{"page_id":1288508,"book_id":1319,"shamela_page_id":1,"part":null,"page_num":3,"sequence_num":1,"body":"﷽\r\rمقدمة فضيلة الشيخ\rمصطفى بن العدوي\rالحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله\rوبعد:\rفمن نعم الله ﷿ على العبد بعد أن يوفقه ويهديه ويشرح صدره للإسلام أن يوفقه لطلب العلم الشرعي، المتمثل بالدرجة الأولى في كتاب الله ﷿، وفي سنة رسول الله ﷺ، فتلك علامة خير، وذلك شاهد صدق بإذن الله، إذ النبي ﷺ قال: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» (¬١) وقال: «مَنْ يُرِد الله بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» (¬٢).\rهذا، ومن أجل العلوم وأنفعها كما أشرت وأسلفت العلم بكتاب الله ﷿ وتدبر آياته والتفكر فيها.\rولقد ضرب الله ﷿ في كتابه العزيز أمثالا للناس لعلهم يتذكرون ويتفكرون ويتقون، وفهم هذه الأمثال على الوجه الذي يريده الله ﷿ نعمة عظيمة","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري (٥٠٢٧) من حديث عثمان ﵁.\r(¬٢) أخرجه البخاري (٣١١٦)، ومسلم (١٠٣٧) من حديث معاوية ﵁.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288532,"book_id":1319,"shamela_page_id":25,"part":null,"page_num":27,"sequence_num":1,"body":"سورة البقرة\r١ - قال ﷾: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾ [البقرة: ١٧، ١٨].\rشبَّه ﷾ أعداءه المنافقين بقوم أوقدوا نارًا لتضيء لهم وينتفعوا بها، فلما أضاءت لهم النار فأبصروا في ضوئها ما ينفعهم ويضرهم، وأبصروا الطريق بعد أن كانوا حيارى تائهين، فهم كقوم سفر ضلوا عن الطريق فأوقدوا النار لتضيء لهم الطريق.\rفلما أضاءت لهم فأبصروا وعرفوا طفئت تلك الأنوار وبقوا في الظلمات لا يبصرون، قد سدت عليهم أبواب الهدى الثلاث، فإن الهدي يدخل إلى العبد من ثلاثة أبواب. مما يسمعه بأذنه ويراه بعينه ويعقله بقلبه.\rوهؤلاء قد سدت عليهم أبواب الهدى فلا تسمع قلوبهم شيئًا ولا تبصره ولا تعقل ما ينفعها؛ وقيل لما لم ينتفعوا بأسماعهم وأبصارهم وقلوبهم نُزِّلوا بمنزلة من لا سمع له ولا بصر ولا عقل.\rوالقولان متلازمان، وقال في صفتهم ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ لأنهم قد رأوا في ضوء النار وأبصروا الهدى، فلما طفئت عنهم لم يرجعوا إلى ما رأوا وأبصروا وقال ﷾ ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ ولم يقل ذهب نورهم، وفيه سر بديع وهو انقطاع سر تلك المعية الخاصة التي هي للمؤمنين من الله ﷾.\rفإن الله تعالى مع المؤمنين وإن الله مع الصابرين وإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون؛ فذهاب الله بذلك النور انقطاع لمعيته التي خص بها أولياءه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288509,"book_id":1319,"shamela_page_id":2,"part":null,"page_num":4,"sequence_num":2,"body":"من أجل النعم فذلك بإذن الله يورث تفكرًا وتدبرًا ويحمل على التقوى بإذن الله.\rوالذين يعقلون هذه الأمثال وصفهم الله ﷿ ب ﴿الْعَالِمُونَ﴾.\rإذ الله ﷿ قال: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣].\rهذا، ومن أهل العلم الذين رزقهم الله فهمًا وآتاهم الله بصيرة في هذا الصدد العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى، والمتأمل في كتبه والناظر في رسائله يرى ذلك بوضوح وجلاء، فقد تكلم العلامة ﵀ عن أمثال القرآن في العديد من كتبه، وكان منها كتاب الأمثال له، وقد قيل: إنه هو الذي أفرده بالتصنيف، وقيل: إنه أُخِذَ من «إعلام الموقعين» وعلى كلٍّ فقد أجاد العلامة ابن القيم ﵀ في شرح كثير من أمثال القرآن إجادة لا تخفى.\rهذا، وقد قام أخي في الله/ الشيخ/ أبو أويس أشرف بن نصر بن صابر الكردي حفظه الله تعالى بتحقيق الأحاديث والآثار الواردة في كتاب الأمثال لابن القيم وكذا تخريجها، مع الحكم عليها بما تستحقه من الصحة والضعف، وكذا فقد تتبع كتب العلامة ابن القيم، وأورد أقواله وشروحه في الأمثال التي لم تذكر في كتاب الأمثال أو ذكرت مختصرة وبسطت في موضع آخر من كتبه ورتبها على سور القرآن.\rوأضاف في الحاشية بعض الإضافات والنقولات عن بعض أهل العلم الأولين كالطبري وابن كثير وغيرهما.\rهذا، وقد راجعت مع أخي/ الشيخ/ أبي أويس حفظه الله عمله فألفيته، ولله الحمد نافعًا مباركًا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288536,"book_id":1319,"shamela_page_id":29,"part":null,"page_num":31,"sequence_num":2,"body":"لأنهم آمنوا ثم كفروا فلم يرجعوا إلى الإيمان. (¬١).\r٢ - قال ﷾: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)﴾ [البقرة: ١٩، ٢٠].\rثم ضرب الله ﷾ لهم - للمنافقين- مثلًا آخر مائيًّا فقال ﷾: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ فشبه نصيبهم مما بعث الله ﷾ به رسوله ﷺ من النور والحياة بنصيب المستوقد للنار التي طفئت عنه أحوج ما كان إليها وذهب نوره وبقي في الظلمات حائرًا تائهًا لا يهتدي سبيلًا ولا يعرف طريقًا، وبنصيب أصحاب الصيب وهو المطر الذي يصوب، أي ينزل من علو إلى أسفل، فشبه الهدى الذي هدى به عباده بالصيب، لأن القلوب تحيا به حياة الأرض بالمطر، ونصيب المنافقين من هذا الهدى بنصيب من لم يحصل له من الصيب إلا ظلمات ورعد وبرق، ولا نصيب له فيما وراء ذلك مما هو المقصود بالصيب من حياة البلاد والعباد والشجر والدواب.\rوأن تلك الظلمات التي فيه وذلك الرعد والبرق مقصود لغيره وهو وسيلة إلى كمال الانتفاع بذلك الصيب، فالجاهل لفرط جهله يقتصر على الإحساس بما في الصيب من ظلمة ورعد وبرق ولوازم ذلك من برد شديد وتعطيل مسافر عن","footnotes":"(¬١) «اجتماع الجيوش الإسلامية» (٦٣ - ٦٨) ط مكتبة الرشد. وانظر: «إعلام الموقعين» (٢/ ٢١٧)، و «الوابل الصيب» (ص/ ١٢٥)، و «مدارج السالكين» (١/ ٦١٣)، و «طريق الهجرتين» (٢/ ٨٨١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288510,"book_id":1319,"shamela_page_id":3,"part":null,"page_num":5,"sequence_num":3,"body":"أسأل الله أن يجازيه خيراً وأن يوفقه لمواصلة طلب العلم والدعوة إلى الله، وصل اللهم على سيدنا محمد وسلم، والحمد لله رب العالمين.\r\rكتبه/ أبو عبد الله\rمصطفى بن العدوي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288563,"book_id":1319,"shamela_page_id":56,"part":null,"page_num":58,"sequence_num":3,"body":"٣ - قال ﷾: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾\r[البقرة: ٢٦].\rوهذا جواب اعتراض اعترض به الكفار على القرآن، وقالوا: إن الرب أعظم من أن يذكرَ الذباب والعنكبوت ونحوها من الحيوانات الخسيسة، فلو كان ما جاء به محمد كلام الله، لم يذكر فيه الحيوانات الخسيسة، فأجابهم ﷾ بأن قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ (¬١) فإن ضرب الأمثال بالبعوضة فما فوقها، إذا تضمن تحقيق الحق وإيضاحه وإبطال الباطل وإدحاضه كان من أحسن الأشياء، والحسن لا يُستحيا منه، فهذا جواب الاعتراض.\rفكأن معترضًا اعترض على هذا الجواب أو طلب حكمه ذلك، فأخبر ﷾ عما له في ضرب تلك الأمثال من الحكمة، وهي: إضلال من شاء وهداية من شاء.\rثم كأن سائلًا سأل عن حكمة الإضلال لمن يُضِلُّهُ بذلك، فأخبر ﷾ عن حكمته وعدله، وأنه إنما يضل به الفاسقين: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٧] فكانت أعمالهم هذه القبيحة التي ارتكبوها سببًا لأن أضلهم وأعماهم عن الهدى (¬٢).","footnotes":"(¬١) للعلماء في قوله تعالى: ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ قولان:\rأحدهما: فما هو أكبر منها؛ والثاني: فما دونها في الصغر، والحقارة.\r(¬٢) «بدائع الفوائد» (٤/ ١٥٤٩ - ١٥٥٠) ط عالم الفوائد.\rساق الطبري رقم (٥٦٩) بإسناد حسن عن قتادة: «﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾، فسقوا فأضلَّهم الله على فِسقهم».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288511,"book_id":1319,"shamela_page_id":4,"part":null,"page_num":6,"sequence_num":4,"body":"﷽\rإِنَّ الحَمْدَ لِلهِ تَعَالَى، نَحْمَدُه، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بالِلهِ من شُرُور أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْد اللهُ فَلا مُضِلّ لَه، ومَن يُضْلِل فَلا هَادِي لَه، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَه إلا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَريك لَه، وَأَشْهَدُ أَنَّ محمدًا عَبْدُهُ ورسولُهُ.\r﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾\r[آل عمران: ١٠٢].\r﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١].\r﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١].\rفَإنَّ أصدقَ الْحَدِيث كِتَابُ الله، وَخَيْرَ الْهَدْي هَدْي مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرّ الأُمُور مُحْدَثَاتُهَا، وَكل مُحْدَثَةٍ بِدْعَة، وَكل بِدْعَةٍ ضلالة (¬١).\rأما بعد: فَلَا يَخْفَى عَلَى ذِي مَيز، وَلَا يشتبه عَلَى ذِي لُبٍّ مَا جَعَل الله تَعَالَى فِي الْأَمْثَالِ من الحِكْمَةِ، وأودع فِيها من الفَائِدَة، وناط بِهَا مَنْ الحَاجَةِ؛ فَإِنْ ضَرب الأمثال في القرآن يُستفاد منه أمورٌ كثيرة.","footnotes":"(¬١) وزيادة «كل ضلالة في النار» شاذة، وقد تكلمت عليها في حاشية «الاعتصام» للشاطبي. ط. دار ابن رجب (ص ٥٧) بتحقيقي. وانظر غير مأمور شرحًا لألفاظ خطبة الحاجة في «مجموع الفتاوى» (١٨/ ٢٨٥ - ٢٩٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288564,"book_id":1319,"shamela_page_id":57,"part":null,"page_num":59,"sequence_num":4,"body":"٤ - قال ﷾: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١)﴾ [البقرة: ١٧١].\rفَتَضَمَّنَ هَذَا المَثَل نَاعِقًا، أَيْ: مُصَوِّتًا بِالْغَنَمِ وَغَيْرِهَا، وَمَنْعُوقًا بِهِ وَهُوَ الدَّوَابُّ، فَقِيلَ: النَّاعِقُ الْعَابِدُ وَهُوَ الدَّاعِي لِلصَّنَمِ، وَالصَّنَمُ هُوَ المَنْعُوقُ بِهِ المَدْعُوُّ، وَإِنَّ حَالَ الكَافِرِ فِي دُعَائِهِ كَحَالِ مَنْ يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُهُ، هَذَا قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ وَغَيْرُه (¬١).\rوَاسْتَشْكَلَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» (¬٢) وَجَمَاعَةٌ مَعَهُ هَذَا القَوْلَ، وَقَالُوا: قَوْلُهُ: ﴿إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ لَا يُسَاعِدُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْنَامَ لَا تَسْمَعُ شيئا دُعَاءً وَلَا نِدَاءً.\r* وَقَدْ أُجِيبَ عَنْ هَذَا الِاسْتِشْكَالِ بِثَلَاثَةِ أَجْوِبَةٍ:\r* أَحَدُهَا: أَنَّ «إلَّا» زَائِدَةٌ، وَالمَعْنَى بِمَا لَا يَسْمَعُ دُعَاءً وَنِدَاءً، قَالُوا: وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ الأَصْمَعِيُّ فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ:\rحَرَاجِيح مَا تَنْفَكُّ إلَّا مُنَاخَةً (¬٣)","footnotes":"(¬١) أخرج الطبري في «تفسيره» رقم (٢٤٦٢) بإسناد صحيح إلى ابن زيد قال: في قوله: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ قال: الرجل الذي يصيح في جَوف الجبال فيجيبه فيها صوت يُراجعه يقال له: الصَّدى. فمثل آلهة هؤلاء لَهم، كمثل الذي يُجيبه بهذا الصوت، لا ينفعه، لا يَسمع إلا دعاء ونداء. قال: والعرب تسمي ذلك الصدى.\rوأخرج رقم (٢٤٥٦) بإسناد حسن عن قتادة في قوله: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾، يقول: مثل الكافر كمثل البعير والشاة، يسمع الصوت ولا يعقل ولا يدري ما عُني به.\rوانظر تفسير الآية في: «الطبري»، و «زاد المسير»، و «القرطبي».\r(¬٢) (١/ ٢١٢).\r(¬٣) قاله ذو الرمة، يصف إبلًا، وهو في «ديوانه».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288512,"book_id":1319,"shamela_page_id":5,"part":null,"page_num":7,"sequence_num":5,"body":"أغراض ضرب الأمثال\r١ - منها: التذكير، قال ﷾: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧)﴾ [الزمر: ٢٧].\rوقال ﷾: ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥)﴾ [إبراهيم: ٢٥].\rقال ابن عاشور ﵀ (¬١): خُصّت أمثال القرآن بالذكر من بين مزايا القرآن لأجل لَفت بصائرهم للتدبر في ناحية عظيمة من نواحي إعجازه، وهي بلاغة أمثاله، فإن بلغاءهم كانوا يتنافسون في جَودة الأمثال وإصابتها المحزّ (¬٢) من تشبيه الحالة بالحالة.\r\r٢ - ومنها: التفكر والاعتبار والاستبصار قال ﷾: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾ [الحشر: ٢١].","footnotes":"(¬١) هو: محمد الطاهر بن عاشور التونسي، مالكي المذهب، أشعري العقيدة، بلاغي الأسلوب، أحد أعضاء المجمعين العربيين في دمشق والقاهرة. من مؤلفاته: «الوقف وآثاره في الإسلام»، و «أصول الإنشاء والخطابة» «موجز البلاغة»، «التحرير والتنوير» توفي رحمه الله تعالى سنة (١٣٩٣) هجرية.\rوانظر غير مأمور: «الأعلام للزركلي» (٦/ ١٧٤)، وكتاب «المفسرون بين التأويل والإثبات في آيات الصفات» للشيخ محمد المغراوي (٣/ ١٤٠٣ - ١٤٤٣).\r(¬٢) يقال: تكلم فأصاب المحز: تكلم فأقنع. «المعجم الوسيط» (م/ حزز).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288569,"book_id":1319,"shamela_page_id":62,"part":null,"page_num":64,"sequence_num":5,"body":"٥ - قال ﷾: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤].\rهو استفهام إنكار معادل لاستفهام مقدر في قوة الكلام. فإذا قلت: لم فعلت هذا أم حسبت أن لا أعاقبك، كان معناه: أحسبت أن أعاقبك فأقدمت على العقوبة، أم حسبت أني لا أعاقبك فجهلتها. (¬١)\rفَعَزّى سُبْحَانَهُ نَبِيّهُ بِذَلِكَ (¬٢) وَأَنّ لَهُ أُسْوَةً بِمَنْ تَقَدّمَهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ وَعَزّى أَتْبَاعَهُ بِقَوْلِهِ ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [الْبَقَرَةُ: ٢١٤].\rوَقَوْلُهُ: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٤) مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥) وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٧) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ","footnotes":"(¬١) «بدائع الفوائد» (١/ ٣٥٩).\r(¬٢) أي: بقوله تعالى: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فُصّلَتْ: ٤٣]، وَقَالَ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الْأَنْعَامُ: ١١٢]، وَقَالَ: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الذّارِيَاتُ: ٥٢ - ٥٣].","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288513,"book_id":1319,"shamela_page_id":6,"part":null,"page_num":8,"sequence_num":6,"body":"قال ابن القيم ﵀ (¬١): الفكر: هو إحضار معرفتين في القلب لِيُستثمَرَ منهما معرفةٌ ثالثةٌ.\rومثال ذلك: إذا أحضر في قلبه العاجلة وعيشها ونعيمها وما يقترن به من الآفات وانقطاعه وزواله، ثم أحضر في قلبه الآخرة ونعيمها، ولذتها ودوامها وفضلها على نعيم الدنيا وجزم بهذين العلمين أثمر له ذلك علما ثالثا؛ وهو أن الآخرة ونعيمها الفاضل الدائم أولى عند كل عاقل بإيثاره من العاجلة المنقطعة المنغصة …\rوهذا يُسمى تفكرًا، وتذكرًا، ونظرًا، وتأملًا، واعتبارًا، وتدبرًا، واستبصارًا. وهذه معان متقاربة تجتمع في شيء وتتفرق في آخر …\r* والتفكر في القرآن نوعان:\r* تفكر فيه ليقع على مراد الرب تعالى منه.\r* وتفكر في معاني ما دعا عباده إلى التفكر فيه.\rفالأول: تفكر في الدليل القرآني.\rوالثاني: تفكر في الدليل العياني.\rالأول: تفكر في آياته المسموعة.\rوالثاني: تفكر في آياته المشهودة.\rولهذا أنزل الله القرآن ليتدبر ويتفكر فيه، ويعمل به، لا لمجرد تلاوته مع الإعراض عنه.","footnotes":"(¬١) في «مفتاح دار السعادة» (١/ ٥٤٢ فما بعد) ط ابن القيم وابن عفان.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288571,"book_id":1319,"shamela_page_id":64,"part":null,"page_num":66,"sequence_num":6,"body":"٦ - قال ﷾: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١)﴾ [البقرة: ٢٦١].\rوهذه الآية كأنها كالتفسير والبيان لمقدار الأضعاف التي يضاعفها للمقرض، ومثل سبحانه بهذا المثل إحضارًا لصورة التضعيف في الأذهان بهذه الحبة التي غيبت في الأرض، فأنبتت سبع سنابل، في كل سنبلة مائة حبة، حتى كأن القلب ينظر إلى هذا التضعيف ببصيرته، كما تنظر العين إلى هذه السنابل التي هي من الحبة الواحدة.\rفينضاف الشاهد العِياني الشاهد الإيماني القرآني، فيقوى إيمان المنفق، وتسخو نفسه بالإنفاق.\rوتأمل كيف جمع السنبلة في هذه الآية على سنابل، وهي من جموع الكثرة، إذ المقام مقام تكثير وتضعيف؛ وجمعها على سنبلات في قوله ﷾: ﴿وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾ [يوسف: ٤٣]، فجاءَ بها على جمع القلة؛ لأن السبعة قليلة، ولا مقتضى للتكثير.\rوقوله ﷾: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١]، قيل: المعنى والله يضاعف هذه المضاعفة لمن يشاءُ لا لكل منفق بل يختص برحمته من يشاءُ؛ وذلك لتفاوت أحوال الإنفاق في نفسه، وفى صفات المنفق وأحواله، وفى شدة الحاجة وعظيم النفع وحسن الموقع.\rوقيل: والله يضاعف لمن يشاءُ فوق ذلك، فلا يقتصر به على السبعمائة، بل يجاوز في المضاعفة هذا المقدار إلى أضعاف كثيرة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288514,"book_id":1319,"shamela_page_id":7,"part":null,"page_num":9,"sequence_num":7,"body":"قال الحسن البصري: «أنزل القرآن ليعمل به؛ فاتخذوا تلاوته عملًا».\rوقال: «تفكرُ سَاعَةٍ خَيْرٌ من قِيَامِ لَيْلَةٍ» (¬١).\rوكان سفيان الثوري كثيرًا ما يتمثل:\rإذا المرءُ كانت له فِكرة … ففي كلِّ شيءٍ له عبرة (¬٢)\r\r٣ - ومنها: التدبر والتأمل، قال ﷾: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص: ٢٩].\rوقال ﷾: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء: ٨٢].\rوقال ﷾: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ [المؤمنون: ٦٨].\rوقال ﷾: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾\r[العنكبوت: ٤٣].\rوعن عمرو بن مُرَّةَ قال: ما مررت بآية من كتاب الله لا أعرفها إلا أحزنني؛ لأني سمعت الله ﷾ يقول: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾ (¬٣).","footnotes":"(¬١) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (١٣/ ٥٠٧) قال: حدثنا محمد بن فضيل عن العلاء بن المسيب عن الحسن به.\r(¬٢) انظر «مفتاح دار السعادة» (١/ ٥٣٨ فما بعد) الوجه (١٥٣) ط ابن القيم وابن عفان.\r(¬٣) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي حاتم في «التفسير» (١٨١٧٤) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ بن الجنيد، ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدشتكي، ثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد، ثنا\rأَبُو سِنَانٍ سعيد بن سنان، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ. وانظر: «فضائل القرآن» لأبي عبيد (ص/ ٤٢)، و «مفتاح دار السعادة» (١/ ٣١٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288578,"book_id":1319,"shamela_page_id":71,"part":null,"page_num":73,"sequence_num":7,"body":"٧ - قال الله ﷾: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٢٦٤)﴾ [البقرة: ٢٦٤].\rفتضمنت هذه الآية الإخبار بأن المن والأذى يحبط الصدقة، وهذا دليل على أن الحسنة قد تحبط بالسيئة، مع قوله ﷾: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢)﴾ [الحجرات: ٢].\rوقد تقدم الكلام على هذه المسألة في أول هذه الرسالة (¬١) فلا حاجة إلى إعادته.\rوقد يقال: إن المنَّ والأذى المقارن للصدقة هو الذي يبطلها دون ما يلحقها بعدها، إلا أنه ليس في اللفظ ما يدل على هذا التقييد، والسياق يدل على إبطالها به مطلقًا.\rوقد يقال: تمثيله بالمرائي الذي لا يؤمن بالله واليوم الآخر يدل على أن المن والأذى المبطل هو المقارن كالرياءِ وعدم الإيمان، فإن الرياءَ لو تأخر عن العمل لم يبطله.\r* ويجاب عن هذا بجوابين:\r* أحدهما: أن التشبيه وقع في الحال التي يحبط بها العمل، وهي حال المرائي والمانّ المؤذي في أن كل واحد منهما يحبط العمل.","footnotes":"(¬١) «طريق الهجرتين» (٢/ ٥٣٧) فما بعد.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288515,"book_id":1319,"shamela_page_id":8,"part":null,"page_num":10,"sequence_num":8,"body":"٤ - ومنها: تقريب المعقول في صورة المحسوس، قال ﷾: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١)﴾ [البقرة: ٢٦١].\r٥ - ومنها: إيجاز اللفظ، وإصابة المعنى، وحسن التشبيه، قال ﷾: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [آل عمران: ٥٩].\rفأخبر ﷾ أن عيسى نظيرُ آدم في التكوين بجامع ما يشتركان فيه من المعنى الذي تعلق به وجود سائر المخلوقات، وهو مجيئها طوعًا لمشيئته وتكوينه، فكيف يستنكر وجود عيسى من غير أب من يقر بوجود آدم من غير أب ولا أم، ووجود حواء من غير أم؛ فآدم وعيسى نظيران يجمعهما المعنى الذي يصح تعليق الإيجاد والخلق به (¬١).\r\r٦ - ومنها: المدح والذم، قال ﷾: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾\r[الفتح: ٢٩].\rوقال ﷾: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥)﴾ [الجمعة: ٥].","footnotes":"(¬١) قاله ابن القيم في «إعلام الموقعين» (٢/ ٢٥٢)، و «هداية الحيارى» (ص/ ١٠٧).\rقال الرازي: أجمع المفسرون على أن هذه الآية نزلت عند حضور وفد نجران على الرسول ﷺ.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288581,"book_id":1319,"shamela_page_id":74,"part":null,"page_num":76,"sequence_num":8,"body":"٨ - قال ﷾: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٦٥)﴾ [البقرة: ٢٦٥].\rوهذا مثل الذي مصدر نفقته على الإخلاص والصدق، فإن ابتغاءَ مرضاته هو غاية الإخلاص، والتثبيت من النفس هو الصدق في البذل، فإن المنفق تعترضه عند إنفاقه آفتان إن نجا منهما كان مثله ما ذكر في هذه الآية:\r* إحداهما: طلبه بنفقته محمدة أو ثناءً أو غرضًا من أغراضه الدنيوية، وهذا حال أكثر المنفقين.\r* والآفة الثانية: ضعف نفسه بالبذل وتقاعسها وترددها، هل تفعل أم لا؟\rفالآفة الأولى تزول بابتغاءِ مرضاة الله، والآفة الثانية تزول بالتثبيت، فإن تثبيت النفس تشجيعها وتقويتها والإقدام بها على البذل، وهذا هو صدقها. وطلب مرضاة الله إرادة وجهه وحده، وهذا إخلاصها.\rفإذا كان مصدر الإنفاق عن ذلك كان مثله كجنة وهي: البستان الكثير الأشجار، فهو مجتنّ بها، أي: مستتر ليس قاعًا فارغًا.\rوالجنة بربوة - وهو المكان المرتفع- لأنها أكمل من الجنة المستفلة التي بالوهاد والحضيض؛ لأنها إذا ارتفعت كانت بمدرجة الأهوية والرياح، وكانت ضاحية للشمس وقت طلوعها واستوائها وغروبها، فكانت أنضج ثمرًا وأطيبه وأحسنه وأكثره.\rفإن الثمار تزداد طيبًا وزكاءً بالرياح والشمس، بخلاف الثمار التي تنشأُ في الظلال.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288516,"book_id":1319,"shamela_page_id":9,"part":null,"page_num":11,"sequence_num":9,"body":"قال ابن القيم ﵀: ضربُ الأمثال في القرآن يُستفاد منه أمورٌ: التذكير، والوعظ، والحث، والزجر، والاعتبار، والتقرير، وتقريب المراد للعقل، وتصويره في صورة المحسوس، بحيث يكون نسبته للعقل كنسبة المحسوس إلى الحس.\rوقد تأتي أمثال القرآن مشتملةً على بيان تفاوت الأجر، وعلى المدح والذم، وعلى الثواب والعقاب، وعلى تفخيم الأمر أو تحقيره، وعلى تحقيق أمر وإبطال أمر (¬١).","footnotes":"(¬١) «بدائع الفوائد» (٤/ ١٣١٤) ط عالم الفوائد، وانظر: «مدارج السالكين» (٤/ ٥٠٤)، و «الإتقان» (٤/ ٤٤) للسيوطي.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288517,"book_id":1319,"shamela_page_id":10,"part":null,"page_num":12,"sequence_num":10,"body":"تعددُ الأَمْثَالِ\rقد أكثر ﷾ من هذه الأمثال ونوعها مستدلًّا بها على حسن شكره وعبادته وقبح عبادة غيره (¬١).\rقال ﷾: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧)﴾ [الزمر: ٢٧].\rوقال ﷾: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٨٩)﴾ [الإسراء: ٨٩].\rوقال ﷾: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (٥٤)﴾ [الكهف: ٥٤].\rوعن عبد الله بن عَمْروِ بْنِ الْعَاصِي (¬٢) ﵁ أنه قال: «عَقَلْتُ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ أَلْفَ مَثَلٍ» (¬٣).","footnotes":"(¬١) «مفتاح دار السعادة» (٢/ ٣٣٣).\r(¬٢) قال النووي في شرح مسلم (١/ ٧٧): وأما العاصي فأكثر ما يأتي في كتب الحديث والفقه ونحوها بحذف الياء، وهي لغة، والفصيح الصحيح: العاصي، بإثبات الياء .... ولا اغترار بوجوده في كتب الحديث أو أكثرها بحذفها، والله أعلم.\r(¬٣) إسناده ضعيف: رواه ابن لهيعة واختلف عليه؛ فرواه إسحاق بن عيسى - وهو صدوق - عنه عن أبي قبيل -حيي بن هانئ المعافري - سمعت عمرو بن العاصي به. أخرجه أحمد (٤/ ٢٠٤). =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288589,"book_id":1319,"shamela_page_id":82,"part":null,"page_num":84,"sequence_num":10,"body":"١٠ - قال ﷾: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥].\rفعارضوا- أي: الكفار - تحريمه للربا بعقولهم، التي سوت بين الربا والبيع، فهذا معارضة النص بالرأي، ونظير ذلك مما عارضوا به تحريم الميتة بقياسها على المذكي، وقالوا: تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون مما قتل الله، وفي ذلك أنزل الله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾ [الأنعام: ١٢١] (¬١).","footnotes":"(¬١) سبب نزول هذا ورد من طرق عن عكرمة وابن جبير وعنترة بن عبد الرحمن وغيرهم عن ابن عباس موصولًا ومرسلًا وموقوفًا.\rأما طريق عكرمة: فأخرج أبو داود في «سننه» (٢٨١٩)، وابن ماجه (٣١٧٣)، والحاكم في «المستدرك» (٤/ ١١٣، ٢٣١) من طرق عن إسرائيل حَدَّثَنَا سِمَاكٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ يَقُولُونَ: مَا ذَبَحَ اللهُ فَلَا تَأْكُلُوا وَمَا ذَبَحْتُمْ أَنْتُمْ فَكُلُوا، فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾. وصححه الحاكم وقال ابن حجر في «الفتح» (٩/ ٥٣٩) وابن كثيرٍ في «التفسير»: إسناده صحيح.\rلكن رواية سماك عن عكرمة مضطربة. ومتابعة شريك والحكم بن أبان التي أخرجها الطبري (١٣٨٠٩) و (١٣٨٠٥)، والطبراني في «المعجم الكبير» (١٣٨٠٩) ضعيفة.\rوأما طريق ابن جبير: فرواه عنه عطاء بن السائب وعنه اثنان:\rزياد البكائي وفيه ضعف. أخرجه الترمذي (٣٠٦٩) وقال: حسن غريب.\rوالثاني: عمران بن عيينة وهو ضعيف يعتبر به. واختلف عليه في الوصل والإرسال، فرواه عنه عثمان بن أبي شيبة وغيره موصولًا. أخرجه أبو داود (٢٨٠٢)، والبزار في «مسنده» (٥٠٥٩)، والطبراني في «الكبير» (١٢٢٩٥) وغيرهم. وقال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى بهذا اللفظ بإسناد أحسن من هذا الإسناد.\rوخالفهم أبو سعيد الأشج فأرسله. =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288518,"book_id":1319,"shamela_page_id":11,"part":null,"page_num":13,"sequence_num":11,"body":"وقَال ابْنُ الجوزي ﵀: «فِي القُرْآنِ ثَلَاثَةٌ وَأَرْبَعُونَ مَثَلًا» (¬١).\rوَقَال شَيْخُ الْإِسْلَام ابْن تيميةَ ﵀: «وَقَدْ قَيْل: إِنْ فِي الْقُرْآنِ اثْنَيْن وَأَرْبَعِينَ مَثَلًا» (¬٢).\rوقال ابن القيم ﵀: «قد اشتمل منها على بضعة وأربعين مثلًا» (¬٣).\r* * *","footnotes":"= وخالفه زيد بن الحباب وكامل بن طلحة وسعيد بن أبي مريم ثلاثتهم عن ابن لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيْدَ بنِ عَمْرٍو، عَنْ شُفَيٍّ الأصبحي عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو به.\rأخرجه الرامهرمزي في «الأمثال» (ص/ ٦)، وأبو الشيخ الأصبهاني في «الأمثال» (١)، وأبو نعيم في «الحلية» (٥/ ١٦٩)، وابن عساكر (٣١/ ٢٥٧).\rوالخلاصة: أن مداره على ابن لهيعة، وقد اختلف عليه وهو ضعيف باستثناء رواية العبادلة التي لم تستنكر عليه.\r(¬١) في «المدهش» (١/ ١٦ - ١٨).\r(¬٢) «منهاج السنة» (٧/ ٢٣٨).\r(¬٣) «الكافية الشافية» (١/ ٤١) ط عالم الفوائد، و «إعلام الموقعين» (١/ ٢٤٨) ط ابن الجوزي. والبِضْعُ: من الثلاث إِلى التِّسع. (٣ - ٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288592,"book_id":1319,"shamela_page_id":85,"part":null,"page_num":87,"sequence_num":11,"body":"سورة آل عمران\r١١ - قال ﷾: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)﴾ [آل عمران: ١٠٣] (¬١).\rوكل واحد من الصحابة لم يسألنا أجرًا وهم مهتدون، بدليل قوله ﷾ خطابًا لهم: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)﴾ [آل عمران: ١٠٣]. ولعل من الله واجب، وقوله ﷾: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (١٦) وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧)﴾ [محمد: ١٦، ١٧]. وقوله ﷾: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ﴾ [محمد: ٤، ٥].","footnotes":"(¬١) قال الطبري: وإنما ذلك مثَلٌ لكفرهم الذي كانوا عليه قبل أن يهديهم الله للإسلام. يقول تعالى ذكره: وكنتم على طرَف جهنم بكفركم الذي كنتم عليه قبل أن يُنعم الله عليكم بالإسلام، فتصيروا بائتلافكم عليه إخوانًا، ليس بينكم وبين الوقوع فيها إلا أن تموتوا على ذلك من كفركم، فتكونوا من الخالدين فيها، فأنقذكم الله منها بالإيمان الذي هداكم له.\rوقال ابن عاشور: فأرى أن شَفا حفرة النَّار هنا تمثيل لحالهم في الجاهلية حين كانوا على وشك الهلاك والتَّفاني الَّذي عبَّر عنه زهير بقوله:\rتفانَوا ودَقُّوا بينَهم عِطْر مَنْشَم\rبحال قوم بلغ بهم المشي إلى شفا حفير من النَّار كالأُخدُود فليس بينهم وبين الهلاك السَّريع التَّام إلا خطوة قصيرة، واختيار الحالة المشبَّه بها هنا لأن النَّار أشدّ المهلكات إهلاكًا، وأسرعُها، وهذا هو المناسب في حمل الآية ليكون الامتنان بنعمتين محسوستين هما: نعمة الأخوة بعد العداوة، ونعمة السلامة بعد الخطر.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288519,"book_id":1319,"shamela_page_id":12,"part":null,"page_num":14,"sequence_num":12,"body":"تعريف الأمثال\r* الأمثال: جمع مثل، والمَثل و المِثل والمثيل: كالشبه والشِبه والشبيه لفظًا ومعنًى.\rقال الراغب الأصفهاني: المثل عبارةٌ عن قولٍ في شيء يشبه قولاً في شيء آخر بينهما مشابهةٌ ليبين أحدُهما الآخر ويصورَهُ، وعلى هذا الوجه ما ضَرَب الله تعالى من الأمثال.\rقال الزركشي ﵀ (¬١): حقيقته: إخراج الأغمض إلى الأظهر؛ وهو قسمان:\r١ - ظاهر: وهو المصرح به (¬٢).\r٢ - وكامن: وهو الذي لا ذكر للمثل فيه، وحكمه حكم الأمثال (¬٣).","footnotes":"(¬١) في «علوم القرآن» (١/ ٤٥٠) ط دار المعرفة.\r(¬٢) أي: ما صُرِّح فيها بلفظ المثل أو ما يدل على التشبيه.\r(¬٣) فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾\r[البقرة: ١٧٩].\rوقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠].\rوانظر: «المدهش» (١/ ١٧، ١٦): ط الكتب العلمية. و «مدارج السالكين» (٢/ ٦٩ - ٧٠) ط دار طيبة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288594,"book_id":1319,"shamela_page_id":87,"part":null,"page_num":89,"sequence_num":12,"body":"١٢ - قال ﷾: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩)﴾ [آل عمران: ٥٩].\rفأخبر ﷾، أن عيسى نظير آدم في التكوين بجامع ما يشتركان فيه من المعنى الذي تعلق به وجود سائر المخلوقات، وهو مجيئها طوعًا لمشيئته وتكوينه، فكيف يستنكرُ وجودَ عيسى مِنْ غير أب منْ يقرُّ بوجود آدم من غير أب ولا أم، ووجود حواء من غير أم؛ فآدم وعيسى نظيران يجمعهما المعنى الذي يصح تعليق الإيجاد والخلق به (¬١).\r* * *","footnotes":"(¬١) إعلام الموقعين (٢/ ٢٥٢)، و «هداية الحيارى» (ص/ ١٠٧).\rقال الرازي: أجمع المفسرون على أن هذه الآية نزلت عند حضور وفد نجران على الرسول ﷺ.\rوصح عن قتادة أنه قال: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، ذكر لنا أنّ سيِّديْ أهل نجران وأسقُفَّيْهم: السيد والعاقبُ، لقيا نبيّ الله ﷺ فسألاه عن عيسى فقالا: كل آدمي له أب، فما شأن عيسى لا أب له؟ فأنزل الله ﷿ فيه هذه الآية: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. قوله: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾، يعني: فلا تكن في شكّ من عيسى أنه كمثل آدم، عبدُ الله ورسوله، وكلمةُ الله ورُوحه. أخرجه الطبري (٧١٦٢) واللفظ له، وابن المنذر (٥٤٣) من طريقين عن يزيد عن سعيد عن قتادة به.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288520,"book_id":1319,"shamela_page_id":13,"part":null,"page_num":15,"sequence_num":13,"body":"وحكى السيوطي (¬١) قسماً ثالثا وهو المرسل (¬٢) واكتفينا بالأول لشهرته.\rقال ابن القيم ﵀: فإِنَّهَا تشبِيهُ شَيْءٍ بِشَيْءٍ فِي حُكْمِهِ، وَتَقْرِيبُ المَعْقُولِ مِنْ المَحْسُوسِ، أَوْ أَحَدُ المَحْسُوسَيْنِ مِنْ الآخَرِ، وَاعْتِبَارُ أَحَدِهَما بِالْآخَرِ، كَقَوْلِهِ فِي حَقِّ المُنَافِقِينَ: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)﴾ [البقرة: ١٧ - ٢٠] (¬٣).\rقال الأستاذ مناع خليل القطان: (¬٤)\rفابن القيم ﵀ يقول: في أمثال القرآن: تشبيه شيء بشيء في حكمه، وتقريب المعقول من المحسوس، أو أحد المحسوسين من الآخر واعتبار أحدهما بالآخر. ويسوق الأمثلة: فتجد أكثرها على طريقة التشبيه الصريح، كقوله ﷾: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [يونس: ٢٤].\rومنها ما يجيء على طريقة التشبيه الضمني، كقوله ﷾: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢]، إذ ليس فيه تشبيه صريح.","footnotes":"(¬١) في «الإتقان» (٤/ ٨٤ - ٤٩).\r(¬٢) وهو عبارة عن جمل أرسلت إرسالا من غير تصريح بلفظ التشبيه.\rومنه قوله تعالى: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ [يوسف: ٥١]، وقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ [الأنعام: ٦٧]، وقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود: ٨١].\r(¬٣) «إعلام الموقعين» (١/ ٢٧٠ - ٢٧١) ط ابن الجوزي.\r(¬٤) في «مباحث في علوم القرآن» (ص/ ٢٧٦ - ٢٧٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288595,"book_id":1319,"shamela_page_id":88,"part":null,"page_num":90,"sequence_num":13,"body":"١٣ - قال ﷾: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١٦) مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٧)﴾ [آل عمران: ١١٦، ١١٧].\rهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللهُ ﷾ لِمَنْ أَنْفَقَ مَالَهُ فِي غَيْرِ طَاعَتِهِ وَمَرْضَاتِهِ، فَشَبَّهَ سُبْحَانَهُ مَا يُنْفِقُهُ هَؤُلَاءِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فِي المَكَارِمِ وَالْمَفَاخِرِ وَكَسْبِ الثَّنَاءِ وَحُسْنِ الذِّكْرِ لَا يَبْغُونَ بِهِ وَجْهَ اللهِ، وَمَا يُنْفِقُونَهُ لِيَصُدُّوا بِهِ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَاتِّبَاعِ رُسُلِهِ عليهم الصلاة والسلام، بِالزَّرْعِ الَّذِي زَرَعَهُ صَاحِبُهُ يَرْجُو نَفْعَهُ وَخَيْرَهُ فَأَصَابَتْهُ رِيحٌ شَدِيدَةُ الْبَرْدِ جِدًّا، يُحْرِقُ بَرْدُهَا مَا يَمُرُّ عَلَيْهِ مِنْ الزَّرْعِ وَالثِّمَارِ، فَأَهْلَكَتْ ذَلِكَ الزَّرْعَ وَأَيْبَسَتْهُ.\rوَاخْتُلِفَ فِي الصِّرِّ؛ فَقِيلَ: الْبَرْدُ الشَّدِيدُ (¬١)، وَقِيلَ: النَّارُ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاس (¬٢).","footnotes":"(¬١) ورد عن ابن عباس بإسناد صحيح: أخرجه الطبري في «التفسير» (٧٦٧٤)، وابن أبي حاتم في «التفسير» (٤٠٧٤) من طرق عن هارون بن عنترة. وابن أبي حاتم أيضًا في «التفسير» (٤٠٧٥) من طريق أبي حميد الرؤاسي كلاهما عن عنترة بن عبد الرحمن عن ابن عباس به، وثم طرق أخر ضعيفة. أخرجها الطبري عن ابن عباس.\r(¬٢) قال ابن الجوزي في «زاد المسير» (١/ ٣٦٠): وفي الصرِّ ثلاثة أقوال:\rأحدها: أنه البرد. قاله الأكثرون.\rوالثاني: أنه النار. قاله ابن عباس. وقال ابن الأنباري: وإنما وصفت النار بأنها صر لتصريتها عند الالتهاب.\rوالثالث: أن الصر: التصويت؛ والحركة من الحصى والحجارة، ومنه صرير النعل، ذكره ابن الأنباري.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288521,"book_id":1319,"shamela_page_id":14,"part":null,"page_num":16,"sequence_num":14,"body":"ومنها: ما لم يشتمل على تشبيه ولا استعارة، كقوله ﷾: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣]، فقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا﴾ .. قد سماه الله مثلًا وليس فيه استعارة ولا تشبيه.\r* * *","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288597,"book_id":1319,"shamela_page_id":90,"part":null,"page_num":92,"sequence_num":14,"body":"سورة الأنعام\r١٤ - قال ﷾: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٧١)﴾ [الأنعام: ٧١].\rضرب الله ﷾ لمن لم يحصل له العلم بالحق واتباعه مثلًا مطابقًا\rلحاله؛ قال ﷾: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٧١)﴾ [الأنعام: ٧١] (¬١).\r* * *","footnotes":"(¬١) «مفتاح دار السعادة» (١/ ٣٠٩)، و «إغاثة اللهفان» (٢/ ١٧٢) ط دار المعرفة.\rقال الطبري: وهذا مثل ضربه الله تعالى ذكره لمن كفَر بالله بعد إيمانه، فاتبع الشياطين، من أهل الشرك بالله وأصحابه الذين كانوا أصحابه في حال إسلامه، المقيمون على الدين الحق، يدعونه إلى الهدى الذي هم عليه مقيمون، والصواب الذي هم به متمسكون، وهو له مفارق وعنه زائل، يقولون له: «ائتنا فكن معنا على استقامة وهدى»! وهو يأبى ذلك، ويتبع دواعي الشيطان، ويعبد الآلهة والأوثان.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288522,"book_id":1319,"shamela_page_id":15,"part":null,"page_num":17,"sequence_num":15,"body":"منهج ابن القيم ﵀ في شرح الأَمْثَالِ\rأفصح العلامة ابن القيم ﵀ عن منهج البلاغيين في شرح الأمثال؛ حيث جاء ذلك واضحًا في تفسيره لقوله ﷾: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥)﴾ [النور: ٣٥].\rقال ﵀: وفي هذا التشبيه لأهل المعاني طريقتان:\rأحدهما: طريقة التشبيه المركب، وهي أقرب مأخذًا، وأسلم من التكلف، وهي: أن تشبه الجملة برمتها بنور المؤمن من غير تعرض لتفصيل كل جزء من أجزاء المشبه ومقابلته بجزء من المشبه به، وعلى هذا عامة أمثال القرآن الكريم.\rفتأمل صفة المشكاة، وهي كوة لا تنفذ لتكون أجمع للضوء، قد وضع فيها مصباح، وذلك المصباح داخل زجاجة تشبه الكوكب الدري في صفائها وحسنها، ومادته من أصفى الأذهان وأتمها وقودًا، من زيت شجرة في وسط القراح (¬١) لا شرقية ولا غربية بحيث تصيبها الشمس في إحدى طرفي النهار، بل هي في وسط القراح محمية بأطرافه تصيبها الشمس أعدل إصابة والآفات إلى الأطراف دونها، فمن شدة إضاءة زيتها وصفائها وحسنها، يكاد يضيء من غير أن تمسه نار، فهذا","footnotes":"(¬١) القَرَاحُ: المزرعة التي ليس فيها بناء ولا شجر وجمعه «أَقْرِحَةٌ». «المصباح المنير»\r(م/ ق رح).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288598,"book_id":1319,"shamela_page_id":91,"part":null,"page_num":93,"sequence_num":15,"body":"١٥ - قال ﷾: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ\rكَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾ [الأنعام: ١٢٢].\rأي: أو من كان كافرًا ميت القلب مغمورًا في ظلمة الجهل، فهديناه لرشده، ووفقناه للإيمان، وجعلنا قلبه حيًّا بعد موته، مشرقًا مستنيرًا بعد ظلمته، فجعل الكافر لانصرافه عن طاعته وجهله بمعرفته وتوحيده وشرائع دينه وترك الأخذ بنصيبه من رضاه والعمل بما يؤديه إلى نجاته وسعادته، بمنزلة الميت الذي لا ينفع نفسه بنافعة، ولا يدفع عنها من مكروه، فهديناه للإسلام وأنعشناه به، فصار يعرف مضار نفسه ومنافعها، ويعمل في خلاصها من سخط الله ﷾ وعقابه، فأبصر الحق بعد عماه عنه، وعرفه بعد جهله به، واتبعه بعد إعراضه عنه، وحصل له نور وضياء يستضيء به، فيمشي بنوره بين الناس وهم في سدف الظلام كما قيل:\rليلي بوجهك مشرق … وظلامه في الناس ساري\rالناس في سدف الظلام … ونحن في ضوء النهار (¬١)\r* * *","footnotes":"(¬١) «إغاثة اللهفان» (ص/ ٣٧) ط دار ابن رجب، وانظر: «اجتماع الجيوش الإسلامية» (ص/ ٣٩).\rصح عن قتادة: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾، هذا المؤمن معه من الله نور وبيِّنة يعمل بها ويأخذ، وإليها ينتهي، كتابَ الله ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾، وهذا مثل الكافر في الضلالة، متحير فيها متسكع، لا يجد مخرجًا ولا منفذًا. أخرجه الطبري (١٣٨٤٤)، وابن أبي حاتم (٧٨٨٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288523,"book_id":1319,"shamela_page_id":16,"part":null,"page_num":18,"sequence_num":16,"body":"المجموع المركب هو مثل نور الله ﷾ الذي وضعه في قلب عبده المؤمن وخصه به.\rوالطريقة الثانية: طريقة التشبيه المفصل، فقيل: المشكاة صدر المؤمن، والزجاجة قلبه، وشبه قلبه بالزجاجة لرقتها وصفائها وصلابتها، وكذلك قلب المؤمن فإنه قد جمع الأوصاف الثلاثة؛ فهو يرحم ويحسن ويتحنن، ويشفق على الخلق برقته (¬١).\r* * *","footnotes":"(¬١) «اجتماع الجيوش الإسلامية» (٥٠ - ٥١) و (ص/ ٧٠ - ٧١) ط الرشد، وانظر: ما سيأتي في سورة الحج الآية (٣١).\rوانظر: منهجيته في البحث والتأليف في «ابن قيم الجوزية حياته آثاره موارده» (ص/ ٨٥ فما بعد).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288599,"book_id":1319,"shamela_page_id":92,"part":null,"page_num":94,"sequence_num":16,"body":"١٦ - قال ﷾: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢٥) وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦)﴾ [الأنعام: ١٢٥، ١٢٦] (¬١).\r* فأعظم أسباب شرح الصدر:\r* التوحيدُ وعلى حسب كماله، وقوته، وزيادته يكونُ انشراحُ صدر صاحبه.\r- قال الله ﷾: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾\r[الزمر: ٢٢].\r- وقال ﷾: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥].\rفالهُدى والتوحيدُ مِنْ أعظم أسبابِ شرح الصدر، والشِّركُ والضَّلال مِنْ أعظم أسبابِ ضيقِ الصَّدرِ وانحراجِه.\r* ومنها: النورُ الذي يقذِفُه الله في قلب العبد، وهو نورُ الإيمان، فإنه يشرَحُ الصدر ويُوسِّعه، ويُفْرِحُ القلبَ، فإذا فُقِدَ هذا النور من قلب العبد، ضاقَ وحَرِجَ، وصار في أضيق سجنٍ وأصعبه.","footnotes":"(¬١) قال الطبري: قوله تعالى: ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾، هذا مثل من الله تعالى ذكره، ضربه لقلب هذا الكافر في شدة تضييقه إياه عن وصوله إليه، مثل امتناعه من الصُّعود إلى السماء وعجزه عنه؛ لأن ذلك ليس في وسعه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288524,"book_id":1319,"shamela_page_id":17,"part":null,"page_num":19,"sequence_num":17,"body":"رسالة الأَمْثَالِ\rمما لا شك فيه أن العلامة ابن القيم ﵀ ذكر طائفة من الأمثال بصدد الحديث عن قياس الشبه من «إعلام الموقعين» (¬١).\rثم استلت هذه الأمثال في مؤلف مفرد، فهل هذا الاستلال من ابن القيم أم من غيره؟!!!\rالذي يتبين لي - والعلم عند الله ﷾ أنها من غيره؛ لأسباب يعضد بعضها بعضًا وهي:\r* أولًا: ما جاء في مطلع الرسالة: «قال شيخنا ﵀: وقع في القرآن أمثال … وفي آخرها: لا سيما أسرار الأمثال التي لا يعقلها إلا العالمون.\rقالوا: فهذا بعض ما اشتمل عليه القرآن من التمثيل .... !!!».\r• ثانيًا: لا يختلف المخطوط عما في «إعلام الموقعين» إلا في بعض الحروف والكلمات.\r• ثالثًا: عزم ابن القيم ﵀ على إفراد كتاب في الأمثال حيث قال في «الكافية الشافية» (١/ ٤١) ط عالم الفوائد: «سنفرد لها إن شاء الله كتابًا مستقلًّا متضمنًا لأسرارها ومعانيها، وما تضمنه من كنوز العلم وحقائق الإيمان، والله المستعان».","footnotes":"(¬١) (٢/ ٢٧٠ - فما بعد).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288605,"book_id":1319,"shamela_page_id":98,"part":null,"page_num":100,"sequence_num":17,"body":"سورة الأعراف\r١٧ - قال ﷾: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧) وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (٥٨)﴾ [الأعراف: ٥٧، ٥٨] (¬١).\rفأخبر سبحانه أنهما إحياءان، وأن أحدهما معتبر بالآخر مقيس عليه، ثم ذكر قياسًا آخر، أن من الأرض ما يكون أرضًا طيبةً فإذا أنزل عليها الماء أخرجت نباتها بإذن ربها.\rومنها: ما تكون أرضًا خبيثة لا تخرج نباتها إلا نكدًا، أي: قليلًا غير منتفع به، فهذه إذا أنزل عليها الماء لم تخرج ما أخرجت الأرض الطيبة، فشبه سبحانه الوحي الذي أنزله من السماء على القلوب بالماء الذي أنزله على الأرض بحصول الحياة بهذا وهذا، وشبه القلوب بالأرض إذ هي محل الأعمال، كما أن الأرض محل النبات، وأن القلب الذي لا ينتفع بالوحي ولا يزكو عليه ولا يؤمن به كالأرض التي لا تنتفع بالمطر ولا تخرج نباتها به إلا قليلًا لا ينفع، وأن القلب الذي آمن","footnotes":"(¬١) أخرج الطبري (١٤٧٩٠)، وابن أبي حاتم (٨٦٤٤) بإسناد حسن عَنِ السُّدِّيِّ، قَوْلُهُ: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾، فَذَلِكَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللهُ، يَقُولُونَ: يَنْزِلُ المَاءُ، فَيخْرج البَلَدُ الطَّيِّبُ نَبَاتهُ بِإِذْنِ اللهِ، فَكَذَلِكَ القُلُوبُ لمَّا نَزَلَ القُرْآنُ، فَالْقَلْبُ المُؤْمِنُ آمَنَ بِهِ، وَثَبَتَ الإِيمَانُ فِي قَلْبِهِ، وَقَلبُ الكَافِرِ لمَّا دَخَلَهُ الإِيمَانُ لَمْ يَتَعَلَّقْ مِنْهُ شَيْءٌ يَنْفَعُهُ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ مِنَ الإِيمَانِ شَيْءٌ إِلا مَا لا يَنْفَعُ، كَمَا لَمْ يَخْرُجْ هَذَا البَلَدُ إِلا مَا لَمْ يَنْفَعْ مِنَ النَّبَاتِ.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288525,"book_id":1319,"shamela_page_id":18,"part":null,"page_num":20,"sequence_num":18,"body":"وقال في آخر الأمثال التي أوردها في كلامه على قياس الشبه من «إعلام الموقعين»: «فهذا بعض ما اشتمل عليه القرآن من التمثيل والقياس … ».\r• رابعًا: قد بسط القول في بعض الأمثال في غير «إعلام الموقعين» أكثر مما فيه، وذلك واضح في المثال الأول والثاني.\r• خامسًا: أما عن مخطوطها أو ما كتب عليه من نسبة أو عدِّها ضمن مؤلفاته، فلعلها أفردت في حياته أو بعده بقليل، والله أعلم.\r* * *","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288607,"book_id":1319,"shamela_page_id":100,"part":null,"page_num":102,"sequence_num":18,"body":"١٨ - قال ﷾: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦) سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (١٧٧)﴾ [الأعراف: ١٧٥ - ١٧٧].\rفَشَبَّهَ سُبْحَانَهُ مَنْ آتَاهُ كِتَابَه (¬١) وَعَلَّمَهُ الْعِلْمَ الَّذِي مَنَعَهُ غَيْرَهُ، فَتَرَكَ الْعَمَلَ بِهِ، وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَآثَرَ سَخَطَ الله عَلَى رِضَاهُ، وَدُنْيَاهُ عَلَى آخِرَتِهِ، وَالمَخْلُوقَ","footnotes":"(¬١) أخرج الطبري (١٥٤٠٤ - ١٥٤٠٩)، وعبد الرزاق (٩٥٧)، وابن أبي حاتم (٩٣٠٨) من طرق عن منصور والأعمش عن مسروق عن عبد الله ﵁ في قوله: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾ قال: رجل من بني إسرائيل يقال له: بَلْعَم بن أَبَر. وإسناده صحيح.\rوأخرج الطبري (١٥٤٠٤، ١٥٤٠٦)، وابن أبي حاتم (٩٣٠٩) من طرق عن شعبة، عن يعلى بن عطاء قال: سمعت نافع بن عاصم بن عروة بن مسعود قال: سمعت\rعبد الله بن عمرو ﵁ في هذه الآية: ﴿الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾، قال: هو صاحبكم - يعني أمية بن أبي الصلت-. وإسناده حسن.\rعَنْ قَتَادَةَ «﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾، هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللهُ لِمَنْ عَرضَ عَلَيْهِ الْهُدَى، فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهُ وَتَرَكَهُ». أخرجه ابن أبي حاتم (٩٣١٥) بإسناد حسن.\rووجه الجمع بين هذه الأقوال: أن تحمل الآية عليها كلها، لأنها تحتملها من غير تضاد، ويكون كل قول ذكر على وجه التمثيل. والله أعلم.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288526,"book_id":1319,"shamela_page_id":19,"part":null,"page_num":21,"sequence_num":19,"body":"ترجمة ابن قيم الجوزية ﵀-\r• اسمه وكنيته ولقبه\rهو: الإمام شمس الدين، أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن حَرِيز الزُّرَعي (¬١) الدِّمَشْقي، الشهير بابن قيم الجوزية (¬٢) ﵀.\r\r• مولده:\rولد سَنَة إِحْدَى وَتِسْعِين وَسِتِّ مئةٍ.\r\r• شيوخه المشاهير:\rوالده، ابن عبد الدائم، ابن تيمية، إسماعيل مجد الدين بن محمد الفراء الحراني شيخ الحنابلة، يوسف جمال الدين المزي إمام المحدثين، وغيرهم كثير.\r\r• رحلته:\rالرحلة في الطلب أمر معهود لدى أهل العلم؛ فلا تكاد تقع عين ناظر على ترجمة عالم ما، إلا ويجد فيها بيان رحلاته في الطلب لتلقي العلوم عن الشيوخ، وابن القيم ﵀ واحد من أولئك؛ فقد رحل إلى مصر.","footnotes":"(¬١) نسبة إلى زُرَع قرية بنواحي دمشق.\r(¬٢) انتشر تجوزًا واختصارًا (ابن القيم)، والمشتهر بقيم الجوزية والد هذا الإمام؛ لأنه كان قيِّمًا على المدرسة الجوزية بدمشق.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288617,"book_id":1319,"shamela_page_id":110,"part":null,"page_num":112,"sequence_num":19,"body":"سورة يونس\r١٩ - قَال ﷾: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤)﴾ [يونس: ٢٤] (¬١).\rشَبَّهَ سُبْحَانَهُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فِي أَنَّهَا تَتَزَيَّنُ فِي عَيْنِ النَّاظِرِ فَتَرُوقُهُ بِزِينَتِهَا وَتُعْجِبُهُ فَيَمِيلُ إلَيْهَا وَيَهْوَاهَا اغْتِرَارًا مِنْهُ بِهَا، حَتَّى إذَا ظَنَّ أَنَّهُ مَالِكٌ لَهَا قَادِرٌ عَلَيْهَا سُلِبَهَا بَغْتَةً أَحْوَجَ مَا كَانَ إلَيْهَا، وَحِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا. فَشَبَّهَهَا بِالْأَرْضِ التي يَنْزِلُ الْغَيْثُ عَلَيْهَا فَتُعْشِبُ، وَيَحْسُنُ نَبَاتُهَا، وَيَرُوقُ مَنْظَرُهَا لِلنَّاظِرِ، فَيَغْتَرَّ بِهِ، وَيَظُنَّ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَيْهَا، مَالِكٌ لَهَا، فَيَأْتِيهَا أَمْرُ الله فَتُدْرِكُ نَبَاتَهَا الْآفَةُ بَغْتَةً، فَتُصْبِحُ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ قَبْلُ، فَيَخِيبُ ظَنُّهُ، وَتُصْبِحُ يَدَاهُ صفرًا مِنْهَا، فَهكَذَا حَالُ الدُّنْيَا وَالْوَاثِقُ بِهَا سَوَاءٌ؛ وَهَذَا مِنْ أَبْلَغِ التَّشْبِيهِ وَالْقِيَاسِ.\rوَلَمَّا كَانَتْ الدُّنْيَا عُرْضَةً لِهَذِهِ الْآفَاتِ، وَالْجَنَّةُ سَلِيمَةً مِنْهَا قَالَ: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى","footnotes":"(¬١) أخرج ابن أبي حاتم (١١١٥٨)، والطبري (٦٠٩٩) بإسناد حسن عن قتادة، قوله: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا﴾ الآية: أَيْ: «وَاللهِ لِمَنْ تَشَبَّثَ بِالدُّنْيَا، وَحَدَبَ عَلَيْهَا لَتُوشِكُ الدُّنْيَا أَنْ تَلْفظَهُ وَأَنْ تُنْقِص مِنْهُ وَتُفَارِقَهُ أعجب مَا تَكُونُ إِلَيْهِ».\rوقوله تعالى: ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ قَالَ: «هَذَا مَثَلٌ خُصَّ بِهِ اللهُ فَاعْقِلُوا عَنِ اللهِ أَمْثَالَهُ»، فَإِنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣].","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288527,"book_id":1319,"shamela_page_id":20,"part":null,"page_num":22,"sequence_num":20,"body":"ولعل عدم اشتهار الرحلة عنه يرجع إلى أسباب، منها:\r١ - أنه كان يعيش في أكناف والده، وشيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهم رحمهم الله تعالى.\r٢ - كانت دمشقُ محطَّ أنظار العلماء والناهلين.\r٣ - تدوين العلوم وانتشارها.\r\r• تلاميذه\rأبو الفداء ابن كثير المفسر، ابن رجب الحنبلي، علي بن عبد الكافي السبكي، الإمام الذهبي، ابن عبد الهادي، النَّابُلُسي المعروف بالجنة، (¬١) وغيرهم.\r\r• غرامه بجمع الكتب:\rقال تلميذه ابنُ رَجَب ﵀: «وكَان شَدِيدَ المَحَبَّةِ لِلْعِلْمِ وكتابته ومطالعته وتصنيفه، واقتناء الكُتُب، واقتنى من الكُتُب مَا لَم يَحْصُلْ لَغَيْره» (¬٢).\rوقال تلميذه ابن كثير ﵀: «واقتنى من الكُتُبِ مَا لا يَتَهَيَّأ لَغَيْره تحصيلُ عُشْرهِ من كتب السَّلَف والخلف» (¬٣).\r\r• ثناء العلماء عليه:\rقال بُرْهَان الدِّين الزرعي: مَا تَحْتَ أَدِيم السمَاء أوَسعَ علمًا مَنه.","footnotes":"(¬١) لُقِّب بذلك لكثرة ما عنده من العلوم؛ لأن الجنة فيها ما تشتهيه الأنفس، وكان عنده ما تشتهيه أنفس الطلبة.\r(¬٢) «ذيل طبقات الحنابلة» (٢/ ٤٤٩).\r(¬٣) «البداية والنهاية» (١٤/ ٢٣٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288619,"book_id":1319,"shamela_page_id":112,"part":null,"page_num":114,"sequence_num":20,"body":"سورة هود\r٢٠ - قال ﷾: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٢٤)﴾ [هود: ٢٤] (¬١).\rفَإِنَّهُ ذَكَرَ الْكُفَّارَ، وَوَصَفَهُمْ بِأَنَّهُمْ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ.\rثُمَّ ذَكَرَ المُؤْمِنِينَ، وَوَصَفَهُمْ بِالْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ وَالْإِخْبَاتِ إلَى رَبِّهِمْ، فَوَصَفَهُمْ بِعُبُودِيَّةِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ، جَعَلَ أَحَدَ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ مِنْ حَيْثُ كَانَ قَلْبُهُ أَعْمَى عَنْ رُؤْيَةِ الْحَقِّ أَصَمَّ عَنْ سَمَاعِهِ؛ فشبه بِمَنْ بَصَرُهُ أَعْمَى عَنْ رُؤْيَةِ الْأَشْيَاءِ، وَسَمْعُهُ أَصَمُّ عَنْ سَمَاعِ الْأَصْوَاتِ، وَالْفَرِيقُ الْآخَرُ بَصِيرُ الْقَلْبِ سَمِيعُهُ، كَبَصِيرِ الْعَيْنِ وَسَمِيعِ الْأُذُنِ؛ فَتَضَمَّنَت الْآيَةُ قِيَاسَيْنِ وَتَمْثِيلَيْنِ لِلْفَرِيقَيْنِ، ثُمَّ نَفَى التَّسْوِيَةَ عَنْ الْفَرِيقَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ (¬٢).","footnotes":"(¬١) أخرج الطبري في «تفسيره» (٦/ ٤٣١٩) ط دار السلام:\rعن قتادة بإسناد حسن: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ﴾ الآية، هذا مثلٌ ضربه الله للكافر والمؤمن، فأما الكافر فصم عن الحق، فلا يسمعه، وعمي عنه فلا يبصره. وأما المؤمن فسمع الحق فانتفع به، وأبصره فوعاه وحفظه وعمل به.\r(¬٢) «إعلام الموقعين» (٢/ ٢٧٥) ط ابن الجوزي. وانظر: مسألة تقديم السمع على البصر في «بدائع الفوائد» (١/ ١٢٣ - ١٣٠) ط عالم الفوائد.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288528,"book_id":1319,"shamela_page_id":21,"part":null,"page_num":23,"sequence_num":21,"body":"وقال تلميذه ابن كَثِيرٍ: كَان ملَازمًا للاشتغال ليْلًا ونَهَارًا، كَثِيرَ الصَّلَاة والتِّلَاوة، حَسَنَ الخلق، كَثِير التودد، لَا يَحْسدُ ولَا يحقدُ.\rوقال: لَا أَعْرِف فِي زمَاننا من أَهل العلَم أكثر عبَادَة منه، وكَان يُطِيل الصّلَاة جِدًّا، ويمد رُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا.\rقال الذَّهَبِيُّ: وكَان إِذا صَلَّى الصُّبْحَ جَلَس مكَانه يَذكر الله حَتَّى يتعالى النَّهَارُ، وَيَقُول هَذِه غدوتي لَو لَم أقعدها سَقَطَت قواي.\rقال ابن حَجَرٍ عَنْهُ: كَان جَرِيء اللِّسَان، وَاسِعَ العلم، عارفًا بالخلاف ومذهب السَّلَف.\rقال الشوكَاني: كَان متَقيدًا بالأدلة الصَّحِيحَةِ، مُعْجَبًا بِالْعَمَلِ بِهَا، غَيْر معولٍ عَلَى الرَّأي صادعاً بِالْحَقّ، لَا يحابي فِيه أَحَدًا، وَنعْمَةُ الْجُرْأَةِ.\rوقال الشوكاني (¬١): برع في جميع العلوم، وفاق الأقران، واشتهر في الآفاق، وتبحر في معرفة مذاهب السلف.\rفهذه طائفة من أقوال الأئمة في بيان منزلة ابن القيم في الطلب\rوالتحصيل.\r\r• وفاته:\rمَات فِي ثَالِث عَشر من شَهر رَجَب، سَنَة إِحْدَى وَخَمْسِين وَسَبْع مئةٍ، وله ستون عامًا.","footnotes":"(¬١) في «البدر الطالع» (١/ ١٤٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288620,"book_id":1319,"shamela_page_id":113,"part":null,"page_num":115,"sequence_num":21,"body":"سورة الرعد\r٢١ - قال ﷾: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (١٤)﴾ [الرعد: ١٤].\rقوله: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾، أنه ﷾ صاحب دعوة الحق لذاته وصفاته، وإن لم يوجب لداعيه بها ثوابًا؛ فإنه يستحقها لذاته؛ فهو أهل أن يعبد وحده، ويدعى وحده، ويقصد ويشكر ويحمد، ويحب ويرجى ويخاف، ويتوكل عليه ويستعان به، ويستجار به، ويلجأ إليه، ويصمد إليه، فتكون الدعوة الإلهية الحق له وحده (¬١).\r* * *","footnotes":"(¬١) «مدارج السالكين» (٢/ ٢٠٩).\rقال الشيخ عطية سالم في «تكملة أضواء البيان» (٨/ ٦٦) ط دار الفكر: قوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾ [الرعد: ١٤]، فلو نظرت إلى مثل هذا الشخص على هذه الحالة، وفي تلك الصورة بكل أجزائها، وهو باسط يده مفرجة الأصابع إلى ماء بعيد عنه، وهو فاغر فاه ليشرب، لقلت: وأي جدوى تعود عليه؟ ومتى يذوق الماء وهو على تلك الحالة؟ إنه يموت عطشًا، ولا يذوق منه قطرة، وكذلك حال من يدعو غير الله مع ما يدعوهم من دونه لا يحصل على طائل كقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١)﴾ [العنكبوت: ٤١]، فأي غناء لإنسان في بيت العنكبوت.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288529,"book_id":1319,"shamela_page_id":22,"part":null,"page_num":24,"sequence_num":22,"body":"• مؤلفاته:\rلقد تجاوزت مؤلفاته التسعين مؤلفاً، منها ما يتكون من مجلدات ك «إعلام الموقعين» (¬١) و «زاد المعاد» و «مدارج السالكين»، ومنها «الرسائل»، ومنها بين ذلك (¬٢).\r* * *","footnotes":"(¬١) في ضبط (إعلام) بكسر الهمزة أو فتحها الوجهان، وإن كان الكسر هو المستفيض المشهور.\r(¬٢) وانظر: «المقصد الأرشد» (٢/ ٣٨٤ - ٣٨٥)، و «الذيل على طبقات الحنابلة»\r(٤/ ٣٦٨ - ٣٧٢)، و «البداية والنهاية» (أحداث ٧٥١)، و «الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة» (١/ ٤٨٠) و «الوافي في الوفيات» (١/ ٢٦١) و «ابن قيم الجوزية حياته آثاره موَارده» للعلامة بكر أبو زيد ﵀ ومنه اقتضبت جل هذه الترجمة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288621,"book_id":1319,"shamela_page_id":114,"part":null,"page_num":116,"sequence_num":22,"body":"٢٢ - قال ﷾: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (١٧)﴾\r[الرعد: ١٧] (¬١).","footnotes":"(¬١) أخرج الطبري (٢٠٣١٩) بسند حسن: عن قتادة قوله: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾، الصغير بصغره، والكبير بكبره ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا﴾ أي عاليًا ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾ و «الجفاء»: ما يتعلق بالشجر ﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾.\rهذه ثلاثة أمثال ضربَها الله في مثلٍ واحد. يقول: كما اضمحلّ هذا الزبد فصار جُفاءً لا ينتفع به ولا تُرْجى بركته، كذلك يضمحلّ الباطل عن أهله كما اضمحل هذا الزبد، وكما مكث هذا الماء في الأرض، فأمرعت هذه الأرض وأخرجت نباتها، كذلك يبقى الحق لأهله كما بقي هذا الماء في الأرض، فأخرج الله به ما أخرج من النبات.\rقوله: ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ﴾ الآية، كما يبقى خالص الذهب والفضة حين أدخل النار وذهب خَبَثه، كذلك يبقى الحق لأهله.\rقوله: ﴿أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾، يقول: هذا الحديد والصُّفْر الذي ينتفع به فيه منافع. يقول: كما يبقى خالص هذا الحديد وهذا الصُّفر حين أدخل النار وذهب خَبَثه، كذلك يبقى الحق لأهله كما بقي خالصهما.\rوأخرج الطبري أيضاً (٢٠٣٢٢)، بإسناد صحيح إلى ابن زيد: في قوله: ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾، قال: هذا مثل ضربه الله للحق والباطل. فقرأ: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا﴾.\r﴿أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾، هذا لا ينفع أيضًا قال: وبقي الماءُ في الأرض فنفع الناس، وبقي الحَلْيُ الذي صلح من هذا، فانتفع الناس به.\r﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾، وقال: هذا مثل ضربه الله للحق والباطل.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288530,"book_id":1319,"shamela_page_id":23,"part":null,"page_num":25,"sequence_num":23,"body":"منهجي في الكتاب\r١ - جمعتُ الأمثال التي ذكرها ابن القيم ﵀ في كتبه ورتبتها على سور القرآن.\r٢ - أوردتُ من كلام العلامة ابن القيم ﵀ ما يتعلق بها تفسيرًا أو استشهادًا، مقتصرًا على أوعب موطن مع العزو إلى جل المواطن الأخرى، متحريًا أفضل الطبعات.\r٣ - ذكرت آيات ليست أمثالا، إنما هي متعلقة بالباب.\r٤ - حكمتُ على الأحاديث والآثار الواردة في كلامه ﵀ صحةً أو ضعفًا بما تقتضيه القواعد الحديثية.\r٥ - بيَّنتُ معاني غريب الألفاظ.\r٦ - ذكرتُ في الحاشية آثارًا صحيحة، وأقوالًا للمفسرين، كالإمام الطبري والحافظ ابن كثير وغيرهم؛ تجلية للمعنى وأما أصل الكتاب فشتمل على كلام ابن القيم ﵀.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288627,"book_id":1319,"shamela_page_id":120,"part":null,"page_num":122,"sequence_num":23,"body":"٢٣ - قال ﷾: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ (٣٥)﴾ [الرعد: ٣٥] (¬١).","footnotes":"(¬١) أوردها العلامة ابن القيم ﵀ في «حادي الأرواح» الباب الثامن والأربعون «في ذكر طعام أهل الجنة … ».\rقال ابن كثير ﵀: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ أي: صفتها ونعتها، ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي: سارحة في أرجائها وجوانبها، وحيث شاء أهلها، يفجرونها تفجيرًا، أي: يصرفونها كيف شاءوا وأين شاءوا، كما قال تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (١٥)﴾ [محمد: ١٥]. وقوله: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ أي: فيها المطاعم والفواكه والمشارب، لا انقطاع [لها] ولا فناء.\rوفي الصحيحين، من حديث ابن عباس في صلاة الكسوف، وفيه قالوا: يا رسول الله، رأيناك تناولت شيئًا في مقامك هذا، ثم رأيناك تَكعْكعت فقال: «إني رأيت الجنة -أو: أريت الجنة -فتناولت منها عنقودًا، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا».\rوعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «يأكل أهل الجنة ويشربون، ولا يمتخطون ولا يتغوّطون ولا يبولون، طعامهم جُشَاء كريح المسك، ويلهمون التسبيح والتقديس كما يلهمون النفس». رواه مسلم.\rوقد قال تعالى: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (٣٣)﴾ [الواقعة: ٣٢، ٣٣].\rوقال: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾ [الإنسان: ١٤].\rوكذلك ظلها لا يزول ولا يقلص، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (٥٧)﴾ [النساء: ٥٧].\rوفي الصحيحين من غير وجه أن رسول الله ﷺ قال: «إن في الجنة شجرة، يسير الراكب المجد الجواد المضمر السريع في ظلها مائة عام لا يقطعها»، ثم قرأ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾\r[الواقعة: ٣٠]. =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288531,"book_id":1319,"shamela_page_id":24,"part":null,"page_num":26,"sequence_num":24,"body":"٧ - ترجمتُ للعلامة ابن القيم ﵀ ترجمة موجزة.\rولمّا تم ما أردته بحمد ذي المن والفضل، سميته «الجَامِع فِي أَمْثَالِ الْقُرْآن للعلامة ابْن القَيِّم ﵀».\rوَالحَمْدُ لِلهِ أولًا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا.\rوصلِّ اللهم عَلى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وعَلى آلِه وسلم.\r\rوكتبه أبو أويس أشرف بن نصر بن صابر الكردي\rمصر- كفر الشيخ- بلطيم- الحنفي الكبرى.\rنزيل منية سمنود/ أجا/ دقهلية.\rجوال/ ٠١٠٧١٩٢٦٩٩\r* * *","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288628,"book_id":1319,"shamela_page_id":121,"part":null,"page_num":123,"sequence_num":24,"body":"سورة إبراهيم\r٢٤ - قال ﷾: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ\rفِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٨)﴾ [إبراهيم: ١٨].\rفَشَبَّهَ ﷾ أَعْمَالَ الْكُفَّارِ فِي بُطْلَانِهَا وَعَدَمِ الِانْتِفَاعِ بِهَا بِرَمَادٍ مَرَّتْ عَلَيْهِ رِيحٌ شَدِيدَةٌ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ؛ فَشَبَّهَ سُبْحَانَهُ أَعْمَالَهُمْ فِي حُبُوطِهَا وَذَهَابِهَا بَاطِلًا كَالْهَبَاءِ المَنْثُورِ لِكَوْنِهَا عَلَى غَيْرِ أَسَاس مِنْ الْإِيمَانِ وَالْإِحْسَانِ، وَكَوْنِهَا لِغَيْرِ اللهِ ﷿ وَعَلَى غَيْرِ أَمْرِهِ: بِرَمَادٍ طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ الْعَاصِفُ فَلَا يَقْدِرُ صَاحِبُهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ وَقْتَ شِدَّةِ حَاجَتِهِ إلَيْهِ؛ فَكذَلِكَ قَالَ: ﴿لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ﴾ لَا يَقْدِرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِمَّا كَسَبُوا مِنْ أَعْمَالِهِمْ عَلَى شَيْءٍ، فَلَا يَرَوْنَ لَها أَثَرًا مِنْ ثَوَابٍ وَلَا فَائِدَةٍ نَافِعَةٍ، فَإِنَّ اللهَ لَا يَقْبَلُ مِنْ الْعَمَلِ إلَّا مَا كَانَ خَالِصًا لِوَجْهِهِ، مُوَافِقًا لِشَرْعِهِ.\rوَالْأَعْمَالُ أَرْبَعَةٌ، فَوَاحِدٌ مَقْبُولٌ وَثَلَاثُةٌ مَرْدُودَةٌ؛ فَالمَقْبُولُ الْخَالِصُ الصَّوَابُ، فَالْخَالِصُ: أَنْ يَكُونَ لِلهِ لَا لِغَيْرِهِ، وَالصَّوَابُ: أَنْ يَكُونَ مِمَّا شَرَعَهُ اللهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ، وَالثَّلَاثَةُ المَرْدُودَةُ مَا خَالَفَ ذَلِكَ.","footnotes":"= وكثيرًا ما يقرن الله تعالى بين صفة الجنة وصفة النار، ليرغب في الجنة ويحذّر من النار؛ ولهذا لما ذكر صفة الجنة بما ذكر، قال بعده: ﴿تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ﴾ كما قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠)﴾\r[الحشر: ٢٠]. انتهى مختصرًا.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288630,"book_id":1319,"shamela_page_id":123,"part":null,"page_num":125,"sequence_num":25,"body":"٢٥ - قَال ﷾: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥)﴾ [إبراهيم: ٢٤، ٢٥].\rفَشَبَّهَ سُبْحَانَهُ الْكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ بِالشَّجَرَةِ الطَّيِّبَةِ؛ لِأَنَّ الْكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ تُثْمِرُ الْعَمَلَ الصَّالِحَ، وَالشَّجَرَةَ الطَّيِّبَةَ تُثْمِرُ الثَّمَرَ النَّافِعَ.\rوَهَذَا ظَاهِرٌ عَلَى قَوْلِ جُمْهُورِ الْمُفَسِّرِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ: الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ هِيَ شَهَادَةُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ، فَإِنَّهَا تُثْمِرُ جَمِيعَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، فَكُلُّ عَمَلٍ صَالِحٍ مَرضِيٍّ لله ﷿ ثَمَرَةُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ.\rوَفِي تَفْسِيرِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾، شَهَادَةُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ، و ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ وَهُوَ الْمُؤْمِنُ، ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾، قَوْلُ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ، فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ، ﴿وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ يَقُولُ: يُرْفَعُ بِهَا عَمَلُ الْمُؤْمِنِ إلَى السَّمَاء (¬١).\rوَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ هَذَا مَثَلُ الْإِيمَانِ؛ والْإِيمَانُ الشَّجَرَةُ الطَّيِّبَة (¬٢).\rوَأَصْلُهَا الثَّابِتُ الَّذِي لَا يَزُولُ الْإِخْلَاصُ فِيهِ، وَفَرْعُهُ فِي السَّمَاءِ خَشْيَةُ الله.","footnotes":"(¬١) إسناده منقطع: أخرجه الطبري في «التفسير» رقم (٢٠٤٤٨) من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، ولم يسمع منه.\r(¬٢) إسناده ضعيف: أخرجه الطبري في «التفسير» رقم (٢٠٤٤٩) من طريق عبد الله بن أبي جعفر عن أبيه عن الربيع به، وعبد الله بن أبي جعفر متكلم فيه، وهو ضعيف في أبيه خاصة، قاله ابن حبان.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288533,"book_id":1319,"shamela_page_id":26,"part":null,"page_num":28,"sequence_num":26,"body":"فقطعها بينه وبين المنافقين فلم يبق عندهم بعد ذهاب نورهم ولا معهم. فليس لهم نصيب من قوله ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ ولا من ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾.\rوتأمل قوله ﷾ ﴿أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ كيف جعل ضوءها خارجًا عنه منفصلًا ولو اتصل ضوئها به ولابسه لم يذهب، ولكنه كان ضوء مجاورة لا ملابسة ومخالطة، وكان الضوء عارضًا والظلمة أصلية، فرجع الضوء إلى معدنه وبقيت الظلمة في معدنها، فرجع كل منهما إلى أصله اللائق به حجة من الله قائمة وحكمة بالغة تعرف بها إلى أولي الألباب من عباده.\rوتأمل قوله ﷾: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ ولم يقل بنارهم ليطابق أول الآية، فإن النار فيها إشراق وإحراق، فذهب بما فيها من الإشراق وهو النور؛ وأبقى عليهم ما فيها من الإحراق وهو النارية.\rوتأمل كيف قال بنورهم ولم يقل بضوئهم مع قوله ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ لأن الضوء هو زيادة في النور فلو قيل ذهب الله بضوئهم لأوهم الذهاب بالزيادة فقط دون الأصل، فلما كان النور أصل الضوء كان الذهاب به ذهابًا بالشيء وزيادته.\rوأيضًا فإنه أبلغ في النفي عنهم وإنهم من أهل الظلمات الذين لا نور لهم وأيضا فإن الله ﷾ سمى كتابه نورًا ورسوله ﷺ نورًا ودينه نورًا وهداه نورًا ومن أسمائه النور والصلاة نور، فذهابه سبحانه بنورهم ذهاب بهذا كله، وتأمل مطابقة هذا المثل لما تقدمه من قوله ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٦)﴾ كيف طابق هذه التجارة الخاسرة التي تضمنت حصول الضلالة والرضى بها، وبذل الهدى في مقابلتها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288637,"book_id":1319,"shamela_page_id":130,"part":null,"page_num":132,"sequence_num":26,"body":"٢٦ - قال ﷾: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (٢٦) يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)﴾ [إبراهيم: ٢٦، ٢٧].\rذَكَرَ سُبْحَانَهُ مَثَلَ الْكَلِمَةِ الْخَبِيثَةِ فَشَبَّهَهَا بِالشَّجَرَةِ الْخَبِيثَةِ الَّتِي ﴿اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ﴾، فَلَا عِرْقَ ثَابِتٌ، وَلَا فَرْعَ عَالٍ، وَلَا ثَمَرَةَ زَاكِيَةٌ، فَلَا ظِلَّ، وَلَا جَنًى، وَلَا سَاقَ قَائِمٌ، وَلَا عِرْقَ فِي الْأَرْضِ ثَابِتٌ، فَلَا أَسْفَلَهَا مُغْدِقٌ وَلَا أَعْلَاهَا مُونِقٌ، وَلَا جَنَى لَهَا، وَلَا تَعْلُو بَلْ تُعْلَى.\rوَإِذَا تَأَمَّلَ اللَّبِيبُ أَكْثَرَ كَلَامِ هَذَا الْخَلْقِ فِي خِطَابِهِمْ وَكتبهم وَجَدَهُ كَذَلِكَ؛ فَالْخُسْرَانُ كلَّ الخسران الْوُقُوفُ مَعَهُ وَالِاشْتِغَالُ بِهِ عَنْ أَفْضَلِ الْكَلَامِ وَأَنْفَعِهِ.\rقَالَ الضَّحَّاكُ: ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا لِلْكَافِرِ بِشَجَرَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ، يَقُولُ: لَيْسَ لَهَا أَصْلٌ وَلَا فَرْعٌ، وَلَيْسَ لَهَا ثَمَرَةٌ، وَلَا فِيهَا مَنْفَعَةٌ، كَذَلِكَ الْكَافِرُ ليس يَعْمَلُ خَيْرًا وَلَا يَقُولُهُ، وَلَا يَجْعَلُ اللهُ فِيهِ بَرَكَةً وَلَا مَنْفَعَة (¬١).\rوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ وَهِيَ الشِّرْكُ ﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ يَعْنِي الْكَافِرَ، ﴿اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾، ويَقُولُ: الشِّرْكُ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ يَأْخُذُ بِهِ الْكَافِرُ وَلَا بُرْهَانٌ، وَلَا يَقْبَلُ اللهُ مَعَ الشِّرْكِ عَمَلًا، فَلَا يَقْبَلُ الله عَمَلَ الْمُشْرِكِ، وَلَا يَصْعَدُ إلَى الله، فَلَيْسَ لَهُ أَصْلٌ ثَابِتٌ فِي الْأَرْضِ، وَلَا فَرْعٌ فِي السَّمَاءِ؛ يَقُولُ: لَيْسَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ فِي السَّمَاءِ وَلَا فِي الآخرة (¬٢).","footnotes":"(¬١) إسناده واه: أخرجه الطبري في التفسير رقم (٢٠٥٣٨)، وفي إسناده الحسين بن الفرج، كذبه ابن معين.\r(¬٢) إسناده مسلسل بالضعفاء: أخرجه الطبري في «التفسير» رقم (٢٠٥٣١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288534,"book_id":1319,"shamela_page_id":27,"part":null,"page_num":29,"sequence_num":27,"body":"وحصول الظلمات التي هي الضلالة والرضى بها بدلا عن النور الذي هو الهدى، فبذلوا الهدى والنور وتعوضوا عنه بالظلمة والضلالة فيا لها من تجارة ما أخسرها وصفقة ما أشد غبنها.\rوتأمل كيف قال الله ﷾ ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ فوحده ثم قال ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ فجمعها فإن الحق واحد وهو صراط الله المستقيم الذي لا صراط يوصل إليه سواه، وهو عبادته وحده لا شريك له بما شرعه على لسان رسوله ﷺ لا بالأهواء والبدع وطرق الخارجين عما بعث الله به رسوله ﷺ من الهدى ودين الحق بخلاف طرق الباطل فإنها متعددة متشعبة.\rولهذا يفرد سبحانه الحق ويجمع الباطل، كقوله ﷾: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] وقال ﷾: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ … الآية﴾ [الأنعام: ١٥٣] فجمع سبل الباطل ووحد سبيل الحق ولا يناقض هذا قوله ﷾ ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة: ١٦].\rفإن تلك هي طرق مرضاته التي يجمعها سبيله الواحد وصراطه المستقيم فإن طرق مرضاته كلها ترجع إلى صراط واحد وسبيل واحد وهي سبيله التي لا سبيل إليه إلا منها.\rوقد صح عن النبي ﷺ أنه خط خطًّا مستقيمًا وقال: «هذا سبيل الله» ثم خط خطوطًا عن يمينه وعن شماله فقال: «هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه»، ثم قرأ قوله ﷾: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288647,"book_id":1319,"shamela_page_id":140,"part":null,"page_num":142,"sequence_num":27,"body":"سورة النحل\r٢٧ - قال ﷾: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٦)﴾ [النحل: ٢٦] (¬١).\rقوله ﷾: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ إنما هو أمره وعذابه (¬٢).\r* * *","footnotes":"(¬١) قال الطبري ﵀: وأما قوله: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ فإن معناه: هدم الله بنيانهم من أصله، والقواعد: جمع قاعدة، وهي الأساس، وكان بعضهم يقول: هذا مثَل للاستئصال، وإنما معناه: إن الله استأصلهم، وقال: العرب تقول ذلك إذا استؤصل الشيء.\rذكر ابن عاشور ﵀ جملة من الاستعارات ثم قال: ومن مجموع هذه الاستعارات تتركّب الاستعارة التمثيليّة. وهي تشبيه هيئة القوم الّذين مكروا في المنعة فأخذهم الله بسرعة وأزال تلك العزّة بهيئة قوم أقاموا بنيانًا عظيمًا ذا دعائم وآووا إليه فاستأصله الله من قواعده فخرّ سقف البناء دفعة على أصحابه فهلكوا جميعًا. فهذا من أبدع التمثيليّة لأنها تنحلّ إلى عدّة استعارات.\r(¬٢) نقله العلامة ابن القيم ﵀ في «اجتماع الجيوش الإسلامية» (ص/ ٢٢٨) ط الرشد. من (قول الإمام عثمان بن سعيد الدارمي ﵀.\rوأخرج الطبري بإسناد حسن عن قتادة، قوله: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ إي: والله، لأتاها أمر الله من أصلها ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ والسقف: أعالي البيوت، فائتفكت بهم بيوتهم فأهلكهم الله ودمرهم ﴿وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288535,"book_id":1319,"shamela_page_id":28,"part":null,"page_num":30,"sequence_num":28,"body":"فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ (¬١).\rوقد قيل: إن هذا مثل للمنافقين وما يوقدونه من نار الفتنة التي يوقعونها بين أهل الإسلام ويكون بمنزلة قوله ﷾: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ ويكون قوله ﷾: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ مطابقًا لقوله ﷾: ﴿أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾.\rويكون تخييبهم وإبطال ما راموه هو تركهم في ظلمات الحيرة لا يهتدون إلى التخلص مما وقعوا فيه ولا يبصرون سبيلا بل هم صم بكم عمي، وهذا التقدير وإن كان حقا ففي كونه مرادًا بالآية نظر، فإن السياق إنما قُصِد لغيره ويأباه قوله ﷾ ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ وموقد نار الحرب لا يضيء ما حوله أبدًا، ويأباه قوله ﷾ ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ وموقد نار الحرب لا نور له ويأباه قوله ﷾ ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ وهذا يقتضي أنهم انتقلوا من نور المعرفة والبصيرة إلى ظلمة الشك والكفر.\r• قال الحسن ﵀: هو المنافق أبصر ثم عمي وعرف ثم أنكر (¬٢).\rولهذا قال: ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ (¬٣) أي: لا يرجعون إلى النور الذي فارقوه، وقال ﷾ في حق الكفار: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١)﴾ فسلب العقل عن الكفار، إذ لم يكونوا من أهل البصيرة والإيمان، وسلب الرجوع عن المنافقين","footnotes":"(¬١) صحيح: أخرجه أحمد (١/ ٤٣٥). وانظر: حاشية «الاعتصام» (ص/ ٤٤) ط ابن رجب.\r(¬٢) ذكره ابن أبي حاتم «التفسير» وأسند نحوه (١٨٥) عن عطاء وإسناده ضعيف.\r(¬٣) قال قتادة: قوله ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾: صمٌّ عن الحق فلا يسمعونه، عميٌ عن الحق فلا يبصرونه، بُكمٌ عن الحق فلا ينطقون به. أخرجه الطبري في «التفسير» (٤٠١) بإسناد حسن.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288648,"book_id":1319,"shamela_page_id":141,"part":null,"page_num":143,"sequence_num":28,"body":"٢٨ - قال ﷾: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٠)﴾ [النحل: ٦٠].\rأنه سبحانه وصف نفسه بأن له المثل الأعلى، فقال ﷾: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٠)﴾ [النحل: ٦٠].\rوقال ﷾: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)﴾ [الروم: ٢٧].\rفجعل مثل السوء المتضمن للعيوب والنقائص وسلب الكمال للمشركين وأربابهم، وأخبر أن المثل الأعلى المتضمن لإثبات الكمالات كلها له وحده؛ ولهذا كان المثل الأعلى وهو أفعل تفضيل، أي: أعلى من غيره فكيف يكون أعلى وهو عدم محض ونفي صرف، وأي مثل أدنى من هذا؟ ﷾ الله عن قول المعطلين علوًّا كبيرًا.\rفمثل السوء لعادم صفات الكمال؛ ولهذا جعله مثل الجاحدين لتوحيده، وكلامه، وحكمته؛ لأنهم فقدوا الصفات التي من اتصف بها كان كاملًا.\rوهي: الإيمان، والعلم، والمعرفة، واليقين، والعبادة لله، والتوكل عليه، والإنابة إليه، والزهد في الدنيا، والرغبة في الآخرة، والصبر، والرضا، والشكر، وغير ذلك من الصفات التي اتصف بها من آمن بالآخرة، فلما سلبت تلك الصفات عنهم، وهي صفات كمال صار لهم مثل السوء فمن سلب صفات الكمال عن الله، وعلوه على خلقه، وكلامه وعلمه وقدرته ومشيئته وحياته، وسائر ما وصف به نفسه، فقد جعل له مثل السوء، ونزهه عن المثل الأعلى فإن مثل السوء هو العدم، وما يستلزمه، وضده المثل الأعلى، وهو: الكمال المطلق المتضمن للأمور الوجودية والمعاني الثبوتية التي كلما كانت أكثر في الموصوف وأكمل كان أعلى من غيره، ولما كان الرب ﷾ هو الأعلى، ووجهه الأعلى، وكلامه الأعلى،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288652,"book_id":1319,"shamela_page_id":145,"part":null,"page_num":147,"sequence_num":29,"body":"٢٩ - قال ﷾: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧٤)﴾\r[النحل: ٧٤].\rفنهاهم أن يضربوا له مثلًا من خلقه، ولم ينههم أن يضربوه هو مثلًا لخلقه؛ فإن هذا لم يقله أحد، ولم يكونوا يفعلونه؛ فإن الله سبحانه أجل وأعظم وأكبر من كل شيء في فطر الناس كلهم، ولكن المشبهون المشركون يغلون فيمن يعظمونه فيشبهونهم بالخالق، والله ﷾ أجل في صدور جميع الخلق من أن يجعلوا غيره أصلا ثم يشبهونه سبحانه بغيره فالذي يشبهه بغيره إن قصد تعظيمه لم يكن في هذا تعظيم؛ لأنه مثل أعظم العظماء بما هو دونه، بل بما ليس بينه وبينه نسبة وشبه في العظمة والجلالة، وعاقل لا يفعل هذا.\rوإن قصد التنقيص شبهه بالناقصين المذمومين لا بالكاملين الممدوحين.\rومن هنا يعلم أن إثبات صفات الكمال له لا يتضمن التشبيه والتمثيل لا بالكاملين ولا بالناقصين، وأن نفي تلك الصفات يستلزم تشبيهه بأنقص الناقصين.\rفانظر إلى الجهمية وأتباعهم جاءوا إلى التشبيه المذموم فأعرضوا عنه صفحًا وجاءوا إلى الكمال والمدح فجعلوه تشبيهًا وتمثيلًا عكس ما يثبته القرآن وجاء به من كل وجه (¬١).\r* * *","footnotes":"(¬١) «إغاثة اللهفان» (٢/ ٢٣٠)","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288537,"book_id":1319,"shamela_page_id":30,"part":null,"page_num":32,"sequence_num":30,"body":"سفره وصانع عن صنعته، ولا بصيرة له تنفذ إلى ما يؤول إليه أمر ذلك الصيب من الحياة والنفع العام. وهكذا شأن كل قاصر النظر ضعيف العقل لا يجاوز نظره الأمر المكروه الظاهر إلى ما وراءه من كل محبوب.\rوهذه حال أكثر الخلق إلا من صحت بصيرته، فإذا رأى ضعيف البصيرة ما في الجهاد من التعب والمشاق والتعرض لتلاف المهج (¬١) والجراحات الشديدة وملامة اللوام ومعاداة من يخاف معاداته لم يقدم عليه لأنه لم يشهد ما يؤول إليه من العواقب الحميدة والغايات التي إليها تسابق المتسابقون، وفيها تنافس المتنافسون.\rوكذلك من عزم على سفر الحج إلى البيت الحرام، فلم يعلم من سفره ذلك إلا مشقة السفر ومفارقة الأهل والوطن، ومقاساة الشدائد وفراق المألوفات ولا يجاوز نظره وبصيرته آخر ذلك السفر ومآله وعاقبته فإنه لا يخرج إليه ولا يعزم عليه، وحال هؤلاء حال ضعيف البصيرة والإيمان الذي يرى ما في القرآن من الوعد والوعيد والزواجر والنواهي والأوامر الشاقة على النفوس التي تفطمها عن رضاعها من ثدي المألوفات والشهوات، والفطام على الصبي أصعب شيء وأشقه.\rوالناس كلهم صبيان العقول، إلا من بلغ مبالغ الرجال العقلاء الألباء (¬٢) وأدرك الحق علمًا وعملًا ومعرفة فهو الذي ينظر إلى ما وراء الصيب وما فيه من الرعد والبرق والصواعق، ويعلم أنه حياة الوجود.","footnotes":"(¬١) أَي: الروحُ. «لسان العرب» (مادة: مهج).\r(¬٢) الألباء: جمع لبيب وهو: العاقل.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288653,"book_id":1319,"shamela_page_id":146,"part":null,"page_num":148,"sequence_num":30,"body":"٣٠ - قال ﷾: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٧٥) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦)﴾ [النحل: ٧٥، ٧٦].\rهَذَانِ مَثَلَانِ مُتَضَمِّنَانِ قِيَاسَيْنِ مِنْ قِيَاسِ الْعَكْسِ، وَهُوَ نَفْيُ الْحُكْمِ لِنَفْيِ عِلَّتِهِ وَمُوجِبِهِ، فَإِنْ الْقِيَاسَ نَوْعَانِ:\rقِيَاسُ طَرْدٍ: يَقْتَضِي إثْبَاتَ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ لِثُبُوتِ عِلَّةِ الْأَصْلِ فِيهِ.\rوَقِيَاسُ عَكْسٍ: يَقْتَضِي نَفْيَ الْحُكْمِ عَنْ الْفَرْعِ لِنَفْيِ عِلَّةِ الْحُكْمِ فِيهِ.\rفَالمَثَلُ الْأَوَّلُ مَا ضَرَبَهُ اللهُ سُبْحَانَهُ لِنَفْسِهِ وَلِلْأَوْثَانِ، فَاللهُ سُبْحَانَهُ هُوَ المَالِكُ لِكُلِّ شَيْءٍ، يُنْفِقُ كَيْف يَشَاءُ عَلَى عَبِيدِهِ سِرًّا وَجَهْرًا وَلَيْلًا وَنَهَارًا، «يَمِينُهُ مَلْأَى لَا تَغِيضُهَا نَفَقَةُ سَحَّاءَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ» (¬١) وَالْأَوْثَانُ مَمْلُوكَةٌ عَاجِزَةٌ لَا تَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ، فَكَيْف تَجْعَلُونَهَا شُرَكَاءَ لِي وَتَعْبُدُونَهَا مِنْ دُونِي مَعَ هَذَا التَّفَاوُتِ الْعَظِيمِ وَالْفَرْقِ المُبِينِ؟ هَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ (¬٢) وغَيْرِهِ.","footnotes":"(¬١) يشير إلى ما أخرجه «البخاري» رقم (٤٦٨٤)، ومسلم رقم (٩٩٣) عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «يَدُ اللهِ مَلأَى لَا يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَقَالَ: أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِى يَدِهِ، وَقَالَ: عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ وَبِيَدِهِ الأُخْرَى الْمِيزَانُ يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ».\r(¬٢) في إسناده مقال: أخرجه الطبري في «التفسير» رقم (٣١٦٠٣) من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288538,"book_id":1319,"shamela_page_id":31,"part":null,"page_num":33,"sequence_num":31,"body":"• وقال الزمخشري (¬١): لقائل أن يقول: شبه دين الإسلام بالصيب لأن القلوب تحيا به حياة الأرض بالمطر، وما يتعلق به من تشبه الكفار بالظلمات. وما فيه من الوعد والوعيد بالرعد والبرق. وما يصيب الكفرة من الإقراع من البلايا والفتن من جهة أهل الإسلام بالصواعق.\rوالمعنى: أو كمثل ذوي صيب، والمراد: كمثل قوم أخذتهم السماء على هذه الصفة فلقوا منها ما لقوا.\rقال: والصحيح الذي عليه علماء أهل البيان لا يتخطونه: إن التمثلين جميعًا من جهة التمثلات المركبة دون المفرقة لا يتكلف لواحد واحد شيء يقدر شبهه به. وهذا القول الفحل والمذهب الجزل بيانه أن العرب تأخذ أشياء فرادى معزولا بعضها من بعض لم تأخذ هذا بحجزة ذاك فتشبهها بنظائرها كما جاء في القرآن حيث شبه كيفية حاصلة من مجموع أشياء قد تضامت وتلاصقت حتى عادت شيئًا واحدًا بأخرى مثلها، كقوله ﷾ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا … الآية﴾ [الجمعة: ٥].\rالغرض تشبيه حال اليهود في جهلها بما معها من التوراة وآياتها الباهرة بحال الحمار في جهله بما يحمل من أسفار الحكمة؛ وتساوي الحالتين عنده من حمل أسفار الحكمة وحمل ما سواها من الأوقار ولا يشعر من ذلك إلا بما يمر بدفيه من\rالكد والتعب وكقوله ﷾ ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ … الآية﴾ [الكهف: ٤٥].","footnotes":"(¬١) «الكشاف» (١/ ٨٦). قال الذهبي في «السير» (٢٠/ ١٥١): العلامة، كبير المعتزلة، أبو القاسم محمود بن عمر بن محمد الزمخشري الخوارزمي النحوي، صاحب «الكشاف» و «المفصل»، وكان داعية إلى الاعتزال، الله يسامحه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288660,"book_id":1319,"shamela_page_id":153,"part":null,"page_num":155,"sequence_num":31,"body":"٣١ - قال ﷾: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٩١) وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٩٢)﴾ [النحل: ٩١، ٩٢].\rقال ﷾: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١].\rوقال ﷾: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ [البقرة: ١٧٧].\rوهذا يتناول عهودهم مع الله بالوفاء له بالإخلاص والإيمان والطاعة وعهودهم مع الخلق وأخبر النبي ﷺ: أن من علامات النفاق الغدر بعد العهد فما أناب إلى الله ﷿ من خان عهده وغدر به، كما أنه لم ينب إليه من لم يدخل تحت عهده فالإنابة لا تتحقق إلا بالتزام العهد والوفاء به (¬١).\rقوله ﷾: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾ (¬٢) فَعَيَّرَ ﷾ مَنْ نَقَضَ شَيْئًا بَعْدَ أَنْ أَثْبَتَهُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ إثْبَاتُهُ مُؤَدِّيًا إلَى نَفْيِهِ وَإِبْطَالِهِ كَانَ بَاطِلًا (¬٣).","footnotes":"(¬١) «مدارج السالكين» (٢/ ٨).\r(¬٢) أخرج الطبري بإسناد حسن عن قتادة: قوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾ فلو سمعتم بامرأة نقضت غزلها من بعد إبرامه لقلتم: ما أحمق هذه! وهذا مثل ضربه الله لمن نكث عهده.\r(¬٣) انظر: «إعلام الموقعين» (٤/ ٢٠٩).\rقال الطبري: يقول تعالى ذكره ناهيًا عباده عن نقض الأيمان بعد توكيدها، وآمرًا بوفاء العهود، وممثلًا ناقض ذلك بناقضة غزلها من بعد إبرامه وناكثته من بعد إحكامه: ولا تكونوا أيها الناس في نقضكم أيمانكم بعد توكيدها وإعطائكم الله =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288539,"book_id":1319,"shamela_page_id":32,"part":null,"page_num":34,"sequence_num":32,"body":"المراد قلة بقاء زهرة الدنيا كقلة بقاء هذا النبات. فأما أن يراد تشبيه الأفراد بالأفراد غير منوط بعضها ببعض ومصيره شيئًا واحدًا فلا. كذلك لما وصف وقوع المنافقين في ضلالتهم وما خبطوا فيه من الحيرة والدهشة، شبهت حيرتهم وشدة الأمر عليهم بما يكابد من طفئت ناره بعد إيقادها في ظلمة الليل، وكذلك من أخذته السماء في الليلة المظلمة مع رعد وبرق وخوف من الصواعق.\rقال: (¬١) إن قلت أي التمثيلين أبلغ؟ قلت: الثاني؛ لأنه أدل على فرط الحيرة وشدة الأمر وفظاعته؛ ولذلك أخر، وهم يتدرجون في مثل هذا من الأهون إلى الأغلظ.\r* * *","footnotes":"(¬١) أي: الزمخشري.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288661,"book_id":1319,"shamela_page_id":154,"part":null,"page_num":156,"sequence_num":32,"body":"٣٢ - قال ﷾: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢)﴾ [النحل: ١١٢].\rفتأمل كيف جمع بين الذوق واللباس؛ ليدل على مباشرة المذوق وإحاطته وشموله، فأفاد الإخبار عن إذاقته أنه واقع مباشر غير منتظر، فإن الخوف قد يتوقع ولا يباشر، وأفاد الإخبار عن لباسه أنه محيط شامل كاللباس للبدن (¬١).","footnotes":"= بالوفاء بذلك العهود والمواثيق ﴿غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ﴾ يعني: من بعد إبرام. وكان بعض أهل العربية يقول: القوّة: ما غُزِل على طاقة واحدة ولم يثن. وقيل: إن التي كانت تفعل ذلك امرأة حمقاء معروفة بمكة.\r(¬١) مدارج السالكين (٣/ ٨٧).\rقال ابن كثير ﵀: هذا مثل أريد به أهل مكة، فإنها كانت آمنة مطمئنة مستقرة يُتخطَّف الناس من حولها، ومن دخلها آمن لا يخاف، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾ [القصص: ٥٧]، وهكذا قال هاهنا: ﴿يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا﴾ أي: هنيئًا سهلًا ﴿مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ أي: جحدت آلاء الله عليها وأعظم ذلك بعثة محمد ﷺ إليهم، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢٩)﴾ [إبراهيم: ٢٨، ٢٩]. ولهذا بدَّلهم الله بحاليهم الأولين خلافهما، فقال: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ أي: ألبسها وأذاقها الجوع بعد أن كان يُجبى إليهم ثمرات كل شيء، ويأتيها رزقها رغدًا من كل مكان، وذلك لما استعصوا على رسول الله ﷺ وأبوا إلا خلافه، فدعا عليهم بسبع كسبع يوسف، فأصابتهم سنة أذهبت كل شيء لهم، فأكلوا العِلْهِز -وهو: وبر البعير، يجعل بدمه إذا نحروه.\rوقوله: ﴿وَالْخَوْفِ﴾ وذلك بأنهم بُدِّلوا بأمنهم خوفًا من رسول الله ﷺ وأصحابه، حين هاجروا إلى المدينة، من سطوة سراياه وجُيوشه، وجعلوا كل ما لهم في سفَال ودمار، =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288540,"book_id":1319,"shamela_page_id":33,"part":null,"page_num":35,"sequence_num":33,"body":"أقسام الناس في الهدى\rالذي بعث الله به نبيه ﷺ\r* قلت: قال «شيخنا» (¬١): الناس في الهدى الذي بعث الله ﷾ به رسوله ﷺ أربعة أقسام قد اشتملت عليهم هذه الآيات من أول السورة إلى ههنا.\r* القسم الأول: قبلوه ظاهرًا وباطنًا، وهم نوعان:\r- أحدهما: أهل الفقه فيه، والفهم والتعليم، وهم الأئمة الذين عقلوا عن الله ﷾ كتابه وفهموا مراده وبلغوه إلى الأمة واستنبطوا أسراره وكنوزه، فهؤلاء مثل الأرض الطيبة التي قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير فرعى الناس فيه ورعت أنعامهم؛ وأخذوا من ذلك الكلأ الغذاء والقوت والدواء وسائر ما يصلح لهم.\r- النوع الثاني: حفظوه وضبطوه وبلغوا ألفاظه إلى الأمة فحفظوا عليهم النصوص، وليسوا من أهل الاستنباط والنفقة في مراد الشارع، فهم أهل حفظ وضبط وأداء لما سمعوه، والأولون أهل فهم وفقه واستنباط وإثارة لدفائنه وكنوزه، وهذا النوع الثاني بمنزلة الأرض التي أمسكت الماء للناس فوردوه وشربوا منه وسقوا منه أنعامهم وزرعوا به.","footnotes":"(¬١) أي: شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية ﵀.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288662,"book_id":1319,"shamela_page_id":155,"part":null,"page_num":157,"sequence_num":33,"body":"سورة الإسراء\r٣٣ - قال ﷾: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٨].\rمثلوك بالشاعر مرة، والساحر أخرى، والمجنون مرة، والمسحور أخرى، فضلوا في جميع ذلك ضلال من يطلب في تِيهه وتحيُّره طريقاً يسلكه فلا يقدر عليه، فإن أي طريق أخذها فهي طريق ضلال وحيرة، فهو متحير في أمره لا يهتدي سبيلًا، ولا يقدر على سلوكها، فهكذا حال أعداء رسول الله معه، حتى ضربوا له","footnotes":"= حتى فتحها الله عليهم وذلك بسبب صنيعهم وبغيهم وتكذيبهم الرسول الذي بعثه الله فيهم منهم، وامتن به عليهم في قوله: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤]، وقال تعالى: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الطلاق: ١٠، ١١] الآية وقوله: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥١، ١٥٢].\rوكما أنه انعكس على الكافرين حالهم، فخافوا بعد الأمن، وجاعوا بعد الرغد، بَدَّل الله المؤمنين من بعد خوفهم أمنًا، ورزقهم بعد العَيْلَة، وجعلهم أمراء الناس وحكامهم، وسادتهم وقادتهم وأئمتهم.\rوهذا الذي قلناه من أن هذا المثل مضروب لمكة، قاله العوفي، عن ابن عباس. وإليه ذهب مجاهد، وقتادة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وحكاه مالك عن الزهري، ﵏.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288541,"book_id":1319,"shamela_page_id":34,"part":null,"page_num":36,"sequence_num":34,"body":"فَصْلٌ\r* القسم الثاني: من ردَّه ظاهرًا وباطنًا وكفر به ولم يرفع به رأسًا، وهؤلاء أيضا نوعان:\r- أحدهما: عرفه وتيقن صحته، وأنه حق ولكنه حمله الحسد والكبر وحب الرياسة والملك والتقدم بين قومه على جحده ودفعه بعد البصيرة واليقين.\r- النوع الثاني: أتباع هؤلاء الذين يقولون هؤلاء ساداتنا وكبراؤنا وهم أعلم منا بما يقبلونه وما يردونه، ولنا أسوة بهم ولا نرغب بأنفسنا عن أنفسهم، ولو كان حقًّا لكانوا هم أهله وأولى بقبوله، وهؤلاء بمنزلة الدواب والأنعام يساقون حيث يسوقهم راعيهم وهم الذين قال الله فيهم ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)﴾ [البقرة: ١٦٦].\rوقال ﷾ فيهم ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (٦٦) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٦٦ - ٦٨].\rوقال ﷾ فيهم: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (٤٧) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (٤٨)﴾ [غافر: ٤٧ - ٤٨].\rوقال فيهم: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (٥٨) هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ (٥٩) قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ (٦٠)﴾ [ص: ٥٧ - ٦٠] أي: سننتموه لنا وشرعتموه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288664,"book_id":1319,"shamela_page_id":157,"part":null,"page_num":159,"sequence_num":34,"body":"سورة الكهف\r٣٤ - قال ﷾: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (٣٢) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (٣٣) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (٣٤)﴾\r[الكهف: ٣٢ - ٣٤] (¬١).","footnotes":"(¬١) استشهد بها العلامة ابن القيم في قوله تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ [البقرة: ٢٦٦] وهو يجمع بين ﴿جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ [البقرة: ٢٦٦] و ﴿لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: ٢٦٦] وكان وجه الجمع أن أكثر أشجار الجنة من نخيل وأعناب ولا ينفي هذا ما سواه من ثمار مشتهاة. «طريق الهجرتين» (٢/ ٨٠٩).\rقال بعض المفسرين: بيِّن - أيها الرسول - في شأن الكفار الأغنياء مع المؤمنين الفقراء مثلًا وقع فيما سلف بين رجلين: كافر ومؤمن، وللكافر حديقتان من أعناب، وأحطناهما بالنخيل زينة وفائدة، وجعلنا بين الجنتين زرعًا نضِرًا مثمرًا.\rوقد أثمرت كل واحدة من الجنتين ثمرها ناضجًا موفورًا، ولم تنقص منه شيئًا، وفجَّرنا نهرًا ينساب خلالهما.\rوكان لصاحب الجنتين أموال أخرى مثمرة، فداخله الزهو بتلك النعم، فقال لصاحبه المؤمن في غرور وهما يتناقشان: أنا أكثر منك مالًا وأقوى عشيرة ونصيرًا. ثم دخل إحدى جنتيه مع صاحبه المؤمن، وهو مأخوذ بغروره فقال: ما أظن أن تفنى هذه الجنة أبدًا!، وما أظن القيامة حاصلة، ولو فرض ورجعت إلى ربي بالبعث كما تزعم، والله لأجدن خيرًا من هذه الجنة عاقبة لي؛ لأنني أهل للنعيم في كل حال، فهو يقيس الغائب على الحاضر، ولا يعلم أن الغائب فيه الجزاء على الإيمان وفعل الخير.\rقال صاحبه المؤمن مجيبًا له: أتسوغ لنفسك أن تكفر بربك الذي خلق أصلك آدم من تراب، ثم من نطفة مائية، ثم صوّرك رجلًا كاملًا، فإن اعتززت بمالك =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288542,"book_id":1319,"shamela_page_id":35,"part":null,"page_num":37,"sequence_num":35,"body":"﴿قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ (٦١)﴾ [ص: ٦١] فقولهم: لا مرحبًا بهم إنهم صالوا النار أي: داخلوها كما دخلناها، ومقاسون عذابها كما نقاسيه، فأجابهم الأتباع وقالوا: ﴿قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا﴾\r[ص: ٦٠].\r* وفي الضمير قولان:\r- أحدهما: أنه ضمير الكفر والتكذيب ورد قول الرسول ﷺ واستبدال غيره به، والمعنى أنتم زينتم لنا الكفر ودعوتمونا إليه وحسنتموه لنا؛ وقيل على هذا القول: إنه قول الأمم المتأخرين للمتقدمين، والمعنى على هذا: أنتم شرعتم لنا تكذيب الرسل ورد ما جاءوا به والشرك بالله ﷾؛ وبدأتم به وتقدمتمونا إليه؛ فدخلتم النار قبلنا فبئس القرار، أي: بئس المستقر والمنزل.\r- والقول الثاني: أن الضمير في قوله: ﴿أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا﴾ ضمير العذاب وصلي النار، والقولان متلازمان، وهما حق.\rوأما القائلون ﴿رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ (٦١)﴾ فيجوز أن يكون الأتباع دعوا على سادتهم وكبرائهم وأئمتهم به لأنهم الذين حملوهم عليه ودعوهم إليه، ويجوز أن يكون جميع أهل النار سألوا ربهم أن يزيد من سن لهم الشرك وتكذيب الرسل صلى الله عليهم وسلم ضعفًا وهم الشياطين.\r* * *","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288665,"book_id":1319,"shamela_page_id":158,"part":null,"page_num":160,"sequence_num":35,"body":"٣٥ - قال ﷾: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (٤٥)﴾ [الكهف: ٤٥].\rالمراد: قلة بقاء زهرة الدنيا كقلة بقاء هذا النبات (¬١).","footnotes":"= وعشيرتك، فاذكر ربك وأصلك الذي هو من الطين.\rلكن أقول: إن الذي خلقني وخلق هذا العالم كله هو الله ربي، وأنا أعبده - وحده - ولا أشرك معه أحدًا.\rولولا قلت عند دخولك جنتك والنظر إلى ما فيها: هذا ما شاء الله ولا قوة لي على تحصيله إلا بمعونة الله، فيكون ذلك شكرًا كفيلًا بدوام نعمتك.\rثم قال له: إن كنت تراني أقل منك مالًا وأقل ولدًا ونصيرًا، فلعل ربي يعطيني خيرًا من جنتك في الدنيا أو الآخرة، ويرسل على جنتك قدَرًا قدَّره لها كصواعق من السماء، فتصير أرضًا ملساء لا ينبت فيها شيء، ولا يثبت عليها قدم.\rأو يصير ماؤها غائرًا في الأرض لا يمكن الوصول إليه، فلا تقدر على إخراجه لسقيها.\rقد عاجل الله الكافر، وأحاطت المهلكات بثمار جنته، وأهلكتها، وأبادت أصولها، فأصبح يقلب كفيه ندمًا وتحسرًا على ما أنفق في عمارتها، ثم عاجلها الخراب، فتمنى أن لم يكن أشرك بربه أحدًا.\rعند هذه المحنة لم تكن له عشيرة تنصره من دون الله كما كان يعتز، وما كان هو بقادر على نصرة نفسه.\rفإن النصرة في كل حال ثابتة لله الحق - وحده - وهو - سبحانه - خير لعبده المؤمن يجزل له الثواب ويحسن له العاقبة.\r(¬١) «اجتماع الجيوش الإسلامية» (١/ ٧١) ط الرشد، وانظر: «المثل الثاني من سورة البقرة»، و «عدة الصابرين» (ص/ ٣٣٣) ط عالم الفوائد.\rقال ابن كثير ﵀: يقول تعالى: ﴿وَاضْرِبْ﴾ يا محمد للناس ﴿مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ في زوالها وفنائها وانقضائها ﴿كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾ أي: ما فيها من الحَبّ، فشب وحسن، وعلاه الزهر والنور والنضرة =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288543,"book_id":1319,"shamela_page_id":36,"part":null,"page_num":38,"sequence_num":36,"body":"فَصْلٌ\r* القسم الثالث: من أقسام الناس في الهدى الذي بعث الله به نبيه ﷺ:\rالذين قبلوا ما جاء به الرسول ﷺ وآمنوا به ظاهرًا وجحدوه وكفروا به باطنًا، وهم المنافقون الذين ضرب لهم هذان المثلان بمستوقد النار وبالصيب، وهم أيضا نوعان:\r- أحدهما: من أبصر ثم عَمِي، وعلم ثم جهل، وأقر ثم أنكر، وآمن ثم كفر، فهؤلاء رؤوس أهل النفاق وسادتهم وأئمتهم، ومثلهم مثل من استوقد نارًا ثم حصل بعدها على الظلمة.\r- والنوع الثاني: ضعفاء البصائر الذين أعشى بصائرهم ضوء البرق فكاد أن يخطفها لضعفها وقوته، وأصم أذنهم صوت الرعد فهم يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق، ولا يقربون من سماع القرآن والإيمان بل يهربون منه، ويكون حالهم حال من يسمع الرعد الشديد، فمن شدة خوفه منه يجعل أصابعه في أذنه.\rوهذه حال كثير من خفافيش البصائر في كثير من نصوص الوحي، إذا وردت عليه مخالفة لما تلقاه عن أسلافه وذوي مذهبه ومن يحسن به الظن ورآها مخالفة لما عنده عنهم هرب من النصوص وكره من يسمعه إياها، ولو أمكنه لسد أذنيه عند سماعها ويقول: دعنا من هذه ولو قدر لعاقب من يتلوها ويحفظها وينشرها ويعلمها. فإذا ظهر له منها ما يوافق ما عنده مشى فيها وانطلق، فإذا جاءت بخلاف ما عنده أظلمت عليه فقام حائرًا لا يدري أين يذهب ثم يعزم له التقليد وحسن الظن برؤسائه وسادته على اتباع ما قالوه دونها، ويقول مسكين الحال: هم أخبر بها مني وأعرف.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288666,"book_id":1319,"shamela_page_id":159,"part":null,"page_num":161,"sequence_num":36,"body":"سورة الحج\r٣٦ - قال ﷾: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (٣١)﴾ [الحج: ٣١].\rفَتَأَمَّلْ هَذَا المَثَلَ وَمُطَابَقَتَهُ لِحَالِ مَنْ أَشْرَكَ بِالله وَتَعَلَّقَ بِغَيْرِهِ، وَنحو ذلك.\rفِي هَذَا التَّشْبِيهِ أَمْرَانِ:\r* أَحَدُهُمَا: أَنْ تَجْعَلَهُ تَشْبِيهًا مُرَكَّبًا، وَيَكُونُ قَدْ شَبَّهَ مَنْ أَشْرَكَ بِاللهِ وَعَبَدَ مَعَهُ غَيْرَهُ بِرَجُلٍ قَدْ تَسَبَّبَ إلَى هَلَاكِ نَفْسِهِ هَلَاكًا لَا يُرْجَى مَعَهُ نَجَاةٌ، فَصَوَّرَ حاله بِصُورَةِ مَنْ خَرَّ مِنْ السَّمَاءِ فَاخْتَطَفَتْهُ الطَّيْرُ فِي الهوي فَتَمَزَّقَ مِزَعًا فِي حَوَاصِلِهَا، أَوْ","footnotes":"= ثم بعد هذا كله ﴿فَأَصْبَحَ هَشِيمًا﴾ يابسًا ﴿تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ أي: تفرقه وتطرحه ذات اليمين وذات الشمال ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ أي: هو قادر على هذه الحال وهذه الحال، وكثيرًا ما يضرب الله مثل الحياة الدنيا بهذا المثل كما في سورة يونس: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ﴾ الآية [يونس: ٢٤]، وقال في سورة الزمر: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٢١)﴾ [الزمر: ٢١]، وقال في سورة الحديد: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (٢٠)﴾ [الحديد: ٢٠].\rوفي الحديث الصحيح: «الدنيا حلوة خضرة».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288544,"book_id":1319,"shamela_page_id":37,"part":null,"page_num":39,"sequence_num":37,"body":"فيالله العجب، أو ليس أهلها والذابون عنها والمنتصرون لها والمعظمون لها والمخالفون لأجلها آراء الرجال المقدمون لها على ما خالفها أعرف بها أيضًا منك وممن اتبعته.\rفلم كان من خالفها وعزلها عن اليقين وزعم أن الهدى والعلم لا يستفاد منها، وأنها أدلة لفظية لا تفيد شيئًا من اليقين، ولا يجوز أن يحتج بها على مسألة واحدة من مسائل التوحيد والصفات، ويسميها الظواهر النقلية، ويسمي ما خالفها القواطع العقلية.\rفلم كان هؤلاء أحق بها وأهلها وكان أنصارها والذابُّون عنها والحافظون لها هم أعداؤها ومحاربوها، ولكن هذه سنة الله في أهل الباطل أنهم يعادون الحق وأهله، وينسبونهم إلى معاداته ومحاربته كالرافضة الذين عادوا أصحاب محمد ﷺ بل وأهل بيته، ونسبوا أتباعه وأهل سنته إلى معاداته ومعاداة أهل بيته،\r﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٤)﴾ [الأنفال: ٣٤].\rوالمقصود أن هؤلاء المنافقين قسمان:\rأئمة وسادة يدعون إلى النار وقد مردوا على النفاق، وأتباع لهم بمنزلة الأنعام والبهائم. فأولئك زنادقة مستبصرون وهؤلاء زنادقة مقلدون، فهؤلاء أصناف بني آدم في العلم والإيمان، ولا يجاوز هذه السنة اللهم إلا من أظهر الكفر وأبطن الإيمان كحال المستضعف بين الكفار الذي تبين له الإسلام ولم يمكنه المجاهرة بخلاف قومه، ولم يزل هذا الضرب في الناس على عهد رسول الله ﷺ وبعده، وهؤلاء عكس المنافقين من كل وجه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288668,"book_id":1319,"shamela_page_id":161,"part":null,"page_num":163,"sequence_num":37,"body":"٣٧ - قال ﷾: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣)﴾ [الحج: ٧٣] (¬١).\rحَقِيقٌ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ أَنْ يَسْتَمِعَ لِهَذَا المَثَلِ، وَيَتَدَبَّرَهُ حَقَّ تَدَبُّرِهِ، فَإِنَّهُ يَقْطَعُ مَوَارد الشِّرْكِ مِنْ قَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ المَعْبُودَ أَقَلُّ دَرَجَاتِهِ أَنْ يَقْدِرَ عَلَى إيجَادِ مَا يَنْفَعُ عَابِده وَإِعْدَامِ مَا يَضُرُّهُ، وَالْآلِهَةُ الَّتِي يَعْبُدُهَا المُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ تَقْدِرَ عَلَى خَلْقِ ذُّبَاب وَلَو اجْتَمَعُوا كُلُّهُمْ لِخَلْقِهِ، فَكَيْفَ مَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ؟ وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَى الِانْتِصَارِ مِنْ الذُّبَابِ إذَا سَلَبَهُمْ شَيْئًا مِمَّا عَلَيْهِمْ مِنْ طِيبٍ وَنَحْوِهِ فَيَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ، فَلَا هُمْ قَادِرُونَ عَلَى خَلْقِ الذُّبَابِ الَّذِي هُوَ مِنْ أَضْعَفِ الْحَيَوَانَاتِ، وَلَا عَلَى الِانْتِصَارِ مِنْهُ وَاسْتِرْجَاعِ مَا يسلبهُمْ إيَّاهُ، فَلَا أَعْجزَ مِنْ هَذِهِ الْآلِهَةِ، وَلَا أَضْعَفَ مِنْهَا، كَيْفَ يَسْتَحْسِنُ عَاقِلٌ عِبَادَتَهَا مِنْ دُونِ الله ﷾؟!\rوَهَذَا المَثَلُ مِنْ أَبْلَغِ مَا أَنْزَلَهُ اللهُ سُبْحَانَهُ فِي بُطْلَانِ الشِّرْكِ، وَتَجْهِيلِ أَهْلِهِ، وَتَقْبِيحِ عُقُولِهِمْ، وَالشَّهَادَةِ عَلَى أَنَّ الشَّياطينَ قَدْ تَلَاعَب بِهِمْ أَعْظَمَ مِنْ تَلَاعُبِ الصِّبْيَانِ بِالْكُرَةِ، حَيْثُ أَعطوا الْإِلَهِيَّةَ الَّتِي مِنْ بَعْضِ لَوَازِمِهَا الْقُدْرَةُ عَلَى جَمِيعِ المَقْدُورَاتِ، وَالْإِحَاطَةُ بِجَمِيعِ المَعْلُومَاتِ، وَالْغِنَى عَنْ جَمِيعِ المَخْلُوقَاتِ، وَأَنْ يصمدَ إلَى الرَّبِّ فِي جَمِيعِ الْحَاجَاتِ، وَتَفْرِيجِ الْكُرُبَاتِ، وَإِغَاثَةِ اللَّهَفَاتِ، وَإِجَابَةِ الدَّعَوَاتِ، فَأَعْطَوْهَا صُوَرًا وَتَمَاثِيلَ تمتَنِعُ عَلَيْهَا الْقُدْرَةُ عَلَى مَخْلُوقَاتِ الآلِهَةِ الْحَقِّ وَأَذَلِّهَا وَأَصْغَرِهَا وَأَحْقَرِهَا، وَلَو اجْتَمَعُوا لِذَلِكَ وَتَعَاوَنُوا عَلَيْهِ.","footnotes":"(¬١) أخرجه الطبري بإسناد صحيح إلى ابن زيد في قوله: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا﴾ … إلى آخر الآية، قال: هذا مثل ضربه الله لآلهتهم، وقرأ: ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٤)﴾ حين يعبدون مع الله ما لا ينتصف من الذباب ولا يمتنع منه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288545,"book_id":1319,"shamela_page_id":38,"part":null,"page_num":40,"sequence_num":38,"body":"• [موجز لأقسام الناس في الهدى الذي بعث الله به رسوله ﷺ.\rوعلى هذا فالناس إما مؤمن ظاهرًا وباطنًا وإما كافر ظاهرًا وباطنًا وإما مؤمن ظاهرًا كافر باطنًا وإما كافر ظاهرًا مؤمن باطنًا، والأقسام الأربعة قد اشتمل عليها الوجود، وقد بين القرآن أحكامها، فالأقسام الثلاثة الأول ظاهرة، وقد اشتمل عليها أول سورة البقرة.\r* القسم الرابع: من أقسام الناس في الهدى الذي بعث الله به رسوله ﷺ.\rوأما القسم الرابع: ففي قوله ﷾: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ﴾ [الفتح: ٢٥] فهؤلاء كانوا يكتمون إيمانهم في قومهم ولا يتمكنون من إظهاره، ومن هؤلاء: مؤمن آل فرعون الذي كان يكتم إيمانه، ومن هؤلاء النجاشي الذي صلى عليه رسول الله ﷺ (¬١).\rفإنه كان ملك النصارى بالحبشة وكان في الباطن مؤمنًا، وقد قيل: إنه وأمثاله الذين عناهم الله ﷿ بقوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ١٩٩].\rوقوله ﷾: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤)﴾ [آل عمران: ١١٣ - ١١٤].\rفإن هؤلاء ليس المراد بهم التمسك باليهودية والنصرانية بعد محمد ﷺ قطعًا فإن هؤلاء قد شهد لهم بالكفر وأوجب لهم النار، فلا يثنى عليهم بهذا الثناء، وليس المراد به من آمن من أهل الكتاب ودخل في جملة المؤمنين وباين قومه،","footnotes":"(¬١) انظر البخاري (١٣١٧)، ومسلم (٩٥٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288670,"book_id":1319,"shamela_page_id":163,"part":null,"page_num":165,"sequence_num":38,"body":"سورة النور\r٣٨ - قال ﷾: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥)﴾ [النور: ٣٥].\rوقد ضرب ﷾ النور في قلب عبده مثلًا لا يعقله إلا العالمون، فقال ﷾: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥)﴾ [النور: ٣٥].\rقال أبي بن كعب: «مثل نوره في قلب المسلم» (¬١).\rوهذا هو النور الذي أودعه في قلبه من معرفته ومحبته والإيمان به وذكره، وهو نوره الذي أنزله إليهم، فأحياهم به، وجعلهم يمشون به بين الناس، وأصله في قلوبهم، ثم تقوى مادتُه فتتزايد حتى يظهر على وجوههم وجوارحهم وأبدانهم، بل ثيابهم ودورهم، يُبْصِرُه مَنْ هو من جنسهم وسائر الخلق له منكرون.","footnotes":"(¬١) إسناده ضعيف: أخرجه الطبري من رواية أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية عن أبي به.\rوفي رواية أبي جعفر الرازي عن الربيع اضطرابٌ كثيرٌ. قاله ابن حبان.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288546,"book_id":1319,"shamela_page_id":39,"part":null,"page_num":41,"sequence_num":39,"body":"فإن هؤلاء لا يطلق عليهم أنهم من أهل الكتاب إلا باعتبار ما كانوا عليه، وذلك الاعتبار قد زال بالإسلام واستحدثوا اسم المسلمين والمؤمنين، وإنما يطلق الله سبحانه هذا الاسم على من هو باق على دين أهل الكتاب. هذا هو المعروف في القرآن، كقوله ﷾: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ .. ﴾ الآية [آل عمران: ٧٠]، وقوله: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤].\rوقوله: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ .. ﴾ الآية [آل عمران: ٦٥].\rوقوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ .. ﴾ الآية [البقرة: ١٤٤].\rولهذا قال جابر بن عبد الله، وعبد الله بن عباس (¬١) وأنس بن مالك (¬٢) والحسن (¬٣) وقتادة (¬٤) أن قوله ﷾: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ الآية [آل عمران: ١٩٩] أنها نزلت في النجاشي، زاد الحسن وقتادة: وأصحابه (¬٥).\rوذكر ابن جرير في «تفسيره» (¬٦) من حديث أبي بكر الهذلي عن قتادة عن","footnotes":"(¬١) ذكره الواحدي في «أسباب النزول» (١/ ١٣٢).\r(¬٢) حسن لشواهده: أخرجه النسائي في «التفسير» (١٠٨) وفصل القول فيه الشيخ مقبل ابن هادي ﵀ في «الصحيح المسند من أسباب النزول» (ص/ ٨٧ - ٨٩).\r(¬٣) عزاه السيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٤١٦) لعبد بن حميد.\r(¬٤) أخرجه الطبري بإسناد حسن، وهو مرسل.\r(¬٥) انظر «زاد المسير» (١/ ٤٢٢).\r(¬٦) ضعيف جدًّا بذكر سبب النزول: أخرجه الطبري (٨٣٨٤) ومن طريقه ابن عدي في «الكامل» (٣/ ٣٢٥) من طريق أبي بكر الهذلي وهو متروك، وخالفه معمر وهشام الدستوائي وسعيد بن أبي عروبة عن قتادة مرسلًا. =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288681,"book_id":1319,"shamela_page_id":174,"part":null,"page_num":176,"sequence_num":39,"body":"٣٩ - قال ﷾: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)﴾ [النور: ٣٩، ٤٠].\rذَكَرَ سُبْحَانَهُ لِلْكَافِرِينَ مَثَلَيْنِ: مَثَلًا بِالسَّرَابِ، وَمَثَلًا بِالظُّلُمَاتِ المُتَرَاكِمَةِ.\r* وَذَلِكَ لِأَنَّ المُعْرِضِينَ عَنْ الهُدَى وَالحَقِّ نَوْعَانِ:\rأَحَدُهُمَا: مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ عَلَى شَيْءٍ فبين لَهُ عِنْدَ انْكِشَافِ الْحَقَائِقِ خِلَافَ مَا كَانَ يَظُنُّهُ، وَهَذِهِ حَالُ أَهْلِ الْجَهْلِ وَأَهْلِ الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ عَلَى هُدًى وَعِلْمٍ، فَإِذَا انْكَشَفَت الْحَقَائِقُ تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا عَلَى شَيْءٍ، وَأَنَّ عَقَائِدَهُمْ وَأَعْمَالَهُم الَّتِي تَرَتَّبَتْ عَلَيْهَا كَانَتْ كَسَرَابٍ تُرَى فِي أعيُنِ النَّاظِرِ مَاءً وَلَا حَقِيقَةَ لَهُ، وَهَكَذَا الْأَعْمَالُ الَّتِي لِغَيْرِ الله ﷿ وَعَلَى غَيْرِ أَمْرِهِ، يَحْسَبُهَا الْعَامِلُ نَافِعَةً وَلَيْسَتْ كَذَلِكَ، وَهَذِهِ هِيَ الْأَعْمَالُ الَّتِي قَالَ اللهُ ﷿ فِيهَا: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣].\rوَتَأَمَّلْ تشبيه اللهِ سُبْحَانَهُ السَّرَابَ بِالْقِيعَةِ - وَهِيَ الْأَرْضٌ قَفْرٌ الْخَالِيَةُ مِنْ الْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ وَالنَّبَاتِ وَالْعلمِ - فَمَحَلُّ السَّرَابِ أَرْضٌ قَفْرٌ لَا شَيْءَ بِهَا، وَالسَّرَابُ لَا حَقِيقَةَ لَهُ، وَذَلِكَ مُطَابِقٌ لِأَعْمَالِهِمْ وَقُلُوبِهِم الَّتِي أَقْفَرَتْ مِنْ الْإِيمَانِ وَالْهُدَى.\rوَتَأَمَّلْ مَا تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً﴾، وَالظَّمْآنُ الَّذِي اشْتَدَّ عَطَشُهُ فَرَأَى السَّرَابَ فَظَنَّهُ مَاءً فَتَبِعَهُ فَلَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا، بَلْ خَانَهُ أَحْوَجُ مَا كَانَ إلَيْهِ، فَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ، لَمَّا كَانَتْ أَعْمَالُهُمْ عَلَى غَيْرِ طَاعَةِ الرُّسُلِ عليهم الصلاة والسلام، وَلِغَيْرِ اللهِ جُعِلَتْ كَالسَّرَابِ، فرفعَتْ لَهُمْ أَظْمَأَ مَا كَانُوا إليها، فَلَمْ يَجِدُوا شَيْئًا، وَوَجَدُوا الله","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288547,"book_id":1319,"shamela_page_id":40,"part":null,"page_num":42,"sequence_num":40,"body":"ابن المسيب عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «اخرجوا فصلوا على أخٍ لكم»؛ فصلى بنا، فكبر أربع تكبيرات، فقال: «هذا النجاشي أصحمة». فقال المنافقون: انظروا إلى هذا يصلي على عِلْج (¬١) نصراني لم يره قط، فأنزل الله ﷾: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ الآية.\r* والمقصود: أن الأقسام الأربعة قد ذكرها الله ﷾ في كتابه وبين أحكامها في الدنيا وأحكامها في الآخرة، وقد تبين أن أحد الأقسام من آمن ظاهرًا وكفر باطنًا، وأنهم نوعان رؤساؤهم وساداتهم وأتباعهم ومقلدوهم، وعلى هذا فأصحاب المثل الأول الناري شر من أصحاب المثل الثاني المائي كما يدل السياق عليه، وقد يقال وهو أولى إن المثلين لسائر النوع.\rوأنهم قد جمعوا بين مقتضى المثل الأول من الإنكار بعد الإقرار والحصول في الظلمات بعد النور، وبين مقتضى المثل الثاني من ضعف البصيرة في القرآن وسد الآذان عند سماعه والإعراض عنه، فإن المنافقين فيهم هذا وهذا. وقد يكون الغالب على فريق منهم المثل الأول، وعلى فريق منهم المثل الثاني.\r* * *","footnotes":"= وأصل الحديث في الصلاة على النجاشي. أخرجه البخاري ومسلم من حديث جابر وأبي هريرة وعمران بن حصين ﵃.\r(¬١) العلج بكسر العين المهملة وسكون اللام وهو الرجل القوي الضخم، والرجل من كفار العجم، جمعه: عُلوجٌ وأعْلاجٌ.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288687,"book_id":1319,"shamela_page_id":180,"part":null,"page_num":182,"sequence_num":40,"body":"سورة الفرقان\r٤٠ - قال ﷾: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣)﴾\r[الفرقان: ٣٣].\rهذا غاية الكمال أن يكون المعنى في نفسه حقًّا والتعبير عنه أفصح تعبير وأحسنه وهذا شأن القرآن وكلام الرسول ﷺ (¬١).\r* * *","footnotes":"(¬١) «الصواعق المرسلة» (١/ ٢١٥).\rقال الإمام الطبري: يقول تعالى ذكره: ولا يأتيك يا محمد هؤلاء المشركون بمثل يضربونه إلا جئناك من الحق، بما نبطل به ما جاءوا به، وأحسن منه تفسيرًا.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288548,"book_id":1319,"shamela_page_id":41,"part":null,"page_num":43,"sequence_num":41,"body":"فَصْلٌ\r[في بيان الحِكَم التي اشتمل عليها المثلان المتقدمان]\rوقد اشتمل هذان المثلان على حكم عظيمة:\rمنها: أن المستضيء بالنار مستضيء بنور من جهة غيره لا من قبل نفسه، فإذا ذهبت تلك النار بقي في ظلمة.\rوهكذا المنافق لما أقر بلسانه من غير اعتقاد ومحبة بقلبه، وتصديق جازم، كان ما معه من النور كالمستعار.\rومنها: أن ضياء النار يحتاج في دوامه إلى مادة تحمله.\rوتلك المادة للضياء بمنزلة غذاء الحيوان، فكذلك نور الإيمان يحتاج إلى مادة من العلم النافع والعمل الصالح يقوم بها ويدوم بدوامها فإذا انقطعت مادة الإيمان طُفئ كما تُطفأ النار بفراغ مادتها.\rومنها: أن الظلمة نوعان: ظلمة مستمرة لم يتقدمها نور، وظلمة حادثة بعد النور وهي أشد الظلمتين وأشقهما على من كانت حظه، وظلمة المنافق ظلمة بعد إضاءة فمثلت حاله بحال المستوقد للنار الذي حصل في الظلمة بعد الضوء، وأما الكافر فهو في الظلمات لم يخرج منها قط.\rومنها: أن في هذا المثل إيذانًا وتنبيهًا على حالهم في الآخرة، وأنهم يعطون نورًا ظاهرًا كما كان نورهم في الدنيا ظاهرًا، ثم يطفأ ذلك النور أحوج ما يكونون إليه إذ لم تكن له مادة باقية تحمله ويبقون في الظلمة على الجسر لا يستطيعون العبور.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288688,"book_id":1319,"shamela_page_id":181,"part":null,"page_num":183,"sequence_num":41,"body":"٤١ - قال ﷾: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ [الفرقان: ٤٤].\rفَشَبَّهَ أَكْثَرَ النَّاسِ بِالْأَنْعَامِ، وَالْجَامِعُ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ التَّسَاوِي فِي عَدَمِ قَبُولِ الْهُدَى وَالِانْقِيَادِ لَهُ، وَجَعَلَ الْأَكْثَرِينَ أَضَلَّ سَبِيلًا مِنْ الْأَنْعَامِ؛ لِأَنَّ الْبَهِيمَةَ يَهْدِيهَا سَائِقُهَا فَتَهْتَدِي وَتَتْبَعُ الطَّرِيقَ، فَلَا تَحِيدُ عَنْهَا يَمِينًا وَلَا شِمَالًا، وَالْأَكْثَرُونَ يَدْعُونهُم الرُّسُلُ وَيهْدُونَهُم السَّبِيلَ فَلَا يَسْتَجِيبُونَ وَلَا يَهْتَدُونَ وَلَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ مَا يَضُرُّهُمْ وَبَيْنَ مَا يَنْفَعُهُمْ، وَالْأَنْعَامُ تُفَرِّقُ بَيْنَ مَا يَضُرُّهَا مِنْ النَّبَاتِ وَالطَّرِيقِ فَتَجْتَنِبهُ وَمَا يَنْفَعُهَا فَتُؤْثِرُهُ، وَاللهُ ﷾ لَمْ يَخْلُق لِلْأَنْعَامِ قُلُوبًا تَعْقِلُ بِهَا، وَلَا أَلْسِنَةً تَنْطِقُ بِهَا، وَأَعْطَى ذَلِكَ لِهَؤُلَاءِ ثُمَّ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِمَا جَعَلَ لَهُمْ مِنْ الْعُقُولِ وَالْقُلُوبِ وَالْأَلْسِنَةِ وَالْأَسْمَاعِ وَالْأَبْصَارِ، فَهُمْ أَضَلُّ مِنْ الْبَهَائِمِ، فَإِنَّ مَنْ لَا يَهْتَدِي إلَى الرُّشْدِ وَإِلَى الطَّرِيقِ مَعَ الدَّلِيلِ له أَضَلُّ وَأَسْوَأُ حَالًا مِمَّنْ لَا يَهْتَدِي حَيْثُ لَا دَلِيلَ مَعَهُ (¬١).","footnotes":"(¬١) «إعلام الموقعين» (٢/ ٢٨١)، و «الصواعق» (١/ ٢١٥).\rقال الشنقيطي ﵀: «وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ قال الزمخشري: فإن قلت: كيف جعلوا أضل من الأنعام؟\rقلت: لأن الأنعام تنقاد لأربابها التي تعلفها وتتعهدها، وتعرف من يحسن إليها ممن يسيء إليها، وتطلب ما ينفعها، وتجتنب ما يضرها، وتهتدي لمراعيها ومشاربها، وهؤلاء لا ينقادون لربهم ولا يعرفون إحسانه إليهم من إساءة الشيطان الذي هو عدوهم، ولا يطلبون الثواب الذي هو أعظم المنافع ولا يتقون العقاب الذي هو أشد المضار والمهالك، ولا يهتدون للحق الذي هو المشرع الهني والعذب الروي». انتهى منه.\rوإذا علمت ما دلت عليه هذه الآية الكريمة، فاعلم أن الله بينه في غير هذا الموضع، كقوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩]، وقوله تعالى في البقرة: =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288549,"book_id":1319,"shamela_page_id":42,"part":null,"page_num":44,"sequence_num":42,"body":"فإنه لا يمكن أحدا عبوره إلا بنور ثابت يصحبه حتى يقطع الجسر؛ فإن لم يكن لذلك النور مادة من العلم النافع والعمل الصالح وإلا ذهب الله ﷾ به أحوج ما كان إليه صاحبه، فطابق مثلهم في الدنيا بحالتهم التي هم عليها في هذه الدار وبحالتهم يوم القيامة عندما تقسم الأنوار دون الجسر ويثبت نور المؤمنين ويطفأ نور المنافقين.\rومن ههنا تعلم السر في قوله ﷾ ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ ولم يقل أذهب الله نورهم.\rفإن أردت زيادة بيان وإيضاح فتأمل ما رواه مسلم في «صحيحه» (¬١) من حديث جابر بن عبد الله ﵄، وقد سُئل عن الورود فقال: «نَجِاءُ نَحْنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَوْقَ النَّاسِ، قال فَتُدْعَى الأُمَمُ بِأَوْثَانِهَا وَمَا كَانَتْ تَعْبُدُ الأَوَّلُ فَالأَوَّلُ ثُمَّ يَأْتِينَا رَبُّنَا بَعْدَ ذَلِكَ فَيَقُولُ مَنْ تَنْظُرُونَ فَيَقُولُونَ نَنْظُرُ رَبَّنَا. فَيَقُولُ أَنَا رَبُّكُمْ. فَيَقُولُونَ حَتَّى نَنْظُرَ إِلَيْكَ. فَيَتَجَلَّى لَهُمْ يَضْحَكُ - قَالَ - فَيَنْطَلِقُ بِهِمْ وَيَتَّبِعُونَهُ وَيُعْطَى كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ - مُنَافِقٍ أَوْ مُؤْمِنٍ - نُورًا ثُمَّ يَتَّبِعُونَهُ وَعَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ كَلَالِيبُ وَحَسَكٌ تَأْخُذُ مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ يَطْفَأُ نُورُ الْمُنَافِقِينَ ثُمَّ يَنْجُو الْمُؤْمِنُونَ فَتَنْجُو أَوَّلُ زُمْرَةٍ وُجُوهُهُمْ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ سَبْعُونَ أَلْفًا لَا يُحَاسَبُونَ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ كَأَضْوَإِ نَجْمٍ فِى السَّمَاءِ ثُمَّ كَذَلِكَ ثُمَّ تَحِلُّ الشَّفَاعَةُ وَيَشْفَعُونَ حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَكَانَ فِى قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ شَعِيرَةً فَيُجْعَلُونَ بِفِنَاءِ الْجَنَّةِ وَيَجْعَلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ يَرُشُّونَ عَلَيْهِمُ الْمَاءَ» وذكر باقي الحديث.\rفتأمل قوله فينطلق ويتبعونه ويعطى كل إنسان منهم نورًا المنافق والمؤمن. ثم تأمل قوله ﷾: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾.","footnotes":"(¬١)","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288689,"book_id":1319,"shamela_page_id":182,"part":null,"page_num":184,"sequence_num":42,"body":"سورة العنكبوت\r٤٢ - قال ﷾: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١)﴾ [العنكبوت: ٤١].\rفَذَكَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُمْ ضُعَفَاءُ، وَأَنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَهُمْ أَضْعَفُ مِنْهُمْ، فَهُمْ فِي ضَعْفِهِمْ وَمَا قَصَدُوهُ مِنْ اتِّخَاذِ الْأَوْلِيَاءِ كَالْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا، وَهُوَ أَوْهَنُ الْبُيُوتِ وَأَضْعَفُهَ (¬١).\rوَتَحْتَ هَذَا المَثَلِ أَنَّ هَؤُلَاءِ المُشْرِكِينَ أَضْعَفُ مَا كَانُوا حِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ الله أَوْلِيَاءَ فَلَمْ يَسْتَفِيدُوا بِمَنْ اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ إلَّا ضَعْفًا، كَمَا قَالَ ﷾: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢)﴾ [مريم: ٨١ - ٨٢].\rوَقَالَ ﷾: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤) لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥)﴾ (¬٢).","footnotes":"= ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١)﴾ [البقرة: ١٧١].\r(¬١) أخرج الطبري في «تفسيره» (٨/ ٦٤٧٦)، وابن أبي حاتم رقم (١٨١٦٨) بإسناد حسن عن قَتادة، قوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ﴾ قال: هذا مثل ضربه الله للمشرك: مَثل إلهه الذي يدعوه من دون الله كمثل بيت العنكبوت واهن ضعيف لا ينفعه.\r(¬٢) أخرج الطبري في تفسيره (٨/ ٦٨٦١) بإسناد حسن عن قتادة: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ﴾ الآلهة ﴿وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ والمشركون يغضبون للآلهة في الدنيا، وهي لا تسوق إليهم خيرًا، ولا تدفع عنهم سوءًا، إنما هي أصنام.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288550,"book_id":1319,"shamela_page_id":43,"part":null,"page_num":45,"sequence_num":43,"body":"وتأمل حالهم إذا أطفئت أنوارهم فبقوا في الظلمة، وقد ذهب المؤمنون في نور إيمانهم يتبعون ربهم ﷿. وتأمل قوله ﷺ في حديث الشفاعة (¬١): «لتتبع كل أمة ما كانت تعبد». فيتبع كل مشرك إلهه الذي كان يعبده، والموحد حقيق بأن يتبع الإله الحق الذي كان كل معبود سواه باطلًا.\rوتأمل قوله ﷾ ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢)﴾ [القلم: ٤٢] وذكر هذه الآية في حديث الشفاعة في هذا الموضع، وقوله في الحديث: «فيكشف عن ساقه».\rوهذه الإضافة تبين المراد بالساق المذكور في الآية، وتأمل ذكر الانطلاق واتباعه سبحانه بعد هذا، وذلك يفتح لك بابًا من أسرار التوحيد، وفهم القرآن ومعاملة الله ﷾ لأهل توحيده الذين عبدوه وحده ولم يشركوا به شيئًا هذه المعاملة التي عامل بمقابلتها أهل الشرك حيث ذهبت كل أمة مع معبودها فانطلق بها واتبعته إلى النار، وانطلق المعبود الحق واتبعه أولياؤه وعابدوه، فسبحان الله رب العالمين الذي قرت عيون أهل التوحيد به في الدنيا والآخرة، وفارقوا الناس فيه أحوج ما كانوا إليهم.\rومنها: أن المثل الأول متضمن لحصول الظلمة التي هي الضلال والحيرة التي ضدها الهدى، والمثل الثاني متضمن لحصول الخوف الذي ضده الأمن فلا هدى ولا أمن ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢].","footnotes":"(¬١) البخاري (٤٧٢)، ومسلم (١٨٢، ١٨٣) من حديث ابن عباس ﵄.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288691,"book_id":1319,"shamela_page_id":184,"part":null,"page_num":186,"sequence_num":43,"body":"٤٣ - قال ﷾: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾ [العنكبوت: ٤٣].\rأخبر ﷾ أنه لا يعقل أمثاله إلا العالمون، والكفار لا يدخلون في مسمى العالمين، فهم لا يعقلونها (¬١).\r* * *","footnotes":"(¬١) «مفتاح دار السعادة» (١/ ٣١٧).\rأخرج ابن أبي حاتم في «التفسير» (١٨١٧٤) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بن الجنيد، ثنا أَحْمَدُ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدشتكي، ثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد، ثنا أَبُو سِنَانٍ سعيد بن سنان، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قال: ما مررت بآية من كتاب الله لا أعرفها إلا أحزنني، لأني سمعت الله تعالى يقول: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾. وإسناده صحيح.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288551,"book_id":1319,"shamela_page_id":44,"part":null,"page_num":46,"sequence_num":44,"body":"قال ابن عباس وغيره (¬١) من السلف: مثل هؤلاء في نفاقهم كمثل رجل أوقد نارًا في ليلة مظلمة في مفازة فاستضاء، ورأى ما حوله فاتقى مما يخاف فبينما هو كذلك إذ طفئت ناره فبقي في ظلمة خائفًا متحيرًا، كذلك المنافقون بإظهار كلمة الإيمان أمنوا على أموالهم وأولادهم وناكحوا المؤمنين ووارثوهم وقاسموهم الغنائم فذلك نورهم فإذا ماتوا عادوا إلى الظلمة والخوف.\rقال مجاهد (¬٢): إضاءة النار لهم إقبالهم إلى المسلمين والهدى، وذهاب نورهم إقبالهم إلى المشركين والضلالة، وقد فسرت تلك الإضاءة وذهاب النور بأنها في الدنيا، وفسرت بالبرزخ، وفسرت بيوم القيامة والصواب أن ذلك شأنهم في الدور الثلاثة؛ فإنهم لما كانوا كذلك في الدنيا جوزوا في البرزخ وفي القيامة بمثل حالهم جزاءً وفاقًا ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)﴾ [فصلت: ٤٦] فإن المعاد يعود على العبد فيه ما كان حاصلًا له في الدنيا، ولهذا يسمى يوم الجزاء ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٧٢)﴾ [الإسراء: ٧٢]، ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى … ﴾ الآية [مريم: ٧٦].","footnotes":"(¬١) إسناده ضعيف: أخرجه الطبري (٣٨٨) من طريق السدي الكبير - إسماعيل بن عبد الرحمن - عن أبي مالك وأبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ.\rقال ابن حجر في «العجاب» (ص/ ٦٠) بعد ذكر هذه الروايات: «والسدي صدوق؛ لكنه خلط روايات الجميع فلم تتميز رواية الثقة من الضعيف، ولم يلق السدي من الصحابة إلا أنس بن مالك».\r(¬٢) في إسناده مقال: أخرجه الطبري (٣٩٣، ٣٩٤) من رواية ابن أبي نجيح عن مجاهد وقد اختلف العلماء في سماعه التفسير من مجاهد؛ فذهب سفيان بن عيينة، والقطان، وابن حبان، إلى إثبات القاسم بن أبي بزة بينهما وهو ثقة. وصححه الثوري والبخاري وابن تيمية وقال الخليلي في «الإرشاد»: قريب إلى الصحة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288692,"book_id":1319,"shamela_page_id":185,"part":null,"page_num":187,"sequence_num":44,"body":"سورة الروم\r٤٤ - قال ﷾: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)﴾ [الروم: ٢٧] (¬١).\r٤٥ - وقال ﷾: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٨)﴾ [الروم: ٢٨].\rوَهَذَا دَلِيلُ قِيَاسٍ احْتَجَّ اللهُ سُبْحَانَهُ بِهِ عَلَى المُشْرِكِينَ حَيْثُ جَعَلُوا لَهُ مِنْ عَبِيدِهِ وَمِلْكِهِ شُرَكَاءَ، فَأَقَامَ عَلَيْهِمْ حُجَّةً يَعْرِفُونَ صِحَّتَهَا مِنْ نُفُوسِهِمْ، لَا يَحْتَاجُونَ فِيهَا إلَى غَيْرِهِمْ، وَمِنْ أَبْلَغِ الْحِجَاجِ أَنْ يَأْخُذَ الْإِنْسَانُ مِنْ نَفْسِهِ، وَيَحْتَجَّ عَلَيْهِ بِمَا هُوَ فِي نَفْسِهِ، مُقَرَّرٌ عندها مَعْلُومٌ لَهَا، فَقَالَ: ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ﴾، عَبِيدِكُمْ وَإِمَائِكُمْ شُرَكَاءَ فِي المَالِ وَالْأَهْلِ؟ أَيْ: هَلْ يُشَارِكُكُمْ عَبِيدُكُمْ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَهْلِيكُمْ فَأَنْتُمْ وَهُمْ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، تَخَافُونَ أَنْ يُقَاسِمُوكُمْ أَمْوَالَكُمْ وَيُشَاطِرُوكُمْ إيَّاهَا، وَيَسْتَأْثِرُونَ بِبَعْضِهَا عَلَيْكُمْ، كَمَا يَخَافُ الشَّرِيكُ شَرِيكَهُ؟\rوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَخَافُونَ أَنْ يَرِثُوكُمْ كَمَا يَرِثُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا (¬٢). وَالمَعْنَى: هَلْ يَرْضَى أَحَدٌ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ عَبْدُهُ شَرِيكَهُ فِي مَالِهِ وَأَهْلِهِ حَتَّى","footnotes":"(¬١) انظر: ما سبق في الآية (٦٠) من سورة النحل.\r(¬٢) إسناده منقطع: علقه البخاري كما في «الفتح» (٨/ ٣٧٠)، ووصله الطبري في «التفسير» رقم (٢٧٧٧٥) من طريق عطاء الخرساني عن ابن عباس.\rقال الإمام أحمد: لم يسمع من ابن عباس شيئًا.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288552,"book_id":1319,"shamela_page_id":45,"part":null,"page_num":47,"sequence_num":45,"body":"ومن كان مستوحشًا مع الله بمعصيته إياه في هذه الدار فوحشته معه في البرزخ ويوم المعاد أعظم وأشد، ومن قرت عينه به في هذه الحياة الدنيا قرت عينه به يوم القيامة وعند الموت ويوم البعث، فيموت العبد على ما عاش عليه، ويبعث على ما مات عليه، ويعود عليه عمله بعينه فينعم به ظاهرًا وباطنًا. أو يعذب به ظاهرًا وباطنًا فيعود عليه حكم العمل الصالح باطنًا فيورثه من الفرح والسرور واللذة والبهجة وقرة العين والنعيم وقوة القلب، واستبشاره وحياته وانشراحه، واغتباطه ما هو من أفضل النعيم وأجله وأطيبه وألذه، وهل النعيم إلا طيب النفس، وفرح القلب وسروره وانشراحه واستبشاره، هذا وينشأ له من أعماله ما تشتهيه نفسه وتلذ عينه من سائر المشتهيات التي تشتهيها الأنفس وتلذها الأعين؛ ويكون تنوع تلك المشتهيات وكمالها وبلوغها مرتبة الحسن والموافقة بحسب كمال عمله ومتابعته فيه وإخلاصه وبلوغه مرتبة الإحسان فيه وبحسب تنوعه فمن تنوعت أعماله المرضية لله المحبوبة له في هذه الدار، تنوعت الأقسام التي يتلذذ بها في تلك الدار، وتكثرت له بحسب تكثر أعماله هنا، وكان مزيده بتنوعها والابتهاج بها، والالتذاذ بنيلها هناك على حسب مزيده من الأعمال وتنوعه فيها في هذه الدار.\rوقد جعل الله سبحانه لكل عمل من الأعمال المحبوبة له والمسخوطة أثرا وجزاء ولذة وألمًا يخصه لا يشبه أثر الآخر وجزاءه.\rولهذا تنوعت لذات أهل الجنة وآلام أهل النار وتنوع ما فيهما من الطيبات والعقوبات. فليست لذة من ضرب في كل مرضاة الله بسهم وأخذ منها بنصيب. كلذة من أنمى سهمه ونصيبه في نوع واحد منها. ولا ألم من ضرب في كل مسخوط لله بنصيب وعقوبته كألم من ضرب بسهم واحد من مساخطه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288553,"book_id":1319,"shamela_page_id":46,"part":null,"page_num":48,"sequence_num":46,"body":"وقد أشار النبي ﷺ إلى أن كمال ما يستمتع به من الطيبات في الآخرة بحسب كمال ما قابله من الأعمال في الدنيا. فرأى قنوًا من حشف معلقًا في المسجد للصدقة فقال: «إن صاحب هذا يأكل الحشف يوم القيامة» (¬١) فأخبر أن جزاءه يكون من جنس عمله فيجزى على تلك الصدقة بحشف من جنسها.\rوهذا الباب يفتح لك أبوابًا عظيمة من فهم المعاد وتفاوت الناس في أحواله وما يجري فيه من الأمور المتنوعة.\r* فمنها: خفة حمل العبد على ظهره وثقله إذا قام من قبره فإنه بحسب خفة وزره وثقله، إن خف خف، وإن ثقل ثقل.\r* ومنها: استظلاله بظل العرش أو ضحاؤه للحر والشمس إن كان له من الأعمال الصالحة الخالصة والإيمان مما يظله في هذه الدار من حر الشرك والمعاصي والظلم استظل هناك في ظل أعماله تحت عرش الرحمن، وإن كان ضاحيًا هنا للمعاصي والمخالفات والبدع والفجور ضحى هناك للحر الشديد.\r* ومنها: طول وقوفه في الموقف ومشقته عليه وتهوينه عليه إن طال وقوفه في الصلاة ليلًا ونهارًا لله، وتحمل لأجله المشاق في مرضاته وطاعته خف عليه الوقوف في ذلك اليوم وسهل عليه، وإن آثر الراحة هنا والدعة والبطالة والنعمة طال عليه الوقوف هناك واشتدت مشقته عليه.","footnotes":"(¬١) إسناده ضعيف: أخرجه النسائي في «سننه» (٢٤٩٣) عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ الله ﷺ وَبِيَدِهِ عَصًا وَقَدْ عَلَّقَ رَجُلٌ قِنْوَ حَشَفٍ فَجَعَلَ يَطْعَنُ فِي ذَلِكَ الْقِنْوِ فَقَالَ: «لَوْ شَاءَ رَبُّ هَذِهِ الصَّدَقَةِ تَصَدَّقَ بِأَطْيَبَ مِنْ هَذَا إِنَّ رَبَّ هَذِهِ الصَّدَقَةِ يَأْكُلُ حَشَفًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ». وفي إسناده صالح بن أبي عريب، مختلف فيه روى عنه جماعة، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال ابن القطان: لا يعرف حاله، ولا يعرف روى عنه غير عبد الحميد ابن جعفر. وقال الحافظ: مقبول.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288694,"book_id":1319,"shamela_page_id":187,"part":null,"page_num":189,"sequence_num":46,"body":"سورة يس\r٤٦ - قال ﷾: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤) قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (١٥) قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦) وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٧) قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (١٩)﴾\r[يس: ١٣ - ١٩].\r﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس: ١٤].\rقال: قوينا.\rقال: هي أنطاكية.\rوجاء الثالث وقد اجتمع الناس على الاثنين فقال: ﴿يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا﴾ [يس: ٢٠ - ٢١] (¬١).","footnotes":"(¬١) «بدائع الفوائد» (٣/ ١٠٣٣).\rأخرج الطبري بإسناد حسن عن قتادة ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ قال: ذُكر لنا أن عيسى ابن مريم بعث رجلين من الحواريين إلى أنطاكية - مدينة بالروم- فكذبوهما فأعزهما بثالث ﴿فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾، وانظر: تفسير ابن كثير في تعقبه على قول قتادة.\rقال السعدي ﵀: أي: واضرب لهؤلاء المكذبين برسالتك، الرادين لدعوتك، مثلًا يعتبرون به، ويكون لهم موعظة إن وفقوا للخير، وذلك المثل: أصحاب القرية، وما =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288554,"book_id":1319,"shamela_page_id":47,"part":null,"page_num":49,"sequence_num":47,"body":"وقد أشار ﷾ إلى ذلك في قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٢٥) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (٢٦) إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (٢٧)﴾ [الإنسان: ٢٣، ٢٧]. فمن سبَّح الله ليلًا طويلًا لم يكن ذلك اليوم ثقيلًا عليه، بل كان أخف شيء عليه.\r* ومنها: أن ثقل ميزانه هناك بحسب تحمل ثقل عمل الحق في هذه الدار لا بحسب مجرد كثرة الأعمال، وإنما يثقل الميزان باتباع الحق والصبر عليه وبذله إذا سئل وأخذه إذا بذل كما قال الصديق في وصيته لعمر ﵄: واعلم أن لله حقًّا بالليل لا يقبله بالنهار وله حقٌّ بالنهار لا يقبله بالليل. واعلم أنه إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه باتباعهم الحق وثقل ذلك عليهم في دار الدنيا وحق لميزان يوضع فيه الحق أن يكون ثقيلًا، وإنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل في دار الدنيا وخفته عليهم وحُقَّ لميزان لا يوضع فيه إلا باطل أن يكون خفيفًا. (¬١)","footnotes":"(¬١) إسناده منقطع: أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (٩١٤) وهناد (٤٩٦) وابن أبي شيبة في «المصنف» (٣٢٦٧٦)، (٣٥٥٧٤)، (٣٨٢١١) وغيرهم من طرق عن إسماعيل بن أبي خالد عن زبيد بن الحارث اليامي أن أبا بكر حين حضره الموت أرسل إلى عمر يستخلفه، فقال الناس: تستخلف علينا فظا غليظا، ولو قد ولينا كان أفظ وأغلظ، فما تقول لربك إذا لقيته وقد استخلفت علينا عمر، قال أبو بكر: أبربي تخوفونني، أقول اللهم استخلفت عليهم خير خلقك، ثم أرسل إلى عمر فقال: إني موصيك بوصية إن أنت حفظتها: إن لله حقا بالنهار لا يقبله بالليل وإن لله حقا بالليل لا يقبله بالنهار وزبيد ثقة من السادسة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288696,"book_id":1319,"shamela_page_id":189,"part":null,"page_num":191,"sequence_num":47,"body":"٤٧ - قال ﷾: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا\rأَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾\r[يس: ٧٨ - ٨٣] (¬١).","footnotes":"= ضرورة، قد قدم بحالة شر، زادت على الشر الذي هم عليه، واستشأموا بها، ولكن الخذلان وعدم التوفيق، يصنع بصاحبه أعظم مما يصنع به عدوه.\rثم توعدوهم فقالوا: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾ أي: لنقتلنكم رجمًا بالحجارة أشنع القتلات ﴿وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.\rفقالت لهم رسلهم: ﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ وهو ما معهم من الشرك والشر، المقتضي لوقوع المكروه والنقمة، وارتفاع المحبوب والنعمة. ﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ أي: بسبب أنا ذكرناكم ما فيه صلاحكم وحظكم، قلتم لنا ما قلتم.\r﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ متجاوزون للحد، متجرهمون في قولكم، فلم يزدهم دعاؤهم إلا نفورًا واستكبارًا.\r(¬١) أخرج ابن أبي حاتم في «تفسيره» (١٨٦٦٥) بسند صحيح عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ الْعَاصِي بْنَ وَائِلٍ أَخَذَ عَظْمًا مِنَ الْبَطْحَاءِ فَفَتَّهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ لِرَسُولِ الله ﷺ: أَيُحْيِي اللهُ تَعَالَى هَذَا بَعْدَ مَا أَرَى؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «نَعَمْ، يُمِيتُكَ اللهُ ثُمَّ يُحْيِيكَ، ثُمَّ يُدْخِلُكَ جَهَنَّمَ»، قَالَ: وَنَزَلَتِ الْآيَاتُ مِنْ آخَرِ «يس».\rوروي بسند مسلسل بالضعفاء عن ابن عباس: أن ذلك كان في أبي بن خلف، واستنكره ابن كثير؛ لأن السورة مكية وعبد الله بن أبي بن سلول إنما كان بالمدينة، وعلى كل تقدير سواء كانت هذه الآيات قد نزلت في أبي بن خلف أو العاصي بن وائل أو فيهما، فهي عامة في كل من أنكر البعث والعياذ بالله تعالى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288555,"book_id":1319,"shamela_page_id":48,"part":null,"page_num":50,"sequence_num":48,"body":"* ومنها: أن ورود الناس الحوض، وشربهم منه يوم العطش الأكبر بحسب ورودهم سنة رسول الله ﷺ وشربهم منها فمن وردها في هذه الدار وشرب منها وتضلع ورد هناك حوضه وشرب منه وتضلع فله ﷺ حوضان عظيمان حوض في الدنيا وهو سنته وما جاء به، وحوض في الآخرة، فالشاربون من هذا الحوض في الدنيا هم الشاربون من حوضه يوم القيامة فشارب ومحروم ومستقل ومستكثر.\rوالذين يذودهم أنفسهم وأتباعهم عن سنته ويؤثرون عليها غيرها فمن ظمأ من سنته في هذه الدنيا ولم يكن له منها شرب فهو في الآخرة أشد ظمأ وأحر كبدًا وإن الرجل ليلقى الرجل فيقول يا فلان أشربت؟ فيقول: نعم والله.\rفيقول لكني والله ما شربت، واعطشاه.\rفرد أيها الظمآن والورد ممكن … فإن لم ترد فاعلم بأنك هالك\rوإن لم يكن رضوان يسقيك شربة … سيسقيكها إذ أنت ظمآن مالك\rوإن لم ترد في هذه الدار حوضه … ستصرف عنه يوم يلقاك آنك\r* ومنها: قسمه الأنوار في الظلمة دون الجسر، فإن العبد يعطى من النور هناك بحسب قوة نور إيمانه، ويقينه وإخلاصه ومتابعته للرسول في دار الدنيا\rفمنهم: من يكون نوره كالشمس ودون ذلك كالقمر ودونه كأشد كوكب في السماء إضاءة.\rومنهم: من يكون نوره كالسراج في قوته وضعفه وما بين ذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288700,"book_id":1319,"shamela_page_id":193,"part":null,"page_num":195,"sequence_num":48,"body":"سورة الصافات\r٤٨ - قال ﷾: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥)﴾ [الصافات: ٦٥].\rكانت صورتك (¬١) قبل معصية ربك وإيثارك معاداته على طاعته وموالاته من أحسن الصور، وأنت مع الملائكة الأكرمين، فلما وقع ما وقع جعل قبح صورتك وبشاعة منظرك مثلًا يضرب لكل قبيح كما قال ﷾: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥)﴾ [الصافات: ٦٥] (¬٢).","footnotes":"(¬١) أي: إبليس. جاء هذا في معرض رد الشبه التي أوردها إبليس لعنه الله تعالى.\r(¬٢) «الصواعق المرسلة» (٤/ ١٥٥٣).\rأخرج الطبري بإسناد حسن عن قتادة: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢)﴾ [الصافات: ٦٢] حتى بلغ ﴿فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٤] قال: لما ذكر شجرة الزقوم افتتن الظلَمة، فقالوا: ينبئكم صاحبكم هذا أن في النار شجرة، والنار تأكل الشجر، فأنزل الله ما تسمعون: إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم، غُذِيت بالنار ومنها خُلقت.\rقوله: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥)﴾ [الصافات: ٦٥] قال: شبهه بذلك.\rقال الطبري ﵀: فإن قال قائل: وما وجه تشبيهه طلع هذه الشجرة برءوس الشياطين في القبح، ولا علم عندنا بمبلغ قبح رءوس الشياطين، وإنما يمثَّل الشيء بالشيء تعريفًا من المُمَثِّل له قُرب اشتباه الممثَّل أحدهما بصاحبه مع معرفة المُمَثَّل له الشيئين كليهما، أو أحدهما، ومعلوم أن الذين خوطبوا بهذه الآية من المشركين، لم يكونوا عارفين شَجَرة الزقوم، ولا رءوس الشياطين، ولا كانوا رأوهما، ولا واحدًا منهما؟.\rقيل له: أما شجرة الزقوم فقد وصفها الله تعالى ذكره لهم وبينها حتى عرفوها ما هي وما صفتها، فقال لهم: ﴿شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥)﴾ =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288556,"book_id":1319,"shamela_page_id":49,"part":null,"page_num":51,"sequence_num":49,"body":"* ومنهم: من يعطى نوراً على إبهام قدمه يضيء مرة ويطفئ أخرى بحسب ما كان معه من نور الإيمان في دار الدنيا فهو هذا النور بعينه أبرزه الله لعبده في الآخرة ظاهرًا يرى عيانًا بالأبصار ولا يستضيء به غيره ولا يمشي أحد إلا في نور نفسه إن كان له نور مشى في نوره، وإن لم يكن له نور أصلًا لم ينفعه نور غيره، ولما كان المنافق في الدنيا قد حصل له نور ظاهر غير مستمر ولا متصل بباطنه ولا له مادة من الإيمان أعطي في الآخرة نورًا ظاهرًا لا مادة له ثم يطفأ عنه أحوج ما كان إليه.\r* ومنها: أن مشيهم على الصراط في السرعة والبطء بحسب سرعة سيرهم وبطئه على صراط الله المستقيم في الدنيا، فأسرعهم سيرًا هنا أسرعهم هناك وأبطأهم هنا أبطأهم هناك، وأشدهم ثباتًا على الصراط المستقيم هنا أثبتهم هناك، ومن خطفته كلاليب الشهوات والشبهات والبدع المضلة هنا خطفته الكلاليب التي كأنها شوك السعدان هناك، ويكون تأثير الكلاليب فيه هناك على حسب تأثير كلاليب الشهوات والشبهات والبدع فيه هاهنا، فناج مسلم، ومخدوش مسلَّم، ومخردل أي مقطع بالكلاليب مكردس في النار (¬١)، كما أثرت فيهم تلك الكلاليب في الدنيا جزًاء وفاقًا وما ربك بظلام للعبيد.\r* والمقصود: أن الله ﵎ ضرب لعباده المثلين المائي والناري في سورة البقرة وفي سورة الرعد وفي سورة النور لما تضمن المثلان من الحياة والإضاءة، فالمؤمن حي القلب مستنيره، والكافر والمنافق ميت القلب مظلمه، وقال الله ﷾ ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ الآية.","footnotes":"(¬١) انظر البخاري (٧٤٣٩)، ومسلم (٣٠٢)، والطبري (٢٣٦٧٦) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعًا.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288701,"book_id":1319,"shamela_page_id":194,"part":null,"page_num":196,"sequence_num":49,"body":"سورة الزمر\r٤٩ - قال ﷾: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٢١)﴾ [الزمر: ٢١] (¬١).","footnotes":"= فلم يتركهم في عَماء منها. وأما في تمثيله طلعها برءوس الشياطين، فأقول لكل منها وجه مفهوم:\rأحدها: أن يكون مثَّل ذلك برءوس الشياطين على نحو ما قد جرى به استعمال المخاطبين بالآية بينهم، وذلك أن استعمال الناس قد جرى بينهم في مبالغتهم إذا أراد أحدهم المبالغة في تقبيح الشيء، قال: كأنه شيطان، فذلك أحد الأقوال.\rوالثاني: أن يكون مثل برأس حية معروفة عند العرب تسمى شيطانًا، وهي حية لها عُرْفٌ فيما ذكر قبيح الوجه والمنظر، وإياه عنى الراجز بقوله:\rعَنْجَرِدٌ تَحْلِفُ حِينَ أحْلِفُ … كمِثْلِ شَيْطَانِ الحَماطِ أعْرَفُ\rويُروى: عُجَيِّزٌ.\rوالثالث: أن يكون مثل نبت معروف برءوس الشياطين ذُكِر أنه قبيح الرأس.\r(¬١) ورد في معنى هذا المثل ثلاثة أمثال أخر من القرآن:\rأحدها: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤)﴾ [يونس: ٢٤].\rثانيها: قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (٤٥)﴾ [الكهف: ٤٥]. =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288557,"book_id":1319,"shamela_page_id":50,"part":null,"page_num":52,"sequence_num":50,"body":"وقال ﷾ ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ الآيات [فاطر: ١٩ - ٢٢].\rفجعل من اهتدى بهداه واستنار بنوره بصيرًا حيًّا في ظل يقيه من حر الشبهات والضلال والبدع والشرك، مستنيرًا بنوره، والآخر أعمى ميتًا في حر الكفر والشرك والضلال منغمسًا في الظلمات.\rوقال ﷾ ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ الآية [الشورى: ٥٢]، وقد اختلفوا في مفسر الضمير من قوله ﷾ ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا﴾ فقيل هو الإيمان لكونه أقرب المذكورين، وقيل هو الكتاب فإنه النور الذي هدى به عباده.\r* قال شيخنا: والصواب أنه عائد على الروح المذكور في قوله ﷾: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ الآية [الشورى: ٥٢]، فسمى وحيه روحًا لما يحصل به من حياة القلوب والأرواح التي هي الحياة في الحقيقة، ومن عدمها فهو ميت لا حي، والحياة الأبدية السرمدية في دار النعيم هي ثمرة حياة القلب بهذا الروح الذي أوحى إلى رسوله ﷺ فمن لم يحيا به في الدنيا فهو ممن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى، وأعظم الناس حياة في الدور الثلاث دار الدنيا، ودار البرزخ ودار الجزاء، أعظمهم نصيبًا من الحياة بهذا الروح. وسماه روحًا في غير موضع من القرآن كقوله ﷾: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (١٥)﴾ [غافر: ١٥].\rوقال ﷾: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (٢)﴾ [النحل: ٢].\rوسماه نورًا لما يحصل به من استنارة القلوب وإضاءتها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288702,"book_id":1319,"shamela_page_id":195,"part":null,"page_num":197,"sequence_num":50,"body":"٥٠ - قال ﷾: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٩)﴾ [الزمر: ٢٩].\rهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللهُ سُبْحَانَهُ لِلْمُشْرِكِين وَالمُوَحِّدِ؛ فَالمُشْرِكُ بِمَنْزِلَةِ عَبْدٍ يملِكُهُ جَمَاعَةٌ متنازعون مختلفون متشاحنون، والرجل الشكس: الضيق الخلق، فالمشرك لما كان يعبد آلهة شتى شبه بعبد يملكه جماعة متنافسون فِي خِدْمَتِهِ، لَا يُمْكِنُهُ أن يبلغ رِضَاهُمْ أَجْمَعِينَ، وَالْمُوَحِّدُ لَمَّا كَانَ يَعْبُدُ اللهَ وَحْدَهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ عَبْدٍ لِرَجُلٍ وَاحِدٍ، قَدْ سَلَّمَ لَهُ، وَعَلِمَ مَقَاصِدَهُ، وعرف الطريق إلَى رِضَاهُ، فَهُوَ فِي رَاحَةٍ مِنْ تَشَاحُنِ الْخُلَطَاءِ فِيهِ، بَلْ هُوَ سَالِمٌ لِمَالِكِهِ مِنْ غَيْرِ تنَازعٍ فِيهِ، مَعَ رَأْفَةِ مَالِكِهِ بِهِ، وَرَحْمَتِهِ لَهُ، وَشَفَقَتِهِ عَلَيْهِ، وَإِحْسَانِهِ إلَيْهِ، وَتَوليتهِ لِمَصَالِحِهِ، فَهَلْ يَسْتَوِيان هَذَانِ الْعَبْدَانِ؟ وَهَذَا مِنْ أَبْلَغِ الْأَمْثَالِ؛ فَإِنَّ الْخَالِصَ لِمَالِكٍ وَاحِدٍ يسْتَحِقُّ مِنْ مَعُونَتِهِ","footnotes":"= ثالثها: قوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد: ٢٠].\rوانظرها في مواطنها من هذا الكتاب ففيها تفصيل للمثل المذكور.\rقال ابن عاشور ﵀: فمُثلت حالة إنزال القرآن واهتداء المؤمنين به والوعدُ بنماء ذلك الاهتداء، بحالة إنزال المطر ونبات الزرع به واكتماله. وهذا التمثيل قابل لتجزئة أجزائه على أجزاء الحالة المشبه بها: فإِنزال الماء من السماء تشبيه لإِنزال القرآن لإِحياء القلوب، وإسلاكُ الماء ينابيع في الأرض تشبيه لِتبليغ القرآن للناس، وإخراج الزرع المختلف الألوان تشبيه لحال اختلاف الناس من طَيِّب وغيره، ونافع وضار، وهياج الزرع تشبيه لِتكاثر المؤمنين بين المشركين.\rوأما قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا﴾ فهو إدماج للتذكير بحالة الممات واستواءِ الناس فيها من نافع وضار. وفي تعقيب هذا بقوله: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: ٢٢، ٢٣] إشارة إلى العبرة من هذا التمثيل.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288558,"book_id":1319,"shamela_page_id":51,"part":null,"page_num":53,"sequence_num":51,"body":"وكمال الروح بهاتين الصفتين، بالحياة والنور، ولا سبيل إليهما إلا على أيدي الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، والاهتداء بما بعثوا به وتلقي العلم النافع والعمل الصالح من مشكاتهم، وإلا فالروح ميتة مظلمة، وإن كان العبد مشارًا إليه بالزهد والفقه والفضيلة والكلام والبحوث، فإن الحياة والاستنارة بالروح الذي أوحاه الله ﷾ إلى رسوله ﷺ وجعله نورا يهدي به من يشاء من عباده وراء ذلك كله، فليس العلم كثرة النقل والبحث والكلام، ولكن نور يميز به صحيح الأقوال من سقيمها وحقها من باطلها، وما هو من مشكاة النبوة مما هو من آراء الرجال.\rويميز النقد الذي عليه سكة أهل المدينة النبوية الذي لا يقبل الله ﷿ ثمنًا لجنته سواه.\rمن النقد الذي عليه سكة جنكسخان ونوابه من الفلاسفة والجهمية والمعتزلة وكل من اتخذ لنفسه سكة وضربًا ونقدًا يروجه بين العالم؛ فهذه الأثمان كلها زيوف لا يقبل الله ﷾ في ثمن جنته شيئًا منها، بل ترد على عاملها أحوج ما يكون إليها وتكون من الأعمال التي قدم الله ﷾ عليها فجعلها هباء منثورًا، ولصاحبها نصيب وافر من قوله ﷾: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٤].\rوهذا حال أرباب الأعمال التي كانت لغير الله ﷿ أو على غير سنة رسول الله ﷺ. وحال أرباب العلوم والأنظار التي لم يتلقوها عن مشكاة النبوة؛ ولكن تلقوها عن زبالة أذهان الرجال وكناسة أفكارهم فأتعبوا قواهم وأفكارهم وأذهانهم في تقرير آراء الرجال والانتصار لهم وفهم ما قالوه، وبثه في المجالس والمحاضر. وأعرضوا عما جاء به الرسول ﷺ صفحًا. ومن به رمق منهم يعيره أدنى التفات طلبًا للفضيلة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288704,"book_id":1319,"shamela_page_id":197,"part":null,"page_num":199,"sequence_num":51,"body":"سورة الشورى\r٥١ - قال ﷾: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].\rأنه سبحانه وصف نفسه بأنه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وأنه لا سمي له، ولا كفؤ له، وهذا يستلزم وصفه بصفات الكمال، التي فات (¬١) بها شبه المخلوقين، واستحق بقيامها به أن يكون ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وهكذا كونه ليس له سمي، أي: مثيل يساميه في صفاته وأفعاله، ولا من يكافيه فيها، ولو كان مسلوب الصفات والأفعال والكلام والاستواء والوجه واليدين، ومنفيا عنه مباينة العالم ومحايثته واتصاله به وانفصاله عنه وعلوه عليه، وكونه يمنته أو يسرته وأمامه أو وراءه، لكان كل عدم مثلاً له في ذلك، فيكون قد نفى عن نفسه مشابهة الموجودات.\rوأثبت لها مماثلة المعدومات، فهذا النفي واقع على أكمل الموجودات وعلى العدم المحض، فإن العدم المحض لا مثل له ولا كفؤ ولا سمي، فلو كان المراد بهذا نفي صفاته وأفعاله واستوائه على عرشه، وتكلمه بالوحي وتكليمه لمن يشاء من خلقه، لكان ذلك وصفا له بغاية العدم فهذا النفي واقع على العدم المحض، وعلى من كثرت أوصاف كماله ونعوت جلاله وأسماؤه الحسنى حتى تفرد بذلك الكمال فلم يكن له شبه في كماله ولا سمي ولا كفوء.","footnotes":"(¬١) فات: فاتني كذا أي: سبقني. والمعنى: أن الله وصف بصفات الكمال التي لا تشبه صفات المخلوق بحال.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288559,"book_id":1319,"shamela_page_id":52,"part":null,"page_num":54,"sequence_num":52,"body":"وأما تجريد أتباعه وتحكيمه واستفراغ قوى النفس في طلبه وفهمه، وعرض آراء الرجال عليه ورد ما يخالفه منها، وقبول ما وافقه، ولا يلتفت إلى شيء من آرائهم وأقوالهم إلا إذا أشرقت عليها شمس الوحي وشهد لها بالصحة، فهذا أمر لا تكاد ترى أحدًا منهم يحدث به نفسه فضلًا عن أن يكون أخيته ومطلوبه، وهذا الذي لا ينجي سواه.\rفوارحمتا لعبد شقي في طلب العلم واستفرغ قواه واستعد فيه أوقاته وآثره على ما الناس فيه. والطريق بينه وبين رسول الله ﷺ مسدود وقلبه عن المرسل ﷾ وتوحيده والإنابة إليه والتوكل عليه والتنعم بحبه والسرور بقربه مطرود ومصدود، وقد طاف عمره كله على أبواب المذاهب، فلم يفز إلا بأخس المطالب.\rسبحان الله إن هي والله إلا فتنة أعمت القلوب عن مواقع رشدها، وحيرت العقول عن طرق قصدها، تربى فيه الصغير وهرم عليه الكبير، فظنت خفافيش الأبصار أنها الغاية التي تسابق إليها المتسابقون، والنهاية التي تتنافس فيها المتنافسون وهيهات أين الظلام من الضياء، وأين الثرى من كواكب الجوزاء، وأين الحرور من الظلال، وأين طريقة أصحاب اليمين من طريقة أصحاب الشمال، وأين القول الذي لم تضمن لنا عصمة قائله بدليل معلوم من النقل المصدق عن القائل المعصوم، وأين العلم الذي سنده محمد بن عبد الله ﷺ عن جبريل عن رب العالمين سبحانه، من الخوض الخرص الذي سنده شيوخ الضلال من الجهمية والمعتزلة وفلاسفة المشائين، بل أين الآراء التي أعلى درجاتها أن تكون عند الضرورة سائغة الاتباع إلى النصوص النبوية الواجب على كل مسلم تحكيمها والتحاكم إليها في موارد النزاع، وأين الآراء التي نهي قائلها عن تقليده فيها وحض على النصوص التي فرض على كل عبد أن يهتدي بها ويتبصر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288711,"book_id":1319,"shamela_page_id":204,"part":null,"page_num":206,"sequence_num":52,"body":"سورة الزخرف\r٥٢ - قال ﷾: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ (٥٦)﴾ [الزخرف: ٥٥، ٥٦].\rقال ﷾: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾، وقد كانوا قبل ذلك أغضبوه بمعصية رسوله ولكن لم يكن غضبه سبحانه قد استقر واستحكم عليهم إذ كان بصدد أن يزول بإيمانهم؛ فلما أيس من إيمانهم تقرر الغضب واستحكم، فحلت العقوبة فهذا الموضع من أسرار القرآن وأسرار التقدير الإلهي وفكر العبد فيه من أنفع الأمور له فإنه لا يدري أي المعاصي هي الموجبة التي يتحتم عندها عقوبته فلا يُقَالُ بعدها والله المستعان (¬١).\r* * *","footnotes":"(¬١) «شفاء العليل» (١/ ٤٩) ط دار الفكر.\rأخرج الطبري بإسناد حسن عن قتادة: ﴿وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾، أي: عظة لمن بعدهم.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288560,"book_id":1319,"shamela_page_id":53,"part":null,"page_num":55,"sequence_num":53,"body":"وأين الأقوال والآراء التي إذا مات أنصارها والقائمون بها فهي من جملة الأموات، إلى النصوص التي لا تزول إلا إذا زالت الأرض والسماوات.\rلقد استبان والله الصبح لمن له عينان ناظرتان؛ وتبين الرشد من الغي لمن له أذنان واعيتان، لكن عصفت على القلوب أهوية البدع والشبهات والآراء المختلفات، فأطفأت مصابيحها وتحكمت فيها أيدي الشهوات فأغلقت أبواب رشدها وأضاعت مفاتيحها، وران عليها كسبها وتقليدها لآراء الرجال، فلم تجد حقائق القرآن والسنة فيها منفذًا وتمكنت فيها أسقام الجهل والتخليط فلم تنتفع معها بصالح الغذاء، واعجبًا جعلت غذاءها من هذه الآراء التي لا تسمن ولا تغني من جوع، ولم تقبل الاغتذاء بكلام الله ﷾ ونص نبيه المرفوع، واعجبًا لها كيف اهتدت في ظلم الآراء إلى التمييز بين الخطأ فيها والصواب، وعجزت عن الاهتداء بمطالع الأنوار ومشارقها من السنة والكتاب، فأقرت بالعجز عن تلقي الهدى العلم من مشكاة السنة والقرآن، ثم تلقته من رأي فلان ورأي فلان.\rفسبحان الله ماذا حرم المعرضون عن نصوص الوحي واقتباس الهدى من مشكاتها من الكنوز والذخائر، وماذا فاتهم من حياة القلوب واستنارة البصائر، قنعوا بأقوال استنبطتها معاول الآراء فكرًا، وتقطعوا أمرهم بينهم لأجلها زبرًا وأوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا، فاتخذوا لأجل ذلك القرآن مهجورًا، درست معالم القرآن في قلوبهم فليسوا يعرفونها، ودثرت معاهده عندهم فليسوا يعمرونها ووقعت أعلامه من أيديهم فليسوا يرفعونها، وأفلت كواكبه من آفاقهم فليسوا يبصرونها، وكسفت شمسه عند اجتماع ظلم آرائهم وعقدها فليسوا يثبتونها، خلعوا نصوص الوحي عن سلطان الحقيقة وعزلوها عن ولاية اليقين وشنوا عليها غارات التحريف بالتأويلات الباطلة، فلا يزال يخرج عليها","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288712,"book_id":1319,"shamela_page_id":205,"part":null,"page_num":207,"sequence_num":53,"body":"٥٣ - قال ﷾: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨) إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)﴾ [الزخرف: ٥٧ - ٥٩] (¬١).\rفِي سُنَن ابن مَاجَه (¬٢) منْ حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ: «مَا ضَلَّ قَوْم بَعْد هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الْجَدَل، ثُمَّ تَلَا تِلْكَ الْآيَة: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ (¬٣).","footnotes":"(¬١) أخرج الطبري بإسناد حسن عن قتادة: قال: لما ذكر عيسى في القرآن قال مشركو قريش: يا محمد ما أردت إلى ذكر عيسى؟ قال: وقالوا: إنما يريد أن نحبه كما أحبَّت النصارى عيسى.\rوقال: ﴿وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: آية.\r(¬٢) إسناده حسن: أخرجه الترمذي في «جامعه» (٣٢٥٣)، وابن ماجه (٤٨)، وأحمد (٥/ ٢٥٢، ٢٥٦) وغيرهم من أكثر من سبع طرق عن حجاج بن دينار عن أبي غالب عن أبي أمامة ﵁ به.\rوقال الترمذي: حسن صحيح، إنما نعرفه من حديث حجاج بن دينار، وحجاج ثقة مقارب الحديث.\rوتعقبه ابن القطان في «بيان الوهم والإيهام» (٥/ ٦٥٤) قائلًا: ينبغي أن يقال فيه: حسن؛ لأن فيه أبا غالب حزورًا، وهو مختلف فيه.\rوقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\rوصححه العلامة الألباني ﵀ في تخريج «السنة» لابن أبي عاصم (١٠١).\rوذكره العقيلي في «الضعفاء الكبير» (١٣٩٦) في ترجمة حجاج بن دينار.\rوقال: (لا يتابع عليه ولا يعرف إلا به).\r(¬٣) «حاشية ابن القيم على سنن أبي داود» (١٢/ ٢١٣) ط الكتب العلمية، ذكره وهو يتحدث عن المراء في القرآن.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288561,"book_id":1319,"shamela_page_id":54,"part":null,"page_num":56,"sequence_num":54,"body":"من جيوشهم المخذولة كمين بعد كمين، نزلت عليهم نزول الضيف على أقوام\rلئام فعاملوها بغير ما يليق بها من الإجلال والإكرام، وتلقوها من بعيد ولكن بالدفع في صدورها والأعجاز. وقالوا: ما لك عندنا من عبور وإن كان لا بد فعلى سبيل المجاز. أنزلوا النصوص منزلة الخليفة العاجز في هذه الأزمان، له السكة والخطبة وما له حكم نافذ ولا سلطان، حرموا والله الوصول بخروجهم عن منهج الوحي وتضييع الأصول، وتمسكوا بأعجاز لا صدور لها فخانتهم أحرص ما كانوا عليها وتقطعت بهم أسبابهم أحوج ما كانوا إليها، حتى إذا بعثر ما في القبور، وحصل ما في الصدور، وتميز لكل قوم حاصلهم الذي حصلوه؛ وانكشفت لهم حقيقة ما اعتقدوه وقدموا على ما قدموه وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون، وسُقِطَ في أيديهم عند الحصاد لما عاينوا غلة ما بذروه.\rفياشدة الحسرة عندما يعاين المبطل سعيه وكده هباء منثورًا، ويا عظم المصيبة عندما تبين بوارق آماله وأمانيه خلبًا وغرورًا.\rفما ظن من انطوت سريرته على البدعة والهوى والتعصب للآراء بربه ﷾ يوم تبلى السرائر، وما عذر من نبذ كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وراء ظهره في يوم لا ينفع فيه الظالمين المعاذر.\rأفيظن المعرض عن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ أن ينجو غدًا بآراء الرجال، ويتخلص من مطالبة الله ﷾ له بكثرة البحوث والجدال أو ضروب الأقيسة وتنوع الأشكال أو بالشطحات والمشارات وأنواع الخيال، هيهات.\rوالله لقد ظن أكذب الظن ومنّى نفسه أبين المحال، وإنما ضُمنت النجاة لمن حكم هدى الله ﷾ على غيره، وتزود التقوى، وائتم بالدليل، وسلك الصراط","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288713,"book_id":1319,"shamela_page_id":206,"part":null,"page_num":208,"sequence_num":54,"body":"سورة محمد\r٥٤ - قال ﷾: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (١٠)﴾ [محمد: ١٠] (¬١).\rفأخبر أن حكم الشيء حكم مثله.\rوكذلك كل موضع أمر الله سبحانه فيه بالسير في الأرض، سواء كان السير الحسي على الأقدام والدواب، أو السير المعنوي بالتفكير والاعتبار، أو كان اللفظ يعمُّهما وهو الصواب؛ فإنه يدل على الاعتبار والحذر أن يحل بالمخاطبين ما حل بأولئك، ولهذا أمر سبحانه أولي الأبصار بالاعتبار بما حل بالمكذبين، ولولا أن حكم النظير حكم نظيره حتى تعبر العقول منه إليه لما حصل الاعتبار (¬٢).","footnotes":"(¬١) قال ابن عاشور: المراد بالكافرين: كفار مكة. والمعنى: ولكفاركم أمثال عاقبة الذين من قبلهم من الدّمار، وهذا تصريح بما وقع به التعريض للتأكيد بالتعميم ثم الخصوص.\rوأمثال: جمع مِثْل بكسر الميم وسكون الثاء، وجمع الأمثال لأن الله استأصل الكافرين مرات حتى استقر الإسلام فاستأصل صناديدهم يوم بدر بالسيف، ويوم حنين بالسيف أيضًا، وسلط عليهم الريح يوم الخندق فهزمهم، وسلط عليهم الرعب والمذلة يوم فتح مكة، وكل ذلك مماثل لما سلطه على الأمم في الغاية منه وهو نصر الرسول ﷺ ودينه، وقد جعل الله ما نصر به رسوله ﷺ أعلى قيمة بكونه بيده وأيدي المؤمنين مباشرة بسيوفهم وذلك أنكى للعدو.\rوضمير ﴿أَمْثَالُهَا﴾ عائد إلى ﴿عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ باعتبار أنها حالة سوء.\r(¬٢) «إعلام الموقعين» (٢/ ٢٥٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288714,"book_id":1319,"shamela_page_id":207,"part":null,"page_num":209,"sequence_num":55,"body":"٥٥ - قال ﷾: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (١٥)﴾ [محمد: ١٥] (¬١).\rفذكر سبحانه هذه الأجناس الأربعة، ونفى عن كل واحد منها الآفة التي تعرض له في الدنيا، فآفة الماء أن يأسن ويأجن من طول مكثه، وآفة اللبن أن يتغير طعمه إلى الحموضة، وأن يصير قارصًا، وآفة الخمر كراهة مذاقها المنافي للذَّةِ شربها، وآفة العسل عدم تصفيته.\rوهذا من آيات الرب ﷾ أن تجري أنهار من أجناس لم تجر العادة في الدنيا بإجرائها، ويجريها في غير أخدود، وينفي عنها الآفات التي تمنع كمال اللذة بها، كما","footnotes":"(¬١) قال السعدي -رحمه الله تعالى-: أي: مثل الجنة التي أعدها الله لعباده، الذين اتقوا سخطه، واتبعوا رضوانه، أي: نعتها وصفتها الجميلة.\r﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ أي: غير متغير، لا بوخم ولا بريح منتنة، ولا بمرارة، ولا بكدورة، بل هو أعذب المياه وأصفاها، وأطيبها ريحًا، وألذها شربًا.\r﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ بحموضة ولا غيرها، ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ أي: يلتذ به شاربه لذة عظيمة، لا كخمر الدنيا الذي يكره مذاقه ويصدع الرأس، ويغول العقل.\r﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ من شمعه، وسائر أوساخه.\r﴿وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ من نخيل، وعنب، وتفاح، ورمان، وأترج، وتين، وغير ذلك مما لا نظير له في الدنيا، فهذا المحبوب المطلوب قد حصل لهم.\rثم قال: ﴿وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ يزول بها عنهم المرهوب، فأي هؤلاء خير أم من هو خالد في النار التي اشتد حرها، وتضاعف عذابها، ﴿وَسُقُوا﴾ فيها ﴿مَاءً حَمِيمًا﴾ أي: حارًّا جدًّا، ﴿فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾.\rفسبحان من فاوت بين الدارين والجزاءين، والعاملين والعملين.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288562,"book_id":1319,"shamela_page_id":55,"part":null,"page_num":57,"sequence_num":55,"body":"المستقيم واستمسك من التوحيد واتباع الرسول ﷺ بالعروة الوثقى، التي لا انفصام لها والله سميع عليم (¬١).\r* * *","footnotes":"(¬١) «اجتماع الجيوش الإسلامية» (ص/ ٦٨ - ٩٣) ط مكتبة الرشد، وانظر: «إعلام الموقعين» (٢/ ٢٧١)، و «الوابل الصيب» (ص/ ١٢٨)، و «مدارج السالكين» (١/ ٦١٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288717,"book_id":1319,"shamela_page_id":210,"part":null,"page_num":212,"sequence_num":56,"body":"سورة الفتح\r٥٦ - قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾\r[الفتح: ٢٩].\rقَالَ تَعَالَى فِي صِفَةِ النّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الْفَتْحُ: ٢٩].\rوَقَالَ ﷿: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠)﴾ [التّوْبَةُ: ١٢٠] (¬١).","footnotes":"(¬١) انظر «زاد المعاد» (٣/ ٢٦٥)، و «هداية الحيارى» (ص/ ٢٩٠).\rقال السعدي ﵀: يخبر تعالى عن رسوله ﷺ وأصحابه من المهاجرين والأنصار، أنهم بأكمل الصفات، وأجل الأحوال، وأنهم ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ أي: جادون ومجتهدون في عداوتهم، وساعون في ذلك بغاية جهدهم، فلم يروا منهم إلا الغلظة والشدة، فلذلك ذل أعداؤهم لهم، وانكسروا، وقهرهم المسلمون، ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ أي: متحابون متراحمون متعاطفون، كالجسد الواحد، يحب أحدهم لأخيه ما يحب لنفسه، هذه معاملتهم مع الخلق، وأما معاملتهم مع الخالق فإنك ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ أي: وصفهم كثرة الصلاة، التي أجل أركانها الركوع والسجود.\r﴿يَبْتَغُونَ﴾ بتلك العبادة ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ أي: هذا مقصودهم =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288718,"book_id":1319,"shamela_page_id":211,"part":null,"page_num":213,"sequence_num":57,"body":"سورة الحجرات\r٥٧ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾ [الحجرات: ١٢].","footnotes":"= بلوغ رضا ربهم، والوصول إلى ثوابه.\r﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ أي: قد أثرت العبادة -من كثرتها وحسنها- في وجوههم، حتى استنارت، لما استنارت بالصلاة بواطنهم، استنارت [بالجلال] ظواهرهم.\r﴿ذَلِكَ﴾ المذكور ﴿مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ أي: هذا وصفهم الذي وصفهم الله به، مذكور بالتوراة هكذا.\rوأما مثلهم في الإنجيل، فإنهم موصوفون بوصف آخر، وأنهم في كمالهم وتعاونهم ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ﴾ أي: أخرج فراخه، فوازرته فراخه في الشباب والاستواء.\r﴿فَاسْتَغْلَظَ﴾ ذلك الزرع أي: قوي وغلظ ﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ جمع ساق، ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ﴾ من كماله واستوائه، وحسنه واعتداله، كذلك الصحابة ﵃، هم كالزرع في نفعهم للخلق واحتياج الناس إليهم، فقوة إيمانهم وأعمالهم بمنزلة قوة عروق الزرع وسوقه، وكون الصغير والمتأخر إسلامه، قد لحق الكبير السابق ووازره وعاونه على ما هو عليه، من إقامة دين الله والدعوة إليه، كالزرع الذي أخرج شطأه، فآزره فاستغلظ، ولهذا قال: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ حين يرون اجتماعهم وشدتهم على دينهم، وحين يتصادمون هم وهم في معارك النزال، ومعامع القتال.\r﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ فالصحابة ﵃، الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح، قد جمع الله لهم بين المغفرة، التي من لوازمها وقاية شرور الدنيا والآخرة، والأجر العظيم في الدنيا والآخرة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288565,"book_id":1319,"shamela_page_id":58,"part":null,"page_num":60,"sequence_num":58,"body":"أَيْ: مَا يَنْفَكُّ مُنَاخَةً، وَهَذَا جَوَابٌ فَاسِدٌ، فَإِنَّ «إلَّا» لَا تُزَادُ فِي الْكَلَامِ.\r* الجَوَابُ الثَّانِي: أَنَّ التَّشْبِيهَ وَقَعَ فِي مُطْلَقِ الدُّعَاءِ لَا فِي خُصُوصاتِ الْمَدْعُوِّ.\r* الجَوَابُ الثَّالِثُ: أَنَّ المَعْنَى أَنَّ مَثَلَ هَؤُلَاءِ فِي دُعَائِهِمْ آلِهَتَهُم الَّتِي لَا تَفْقَهُ دُعَاءَهُمْ كَمَثَلِ النَّاعِقِ بِغَنَمِهِ، فَلَا يَنْتَفِعُ بنعقِتهِ بِشَيْءٍ، غَيْرَ أَنَّهُ فِي دُعَاءٍ وَنِدَاءٍ، وَكَذَا المُشْرِكُ لَيْسَ لَهُ مِنْ دُعَائِهِ وَعِبَادَتِهِ إلَّا العَنَاءُ.\rوَقِيلَ: المَعْنَى: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَالْبَهَائِمِ الَّتِي لَا تَفْقَهُ ما يَقُولُ الرَّاعِي أَكْثَرَ مِنْ الصَّوْتِ؛ فَالرَّاعِي هُوَ دَاعِي الكُفَّارِ، وَالكُفَّارُ هُمْ البَهَائِمُ المَنْعُوقُ بِهَا.\r* قَالَ سِيبَوَيْه (¬١): المَعْنَى: وَمَثَلُك يَا مُحَمَّدُ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ النَّاعِقِ وَالمَنْعُوقِ.\rوَعَلَى قَوْلِهِ فَيَكُونُ المَعْنَى: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا ودَاعِيهمْ كَمَثَلِ الغَنَمِ وَالنَّاعِقِ بِهَا.\rوَلَك أَنْ تَجْعَلَ هَذَا مِنْ التَّشْبِيهِ المُرَكَّبِ، وَأَنْ تَجْعَلَهُ مِنْ التَّشْبِيهِ المُفَرَّقِ، فَإِنْ جَعَلْتَهُ مِنْ المُرَكَّبِ كَانَ تَشْبِيهًا لِلْكُفَّارِ فِي عَدَمِ فِقْهِهِمْ وَانْتِفَاعِهِمْ بِالغَنَمِ الَّتِي يَنعقُ بِهَا الرَّاعِي، فَلَا تَفْقَهُ مِنْ قَوْلِهِ شَيْئًا غَيْرَ الصَّوْتِ المُجَرَّدِ الذي هُوَ الدُّعَاءُ وَالنِّدَاءُ، وَإِنْ جَعَلْتَهُ مِنْ التَّشْبِيهِ المُفَرَّقِ فَاَلَّذِينَ كَفَرُوا بِمَنْزِلَةِ البَهَائِمِ، وَدُعَاءُ دَاعِيهمْ إلَى الطَّرِيقِ وَالهُدَى","footnotes":"(¬١) نصه في «الكتاب»: (١/ ٢١٢): قوله ﷿: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾، وإنما شبهوا بالمنعوق به. وإنما المعنى: مثلكم ومثل الذين كفروا كمثل الناعق والمنعوق به الذي لا يسمع. ولكنه جاء على سعة الكلام والإيجاز لعلم المخاطب بالمعنى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288720,"book_id":1319,"shamela_page_id":213,"part":null,"page_num":215,"sequence_num":58,"body":"سورة الذاريات\r٥٨ - قال تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣)﴾ [الذاريات: ٢٢، ٢٣] (¬١).\rأقسم - سبحانه - أعظم قسم، بأعظم مقسم به، على أجل مقسم عليه، وأكد الأخبار بهذا القسم، ثم أكده -سبحانه- بشبهه بالأمر المحقق الذي لا يشك فيه ذو حاسة سليمة، فقال تعالى: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣)﴾ [الذاريات: ٢٣].\rقال ابن عباس ﵄: «يريد إنه لحق واقع، كما أنكم تنطقون» (¬٢).\rوقال الفراء: «إنه لحق كما أن الآدمي ناطق» (¬٣).\rوقال الزجاج: «هذا كما تقول في الكلام إن هذا لحق كما أنك ههنا» (¬٤).","footnotes":"(¬١) قال ابن عاشور: قوله: ﴿مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ زيادة تقرير لوقوع ما أوعده بأن شبه بشيء معلوم كالضرورة لا امتراء في وقوعه وهو كون المخاطبين ينطقون. وهذا نظير قولهم: كما أن قبلَ اليوم أمس، أو كما أن بعد اليوم غدًا. وهو من التمثيل بالأمور المحسوسة، ومنه تمثيل سرعة الوصول لقرب المكان في قول زهير:\rفهن ووادِي الرسّ كاليد للفم\rوقولهم: مثل ما أنك ها هنا، وقولهم: كما أنك ترى وتسمع.\r(¬٢) لم أقف عليه.\r(¬٣) «معاني القرآن» (٣/ ٨٥).\r(¬٤) «معاني القرآن» (٥/ ٥٤)، وفيه «إن هذا لحق كما أنك متكلم».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288566,"book_id":1319,"shamela_page_id":59,"part":null,"page_num":61,"sequence_num":59,"body":"بِمَنْزِلَةِ الَّذِي يَنْعِقُ بِهَا، وَدُعَاؤُهُمْ إلَى الطريق والهُدَى بِمَنْزِلَةِ النَّعْيقِ، وَإِدْرَاكُهُمْ مُجَرَّدَ الدُّعَاءِ وَالنِّدَاءِ كَإِدْرَاكِ البَهَائِمِ مُجَرَّدَ صَوْتِ النَّاعِقِ، وَاللهُ أَعْلَمُ (¬١).\rوقال (¬٢): سواءٌ كان المعنى: ومثلُ داعي الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع من الدواب إلا أصواتًا مجردةً، أو كان المعنى: ومثل الذين كفروا حين ينادون كمثل دواب الذي ينعق بها فلا تسمع إلا صوت الدعاء والنداء، فالقولان متلازمان، بل هما واحد، وإن كان التقدير الثاني أقرب إلى اللفظ وأبلغ في المعنى؛ فعلى التقديرين لم يحصل لهم من الدعوة إلا الصوت الحاصل للأنعام.\rفهؤلاء لم يحصل لهم حقيقة الإنسانية التي يميز بها صاحبها عن سائر الحيوان.\r* والسمع يراد به إدراك الصوت ويراد به فهم المعنى ويراد به القبول والإجابة والثلاثة في القرآن:\r* فمن الأول: قوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١)﴾ [المجادلة: ١]، وهذا أصرح ما يكون في إثبات صفة السمع؛ ذَكَرَ الماضيَ والمضارعَ واسمَ الفاعل: (سمع) و (يسمع)، وهو (سميع)، وله السمع؛ كما قَالَتْ عَائِشَةَ ﵂: «الحَمْدُ لِلهِ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الْأَصْوَاتَ، لَقَدْ جَاءَتِ المُجَادِلَةُ تشكو إِلَى رسول الله ﷺ وَأَنَا فِي جانب البَيْتِ، وإنه ليخفى علي بعض كلامها، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١] (¬٣).","footnotes":"(¬١) «إعلام الموقعين» (١/ ٣١٣ - ٣١٥) ط ابن الجوزي.\r(¬٢) «مفتاح دار السعادة» (١/ ٢٩٤ - ٢٩٥) ط. ابن القيم وابن عفان.\r(¬٣) إسناده صحيح: أخرجه أحمد (٦/ ٤٦)، وابن ماجه (٢٠٦٣) وغيرهما من طرق عن الأعمش عن تميم بن سلمة عن عروة عن عائشة ﵂ به. =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288724,"book_id":1319,"shamela_page_id":217,"part":null,"page_num":219,"sequence_num":59,"body":"سورة الحديد\r٥٩ - قال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (٢٠)﴾ [الحديد: ٢٠].\rفأخبر سبحانه عن حقيقة الدنيا بما جعله مشاهدًا لأولي البصائر، وإنها لعب ولهو تلهو بها النفوس، وتلعب بها الأبدان، واللعب واللهو لا حقيقة لهما، وأنهما مشغلة للنفس مضيعة للوقت يقطع بها الجاهلون العمر فيذهب ضائعًا في غير شيء.\rثم أخبر أنها زينة زُينت للعيون وللنفوس فأخذت بالعيون والنفوس استحسانًا ومحبة، ولو باشرت القلوبُ معرفةَ حقيقتها ومآلها ومصيرها لأبغضتها ولآثرت عليها الآخرة، ولما آثرتها على الآجل الدائم الذي هو خير وأبقى.\rقال الإمام (¬١): حدثنا وكيع حدثنا المسعودي عن عمرو بن مرة عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ما لي وللدنيا، إنما مثلي ومثل الدنيا كمثل راكب قال في ظل شجرة في يوم صائف ثم راح وتركها» (¬٢).","footnotes":"(¬١) أي: الإمام أحمد.\r(¬٢) رجاله ثقات: أخرجه وكيع في «الزهد» (٦٤)، ومن طريقه أحمد في «المسند» (١/ ٤٤١)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (١٩/ ٣٥٤٤٤)، وتابعه جماعة. ووكيع سمع من المسعودي قبل الاختلاط، قاله الإمام أحمد.\rوقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وانظر: «العلل» (٥/ ١٦٣ - ١٦٤)، =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288567,"book_id":1319,"shamela_page_id":60,"part":null,"page_num":62,"sequence_num":60,"body":"* والثاني: سمع الفهم؛ كقوله: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: ٢٣]، أي: لأفهمهم، ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾ [الأنفال: ٢٣]؛ لما في قلوبهم من الكبر والإعراض عن قبول الحق، ففيهم آفتان: إحداهما: أنهم لا يفهمون الحق لجهلهم، ولو فهموه لتولوا عنه وهم معرضون عنه لكبرهم (¬١) وهذا غاية النقص والعيب.\r* والثالث: سمعُ القَبُول والإجابة؛ كقوله ﷾: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٧]. أي: قابلون مستجيبون، ومنه قوله ﷾: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ [المائدة: ٤١]. أي: قابلون له مستجيبون لأهله، ومنه قول المصلى: سمع الله لمن حمده؛ أي: أجاب الله حمد من حمده، ودعاء من دعاه، وقول النبي ﷺ: «إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد؛ يسمع الله لكم» (¬٢) أي: يجيبكم.","footnotes":"= وسبق التعليق عليه في «التنقيح والتحرير على مقدمة في أصول التفسير لشيخ الإسلام ابن تيمية» (ص/ ٣١ - ٣٢) ط. دار التأصيل.\r(¬١) وهي الآفة الثانية، فالأولى: الجهل، والثانية: الكبر.\r(¬٢) أخرجه مسلم (٤٠٤) من حديث أبي موسى ﵁ بلفظ: «وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ. يَسْمَع اللهُ لَكُمْ».\r* فائدة: قال ابن القَيِّم ﵀ في «زاد المعاد» (١/ ٢٠٩) عند كلامه على صِفَةِ رَفْعِهِ ﷺ من الركوع، وما يقوله عند ذلك: « … وَرُبّمَا قَالَ: «اللهُمّ رَبّنَا لَكَ الْحَمْدُ» صَحّ ذَلِكَ عَنْهُ. وَأَمّا الْجَمْعُ بَيْنَ «اللهُمّ» وَ «الْوَاوُ» فَلَمْ يَصِحّ». كذا قال ﵀.\rولكنَّ الأمر على خلاف ذلك؛ فقد ثبت الجمع بين «اللهُمّ» وَ «الْوَاوُ» في «صحيح البخاري» (٧٩٦) وغيره. نبه على هذا الحافظ ابن حجر في تعليقه على الحديث، والعلامة الألباني في «صفة صلاة النبي ﷺ» (ص/ ١٣٦) و أ. جمال محمد السيد في رسالته: «ابن قيم الجوزية وجهوده في خدمة السنة النبوية وعلومها» (٢/ ٢٦٦ - ٢٦٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288737,"book_id":1319,"shamela_page_id":230,"part":null,"page_num":232,"sequence_num":60,"body":"سورة الحشر\r٦٠ - قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (١٦) فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (١٧)﴾ [الحشر: ١٦، ١٧] (¬١).","footnotes":"(¬١) هذا مثل آخر لمُمَثَّل آخر، وليس مثلًا منْضمًّا إلى المثل الذي قبله لأنه لو كان ذلك لكان معطوفًا عليه بالواو، أو ب (أو) كقوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٩].\rوالوجه: أن هذا المثل متصل بقوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الحشر: ١٥] كما يفصح عنه قوله في آخره: ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ﴾ الآية، أي: مثلهم في تسبيبهم لأنفسهم عذاب الآخرة كمثل الشيطان إذ يوسوس للإنسان بأن يكفر ثم يتركه ويتبرأ منه فلا ينتفع أحدهما بصاحبه ويقعان معًا في النار.\rفجملة ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ﴾ حال من ضمير ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الحشر: ١٥] أي: في الآخرة.\rفالمعنى: إذ قال للإِنسان في الدنيا: اكفر، فلما كفر ووافى القيامة على الكفر قال الشيطان يوم القيامة: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ﴾، أي: قال كل شيطان لقرينه من الإِنس: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ﴾ طمعًا في أن يكون ذلك منجيه من العذاب.\rففي الآية إيجاز حذف حُذف فيها معطوفات مقدرة بعد شرط (لَمَّا) هي داخلة في الشرط إذ التقدير: فلما كفر واستمر على الكفر، وجاء يوم الحشر واعتذر بأن الشيطان أضله قال الشيطان: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ﴾ إلخ. وهذه المقدرات مأخوذة من آيات أخرى مثل آية سورة إبراهيم وآية سورة ق: ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾ الآية [ق: ٢٧]. وظاهر أن هذه المحاجة لا تقع إلا في يوم الجزاء وبعد موت الكافر على الكفر دون من أسلموا.\rوقول: ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا﴾ من تمام المثل. أي كان عاقبة الممثل بهما خسرانهما معًا. وكذلك تكون عاقبة الفريقين الممثلين أنهما خائبان فيما دبّرا =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288568,"book_id":1319,"shamela_page_id":61,"part":null,"page_num":63,"sequence_num":61,"body":"* والمقصود: أن الإنسان إذا لم يكن له علم بما يصلحه في معاشه ومعاده كان الحيوان البهيم خيرًا منه لسلامته في المعاد مما يهلكه دون الإنسان الجاهل (¬١).\r* * *","footnotes":"(¬١) «الوابل الصيب» (ص/ ١٢٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288740,"book_id":1319,"shamela_page_id":233,"part":null,"page_num":235,"sequence_num":61,"body":"سورة الجمعة\r٦١ - قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥)﴾ [الجمعة: ٥].\rفَقَاسَ سُبْحَانَهُ مَنْ حَمَّلَهُ كِتَابَهُ لِيُؤْمِنَ بِهِ وَيَتَدَبَّرَهُ وَيَعْمَلَ بِهِ وَيَدْعُوَ إلَيْهِ ثُمَّ خَالَفَ ذَلِكَ وَلَمْ يَحْمِلْهُ إلَّا عَلَى ظَهْرِ قَلْبٍ، فَقرَأَهُ به بغير تَدَبُّرٍ وَلَا تَفَهُّمٍ وَلَا اتِّبَاعٍ له وتَحْكِيمٍ لَهُ وَعَمَلٍ بِمُوجِبِهِ، كَحِمَارٍ عَلَى ظَهْرِهِ زَامِلَةُ أَسْفَارٍ لَا يَدْرِي مَا فِيهَا، وَحَظُّهُ مِنْهَا حَمْلُهَا عَلَى ظَهْرِهِ لَيْسَ إلَّا؛ فَحَظُّهُ مِنْ كِتَابِ اللهِ كَحَظِّ هَذَا الْحِمَارِ مِنْ الْكُتُبِ الَّتِي عَلَى ظَهْرِهِ؛ فَهَذَا الْمَثَلُ وَإِنْ كَانَ قَدْ ضُرِبَ لِلْيَهُودِ فَهُوَ مُتَنَاوِلٌ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى لِمَنْ حَمَلَ الْقُرْآنَ فَتَرَكَ الْعَمَلَ بِهِ، وَلَمْ يُؤَدِّ حَقَّهُ، وَلَمْ يَرْعَهُ حَقَّ رِعَايَتِه (¬١).","footnotes":"(¬١) «إعلام الموقعين» (٢/ ٢٨٨) وانظر «اجتماع الجيوش الإسلامية» (ص/ ٧١).\rأخرج الطبري رقم (٣٣٩٤٨) بإسناد حسن عن قتادة ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ قال: يحمل كتابًا لا يدري ماذا عليه، ولا ماذا فيه.\rوصح عند الطبري أيضا برقم (٣٣٩٥٢) إلى ابن زيد، في قول الله: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ قال: الأسفارُ: التوراة التي يحملها الحمار على ظهره، كما تحمل المصاحف على الدواب، كمثل الرجل يسافر فيحمل مصحفه، قال: فلا ينتفع الحمارُ بها حين يحملها على ظهره، كذلك لم ينتفع هؤلاء بها حين لم يعملوا بها وقد أوتوها، كما لم ينتفع بها هذا وهي على ظهره.\rوانظر: «مجموع الفتاوى» لشيخ الإسلام (٢٢/ ٢٥٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288741,"book_id":1319,"shamela_page_id":234,"part":null,"page_num":236,"sequence_num":62,"body":"سورة التحريم\r٦٢ - قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١١) وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (١٢)﴾ [التحريم: ١٠ - ١٢].\rفَاشْتَمَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْثَالٍ: مَثَلٌ لِلْكافر (¬١) وَمثلَيْنِ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَتَضَمَّنَ مَثَلُ الْكُفَّارِ أَنَّ الْكَافِرَ يُعَاقَبُ عَلَى كُفْرِهِ وَعَدَاوَتِهِ لله وَرَسُولِهِ ﷺ وَأَوْلِيَائِهِ، وَلَا يَنْفَعُهُ مَعَ كُفْرِهِ مَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ المُؤْمِنِينَ مِنْ لُحْمَةِ نَسَبٍ أَوْ صِلَةِ صِهْرٍ أَوْ سَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ الِاتِّصَالِ.\rفَإِنَّ الْأَسْبَابَ تَنْقَطِعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَّا مَا كَانَ مِنْهَا مُتَّصِلًا بِالله وَحْدَهُ عَلَى أَيْدِي رُسُلِهِ عليهم الصلاة والسلام، فَلَوْ نَفَعَتْ وَصْلَةُ الْقَرَابَةِ وَالْمُصَاهَرَةِ أَوْ النِّكَاحِ مَعَ عَدَمِ الْإِيمَانِ لَنَفَعَت الْوَصْلَةُ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ نُوحٍ ولُوطٍ وَامْرَأَتَيْهِمَا، فَلَمَّا لَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنْ اللهِ شَيْئًا وقيل لهما: ﴿ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ قَطَعَت الْآيَةُ حِينَئِذٍ طَمَعَ مَنْ ارَتكب مَعْصِيَةَ الله وَخَالَفَ أَمْرَهُ، رَجَاء أَنْ يَنْفَعَهُ صَلَاحُ غَيْرِهِ مِنْ","footnotes":"(¬١) أخرج الطبري في «تفسيره» رقم (٣٤٣٢٦) بإسناد حسن: عن قتادة، قوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾ الآية، هاتان زوجتا نَبِيِّ الله لما عصتا ربهما، لم يُغن أزواجهما عنهما من الله شيئًا.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288570,"book_id":1319,"shamela_page_id":63,"part":null,"page_num":65,"sequence_num":63,"body":"لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (٩) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾ [الْعَنْكَبُوتُ: ١ - ١٠].\rفَلْيَتَأَمّل الْعَبْدُ سِيَاقَ هَذِهِ الْآيَاتِ وَمَا تَضَمّنَتْهُ مِنْ الْعِبَرِ وَكُنُوزِ الْحِكَمِ فَإِنّ النّاسَ إذَا أُرْسِلَ إلَيْهِمْ الرّسُلُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إمّا أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمْ آمَنّا وَإِمّا أَلّا يَقُولَ ذَلِكَ بَلْ يَسْتَمِرّ عَلَى السّيّئَاتِ وَالْكُفْرِ فَمَنْ قَالَ آمَنّا امْتَحَنَهُ رَبّهُ وَابْتَلَاهُ وَفَتَنَهُ وَالْفِتْنَةُ الِابْتِلَاءُ وَالِاخْتِبَارُ لِيَتَبَيّنَ الصّادِقُ مِنْ الْكَاذِبِ وَمَنْ لَمْ يَقُلْ آمَنّا فَلَا يَحْسِبْ أَنّهُ يُعْجِزُ اللّهَ وَيَفُوتُهُ وَيَسْبِقُهُ فَإِنّهُ إنّمَا يَطْوِي الْمَرَاحِلَ فِي يَدَيْهِ.\rوَكَيْفَ يَفِرّ الْمَرْءُ عَنْهُ بِذَنْبِهِ إذَا كَانَ تُطْوَى فِي يَدَيْهِ الْمَرَاحِلُ فَمَنْ آمَنَ بِالرّسُلِ وَأَطَاعَهُمْ عَادَاهُ أَعْدَاؤُهُمْ وَآذَوْهُ فَابْتُلِيَ بِمَا يُؤْلِمُهُ وَإِنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهِمْ وَلَمْ يُطِعْهُمْ عُوقِبَ فِي الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَحَصَلَ لَهُ مَا يُؤْلِمُهُ وَكَانَ هَذَا الْمُؤْلِمُ لَهُ أَعْظَمَ أَلَمًا وَأَدُومَ مِنْ أَلَمِ اتّبَاعِهِمْ فَلَا بُدّ مِنْ حُصُولِ الْأَلَمِ لِكُلّ نَفْسٍ آمَنَتْ أَوْ رَغِبَتْ عَنْ الْإِيمَانِ لَكِنّ الْمُؤْمِنَ يَحْصُلُ لَهُ الْأَلَمُ فِي الدّنْيَا ابْتِدَاءً ثُمّ تَكُونُ لَهُ الْعَاقِبَةُ فِي الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَالْمُعْرِضُ عَنْ الْإِيمَانِ تَحْصُلُ لَهُ اللّذّةُ ابْتِدَاءً ثُمّ يَصِيرُ إلَى الْأَلَمِ الدّائِمِ.\rوَسُئِلَ الشّافِعِيّ ﵀ أَيّمَا أَفْضَلُ لِلرّجُلِ أَنْ يُمَكّنَ أَوْ يُبْتَلَى؟ فَقَالَ لَا يُمَكّنُ حَتّى يُبْتَلَى وَاَللّهُ ﷾ ابْتَلَى أُولِي الْعَزْمِ مِنْ الرّسُلِ فَلَمّا صَبَرُوا مَكّنَهُمْ فَلَا يَظُنّ أَحَدٌ أَنّهُ يَخْلُصُ مِنْ الْأَلَمِ الْبَتّةَ وَإِنّمَا يَتَفَاوَتُ أَهْلُ الْآلَامِ فِي الْعُقُولِ فَأَعْقَلُهُمْ مَنْ بَاعَ أَلَمًا مُسْتَمِرّا عَظِيمًا بِأَلَمٍ مُنْقَطِعٍ يَسِيرٍ وَأَشْقَاهُمْ مَنْ بَاعَ الْأَلَمَ الْمُنْقَطِعَ الْيَسِيرَ بِالْأَلَمِ الْعَظِيمِ الْمُسْتَمِرّ. فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَخْتَارُ الْعَاقِلُ هَذَا؟ قِيلَ الْحَامِلُ لَهُ عَلَى هَذَا النّقْدُ وَالنّسِيئَةُ. وَالنّفْسُ مُوَكّلَةٌ بِحُبّ الْعَاجِل (¬١).","footnotes":"(¬١) «زاد المعاد» (٣/ ١١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288745,"book_id":1319,"shamela_page_id":238,"part":null,"page_num":240,"sequence_num":63,"body":"سورة القلم\r٦٣ - قال تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (١٨) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠) فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (٢٢) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (٢٣) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (٢٥) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧) قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (٢٨) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (٣٠) قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (٣١) عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (٣٢) كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [القلم: ١٧ - ٣٣] (¬١).","footnotes":"(¬١) أخرج الطبري بإسناد حسن عن قتادة، قوله: ﴿فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (٢٢) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (٢٣)﴾ يقول: يُسرون ﴿أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ﴾. وقوله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ﴾: أي أضللنا الطريق، بل نحن محرومون، بل جُوزينا فحُرمنا. وقوله: ﴿كَذَلِكَ الْعَذَابُ﴾ أي: عقوبة الدنيا ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288749,"book_id":1319,"shamela_page_id":242,"part":null,"page_num":244,"sequence_num":64,"body":"سورة المدثر\r٦٤ - قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١)﴾\r[المدثر: ٥٠، ٥١].\rقَوْله تَعَالَى فِي تَشْبِيهِ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ كَلَامِهِ وَتَدَبُّرِهِ: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١)﴾ شَبَّهَهُمْ فِي إعْرَاضِهِمْ وَنُفُورِهِمْ عَنْ الْقُرْآنِ بِحُمُرٍ رَأَت الْأَسَدَ (¬١) والرُّمَاةَ (¬٢) فَفَرَّتْ مِنْهُ، وَهَذَا مِنْ بَدِيعِ التَّمْثِيلِ، فَإِنَّ الْقَوْمَ فِي جَهْلِهِمْ بِمَا بَعَثَ اللهُ سبحانه رَسُولَهُ كَالْحُمُرِ، فهِيَ لَا تَعْقِلُ شَيْئًا، فَإِذَا سَمِعَتْ صَوْتَ الْأَسَدِ والرَّامي نَفَرَتْ مِنْهُ أَشَدَّ النُّفُورِ، وَهَذَا غَايَةُ الذَّمِّ لِهَؤُلَاءِ، فَإِنَّهُمْ نَفَرُوا عَنْ الْهُدَى الَّذِي فِيهِ سَعَادَتُهُمْ وَحَيَاتُهُمْ كَنُفُورِ الْحُمُرِ عَنْ مَا يُهْلِكُهَا وَيَعْقِرُهَا، وَتَحْتَ المُسْتَنْفِرَةِ مَعْنًى أَبْلَغُ مِنْ النَّافِرَةِ؛ فَإِنَّهَا لِشِدَّةِ نُفُورِهَا قَدْ اسْتَنْفَرَ","footnotes":"(¬١) ثبت عن أبي موسى وابن عباس وقتادة: أنهم فسروا ﴿قَسْوَرَةٍ﴾ بالرماة.\rأخرجه الطبري في «التفسير» (٣٥٣٥٦)، (٣٥٣٥٥)، (٣٥٣٦٥) وقد بسطت القول في تخريجه في «التنقيح والتحرير على مقدمة أصول التفسير» لابن تيمية (ص ٤٠، ٤١) ط دار التأصيل.\r(¬٢) أخرج الطبري رقم (٣٥٣٧٧) ط دار السلام، حدثنا يونس أخبرنا ابن وهب قال: أخبرني داود بن قيس عن زيد بن أسلم في قول الله: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ قال: الأسد. وهذا إسناده صحيح.\rوأخرج برقم (٣٥٣٧٠)، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر كما في «الدر المنثور» من طريق أبي جمرة، قال: قلت لابن عباس: القسورة الأسد، فقال: ما أعلمه بلغة أحدٍ من العرب. الأسد: هم عصبة الرجال. وإسناده صحيح. وانظر: «التنقيح والتحرير على مقدمة أصول التفسير» لابن تيمية (ص/ ٤١ - ٤٢) ط دار التأصيل.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288572,"book_id":1319,"shamela_page_id":65,"part":null,"page_num":67,"sequence_num":65,"body":"واختلف في تقدير الآية فقيل: مثل نفقة الذين ينفقون في سبيل الله كمثل حبة.\rوقيل: مثل الذين ينفقون في سبيل الله كمثل باذر حبة، ليطابق الممثل للممثل به. فها هنا أربعة أُمور: منفق، ونفقة، وباذر، وبذر.\rفذكر سبحانه من كل شق أهم قسميه؛ فذكر من شق الممثل المنفِق، إذ المقصود ذكر حاله وشأْنه، وسكت عن ذكر النفقة لدلالة اللفظ عليها. وذكر من شق الممثل به البذر إذ هو المحل الذي حصلت فيه المضاعفة.\rوترك ذكر الباذر لأن الغرض لا يتعلق بذكره.\rفتأمل هذه البلاغة والفصاحة والإيجاز المتضمن لغاية البيان. وهذا كثير في أمثال القرآن، بل عامتها ترد على هذا النمط.\rثم ختم الآية باسمين من أسمائه الحسنى مطابقين لسياقها، وهما «الواسع والعليم»، فلا يستبعد العبد هذه المضاعفة، ولا يضيق عنها عَطَنُه، فإن المضاعف سبحانه واسع العطاء، واسع الغنى، واسع الفضل، ومع ذلك فلا يظن أن سعة عطائه تقتضي حصولها لكل منفق، فإنه عليم بمن تصلح له هذه المضاعفة وهو أهل لها، ومن لا يستحقها ولا هو أهل لها، فإن كَرَمَهُ سبحانه وفضله لا يناقض حكمته، بل يضع فضله مواضعه لسعته ورحمته، ويمنعه من ليس من أهله بحكمته وعلمه.\rثم قال ﷾: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢)﴾ [البقرة: ٢٦٢].\rهذا بيان للقرض الحسن ما هو؟ وهو أن يكون في سبيله، أي: في مرضاته والطريق الموصلة إليه، ومن أهمها سبيل الجهاد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288573,"book_id":1319,"shamela_page_id":66,"part":null,"page_num":68,"sequence_num":66,"body":"ف «سبيل الله» خاص وعام، والخاص جزءٌ من السبيل العام وأن لا يتبع صدقته بمنّ ولا أذى، فالمن نوعان:\rأحدهما: مَنٌّ بقلبه من غير أن يصرح به بلسانه.\rوهذا إن لم يبطل الصدقة فهو يمنعه شهود منَّة الله عليه في إعطائه المال وحرمان غيره، وتوفيقه للبذل ومنع غيره منه فللَّه المنة عليه من كل وجه، فكيف يشهد قلبه منه لغيره؟\rوالنوع الثاني: أن يمن عليه بلسانه فيتعدَّى على من أحسن إليه بإحسانه ويريه أنه اصطنعه وأنه أوجب عليه حقًّا، وطوقه منة في عنقه، فيقول: أَمَا أعطيتُك كذا وكذا؟ ويعدد أياديه عنده.\rقال سفيان (¬١): يقول أعطيتك فما شكرت.\rوقال عبد الرحمن بن زيد: كان أبي يقول: إذا أعطيت رجلًا شيئًا ورأيت أن سلامك يثقل عليه فكف سلامك عنه (¬٢).\rوكانوا يقولون: إذا صنعتم صنيعة فانسوها، وإذا أُسديت إليكم صنيعة فلا تنسوها.\rوفى ذلك قيل:\rوإنَّ امرأً أهدى إليَّ صنيعةً … وذكرنيها مرةً لبخيلُ (¬٣)","footnotes":"(¬١) انظر: «تفسيره»، و «تفسير البغوي» (١/ ٢٥٠).\r(¬٢) انظر: «تفسيره»، «تفسير البغوي» (١/ ٢٥٠).\r(¬٣) انظر: «المستطرف» (٢/ ١٢٢) وفيه (للئيم) بدل (لبخيل).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288574,"book_id":1319,"shamela_page_id":67,"part":null,"page_num":69,"sequence_num":67,"body":"وقيل: «صنوان: مَنْ منح سائلَهُ ومَنَّ، ومن منع نائلَه وضنَّ» (¬١).\rوحظر الله على عباده المنَّ بالصنيعة واختصَّ به صفة لنفسه؛ لأنَّ منَّ العباد تكدير وتعبير، ومن الله ﷾ إفضال وتذكير.\rوأيضاً: فإنه هو المنعم في نفس الأمر، والعباد وسائط، فهو المنعم على عبده في الحقيقة.\rوأيضاً: فالامتنان استعباد وكسر وإذلال لمن يمن عليه، ولا تصلح العبودية والذل إلا لله.\rوأيضاً: فالمنَّةُ أن يشهد المعطي أنه هو رب الفضل والإنعام وأنه ولي النعمة ومسديها، وليس ذلك في الحقيقة إلا الله.\rوأيضاً: فالمانُّ بعطائه يشهد نفسه مترفعاً على الآخذ، مستعليًا عليه، غنيًّا عنه، عزيزًا؛ ويشهد ذلة الآخذ وحاجته إليه وفاقته، ولا ينبغي ذلك للعبد.\rوأيضاً: فإن المعطي قد تولى الله ثوابه، وردَّ عليه أضعافَ ما أعطى، فبقي عوضُ ما أعطى عند الله، فأيّ حقٍّ بقي له قبل الآخذ؟ فإذا امتنَّ عليه فقد ظلمه ظلمًا بينًا، وادعى أن حقَّه في قِبَله.\rومن هنا - والله أعلم - بطلت صدقته بالمنّ، فإنه لما كانت معاوضته ومعاملته مع الله، وعوض تلك الصدقة عنده، فلم يرض به، ولاحظ العوضَ من الآخذ والمعاملة عنده، فمن عليه بما أعطاه أبطل معاوضته مع الله ومعاملته له.\rفتأمل هذه النصائح من الله لعباده، ودلالته على ربوبيته وإلهيته وحده، وأنه يبطل عمل من نازعه في شيء من ربوبيته وإلهيته، لا إله غيره ولا رب سواه.","footnotes":"(¬١) «الكشاف» (١/ ٣١١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288575,"book_id":1319,"shamela_page_id":68,"part":null,"page_num":70,"sequence_num":68,"body":"ونبه بقوله: ﴿ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى﴾ [البقرة: ٢٦٢].\rعلى أن المنَّ والأذى - ولو تراخى عن الصدقة، وطال زمنه - ضر بصاحبه، ولم يحصل له مقصود الإنفاق. ولو أتى بالواو وقال: ولا يتبعون ما أنفقوا منًّا ولا أذى لأوهمت تقييد ذلك بالحال. وإذا كان المن والأذى المتراخي مبطلًا لأثر الإنفاق مانعًا من الثواب فالمقارن أولى وأحرى.\rوتأمل كيف جرد الخبر هنا عن الفاء فقال: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٢٦٢]. وقرنه بالفاء في قوله ﷾: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٢٧٤]. فإن الفاء الداخلة على خبر المبتدأ الموصول أو الموصوف تُفهِم معنى الشرط والجزاء وأن الخبر مستحق بما تضمنه المبتدأ من الصلة أو الصفة.\rفلما كان المقام هنا يقتضي بيان حصر المستحق للجزاء دون غيره جرد الخبر عن الفاء فإن المعنى: أن الذي ينفق ماله لله ولا يمن ولا يؤذي هو الذي يستحق الأجر المذكور لا الذي ينفق لغير الله، ويمن ويؤذي بنفقته، فليس المقام مقام شرط وجزاء، بل مقام بيان للمستحق دون غيره.\rوفي الآية الأخرى ذكر الإنفاق بالليل والنهار سرًّا وعلانية.\rفذكر عموم الأوقات وعموم الأحوال، فأتى بالفاء في الخبر ليدل على أن الإنفاق في أي وقت وجد من ليل أو نهار، وعلى أي حالة وُجد من سر أو علانية، فإنه سبب للجزاء على كل حال.\rفليبادر إليه العبد، ولا ينتظر به غير وقته وحاله، فلا يؤخر نفقة الليل إذا حضر إلى النهار، ولا نفقة النهار إلى الليل، ولا ينتظر بنفقة العلانية وقت السر، ولا بنفقة السر وقت العلانية؛ فإن نفقته في أي وقت وعلى أي حال وجدت سببٌ لأجره وثوابه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288576,"book_id":1319,"shamela_page_id":69,"part":null,"page_num":71,"sequence_num":69,"body":"فتدبر هذه الأسرار في القرآن، فلعلك لا تظفر بها تمر بك في التفاسير. والمنة والفضل لله وحده لا شريك له.\rثم قال ﷾: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٣]. فأخبر سبحانه أن القول المعروف - وهو الذي تعرفه القلوب ولا تنكره - والمغفرة - وهي: العفو عمن أساء إليك - خير من الصدقة المقرونة بالأذى. فالقول المعروف إحسان وصدقة بالقول، والمغفرة إحسان بترك المؤاخذة والمقابلة؛ فهما نوعان من أنواع الإحسان، والصدقة المقرونة بالأذى حسنة مقرونة بما يبطلها، ولا ريب أن حسنتين خير من حسنة باطلة. ويدخل في هذا القول المعروف الرد الجميل على السائل، والعدة الحسنة، والدعاء الصالح له.\rويدخل في المغفرة مغفرته للسائل، إذا وجد منه بعض الجفوة والأذى له بسبب رده، فيكون عفوه عنه خيرًا من أن يتصدق عليه ويؤذيه.\rهذا على المشهور من القولين في الآية.\rوالقول الثاني: أن المغفرة من الله، أي: مغفرة لكم من الله بسبب القول المعروف والرد الجميل خير من صدقة يتبعها أذى.\rوفيها قول ثالث. أي: مغفرة وعفو من السائل إذا رُدَّ وتعذر المسؤول خير من أن ينال منه صدقة يتبعها أذى.\rوأصح الأقوال هو الأول، ويليه الثاني، والثالث ضعيف جدًّا؛ لأن الخطاب إنما هو للمنفق المسؤول لا للسائل الآخذ، والمعنى: أن قول المعروف له والتجاوز والعفو خير لك من أن تصدق عليه وتؤذيه.\rثم ختم الآية بصفتين مناسبتين لما تضمنته، فقال: ﴿وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾\r[البقرة: ٢٦٣]. وفيه معنيان:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288577,"book_id":1319,"shamela_page_id":70,"part":null,"page_num":72,"sequence_num":70,"body":"أحدهما: أن الله غني عنكم، لن يناله شيء من صدقاتكم، وإنما الحظ الأوفر لكم في الصدقة، فنفعها عائد عليكم لا إليه ﷾.\rفكيف بمنفق يمن بنفقته ويؤذي بها مع غنى الله التام عنها وعن كل ما سواه؟ ومع هذا فهو حليم، إذ لم يعاجل المانَّ المؤذي بالعقوبة.\rوفي ضمن هذا الوعيد له والتحذير.\rوالمعنى الثاني: أنه ﷾ مع غناه التام من كل وجه، فهو الموصوف بالحلم والتجاوز والصفح، مع عطائه الواسع وصدقاته العميمة، فكيف يؤذي أحدكم بمنه وأذاه، مع قلة ما يعطي ونزارته وفقره؟ (¬١).\r* * *","footnotes":"(¬١) «طريق الهجرتين» (٢/ ٧٩٢ - ٨٠٠) ط عالم الفوائد. وانظر: «إعلام الموقعين» (١/ ٣١٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288579,"book_id":1319,"shamela_page_id":72,"part":null,"page_num":74,"sequence_num":72,"body":"* الثاني: أن الرياءَ لا يكون إلا مقارنًا للعمل؛ لأنه «فعال» من الرؤية. أي: صاحبها يعمل ليرى الناس عمله فلا يكون متراخيًا. وهذا بخلاف المن والأذى فإنه يكون مقارنًا ومتراخيًا، وتراخيه أكثر من مقارنته.\rوقوله: ﴿كَالَّذِي يُنْفِقُ﴾ إما أن يكون المعنى كإبطال الذي ينفق، فيكون شبه الإبطال بالإبطال، أو المعنى: لا تكونوا كالذي ينفق ماله رئاءَ الناس، فيكون تشبيها للمنفق بالمنفق.\rوقوله: ﴿فَمَثَلُهُ﴾ أي: مثل هذا المنفق الذي قد بطل ثواب نفقته: ﴿كَمَثَلِ صَفْوَانٍ﴾ وهو الحجر الأملس.\r* وفيه قولان:\r* أحدهما: أنه واحد.\r* والثاني: جمع صفوانة.\r﴿عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ﴾ وهو المطر الشديد، ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ وهو الأملس الذي لا شيء عليه من نبات ولا غيره.\rوهذا من أبلغ الأمثال وأحسنها، فإنه تضمن تشبيه قلب هذا المنفق المرائي- الذي لم يصدر إنفاقه عن إيمانٍ بالله واليوم الآخر- بالحجر لشدته وصلابته وعدم الانتفاع به.\rوتضمن تشبيه ما علِق به من أثر الصدقة بالغبار الذي علق بذلك الحجر. والوابل الذي أزال ذلك التراب عن الحجر فأذهبه بالمانع الذي أبطل صدقته وأزالها، كما يذهب الوابل التراب الذي على الحجر فيتركه صلدًا، فلا يقدر المنفق على شيء من ثوابه لبطلانه وزواله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288580,"book_id":1319,"shamela_page_id":73,"part":null,"page_num":75,"sequence_num":73,"body":"وفيه معنى آخر: وهو أن المنفق لغير الله هو في الظاهر عامل عملًا يترتب عليه الأجر، يزكو له كما تزكو الحبة التي إذا بذرت في التراب الطيب أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة.\rولكن وراءَ هذا الإنفاق مانع يمنع من نموه وزكائه، كما أن تحت التراب حجرًا يمنع من نبات ما يبذر من الحب فيه فلا ينبت ولا يخرج شيئًا (¬١).\r* * *","footnotes":"(¬١) «طريق الهجرتين» (٨٠٠ - ٨٠٢)، وانظر: «إعلام الموقعين» (١/ ٣١٧ - ٣١٨)، و «مدارج السالكين» (ص/ ٤٩٧، ٤٣٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288582,"book_id":1319,"shamela_page_id":75,"part":null,"page_num":77,"sequence_num":75,"body":"وإذا كانت الجنة بمكان مرتفع لم يخش عليها إلا من قلة الشرب.\rفقال ﷾: ﴿أَصَابَهَا وَابِلٌ﴾ [البقرة: ٢٦٥]، وهو المطر الشديد العظيم القطر فأدت ثمرتها، وأعطت بركتها، فأخرجت ضعفي ما يثمر غيرها أو ضعفي ما كانت تثمر، بسبب ذلك الوابل.\rفهذا حال السابقين المقربين.\r﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ [البقرة: ٢٦٥]، وهو دون الوابل، فهو يكفيها لكرم منبتها وطيب مغرسها، فتكتفي في إخراج بركتها بالطل.\rوهذا حال الأبرار المقتصدين في النفقة وهم درجات عند الله.\rفأصحاب الوابل أعلاهم درجة، وهم الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرًّا وعلانية، ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، وأصحاب الطل مقتصدوهم.\rفمثَّل حال القسمين وأعمالهم بالجنة على الربوة، ونفقتهم الكثيرة والقليلة بالوابل والطل، وكما أن كل واحد من المطرين يوجب زكاءَ أكل الجنة ونموه بالأضعاف، فكذلك نفقتهم -كثيرة أو قليلة - بعد أن صدرت عن ابتغاءِ مرضاة الله والتثبيت من نفوسهم فهي زاكية عند الله نامية مضاعفة.\rواختلف في الضعفين، فقيل: ضعفا الشيء مثلاه زائدًا عليه، وضعفه مثله. وقيل: ضعفه مثلاه وضعفاه ثلاثة أمثاله، وثلاثة أضعافه أربعة أمثاله، كلما زاد ضعفًا زاد مثلًا.\rوالذي حمل هذا القائل على ذلك فراره من استواءِ دلالة المفرد والتثنية، فإنه رأى ضعف الشيء هو مثله الزائد عليه، فإذا ضُمَّ إلى المثل صار مثلين، وهما الضعف.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288583,"book_id":1319,"shamela_page_id":76,"part":null,"page_num":78,"sequence_num":76,"body":"فلو قيل: «لها ضعفان» لم يكن فرق بين المفرد والمثنى، فالضعفان عنده مثلان مضافان إلى الأصل، ويلزم من هذا أن يكون ثلاثة أضعافه أمثال مضافة إلى الأصل، وهكذا أبدًا.\rوالصواب أن الضعفين هما المثلان فقط: الأصل ومثله.\rوعليه يدل قوله ﷾: ﴿فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٦٥]، أي: مثلين، وقوله ﷾: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ (٣٠)﴾ [الأحزاب: ٣٠]، أي: مثلين.\rولهذا قال في المحسنات: ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣١]، وأما ما توهموه من استواءِ دلالة المفرد والتثنية، فوهم منشؤه ظن أن الضعف هو المثل مع الأصل، وليس كذلك، بل المثل له اعتباران: إن اعتبر وحده فهو ضعف، وإن اعتبر مع نظيره فهما ضعفان. والله أعلم (¬١).\rواختلف في رافع قوله: ﴿فَطَلٌّ﴾ فقيل: مبتدأٌ خبره محذوف، أي: فطل يكفيها، وقيل: خبر مبتدؤه محذوف، فالذي يرويها ويصيبها طل (¬٢) والضمير في ﴿أَصَابَهَا﴾ إما أن يرجع إلى الجنة أو إلى الربوة، وهما متلازمان (¬٣).\r* * *","footnotes":"(¬١) للسيوطي رسالة «مطلع البدرين فيمن يؤتى أجره مرتين».\r(¬٢) الأول: قول المبرد، والثاني: قول الزجاج. انظر غير مأمور: «معاني الزجاج» (١/ ٣٤٨)، و «المحرر الوجيز» (١/ ٣٦٠).\r(¬٣) «طريق الهجرتين» (٨٠٣ - ٨٠٦)، وانظر: «إعلام الموقعين» (٢/ ٣١٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288584,"book_id":1319,"shamela_page_id":77,"part":null,"page_num":79,"sequence_num":77,"body":"-٩ قال ﷾: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢٦٦)﴾ [البقرة: ٢٦٦].\rقال الحسن: هذا مثلٌ قلَّ والله من يعقله من الناس، شيخ كبير ضعف جسمه، وكثر صبيانه، أفقر ما كان إلى جنته، وإن أحدكم والله أفقر ما يكون إلى عمله إذا انقطعت عنه الدنيا (¬١).\rوفي صحيح البخاري (¬٢) عن عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ ﵁ يَوْمًا لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ: فِيمَ تَرَوْنَ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾ [البقرة: ٢٦٦]؟ قَالُوا: اللهُ أَعْلَمُ. فَغَضِبَ عُمَرُ فَقَالَ: قُولُوا: نَعْلَمُ أَوْ لَا نَعْلَمُ.\rفَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي نَفْسِي مِنْهَا شَيْءٌ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ. قَالَ عُمَرُ: يَا ابْنَ أَخِي قُلْ وَلَا تَحْقِرْ نَفْسَكَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ضُرِبَتْ مَثَلًا لِعَمَلٍ. قَالَ عُمَرُ: أَيُّ عَمَلٍ؟ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لِعَمَلٍ. قَالَ عُمَرُ: لِرَجُلٍ غَنِيٍّ يَعْمَلُ بِطَاعَةِ اللهِ ﷿، ثُمَّ بَعَثَ اللهُ لَهُ الشَّيْطَانَ فَعَمِلَ بِالمَعَاصِي حَتَّى أَغْرَقَ أَعْمَالَهُ (¬٣).","footnotes":"(¬١) إسناده منقطع: أخرجه عبد الرزاق (٣٤٣)، وابن أبي حاتم في «التفسير»، والطبري (٦١٠٠) من طريق معمر عن الحسن.\rقال الإمام أحمد: معمر لم يسمع من الحسن ولم يره، بينهما رجل ويقال: إنه عمرو بن عبيد. انظر: «جامع التحصيل» (٣٥٠).\r(¬٢)\r(¬٣) هذا الحديث مما يستدل به على تفاوت الناس في الفهم، وقد تكلم العلامة ابن القيم في «الصواعق المرسلة» (٢/ ٥٠٧ - فما بعد) ط العاصمة. على هذه المسألة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288585,"book_id":1319,"shamela_page_id":78,"part":null,"page_num":80,"sequence_num":78,"body":"فقوله ﷾: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ﴾ أخرجه مخرج الاستفهام الإنكاري، وهو أبلغ من النفي والنهي، وألطف موقعًا؛ كما ترى غيرك يفعل فعلًا قبيحًا فتقول: أيفعل هذا عاقل؟ أيفعل هذا من يخاف الله والدار الآخرة؟\rوقال ﷾: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ﴾ بلفظ الواحد لتضمنه معنى الإنكار العام، كما تقول: أيفعل هذا أحد فيه خير؟ وهو أبلغ في الإنكار من أن يقال: أيودون.\rوقوله: «أَيَوَدُّ» أبلغ في هذا الإنكار من لو قيل: أَيريد؛ لأن محبة هذا الحال المذكورة وتمنيها أقبح وأنكر من مجرد إرادتها.\rوقوله ﷾: ﴿أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ خص هذين النوعين من الثمار بالذكر لأنهما أشرف أنواع الثمار، وأكثرها نفعًا.\rفإن منهما القوت والغذاءَ والدواءَ والشراب والفاكهة والحلو والحامض، ويؤكلان رطبًا ويابسًا، ومنافعهما كثيرة جدًّا.\rوقد اختلف في الأنفع والأفضل منهما فرجحت طائفة النخيل، ورجحت طائفة العنب.\rوذكرت كل طائفة حججًا لقولها، قد ذكرناها في غير هذا الموضع (¬١).\rفصل الخطاب أن هذا يختلف باختلاف البلاد، فإن الله ﷾ أجرى العادة بأن سلطان أحدهما لا يحل حيث يحل سلطان الآخر، فالأرض التي يكون فيها سلطان النخيل لا يكون العنب بها طائلًا ولا كثيرًا؛ لأنه إنما يخرج في الأرض الرخوة اللينة المعتدلة غير السبخة، فينمو فيها فيكثر، وأما النخيل فنموه وكثرته في الأرض الحارة السبخة، وهي لا تناسب العنب، فالنخل في أرضه","footnotes":"(¬١) انظر: «مفتاح دار السعادة» (٢/ ١١٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288586,"book_id":1319,"shamela_page_id":79,"part":null,"page_num":81,"sequence_num":79,"body":"وموضعه أنفع وأفضل من العنب فيها، والعنب في أرضه ومعدنه أفضل من النخل فيها. والله أعلم.\r* والمقصود أن هذين النوعين هما أفضل أنواع الثمار وأكرمها، فالجنة المشتملة عليهما من أفضل الجنان، ومع هذا فالأنهار تجري تحت هذه الجنة، وذلك أكمل لها وأعظم في قدرها.\rومع ذلك فلم تعدم شيئًا من أنواع الثمار المشتهاة، بل فيها من كل الثمرات، ولكن معظمها ومقصودها النخيل والأعناب.\rفلا تنافي بين كونها من نخيل وأعناب، و ﴿فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾\r[البقرة: ٢٦٦]، ونظير هذا قوله ﷾: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (٣٢)﴾ [الكهف: ٣٢]. إلى قوله ﷾: ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ [الكهف: ٣٤].\rوقد قيل: إن الثمار هنا وفى آية [البقرة: ٢٦٦]. المراد بها المنافع والأموال، والسياق يدل على أنها الثمار المعروفة لا غيرها، لقوله هنا: ﴿لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: ٢٦٦]، ثم قال ﷾: ﴿فَأَصَابَهَا﴾ أي: الجنة ﴿إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾، وفى [الكهف]: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [الكهف: ٤٢]، وما ذلك إلا ثمار الجنة.\rثم قال ﷾: ﴿وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ﴾ هذا إشارة إلى شدة حاجته إلى جنته، وتعلق قلبه بها من وجوه:\rأحدها: أنه قد كبر سنه عن الكسب والتجارة ونحوها.\rالثاني: أن ابن آدم عند كبر سنه يشتد حرصه.\rالثالث: أن له ذرية، فهو حريص على بقاءِ جنته لحاجته وحاجة ذريته.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288587,"book_id":1319,"shamela_page_id":80,"part":null,"page_num":82,"sequence_num":80,"body":"الرابع: أنهم ضعفاءُ، فهم كَلٌّ عليه لا ينفعونه بقوتهم وتصرفهم.\rالخامس: أن نفقتهم عليه، لضعفهم وعجزهم، وهذا نهاية ما يكون من تعلق القلب بهذه الجنة: لخطرها في نفسها، وشدة حاجته وذريته إليها.\rفإذا تصورت هذه الحال وهذه الحاجة، فكيف تكون مصيبة هذا الرجل إذا أصاب جنته إعصار، وهى الريح التي تستدير في الأرض، ثم ترتفع في طبقات الجو كالعمود، وفيها نار مرت بتلك الجنة، فأحرقتها، وصيرتها رماداً؟، فصدق والله الحسن «هذا مثلٌ قلَّ من يعقله من الناس» (¬١).\rولهذا نبه سبحانه على عظم هذا المثل، وحدا القلوب إلى التفكر فيه لشدة حاجتها إليه فقال ﷾: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾\r[البقرة: ٢٦٦]، فلو فكر العاقل في هذا المثل وجعله قِبلةَ قلبه لكفاه وشفاه.\rفهكذا العبد إذا عمل بطاعة الله ثم أتبعها بما يبطلها ويفرقها من معاصي الله، كانت كالإعصار ذي النار المحرق للجنة التي غرسها بطاعته وعمله الصالح.\rولولا أن هذه المواضع أهم مما كلامنا بصدده - من ذكر مجرد الطبقات- لم نذكرها، ولكنها من أهم المهم، والله المستعان الموفق لمرضاته.\rفلو تصور العامل بمعصية الله بعد طاعته هذا المعنى حق تصوره، وتأمله كما ينبغي لما سولت له نفسه -والله- إحراق أعماله الصالحة وإضاعتها، ولكن لابدَّ أن يغيب عنه علمه بذلك عند المعصية، ولهذا استحق اسم الجهل فكل من عصى الله فهو جاهل.","footnotes":"(¬١) إسناده منقطع: سبق الكلام عليه آنفًا.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288588,"book_id":1319,"shamela_page_id":81,"part":null,"page_num":83,"sequence_num":81,"body":"* فإن قيل: الواو في قوله ﷾: ﴿وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ﴾ واو الحال، أم واو العطف؟\rوإذا كانت للعطف فعلام عطفت ما بعدها؟\r* قلت: فيه وجهان:\r- أحدهما: أنه واو الحال، اختاره الزمخشرى.\rوالمعنى: أيود أحدكم أن تكون له جنة شأْنها كذا وكذا في حال كبره وضعف ذريته؟.\r- والثاني: أن تكون للعطف على المعنى، فإن فعل التمني وهو قوله: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ﴾ لطلب الماضي كثيرًا، فكأن المعنى: أيود لو كانت له جنة من نخيل وأعناب، وأصابه الكبر، فجرى عليها ما ذكر؟.\rوتأمل كيف ضرب سبحانه المثل للمنفق المرائي- الذي لم يصدر إنفاقه عن الإيمان- بالصفوان الذي عليه التراب، فإنه لم يُنبت شيئًا أصلًا، بل ذهب بذره ضائعًا، لعدم إيمانه وإخلاصه.\rثم ضرب المثل لمن عمل بطاعة الله مخلصًا نيتَهُ لله ثم عرض له ما أبطل ثوابه، بالجنة التي هي من أحسن الجنان وأطيبها وأزهاها، ثم سلط عليها الإعصار الناري فأحرقها، فإنَّ هذا نَبتَ له شيءٌ وأثْمَرَ له عمله ثم احترق، والأول لم يحصل له شيء يدركه الحريق.\rفتبارك من جعل كلامه حياة للقلوب وشفاءً للصدور وهدى ورحمة (¬١).","footnotes":"(¬١) «طريق الهجرتين» (٢/ ٨٠٦ - ٨١٢)، و «إعلام الموقعين» (٢/ ٣١٦)، و «مدارج السالكين» (١/ ٤٣٦) و (٢/ ١٤٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288590,"book_id":1319,"shamela_page_id":83,"part":null,"page_num":85,"sequence_num":83,"body":"وعارضوا أمره بتحويل القبلة بعقولهم، وقالوا: إن كانت القبلة الأولى حقًّا فقد تركت الحق، وإن كانت باطلًا فقد كنت على باطل، وإمام هؤلاء شيخ الطريقة إبليس عدو الله، فإنه أول من عارض أمر الله بعقله، وزعم أن العقل يقتضي خلافه (¬١) ونُقِرُّ … أن الشيطان يوسوس للإنسان ويشككه ويخبطه خلافًا لقول المعتزلة والجهمية، كما قال الله ﷿: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ وكما قال ﷾: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤)","footnotes":"= أخرجه ابن أبي حاتم في «التفسير»، وقال الترمذي: ورواه بعضهم عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير عن النبي ﷺ مرسلًا.\rوضعف ابن القيم هذا الحديث في تعليقه على سنن أبي داود بعلل أربع:\r١ - اضطراب عطاء حيث رواه على الوصل والإرسال.\r٢ - اختلاطه والاختلاف في الاحتجاج بحديثه.\r٣ - ضعف عمران بن عيينة.\r٤ - من حيث المتن ففيه «جاءت اليهود إلى النبي ﷺ فقالوا: … ». فقال: سورة الأنعام مكية باتفاق، ومجيء اليهود إلى النبي ﷺ ومجادلتهم إياه إنما كان بعد قدومه المدينة، وأما بمكة فإنما كان جداله مع المشركين عباد الأصنام.\rوأما طريق عنترة بن عبد الرحمن: فأخرها النسائي (٧/ ٢٣٧)، والحاكم (٤/ ٢٣٣) عن عمرو بن علي عن يحيى عن سفيان عن هارون بن عنترة به. بدون ذكر سبب النزول. ورواه الطبري (١٣٨١١) مصرحًا بالسبب لكن في إسناده إسحاق بن يوسف الأزرق ثقة يغلط على سفيان.\rوالخلاصة: أن أصل الحديث يصح بطريق عنترة، وذكر السبب، أسانيده ضعيفة، وصحح الحديث العلامة الألباني ﵀ بالمجموع بدون لفظة «اليهود». «صحيح أبي داود» رقم (٢٥٠٩، ٢٥١٠).\r(¬١) «الصواعق المرسلة» (٣/ ٨٩٥، ٨٩٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288591,"book_id":1319,"shamela_page_id":84,"part":null,"page_num":86,"sequence_num":84,"body":"الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾ (¬١).\r* * *","footnotes":"(¬١) هذا من كلام أبي الحسن الأشعري في «الإبانة» (ص/ ٦٦)، فقد نقل عنه ابن القيم في «اجتماع الجيوش الإسلامية» (ص/ ٢٩٤) كثيرا من كتابه «الإبانة».\rوأخرج الطبري (٦٢٤٨) بإسناد صحيح عن ابن زيد قال: في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾. قال: هذا مثلهم يومَ القيامة، لا يقومون يوم القيامة مع الناس، إلا كما يقوم الذي يُخنق من الناس، كأنه خُنق، كأنه مجنون.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288593,"book_id":1319,"shamela_page_id":86,"part":null,"page_num":88,"sequence_num":86,"body":"وقوله ﷾: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩]. وكل منهم قاتل في سبيل الله وجاهد إما بيده أو بلسانه فيكون الله قد هداهم، وكل من هداه فهو مهتد فيجب إتباعه بالآية (¬١).\r* * *","footnotes":"(¬١) هي قوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١)﴾ [يس: ٢١]، وانظر: «إعلام الموقعين» (٥/ ٥٦٦)، وهو يتحدث عن وجوب اتباع الصحابة ﵃.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288596,"book_id":1319,"shamela_page_id":89,"part":null,"page_num":91,"sequence_num":89,"body":"وقَالَ ابْنُ الأَنْبَارِيِّ (¬١): وَإِنَّمَا وُصِفَت النَّارُ أَنَّهَا صِرٌّ لِتَصْرِيَتِهَا عِنْدَ الِالْتِهَابِ، وَقِيلَ: الصِّرُّ الصَّوْتُ الَّذِي يَصْحَبُ الرِّيحَ مِنْ شِدَّةِ هُبُوبِهَا، وَالأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ مُتَلَازِمَةٌ؛ فَهُوَ بَرْدٌ شَدِيدٌ مُحْرِقٌ بِيبسِهِ لِلْحَرْثِ كَمَا تُحْرِقُهُ النَّارُ، وَفِيهِ صَوْتٌ شَدِيدٌ.\rوَفِي قَوْلِهِ: ﴿أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ سَبَبَ إصَابَتِهَا لِحَرْثِهِمْ هُوَ ظُلْمُهُمْ؛ فَهُوَ الَّذِي سَلَّطَ عَلَيْهِم الرِّيحَ المَذْكُورَةَ حَتَّى أَهْلَكَتْ زَرْعَهُمْ وَأَيْبَسَتْهُ، فَظُلْمُهُمْ هُوَ الرِّيحُ الَّتِي أَهْلَكَتْ أَعْمَالَهُمْ وَنَفَقَاتِهِمْ وَأَتْلَفَتْهَا.\r* * *","footnotes":"(¬١) هو: محمد بن القاسم بن محمد أبو بكر بن الأنباري النحوي اللغوي.\rقال الزبيدي: كان من أعلم الناس بالنحو والأدب، وأكثرهم حفظاً. سمع من ثعلب وخلق، وكان صدوقاً فاضلاً ديناً خيراً من أهل السنة.\rتوفي سنة (٣٢٨) هجرية.\rوذكروا في ترجمته أنه ﵀ كان بخيلا إلى الغاية قال له أبو يوسف يوما قد أجمع أهل بغداد على بخلك فأعطني درهما أخرق به الإجماع فضحك ولم يعطه.\rوانظر: «بغية الوعاة» (١/ ٢١٢)، و «البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة» (١/ ٧١)، و «مناهج اللغويين في تقرير العقيدة» (ص/ ٣٦٠ فما بعد) ط دار المنهاج.\r(١٠١) «إعلام الموقعين» (٢/ ٣١٨ - ٣١٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288600,"book_id":1319,"shamela_page_id":93,"part":null,"page_num":95,"sequence_num":93,"body":"وقد روى الترمذي في «جامعه»: عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا دَخَلَ النور القلبَ، انْفَسَحَ وانشرحَ». قالوا: وما عَلَامَةُ ذَلِكَ يَا رسُولَ اللهِ؟ قال: «الإنَابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ، والتَجَافِي عَنْ دَارِ الغُرُورِ، والاسْتِعْدادُ للمَوْتِ قَبْلَ نُزوله» (¬١).\rفيُصيب العبد من انشراح صدره بحسب نصيبه من هذا النور، وكذلك النورُ الحِسِّي، والظلمةُ الحِسِّية، هذه تشرحُ الصدر، وهذه تُضيِّقه.\r* ومنها: العلم، فإنه يشرح الصدر، ويوسِّعه حتى يكون أَوسعَ من الدنيا، والجهلُ يورثه الضِّيق والحَصْر والحبس، فكلما اتَّسع علمُ العبد، انشرح صدره واتسع، وليس هذا لكل عِلم، بل للعلم الموروث عن الرسول ﷺ وهو العلمُ النافع، فأهلُه أشرحُ الناس صدرًا، وأوسعهم قلوبًا، وأحسنهم أخلاقًا، وأطيبُهم عيشًا.","footnotes":"(¬١) ضعيف: روي عن ابن عباس متصلًا، وفي إسناده حفص بن عمر العدني ضعيف جدًّا، أخرجه ابن أبي حاتم (٣/ ١٠٨)، وروي عن ابن مسعود ﵁ من طرق ثلاثة:\rأحدها: معلة بالضعف والانقطاع.\rوالثانية: فيها عدي بن الفضل متروك.\rالثالثة: إلى الثانية مع ضعفها أخرجها ابن جرير (١٣٨٥٥، ١٣٨٥٧)، والحاكم (٤/ ١١٣). وروي عن أبي جعفر عبد الله بن المسور المدائني مرسلًا، ورجحه الدارقطني في «العلل» (رقم/ ٨١٢)، وقال: عبد الله بن المسور متروك. ووافقه ابن رجب في «شرح علل الترمذي» (٢/ ٧٧٣): أخرجها الطبري (١٣٨٥٢ فما بعد)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (١٣/ ٢٢١ - ٢٢٢) وغيرهما. وفصل هذه الطرق العلامة الألباني ﵀ في «السلسلة الضعيفة» (٩٦٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288601,"book_id":1319,"shamela_page_id":94,"part":null,"page_num":96,"sequence_num":94,"body":"* ومنها: الإنابة إلى الله ﷾، ومحبتُه بكلِّ القلب، والإقبالُ عليه، والتنعُّم بعبادته، فلا شيء أشرحُ لصدر العبد من ذلك. حتى إنه ليقولُ أحيانًا: إن كنتُ في الجنة في مثل هذه الحالة، فإني إذًا في عيش طيب.\rوللمحبة تأثيرٌ عجيبٌ في انشراح الصدر، وطيبِ النفس، ونعيم القلب، لا يعرفه إلا مَنْ له حِس به، وكلَّما كانت المحبَّة أقوى وأشدَّ، كان الصدرُ أفسحَ وأشرحَ، ولا يَضيق إلا عند رؤية البطَّالين الفارِغين من هذا الشأن، فرؤيتُهم قَذَى عينه، ومخالطتهم حُمَّى روحه.\r* ومِنْ أعظم أَسباب ضيق الصدر: الإعراضُ عن الله ﷾، وتعلُّقُ القلب بغيره، والغفلةُ عن ذِكره، ومحبةُ سواه، فإن مَنْ أحبَّ شيئًا غيرَ الله عُذِّبَ به، وسُجِنَ قلبُه في محبة ذلك الغير، فما في الأرض أشقى منه، ولا أكسف بالًا، ولا أنكد عيشًا، ولا أتعب قلبًا، فهما محبتان:\rمحبة هي جنة الدنيا، وسرور النفس، ولذةُ القلب، ونعيم الروح، وغِذاؤها، ودواؤُها، بل حياتُها وقُرَّةُ عينها، وهى محبةُ الله وحدَه بكُلِّ القلب، وانجذابُ قوى الميل، والإرادة، والمحبة كلِّها إليه.\rومحبةٌ هي عذاب الروح، وغمُّ النفس، وسِجْنُ القلب، وضِيقُ الصدر، وهى سببُ الألم والنكد والعناء، وهى محبة ما سواه سبحانه.\r* ومن أسباب شرح الصدر دوامُ ذِكره على كُلِّ حال، وفى كُلِّ موطن، فللذكْر تأثير عجيب في انشراح الصدر، ونعيم القلب، وللغفلة تأثيرٌ عجيب في ضِيقه وحبسه وعذابه.\r* ومنها: الإحسانُ إلى الخَلْق ونفعُهم بما يمكنه من المال، والجاهِ، والنفع بالبدن، وأنواع الإحسان، فإن الكريم المحسنَ أشرحُ الناس صدرًا، وأطيبُهم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288602,"book_id":1319,"shamela_page_id":95,"part":null,"page_num":97,"sequence_num":95,"body":"نفسًا، وأنعمُهم قلبًا، والبخيلُ الذي ليس فيه إحسان أضيقُ الناسِ صدرًا، وأنكدُهم عيشًا، وأعظمُهم همًّا وغمًّا.\rوقد ضرب رسول الله ﷺ في «الصحيح» مثلًا للبخيل والمتصدِّق، كمَثَل رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُنَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ، كُلَّمَا هَمَّ المُتَصَدِّقُ بِصَدَقَةٍ، اتَّسَعَتْ عَلَيْهِ وَانْبَسَطَتْ، حَتَّى يَجُرَّ ثِيَابهُ وَيُعْفِىَ أثَرَهُ، وكُلَّمَا هَمَّ البَخِيلُ بِالصَّدَقَةِ، لَزِمَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا، وَلَمْ تَتَّسِعْ عَلَيْهِ. فهذا مَثَلُ انشِراحِ صدر المؤمن المتصدِّق، وانفساح قلبه، ومثلُ ضِيقِ صدر البخيل وانحصارِ قلبه (¬١).\r* ومنها: الشجاعة، فإن الشجاع منشرح الصدر، واسع البطان، متَّسِعُ القلب، والجبانُ: أضيق الناس صدرًا، وأحصرُهم قلبًا، لا فرحة له ولا سرور، ولا لذَّة له، ولا نعيم إلا منْ جنس ما للحيوان البهيمي، وأما سرور الروح، ولذَّتُها، ونعيمُها، وابتهاجُها، فمحرَّمٌ على كل جبان، كما هو محرَّم على كل بخيلٍ، وعلى كُلِّ مُعرِض عن الله سبحانه، غافلٍ عن ذِكره، جاهلٍ به وبأسمائه ﷾ وصفاته، ودِينه، متعلق القلبِ بغيره. وإن هذا النعيم والسرور، يصير في القبر رياضًا وجنة، وذلك الضيقُ والحصر، ينقلبُ في القبر عذابًا وسجنًا. فحال العبد في القبر. كحال القلب في الصدر، نعيمًا وعذابًا وسجنًا وانطلاقًا، ولا عبرةَ بانشراح صدر هذا لعارض، ولا بضيق صدرِ هذا لعارض، فإن العوارِضَ تزولُ بزوال أسبابها، وإنما المعوَّلُ على الصِّفة التي قامت بالقلب تُوجب انشراحه وحبسه، فهي الميزان .. والله المستعان.","footnotes":"(¬١) أخرجه البخاري (١٤٤٣)، ومسلم (١٠٢١) من حديث أبي هريرة ﵁.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288603,"book_id":1319,"shamela_page_id":96,"part":null,"page_num":98,"sequence_num":96,"body":"* ومنها: بل من أعظمها: إخراجُ دَغَلِ القَلْبِ من الصفات المذمومة التي تُوجب ضيقه وعذابه، وتحولُ بينه وبين حصول البُرء، فإن الإنسان إذا أتى الأسباب التي تشرحُ صدره، ولم يُخرِجْ تلك الأوصافَ المذمومة من قلبه، لم يحظَ مِنْ انشراح صدره بطائل، وغايته أن يكون له مادتان تعتوِرَانِ على قلبه، وهو للمادة الغالبة عليه منهما.\r* ومنها: تركُ فضولِ النظر، والكلام، والاستماع، والمخالطةِ، والأكل، والنوم، فإن هذه الفضولَ تستحيلُ آلامًا وغمومًا، وهمومًا في القلب، تحصُرُه، وتحبِسه، وتضيِّقهُ، ويتعذَّبُ بها، بل غالِبُ عذابِ الدنيا والآخرة منها، فلا إله إلا اللهُ ما أضيقُ صدر مَنْ ضرب في كل آفةٍ من هذه الآفات بسهم، وما أنكَدَ عيشَه، وما أسوأ حاله، وما أشدَّ حصرَ قلبه، ولا إله إلا الله، ما أنعمَ عيش مَنْ ضرب في كل خَصلةٍ من تلك الخصال المحمودة بسهم، وكانت همته دائرةً عليها، حائمةً حولها، فلهذا نصيب وافر مِنْ قوله ﷾: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣].\rولذلك نصيب وافر من قوله ﷾: ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٤]. وبينهما مراتبُ متفاوتة لا يُحصيها إلا الله ﵎.\r* والمقصود: أن رسولَ الله ﷺ كان أكملَ الخلق في كلِّ صفة يحصُل بها انشراحُ الصدر، واتِّساعُ القلب، وقُرَّةُ العين، وحياةُ الروح، فهو أكملُ الخلق في هذا الشرح والحياة، وقُرَّةِ العين مع ما خُصَّ به من الشرح الحِسِّيِّ، وأكملُ الخلق متابعة له، أكملُهم انشراحًا ولذَّة وقُرَّة عين، وعلى حسب متابعته ينالُ العبد من انشراح صدره وقُرَّة عينه، ولذَّة روحه ما ينال، فهو ﷺ في ذُروة الكمال مِنْ شرح الصدر، ورفع الذِّكْر، ووضع الوِزْر، ولأتباعه من ذلك بحسب نصيبهم من اتِّباعه .. والله المستعانُ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288604,"book_id":1319,"shamela_page_id":97,"part":null,"page_num":99,"sequence_num":97,"body":"وهكذا لأتباعه نصيبٌ من حفظ الله لهم، وعصمتِه إياهم، ودفاعِه عنهم، وإعزازه لهم، ونصرِه لهم، بحسب نصيبهم من المتابعة، فمستقِلٌّ ومستكثِر، فمَن وجد خيرًا، فليحمد الله. ومَن وجد غير ذلك، فلا يلومنَّ إلا نفسه (¬١).\r* * *","footnotes":"(¬١) «زاد المعاد» (٢/ ٢٤) ط. دار ابن رجب، وانظر: «الفوائد» (ص/ ١٩٦) ط عالم الفوائد، و «إغاثة اللهفان» (١/ ١٢٣)، و «شفاء العليل» (١/ ١٠٦) ط دار الفكر.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288606,"book_id":1319,"shamela_page_id":99,"part":null,"page_num":101,"sequence_num":99,"body":"بالوحي وزكا عليه وعمل بما فيه كالأرض التي أخرجت نباتها بالمطر؛ فالمؤمن إذا سمع القرآن وعقله وتدبره بان أثره عليه، فَشُبِّه بالبلد الطيب الذي يمرعُ ويخصب ويحسن أثر المطر عليه فَيُنبت من كل زوج كريم، والمعرض عن الوحي عكسه، والله الموفق (¬١).\r* * *","footnotes":"(¬١) «إعلام الموقعين» (٢/ ٢٥٨ - ٢٥٩)، وانظر: «التبيان في أيمان القرآن» (ص/ ٢٢٦).\rقال ابن عاشور: فالمقصود من هذه الآية التّمثيل، وليسَ المقصود مجرّد تفصيل أحوال الأرض بعد نزول المطر؛ لأنّ الغرض المسوق له الكلام يجمع أمرين: العبرةَ بصنع الله، والموعظَة بما يماثل أحواله. فالمعنى: كما أنّ البلد الطّيّب يَخرج نباته سريعًا بَهِجًا عند نزول المطر، والبلد الخبيثَ لا يكاد ينبت فإن أنبت أخرج نبْتًا خبيثًا لا خير فيه …\rوفي تفصيل معنى الآية ما أخرجه البخاري (٧٩)، ومسلم (٢٢٨٢)، عَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ مِنْ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا. فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ قَبِلَت المَاءَ. فَأَنْبَتَتْ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَت المَاءَ. فَنَفَعَ اللهُ بِهَا النَّاسَ. فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا. وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللهِ وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ. وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى الله الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ».","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288608,"book_id":1319,"shamela_page_id":101,"part":null,"page_num":103,"sequence_num":101,"body":"عَلَى الْخَالِقِ؛ بِالْكَلْبِ الَّذِي هُوَ مِنْ أَخْبَثِ الْحَيَوَانَاتِ، وَأَوْضَعِهَا قَدْرًا، وَأَخَسِّهَا نَفْسًا، وَهِمَّتُهُ لَا تَتَعَدَّى بَطْنهُ، وَأَشَدُّهَا شَرها وَحِرْصًا.\rوَمِنْ حِرْصِهِ أَنَّهُ لَا يَمْشِي إلَّا وَخَطْمُهُ فِي الْأَرْضِ يَتَشَمَّمُ وَيَتَروَّحُ حِرْصًا وَشَرَهًا، وَلَا يَزَالُ يَشمُّ دُبُرَهُ دُونَ سَائِرِ أَجْزَائِهِ، وَإِذَا رَمَيْت له بِحَجَرٍ رَجَعَ إلَيْهِ لِيَعَضَّهُ مِنْ فَرطِ نَهمَتَهُ، وَهُوَ مِنْ أَمْهَنِ الْحَيَوَانَاتِ، وَأَحْمَلِهَا لِلْهَوَانِ، وَأَرْضَاهَا بِالدَّنَايَا، وَالْجِيَفُ الْقَذِرَةُ المُرَوِّحَةُ أَحَبُّ إلَيْهِ مِنْ اللَّحْمِ الطَّرِيِّ، وَالعذْرَةُ أَحَبُّ إلَيْهِ مِنْ الْحَلْوَى، وَإِذَا ظَفِرَ بِمَيْتَةٍ تَكْفِي مِائَةَ كَلْبٍ لَمْ يَدَعْ كَلْبًا يَتَنَاوَلُ معه مِنْهَا شَيْئًا إلَّا عزَّ عَلَيْهِ وَقَهَرَهُ لِحِرْصِهِ وَبُخْلِهِ وَشَرَهِهِ، وَمِنْ عَجِيبِ أَمْرِهِ وَحِرْصِهِ أَنَّهُ إذَا رَأَى ذَا هَيْئَةٍ رَثَّةٍ وَثِيَابٍ دَنِيَّةٍ وَحَالٍ رزيةٍ نَبَحَهُ وَحَمَلَ عَلَيْهِ، كَأَنَّهُ يَتَصَوَّرُ مُشَارَكَتَهُ لَهُ وَمُنَازَعَتَهُ فِي قوَّتِهِ، وَإِذَا رَأَى ذَا هَيْئَةٍ حَسَنَةٍ وَثِيَابٍ جَمِيلَةٍ وَرِيَاسَةٍ وَضَعَ لَهُ خَطْمَهُ بِالْأَرْضِ، وَخَضَعَ لَهُ، وَلَمْ يَرْفَعْ إلَيْهِ رَأْسَهُ.\rوَفِي تَشْبِيهِ مَنْ آثَرَ الدُّنْيَا وَعَاجِلَهَا عَلَى اللهِ وَالدَّارِ الْآخِرَةِ مَعَ وُفُورِ عِلْمِهِ بِالْكَلْبِ فِي حَالِ لَهَثِهِ سِرٌّ بَدِيعٌ، وَهُوَ أَنَّ هَذَا الَّذِي حَالُهُ مَا ذَكَرَهُ اللهُ مِنْ انْسِلَاخِهِ مِنْ آيَاتِهِ وَاتِّبَاعِهِ هَوَاهُ إنَّمَا كَانَ لِشِدَّةِ لَهَفِهِ عَلَى الدُّنْيَا لِانْقِطَاعِ قَلْبِهِ عَنْ اللهِ ﷾ وَالدَّارِ الْآخِرَةِ فَهُوَ شَدِيدُ اللَّهَفِ عَلَيْهَا، وَلَهَفُهُ نَظِيرُ لَهَفِ الْكَلْبِ الدَّائِمِ فِي حَالِ إزْعَاجِهِ وَتَرْكِهِ، وَاللَّهَفُ وَاللَّهَثُ شَقِيقَانِ وَأَخَوَانِ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى.\rقَالَ ابْنُ جُرَيْج (¬١): الْكَلْبُ مُنْقَطِعُ الْفُؤَادِ، لَا فُؤَادَ لَهُ، إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ، فَهُوَ مَثَلُ الَّذِي يَتْرُكُ الْهُدَى، لَا فُؤَادَ لَهُ، إنَّمَا فُؤَادُهُ مُنْقَطِعٌ.","footnotes":"(¬١) أخرجه الطبري في «التفسير» رقم (١٥٤٨٥)، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في «الدر المنثور» (٣/ ٦١١) دار الفكر. بإسناد ضعيف.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288609,"book_id":1319,"shamela_page_id":102,"part":null,"page_num":104,"sequence_num":102,"body":"* قُلْت: مُرَادُهُ بِانْقِطَاعِ فُؤَادِهِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فُؤَادٌ يَحْمِلُهُ عَلَى الصَّبْرِ وَتَرْكِ اللَّهَثِ؛ وَهَكَذَا الَّذِي انْسَلَخَ مِنْ آيَاتِ اللهِ، لَمْ يَبْقَ مَعَهُ فُؤَادٌ يَحْمِلُهُ عَلَى الصَّبْرِ عَنْ الدُّنْيَا وَتَرْكِ اللَّهَفِ عَلَيْهَا، فَهَذَا يَلْهَفُ على الدُّنْيَا مِنْ قِلَّةِ صَبْرِهِ عَنْهَا، وَهَذَا يَلْهَثُ مِنْ قِلَّةِ صَبْرِهِ عَنْ الْمَاءِ، فَالْكَلْبُ مِنْ أَقَلِّ الْحَيَوَانَاتِ صَبْرًا عَنْ الْمَاءِ، وَإِذَا عَطِشَ أَكَلَ الثَّرَى مِنْ الْعَطَشِ، وَإِنْ كَانَ صَبَرَ عَلَى الْجُوعِ؛ وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَهُوَ مِنْ أَشَدِّ الْحَيَوَانَاتِ لَهَثًا، يَلْهَثُ قَائِمًا وَقَاعِدًا وَمَاشِيًا وَوَاقِفًا، ذَلِكَ لِشِدَّةِ حِرْصِهِ؛ فَحَرَارَةُ الْحِرْصِ فِي كَبِدِهِ تُوجِبُ لَهُ دَوَامَ اللَّهَثِ، فَهَكَذَا مُشْبِهُهُ شِدَّةُ حَرَارَة الشَّهْوَةِ فِي قَلْبِهِ تُوجِبُ لَهُ دَوَامَ اللَّهَث، فَإِنْ حَمَلْت عَلَيْهِ الْمَوْعِظَةَ وَالنَّصِيحَةَ فَهُوَ يَلْهَفُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ وَلَمْ تَعِظْهُ فَهُوَ يَلْهَفُ.\rقَالَ مُجَاهِدٌ: وَذَلِكَ مَثَلُ الَّذِي أُوتِيَ الْكِتَابَ وَلَمْ يَعْمَلْ بِه (¬١).\rوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ الْحِكْمَةَ لَمْ يَحْمِلْهَا، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَهْتَدِ إلَى خَيْرٍ، كَالْكَلْبِ إنْ كَانَ رَابِضًا لَهَثَ وَإِنْ طُرِدَ لَهَث (¬٢).\rوَقَالَ الحَسَنُ: هُوَ الْمُنَافِقُ لَا يَثْبُتُ عَلَى الْحَقِّ، دُعِيَ أَوْ لَمْ يُدْعَ، وُعِظَ أَوْ لَمْ يُوعَظْ، كَالْكَلْبِ يَلْهَثُ طُرِدَ أَوْ تُرِكَ (¬٣).","footnotes":"(¬١) في إسناده مقال: أخرجه الطبري في تفسيره رقم (١٥٨٤)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» رقم (٩٣٦٦)، ومجاهد في «تفسيره» رقم (٤٨٧)، وعبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ كما في «الدر المنثور» (٣/ ٦١١) من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد وسبق التنبيه عليها.\r(¬٢) إسناده منقطع: أخرجه الطبري في «التفسير» رقم (١٥٤٨٧)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» رقم (٩٣٣٥) من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.\rقال الخليلي في «الإرشاد» (١/ ٣٩٤): أجمع الحفاظ على أن ابن أبي طلحة لم يسمع التفسير من ابن عباس.\r(¬٣) في تفسير الطبري رقم (١٥٤٨٧): وكان الحسن يقول: هو المنافق.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288610,"book_id":1319,"shamela_page_id":103,"part":null,"page_num":105,"sequence_num":103,"body":"وَقَالَ عَطَاءٌ: يَنْبَحُ إنْ حَمَلْت عَلَيْهِ أَوْ لَمْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ.\rوَقَالَ أَبُومُحَمَّدِ بْنُ قُتَيْبَة (¬١): كُلُّ شَيْءٍ يَلْهَثُ إِنَّمَا يَلْهَثُ مِنْ إعْيَاءٍ أَوْ عَطَشٍ إلَّا الْكَلْبَ فَإِنَّهُ يَلْهَثُ فِي حَالِ الْكَلَالِ، وَحَالِ الرَّاحَةِ وَحَالِ الصِّحَّةِ وَحَالِ الْمَرَضِ وَالْعَطَشِ، فَضَرَبَهُ اللهُ مَثَلًا لِمَنْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ. وَقَالَ: إنْ وَعَظْتَهُ فَهُوَ ضَالٌّ وَإِنْ تَرَكْتَهُ فَهُوَ ضَالٌّ كَالْكَلْبِ إنْ طَرَدْتَهُ لَهَثَ وَإِنْ تَرَكْتَهُ عَلَى حَالِهِ لَهَثَ.\rوَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ ﷾: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ (١٩٣)﴾ [الأعراف: ١٩٣].\rوَتَأَمَّلْ مَا فِي هَذَا المَثَلِ مِنْ الْحِكْمِ وَالمَعْنَى (¬٢):","footnotes":"(¬١) في «تأويل مشكل القرآن» (٣٦٩).\r(¬٢) وقال في «الفوائد» (ص/ ١٤٧ فما بعد): فهذا مثل عالم السوء الذي يعمل بخلاف علمه.\rوتأمّل ما تضمنته هذه الآية من ذمه، وذلك من وجوه:\rأحدها: أنه ضل بعد العلم، واختار الكفر على الإيمان عمدًا لا جهلًا.\rوثانيها: أنه فارق الإيمان مفارقة من لا يعود إليه أبدًا؛ فإنه انسلخ من الآيات بالجملة، كما تنسلخ الحية من قشرها، ولو بقي معه منها شيء، لم ينسلخ منها.\rوثالثها: أن الشيطان أدركه ولحقه، بحيث ظفر به وافترسه، ولهذا قال: ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾، ولم يقل تبعه، فإن معنى أتبعه أدركه ولحقه، وهو أبلغ من تبعه لفظًا ومعنى.\rورابعها: أنه غوي بعد الرشد. والغي: الضلال في العلم والقصد، وهو أخص بفساد القصد والعمل كما أن الضلال أخص بفساد العلم والاعتقاد؛ فإذا أفرد أحدهما دخل فيه الآخر، وان اقترنا فالفرق ما ذكر.\rوخامسها: أنه سبحانه لم يشأ أن يرفعه بالعلم فكان سبب هلاكه؛ لأنه لم يرفع به فصار وبالًا عليه، فلو لم يكن عالمًا لكان خيرًا له وأخف لعذابه. =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288611,"book_id":1319,"shamela_page_id":104,"part":null,"page_num":106,"sequence_num":104,"body":"* فَمِنْهَا: قَوْلُهُ: ﴿آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾ فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي آتَاهُ آيَاتِهِ، فَإِنَّهَا نِعْمَةٌ، وَاللهُ هُوَ الَّذِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْهِ، فَأَضَافَهَا إلَى نَفْسِهِ، ثُمَّ قَالَ: ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ أَيْ: خَرَجَ مِنْهَا كَمَا تَنْسَلِخُ الْحَيَّةُ مِنْ جِلْدِهَا، وَفَارَقَهَا فِرَاقَ الْجِلْدِ ينسلخُ عَنْ اللَّحْمِ، وَلَمْ يَقُلْ: فَسَلَخْنَاهُ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي تَسَبَّبَ إلَى انْسِلَاخِهِ مِنْهَا بِاتِّبَاعِ هَوَاهُ.","footnotes":"= وسادسها: أنه سبحانه أخبر عن خسة همته، وأنه اختار الأسفل الأدنى على الأشرف الأعلى.\rوسابعها: أن اختياره للأدنى لم يكن عن خاطر وحديث نفس، ولكنه كان عن إخلاد إلى الأرض، وميل بكليّته إلى ما هناك، وأصل الإخلاد اللزوم على الدوام، كأنه قيل: لزم الميل إلى الأرض، ومن هذا يقال: أخلد فلان بالمكان إذا لزم الإقامة به، قال مالك بن نويرة:\rبأبناء حي من قبائل مالكٍ … وعمرو بن يربوع أقاموا فأخلدوا\rوعبّر عن ميله إلى الدنيا بإخلاده إلى الأرض؛ لأن الدنيا هي الأرض وما فيها\rوما يستخرج منها من الزينة والمتاع.\rوثامنها: أنه رغب عن هداه، واتبع هواه، فجعل هواه إمامًا له، يقتدي به ويتبعه.\rوتاسعها: أنه شبهه بالكلب الذي هو أخس الحيوانات همة، وأسقطها نفسًا، وأبخلها وأشدها كَلَبًا، ولهذا سمي كلبًا.\rوعاشرها: أنه شبه لهثه على الدنيا، وعدم صبره عنها، وجزعه لفقدها، وحرصه على تحصيلها، بلهث الكلب في حالتي تركه والحمل عليه بالطرد، وهكذا. هذا إن ترك فهو لَهْثَانُ على الدنيا، وإن وعظ وزجر فهو كذلك. فاللهث لا يفارقه في كل حال كلهث الكلب.\rوهذا التمثيل لم يقع بكل كلب، وإنما وقع بالكلب اللاهث، وذلك أخس ما يكون وأشنعه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288612,"book_id":1319,"shamela_page_id":105,"part":null,"page_num":107,"sequence_num":105,"body":"* وَمِنْهَا: قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ أَيْ: لَحِقَهُ وَأَدْرَكَهُ، كَمَا قَالَ ﷾ فِي قَوْمِ فِرْعَوْنَ: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: ٦٠] وَكَانَ مَحْفُوظًا مَحْرُوسًا بِآيَاتِ الله، مَحْمِيَّ الْجَانِبِ بِهَا مِنْ الشَّيْطَانِ، لَا يَنَالُ مِنْهُ شَيْئًا إلَّا عَلَى غِرَّةٍ وَخَطْفَةٍ، فَلَمَّا انْسَلخ مِنْ آيَاتِ الله ظَفِرَ بِهِ الشَّيْطَانُ ظَفْرَ الْأَسَدِ بِفَرِيسَتِهِ، فَكَانَ مِنْ الْغَاوِينَ الْعَامِلِينَ بِخِلَافِ علمهِم، الَّذِينَ يَعْرِفُونَ الْحَقَّ وَيَعْمَلُونَ بِخِلَافِهِ، كَعُلَمَاءِ السُّوءِ.\r* وَمِنْهَا: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾ فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ الرِّفْعَةَ عِنْدَهُ لَيْسَتْ بِمُجَرَّدِ الْعِلْمِ، وَإِنَّمَا هِيَ بِاتِّبَاعِ الْحَقِّ وَإِيثَارِهِ وَقَصْدِ مَرْضَاةِ اللهِ، فَإِنَّ هَذَا كان مِنْ أَعْلَمْ أَهْلِ زَمَانِهِ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ اللهُ بِعِلْمِهِ وَلَمْ يَنْفَعْهُ بِهِ فَنَعُوذُ بِاَللهِ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَرْفَعُ عَبْدَهُ إذَا شَاءَ بِمَا آتَاهُ مِنْ الْعِلْمِ، وَإِنْ لَمْ يَرْفَعْهُ اللهُ فَهُوَ مَوْضُوعٌ لَا يَرْفَعُ أَحَدًا بِهِ رَأْسًا، فَإِنَّ الْخَافِضَ الرَّافِعَ الله سُبْحَانَهُ خَفَضَهُ وَلَمْ يَرْفَعْهُ، وَالمَعْنَى: لَوْ شِئْنَا فَضَّلْنَاهُ وَشَرَّفْنَاهُ وَرَفَعْنَا قَدْرَهُ وَمَنْزِلَتَهُ بِالْآيَاتِ الَّتِي آتَيْنَاهُ.\rقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ﴾ بعلمه ﴿بِهَا﴾ (¬١).\rوَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَرَفَعْنَاهُ﴾ عَائِدٌ عَلَى الْكُفْرِ، وَالمَعْنَى: لَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَا عَنْهُ الْكُفْرَ بِمَا مَعَهُ مِنْ آيَاتِنَا.\rقَالَ مُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ: لَرَفَعْنَا عَنْهُ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ، وَعَصَمْنَاهُ (¬٢) وَهَذَا المَعْنَى حَقٌّ، وَالْأَوَّلُ هُوَ مُرَادُ الْآيَةِ، وَهَذَا مِنْ لَوَازِمِ المُرَادِ.","footnotes":"(¬١) إسناده منقطع: أخرجه الطبري في «تفسيره» رقم (١٥٤٧٤) عن ابن جريج قال: قال ابن عباس. وابن جريج لم يسمع من ابن عباس.\r(¬٢) في إسناده مقال: أخرجه الطبري في «التفسير» رقم (١٥٤٧٥)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» رقم (٩٣٢٤)، ومجاهد في «تفسيره» رقم (٤٨٧) من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: لدفعنا عنه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288613,"book_id":1319,"shamela_page_id":106,"part":null,"page_num":108,"sequence_num":106,"body":"وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ السَّلَفَ كَثِيرًا مَا يُنَبِّهُونَ عَلَى لَازِمِ مَعْنَى الْآيَةِ فَيَظُنُّ الظَّانُّ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ المُرَادُ مِنْهَا.\rوَقَوْلُهُ: ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾.\rقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: رَكَنَ إلَى الْأَرْض (¬١).\rوَقَالَ مُجَاهِدٌ: سَكَنَ (¬٢).\rوَقَالَ مُقَاتِلٌ: رَضِيَ بِالدُّنْيَا.\rوَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: لَزِمَهَا وَأَبْطَأَ، وَالمُخْلِدُ مِنْ الرِّجَالِ: هُوَ الَّذِي تبطِئُ مِشْيَتَهُ، وَمِنْ الدَّوَابِّ: الَّذي تَبْقَى ثَنَايَاهُ إلَى أَنْ تَخْرُجَ رَبَاعِيَّتُهُ.\rوَقَالَ الزَّجَّاجُ: خَلَدَ وَأَخْلَدَ، وَأَصْلُهُ مِنْ الْخُلُودِ وَهُوَ الدَّوَامُ وَالْبَقَاءُ، وَيُقَالُ: أَخْلَدَ فُلَانٌ بِالْمَكَانِ، إذَا أَقَامَ بِه (¬٣).\rقَالَ مَالِكُ بْنُ نُوَيْرَةَ:\rبِأَبْنَاءِ حَيٍّ مِنْ قَبَائِل مَالِكٍ … وَعَمْر بْن يَرْبُوع أَقَامُوا فأَخْلَدُوا (¬٤)","footnotes":"(¬١) إسناده ضعيف: أخرجه الطبري في «التفسير» رقم (١٥٤٧٩، ١٥٤٧٨)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» رقم (٩٣٢٧) بإسنادين في أحدهما ابن وكيع، وفي الآخر شريك، وكلاهما ضعيف.\r(¬٢) في إسناده مقال: أخرجه الطبري في «التفسير» رقم (١٥٤٨٠)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» رقم (٩٣٢٦) من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.\r(¬٣) انظر: هذا وما قبله في «تفسير البغوي» (٢/ ١٧٦).\r(¬٤) انظر: «الأصمعيات» (١/ ٢٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288614,"book_id":1319,"shamela_page_id":107,"part":null,"page_num":109,"sequence_num":107,"body":"* قُلْت: وَمِنْهُ قَوْله ﷾: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة: ١٧] أَيْ: قَدْ خُلِقُوا لِلْبَقَاءِ؛ لِذَلِكَ لَا يَتَغَيَّرُونَ وَلَا يَبيدون، وَهُمْ عَلَى سِنٍّ وَاحِدٍ أَبَدًا.\rوَقِيلَ: هُمْ المُقَرَّطُونَ فِي آذَانِهِمْ وَالمُسَوَّرُونَ فِي أَيْدِيهِمْ، وَأَصْحَابُ هَذَا الْقَوْلِ فَسَّرُوا اللفظة بِبَعْضِ لَوَازِمِهَا، وَذَلِكَ إشارَةٌ إلى التَّخْلِيدِ عَلَى ذَلِكَ السِّنِّ، فَلَا تنَافِي بين الْقَوْلَيْنِ.\rوَقَوْلُهُ: ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾.\rقَالَ الْكَلْبِيُّ: اتَّبَعَ مَسَافِلَ الْأُمُورِ وَتَرَكَ مَعَالِيَهَا.\rوَقَالَ أَبُو رَوق (¬١): اخْتَارَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ.\rوَقَالَ عَطَاءٌ: أَرَادَ الدُّنْيَا وَأَطَاعَ شَيْطَانَهُ.\rوَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: كَانَ هَوَاهُ مَعَ الْقَوْم (¬٢) يَعْنِي: الَّذِينَ حَارَبُوا مُوسَى ﵊ وَقَوْمَهُ.\rوَقَالَ يَمَانٌ: اتَّبَعَ امْرَأَتَهُ لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي حَمَلَتْهُ عَلَى مَا فعلَه (¬٣).\r* فَإِنْ قِيلَ: الِاسْتِدْرَاكُ بِلَكِنَّ يَقْتَضِي أَنْ يُثْبِتَ بَعْدَهَا نَفي مَا قَبْلَهَا، أَوْ يَنْفِيَ مَا أَثْبَتَ، كَمَا تَقُولُ: لَوْ شِئْت لَأَعْطَيْتُهُ لَكِنِّي لَمْ أُعْطِهِ، وَلَوْ شِئْت لَمَا فَعَلْت كَذَا لَكِنِّي فَعَلْتُهُ؛ فَالِاسْتِدْرَاكُ يَقْتَضِي: وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا، وَلَكِنَّا لَمْ نَشَأْ أَوْ فلَمْ نَرْفَعْ، ولكنه","footnotes":"(¬١) اسمه عطية بن الحارث الكوفي صاحب التفسير، صدوق من الطبقة الخامسة.\r(¬٢) صحيح إلى ابن زيد: أخرجه الطبري في «التفسير» رقم (١٥٤٨٣)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» رقم (٩٣٣٢) وابن زيد ضعيف.\r(¬٣) ذكر هذه الأقوال الثعالبي في تفسيره (٣/ ٩٧) ط دار الكتب العلمية.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288615,"book_id":1319,"shamela_page_id":108,"part":null,"page_num":110,"sequence_num":108,"body":"أخلد، فَكَيْفَ اسْتَدْرَكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾؟\r* قِيلَ: هَذَا مِنْ الْكَلَامِ المَلْحُوظِ فِيهِ المَعْنَى المَعْدُولِ فِيهِ عَنْ مُرَاعَاةِ الْأَلْفَاظِ إلَى المَعَانِي، وَذَلِكَ أَنَّ مَضْمُونَ قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾ أَنَّهُ لَمْ يَتَعَاطَ الْأَسْبَابَ الَّتِي تَقْتَضِي رَفْعَهُ بِالْآيَاتِ مِنْ إيثَارِ اللهِ وَمَرْضَاتِهِ عَلَى هَوَاهُ، وَلَكِنَّهُ آثَرَ الدُّنْيَا وَأَخْلَدَ إلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ.\rوَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ (¬١): المَعْنَى: وَلَوْ لَزِمَ آيَاتِنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا، فَذَكَرَ المَشِيئَةَ وَالمُرَادُ مَا هِيَ تَابِعَةٌ لَهُ وَمُسَبَّبَةٌ عَنْهُ.\rقَالَ: أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ﴾ فَاسْتَدْرَكَ الْمَشِيئَةَ بِإِخْلَادِهِ الَّذِي هُوَ فِعْلُهُ، فَوَجَبَ أَنْ تكُونَ ﴿وَلَوْ شِئْنَا﴾ فِي مَعْنَى مَا هُوَ فِعْلُهُ، وَلَوْ كَانَ الْكَلَامُ عَلَى ظَاهِرِهِ لَوَجَبَ أَنْ يُقَالَ: ولَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ، وَلَكِنَّا لَمْ نَشَأْ.\rفَهَذَا مِنْهُ شِنْشِنَةٌ تعْرِفُهَا مِنْ قَدَرِيٍّ نَافٍ للْمَشِيئَةِ الْعَامَّةِ مُبْعِدٍ لِلنُّجْعَةِ فِي جَعْلِ كَلَامِ اللهِ مُعْتَزِلِيًّا قَدَرِيًّا، فَأَيْنَ قَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ شِئْنَا﴾ مِنْ قَوْلِهِ: «وَلَوْ لَزِمَهَا» ثُمَّ إذَا كَانَ الملزُومُ لَهَا مَوْقُوفًا عَلَى مَشِيئَةِ اللهِ وَهُوَ الْحَقُّ بَطَلَ أَصْلُهُ.\rوَقَوْلُهُ: «إنَّ مَشِيئَةَ الله تَابِعَةٌ لِلُزُومِهِ الْآيَاتِ» مِنْ أَفْسَدِ الْكَلَامِ وَأَبْطَلِهُ، بَلْ لُزُومُهُ لِآيَاتِهِ تَابِعة لِمَشِيئَةِ الله ﷿، فَمَشِيئَةُ اللهِ سُبْحَانَهُ مَتْبُوعَةٌ، لَا تَابِعَةٌ،","footnotes":"(¬١) «تفسيره» (٢/ ١٧٢) والزمخشري هو: أبو القاسم محمود بن عمر بن محمد، كبير المعتزلة، وقد نظم أبياتًا يمدح فيها كشافه، وانظر: ردًّا مفحمًا على «الكشاف» لابن أبي جمرة في «لسان الميزان» (٧/ ٦٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288616,"book_id":1319,"shamela_page_id":109,"part":null,"page_num":111,"sequence_num":109,"body":"وَسَبَبٌ لَا مُسَبّبٌ، وَمُوجِبٌ مُقْتَضي لَا مُقْتَضًى، فَمَا شاءَ اللهُ وَجَبَ وُجُودُهُ، وَمَا لَمْ يَشَأْ امْتَنَعَ وُجُودُهُ (¬١).\r* * *","footnotes":"(¬١) «إعلام الموقعين» (٢/ ٢٨٩ - ٢٩٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288618,"book_id":1319,"shamela_page_id":111,"part":null,"page_num":113,"sequence_num":111,"body":"دَارِ السَّلَامِ﴾ فَسَمَّاهَا هُنَا دَارَ السَّلَامِ لِسَلَامَتِهَا مِنْ هَذِهِ الْآفَاتِ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي الدُّنْيَا، فَعَمَّ بِالدَّعْوَةِ إلَيْهَا، وَخَصَّ بِالْهِدَايَةِ مَنْ شَاءَ، فَذَاكَ عَدْلُهُ وَهَذَا فَضْلُهُ (¬١).\r* * *","footnotes":"(¬١) «إعلام الموقعين» (٢/ ٢٧٤)، وانظر: «عدة الصابرين» (ص/ ٣٣٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288622,"book_id":1319,"shamela_page_id":115,"part":null,"page_num":117,"sequence_num":115,"body":"شَبَّهَ الْوَحْيَ الَّذِي أَنْزَلَهُ لِحَيَاةِ الْقُلُوبِ وَالْأَسْمَاعِ وَالْأَبْصَارِ بِالمَاءِ الَّذِي أَنْزَلَهُ لِحَيَاةِ الْأَرْضِ بِالنَّبَاتِ.\rوَشَبَّهَ الْقُلُوبَ بِالْأَوْدِيَةِ، فَقَلْبٌ كَبِيرٌ يَسَعُ عِلْمًا عَظِيمًا كَوَادٍ كَبِيرٍ يَسَعُ مَاءً كَثِيرًا وَقَلْبٌ صَغِيرٌ إنَّمَا يَسَعُ بحسبه كَالْوَادِي الصَّغِيرِ، فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا، وَاحْتَمَلَتْ قُلُوبٌ مِنْ الْهُدَى وَالعِلم بِقَدَرِهَا؛ وَكَمَا أَنَّ السَّيْلَ إذَا خَالَطَ الْأَرْضَ وَمَرَّ عَلَيْهَا احْتَمَلَت غُثَاءً وَزَبَدًا فَكَذَاكَ الْهُدَى وَالْعِلْمُ إذَا خَالَطَ الْقُلُوبَ أَثَارَ مَا فِيهَا مِنْ الشَّهَوَاتِ وَالشُّبُهَاتِ لِيَقْلَعَهَا وَيُذْهِبَهَا، كَمَا يُثِيرُ الدَّوَاءُ وَقْتَ شُرْبِهِ مِنْ الْبَدَنِ أَخْلَاطَهُ فَيَتَكَدَّرُ بِهَا شَارِبُهُ، وَهِيَ مِنْ تَمَامِ نَفْعِ الدَّوَاءِ، فَإِنَّهُ أَثَارَهَا لِيذهَب بِهَا، فَإِنَّهُ لَا يُجَامِعُهَا وَلَا يُساكنها؛ وَهَكَذَا ﴿يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ﴾ (¬١).","footnotes":"(¬١) وأخرج البخاري في صحيحه رقم (٧٩)، ومسلم رقم (٢٢٨٢) عَنْ أَبِى مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ مِنَ الهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ المَاءَ، فَأَنْبَتَتِ الْكَلأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ المَاءَ، فَنَفَعَ اللهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى، إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً، وَلَا تُنْبِتُ كَلأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقِهَ فِي دِينِ اللهِ وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ، فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ».\rقال في «الوابل الصيب»:\rفجعل النبي ﷺ الناس بالنسبة إلى الهدى والعلم ثلاث طبقات:\rالطبقة الأولى: ورثة الرسل وخلفاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهم الذين قاموا بالدين علمًا وعملًا ودعوة إلى الله ﷿ ورسوله ﷺ، فهؤلاء أتباع الرسل صلوات الله عليهم وسلامه حقًّا، وهم بمنزلة الطائفة الطيبة من الأرض التي زكت، فقبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، فزكت في نفسها، وزكا الناس بها.\rوهؤلاء هم الذين جمعوا بين البصيرة في الدين والقوة على الدعوة؛ ولذلك كانوا =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288623,"book_id":1319,"shamela_page_id":116,"part":null,"page_num":118,"sequence_num":116,"body":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .","footnotes":"= ورثة الأنبياء صلى الله عليهم وسلم الذين قال تعالى فيهم: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (٤٥)﴾ [ص: ٤٥] فالأيدي: القوة في أمر الله، والأبصار: البصائر في دين الله ﷿، فبالبصائر يدرك الحق ويعرف، وبالقوى يتمكن من تبليغه وتنفيذه والدعوة إليه، فهذه الطبقة كان لها قوة الحفظ والفهم في الدين، والبصر بالتأويل، ففجرت من النصوص أنهار العلوم، واستنبطت منها كنوزها، ورزقت فيها فهمًا خاصًّا، كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ وقد سئل-: هل خصكم رسول الله ﷺ بشيء دون الناس؟ فقال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا فهما يؤتيه الله عبدًا في كتابه.\rفهذا الفهم هو بمنزلة الكلأ والعشب الكثير الذي أنبتته الأرض، وهو الذي تميزت به هذه الطبقة عن:\rالطبقة الثانية: فإنها حفظت النصوص، وكان همها حفظها وضبطها، فوردها الناس وتلقوها منهم، فاستنبطوا منها، واستخرجوا كنوزها، واتجروا فيها، وبذروها في أرض قابلة للزرع والنبات، فاستخرجوا غوامضها وأسرارها، ووردها كل بحسبه ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾.\rوهؤلاء هم الذين قال فيهم النبي ﷺ: «نضر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها، فأداها كما سمعها فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه».\rوهذا عبد الله بن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن، مقدار ما سمع من النبي ﷺ لم يبلغ نحو العشرين حديثًا الذي يقول فيه: «سمعت» و «رأيت»، وسمع الكثير من الصحابة، وبورك في فهمه والاستنباط منه حتى ملأ الدنيا علمًا وفقهًا.\rقال أبو محمد بن حزم: وجمعت فتاويه في سبعة أسفار كبار.\rوهي بحسب ما بلغ جامعها، وإلا فعلم ابن عباس كالبحر وفقهه واستنباطه وفهمه في القرآن بالموضع الذي فاق به الناس، وقد سمع كما سمعوا، وحفظ القرآن كما حفظوا، ولكن أرضه كانت من أطيب الأراضي وأقبلها للزرع، فبذر فيها النصوص، فأنبتت من كل زوج كريم: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288624,"book_id":1319,"shamela_page_id":117,"part":null,"page_num":119,"sequence_num":117,"body":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .","footnotes":"= وأين تقع فتاوى ابن عباس، وتفسيره، واستنباطه، من فتاوى أبي هريرة وتفسيره؟! وأبو هريرة أحفظ منه، بل هو حافظ الأمة على الإطلاق، يؤدي الحديث كما سمعه، ويدرسه بالليل درسًا، فكانت همته مصروفة إلى الحفظ وتبليغ ما حفظه كما سمعه، وهمة ابن عباس مصروفة إلى التفقه والاستنباط، وتفجير النصوص، وشق الأنهار منها، واستخراج كنوزها.\rوهكذا الناس بعده قسمان:\rقسم حفاظ: معتنون بالضبط، والحفظ، والأداء، كما سمعوا، ولا يستنبطون ولا يستخرجون كنوز ما حفظوه.\rوقسم معتنون بالاستنباط واستخراج الأحكام من النصوص، والتفقه فيها.\rفالأول كأبي زرعة، وأبي حاتم، وابن وارة.\rوقبلهم: كبندار محمد بن بشار، وعمرو الناقد، وعبد الرزاق.\rوقبلهم: كمحمد بن جعفر غندر، وسعيد بن أبي عروبة، وغيرهم من أهل الحفظ والإتقان والضبط لما سمعوه، من غير استنباط وتصرف، واستخراج الأحكام من ألفاظ النصوص.\rوالقسم الثاني: كمالك، والليث، وسفيان، وابن المبارك، والشافعي، والأوزاعي، وإسحاق، والإمام أحمد بن حنبل، والبخاري، وأبي داود، ومحمد بن نصر المروزي، وأمثالهم ممن جمع الاستنباط والفقه إلى الرواية.\rفهاتان الطائفتان هما أسعد الخلق بما بعث الله تعالى به رسوله ﷺ، وهم الذين قبلوه ورفعوا به رأسًا.\rوأما الطائفة الثالثة: وهم أشقى الخلق، الذين لم يقبلوا هدى الله ولم يرفعوا به رأسًا، فلا حفظ، ولا فهم، ولا رواية، ولا دراية، ولا رعاية.\rفالطبقة الأولى: أهل رواية ودارية.\rوالطبقة الثانية: أهل رواية ورعاية، ولهم نصيب من الدراية، بل حظهم من الرواية أوفر. =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288625,"book_id":1319,"shamela_page_id":118,"part":null,"page_num":120,"sequence_num":118,"body":"ثُمَّ ذَكَرَ المَثَلَ النَّارِيَّ فَقَالَ: ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ وَهُوَ الْخَبَثُ الَّذِي يَخْرُجُ عِنْدَ سَبْكِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالنُّحَاسِ وَالْحَدِيدِ، فَتُخْرِجُهُ النَّارُ وَتُمَيِّزُهُ وَتَفْصِلُهُ عَنْ الْجَوْهَرِ الَّذِي يُنْتَفَعُ بِهِ فَيُرْمَى وَيُطْرَحُ وَيَذْهَبُ جُفَاءً؛ فَكَذَلِكَ الشَّهَوَاتُ وَالشُّبُهَاتُ يَرْمِيهَا قَلْبُ المُؤْمِنِ وَيَطْرَحُهَا وَيَجْفُوهَا كَمَا يَطْرَحُ السَّيْلُ وَالنَّارُ ذَلِكَ الزَّبَدَ وَالْغُثَاءَ وَالْخَبَثَ، وَيَسْتَقِرُّ فِي قَرَارِ الْوَادِي المَاءُ الصَّافِي الَّذِي يَسْتَقِي مِنْهُ النَّاسُ وَيَزْرَعُونَ وَيَسْقُونَ أَنْعَامَهُمْ، كَذَلِكَ يَسْتَقِرُّ فِي قَرَارِ الْقَلْبِ وجذره الْإِيمَانُ الْخَالِصُ الصَّافِي الَّذِي يَنْفَعُ صَاحِبَهُ وَيَنْتَفِعُ بِهِ غَيْرُهُ؛ وَمَنْ لَمْ","footnotes":"= والطبقة الثالثة: الأشقياء، لا رواية، ولا دراية، ولا رعاية، ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ فهم الذين يضيقون الديار، ويغلون الأسعار، إن همة أحدهم إلا بطنه وفرجه، فإن ترقت همته فوق ذلك كان همه مع ذلك في لباسه وزينته، فإن ترقت همته فوق ذلك كان همه فوق ذلك كان في داره وبستانه ومركوبه، فإن ترقت همته فوق ذلك كان همه في الرياسة والانتصار للنفس الكلبية، فإن ارتفعت همته عن نصرة النفس الكلبية، كان همه في نصرة النفس السبعية، وأما النفس الكلبية فلم يعطها أحد من هؤلاء.\rفإن النفوس ثلاثة: كلبية، وسبعية، وملكية.\rفالكلبية: تقنع بالعظم، والكسرة، والجيفة، والعذرة.\rوالسبعية: لا تقنع بذلك، بل بقهر النفوس، والاستعلاء عليها بالحق والباطل.\rوأما الملكية: فقد ارتفعت عن ذلك، وشمرت إلى الرفيق الأعلى، فهمتها العلم والإيمان، ومحبة الله تعالى، والإنابة إليه، والطمأنينة به، والسكون إليه، وإيثار محبته ومرضاته، وإنما تأخذ من الدنيا ما تأخذه لتستعين به على الوصول إلى فاطرها وربها ووليها، لا لتنقطع به عنه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288626,"book_id":1319,"shamela_page_id":119,"part":null,"page_num":121,"sequence_num":119,"body":"يَفْقَهْ هَذَيْنِ المَثَلَيْنِ وَلَمْ يَتَدَبَّرْهُمَا وَيَعْرِفْ مَا يُرَادُ مِنْهُمَا فَلَيْسَ مِنْ أَهْلِهِمَا، وَاللهُ المُوَفِّقُ (¬١).\r* * *","footnotes":"(¬١) «إعلام الموقعين» (٢/ ٢٧٣ - ٢٧٤)، وانظر: «مفتاح دار السعادة» (١/ ٢٤٩ - ٢٥٠، ٤٠٧)، و «الوابل الصيب» (ص/ ١٣٣، ١٤٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288629,"book_id":1319,"shamela_page_id":122,"part":null,"page_num":124,"sequence_num":122,"body":"وَفِي تَشْبِيهِهَا بِالرَّمَادِ سِرٌّ بَدِيعٌ، وَذَلِكَ لِلتَّشَابُهِ الَّذِي بَيْنَ أَعْمَالِهِمْ وَبَيْنَ الرَّمَادِ فِي إحْرَاقِ النَّارِ وَإِذْهَابِهَا لِأَصْلِ هَذَا وَهَذَا، فَكَانَت الْأَعْمَالُ الَّتِي لِغَيْرِ اللهِ ﷿ وَعَلَى غَيْرِ مُرَادِهِ طُعْمَةً لِلنَّارِ، وَبِهَا تُسْعَرُ النَّارُ عَلَى أَصْحَابِهَا، وَيُنْشِئُ اللهُ سُبْحَانَهُ لَهُمْ مِنْ أَعْمَالِهِم الْبَاطِلَةِ نَارًا وَعَذَابًا، كَمَا يُنْشِئُ لِأَهْلِ الْأَعْمَالِ المُوَافِقَةِ لِأَمْرِهِ الَّتِي هِيَ خَالِصَةٌ لِوَجْهِهِ مِنْ أَعْمَالِهِمْ نَعِيمًا وَروحًا، فَأَثَّرَت النَّارُ فِي أَعْمَالِ أُولَئِكَ حَتَّى جَعَلَتْهَا رَمَادًا، فَهُمْ وَأَعْمَالُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله وقُودُ النَّارِ (¬١).\r* * *","footnotes":"(¬١) «إعلام الموقعين» (٢/ ٢٩٧ - ٢٩٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288631,"book_id":1319,"shamela_page_id":124,"part":null,"page_num":126,"sequence_num":124,"body":"وَالتَّشْبِيهُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَصَحُّ وَأَظْهَرُ وَأَحْسَنُ؛ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ شَبَّهَ شَجَرَةَ التَّوْحِيدِ فِي الْقَلْبِ بِالشَّجَرَةِ الطَّيِّبَةِ الثَّابِتَةِ الْأَصْلِ الْبَاسِقَةِ الْفَرْعِ فِي السَّمَاءِ عُلُوًّا، الَّتِي لَا تَزَالُ تُؤْتِي ثَمَرَتَهَا كُلَّ حِينٍ، وَإِذَا تَأَمَّلْت هَذَا التَّشْبِيهَ رَأَيْتَهُ مُطَابِقًا لِشَجَرَةِ التَّوْحِيدِ الثَّابِتَةِ الرَّاسِخَةِ فِي الْقَلْبِ، الَّتِي فُرُوعُهَا مِنْ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ صَاعِدَةٌ إلَى السَّمَاءِ، وَلَا تَزَال هَذِهِ الشَّجَرَةُ تُثْمِرُ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ كُلَّ وَقْتٍ؛ بِحَسْبِ ثَبَاتِهَا فِي الْقَلْبِ، وَمَحَبَّةِ الْقَلْبِ لَهَا، وَإِخْلَاصِهِ فِيهَا، وَمَعْرِفَتِهِ بِحَقِيقَتِهَا، وَقِيَامِهِ بِحقِّهَا، وَمُرَاعَاتِهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا، فَمَنْ رَسَخَتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ فِي قَلْبِهِ بِحَقِيقَتِهَا الَّتِي هِيَ حَقِيقَتُهَا وَاتَّصَفَ قَلْبُهُ بِهَا، وَانْصَبَغَ بِهَا بِصِبْغَةِ الله (¬١) الَّتِي لَا أَحْسَنَ صِبْغَةً مِنْهَا، فَعَرَفَ حَقِيقَةَ الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي يُثْبِتُهَا قَلْبُهُ لله وَيَشْهَدُ بِهَا لِسَانُهُ وَتُصَدِّقُهَا جَوَارِحُهُ، وَنَفَى تِلْكَ الْحَقِيقَة وَلَوَازِمَهَا عَنْ كُلِّ مَا سِوَى الله ﷿، وَوَاطَأَ قَلْبُهُ لِسَانَهُ فِي هَذَا النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، وَانْقَادَتْ جَوَارِحُهُ لِمَنْ شَهِدَ لَهُ بِالْوَحْدَانِيَّةِ طَائِعَةً سَالِكَةً سُبُلَ رَبِّهِ ذُلُلًا غَيْرَ نَاكِبَةٍ عَنْهَا وَلَا بَاغِيَةٍ سِوَاهَا بَدَلًا، كَمَا لَا يَبْتَغِي الْقَلْبُ سِوَى مَعْبُودِهِ الْحَقِّ بَدَلًا.\rفَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ مِنْ هَذَا الْقَلْبِ عَلَى هَذَا اللِّسَانِ لَا تَزَالُ تُؤْتِي ثَمَرَتَهَا مِنْ الْعَمَلِ الصَّالِحِ الصَّاعِدِ إلَى الله كُلَّ وَقْتٍ؛ فَهَذِهِ الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ هِيَ الَّتِي رَفَعَتْ هَذَا الْعَمَلَ الصَّالِحَ إلَى الرَّبِّ ﷾، وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ تُثْمِرُ كَلِمًا كَثِيرًا طَيِّبًا يُقَارِنُهُ عَمَلٌ صَالِحٌ فَيَرْفَعُ الْعَمَلُ الصَّالِحُ الْكَلِمَ الطَّيِّبَ، كَمَا قَالَ ﷾: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ الْعَمَلَ الصَّالِحَ يَرْفَعُ الْكَلِمَ","footnotes":"(¬١) مقتبس من قوله تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ [البقرة: ١٣٨].","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288632,"book_id":1319,"shamela_page_id":125,"part":null,"page_num":127,"sequence_num":125,"body":"الطَّيِّبَ، وَأَخْبَرَ أَنَّ الْكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ تُثْمِرُ لِقَائِلِهَا عَمَلًا صَالِحًا كُلَّ وَقْتٍ.\r* وَالمَقْصُودُ: أَنَّ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ إذَا شَهِدَ المُؤْمِنُ بِهَا عَارِفًا بِمَعْنَاهَا وَحَقِيقَتِهَا نَفْيًا وَإِثْبَاتًا مُتَّصِفًا بِمُوجَبِهَا قَائِمًا قَلْبُهُ وَلِسَانُهُ وَجَوَارِحُهُ بِشَهَادَتِهِ، فَهَذِهِ الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ هِيَ الَّتِي رَفَعَتْ هَذَا الْعَمَلَ مِنْ هَذَا الشَّاهِدِ، أَصْلُهَا ثَابِتٌ رَاسِخٌ فِي قَلْبِهِ، وَفُرُوعُهَا مُتَّصِلَةٌ بِالسَّمَاءِ، وَهِيَ مُخْرِجَةٌ لِثَمَرَتِهَا كُلَّ وَقْتٍ.\rوَمِنْ السَّلَفِ مَنْ قَالَ: إنَّ الشَّجَرَةَ الطَّيِّبَةَ هِيَ النَّخْلَةُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الصَّحِيحُ (¬١).\rوَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هِيَ المُؤْمِنُ نَفْسهُ كَمَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: حَدَّثَنِي أَبِي حَدَّثَنِي عَمِّي حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ يَعْنِي بِالشَّجَرَةِ الطَّيِّبَةِ المُؤْمِنَ، وَيَعْنِي بِالْأَصْلِ الثَّابِتِ فِي الْأَرْضِ وَالْفَرْعِ فِي السَّمَاءِ يَكُونُ المُؤْمِنُ يَعْمَلُ فِي الْأَرْضِ وَيَتَكَلَّمُ فَيَبْلُغُ عَمَلُهُ وَقَوْلُهُ السَّمَاءَ وَهُوَ فِي الْأَرْض (¬٢).\rوَقَالَ عَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ فِي ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾: ذَلِكَ مَثَلُ المُؤْمِنِ، لَا يَزَالُ يَخْرُجُ مِنْهُ كَلَامٌ طَيِّبٌ وَعَمَلٌ صَالِحٌ يَصْعَدُ إلَى الله (¬٣).","footnotes":"(¬١) صحيح: أخرجه البخاري في «صحيحه» برقم (٦١)، ومسلم برقم (٢٨١١).\r(¬٢) إسناده مسلسل بالضعفاء: أخرجه الطبري في «التفسير» رقم (٢٠٤٥١).\r(¬٣) إسناده ضعيف: أخرجه الطبري في «التفسير» رقم (٢٠٤٥٢) من طريق فضيل بن مرزوق عنه.\rقال ابن حبان في «الضعفاء»: فضيل بن مرزوق كان يخطئ عن الثقات ويروي عن عطية العوفي الموضوعات. انتهى من تهذيب التهذيب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288633,"book_id":1319,"shamela_page_id":126,"part":null,"page_num":128,"sequence_num":126,"body":"وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ قَالَ: ذَلِكَ المُؤْمِنُ، ضُربَ مَثَلَهُ فِي الْإِخْلَاصِ لِله وَحْدَهُ وَعِبَادَتهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾، قَالَ: أَصْلُ عَمَلِهِ ثَابِتٌ فِي الْأَرْضِ، وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ، قَالَ: ذِكْرُهُ فِي السَّمَاءِ (¬١).\rوَلَا اخْتِلَافَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ، فالمَقْصُودُ بِالمَثَلِ المُؤْمِنُ، وَالنَّخْلَةُ مُشَبَّهَةٌ بِهِ وَهُوَ مُشَبَّهٌ بِهَا، وَإِذَا كَانَتْ النَّخْلَةُ شَجَرَةً طَيِّبَةً فَالمُؤْمِنُ المُشَبَّهُ بِهَا أَوْلَى أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ، وَمَنْ قَالَ مِنْ السَّلَفِ: إنَّهَا شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ فَالنَّخْلَةُ مِنْ أَشْرَافِ أَشْجَارِ الْجَنَّةِ.\r* وَفِي هَذَا المَثَلِ مِنْ الْأَسْرَارِ وَالْعُلُومِ وَالمَعَارِفِ مَا يَلِيقُ، وَيَقْتَضِيه عِلْمُ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ سبحانه وَحِكْمَتُهُ.\r* فَمِنْ ذَلِكَ: أَنَّ الشَّجَرَةَ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ عُرُوقٍ وَسَاقٍ وَفُرُوعٍ وَوَرَقٍ وَثَمَرٍ، فَكَذَلِكَ شَجَرَةُ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ؛ لِيُطَابِقَ المُشَبَّهُ المُشَبَّهَ بِهِ، فَعُرُوقُهَا الْعِلْمُ وَالمَعْرِفَةُ وَالْيَقِينُ، وَسَاقُهَا الْإِخْلَاصُ، وَفُرُوعُهَا الْأَعْمَالُ، وَثَمَرَتُهَا مَا تُوجِبُهُ الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ مِنْ الْآثَارِ الْحَمِيدَةِ وَالصِّفَاتِ الْمَمْدُوحَةِ وَالْأَخْلَاقِ الزَّكِيَّةِ وَالسَّمْتِ الصَّالِحِ وَالْهَدْيِ وَالدَّلِّ المَرْضِيِّ، فَيُسْتَدَلُّ عَلَى غَرْسِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فِي الْقَلْبِ وَثُبُوتِهَا فِيهِ بِهَذِهِ الْأُمُورِ.\rفَإِذَا كَانَ الْعِلْمُ صَحِيحًا مُطَابِقًا لِمَعْلُومِهِ الَّذِي أَنْزَلَ اللهُ كِتَابَهُ بِهِ، وَالِاعْتِقَادُ مُطَابِقًا لِمَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ وَأَخْبَرَتْ بِهِ عَنْهُ رُسُلُهُ صلوات الله وسلامه عليهم، وَالْإِخْلَاصُ قَائِمٌ فِي الْقَلْبِ، وَالْأَعْمَالُ مُوَافِقَةٌ لِلْأَمْرِ، وَالْهَدْيُ وَالدَّلُّ وَالسَّمْتُ مُشَابِهٌ لِهَذِهِ الْأُصُولِ مُنَاسِبٌ لَهَا، عُلِمَ أَنَّ شَجَرَةَ الْإِيمَانِ فِي الْقَلْبِ أَصْلُهَا ثَابِتٌ","footnotes":"(¬١) إسناده ضعيف: أخرجه الطبري في «التفسير» رقم (٢٠٤٥٣) من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع به، قال ابن حبان: الناسُ يتقون ما كان من رواية أبي جعفر عن الربيع؛ لأن في أحاديثه عنه اضطرابًا كثيرًا.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288634,"book_id":1319,"shamela_page_id":127,"part":null,"page_num":129,"sequence_num":127,"body":"وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ بِالْعَكْسِ عُلِمَ أَنَّ الْقَائِمَ بِالْقَلْبِ إنَّمَا هُوَ الشَّجَرَةُ الْخَبِيثَةُ الَّتِي اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ.\r* وَمِنْهَا: أَنَّ الشَّجَرَةَ لَا تَبْقَى حَيَّةً إلَّا بِمَادَّةٍ تَسْقِيهَا وَتُنَمِّيهَا، فَإِذَا انقطعَ عَنْها السَّقْيُ أَوْشَكَ أَنْ تَيْبَسَ.\rفَهَكَذَا شَجَرَةُ الْإِسْلَامِ فِي الْقَلْبِ إنْ لَمْ يَتَعَاهَدْهَا صَاحِبُهَا بِسَقْيِهَا كُلَّ وَقْتٍ بِالْعِلْمِ النَّافِعِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ وَالْعَوْدِ بِالتَّذَكُّرِ عَلَى التَّفْكِيرِ وَالتَّفَكُّرِ عَلَى التَّذَكُّرِ، وَإِلَّا أَوْشَكَ أَنْ تَيْبَسَ.\rوَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إنَّ الْإِيمَانَ يَخْلَقُ فِي الْقَلْبِ كَمَا يَخْلَقُ الثَّوْبُ فَجَدِّدُوا إيمَانَكُمْ» (¬١).","footnotes":"(¬١) إسناده حسن: أخرجه الحاكم في «المستدرك» (١/ ٤)، والطبراني كما في «مجمع الزوائد» (١/ ٥٢) من طريق ابن وهب أخبرني عبد الرحمن بن ميسرة عن أبي هانئ الخولاني حميد بن هانئ عن أبي عبد الرحمن الحبُلي عن عبد الله بن عمرو بن العاصي قال: قال رسول الله ﷺ.\rقال الحاكم: رواته مصريون ثقات، ووافقه الذهبي.\r* قلت: قال ابن المديني: عبد الرحمن بن ميسرة مجهول، كذا في «الميزان»، و «نصب الراية» (١/ ١٢) لكن وثقه العجلي والحاكم والذهبي وحسن حديثه الهيثمي والعراقي والألباني، وروى عنه جمع وهو كما قالوا.\rوله شاهد من حديث أبي هريرة ﵁ بإسناد ضعيف.\rأخرجه أحمد (٢/ ٣٥٩)، ومن طريقه أبو نعيم في «الحلية» (٢/ ٣٥٧)، وعبد بن حميد كما في «المنتخب» رقم (١٤٢٤)، ومحمد بن نصر في «تعظيم قدر الصلاة» (٧٩٩)، وابن الأعرابي في «معجمه» رقم (١١٣٩)، والقضاعي في «مسند الشهاب» رقم (٩٧٤) من طرق عن صدقة بن موسى السلمي عن محمد بن واسع عن سمير بن نهار عن أبي\rهريرة ﵁. =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288635,"book_id":1319,"shamela_page_id":128,"part":null,"page_num":130,"sequence_num":128,"body":"وَبِالْجُمْلَةِ فَالْغَرْسُ إنْ لَمْ يَتَعَاهَدْهُ صَاحِبُهُ أَوْشَكَ أَنْ يَهْلَكَ، وَمِنْ هُنَا تَعْلَمُ شِدَّةَ حَاجَةِ الْعِبَادِ إلَى مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ مِنْ الْعِبَادَاتِ عَلَى تَعَاقُبِ الْأَوْقَاتِ وَعَظِيمِ رَحْمَتِهِ وَتَمَامِ نِعْمَتِهِ وَإِحْسَانِهِ إلَى عِبَادِهِ بِأَنْ وَضعهَا عَلَيْهم وَجَعَلَهَا مَادَّةً لِسَقْيِ غِرَاسِ التَّوْحِيدِ الَّذِي غَرَسَهُ فِي قُلُوبِهِمْ.\rm وَمِنْهَا: أَنَّ الْغَرْسَ وَالزَّرْعَ النَّافِعَ قَدْ أَجْرَى اللهُ سُبْحَانَهُ الْعَادَةَ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يُخَالِطَهُ دَغَلٌ وَنَبْتٌ غَرِيبٌ لَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ، فَإِنْ تَعَاهَدَهُ رَبُّهُ وَنَقَّاهُ وَقَلَعَهُ كَمُلَ الْغَرْسُ وَالزَّرْعُ، وَاسْتَوَى، وَتَمَّ نَبَاتُهُ وَكَانَ أَوْفَرَ لِثَمَرَتِهِ، وَأَطْيَبَ وَأَزْكَى، وَإِنْ تَرَكَهُ أَوْشَكَ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى الْغَرْسِ وَالزَّرْعِ، وَيَكُونُ الْحُكْمُ لَهُ، أَوْ يُضْعِفَ الْأَصْلَ وَيَجْعَلَ الثَّمَرَةَ ذَمِيمَةً نَاقِصَةً بِحَسْبِ كَثْرَتِهِ وَقِلَّتِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِقْهُ نَفْسٍ فِي هَذَا وَمَعْرِفَةٌ بِهِ فَإِنَّهُ يَفُوتُهُ رِبْحٌ كَبِيرٌ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ؛ فَالمُؤْمِنُ دَائِمًا سَعْيُهُ فِي شَيْئَيْنِ: سَقْيِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، وَتَنْقِيَةِ مَا حَوْلَهَا، فَبِسَقْيِهَا تَبْقَى وَتَدُومُ، وَبِتَنْقِيَةِ مَا حَوْلَهَا تَكْمُلُ وَتَتِمُّ، وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ.\rفَهَذَا بَعْضُ مَا تَضَمَّنَهُ هَذَا المَثَلُ الْعَظِيمُ الْجَلِيلُ مِنْ الْأَسْرَارِ وَالْحِكَمِ، وَلَعَلَّهَا قَطْرَةٌ مِنْ بَحْرٍ بِحَسَبِ أَذْهَانِنَا الْوَاقِفَةِ، وَقُلُوبِنَا المُخْبطِةِ، وَعُلُومِنَا الْقَاصِرَةِ، وَأَعْمَالِنَا الَّتِي تُوجِبُ التَّوْبَةَ وَالِاسْتِغْفَارَ، وَإِلَّا فَلَوْ طَهُرَتْ مِنَّا الْقُلُوبُ، وَصَفَت الْأَذْهَان، وَزَكَت النُّفُوسُ، وَخَلَصَت الْأَعْمَالُ، وَتَجَرَّدَت الهمم لِلتَّلَقِّي عَنْ اللهِ وَرَسُولِهِ ﷺ؛ لَشَاهَدْنَا مِنْ مَعَانِي كَلَامِ الله ﷿ وَأَسْرَارِهِ وَحِكَمِهِ مَا تَضْمَحِلُّ عِنْدَهُ الْعُلُومُ، وَتَتَلَاشَى عِنْدَهُ مَعَارِفُ الْحقِّ.","footnotes":"= قلت: وصدقة بن موسى ضعيف، واختلف في سمير فقيل: شتير كما عند ابن حبان رقم (١٣٦) وليس فيه وجه الشاهد، ورجح الأول الدارقطني في «العلل» (٨/ ٣٣٩).\rوله شاهد من حديث ابن عباس وإسناده ضعيف. كما في «أخبار أصبهان»\r(١/ ٢٧٧ - ٢٧٨).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288636,"book_id":1319,"shamela_page_id":129,"part":null,"page_num":131,"sequence_num":129,"body":"وَبِهَذَا تَعْرِفُ قَدْرَ عُلُومِ الصَّحَابَةِ وَمَعَارِفِهِمْ ﵃، وَأَنَّ التَّفَاوُتَ الَّذِي بَيْنَ عُلُومِهِمْ وَعُلُومِ مَنْ بَعْدَهُمْ كَالتَّفَاوُتِ الَّذِي بَيْنَهُمْ فِي الْفَضْلِ، وَاللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ مَوَاقِعَ فَضْلِهِ وَمَنْ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ (¬١).\r* * *","footnotes":"(¬١) «إعلام الموقعين» (٢/ ٢٩٨، ٣٠٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288638,"book_id":1319,"shamela_page_id":131,"part":null,"page_num":133,"sequence_num":131,"body":"وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: مَثَلُ الشَّجَرَةِ الْخَبِيثَةِ مَثَلُ الْكَافِرِ، لَيْسَ لِقَوْلِهِ وَلَا لِعَمَلِهِ أَصْلٌ وَلَا فَرْعٌ، وَلَا يَسْتَقِرُّ قَوْلُهُ وَلَا عَمَلُهُ عَلَى الْأَرْضِ، وَلَا يَصْعَدُ إلَى السَّمَاء (¬١).\rوَقَالَ سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: أَنَّ رَجُلًا لَقِيَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فَقَالَ لَهُ: مَا تَقُولُ فِي الْكَلِمَةِ الْخَبِيثَةِ؟ قَالَ: لا أَعْلَمُ لَهَا فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرًّا وَلَا فِي السَّمَاءِ مِصْعَدًا، إلَّا أَنْ يلْزَمَ عُنُقَ صَاحِبِهَا حَتَّى يُوافى بِهَا الْقِيَامَة (¬٢).\rوَقَوْلُهُ: ﴿اجْتُثَّتْ﴾ أَي: اسْتُؤْصِلَتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ.\rثُمَّ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ عَنْ فَضْلِهِ وَعَدْلِهِ فِي الْفَرِيقَيْنِ أَصْحَابِ الْكَلِمِ الطَّيِّبِ وَالْكَلِمِ الْخَبِيثِ، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ يُثَبِّتُ الَّذِينَ آمَنُوا بِإِيمَانِهِمْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ أَحْوَجَ مَا يَكُونُونَ إلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَأَنَّهُ يُضِلُّ الظَّالِمِينَ وَهُمْ الْمُشْرِكُونَ عَنْ الْقَوْلِ الثَّابِتِ، فَأَضَلَّ هَؤُلَاءِ بِعَدْلِهِ لِظُلْمِهِمْ، وَثَبَّتَ الْمُؤْمِنِينَ بِفَضْلِهِ لِإِيمَانِهِمْ.\rوَتَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ كَنْزٌ عَظِيمٌ مَنْ وقف عليه لِمَظِنَّتِهِ وَأَحْسَنَ اسْتِخْرَاجَهُ وَاقْتِنَاءَهُ وَأَنْفَقَ مِنْهُ فَقَدْ غَنِمَ، وَمَنْ حُرِمَهُ فَقَدْ حُرِمَ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَسْتَغْنِي عَنْ تَثْبِيتِ اللهِ لَهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ.\rفَإِنْ لَمْ يُثَبِّتْهُ وَإِلَّا زَالَ سَمَاءُ إيمَانِهِ وَأَرْضِهِ عَنْ مَكَانِهِمَا، وَقَدْ قَالَ ﷾ لِأَكْرَمِ خَلْقِهِ عَلَيْهِ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ ﷺ: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤)﴾ [الإسراء: ٧٤]، وَقَالَ ﷾: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ١٢].","footnotes":"(¬١) إسناده ضعيف: أخرجه الطبري في «التفسير» رقم (٢٠٥٣٤) من طريق أبي جعفر عن الربيع به.\r(¬٢) إسناده حسن: أخرجه الطبري رقم (٢٠٥٣٢).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288639,"book_id":1319,"shamela_page_id":132,"part":null,"page_num":134,"sequence_num":132,"body":"وَفِي «الصَّحِيحَيْنِ» مِنْ حَدِيثِ الْتجَلي قَالَ: «وَهُوَ يَأَمرهم وَيُثَبِّتُهُمْ» (¬١).\rوَقَالَ ﷾ لِرَسُولِهِ ﷺ: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود: ١٢٠]، فَالْخَلْقُ كُلُّهُمْ قِسْمَانِ: مُوَفَّقٌ بِالتَّثْبِيتِ، وَمَخْذُولٌ بِتَرْكِ التَّثْبِيتِ، وَمَادَّةُ التَّثْبِيتِ أَصْلُهُ وَمَنْشَؤُهُ مِنْ الْقَوْلِ الثَّابِتِ، وَفِعْلِ مَا أُمِرَ بِهِ الْعَبْدُ، فَبِهِمَا يُثَبِّتُ اللهُ عَبْدَهُ، فَكُلُّ مَنْ كَانَ أَثْبَتَ قَوْلًا وَأَحْسَنَ فِعْلًا كَانَ أَعْظَمَ تَثْبِيتًا، قَالَ ﷾: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦)﴾ [النساء: ٦٦] فَأَثْبَتُ النَّاسِ قَلْبًا أَثْبَتُهُمْ قَوْلًا.\rوَالْقَوْلُ الثَّابِتُ هُوَ الْقَوْلُ الْحَقُّ وَالصِّدْقُ، وَهُوَ ضِدُّ الْقَوْلِ الْبَاطِلِ الْكَذِبِ؛ فَالْقَوْلُ نَوْعَانِ:\r- ثَابِتٌ لَهُ حَقِيقَةٌ.\r- وَبَاطِلٌ لَا حَقِيقَةَ لَهُ.\r- وَأَثْبَتُ الْقَوْلِ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ وَلَوَازِمُهَا، فَهِيَ أَعْظَمُ مَا يُثَبِّتُ اللهُ بِهَا عبادَهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؛ وَلِهَذَا تَرَى الصَّادِقَ مِنْ أَثْبَتِ النَّاسِ وَأَشْجَعِهِمْ قَلْبًا، وَالْكَاذِبَ مِنْ أَمْهَنِ النَّاسِ وَأَخْبَثِهِمْ وَأَكْثَرِهِمْ تَلَوُّنًا وَأَقَلِّهِمْ ثَبَاتًا، وَأَهْلُ الْفِرَاسَةِ يَعْرِفُونَ صِدْقَ الصَّادِقِ مِنْ ثَبَاتِ قَلْبِهِ وَقْتَ الْاختبارِ وَشَجَاعَتِهِ وَمَهَابَتِهِ، وَيَعْرِفُونَ كَذِبَ الْكَاذِبِ بِضِدِّ ذَلِكَ؛ وَلَا يَخْفَى ذَلِكَ إلَّا عَلَى ضَعِيفِ الْبَصِيرَةِ.\rوَسُئِلَ بَعْضُهُمْ عَنْ كَلَامٍ سَمِعَهُ مِنْ مُتَكَلِّمٍ بِهِ، فَقَالَ: وَالله مَا فَهِمْت مِنْهُ شَيْئًا، إلَّا أَنِّي سمعت لِكَلَامِهِ صَوْلَةً لَيْسَتْ بِصَوْلَةِ مُبْطِلٍ، فَمَا مُنِحَ الْعَبْدُ مِنْحَةً أَفْضَلَ مِنْ مِنْحَةِ الْقَوْلِ الثَّابِتِ وَيَجِدُ أَهْلُ الْقَوْلِ الثَّابِتِ ثَمَرَتَهُ أَحْوَجَ مَا يَكُونُونَ","footnotes":"(¬١) إسناده حسن: أخرجه أحمد (٢/ ٣٦٨) والترمذي في «جامعه» (٢٥٥٧) من طريقين عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة ﵁.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288640,"book_id":1319,"shamela_page_id":133,"part":null,"page_num":135,"sequence_num":133,"body":"إلَيْهِ فِي قُبُورِهِمْ وَيَوْمَ مَعَادِهِمْ كَمَا فِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ (¬١).\r* [سُؤَالُ الْقَبْرِ وَالتَّثْبِيتُ فِيهِ].\rوَقَدْ جَاءَ هَذَا مُبَيَّنًا فِي أَحَادِيثَ صِحَاحٍ: فَمِنْهَا: مَا فِي «المُسْنَدِ» مِنْ حَدِيثِ دَاوُد بْنِ أَبِي هِنْدَ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي جِنَازَةٍ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا، فَإِذَا الْإِنْسَانُ دُفِنَ وَتَفَرَّقَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ جَاءَهُ مَلَكٌ بِيَدِهِ مِطْرَاقٌ فَأَقْعَدَهُ فَقَالَ: مَا تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَإِنْ كَانَ مُؤْمِنًا قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَيَقُولُ لَهُ: صَدَقْت، فَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إلَى النَّارِ فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا مَنْزِلُك لَوْ كَفَرْت بِرَبِّك، فَأَمَّا إذْ آمَنْت فَإِنَّ الله أَبْدَلَك بِهِ هَذَا، ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إلَى الْجَنَّةِ، فَيُرِيدُ أَنْ يَنْهَضَ لَهُ، فَيُقَالُ لَهُ: اسْكُنْ، ثُمَّ يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ.\rوَأَمَّا الْكَافِرُ وَالمُنَافِقُ فَيُقَالُ لَهُ: مَا تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، فَيُقَالُ لَهُ: لَا دَرَيْت وَلَا اهْتَدَيْت، ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إلَى الْجَنَّةِ، فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا مَنْزِلُك لَوْ آمَنت بِرَبِّك، فَأَمَّا إذْ كَفَرْت فَإِنَّ اللهَ أَبْدَلَك بِهِ هَذَا، ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إلَى النَّارِ، ثُمَّ يَقْمَعُهُ المَلَكُ بِالْمِطْرَاقِ قَمْعَةً يَسْمَعُهُ خَلْقُ الله كُلُّهُمْ إلَّا الثَّقَلَيْنِ».\rقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: يَا رَسُولَ الله، مَا مِنَّا مِنْ أَحَدٍ يَقُومُ عَلَى رَأْسِهِ مَلَكٌ بِيَدِهِ مِطْرَاقٌ إلَّا هيلَ عِنْدَ ذَلِكَ.","footnotes":"(¬١) قال ابن القيم في كتابه «الروح» (١/ ٥٤) ط دار الكتب العلمية: وأحاديث المسألة في القبر كثيرة كما في الصحيحين والسنن عن البراء بن عازب فذكر الحديث.\rوالحديث: أخرجه البخاري رقم (١٣٦٩)، ومسلم رقم (٢٨٧١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288641,"book_id":1319,"shamela_page_id":134,"part":null,"page_num":136,"sequence_num":134,"body":"فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)﴾ (¬١).\rوَفِي «المُسْنَدِ» نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ.\rوَرَوَى الْمِنْهَالُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ زَاذَانَ عَنْ الْبَرَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: وَذَكَرَ فيضَ رُوحِ المُؤْمِنِ فَقَالَ: «يَأْتِيهِ آت، يَعْنِي فِي قَبْرِهِ، فَيَقُولُ: مَنْ رَبُّك؟ وَمَا دِينُك؟ وَمَنْ نَبِيُّك؟ فَيَقُولُ: رَبِّي اللهُ، وَدِينِي الْإِسْلَامُ، وَنَبِيِّي مُحَمَّدٌ ﷺ، قَالَ: فَيَنْتَهِرُهُ فَيَقُولُ: مَا رَبُّك؟ وَمَا دِينُك؟ وَهِيَ آخرُ فِتْنَةٍ تعرضُ عَلَى الْمُؤْمِنِ، فَذَلِكَ حين يَقُولُ اللهُ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. فَيَقُولُ: رَبِّي اللهُ، وَدِينِي الْإِسْلَامُ وَنَبِيِّي مُحَمَّدٌ ﷺ، فَيُقَالُ لَهُ: صَدَقْت». وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ (¬٢).","footnotes":"(¬١) إسناده حسن: أخرجه أحمد برقم (٣/ ٣ - ٤)، وابنه في «السنة» رقم (١٤٥٦)، وابن أبي عاصم في «السنة» رقم (٨٦٥)، والطبري في «التفسير» رقم (٢٠٥٤٣) من طريق أبي عامر عبد الملك بن عمير العقدي حدثنا عباد بن راشد عن داود بن أبي هند به. وإسناده حسن للإختلاف في عباد.\r(¬٢) إسناده حسن: أخرجه مطولًا ومختصرًا الطيالسي في «مسنده» رقم (٧٥٣)، والطبري في «تفسيره» رقم (٢٠٧٨٠، ٢٠٧٨٧)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» رقم (٧٤١٧)، والروياني في «مسنده» (٣٨٦)، وابن الأعرابي في «معجمه» رقم (١٦٥٤)، والبيهقي في «إثبات عذاب القبر» رقم (٢٠)، وأبو نعيم في «الحلية» (٩/ ٥٦)، والقزويني في «التدوين في أخبار قزوين» (١/ ٢٢) عن أبي عوانة.\rوأخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» رقم (١٢١٨٥)، وهناد في «الزهد» رقم (٣٣٩)، ومن طريقهما أبو داود في «سننه» رقم (٤٧٥٣)، وابن خزيمة في «التوحيد» رقم (١٧٥)، والمروزي في «زوائده على الزهد لابن المبارك» رقم (١٢١٩)، والطبري في «تفسيره» رقم (٢٠٧٦٤)، والبيهقي في «الشعب» رقم (٣٩٠) عن أبي معاوية. =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288642,"book_id":1319,"shamela_page_id":135,"part":null,"page_num":137,"sequence_num":135,"body":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .","footnotes":"= وأخرجه أحمد في «مسنده» رقم (٤/ ٢٩٧)، والروياني في «مسنده» رقم (٣٨٢)، والحاكم في «المستدرك» (١/ ٣٨)، والبغوي في «شرح السنة» رقم (١٥١٨) من طريق سفيان الثوري.\rوأخرجه أبو داود في «سننه» رقم (٤٧٥٤)، والطبري في «تفسيره» رقم (٢٠٧٦٦)، والحاكم في «المستدرك» (١/ ٣٧) من طريق عبد الله بن نمير.\rوأخرجه أبو داود في «سننه» (٢٣١٢)، والطبري في «تفسيره» رقم (٢٠٧٦٥)، وابن خزيمة في «التوحيد» رقم (١٧٥) من طريق جرير.\rوأخرجه ابن خزيمة أيضا في «لتوحيد» رقم (١٧٥)، والحاكم في «المستدرك» (١/ ٣٨) من طريق محمد بن فضيل. والحاكم في «المستدرك» (١/ ٣٩)، وابن المقرئ في «معجمه» رقم (١٢٥٥) من طريق شعبة.\rوأخرجه الطبري في «تفسيره» رقم (١٤٦١٤، ٢٠٧٦٣) من طريق أبي بكر بن عياش.\rوالحاكم في «المستدرك» (١/ ٣٩) من طريق زائدة.\rتسعتهم عن الأعمش ثنا المنهال بن عمرو عن زاذان الكندي قال: سمعت البراء به.\rوتابع الأعمش يونس بن خباب:\rأخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (٣/ ٥٧٩ - ٥٨٠)، ومن طريقه أحمد (٤/ ٢٩٥ - ٢٩٦)، وابن خزيمة في «التوحيد» رقم (١٧٦)، والطبري في «التفسير» رقم (٢٠٧٦٨)، والحاكم في «المستدرك» (١/ ٣٩ - ٤٠) عن معمر.\rوأخرجه أحمد في «المسند» (٤/ ٢٩٥ - ٢٩٦)، وابن ماجه برقم (١٥٤٨)، والروياني في «مسنده» (٣٨٣) من طريق حماد بن زيد.\rوأخرجه الطبري في «التفسير» (٢٠٧٦٨)، والحاكم في «المستدرك» (١/ ٣٩) من طريق مهدي بن ميمون.\rوأخرجه الحاكم في «المستدرك» (١/ ٣٩) من طريق عباد بن عباد.\rأربعتهم عن يونس بن خباب به.\rوخالفهم شعيب بن صفوان فأثبت أبا البختري الطائي بين زاذان والبراء. =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288643,"book_id":1319,"shamela_page_id":136,"part":null,"page_num":138,"sequence_num":136,"body":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .","footnotes":"= أخرجه الحاكم في «المستدرك» (١/ ٣٩) وقال: وهم فيه شعيب بن صفوان بإجماع الأئمة الثقات على روايته عن يونس بن خباب عن المنهال عن زاذان أنه سمع البراء.\r* قلت: ويونس بن خباب ضعيف يعتبر به، وقد قال أبو داود: ليس في حديثه نكارة إلا أنه زاد في حديث عذاب القبر.\rوتابعهما عمر بن قيس.\rأخرجه النسائي في «الكبرى» رقم (٢١٢٨)، وابن ماجه رقم (١٥٤٩)، والطبري في «التفسير» رقم (٢٠٧٦٧)، والحاكم في «المستدرك» (١/ ٤٠) من طريقين عن عمر بن قيس به.\rوتابعهم أبو خالد الداراني والحسن بن عبيد الله وعوف الأعرابي.\rأخرجه الحاكم في «المستدرك» (١/ ٤٠) من طريق أبي خالد والحسن وابن عبيد الله. والطبراني في «الأوسط» رقم (٣٤٩٩) من طريق عوف به.\rوتابع المنهال بن عمرو محمد بن عتبة بإسناد ضعيف.\rأخرجه الروياني في «مسنده» رقم (٣٨٥).\rوتابع زاذان الكندي أبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي.\rأخرجه الحاكم في «المستدرك» (١/ ٣٩)، مختصرًا ورجاله ثقات.\rوقد أعل الحديث ابن حبان في «صحيحه» بعد رقم (٣١١٧) فقال: خبر الأعمش عن المنهال بن عمرو عن زاذان عن البراء سمعه الأعمش عن الحسن بن عمارة عن المنهال ابن عمرو وزاذان لم يسمعه من البراء فلذلك لم أخرجه.\r* قلت: «أبو أويس»: وسماع زاذان من البراء عند أحمد في «المسند» (٤/ ٢٨٨)، وأبي داود رقم (٤٧٥٤)، والحاكم في «المستدرك» (١/ ٣٧ - ٣٨). وثبت أيضًا سماع الأعمش من المنهال بن عمرو عند أبي داود في «سننه» رقم (٤٧٥٤)، وأحمد في المسند (٤/ ٢٨٨)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (٣/ ٣٨٢، ٣٧٤).\rفضلًا عن المتابعات التي قد سبقت، فالحديث حسن.\rوصحَّحه الحاكم والبيهقيُّ والقرطبيُّ والمصنّفُ في كتابه «الروح» (٦٥)، =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288644,"book_id":1319,"shamela_page_id":137,"part":null,"page_num":139,"sequence_num":137,"body":"وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ قَالَ: إذَا قِيلَ لَهُ فِي الْقَبْرِ: مَنْ رَبُّك؟ وَمَا دِينُك؟ فَيَقُولُ رَبِّي اللهُ، وَدِينِي الْإِسْلَامُ، وَنَبِيِّي مُحَمَّدٌ، جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ عِنْدِ اللهِ فَآمَنْت وَصَدَّقْت، فَيُقَالُ لَهُ: صَدَقْت، عَلَى هَذَا عِشْت، وَعَلَيْهِ مِتَّ، وَعَلَيْهِ تُبْعَثُ» (¬١).\rوَقَالَ الْأَعْمَشُ: عَنْ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو، وَعَنْ زَاذَانَ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: وَذَكَرَ قَبْضَ رُوحِ المُؤْمِنِ، قَالَ: «فَتَرْجِعُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ، وَيُبْعَثُ إلَيْهِ مَلَكَانِ شَدِيدَا الِانْتِهَارِ، فَيُجْلِسَانِهِ وَيَنْهرَانِهِ وَيَقُولَانِ: مَنْ رَبُّك؟ فَيَقُولُ: اللهُ، وَمَا دِينُك: فَيَقُولُ: الْإِسْلَامُ، فَيَقُولَانِ: مَا هَذَا الرَّجُلُ أَوْ النَّبِيُّ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، قال: فَيَقُولَانِ لَهُ: وَمَا يُدْرِيَك؟ قَالَ: يَقُولُ: قَرَأْت كِتَابَ اللهِ فَآمَنْت بِهِ وَصَدَّقْت، وذَلِكَ قَوْلُ اللهِ ﵎: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾». وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي «صَحِيحِهِ» وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ (¬٢).\rوَفِي صَحِيحِهِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ قَالَ: «إنَّ المَيِّتَ لَيَسْمَعُ خَفْقَ نِعَالِهِمْ حِينَ يُوَلُّونَ عَنْهُ مُدْبِرِينَ، فَإِذَا كَانَ مُؤْمِنًا كَانَتْ الصَّلَاةُ عِنْدَ رَأْسِهِ، وَالزَّكَاةُ عَنْ يَمِينِهِ، وَكَانَ الصِّيَامُ عَنْ يَسَارِهِ، وَكَانَ فِعْلُ الْخَيْرَاتِ مِنْ الصَّدَقَةِ","footnotes":"= وجمع الدارقطني طرقه في جزء مفرد، وأفرده أيضًا عاصم بن عبد الله القريوتي في جزء أسماه «صحة حديث البراء بن عازب في رد الروح إلى جسد الميت والرد على من ضعفه» ط مكتبة لينة.\r(¬١) إسناده حسن: أخرجه الطبري في «التفسير» رقم (٢٠٧٦٩)، وفي «تهذيب الآثار» رقم (٧٢٧)، ومجاهد في «التفسير» (ص ١٢٥)، من طريق حماد بن سلمة به.\r(¬٢) لم يروه ابن حبان في «صحيحه» وسبق التنبيه عليه آنفًا.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288645,"book_id":1319,"shamela_page_id":138,"part":null,"page_num":140,"sequence_num":138,"body":"وَالصِّلَةِ وَالْمَعْرُوفِ وَالْإِحْسَانِ إلَى النَّاسِ عِنْدَ رِجْلَيْهِ، فَيُؤْتَى مِنْ عِنْدِ رَأْسِهِ فَتَقُولُ الصَّلَاةُ: مَا قِبَلِي مَدْخَلٌ، فَيُؤْتَى عَنْ يَمِينِهِ فَتَقُولُ الزَّكَاةُ: مَا قِبَلِي مَدْخَلٌ، فَيُؤْتَى عَنْ يَسَارِهِ فَيَقُولُ الصِّيَامُ: مَا قِبَلِي مَدْخَلٌ، فَيُؤْتَى مِنْ عِنْدِ رِجْلَيْهِ فَيَقُولُ فِعْلُ الخَيْرَاتِ مِنْ الصَّدَقَةِ وَالصِّلَةِ وَالْمَعْرُوفِ وَالْإِحْسَانِ إلَى النَّاسِ: مَا قِبَلِي مَدْخَلٌ، فَيُقَالُ لَهُ: اجْلِسْ، فَيَجْلِسُ قَدْ مُثِّلَتْ لَهُ الشَّمْسُ قَدْ دَنَتْ لِلْغُرُوبِ فَيَقُولُ لَهُ: أَخْبِرْنَا عَنْ مَا نَسْأَلُك عَنْهُ، فَيَقُولُ: دَعُونِي حَتَّى أُصَلِّيَ، فَيُقَالُ: إنَّك سَتَفْعَلُ، فَأَخْبِرْنَا عَمَّا نَسْأَلُك، فَيَقُولُ: وَعَمَّ تَسْأَلُونِي؟ فَيُقَالُ لَهُ: أَرَأَيْت هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي بعث فِيكُمْ، مَاذَا تَقُولُ فِيهِ؟ وَمَاذَا تَشْهَدُ بِهِ عَلَيْهِ؟ فَيَقُولُ: أَمُحَمَّدٌ ﷺ؟ فَيقولون: نَعَمْ، فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ رَسُولُ اللهِ، وَأَنَّهُ جَاءَنا بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ عِنْدِ الله فَصَدَّقْنَاهُ، فَيُقَالُ لَهُ: عَلَى ذَلِكَ حَيِيت، وَعَلَى ذَلِكَ مِتَّ، وَعَلَى ذَلِكَ تُبْعَثُ إنْ شَاءَ اللهُ، ثُمَّ يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعًا، وَيُنَوَّرُ لَهُ فِيهِ، ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إلَى الْجَنَّةِ، فَيُقَالُ لَهُ: اُنْظُرْ إلَى مَا أَعَدَّ اللهُ لَك فِيهَا، فَيَزْدَادُ غِبْطَةً وَسُرُورًا، ثُمَّ يجعَلُ نِسْمَتُهُ فِي النَّسَمِ الطَّيِّبة، وَهِيَ طَيْرٌ خُضْرٌ تَعَلَّقَ بِشَجَرِ الْجَنَّةِ، فيُعَادُ الْجَسَدُ إلَى مَا بَدَأَ مِنْهُ مِنْ التُّرَابِ وَذَلِكَ قَوْلُ الله ﷾: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾» (¬١).","footnotes":"(¬١) إسناده حسن وفي متنه غرابة: أخرجه هناد في «الزهد» رقم (٣٣٨) حدثنا عبدة وهو ابن سليمان الكلابي.\rوابن حبان في «صحيحه» رقم (٣١١٣)، من طريق المعتمر بن سليمان.\rوعبد الله بن أحمد في «السنة» رقم (١٤٥٣) مختصرًا، والطبراني في «الأوسط» (٢٦٣٠)، والحاكم في «المستدرك» (١/ ٣٨٠ - ٣٨١) من طريق حماد بن سلمة.\rوالحاكم في «المستدرك» (١/ ٣٨٠) من طريق سعيد بن عامر.\rوالبيهقي في «الاعتقاد» (٢٥٥)، وفي «إثبات عذاب القبر» رقم (٦٧) من طريق عبد الوهاب بن عطاء، وذكره الدارقطني في «العلل» (٩/ ٢٩٥) عن نعيم. =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288646,"book_id":1319,"shamela_page_id":139,"part":null,"page_num":141,"sequence_num":139,"body":"وَلَا تسْتَطِلْ هَذَا الْفَصْلَ المُعْتَرِضَ فِي المُفْتِي وَالشَّاهِدِ وَالْحَاكِمِ، بَلْ وَكُلُّ مُسْلِمٍ أَشَدُّ ضَرُورَةً إلَيْهِ مِنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالنَّفَسِ، وَبِالله التَّوْفِيقُ (¬١).\r* * *","footnotes":"= ستتهم عن بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا.\rوخالفهم يزيد بن هارون وجعفر بن سليمان وخالد بن عبد الله الواسطي وعبدة بن سليمان فأوقفوه على أبي هريرة.\rوأخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٣/ ٣٨٣ - ٣٨٤)، والطبري في «التفسير» رقم (٢٠٧٧٠)، وفي «تهذيب الآثار» رقم (٧٢٨)، وذكر الدارقطني في «العلل» (٩/ ٢٩٦) طريقي عبدة بن سليمان وخالد بن عبد الله الواسطي واكتفى بذكر الخلاف.\rولعل الرفع والوقف من محمد بن عمرو بن علقمة؛ فقد قال الميموني: سألت أحمد عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة فقال لي: ربما رفع بعض الحديث وربما قصر به. من «العلل ومعرفة الرجال» (ص ٢٢٥) وعلى كل فالإسناد حسن لكن في المتن غرابة.\rوأخرجه أحمد في «المسند» (٢/ ٤٤٥)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (٣/ ٣٧٨) وغيرهما من طريق سُفيان عن السُّدّي عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «إن الميت ليسمع خفق نعالهم إذا ولوا مدبرين».\r(¬١) «إعلام الموقعين» (٢/ ٣٠٤ - ٣١١).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288649,"book_id":1319,"shamela_page_id":142,"part":null,"page_num":144,"sequence_num":142,"body":"وسمعه الأعلى، وبصره وسائر صفاته عليا، كان له المثل الأعلى، وكان أحق به من كل ما سواه، بل يستحيل أن يشترك في المثل الأعلى اثنان؛ لأنهما إن تكافآ لم يكن أحدهما أعلى من الآخر، وإن لم يتكافآ فالموصوف بالمثل الأعلى أحدهما وحده، ويستحيل أن يكون لمن له المثل الأعلى مثل أو نظير.\rوهذا برهان قاطع من إثبات صفات الكمال على استحالة التمثيل والتشبيه، فتأمله فإنه في غاية الظهور والقوة، ونظير هذا القهر المطلق، مع الوحدة فإنهما متلازمان، فلا يكون القهار إلا واحدًا، إذ لو كان معه كفؤ له، فإن لم يقهره لم يكن قهارًا على الإطلاق، وإن قهره لم يكن كفؤًا، وكان القهار واحدًا فتأمل كيف كان قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١].\rوقوله: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [الروم: ٢٧] (¬١) من أعظم الأدلة على ثبوت صفات كماله سبحانه.\rفإن قلت: قد فهمت هذا وعرفته فما حقيقة المثل الأعلى؟\rقلت: قد أشكل هذا على جماعة من المفسرين واستشكلوا قول السلف فيه، فإن ابن عباس وغيره قالوا: ﴿مَثَلُ السَّوْءِ﴾ العذاب والنار. ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ شهادة أن لا إله إلا الله.\rوقال قتادة: هو الإخلاص والتوحيد.\rوقال الواحدي: هذا قول المفسرين في هذه الآية، ولا أدري لم قيل للعذاب مثل السوء وللإخلاص المثل الأعلى.","footnotes":"(¬١) انظر: «هداية الحيارى» (ص/ ٣٥٥) ط عالم الفوائد.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288650,"book_id":1319,"shamela_page_id":143,"part":null,"page_num":145,"sequence_num":143,"body":"قال: وقال قوم: المثل السوء الصفة السوء من احتياجهم إلى الولد وكراهتهم للإناث خوف العيلة والعار ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ الصفة العليا من تنزهه وبراءته عن الولد.\rقال: وهذا قول صحيح. فالمثل كثيرًا ما يرد بمعنى الصفة. قاله جماعة من المتقدمين.\rوقال ابن كيسان: مثل السوء ما ضرب الله للأصنام وعبدتها من الأمثال، والمثل الأعلى نحو قوله: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ﴾ [النور: ٣٥].\rوقال ابن جرير: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [الروم: ٢٧]. نحو قوله: هو الأطيب والأفضل والأحسن والأجمل، وذلك التوحيد والإذعان له بأنه لا إله غيره.\rقلت: المثل الأعلى يتضمن الصفة العليا وعلم العالمين بها ووجودها العلمي والخبر عنها وذكرها وعبادة الرب سبحانه بواسطة العلم والمعرفة القائمة بقلوب عابديه وذاكريه فهاهنا أربعة أمور:\rالأول: ثبوت الصفات العليا لله سبحانه في نفس الأمر علمها العباد أو جهلوها وهذا معنى قول من فسره بالصفة.\rالثاني: وجودها في العلم والتصور وهذا معنى قول من قال من السلف والخلف: إنه ما في قلوب عابديه وذاكريه من معرفته وذكره ومحبته وإجلاله وتعظيمه، وهذا الذي في قلوبهم من المثل الأعلى لا يشترك فيه غيره معه، بل يختص به في قلوبهم كما اختص في ذاته.\rوهذا معنى قول من قال من المفسرين: أهل السماء يعظمونه ويحبونه ويعبدونه، وأهل الأرض يعظمونه ويجلونه وإن أشرك به من أشرك وعصاه من عصاه، وجحد صفاته من جحدها، فكل أهل الأرض معظمون له مجلون له","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288651,"book_id":1319,"shamela_page_id":144,"part":null,"page_num":146,"sequence_num":144,"body":"خاضعون لعظمته مستكينون لعزته وجبروته. قال ﷾: ﴿بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦)﴾ [البقرة: ١١٦]. فلست تجد أحدًا من أوليائه وأعدائه إلا والله أكبر في صدره وأكمل وأعظم من كل ما سواه.\rالثالث: ذكر صفاته والخبر عنها وتنزيهها عن النقائص والعيوب والتمثيل.\rالرابع: محبة الموصوف بها وتوحيده والإخلاص له والتوكل عليه والإنابة إليه، وكلما كان الإيمان بالصفات أكمل كان هذا الحب والإخلاص أقوى فعبارات السلف تدور حول هذه المعاني الأربعة لا تتجاوزها (¬١).\r* * *","footnotes":"(¬١) الصواعق المرسلة (٢/ ١٠٣٠ - ١٠٣٥)، وانظر: «الفوائد» (ص/ ٣٨ فما بعد).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288654,"book_id":1319,"shamela_page_id":147,"part":null,"page_num":149,"sequence_num":147,"body":"وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللهُ لِلْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ، وَمَثَلُ المُؤْمِنِ فِي الْخَيْرِ الَّذِي عِنْدَهُ ثُمَّ رَزَقَهُ مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى غَيْرِهِ سِرًّا وَجَهْرًا، وَالْكَافِرُ بِمَنْزِلَةِ عَبْدٍ مَمْلُوكٍ عَاجِزٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ لَا خَيْرَ عِنْدَهُ، فَهَلْ يَسْتَوِي الرَّجُلَانِ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ الْعُقَلَاءِ (¬١).\rوَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَشْبَه بِالمُرَادِ، فَإِنَّهُ أَظْهَرُ فِي بُطْلَانِ الشِّرْكِ، وَأَوْضَحُ عِنْدَ المُخَاطَبِ، وَأَعْظَمُ فِي إقَامَةِ الْحُجَّةِ، وَأَقْرَبُ نَسَبًا بِقَوْلِهِ: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣) فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧٤)﴾ [النحل: ٧٣، ٧٤].\rثُمَّ قَالَ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ وَمِنْ لَوَازِمِ هَذَا الْمثلِ وَأَحْكَامِهِ أَنْ يَكُونَ المُؤْمِنُ المُوَحِّدُ كَمِنْ رَزَقَهُ مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا، وَالْكَافِرُ المُشْرِكُ كَالْعَبْدِ الْمَمْلُوكِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ، فَهَذَا مِمَّا نَبَّهَ عَلَيْهِ الْمثلُ وَأَرْشد إلَيْهِ، فَذَكَره ابْنُ عَبَّاسٍ مُنَبِّهًا عَلَى إرَادَتِهِ، لأَنَّ الْآيَةَ اخْتصَّتْ بِهِ، فَتَأَمَّلْهُ فَإِنَّك تَجِدْهُ كَثِيرًا فِي كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ مِنْ السَّلَفِ فِي فَهْمِ الْقُرْآنِ، فَيظنُّ الظان أَنَّ ذَلِكَ هُوَ مَعْنَى الْآيَةِ الَّتِي لَا مَعْنَى لَهَا غَيْرُهُ فَيَحْكِيه قَوْلهُ.\r* * *","footnotes":"(¬١) أخرج نحوه الطبري في «التفسير» رقم (٢١٦٠١) وإسناده مسلسل بالضعفاء.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288655,"book_id":1319,"shamela_page_id":148,"part":null,"page_num":150,"sequence_num":148,"body":"فَصْلٌ\rوَأَمَّا المَثَلُ الثَّانِي فَهُوَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللهُ سُبْحَانَهُ لِنَفْسِهِ وَلِمَا يعبدُونَ مِنْ دُونِهِ أَيْضًا فَالصَّنَمُ الَّذِي يعبدُونَ مِنْ دُونِهِ بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ أَبْكَمَ لَا يَعْقِلُ وَلَا يَنْطِقُ، بَلْ هُوَ أَبْكَمُ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ، قَدْ عَدِمَ النُّطْقَ الْقَلْبِيَّ وَاللِّسَانِيَّ، وَمَعَ هَذَا فَهُوَ عَاجِزٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ أَلْبَتَّةَ، وَمَعَ هَذَا فَأَيْنَمَا أرسلتَهُ لَا يَأْتِيَك بِخَيْرٍ، وَلَا يَقْضِي لَك حَاجَةً، وَاللهُ سُبْحَانَهُ حَيٌّ قَادِرٌ مُتَكَلِّمٌ، يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ، وَهُوَ على صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَهَذَا وَصْفٌ لَهُ بِغَايَةِ الْكَمَالِ وَالْحَمْدِ.\rفَإِنَّ أَمْرَهُ بِالْعَدْلِ - وَهُوَ الْحَقُّ - يَتَضَمَّنُ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ عَالمٌ بِهِ، مُعَلِّمٌ لَهُ، رَاضٍ بِهِ، آمِرٌ لِعِبَادِهِ بِهِ، مُحِبٌّ لِأَهْلِهِ، لَا يَأْمُرُ سِوَاهُ، بَلْ تَنَزَّهَ عَنْ ضِدِّهِ الَّذِي هُوَ الْجَوْرُ وَالظُّلْمُ وَالسَّفَهُ وَالْبَاطِلُ، بَلْ أَمْرُهُ وَشَرْعُهُ عَدْلٌ كُلُّهُ، وَأَهْلُ الْعَدْلِ هُمْ أَوْلِيَاؤُهُ وَأَحِبَّاؤُهُ، وَهُمْ الْمُجَاوِرُونَ عَنْ يَمِينِهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُور (¬١).\rوَأَمْرُهُ بِالْعَدْلِ يَتَنَاوَلُ الْأَمْرَ الشَّرْعِيَّ الدِّينِيَّ وَالْأَمْرَ الْقَدَرِيَّ الْكَوْنِيَّ، وَكِلَاهُمَا عَدْلٌ لَا جَوْرَ فِيهِ بِوَجْهٍ مَا.\rكَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «اللَّهُمَّ إنِّي عَبْدُك ابْنُ عَبْدِك ابْنُ أَمَتِك، نَاصِيَتِي بِيَدِك، مَاضٍ فِي حُكْمُك، عَدْلٌ فِي قَضَاؤُك» (¬٢) فَقَضَاؤُهُ هُوَ أَمْرُهُ الْكَوْنِيُّ.","footnotes":"(¬١) يشير إلى ما أخرجه مسلم رقم (١٨٢٧) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ\rرَسُولُ الله ﷺ: «إِنَّ المُقْسِطِينَ عِنْدَ اللهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ ﷿، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِين، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ في حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا ولوا».\r(¬٢) في سنده أبو سلمة الجهني لم نقف له على كبير موثق.\rأخرجه أحمد (١/ ٣٩١)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (١٠/ ٣٥٣)، وأبو يعلى في «مسنده» رقم (٥٢٧٧٦)، وابن حبان في «صحيحه» رقم (٩٧٢)، والطبراني في «المعجم الكبير» رقم (١٠٣٥٢)، والحاكم في «المستدرك» برقم (١/ ٥٠٩ - ٥١٠) =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288656,"book_id":1319,"shamela_page_id":149,"part":null,"page_num":151,"sequence_num":149,"body":"فَإِنَّمَا أَمْرُهُ إذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونَ، فَلَا يَأْمُرُ إلَّا بِحَقٍّ وَعَدْلٍ، وَقَضَاؤُهُ وَقَدَرُهُ الْقَائِمُ بِهِ حَقٌّ وَعَدْلٌ، وَإِنْ كَانَ فِي المَقْضِيِّ المُقَدَّرِ مَا هُوَ جَوْرٌ وَظُلْمٌ فَإن الْقَضَاءَ غَيْرُ المَقْضِيِّ، وَالْقَدَرُ غَيْرُ المُقَدَّرِ، ثُمَّ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.","footnotes":"= وغيرهم من طرق عن فضيل بن مرزوق عن أبي سلمة الجهني عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن ابن مسعود ﵁ به.\rقلت: وأبو سلمة الجهني ذكره ابن حبان في «الثقات» وروى له في صحيحه.\rوقال الذهبي والحسيني والحافظ ابن حجر: مجهول. انظر: «الميزان» والإكمال وتعجيل المنفعة (١٢٩٣).\rوقال ابن معين: «أبو سلمة الجهني أراه موسى الجهني» وهذا على الشك، فإن كان كما قال ابن معين، فلا يوجد موسى الجهني، إنما الذي يوجد موسى بن عبد الله الجهني وهو ثقة، ومن رجال التهذيب.\rقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم إن سلم من إرسال عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه فإنه مختلف في سماعه عن أبيه، وقال الدارقطني في «العلل» (٥/ ٨١٩): إسناده ليس بالقوي.\r* قلت: وتابع أبا سلمة الجهني عبد الرحمن بن إسحاق لكن ضعفه جمهور المحدثين، واختلف عليه أيضًا في الوصل والإرسال.\rفأخرجه البزار في «البحر الزخار» برقم (١٩٩٤) موصولًا. والدارقطني في «العلل» تحت رقم (٨١٩) مرسلا.\rوله شاهد لا يصح عن أبي موسى ﵁ نحوه. أخرجه ابن السني في «عمل اليوم والليلة» رقم (٣٤٠) من طريق فياض بن غزوان عن عبد الله بن زبيد عن أبي موسى به. وعبد الله بن زبيد مجهول وبينه وبين أبي موسى مفاوز تنقطع فيها أعناق مطي الإبل.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288657,"book_id":1319,"shamela_page_id":150,"part":null,"page_num":152,"sequence_num":150,"body":"وَهَذَا نَظِيرُ قَوْلِ رَسُولِهِ هود ﷺ: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾ [هود: ٥٦]، فَقَوْلُهُ: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ﴾ نَظِيرُ قَوْلِهِ: «نَاصِيَتِي بِيَدِك» وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ نَظِيرُ قَوْلِهِ: «عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُك».\rفَالْأَوَّلُ مُلْكُهُ، وَالثَّانِي حَمْدُهُ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَكَوْنُهُ سُبْحَانَهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَقُولُ إلَّا الْحَقَّ، وَلَا يَأْمُرُ إلَّا بِالْعَدْلِ، وَلَا يَفْعَلُ إلَّا مَا هُوَ مَصْلَحَةٌ وَحِكْمَةٌ وَعَدْلٌ؛ فَهُوَ عَلَى الْحَقِّ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ؛ فَلَا يَقْضِي عَلَى الْعَبْدِ مَا يَكُونُ ظَالِمًا لَهُ بِهِ، وَلَا يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ ذَنْبِهِ، وَلَا يَنْقُصُهُ مِنْ حَسَنَاتِهِ شَيْئًا، وَلَا يَحْمِلُ عَلَيْهِ مِنْ سَيِّئَاتِ غَيْرِهِ الَّتِي لَمْ يَعْمَلْهَا وَلَمْ يَتَسَبَّبْ إلَيْهَا شَيْئًا، وَلَا يُؤَاخِذُ أَحَدًا بِذَنْبِ غَيْرِهِ، وَلَا يَفْعَلُ قَطُّ مَا لَا يُحْمَدُ عَلَيْهِ، وَيُثْنَى بِهِ عَلَيْهِ، وَيَكُونُ لَهُ فِيهِ الْعَوَاقِبُ الْحَمِيدَةُ، وَالْغَايَاتُ المَطْلُوبَةُ، فَإِنَّ كَوْنَهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ يَأْبَى ذَلِكَ كُلَّهُ.\rقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ يَقُولُ: إنَّ رَبِّي عَلَى طَرِيقِ الْحَقِّ، يُجَازِي المُحْسِنَ مِنْ خَلْقِهِ بِإِحْسَانِهِ، وَالمُسِيءَ بِإِسَاءَتِهِ، لَا يَظْلِمُ أَحَدًا مِنْهُمْ شَيْئًا، وَلَا يَقْبَلُ مِنْهُمْ إلَّا الْإِسْلَامَ، وَالْإِيمَانَ بِهِ.\rثُمَّ حَكَى عَنْ مُجَاهِدٍ (¬١) مِنْ طَرِيقِ شِبْل عن ابنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْهُ: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ قَالَ: الْحَقُّ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْهُ.","footnotes":"(¬١) في إسناده مقال: أخرجه الطبري في «التفسير» رقم (١٨٠٧٠ - ١٨٠٧٣) من طرق عن ابن أبي نجيح عن مجاهد.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288658,"book_id":1319,"shamela_page_id":151,"part":null,"page_num":153,"sequence_num":151,"body":"وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: هِيَ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤)﴾ [الفجر: ١٤] وَهَذَا اخْتِلَافُ عِبَارَةٍ، فَإِنَّ كَوْنَهُ بِالْمِرْصَادِ هُوَ مُجَازَاةُ المُحْسِنِ بِإِحْسَانِهِ وَالمُسِيءِ بِإِسَاءَتِهِ.\rوَقَالَتْ فِرْقَةٌ: فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ، تَقْدِيرُهُ: إنَّ رَبِّي يَحُثُّكُمْ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ وَيَحُضُّكُمْ عَلَيْهِ؛ وَهَؤُلَاءِ إنْ أَرَادُوا أَنَّ هَذَا مَعْنَى الْآيَةِ الَّتِي أُرِيدَ بِهَا فَلَيْسَ كَمَا زَعَمُوا، وَلَا دَلِيلَ عَلَى هَذَا المُقَدَّرِ، وَقَدْ فَرَّقَ سُبْحَانَهُ بَيْنَ كَوْنِهِ آمِرًا بِالْعَدْلِ وَبَيْنَ كَوْنِهِ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَإِنْ أَرَادُوا أَنَّ حَثَّهُ عَلَى الصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ مِنْ جُمْلَةِ كَوْنِهِ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ فَقَدْ أَصَابُوا.\rوَقَالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرَى: مَعْنَى كَوْنِهِ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ أَنَّ مَرَدَّ الْعِبَادِ وَالْأُمُورِ كُلِّهَا إلَى الله لَا يَفُوتُهُ شَيْءٌ مِنْهَا، وَهَؤُلَاءِ إنْ أَرَادُوا أَنَّ هَذَا مَعْنَى الْآيَةِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنْ أَرَادُوا أَنَّ هَذَا مِنْ لَوَازِمِ كَوْنِهِ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ وَمِنْ مُقْتَضَاهُ وَمُوجِبِهِ فَهُوَ حَقٌّ.\rوَقَالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرَى: مَعْنَاهُ كُلُّ شَيْءٍ تَحْتَ قُدْرَتِهِ وَقَهْرِهِ وَفِي مِلْكِهِ وَقَبْضَتِهِ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ حَقًّا فَلَيْسَ هُوَ مَعْنَى الْآيَةِ، وَقَدْ فَرَّقَ هود بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ وَبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فَهُمَا مَعْنَيَانِ مُسْتَقِلَّانِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُجَاهِدٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَئِمَّةِ التَّفْسِيرِ، وَلَا تَحْتَمِلُ الْعَرَبِيَّةُ غَيْرَهُ إلَّا عَلَى اسْتِكْرَاهٍ.\rوَقَالَ جَرِيرٌ يَمْدَحُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ:\rأَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلَى صِرَاطٍ … إذَا اعْوَجَّ المَوَارِدُ مُسْتَقِيم (¬١)","footnotes":"(¬١) في ديوان جرير (١/ ٢١٨) يمدح هشام بن عبد الملك وليس عمر بن عبد العزيز.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288659,"book_id":1319,"shamela_page_id":152,"part":null,"page_num":154,"sequence_num":152,"body":"وَقَدْ قَالَ ﷾: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.\rوَإِذَا كَانَ سُبْحَانَهُ هُوَ الَّذِي جَعَلَ رُسُلَهُ عليهم الصلاة والسلام وَأَتْبَاعَهُمْ عَلَى الصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ فِي أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ فَهُوَ سُبْحَانَهُ أَحَقُّ أَنْ يَكُونَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ فِي قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ، وَإِنْ كَانَ صِرَاطُ الرُّسُلِ وَأَتْبَاعِهِمْ هُوَ مُوَافَقَةُ أَمْرِهِ؛ فَصِرَاطُهُ الَّذِي هُوَ سُبْحَانَهُ عَلَيْهِ هُوَ مَا يَقْتَضِيهِ حَمْدُهُ وَكَمَالُهُ وَمَجْدُهُ مِنْ قَوْلِ الْحَقِّ وَفِعْلِهِ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.\r* * *\r\rفَصْلٌ\rوَفِي الْآيَةِ قَوْلٌ ثَانٍ مِثْلُ الْآيَةِ الْأُولَى سَوَاءٌ، أَنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللهُ لِلْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِي معنى هَذَا الْقَوْلِ، والله الموفق (¬١).\r* * *","footnotes":"(¬١) «إعلام الموقعين» (٢/ ٢٨٣ - ٢٨٧)، وانظر: «الصواعق المرسلة» (٣/ ١٠٣٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288663,"book_id":1319,"shamela_page_id":156,"part":null,"page_num":158,"sequence_num":156,"body":"أمثالًا برَّأه الله منها، وهو أبعد خلق الله منها، وقد علم كل عاقل أنها كذبٌ وافتراءٌ وبهتانٌ (¬١).\r* * *","footnotes":"(¬١) «بدائع الفوائد» (٢/ ٧٤٤ - ٧٤٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288667,"book_id":1319,"shamela_page_id":160,"part":null,"page_num":162,"sequence_num":160,"body":"عَصَفَت بِهِ الرِّيحُ حَتَّى هَوَتْ بِهِ فِي بَعْضِ المَطَارِحِ الْبَعِيدَةِ، وَعَلَى هَذَا لَا تَنْظُرُ إلَى كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْمُشَبَّهِ وَمُقَابِلتهِ مِنْ الْمُشَبَّهِ بِهِ.\r* وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِنْ التَّشْبِيهِ الْمُفَرَّقِ، فَيُقَابِلُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ أَجْزَاءِ المُمَثَّلِ بِالمُمَثَّلِ بِهِ، وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ قَدْ شَبَّهَ الْإِيمَانَ وَالتَّوْحِيدَ فِي عُلُوِّهِ وَسَعَتِهِ وَشَرَفِهِ بِالسَّمَاءِ الَّتِي هِيَ مِصْعَدَهُ وَمَهْبِطَهُ، فَمِنْهَا هَبَطَ إلَى الْأَرْضِ، وَإِلَيْهَا يَصْعَدُ مِنْهَا، وَشَبَّهَ تَارِكَ الْإِيمَانِ وَالتَّوْحِيدِ بِالسَّاقِطِ مِنْ السَّمَاءِ إلَى أَسْفَلِ سَافِلِينَ مِنْ حَيْثُ التَّضْيِيق الشَّدِيد وَالْآلَام المُتَرَاكِمَة وَالطَّيْر الَّذِي يخْطَفُ أَعْضَاءَهُ ويمَزِّقُهُ كُلَّ مُمَزَّقٍ بِالشَّيَاطِينِ الَّتِي يُرْسِلُهَا اللهُ ﷾ عَلَيْهِ تَؤُزُّهُ أَزًّا وَتُزْعِجُهُ وَتُقْلِقُهُ إلَى مَظَانِّ هَلَاكِهِ؛ فَكُلُّ شَيْطَانٍ لَهُ مُزْعَةٌ مِنْ دِينِهِ وَقَلْبِهِ، كَمَا أَنَّ لِكُلِّ طَيْرٍ مُزْعَةً مِنْ لَحْمِهِ وَأَعْضَائِهِ، وَالرِّيحُ الَّتِي تَهْوِي بِهِ فِي مَكَان سَحِيقٍ هُوَ هَوَاهُ الَّذِي يحملُهُ عَلَى إلْقَاءِ نَفْسِهِ فِي أَسْفَلِ مَكَان وَأَبْعَدِهِ مِنْ السَّمَاء (¬١).\r* * *","footnotes":"(¬١) «إعلام الموقعين» (٢/ ٣١١ - ٣١٢)، وانظر: «الكشاف» (٣/ ١٥٢) فقد نقل منه المصنف بتصرف.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288669,"book_id":1319,"shamela_page_id":162,"part":null,"page_num":164,"sequence_num":162,"body":"وَأَدَلُّ مِنْ ذَلِكَ عَلَى عَجْزِهِمْ وَانْتِفَاءِ إلَهِيَّتِهِمْ: أَنَّ هَذَا الْخَلْقَ الْأَقَلَّ الْأَذَلَّ الْعَاجِزَ الضَّعِيفَ لَو اخْتَطَفَ مِنْهُمْ شَيْئًا وَاسْتَلَبَهُ فَاجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ لَعَجزُوا عَنْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، ثُمَّ سَوَّى بَيْنَ الْعَابِدِ وَالمَعْبُودِ فِي الضَّعْفِ وَالْعَجْزِ بِقَوْلِهِ: ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ قِيلَ: الطَّالِبُ الْعَابِدُ، وَالْمَطْلُوبُ الْمَعْبُودُ، فَهُوَ عَاجِزٌ مُتَعَلِّقٌ بِعَاجِزٍ، وَقِيلَ: هُوَ تَسْوِيَةٌ بَيْنَ السَّالِبِ وَالمَسْلُوبِ، وَهُوَ تَسْوِيَةٌ بَيْنَ الْإِلَهِ وَالذُّبَابِ فِي الضَّعْفِ وَالْعَجْزِ؛ وَعَلَى هَذَا: فالطَّالِبُ الْإِلَهُ الْبَاطِلُ، وَالْمَطْلُوبُ الذُّبَابُ يَطْلُبُ مِنْهُ مَا اسْتَنقذه مِنْهُ، وَقِيلَ: الطَّالِبُ الذُّبَابُ، وَالمَطْلُوبُ الْإِلَهُ، فَالذُّبَابُ يَطْلُبُ مِنْهُ مَا يَأْخُذُهُ مِمَّا عَلَيْهِ.\rوَالصَّحِيحُ: أَنَّ اللَّفْظَ يَتَنَاوَلُ الْجَمِيعَ، فَضَعْفُ الْعَابِدِ وَالمَعْبُودِ وَالمُسْتَلِبِ وَالمُسْتَلَبِ؛ فَمَنْ جَعَلَ هَذَا إلَهًا مَعَ الْقَوِيِّ الْعَزِيزِ فَمَا قَدَرَهُ حَقَّ قَدْرِهِ، وَلَا عَرَفَهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ، وَلَا عَظَّمَهُ حَقَّ عظمتهِ (¬١).\r* * *","footnotes":"(¬١) «إعلام الموقعين» (٢/ ٣١٢ - ٣١٣)، و «مفتاح دار السعادة» (٢/ ٣٣٣)، و (٣/ ١٩٧)، و «الصواعق المرسلة» (٢/ ٤٦٦) و (٤/ ١٣٦٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288671,"book_id":1319,"shamela_page_id":164,"part":null,"page_num":166,"sequence_num":164,"body":"فإذا كان يوم القيامة برز ذلك النور، وصار بإيمانهم يسعى بين أيديهم في ظلمة الجسر حتى يقطعوه، وهم فيه على حسب قوته وضعفه في قلوبهم في الدنيا؛ فمنهم من نوره كالشمس، وآخر كالقمر، وآخر كالنجوم، وآخر كالسراج، وآخر يُعطى نورًا على إبهام قدمه يضيء مرة ويطفأ أخرى، إذا كانت هذه حال نوره في الدنيا، فأعطي على الجسر بمقدار ذلك، بل هو نفس نوره ظهر له عيانًا، ولما لم يكن للمنافق نور ثابت في الدنيا بل كان نوره ظاهرًا، لا باطنًا أُعطي نورًا ظاهرًا مآله إلى الظلمة والذهاب.\rوضرب الله ﷿ لهذا النور ومحله وحامله ومادته مثلًا بالمشكاة، وهي: الكوة في الحائط. فهي مثل الصدر، وفي تلك المشكاة زجاجة من أصفى الزجاج، وحتى شبهت بالكوكب الدري في بياضه وصفائه، وهي مثل القلب، وشبه بالزجاجة لأنها جمعت أوصافًا هي في قلب المؤمن، وهي: الصفاء والرقة والصلابة، فيرى الحق والهدى بصفائه، وتحصل منه الرأفة والرحمة والشفقة برقته، ويجاهد أعداء الله ﷾ ويغلظ عليهم ويشتد في الحق ويصلب فيه بصلابته، فلا تُبطل صفةٌ منه صفةً أخرى ولا تعاديها بل تساعدها وتعاضدها، ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩].\rوقال ﷾: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وقال ﷾: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣].","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288672,"book_id":1319,"shamela_page_id":165,"part":null,"page_num":167,"sequence_num":165,"body":"وفي أثرٍ: «القلوب آنية الله ﷾ في أرضه فأحبها إليه أرقها وأصلبها وأصفاها» (¬١).\r* وبإزاء هذا القلب قلبان مذمومان في طرفي نقيض:\rأحدهما: قلب حجري قاسٍ لا رحمة فيه ولا إحسان ولا بر ولا له صفاء يرى به الحق بل هو جبار جاهل، لا علم له بالحق ولا رحمة للخلق.\rوبإزائه قلب ضعيف مائي، لا قوة فيه ولا استمساك، بل يقبل كل صورة، وليس له قوة حفظ تلك الصور، ولا قوة التأثير في غيره، وكل ما خالطه أثر فيه من قوي وضعيف وطيب وخبيث.\rوفي الزجاجة مصباح؛ وهو النور الذي في الفتيلة، وهي حاملته، ولذلك النور مادة؛ وهي زيت قد عصر من زيتونة في أعدل الأماكن، تصيبها الشمس أول النهار وآخره، فزيتها من أصفى الزيت، وأبعده من الكدر، حتى إنه ليكاد من صفائه يضيء بلا نار، فهذه مادة نور المصباح.\rوكذلك مادة نور المصباح الذي في قلب المؤمن، هو من شجرة الوحي التي","footnotes":"(¬١) صح مقطوعًا من قول خالد بن معدان: أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد «الزهد» (٢٣٠٧) عن أبيه عن عبد الله بن الحارث المخزومي عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان. ووصله محمد بن القاسم الأسدي عن أبي أمامة ﵁ وهو كذاب.\rأخرجه أيضًا: عبد الله بن أحمد في زوائد «الزهد» (٨٣٤).\rوأسنده الطبراني في «مسند الشاميين» (٨٤٠) عن جعفر الفريابي عن إسحاق بن راهويه عن بقية بن الوليد حدثني محمد بن زياد عن أبي عِنبة مرفوعًا. وخالف بقية بن الوليد أبو مطيع معاوية بن يحيى الأطرابلسي فأوقفه، وتابعه أيضًا عبد الوهاب بن نجدة وبكر ابن زرعة. وانظر: «الصحيحة» (١٦٩١) للعلامة الألباني ﵀.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288673,"book_id":1319,"shamela_page_id":166,"part":null,"page_num":168,"sequence_num":166,"body":"هي أعظم الأشياء بركة، وأبعدها من الانحراف، بل هي أوسط الأمور وأعدلها وأفضلها، لم تنحرف انحراف النصرانية، ولا انحراف اليهودية، بل هي وسط بين الطرفين المذمومين في كل شيء، فهذه مادة مصباح الإيمان في قلب المؤمن.\rولما كان ذلك الزيت قد اشتد صفاؤه حتى كاد أن يضيء بنفسه، ثم خالط النار فاشتدت بها إضاءته، وقويت مادة ضوء النار به كان ذلك نورًا على نور. وهكذا المؤمن قلبه مضيء يكاد يعرف الحق بفطرته وعقله، ولكن لا مادة له من نفسه فجاءت مادة الوحي فباشرت قلبه، وخالطت بشاشته، فازداد نورًا بالوحي على نوره الذي فطره الله ﷾ عليه، فاجتمع له نور الوحي إلى نور الفطرة، نور على نور، فيكاد ينطق بالحق وإن لم يسمع فيه أثرًا، ثم يسمع الأثر مطابقًا لما شهدت به فطرته، فيكون نورًا على نور، فهذا شأن المؤمن يدرك الحق بفطرته مجملًا، ثم يسمع الأثر جاء به مفصلًا، فينشأ إيمانه عن شهادة الوحي والفطرة.\rفليتأمل اللبيبُ هذه الآيةَ العظيمةَ، ومطابقتها لهذه المعاني الشريفة، فذكر ﷾ نوره في السموات والأرض، ونوره في قلوب عباده المؤمنين، النور المعقول المشهود بالبصائر والقلوب، والنور المحسوس المشهود بالأبصار الذي استنارت به أقطار العالم العلوي والسفلي، فهما نوران عظيمان أحدهما أعظم من الآخر.\rوكما أنه إذا فُقِد أحدهما من مكان أو موضع لم يعش فيه آدمي ولا غيره؛ لأن الحيوان إنما يتكون حيث النور، ومواضع الظلمة التي لا يشرق عليها نور لا يعيش فيها حيوان، ولا يتكون ألبتة فكذلك أمة فُقِدَ منها نور الوحي والإيمان ميتة، وقلب فُقِدَ منه هذا النور ميت ولا بد، لا حياة له البتة، كما لا حياة للحيوان\rفي مكان لا نور فيه (¬١).","footnotes":"(¬١) «الوابل الصيب» (١١٩ - ١٢٤) ط عالم الفوائد.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288674,"book_id":1319,"shamela_page_id":167,"part":null,"page_num":169,"sequence_num":167,"body":"فَصْلٌ\rوالله ﷾ سمى نفسه نورًا، وجعل كتابه نورًا، ورسوله ﷺ نورًا ودينه نورًا. واحتجب عن خلقه بالنور، وجعل دار أوليائه نورًا يتلألأ. قال ﷾ ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥)﴾.\rوقد فسر قوله ﷾: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ بكونه منور السماوات والأرض، وهادي أهل السماوات والأرض، فبنوره اهتدى أهل السماوات والأرض، وهذا إنما هو فعله، وإلا فالنور الذي هو من أوصافه قائم به، ومنه اشتق له اسم النور الذي هو أحد الأسماء الحسنى.\r* والنور يضاف إليه سبحانه على أحد وجهين:\rإضافة صفة إلى موصوفها، وإضافة مفعول إلى فاعله.\rفالأول: كقوله ﷿: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ [الزمر: ٦٩]. فهذا إشراقها يوم القيامة بنوره ﷾ إذا جاء لفصل القضاء.\rومنه قول النبي ﷺ في الدعاء المشهور: «أعوذ بنور وجهك الكريم أن تضلني لا إله إلا أنت» (¬١).","footnotes":"(¬١) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وإنما أخرج مسلم (٢٧١٧) « … أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ أَنْ تُضِلَّنِي … » والبخاري (٧٣٨٣) نحوه من حديث ابن عباس ﵄.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288675,"book_id":1319,"shamela_page_id":168,"part":null,"page_num":170,"sequence_num":168,"body":"وفي الأثر الآخر: «أعوذ بوجهك أو بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات» (¬١)، فأخبر أن الظلمات أشرقت لنور وجه الله؛ كما أخبر ﷾ أن الأرض تشرق يوم القيامة بنوره.\rوفي معجم الطبراني والسُّنَّة له، وكتاب عثمان الدارمي، وغيرها، عن ابن مسعود ﵁ قال: «ليس عند ربكم ليل ولا نهار، نور السماوات والأرض من نور وجهه) (¬٢).\rوهذا الذي قاله ابن مسعود ﵁ أقرب إلى تفسير الآية من قول من فسرها بأنه هادي أهل السماوات والأرض.\rوأما من فسرها بأنه منور السماوات والأرض فلا تنافي بينه وبين قول ابن مسعود، والحق أنه نور السماوات والأرض بهذه الاعتبارات كلها.\rوفي صحيح مسلم (¬٣) وغيره من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قام فينا رسول الله بخمس كلمات فقال: «إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره","footnotes":"(¬١) إسناده ضعيف: أخرجه الطبراني في «الدعاء» (١٠٣٦)، والأصبهاني في «الحجة في بيان المحجة» (٤٦٢) وفي إسناده محمد بن إسحاق مدلس، ولم يصرح بالتحديث.\rوانظر: «الضعيفة» (٢٩٣٣) للعلامة الألباني ﵀.\r(¬٢) إسناده ضعيف: أخرجه أبو داود في «الزهد» (١٥٨)، والطبراني في «المعجم الكبير» (٨٨٨٦) وفي إسناده أبو عبد السلام -الزبير بن جوان شير- ضعفه الدولابي في «الكنى» (٢/ ١٣٣).\r(¬٣)","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288676,"book_id":1319,"shamela_page_id":169,"part":null,"page_num":171,"sequence_num":169,"body":"من خلقه».\rوفي صحيح مسلم (¬١) عن أبي ذر ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ هل رأيت ربك؟ قال: «نور أنّى أراه» (¬٢).\rفسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقول: معناه كان ثم نور، وحال دون رؤيته نور، فأنّى أراه!!\rقال: ويدل عليه أن في بعض ألفاظ الصحيح: هل رأيت ربك؟ فقال: «رأيت نورًا».\rوقد أعضل أمر هذا الحديث على كثير من الناس حتى صحفه بعضهم فقال: «نوراني أراه» على أنها ياء النسب، والكلمة كلمة واحدة، وهذا خطأ لفظًا ومعنًى، وإنما أوجب لهم هذا الإشكال والخطأ أنهم لما اعتقدوا أن رسول الله ﷺ رأى ربه وكان قوله: «أنّى أراه»، كالإنكار للرؤية حاروا في الحديث؛ ورده بعضهم باضطراب لفظه، وكل هذا عدول عن موجب الدليل.\rوقد حكى عثمانُ بن سعيد الدارمي، في كتاب الرد له، إجماعَ الصحابة على أنه لم ير ربه ليلة المعراج، وبعضهم استثنى ابن عباس من ذلك.\rوشيخنا يقول: ليس ذلك بخلاف في الحقيقة، فإن ابن عباس لم يقل رآه بعيني رأسه (¬٣)، وعليه اعتمد أحمد في إحدى الروايتين حيث قال: إنه ﷺ رآه ﷿ ولم يقل بعيني رأسه، ولفظ أحمد كلفظ ابن عباس ﵄.","footnotes":"(¬١)\r(¬٢) أخرجه مسلم (١٧٨).\r(¬٣) أخرج مسلم (١٧٦) عن ابن عباس ﵄ قال: رآه بقلبه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288677,"book_id":1319,"shamela_page_id":170,"part":null,"page_num":172,"sequence_num":170,"body":"ويدل على صحة ما قاله شيخنا في معنى حديث أبي ذر ﵁ قوله ﷺ في الحديث الآخر: «حجابه النور» (¬١)، فهذا النور هو - والله أعلم - النور المذكور في حديث أبي ذر ﵁: «رأيت نورًا».\r* * *","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم (١٧٩) من حديث أبي موسى ﵁.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288678,"book_id":1319,"shamela_page_id":171,"part":null,"page_num":173,"sequence_num":171,"body":"فَصْلٌ\rوقوله ﷾: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ … الآية﴾ هذا مثل لنوره في قلب عبده المؤمن، كما قال أبي بن كعب وغيره (¬١).\rوقد اختلف في مفسر الضمير في «نوره» فقيل: هو النبي ﷺ، أي: مثل نور محمد ﷺ، وقيل: مفسره المؤمن، أي: مثل نور المؤمن، والصحيح: أنه يعود على الله ﷾، والمعنى: مثل نور الله ﷾ في قلب عبده، وأعظم عباده نصيبًا من هذا النور رسوله ﷺ، فهذا مع تضمنه عود الضمير المذكور وهو وجه الكلام يتضمن التقادير الثلاثة، وهو أتم لفظًا ومعنًى.\rوهذا النور يضاف إلى الله ﷾ إذ هو معطيه لعبده وواهبه إياه، ويضاف إلى العبد إذ هو محله وقابله، فيضاف إلى الفاعل والقابل، ولهذا النور فاعل وقابل ومحل وحامل ومادة وقد تضمنت الآيةُ ذكرَ هذه الأمور كلها على وجه التفصيل.\rفالفاعل: هو الله ﷾ مفيض الأنوار، الهادي لنوره من يشاء.\rوالقابل: العبد المؤمن.\rوالمحل: قلبه.\rوالحامل: همته وعزيمته وإرادته.\rوالمادة: قوله وعمله.","footnotes":"(¬١) أما أثر أبي ﵁ فأخرجه الطبري بإسناد ضعيف؛ لأنه من رواية أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي به.\rوفي رواية أبي جعفر الرازي عن الربيع اضطراب كثير. قاله ابن حبان. وورد عن ابن عباس وإسناده منقطع.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288679,"book_id":1319,"shamela_page_id":172,"part":null,"page_num":174,"sequence_num":172,"body":"وهذا التشبيه العجيب الذي تضمنته الآية فيه من الأسرار والمعاني وإظهار تمام نعمته على عبده المؤمن بما أناله من نوره ما تقر به عيون أهله وتبتهج به قلوبهم.\r* وفي هذا التشبيه لأهل المعاني طريقتان:\rإحداهما: طريقة التشبيه المركب وهي أقرب مأخذًا، وأسلم من التكلف، وهي: أن تشبه الجملة برمتها بنور المؤمن من غير تعرض لتفصيل كل جزء من أجزاء المشبه ومقابلته بجزء من المشبه به، وعلى هذا عامة أمثال القرآن الكريم.\rفتأمل صفة المشكاة، وهي كوة لا تنفذ لتكون أجمع للضوء، قد وضع فيها مصباح، وذلك المصباح داخل زجاجة تشبه الكوكب الدري في صفائها وحسنها، ومادته من أصفى الأدهان وأتمها وقودًا، من زيت شجرة في وسط القراح (¬١) لا شرقية ولا غربية بحيث تصيبها الشمس في أحد طرفي النهار، بل هي في وسط القراح محمية بأطرافه تصيبها الشمس أعدل إصابة، والآفات إلى الأطراف دونها، فمن شدة إضاءة زيتها وصفائها وحسنها يكاد يضيء من غير أن تمسه نار، فهذا المجموع المركب هو مثل نور الله ﷾ الذي وضعه في قلب عبده المؤمن وخصه به.\rوالطريقة الثانية: طريقة التشبيه المفصل، فقيل المشكاة صدر المؤمن، والزجاجة قلبه، وشبه قلبه بالزجاجة لرقتها وصفائها وصلابتها، وكذلك قلب المؤمن فإنه قد جمع الأوصاف الثلاثة، فهو يرحم ويحسن ويتحنن، ويشفق على الخلق برقته.","footnotes":"(¬١) القَرَاحُ: المزرعة التي ليس فيها بناء ولا شجر وجمعها: «أَقْرِحَةٌ». «المصباح المنير» (م: قرح).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288680,"book_id":1319,"shamela_page_id":173,"part":null,"page_num":175,"sequence_num":173,"body":"وبصفائه تتجلى فيه صور الحقائق والعلوم على ما هي عليه ويباعد الكَدَر والدَّرَن والوَسَخ بحسب ما فيه من الصفاء، وبصلابته يشتد في أمر الله ﷾، ويتصلب في ذات الله ﷾ ويغلظ على أعداء الله ﷾، ويقوم بالحق لله ﷾ وقد جعل الله ﷾، القلوب كالآنية، كما قال بعض السلف: «القلوب آنية الله في أرضه، وأحبها إليه أرقها وأصلبها وأصفاها» (¬١) والمصباح: هو نور الإيمان في قلبه والشجرة المباركة هي شجرة الوحي المتضمنة للهدى، ودين الحق، وهي مادة المصباح التي يتقد منها، والنور على النور: نور الفطرة الصحيحة والإدراك الصحيح، ونور الوحي والكتاب، فينضاف أحد النورين إلى الآخر فيزداد العبد نورًا على نور، ولهذا يكاد ينطق بالحق والحكمة قبل أن يسمع ما فيه بالأثر، ثم يبلغه الأثر بمثل ما وقع في قلبه ونطق به، فيتفق عنده شاهد العقل والشرع والفطرة والوحي، فيريه عقله وفطرته وذوقه أن الذي جاء به الرسول ﷺ هو الحق لا يتعارض عنده العقل والنقل البتة، بل يتصادقان ويتوافقان.\rفهذا علامة النور على النور، عكس من تلاطمت في قلبه أمواج الشبه الباطلة والخيالات الفاسدة من الظنون الجهليات التي يسميها أهلها القواطع العقليات (¬٢).\r* * *","footnotes":"(¬١) سبق التعليق عليه قريبًا.\r(¬٢) «اجتماع الجيوش الإسلامية» (ص: ٤٩ - ٥٣)، و «إعلام الموقعين» (٢/ ٢٧٩)، و «شفاء العليل» (١/ ١٠٥).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288682,"book_id":1319,"shamela_page_id":175,"part":null,"page_num":177,"sequence_num":175,"body":"سُبْحَانَه (¬١) ثَمَّ؛ فَجَازَاهُمْ بِأَعْمَالِهِمْ وَوَفَّاهُمْ حِسَابَهُمْ.\rوَفِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَدِيثِ التَّجَلِّي يَوْمَ الْقِيَامَةِ: «ثُمَّ يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ تُعْرَضُ كَأَنَّهَا السَّرَابُ، فَيُقَالُ لِلْيَهُودِ: مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ فَيَقُولُونَ: كُنَّا نَعْبُدُ عُزَيْرَ ابْنَ اللهِ، فَيُقَالُ: كَذَبْتُمْ، لَمْ يَكُنْ لله صَاحِبَةٌ وَلَا وَلَدٌ، فَمَا تُرِيدُونَ؟ قَالُوا: نُرِيدُ أَنْ تَسْقِيَنَا، فَيُقَالُ: اشْرَبُوا، فَيَتَسَاقَطُونَ فِي جَهَنَّمَ، ثُمَّ يُقَالُ لِلنَّصَارَى: مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ فَيَقُولُونَ: كُنَّا نَعْبُدُ المَسِيحَ ابْنَ الله، فَيُقَالُ: كَذَبْتُمْ، لَمْ يَكُنْ لله صَاحِبَةٌ وَلَا وَلَدٌ، فَمَا تُرِيدُونَ: فَيَقُولُونَ: أَنْ تَسْقِيَنَا، فَيُقَالُ لَهُمْ: اشْرَبُوا، فَيَتَسَاقَطُونَ» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ (¬٢).\rوَهَذِهِ حَالُ كُلِّ صَاحِبِ بَاطِلٍ، فَإِنَّهُ يَخُونُهُ بَاطِلُهُ أَحْوَجَ مَا كَانَ إلَيْهِ، فَإِنَّ الْبَاطِلَ لَا حَقِيقَةَ لَهُ، وَهُوَ كَاسْمِهِ بَاطِلٌ؛ فَإِذَا كَانَ الِاعْتِقَادُ غَيْرَ مُطَابِقٍ وَلَا حَقٍّ كَانَ مُتَعَلَّقُهُ بَاطِلًا؛ وَكَذَلِكَ إذَا كَانَتْ غَايَةُ الْعَمَلِ بَاطِلَةً - كَالْعَمَلِ لِغَيْرِ اللهِ ﷿، وعَلَى غَيْرِ أَمْرِهِ - بَطَلَ الْعَمَلُ بِبُطْلَانِ غَايَتِهِ، وَتَضَرَّرَ عَامِلُهُ بِبُطْلَانِهِ، وَبِحُصُولِ ضِدِّ مَا كَانَ يُؤَمِّلُهُ، فَلَمْ يَذْهَبْ عَلَيْهِ عَمَلُهُ وَاعْتِقَادُهُ، لَا لَهُ وَلَا عَلَيْهِ، بَلْ صَارَ مُعَذَّبًا بِفوَاتِ نَفْعِهِ، وَبِحُصُولِ ضِدِّ النَّفْعِ؛ فَلِهَذَا قَالَ ﷾: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩)﴾ فَهَذَا مَثَلُ الضَّالِّ الَّذِي يَحْسَبُ أَنَّهُ عَلَى هُدًى.","footnotes":"(¬١) مقتبس من قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ [النور: ٣٩].\r(¬٢) صحيح: أخرجه البخاري رقم (٧٤٣٩)، ومسلم رقم (١٨٣).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288683,"book_id":1319,"shamela_page_id":176,"part":null,"page_num":178,"sequence_num":176,"body":"فَصْلٌ\r[أصحاب مثل الظلمات المتراكمة]\rالنَّوْعُ الثَّانِي: أَصْحَابُ مَثَلِ الظُّلُمَاتِ المُتَرَاكِمَةِ، وَهُمْ الَّذِينَ عَرَفُوا الْحَقَّ وَالْهُدَى، وَآثَرُوا عَلَيْهِ ظُلُمَاتِ الْبَاطِلِ وَالضَّلَالِ، فَتَرَاكَمَتْ عَلَيْهِ ظُلْمَةُ الطَّبْعِ وَظُلْمَةُ النُّفُوسِ وَظُلْمَةُ الْجَهْلِ حَيْثُ لَمْ يَعْمَلُوا بِعِلْمِهِمْ فَصَارُوا جَاهِلِينَ، وَظُلْمَةُ اتِّبَاعِ الْغَيِّ وَالْهَوَى، فَحَالُهُمْ كَحَالِ مَنْ كَانَ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ لَا سَاحِلَ لَهُ وَقَدْ غَشِيَهُ مَوْجٌ وَمِنْ فَوْقِ ذَلِكَ الْمَوْجِ مَوْجٌ، وَمِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ مُظْلِمٌ به، فَهُوَ فِي ظُلْمَةِ الْبَحْرِ وَظُلْمَةِ المَوْجِ وَظُلْمَةِ السَّحَابِ، وَهَذَا نَظِيرُ مَا هُوَ فِيهِ مِنْ الظُّلُمَاتِ الَّتِي لَمْ يُخْرِجْهُ اللهُ مِنْهَا إلَى نُورِ الْإِيمَانِ.\rوَهَذَانِ المَثَلَانِ بِالسَّرَابِ الَّذِي ظَنَّهُ مَادَّةَ الْحَيَاةِ وَهُوَ المَاءُ، وَالظُّلُمَاتُ المُضَادَّةُ لِلنُّورِ نَظِيرُ المَثَلَيْنِ اللَّذَيْنِ ضَرَبَهُمَا اللهُ لِلْمُنَافِقِينَ وَالمُؤْمِنِينَ، وَهُما المَثَلُ المَائِيُّ وَالمَثَلُ النَّارِيُّ، وَجَعَلَ حَظَّ المُؤْمِنِينَ مِنْهُمَا الْحَيَاةَ وَالْإِشْرَاقَ وَحَظَّ المُنَافِقِينَ مِنْهُمَا الظُّلْمَةَ المُضَادَّةَ لِلنُّورِ وَالمَوْتَ المُضَادَّ لِلْحَيَاةِ؛ فَكَذَلِكَ الْكُفَّارُ فِي هَذَيْنِ المَثَلَيْنِ، حَظُّهُم مِنْ الْمَاءِ السَّرَابُ الَّذِي يَغُرّ النَّاظِرَ وَلَا حَقِيقَةَ لَهُ، وَحَظُّهُم الظُّلُمَاتُ المُتَرَاكِمَةُ.\rوَهَذَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ المُرَادُ بِهِ حَالُ كُلِّ طَائِفَةٍ مِنْ طَوَائِفِ الْكُفَّارِ، وَأَنَّهُمْ عَدِمُوا مَادَّةَ الْحَيَاةِ وَالْإِضَاءَةِ بِإِعْرَاضِهِمْ عَنْ الْوَحْيِ؛ فَيَكُونُ المَثَلَانِ صِفَتَيْنِ لِمَوْصُوفٍ وَاحِدٍ؛ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ المُرَادُ بِهِ تَنْوِيعُ أَحْوَالِ الْكُفَّارِ، وَأَنَّ أَصْحَابَ المَثَلِ الْأَوَّلِ هُمْ الَّذِينَ عَمِلُوا عَلَى غَيْرِ عِلْمٍ وَلَا بَصِيرَةٍ، بَلْ عَلَى جَهْلٍ وَحُسْنِ ظَنٍّ بِالْأَسْلَافِ، فَكَانُوا يَحْسِبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا، وَأَصْحَابُ المَثَلِ الثَّانِي هُمْ الَّذِينَ اسْتَحَبُّوا الضَّلَالَةَ عَلَى الْهُدَى، وَآثَرُوا الْبَاطِلَ عَلَى الْحَقِّ، وَعَمُوا عَنْهُ بَعْدَ أَنْ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288684,"book_id":1319,"shamela_page_id":177,"part":null,"page_num":179,"sequence_num":177,"body":"أَبْصَرُوهُ، وَجَحَدُوا بَعْدَ أَنْ عَرَفُوهُ، فَهَذَا حَالُ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ، وَالْأَوَّلُ حَالُ الضَّالِّينَ.\rوَحَالُ الطَّائِفَتَيْنِ مُخَالِفٌ لِحَالِ المُنْعَمِ عَلَيْهِم المَذْكُورِينَ فِي قَوْله ﷾: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٨)﴾.\r* فَتَضَمَّنَت الْآيَاتُ أَوْصَافَ الْفِرَقِ الثَّلَاثَةِ:\r- المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ؛ وَهُمْ أَهْلُ النُّورِ.\r- وَالضَّالِّينَ: وَهُمْ أَصْحَابُ السَّرَابِ.\r- وَالمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ: وَهُمْ أَهْلُ الظُّلُمَاتِ المُتَرَاكِمَةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.\rفَالمَثَلُ الْأَوَّلُ مِنْ المَثَلَيْنِ لِأَصْحَابِ الْعَمَلِ الْبَاطِلِ الَّذِي لَا يَنْفَعُ، وَالمَثَلُ الثَّانِي لِأَصْحَابِ الْعِلْمِ الَّذِي لَا يَنْفَعُ وَالِاعْتِقَادَاتِ الْبَاطِلَةِ، وَكِلَاهُمَا مُضَادٌّ لِلْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ، وَلِهَذَا مَثَّلَ حَالَ الْفَرِيقِ الثَّانِي فِي تَلَاطُمِ أَمْوَاجِ الشُّكُوكِ وَالشُّبُهَاتِ وَالْعُلُومِ الْفَاسِدَةِ فِي قُلُوبِهِمْ بِتَلَاطُمِ أَمْوَاجِ الْبَحْرِ فِيهِ، وَأَنَّهَا أَمْوَاجٌ مُتَرَاكِمَةٌ مِنْ فَوْقِهَا سَحَابٌ مُظْلِمٌ، وَهَكَذَا أَمْوَاجُ الشُّكُوكِ وَالشُّبَهِ فِي قُلُوبِهِمْ المُظْلِمَةِ الَّتِي قَدْ تَرَاكَمَتْ عَلَيْهَا سُحُبُ الْغَيِّ وَالْهَوَى وَالْبَاطِلِ، فَلْيَتَدَبَّر اللَّبِيبُ أَحْوَالَ الْفَرِيقَيْنِ، وَلْيُطَابِقْ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْمَثَلَيْنِ، يَعْرِفْ عَظَمَةَ الْقُرْآنِ وَجَلَالَتَهُ، وَأَنَّهُ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ.\rوَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ المُوجِبَ لِذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لَهُمْ نُورًا، بَلْ تَرَكَهُمْ عَلَى الظُّلْمَةِ الَّتِي خُلِقُوا فِيهَا فَلَمْ يُخْرِجْهُمْ مِنْهَا إلَى النُّورِ؛ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ ﴿وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧].","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288685,"book_id":1319,"shamela_page_id":178,"part":null,"page_num":180,"sequence_num":178,"body":"وَفِي «المُسْنَدِ» (¬١) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ\rقَالَ: «إنَّ اللهَ خَلَقَ خَلْقَهُ فِي ظُلْمَةٍ، وَأَلْقَى عَلَيْهِمْ مِنْ نُورِهِ، فَمَنْ أَصَابَهُ مِنْ ذَلِكَ النُّورِ اهْتَدَى، وَمَنْ أَخْطَأَهُ ضَلَّ».\rفَلِذَلِكَ أَقُولُ: جَفَّ الْقَلَمُ عَلَى عِلْمِ الله، فَاَللهُ سُبْحَانَهُ خَلَقَ الْخَلْقَ فِي ظُلْمَةٍ، فَمَنْ أَرَادَ هِدَايَتَهُ جَعَلَ لَهُ نُورًا وُجُودِيًّا يُحْيِي بِهِ قَلْبَهُ وَرُوحَهُ كَمَا يُحْيِي بَدَنَهُ بِالرُّوحِ الَّتِي يَنْفُخُهَا فِيهِ، فَهُمَا حَيَاتَانِ: حَيَاةُ الْبَدَنِ بِالرُّوحِ، وَحَيَاةُ الرُّوحِ وَالْقَلْبِ بِالنُّورِ، وَلِهَذَا سَمَّى سُبْحَانَهُ الْوَحْيَ رُوحًا لِتَوَقُّفِ الْحَيَاةِ الْحَقِيقِيَّةِ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ ﷾: ﴿يُنَزِّلُ","footnotes":"(¬١) إسناده صحيح: أخرجه أحمد (٢/ ١٧٦)، وابن أبي عاصم في «السنة» (٢٤٣)، والحاكم في «المستدرك» (١/ ٣٠ - ٣١)، وابن بطة في «الإبانة» رقم (١٤٠٩) وغيرهم من طرق عن الأوزاعي حدثني ربيعة بن يزيد.\rوأخرجه الترمذي في «جامعه» رقم (٢٦٤٢)، والفريابي في «القدر» رقم (٦٦)، وابن أبي عاصم في «السنة» رقم (٢٤١) وغيرهم من طرق عن يحيي بن أبي عمرو السيباني.\rوأخرجه ابن خزيمة في «صحيحه» رقم (٩٣٩) مختصرًا من طريق عروة بن رويم.\rثلاثتهم عن عبد الله بن فيروز عن عبد الله بن عمرو … به مرفوعًا.\rوأخرجه النسائي (٢/ ٣٤) مختصرًا، واللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة» رقم (١٠٧٦)، والطبراني في «مسند الشاميين» رقم (٥١٧) من طريق سعيد بن عبد العزيز عن ربيعة بن يزيد عن أبي إدريس الخولاني عن عبد الله بن الديلمي به. فزاد أبا إدريس. وإسناده صحيح.\rوقد أثبت البخاري في «تاريخه» (٣/ ٢٨٨) سماع ربيعة بن يزيد من ابن الديلمي.\rووجه الجمع بين الروايتين لعله سمعه من أبي إدريس عن ابن الديلمي ثم سمعه من ابن الديلمي.\rوالحديث حسنه الترمذي وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288686,"book_id":1319,"shamela_page_id":179,"part":null,"page_num":181,"sequence_num":179,"body":"الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [النحل: ٢] (¬١).\rوَقَالَ: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [غافر: ١٥]، وَقَالَ ﷾: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] فَجَعَلَ وَحيهُ رُوحًا وَنُورًا، فَمَنْ لَمْ يُحْيِهِ بِهَذَا الرُّوحِ فَهُوَ مَيِّتٌ، وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ نُورًا مِنْهُ فَهُوَ فِي الظُّلُمَاتِ مَا لَهُ مِنْ نُورٍ (¬٢).\r* * *","footnotes":"(¬١) قال الشنقيطي في «أضواء البيان» (٣/ ٢٥٦): أظهر الأقوال في معنى الروح في هذه الآية الكريمة: أن المراد بها الوحي؛ لأن الوحي به حياة الأرواح، كما أن الغذاء به حياة الأجسام. ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى: ٥٢]، وقوله: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (١٥) يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٥ - ١٦].\rومما يدل على أن المراد بالروح بالوحي إتيانه بعد قوله: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ﴾ بقوله: ﴿أَنْ أَنْذِرُوا﴾ [النحل: ٢] لأن الإنذار إنما يكون بالوحي، بدليل قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ الآية [الأنبياء: ٤٥]، وكذا لإتيانه بعد قوله: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [غافر: ١٥] بقوله: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ الآية [غافر: ١٥]؛ لأن الإنذار إنما يكون بالوحي أيضًا.\r(¬٢) «إعلام الموقعين» (٢/ ٢٧٧ - ٢٨١)، وانظر: «اجتماع الجيوش الإسلامية» (ص/ ٥٩، ٥٨، ٥٣)، و «الروح» (ص/ ٥٤٥)، و «الصواعق المرسلة» (٢/ ٧٧٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288690,"book_id":1319,"shamela_page_id":183,"part":null,"page_num":185,"sequence_num":183,"body":"وَقَالَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ إهْلَاكَ الْأُمَمِ المُشْرِكِينَ: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (١٠١)﴾ [هود: ١٠١].\rفَهَذِهِ أَرْبَعَةُ مَوَاضِعَ فِي الْقُرْآنِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ اتَّخَذَ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا يَتَعَزَّزُ بِهِ وَيَتَكَبَّرُ بِهِ وَيَسْتَنْصِرُ بِهِ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ بِهِ إلَّا ضِدُّ مَقْصُودِهِ، وَفِي الْقُرْآنِ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ الْأَمْثَالِ وَأَدَلِّهَا عَلَى بُطْلَانِ الشِّرْكِ وَخَسَارَةِ صَاحِبِهِ وَحُصُولِهِ عَلَى ضِدِّ مَقْصُودِهِ.\rفَإِنْ قِيلَ: فَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ بَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ، فَكَيْفَ نَفَى عَنْهُمْ عِلْمَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.\rفَالجَوَابُ: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَمْ يَنْفِ عَنْهُمْ عِلْمَهُمْ بِوَهَنِ بَيْتِ الْعَنْكَبُوتِ، وَإِنَّمَا نَفَى عَنْهُمْ عِلْمَهُمْ بِأَنَّ اتِّخَاذَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ كَالْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا، فَلَوْ عَلِمُوا ذَلِكَ لَمَا فَعَلُوهُ، وَلَكِنْ ظَنُّوا أَنَّ اتِّخَاذَهُم الْأَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ تُفِيدُهُمْ عِزًّا، وَقُوةً، فَكَانَ الْأَمْرُ بِخِلَافِ مَا ظَنُّوا (¬١).\r* * *","footnotes":"(¬١) «إعلام الموقعين» (٢/ ٢٧٥ - ٢٧٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288693,"book_id":1319,"shamela_page_id":186,"part":null,"page_num":188,"sequence_num":186,"body":"يُسَاوِيَهُ فِي التَّصَرُّفِ فِي ذَلِكَ، فَهُوَ يَخَافُ أَنْ يَنْفَرِدَ فِي مَالِهِ بِأَمْرٍ يَتَصَرَّفُ فِيهِ كَمَا يَخَافُ غَيْرَهُ مِنْ الشُّرَكَاءِ وَالْأَحْرَارِ؟ فَإِذَا لَمْ تَرْضَوْا ذَلِكَ لِأَنْفُسِكُمْ فَلِمَ عَدَلْتُمْ بِي مِنْ خَلْقِي مَنْ هُوَ مَمْلُوكٌ لِي؟ فَإِنْ كَانَ هَذَا الْحُكْمُ بَاطِلًا فِي فِطَرِكُمْ وَعُقُولِكُمْ - مَعَ أَنَّهُ جَائِزٌ عَلَيْكُمْ مُمْكِنٌ فِي حَقِّكُمْ؛ إذْ لَيْسَ عَبِيدُكُمْ مِلْكًا لَكُمْ حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا هُمْ إخْوَانُكُم جَعَلَهُم اللهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، وَأَنْتُمْ وَهُمْ عبادي، فَكَيْفَ تَسْتَجِيزُونَ مِثْلَ هَذَا الْحُكْمِ فِي حَقِّي، مَعَ أَنَّ مَنْ جَعَلْتُمُوهُمْ لِي شُرَكَاءَ عَبِيدِي وَمِلْكِي وَخَلْقِي؟ فَهَكَذَا يَكُونُ تَفْصِيلُ الْآيَاتِ لِأُولِي الْعُقُولِ (¬١).\r* * *","footnotes":"(¬١) «إعلام الموقعين» (٢/ ٢٨١ - ٢٨٢)، وانظر: «الجواب الكافي» (ص/ ١٩٣) ط ابن رجب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288695,"book_id":1319,"shamela_page_id":188,"part":null,"page_num":190,"sequence_num":188,"body":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .","footnotes":"= جرى منهم من التكذيب لرسل الله، وما جرى عليهم من عقوبته ونكاله، وتعيين تلك القرية، لو كان فيه فائدة، لعينها الله، فالتعرض لذلك وما أشبهه من باب التكلف والتكلم بلا علم، ولهذا إذا تكلم أحد في مثل هذا تجد عنده من الخبط والخلط والاختلاف الذي لا يستقر له قرار، ما تعرف به أن طريقَ العلم الصحيح، الوقوفُ مع الحقائق، وترك التعرض لما لا فائدة فيه، وبذلك تزكو النفس، ويزيد العلم، من حيث يظن الجاهل أن زيادته بذكر الأقوال التي لا دليل عليها، ولا حجة عليها ولا يحصل منها من الفائدة إلا تشويش الذهن واعتياد الأمور المشكوك فيها.\rوالشاهد: أن هذه القرية جعلها الله مثلًا للمخاطبين. ﴿إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ من الله تعالى يأمرونهم بعبادة الله وحده، وإخلاص الدين له، وينهونهم عن الشرك والمعاصي.\r﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ أي: قويناهما بثالث، فصاروا ثلاثة رسل، اعتناء من الله بهم، وإقامة للحجة بتوالي الرسل إليهم، ﴿فَقَالُوا﴾ لهم: ﴿إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ فأجابوهم بالجواب الذي ما زال مشهورًا عند من رد دعوة الرسل: ف ﴿قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ أي: فما الذي فضلكم علينا وخصكم من دوننا؟ قالت الرسل لأممهم: ﴿إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾.\r﴿وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: أنكروا عموم الرسالة، ثم أنكروا أيضًا المخاطبين لهم، فقالوا: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾\rفقالت هؤلاء الرسل الثلاثة: ﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ فلو كنا كاذبين، لأظهر الله خزينا، ولبادَرَنَا بالعقوبة.\r﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ أي: البلاغ المبين الذي يحصل به توضيح الأمور المطلوب بيانها، وما عدا هذا من آيات الاقتراح، ومن سرعة العذاب، فليس إلينا، وإنما وظيفتنا -التي هي البلاغ المبين- قمنا بها، وبيناها لكم، فإن اهتديتم، فهو حظكم وتوفيقكم، وإن ضللتم، فليس لنا من الأمر شيء.\rفقال أصحاب القرية لرسلهم: ﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ أي: لم نر على قدومكم علينا واتصالكم بنا إلا الشر، وهذا من أعجب العجائب، أن يجعل من قدم عليهم بأجل نعمة ينعم الله بها على العباد، وأجل كرامة يكرمهم بها، وضرورتهم إليها فوق كل =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288697,"book_id":1319,"shamela_page_id":190,"part":null,"page_num":192,"sequence_num":190,"body":"قال سبحانه في تثبيت أمر البعث: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ [يس: ٧٨، ٧٩]. إلى آخر السورة.\rفلو رام أعلم البشر وأفصحهم وأقدرهم على البيان أن يأتي بأحسن من هذه الحجة أو بمثلها في ألفاظ تشابه هذه الألفاظ؛ في الإيجاز والاختصار، ووضوح الدلالة، وصحة البرهان لألفى نفسه ظاهر العجز منقطع الطمع يستحي الناس من ذلك.\rفإنه سبحانه افتتح هذه الحجة بسؤال أورده الملحد اقتضى جوابًا فكان في قوله سبحانه: ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ ما وَفَّى بالجواب، وأقام الحجة وأزال الشبهة، لولا ما أراد سبحانه من تأكيد حجته وزيادة تقريرها، وذلك أنه سبحانه أخبر أن هذا الملحد السائل عن هذه المسألة لو لم ينس خلق نفسه، وبدأ كونه، وذكر خلقه، لكانت فكرته فيه كافية في جوابه مسكتة له عن هذا السؤال، ثم أوضح سبحانه ما تضمنه قوله: ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ وصرح به جوابًا له عن مسألته فقال: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩]. فاحتج بالإبداء على الإعادة، وبالنشأة الأولى على النشأة الأخرى، إذ كل عاقل يعلم علمًا ضروريًّا أن من قدر على هذه قدر على هذه، وأنه لو كان عاجزًا عن الثانية لكان عن الأولى أعجز وأعجز.\rولما كان الخلق يستلزم قدرة الخالق على مخلوقه، وعلمه بتفاصيل خلقه اتبع ذلك بقوله: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٩].\rفهو عليم بالخلق الأول وتفاصيله وجزئياته ومواده وصورته وعلله الأربع.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288698,"book_id":1319,"shamela_page_id":191,"part":null,"page_num":193,"sequence_num":191,"body":"وكذلك هو عليم بالخلق الثاني وتفاصيله ومواده وكيفية إنشائه، فإن كان تام العلم كامل القدرة كيف يتعذر عليه أن يحيي العظام وهي رميم.\rثم أكد الأمر بحجة قاهرة وبرهان ظاهر يتضمن جوابًا عن سؤال ملحد آخر يقول: العظام إذا صارت رميمًا عادت طبيعتها باردة يابسة، والحياة لا بد أن تكون مادتها وحاملها طبيعته حارة رطبة لتقبل صورة الحياة، فتولى سبحانه جواب هذا السؤال بما يدل على أمر البعث ففيه الدليل والجواب معًا فقال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠)﴾ [يس: ٨٠].\rفأخبر سبحانه بإخراج هذا العنصر الذي هو في غاية الحرارة واليبوسة من الشجر الأخضر الممتلئ بالرطوبة والبرودة، فالذي يخرج الشيء من ضده وتنقاد له مواد المخلوقات وعناصرها ولا تستعصي عليه هو الذي يفعل ما أنكره الملحد، ودفعه من إحياء العظام وهي رميم.\rثم أكد هذا بأخذ الدلالة من الشيء الأجل الأعظم على الأيسر الأصغر، وأن كل عاقل يعلم أن من قدر على العظيم الجليل فهو على ما دونه بكثير أقدر وأقدر.\rفمن قدر على حمل قنطار فهو على حمل أوقية أشد اقتدارًا، فقال: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١)﴾\r[يس: ٨١].\rفأخبر سبحانه أن الذي أبدع السموات والأرض على جلالتهما وعظم شأنهما وكبر أجسامهما وسعتهما وعجيب خلقتهما أقدر على أن يحيي عظامًا قد صارت رميمًا فيردها إلى حالتها الأولى، كما قال في موضع آخر: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧)﴾ [غافر: ٥٧].","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288699,"book_id":1319,"shamela_page_id":192,"part":null,"page_num":194,"sequence_num":192,"body":"وقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣)﴾ [الأحقاف: ٣٣].\rثم أخذ سبحانه ذلك وبينه بيانًا آخر يتضمن مع إقامة الحجة دفع شبهة كل ملحد وجاحد؛ وهو أنه ليس في فعله بمنزلة غيره الذي يفعل بالآلات والكلفة والتعب والمشقة ولا يمكنه الاستقلال بالفعل بل لا بد معه من آلة ومشارك ومعين، بل يكفي في خلقه لما يريد أن يخلقه ويكونه نفس إرادته وقوله للمكون: كن، فإذا هو كائن كما شاءه وأراده.\rفأخبر عن نفاذ مشيئته وإرادته وسرعة تكوينه وانقياد المكون له وعدم استعصائه عليه.\rثم ختم هذه الحجة بإخباره أن ملكوت كل شيء بيده فيتصرف فيه بفعله وهو قوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٨٣].\rفتبارك الذي تكلم بهذا الكلام الذي جمع في نفسه بوجازته وبيانه وفصاحته وصحة برهانه كل ما تلزم الحاجة إليه من تقرير الدليل، وجواب الشبهة، ودحض حجة الملحد، وإسكات المعاند بألفاظ لا أعذب منها عند السمع، ولا أحلى منها ومن معانيها للقلب، ولا أنفع من ثمرتها للعبد (¬١).\r* * *","footnotes":"(¬١) الصواعق المرسلة (٢/ ٤٧٣ - ٤٧٧)، وانظر: «إعلام الموقعين» (٢/ ٢٦٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288703,"book_id":1319,"shamela_page_id":196,"part":null,"page_num":198,"sequence_num":196,"body":"وَإِحْسَانِهِ وَالْتِفَاتِهِ إلَيْهِ وَقِيَامِهِ بِمَصَالِحِهِ مَا لَا يَسْتَحِقُّ صَاحِبُ الشُّرَكَاءِ الْمُتَشَاكِسِينَ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٩)﴾ (¬١).\r* * *","footnotes":"(¬١) «إعلام الموقعين» (٢/ ٣١٩ - ٣٢٠)، وانظر: «بدائع الفوائد»\r(٢/ ٦٠٠)، و «مدارج السالكين» (١/ ٦٠٠)، و «مفتاح دار السعادة»\r(٢/ ٣٣٣، ٤٨٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288705,"book_id":1319,"shamela_page_id":198,"part":null,"page_num":200,"sequence_num":198,"body":"فإذا أبطلتم هذا المعنى الصحيح تعين ذلك المعنى الباطل قطعًا وصار المعنى أنه لا يوصف بصفة أصلا ولا يفعل فعلا ولا له وجه ولا يد ولا يسمع ولا يبصر ولا يعلم ولا يقدر تحقيقا لمعنى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وقال إخوانكم من الملاحدة: ليس له ذات أصلا تحقيقا لهذا النفي، وقال غلاتهم: ولا وجود له تحقيقا لهذا النفي، وأما الرسل وأتباعهم فقالوا: إنه حي وله حياة و ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ في حياته وهو قوي وله القوة وليس مثله شيء في قوته وهو سميع بصير له السمع والبصر يسمع ويبصر وليس كمثله شيء في سمعه وبصره ومتكلم ومكلم وليس كمثله شيء في كلامه وتكليمه وله وجه ويدان، و ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وهو مستو على عرشه، وليس كمثله شيء وهذا النفي لا يتحقق إلا بإثبات صفات الكمال، فإنه مدح له، وثناء أثنى به على نفسه والعدم المحض لا يمدح به أحد ولا يثني به عليه ولا يكون كمالا له بل هو أنقص النقص، وإنما يكون كمالا إذا تضمن الإثبات كقوله تعالى: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] لكمال حياته وقيوميته.\rوقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] لكمال غناه وملكه وربوبيته.\rوقوله: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]، ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]، ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [غافر: ٣١] لكمال عدله وغناه ورحمته.\rوقوله: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨] لكمال قدرته.\rوقوله: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [يونس: ٦١]، ﴿وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٨].","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288706,"book_id":1319,"shamela_page_id":199,"part":null,"page_num":201,"sequence_num":199,"body":"ونظائر ذلك لكمال علمه ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] لعظمته وإحاطته بما سواه، وأنه أكبر من كل شيء وأنه واسع (¬١) فيرى ولكن لا يحاط به إدراكا كما يعلم ولا يحاط به علما، فيرى ولا يحاط به رؤية، فهكذا ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ هو متضمن لإثبات جميع صفات الكمال، على وجه الإجمال وهذا هو المعقول في نظر الناس وعقولهم وإذا قالوا: فلان عديم المثل أو قد أصبح ولا مثل له في الناس أو ما له شبيه ولا له من يكافيه، إنما يريدون بذلك أنه تفرد من الصفات والأفعال والمجد بما لم يلحقه فيه غيره، فصار واحدا من الجنس لا مثيل له، ولو أطلقوا ذلك عليه باعتبار نفي صفاته وأفعاله ومجده، لكان ذلك عندهم غاية الذم والتنقص له، فإذا أطلق ذلك في سياق المدح والثناء لم يشك عاقل في أنه إنما أراد كثرة أوصافه وأفعاله وأسمائه التي لها حقائق تحمل عليها.\rفهل يقول عاقل لمن لا علم له ولا قدرة ولا سمع ولا بصر ولا يتصرف بنفسه ولا يفعل شيئًا ولا يتكلم ولا له وجه ولا يد ولا قوة ولا فضيلة من الفضائل: إنه لا شبيه له ولا مثل له وإنه وحيد دهره وفريد عصره ونسيج وحده وهل فطر الله الأمم وأطلق ألسنتهم ولغاتهم إلا على ضد ذلك وهل كان رب العالمين أهل الثناء والمجد إلا بأوصاف كماله ونعوت جلاله وأفعاله وأسمائه الحسنى وإلا فبماذا يثني عليه المثنون؟! وبماذا يثني على نفسه أعظم مما يثني به عليه جميع خلقه؟! ولأي شيء يقول أعرف خلقه به: «لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك» (¬٢).","footnotes":"(¬١) كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٥].\r(¬٢) أخرجه مسلم (٤٨٦) من حديث عائشة ﵂.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288707,"book_id":1319,"shamela_page_id":200,"part":null,"page_num":202,"sequence_num":200,"body":"ومعلوم أن هذا الثناء الذي أخبر أنه لا يحصيه، لو كان بالنفي لكان هؤلاء أعلم به منه وأشد إحصاء له، فإنهم نفوا عنه حقائق الأسماء والصفات نفيًا مفصلًا وذلك مما يحصيه المحصي بلا كلفة ولا تعب، وقد فصله النفاة وأحصوه وحصروه.\rالوجه الثاني والسبعون (¬١)\rأن الله سبحانه إنما نفى عن نفسه ما يناقض الإثبات، ويضاد ثبوت الصفات، والأفعال فلم ينف إلا أمرا عدميا أو ما يستلزم العدم فنفى السنة والنوم المستلزم لعدم كمال الحياة والقيومية ونفى العزوب والخفاء المستلزم لنفي كمال العلم.\rونفي اللغوب المستلزم نفي كمال القدرة ونفي الظلم المستلزم لنفي كمال الغنى والعدل ونفي العبث المستلزم لنفي كمال الحكمة والعلم ونفي الصاحبة والولد المستلزمين لعدم كمال الغنى وكذلك نفي الشريك والظهير والشفيع المقدم بالشفاعة المستلزم لعدم كمال الغنى والقهر والملك ونفي الشبيه والمثيل والكفؤ المستلزم لعدم التفرد بالكمال المطلق.\rونفي إدراك الأبصار له وإحاطة العلم به المستلزمين لعدم كمال عظمته وكبريائه وسعته وإحاطته وكذلك نفي الحاجة والأكل والشرب عنه سبحانه لاستلزام ذلك عدم غناه الكامل وإذا كان إنما نفى عن نفسه العدم أو ما يستلزم العدم علم أنه أحق بكل وجود وثبوت وكل أمر وجودي لا يستلزم عدمًا ولا نقصًا ولا عيبًا وهذا هو الذي دل عليه صريح العقل فإنه سبحانه له الوجود الدائم القديم الواجب لنفسه الذي لم يستفده من غيره ووجود كل موجود مفتقر","footnotes":"(¬١) أي: في الرد على المعطلة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288708,"book_id":1319,"shamela_page_id":201,"part":null,"page_num":203,"sequence_num":201,"body":"إليه ومتوقف في تحقيقه عليه والكمال وجود كله والعدم نقص كله فإن العدم كاسمه لا شيء فعاد النفي الصحيح إلى نفي النقائص والعيوب ونفي المماثلة في الكمال، وعاد الأمران إلى نفي النقص وحقيقة ذلك نفي العدم وما يستلزم العدم فتأمل، هل نفى القرآن والسنة عنه سبحانه سوى ذلك وتأمل هل ينفي العقل الصحيح الذي لم يفسد بشبه هؤلاء الضلال الحيارى غير ذلك فالرسل جاءوا بإثبات ما يضاده، وهو سبحانه أخبر، أنه لم يكن له كفوا أحد بعد وصفه نفسه بأنه الصمد والصمد السيد الذي كمل في سؤدده، ولهذا كانت العرب تسمي أشرافها بهذا الاسم، لكثرة الصفات المحمودة في المسمى به قال شاعرهم:\rألا بَكرَ الناعي بخيري (¬١) بني أسدْ … بعمرِو بن مسعودٍ وبالسيّد الصَّمَدْ (¬٢)\rفإن الصمد من تصمد نحوه القلوب بالرغبة والرهبة، وذلك لكثرة خصال الخير فيه وكثرة الأوصاف الحميدة له ولهذا قال جمهور السلف منهم عبد الله بن عباس: (¬٣) «الصمد السيد الذي كمل سؤدده، فهو العالم الذي كمل علمه القادر الذي كملت قدرته الحكيم الذي كمل حكمه الرحيم الذي كملت رحمته الجواد الذي كمل جوده، ومن قال: «إنه الذي لا جوف له» (¬٤) فقوله لا يناقض هذا التفسير، فإن اللفظ من الاجتماع، فهو الذي اجتمعت فيه صفات الكمال ولا جوف له، فإنما لم يكن أحدٌ كفوا له لما كان صمدا كاملا في صمديته فلو لم تكن صفات كمال ونعوت جلال ولم يكن له علم ولا قدرة ولا حياة ولا إرادة","footnotes":"(¬١) وفي رواية «بخيري».\r(¬٢) انظر: «الأغاني» للأصفهاني (٢٢/ ٩٦).\r(¬٣) أخرجه الطبري من طريقي علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ولم يسمع منه. وعن عطية العوفي وهو ضعيف.\r(¬٤) صح عن الحسن ومجاهد: أخرجه الطبري.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288709,"book_id":1319,"shamela_page_id":202,"part":null,"page_num":204,"sequence_num":202,"body":"ولا كلام ولا وجه ولا يد ولا سمع ولا بصر ولا فعل يقوم به ولا يفعل شيئا البتة ولا هو داخل العالم ولا خارجه ولا فوق عرشه ولا يرضى ولا يغضب ولا يحب ولا يبغض ولا هو فعال لما يريد ولا يرى ولا يمكن أن يرى ولا يشار إليه ولا يمكن أن يشار إليه لكان العدم المحض كفوا فإن هذه الصفات منطبقة على المعدوم فلو كان ما يقوله المعطلون هو الحق لم يكن صمدا وكان العدم كفوا له وكذلك قوله: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥].\rفأخبر أنه لا سمي له عقيب قول العارفين به ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٤، ٦٥].\rفهذا الرب الذي له هذا الجند العظيم ولا ينزلون إلا بأمره وهو المالك ما بين أيديهم وما خلفهم وما بين ذلك فهو الذي قد كملت قدرته وسلطانه وملكه وكمل علمه فلا ينسى شيئا أبدا وهو القائم بتدبير أمر السموات والأرض وما بينهما كما هو الخالق لذلك كله وهو ربه ومليكه فهذا الرب هو الذي لا سمي له لتفرده بكمال هذه الصفات والأفعال فأما من لا صفة له ولا فعل ولا حقائق لأسمائه إن هي إلا ألفاظ فارغة من المعاني فالعدم سمي له وكذلك قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١].\rفإنه سبحانه ذكر ذلك بعد ذكر نعوت كماله وأوصافه فقال ﴿حم (١) عسق (٢) كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٤) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥) وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٦)﴾ [الشورى: ١ - ٦] إلى قوله: ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288710,"book_id":1319,"shamela_page_id":203,"part":null,"page_num":205,"sequence_num":203,"body":"وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].\rفهذا الموصوف بهذه الصفات والنعوت والأفعال والعلو والعظمة والحفظ والعزة والحكمة والملك والحمد والمغفرة والرحمة والكلام والمشيئة والولاية وإحياء الموتى والقدرة التامة الشاملة والحكم بين عباده وكونه فاطر السموات والأرض وهو السميع البصير.\rفهذا هو الذي ليس كمثله شيء لكثرة نعوته وأوصافه وأسمائه وأفعاله وثبوتها له على وجه الكمال الذي لا يماثله فيه شيء فالمثبت للصفات والعلو والكلام والأفعال وحقائق الأسماء هو الذي يصفه سبحانه بأنه ليس كمثله شيء.\rوأما المعطل النافي لصفاته وحقائق أسمائه فإن وصفه له بأنه ليس كمثله شيء مجاز لا حقيقة كما يقول في سائر أوصافه وأسمائه ولهذا قال من قال من السلف إن النفاة جمعوا بين التشبيه والتعطيل فسموا تعطيلهم تنزيها وسموا ما وصف به نفسه تشبيهًا وجعلوا ما يدل على ثبوت صفات الكمال وكثرتها دليلا على نفيها وتعطيلها وراج ذلك على من لم يجعل الله له نورا واغتر به من شاء الله وهدى الله من اعتصم بالوحي والعقل والفطرة والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (¬١).\r* * *","footnotes":"(¬١) انظر «الصواعق المرسلة» (٣/ ١٠١٩ - ١٠٣٠).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288715,"book_id":1319,"shamela_page_id":208,"part":null,"page_num":210,"sequence_num":208,"body":"ينفي عن خمر الجنة جميع آفات خمر الدنيا، من الصداع والغَول واللغو والإنزاف وعدم اللذة.\rفهذه خمس آفات من آفات خمر الدنيا: تغتال العقل، وتكثر اللغو على شربها؛ بل لا يطيب لشاربها ذلك إلا باللغو، وتنزف في نفسها، وتنزف المال، وتصدع الرأس، وهي كريهة المذاق.\rوهي رجس من عمل الشيطان، توقع العداوة والبغضاء بين الناس، وتصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وتدعو إلى الزنا، وربما دعت إلى الوقوع على البنت والأخت وذوات المحارم، وتُذهب الغيرة وتُورث الخِزي والندامة والفضيحة، وتُلحق شاربها بأنقص نوع الإنسان: وهم المجانين، وتسلبه أحسن الأسماء والسمات.\rوتكسوه أقبح الأسماء والصفات، وتسهل قتل النفس، وإفشاء السر الذي في إفشائه مضرَّته أو هلاكه، ومؤاخاة الشياطين في تبذير المال، الذي جعله الله قياما له، ولمن تلزمه مؤنته، وتهتك الأستار، وتظهر الأسرار، وتدل على العورات، وتهون ارتكاب القبائح والمأثم، وتخرج من القلب تعظيم المحارم، ومدمنها كعابد وثن، وكم أهاجت من حرب، وأفقرت من غنى، وأذلت من عزيز، ووضعت من شريف، وسلبت من نعمة، وجلبت من نقمة، وفسخت من مودة، ونسجت من عداوة، وكم فرقت بين رجل وزوجته، فذهبت بقلبه، وراحت بلبه، وكم أورثت من حسرة، وأجرت من عبرة، وكم أغلقت في وجه شاربها بابًا من الخير، وفتحت له بابًا من الشر، وكم أوقعت في بلية.\rوعجلت من منيته، وكم أورثت من خزية، وجرت على شاربها من محبة وجرت عليه من سفلة فهي جماع الإثم، ومفتاح الشر، وسلابة النعم، وجالبة النقم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288716,"book_id":1319,"shamela_page_id":209,"part":null,"page_num":211,"sequence_num":209,"body":"ولو لم يكن من رذائلها إلا أنها لا تجتمع هي وخمر الجنة في جوف عبد كما ثبت عنه أنه قال: «من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة» (¬١) لكفى وآفات الخمر أضعاف أضعاف ما ذكرنا وكلها منتفية عن خمر الجنة (¬٢).\r* * *","footnotes":"(¬١) أخرجه مسلم (٢٠٠٣) من حديث ابن عمر ﵄.\r(¬٢) حادي الأرواح (١/ ١٢١) ط عالم الفوائد.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288719,"book_id":1319,"shamela_page_id":212,"part":null,"page_num":214,"sequence_num":212,"body":"هَذَا مِنْ أَحْسَنِ الْقِيَاسِ التَّمْثِيلِيِّ؛ فَإِنَّهُ شَبَّهَ تَمْزِيقَ عِرْضِ الْأَخِ بِتَمْزِيقِ لَحْمِهِ، وَلَمَّا كَانَ المُغْتَابُ يُمَزِّقُ عِرْضَ أَخِيهِ فِي غِيبَتِهِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَقْطَعُ لَحْمَهُ فِي حَالِ غِيبَةِ رُوحِهِ عَنْهُ بِالمَوْتِ، وَلَمَّا كَانَ المُغْتَابُ عَاجِزًا عَنْ دَفْعِهِ بنَفْسِهِ بِكَوْنِهِ غَائِبًا عَنْ ذَمِّهِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ المَيِّتِ الَّذِي يُقَطَّعُ لَحْمُهُ وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَمَّا كَانَ مُقْتَضَى الْأُخُوَّةِ التَّرَاحُمَ وَالتَّوَاصُلَ وَالتَّنَاصُرَ فَعَلَّقَ عَلَيْهَا المُغْتَابُ ضِدَّ مُقْتَضَاهَا مِنْ الذَّمِّ وَالْعَيْبِ وَالطَّعْنِ كَانَ ذَلِكَ نَظِيرَ تَقْطِيعِ لَحْمِ أَخِيهِ، وَالْأُخُوَّةُ تَقْتَضِي حِفْظَهُ وَصِيَانَتَهُ وَالذَّبَّ عَنْهُ، وَلَمَّا كَانَ المُغْتَابُ مُتَفَكِّهًا بِغِيبَتِهِ وَذَمِّهِ مُتَحَلِّيًا بِذَلِكَ شُبِّهَ بِآكِلِ لَحْمِ أَخِيهِ بَعْدَ تَقْطِيعِهِ، وَلَمَّا كَانَ المُغْتَابُ مُحِبًّا لِذَلِكَ مُعْجَبًا بِهِ شُبِّهَ بِمَنْ يُحِبُّ أَكْلَ لَحْمِ أَخِيهِ مَيْتًا، وَمَحَبَّتُهُ لِذَلِكَ قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى مُجَرَّدِ أَكْلِهِ، كَمَا أَنَّ أَكْلَهُ قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى تَمْزِيقِهِ.\rفَتَأَمَّلْ هَذَا التَّشْبِيهَ وَالتَّمْثِيلَ وَحُسْنَ مَوْقِعِهِ وَمُطَابقَته المَعْقُول فِيهِ المَحْسُوسَ، وَتَأَمَّلْ إخْبَارَهُ عَنْهُمْ بِكَرَاهَةِ أَكْلِ لَحْمِ الْأَخِ مَيْتًا، وَوَصْفَهُمْ بِذَلِكَ فِي آخَرِ الْآيَةِ، وَالْإِنْكَارَ عَلَيْهِمْ فِي أَوَّلِهَا أَنْ يُحِبَّ أَحَدُهُمْ ذَلِكَ، فَكَمَا أَنَّ هَذَا مَكْرُوهٌ فِي طِبَاعِهِمْ فَكَيْفَ يُحِبُّونَ مَا هُوَ مِثْلُهُ وَنَظِيرُهُ.\rفَاحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِمَا كَرِهُوهُ عَلَى مَا أَحَبُّوهُ، وَشَبَّهَ لَهُمْ مَا يُحِبُّونَهُ بِمَا هُوَ أَكْرَهُ شَيْءٍ إلَيْهِمْ، وَهُمْ أَشَدُّ شَيْءٍ نُفْرَةً عَنْهُ؛ فَلِهَذَا يُوجِبُ الْعَقْلُ وَالْفِطْرَةُ وَالْحِكْمَةُ أَنْ يَكُونُوا أَشَدَّ شَيْءٍ نُفْرَةً عَمَّا هُوَ نَظِيرُهُ وَمُشْبِهُهُ، وَبِالله التَّوْفِيقُ (¬١).\r* * *","footnotes":"(¬١) «إعلام الموقعين» (٢/ ٢٩٦ - ٢٩٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288721,"book_id":1319,"shamela_page_id":214,"part":null,"page_num":216,"sequence_num":214,"body":"* قلت: وفي الحديث «إنه لحق كما أنك ههنا» (¬١).\rفشبه - سبحانه - تحقيق ما أخبر به بتحقيق نطق الآدمي ووجوده.\rوالواحد منا يعرف أنه ناطق ضرورة، ولا يحتاج نطقه إلى الاستدلال على وجوده، ولا يخالجه شك في أنه ناطق. فكذلك ما أخبر الله - سبحانه- عنه من أمر التوحيد، والنبوة، والمعاد، وأسمائه، وصفاته، حق ثابت في نفس الأمر، يشبه بثبوت نطقكم ووجوده.\rوهذا باب يعرفه الناس في كلامهم، يقول أحدهم: هذا حق مثل الشمس. وأفصح الشاعر عن هذا بقوله:\rوليس يصح في الأفهام شيء … إذا احتاج النهار إلى دليل (¬٢)\rوههنا أمر ينبغي التفطن له، وهو أن الرب - تعالى - شهد بصحة ما أخبر به، وهو أصدق الصادقين، وأقسم عليه، وهو أبر المقسمين، وأكده بتشبيهه بالواقع الذي لا يقبل الشك بوجه، وأقام عليه من الأدلة العيانية والبرهانية ما جعله معاينًا مشاهدًا بالبصائر، وإن لم يعاين بالأبصار، ومع ذلك فأكثر النفوس في غفلة عنه لا تستعد له، ولا تأخذ له أهبة.","footnotes":"(¬١) إسناده ضعيف: أخرجه أحمد (٥/ ٢٤٥)، وأبو داود (٤٢٩٤) من حديث معاذ ﵁. وعلة إسناده ابن ثوبان فقد ذكره الذهبي في مناكيره، وأعل أيضا: بالوقف.\r(¬٢) البيت للمتنبي في «ديوانه» (٣٤٣).\rوالمعنى: إنما يقام الدليل على الشيء الخفي، فأما الظاهر الجلي، فهو بمنزلة النهار الذي لا يحتاج إلى الدليل؛ لأن كل من رآه عرفه، ومن خفي عليه ضوء النهار، فلا فائدة لإقامة الدلالة في حقه، إذ المعاينة أقوى، والمشاهدة أولى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288722,"book_id":1319,"shamela_page_id":215,"part":null,"page_num":217,"sequence_num":215,"body":"والمستعد له، الآخذ له أهبته؛ لا يعطيه حقه منهم إلا الفرد بعد الفرد فأكثر هذا الخلق لا ينظرون في المراد من إيجادهم وإخراجهم إلى هذه الدار، ولا يتفكرون في قلة مقامهم في دار الغرور، ولا في رحيلهم وانتقالهم عنها، ولا إلى أين يرحلون؟ وأين يستقرون؟ قد ملكهم الحس، وقل نصيبهم من العقل، وشملتهم الغفلة، وغرتهم الأماني التي هي كالسراب، وخدعهم طول الأمل، وكأن المقيم لا يرحل، وكأن أحدهم لا يبعث ولا يسأل، وكأن مع كل مقيم توقيع من الله لفلان بن فلان بالأمان من عذابه، والفوز بجزيل ثوابه.\rفأما همتهم ففي اللذات الحسية، والشهوات النفسية، كيفما حصلت حصلوها، ومن أي وجه لاحت أخذوها، غافلين عن المطالبة، آمنين من المعاقبة، يسعون لما يدركون، ويتركون ما هم به مطالبون، ويعمُرون ما هم عنه منتقلون، ويخربون ما هم إليه صائرون، ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾ [الروم: ٧].\rألسنتهم لا تنطق إلا بشهوات نفوسهم، فلا ينظرون في مصالحها، ولا يأخذون في جمع زادها في سفرها ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر/ ١٩]. والعجب كل العجب من غفلة من تعد عليه لحظاته، وتحصى عليه أنفاسه، ومطايا الليل والنهار تسرع به، ولا يتفكر إلى أين يحمل؟ ولا إلى أي منزل ينقل؟.\rوكيف تنام العين وهي قريرةٌ … ولم تدر في أي المَحَلَّين تنزل (¬١)","footnotes":"(¬١) انظر: «شعب الإيمان» (١/ ٥٤٤)، و «حلية الأولياء» (٩/ ٣٤٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288723,"book_id":1319,"shamela_page_id":216,"part":null,"page_num":218,"sequence_num":216,"body":"وإذا نزل بأحدهم الموت قلِق لخراب ذاته، وذهاب لذاته، لا لما سبق من جناياته، ولا لسوء منقلبه بعد مماته، فإن خطرت على أحدهم خطرة من ذلك اعتمد العفو والرحمة، وكان يتيقن أن ذلك نصيبه ولا بد.\rفلو أن العاقل أحضر ذهنه ما استحضر عقله، وسار بفكره، وأمعن النظر، وتأمل الآيات لفهم المراد من إيجاده، ولَنَظَرتْ عينُ الراحل إلى الطريق، ولأخذ المسافر في التزود، والمريض في التداوي.\rوالحازم يُعِد لما يجوز أن يأتي؛ فما الظن بأمر متيقن! كما أنه لصدق إيمانهم، وقوة إيقانهم، وكأنهم يعاينون الأمر، فأضحت ربوع الإيمان من أهلها خالية، ومعالمه على عروشها خاوية.\rقال ابن وهب: أخبرني مسلمة بن علي عن الأوزاعي قال: «كان السلف إذا صدع الفجر أو قبله كأنما على رؤوسهم الطير، مقبلين على أنفسهم، حتى لو أن حبيبًا لأحدهم غاب عنه حينًا ثم قدم؛ لما التفت إليه. فلا يزالون كذلك إلى طلوع الشمس، ثم يقوم بعضهم إلى بعض فيتحلقون، فأول ما يفيضون فيه أمر معادهم، وما هم صائرون إليه، ثم يأخذون في الفقه» (¬١).\r* * *","footnotes":"(¬١) إسناده ضعيف جدًّا: أخرجه أبو الفضل الزهري في «حديثه» (٥١٧)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٣٥/ ١٨٤)، وفي إسناده مسلمة بن علي الخشني متروك.\rوانظر: «التبيان في أيمان القرآن» (ص/ ٦٣٨ - ٦٤٢)، و (ص/ ٢٦٥)، و «الصواعق المرسلة» (٢/ ٧٧٥)، و «شفاء العليل» (١/ ١٣٤).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288725,"book_id":1319,"shamela_page_id":218,"part":null,"page_num":220,"sequence_num":218,"body":"وفى «جامع الترمذي» (¬١) من حديث سهل بن سعد قال: قال","footnotes":"= و «الصحيحة» للعلامة الألباني ﵀. أي: المرفوع.\rوقال أبو نعيم في «الحلية» (٢/ ١٠٢): لم يروه عن عمرو بن مرة متصلًا مرفوعًا إلا المسعودي.\rوله شاهد وصححه العلامة الألباني ﵀ في «الصحيحة» (٤٣٧).\r(¬١) أسانيده ضعيفة: أخرجه الترمذي في «جامعه» (٢٣٢٠)، وابن ماجه في «سننه» (٤١١٠)، والحاكم (٤/ ٣٠٦) وفيه ذكر ورود الحديث. وغيرهم من طرقي عبد الحميد بن سليمان أخو فليح وزكريا بن منظور بن ثعلبة وكلاهما ضعيف عن أبي حازم عن سهل بن سعد به مرفوعًا.\rوقال الترمذي: صحيح غريب من هذا الوجه.\rوقال أبو نعيم: هذا حديث غريب من حديث عبد الحميد بن سليمان عن أبي حازم.\rوقال الدارقطني في «أطراف الغرائب» (٣/ ٩٤): تفرد به عبد الحميد بن سليمان عن أبي حازم.\rوضعف العقيلي في «الكامل» (٥/ ٣١٩) سليمان، وذكر له الحديث.\rوقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وتعقبه الذهبي قائلًا: زكريا بن منظور ضعفوه.\rوأورد العقيلي الحديث في ترجمة عبد الحميد وقال: تابعه زكريا بن منظور وهو دونه.\rوضعف الحديث ابن طاهر كما في «تخريج أحاديث الكشاف» (٣/ ٢٥٢).\rوله شواهد: منها: حديث أبي هريرة، وفي إسناده محمد بن عمار بن جعفر لم أقف له على ترجمه وشيخه صالح مولى التوأمة صدوق اختلط. وتابعه أبو معشر لكنه ضعيف.\rأخرجهما ابن أبي عاصم في «الزهد» (١٢٩).\rومنها: حديث ابن عباس، وفي إسناده الحسن بن عمارة متروك.\rأخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٣/ ٣٠٤).\rومنها: عن رجال من أصحاب النبي ﷺ. =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288726,"book_id":1319,"shamela_page_id":219,"part":null,"page_num":221,"sequence_num":219,"body":"رسول الله ﷺ: «لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء». قال الترمذي: حديث صحيح.\rوفي «صحيح مسلم» (¬١) من حديث المُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ قَالَ: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ: «وَاللهِ مَا الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ هَذِه (¬٢) في الْيَمّ (¬٣) فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ».\rوفي «الترمذي» (¬٤) من حديثه قال: كنت مع الركب الذين وقفوا مع","footnotes":"= أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (٥٠٩) وفي إسناده عثمان بن عبيد الله بن رافع. ذكره ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (١/ ١٥٦) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا.\rوروي عن الحسن وأبي طوالة مرسلًا.\rوالخلاصة: أن كل طرقه ضعيفة. وقال العلامة الألباني في «الصحيحة» (٦٨٦): وبالجملة فالحديث بمجموع هذه الطرق صحيح بلا ريب. و الله أعلم.\r(¬١) أخرجه مسلم (٢٨٥٨). قال النووي: مَعْنَى الْحَدِيث: مَا الدُّنْيَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْآخِرَة فِي قِصَر مُدَّتهَا، وَفَنَاء لَذَّاتهَا، وَدَوَام الْآخِرَة، وَدَوَام لَذَّاتهَا وَنَعِيمهَا، إِلَّا كَنِسْبَةِ المَاء الَّذِي يَعْلَق بِالْأُصْبُعِ إِلَى بَاقِي الْبَحْر.\r(¬٢) أشار يحيى - أحد رواة السند - بالسبابة. وأشار إسماعيل أحد الرواة أيضًا: بالإبهام.\r(¬٣) اليم في كلام العرب مرادف البحر، والبحر في كلامهم يطلق على الماء العظيم المستبحر.\r(¬٤) أخرجه الترمذي (٢٣٢١) من طريق ابن المبارك في «الزهد» (٥٠٨)، وأحمد (٤/ ٢٣٠) وغيرهم من طرق عن مجالد بن سعيد عن قيس بن أبي حازم عن المستورد بن شداد به. ومجالد ضعيف.\rوله شواهد، منها: ما أخرجه مسلم (٢٩٥٧) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ مَرَّ بِالسُّوقِ دَاخِلًا مِنْ بَعْضِ الْعَالِيَةِ وَالنَّاسُ كَنَفَتَهُ فَمَرَّ بِجَدْي أسَكَّ مَيِّتٍ فَتَنَاوَلَهُ فَأَخَذَ بِأُذُنِهِ ثُمَّ قَالَ «أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنَّ هَذَا لَهُ بِدِرْهَمٍ». =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288727,"book_id":1319,"shamela_page_id":220,"part":null,"page_num":222,"sequence_num":220,"body":"رسول الله على السَّخلة الميتة، فقال رسول الله ﷺ: «أترون هذه هانت على أهلها حتى ألقوها»، قالوا: ومن هوانها ألقوها يا رسول الله، قال: «فالدنيا أهون على الله من هذه على أهلها».\rوفي «الترمذي» (¬١) أيضًا من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:","footnotes":"= فَقَالُوا: مَا نُحِبُّ أَنَّهُ لَنَا بِشَيْءٍ، وَمَا نَصْنَعُ بِهِ قَالَ: «أَتُحِبُّونَ أَنَّهُ لَكُمْ». قَالُوا: وَالله لَو كَانَ حَيًّا كَانَ عَيْبًا فِيهِ؛ لأَنَّهُ أَسَكُّ فَكَيْفَ وَهُوَ مَيِّتٌ، فَقَالَ: «فَوَ الله لَلدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى الله مِنْ هَذَا عَلَيْكُمْ».\r(¬١) ضعيف مرفوعًا، حسن من قول أبي الدرداء: ورد عن أبي هريرة وابن مسعود وجابر وأبي الدرداء وكعب.\rأما حديث أبي هريرة فرواه ابن ثوبان واختلف عليه على أربعة أوجه:\rأحدها: أخرجها الترمذي في «جامعه» (٢٣٢٢) من طريق علي بن ثابت.\rوابن ماجه في «سننه» (٤١١٢)، وابن أبي عاصم في «الزهد» (١٢٦) من طريق عتبة ابن حماد الدمشقي.\rوالعقيلي في «الضعفاء الكبير» (٣٢١٣) من طريق أسد بن موسى. ثلاثتهم عن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن عطاء بن قرة عن عبد الله بن ضمرة السلولي ثنا أبو هريرة ﵁ به.\rوأخرجه البيهقي في «الشعب» (١٥٨٠) بإسنادٍ حسنٍ عن عتبة بن حماد عن ابن ثوبان عن أبيه عن عطاء بن قرة به. فزاد أباه.\rوأما الوجه الثالث: فأخرجه البزار (١٧٣٦)، والطبراني في «الأوسط» (٤٠٧٢)، وفي «مسند الشاميين» (١٦٣).\rعن المغيرة بن المطرف عن ابن ثوبان عن عبدة بن أبي لبابة عن أبي وائل عن ابن مسعود به مرفوعًا.\rقال البزار: وهذا الحديث قد رواه غير واحد عن عبد الله بن ثابت بن ثوبان بغير هذا الإسناد، ولا نعلم أحدًا تابع المغيرة بن المطرف على هذه الرواية. =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288728,"book_id":1319,"shamela_page_id":221,"part":null,"page_num":223,"sequence_num":221,"body":"«الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها إلا ذكر الله، وما والاه، وعالم أو متعلم».","footnotes":"= وقال الدارقطني في «العلل» (٥/ ٨٩): وَهَذا إِسنادٌ مَقلُوب، وإِنَّما رَواهُ ابن ثَوبان عَنْ عَطاءِ بنِ قُرَّة، عَنْ عَبدِ الله بنِ ضَمرَة، عَنْ أَبِي هُرَيرة. وهُو الصَّحِيحُ.\rوأما الوجه الرابع: فأخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (١٩/ ٤٠١)، والدارمي (٣٣١) عن يحيى بن يمان عن ابن ثوبان عن أبيه عن عبد الله بن ضمرة عن كعب قوله. وابن يمان ضعيف.\rوالإسناد الأول لا يقوى على التحسين؛ لأن فيه ابن ثوبان لا يتحمل هذا الخلاف وقال الحافظ فيه: صدوق يخطئ. وعبد الله بن ضمرة السلولي وثقه العجلي وذكره ابن حبان في «الثقات»، وروى عنه جماعة، وقال ابن القطان: لا تعرف حاله.\rوأما حديث جابر: فرواه الثوري عنه واختلف عليه، فأخرجه البيهقي في «الشعب» (١٠٥١٣)، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» (١٣٣١) من طريق مهران بن أبي مهران عن سفيان عن ابن المنكدر عن أبيه مرفوعًا.\rوخالفه عبد الملك بن عمرو العقدي عن الثوري عن ابن المنكدر عن جابر به أخرجه البيهقي في «الزهد» (٢٤٦)، وابن الأعرابي في «الزهد» (٦٥) وغيرهما وقال الدارقطني في «العلل» (١٤/ ٦٩): كلا الطريقين غير محفوظ.\rوأخرجه أحمد في «الزهد» (١٥٤) عن يحيى بن سعيد عن الثوري عن ابن المنكدر مرسلا. وصوبه أبو حاتم في «العلل» (١٨٦٣).\rوأما حديث أبي الدرداء؛ فأخرجه ابن أبي عاصم في «الزهد» (١٢٧)، والطبراني في «مسند الشاميين» (٦١٢) عن خداش بن المهاجر عن عبد الرحمن بن يزيد عن مسلم ابن مشكم عن أبي الدرداء مرفوعًا.\rوخداش بن المهاجر قال أبو حاتم: شيخ مجهول أرى حديثه مستقيمًا.\rوخالفه خالد ابن معدان وجبير بن نفير عن أبي الدرداء موقوفًا.\rأخرجه ابن المبارك في «الزهد» (٥٤٣) وغيره عن ثور بن يزيد عن خالد به ولم يسمع من أبي الدرداء.\rوأخرجه أبو داود في «الزهد» (٢١٣) بإسناد حسن عن جبير بن نفير به.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288729,"book_id":1319,"shamela_page_id":222,"part":null,"page_num":224,"sequence_num":222,"body":"والحديثان حسنان.\rقال الإمام أحمد (¬١): حدثنا هيثم بن خارجة: أنبأنا إسماعيل بن عياش عن عبد الله بن دينار البهراني قال: قال عيسى ﵇ للحواريين: «بحق أقول لكم: إن حلاوة الدنيا مرارة الآخرة، وإن مرارة الدنيا حلاوة الآخرة، وأن عباد الله ليسوا بالمتنعمين.\rبحق أقول لكم: إن شركم عملًا عالم يحب الدنيا ويؤثرها على الآخرة، إنه لو يستطيع جعل الناس كلهم في عمله مثله».\rوقال أحمد (¬٢): حدثنا يحيى بن إسحاق، قال: أخبرني سعيد بن عبد العزيز عن مكحول قال: قال عيسى ابن مريم ﵇: «يا معشر الحواريين أيكم يستطيع أن يبني على موج البحر دارًا؟» قالوا: يا روح الله ومن يقدر على ذلك؟ قال: «إياكم والدنيا فلا تتخذوها قرارًا».\rوفى كتاب «الزهد» لأحمد (¬٣) أن عيسى ابن مريم ﵇ كان يقول: «بحق أقول لكم: إن أكل الخبز وشرب الماء العذب ونومًا على المزابل مع الكلاب كثير لمن يريد أن يرث الفردوس».\rوفى «المسند» عنه ﷺ: «إن الله ضرب طعام ابن آدم مثلًا للدنيا وإن قَزَّحَهُ","footnotes":"(¬١) في «الزهد» (٤٨٥) وإسناده ضعيف لضعف عبد الله بن دينار وللانقطاع بينه وبين عيسى ﵇.\r(¬٢) في «الزهد» (٣٢٥) وإسناده حسن إلى مكحول، ويحيى بن إسحاق هو أبو بكر السيلحيني وثقه أحمد وغيره.\r(¬٣) وإسناده ضعيف؛ للانقطاع الذي بين عمر بن عمرو وابن عمر ﵄. وثم علل أخر.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288730,"book_id":1319,"shamela_page_id":223,"part":null,"page_num":225,"sequence_num":223,"body":"وملَّحه فلينظر إلى ماذا يصير» (¬١).","footnotes":"(¬١) ورد مرفوعًا وصح موقوفًا عَلى أُبَيٍّ ﵁: أخرجه المروزي في زوائده على «الزهد» (٤٩٥)، وابن أبي الدنيا في «الجوع» (١٦٥)، والشاشي في «مسنده» (١٥٠٢) والبيهقي في «الشعب» (٥٢٦٤) من طرق عن أبي غسان-مالك بن إسماعيل عن عبد السلام بن حرب المُلائي عن يونس بن عبيد عن الحسن البصري عن عُتي بن ضمرة السعدي عن أبي بن كعب به مرفوعًا. رجاله ثقات والحسن مدلس وقد عنعن.\rوأخرجه أحمد (٥/ ١٣٦)، والمروزي في «زوائده» (٤٩٤)، وابن حبان في «صحيحه» (٧٠٢)، والشاشي (١٥٠١)، والطبراني في «المعجم الكبير» (١/ ١٩٨) وأبو نعيم في «الحلية» (١٣٩) وفي «معرفة الصحابة» (٧٥٧) والبيهقي في «الزهد» (٤١٤) من طرق عن أبي حذيفة - موسى بن مسعود - عن الثوري عن يونس بن عبيد به.\rوخالفه محمد بن عبد الله الأسدي فوقفه.\rأخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (١٣/ ٣٩٠) وموسى بن مسعود أبو حذيفة قال الحافظ: صدوق سيء الحفظ. وقال في محمد بن عبد الله الأسدي: ثقة ثبت، إلا أن في حديثهما عن الثوري ضعفًا.\rوأخرجه المروزي في «زوائده» (٤٩٢) من طريق هشيم. أخرجه ابن أبي الدنيا في «الجوع» (١٦٦) حدثنا أبو خيثمة ثنا إسماعيل ابن علية كلاهما عن يونس بن عبيد به موقوفًا.\rوأخرجه الطيالسي في «المسند» (٥٤٨)، ومن طريقه أبو نعيم في «الحلية» (١/ ٣١٩) عن أبي الأشهب.\rوأخرجه أبو حاتم في «الزهد» (٣٣) ثنا أبو عمر الحوضي ثنا يزيد بن إبراهيم التستري كلاهما عن الحسن عن أبي بن كعب موقوفًا. والحسن لم يدرك أبي بن كعب فالوقف أصح.\rوأخرجه أحمد (٣/ ٤٥٢) وابن أبي الدنيا في «الجوع» (١٦٤) والطبراني في «الكبير» (٨١٣٨) والبيهقي في «الشعب» (٩٩٨٩، ٥٢٦٦) من طريقين عن الحمادين عن ابن جدعان عن الحسن البصري عن الضحاك بن سفيان الكلاعي نحوه مرفوعًا. وابن جدعان ضعيف والحسن لم يسمع من الضحاك بن سفيان. =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288731,"book_id":1319,"shamela_page_id":224,"part":null,"page_num":226,"sequence_num":224,"body":"فَصْلٌ\rثم أخبر ﷾ عنها أنها يفاخر بعضنا بعضًا بها، فيطلبها ليفخر بها على صاحبه، وهذا حال كل من طلب شيئا للمفاخرة من مال أو جاه أو قوة أو علم أو زهد.\r* والمفاخرة نوعان: مذمومة ومحمودة.\rفالمذمومة: مفاخرة أهل الدنيا بها.\rوالمحمودة: أن يطلب المفاخرة في الآخرة، فهذه من جنس المنافسة المأمور بها، وهي أن الرجل ينفس على غيره بالشيء ويغار أن يناله دونه ويأنف من ذلك ويحمى أنفه له.","footnotes":"= ومرد هذا للأول فلا يعد شاهدًا.\rوأخرجه الطبراني في «الكبير» (٦/ ٢٤٨) بسند ضعيف عن الفريابي عن سفيان به نحوه مرفوعًا.\rوأخرجه المروزي في (زوائده) (٤٩١، ٤٩٢) عن سفيان مرسلا. وفي رواية على الشك.\rقال ابن صاعد: وقد روي هذا الحديث عن أبي بن كعب ووقفه بعض ورفعه بعض.\rوقال ابن الأثير في «النهاية في غريب الأثر» (٤/ ٨٤).\rأي تَوْبَلَه من القِزْح وهو التابِلُ الذي يُطرح في القِدْر كالكمُّون والكُزْبرة ونحو ذلك. يقال: قَزْحتُ القِدْر إذا تركْتُ فيها الأبَازِير.\rوالمعنى أنَّ المَطْعَم وإن تَكَلَّف الإنسان التَّنَوقَ في صنعته وتَطْييبه فإنه عائِد إلى حالٍ يُكْرَه ويُسْتَقْذَر فكذلك الدنيا المَحْرُوص على عِمارتها ونَظْم أسْبابها راجِعة إلى خَراب وإدْبارً.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288732,"book_id":1319,"shamela_page_id":225,"part":null,"page_num":227,"sequence_num":225,"body":"يقال: نَفِستُ عليه الشيءَ، أنفسه نفاسة إذا ضننت به، ولم تحب أن يصير إليه دونك، والتنافس تفاعل من ذلك، كأن كل واحد من المتنافسين يريد أن يسبق صاحبه إليه، وحقيقة المنافسة الرغبة التامة والمبادرة والمسابقة إلى الشيء النفيس.\r* * *","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288733,"book_id":1319,"shamela_page_id":226,"part":null,"page_num":228,"sequence_num":226,"body":"فَصْلٌ\rثم أخبر تعالى عنها أنها تكاثر في الأموال والأولاد؛ فيحب كل واحد أن يَكثر بني جنسه في ذلك، ويفرح بأن يرى نفسه أكثر من غيره مالًا وولدًا وأن يقال فيه ذلك، وهذا من أعظم ما يلهي النفوس عن الله والدار الآخرة؛ كما قال تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤)﴾ [التكاثر: ١ - ٤].\rوالتكاثر في كل شيء، فكل من شغله وألهاه التكاثر بأمر من الأمور عن الله والدار الآخرة، فهو داخل في حكم هذه الآية، فمن الناس من يلهيه التكاثر بالمال، ومنهم من يلهيه التكاثر بالجاه، أو بالعلم، فيجمعه تكاثرًا وتفاخرًا، وهذا أسوأ حالا عند الله ممن يكاثر بالمال والجاه فإنه جعل أسباب الآخرة للدنيا، وصاحب المال والجاه استعمل أسباب الدنيا لها وكاثر بأسبابها.\r* * *","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288734,"book_id":1319,"shamela_page_id":227,"part":null,"page_num":229,"sequence_num":227,"body":"فَصْلٌ\rثم أخبر سبحانه عن مصير الدنيا وحقيقتها وأنها بمنزلة غيث أعجب الكفار نباته.\rوالصحيح - إن شاء الله- أن الكفار هم الكفار بالله، وذلك عرف القرآن حيث ذكروا بهذا النعت في كل موضع، ولو أراد الزراع لذكرهم باسمهم الذي يعرفون به، كما ذكرهم به في قوله تعالى: ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ﴾ وإنما خص الكفار به لأنهم أشد إعجابًا بالدنيا، فإنها دارهم التي لها يعملون ويكدحون، فهم أشد إعجابا بزينتها وما فيها من المؤمنين.\rثم ذكر سبحانه عاقبة هذا النبات وهو اصفراره ويبسه، وهذا آخر الدنيا ومصيرها، ولو ملكها العبد من أولها إلى آخرها فنهايتها ذلك.\rفإذا كانت الآخرة انقلبت الدنيا واستحالت إلى عذاب شديد، أو مغفرة من الله وحسن ثوابه وجزائه، كما قال على بن أبي طالب ﵁: «الدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار عافية لمن فهم عنها، ومطلب نجح لمن سالم. فيها مساجد أنبياء الله، ومهبط وحيه، ومصلى ملائكته، ومتجر أوليائه، فيها اكتسبوا الرحمة، وربحوا فيها العافية، فمن ذا يذمها وقد آذنت بنيها، ونعت نفسها وأهلها، فتمثلت ببلائها، وشوقت بسرورها إلى السرور تخويفا وتحذيرا وترغيبا، فذمها قوم غداة الندامة، وحمدها آخرون؛ ذكرتهم فذكروا، ووعظتهم فاتعظوا. فيا أيها الذّامّ للدنيا المغتر بتغريرها متى استذمّت إليك؟ بل متى غرتك؟ أبمنازل آبائك في الثرى، أم بمضاجع أمهاتك في البلى؟! كم رأيت موروثا، كم عللت بكفيك عليلا، كم مرضت مريضا بيديك تبتغى له الشفاء، وتستوصف له الأطباء؟ ثم لم تنفعه شفاعتك، ولم تسعفه طلبتك، مثلت لك الدنيا غداة مصرعه مصرعك».","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288735,"book_id":1319,"shamela_page_id":228,"part":null,"page_num":230,"sequence_num":228,"body":"ثم التفت إلى المقابر فقال: «يا أهل الغربة ويا أهل التربة أما الدور فسكنت، وأما الأموال فقسمت، وأما الأزواج فنكحت، فهذا خبر ما عندنا، فهاتوا خبر ما عندكم»، ثم التفت إلينا فقال: «أما لو أذن لهم لأخبروكم أن خير الزاد التقوى) (¬١).\rفالدنيا في الحقيقة لا تذم وإنما يتوجه الذم إلى فعل العبد فيها، وهى قنطرة أو معبر إلى الجنة أو إلى النار.\rولكن لما غلبت عليها الشهوات والحظوظ والغفلة والإعراض عن الله والدار الآخرة فصار هذا هو الغالب على أهلها وما فيها، وهو الغالب على اسمها، صار لها اسم الذم عند الإطلاق وإلا فهي مبنى الآخرة ومزرعتها، ومنها زاد الجنة، وفيها اكتسبت النفوس الإيمان ومعرفة الله ومحبته وذكره ابتغاء مرضاته، وخير عيش ناله أهل الجنة في الجنة إنما كان بما زرعوه فيها وكفى بها مدحًا وفضلًا لأولياء الله فيها من قرة العيون، وسرور القلوب وبهجة النفوس ولذة الأرواح والنعيم الذي لا يشبهه نعيم بذكره ومعرفته ومحبته وعبادته والتوكل عليه والإنابة إليه والأنس به والفرح بقربه والتذلل له ولذة مناجاته والإقبال عليه والاشتغال به عمن سواه وفيها كلامه ووحيه وهداه وروحه الذي ألقاه من أمره فأخبر به من شاء من عباده.","footnotes":"(¬١) أسانيده ضعيفة: أخرجه ابن أبي الدنيا في «ذم الدنيا» (١٠٨، ١٤٧) وفيه انقطاع بين عبد الله بن صالح وابن عفراء.\rوأخرجه الدينوري في «المجالسة» (١٢١١) وفي إسناده الفضل بن موفق ضعيف، وحبيب بن أبي ثابت عن عاصم بن ضمرة لا يصح. قاله أبو داود.\rوأخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» (٨/ ٢٣٥) وابن عساكر (٥٨/ ٧٩) وفيه بشير بن زاذان متهم.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288736,"book_id":1319,"shamela_page_id":229,"part":null,"page_num":231,"sequence_num":229,"body":"ولقد فضل ابن عقيل وغيره هذا على نعيم الجنة، وقالوا: هذا حق الله عليهم وذاك حظهم ونعيمهم، وحقه أفضل من حظهم.\r* قالوا: والإيمان والطاعة أفضل من جزائه.\r* والتحقيق: أنه لا يصح التفضيل بين أمرين في دارين مختلفين، ولو أمكن اجتماعهما في دار واحدة لأمكن طلب التفضيل.\rفالطاعة والإيمان في هذه الدار أفضل ما فيها ودخول الجنة والنظر إلى وجه الله وسماع كلامه والفوز برضاه أفضل ما في الآخرة.\rفهذا أفضل ما في هذه الدار وهذا أفضل ما في الدار الأخرى، ولا يصح أن يقال: فأي الأمرين أفضل؟ فهذا أفضل الأسباب وهذا أفضل الغايات وبالله التوفيق (¬١).\r* * *","footnotes":"(¬١) «عدة الصابرين» (ص/ ٣٢٥) ط عالم الفوائد، وانظر: «طريق الهجرتين» (٢/ ٥٤٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288738,"book_id":1319,"shamela_page_id":231,"part":null,"page_num":233,"sequence_num":231,"body":"وهذا السياق لا يختص بالذي ذُكِرَت عنه هذه القصةُ بل هو عامٌّ في كل من أطاع الشيطان في أمره له بالكفر لينصره ويقضي حاجته فإنه يتبرأ منه ويسلمه كما يتبرأ من أوليائه جملة في النار ويقول لهم: ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم: ٢٢]. فأوردهم شر الموارد وتبرأ منهم كل البراءة.\rوتكلم الناسُ في قول عدو الله: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ﴾ فقال قتادة وابن إسحاق: صدق عدو الله في قوله: ﴿إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ [الأنفال: ٤٨]. وكذب في قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ﴾ والله ما به مخافة الله ولكن علم أنه لا قوة له ولا منعة فأوردهم وأسلمهم وكذلك عادة عدو الله بمن أطاعه.\rوقالت طائفة: إنما خاف بطش الله تعالى به في الدنيا كما يخاف الكافر والفاجر أن يقتل أو يؤخذ بجرمه لا أنه خاف عقابه في الآخرة وهذا أصح وهذا الخوف لا يستلزم إيمانا ولا نجاة.\rقال الكلبي: خاف أن يأخذه جبريل ويعرفهم حاله فلا يطيعونه (¬١)، وهذا فاسد فإنه إنما قال لهم ذلك بعد أن فر ونكص على عقبيه، إلا أن يريد أنه إذا عرف المشركون أن الذي أجارهم وأوردهم إبليس لم يطيعوه فيما بعد ذلك، وقد أبعد النجعة إن أراد ذلك وتكلف غير المراد.","footnotes":"= وكادا للمسلمين.\rوجملة ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ تذييل، والإِشارة إلى ما يدل عليه ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ﴾ من معنى، فكانت عاقبتهما سوأى والعاقبة السّوأى جزاء جميع الظّالمين المعتدين على الله والمسلمين، فكما كانت عاقبة الكافر وشيطانه عاقبة سوء كذلك تكون عاقبة الممثلين بهما وقد اشتركا في ظلم أهل الخير والهدى.\r(¬١) انظر: «تفسير البغوي» (٣/ ٣٦٧).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288739,"book_id":1319,"shamela_page_id":232,"part":null,"page_num":234,"sequence_num":232,"body":"وقال عطاء: إني أخاف الله أن يهلكني فيمن يهلك وهذا خوف هلاك الدنيا فلا ينفعه (¬١).\rوقال الزجاج وابن الأنباري: ظن أن الوقت الذي أنظر إليه قد حضر.\rزاد ابن الأنباري قال: أخاف أن يكون الوقت المعلوم الذي يزول معه إنظاري قد حضر فيقع بي العذاب فإنه لما عاين الملائكة خاف أن يكون وقت الانتظار قد انقضى فقال ما قال إشفاقًا على نفسه (¬٢).\r* * *","footnotes":"(¬١) ذكره البغوي في «تفسيره» (٣/ ٣٦٦).\r(¬٢) «إغاثة اللهفان» (١٠٩ - ١١٠) وانظر: «الفوائد» (ص/ ١٤٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288742,"book_id":1319,"shamela_page_id":235,"part":null,"page_num":237,"sequence_num":235,"body":"قَرِيبٍ أَوْ أَجْنَبِيٍّ، وَلَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا فِي الدُّنْيَا أَشَدَّ الِاتِّصَالِ، فَلَا اتِّصَالَ فَوْقَ اتِّصَالِ الْبُنُوَّةِ وَالْأُبُوَّةِ وَالزَّوْجِيَّةِ، وَلَمْ يُغْنِ نُوحٌ ﵊ عَنْ ابْنِهِ، وَلَا إبْرَاهِيمُ ﵊ عَنْ أَبِيهِ، وَلَا نُوحٌ ولُوطٌ عليهما الصلاة والسلام عَنْ امْرَأَتَيْهِمَا مِنْ اللهِ شَيْئًا، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: ٣]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩)﴾ [الانفطار: ١٩].\rوَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨]، وَقَالَ: ﴿وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾ [لقمان: ٣٣].\rوَهَذَا كُلُّهُ تَكْذِيبٌ لِأَطْمَاعِ المُشْرِكِينَ الْبَاطِلَةِ أَنَّ مَنْ تَعَلَّقُوا بِهِ مِنْ دُونِ الله مِنْ قَرَابَةٍ أَوْ صِهْرٍ أَوْ نِكَاحٍ أَوْ صُحْبَةٍ يَنْفَعُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَوْ يُجِيرُهُمْ مِنْ عَذَابِ الله تعالى، أَوْ تشْفَعُ لَهُمْ عِنْدَ اللهِ تعالى، وَهَذَا أَصْلُ ضَلَالِ بَنِي آدَمَ وَشِرْكِهِمْ، وَهُوَ الشِّرْكُ الَّذِي لَا يَغْفِرُهُ اللهُ، وَهُوَ الَّذِي بَعَثَ اللهُ تعالى جَمِيعَ رُسُلِهِ عليهم الصلاة والسلام وَأَنْزَلَ جَمِيعَ كُتُبِهِ بِإِبْطَالِهِ، وَمُحَارَبَةِ أَهْلِهِ وَمُعَادَاتِهِمْ.\r* * *","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288743,"book_id":1319,"shamela_page_id":236,"part":null,"page_num":238,"sequence_num":236,"body":"فَصْلٌ\r* وَأَمَّا المَثَلانِ اللَّذَانِ لِلْمُؤْمِنِينَ:\r* فَأَحَدُهُمَا امْرَأَةُ فِرْعَوْن (¬١).\rوَوَجْهُ المَثَلِ أَنَّ اتِّصَالَ المُؤْمِنِ بِالْكَافِرِ لَا يَضُرُّهُ شَيْئًا إذَا فَارَقَهُ فِي كُفْرِهِ وَعَمَلِهِ، فَمَعْصِيَةُ العاصي لَا تَضُرُّ المُطِيعَ شَيْئًا فِي الْآخِرَةِ، وَإِنْ تَضَرَّرَ بِهَا فِي الدُّنْيَا بِسَبَبِ الْعُقُوبَةِ الَّتِي تَحِلُّ بِأَهْلِ الْأَرْضِ إذَا أَضَاعُوا أَمْرَ اللهِ ﷿ فَتَأْتِي عَامَّةً، فَلَمْ تضُرَّ امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ اتِّصَالُهَا بِهِ وَهُوَ مِنْ أَكْفَرِ الْكَافِرِينَ، وَلَمْ يَنْفَع امْرَأَةَ نُوحٍ وَلُوطٍ اتِّصَالُهُمَا بِهِمَا وَهُمَا رَسُولَا رَبِّ الْعَالَمِينَ.\r* المَثَلُ الثَّانِي لِلْمُؤْمِنِينَ: مَرْيَم الَّتِي لَا زَوْجَ لَهَا، لَا مُؤْمِنٌ وَلَا كَافِرٌ، فَذَكَرَ ثَلَاثَةَ أَصْنَافٍ مِنْ النِّسَاءِ: المَرْأَةَ الْكَافِرَةَ الَّتِي لَهَا وَصْلَةٌ بِالرَّجُلِ الصَّالِحِ، وَالمَرْأَةَ الصَّالِحَةَ الَّتِي لَهَا وَصْلَةٌ بِالرَّجُلِ الْكَافِرِ، وَالمَرْأَةَ الْعَزبة الَّتِي لَا وَصْلَةَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَحَدٍ:\rفَالأَولَى: لَا تَنْفَعُهَا وَصْلَتُهَا وَسَبَبُهَا.\rوَالثَّانِيَةُ: لَا تَضُرُّهَا وَصْلَتُهَا وَسَبَبُهَا.\rوَالثَّالِثَةُ: لَا تضُرُّهَا عَدَم الْوَصْلَةِ شَيْئًا.","footnotes":"(¬١) أخرج الطبري في «تفسيره» رقم (٣٤٣٣٠) بإسناد حسن: عن قتادة قوله: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾ وكان أعتى أهل الأرض على الله، وأبعده من الله، فوالله ما ضرّ امرأته كُفر زوجها حين أطاعت ربها، لتعلموا أن الله حكم عدل، لا يؤاخذ عبده إلا بذنبه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288744,"book_id":1319,"shamela_page_id":237,"part":null,"page_num":239,"sequence_num":237,"body":"ثُمَّ فِي هَذِهِ الْأَمْثَالِ مِنْ الْأَسْرَارِ الْبَدِيعَةِ مَا يُنَاسِبُ سِيَاقَ السُّورَةِ؛ فَإِنَّهَا سِيقَتْ فِي ذِكْرِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ، وَالتَّحْذِيرِ مِنْ تَظَاهُرِهِنَّ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُنَّ إنْ لَمْ يُطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ ﷺ وَيُرِدْنَ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَمْ يَنْفَعْهُنَّ اتِّصَالُهُنَّ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ كَمَا لَمْ يَنْفَعْ امْرَأَة نُوحٍ وَلُوط اتِّصَالهمَا بِهِمَا، وَلِهَذَا إنَّمَا ضَرب الله فِي هَذِهِ السُّورَةِ مَثَل اتِّصَال النِّكَاحِ دُونَ الْقَرَابَةِ.\rقَالَ يَحْيَى بْنُ سَلَّام (¬١): ضَرَبَ اللهُ المَثَلَ الْأَوَّلَ يُحَذِّرُ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ، ثُمَّ ضَرَبَ لَهُمَا المَثَلَ الثَّانِيَ يُحَرِّضُهُمَا عَلَى التَّمَسُّكِ بِالطَّاعَةِ.\rوَفِي ضَرْبِ المَثَلِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِمَرْيَمَ أَيْضًا اعْتِبَارٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّهَا لَمْ يَضُرَّهَا عِنْدَ اللهِ شَيْئًا قَذْفُ أَعْدَاءِ اللهِ تعالى الْيَهُودَ لَهَا، وَنِسْبَتُهُمْ إيَّاهَا وَابْنَهَا إلَى مَا بَرَّأَهُمَا اللهُ عَنْهُ، مَعَ كَوْنِهَا الصِّدِّيقَةُ الكُبْرَى الْمُصْطَفَاةُ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ؛ فَلَا يَضُرُّ الرَّجل الصَّالح قَذف الْفُجَّارِ وَالْفُسَّاقِ فِيهِ.\rوَفِي هَذَا تَسْلِيَةٌ لِعَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ إنْ كَانَتْ السُّورَةُ نَزَلَتْ بَعْدَ قِصَّةِ الْإِفْكِ، وَتَوْطِينِ نَفْسِهَا عَلَى مَا قَالَ فِيهَا الْكَاذِبُونَ إنْ كَانَتْ قَبْلَهَا.\rكَمَا فِي التَّمْثِيلِ بِامْرَأَةِ نُوحٍ وَلُوطٍ تَحْذِيرٌ لَهَا وَلِحَفْصَةَ مِمَّا اعْتَمَدَتَاهُ فِي حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ: فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْأَمْثَالُ التَّحْذِيرَ لَهُنَّ وَالتَّخْوِيفَ، وَالتَّحْرِيضَ لَهُنَّ عَلَى الطَّاعَةِ وَالتَّوْحِيدِ، وَالتَّسْلِيَة وَتَوْطِين النَّفْسِ لِمَنْ أُوذِيَ مِنْهُنَّ وَكُذِبَ عَلَيْهِ.\rوَأَسْرَارُ التَّنْزِيلِ فَوْقَ هَذَا وَأَجَلُّ مِنْهُ، وَلَا سِيَّمَا أَسْرَارُ الْأَمْثَالِ الَّتِي لَا يَعْقِلُهَا إلَّا الْعَالِمُونَ (¬٢).","footnotes":"(¬١) له ترجمة في «السير» (٩/ ٣٩٦ - ٣٩٧).\r(¬٢) «إعلام الموقعين» (٢/ ٣٢٠ - ٣٢٣) وانظر: «جلاء الأفهام» (١/ ٢٣٠) ط دار العروبة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288746,"book_id":1319,"shamela_page_id":239,"part":null,"page_num":241,"sequence_num":239,"body":"﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ [القلم: ١٧] (¬١).","footnotes":"(¬١) قال ابن كثير ﵀: هذا مَثَل ضَرَبه الله تعالى لكفار قريش فيما أهدى إليهم من الرحمة العظيمة، وأعطاهم من النعم الجسيمة، وهو بَعْثُهُ محمدًا ﷺ إليهم، فقابلوه بالتكذيب والرد والمحاربة؛ ولهذا قال: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ﴾ أي: اختبرناهم، ﴿كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ وهي البستان المشتمل على أنواع الثمار والفواكه ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ أي: حلفوا فيما بينهم لَيجُذَّنَ ثَمرها ليلًا لئلا يعلم بهم فقير ولا سائل، ليتوفر ثمرها عليهم ولا يتصدقوا منه بشيء، ﴿وَلَا يَسْتَثْنُونَ﴾ أي: فيما حلفوا به. ولهذا حنثهم الله في أيمانهم، فقال: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ أي: أصابتها آفة سماوية، ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ قال ابن عباس: أي كالليل الأسود. وقال الثوري، والسدي: مثل الزرع إذا حُصِد، أي هشيمًا يبسًا.\r﴿فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ﴾ أي: لما كان وقت الصبح نادى بعضهم بعضًا ليذهبوا إلى الجَذَاذ.\r﴿أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ﴾ أي: تريدون الصرام.\r﴿فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾ أي: يتناجون فيما بينهم بحيث لا يُسمعون أحدًا كلامهم. ثم فسر الله عالم السر والنجوى ما كانوا يتخافتون به، فقال: ﴿فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (٢٣) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤)﴾ أي: يقول بعضهم لبعض: لا تمكنوا اليوم فقيرًا يدخلها عليكم!\rقال الله تعالى: ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ﴾ أي: قوة وشدة.\rوقال مجاهد: ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ﴾ أي: جد.\r﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ أي: عليها فيما يزعمون ويَرومون.\r﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ﴾ أي: فلما وصلوا إليها وأشرفوا عليها، وهي على الحالة التي قال الله ﷿، قد استحالت عن تلك النضارة والزهرة وكثرة الثمار إلى أن صارت سوداء مُدْلَهِمَّة، لا ينتفع بشيء منها، فاعتقدوا أنهم قد أخطئوا الطريق؛ ولهذا قالوا: ﴿إِنَّا لَضَالُّونَ﴾ أي: قد سلكنا إليها غير الطريق فتُهنا عنها. قاله ابن عباس وغيره. ثم رجعوا عما كانوا فيه، وتيقنوا أنها هي فقالوا: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: بل هذه هي، ولكن نحن لا حَظّ لنا ولا نصيب.\r﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ أي: أعدلهم وخيرهم: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾! =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288747,"book_id":1319,"shamela_page_id":240,"part":null,"page_num":242,"sequence_num":240,"body":"قال: هذه مدينة ضَرَوَان (¬١) قد مررتُ بها، وهي قريبة من عبد الرزاق، رأيتها سوداء حمراء، أثرُ النار يتبين فيها، ليس فيها أثر زرع ولا خضرة، إنما غَدَوا","footnotes":"= قال مجاهد، والسدي، وابن جريج: ﴿لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾ أي: لولا تستثنون.\rقال السدي: وكان استثناؤهم في ذلك الزمان تسبيحًا. وقال ابن جريج: هو قول القائل: إن شاء الله.\rوقيل: معناه: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾ أي: هلا تسبحون الله وتشكرونه على ما أعطاكم وأنعم به عليكم، ﴿قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ أتوا بالطاعة حيث لا تنفع، وندموا واعترفوا حيث لا ينفع؛ ولهذا قالوا: ﴿إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ﴾ أي: يلوم بعضهم بعضًا على ما كانوا أصروا عليه من منع المساكين من حق الجذاذ، فما كان جواب بعضهم لبعض إلا الاعتراف بالخطيئة والذنب، ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾ أي: اعتدينا وبَغَينا وطغينا وجاوزنا الحد حتى أصابنا ما أصابنا، ﴿عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾ قيل: رغبوا في بذلها لهم في الدنيا. وقيل: احتسبوا ثوابها في الدار الآخرة، والله أعلم.\rقال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ الْعَذَابُ﴾ أي: هكذا عذاب من خالف أمر الله، وبخل بما آتاه الله وأنعم به عليه، ومنع حق المساكين والفقراء وذوي الحاجات، وبدل نعمة الله كفرا ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أي: هذه عقوبة الدنيا كما سمعتم، وعذاب الآخرة أشق. انتهى مختصرًا.\r(¬١) ضروان بفتحات؛ بليد قرب صنعاء، سمي باسم واد هو على طرفه، وذلك الوادي مستطيل هذه المدينة في طرفه من جهة صنعاء وطول الوادي مسيرة يومين أو ثلاثة، وعلى طرفه الآخر من جهة الجنوب مدينة يقال لها: شوابة، وهذا الوادي المسمى بضروان هو بين هاتين البلدتين، قيل: هي الأرض التي ذكرها الله تعالى في كتابه العزيز. وقيل إنها كانت أحسن بقاع الله في الأرض، وأكثرها نخلًا وفاكهة، وإن أهلها غدوا إليها وتواصوا ألا يدخلها عليهم مسكين فأصبحوا فوجدوا نارًا تأجج فمكثت النار تتقد فيها ثلاثمائة سنة وبينها وبين صنعاء أربعة فراسخ. «معجم البلدان» (٣/ ٤٥٦).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288748,"book_id":1319,"shamela_page_id":241,"part":null,"page_num":243,"sequence_num":241,"body":"على أن يصرموها أو يجذوها وفيها حرث، وكانوا قد أقسموا أن لا يدخلها مسكين: ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ قد أكلتها النار حتى تركتها سوداء.\rقال ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ أعدلهم (¬١).\r* * *","footnotes":"(¬١) «بدائع الفوائد» (٣/ ١٠١٨ - ١٠١٩).","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1288750,"book_id":1319,"shamela_page_id":243,"part":null,"page_num":245,"sequence_num":243,"body":"بَعْضُهَا بَعْضًا وَحَضَّهُ عَلَى النُّفُورِ، فَإِنَّ فِي الِاسْتِفْعَالِ مِنْ الطَّلَبِ قَدْرًا زَائِدًا عَلَى الْفِعْلِ المُجَرَّدِ فَكَأَنَّهَا تَوَاصَتْ بِالنُّفُورِ، وَتَوَاطَأَتْ عَلَيْهِ، وَمَنْ قَرَأَهَا بِفَتْحِ الْفَاءِ (¬١). فَالمَعْنَى أَنَّ الْقَسْوَرَةَ اسْتَنْفَرَهَا وَحَمَلَهَا عَلَى النُّفُورِ بِبَأْسِهِ وَشِدَّتِهِ (¬٢). والحمد لله أولًا وآخرًا، وباطنًا وظاهرًا.\rوصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين (¬٣).\r* * *","footnotes":"(¬١) قال البناء في «إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعة عشر» (ص/ ٥٦٢): واختلف في (مستنفرة) فنافع وابن عامر وأبو جعفر بفتح الفاء اسم مفعول، أي: ينفرها القناص، والباقون بكسرها بمعنى نافرة. قال الزمخشري: كأنها تطلب النفار في نفوسها في جمعها له وحملها عليه. انتهى. فأبقى السين على بابها، قال السمين: وهو معنى حسن. وانظر: «الموضح في وجوه القراءات وغيرها» (٣/ ١٣١٤).\r(¬٢) «إعلام الموقعين» (٢/ ٢٨٧ - ٢٨٨).\r(¬٣) انظر: «هداية الحيارى» (ص/ ٤٥٠).\rوكان الفراغ منه يوم الأحد السادس عشر من شهر ذي الحجة عام تسعة وعشرين وأربعمائة وألف من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام. الموافق ١٤/ ١٢/ ٢٠٠٨ م.\rوكتبه\rأبو أويس أشرف بن نصر بن صابر الكردي\rمصر/ كفر الشيخ/ بلطيم/ الحنفي الكبرى\rنزيل منية سمنود/ أجا/ الدقهلية.\rجوال/ ٠١٠٧١٩٢٦٩٩","hints":null,"services_raw":null}