{"page_id":1186984,"book_id":1237,"shamela_page_id":1,"part":null,"page_num":178,"sequence_num":1,"body":"الكتاب: البرهان فى تناسب سور القرآن (ويسمى: البرهان فى ترتيب سور القرآن)\rالمؤلف: أحمد بن إبراهيم بن الزبير الثقفي الغرناطي، أبو جعفر (المتوفى: ٧٠٨هـ)\rتحقيق: محمد شعباني\rدار النشر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ـ المغرب\rعام النشر: ١٤١٠ هـ - ١٩٩٠ م\rعدد الأجزاء: ١\r[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1186985,"book_id":1237,"shamela_page_id":2,"part":null,"page_num":179,"sequence_num":2,"body":"المقدمة\r﷽\rوصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وسلم تسليماً\rقال الشيخ الإمام، العالم العَلَم الأوحد الصدر الجليل، المحدث الناقد\rالمحقق، حبر التأويل وكاشف أسرار التنزيل، أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن\rالزبير الثقفي العاصمي ﵀\rالحمد لله الحكيم العليم، العلي العظيم، ذي الفضل العميم والجود\rالقديم، الذي ابتدأ الإنسان بالنعم فُرادى ومثنى، وخلقه في أحسن تقويم بعد\rكونه نطفة من مني تُمنى، وخصه بمزية التشريف والتكريم، أهّله لتلقي خطابه، وهيأه لتحمل فرقانه العزيز وكتابه، وقد قال سبحانه فيه: (وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤) .\rوالصلاة على محمد نبيه المعظم ورسوله المصطفى المكرم، المخصوص\rبالكتاب، والفاتح لأولي البصائر - بما أيد به من الأعلام الباهرة والحجج\rالقاطعة القاهرة - مستغلق ذلك الباب، فأوضح السبيل للسالك، فلن يهلك على الله بعد بيانه إلّا هالك، وأنى بسلوك ذلك الباب لمن حقت عليه كلمة العذاب، وقد قال سبحانه: (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (١١) .\rوبعد، فإني اعتبرت قوله ﷺ: \" ما من نبي إلا وقد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحياً فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة \".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1186986,"book_id":1237,"shamela_page_id":3,"part":null,"page_num":180,"sequence_num":3,"body":"وتأملت ما أيد به ﵇ من المعجزات سوى القرآن، فإذا\rبدروب لا يحصيها العد، ولا كاد تنحصر بالحد، وقد قال ﷺ: \"وإنما كان الذي أوتيت وحياً\"\rيشير إلى دليل القرآن، وما خص به ﷺ من ساطع ذلك البرهان، وما ذاك إلا لكون معجزته أوضح وأحكم، وأهدى وأقوم، فإنما ضمنت إلى - الدلالة والشهادة إيضاح الطربق وأعلمت بحال كل فريق، ثم زادت بنقائها للمعتبر ومشاهدتها للمدَّكر، وقد اضطر من تأخر فيما\rسواها للخبر، وليس كالعيان، فلله ما أعظمها معجزة باقية مدى الدهور\rوالأزمان، وللمشاهدة حال لا ينكر وتعريف لا يتنكر، وفرق بين ما عرف\rبالمشاهدة وبين ما علم بالدليل، وحسبك سوال نبي الله الخليل.\rفالحمد لله الذي جمع لهذه الأمة الأمرين وخصها بالاعتبارين، فمن\rمعجزات نبينا ﷺ المستوضح اعتبارا بالبيان، والمشاهد حسا بالعيان، وكما أن من تعامى في حياته ﷺ عن نبع الماء من بين أصابعه وغير ذلك من معجزاته\rملوم مدحور، مأزرر غير مأجور، فكذلك من تعامى عن آيات الكثاب وكأن لم يقرع أذنه قارع من هذا الباب، ولهذا نبه تعالى بقوله: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ\"، وبقوله: \"كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ\"، وجهات اعتباره كثيرة، ولسلف هذه الأمة وخلفها مسالك في ذلك شهيرة.\rوإني تأملت منها - بفضل الله - وجوه ارتباطاته وتلاحم سوره وآياته إلى\rما يلتحم مع هذا القبيل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1186987,"book_id":1237,"shamela_page_id":4,"part":null,"page_num":181,"sequence_num":4,"body":"عجائب شواهد التنزيل فعلقت في ذلك ما قدر لي\r\"ثم قطعت بى قواطع الأيام عن تتميم رومى من ذلك وعملي، فاقتصرت بحكم الاضطرار في هذا الاختصار على توجيه ترتيب السور، وإن لم أر في هذا الضرب شيئا لمن تقدم وغبر، وإنما بدر لبعضهم توجيه ارتباط آيات في مواضع مفترقات، وذلك في الباب أوضح، ومجال الكلام فيه أفسح وأسرخ.\rأما تعلق السور على ما ترتبب في الإمام، واتفق عليه الصحابة الأعلام\rفمما لم يتعرض له فيما أعلم، ولا قرع أحد هذا الباب ممن تأخر أو تقدم، فإن صلى أحد بعد فهذه الإقامة، أو أتمَّ فمرتبط حتما بهذه الإمامة، فإن أنصف فلابد أن ينشد إذعانا للحق وإنابة:\rفلو قَبل مبكاها بَكت صبابة\rولما كمل لي بفضل الله الأمل من جليل هذا العمل، غريبا في بابه، رفيعا\rفي نصابه، موفى التحرير، معدوم النظير، تحصل بمطالعته العلم اليقين، ويفصح بشهادته أن العاقبة للمتقين، والله ينفع فيه بالنية من مرضاته الأُمنيَّة بمنه ويمنه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1186988,"book_id":1237,"shamela_page_id":5,"part":null,"page_num":182,"sequence_num":5,"body":"باب التعريف بترتيب السور\rوهل ذلك بتوتيف من الشارع ﷺ أم هو من فعل الصحابة؟\rاعلم أولا أن ترتيب الآيات في سورها وقع بتوقيف ﷺ وأمره من غير خلاف في هذا بين المسلمين، وإنما اختلف في ترتيب السور على ما هي عليه\rوكما ثبت في الإمام مصحف عمان بن عفان ﵁ الذي بعث بنسخة إلى الآفاق، وأطبقت الصحابة على موافقة عثمان في ترتيب سوره وعمله فيه، فذهب مالك، والقاضي أبو بكر بن الطيب. فيما اعتمده واستقر عليه مذهبه من قوليه، والجمهور من العلماء، إلى أن تريب السور إنما وقع باجتهاد الصحابة، وأن رسول الله ﷺ فوض ذلك إلى أمته بعده، وذهبت طائفة من العلماء إلى أن ذلك إنما\rوقع بتوقيفه عدوط وأمره، ولكل من الطائفتين جهات تعلق، وكلا القولين والحمد لله لا يقدح في الدين، ولا يثمر إلا اليقين، فأقول مستعينا بالله سبحانه:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1186989,"book_id":1237,"shamela_page_id":6,"part":null,"page_num":183,"sequence_num":6,"body":"اعلم أن الأمر في ذلك كيفما قدر فلابد من رعي التناسب، والتفات\rالتواصل والتجاذب، فإن كان بتوقيف منه ﷺ، فلا مجال للخصم بعد ذلك التحديد الجليل والرسم، وإن كان مما فوض فيه الأمر إلى الأمة بعده فقد أعمل الكل من الصحابة في ذلك جهده، وهم الأعلياء بعلمه، والمسلم لهم في وعيه وفهمه، والعارفون بأسباب نزول الآيات، ومواقع الكلمات، وإنما ألفوا القرآن على ما\rكانوا يسمعونه من رسول الله ﷺ وهذا قول مالك ضي الله عنه في حكاية بعضهم عنه، ومالك أحد القائلين بأن ترتيب السور اجتهاد من المسلمين كما تقدم عنه، فكيف مادار الأمر، فمنه ﷺ عرف ترتيب السور، وعلى ما سمعوه منه بنوا\rجليل ذلك النظر، فإذاً إنما الخلاف هل ذلك يتوقيف قولي أو بمجرد استناد فعلي بحيث بقى لهم فيه مجال للنظر؟ فهذا موضع الخلاف.\rفإن قيل إذَا كانوا قد سمعوا منه ﷺ استقر عليه ترتيبه ففيم إذاً عملوا الأنظار، وأي مجال بقي لهم بعد للاختيار؟\rفالجواب أنا قد روينا في صحيح مسلم عن حذيفة رضى الله عنه قال: صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة فافتتح\rبالبقرة، فقلت يركع عند المائة؟ ثم مضى، فقلت يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران....... الحديث.\rفلما كان ﷺ ربما فعل هذا إرادة التوسعة على الأمة، وبيانا لجليل تلك النعمة، كان محلا للتوقف حتى استقر النظر على وعى من كان من فعله الأكثر\rفهذا محل اجتهادهم في المسألة والله اعلم.\rثم يشهد لما بنينا كتابنا هذا عليه ما روينا في مصنف ابن أبي شيبة عن\rأناس من أهل المدينة قال الحكم: أرى منهم أبا جعفر قال: كان رسول الله ﷺ -","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1186990,"book_id":1237,"shamela_page_id":7,"part":null,"page_num":184,"sequence_num":7,"body":"يقرأ في الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين، فأما سورة الجمعة فيبشر بها المؤمنين\rويحرضهم، وأما صورة المنافقين فيؤيس بها المنافقين ويوبخهم.\rوحكى الخطابى أن الصحابة لما اجتمعوا على القرآن، وضعوا سورة القدر\rعقيب العلق، واستدلوا بذلك على أن المراد بهاء الكتابة في قوله: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)\rإشارة إلى قوله: اقرأ، قال القاضى أبو بكر بن العربي. وهذا\rبديع جدا، قلت: ومن ظن ممن اعتمد القول بأن ترتيب السور اجتهاد من الصحابة\rأنهم لم يراعوا في ذلك التناسب والاشتباه فقد سقطت مخاطبته، وإلا فما المراعى\rوترتيب النزول غير ملحوظ في ذلك بالقطع، بل هذا معلوم في ترتيب آي اقرآن، الواقع ترتيبها بأمره ﵇ وتوقيفه بغير خلاف، ألا ترى أن سورة البقرة من المدني\rوقد تقدمت سور القرآن بتوقيفه ﵇ في الصحيح المقطوع به، وتقدم المدني على المكي في ترتيب السور والآي كثير جدا، فإذا سقط تعلق الضمان بترتيب النزول\rلم يبق إلى رعي التناسب والاشتباه، وارتباط النظائر والاشباه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1186991,"book_id":1237,"shamela_page_id":8,"part":null,"page_num":185,"sequence_num":8,"body":"وتدبر بعقلك وضوح ذلك في عدة سور كالأنفال وبراءة، والطلاق والتحريم، والتكوير والانفطار، والضحى وألم نشرح، والفيل وقريش، والمعوذتين إلى غير هذه السور مما لا يتوقف في وضوحه من له أدنى نظر.\rوقد مال القاضى أبو محمد عبد الحق بن عطية. ﵀ في ترتيب\rالسور إلى القول بالتفصيل.\rوهو أن كثيرا من سور القرآن قد كان علم ترتيبها في\rأيامه ﷺ كالسبع الطوال، والحواميم، والمفصل، وأشار كلامه إلى أن مما سوى ذلك\rيمكن أن يكون ﵇ فوض فيه الأمر إلى الأمة بعده، ولم يقطع القاضى أبو محمد في هذا القسم الثاني بشىء.\rوظواهر الآثار شاهدة بصحة ما ذهب إليه في أكثر ما نُص عليه، ثم يبقى بعدُ\rقليل من السور يمكن فيها جري الخلاف أو يكون وقع، وإذا كان مستند المسألة النقل لم يصعب خلاف غير أهله، على أن ما مهدناه من المراعاة في الترتيب حاصل لا محالة على كل قول، ولنورد هنا بعض ما يشهد بظاهره من الآثار لما قاله القاضى أبو محمد على ما نطنا به فمن ذلك:\rقوله ﵇: (اقرأوا الزهراوين: البقرة وآل عمران) . في حديث\rخرجه مسلم وغيره، وخرج أيضا قوله ﷺ: (يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به تقدمه سورة البقرة وآل عمران.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1186992,"book_id":1237,"shamela_page_id":9,"part":null,"page_num":186,"sequence_num":9,"body":"وفي مصنف ابن أبى شيبة عن معبد بن خالد. قال: (صلى رسول الله ﷺ بالسبع الطوال في ركعة، وفيه أنه ﵇ (كان يجمع المفصل في ركعة.\rوفي صحيح البخارى عن عبد الرحمن بن زيد قال سمعت عبد الله بن مسعود\rيقول في بني إسرائيل والكهف ومريم وطه والأنبياء: إنهن من العتاق الأولى، وهن من تلادى، فذكرها نسقا كما استقر ترتيبها.\rوفي صحيح البخارى أيضا عن عائشة أن النبي ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ فيهما قل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق،وقل أعوذ برب الناس..... الحديث.\rوفي المصنف عن عمر أنه قرأ في ركعة واحدة ألم تر كيف فعل ربك\rبأصحاب الفيل، ولإيلاف قريش، وروى أنهما في مصحف أبى غير مفصول بينهما","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1186993,"book_id":1237,"shamela_page_id":10,"part":null,"page_num":187,"sequence_num":10,"body":"بالبسملة.\rقلت والوارد من هذا عن النبي ﷺ وعن كبار الصحابة قبل كتب المصحف كثير ومروى من طرق شتى، في أحوال مختلفة، فإن قيل فقد كان يجب على ما أشرت إليه أن يكون القول بالتوقيف أكثر وأشهر، والأمر على خلاف ذلك، فإن مالكا ﵀، والقاضى أبا بكر من المتكلمين وأكثر أهل العلم قائلون بأن ترتيب السور اجتهاد من الصحابة وقد مر.\rفالجواب أن الآثار المستفيضة والمقطوع به منها، إنما ورد ذلك في الأكثر ولم\rيرد فيما بين كل سورتين سورتين، ولا شك أنه إذا بقي بعض ذلك لاجتهادهم ولو فيما بين سورتين، جرى المقول المشهور عليه وصح اعتماده، ثم أن الآثار إنما وقعت بفعل، لا بقول وأمر يحصل منه الوقيف. فإذا قد آل الأمر إلى أن تلك الآثار هي مستند اجتهادهم وأصل اتفاقهم، وهذا أراد مالك ﵀ بقوله: وإنما\rألفوا القران على ما كانوا يسمعونه من رسول الله ﷿، وهذا القدر كاف في المقصود، والحمد لله رب العالمين.\rسورة أم القرآن\rقد ذكر الناس كيفية تضمنها مجملا لما تفصل في الكتاب العزيز","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1186994,"book_id":1237,"shamela_page_id":11,"part":null,"page_num":189,"sequence_num":11,"body":"بجملته.\rوهو أوضح وجه في تقدمها سوره الكريمة. ثم هي مما يلزم المسلمين\rحفظه، ولابد للمصلين من قرائتها، ثم افتتاحها بحمد الله سبحانه. وقد\rشرع في ابتداءات الأمور، وأوضح الشرع فضل ذلك وأخذ به كل خطيب\rومتكلم، وفيها تعقيب الحمد لله سبحانه بذكر صفاته الحسنى والإشارة إلى إرسال الرسل في قوله، \"اهدنا\" وقوله \"صراط الذين أنعمت عليهم \"، وقد قال تعالى: \"أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده (الأنعام ٩٥) وذكر افتراق الخلق بذكر المهتدين، وذكر المغضوب عليهم ولا الضالين، وإن ملاك الهدى بيده، \"وإياك نستعين \" وهذا كله أشفى شيء في بيان التقديم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1186995,"book_id":1237,"shamela_page_id":12,"part":null,"page_num":190,"sequence_num":12,"body":"سورة البقرة\rلما قال العبد بتوفيق ربه \"اهدنا الصراط المستقيم \" قيل له: \"ذلك الكتاب\rلا ريب فيه \" (آية ٢) هو مطلوبك وفيه أربك، وهو الصراط المستقيم \"هدى للمتقين \" (آية ٢) القائلين اهدنا الصراط المستقيم والخائفين من حال الفريقين المغضوب عليهم ولا الضالين، فاتخذوا وقاية من العذاب خوف ربهم وتقواه بامتثال أمره ونهيه، ثم أشير من الأعمال إلى ما يستحق سائرها من قبيلي البدنيات والماليات بيانا للصراط المستقيم فقيل في وصف المتقين أنهم (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)\rوحصل من هذا حصر الفعل والترك الضابطين لجميع الأعمال كيف ما تشعبت، في مهد التفسير عند ضم ما ورد هنا\rإلى قوله: \"إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ\" (العنكبوت ٤٣)\rووقع الفعل صريحا والترك إيماء للتناسب المبين حيث ذكر، ثم بين لهم قدر النعمة عليهم في طلب الهدى من الله في قولهم \"اهدنا\" قيل: \"إن الذين كفروا.... الآية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1186996,"book_id":1237,"shamela_page_id":13,"part":null,"page_num":191,"sequence_num":13,"body":"ليعلموا أن الهدى من عنده فيلحوا في الطلب ويتبرؤوا من ادعاء حول\rأو قوة.\rتم نبهوا على الإخلاص، وأن يكون قولهم \"اهدنا الصراط \" صادرا عن يقين\rوإخلاص حتى لا يشبهوا من يقول: \"آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمومنين \"، وبسط لهم حال هؤلاء في ثلاث عشرة آية ما يوضح لهم طريق\rالهدى الواضح، إذ حذروا من شكك هؤلاء وحيرتهم فقالوا: اهدنا عن يقين\rوإخلاص، ثم أعقب ذلك الدلائل المشاهدة من جعل الأرض فراشا والسماء بناء وإنزال الماء وإخراج النبات وذلك كله أمر مشاهد يصل إليه كل عاقل بأول وهلة.\rثم أعقب بابتداء الخلق وهو قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)\rوذلك كله مبين لقوله \"رب العالمين ملك يوم الدين \" إذ من البدأة تعلم العودة لمن تدبر، وقد نبه تعالى بتكرر النبات.\rثم ذكر أحوال بني إسرائيل وإمهالهم على مرتكباتهم ومعاملتهم بالعفو والإقالة\rوذلك مبين سعة رحمته، وأعلم تعالى أن أفعالهم تلك مما أعقبهم أن \"ضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله \" (البقرة: ٦١) تحذيرا لمن طلب سلوك الطريق المستقيم من حالهم، وإعلاما لعباده أن المتقين المستجاب لهم عند قولهم \"اهدنا\" ليسوا في شيء من ذلك لأنهم قالوا اهدنا عن يقين وإخلاص متبرين من المساوىء.\rثم أعقب تعالى تفصيل أحوال هؤلاء بقوله: \"وإذا ابتلى إبراهيم ربه\rبكلمات فأتمهن \"البقرة ١٢٤) ليبين أحوال المصطفى من أهل الصراط المستقيم فأنبأ تعالى بحال إبراهيم، وإتمام ما ابتلاه به من غير توقف ولا بحث عن علة، وهي أسنى أحوال العباد، وفي طرف من حال من قدم من بني إسرائيل وهذا الموضع مما يعضد ما ظهر في قصة أمر بنى إسرائيل في ذبح البقرة من وجوه الحكمة،\rفتوقفوا وشددوا بعد إسائتهم الأدب مع نببهم فأورثهم ذلك نكالا وبعدا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1186997,"book_id":1237,"shamela_page_id":14,"part":null,"page_num":192,"sequence_num":14,"body":"فالصراط المستقيم حال إبراهيم ﵇ ومن ذكر من الأنبياء والرسل\r\"أولئك الذين هدى الله \" (الأنعام ٩٥) وهم المنعم عليهم.\rثم أعقب ذلك بما نسبوا لإبراهيم وبنيه المصطفين بعد أن بين حاله فقال:\r\"أم يقولون أن إبراهيم ... الآية (البقرة: ١٤٠) وبين فساد اليهودية والنصرانية وبرأ نبيه إبراهيم والأنبياء عن ذلك، وأوضح أن الصراط المستقيم هو ما كانوا عليه لا اليهودية ولا النصرانية.\rثم ذكرهم بوحدانيته تعالى \"وإلهكم إله واحد\" (البقرة: ١٦٣) ثم نبه على\rالاعتبار ودلائل التوحيد، وبين حال من اعتمد سواه جل وتعالى فقال: \"إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا\" (البقرة: ١٦٦) وبين سوء حال المشركين وأنهم لاحقون باليهود والنصارى في انحرافهم عن الصراط المستقيم وحيدتهم عن الجادة، ووقع تنبيه هؤلاء بدون ما ضمنه تنبيه بنى إسرائيل من التقريع والتوبيخ لفرقان ما بينهم لأن كفر هؤلاء تعنيت بعد مشاهدة الآيات \"وجعلنا قلوبهم قاسية\".\rومتى بين شيء في الكتاب العزيز من أحوال النصارى فليس على ما ورد\rمثله في (بني إشرائيل) لا ذكر، وخطاب مشركي العرب فيما أشير إليه دون\rخطاب الفريقين إذ قد تقدم لهم (ذكر) ما لم يتقدم للعرب، وبشروا في. كتبهم وليس لمشركي العرب (مثل ذلك) ، والزيغ عن الهدى شامل للكل، وليسوا في شيء من الصراط المستقيم، مع أن أسؤا الأحوال حال من أضله الله على علم) .. وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفى شقاق بعيد (البقرة: ١٧٦ (.\rوهنا انتهى ذكر ما حذر منه ونهى عنه من أراد سلوك الصراط المستقيم،\rوبيان حال من حاد عنه وتنكبه، وظن أنه على شىء، وضم مفترق أصناف الزائغين في","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1186998,"book_id":1237,"shamela_page_id":15,"part":null,"page_num":193,"sequence_num":15,"body":"أصناف ثلاثة وهم: اليهود، والنصارى، وأهل الشرك، وبهم يلحق سائر من تنكب فيلحق باليهود منافقو أمتنا ممن ارتاب بعد إظهار إيمانه وفَعل أفاعيلهم من المكر والخديعة والاستهزاء، ويلحق بالنصارى من اتصف بأحوالهم، وبالمشركين من جعل لله ندا (أو اعتقد) فعلا لغيره تعالى على غير طريقة الكسب، والمجوس لاحقون بأهل الشرك، والشرك أكثر هذه الطرق السيئة تشعبا، ولهذا قال ﷺ:\r\"الشرك في أمتي أخفى من دبيب النمل \"،\rومن فعل أفعال من ذكر ولم ينته به الأمر إلى مفارقة دينه والخروج في شيء من اعتقاده خيف عليه أن يكون ذلك وسيلة إلى اللحوق بمن تشبه به وإلى هذا أشار ﵇ بقوله \"أربع من كن فيه كان منافقا خالصا\".\rإلى أشباه هذا من الأحاديث.\rثم ذكر تعالى من أول آية \"ليس البر\" (١٧٧) ما لزم - المتقين لما بين لهم ما\rهو خروج عن الصراط المستقيم، وحذروا منها عقب ذكر ما يلزمهم، فابتدىء من هناك بذكر الأحكام إلى قوله: \"آمن الرسول \" خاتمة السور، وفصل لهم كثيرا مما كلفوه، فذكر الإيمان وفصل تفصيلا لم يتقدم، وأعقب بذكر الصدقة وموقعها على التفصيل، وفي ذكر إتيان المال عقب الإيمان إشعارا بما فيه السلامة من فتنة المال\r\"إنما أموالكم وأولاكم فتنة\" التغابن: ١٥) ، وإشارة من الآية إلى أنه يبعد حب المال بل يستحيل وجوده ممن أحب الله سبحانه، وأن محبة الله تعالى تهون عليه كل شىء \"لا تمدن عينيك.... إلى \"لا نسألك رزقا\" (طه: ١٣١ - ١٣٢) ، ثم ذكر الزكاة والصيام والحج والجهاد إلى غير ذلك من الأحكام كالنكاح والطلاق والعدد والحيض والرضاع والحدود والربا والبيوع إلى ما تخلل هذه الآيات من تفاصيل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1186999,"book_id":1237,"shamela_page_id":16,"part":null,"page_num":194,"sequence_num":16,"body":"الأحكام ومجملها، وقدم منها الوفاء بالعهد والصبر، لأن ذلك يحتاجِ إليه في كل الأعمال، وما تخلل هذه الآيات من لدن قوله: \"وليس البر\" إلى قوله \"آمن الرسول \"\rمما ليس من قبيل الإلزام. والتكليف فلسبب أوجب ذكره\rولتعلق أو نسق استدعاه\rولما بين سبحانه أن الكتاب هو الصراط المستقيم، وذكر افتراق الأمم\rكما شاء، وأحوال الزائغين والمتنكبين تحذيرا من حالهم ونهيا عن مرتكبهم وحصل قبيل التروك بجملته وانحصار التاركين، وأعقب بذكر ملتزمات المتقين وما ينبغي لهم امتثاله والأخذ به من الأوامر والأحكام والحدود، أعقب ذلك بأن المرء يجب أن ينطوي على ذلك ويسلم الأمر لمالكه فقال تعالى: \"آمن الرسول \"\rفاعلم أن هذا إيمان الرسول ومن كان معه على إيمانه وأنهم قالوا:.\r\"سمعنا وأطعنا\"\rلا كقول بني إسرائيل \"سمعنا عصينا\"\rوأنه أثابهم على إيمانهم برفع الإصر والمشقة والمؤاخذة بالخطأ والنسيان عنهم فقال: \"لا يكلف الله نفسا إلا وسعها\"\rفحصل من هذه السورة بأسرها بيان الصراط المستقيم على الاستيفاء والكمال.\rأخذا وتركا، وبيان شرف من أخذ به، وسوء حال من تنكب عنه، وكأن العباد لما عُلِّموا (أن يقولوا) اهدنا الصراط المستقيم إلى آخر السورة قيل لهم عليكم بالكتاب إجابة لسؤالهم، ثم - بين لهم حال من سلك ما طلبوه، فكان قد قيل لهم أهل الصراط المستقيم وسالكوه هم الذين من شأنهم وأمرهم، والمغضوب عليهم من المتنكبين هم اليهود الذين من أمرهم وشأنهم، والضالون هم النصارى الذين من شأنهم وأمرهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187000,"book_id":1237,"shamela_page_id":17,"part":null,"page_num":195,"sequence_num":17,"body":"فيجب على من رغب في سلوك الصراط المستقيم أن يحذر ما أصاب هؤلاء\rمما نبه عليه وأن يأخذ نفسه بكذا وكذا، وأن (ينسحب إيمانه) على كل ذلك\rوأن يسلم الأمر لله الذي يَطلب منه الهداية ويتضرع إليه بأن لا يواخذه لما\rيثمره الخطأ والنسيان وألا يُحمله ما ليس في وسعه وأن يعفو عنه إلى آخر السؤال.\rسورة آل عمران\rاتصالها بسورة البقرة والله أعلم من جهات:\rإحداها ما تبين في صدر السورة مما هو إحالة على ما ضمن في سورة\rالبقرة بأسرها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187001,"book_id":1237,"shamela_page_id":18,"part":null,"page_num":196,"sequence_num":18,"body":"ثانيها الإشارة في صدر السورة أيضا إلى أن الصراط المستقيم قد بين\rشأنه لمن تقدم في كتبهم، وأن هذا (الكتاب) جاء مصدقا لها\r(نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ)\rليبين لأمة محمد ﷺ، أن من تقدمهم قد بين لهم \"وما\rكنا معذبين حتى نبعث رسولا\".\rوالثالثة قصة عيسى ﵇، وابتداء أمره من غير أب والاعتبار به\rنظير الاعتبار بآدم ﵇، ولهذا أشار قوله تعالى: \"إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم (آل عمران: ٣٩) كما اتبعت قصة آدم بذكر بني إسرائيل لوقوففم من تلك القصة. على ما لم تكن العرب تعرفه وأنذروا وحذروا، واتبعت أيضا قصة عيسى ﵇ بذكر الحواريين وأمر النصارى إلى آية المباهلة حسبما نبسط بعد، ولنبين وجه الانفصال من صدر السورة فأقول مستعينا بالله.\rإن قوله سبحانه: نزل عليك الكتاب \"بيان لحال الكتاب الذى هو هدى للمتقين ولما بين افتراق الأمم بحسب السابقة إلى أصناف ثلاثة، وذكر من تعنيت بني","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187002,"book_id":1237,"shamela_page_id":19,"part":null,"page_num":197,"sequence_num":19,"body":"إسرائيل وتوقفهم ما تقدم، أخبر تعالى هنا أنه أنزل عليهم التوراة وأنزل بعده\rالإنجيل وأن كل ذلك هدى لمن وفق.\rثم أشار قوله تعالى: \"إن الله لا يخفى عليه شىء\" (آل عمران: ٥) إلى\rما تقدم من تفصيل أخبارهم، فكان الكلام في قوة أن لو قيل أتخفى عليه\rمرتكبات العباد وهو مصورهم في الأرحام والمطلع عليهم حيث لا يطلع عليهم غيره.\rثم لما بلغ الكلام هنا، كأن قد قيل فكيف طرأ عليهم مع وجود الكتاب\rفأخبر تعالى بشأن الكتاب، وأنه محكم ومتشابه وكذا غيره من الكتب والله\rأعلم..","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187003,"book_id":1237,"shamela_page_id":20,"part":null,"page_num":198,"sequence_num":20,"body":"فحال أهل التوفيق تحكيم المحكم، وحال أهل الزيغ المتشابه والتعلق به، وهذا بيان قوله: \"يضل به كثيرا ويهدى به كثيرا (البقرة: ٢٦) وكل هذا بيان لكون الكتاب العزيز أعظم فرقا وأوضح بيانا، إذ قد أوضح أحوال المختلفين، ومن أين أتي عليهم مع وجود الكتب، وفي أثناء ذلك تنبيه العباد على عجزهم، وعدم استبدادهم لئلا يغتر الغافل فيقول مع هذا البيان ووضوح الأمر لا طريق إلى تنكب الصراط، فنهوا حين علموا الدعاء من قوله \"وإياك نستعين \".\rثم كرر تنبيههم لشدة الحاجة ليذكر هذا أبداً ففيه معظم البيان، ومنه ينشأ\rالشرك الأكبر، إذ اعتقاد الاستبداد بالأفعال إخراج لنصف الموجودات عن يد بارئها \"والله خلقكم وما تعملون \" (الصافات: ٩٦) ، فمن التنبيه \"إن الذين كفروا\" (البقرة: ٦) ومنه \"يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا\" (البقرة: ٢٦) ومنه \"آمن الرسول\" إلى خاتمتها) .\rهذا من جلى التنبيه ومحكمه، ومما يرجع إليه ويحرز معناه بعد اعتباره\r(وإلهكم إله واحد) وقوله: \"الله لا إله إلا هو الحي القيوم \"\r(البقرة: ٢٥٥) ، فمن رأى الفعل أو بعضه لغيره تعالى حقيقة فقد قال بإلهية\rغيره، ثم حذروا أشد التحذير لما بين لهم فقال تعالى: \"إن الذين كفروا بآيات\rالله لهم عذاب شديد. (آل عمران: ٤) ثم ارتبطت الآيات إلى آخرها.\rسورة النساء\rلما تضمنت سورة البقرة ابتداء الخلق وإيجاد آدم ﵇ من غير أب\rولا أم، وأعقبت بسورة آل عمران لتضمنها - مع ما ذكر في صدرها أمر عيسى عليه السلام","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187004,"book_id":1237,"shamela_page_id":21,"part":null,"page_num":199,"sequence_num":21,"body":"وأنه كمثل آدم في (عدم) الافتقار إلى أب، وعلم الموقنون من ذلك أنه\rتعالى لو شاء لكانت سنة فيمن بعد آدم ﵇، (فكان سائر الحيوان لا\rيتوقف على أبوين، أو كان يكون) عيسى ﵇ لا يتوقف إلا على أم\rفقط، أعلم سبحانه أن من عدا المذكورين ﵈ من ذرية آدم سبيلهم سبيل الأبوين فقال تعالى: \"يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً\".\rثم أعلم تعالى بكيفية النكاح المجعول سببا في التناسل وما يتعلق به،\rوبين حكم الأرحام والمواريث، وتضمنت السورة ابتداء الأمر وانهاءه فاعلمنا\rبكيفية الناكح، وصورة الاعتصام واحترام بعضنا لبعض كيفية تناول الإصلاح فيما بين الزوجين عند التشاجر والشقاق، وبين لنا ما ينكح وما لا ينكح وما أبيح من العدد، وحكم من لم يجد الطول وما يتعلق بهذا إلى المواريث، فصل ذلك كله، إلا الطلاق لأن أحكامه قد تقدمت، ولأن بناء هذه السورة على التواصل والائتلاف ورعي حقوق ذوي الأرحام) وحفظ ذلك كله إلى حالة الموت","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187005,"book_id":1237,"shamela_page_id":22,"part":null,"page_num":200,"sequence_num":22,"body":"المكتوب علينا وناسب هذا المقصود (من) التواصل والألفة ما افتتحت به\rالسورة من قوله (تعالى) : \"اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا\"\rبالالتئام والوصلة، ولهذا خصت حكم تشاجر الزوجين بالإعلام بصورة الإصلاح والعدل إبقاء لذلك التواصل، فلم يكن الطلاق\rليناسب هذا فلم يقع له هنا ذكر ولا إيماء \"وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته \" ولكثرة ما يعرض من رعى حظوظ النفوس عند الزوجية ومع القرابة\rويدق ذلك ويغمض، لذلك ما تكرر كثيرا في هذه السورة الأمر بالاتقاء،\rوبه افتتحت \"اتقوا ربكم \" \"وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ\"\r\"وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ\"\rثم حذروا من حال من صمم على الكفر، وحال اليهود والنصارى\rوالمنافقين وذوى التقلب في الأديان بعدًا عن اليقين، \"وكل ذلك تأكيد لا\rأمروا به من الاتقاء، والتحمت الآيات إِلى الختم بالكلالة من المواريث المتقدمة.\rسورة المائدة\rلما بين تعالى حالة أهل الصراط المستقيم ومن تنكب عن نهجهم، ومآل\rالفريقين من المغضوب عليهم ولا الضالين، وبين لعباده المتقين ما فيه هداهم وبه خلاصهم أخذا وتركا، وحصل طي ذلك الأسهم الثمانية الواردة في حديث","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187006,"book_id":1237,"shamela_page_id":23,"part":null,"page_num":201,"sequence_num":23,"body":"حذيفة من قوله: (الإسلام ثمانية أسهم: الشهادة سهم، والصلاة سهم،\rوالصوم سهم، والحج سهم، والجهاد سهم، والأمر بالمعروف سهم، وقد خاب من لا سهم له) ، وقال ﷺ: بني الإسلام على خمس، وقد تحصلت وتحصل مما تقدم أيضا أن أسوأ حال المخالفين حال من غضب الله عليه ولعنه، وإن ذلك ببغيهم وعدوانهم ونقضهم العهود \"فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم \"","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187007,"book_id":1237,"shamela_page_id":24,"part":null,"page_num":202,"sequence_num":24,"body":"وكان النقض كل مخالفة، قال الله تعالى: لعباده المؤمنين: \"يا أيها\rالذين آمنوا أوفوا بالعقود\"\rلأن اليهود والنصارى إنما أتي عليهم من عدم الوفاء ونقض العهود فحذر المؤمنين.\rولهذا الغرض والله أعلم ذكر هنا العهد المشار إليه في قوله تعالى:\r\"وأوفوا بعهدي \" (البقرة: ٤٠) فقال تعالى: \" ولقد أخذ الله ميثاق بني\rإسرائيل \" إلى قوله: \"فقد ضل سواء السبيل \" (المائدة: ١٢) .\rثم بين نقضهم وبنى اللعنة وكل محنة ابتلوا بها عليه فقال: \"فبما نقضهم\rميثاقهم \" (آية: ١٣) وذكر تعالى عهد الآخرين فقال: \"ومن الذين قالوا إنا\rنصارى أخذنا ميثاقهم.... الآية (آية: ١٤) ، ثم فصل تعالى للمؤمنين أفعال\rالفريقين ليتبين لهم فيما نقضوا (فيه من ادعائهم في المسيح ما ادعوا، وقولهم نحن أبناء الله وأحباؤه، وكفهم عن فتح الأرض المقدسة، وإسرافهم في القتل وغيره، وتغييرهم أحكام التوراة إلى غير ذلك مما ذكره في أحكام هذه السورة ثم بين تفاوتهمِ في البعد عن الاستجابة فقال تعالى: \"لتجدن أشد الناس عداوة.... الآية (آية: ٨٢) ثم نصح عباده وبين لهم أبوابا منها دخول الامتحان، وهي سبب في كل ابتلاء فقال تعالى: \"لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا\" (آية: ٨٩) .\rوأعقب ذلك بقوله: \"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ ... الآية \" (آية: ٩٥) ثم قال تعالى: \"جعل الله الكعبة البيت الحرام ... الآية (آية: ٩٧) فنبه على سوء العاقبة في تتبع البحث عن التعليل، وطلب الوقوف على ما لعله استأثر الله بعلمه، ومن هذا الباب أتي على بني إسرائيل في أمر البقرة وغير ذلك، وجعل هذا التنبيه إيماء، ثم أعقبه بما يفسره \"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ\" (آية: ١٥١) ووعظهم بحال غيرهم في","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187008,"book_id":1237,"shamela_page_id":25,"part":null,"page_num":203,"sequence_num":25,"body":"هذا، وأنهم سألوا فخيروا ثم امتحنوا، وقد كان التسليم أولى لهم فقال تعالى: \"قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين \" (آية: ١٠٢) ثم عرف عباده أنهم إذا استقاموا فلن يضرهم خذلان غيرهم \"يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم \" (آية: ١٠٣) فلما طلب تعالى المؤمنين بالوفاء فيما نقض فيه غيرهم وذكرهم ببعض ما وقع فيه النقض، وما أعقب ذلك فاعله، واعلمهم بثمرة التزام التسليم والامتثال أراهم جل وتعالى ثمرة الوفاء وعاقبته فقال تعالى: \"وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ\" إلى قوله تعالى \"هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ\" إلى آخر السورة (١١٦ - ١٢٠) .\rفحصل من جملتها الأمر بالوفاء فيما تقدمها وحال من حاد ونقض، وعاقبة\rمن وفى وأنهم الصادقون، وقد أمرنا أن نكون معهم \"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩) \".\rسورة الأنعام\rلما بين ﷾ لعباده حال المتقين وهو الصراط المستقيم وأوضح تعالى ما يحذرون من جانبي الأخذ والترك، وبين حال من تنكب عنه ممن كان قد يلمحه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187009,"book_id":1237,"shamela_page_id":26,"part":null,"page_num":204,"sequence_num":26,"body":"وهم اليهود والنصارى وكونهم لم يلتزموا الوفاء، وحادوا عما أنهج لهم، وانقضى أمر الفريقين ذما لحالهم وبيانا لنقضهم وتحذيرا للمتقين أن يصيبهم ما أصابهم، وختم ذلك ببيان حال الموقنين في القيامة \"يوم ينفع الصادقين صدقهم \".\rوقد كان انجرَّ مع ذلك ذكر مشركي العرب وصممهم عن الداعى،\rوعماهم عن الآيات فكانوا أشبه بالهائم منهم بالأناسي، أعقب ذلك تعالى\rبالإشارة إلى طائفة أومأت إلى النظر والاعتبار، فلم توفق لإصابة الحق، وقصرت عن الاستضاءة بأنوار الهدى وليسوا ممن يرجع إلى شريعة قد حرفت وغيرت، بل هم في صورة من هم أن يهتدى بهدى الفطرة، ويستدل بما بسط الله تعالى في المخلوقات، فلم يمعن النظر ولم يوفق فضل وهم المجوس وسائر الثنويه ممن كان قصارى أمره نسبة الفعل إلى النور والإظلام ولم يكن تقدم لهؤلاء ذكر ولا أخبار بحال فقال تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ) .\rفبدأ تعالى بذكر خلق السموات والأرض التي عنها أوجد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187010,"book_id":1237,"shamela_page_id":27,"part":null,"page_num":205,"sequence_num":27,"body":"النور والظلمة، إذ الظلمة ظلال هذه الأجرام، والنور عن أجرام نيرة محمولة فيها (وهي الشمس) ، والقمر والنجوم، فكأن الكلام في قوة: الحمد لله الذي أوضح الأمر لمن اعتبر واستبصر فعلم أن وجود النور والظلمة متوقف بحكم السببية التي شاءها تعالى على وجود أجرام السموات والأرض وما أودع فيها، ومع بيان الأمر في ذلك\rحاد عنه من عمي عن الاستبصار \"ثم الذين كفروا بربهم يعدلون \"\rوقوله تعالى: \"هو الذي خلقكم من طين \" (آية: ٢) مما يزيد هذا المعنى وضوحا فإنه تعالى ذكر أصلنا والمادة التي عنها أوجدنا\rذكر للنور والظلمة ما هو كالمادة وهو\rوجود السموات والأرض وأشعر لفظ \"جعل \" بتوقف الوجود بحسب المشيئة على ما ذكر فكأن قد قيل: أي فرق بين وجود النور والظلمة عن وجود السموات والأرض وبين وجودكم عن الطين حتى يقع امتراء فتدعى نسبة الإيجاد إلى النور والظلمة؟ وهما لم يوجدا إلا بعد مادة أو سبب،كما طرأ في إيجادكم، فالأمر في ذلك أوضح شيء ثم أنتم تمترون.\rثم مرت السورة من أولها إلى آخرها منبهة على بسط الدلالات في الموجودات\rمع التنبيه على أن ذلك لا يصل إلى استثمار فائدته إلا من هيء بحسب السابقة.\rفقال (إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ) (آية ٣٦) ثم قال تعالى (وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ) (آية: ٣٦) وهو والله أعلم من نمط \"أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ\"\rأجمل هنا، ثم فسر بعد في السورة بعينها، والمراد أن من الخلق من\rجعله الله سامعا مستيقظا معتبرا بأول وهلة، وقد أرى المثال ﷾ من ذلك في قصة إبراهيم ﵇ في قوله \"وكذلك نري إبراهيم مكوت السموات والأرض \" (آية: ٧٥) فكأنه يقول لعباده المتقين تعالوا فانهجوا طريق الاعتبار ملة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187011,"book_id":1237,"shamela_page_id":28,"part":null,"page_num":206,"sequence_num":28,"body":"أبيكم إبراهيم، كيف نظر ﵇ نظر السامع المتيقظ فلم يعرج في أول نظرة على ما سبب وجوده بين فيحتاج فيه إلى فرض ما فرض في الكوكب والقمر والشمس، بل نظر فيما عنده صدور النور لا في النور \"فلما جن عليه الليل رأى كوكبا\" (آية: ٧٦) فتأمل قوله ﵇ لم يطول النظر بالتفات النور، ثم كان يرجع إلى اعتبار الجرم الذي عنه النور، بل لما رأى النور أجرام سماوية تأمل تلك الأجرام وما قام بها من الصفات فرأى الأفول والطلوع والانتقال فقال هذا لا يليق بالربوبية لأنها صفات حدوث، ثم رقى النظر إلى القمر والشمس فرأى ذلك الحكم جاريا فيهما، فحكم بأن وراءها مدبرا لها يتنزه عن الانتقال والغيبة والأفول فقال: \"إني وجهت وجهي للذى فطر السموات والأرض \" (آية: ٧٩) وخص ﵇ ذكر هذين لحملهما أجرام النور وسببيتهما في وجود الظلمة، ثم تأمل هذا النظر منه ﵇، وكيف خص بالاعتبار أشرف الوجودين وأعلاهما فكان في ذلك وجهان من الحكمة.\rأحدهما علو النظر ونفوذ البصيرة في اعتبار الأشرف الذي إذا بان فيه\rالأمر فهو فيما سواه أبين، فجمع بين قرب التناول وعلو التهدي.\rوالوجه الثاني: التناسب بين حال الناظر والمنظور فيه، والتفاؤل والجرى\rعلى الفطرة العلية، وهو من قبيل أخذ نبينا ﵇ اللبن حين عرض عليه اللبن والخمر، فاختار اللبن فقيل له اخترت الفطرة، فكان قد قيل: هذا النظر\rوالاعتبار بالهام لا نظر من أخلد إلى الأرض فعبد الضياء والظلام.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187012,"book_id":1237,"shamela_page_id":29,"part":null,"page_num":207,"sequence_num":29,"body":"وينبغى أن يعتمد في قصة إبراهيم ﵇ في هذا الاعتبار أنه ﷺ في قوله: \"هذا ربي \" (آية: ٧٨) إنما قصد قطع حجة من عبد شيئا من ذلك، إذ كان دين قومه، فبسط لهم الاعتبار والدلالة، وأخذ بعرض ما قد تنزه قدره عن الميل إليه، فهو كما يقول المناظر لمن يناظره هب أن هذا على ما تقول يريد بذلك إذعان خصمه (واساتدناءه) للاعتبار حتى يكون غير (منافر له\rفيسلم له ما لا يعتقده ليبنى على ذلك مقصوده لقنع خصمه وهو على يقين من أمره.\rفهذا ما ينبغى أن يعتمد هنا لقول يوسف ﵇ \"ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء\" (يوسف: ٣٨) فالعصمة قد اكتنفتهم عما يتوهمه المبطلون ويتقوله المفترون، ويشهد لما قلناه قوله تعالى: \"وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه \" (آية: ٨٣) ، فهذه حال من علت درجته من الذين يسمعون، فمن الخلق من جعله الله سامعا بأول وهلة، وهذا مثال شاف في ذلك، ومنهم الميت، والموتى على ضربين منهم من يزاح ضربين عمهه، ومنهم من يبقى في ظلماته ميتا لا حراك به يبين ذلك قوله تعالى: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187013,"book_id":1237,"shamela_page_id":30,"part":null,"page_num":208,"sequence_num":30,"body":"ولما كانت السورة مضمنة جهات الاعتبار ومحركة إلى النظر ومعلنة من\rمجموع آياتها أن المعتبر والمتأمل وإن لم يكن متيقظا بأول وهلة، ولا سامعا أول محرك ولا مستجيباً لأول سامع قد تنقل حاله عن جموده وغفلته إلى أن يسمع ويلحق بمن كان تيقظ في أول وهلة، ناسب تحريك العباد وأمرهم بالنظر أن تقع الإشارة في صدر السورة إلى حالتين: حالة السامعين لأول وهلة، وحالة السامعين في ثاني حال فقيل: \" إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ والموتى يبعثهم الله \".\rولم تقع هنا إشارة إلى القسم الثالث مع العلم به وهو الباقي على هموده وموته ممن لم يحركه زاجر ولا واعظ ولا اعتبار، وكان هذا الضرب لو ذكر هنا لكان فيه ما يُكسل من ضعفت همته ورجعت حاله ابتدائية، فقيل \"والموتى يبعثهم الله \" وأطلق القول ليعمل الكل على هذا البعث من الجهل والتيقظ من سنة الغفلة، كا دعي الكل إلى الله دعاء واحداً فقيل: \"يا أيها الناس اعبدوا لربكم \" (البقرة: ٢١)\rثم اختلفوا في إجابة الداعي بحسب السوابق هكذا ورد في هذا \"والموقى ييعثهم الله \"\rاسماعاً للكل، وفي صورة التساوي مناسبة للدعاء لتقوم الحجة على العباد، حتى إذا انبسطت الدلائل وانشرحت الصدور لتلقيها، وتشبثت النفوس وتعلقت بحسب ما قدر، وفاز بالخير أهله قال تعالى بعد آى \"أومن كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نورا يمشى به في الناس \" (آية: ١٢٢) وكان قد قيل لمن انتقل عن حالة الموت فرأى قدر نعمة الله عليه بإحيائه هل تشبه الآن حالك النيرة بما منحت حين اعتبرت (بحالك الجمادية فاشكر ربك، واضرع إليه في طلب الزيادة (واتعظ بحال من لزم حال موته، فلم تغن عنه الآيات وهو المشار إليه بقوله: \"كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها\" (آية: ١٢٢) \"إنا جعلنا على قلوبهم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187014,"book_id":1237,"shamela_page_id":31,"part":null,"page_num":209,"sequence_num":31,"body":"أكنة أن يفقهوه \" (الكهف: ٥٧) (وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ)\r(سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ) ،\rوكان القسم المتقدم الذى سمع لأول وهلة لم يكن ليقع ذكره هنا من جهة قصد إراءة قدر هذه النعمة، وإنقاذ المتصف بها من حيرة شكه موقعها فيما تقدم من قوله: \" إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ \" (آية: ٣٦) فذكر هنا ما\"هو واقع في إراءة قدر نعمة الإنقاذ والتخليص من عمى الجهل، وهذا حال من انتقل بتوفيق ربه وحال من بقي على موته، أو يكون الضربان قد شملهما قوله: \"أومن كان ميتا فأحييناه \".\rوأما الثاني وهو الذي تبينت فيه صورة النقل فأمره صريح من الآية\rوأما الضرب الأول وهو السامع لأول وهلة المكفي المؤنة بواقي العصمة من\rطوارق الجهل والشكوك فدخوله تحت مقتضى هذا اللفظ من حيث أن\rوقايته تلك أو سماعه بأول وهلة ليس من جهته ولا بما هو إنسان أو مكلف،\rبل بإسداء الرحمة وتقديم النعمة ولو أبقاه لنفسه ووكله إليها لم يكن كذلك،\r\"وما بكم من نعمة فمن الله \" (النحل: ٥٣) فبهذا النظر قد تكون الآية قد\rشملت الضروب الثلاثة وهو أولى.\rأما سقوط الضرب الثالث من قوله: \" إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ \" فلما\rقدم والله أعلم بما أراد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187015,"book_id":1237,"shamela_page_id":32,"part":null,"page_num":210,"sequence_num":32,"body":"ولما تضمنت هذه السورة الكريمة من بسط الاعتبار وإبداء جهات النظر ما إذا تأمله التأمل علم أن حجة الله قائمة على العباد، وأن إرساله الرسل رحمة ونعمة وفضل وإحسان، وإذا كانت الدلالات مبسوطة والموجودات شاهدة مفصحة، ودلالة النظر من سمع وإبصار وأفئدة موجودة، فكيف يتوقف عاقل في عظيم رحمته تعالى بإرسال الرسل، فتأكدت الحجة وتعاضدت البراهين.\rفلما عرف الخلق بقيام الحجة عليهم بطريقي الإصغاء إلى الداعي\rوالاعتبار بالصنعة قال الله تعالى: \"قل فلله الحجة البالغة\" (آية ١٤٩) \"فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ\" (آية: ١٣٧) فما عذر المعتذر بعد هذا\rأتريدون كشف الغطاء ورؤية الأمر عيانا، لو استبصرتم لحصل لكم ما منحتم \"هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ\". (الآية: ١٣٨) ، ثم ختمت السورة من التسليم والتفويض بما يجدي مع قوله: \"فلو شاء لهداكم أحمعين \"\r(آية: ١٤٩) وحصل من السور الأربع بيان أهل الصراط المستقيم وطبقاتهم في سلوكهم وما ينبغي لهم التزامه أو تركه وبيان حال المتنكبين عن سلوكه من اليهود والنصارى وعبدة الأوثان والمجوس.\rسورة الأعراف\rلما قال تعالى ابتداء بالاعتبار (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٦)","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187016,"book_id":1237,"shamela_page_id":33,"part":null,"page_num":211,"sequence_num":33,"body":"ثم قال تعالى: (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١٠)\rثم قال تعالى: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١١)\rثم قال تعالى: (ولقد كذب رسل من قبلك فصبروا على\rما كذبوا.... الآية \" (الأنعام: ٣٦) وقال تعالى: \"ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء...... الآية (الأنعام: ٤٢) وقال تعالى: \"يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي\" فوقعت\rالإحالة في هذه الآي على الاعتبار بالأمم السالفة وما كان منهم حين كذبوا أنبياءهم وهلاك تلك القرون بتكذيبهم وعتوهم وتسلية رسول الله ﷺ بجريان ما جرى له لمن تقدمه من الرسل\r(قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ)\rفاستدعت الإحالة والتسلية بسط أخبار الأمم السالفة وهلاك تلك القرون الماضية، والإعلام بصبر الرسل ﵈ وتلطفهم في دعائهم ولم يقع في\rالسور الأربع قبل سورة الأنعام مثل هذه الإحالة والتسلية، وقد تكررت في سورة الأنعام\rكما تبين بعد انقضاء ما قصد من بيان طريق المتقين أخذا وتركا وحال من حاد عن سننهم ممن رامه أو قصده فلم يوفق له، ولا تم له أمل من الفريقين المستندين للسمع والمعتمدين للنظر، فحاد الأولون بطارىء التغيير والتبديل وتنكب الآخرون سوء التأويل وقصور الأفهام، وعلة حيد الفريقين السابقة الأزلية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187017,"book_id":1237,"shamela_page_id":34,"part":null,"page_num":212,"sequence_num":34,"body":"فلما انقضى أمر هؤلاء وصرف الخطاب إلى تسليته ﵇ وتثبيت\rفؤاده بذكر أحوال الأنبياء مع أممهم، وأمر الخلق بالاعتبار بالأمم السالفة، وقد كان قدم لرسوله ﵇ عند ذكر الأنبياء (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ)\rبسط تعالى حال من وقعت الإحالة عليه واستوفى الكثير من\rقصصهم إلى آخر سورة هود وإلى قوله سبحانه \"وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك \".\rفتأمل بما افتتحت السور المقصود بها قصص الأمم وبما اختتمت يلوح لك ما\rأشرت إليه والله أعلم بمراده، وتأمل افتتاح سورة الأعراف بقوله \"فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين \" وختم القصص فيها بقوله: \"فاقصص القصص\rلعلهم يتفكرون \" (الأعراف: ١٧٦) بعد تعقيب قصص بني إسرائيل بقصة\rبلعام \"واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها ... الآية \" (الأعراف: ١٧٣)\rثم قال: \"ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا\" (الأعراف: ١٧٦) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187018,"book_id":1237,"shamela_page_id":35,"part":null,"page_num":213,"sequence_num":35,"body":"وتأمل هذا الإيماء بعد ذكر القصص كيف الحق من كذب رسول الله\rﷺ من العرب وغيرهم (ممن) قص ذكره من المكذبين، وتأمل افتتاح ذكر الأشقياء بقصة إبليس وختمها بقصة بلعام وكلاهما ممن كفر على علم، وفي ذلك أعظم موعظة، قال الله تعالى إثر ذلك \"من يهد الله فهو المهتدى ... الآية \" فبدأ الاستجابة لنبيه بذكر ما أنعم به عليه وعلى من استجاب له فقال تعالى: \"المص كتاب أنزل إليك \" فأشار إلى نعمته بإنزال\rالكتاب الذي جعله هدى للمتقين، وأشار هنا إلى ما يحمله على التسلية وشرح الصدور بما حوى من العجائب والقصص مع كونه هدى ونورا فقال \"فلا يكن في صدرك حرج منه \" أي أنه قد تضمن مما احلناك عليه ما يرفع الحرج ويسلي النفوس لتنذر به كما أنذر من قبلك ممن نقص خبره من الرسل ولتستن في إنذارك ودعائك وصبرك بسنتهم وليتذكر المؤمنون.\rثم أمر عباده بالاتباع لما أنزله فقال: \"اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم \"\rفإن هلاك من نقص عليكم خبره من الأمم إنما كان لعدم الاتباع\rوالركون إلى أوليائهم من شياطين الجن والإنس، ثم أتبع تعالى ذلك بقصة\rآدم ﵇ ليتبين لعباده ما جرت به سنته فيهم من تسلط الشيطان\rوكيده وأنه عدو لهم (يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ)\rووقع في قصة آدم هنا ما لم يقع في قصة البقرة من بسط ما أجمل\rهناك، كتصريح اللعين بالحسد، وتصور خيريته بخلقه من النار وطلبه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187019,"book_id":1237,"shamela_page_id":36,"part":null,"page_num":214,"sequence_num":36,"body":"الإنظار والتسلط على ذرية آدم والإذن له في ذلك ووعيده ووعيد متبعيه، ثم أخذه في الوسوسة إلى آدم ﵇، وحلفه له (وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١)\rوكل هذا مما أجمل في صورة البقرة، ولم تتكرر قصة إلا وهذا شأنها\rأعنى أنها تفيد مهما تكررت ما لم يكن حصل منها أولا، ثم انجرت الآي إلى\rابتداء قصة (نوح ﵇ واستمرت القصص إلى قصص بني إسرائيل،\rفبسط هنا من حالهم وأخبارهم شبيه ما بسط في قصة آدم وما جرى من محنة\rإبليس، وفصل هنا الكثير، وذكر ما لم يذكر في سورة البقرة حتى لم يتكرر\rبالحقيقة ولا التعرض لقصص طائفة معينة فقط.\rومن عجيب الحكمة أن الواقع في السورتين من كلا القصتين مستقل\rشاف وإذا ضم بعض ذلك إلى بعض ارتفع إجماله، ووضح كماله، فتبارك مَن هذا كلامه، ومن جعله حجة قاطعة وآية باهرة.\rولما أعقب تعالى قصصهم في البقرة بأمره نبيه والمومنين بالعفو والصفح\rفقال تعالى: \"فاعفوا واصفحوا\" (آية: ١٥٩) أعقبه تعالى أيضا هنا بقوله\rلنبيه ﵊ (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)\rوقد خرجنا عن المقصود فلنرجع إليه.\rسورة الأنفال.\rلما قص سبحانه على نبيه ﵇ في سورة الأعراف أخبار الأمم وقطع\rالمومنين من مجموع ذلك بأنه لا يكون الهدى إلا بسابقة السعادة لافتتاح السورة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187020,"book_id":1237,"shamela_page_id":37,"part":null,"page_num":216,"sequence_num":37,"body":"من ذكر الأشقياء بقصة إبليس وختمها بقصة بلعام، وكلاهما كفر على علم، ولم ينفعه ما قد كان حصل عليه، ونبه تعالى عباده على الباب الذي أتي منه على بلعام بقوله سبحانه \"ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه \" (الأعراف: ١٧٦) فأشار سبحانه إلى أن اتباع الأهواء أصل كل ضلال، نبهوا على ما فيه الحزم من ترك الأهواء جلة فقال تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ)\rفكأن قد قيل لهم اتركوا ما ترون أنه حق واجب لكم وفوضوا في\rأمره لله وللرسول فذلك أسلم وأحزم في ردع أغراضكم وقمع شهواتكم، وترك أهوائكم، وقد أُلف في هذه الشريعة السمحة البيضاء حسم الذرائع كثيرا، وإقامة مظنة الشيء مقامه كتحريم الجرعة من الخمر، والنظرة، والخطبة في العدة، واعتداد النوم الثقيل ناقضا، فهذه مظان يقع الحكم فيها على ما هو لا نفسها، ولا بما هي كذا، بل بما هي مظان وروادع لا منع لعينه، أو استوجب حكما ما لعينه وعلته الخاصة به.\rولما أُمر المسلمون بحل أيديهم عن الأنفال يوم بدر، إذ كان المقاتِلة قد هموا\rبأخذها، وحدثوا أنفسهم بالانفراد بها، ورأوا أنها من حقهم، وأن من لم يباشر قتالا من الشيوخ، ومن انحاز فئة لهم فلا حق له فيها، ورأى الآخرون أيضا أن حقهم فيها ثابت لأنهم كانوا فئة للمقاتلين، وعدة وملجأ وراء ظهورهم، كان ما أمرهم الله به من تسليم الحكم في ذلك إلى الله ورسوله من باب حسم الذرائع،\rلأن تمشية أغراضهم في ذلك - وإن تعلق كل من الفريقين بحجة - مظنة لرياسة النفوس، واستسهال اتباع الأهواء، فأمرهم الله بالتنزه عن ذلك والتفويض فيه لله ولرسوله فإن ذلك أسلم لهم وأوفى لدينهم وأبقى في إصلاح ذات البين\rوأجدى في الاتباع بقوله \"فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم.... الآية","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187021,"book_id":1237,"shamela_page_id":38,"part":null,"page_num":217,"sequence_num":38,"body":"ثم ذكروا بما ينبغي لهم أن يلتزموا فقال تعالى: \"إنما المؤمنون\" إلى قوله: \"زادتهم إيمانا\"، ثم نبهوا على أن أعراض الدنيا من نفل أو غيره\rلا ينبغى للمؤمن أن يعتمد عليه اعتمادا يدخل عليه ضررا من الشرك أو التفاتا إلى غير الله سبحانه بقوله: \"وعلى ربهم يتوكلون \" (آية: ٢) ثم ذكروا بما وصف به المتقين من الصلاة والإنفاق، ثم قال: \"أولئك هم المؤمنون حقا\" تنبيها على أن من قصر عن هذه الأحوال ولم يأت بها على كمالها لم يخرج عن الإيمان، ولكن ينزل عن درجة الكمال بحسب تقصيره، وكاأن هذا إشعارا بعذرهم في كلامهم في الأنفال، وأنهم قد كانوا في مطلبهم على حالة من الصواب، وشِرب من التمسك والاتباع لكن أعلى الدرجات ما بيِّن لهم ومُنحوه، وأنه الكمال والفوز.\rثم نبههم سبحانه بكيفية أمرهم في الخروج إلى بدر، وودهم أن غير ذات\rالشوكة تكون لهم، وهو سبحانه يريهم. حسن العاقبة فيما اختار لهم فقد\rكانوا تمنوا لقاء العير واختاروا ذلك على لقاء العدو ولم يعلموا ما وراء -: (وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (٧)\rإلى ما قصه تعالى عليهم من اكتنافهم برحمته وشمول ألطافه وآلائه وبسط نفوسهم، ونبههم على ما يثَبت يقينهم ويزيد في إيمانهم.\rثم اعلم أن الخير كله في التقوى فقال: \"يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله\rيجعل لكم فرقانا\"، وهذا الفرقان هو الذى حرفه إبليس وبلعام فكان\rمنهما ما تقدم من اتباع الأهواء القاطعة لهم عن الرحمة، وقد تضمنت حصول الدنيا والآخرة بنعمة الاتقاء، ثم أجمل الخيران معا في قوله: \"والله ذو الفضل العظيم \".\rوالفضل العظيم بعد تفضيل ما إليه إسراع المؤمن من الفرقان\rوالتكفير والغفران، ولم يقع التصريح بخير الدنيا الخاص بها مع اقتضاء الآية إياه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187022,"book_id":1237,"shamela_page_id":39,"part":null,"page_num":218,"sequence_num":39,"body":"تنزيها للمؤمن - في مقام إعطاء الفرقان وتكفير السيئات والغفران - عن ذكر متاع الدنيا التي هي لهو ولعب، فلم يكن ذكر متاعها الفاني ليذكر مفصلا مع ما لا يجانسه ولا يشاكله، \"وإن الدار الآخرة لهي الحيوان \"، ثم\rالتحمت الآى.\rووجه آخر وهو أنه سبحانه لما قال: \"وإذا قرىء القرآن فاستمعوا\rله \" (الأعراف: ٢٠٤) بين لهم كيفية هذا الاستماع وما الذى يتصف به المؤمن من ضروبه فقال: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا)\rفهؤلاء لم يسمعوا بآذانهم فقط ولا كانت لهم آذان لا يسمعون بها، ولا قلوب لا يفقهون بها ولو كانت كذا لما وجلت وعمهم الفزع والخشية، وزادتهم الآيات إيماناً، فإذاً إنما يكون سماع المومن هكذا، (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٢١) .\rولما كان هؤلا إنما أتي عليهم من اتباع أهوائهم والوقوف مع أغراضهم\rوشهواتهم يأخذون عرض هذا الأدنى \"ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه \"\rوهذه بعينها كانت آفة إبليس فإنه رأى لنفسه مزية\rواعتقد لها الحق ثم أتبع هذا الهوى حين قال: (لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٣٣)\rفلما كان اتباع الأهواء أصلا في الضلال وتنكب الصراط المستقيم، أُمر المؤمنون بحسم باب الأهواء والتسليم فيما لهم به تعلق وإن لم يكن هوى مجردا. لكنه مظنة تيسير اتباع الهوى، فافتتحت السورة بسؤالهم عن الأنفال، وأخبروا أنها لله ورسوله، يحكم فيها بما شاء،\rفاتقوا الله واحذروا الأهواء التي أهلكت من قص عليكم ذكره، وأصلحوا ذات بينكم برفع التنازع، وسلموا لله ولرسوله، وإلا لم تكونوا سامعين، وقد أمرتم أن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187023,"book_id":1237,"shamela_page_id":40,"part":null,"page_num":219,"sequence_num":40,"body":"تسمعوا السماع الذي عنه ترجى الرحمة، وبيانه في قوله تعالى: \"إنما المؤمنون \".\rووجه آخر، وهو أن قصص بني إسرائيل عقّب بوصاة المؤمنين خصوصا\rبالتقوى، وعلى حسب ما يكون الغالب فيما يذكر من أمر بنى إسرائيل، ففي البقرة أتبع قصصهم بقوله: \"يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا\"\rولما كان قصصهم مفتتحا بذكر تفضيلهم (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (٤٧)\rافتتح خطاب هذه الأمةِ بما يشعر بتفضيلهم، وتأمل ما بين \"يا بني إسرائيل \" و\"يا أيها الذين آمنوا\"، وأمَر أولئك بالإيمان \"وآمنوا بما أنزلت \"\rوًأمر هؤلاء بتعبد احتياطي فقيل: \"وقولوا انظرنا واسمعوا\".\rثم أعقبت البقرة بآل عمران: وافتتحت ببيان المحكم والمتشابه الذى من\rجهته أتي على بني إسرائيل في كثير من مرتكباتهم.\rولما ضمنت سورة آل عمران من ذكرهم ما ورد فيما أعقب بقوله تعالى:\r(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠)\rثم أعقبت السورة بقوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ)\rوعدل عن الخطاب باسم الإيمان للمناسبة، وذلك أن\rسورة آل عمران خصت من مرتكبات بني إسرائيل بجرائم كقولهم في الكفار \"هؤلاء اهدى من الذين آمنوا سبيلا\"،\rفهذا بهت، ومنها قولهم: \"إن الله فقير ونحن أغنياء\" إلى ما تخلل هاتين من الآيات المنبئة عن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187024,"book_id":1237,"shamela_page_id":41,"part":null,"page_num":220,"sequence_num":41,"body":"تعمدهم الجرائم، فعدل عن \"يا أيها الذين آمنوا\" إلى \"يا أيها الناس \" ليكون أوقع في الترتيب وأخوف وأوضح مناسبة لما ذكر.\rولما ضمنت سورة النساء قوله تعالى: \"فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم\rطيبات أحلت لهم \" إلى قوله: \"وأكلهم أموال الناس بالباطل \"، أتبعت بقوله تعالى: \"يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود\"\rثم ذكر لهم ما أحل لهم وحرم عليهم ليحذروا مما وقع فيه أولئك، فعلى هذا لما ضمنت سورة الأعراف من قصصهم جملة وبين فيها اعتداءهم وبناه على اتباع الأهواء والهجوم على الأعراض طلب هؤلاء باتقاء ذلك والبعد عما يشبهه جملة، فقيل في آخر السورة (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا) .\rثم افتتحت السورة الأخرى بصرفهم عما لهم به تعلق وإليه تسبب يقيم\rعذرهم شرعا فيما كان منهم، فكأن قد قيل لهم ترك هذا أسلم وأبعد عن اتباع الأهواء فسلموا في ذلك الحكم لله ورسوله، واتقوا الله، ثم تناسج السياق والتحمت الآى وقد تبين وجه اتصال الأنفال بالأعراف من وجوه والحمد لله.\rسورة براءة\rاتصالها بالأنفال أوضح من أن يتكلف توجيهه، حتى أن شدة المشابهة\rوالالتئام - مع أن الشارع ﵇ لم يكن بَيَّنَ انفصالهما - أوْجَبَ أن لا\rيفصل بينهما ببسم الله الرحمن الرحيم، وذلك أن الأنفال قد تضمنت الأمر بالقتال","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187025,"book_id":1237,"shamela_page_id":42,"part":null,"page_num":221,"sequence_num":42,"body":"(وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة) وبين أحكام الفرار من الزحف وحكم\rالنسبة المطلوبة فيها بالثبوت ولحوق التأثيم للفار، وأنها على الضعف، وحكم الأسرى، وحكم ولاية المؤمنين ومن يدخل تحت هذه الولاية، ومن يخرج عنها، ثم ذكر في السورة الأخرى من عهد إليه من المشركين، والبراءة منهم إذا لم يوفوا، وحكم من استجار منهم إلى ما يتعلق بهذا وكله باب واحد، وأحكام متواردة على قضية واحدة وهو تحرير حكم\rالمخالف، فالتحمت السورتان أعظم التحام ثم عاد الكلام إلى حكم المنافقين وهتك أسرارهم.\rسورة يونس ﵇\rلما تضمنت سورة براءة قوله تعالى: \"إلاتنصروه فقد نصره الله \"\rوقوله: \"عفا الله عنك لم أذنت لهم \" وقوله: (وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦١) \"","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187026,"book_id":1237,"shamela_page_id":43,"part":null,"page_num":222,"sequence_num":43,"body":"وقوله (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ)\rإلى آخر السورة، إلى ما تخلل أثناء آى هذه السورة الكريمة\rمما شهد لرسول الله ﷺ بتخصيصه بمزايا السبق والقرب والاختصاص والملاطفة في الخطاب، ووصفه بالرأفة والرحمة، هذا مع ما انطوت عليه هي والأنفال من قهره أعداءه وتأييده ونصره عليهم وظهور دينه، وعلو دعوته وإعلاء لكلمته إلى غير هذا\rمن نعم الله سبحانه عليه، كان ذلك كله مظنة لتعجب المرتاب وتوقف الشاك، ومثيرا لتحرك ساكن الحسد من العدو العظيم، ما مُنحه ﵇ قال تعالى في هذه السورة: \"أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ (٢)\rثم قال تعالى: \"إن ربكم الله \" الآيات وما بعدها\rفبين انفراده تعالى بالربوبية والخلق والاختراع والتدبير، فكيف تعترض أفعاله أو يطلع البشر على وجه الحكمة في كل ما يفعله ويبديه، وإذا كان الكل ملكه وخلقه فيفعل في ملكه ما يشاء ويحكم في خلقه بما يريد \"ذلكم الله ربكم فاعبدوه \" \"ما خلق الله ذلك إلا بالحق \" ثم توعد سبحانه الغافلين عن التفكير في عظيم آياته حتى أدتهم الغفلة إلى مرتكب سلفهم في العجب والإنكار حتى قالوا \"مال هذا الرسول يأكل الطعام يمشى في الأسواق \" \"وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا\"\rوهذه مقالات الأمم المتقدمة\r\"قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا\"، \"ما نراك إلا بشرا مثلنا\"","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187027,"book_id":1237,"shamela_page_id":44,"part":null,"page_num":223,"sequence_num":44,"body":"(فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا)\r\"مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ\"\rفقال تعالى متوعداً للغافلين: \"إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ.. الآيات \" وكل هذا بين الالتحام جليل الالتئام ثم تناسجت آى السورة.\rسورة هود ﵇\rلما كانت سورة يونس ﵇ قد تضمنت من آي التنبيه\rوالتحريك للنظر، ومن العظات والتخويف والتهديد والترهيبب والترغيب وتقريع المشركين والجاحدين والقطع بهم والإعلام بالجريان على حكم السوابق ووجوب التفويض والتسليم ما لم تشتمل على مثله سورة لتكرر هذه الأغراض فيها، وسبب","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187028,"book_id":1237,"shamela_page_id":45,"part":null,"page_num":224,"sequence_num":45,"body":"تكرر ذلك فيها والله أعلم، أنها أعقبت بها السبع الطوال، وقد مر التنبيه\rعلى أن سورة الأنعام بها وقع استيفاء بيان حال المتنكبين عن الصراط المستقيم على اختلاف أحوالهم، ثم استوفت سورة الأنعام ما وقعت الإحالة عليه من أحوال الأمم السالفة كا تقدم، وبسطت ما أجمل من أمرهم، ثم أتبع ذلك بخطاب المستجيبين لرسول الله ﷺ، وحذروا وأنذروا كشف عن حال من تلبس بهم من عدوهم من\rالمنافقين، وتم المقصود من هذا في سورة (الأنفال وبراءة) ثم عاد الخطاب إلى\rطريقة الدعاء إلى الله والتحذير من عذابه بعد بسط ما تقدم، فكان مظنة لتأكيد التخويف والترهيب لإتيان ذلك بعد بسط حال وإيضاح أدلة، فلهذا كانت سورة يونس ﵇ مضمنة من هذا ما لم يضمن غيرها، ألا ترى افتتاحها بقوله \"إن ربكم الله ... الآيات، ومناسبة هذا الافتتاح دعاء الخلق إلى الله في سورة البقرة بقوله تعالى: \"يا أيها الناس اعبدوا ربكم\" (آية: ٢١) ، ثم قد نبهوا هنا كما نبهوا هناك فقال تعالى: \"أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ\"\rثم تأكدت المواعظ والزواجر والإشارات إلى أحوال المكذبين والمعاندين فمن\rالتنبيه \"إن ربكم الله \" إن في اختلاف الليل والنهار\" \"قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ\" \"قل انظروا ماذا في السماوات والأرض \"\rإلى غير هذا.\rوعلى هذا السنن تكررت العظات والأغراض المشار إليها في هذه السورة إلى\rقوله تعالى: \"قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ\"\rفحصل من سورة الأعراف والأنفال وبراءة ويونس تفصيل ما كان أجمل فيما تقدمها، كما حصل مما تقدم تفصيل أحوال السالكين والمتنكبين، فلما تقرر هذا كله، أتبع المجموع بقوله: \" كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ \"","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187029,"book_id":1237,"shamela_page_id":46,"part":null,"page_num":225,"sequence_num":46,"body":"وتأمل مناسبة الإتيان بهذين الاسمين الكريمين وهما: الحكيم، الخبير، ثم\rتأمل تلاؤم صدر السورة لقوله: \"قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ\"\rوقد كان تقدم قوله تعالى: \"قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ\"\rفأتبع قوله تعالى: \"قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ\" بقوله في صدر سورة هود كتاب أحكمت آياته ثم فصلت \"\rفكأنه في معرض بيان الحق والموعظة، وإذا كانت محكمة مفصلة فحق لها أن تكون شفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين، وحق توبيخهم في قوله تعالى: \"بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه \".\rوالعجب في عمههم مع أحكامه وتفصيله، ولكن. (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) .\rوتأمل قوله سبحانه آخر هذه السورة (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠)\rفكل الكتاب حق وموعظة وذكرى، وإنما الإشارة والله أعلم بما أراد إلى ما تقرر الإيماء إليه من كمال بيان الصراط المستقيم، وملتزمات متبعيه أخذا وتركا، وذكر أحوال المتنكبين على شتى طرقهم واختلاف أهوائهم وغاياتهم وشرّهم إبليس فإنه متبعهم والقائل لجميعهم في أخبار الله تعالى سبحانه: \"إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ\"\rوقد نسط من أمره وقصته في البقرة والأعراف ما يسر على المؤمنين الحذر منه وعرفهم به، وذُكِرَ اليهود والنصارى والمشركون والصابئون والمنافقون وغيرهم، وفصل مرتكب كل فريق منهم، كما استوعب ذكر أهل الصراط المستقيم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين، وفصل من أحوالهم ابتداء وانتهاء والتزاما وتركاً ما أوضح طريقهم وعين حزبهم\rوفريقهم، \"أولئك الذين هدى الله\"\rوذكر أحوال الأمم مع","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187030,"book_id":1237,"shamela_page_id":47,"part":null,"page_num":226,"sequence_num":47,"body":"أنبيائهم وأخذ كل من الأمم بذنبه مفصلا، وذكر ابتداء الخلق في قصة آدم ﵇، وحال الملائكة في التسليم والإذعان، وذكر فريقا الجن من مؤمن وكافر، وأمر الآخرة وانتهاء حال الخلائق واستقرارهم الأخروي، وتكرر دعاء الخلق إلى الله تعالى طمعا فيه ورحمة، وإعلام الخلق بما هو عليه سبحانه، وما يجب له من الصفات العلا، والأسماء الحسنى، ونبه العباد على الاعتبار وعلموا طرق الاستدلال ورغبوا ورهبوا وأنذروا وأعلموا بافتقار المخلوقات بجملتها إليه سبحانه كما هو المنفرد بخلقهم إلى ما تخلل ذلك مما يعجز الخلائق عن حصره والإحاطة به، والله يقول الحق.\rفلما تقدم هذا كله في السبع الطوال وما تلاها، أعقب ذلك بقوله:\r\" كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ\"\rثم أتبع هذا بالايماء إلى فصول ثلاثة عليها مدار آى الكتاب، وهي فصل الإلهية وفصل الرسالة وفصل التكاليف.\rأما الأول فأشار إليه قوله: \"أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ\"\rوأما فصل الرسالة فأشار إليه سبحانه: \"إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ\"\rوأما فصل التكاليف فأشار إليه قوله سبحانه: \"وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ\"\rوهذه الفصول الثلاثة هي التي تدور عليها آى القران، وعليها مدار السورة الكريمة.\rفلما حصل استيفاء ذلك كله فيما تقدم ولم يبق وجه شبهة للمعاند\rولا تعلق للجاحد، واتضح الحق وبان، قال ﷾: \"وجاءك في هذه الحق \"\rإشارة إلى كمال المقصود، وبيان المطلوب واستيفاء التعريف\rبوضوح الطريق، وقد وضح من هذا تلاؤم هذه السورة الكريمة لما تقدمها، ومما","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187031,"book_id":1237,"shamela_page_id":48,"part":null,"page_num":227,"sequence_num":48,"body":"يشهد لهذا والله أعلم قوله تعالى: \"أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ\"\rوقوله تعالى: \"فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا\"\rفقد وضح طريقك وفاز بالفلاح حزبك وفريقك \"ولا تركنوا إلى الذين\rظلموا\"\rفقد عرفتم سبيلهم ومصيرهم فقد بان طريق الحق.\rكيف تنكب من حُرم سلوكَه من الخلق. ونظير قوله سبحانه: \"وجاءك في\rهذه الحق \" عقب ما ذكر سبحانه \"لمن الملك اليوم\"\rوقوله تعالى: \"يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ\"\rفتأمل ذلك والله المستعان.\rسورة يوسف ﵇\rهذه السورة من جملة ما قص عليه ﵇ من أنباء الرسل وأخبار من\rتقدمه مما فيه التثبيت الممنوح في قوله تعالى: \"وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك \"، ومما وقعت الإحالة عليه في سورة الأنعام كما","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187032,"book_id":1237,"shamela_page_id":49,"part":null,"page_num":228,"sequence_num":49,"body":"تقدم، وإنما أفردت على حدتها ولم تنسق على قصص الرسل مع أممهم في سورة واحدة لمفارقة مضمونها تلك القصص، ألا ترى أن تلك قصص إرسال من تقدم ذكرهم ﵈ كيفية تلقي قومهم لهم وإهلاك مكذبيهم، ْ أما هذه القصة فحاصلها فرج بعد شدة، وتعريف بحسن عاقبة الصبر، فإنه تعالى امتحن يعقوب ﵇ بفقد ابنيه وبصره وشتات بنيه، وامتحن يوسف ﵇ بالجب والبيع وامرأة العزيز وفقد الأب والأخوة والسجن، ثم امتحن جميعهم بشمول الضرر وقلة ذات اليد \"مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ\"\rثم تداركهم الله بإلفهم وجمع كلهم ورد بصر أبيهم وائتلاف قلوبهم\rورفع ما نزغ به الشيطان، وخلاص يوسف ﵊ من كيد\rمن كاده واكتنافه بالعصمة وبراءته عند الملك، وكل ذلك مما أعقبه جيل الصبر، وجلالة اليقين في حسن تلقي الأقدار بالتفويض والتسليم على توالي الامتحان وطول المدة، ثم انجر في أثناء هذه القصة الجليلة إثابة امرأة العزيز ورجوعها إلى الحق وشهادتها ليوسف ﵇ بما منحه الله من النزاهة عن كل ما يشين، ثم استخلاص العزيز إياه إلى ما أنجز في هذه القصة الجليلة من العجائب والعبر، \"لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ\".\rفقد انفردت هذه القصة بنفسها وتناسب ما ذكر منْ قصص نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وموسى ﵈، وما جرى من أممهمْ، فلهذا فصِلت عنهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187033,"book_id":1237,"shamela_page_id":50,"part":null,"page_num":229,"sequence_num":50,"body":"سورة برأسها إلى عاقبة من صبر ورضى وسلم ليتنبه المؤمنون على ما في طي ذلك، وقد صرح لهم بما أجملته هذه السورة من الإشارة في قوله تعالى: \"وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا\"\rوكانت قصة يوسف ﵇ ، بجملتها أشبه شىء بحال المؤمنين في\rمكابدتهم في أول الأمر وهجرتهم وتشتتهم مع قومهم، وقلة ذات أيديهم إلى أن جمع الله شملهم \"وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا\"\rوأورثهم الأرض وأيدهم ونصرهم، ذلك. بجليل إيمانهم وعظيم صبرهم.\rفهذا ما أوجب تجرد هذه القصة عن تلك القصص والله أعلم، وأما تأخر\rذكرها عنها فمناسب لحالها، ولأنها إخبار بعاقبة من آمن واتعظ ووقف عند ما حُد له فلم يضره ما كان، ولم تُذكر إثر قصص الأعراف لما بقي من استيفاء تلك القصص الحاصل ذلك في سورة هود، ثم إن ذكر أحوال المؤمنين مع من كان معهم من المنافقين وصبرهم عليهم مما يجب أن يتقدم ويعقب بهذه القصة من حث عاقبة الصبر والحض عليه كما مر فأخرت إلى عقب سورة هود ﵇ لمجموع هذا والله تعالى أعلم.\rثم ناسبت سورة يوسف أيضا أن تذكر إثر قوله تعالى: \"إن الحسنات\rيذهبن السيئات \" وقوله: \"واصبر فإن الله لا يضيع أمر المحسنين \"\rوقوله: \"ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة الآية \" وقوله \"وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون وانتظروا إنا منتظرون \"\rفتدبر ذلك.\rأما نسبتها للآية الأولى فإن ندم إخوة يوسف واعترافهم بخطإ فعلهم وفضل يوسف عليهم \"لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ\"\rوعفوه عنهم \"لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ\"، وندم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187034,"book_id":1237,"shamela_page_id":51,"part":null,"page_num":230,"sequence_num":51,"body":"امرأة العزيز وقولها \"الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ ... الآية\" كل هذا من باب\rإذهاب الحسنة السيئة، وكأن ذلك مثال لما عرف المومنون من إذهاب الحسنة\rالسيئة، وأما نسبة السورة لقوله تعالى: \"واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين \"\rفإن هذا أمر منه سبحانه لنبيه ﵇ بالصبر على قومه، فأتبع\rبحال يعقوب ويوسف ﵉، وما كان من صبرهما مع طول المدة وتوالي امتحان يوسف ﵇ بالجب ومفارقة الأب والسجن حتى خلصه الله أجمل خلاص بعد طول تلك المشقات، ألا ترى قول نبينا ﵊ ، وقد ذكر يوسف ﵇ فشهد له بجلالة الحال، وعظيم الصبر فقال: \"ولو لبثت في السجن ما لبث أخي يوسف لأجبت الداعي \"، فتأمل عذره له ﵉ وشهادته بعظيم قدر يوسف \"وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك \".\rلما قيل له ﵇ \"واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين \"\rأتبع بحال يعقوب ويوسف من المحسنين، \"ووهبنا له إسحاق ويعقوب\" إلى قوله \"وكذلك نجزي المحسنين \".\rوقد شملت الآية ذكر يعقوب ويوسف ﵉ ، ونبينا عليه\rالصلاة والسلام قد أمر بالاقتداء في الصبر بهم، وقيل له \"فاصبر كما\rصبر أولو العزم من الرسل \"\rويوسف ﵇ من أولي العزم (صلى الله عليهم أجمعين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187035,"book_id":1237,"shamela_page_id":52,"part":null,"page_num":231,"sequence_num":52,"body":"ثم إن حال يعقوب ويوسف ﵉ في صبرهما ورؤية حسن عاقبة\rالصبر في الدنيا مع ما أعد الله لهما من عظيم الثواب أنسب شىء لحال نبينا\r﵇ في مكابدة قريش ومفارقة وطنه، ثم تعقب ذلك بظفره بعدوه، وإعزاز دينه، وإظهار كلمته، ورجوعه إلى بلده على حالة قرت بها عيون المؤمنين وما فتح الله عليه وعلى أصحابه فتأمل ذلك.\rويوضح ما ذكرناه ختم السورة بقوله تعالى: \"حتى إذا استيأس الرسل\rوظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا ... \" الآية.، فحاصل هذا كله\rالأمر بالصبر وحسن عاقبة أولياء الله فيه.\rوأما النسبة لقوله \"ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين \" فلا أنسب لهذا ولا أعجب من حال إخوة فضلاء لأب واحد من أنبياء الله وصالحى عباده جرى بينهم من التشتت ما جعله الله عبرة لأولى الألباب، وأما النسبة لآية التهديد فبينة، وكأن الكلام في قوة اعملوا على مكانتكم وانتظروا، فلن نصبر عليكم مدة صبر يعقوب ويوسف ﵉ ، وقد وضح بفضل الله وجه ورود هذه السورة عقب سورة هود والله أعلم.\rسورة الرعد\rهذه السورة تفصيل لمجمل قوله سبحانه في خاتمة سورة يوسف عليه\rالسلام \"وكأين من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187036,"book_id":1237,"shamela_page_id":53,"part":null,"page_num":232,"sequence_num":53,"body":"(وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦) أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٠٧) قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)\rفبيان آى السمماوات في قوله (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى)\rوبيان آي الأرض في قوله: (وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ)\rفهذه آي السماوات والأرض وقد زيدت بيانا في مواضع ثم في قوله تعالى: \"يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ\" ما يكون من الآيات عنهن، لأن الظلمة\rعن جرم الأرض والضياء عن نور الشمس وهى سماوية ثم زاد تعالى آيات الأرض بيانا وتفصيلا في قوله: \"وفي الأرض قطع متجاورات\" إلى قوله \"لقوم يعقلون \"\rولما كان إخراج الثمر بالماء النازل من السماء من أعظم آية ودليلا واضحا على صحة المعاد، ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى \"كذلك نخرج الموتى\" وكان قد ورد هنا على أعظم جهة في الاعتبار من إخراجها مختلفات في\rالطعوم والألوان والروائح مع اتحاد المادة، تسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الطعوم والألوان والروائح مع اتحاد المادة \"تسقى بماء واحد وتفضل بعضها على بعض في الأكل \" لذلك أعقب قوله تعالى: \"وفي الأرض قطع متجاورات ... الآية بقوله \"وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ\"\rثم بين سبحانه الصنف القائل بهذا وأنهم الكافرون أهل الخلود\rفي النار، ثم أعقب ذلك ببيان عظيم حلمه وعفوه فقال: \"وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ ... \" الآية، ثم أتبعِ ذلك بما يشعر بالجري على السوابق في\rقوله: \"إنما أنت منذر ولكل قوم هاد\" ثم بين عظيم ملكه واطلاعه على","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187037,"book_id":1237,"shamela_page_id":54,"part":null,"page_num":233,"sequence_num":54,"body":"دقائق ما أوجده من جليل صنعه واقتداره فقال: \"الله يعلم ما تحمل كل\rأنثى ... \". الآيات إلى قوله \"وما لكم من دونه من وال \"\rثم خوف عباده وأنذرهم ورغبهم \"هو الذى يريكم البرق خوفا وطمعا ... الآيات \" وما بعدها\rوكل ذلك راجع إلى ما أودع سبحانه في السماوات والأرض وما بينهما من الآيات، وفي ذلك أكثر آي السورة.\rونبه تعالى على الآية الكبرى والمعجزة العظمى فقال:\r\"وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى\"\rوالمراد لكان هذا القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا\"\r، والتنبيه بعظيم هذه الآيات مناسب لمقتضى السورة من التنبيه بما\rأودع تعالى من الآيات في السماوات والأرض، وكأنه جل وتعالى لما بين لهم عظيم ما أودع في السماوات والأرض وما بينهما من الآيات وبسط ذلك وأوضحه أردف ذلك بآية أخرى جامعة للآيات ومتسعة للاعتبارات فقال تعالى: \"وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ\" فهو من نحو \"إن في السموات والأرض لآيات للمؤمنين\"، \"وفي أنفسكم \"، أي لو فكرتم في آيات\rالسماوات والأرض لأقلتكم كفتكم في بيان الطريق إليه، ولو فكرتم في أنفسكم وما أودع تعالى فيكم من العجائب لاكتفيم، (من عرف نفسه عرف)","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187038,"book_id":1237,"shamela_page_id":55,"part":null,"page_num":234,"sequence_num":55,"body":"فمن قبيل هذا القرب من الاعتبار هو الواقع في سورة الرعد من بسط\rآيات السماوات والأرض، ثم ذكر القرآن وما يحتمل، فهذه إشارة إلى ما تضمنت هذه السورة الجليلة من بسط الآيات المودعة في الأرضين والسماوات.\rوأما قوله تعالى: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)\rفقد أشار إليه قوله تعالى: \"ولكن أكثر الناس لا يؤمنون \"\r\"إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ\" وقوله: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)\rفالذين تطمئن قلوبهم بذكر الله هم أولو الألباب المتذكرون التامو الإيمان وهم القليل المشار إليهم في قوله: \"وقليل ما هم \" والمقول فيهم \"أولئك هم\rالمؤمنون حقا\" ودون هؤلاء طوائف من المؤمنين ليسوا في درجاتهم\rولا بلغوا يقينهم وإليهم الإشارة بقوله: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)\rقال ﵊ (الشرك في أمتي أخفى من دبيب النمل)\rفهذا بيان ما أجمل في قوله: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦) .\rوأما قوله تعالى: \" أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ\"\rفما عجل لهم من ذلك في قوله: \"وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ\"\rالقاطع دابرهم والمستأصل لأمرهم، وأما قوله تعالى: \"قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ.... الآية","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187039,"book_id":1237,"shamela_page_id":56,"part":null,"page_num":235,"sequence_num":56,"body":"فقد أوضحت آى سورة الرعد سبيله ﵇ وبينته بما تحتمله من عظيم التنبيه وبسط الدلائل بما في السماوات والأرض\rوما بينهما وما في العالم بجملته وما تحمله الكتاب المبين كما تقدم.\rثم قد تعرضت السورة لبيان جلي سالكي تلك السبيل الواضحة المنجية\rفقال تعالى: \"الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق \" إلى آخر\rما حلاهم به أخذا وتركا.\rثم عاد الكلام بعد إلى ما فيه من التنبيه والبسط وتقريع الكفار وتوبيخهم\rوتسليمه ﵇ في أمرهم \"إنما أنت منذر\" \"وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً\" \"فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ\"\r\"وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا\"\rوالسورة بجملتها غير حائدة عن تلك الأغراض المجملة في الآيات الأربع المذكورات من آخر سورة يوسف، ومعظم السورة وغالب آيها في التنبيه وبسط الدلالات والتذكير بعظيم ما أودعت من الآيات، ولما كان هذا شأنها أعقبت بمفتتح سورة إبراهيم ﵇.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187040,"book_id":1237,"shamela_page_id":57,"part":null,"page_num":236,"sequence_num":57,"body":"سورة إبراهيم ﵇\rلما كانت سورة الرعد على ما تمهد بأن كانت تلك الآيات\rواليراهين التي سلفت فيها لا يبقى معها شك لمن اعتبر بها لعظيم شأنها\rواتضاح أمرها، قال تعالى: \"كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ\"\rأى إذا هم تذكروا به واستبصروا ببراهينه وتدبروا آياته \"وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى\"","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187041,"book_id":1237,"shamela_page_id":58,"part":null,"page_num":237,"sequence_num":58,"body":"ولما كان الهدى والضلال كل ذلك موقوف على مشيئة الله سبحانه وسابق إرادته، وقد قال لنبيه ﵇: \"إنما أنت منذر ولكل قوم هاد\"\rقال تعالى هنا \"بإذن ربهم \" \"فإنما عليك البلاغ \" وكما قال تعالى: \"وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ\"، ثم بسطها في سورة الرعد، أعلم هنا أن ذلك كله له وملكه فقال: \"الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض \"\rفالسماوات والأرض بجملتهما وما فيهما وما بينهما من عظيم ما أوضح لكم\rالاعتبار به، كل ذلك له ملكا وخلقا واختراعا \"وله أسلم من في السماوات\rوالأرض طوعا وكرها\" \"وويل للكافرين من عذاب شديد\"\rلعنادهم مع وضوح الأمر وبيانه، ويصدون عن سبيل الله مع وضوح\rالسبيل وانتهاج ذلك بالدليل ثم قال تعالى: \"وما أرسلنا من رسول إلا\rبلسان قومه \" وكان هذا من تمام قوله سبحانه \"ولقد أرسلنا رسلا من\rقبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية\"\rوذلك أن الكفار لما حملهم الحسد والعناد وبعد إِلفهم بما جبل على قلوبهم وطبع عليها على أن أنكروا كون الرسل من البشر حتى قالوا: \"أبشر يهدوننا\" \"ما أنتم إلا بشر مثلنا\" وحتى قالت قريش: \" لولا أنزل عليه ملك \" و \"مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ\r\"وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ\"\rفلما كثر هذا منهم وتبع خلفُهم في هذا سلفَهم رد تعالى أزعامهم وأبطل توهمهم في آيات وردت على التدريج في هذا الغرض شيئا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187042,"book_id":1237,"shamela_page_id":59,"part":null,"page_num":238,"sequence_num":59,"body":"فشيئا، فأول الوارد من ذلك في معرض السرد عليهم وعلى ترتيب سور الكتاب قوله تعالى: \"أكان للناس عجبا ان أوحينا إلى رجل منهم ... الآية \"، ثم أتبع ذلك بانفراده تعالى بالخلق والاختراع والتدبير والربوبية، وفي طي ذلك أنه يفعل ما يشاء، لأن الكل خلقه وملكه وأنه العليم بوجه الحكمة في إرسال الرسل وكونهم من البشر، فأرغم الله تعالى بمضمون هذه الآى كل جاحد ومعاند، ثم ذكر تعالى في سورة هود قوم نوح: \"ما نراك إلا بشرا مثلنا ... الآية\"\rوجوابه ﵇: \"أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ\"\rأي وإني وإن كنت في البشرية مثلكم فقد خصني الله من فضله وآتاني رحمة من عنده وبرهانا على ما جئتكم به عنه، وفي هذه القصة أوضح عظة، ثم جرى هذا لصالح وشعيب ﵉ وديدن الأمم أبدا مع أنبيائهم ارتكاب هذه المقالات، وفيها من الحيد والعجز عن مقاومتهم ما لا يخفى، وما هو شاهد على تعنتهم، ثم زاد تعالى نبيه ﷺ تعريفا بأحوال من تقدمه من الأنبياء ﵈ ليسمع\rذلك من جرى له مثل ماجرى لهم فقال مثل مقالتهم فقال تعالى: \"ولقد\rأرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية\" وأعلم سبحانه أن\rهذا لا يحيط شيئا من مناصبهم بل هو أوقع في قيام الحجة على العباد، ثم تلى ذلك بقوله: \"وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه \" أي ليكون أبلغ في\rالحجة وأقطع للعذر، فربما كانوا يقولون عند اختلاف الألسنة لا نفهم عنهم، إذ قد قالوا ذلك مع اتفاق اللغات، فقد قال قوم شعيب ﵇:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187043,"book_id":1237,"shamela_page_id":60,"part":null,"page_num":239,"sequence_num":60,"body":"\"مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ\"\rهذا وهو ﵇ يخاطبهم بلسانهم، فكيف لو كان على خلاف ذلك، بل لو خالفت الرسل ﵈ الأمم في التبتل وعدم اتخاذ الزوجات والأولاد، واستعمال الأغذية وغير ذلك من مألوفات البشر لكان ذلك منفرا، فقد بان وجه الحكمة في كونهم من البشر، ولو كانوا من الملائكة لوقع النفار والشرود لافتراق الجنسية وإليه الإشارة بقوله تعالى: \"ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون \"\rأي ليكون أقرب إليهم لئلا يقع تنافر فكونهم من البشر أقرب وأقوم للحجة.\rولما كانت رسالة محمد ﷺ عامة كان ﵊ يخاطب كل طائفة من طوائف العرب بلسانها ويكلمها بما تفهم وتأمل\rكم بين كتابه ﷺ لأنس (رضى الله عنه) في الصدقة، وكتابه إلى وائل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187044,"book_id":1237,"shamela_page_id":61,"part":null,"page_num":240,"sequence_num":61,"body":"ابن حُجْر مع اتخاد الغرض، وللكتابين نظائر يوقف عليها في مظانها وكل ذلك لتقوم الحجة على الجميع، واستمر باقي سورة إبراهيم ﵇ على التعريف\rبحال مكذبي الرسل ووعيد من خالفهم وبيان بعض أهوال الآخر وعذابها.\rسورة الحجر\rلما تقدم من وعيد الكفار ما تضمنته الآي المختتم بها سورة إبراهيم عليه\rالسلام من لدن قوله سبحانه: \"ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون \" إلى\rخاتمتها (الآيات: ٤٢ - ٣٢) أعقب ذلك بقوله: (رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢)","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187045,"book_id":1237,"shamela_page_id":62,"part":null,"page_num":241,"sequence_num":62,"body":"أي عند مشاهدة تلك الأهوال الجلائل، ثم قال تعالى تأكيدا لذلك الوعيد (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣)\rثم أعقب تعالى هذا بيان ما جعله سنة في عباده من ارتباط الثواب والعقاب معجلة ومؤجلة بأوقات وأحيان لا انفكاك لهما عنها،\rولا تقدم ولا تأخر إذ استعجال البطش في الغالب إنما يكون ممن يخاف الفوت، والعالم بجملتهم لله تعالى وفي قبضته لا يفوته أحد منهم ولا يعجزه، قال تعالى: \"وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم \"\rوكان هذا يزيده إيضاحا قوله ﷿ \"إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار\"\rوقوله: \"وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ\"\rوقوله: \"يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ ... الآية.\rوتأمل نزول قوله تعالى: \"رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ\"\rعلى هذا وعظيم موقعه في اتصاله به ووضوح ذلك كله.\rوأما افتتاح السورة بقوله: \" (الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١) \"\rفأحاله على أمرين واضحين أحدهما ما نبه به سبحانه من الدلائل\rوالآيات كما يفسر،\rوالثاني ما بينه القرآن المجيد وأوضحه وانطوى عليه من الدلائل\rوالغيوب والوعد والوعيد وتصديق بعض ذلك بعضا، فكيف لا يكون المتوعد به في قوة الواقع الشاهد لضدة البيان، في صحة الوقوع، فالعجب من التوقف والتكذيب ثم أعقب هذا بقوله: \"رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ\".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187046,"book_id":1237,"shamela_page_id":63,"part":null,"page_num":242,"sequence_num":63,"body":"سورة النحل\rهذه السورة في التحامها بسورة الحجر مثل الحجر بسورة إبراهيم من غير\rفرق، لما قال تعالى: (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)\r(وقال بعد ذلك في وعيد المستهزئين \"فسوف يعلمون \"\rأعقب هذا ببيان تعجيل الأمر فقال تعالى: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ)\rوزاد هذا بيانا قوله ﷾: (عَمَّا يُشْرِكُونَ)\rفنزه سبحانه نفسه عما فاهوا به في استهزائهم وشركهم وعظيم بهتهم واتبع ذلك تنبيها وتعظيما فقال: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣)\rثم أتبع ذلك بذكر ابتداء خلق الإنسان وضعف جبلته \"خلق الإنسان من نطفة) . ثم أبلغه تعالى حدا يكون منه الخصام والمحاجة، كل ذلك ابتلاء\rمنه واختبار ليميز الخبيث من الطيب، وأعقب هذا بذكر بعض ألطافه\r(سبحانه) في خلق الأنعام وما جعل فيها من المنافع المختلفة وما هو سبحانه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187047,"book_id":1237,"shamela_page_id":64,"part":null,"page_num":243,"sequence_num":64,"body":"عليه من الرأفة والرحمة اللتين بهما أخر العقوبة عن مستوجبها، وهدى من لم\rيستحق الهداية بذاته بل كل هداية فبرأفة الخالق ورحمته، ثم أعقب ما ذكره بعد من خلق الخيل والبغال والحمير وما في ذلك كله قوله: \"ولو شاء لهداكم أجمعين \"\rفبين أن كل الواقع من هداية وضلال، خلقه وفعله، وأنه أوجد الكل\rمن واحد وابتدأهم ابتداء واحدا \"خلق الإنسان من نطفة\"، فلا بعد في\rاختلاف غاياتهم بعد ذلك، فقد أرانا سبحانه مثال هذا الفعل ونظيره في قوله: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١) .\rسورة الإسراء (٢٩١)\rلما تقدم قوله تعالى: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠)\rإلى قوله (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا.... الآية \"\rكان ظاهر ذلك تفضيل إبراهيم ﵇ على محمد ﷺ وعلى جميع الأنبياء لا سيما مع الأمر بالاتباع، فأعقب ذلك بسورة الإسراء،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187048,"book_id":1237,"shamela_page_id":65,"part":null,"page_num":244,"sequence_num":65,"body":"وقد تضمنت من خصائص نبينا ﵇ وانطوت على ما حَصل من\rالنصوص في الصحيح والمقطوع به والمجمع عليه من أنه ﷺ سيد ولد آدم فاستفتحت السورة بقصة الإسراء، وقد تضمنت حسبما وقع في صحيح مسلم\rوغيره إمامته بالأنبياء ﵈ وفيهم إبراهيم وموسى وغيرهما من الأنبياء من غير استثناء، هذه رواية ثابت عن أنس (ضي الله عنه) (وهي أنقى رواية عند أهل صناعة الحديث وأجودها) ، وفي حديث أبي هريرة أنه عليه\rالسلام أثنى على ربه فقال: (الحمد لله الذي أرسلنى رحمة للعالمين كافة\rوللناس بشيرا ونذيرا. وأنزل علي القرآن فيه تبيان كل شي وجعل أمتي خير أمة أخرجت للناس، وجعل أمتي وسطا، وجعل أمتى هم الأولون وهم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187049,"book_id":1237,"shamela_page_id":66,"part":null,"page_num":245,"sequence_num":66,"body":"الآخرون، وشرح لي صدري، ووضع عني وزري ورفع لي ذكرى، وجعلني فاتحا وخاتما فقال إبراهيم ﵇ بهذا فضلكم محمد.\rوفي رواية أبي هريرة (ضى الله عنه) من طريق الربيع بن أنس وذكر\rﷺ سدرة المنتهى وأنه ﵎ قال له: سل فقال إنك اتخذت إبراهم خليلا وأعطيته ملكا عظيما، كلمت موسى تكليما، وأعطيت داود ملكا عظيما، وألَنْتَ له الحديد وسخرت له الجبال، وأعطيت سليمان ملكا عظيما، وسخرت له الجن والإنس والشياطين والرياح وأعطيته مكا لا ينبغي لأحد من بعده، وعلمت عيسى التوراة والإنجيل وجعلته يبرىء الأكمه والأبرص، وأعذته وأمه من الشيطان\rالرجيم، فلم يكن له عليهما سبيل فقال له ربه تعالى: قد اتخذتك حبيبا فهو\rمكتوب في التوراة (محمد) حبيب الرحمن وأرسلتك إلى الناس كافة، وجعلت\rأمتك هم الأولون والآخرون، وجعلت أمتك لا تجوز لهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي، وجعلتك أول النبيئين خلقا وآخرهم بعثا، وأعطيتك سبعا من المثاني ولم أعطهما لنبي قبلك وأعطيتك خواتم البقرة من كنز تحت العرش لم أعطها نبيا قبلك، وجعلتك فاتحا وخاتما.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187050,"book_id":1237,"shamela_page_id":67,"part":null,"page_num":246,"sequence_num":67,"body":"وفي حديث شريك أنه رأى موسى ﵇ في السماء السابعة قال\rبتفضيل كلام الله، قال ثم علا به فوق ذلك ما لا يعلمه إلا الله فقال\rموسى لم أظن أن يرفع علي أحد.\rوفي حديث علي بن أبي طالب (رضى الله عنه) أخرجه البزار في ذكر\rتعليمه عليه (السلام) الأذان وخروج الملك فقال رسول الله ﷺ ياجبريل من هذا؟ قال: والذي بعثك بالحق إني لأقرب الخلق مكانا وإن هذا الملك ما رأيته منذ خلقت قبل ساعتي هذه ... الحديث، وفيه ثم أخذ الملك بيد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187051,"book_id":1237,"shamela_page_id":68,"part":null,"page_num":247,"sequence_num":68,"body":"محمد ﷺ فقدمه فأم أهل السماء فيهم آدم ونوح.\rوفي هذا الحديث قال أبو جعفر محمد بن علي راويه: أكمل الله لمحمد\rﷺ الشرف على أهل السماوات والأرض، قلت: وفي هذا الحديث إشكالات صعبة فلهذا لم نورد منه إلا أطرافاً بحسب الحاجات، إذ ليس ما فيه الإشكال من مطلوبنا هنا.\rوقد حصل منه تفضيله ﷺ بالاسراء وخصوصه بذلك، ثم قد انطوت السورة على ذكر المقام المحمود، وهو مقامه في الشفاعة الكبرى، وذلك مما خص به حسبما ثبت في الصحيح، وانعقد عليه إجماع أهل السنة، ولا أعلم في الكتاب العزيز سورة تضمنت من خصائصه التي فضل بها كافة الأنبياء مثل ما تضمنت هذه السورة والحمد لله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187052,"book_id":1237,"shamela_page_id":69,"part":null,"page_num":248,"sequence_num":69,"body":"سورة الكهف","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187053,"book_id":1237,"shamela_page_id":70,"part":null,"page_num":249,"sequence_num":70,"body":"من الثابت المشهور أن قريشا بعثوا إلى يهود بالمدينة يسألونهم في أمر\rرسول الله ﷺ فأجابتها يهود بسؤاله عن ثلاثة أشياء قالوا فإن أجابكم (بجوابها) فهو نبي، وإن عجز عن جوابكم فالرجل متقول، فروا فيه رأيكم وهي: الروح، وفتية ذهبوا في الدهر الأول، وهم أهل الكهف، وعن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغربها، فأنزل الله عليه (سبحانه) جواب ما سألوه وبعضه في سورة الإسراء \"وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي\"\rواستفتح تعالى سورة الكهف بحمده وذكر نعمة الكتاب وما أنزل بقريش\rوكفار العرب من البأس يوم بدر وعام الفتح وبشارة المؤمنين بذلك وما منحهم الله من النعيم الدائم وإنذار القائلين بالولد من النصارى وعظيم مرتكبهم وشناعة قولهم: \"إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا\"، وتسلية نبى الله ﷺ في أمر جمعهم \"فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ ... \"\rوالتحمت الآي أعظم التحام وأحسن التئام إلى ذكر ما سأل عنه الكفار من أمر الفتية (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا (٩)\rثم بسطت الآي قصتهم وأوضحت أمرهم واستوفت خبرهم، ثم ذكر سبحانه أمر ذي القرنين وطوافه وانتهاء أمره فقال: \"ويسألونك عن ذي القرنين.... الآيات \" (آية: ٨٣ - ٩٤) وقد فصلت بين القصتين مواعظ وآيات مستجدة على أتم ارتباط وأجل اتساق ومن جملتها قصة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187054,"book_id":1237,"shamela_page_id":71,"part":null,"page_num":250,"sequence_num":71,"body":"الرجلين وجنتي أحدهما وحسن الجنتين وما بينهما كفر صاحبهما واغترَاره وهما من بني إسرائيل ولهما قصة، وقد أفصحت هذه الآي منها باغترار أحدهما بما لديه وكونه إلى توهم البقاء وتعويل صاحبه على ما عند ربه ورجوعه إليه وانتهاء أمره بعد المحاورة الواقعة نمط الآيات بينهما إلى إزالة ما تخيل الفتون بقاءه ورجع ذلك كأنه لم يكن ولم يبق بيده إلا الندم، ولا صح له من جنتيه بعد عظيم تلك البهجة سوى التلاشى والعدم. وهذه حال من ركن إلى ما سوى المالك، وكل شىء إلا وجهه ﷾ فإنه فان وهالك، \"إنما الحياة الدنيا لعب ولهو\" \"ففروا إلى الله \".\rثم أعقب ذلك بضرب مثل الحياة الدنيا لمن اعتبر واستبصر، وأعقب تلك\rالآيات بقصة موسى والخضر ﵉ إلى تمامها وفي كل ذلك من تأديب بنى إسرائيل وتقريعهم وتوبيخ مرتكبهم في توقفهم عن الإيمان وتعنيفهم في توهمهم عند فتواهم لكفار قريش بسؤاله ﵇ عن القصص الثلاث، أن قد حازوا العلم وانفردوا بالوقوف على ما لا يعمله غيرهم، فجاء جواب قريش بما يرغم الجميع ويقطع دابرهم، وفي ذكر قصة موسى والخضر إشارة لهم لو عقلوا وتحريك لمن سبقت له منهم السعادة، وتنبيه لكل موفق في تسليم الإحاطة لمن هو العليم الخبير، وبعد تقريعهم وتوبيخهم بما أشير إليه عاد الكلام إلى بقية سؤالهم\rفقال: \"ويسألونك عن ذي القرنين \" إلى آخر القصة (آية: ٨٣) وليس بسط\rهذه القصص من مقصودنا وقد حصل ما أردناه ولم يبق إلا السؤال عن وجه\rانفصال جوابهم ووقوعه في السورتين مع أن السؤال واحد وهذا ليس من شرطنا فلننسأه بحول الله إلى موضعه إن قدر به.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187055,"book_id":1237,"shamela_page_id":72,"part":null,"page_num":251,"sequence_num":72,"body":"سورة مريم\rلما قال تعالى: \"أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا (٩)\rثم أورد خبرهم وخبر الرجلين موسى والخضر ﵉ ، وقصة ذي القرنين، أتبع سبحانه ذلك بقصص تضمنت من العجائب ما هو أشد عجبا وأخفى سببا فافتتح سورة مريم بيحيى بن زكريا وبشارة\rزكريا به بعد الشيخوخة وقطع الرجاء وعقر الزوج حتى سأل زكريا مستفهما\rومتعجبا (أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨)\rفأجابه الله تعالى بأن ذلك عليه هين وأنه يجعل ذلك آية للناس\rوأمر هذا أعجب من القصص المتقدمة فكأن قد قيل: أم حسبت يا محمد أن\rأصحاب الكهف والرقيمِ كانوا من آياتنا عجبا نحن نخبرك بخبرهم ونخبرك بما هو أعجب وأغرب وأوضح آية وهو قصة زكريا في ابنه يحيى ﵉، وقصة عيسى ﵇ في كينونته بغير أب ليعلم أن الأسباب في الحقيقة لا يتوقف","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187056,"book_id":1237,"shamela_page_id":73,"part":null,"page_num":252,"sequence_num":73,"body":"عليها شىء من مسبباتها إلا بحسب سنة الله، وإنما الفعل له سبحانه لا لسبب وإلى هذا أشار قوله تعالى لزكريا ﵇ \"وقد خلقتك من قبل\rولم تكن شيئا\" (آية: ٩) ثم أتبع سبحانه بشارة زكريا بيحيى بإتيانه الحكم صبيا ثم بذكر مريم وابنها ﵉ وتعلقت الآي بعد إلى انقضاء السورة.\rسورة طه\rلما ذكر سبحانه قصة إبراهيم وما منحه وأعطاه وقصص الأنبياء بعده بما\rخصهم به، وأعقب ذلك بقوله تعالى: \"أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ\" (مريم: ٥٨) وكان ظاهر هذا الكلام تخصيص هؤلاء بهذه المناصب العالية والدرجات المنيفة الجليلة لا سيما وقد أتبع ذلك بقوله (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)\rكان هذا مظنة إشفاق وخوف فأتبعه تعالى بملاطفة نبيه (محمد) ﷺ -","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187057,"book_id":1237,"shamela_page_id":74,"part":null,"page_num":253,"sequence_num":74,"body":"ملاطفة المحبوب المقرب المجتبى فقال: \"ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى\"\rوأيضا فقد ختمت سورة مريم بقوله تعالى: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (٩٨)\rبعد قوله: (وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (٩٧)\rوقد رأى ﵇ من تأخر قريش عن الإسلام ولردها ما أوجب\rإشفاقه وخوفه عليهم ولا شك أنه ﵇ يحزنه تأخر إيمانهم ولذلك قيل له: فلا تحزن عليهم \".\rفكأنه، ﵊ ظن أنه يستصعب المقصود من\rاستجابتهم أو ينقطع الرجاء من إنابتهم فيطول العناء والمشقة فبشره سبحانه\rبقوله: \"ما أنزلنا عليه القرآن لتشقى\"\rفلا عليك من لدد هؤلاء وتوقفهم فسيستجيب من انطوى على الخشية إذا ذكر وحرك إلى النظر في آيات الله كما قيل له في موضع آخر \"فلا يحزنك قولهم \" (آية: يس ٧٦) .\rثم أتبع (سبحانه) ذلك تعريفا وتأنيسا بقوله: \"الرحمن على العرش\rاستوى\" (آية: ٥) إلى أول قصص موسى ﵇ فأعلم\rسبحانه أن الكل خلقه وملكه وتحت قهره وقبضته لا يشذ شىء عن ملكه، فإذا شاء هداية لم من وفقه لم يصعب أمره، ثم أتبع ذلك بقصة موسى ﵇ وما كان منه في إلقائه صغيرا في اليم، وما جرى بعد ذلك من عجيب الصنع وهلاك فرعون وظهور بني إسرائيل، وكل هذا مما يؤكد القصد المتقدم، وهذا الوجه الثاني أولى من الأول والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187058,"book_id":1237,"shamela_page_id":75,"part":null,"page_num":254,"sequence_num":75,"body":"سورة الأنبياء\rلما تقدم قوله سبحانه \"وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ\" إلى قوله \"فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى\" (طه: ٣١ ١ - ١٣٥)\rقال تعالى: (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١)\rأي لا تمدن عينيك إلى ذلك فإني جعلته فتنة لمن ناله بغير حق ويسأل عن قليل ذلك كثيره \"لتسألن يومئذ عن النعيم \" (التكاثر: ٨) والأمر قريب \"اقترب للناس حسابهم \" وأيضا فإنه تعالى لما قال: \"وتنذر به قوما لدا\" (مريم: ٩٧) وهم الشديدو الخصومة في الباطل المرتكبوا للجج، ثم قال تعالى (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (٩٨)\rاستدعت هذه الجملة بسط حال ابتدأت بتأنيسه ﵇ وتسليته حتى لا يشق عليه لردهم، فتضمنت. سورة طه من هذا الغرض بشارته بقوله: \"ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى، وتأنيسه بقصة موسى ﵇ وما كان من حال بني إسرائيل وانتهاء أمر فرعون ومكابدة موسى ﵇ لدد فرعون ومرتكبه إلى أن وقصه الله وأهلكه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187059,"book_id":1237,"shamela_page_id":76,"part":null,"page_num":255,"sequence_num":76,"body":"وأورث عباده أرضهم وديارهم، ثم أتبعت بقصة آدم ﵇ ليرى نبيه\rﷺ سننه في عباده حتى أن آدم ﵇ وإن لم يكن امتحانه بذريته ولا مكابدته من أبناء جنسه فقد كابد من إبليس ما قصه الله في كتابه، وكل هذا تأنيس للنبي ﷺ، فإنه إذا تقرر لديه أنها سنة الله تعالى في عباده هان عليه لدد قريش ومكابدتهم ثم ابتدأت سورة الأنبياء ببقية هذا التأنيس فبين اقتراب الحساب\rووقوع يوم الفصل المحمود فيه ثمرة ما كوبد في ذات الله والمتمنى فيه أن لو كان ذلك أكثر والمشقة أصعب لجليل الثمرة وجليل الجزاء، ثم أتبع سبحانه ذلك بعظات ودلائل ومواعظ وبسط آيات، وأعلم أنه سبحانه قد سبقت سنته فأهلك من لم يكن منه الإيمان من متقدمي القرون وسالفى الأمم \"ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها\" (آية: ٦) وفي قوله: \"أفهم يؤمنون \" (آية: ٦) تعزية لرسول الله ﷺ في أمرقريش ومن قبيل ما الكلام بسبيله.\rوقد تضمنت هذه السورة إلى ابتداء قصة إبراهيم ﵇ من المواعظ\rوالتنبيه على الدلالات وتحريك العباد إلى الاعتبار بها ما يعقب لمن اعتبر به التسليم والتفويض لله سبحانه والصبر على الابتلاء وهو من مقصود السورة في قوله تعالى: (ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (٩)\rإجمال لما فسره النصف الأخير من هذه السورة من تخليص الرسل ﵈ من قومهم واهلاك من أسرف وأفك ولم يؤمن، وفي ذكر تخليص الرسل وتأييدهم الذى تضمنه النصف الأخير من لدن قوله: \"ولقد آتينا إبراهبم رشده (آية: ٥١) إلى آخر السورة\" كمال الغرض المتقدم من التأنيس وملاءمة ما تضمنته سورة طه وتفصيل المجمل (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (٩٨) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187060,"book_id":1237,"shamela_page_id":77,"part":null,"page_num":256,"sequence_num":77,"body":"سورة الحج\rلما افتتحت سورة الأنبياء بقوله تعالى: \"اقترب للناس حسابهم \"\rوكان في معرض التهديد، وتكرر في مواضع منها كقوله\rتعالى: \"وإلينا يرجعون \" (آية: ٣٥) \"سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ (٣٧) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨) لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ\" (الآيات: ٣٧ - @ر ٣) \"ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك (آية: ٤٦) \"ونضع الوازين القسط ليوم القيامة\" (آية: ٤٧) \"وهم من الساعة مشفقون \" (آية: ٤٩) \"كل إلينا راجعون \" (آية: ٩٣) \"وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ\" (آية: ٩٧)\r\"إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) \" (آية: ٩٨) \"يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ\" (آية: ١٠٤)\rإلى ما تخلل هذه الآي من التهديد وتشديد الوعيد حتى لا تكاد تجد أمثال هذه الآي في الوعيد والإنذار بما في الساعة وما بعدها وما بين يديها في نظائر هذه السورة، وقد ختمت من ذلك بمثل ما به ابتدئت، اتصل بذلك ما يناسبه من الإعلام بهول الساعة وعظيم أمرها فقال تعالى: يا أيها الناس اتقوا ربكم\" إلى قوله تعالى \"ولكن عذاب الله شديد\"\rثم أتبع هذا ببسط الدلالات على البعث الأخير وإقامة البرهان \"يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ\"\rثم قال: \"ذلك بأن الله هو الحق \" أي اطرد هذا الحكم العجيب ووضح من تقلبكم من حالة إلى حالة قي الأرحام وبعد خروجكم\rإلى الدنيا وأنتم تعلمون ذلك من أنفسكم وتشاهدون الأرض على صفة من الهمود","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187061,"book_id":1237,"shamela_page_id":78,"part":null,"page_num":257,"sequence_num":78,"body":"والموت إلى حين نزول الماء فتحيى وتخرج أنواع النبات وضروب الثمرات تسقى بماء واحد \"ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى\"\rكما أحياكم أولا وأخرجكم من العدم إلى الوجود وأحيى الأرض بعد موتها وهمودها كذلك تاقي الساعة من غير ريب ولا شك ويبعثكم لما وعدتم من حسابكم وجزائكم \"فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ\".\rسورة المؤمنين\rفُصِّل في افتتاحها ما أجمل في قوله تعالى: \"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)\rوأعلم بما ينبغي للراكع والساجد التزامه من الخشوع، ولالتحام الكلامين أورد الأول أمرا والثاني مدحة وتعريفا بما به كمال الحال، وكأنه لما أمر المؤمنين وأطمع بالفلاح جزاء لامتثاله كان مظنة لسؤاله عن تفضيل ما أمر به من العبادة وفعل الخير الذى به","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187062,"book_id":1237,"shamela_page_id":79,"part":null,"page_num":258,"sequence_num":79,"body":"يكمل فلاحه فقيل له: المفلح من التزم كذا وكذا وذكر سبعة أضرب من العبادة وفعل الخير الذي يكمل به فلاحه، فقيل له هي أصول لما وراءها ومستتبعة سائر التكاليف، وقد بسط حكم كل عبادة منها وما يتعلق بها في الكتاب والسنة.\rولما كانت المحافظة على الصلاة منافرة إتيان المأثم جملة: (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ)\rلذلك اختتمت بها هذه العبادات بعد التنبيه على محل الصلاة من هذه العبادات بذكر التنبيه على الخشوع فيها أولا، واتبعت هذه الضروب السبعة بذكر أطوار سبعة يتقلب فيها الإنسان قبل خروجه إلى الدنيا فقال تعالى: \"ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين\" إلى قوله: \"ثم أنشأناه خلقا آخر فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ \"\rوكان قد قيل له إنما كمل خلقك وخروجك إلى الدنيا بعد هذه التقلبات السبعة، وإنما تتخلص من دنياك بالتزام هذه العبادات السبع، وقد وقع عقب هذه الآيات قوله تعالى: \"ولقد خلقنا فوقك سبع طرائق \" (آية: ١٧) ولعل ذلك مما يقرر هذا الاعتبار، ووارد لمناسبته والله أعلم.\rوكان صدر هذه السورة مفسرا لما أجمل في الآيات قبلها فكذا الآيات\rبعد مفصلة لمجمل ما تقدم في قوله تعالى: \"يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ\"","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187063,"book_id":1237,"shamela_page_id":80,"part":null,"page_num":259,"sequence_num":80,"body":"وهذا كاف في التحام السورتين والله سبحانه المستعان.\rسورة النور\rلما قال تعالى: \"وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) ... \"\rثم قال تعالى \"فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧) \"\rاستدعى الكلام بيان حكم العادين في ذلك، ولم يبين فيها، فأوضحه في\rسورة النور فقال تعالى: \"الزانية والزاني ... الآية \" (آية: ٢) ،\rثم أتبع ذلك بحكم اللعان والقذف، وانجر مع ذلك الإخبار بقصة الإفك تحذيرا للمؤمنين من زلل الألسنة رجما بالغيب \"وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ\" (آية: ١٥) ، وأتبع ذلك بوعيد محبى شياع الفاحشة في المؤمنين بقوله تعالى: \"إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ ... الآيات \" (آية: ٢٣) ثم بالتحذير من دخول البيوت إلا بعد الاستئذان المشروع، ثم بالأمر بغض البصر للرجال والنساء، ونهي النساء عن إبداء الزينة إلا لمن سمى الله سبحانه في الآية وتكررت هذه المقاصد في هذه السورة إلى ذكر حكم العورات الثلاث، ودخول بيوت الأقارب وذوي الأرحام، وكل هذا مما يبرىء ذمة المؤمن بالتزام ما أمر الله به من ذلك والوقوف عند ما حده تعالى من أن يكون من العادين المذمومين في قوله تعالى: \"فمن ابتغى وراء\rذلك فأولئك هم العادون \" وما تخلل الآي المذكورات ونسق عليها","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187064,"book_id":1237,"shamela_page_id":81,"part":null,"page_num":260,"sequence_num":81,"body":"مما ليس من الحكم المذكور فلاستجرار الآي إياه واستدعائه ومظنة استيفاء ذلك وبيان ارتباط التفسير، وليس من شرطنا هنا والله سبحانه يوفقنا لفهم كتابه.\rسورة الفرقان\rلما تضمنت سورة النور بيان كثير من الأحكام كحكم الزنا ورمي\rالزوجات به والقذف والاستئذان والحجاب، وإسعاف الفقير والكتابة وغير ذلك، والكشف عن مغيبات من تغاير حالات تبين بمعرفتها والاطلاع عليها الخبيث من الطيب - كإطلاعه سبحانه نبيه والمؤمنين على ما تقوله أهل الِإفك وبيان حالهم واضمحلال محالهم - ثم في قصة المنافقين في إظهارهم ضد ما\rيضمرون، ثم كريم وعده للخلفاء الراشدين \"وعد الله الذين آمنوا منكم (وعملوا الصالحات) \" (النور: ٣٥) ، ثم ما فضح به تعالى منافقي الخندق \"","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187065,"book_id":1237,"shamela_page_id":82,"part":null,"page_num":261,"sequence_num":82,"body":"\"قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا\" إلى آخر الآية\rكان في مجموع هذا فرقانا يعتضد به الإيمان ولا ينكره مقر بالرحمن، يشهد لرسول الله ﷺ بصحة رسالته ويوضح مضمن قوله تعالى: (لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا)\rمن عظيم قدره ﷺ، وعلي جلالته أتبعه سبحانه بقوله: \"تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ\"\rوهو القرآن الفارق بين الحق والباطل والمطلع على ما أخفاه المنافقون وأبطنوه من المكر والكفر \"لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا\"، فيحذرهم من مرتكبات المنافقين والتشبه بهم، ثم تناسج الكلام والتحم جليل المقصود من ذلك النظام.\rوقد تضمنت هذه السورة من النعي على الكفار والتعريف ببهتهم\rوسوء مرتكبهم ما لم يتضمن كثير من نظائرهاكقولهم: \"ما لهذا الرسول\rيأكل الطعام ... الآيات \" (آية: ٧) وقولهم: \"لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى\rربنا\" (آية: ٢١) وقولهم: \"لولا أنزل عليه القرآن جملة واحدة\" (آية: ٣٢) ، وقولهم: \"وما الرحمن \" (آية: ٦٠) إلى ما عضَّد هذه وتخللها، ولهذا ختمت بقواطع الوعيد، وأشد التهديد وهو قوله سبحانه (فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (٧٧) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187066,"book_id":1237,"shamela_page_id":83,"part":null,"page_num":262,"sequence_num":83,"body":"سورة الشعراء\rلما عرفت سورة الفرقان بشنيع مرتكب الكفرة المعاندين وختمت بما\rذكر في الوعيد كان ذلك مظنة لإشفاقه ﵇ وتأسفه على فوت إيمانهم لما جبل عليه من الرحمة والإشفاق، فافتتحت السورة الأخرى بتسليته ﵇ وأنه سبحانه لو شاء لأنزل عليهم آية تبهرهم وتذل جبابرتهم فقال سبحانه: \"لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (٤)\rوقد تكرر هذا المعنى عند إرادته تسليته ﵇ كقوله تعالى: \"ولو شاء الله لجمعهم على الهدى\" \"وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَ\" \"وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا\" \"وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ\"","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187067,"book_id":1237,"shamela_page_id":84,"part":null,"page_num":263,"sequence_num":84,"body":"ثم أعقب سبحانه بالتنبيه والتذكير \"أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ \" \"وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى\".\rوقل ما تجد في الكتاب العزيز ورود تسليته ﵇ إلا معقبة بقصة\rموسى ﵇ وما كابد من بنى إسرائيل وفرعون، وفي كل قصة منها إحراز ما لم تحرزه الأخرى من الفوائد والمعاني والأخبار حتى لا تجد قصة تتكرر، وإنه ظَنَّ ذلك من لم يمعن النظر، فما من قصة من القصص المتكرر في الظاهر إلا ولو سقطت أو قدر إزالتها لنقص من الفائدة ما لا يحصل من غيرها وسنوضح هذا في التفسير بحول الله تعالى.\rئم أتبع جل وتعالى قصة موسى بقصص غيره من الأنبياء (عليهم الصلاة\rوالسلام) مع أممهم على الطريقة المذكورة وتأنيسا له ﵇ حتى لا يهلك نفسه أسفا على فوت إيمان قومه، ثم أتبع سبحانه ذلك بذكر الكتاب وعظيم النعمة به فقال: \"وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ\"\rفيا لها كرامة تقصر الألسنة عن شكرها وتعجز العقول عن تقريرها، ثم أخبر تعالى أنه بلسان عربي مبين، ثم أخبر سبحانه بعلي أمر هذا\rالكتاب وشائعِ ذكره على ألسنة الرسل والأنبياء ﵈ فقال: (وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦)\rوأخبر أن علم بني إسرائيل من أعظم آية وأوضح برهان وبينة، وأن تأمل ذلك كاف، واعتباره شاف، فقال: (أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٩٧)","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187068,"book_id":1237,"shamela_page_id":85,"part":null,"page_num":264,"sequence_num":85,"body":"كعبد الله بن سلام وأشباهه، ثم وبخ تعالى متوقفي العرب فقال: (وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (١٩٩)\rثم أتبع ذلك بما يتعظ به المؤمن الخائف من أن الكتاب مع أنه هدى ونور قد يكون محنة في حق طائفة كما قال تعالى: (يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا) (وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ)\rوقال تعالى: في هذا المعنى: (كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٢٠١) ،\rثم عاد الكلام إلى تنزيه الكتاب وإجلاله على أن تتسور الشياطين. على شىء منه أو تصل إليه فقال سبحانه: \"وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم \"\rأي ليسوا أهلين له ولا يقدرون على استراق سمعه بل هم معزولون عن السمع مرجومون بالشهب، ثم وصى تعالى نبيه ﷺ والمراد المؤمنون فقال: \"فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣) ،\rثم أمره بالإنذار ووصاه بالصبر فقال: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) .\rثم أعلم تعالى بموقع ما توهموه وأهلية ما تخيلوه فقال: (هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) .\rثم وصفهم، وكل هذا تنزيه لنبيه ﵇ على ما يقولوه، ثم هددهم\rوتوعدهم فقال: (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187069,"book_id":1237,"shamela_page_id":86,"part":null,"page_num":265,"sequence_num":86,"body":"سورة النمل\rلما أوضح في سورة الشعراء عظيم رحمته بالكتاب وبيان ما تضمنه مما فضح\rبه الأعداء أو رحم به الأولياء وبراءته من أن تتسور الشياطين عليه، وباهر\rآياته الداعية من اهتدى بها إليه، فتميز بعظيم آياته كونه فرقانا قاطعا ونورا ساطعا، أتبع ذلك سبحانه ذلك مدحة وثناء، وذكر من شملته رحمته به تخصيصا واعتناء فقال: \"تلك آيات القرآن \" أي الحاصل عنها مجموع تلك الأنوار آيات القرآن (وكتاب مبين هدى وبشرى للمؤمنين \"\rثم وصفهم ليحصل للتابع قسطه من بركة التبع وليقوى رجاؤه في النجاة مما أشار إليه، وسيعلم الذين ظلموا من عظيم ذلك المطلع، ثم أتبع ذلك بالتنبيه على صفة الأهلين لما تقدم من التقول والافتراء تنزيها لعباده المتقين وأوليائه المخلصين عن دنس الشكوك والافتراء فقال: (إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (٤) .\rأي يتحيرون فلا يفرقون بين النور","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187070,"book_id":1237,"shamela_page_id":87,"part":null,"page_num":266,"sequence_num":87,"body":"والإظلام لارتياب الخواطر والأفهام، ثم أتبع ذلك بتسليته ﵇\rبالقصص الواقعة بعد تنشيطا له وتعريفاً بعلو منصبه، وإطلاعا له على\rعجيب صنعه تعالى فيمن تقدم، ثم ختمت السورة بذكر أهل القيامة\rوبعض ما بين يديها والإشارة إلى الجزاء ونجاة المؤمنين، وتهديد من تنكب عن سبيله ﵇.\rسووة القصص\rلما تضمن قوله سبحانه: \"إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ\" إلى آخر السورة من التخويف والترهيب\rوالإنذار والتهديد ما انجر معه الإشعار بأنه ﵇ سيملك مكة ويفتحها\rتعالى عليه، ويذل عتاة قريش ومتمرديهم، ويعز أتباع رسوله ﵇ ومن استضعفته قريش من المؤمنين، أتبع سبحانه ذلك بما قصه على نبيه من نظير ما","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187071,"book_id":1237,"shamela_page_id":88,"part":null,"page_num":267,"sequence_num":88,"body":"أشار إليه في قصة بني إسرائيل وابتداء امتحانهم بفرعون واستيلائه عليهم وفتكه بهم إلى أن أعزهم الله وأظهرهم على عدوهم وأورثهم أرضهم وديارهم.\rولهذا أشار تعالى في كلا القصتين بقوله في الأولى: \"سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا\"\rوبقوله في الثانية: \"وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ\".\rثم قص ابتداء أمر فرعون واستعصامه بقتل ذكور الأولاد، ثم لم يغن\rذلك عنه من قدر الله شيئا، ففي حاله عبرة لمن وفق للاعتبار، ودليل أنه سبحانه أنه المنفرد بملكه يؤتي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء لا ينازعه نازع ولا يمنعه عما يشاء مانع \"قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ\"، وقد أفصح قوله تعالى: \"وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ\"\rبما أشار إليه مجملا ما أوضحنا اتصاله من خاتمة النمل وفاتحة القصص ونحن.\rنزيده بيانا بذكر لمع من تفسير ما قصد التحامه فنقول: إن قوله تعالى\rمعلما لنبيه ﷺ وآمراً \"إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا\"\rإلى قوله: \"وقل الحمد لله سيريكم آياته \"\rلا خفاء بما تضمن ذلك من التهديد وشديد الوعيد. ثم في قوله: \"رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ\".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187072,"book_id":1237,"shamela_page_id":89,"part":null,"page_num":268,"sequence_num":89,"body":"أشار أنه ﵇ سيفتحها ويملكها لأنها بلدة ربه وملكه وهو عبده\rورسوله، وقد اختصه برسالته وله كل شىء، فالعباد والبلاد ملكه، ففي هذا من الإشارة مثل ما في قوله تعالى: \" إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ \"\rوقوله: \"وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ\".\rأي ليسمعوه فيتذكر من سبقت له السعادة ويلحظ سنة الله في العباد والبلاد، ويسمع ما جرى لمن عاند وعتا، وكذب واستكبر، كيف وقصه الله وأخذه ولم يغن عنه حذره، وأورث مستضعف عباده أرضه ودياره، ومكن لهم في الأرض، وأعز رسله وأتباعهم، \"نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون \"\rأي يصدقون ويعتبرون ويستدلون فيستوضحون وقوله: \"سيريكم آياته\"\rيشير إلى ما حل بهم يوم بدر، وبعد ذلك إلى يوم فتح مكة، وإذعان من لم\rيكن يظن انقياده، وإهلاك من ظن تمرده وعناده وانقياد العرب بجملتها بعد\rفتح مكة ودخول الناس في الدين أفواجا، وعزة أقوام وذلة آخرين بحاكم \" إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ \" (الحجرات: ١٣)\rإلى فتح الله على الصحابة (رضوان الله عليهم) ما وعدهم به نبيهم ﷺ، فكان كما وعد.\rفلما تضمنت (هذه الآي ما أشير إليه أعقب بما هو في قوة أن لو قيل\rليس عتوكم بأعظم من عتو فرعون وآله، ولا حال مستضعفى المؤمنين بمكة ممن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187073,"book_id":1237,"shamela_page_id":90,"part":null,"page_num":269,"sequence_num":90,"body":"قصدتم فتنته في دينه، بدون حال بني إسرائيل حين كان فرعون يمتحنهم\rبذبح أبنائهم، فهلا تأملتم عاقبة الفريقين وسلكتهم أنهج الطريقين \"أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم\" إلى قوله: \"فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون \" (غافر: ٨٢) ، فلو تأملتم ذلك لعلمتم أن العاقبة للمتقين فقال سبحانه بعد افتتاح السورة \"إن فرعون علا في الأرض \" (آية: ٤) ، ثم ذكر من خبره ما فيه عبرة، وذكر سبحانه آياته الباهرة في أمر موسى ﵇ وحفظه ورعايته وأخذ أم عدوه إياه \"عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا\" (آية: ٩) فلم يذبح الأبناء خيفة من مولود يهتك ملكه حتى إذا كان ذلك المولود تولى بنفسه تربيته وحفظه وخدمته ليعلم لمن التدبير والإمضاء، كيف يقود سابق الحكم والقضاء فهلا سألت قريش وسمعت وفكرت واعتبرت \"أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى: \" (طه: ١٣٣) .\rثم أتبع سبحانه ذلك بخروج موسى ﵇ من أرضه \"فخرج منها\rخائفا يترقب \" (آية: ٢١) وما ناله ﵇ في ذلك الخروج من عظيم\rالسعادة، وفي ذلك شبهة لرسول الله ﷺ على خروجه من مكة وتعزية له، وإعلام بأنه تعالى سيعيده إلى بلده ويفتحه عليه، وبهذا المستشعر من هنا صرح آخر السورة في قوله تعالى: \"إن الذى فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد\"\rوهذا كاف فيما قصد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187074,"book_id":1237,"shamela_page_id":91,"part":null,"page_num":270,"sequence_num":91,"body":"سورة العنكبوت\rافتتحت سورة القصص بذكر امتحان بنى إسرائيل بفرعون وابتلائهم بذبح\rأبنائهم وصبرهم على عظيم تلك المحنة، ثم ذكر تعالى حسن عاقبتهم وثمرة صبرهم، وانجر مع ذلك بما هو منه، لكن انفصل عن عمومه بالقضية امتحان أم موسى بفراقه حال الطفولة وابتداء الرضاع، وصبرها على أليم ذلك المذاق) حتى رده تعالى إليها أجمل رد وأحسنه، ثم ذكر ابتلاء موسى ﵇ بأمر القبطي وخروجه خائفا يترقب، وحسن عاقبته وعظيم رحمته، وكل هذا ابتلاء أعقب خيرا، وختم برحمة، ثم بضرب آخر من الابتلاء، أعقب محنة وأورث شرا وسوء فتنة، وهو ابتلاء قارون بماله وافتتانه به \"فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ\" فحصل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187075,"book_id":1237,"shamela_page_id":92,"part":null,"page_num":271,"sequence_num":92,"body":"من هذا أن الابتلاء في غالب الأمر سنة، وجرت منه سبحانه في عباده ليميز\rالخبيث من الطيب، وهو المنزه عن الافتقار إلى تعرف أحوال العباد بما يبتليهم به، إذ قد علم كون ذلك منهم قبل كونه، إذ هو موجده وخالقه كان خيرا أو شرا، فكيف يغيب عنه أو يفتقر تعالى إلى ما به يتعرف أحوال العباد، أو يتوقف علمه على سبب \"ألا يعلم من خلق \" (الملك: ١٤) ولكن هى سنة في عباده ليظهر لبعضهم من بعض عند الفتنة والابتلاء ما لم يكن ليظهر قبل ذلك حتى يشهدوا على أنفسهم وتقوم الحجة عليهم باعترافهم ولا افتقار به تعالى إلى شىء من ذلك.\rفلما تضمنت سورة القصص هذا الابتلاء في الخير والشر، وبه وقع افتتاحها\rواختتامها هذا، وقد انجر بحكم الإشارة أولا خروج نبينا ﷺ من بلده ومنشئه ليأخذه ﵇ بأوفر حظ مما ابتلى به الرسل والأنبياء من مفارقة الوطن وما يحرز لهم الأجر المناسب لعلي درجاتهم ﵈، ثم بشارته ﷺ آخرا بالعودة\rوالظفر \" إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ \" (القصص: ٨٥) ، فأعقب سبحانه هذا بقوله معلما للعباد ومنبها أنها سنته فيهم فقال: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ)\rأي أحسبوا أن يقع الاكتفاء بمجرد استجابتهم وظاهر إنابتهم ولما يقع امتحانهم بالشدائد والمشقات وضروب الاختبارات: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ)\rفإذا وقع الابتلاء فمن فريق يتلقون ذلك تلقى العليم، إن ذلك من عند الله ابتلاء واختبارا يكون تسخيرا لهم وتخليصا، ومن فريق\rيقابلون ذلك بمرضاة الشيطان والمسارعة إلى الكفر والخذلان \"ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه \".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187076,"book_id":1237,"shamela_page_id":93,"part":null,"page_num":272,"sequence_num":93,"body":"ثم أتبع سبحانه هذا بذكر حال بعض الناس ممن يدعي الإيمان، فإذا\rأصابه أدنى أذى من الكفار صرفه ذلك عن إيمانه، وكان عنده مقاوما\rلعذاب الله الصارف لمن عرفه عن الكفر والمخالفة فقال تعالى: \"وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ\"\rفكيف حال هؤلاء في تلقي ما هو أعظم من الفتنة وأشد في المحنة.\rثم أتبع سبحانه ذلك بما به يتأسى الموفق من صبر الأنبياء ﵈\rوطول مكابدتهم من قومهم، فذكر نوحا وإبراهيم ولوطا وشعيبا، وخص هؤلاء ﵈ بالذكر لأنهم من أعظم الرسل مكابدة وأشدهم ابتلاء، أما نوح ﵇، فلبث في قومه كما أخبر الله سبحانه ألف سنة إلا خمسين عاما، وما آمن معه إلا قليل، وأما إبراهيم ﵇ فرمي بالمنجنيق في النار فكانت عليه بردا وسلاما، وقد نطق الكتاب العزيز بخصوص المذكورين (صلى الله عليهما وسلم وعلى الرسل والأنبياء أجمعين) بضروب من الابتلاءات خصلوا على ثوابها وفازوا من عظيم الرتبة النبوية العليا بأسنى نصابها، ثم ذكر تعالى أخذ المكذبين من أممهم فقال: \"فكلا أخذنا بذنبه \" (آية: ٤٠)\rثم وصى نبيه ﵇ وأوضح حجته وتتابع اتساق الكلام إلى آخر السورة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187077,"book_id":1237,"shamela_page_id":94,"part":null,"page_num":273,"sequence_num":94,"body":"سورة الروم\rلما عنَّف سبحانه أهل مكة ونعى عليهم قبح صنيعهم في، التغافل عن\rالاعتبار بحالهم وكونهم مع قلة عددهم قد منع الله بلدهم عن قاصد نهبه، وكف أيدي العتاة والمتمردين عنهم مع تعاور أيدي المنتهبين من حولهم، وتكرُّر ذلك واطراده صونا منه لحرمه وبيته فقال تعالى: \"أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ\"\rأي أولم يكفهم هذا في الاعتبار ويتبينوا أن ذلك ليس عن قوة منهم ولا حسن دفاع، وإنما هو بصون الله إياهم بمجاورة بيته\rوملازمة أمنه مع أنهم أقل العرب، أفلا يرون هذه النعمة ويقابلونها بالشكر\rوالاستجابة قبل أن يحل بهم نقمه ويسلبهم نعمه، فلما قدم تذكارهم بهذا\rأعقبه بذكر طائفة هم أكثر منهم وأشد قوة وأوسع بلادا وقد أيد غيرهم ولم\rيغن عنهم انتشارهم وكثرتهم فقال: \"الم غلبت الروم في أدنى الأرض ... الآيات \"\rفذكر تعالى (غلبة) غيرهم لهم، وأنهم ستكون لهم كرة ثم يغلبون، وما ذلك إلا بنصر الله من شاء من عبيده ينصر من يشاء فلو كشف عن أبصار\rمن كان بمكة من الكفار لرأوا أن اعتصام بلادهم وسلامة ذرياتهم وأولادهم مما","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187078,"book_id":1237,"shamela_page_id":95,"part":null,"page_num":274,"sequence_num":95,"body":"يتكرر على من حولهم من الانتهاب والقتل وسبي الذراري والحرم، إنما هو بمنع الله تعالى وكريم صونه لمن جاور حرمه وبيته، وإلا فالروم أكثر عددا وأطول مددا ومع ذلك تتكرر عليهم الفتكات والغارات وتتوالى عليهم الغلبات أفلا يشكر أهل مكة من أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف. وأيضا فإنه سبحانه لما قال: \"وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ\"\rأتبع ذلك سبحانه بذكر تقلب حالها وتبين اضمحلالها ومحالها، وأنها لا تصفو ولا تتم وإنما حالها أبدا التقلب وعدم الثبات، فأخبر بأمر هذه الطائفة التي هى من أكثر أهل الأرض وأمكنهم وهم الروم، وأنهم لا يزالون مرة عليهم وأخرى لهم، فأشبهت حالهم هذه حال اللهو واللعب فوجب اعتبار العاقل بذلك وطلبته الحصول على تنعم دار لا يتقلب حالها، ولا يتوقع انقلابها وزوالها، \"وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ\"\rومما يقوي هذا المأخذ قوله تعالى: \"يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا\"\rأي لو علموا باطنها لتحققوا أنها لهو ولعب ولعرفوا أمر الآخرة \"من\rعرف نفسه عرف ربه \"\rومما يشهد لكل من القصدين ويعضد كلا الأمرين قوله سبحانه: \"أولم يسيروا في الأرض ... الآيات \" (آية: ٩ وما بعدها) أى لو فعلوا\rهذا وتأملوا لشاهدوا من تقلب أحوال الأمم وتغير الأزمنة والقرون ما بين لهم\rعدم بقائها على أحد، فتحققوا لهوها ولعبها، وعلموا أن حالهم ستؤول إلى حال من ارتكب في العناد والتكذيب وسوء التبار والهلاك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187079,"book_id":1237,"shamela_page_id":96,"part":null,"page_num":275,"sequence_num":96,"body":"سورة لقمان\rلما تكرر الآمر بالاعتبار والحض عليه والتنبيه بعجائب المخلوقات في سورة\rالروم كقوله: \"أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق \" (آية: ٨) وقوله \"أولم يسيروا في الأرض \" (آية: ٩) وقوله: \"الله يبدأ الخلق ثم يعيده \" (آية: ١١) وقوله: \"يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي \" إلى قوله \"كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون \" ١١ لآيات: ١٩ - ٢٨) وهى عشر آيات تحملت من جليل الاعتبار والتنبيه ما لا تبقى معه شبهة ولا توقف لمن وفق إلى ما بعد هذا من آيات التنبيه وبسط الدلائل، وذكر ما فطر عليه العباد وضرب الأمثال الموضحة سواء السبيل لمن عقل معانيها وتدبر حكمها إلى قوله: \"ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل \" (آية: ٣٨)\rوهي إشارة إلى ما أودع الله كتابه المبين من مختلف الأمثال وسني العظات، وما تحملت هذه السورة من ذلك، أتبع سبحانه ذلك بقوله الحق \"الم تلك آيات الكتاب الحكيم \"\rأي دلائله وبراهينه لمن وفق وسبقت له الحسنى وهم المحسنون الذين\rذكرهم بعد، ووصف الكتاب بالحكيم يشهد لما مهدناه، ثم أشار سبحانه إلى من حرم منفعته والاعتبار به واستبدل الضلالة بالهدى، وتنكب عن سنن فطرة الله التى فطر الناس عليها فقال: \"ومن الناس من يشتري لهو الحديث ...\rالآيات \" (آية: ٦ وما بعدها) ، ثم أتبع ذلك بما يبكت كل معاند ويقطع بكل\rجاحد، فذكر خلق السماوات بغير عمد مرئية مشاهدة لا يمكن في أمرها امتراء،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187080,"book_id":1237,"shamela_page_id":97,"part":null,"page_num":276,"sequence_num":97,"body":"ْثم ذكر خلق الأرض وما أودع فيها ثم قال سبحانه \"هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ\"\rثم أتبع ذلك بذكر من هداه سبيل الفطرة فلم تزِغ به الشبه ولا تنكب سواء السبيل فقال: \"ولقد آتينا لقمان الحكمة ... الآية \"\rليبين لنا سنن من أتبع فطرة الله التى تقدم ذكرها فِى سورة الروم ثم\rتناسق الكلام وتناسج.\rسورة السجدة\rلما انطوت سورة الروم على ما قد أشير إليه من التنبيه بعجائب ما أودعه\rسبحانه في عالم السماوات والأرض على ذكر الفطرة ثم أتبعت بسورة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187081,"book_id":1237,"shamela_page_id":98,"part":null,"page_num":277,"sequence_num":98,"body":"لقمان تعريفا بأن مجموع تلك الشواهد من آيات الكتاب وشواهده ودلائله، وأنه قد هدى به من شاء إلى سبيل الفطرة، وان لم يمتحنه بما امتحن به كثيرا ممن ذُكر فلم يغن عنه، ودُعىَ فلم يجب، وتكررت الإنذارات فلم يُصْغِ لها، إن كل ذلك من الهدى والضلال واقع بمشيئته وسابق إرادته، وأتبع سبحانه ذلك بما ينبه المعتبر على صحته فقال: (وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى)\rفأعلم سبحانه أن الخلاص والسعادة في الاستسلام له ولما يقع من أحكامه، وعزَّى نبيه، وصبَّره بقوله: \"ومن كفر فلا يحزنك كفره \"\rثم ذكر تعالى لَجْأ الكل قهرا ورجوعا بحكم اضطرارهم - لوضوح الأمر - إلى الله تعالى فقال: \"وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ\"\rثم وعظ تعالى الكل بقوله: \"ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة\"\rأى أن ذلك لا يشق عليه تعالى ولايصعب، والقليل والكثير سواء، ثم نبه بما يبين ذلك من إيلاج الليل في النهار وجريان الفلك بنعمته \"ذلك بأن الله هو الحق \"\rثم أكد ما تقدم من رجوعهم في الشدائد إليه فقال: \"وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ\"\rفلما خلصهم سبحانه ونجاهم عادوا إلى سيء أحوالهم هذا، وقد عاينوا رفقة بهم، وأخذهم عند الشدائد بأيديهم، وقد اعترفوا بأنه خلق السماوات وسخر الشمس والأرض والقمر وذلك شاهد من حالهم\rبجريانهم على ما قدر لهم ووقوفهم عند حدود السوابق\r(وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى)\rثم عطف سبحانه على الجميع فدعاهم إلى تقواه وحذرهم يوم المعاد وشدته وحذرهم من الاغترار وأعلمهم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187082,"book_id":1237,"shamela_page_id":99,"part":null,"page_num":278,"sequence_num":99,"body":"أنه المنفرد بعلم الساعة وإنزال الغيث وعلم ما في الأرحام وما يقع من المكتسبات وحيث يموت كل المخلوقات.\rولما كانت سورة لقمان بما بين من مضمنها محتوية من التنبيه\rوالتحريك على ما ذكر، ومعلمة بانفراده سبحانه بخلق الكل وملكهم أتبعها تعالى بما يحكم بتسجيل صحة الكتاب وأنه من عنده وأن ما انطوى عليه من الدلائل والبراهين يرفع كل ريب ويزيل كل شك فقال: \"الم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ\"\rأى أيقع منهم هذا بعد وضوحه وجلاء شواهده، ثم أتبع ذلك بقوله ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع \"\rوهو تمام لقوله: \"ومن يسلم وجهه إلى الله \" ولقوله: \"ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله \" ولقوله: \"وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين \"\rولقوله: \"ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون \"\rبما ذكرتم، ألا ترون أمر لقمان وهدايته بمجرد دليل فطرته فمالكم بعد التذكير وتقريع الزواجر وترادف الدلائل وتعاقب الآيات\rمتوقفون عن السلوك إلى ربكم وقد أقررتم بأنه خالقكم ولجأتم إليه عند\rاحتياجكم.\rثم أعلم نبيه ﷺ برجوع من عاند وإجابته حين لا ينفعه رجوع ولا يغنى عنه إجابة فقال: \"وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ\"\rثم أعلم سبحانه أن الواقع منهم إنما هو بإرادته وسابق من حكمه\rليأخذ الموفق الموقن نفسه بالتسليم فقال: \"وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا\"","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187083,"book_id":1237,"shamela_page_id":100,"part":null,"page_num":279,"sequence_num":100,"body":"كما فعلنا بلقان ومن أردنا توفيقه، ثم ذكر انقسامهم بحسب السوابق\rفقال: (أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨)\rثم ذكر مصير الفريقين ومآل الحزبين، ثم أتبع ذلك بسوء حال من ذُكِّر فأعرض فقال: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا)\rوتعلق الكلام إلى آخر السورة.\rسورة الأحزاب\rافتتحها سبحانه بأمر نبيه باتقائه ونهيه عن الصغو إلى الكافرين والمنافقين،\rواتباعه ما يوحى الله إليه تنزيها لقدره عن محنة من سبق له الامتحان ممن قدم\rذكره في سورة السجدة، وأمرا له بالتسليم لخالقه والتوكل عليه \"والله يقول الحق وهو يهدي السبيل \"\rولما تحصل من السورتين قبل (ما يَعقب العاِلمَ من الخوف أشده لغيبة العلم بالخواتم، وما جرى في السورتين من الإشارة إلى السوابق \"وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا\" كان ذلك مظنة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187084,"book_id":1237,"shamela_page_id":101,"part":null,"page_num":280,"sequence_num":101,"body":"لتيئيس نبي الله ﷺ وصالحي أتباعه، فلهذا أعقب سورة السجدة بهذه السورة\rالمضمنة من التأنيس والبشارة ما يجرى على المعهود من لطفه تعالى وسعة\rرحمته، فافتتح سبحانه السورة بخطاب نبيه بالتقوى وإعلامه بما قد أعطاه قبل من سلوك سبيل النجاة، وإن ورد على طريقة الأمر ليشعره باستقامة سبيله\rوإيضاح دليله، وخاطبه بلفظ النبوة لأنه أمر ورد عقب تخويف وإنذار بيان كان ﵇ قد نَزه الله قدره عن أن يكون منه خلاف التقوى وعصمه من كل ما ينافر نزاهة حاله وعَلي منصبه ولكن طريقة خطابه تعالى للعباد أنه تعالى متى جرد ذكرهم للمدح من غير أمر ولا نهي فهو موضع ذكرهم بالأخص إلا مدحٌ من محمود صفاتهم ومنه: \"مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ..... الآية \"\rفذكره باسم الرسالة، ومهما كان الأمر أو النهى عدل في الغالب إلى الأعم ومنه \"يا أيها النبي اتق الله \" \"يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال \" \"يا أيها النبي إذا طلقتم النساء\" \"يا أيها النبي لِم تحرم ما أحل الله لك \"\r\"يا أيها النبيء إذا جاءك المؤمنات \"،\rوقد بين في غير هذا، وإن ما ورد على خلاف هذا القانون فلسبب خاص استدعى العدول عن الطرد كقوله: \"يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ\"، فوجه هذا أن قوله سبحانه: \"وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ\"، موقعه شديد فعدل بذكره ﵇ باسم الرسالة لضرب من التلطف فهو من باب \"عفا الله عنك لم أذنت لهم \"\rوفيه بعض غموض.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187085,"book_id":1237,"shamela_page_id":102,"part":null,"page_num":281,"sequence_num":102,"body":"وأيضا فإنه لما قيل له: \"بلغ \" طابق هذا ذكره بالرسالة، فإن المبلغ رسول\rوالرسول مبلغ ولا يلزم النبى أن يبلغ إلا أن يرسل، وأما قوله تعالى: \"يا أيها\rالرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر\" (المائدة: ٤١) فأمره وإن كان نهيا أوضح من الأول لأنه تسلية له ﵇ وتأنيس وأمر بالصبر والرفق بنفسه، فماَله راجع إلى ما يرد مدحا مجردا عن الطلب وعلى ما أشير إليه يخرج ما ورد من هذا.\rولما افتتحت هذه السورة بما حاصله ما قدمناه من إعلامه ﵇ من\rهذا الأمر بعلى حاله ومزية قدره، ناسب ذلك ما احتوت عليه السورة من باب التنزيه في مواضع:\rمنها إعلامه تعالى بأن أزواج نبيه أمهات للمؤمنين فنزههن عن أن\rيكون حكمهن حكم غيرهن من النساء مزية لهن وتخصيصا وإجلالا لنبيه ﷺ.\rومنها قوله تعالى: \"ولما رأى المؤمنون الأحزاب.... الآية\"\rفنزههم لم عن تطرق سوء أو دخول ارتياب على مصون معتقداتهم وجليل إيمانهم\r(قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (٢٢)\rوالآية بعد كذلك وهى قوله تعالى: \"مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا\".\rومنها \"يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ\"\rفنزههن تعالى وبين شرفهن على من عداهن.\rومنها تنزيه أهل البيت وتكرمتهم \"إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا\"..... الآية\".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187086,"book_id":1237,"shamela_page_id":103,"part":null,"page_num":282,"sequence_num":103,"body":"ومنها الأمر بالحجاب \"يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ\"\rفنزه المؤمنات عن حالة الجاهلية من التبرج وعدم الحجاب وصانهن عن التبذل والامتهان.\rومنها قوله تعالى: \"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى\"\rفوصاهم جل وتعالى ونزههم بما نهاهم عنه أن يتشبهوا بمن استحق اللعن\rوالغضب في سوء أدبهم وعظيم مرتكبهم إلى ما تضمنت السورة من هذا القبيل، ثم أتبع سبحانه ما تقدم بالبشارة العامة واللطف الشامل كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦)\rثم قال تعالى: (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧)\rوقوله تعالى: \"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا\" إلى قوله \"أَجْرًا كَرِيمًا \"\rوقوله تعالى: \"إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ.... الآية\"\rوقوله تعالى: \"إن المسلمين والمسلمات\" إلى قوله \"أجرا عظيما\"\rوقوله تعالى: \"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديداً يصلح\rالآية إلى قوله عظيما\" (آية: ٧٠)\rوقوله: \"ويتوب الله على المؤمنين والمومنات وكان الله غفورا رحيماً\" (آية: ٧٣)\rوقوله سبحانه مثنيا على المؤمنين بوفائهم وصدقهم \"وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ - إلى قوله:\r- وما بدلوا تبديلا\" (الآيتان: ٢٢ - ٢٣)\rوقوله سبحانه تعظيما لحرمة نبيه ﷺ والمؤمنين (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨) .\rوفي هذه الآيات من تأنيس المؤمنين وبشارتهم وتعظيم حرمتهم ما يكسر\rسورة الخوف الحاصل في سورتي لقمان والسجدة ويسكن روعهم تأنيسا لا رفعا،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187087,"book_id":1237,"shamela_page_id":104,"part":null,"page_num":283,"sequence_num":104,"body":"ومن هذا القبيل أيضا ما تضمنت السورة من تعداد نعمه تعالى عليهم وتحسين\rخلاصهم كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (١١)\rوقوله تعالى: \"وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ\" إلى قوله: \"وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا\" (الآيات: ٢٥ - ٢٧) وختم السورة بذكر التوبة والمغفرة أوضح شاهد لما تمهد منْ\rدليل قصدها وبيانها على ما وضح والحمد لله، ولما كان حاصلها رحمة ولطفا ونعمة لا يقدر عظيم قدرها وينقطع العالم دون الوفاء بشكرها أعقب بما ينبغى من الحمد (يعنى أول سبأ) .\rسورة سبأ\rافتتحت بالحمد لله سبحانه لما أعقب بها ما انطوت عليه سورة\rالأحزاب من عظيم الآلاء وجليل النعماء حسبما بيَّن آنفا فكان مظنة الحمد\rعلى ما مَنح عباده المؤمنين وأعطاهم فقال تعالى: \"الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ\"","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187088,"book_id":1237,"shamela_page_id":105,"part":null,"page_num":284,"sequence_num":105,"body":"ملكا واختراعا وقد أشار هذا إلى إرغام من توقف منقطعا عن فهم تصرفه سبحانه في عباده بما تقدم وتقريعهم بحسب ما شاء، فكأن قد قيل إذا كانوا له - مِلكا وعبيدا أفلا يتوقف في فعله بهم ما فعل من\rتيسير للحسنى أو لغير ذلك مما شاءه بهم على فهم علته أو استطلاع سببه\rبل يفعل بهم ما شاء وأراد من غير حجر ولا منع وهو الحكيم الخبير وجه\rالحكمة في ذلك التي خفيت عنكم، وأشار قوله: \"وله الحمد في الآخرة\"\rإلى أنه سيطلع عباده المؤمنين من موجبات حمده ما يمنحهم أو يضاعف لهم\rمن الجزاء وعظيم الثواب في الآخرة على ما لم تبلغه عقولهم في الدنيا ولا وفت به أفكارهم \"فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ\".\rثم أتبع سبحانه ما تقدم من حمده على ما هو أهله ببسط شواهد حكمته\rوعلمه فقال تعالى: \"يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها (إلى قوله) (وهو الرحيم الغفور) \"،\rفبرحمته وغفرانه أنال عباده المؤمنين ما خصهم به وأعطاهم، فله الحمد الذى هو أهله، ثم أتبع هذا بذكر إمهاله من كذب كفر مع عظيم اجترائهم لتبين سعة رحمته ومغفرته فقال تعالى: \"وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ (إلى قوله) : \"إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ\" (الآيات: ٣ - ٩) أى إن في إمهاله سبحانه لهؤلاء بعد عتوهم واستهزائهم في قولهم: \"لا تأتينا الساعة\" وقوله: \"هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ\" (آية: ٧)\rوإغضائهم عن الاعتبار بما بين أيديهم من السماء والأرض وأمنهم أخذهم من أي الجهات، ففي إمهالهم وإدرار أرزاقهم مع عظيم مرتكبهم آيات لمن أناب واعتبر، ثم بسط","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187089,"book_id":1237,"shamela_page_id":106,"part":null,"page_num":285,"sequence_num":106,"body":"لعباده المؤمنين من ذكر آلائه ونعمه وتصريفه في مخلوقاته ما يوضح استيلاء قهره وملكه، ويشير إلى عظيم ملكه، كما أعلم في قوله سبحانه: \"الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ\"\rفقال سبحانه: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠)\rثم قال (ولسليمان الريح\" إلى قوله \"اعملوا آل داود شكرا\"، ثم أتبع\rذلك بذكر حال من لم يشكر فذكر قصة سبأ إلى آخرها، ثم وبخ (تعالى) من\rعبد غيره معه بعد وضوح الأمر وبيانه فقال: \"قل ادعوا الذين زعمتم من\rدون الله \" (آية: ٢٢) إلى وصفه حالهَم الأخروي ومراجعة متكبريهم\rضعفاءَهم، وضعفاءهم متكبريهم \"وأسروا الندامة لما رأوا العذاب \"، ثم\rالتحمت الاآي جارية على ما تقدم من لدن افتتاح السورة إلى ختمها.\rسورة فاطر\rلما أوضحت سورة سبأ أنه سبحانه مالك السماوات والأرض ومستحق\rالحمد في الدنيا والآخرة، أوضحت هذه السورة أن ذلك خلقه كما هو ملكه وأنه الأهل للحمد والمستحق، إذ الكل خلقه وملكه، ولأن السورة الأولى تجردت لتعريف العباد بأن الكل ملكه وخلقه دارت آيها على تعريف عظيم ملكه،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187090,"book_id":1237,"shamela_page_id":107,"part":null,"page_num":286,"sequence_num":107,"body":"فقد أعطي داود وسليمان ﵉ ما هو كالنقطة في البحار\rالزاخرة فلان الحديد وانقادت الرياح والوحوش والطير والجن والإنس مذللة\rخاضعة (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢)\rتعالى ربنا عن الظهير والشريك والند، وتقدس ملكه عن أن تحصي العقول أو تحيط به الأفهام، فتجردت سورة سبأ لتعريف العباد بعظيم ملكه سبحانه، وتجردت هذه الأخرى للتعريف بالاختراع والخلق، وشهد لهذا استمرار آي سورة فاطر على هذا الغرض من التعريف وتنبيهها على الابتداءات كقوله تعالى: \"جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة.... الآية \" وقوله: \"ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ... هل من خالق غير الله يرزقكم \" (آية: ٢) وقوله: \"أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا.... الآية \" (آية: ٨) وقوله: \"الله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا ... الآية \" \"والله خلقكم من تراب \"\r\"يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ\" (آية: ١٣) ، \"أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا\"\r\"هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ\" (آية: ٣٩) \"إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا\".\rفهذه عدة آيات معرفة بابتداء الخلق والاختراع أو مشيرة، ولم يقع من ذلك\rفي سورة سبأ آية واحدة، ثم إن سورة سبأ جرت آيها على نهج تعريف الملك والتصرف والاستبداد بذلك والإبداء به، وتأمل افتتاحها وقصة داود وسليمان وقوله سبحانه: \"قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة ... الآيات \"\rيتضح لك ما ذكرناه وما انجر في السورتين مما ظاهره الخروج","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187091,"book_id":1237,"shamela_page_id":108,"part":null,"page_num":287,"sequence_num":108,"body":"عن هذين الغرضين فملتحم ومستدعى بحكم الانجرار بحسب استدعاء\rمقاصد الآي، رزقنا الله الفهم عنه بمنه.\rسورة يس\rلما أوضحت سورة سبأ وسورة فاطر من عظيم ملكه تعالى وتوحده بذلك\rوانفراده بالملك والخلق والاختراع ما تنقطع العقول دون تصور أدناه، ولا تحيط من ذلك إلا بما شاءه، وأشارت من البراهين والآيات إلى ما يرفع الشكوك ويوضح السلوك مما كانت الأفكار قد خمدت عن إدراكها واستولت عليها الغفلة، فكأن قد خمدت عن معهود حراكها، ذكر سبحانه بنعمة التحريك إلى اعتبارها بثنائه على من اختاره لبيان تلك الآيات واصطفاه بإيضاح تلك البينات فقال تعالى: \"يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم \"\rثم قال: \"لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ\"\rفأشار","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187092,"book_id":1237,"shamela_page_id":109,"part":null,"page_num":288,"sequence_num":109,"body":"سبحانه إلى ما تثمر نعمة الإنذار ويبعثه التيقظ بالتذكار، ثم ذكر علة من عمي بعد تحريكه، وإن كان مسببا عن الطبع وشر السابقة \"لقد حق القول على أكثرهم.... الآيات \"، ثم أشار بعد إلى بعض من عمي عن\rعظيم تلك البراهين لأول وهلة قد يهتز عن تحريكه لسابق سعادته فقال\rتعالى: \"إنا نحن نحيي الموتى \" (آية: ١٢) فكذا نفعل بهؤلاء إذا شئنا هدايتهم\r\"أومن كان ميتا فأحيناه \" (الأنعام: ١٢٢) ثم ذكر دأب المعاندين وسبيل\rالكذبين مع بيان الأمر فقال: \"واضرب لهم مثلا أصحاب القرية.... الآيات \"\r(آية: ١٣ وما بعدها) ، وأتبع ذلك سبحانه بما أودع في الوجود من الدلائل\rالواضحة والبراهين فقال: \"أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ.... الآية \" ثم قال: \"وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا\" إلى قوله \"أَفَلَا يَشْكُرُونَ\" (آية: ٣٣)\rثم قال: \"وآية لهم الليل نسلخ منه النهار (إلى - قوله) : وكل في فلك\rيسبحون \" (الآيات: ٣٧ - ٤٠) ثم قال: \"وآية لهم أنَّا حملنا ذريتهم (إلى قوله) إلى حين \" (الآيات: ٤١ - ٤٤) ثم ذكروا إعراضهم مع عظيم هذه البراهين وتكذيبهم وسوء حالهم عند بعثتهم وندمهم وتوبيخهم وشهادة أعضائهم بأعمالهم ثم تناسجت الآي جارية على ما يلائم ما تقدم إلى آخر السورة.\rسورة الصافات\rلما تضمنت سورة يس من جليل التنبيه وعظيم الإرشاد ما يهتدي الموفق\rباعتبار بعضه ويشتغل المعتبر به في تحصيل مطلوبه وفرضه، ويشهد بأن الملك","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187093,"book_id":1237,"shamela_page_id":110,"part":null,"page_num":289,"sequence_num":110,"body":"بجملته لواحد وإن رغم أنف المعاند والجاحد، أتبعها تعالى بالقسم على\rوحدانيته فقال تعالى: \"وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣) إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤)\r(إلى قوله) وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (٥) \" (الآيات: ١ - ٥)\rثم عاد الكلام إلى التنبيه لعجيب مصنوعاته فقال تعالى: \"إنا زينا السماء بزينة الكواكب\" إلى قوله \"شهاب ثاقب \" (الآيات: ٧ - ١٥) ، ثم أتبع بذكر عناد من جحد مع بيان الأمر ووضوحه وضعف ما خلقوا منه (إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ (١١)\rثم ذكر استبعادهم العودة الأخروية وعظيم حيرتهم وندمهم إذا شاهدوا ما به كذبوا، والتحمت الآي إلى ذكر الرسل مع أممهم وجريهم في العناد والتوقف والتكذيب على سنن متقارب وأخذ كل بذنبه وتخليص رسل الله وحزبه وإبقاء جميل ذكرهم باصطفائه وقربه، ثم عاد الكلام إلى تعنيف المشركين وبيان إفك المعاندين إلى ختم السورة.\rسورة ص\rلما ذكر تعالى حال الأمم السالفة مغ أنبيائهم في العتو والتكذيب وأن ذلك\rأعقبهم الأخذ الوبيل والويل كان هذا مظنة لتذكير حال مشركي العرب وبيان سوء مرتكبهم، وأنهم قد سبقوا إلى ذلك الارتكاب فحل بالمعاند سوء","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187094,"book_id":1237,"shamela_page_id":111,"part":null,"page_num":290,"sequence_num":111,"body":"العذاب) ، فبسط حال هؤلاء وسوء مقالهم أنه لا فرق بينهم وبين مكذبي الأمم السالفة في استحقاق العذاب وسوء الانقلاب وقد وقع التصريح بذلك في قوله تعالى: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ (١٢) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ (١٣) إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (١٤) .\rولما أتبع سبحانه هذا بذكر استعجالهم في قولهم: \"عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ\" (آية: ١٦) أتبِع ذلك بأمر نبيه ﷺ بالصبر فقال: \"اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ\" (آية: ١٧) ثم آنسه بذكر الأنبياء وحال المقربين الأصفياء \"وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك \".\rسورة الزمر\rلما بينت سورة (ص) على ذكر المشركين وعنادهم وسوء ارتكابهم واتخاذهم\rالأنداد والشركاء ناسب ذلك ما افتتحت به سورة الزمر من الأمر بالإخلاص الذي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187095,"book_id":1237,"shamela_page_id":112,"part":null,"page_num":291,"sequence_num":112,"body":"هو نقيض حال من تقدم وذكر ما عنه يكون وهو الكتاب، فقال تعالى: (تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ)\rوجاء قوله تعالى: \"والذين اتخذوا من دونه أولياء.... الآية \" (آية: ٣) في معرض أن لو قيل عليك بالإخلاص ودع من أشرك ولم يخلص فسترى حاله وهل ينفعهم اعتذارهم بقولهم: \"ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى\" وهؤلاء هم الذين بنيت سورة ص على ذكرهم، ثم وبخهم الله تعالى وقرعهم فقال لم \"لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى.... الآية \" فنزه نفسه عن عظيم مرتكبهم بقوله سبحانه:\r\"هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ\"\rثم ذكر بما فيه أعظم شاهد من خلق السماوات\rوالأرض وتكوير الليل على النهار وتكوير النهار على الليل وذكر آيتى النهار والليل ثم خلق الكل من البشر من نفس واحدة وهي نفس آدم ﵇، ولما حرك تعالى إلى الاعتبار بعظيم هذه الآيات وكانت أوضح شىء وأدل شاهد، عقب ذلك بما يشير إلى معنى التعجب من توقفهم بعد وضوح الدلائل، ثم بين تعالى أنه غنى عن الكل بقوله: \"إن تكفروا فإن الله غنى عنكم \" ثم قال: \"ولا يرضى لعباده الكفر\" (آية: ٧) فبين أن من اصطفاه وقربه واجتباه من العباد لا يرضى بالكفر وحصل من ذلك بمفهوم الكلام أن الواقع من الكفر إنما وقع بإرادته ورضاه لمن ابتلاه به، ثم آنس من آمن ولم يتبع سبيل أبيه وقبيلته من المشار إليهم في","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187096,"book_id":1237,"shamela_page_id":113,"part":null,"page_num":292,"sequence_num":113,"body":"السورة قبل فقال تعالى: \"ولا تزر وازرة وزر أخرى\"\r\"إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ\" \"وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا\"\rثم تناسجت الآي والتحمت الجمل إلى خاتمة السورة.\rسورة المؤمن\rلما افتتح سبحانه سورة الزمر بالأمر بالاخلاص وذكر سببَه والحامل\rبإذن الله عليه وهو الكتاب، وأعقب ذلك بالتعريض بذكر من بنيت على وصفهم سورة ص تتابعت الآي في ذلك الغرض إلى توبيخهم بما ضربه سبحانه من المثل الموضح في قوله: \"ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ\"\rووصف الشركاء بالمشاكسة إذ بذلك الغرض يتضح عدم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187097,"book_id":1237,"shamela_page_id":114,"part":null,"page_num":293,"sequence_num":114,"body":"استمرار المراد لأحدهم وذكر قبيح اعتذارهم بقولهم: \" ما نعبدهم إلا\rليقربونا إلى الله زلفى\"، ثم أعقب تعالى بالإعلام بقهره وعزته حتى لا\rيتخيل مخذول شذوذ أمر عن يده وقهره فقال تعالى: \"أليس الله بكاف عبده\r(إلى قوله) : أليس الله بعزيز ذي انتقام \" (الزمر: ٣٦ - ٣٧) ، ثم أتبع ذلك بحال أندادهم في أنها لا تضر ولا تنفع فقال: \"قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ\".\rثم أتبع هذا بما يناسبه من شواهد عزته فقال: \"قل لله الشفاعة جميعا\"\r\"قل اللهم فاطر السماوات والأرض \" \"أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر\" \"اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ\"\rثم عنفهم وقرعرهم فقال تعالى: (أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) .\rثم قال تعالى: \"وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ\".\rثم أتبع تعالى بذكر آثار العزة والقهر فذكر النفخ في الصور للصعق، ثم نفخة القيام والجزاء ومصير الفريقين فتبارك المنفرد بالعزة والقهر.\rفلما انطوت هذه الآي من آثار عزته وقهره على ما أشير إلى بعضه أعقب ذلك بقوله: \"حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم \" فذكر من أسمائه\rسبحانه هذين الاسمين العظيمين تنبيها على انفراده بموجبهما وأنه العزيز الحق\rالقاهر للخلق لعلمه تعالى بأوجه الحكمة التي خفيت عن الخلق فأخر الجزاء الحتم للدار الآخرة، وجعل الدنيا دار ابتلاء واختبار مع قهره للكل في الدارين معا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187098,"book_id":1237,"shamela_page_id":115,"part":null,"page_num":294,"sequence_num":115,"body":"وكونهم غير خارجين عن ملكه وقهره ثم قال تعالى: \"غافر الذنب وقابل التوب \"\rتأنيباً لمن استجاب بحمده وأناب بلطفه، وجريا على حكم سبقية الرحمة\rوتقليبها ثم قال: \"شديد العقاب ذى الطول \" ليأخذ المؤمن بلازم عبوديته من\rالخوف والرجاء، واكتنف قوله شديد العقاب بقوله غافر الذنب وقابل التوب وقوله ذي الطول، وأشار سبحانه بقوله: \"فلا يغررك تقلبهم في البلاد\" (آية: ٤) إلى قوله قبل وأورثنا الأرض \" (الزمر: ٧٤) وكأنه في تقدير إذا كانت العاقبة لك ولأتباعك فلا عليك من تقلبهم في البلاد ثم بين تعالى أن حالهم في هذا كحال الأمم قبلهم وجدالهم في الآيات كجدالهم وإن ذلك لما حق عليهم من كلمة العذاب وسبق لهم في أم الكتاب.\rسورة حم السجدة\rلما تضمنت سورة غافر بيان حال المعاندين وجاحدي الآيات وأن ذلك ثمرة\rتكذيبهم وجدلهم وكأن بناء السورة على هذا الغرض بدليل افتتاحها وختمها ألا ترى قوله تعالى: \"مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا\" وتأنيس نبيه\r﵊ بقوله: \"فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ\"\rفقد تقدم ذلك من غيرهم فأعقبهم سوء العاقبة والأخذ الوبيل \"كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ\"\rفعصمتهم واقية: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا)","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187099,"book_id":1237,"shamela_page_id":116,"part":null,"page_num":295,"sequence_num":116,"body":"وقال تعالى: \"وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ\"\rأى فكيف رأيت ما حل بهم وقد بلغت خبرهم فهلا اعتبر هؤلاء بهم\r(أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٢١)\rوإنما أخذهم بتكذيبهم الآيات \"ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا فأخذهم الله \" (غافر: ٢٢) ، ثم ذكر تعالى من حزب المكذبين فرعون وهامان وقارون وبسط القصة تنبيها على سوء عاقبة من\rعاند وجادل بالباطل وكذب الآيات ثم قال تعالى بعد آيات: \"إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ\" (غافر: ٥٦)\rإذ الحول والقوة ليست لهم فاستعذ بالله من شرهم، فخلق غيرهم لو استبصروا أعظم من خلقهم \"لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ\" (غافر: ٥٧)\rوهم غير آمنين من الأخذ من كلا الخلقين \"إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء\" (سبأ: ٩)\rثم قال تعالى: بعد هذا \"ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله\rأنى يصرفون \"\rأي إن أمرهم لعجيب في صرفهم عن استيضاح الآيات بعد\rبيانها، ثم ذكر تعالى سوء حالهم في العذاب الأخروي وواهي اعتذارهم بقولهم: \"ضلوا عنا بل لم نكن ندعو من قبل شيئا\" (غافر: ٧٤) ثم صبر تعالى نبيه ﵇ بقوله: \"فاصبر إن وعد الله حق \" (غافر: ٧٧) ثم أعاد تنبيهم فقال تعالى: \"أفلم يسيروا في الأرض\" إلى ختم السورة\" (غافر: ٨٢ - ٨٥) ولم يقع من هذا التنبيه الذي دارت عليه آى هذه السورة في سورة الزمر شىء ولا من تكرار التحذير من تكذيب الآيات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187100,"book_id":1237,"shamela_page_id":117,"part":null,"page_num":296,"sequence_num":117,"body":"فلما بنيت على هذا الغرض أعقبت بذكر الآية العظيمة التى تحديت بها العرب\rوقامت بها حجة الله سبحانه على الخلق، وكأن قد قيل لهم احذروا ما قدم لكم فقد جاءكم محمد ﷺ بأوضح آية وأعظم برهان \"تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا\" (الآيات: ٣ - ٤) وتضمنت هذه السورة\rالعظيمة من بيان عظيم الكتاب وجلالة قدره كبير الرحمة به ما لا يوجد في غيرها من أقرانها كما أنها في الفصاحة تبهر العقول بأول وهلة فلا يكن للعريى الفصيح في شاهد برهانها أدنى توقف ولا يجول في وهمه إلى معارضة بعض آيها أدنى تشوف، \"وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢) \"\r(آية: ٤١ - ٤٢) \"وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ\" (آية: ٤٤) فوبخهم تعالى وادحض حجتهم وأرغم باطلهمِ، وبكت دعاويهم ثم قال: \"قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ\" (آية: ٤٤) \" إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ \" وقرعهم تعالى في ركيك جوابهم عن واضح حجته بقولهم: \"قلوبنا في أكنة مما تدعون إليه وفي آذاننا وقر\" (آية: ٣) وقولهم \"لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه \" (آية: ٢٦) وهذه شهادة منهم على أنفسهم بالانقطاع عن معارضته وتسليمهم بقوة عارضته، ثم فضحهم بقوله: \"قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ.... الآية \".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187101,"book_id":1237,"shamela_page_id":118,"part":null,"page_num":297,"sequence_num":118,"body":"وتحملت السورة مع هذا بيان هلاك من عاند وكذب ممن كان قبلهم وأشد\rقوة منهم وهم الذين قدم ذكرهم مجملا في سورة غافر في آيتى \"أولم يسيروا في الأرض \" \"أفلم يسيروا\"\rفقال تعالى مفصلا لبعض ذلك الإجمال: (فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣)\rثم قال: \"فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً\"\rثم قال: \"فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا.. الآية \"\rثم قال: \"وأما ثمود فهديناهم\" (آية: ١٧) فبين تعالى حالهم وأخذهم فاعتضد\rالتحمام السورتين واتصال المقصدين والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187102,"book_id":1237,"shamela_page_id":119,"part":null,"page_num":298,"sequence_num":119,"body":"سورة الشورى\rلما تضمنت سورة غافر ما تقدم من بيان حال المعاندين والجاحدين\rوأعقبت بسورة السجدة بيانا أن حال كفار العرب في ذلك كحال من تقدمهم وإيضاحا لآيات الكتاب العزيز وعظيم برهانه، ومع ذلك فلم تجد على من قضى عليه تعالى بالكفر، اتبعت السورتان بما اشتملت عليه سورة الشورى من أن ذلك كله إنما جرى على ما سبق في علمه تعالى بحكم المشيئة الأزلية \"فريق في الجنة وفريق في السعير\" (آية: ٧) \"وما أنت عليهم بوكيل \" (آية: ٦) \"ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة\" (آية: ٨) \"ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضى بينهم \" (آية: ١٤) \"لنا أعمالنا ولكم أعمالكم \" (آية: ١٥)","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187103,"book_id":1237,"shamela_page_id":120,"part":null,"page_num":299,"sequence_num":120,"body":"\"ولولا كلمة الفصل لقضى بينهم \" (آية: ٢١) \"وهو على جمعهم إذا يشاء قدير\" \"وما أنتم بمعجزين في الأرض \" (آية: ٣١) \"ومن يضلل الله فما له من سبيل \" (آية: ٤٦) \"إن عليك إلا البلاغ \" (آية: ٤٨) \"نهدي به من نشاء من عبادنا \" (آية: ٥٢) .\rفتأمل هذه الآي وما التحم بها مما لم يجر في السورة المتقدمة منه إلا\rالنادر وبحكم ما استجره وبناء هذه السورة على ذلك ومدار آيها، يلح لك وجه اتصالها بما قبلها والتحامها بما جاورها.\rولما اختتمت سورة السجدة بقوله تعالى: \"ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم \"\r(فصلت ٥٤) أعقبها سبحانه بتنزيهه وتعاليه عن ريبهم وشكهم فقال\rتعالى: \"تكاد السمماوات يتفطرن من فوقهن \" (آية: ٥) كما أعقب بمثله في قوله: \"وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدّا\" (مريم: ٨٨ - ٨٩) فقال: \"يكاد السماوات يتفطرن منه \" (الآيات: ٩٥) .\rولما تكرر في حم السجدة ذكر تكبر المشركين وبعد انقيادهم في قوله:\r\"فأعرض أكثرهم \" (آية: ٤) \"وقالوا قلوبنا في أكنة\" (آية: ٥) إلى ما ذكر تعالى من حالهم المنبئة عن بعد استجابتهم فقال تعالى في سورة الشورى: \"كبر على المشركين ما تدعوهم إليه \" (آية: ١٣) .\rسورة الزخرف\rلما أخبر سبحانه بامتحان خلف بنى إسرائيل في شكهم في كتابهم\rبقولهم: (وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١٤)","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187104,"book_id":1237,"shamela_page_id":121,"part":null,"page_num":300,"sequence_num":121,"body":"ووصى نبيه ﷺ بالتبري من سىء حالهم والتنزه عن سوء محالهم فقال تعالى \"ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب ... الآية \" وتكرر الثناء على الكتاب العزيز كقوله: \"وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا\" وقوله: \"الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان \"\r(الشورى: ١٧) وقوله: \"وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ... الآية \" إلى آخر السورة (الشورى: ٣٢ - ٥٣) ، أعقب ذلك بالقسم به، وعضد الثناء. عليه\rفقال: (حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤)\rولما أوضح عظيم حال الكتاب وجليل نعمته به أردف ذلك بذكر سعة عفوه وجميل إحسانه إلى عباده، ورحمتهم بكتابه مع إسرافهم وقبيح مرتكبهم فقال: (أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ (٥)\rولما قدم في الشورى قوله: (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا) .\rفأعلم أن ذلك يكون بقدرته وإرادته والجاري على","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187105,"book_id":1237,"shamela_page_id":122,"part":null,"page_num":301,"sequence_num":122,"body":"هذا أن يسلم الواقع من ذلك ويرضى بما قسم واختار، عنف تعالى في هذه\rالسورة من اعتدى وزاغ فقال: (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧)\rفكمل الواقع هنا بما تعلق به، وكذلك قوله تعالى: \"وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ\" (الشورى: ٢٧) وقوله في الزخرف: \"وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ\".\rسورة الدخان\rلما تضمنت سورة حم السجدة وسورة الشورى من ذكر الكتاب العزيز مما\rقد أشير إليه مما لم تنطو سورة غافر على شيء منه وحصل من مجموع ذلك","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187106,"book_id":1237,"shamela_page_id":123,"part":null,"page_num":302,"sequence_num":123,"body":"الإعلام بتنزيله من عند الله وتفصيله وقوله \"قرآناً عربيا\" إلى ما ذكر تعالى من\rخصائصه إلى قوله: (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (٤٤)\rوتعلق الكلام بعد هذا بعضه ببعض إلى آخر السورة، استفتح تعالى سورة الدخان بما يكمل ذلك الغرض وهو التعريف بوقت إنزاله إلى سماء الدنيا فقال: \"إنا أنرلناه في ليلة مباركة\"\rثم ذكر من فضلها فقال: \"فيها يفرق كل أمر حكيم \" فحصل وصف الكتاب بخصائصه والتعريف بوقت إنزاله إلى\rسماء الدنيا، وتقدم الأهم في ذلك في السورتين قبل، وتأخر التعريف بوقت نزوله إذ ليس في التأكيد كالمتقدم ثم وقع إثر هذا تفصيل وعيد قد أجمل في قوله تعالى: (فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٨٩) وما تقدمه\rمن قوله تعالى: \"أم ابرموا أمرا فإنا مبرمون \" (الزخرف: ٧٩) وقوله\rسبحانه: \"أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم \" (الزخرف: ٨٠) وتنزيهه تعالى نفسه عن عظيم افترائهم في جعلهم الشريك والولد إلى آخر السورة، ففصل بعض ما أجملته هذه الآي في قوله تعالى في صدر سورة الدخان","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187107,"book_id":1237,"shamela_page_id":124,"part":null,"page_num":303,"sequence_num":124,"body":"(فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠)\rوقوله: \"يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى.... الآية \"\rوالإشارة إلى يوم بدر، ثم ذكر شأن غيرهم في هذا وهلاكهم بسوء ما ارتكبوا ليشعروا أن لا فارق إن هم عقلوا واعتبروا، ثم عرض بفرعونهم في مقالته، \"ما بين لابتيها أعز منى ولا أكرم \" فذكر تعالى\rشجرة الزقوم إلى قوله: \"ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)\rوالتحم هذا كله التحاماً يبهر العقول ثم أتبع بذكر حال المتقين جريا على الطرد من شفع آية الترهيب بالترغيب ليبين حال الفريقين، وينهج على الواضح من الطريقين، ثم قال لنبيه ﵇ (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥٨)\rوقد أخبره مع بيان الأمر ووضوحه أنه إنما يتذكر من يخشى ثم قال:فارتقب وعدك ووعيدهم إنهم مرتقبون.\rسورة الشريعة\rلما تضمنت السور الثلاث المتقدمة إيضاح أمر الكتاب وعظيم بيانه وأنه\rشاف كاف وهدى ونور، وكان أمر من كفر من العرب أعظم شيء لانقطاعهم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187108,"book_id":1237,"shamela_page_id":125,"part":null,"page_num":304,"sequence_num":125,"body":"وعجزهم وقيام الحجة به عليهم حتى رضوا بالقتل والخزي العاجل وما فاهوا بادعاء معارضة ولا تشوفوا إلى الاستناد إلى عظيم تلك المعارضة، أتبع ذلك تعالى تنبيه نبيه والمؤمنين إلى ما قد نصبه من الدلائل سواء مما صد المعرض عن\rالاعتبار بها أو ببعضها مجرد هواه، ومن أضل ممن أتبع هواه بغير هدى من الله\rفقال تعالى بعد القسم بالكتاب المبين ... \"إن في السماوات والأرض لآيات\rللمومنين \"\rأى لو لم تجئهم يا محمد بعظيم آية الكتاب فقد كان لهم\rفيما نصبنا من الأدلة أعظم برهان وأعظم تبيان \"أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى\" (الروم: ٨) .\rفلما نبه بخلق السماوات والأرض أتبع بذكر ما بث في الأرض فقال: \"وفي\rخلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون واختلاف الليل والنهار\"\rأي في دخول أحدهما على الآخر بألطف اتصال وأربط انفصال، \"لا\rالشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار\" ثم نبه على\rالاعتبار بإنزال الماء من السماء وسماه رزقا.... فقال: \"وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا\" ثم قال: \"وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ\"\rوالاستدلال بهذه الآي يستدعي بسطا يطول ثم قال: \"تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق \" أي علاماته ودلائله \"وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ \"\rثم قال: (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦)\rبعد ما شاهدوه من شاهد الكتاب وما تضمنه خلق السماوات والأرض\rوما فيها وما بينهن من عجائب الدلائل الواضحة لأولى الألباب، فإذا لم يعتبروا بشيء من ذلك فبماذا يعتبر، ثم أردف تعالى بتقريعهم وتوبيخهم في تصحيحهم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187109,"book_id":1237,"shamela_page_id":126,"part":null,"page_num":305,"sequence_num":126,"body":"مع وضوح الأمر فقال: \"ويل لكل أفاك أثيم.... الآيات الثلاث \" (٧ - ٩) ثم قال: \"هذا هدى\" (آية: ١١) وأشار إلى الكتاب وجعله نفس الهدى لتحمله كل أسباب الهدى في جميع جهاته ثم توعد من كفر به ثم أردف ذلك بذكر نعمه وآلائه ليكون ذلك زائدا في توبيخهم، والتحمت الآي عاضدة هذا الغرض تقريعا وتوبيخا ووعيدا وتهديدا إلى آخر السورة.\rسورة الأحقاف\rلما قدم ذكر الكتاب وعظيم الرحمة به وجليل بيانه وأردف ذلك بما\rتضمنته سورة الشريعة من توبيخ من كذب به وقطع تعلقهم وأنه سبحانه قد\rنصب من دلائل السماوات والأرض ما ذكر في صدر السورة ما كل قسم منها كاف في الدلالة وقائم بالحجة ومع ذلك فلم يجر عليهم إلا التمادي\rعلى ضلالهم والانهماك في سوء حالهم وسيء محالهم، أردفت بسورة الأحقاف\rتسجيلا بسوء مرتكبهم وإعلاما بأليم منقلبهم فقال تعالى: \" مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى \"،\rولو اعتبروا بعظيم ذلك الخلق وإحكامه وإتقانه لعلموا أنه لم يوجد عبثا ولكنهم عموا عن الآيات، وتنكبوا عن انتهاج الدلالات \"والذين كفروا عما أنذروا معرضون \".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187110,"book_id":1237,"shamela_page_id":127,"part":null,"page_num":306,"sequence_num":127,"body":"ثم أخذ سبحانه في تعنيفهم وتقريعهم في عبادة ما لا يضر ولا ينفع فقال:\r\"قل أرأيتم ما تدعون من دون الله\" إلى قوله: \"وكانوا بعبادتهم كافرين\r\"الآيات: ٤ - ٦) ثم ذكر عنادهم عند سماع الآيات فقال: \"وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات.... الآيات \"\rثم التحم الكلام وتناسج إلى آخر السورة.\rسورة القتال\rلما أنبنت سورة الأحقاف على ما ذكر من. مآل من كذب وكفر،\rوافتتحت السورة بإعراضهم، ختمت بما قد تكرر من تقريعهم وتوبيخهم فقال","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187111,"book_id":1237,"shamela_page_id":128,"part":null,"page_num":307,"sequence_num":128,"body":"تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى)\rأي لو اعتبروا بالبداءة لتيسر عليهم أمر العودة، ثم ذكر عرضهم على النار إلى قوله: \"فهل يهلك إلا القوم الفاسقون \"\rفلما ختم بذكر هلاكهم، افتتح السورة الأخرى بعاجل ذلك اللاحق\rلهم في دنياهم فقال تعالى: \"فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ.... الآية \"\rبعد ابتداء السورة بقوله تعالى: \"الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم \"، فنبه على أن أصل محنتهم إنما هو بما أراده تعالى بهم في سابق علمه ليعلم المؤمنون أن الهدى والضلال بيده، فنبه على الطرفين بقوله: \"وأضل أعمالهم \") وقوله في الآخر: \"كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم \" (آية: ٢) ثم بين أنه تعالى لو شاء لانتصر منهم ولكن أمر المؤمنين بقتالهم ابتلاء واختبارا ثم حض المؤمنين على ما أمرهم به من ذلك فقال: \"إن تنصروا الله ينصركم \" ثم التحمت الآى.\rسورة الفتح\rارتباط هذه السورة بالتي قبلها واضح من جهات، وقد يغمض بعضها\rمنها: أن سورة القتال لما أمروا فيها بقتال عدوهم في قوله تعالى: \"فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا\"","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187112,"book_id":1237,"shamela_page_id":129,"part":null,"page_num":308,"sequence_num":129,"body":"وأشعروا بالمعونة عند وقوع الصدق في قوله: \"إن تنصروا الله ينصركم \" استدعى ذلك تشوق النفوس إلى حال العاقبة فعرِّفوا بذلك في هذه السورة فقال تعالى (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) .... الآيات \"\rفعرف تعالى نبيه ﷺ بعظيم صنعه له، وأتبع ذلك بشارة المؤمنين العامة فقال تعالى: \"هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ.... الآيات \" (آية: ٤ وما بعدها) والتحمت إلى التعريف بحال من نكث من مبايعته ﷺ، وحكم المخلفين من الأعراب، والحض على الجهاد، وبيان حال ذوى الأعذار، وعظيم نعمته سبحانه على أهل بيعته \"لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ\"\rوأثابهم الفتح وأخذ المغانم، وبشارتهم بفتح مكة.\r\"لتدخلن السجد الحرام \" (آية: ٢٧) إلى ما ذكر سبحانه من عظيم نعمه\rعليهم وذكرهم في التوراة والإنجيل ما تضمنت هذه السورة الكريمة.\rووجه آخر وهو أنه لما قال تعالى في آخر سورة القتال (فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (٣٥)\rكان هذا إجمالا في عظيم ما منحهم وجليل ما أعطاهم، فتضمنت سورة الفتح - تفسير هذا الإجمال وبسطه وهذا يستدعى من بسط الكلام ما لم نعتمده في هذا التعليق، وهو بعد مفهوم مما سبق من الإشارات في الوجه الأول.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187113,"book_id":1237,"shamela_page_id":130,"part":null,"page_num":309,"sequence_num":130,"body":"ووجه آخر مما قد يغمض وهو أن قوله تعالى: (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (٣٨)\rإشارة إلى من يدخل في ملة الإسلام من الفرس وغيرهم عند تولي العرب، وقد أشار أيضا إلى هذا قوله تعالى: \"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ.... الآيات \" (المائدة: ٥٤) وأشار إلى ذلك قوله ﵊ : \"ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا وعقد السبابة بالإبهام \"، أشار ﵇ إلى تولي العرب واستيلاء غيرهم الواقع في الآيتين وإنما أشار ﵇ بقوله: \"اليوم إلى التقديم وتأخر\rوقوع هذا الأمر إلى أيام أبي جعفر المنصور، فغلبت الفرس والأكراد وأهل\rجهات الصين وصين الصين وهو ما يلى يأجوج ومأجوج، وكان فتحا وعزا وظهورا لكلمة الإسلام وغلبة هؤلاء في الخطط والتدبير الإمارى، وسادوا غيرهم، ولهذا جعل ﷺ مجيئهم فتحا فقال: (فتح اليوم) ، ولو أراد غير هذا لم يعبر بفتح، ألا ترى قول عمر لحذيفة (رضى الله عنهما) في حديث الفتن حين قال له: \"إن بينك وبينها بابا مغلقا فقال عمر أيفتح ذلك الباب أم يكسر فقال","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187114,"book_id":1237,"shamela_page_id":131,"part":null,"page_num":310,"sequence_num":131,"body":"بل يكسر\"، ففرق بين الفتح والكسر، وإنما أشار إلى قتل عمر (رضى الله\rعنهما) ، فلذا قال ﵊: \"فتح \" وقال: \"من ردم\rيأجوج ومأجوج \"، وأراد من نحوهم وجهتهم وأقاليمهم، لأن الفرس ومن أتى معهم، هم أهل تلك الجهات التي تلي الروم، فعلى تمهيد هذا يكون قوله تعالى: \"وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ\"،\rإشارة إلى غلبة من ذكرنا وانتشارهم في الولايات والخطط الدينية والمناصب العلمية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187115,"book_id":1237,"shamela_page_id":132,"part":null,"page_num":311,"sequence_num":132,"body":"ولما كان هذا قبل أن يوضح أمره يوهم نقصا وحطا، بين تعالى أنه\rتجديد فتح وإعزاز منه تعالى لكلمة الإسلام فقال: \"إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) .\rذكر القاضى أبو بكر بن العربي في تخليصُ التِّلخيص علماء المالكية مشيرا إلى تفاوت درجاتهم ثم قال: \"وأمضاهم في النظر عزيمة وأقواهم فيه شكيمة أهل خراسان، العجم أنسابا وبلدانا العرب عقائدا وإيمانا، الذين تنجز\rفيهم وعد الصادق المصدوق، وملكهم الله تعالى مقاليد التحقيق حين\rأعرضت العرب عن العلوم وتولت عنها وأقبلت على الدنيا واستوثقت منها. قال أصحاب رسول ﷺ: يا رسول الله من هؤلاء الذين قال الله فيهم: \"وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ\" فأشار ﵇ إلى سلمان وقال: \"لو كان الإيمان في الثريا لناله رجال من هؤلاء\".\rسورة الحجرات\rلما وصف سبحانه عباده المصطفين من صحابة نبيه والمخصوصين بفضيلة\rمشاهدته وكريم عشرته فقال: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187116,"book_id":1237,"shamela_page_id":133,"part":null,"page_num":312,"sequence_num":133,"body":"فأثنى سبحانه عليهم وذكر وصفه تعالى لهم بذلك\rفي التوراة والإنجيل، وهذه خصيصة انفردوا بمزية تكريمها وجرت على واضح قوله تعالى: \"كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ\" (آل عمران: ١١٥) وشهدت لهم بعظيم المنزلة لديه، ناسب هذا طلبهم بتوفية الشعب الإيمانية (والجري قولا وفعلا وعملا ظاهرا وباطنا على أوضح عمل وأخلص نية، وتنزيههم عما وقع من قبلهم في مخاطبات أنبيائهم كقول بني إسرائيل: \"يا موسى ادع لنا ربك \"\rإلى ما شهد من هذا الضرب بسوء حالهم فقال تعالى: \"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ\".... الآية \"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ\" إلى قوله \"والله غفور رحيم\"\rفطولبوا بآداب تناسب عَليَّ إيمانهم وإن اغتفر بعضه لغيرهم ممن ليس في\rدرجتهم، وقد قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين، وكأن قد قيل لا تغفلوا ما منح لكم في التوراة والإنجيل فإنها درجة لم ينلها غيركم من الأمم فقابلوها بتنزيه أعمالكم عن أن يتوهم في ظواهرها أنها صدرت عن عدم اكتراث في الخطاب -\rوسوء قصد في الجواب، وطابقوا بين بواطنكم وظواهركم، وليكن علنكم منبئا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187117,"book_id":1237,"shamela_page_id":134,"part":null,"page_num":313,"sequence_num":134,"body":"بسليم سرائركم \"إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى \"\rثم عرفوا بسوء حال من عدل به عن هذه الصفة فقال تعالى: \"إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ\"\rثم أمروا بالتثبت عند نزعة شيطان أو تقول ذى بهتان \"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ... الآية \"\rثم أمرهم تعالى بصلاح ذات بينهم والتعاون في ذلك بقتال الباغين وتحسين العشرة والتزام ما يثمر الحب والتودد الايماني والتواضع، وأن الخير كله في التقوى \" إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ \" (آية: ١٣)\rوكل ذلك محذر لِعَلِيِّ صفاتهم التى وصفوا بها في خاتمة سورة الفتح.\rسورة ق\rلما كانت سورة الحجرات قد انطوت على جملة من الألطاف التى خص بها\rتعالى عباده المؤمنين كذكره تعالى أخوتهم وأمرهم بالتثبت عند غائلة معتد\rفاسق \"\"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ.... الآية \" وأمرهم\rبغض الأصوات عند نبيهم وأن لا يقدموا بين يديه وأن لا يعاملوه في الجهر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187118,"book_id":1237,"shamela_page_id":135,"part":null,"page_num":314,"sequence_num":135,"body":"بالقول كمعاملة بعضهم بعضا، وأمرهم باجتناب كثير من الظن ونهيهم عن\rالتجسس والغيبة وأمرهم بالتواضع في قوله تعالى: \"يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى\"\rوأخبرهم تعالى أن استجابتهم، وامتثال هذه الأوامر ليست بحولهم ولكن بفضله وإنعامه فقال: \"وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ.... الآية \"\rثم أعقب تعالى بقوله: \"يمنون عليك أن أسلموا.... الآية \"\rليبين أن ذلك كله بيده ومن عنده، أراهم سبحانه حال من قضى عليه الكفر ولم يحبب إليه الإيمان ولا زينه في قلبه، بل جعله في طرفٍ من حال مَنْ أمر ونهي في سورة الحجرات، مع المساواة في الخلق وتماثل الذوات فقال تعالى: \"وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ.... الآيات \"\rثم ذكر سبحانه وضوح الأدلة \"أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم ... الآيات \"\rثم ذكر حال غيرهم ممن كان على رأيهم \"كذبت قبلهم قوم نوح \"\rليتذكر مجموع هذا من قدم ذكر حاله وأمره ونهيه في سورة الحجرات وليتأدب المؤمن بآداب الله ويعلم أن ما أصابه منْ الخير فإنما هو من فضل ربه وإحسانه، ثم التحمت الآي إلى قوله خاتمة السورة (نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (٤٥) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187119,"book_id":1237,"shamela_page_id":136,"part":null,"page_num":315,"sequence_num":136,"body":"سورة الذاريات\rلما ذكر سبحانه المواعد الأخراوية في سورة \"ق \" وعظيم تلك الأحوال\rمن لدن قوله: \"وجاءت سكرة الموت بالحق\" إلى آخر السورة\"\rثم أتبع سبحانه ذلك بالقسم على صحة وقوعه وصدقه فقال تعالى: \"وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا\" إلى قوله \"إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (٦) \"\rوالدين الجزاء أي أنهم سيجازون على ما كان منهم ويوفون قسط أعمالهم \"ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون \" \"إنما نملي لهم ليزدادوا إثما\"،\rولما أقسم تعالى على صدق وعده ووقوع الجزاء أعقب ذلك\rبتكذيبهم بالجزاء وازدرائهم فقال: \"يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (١٢) \"\rثم ذكر تعالى حال الفريقين وانتهاء الطريقين إلى قوله: \"وفي الأرض آيات للموقنين \"\rفوبخ تعالى من لم يعمل فكره ولا بسط نظره فيما أودع سبحانه في\rالعالم من العجائب، وأعقب بذكر إشارات إلى أحوال الأمم وما أعقبهم\rتكذيبهم وكل هذا تنبيه لبسط النظر إلى قوله تعالى: (وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٤٩)","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187120,"book_id":1237,"shamela_page_id":137,"part":null,"page_num":316,"sequence_num":137,"body":"ثم آنس نبيه ﵇ بقوله: \"كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون \" (آية: ٣٢)\rأي أن هذا دأبهم وعادتهم حتى كأنهم تعاهدوا عليه وألقاه بعضهم\rإلى بعض فقال تعالى: \"أتواصوا به بل هم قوم طاغون \"\rأي عجبا لهم في جريهم في التكذيب والعناد في مضمار واحد، ثم قال تعالى: \"بل هم قوم طاغون \" أي أن علة تكذيبهم هي التي اتحدت فاتحد معلولها، والعلة طغيانهم وإظلام قلوبهم بما سبق \" وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا \" ثم زاد نبيه ﵇ أشياء لما ورد على طريقة تخييره ﵊ في أمرهم من قوله تعالى: \"فتول عنهم فما أنت بملوم \" (آية: ٣٤) ، ثم أشار تعالى بقوله: \"وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين \" (آية: ٣٥) إلى أن إحراز أجره ﵊ إنما هو في التذكار والدعاء إلى الله تعالى، ثم ينفع الله بذلك من سبقت له السعادة، (إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ)\rثم أخبر نبيه ﵊ بأن مكذبيه سينالهم قسط ونصيب مما نال\rغيرهم ممن ارتكب مرتكبهم وسلك مسلكهم فقال تعالى: \"فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ\" إلى آخر السورة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187121,"book_id":1237,"shamela_page_id":138,"part":null,"page_num":317,"sequence_num":138,"body":"سورة الطور\rلما توعد تعالى كفار قريش ومن كان على طريقتهم من سائر من كذب\rرسول الله ﷺ أنه سيصيبهم ما أصاب غيرهم من مكذبي الأمم المنبه على ذكرهم في السورة قبل، ثم أشار سبحانه إلى عظيم ما ينالهم من الخزي وأليم العذاب بقوله: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٦٠)\rأقسم سبحانه على صحة ذلك ووقوعه والعياذ بالله سبحانه من سخطه وأليم\rعذابه فقال تعالى: \"والطور\" إلى قوله: \"إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع\"\rثم أومأ سبحانه إلى مستحقيه ومستوجبه فقال \"فويل يومئذ للمكذبين \"\rثم ذكرما يعنفون به ويوبخون على ما سلف منهم من نسبته عليه\rالسلام إلى السحر وتكذيبه فقال: (هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤)\rأَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥)\rثم أعقب بذكره حال المومنين المستجيبين، ثم ذكر إثر إعلامه بحال الفريقين نعمته على نبيه عليه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187122,"book_id":1237,"shamela_page_id":139,"part":null,"page_num":318,"sequence_num":139,"body":"السلام وعصمته ووقايته مما تقوله المفترون فقال تعالى: (فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (٢٩) .\rثم جرت الآي على توبيخهم في مقالاتهم ووهن انتقالاتهم، فمرة يقولون\rكاهن، ومرة يقولون مجنون، ومرة يقولون شاعر نترقب موته، فوبخهم على ذلك كله وبين كذبهم وأزعامهم وأسقط ما بأيديهم بقوله: (فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٣٤)\rوهذا هو المسقط لما تقولوه أولا وآخر، وهو الذي يجدوا عنه جوابا، ورضوا بالسيف والجلاء ولم يتعرضوا لتعاطي معارضته، وهذا هو الوارد في قوله تعالى في سورة البقرة: \"وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا ...\rفما نطقوا في جوابه ببنت شفة \"قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ\".\rفتبارك من جعله آية باهرة وحجة قاهرة.\rسورة والنجم\rلما قطع سبحانه تعلقهم بقولهم شاعر وساحر ومجنون إلى ما هزؤوا به مما","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187123,"book_id":1237,"shamela_page_id":140,"part":null,"page_num":319,"sequence_num":140,"body":"علموا أنه لا يقوم على ساق ولكن شأن المنقطع المبهوت أن يستريح إلى كل ما أمكنه وإن لم يغن عنه أعقب تعالى ذلك بقسمه على تنزيه نبيه وصفيه من\rخلقه عما تقوله وتوهمه ضعفاؤهم فقال تعالى: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢)\rثم أتبع سبحانه هذا القسم ببسط الحال في تقريبه ﵇ وإدنائه وتلقيه لما يتلقاه من ربه وعظيم منزلته لديه، وفي أثناء ذلك يحركهم جل وتعالى ويذكرهم ويوبخهم على سوء مرتكباتهم بتلطف واستدعاء كريم منعم فقال: \"أفرايتم اللات والعزى\"\rوالتحمت الآى على هذه الأغراض إلى الإعلام بانفراده سبحانه بالإيجاد والقهر والإعزاز والانتقام لا يشاركه في شىء من ذلك فقال تعالى: (وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (٤٣)\rولما بين كل ذلك قال: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (٥٥)\rأي في أي نعمة تشكون أم بأية آية تكذبون، ثم قال: \"هذا نذير\rمن النذر الأولى\"\rوإذا كان ﵊ (نذير) فشأن مكذبيه شأن مكذبي غيره.\rسورة القمر\rلما أعلمهم سبحانه بأن إليه المنتهى وأن عليه النشأة الأخرى وأن ذلك يقع\rجزاء كل نفس بما أسلفت أعلمهم سبحانه بقرب ذلك وحسابه ليزدجر من وفقه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187124,"book_id":1237,"shamela_page_id":141,"part":null,"page_num":320,"sequence_num":141,"body":"للازدجار فقال تعالى: \"اقتربت الساعة وانشق القمر\"\rثم إن سورة (ص) تضمنت من عناد المشركين وسوء حالهم، وتوبيخهم في عبادتهم ما لا يضر ولا ينفع ما لا يكاد يوجد في غيرها مما تقدمها.\rوبعد الشبه في السور قبلها والتحريك بآيات لا يتوقف عنها إلا من أضله\rالله وخذله، أنبئت السور بعد على تمهيد ما تضمنته سورة ص فلم تخل سورة\rمنها من توبيخهم وتقريعهم كقوله في الزمر \"والذين اتخذوا من دونه أولياء ما\rنعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى\" (آية: ٣)\rوقوله: \"لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء\" (آية: ٤) وقوله: \"قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ\"\rوقوله مثلا لحالهم: \"ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ.... الآية \" إلى ما بعد من التقريع والتوبيخ\rوقوله في سورة غافر: (مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ (٤)\rوقوله: \"ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا\"\rوقوله: \"أولم يسيروا في الأرض.... الآية \" (آية: ٢١)\rوقوله: \"إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ\" (آية: ٣٦)\rوقوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (٦٩) الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) .\rإلى قوله: (فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (٧٧)","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187125,"book_id":1237,"shamela_page_id":142,"part":null,"page_num":321,"sequence_num":142,"body":"وقوله تعالى: \"أولم يسيروا في الأرض \" إلى ما تخلل هذه الآي كقوله في السجدة: \"فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٤) وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ\"\r\"وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن \" \"إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا\" إلى قوله \"أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٤٤)\rوقوله: \"سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ\" إلى خاتمة السورة\rوقوله في الشورى: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٦)\r\"كبر على المشركين ما تدعوهم إليه \"\r\"وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ ... الآية \"\r\"أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ... الآية \" (آية: ٢١) \"فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا\"\rوقوله في الزخرف: \"أفنضرب عنكم الذكر صفحا.... الآية \"\r\"وجعلوا له من عباده جزءا\"\rإلى ما تردد في هذه السورة مما قرعوا به أشد التقريع، وتكرر في آيات كثيرة فتأملها، وقوله في الدخان: \"بل هم في شك يلعبون \" إلى قوله: \"يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون \"\rوقوله: \"إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين \" إلى قوله: \"إن هذا ما كنتم به تمترون\"\rوقوله في الشريعة: \"فبأى حديث بعد الله وَآياته يؤمنون.... الآيات إلى قوله: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (١١)\rوقوله: \"أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ\" إلى آخر السورة\rوقوله في الأحقاف: \"والذين كفروا عما أنذروا معرضون \"\rومعظم آي هذه السورة لم يخرج عن هذا إلى خاتمتها،\rوكذا سورة القتال ولو لم يتضمن إلا الأمر بقتلهم وأسرهم وتعجيل خزيهم \"فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ\"\rوأما سورة الفتح فمما تضمنته من البشارة والفتح أشد على الكفار من كل ما قرعوا به، ولم تخرج عن الغرض","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187126,"book_id":1237,"shamela_page_id":143,"part":null,"page_num":322,"sequence_num":143,"body":"المتقدم وكذا سورة الحجرات لتضمنها من الأمر بتعزيز النبي ﷺ وإجلاله ما يقر عين المؤمن ويقتل العدو الحاسد وما فيها أيضا من ائتلاف أمر المؤمنين وجمع كلمتهم وتآخيهم، وموقع هذا من العدو بحيث لا يخفى على أحد، وأما سورة \"والذاريات \"، \"والطور\"، \"والنجم \"، فما تضمنته مما ذكرناه قبل أوضح شيء، وبذلك افتتحت كل سورة منها، فتأمل مطالعها، ففي ذلك كفاية في الغرض، فلما انتهى ما قصد من تقريع مكذبي رسول الله ﷺ، وبلغت الآي في هذه\rالسور من ذلك أقصى غاية، تمحض باطلهم وانقطع دابرهم، ولم يجدوا جوابا، عرض عليهم سبحانه في سورة القمر أحوال الأمم مع أنبيائهم وكان القصد من ذلك - والله أعلم مجرد التعريف بأنهم ذكروا فكذبوا فأخذوا ليتبين لهؤلاء أن لا فرق بينهم وبين غيرهم، وأن لا يغرهم عظيم حلمه سبحانه عنهم، فهذه السورة إعذار عند تبكيتهم وانقطاع حجتهم بما تقدم، وبعد أن انتهى الأمر في وعظهم وتنبيههم بكل آية إلى غاية يعجز عنها البشر، لهذا افتتح سبحانه هذه السورة بقوله: (وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (٥)\rوختمها بقوله: \"أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ\"\rوهذا يبين ما قدمناه، وكأن قد قيل أى فرق بينكم وبين من\rتقدم حتى ترتكبوا مرتكبهم وتظنون أنكم ستفوزون بعظيم جرأتكم، فذكر\rسبحانه لهم قصة كل أمة وهلاكها عند تكذيبها بأعظم إيجاز وأجزل إيراد\rوأفحم عبارة وألطف إشارة فبدأ بقصة قوم نوح \"كذبت قبلهم قوم نوح \"\rإلى قوله: \"ولقد تركناها آية فهل من مدكر فكيف كان عذابى ونذر\"\rثم استمر في ذكر الأمم مع أنبيائهم حسب ما ذكروا في السور الواردة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187127,"book_id":1237,"shamela_page_id":144,"part":null,"page_num":323,"sequence_num":144,"body":"فيها أخبارهم من ذكر أمة بعد أمة، إلا أن الواقع هنا من قصصهم أوقع في الزجر وأبلغ في الوعظ وأعرف في الإفصاح بسوء منقلبهم وعاقبة تكذيبهم، ثم ختمت كل قصة بقوله: \" فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ \" وتخلل هذه القصص قوله تعالى: \"ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر وهى إشارة إلى ارتفاع عذر من تعلق باستصعاب الوقوف على زواجره وتنبيهاته ومواعظه، ويدعى بعد ذلك استغلاقه إنه ميسر قريب المرام، وهذا فيما يحصل منه التنبيه\rوالتذكير لما عنه تكون الاستجابة بإذن الله، ووراء ذلك من المشكل والمتشابه ما لا يتوقف عليه ما ذكره، وحسب عموم المؤمنين الإيمان بجمعيه، والعمل بمحكمه، ثم يفتح الله تعالى ففي ذلك على من شرفه به وأعلى درجته فيبين له بحسب ما يشرح الله صدره \"يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ\"\rومن تيسير المقصود المتقدم تكرار قصص الأنبياء مع أممهم في عدة سور\rأيُّ حفظ منها أطلع على ما هو كاف في الاعتبار بهم، ثم إذا ضم ذلك بعضه إلى بعض اجتمع فيه ما لم يكن ليحصل من بعض تلك السور فسبحان من جعله حجة باهرة وبرهانا قاطعا على صدق الآي به، وصراطا مستقيما ونورا مبينا.\rولما ذكر سبحانه عواقب الأمم في تكذيبهم قال لمشركي العرب: \"أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ\"\rومن هذا النمط قول شعيب ﵊: \"وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ.... الآية \" (هود: ٨٩)\rثم قال تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)\rأي إنكم إن تعلقتم بتألفكم وجماعتكم فسأفرق ذلك بهزيمتكم يوم بدر، وقتل صناديدكم فما","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187128,"book_id":1237,"shamela_page_id":145,"part":null,"page_num":324,"sequence_num":145,"body":"حجتكم بعد هذا وقد أنبأ مساق القصص في هذه السور واعتماد التعريف\rبحال من ذكر في أن كذبوا وعاندوا فأعقب تكذيبهم أخذهم وهلاكهم.\rثم تعقب هذا كله بصرف الكلام إلى مشركي العرب في قوله: \"أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ\"\rوليس في شىء من السور المذكور فيها قصص الأمم على هذا الاستيفاء كالأعراف وهود ونظائرهما، ليس في شيء من ذلك تعقيب بذكر\rمشركى العرب على الصفة الوارة هنا، فأنبأ ذلك بكمال المقصود من الوعظ\rوالتحريك بذكره، وانقضى هذا الغرض، وذلك أنهم ذكروا أولا بعرض\rأحوال الأمم والتعريف بما آل إليه أمرهم وكان ذلك في صورة عرض من يريد تأديب طائفة ممن إليه نظرهم قبل أن يظهر منهم تمرد وعناد فهو يستلطف في دعائهم ولا يكلمهم تكليم الواجد عليهم بل يفهم من كلامه الإشفاق والاستعطاف وإرادة الخير بهم، ثم يذكرهم بذلك ويكرره عليهم المرة بعد المرة وإن تخلل ذلك ما يتبين فظاعة التهديد وشدة الوعيد، فلا يصحبه تعيين المخاطب وصرف الكلام بالكلية إليه بل يكون ذلك على طريق التعريض والتوبيخ، ثم لو كان لاغتفر بما قبله وما بعده من التلطف حتى إذا تكررت الوعظة فلم تغن، فهنا يحل الغضب وشدة الوعيد، وعلى هذا وردت السور المذكور فيها حال الأمم كسورة الأعراف وهود والمؤمنون والظلة والصافات، وما من سورة منها إلا والتي بعدها أشد في التعريف، وأميل إلى الزجر والتعنيف، فتأمل تعقيب القصص في سورة الأعراف بقوله تعالى: \"وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون \"","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187129,"book_id":1237,"shamela_page_id":146,"part":null,"page_num":325,"sequence_num":146,"body":"وقوله بعد موعظة بالغة بذكر من حرمه بعد إشرافه على الفوز وهو الذى \"أخلد الى الأرض واتبع هواه، فقال بعد ذلك \"فاقصص القصص لعلهم\rيتفكرون \"\rوتذكيره إياه بمحنة الغفلة إلى ما ختمت به السورة وذلك غير خاف في التلطف بالموعظة، وقال تعالى بعد قصص سورة هود \"وكذلك أخذ\rربك.... الآية \"\rوقال بعد \"فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ\" إلى قوله: \"وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ\"\rوتكررت آى إلى آخر السورة تجاري ما ذكر، وكم بين هذه وآى الأعراف في تلطف الاستدعاء.\rوقال تعالى في آخر قصص سورة المؤمنين \"فذرهم في غمرتهم حتى حين \" إلى قوله \"لا يشعرون \" (الآيات: ٥٤ - ٥٦) ، ثم قال تعالى بعد \"وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (٦٣) حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ (٦٤) .\rاستمرت آى على شدة الوعيد يتلو بعضها بعضا إلى قوله:.\r\"أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا\"\rوقوله تعالى بعد \"إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ \"\rوكم بين هذه الآي الواقعة عقب قصص سورة هود\r\"وقال في آخر قصص الظلة \"وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ\" إلى قوله خاتمة السورة \"وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ\".\rفوبخهم وعنفهم ونزه نبيه ﵊ عن سوء توهمهم وعظيم إفكهم وافترائهم وكل هذا تعنيف وزجر لم يتقدم لهم مثله في السور المذكورة، ثم هو صريح في مشركى العرب معين لهم في غير تلويح ولا تعريض، ثم إنه وقع عقب كل قصة في هذه السورة قوله تعالى: \"إن في ذلك لآية\" وفيه تهديد ووعيد بين، فقال تعالى في آخر قصص والصافات (فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (١٥٠) أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٥٢) .\rوهذا أعظم تقريع وأشد توبيخ، ثم نزه نفسه سبحانه عن بهتان\rمقالهم وسوء ارتكابهم وقبح فعالهم بقوله سبحانه (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187130,"book_id":1237,"shamela_page_id":147,"part":null,"page_num":326,"sequence_num":147,"body":"فلما أخذوا كل مأخذ فما أغنى ذلك عنهم، قال تعالى\rلنبيه ﷺ \"فتول عنهم\" وتمامها، \"حتى حين\"\rولم يقع أمره ﷺ بتركهم والإعراض عنهم والتولي إلا بعد حصول القصص في السور المذكورة\rوأخذهم بكل طريق، وأول أمره بذلك ﷺ في سورة السجدة \"فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (٣٠)\rثم في سورة الذاريات \"فتول عنهم فما أنت بملوم \"\rثم في قوله هنا \"فتول عنهم \" (آية: ٦) ، فتأمل ذلك، ثم ذكر\rتعالى قصص الأمم إثر قوله تعالى هنا \"فتول عنهم \" بأشد وعيد وأعظم تهديد\rيعقب كل قصة بقوله تعالى: \"وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ\"\rوقوله \" فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ \"\rثم صرف الكلام إليهم بما تقدم في قوله \"أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ\"\rفبلغ ذلك أعظم مبلغ في البيان والإعذار، ثم قال تعالى: \"وكل شيء فعلوه في الزبر\"\rفعرف سبحانه بسابق حكمته فيهم إنا كل شيء خلقناه بقدر وانقضى ذكر القصص، فلم يتعرض لها مستوفاة على هذا المساق فيما بعد إلى آخر الكتاب فسبحان من رحم به عباده المتقين وجعله آية باهرة إلى يوم الدين، وقطع به عناد الجاحدين وغائلة المعتدين وجعله بيانا كافيا ونورا هاديا وواعظا شافيا، جعلنا الله ممن اهتدى واعتلق بسببه إنه أهل الاستجابة والعفو والمغفرة.\rسورة الرحمن\rمن المعلوم أن الكتاب العزيز وإن كانت آياته كلها معجزة باهرة وسوره في\rجليل النظم وبديع التأليف قاطعة بالخصوم قاهرة، فبعضها أوضح من بعض في","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187131,"book_id":1237,"shamela_page_id":148,"part":null,"page_num":327,"sequence_num":148,"body":"تبين إعجازها. وتظاهر بلاغتها وإيجازها، ألا ترى تسارع الأفهام إلى الحصول على بلاغة آيات وسور من أول وهلة دون كبير تأمل كقوله تعالى: \"وقيل يا أرض ابلعى ماءك \" (هود: ٤٤) وقوله: \"فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤)\rلا يتوقف في أمر إعجازها إلا من طبع الله على قلبه، أو صُد عنه باب الفهم جملة، فأنى له بولوجه وقرعه؟ وسورة القمر من هذا النمط، ألا ترى اختصار القصص فيه مع حصول أطرافها وتوفية أغراضها وما\rجرى مع كل قصة من الزجر والوعظ والتنبيه والإعذار، ولولا أني لم أقصد التعليق - إلا ما بنيته عليه من ترتيب السور - لأوضحت ما أشرت إليه ولعل الله سبحانه ييسر ذلك فيما باليد من التفسير يفتح الله به وييسر فيه.\rفلما انطوت هذه السورة على ما ذكرنا وبأن فيها عظيم الرحمة في ذكر\rالقصص ونفع العظات، وظهرت حجة الله على الخلق وكان ذلك من أعظم ألطافه تعالى لمن يسره لتدبر الكتاب ووفقه لفهمه واعتباره أردف ذلك سبحانه بالتنبيه على هذه النعمة فقال تعالى: \"الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)\rوخص من أسمائه الحسنى هذا الاسم إشعارا برحمته بالكتاب وعظيم\rإحسانه \"وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها\"\rثم قد تمهد أن سورة القمر إعذار، ومن أين للعباد بجميل هذا اللطف وعظيم هذا الحلم حتى يزدادوا إلى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187132,"book_id":1237,"shamela_page_id":149,"part":null,"page_num":328,"sequence_num":149,"body":"بسط الدلالات، وإيضاح البينات إن يعذر إليهم زيادة في الإبلاع فأنبأ تعالى أن هذا رحمة فقال: \"الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢)\rثم إذا تأملت سورة القمر وجدت خطابها وإعذارها خاصا ببني آدم، بل بمشركى العرب منهم فقط فأتبعت بسورة الرحمن تنبيها للثقلين وإعذارا إليهم وتقريرا للجنس على ما أودع الله تعالى في العالم من العجائب والبراهين الساطعة فتكرر فيها التقرير والتنبيه بقوله تعالى: \"فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ\" خطابا للجنسين وإعذارا للثقلين فبان اتصالها بسورة القمر أشد البيان.\rسورة الواقعة\rلما تقدم الإعذار في السورتين المتقدمتين والتقرير على عظيم البراهين وأعلم\rفي آخر سورة القمر أن كل واقع في العالم فبقضائه سبحانه وقدره: \"إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) . \"وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢)\rوأعلمهم سبحانه في الواقعة بانقسامهم الأخروي فافتتح بذكر الساعة \"إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١)\rإِلى قوله \"وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧) \"\rفتجردت هذه السورة للتعريف بأحوالهم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187133,"book_id":1237,"shamela_page_id":150,"part":null,"page_num":329,"sequence_num":150,"body":"الأخروية وصدرت بذلك عما جرد في السورتين قبل التعريف بحالهم في هذه الدار، وما انجر في السور الثلاث جاريا على غير هذا الأسلوب فبحكم استدعاء الترغيب والترهيب لطفا بالعباد ورحمة، ومطالعها مبنية على ما ذكرته تصريحا لا تلويحا، وعلى الاستيفاء لا بالإشارة والإيحاء، ولهذا قال تعالى في آخر قصص افتراق أحوالهم الأخروية في هذه السورة \"هذا نزلهم يوم الدين \" (الواقعة: ٣٦) فأخبر أن هذا حالهم يوم الجزاء، وقد قدم حالهم الدنيوى في السورتين قبل وتأكد التعريف المتقدم فيما بعد وذلك قوله: \"فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) .\rإلى خاتمتها.\rسورة الحديد\rلما تقدم قوله تعالى: \"نحن خلقناكم فلولا تصدقون \"\rوفيه من التقريع والتوبيخ لمن قرع به ما لاخفاء به، ثم أتبع بقوله تعالى: \"أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) ... الآيات إلى قوله: \"وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (٧٣)\rفنذروا ووبخوا على سوء جهلهم وقبح ضلالهم ثم قال بعد ذلك \"أفبهذا الحديث أنتم مدهنون \"\rواستمر توبيخهم إلى قوله: \"إن كنتم صادقين \".\rفلما أشارت هذه الآيات إلى قبائح مرتكباتهم أعقب تعالى ذلك بتنزيه عز\rوجل من سوء ما انتحلوه وضلالهم فيما جهلوه فقال تعالى: \"فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ\"\rأى نزهه عن عظيم ضلالهم وسوء اجترامهم، ثم أعقب","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187134,"book_id":1237,"shamela_page_id":151,"part":null,"page_num":330,"sequence_num":151,"body":"ذلك بقوله: \"سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ \"\rثم أتبع ذلك بقوله له: \"له الملك وله الحمد\"\rفبين تعالى انفراده بصفة الجلال ونعوت الكمال، وأنه المنفرد بالملك والحمد، وأنه الأول والآخر والظاهر والباطن إلى قوله: \"وهو عليم بذات الصدور\" (الحديد: ٦) فتضمنت هذه الآي إرغام من أشير إلى حاله في الآي المتقدمة في سورة الواقعة وقطع ضلالهم والتعريف بما جهلوه من صفاته العلى وأسمائه الحسنى جل وتعالى، والتحمت آى السورتين واتصلت معانيها ثم صرف الخطاب إلى عباده المؤمنين فقال تعالى: \"آمنوا بالله ورسوله \"\r(الحديد: ٧) واستمرت الآي على خطابهم إلى آخر السورة.\rسورة المجادلة\rلما نزه سبحانه نفسه عن مقول الملحدين وأعلم أن العالم بأسره ينزهه\rعن ذلك بألسنة أحوالهم لشهادة العوالم على أنفسها بافتقارها لحكيم أوجدها لا يمكن أن يشبه شيئا منها بل يتنزه عن أوصافها ويتقدس عن سماتها فقال: \"سبح لله ما في السماوات والأرض \"\rومضت آى تعرف بعظيم سلطانه وعلي ملكه، ثم انصرف الخطاب إلى عباده في قوله: \"آمنوا بالله ورسوله\"","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187135,"book_id":1237,"shamela_page_id":152,"part":null,"page_num":331,"sequence_num":152,"body":"إلى ما بعد ذلك من الآي، وكان ذلك ضرب من الالتفات الواقع منه هنا أشبه شيء بقوله سبحانه في سورة ابقرة \"وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ\"\rفإنه بعد تفصيل حال المتقين وحال من جعل في طرف منهم، وحال من تشبه بظاهره بالمتقين وهو معدود في شرار الكافرين، فلما تم هذا النمط عدل بعده إلى دعاء الخلق إلى عبادة الله وتوحيده \"يا أيها الناس اعبدوا ربكم \" (البقرة: ٢١) ثم عدل بالكلام جملة وصرف الخطاب إلى تعريف نبيه ﵊ ببدء الخلق \"وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً\" فجاء ضربا من الالتفات فكذا الواقع هنا بين سبحانه حال مشركي العرب وقبح عنادهم وقرعهم وبخهم في عدة سور غالب آيها جار على ذلك ومجرد له، أولها سورة (ص) ، كما نبه عليه في سورة القمر وإلى الغاية التي ذكرت فيها إلى أن وردت سورة القمر منبئة بقطع دابرهم، وانجر فيها الإعذار المنبه عليه، وكذا في سورة الرحمن بعدها.\rثم أعقب ذلك بالتعريف بحال النزول الأخروي في سورة الواقعة مع زيادة\rتقريع وتوبيخ على مرتكبات استدعت تسبيحه تعالى وتقديسه عن شنيع افترائهم، فأتبعت بسورة الحديد ثم صرف فيها الخطاب إلى المؤمنين، واستمر ذلك إلى آخر السورة، وجرت سورة المجادلة على هذا القصد مصروفا خطابها إلى نازلة يتشوف المؤمنون إلى تعرف حكمها وهو الظهار المبين أمره فيها، فلم يعدل بالكلام بعد كما كان قد صرف إليه في قوله: \"آمنوا بالله ورسوله \" (الحديد: ٧) بأكثر من التعرض لبيان حكم يقع منهم.\rثم إن السور الواردة بعد إلى آخر الكتاب استمر معظمها على هذا الغرض\rلانقضاء ما قصد في التعريف بأخبار القرون السالفة والأمم الماضية، وتقريع من عاند وتوبيخه، وذكر مآل الخلق واستقرارهم الأخروي، وذكر تفاصيل التكاليف والجزاء عليها من الثواب والعقاب، وما به استقامة من استجاب وآمن وما يجب أن يلتزمه على درجات التكاليف وتأكيدها، فلما كمل ذلك صرف الكلام إلى ما يخص المؤمنين في أحكامهم وتعريفهم بما فيه خلاصهم ومعظم آي السورة بعد هذا شأنها، وإن انجر غيرها فلاستدعاء وموجب وهو الأقل كما بينا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187136,"book_id":1237,"shamela_page_id":153,"part":null,"page_num":332,"sequence_num":153,"body":"سورة الحشر\rلا خفاء باتصال آيها بما تأخر من آى سورة المجادلة، ألا ترى أن قوله\rتعالى: \"أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ\"\rإنما يراد به يهود، فذكر سبحانه سوء سريرتهم وعظيم جرأتهم، ثم قال في آخر السورة: \"لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ\"\rفحصل من هذا كله تنفير المؤمنين منهم وإعلامهم بأن بغضهم من الإيمان\rوودهم من النفاق لقبح ما انطووا عليه وشنيع ما ارتكبوه.\rفلما أشارت هذه الآي إلى ما ذكر اتبعت بالإعلام في أول سورة الحشر بما\rعجل لهم من هوانهم وإخراجهم من ديارهم وأموالهم، وتمكين المسلمين منهم جرى على ما تقدم الإيماء إليه من سوء مرتكبهم، والتحمت الآي باتحاد المعنى وتناسبه وتناسخ الكلام، وافتتحت السورة بالتنزيه لبنائها على ما أشار إليه غضبه تعالى عليهم، إذ لا يكون إلا على أعظم جريمة وأسوأ مرتكب، وهو اعتداؤهم وعصيانهم المفصل في مواضع من الكتاب، وقد قال تعالى فيهم بعد ذكر غضبه عليهم \"أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ\" (المائدة: ٦٠) وقال تعالى: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187137,"book_id":1237,"shamela_page_id":154,"part":null,"page_num":333,"sequence_num":154,"body":"فبين تعالى أن لعنته إياهم إنما ترتبت على عصيانهم واعتدائهم، وقد فصل اعتداؤهم أيضا في مواضع، فلما كان الغضب مشيرا إلى ما ذكر من عظيم الشرك أتبعه سبحانه تنزيه نفسه جل وتعالى فقال: \"سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ\"\rوإنما يرد التنزيه في الكتاب إثر جريمة تقع من العباد، وعظيمة يرتكبونها، وتأمل ذلك حيث وقع، ثم عاد إلى الِإخبار بما فعل تعالى بأهل الكتاب مما يتصل بما تقدم ثم تناسبت الآي.\rسورة الممتحنة\rافتتحت هذه السورة بوصية المؤمنين على ترك موالاة أعدائهم ونههيهم\rعن ذلك، وأمرهم بالتبري منهم وهو المعنى الوارد في قوله خاتمة المجادلة \"لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ\"\rإلى آخر السورة\"، وقد حصل منها أن هذه أسنى أحوال أهل الإيمان، وأعلى مناصبهم \"أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ\"\rفوصى عباده في افتتاح الممتحنة بالتنزه عن موالاة الأعداء، ووعظهم بقصة إبراهيم ﵇ والذين معه في تبرئهم من قومهم ومعاداتهم\rوالاتصال في هذا بين، وكأن سورة الحشر وردت مورد الاعتراض المقصود بها تمهيد الكلام وتنبيه السامع على ما به تمام الفائدة لما ذكر أن شأن المؤمنين أنهم لا يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا أقرب الناس إليها، واعترض بتنزيهه عن مرتكباتهم، ثم أتبع ذلك بذكر ما عجله لهم من النقمة والنكال، ثم عاد الأمر إلى النهي عن موالاة الأعداء جملة، ثم لما كان أول سورة الممتحنة إنما نزل في حاطب بن أبي بلتعة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187138,"book_id":1237,"shamela_page_id":155,"part":null,"page_num":334,"sequence_num":155,"body":"رضى الله عنه وكتابه لكفار قريش بمكة، والقصة مشهورة، وكفار مكة ليسوا من يهود، وطلب المعاداة للجميع واحد، فلهذا فصل بما هو من تمام الِإخبار بحال يهود، وحينئذ عاد الكلام إلى الوصية عن نظائرهم من الكفار المعاندين، والتحمت السور الثلاث، وكثر في سورة الممتحنة ترداد الوصايا والعهود، وطلب الوفاء بذلك كله، ولهذه المناسبة ذكر فيها الحكم في بيعة النساء، وما يشترط عليهن في ذلك، فبنى السورة على طلب الوفاء افتتاحا واختتاما حسبما بين في التفسير لينزه المؤمن عن حال من قدم ذكره في سورة الحشر وفي خاتمة سورة المجادلة.\rسورة الصف\rافتتحت بالتسبيح لما ختمت به سورة الممتحنة من قوله: \"لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ \" وهم اليهود، وقد تقدم الإيماء إلى ما استوجبوا به هذا، فأتبع بالتنزيه لما تقدم بيانه، فإنه مما يعقب به ذكر جرائم المرتكبات ولا يرد في غير ذلك، ثم أتبع ذلك بأمر العباد بالوفاء، وهو الذي قدم لهم في الممتحنة ليتنزهوا عن حال مستوجبي الغضب بنقيض الوفاء والمخالفة\rبالقلوب والألسنة \"يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم \"","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187139,"book_id":1237,"shamela_page_id":156,"part":null,"page_num":335,"sequence_num":156,"body":"\"لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ\" (النساء: ٤٥) \"مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ\" (المائدة: ٤٣) \"وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ\" (النور: ٤٥) ،\rوبمجموع هذا استجمعوا اللعنة والغضب فقيل للمؤمنين \"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢)\rاحذروا أن تشبه أحوالكم حال من استحق المقت واللعنة والغضب، ثم أتبع بحسن الجزاء لمن وفى قولا وعقداً لسانا وضميرا، وثبت على ما أمر به فقال: \"إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّ.... الآية \"\rثم تناسج ما بعد.\rولما كان الوارد من هذا الغرض في سورة الممتحنة قد جاء على طريق الوصية\rوسبيل النصح والإشفاق، أتبع في سورة الصف بصريح العتب في ذلك والإنكار ليكون ذكره بعد ما تمهد في السورة قبل أوقع في الزجر، وتأمل كم بين قوله سبحانه: \"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ.... الآية. \"\rوما تضمنت من التلطف وبين قوله: \"لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣) .\rسورة الجمعة\rلما ختمت سورة الصف بالثناء على الحواريين في حسن استجابتهم وجميل\rإيمانهم، وقد أمر المؤمنين بالتشبه بهم في قوله تعالى: \"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ\"","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187140,"book_id":1237,"shamela_page_id":157,"part":null,"page_num":336,"sequence_num":157,"body":"كان ذلك مما يوهم فضل أتباع عيسى ﵇ على أتباع محمد ﷺ فأتبع ذلك بذكر هذه الأمة والثناء عليها، فافتتحت السورة بالتنزيه كما أشار إليه قوله: \"كفرت طائفة\" (الصف: ١٤) فإنهم ارتكبوا العظيمة وقالوا بالنبوة، فنزه سبحانه نفسه عن ذلك ثم قال: \"هو الذى بعث في الأميين رسولا منهم\" إلى قوله \"ذو الفضل العظيم \"، ثم أعلم تعالى بحال طائفة لاح لها نور الهدى ووضح لها سبيل الحق فعميت عن ذلك وارتبكت في ظلمات جهلها، ولم تزدد بما حملت إلا حيرة وضلالة فقال تعالى: \"مثل الذين حملوا التوراة.... الآية\".\rوهي في معرض التنبيه لمن تقدم الثناء عليه ورحمة الله إياه لئلا يكونوا فيما\rيتلو عليهم نبيهم من الآيات، ويعلمهم من الكتاب والحكمة مثل أولئك المتحَنين فإنهم مُقتوا ولُعنوا بعد حملهم التوراة، وزعموا أنهم التزموا حمله والوفاء به فوعظ هؤلا بمثالبهم لطفا من الله بهذه الأمة (وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) .\rسورة المنافقون\rلما أعقب حال المؤمنين فيما خصهم الله به مما انطوت عليه الآيات\rالثلاث في صدر سورة الجمعة إلى قوله: \"والله ذو الفضل العظيم \"\r(بذكر حال من لم ينتفع بما حُمِّل حسبما تقدم، وكان في ذلك من المواعظ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187141,"book_id":1237,"shamela_page_id":158,"part":null,"page_num":337,"sequence_num":158,"body":"والتنبيه مما ينتفع به من سبقت له السعادة أتبع بما هو أوقع في الغرض، وأبلغ في المقصود وهو ذكر طائفة ممن أظهر الإيمان - ممن قدم الثناء عليهم ومن أقرانهم وأترابهم أقارربهم تلبست في الظاهر بالإيمان وأظهرت الانقياد والإذعان، وتعرضت فأعرضت وتنصلت فما وصلت، بل عاقتها الأقدار فعميت البصائر والأبصار.\rومن المطرد المعلوم أن اتعاظ الإنسان بأقرب الناس إليه وبأهل زمانه أغلب\rمن اتعاظه بمن بعد عنه زمانا ونسبا، فأتبعت سورة الجمعة بسورة المنافقين وعظا للمؤمنين بحال أهل النفاق، وبَسَط من قصصهم ما يلائم ما ذكرناه، وكأن قد قيل لهم ليس من أظهر الانقياد والاستجابة في بني إسرائيل، ثم كان فيما حمل كمثل الحمار يحمل أسفارا بأعجب من حال إخوانكم زمانا وقرابة، وأنتم أعرف الناس بهم، وأنهم كانوا في الجاهلية موصوفين بجودة الرأى وحسن النظر \"وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ\" \"وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (٧) .\rقلت: \"وقد مر في الخطبة ما رويناه في مصنف ابن أبي شيبة من قول\rأناس من المؤمنين كان رسول الله ﷺ يقرأ في الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187142,"book_id":1237,"shamela_page_id":159,"part":null,"page_num":338,"sequence_num":159,"body":"فأما سورة الجمعة فيبشر بها المؤمنين ويحرضهم وأما سورة المنافقين فيؤيس بها\rالمنافقين ويوبخهم وهذا نحو ما ذكرناه أولا.\rسورة التغابن\rلما بسط في السورتين قبل من حال مَن حمل التوراة في بني إسرائيل، ثم لم\rيحملها، وحال المنافقين المتظاهرين بالإسلام وقلوبهم كفر وعناد متكاثفة الإظلام وما بين خروج الفرقتين عن سواء السبيل المستقيم، وتنكبهم عن هَديِ الدين القويم، وأوهم ذكر اتصافهم بمتحد أوصافهم خصوصهم في الكفر بوسم الانفراد وسم ينبئء عن عظيم ذلك الإبعاد سوى ما تناول غيرهم من أضراب الكفار، فأنبأ تعالى عن أن الخلق بجملتهم وإن تشعبت الفرق، وافترقت الطرق راجعون بحكم السوابق إلى طريقتين، فقال تعالى: \"هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ\"\rوقد أوضحنا الدلائل أن المؤمنين على درجات وأهل الكفر\rذوو طبقات، وأهل النفاق أدونهم حالا وأسوأهم كفرا وضلالاً \"إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار\" (النساء: ١٤٣)\rوافتتحت السورة بالتنزيه لعظيم مرتكب المنافقين في جهلهم، ولولم تنطو سورة المنافقين من عظيم مرتكبهم إلا على ما حكاه تعالى من قولهم \"لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ\"\rوقد أشار قوله تعالى: \"يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ \"","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187143,"book_id":1237,"shamela_page_id":160,"part":null,"page_num":339,"sequence_num":160,"body":"\"والله عليم بذات الصدور\" إلى ما قبله وما بعده من الآيات إلى سوء جهل المنافقين وعظيم حرمانهم في قولهم بألسنتهم ما لم تنطو عليه قلوبهم \"والله يشهد إن المنافقين لكاذبون \"\rواتخاذهم إيمانهم جُنّة إلى ما وصفهم سبحانه به، فافتتح تعالى سورة التغابن بتنزيهه عما توهموه من مرتكباتهم التي لا تخفى عليه -\rسبحانه \"ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم \" (التوبة: ٧٨) ثم قال تعالى:\r\"ويعلم ما تسرون وما تعلنون \" (التغابن: ٤) فقرع ووبخ في عدة آيات، ثم أشار إلى ما منعهم من تأمل الآيات وصدهم عن اعتبار المعجزات وأنه الكبر المهلك غيرهم، فقال تعالى مخبرا عن سلفهم في هذا المرتكب ممن أعقبه ذلك أليم العذاب وسوء المنقلب \"ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا\"\rثم تناسج الكلام معرفا بمآلهم الأخروي ومآل غيرهم إلى قوله \"وبئس\rالمصير\" (التغابن: ١٥) ومناسبة ما بعد يتبين في التفسير بحول الله.\rسورة الطلاق\rلما تقدم قوله تعالى: \"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ\"\rوقوله في التغابن: \"إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ\"\rوقوله تعالى: \"إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ\"\rوالمؤمن قد يعرض له ما يضطره إلى فراق من نبه على فتنته وعظيم محنته،\rوردت هذه السورة منبهة على كيفية الحكم في هذا الافتراق، وموضحة أحكام الطلاق، وأن هذه العداوة وإن استحكمت ونار هذه الفتنة وإن اضطرمت، لا توجب التبري بالجملة وقطع المعروف \"لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا\"\rووصى سبحانه بالإحسان المجمل في قوله: \"أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ\".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187144,"book_id":1237,"shamela_page_id":161,"part":null,"page_num":340,"sequence_num":161,"body":"وبين تفصيل ذلك وما يتعلق به فهذا الرفق المطلوب بإيقاع\rالطلاق في أول ما تستعده المطلقة في عدتها وتحسبه من مدتها تحذيرا من وقوع\rالطلاق في الحيض الموجب طول العدة وتكثير المدة، وأكد سبحانه هذا بقوله:\"واتقوا الله ربكم \" ثم نبه سبحانه على حقهن أيام العدة من الإبقاء\rفي مستقرهن حين إيقاع الطلاق إلى انقضاء العدة فقال: \"لا تخرجوهن من\rبيوتهن \"\rإلى ما استمرت عليه السورة من بيان الأحكام المتعلقة بالطلاق وتفصيل ذلك كله، ولما كان الأولاد إذا ظهر منهم ما يوجب فراقهم وإبعادهم غير مفترقين إلى ما سوى الرفض والترك بخلاف المرأة لم يحتج إلى ما احتيج إليه في حقهن فقد وضح وجه ورود سورة الطلاق في هذا الموضع والله أعلم.\rسورة التحريم\rلا خفاء بشدة اتصال هذه السورة بسورة الطلاق لاتحاد مرماهما وتقارب\rمعناهما: وقد ظن أنه ﷺ طلق نساءه حين اعتزل في الشرفة حتى سأله عمر رضى الله عنه، والقصة معروفة، وتخييره ﷺ إياهن إثر ذلك وبعد اعتزالهن شهرا كاملا، وعتب الله تعالى عليهن في قوله: \"وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ \"\rوقوله: \"عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ..... الآية \".\rفهذه السورة وسورة الطلاق أقرب شيء وأنسبه لسورة الأنفال\rوبراءة لتقارب المعاني والتحام المقاصد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187145,"book_id":1237,"shamela_page_id":162,"part":null,"page_num":341,"sequence_num":162,"body":"سورة الملك\rورود ما افتتحت بهذ السورة من التنزيه وصفات التعالي إنما يكون عقب\rتفصيل وإيراد عجائب من صنعه سبحانه كورود قوله تعالى: \"فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187146,"book_id":1237,"shamela_page_id":163,"part":null,"page_num":342,"sequence_num":163,"body":"عقب تفصيل التقلب الإنساني من لدن خلقه من سلالة من طين إلى إنشائه خلقا آخر، وكذا كل ما ورد من هذا ما لم يرد أثناء آى قد جردت للتنزيه والإعلام بصفات التعالي والجلال.\rولما كان أوقع في سورة التحريم ما فيه أعظم عبرة لمن تذكر وأعلى آية لمن\rاستبصر من ذكر امرأتين كانتا تحت عبدين صالحين قد بعثهما الله تعالى رحمة\rلعباده \"واجتهادا في دعاء الخلق فحرم الاستنارة بنورهما، والعياذ بهداهما من لم يكن أحد من جنسهما أقرب إليهما منه، ولا أكثر مشاهدة لما مدَّا به من الآيات وعظيم المعجزات، ومع ذلك فلم يغنيا عنهما من الله شيئا، ثم أعقبت هذه العظة بما جعل في طرف منها ونقيض من حالها، وهو ذكر امرأة فرعون التي لم يضرها مرتكب صاحبها وعظيم جرأته، مع شدة الوصلة واستمرار الألفة لما سبق لها في العلم القديم من السعادة وعظيم الرحمة فقالت: \"رب ابن لي عندك بيتا في الجنة\"\rوحصل في هاتين القصتين تقديم سبب رحمة حرم التمسك بها أولى\rالناس في ظاهر الأمر، وتقديم سبب امتحان سلم منه أقرب الناس إلى التورط\rفيه، ثم أعقب ذلك بقصة عريت عن مثل هذين السببين، وانفصلت في\rمقدماتها عن تينك القصتين وهو ذكر مريم ابنة عمران ليعلم العاقل حيث يضع الأسباب، وأن القلوب بيد العزيز الوهاب، أعقب تعالى ذلك بقوله الحق \"تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شىء قدير\" وإذا كان الملك بيده سبحانه فهو الذى يؤتي الملك والفضل من يشاء، وينزعه ممن يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء، كما صرحت به الآية الأخرى في آل عمران، فقد اتضح اتصال سورة الملك بما قبلها، ثم بنيت سورة الملك على التنبيه والاعتبار ببسط الدلائل ونصب البراهين حسبما يبسط التفسير.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187147,"book_id":1237,"shamela_page_id":164,"part":null,"page_num":343,"sequence_num":164,"body":"سورة ن\rلما تضمنت سورة الملك من عظيم البراهين ما تعجز العقول من استيفاء\rالاعتبار ببعضه كالاعتبار بخلق السمماوات في قوله تعالى: \"الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا\" أي يطابق بعضها بعضا، من طابق النعل إذا خصفها طبقا\rعن طبق، ويشعر هذا بتساويها في مساحة أقطارها ومقادير أجرامها والله\rأعلم، ووقع الوصف بالمصدر ليشعر باستحكام مطابقة بعضها بعضا من\rغير زيادة ولا نقص \"مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ\"\rأي من اختلاف واضطراب في الخلقة أو تناقض، إنما هي مستوية مستقيمة، وجيء بالظاهر في قوله: \"مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ\" ولم يقل ما ترى فيه من تفاوت ليشعر أن جميع المخلوقات جار على هذا، كل شكل يناسب شكله لا تفاوت في شىء من ذلك ولا اضطراب، فأعطى الظاهر من التعميم ما لم يكن يعطيه الإضمار، كما أشعر خصوص اسم الرحمن بما في هذه الأدلة المبسوطة من الرحمة للخلائق لمن رُزْق الاعتبار، ثم نبه تعالى على ما يدفع الريب ويزيح الإشكال فقال: \"فارجع البصر\"\rأي عاود البصر والتأمل مما تشاهده من المخلوقات","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187148,"book_id":1237,"shamela_page_id":165,"part":null,"page_num":344,"sequence_num":165,"body":"حتى يصح عندك ما أخبرت به بالمعاينة، ولا يبقى معك في ذلك شبهة \"فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ\" أى صدوع وشقوق ثم أمر تعالى بتكرير البصر فيهن متصفحا\rومتمتعا، هل تجد عيبا أو خللا \"يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا\"\rأي أنك إذا فعلت هذا رفع بصرك بعيدا عن إصابة الملتمس كأنه يطرد عن ذلك طردا بالصغار والإعياء وبالكلال لطول الإجالة والترديد، وأمر برجوع البصر ليكون في ذلك استجمامه واستعداده حتى لا يقع بالرجعة الأولى التي يمكن فيها الغفلة والذهول، إلا أن يحسر بصره من طول المعاودة إذ معنى التنبيه في قوله: \"كرتين \" التكرير، كقوله لبيك وسعديك، فيحسر البصر من طول التكرار ولا يعثر على شيء من فطور، فلو لم تنطو السورة على غير ما وقع من أوله إلى هنا لكان ذلك أعظم معتبر وأوضح دليل لمن استبصر، إذ هذا الاعتبار بما ذكر من عمومه جار في كل المخلوقات، ولا يستقل بفهم مجاريه إلا آحاد من العقلاء بعد التحريك والتنبيه، فشهادته بنبوة الآتي به قائمة واضحة، ثم قد تكون في السورة دلالات كقوله:\r\"وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ\" وقوله: \"أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ\"\rإلى آخر السورة، وأدناها كاف في الاعتبار، فأنى يصدر نقص عن متصف\rببعض ما هزؤوا به في قولهم: مجنون وساحر وشاعر، \"بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون \".\rفلعظيم ما انطوت عليه سورة الملك من البراهين، أتبعت بتنزيه الآتي به -\rﷺ مما تقوَّله المبطلون، مقسما على ذلك زيادة في التعظيم وتأكيدا في التعزيز والتكريم فقال تعالى: \"ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون \"\rوأنى يصح تَصوُّّر بعد تلك البراهين وقد انقطعت دونك أنظار العقلاء،\rفكيف ببسطها وإيضاحها في نسق موجز، ونظم معجز، وتلاؤم حير العقول، وعبارة تفوق كل مقول، تعرف، ولا تدرك، ويستوضحِ سبيلها فلا يسلك \"قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ\".\rفقوله سبحانه (مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ\"\rجواب لقوله تعالى في آخر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187149,"book_id":1237,"shamela_page_id":166,"part":null,"page_num":345,"sequence_num":166,"body":"السورة \"وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١) \"، وتقدم الجواب بنفي قولهم والتنزيه عنه على حكاية قولهم ليكون أبلغ في إجلاله ﷺ، وأخف وقعا عليه وأبسط لحاله في تلقى ذلك منهم، ولذا قدم مدحه ﷺ بما خص به من الخلق العظيم، فكان هذا أوقع\rفي الإجلال من تقديم قولهم ثم رده، إذ كسر سورة تلك المقالة الشنعاء بتقديم التنزه عنها أتم في الغرض وأكمل، ولا موضع أليق بذكر تنزيهه ﵊ ووصفه من الخلق والمنح الكريمة بما وصف مما أعقب به ذلك إذ بعض ما تضمنته سورة الملك مما تقدم الإيماء إليه شاهد قاطع لكل عاقل منصف بصحة نبوته ﷺ وجليل صدقه (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)\rفقد تبين موقع هذه السورة هنا، وتلاؤم ما بعد من آيها يذكر في التفسير.\rسورة الحاقة\rلما بنيت سورة \"ن والقلم \" على تقريع مشركي قريش وسائر العرب\rوتوبيخهم وتنزيه نبى الله ﷺ عن شنيع قولهم وقبيح بهتهم، وبين حسدهم وعداوتهم \"وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ\"\rأتبعت بسورة الحاقة وعيدا لهم وبيانا أن حالهم في سوء ذلك المرتكب قد سبق إليه غيرهم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187150,"book_id":1237,"shamela_page_id":167,"part":null,"page_num":346,"sequence_num":167,"body":"\"كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (٤) ... فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (٨) \"\r\"أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ \" (الأنعام: ٦) \"فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ\" \"وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (٩٨) \".\rفسورة الحاقة جارية مجرى هذه الآي المعقب بها ذكر عناد مشركي العرب\rليتعظ بها من رزق التوفيق \"لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (١٢) .\rولما ذكر حال من هلك من الأمم السالفة بسوء تكذيبهم وقبيح عنادهم أتبع ذلك بذكر الوعيد الأخروي \"يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (١٨) .\rثم عاد الكلام إلى ما بنيت عليه سورة \"ن والقلم \" من تنزيهه ﷺ وتكريمه مقسما على ذلك \"إنه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر ولا بقول كاهن \" وانتهى نفي ما يقولونه منصوصا على\rنزاهته عن كل جملة منها في السورتين \"مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) .\rأي ما الذي جئت به بقول شاعر ولا بقول كاهن بل هو تنزيل من رب العالين، (وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) \" ... \"وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١) \"\rفنزه ربك وقدسه عن عظيم ما ارتكبوه.\rسورة المعارج\rلما انطوت سورة الحاقة على أشد وعيد وأعظمه اتبعت بجواب من استبطأ\rذلك واستبعده، إذ هو مما يلجأ إليه المعاند الممتحن فقال تعالى: \"سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) \" إلى قوله: \"إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧) \"\r، ثم ذكر حالهم إذاك \"يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ....الآية. ثم أتبع بأن ذلك لا يغني عنه ولا يفيده \"إنها لظى\"\rثم ختمت السورة بتأكيد الوعيد وأشد التهديد \"فذرهم يخوضوا ويلعبوا\" إلى قوله \"ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون \"\rأي: ذلك يوم الحاقة ويوم القارعة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187151,"book_id":1237,"shamela_page_id":168,"part":null,"page_num":347,"sequence_num":168,"body":"سورة نوح ﵇\rلما أمر الله تعالى نبيه ﷺ بالصبر في قوله تعالى: \"فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (٥)\rوجليل الإغضاء في قوله: \"فذرهم يخوضوا ويلعبوا\"\rأتبع ذلك بذكر قصة نوح ﵇ وتكرر دعاء قومه إلى الإيمان وخص\rمن خبره حاله في طول مدة التذكار والدعاء لأنه المقصود في الموضع تسلية لنبيه ﷺ وليتأسى به في الصبر والرفق في الدعاء كما قيل له ﷺ في غير هذا الموضع \"فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ\"\r\" فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ \"\rفقد دام دعاء نوح قومَه أدوم من مدتك ومع ذلك فلم يزدهم إلا فرارا\r(قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (٦) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (٧)\rثم مضت آى السورة على هذا المنهج من تجديد الِإخبار بطول مكابدته عليه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187152,"book_id":1237,"shamela_page_id":169,"part":null,"page_num":348,"sequence_num":169,"body":"السلام وتكرار دعائه، فلم يزدهم ذلك إلا بعدا وتصميما على كفرهم حتى\rأخذهم الله وأجاب فيهم دعاء نبيه نوح ﵇ \"رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) .\rوذلك ليأسه من فلاحهم، وانجر في هذا حض نبينا ﷺ على الصبر على قومه والتححمل منهم كما صرح به في قوله: \"خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)\rوكما قيل له (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ)\r(وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ) .\rسورة الجن\rلما تقدم ذكر حال كفار قريش في تعاميهم عن النظر وجريهم في اللدد\rوالعناد حسبما انطوت عليه سورة \"ن والقلم \"، ثم اتبعت بوعيدهم في الحاقة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187153,"book_id":1237,"shamela_page_id":170,"part":null,"page_num":349,"sequence_num":170,"body":"بتحقيقه وقرب وقوعه في المعارج، ثم تسليته ﵊ وتأنيسه بقصة نوح مع قومه أعقب ذلك بما يتعظ به الموفق ويعلم أن القلوب بيد الله، فقد كانت استجابة معاندى قريش والعرب أقرب في ظاهر الأمر لنبيء من جنسهم ومن أنفسهم، فقد تقدمت لهم معرفة صدقه وأمانته، ثم جاءهم بكتاب بلسانهم الذى به يتحاورون ولغتهم التى بها يتكلمون فقد بهرت العقول آياته ووضحت لكل قلب سليم براهينه ومعجزاته، وقد علموا أنهم لا يقدرون على معارضته إلى ما شاهدوه من عظيم البراهين، ومع ذلك عموا وصموا، وسبق إلى الإيمان من ليس من جنسهم ولا سبقت له مزية تكريمهم وهم الجن ممن سبقت لهم من الله الحسنى فآمنوا وصدقوا، وأمر ﷺ بالإخبار بذلك فأنزل عليه \"قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ\".. إلى قوله إخبارا عن تعريف الجن سائر\rإخوانهم بما شاهدوه من عناد كفار العرب \"وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (١٩)\rثم استمرت الآى ملتحمة المعاني معتضدة المباني إلى آخر السورة.\rسورة المزمل\rلما كان ذكر إسلام الجن قد أحرز غاية انتهى مرماها، وتم مقصدها\rومبناها، وهي الإعلام باستجابة هؤلاء وحرمان من كان أولى بالاستجابة وأقرب في","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187154,"book_id":1237,"shamela_page_id":171,"part":null,"page_num":350,"sequence_num":171,"body":"ظاهر الأمر إلى الإنابة بعد تقديم وعيدهم وشديد تهديدهم، صرف الكلام إلى\rأمره ﷺ بما يلزمه من وظائف عبادته وما يلزمه في أذكاره من ليله ونهاره مفتتحا ذلك بأجمل مكاملة وألطف مخاطبة \"يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ\"\rتسلية له ﷺ كما ورد \" فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ\"\rوليحصل منه ألَّا اكتراث بعناد من قدم عناده وكثر لججه، واتبع ذلك بما يشهد لهذا الغرض ويعضده وهو قوله تعالى:، (وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (١٠) وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (١١)\rوهذا عين الوارد في قوله: \" فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ \" وفي قوله: \"نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار\" (ق. ٤٥)\rثم قال: \"إن لدينا أنكالا\"\rفذكر ما أعد لهم، وإذا تأملت هذه الآي وجدتها قاطعة بما قدمناه وبان لك التحام ما ذكره، ثم رجع الكلام إلى التلطف به ﷺ وبأصحابه رضى الله عنهم وأجزل جزاءهم مع وقوع التقصير ممن يصح منه تعظيم المعبود الحق ﷻ \"عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ، إلى قوله: \"فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَهُ \"\rثم ختم السورة بالاستغفار من كل ما تقدم من عناد الجاحدين المتقدم ذكرهم فيما قبل من السور إلى ما يفي العباد - المستجيبون به مما أشار إليه قوله تعالى: (عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ) .\rسورة المدثر\rملاءمتها لسورة المزمل واضحة واستفتاح السورتين من نمط واحد، وما\rابتدئت به كل واحدة منهما من جليل خطابه ﷺ وعظيم تكريمه \"يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ\"","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187155,"book_id":1237,"shamela_page_id":172,"part":null,"page_num":351,"sequence_num":172,"body":"\"يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ\" والأمر فيهما بما يخصه \"قم الليل إلا قليلا نصفه ... الآى\"\rوفي الأخرى \"قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)\rأتبعت في الأولى بقوله: \"واصبر على ما يقولون \" (١٥) وفي الثانية بقوله: \"ولربك فاصبر\" (٧) وكل ذلك قصد واحد وأتبع أمره بالصبر في المزمل بتهديد الكفار ووعيدهم \"وذرني والمكذبين ... الآيات \" (١١) وكذلك في الأخرى \"ذرني ومن خلقت وحيدا.... الآية \" (١١) فالسورتان واردتان في معرض واحد وقصد متحد.\rسورة القيامة\rلما تقدم قوله مخبرا عن أهل الكفر \"وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ\" (٤٥) ثم\rتقدم في صدر السورة قوله تعالى: \"فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ\".. إلى قوله \"غَيْرُ يَسِيرٍ\"\rوالمراد به يوم القيامة، والوعيد به لمن ذكر بعد في قوله: (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187156,"book_id":1237,"shamela_page_id":173,"part":null,"page_num":352,"sequence_num":173,"body":"ومن كان على حاله في تكذيب وقوع ذلك اليوم، ثم تكرر ذكره عند جواب من سئل بقوله: \"ما سلككم في سقر\" (٤١)\rفبسط القول في هذه السورة في بيان ذكر ذلك اليوم وأهواله، وأشير إلى حال من كذب به في قوله تعالى: (يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (٦)\rوفي قوله: (أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣)\rثم أتبع ذلك بذكر أحوال الخلائق في ذلك اليوم (يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣) .\rسورة الإنسان\rقوله تعالى: (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١) .\rتعريف للإنسان بحاله وابتداء أمره ليعلم أن لا طريق له للكبر واعتقاد\rالسيادة لنفسه وأن لا يغالطه ما اكتنفه من الألطاف الربانية والاعتناء الإلهي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187157,"book_id":1237,"shamela_page_id":174,"part":null,"page_num":353,"sequence_num":174,"body":"والتكرمة، فيعتقد أنه يستوجب ذلك ويستحقه \"وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ\".\rولما تقدم في القيامة إخباره تعالى عن حال منكري البعث عنادا واستكبارا\rوتعاميا عن النظر والاعتبار \"أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ\"\rوقوله بعد: (فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢) ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣)\rأي يتبختر عتوا واستكبار، وفرحا وتجبرا، وتعريفه بحاله التي لو ذكر\rمنها لما كان منه ما وصف، وذلك قوله: (أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) .\rثم أتبع ذلك بما هو أعرق في التوبيخ وأوغل في التعريف وهو أنه قد كان لا شىء، فلا نطفة ولا علقة، ثم أنعم عليه بنعمة الإيجاد\rونقله تعالى من طور إلى طور فجعله نطفة من ماء مهين في قرار مكين، ثم كان\rعلقة ثم مضعة إلى إخراجه وتسويته خلقا آخر فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ، فمن اعتبر اتصافه بالعدم ثم تقلبه في هذه الأطوار المستنكف حالها، والواضح فناؤها واضمحلالها، وأمده الله بتوفيقه، عرف حرمان من وصف في قوله: (ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣) .\rفسبحان الله ما أعظم حلمه أكرم رفقه، ثم بين تعالى أن ما جعله للإنسان من السمع والبصر ابتلاء له، ومن إدراكه أدركه الغلط وارتكب\rالشطط.\rسورة المرسلات\rأقسم تعالى بالملائكة المتتابعين في الإرسال والرياح المسخرة والآتية بالمطر\rوالملائكة الفارقة بما تنزل به بين الحق والباطل، والملقيات الذكر بالوحي إلى الأنبياء إعذارا من الله وإنذارا: أقسم تعالى بما ذكره من مخلوقاته على صدق الموعود به في قوله: \"إنا اعتدنا للكافرين سلاسلا وأغلالا وسعيرا.... الآية\".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187158,"book_id":1237,"shamela_page_id":175,"part":null,"page_num":354,"sequence_num":175,"body":"وقوله: (إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (١٠)\rوقوله: \"وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (١٢) ... إلى قوله: \"وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (٢٢) .\rوقوله \"وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (٢٧)\rوقوله: \"يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٣١) .\rولو لم يتقدم إلا هذا الوعد والوعيد المختتم به السورة لطابق افتتاح الأخرى\rقَسَماً عليه أشد المطابقة، فكيف وصورة \"هل أتى على الإنسان \" برأسها\rمواعد أخروية وإخبارات جزائية، فأقسم ﷾ على صحة الوقوع وهو المتعالي الحق وكلامه الصدق.\rسورة عم\rسورة النبأ أما مطلعها فمرتب على التساؤل واستفهام وقع منهم، وكأنه وار\rهنا في معرض العدول والالتفات، وأما قوله: \"كلا سيعلمون \"\rفمناسب للوعيد المكرر في قوله: \"ويل يومئذ للمكذبين \"، كأن قد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187159,"book_id":1237,"shamela_page_id":176,"part":null,"page_num":355,"sequence_num":176,"body":"قيل سيعلمون عاقبة تكذيبهم، ثم أورد تعالى من جميل صنعه وما إذا اعتبره المعتبر علم أنه لم يخلق شىء منه عبثا بل ليعتبر به، ويستوضح وجه الحكمة فيه فيعلم أنه لابد من وقت ينكشف فيه الغطاء ويجازي الخلائق على نسبة من أحوالهم في الاعتبار والتدبر والخضوع لمن نصب مجموع تلك الدلائل، ويستشعر من تكرار الفصول وتجدد الحالات وإحياء الأرض بعد موتها جري ذلك في البعث واطراد الحكم، وإليه الإشارة بقوله: \"كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى\" فقال تعالى منبها على ما ذكرناه: \"أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) .. إلى قوله وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (١٦) .\rفهذه المصنوعات المقصودة بها الاعتبار كما تقدم، ثم قال تعالى.: \"إن يوم الفصل كان ميقاتا\" (١٧) أي موعدا لجزائكم لو اعتبرتم بما ذكر لكم لعلمتم منه وقوعه وكونه، ليقع جزاؤكم على ما سلف منكم، فويل يومئذ للمكذبين، ويشهد لهذا القصد مما بعد من الآيات قوله تعالى لما ذكر ما أعد للطاغين (إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (٢٧) وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا (٢٨) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (٢٩)\rثم قال بعد: \"إن للمتقين مفازا\" (٣١) وقوله بعد \"ذلك اليوم الحق \".\rوأما الحياة الدنيا فلعب ولهو \"وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ\"\rوقوله بعد: (يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا (٤٠) .\rسورة النازعات\rلما أوضحت سورة النبأ حال الكافر في قوله: \"يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا\"\rعند نظره ما قدمت يداه، ومعاينته من العذاب عظيم ما يراه، وبعد\rذكر تفصيل أحوال وأهوال، أتبع ذلك بما قد كان حاله عليه في دنياه من استبعاد عودته في أخراه، وذكر قرب ذلك عليه سبحانه كما قال في الموضع الآخر \"وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ\"","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187160,"book_id":1237,"shamela_page_id":177,"part":null,"page_num":356,"sequence_num":177,"body":"وذلك بالنظر إلينا ولما عهدناه، وإلا فليس عنده سبحانه شىء أهون من شيء \" إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ\"\rفقال تعالى: \"وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (١) ... إلى قوله: \"يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (١٠) أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (١١)\rإذ يستعبدون ذلك ويستدفعونه، \"فإنما هى زجرة واحدة\" أي صيحة \"فإذا هم بالساهرة\" أي الأرض قياما ينظرون ما قدمت أيديهم، ويتمنون أن لو كانوا ترابا ولا ينفعهم ذلك، ثم ذكر تعالى من قصة فرعون وطغيانه ما يناسب الحال في قصد الاتعاظ والاعتبار، ولهذا أتبع القصة بقوله سبحانه (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٢٦) .\rسورة عبس\rلما قال سبحانه: \"إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٢٦) .\rوقال بعد \"إنما أنت منذر من يخشاها\"\rافتتحت هذه السورة الأخرى بمثال يكشف عن المقصود من حال أهل التذكر والخشية وجميل الاعتناء الرباني بهم وأنهم وإن كانوا في دنياهم ذوي خمول لا يؤبه لهم فهم عنده سبحانه في عداد من اختاره لعبادته وأهَّله لطاعته وإجابة رسوله صلى الله عليهم وسلم، وأعلى منزلته لديه \"رب أشعث أغبر لا يؤبه به لو أقسم على الله لأبره \"\rومنهم ابن أم مكتوم الأعمى رضى الله عنه مؤذن رسول الله ﷺ، وهو الذي بسببه نزلت السورة ووردت\rبطريق العتب وصاة لنبي الله ﷺ وتنبيها على أن يحمل نفسه الكريمة على مصابرة أمثال ابن أم مكتوم وأن لا يحتقره وحاشاه ﵊ من ذلك، ولكن التحذير من هذا وإن لم يكن وقع يشعر بعظيم الاعتناء بمن حذر، ومنه قوله","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187161,"book_id":1237,"shamela_page_id":178,"part":null,"page_num":357,"sequence_num":178,"body":"سبحانه: \"لئن أشركت ليحبطن عملك \" (الزمر: ٦٥) \"ولا تدع مع الله إلها\rآخر\" (القصص: ٨٨) ولا تمش في الأرض مرحا\"\rوهو كثير، وبسط هذا الضرب لا يلائم مقصودنا في هذا التعليق.\rلما دخل عليه ﷺ ابن أم مكتوم ﵁ سائلا ومسترشدا وهو ﷺ يكلم رجلا من أشراف قريش وقد طمع في إسلامه ورجا إنقاذه من النار وإنقاذ ذويه وأتباعه فتمادى على مكالمة هذا الرجل لما كان يرجوه، ووكل ابن أم مكتوم إلى إيمانه، فأغفل فورية مجاوبته، وشق عليه الحاجة خوفا من تفلت الآخر ومضيه على عقبه وهلاكه، عتب سبحانه عليه فقال: \"عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣)\rوهى منه سبحانه واجبة، وقد تقدم في السورة قبل قول موسى ﵊ لفرعون: \"هل لك إلى أن تزكى\"\rفلم يقدر له بذلك ولا انتفع ببعده صيته في دنياه ولا أغنى عنه ما نال منها، وبارت مواد تدبيره وعميت عليه الأنباء إلى أن قال: \"مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٣٨)\r\"وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ\" (غافر: ٣٧)\rفأنى يزكى ولو سبقت له سعادة لأبصر من حاله عين اللهو واللعب حين مقالته الشنعاء \"أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ\" (الزخرف: ٥٢)\rولما سبقت لابن أم مكتوم الحسنى لم يضره الصيت الدنيوي ولا أخل به عماه بل عظم ربه شأنه لما نزل في حقه \"وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤)\rفيا له صيتا ما أجله بخلاف من قدم ذكره من طرد فلم يَتَزَكَّ ولم ينتفع بالذكرى حين قصد بها \"إنما أنت منذر من يخشاها\"\r(النازعات: ٤٥) كابن أم مكتوم رضى الله عنه، ومن نمط ما نزل في ابن أم مكتوم ﵁ قوله تعالى: \"وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ\" (الكهف: ٢٨)\rفتبارك ربنا ما أعظم لطفه بعبيده اللهم لا تؤيسنا من رحمتك ولا تقطع بنا عنك بمنك وإحسانك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187162,"book_id":1237,"shamela_page_id":179,"part":null,"page_num":358,"sequence_num":179,"body":"سورة التكوير\rلما قال سبحانه: \"فإذا جاءت الصاخة يوم يفر المرء من أخيه.... الآيات\rإلى آخر السورة\"\rكان مظنة لاستفهام السائل عن الوقوع ومتى يكون فقال تعالى: \"إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) .\rووقوع تكوير الشمس وانكدار النجوم وتسيير الجبال وتعطيل العشار كان ذلك متقدم على فرار المرء من أخيه وأمه وأبيه إلى ما ذكر إلى آخر السورة، لاتصال ما ذكر في مطلع سورة التكوير بقيام الساعة فيصح أن يكون أمارة للأول وعلما عليه.\rسورة الانفطار\rهذه السورة كأنها من تمام سورة التكوير لاتحاد القصد فاتصالها بها واضح\rوقد مضى نظير هذا.\rسورة التطفيف\rلما قال سبحانه في سورة الانفطار \"وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) .\rوكان مقتضى ذلك الإشعار بوقوع الجزاء على جزئيات\rالأعمال وأنه لا يفوت عمل كما قال تعالى: \"وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا\" (الأنبياء: ٤٧) أتبع الآية المتقدمة بجزاء عمل يتوهم فيه قرب المرتكب وهو من أكبر الجرائم، وذلك التطفيف في المكيال والانحراف عن إقامة القسط في ذلك فقال تعالى: \"ويل للمطففين \" (١) ثم أردف تهديدهم وتشديد وعيدهم فقال:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187163,"book_id":1237,"shamela_page_id":180,"part":null,"page_num":359,"sequence_num":180,"body":"\"أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥)\rثم التحمت الآي مناسبة لما افتتحت به السورة إلى خاتمتها.\rسورة الانشقاق\rلما تقدم في الانفطار التعريف بالحفظة وإحصائهم على العباد في كتبهم\rوعاد الكلام إلى ذكر ما يكتب على البر والفاجر واستقرار ذلك في قوله تعالى: \"إن كتاب الأبرار لفي عليين \" (١٨) وقوله: \"إن كتاب الفجار لفى سجين\"\rأتبع ذالك بذكر التعريف بأخذ هذه الكتب في القيامة عند العرض، وأن\rأخذها بالأيمان عنوان السعادة، وأخذها وراء الظهر عنوان الشقاء، إذ قد تقدم في السورتين قبل ذكر الكتب واستقرارها بحسب اختلاف مضمناتها فمنها في عليين ومنها في سجين إلى يوم العرض فيؤتى كل كتابه فآخذ بيمينه وهو عنوان سعادته، وآخذ وراء ظهره وهو عنوان هلاكه، فتحصل الِإخبار بهذه الكتب ابتداء واستقرارا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187164,"book_id":1237,"shamela_page_id":181,"part":null,"page_num":360,"sequence_num":181,"body":"وتفريقا يوم العرض، وافتتحت السورة بذكر انشقاق السماء، ومد الأرض وإلقائها ما فيها وتخليها، تعريفا بهذا اليوم العظيم بما يتذكر به من سبقت سعادته والمناسبة بينة.\rسورة البروج\rوردت هذه السورة في قصة أصحاب الأخدود وقد تقدم هذا الضرب في\rسورة المجادلة وسورة النبأ وبينا وقوعه في أنفس السور ومتونها وهو أقرب فيما بين السورتين وأوضح.\rسورة الطارق\rلما قال تعالى في سورة البروج، والله على كل شىء شهيد\".\r\"والله من ورائهم محيط \"\rوكان في ذلك تعريف العباد بأنه سبحانه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187165,"book_id":1237,"shamela_page_id":182,"part":null,"page_num":361,"sequence_num":182,"body":"لا يغيب عنه شيء، ولا يفوته هارب أردف ذلك بتفصيل يزيد إيضاح ذلك\rالتعريف الجملي من شهادته سبحانه على كل شيء وإحاطته به فقال: (إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (٤) .\rفأعلم سبحانه بخصوص كل نفس ممن يحفظ أنفاسها، ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد\" (ق: ١٨)\rليعلم العبد أنه ليس بمهل ولا مضيع، وهو سبحانه الغني عن كتب الحفظة وإحصائهم ولكن هي سنة حتى لا يبقى لأحد حجة ولا تعلق، وأقسم تعالى على ذلك تحقيقا وتاكيدا. يناسب القصد المذكور..\rسورة الأعلى\rلما قال سبحان مخبرا عن عَمَه الكفار في ظلام حيرتهم أنهم يكيدون\rكيدا، وكان وقوع ذلك من العبيد المحاط بأعمالهم ودقائق أنفساهم وأحوالهم من أقبح مرتكب وأبعده عن المعرفة بشىء من عظيم أمر الخالق ﷻ وتعالى علاؤأه وشأنه، أتبع سبحانه ذلك بأمر نبيه ﵊ بتنزيه ربه الأعلى عن شنيع اعتدائهم وإفك افترائهم فقال: \"سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) .\rأي نزهه عن قبيح مقالهم، وقدم التنبيه على التنزيه في أمثال هذا ونظائره، ووقع ذلك أثناء السور وفيما بين سورة وأخرى، وأتبع سبحانه من التعريف بعظيم قدرته وعليِّ حكمته بما يبين ضلالهم فقال: \"الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) \"\r\" فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ \" وتنزه عما يتقوله المفترون.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187166,"book_id":1237,"shamela_page_id":183,"part":null,"page_num":362,"sequence_num":183,"body":"سورة الغاشية\rلما تقدم تنزيهه سبحانه عما توهمه الظالمون، واستمرت آي السورة على ما\rيوضح تنزيه الخالق ﷻ عن عظيم مقالهم، أتبع ذلك بذكر الغاشية\rبعد افتتاح السورة بصورة الاستفهام تعظيما لأمرها فقال لنبيه ﷺ: \"هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)\rوهي القيامة فكأنه سبحانه يقول: في ذلك اليوم يشاهدون\rجزاءهم ويشتد تحسرهم حين لا يغني عنهم، ثم عَرف بعظيم امتحانهم في قوله: \"لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦)\rمع ما بعد ذلك وما قبله، ثم عرف بذكر حال من كان في نقيض حالهم إذ ذاك أزيد في القرع وأدهى ثم أردف بذكر ما نصب من الدلائل كيف لم تغن فقال: \"أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت..... الآيات \" (١٧)\rأى أفلا يعتبرون بكل ذلك ويستدلون على الصانع\rثم أمره بالتذكار.\rسورة الفجر\rأبدى سبحانه لمن تقدم ذكره وجها آخر من الاعتبار، وهو أن يتذكروا حال\rمن تقدمهم من الأمم وما أعقب تكذيبهم واجترائهم فقال: \"أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) ... إلى قوله: (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤)\rأي لا يخفى عليه شىء من مرتكبات الخلائق، ولا يغيب عنه ما أكنوه\r(سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187167,"book_id":1237,"shamela_page_id":184,"part":null,"page_num":363,"sequence_num":184,"body":"فهلا اعتبر هؤلاء بما يعانونه ويشاهدونه من خلق الابل ورفع السماء ونصب الجبال وسطح الأرض وكل ذلك لمصالحهم ومنافعهم، فالإبل لأثقالهم وانتقالهم، والسماء لسقيهم وإظلالهم، والجبال لاختزان مياههم وإقلالهم، والأرض لحلولهم، وارتحالهم، فلا بهذه استبصروا، ولا بمن خلا من\rالقرون اعتبروا \"أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ\" (الآية: ٦)\rعلى عظيم طغيانها وصميم بهتانها \"إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ\" (آية: ١٤)\rسيتذكرون حين لا ينفع التذكر\r(إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣) .\rسورة البلد\rْلما أوضح سبحانه حال من تقدم ذكره في السورتين في عظيم حيرتهما\rوسوء غفلتهم وما أعقبهم ذلك من التذكر تحسرا حين لا ينفع الندم ولات حين مطمع، أتبع ذلك بتعريف نبيه علي الصلاة والسلام بأن وقوع ذلك منهم إنما جرى على حكم السابقة التى شاءها والحكمة التى قدرها كما جاء في الموضع الآخر\r\"وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا\"\rفأشار تعالى إلى هذا بقوله: \"لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (٤)\rأي إنا خلقناه كذلك ابتلاء ليكون ذلك قاطعا لمن سبق له الشقاء عن التفكر والاعتبار، \"وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (٥٧)\rفأعماهم بما خلقهم فيه من الكبد، وأعقل قلوبهم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187168,"book_id":1237,"shamela_page_id":185,"part":null,"page_num":364,"sequence_num":185,"body":"فحسبوا أنهم لا يقدر عليهم أحد، وقد بين سبحانه فعله هذا بهم في قوله لنبيه ﵊ \"وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ \" \"وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا\"\rفأنت تشاهدهم يا محمد ذوى أبصار وآلات يعتبر بها النظار، \"أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (٩) .\rفلا أخذ في خلاص نفسه واعتبر بحاله وأمسه \"فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ\"\rولكن \"وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ \".\rسورة الشمس\rلما تقدم في سورة البلد تعريفه تعالى بما خلق فيه الإنسان من الكبد مع ما\rجعل له سبحانه من آلات النظر وبسط له من الدلائل والعبر، وأظهره في صورة من مَلك قياده وميز رشده وعناده وهذا بيان النجدين \"إنا هديناه السبيل \"\rوذلك بما جعل له من القدرة الكسبية التى حقيقتها اهتمام أو كد أو ألم وأتى بالاستبداد والاستقلال ثم \"وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ\"\rأقسم سبحانه في هذه السورة على فلاح من اختار رشده واستعمل جهده، وأنفق وجده \"قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) \" وخيبة من عاب هداه فاتبع هواه، \"وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠) .\rفبين حال الفريقين وسلوك الطريقين.\rْسورة الليل\rلما بين قبل حالهم في الافتراق وأقسم سبحانه على ذلك الشأن في الخلائق\rبحسب تقديره أزلا \"لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا\"\rفقال تعالى:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187169,"book_id":1237,"shamela_page_id":186,"part":null,"page_num":365,"sequence_num":186,"body":"\"إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى\"، فاتصل بقوله تعالى: \"قد أفلح من زكاها وقد خاب\rمن دساها\"، ثم ان قوله تعالى: \"فأما من أعطى واتقى -\rإلى - العسرى\" (٥ - ١٥) يلائمه تفسيرا وتذكيرا - بما الأمر عليه من كون\rالخير والشر بإرادته وإلهامه بحسب السوابق -\rقوله: \"فألهمها فجورها وتقواها\"\rفهو سبحانه أهَّلهم للإعطاء وللاتقاء والتصدق، والمقدر للبخل\rوالاستغناء والتكذيب، \"والله خلقكم وما تعملون \" \"لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ \"، ثم زاد ذلك إيضاحا بقوله تعالى: \"إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (١٢) وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى (١٣)\rفتَبًّا للقدرية والمعتزلة (وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (١٠٥) .\rسورة الضحى\rلما قال تعالى: \"فألهمها فجورها وتقواها\"، ثم اتبعه بقوله: \"فسنيسره \" وبقوله: \"إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (١٢) وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى (١٣)","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187170,"book_id":1237,"shamela_page_id":187,"part":null,"page_num":366,"sequence_num":187,"body":"فلزم الخوف، واشتد الفزع وتعين على الموحد الإذعان\rبالتسليم والتضرع في التخلص والتجاؤه إلى السميع العليم، آنس تعالى أحب عباده إليه وأعظم منزلة لديه، وذكر له ما منحه من تقريبه واجتبائه وجمع خير الدارين له فقال: (وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤)\rثم عدد تعالى عليه نعمه بعد وعده الكريم له بقوله:\r(وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥)\rوأعقب ذلك بقوله: (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠) فقد آويتك قبل تعرضك وأعطيتك قبل سؤالك، فلا تقابله بقهر من تعرض وقهر من سأل وقد حاشاه سبحانه عما نهاه عنه، ولكنه تذكير بالنعم، وليستوضح الطريق من وفق من أمته ﷺ، أما هو\rﷺ فحسبك من تعرف رحمته ورفعه قوله: \"وكان بالمؤمنين رحيما\"، \"عزيز عليه ما عنتم - إلى - رحيم \".\rثم تأمل استفتاح هذه السورة ومناسبة ذلك المقصود، وكذلك السورة قبلها\rبرفع القسم في الأولى بقوله: \"والليل إذا يغشى\"\rتنبيها على إبهام الأمر في السلوك على المكلفين وغيبة حكم العواقب، وليناسب هذا حال التذكر بالآيات وما يلحقه من الخوف مما أمره غائب عنه من تيسيره ومصيره واستعصاء ما به يحصل اليقين واستصغار درجة المتقين، ثم لما لم يكن هذا غائب بالجملة عن آحاد المكلفين أعني ما يثمر العلم اليقين ويعلي من أهِّل للترقي في درجات المتقين، بل قد يطلع سبحانه خواص عباده بملازمة التقوى والاعتبار على واضحة السبيل ويريهم مشاهدة وعيانا ما قد انتهجوا قبل سبيله بمشقة النظر في الدليل، قال ﷺ -","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187171,"book_id":1237,"shamela_page_id":188,"part":null,"page_num":367,"sequence_num":188,"body":"لحارثة: (عرفت فالزم)\rوقال مثله للصديق، وقال تعالى: \"لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ\"، \"إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ\"\rفلم يبق في حق هؤلاء ذلك الإبهام ولا كدر خواطرهم بتكاثف ذلك الإظلام بما منحهم سبحانه من نعمة الإحسان بما وعدهم في قوله: \"يجعل لكم فرقانا\" \"ويجعل لكم نورا تمشون به \"\r\"أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا\"\rفعمل هؤلاء على بصيرة، واستدلوا اجتهادا بتوفيق ربهم على أعمال جليلة خطيرة فقطعوا عن الدنيا الآمال وتأهبوا لآخرتهم بأوضح الأعمال \"تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ\"، \"فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ\"\r، فلابتداء الأمر وشدة الإبهام والإظلام ما أشار إليه قوله سبحانه\rوتعالى: \"والليل إذا يغشى\" ولما تؤول إليه الحال في حق من كتب\rفي حقه الإيمان وأيده بروح منه أشار قوله سبحانه: \"والنهار إذا تجلى\" ولانحصار السبيل وإن تشعبت في طريقين: \"فمنكم كافر ومنكم مؤمن \"\r\"فريق في الجنة وفريق في السعير\"\rأشار قوله تعالى: \"وما خلق الذكر والأنثى\"، \"ومن كل شىء خلقنا زوجين \"، ففروا إلى الله الواحد مطلقا، فقد وضح لك إن شاء الله\rبعض ما ليس من تخصيص هذا القسم والله أعلم.\rأما سورة الضحى فلا إشكال في مناسبة استفتاح القسم بالضحى بما يسره\rله سبحانه لا سيما إذا اعتبرت ما ذكر من سبب نرول السورة، وأنه ﷺ فتر عنه الوحى حتى قال بعض الكفار: قلا محمدا ربُّه، فنزلت السورة مسفرة عن هذه النعمة والبشارة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187172,"book_id":1237,"shamela_page_id":189,"part":null,"page_num":368,"sequence_num":189,"body":"سورة الشرح\rمعنى هذه السورة من معنى السورة التي قبلها، وحاصل السورتين تعداد نعمه\rعليه سبحانه، فإن قلت فلم فصلت سورة \"ألم نشرح \" ولم ينسق ذكر هذه النعم في سورة واحدة قلت: من المعهود في البشر فيمن عدد على ولده أو عبده نعماء أن يذكر له أولا ما شاهد الحصول عليه منها بكسبه مما يمكن أن يتعلق في بعضها بأن ذلك وقع جزاء لا ابتداء، فإذا استوفى له ما قصده من هذا، أتبعه بذكر نعم ابتدائية قد كان ابتداؤه لها قبل وجوده كقول الأب مثلا لابنه: ألم أختر لأجلك الأم، والبقعة، حيث استولدتك وأعددت من مصالحك كذا وكذا، ونظير ما أشرنا إليه قوله سبحانه لزكرياء ﵊ \"ولم تك شيئا\"\rوقد قدم له: \"إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى\"\rوتوهم استبداد الكسبية في وجود الولد غير خافية في حق من قَصر نظره ولم يوَّفق، فابتدأ بذكرها، ثم أعقب ما لا يمكن أن يتوهم فيه ذلك وهو قوله: \" وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا \"\rوله نظائر من الكتاب وعليه جاء ما ورد في هاتين السورتين والله\rأعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187173,"book_id":1237,"shamela_page_id":190,"part":null,"page_num":369,"sequence_num":190,"body":"سورة التين\rهذه سورة موضحة ومتممة للمقصود في السورتين قبلها، فبان لك أن الصور الإنسانية بظاهر الأمر مما هىْ عليه من الترتيب والإتقان، قد كانت تقتضي الاتفاق بظاهر ارتباط الكمال بها من حيث إنها في أحسن تقويم والافتراق يبعد في الظاهر،فكيف افترق الحكم واختلف السلوك، فمن صاعد بالاستيضاح والامتثال، ونازل أسفل سافلين فضلا عن ترقي درجات الكمال، فإذن ليس يرقى من خص بمزيه التقرب إلا أنه نودي من قريب فأسرع في إجابة مناديه وأصاخ، وما اعتل بحاديه\rفسلك من واضحات السبيل ما رسم له وبنى على ما كتب له من ذلك عمله، \"وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا\"\rفعلى العاقل المنصف في نفسه أن يعلم أن كلا ميسر لما خلق له، فيضرع إلى خالقه في طلب الخلاص، من وجد خيرا فليحمد الله.\rفأوضحت هذه السورة أن ما أعطى الله نبيه ﷺ وخصه به من ضروب الكرامات وابتدأه به من عظيم الآلاء مما تضمنت السورتان إلى ما منحه من خير الدارين، وما تضمن قسمه سبحانه أنه ما ودعه ولا قلاه من الملاطفة والتأني\rودلائل الحب والتقريب، كل ذلك فضل منه تعالى وإحسان لا لعمل تقدم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187174,"book_id":1237,"shamela_page_id":191,"part":null,"page_num":370,"sequence_num":191,"body":"يستوجب ذلك أو بعضه، ولو تقدم عمل لم يقع إلا بمشيئته وتوفيقه وإرادته ولا يستوجب أحد عليه شيئاً وإنما هو فضله يوتيه من يشاء، فقال سبحانه منبها على ما وقع الإيماء إلى بعضه \"لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) . ومع ذلك لا ينفعه وقوع صورته الظاهرة في عالم الشهادة على أكمل خلق وأتم وضع، بل إذا لم يصحبه توفيق وسبقية سعادة من خالقه ولم يجعل له نورا يمشي به لم ير غير نفسه، ولا عرف إلا أبناء جنسه فقصر نظره على أول ما شاهد، ووقف عندما عاين من غير اعتبار يجره إلى تحقيق مآله وتبيين حاله أنه لم يكن شيئا مذكورا، فلما قصر وما أبصر اعتقد لنفسه الكمال وعمي عن المبدأ والمآل، فصار أسفل سافلين حيث لم ينتفع بآلات نظره ولا تعرف حقيقة خبره، \"أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ\".\rثم قال تعالى: \"إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات \"\rفهم الذين هداهم ربهم بإيمانهم فجروا بسنة من خلقهم في أحسن تقويم، واستوضحوا الصراط المستقيم، واستبصروا، فأبصروا ونظروا فاعتبروا، وقالوا ربنا الله ثم استقاموا، \"فلهم أجر غير ممنون \".\rسورة العلق\rلما قال سبحانه لنبيه ﷺ (فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨) .\rوكان معنى ذلك على هذا بعد وضوح الأمر لك وبيانه، وقد نزهه تعالى عن التكذيب بالحساب وأعلى قدره عن ذلك، ولكن سبيل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187175,"book_id":1237,"shamela_page_id":192,"part":null,"page_num":371,"sequence_num":192,"body":"هذا إذا ورد كسبيل قوله تعالى: \"لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ\"\rوبابه، وحكم هذا القبيل واضح في حق من تعدى إليه الخطاب وقصد بالحقيقة به من أمته ﷺ من حيث عدم عصمتهم وإمكان تطرق الشكوك والشبهة إليهم\rفتقدير الكلام أي شىء يمن فيه أن يحملكم على التوقف والتكذيب بأمر\rالحساب، وقد وضح لكم ما يرفع الريب ويزيل الإشكال، فلم تعلموا أن ربكم أحكم الحاكمين، أفيليق به وهو العليم الخبير أن يجعل اختلاف أحوالكم في الشكوك بعد خلقكم في أحسن تقويم، أيحسن أن يفعل ذلك عبثا وقد قال تعالى: \"وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا\" (ص: ٢٧) فلما قرر سبحانه للعبيد على أنه أحكم الحاكمين مع ما تقدم من موجب نفي الاسترابة في وقوع الجزاء إذا اعتبر ونظر، وقعت في الترتيب سورة العلق مشيرة إلى ما به يقع الشقاء، ومنه يعلم الابتداء والانتهاء أوهو كتابه المبين الذي جعله تبيانا لكل شىء وهدى ورحمة وبشرى للمحسنين، فأمر بقراءته ليتدبروا آياته فقال: \"اقرأ باسم ربك \"\rأي مستعينا به فسوف يتضح سبيلك وينتهج دليك، \"تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا\"\rوأيضا فإنه تعالى أعلم عباده بخلقه الإنسان \"في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين \"\rوحصل منه على ما قدم بيانه افتراق الطرفين وتباين المتقابلين، كل ذلك بسابق حكمته وإرادته \"وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا\".\rوقد بين سبحانه أقصر غاية ينالها أكرم خلقه وأجل عباده لديه من\rالصنف الإنساني وذلك فيما أوضحت السورتان قبل من حال نبينا المصطفى ﷺ وجليل وعده الكريم له في قوله: \"ولسوف يعطيك ربك فترضى\"\rوفصل حال ابتداء \"ألم نشرح \" على ما تقدم سؤال \"رب اشرح لي صدري \"\rإلى ما أشارت إليه آي السورتين من خصائصه الجليلة وذلك أعلى\rمقام يناله أحد ممن ذكر، فوقع تعقيب ذلك بسورة تضمنت الإشارة إلى حال من جعل في الطرف الآخر من الجنس الإنساني، وذلك حال من، أشير من لدن قوله تعالى: \"أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠) - إلى قوله -: كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187176,"book_id":1237,"shamela_page_id":193,"part":null,"page_num":372,"sequence_num":193,"body":"ليظهر تفاوت المنزلتين وتباين ما بين الحالتين وهي العادة المطردة في\rالكتب، ولم يقع صريح التعريف هنا كما وقع في الطرف الآخر ليطابق المقصود، ولعل بعض من يتفطن، يعترض هنا بأن هذه السورة من أول ما أنزل فكيف يستقيم مرادك من ادعاء ترتيبها على ما تأخر عنها نزولا، فيقال له وأين غاب اعتراضك في عدة سور مما تقدم بل في معظم ذلك، وإلا فليست سورة البقرة من المدني ومقتضى تأليفنا هذا بناء ما بعدها من السور على الترتيب الحاصل في مصحف الجماعة إنما هو عليها وفيما بعد من المكي ما لا يحصى، فإنما غاب عنك نسيان ما قدمناه في الخطبة من أن ترتيب السور على ما هي عليه راجع إلى فعله ﵊ كان ذلك بتوقيف منه أو باجتهاد الصحابة ﵃ على ما قدمناه، فارجع بصرك وأعد في الخطبة نظرك والله يوفقنا إلى اعتبار بيناته وتدبر آياته ويحملنا في ذلك ما يقربنا إليه بمنه وفضله.\rسورة القدر\rوردت تعريفا بإنزال ما تقدم الأمر بقراءته لما قدمت الإشارة إلى عظيم أمر\rالكتاب وأن السلوك إليه سبحانه إنما هو من ذلك الباب، أعلم سبحانه بليلة إنزاله وعرفنا بقدرها لنعتمدها في مظان دعائنا وتعلق رجائنا ونبحث على الاجتهاد في العمل لعلنا نوافقها وهي كالساعة في يوم الجمعة في إبهام أمرها مع جليل قدرها، ومن قبيل الصلاة الوسطى، ولله سبحانه في إخفاء ذلك رحمة وكأن في التعريف بعظيم قدر هذه الليلة التعريف بجلالة المنزل فيها، فصارت سورة القدر من تمام ما تقدم ووضح اتصالها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187177,"book_id":1237,"shamela_page_id":194,"part":null,"page_num":373,"sequence_num":194,"body":"سورة البينة\rهي من تمام ما تقدمها لأنه لما أمره ﵊ بأن هذا الكتاب\rهو الذي كانت يهود تستفتح به على مشركي العرب وتعظم أمره وأمر الآتي به حتى إذا حصل ذلك مشاهدا لهم كانوا أول كافر به فقال تعالى: \"لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) .. إلى قوله (وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) .\rوفي التعريف بهذا تأكيد ما تقدم بيانه مما يثمر الخوف وينهج بإذن\rالله التسليم والتبري من ادعاء حول أو قوة، فإن هؤلاء كانوا قد قدم إليهم في أمر الكتاب والآتي به ما يجدونه مكتوبا عندهم في التوارة والإنجيل، وقد كانوا يؤملون الانتصار به ﵊ من أعدائهم ويستفتحون بكتابه، فرحم الله من لم يكن عنده علم منه كأبي بكر وعمر وأنظارهما رضى الله عنهم، وحرم هؤلاء الذين قد كانوا على بصيرة من أمره وجعلهم بكفرهم شر البرية ورضي عن الآخرين ورضوا عنه، وأسكنهم في جواره ومنحهم الفوز الكببر والحياة الأبدية، وإن كانوا قبل بعثه ﵊ على جهالة وعمى فلم يضرهم إذ قد سبق لهم في الأزل \"أولئك هم خير البريئة\".\rسورة الزلزلة\rوردت عقب سورة البينة ليبين بها حصول جزاء الفريقين ومآل الصنفين\rالمذكورين في قوله: \"إن الذين كفروا من أهل الكتاب\".. إلى قوله: شر البريئة\"","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187178,"book_id":1237,"shamela_page_id":195,"part":null,"page_num":374,"sequence_num":195,"body":"وقوله: \"إن الذين آمنوا\".. إلى خاتمة السورة\rولما كان حاصل ذلك افتراقهم على صنفين ولم يقع تعريف بتباين أحوالهم، أعقب ذلك بمآل الصنفين واستيفاء جزاء الفريقين المجمل ذكرهم فقال تعالى: \"يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) .\rسورة العاديات\rأقسم سبحانه على حال الإنسان بما هو، فقال: \"إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦)\rأى لكفور يبخل بما لديه من المال كأنه لا يجازى ولا يحاسب\rعلى قليل ذلك كثيره من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وكأنه ما جمع بقوله: \"فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره \"، \"وإنه لحب الخير\" أى المال \"لشديد\"\rلبخيل \"وإنه على ذلك لشهيد\"\rوأن الله على ذلك لمطلع فلا نظر في أمره وعاقبة مآله (إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (١٠) ، أى ميز ما فيها من الخير والشر ليقع الجزاء عليه \"إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١)\rلا يخفى عليه شىء من أمرهم \"فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨) .\rسورة القارعة\rلما قال تعالى: \"أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (١٠) \"\rوكان ذلك مظنة لأن يسأل متى ذلك، فقيل يوم القيامة\rالهائل الأمر، الفظيع الحال، الشديد البأس والقيامة هي القارعة، وكررت تعظيما","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187179,"book_id":1237,"shamela_page_id":196,"part":null,"page_num":375,"sequence_num":196,"body":"لأمرها كما ورد في قوله تعالى: \"الحاقة ما الحاقة\"\rوقوله. تعالى: \"فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (٧٨)\rثم زاد عظيم هولها إيضاحا بقوله تعالى:\r(يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (٤) .\rوالفراش: ما تهافت في النار من البعوض، والمبثوث المنتشر\r(وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥) .\rوالعهن: الصوف المصبوغ، وخص لإعداده للغزل، إذ لا يصبغ بخلاف الأبيض فإنه لا يلزم فيه ذلك، ثم ذكر حال الخلق في وزن الأعمال وصيرورة كل فريق ما كتب له وقدر.\rسورة التكاثر\rلما تقدم ذكر القارعة وعظيم أهوالها أعقب بذكر ما شغل وصد عن\rالاستعداد لها وألهى عن ذكرها وهو التكاثر بالعدد والقربات والأهلين فقال: ألهاكم التكاثر\"\rوهو في معرض التهديد والتقريع، وقد أعقب بما يعضد ذلك\rوهو قوله: \"كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون \" ثم قال: \"كلا لو\rتعلمون علم اليقين \"\rوحذف جواب لو، والتقدير لو تعلمون علم اليقين لما ألهاكم التكاثر،\rقال ﷺ: \" لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ... الحديث)\rوقوله تعالى: \"لترون الجحيم \"\rجواب لقسم مقدر أى والله لترون الجحيم وتأكد بها التهديد وكذا ما بعد إلى آخر السورة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187180,"book_id":1237,"shamela_page_id":197,"part":null,"page_num":376,"sequence_num":197,"body":"سورة العصر\rلما قال تعالى: \"ألهاكم التكاثر\"، وتضمن ذلك الإشارة إلى قصور نظر الإنسان وحصر إدراكه في العاجل دون الآجل الذي فيه فوزه وفلاحه\rوذلك لبعده عن العلم بموجب الطبع أنه كان ظلوما جهولا، أخبر سبحانه أن\rذلك شأن الإنسان بما هو إنسان فقال: (وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) ، فالقصور شأنه والظلم طبعه والجهل جبلته فيحق أن يلهيه التكاثر ولا\rيدخل الله عليه روح الإيمان\r\"إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ.. إلى آخرها\"\rفهؤلاء الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله.\rسورة الهمزة\rلما قال سبحانه \"إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ\"، أتبعه بمثال من\rذكر نقصه وقصوره واغتراره وظنه الكمال لنفسه حتى يعيب غيره، واعتماده على ما جمعه من المال ظنا أنه يخلده وينجيه، وهذا كله عين النقص الذي هو شأن الإنسان وهو المذكور في السورة قبل فقال تعالى: \"ويل لكل همزة لمزة\"\rفافتتحت السورة بذكر ما أعد له من العذاب جزاء له على همزه ولمزه\rالذي أتم حسده، والهمزة: العياب الطعان، واللمزة مثله، ثم ذكر تعالى مآله ومستقره بقوله: \"لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ\"\rأي ليطرحن في النار جزاء على اغتراره وطعنه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187181,"book_id":1237,"shamela_page_id":198,"part":null,"page_num":377,"sequence_num":198,"body":"سورة الفيل\rلما تضمنت سورة الهمزة ذكر اغترار من فتن بماله حتى ظن أنه يخلده، وما\rأعقبه ذلك أتبع هذا بأصحاب الفيل الذين غرهم تكاثرهم وخدعهم امتدادهم في البلاد واستيلاؤهم حتى هموا بهدم البيت المكرم فتعجلوا النقمة وجعل الله كيدهم في تضليل وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) : أي جماعات متفرقة (تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) ، حتى استأصلهم وقُطعت دابرهم (فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥) ، وأثمر لهم ذلك، اغترارهم بتوفر حظهم من الخسر المتقدم.\rسورة قريش\rلا خفاء باتصالهما أى أنه تعالى فعل ذلك بأصحاب الفيل ومنعهم عن بيته\rوحرمه لانتظام شمل قريش وهم سكان الحرم وقطان بيت الله وليؤلفهم بهاتين\rالرحلتين فيقيموا بمكة وتأمن ساحتهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187182,"book_id":1237,"shamela_page_id":199,"part":null,"page_num":378,"sequence_num":199,"body":"سورة الماعون\rلما تضمنت السورة المتقدمة من الوعيد لمن انطوى على ما ذكر فيها مما هو\rجار على حكم الجهل والظلم الكائنين في جبلة الإنسان ما تضمنت كقوله\rتعالى: \"إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦)\r\"إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) ، \"يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) .\rوانجر أثناء ذلك مما تثيره هذه الصفات الأولية إلى ما ذكر أيضا فيها كالشغل بالتكاثر والطعن على الناس ولمزهم والاغترار المهلك أصحاب الفيل أتبع ذلك بذكر صفات قد توجد في المنتمين إلى الإسلام أو يوجد بعضها، وأعمال ممن يتصف بها وإن لم يكن من أهلها. كدع اليتيم وهو دفعه عن حقه وعدم الرفق به وعدم الحض على إطعام السكين والتغافل عن الصلاة والسهو عنها والرياء بالأعمال ومنع الزكاة والحاجات التي يضطر فيها الناس بعضهم إلى بعض، ويمكن أن يتضمن إيهام الماعون هذا كله.\rولا شك أن هذه الصفات توجد في المنتمين إلى الإسلام فأخبر سبحانه\rأنها من صفات من يكذب بيوم الدين ولا ينتظر الجزاء والحساب، إشارة إلى أن هؤلاء هم أهلها ومن هذا القبيل قوله ﷺ: \"أربع من كن فيه كان منافقا خالصا\".\rوقوله ﵊ \" لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن \"،\rوهذا الباب كثير في الكتاب والسنة، وقد بسطته في كتاب: \"إيضاح السبيل من حديث سؤال جبريل \"،\rفمن هذا القبيل والله أعلم قوله: \"أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) .\rأى إن هذه الصفات من دفع اليتيم،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187183,"book_id":1237,"shamela_page_id":200,"part":null,"page_num":379,"sequence_num":200,"body":"وبعد الشفقة عليه، وعدم الحض على إطعامه والسهو عن الصلاة والمراءاة\rبالأعمال، ومنع الحاجات كلها من شأن المكذب بالحساب والجزاء، لأن نفي البعد عنها إنما يكون إذ ذاك، فمن صدق به جرى في هذه الخصال على السنن المشكور والسعى المبرور، ومن كذب به لم يبال بها وتأبط جميعها، فتنزهوا أيها المؤمنون عنها فليست من صفاتكم في أصل إيمانكم الذي بايعتم عليه، فمن تشبه بقوم فهو منهم، فاحذروا هذه الرذائل فإن دع اليتيم من الكبر الذى أهلك أصحاب الفيل وعدم الحض على إطعامه فإنما هو فعل البخيل الذي يحسب أن ماله أخلده، والسهو عن الصلاة من ثمرات ألهاكم التكاثر والشغل بالأموال والأولاد، فنهى عباده عن هذه الرذائل التي يثمرها ما تقدم والتحمت السور.\rسورة الكوثر\rلما نهى عباده عما يلتذ به من أراد الدنيا وزينتها من الإكثار والكبر والتغرر\rبالمال والجاه وطلب الدنيا، أتبع ذلك بما منح نبيه مما هو خير مما يجمعون وهو\rالكوثر وهو الخير الكثير، ومنه الحوض الذي ترده أمته في القيامة، لا يظمأ من شرب منه، ومنه مقامه المحمود الذي يحمده فيه الأولون والآخرون عند شفاعته العامة للخلق وإراحتهم من هول الموقف، ومن هذا الخير قدم له في دنياه كتحليل الغنائم والنصر بالرعب والخلق العظيم، إلى ما لا يحصى من خير الدنيا والآخرة مما بعض ذلك خير من الدنيا وما فيها واحدة من هذه العطايا \"قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)\rومن الكوثر والخير الذى أعطاه الله كتابه المبين الجامع لعلم الأولين والآخرين، والشفاء لما في الصدور، ولما كمل له","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187184,"book_id":1237,"shamela_page_id":201,"part":null,"page_num":380,"sequence_num":201,"body":"سبحانه من النعم مالا يأتي عليه حصر مما لا ينايسب أدناه نعيم الدنيا بجملتها قال له منبها على عظيم ما أعطاه \"وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ... إلى قوله \"وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى\"\rفقد اضمحل في جانب نعمة الكوثر الذى أوتي كل ما ذكره تعالى\rفي كتابه من نعيم أهل الدنيا، تمكن من تمكن منهم وهذا أحد موجبات تأخير\rهذه السورة، فلم يقع بعدها ذكر شيء من نعيمِ الدنيا ولا ذكر أحد المتنعمين بها لانقضاء هذا الغرض وتمامه، وسورة الدين آخر ما تضمن الإشارة إلى شىء من ذلك كما تقدم من إشارتها وتبين بهذا وجه تعقيبها والله أعلم.\rسورة الكافرون\rلما انقضى ذكر الفريقين المتردد ذكرهما في الكتاب العزيز من أوله إلى آخره\rعلى اختلاف أحوال كل فريق وشتي درجاتهم وأعني بالفريقين من أشير إليه في قوله سبحانه \"اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ\"\r، فهذا طريق أحد الفريقين، وفي قوله: \"غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ\" إشارة إلى طريق من كان في الطرف الآخر من حال أولئك الفريق، إذ ليس إلا طريق السلامة أو طريق الهلاك، \"فريق في الجنة وفريق في\rالسعير\" \"فمنكم كافر ومنكم مومن \"\rوالسالكون طريق السلامة على درجات، فأعلى درجاتهم مقامات الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ثم يليهم أتباعهم من صالحي العباد وعلمائهم العاملين وعبادهم وأهل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187185,"book_id":1237,"shamela_page_id":202,"part":null,"page_num":381,"sequence_num":202,"body":"الخصوص منهم والقرب، ثم أحوال من تمسك بهم ورتبتهم مختلفة، وإن جمعهم جامع وهو قوله: \"فريق في الجنة\"، وأما أهل التنكب عن هذه الطريق وهم الهالكون فعلى طبقات أيضا، ويضم جميعهم طريق واحد، فكيف ما تشعبت الطرق فإلى ما ذكر من الطريقين مرجعهما وباختلاف سبل الجميع عرفت آي الكتاب وفصلت ذكره تفصيلا لا يبقى معه ارتياب لمن وفق، فلما انتهى ذلك كله بما يتعلق به، وتداولت بيانه الآي من لدن قوله بعد أم القرآن \"هدى للمتقين \" (البقرة: ٢) إلى قوله: \"إن شانئك هو الأبتر\" (الكوثر: ٣) أتبع ذلك بالتفاصيل والتسجيل\rفقال تعالى: \"قل يل أيها الكافرون\"\rفبين سبحانه أن من قضى عليه بالكفر والموافاة عليه لا سبيل إلى خروجه عن ذلك، ولا يقع منه الإيمان أبدا (وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187186,"book_id":1237,"shamela_page_id":203,"part":null,"page_num":382,"sequence_num":203,"body":"ولو أنهم بعد عذاب الآخرة، ومعاينة البعث وعظيم تلك الأهوال، وسؤالهم\rالرجوع إلى الدنيا وقولهم \"رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ \"\rفلو أجيبوا إلى هذا وأرجعوا لعادوا إلى حالهم الأول، \"وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ \". تصديقا لكلمة الله وإحكاما لسابق قدره \"أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (١٩)\rفقال لهم \"لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) . إلى آخرها\" فبان أمر الفريقين وارتفع الإشكال واستمر كل على طريقه \"فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ\"، \"إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ \" (الشورى: ٤٨)\rفتأمل موقع هذه السورة وأنها الخاتمة لما فصل في الكتاب يلح لك وجه تأخيرها. والله أعلم.\rسورة النصر\rلما كمل دينه واتضحت شريعته واستقر أمره ﷺ، وأدى أمانة رسالته حق أدائها عرف ﵇ نفاذ عمره وانقضاء أجله، وجعلت على ذلك علامة دخول الناس في دين الله جماعات بعد التوقف والتثبط حكمة بالغة \"ولو شاء الله لجمعهم على الهدى\" (الأنعام: ٣٣) ، وأمِر بالإكثار من الاستغفار المشروع في أعقاب المجالس وفي أطراف النهار وخواتم الأخذ مما عسى أن يتخلل من لغو أو فتور، فشرع سبحانه الاستغفار ليحرز لعباده من حفظ أحوالهم ورعي أوقاتهم ما","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187187,"book_id":1237,"shamela_page_id":204,"part":null,"page_num":383,"sequence_num":204,"body":"يكفي بعلي أجورهم كما وعدهم \"وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ\"\rوقد بسطت ما أشارت إليه هذه السورة العظيمة، وكل كلام ربنا عظيم فيما قيدته في غير هذا، وأن أبا بكر ﵁ عرف منها\rأن رسول الله ﷺ نعيت إليه نفسه الكريمة على ربه، وعرف بدنو أجله، وقد أشار إليه هذا الغرض أيضا بأبعد من الواقع في هذه السورة قوله تعالى: \"الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ... \"\rوسورة براءة، وأفعاله ﵊ في حجة الوداع، لكن لم يبلغنا استشعار أحد من الصحابة ﵃ يقين الأمر إلا من هذه السورة، وهي عرفت بإشارة براءة وآية المائدة تعريفا شافيا واستشعر\rالناس عام حجة الوداع وعند نزول براءة ذلك لكن لم يستيقنوه، وغلبوا رجاءهم في حياته ﷺ، ومنهم من توقف، فلما نزلت (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) استيقن أبو بكر ﵁ ذلك استيقانا حمله على البكاء لما قرأها رسول الله ﷺ.\rسورة المسد\rهذه السورة وإن نزلت على سبب خاص وفي قصة معلومة فهي مع ما\rتقدمها واتصل بها في قوة أن لو قيل قد انقضى عمرك يا محمد وانتهى مما قلدته من عظيم أمانة الرسالة أمرك، وتأدية ما تحملته وحان أجلك، وأمارة ذلك دخول الناس في دين الله أفواجا واستجابتهم بعد تلكؤهم، والويل لمن عاندك وعدل عن متابعتك، وإن كان أقرب الناس إليك، فقد فصلت سورة \"قل يا أيها الكافرون \"\rبين أوليائك وأعدائك، وبان بها حكم من اتبعك ومن عاداك ولهذا سماها ﷺ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187188,"book_id":1237,"shamela_page_id":205,"part":null,"page_num":384,"sequence_num":205,"body":"المبرئة من النفاق، ليعلم كفار قريش وغيرهم أنه لا اعتصام\rلأحد من النار إلا بالإيمان وأن القرابات غير نافعة ولا تجديه شيئا إلا مع الإيمان\r(لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦) ، (أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٤١) ، (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ)\rوها هنا انتهى أمر الكتاب بجملته.\rسورة الإخلاص\rلما انقضى مقصود الكتاب العزيز بجملته عاد الأمر إلى ما كان وأشعر العالم\rبحالهم من ترددهم بين عدمين ثم الله ينشىء النشأة الآخرة، فوجودهم منه سبحانه وبقاؤهم به وهم وجميع ما يصدر عنهم من أفعالهم وأقوالهم، كل ذلك خلقه واختراعه، وقد كان سبحانه ولا عالم ولا زمان ولا مكان، وهو الآن على ما عليه كان لا يفتقر إلى أحد ولا يحتاج إلى معين، ولا يتقيد بالزمان ولا يتحيز بالمكان، فالحمد لله رب العالمين أهل الحمد ومستحقه مطلقا، له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم\r(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤) .\rالموجود الحق وكلامه الصدق، (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ) ، فطوبى لمن استوضح آى كتاب الله وأتى الأمر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187189,"book_id":1237,"shamela_page_id":206,"part":null,"page_num":385,"sequence_num":206,"body":"من بابه وعرف نفسه ودنياه وأجاب داعي الله ولم ير فاعلا في الوجود حقيقة إلا هو سبحانه، ولما كمل مقصود الكتاب واتضح عظيم رحمة الله به لمن تدبر واعتبر وأناب كان مظنة الاستعاذة واللجأ من شر الحاسد وكيد الأعداء، فختم بالمعوذتين من شر ما خلق وذرأ، وشر الثقلين.\rسورة الفلق\rقد أشير، أى في الكلام على ارتباط الإخلاص إلى وجه ارتباطها آنفا وذلك\rأوضح ان شاء الله.\rسورة الناس\rوجه تأخيرها عن شقيقتها عموم الأولى وخصوص الثانية، ألا ترى عموم\rقوله \"من شر ما خلق \" (الفلق: ٢) وإبهام (ما) وتنكير غاسق وحاسد، والعهد فيما استعيذ من شره في سورة الناس \" وتعريفه ونعته، فبدأ بالعموم، ثم أتبع","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1187190,"book_id":1237,"shamela_page_id":207,"part":null,"page_num":386,"sequence_num":207,"body":"بالخصوص ليكون أبلغ في تحصيل ما قصدت الاستعاذة منه وأوفى بالمقصود،\rونظير هذا في تقديم المعنى الأعم ثم إتباعه بالأخص ليتناول الدقائق والجلائل قوله سبحانه: \"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\" فمعنى الرحمن ومعنى الرحيم واحد إلا في عموم الصفة الأولى وكونها في المبالغة وقد تعرض لبيان ذلك المفسرون ولذلك نظائر.\rتم الكتاب ولله الحمد والمنة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}