولقد أثبتنا ذلك بالأدلة الشرعية، ولكن نتكلم الآن بالأدلة العقلية وننقض أدلتهم العقلية، فالمخلوق الرائي لابد أنه في جهة، فباعتبار المخلوق الرائي الناظر لابد أن يرى شيئاًٍ في جهةٍ ما، ففي أي جهة يرى الله ﷾ يَوْمَ القِيَامَةِ وهي الجهة التي يدعى في الدنيا فيها نقول: في جهة العلو، يعني: بالنسبة للإنسان، لا بالنسبة لكونه ﷾ يحيط به شيء وجودي معين اسمه الجهة بمعنى أنه ﷾ -كما يقولون- مثل المخلوقات التي تكون في حيز، تَعَالَى الله عن ذلك علو كبير.\rونجد أن أهل العلم من أهل السنة كالمصنف هنا أو شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ أو غيرهما يضطرون إِلَى الإثبات بهذه الأدلة، وهذه الأمثلة العقلية، لنبين فساد أقوالهم بالعقل والنقل لا لأننا نحتاج إِلَى أن نقرر ونثبت صفات الله ﷾ بهذه الطرق، ولكن لأننا نقول: نَحْنُ نثبت بطلانها في الجهتين العقلية والنقلية، ولنثبت أن مذهب أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ هو الذي يستقيم مع الأدلة، ومع العقول السليمة، ومع الفطرة المستقيمة في آن واحد.\rأصل الضلال الانحراف في منهج التلقي\rثُمَّ أخذ المُصْنِّف ﵀ يعقب عَلَى هذا فَيَقُولُ: [وكيف تكلم في أصول الدين من لا يتلقاه من الكتاب والسنة] .\r\rوأساس الخلاف والإشكال وأساس ظهور الفرق وخروجها عدم التلقي، والأخذ من الكتاب والسنة فبعضهم أخذ بالعقل مثل المعتزلة، والاشعرية، والماتريدية، وبعضهم قَالَ: نأخذ بالكشف والذوق والوجدان مثل الصوفية ومن نحى نحوهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690646,"book_id":1659,"shamela_page_id":1772,"part":null,"page_num":1772,"sequence_num":1772,"body":"وبعضهم كـ الباطنية، والرافضة قالوا: لا من الكتاب ولا من السنة ولا من العقل ولا من الكشف، ولكن عن طريق الإمام المعصوم، وهذا الإمام المعصوم هو بالنسبة لالرافضة الذي في السرداب، ومعه العلم الباطني، ويأخذون علمه عن طريق النواب والحجاب الذين جعلهم نواباً وحجاباً له، ولهذا فمنهج التلقي عندهم أنهم لا يأخذون من كتاب الله ولا من صحيح البُخَارِيّ ولا من صحيح مسلم وهم ينكرون الرؤية وينكرون هذه الصفات، ولكنهم يتلقون من الرقاع، وكيفية ذلك: أنهم ينامون وفي الصباح يذهبون إِلَى شجرة من الشجر ويجدون فيها رقاعاً، تقول: اعملوا أو اتركوا، ويقولون: إن الإمام المعصوم ألقى ذلك، أو أوحى به إِلَى بعض النواب ويكتبون هذه الرقاع ويلقوها، فتتلقى الأتباع منها العلم وينفذونه، ولهذا حصل أن أحد اليهود وكان يكتب لهم رقاعاً يقرؤنها، فكتب مرة من المرات: استوصوا بفلان اليهودي خيراً ووضعه في رقعة في شجرة، فلما قرأها الرافضة في اليوم الثاني ملأوا بيت ذلك اليهودي من الذهب والفضة وفرحوا به لأنهم وجدوا رقعة من العلم من الإمام المعصوم المحجوب أنه قال:استوصوا بهذا اليهودي خيراً، هكذا يبلغ سخف العقول.\r\rإن الله ﷿ أعطانا المصدر الكتاب والسنة الصحيحة أفنعدل عنها إِلَى أمثال هذه التوافه؟!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690647,"book_id":1659,"shamela_page_id":1773,"part":null,"page_num":1773,"sequence_num":1773,"body":"وكذلك هَؤُلاءِ الصوفية وأمثالهم -كما ذكر المُصْنِّف ﵀ يظنون أن الصحابة إنما كانوا يتلقون القُرْآن كما يتلقى الأطفال الصبيان، يحفظون ألفاظاً لا معنى لها، ولذلك يحتاجون إِلَى مصدر آخر يقول أحدهم: بحثت وفكرت في الصفات فوجدت أن النَّاس ما بين مجسم، ومشبه، ومعطل، ومؤول، فيحتار في أمرهم فَيَقُولُ: فلا سبيل إِلَى معرفة ذلك إلا بالكشف، فيتعبد ويذكر الله وينام لعله يرى رؤيا في المنام أو يلقى في قلبه شيء، وأبو حامد الغزالي في كتاب قواعد العقائد، وهو أحد الكتب من كتب إحياء علوم الدين رجح طريق الكشف، وقَالَ: إن الإِنسَان يحتار بين أهل التأويل وبين أهل التجسيم، والطريق الصحيح لمعرفة ما يؤول لا يعلم إلا بالكشف، سُبْحانَ اللَّه! قد ينكشف لواحد إثبات أشياء لم ترد لا في كتاب ولا في سنة، والآخر انكشف له ثلاث صفات أو صفتين، فكيف نعبد الله ﷾ إذاً؟\r\rرد المصنف ﵀ على هؤلاء المنحرفين\rيرد المُصْنِّف ﵀ عَلَى هَؤُلاءِ جميعاً فَيَقُولُ: [كيف يتكلم في أصول الدين من لا يتلقاه من الكتاب والسنة وإنما يتلقان من قول فلان؟ وإذا زعم أنه يأخذه من كتاب الله لا يتلقى تفسيركتاب الله من أحاديث الرَّسُول ﷺ، ولا ينظر فيها، ولا فيما قاله الصحابة والتابعون لهم بإحسان المنقول إلينا عن الثقات النقلة الذين تخيرهم النقاد] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690648,"book_id":1659,"shamela_page_id":1774,"part":null,"page_num":1774,"sequence_num":1774,"body":"فالذين لا يأخذون الدين من المصدر الصحيح فمن أين يأخذونه؟ ولهذا فإن كل أحد يمكن له أن يسأل أي إنسان واجهه من المعتزلة أو الاشعرية أو الماتريدية هذا السؤال: ما الدليل من كتاب الله أو من سنة رَسُول الله ﷺ عَلَى أن الله ﷾ لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته؟ ولا يوجد أبداً، فيقال لهم: إذاً أنتم لا تأخذون من كتاب الله ولا من سنة رَسُول الله ﷺ!.\rوإما أن يأخذوا من القرآن، ولكن لم يأخذوا تفسير كتاب الله عن الصحابة وعن علماء السلف، وهذا يمكن أن تزل فيه الأقدام وتضل فيه الأفهام؛ لأن القُرْآن حمالُ وجوهٍ \" كما قال عبد الله بن مسعود ﵁ وغيره، فالقرآن حمال وجوه، أي: بعض الآيات تحتمل وجوهاً فمن يبين لنا؟ قال تَعَالَى:وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ [النحل: ٤٤] فالذي يبين للناس ما نزل إليهم هو رَسُول الله ﷺ.\r\rومن أعلم النَّاس بالكتاب والسنة؟ لا شك أنهم الذين قرأوه وفهموه وعرفوا معانيه ومعاني السنة أقصد أصحاب النبي ﷺ، ثُمَّ العلماء الذين من بعدهم، فما شرحوا به كتاب الله نقوله، وما لم يشرحوه، ولم يبينوه لا نبينه، فنجدهم يقولون: إن لله ﷾ يدين حقيقة، صفة من صفاته ﷾، لكن هَؤُلاءِ الضلال يقولون مثلاً: إن اليد تأتي بمعنى القدرة، وتأتي بمعنى النعمة، وتأتي بمعنى كذا، ومع أنهم قد يأتون بما يدل عَلَى ذلك من شعر العرب لكن لا يستطيع الواحد منهم أن يأتي بواحد من الصحابة نفى اليد عن الله ﷾، ففهم الصحابة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُم مقدم وهو الحجة وكذلك العين والساق وأمثال ذلك من صفات الله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690649,"book_id":1659,"shamela_page_id":1775,"part":null,"page_num":1775,"sequence_num":1775,"body":"فالمسالة في أصلها تعود إِلَى التلقي إما من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ أو من الفهم لها كما فهمها الصحابة وكما فهمها العلماء الثقات الذين يؤخذ عنهم هذا العلم ويؤخذ منهم الدين، فالصحابة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُم، والسلف لم ينقلوا نظم القُرْآن وحده، -يعني الألفاظ وحدها- وإنما نقلوا اللفظ والمعنى، ولم يكونوا يتعلمون كتاب الله كما يتعلم الصبيان الذين لا يستطيعون أن يستوعبوا المعاني، وإنما يحفظون الألفاظ؛ فهذا سوء ظن بأفضل جيل.\rوذكر المُصْنِّف أن من لا يسلك سبيلهم فإنما يتكلم برأيه وبالهوى المجرد، ومن يتكلم برأيه وما يظنه دين الله ولم يتلق ذلك من الكتاب فهو مأثوم وإن أصاب، وبالعكس من أخذ من الكتاب والسنة فهو مأجور وإن أخطأ، لأنه ليس كل إنسان يوفق للفهم الصحيح في كتاب الله وفي سنة رَسُول الله ﷺ، بل قد يفهم خطأ، كما وقع ذلك حتى في جيل الصحابة رضوان الله تَعَالَى عليهم، لكن إن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد وخطؤه مغفور، أما من أخذ من غير الكتاب والسنة فهو آثم، وإن أصاب، فلو جَاءَ أحدهم وقَالَ: أنا أثبت العلو لله كابن رشد مثلاً فإنه يثبت كثيراً من الصفات التي تنكرها الأشعرية -وكان عدواً شديداً للأشعرية.\r\rيقولون: نثبت بالعقل وبالرأي أن الله ﷾ فوق العالم.\r\rولو قيل: ما رأيكم في الكتاب والسنة؟\rلقالوا: لا، هذه تحتمل وظاهرها فيه تشبيه، نَحْنُ نثبت بالعقل.\r\rفيقال لهم: هذا أثم، وإن كَانَ الكلام صواباً؛ لأنه لم يتبع الحق من منبع المحق ومن مصدر الحق وهو الكتاب والسنة، فنقول: ليس عقلك هو مصدر التلقي ولا مصدر الإثبات إلا في المجالات التي هي من شأن العقل وهي المجالات الاجتهادية لكن كلامنا في الدين وفي الاعتقاد، وفي الصفات، فلا يستطيعها العقل وليس في مجاله ولا من اختصاصه.\r\rقال المصنف ﵀:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690650,"book_id":1659,"shamela_page_id":1776,"part":null,"page_num":1776,"sequence_num":1776,"body":"[وقوله: [والرؤية حق لأهل الجنة] تخصيص أهل الجنة بالذكر، يفهم منه نفي الرؤية عن غيرهم، ولا شك في رؤية أهل الجنة لربهم في الجنة، وكذلك يرونه في المحشر قبل دخولهم الجنة، كما ثبت ذلك في الصحيحين عن رسول الله ﷺ ويدل عليه قوله تعالى: تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ A> [الأحزاب:٤٤] .\r\rواختلف في رؤية أهل المحشر على ثلاثة أقوال:\rأحدها أنه لا يراه إلا المؤمنون.\rالثاني يراه أهل الموقف مؤمنهم وكافرهم، ثم يحتجب عن الكفار ولا يرونه بعد ذلك.\rالثالث: يراه مع المؤمنين المنافقون دون بقية الكفار وكذلك الخلاف في تكليمه لأهل الموقف] اهـ.\rالشرح:-\rقد مر معنا حديث عدي بن حاتم وهو قول النبي ﷺ: (وليلقين الله أحدكم يوم يلقاه ليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان يترجم له، فيقول: أولم أبعث إليك رسولاً فيبلغك؟ فيقول: بلى يا رب، فيقول: ألم أعطك مالاً وأفضل عليك؟ فيقول: بلى يا رب، يقول: ألم أزوجك؟ فيقول: بلى يا رب) إلى أخر الحديث الذي سبق وقد ذكرنا أن اللقاء لا يستلزم الرؤية، يعني: أن الاستدلال بهذا الحديث على إثبات الرؤية فيه نظر؛ لأن مجرد اللقاء لا يستلزم الرؤية، لأن في الحديث: (ألم أبعث إليك رسولاً فيبلغك) وهذا يقال في حق الكافر، فهل نستفيد من هذا الحديث أن الكافر يرى الله ﷿ أم لا؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690651,"book_id":1659,"shamela_page_id":1777,"part":null,"page_num":1777,"sequence_num":1777,"body":"فالمسألة موضع نظر، ولهذا لا يذكر هذا الحديث ضمن الأحاديث التي نستدل بها على رؤية الله ﵎، وإنما ضمن الأحاديث التي هي محل نظر، والإمام الطحاوي توفي في أوائل القرن الرابع، ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية إن الخلاف -هل يرى الكفار الله ﷿ أو لا يرونه- إنما نشأ بعد المائة الثالثة، يعني نستطيع أن نقول: إن الإمام الطحاوي لم يدرك هذا الخلاف وإنما تكلم بما كان عليه عامةالسلف، وهو أنهم يتكلمون بأن المؤمنين يرون ربهم وكان أهل البدع ينكرون ذلك، ويقولون: إن الله لا يُرى، فكان الخلاف محصوراً في هل يُرى أولا يُرى؟ والذين يقولون يُرى وهم أهل السنة يقولون: المؤمنون يرون ربهم، وأولئك قالوا: لا يرى مطلقاً.\r\rوبعد الثلاث مائة نشأت قضية أخرى وهي: هل يراه الكفار والمنافقون أو لا يرونه؟ وهذه قضية اجتهاد ونظر، أي: ليست هذه من الأمور التي تؤثر في الاعتقاد والدين سواء قيل الكفار يرونه أو لا يرونه ولكن بالقيد الذي سنذكره، وليست مسألة محنة ولا فتنة، وهنا سنقف قليلاً لذكر قصة وقعت في زمنشيخ الإسلام ابن تيمية حول هذا الموضوع لنأخذ منها العبرة.\r\rفأهل البحرين في زمنشيخ الإسلام ابن تيمية كان فيهم علماء وصلحاء، فحصلت بينهم فرقة وشقاق، وتهاجر وعداوة من أجل هذه القضية، هل الكفار يرون الله أم أنهم لا يرون الله وهم متفقون على أنه ليس في الجنة قطعاً، فالكفار لا يدخلون الجنة، لكن قالوا: في أثناء الحشر قبل الحساب، هل يرونه أو لا يرونه؟ وتهاجروا وتقاطعوا واختلفوا في هذه المسألة فكتبوا إلىشيخ الإسلام ابن تيمية ولما بلغه ذلك رضي الله تعالى عنه كتب إليهم ليهون عليهم الأمر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690652,"book_id":1659,"shamela_page_id":1778,"part":null,"page_num":1778,"sequence_num":1778,"body":"ويقول: إن من أمور الدين ما هي أمور معلومة بالقطع، وبالدليل الجلي وهذه هي الأمور التي يجب على الإنسان أن يظهرها وأن يدعو إليها، ولو أوذي في سبيل ذلك وأن يجاهد في ذلك ويتحمل الأذى أو أن يقاطع وأن يهجر من أجل ذلك، وهناك أمور ليست من هذا القبيل، وإنما هي محل نظر واجتهاد، فلا يمتحن فيها الإنسان، ولا يهجر من أجلها ولا يؤدب ولا يعزر، بل غاية ما يقال: إنه مخطئ ومنها هذه القضية.\r\rفنحن في حاجة دائمة إلى أن نعرف ما هي الأصول التي نوالي ونعادي فيها، وما هي الأمور التي تقبل الخلاف، فلا نجعلها هي محل الإثارة والإشكال في مجالسنا أو مع العلماء، هل هذا هو المخطئ أم هذا هو المصيب، هل نضع اليدين قبل الركبتين أو العكس، هل نضع اليدين بعد الرفع من الركوع أم لا نضع ... الخ.\r\rهذه الأمور التي لا يترتب عليها شيء وليس على المسألة امتحان ولا ابتلاء ولا هجران ولا تبديع ولا تفسيق، يجب أن نحذر من الخلاف فيها، وأن نضع الشيء في موضعه، فنحن أحوج ما نكون إلى أن يكون شباب أهل السنة والجماعة يداً واحدة على أهل الشرك والبدعة والفجور، بدلاً من أن يكون موضوع أحاديثهم وموضوع لقائهم مع علمائهم هو أمثال هذه القضايا، أقول الذي يقرأ رسالة شيخ الإسلام ابن تيمية يجد الناحية التربوية والدعوية فضلاً عن الناحية العلمية، فهي في الجزء السادس من مجموع الفتاوى تبتدئ من صفحة (٤٦٥) .\rترجيح شيخ الإسلام بأنه لا يراه إلا المؤمنون.\rذكر شَيْخ الإِسْلامِ ثلاثة أقوال:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690653,"book_id":1659,"shamela_page_id":1779,"part":null,"page_num":1779,"sequence_num":1779,"body":"القول: بأنه لا يراه إلا المؤمنون ومن أقوى الأدلة عَلَى ذلك قوله ﷾: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين:١٥] وكل ما سبق أن ذكرناه من الآيات والأحاديث يستدل به هَؤُلاءِ ويقولون: إن الكفار لا يدخلون في ذلك، أي: لا يدخلون في النعيم ولا فيما يتعلق بالنعيم، وهو أمر معلوم، إذاً فلا يرون ربهم ﷾ في أي موقف من مواقف يَوْمَ القِيَامَةِ.\r\rأما الذين قالوا: إن الكفار يرونه فيقولون: نَحْنُ نقول: إنهم يرونه وقت الحساب فقط، ويستدلون بعموم ما جَاءَ في الأحاديث، منها: حديث أبي سعيد الخدري وحديث أَبِي هُرَيْرَةَ الذي أوله أن ناساً قالوا: يا رَسُول الله هل نرى ربنا يَوْمَ القِيَامَةِ؟ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ هل تضارون في رؤية القمر ... الخ.\r\rوحديث جرير وأبي سعيد (كنا جلوساً عند رَسُول الله ﷺ فأشار إِلَى القمر وقال لهم ذلك، الحديث بطوله وفيه يقول الله ﷿ بعد ذلك: من كَانَ يعبد شيئاً فليتبعه، فيذهب الذين يعبدون الطواغيت، ويأتي اليهود والنَّصَارَى فيمثل لهم شيطان عزيز وشيطان المسيح.....) الخ كما جَاءَ في الحديث، فيقولون: إن هذه الرؤية تحصل لأهل المحشر جميعاً والحديث فيها عام.\r\rوأيضاً في حديثأبي رزين العقيلي قَالَ: يا رَسُول الله: كيف يرى الخلائق ربهم وهو واحد؟ فَقَالَ ألا ترى أنهم جميعاً ينظرون إِلَى القمر وهو واحد قَالَ: بلي فيستدلون بنفس الأحاديث في الرؤية لكن بعمومها، وأنها تدل عَلَى أنه لا فرق بين المؤمنين وبين الكفار في الرؤية التي قبل الحساب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690654,"book_id":1659,"shamela_page_id":1780,"part":null,"page_num":1780,"sequence_num":1780,"body":"وفصلت فرقة ثالثة وقالت: إن نفس هذه الأحاديث جَاءَ في بعضها ما يفصل وهو أنه ﷾ يأتي الخلائق في صورة غير الصورة التي يعرفون، فيسألهم ويمتحنهم، ثُمَّ ينفض الكفار، وتذهب كل فرقة أو طائفة من الكفار مع طاغوتها الذي كانت تعبده، فتبقى هذا الأمة ومعها منافقوها، فيتجلى الله ﷾، فإذا رأوه خروا سجداً، والمؤمنون يسجدون والمنافقون تكون ظهورهم كالخشبة فلا يسجدون، فهذا دليل عَلَى أن المنافقين يرون الله وأن الكفار لا يرون الله ﷾.\rوالكلام كما قال شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ وكما ذكر المُصْنِّف هنا أن الأمر فيه هين -ولله الحمد- وذلك بأن يقالأهل السنة جميعاً: متفقون عَلَى أن رؤية الإنعام والتكريم والتلذذ لا تكون إلا للمؤمنين في الجنة هذا أمر معلوم وقطعي متفق عليه.\rفبقي إذاً مسألة الرؤية أثناء الحساب وأثناء العرض، إن وقعت للكفار فليست تكريماً ولا تنعماً، وإنما هي إقامة للحجة، وإن لم تقع لهم، فهي أيضاً من ضمن العقوبات، هذا ما يجعلنا نخرج من الخلاف، حتى أن شَيْخ الإِسْلامِ في آخر هذه الرسالة قَالَ: إن الوقت لا يتسع للترجيح فيها، ولكن ليست بذات الأهمية التي لا بد أن نرجح فيها، فنحن يكفينا هذا، وهو أن نعلم: أنه إن ثبتت الرؤية للكفار في حال الحساب وما قبله، فهي ليست رؤية التنعم والتلذذ والإكرام، وإنما هي رؤية لإقامة الحجة وللمحاسبة وللعقوبة.\r\rوأما التي بالإجماع ولا ينالها الكفار ولا المنافقون إنما هي للمؤمنين، فهذه الرؤية التي هي للنعيم، وهي رؤية المؤمنين ربهم في الجنة، هذه الرؤية التي تُنَضِّرُ الوجوه، وهذه هي الزيادة التي يعطيها الله ﷾ أهل الجنة، ويحسن بها إليهم فوق إحسانه إليهم بإدخالهم الجنة، هذا ما يقتضيه المقام هنا.\r\rمن سوى النبي ﷺ لا يرى الله في الدنيا بعينه بالاتفاق","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690655,"book_id":1659,"shamela_page_id":1781,"part":null,"page_num":1781,"sequence_num":1781,"body":"قَالَ المُصْنِّفُ ﵀ تَعَالَى:\r[واتفقت الأمة عَلَى أنه لا يراه أحد في الدنيا بعينيه، ولم يتنازعوا في ذلك إلا في نبينا ﷺ خاصة، منهم من نفى رؤيته بالعين، ومنهم من أثبتها له ﷺ، وحكى القاضي عياض في كتابه الشفا اختلاف الصحابة ﵃ ومن بعدهم في رؤيته ﷺ وإنكار عَائِِِشَةَ ﵂ أن يكون ﷺ رأى ربه بعين رأسه، وأنها قالت لمسروق حين سألها: هل رأى مُحَمَّد ربه؟ فقالت: لقد قفَّ شعري مما قلت، ثُمَّ قالت: من حدثك أن محمداً رأى ربه فقد كذب.\r\rثُمَّ قَالَ: وقال جماعة بقول عَائِِِشَةَ ﵂ وهو المشهور عن ابن مسعود وأَبِي هُرَيْرَةَ واختلف عنه وقال بإنكار هذا وامتناع رؤيته في الدنيا جماعة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين، وعن ابن عباس ﵄ أنه ﷺ رأى ربه بعينه.\r\rوروى عطاء عنه: رآه بقلبه ثُمَّ ذكر أقوالاً وفوائد ثُمَّ قَالَ: وأما وجوبه لنبينا ﷺ والقول بأنه رآه بعينه فليس فيه قاطع ولا نص، والمعول فيه عَلَى آية النجم والتنازع فيها مأثور والاحتمال لهما ممكن، وهذا القول الذي قاله القاضي عياض ﵀ هو الحق فإن الرؤية في الدنيا ممكنه إذ لو لم تكن ممكنة، لما سألها موسى ﵇؛ لكن لم يرد نص بأنه ﷺ رأى ربه بعين رأسه بل ورد ما يدل عَلَى نفي الرؤية، وهو: ما رواه مسلم في صحيحه عنأبي ذر ﵁ قَالَ: سألت رَسُول الله ﷺ هل رأيت ربك؟ فَقَالَ: (نور أنَّى أراه) وفي رواية (رأيت نورا) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690656,"book_id":1659,"shamela_page_id":1782,"part":null,"page_num":1782,"sequence_num":1782,"body":"وقد روى مسلم أيضاً عنأبى موسى الأشعري ﵁ أنه قَالَ: (قام فينا رَسُول الله ﷺ بخمس كلمات، فقَالَ: إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه يُرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور -وفي رواية: النَّار - لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) فيكون -والله أعلم- معنى قوله لأبى ذر (رأيت نوراً) أنه رأى الحجاب ومعنى قوله: (نورٌ أنى أراه) النور الذي هو الحجاب يمنع من رؤيته، فأنى أراه؟ أي: كيف أراه والنور حجاب بينى وبينه يمنعنى من رؤيته؟ فهذا صريح في نفي الرؤية والله أعلم، وحكى عثمان بن سعيد الدارمي اتفاق الصحابة عَلَى ذلك ونحن إِلَى تقرير رؤيته لجبريل أحوج منا إِلَى تقرير رؤيته لربه تَعَالَى وإن كانت رؤية الرب تَعَالَى أعظم وأعلى فإن النبوة لا يتوقف ثبوتها عليها ألبتة.\rوقوله: بغير إحاطة ولا كيفية -هذا لكمال عظمته وبهائه ﷾: لا تدركه الأبصار ولا تحيط به، كما يُعلم ولا يحاط به علما، قال تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ [الأنعام: ١٠٣] وقال تَعَالَى: وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً [طه: ١١٠] اهـ.\rالشرح:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690657,"book_id":1659,"shamela_page_id":1783,"part":null,"page_num":1783,"sequence_num":1783,"body":"يقول المُصْنِّف ﵀ تعالى: [واتفقت الأمة عَلَى أنه لا يراه أحد في الدنيا بعينه] هذه قاعدة عظيمة وإجماع متواتر لا يشك فيه عالم بدين الله تعالى، ولا يماري فيه ولا يدعي خلافه إلا زنديق أو جاهل، وهو أنه لا يرى الله تَعَالَى أحد في هذه الدنيا جهرة، ولو كَانَ ذلك حاصلاً لأحد من الأولياء أو من العباد لكان كليم الله موسى أولى به، بل الصحيح أن النبي ﷺ أكرم الخلق عَلَى الله وأعظمهم ولاية وقربة من الله ﵎ وأرفعهم درجة وهو الذي وصل عنده في ليلة الإسراء والمعراج إِلَى الغاية التي لم يصل إليها ملك مقرب، ولا نبي مرسل، ومع ذلك فإنه لم ير ربه بعينه في الدنيا وعلى هذا يدل الحديث الصحيح قوله ﷺ: (لن يرى أحد منكم ربه ﷿ حتى يموت) ،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690658,"book_id":1659,"shamela_page_id":1784,"part":null,"page_num":1784,"sequence_num":1784,"body":"ولم يخالف في ذلك أحد من أئمة الإسلام وعلمائه المعتبرين -والْحَمْدُ لِلَّهِ- وإنما وردت في كتب الصوفية الزنادقة -الذين يتمسحون بالتعبد والتأله والتزهد، وهم زنادقة فجرة- نقل عنهم أنهم يرون ربهم وأنهم يثبتون ذلك للأولياء أو الأقطاب، وقد أفتى العلماء ومنهم شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ، بأن من قَالَ: إن أحداً من الأقطاب أو الأولياء أو الأوتاد يرى الله ﷾ بعينه في هذه الحياة الدنيا، فإنه يبين له الدليل، فإن تاب وإلا قتل، ويكفر إذا كَانَ يعتقد أن في ذلك تفضيلاً، فإذا بُين له أنك بهذا القول تفضل القطب أو الولي عَلَى أنبياء الله؛ لأن الله منع الرؤية عن موسى ﵇، فإذا اعتقد أن هذا الولي أو القطب أياً كَانَ أفضل من موسى ﵇، أي: حصل له ما لم يحصل للنبي، وكان ممن يعتقد تفضيل الأولياء عَلَى الأَنْبِيَاء كما كَانَ يقول ابن عربي وأمثاله، فعليه أن يرجع ويعود إِلَى حظيرة الإيمان ولا يعود إِلَى هذا القول، فإن أصر عَلَى هذا القول، فإنه يقتل كفراً وردة، وينطبق عليه قول النبي ﷺ: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، وذكر منها: التارك لدينه المفارق للجماعة) فهذا ترك الدين وفارق الجماعة بعد قيام الحجة عليه، هذا بخصوص رؤية غيره ﷺ.\r\rالنزاع في رؤية النبي ﷺ لربه جل وعلا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690659,"book_id":1659,"shamela_page_id":1785,"part":null,"page_num":1785,"sequence_num":1785,"body":"النزاع في رؤية النبي لربه قديم من أيام الصحابة -رضوان الله عليهم- وبعض العلماء ينفى التنازع ويقول: إنه لم يحدث، ولم يقع خلاف بين أصحاب النبي ﷺ في رؤية الله عياناً بالبصر وكلهم متفقون عَلَى أنه لم يقع، وما نقل عن بعضهم كابن عباس وابن مسعود وأَبِي هُرَيْرَةَ رضى الله عنهم، إما أنه لم يثبت وإما أن المقصود به الرؤيا بالقلب وليست بالعين، وهذا القول رجحه كثير من العلماء، وهو الذي رجحه الإمامعثمان بن سعيد الدارمي وقَالَ: إن الصحابة اتفقوا عليه، وهو أيضاً القول الذي اختاره الحافظ ابن كثير في أول كلامه عَلَى سورة النجم وإن كَانَ بعد ذلك ذكر ما يشعر بخلافه، وكأنه ﵀ اضطرب في ذلك، فالمقصود أن الذي عليه الأغلب والذي تجتمع به الأدلة أن النبي ﷺ ليلة أسري به لم ير ربه تَعَالَى بعينه فضلاً عما سوى ذلك. وإنما حصل له ﷺ رؤية أخرى بالقلب، وهي التي ذكرت في حديث اختصام الملأ الأعلى (رأيت ربى في أحسن صورة) ، وهو من رواية ابن عباس التى سندها سند البُخَارِيّ لما رأى النبي ﷺ ربه في المنام في أحسن صورة فقَالَ: (يا مُحَمَّد أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى، فقَالَ: لا، فقَالَ: في الكفارات والدرجات) وهو الحديث الذي ذكر طرقه ورواياته الإمام الحافظ ابن كثير في تفسير سورة (ص) عند قوله تعالى: مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَأِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ [صّ:٦٩] وشرحه الحافظ ابن رجب في كتاب منفرد وهو (اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى) والمصنف ﵀ اختصر ما جَاءَ في كتاب الشفا في أحوال المصطفى ﷺ للقاضي عياض المالكي، وقد تحدث وأطال في موضوع الرؤيا، ولخص المُصْنِّف ﵀ كلامه، كما أطال في ذلك الشرح،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690660,"book_id":1659,"shamela_page_id":1786,"part":null,"page_num":1786,"sequence_num":1786,"body":"وقد شرحه اثنان أحدهما شهاب الدين الخفاجي وسمي شرحه نسيم الرياض في شرح الشفا للقاضي عياض٢ والشرح الآخر للملا عَلَى القاري الحنفي. وأصل الخلاف في موضوع رؤية النبي ﷺ -هل حصلت بالعين أم لم تحصل- هو اختلاف العلماء من عهد الصحابة في تفسير سورة النجم في قوله تعالى: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى [النجم:١] وإذا تأملنا الآيات نجد أنها أثبتت رؤيتين لما قال: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى [النجم:١٣] هذه هي الأخرى، وكلمة (نَزْلَةً) اسم مرة، يعنى: مرة أخرى، والمرة الأولى كانت قبل ذلك، والفهم الذي يمكن أن نفهمه قبل أن ندخل ونخوض في الخلاف أن القول الصحيح الراجح يتبين من سياق الآيات نفسها، فإن الله تَعَالَى أقسم بالنجم إذا هوى بأن النبي ﷺ ليس بضال ولا غاوي عن الطريق كما يزعم أولئك، وأن ما يقوله ﷺ إنما هو وحي يوحى علمه شديد القوى، وقد جَاءَ في القُرْآن في مواضع أخرى أن الذي علم النبي ﷺ القُرْآن والوحي هو جبريل الأمين كما قال تَعَالَى: وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ [التكوير:٢٣] والمقصود بالرؤية هنا بلا شك هو جبريل ﵇. وفي صحيح","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690661,"book_id":1659,"shamela_page_id":1787,"part":null,"page_num":1787,"sequence_num":1787,"body":"البُخَارِيّ وغيره أنه ﷺ رأى جبريل عَلَى خلقته التي خلقه الله تَعَالَى عليها، له ستمائة جناح قد سد الأفق وفي القُرْآن يقول الله: وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ إذاً الآية والأحاديث الصحيحة تدل عَلَى أن المرئي هنا جبريل وعلى أن الذي يعلم النبي ﷺ هو جبريل عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى [النجم:٥-٨] فالأفق الذي ورد هنا ورد في الآية الأخرى وفي الأحاديث، ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى [النجم:٨] إذاً جبريل ﵇ دنا فتدلى من رَسُول الله ﷺ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى [النجم:٩] أي: لا يزيد عن ذلك، فـ (أو) ليست للشك وإنما هي لنفي الزيادة، أي: تكون أقل من ذلك كما قال تَعَالَى وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ [الصافات:١٤٧] فقوله (أو) ليست للشك؛ لكن المعنى أنهم لا ينقصون عن المائة ألف بل يزيدون. فالمقصود أن جبريل ﵇ دنا فتدلى وهو بهيئته وخلقته العظمى التي خلقه الله تعالىعليها بعد أن كَانَ يأتي النبي ﷺ، في صورة إنسان من البشر، كما أتى في صورة دحية الكلبي، فإن الله تَعَالَى أعطى الملائكة قوة التشكل والتصور كما يشاء تَعَالَى أن يأتوا، ولكن من حكمته ﷾، ومن رحمته، وليثبت نبيه ﷺ، ويذهب عنه الروع والخوف مما لقيه لما نزل عليه الملك بحراء، وليطمئنه ﷺ بأن هذا ليس بجني وليس بشيطان، وأن هذا حق وهو رسوله إِلَى رسله وأمينه الذي ائتمنه عَلَى وحيه، فجاءه جبريل في تلك الصورة فتأكد رَسُول الله ﷺ واستيقن أن هذا هو رَسُول الله وأمينه، وهو روح","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690662,"book_id":1659,"shamela_page_id":1788,"part":null,"page_num":1788,"sequence_num":1788,"body":"الله تعالى؛ لأن تلك الصورة العظمى لا يمكن ولا يتخيل أن يكون عليها أي مخلوق من المخلوقات، فإنها من العظمة بما تعجز عنه العقول، حتى قال في إحدى الروايات في المسند (فكان له ستمائة جناح يسقط منها التهاويل والدر والياقوت) يعنى: الجواهر والياقوت الملون العظيم تتساقط من ستمائة جناح قد سدت الأفق كله، وهذا دليل عَلَى عظم خلق جبريل ﵇ التى خلقه الله عليها وإذا شاء الله ﷿ جَاءَ في صورة رجل كما جَاءَ في حديث جبريل المعروف، وجلس بين يدي النبي ﷺ جلسة المتعلم السائل وهو في الحقيقة المعلم كما أخبر النبي ﷺ بذلك في قوله (هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم) . إذاً قوله تعالى: ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى [النجم:٨-١٠] معناها: فأوحى جبريل إِلَى عبد الله مُحَمَّد ﷺ وقد جَاءَ هذا التعبير كما في قوله تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِه [الإسراء: ١] والعبودية هي أشرف وصف يوصف به المخلوق، والنبي ﷺ قال ذلك ونص عليه وقَالَ: (لا تطروني كما أطرت النَّصَارَىابن مريم فإنما أنا عبد الله فقولوا عبد الله ورسوله) فأشرف وصف يقال للنبي ﷺ أنه عبد الله ورسوله العبد الذي تحققت فيه كل معاني العبودية ففي مجال التكريم والتعظيم والتشريف يقول الله: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِه ويقول: فَأَوْحَى إِلَى٦٠٠٥٨٢٢ عَبْدِهِ مَا أَوْحَى [النجم:١٠] كأنه هو وحده العبد، وإلا فالخلق كلهم عباد، ولكن اختصاصه بهذا لأنه بلغ الدرجة العليا في العبودية، وهو أيضاً عند الله بمنزلة عليا لا يشاركه فيها أحد. والتعبير فيه إشارة لطيفة جداً إِلَى أن الرؤيتان حصلتا لجبريل: رؤية في العالم السفلي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690663,"book_id":1659,"shamela_page_id":1789,"part":null,"page_num":1789,"sequence_num":1789,"body":"حيث رآه في أجياد أو في الأبطح وهنالك مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى [النجم:١١] فهي ليست مجرد رؤية بالعين بل حقيقة استيقنها القلب، ورؤية حصلت في الملأ الأعلى عند سدرة المنتهى وهناك مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى [النجم:١٧] فلم يزغ البصر ولم يطغ مما رأى لأنه فوق طاقة البشر لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى [النجم:١٨] ومنها رؤية جبريل عَلَى خلقته فالرؤيتان كلاهما لجبريل فرآه النبي ﷺ في خلقته التي خلقه الله عليها مرتين. إذاً: إذا تأملنا آوائل سورة النجم التي حصل فيها الخلاف لم نجد الظاهر والراجح إلا القول بأن الرؤية لجبريل ﵇، وأنه ﷺ لم ير ربه ﷾، وليس فيه إشارة إِلَى أنه رأى ربه، يعنى: لا يدل عَلَى ذلك، فالكلام كله في الوحي، وفي نزول جبريل ﵇ بالوحي، وفي الرؤية التي حصلت ثُمَّ قال: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى [النجم:١٣] فالمرأي في الأخرى هو المرأي في الأولى، وهناك إجماع عَلَى أن هذا المرأي في قوله: وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ [التكوير:٢٣] الضمير يعود عَلَى جبريل ﵇. إذاً يكون كل ما ورد بخلاف ذلك فهو مرجوح، مثل ما ورد في رواية شريك بن عبد الله (ثُمَّ دنا الجبار فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى) هذه رواية مرجوحة مضطربة كما سيأتي إن شاء الله الكلام عَلَى ضعفها واضطرابها بالتفصيل في مبحث الإسراء والمعراج. وكيف حصل النزاع؟ الذي يبدوا -كما أشرنا- أنه حصل لبس في فهم الرؤية وفي الضمير عَلَى من يعود في قوله تعالى: (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى وليس فيما روي عن ابن عباس ﵄ ما وعن أَبِي هُرَيْرَةَ وإن كَانَ لا يثبت عنه، وعن ابن مسعود من أن النبي ﷺ رأى ربه؛ لأنه قد روى النَّسَائِيُّ وغيره","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690664,"book_id":1659,"shamela_page_id":1790,"part":null,"page_num":1790,"sequence_num":1790,"body":"عن ابن عباس قَالَ: (إن الله اختص موسى بالتكليم، واختص إبراهيم بالخلة، واختص مُحَمَّد ﷺ بالرؤية) . وأيضاً ما رواه ابن خزيمة عن ابن عباس في قوله تعالى: وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ [الإسراء:٦٠] قَالَ: (رؤيا عين أريها النبي ﷺ ليلة أسري به) ، فحصل اللبس في مثل هذا. إما أن يكون صح عن ابن عباس أنه قَالَ: إنه رآه بعينه ويكون اللبس حصل في فهمه -فلا يمنع ذلك- وهو الحبر العالم الجليل المشهور، ولكن العصمة إنما هي لرَسُول الله ﷺ عن الخطأ في مثل هذه الأمور وما عداه فالخطأ عليه وارد. وإما أن يكون الخطأ حصل من الرواة ومن بعد الصحابة كعكرمة ومسروق ومن روى عنهم هذا القول، وقصةمسروق مع أم المؤمنين في هذا الحديث الصحيح الذي رواه البُخَارِيّ تدل عَلَى أن اللبس في الفهم وقع من مسروق، كما في الحديث المتفق عليه، وهذا لفظ مسلم قال مسروق:كنت متكئاً عند عَائِِِشَةَ ﵂ فقالت: (يا أبا عَائِِِشَةَ ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم عَلَى الله الفرية) ثلاثة أمور مهم جداً أن نعلم هذه الأمور، ولا سيما وأن أم المؤمنين قد قالتها وهي جازمة متأكدة، لنعلم أن احتمال الغلو في رَسُول الله ﷺ كَانَ من قديم، وكان الصحابة رضوان الله عليهم يتوقعونه إن لم يكن قد ظهر بوادره في أيامهم، وعالجوه بمثل ما عالجت به أم المؤمنين بقولها هذا: قالت لمسروق (أبا عَائِِِشَةَ ثلاث من تكلم عَلَى الله بهن فقد أعظم عَلَى الله الفرية، أي: افترى عَلَى الله افتراءً عظيماً. (قلت: ما هنَّ؟ قالت: من زعم أن محمداً رأى ربه فقد أعظم عَلَى الله الفرية، وكانمسروق متكئاً فجلس فمسروق) ، أحس أنها صدمته بقول كَانَ يظن ويعتقد خلافه. قَالَ: (فجلست وقلت: يا أم المؤمنين أنظريني ولا تعذريني) أي: يا أم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690665,"book_id":1659,"shamela_page_id":1791,"part":null,"page_num":1791,"sequence_num":1791,"body":"المؤمنين سأقول كلاماً يخالف كلامك تبيني ما أقول ثُمَّ أجيبيني. (قالتأم المؤمنين: نعم قَالَ: ألم يقل الله ﷿: وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ [التكوير:٢٣] وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى. أي: أن مسروقاً كَانَ لديه لبس وهو أن هذا المرئي بالأفق المبين وفي النزلة الأخرى هو الله. (فقالت أم المؤمنين: أنا أول هذه الأمة سأل رَسُول الله ﷺ عن ذلك فقالت: قال رَسُول الله ﷺ: (إنما هو جبريل) أي أن الذي رأيته بالأفق المبين، والذي رأيته نزلة أخرى إنما هو جبريل، ولم أرَه عَلَى صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين، ثُمَّ قالت أم المؤمنين: (ألم تسمع أن الله يقول: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الأنعام:١٠٣] ألم تسمع أن الله يقول: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ [الشورى:٥١] . ثُمَّ قالت أم المؤمنين (ومن زعم أن رَسُول الله ﷺ كتم شيئاً من كتاب الله فقد أعظم عَلَى الله الفرية) إذاً فقد كَانَ يوجد في أيامها من يفهم أن محمداً ﷺ رأى ربه ولهذا ردت عليه بالأولى، وكان في أيامها من يشيع أن النبي ﷺ كتم شيئاً من العلم ولم يبينه للأمة، وقد وجد ذلك فكانت بداية الرفض في أيام عَائِِِشَةَ رضى الله عنها بل قبل أن يراها مسروق. وفي إمارة أمير المؤمنين عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِب ﵁ كَانَ الرافضة يشيعون بأن هناك علماً خاصاً أوحاه الله إِلَى محمد؛ ولكنه كتمه عن الأمة جميعاً، واختص به علياً وآل البيت، وهو علم الجفر الذي يزعمون أن علياً أخذه،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690666,"book_id":1659,"shamela_page_id":1792,"part":null,"page_num":1792,"sequence_num":1792,"body":"وأخذ الأئمة من بعده يتداولونه سراً حتى وصل إِلَى الإمام الثاني عشر، فأخذه ودخل به السرداب، ولن يرى النَّاس هذا العلم المكتوم إلا إذا خرج من السرداب، فحينئذ ينشر شيئاً من علم النبي ﷺ الذي لم يعلمه أحد من الأمة، وهذه الإشاعات كانت لها بدايات موجودة في أيام أمير المؤمنين عَلِيّ ﵁. ولهذا صح عنه في الصحيح وغيره لما سُئل هل خصكم رَسُول الله ﷺ بشيء من العلم؟ وهذا دليل عَلَى أنه قد أشيع، وإلا فكيف يسئل عنه؟ قَالَ: (لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة: ما خصنا رَسُول الله ﷺ بشيء من العلم، إلا فهماً في كتاب الله يؤتيه من يشاء، وما في هذه الصحيفة، فلما أخرجها وإذا فيها الديات وفكاك الأسير، ولعن الله من آوى محدثاً وأن المدينة حرم) عَلَى اختلاف الروايات. وهذا الحديث وما فيه من الأحكام، كانت مكتوبة واحتفظ بها علي ﵁، ولم تكن خاصة لأنها قد رويت عن غير عَلِيّ ﵁ وهي معلومة عند الأمة من طرق ومن أحاديث أخرى، فليس فيها اختصاص إلا أنها كانت مكتوبة، وكان أمير المؤمنين يضعها في قراب السيف ليحتفظ بها. والقضية الثالثة التي من قال بها فقد أعظم عَلَى الله الفرية تقولأم المؤمنين (ومن زعم أنه -أي: النبي ﷺ يُخبر بما يكون في غدٍ فقد أعظم عَلَى الله الفرية) ، وفي رواية أيضاً صحيحة: (ومن زعم أنه ﷺ يعلم الغيب فقد أعظم عَلَى الله الفرية) ، وهذا افتراء عظيم عَلَى الله، فقد كانت هناك أيضاً بوادر غلو في النبي ﷺ، وكانت الجارية تنشد (وفينا رَسُول الله يعلم ما في غد) فنهاها النبي ﷺ أن تقول ذلك، وقد ظهر وانتشر في الأعصار المتأخرة حتى وجد من يقول: أنه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690667,"book_id":1659,"shamela_page_id":1793,"part":null,"page_num":1793,"sequence_num":1793,"body":"عَلِمَ كل شيء حتى أنه علم متى تقوم الساعة -نعوذ بالله - أيُّ غلو وأي افتراء عَلَى الله وأي تكذيب لكتاب الله أعظم ممن يقول: إن النبي ﷺ علم الغيب كله حتى أنه يعلم متى تقوم الساعة؟ فماذا بقي لله ﷿؟ بل قال قائلهم وهو البوصيري: ومن علومك علم اللوح والقلم\rالكتاب المبين الذي أحصى الله فيه كل شيء ما كَانَ وما سيكون يجعلونه جزاءً من علوم النبي ﷺ، فأي غلو وأي افتراء أعظم من ذلك؟! وهذا تكذبه الآيات من كتاب الله وتكذبه سنة الرَّسُول ﷺ، كما نطقت به أم المؤمنين وقد أعظموا عَلَى الله الفرية بقولهم هذا. ثُمَّ استشهدت أم المؤمنين الفقيهه عَلَى القضية الأولى بنفي الرؤية بآيتين، وقد سبق شرح الآيتين وجاءت الآية الثانية وهي البلاغ فقالت: (يَا أَيُّهَا الرَّسُول ولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ [المائدة: ٦٧] فمن يقول إن النبي ﷺ كتم شيئاً من العلم فإنه يتهمه بأنه لم يبلغ الرسالة. واستدلت عَلَى القضية الثالثة وهي أنه لا يعلم الغيب أيضاً بآية من كتاب الله وهي قوله تعالى: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ * وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ [الأنعام:٥٨-٥٩] وتقديم الضمير والظرف للاختصاص. والمراد أنه بهذه الأحاديث وبالحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم عن أبي ذر يتضح لنا أن النبي ﷺ لم يرَ ربه وأن ما قيل عن رؤيته لربه يحمل عَلَى الرؤية القلبية. يعنى ما جَاءَ عن ابن عباس ﵄ أنه قَالَ: (رآه بفؤاده مرتين) فنحمل المطلق عَلَى المقيد، ونقول: ما أثبته ابن عباس","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690668,"book_id":1659,"shamela_page_id":1794,"part":null,"page_num":1794,"sequence_num":1794,"body":"هو رؤيته لربه بفؤاده وقد يرد سؤال فيقول بعضهم: الرؤيا بالفؤاد ثابتة لجميع الأَنْبِيَاء والصالحين؟ ومن حقيقة هذا كلام يطلق ويقال ولو دقق فيه الإِنسَان لوجد أنه غير صحيح إذ كيف تحصل الرؤيا بالفؤاد لجميع المؤمنين؟! وإذا وجدنا أن ابن عباس نفسه قد جَاءَ عنه بالسند الصحيح الذي هو سند البُخَارِيّ حديث الرؤيا المنامية (رأيت ربى في أحسن صورة) فنعلم حينئذ أن ابن عباس لم يتناقض، وإنما يقصد أنه ﷺ رأى ربه بفؤاده ورآه في المنام ورؤيا الأَنْبِيَاء حق، فيكون النبي ﷺ قد رأى ربه في المنام مرتين بفؤاده، وليس مجرد العلم بالله أو بصفاته بالقلب بل رآه حقاً بفؤاده مرتين ورأى جبريل ﵇ بعينه بخلقته التي خلقه الله عليها مرتين، وبذلك تجتمع النصوص والأدلة. أما ما روي عن ابن مسعود وأبى هريرة، فإنه لا يصح كما يظهر من الروايات التي رويت عنهما، وحديث أبي ذر الذي رواه مسلم في صحيحه، وهذا يدل عَلَى أنه إن صح عن أبي ذر احتمال للرؤية، فإنه كَانَ قبل أن يسأل النبي ﷺ، أما بعد أن سأل فلم يعد هنالك احتمال؛ لأن الحديث صحيح صريح (قَالَ: سألت رَسُول الله ﷺ هل رأيت ربك؟ فَقَالَ نور أنى أراه) ، وفي رواية (رأيت نوراً) أي: لا أستطيع كيف أراه؟ ورواية أبي موسى الأشعري ﵁ في صحيح مسلم تؤيد هذا، وهو قوله قام فينا رَسُول الله ﷺ بخمس كلمات، أي: خمس كلمات عظيمة جداً، وهذا الحديث فيه (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام) ﷾ لا تأخذه سنة ولا نوم لكمال حياته وقيوميته. وذكرنا أنه ليس هناك نفي مطلق مجرد وإنما يأتي النفي المطلق لإثبات مقابله من الصفات الثبوتيه، اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690669,"book_id":1659,"shamela_page_id":1795,"part":null,"page_num":1795,"sequence_num":1795,"body":"سِنَةٌ وَلا نَوْم [البقرة: ٢٥٥] لكمال حياته وقيوميته وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ [فاطر: ٤٤] أي لكمال قدرته، فكل نفي يأتي في القُرْآن لا يأتي مجرداً، إنما يأتي لإثبات الصفة الثبوتية التي يدل عليها ذلك النفي. وتمام الحديث (يخفض القسط ويرفعه، يُرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره) . والصحابة مجمعون عَلَى أن النبي ﷺ لم ير ربه بأم عينه، وقد تقدم الكلام عَلَى المراد بآيات سورة النجم. قَالَ المُصْنِّفُ ﵀ تعالى: [وأما وجوبه -وجوب الرؤيا- لنبينا ﷺ والقول بأنه رآه بعينه] المقصود بالوجوب في كلام القاضي عياض أي الوقوع فالمعنى: وأما وقوعه كما قال تعالى: فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا [الحج: ٣٦] . لكن الذين يقولون: إنها قد وقعت فإنه يجب الإيمان بها، لأن ما صح في الحديث يجب أن نؤمن به، فإن الوجوب فرع عن الثبوت. والشاهد من قول القاضي عياض \"فليس فيه قاطع ولا نص إذا المعول فيه عَلَى آيتي النجم، والتنازع فيهما مأثور، والاحتمال لهما ممكن، ولا أثر قاطع عن النبي ﷺ بذلك\" قَالَ المُصْنِّفُ ﵀ تَعَالَى تعليقاً عليه: [وهذا القول الذي قاله القاضي عياض هو الحق فإن الرؤية في الدنيا ممكنة، إذ لو لم تكن ممكنة لما سألها موسى ﵇] فالأنبياء لا يجهلون ما ينبغي في حق الله ﷾ إِلَى حد أن يسألوا الرؤية وهي مستحيلة، وإنما هي ممكنة، ولكنها في هذه الدنيا لم تقع ولم يوقعها الله له، وإنما تقع في الآخرة.\r\rتقرير رؤية النبي ﷺ لجبريل عليه السلام","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690670,"book_id":1659,"shamela_page_id":1796,"part":null,"page_num":1796,"sequence_num":1796,"body":"يقول المصنف: [ونحن إِلَى تقرير رؤيته - أي: رؤية النبي ﷺ لجبريل أحوج منا إِلَى تقرير رؤيته لربه تَعَالَى وإن كانت رؤية الرب تَعَالَى أعظم وأعلى فإن النبوة لا يتوقف ثبوتها عليها ألبتة] .\rمعنى كلامه نَحْنُ أحوج إِلَى أن نثبت ونقرر رؤية النبي ﷺ لجبريل، ولا شك أن رؤية الله أعظم من ذلك، ولكن لا تتوقف النبوة عَلَى إثبات أن النبي ﷺ رأى ربه، إذ من المعلوم لدى جميع الأمم التي تؤمن أن الله يرسل رسلاً وأولئك الرسل لم يقل أحد منهم إني رأيت ربي.\rفمعلوم عند بني الإِنسَان أن رؤية الله تَعَالَى ليست شرطاً في النبوة، لكن نَحْنُ أحوج إِلَى تقرير أنه ﷺ رأى جبريل، وهذا تقريره عظيم ومهم؛ لأن فيه علاقة بإثبات النبوة للنبي ﷺ؛ لأن من النَّاس من قالوا: إن الشياطين تنزلت بالقرآن فنفى الله ذلك وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ [الشعراء:٢١٠-٢١١] . قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ [النحل:٢٤] ولم يكن المُشْرِكُونَ ينفون الوحي من ربه، وأنه لم يرى ربه؛ بل كانوا يقولون إن هذا الوحي ليس عن طريق ملك، وإنما هو شيطان يلقي إليه هذا القول.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690671,"book_id":1659,"shamela_page_id":1797,"part":null,"page_num":1797,"sequence_num":1797,"body":"فإذا أثبتنا وقررنا أنه ﷺ قد رأى جبريل ﵇ في خلقته الحقيقة الكاملة له التي خلقه الله عليها، فهذا رد واضح عَلَى مزاعم أُولَئِكَ الكفار الذين يزعمون أنه تلقاه عن الشياطين وقد أثبت الله تَعَالَى أنه قول رَسُول كريم نزل به الروح الأمين وهو جبريل ﵇، ولهذا رَسُول الله ﷺ لما رأى جبريل في صورته التي خلقه الله عليها اطمئن وتيقن أن هذا ملك مرسل من عند الله ﷿ وخاصة بعد أن نزل الوحي، ولم يكن لديه ﷺ شك أصلاً، ولكن بلغ ذروة اليقين بأن هذا ملك من عند الله، وهذا هو الملك الذي لا يمكن أن تتخيل صورته بأي مخلوق آخر من المخلوقات، فحينئذ وصل النبي ﷺ إِلَى الطمأنينة الكاملة.\r\rوقوله فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ورد أن الذي أوحى به إليه هو أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ، أو الضحى وبنزول هذه الآيات عليه زادته اطمئنانا، خاصة بعد أن زعم الكفار أن شيطانه قد كذبه فَقَالَ الله: مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى [الضحى:٣] إذاً فنحن إِلَى تقرير رؤيته ﷺ لجبريل أحوج منا إِلَى تقرير رؤيته لربه تَعَالَى.\rأما قوله [بغير إحاطة ولا كيفية] فقد سبق شرحها، وقلنا: إنه إذا جَاءَ في الكتاب أو السنة نفي مجرد فإن الله لا يوصف به؛ بل لإثبات كمال ضده [بغير إحاطة ولا كيفية] لكمال عظمته فالله تَعَالَى يُرى بغير إحاطة ولا كيفية؛ أي معلومة من جنس الكيفيات التي يرى بها المخلوقون.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690672,"book_id":1659,"shamela_page_id":1798,"part":null,"page_num":1798,"sequence_num":1798,"body":"ثُمَّ قال فيما سبق أيضاًً: [وهذا لكمال عظمته وبهائه ﷾، لا تدركه الأبصار ولا تحيط به، كما يُعلم ولا يُحاط به علماً] فهو كذلك يُرى، ولا تدركه الأبصار ثُمَّ قَالَ: قال تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الأنعام:١٠٣] وقَالَ: وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً وهذا مما سبق شرحه وإيضاحه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690673,"book_id":1659,"shamela_page_id":1799,"part":null,"page_num":1799,"sequence_num":1799,"body":"شرح العقيدة الطحاوية\rالإسراء والمعراج\rفضيلة الشيخ د. سفر بن عبد الرحمن الحوالي\r\rهذا باب جديد من أبواب العقائد، وهو باب الغيبيات التي يسميها أهل الكلام السمعيات، والمقصود عندهم بالسمعيات ما ثبت بالخبر أي: بالدليل السمعي -كما يسمونه- أي ما ورد في القرآن أو في السنة، والعقل لا يثبته ولا ينفيه، بخلاف الكلام والرؤية وأمثالها مما سبق بحثه فإنهم يقولون: إن تلك يثبتها العقل ويدركها أي: يدرك إثباتها ويقر بها ويحكم بأن الله ﷾ يوصف بها.\rوهناك صفات خبرية وأخبار مجردة كأحوال يوم القيامة، من الصراط والحوض والميزان، وكما هنا في الإسراء والمعراج، وأمثال ذلك مما أخبر به النبي ﷺ يؤمنون به ويقرون به على الشرط الذي سنذكره وسموه بالسمعيات، فأبواب العقيدة عندهم على نوعين:\r\rالأول: العقليات عموماً، وهي مباحث الإلهيات والصفات وما أشبه ذلك، وهذه تدخل جميعاً ضمن العقليات أي: التي يبحثها العقل ويثبتها ويدركها، وأما مباحث السمعيات فهي التي جاء بها النص وجاء بها الخبر عن النبي ﷺ والعقل عندهم لا ينفيها.\rفنحن سنتحدث إن شاء الله عنها ونبين أولاً: مذهبأهل السنة والجماعة في إثبات هذه الغيبيات.\r\rومذهب المتكلمين في ذلك ثم نتحدث عن الإسراء والمعراج إن شاء الله.\r\rقال الطحاوي ﵀:\r\r[والمعراج حق وقد أسري بالنبي ﷺ وعرج بشخصه في اليقظة إلى السماء، ثم إلى حيث شاء الله من العلا، وأكرمه الله بما شاء، وأوحى إليه ما أوحى، ما كذب الفؤاد ما رأى، فصلى الله عليه وسلم في الآخرة والأولى]\r\rقال المصنف رحمه الله تعالى:\r[المعراج: مفعال من العروج، أي: الآلة التي يُعرج فيها، أي يصعد، وهو بمنزلة السلم لكن لا نعلم كيف هو، وحكمه كحكم غيره من المغيبات، نؤمن به ولا نشتغل بكيفيته.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690674,"book_id":1659,"shamela_page_id":1800,"part":null,"page_num":1800,"sequence_num":1800,"body":"وقوله: [وقد أسري بالنبي ﷺ وعرج بشخصه في اليقظة] اختلف الناس في الإسراء فقيل كان الإسراء بروحه، ولم يُفْقَد جسده، نقله ابن إسحاق عن عائشة ومعاوية ﵄، ونقل عن الحسن البصري نحوه؛ لكن ينبغي أن يعرف الفرق بين أن يقال: كان الإسراء مناماً، وبين أن يقال كان بروحه دون جسده، وبينهما فرق عظيم، فعائشة ومعاوية ﵄ لم يقولا كان مناماً، وإنما قالا: أُسري بروحه ولم يُفْقَد جَسدُه، وفرق ما بين الأمرين، إذ ما يراه النائم قد يكون أمثالاً مضروبة للمعلوم في الصورة المحسوسة، فيرى كأنه قد عرج به إلى السماء وذُهب به إلى مكة، وروحه لم تصعد ولم تذهب، وإنما ملك الرؤيا ضرب له المثال، فما أرادا أن الإسراء كان مناماً، وإنما أرادا أن الروح ذاتها أسري بها ففارقت الجسد، ثم عادت إليه، ويجعلان هذا من خصائصه، فإن غيره لا تنال ذات روحه الصعود الكامل إلى السماء إلا بعد الموت، وقيل: كان الإسراء مرتين، مرة يقظة، ومرة مناماً، وأصحاب هذا القول كأنهم أرادوا الجمع بين حديثشريك وقوله: (ثم استيقظت) وبين سائر الروايات.\r\rوكذلك منهم من قال: بل كان مرتين مرة قبل الوحي ومرة بعده، ومنهم من قال: بل ثلاث مرات، مرة قبل الوحي ومرتين بعده، وكلما اشتبه عليهم لفظ زادوا مرة للتوفيق!! وهذا يفعله ضعفاء أهل الحديث، وإلا فالذي عليه أئمة النقل: أن الإسراء كان مرة واحدة بمكة، بعد البعثة، قبل الهجرة بسنة، وقيل: بسنة وشهرين ذكره ابن عبد البر، قال الشيخشمس الدين ابن القيم: يا عجباً لهؤلاء الذين زعموا أنه كان مراراً، وكيف ساغ لهم أن يظنوا أن في كل مرة تٌفرض عليهم الصلواتُ خمسين، ثم يتردد بين ربه وبين موسى حتى تصير خمساً، فيقول: (أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي) ثم يعيدها في المرة الثانية إلى خمسين ثم يحطها إلى خمس؟!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690675,"book_id":1659,"shamela_page_id":1801,"part":null,"page_num":1801,"sequence_num":1801,"body":"وقد غلَّط الحفاظ شريكاً في ألفاظ من حديث الإسراء، ومسلم أورد المسند منه، ثم قال: \" فقدم وآخر وزاد ونقص \" ولم يسرد الحديث، فأجاد ﵀، انتهى كلام الشيخ شمس الدين ﵀] اهـ.\rالشرح:\r\rنبدأ كما ذكرنا بالفقرة الأولى وهي ما هو مذهب أهل السنة والجماعة في الإيمان بالغيبيات، أو ما يسميه أهل الكلام بالسمعيات؟\rفالجواب هو: أنأهل السنة والجماعة يؤمنون بكل ما صح به الخبر عن رسول الله ﷺ، فكل ما ثبت آمنوا به وسلموا، والشرط الوحيد عندهم هو أن يصح ذلك فقط، وأن يثبت عن رسول الله ﷺ، فإذا ثبت شيء من الأمور الغيبية في الكتاب أو السنة آمن به أهل السنة والجماعة، كما كان يؤمن به أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم من القرون المفضلة، قبل ظهور أهل البدع والضلال، إذاً لا يوجد عندهم أي شرط في أي شيء إلا أن يثبت ذلك ويصح بالشروط المعروفة، أي: أن يصح السند إذا كان حديثاً ولا يكون فيه شذوذ ولا نكارة، وغيرها من شروط الحديث الصحيح التي يذكرها الأئمة المعروفون في ذلك، فإذا أثبتوا أمراً من الأمور فإن كان ذلك الخبر عن أحوال يوم القيامة، أو الجنة أو النار، أو من صفات الله ﷿، فكل ما جاء وصح نؤمن به.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690676,"book_id":1659,"shamela_page_id":1802,"part":null,"page_num":1802,"sequence_num":1802,"body":"ولا نعرضه على عقل ولا على رأي، ولا نقول هذا يخالف العقول، أو يخالف البراهين أو القواطع العقلية، ولا نقول: لا نؤمن به حتى تثبت سلامته من المعارضة العقلية أو نحو ذلك، ولا نقول أيضاً كما يقول الطرف الآخر، فالطرف الأول هم الذين يعارضون بالعقل وهم المتكلمون، والطرف الآخر هم الصوفية وأمثالهم الذين يقولون: ثبت بطريق الكشف، أو ثبت بطريق الذوق أن هذا لا ينبغي، أو أن هذا لا يجوز، وأن ذلك لا يصح أو ما أشبه ذلك، كما تقول الصوفية مثلاً في الحكم لأبوي النبي ﷺ بأنهما في الجنة، ويردون الأحاديث الصحيحة في ذلك، ويقولون: هذا لا يليق وقد ثبت عن أرباب المعرفة وأرباب الكشف والذوق أنهم في الجنة، هذا كلام لا يقبل عند أهل السنة والجماعة لأن العبرة عندهم هي: أن يصح الدليل هذا هو الشرط في أي حكم وفي أي أمر من الأمور، ولهذا أهل السنة والجماعة لا يفصِّلون في الأبواب، ولا يفّرقون فيجعلون أبواباً عقلية، وأبواباً سمعية، فكل ذلك عندهم شيء واحد، كله إذا ثبت به الدليل وصح به النقل آمنوا به وسلمت له عقولهم، وأيقنوا به في قلوبهم دون أي معارضة ولا أي تردد.\r\rهذا بإيجاز مذهب أهل السنة والجماعة وأما غيرهم فإنهم في مثل هذا الباب -في باب السمعيات- إما أن يردوا ذلك مطلقاً، ويقولون: إن العقل يعارضها، كما نقل عن المعتزلة ومن اتبعهم من الروافض: أنهم ينكرون عذاب القبر أو ينكرون الميزان أو ينكرون الصراط، وسيأتي تفصيل الكلام في الصراط والميزان إن شاء الله.\r\rومنهم أيضاً من أنكر الإسراء والمعراج الذي هو موضوعنا وأخذوا يقولون: لا يعقل ذلك، وقال بعض المعتزلة نؤمن بالإسراء ولا نؤمن بالمعراج، أي يقولون: الذهاب من مكة إلى بيت المقدس ثم العودة هذا ممكن أن يقع عقلاً؛ لكن الصعود والعروج إلى السموات السبع، هذا يحيله العقل فلا يؤمنون به.\rإنكار الفلاسفة والزنادقة وبعض الفرق الضالة للمغيبات","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690677,"book_id":1659,"shamela_page_id":1803,"part":null,"page_num":1803,"sequence_num":1803,"body":"فالزنادقة والفلاسفة عموماً ينكرون الغيبيات إنكاراً باتاً، وتبعهم بعض المعتزلة والروافض وبعض المرجئة وبعض الأشعرية والخوارج والكرامية ومن ضل من هذه الفرق، ينكرون بعض الغيبيات تبعاً للفلاسفة والمعتزلة، ويقولون: العقل لا يثبت ذلك فكيف نثبت عذاب القبر ونحن نرى أناساً يغرقون في البحر، وأناساً تأكلهم الدواب، وأناساً كذا وكذا؟ فينكرون ما صح في ذلك من الأحاديث.\r\rويقولون: لا نثبت الميزان. كيف توزن الحسنات، وكيف توزن الصلاة وقراءة القرآن، وهي ليست أشياء مادية محسوسة؟\rإذاً الميزان لا حقيقة له، وهكذا المعراج فإنهم يقولون: كيف يستطيع بشر أن يرقى إِلَى السموات العلى، وأن يدخلها سماءً بعد سماءٍ؟ فبأمثال هذه التراهات ينكرون السمعيات.\r\rمذهب الأشاعرة في الغيبيات\rوالذين يثبتون الغيبيات ولكن عَلَى غير منهج السلف الصالح هم أغلب الأشعرية، أو من يسمون أنفسهم مُتكلميأهل السنة؛ لأنهم يقولون: نَحْنُ أهل الكلام من أهل السنة، فيجعلون المعتزلة أهل كلام بدعي، وأنفسهم أهل كلام سني، وقد سبق أن رددنا عَلَى هذه الشبهة.\rوقد ذم الأئمة أهل الكلام وعابوهم كالإمام أبي حنيفة وأبي يوسف والشَّافِعِيّ وغيرهم، فهَؤُلاءِ أئمةأهل السنة، وغيرهم كثير قد أطلقوا الذم عَلَى علم الكلام، ولا يوجد علم كلام سني وعلم كلام بدعي والباقلاني -وهو الذي أشهر وأظهر مذهب الأشعرية في بلاد المشرق- يقول: نؤمن بالحوض والصراط والميزان كما صح بذلك الحديث؛ لأن ذلك غير مستحيل في العقل، هذا كلامه في رسالة له اسمها رسالة الإنصاف.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690678,"book_id":1659,"shamela_page_id":1804,"part":null,"page_num":1804,"sequence_num":1804,"body":"فيعلل ذلك القبول والإيمان بأن ذلك غير مستحيل في العقل، إذاً هذا قيد، ثُمَّ جَاءَ من بعده أبو المعالي الجويني وله كتاب الإرشاد فأخذ يذكر هذه الأبواب باباً بابا، ويقول في آخر كل باب نؤمن به لأن النص قد ثبت به، ولأنه غير مستحيل في العقل، وبهذا نعرف مذهب أهل الكلام في الغيبيات التي يسمونها بالسمعيات وهو الإيمان بها بشرطين:\r\rالأول: أن يصح بها النقل.\r\rوالثاني: عدم الاستحالة عقلاً، أي: يعللون الإيمان بها؛ لأنها غير مستحيلة في العقل، أما أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ إذا قيل لهم: لماذا آمنتم بها؟ فإنهم يقولون: لأنه قد صح بها النقل وثبت بها الحديث، إذاً هناك فرق بين المذهبين، فالمسألة ليست مجرد أن يثبت الإِنسَان شيئاً وإن كَانَ إثباته حقاً، لكن يجب عليك أن تثبته عَلَى منهج أهل الإثبات، وهو أن تثبته لأن ذلك هو الذي أخبر به النبي ﷺ، أما أن تثبته وتقربه لأن النبي ﷺ أخبر به والعقل لا ينفيه فقد زدت قيداً من عندك.\r\rيقول شَيْخ الإِسْلامِابْن تَيْمِيَّةَ في الرد عَلَى هذا المذهب في شرح العقيدة الأصفهانية، وهو أيضاً في درء تعارض العقل والنقل في الجزء الأول صـ ١٧٧، وهذا ملخص بسيط لما ذكره، وإلا فكل الكتاب رد عليهم، لكنه ذكر ملخصاً بسيطاً في هذا، وقاعدة عظيمة يقول فيها: أن من قال أؤمن بما جَاءَ وبما ثبت لأن عقلي يسلم به، ولا أقر ولا أومن بكذا لأن عقلي يرده ولا يسلم به، فهذا قد رد النَّاس إِلَى أمر غير منضبط، فمثلاً أنا قرأت حديثاً ولا أدري هل تقبله عقول هَؤُلاءِ أو لا تقبله؟ وأيضاً قد أقرأ هذا الحديث وفيه كلام، فيأتي أحدهم ويقول: أنا عقلي يقبل ذلك، ويأتي آخر ويقول: أنا والله عقلي لا يقبل ذلك، فبأي شيء نؤمن والأمر غير منضبط.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690679,"book_id":1659,"shamela_page_id":1805,"part":null,"page_num":1805,"sequence_num":1805,"body":"وقبل فترة نشر في إحدى الجرائد أن رجلاً قَالَ: إن في صحيح البُخَارِيّ أحاديث موضوعة، ودليله أنها موضوعة: أن العقل لا يقبلها، وذكر أمثلة، منها: حديث أن ملك الموت جَاءَ إِلَى موسى ﵇ فلطمه ففقأ عينه، وقَالَ: هذا الحديث لا يقبله العقل إذاً هو موضوع، حتى لو كَانَ الذي رواه الإمام البُخَارِيّ ولا كلام في سنده؟!\rولو طبقنا هذه القاعدة فكم سيبقى عندنا من أحاديث؟ كل إنسان يمكن أن ينفي ما شاء، فإذاً نَحْنُ بهذه الحالة لسنا عبيداً لله ﵎، وإنما نَحْنُ أنداد -عياذاً بالله- فالعبد شأنه أن يطيع سيده وأن يصدقه، لكن إذا كَانَ يقول: هذا أقبله وهذا لا أقبله فهذا ندُُ لله. إذاً فما الحاجة إِلَى أن يبعث الله الأَنْبِيَاء والرسل؟ كما ذكر شَيْخ الإِسْلامِ في شرح الأصفهانية، ما الحاجة إِلَى أن يبعث الأَنْبِيَاء ما دام أنهم لا يأتونا بشيء إلا ونعرضه عَلَى العقل فإن أقره آمنا به وإن لم يقره رفضناه، فيشتغل النَّاس بكلام الرسل نفياً وإثباتاً ودراسة وتمحيصاً.\r\rإذاً: كانت الرحمة بالنَّاس أن لا تبعث الرسل؛ لأن النَّاس عندهم العقول يقيسون بها، وعندهم البراهين العقلية التي يتناقلونها عن اليونان ويتبعونها، ولا يتبعون أنفسهم في رد ما ثبت عن الأَنْبِيَاء وفي تأويله وفي إقرار بعضه ونفي بعضه.\rوممن أنكر الإسراء والمعراج مُحَمَّد حسين هيكل في كتابه حياة محمد، وهذا الرجل يفسر سيرة النبي ﷺ تفسيراً عصرياً كما يقولون! وليس هو وحده، لكن هو أشهر من كتب في ذلك، والسبب أن كثيراً من الكتاب اتبعوا بعض المستشرقين.\rمن خطط المستشرقين تجريد النبي ﷺ من وصف النبوة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690680,"book_id":1659,"shamela_page_id":1806,"part":null,"page_num":1806,"sequence_num":1806,"body":"رأى المستشرقون أن الصواب في الحط من قدر النبي ﷺ هو بإنكار نبوة النبي ﷺ، وغمط ما أظهره الله تَعَالَى عَلَى يده من الحق، وجحد ذلك، والطعن في شخصية النبي ﷺ سباباً وشتماً كما كانت تفعل الكنيسة ورجال الدين، الغربيون في القرون الوسطى منذ الحروب الصليبية وقبلها وبعدها، فلقد كَانَ همُّ كل منهم أن يخطب فيشتم النبي ﷺ ويسبه سباً فاحشاً وحاشاه ﷺ عما يقولون.\rومن قولهم: إنه كذاب ودجال وليس بنبي فعل وفعل وهكذا، حتى أوجدوا في العقلية الغربية الأوروبية مناعة غريبة جداً، فلا تريد أن تسمع عن هذا النبي أي شيء، كما هو حالهم إِلَى اليوم، ولا يريدون أن يقروا بأي فضل له ﷺ.\rهذا المنهج وجده بعض النَّاس -من المفكرين الغربيين- أنه أولاً: غير علمي، لأنه مجرد شتم.\r\rوثانياً: أن مردوده عند الْمُسْلِمِينَ عكسي، فالمسلم إذا قرأ ما كتب سوماس لامنس وأمثاله من المجرمين من شتم في النبي ﷺ فإنه ينفر من الغربيين، ومن النَّصَارَىنفوراً شديداً، ويشتمهم وتتوثب نفسه ولو لقتلهم أو قتالهم؛ لأن هذا لا يقر به أي مسلم مهما كَانَ ضعيفاً أو جاهلاً أو ساذجاً، فرأوا أن هناك طريقة أفضل من هذه وأجدى، لأن المستشرقين يخططون ويغيرون الخطط: وهي أن يمدحوا النبي ﷺ ولكن يجردونه من صفة النبوة، فيقولون: هذا رجل عظيم فتح جزيرة العرب، ووحد العالم، وأسس ديناً لم تعرف البشرية مثله، وأوجد شريعة لا يوجد في الأرض مثلها، جَاءَ بكذا ... ، ويصفونه بكل شيء إلا أنه لايكون نبياً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690681,"book_id":1659,"shamela_page_id":1807,"part":null,"page_num":1807,"sequence_num":1807,"body":"فيجعلونه مجرد رجل عظيم كسائر العظماء، وعلى هذا كتب المؤرخ والكاتب الإنجليزي المشهور توماس كارل كتاب الأبطال، وجعل من جملة الأبطال محمداً ﷺ، وهو كتاب قديم في آخر القرن التاسع عشر فهلل واستبشر له أكثر المغفلين من الْمُسْلِمِينَ؛ لأنهم في ذلك اليوم كانوا في فترة ضعف وذل وهوان، وما صدقوا أن رجلاً غربياً يجعل النبي ﷺ بطلاً من الأبطال مثله مثل نابليون والقائد الإنجليزي الذي هزم نابليون، وعدة أبطال من إنجليز وفرنسيين وألمان، ومن جملة الأبطال الشرقيين مُحَمَّد ﷺ.\rتأثر العصرانيين والعقلانيين بمنهج المستشرقين\rوعلى هذا المنهج سار بعض الناس، وهم الذين ينتهجون المنهج العقلي أو المنهج العصري من الْمُسْلِمِينَ، وهم من تلاميذ أو من أتباع مدرسة الشيخ مُحَمَّد عبده العقلية، ومنهم مُحَمَّد حسين هيكل هذا، ومنهم أيضاً عبد الرحمن عزام وغيرهم.\rفكتب أحدهم بطل الأبطال، والآخر كتب الرسالة الخالدة، وآخر كتب حياة محمد، وآخر كتبمحمد هكذا فقط، وطه حسين كتب على هامش السيرة، كل هذا الكلام يكتبونه عَلَى أساس أن هذا رجل مفكر، داهية، سياسي، عسكري، عبقري، إِلَى آخر ذلك، إلا أنه لا يعمل بأمر من الله أو بوحي من الله، فهذا وإن كانوا لا يصرحون بإنكاره لكنهم لا يكادون يأتون عليه ولا يذكرونه.\r\rوكذلك أيضاً كتب العقاد العبقريات، فهي من هذا القَبِيْل، عبقرية محمد، وعبقرية الصديق، وعبقرية علي وعبقرية عمر إِلَى آخره، فكل هَؤُلاءِ المذكورون ومن شاكلهم متأثرون بمنهج المستشرقين من قريب أو من بعيد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690682,"book_id":1659,"shamela_page_id":1808,"part":null,"page_num":1808,"sequence_num":1808,"body":"يقول: مُحَمَّد حسين هيكل: إن الإسراء والمعراج، هو استجماعة نفسية وروحية، حصلت ولا تحصل إلا لمن بلغ درجة عالية من الروحانية، فكأنه استجمع في نفسه الوجود منذ أو ل الوجود إِلَى آخره، وإذا جئت تنظر في معاني ألفاظ هذه الكلمات لا تجد تحتها أي معنى، ولا تجد لها أي قيمة، إلا أن المقصود هو أن يجرد الإسراء والمعراج عن كونه آية جعلها الله لهذا النبي مُحَمَّد ﷺ، وقد رد عليه الشيخمُحَمَّد الغزالي، وأنكر عليه ذلك، لكن الشيخ نفسه فيه نوع من التأثر بالمنهج العصري، فلهذا جَاءَ في كلامه أيضاً ما يلمح بأن من الممكن أن يفسر الإسراء والمعراج تفسيراً مادياً أو شبه مادي، لأنه يقول: إن كلمة البراق مشتقة من البرق.\rيقول: فكأن الحديث يشير إِلَى أن سرعة البراق مشتقة من البرق؛ لأنه كما جَاءَ في الحديث -يضع حافره عند منتهى طرفه من سرعته- وكأنه يسير بسرعة الضوء وفي ذلك دليل عَلَى أن النبي ﷺ امتطى القوة الكهربائية في عروجه إِلَى السماء، وهذا نفس الشيء: مع أنه رد عَلَى أولئك، لكنه قريب مما قالوا.\rفلا ينبغي لنا أن نخوض في هذه الأمور بمجرد الآراء، إنما يجب علينا أن نسلم ونؤمن بما جَاءَ عن رَسُول الله ﷺ؛ والبراق هي دابة كما جاءت صفتها في الحديث وكما سنذكره -إن شاء الله تعالى-، فنؤمن بها كما جاءت، وعليها ركب النبي ﷺ ثُمَّ صعد إِلَى السماء بكيفية لا تدركها عقولنا، وليس من شأننا أن نفكر لماذا لا تدركها عقولنا؟ أو هل تدركها أو لا؟ نَحْنُ عبيد مأمورون بأن نصدق، وأن نسلم بما جاء.\r\rمن لم يصدق بالإسراء والمعراج فليس مؤمناً برسالة محمد صلى الله عليه وسلم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690683,"book_id":1659,"shamela_page_id":1809,"part":null,"page_num":1809,"sequence_num":1809,"body":"إذا استنكرت عقولنا أن يقع الإسراء والمعراج، فما الفرق بيننا وبين كفار قريش الذين سخروا وضحكوا من النبي ﷺ، ونادى بعضهم بعضاً حتى أن أبي جهل استوثق من النبي ﷺ فقَالَ: أتحدث القوم بما أخبرتني به؟\rقال ﷺ: نعم، فلم يشأ أن ينفره حتى أخذ منه وعداً بأن يحدث القوم حتى يجمع قريشاً، فإذا حدثهم يكون التكذيب والسخرية والضحك بالنبي ﷺ جماعياً، فانطلق في قريش يقول: يا معشر قريش قد جاءكم مُحَمَّد بالداهية الدهياء، فجاءوا واجتمعوا وَقَالُوا: ماذا لديك يا محمد؟\rفقَالَ: إنه قد أسري بي إِلَى بيت المقدس، وعرج بي إِلَى السماء.\r\rفسخروا وضحكوا وأنكروا وَقَالُوا: إن الراكب منا ليضرب في الأرض مسيرة شهر ليذهب إِلَى بيت المقدس، ثُمَّ مسيرة شهر ليعود، وتزعم يا مُحَمَّد أنك تذهب إليه في ليلة.\rوجاءوا إِلَى الصديق أبي بكر ﵁، فلم يستطيعوا أن يزعزعوا إيمانه، أما بعض من آمن فإنهم فتنوا -عافانا الله وإياكم- وقد ذكر الله ﵎ ذلك في القُرْآن فقَالَ: وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ [الإسراء:٦٠] ففتن بعض من آمن بالنبي ﷺ وصدق برسالته، لما رأى أن هذا خبراً غريباً، وقصة عجيبة ومذهلة، ويحار العقل فيها، وكفار قريش، يضحكون ويسخرون، فكان ضعيف الإيمان من هَؤُلاءِ لا يستطع أن يثبت -عافانا الله وإياكم- من الزلل فكفروا وارتدوا، ومنهم من قتل معأبي جهل ببدر نسأل الله الثبات والسلامة والعافية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690684,"book_id":1659,"shamela_page_id":1810,"part":null,"page_num":1810,"sequence_num":1810,"body":"فإذاً لو قال أحد كهَؤُلاءِ- إماهيكل وإما أمثاله من المستشرقين وليس بعد الكفر ذنب-: كيف نؤمن بالإسراء والمعراج؟ كيف نصدق؟! فهذا بلا شك مشابه لموقف كفار قريش، فالذي يناقش في ذلك أو يماري أو لا يؤمن، فهو في الحقيقة لم يؤمن إِلَى الآن بالإسلام ولم يؤمن برسالة ﷺ، فلو آمن أنه نبي مرسل من عند الله، وأن هذا القُرْآن من عند الله حقاً، لما كَانَ لديه أي شك ولا أي ريب، عافانا الله وإياكم من الزيغ والشك والريب والضلال.\r\rوبهذا نكون قد عرفنا مذهب أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ في الغيبيات، ومذاهب الذين خالفوهم في ذلك، وقلنا: إنهم عَلَى فرقتين: من أنكره بالكلية، أو من أنكر بعضاً وأثبت بعضاً، أو من أثبته بشروط.\r\rسبق أن تحدثنا عن الإسراء والمعراج وعن والأقوال في ذلك، وتقدم الكلام عن متى كَانَ الإسراء والمعراج في موضوع الرؤية، عندما تحدثنا عن مسألة هل رأى النبي ﷺ ربه ليلة الإسراء أو لم يره؟\rونحتاج إِلَى أن نعرف ما يقع اليوم في واقعنا الإسلامي، وفي أكثر الدول من احتفال بليلة السابع والعشرين من رجب، والقول بأنها ليلة الإسراء والمعراج، أو عيد الإسراء والمعراج، فهل هذا حق؟ وهل هذا صحيح؟ فعندنا مسألتان:\r\rأولاً: ثبوت التاريخ.\r\rثانياً: حكم ذلك.\rهل ثبت تحديد تاريخ الإسراء والمعراج وهل لمعرفته فائدة؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690685,"book_id":1659,"shamela_page_id":1811,"part":null,"page_num":1811,"sequence_num":1811,"body":"أما ثبوت تعيين تاريخ الإسراء والمعراج فلم يثبت عَلَى الإطلاق أي دليل صحيح صريح في تحديد وقت الإسراء والمعراج، وكل ما نعرفه من خلال السيرة هو أن الإسراء والمعراج كَانَ قبل الهجرة، هذا هو القول الراجح، والمشهور والمستفيض أن الإسراء والمعراج كَانَ بعد موت أبي طالب عم النبي ﷺ، وبعد موت خديجة، وبعد أن ذهب النبي ﷺ إِلَى الطائف ورده أهلها، وهو العام الذي يسمى عام الحزن، لأن النبي ﷺ لقى فيه الأذى الشديد والألم والتعب، فمنَّ الله ﵎ عليه بهذه الآيات العظيمة، وهذه المشاهد وهذا المقام الرفيع الذي لم يصل إليه بشر، تسلية للنبي ﷺ، وكانت آيات عظيمة قال الله تعالى: لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى [النجم:١٨] فأراه الله ﷿ آياتٍ عظيمة ففُرج عنه ﷺ الهمَّ وسُرِّي عنه، وعاد وقد استيقن بربه وبلقائه، وأن ما يوحى إليه هو الحق أكثر من ذي قبل، وعاد ﷺ وقد شد العزم عَلَى أن يبلغ دعوة ربه، وأن لا يبالي بالنَّاس مهما صدوه، بعدما رأى ما رأى من الأَنْبِيَاء ومن الكرامة التي نالها، فوقوعه في ذلك التاريخ فيه حكم عظيمة، لكن لا ندري بالضبط متى كان؟ فقد اختلف في أي يوم كان؟ وفي أي شهر؟ وفي أي سنة؟\rحتى قال الحافظابن حجر ﵀ كما في الجزء السابع من فتح الباري صـ٢٠٣: والأقوال في ذلك أكثر من عشرة أقوال، حتى أن منها: أن ذلك قبل البعثة، ومنها: بعد الهجرة، وقيل: قبلها بخمس، وقيل: قبلها بست، وقيل: قبلها بسنة وشهرين كما قال ابن عبد البر.\r\rهذه خلافات كثيرة، ولا يوجد أي حكم شرعي يترتب عَلَى المعرفة الدقيقة لتاريخ الإسراء والمعراج.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690686,"book_id":1659,"shamela_page_id":1812,"part":null,"page_num":1812,"sequence_num":1812,"body":"إذاً -الْحَمْدُ لِلَّهِ- لا يهمنا من معرفة التاريخ شيء، وما دام أنه لم يثبت منها شيء فنحن لا نثبت أي شيء منها، إلا أننا نقول: أنه كما يترجح ويظهر من عموم الأدلة أنه كَانَ قبل الهجرة، وأنه كَانَ بعد أو في عام الحزن.\rحكم الإحتفال بليلة الإسراء والمعراج\rمع أنها لم تثبت ولم يثبت لها تاريخ معين، بل قال بعض المتأخرين كما ذكر ذلك الشهاب الخفاجي في نسيم الرياض في شرح الشفا للقاضي عياض يقول: قال بعض العلماء المتأخرين: \"وأما ما هو منتشر اليوم في بعض الديار المصرية من الاحتفال بليلة سبع وعشرين، ودعوى أنها ليلة الإسراء والمعراج، فذلك بدعة] وهذا متأخر، يعني: أن هذه البدعة مع أنها بدعة؛ لكنها أيضاً بدعة متأخرة وينكرها النَّاس الذين لديهم اطلاع وفهم للسيرة والتاريخ، ولم يثبت عن النبي ﷺ أنه احتفل بيوم إسرائه ومعراجه؟! وهل احتفل بذلك الصحابة أو التابعون؟! لا يثبت في ذلك شيء عَلَى الإطلاق، ونتحدى أن يأتي أحدٌ بشيءٍ في ذلك، ثُمَّ مع هذا يأتي المتأخرون فيحتفلون، بل ويجعلونه سُنة أو عيداً كما يسميه البعض: عيد رجب، ولم يكتفوا بذلك بل حددوا ليلة معينة في ذلك، وجزموا بأنه وقع فيها، وفي تلك الليلة يجتمعون في المساجد، فيأتي القارئ ويفتتح ويقرأ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً [الإسراء:١] حتى أن الإذاعات والتلفزيون ذلك اليوم تستفتح بها كذلك! نَحْنُ نقول: سورة الإسراء من كتاب الله ﷿ وتقرأ، لكن لماذا تخصص في ذلك اليوم حتى تعطى النَّاس إيحاءً وإشعاراً بأن هذه هي ليلة الإسراء والمعراج، وكل هذا من البدع ما دام أنه لم يثبت (ومن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) .\r\rهل الإسراء والمعراج كان بالروح أم بالجسد؟\rيقول المُصْنِّف ﵀ في شرح قول الطّّحاويّ: [والمعراج حق]","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690687,"book_id":1659,"shamela_page_id":1813,"part":null,"page_num":1813,"sequence_num":1813,"body":"المعراج: مِفْعال من العروج، أي: عَلَى وزن مِفْعال، ومِفعال من أسماء الآلة كمِفْعَل ومفعلة كما نقول: \"مِسَبر ومِبَرد ومِنَجل، ومِطَرقة \" ومعراج من أسماء الآلة، فَيَقُولُ: مفعال من العروج، أي: الآلة التي يعرج فيها، أي: يصعد فيها، وهو بمنزلة السُّلم، وقد جَاءَ ذلك في بعض الروايات.\r\rوروايات حديث الإسراء والمعراج جمعها الحافظ ابن كثير رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في كتاب التفسير عند أول الآية من سورة الإسراء سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً [الاسراء:١] حيث جمع الروايات في الإسراء والمعراج منالمسند ومن الصحيحين ومن المسانيد الأخرى كأبي يعلى وروايات البيهقي وعبد الله بن أحمد كما في زياداته عَلَى المسند وابن جرير وغير ذلك.\r\rوابن جرير ﵀ ذكر روايات كثيرة لكنها بسنده هو، والحافظ ابن كثير ﵀ ذكر روايات المسند والصحيحين ثُمَّ ما في السنن والمسانيد الأخرى، ومنها ما ورد في صفة هذا المعراج كأنه أمر محسوس، أي: شيء مشاهد يتبعه الإِنسَان ببصره إذا قبضت روحه؛ لأنه يعرج بها إِلَى السماء، ولكن لا يعلم كيف هو؟ لأنه غيب، وحكمه كحكم غيره من المغيبات نؤمن به ولا نشتغل بكيفيته عَلَى القاعدة المتبعة في هذه الأمور.\rقَالَ المُصْنِّفُ ﵀: [وقوله وقد أسري بالنبي ﷺ، وعرج بشخصه في اليقظة، اختلف النَّاس في الإسراء فقيل: كَانَ الإسراء بروحه ولم يُفقد جسدُه] هنا قولان مشهوران وأحدهما هو الصحيح، وهو الأشهر والآخر لا يثبت عند التحقيق، بل قد يكون احتمال الخطأ من ابن إسحاق ﵀ أكثر من كونه اجتهاد خطأ من الصحابة.\r\rالراجح أن الإسراء والمعراج كان بالروح والجسد وأدلة هذا الترجيح","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690688,"book_id":1659,"shamela_page_id":1814,"part":null,"page_num":1814,"sequence_num":1814,"body":"القول الأول الذي عليه جماهير الْمُسْلِمِينَ قديماً وحديثاً: أن الإسراء والمعراج كَانَ بروح النبي ﷺ وجسده معاً، كما قال الله ﷾: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً [الإسراء:١] فهو أسرى بعبده، يعني: بذات عبده ﷺ وليس فقط بالروح والأدلة عَلَى ذلك متظافرة ولو أنا قرأنا الأحاديث في ذلك وتأملنا معانيها لوجدنا أن هذا القول هو الصحيح الذي لا ينبغي العدول عنه إِلَى غيره، ونذكر بعض الأدلة عَلَى ذلك.\rالدليل الأول: أن هذا هو الأصل في الكلام عند الإطلاق، وقوله تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ [الاسراء:١] ، الأصل إذا قرأنا هذه الآية أو سمعناها أن نفهم أنه أسرى بعبده، أي: بروحه وجسده، فلا يصح أن نقول: بروح عبده هذا خلاف الأصل، وإذا جئنا بشيء في الكلام عَلَى خلاف الأصل، فإننا نحتاج إِلَى دليل، وليس هناك دليل يدل عَلَى ذلك، بل الأصل عند الإطلاق الخالي من كل قيد: أن ذلك عَلَى الحقيقة أي: عَلَى ذات الإِنسَان روحه وجسده معاً.\rالدليل الثاني: وهو دليل واضح في هذا: أن قريشاً أنكرت واستغربت وشهَّرت بالنبي ﷺ، وفتن بذلك بعض من كَانَ قد آمن بالنبي ﷺ، وهذا الاستنكار لا يكون عَلَى رؤيا حلم في المنام، فلو أن أحداً قال مثلاً: لقد رأيت أن القيامة قد قامت، فرأيت الجنة والنار، فهل يستنكر هذا أحد؟ كلا؛ لكن لو أنه ادعي أنه رأى الجنة والنَّار يقظة لاستنكر عليه، ولما وافقه أحد، فقريش لما أنكرت عَلَى النبي ﷺ لم تنكر عليه رؤيا منام، وإنما أنكرت عليه؛ لأنه أخبرها أنه ذهب حقيقةً إِلَى بيت المقدس، ثُمَّ من هناك عرج به إِلَى السماء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690689,"book_id":1659,"shamela_page_id":1815,"part":null,"page_num":1815,"sequence_num":1815,"body":"ولذلك جَاءَ قائلهم وقَالَ: يا مُحَمَّد إن كنت قد ذهبت إِلَى بيت المقدس فصفه لي فأنا أخبر النَّاس به، والنبي ﷺ لأول مرة يذهب، وفي الليل وبسرعة خاطفة، فلو قال: لم أتفحص ولم أدقق تماماً، لما كَانَ عليه لوم وكلامه صحيح؛ لكن الله ﷿ يريد أن يقيم عليهم الحجة وأن يكذب قريشاً، فجلى الله ﷾ وأظهر أمامه بيت المقدس كأنه دون بيت بني عقيل.\r\rثُمَّ أخذ ﷺ يصف بيت المقدس كما يراه أمامه، وذلك الرجل ومن معه ممن رأوا بيت المقدس يقولون: نعم صدقت هو كذلك، المقصود أن هذا الكلام -لما قالوا له: نذهب مسيرة شهر ذهاباً ومسيرة شهر إياباً ويزعم مُحَمَّد أنه ذهب في ليلة- لا يكون إلا إذا كَانَ الذهاب حقيقة، لكن لو قال لهم: أنا ذهبت في المنام إلىبيت المقدس لما أنكرت عليه قريش، لأنهم قد يذهبون هم في المنام إِلَى أبعد من ذلك، ولا غرابة في ذلك.\r\rوأيضاً لما قالوا: ائتنا بعلامة -وقد ورد ذلك أيضاً في بعض الروايات- فأخبرهم النبي ﷺ بأنه رأى لهم بعيراً عليه مزادتان إحداهما سوداء والأخرى بيضاء، وأن البعير جفل من البراق فوقع فانكسر، وفي بعض الروايات أيضاً في السيرة أنه قَالَ: سيأتونكم في يوم كذا يقدمهم البعير الذي عليه كذا وكذا، فذهبت قريش تترقب، فجاء الوصف كما أخبر النبي ﷺ إذاً هذه أمور وقعت حقيقة، وليست مجرد رؤيا أو أمر منامي أو بالروح","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690690,"book_id":1659,"shamela_page_id":1816,"part":null,"page_num":1816,"sequence_num":1816,"body":"وأيضا قول الله ﷾ كما ذكر المصنف، وإن كَانَ قد ذكر من آية في الاستدلال بها بعض الخطأ، وهي قوله تعالى: مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى [النجم:١١] فاستدلال المُصْنِّف هنا ليس بظاهر، لأن الآية التي نستدل بها عَلَى الإسراء والمعراج هي مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى [النجم:١٧] ولتوضيح أن آية مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى أدل من آية مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى نقول: لأن الله ﷾ ذكر أن النبي ﷺ رأى تلك الآيات العظيمة فقَالَ: مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى فهذا هل يكون بالروح أم برؤية حقيقية؟ لا شك أنها برؤية حقيقية، لأن البصر إنما يكون إذا عرج بالجسد ومنه هذا البصر، فيقول تعالى: مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى [النجم:١٧،١٨] .\r\rإذاً: النبي ﷺ لما رأى سدرة المنتهى ورأى الأَنْبِيَاء والملائكة، لما رأى تلك العوالم العجيبة كَانَ ﷺ يراها بعيني رأسه حقيقة، وأيضاً لو تأملنا نفس القصة \"حمل عَلَى البراق\" فهل تحتاج الروح أو يحتاج الإِنسَان في المنام أن يحمل عَلَى شيء؟\r\rإن النائم يمكن أن يذهب بدون أي شيء، لكن كونه يُحمل؛ بل أُخرج من بيته -حتى نجمع بين الروايات- ثُمَّ ذُهب به إِلَى الحرم، ثُمَّ شُق صدره ﷺ، وغسل بماء زمزم في طست، ثُمَّ جيء بتور، أي: بإناء كبير محشو بالحكمة فحشي صدره ﷺ، هذه كلها تهيئة لهذا العالم العجيب الذي لا تطيقه النفوس التي لم تصل -ولن تصل أي نفس- إِلَى ذلك، ثُمَّ جيء بالبراق، ثُمَّ ركب عليه، ثُمَّ ذهب، ثُمَّ صلى بالأنبياء، هذا الكلام كله يدل عَلَى أن الأمر حقيقي وليس بالروح فقط ولا في المنام.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690691,"book_id":1659,"shamela_page_id":1817,"part":null,"page_num":1817,"sequence_num":1817,"body":"والأدلة عَلَى صحة هذا القول كثيرة، ولكن ما ذكرناه فيه الكفاية -إن شاء الله- عَلَى أن الأمر كَانَ عَلَى الحقيقة وهو قول جمهور السلف من الصحابة والتابعين.\r\rالرد على من زعم أن الإسراء والمعراج كان بالروح فقط\rالقول المخالف للقول الصحيح، نقله ابن إسحاق في السيرة في أول الجزء الثاني من سيرة ابن هشام، نذكر كلام المُصْنِّف أولاً، ثُمَّ نبين اللبس الذي حصل فيه، يقول: [فقيل: كَانَ الإسراء بروحه ولم يُفقد جسدُه ﷺ نقله ابن إسحاق عن عَائِِِشَةَ ومعاوية ﵄، ونقل عن الحسن البصري نحوه] .\rوقد نقل كلام ابن إسحاق الإمامأبو جعفر مُحَمَّد بن جرير الطبري في تفسير آية سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً [الإسراء:١] ونقده ونقضه، ونقله أيضاً الحافظ ابن كثير ونقده، ورجحوا مذهب جمهور السلف.\rونعود إِلَى التفصيل فنقول: من قرأ كلام ابن إسحاق لا يجد فيه جزماً بأن الإسراء والمعراج كَانَ بالروح أو بالجسد، في اليقظة أو في المنام؛ بل قال والله أعلم أي ذلك كان، والله قادر عَلَى أن يسري بنبيه ﷺ في اليقظة أو في المنام، فالحقيقة أن ابن إسحاق نفسه متردد ولم يجزم.\r\rوثانياً: أنه لما نقل كلام من قال من السلف إنه كَانَ بالروح، نقل كلام معاوية وعَائِِِشَةَ والحسن، فأما كلام معاوية رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ فقَالَ: رُوي عنه أنه قَالَ: كانت رؤيا من الله صادقة، والجواب عَلَى ذلك من وجهين:\rالأول: أن هذا لم يثبت عن معاوية رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690692,"book_id":1659,"shamela_page_id":1818,"part":null,"page_num":1818,"sequence_num":1818,"body":"ثانياً: لو فرضنا ثبوته فإنه لا ينفي أن تكون الرؤيا هذه هي إسراء ومعراج بالحقيقة بالروح والجسد، لأن عبد الله بن عباس حبر هذه الأمة وترجمان القُرْآن قد قال كما روى الإمام البُخَارِيّ عنه في قول الله ﵎: وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ [الاسراء:٦٠] قَالَ: رؤيا عين أُريها النبي ﷺ يعني: ليست رؤيا منام، وإنما هي رؤيا عي.\rوالرؤيا في كلام العرب تطلق عَلَى رؤيا العين وإن كانت أكثر ما تطلق عَلَى رؤيا المنام، أما \"الرؤية\": فإنها هي التي بالعين فـ ابن عباس فسر ذلك بأنها رؤيا صادقة، وبأنها رؤيا عين، فلا يشترط في قول معاوية رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ:\"هي رؤيا صادقة\" أنها مجرد منام.\r\rوأما قول عَائِِِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْها فقد قال ابن إسحاق: حدثني بعض آل أبِي بَكْرٍ أن عَائِِِشَةَ ﵂ كانت تقول ذلك، يعني: أن عَائِِِشَةَ ﵂ كانت تقول: كَانَ الإسراء بروحه ولم يفقد جسده، وابن إسحاق يقول: حدثني بعض آل أبِي بَكْرٍ أن عَائِِِشَةَ كانت تقول.\rإذاً: في السند مجهول لا ندري من هو الذي حدثه، أثقة أم غير ثقة، فلا يصح عنها ذلك، وكذلك البيهقي رواه من طريق أخرى بنفس السند، قال حدثني بعض آل أبِي بَكْرٍ، فلا ندري من هو هذا البعض.\r\rإذاً: لا نستطيع أن نقول: إن عَائِِِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْها قالت ذلك، انتهينا من كلام معاوية وعَائِِِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُما.\r\rوأما الحسن البصري فاستدل ابن إسحاق بكلامه في آية (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ [الإسراء:٦٠] ولم يأت أنه أنكر أن يكون الإسراء والمعراج حقيقة، وإنما قال الحسن في قوله تعالى: وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ \"بأنها رؤيا فتن النَّاس بها\".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690693,"book_id":1659,"shamela_page_id":1819,"part":null,"page_num":1819,"sequence_num":1819,"body":"إذاً: هذا الذي ذكره ابن إسحاق تفسير لكلام الحسن أن هذه رؤيا أي في المنام، والحسن لم يقل ذلك، لأنه يمكن أن يُحمل كلام الحسن عَلَى كلام ابن عباس فتكون الرؤيا حق ورؤيا عين، كما قال ابن عباس رضي الله تَعَالَى عن الجميع، فالحقيقة أنه لا يثبت لدينا قول نعتمد عليه عن السلف في أن الإسراء والمعراج لم يكن بروحه وجسده ﷺ معاً.\r\rالفرق بين أن يقال الإسراء كان مناماً أو كان بالروح والجسد\rثُمَّ يذكر المُصْنِّف قضيةً مهمةً جداً ينبغي أن تُعلم، وهي: أنه ينبغي أن يعرف الفرق بين أن يقال كَانَ الإسراء مناماً، وبين أن يُقَالَ: كَانَ بروحه دون جسده، حتى القائلين بأن الإسراء لم يكن بالروح والجسد معاً قالوا: لا بد أن نفرق بين قول من يقول: إنه منام -كما فهم ذلك بعض المتأخرين- وبين قول الصحابة مثلاً: إنه لم يُفقد جسده، يقول: وبينهما فرق عظيم، فعَائِِِشَةَ ومعاوية ﵄ لم يقولا كَانَ مناماً، هذا عَلَى فرض ثبوت القول وإلا فهو لم يثبت، وإنما قالا أُسري بروحه ولم يُفقد جسده، وهذا في الحقيقة إنما هو الرواية المروية المنقولة عن عَائِِِشَةَ وحدها.\rأما كلام معاوية رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ فهو: كانت رؤيا من الله صادقة، ولم يقل لم يُفقد جسدُه وفرق ما بين الأمرين.\r\rفإنه إذا كَانَ الإِنسَان نائماً، فإنه قد يرى ما يراه أي النائم، وقد يكون ذلك أمثالاً خيالية مضروبة للمعلوم المحسوس، فتضرب له الأمثال من غير الواقع في صورة محسوسة واقعية مشاهدة، فيرى مثلاً كأنه قد عُرج به إِلَى السماء، وذُهب به إلىبيت المقدس، ثُمَّ رُجع به إِلَى مكة يرى ذلك، وفي الحقيقة أن روحه لم تصعد ولم تذهب ولم تغادر، وإنما هذا مجرد تصوير أو تخييل حصل له في أثناء النوم، ولم تذهب روحه ولم تفارق الجسد لتذهب وتطوف في تلك الأماكن، وإنما هذا أمر تخيلته النفس والإِنسَان نائم في مكانه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690694,"book_id":1659,"shamela_page_id":1820,"part":null,"page_num":1820,"sequence_num":1820,"body":"يقول: وإنما ملك الرؤيا ضرب له الأمثال، فما أراد أن الإسراء كَانَ مناماً، وإنما أراد أن ملك الرؤيا ضرب للنبي ﷺ الأمثال، وهو ﷺ نائم بجسده وروحه، لكن هذا القول عَلَى فرض أن ملك الرؤيا ضرب له الأمثال.\rنحن أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ جميعاً سلفاً وخلفاً، نؤمن بكل ما ثبت عن رَسُول الله ﷺ من الآيات الباهرات، والأخبار البينات، وما جَاءَ منها في الكتاب أو السنة، وذلك كافٍ لأن نؤمن ونصدق، سواء كَانَ ذلك مما ألفته عقولنا أم هو مما لم تألفه ولم تعهده، هذا هو القول الصحيح الذي عليه أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ\rعلو منزلة نبينا محمد ﷺ، وعُروجه إلى السماء السابعة\rوهذه الآية الكبرى جعلها الله ﵎ آيةً خارقة خاصة لنبيه مُحَمَّد ﷺ، حتى أن نبي الله موسى -وهو كليم الرحمن وأحد أولي العزم، وهو من قص الله ﷾ علينا سيرته ودعوته وجهاده وصبره- بكى عندما رأى علو منزلة النبي ﷺ.\rحينما ارتفع إِلَى ما لم ولن يبلغه بشر قط إلا هو ﷺ، حتى أن جبريل الرَّسُول الأمين تضاءل حتى أصبح كالعصفور من خشية الله ﵎ ومن القرب والدنو من حضرة جلاله جل شأنه، ورَسُول الله ﷺ قد بلغ تلك الدرجة فبكى نبي الله موسى، قيل: وما يبكيك قَالَ: أبكي لأن غلاماً بعثه الله من بعدي وقد بلغ ما لم أبلغه، فهذا فضل من الله ﵎ يختص به من يشاء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690695,"book_id":1659,"shamela_page_id":1821,"part":null,"page_num":1821,"sequence_num":1821,"body":"ويجدر بنا أن نتعلم ونتذكر سيرة هذا النبي العظيم ﷺ، فنقرأ مثل هذه الآيات البينات، ونجعل سيرته وسنته قدوة لنا في أعمالنا جميعاً، وأن نعلم أن الله ﷾ إذ شَّرفه بهذه المنزلة العظيمة، والدرجة الرفيعة، فإن من اتبع دينه واقتدى به ﷺ ودعا إِلَى مثل ما دعا إليه خالصاً لوجه الله ﷾ فإن الله سوف يرفعه ويكتب له من المنزلة والمكانة بقدر ما يجتهد في ذلك، ومن أعرض عن سنته ﷺ وضرب صفحاً عنها، ولم يبالِ بأمره ولا بمحبته، فإنه مكتوب عليه الذل والصغار؛ لأنه حقر تلك الآيات البينات، ونكص عَلَى عقبيه، نسأل الله أن يعافينا وإياكم.\rفهذه الميزة العظيمة لو استعرضنا أحداث السيرة لوجدنا أنها وقعت للنبي ﷺ في آخر عام الحزن بعد أن توفيت زوجته خديجة التي كانت نعم الزوج ونعم البار والمعين عَلَى الدعوة، وبعد أن توفي عمهأبو طالب الذي جعله الله ﵎ رغم شركه درعاً للدعوة وناصراً لرسوله ﷺ لأن الله قد يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، كما أخبر بذلك النبي ﷺ سواء كَانَ مشركاً أم مسلماً فاجراً.\rوبعد أن رجع النبي ﷺ من الطائف ولاقى ما لا قى من الأذى، سلاه الله ﷾ وعوضه عن هذه العوالم السفلية، وعما لقيه فيها من عدم التقدير وعدم معرفة منزلته ومكانته؛ بأن بلغ به تلك الدرجات العلى.\r\rعظيم منزلة الصلاة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690696,"book_id":1659,"shamela_page_id":1822,"part":null,"page_num":1822,"sequence_num":1822,"body":"ومما يجب أن نعتبر به وأن نجعله نصب أعيننا عظم شأن الصلاة، هذه الفريضة التي لم يشرعها الله ﵎ عَلَى نبيه ﷺ في الأرض ولو شاء لفعل ذلك، ولكن لله ﷾ حكمة في أن تشرع في الملأ الأعلى، ويستدعى الرَّسُول ﷺ لذلك، ولا يكون ذلك إلا في أعظم المهمات، وأفضل الطاعات.\rفمثلاً: ولله المثل الأعلى، لو أن ملكاً أوسلطاناً أهمه أمر يحب أن يبلغه من يقوم في شأن من الشؤون، فإنه إذا كَانَ الأمر عظيماً فإنه سيستدعيه ليبلغ إياه، وبهذه العبرة العظيمة نعرف قدر الصلاة وشأنها، ورسولنا ﷺ لم يكن يدور في خلده، ولا يخطر بباله أن أمته سوف تضيع الصلاة، ولهذا سأل جبريل ﵇، أتترك أمتي الصلاة؟ وهي آخر ما يفقد من الدين كما قال ﷺ: (تنقض عرى الإسلام عروة عروة، فكلما نقضت عروة تشبث النَّاس بالتي تليها فأولهن نقضاً الحكم بما أنزل الله وآخرهن الصلاة) .\r\rوفي الحديث الآخر: (أول ما تفقدون من دينكم الأمانة وآخره الصلاة) هذه آخر ما يفقد من الدين وقد فقدت إلا من رحم الله، وقد ظهر التهاون في شأنها وعدم المبالاة بها.\rومما يجب أن نستشعره ونستحضره ونحن نقرأ هذه الآيات البينات، ما جرى في الإسراء والمعراج من بيان عظمة الصلاة، وعظمة الدعوة إليها، وشأن الصابرين عليها، وضرورة أن يكون في هذه الأمة من يدعو إِلَى الصلاة ومن ينصح بإقامتها كما قال الله ﷾: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ [الحج:٤١] فلو أقيمت الصلاة حق إقامتها وصليت حق صلاتها لتغيرت حياة النَّاس اليوم، ولكن ضيعت الصلاة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690697,"book_id":1659,"shamela_page_id":1823,"part":null,"page_num":1823,"sequence_num":1823,"body":"ثُمَّ إن كثيراً من الدعاة لا يبالي بتضييع الصلاة فلا يجعل الصلاة أكبر همه بعد التوحيد، وهذا مخالف لهدي النبي ﷺ في الدعوة، فإنه لما بعث معاذا ً إلىاليمن، أخبره (إنك تأتي قوماً أهل كتاب فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا ألا إله إلا الله) ، وفي رواية (توحيد الله) وفي رواية (عبادة الله ﷿ وكلها صحيحة؛ لأن عبادة الله لا تكون إلا بتوحيد الله وكلمة لا إله إلا الله هي كلمة التوحيد فالمعنى كله واحد.\r\r(فإن هم أجابوك لذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة) هذه درجة ثانية ندعو إليها بعد التوحيد.\r\r(فإن هم أجابوك لذلك، فأخبرهم أن الله قد افترض عليهم زكاةً تؤخذ من أغنيائهم فترد عَلَى فقرائهم) فدعوتنا إِلَى أن يعبد الله وحده فلا يُدعى ولا يُخاف ولا يُخشى ولا يُرجى إلا هو وحده لا شريك له، ولا ينذر ولا يذبح إلا له سبحانه، وتكون له الطاعة، ولا كلام لأحد بين يدي كلام الله، ولا بين يدي كلام رَسُول الله ﷺ؛ بل توحيد مطلق، ثُمَّ بعد ذلك ندعو إِلَى الصلاة، فإنها من شعائر التوحيد، ومما يمكِّن التوحيد في القلوب. .\r\rوليس من العبر الاحتفال بذكرى الإسراء والمعراج، إذ لو كَانَ مشروعاً لما فات الرَّسُول ﷺ وأصحابه فعله، ثُمَّ يأتي خوالف في القرن التاسع أو العاشر فيقولون لا بد أن نحتفل.\r\rالكلام على رواية شريك بن عبد الله المدني\rوأما بالنسبة لرواية شريك فإن فيها ألفاظ غريبة وشاذة، وشريك نفسه اختلف في توثيقه وتضعيفه.\rوسبق أن ذكرنا رد الإمامابن القيم فيزاد المعاد ٣/٣٤ عَلَى من قَالَ: إن الإسراء والمعراج، وكلام المصنف-﵀ هنا أكثره ملخص منه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690698,"book_id":1659,"shamela_page_id":1824,"part":null,"page_num":1824,"sequence_num":1824,"body":"وبمناسبة الكلام عَلَى رواية شريك هذا، فقد وجدت عبارة الحافظ ابن حجر في الجزء ١٣/٤٨٦ في شرح كتاب التوحيد من الفتح يقول: إن ابن القيم في الهدي النبوي ذكر بأن في رواية شريك عشرة أوهام. لكنه يجعل مخالفته في مواضع الأَنْبِيَاء من السماء واحدة من أربع، ويبقى أنه زاد ثلاثة.\r\rولم أجد في الزاد ذكراً بالتفصيل لمخالفات شريك بن عبد الله، وإنما وجدت نفس العبارات التي هنا وهي قوله: [وقد غلَّظ الحفاظ شريكاً في ألفاظ من حديث الإسراء، ومسلم أورد المسند منه ثُمَّ قَالَ: وقدم وأخر وزاد ونقص ولم يسرد الحديث وأجاد ﵀ انتهى كلام الشيخشمس الدين ﵀] نعم، انتهى كلام ابن القيم عند ذلك، ولم يذكر تلك المخالفات العشر، فالله أعلم هل هي في نسخة لم نطلع عليها، أم أن الحافظ ﵀ قد وهم في ذلك ويكون قد قرأها من كتاب آخر.\r\rوشريك بن عبد الله هذا ليس هوالقاضي؛ لأنهما اثنان وكلاهما إمامان تابعيان:\r\rأحدهما: شريك بن عبد الله النخعي من النخع قبيلة يمنية معروفة، منها إبراهيم النخعي وكان قاضيالكوفة، وليس هو هذا.\r\rفإن هذا هو: شريك بن عبد الله بن أبي نمر المدني، وهو الذي روى هذا الحديث عن أنس رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ.\rوقد سبق أن قلنا: إن الروايات الصحيحة أثبتها متناً وأصحها سنداً وأتمها سياقاً روايتان:\r\rالأولى: رواية قتادة عن أنس؛ فإنالحافظ ﵀ في شرحه لكتاب التوحيد منفتح الباري يميل إِلَى تقديمها، وقد رواها الإمامأَحْمَد والبُخَارِيّ ومسلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690699,"book_id":1659,"shamela_page_id":1825,"part":null,"page_num":1825,"sequence_num":1825,"body":"والثانية: رواية ثابت عن أنس رواها الإمام أَحْمَد ومسلم، إلا أنَّ رواية قتادة الأولى الوافية رواها قتادة عنأنس عن مالك بن صعصعة، وأنس إنما روى الحديث عنمالك، لأنه ﵁ كَانَ صغيراً في المدينة، وهو من الأنصار وربما لم يدرك الواقعة، وربما أنها وقعت قبل ولادته كما يبدو من تاريخ حياته، فهو قطعاً رواها عن أحد الصحابة، لكن مرسل الصحابي مرفوع متصل لا شك في ذلك.\r\rوهذه هي أتم الروايات وأصحها سنداً وأتمها ألفاظاً، وليس فيها مخالفات، وكذلك رواية ثابت عنأنس وإن كَانَ بينهما اختلاف، فالاختلاف وقع بين الروايات، ويمكن أن يجمع بينها، إلا أن الرواية التي فيها الاختلاط والاضطراب هي روايةشريك بن عبد الله المدني وهي أكثر ما عول عليها الإمام ابن القيم ﵀ في الزاد وإن كَانَ لم يأخذ ببعض ألفاظها، والمصنف نقل تقريباً كلامابن القيم بنصه، فلم يأتنا برواية كاملة منفصلة.\r\rوإنما ذكر من عنده رواية مدرجة، ذكر فيها من هنا وهناك، وإن كَانَ أكثر التعويل فيها في الحقيقة هي عَلَى روايةشريك، ويبدو أن فيها نوعاً من التفصيل، وهي الرواية التي علق عليها الحافظ في الجزء ١٣ في آخر الصحيح في كتاب التوحيد ونحن الآن نذكر إن شاء الله تَعَالَى ما ذكره المُصْنِّف مما هو ملخص أو منقول حرفياً تقريباً من كلام ابن القيم رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.\r\rقَالَ المُصْنِّفُ ﵀:\r\r[وكان من حديث الإسراء أنه ﷺ أسري بجسده في اليقظة عَلَى الصحيح، من المسجد الحرام إِلَى المسجد الأقصى، راكباً عَلَى البراق، صحبة جبريل ﵇، فنزل هناك وصلى بالأنبياء إماماً، وربط البراق بحلقة باب المسجد، وقد قيل: إنه نزل ببيت لحم وصلى فيه، ولا يصح عنه ذلك ألبتة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690700,"book_id":1659,"shamela_page_id":1826,"part":null,"page_num":1826,"sequence_num":1826,"body":"ثُمَّ عُرِجَ به من بيت المقدس تلك الليلة إِلَى السماء الدنيا، فاستفتح له جبريل ففتح له، فرأى هناك آدم أبا البشر فسلم عليه، فرحب به ورد ﵇ وأقر بنبوته.\r\rثُمَّ عرج به إِلَى السماء الثانية فاستفتح له فرأى فيها يحيى بن زكريا وعيسى بن مريم، فلقيهما فسلم عليهما فردا ﵇، ورحبا به وأقرا بنبوته.\r\rثُمَّ عرج به إِلَى السماء الثالثة، فرأى فيها يوسف، فسلم عليه فرد ﵇ ورحب به، وأقر بنبوته.\r\rثُمَّ عرج به إِلَى السماء الرابعة، فرأى فيها إدريس، فسلم عليه ورحب به وأقر بنبوته.\r\rثُمَّ عرج به إِلَى السماء الخامسة، فرأى فيها هارون بن عمران، فسلم عليه ورحب به، وأقر بنبوته.\r\rثُمَّ عرج به إِلَى السماء السادسة فلقي فيها موسى فسلم عليه ورحب به وأقر بنبوته، فلما جاوزه بكى موسى، فقيل له ما يبكيك؟ قال أبكي لأن غلاماً بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي.\r\rثُمَّ عرج به إِلَى السماء السابعة فلقي فيها إبراهيم، فسلم عليه ورحب به وأقر بنبوته.\r\rثُمَّ رفع إِلَى سدرة المنتهى.\r\rثُمَّ رفع له البيت المعمور.\r\rثُمَّ عرج به إِلَى الجبار ﷻ وتقدست أسماؤه، فدنا منه حتى كَانَ قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إِلَى عبده ما أوحى، وفرض عليه خمسين صلاة، فرجع حتى مر عَلَى موسى فقَالَ: بم أُمِرتَ؟\rقَالَ: بخمسين صلاة.\r\rفقَالَ: إن أمتك لا تطيق ذلك، ارجع إِلَى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فالتفت إِلَى جبريل كأنه يستشيره في ذلك فأشار أن نعم إن شئت، فعلى به جبريل حتى أتى به إِلَى الجبار ﵎، وهو في مكانه، هذا لفظ البُخَارِيّ في صحيحه.\r\rوفي بعض الطرق فوضع عنه عشراً، ثُمَّ نزل حتى مر بموسى فأخبره، فقَالَ: ارجع إِلَى ربك فاسأله التخفيف، فلم يزل يتردد بين موسى وبين الله ﵎ حتى جعلها خمساً، فأمره موسى بالرجوع وسؤال التخفيف.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690701,"book_id":1659,"shamela_page_id":1827,"part":null,"page_num":1827,"sequence_num":1827,"body":"فقَالَ: قد استحييت من ربي ولكن أرضى وأسلم، فلما نفذ نادى منادٍ: قد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي] اهـ.\rالشرح:\r\rهنا إضافة بعد قوله: [وهو في مكانه، هذا لفظ البُخَارِيّ في بعض الطرق] ، وهي في الحقيقة من طريقشريك بن عبد الله المنتقدة التي فيها ألفاظ شاذة مخالفة [فوضع عنه عشراً] هذه تكملة للكلام الأول وهو مجموع من عدة الطرق.\r\rلكن عَلَى القراءة من النسخة التي بتعليق الشيخ الألباني كأن هذا هو لفظ البُخَارِيّ في صحيحه وكأن ما بعده \"في بعض الطرق\" خارج البُخَارِيّ مثلاً، وهذا بالعكس، والطريقة السليمة أن يقول: هذا لفظ البُخَارِيّ في بعض الطرق، أما الطرق الأخرى عند البُخَارِيّ وغيره فليس فيها وهو مكانه، وسيأتي إيضاح هذا.\r\rقال المصنف-﵀ تعالى:\r[وقد تقدم ذكر اختلاف الصحابة في رؤيته ﷺ ربه ﷿-بعين رأسه وأن الصحيح أنه رآه بقلبه ولم يره بعين رأسه، وقوله: مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى] النجم:١١ [وَلَقَدْ رَآهُ نزْلَةً أُخْرَى [النجم:١٣] صح عن النبي ﷺ أن هذا المرئي جبريل رآه مرتين عَلَى صورته التي خلق عليها.\r\rوأما قوله تَعَالَى في سورة النجم: ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى [النجم:٨] فهو غير الدنو والتدلي المذكورين في قصة الإسراء، فإن الذي في سورة النجم هو دنو جبريل وتدليه، كما قالت عَائِِِشَةَ وابن مسعود ﵄ فإنه قال: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى [النجم:٥-٨] فالضمائر كلها راجعة إِلَى هذا المعلم الشديد القوى، وأما الدنو والتدلي الذي في حديث الإسراء، فذلك صريح في أنه دنو الرب تَعَالَى وتدليه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690702,"book_id":1659,"shamela_page_id":1828,"part":null,"page_num":1828,"sequence_num":1828,"body":"وأما الذي في سورة النجم أنه رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى، فهذا هو جبريل رآه مرتين، مرة في الأرض ومرة عند سدرة المنتهى. ومما يدل عَلَى أن الإسراء بجسده في اليقظة قوله تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصى [الإسراء:١] والعبد عبارة عن مجموع الجسد والروح، كما أن الإِنسَان اسم لمجموع الجسد والروح، هذا هو المعروف عند الإطلاق، وهو الصحيح، فيكون الإسراء بهذا المجموع، ولا يمتنع ذلك عقلاً، ولو جاز استبعاد صعود البشر لجاز استبعاد نزول الملائكة، وذلك يؤدي إِلَى إنكار النبوة وهو كفر] اهـ.\rالشرح:\r\rمكان وجود جميع الروايات في الإسراء والمعراج هو تفسير الحافظابن كثير ﵀، وأيضاً ابن جرير؛ لكن ابن كثير جَاءَ بجميع الروايات، ما فيالمسند، وما في الصحيحين، وما فيتفسير ابن جرير، فهو جمع جميع الروايات.\r\rومنها روايةقتادة، ورواية ثابت كلاهما عن أنس، وكذلك غيره من الصحابة كأَبِي هُرَيْرَةَ وابن عباس وغيرهم عَلَى اختلاف وتفاوت في طول تلك الروايات أو قصرها\rوالمصنف هنا ذكر ملخصاً لذلك منقولاً من كتاب زاد المعاد، وهو أولاً: أنه أسري بالنبي ﷺ بجسده في اليقظة عَلَى الصحيح، وقد سبق ذكر الأدلة عَلَى هذا، ومنها نص الآية: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصى [الإسراء:١] راكباً عَلَى البراق: والبراق ورد بيان صفتها في نفس الحديث، وهي أنها دابة دون البغل وفوق الحمار، وهي آية من آيات الله ﷿ جعلها ﵎ دليلاً ومركباً لنبيه محمداً ﷺ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690703,"book_id":1659,"shamela_page_id":1829,"part":null,"page_num":1829,"sequence_num":1829,"body":"وقد ورد في بعض هذه الروايات ما يشعر بأنه قد ركبها غيره؛ لأنه لما أراد النبي ﷺ أن يركبها اضطربت، فَقَالَ جبريل: اثبتي فوالله ما ركبك بشر قط أكرم عَلَى الله منه، يعني: النبي ﷺ فقد يفهم من هذا أن غيره من الأَنْبِيَاء ركبها، وقد يفهم أن غيره لم يركبها، وإنما المراد بيان كرم رَسُول الله ﷺ، فلا يشترط في قوله: (ما ركبك بشر أكرم عَلَى الله منه) أن غيره قد ركبه، وإنما هي خاصة به ﷺ، والله تَعَالَى أعلم بذلك.\rولما حصلت له هذه الآية العظيمة ركب هو وجبريل، وقيل: \"بصحبة جبريل\" أو \"وصحبه جبريل\" كلا المعنيين صحيح فنزل هناك أي: فيبيت المقدس) وصلى بالأنبياء إماماً.\rالراجح في الروايات أن الصلاة بالأنبياء كان قبل المعراج\rوالذي يترجح من الروايات أن صلاته ﷺ بالأنبياء كانت قبل عروجه إِلَى السماء، وإن كَانَ قد ورد في بعضها أنها بعد رجوعه، لكن الذي يظهر أن الله ﷾ أسرى به أولاً إِلَى المسجد الأقصى، ومن هناك إِلَى السماء، وعاد من السماء إِلَى المسجد الحرام هذا الذي يبدو.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690704,"book_id":1659,"shamela_page_id":1830,"part":null,"page_num":1830,"sequence_num":1830,"body":"وصلاته بالأنبياء إماماً هذه فيها دليل عظيم واضح جلي عَلَى فضله ﷺ، وعلى ما هو معلوم من أن الله ﷾ قد أخذ العهد عَلَى كل نبي أن يؤمن بالنبي مُحَمَّد ﷺ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ َ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ [آل عمران:٨١] فهذا عهد وميثاق أخذه الله ﵎ عَلَى الأنبياء، أن يؤمنوا بمُحَمَّد ﷺ فهو أفضلهم، وهذا الموقف يذكرنا بما يجري يَوْمَ القِيَامَةِ حين يتراجع الأَنْبِيَاء صلوات الله وسلامه عليهم، كلهم يتخلون وكلهم يقول: نفسي نفسي، فيتقدم ﷺ للشفاعة العظمى ويقول: أنا لها أنا لها، ثُمَّ يكون بعد ذلك ما يكون من التكريم العظيم له ﷺ، وقبول شفاعته في أهل المحشر، وذلك هو المقام المحمود الذي لم يجعله الله ﵎ لبشر غيره ﷺ\r(وربط البراق بحلقة باب المسجد) وقد ذكر الحافظ ابن كثير رواية وهي مما يذكر ويستأنس بذكرها هنا بهذه المناسبة وهي: حديثأبي سفيان مع هرقل عندما كتب النبي ﷺ مع دحية الكلبي إِلَى ملك الروم هرقل بكتاب يدعوه فيه إِلَى الإسلام) كما في أول صحيح البُخَارِيّ قَالَ: ائتوني بأي رجل من قوم هذا الرجل أو من أتباعه، فوُجد أبو سفيان وهو قائد قوى الشرك ورائده، فجيء به إِلَى هرقل وكانت المساءلة والمناظرة التي ذكرناها، في موضوع النبوات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690705,"book_id":1659,"shamela_page_id":1831,"part":null,"page_num":1831,"sequence_num":1831,"body":"وفي هذه الرواية يقول: إن أبا سفيان قَالَ: فهممت أن أقول له أمراً لعله مما يكذبه به، يعني يريد أن يقول لهرقل شيئاً ليستفظعه ويصدق، فيكون ذلك مما يثبط عزمه فلا يؤمن بالنبي ﷺ، أو يصدقه، فكان أن قال له: وقد أخبرنا أيها الملك أنه جَاءَ في ليلة واحدة من مكة إلى بيت المقدس، ثُمَّ عرج به إِلَى السماء، وترقى إِلَى السماوات السبع، ثُمَّ رجع في ليلة واحدة.\r\rفتعجب هرقل فقال له قسيس كَانَ جالساً عند هرقل: وما يدريك أن ذلك وقع؟ قَالَ: وكيف؟ فَقَالَ القسيس وكان سادناً \"مسؤولاً\" لبيت المقدس: أيها الملك أنا أخبرك بذلك: إني في ليلة من الليالي أمرت الحرس والعمال أن يوصدوا الأبواب، فأقفلوها إلا باباً من الأبواب، فإنهم قد حاولوا وبذلوا جهدهم، فلم يستطيعوا أن يقفلوه، فقلنا: نتركه إِلَى غد حتى نأتي بالنجار أو من يصلحه فبقي الباب مفتوحاً.\r\rفلما كَانَ الصباح جئنا فوجدنا آثار ناس قد صلوا، ورأينا في الصخرة نقرة وأثر مربط دابة من الدواب) وهذه الرواية مما يؤخذ من الأخبار التي لا نشترط صحة سندها، فهي منقولة عن قسيس نصراني، إِلَى ملك من ملوك النَّصَارَى، وليس فيها حكم من أحكام ديننا، ولكن فيها عبرة وعظة لإثبات صدق النبي ﷺ، وأن الله ﷾ أكرمه بذلك، وأن هذه الآية قد رآها أُولَئِكَ القوم هذا بالنسبة لقوله: (وربط البراق بحلقة باب المسجد) .\r\rوقد قيل: إنه نزل بيت لحم وصلى فيه أتى ذكر ذلك في روايات ضعيفة، وكما قال ابن القيم ﵀ لم يصح ذلك عنه البتة.\rثُمَّ عرج به تلك الليلة منبيت المقدس عَلَى البراق إِلَى السماوات السبع، فأتى أول سماءٍ وهي السماء الدنيا فاستفتح له جبريل الملائكة فقيل ومن معك قَالَ: مُحَمَّد ﷺ، قالوا: أوقد بعث قَالَ: نعم، قالوا: مرحباً بك وبمن معك ففتح لهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690706,"book_id":1659,"shamela_page_id":1832,"part":null,"page_num":1832,"sequence_num":1832,"body":"دليل على كذب من يدعي الغيب\rمن المعلوم أن الملائكة حراس السماوات الذين لا يتنزل الأمر من الله ﷿-أو يصعد إلا ويأتيهم منه خبر، كما في الحديث (إن الله إذا قضى الأمر سمع له كضرب سلسلة عَلَى صفوان فيغمى عليهم فيكون أول من يفيق جبريل، فيتلقى الأمر ثُمَّ يمر جبريل عَلَى أهل كل سماء فيقولون: ماذا قال ربكم؟ فَيَقُولُ: الحق وهو العلي الكبير) وهَؤُلاءِ يقولون: من معك؟ أوَ قد بعث؟ فلم يعلموا أنه قد بعث ﷺ، ففي ذلك دليل عَلَى كذب من يدعي علم الغيب ويقول: إنه من الأولياء، فهَؤُلاءِ عباد الله الصالحون في ذلك المكان العظيم حرس السماء لا يدرون من الذي مع جبريل، ولا يدرون أقد بعث أم لا، لكن يعلمون أنه رسول؛ لأن قولهم: أو قد بعث فيه دليل عَلَى أنهم يعلمون أن هناك نبياً سيبعث يقال له مُحَمَّد ﷺ، لكن لا يدرون عنه شيئاً حتى جَاءَ يستفتح ومعه جبريل عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم.\rفلما فتحوا له ورحبوا به رأى هناك آدم أبا البشر ﵇ في السماء الدنيا، وفي روايات أخرى أنه ورآه عَلَى تلك الحالة وعن يمينه أسودة وعن يساره أسودة، وفسرها المُصْنِّف -كما في نسخ أخرى- فقَالَ: الذين عن يمينه، هم أرواح السعداء، والذين عن يساره هم أرواح الأشقياء -عافانا الله وإياكم من الشقاوة ومن طريقها- فكان ﵇ إذا نظر عن يمينه ضحك واستبشر؛ لأنهم من ذريته، وهم من أهل السعادة، ومن أهل الجنة والنجاة -جعلنا الله وإياكم منهم- وإذا نظر إِلَى شماله نظر إِلَى أهل النَّار ممن استوجبوا غضب الله ﷾، وعذابه، ومقته فيبكي أبونا آدم لمآل هذه الذرية الذين عصوا الله وأعرضوا عن دعوة الله وما جَاءَ عَلَى لسان أنبيائه، فكانت هذه عاقبتهم وهي النَّار عافنا الله وإياكم منها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690707,"book_id":1659,"shamela_page_id":1833,"part":null,"page_num":1833,"sequence_num":1833,"body":"ثُمَّ عُرِجَ به إِلَى السماء الثانية فاستفتح له جبريل، فرأى فيها يحيى بن زكريا وعيسى بن مريم، وفي وجودهما معاً شيء من الحكمة، وفيه شيء من الكرامة لهما؛ لأنهما كما جَاءَ في الرواية أبناء الخالة، وكانا معاً في السماء الثانية عيسى ويحيى عليهما وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، وأيضاً رحبا به ﷺ وأقرا بنبوته.\rثُمَّ عُرِجَ به إِلَى السماء الثالثة، فرأى فيها يوسف ﵇ فسلم عليه فرد ﵇، وأقر بنبوته عليه وعلى نبينا مُحَمَّد أفضل الصلاة والتسليم.\r\rثُمَّ عُرِجَ به إِلَى السماء الرابعة، فرأى فيها نبي الله تَعَالَى إدريس ﵇، فذلك قوله تعالى: وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً [مريم:٥٧] كما جَاءَ في الروايات الأخرى، هذا المكان العلي هو السماء الرابعة، فسلم عليه رسولنا ﷺ فرد ﵇ ورحب به وأقر بنبوته.\r\rثُمَّ عُرِجَ به إِلَى السماء الخامسة فرأى فيها هارون بن عمران أخا موسى عليهما وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم فسلم عليه ورحب به وأقر بنبوته، ثُمَّ عرج به إِلَى السماء السادسة فرأى فيها موسى بن عمران.\r\rوما تقدم من السماء الدنيا إِلَى الخامسة هذه هي الرواية الواضحة التي لا ينبغي أن تعارض بما جَاءَ في رواية شريك ولا غيره؛ لأن شريكاً اضطرب في الرواية.\rوفي رواية أيضاً للزهري أنه قَالَ: لم يضبط ولم يحفظ ولم يدر الأَنْبِيَاء في أي سماء وهذه أرجح وأوضح الروايات.\r\rثُمَّ تختلف الروايات الصحيحة الثابتة التي يصعب علينا أن نرجح أحدها عَلَى الأخرى.\r\rهل موسى في السماء السادسة وإبراهيم في السابعة أم العكس؟\rهناك مسألة وهي: هل كَانَ موسى ﵇ في السماء السادسة وإبراهيم في السابعة، أم العكس؟.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690708,"book_id":1659,"shamela_page_id":1834,"part":null,"page_num":1834,"sequence_num":1834,"body":"والجواب: أن إبراهيم كَانَ في السابعة وموسى في السادسة، ومما يرجح كون إبراهيم ﵇ في السابعة، أنه هناك عند البيت المعمور؛ لأنه هو الذي بنى الكعبة في الدنيا.\rوأيضاً قدر إبراهيم ﵇ وكونه خليل الرحمن يرجح ذلك، وكون رسولنا ﷺ أشبه النَّاس به، هذا أيضاً دليل مما قد يرجح علو إبراهيم ﵇.\rوأما كون موسى ﵇ أعلى من إبراهيم فيرجحه ما جَاءَ في آخر الحديث، أنه ﷺ لما فرضت عليه خمسين صلاة كَانَ يرجع، فيقابله موسى ﵇ فيقول له: ارجع، فكأن موسى هو الذي في السماء السابعة فلذلك يراجعه في ذلك، حتى فرضت خمس صلوات، والله ﵎ أعلم.\r\rوالذي اختاره ابن القيم ﵀ تَعَالَى وتبعه المُصْنِّف هنا أن الذي في السادسة هو موسى بن عمران ﵇، ولا يمنع ذلك أن ينزل من عند إبراهيم ﵇ ولا يعترض عَلَى شيء؛ لأنه لم يعالج الأَنْبِيَاء أممهم كما عالج موسى أمته، ثُمَّ إذا وصل إِلَى موسى ﵇ في السماء السادسة قال له: ارجع إِلَى ربك ﷿، أقول ذلك لا يمنع، ولكن الله أعلم ونسبة العلم إليه أكمل.\r\rفالله ﵎ قد اختص موسى بكلامه، وكتب له التوراة بيده.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690709,"book_id":1659,"shamela_page_id":1835,"part":null,"page_num":1835,"sequence_num":1835,"body":"قوله: (بكى فقيل له: ما يبكيك، فقَالَ: أبكي؛ لأن غلاماً بعث بعدي، يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي) وهو ﵇ كَانَ يريد أن تكون أمته أكثر الأمم، وكما في حديث السبعين الألف، الذين يدخلون الجنة بغير حساب، يقول النبي ﷺ: (فنظرت فإذا سواد عظيم فظننت أنها أمتي فقيل: لا. هذا موسى وقومه، ثُمَّ رفع له سواد أعظم وأكثر، فقيل: هذه أمتك ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب) ، فأمة موسى ﵇ أمة عظيمة ولكن شتان بين من أوحى الله إليه أن أخرج قومك من الظلمات إِلَى النور، وبين من أوحى الله إليه أن يخرج النَّاس من الظلمات إِلَى النور.\r\rفمُحَمَّد ﷺ رسالته إِلَى النَّاس كافة، هذا من حيث عموم المبعوث إليهم، ثُمَّ من حيث الزمان فثبوت رسالة موسى ﵇ مؤقتة. أما رسالة مُحَمَّد ﷺ فإنها للزمان كله إِلَى أن تقوم الساعة، فمن الطبيعي إذاً أن تكون أمة مُحَمَّد ﷺ أكثر عدداً من أمة موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم.\rثُمَّ عرج به إِلَى السماء السابعة فلقي فيها إبراهيم فسلم عليه فرد ﵇ ورحب به وأقر بنبوته وهو كما ذكر النبي ﷺ أنه أشبه النَّاس به عليهما الصلاة والسلام قَالَ: (وأما إبراهيم فانظروا إِلَى صاحبكم) أي: من أراد أن يعرف كيفية إبراهيم ﵇، قَالَ: فانظروا إلي.\r\rثُمَّ رفع إِلَى سدرة المنتهى، وهي سدرة عظيمة، أخبر الله ﷾ عنها، وأخبر بها الرَّسُول ﷺ، ولا نعلم عنها إلا ما في ذلك من الوحي، وهي آية من الآيات العظمى، التي جعلها الله ﷾ في ذلك الملأ الأعلى.\r\rثُمَّ رفع له البيت المعمور.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690710,"book_id":1659,"shamela_page_id":1836,"part":null,"page_num":1836,"sequence_num":1836,"body":"ثُمَّ عرج به إِلَى الجبار، فوصل إِلَى مالم يصله أحد من البشر قط، حتى أن الرَّسُول الأمين جبرائيل ﵇ تضاءل حتى أصبح كالعصفور من خشية الله ﷾ فدنا منه حتى كَانَ قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إِلَى عبده ما أوحى.\rونقف مع هذه الرواية عند هذه الجملة التي هي من ضمن الروايات الشاذة أو المنكرة، وهي رواية شريك بن عبد الله، وليس في بقية الروايات ما فهم منها المُصْنِّف ما قاله بعد: [وأما الدنو والتدلي الذي في حديث الإسراء فذلك صريح في أنه دنو الرب ﵎ وتدليه] وليس الأمر كذلك، فنتجاوزها؛ لأنها من ضمن الروايات المخالفة التي هي إما شاذة أو منكرة وسيأتي الكلام عليها فيما بعد إن شاء الله.\rوفرض عليه خمسين صلاة ثُمَّ خففت إِلَى خمس فرائض وقَالَ: قد استحييت من ربي ولكن أرضى وأسلم، فلما قال ذلك نادى منادٍ من قبل الله ﷿-أن قد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي، فكان ما اختاره ورضي به النبي ﷺ هو ذلك الذي قضاه الله ﷿-ولا مبدل لكلماته، ولا معقب لحكمه فهي خمس في العمل وخمسين في الأجر، وهذا فضل من الله ﵎ عَلَى هذه الأمة، وتكرمه لها ولنبيها ﷺ، وفيه أيضاً بيان عظمة الصلاة وأهميتها، ثُمَّ ينتقل المصنف-﵀ بعد ذلك إِلَى قضية الرؤية.\r\rتقدم ذكر اختلاف الصحابة ﵃ في رؤية النبي ﷺ لربه ﷿ بعين رأسه، وأن الصحيح أنه رآه بقلبه، ولم يره بعين رأسه وقوله: مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى، وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى [النجم:١٣] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690711,"book_id":1659,"shamela_page_id":1837,"part":null,"page_num":1837,"sequence_num":1837,"body":"يقول: [صح عن النبي ﷺ أن هذا المرئي جبريل، رآه مرتين عَلَى صورته التي خلق عليها] ومر في مبحث الرؤية ذكر اختلاف الصحابة رضوان الله تَعَالَى عنهم، فلا نستطيع أن نجزم بخلاف الصحابة رضوان الله عليهم في رؤية النبي ﷺ ربه، لأن ما قيل عن ابن عباس مثلاً يحتمل، ونقل عن عثمان بن سعيد الدارمي ﵀ اتفاق الصحابة عَلَى أن النبي ﷺ ولم ير ربه بعين رأسه، وفي كلام الحافظ ابن كثير ﵀ ما يشير إِلَى ذلك.\r\rوأما الرؤية بفؤاده فإنها قد ثبتت في غير ليلة الإسراء والمعراج، وهي الرؤية المنامية التي ذكرها النبي ﷺ في حديث اختصام الملأ الأعلى (رأيت ربي أو أتاني ربي الليلة في أحسن صورة فقَالَ: يا مُحَمَّد فيما يختصم الملأ الأعلى -فأخبره بعد ذلك- فقَالَ: في الكفارات والنذور) فهذه الرؤية رؤية منامية.\rتوجيه ما نسب إلى ابن عباس أنه قال: \"رآه العين\"\rوأما ما نُسب إِلَى ابن عباس ﵁ من أنه قَالَ: وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ [الإسراء:٦٠] قال في هذه الآية: هي رؤيا عين أُوريها النبي ﷺ ليلة أسري به كما في كتاب التفسير منصحيح البُخَارِيّ ﵀.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690712,"book_id":1659,"shamela_page_id":1838,"part":null,"page_num":1838,"sequence_num":1838,"body":"فإن هذه تدل عَلَى أن الإسراء كَانَ بجسده ﷺ؛ لأن كلمة الرؤيا هنا تطلق رؤيا عَلَى المنام، وعلى الرؤية الحقيقية البصرية، وأكثر إطلاقها عَلَى المنامية، فخشي عبد الله بن عباس -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- أن يفهم أحد من قوله تعالى: وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ [الإسراء:٦٠] أن يفهم أن النبي ﷺ عرج به في المنام فقَالَ: رؤيا عين أُوريها النبي ﷺ ليلة أسري به، يعني: عرج به بجسده ﷺ لا أنه عرج في المنام.\rولا يدل عَلَى أنه ﷺ رأى ربه ﷿-أي: أنه لم يخالف في ذلك ابن عباس وسائر الصحابة والأدلة عَلَى ذلك واضحة، كحديث أبي ذر وغيره، والمقصود أننا لا نستطيع أن نقول: إنابن عباس رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ -بناءاً عَلَى هذا الحديث- يرى أن النبي ﷺ رأى ربه بعينيه، وإنما يقول: رؤيا عين أي: كانت في اليقظة عَلَى الحقيقة، هي وكل ما وقع في ليلة الإسراء عامة، وليس خصوص رؤية الله ﷿.\r\rالأدلة على عدم رؤية النبي ﷺ لربه بعينه\rوأما رؤيته ﷺ لربه ﷿ فإن من أصرح الأدلة عَلَى امتناعها وعدم وقوعها حديث أبي ذر في الصحيح، وهو سؤال صريح في محل النزاع: وهو أنأبا ذر سأل رَسُول الله ﷺ، فَقَالَ له: هل رأيت ربك يارَسُول الله؟ فقَالَ: نور أنَّى أراه) وهذا تصدقه رواية أخرى وهي قوله ﷺ: (حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690713,"book_id":1659,"shamela_page_id":1839,"part":null,"page_num":1839,"sequence_num":1839,"body":"ومن ذلك أيضاً الحديث المتفق عليه وهو حديث عَائِِِشَةَ ﵂ قالت: \"ثلاث من حدثك بهن فقد أعظم عَلَى الله الفرية \" تعني: ثلاثاً عظيمات جداً، والثنتين الأخريين أعظم من هذه؛ لأن هذه قضية خبريه لكن تلكما قضية اعتقادية وهي أهم.\rأما الأولى قالت: \"من حدثك أن محمداً ﷺ كتم شيئاً مما أوحى إليه فقد أعظم عَلَى الله الفرية\" فرية عظيمة لأن الله ﷿-يقول: يَا أَيُّهَا الرَّسُول ولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة:٦٧] وفي ذلك رد عَلَى الذين يقولون بالعلم الباطن، وأن النبي ﷺ اختص به بعض الناس، كما يقولون: إن عُمَر -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- قَالَ: \"كان النبي ﷺ يتحدث مع أبِي بَكْرٍ وكنت كالزنجي بينهما\" يعني: مثل الأعجمي لا يفهم شيئاً؛ لأنهم يتكلمون في أمور الأحوال والمقامات كما تقول الصوفية.\rوكما تقول الروافض أنه كتب العلم في الجفر واختص بهذا الجفر علياً وبعض آل البيت، وهذا الجفر مخبوء وتناقلوه إِلَى جعفر ثُمَّ إلىمُحَمَّد بن الحسن العسكري صاحب السرداب ولا يعلم أحد ما فيه، سُبْحانَ اللَّه!\rإذاً: هذا علم مكتوم فهذا من أعظم الفرية عَلَى الله وعلى رسوله ﷺ، والقول بأن شيئاً من الشريعة إما باطن وإما العلم اللدني أو الجفر كتمها النبي ﷺ، فهذا لا بد فيه من أحد أمرين:\rإما أن يقول: إن هذا الشيء كتمه النبي ﷺ، وفي ذلك ما قد قلنا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690714,"book_id":1659,"shamela_page_id":1840,"part":null,"page_num":1840,"sequence_num":1840,"body":"وإما أن يكون ذلك خرافة لا أصل لها، وهذا هو الصحيح، وذلك أنه لما سُئل عنه عَلِيّ ﵁ \"هل خصكم النبي ﷺ بشيء من العلم قَالَ: لا والذي فلق الحبة وبرء النسمة ما خصنا رَسُول الله ﷺ بشيء من العلم \"، فالمقصود أن هذه هي الأولى.\rوأما الثانية: فهي قولها ﵂: (ومن أخبرك أن محمداً ﷺ يعلم الغيب فقد أعظم عَلَى الله الفرية) لقوله تعالى: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ [النمل:٦٥] .\rوقولها: فقد أعظم عَلَى الله الفرية أي: افترى عَلَى الله ﷿-افتراءاً عظيماً، إذاً هل الأولياء أو السحرة أو الكهان يعلمون الغيب؟\rالجواب: لا. لأنه مادام النبي ﷺ لا يعلم الغيب فكيف يعلم الغيب هَؤُلاءِ؟ وأما ما يخبر به الكهان من أمور المغيبات فقد سبق الحديث عنه.\rوأما الثالثة: (ومن أخبرك أن محمداً ﷺ رأى ربه فقد أعظم عَلَى الله الفرية، فالنبي ﷺ إذاً: لم ير ربه ﷿-بعينه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690715,"book_id":1659,"shamela_page_id":1841,"part":null,"page_num":1841,"sequence_num":1841,"body":"وأما آيات النجم فلو تدبرناها لعلمنا أنها واضحة الدلالة إن شاء الله والآيات هي: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى [النجم:١-٥] فالقضية قضية هذا الوحي، فالكفار يقولون: إنما يعلمه بشر، أساطير الأولين اكتتبها، ويقولون في النبي ﷺ: كاهن، ساحر، شاعر، كل ذلك قد قاله الكفار فالله ﷿ يُقسم بالنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى ﷺ، وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى، ومن الذي يعلمه ﷺ؟ تبين ذلك الآيات الأخرى إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ [الحاقة:٤٠]\rإذاً: الرَّسُول الكريم هو رَسُول شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى [لنجم:٥-١٠] فالنبي ﷺ لما أتاه جبريل بالوحي خاف ﷺ، وحصلت له فترة من الوحي، كما جَاءَ في الحديث الصحيح كما في كتاب بدء الوحي في البُخَارِيّ، فخاف ﷺ ولم يدر ما هذا، فقد يكون شيطاناً وقد يكون ملكاً، وقد يكون ... فلا يعلمه لأول مرة، فمنّ الله تَعَالَى عليه في المجيء الثاني لجبريل بعد فترة الوحي بأن أتاه جبريل ﵇ في صورته التي خلقه الله عليها، له ستمائة جناح كل جناح منها قد سد الأفق، ويتقاطر منه مثل الدر والياقوت ﵇ فرآه رَسُول الله ﷺ عَلَى حقيقته فاطمأنّ.\r\rرؤية النبي ﷺ لجبريل عليه السلام","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690716,"book_id":1659,"shamela_page_id":1842,"part":null,"page_num":1842,"sequence_num":1842,"body":"هذا الوصف ثابت لجبريل ﵇ في صحيح البُخَارِيّ إِلَى قوله ﷺ: [قد سد الأفق] كما في كتاب التفسير عند هذه الآية وفي الكتب الأخرى، فاطمأن النبي ﷺ بعد ذلك أن هذا رَسُول من عند الله حقاً، وأنه نبي لله حقاً، بعد هذه الهيئة التي نزل عليها، وجاء بها جبرائيل ﵇، وهذه هي المرة الأولى بالنسبة لرؤية الرَّسُول ﷺ لجبريل ﵇ عَلَى صورته الحقيقية.\rوهناك لطيفة في قوله تعالى: مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى [النجم:١١] ذكرها الطّّحاويّ وسبق أن ذكرنا أنّ الأصل في هذه الآية أن يوضع محلها في الشرح قوله تعالى: مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى [النجم:١٧] لأن قوله تعالى: مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى [النجم:١١] في الرؤية الدنيوية، وهذه الدقيقة اللطيفة يوضحها أن النبي ﷺ لما كَانَ في شعب أجياد، كما في هذه الرواية الصحيحة، ورأى جبريل ﵇ في صورته التي خلقه الله تَعَالَى عليها استيقن فؤاده واطمأن، فالقضية هنا أنسب إِلَى نظر الفؤاد، وليس إِلَى نظر العين، نعم رأته العين لكن قوله: مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى [النجم:١١] فيها تواطئ القلب والعين فحصل بذلك اليقين عَلَى أن هذا وحي من عند الله ﷾ هذه هي الوجهة الأولى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690717,"book_id":1659,"shamela_page_id":1843,"part":null,"page_num":1843,"sequence_num":1843,"body":"ثُمَّ قال تعالى: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى [النجم:١٣-١٧] إذاً الإسراء والمعراج يناسبهامَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى [النجم:١٧] فهناك وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى [النجم:١٣] فالنبي ﷺ رأى جبريل ﵇ عَلَى خلقته التي خلقه الله عليها مرتين:\r\rالأولى: هذه التي في أجياد بعد فترة الوحي.\r\rوالثانية: عند سدرة المنتهى، وهذا من فضل الله ﷾ عليه، وفيها حكم يضيق المقام عن شرحها، ولكن نذكر منها: كونه يكون عَلَى خلقته التي خلقها الله تعالى، ومع ذلك يتقاصر دون درجة مُحَمَّد ﷺ، هذا أعظم من أنه كَانَ عَلَى خلقة رجل ثُمَّ يكون أقل؛ لكن عَلَى نفس الخلقة التي هي أعظم خلقة له، ومع ذلك فإن رَسُول الله مُحَمَّد ﷺ يبلغ إِلَى درجة أعلى منه ﵇، فهذا تكريم للنبي ﷺ.\rوبعدها رأى النبي ﷺ عند هذه السدرة الآيات العظيمة العجيبة مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى كونه في الملأ الأعلى هذا، ولهذه المناظر المهيبة العجيبة مدعاة أن يزيغ البصر، أو أن يذل، أو أن يطغى، ويتجاوز الحد، فرأى النبي ﷺ تلك الآيات رؤية حقيقية بصرية. وبملاحظة هذا التفسير الموجز السريع للآيات نجد أنها جميعاً في جبريل ﵇، وليست في الجبار ﷾ والروايات الصحيحة كرواية قتادة وأنس أيضاً تدل عَلَى ذلك، إذاً قول شريك هذا لا يعتد به.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690718,"book_id":1659,"shamela_page_id":1844,"part":null,"page_num":1844,"sequence_num":1844,"body":"فمن الأخطاء التي فيشرح العقيدة الطّّحاويّة هذا الخطأ، وهو أن قوله: [وأما قوله تَعَالَى في سورة النجم: ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى [النجم:٨] فهو غير الدنو والتدلي المذكورين في الإسراء] الواقع أنه واحد فإن الذي في سورة النجم هو دنو جبريل وتدليه، كما قالت عَائِِِشَةَ وابن مسعود ﵄ فإنه قَالَ: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى [النجم:٥-٨] فالضمائر كلها راجعة إِلَى هذا المعلم الشديد القوي، وأما الدنو والتدلي الذي في حديث الإسراء فذلك صريح في أنه دنو الرب تَعَالَى وتدليه، وأما الذي في سورة النجم أنه رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى، فهذا هو جبريل رآه مرتين مرةً في الأرض ومرةً عند سدرة المنتهى] الواقع أن هذه العبارة: [وأما الدنو والتدلي الذي في حديث الإسراء فذلك صريح في أنه دنو الرب تَعَالَى وتدليه] هذه العبارة لو حذفناها بالمرة ثُمَّ قرأنا الكلام فالضمائر كلها راجعة إِلَى هذا المعلم الشديد القوي] .\r\rثُمَّ يقول: [وأما الذي في سورة النجم أنه رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى، وهو جبريل رآه مرتين، مره في الأرض، ومرة عند سدرة المنتهى] فتكون العبارة صحيحة والكلام سليم ولا غبار عليه، وأُدخلت هذه العبارة نتيجة لرواية شريك، وهي الرواية المنتقدة التي لم يوافقه عليها بقية الرواة [فدنا منه فكان قاب قوسين أو أدنى] إلا أن الحافظ ابن حجر ذكر عنابن عباس رواية قَالَ: إنها حسنة فيها إثبات ذلك؛ ولكن غاية ما في الأمر إذا صح سندها أن نقول: إنها شاذة، وإذا كَانَ المخالف ضعيفاً، قلنا: إنها منكرة عَلَى الاصطلاح المشهور في علم المصطلح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690719,"book_id":1659,"shamela_page_id":1845,"part":null,"page_num":1845,"sequence_num":1845,"body":"وقد ذكرنا الأوهام العشرة التي ذكرتها رواية شريك ذكرها المُصْنِّف هنا نقلاً عن الحافظ ابن حجر ﵀، وكما قلنا: إن الحافظ ذكر أنابن القيم ذكر أن فيها عشرة أوهام إذاً: لا يعول عَلَى رواية شريك هذه.\rوالخلاصة أنه ﷺ في ليلة الإسراء والمعراج لم ير ربه ﷿-بعينه، ولم يثبت أن الله ﷾ هو الذي دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى، وإنما هذه رواية شاذة أو منكرة، ونبقى عَلَى ما في الروايات الصحيحة، أنه ﷺ قرب من ربه ﷿ ودنى منه إِلَى درجة لم ولن يبلغها أحد، ففرض عليه الصلوات الخمسين التي أصبحت فيما بعد خمس، وما يتعلق بكون الإسراء بالجسد في اليقظة هذا قد سبق أن شرحناه.\r\rيقول المصنف: [إن ما يدل عَلَى أن الإسراء كَانَ بجسده ﷺ في حال اليقظة لا المنام: أن الله تَعَالَى قَالَ: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصى [الإسراء:١] والعبد عبارة عن مجموع الجسد والروح] .\rفإذا أُطلق فإنَّه يطلق عَلَى الروح والجسد معاً كقوله تعالى: وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ [الجن:١٩] أي: أنه ﷺ لما قام بروحه وجسده [كما أن الإِنسَان اسمه مجموع الروح والجسد] فلا نفهم أنه روح فقط, فإذا قلنا: جَاءَ إنسان، فلا يمكن أن يفهم أحد أنه جاءت روح إنسان ,وإنما المقصود أنه جَاءَ بذاته، أي: بجسده وروحه, [هذا هو المعروف عند الإطلاق، وهو الصحيح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690720,"book_id":1659,"shamela_page_id":1846,"part":null,"page_num":1846,"sequence_num":1846,"body":"فيكون الإسراء بهذا المجموع -وهذا ما تقدمت الأدلة عليه بالتفصيل- ولا يمتنع ذلك عقلاً] بل لا نأبه أن يكون هناك من يقول: إن العقل يثبت هذا الشي أو ينفيه مادام أنه قد صح عن رَسُول الله ﷺ، فعقولنا: إنما هي آلات أعطانا الله ﵎ إياها لنستعين بها عَلَى فهم ما ينزله علينا، فإذا جعلناها معارضة لما أنزل فقد خرجنا بها عن طورها، وظلمنا أنفسنا كما قال تَعَالَى عن الشرك: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:١٣] والبدعة: ظلم؛ بل المعصية أيضا ظلم؛ لأنها وضع للشي في غير موضعه، ومن أكبر الظلم: أن يظلم هذا العقل -الذي جعله الله أداة لنفهم طريقنا إليه ﷾ كما بين وشرع- فنجعله أداة معارضة ومضادة للوحي الذي أنزله الله ﵎ فإنه أعطانا إياه لنفهم به هذا الوحي لا لنرد به الوحي.\rلكن المُصنِّفُ ذكر ذلك عرضاً من باب التنزل والجدل واستدراج الخصم، وإلا فإننا -أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ - كما أننا في المأثور والمنقول نستطيع أن نتكلم ونبين الحق، فكذلك أيضاً في المعقول والنظر نَحْنُ أصدق النَّاس وأنصحهم في النظر والعقليات يقول المُصنِّفُ ﵀: [ولا يمتنع ذلك عقلاً] أي: ما المانع العقلي أن يكون الإسراء بالروح والجسد، وأن يتحقق في هذه السرعة، وفي هذا الوقت، وبهذه الكيفية التي ثبتت عنه صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690721,"book_id":1659,"shamela_page_id":1847,"part":null,"page_num":1847,"sequence_num":1847,"body":"يقول المُصنِّفُ ﵀: [ولو جاز استبعاد صعود البشر لجاز استبعاد نزول الملائكة، وذلك يؤدي إِلَى إنكار النبوة وهو كفر] يريد أن يُلزم الذين ينكرون الإسراء والمعراج عامة، والذين ينكرون كون ذلك بالجسد والروح بلازم وهو: أن كل مؤمن بالإسلام وبنبوة مُحَمَّد ﷺ يقر بأن جبريل ﵇ ينزل إِلَى النبي ﷺ بالوحي، بل قد نزل إِلَى من قبله، وهناك ملائكة آخرون ينزلون إِلَى الأرض، ثُمَّ يصعدون إِلَى السماء؛ فإذا كَانَ الله ﷾ قد بين ذلك، وكلنا مقرين بأن الملائكة تنزل من السماء إِلَى الأرض، ثُمَّ تصعد وتعرج، كما ذكر الله ﷾ وعلى تفاوت في أحوالها ووظائفها وأعمالها بهذه القدرة العظيمة، وكل الذين يؤمنون بالرسل وبالأنبياء حتى من غير الْمُسْلِمِينَ مقرون بهذا الأمر، فما المانع من الإقرار بصعود البشر ثُمَّ نزولهم، كما حدث ذلك لنبينا مُحَمَّد ﷺ، ولا سيما وهو أفضل الخلق وسيد ولد آدم وهو أفضل الأَنْبِيَاء والرسل صلوات الله عليهم وسلامه عليهم أجمعين.\rفإنكار نزول الملائكة يؤدي إِلَى إنكار النبوة، وقد سبق في مبحث النبوة أن كل الدين مركب عَلَى قضية أساسية، وهي إثبات نبوة مُحَمَّد ﷺ؛ لأن من ينكرها معناه أنه لا يؤمن بالسنة، ولا يؤمن بالملائكة، ولا بالله ولا باليوم الآخر فهذا كافر، كحال من أنكر نبوته ﷺ من اليهود والنَّصارَى وغيرهم، ومن أقر بنبوته، فإنه تلقائياً يجب عليه أن يقر بكل ما صح عن النبي ﷺ من الأخبار، وكذلك يجب عليه أن يعمل بكل ما صح من الأوامر والنواهي.\rالحكمة من الاسراء إلى بيت المقدس\rقَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690722,"book_id":1659,"shamela_page_id":1848,"part":null,"page_num":1848,"sequence_num":1848,"body":"[فإن قيل: فما الحكمة في الإسراء إِلَى بيت المقدس أولاً؟\rفالجواب والله أعلم: أنه ذلك كَانَ إظهاراً لصدق دعوى الرَّسُول ﷺ المعراج حين سألته قريش عن نعت بيت المقدس، فنعته لهم وأخبرهم عن عيرهم التي مر عليها في طريقه، ولو كَانَ عروجه إِلَى السماء من مكة لما حصل ذلك، إذ لا يمكن إطَّلاعهم عَلَى ما في السماء لو أخبرهم عنه، وقد اطلعوا علىبيت المقدس فأخبرهم بنعته. وفي حديث المعراج دليل عَلَى ثبوت صفة العلو لله تَعَالَى من وجوه لمن تدبره وبالله التوفيق] اهـ.\rالشرح:\r\rيقول المُصْنِّف ﵀: [فإن قيل: فما الحكمة في الإسراء إِلَى بيت المقدس أولاً؟ فالجواب -والله أعلم-] نسب العلم إِلَى الله ﷾، ونسبة العلم إليه أسلم وهو أدب من الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها العالم والمتكلم في هذه الأمور التي لا يستطيع الجزم فيها، ولاسيما ما يتعلق بالحكمة، فنحن لا نعرف ولا ندرك هذه الحكمة، فمنها ما هو ظاهر يدرك بالفهم وبالنظر السليم الصحيح، ومنها أمور خفية ودقيقة لا يمكن أن ندركها بنفس القوة في القطع والجزم، ومنها ما لا يدرك أصلاً.\r\rفعلى الإِنسَان أن يرد العلم إِلَى الحكيم العليم ﷾، فَيَقُولُ: والله أعلم، هذا خير وأفضل وأسلم في أمثال هذه الأمور، فهو من الآداب التي ينبغي علينا أن نتحلى بها، فلا نجزم في شيء لا نملك عليه دليلاً نستطيع معه أن نجزم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690723,"book_id":1659,"shamela_page_id":1849,"part":null,"page_num":1849,"sequence_num":1849,"body":"فَيَقُولُ: [أن ذلك كَانَ إظهاراً لصدق دعوى الرَّسُول ﷺ المعراج] ، فالله ﷾ عَلَى كل شيء قدير ويستطيع أن يعرج به إِلَى السماء، وأن يأتي بأي دليل آخر عَلَى إثبات هذه الواقعة غير الإسراء، قبله أو بعده، أو بأي أمر من الأمور، فلا نستطيع أن نحد قدرته ومشيئته وإرادته، لكن هذا جانب من جوانب الحكمة التي تظهر لنا، أن الله ﷾ يريد إظهار صدق دعوى المعراج، فكان الإسراء مهداً له\rفلذلك حين سألته قريش عن نعت بيت المقدس نعته لهم وأخبرهم عن عيرهم التي مر عليها في طريقه، وهذا بعض الحكمة، لأن قريشاً تعرف بيت المقدس وتسافر وترتحل إليه وهذا أمر مشهود معروف عندهم، كما في حديث أبي سفيان مع هرقل، حين قبض عليه أعوان هرقل كان في أرض الشام، وهم يعرفون ذلك المسجد، فحينما يخبرهم النبي ﷺ بأنه أسري به إِلَى بيت المقدس ثُمَّ يخبرهم أنه عرج به إِلَى السماء، نجد أن هناك نوعاً من النقلة النفسية، وهو خارق بلا شك، فلذلك قالوا: نَحْنُ نضرب إليها أكباد الإبل الشهر والشهرين، ويذهب مُحَمَّد إليها في ليلة، لكن أعظم منه وأدهى وأشد أن يعرج به من ذلك المسجد إِلَى السماء، فهذا شيء بعيد جداً؛ لأنهم يجادلون ويمارون في هذا الأقل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690724,"book_id":1659,"shamela_page_id":1850,"part":null,"page_num":1850,"sequence_num":1850,"body":"لكن عندما يكون لديك أمران: أحدهما مستحيل في نظرك، ثُمَّ يأتي بعده ما هو أكثر استحالة منه، فإن هذا يدفعك إِلَى أنك تكاد أن توافق بالأمر البسيط، وتقول: ما دام أن فيها كذا نسلم بهذا الأقل والأهون، وهذا أمر يمكن أن يجادل فيه، فلهذا جاءوا يجادلون كيف ذهبت؟ فلما طلبوا منه وصف المسجد أظهره الله ﷾ أمامه المسجد، فأخذ يراه رأي العين ويصفه لهم حتى أيقنوا وصدقوا أنه ﷺ قد أسري به، وكان ذلك تصديقاً قلبياً وليس تصديقاً إيمانياً، ووقر ذلك في قلوبهم، كما قال الله تعالى: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام:٣٣] فجحدوه بعد أن وقر في قلوبهم.\rومن الحِكَمِ الأخرى أنبيت المقدس هو مهبط النبوة قبل نبوته ﷺ، فأنبياء بني إسرائيل بعثوا في تلك الأرض المقدسة، وهناك القبلة الأولى التي كَانَ النبي ﷺ وأصحابه يستقبلونها، إذاً فهناك ربط بين هذا النبي الجديد وبيئته وبلدته الجديدة -النبوة الخاتمة- وبين مهبط النبوة السابقة لها أيضاً، وفيه إشعار بأن هذا النبي ﷺ مكمِّل ومتمِّمٌ لرسالات الأَنْبِيَاء قبله، فهو خاتمهم، ولم يأتِ في باب التوحيد والإيمان بجديد عما جاءوا به في أصَلِ القضية، وإنما دعا إِلَى ما دعوا إليه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690725,"book_id":1659,"shamela_page_id":1851,"part":null,"page_num":1851,"sequence_num":1851,"body":"فعلى كل من يقر بنبوة الأَنْبِيَاء ويثبتها من أهل الكتاب بالأخص أن يؤمنوا بهذا النبي ﷺ، وكذلك ما حصل فيه من صلاته بجميع الأَنْبِيَاء صلَى الله عليم وسلم في ذلك المكان، وهذا أيضاً تحصل به الحكمة، إذا كَانَ الإسراء أولاً، ثُمَّ بعد ذلك المعراج، وأن العبادة موضعها هي هذه الأرض في هذه الدنيا، لا سيما في مثل هذا المقام الذي يراد منه أن يظهر فضل النبي ﷺ في العبودية عَلَى بقية الأنبياء، ولهذا صلَّى بهم إماماً فجمعهم الله ﷾ له، وأمهم النبي ﷺ في مهبط الدعوة، فكان بذلك إيذاناً بأنه أكملهم في العبودية.\r\rفالنبوة حصرت في ذرية إبراهيم ﵇، ثُمَّ كانت النبوة في فرع إسحاق فنقلها الله ﷾ للنبي ﷺ إِلَى فرع إسماعيل، وكلاهما أبناء إبراهيم الخليل عليه وعليهم أفضل الصلاة والتسليم، ويمكن أن نستنبط حِكَماً كثيرة غير التي ذكرها المُصْنِّف وإن كانت هذه التي ذكرها المُصْنِّف ﵀ من أظهر وأجلى الحكم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690726,"book_id":1659,"shamela_page_id":1852,"part":null,"page_num":1852,"sequence_num":1852,"body":"ثُمَّ يقول المُصنِّفُ ﵀: [وفي حديث المعراج دليل عَلَى ثبوت صفة العلو لله تَعَالَى من وجوه لمن تدبره وبالله التوفيق] موضوع إثبات العلو من أجلى وأبين موضوعات الصفات، فإثبات علو الله ﵎ هو أحد الموضوعات المهمة في باب الصفات، وكل صفات الله ﷾ يجب علينا أن نؤمن بها، لكن هناك بعض الصفات كثر فيها الحديث، وكثر فيها الاختلاف، مع جلاء دليلها وبيانه وظهوره، ومن ذلك العلو، وتليها صفة الكلام، وقد سبقت إشارات كثيرة في موضوع العلو وسوف يأتي -إن شاء الله- تفصيل البحث في آخر الكتاب، فقضية العلو من أهم القضايا في الصفات، وهي من أجلى أمور العقيدة من حيث الأدلة، لأنه كما نقل الإمام ابن القيم ﵀: أن الأدلة عَلَى إثبات علو الله ﵎ تعد بالمئات؛ بل بالألوف، وجميعها تثبت علو الله ﷾ عَلَى مخلوقاته، ومنها هذا الحديث العظيم.\rوالأحاديث الكثيرة التي تثبت الإسراء والمعراج كلها تثبت علو الله ﷾ عَلَى مخلوقاته، فيقول المُصنِّفُ ﵀: [إن في حديث المعراج دليل عَلَى إثبات صفة العلو لله تَعَالَى من وجوه لمن تدبره] وهذا الاستطراد الذي ذكره المُصنِّفُ ﵀: يدلنا عَلَى أن عقيدة أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ عقيدة متكاملة يصدق بعضها بعضاً، فإذا تحدثنا في موضوع الإسراء والمعراج، نجد ما يؤيد العلو، ونجد ما يؤيد الكلام، ونجد ما يؤيد النبوات، فكلها يدل عليها حديث الإسراء والمعراج، وكلها يُصدّق بعضها بعضاً، أما المتكلمون والفلاسفة والمجادلون فلابد أن يتناقضوا فعندما يثبتون قضية ما يتناقضون إذا تعرضوا لموضوع آخر.\rبعض الأدلة البديهية على إثبات علو الله تعالى وبيان تناقض أهل البدع\rمن أمثلة تناقض أهل البدع:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690727,"book_id":1659,"shamela_page_id":1853,"part":null,"page_num":1853,"sequence_num":1853,"body":"الفخر الرازي ينكر العلو عَلَى مذهب الفلاسفة، كما ذكر ذلك في أساس التقديس، وهو من المصرحين بالقول: بأنه لا داخل العالم، ولا خارجه، وأن إثبات الجهة يخالف دين الإسلام، وهو مما يجب أن تؤول الأدلة فيه، ويقول وهو في مجال النسيان والغفلة والذهول عما قرره فيأساس التقديس وغيره من إنكار العلو: (إن الله ﷾ رفع محمداً ﷺ حتى كَانَ منه قاب قوسين أو أدنى، وخسف بقارون حتى تجلجل في أعماق الأرض) وهو يتحدث عن موضوع: كيف أن الله ﷾ يرفع من يشاء ويخفض من يشاء!! فنسي أنه هو الذي يقول: إن الله ﷾ لا يثبت له العلو.\r\rإذاً: هناك بُعدٌ عنه ﷾ وهناك قرب منه، فهذا الذي كتبأساس التقديس، وهو الذي دافع الدفاع الطويل العريض لإثبات أن تأويل آيات وأحاديث العلو ضرورة شرعية لابد منها وقع في التناقض، وتأبى الفطرة إلا أن تظهر نفسها، وتقر بأن الله ﷾ عالٍ عَلَى جميع المخلوقات.\rوكذلك قصة أبي جعفر الهمداني مع أبي المعالي الجويني عندما كَانَ أبو المعالي الجويني يخطب عَلَى المنبر فسئل عن العلو، فقَالَ: كَانَ الله ولا عرش، وهو الآن عَلَى ما عليه كان، أي: أنه تَعَالَى لا يحتاج إِلَى العرش، ولا يحتاج إِلَى مكان ولا يحتاج إِلَى زمان، فإذاً ليس هو مستوٍ عَلَى العرش، وليس هو عالٍ فوق المخلوقات، وكانأبو جعفر الهمداني ﵀ جالساً بين القوم في الحلقة، فَقَالَ له أيها الشيخ: دعنا من الجدال ومن قضية العلو والحاجة إِلَى العرش وعدمها، ولكن ما هذه الضرورة التي يجدها الإِنسَان في نفسه إذا أراد أن يدعو الله ﵎ فإنه لا يتجه إلا إِلَى السماء إِلَى جهة العلو؟ فكيف ندفع هذه الضرورة؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690728,"book_id":1659,"shamela_page_id":1854,"part":null,"page_num":1854,"sequence_num":1854,"body":"والضرورة عند علماء الكلام ينبغي التسليم لها بدون حاجة إِلَى تفكير، لأن من العلم ما يسمى بالعلم الضروري، وهو ما يسبق إِلَى الذهن الإيمان به قبل التفكير فيه، كما تعلم أن الواحد أقل من الاثنين، وهذه ضرورة يجدها كل إنسان في نفسه وهي: أنه إذا أراد أن يدعو الله، أو يتوجه إليه، أو يستغيث به ﷾، بل إذا ذكر الله بقلبه، فإن شعوره وإحساسه بالضرورة يتجه إِلَى جهة العلو قبل أن يعرض الموضوع عَلَى عقله. فضرب أبو المعالي بكُمِه ولطم وتحير، وقَالَ: حيرنيالهمداني حيرني الهمداني، ونزل من عَلَى المنبر. ثم تاب\rفهذا الموضوع تدل عليه الأدلة من الكتاب والسنة والفطرة السليمة ولا يحتاج أمره إِلَى نبوة فهناك أناس كانوا يعيشون في الفترات بين بعثات الأَنْبِيَاء يُقرون بالعلو، منهم أمية بن أبي الصلت فإنه أقر بذلك في شعره، ولم يكن مؤمناً، والعرب تقر بذلك إقراراً في جميع أشعارها وأخبارها، حتى أنعنترة الشاعر المشهور يقول في أول قصيدة له:\r\rيا عبل أين من المنية مهرب إن كَانَ ربي في السماء قضاها\rوعنترة جاهلي مشرك كافر لكنه أثبت أمرين مهمين مما جادل فيه المجادلون: العلو والقدر.\rأما الاستواء فإنما ثبت بالنقل، أي أنه: لو لم يخبرنا الله أنه استوى عَلَى العرش لما عرفنا أن له عرشاً استوى عليه، والقول بأنه في كل مكان ليس عليه دليل حقيقة، لكن قد يشتبه أمره عَلَى ضعاف العقول، الذين لم يفهموا حقيقة هذا الدين، ولم يفهموا حقيقة الآيات والأحاديث الواردة في ذلك، فيشتبه عليهم قوله تعالى: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [الحديد:٤] وهذه شبهة ضعيفة جداً، لكنها قد تقع، فإذا جليت الشبهة، ذهبت أمام الحقائق الواضحة، وأنه ﷾ ليس معنا بذاته، وإنما بعلمه فهذا الموضوع الثالث فيه شبهة ضعيفة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690729,"book_id":1659,"shamela_page_id":1855,"part":null,"page_num":1855,"sequence_num":1855,"body":"أما الموضوع الرابع الذي لا دليل عليه ولا شبهة عَلَى الإطلاق، هو قول من يقول: إنه لا داخل العالم، ولا خارجه، ولا فوقه، ولا تحته، ولا عن يمينه ولا عن شماله فهذا القول ليس عليه دليل من الكتاب والسنة، ولا من العقل ولا شبهة في التفكير، وإنما هو قول اختلقه فلاسفة اليونان ثُمَّ تبعهم من تبعهم، وبقي عليه أكثر المعتزلة والأشاعرة وأهل الكلام.\r\rالعروج: تَجَاوزَ السماوات السبع، حتى كَانَ بتلك المنزلة العظيمة التي لم يبلغها ولن يبلغها بشر بعده، وبعد ذلك: نزوله إِلَى موسى، ثُمَّ رجوعه إِلَى ربه ﷾، ثُمَّ وقوف جبريل عند حد معين، ثُمَّ مجاوزة النبي ﷺ له، هذا دليل عَلَى أن القرب من الله ﷾ بلغ منه النبي ﷺ منزلة لم يبلغها أحد، ولو كانت المسألة كما قالوا: لا داخل العالم ولا خارجه فكيف يتصور هذا عقلاً!!\r\rوكذلك إذا كَانَ في كل مكان، كيف يكون هذا أقرب من هذا، أو هذا بلغ درجة أعلى من هذا، واستفتاح جبريل لمن في السماوات، وفي كل مرة يفتح له عَلَى من هو أعلى منها، وهما في الطريق إِلَى سدرة المنتهى، الذي يشعر اسمها: المنتهى بأنه ليس وراءها شيء من هذه المخلوقات، ولم يبق وراءها إلا الحجاب الذي قال عنه النبي ﷺ: (نور أنى أراه) أو (حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) ﷾ وجل جلاله.\r\rإن من أنكر الإسراء والمعراج، فإنه ينكر شيئاً ثابتاً في القرآن، وهناك قاعدة معروفة صحيحة يجب أن نعرفها جميعاً، وهي أن من أنكر شيئاً ثبت في القُرْآن فإنه كافر، وكذلك في السنة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690730,"book_id":1659,"shamela_page_id":1856,"part":null,"page_num":1856,"sequence_num":1856,"body":"وأما دلالات الآيات التي في القُرْآن فقد تختلف، وأعظم دليل عَلَى الاختلاف اختلاف أصحاب النبي ﷺ في القُرْآن وهم أفضل النَّاس عقلاً وفهماً فقوله سبحانه: مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَاب [آل عمران:٧] هذه آية واضحة وجلية لا نقاش فيها ولا خلاف، وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ [آل عمران:٧]\rفمذهب أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ ما عليه السلف: هو الإيمان والتصديق بالمحكم، والإيمان بالمتشابه ورده إِلَى المحكم ولهذا فإن أهمية السنة أنها تفسر القُرْآن فتبينه وتحدد مدلولاته، فهي كالشرح والإيضاح للقرآن، أما القُرْآن فهو حمال وجوه، قد تحتمل الآية أكثر من معنى وأكثر من وجه.\rنقول: ما الذي ذكره الله ﵎ في القُرْآن صريحاً؟ وما الذي ذكره ضمناً؟ فالإسراء ذُكِرَ صريحاً سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ [الإسراء:١] إذاً لو أن أحداً أنكر الإسراء فإنه يكفر رأساً، لأنه بمجرد أن يقرأ الآية أو يسمعها يفهم دلالتها، فيكون منكر الإسراء كافراً.\r\rوإنما حصل الخلاف والإشكال فيمن ينكر المعراج، لأن الدلالة ليست جلية، وهذا يستلزم منا أن نجليها وأن نوضحها من خلال سورة النجم، فمنها نستطيع أن نبين هذه الحقيقة، فتصبح أيضاً يدل عليها القُرْآن دلالة لا شك فيها ولا شبهة، فقوله سبحانه: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى [النجم:١٣] أين رآه؟ عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصرُ وَمَا طَغَى [النجم:١٤-١٧] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690731,"book_id":1659,"shamela_page_id":1857,"part":null,"page_num":1857,"sequence_num":1857,"body":"فجملة مَا زَاغَ الْبَصرُ تبين أن العروج ليست بمجرد الروح كما يقولون، بل هي حقيقة واضحة ببصره ﷺ رأى تلك الآية الكبرى التي أراه الله ﷾ في ذلك الموضع، فنستطيع أن تجلي دلالة القُرْآن فتكون دلالته صريحة، ثُمَّ نؤيد ذلك بالأحاديث الكثيرة المتواترة التي تثبت الإسراء والمعراج، فنقول: إن من أنكر المعراج فهو أيضاً كافر بعد بيان الحجة عليه.\r\rومن المعتزلة من فرق بين الإسراء والمعراج وهذا من الحماقة والغباوة، وهم أعمى من قريش في موضوع الإسراء والمعراج؛ لأن قريشاً لم تجادل فيه، إنما أرادت أن تجادل في الشيء الواضح الذي تعرفه، ولا تعرف خبر السماء، ولا تدري ما هي سدرة المنتهى ولا أي شيء، لكنها تعرف بيت المقدس، وتعرف أن المسافة إليه قد تصل إِلَى شهر أو شهرين بالإبل، فلما أثبته النبي ﷺ تولوا وأفحموا ولم يستطيعوا أن يستمروا في المناظرة ولا في المحاورة، لكن هَؤُلاءِ المعتزلة وأمثالهم فتنوا كما قال الله تعالى: وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاس [الإسراء:٦٠] فُتنوا كما فتن بعض دعاة الإيمان، وكذلك المُشْرِكُونَ الذين فتنوا بها.\rفبعض الْمُشْرِكِينَ ازداد بعداً عن الإيمان لما سمع بقصة الإسراء والمعراج، لأن موضوع النهي عن عبادة الأصنام لأنها حجارة لا تضر ولا تنفع كل هذا كلام عقل، لكننا الآن دخلنا في متاهة أخرى وهي موضوع السماوات، فازداد بُعداً عن الإيمان، ومن ضعاف الإيمان من كَانَ قد أعلن إسلامه، فلما جاءت هذه الحادثة تركه وتخلى عنه، وهَؤُلاءِ المعتزلة وأمثالهم الذين أخذوا يمارون ويجادلون في مسألة الإسراء والمعراج، فحكمهم -إذا أقمنا الحجة عليهم- أنهم يكفرون بعد ذلك، وهذا هو القول الذي لا يجوز العدول عنه إِلَى قول آخر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690732,"book_id":1659,"shamela_page_id":1858,"part":null,"page_num":1858,"sequence_num":1858,"body":"لكن مبدئياً نقول: إن من أنكر المعراج، أو تأوله بأنه بالروح أو غير ذلك بناءً عَلَى أن العقل ينفيه، نستطيع أن نطلق عليه الضلال، لأن كلمة الضلال تشمل الكفر ولا تقتضيه بالضرورة، فالضلال يطلق عَلَى الخروج عن الطريق المستقيم عامة، فيدخل فيه الكفر وقد لا يقتضيه بالضرورة، فقد لا يكون الإِنسَان كافراً وإن كَانَ ضالاً، وكذلك الفسق، كما قال الله ﷿: إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ [البقرة:٣٤] وفي آية: فَفَسَقَ [الكهف:٥٠] .\r\rإذاً: الفسق قد يطلق عَلَى معنى الكفر، فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّه [الكهف:٥٠] أي: كفر به وخرج عنه، والخروج عن أمر الله قد يكون خروجاً كلياً وقد يكون خروجاً عن الاتجاه المستقيم إِلَى البدع والضلالات، ومن أطلق عليهم الضلال، فإنه لا يعني أنه ينفي عنهم الكفر، لكن أطلق عليهم أو حكم عليهم بالحكم الذي يرى أنه قد يعفيه من تبعة إقامة الحجة، وهم بلا شك عَلَى ضلال، لكن إذا محصت الأدلة، وقامت الحجة، فإن من ينكر الإسراء والمعراج أو أحدهما يكون كافراً.\r\r<= (١١,١٩٢٤) فالجهمية وبعض المعتزلة قد ينكرون المعراج، لكن غالبهم أو بعضهم يثبت الإسراء، لأنه جَاءَ في القرآن. ثُمَّ يؤول المعراج بأنه كَانَ في المنام، أو أنه بالروح، أو ما أشبه ذلك، لدلالة أن العقل يمنع أن بشراً يخترق هذه السماوات ثُمَّ يعود في ليلة، هذه شبهتهم وهذا دليلهم، كما أولوا العلو بنفس الاستدلال. وقد بينا أن المسألة إذا كانت مجادلة بالعقل، فالمُشْرِكُونَ أيضاً جادلوا، وأنكروا الإسراء والمعراج وَقَالُوا: هذا غير معقول، كيف نضرب إليها أكباد الإبل في الشهر أو الشهرين، ويبلغها في ليلة. وهذه هي شبهة المعتزلة نفسها، أمر مستحيل لا يمكن أن يقع.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690733,"book_id":1659,"shamela_page_id":1859,"part":null,"page_num":1859,"sequence_num":1859,"body":"حقيقة النبوة براهين يُصدِّقُ بعضها بعضاً، فالسحرة الذين ناظروا موسى ﵇ وبارزوه تلك المبارزة العظيمة، فجاءوا بشيء في أول الأمر -أن الحبال والعصي تسعى وتتحرك- فسحروا أعين النَّاس بها، وظن النَّاس أنها حق، حتى أن موسى ﵇ خاف، وهو الذي جَاءَ بأمر من الله وواثق من الله، ومتأكد من صحة نبوته وصدق آيته التي أعطاه الله.\r\rكما قال الله تعالى: فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى [طه:٦٧] فلما ألقى العصا قال الله تعالى: فَأَلْقَى مُوسَى عَصاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ [الشعراء:٤٥] فذهب الزيغ وانكشف الباطل، فالذي لا يريد أن يقر بهذه ليس مقراً بنبوة النبي ﷺ، من يريد أن يعرض كل شيء عَلَى عقله وعلى فكره وعلى رأيه! إذاً فنقول له: أنت ما آمنت بالنبي ﷺ وآمنت بما قاله أفلاطون وأرسطو وجعلته حكماً ومعياراً لما جَاءَ به النبي ﷺ.\rملاحظات حول بعض ما كتب في الإسراء والمعراج\rما وقع فيه بعض النَّاس من أخطاء في موضوع الإسراء والمعراج في الكتب وغيرها كثير، كثيرة، ولكنني اخترت كتاباً اسمه الإسراء والمعراج، إعداد وتقديم رياض العبد الله وهو أعده من كلام الشيخ مُحَمَّد الشعراوي، وفيه بعض الأخطاء بلا شك، منها نفس الكلام الذي ذكره الشيخمُحَمَّد الغزالي، وهي من تعليقات رياض العبد الله فيه (وكلمة البراق يشير اشتقاقها من البرق، أي: أن قوة من الكهرباء قد سخرت في هذه الرحلة العجيبة والخارقة لقوانين البشر، ولكن كيف تم ذلك والجسم في حالته المعتادة يتعذر عليه النقل في الآفاق بسرعة البرق الخاطف.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690734,"book_id":1659,"shamela_page_id":1860,"part":null,"page_num":1860,"sequence_num":1860,"body":"إذاً: لا بد من أن يكون هناك إعداد خاص يحصن أجهزته ومكان لهذا السفر البعيد، ولتلك السرعة الخارقة وما أحسب أن ما روي من شق صدره ﷺ وغسل القلب وحشوه إنما هو رمز لهذا الإعداد المحفوظ) هذا نفس كلام الشيخمُحَمَّد الغزالي في فقه السيرة.\r\rوالشيخ الشعراوي ينفي أن يكون هناك زمن لحالة المعراج العملية فهو لم يستغرق أي زمن.\r\rيقول: (وكما يقولون: إن المسافة تتناسب مع القوة تناسباً عكسياً فكلما ازدادت القوة قصرت المسافة، والقوة التي فعلت هي قوة الله ﷾ فنجد عندئذٍ أن النتيجة لا زمن فعندما يأتي شخص ويقول لك ما دام أنه لا زمن، فلماذا أخذ ليلة للرحلة؟ نقول له: هناك فرق بين حدث الإسراء في ذاته كنقله، وبين مرائي تعرض لها الرَّسُول ﷺ.\rفالرَّسُول ﷺ حين تعرض لمرائي رآها هو ببشريته وبقانونه فالمرائي المشاهد التي تعرض لها هي التي احتاجت للزمن، أما النقلة ذاتها فلا تحتاج إِلَى زمن، لأنها محمولة عَلَى قانون ليس يتحكم فيه الزمن. فالذين ناقشوا رَسُول الله ﷺ هم جماعة يعطون صورة من عقلهم بأنهم قارنوا مقارنة غير موضوعية) ونفي الزمن سواء في الانتقال بالبراق إِلَى بيت المقدس أو إِلَى السماء هذا معنى كلامهم.\rوليس هناك ما يستدعي، أننا ننفي الزمن نهائياً لكي نبرهن ونثبت للمشركين أن الإسراء والمعراج ممكن، وأن مقارنتهم كانت غير موضوعية، فما المانع في أن تكون المسافة إلىبيت المقدس شهراً، وتكون فرضاً دقيقة أو عشر ثوانٍ عَلَى البراق؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690735,"book_id":1659,"shamela_page_id":1861,"part":null,"page_num":1861,"sequence_num":1861,"body":"حقيقةً ليس هناك أي دليل، ولا يجوز القول في أي مسألة بغير علم، وهذه المسألة تشكل عَلَى الذين يدرسون النظريات الحديثة التي تتعلق بموضوع الزمن، فالشيخ هنا فيما يبدو تأثر بالنظرية التي تسمى \"النسبية العامة\" التي تحدث عنها إنشتاين، يقول إنشتاين: \"إنه ما دام أن سرعة الضوء ثلاثمائة ألف كيلو في الثانية إذاً الضوء عندما ينتقل في مسافة تعدل قطر الأرض -مثلاً- فهذه العملية تمت في ألاّ زمن\"\rوالمقصود من كلامه هذا ليس إنكار وجود الزمن، وإنما المقصود السرعة العظيمة ليبرهن عَلَى سرعة الضوء العجيبة، وأنها تنتقل في سرعة لا يمكن أن نقيسها بمعيارنا الزمني الذي نتعارف عليه، فهذا شيء لا يدل عَلَى نفي الزمن في الواقع، بل نفس نظرية النسبية التي اشتهر بها إنشتاين وهي: \"النسبية العامة، والنسبية الخاصة\".\r\rفالنسبية العامة: أضافت إِلَى الأبعاد الثلاثة، البعد الرابع: وهو الزمن، فالنظرية مركبة عَلَى قضية الزمن، وعلى إثبات الزمن، لكن فحوى النظرية أن الزمن المعهود لنا يتلاشى مع هذه الأبعاد الهائلة مع سرعة الضوء. فأرقامنا وأحاسيسنا وشعورنا هو في حدود عالمنا الذي نعيش فيه، هذا بالنسبة لعالمنا، لكن بالنسبة إِلَى الكون: الأمر أكبر من أن نستطيع أن ندركه أو أن نفكر فيه، فمثلاً: لو مرت سيارة فإنك تستطيع أن تراها، مهما كانت سرعتها ولو مرت طائرة فإنك أيضاً تستطيع أن تراها في مسافة معينة، لكن لو تضاعفت سرعة الطائرة حتى صارت مثل سرعة الضوء فلا تستطيع أن تراها لأن رؤيتك للشيء تحتاج إِلَى زمن ولو ثانية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690736,"book_id":1659,"shamela_page_id":1862,"part":null,"page_num":1862,"sequence_num":1862,"body":"وسرعة الضوء في الثانية ثلاثمائة ألف كيلو، هذا مجرد الأفق الذي أمامك، فهو لا ينفى الزمن، وإنما يقول: إن الزمن نسبي، فبالنسبة لنا الزمن شيء، وبالنسبة إِلَى ما عدانا شيء آخر، فعلى هذا لا نستطيع أن ننفي الزمن بلا دليل عندنا، وكما جَاءَ في الأحاديث أن الله تَعَالَى بين أن النبي ﷺ عرج به في أول الليل، ثُمَّ عاد في آخره، وحصلت هذه المشاهد.\r\rالقضية الأخرى: وهي أن النبي ﷺ مر بثلاث مراحل، يقول رياض العبد الله صـ٥١: \"إن النبي ﷺ في هذه المسألة تعرض لثلاث مراحل، المرحلة الأولى: كَانَ بشراً وجبريل ﵇ يعرض عَلَى مُحَمَّد الأشياء، ثُمَّ يقول: ما هذا يا جبريل فَيَقُولُ: هذا كذا وهذا كذا، وجبريل يعرف أن النبي ﷺ يراها فيسأل عنها جبريل، المهم أن هذه حالة البشرية.\r\rالمرحلة الثانية: لما صعد في السماء كَانَ يرى المرائي فلا يستفهم جبريل عنها ويسمع فيفهم إذاً: فقد تحول شيء في ذاتية مُحَمَّد ﷺ -لم يذكرها لكنه ربما نواها- وأصبحت له ذاتية فاهمة بلا واسطة جبريل ﵇، وهذه الحقيقة ليس لها أساس عند تأمل الحديث، فالقضية واحدة فهو يسأله في الطريق كلها، يقول: (أصبحت له ذاتية فاهمة بلا واسطة جبريل ﵇ ورائية بلا واسطة أحد -أي: فاهمة ورائية من غير واسطة- ففي الأرض إرائة وأما في السماء فقد رأى بالرؤية، ثُمَّ بعد ذلك نجد أنه بعد أن انتقل إِلَى مرحلة يكون فيها ملائكياً كالملائكة فهو يراهم، ويتكلم معهم، ويخاطبهم ويفهم منهم) .\r\rالمرحلة الثالثة: ويدخل النبي ﷺ في مرحلة ثالثة فوق مرحلة الملائكية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690737,"book_id":1659,"shamela_page_id":1863,"part":null,"page_num":1863,"sequence_num":1863,"body":"يقول: (يزج بالنبي ﷺ في سبحات النور، ولم يكن جبريل معه، وهذا دليل عَلَى أن محمداً ﷺ قد ارتقى ارتقاءً آخر، ونُقِلَ من ملائكية لا قدرة لها عَلَى ما وراء سدرة المنتهى، إِلَى شيء من الممكن أن يتحمل ما وراء سدرة المنتهى، ودون مصاحبة جبريل ﵇.\r\rإذاً فسيدنا مُحَمَّد كَانَ بشراً في الأرض مع جبريل وبعد ذلك كانت له ملائكية مع الرسل ومع جبريل في السماء، وبعد ذلك كَانَ له وضع آخر ارتقى به من الملائكية حتى أن جبريل نفسه يقول له: أنا لو تقدمت لاحترقت، وأنت لو تقدمت لاخترقت ... إلخ) .\r\rوهذا الكلام ليس عليه أي دليل من الأحاديث ولا من الآيات عَلَى الإطلاق بأن شخصية النبي ﷺ مرت بثلاث مراحل، وتحولت ثلاث تحولات بشرية ثُمَّ ملائكية ثُمَّ أعلى من الملائكية، لأن الأعلى من ذلك هو الألوهية، وقد يخطر ذلك عَلَى كثير من الناس، وهذا مما نهى عنه النبي ﷺ فهو من الإطراء والغلو ونتيجة استخدام مجرد النظر والرأي والتفكير في أمر ليس هو موضع تفكير، وإنما هو موضع تسهيل وبحث في الأدلة، فنقرأ الأدلة ونؤمن بها ونصدق بما جاءت به، ولا نجعل الخيال يشطح ليتصور ويتفلسف من عنده دون أي دليل ولا برهان من كتاب الله ولا من سنة رَسُول الله ﷺ.\rوالعجيب أن المقدم والمعدرياض العبد الله أراد أن يوثق الموضوع ويبرهن عَلَى كلامه من شجرة الكون للشيخمحيي الدين ابن عربي، الذي ليس بحجة ولا يرجع إليه؛ لأنه كافر بإجماع كل من كتب عنه من أئمة الْمُسْلِمِينَ الموثوقين، فهو من أصحاب وحدة الوجود.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690738,"book_id":1659,"shamela_page_id":1864,"part":null,"page_num":1864,"sequence_num":1864,"body":"يقول ابن عربي: (إنه يقول: يا مُحَمَّد إذا كَانَ العرش مشوقاً إليك فكيف لا أكون خادماً بين يديك، فقرب له مركبه الأول وهو البراق إِلَى بيت المقدس، ثُمَّ المركب الثاني وهو: المعراج إِلَى السماء الدنيا، ثُمَّ المركب الثالث وهو: أجنحة الملائكة من سماء إِلَى سماء، وهكذا إِلَى السماء السابعة، ثُمَّ المركب الرابع وهو: أجنحة جبريل ﵇ إِلَى سدرة المنتهى، وهنا تخلف جبريل ﵇ عند سدرة المنتهى، فقَالَ: يا جبريل نَحْنُ الليلة أضيافك، فكيف يتخلف المضيف عن ضيفه أهاهنا يترك الخليل خليله، فقَالَ: يا مُحَمَّد أنت ضيف الكريم ومدعو القديم، ولو تقدمتُ الآن بقدر أنملة لاحترقت، كقوله ﷾: وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ [الصافات:١٦٤] ) .\r\rثُمَّ قَالَ: (قال: يا جبريل إذا كَانَ كذلك ألك حاجة؟ قَالَ: نعم، إذا انتهى بك الهوج حيث لا منتهى، وقيل لك: ها أنت وها أنا، فاذكرني عند ربك، ثُمَّ زج به جبريل ﵇ زجة فخرق سبعين ألف حجاب من النور ... إلخ) وهذا الكلام كله لا دليل عليه، والآية: وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ [الصافات:١٦٤] أي: الملائكة، كما في تفسير ابن كثير أو الطبري فكل ملك من الملائكة له مقام معلوم، فما من موضع شبر في السماء إلا وفيه ملك راكع أو ساجد، كما أمرهم الله ﷾ فالحفظة لهم مقام معلوم، والكرام الكاتبون لهم مقام معلوم، والكربيون لهم مقام معلوم، والذين يوكلون بالغيث والقطر والجبال لهم مقام معلوم، وكل منهم له مقام معلوم.\rوإنما أحببنا أن ننبه إِلَى مثل هذه الأخطاء لشيوعها وانتشارها ولكثرة من سأل عنها من الإخوان.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690739,"book_id":1659,"shamela_page_id":1865,"part":null,"page_num":1865,"sequence_num":1865,"body":"أشرنا فيما مضى إِلَى ملاحظات عَلَى كتاب الإسراء والمعراج لرياض العبد الله ولكن نظراً للشبهات التي تثار في هذا الموضوع وفي أمثاله، فسنزيد في ذلك، وقد وجدنا أن كثيراً ممن كتب في هذا الموضوع وقعوا في أخطاء ينبغي أن ننبه النَّاس عليها، فلهذا أحببنا أن نجعل من حديثنا هذا مراجعةً نراجع فيها معلوماتنا السابقة عن الإسراء والمعراج من خلال نقدنا لبعض ما كتبه هَؤُلاءِ الناس.\rولكي نعرف أن أمور العقيدة وأمور الغيب ضرورية، لابد من معرفتها، ولابد أن يتكلم فيها بالعلم، وأنه لا بد أن ترفع شبهات الملحدين والجاهلين والشاكين في العلم، فإنه لا يُصلِح الجدلَ والبدعة والانحرافَ إلا العلم الصحيح. فإذا كَانَ الأمر متروكاً لكل من شاء أن يتكلم كما يشاء، فهذا هو الذي دمر الأمة الإسلامية، وفرقها، وضيعها، فلم تستبن معالم دينها، وأصبحت تتخبط عَلَى غير هدى، حتى أصبح كل ناعق ينعق بما يشاء، ويمكنه أن يجتال عَلَى طائفة من هذه الأمة، ويذهب بها بعيداً عن الصراط المستقيم.\rفقد كتب مجموعة من النَّاس وتحدثوا عن الإسراء والمعراج ولا سيما الموضوعين المهمين وهما، الأول: موضوع رؤية الله ﵎، وكثير من النَّاس لا يستطيع أن يفهم هذه الرؤية ولا يتبينها، لأنه لم يرجع إِلَى المصادر الصحيحة من كتب العقيدة الصحيحة، فيعرف حقيقة هذه الرؤيا كما قد سبق.\r\rوالقضية الثانية: قضية العلو، وقد تقدم قول المصنف: إن في حديث المعراج دليل عَلَى ثبوت صفة العلو لله تَعَالَى من وجوه لمن تدبر، فهذان الموضوعان: موضوع الرؤية، وموضوع العلو كثيراً ما يلتبس عَلَى النَّاس فهمهما وفقههما، حتى أصبحنا نسمع ونجد من يزعم أنه يرى الله ﵎ في هذه الحياة الدنيا كما يشاء أو يرى العرش، وأن ذلك نتيجة ولايته أو أنه كرامة له.\rكتاب الإسراء والمعراج لمحمد سعيد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690740,"book_id":1659,"shamela_page_id":1866,"part":null,"page_num":1866,"sequence_num":1866,"body":"في هذا الكتاب وهو الإسراء والمعراج لمؤلفه مُحَمَّد سعيد زبير -الطبعة الثانية- ١٤٠٥ هـ.\r\rجمع فيه أقوال بعض المشايخ الذين أخطأوا في هذه الأمور، كنموذج لنراجع معلوماتنا، ونعرف كيف نستطيع من خلال العلم الصحيح والمعرفة الصحيحة أن ننقد ما يخطئ فيه بعض الناس، نتيجة الجهل أو نتيجة الانتماء إِلَى منهج من مناهج أهل البدعة والضلال.\r\rوقد اقتصرنا في النقد عَلَى الأشياء الأساسية المتعلقة بالعقيدة، في صـ ١٠ يقول المؤلف مفخماً العنوان: \"كيف تلقت قريش نبأ الإسراء والمعراج\".\rفَيَقُولُ: \"في صبيحة السابع والعشرين من شهر رجب الخير، وقبيل الهجرة تقريباً عَلَى أرجح الأقوال\" ذكر المؤلف هذا التاريخ، ولم يثبت أن هناك تاريخاً معيناً للإسراء والمعراج لا يوماً ولا شهراً ولا سنة محددة؛ بل نَحْنُ مع الحافظ ابن حجر ﵀ حيث يقول: إن هناك أكثر من عشرة أقوال مختلفة في تحديد هذا اليوم.\r\rوإذا قلنا: إنه في اليوم السابع والعشرين من رجب فمعنى ذلك أننا نفتح مجالاً للبدعة المعروفة وهي بدعة الرجبية، والاحتفال بهذه الليلة، ويسمونها: ذكرى الإسراء والمعراج، وهذه البدعة منتشرة في أكثر أنحاء العالم الإسلامي، فلماذا لا يكتب عنها ولا يتحدث عنها بالتفصيل؟! وسؤال آخر: لو ثبت أنها كانت في ليلة السابع والعشرين فهل يجوز أن نحتفل بها؟ فالقضية مركبة من أمرين:\r\rأولاً: لم تثبت.\r\rوثانياً: لو ثبتت لما جاز لنا أن نحتفل بها، وكذلك لا تجوز صلاة الرغائب التي تخصص في هذه الليلة.\rفالبدع إذا فتح بابها لا تنتهي عند حد، والطريق المستقيم واحد وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام:١٥٣] فإذا خرج المرء أو الطائفة عن الصراط المستقيم، فمن الممكن أن يذهب ذات اليمين وذات الشمال، فلا يبالي به الله في أي وادٍ هلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690741,"book_id":1659,"shamela_page_id":1867,"part":null,"page_num":1867,"sequence_num":1867,"body":"وفي صـ٤٠ خطأ بسيط ولكن نذكره حتى يكْشف لنا عن مدى علم صاحبه يقول عن قضية الرؤية: \"ويرد عَلَى ذلك شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ فيزاد المعاد \"، فإذا كَانَ لا يدري أن زاد المعاد لابن القيم فهذا دليل عَلَى أنه لا يوثق بمثل هَؤُلاءِ الذين لا يعرفون أبسط وأسهل المراجع التي يعرفها كل طالب علم.\r\rوقفة مع الشيخ الشعراوي\rوفي صـ ٤٢ يقول: \"يقول الشيخ الشعراوي: \"أنا شخصياً لست مع المفسرين الذين يفسرون بأن المدنو منه هو جبريل؛ والدنو منه ﷺ؛ لأن جبريل كَانَ مع الرَّسُول ﷺ، وما دام جبريل معه فكيف يدنو منه، فكان قاب قوسين أو أدنى؟ ذلك ملحظ آخر يعطينا أن الدنو في دَنَا فَتَدَلَّى شيء آخر من ربه أو ربه منه إيناساً بما يكون من رؤيته للحق أو من كلام الحق له\" هذا الكلام موجود في صفحة ٦٣ من كتاب الإسراء والمعراج اعداد وتقديم رياض العبد لله من كلام الشعراوي، ووجه الخطأ في هذا الموضوع هو أولاً: يقول أنا شخصياً لست مع المفسرين الذين يفسرون دنا بأن المدنو منه هو جبريل، يقول: لأن جبريل كَانَ مع الرَّسُول ﷺ فما دام أنه معه فكيف يدنو منه؟!\rوالجواب أن الآية في دنو جبريل من مُحَمَّد ﷺ في غير الإسراء والمعراج.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690742,"book_id":1659,"shamela_page_id":1868,"part":null,"page_num":1868,"sequence_num":1868,"body":"وقد سبق أن قلنا: إن المُصْنِّف ﵀ يقول: [وأما قوله تَعَالَى في سورة النجم ثُمَّ َ دَنَا فَتَدَلَّى [النجم:٨] فهو غير الدنو والتدلي المذكورين في قصة الإسراء -المذكور في حديث شريك الذي هو ضعيف مضطرب- فإن الذي في سورة النجم هو دنو جبريل وتدليه كما قالتعَائِِِشَةَ وابن مسعود ﵄ فإنه قال سبحانه: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ َ دَنَا فَتَدَلَّى [النجم:٥-٨] فالضمائر كلها راجعة إِلَى هذا المعلم الشديد القوى، وأما الدنو والتدلي الذي في حديث الإسراء؛ فذلك صريح بأنه دنو الرب تَعَالَى وتدليه] وجواب الإشكال الذي ذكره بعض المفسرين من أنه: كيف يدنو منه جبريل وهو معه عُرِجا معاً؟ بأن هذه الآية في قضية أخرى غير قضية الإسراء والمعراج.\rوهي المرة الأولى التي رأى النبي ﷺ فيها جبريل في الأرض عَلَى خلقته التي خلقه الله ﵎ عليها في الأرض، ولو استمرينا في الآيات لوجدنا أن هذا واضح وجلي يقول سبحانه: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى [النجم:١٣] أي: نزلة ثانية كما في الصحيحين، فالنبي ﷺ رأى جبريل عَلَى خلقته التي خلقها الله ﵎ عليها له ستمائة جناح قد سد الأفق، ينزل من السماء فدنى من النبي ﷺ وهذه هي النزلة الأولى، ثُمَّ رأى مُحَمَّد ﷺ جبريل ﵇ مرة أخرى عند سدرة المنتهى وليس هناك دنو ولا تدلي فزال هذا الإشكال.\r\rثُمَّ يقول في صفحة ٤٣: والقائلون بالرؤية يقولون: إن الرؤية ثابتة والكيفية مجهولة كما يرون أن رؤية الله ﷾ لا تكون عَلَى حقيقته جل شأنه، بل تكون عَلَى صورة تتناسب مع قوة احتمال المشاهد وإيمانه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690743,"book_id":1659,"shamela_page_id":1869,"part":null,"page_num":1869,"sequence_num":1869,"body":"وفي ذلك يقول الدكتور عبد الحليم محمود: \" أنا أقول برؤيته ﷺ لربه ﷾ وبدنوه منه سبحانه عَلَى الوجه اللائق، ويقول: إن كلمة عَلَى الوجه اللائق تفض كل نزاع، والله أعلم\" نقل المؤلف عن الدكتورعبد الحليم محمود وهو معروف بالتصوف وأكثر كتبه في ذلك، فَيَقُولُ: \"أنا أقول برؤيته ﷺ لربه سبحانه\" وقبل هذا يقول المؤلف: إن رؤية الله -تعالى- لا تكون عَلَى حقيقته، فهي تقع ولكن تكون عَلَى كيفية أو عَلَى هيئة تتناسب مع قوة إدراك المشاهد، وهذا الكلام فيه إجمال، ما المقصود بهذه الرؤية؟ إن كانت الرؤية في الدنيا فلها كلام، وإن كانت في الآخرة فلها كلام، فإذا قلنا: إن المقصود هو رؤية الله ﵎ في الدنيا فإن الأولياء والأقطاب -كما هو في كثير من كتب الصوفية -يزعمون أنهم يرون الله ﵎ في هذه الدنيا فبماذا نجيب هَؤُلاءِ الناس؟\r\rنقول: إن أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ من عهد الصحابة -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُم- إِلَى اليوم مجمعون عَلَى أنه لن يرى أحدٌ ربَّه ﷿ في هذه الحياة الدنيا بالإطلاق، إلا أن الخلاف قد وقع في حق الرَّسُول ﷺ فقط، ولم ينقل عن أحد من الصحابة أنه رأى ربه ﷿ حتى في المنام، إذاً كلامهم هذا باطل، ولا شك في ضلال من زعم ذلك، وإنما قد يكون الشيطان لبسَّ عليه فأراه أشياء أو ظهرت له أنوار أو خيالات، فَقَالَ له: إني أنا الله أو أنا ربك أو زعم أن هذا هو ربه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690744,"book_id":1659,"shamela_page_id":1870,"part":null,"page_num":1870,"sequence_num":1870,"body":"بل حتى رَسُول الله ﷺ لم يرَ ربه بعينه كما في حديث أبي ذر لما سأله (هل رأيت ربك يا رَسُول الله؟ فقَالَ: نور أنَّى أراه) وفي الحديث الآخر يقول: (حجابه النور) فهو محتجب بالنور ﷾ فلم يره النبي ﷺ بالعين، وإن من قَالَ: إنه رآه كابن عباس -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُما- مقصوده: أنه رآه بفؤاده أي: رآه بقلبه.\r\rومن ذلك حديث: (رأيت ربي في أحسن صورة) فالنبي ﷺ لم ير ربه ﵎ بعينه في الحقيقة، وإنما كَانَ يقول في ليلة الإسراء (رأيتُ نوراً)\rوالمقصود أن ابن عباس -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- يقول رؤيا عين، أي: ليست رؤيا منام في قوله تعالى: وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ [الإسراء:٦٠] أي: ما حصل ليلة الإسراء والمعراج كَانَ رؤيا عين بالحقيقة وليس مناماً للنبي ﷺ، والكلام هنا ليس في رؤية الله، وإنما رؤية ما حدث في ليلة الإسراء والمعراج من المرائي التي رآها النبي ﷺ في الدنيا، وفي كل سماء إِلَى أن وصل إِلَى سدرة المنتهى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690745,"book_id":1659,"shamela_page_id":1871,"part":null,"page_num":1871,"sequence_num":1871,"body":"وإن كَانَ المقصود رؤية الله ﵎ في الآخرة، فهذا أمر خارج عن موضوع السياق هنا والله ﷾ إنما يتجلى الله لعباده وينعم عليهم بلذة النظر إِلَى وجهه الكريم في الآخرة، وبلا شك أن حال الآخرة غير حال الدنيا، فأهل الجنة يعطون من القوة عَلَى الإدراك -والقوة عامة- غير هذا الضعف الذي يعيشونه في هذه الحياة الدنيا، ثُمَّ نقل أن الدكتور عبد الحليم يقول: \"أنا أقول برؤيته ﷺ لربه ﷾ وبدنوه منه سبحانه عَلَى الوجه اللائق\" أيضاً يقول: إن الله تَعَالَى دنى من النبي ﷺ وهذا الكلام أيضاً موافق لما سبق أن بينا خطأه، ثُمَّ يقول: \" إن كلمة عَلَى الوجه اللائق تفض كل نزاع\" والصحيح أننا نستخدم كلمة عَلَى \"الوجه اللائق\" في الشيء الثابت نقله، كصفة تثبت لله تعالى، نقول في ذلك عَلَى الوجه الذي يليق بجلاله بلا تكييف، لكن هذا لم يثبت، فإن ما ورد في تلك الرواية المضطربة لا يصلح به الاستدلال عَلَى مثل هذا القول، وأصل الخطأ في مثل هذه الأمور، هو الرجوع إِلَى غير هدي السلف الصالح الذين يأخذون كلامهم من كتاب الله وسنة رسوله وإجماع سلف الأمة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690746,"book_id":1659,"shamela_page_id":1872,"part":null,"page_num":1872,"sequence_num":1872,"body":"فهذا كلام أئمة التصوف ويدلنا عَلَى ذلك ما نقرأ في صفحة ٧٨ يقول في فقرة عنوانها: \"الوصول إِلَى الله\" أي: أن من حِكَم الإسراء والمعراج موضوع الوصول إِلَى الله، يقول: عبد الحليم محمود: \"بعد وصول الرَّسُول ﷺ إِلَى ربه تعالى، أصبح هدف السالكين إِلَى الله الوصول إِلَى جنابه، والوصول إِلَى الله يعني زوال القلق والاضطراب النفسي، وزوال همَّ الرزق والخوف من الموت، وزوال كل ما يصرف الإِنسَان عن الله تعالى، وزوال كل ما يشغل بؤرة تفكيره عنه، كما يعني من جانب آخر الرقي الروحي الدائم، والفيوضات الإلهية المستمرة، والمعرفة اللدنية المتتالية، والرَّسُول ﷺ وصل إِلَى هذا المنتهى وأمر أن يقول: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [طه:١١٤] وزيادة العلم في عرف أولياء الله إنما هو زيادة السعادة، من أجل ذلك قال أحد العارفين: نَحْنُ في سعادة لو عرفها الملوك لجالدونا عليها بسيوفهم\".\r\rفهذه جملة من الأخطاء المركبة التي ينبغي أن توضح، وأمثال هذه العبارات الأدبية المجملة الموهمة تدخل تحتها منافذ البدع المؤدية إليها، فأول شيء يفهم من قوله: \"بعد وصول النبي ﷺ إِلَى ربه أصبح هدف السالكين إِلَى الله الوصول إِلَى جنابه\" معنى ذلك: أن الصحابة -رضوان الله تَعَالَى عليهم- قبل حادثة الإسراء والمعراج كَانَ هدفهم أن يعبدوا الله من أجل أن يدخلوا الجنة ويفوزوا برضوان الله، فلما جاءت هذه الحادثة وبلَّغهم إياها -النبي ﷺ -قالوا من الآن- يصبح هدفنا أننا نصل إِلَى جناب الله وهذا الكلام غير صحيح، لأن الصحابة -رضوان الله تَعَالَى عليهم- لم يكونوا يعتقدون ذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690747,"book_id":1659,"shamela_page_id":1873,"part":null,"page_num":1873,"sequence_num":1873,"body":"فالسالكون أناس غير الصحابة، فالصوفية في القرن الثالث وما بعده سموا أنفسهم \"السالكين\" ويقولون: إن أهم شيء هو الوصول، فأول ما يبتدأ الإِنسَان به في طريق التصوف يسمى مريداً ثُمَّ سالكاً ثُمَّ واصلاً، فيكون هدف السالكين الوصول، والوصول له معنى آخر لا علاقة له بقضية الإسراء والمعراج، ولا بما حصل للنبي ﷺ، ثُمَّ بين الوصول بكلام آخر يقول: \"والوصول إِلَى الله يعني زوال القلق والاضطراب النفسي وزوال هم الرزق والخوف من الموت، وزوال كل ما يصرف الإِنسَان عن الله تعالى، وزوال كل ما يشغل بؤرة تفكيره عنه\".\rوهنا انتقل إِلَى موضوع آخر هو: زوال القلق والهم والاضطراب وكل ما يصرف الإِنسَان عن الله تَعَالَى -مع التجاوز عن العبارات التي تحتمل معانٍ مجملة- هذا الذي ذكره يمكن أن يقع لكل إنسان يعبد الله ﷾ ويؤمن به ويطمئن بقدره ﷾ راضياً بما كتبه الله ﵎ كما قال تعالى: \"أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:٢٨] وهذا أمر يحصل لكل من آمن بالله ﷾؛ بل يحصل ذلك للإنسان بقدر ما يزداد إيمانه، لكنه يريد أن يربط القضية بشيء آخر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690748,"book_id":1659,"shamela_page_id":1874,"part":null,"page_num":1874,"sequence_num":1874,"body":"يقول: \"كما يعني من جانب آخر\" أي: ليس هذا هو الجانب الذي كل المؤمنين يشعرون به، وإنما هناك جانب آخر للمسألة \"الرقي الروحي الدائم، والفيوضات الإلهية المستمرة، والمعرفة اللدنية المتتالية\" التي يسمونها أحياناً التجليات والفيوضات والمشاهدات والكشوفات، ألفاظ مترادفة، تعني ما يقع في قلوب هَؤُلاءِ العباد الزهاد، أو في خيالاتهم عندما يظنون أنهم في تلك الحالة يبلغون درجة عالية من الإيمان بالله سبحانه، ومن هذا المدخل تدخل قضايا خطيرة جداً، كما مر معنا في مسألة التوحيد أنهم يقسمون التوحيد إِلَى ثلاثة أنواع: توحيد العامة، وتوحيد الخاصة، وتوحيد خاصة الخاصة، وهذا هو الوصول.\rفالواصلون: هم الذين بلغوا توحيد خاصة الخاصة. يعني: أصبح الأمر عندهم كما يذكر هنا \"أمر رقي روحي\" فأصبحت هناك فيوضات، وكشوفات، وتجليات، ومشاهدات، ينقطعون بها عن الدنيا والخلق، حتى يصل الأمر من بعضهم - نسأل الله العفو والعافية - إِلَى أن يترك الجمعة والجماعة ويقول: \"الذي قلبه مع الله دائماً: كيف يشتغل بهذه العبادات؟! \" وهذا غاية الضلال.\rوجعلوا توحيد الأَنْبِيَاء من نوع توحيد العامة، وإن ترقَّوا: قالوا من توحيد الخاصة، أما خاصة الخاصة: فهم الذين يتلقون من الله مباشرة، ويبلغ بهم الكفر إِلَى أن يقول أحدهم: ذات الحق سبحانه تجلت فيه، أو أنه هو الله، تَعَالَى الله عما يقول المبطلون والظالمون علواً كبيراً.\rفأمثال هذه العبارات المجملة الموهمة: هي التي يدخل منها هَؤُلاءِ، ليقرروا عند النَّاس تلك الضلالات الخطيرة، التي لو اعتقدها الإِنسَان ووقرت في قلبه لكان خارجاً من دين الإسلام!!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690749,"book_id":1659,"shamela_page_id":1875,"part":null,"page_num":1875,"sequence_num":1875,"body":"ثُمَّ يقول الكاتب: والرَّسُول ﷺ وصل إِلَى هذا المنتهى، عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى [النجم:١٤] فكأن المسألة فيها تأويل لقضية المعراج من أصلها فالمعراج رقي روحي، والنبي ﷺ ترقى في الوصول إِلَى الله بالفيوضات، وبالمعرفة اللدنية حتى وصل إِلَى المنتهى.\r\rثُمَّ يقول: وأُمر أن يقول: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [طه:١١٤] والذي يدل عَلَى أن المسألة تأويل قوله: \"وزيادة العلم في عرف أولياء الله إنما هو زيادة السعادة\" أين العلم من السعادة؟ يعني: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً أي: ربي زدني سعادة من فيوضاتك وتجلياتك ومعرفتي اللدنية بك والأمر ليس كذلك، فقوله تَعَالَى لرسوله ﷺ::وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) .\r\rوليس الأمر مجرد السعادة أو النشوة الروحية التي تحصل للإنسان، إنما هو العلم الذي هو علم بالله وبأحكامه من الحلال والحرام، فلا شك أن معرفة الله ﷾ هي رأس العلم، كما أن الفقه في ذلك هو الفقه الأكبر، المتلقى عن طريق الوحي والأدلة، والإيمان به إيماناً صحيحاً كما أخبر ﷾، وليس مجرد تأملات ولا نشوات، يُقَالَ: إنها فيوضات وتجليات ترد عَلَى القلب، ولذلك يدعي كل قطب أو ولي أنه تجلى له مالم يتجلى للآخر، وكلامهم في هذا يختلف، فكل منهم يدعي أن ربه تجلى له وقال له شيئاً لم يقله لغيره، وهذا الاختلاف يدل عَلَى أنها تصورات ذاتية خيالية، بحسب ما يفكر الواحد منهم وما يهتم به، تأتيه هذه الأمور، أما العلم بالله ﷾ العلم الحقيقي، فإنه يأتي في القُرْآن وفي السنة، ويفهمه الصحابة والسلف الصالح فهماً صحيحاً فلا يختلف أبداً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690750,"book_id":1659,"shamela_page_id":1876,"part":null,"page_num":1876,"sequence_num":1876,"body":"كلمات نورانية لشيخ الإسلام ابن تيمية\rوأما قول الكاتب: من أجل ذلك قال أحد العارفين: نَحْنُ في سعادة لوعرفها الملوك لجالدونا عليها بسيوفهم، هذه العبارة منقوله عن بعض السلف الصالح.\rيوضح ذلك قول شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ كما نقل عنه ذلك ابن القيم ﵀ في المدارج يقول: \"إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة\"، والمقصود أن السلف الصالح يذكرون الله ويناجونه بالمشروع من العبادات، كقيام الليل، وذكراً بما ورد، فتحصل لهم الطمأنينة التي ذكرها الله ﵎: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:٢٨] وتحصل هذه السعادة لمن يتبع الذكرفَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْمَى [طه:١٢٣-١٢٤] .\r\rتكفل الله تَعَالَى للمتقين أن لا يضلوا عن الطريق المستقيم ولا يشقوا لا في الدنيا ولا في الآخرة، كما قال شَيْخ الإِسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ ﵀: \"ما يصنع أعدائي بي\". ينتقمون مني بأي طريقة: ثُمَّ بين ذلك فقَالَ: \"سجني خلوة\" أي: إذا سجنه أعداؤه، فهذه خلوة يتمناها العلماء، ولا سيما العارفين العباد، الذين يعرفون حقيقة العلم وحقيقة العبادة وحقيقة التقوى، فهم يتمنون أن تحصل لهم الخلوة من مشاكل الدنيا، ومشاغلهم من هموم الأبناء والزوجة والناس، فيخلون في مكان يذكرون الله ﷾.\r\"ونفيي سياحة\" أي أنه لو نفي ربما يكون انتقلت أعماله وأعباؤه فلا يستطيع أن يرى ما هو خارج بيته، لأن النَّاس يفدون عليه ويأتون إِلَى بيته، وفي مسجده، فلا يرى شيئاً. فإذا نفي إِلَى جزيرة نائية، قد يرى من عجائب خلق الله ﷿ ما يكون فيه راحة ومتعة وسعادة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690751,"book_id":1659,"shamela_page_id":1877,"part":null,"page_num":1877,"sequence_num":1877,"body":"قَالَ: \"وقتلي شهادة\" أي: وإذا قتل فالْحَمْدُ لِلَّهِ هذه الشهادة، وماذا يريد المؤمن أعظم من أن ينال الشهادة نسأل الله ﷾ أن يجعلنا من أهلها.\rفهذه هي السعادة التي يتكلم عنها علماء السلف فيقولون: \"لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نَحْنُ فيه من السعادة لجالدونا عليها بالسيوف\" يعني: لو يعلم أصحاب الدنيا والمال والملك والجاه والسلطان لقاتلونا عليها، لأن السعادة في نظرهم هي التمتع بملاذ الدنيا من أكل وشرب ونساء، وهذه هي الغاية التي يريدونها من السعادة.\r\rوأكثر النَّاس يبحثون عن السعادة، لكن طريقهم ليس هو طريق السعادة؛ لأن الله ﷾ جعل الحياة الدنيا طريق الشقاوة، \"شقاوة المعيشة والضنك\" عَلَى أرجح التفسيرين: ومعايش: جمع معيشة وهي الحياة، وبعدها وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْمَى [طه:١٢٤] .\r\rالحياة الدنيا معيشة ضنكا، وهذا أرجح من أن نقول: إنها في القبر، ثُمَّ يَوْمَ القِيَامَةِ يحشر أعمى، فأين السعادة وأين الطمأنينة!! يبحثون عنها فلا يجدونها ولو أن أحداً من هَؤُلاءِ النَّاس في أثناء بحثه عن السعادة قيل له: صلِّ في جوف الليل، واحضر مجالس الذكر والعلم، وحافظ عَلَى صلاتك في الجماعة، وغير ذلك من الطاعات، فإن الشيطان يخيل له أن هذا هو غاية الشقاوة.\r\rفهو فار من الشقاوة، ويريد الرفاهية والطمأنينة والسعادة، ووالله لو دخل في الطاعة لوجد ما يسعى إليه، ولو قيل لمن أقبل عَلَى الله يذكره ويطيعه: ما هي السعادة التي تشعر بها؟ لقَالَ: نَحْنُ في سعادة ولو علم الملوك وأبناء الملوك ما نَحْنُ فيه لجالدونا عليه بالسيوف.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690752,"book_id":1659,"shamela_page_id":1878,"part":null,"page_num":1878,"sequence_num":1878,"body":"وهذه السعادة ليست مرئية واضحة، لكن إذا كَانَ عندك عمارة ثلاثين دوراً فإن كل النَّاس - التجار والأغنياء والملوك - يقولون: ليت عندنا مثله؛ لأنهم يرونها، لكن طمأنينة القلب لا يراها أحد، فيتصورون أنك تعيش في ضيق، وفي ألم، ولا يعلمون أنك تجد الراحة العظيمة في ترفعك عن هذه الشهوات التي لو عرضت عليك عرضاً لأبيتها، ولو عرضت عليك وأعطيت معها ملايين الدنيا لأبيت.\r\rولو وجدتم مَنْ مَنَّ الله عليه بالهداية لتعجبتم منه، يخبركم: كيف كَانَ في حالة المعصية! وكيف كَانَ يبحث عن اللذة والشهوة في كل مكان! فلا يجد إلا الشقاء والخسارة والنكد والضيق في الحياة، والهم الذي لا يفارقه، فلما آمن واطمأن بالله ﷾ أصبح يرى السعادة الحقيقية، ولو فقد هذا المؤمن التقي ابنه أو زوجه فإنه يطمئن إِلَى قول الله تعالى: الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [البقرة:١٥٦-١٥٧] ويفرح لأنه موعود بصلوات من الله، ورحمة، وهداية، ويقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، إن لله ما أخذ وله ما أعطى، فيجد الطمأنينة والراحة في موقف ألم وبكاء وحزن، لكن الذي لا يؤمن بالله ﷾ لا يشعر بهذه السعادة، فإذا غيرته المعشوقة وعشقت أو هويت غيره انتحر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690753,"book_id":1659,"shamela_page_id":1879,"part":null,"page_num":1879,"sequence_num":1879,"body":"وهذه الصفقة التجارية التي كَانَ يؤمل فيها حصلت فيها الخسارة فانتحر والعياذ بالله، فكل شخص غير مؤمن قابل أن يبيع نفسه بأرخص الأثمان؛ لأنه كما قال الله ﷾ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ [الحشر:١٩] ، لما نسي الله أنساه نفسه، فيعيش في قلق واضطراب وتخبط، يعمل لكل شيء إلا لنفسه، فلما نسي ربه، أنساه الله ﵎ نفسه، فهو يجمع المال للورثة يقول ابن آدم: مالي مالي -هكذا يقول النبي ﷺ هكذا حال النَّاس والحقيقة: ليس لك يا ابن آدم إلا ما قدمت فأبقيت، أو أكلت فأفنيت، والباقي للورثة، لا يهنأ بلذة في ماله وملكه.\r\rكيف كانت رؤية النبي ﷺ لربه؟\rلم ير النبي ﷺ ربه ﷾ إلا مناماً بفؤاده، والرؤية بالفؤاد: هي التي تفسر لنا أنه رآه مرة في المنام في الدنيا، ومرة عند سدرة المنتهى وإذا قلنا: إن موسى -كليم الله- قد سأل ربه ﷾ أن يراه، ومع ذلك قَالَ: لَنْ تَرَانِي [الأعراف:١٤٣] .\rويقول النبي ﷺ: (إن أحدكم لن يرى ربه ﷿ حتى يموت) فهذا مما يدل عَلَى أنه لا يرى أحد الله ﷾ في الدنيا ولو كانت الرؤيا ممكنة فلماذا نقول: لم يره موسى ﵇؟ فهو لما منع من الرؤية، قال الله تَعَالَى له: لَنْ تَرَانِي وكان من الممكن أن يعوض عنها في المنام؛ لأن رؤيا الأَنْبِيَاء ﵈ حق ووحي.\rفإذا جَاءَ في آخر الزمان رجل وقَالَ: أنا أرى الله ﷿ وصدقناه فقد قلنا: إنه يحصل له مالم يحصل للأنبياء، وكذلك نفهم من إطلاق حديث: (إن أحدكم لن يرى ربه عزوجل حتى يموت) أنه لن يراه في الدنيا أحد، ويدل عَلَى هذا أيضاً اختصاص المؤمنين برؤية الله في الجنة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690754,"book_id":1659,"shamela_page_id":1880,"part":null,"page_num":1880,"sequence_num":1880,"body":"وهناك كتاب اسمه الرؤى والأحلام تأليف الشيخ أحمد عز الدين يقول فيه: \"اتفق العلماء عَلَى أن الصالحين يرون الله تَعَالَى في المنام\" فقوله: \"اتفق العلماء\" هذه كلمة عظيمة وخطأ كبير فاحش، لا يجوز أن يقَالَ: وقع الاتفاق، وإنما وقع في كلام بعض العلماء ما قد يشعر بذلك، ولكن لو عرضنا ذلك عَلَى الأدلة الصحيحة -كما سبق- لما ثبت من ذلك شيء، ونقول: يكفينا أنه لم ينقل عن أحد من الصحابة والتابعين أنه رأى ربه ﷾ في المنام، ولو أن أحداً حصلت له وكانت رؤيا حقيقة أي: مناماً حقيقياً وليست تلبسيات شيطانيه لشارك النبي ﷺ في ذلك.\r\rفنقول: إنه لا يصح أن أحداً رأى ربه ﷾ في المنام، وما قاله بعض العلماء فإنه عَلَى سبيل التنزل مع أصحاب التصوف وأمثالهم، ولعله يأتي لها موضع آخر نبسط الكلام فيه -إن شاء الله- أما قوله تعالى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكا [طه:١٢٤] فالإعراض عن ذكر الله ﷾ يقع من الكفار: وهو الإعراض الكلي، ويقع من الْمُسْلِمِينَ: وهم العصاة، وهو إعراض جزئي، فبقدر الإعراض عن ذكر الله تكون الشقاوة، والإعراض الكلي يسبب الشقاوة الكلية، كما هو حال أهل الكفر اليوم، والإعراض الجزئي يسبب الشقاوة الجزئية كما قال بعضالسلف: \"إني لأرى أثر معصيتي في خُلق خادمي ودابتي\".\rفالإعراض عن ذكر الله، والمعصية بصفة عامة يظهر أثرها عَلَى الإِنسَان في الدنيا بقدر ما يكون إعراضه، ولا ينافي ذلك أن الله ﷾ يستدرج بعض النَّاس ويمدهم بأموال وبنين، ويظنون أنهم يسارع لهم في الخيرات، وليس هو بمسارعة في الخيرات وإنما هو استدراج.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690755,"book_id":1659,"shamela_page_id":1881,"part":null,"page_num":1881,"sequence_num":1881,"body":"ثُمَّ يقول: \"لعل النَّاس لم يختلفوا في شيء كما اختلفوا في شأن الإسراء والمعراج\" وهذا كلام غير صحيح! أين الخلاف الذي وقع؟ فالذين خالفوا في الإسراء والمعراج -كما أوضحنا- هم أهل ضلال، وإذا قامت عليهم الحجة، وكذبوا بالإسراء والمعراج، فإنهم كفار مرتدون؛ لتكذيبهم لما ثبت في الكتاب والسنة وهذه العبارة ليست في محلها.\r\rومن المهم في ذلك ما قال في صفحة (٨٤، ٨٥) ومعناه: \"إن الأمر يشكل عَلَى بعض النَّاس فيقولون: وهل لله ﷿ مكان يعرج إليه الرَّسُول ﷺ\" انظروا إِلَى العقول القاصرة!!\r\rإذا أراد أن يتكلم عن الله ﷾ وكأنما يتكلم عن أي مخلوق، أو عن أي أحد منَّا، فَيَقُولُ: \"هل لله مكان يعرج إليه النبي ﷺ؟! ثُمَّ يجيب، فَيَقُولُ: إن الله تَعَالَى ليس بعيداً عن رسوله حتى يقطع للقاءه هذه الأبعاد الشاسعة في السماوات العلى، بل هو معه حيث ما كَانَ وهو أقرب إليه من حبل الوريد؛ بل قريب من عباده جميعاً\" وإذا كَانَ قريباً منهم جميعاً فلماذا الإسراء والمعراج؟ وما فَضْل النبي ﷺ وما هو اختصاصه، انظروا إِلَى الاضطراب كيف يقع!!\rثُمَّ جَاءَ بالآيات وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ [البقرة:١٨٦] ثُمَّ أخذ يبين المجموعة الشمسية والسماء وما إِلَى ذلك من كلام لا ضرورة له أصلاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690756,"book_id":1659,"shamela_page_id":1882,"part":null,"page_num":1882,"sequence_num":1882,"body":"والمقصود أن هذا الكاتب خلط بين المعيتين: المعية العامة، والمعية الخاصة، وخلط في العلو، فلم يستطع عقله أن يوفق بين إثبات علو الله ﷾ كما أخبر وبين معيته، ولذلك فالنبي ﷺ لما عرج به، بلغ تلك المنزلة التي لم يبلغها أحد أبداً فلو كَانَ الله ﷾ قريب من جميع الخلق بذاته فما وجه الاختصاص للنبي ﷺ، فعندما عُرج به إِلَى السماء كَانَ قريباً من ذات الله ﷾.\rوالمعية الخاصة هي بمعنى: النصر والتأييد والتوفيق، وهذه ثابتة للمؤمنين، وأخصهم في ذلك الرَّسُول ﷺ: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُم [الحديد:٤] وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيب [البقرة:١٨٦] هذه المقصود بها: قرب النصر والتأييد والإجابة -إجابة الداعي إذا دعاه- فهو قريب من المؤمنين بهذه الحال، وبعيد عن الكفار أي أنه لا يسمعهم ولا يستجيب لهم أبداً ﷾، لأنه قَالَ: وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ [الرعد:١٤] هذا بالنسبة لمعيته ولقربه، أما ذاته ﷾ فهو كما أخبر أنه فوق العرش -فوق المخلوقات- في السماء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690757,"book_id":1659,"shamela_page_id":1883,"part":null,"page_num":1883,"sequence_num":1883,"body":"شرح العقيدة الطحاوية\rالشفاعة\rفضيلة الشيخ د. سفر بن عبد الرحمن الحوالي\r\rقال أبو جعفر الطّّحاويّ ﵀:\r[والشَّفَاعَةُ التي ادَّخرها لهم حقٌ، كما رُوي في الأخبار] .\r\rالشرح:\r\rيقصد الإمام الطّّحاويّ ﵀ بالضمير في قوله: [ادَّخرها] أي: الرَّسُول ﷺ وكما في فقرة: [والحوض الذي أكرمه الله تَعَالَى به غِيَاثاً لأمته حق] فكل الضمائر تعود إِلَى النبي ﷺ كما في فقرة [وقد أُسري بالنبي ﷺ وعرج بشخصه في اليقظة] ثُمَّ قَالَ: [والشَّفَاعَةُ التي ادخرها لهم حق كما رُوي في الأخبار] وهذه الفقرة أطال المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى في شرحها وتعرض فيها لموضوعين أساسيين في الجملة:\r\rالموضوع الأول: إثبات شفاعته ﷺ وبيان أنواعها.\r\rوالموضوع الآخر هو: ما يتعلق بالتوكل وهو الذي ذكره في آخر موضوع الشَّفَاعَةِ.\r\rباب الشَّفَاعَةِ بابٌ مهمٌ وعظيم؛ لأن النَّاس نتيجة غلطهم وجهلهم وانحرافهم في موضوع الشَّفَاعَةِ، وقعوا في الشرك الأكبر، وخرجوا من التوحيد، والصراط المستقيم إِلَى السبل المنحرفة والضلالات. فالمُشْرِكُونَ الذين بُعِثَ فيهم الأَنْبِيَاء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم، كانوا يعبدون الأصنام بذريعة الشَّفَاعَة، والذين يعبدون الأولياء والصالحين، وينتسبون إِلَى هذه الأمة يتذرعون أيضاً بالشَّفَاعَة أو بالتوسل، فهذا أمر عظيم يجب أن نتفطن له.\rوهناك أمور ينبغي أن نعلمها أولاً: أن النَّاس في الشَّفَاعَةِ عَلَى ثلاثة أقسام: طرفان ووسط.\rأهل الغلو في إثبات الشفاعة\rأما الطرفان:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690758,"book_id":1659,"shamela_page_id":1884,"part":null,"page_num":1884,"sequence_num":1884,"body":"فأولهما: المثبتون للشفاعة في غير موضعها ولغير أهلها، سواء كَانَ ذلك في الشافع أو في المشفوع له، فهَؤُلاءِ غلوا في إثبات الشَّفَاعَةِ، وجعلوها في غير ما أنزل الله تَعَالَى إما أنهم جعلوا من ليس أهلاً في الشَّفَاعَةِ شافعاً، والله لم يجعله شافعاً، أو جعلوه مشفوعاً له، ولم يأذن الله تَعَالَى بأن يُشْفَع له، وغلوا في ذلك حتى آل بهم الأمر إِلَى الشرك الأكبر.\r\rوهَؤُلاءِ: هم المُشْرِكُونَ قديماً وحديثاً، فأما المُشْرِكُونَ في الجاهلية وقبل بعثة النبي ﷺ، فقد أخبر الله عنهم في آيات كثيرة من ذلك قوله سبحانه: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ [يونس:١٨] أي: يعبدون الأصنام والأحجار التي لا تضر ولا تنفع، كما خاطب إمام الموحدين إبراهيم ﵇ قومه بقوله: قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ [الشعراء:٧٢،٧٣] لا ينفعون ولا يضرون ولكن العلة هي الشَّفَاعَة، ومن ناحية أخرى الوسيلة، ولهذا فموضوع الشَّفَاعَةِ والوسيلة له ارتباطات، فهَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ اتخذوا من غير الله آلهة وعبدوا من دون الله ما لا يضرهم، ولا ينفعهم من الأصنام الجامدة، أو من الصالحين، أو من الموتى الهالكين الغابرين، وكل ذلك بحجة أن هَؤُلاءِ شفعاؤنا عند الله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690759,"book_id":1659,"shamela_page_id":1885,"part":null,"page_num":1885,"sequence_num":1885,"body":"وفي الآية الأخرى مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:٣] هي أيضاً بهذا المعنى، فإن الذي يقرب إِلَى الله هو الشافع الوسيط المتوسل به الذي يصل الإِنسَان إِلَى مراده وغايته، فهَؤُلاءِ جعلوهم شفعاء عند الله، وهذا شرك في حقيقته، وإن كانت هذه الأصنام لا تخلق وترزق، ولا تستحق العبادة وحدها؛ لكن يقولون: نعبد الله وهو إله واحد وهذه الآلهة تشفع لنا عند الله، وقد كانوا في الجاهلية يقولون: \"لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك\" فلا يجعلون هذا الشفيع واسطة فقط يقرب ويشفع عند الله؛ بل مع ذلك يجعلونه مملوكاً لله فقد قالوا: \"تملكه، وما ملك\" ومع ذلك فهذا بعينه هو الشرك الأكبر.\rوالشَّفَاعَةُ إذا نظرنا إليها من أصلها اللغوي وجدنا أن الشفع في اللغة هو: ضد الوتر، بمعنى: الاقتران أو الضم فمثلاً (٢،٤،٦، ... ) هذه الأعداد تسمى الأعداد الشفعية فتقول: شفعت هذا بهذا، ضممت هذا إِلَى هذا، فالواحد وتراً لكن الاثنان شفعاً؛ لأنك ضممت واحد إِلَى واحداً فأصبحت شفعاً.\rفالذي يحصل أن الْمُشْرِكِينَ يضمون مع الله تَعَالَى غيره، وذلك: بأن يدعو الله، ويدعو غير الله، ويقول قائلهم: هذا يشفع لي عند الله، فأنا عندما أدعو الله أنا ضعيف، ومذنب، ومقصر، كيف أدعو الله وأتقرب وأتوسل إليه بعملي أنا؟ فماذا أصنع؟! أشفع دعائي بدعاء رجل صالح! أو بدعاء الولي الفلاني، أو النبي الفلاني، أو بالأصنام أياً كانت، فأضم هذا إِلَى عملي، فيصبح الأمر أرجى للقبول عند الله تعالى، وهذا ما يفعله المتعلقون بالأموات والقبوريين في الجاهلية والإسلام.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690760,"book_id":1659,"shamela_page_id":1886,"part":null,"page_num":1886,"sequence_num":1886,"body":"فهَؤُلاءِ الذين أثبتوا الشَّفَاعَة، وغلوا في إثباتها، جعلوها في غير موضعها لأن هذه الأصنام لا تشفع، لأنها أحجار صماء بكماء، لكن الأنبياء والأولياء يشفعون لمن ارتضى كما قال الله عنهم: وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء:٢٨] وقوله: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِه [البقرة:٢٥٥] فالشَّفَاعَةُ لمن ارتضى ولمن أذن الله تَعَالَى ولمن شهد بالحق وهم يعلمون، لأهل التوحيد والإيمان يشفع الله ما شاء له أن يشفع.\r\rأهل التفريط والإنكار\rوهم الذين أنكروا الشَّفَاعَة بالكلية، وهَؤُلاءِ هم المعتزلة والخوارج، فهم ينكرونها بناءاً عَلَى أصلهم الفاسد في حكم مرتكب الكبيرة.\rفأهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ والسلف الصالح ﵃ كلهم أجمعوا عَلَى أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، كما صرحت بذلك الآيات من كتاب الله، والأحاديث الثابته من كلام رَسُول الله ﷺ، فهو قول وعمل واعتقاد أي: اعتقاد بالباطن وانقياد وإذعان بالظاهر، وقد نقل الإجماع عَلَى ذلك عدد من أئمة السلف منهم الإمام البُخَارِيّ ﵀، كما روى عنه اللالكائي بسند صحيح قَالَ: \"رويت عن أكثر من ألف من أهل العلم ولم أنقل إلا عمن يقول الدين قول وعمل\". وهذا هو قول الأمة قبل أن تظهر بدعة المرجئة والخوارج فهذا معنى قولنا: إن السلف قالوا: إن الإيمان قول وعمل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690761,"book_id":1659,"shamela_page_id":1887,"part":null,"page_num":1887,"sequence_num":1887,"body":"الإيمان يزيد وينقص: يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، فزيادة الإيمان وردت في كتاب الله مثل قوله تَعَالَى وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً [الأنفال:٢] وكما حكى الله عن المنافقينفَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة:١٢٥,١٢٤] كَانَ إيمانهم ناقص، ثُمَّ ازداد الرجس وذلك لنقص الإيمان.\rفالإيمان يزيد وينقص عند النَّاس بالفطرة السليمة. فمن يصلي الفريضة، ويسمع الآيات التي تقشعر لها الأبدان، فيخشع في صلاته، فيشعر أن إيمانه قد ازداد وقد يخرج إِلَى الحياة فيرى المتبرجات، ويرى أهل الدنيا، ويرى ما حرم الله، فيقسوا قلبه، فيحاول أن يعيد بعض الخشوع، فيقرأ نفس الآيات التي كَانَ قد تأثر بها فيما سبق، فلا يكاد يجد شيئاً من ذلك إذا كَانَ إيمانه زائداً ثُمَّ نقص.\r\rوعكس ذلك فقد يكون الإِنسَان يصلي ويصوم ويحج، ولكنه غافل عن أمر دينه، وعما يجب أن يكون المؤمن عليه من مراقبة الله وتقواه، فيجلس فيسمع شيئاً من كتاب الله، أو يصلي فيخشع في صلاته، أو يجد من يعظه ويذكره بالله ﷿، وإذا به يشعر أنه ولد من جديد، تنورت بصيرته، فيخرج فينظر إِلَى الأمور بنظرة غير التي كانت قبل أن يسمع هذه الموعظة، وأحياناً تجد نفسك متشجعاً للطاعة في أمر من أوامر الله، وأحياناً تجد أنك تتثاقل عن واجب من الواجبات التي ترغم وتكره عليها إكراهاً.\rإذاً زيادة الإيمان ونقصانه أمر معلوم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690762,"book_id":1659,"shamela_page_id":1888,"part":null,"page_num":1888,"sequence_num":1888,"body":"والمسلمون ألا يرتكبون الكبائر ألا تقع منهم الأخطاء و (كل بني آدم خطاء وخير الخاطئين التوابون) هكذا خلق الله الإنسان؛ لأن الابتلاء والامتحان إنما مناطه هذه الأخطاء، ولو أن الإنسان لا يخطئ ولا يذنب لكان ملكاً، ولو أنه كان مذنباً مخطئاً بإطلاق لكان شيطاناً، لكن الإنسان هكذا وهكذا إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً [الإِنسَان:٣] فالإِنسَان يقبل هذا ويقبل هذا، وهكذا خلقه الله تعالى.\rولهذا يقول النبي ﷺ: (الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأعلاها: قول لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان) فلو تأملنا هذا الحديث لوجدناه يدل عَلَى الواقع وعلى كلام السلف تماماً، وهو أن الإيمان يزيد وينقص، فهناك شعب لا يأت بها بعض الناس، وعدم إتيانه بها يجعله لا يعد من الْمُسْلِمِينَ أصلاً، مثال ذلك، الشعبة الأولى: لا إله إلا الله: فمن لم يأتِ بها فليس بمسلم أصلاً، مثل: اليهود والنَّصارَى والْمُشْرِكِينَ، الذين لم ينطقوا بهذه الشهادة، ولم يلتزموا بها، فأولئك ليسوا بمؤمنين أصلاً، فلا يوجد عندهم من الإيمان ولا مثقال ذرة، وهناك شعب أخرى قد يتركها الإِنسَان ولا يأتِ بها فتنقص من إيمانه، مثل إماطة الأذى عن الطريق، فإذا استكمل رجلٌ الشُعَبَ وترك هذه الشعبة، نقص من إيمانه هذا شيء، ولا يعلم قدره الله تعالى.\rاختلفت المذاهب والأنظار فيمن ترك شعبة من شعب الإيمان دون الشعبة العليا التي يكفر من تركها، وغير هذه التي ينقص إيمانه بها قليلاً؛ كأن يكون شرب خمراً ومات عَلَى ذلك فما حكمه؟\rمرتكب الكبيرة عند الخوارج والمعتزلة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690763,"book_id":1659,"shamela_page_id":1889,"part":null,"page_num":1889,"sequence_num":1889,"body":"الخوارج والمعتزلة جعلوا مرتكب الكبيرة، كمن ترك شهادة أن لا إله إلا الله، كافراً خارجاً عن الملة في الدنيا، وفي الآخرة خالداً مخلداً في النَّار أيضاً، وَقَالُوا: الشَّفَاعَة لا تنفع الكافر الخارج عن الملة، واختلفوا في اسمه في الدنيا -فقط- فالخوارج قالوا:كافر في الدنيا وفي الآخرة خالد مخلد في النار.\rوقالت المعتزلة: لا نسميه في الدنيا كافراً ولا مؤمناً؛ بل هو في منزلة بين المنزلتين لأنه يوجد في نظرهم أدلة ترجح أنه كافر، وأدلة ترجح أنه مؤمن فعجزوا عن الترجيح بينهما، وهو في الآخرة خالد مخلد في النار، فحينئذ لا تنفعه الشَّفَاعَة، فشفاعته عمله فقط، يعمل الطاعات فيدخل الجنة، أما أن يشفع له شخص آخر وهو لم يعمل فلا شفاعة له، ولا يدخل الجنة، فأغلقوا الباب نهائياً.\r\rمذهب أهل السنة في مرتكب الكبيرة\rأما أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ فَقَالُوا: هذا الذي فعل محرماً أو ترك واجباً، هو مؤمن ناقص الإيمان ينقص إيمانه بقدر نقصان شعب الإيمان وتركه لها، والنَّاس كلهم يتفاوتون في الإيمان، فبعضهم يرتفع إيمانه حتى يصل إِلَى درجة عليا ثُمَّ يفتر عن العبادة والطاعة فينقص إيمانه، ولذلك فالإِنسَان يحتاج دائماً إِلَى تذكير؛ لأنه كلما تذكر زادت شعب الإيمان وطاقة الإيمان عنده فيزيد إيمانه.\r\rمذهب المرجئة في مرتكب الكبيرة\rوأما المرجئة فيقولون: الإيمان كامل في القلب، أما الأعمال فسواءً زادت أو نقصت، فلا تأثير لها عَلَى ما في القلب.\r\rأدلة أهل السنة والجماعة في حكم مرتكب الكبيرة\rيستدل أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ بأحاديث كثيرة، منها: حديث الرجل الذي شرب الخمر فسبه الصحابة، ومع هذا شهد له النبي ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى بأنه يحب الله ورسوله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690764,"book_id":1659,"shamela_page_id":1890,"part":null,"page_num":1890,"sequence_num":1890,"body":"إذاً فقد تقع من المؤمن المعاصي كحالة استثنائية خارجة عن أصل المنهج الطريق الذي يمشي عليه، فتقع منه المعصية بالطبيعة البشرية لإغواء الشيطان له، أو لأي أمر من الأمور؛ لكنه لا يكفر صاحبها بمجرد أنه فعل المعصية، فهذا رجل يحب الله ورسوله، وقد وقع منه أن شرب الخمر.\r\rولقد وقع زنا من بعض الصحابة مثل ماعز والغامدية فلم يكفرهم النبي ﷺ، ولكن أقام عليهم الحد، وقال ﷺ: (ومن عوقب به في الدنيا، فهو كفارة له) كما في حديث البيعة الصحيح لما بايعهم، ولذا قال ماعز: طهرني يارَسُول الله! والمرأة تقول: طهرني يا رَسُول الله يرجون التطهير في الدنيا.\rفهل التطهير ينفع في حق الكافر من غير أن يؤمن! ولو زنى الكافر هل نجلده أم لا؟\rاختلف العلماء، والصحيح أنه يجلد كما في قصة اليهوديان اللذان نزلت فيهما الآيات العظيمة، واللذان بسببهما كانت القصة المشهورة لما وضعوا أيديهم عَلَى حد الرجم، وأقيم عليهم الحد، فأحكام الإسلام وحدوده تجري حتى عَلَى الكفار، وإلا فكيف يقَالَ: إذا زنى المسلم جلدناه، وإذا زنى الكافر قلنا له: أنت كافر لانقيم عليك الحد!! بل نقول: الإيمان بينه وبين ربه، لأن الله أمرنا أن نأخذ منهم الجزية عن يد وهم صاغرون، وأن يكون حالنا معهم مثل حال الرَّسُول مع اليهودحين حالفوه وكانوا مواطنين في حكم الدولة المسلمة، فما داموا تحت حكم الْمُسْلِمِينَ فعلى الْمُسْلِمِينَ أن يقيموا عليهم الحدود، ولا يسمحوا لهم بالزنا ولا بشرب الخمر.\r\rفالمقصود أن تقام حدود الإسلام حتى عَلَى الكافر، ومن عوقب في الدنيا فهو كفارة له، وإذا زنا المسلم أو شرب الخمر أو فعل معصية من المعاصي ثُمَّ مات عَلَى ذلك ولم يتب فحكمه عندأهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ في الآخرة أنه تحت مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690765,"book_id":1659,"shamela_page_id":1891,"part":null,"page_num":1891,"sequence_num":1891,"body":"ومغفرة الله تنال الإِنسَان يَوْمَ القِيَامَةِ بعدة أسباب منها: شفاعة الرَّسُول ﷺ، إذ يشفع الشافعون لأهل الكبائر، ويشفع النبي ﷺ وغير النبي ﷺ، كما سيأتي تفصيل ذلك في قول المُصْنِّف ﵀: [ويشفعون لأهل الكبائر] .\r\rومنها: أن يكون عفو الله مقابل التوحيد وإن لم يتب، فإن تاب تاب الله عليه، وقد يغفر الله لمن شاء من أهل المعاصي جاهر بالمعاصي من غير الشَّفَاعَة، كما قال الله تعالى: غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ [غافر:٣] لكن المعتزلة والخوارج قالت: غَافِرِ الذَّنْبِ لمن تاب، فنقول: إذا كَانَ غافر الذنب لمن تاب فقط فما معنى قوله: غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ فمعنى غَافِرِ الذَّنْبِ أي: أنه يتكرم ويتجاوز من عنده من غير توبة ولا شفاعة، مثل: صاحب البطاقة التي لا يوجد فيها غير التوحيد، وتسع وتسعون سجلاً من المعاصي، ويغفر الله له مقابل التوحيد بلا شفاعة (يا ابن آدم لو أنك لو لقيتني بقراب الأرض خطايا -أي: بملئ الأرض من الذنوب والخطايا- ثُمَّ لقيتني لا تشرك بي شيئاً، لقيتك بقرابها مغفرة) فإذا لقيه لا يشرك به شيئاً فإنه يغفر له بأنواع المغفرة، إما أن يغفر له برحمته وفضله، وإما أن يغفر له بشفاعة الشافعين، وهذا من كرمه وفضله، وهو من جملة تكريمه للشافع أن قبل شفاعته كقبول شفاعة الشهداء والصالحين.\rوأيضاَ فيها مَنُ الله عَلَى المشفوع بأن جعله ممن تدركه هذه الشَّفَاعَة.\rإذاً: فمذهبأهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ فيه التناسق والعمل بجميع النصوص الواردة، وفيه عدم رد آية أو حديث صحيح.\r\rشبهة المعتزلة والخوارج والرد عليها","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690766,"book_id":1659,"shamela_page_id":1892,"part":null,"page_num":1892,"sequence_num":1892,"body":"يقول أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ في مرتكب الكبيرة: لا ننفي عنه اسم الإسلام بالكلية لكن تسلب عنه أسماء المدح، فشارب الخمر لا نقول: إنه من المحسنين ومن المقربين، ولكن يستحق أن يقَالَ: إنه فاسق وعاصي وفاجر وغيرها من أسماء الوعيد، فتسلب عنه أسماء المدح، ولا يطلق عليه اسم الكفر أبداً، والخوارج لهم شبهات لعل تفصيلها سيأتي إن شاء الله، ومن أهم ما خفي عَلَى الخوارج والمعتزلة أنهم جعلوا الفسق والضلال والفجور والكفر بمعنى واحد، وهل هو كذلك في ديننا؟!\rالجواب: أن الكفر معناه واحد، ولكن الضلال قد يكون كفراً وقد يكون عصياناً، والفسق قد يكون كفراً مثل فسق إبليس كما قال الله عنه: فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [الكهف:٥٠] وقد يكون معصية وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [النور:٤] أي: الذين يقذفون المحصنات.\rوكذلك الظلم فتارة يطلق عَلَى الشرك، إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:١٣] وتارة يطلق عَلَى المعاصي التي دون الشرك: فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ [فاطر:٣٢] أي من هذه الأمة، فيطلق عَلَى من ارتكب كبيرة أنه ظالم: لأنه وضع الشيء في غير موضعه، ويطلق عَلَى الكافر ظالم: لأنه صرف العبادة لغير الله، وحقها أن تكون لله ﷾.\rوإنما أنكرت المعتزلة والخوارج هذه الشَّفَاعَة لأنها تتناقض مع أصل مذهبهم في الإيمان وهو: أن صاحب الكبيرة كافر مخلد في النَّار ولا يقَالَ: إنه ناقص الإيمان بل ذهب إيمانه بالكلية، والذين أثبتوا الشَّفَاعَة وغلوا في إثباتها حتى خرجوا عن الصراط المستقيم: هم المُشْرِكُونَ الواقعون في الشرك الذين جعلوا عبادة غير الله شفاعة، فأخلوا بالشَّفَاعَة الشرعية الصحيحة التي سوف يأتي تفصيلها بإذن الله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690767,"book_id":1659,"shamela_page_id":1893,"part":null,"page_num":1893,"sequence_num":1893,"body":"ومذهب أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ في مرتكب الكبيرة أنه في الدنيا لا يخرج من الملة وإنما يسلب عنه أسماء المدح فقط مثل التقوى والإيمان وغير ذلك، ومع ذلك يبقى له اسم الإيمان بمعنى الإسلام، ولا يخرج من الملة، وفي الآخرة يكون من أهل الشَّفَاعَة، ابتداءً من القوم الذين يغفر الله لهم أو يشفع فيهم النبي ﷺ أثناء الحساب، وانتهاءً بالجهنمين، وهم آخر من يخرج من النار، بعد أن يشفع الشفعاء كما سيأتي في حديث الشَّفَاعَة الطويل. فهذه هي الفرق والمذاهب في مسألة الشَّفَاعَة، وأما شفاعة النبي ﷺ التي ذكرها الإمام الطّّحاويّ هنا فما هي إلا فرع واحد من أنواع الشَّفَاعَة.\r\rقال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى:\r[والشفاعة التي ادخرها لهم حق كما روي في الإخبار]\r\rقال المصنف رحمه الله تعالى:\r[الشفاعة أنواع: منها ما هو متفق عليه بين الأمة ومنها ما خالف فيه المعتزلة ونحوهم من أهل البدع.\rالنوع الأول: الشفاعة الأولى وهي العظمى، الخاصة بنبينا ﷺ من بين سائر إخوانه من الأنبياء والمرسلين، صلوات الله عليهم أجمعين، ففي الصحيحين وغيرهما عن جماعة من الصحابة ﵃ أجمعين أحاديث الشفاعة منها: عن أبي هريرة ﵁، قال: (أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِلَحْمٍ، فَدُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ، وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ، فَنَهَسَ مِنْهَا نَهْسَةً، ثُمَّ قَالَ أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهَلْ تَدْرُونَ مِمَ ذَلِكَ؟\r\rيَجْمَعُ اللَّهُ ﷿ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فِي صعِيدٍ وَاحِدٍ، يُسْمِعُهُمْ الدَّاعِي، وَيَنْفُذُهُمْ الْبَصرُ، وَتَدْنُو الشَّمْسُ، فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنْ الْغَمِّ وَالْكَرْبِ مَا لَا يُطِيقُونَ وَلَا يَحْتَمِلُونَ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690768,"book_id":1659,"shamela_page_id":1894,"part":null,"page_num":1894,"sequence_num":1894,"body":"فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: أَلَا تَرَوْنَ إِلَى مَا أَنْتُمْ فِيهِ؟\r\rأَلَا تَرَوْنَ إِلَى مَا قَدْ بَلَغَكُمْ؟\rأَلَا تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ ﷿؟\r\rفَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: أَبُوكُمْ آدَمُ، فَيَأْتُونَ آدَمَ.\r\rفَيَقُولُونَ: يَا آدَمُ أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ، خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ، فَاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟\r\rفَيَقُولُ آدَمُ: إِنَّ رَبِّي ﷿ قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ نَهَانِي عَنْ الشَّجَرَةِ فَعَصيْتُهُ نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ.\r\rفَيَأْتُونَ نُوحًا ﷺ، فَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، وَسَمَّاكَ اللَّهُ عَبْدًا شَكُورًا، فَاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟\r\rفَيَقُولُ نُوحٌ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ كَانَتْ لِي دَعْوَةٌ عَلَى قَوْمِي نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى إِبْرَاهِيمَ.\r\rفَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ، فَيَقُولُونَ: يَا إِبْرَاهِيمُ أَنْتَ نَبِيُّ اللَّهِ وَخَلِيلُهُ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690769,"book_id":1659,"shamela_page_id":1895,"part":null,"page_num":1895,"sequence_num":1895,"body":"فَيَقُولُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، فَذَكَرَ كَذِبَاتِهِ نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى ﵇.\r\rفَيَأْتُونَ مُوسَى، فَيَقُولُونَ: يَا مُوسَى أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ اصطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَاتِهِ وَبِتَكْلِيمِهِ عَلَى النَّاسِ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟\rفَيَقُولُ لَهُمْ مُوسَى: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنِّي قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى.\r\rفَيَأْتُونَ عِيسَى، فَيَقُولُونَ: يَا عِيسَى أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ قَالَ هَكَذَا هُوَ، وَكَلَّمْتَ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ فَاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟\r\rفَيَقُولُ لَهُمْ عِيسَى: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ ذَنْبًا، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ.\r\rفَيَأْتُونِي فَيَقُولُونَ يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، وَخَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ ذَنْبَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْهُ وَمَا تَأَخَّرَ، فَاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690770,"book_id":1659,"shamela_page_id":1896,"part":null,"page_num":1896,"sequence_num":1896,"body":"فَأَقُومُ فَآتِي تَحْتَ الْعَرْشِ فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي ﷿ ثُمَّ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيَّ وَيُلْهِمُنِي مِنْ مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَفْتَحْهُ عَلَى أَحَدٍ قَبْلِي، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَسَلْ تُعْطَهْ، اشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي، يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي، يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِ مِنْ الْبَابِ الْأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْأَبْوَابِ.\r\rثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَمَا بَيْنَ مِصرَاعَيْنِ مِنْ مَصارِيعِ الْجَنَّةِ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَهَجَرَ أَوْ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَبُصرَى﴾ أخرجاه في الصحيحين بمعناه، واللفظ للإمام أحمد] اهـ. .\r\rالشرح:\r\rقول المصنف: [الشفاعة أنواع، منها ما هو متفق عليه بين الأمة ومنها ما خالف فيه المعتزلة ونحوهم من أهل البدع] ، لم يتعرض المصنف ﵀ فيه للصنف الذين تقدم ذكرهم، وهم الذين غلوا في الشفاعة فجعلوها للآلهة المعبودة من دون الله من الأصنام والأحجار، ولغير أهلها من المشركين، لأن أمر هؤلاء معروف ولأن هذه الشفاعة إنما هي ذريعة أو وسيلة، زعموها للإشراك بالله فصورتها الحقيقية أكبر من أن تكون ذنباً فيشفع فيه، فهذا وقوع في الشرك الأكبر.\r\rأسباب إنكار الشفاعة:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690771,"book_id":1659,"shamela_page_id":1897,"part":null,"page_num":1897,"sequence_num":1897,"body":"وأما الشفاعة التي اختلفت فيها فرق الأمة الإسلامية فمنهم من أنكرها بالكلية وهم المعتزلة والخوارج وسبب إنكارهم لها هو الغلو، فالذين غلوا في نفي الشفاعة هم في الأصل ممن غلا في العبادة والطاعة بزعمه، فخرج به ذلك عن الصراط المستقيم، والشيطان يخرج المرء عن الصراط المستقيم وعن الجادة، إما بالغلو في الطاعة، فيفعل ما لم يشرع الله تعالى، وإما بالتقصير في العبادة حتى يتركها بالكلية عافنا الله وإياكم من ذلك.\r\rوأهل السنة والجماعة دائماً وسطاً بين غلو الغالين، وبين تفريط المفرطين فقد كان الخوارج من أعبد الناس، حتى أن ركبهم كانت كركب الإبل من كثرة الركوع والسجود، وشحوب اللون في وجوههم من كثرة السهر بالقراءة والتلاوة كما قال النبي ﷺ في وصفهم ((تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم وعبادتكم إلى عبادتهم) وكذلك المعتزلة قد يقول قائل: المعتزلة زنادقة في الغالب وبالأخص المؤسسين، فكيف يكونو مجتهدين في العبادة؟\rولكن في الحقيقة أن أوائل المعتزلة كانوا من الغلاة في التعبد.\r\rومنهم: عمرو بن عبيد إمام المعتزلة الأول مع واصل بن عطاء وكان عمرو بن عبيد من أشد الناس زهداً في الدنيا، وكان شديد التنسك وشديد العبادة كأنه من الخوارج -وهو كذلك- فهم في الحقيقة فرقة من الخوارج، أو أقرب الناس إليهم، واختلط المذهبان فيما بعد حتى أصبحا شيئاً واحداً، فكان هذا هو حال أولئك المعتزلة، ولكن الأمر ليس أمر اجتهاد في العبادة، ولكن الأمر أمر اتباع، فمهما اجتهد المجتهد ولم يتبع، فإنه سيخرج ويضل، فهؤلاء لم يتبعوا النبي ﷺ ولا أصحابه، ولذا غلوا في الحكم على مرتكب الكبيرة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690772,"book_id":1659,"shamela_page_id":1898,"part":null,"page_num":1898,"sequence_num":1898,"body":"فقالوا: إن الزاني كافر، وشارب الخمر كافر، وكلهم محرومون من الشفاعة وهذا غلو، وقد يقال: إن هذا الغلو من شدة نفورهم من الزنا، وشرب الخمر والمعاصي، ولكن نفور النفس من الشيء لا تجعلني أجعل المكروه محرماً أو أجعل المحرم كفراً، وكذلك رغبة النفس في الشيء لا تجعلني أجعل الحرام مجرد مكروه أو حتى أقول مباح -والعياذ بالله كما نقول اليوم الأمر بسيط- فإخلاص الدين لله تعالى لا يكون إلا باتباع أمر الله سواء وافق الهوى أم خالفه في أي أمر من الأمور، وإلا فإن من الناس من يكره الزنى؛ لأنه لا يريده وفي الغرب يسمون هؤلاء الناس معقدين جنسياً، لأنه لا يستطيع أن يزني ولا يتزوج، فهل نقول: إنه يؤجر أو أن ينسب إلى أي فضيلة، كما يقال: هذا إنسان مترفع ومتسامي عن هذه الفاحشة والرذيلة، والقضية ليست قضية عقد ولا قضية أهواء.\r\rولكن يجب أن يكون حب الإنسان وكرهه موافقاً لما جاء به النبي ﷺ. فتحب من أمرك الله بحبه، فشارب الخمر فيه جانبان، جانب إسلامه، فيراعى أنه مسلم، فتعطى له حقوق المسلم العامة، وجانب المعصية فيراعى فيه أنه عاص فلا تعامله معاملة التقي البار ولا معاملة الكافر، ولكن بين ذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690773,"book_id":1659,"shamela_page_id":1899,"part":null,"page_num":1899,"sequence_num":1899,"body":"وله عليك بعض الحقوق، ومن هذه الحقوق: حق النصح، وحق التذكير والوعظ، وعدم التشهير، وعدم الفضح، وإلا أعنت الشيطان عليه، ثم هذا الإنسان العاصي نأمل ونرجو له الشفاعة -شفاعة النبي ﷺ أو غيره- ولا سيما إذا كان عند الموت، فالأمل والرجاء في رحمة الله وفي مغفرته فهذه من الأسباب التي قد تفيد العاصي وترده إلى الجادة، فإنك إذا سألت بعض الناس، فإنه يقول لك: أنا لا تنفعني الشفاعة لأني غلطت وفعلت كذا وكذا، وكأنه يريد أن يقول: أنا أريد أن أستمر على المعصية، فإذا قلت له: إن الله تعالى يغفر الذنوب جميعاً، ويقبل توبة عبده فتب وأنب إليه، رغّبه فقد يكون من أسباب رجوعه هنا الترغيب. لكن إذا يأس في الدنيا والآخرة كما فعلت الخوارج والمعتزلة عندما يأست العباد، فكيف تريد منه أن يتوب؟ لكن أهل السنة والجماعة يرغبون الإنسان ويهدونه إلى الطريق المستقيم، ثم هم يعملون بالسنة، ويتبعون الحق.\rفلو أن أهل الكبائر كلهم كفار ولا شفاعة لهم يوم القيامة، فلماذا النبي ﷺ يقتل الرجل من الكفار؛ لأنه كافر، ويقتل الرجل من المسلمين؛ لأنه قتل، ثم يأخذ هذا حكم وهذا حكم، ويصلي على المسلم صلاة الجنازة ولا يصلي على الكافر ... ، إلى آخر الأحكام، وغيرها مثل: شارب الخمر، والزاني، والسارق، فهذا التفاوت دليل على تفاوت أحوال الناس، ولو كان الأمر كما يقول هؤلاء الناس، لكان حكم الجميع هو القتل، وهذا الكلام كافٍ لإيضاح مذهبأهل السنة والجماعة ومذهب المخالفين لهم.\r\rالشَّفَاعَة لها شرطان: وبعض العلماء يذكر أكثر من ذلك، لكن الأمر يرجع إِلَى شرطين:\rالأول: هو إذنُ الله ﵎ للشافع، سواءً كَانَ هذا الشافع ملكاً، أو رَسُولاً، أو عبداً صالحاً، أو شهيداً، أو غير شهيد، أو مَنْ شاء الله ﵎ من الشفعاء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690774,"book_id":1659,"shamela_page_id":1900,"part":null,"page_num":1900,"sequence_num":1900,"body":"الثاني: رضى الله ﵎ عن المشفوع له، فالشَّفَاعَة تتركب من شافع ومشفوع له ومشفوع لديه، وهو الله ﵎.\rأدلة ذكر الشفاعة من القرآن\rالأدلة عَلَى الشَّفَاعَة جلية من كتاب ﷾ وكذلك من سنة الرَّسُول ﷺ.\r\rفالله ﵎ يقول في آية الكرسي: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ ألا بِإِذْنِه [البقرة:٢٥٥] في هذه الآية العظيمة التي هي أعظم أية في كتاب الله لِمَا اشتملت عليه من صفات الألوهية وخصائصها التي هي صفات الله ﷾ والتي لا يشاركه فيها أحد نفي الله الشَّفَاعَة عن كل أحد إلا بإذنه ﷾، ومن أذن له من العباد أن يَشْفَع فإنه يَشْفَع بإذنه ﷾.\r\rوفي سورة النجم يقول الله ﵎ عن الملائكة الذين هم عباد مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم ولا يرتكبون ما يرتكبه بنو آدم من الذنوب والخطايا يقول عنهم: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إلا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى [النجم:٢٦] فجعل الله ﵎ إذنه شرطاً لشفاعة الملائكة وهم من عباد الله المكرمين الذين كانت بعض الأمم يعبدونهم ويظنون أن فيهم خصائص الألوهية، ويصرفون بعض أنواع العبادة لهم، فبين الله ﵎ أنهم لا يشفعون إلا من بعد أن يأذن الله ﷾ لمن يشاء ويرضى، وذكر من صفاتهم أيضاً في الآية الأخرى قوله: وَلا يَشْفَعُونَ ألا لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء:٢٨] فإذن الله ﷾ للملائكة أو للرسل أو لغيرهم هو الشرط الأول. ورضاه عن المشفوع له هو الشرط الثاني.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690775,"book_id":1659,"shamela_page_id":1901,"part":null,"page_num":1901,"sequence_num":1901,"body":"والله ﷾ كما قال: وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ [الزمر:٧] فالله تَعَالَى لا يرضى عن الكافرين ولا يحبهم؛ ولذا لا تنفعهم شفاعة الشافعين كما أخبر الله بذلك، وخص الشَّفَاعَة بقوله: إلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [الزخرف:٨٦] فالشَّفَاعَة خاصة ومحصورة في أهل التوحيد فيمن شهد بالحق وهم يعلمون، فمن شهد شهادة أن لا إله إلا الله، وهو عالم بمعناها، عامل بمقتضاها، فهَؤُلاءِ هم الذين يستحقون الشَّفَاعَة، هذه بعض الآيات في ذلك.\r\rالأدلة من السنة على ثبوت الشفاعة\rأما من السنة: فالحديث العظيم حديث الجهنميين الذي رواه أكثر من صحابي ومنهم: أَبو هُرَيْرَة وأبو سعيد الخدري كما في الروايات التي في صحيح البُخَارِيّ عن النبي ﷺ وفيه (فيخرجون من النَّار وهم آخر النَّاس خروجاً) وهَؤُلاءِ هم الذين يقال لهم: الجهنميون، (فيخرجون من النَّار وقد امتحشوا وصاروا فحماً فيلقيهم الله ﷿ في نهر الحياة فينبتون كما تنبت الحميلة في طرق السيل -كما ينبت النبات الذي يكون عَلَى طرف السيل- ثُمَّ يدخلهم الله ﷾ الجنة برحمتهً) .\rوهذا يكون بعد أن يشفع الشافعون من الملائكة وعباد الله الصالحين ويتحنن الله ﵎ من بعد ذلك عَلَى من يشاء كما في رواية المسند (ثُمَّ يتحنن الله ﵎ من بعد ذلك، فيخرج أقواماً لم يعملوا خيراً قط) فهَؤُلاءِ جميعاً الذين هم آخر من يخرج من النَّار تنالهم الشَّفَاعَة وهَؤُلاءِ كلهم من الموحدين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690776,"book_id":1659,"shamela_page_id":1902,"part":null,"page_num":1902,"sequence_num":1902,"body":"فلا حظَّ ولا نصيب في الشَّفَاعَة لمشرك إلا في حالة خاصة سيأتي شرحها إن شاء الله تَعَالَى وهي حالة أبي طالب مع العلم أن الإخراج من النَّار لا يكون أبداً لمشرك وإنما هو خاص بالموحدين، ولهذا فإن الجهنميين -كما ورد في نص الحديث الصحيح- يعرفهم الشافعون بعلامة السجود؛ لأن النَّار تأكل ابن آدم إلا آثار السجود.\r\rكما يدل الحديث أن تارك الصلاة ليس من الْمُسْلِمِينَ ولا يعامل معاملة الموحدين ولا تنفعه شفاعة الشافعين، قال الله تَعَالَى في شأنهم: قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ [المدثر:٤٣-٤٦] .\r\rفهَؤُلاءِ الذين ليس لهم علامة السجود كيف يخرجون من النار؟\rوكيف يعرفهم الشافعون ليخرجوهم من النار؟\rوأما من يتحنن الله تبارك عليهم ويخرجهم بعد ذلك، فهم إما أنهم كانت فيهم علامة سجود ضيقة ضعيفة لا تكاد تُرى -مثلاً- أو ممن كانت لهم حالة خاصة كمن يعيش في آخر الزمان حيث لا يدري النَّاس ما صلاة ولا صيام ولا صدقة ولا نسك، وحيث يندرس العلم، فالمسلم في ذلك الزمان هو الذي يقول لا إله إلا الله فقط، لا يعرفون إلا هذه الشهادة -لا إله إلا الله- ومع ذلك هم خير ذلك الزمان، وشر الخلق بالنسبة لمن بعدهم، ثُمَّ يهلكون، ولا تقوم الساعة حتى لا يبقى في الأرض من يقول: لا إله إلا الله، كما أخبر بذلك النبي ﷺ، وهذا له تفصيله إن شاء الله في مبحث الحشر والجنة والنار.\r\rوالمقصود هنا: أنَّ الذين بلغت بهم المعاصي إِلَى أن تركوا الصلاة أو ارتكبوا أي معصية تخرج صاحبها من الملة فهَؤُلاءِ ليسوا من أهل التوحيد. فكل من ليس من أهل التوحيد وكان من أهل الكفر: إما كفراً أصلياً أو كفر ردة. فهَؤُلاءِ لا تنالهم الشَّفَاعَة ولا يخرجون من النار.\r\rإثبات الشفاعة بالإجماع","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690777,"book_id":1659,"shamela_page_id":1903,"part":null,"page_num":1903,"sequence_num":1903,"body":"أما ثبوت الشَّفَاعَة بالإجماع: فقد أجمع أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ على إثبات الشَّفَاعَة كما ورد في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وإنما وقع الخلاف من أهل البدع ومَنْ حذا حذوهم أو تأثر بهم.\rثُمَّ بين المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى أنواع الشَّفَاعَة: وذكر أن منها ما هو متفق عليه بين الأمة، ومنها ما خالف فيه المعتزلة ونحوهم من أهل البدع، ومن هذه الأنواع ما يلي:\rالشفاعة العظمى\rوهذ الشَّفَاعَة هي الخاصة بالنبي ﷺ من بين سائر إخوانه من الأَنْبِيَاء والمرسلين صلوات الله عليهم أجمعين، وهذه الشَّفَاعَة العظمى أجمعت عليها الأمة: أهل السنة وأهل البدع من المعتزلة والخوارج وغيرهم، وهي: شفاعة النبي ﷺ في المحشر عند اشتداد الكرب والهول وعندما يفزع النَّاس إِلَى آدم، ثُمَّ إِلَى نوح، ثُمَّ إِلَى إبراهيم، ثُمَّ إِلَى موسى، ثُمَّ إِلَى عيسى، ولا يجدون من يشفع لهم ويضيق الخلق أجمعون ويشتد الكرب عليهم جميعاً، فيلجئون إِلَى الله ﷿ يريدون منه أن يفصل الموقف، وأن يُدْخِلَ أهل الجنة الجنة وأهل النَّار النار، ففي هذا الموقف العظيم حين يتراجع كل الأَنْبِيَاء أولوا العزم وغيرهم من الخلائق يكون المقام المحمود للنبي ﷺ.\r\rالشفاعة في رفع الدرجات\rهناك أيضاً نوع أخر من أنواع الشَّفَاعَة: وهو شفاعته ﷺ في رفع درجات من يدخل الجنة فوق ما كَانَ يقتضيه ثواب أعمالهم.\r\rموافقة الخوارج والمعتزلة لأهل السنة في هاتين الشفاعتين","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690778,"book_id":1659,"shamela_page_id":1904,"part":null,"page_num":1904,"sequence_num":1904,"body":"وافقت المعتزلة والخوارج أهل السنة في النوعين السابقين من أنواع الشَّفَاعَة، والسبب في ذلك أنه ليس في هذه الشَّفَاعَة إخراج أحد من النَّار فقاعدتهم -التي سبقت معنا- أن صاحب الكبيرة خالد مخلد في النار، والشَّفَاعَة الكبرى شفاعة المحشر، يثبتهاالمعتزلة، لأنهم لا يرون فيها تعارضاً مع ما أصَّلوه وهو: أن صاحب الذنب لا بدَّ أن يُجازى بذنبه وجوباً، فيدخل النَّار ولا يخرج منها عياذاً بالله، هكذا قررت عقولهم دون الرجوع إِلَى الآيات وإلى الأحاديث، ووافقهم عَلَى ذلك الخوارج.\rبل وافقهم بعض التابعين مثل: يزيد بن الفقير كما في صحيح مسلم، وطلق بن حبيب كما في الأدب المفرد للبخاري يقول: \"كنت أرى رأي الحرورية -أي: رأي الخوارج -ولا أؤمن بالشَّفَاعَة\"، أو قَالَ: \"وكنت من أشد النَّاس إنكاراً للشفاعة\".\r\rفبعض التابعين الذين لم يكونوا من الخوارج انقدحت في أذهانهم هذه الشبهة وهو أن صاحب المعصية لا بد أن يجازى فكيف يشفع فيه أحد، وذهلوا وغفلوا عن الآيات والأحاديث الواردة في هذا الشأن، حتى بيَّن لهم أصحاب النبي ﷺ الذين أدركوا ظهور هذه الشبهة وهذه البدعة، وممن أدرك ظهور بدعة إنكار الشَّفَاعَة من الصحابة جابر بن عبد الله رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُما، وأنس بن مالك وعبد الله بن عباس.\r\rوقد أخبر عمر بن الخطاب ﵁: \"أنه سيأتي قوم ينكرون الشَّفَاعَة \" والقصد أن هَؤُلاءِ الخوارج والمعتزلة أثبتوا هذه الشَّفَاعَة لأنه ليس فيها إخراج أحد من النَّار وإنما فيها زيادة استحقاق.\r\rمسألة فعل الأصلح عند المعتزلة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690779,"book_id":1659,"shamela_page_id":1905,"part":null,"page_num":1905,"sequence_num":1905,"body":"المعتزلة عندهم قاعدة خبيثة وهي: (أنه يجب عَلَى الله أن يفعل الأصلح وأن يختار لعبده الأصلح) هكذا قرر إبراهيم النظام وأصحابه من البراهمية الذين هم في الأصل براهمية مجوس ثُمَّ أرادوا أن يخدموا دين الإسلام، فجاءوا بهذه المعاذير التي ينفر منها المؤمن، فمن الذي فرض عَلَى الله فعل الأصلح؟! وتجدهم يأتون بهذه القاعدة عندما ترد النصوص والأحاديث الدالة عَلَى أن النبي ﷺ يشفع في أناس من أهل الجنة لينالوا درجة أعلى! فيقولوا: هذا من باب وجوب فعل الأصلح\rوأعظم شيء خالف فيه المعتزلة ومن تبعهم هي الشَّفَاعَة التي تقتضي الإخراج من النار، وذلك بناءً عَلَى أن مرتكب الكبيرة خالد مخلد في النَّار. وَقَالُوا: لا يليق أن يفعل عبد الكبيرةَ ثُمَّ يدخل الجنة بشفاعة الشافعين فيصير مثل التقي الزاهد الورع، فهذا ليس من باب العدل! وأخذوا يحاكمون أفعال الله ﷿ إِلَى عقولهم الكليلة القاصرة، ويخصون المغفرة بالتوبة، فلا يغفر الله لصاحب الكبيرة إلا إذا تاب، فلو مات وهو مرتكبٌ لكبيرة فإنه يكون من أهل النَّار خالداً فيها مخلداً، واختلفوا في اسمه في الدنيا -كما تقدم- فسماه الخوارج كافراً، والمعتزلة جعلوه في منزله بين منزلتين لا كافر ولا مؤمن.\r\rوهذا يرجع إِلَى اعتقادهم الفاسد وهو أنَّ التقي يستحق دخول الجنة عِوَضاً عن عمله الصالح، ويستحق دخول النَّار عوضاً عن عمله الطالح فجعلوا المسألة مسألة أخذ وعطاء وبيع وشراء ولم يجعلوا لرحمة الله ﷾ ولا لشفاعته ولا لمغفرته شيئاً من ذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690780,"book_id":1659,"shamela_page_id":1906,"part":null,"page_num":1906,"sequence_num":1906,"body":"وقد سبق أن ذكرنا في الرد عليهم أن الله ﷾ وصف نفسه في أول سورة غافر فقال: غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ ألا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ [غافر:٣] فوصف نفسه في هذه الآية بصفتين عظيمتين أنه غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ فإذا كَانَ لا يغفر إلا لمن تاب فيكفي ذكر صفة واحدة، وهو: أنه قابل التوب فقط، فإذا عرفنا الله وعرفنا صفاته تعالى، عظَّمناه وقدرناه حق قدره، وعرفنا ماذا نعتقد في حقه ﷾، فمن تاب قَبِلَ الله ﵎ توبته حتى وإن تان من الشرك.\r\rالجمع بين آيات الرجاء وآيات الوعيد\rالله تَعَالَى عندما قال في آيات الرجاء وآيات الوعيد يظن قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً [الزمر:٥٣] وقوله ﷾: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ [المائدة:٧٢] وأيضاً قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:٤٨] .\rفكونه ﷾ لا يغفر للمشركين وأنه حرم عليهم الجنة، هذا حق وكونه ﷾ يقبل التوبة من أي أحد، هذا حق أيضاً، ولا تعارض بينهما؛ فإذا تاب المشرك فقد انتقل من هذا الحكم -عدم المغفرة للمشرك- إِلَى حكم إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690781,"book_id":1659,"shamela_page_id":1907,"part":null,"page_num":1907,"sequence_num":1907,"body":"وهذا يدخل في ضمن صفة (قابل التوب) فيقبل الله ﵎ التوبة حتى من المشرك، فإذا تاب وأسلم فإن الله ﷾ يقبل توبته وهذا حكم ظاهر معلوم، عمل به الصحابة الكرام كما أمر الله ﵎ في أخر آيات الأحكام -التي نزلت في أول سورة التوبة- أحكام المنافقين والْمُشْرِكِينَ حين أظهر الله دينه وأعزه.\rوقال ﷾: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ [التوبة: ٥] وقال في سورة الفرقان بعد أن ذكر ﷾ صفات عباد الرحمن: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ [الفرقان:٦٨] هذا هو الشرك وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ ألا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ [الفرقان:٦٨] وهذه أعظم الكبائر.\r\rثُمَّ قال: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * ألا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً [الفرقان:٦٨-٧٠] وهذا أصل عظيم وواضح ولكن إذا عميت البصيرة، فإنه يخفى عليها مثل هذا الأمور الواضحات، غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ فكما أنه اتصف بقبوله التوبة فإنه متصف أيضاً بغفران الذنوب وبالعفو وبالمغفرة وبالكرم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690782,"book_id":1659,"shamela_page_id":1908,"part":null,"page_num":1908,"sequence_num":1908,"body":"فهو ﷾ يجازى العبد عَلَى العمل الصالح بأضعاف أضعاف ما يستحق والأصل أن العبد لاحق له عَلَى الله ﷾، كما قال تَعَالَى: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا [النمل:٨٩] وفسرتها الآية الأخرى فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا [الأنعام:١٦٠] وهذا كرم من الله ﷾، ثُمَّ يضاعف الله لمن يشاء إِلَى سبعمائة ضعف، وبعد الوزن وبعد أن ترجح سيئات أناس عَلَى حسناتهم، ويستحقون دخول النَّار يغفر الله ﷾ لِمَن يشاءُ منهم بمنِّه وفضله وكرمه، ولا أحد يُحجِّرُ عَلَى رحمة الله الواسعة، فهذا ما ذهب إليهأهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ.\r\rوأما أهل البدع، فإنهم يجعلون المسألة مسألة عوض ومسألة مقابلة.\r\rالمعتزلة وجزاء الأعمال\rنجد أهل البدع وعلى سبيل الخصوص المعتزلة يضطربون اضطراباً عظيماً في فهم بعض النصوص فمن ذلك:\rالحديث الصحيح الثابت عن النبي ﷺ أنه قَالَ: ((إنه لن يدخل الجنة أحد بعمله) فالمعتزلة ينكرون مثل هذا الحديث ويقولون: كيف لا يدخل أحد الجنة بعمله وهو الذي يقول: بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [المائدة:١٠٥] (بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأنعام:١٢٩] ، وكان الواجب عليهم أن يردوا ما أشكل عليهم من نصوص الكتاب والسنة إِلَى أهل العلم فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:٤٣] هذا ما أرشدنا الله ﷾ إليه، لكنَّ هَؤُلاءِ يستفتون عقولهم وأراءهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690783,"book_id":1659,"shamela_page_id":1909,"part":null,"page_num":1909,"sequence_num":1909,"body":"والجواب عَلَى هَؤُلاءِ أن تقول: إن قوله تعالى: بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، أن الباء هنا باء السببية أي: بسبب العمل الصالح يدخلون الجنة فعباد الله الصالحين في هذه الحياة الدنيا يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويطيعون الله ورسوله، وكل هذه أسباب يبذلونها لتوصلهم إِلَى رضى الله ﷾ وإلى جنته، فلو كانت المسألة مسألة مبادلة وعوض فلن يدخل الجنة أحد بعمله، فما هي أعمالنا؟ أعمالنا لا تكافئ موضع في الجنة، فليست هناك مكافئة، وإنما ندخلها برحمة الله ﷾ وبمنه وفضله وكرمه.\r\rشرح حديث الشفاعة العظمى\rقَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:\r[النوع الأول: الشَّفَاعَة الأولى وهي العُظْمَى، الخاصَّةُ بنبينا ﷺ من بين سائر إخوانه من الأَنْبِيَاء والمرسلين، صلواتُ الله عليهم أجمعين.\r\rففي الصحيحين وغيرهما عن جماعة من الصحابة ﵃ أجمعين أحاديث الشَّفَاعَة منها:\r\rعن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: (أُتى رَسُول الله ﷺ بلحم، فَدُفِعَ إليه مِنْهَا الذِّرَاعُ، وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ فَنَهَسَ منها نهسة، ثُمَّ قَالَ: أنا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وهل تدرون مِمَّ ذاك؟ يَجْمَعُ اللهُ الأولينَ والآخرينَ في صَعِيدٍ وَاحِدٍ يَسْمَعُهُم الداعي، وينفذهم البصر، وتدنو الشمس، فيبلغ النَّاس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيقول بعض النَّاس لبعض: ألا ترون إِلَى ما أنتم فيه: ألا ترون ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إِلَى ربكم؟\rفَيَقُولُ بعض النَّاس لبعض: أبوكم آدم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690784,"book_id":1659,"shamela_page_id":1910,"part":null,"page_num":1910,"sequence_num":1910,"body":"فَيَأْتُونَ آدم، فَيَقُولُونَ: يا آدمُ أَنْتَ أبو البشر خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، فاشفع لنا إِلَى ربك، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيْهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟\rفيقول آدم: إنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبَاً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وإنه نهاني عن الشجرة فعصينه، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذَهبُوا إِلَى نُوحٍ.\r\rفَيَأْتُونَ نُوحاً فَيَقُولُونَ: يا نُوح أَنْتَ أولُّ الرسل إِلَى أهل الأرض، وسماك الله عبداً شكوراً، فاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيْهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟\rفَيَقُولُ نوح: إنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبَاً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وإنه كانت لي دعوة دعوت بها عَلَى قومي نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذَهبُوا إِلَى إبْرَاهِيْمَ.\r\rفيأتون إبْرَاهِيْمَ، فَيَقُولُونَ: يا إبْرَاهِيْمُ، أَنْتَ نبي الله وخليله مِنْ أَهْلِ الأرض أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيْهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟\rفَيَقُولُ: إنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبَاً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وذَكَرَ كذباته، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذهَبُوا إِلَى غَيْرِى، اذَهبُوا إِلَى مُوسَى.\r\rفَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُونَ: يا مُوسَى، أَنْتَ رَسُول الله اصطفاك الله برسالاته وبتكليمه عَلَى الناس، اشفع لنا إِلَى ربك، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيْهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690785,"book_id":1659,"shamela_page_id":1911,"part":null,"page_num":1911,"sequence_num":1911,"body":"فَيَقُولُ لهم موسى: إنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبَاً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وإني قتلت نفساً لم أومر بقتلها، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذَهبُوا إِلَى عِيسَى.\r\rفَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُونَ: يا عِيسَى أَنْتَ رَسُول الله وكلمته ألقاها إِلَى مريم وروح منه قَالَ: هكذا هو، وكلمت النَّاس في المهد، فاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّك، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيْهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟\rفَيَقُولُ لهم عِيسَى: إنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبَاً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، ولن يغضب بعده مثله، ولم يذكر له ذنبا، اذهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذَهبُوا إِلَى مُحَمَّد ﷺ.\r\rفَيَأْتُونِي فَيَقُولُونَ: يا مُحَمَّد أَنْتَ رَسُول الله وخاتم الأنبياء، غَفَرَ اللهُ لكَ مَا تَقدمَ من ذَنْبِكَ وما تَأخر، فاشفع لنا إِلَى ربك، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيْهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟\rفأَقُومُ فآتي تحت العَرْشِ فَأَقَعُ ساجداً لربي ﷿ ثُمَّ يفتح الله علي ويُلْهِمُنِي مِنْ مَحَامِدِهِ، وَحُسنِ الثناءِ عليه ما لم يفتحه عَلَى أحد قبلي، فيُقَالُ: يا محمد، ارفع رأسك، سَلْ تُعْطَه، اشْفَعْ تُشفَّعْ، فَأَقُولُ: يا رَبِّ أُمتي أُمتي، يا رب أمتي أمتي، يا رب أمتي أمتي، فيُقَالُ: أَدْخِلْ من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء النَّاس فيما سواه من الأبواب، ثُمَّ قَالَ: والذي نفسي بيده، لما بين مصراعين من مَصَارِيعَ الجنَّة كما بين مَكَّةَ وهَجَرَ أو كما بين مَكَّةَ وبُصْرَى) أخرجاه في الصحيحين بمعناه، واللفظ للإمام أَحْمَد]","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690786,"book_id":1659,"shamela_page_id":1912,"part":null,"page_num":1912,"sequence_num":1912,"body":"هذا الحديث هو أحد الأحاديث الكثيرة الواردة في إثبات الشَّفَاعَة العظمى للنبي ﷺ.\rيقولأَبو هُرَيْرَة ﵁: [أُتى رَسُول الله ﷺ بلحم، فَدُفِعَ إليه مِنْهَا الذِّرَاعُ، وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ] وهو أطيب ما في الشاة وأهناؤه، [فَنَهَسَ منها نهسة] أي: نهش والمعنى متقارب.\r[ثُمَّ قَالَ: أنا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وهل تدرون مِمَّ ذاك؟] أي: لم أكون سيد النَّاس يَوْمَ القِيَامَةِ؟! [يَجْمَعُ اللهُ الأولينَ والآخرينَ في صَعِيدٍ وَاحِدٍ يَسْمَعُهُم الداعي، وينفذهم البصر، وتدنو الشمس، فيبلغ النَّاس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون] ففي يَوْمِ القِيَامَةِ أهوال عظيمة لا تعد ولا تحصى، والذي يوجد في هذا الحديث من هذه الأهوال هو أحد ما ورد في ذلك، وإلا فهي كثيرة في القرآن، والله ﷾ سمى هذا اليوم بأسماء كثيرة منها: الحاقة والقارعة والواقعة، ثُمَّ في مواضع متفرقة من القُرْآن يعرض مشاهد يَوْمَ القِيَامَةِ، وذلك لعظم الأهوال في ذلك اليوم وشدة الكرب.\r\rثُمَّ يقول ﷺ: [فيبلغ النَّاس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون] في ذلك الموقف (حيث تكون الشمس عَلَى مسافة ميل، فمن النَّاس من يلجمه العرق إلجاماً، ومنهم من يبلغ إِلَى منكبه، ومنهم من يبلغ إِلَى سرته، ومنهم من يبلغ إِلَى حقويه ومنهم من يبلغ إِلَى ركبتيه) ، موقف عظيم وعطش شديد وكرب وهول لا تكاد العقول تتخيله، فضلاً عن أن تتحمله، فحينئذٍ يضج الخلق أجمعون، ويبحثون عن مخرج وعن حيلة من هذا الكرب ومن هذا الموقف.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690787,"book_id":1659,"shamela_page_id":1913,"part":null,"page_num":1913,"sequence_num":1913,"body":"[فيقول بعض النَّاس لبعض: ألا ترون إِلَى ما أنتم فيه] والنَّاس في ذلك الوقت في حيرة عن التفكير وشدة تذهلهم عن أي فكرة ورأي صواب، ولكن الله ﷾ يتكرم في ذلك اليوم، ويظهر فضل نبيه ﷺ عَلَى جميع العالمين، ويظهر هذا الدين في ذلك اليوم، ويُصدق ما شهد وأخبر به الأَنْبِيَاء من قبل في ظهور هذا الدين، وظهور هذا النبي ﷺ، ويحقق له ﷺ ما اختبأ وادخر لأمته.\rفإنَّ لِكُلِ نبيٍ دعوة مستجابة، والنبي ﷺ اختبأ وادخر دعوته لأمته يَوْمَ القِيَامَةِ كما صح ذلك عنه ﷺ، وقد خيَّره ربه في هذه الحياة الدنيا بين أن يدخل نصف أمته الجنة وبين الشَّفَاعَة، فاختار رَسُول الله ﷺ الشَّفَاعَة، وذلك لعلمه ﷺ بأنها أفضل وأجدى لأمته من أن يدخل نصفهم الجنة، وذلك من فضله ﷺ وعظيم حقه عَلَى أمته، فيكرمه الله ﷾ ويظهر سيادته عَلَى النَّاس يَوْمَ القِيَامَةِ بأن يلهم النَّاس فيقولون: لم لا نستشفع إِلَى ربنا، ونطلب ممن لهم مكانة ومقام عنده ﷾ أن يشفعوا إِلَى الله ليفض ما نَحْنُ فيه من هذا الكرب ومن هذا الموقف العظيم، ويفصل بين النَّاس فيقولون: بمن نبدأ؟\r[فَيَقُولُ بعض النَّاس لبعض: أبوكم آدم] الذي خلقه الله ﷾ بيده وفضله، لعله أن يشفع لنا عند الله ﷾ [فَيَأْتُونَ آدم] ويثنون عليه ويذكرون منزلته عند الله رجاء أن يقبل في أن يشفع لهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690788,"book_id":1659,"shamela_page_id":1914,"part":null,"page_num":1914,"sequence_num":1914,"body":"[فَيَقُولُونَ: يا آدمُ! أَنْتَ أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، فاشفع لنا، إِلَى ربك أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيْهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فيقول آدم ﵇: إنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبَاً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ] نعوذ بالله من غضبه ﷾ يُبارَزُ ويُحاَربُ ويُجَاهرُ بالمعاصي في هذه الحياة الدنيا، وتُرتكب المحرمات جِهَاراً وعلانية في أكثر الأرض والله ﷾ يَحْلُمُ عنَّا ويمهلنا ويؤخرنا إِلَى أجل مسمى، لكن في ذلك اليوم يشتد غضب الله ﷾ فيغضب غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، نسأل الله أن يجيرنا من غضبه، ويقول الله ﷾ في ذلك اليوم: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ [غافر:١٦] ثُمَّ ينادي: أين الجبارون! أين ملوك الأرض! أين المتكبرون لمن الملك اليوم؟ فيخرسون ولا يجيب أحد لشدة ما هم فيه من الهول والكرب حتى يقول الله ﷾: لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [غافر:١٦] يجيب ﷾ عَلَى نفسه، بل يُحشَر المتكبرون كما في الحديث الصحيح (يحشر المتكبرون كأمثال الذر يَوْمَ القِيَامَةِ) فيذهب الكبرياء، ويذهب الفخر، فلا ينفع مال ولا بنون ولا أحساب ولا أنساب ولا قرابات في ذلك الموقف، فيغضب الله غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وقد غضب الله ﷾ عَلَى أمم وأهلكهم، فأهلك قوم نوح، وأهلك عاداً الأولى، وثمود فما أبقى، وأهلك قوم فرعون، وأهلك قوم لوط، ومع ذلك فإن غضبه يَوْمَ القِيَامَةِ أشد؛ لأنه ادخر العذاب الشديد، وأجله إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وأما من كَانَ من المؤمنين ولكنه عصى الله وبارزه وحاربه بالمعاصي، فإنه أيضاً حذَّر وأنذَّر في الدنيا، فيأتيه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690789,"book_id":1659,"shamela_page_id":1915,"part":null,"page_num":1915,"sequence_num":1915,"body":"يَوْمَ القِيَامَةِ فيكون الغضب الشديد في ذلك الموقف الذي يخرسون ولا ينطقون، ولا يؤذن لهم فيعتذرون.\r\rثُمَّ يبين آدم ﵇ عذره بقوله: [وإن ربي نهاني عن أكل الشجرة فعصيته] وهذه المعصية قد غفرت له ﵇ قبل أن ينزل إِلَى هذه الدنيا، ولكن هذا الموقف لا يتقدم له إلا عبد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وآدم ﵇ غُفِرَ له لكنه يقول: إني حينما أتذكر هذه المعصية لا أستطيع أن أشفع لكم [نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذَهبُوا إِلَى نُوحٍ] وهذا الترتيب حكمة من الله ﷾.\rفيتقدم نوح وهو أول الرسل من أولو العزم [فَيَأْتُونَ نُوحاً فَيَقُولُونَ: يا نُوح أَنْتَ أولُّ الرسل إِلَى أهل الأرض] وهذا دليل عَلَى أن نوح ﵇ هو أول الرسل لأن بني آدم كانوا عَلَى التوحيد عشرة قرون؛ حتى وقع الشرك في قوم نوح، وذلك بعبادة الصالحين، فانحرفوا فأرسل الله إليهم أول الرسل نوح ﵇ كما أخبر بذلك حبر هذه الأمة عبد الله بن عباس قَالَ: [وسماك الله عبداً شكوراً] إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً [الإسراء:٣] [فاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيْهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فيقول نوح: إنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبَاً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ] يعيد ما قاله آدم ﵇، ثُمَّ يقول: [وإنه كانت لي دعوة دعوت بها عَلَى قومي] كما قال النبي ﷺ: (إن لكل نبي دعوة) فدعوة نوح ﵇ دعا بها عَلَى قومه فقَالَ: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً [نوح:٢٦] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690790,"book_id":1659,"shamela_page_id":1916,"part":null,"page_num":1916,"sequence_num":1916,"body":"وأمَّا رَسُول الله ﷺ فإنه اختبأ وادخر دعوته إِلَى هذا الموقف، وهذا من فضله ﷺ عَلَى أمته، ثُمَّ يقول: [نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذَهبُوا إِلَى إبراهيم] فدلهم عَلَى أفضل الأَنْبِيَاء بعده في الزمن وهو إبراهيم أبو الأَنْبِيَاء وإمام الموحدين عليه وعلى نبينا وعلى جميع الأَنْبِيَاء أفضل الصلاة والسلام، [فيأتون إبْرَاهِيْمَ، فَيَقُولُونَ: يا إبْرَاهِيْمُ، أَنْتَ نبي الله وخليله مِنْ أَهْلِ الأرضِ] اشفع لنا إِلَى ربك يا خليل الرحمان اشفع لنا إِلَى العزيز الجبار المتكبر، [أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيْهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فيقول -كما قال الأَنْبِيَاء من قبله-: إنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبَاً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ] نعوذ بالله من غضب الله ﷿، [وذَكَرَ كَذِباته] وهي لما قَالَ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا [الأنبياء:٦٣] وأشار إِلَى الصنم، وأنه هو الذي كسَّر الأصنام، ولما قال هذه أختي وهي زوجته، وهذه ليست في الواقع كذباً بالمعنى المعروف، وإنما هي تعريض وتلميح يفهم منه السامع غير الحقيقة وغير الواقع، فأتى إبراهيم الخليل ﵇ بما يبرر عندهم أنه ليس أهلاً لذلك الأمر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690791,"book_id":1659,"shamela_page_id":1917,"part":null,"page_num":1917,"sequence_num":1917,"body":"ثُمَّ قَالَ: [نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذَهبُوا، إِلَى موسى، فيقولون: يا موسى أنت رَسُول الله اصطفاك الله برسالاته وبتكليمه عَلَى النَّاس اشفع لنا إِلَى ربك ألا ترى ما نَحْنُ فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟] فيعيد موسى ﵇ نفس المقالة: [إنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبَاً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وإني قَتلتُ نَفْسَاً لم أُؤمر بِقتلِهَا] كما قال تعالى: فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ [القصص:١٥] ثُمَّ يقول: [نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي] كما قال غيره من الأنبياء.\r\rثُمَّ يقول: [اذهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذَهبُوا إِلَى عيسى، فيأتون عيسى ﵇ فيقولون: يا عيسى أنت رَسُول الله وكلمته ألقاها إِلَى مريم وروح منه فاشفع لنا إِلَى ربك أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيْهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فيقول لهم عيسى ﵇: إنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبَاً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ ولم يذكر -عيسى ﵇ في هذه الرواية- ذنباً] ولكن في بعض الروايات يقول: (إني قد عُبدت من دون الله ﷿ فكأن ذلك يمنعني، وما ذلك إلا لكي يتأخر.\r\rويتقدم الشفيع ﷺ، ثُمَّ يقول: [اذَهبُوا إِلَى مُحَمَّد ﷺ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690792,"book_id":1659,"shamela_page_id":1918,"part":null,"page_num":1918,"sequence_num":1918,"body":"فَيَأْتُونِي فَيَقُولُونَ: يا مُحَمَّد أَنْتَ رَسُول الله وخاتم الأنبياء، غَفَرَ اللهُ لكَ مَا تَقدمَ من ذَنْبِكَ وما تَأخر، فاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيْهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟] يقول ﷺ: [فأَقُومُ فآتي تحت العَرْشِ] وفي الرواية الأخرى يقول: (أنا لها أنا لها) حينما يتخلى ويتأخر الجميع يقول ﷺ: (أنا لها أنا لها) هذا هو المقام المحمود العظيم الذي يختص به ﷺ دون غيره من الناس، ثُمَّ يقول: [فأَقُومُ فآتي تحت العَرْشِ فَأَقَعُ ساجداً لربي ﷿] فالرَّسُول ﷺ يستشفع إِلَى ربه بهذا العمل فإن (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد) فيسجد ﷺ لربه ﷿، يقول: [ثُمَّ يفتح الله علي ويُلْهِمُنِي مِنْ مَحَامِدِهِ، وَحُسنِ الثناءِ عليه ما لم يفتحه عَلَى أحد قبلي] فثناء العبد عَلَى الله موجب أو سبب لحصول الخير والفضل.\rفعند ذلك يقول الله ﵎: [يا محمد، ارفع رأسك، سَلْ تُعْطَه، اشْفَعْ تُشفَّعْ] وهذا فضل من الله ﷾ وإكرام، حتى إن الخلق جميعاً يفرحون أنَّ الله تَعَالَى قد شفَّع فيهم مُحَمَّد ﷺ فيقول ﷺ: [يا رَبِّ أُمتي أُمتي] كل الأَنْبِيَاء يقولون: نفسي نفسي إلا مُحَمَّد ﷺ فإنه يقول: [يا رَبِّ أُمتي أُمتي، يا رَبِّ أُمتي أُمتي، يا رَبِّ أُمتي أُمتي، فيقول الله ﷾: أدخل من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة وهم شركاء النَّاس فيما سواه من الأبواب] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690793,"book_id":1659,"shamela_page_id":1919,"part":null,"page_num":1919,"sequence_num":1919,"body":"وقد جَاءَ في الحديث المتفق عليه أنهم سبعون ألفاً، وصح في الحديث الأخر: أن مع كل واحد سبعون ألفاً من أمة مُحَمَّد ﷺ، فهَؤُلاءِ يدخلون الجنة من باب خاص من المصراع الأيمن يكرم الله محمداً ﷺ بذلك ويرى النَّاس ذلك.\rوهذه الطائفة من أمة مُحَمَّد ﷺ التي هي آخر الأمم فيدخلون الجنة قبل الحساب، وقبل أن تنصب الموازين، وقبل أن يفصل الله ﷾ بين العباد.\r\rثُمَّ يقول: [وهم شركاء النَّاس فيما عداه من الأبواب، والذي نفسي بيده، لما بين مصراعين من مَصَارِيعَ الجنَّة كما بين مَكَّةَ وهَجَرَ أو كما بين مَكَّةَ وبُصْرَى] وهذا من سعة الجنة وسعة مصارعيها، وفي الحديث أن الكلام عَلَى الأكل سُنَّة، وليس كما يزعم النَّاس من أن الكلام عَلَى الطعام من قلة الأدب، ويقولون: لا كلام عَلَى طعام.\r\rقَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:\r[والعجبُ كُلُّ العجبِ من إيرادِ الأئمةِ لهذا الحديث من أكثر طرقه، لا يذكرون أمر الشَّفَاعَة الأولى في أن يأتي الرب تَعَالَى لفصل القضاء كما ورد هذا في حديث الصور، فإنه المقصود في هذا المقام، ومقتضى سياق أول الحديث، فإن النَّاس إنما يستشفعون إِلَى آدم فمن بعده من الأَنْبِيَاء في أن يفصل بين النَّاس ويستريحوا من مقامهم، كما دلت عليه سياقاته من سائر طرقه، فإذا وصلوا إِلَى المحز إنما يذكرون الشَّفَاعَة في عصاة الأمة، وإخراجهم من النار.\r\rوكأن مقصود السلف في الاقتصار عَلَى هذا المقدار من الحديث هو الرد عَلَى الخوارج ومن تابعهم من المعتزلة الذين أنكروا خروج أحد من النَّار بعد دخولها، فيذكرون هذا القدر من الحديث الذي فيه النص الصريح في الرد عليهم فيما ذهبوا إليه من البدعة المخالفة للأحاديث.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690794,"book_id":1659,"shamela_page_id":1920,"part":null,"page_num":1920,"sequence_num":1920,"body":"وقد جَاءَ التصريح بذلك في حديث الصور، ولولا خوف الإطالة لسقته بطوله، لكن من مضمونه: (أنهم يأتون آدم ثُمَّ نوحاً ثُمَّ إبراهيم ثُمَّ موسى ثُمَّ عيسى ثُمَّ يأتون رَسُول الله محمداً ﷺ فيذهب فيسجد تحت العرش في مكان يقال له: الفَحْصُ، فيقول الله: ما شأنك؟ وهو أعلم، قال رَسُول الله ﷺ فأقول: يارب، وعدتني الشَّفَاعَة فشفعني في خلقك، فاقض بينهم فيقول ﷾: شفَّعْتُكَ أنا آتيكم فأقضي بينهم، قَالَ: فأرجع فأقف مع الناس.\r\rثُمَّ ذكر انشقاق السموات وتنزل الملائكة في الغمام ثُمَّ يجيء الرب ﷾ لفصل القضاء، والكروبيون والملائكة المقربون يسبحونه بأنواع التسبيح، قَالَ: فيضع الله كرسيه حيث شاء من أرضه، ثُمَّ يقول: إني أنصت لكم منذ خلقتكم إِلَى يومكم هذا، أسمع أقوالكم وأرى أعمالكم، فأنصتوا إلي فإنما هي أعمالكم وصحفكم تقرأ عليكم فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه، إِلَى أن قَالَ:\rفإذا أفضى أهل الجنة إِلَى الجنة قالوا: من يشفع لنا إِلَى ربنا فندخل الجنة؟ فيقولون: من أحق بذلك من أبيكم إنه خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه وكلمه قُبلاً، فيأتون آدم فيطلبون ذلك إليه، وذكر نوحاً ثُمَّ إبراهيم ثُمَّ موسى ثُمَّ عيسى ثُمَّ مُحَمَّد ﷺ ... إِلَى أن قَالَ:\rقال رَسُول الله ﷺ، فآتي الجنة فآخذ بحلقة الباب، ثُمَّ استفتح فيفتح لي، فأحيى ويرحب بي، فإذا دخلت الجنة، فنظرت إِلَى ربي ﷿ خررت له ساجداً، فيأذن لي من حمده وتمجيده بشيء ما أذن به لأحد من خلقه، ثُمَّ يقول الله لي: ارفع يا مُحَمَّد واشفع تشفع وسل تعطه، فإذا رفعت رأسي قال الله -وهو أعلم-: ما شأنك؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690795,"book_id":1659,"shamela_page_id":1921,"part":null,"page_num":1921,"sequence_num":1921,"body":"فأقول يارب وعدتني الشَّفَاعَة فشفعني في أهل الجنة يدخلون الجنة، فيقول الله ﷿: قد شفعتك وأذنت لهم في دخول الجنة) ...\r\rالحديث رواه الأئمة: ابن جرير في تفسيره والطبراني وأبو يعلى الموصلي والبيهقي وغيرهم] اهـ.\rالشرح:\r\rلم أرَ وجهاً لتعجب المُصنِّفُ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- من الحديث الذي رواه البُخَارِيّ ومسلم وأَحْمَد، وهو قوله: (يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، ثُمَّ يقول بعض النَّاس لبعض: ألا ترون إِلَى ما أنتم فيه؟ ألا ترون إِلَى ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إِلَى ربكم؟ فيقول بعض النَّاس لبعض: أبوكم آدم، فيأتون آدم ثُمَّ نوحاً ثُمَّ إبراهيم ثُمَّ موسى ثُمَّ عيسى ثُمَّ محمداً ﷺ ، وفي الرواية الأخرى (عندما يسمعهم الداعي وينفذهم البصر وتدنو الشمس فيبلغ النَّاس من الغم والكرب والضيق ما لا يحتملون) .\r\rومن هذا الموقف العظيم تجأر الخلائق إِلَى الأَنْبِيَاء وتفزع لتطلب منهم أن يشفعوا إِلَى الله ﷾، فهذه هي الشَّفَاعَة الأولى في هذا الموقف للفصل بين النَّاس في أمر الحساب، سواء منهم من يستحق الجنة فيدخلها، أو من يستحق النَّار فيدخلها، فالقضية ليست شفاعة خاصة بأهل الجنة ولا شفاعة خاصة لإخراج العصاة من النَّار وإدخالهم الجنة، كما هو ملاحظ من السياق.\r\rفقول المصنف: [لا يذكرون أمر الشَّفَاعَة الأولى في أن يأتي الرب ﷾ لفصل القضاء كما ورد في حديث الصور] هذا الكلام صحيح، فهم لم يذكروا أول الحديث أنه ﷾ يبدأ الحشر بالنفخ في الصور، ثُمَّ يأتي الكروبيون والملائكة، وليس في هذا مطعن في أنهم لم يذكروا الشَّفَاعَة الأولى، وإنما لم يأتوا بأول المحشر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690796,"book_id":1659,"shamela_page_id":1922,"part":null,"page_num":1922,"sequence_num":1922,"body":"والواقع أنه لم يرد في وصف المحشر حديثاً صحيحاً كاملاً من أوله إِلَى آخره، وإنما الذي حصل أن بعض الوعاظ جمعوا كل ما ورد في الأحاديث وركبوا منها قصة واحدة وجعلوها كأنها حديث واحد.\r\rوسوف يأتي إن شاء الله تَعَالَى أحاديث عن أنس بن مالك وأبي سعيد ﵄ وغيرهما تدل عَلَى إخراج عصاة المؤمنين أهل التوحيد من النَّار وإدخالهم الجنة، وهي أحاديث صحيحة رواها الشيخان وقد روى الإمام أَحْمَد ﵀ كثيراً من هذه الأحاديث وكذلك رواها غيره من الأئمة الحفاظ، والسبب في عدم ورود حديثاً كاملاً صحيحاً من أوله إِلَى آخره -والله أعلم- أن النبي ﷺ لم يحدث أصحابه حديثاً واحداً في المحشر بأكمله، وإنما كَانَ يحدثهم ببعض ما سيحصل في المحشر كما في هذا الحديث، الذي أوله: (أتي بلحم فدفع إليه الذراع وكانت تعجبه فنهس منها نهسة) وذكر فيه أمر شفاعته (وأنه سيد ولد آدم يَوْمَ القِيَامَةِ) ، وفي حديث آخر ذكر ﷺ حوضه، وفي حديث ثالث ذكر الميزان، وفي حديث رابع ذكر دخول أهل الجنة الجنة وفي حديث خامس ذكر شفاعته لأبي طالب، وهكذا.\rفأحاديث يَوْمَ القِيَامَةِ كآيات يَوْمَ القِيَامَةِ، فهي متفرقة في سور متعددة وفي كل سورة نجد مشهداً وموقفاً وحدثاً قد يرى أنه يختلف عن الآخر، وما ذلك إلا لعظمة هذا اليوم وسعته وكثرة ما فيه من الحوادث والوقائع والأهوال، وكذلك تأتي في السنة أحاديث متفرقة كل حديث فيه مشهد من مشاهد يَوْمَ القِيَامَةِ، فالأحاديث الصحيحة التي وردت ليس فيها حديثاً كاملاً من أوله إِلَى آخره يصف اليوم من أول النفخ في الصور إِلَى آخر شيء من أمور الشَّفَاعَة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690797,"book_id":1659,"shamela_page_id":1923,"part":null,"page_num":1923,"sequence_num":1923,"body":"حديث أَبِي هُرَيْرَةَ هو من أكمل الأحاديث وأطولها، وأما هذا التعليق فلعل المُصنِّفُ ﵀ نقله عن إمام آخر، وكأنه من كلام ابن القيم ولم أتمكن من التحقق من ذلك، أو لم ينقله ابن القيم تعقيباً عَلَى هذا الحديث، وإنما تعقيباً عَلَى اقتصار بعض العلماء عَلَى إثبات الشَّفَاعَة الأخيرة وعدم إتيانهم بأول الحديث، والله أعلم.\r\rثُمَّ يقول المصنف: [فإذا وصلوا إِلَى المحز إنما يذكرون الشَّفَاعَة في عصاة الأمة وإخراجهم من النار] وهذا ليس في هذا الحديث؛ بل هو في الشَّفَاعَة العظمى، ثُمَّ يقول: [وكان مقصود السلف في الاقتصار عَلَى هذا المقدار من الحديث هو الرد الخوارج، ومن تابعهم من المعتزلة] والواقع أن التعميم بالسلف لا ينبغي؛ لأنهم لم يقتصروا عَلَى هذا اللفظ، كما في روايات الصحيحين وغيرها، وإنما قد يكون بعض العلماء الذين أرادو الرد عَلَى الخوارج اقتصروا عَلَى ذلك؛ لكن التعميم لا ينبغي؛ فضلاً عن أن يتعجب من ذلك الفعل؛ لأنه إذا كَانَ المقصود بالسلف هنا علماء الحديث، فليس من عادتهم كلهم اختصار الحديث للرد عَلَى أهل البدع.\r\rوالبُخَارِيّ ﵀ يذكر الحديث مجزأً وقد يختصره بحسب الأبواب وهذه طريقته في صحيحه، لكن الإمام مسلم والإمامأَحْمَد وأبو داود الطيالسي وغيرهم من أصحاب السنن لا يختصرون الحديث بقصد الرد، وإنما يأتون في الغالب بالحديث كاملاً، فإن كَانَ قصده أئمة الحديث فليس بصحيح، وإن كَانَ قصده الأئمة الذين كتبوا في الرد عَلَى أهل البدع فاقتصارهم عليه أيضاً لا يطعن في أهل الحديث أو في عملهم أو ينتقدون من أجله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690798,"book_id":1659,"shamela_page_id":1924,"part":null,"page_num":1924,"sequence_num":1924,"body":"فكان ينبغي للمصنف هنا أن يفصل ذلك فَيَقُولُ: وقد ورد في الصحيحين وغيرهما كاملاً، ولكن بعض الأئمة الرادين يقتصرون عليه، ولم يفعل المُصنِّفُ هذا، بل أتى برواية الصحيحين، ثُمَّ يأتي بعد ذلك بالحديث الذي يظن أنه حديثاً كاملاً، والحق أن الحديث الذي ذكره فيه ضعف، ففيه اضطراب في متنه، بل فيه أيضاً شذوذ كما سنبين ذلك إن شاء الله.\rوأما الرد عَلَى الخوارج والمعتزلة ومن تابعهم من الذين أنكروا خروج أحد من النَّار بعد دخولها: فإنكارهم كاذب والرد عليهم حق وقد فعله السلف والأئمة رضوان الله تَعَالَى عليهم وممن فعل ذلك الإمام البُخَارِيّ ﵀ وكذلك الإمام مسلم كما تدل بذلك تراجم هذه الأحاديث، ثُمَّ قال ﵀: [وقد جَاءَ التصريح بذلك في حديث الصور ولولا خوف الإطالة لسقته بطوله ... ] .\rتحقيق حديث الشفاعة\rأخذ المُصْنِّف ﵀ يذكر الحديث، والحديث ضعيف كما قال الشيخ ناصر: \"ضعيف أخرجه ابن جرير في تفسيره -كما ذكره المصنف- من حديثأَبِي هُرَيْرَةَ مرفوعاً وإسناده ضعيف؛ لأنه من طريق إسماعيل بن رافع المدني عن يزيد بن أبي زياد وكلاهما ضعيف، بسندهما عن رجل من الأنصار وهو مجهول لم يسم.\rوقول الحافظ ابن كثير في تفسيره (١/٢٤٨، ٤/٦٣) : إنه حديث مشهور ... إلخ، لا يستلزم صحته كما لا يخفى عَلَى أهل العلم.\rوالمقصود أن هذا الحديث وأمثاله ليست ثابتة فيما روي في وصف المحشر كاملاً ولكنها مركبة، وقد تكون مركبة من أحاديث صحيحة، وأحاديث ضعيفة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690799,"book_id":1659,"shamela_page_id":1925,"part":null,"page_num":1925,"sequence_num":1925,"body":"فقول المصنف: [لكن من مضمونه أنهم يأتون آدم ثُمَّ نوحاً ثُمَّ إبراهيم ثُمَّ موسى ثُمَّ عيسى، ثُمَّ يأتون رَسُول الله محمداً ﷺ فيذهب -يعني رَسُول الله ﷺ فيسجد تحت العرش في مكان يقال له: الفَحْصُ، فيقول الله تعالى: ما شأنك؟ -وهو أعلم- قال رَسُول الله ﷺ، فأقول: يارب! وعدتني بالشَّفَاعَة فشفعني في خلقك فأقض بينهم] هذا المضمون يتفق مع الحديث الأول، وليس إِلَى هنا أي تعارض، لكن بعد ذلك يأتي ما يدل عَلَى أن متن هذا الحديث يخالف متن الأحاديث الصحيحة.\rيقول: [فيقول ﷾: شفعتك، أنا آتيكم فأقضي بينهم قَالَ: فأرجع فأقف مع الناس، ثُمَّ ذكر انشقاق السماوات، وتنزل الملائكة في الغمام، ثُمَّ يجيء الرب ﷾ لفصل القضاء، والكروبيون والملائكة المقربون يسبحون بأنواع التسبيح، قَالَ: فيضع الله كرسيه حيث يشاء من أرضه] .\r\rومعنى هذا: أن الله ﷾ لم يأت بعد لفصل القضاء عندما سجد الرَّسُول في أول مرة، فيكون عَلَى هذا: أن النَّاس ذهبوا إِلَى آدم، ثُمَّ إِلَى نوح، ثُمَّ إِلَى إبراهيم، ثُمَّ إِلَى موسى، ثُمَّ إِلَى عيسى، ثُمَّ إِلَى مُحَمَّد ﷺ، ثُمَّ ذهب إِلَى تحت العرش، فسجد وخاطبه ربه وقَالَ: أنا الآن سآتي لفصل القضاء، ثُمَّ تنشق ... فإذا كَانَ السجود تحت العرش قبل أن يأتي الله ﷾ لفصل القضاء.\r\rإذاً: فأي مكانٍ يسجد فيه النبي ﷺ أو غيره، فهو ساجد تحت العرش ضرورة، لأن العرش فوق المخلوقات وهو أعظمها أو أكبرها، فلا اختصاص إذاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690800,"book_id":1659,"shamela_page_id":1926,"part":null,"page_num":1926,"sequence_num":1926,"body":"والروايات الصحيحة الثابتة تدل عَلَى أن ذلك إنما يكون بعد أن يأتي الله ﷾ للحساب ولكن لا يفصل بينهم؛ بل كما قال الأنبياء: (إن ربنا غضب في هذا اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله) ، هذا هو الذي يتفق مع الأحاديث الصحيحة، والاضطراب والشذوذ يعرف في قوله: (فإذا أفضى أهل الجنة إِلَى الجنة قالوا: من يشفع لنا إِلَى ربنا فندخل الجنة، وهذه شفاعة أخرى فيقولون: من أحق بذلك من أبيكم آدم ﵇ إنه خلقه بيده ونفخ فيه من روحه وكلمة قبلاً، فيأتون آدم: فيطلبون ذلك إليه وذكر نوحاً ثُمَّ إبراهيم ثُمَّ موسى ثُمَّ عيسى ثُمَّ محمداً ﷺ .\rوهذا اضطراب آخر، فالنَّاس بعد أن يطلبوا من آدم ﵇ أن يشفع لهم الشَّفَاعَة العظمى فيعتذر، ثُمَّ يعتذر نوح، ثُمَّ يعتذر إبراهيم، ثُمَّ يعتذر موسى، ثُمَّ يعتذر عيسى عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين، فلما يعتذروا كلهم يفض الموقف، ولم يبق إلا أن يدخل أهل الجنة الجنة، فكيف يأتون إِلَى آدم من جديد وقد اعتذر من الأصل؟\r\rفالمقتضى -لو كَانَ بغير حديث- أنهم يأتون إِلَى النبي ﷺ وهذا هو الواقع لأنا نجد بعد ذلك أن المُصْنِّف نفسه يذكر أن من الشفاعات شفاعة النبي ﷺ لأهل الجنة أن يدخلوها، فذكر ذلك، والأدلة عليه، فهذا إذاً هو المختص به ﷺ، وهو الأليق: أن النَّاس بعد ذلك يأتون إِلَى النبي ﷺ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690801,"book_id":1659,"shamela_page_id":1927,"part":null,"page_num":1927,"sequence_num":1927,"body":"أما من اعتذر في الأول فكيف يرجعون فيأتونه مرة أخرى، ثُمَّ بعد ذلك يستمر الحديث وكأنه قطعة من الحديث الصحيح الثابت أولاً، فبهذا يتبين لنا أن المُصْنِّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وغفر لنا وله- قد أخطأ فيما أورده من تعليق عَلَى هذا الحديث، وليس وجهة نظره فيما يبدو لنا بمكان من الصواب والله ﵎ أعلم.\r\rقَالَ المُصنِّفُ ﵀:\r[النوع الثاني والثالث من الشَّفَاعَة: شفاعته ﷺ في أقوام قد تساوت حسناتهم وسيئاتهم فيشفع فيهم ليدخلوا الجنة، وفي أقوام آخرين قد أمر بهم إِلَى النَّار أن لا يدخلوها.\rالنوع الرابع: شفاعته ﷺ في رفع درجات من يدخل الجنة فيها فوق ما كَانَ يقتضيه ثواب أعمالهم، وقد وافقت المعتزلة عَلَى هذه الشَّفَاعَة خاصة، وخالفوا فيما عداها من المقامات، مع تواتر الأحاديث فيها.\r\rالنوع الخامس: الشَّفَاعَة في أقوام أن يدخلوا الجنة بغير حساب ويحسن أن يستشهد لهذا النوع بحديث عكاشة بن محصن حين دعا لهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ أن يجعله من السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب، والحديث مخرج في الصحيحين.\r\rالنوع السادس: الشَّفَاعَة في تخفيف العذاب عمن يستحقه، كشفاعته في عمه أبي طالب أن يخفف عنه عذابه، ثُمَّ قالالقرطبي: في التذكرة بعد ذكره هذا النوع: فإن قيل: فقد قال تعالى: فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر:٤٨] قيل له: لا تنفعه في الخروج من النَّار كما تنفع عصاة الموحدين، الذين يخرجون منها ويدخلون الجنة.\r\rالنوع السابع: شفاعته أن يؤذن لجميع المؤمنين في دخول الجنة كما تقدم، وفي صحيح مسلم عنأنس ﵁ أن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (أنا أول شفيع في الجنة) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690802,"book_id":1659,"shamela_page_id":1928,"part":null,"page_num":1928,"sequence_num":1928,"body":"النوع الثامن: شفاعته في أهل الكبائر من أمته ممن دخل النَّار فيخرجون منها، وقد تواترت بهذا النوع الأحاديث، وقد خفي علم ذلك عَلَى الخوارج والمعتزلة فخالفوا في ذلك جهلاً منهم بصحة الأحاديث وعناداً ممن علم ذلك واستمر عَلَى بدعته، وهذه الشَّفَاعَة تشاركه فيها الملائكة والنبيون والمؤمنون أيضاً، وهذه الشَّفَاعَة تتكرر منه ﷺ أربع مرات] اهـ.\rالشرح:\rبعد أن ذكر المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى الشَّفَاعَة الأولى، وهي الشَّفَاعَة العظمى في أن يأتي الرب لفصل القضاء بين الناس، ذكر بعد ذلك بقية الشفاعات.\r\rوأهم ما ينبغي أن نعلمه هنا أن المُصنِّفُ ﵀ ذكر هذه الأنواع للنبي ﷺ، فأصل الكلام هو في حقه ﷺ، لأنه ذكر قول الإمام الطّّحاويّ [والحوض الذي أكرمه الله تَعَالَى به غياثاً لأمته حق] أي: للنبي ﷺ، ثُمَّ قال بعد ذلك: [والشَّفَاعَة التي ادخرها لهم حق كما روي في الأخبار] فكلام الإمام الطّّحاويّ ﵀ هو عن النبي ﷺ فقط.\r\rوالمصنف هنا تبعه في ذلك وذكر هذه الشفاعات الثمان منسوبة إِلَى النبي ﷺ، إلا أنه قال في الشَّفَاعَة الثامنة: [وهذه الشَّفَاعَة يشاركه فيها الملائكة والنبيون والمؤمنون أيضاً] أي: إخراج العصاة من النَّار وإدخالهم الجنة، وهذا الكلام ثابت وصحيح والأدلة عليه ستأتي إن شاء الله ومنه حديث الجهنميين، ولكن قد يفهم من كلام المُصنِّفُ أن هذه الشفاعات خاصة بالنبي ﷺ إلا الشَّفَاعَة الثامنة. فهل هذا صحيح؟\rهل الشفاعات: الثانية والثالثة والرابعة خاصة بالنبي ﷺ أم يشاركه فيها غيره","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690803,"book_id":1659,"shamela_page_id":1929,"part":null,"page_num":1929,"sequence_num":1929,"body":"الواقع أن النوع الأول: -الشَّفَاعَة العظمى- خاصة بالنبي ﷺ ولا مراء في ذلك ولا نزاع فيها بين الأمة؛ لأن الرسل الكرام يتخلون عنها ابتداءً بآدم، وانتهاءً بعيسى عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين.\rأما الشَّفَاعَة الثانية: وهي شفاعته ﷺ في أقوام تساوت حسناتهم وسيئاتهم، فيشفع لهم فيدخلون الجنة.\r\rوالشَّفَاعَة الثالثة: وهي في أقوامٍ رجحت سيئاتهم عَلَى حسناتهم فاستحقوا بذلك دخول النَّار فيشفع رَسُول الله ﷺ فيهم ليدخلوا الجنة ويعاملون كما لو كانت حسناتهم هي الراجحة.\r\rوالشَّفَاعَة الرابعة: وهي شفاعته ﷺ في قوم من أهل الجنة في درجة دنيا من الجنة أن يرفعهم الله ﵎ إِلَى درجة عليا لا تبلغها أعمالهم، ولكن يبلغونها برحمة الله ثُمَّ بشفاعته ﷺ لهم، هذه ثلاثة أنواع.\rوإذا تأملنا في هذه الأنواع لا نجد وجهاً يدل عَلَى أن النبي ﷺ يختص بها دون غيره، وإن كَانَ بعض العلماء ينصون عَلَى ذلك -يعني عند شفاعته ﷺ في أقوام قد تساوت حسناتهم وسيئاتهم أن يدخلوا الجنة- الحقيقة أنه لا يوجد دليل ثابت عَلَى خصوصية النبي ﷺ بذلك، فلا يمنع أن يشفع الشهداء والملائكة والصالحون في هَؤُلاءِ النَّاس من باب الأولى، وذلك إذا كَانَ الأَنْبِيَاء والملائكة والصالحون من المؤمنين، يشفعون فيمن دخل النَّار أن يخرج منها، فأيهما أحق بالشَّفَاعَة؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690804,"book_id":1659,"shamela_page_id":1930,"part":null,"page_num":1930,"sequence_num":1930,"body":"أليس الذي لم يدخل النَّار أولى أن يشفع فيه غير النبي ﷺ؟! ومع هذا فإنه لم يثبت دليلٌ في اختصاص النبي ﷺ وحده بذلك، وقد حصل خلاف بين العلماء الذين نقلوا أو تكلموا في الخصائص، فبعضهم يجعلها من خصائصه ﷺ وبعضهم لا يجعلها.\rوالذي يتبين لنا من عموم الأحاديث أن ذلك ليس خاصاً به ﷺ.\r\rالنوع الخامس: اختصاص النبي ﷺ بها دون غيره\rبعد أن يقول الله ﷾ لمُحَمَّد ﷺ: (يا محمد، ارفع رأسك، سَلْ تُعْطَه، اشْفَعْ تُشفَّعْ، فَأَقُولُ: يا رَبِّ أُمتي أُمتي، يا رَبِّ أُمتي أُمتي، يا رَبِّ أُمتي أُمتي، فيُقَالَ: أَدْخِلْ من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء النَّاس فيما سواه من الأبواب) ، وبهذا يتبين أن هذه الشَّفَاعَة خاصة بالنبي ﷺ؛ لأنها تعد وكأنها جزء من الشَّفَاعَة العظمى، فهذه تختص به ﷺ عَلَى ما يترجح، وذكر المُصْنِّف استشهاداً لها بحديث عكاشة بن محصن ﵁.\r\rالنوع السادس: شفاعته في عمه أبو طالب\rوأما النوع السادس: فشفاعته ﷺ في تخفيف العذاب عمن يستحقه، كشفاعته في عمه أبي طالب أن يخفف عنه عذابه فهذه الشَّفَاعَة خاصة له من جهتين: الأولى: أنه ﷺ هو الذي يشفع، ولا يشفع أحد من النَّاس في قريبه المشرك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690805,"book_id":1659,"shamela_page_id":1931,"part":null,"page_num":1931,"sequence_num":1931,"body":"والجهة الثانية: أنه ليس هناك مشرك يخرج من النَّار بإطلاق ولا يخفف عنه لا بشفاعة شافع ولا برحمة من الله ﵎؛ لأن رحمته تَعَالَى أعظم وأشمل من شفاعة الشافعين كما في حديث الجهنميين، حتى أن إبراهيم الخليل ﵊، يحاول ويريد يَوْمَ القِيَامَةِ أن يدخل أباه الجنة، ولا يدخل النار، فيقول الله ﷾: انظر إِلَى موضع قدمك، فينظر إبراهيم ﵇ إِلَى موضع قدمه، فإذا هو ملطخ بالدماء فعندما ينظر في هذا الدم يقذف بأبيه في النَّار نسأل الله العفو والعافية.\r\rفلم تقبل شفاعة الخليل إبراهيم ﵇ وهو خليل الرحمن في أبيه، ولا يكون ذلك إلا للنبي ﷺ، وهذه الشَّفَاعَة شبيهة بالشَّفَاعَة العظمى في أنها واضحة الاختصاص به ﷺ وحديثأبي طالب هذا رواه الشيخان، ولفظ مسلم: أن العباس بن عبد المطلب أخا أبي طالب سأل النبي ﷺ فقَالَ: يا رَسُول الله! هل نفعت أبا طالب بشيء فإنه كَانَ يحوطك ويحميك؟ يعني: هل من مقابل لتلك الحماية والنصرة للدعوة، بل إن أبا طالب حوصر في الشعب وجعل نفسه مع النبي ﷺ مثل بقية المؤمنين وهو ليس منهم فقَالَ: رَسُول الله ﷺ: (نعم هو في ضحضاح من النَّار ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النَّار) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690806,"book_id":1659,"shamela_page_id":1932,"part":null,"page_num":1932,"sequence_num":1932,"body":"وفي الرواية الأخرى قَالَ: (له شراكان من النَّار يغلي منهما دماغه وهو يظن أنه أكثر أهل النَّار عذاباً) -نسأل الله العفو والعافية- فهو مخفف عنه بالنسبة إِلَى حال جميع الْمُشْرِكِينَ، ومع ذلك يظن من شدة حر النَّار -عافانا الله من حرها- أنه أعظم أهلها عذاباً، فهذه خاصة مستثناة إكراماً للنبي ﷺ، وخصوصية لأبي طالب لما قام به من حماية الدعوة وهذه الشَّفَاعَة مستثناة من قوله تعالى: فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ [المؤمنون:١٠١] .\r\rوبما ورد من النهي عن الاستغفار للمشركين كما قال تعالى: مَا كَانَ َ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى [التوبة:١١٣] فالاستغفار للمشركين، لا يجوز وإنما الذي جاز وورد فقط هو هذه الشَّفَاعَة وَمَا كَانَ َ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْه [التوبة:١١٤] وهذا هو الذي حصل، لكن في يَوْمِ القِيَامَةِ يأخذ الحزن والأسى قلب الخليل ﵇ ويحاول أن يخاطب ربه ﷿ في أبيه.\rوالنبي ﷺ يخاطب ربه في عمه أبي طالب فتكون من الخصوصية له ﷺ ولعمه الذي حمى الدعوة ونصرها وأيدها، إلا أن الله ﷾ لم يوفقه لأن يشهد شهادة الحق عند الموت وفي ذلك حكمة عظيمة وآية بالغة لمن أراد أن يتذكر ولمن أراد أن يتفكر في هذه العبرة، والقصد أن هذه الشَّفَاعَة واضحة أنها من خصوصياته.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690807,"book_id":1659,"shamela_page_id":1933,"part":null,"page_num":1933,"sequence_num":1933,"body":"وأما القوم الذين تساوت حسناتهم وسيئاتهم فهَؤُلاءِ هم -كما فسرهم حبر الأمة عبد الله بن عباس ﵄ أهل الأعراف، فقد قال ﵁: \"أما السابقون بالخيرات فيدخلون الجنة برحمة الله ﵎\"، وهم الذين قال الله تَعَالَى فيهم لمُحَمَّد ﷺ بعد أن قَالَ: أمتي أمتي: (أدخل من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من الجنة) ثُمَّ قَالَ: (وأما المقتصدون -أو أهل الأعراف- من تساوت حسناتهم وسيئاتهم فيدخلون الجنة بشفاعة مُحَمَّد ﷺ وهَؤُلاءِ أهل الأعراف يمكثون عَلَى مكان بين الجنة والنَّار فيها أشجار وماء فيشفع فيهم النبي ﷺ فيدخلون الجنة، وكما أسلفنا سابقاً: أنه لا يمتنع أن يشفع فيهم غير النبي ﷺ.\rثُمَّ قال المصنف: [وفي أقوام آخرين قد أمر بهم إِلَى النَّار ألاَّ يدخلوها] وهذا أيضاً كما سيأتي في حديث الجهنميين ثابت، وحق لمن دخل النَّار أن يخرج منها، فأولى منه ذلك الذي لم يدخلها بعد.\r\rموافقة المعتزلة في الشفاعة في رفع درجات المؤمنين!!\rقَالَ المُصْنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: [وقد وافقت المعتزلة على هذه الشَّفَاعَة خاصة، وخالفوا فيما عداها من المقامات] إن كَانَ يقصد المُصْنِّف رحمه ما عدا الأولى فلا بأس، وإن كَانَ يريد أن هذا عَلَى الإطلاق فنستدرك عليه ونقول: بل وافقوا أيضاً عَلَى الشَّفَاعَة الأولى فيكون الذي وافقت عليه المعتزلة: الشَّفَاعَة الأولى والرابعة\rوالسبب في ذلك: أنهم لا يريدون أن يخالفوا ما أصلوه وقرروه في حق أهل الكبائر والمعاصي، وأنه يجب -والعياذ بالله- عَلَى الله أن يعاقبهم -تعالى الله عن ذلك- فهاتان هما الشفاعتان اللتان وافقت المعتزلة فيها أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690808,"book_id":1659,"shamela_page_id":1934,"part":null,"page_num":1934,"sequence_num":1934,"body":"ثُمَّ قال ﵀: [النوع الخامس: وهي الشَّفَاعَة في أقوام أن يدخلوا الجنة بغير حساب، ويحسن أن يستشهد لهذا النوع بحديث عكاشة بن محصن حين دعا له رَسُول الله أن يجعله الله من السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب] .\r\rوصفة هَؤُلاءِ السبعين ألفاً: أنهم لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون، وهل هم فقط سبعون ألفاً؟ صح أن مع كل واحد منهم سبعون ألفاً وهذا من فضل الله ومن رحمته وكرمه ﷾.\r\rوالنوع السادس: هو ما أشرنا إليه في الشَّفَاعَة الخاصة لأبي طالب، ثُمَّ يقول: قال القرطبي في التذكرة -بعد ذكر هذا النوع- \"فإن قيل: فقد قال تعالى: فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر:٤٨] أي: لا تنفع الْمُشْرِكِينَ والكفار، كما في أول الآيات: فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ [المدثر:٤٠-٤٧] ما حكمهم؟\rقَالَ: فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر:٤٨] فيقول القرطبي ﵀: فإن قيل: فقد قال الله تعالى: فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ قيل له: لا تنفعهم في الخروج من النار، كما تنفع عصاة الموحدين\" فالكفار لا تنفعهم الشَّفَاعَة في أن يخرجوا من النار، وكذلكأبو طالب، لا يخرج من النار، وإنما الشَّفَاعَة في حقه هي في تخفيف العذاب عنه فقط، فالآية إذاً عَلَى عمومها ثُمَّ قَالَ: \"لا تنفعه في الخروج من النَّار كما تنفع عصاة الموحدين الذين يخرجون منها ويدخلون الجنة\".\r\rالنوع السابع: الشفاعة في دخول المؤمنين الجنة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690809,"book_id":1659,"shamela_page_id":1935,"part":null,"page_num":1935,"sequence_num":1935,"body":"هذا النوع السابع من أنواع الشَّفَاعَة وهو: [شفاعته ﷺ أن يؤذن لجميع المؤمنين في دخول الجنة كما تقدم، وفي صحيح مسلم عن أنس ﵁ أن رَسُول الله ﷺ قَالَ: أنا أول شفيع في الجنة] .\rويقول النبي ﷺ: (أنا أول شفيع وأول مشفع) .\r\rهل جبريل أول من يشفع؟\rوهذا الحديث فيه رد عَلَى ما يذكره بعض النَّاس من أن أول الشافعين هو جبريل ﵇، ويستدلون عَلَى ذلك بحديث ضعيف (إن أول من يشفع جبريل) ، لكن هذا الحديث مردود بالأحاديث الصحيحة: (أنا أول شافع وأول مشفع) أو: (أنا أول شفيع في الجنة) ، فأول شفيع وأول مشفع هو النبي ﷺ لا يتقدمه عَلَى ذلك، لا جبريل ولا أحد من الخلق إطلاقاً.\r\rالنوع الثامن: وهو معترك الخلاف\rالأنواع السابقة من أنواع الشَّفَاعَة ليست هي التي جرى فيها الخلاف بين الأمة، وإنما أكثر ما وقع الخلاف والإشكال والتنازع فيه هو في النوع الثامن، وهذا هو المحل الذي ذكر العلماء لأجله موضوع الشَّفَاعَة في كتب العقيدة وكرروا ذلك لأهميته بالنسبة للرد عَلَى أهل البدع، ولا يزال أهل البدع إِلَى اليوم ينكرون هذا النوع، وهو شفاعته ﷺ في أهل الكبائر من أمته ممن دخل النَّار أن يخرجوا منها.\rفالشيعة بجميع أصنافها: الإمامية والجعفرية، والزيدية هم عَلَى منهج المعتزلة واتفقوا في ذلك مع الخوارج على ما بينهم من خلاف، كل هَؤُلاءِ متقدموهم ومعاصروهم إِلَى اليوم ينكرون الشَّفَاعَة لأهل الكبائر وأن الله ﷾ لا يأذن لأحد أن يشفع في أهل الكبائر فيخرجون من النَّار،، قال المصنف: [وقد تواترت بهذا النوع الأحاديث] .\r\rسبب رد هذا النوع من الشفاعة\rوقد خفي علم ذلك عَلَى الخوارج والمعتزلة فخالفوا في ذلك وعلل المُصْنِّف ذلك بأمرين:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690810,"book_id":1659,"shamela_page_id":1936,"part":null,"page_num":1936,"sequence_num":1936,"body":"الأول: جهلاً منهم بصحة الأحاديث، وهذا ينطبق عَلَى بعض من خالف في ذلك حتى بعض السلف من التابعين وغيرهم، قبل أن يتبين لهم وجه الصواب ووجه الحق.\r\rوالوجه الآخر: هو العناد والمكابرة، وقد دار النزاع والنقاش بين المعتزلة وبين أهل السنة منذ القرن الثاني، وتكلم السلف في أمر الشَّفَاعَة ثُمَّ صنفوا فيما بعد مصنفات في إثبات ذلك والرد عليهم، فما بقي للمعتزلة ومن حذا حذوهم إلا العناد نسأل الله العفو والعافية.\rفقالوا: هذا يخالف مقتضى العقل؛ لأن العقل يقتضي ويوجب معاقبة من فعل المعصية، كما يوجب أيضاً إثابة من فعل الطاعة، ومن المعلوم من عموم الآيات والأحاديث أن إدخال المؤمنين الجنة فضل من الله ﷾، فمعاملة الله ﷾ للمؤمنين معاملة الفضل ومعاملة الله ﷾ للمجرمين وللعصاة هي معاملة العدل، وكرم الله ﷾ ورحمته سبقت غضبه، كما ذُكِرَ ذلك في الحديث الصحيح.\rفلهذا لا أحد يحجر عَلَى رحمته ﷾ في أن يخرج العصاة الموحدين وأن يقبل فيهم شفاعة الشافعين، وأما أهل النَّار الذين هم أهلها، أي: الكفار والمُشْرِكُونَ، فهَؤُلاءِ دلت الآيات من كتاب الله ﷿ عَلَى أنهم لا يخرجون منها أبداً ويناسب هذا المقام أن نتعرض للحديث الذي ذكره المُصْنِّف وهو قوله: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) .\rتحقيق حديث: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690811,"book_id":1659,"shamela_page_id":1937,"part":null,"page_num":1937,"sequence_num":1937,"body":"حديث (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) سبق أن قلنا: إن هذا الحديث كل طرقه تقريباً ضعيفة، ولكن بعض العلماء قَالَ: هو بمجموع طرقه يتقوى ويصح، وبعضهم يقول: هو ضعيف، ومن قَالَ: إنه ضعيف، فهو إما أنه لم يجمع طرقه، أو رأى أن طرقه ولو اجتمعت فهي كلها ضعيفة؛ لكن معناه صحيح وحق وهو أنه يشفع لأهل الكبائر من أمته، كما سيذكر المُصْنِّف ﵀ الحديث الصحيح الذي رواه الإمام البُخَارِيّ والذي سوف نتعرض له بإذن الله في ما سيأتي..\rقال المصنف رحمه الله تعالى:\r[ومن أحاديث هذا النوع حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) رواه الإمام أحمد ﵀. وروى البخاري ﵀ في كتاب التوحيد: حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد حدثنامعبد بن هلال العنزي قال: اجتمعنا ناس من أهل البصرة فذهبنا إلى أنس بن مالك وذهبنا معنا بثابت البناني يسأله لنا عن حديث الشفاعة فإذا هو في قصره فوافيناه يصلي الضحى فاستأذنا فأذن لنا وهو قاعد على فراشه فقلنا لثابت: لا تسأله عن شي أول من حديث الشفاعة فقال: يا أبا حمزة هؤلاء إخوانك من أهل البصرة جاؤوك يسألونك عن حديث الشفاعة، فقال: حدثنا محمد ﷺ قال: إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم في بعض فيأتون آدم فيقولون اشفع لنا إلى ربك، فيقول: لست لها ولكن عليكم بإبراهيم فإنه خليل الرحمن.\r\rفيأتون إبراهيم فيقول: لستُ لها؛ ولكن عليكم بموسى فإنه كليم الله فيأتون موسى فيقول: لست لها ولكن عليكم بعيسى، فإنه روح الله وكلمته.\r\rفيأتون عيسى، فيقول: لستُ لها، ولكن عليكم بمحمدز\r\rفيأتوني فأقول: أنا لها فأستأذن على ربي فيؤذن لي ويلهمني محامد أحمده بها لا تحضرني الآن، فأحمده بتلك المحامد، وأخر له ساجداً، فيقال: يا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع لك، واشفع تشفع، وسل تعط.\r\rفأقول: يارب أمتي أمتي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690812,"book_id":1659,"shamela_page_id":1938,"part":null,"page_num":1938,"sequence_num":1938,"body":"فيقال: انطلق فأخرج من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان فأنطلق فأفعل.\r\rثم أعود فأحمدُه بتلك المحامد، ثم أخر له ساجداً.\r\rفيقال: يا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع لك، واشفع تشفع، وسل تعط.\r\rفأقول: يارب أمتي أمتي.\r\rفيقال: انطلق فأخرج من كان في قلبه مثقال ذرة أو خردلة من إيمان فأنطلق فأفعل.\r\rثم أعود فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجداً.\r\rفيقال: يا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعط، واشفع تشفع.\r\rفأقول: يارب أمتي أمتي.\r\rفيقول: انطلق فأخرج من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة خردل من إيمان، فأخرجه من النار، فأنطلق فأفعل.\r\rقال: فلما خرجنا من عند أنس قلت: لو مررنا بالحسن وهو متوارٍ في منزل أبي خليفة وهو جميع فحدثناه بما حدثنا أنس بن مالك فأتيناه فسلمنا عليه فأذن لنا فقلنا له: يا أبا سعيد جئناك من عند أخيك أنس بن مالك فلم نر مثل ما حدثنا في الشفاعة.\r\rفقال: هيه؟\r\rفحدثناه بالحديث فأتينا إلى هذا الموضع.\r\rفقال: هيه؟\rفقلنا: لم يزد لنا على هذا.\r\rفقال: لقد حدثني وهو جميع منذ عشرين سنة، فما أدري أنسي أم كره أن تتكلوا؟\rفقلنا: يا أبا سعيد فحدثنا.\r\rفضحك وقال: خلق الإنسان عجولاً، ما ذكرته إلا وأنا أريد أن أحدثكم حديثي كما حدثكم.\r\rقال: ثم أعود الرابعة، فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجداً، فيقال: يا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع لك وسل تعط واشفع تشفع، فأقول: يارب ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله؟\r\rفيقول: وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال: لا إله إلا الله﴾ .\r\rوهكذا رواه مسلم.\r\rوروى الحافظ أبو يعلى عن عثمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (يشفع يوم القيامة ثلاثة: الأنبياء، ثم العلماء، ثم الشهداء) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690813,"book_id":1659,"shamela_page_id":1939,"part":null,"page_num":1939,"sequence_num":1939,"body":"وفي الصحيح من حديث أبي سعيد ﵁ مرفوعاًقال: فيقول الله تعالى: شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضةً من النار فيخرج منها قوماً لم يعملوا خيراً قط الحديث] اهـ.\rالشرح:\r\rهذا النوع من أنواع الشفاعة هو الذي وقع فيه الخلاف بين أهل السنة وبين أهل الضلال والبدعة، واشتد النزاع بينهم، ولا يزال أهل البدع إلى اليوم ينكرون هذه الشفاعة، ويمارون ويجادلون فيها، رغم ثبوتها بالأحاديث الصحيحة المتواترة، ورغم أن دلالتها على كرم الله تعالى وفضله أعظم مما يُخيل إليهم أن فيها ما ينقص وما يغض من قدر الإلهية، لأن الله ﷾ لا يحسن به -كما يقولون-: إلا أن يعاقب المذنب؛ بل قالوا: يجب عليه ذلك، كما تجرأ على ذلك من تجرأ.\rهذه الشفاعة ليست خاصة بالنبي ﷺ\rهذا النوع من الشَّفَاعَةِ وهو: إخراج أهل الكبائر من النَّار بعد أن دخلوها، ليست خاصة بالنبي ﷺ؛ بل هي أيضاً للملائكة ولعباد الله الصالحين، وفي هذا دليل عَلَى فداحة الخطأ الذي ذهب إليه من أنكرها، وقد سبق أن ذكرنا أن المُصْنِّف ﵀ استدل عَلَى هذا النوع بقوله ﷺ: (شَفَاعَتِي لِأهْلِ الكَبائِرِ مِنْ أُمَّتي) ، والحديث بهذا اللفظ من جهة المعنى لا شك أنه صحيح، لأن الأحاديث في أن الشَّفَاعَة ثابتة لأهل الكبائر كثيرة جداً.\rلكن هذه اللفظة قد تشعر بالاختصاص كأنه يقول: (شَفَاعَتِي لِأهْلِ الكَبائِرِ مِنْ أُمَّتي) وهي ليست كذلك وإن كانت قد تشعر بذلك، فالشَّفَاعَة ليست خاصة بأهل الكبائر بل هي أنواع -كما سبق- وهذا الحديث بهذا اللفظ ضعفه بعض العلماء، وبعضهم مال إِلَى تصحيحه أو تحسينه لكثرة شواهده وطرقه، ومن قال بصحته فهو مصيب لتعدد طرقه من جهة ولصحة معناه وثبوته في الأحاديث الصحيحة المتفق عَلَى صحتها من جهة أخرى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690814,"book_id":1659,"shamela_page_id":1940,"part":null,"page_num":1940,"sequence_num":1940,"body":"قول المُصْنِّف ﵀ هنا: [وهذه الشَّفَاعَةُ تُشاركُه فيها الملائكة والنبيون والمؤمنون أيضاً] ، فلو أخر المُصْنِّف هذه الجملة إِلَى آخر حديث أنس عندما يقول: وروى الحافظ أبو يعلى عن عثمان رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، ثُمَّ يأتي بالأحاديث الأخرى حتى يكون الكلام متصلاً، وقال بعد ذلك: وهذه الشَّفَاعَة تتكرر منه ﷺ أربع مرات.\rكان ينبغي بعد ذلك، أن يذكر رأس حديث أنس الذي وقعت فيه الشَّفَاعَة أربع مرات حتى تُفهم وتكون أحسن في التنسيق والترتيب، أي: بعد أن يقول: (استمر عَلَى بدعته) يقول: [وهذه الشَّفَاعَة تتكرر منه ﷺ أربع مرات] ثُمَّ ينتقل إِلَى حديث البُخَارِيّ، أو نأتي من أحاديث هذا النوع حديث (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) وإن كَانَ تقديم الصحيح المتفق عَلَى صحته أولى، ثُمَّ بعد ذلك يذكر ما فيه احتمال، وبعد أن ينتهي من الحديث يقول: [وهذه الشَّفَاعَةُ يشاركه فيها الملائكة والنبيون والمؤمنون] .\r\rهذه الشفاعة تتكرر منه ﷺ أربع مرات\rوقوله: [وهذه الشَّفَاعَةُ تتكرر منه ﷺ أربع مرات] أي: أن النبي ﷺ يشفع في أهل الكبائر الذين استحقوا دخول النَّار ودخلوها حقيقة أربع مرات فيذهب ويأتي أربع مرات، كما جَاءَ في هذا الحديث، بخلاف الشَّفَاعَة العظمى فإنها مرة واحدة، وكذلك شفاعته عند دخول أهل الجنة الجنة مرة واحدة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690815,"book_id":1659,"shamela_page_id":1941,"part":null,"page_num":1941,"sequence_num":1941,"body":"فهذا الحديث وبهذه الصفة من أعظم الأدلة الدالة عَلَى أن الإيمان يزيد وينقص، وأن النَّاس متفاوتون في الإيمان، ولهذا يذهب النبي ﷺ في المرة الأولى ويأذن له ربه في أن يشفع فيمن في قلبه مثقال شعيرة من إيمان، ثُمَّ ما هو أقل إِلَى الرابعة، فهذه أربع مرات تتكرر منه ﷺ بحسب تفاوت أهل النَّار في أعمالهم، حتى أن آخر من يخرج منها الذي ليس عنده إلا مجرد التوحيد والإقرار لله ﷾ بالوحدانية وللنبي ﷺ بالشهادة، وغلبته الذنوب والمعاصي فيما دون ذلك.\r\rهذا الحديث الذي رواه الإمام البخاري بسنده إلى معبد بن هلال العنزي قال: [اجتمعنا ناس من أهل البصرة فذهبنا إلى أنس بن مالك وذهبنا معنا بثابت البناني] وهذا من خاصة تلاميذأنس.\rوأنس خادم رسول الله ﷺ شرفه الله ﷾ بهذه المهنة العظيمة وهذه المنقبة الجليلة التي يتمناها كل مؤمن يحب رسول الله ﷺ فتشرف بخدمة الرسول ﷺ وقد روى عنه روايات كثيرة، فهو من المكثرين من أصحاب النبي ﷺ رغم صغر سنه، ولكن الله ﷿ أعطاه الفقه وأعطاه الذكاء والفهم واستجاب الله دعوة نبيه عندما دعا له في أن يطيل عمره فأطال عمره، فكان في ذلك منقبة عظيمة وخير عظيم للأمة الإسلامية، النبي ﷺ تزوج أم المؤمنين عائشة وكانت لا تزال فتاة في ريعان الصبا فتوفي عنها ﷺ وهي كذلك فبقيت تحدث الناس عما كان يفعل في حياته ﷺ نحواً من خمسين سنة بعد وفاته عما كان يفعل ﷺ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690816,"book_id":1659,"shamela_page_id":1942,"part":null,"page_num":1942,"sequence_num":1942,"body":"وهذا أنس خادم النبي عاش بعدعائشة ما يقارب الأربعين سنة أو يزيد فكان يحدث الناس عن النبي ﷺ، وكان السلف الصالح حريصين على طلب العلم، فاخذوا ثابت لمكانته من أنس وقالوا: نذهب نزور خادم رسول الله ﷺ وصاحبه ونسأله عن حديث الشفاعة، [فذهبوا إليه، فإذا هو في قصره] أي: في بيته، وكانت تعد لما هم عليه من شظف العيش قصوراً، ولكنها بالنسبة لما كانت عليه قصور كسرى وقيصر وملوك الدنيا لا تساوي شيئاً من ذلك، فكان في منزلة رضى الله عنه [فوافيناه يصلى الضحى فاستأذنا] وفي ذلك دليل على مشروعية صلاة الضحى.\rقال: [فأذن لنا وهو قاعد على فراشه، فقلنا لثابت: لا تسأله عن شيء أول من حديث الشفاعة] أي لا تقدم على حديث الشفاعة شيئاً آخر؛ لأن ذلك كان في آخر عُمْرِ أنس، وفي أيام الحجاج، وكانت الخوارج قد ظهر أمرها وكانت تحارب الحجاج حتى كان لهم دول في جهة فارس وعمان، وكانوا ينكرون الشفاعة، ولهذا ذهبوا يسألوا عن هذه القضية المهمة فيخشون أن يسألثابت عن شيء من الأحكام الأخرى، والباقون ساكتون وهذا من الأدب.\r\rفتقدم ثابت فقال: [يا أبا حمزة هؤلاء إخوانك من أهل البصرة جاؤوك يسألونك عن حديث الشفاعة] بدأ يقدم لهذه الزيارة في هذا الوقت، وأن المقصود بها العلم، وأن هؤلاء ما قصدهم إلا ذلك وكما مر معنا من أن طلق بن حبيب ويزيد الفقبر وهما من مشاهير التابعين يقولطلق: \" كنت أرى رأي الخوارج وكنت أنكر حديث الشفاعة حتى ذهبت إلى جابر \"، وبعضهم ذهب إلى أنس وبعضهم ذهب إلى غيره من أصحاب النبي ﷺ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690817,"book_id":1659,"shamela_page_id":1943,"part":null,"page_num":1943,"sequence_num":1943,"body":"فهذه القضية كانت رائجة، خاصة في البصرة والكوفة لأنها موطن الخوارج. وكانوا يقولون: كيف يفعل الكبيرة، ثم يغفر له، أو يُشفع فيه، فهذه شبهة روجها الخوارج، فلاقت آذانا عند بعض الناس ولكن شفاء العي السؤال، وشفاء الجهل العلم، فإذا سمع الإنسان بأمر وأشكل عليه، فلا يجتهد بآرائه الشخصية، ويقول: هذا حلال وهذا حرام وهذه بدعة وهذه سنة ولكن الله يقول: فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:٤٣] فذهبوا ليأخذوا العلم من أهله، فقال أنس ﵁ حدثنا محمد ﷺ قال: [إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم في بعض] من الهول والكرب [فيأتون آدم فيقولون: اشفع لنا إلى ربك، فيقول: لستُ لها ولكن عليكم بإبراهيم فإنه خليل الرحمن] ولم يذكر نوح لكن في الأحاديث الأخرى ذكر نوحاً ﵇ وهذا هو الراجح، فهو إما سقط، وإما خطأ من الحفاظ [فيأتون إبراهيم فيقول: لستُ لها ولكن عليكم بموسى فإنه كليم الله، فيأتون موسى فيقول: لست لها، ولكن عليكم بعيسى فإنه روح الله وكلمته]\r\rفنحن نشهد أن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، كما أخبر بذلك النبي ﷺ في حديث عبادة بن الصامت رضى الله عنه المتفق عليه (فمن شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبد الله ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح، منه وأن الجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل) .\rمعنى قوله: (روح الله وكلمته)\rقوله: [فإنه رُوحُ الله وكَلِمَتُهُ] إضافة الروح إِلَى الله ﷾ هنا لأنها متفردة ومتميزة عن غيرها، والإضافة إِلَى الله ﷾ عَلَى نوعين:\rإما أن يُضاف إِلَى الله تَعَالَى معنىً من المعاني.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690818,"book_id":1659,"shamela_page_id":1944,"part":null,"page_num":1944,"sequence_num":1944,"body":"وإما أن يُضاف إليه ذوات وأعيان، فإذا أضيف إِلَى الله تَعَالَى معاني، مثل: \"علم الله، وعزة الله، وحكمة الله، ورحمة الله\" فهذه المعاني لا تقوم بذاتها وليست أعياناً وذواتاً مستقلة، فإذا أضيفت إِلَى الله تعالى، فإنها تكون صفاتاً لله ﷿.\rفإذا أضفنا إِلَى الله ﵎ ذوات وأعيان مخلوقة، فإنها تكون عَلَى نوعين: نوع منها خاص، ونوع آخر عام يشترك فيه كل من أضيف إِلَى الله ﷾.\rفمثال العام: السماء والجبال والأرض تكون سماء الله، وأرض الله، وجبل الله وغيرها كثير؛ لأن الله ﷾ هو الذي خلقها.\r\rوأما إذا أضيف إِلَى الله ﵎ الذات أو العين بالمعنى الخاص، مثل الناقة: إذا لقيتُ أنا ناقةً في الصحراء قلتُ: هذه ناقة الله. هذا المعنى العام ناقة الله، بمعنى: مخلوقه، خلقها الله، لكن نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا التي قالها الله ﷾ عَلَى لسان نبيه صالح هذه ناقة خاصة، لأن فيه اختصاص، فمن العبادة ما لا تفعل عند غيره فهي تطلق بالمعنيين وروح كل إنسان يُقال لها: روح الله، أي: المخلوقة لله، لكن: عيسى ﵇ روح الله فيه اختصاص.\r\rووجه الاختصاص: أن عيسى خلق من أم بلا أب فهذه ميزة يختلف بها عن جميع الأرواح، حيث أوكل بها الروح الأمين فنفخها إِلَى الموضع الذي يخلق الله ﷾ فيه الأجنة، ثُمَّ وضعته أمه مريم ﵍. وقوله: [وكَلِمَتُهُ] : أي أنه وجد بكلمة \"كن\"، وهذه أيضاً فيها اختصاص؛ لأن عيسى كَانَ بهذه الكلمة من غير أبٍّ، كما قال تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران:٥٩] وقوله: [فَيَأْتُونَ عيسى فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، ولَكِنْ عَلَيْكُم بمحمد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690819,"book_id":1659,"shamela_page_id":1945,"part":null,"page_num":1945,"sequence_num":1945,"body":"فَيَأْتُونِي فأقول: أَنَا لَهَا، فَأَستأذِنُ عَلَى ربِّي، فَيُؤذَن لِي، ويُلهِمُني مَحَامِد أَحْمَدُهُ بها لا تَحْضُرُنِي الآنَ] ، فالإِنسَان إذا أخلص وتضرع إِلَى الله وأثنى عليه، فإن ذلك أرجى بقبول الدعاء.\r\rسجود النبي ﷺ لربه تحت العرش\rثُمَّ يقول: [فَأَحْمدُهُ بِتَلْكَ المَحَامِدِ وأَخِرُّ له ساجداً، فيُقَالُ: يا مُحَمَّدُ، ارفَعْ رَأَسْكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ واشفَعْ تُشْفَّعْ وَسَلْ تُعْطَ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي، فيُقَالُ: انطلِقْ فَأَخرِجْ مَنْ كَانَ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ شَعِيرةٍ مِنْ إيمانٍ، فَأنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ] هَؤُلاءِ أصحاب الصنف الأول، وهذا بعد أن يدخل الله ﷾ أهلُ النَّارِ النارَ ويَدخلُ مَعَ أهلِ النَّارِ العصاة من الموحدين.\rفيقول الله ﷾: [انطلِقْ فَأَخرِجْ مَنْ كَانَ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ شَعِيرةٍ مِنْ إيمانٍ، فَأنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ] أي: ما كَانَ فوق مثقال الشعيرة هذا أولى أن يخرج، فهذا هو الحد الأدنى، [فَأنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ، ثُمَّ أَعُودُ فَأَحْمدُهُ بِتَلْكَ المَحَامِدِ] يعود فيحمد ربه، هذه المرة الثانية [ثُمَّ أَخِرُّ له ساجداً، فيُقَالُ: يا مُحَمَّدُ، ارفَعْ رَأَسْكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ واشفَعْ تُشْفَّعْ وَسَلْ تُعْطَ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي] ، هذا دليل شفقته ﷺ ورحمته بأمته وهذه هي التي ادخرها واختبأها كما ورد ذلك في حديث حسن له طرق أن النبي ﷺ قَالَ: (لكل نبي دعوة مستجابة)","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690820,"book_id":1659,"shamela_page_id":1946,"part":null,"page_num":1946,"sequence_num":1946,"body":"قَالَ: [فَأنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ، ثُمَّ أَعُودُ فَأَحْمدُهُ بِتَلْكَ المَحَامِدِ] ، وهو لا يزال يأمل من ربه الخير والكرم وهو أعلم وأعرف النَّاس بربه -عزوجل- وبكرمه وبسعة رحمته ﷾ فيعود للمرة الثالثة فَيَقُولُ: [ثُمَّ أَخِرُّ له ساجداً، فيُقَالُ: يا مُحَمَّدُ، ارفَعْ رَأَسْكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ واشفَعْ تُشْفَّعْ وَسَلْ تُعْطَ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي، فيُقَالُ: مِثْقَالُ أدنى أدنى أدنى مِثْقَالِ حَبَّة خَرْدَلٍ مِنْ إيمانٍ، فَأَخْرِجْهُ مِنْ النَّارِ، فَأنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ] ، وفي رواية أخرى أيضاً في الصحيح (أدنى أدنى مثقال حبة من خردل، فأنطلق فأفعل) فيخرجهم النبي ﷺ فيكون قد فعل ذلك ثلاث مرات.\r\rفهنا توقف أنس في حديثه لمعبد وزملائه، قال معبد: فلما خرجنا من عند أنس قلتُ لبعض أصحابنا: لو مررنا بالحسن وهو متوارٍ في منزل أبي خليفة، أي: متوارٍ من أصل الفتنة التي كانت في أيامالحجاج وكان يقبض عَلَى العلماء ويعذبهم ويقتلهم كما قتلسعيد بن جبير وغيره.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690821,"book_id":1659,"shamela_page_id":1947,"part":null,"page_num":1947,"sequence_num":1947,"body":"فقَالَ: [لو مررنا عليه] كَانَ في قلب ثابت شيء لم يفصح عنه أمام إخوانه قَالَ: [فحدثناه بما حدثنا به أنس بن مالك فأتيناه فسلمنا عليه فأذن لنا فقلنا له: يا أبا سعيد جئناك من عند أخيك أنس بن مالك فلم نر مثلما حدثنا في الشَّفَاعَة، فقَالَ: هيه] أي: هاتوا وأعطوني [فحدثناه بالحديث فانتهى إِلَى هذا الموضع] إِلَى الثلاث الشفاعات التي انتهى إليها الحديث، [فقَالَ: هيه] أي: وماذا بعد ذلك، قالوا: [فقلنا: لم يزد لنا عَلَى هذا قَالَ: لقد حدثني وهو جميع، أي: وهو شاب منذ عشرين سنه، فلا أدري أنسي أم كره أن تتكلوا] وهذا من الأدب فلم يقل هذا غلط، وإنما قَالَ: [فلا أدري أنسي] وهذا يمكن أن يقع من البشر حتى من الصحابة الكرام. [فقلنا: يا أبا سعيد فحدثنا، فضحك] من هذه العجلة ومن هذه السرعة في الطلب [وقَالَ: خلق الإِنسَان عجولاً] وهذا هو حال الإِنسَان، قَالَ: [ما ذكرته إلا وأنا أريد أن أحدثكم، حدثني كما حدثكم به] أي: القدر الأول الذي رويتموه عنه في الثلاث الشفاعات الأولى حدثني إياه كما نقلتم.\r\rقَالَ: [ثُمَّ أَعُودُ الرَّابِعَةَ] أي: يعود النبي ﷺ في المرة الرابعة إِلَى ربه عزوجل [فَأَحْمدُهُ بِتَلْكَ المَحَامِدِ ثُمَّ أَخِرُّ له ساجداً، فيُقَالُ:: يا مُحَمَّدُ، ارفَعْ رَأَسْكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ وَسَلْ تُعْطَه واشفَعْ تُشْفَّعْ، فأقول: يَارَبِّ ائْذَنْ لي فيمَنْ قَالَ: لا إله إلا اللهُ، فَيَقُولُ: وَعِزّتي وَجَلالي وَكِبْريائي وَعَظَمَتي لأُخْرِجَنَّ مِنْهَا مَنْ قَالَ:: لا إله إلا الله] وهذا يدل عَلَى عظمة وأهمية فضل التوحيد، فيأذن له الله ﷾ فيخرج جميع الموحدين الذين شهدوا لله ﷾ بالوحدانية ولنبيه ﷺ بالرسالة.\r\rالمحرومون من الشفاعة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690822,"book_id":1659,"shamela_page_id":1948,"part":null,"page_num":1948,"sequence_num":1948,"body":"وبعد أن يخرجوا من النَّار لا يبقى فيها بعد ذلك إلا من حبسه القرآن، وهم المُشْرِكُونَ، كما في الروايات الأخرى الصحيحة، وهم المُشْرِكُونَ، كما قال الله تعالى: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [المائدة:٧٢] .\rفالشرك هنا هو المانع والحابس الذي يحبس والذي يمنع الإِنسَان من الخروج من النار، وكذلك المنافقون النفاق الأكبر قال الله: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [النساء:١٤٥] وهَؤُلاءِ كذلك محرومون ومحجوبون عن شفاعة النبي ﷺ كما قال الله له في الدنيا إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [التوبة:٨٠] فما بالكم بيَوْمَ القِيَامَةِ، فهَؤُلاءِ الذين ارتكبوا الكفر الأكبر والنفاق الأكبر وسائر نواقض الإسلام المعروفة محرومون من الشَّفَاعَة، ولهذا فإن أول وأعظم ما يجب أن ندعو إليه النَّاس هو ما دعى النبي ﷺ والأنبياء قبله وهو: توحيد الله ﷾ هذا هو أساس النجاة في الدنيا والآخرة، وما بعد ذلك فهو تبعٌ وفرعٌ له وشعبٌة من شعبه، ثُمَّ نقول بعد ذلك: وهذه الشفاعة يشاركه فيه الملائكة والنبيون والمؤمنون، والدليل عَلَى ذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690823,"book_id":1659,"shamela_page_id":1949,"part":null,"page_num":1949,"sequence_num":1949,"body":"قَالَ: [روى الحافظأبو يعلى عنعثمان ﵁ قَالَ: قال رَسُول الله ﷺ: (يَشْفَعُ يَوْمَ القِيَامَةِ ثَلاثَةٌ: الأنبِيَاءُ، ثُمَّ َ العُلَمَاءُ، ثُمَّ َ الشُّهَدَاءُ) وهذا الحديث استدل به المُصْنِّف وهو حديث ضعيف؛ بل في سنده وضّاع فهو مما لا يحتج به بهذا اللفظ، ولكن المعنى صحيح فلذلك كَانَ ينبغي للمصنف ﵀ أن يقدم الصحيح الذي بعده، وهو يغني عن ما ذكره الحافظ أبو يعلى وغيره، وقوله: [وفي الصحيح من حديثأبي سعيد رضى الله عنه مرفوعاً قَالَ: فيقول الله تعالى: شَفَعَتِ الملائكة، وشَفَعَ النَّبِيُّونَ، وشَفَعَ المُؤمِنُونَ، وَلَمْ يَبْقَ إلا أرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْمَاً لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرَاً قَطُّ] ، هذه رواية مسلم.\r\rوفي رواية عند البُخَارِيّ في كتاب التوحيد يقول: (فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون فيقول الجبار: بقيت شفاعتي فيقبض قبضةً من النَّار) فهذا الحديث متفق عليه، فإذاً يشفع النبيون والملائكة والمؤمنون ثُمَّ بعد ذلك كما في مسلم قَالَ: (فيتحنن الله ﵎ عَلَى من يشاء فيخرج منها أقواماً لم يعملوا خيراً قط) .\r\rمعنى قوله: (لم يعملوا خيراً قط)\rقوله: [فيخرج منها أقواماً لم يعلموا خيراً قط] معنى وذلك: أنهم عملوا حسنات ولكن أكلتها السيئات، حتى لا يأتي أحد فَيَقُولُ: تارك الصلاة يدخل في الشَّفَاعَة ولم يعمل خيراً قط، فالقضية ليست هكذا، لأن في رواية البُخَارِيّ: (الشفعاء يعرفون المشفوع لهم بآثار السجود) كما قال ﷺ: (كل ابن آدم تأكله النَّار إلا أثر السجود) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690824,"book_id":1659,"shamela_page_id":1950,"part":null,"page_num":1950,"sequence_num":1950,"body":"فقد يأتي أناس ولا يرون فيه العلامة، وهو ليس بتارك للصلاة، لكن صلّى صلاه وجودها كعدمها، فالنبي ﷺ عندما قال للمسيئ صلاته: (ارجع فصل فإنك لم تصلِ) ، فهذا ليس من أهل الصلاة في الحقيقة، ولأنه لا يُرى لها أثراً في نفس الوقت، وهو ليس تاركاً للصلاة؛ لأنه أدى شيئاً وليس مثل الذي لم يؤدِها بالكلية، والله تَعَالَى لا يظلم أحداً شيئاً كما قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا [النساء:٤٠] .\r\rومثل هذه الحالة، حال الذين في آخر الزمان إذا اندرس الإسلام، فلم يبق إلا اسمه ولم يبق من الدين إلا رسمه، فيأتي القوم الذين لا يدرون ما صلاة، ولا صيام ولا نسك، ولكن يقول الرجل منهم أو المرأة: أدركنا آباءنا يقولون: لا إله إلا الله فنحن نقولها -فهذا الزمان زمان شر- فهو لم يسمع إلا هذه الكلمة ففالها، أفيظلمهم الله عزوجل ويجعلهم مع الذين لم يقولوها؟! إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ.\r\rومثل هَؤُلاءِ: الرجل الذي قتل تسعاً وتسعين وكمّل المائة بالعابد، فلما اختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، قالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيراً قط -وهو كذلك لم يعمل؛ لكنه نوى أن يعمل الخير- فتقول ملائكة الرحمة: إنه جَاءَ تائباً مقبلاً عَلَى الله عزوجل، فكلمة: [لم يعمل خيراً قط] لانفهمها عَلَى أنه لم يعمل أي حسنة بإطلاق، وكان تاركاً للصلاة عَلَى علم، والقرآن موجود والمساجد يؤذَّن فيها، وهو لا يصلي ولا يقرأ القرآن، وهذا حتى لا يفهم بعض النَّاس أن ذلك يعارض ما ورد في تكفير تارك الصلاة.\r\rأسبابُ استحقاقِِ الشَّفَاعَةِ.\rتحقيق التوحيد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690825,"book_id":1659,"shamela_page_id":1951,"part":null,"page_num":1951,"sequence_num":1951,"body":"يتحقيق توحيد العبد لله تَعَالَى بالإخلاص له وإفراده بالعبادة، هذا هو أول الأسباب التي يتوسل بها العبد إِلَى ربه ﷾ في أن يشفع فيه نبيه مُحَمَّد ﷺ فيدخل الجنة بغير حساب ولا عذاب، وهذا من فضل الله ﵎ عَلَى هذه الأمة، ومن عظيم منته عليها وعلى رسوله ﷺ.\rفيختص الله من حقق التوحيد من هذه الأمة بهذه الأفضلية وبهذه الأسبقية وهم السبعون ألفاً الذين حققوا التوحيد، وهم: (الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون) وقد ورد بطرق حسنة: (إن مع كل ألف سبعون ألفاً) بل ورد أيضاً من طريق حسن (أن مع كل واحد من السبعين ألفاً سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب) فهَؤُلاءِ السبعون ألفاً هم الخلاصة، وهم أول من يدخل الجنة من هذه الأمة، وهم أفضلها، ثُمَّ يلحق الله ﷾ مع الواحد منهم سبعون ألفاً فضلاً وكرماً من الله ﵎ ثُمَّ بعد ذلك يدخل النَّاس من هذه الأمة ومن غيرها فيشتركون في أبواب الجنة الباقية.\r\rولهذا تعرف جناية أعداء التوحيد الذين يريدون أن يبطلوا هذا الاستحقاق وذلك بدعوة النَّاس إِلَى فساد العقيدة بالأقوال الباطلة التي تدعو الْمُسْلِمِينَ إِلَى التعلق بذوات المخلوقين من الأَنْبِيَاء والصالحين، والتعلق بآثارهم والتوسل بها -كما يزعمون- وترك التوسل الحقيقي الذي أعظمه ورأسه توحيد الله ﷾.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690826,"book_id":1659,"shamela_page_id":1952,"part":null,"page_num":1952,"sequence_num":1952,"body":"فهَؤُلاءِ الذين يربطون الْمُسْلِمِينَ بالأموات الغابرين الذين لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً هم أكبر الجناة عَلَى هذه الأمة؛ لأنهم يفسدون عليهم أعظم وأرجى ما عندها، وهو تحقيق التوحيد لله ﷾ فمن حقق التوحيد نال هذه الشَّفَاعَة، ومن لم يحققه فإنه يهلك هلاكاً يحرمه من الشَّفَاعَة كما قال الله تعالى: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ [المائدة:٧٢] ، فهذا هو أول الأعمال وأعلاها وأفضلها وأرجاها، وهو الذي يجب علينا جميعاً أن نحققه قولاً وعملاً واعتقاداً، وأن ندعو إليه، وأن يكون هو أساس دعوتنا، كما كَانَ أساس دعوات الأَنْبِيَاء صلوات الله وسلامه عليهم فلا يعبد ولا يطاع إلا الله، ولا يقدم بين يدي الله ورسوله، ولا يرتفع صوت فوق صوت رَسُول الله ﷺ فهذا هو تحقيق التوحيد وتحقيق الإيمان.\r\rقراءة القرآن\rوالعمل الثاني الذي ينال صاحبه به الشَّفَاعَة هو:\rقراءة القُرْآن كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (اقرءوا القُرْآن فإنه يأتي يَوْمَ القِيَامَةِ شفيعاً لأصحابه) ، ولو تأملنا حال هذه الأمة مع كتاب الله ﷾ ومع هذا الذكر الحكيم والنور المبين لرأينا الهجر الواضح الجلي لكتاب الله ﷾ كما قال تعالى: وَقَالَ الرَّسُول ولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا القُرْآن آنَ مَهْجُوراً [الفرقان:٣٠] ، وكذلك هجرنا العمل به فنرى من يقرأ القرآن بدلاً من أن نراه محققاً لمقتضى ذلك من الخوف من الله ورجاء الدار الآخرة، والرغبة عن هذه الحياة الدنيا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690827,"book_id":1659,"shamela_page_id":1953,"part":null,"page_num":1953,"sequence_num":1953,"body":"بل الواقع المشاهد هو الحرص والجشع والتنافس والتكاثر في هذه الحياة الدنيا، فهذا من أعظم ما هجر من القرآن، وكذلك هجرنا أحكامه فلم نُحل حلاله ولم نُحرم حرامه إلا من ﵀.\r\rفأصبحنا نرى أن الأحكام التي تحكم حياة الْمُسْلِمِينَ في الغالب هي الأحكام الوضعية، وكذلك الذي يحكم أعرافهم وآدابهم الاجتماعية هو ما نقل عن الغرب من آداب وعادات وتقاليد وليست هي أحكام القُرْآن وآدابه، وهذا من الهجر الذي فعلته الأمة، ولهذا استحقت هذه الأمة ما نزل بها من الذل والهوان.\r\rفكيف نتوقع لمن يأتي يَوْمَ القِيَامَةِ ورَسُول الله ﷺ يشكوه إِلَى ربه ويقول: وَقَالَ الرَّسُول ولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا القُرْآن آنَ مَهْجُوراً كيف ينال الشَّفَاعَة من هذه حالته؟ ولو نظرنا إِلَى حياتنا اليوم، أين نَحْنُ من هذا العمل؟ وأين من يتلو كتاب الله ﷿ أناء الليل وأناء النهار في البيوت؟! لقد استبدلت بما يسمع من قرآن الشيطان وهو هذه المعازف والمزامير واللهو واللعب في كل بيت وفي كل سيارة وفي كل وقت من أناء الليل وأناء النهار إلا ما شاء الله، أما القُرْآن فلا يتلوه ولا يقرءوه -ولا سيما في البيوت- إلا القلة الذين وفقهم الله ﷾ لذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690828,"book_id":1659,"shamela_page_id":1954,"part":null,"page_num":1954,"sequence_num":1954,"body":"أما أكثر الْمُسْلِمِينَ فهم عنه غافلون وكثير من الْمُسْلِمِينَ لا يهمه أنه قرأ القُرْآن أو لم يقرأه، فحال الشيطان بينه وبين مصدر النور والهدى والحق والطمأنينة والتقوى واليقين والإيمان، ولهذا أصبحنا أمة ضائعة لا مكان لها في الدنيا بين الأمم ونخشى أن لا يكون لها عند الله تَعَالَى يَوْمَ القِيَامَةِ مكان أيضاً بين المرحومين وبين المشفوعين لهم، ولو قارنا بين الأشرطة الخبيثة من أفلام الفيديو وما أشبهها في البيوت أو في محلات البيع بالمصاحف من حيث الكم والعدد، ومن حيث إقبال النَّاس عَلَى هذا وعلى تلك، فسنجد الفرق واضحاً.\rوالنبي ﷺ يقول في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أَحْمَد ومسلم رحمهما الله تعالى: (اقرءوا القُرْآن فإنه يأتي يَوْمَ القِيَامَةِ شفيعاً لأصحابه) ، ثُمَّ خص من القُرْآن تلك السورتين العظيمتين البقرة وآل عمران، ثُمَّ خص سورة البقرة بالذات وهي مشتملة عَلَى آية الكرسي التي هي أعظم آية في كتاب الله وأواخرها أيضاً من أعظم ما نزل في كتاب الله ﷿.\rوكان النبي ﷺ يفاضل بين الصحابة بالقرآن، وكان معيار المفاضلة بين النَّاس هو القُرْآن فأكثر النَّاس حفظاً للقرآن هو أجدر بأن يولى قيادة الجيش، وهو أجدر بأن يقدم حتى عند الدفن، هذه هي الأمة القرآنية حقاً، ولهذا فضلها الله ﷾ عَلَى العالمين وأثنى عليها في الذكر المبين ونصرها وأورثها الدنيا شرقاً وغرباً لما كَانَ معيار التفاضل فيها هو القُرْآن وكان مرجعها في كل أمرها هو القُرْآن مع السنة التي هي شارحة ومبينة ومفسرة.\r\rالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690829,"book_id":1659,"shamela_page_id":1955,"part":null,"page_num":1955,"sequence_num":1955,"body":"الصلاة عَلَى النبي ﷺ فيقول النبي ﷺ: من قال حين يسمع النداء (اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته حلت له شفاعتي يَوْمَ القِيَامَةِ) فما أيسر وما أسهل هذا العمل وما أعظم بركته وثمرته عند الله.\rالإِنسَان يسمع النداء، الذي يهز الأعماق، ويهز الأسماع ويدقها، في كل يوم خمس مرات الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلاّ الله، أشهد أن لا إله إلا الله هذه الشهادة العظيمة الركن الأول من أركان الإسلام.\r\rأشهد أن محمداً رَسُول الله، أشهد أن محمداً رَسُول الله، ثُمَّ الدعوة إِلَى الصلاة وإلى الفلاح، ثُمَّ إعادة تكبير الله ﷿ وتعظيمه فوق كل عظيم، والشهادة له أيضاً بالوحدانية لا إله إلا الله، يقول العبد المسلم مثل ما يقول المؤذن، وإنما استثنى أن نقول إذا قَالَ: حي عَلَى الصلاة حي عَلَى الفلاح: \"لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم\".\r\rثُمَّ بعد ذلك نصلي عَلَى النبي ﷺ ونسأل الله له الوسيلة والدرجة العظيمة التي ليست إلا لرجل واحد هو مُحَمَّد ﷺ فمن قال ذلك حلت له شفاعته ﷺ، فليس في هذا العمل مشقة ولا صعوبة؛ ولكن الشيطان يحرص عَلَى أن يشغلنا عن هذا الذكر العظيم، ليحرمنا من الشَّفَاعَة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690830,"book_id":1659,"shamela_page_id":1956,"part":null,"page_num":1956,"sequence_num":1956,"body":"وكم يحرص قطاع الطريق إِلَى الله ﷾ من دعاة الشرك والضلال عَلَى حرماننا منه قيقولون: إن كنتم تريدون شفاعة النبي ﷺ ومحبته فهاكم هذه الصلوات، وكم من الأيام تقرأ أنواعاً وألواناً من الصلوات البدعية التي يفتعلها أصحابها ويكتبونها من عند أنفسهم ظانين أنها تقربهم إِلَى الله، وأن هذا دليل وعلامة محبتهم لرَسُول الله ﷺ.\r\rوهذا من تلبيس الشيطان عليهم ليصرفهم من الدعاء الوارد الذي يستحق صاحبه هذا الفضل العظيم إِلَى تلك البدع التي قال فيها النبي ﷺ: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) فالبدعة مردودة غير مقبولة وصاحبها مأزور غير مأجور فهذا مما يوجب علينا مزيداً من الحرص عَلَى الاتباع وعدم الابتداع، وأن نعرف خطر هَؤُلاءِ قطاع الطريق إِلَى الله ﷾.\r\rسكنى المدينة\rمن الأعمال التي صحت الأحاديث في أن صاحبها ينال بها شفاعته ﷺ هي:\rسكنى المدينة والموت فيها، هذا البلد العظيم مهاجر رَسُول الله ﷺ الذي انبثقت منه أنوار التوحيد والهدى، وأسست فيه دولة الإسلام الأولى.\r\rوما زالت المدينة المنورة ولله الحمد تشع بالنور والخير في سائر العصور، ولم ينقطع منها الخير ولن ينقطع بإذن الله ﵎ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وهذا كما روى الإمام مسلم عن أبي سعيد الخدري وابن عمر وأَبِي هُرَيْرَةَ يقول النبي ﷺ: (لا يصبر أحد عَلَى لأواء المدينة فيموت إلا كنت له شفيعاً أو شهيداً يَوْمَ القِيَامَةِ) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690831,"book_id":1659,"shamela_page_id":1957,"part":null,"page_num":1957,"sequence_num":1957,"body":"واللأواء هي: الشدة والمرض والنصب الذي قد يصيب ساكن المدينة، وقد أصيب الصحابة الكرام بها، ومنهم: أبُو بَكْرٍ وبلال وغيرهم بهذه اللأواء أول ما سكنوها، ودعا النبي ﷺ بأن يبارك الله في المدينة وأن يبارك في مدها وصاعها وأن تنقل حماها إِلَى الجحفة، وأيضاً أصيب عدد من الناس، وكذلك الأعرابي الذي جاءه النبي ﷺ وزاره وقال له: طهور، فقَالَ: بل حمَّى تفور ... إلى آخر ما صدع به، فَقَالَ له النبي ﷺ: فكذلك إذاً، وهذا كَانَ مما يعيق هجرة المهاجرين إلا من كَانَ فيهم قوي الإيمان ثابت العزيمة.\r\rأن يصلى عليه جمع من المسلمين\rومن الأعمال التي تكون سبباً لحصول الشفاعة لصاحبها يوم القيامة:\rأن يصلي عليه جمع من الْمُسْلِمِينَ، وقد ثبت ذلك عن النبي ﷺ كما في صحيح مسلم عن عَائِِِشَةَ وأنس وابن عباس أنه قال: (ما من ميت يصلى عليه أمة من الْمُسْلِمِينَ يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه) هذه الرواية \"مائة\" وفي رواية ابن عباس وحده \"أربعون\".\r\rولو أخذنا بالرواية الأكثر فنقول: إن من صلى عليه مائة من الْمُسْلِمِينَ المؤمنين الموحدين فإنهم يشفعون فيه فيغفر الله ﵎ له بشفاعتهم، وهذا يدلنا عَلَى فضل صلاة الجنازة وعلى أن العبد المسلم -ينتفع بإذن الله- بدعاء إخوانه له وبصلاتهم عليه، كما قال النبي ﷺ: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) ، فلهذا كَانَ من أفضل الأعمال ومن خيرها، ومن حق المسلم عَلَى المسلم أن يشيع جنازته وأن يصلى عليه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690832,"book_id":1659,"shamela_page_id":1958,"part":null,"page_num":1958,"sequence_num":1958,"body":"وهذا من فضل التعاون عَلَى البر والتقوى، ومن فضل قيام الْمُسْلِمِينَ كل منهم بحق أخيه عليه، وما أكثر ما ضيعت حقوق الْمُسْلِمِينَ بعضهم عَلَى بعض، فالجار لا يقوم بحق جاره، والزوج لا يقوم بحق زوجته، والأخ لا يقوم بحق أخيه، والابن لا يقوم بحق أبيه، وهكذا إلا ما رحم الله ﷾ وقليل ما هم.\r\rهذه الأعمال تشمل جميع الأعمال\rلو تأملنا الأعمال السابقة لوجدنا أنه قد نبه عليها لعظمها، ولأنها تشمل جميع الأعمال في الحقيقة؛ فتحقيق التوحيد يشمل كل الأعمال لأنه لا يحقق التوحيد تحقيقاً كاملاً إلا من اجتنب الكبائر، ولهذا كَانَ بعض السلف يسمي الذنوب جميعاً شركاً، ويقول: ما عصى الله ﷾ أحدٌ إلا وقد اتبع هواه، وهذا نوع دقيق من الشرك، فهو عبودية القلب لغير الله ﷾ باتباع الهوى، فهذا وإن كَانَ لا يسمى شركاً في الاصطلاح ولا يترتب عليه أحكام الشرك لكنه نوع دقيق من الشرك.\rومن حقق التوحيد، أي: من كَانَ قلبه متمسكاً بالتوحيد، والإخلاص لله ﷾ رجاءً وخوفاً وإنابةً ورغبةً ورهبةً وتوكلاً وإجلالاً وتعظيماً؛ فإنه لا يرتكب هذه الكبائر والموبقات، وإن ارتكب شيئاً منها، فإنه سرعان ما يعود، ويستغفر ربه ﷾، ويتوب إليه، ويمحو تلك السيئات بهذه الحسنات.\rوكذلك قراءة القرآن: فالذي يقرأ القُرْآن سوف يقرأ التوحيد، والوعد والوعيد والحلال والحرام، والآداب والعبر، وقصص الأَنْبِيَاء ويقرأ الحكمة التي أنزلها الله ﷾ في هذا الذكر الحكيم، ويقرأ كل ما من شأنه أن يجعله مطيعاً لله ﷾ في جميع أموره، فيقرأه قراءة المتفقه المتدبر العامل به فيكون يَوْمَ القِيَامَةِ شفيعاً له، فالقرآن يرجع الخير كله إليه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690833,"book_id":1659,"shamela_page_id":1959,"part":null,"page_num":1959,"sequence_num":1959,"body":"وكذلك الصلاة عَلَى النبي ﷺ وخاصة في هذا المقام بعد الأذان، وعندما يقولها الإِنسَان بعد سماع هذا النداء وهذا الذكر، ولما أن تعودنا عليه أصبحنا لا نستغربه، وإلا فهو أمر عجيب لمن تأمله، فكلمة \"الله أكبر\" تتردد في هذه البيوت التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، تتردد في أرجاء الفضاء في كل يوم خمس مرات، هذا الذكر بهذه القوة وبهذا الارتفاع وبهذا العلو حدث عجيب.\r\rوالذين لم يعرفوا هذا الذكر ولا قيمته كمن كَانَ في الجاهلية قبل أن يشرع الله ﷾ هذا الآذان أو في الجاهلية الحديثة إذا ذهب الإِنسَان إِلَى بلاد الكفر وافتقد الأذان عندما يعود إِلَى بلاد الإسلام ويسمع الأذان يشعر برهبة هذا الصوت ويتمنى أن يرتفع اسم الله وذكر الله في أجواء الدنيا ويسمعه النَّاس جميعاً.\r\rولهذا بعده يقول المؤمن هذه الصلاة عَلَى النبي ﷺ الذي جاءنا بهذا النور وبهذا الذكر والذي رفع الله ﷾ اسمه وقرن اسمه به في هذا النداء العظيم، فالصلاة عَلَى النبي ﷺ في هذا الموضع العظيم موضع حث للنفس عَلَى أن تجيب نداء الله وتجيب داعي الله، وتذهب إِلَى بيت الله وتأتي بهذا الركن العظيم الذي هو عمود الإسلام كما قال تعالى: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت:٤٥] فهذه الصلاة من أداها حق الأداء وحافظ عليها، فإنها تكون له حصناً من الوقوع في الفواحش ما ظهر منها وما بطن، إذاً فلها علاقة بمعظم الأعمال الصالحة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690834,"book_id":1659,"shamela_page_id":1960,"part":null,"page_num":1960,"sequence_num":1960,"body":"وكذلك من سكن المدينة أيضاً وهذه فضيلة لهذه البلدة الطاهرة، وبالأخص للجيل الأول الذي كَانَ يهاجر إِلَى المدينة ويصبر عَلَى لأوائها فإنه بطبيعة الحال يعبد الله ﷾ ويطلب العلم من هذا البلد الذي لم ينقطع منه العلم ولن ينقطع بإذن الله، فيكون أقرب إِلَى الله ﷾ وإلى العمل بالكتاب والسنة منه في أي بلد آخر، عندما يكون في هذه البلدة التي شهدت قيام المجتمع الإسلامي الأول، وشهدت دعوة النبي ﷺ وحياته من المهاجرين والأنصار، ولا تزال فيها تلك الأماكن التي أمر النبي ﷺ بأن تزار فضلاً عن المسجد النبوي، وكذلك هناك قباء وهناك البقيع وهناك شهداء أحد وأمثال ذلك، وهذا يستدعي منه المداومة عَلَى الأعمال الصالحة والقربات التي فعلها أُولَئِكَ الجيل الفاضل.\r\rوكذلك الصلاة عَلَى جنازة المؤمن: هذا الجمع من المؤمنين -الذين يصلون عَلَى أخيهم الميت- إذا صلوا عليه، وهم بقلوب خالصة لله ﷾ وبدعاء وتضرع إليه؛ فإن هذا لا يكون أيضاً إلا ممن حقق الإيمان وممن حقق التوحيد، فهذا يقتضي أن يكون هَؤُلاءِ الداعون عَلَى هذه الدرجة من الفضيلة، وليس أي داعٍ أو مصل كمن صلّى ودعا وهو من أهل الدرجة الفضلى في التقوى والإحسان والإيمان.\r\rما يمنع من الشفاعة يوم القيامة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690835,"book_id":1659,"shamela_page_id":1961,"part":null,"page_num":1961,"sequence_num":1961,"body":"بقي أمر نُص عليه في الأحاديث يمنع صاحبه من أن يكون شفيعاً، فقد روى الإمام مسلم عنأبي الدرداء ﵁ أن النبي ﷺ أنه قَالَ: (إن اللعانين لا يكونوا شهداء ولا شفعاء يَوْمَ القِيَامَةِ) واللعانون بصيغة المبالغة أي: الكثير اللعن؛ لأن اللعن لا يكون إلا من التشكي والغضب ومن ضيق النفس فيكثر الإِنسَان من اللعن، حتى يلعن الرجل زوجته، ويلعن ابنه، ويلعن ثوبه والعياذ بالله، فهذا اللاعن المتسخط الغضوب، الذي يأتي الشيطان عَلَى لسانه بهذه الكلمة، لا يكون يَوْمَ القِيَامَةِ شهيداً ولا شفيعاً.\rومن هذا أيضاً نستنتج كما استنتجنا في الأول أنه ليس هذا هو العمل الوحيد الذي إذا فعله صاحبه أنه لا يشفع، فجدير بمن ارتكب الكبائر أن لا يكون شهيداً ولا شفيعاً؛ لأن من أتى بالموبقات والكبائر، فإنه يستحق دخول النَّار، إلا أن تشمله رحمة الله ﵎ إذا دخل النَّار، فهذا غاية ما يرجى له أن ينال الشَّفَاعَةَ.\r\rأما أن يشفع فذلك لا يكون، فمن ارتكب هذه الموبقات، فقد وضع نفسه في منزلة المحروم من أن يكون شفيعاً عند الله ﷾، وهذه الخصلة التي نبه عليها هذا الحديث تدلنا عَلَى ما ورائها، وأن العبد لا يكون شفيعاً إلا بمقدار قربه من الله، ولهذا أعظم الشفعاء هو النبي ﷺ، لأنه أكثر الخلق عبادةً وتقوى ومعرفة بالله ﷾، ثُمَّ من بعده الأمثل فالأمثل من الأَنْبِيَاء والصالحين، نسأل الله ﵎ أن يجعلنا من المقربين إليه ومن عباده الصالحين إنه سميع مجيب.\r\rيقول المصنف ﵀:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690836,"book_id":1659,"shamela_page_id":1962,"part":null,"page_num":1962,"sequence_num":1962,"body":"[ثم إن الناس في الشفاعة على ثلاثة أقوال: فالمشركون والنصارىوالمبتدعون من الغلاة في المشايخ وغيرهم يجعلون شفاعة من يعظمونه عند الله كالشفاعة المعروفة في الدنيا، والمعتزلة والخوارج أنكروا شفاعة نبينا محمد ﷺ وغيره في أهل الكبائر.\r\rوأما أهل السنة والجماعة فيقرون بشفاعة نبينا ﷺ في أهل الكبائر وشفاعة غيره، لكن لا يشفع أحد حتى يأذن الله له ويحد له حداً، كما في الحديث الصحيح، حديث الشفاعة ﴿إنهم يأتون آدم، ثم نوحاً ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، فيقول لهم عيسى ﵇: اذهبوا إلى محمد، فإنه عبد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتوني، فأذهب، فإذا رأيت ربي خررت له ساجداً، فأحمد ربي بمحامد يفتحها علي لا أحسنها الآن، فيقول: أي محمد ارفع رأسك، وقل يُسمع، واشفع تشفع، فأقول: ربي أمتي فيحدُّ لي حداً، فأدخلهم الجنة، ثم أنطلق فأسجد فيحد لي حداً) ذكرها ثلاث مرات] اهـ.\rالشرح:\r\rيقول ﵀: ثم إن الناس في الشفاعة على ثلاثة أقوال.\r\rفذكر النوع الأول وهم: (المشركون والنصارى والمبتدعون من الغلاة في المشايخ وغيرهم، فهؤلاء يجعلون شفاعة من يعظمونه عند الله كالشفاعة المعروفة في الدنيا) وهؤلاء هم الذين أثبتوا الشفاعة، ولكنهم غلوا فيها حتى جعلوها لغير أهلها وفي غير موضعها، فجعلوا شفاعة من يعظمونه من نبي أو عبد لله صالح كالحال مع من يشفعون في الدنيا إلى ملوك الدنيا، وهذه الشبهة التي يرددها الشيطان دائماً على لسان عباد القبور أو عباد الأولياء، تجد الإنسان منهم إذا قلت له: يا فلان لا تدعو غير الله، يقول لك: أنا ضعيف وجاهل، وذنوبي كثيرة فأنا لا أجرؤ أن أدعو الله ﷾ مباشرة، ومن جهلي لا أستطيع أن أدعو الله بالدعاء الذي يليق بالله ﷾.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690837,"book_id":1659,"shamela_page_id":1963,"part":null,"page_num":1963,"sequence_num":1963,"body":"فيقول: فأنا أتوسل إلى الله بالشيخ فلان، فهو يوصل إلى الله ﷾ حالي، ويشرح له سؤالي، لما له من المنزلة العظيمة عند الله التي ليست لي، فيستجيب الله لي بواسطة فلان من الناس، حتى أنهم جعلوا الدعاء الصريح مجرد توسط كما سيأتي إيضاحه إن شاء الله، فهو يدعو غير الله بـ\"يا فلان\" وهذا دعاء صريح كما يقول العبد المؤمن: يا رب! وهذا يقول: يا فلان! فإذا قلت له: لم تفعل ذلك؟\rقال: أنا لم أدعه بذاته بل أنا أقصد التوسط والتوسل به إلى الله ﷾، فهؤلاء جعلوا أن شفاعة من يعظمونه عند الله كالشفاعة المعروفة في الدنيا وهي أن الملوك أرباب السلطة ومن شابههم لا يعرفون حال الناس جميعاً بطبيعة الحال ولا يعرفون حاجة فلان أو غناه ولا يعرفون صدقه أو كذبه، فكيف يعطون أو يمنعون؟ فيأتيهم من يعرفوه ويعظموه ويثقوا فيه فيقول: أيها الملك! هذا فلان من الناس حاله كذا، وشأنه كذا، فأعطه فيعطيه، وقد تكون الشفاعة بالعكس فيطلب منعه فيمنعه فإما أن يعطي وإما أن يمنع بناءً على ما أخبره به ذلك الوسيط، الذي لولاه لما علم بحقيقة حال ذلك الرجل، فهذا لا يعلم الحال، بل هو محتاج بطبيعته إلى من يخبره عن حال هؤلاء السائلين، ولأنه لا يملك كل شيء فيعطي كل الناس فتقتصر عطاياه، على من يحبون لكن كيف الحال مع الله ﷾ والخلائق كلها تطلب الرزق وتسعى وتغدوا إليه؟\rأولاً: رزقها جميعاً على الله، ويعلمها وهي أمم أمثالنا كما أخبر الله ﷾ فهو الذي يرعاها ويرزقها ويعلم أحوالها وكل ما تحتاج إليه وهو الذي يجيب المضطر إذا دعاه ولو كان فاجراً كافراً.\r\rفمن دعاه دعاء اضطرار في ظلمات البر أو البحر استجاب له ونجاه من الكرب وكشف عنه الغم بفضله لأنه هو رب العالمين، فلو لم يرزقهم ولو لم يتفضل عليهم ولو لم يكشف كربهم وينجيهم، فمن الذي يفعل ذلك غيره هل من رب سواه يفعل ذلك؟!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690838,"book_id":1659,"shamela_page_id":1964,"part":null,"page_num":1964,"sequence_num":1964,"body":"لا؛ حتى وهم كفار فجار يحاربونه إذا صدقوا في أنه ملجأ منه إلا إليه، فإنه لا يردهم خائبين، فالتوحيد كما يقول ابن القيم ﵀ في كتاب الفوائد: مفزع أوليائه، ومفزع أعدائه، فإذا جاءت الشدة والكرب والغم والضنك لجأ إليه أولياؤه ولجأ إليه أعداؤه ويتوسلون إليه بالتوحيد ويدعونه وحده فيكشف عنهم ذلك الغم والكرب كما قال تعالى: فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ [الأنعام:٤١] .\rثانياً: أن الله ﷾ عنده خزائن كل شيء لا تنفذ، فليس مثل ملوك وأغنياء الدنيا الذين لا بد أن يعطوا وأن يحرموا، وهذا في حق الله، فهو الذي لا تنتهي خزائنه وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ [الحجر:٢١] وقال في حديث أبي ذر: (يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا على صعيد واحد، ثم سألوني فأعطيت كل واحد منهم مسألته ما نقص ذلك من ملكي شيئاً إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر) سواء كانوا على هدى، وتقى، أو على ضلال وعصيان، فالله ﷾ يتفضل عليهم جميعاً كما قال: كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً [الإسراء:٢٠] فهو الغني ﷾ كل الغنى يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [فاطر:١٥] فهو الذي غناه غنىً مطلقاً، وهو الذي لو سأله الخلق جميعاً فأعطى كل واحد مسألته ما نقص ذلك من ملكه شيئاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690839,"book_id":1659,"shamela_page_id":1965,"part":null,"page_num":1965,"sequence_num":1965,"body":"إذاً: كيف يشبه بملوك الدنيا بأن يطلب ما عنده من الرزق والفضل والخير عن طريق الوسطاء، وأعظم من ذلك: أنه جل شأنه قد أمر الناس أن يدعوه مباشرة كما قال: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:٦٠] ، بل جعل دعاء غيره شركاً أكبر وجعله محبطاً للأعمال ومبطلاً لها، فمع هذا البيان في كتاب الله ﷿ بأن هذا شأنه وهذه صفته وأنه ﷾ يأمر عباده أن يدعوه كما قال تعالى:وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:١٨٦] فما حال من يذنب فلا يدعو ربه، بل يدعو غيره ﷾!\rولو زعم أنه يتوسط به إلى الله ﷾ فهذا من الضلال الذي قال الله تعالى فيه: وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ [الرعد:١٤] ولهذا يأتي هؤلاء المشركون يوم القيامة فيؤمرون بأن يدعو شفعاءهم ويدعو شركاءهم، ولكن أنَّى لهم ذلك: قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً [غافر:٧٤] أين هم؟\rفيقولون: لم نكن ندعو أي مخلوق، ولم نكن نعبد شيئاً، فما هي إلا أسماء سموها، وأوهام توهموها لا حقيقة لها أبداً، فهي ظنون وخيالات باطلة ليس لها من حقيقة وليس لها من واقع، فلا يجدون يوم القيامة من شفيع ولا ولي ولا حميم يطاع، ولكن أهل التوحيد يجدون ذلك الرب الرحيم الكريم ﷾ الذي يدخل من حقق التوحيد منهم وأخلص له وحده الجنة بغير حساب ولا عذاب، وهنالك يندم المجرمون ويتحسر المشركون.\rاعلم أن الشَّفَاعَة التي يثبتها النَّصارَى والمُشْرِكُونَ من الغلو في المشايخ وغيرهم لا تكون إلا ممن لم يقدر الله حق قدره، فهم يظنون أنه ﵎ كالمخلوق، ويشبهونه بذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690840,"book_id":1659,"shamela_page_id":1966,"part":null,"page_num":1966,"sequence_num":1966,"body":"ويقولون: نطلب الشَّفَاعَة إليه بواسطة غيره ظناً وتوهماً منهم إما أنه لا يسمعهم ولا يعلم بحالهم، وإما أنه لا يقبل الضعفاء والمذنبين وأصحاب المعاصي والكبائر فيتشفعون ويتوسطون بالمقبولين لديه كما يزعمون.\rالشبهة التي يستدلون بها والرد عليها\rإن هذه الشبهة الشيطانية ألقاها الشيطان عَلَى أفواه كثير من الناس، فترى أحدهم إذا دعا غير الله أو توكل بذات من الذوات الصالحة إِلَى الله، وأنكرت عليه ذلك، يقول: أنا مسكين، وأنا مذنب، وأنا كثير الخطايا! كيف أدعو الله! وكيف أخاطبه وأصل إليه مباشرة وأنا في هذه الحالة وفي هذه المثابة، فلا بد أن أتوسل إليه أو أجعل بيني وبينه وساطة من أحد عباده الصالحين المقربين من الأَنْبِيَاء أو الأولياء.\rفأصل هذه الشبهة أنهم ما قدروا الله حق قدره، وما عرفوه حق معرفته، وأعرضوا عما في كتابه وعما في سنة نبيه ﷺ من بيان حال الله ﷾ مع عبادة الصالحين، فإن الله ﵎ يقول: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة:١٨٦] .\r\rإجابة الله دعاء المضطر ولو كان كافراً\rإن الله ﷾ قريب ممن يدعوه أياً كَانَ ذلك الداعي؛ حتى أن الكافر المضطر إذا دعا الله أجابه، وهو الذي يغيثه، فيكشف ما يدعون إليه إن شاء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690841,"book_id":1659,"shamela_page_id":1967,"part":null,"page_num":1967,"sequence_num":1967,"body":"كما ورد ذلك في آيات كثيرة من القرآن حيث ألزم الله ﷾ الْمُشْرِكِينَ بضرورة إخلاص الدين له، وتوحيده وعبادته وحده، بأنهم إذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين، فإذا هاج بهم البحر وماج واضطرب وظنوا أن لا ملجأ لهم ولا منقذ من الله إلا أن يتوجهوا إليه وحده فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ [العنكبوت:٦٥] ، فهم في حال الشدة يوحدون ويخلصون، وفي حال الرخاء يُشركون.\r\rفهذا إلزام ألزمهم الله ﷾ به، فإجابة المضطر من خصائص الله ﷾ لأنه ربهم، فهو الرزاق. فمن الذي يرزق الناس إلا ربهم ﷾، فمقتضى ربوبيته لهم أنه يرزقهم ويطعمهم كما قال تعالى: كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلاءِِ وَهَؤُلاءِِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ َ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً [الإسراء:٢٠] نمد أهل اليمين المؤمنين، وأهل اليسار الكافرين، فلو لم يرزقهم الله فمن الذي يرزقهم؟\rولو لم يكشف الله ﷾ الضر عن المضطر ويكشف السوء عمن دعاه مؤمناً كَانَ أو كافراً فمن الذي يكشف ذلك؟! لا أحد، فهذا مقتضى ربوبيته ﷾ وخاصيته وألوهيته أنه يفعل ذلك جل شأنه وهذا الإله الكريم الذي بيده خزائن كل شيء والذي إليه المنتهى ﷾ والذي يملك كل شيء في هذه الدنيا، والذي يكشف السوء ويرفع البلاء ويجيب المضطر، قد فتح الباب عَلَى أوسع ما يمكن لقبول توبة التائبين والمستغفرين، وكيف يتوسط إليه بخلقه، وهو كما قال الشاعر:\r\rالله يَغضبُ إنْ تَرَكتَ سُؤالهُ وبُنيَّ آدَمَ حِينَ يُسألُ يَغضبُ\rغضب الله على من لم يدعه ويسأله","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690842,"book_id":1659,"shamela_page_id":1968,"part":null,"page_num":1968,"sequence_num":1968,"body":"ثبت في الحديث أن النبي ﷺ قَالَ: (من لم يدع الله يغضب عليه) فالإِنسَان لو كَانَ أباً حنوناً رحيماً ودوداً عطوفاً وكان له ابن مدلل لا يرد له أي طلب -يحبه غاية الحب- ولكن إذا كرر عليه الابن الطلب فالأب يغضب، ويزجر ولده من كثرة ما يطلبه ويلح عليه في الطلب.\rفهذا هو حال المخلوق؛ لكن الله ﷾ كلما ندعوه يرضى عنا، وبقدر ما ندعوه يكون الرضى عنا، فأكثرنا عبودية لله ﷿ أكثرنا دعاءً له كما صح في الحديث أن النبي ﷺ قَالَ: (الدعاء هو العبادة) هذه هي حقيقة العبودية.\r\rوأما المعتزلة والخوارج الذين أنكروا الشَّفَاعَة، فقد ذكر المُصنِّفُ أصل شبهتهم والرد عليها مع بيان مذهب أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ\rويعيد المُصنِّفُ ﵀ هذا المذهب فَيَقُولُ: [وأما أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ فيقرون بشفاعة نبينا ﷺ في أهل الكبائر وشفاعة غيره، لكن لا يشفع أحد حتى يأذن الله له ويحد له حداً] .\rالشفاعة لا تكون إلا لأهل التوحيد\rتقدم أن ذكرنا أن شرطي الشَّفَاعَة هما: رضا الله عن المشفوع له، وإذنه للشافع، فلذلك لا تكون الشَّفَاعَة، إلا لأهل التوحيد؛ لأن الله تَعَالَى يرضى أن يشفع لأهل التوحيد، ولا يرضى أن يشفع لأهل الكفر والشرك، وإذن الله تَعَالَى للشافع بأن يأذن للملائكة أو الأَنْبِيَاء أو الصالحين من المؤمنين أن يشفعوا لمن شاء ﷾؛ ولذا قال: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة:٢٥٥] ، وقَالَ: وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء:٢٨] فلا يشفعون إلا لمن ارتضى، ولا يشفعون إلا بإذنه.\r\rحد الله لنبيه ﷺ حداً في الشفاعة لا يتجاوزه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690843,"book_id":1659,"shamela_page_id":1969,"part":null,"page_num":1969,"sequence_num":1969,"body":"قَالَ المُصْنِّفُ ﵀: [لكن لا يشفع أحد حتى يأذن الله له ويحد له حداً] وهذا الشرط ليس زيادة عَلَى الشرطين السابقين، وهو: أن يحد له حداً، لأن النبي ﷺ لا يملك من الأمر شيئاً، فالله ﷾ يحد له حداً ليشفع في العصاة فيخرجهم من النار، ولا يستطيع أن يتجاوز ذلك الحد [كما بين ذلك في حديث الشَّفَاعَة (إنهم يأتون آدَمَ، ثُمَّ نُوحاً ثُمَّ إبراهيمَ، ثُمَّ مُوسَى، ثُمَّ عِيسَى، فيقول لهم عِيسَى ﵇: اذهبوا إِلَى مُحَمَّدٍ، فإنَّهُ عَبْدٌ غُفر له مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ومَا تَأَخَرَ، فَيأتُونِي، فَأَذهَبُ، فَإذَا رَأَيْتُ رَبِّي خَرَرْتُ لهُ سَاجِدَاً، فَأَحْمَدُ رَبِّي بِمَحَامِدَ يَفْتَحُها عَلَيَّ، لَا أُحْسِنُها الآنَ، فَيَقُولُ: أيْ مُحَمَّدُ، ارفَعْ رَأَسْكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، واشفَعْ تُشْفَّعْ، فأقول: رَبِّي أُمَّتِي، فَيَحُدُّ لي حَدّاً، فَأُدْخِلُهُم الجنَّةَ، ثُمَّ َ أَنْطَلِقُ فَأَسْجُدُ، فَيَحُدُّ لي حَدّاً) ذكرها ثلاث مرات] .\rوهذا الحديث مروي في باب قول الله تعالى: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ [صّ:٧٥] الجزء الثالث عشر من فتح الباري صـ٣٩٢، وقد ذكر الشيخ الأرناؤوط في تحقيقه أن هذه الزيادة لم ترد في صحيح البُخَارِيّ وهي ثابتة في الباب المذكور.\r\rفالبُخَارِيّ ﵀ أورد الحديثين في بابين مختلفين، أورد الرواية السابقة التي ليس فيها لفظة [فَيَحُدُّ لي حَدّاً] في باب \"كلام الرب عزوجل مع الأنبياء\"، وأما هذه الرواية [فَيَحُدُّ لي حَدّاً] فذكرها في باب قوله تعالى: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَي [صّ:٧٥] .\rفائدة زيادة (فيحد لي حداً)","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690844,"book_id":1659,"shamela_page_id":1970,"part":null,"page_num":1970,"sequence_num":1970,"body":"هذه الزيادة في الرواية فيها فائدة تأكيد بأن النبي ﷺ لا يشفع إلا بإذن الله، وفيمن أذن الله له أن يشفع له، فهذا وهو رَسُول الله ﷺ، وهو أفضل الخلق لا يشفع إلا بعد أن يأذن الله ﵎ له، ويأذن له في أناس معينين مخصوصين.\rثُمَّ ذكر المُصْنِّف ﵀ الاستشفاع بالنبي ﷺ وبغيره إِلَى الله تَعَالَى في الدنيا، وهذا الذي نريد أن نمهد له للدخول في موضوع الألوهية والشَّفَاعَة.\r\rافتقار العباد إلى الله\rنقول: إن كل بني آدم فقراء محتاجون ومضطرون إِلَى الله ﷿، وأصل وأساس العبودية مبني عَلَى افتقار المخلوق الضعيف المرهوب المقهور العاجز الذي لا حيلة له إلا بالله ﷾، ومن النَّاس من يدرك هذه الفاقة وهذه الحاجة إِلَى الله ﷿، وكثيرٌ منهم لا يدركها، ولكنه لو فكر وتأمل لوجدها قائمة، فالإِنسَان الذي يدرك هذه الحاجة -وكل بني آدم لا بد أن يدركها يوماً ما- في ذهنه وفي فطرته الضعيفة العاجزة.\rفهو يسعى ليحقق ما يطمح إليه من النفع ويدفع ما يخافه من الضُر الذي ينزل به والعوارض التي تعرض له، فتحول بينه وبين تحقيق الآمال التي يسعى إليها، فأياً كَانَ دينه، وأياً كانت بيئته سواء كَانَ معترفاً بربه أو منكراً له، تجده دائماً يعمل من أجل ذلك، ولذلك تجده في أي وقت من الأوقات لابد أن يدعو ربه، فالإِنسَان ضعيف فقير محتاج لا يستطيع أن يقوم بنفسه، ولا أن يحقق لها ما تريده أبداً، فالله ﷾ متفرد بأنه إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يّس:٨٢] فهذا لله ﷾ وحده، أما بقية النَّاس فهم محتاجون مخلوقون فلا بد أن يلجئوا إِلَى من يدعونه ليحقق لهم حاجتهم ومرادهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690845,"book_id":1659,"shamela_page_id":1971,"part":null,"page_num":1971,"sequence_num":1971,"body":"الإِنسَان محتاج وفقير ومضطر، ولا بُدّ أن يدعو غيره وأن يلجأ إليه وأن يتوسل به، وهذا هو أصل عبودية أي عابد، ولهذا فإن العبودية لا تكون عبودية إلا أن يتحقق فيها شرطان هما: الحب من جهة، والخضوع والذل من جهة أخرى.\rفإذا أحب إنسان شيئاً ولم يخضع له وينقاد فهذا لا يسمى عابداً، ولو أن أحداً خضع وذل وانقاد لأمر وهو كاره له فهذا لا يسمى عابداً أيضاً، فالعبودية: معناها أن يجتمع في الإِنسَان كمال الحب مع كمال الذل والخضوع، فالنّاس هذا حالهم وهذا شأنهم، أما أهل التوحيد فإنهم أخذوا الأسباب والأمور من مصادرها الصحيحة وعملوا بالأسباب وطلبوها من خالقها ﷾، فأهل التوحيد من الأَنْبِيَاء والصالحين ومن اتبعهم يعلموا أن كل شيء بيد الله ﷾ وأن افتقاره هذا لا يكون إلا لله ﷾، لأن كل مخلوق مفتقر إِلَى من يقضي له حاجاته، فكلنا فقراء لله تَعَالَى.\rالموحد الحقيقي الصادق\rالموحد الحقيقي المخلص هو من يدعو ويرفع حاجته إِلَى الغني الحميد ﷾ كما قال الله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [فاطر:١٥] (يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690846,"book_id":1659,"shamela_page_id":1972,"part":null,"page_num":1972,"sequence_num":1972,"body":"ويقول بعد ذلك: (يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا عَلَى أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا عَلَى أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا عَلَى صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد منهم مسألته ما نقص ذلك من ملكي شيئاً إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر) هذا هو غاية الكرم، مع غاية الغنى، فالغنى والكمال المطلق هو لله ﷾ فهو الغني الحميد، فأهل التوحيد والإيمان أدركوا أن الله بيده خزائن كل شيء ﷾، وهو الذي بيده مفاتح الغيب وهو وحده الرزاق ذو القوة المتين كما قال عن نفسه: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا [هود:٦] .\r\rإن دُعيَّ الملائكة، فهم عباد مكرمون عند الله ﷾؛ ولكنهم لا يعصون الله ما أمرهم أبداً، هم عباد من عباد الله يرجون الله، وهم من خشيته مشفقون، ولا يعصون أمره، ولا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً، وإن عبد الأنبياء، فالأنبياء بشر مثلنا، عاشوا عَلَى هذه الأرض كما نعيش، ولاقوا من المحن والشدائد ماجعلهم يلجأون إِلَى الله ﷾ ليكشف عنهم ذلك الكرب وذلك الضر، والأولياء أو الصالحون لا شك أنهم أدنى درجة من الأنبياء، فقضية التوحيد واضحة لِمَن بصَّره الله ﷾ وتفكر وتأمل، أمرٌ جلي واضح أن المسئول المدعو هو الله ﷾ سواء كَانَ ذلك دعاء عبادة أو دعاء مسألة فالأمر يرجع كله إِلَى حاجة المخلوقين واضطرارهم وافتقارهم إليه ﷾.\r\rحقيقة وقوع الناس في الشرك","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690847,"book_id":1659,"shamela_page_id":1973,"part":null,"page_num":1973,"sequence_num":1973,"body":"إذا لجأ الفقير إلى فقير مثله، ولجأ الضعيف إلى ضعيف مثله، أو نصب الضعيف نفسه إلهاً من دون الله، وقَالَ: ادعوني وأنا أجيبكم، فهذا إخلال بالتوحيد، وهذا لا يفعله إلا من لم يقدِّر الله حق قدره، ولم يفقه حقيقة التوحيد ولا آمن بالله تَعَالَى حق الإيمان، وإن زعم ذلك كما قال تعالى: وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [يوسف:١٠٦] هذه حقيقة واقعة، ووقوع النَّاس في الشرك ظناً منهم أن غير الله ﷾ يحقق لهم ما يريدون، هو الذي جعلهم يجرون وراء السراب وظنوا أن هذا الغير أياً كَانَ يُتوسط ويتوسل به إلى الله ﷾ فيحقق لهم ما يريدون.\rفإذا اعتقد العبد المؤمن وعرف واستيقن أن الله ﷾ هو وحده المدعو المرجو الذي يخاف ويرجى ويدعى ويستغاث ويلاذ ويستجار به، فإنه بعد ذلك لا يحتاج إلى أن يدعو غير الله، ولا أن يتوسط أو يتوسل إلى الله ﷾ بغيره، وهو الذي يبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، فليس هنالك أكرم ولا أحلم من هذا الإله.\rوبعد ذلك ذكر حال المدعوين المعبودين من دونهم فقَالَ: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ [الإسراء:٥٧] .\r\rفهذه الوسيلة إلى هذا الإله الجليل العظيم ﷾، ومع هذا الكرم والفضل والمنِّة هل يسد الطرق الموصلة إليه التي يتوسل أو يتوسط بها العبد إليه فلا يبقى إلا أن يُدعَى ويعبد غيره أو يستشفع إليه بغيره. هل يليق ذلك بكرمه وبفضله وإنعامه، وهو الذي يمد هَؤُلاءِ وهؤلاء، وهو الذي يغيث الكفار إذا دعوه فضلاً عن المؤمنين؟! لا يليق به سبحانه أبداً؛ ولكن هذا من عمى البصائر.\r\rتفسير المبتدعة لقوله تعالى: ((وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ))","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690848,"book_id":1659,"shamela_page_id":1974,"part":null,"page_num":1974,"sequence_num":1974,"body":"لقد فسر المُشْرِكُونَ قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ [المائدة:٣٥] بقولهم أي: ابحثوا عن مخلوق تتوسلون به إِلَى الله سُبْحانَ اللَّه!\rولما ذكر الله حال عبادة المؤمنين من الأَنْبِيَاء والملائكة والصالحين قَالَ: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ [الإسراء:٥٧] يدعونه بأسمائه الحسنى، كما في الحديث (اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحداً من خلقك) أي أن تسأل الله بأسمائه.\r\rالمسألة: هو أن ندعو الله ﷾ بأسمائه الحسنى، وهذا أعظم شيء ندعوه بها، ودعاء العبادة هو أن ندعو الله بأعمالنا التي نتعبده بها كصلاتنا له وذكرنا له ﷾.\rالوصول إلى الله يكون بدعاء المسألة أو دعاء العبادة\rنستطيع أن نصل إليه ﷾ لأن نحقق له وحده التوحيد، وأن لا ندعو غيره بوسيلتين: إما أن ندعوه بأسمائه الحسنى، وإما أن نتوسل إليه بعبادتنا:\rففي الحالة الأولى: دعوناه وحده، وفي الحالة الثانية: دعوناه بعمل عبدناه وحده به، ولو كَانَ هذا العمل فيه شائبة من الشرك لما تقبل منا ذلك الدعاء؛ ولهذا فالثلاثة الذين دخلوا الغار، لما سألوا الله، سألوه بأعمال عملوها خالصة لوجهه تعالى، فهي من تحقيق الإيمان ومن تحقيق الطاعة ومن تحقيق التوحيد؛ ولذا لمّا سألوا الله بتلك الأعمال استجيب لهم.\r\rالتوحيد مفزع الأولياء ومفزع الأعداء وأساس كل خير","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690849,"book_id":1659,"shamela_page_id":1975,"part":null,"page_num":1975,"sequence_num":1975,"body":"التوحيد هو مفزع الأولياء كما هو مفزع الأعداء، فالمؤمن إذا حزبه أو همه أمر يفزع فيسأل الله ﷾ خالصاً من قلبه، فيتحقق له دعاؤه بتوحيد الله في الدعاء، أو بدعائه بأمر أخلص فيه فيدعوه وحده، ويدعوه بعمل طاعة أخلص فيها لله، فهذا مفزع أوليائه وأصفيائه، وهو كذلك مفزع أعدائه، فإذا حز بهم أو أهمهم أمر وأرادوا أن يستجاب لهم دعوا الله مخلصين له الدين فيستجاب لهم.\rإذاً: التوحيد هو أساس كل خير، فهو الذي يحقق للإنسان الخير سواء كَانَ مؤمناً أو كافراً، لأن الكافر يخلص في تلك اللحظة لكنه بعدها ينتكس عَلَى عقبيه، وهذا أيضاً يكون للمؤمنين ولكن فيما دون الشرك بالله ﷾.\r\rعدم إظهار النفس البشرية افتقارها إلى الله\rالنفس البشرية لا تظهر افتقارها إِلَى الله في كل حال من الأحوال، ولو أننا أظهرنا فقرنا وتضرعنا وانكسارنا وذلنا لربنا ﷿ في كل وقت، لكنا عبيداً له في كل وقت، لكن هذه مشكلتنا وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَائِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ [يونس:١٢] .\rفالإِنسَان في حالة الشدة يعترف ويقر بفقره إِلَى الله ﷿، فيعاهد نفسه عَلَى أن يستمر عبداً لله ﷾، فإذا عافاه الله بعد المرض أو أغناه بعد الفقر نكص عَلَى عقبيه، كما قال الله عن المنافقين وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [التوبة:٧٥-٧٦] وهذا ليس خاصاً بالمنافقين بل حتى المؤمن قد يقع منه ما يشبه ذلك أو يقاربه.\r\rقال المصنف رحمه الله تعالى:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690850,"book_id":1659,"shamela_page_id":1976,"part":null,"page_num":1976,"sequence_num":1976,"body":"[فالحاصل أن الشفاعة عند الله ليست كالشفاعة عند البشر، فإن الشفيع عند البشر، كما أنه شافع للطالب شفعه في الطلب، بمعنى: أنه صار به شفعاً فيه بعد أن كان وتراً، فهو أيضاً قد شفع المشفوع إليه، فبشفاعته صار فاعلاً للمطلوب، فقد شفع الطالب والمطلوب منه والله تعالى وتر لا يشفعه أحدٌ، فلا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، فالأمر كله إليه، فلا شريك له بوجه، فسيد الشفعاء يوم القيامة إذا سجد وحمد الله تعالى، فقال له الله: (ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعط واشفع تشفع، فيحد له حداً فيدخلهم الجنة) ، فالأمر كله لله كما قال تعالى: قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ [آل عمران:١٥٤] وقال تعالى: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ [آل عمران:١٢٨] وقال تعالى: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [الأعراف:٥٤] فإذا كان لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه لمن يشاء ولكن يكرم الشفيع بقبول شفاعته كما قال ﷺ: (اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما يشاء) .\r\rوفي الصحيح أن النبي ﷺ قال: (يا بني عبد مناف لا أملك لكم من الله من شيء يا صفية عمة رسول الله لا أملك لك من الله من شيء يا عباس عم رسول الله لا أملك لك من الله من شيء) .\r\rوفي الصحيح أيضاً (لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء أو شاة لها يعار أو رقاع تخفق فيقول: أغثني أغثني فأقول: قد أبلغتك لا أملك لك من الله من شيء) فإذا كان سيد الخلق وأفضل الشفعاء يقول لأخص الناس به (لا أملك لك من الله من شيء) فما الظن بغيره؟!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690851,"book_id":1659,"shamela_page_id":1977,"part":null,"page_num":1977,"sequence_num":1977,"body":"وإذا دعاه الداعي، وشفع عنده الشفيع، فسمع الدعاء وقبل الشفاعة، لم يكن هذا هو المؤثر فيه كما يؤثر المخلوق في المخلوق، فإنه ﷾ هو الذي جعل هذا يدعو ويشفع، وهو الخالق لأفعال العباد، فهو الذي وفق العبد للتوبة ثم قبلها وهو الذي وفقه للعمل ثم أثابه، وهو الذي وفقه للدعاء ثم أجابه، وهذا مستقيم على أصول أهل السنة المؤمنين بالقدر وأن الله خالق كل شيء] اهـ.\rالشرح:\r\rيقول المصنف ﵀: [الحاصل أن الشفاعة عند الله ليست كالشفاعة عند البشر، فإن الشفيع عند البشر كما أنه شافع للطالب شفعه في الطلب بمعنى: أنه صار به شفعاً فيه بعد أن كان وتراً] .\r\rيريد المصنف رحمه الله تعالى أن يبين الفرق بين الشفاعة الشركية التي ظنها المشركون وبين الشفاعة الحقيقية وذلك أن الله ﵎ ليس كأحد من خلقه، وأن ما يفعله الناس من الشفاعات عند أهل الملك أو المال أو الشأن في الدنيا، ليست كالشفاعة لديه، لأن الرجل إذا أراد حاجةً من الخلق وكانت علاقة هذا المحتاج بالرجل المقصود ضعيفة، فإنه لعدم معرفته أو ضعف علاقته به لا يستطيع أن يرفع حاجته بنفسه ولا يتصل به، فيحتاج إلى رجل معُروف عند ذلك الإنسان ليتوسط له، فيضم صوته مع صوته، وطلبه مع طلبه، حتى تُقضى حاجته، ولهذا سميت الشفاعة بهذا الاسم -على أحد الأقوال- لأنها من الشفع وهو: الضم كما في اللغة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690852,"book_id":1659,"shamela_page_id":1978,"part":null,"page_num":1978,"sequence_num":1978,"body":"ثم يقول المصنف: [والله تعالى وتر لا يشفعه أحد، فلا يشفع عنده أحد إلا بإذنه] بمعنى: أن هذا الإنسان الذي طلب حاجته من صاحب السلطان، وفي نفس الوقت طلب من الرجل الوسيط أن يشفع له، فهو في الحقيقة قضى غرضه وحاجته عن طريق اثنين وليس عن طريق واحد، وهما الوسيط الشافع والمشفوع إليه، وهذا لا ينطبق -بأية حال- على الله ﵎، فإن الله ﷾ متفرد بالأمر والخلق والرزق والنفع والضر وعنده وحده خزائن كل شيء، وهو وحده الذي إذا أراد أمراً قال لهكُنْ فَيَكُونُ [البقرة:١١٧] فليس لهذا الإنسان أو الوسيط أي أثر، ولذا فإن قول المشركين هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ [يونس:١٨] هو من أبطل الباطل وأقبح القبيح، وهو الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله ﵎.\r\rيقول المصنف: [فلا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، فالأمر كله إليه ﷾، فلا شريك له بوجه] ثم يستدل على ذلك بالأمر المشهور المعلوم لدى جميع المسلمين وهو: أمر النبي ﷺ فيقول: [فسيد الشفعاء يوم القيامة] الذي اختصه الله تعالى بالوسيلة التي لم تعط إلا لرجل واحد وهو: الرسول ﷺ [إذا سجد وحمد الله تعالى يقول له ربه ﷿: ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعط، واشفع تشفع] وهذا بعد أن يلهمه ربه ﷿ من أنواع الثناء والمحامد ما لم يعلمه من قبل، فهو يستأذن ربه، ثم يجيبه ربه ﵎، أما هو فلا يملك من عند نفسه شيئاً؛ بل جميع الأنبياء -حتى أولوا العزم- يتراجعون عن الشفاعة، فضلاً عمن عداهم، ويبقى رسول الله ﷺ فيتقدم ويقول: (أنا لها أنا لها ثم يكون منه السجود، ثم يكون من ربه تعالى الإجابة) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690853,"book_id":1659,"shamela_page_id":1979,"part":null,"page_num":1979,"sequence_num":1979,"body":"وبعد أن تكون الشفاعة العظمى التي سبق تفصيلها، وبعد أن يفض الموقف، وبعد أن يدخل الجنة السابقون الأولون ومن معهم (سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب) ،فيحد الله ﵎ له حداً من أهل النار ويكون ذلك ثلاث مرات وأيضاً تكون الرابعة كما سبق في حديث أنس يقول المصنف: [فيحد له حداً فيدخلهم الجنة] أما هو فقد قال له: قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [الأعراف:١٨٨] فخصه الله ﵎ بأنه نذير وبشير، وليس له أبعد من ذلك فيتصرف في أُمور الناس وقلوبهم فيدخل هذا الإيمان ويمنع هذا منه، ليس ذلك من شأنه ﷺ ولا قدرة له عليه لعجزه عن نفع نفسه أو حمايتها، ولو كان النبي ﷺ يعلم الغيب لا ستكثر من الخير؛ لأن الذي يعلم الغيب يعلم ما تؤول إليه عواقب الأمور.\r\rفهل الذي يعلم الغيب يخرج يوم أحد إلى المشركين ويصيبه ما أصابه، ويقتل عمه وتكون تلك الكارثة، وهل يرسل سبعين من القراء من خيار أصحابه وأفضلهم لتقتلهم تلك القبيلة المجرمة؟!\r\rوأحداث كثيرة تتلاحق في السيرة تدل على أنه لا يعلم الغيب، وإنما هو بشر تجري عليه الأقدار كما تجري على أي مخلوق وميزته أنه بشير ونذير، كما يقول الله له قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ [الكهف:١١٠] .\rالنبي ﷺ بين غلو الصوفية وإجلال أهل السنة\rفي معرض الحديث عن النبي ﷺ فإننا نجد أن له صفتين مختلفتين تماماً.\r\rالأولى: هي صفة الرَّسُولِ ﷺ في الكتاب وفي السنة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690854,"book_id":1659,"shamela_page_id":1980,"part":null,"page_num":1980,"sequence_num":1980,"body":"والأخرى صفة من نسج الخيال، وشخصية أسطورية وهمية، لا وجود لها في القُرْآن ولا في السنة والواقع، إنما هي من أوهام وخرافات الذين اخترعوا هذه الأوصاف التي لا أصل لها من أهل الغلو كالصوفية ومن تبعهم.\r\rأما الصفة الأولى: فهو كسائر البشر تصيبه العوارض مثلهم، بل قد يكون ما يصيبه ﷺ من العوارض أشد، كما ثبت في الحديث الصحيح أنه ﷺ قَالَ: (إني أوعك كما يوعك الرجلان منكم) وهذا لفضله ﷺ، ولِرَفعِ درجتهِ ﷺ عند ربه، ونجد أنه يأكل ويشرب وينام ويتعَب ويفكر ويهتم ويغتم ويتخذ الأسباب مثل سائر البشر، رغم أن الله تَعَالَى خصه بهذه الميزة العظيمة وهي الرسالة وجعله سيد ولد آدم، وهذا كله نجده واضحاً جلياً.\rفإذا انتقلنا إِلَى الصورة الأخرى التي تذكرها الصوفية وهي: أنه مخلوق من نور، موجود قبل المخلوقات، بيده مقاليد السماوات والأرض يعلم الغيب ... ، وأمور غريبة يذكرونها له التي لو تأملها الإِنسَان لعلم أنها لا توجد في دنيا البشر ولا عالمها أبداً وليس لها من كتاب الله ولا من سنة رسوله ﷺ أصل يُرجع إليه، وإنما الحال أن قوماً أرادو هدم الإسلام، والطعن فيه عن طريق الغلو الذي اتخذوه كما فعل النَّصَارَى وكما فعل اليهود بأنبيائهم، وكما غلت الشيعة من هذه الأمة في الإمام عَلِيّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ حتى ادعوا أنه إله في حياته.\r\rومرت القرون وفُضح هَؤُلاءِ القوم وحوربوا وتميزوا عن سائر الأمة الإسلامية، حتى أصبحت الأمة منقسمة إِلَى سُني وشيعي، وأصبحت كلمة السنة، تعني: من ليس شيعياً فكأنهم اختصوا بمخالفة السنة مع أن المخالفين للسنة كثير، وظل الهدامون وأعداء الإسلام يريدون هدم عقيدة التوحيد والإيمان عندأهل السنة، فاخترعوا الأقطاب والنقباء والندباء وشيوخ التصوف.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690855,"book_id":1659,"shamela_page_id":1981,"part":null,"page_num":1981,"sequence_num":1981,"body":"ومن نفس مدخل الغلو وحُبِّ النبيِ ﷺ دخلوا، فألّهوه ﷺ، ورفعوه عن منزلةِ البشرية إِلَى منزلةِ الألوهيةِ، وجعلوه نداً لله ﵎ يعلم الغيب، ويُدخِلُ الجنة من شاء -عياذاً بالله- وعندما نَعرِضُ هذهِ الأمور عَلَى الآياتِ والأحاديثِ يَظهرُ لَنَا كَذِبَ هَؤُلاءِ، وإن زعموا ما زعموا من المحبة.\rوهذا يذكرنا بما عليه كثير من النَّصَارَىالذين زعموا أن عيسى إله، ويسمونه الرب \"يسوع\" ويؤلفون الكتب في ذلك، ويذهبون إِلَى غابات إفريقيا وآسيا ليدعو النَّاس إِلَى دينه، وهم صادقون مع أنفسهم في محبته؛ لكن هذه المحبة أفضت بهم إِلَى الكفر والشرك ولم تنفعهم محبتهم له عند الله، وكذلك عيسى ﵇ لم يرض بها لنفسه أبداً.\rومثله النبي ﷺ لم يرض بهذا الغلو، بل نهى عنه فقد قَالَ: (لا تطروني كما أطرت النَّصَارَى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله) .\rثُمَّ يقول المصنف: [وقال الله تعالى: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [الأعراف:٥٤]] فهو ﷾ المتفرد بالخلق والأمر، وفي هذه الآية دليل لأهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ عَلَى إثبات صفة الكلام لله ﷾، وأنه يتكلم بما شاء متى شاء.\r\rفمن ذلك مثلاً كلمة \"كن\" فالله تَعَالَى يتكلم بالأمر، فإذا قَالَ: \"كن\"، فهذا أمره، فإذا كَانَ ما أمر به فهو خلقه، وفي هذه الآية دليل عَلَى أنه لا يجوز لأحد غير الله ﵎ أن يشرع للناس بأي حال من الأحوال، فالشرع المتبع إنما هو شرع الله ودينه، لأن الله تَعَالَى هو الذي خلق الخلق، فكيف يكون له الخلق ويكون لغيره الأمر والنهي؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690856,"book_id":1659,"shamela_page_id":1982,"part":null,"page_num":1982,"sequence_num":1982,"body":"وهذا ما فعله النَّاس في الجاهلية الأولى وفي كل جاهلية في كل زمان ومكان، يؤمنون بأن الله له الخلق، ولكن يجعلون لغيره الأمر، فيشرعون ويسنون القوانين، ويحلون ما يشاءون، ويحرمون ما يشاءون، وهذا من الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله ﵎، وهو حقيقة الطاغوت الذي أمر الله ﵎ أن يكفر به، ولا يكون الإِنسَان مؤمناً إلا إذا كفر بالطاغوت الذي يشرع من دون الله تعالى؛ لأن الخلق جميعاً مأمورون بأن يطيعوا أمر الله، كما هم مخلوقون بإذن الله ﷾، ولا انفصال بينهما بأي حال من الأحوال.\r\rالحكمة من قبول الله لشفاعة الشفعاء\rيقول المُصْنِّف ﵀: [فإذا كَانَ لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه لمن يشاء ولكن يكرم الشفيع بقبول شفاعته كما قال ﷺ: (اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما يشاء) ] .\rلما نفى الله ﷾ تلك الشَّفَاعَة الشركية بيَّن الشَّفَاعَة المثبتة التي تكون لعباده المؤمنين -كما سبق- وفي هذه الشَّفَاعَة حكم عظيمة، منها إكرام الله ﵎ للنبي ﷺ حينما يشفع للخلق أجمعين في الموقف، وكذلك إذا شفَّع الله ﵎ الشهيد في أهل بيته فهو تكريم له، لأن الله ﷾ يريد أن يظهر فضل الشهيد فيشفعه، وكذلك شفاعة الابن الصالح في أبيه أو العكس ومنها حصول الخير للمشفوع الذي ﵁ فتفضل عليه بقبول الشَّفَاعَة فالأمر إذاً كله لله ﷾.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690857,"book_id":1659,"shamela_page_id":1983,"part":null,"page_num":1983,"sequence_num":1983,"body":"وفي قول النبي ﷺ: (اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا وَيَقْضِي اللهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّه مَا يشَاءُ) دليل على أن الشَّفَاعَةَ الشرعية في الدنيا من أسباب الخير والإعانة التي يعين العبد المسلم بها أخاه، فإذا شفع أجر على هذه الشَّفَاعَةِ، ويقضى الله ﵎ ما يشاء، فلا يخسر الشافع شيئاً؛ بل له أجر شفاعته وإن لم يتحقق كانت له شفاعته، كما قال الله ﵎: مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا [النساء:٨٥] أي: وزر منها، هذا بالنسبة في الدنيا.\r\rوفي الآخرة يقول: [وفي الصحيح أن النبي ﷺ قَالَ: (يا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لا أمْلِكُ لَكُم مِنَ اللهِ مِنْ شيء يا صفية عَمَّةَ رَسُولِ اللهِ لا أَمْلِكُ لَكِ مِنْ اللهِ مِنْ شيء يا عباسُ عَمَّ رَسُولِ اللهِ لا أَمْلِكُ لَكَ مِنْ اللهِ مِنْ شيء) ] .\r\rفاللهُ سبحانه ليس بينه، وبين أحد من الخلق نسب، ولذا يقول تَعَالَى لإبراهيم ﵇ لما أن أتم الكلمات: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً [البقرة:١٢٤] أكرمه الله ومَنَّ عليه فجعله إماماً للناس، فأراد إبراهيم ﵇ الخير لذريته فقَالَ: وَمِنْ ذُرِّيَّتِي [البقرة:١٢٤] أي تبقي الإمامة في ذريتي: قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [البقرة:١٢٤] فكرامة الله لا تنال المجرمين، وإن كانوا أبناء الأَنْبِيَاء والمرسلين، فلا بد من عمل صالح يعمله الإِنسَان حتى ينال هذا الرتبة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690858,"book_id":1659,"shamela_page_id":1984,"part":null,"page_num":1984,"sequence_num":1984,"body":"ولم يكن هنالك أحد أعزُ على النبي ﷺ ممن لم يعمل صالحاً من عمه أبي طالب الذي حمى الدعوة ونصرها وأيدها وحوصِر مع النبي في الشِّعْبِ، وتحمل الأذى كل ذلك من أجل النبي ﷺ ومع ذلك لم يأذن له ربه أن يستغفر له، بل أنزل الله ﵎ عليه إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [القصص:٥٦] فحينئذٍ يأس النبي ﷺ من شأن عمه، ولكن الله أذن له في أن يشفع له الشَّفَاعَةَ التي سبقت، وهي: أن يكون في ضحضاح من نار، له شراكان من نار يغلي منهما دماغه، وهو يظن أنه أشد أهل النَّار عذاباً، وهو أهونهم عذاباً عافانا الله من ذلك، أما أن يدخل الجنة فلا وهذه خاصة بأبي طالب وحده دون غيره من النَّاس.\rفالأمر ليس أمر وساطة أو نسب مجرد، وإنما هو عمل صالح يفعله الإِنسَان وأن يرضى الله ﵎ عنه بأن يشفع له.\r\rثم يقول المصنف ﵀: [وفي الصحيح أيضاً (لا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُم يأتي يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ، أو شَاةٌ لَهَا يَعَارٌ، أو رِقَاعٌ تَخْفِقُ، فَيَقُولُ: أَغِثْنِي أَغِثْنِي فَأَقُولُ: قَدْ أَبْلَغْتُكَ، لا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ شَيء) ] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690859,"book_id":1659,"shamela_page_id":1985,"part":null,"page_num":1985,"sequence_num":1985,"body":"هذا المال إذا أخذه الإِنسَان من الغلول من بيت مال الْمُسْلِمِينَ أو من الحق العام فلا يجوز له وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ [آل عمران:١٦١] بفتح الياء وضم الغين المعجمة، وفي قراءة بضم الياء وفتح العين، فلو أن أحداً أخذ من الفيء أو من المال العام للمسلمين شيئاً، فإنه يأتي يَوْمَ القِيَامَةِ وهو يحمل ذلك على رقبته نسأل الله العفو والعافية، هذا الذي تهاون فيه كثير من النَّاس -إلا من رحم الله- وأصبحوا يرون أنه مباح وحلال لا شيء فيه، فسيعاقبون عليه، فهذا الرجل الذي كَانَ مولى لرَسُولِ اللهِ ﷺ، وغلَّ شملةً، أي: ملحفةً فَقَالَ ﷺ: (والذي نفسي بيده إنها لتشتعل عليه ناراً) وقد تكون لا تساوي شيئاً مع أنه خرج وجاهد مع رَسُول الله ﷺ ومع ذلك يعذب ويعاقب عليها!\rفإذا كَانَ الصحابي الذي جاهد مع النبي ﷺ وخرج معه ومع ذلك بسبب فساد نيته يعاقب، فما بالكم بمن يغل وهو ليس في جهاد ولا عمل صالح ولم يقدم شيئاً للإسلام وللمسلمين إلا الخيانة والسرقة، وربما تكون وظيفته هذه أخذها بوسائل غير مشروعة، ومع ذلك يرى وكأن بيت مال الْمُسْلِمِينَ من حقه يأخذ منه كما يشاء ويصرفه كما يشاء، وهذا من عمى البصيرة ونسيان الآخرة.\rوالشاهد من القصة أن النبي ﷺ يقول: (لا أملك لك من الله من شيء) . لكن هل يتعارض هذا مع كونه ﷺ يشفع لأصحاب الكبائر؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690860,"book_id":1659,"shamela_page_id":1986,"part":null,"page_num":1986,"sequence_num":1986,"body":"والجواب أنه لا تعارض فالنبي ﷺ الذي هو سيد الشفعاء لا يملك من عند نفسه أن يشفع، لكن إذا أذن الله تَعَالَى له أن يشفع في الذي غل أو سرق أو زنى أو أذنب بأي ذنب فإنه يشفع، ولهذا قَالَ المُصْنِّفُ ﵀: [فإذا كَانَ سَيِّدُ الخلقِ وأَفْضَلُ الشفعاء يقول لأخصِّ النَّاس به (لا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ شَيء) فما الظن بغيره؟!] نعم، فما الظن بغيره وإن كَانَ صالحاً أو شهيداً أو براً أو تقياً.\r\rثُمَّ يقول ﵀: [وإذا دعاه الداعي، وشفع عنده الشفيع، فسمع الدعاء وقبل الشَّفَاعَة، لم يكن هذا هو المؤثر فيه، كما يؤثر المخلوق في المخلوق؛ فإنَّه ﷾ هو الذي جعل هذا يدعو ويشفع] فالله ﷾ يختلف شأنه عن شأن غيره من المخلوقين والعالمين جميعاً، لأنه هو الذي خلق الأسباب، وأما غيره فهو من الأسباب، ولو أن مخلوقاً شفع لك عند مخلوق آخر فحصل لك الخير فإنك حينئذ تقول: كَانَ هذا الشيء بفضل الله، ثُمَّ بفضل فلان وفلان فاجتمع سببان: الشافع، والمشفوع لديه، ويسر الله الخير أو الفضل على يديهما، فهذا شفع وهذا استجاب فكان لك المطلوب، لكن بالنسبة لله تَعَالَى فإن الأمر يختلف.\rونتيجة لذلك نعرف أن باب الشَّفَاعَة من أعظم الأبواب التي نتعرف بها على حقيقة توحيد الله ﷾، لأن الدعاء هو العبادة وتوحيد الألوهية يُعرف عندما نعرف حقيقة الشَّفَاعَةِ المنفي منها والمثبت.\rثُمَّ يتطرق المُصْنِّف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى مسألة لها علاقة بموضوع القدر فَيَقُولُ:\r[وهو الخالق لأفعال العباد، فهو الذي وفق العبد للتوبة، ثُمَّ قبلها، وهو الذي وفقه للعمل، ثُمَّ أثابه، وهو الذي وفقه للدعاء، ثُمَّ أجابه، وهذا مستقيم على أصول أهل السنة المؤمنين بالقدر، وأن الله خالق كل شيء] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690861,"book_id":1659,"shamela_page_id":1987,"part":null,"page_num":1987,"sequence_num":1987,"body":"الإيمان بالقدر له أربع مراتب: سنذكرها إن شاء الله تفصيلاً فيما بعد، لكن نوجزها الآن لكي نصل إِلَى مرتبة الخلق، ومعنى الإيمان بالقدر: أن نؤمن بأنه ركن من أركان الإيمان كما في حديث جبريل ومن معانيه أن يؤمن بمراتبه الأربع.\rوأول المراتب: العلم: فنؤمن بأن الله ﷾ يعلم ما كَانَ وما سيكون وأدلتها مستفيضة.\r\rثُمَّ المرتبة الثانية: الكتابة، أي: أن الله ﷾ كتب ذلك كله أيضاً في اللوح المحفوظ كما في الحديث عنه ﷺ أنه قَالَ: (أول ما خلق الله القلم أمره أن يكتب فكتب مقادير كل شيء قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة) وقبل ذلك يقول الله تعالى: مَا أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَاب [الحديد:٢٢] وقَالَ: وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ [يّس:١٢] .\rثُمَّ المرتبة الثالثة: وهي المشيئة والإرادة: فكل ما وقع فالله قد شاء أن يقع، ولا يقع في خلقه ما لم يشأ ﷾ سواء من الشر أو من الخير، وشاء وقوع الشر ولم يرض به، وشاء وقوع الخير ورضي به.\rوالمرتبة الرابعة: وهي مرتبة الخلق والإيجاد: فلو أن فلاناً من النَّاس صلّى في وقت معين فإن الله سبحانه قد علم أنه سيصلي في هذا الوقت المعين قبل أن يخلقه، بل قبل أن يخلق السماوات والأرض، وكتب الله ﵎ أنه سيصلى كذلك، وشاء اللهُ ﵎ أن يصلي، وخلق الله ﵎ في هذا العبد هذا الفعل كما قال تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات:٩٦] فهو الذي خلق هذا العمل، والعبد فاعل له، وهذا مذهب أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ يقرر المسألة بوضوح أن لا خالق إلا الله اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الزمر:٦٢] .\rمن أعظم الردود على القدرية","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690862,"book_id":1659,"shamela_page_id":1988,"part":null,"page_num":1988,"sequence_num":1988,"body":"والذين خالفوا في المرتبة الرابعة من مراتب القدر هم القدرية ولهذا ذكر الإمام أَحْمَد رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عبارة عظيمة في حق القدر فقَالَ: \"ناظروا القدرية بالعلم فإن أقروا به خصموا وإن أنكروه كَفَرُوا\" وهذا يدل عَلَى دقة فهم السلف الصالح.\r\rفنقول لهم: هل يَعلمُ اللهُ ﷾ أن هذا الفعل سيقوم؟ فإذا قالوا: نعم، الله تَعَالَى يعلم ذلك. فنقول لهم: فما المانع أن يكون كتبه، فإن قالوا وكتبه، فنقول لهم: فما المانع أن يشاءه، فإن قالوا لا مانع أن يشاءه، لكن العبد هو الذي يفعل، فنقول لهم: أهو الذي خلقه؟ فإما أن تقولوا إن الله علمه وكتبه وشاءه والعبد خلقه وهذه لا يقرها عقل سليم، أو يقولوا: والله خلقه، فيستسلموا، ويلزموا الحجة، فإن لم يقروا فنتجادل معهم في العلم.\rفإذا لم يقر القدري بأن الله يعلم كل شيء فقد كفر، لا لأنه أنكر أن العبد يخلق فعل نفسه، بل لأنه أنكر شيئاً واضحاً، يعلم العامي والجاهل من الْمُسْلِمِينَ أن من قاله يكفر.\r\rمذهب أهل السنة في إثبات القدر\rومذهب أهْل السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ أن الله تَعَالَى خالق كل شيء، ومنها أفعال العباد، وهذا يُجلي لنا حقيقة عظيمة يريدها المصنف، وهي حقيقة التوحيد، وأنه لا شأن لأحد ولا فضل إلا من بعد فضل الله ﷾، فهو الذي خلقك أولاً، ثُمَّ أعطاك الهداية، ووفقك للعمل الصالح وللدعاء، وأثابك عليه، وهو الذي خلق هذا العمل فيك وأعطاك القدرة عليه، ثُمَّ هو بعد ذلك يمتنُّ عليك بالجنة جزاء لك عَلَى هذا العمل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690863,"book_id":1659,"shamela_page_id":1989,"part":null,"page_num":1989,"sequence_num":1989,"body":"فالفضل كله من أول الأمر إِلَى آخرِهِ للهِ ﷾، والعبد دائرٌ بين منزلتين منزلة إِيَّاكَ نَعْبُدُ ومنزلة إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ وهو في الحالتين لا يملك شيئاً. فالعبادة لله وحده، والاستعانة عَلَى أداء هذه العبادة وتحقيقها هي من عند الله ﵎ وتطلب منه وحده، ولذلك كَانَ النبي ﷺ يدعو الله ويقول: (ولا تكلني إِلَى نفسي طرفة عين) نعوذ بالله أن يكلنا الله ﵎ إِلَى أنفسنا، فإن العبد لو خلى بينه وبين نفسه فإنه يخذل ولا يوفق للخير أبداً.\rولهذا فالله ﷾ لم يظلم الكفار والعصاة أبداً بل بين لهم الحق وأنار لهم الطريق، وغاية ما في الأمر أنه تَعَالَى لم يوفقهم للخير، فسلكوا طريق الشر، ثُمَّ أقام عليهم الحجة فازدادوا كفراً، وكلما ظهرت الدلائل القوية المؤكدة لهم أنهم عَلَى باطل وكفر ازدادوا كفراً وعتواً وجبروتاً، كما حصل لقوم فرعون ولكفار قريش ولكل المكذبين الجاحدين في كل زمان ومكان.\r\rولهذا يجب علينا أن نسأل الله ﷾ دائماً أن يوفقنا لما يحب ويرضى، ونسأله أن لا يكلنا إِلَى أنفسنا طرفة عين، ونعلم ونوقن أن الفضل لله وحده، وأن الخير من عنده وحده ﷾، وأننا لا نملك لأنفسنا ضراً ولا نفعاً، فهو الذي يثبت الذين آمنوا بالقول الثابت عند سؤال الملكين، وهو الذي يمن عليهم بأن يجوزوا الصراط، وهو جل شأنه الذي يدخلهم الجنة بفضله تَعَالَى وكرمه، كما قال ﷺ: (لن يدخل الجنة أحد بعمله، قالوا: ولا أنت يا رَسُول الله! قَالَ: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1690864,"book_id":1659,"shamela_page_id":1990,"part":null,"page_num":1990,"sequence_num":1990,"body":"فالخير والفضل كله إليه ﷾ ومنه جل شأنه، وهو الذي عنده خزائن كل شيء، وبهذا نكون قد أكملنا الباب المتعلق بالشَّفَاعَةِ وما تبعه من الاستطراد في مسألة التوسل والْحَمْدُ لِلَّهِ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}