{"page_id":1632976,"book_id":1630,"shamela_page_id":1,"part":null,"page_num":1,"sequence_num":1,"body":"الكتاب: القواعد الحسان في أسرار الطاعة والاستعداد لرمضان\rالمؤلف: المعتز بالله أبو محمد رضا أحمد صمدي\rتقديم: فضيلة الشيخ / أبو إسحق الحويني، فضيلة الشيخ / محمد حسين يعقوب\rالطبعة: الثالثة ١٤٢٠ هـ\rالناشر: مكتبة الفهيد بجدة - السعودية\rالأجزاء: ١\rمصدر الكتاب: أرسله الأخ أيمن إبراهيم إلى الموقع\r[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1632977,"book_id":1630,"shamela_page_id":2,"part":null,"page_num":2,"sequence_num":2,"body":"الطبعة الثالثة\r\r١٤٢٠ هـ / ١٩٩٩ م","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1632978,"book_id":1630,"shamela_page_id":3,"part":null,"page_num":3,"sequence_num":3,"body":"تقديم الشيخ / أبى إسحاق الحوينى\r﷽\rإن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\rأما بعد:\rفإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هديُ محمد ﷺ، وشرَّ الأمور محدثاتها، وكلَّ محدثةٍ وكلَّ بدعة ضلالةٌ، وكل ضلالةٍ في النار.\rفقد دفع إليَّ أخونا في الله تعالى- رضا بن أحمد حمدي- بكتاب جمعه في الأسباب المعينة على تكميل العيادة لله ﷿، وخصَّ منها الصيام الذي يحقق به العبد مرتبة الإحسان بدوام مراقبة الرحمن، ولذلك قال الله ﷿: \" الصيام لي وأنا أجزي به \" مع أن سائر العبادة لله ﷿، وثوابها للعبد، فرأيتُ في الكتاب نبذًا لطيفًا من العلم، مع سهولة عباراته، وتجنُّب الدخول في مضايق المسائل الخلافية، فالله أسأل أن ينفع به جامعه وقارئه، يوم تكون العاقبة للمتقين.\rوالحمد لله أولاً وآخرًا ظاهرًا وباطنًا.\rوكتبه\rأبو إسحاق الحويني الأثري\rحامدًا الله تعالى، ومصليًا على نبينا محمدٍ وآله وصحبه،\r٢١/رجب/١٤١","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1632979,"book_id":1630,"shamela_page_id":4,"part":null,"page_num":4,"sequence_num":4,"body":"تقديم الشيخ / محمد حسين يعقوب\r﷽\rالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وآله.\rفي عصر طغت فيه الماديات، يتشوف العبد المؤمن إلى روزنة يطل منها على روحانية الإسلام.\rوفي عصر الإلكترونيات الذي ليس من مأساته أنه توصل إلى صناعة آلات تعمل كالإنسان ولكن المأساة أنها خلفت إنسانًا يعمل كالآلة فحتى العبادات صارت روتينية تحولت إلى عادات، وفقدت روحها في هذا العصر الذي أغرق في المادة ففقد الروح… يأتينا هذا الكتيب اللطيف من تأليف أخينا الفاضل وشيخنا الهمام رضا آل صمدي حفظه الله.\rوياله من فتى معلم، صغير السن، غزير العلم، قليل اللحم، عظيم الفهم انتقى ألفاظ وأبواب هذا الكتاب من كلمات السلف، وعلى منهجهم كما تنتقي أطايب التمر ليجلو للأبصار حقيقة العبادة، وهو وإن كان يتكلم في فرع من فروع العبادة وهي الصيام فإن من أسراره استيعاب وشمول الإسلام.\rفإليك الكتاب تأمل أبوابه، وقلب صفحاته، واجتهد أن تعمل بكل حرف من حروفه، واصبر عليها تؤتك ثمارها.\rوأخيرًا فإني لست من أهل صناعة الكلام ولا تزويق الألفاظ ولست أهلاً أصلاً لان أقدم لكتاب ذلك الفتى الفاضل، ففي كتابه غنية، وفيه كفاية، ويعلم الله أنني قد استفدت منه على مدار هاتين السنتين، ووفر عليَّ عناء بحث وجمع في بعض الموضوعات، وفتح لي أفكار وعناصر بعض الخطب والدروس.\rفللطالب وللعامل وللمربي وللداعية والواعظ أنصح: هذا زاد طيب فأقبل ولا تخف وانهل واعمل واصبر وتقدم ولا تقف.\rوكتب/ محمد بن حسين يعقوب\rعفا عنه علام الغيوب\rفي ليلة الخامس عشر من رجب ١٤١٩هـ\r٥/١١/١٩٩٨م","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1632980,"book_id":1630,"shamela_page_id":5,"part":null,"page_num":5,"sequence_num":5,"body":"﷽\rمقدمة\rإن الحمد لله، نحمده، نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله ﷺ تسليمًا كثيرًا وعلى آله وصحبه وأزواجه وأتباعه إلى يوم وبعد…\r\rفقد أجمع العقلاء على أن أنفس ما صرفت له الأوقات هو عبادة رب الأرض والسموات، والسير في طريق الآخرة، وبذل ثمن الجنة، والسعاية للفكاك من النار.\rولما كان هذا الطريق كغيره من الطرق والدروب تكتنفه السهول والوهاد والوديان والجبال والمفاوز ويتربص على جنباته قطاع الطرق ولصوص القلوب، احتاج السائر إلى تلمس خِرِّيتٍ (١) يبصره الدروب الآمنة، والمسالك النافذة، ويعرفه مكامن اللصوص، وأفضل الأزمنة، أنسب الأوقات للجدّ في","footnotes":"(١) الدليل الحاذق في معرفة الطريق والمسالك.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1632981,"book_id":1630,"shamela_page_id":6,"part":null,"page_num":6,"sequence_num":6,"body":"السفر، وقد كان هذا الخريت هو منهج سلفنا الصالح في النسك، وطرائقهم في السير إلى الله وعباراتهم في الدلالة عليه، كانت بحق خير مِعْوان على انتحاء جهة الأمان.\rوهذا النسك السلفي العتيق، والمنهج السني الرشيد في التزكية، لا غنى عنه لكل طالب طريق السلامة، فلا عصمة لمنهج في مجمله إلا منهج السلف الصالح.\rدع عنك ما قاله العصري منتحلاً\rوبالعتيق تمسك قط واعتصمِ\rولما كانت الأزمنة الفاضلة من أنسب أوقات الجد والاجتهاد في الطاعة وكان شهر رمضان من مواسم الجود الإلهي العميم، حيث تُعْتَق الرقاب من النار، وتوزع الجوائز الربانية على الأصفياء والمجتهدين، كان لزامًا أن تتواصى الهمم على تحصيل الغاية من مرضاة الرب في هذا الشهر، وهو من التواصي بالحق المأمور به في سورة العصر، وإذا كان دعاة الباطل واللهو والفجور تتعاظم هِمَمُهُم في الإعداد لغواية الخلق في هذا الشهر بما يذيعونه بين الناس من مسلسلات ورقص ومجون وغناء، فأَخْلِقْ بأهل الإيمان أن ينافسوهم في هذا الاستعداد، ولكن في البر والتقوى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1632982,"book_id":1630,"shamela_page_id":7,"part":null,"page_num":7,"sequence_num":7,"body":"ولقد صامت أمتنا دهورًا، غير أن صومها لهذا الشهر ما كان يزيدها إلا بعدًا عن ربها ومليكها وحاكمها الحقيقي، فصار رمضان موسمًا مفرّغًا من مضمونه مجردًا من حقائقه، بل صار ميدانًا للعربدة وشغل الأوقات بما يغضب الكريم المتعال.\rولو تجهزت الأمة لهذا الشهر الفضيل وأعدت له عدته، وشمر الناس جميعًا سواعد الجد وشدوا مآزرهم في الطاعة لرأينا أمة جديدة تولد ولادة شرعية، وذلك بعد استعداد جاد ومخاض عولجت فيه الهمم والعزائم لتدخل في الشهر وهي وثابة إلى الطاعات.\rوهذه الرسالة نصيحة لعام المسلمين بَثْتُها غَيْرةً على حالهم مع الله في هذا الشهر، وجُهد مُقِلٍّ أبذله تأثّمًا، ويعلم ربي ما هنالك.\rهي منهاج في كيفية الاستعداد لشهر رمضان، وجدول أعمال تفصيلي لما ينبغي أن يقوم به سالك طريق الآخرة، إرشادات نفيسة من أئمة التربية والتزكية من السلف الصالح تقود المرء قيادةً حثيثة للوصول إلى درب القَبول.\rحرصْنا فيها أن تكون واقعية وعملية وتفصيلية، وقبل ذلك سلفية سنّية.\rالأحاديث والآثار الضعيفة التي استأنست بها مع بيان ضعفها غالبًا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1632983,"book_id":1630,"shamela_page_id":8,"part":null,"page_num":8,"sequence_num":8,"body":"بينّا فيها طرق الاستعداد للشهر الكريم بعزيمة قوية قادرة على الاجتهاد الحقيقي في الطاعة بدلاً من الأماني والأحلام، وأطلنا النَّفَس جداً في بيان أسرار الطاعات والعبادات وكيفية تحصيل اللذة منها، وسردنا جملة من العبادات المهجورة والطاعات المتروكة، ونصصنا على صفات بعض قطاع الطريق إلى الله، في حنايا هذه الرسالة حرصنا على ذكر بعض منازل السائرين ومقامات السالكين في طريق الآخرة حتى تتواثب الأشواق في قلوب المتنسكين ليصلوا إلى ما وصل إليه القوم، ويحصّلوا المغفرة في شهر المغفرة والرحمة، وقد تركتُ للنفس سجيتها في سطر هذه المعاني ولم أتانق كثيرًا في الترتيب والتبويب، ولكن حرصت على النقل من الكتب المعتمدة عند علمائنا وشيوخنا، وما نقلته عن الغزالي ﵀ في الإحياء هذبته واختصرته ونقيته من كل ما يشوبه، والحكمة ضالة المؤمن، وحرصت على الاستدلال بالأحاديث الصحاح والحسان إلا بعض\rوأنا لك ناصح أيها الحبيب: إذا أردت استفادة من هذا السفر فلا تمر على ألفاظه مر الكرام، بل جُلْ بخواطرك حول المعنى ومعنى المعنى، فلقد استلَلْتُ لك النقيَّ وانتقيت لك الأطايب،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1632984,"book_id":1630,"shamela_page_id":9,"part":null,"page_num":9,"sequence_num":9,"body":"فإذا استدللت بآية فحُمْ حول حماها ثم طف في أعماق مداها، وإذا ذكرت لك حديثًا فتمثل نفسك كأنك جالس بين يدي النبي ﷺ تسمعه وتتدبر عنه، وإذا رويت لك سيرة عبقري من السلف فهَبْ نفسك ترمُقُه عن كثب كأنك في حضرته تشتار من رحيق كلماته، وبدون ذلك فلا تتعنَّ، فإنما صنفناه لك لتتذوق لا لتقول للناس قرأته.\rواعلم أخيرًا أن ما ذكرته لك في هذه الرسالة إن هي إلى محاولة لتكوين صورة عن الشخصية الربانية ذات العلاقة العامرة بإله الكون، والمهيَّئة لسيادة البشرية وإنقاذها من وَهْدَتِها.\rوآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.\rوكتبه\rالمعتز بالله أبو محمد رضا بن أحمد صمدي\rعفا الله عنه وعن والديه ومشايخه آمين\rظهر الخميس ١٧ صفر ١٤١٧هـ الموافق ٧ يوليه ١٩٩٦م","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1632985,"book_id":1630,"shamela_page_id":10,"part":null,"page_num":10,"sequence_num":10,"body":"القاعدة الأولى\rبعث واستثارة الشوق إلى الله\r\rعلى مر الأيام والليالي يُخْلَقُ الإيمان في القلب (١) وتصدأ أركان المحبة فتحتاج إلى من يهبك سربالاً إيمانًا جديدًا تستقبل به شهر رمضان، واصل القدرة على فعل الشيء معونة الله ثم مؤونة العبد، ونعني بالمؤونة رغَبته وإرادته، فعلى قدر المؤونة تأتي المعونة.\rوفي الحديث القدسي: \"إذا تقرب العبد إليّ شبرًا تقربت إليه ذراعًا، وإذا تقرب إليّ ذراعًا تقربت منه باعًا، وإذا أتاني يمشي يمشي أتيته هرولة\" رواه البخاري.\rفالبداءة من العبد ثم الإجابة حتمًا من الرب: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ .\rفلابد من إثارة كوامن شوقك إلى الله ﷿ حتى تلين لك الطاعات فتؤديها ذائقًا حلاوتها ولذتها، وأية لذة يمكن أن تحصلها من قيام الليل ومكابدة السهر ومراوحة الأقدام المتعبة أو ظمأ الهواجر أو ألم جوع البطون إذا لم يكن كل ذلك مبنيًا على معنى:","footnotes":"(١) عن عبد الله بن عمر قال: قال ﷺ: \"إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثواب فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم\" رواه الطبراني والحاكم (صحيح الجامع) .","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1632986,"book_id":1630,"shamela_page_id":11,"part":null,"page_num":11,"sequence_num":11,"body":"﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ (١) ؟! ومن لبى نداء حبيبه بدون شوق يحدوه فهو بارد سمج، دعوى محبته لا طعم لها.\rلا جرم كان من دعاء النبي ﷺ في صلاته: \"وأسألك الرضا بالقضاء وبرد العيش بعد الموت ولذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك…\" رواه النسائي بسند صحيح.\rوشوقك لربك ولإرضائه أفناه رَين الشبهات والشهوات وأهلكته جوائح المعاصي ومرور الأزمنة دون كدح إلى الله، فتحتاج يا باغي الخير إلى بعث هذا الشوق من جديد لو كان ميتًا، أو استثارته إن كان موجودًا كامنًا.\r\rعوامل بعث الشوق إلى الله\r١- مطالعة أسماء الله الحسنى وصفاته العلى، وتدبر كلامه وفهم خطابه فإن من شأن هذه المطالعة والفهم والتدبر فيها أن يشحذ من القلب همة للوصول إلى تجليات هذه الأسماء والصفات والمعاني، فتتحرك كوامن المعرفة في القلب والعقل ويأتي عندئذٍ المدد (٢) .\rوتأمل قصة أبي الدحداح في فهمه كلام ربه كيف حرك أريحيَّتُه وألبسه حب البذل.","footnotes":"(١) قال أبو حيان الأندلسي ﵀: (لما نهض موسى- ﵇ ببني إسرائيل إلى جانب الطور الأيمن حيث كان الموعد أن يكلم الله موسى بما فيه شرف العاجل والآجل، رأى على وجه الاجتهاد أن يتقدم وحده مبادرًا إلى أمر الله وحرصًا على القرب منه وشوقًا إلى مناجاته) أهـ: البحر المحيط (٦/٢٦٦) .\r(٢) راجع لزامًا كلام ابن القيم في الفائدة السادسة والثلاثين من فوائد الذكر من كتابه الطيب \"الوابل الصيب\".","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1632987,"book_id":1630,"shamela_page_id":12,"part":null,"page_num":12,"sequence_num":12,"body":"فعن عبد الله بن مسعود قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ قال أبو الدحداح الأنصاري: وإن الله يريد منا القرض؟ قال: نعم يا أبا الدحداح، قال: أرني يدك يا رسول الله، قال فناوله رسول الله يده، قال فإني أقرضت ربي حائطي، قال: حائطه له ستمائة نخلة وأم الدحداح فيه وعيالها. قال فجاء أبو الدحداح فنادي يا أم الدحداح! قالت: لبيك، قال: أخرجي من الحائط فإني أقرضته ربي ﷿، وفي رواية أخرى أنها لما سمعته يقول ذلك عمدت إلى صبيانها تُخرج ما في أفواههم وتنفض ما في أكمامهم فقال النبي ﷺ: \"كم من عِذْقٍ رَدَاح في الجنة لأبي الدحداح\" (١) .\rوتأمل رعاك الله من عَطَنِ الشبهات كيف فهم الصحابي من كلام الله ﷿ المعنى الظاهر بدون أن يكون في قلبه تردد أو تهيب لأن شجرة إيمانه قامت على ساق التنزيه (٢) .\r٢- مطالعة منن الله العظيمة وآلائه الجسيمة فالقلوب مجبولة على حب من أحسن إليها ولذلك كثر في القرآن سوقُ آيات النعم الخلق والفضل تنبيهًا لهذا المعنى، وكلما ازددت علمًا بنعم الله عليك كلما ازددت شوقًا لشكره على نعمائه.","footnotes":"(١) العذق من النخل كالعنقود من العنب، رداح: ثقيل لكثرة ما فيه من التمر، انظر \"الإصابة\" في (٧/٥٧) و\"صفة الصفوة\" (١/٦١٧) .\r(٢) لابن القيم ﵀ مقالات رائقة حول كثير من الأسماء والصفات جمعها بعضهم في كتاب مستقل، وللغزالي رسالة اختصرها النبهاني في \"مختصر المقصد الأسني\" لا تخلو من هنات تظهر لممارس الكتاب والسنة.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1632988,"book_id":1630,"shamela_page_id":13,"part":null,"page_num":13,"sequence_num":13,"body":"٣- التحسر على فوت الأزمنة في غير طاعة الله، بل قضاؤها في عبادة الهوى. قال ابن القيم: وهذا اللحظ يؤدي به إلى مطالعة الجناية، والوقوف على الخطر فيها، والتشمير لتداركها والتخلص من رقها وطلب النجاة بتمحيصها. أهـ.\r٤- تذكر سبق السابقين مع تخلفك مع القاعدين يورثك هذا تحرقًا للمسابقة والمسارعة والمنافسة، وكل ذلك أمر الله به، قال تعالى: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ﴾ وقال: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ﴾ وقال: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ .\rواعلم- يا مريد الخير- أن بعث الشوق وظيفة لا ينفك عنها السائر إلى الله ﷿، ولكن ينبغي مضاعفة هذا الشوق قبل شهر رمضان لتُضاعف الجهد فيه، وهذا الشوق نوع من أنواع الوقود الإيماني الذي يُحفّز على الطاعة، ثم به يذوق المتعبد طعم عبادته ومناجاته.\rومجالات الشوق عندك كثيرة أعظمها وأخطرها الشوق إلى رؤية وجه الله ﷿، ويمكنك أن تتمرن على قراءة هذا الحديث مع تحديث نفسك بمنزلتها عند الله، وهل ستنال شرف رؤيته أم لا؟ قال ﷺ: \"إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول ﵎: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيّض وجوهنا؟ ألم تُدخلنا الجنة وتنجّنا من النار؟ فيُكشفُ الحجاب، فما أُعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم\". رواه مسلم.\rوفي مجالات الشوق: الشوق إلى لقاء الله وإلى جنته ورحمته ورؤية أوليائه في الجنة وخاصة الشوق للقاء النبي ﷺ في الفردوس الأعلى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1632989,"book_id":1630,"shamela_page_id":14,"part":null,"page_num":14,"sequence_num":14,"body":"واعلم أن لهذا الشوق لصوصًا وقطاعًا يتعرضون لك، فاحذر الترفه (وخاصة في شهر رمضان) واحذر فتنة الأموال، والأولاد والأزواج، خلفهم وراءك ولا تلتفت وامض حيث تؤمر، واجعل شعارك في شهر رمضان: ﴿قَالَ هُمْ أُولَاء عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْك رَبِّ لِتَرْضَى﴾ .\rفحيَّهلا إن كنت ذا همةٍ فقدْ\rحدا بك حادي الشوق فاطو المراحلا\rولا تنتظر بالسير رفقة قاعدٍ\rودعُه فإن العزم يكفيك حاملاً\r\r***\r\rالقاعدة الثانية\rمعرفة فضل المواسم ومنة الله فيها وفرصة العبد منها\r\rقال ابن رجب ﵀: وجعل الله ﷾ لبعض الشهور فضلاً على بعض، كما قال تعالى: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾ وقال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ وقال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ كما جعل بعض الأيام والليالي أفضل من بعض، وجعل ليلة القدر خيرًا من ألف شهر، وأقسم بالعشر وهي عشر ذي الحجة على الصحيح (وما في هذه المواسم الفاضلة موسمٌ إلا ولله تعالى فيه وظيفة من وظائف طاعته، يُترَّب بها إليه، ولله فيه لطيفة من","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1632990,"book_id":1630,"shamela_page_id":15,"part":null,"page_num":15,"sequence_num":15,"body":"لطائف نفحاته، يصيب بها من يعود بفضله ورحمته عليه، فالسعيد من اغتنم مواسم الشهور والأيام والساعات، وتقرب فيها إلى مولاه بما فيها من وظائف الطاعات فعسى أن تصيبه نفحة من تلك النفحات فيسعد بها سعادة يأمن بعدها من النار وما فيها من اللفحات، وقد خرج ابن أبي الدنيا والطبراني وغيرهما من حديث أبي هريرة مرفوعًا: \"اطلبوا الخير دهركم كله وتعرضوا لنفحات ربكم فإن لله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده وسلوا الله أن يستر عوراتكم ويؤُمن روعاتكم\" (ضعيف الجامع) .\rوفي الطبراني من حديث محمد بن مسلمة مرفوعًا: \"إن لله في أيام الدهر نفحات فتعرضوا لها، فلعل أحدكم أن تصيبه نفحة فلا يشقى بعدها أبدًا\" (صحيح الجامع) .\rوفي مسند الإمام أحمد عن عقبة بن عامر عن النبي ﷺ قال: \"ليس من عمل يوم إلا يُختم عليه\" (صحيح الجامع) .\rروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن مجاهد قال: ما من يوم إلا يقول: ابن آدم قد دخلت عليك اليوم ولن أرجع إليك بعد اليوم فانظر ماذا تعمل فيّ، فإذا انقضى طواه، ثم يختم عليه فلا يفك حتى يكون الله هو الذي يَفُضُّ ذلك الخاتم يوم القيامة، ويقول اليوم حين ينقضي: الحمد لله الذي أراحني من الدنيا وأهلها، ولا ليلةٍ تدخل على الناس إلا قالت كذلك، وبإسناده (أي ابن أبي الدنيا) عن مالك بن دينار.\rوعن الحسن قال: ليس يوم يأتي من أيام الدنيا إلا يتكلم، يقول: يا أيهال الناس: إني يوم جديد وإني على ما يُعمل فيّ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1632991,"book_id":1630,"shamela_page_id":16,"part":null,"page_num":16,"sequence_num":16,"body":"شهيد، وإني لو قد غربت الشمس لم أرجع إليكم إلى يوم القيامة. وعنه أنه كان يقول: يا ابن آدم اليوم ضيفك، والضيف مرتحل يحمدك أو يذمُّك، وكذلك ليلتك، وبإسناده عن بكر المُزني أنه قال: ما من يوم أخرجه الله إلى أهل الدنيا إلا ينادي: ابن آدم اغتنمني، لعله لا يوم لك بعدي، ولا ليلةٍ إلا تنادي: ابن آدم اغتنمني، لعله لا ليلة لك بعدي.\rوعن عمر بن ذر أنه كان يقول: اعملوا لأنفسكم رحمكم الله في هذا الليل وسواده، فإن المغبون من غبن خير الليل والنهار، والمحروم من حرم خيرهما، وإنما جُعلا سبيلاً للمؤمنين إلى طاعة ربهم ووبالاً على الآخرين للغفلة عن أنفسهم، فأحيوا لله أنفسكم بذكره، فإنما تحيا القلوب بذكر الله. أهـ (١) .\rواعلم- رحمني الله وإياك- أن معرفة فضل المواسم يكون بمطالعة ما ورد فيها من فضل وبما يحصل للعبد من الجزاء إذا اجتهد.\rويمكنك مطالعة هذه النصوص والآثار في الكتب المعنية بالفضائل كرياض الصالحين للنووي والترغيب والترهيب للمنذري ولطائف المعارف لابن رجب.\r\r***","footnotes":"(١) \"لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف\" (ص٤٠) فما بعدها بتصرف يسير.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1632992,"book_id":1630,"shamela_page_id":17,"part":null,"page_num":17,"sequence_num":17,"body":"القاعدة الثالثة\rتمارين العزيمة والهمة\r\rإذا كان الأصوليون يعرّفون العزيمة بأنها ما بُنيت على خلاف التيسير كالصوم في السفر لمن أطاقه، وعدم التلفظ بكلمة الكفر وإن قتل، فإن العزيمة عند أهل السلوك لها حظ من هذا المعنى فالعزيمة أو العزم عندهم هو استجماع قوى الإرادة على الفعل.\rوكأن صاحب العزيمة لا رخصة له في التخلف عن القيام بالهمة، بل هو مطالب باستجماع قوته وشحذها حتى يطيق الأداء.\rوغالب من تكلم في هذا الباب لم يشر إلى أهمية تمارين العزيمة أي تحفيز الهمة لتقوى على المجاهدة في الأزمنة الفاضلة، مع أن الشرع أشار إلى ذلك باستحباب صوم شعبان لتتأهب النفس وتقوى على صيام رمضان بسهولة.\rوكان من هدي النبي ﷺ في قيام الليل أن يبدأ بركعتين خفيفتين حتى تتريض نفسه ولا تضجر.\rوأشار الشاطبي في الموافقات إلى أن السنن والنوافل بمثابة التوطئة وإعداد النفس للدخول في الفريضة على الوجه الأكمل.\rوكثير من الناس يعقد الآمال بفعل جملة من الطاعات في شهر رمضان فإذا ما أتى الشهر (أصبح خبيث النفس كسلان) وذلك لأنه لم يحل عقدة العادة والكسل والقعود.\rفَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1632993,"book_id":1630,"shamela_page_id":18,"part":null,"page_num":18,"sequence_num":18,"body":"والعزيمة لا تكون إلا فيما لا تألفه النفوس أو لا تحبه فتحتاج النفس إلى المجاهدة في معرفة فضل ذلك العمل المكروه إليها ثم في مجاهدة وإرادات العجز والكسل، ولذلك قال الله عن الجهاد: ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ … ﴾ .\rوتمارين العزيمة من صميم القيام بحق شهر رمضان وتحصيل المغفرة فيه لأنه لا قوة للنفس ما لم تُعد العدة للطاعة قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَكِن كَرِهَ اللهُ انبِعَاثَهُم\rقال ابن الخراط- في كتابه الصلاة والتهجد- كتب الحسن البصري إلى عمر بن عبد العزيز- رحمهما الله-: أما بعد، فإنه من حاسب نفسه ربح ومن غفل عنها خسر، ومن نظر العواقب نجا، ومن أطاع فهو أفضل، ومن حلُم غنم، ومن اعتبر أبصر، ومن أبصر فهم، ومن فهم علم، فإذا ندمت فأقلع، وإذا جهلت فَسَلْ، وإذا غضبت فأمسك، واعلم أن أفضل الأعمال ما أُكرهم النفسُ عليه. وقد اعترض بعض العلماء بظاهر قول رسول الله ﷺ: \"إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق فإن المُنبتَّ لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى\" (١) ، وبقوله ﷺ: \"اكفلوا من العمل ما تطيقون، فوالله لا يمل الله حتى تملوا\" (٢) ، وبالحديث الآخر: \"ليصلّ أحدكم نشاطه، فإذا فتر أو كسل فليقعد\" (٣) ، ولم يُرد ﵇ ألا تعمل حتى تنشط بحسك للعمل، وحتى تقبل عليه وتبادر إليه،","footnotes":"(١) رواه البيهقي في السنن وفيه ضعف.\r(٢) (٣) رواه البخاري ومسلم وأحمد.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1632994,"book_id":1630,"shamela_page_id":19,"part":null,"page_num":19,"sequence_num":19,"body":"فإن النفس كسلى ثقيلة عن فعل الخير، بطيئة النهوض إلى أعمال البر، فلو لم تصلّ مثلاً حتى تدعوك نفسك للصلاة وحتى تنشط إليها وتخف عليها لما صليت إلا قليلاً، وربما لم تصل معها أبدًا، ولا قامت لك عن فراشها ولا تركت راحتها ولا لذيذ نومها.\r\rوإنما أمر ﵇ بالرفق وحذر من الإفراط في التعب الذي يقطع بصاحبه ويُقعده، وفي قوله ﷺ: \"اكفلوا من الأعمال ما تطيقون\" ما يدل على الاجتهاد ويبيح أخذ النفس بما تكره منه، فإن الإنسان قد يكره على الضرب (النوع) من العمل ويكسل عنه، فإذا كُلِّفهُ أطاقه وقام به وتحمل المشقة فيه مع كراهيته له وكسله عنه، فلا بد من الحمل على النفس وأخذها بالجد والكد، وتخويفها بأن تُسبق إلى الله ﷿، وتحذيرها من أن يُستأثر دونها بما عند الله، وأن يصل العمل بالعمل والاجتهاد بالاجتهاد حتى يصل إلى الحد الذي حذر منه رسول الله ﷺ وهو الذي يخاف معه الانقطاع والانبتات، وفي الخير: \"الخير عادة والشر لجاجة\" (١) ، وقال أبو الدرداء لرجل يقال له صبيح: \"يا صبيح تعود العبادة فإن لها عادة، وإنه ليس على الأرض شيءٌ أثقل عليها من كافر\". وأما قوله ﷺ \"ليصل أحدكم نشاطه فإذا فتر أو كسل فليقعد\" فما أراد- والله أعلم- أن تصلي ما دمت على نشاط فإذا خالطك الكسل أن تترك الصلاة، وإنما أراد ﷺ الكسل الذي لا يقدر معه صاحبه على شيء إلا بعد جهد جهيد وحمل على النفس شديد، حتى لو قيل مثلاً صلِّ وخذ كذا وكذا- لثواب حاضر يُعرض عليه","footnotes":"(١) رواه ابن حبان مرفوعًا بإسناد حسن.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1632995,"book_id":1630,"shamela_page_id":20,"part":null,"page_num":20,"sequence_num":20,"body":"ويُرغب فيه- لم يقدر فهذا هو الكسل الذي يُنهى صاحبه عن العمل معه مخافة الانقطاع وترك العمل، هذا أو نحوه، والله أعلم، والدليل على هذا القول تكلُّفه ﵇ الصلاة حتى تشققت قدماه، وهذا إنما هو في النافلة وأما الفريضة فتُصلى على كل حال، في الصحة والمرض يصليهما قائمًا أو قاعدًا أو مضطجعًا أو مكتوفًا أو كيف كان وكيفما أمكن أهـ. من كتاب الصلاة والتهجد لابن الخراط (١) .\r\rولعل هذا التحقيق النفيس قد جلّى لك كوامن أسرار، فكن منها على ذُكر فإن هذا المقام من أنفس ما تجده في كتب الزهد والرقائق والسلوك.\r(لقد فقه سلفنا الصالحون عن الله أمره، وتدبروا في حقيقة الدنيا، ومصيرها إلى الآخرة، فاستوحشوا من فتنتها، وتجافت جنوبهم عن مضاجعها، وتناءت قلوبهم من مطامعها، وارتفعت همتهم على السفاسف فلا تراهم إلا صوامين قوامين، باكين والهين، ولقد حفلت تراجمهم بأخبار زاخرة تشي بعلو همتهم في التوبة والاستقامة، وقوة عزيمتهم في العبادة والإخبات، وهاك طرفًا من عباراتهم وعباداتهم التي تدل على تشميرهم وعزيمتهم وهمتهم:\rقال الحسن: من نافسك في دينك فنافسه، ومن نافسك في دنياه فألقها في نحره.\rــــــــــ\r(١) \"الصلاة والتهجد\" (ص٣٠٥) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1632996,"book_id":1630,"shamela_page_id":21,"part":null,"page_num":21,"sequence_num":21,"body":"وقال وهيب بن الورد: إن استطعت ألا يسبقك إلى الله أحد فافعل، وقال الشيخ شمس الدين محمد بن عثمان التركستاني: ما بلغني عن أحد من الناس أنه تعبد عبادة إلا تعبدت نظيرها وزدت عليه.\rوقال أحد العباد: لو أن رجلاً سمع برجل هو أطوع لله منه فمات ذلك الرجل غمًا ما كان ذلك بكثير.\rوقيل لنافع: ما كان ابن عمر يفعل في منزله؟ قال: الوضوء لكل صلاة، والمصحف فيما بينهما.\rوكان ابن عمر إذا فاتته صلاة الجماعة صام يومًا، وأحيا ليلة، وأعتق رقبة.\rواجتهد أبو موسى الأشعري ﵁ قبل موته اجتهادًا شديدًا، فقيل له: لو أمسكت أو رفقت بنفسك بعض الرفق؟ فقال: عن الخيل إذا أُرسلت فقاربت رأسَ مجراها أخرجت جميع ما عندها، والذي بقي من أجلها أقلُّ من ذلك، قال: فلم يزل على ذلك حتى مات.\rوعن قتادة قال: قال مورق العجلي: ما وجدت للمؤمن في الدنيا مثلاً إلا مثل رجلٍ على خشبة في البحر، وهو يقول: \"يا رب يا رب\" لعل الله أن ينجيه.\rوعن أسامة قال: كان من يرى سفيان الثوري يراه كأنه في سفينة يخاف الغرق، أكثر ما تسمعه يقول: \"يا رب سلّم سلّم\".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1632997,"book_id":1630,"shamela_page_id":22,"part":null,"page_num":22,"sequence_num":22,"body":"وعن جعفر: دخلنا على أبي التياح نعوده، فقال: والله إنه لينبغي للرجل المسلم أن يزيده ما يرى في الناس من التهاون بأمر الله أن يزيده ذلك جدًا واجتهادًا، ثم بكى.\rوعن فاطمة بنت عبد الملك زوج أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ﵀ قال: ما رأيت أحدًا أكثر صلاة ولا صيامًا منه ولا أحدًا أشد فرقًا من ربه منه، كان يصلي العشاء ثم يجلس يبكي حتى تغلبه عيناه ثم ينتبه فلا يزال يبكي تغلبه عيناه، ولقد كان يكون معي في الفراش فيذكر الشيء من أمر الآخرة فينتفض كما ينفض العصفور من الماء ويجلس يبكي فأطرح عليه اللحاف.\rوعن المغيرة بن حكيم قال: قالت فاطمة بنت الملك: يا مغيرة، قد يكون من الرجال من هو أكثر صلاة وصيامًا من عمر ابن عبد العزيز ولكني لم أر من الناس أحد قط كان أشد خوفًا من ربه من عمر، كان إذا دخل البيت ألقى نفسه في مسجده، فلا يزال يبكي ويدعو حتى تغلبه عيناه، ثم يستيقظ فيفعل مثل ذلك ليلته جمعاء.\rوعن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع أنه دخل على فاطمة بنت عبد الملك فقال: ألا تخبريني عن عمر؟ قالت: ما أعلم أنه اغتسل من جنابة ولا احتلام منذ استُخلِف.\rوكان الأسود بن يزيد يجتهد في العبادة، ويصوم في الحر حتى يخضر جسده ويصفر، فكان علقمة بن قيس يقول له: لِمَ تعذب نفسك؟ فيقول: كرامتها أريد، وكان يصوم حتى يخضر جسده","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1632998,"book_id":1630,"shamela_page_id":23,"part":null,"page_num":23,"sequence_num":23,"body":"ويصلي حتى يسقط، فدخل عليه أنس بن مالك والحسن فقالا له: إن الله ﷿ لم يأمرك بكل هذا، فقال: إنما أنا عبد مملوك لا أدع من الاستكانة شيئًا إلا جئت به.\rوقيل لعامر بن عبد الله: كيف صبرك على سهر الليل وظمأ الهواجر؟ فقال: هل هو إلا أني صرفت طعام النهار إلى الليل ونوم الليل إلى النهار؟ وليس في ذلك خطير أمر، وكان إذا جاء الليل قال: أذهب حرُ النار النوم، فما ينام حتى يصبح.\rوعن الحسن قال: قال عامر بن قيس لقوم ذكروا الدنيا: وإنكم لتهتمون؟ أما والله لئن استطعت لأجعلنهما همًا وا حدًا، قال: ففعل والله ذلك حتى لحق بالله.\rوعن أحمد بن حرب قال: يا عجبًا لمن يعرف أن الجنة تُزيَّن فوقه والنار تُسَعَّرُ تحته كيف ينام بينهما؟\rوكان أبو مسلم الخولاني قد علق سوطًا في مسجد بيته يخوّف به نفسه، وكان يقول لنفسه: قومي فوالله لأزحفن بك زحفًا، حتى يكون الكلل منك لا مني، فإذا دخلت الفترة (الفتور) تناول سوطه وضرب به ساقه، وقال: أنت أولى بالضرب من دابتي، وكان يقول: أيظن أصحاب محمد ﷺ أن يستأثروا به دوننا؟ كلا والله لُتُزاحمَنَّهم عليه زحامًا حتى يعلموا أنهم قد خلفوا وراءهم رجالاً.\rوكان منصور بن المعتمر إذا رأيته قلت: رجلٌ أصيب بمصيبة، منكسر الطرف، منخفض الصوت، رطْب العينين، إن حركته","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1632999,"book_id":1630,"shamela_page_id":24,"part":null,"page_num":24,"sequence_num":24,"body":"جاءت عيناه بأربع، ولقد قالت له أمه: ماذا الذي تصنع بنفسك؟ تبكي الليل عامته لا تسكت؟ لعلك يا بني أصبتّ نفسًا، لعلك قتلت قتيلاً، فيقول: يا أماه، أنا اعلم بما صنعت نفسي.\rوقال هُشيم تلميذ منصور بن زاذان: كان لو قيل له إن ملك الموت على الباب ما عنده زيادة في العمل.\rوكان صفوان بن سليم قد تعقدت ساقاه من طول القيام، وبلغ من الاجتهاد ما لو قيل له: القيامة غدًا ما وجد مزيدًا، وكان يقول: اللهم إني أحب لقاءك فأحب لقائي.\rوعن موسى بن إسماعيل قال: لو قلت لكم إني ما رأيت حماد بن سلمة ضاحكًا قط صدقْتُكم، كان مشغولاً بنفسه، إما أن يحدث وإما أن يقرأ وإما أن يسبح وإما أن يصلي، كان قد قسم النهار على هذه الأعمال.\rوعن وكيع قال: كان الأعمش قريبًا من سبعين سنة لم تفته التكبيرة الأولى، واختلفت إليه أكثر من ستين سنة فما رأيته يقضي ركعة.\rوعن حماد بن سلمة قال: ما أتينا سليمان التيمي في ساعة يطاع الله ﷿ فيها إلا وجدناه مطيعًا، إن كان في ساعة صلاة وجدناه مصليًا، وإن لم تكن ساعة صلاة وجدناه إما متوطئًا أو عائدًا أو مشيعًا لجنازة أو قاعدًا في المسجد، قال: فكنا نرى أنه لا يحسن يعصي الله ﷿.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633000,"book_id":1630,"shamela_page_id":25,"part":null,"page_num":25,"sequence_num":25,"body":"فهؤلاء هم أنموذج السالكين الصادقين.\rفتشبهوا بهم إن لم تكونوا مثلهم إن التشبه بالكرام فلاح\rوهذه كانت سيرتهم في مجاهدة النفس ومغالبة الهوى فاستحضرها عند هبوب ريح الكسل وسل الله حسن العمل.\r***\rالقاعدة الرابعة\rنبذ البطالة والبطالين ومصاحبة ذوي الهمم\r\rليس هناك أشأم على السائر إلى الله من البطالة وصحبة البطالين، فالصاحب ساحب، والقرين بالمقارّن يقتدي.\r(والبرهان الذي يعطيه السالكون علامة لصدقهم أنهم يأبون غلا الهجرة والانضمام إلى القافلة ويذرون كل رفيق يثبطهم ويزين لهم إيثار السلامة، ينتفضون ويهجرون كل قاعد، ويهاجرون مع المهاجرين إلى الله، ويطرحون أغلال الشهوات وحب الأموال عن قلوبهم) (١) .\rولما أراد قاتل المائة أن يتوب حقًا قيل له: اترك أرضك فإنها أرض سوء واذهب إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناسًا يعبدون الله فاعبد الله معهم. متفق عليه. فلابد لمن أراد تحصيل المغفرة من شهر رمضان أن يترك المُخْلِدين إلى الأرض ويزامل ذوي الهمم العالية كما قال الجنيد: سيروا مع الهمم العالية.\rوقد أمر الله خير الخلق ﷺ بصحبة المجدّين في السير إلى الله","footnotes":"(١) \"الرقائق \" للراشد (ص١٤٠) .","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633001,"book_id":1630,"shamela_page_id":26,"part":null,"page_num":26,"sequence_num":26,"body":"وترك الغافلين فقال عز من قائل: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ ، وقال ﷿: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ ، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَكُونُواْ مَعَ\rالصَّادِقِينَ﴾ .\rفلو صحب الإنسان من يظنون أن قيام الساعة من الليل إنجاز باهر فهو مغبون لن يعْدُو قدره، بل سيظل راضيًا عن نفسه مانًّا على ربه بتلك الدقائق التي أجهد نفسه فيها ولكنه لو رأى الأوتاد من حوله تقف الساعات الطوال في تهجد وتبتل وبكاء (وهم مُتَقَالُّونْهَا) فأقل أحواله أن يظل حسيرًا كسيرًا على تقصيره مرددًا.\rأنا العبد المخلَّفُ عن أُناسٍ - حوَوْا من كل معروفٍ نصيبا\rونبذ البطالة هجيري الناسك في كل زمان، وقد قيل: الراحة للرجالة غفلة.\rوقال شعبة بن الحجاج البصري أمير المؤمنين في الحديث: لا تقعدوا فُراغًا فإن الموت يطلبكم.\rوقال الشافعي: طلب الراحة في الدنيا لا يصح لأهل المروءات، فإن أحدهم لم يزل تعبان في كل زمان.\rوقيل لأحد الزهاد: كيف السبيل ليكون المرء من صفوة الله؟ فقال: إذا خلع الراحة وأعطى المجهود في الطاعة.\rوقيل للإمام أحمد: متى يجد العبد طعم الراحة؟ فقال: عند أول قدم يضعها في الجنة.\rأما البحث عن ذوي الهمم والمروءات وأصحاب السرِّ مع الله","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633002,"book_id":1630,"shamela_page_id":27,"part":null,"page_num":27,"sequence_num":27,"body":"فهي بُغية كل مخلص في سيره إلى الله، قال زين العابدين: إنما يجلس الرجل إلى من ينفعه في دينه.\rوقال الحسن البصري: إخواننا أحب إلينا من أهلنا وأولادنا، لأن أهلنا يُذّكّروننا بالدنيا وإخواننا يُذّكّروننا بالآخرة، قال شاعر:\rلعمرك ما مالُ الفتى بذخيرة ولكنَّ إخوان الثقات الذخائرُ\rوكان من وصايا السلف انتقاء الصحة، قال الحسن البصري: إن لك من خليلك نصيبًا، وإن لك نصيبًا من ذكر من أحببت، فاتقوا الإخوان والأصحاب والمجالس.\rفاجتهد أيها الأريب باحثًا عن أعوان المسير أصحاب الهمم العالية، ابحث عنهم في المساجد بالضرورة، اسأل عنهم في مجالس التقاة، لا تستبعد المفاوز لتصل إليهم ولو اقتضى الأمر أن تعلن في الصحف السيارة.\r(مطلوبٌ: معينٌ على الخير في شهر رمضان)\rيا له من إعلان..\rمع هذه الصحبة تتحاثون على تدارك الثواني والدقائق، تحاسبون أنفسكم على الزفرات والأوقات الغاليات، لو فرط أحدكم في صلاة الجماعة وجد من يستحثه على عقاب نفسه كما كان يفعل ابن عمر.\rترى البطالين يصلون التراويح سويعة ثم يسهرون ويسمرون ويسمدون وتضيع عليهم صلاة الفجر ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633003,"book_id":1630,"shamela_page_id":28,"part":null,"page_num":28,"sequence_num":28,"body":"لا أيها الرشيد، تعال أخبرْك بحال من اجتمعوا على السير إلى الله: أوقاتهم بالذكر وتلاوة القرآن معمورة، مساجدهم تهتز بضجيج البكاء من خشية الله، تراهم ذابلين من خوف الآخرة، وعند العبادة تراهم رواسي شامخات كأنهم ما خلقوا إلا للطاعة، ليس في قاموسهم: فاتتني صلاة الجماعة، دع عنك أصل الصلاة، تراهم في قيامهم وقعودهم مطأطئين على حياء من الله يقولون: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك.\rليلهم، وما أدراك ما ليلهم؟ نحيب الثكالى يتوارى عند نشيجهم ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ﴾ صلاتهم في ظلام تُجلِّلُ بأنوار الكرامة، فهم في حللها يتبخترون، وببهاء مناجاتهم لربهم يتيهون، محى استغفار الأسحار سخائم قلوبهم، فهم في نعيم الأنس يتقلبون، وبلذيذ الخطاب يستمتعون، وهذا (الحفظي) يخبرنا:\rوالجنيد يقول طاحتْ كل عِلْمٍ وإشارهْ\rورسوماتٌ تلاشتْ وانمحت تلك العبارهْ\rوركيعات توالتْ سحرًا فيها البشارهْ\rورأينا في المآل ذلك الكنز الدّفينا\rفاز من قام الليالي بصلاة الخاشعينا\rواعلم أيها النبيه إن من تمام سعيك لتحصيل المغفرة من شهر رمضان أن تبحث لك عن شيخ مربّ أريبٍ، قد يكون ظاهرًا أو","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633004,"book_id":1630,"shamela_page_id":29,"part":null,"page_num":29,"sequence_num":29,"body":"خفيًا، قد يكون عالمًا أو طالب علم، ولكنك من لحظه ولفظه تعلم أنه صاحب سرّ مع الله، ومثل هؤلاء يشتهر أمرهم غالبًا بين الناس، وإن بالغوا في التخفي فلن تعدم من يدلك عليهم إذا أكثرت التسأل عنهم.\rوشرط انتفاعك بهم أن يكونوا من أهل السنة والنسك السلفي، فهؤلاء هم أمنة الأمة وهداتها.\rومثل هؤلاء تنتفع بهديهم ودلهم وسمتهم وبفعالهم قبل أقوالهم، تراهم في الصلاة نموذجًا للرهبوت والتبتل والتنسك، تكبيرتهم في الصلاة وإن خفتت بها أصواتهم فكأنها صرخة في مجرات الكون بحقيقة أكبرية الله.\rركوعهم وسجودهم رمز السجود لكل الكائنات، إذا أبصرت عيناك عبادتهم وددت لو سبحت الخليقة كلها بتسبيحهم، ولعلها تفعل، أما قال الله عن داود: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ * وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ﴾ .\rاللهم إنا نسألك صحبة الصالحين وألحقنا بهم في جنات النعيم.\r***","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633005,"book_id":1630,"shamela_page_id":30,"part":null,"page_num":30,"sequence_num":30,"body":"القاعدة الخامسة\rإعداد بيان عن عيوبك وذنوبك المستعصية\rوعاداتك القارة في سويداء فؤادك لتبدأ\rعلاجها جديا في رمضان وكذا إعداد\rقائمة بالطاعات التي ستجتهد في\rأدائها لتحاسب نفسك بعد ذلك عليها\r\rقال ﷺ: \"إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه فقال به هكذا\" رواه البخاري.\rلأن همة أبناء الآخرة تأبى إلا الكمال، وأقل نقص يعدونه أعظم عيب، قال الشاعر:\rولم أر في عيوب الناس عيبًا كنقص القادرين على التمام\rوعلى قدر نفاسة الهمة تشرئب الأعناق، وعلى قدر خساستها تثَّاقل إلى الأرض، قال الشاعر:\rعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكرام المكارم\rوهذا رد على من يقول: ومن لنا بمعصوم عن عيب غير الأنبياء ويردد:\rمن ذا الذي ترجى سجاياه كلها كفى بالمرء نبلاً أن تعد معايبه\rفإن هذه القاعدة في التعامل مع الناس، أما معاملة النفس","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633006,"book_id":1630,"shamela_page_id":31,"part":null,"page_num":31,"sequence_num":31,"body":"(أيها الأريب) فهي مبنية على التهمة، وعلى طلب الكمال وعدم الرضا بالدون:\rفإذا كانت النفوس كبارًا تعبت في مرادها الأجسامُ\rفذاك السالك دومًا يستكمل عناصر الإيمان، كلما علم أن ثمة ثلمة، يعزم لذلك عزمة (تأمل) فإذا شرع في الاستكمال، أدرك ضرورة الصفاء فيه، وأن يرفأ ويرتُق بجنس ما وهبه الله من خير آنفًا لئلاً يفضحه النشاز (وجود العيب مع خصال الحُسن) فيعزم لذلك عزمة أخرى فثالثلة تستدعي رابعة في نهضات متوالية حتى يصيب مراده (١) . (أي استكمال عناصر الإيمان) .\rهذه العزمات المتوالية تستحثها في كل زمان، ولكن قد يتسرطن عيب ويتجذر ذنب وتتأصل عادة، ولا يجدي مع مثل هذا أساليب علاج تقليدية، إنما هي عملية جراحية استئصالية تتطلب حميةً متوفرة في شهر رمضان، وهِمةً شحذتها قبيل هذا الزمان المبارك، فما بقي إلا أن تضع مبضع العزيمة الحاد وبجلد وصبر على آلام القطع تستأصل تلك الأورام الناهشة في نسيج إيمانك وتقواك، لا تستعمل أي مخدر، فإن شأن المخدر أن يسافر بك في سمادير السكارى وأوهام الحيارى، فتفيق دون أن تدري بأي الورم لم يُستأصل بكامله، بل بقيت منه مُضغةٌ متوارية ريثما تتسرطن ثانية.","footnotes":"(١) \"العوائق\" (ص٣٨) .","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633007,"book_id":1630,"shamela_page_id":32,"part":null,"page_num":32,"sequence_num":32,"body":"فإذا كنت مدخنًا أو مبلتى بالنظر أو الوسوسة أوالعشق فبادر إلى تقييد كل هذا البلاء وابدأ العمليات الجراحية في شهر رمضان ولا تتذرع بالتدرج الذي سميناه مخدرًا، بل اهجر الذنب وقاطع المعصية وابتُر العادة ولا تجزع من غزارة النزيف وشدة الآلام، فإنه ثمن العلاج الناجح، وضرورة الشفاء الباتّ الذي لا يغادر سقمًا.\rووجه كون شهر رمضان فرصة سانحة لعلاج الآفات والمعاصي والعادات، إنه شهر حمية أي امتناع عن الشهوات (طعام وجماع) والشهوات مادة النشوز والعصيان، كما أن الشياطين فيه تصفّد وهم أصل كل بلاء يصيب ابن آدم، أضف إلى ذلك: جماعية الطاعة، حيث لا يبصر الصائم في الغالب إلا أمةً تصوم وتتسابق إلى الخيرات فتضعف همته في المعصية وتقوى في الطاعة، فهذه عناصر ثلاثة مهمة تتضافر مع عزيمة النفس الصادقة للإصلاح فيتولّد طقس صحي وظروف مناسبة لاستئصال أي داء.\rوقبل كل ذلك وبعده لا يجوز أن ننسى ونغفل عن ديوان العتقاء والتائبين والمقبولين الذي يفتحه الرب جل وعلا في هذا الشهر، وبنظرة عابرة إلى جمهور المتدينين تجد بداياتهم كانت بعبرات هاطلة في سكون ليلةٍ ذات نفحات من ليالي رمضان.\rوما لم تتحفّز الهمم لعلاج الآفات في هذا الشهر لن تبقى فرصة لأولئك السالكين أن يبرأوا، فمن حرم بركة رمضان ولم يبرا من عيوب نفسه فيه، فأي زمان آخر يستظل ببركته.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633008,"book_id":1630,"shamela_page_id":33,"part":null,"page_num":33,"sequence_num":33,"body":"وفي صحيح ابن خزيمة أن جبريل قال: \"من أدرك شهر رمضان فلم يغفر له فدخل النار فأبعده الله، قل آمين، فقلت: \"أي النبي ﷺ قال: آمين\". الحديث صحيح.\rوروى البطراني بسند ضعيف عن النبي ﷺ: \"بعدًا لمن أدرك رمضان فلم يغفر له، إذا لم يفغر له فمتى؟ \" قال: وروى الطبراني بإسناد فيه نظر عن عبادة بن الصامت مرفوعًا: \"أتاكم رمضان شهر بركة يغشاكم الله فيه فينزل الرحمة ويحُطُّ الخطايا ويستجيب فيه الدعاء، ينظر الله تعالى إلى تنافسكم فيه ويباهي بكم ملائكته فأروا الله من أنفسكم خيرًا فإن الشقي من حرم فيه رحمة الله\" الحديث.\rأما استحضار أنواع الطاعات وتقييدها وتوطين العزيمة على أدائها في رمضان فهو من أهم ما يُستعدُّ له في هذا الشهر، وعلى هذا الأصل تحمل كل النصوص الواردة في فضل رمضان والاجتهاد فيه، فمعظمها صريح أو ظاهر في أنه قيل قبل رمضان أو في أوله.\rويمنّي بعض الخياليين نفسه بأماني العزيمة التي لا تعدو أن تكون سرابًا يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا.\rفنراه يحلم أحلامًا وردية بأن يجتهد في هذا الشهر اجتهادًا عظيمًا، وتراه يرسم لنفسه صور الحلال وأُبهة الولاية، فإذا ما هجم الشهر، قال المسكين: اليوم خمر، وغدًا أمر.\rولو أن هؤلاء كانت لهم قبل شهر رمضان جولات في ميادين الاجتهاد في الطاعة لأنسوا من نفوسهم خيرًا لكنهم طمعوا في نوال","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633009,"book_id":1630,"shamela_page_id":34,"part":null,"page_num":34,"sequence_num":34,"body":"القُرب ولما يستكملوا زاد المسير كمثل من ذهب إلى السوق بلا مال فلا يجهد إذا نفسه في المساومة بل يقال له: تنكب لا يقطرك الزحام.\rلما قال أنس بن النضر لرسول الله ﷺ بعد غزوة بدر: يا رسول الله، غبت عن أول قتال قاتلت فيه المشركين، والله لئن أشهدني الله قتال المشركين ليرين الله ما أصنع، ثم رووا لنا أنهم وجدوه في أحُد صريعًا به بضع وستون ما بين ضربة بسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم، علمنا ما أضمر الرجل.\rولما قال ذلك الصحابي: يا رسول الله ما بايعتك إلا على سهم يدخل ههنا فأدخل الجنة، قال له الرسول ﷺ: \"إن تصدُق الله يصدقُكُ\" ثم رووا أن السهم دخل من موضع إشارته، علمنا ما عزم عليه الرجل\rعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكرام المكارم\rوتعظم في عين الصغير صغارها وتصغُر في عين العظيم العظائم\r\r***\r\rالقاعدة السادسة\rالإعداد للطاعة ومحاسبة النفس عليها\r\rواعلم أن الاستعداد للطاعة ومحاسبة النفس عليها وظيفتان متباينتان، لكنهما متداخلتان أي يتعاقبان ويتوارد أحدهما على الآخر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633010,"book_id":1630,"shamela_page_id":35,"part":null,"page_num":35,"sequence_num":35,"body":"أما الإعداد للعمل فهو علامة التوفيق وأمارة الصدق في القصد، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً﴾ ، والطاعة لابد أن يُمهَّد لها بوظائف شرعية كثيرة حتى تؤتي أكلها ويُجتبني جناها، وخاصة في شهر رمضان حيث تكون الأعمال ذات فضل وثواب وشرف مضاعف لفضل الزمان.\rفصلاة الجماعة لابد أن تسبق بإحسان الوضوء ونية صادقة حسنة في تحصيل الأجر وزيارة الله ﷿ في بيته وتعظيم أمره والبدار في تلبية ندائه (حي على الصلاة) والمسارعة في سماع خطابه والالتذاذ بمناجاته ولقائه.\rفعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"صلاة الرجل في جماعة تَضعُفُ صلاته في بيته وفي سوقه خمسًا وعشرين ضعفًا، وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد لا يُخرجه إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة وحطت عنه بها خطيئة، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه ما لم يُحدث، تقول: اللهم صل عليه، اللهم ارحمه، ولا يزال في الصلاة ما انتظر الصلاة\" متفق عليه.\rويحتفُّ بهذا الإعداد في التطهر والنيات إعدادٌ نفسي للقْيا الله ﷿، ويكون ذلك بأمور منها: ترداد الأفكار الشرعية الواردة عند الخروج من البيت والمشي إلى المسجد فإنها مهمة في حضور القلب ومنها عدم فعل ما يتنافى مع الوقار والطمأنينة أثناء","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633011,"book_id":1630,"shamela_page_id":36,"part":null,"page_num":36,"sequence_num":36,"body":"المشي إلى المسجد كتشبيك الأصابع وكثرة التلفت والتطلع إلى المارة وزخارف وزهرة الدنيا (وخاصة في هذه العصور) وعدم الإسراع والسعي، وذلك أن المشي إلى الصلاة جزء هام ممهد للخشوع في الصلاة، لذا قال النبي ﷺ: \"إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها وأنتم تمشون وعليكم السكينة\" متفق عليه، وفي رواية لمسلم: \"فإن أحدكم إذا كان يعمدُ إلى الصلاة فهو في صلاة\"، ولا ينبغي أن يكثر من الضحك قبل الصلاة وبعدها فإنه يذهب لذة الخشوع ويقسي القلب ويحول بينه وبين الشعور بثمرة الطاعة.\rوعند دخول المسجد لابد أن يدخله معظمًا مظهرًا الوجل من مهابة المكان وصاحبه، فإن المساجد منازل الرحمة ومهابط البركات، لذا شرع أن يقول الداخل إلى أي مسجد: أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم.\rفإذا دخل المسجد شرع في السنة الراتبة أو النافلة ريثما يقام للصلاة، وأهمية هذه السنة أو النافلة تكمن في تهيئتها وتمهيدها للفريضة لكمال الحضور فيها.\rثم يشرع في صلاة الفريضة مستحضرًا ما سنذكره عن وسائل تحصيل لذة الطاعة في الصلاة.\rومن جنس هذا الاستعدادُ لصلاة التراويح فإنها من أعظم العبادات في ليالي رمضان، ففي الصحيح أن رسول الله ﷺ -","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633012,"book_id":1630,"shamela_page_id":37,"part":null,"page_num":37,"sequence_num":37,"body":"قال: \"من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه\"، وعن أبي ذر قال: صمنا مع رسول الله ﷺ رمضان فلم يقم بنا شيئًا من الشهر حتى بقي سبعٌ فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل، فلما كانت السادسة لم يقم بنا، فلما كانت الخامسة قام بنا حتى ذهب شطر الليل، فقلت: يا رسول الله، لو نفلتنا قيام هذه الليلة (أي قمت بنا الليلة كلها) ، قال: فقال: \"إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حُسِب له قيام الليلة\" رواه أبو داود بإسناد صحيح.\rويشكو كثير من المواظبين على قيام الليل في رمضان من عدم لمسهم لثمرة هذه الصلاة مع اعتقادهم بأهميتها وسعيهم لبلوغ الغاية من أدائها.\rوالحق أن هذه الصلاة المهمة كغيرها تحتاج إلى إعداد وتهيئة، فيلزم الراغب في الانتفاع من صلاة التراويح إقلال الطعام للغاية، ويحبَّذ أن يأتي المسجد وفي بطنه مسُّ من جوع، فإنه مثمر جدًا في حضور القلب، وينبغي عليه أن يتطهر جيدًا ويلبس أحسن الثياب ويأتي الصلاة مبكرًا، وقبيح جدًا أن تفوته صلاة العشاء، فهذا دليل الحرمان وعدم الفقه في الدين، فإن صلاة العشاء في جماعة تعدل قيام نصف ليلة كما في الحديث، فوق كونها فريضة والله ﷿ يقول في الحديث القدسي: \"وما تقرب إليّ عبدي بأحب إليّ مما افترضته عليه\" رواه البخاري.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633013,"book_id":1630,"shamela_page_id":38,"part":null,"page_num":38,"sequence_num":38,"body":"ثم يستحضر القدوم على الله والوفادة إليه وانتهاز فرصة التعرض لرحمته ومغفرته والعتق من النار، ويذهب إلى المسجد يدفعه الشوق والرغبة في الفضل، ويكدره الحياء من الله وخوف الرد والإعراض، ويطلب مساجد أهل السنة حتى يُوهَبَ للصالحين إن كان من غير المقبولين ثم يستحضر ما ذكرناه من وظائف عند الدخول في الصلاة وأثنائها.\rأما محاسبة النفس على الطاعات فهذا من أنفع الوظائف التي يقوم بها العابدون في شهر رمضان، والأصل أن المحاسبة وظيفة لازمة للسالك طريق الآخرة، ولكنها تتأكد وتزداد في هذا الشهر.\rوالمحاسبة معناها: فحصُ الطاعة ظاهرًا وباطنًا، وأولاً وآخرًا، بحثًا عن الثمرة ليعرف مأتاها فيحفظَه، وقدرها فينميه، ووصولاً للنقص سابقًا، ليتداركه لاحقًا.\rوالمحاسبة تكون قبل العمل وأثناءه وبعده.\rأما قبله فبالاستعداد له واستحضار ما قصّر فيه حتى يتلافاه، وأثناءه بمراقبة العمل ظاهرًا وباطنًا أوله وآخره، والمحاسبة بعد العمل بإعادة ذلك العمل.\rوهذه المحاسبة إذا واظب عليها المرء صارت مسلكًا لا يحتاج إلى تكلّف ومعالجة وسيجد غِبَّ هذه المحاسبة وثمرتها تزايدًا في مقام الإحسان الذي سعى إليه كل السالكون وهي أن يعبد الله كأنه يراه.\rومثل هذه المحاسبة ينبغي أن تكون في الخفاء، يحاور نفسه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633014,"book_id":1630,"shamela_page_id":39,"part":null,"page_num":39,"sequence_num":39,"body":"وهواه ويعالج أي قصور بِلوم نفسه وتقريعها وعقابها على كسلها وخمولها.\rولا يُنصح بمداومة الاعتماد على أوراد المحاسبة الشائعة، وقد اختلف فيها الناس على طرفين، فمنهم من جعلها وسيلة دائمة للتربية، وطريقة ناجحة لتقويم النفس، ومنهم من بالغ ومنع منها مطلقًا واصفًا إياها بالبدعة، والحق التوسط، نعم هي وسلة لم ترد عن سلف هذه الأمة لكن تشهد لها نظائر في الشرع مثل عد التسبيح بالحصى ونحو ذلك مما ثبت عن الصحابة والتابعين، ثم إننا لا نقول بجواز الاعتماد على تلك الأوراد في كل الأحايين بل ننصح بها في بداية السير وأيضًا لا نُلزم بها أحدًا، ولكن من عوّل عليها في بداية سيره لكون نفسه متمردةً شمُوسًا فنرجو ألا يكون ثمة حرج، شرط عدم توالي اعتماده عليها.\rوالصواب تنشئة النفس على دوام المحاسبة الذاتية والمراقبة الشخصية، وتعويدها على العقاب عند الزلل، فإن هذا من شأنه أن ينقّي العبادة من أي حافز خارجي دخيل على النية الصالحة كرغبة في تسويد ورقة المحاسبة أو نحو ذلك. وقال الحفظي:\rشارط النفس وراقب لا تكن مثل البهائم\rثم حاسبها وعاتب وعلى هذا فلازم\rثم جاهدها وعاقب هكذا فعل الأكارم\rلم يزالوا في سجالِ للنفوس محاربينا\rفاز من قام الليالي بصلاة الخاشعينا\r***","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633015,"book_id":1630,"shamela_page_id":40,"part":null,"page_num":40,"sequence_num":40,"body":"القاعدة السابعة\rمطالعة أحكام الصوم وما يتعلق بشهر رمضان\r\rوهذا من أكد الواجبات، فمفتاح السعادة ومنشور الولاية مرهون بالعلم الصحيح النافع الممهّد للعمل الصالح، وليس ثمة عمل صالح بدون علم نافع.\rوالعم النافع ينادي على صالح العمل فإن أجابه وإلا ارتحل، وكما وجب على المصلي تعلم ما يقيم به صلاته وعلى المزكّي ما يخرج به زكاته وهلم جرا… فيقبح قبحًا شرعًا أن يتعرض الناسك لأجل مواسم الطاعات وهو مفلس من طرائق المنافسة فقيرًا في زاد المعاملة.\rولابد من معرفة أحكام الصوم وأعذاره وأركانه ومبطلاته ومباحاته وأحكام صلاة التراويح والاعتكاف، وفي حق المرأة أن تتعلم أحكام الصوم في حق الحائض والمستحاضة والنفساء والصوم في حق الحامل والمرضع.\rوننصح بالكتب الآتية في تحصيل أحكام الصيام منها مع عدم الامتناع عن سؤال أهل العلم ومراجعتهم عند المشكلات:\r١- \"زاد المعاد في هدي خير العباد\" لابن القيم (باب: هديه ﷺ في الصوم) .\r٢- \"صفوة الكلام في مسالك الصيام\" لأبي إدريس محمد عبد الفتاح (رسالة مختصرة) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633016,"book_id":1630,"shamela_page_id":41,"part":null,"page_num":41,"sequence_num":41,"body":"٣- \"فقه السنة\" للشيخ سيد سابق مع تمام المنة في التعليق على فقه السنة للشيخ الألباني.\rوتجنب أيها الأريب التصدر للفتيا والتبرع بالإفادات حال كونك لست من أهل هذا الشأن، فإنه مشأمة لك ومظلمة لغيرك.\rومما تتأكد مطالعته ما يتعلق بفقه المعاملة مع الرب وما ينبغي فعله في المواسم، وننصح بكتاب \"لطائف المعارف\" للحافظ ابن رجب ﵀.\r***\r\rالقاعدة الثامنة\rإعداد النفس لتذوق عبادة الصبر\r\rقال تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ .\rفبعض الخليقة تجعل من مواسم الطاعة مرتعًا لنيل اللذات بكل أنواعها، وهو مرتع وخيم على صاحبه، إذ به يخرج من الشهر كما دخل بل أفسد، وتزداد المسافة بينه وبين حقيقة قصد الآخرة، وتتكاثف غيوم الشهوات حائلة بينه وبين الوصول إلى الله.\rوإذا كان شهر رمضان هو شهر الصوم والصبر فما أحرانا أن نتذوق حقيقة الصبر لنتذوق حقيقة الصوم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633017,"book_id":1630,"shamela_page_id":42,"part":null,"page_num":42,"sequence_num":42,"body":"وأمامك أيها الساعي إلى الخيرات في هذا الشهر صبر عن المحارم، وصبر على الطاعات، ومع ذلك كله صبر على كل بلية تنالك.\rوأنواع الصبر هذه هي أوسمة الولاية وقلادات الإماماة في الدين.\rكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إنما تُنال الإمامةُ في الدين بالصبر واليقين، واستدل بقول تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ .\rقال ابن القيم ﵀ (١) : \"فإنه لا خلاف بين أهل العلم أن أظهر معاني الصبر: حبس النفس على المكرمة وأنه من أصعب المنازل على العامة وأوحشها في طريق المحبة، وإنما كان صعبًا على العامة لأن العامي مبتدئ في الطريق وليس له دربة في السلوك وليس تهذيب المرتاض بقطع المنازل، فإذا أصابته المحن أدركه الجزع وصعب عليه احتمال البلاء وعز عليه وجدان الصبر لأنه ليس في أهل الرياضة فيكون مستوطنًا للصبر، ولا من أهل المحبة فيلتذ بالبلاء في رضا محبوبه…) أهـ.\rمما نقلته لك تعلم أيها الحريص على النجاة أن شهر رمضان ميدانك الرحب لتمارس رياضة الصبر وأنت مُعانٌ في كل فجِ.\rفعين الله تصنعك، والأبالسة في أصفادها ترمقك، ونفسك","footnotes":"(١) \"التهذيب\" (٢/٥٦٦) .","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633018,"book_id":1630,"shamela_page_id":43,"part":null,"page_num":43,"sequence_num":43,"body":"ستراها إلى الخير وثابة وعن الشر هيّابة، فلم يبق إلا أن تعالج الخطرات والوساوس الوالجات في حنايا قلبك، ليت شعري ما أشبه قلبك بالمريض في غرفة العناية المركزة، إنه محروم من كل طعام يفسد دورة علاجه، بل محروم من مخاطبة أقرب الأقربين لتتفرغ أجهزة جسمه للانتعاش واسترداد العافية، ثم إنه يتنفس هواءً معقمًا خاليًا من كل تلوث، وتدخل في شرايينه دماء نقية لتمده بأسباب القوة، ويقاس نبضه ودرجة حرارته كل حين ليتأكد الطبيب من تحسن وظائف جسمه، فما أحرى هذا القلب السقيم الذي أوبقته أوزاره، وتعطن بالشهوات، وتلوث بالشبهات، وترهل بمرور الشهور والدهور دون تزكية وتربية، ما أحراه أن يدخل غرفة العناية المركزية في شهور رمضان، فتكون كل إمدادات قوته مادة التقوى وإكسير المحبة لله ورسوله ﷺ وطاعتهما.\rفلتصدر مرسومًا على نفسك أن تلزم جناب الحشمة في هذا الشهر أمام شهوة البطن وغيره، فإن أعلنت عليك التمرد فلا تتردد في فرض الأحكام الاستثنائية وأصدر قرارًا باعتقال هذه النفس الناشز وأدخلها سجن الإرادة حتى تنقاد لأوامرك إذا صدرت، فإن ازداد تمردها وتجرأت في ثورتها فألهب ظهرها بسياط العزيمة وعنفها على مخالفتها أمرك وعصيانها إرادتك، فإن أبت إلا الشرود فلوّح لها بحكم الإعدام وأنها ليست عليك بعزيزة، فإن تمنعت إدلالاً وطمعًا في عطفك فلابد من تنفيذ حكم الإعدام في ميدان العشر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633019,"book_id":1630,"shamela_page_id":44,"part":null,"page_num":44,"sequence_num":44,"body":"الأواخر بحبسها في معتكف التهذيب حتى تتلاشى تلك النفس المتمردة وتفنى، وتتولد في تلك الليالي والأيام نفس جديدة وادعة مطمئنة تلين لك عند الطاعات إذا أمرتها، وتثور عليك عند المعاصي إذا راودتها، فقد وُلدت ولادة شرعية في مكان وزمان طاهرين ونشأت وتربَّت في كنف الصالحين، فلن تراها بعد ذلك إلا على الخير.\rإنها ولادةٌ لنفس ذات إمامة في الدين، تنشأت على مهد الولاية، وترفِّت في سلك الرهبوت والتبتل.\r***\rالقاعدة التاسعة\rكيفية تحصيل حلاوة الطاعات\r\rأما كون الطاعة ذات حلاوة فيدل له قوله ﷺ: \"ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد ﷺ رسولاً\" (١) ، وقوله ﷺ: \"ثلاثة من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار\" (٢) ، ولما نهى الرسول ﷺ أصحابه عن الوصال","footnotes":"(١) رواه أحمد ومسلم.\r(٢) رواه البخاري ومسلم.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633020,"book_id":1630,"shamela_page_id":45,"part":null,"page_num":45,"sequence_num":45,"body":"قالوا: إنك تواصل، قال: \"إني لست كهيئتكم، إني أُطعم وأُسقى\" (١) ، وفي لفظ: \"إني أظل عند ربي يُطعمني ويسقيني\" (٢) ، وفي لفظ: \"إن لي مُطعمًا وساقيًا يسقيني\" (٣) ، قال ابن القيم: وقد غلُظَ حجاب من ظن أن هذا طعام وشراب حسي للفم، ثم قال: والمقصود أن ذوق حلاوة الإيمان والإحسان أمر يجده القلب تكون نسبته إليه كنسبة ذوق حلاوة الطعام إلى الفم. أهـ.\rواعلم أولاً أيها السالك في مرضاة إلهك أن كلمات القوم في هذا الباب رسوم، وإرشاداتهم في هذا الباب عموم، ولا تبقى إلا الحقيقة الثابتة في نفسها، وهذه لا ينالها إلا من أناله الله إياها، ومن ذاق عرف، فكن من هذا على ذكر، لأننا سنسوق إليك كلامًا لا يفهمه غليظ الحجاب كثيف الرين، فإن استعصى عليك الفهم فلن نبادر إلى اتهام صلتك بالله، بل نقول أتمم قراءة الباب ونفذ ما سنوصيك به ثم أعد قراءة هذه السطور فإن وجدت الأمر كما وصفنا فاحمد الله الذي أذاقك طعم الإيمان وحلاوة الطاعة.\rبدءًا يجب أن تعلم (أن الفكر لا يُحَدُّ واللسان لا يصمت، والجوارح لا تسكن، فإن لم تشغلها بالعظائم شُغلت بالصغائر وإن لم تُعملها في الخير عملتْ في الشر.","footnotes":"(١) ، (٢) رواه البخاري ومسلم.\r(٣) رواه البخاري وأبو داود.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633021,"book_id":1630,"shamela_page_id":46,"part":null,"page_num":46,"sequence_num":46,"body":"إن في النفوس ركونًا إلى اللذين والهين ونفورًا عن المكروه والشاق، فارفع نفسك ما استطعت إلى النافع الشاق وروّضها وسُسها على المكروه الأحسن، حتى تألف جلائل الأمور وتطمح إلى معاليها، وحتى تنفر عن كل دنية وتربأ عن كل صغيرة، علِّمها التحليق تكره الإسفاف، عرِّفها العزة تنفر من الذل، أّذِقْها اللذات الروحية العظيمة تحقر اللذات الحسية الصغيرة) (١) .\rودومًا نلح على علو الهمة باعتبارها عنصرًا جوهريًا في أي سعي عظيم، وأي سعي أعظم من سعي الآخرة، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا﴾ .\rثم اعلم- علمت كل خير- أن حلاوة الطاعة ملاكها في جمع القلب والهم والسر على الله ويفسره ابن القيم قائلاً: هو عكوف القلب بكليته على الله ﷿، لا يلتفت عنه يمنة ولا يسرة، فإذا ذاقت الهمة طعم هذا الجمع اتصل اشتياق صاحبها وتأججت نيران المحبة والطلب في قلبه.. ثم يقول: فلله همةُ نفس قطعت جميع الأكوان وسارت فما ألقت عصا السير إلا بين يدي الرحمن ﵎ فسجدت بين يديه سجدة الشكر على الوصول إليه، فلم تزل ساجدة حتى قيل لها: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ","footnotes":"(١) \"لعبد الوهاب عزام عن الرقائق\".","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633022,"book_id":1630,"shamela_page_id":47,"part":null,"page_num":47,"sequence_num":47,"body":"رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ ، فسبحان من فاوت- بين الخلق في- هممهم حتى ترى بين الهمتين أبعد ما بين المشرقين والمغربين بل أبعد مما بين أسفل سافلين وأعلى عليين، وتلك مواهب العزيز الحكيم: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ ثم يقول: وهكذا يجد لذة غامرة عند مناجاة ربه وأنسًا به وقربًا منه حتى يصير كأنه يخاطبه ويسامره، ويعتذر إليه تارة ويتملقه تارة ويثني عليه تارة حتى يبقى القلب ناطقًا بقوله: (أنت الله الذي لا إله إلا أنت) من غير تكلف له بذلك بل يبقى هذا حالاً له ومقامًا كما قال النبي ﷺ: \"الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه\" (١) ، وهكذا مخاطبته ومناجاته له، كأنه بين يدي ربه فيسكن جأشه ويطمئن قلبه فيزداد لهجًا بالدعاء والسؤال، تذللاً لله الغني سبحانه، وإظهار لفقر العبودية بين يدي عز الربوبية، فإن الرب سبحانه يحب من عبده أن يسأله ويرغب إليه، لأن وصول بره وإحسانه إليه موقوف على سؤاله، بل هو المتفضل به ابتداءًا بلا سبب من العبد ولا توسط سؤاله، بل قدَّر له ذلك الفضل بلا سبب من العبد، ثم أمره بسؤال والطلب منه إظهارًا لمرتبة العبودية والفقر والحاجة واعترافًا بعز الربوبية وكمال غنى الرب وتفرده بالفضل والإحسان، وأن العبد لا غنى له عن فضله طرفة عين، فيأتي بالطلب والسؤال إتيان من يعلم أنه لا يستحق","footnotes":"(١) رواه البخاري ومسلم.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633023,"book_id":1630,"shamela_page_id":48,"part":null,"page_num":48,"sequence_num":48,"body":"بطلبه وسؤال شيئًا، ولكن ربه تعالى يحب أن يُسأل ويُرغب إليه ويطلب منه.. ثم قال: فإذا تم هذا الذل للعبد: تم له العلم بأن فضل ربه سبق له ابتدءًا قبل أن يخلقه، مع علم الله سبحانه ربه وتقصيره وأن الله تعالى لم يمنعه علمه بتقصير عبده أن يقدر له الفضل والإحسان، فإذا شاهد العبد ذلك اشتد سروره بربه وبمواقع فضله وإحسانه، وهذا فرح محمود غير مذموم قال الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ أهـ (١) .\rوهذا كلام راقٍ يحتاج إلى تَرْدادٍ لفهمه، وتجْوالٍ في حنايا نظمه:\rفأدِمْ جرَّ الحبالِ تقطع الصخر الثَّخينا\rولكننا لا ندعك للرسوم والإشارات وعموم تلك العبارات، بل نَلِجُ بك إلى واقع عملي تكابد به حقائق الخدمة، وتتجلى لك من ورائه دقائق علم السلوك، فتستغني- أيها النابه العابد- بالمثال الواحد عن ألف شاهد.\rفهاك جملة من الطاعات التي يؤديها كل الناس، ولننظر كيف يجب أن تؤدي وتقام.\r***","footnotes":"(١) \"التهذيب\" (٢/٨٧٢) .","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633024,"book_id":1630,"shamela_page_id":49,"part":null,"page_num":49,"sequence_num":49,"body":"ذكر الله ﷿\r\rقال الفيروز آبادي في القاموس: الذكر بالكسر الحفظ للشيء.. وما زال مني على ذُكر وذِكر أي تذكر.\rوبهذا تعلم أن الذكر حقيقة في الحفظ والتذكر والاستحضار، واستخدم في الشرع بمعنى جريان اللسان بالثناء على الله وطلب المغفرة منه حتى صار حقيقة شرعية، غير أنه غُلب من العامة على وظيفة اللسان، فأصبح لا يطلق الذكر إلا ويتبادر معنى تحرك اللسان بالأذكار، وشطح غلاة الصوفية فصاروا لا يفهمون من الذكر إلا مجالس الرقص والدفوف، وكل ذلك يتنافى مع كثير من إطلاقات القرآن.\rيقول الله تعالى: ﴿والذين إذا فعوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم﴾ فذِكرُ الله هنا بمعنى استحضار عظمته وحفظه مقامه وتذكّر جلاله وهيبته، يؤيده أنه عطف عليه الاستغفار وهو ذلك، فلو كان معنى ﴿ذكروا الله﴾ أي جري اللسان بذكره لتكرر هكذا: ذكروا الله فذكروه، ولا يقال: إن قوله: ﴿ذكروا الله فاستغفروا﴾ من قبيل عطف الخاص على العام، لأن هذا من باب التأكيد، والتأسيس أولى من التأكيد، فالمتجه عندنا أن ذكر الله الزم صفة للمتقين فهم يستحضرون عظمته ويتذكرون أياديه عليهم فيكون ذلك سببًا في معرفة جرم ذنوبهم فيستغفرون.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633025,"book_id":1630,"shamela_page_id":50,"part":null,"page_num":50,"sequence_num":50,"body":"وتأمل قول الله تعالى: ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ تجد أن الذكر هنا أيضًا بمعنى العلم، وإذا أجريت ما ذكرناه لك عن معنى الذكر هنا فهمت ضرورة أن قوله: ﴿فاسألوا أهل الذكر﴾ أي أهل الخوف من الله والخاشعين له والمستحضرين لعظمته وليس هؤلاء إلا العلماء لقوله تعالى: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ .\rبل إن قوله تعالى: ﴿الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم﴾ فيه إشارة إلى ما قرر ناه، فشأن أهل الإيمان (الذين وردت الآية في سياق وصفهم) توجل قلوبهم بمجرد جريان خواطرهم به ﷿ عند سماع اسم من أسمائه أو صفة من صفاته أو أي شيء يشير إلى مقامه، ولو كان معنى الآية أن المؤمنين توجل قلوبهم بترداد ذكره وجريان اللسان لهجًا بالثناء عليه فليس في ذلك مزية، فمعظم الناس يوجلون عند ترداد الأذكار بحضور قلب، ولكن القليل هم الذين تتفاعل قلوبهم بمجرد ورود الخاطر عن الله.\rإذا تقرر ذلك نعلم عندئذ أن ذكر الله ﷿ يكون باستحضار عظمته في القلب وليس نوعًا مستقلاً بذاته، لأن جريان اللسان بالذكر دون حراك القلب ليس مقصودًا من الله ﷿ وتقدس، قال تعالى: ﴿لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم﴾ وقال ﷺ: \"التقوى ههنا وأشار إلى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633026,"book_id":1630,"shamela_page_id":51,"part":null,"page_num":51,"sequence_num":51,"body":"صدره\" رواه مسلم، وقال أيضًا ﷺ: \"إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم\" رواه مسلم.\rوبهذا البيان ندرك أن وظيفة اللسان في الذكر يجب أن تحصّل حضور القلب، بتعظيم الله واستحضار هيبته وجلاله، فما هي الوسائل التي تحقق هذه الثمرة؟\r***\r\rوسائل تحصيل حلاوة الذكر\r\rأولاً: معرفة المقصود من الذكر وهو إجلال مقام الله والخوف منه وخشيته ومهابته وقدرُهُ حق قدره، وبهذا المعنى يكون الذكر منسحبًا على كل زمان ومكان يوجد فيه الإنسان.\rثانيًا: أن يلحظ الذاكر نعمة الله الخليقة لنوالهم شرف ذكره وكرامة ورود كلماته على الخواطر وجريانها في الجوارح مع تلبسها بمعصيته وجحود آلائه ونعمائه.\rثالثاً: لزوم جناب الاحتشام عند ذكر الله باستحضار مراقبته وإطلاعه، وكان بعض السلف إذا ذكر الله لم يمد رجليه، وقد وصف الله المؤمنين بأنهم: ﴿إذا ذكر الله وجلت قلوبهم﴾ ووجل القلب خوفه من الله، قال أبو حيان في تفسيره، وقرأ ابن مسعود: فرقت، وقرأ أُبي: فزغت.\rرابعًا: أن يستشعر ويستحضر معنى حديث: \"أنا مع عبدي ما","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633027,"book_id":1630,"shamela_page_id":52,"part":null,"page_num":52,"sequence_num":52,"body":"ذكرني وتحركت بي شفتاه\" (١) رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم والبيهقي والحاكم، ولا يحولن عطنُ الفلاسفة والمتكلمين والمعطلة والجهمية بينك وبين جمال هذا المعنى وجلاله، فما دمت بنيت في ذهنك مقام الربوبية على الإثبات والتنزيه، فأمِرَّ النصوص كما جاءت كما فعل السلف تنتفع ببركة تلك النصوص.\rواعلم أن المدد من الله على قدر تقواك وصبرك، وحضور القلب على قدر استجماع الفكر في الذكر، والدليل قوله تعالى: ﴿بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين﴾ .\rخامسًا: عدم اليأس من تأخر الفتح، فمن أدمن قرع الباب يوشك أن يؤذن له، وملازمة الإلحاح والوقوف بالباب مع الإطراق بانكسار واختجال علامة التوفيق والقبول، تأمل قوله تعالى: ﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا ألا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا﴾ تجد أن المخلّف ممتحن في حقيقة الأمر: ﴿ليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين﴾ .","footnotes":"(١) ومعلوم أن هذه المعية: معية خاصة للذاكرين ولا تقتضي الحلولية كما يزعم الزاعمون وغلا ما اشترط للمعية شرطًا لحصولها، وهذا مجمع عليه بين السلف جمعًا بين هذه النصوص وبين النصوص المفيدة للعلو والاستواء على العرش، فافهم هذا المقام واطرح ما عداه تسلم وتغنم.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633028,"book_id":1630,"shamela_page_id":53,"part":null,"page_num":53,"sequence_num":53,"body":"سادسًا: يقول ابن القيم في الفوائد: من الذاكرين من يبتدئ بذكر اللسان وإن كان على غفلة ثم لا يزال فيه حتى يحضر قلبه فيتواطأ على الذكر، ومنهم من لا يرى ذلك ولا يبتدئ على غفلة بل يسكن حتى يحضر قلبه فيشرع في الذكر بقلبه فإذا قوي استتبع لسانه فتواطأ جميعًا، فالأول ينتقل الذكر من لسانه إلى قلبه والثاني ينتقل من قلبه إلى لسانه من غير أن يخلو قلبه منه بل يسكن أولاً حتى يُحسنَّ بظهور الناطق فيه، فإذا أحس بذلك نطق قلبه ثم انتقل النطق القلبي إلى الذكر اللساني ثم يستغرق في ذلك حتى يجد كل شيء منه ذاكرًا، وأفضل الذكر وأنفعه ما واطأ فيه القلبُ اللسان وكان من الأذكار النبوية وشهد الذاكر معانيه ومقاصده. أهـ. ومثل هذا لا يحسنه إلا ابن القيم ﵀.\rوالمذهب عندنا هو الوسيلة الثانية أي عدم الابتداء على غفلة بل يسكن الذاكر حتى يحضر القلب، وسبيله أن يستحضر نفسه واقفًا بباب الرحمة مطرقًا ينتظر الإذن بالدخول ويجول بقلبه الكسير حول معاني الرحمة والود والقبول، فذلك قمين أن يحضر به القلب.\rأما لزوم كون.. الذكر من الوارد في السُنَّة فهذا بَدَهي لا نطيل في تقريره، فمن سلك غير طريق محمد ﷺ أنىّ له الوصول؟\rأما شهود معاني الذكر ومقاصده فهذا من أعظم أبواب حضور","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633029,"book_id":1630,"shamela_page_id":54,"part":null,"page_num":54,"sequence_num":54,"body":"القلب والانتفاع بالذكر وخاصة إذا كانت من المعاني الراقية الرفيعة التي صيغت في حنايا سيد الذاكارين ﷺ.\rوسنضرب مثالاً في كيفية التفكر والتدبر في الذكر ليكون كالشاهد على غيره من الأذكار، فمن أذكار الصباح والمساء التي يرددها المؤمن قوله ﷺ: \"أصبحنا وأصبح الملك لله والحمد لله لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير رب أسألك خير ما في هذا اليوم وخير ما بعده، وأعوذ بك من شر هذا اليوم وشر ما بعده رب أعوذ بك من الكسل وسوء الكِبر، رب أعوذ بك من عذاب في النار وعذاب في القبر\" رواه مسلم.\rفيستحضر ما ذكرناه آنفًا ثم يتدبر الكلمات مظهرًا لفقر والاحتياج والمسكنة، ويجول بقلبه في ملك الله وملكوته، فيتحقق عنده حقائق النعم (أصبحنا) ، ويبصر عظيم منة الله إذا منَّ عليه بالحياة فأصبح معافى، مع أنه كان آيسًا من إدراك الصباح، كان ابن عمر يقول: \"إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء\" رواه البخاري، وها هي رعاية الله تتداركه فيرسل لها روحها بعد توفيها، قال تعالى: ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى﴾ ومع غمرة الفرحة بنعمة الله يتدارك نفسه بذكر المنعم حتى لا تضمحل رؤية المنعم في خضم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633030,"book_id":1630,"shamela_page_id":55,"part":null,"page_num":55,"sequence_num":55,"body":"الفرحة بالنعمة فينسب كل النعم بل كل هذا الملك إلى المنصرف الحقيقي فيه (وأصبح الملك لله) ومع نسبة النعمة لصاحبها والبوء لمسديها لا ينبغي أن ينسى العبد شكر ربه والثناء عليه فيحمده (والحمد لله) ، ثم يشهد شهادة التوحيد (لا إله إلا الله وحده لا شريك له) وسر ذلك: الإقرار بالألوهية بعد الإقرار بالربوبية، فالربوبية هي التصرف والتدبير والملك وهي متضمنة في قوله: (أصبحنا وأصبح الملك لله) والألوهية هي إثبات استحقاق الله ﷿ بالألوهية أي كونه إلهًا يعبد ولا يعبد أحدٌ معه، ثم يكرر بعض معاني الربوبية الأخرى ويحوم حول بعض أسمائه ﷿ وصفاته ليصُقل قلبه بتوحيد الأسماء والصفات فهو سبحانه (له الملك) أي أنه الملك، (وله الحمد) أي المحمود الحميد.\rثم يعترف بشمول قدرة الله لكل الأشياء، والشيء أعم لفظة في اللغة لشمولها الموجود والمعدوم والكبير والصغير والعظيم والحقير، ثم يبدأ بعد جولة الثناء على الله، هذه الجولة التي لا بد أن يشعر فيها بتحليق روحه بين تلك المعاني الراقية، الذي هو مخ العبادة، فيبدأ دعاءه المتناسب مع الزمان، فيسأل ربه خير هذا اليوم وخير ما بعده وكلمة (خير) مفرد مضاف، فيفيد العموم كما قال الأصوليون، فهو سؤال لكل خير ولأي خير أن يناله بفضل من","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633031,"book_id":1630,"shamela_page_id":56,"part":null,"page_num":56,"sequence_num":56,"body":"الله ورحمة، ومقتضى سؤال الخير ألا يُبتلى بالشر لأن الشر ليس بخير، ولكنه يؤكد الاستعاذة من الشر بترداد ألفاظها إمعانًا في التذلل وتأكيدًا في المسألة وإلحاحًا في الرغبة.\rولما كان الذاكر يستقبل يومًا جديدًا أو ليلة جديدة فإنه يحتاج إلى كل معونة على كل عجز يُقعده عن الانتفاع بيومه وليله، وعجز الإنسان إما أن يكون قدريًا أي لا حيلة له في دفعه، أو كسبيًا، فهو يستعيذ من العجز القدري وهو (سوء الكِبَر) وذلك بأن يبارك له ربه في جوارحه وقوته ونشاطه، ومن العجز الكسبي وهو (الكسل) وذلك بأن يُلهم النشاط وكراهية الدعة والخمول.\rولما كان الذاكر في جولة قلبية مع تلك المعاني المناسبة لزمان اليوم والليلة فإنه يفيق بعد تلك الجولة على حقيقة سيره إلى الله وأن غاية مراده من الذكر والاستعاذة من الشرور أن ينجو حقيقة بدخول الجنة والزحزحة عن النار فيتدارك لسانه هذا الذاكر الذي دندن حوله الرسول ﷺ ومعاذ بن جبل فيردد صدى دندنتهما في الكون بترنيمة السالكين الأبدية (رب أعوذ بك من عذاب في النار وعذاب في القبر) .\rوفي ذكر القبر في ختام الدعاء والذكر سر عجيب، فإنه بدا ذكره بالتحليق في أرجاء ملك الله الواسع (أصبحنا وأصبح الملك لله) ثم إنه استشعر سعة الكون بشموله قدرته ﷿ وتصرفه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633032,"book_id":1630,"shamela_page_id":57,"part":null,"page_num":57,"sequence_num":57,"body":"فيه، وهو خليق أن يجعله مبهورًا بهذه السعة، فيأتي ذكر القبر ليرده عن هذا التوسع والشعور بالرحابة، ويذكّرَ الضيق الذي ينتظره في القبر وكذا بأهواله وخطوبه.\rفيا له من ذكر يصعد بالإنسان إلى أعلى عليين ثم ينزل به إلى اسفل سافلين، فإذا هو بعد الذكر قد تجلت له الحقائق ورأى الدنيا وملك الله من زاوية السعة ومن زاوية الضيق فتتضاءل نفسه أمام هذا الإعجاز وتصغر ذاته في عمق هذه المعاني، وهذه هي أحلى فوائد الذكر، أن يجد الذاكر في نفسه قدرة على إدراك حقائق الأمور، فيرى ضالة ذاته، وعظمة ربه، ويبصر تصرف المليك في الكون والخليقة.\rسابعًا: أفضل أحوال الذكر: يفضل الذكر في الخلوات عنه في الجلوات أي على مشهد من الناس، قال ﷺ في السبعة الذين سيظلهم الله في ظله: \"ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه\". رواه البخاري، والخلوة يجب أن تكون بمنأى عن أعين الناس وعن جلبتهم وضوضائهم، لذا يفضل في الخلوة الهدوء التام والظلام وعدم الإزعاج وقطع لحظات المناجاة، ولا يشرع اتخاذ الخلوات في الجبال والفيافي بما يشبه الرهبنة كما حققه شيخ الإسلام ابن تيمية، بل الخلوة الشرعية تكون في المسجد بالاعتكاف أو في المنازل والبيوتات، ولا يشرع الاعتزال واتخاذ الخلوة في شعب","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633033,"book_id":1630,"shamela_page_id":58,"part":null,"page_num":58,"sequence_num":58,"body":"الجبال إلا زمان الفتن التي تعصف بالإيمان والمؤمنين، أما زمن الجهاد والدعوة والإصلاح فلا تشرع العزلة بحال على قول جمهور الفقهاء والمحدثين وأهل السلوك.\rوثمة آداب أخرى في حق الذاكر يستحب له إتيانها منها لبس أحسن الثياب وتجديد الوضوء والتطيب واستقبال القبلة على الدوام، ودوام الإطراق، ولزوم الأدب في الجلوس، واستصحاب السواك واستعماله.\rتنبيه: واعلم أيها النابه أن كل ما ذكرناه لك عن الذكر وفقهه وآدابه وأحكامه وأسراره يجري في قراءة القرآن الكريم وتدبره وتفهمه، فهو أعظم الذكر وأحلاه.\rفاستحضر ما قررناه ونفذه عند تلاوة القرآن الكريم مع ضرورة الإلمام بجملة من فضائل تلاوة القرآن وتدبره في نصوص الكتاب والسنة فإنه خير معوان لك على حب القرآن والانتفاع منه وبه.\rوسيأتي إن شاء الله فصل خاص حول تلاوة القرآن نلخص فيه كلام الغزالي ﵀.\r***\rوسائل تحصيل لذة الصوم\rوهذا من أعجب الأسرار، ولم أجد أحدًا تكلم فيها بما يشفي، والمقصود أيها السالك: إيقافك على أسرار العبادة وجمال الخدمة وشرف القيام بالأمر، فالعبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633034,"book_id":1630,"shamela_page_id":59,"part":null,"page_num":59,"sequence_num":59,"body":"من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة، ومقتضى قيامك بأداء العبادة أن تجد ثمرتها، وثمرة العبادة تكليف شرعي، فمثلاً: يقول عن الصلاة: ﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾ أي الصلاة الصحيحة الكاملة، ولكنه لم يتكلم عن لذة العبادة والمناجاة والخطاب وحلاوة القيام بتلك الصلاة وكذلك الصوم حين قال: ﴿كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾ فالتقوى أيضًا كالانتهاء من الفحشاء والمنكر كلاهما مأمور به.\rوسر عدم التعرض للذة العبادة وجعلها مقصودًا وغاية مباشرة أن هذه اللذة والحلاوة هي من صميم مقام الإحسان \"أن تعبد الله كأنك تراه\" ولو جُعلت مقصودًا وغاية لعَجَزَ جمهور المكلفين عن أن يحصّلوا هذه اللذة ليتأكدوا من حصول ثمرة العبادة، وليأس كثير من السالكين حيث يجتهدون ولما يأتهم المدد، فكان تكليفهم بالقريب الملموس والسهل اليسير لأن علامات التقوى والانتهاء عن المنكر واضحة، أما باطن هذه الغايات وجوهرها فهو الالتذاذ بالخدمة والشعور بالنسبة (نسبة العبد لربه) كما قال ﷺ بعد رجوعه من الطائف وأذيه أهلها له وإهانتهم لشخصه، قال: \"إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي\" وهذا من أجمل الألفاظ النبوية الجامعة الخارجة من مشكاة خليل رب العالمين، ولذلك كان سيد الاستغفار سيدًا لما فيه من الشعور بالنسبة ولذة الخطاب: \"أنت ربي.. خلقتني وأنا عبدك.. فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت\".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633035,"book_id":1630,"shamela_page_id":60,"part":null,"page_num":60,"sequence_num":60,"body":"ومما زادني شرفًا وتيهًا وكدت بأخمصي أطأ الثريا\rدخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيًا\rوكذلك الصوم تتحصل اللذة فيه من الشعور بالنسبة والالتذاذ بالخدمة قال تعالى في الحديث القدسي: \"الصوم لي وأن أجزي به…\" هذه هي النسبة، وقال: \"ترك طعامه وشهوته من أجلي\" وهذه هي حقيقة الالتذاذ بالخدمة.\rولذلك كان يبس الشفاة من العطش، وقرقرة البطون من الجوه: أهنأ ما لاقاه الصائمون وأمرأ ما ظفر به أولئك الجياع العطشى.\rفبينما هو يتألم - وقد تلوى من جوع البطن- يتوارد على فؤاده خاطرة: أن هذا الألم يصبر عليه تعظيمًا لحق الله ومهابة لنظره وإطلاعه فيرضى عن حاله ويشبع من رضا الله عنه ولا يطمع في أي نعمة تحول بينه وبين لذة هذا الألم.\rلكنه سرعان ما يطأطئ منكسرًا وجلاً، خائفًا لئلا يقبل الله منه فيتضافر ألم البطون مع ألم القلوب ويتعاظم هذا الألم حتى تتداركه عناية الله وإمداداته فيفيض عليه من جميل لطفه وإنعامه فيسكن هذان الألمان المتضافران وينقلبان حلاوة غامرة ولذة عامرة بل وشوقًا للقاء الله حتى تتم فرحته التي أخبر عنه النبي ﷺ \"وفرحة عند لقاء ربه\".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633036,"book_id":1630,"shamela_page_id":61,"part":null,"page_num":61,"sequence_num":61,"body":"وإذا تأملت هذه المعاني أدركت سر قوله ﷺ: \"رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع\" رواه ابن ماجة (صحيح الجامع)\rوقوله ﷺ: \"رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش\" رواه الطبراني في الكبير وغره (صحيح الجامع)\rوربما ضربت كفًا على كف من اجتماع هذه المتناقضات، ألم، ولذة، وجوع، وشبع، وعطش، وريٌّ، ولا يمنعنك هذا العجب من ولوج هذا الطريق والسير فيه، فمن سلكه رأى من آيات ربه الكبرى.\rفأحسن القصد، وولّد العزم، وتسلح بالهمة، وابدأ السير، وِجدَّ في الترّحال، واطلب الراحة في العناء، وارض عن نفسك إذا كان مسعاها في المعالي، ولا تركن إلى غبن أهل الدنيا، ومنِّ نفسك بالفوز الربيح، وادخر الثمن الغالي لسلعة الله \"ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة\".\r***\rوسائل تحصيل لذة الصلاة\r(اعلم أن هذه المعاني تكثر العبارات عنها ولكن يجمعها ست جمل وهي:\r(١) حضور القلب (٢) التفهُّم (٣) التعظيم\r(٤) الهيبة (٥) الرجاء (٦) الحياء","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633037,"book_id":1630,"shamela_page_id":62,"part":null,"page_num":62,"sequence_num":62,"body":"فلنذكر تفاصيلها ثم أسبابها ثم العلاج في اكتسابها، أما التفصيل:\rفالأول: حضور القلب، ونعني به أن يفرَّغ القلب عن غير ما هو ملابس له ومتكلمٌ به، فيكون العلم بالفعل والقول مقرونًا بهما، ولا يكون الفكر جائلاً في غيرهما، ومهما انصرف القلب في الفكر عن غير ما هو فيه- وكان في قلبه ذكر لما هو فيه- ولم يكن فيه غفلة عن كل شيء فقد حصل حضور القلب.\rوالثاني: هو التفهم لمعنى الكلام، وهو أمر وراء حضور القلب، فربما يكون القلب حاضرًا مع اللفظ ولا يكون مع معنى اللفظ، فاشتمال القلب حاضرًا على العلم بمعنى اللفظ هو الذي أردناه بالتفهم، وهذا مقام يتفاوت الناس فيه إذ ليس يشترك الناس في تفهم المعاني للقرآن والتسبيحات.. وكم من معان لطيفة يفهمها المصلي في أثناء الصلاة ولم يكن قد خطر بقلبه ذلك قبله؟ ومن هذا الوجه كانت الصلاة ناهية عن الفحشاء والمنكر، فإنها تُفَهم أمورًا، تلك الأمور تمنع عن الفحشاء لا محالة.\rوالثالث: التعظيم وهو أمر وراء حضور القلب والفهم، إذ الرجل يخاطب عبده بكلام هو حاضر القلب فيه ومتفهم لمعناه ولا يكون معظمًا له فالتعظيم زائد عليهما.\rوالرابع: وهو الهيبةُ فزائدة على التعظيم بل هي عبارة عن خوف منشؤة التعظيم لأن من لا يخاف لا يسمى هائبًا، والمخافة من العقرب وسوء خلق العبد وما يجري مجراه من الأسباب","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633038,"book_id":1630,"shamela_page_id":63,"part":null,"page_num":63,"sequence_num":63,"body":"الخسيسة لا تسمى مهابة، بل الخوف من السلطان المعظم يسمى مهابة، والهيبة خوف مصدرها الإجلال.\rوالخامس: وهو الرجاء فلا شك أنه زائد فكم من معظم ملكًا من الملوك يهابه أو يخاف سطوته ولكن لا يرجو مثوبته، والعبد ينبغي أن يكون راجيًا بصلاته ثواب الله ﷿ كما أنه خائف بتقصيره عقاب الله ﷿.\rالسادس: وهو الحياء فهو زائد على الجملة لأن مستنده استشعار تقصير وتوهم ذنب، ويتصور التعظيم والخوف والرجاء من غير حياء حيث لا يكون توهم تقصير وارتكاب ذنب.\rوأما أسباب هذه المعاني الستة: فاعلم أن حضور القلب سببه الهمة فإن قلبك تابع لهمتك فلا يحضر إلا فيما يهمك. ومهما أهمك أمر حضر القلب فيه شاء أم أبى فهو مجبول على ذلك ومسخر فيه والقلب إذا لم يحضر في الصلاة لم يكن متعطلاً بل جائلاً فيما الهمة مصروفة إليه من أمور الدنيا، فلا حيلة ولا علاج لإحضار القلب إلا بصرف الهمة إلى الصلاة، والهمة لا تنصرف إليها ما لم يتبين أن الغرض المطلوب منوط بها وذلك هو الإيمان والتصديق بأن الآخرة خير وأبقى وأن الصلاة وسيلة إليها، فإذا أضيف هذا إلى حقيقة العلم بحقارة الدنيا ومهماتها حصل من مجموعها حضور القلب في الصلاة، وبمثل هذه العلة يحضر قلبك إذا حضرت بين يدي بعض الأكابر ممن لا يقدر على مضرتك","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633039,"book_id":1630,"shamela_page_id":64,"part":null,"page_num":64,"sequence_num":64,"body":"ومنفعتك، فإذا كان لا يحضر عند المناجاة مع ملك الملوك الذي بيده الملك والملكوت والنفع والضر فلا تظنَّن أن له سببًا سوى ضعف الإيمان فاجتهد الآن في تقويته.\rوأما التفهم فسببه بعد حضور القلب إدمان الفكر وصرف الذهن إلى إدراك المعنى وعلاجه الذي هو علاج إحضار القلب مع الإقبال على الفكر والتشمر لدفع الخواطر، وعلاج دفع الخواطر الشاغلة قطع موادها، أعني النزوع عن تلك الأسباب التي تنجذب الخواطر إليها، وما لم تنقطع تلك المواد لا تنصرف عنها الخواطر، فمن أحب شيئًا أكثر ذكره، فذكر المحبوب يهجِم على القلب بالضرورة، ولذلك ترى أن من أحب غير الله لا تصفو له صلاة عن الخواطر.\rوأما التعظيم فهي حالة للقلب تتولد من معرفتين: إحداهما: معرفة جلال الله ﷿ وعظمته وهو من أصول الإيمان، فإن من لا يعتقد عظمته لا تذعن النفس لتعظيمه. والثانية: حقارة النفس وخستها وكونها عبدًا مسخرًا مربوبًا، حتى يتولد من المعرفتين الاستكانة والانكسار والخشوع لله سبحانه فيعبر عنه بالتعظيم، وما لم تمتزج معرفة حقارة النفس بمعرفة جلال الله لا تنتظم حالة التعظيم والخشوع فإن المستغني عن غيره الآمن على نفسه يجوز أن يعرف من غيره صفات العظمة ولا يكون الخشوع والتعظيم حاله، لأن القرينة الأخرى وهي معرفة حقارة النفس وحاجتها لم تقترن إليه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633040,"book_id":1630,"shamela_page_id":65,"part":null,"page_num":65,"sequence_num":65,"body":"وأما الهيبة والخوف فحالة للنفس تتولد من المعرفة بقدرة الله وسطوته ونفوذ مشيئته فيه مع قلة المبالاة به، وأنه لو أهلك الأولين والآخرين لم ينقص ذلك من ملكه ذرة، هذا مع مطالعة ما يجري على الأنبياء والأولياء من المصائب وأنواع البلاء مع القدرة على الدفع على خلاف ما يشاهد من ملوك الأرض، وبالجملة كلما زاد العلم بالله زادت الخشية والهيبة.\rوأما الرجاء فسببه معرفة لطف الله ﷿ وكرمه وعميم إنعامه ولطائف صنعه ومعرفة صدقه في وعده الجنة بالصلاة، فإذا حصل اليقينُ بوعده والمعرفةُ بلطفه انبعث من مجموعها الرجاء لا محالة.\rوأما الحياء فباستشعاره التقصير في العبادة، وعلمه بالعجز عن القيام بعظيم حق الله ﷿، ويقوىَ ذلك بالمعرفة بعيوب النفس وآفاتها وقلة إخلاصها وخبث دخيلتها وميلها إلى الحظ العاجل في جميع أفعالها، مع العلم بعظيم ما يقتضيه جلال الله ﷿، والعلم بأنه مطلع على السر وخطرات القلب وإن دقت وخفيت، وهذه المعارف إذا حصلت يقينًا انبعث منها بالضرورة حالة تسمى الحياء، فهذه أسباب هذه الصفات وكل ما طُلب تحصيله فعلاجه إحضار سببه، ففي معرفة السبب معرفة العلاج، ورابطة جميع هذا الأسباب الإيمان واليقين، أعني به هذه المعارف","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633041,"book_id":1630,"shamela_page_id":66,"part":null,"page_num":66,"sequence_num":66,"body":"التي ذكرناها، ومعنى كونها يقينًا انتفاءُ الشك واستيلاؤها على القلب، وبقدر اليقين يخشع القلب، وباختلاف المعاني التي ذكرناها في القلوب انقسم الناس إلى غافل يتمم صلاته ولم يحضر قلبه في لحظة منها، وإلى من يتمم ولم يغب قلبه في لحظة بل ربما كان مستوعب الهم بها بحيث لا يحس بما يجري بين يديه، ولذلك لم يحس مسلم بن يسار بسقوط الاسطوانة في المسجد وقد اجتمع الناس عليها، وبعضهم كان يحضر الجماعة مدة ولم يعرف قط من على يمينه ويساره، وجماعة كانت تصفر وجوههم وترتعد فرائصُهم.\rوكل ذلك غير مستبعد فإن أضعافه مشاهد في همم أهل الدنيا وخوف ملوك الدنيا مع عجزهم وضعفهم وخساسة الحظوظ الحاصلة منهم حتى يدخل الواحد على ملك أو وزير ويحدثه بمهمته ثم يخرج، ولو سئل عمن حواليه أو ثوب الملك لكان لا يقدر على الإخبار عنه لاشتغال همه عن ثوبه وعن الحاضرين حواليه ﴿ولكل درجات مما عملوا﴾ ، فحظ كل واحد من صلاته بقدر خوفه وخشوعه وتعظيمه فإن موقع نظر الله سبحانه القلوبُ دون ظاهر الحركات، ولذلك قال بعض الصحابة ﵁: يحشر الناس يوم القيامة على مثل هيئتهم في الصلاة من الطمأنينة والهدوء ومن وجود النعيم بها واللذة، ولقد صدق، فإنه يحشر كلٌ على ما مات عليه، ويموت على ما عاش عليه، ويراعى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633042,"book_id":1630,"shamela_page_id":67,"part":null,"page_num":67,"sequence_num":67,"body":"في ذلك حال قلبه لا حال شخصه، فمن صفات القلوب تصاغ الصور في الدار الآخرة ولا ينجو إلا من أتى الله بقلب سليم، نسأل الله حسن التوفيق بلطفه وكرمه.\r***\r\rبيان الدواء النافع في حضور القلب\rأعلم أن المؤمن لابد أن يكون معظمًا لله ﷿ وخائفًا منه وراجيًا له ومستحييًا من تقصيره، فلا ينفك عن هذه الأحوال بعد إيمانه، وإن كانت قوتها بقدر قوة يقينه، فانفكاكه عنها في الصلاة لا سبب له إلا تفرق الفكر وتقسيم الخاطر وغيبة القلب عن المناجاة والغفلة عن الصلاة.\rولا يلهي عن الصلاة إلا الخواطر الواردة الشاغلة، فالدواء في إحضار القلب هو دفع تلك الخواطر ولا يدفع الشيء إلا بدفع سببه فلتعلم سببه. وسبب موارد الخواطر إما أن يكون أمرًا خارجًا أو أمرًا في ذاته باطنًا، أما الخارج فما يقرع السمع أو يظهر للبصر، فإن ذلك قد يختطف الهم حتى يتبعه ويتصرف فيه ثم تنجر منه الفكرة إلى غيره ويتسلسل، ويكون الإبصار سببًا للافتكار، ثم تصير بعض تلك الأفكار سببًا للبعض الآخر.\rومن قويت نيته وعلت همته لم يلهه ما جرى على حواسه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633043,"book_id":1630,"shamela_page_id":68,"part":null,"page_num":68,"sequence_num":68,"body":"ولكن الضعيف لابد وأن يتفرّق به فكره، وعلاجه قطع هذه الأسباب بأن يغض بصره أو يصلي في بيت مظلم أو لا يترك بين يديه ما يشغل حسه وبقرب من حائط عند صلاته حتى لا تتسع مسافة بصره، ويحترز من الصلاة على الشوارع وفي المواضع المنقوشة المصنوعة وعلى الفرش المصبوغة، ولذلك كان المتعبدون يتعبدون في بيت صغير مظلم سعته قدر السجود ليكون ذلك أجمع للهمم.\rوالأقوياء منهم كانوا يحضرون المساجد ويغضون البصر ولا يجاوزون به موضع السجود ويرون كمال الصلاة في أن لا يعرفوا من على يمينهم وشمالهم، وكان ابن عمر ﵄ لا يدع في موضع الصلاة مصحفًا ولا سيفًا إلا نزعه ولا كتابًا إلا محاه.\rوأما الأسباب الباطنة فهي أشد فإن من تشعبت به الهموم في أودية الدنيا لا ينحصر فكره في فن واحد بل لا يزال يطير من جانب إلى جانب، وغض البصر لا يغنيه، فإن ما وقع في القلب من قبلُ كافٍ للشغل، فهذا طريقه أن يرد النفس قهرًا إلى فهم ما يقرؤه في الصلاة ويشغلها به عن غيره، ويعينه على ذلك أن يستعد له قبل التحريم بأن يحدد على نفسه ذكر الآخرة وموقف المناجاة وخطر المقام بين يدي الله سبحانه وهو المطلع، ويفرغ قلبه قبل التحريم بالصلاة عما يهمه فلا يترك لنفسه شغلاً يلتفت إليه خاطره، قال","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633044,"book_id":1630,"shamela_page_id":69,"part":null,"page_num":69,"sequence_num":69,"body":"رسول الله ﷺ لعثمان بن طلحة: \"إني نسيت أن أقول لك أن تخمر القدْر الذي في البيت، فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل الناس عن صلاتهم\" رواه أبو داود (١) ، فهذا طريق تسكين الأفكار. فإن كان لا يسكن هوائج أفكاره بهذا الدواء المسكن، فلا ينجيه إلا المسهل الذي يقمع مادة الداء من أعماق العروق، وهو أن ينظر في الأمور الصارفة الشاغلة عن إحضار القلب، ولاشك أنها تعود إلى مهماته، وأنها إنما صارت مهمات لشهواته، فيعاقب بها نفسه بالنزوع عن تلك الشهوات وقطع تلك العلائق، فلك ما يشغله عن صلاته فهو ضد دينه ومن جند إبليس عدوِّه، فإمساكه أضر عليه من إخراجه فيتخلص منه بإخراجه، كما روي أنه ﷺ لما لبس الخميصة التي أتاه بها أبو جهم وعليها علَمٌ وصلى بها نزعها بعد صلاته، وقال ﷺ: \"اذهبوا بها إلى أبي جهم فإنها ألهتني عن صلاتي وائتوني بأنْبَجَانية أبي جهم\" متفق عليه، وأمر رسول الله ﷺ بتجديد شراك نعله ثم نظر إليه في صلاته إذ كان جديدًا فأمر أن ينزع منها ويردَّ الشراك الخلق، أخرجه ابن المبارك في الزهد مرسلاً بإسناد صحيح.\rفأما ما ذكرناه من التلطف بالتسكين والرد إلى فهم الذكر فذلك ينفع الشهوات الضعيفة والهمم التي لا تشغل إلا حواشي القلب.","footnotes":"(١) صحيح أبو داود.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633045,"book_id":1630,"shamela_page_id":70,"part":null,"page_num":70,"sequence_num":70,"body":"فأما الشهوة القوية المرهِقة فلا ينفع فيها التسكين بل لا تزال تجاذبها وتجاذبك ثم تغلبك وتنقضي صلاتك في شغل المجاذبة، ومثاله: رجل تحت شجرة أراد أن يصفو له فكره وكانت أصوات العصافير تهوش عليه، فلم يزل يطيرها بخشبة في يده ويعود إلى فكره فتعود العصافير فيعود إلى التنفير بالخشبة، فقيل له: إن أردت الخلاص فاقطع الشجرة، فكذلك شجرة الشهوات إذا تشعبت وتفرعت أغصانها انجذبت إليها الأفكار انجذاب العصافير إلى الأشجار وانجذاب الذباب إلى الأقذار، والشغل يطول في دفعها، فإن الذباب كلما ذُبّّ آب، ولأجله سمي ذبابًا، فكذلك الخواطر، وهذه الشهوات كثيرة وقلما يخلو العبد عنها ويجمعها أصل واحد وهو حب الدنيا، وذلك رأس كل خطيئة وأساس كل نقصان ومنبع كل فساد.\rومن انطوى باطنه على حب الدنيا حتى مال إلى شيء منها لا ليتزود ولا ليستعين بها على الآخرة فلا يطمعن في أن تصفو له لذة المناجاة في الصلاة، فإن من فرح بالدنيا لا يفرح بالله سبحانه وبمناجاته.\rوهمة الرجل مع قرة عينه، فإن كانت قرة عينه في الدنيا انصرف لا محالة إليها همه، ولكن مع هذا فلا ينبغي أن يترك المجاهدة ورد القلب إلى الصلاة وتقليل الأسباب الشاغلة، فهذا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633046,"book_id":1630,"shamela_page_id":71,"part":null,"page_num":71,"sequence_num":71,"body":"هو الدواء ولمرارته استبشعته الطباع وبقيت العلة مزمنة وصار الداء عُضالاً، حتى إن الأكابر اجتهدوا أن يصلوا ركعتين لا يحدّثون أنفسهم فيها بأمور الدنيا فعجزوا عن ذلك، فإذن لا مطمع فيه لأمثالنا، وليته سلم لنا من الصلاة شطرها أو ثلثها من الوساوس لتكون ممن خلط عملاً صالحًا وآخر سيئًا.\rوعلى الجملة فهمة الدنيا وهمة الآخرة في القلب مثل الماء الذي يصب في قدح مملوء بخلّ، فبقدر ما يدخل فيه الماء يخرج من الخل لا محالة ولا يجتمعان.\r***\rبيان تفصيل ما ينبغي أن يحضر في القلب عند\rكل ركن وشرط من أعمال الصلاة\r\rفنقول: حقك إن كنت المريدين للآخرة أن لا تغفل أولاً عن التنبيهات التي في شروط الصلاة وأركانها، أما الشروط السوابق فهي الآذان والطهارة وستر العورة واستقبال القبلة والانتصاب قائمًا والنية.\rفإذا سمعت نداء المؤذن فاحضر في قلبك هول النداء يوم القيامة، وتشمّر بظاهرك وباطنك للإجابة والمسارعة، فإن المسارعين إلى هذا النداء هم الذين يُنادون باللطف يوم العرض","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633047,"book_id":1630,"shamela_page_id":72,"part":null,"page_num":72,"sequence_num":72,"body":"الأكبر، فاعرض قلبك على هذا النداء فإن وجدته مملوءًا بالفرج والاستبشار مشحونًا بالرغبة إلى الابتدار فاعلم أنه يأتيك النداء بالبُشرى والفوز يوم القضاء، ولذلك قال ﷺ: \"أرحنا بها يا بلال\" (١) أي أرحنا بها وبالنداء إليها إذ كان قرة عينه فيها ﷺ.\rوأما الطهارة فإذا أتيت بها في مكانك وهو ظرفُك الأبعد ثم في ثيابك وهي غلافُك الأقرب، ثم في بشرتك وهي قِشرُك الأدنى فلا تغفل عن لُبك الذي هو ذاتك وهو قلبك، فاجتهد له تطهيرًا بالتوبة والندم على ما فرّطت، وتصميم العزم على الترك في المستقبل، فطهّر بها باطنك فإنه موضع نظر معبودك.\rوأما ستر العورة فاعلم أن معناه تغطية مقابح بدنك عن أبصار الخلق، فإن ظاهر بدنك موقع لنظر الخلق، فما بالك في عورات باطنك وفضائح سرائرك التي لا يطّلع عليها إلا ربك ﷿! فأحضر تلك الفضائح ببالك وطالب نفسك بسترها، وتحقق أنه لا يستر عن عين الله سبحانه ساتر، وإنما يغفرها الندم والحياء والخوف، فتستفيد بإحضارها في قلبك انبعاث جنود الخوف والحياء من مكامنهما ويستكين تحت الخَجْلة قلبُك، وتقوم بين","footnotes":"(١) رواه الدارقطني في \"العلل\" من حديث بلال ونحوه عند أبي داود عن رجل من الصاحبة لم يسمه بإسناد صحيح.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633048,"book_id":1630,"shamela_page_id":73,"part":null,"page_num":73,"sequence_num":73,"body":"يدي الله ﷿ قيام العبد المجرم المسيء الآبق الذي ندم فرجع إلى مولاه ناكسًا رأسه من الحياء والخوف.\r\rوأما استقبال القبلة فهو صرفُ ظاهر وجهك عن سائر الجهات إلى جهة بيت الله تعالى، افترى أن صرف القلب عن سائر الأمور إلى الله ﷿ ليس مطلوبًا منك؟ هيهات، فلا مطلوب سواه، وإنما هذه الظواهر تحريكات البواطن وضبط للجوارح وتسكين لها بالإثبات في جهة واحدة حتى لا تبغي على القلب، فإنها إذا بغت وظلمت في حركاتها والتفاتها إلى جهاتها استتبعت القلب وانقلبت به عن وجه الله ﷿ فليكن وجه قلبك مع وجه بدنك.\rوأما الاعتدال قائمًا فإنما هو مثول بالشخص والقلب بين يدي الله ﷿، فليكن رأسك الذي هو أرفع أعضائك مُطرقًا مُطأطِئًا مُنكسًا، وليكن وضع الرأس عن ارتفاعه تنبيهًا على إلزام القلب التواضع والتذلل والتبري عن الترؤّس والتكبر، وليكن على ذكرنا ههنا خطرُ القيام بين يدين الله ﷿ في هول المطلع عند العرض للسؤال واعلم في الحال أنك قائم بين يدي الله ﷿ وهو مطَّلعٌ عليك فقم بين يديه قيامك بين يدي بعض ملوك الزمان إن كنت تعجز عن معرفة قدره ﷻ، قبل قدّر في دوام قيامك في صلاتك أنك ملحوظ ومرقوب بعين كالِئَة من رجل صالح من أهلك أو ممن ترغب في أن يعرفك بالصلاح، فإنه تهدأ عند ذلك","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633049,"book_id":1630,"shamela_page_id":74,"part":null,"page_num":74,"sequence_num":74,"body":"أطرافك وتخشع جوارحك وتسكن جميع أجزائك خيفة أن ينسيك ذلك العاجز المسكين إلى قلة الخشوع، وإذا أحسست من نفسك خشوعًا عند ملاحظة عبد مسكين فعاتب نفسك وقل لها: إنك تدّعين معرفة الله وحبه أفلا تستحين من استجرائك عليه مع توقيرك عبدًا من عباده؟ أو تخشين الناس ولا تخشينه وهو أحق أن يُخشى؟ ولذلك لما قال أبو هريرة: كيف الحياء من الله؟ فقال ﷺ: \"تستحي منه كما تستحي من الرجل الصالح من قومك\" (١) ، وروي: \"من أهلك\".\rوأما النية فاعزم على إجابة الله ﷿ في امتثال أمره بالصلاة وإتمامها والكف عن نواقضها ومفسداتها وإخلاص جميع ذلك لوجه الله سبحانه رجاء لثوابه وخوفًا من عقابه وطلبًا للقربة منه، متقلدًا للمنة منه بإذنه إياك في المناجاة مع سوء أدبك وكثرة عصيانك، وعظم في نفسك قدر مناجاته وانظر من تناجي وكيف تناجي وبماذا تناجي؟ وعند هذا ينبغي أن يعرق جبينك من الخجل وترتعد فرائصك من الهيبة ويصفرّ وجهك من الخوف.\rوأما التكبير فإذا نطق به لسانك فينبغي أن لا يكذبه قلبُك فإن كان في قلبك شيء هو أكبر من الله يشهد إنك لكاذب، وإن كان الكلام صدقًا كما شهد على المنافقين في قولهم:","footnotes":"(١) رواه الخرائطي في \"مكارم الأخلاق\" وفي إسناده نظر.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633050,"book_id":1630,"shamela_page_id":75,"part":null,"page_num":75,"sequence_num":75,"body":"إنه ﷺ رسول الله، فإن كان هواك أغلب عليك من أمر الله ﷿ فأنت أطوع له منك لله تعالى فقد اتخذته إلهك وكبرته فيوشك أن يكون قولك \"الله أكبر\" كلامًا باللسان المجرد، وقد تخلف القلب عن مساعدته، وما أعظم الخطر في ذلك لولا التوبة والاستغفار وحسن الظن بكرم الله تعالى وعفوه.\rوأما دعاء الاستفتاح فأول كلماته قولك: \"وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض\" وليس المراد بالوجه الوجه الظاهر فإنك إنما وجهته إلى جهة القبلة والله سبحانه ليس هنالك، وإنما وجهُ القلب هو الذي تتوجه به إلى فاطر السموات والأرض، فانظر إليه أمتوجه هو إلى أمانيه وهمه في البيت والسوق، متبعٌ للشهوات، أو مقبلٌ على فاطر السموات؟ وإياك أن تكون أول مفاتحتك للمناجاة بالكذب والاختلاق.\rولن ينصرف الوجه إلى الله تعالى إلا بانصرافه عما سواه فاجتهد في الحال في صرفه إليه وإن عجزت عنه على الدوام فليكن قولك في الحال صادقًا، وإذا قلت: \"حنيفًا مسلمًا\" فينبغي أن يخطر ببالك أن المسلم هو الذي سلم المسلمون من لسانه ويده، فإن لم تكن كذلك كنت كاذبًا، فاجتهد في أن تعزم عليه في الاستقبال وتندم على ما سبق من الأحوال، وإذا قلت: \"وما أنا من المشركين\" فاخطر ببالك الشرك الخفي فإن قوله تعالى: ﴿فمن كان","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633051,"book_id":1630,"shamela_page_id":76,"part":null,"page_num":76,"sequence_num":76,"body":"يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحًا ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا﴾ نزل فيمن يقصد بعبادته وجه الله وحمد الناس، وكن حذرًا مشفقًا من هذا الشرك، واستشعر الخجلة في قلبك إن وصفت نفسك بأنك لست من المشركين من غير باءة عن هذا الشرك، فإن اسم الشرك يقع على القليل والكثير منه.\rوإذا قلت: \"محياي ومماتي لله\" فاعلم أن هذا حال عبدٍ مفقودٍ لنفسه موجودٍ لسيده، وأنه إن صدر ممن رغبتُهُ في الحياة ورهبته من الموت لأمور الدنيا لم يكن ملائمًا للحال.. وإذا قلت: \"أعوذ بالله من الشيطان الرجيم\" فاعلم أنه عدوك ومترصد لصرف قلبك عن الله ﷿ حسدًا لك على مناجاتك مع الله ﷿ وسجودك له، مع أنه لُعن بسبب سجدة واحدة تركها ولم يوفق لها، وإن استعاذتك بالله سبحانه منه بترك ما يحبه وتبديله بما يحبه الله ﷿ ولا بمجرد قولك، فإن من قصد سبعُ أو عدو ليفترسه أو يقتله فقال: أعوذ منك بذلك الحصن الحصين وهو ثابت على مكانه، فإن ذلك لا ينفعه، بل لا يعيذه إلا تبديل المكان، فكذلك من يتبع الشهوات التي هي محاب الشيطان ومكاره الرحمن فلا يغنيه مجرد القول، فليقترن قوله بالعزم على التعوذ بحصن الله ﷿ عن شر الشيطان.\rواعلم أن من مكايده أن يشغلك في صلاتك بذكر الآخرة وتدبير فعل الخيرات ليمنعك عن فهم ما تقرأ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633052,"book_id":1630,"shamela_page_id":77,"part":null,"page_num":77,"sequence_num":77,"body":"فاعلم أن لك ما يشغلك عن فهم معاني قراءتك فهو وسواس، فإن حركة اللسان غير مقصودة بل المقصود معانيها، فأما القراءة فالناس فيها ثلاثة: رجل يتحرك لسانه وقلبه غافل، ورجل يتحرك لسانه وقلبه يتبع اللسان فيفهم ويسمع منه كأنه يسمعه من غيره، وهي درجات أصحاب اليمين، ورجل سبق قلبه إلى المعاني أولاً ثم يخدم اللسان القلب فيترجمه.\rففرق بين أن يكون اللسان ترجمان القلب أو يكون معلم القلب، والمقربون لسانهم ترجمانٌ يتبع القلب ولا يتبعه القلب، وتفصيل ترجمة المعاني أنك إذا قلت: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ فَانْوِ به التبرك لابتداء القراءة لكلام الله سبحانه، وافهم أن الأمور كلها بالله سبحانه، وأن المراد بالاسم ههنا هو المسمى، وإذا كانت الأمور بالله سبحانه فلا جرم كان ﴿الحمد لله﴾ ومعناه أن الشكر لله إذ النعم من الله، ومن يرى من غير الله نعمة أو يقصد غير الله سبحانه بشكر لا من حيث إنه مسخَّر من الله ﷿ ففي تسميته وتحميده نقصانٌ بقدر التفاته إلى غير الله تعالى، فإذا قلت: ﴿الرحمن الرحيم﴾ فأحضر في قلبك جميع أنواع لطفه لتتضح لك رحمته فينبعث بها رجاؤك، ثم استثرْ من قلبك التعظيم والخوف بقولك: ﴿مالك يوم الدين﴾ أما العظمة فلأنه لا ملك إلا له، وأما الخوف فلهول يوم الجزاء والحساب الذي هو","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633053,"book_id":1630,"shamela_page_id":78,"part":null,"page_num":78,"sequence_num":78,"body":"مالكه ثم جدد الإخلاص بقولك: ﴿إياك نعبد﴾ وجدد العجز والاحتياج والتبري من الحول والقوة بقولك: ﴿وإياك نستعين﴾ وتحقق أنه ما تيسرت طاعتك إلا بإعانته وأن له المنة إذ وفقك لطاعته واستخدمك لعبادته وجعلك أهلاً لمناجاته، ولو حرمك التوفيق لكنت من المطرودين مع الشيطان اللعين، ثم إذا فرغت من التعوذ ومن قولك: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ ومن التحميد ومن إظهار الحاجة إلى الإعانة مطلقًا فعين سؤالك ولا تطلب إلا أهم حاجاتك وقل: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ الذي يسوقنا إلى جوارك ويفضي بنا إلى مرضاتك وزده شرحًا وتفصيلاً وتأكيدًا واستشهادًا بالذين أفاض عليهم نعمة الهداية من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين دون الذين غضب عليهم من الكفار والزائغين من اليهود والنصارى والصابئين ثم التمس الإجابة وقل: ﴿آمين﴾ فإذا تلوت الفاتحة كذلك فيشبه أن تكون من الذين قال الله تعالى فيهم فيما أخبر عنه النبي ﷺ: \"قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله تعالى: حمدي عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: أثنى علي عبدي، وإذا قال: مالك يوم الدين، قال: مجدني عبدي، وقال مرة: فوض إلي عبدي، فإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين، قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال أهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633054,"book_id":1630,"shamela_page_id":79,"part":null,"page_num":79,"sequence_num":79,"body":"ولا الضالين، قال هذا لعبدي ولعبدي ما سأل\" رواه مسلم، فلو لم يكن لك من صلاتك حظ سوى ذكر الله لك في جلاله وعظمته فناهيك بذلك غنيمة، فكيف بما ترجوه من ثوابه وفضله؟ وكذلك ينبغي أن تفهم ما تقرؤه من السور- كما سيأتي الكلام على تلاوة القرآن- فلا تغفل عن أمره ونهيه ووعده ووعيده ومواعظه وأخبار أنبيائه وذكر مننه وإحسانه، ولكل واحد حق فالرجاء حق الوعد، والخوف حق الوعيد، والعزم حق الأمر والنهي، والاتعاظ حق الموعظة، والشكر حق ذكر المنة، والاعتبار حق إخبار الأنبياء.\rورُوي أن زُرارة بن أوفى لما انتهى إلى قوله تعالى: ﴿فإذا نقر في الناقور﴾ خر ميتًا (١) ، وكان إبراهيم النخعي إذا سمع قوله تعالى: ﴿إذا السماء انشقت﴾ اضطرب حتى تضطرب أوصاله، وتكون هذه المعاني بحسب درجات الفهم ويكون الفهم بحسب وفور العلم وصفاء القلب، ودرجات ذلك لا تنحصر، والصلاة مفتاح القلوب فيها تنكشف أسرار الكلمات، فهذا حق القراءة وهو حق الأذكار والتسبيحات أيضًا، ثم يراعي الهيبة في القراءة، فيرتل ولا يسرد فإن ذلك أيسر للتأمل، ويفرق بين نغماته في آية الرحمة والعذاب والوعد والوعيد والتحميد والتعظيم والتمجيد.","footnotes":"(١) رواه أبو نعيم في \"الحلية\" (٢/٢٥٨) وفي سنده عون بن ذكوان، قال الدارقطني: متروك.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633055,"book_id":1630,"shamela_page_id":80,"part":null,"page_num":80,"sequence_num":80,"body":"كان النخعي إذا مر بمثل قوله ﷿: ﴿ما انخذ الله من ولد وما كان معه من إله﴾ يخفض صوته كالمستحي عن أن يذكره بكل شيء لا يليق به (١) وروي أنه يقال لقارئ القرآن: \"إقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا\" (٢) ، وأما دوام القيام فإنه تنبيه على إقامة القلب مع الله ﷿ على نعت واحد من الحضور قال ﷺ: \"إن الله ﷿ مقبل على المصلي ما لم يلتفت\"، وكما تجب حراسة الرأس والعين عن الالتفات إلى الجهات فكذلك تجب حراسة السر عن الالتفات إلى غير الصلاة، فإذا التفت إلى غيره فذكّره باطلاع الله عليه وبقبح التهاون بالمناجي عند غفلة المناجي ليعود إليه، وألزِم لخشوع القلب، فإن الخلاص عن الالتفات باطنًا وظاهرًا ثمرة الخشوع.\rوكان الصدِّيق ﵁ في صلاته كأن وتدٌ، وابن الزبير ﵁ كأنه عُودٌ، وبعضهم كان يسكن في ركوعه بحيث تقع العصافير عليه كأنه جماد، وكل ذلك يتقضيه الطبع بين يدي من يعظم من أبناء الدنيا فكيف لا يتقاضاه بين يدي ملك الملوك عند من يعرف ملك الملوك؟ وكل من يطمئن بين يدي غير الله ﷿","footnotes":"(١) مثل هذا يحمل على الصلاة انفرادًا أما الجماعة فالمنبغي وصول الصوت إلى المأموم لعدم ورود السنة بخلاف ذلك.\r(٢) رواه أبو داود والنسائي والترمذي وقال حسن صحيح.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633056,"book_id":1630,"shamela_page_id":81,"part":null,"page_num":81,"sequence_num":81,"body":"خاشعًا وتضطرب أطرافه بين يدي الله عابثًا فذلك لقصور معرفته عن جلال الله وعن اطلاعه على سره وضميره، وقال عكرمة في قوله ﷿: ﴿الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين﴾ قال: قيامه وركوعه وسجوده وجلوسه.\rوأما الركوع والسجود فينبغي أن تجد عندهما ذكر كبرياء الله سبحانه وترفق يديك مستجيرًا بعفو الله ﷿ من عقابه بتجديد النية ومتبعًا سنة نبيه ﷺ، ثم تستأنف له ذلاً وتواضعًا بركوعك، وتجتهد في ترقيق قلبك وتجديد خشوعك وتستشعر ذلك وعزَّ مولاك واتضاعك وعُلُو ربك.\rوتستعين على تقرير ذلك من قلبك بلسانك فتسبح ربك وتشهد له بالعظمة وأنه أعظم من كل عظيم وتكرر ذلك على قلبك لتؤكده بالتكرار، ثم ترتفع من ركوعك راجيًا أنه راحم لك ومؤكدًا للرجاء في نفسك بقولك: ﴿سمع الله لمن حمده\" أي أجاب لمن شكره، ثم تردف ذلك الشكر المتقاضي للمزيد فتقول: \"ربنا لك الحمد\" وتكثر الحمد بقولك: \"ملء السموات وملء الأرض\" ثم تهوي إلى السجود وهو أعلى درجات الاستكانة فتمكّن أعز أعضائك وهو الوجه من أذل الأشياء وهو التراب، وإن أمكنك أن لا تجعل بينهما حائلاً فتسجد على الأرض فافعل فإنه أجلب للخشوع وأدلُّ على الذل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633057,"book_id":1630,"shamela_page_id":82,"part":null,"page_num":82,"sequence_num":82,"body":"وإذا وضعت نفسك موضع الذل فاعلم أنك وضعتها ورددت الفرع إلى أصله فإنك من التراب خلقت، وغليه تعود، فعند هذا جدّد على قلبك عظمة الله وقل: \"سبحان ربي الأعلى\" وأكده بالتكرار فإن الكرّة الواحدة ضعيفة الأثر فإذا رق قلبك وظهر ذلك فلتصدّق رجاءك في رحمة الله فإن رحمته تتسارع إلى الضعف والذل لا إلى التكبر والبطر فارفع رأسك مكبرًا وسائلاً حاجتك وقائلاً: \"رب اغفر لي اغفر لي\" ثم أكد التواضع بالتكرار فعُد إلى السجود ثانيًا كذلك.\rوأما التشهد فإذا جلست له فاجلس متأدبًا وصرح بأن جميع ما تدلي من الصلوات والطيبات أي من الأخلاق الطاهرة لله، وكذلك الملك لله وهو معنى \"التحيات\" (١) ، واحضر في قلبك النبي ﷺ وشخصه الكريم وقل: \"السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته\" وليصدق أمَلُك في أنه يبلُغُه ويردُّ عليك ما هو أوفى منه، ثم تسلم على نفسك وعلى جميع عباد الله الصالحين، ثم تأملُ أن يرد الله سبحانه عليك سلامًا وافيًا بعدد عباده الصالحين، ثم تشهد له تعالى بالوحدانية ولمحمد نبيه ﷺ بالرسالة مجددًا عهد الله سبحانه بإعادة كلمتي الشهادة ومستأنفًا للتحصن بها.\rثم ادعُ في آخر صلاتك بالدعاء المأثور مع التواضح والخشوع","footnotes":"(١) قال في القاموس: التحية.. المُلك.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633058,"book_id":1630,"shamela_page_id":83,"part":null,"page_num":83,"sequence_num":83,"body":"والضراعة والابتهال وصدق الرجاء بالإجابة وأشرك في دعائك أبويك وسائر المؤمنين.\rواقصد عند التسليم السلامَ على الملائكة والحاضرين وانوِ ختم الصلاة به. واستشعر شكر الله سبحانه على توفيقه لإتمام هذه الطاعة، وتوهم أنك مودع لصلاتك هذه وأنك ربما لا تعيش لمثلها، ثم أشعر قلبك الوجل والحياء من التقصير في الصلاة، وخفْ أن لا تقبل صلاتك وأن تكون ممقوتًا بذنب ظاهر أو باطن فتردَّ صلاتك في وجهك، وترجو مع ذلك أن يقبلها بكرمه وفضله.\rكان يحيى بن وثاب إذا صلى مكث ما شاء الله تُعرف عليه كآبة الصلاة، وكان إبراهيم يمكث بعد الصلاة ساعة كأنه مريض، فهذا تفصيل صلاة الخاشعين ﴿الذين هم في صلاتهم خاشعون﴾ … ﴿والذين هم على صلواتهم يحافظون﴾ … ﴿والذين هم على صلاتهم دائمون﴾ والذين يناجون الله على قدر استطاعتهم في العبودية فليعرض الإنسان نفسه على هذه الصلاة، فبالقدر الذي يُسِّر له منه ينبغي أن يفرح وعلى ما يفوته ينبغي أن يتحسر.\rوأما صلاة الغافلين فهي مَخْطرة (١) إلا أن يتغمده الله برحمته،","footnotes":"(١) أي مكان خطر، كمسبغة أي أرض بها سباع.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633059,"book_id":1630,"shamela_page_id":84,"part":null,"page_num":84,"sequence_num":84,"body":"والرحمة واسعة والكرم فائض فنسأل الله أن يتغمدنا برحمته ويغمرنا بمغفرته إذ لا وسيلة لنا إلا الاعتراف بالعجز عن القيام بطاعته.\rواعلم أن تخليص الصلاة عن الآفات وإخلاصها لوجه الله ﷿ وأداؤها بالشروط الباطنة التي ذكرناها من الخشوع والتعظيم والحياء سببٌ لحصول أنوارٍ في القلب تكون تلك الأنواع مفاتيح علوم المكاشفة، ف أولياء الله المكاشفون بملكوت السموات والأرض وأسرار الربوبية إنما يكاشفون في الصلاة لا سيما في السجود إذ يتقرب العبد من ربه ﷿ بالسجود، ولذلك قال تعالى: ﴿واسجد واقترب﴾ وإنما تكون مكاشفة كل مصل على قدر صفائه عن كدورات الدنيا، ويختلف ذلك بالقوة والضعف والقلة والكثرة والجلاء والخفاء حتى ينكشف لبعضهم الشيء بعينه وينكشف لبعضهم الشيء بمثاله، كما كشف لبعضهم الدنيا في صورة جيفة والشيطان في صورة كلب جاثم عليها يدعو إليها.\rويختلف أيضًا بما في المكاشفة فبعضهم ينكشف له من صفات الله تعالى وجلاله ولبعضهم من أفعاله ولبعضهم من دقائق علوم المعاملة.\rويكون لتعيين تلك المعاني في كل وقت أسباب خفية لا تحصى، وأشدّها مناسبة الهمة، فإذا كانت مصروفة إلى شيء معين كان","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633060,"book_id":1630,"shamela_page_id":85,"part":null,"page_num":85,"sequence_num":85,"body":"ذلك أولى بالانكشاف، ولما كانت هذه الأمور لا تتراءى إلا في المرائي الصقيلة وكانت المرأة كلها صدئة فاحتجت عنها الهداية لا ليخل من جهة المنعم بالهداية بل لِخَبَث متراكم الصدأ على مصبَ الهداية، تسارعت الألسنة إلى إنكار مثل ذلك، غذ الطبع محبول على إنكار غير الحاضر، ولو كان لجنين عقل لأنكر إمكان وجود الإنسان في متسع الهواء، ولو كان للطفل تمييزٌ ما ربما أنكر ما يزعم العقلاء إدراكه من ملكوت السموات والأرض، وهكذا الإنسان في كل طور يكاد ينكر ما بعده، والمقصود أن كل ذلك لا يحصل إلا بالخشوع في الصلاة ولذلك قال الله ﷿: ﴿قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون﴾ فمدحهم بعد الإيمان بصلاة مخصوصة هي المقرونة بالخشوع، ثم ختم أوصاف المفلحين بالصلاة أيضًا فقال تعالى: ﴿والذين هم على صلواتهم يحافظون﴾ ثم قال تعالى في ثمرة تلك الصفات: ﴿أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون﴾ فوصفهم بالفلاح أولاً وبوراثة الفردوس آخرًا، وأما هذرمة اللسان مع غفلة القلب فلا تنتهي إلى هذا الجزاء، ولذلك قال الله ﷿ في أضدادهم: ﴿ما سلككم في صقر قالوا لم نك من المصلين﴾ فالمصلون هم ورثة الفردوس وهم المشاهدون لنور الله تعالى والمتمتعون بقربه ودنوه.\rنسأل الله أن يجعلنا منهم وأن يعيذنا من عقوبة من تزينت","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633061,"book_id":1630,"shamela_page_id":86,"part":null,"page_num":86,"sequence_num":86,"body":"أقواله وقبحت أفعاله إنه الكريم المنان القديم الإحسان وصلى الله على كل عبد مصطفى (١) .\r***\rتحصيل لذة التلاوة وقراءة القرآن (٢)\rاعلم أن هذه اللذة لن تحصل إلا بتوافر عشرة آداب عند تلاوة القرآن الكريم هي: (فهم أصل الكلام. ثم التعظيم، ثم حضور القلب. ثم التدبر. ثم التفهم، ثم التخلي عن موانع الفهم، ثم التخصيص، ثم التأثر، ثم الترقي، ثم التبري) .\rفالأول: فهم عظمة الكلام وعلوه وفضل الله ﷾ ولطفه بخلقه في نزوله عن عرش جلاله إلى درجة إفهام خلقه. فلينظر كيف لطف بخلقه في إيصال معاني كلامه إلى أفهام خلقه؟ وكيف تجلت لهم تلك الصفة في طي حروف وأصوات هي صفات البشر إذ يعجز البشر عن الوصول إلى فهم صفات الله ﷿ إلا","footnotes":"(١) \"إحياء علوم الدين\" بتصرف واختصار (١/١٦١- ١٧١) .\r(٢) اعلم أن العزالي ﵀ ساق هذه الوظائف في حق من اكتملت لديه الآلة في فهم النظم العربي عمومًا والنظم القرآني خصوصًا، فتلك الوظائف والآداب المذكورة، لن تغني فتيلاً عن الرجوع لكتب التفسير ومطالعة ما سطره أئمة التأويل وبخاصة سلف الأمة الصالح ونحثك على مطالعة التفاسير الأثرية والتربوية \"كتفسير ابن كثير\" وتفسير \"السعدي\"، ولا تحرم نفسك من فتيؤ \"ظلال القرآن\" فستغنم إن شاء الله.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633062,"book_id":1630,"shamela_page_id":87,"part":null,"page_num":87,"sequence_num":87,"body":"بوسيلة صفات نفسه، ولولا استتار كنه جلالة كلامه بكسوة الحروف لما ثبت لسماع الكلام عرض ولا ثري ولتلاشى ما بينهما من عظمة سلطانه وسبُحُات نوره (١) ، ولولا تبييت الله ﷿ لموسى ﵇ لما أطاق لسماع كلامه كما لم يطق الجبل مبادئ تجليه حيث صار دكًا (٢) .\rالثاني: التعظيم للمتكلم: فالقارئ عند البداية بتلاوة القرآن ينبغي أن يحضر في قلبه عظمة المتكلم ويعلم أن ما يقرؤه ليس من كلام البشر وأن في تلاوة كلام الله ﷿ غاية الخطر فإنه تعالى قال: ﴿لا يمسه غلا المطهرون﴾ وكما أن ظاهر جلد المصحف وورقة محروس عن ظاهر بشرة اللامس إلا إذا كان متطهرًا، فباطن معناه أيضًا بحكم عزه وجلاله محجوب عن باطن القلب إلا إذا كان متطهرًا عن كل رجس ومستنيرًا بنور التعظيم والتوقير، وكما لا يصح لمس جلد المصحف كل يد فلا يصلح لتلاوة حروفه كل لسان ولا لنيل معانيه كل قلب، فتعظيم الكلام تعظيم المتكلم، ولن تحضره عظمة المتكلم ما لم يتفكر في صفاته وجلاله وأفعاله، فإذا حضر بباله العرش واستواء ربه عليه، والكرسي الذي وسع السموات والأرض، واستحضر مشهد السموات والأرض وما بينهما من الجن والإنس والدواب والأشجار، وعَلِمَ أن الخالق","footnotes":"(١) قال تعالى: ﴿لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعًا متصدعًا من خشية الله﴾ .\r(٢) قال تعالى: ﴿فلما تجلى ربه للجبل جعله دكًا وخر موسى صعقا﴾ .","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633063,"book_id":1630,"shamela_page_id":88,"part":null,"page_num":88,"sequence_num":88,"body":"لجميعها والقادر عليها والرازق لها واحد، وأن الكل في قبضة قدرته مترددون بين فضله ورحمته وبين نِقمته وسَطوته، إن أنعم فبفضله وإن عاقب فبعدله، وأنه الذي يقول هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي، وهؤلاء إلى النار ولا أبالي وهذا غاية العظمة والتعالي، فبالتفكر في أمثال هذا يحضر تعظيم المتكلم ثم تعظيم الكلام.\rالثالث: حضور القلب وترك حديث النفس: قيل في تفسير: ﴿يا يحيى خذ الكتاب بقوة﴾ أي بجد واجتهاد، وأخذه بالجد أن يكون متجردًا له عند قراءته منصرف الهمة إليه عن غيره، وقيل لبعضهم: إذا قرأت القرآن تحدّثُ نفسك بشيء؟ فقال: أو شيء أحبُّ غلي من القرآن حتى أحدث به نفسي! وكان بعض السلف إذا قرأ آية لم يكن قلبه فيها أعادها ثانية. وهذه الصفة تتولد عما قبلها من التعظيم، فإن المعظم للكلام الذي يتلوه يستبشر به ويستأنس ولا يغفل عنه، ففي القرآن ما يستأنس به القلب إن كان التالي أهلاً له فكيف يطلب الأنس بالفكر في غيره وهو متنزه ومتفرج، والذي يتفرج في المتنزهات لا يتفكر في غيرها، فقد قيل إن القرآن ميادين وبساتين ومقاصير وعرائس وديابيج ورياض.\rفإذا دخل القارئ الميادين وقطف من البساتين ودخل المقاصير وشهد العرائس ولبس الديابيج وتنزه في الرياض استغرقه ذلك وشغله عما سواه فلم يعزب قلبه ولم يتفرق فكره.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633064,"book_id":1630,"shamela_page_id":89,"part":null,"page_num":89,"sequence_num":89,"body":"الرابع: التدبر: وهو وراء حضور القلب فإنه قد لا يتفكر في غير القرآن ولكنه يقتصر على سماع القرآن من نفسه وهو لا يتدبره والمقصود من القراءة التدبر، ولذلك سُنَّ الترتيل في الظاهر ليتمكن من التدبر بالباطن، قال علي ﵁: لا خير في عبادة لا فقه فيها ولا في قراءة لا تدبر فيها.\rوإذا لم يتمكن من التدبر إلا بترديد فليردد إلا أن يكون خلف إمام، فإنه لو بقي في تدبر آية وقد اشتغل الإمام بآية أخرى كان مسيئًا مثل من يشتغل بالتعجب من كلمة واحدة ممن يناجيه عن فهم بقية كلامه، وكذلك إن كان في تسبيح الركوع وهو متفكر في آية قراها أمامُه فهذا وسواس. فقد روي عن عامر بن عبد قيس أنه قال: الوساس يعتريني في الصلاة، فقيل: في أمر الدنيا؟ فقال: لأن تختلف في الأسِنَّة أحب غليّ من ذلك، ولكن يشتغل قلبي بموقفي بين يدي ربي ﷿، وإني كيف أنصرف، فعدّ ذلك وسواسًا وهو كذلك، فإنه يشغله عن فهم ما هو فيه، والشيطان لا يقدر على مثله إلا بأن يشغله بمهمِّ ديني، ولكن يمنعه به عن الأفضل.\rوعن أبي ذر قال: قام رسول الله ﷺ بنا ليلة فقام بآية يرددها وهي: إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم..﴾ الآية وقام تميم الداري ليلة بهذه الآية: ﴿أم حسب الذين اجترحوا السيئات…﴾ الآية، وقام سعيد بن جبير ليلة يردد هذه الآية: ﴿وامتازوا اليوم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633065,"book_id":1630,"shamela_page_id":90,"part":null,"page_num":90,"sequence_num":90,"body":"أيها المجرمون﴾ وقال بعضهم: إني لأفتح السورة فيوقفني بعضُ ما أشهد فيها عن الفراغ منها حتى يطلع الفجر، وكان بعضهم يقول: آية لا أتفهمها ولا يكون قلبي فيها لا أعدّ لها ثوابًا، وحُكي عن أبي سليمان الداراني أنه قال: إني لأتلو الآية فأقيم فيها أربع ليال أو خمس ليال ولولا أني أقطع الفكر فيها ما جوزتها إلى غيرها، وعن بعض السلف أنه بقي في سورة هود ستة أشهر يكررها، ولا يفرغ من التدبر فيها، وقال بعضهم: لي في كل جمعة ختمة وفي كل شهر ختمة وفي كل سنة ختمة ولي ختمة منذ ثلاثين سنة ما فرغت منها بعد، وذلك بحسب درجات تدبره وتفتيشه، وكان هذا أيضًا يقول: أقمت نفسي مقام الأجراء فأنا أعمل مياومةً ومجامعةً ومشاهرةً ومسانهةً (١) .\rالخامس: التفهم: وهو أن يستوضح من كل آية ما يليق بها إذ القرآن يشتمل على ذكر صفات الله ﷿، وذكر أفعاله، وذكر أحوال الأنبياء ﵈، وذكر أحوال المكذبين لهم وأنهم كيف أهلكوا، وذكر أوامره وزواجره، وذكر الجنة والنار.\rأما صفات الله ﷿ فكقوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ وكقوله تعالى: ﴿الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر﴾ فليتأمل معاني هذه الأسماء","footnotes":"(١) أي بأجر كل يوم وكل جمعة وكل شهر وكل سنة، يشير إلى ختماته في تلك الأزمنة.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633066,"book_id":1630,"shamela_page_id":91,"part":null,"page_num":91,"sequence_num":91,"body":"والصفات لينكشف له أسرارها، فتحتها معان مدفونة لا تنكشف إلا للمُوفَّقين: وإليه أشار علي ﵁ بقوله لما سئل: هل عندكم من رسول الله ﷺ شيء سوى القرآن؟ فقال: لا والذي خلق الحبة وبرأ النسمة إلا أن يعطي الله عبدًا فهمًا في كتابه، وأما أفعاله تعالى فكذكره خلق السموات والأرض وغيرها، فليفهم التالي منها صفات الله ﷿ وجلاله إذ الفعل يدل على الفاعل فتدل على عظمته، وأما أحوال الأنبياء ﵈، فإذا سمع منها كيف كُذّبوا وضُربوا وقُتل بعضهم. فليفهم منه صفة الاستغناء لله ﷿ عن الرسل والمرسل إليهم وأنه لو أهلك جميعهم لم يؤثر في ملكه شيء، وإذا سمع نصرتهم في آخر الأمر فليفهم قدرة الله ﷿ وإرادته لنصرة الحق، وأما أحوال المكذبين، كعاد وثمود وما جرى عليهم فليكن فهمه منه استشعار الخوف من سطوته ونقمته وليكن حظه منه الاعتبار في نفسه وأنه إن غفل وأساء الأدب واغتر بما أُمهل فربما تدركُه النقمة وتنفُذ فيه القضية، وكذلك إذا سمع وصف الجنة والنار وسائر ما في القرآن، فلا يمكن استقصاء ما يفهم منه لأن ذلك لا نهاية له وإنما لكل عبد بقدر رزقه، ﴿قل لو كان البحر مدادًا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددًا﴾ .\rفالغرض مما ذكرناه التنبيه على طريق التفهيم لينفتح بابه فأما الاستقصاء فلا مطمع فيه، ومن لم يكن له فهم ما في القرآن ولو في أدنى الدرجات دخل في قوله تعالى: ﴿ومنهم من يستمع إليك","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633067,"book_id":1630,"shamela_page_id":92,"part":null,"page_num":92,"sequence_num":92,"body":"حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفًا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم﴾ والطابع هي الموانع التي سنذكرها في موانع الفهم.\rالسادس: التخلي عن موانع الفهم، فإن أكثر الناس منعوا عن فهم معاني القرآن لأسباب وحُجُب أسدلها الشيطان على قلوبهم فعميت عليهم عجائب أسرار القرآن، وحُجُب الفهم ثلاثة:\rأولها: أن يكون الهم منصرفًا إلى تحقيق الحروف بإخراجها من مخارجها، وهذا يتولى حفظه شيطان وكل بالقراء ليصرفهم عن فهم معاني كلام الله ﷿ فلا يزال يحملهم على ترديد الحرف يخيل إليهم أنه لم يخرج من مخرجه، فهذا يكون تأمله مقصورًا على مخارج الحروف فأنى تنكشف له المعاني؟ وأعظم ضحكة للشيطان ممن كان مطيعًا لمثل هذا التلبيس.\rثانيها: أن يكون مقلدًا لمذهب سمعه بالتقليد وجمد عليه وثبت في نفسه التعصب له بمجرد الاتباع للمسموع من غير وصول إليه ببصيرة ومشاهدة، فهذا شخص قيَّده معتقدُه عن أن يتجاوزه فلا يمكنه أن يخطر بباله غير معتقده فصار نظره موقوفًا على مسموعه، فإن لمع برق على بُعد وبدا له معنى من المعاني التي تباين مسموعه حمل عليه شيطان التقليد حملة وقال كيف يخطر هذا ببالك وهو خلاف معتقد آبائك، فيرى أن ذلك غرور من الشيطان فيتباعد منه ويتحرز عن مثله، ومثله من يقرأ قوله تعالى: ﴿الرحمن على","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633068,"book_id":1630,"shamela_page_id":93,"part":null,"page_num":93,"sequence_num":93,"body":"العرش استوى﴾ وما يحتويه معنى الآية من علو الله ﷿ على كل مخلوقاته وهيمنته وتصرفه في كل الموجودات فيجيئه تقليد المعتقدات الموروثة في وجوب تنزيه الله عن الجهة فيُحرم من تجليات تأمل صفة العلو والاستواء وهي من الصفات التي تكررت في القرآن بغرض التنبيه على جلال الله وعظمته وحقيقة علوه على خلقه.\rثالثها: أن يكون مصرًا على ذنب أو متصفًا بكبر أو مبتلى في الجملة بهوى في الدنيا مطاع فإن ذلك سبب ظلمة القلب وصدئه، وهو كالخبث على المرأة وهو أعظم حجابٍ للقلب وبه حُجب الأكثرون.\rوكلما كانت الشهوات أشد تراكمًا كانت معاني الكلام أشد احتجابًا وكلما خف عن القلب أثقال الدنيا قرُبَ تجلي المعنى فيه. فالقلب مثل المرأة والشهوات مثل الصدأ ومعاني القرآن مثل الصور التي تتراءى في المرآة. والرياضة للقلب بإماطة الشهوات مثل تصقيل الجلاء للمرأة، وقد شرط الله ﷿ الإنابة في الفهم والتذكير فقال تعالى: ﴿تبصرة وذكرى لكل عبد منيب﴾ وقال ﷿: ﴿وما يتذكر إلا من ينيب﴾ وقال تعالى: ﴿إنما يتذكر أولوا الألباب﴾ فالذي آثر غرور الدنيا على نعيم الآخرة فليس من ذوي الألباب ولذلك لا تنكشف له أسرار الكتاب.\rالسابع: التخصيص وهو أن يقدّر أنه المقصود بكل خطاب في","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633069,"book_id":1630,"shamela_page_id":94,"part":null,"page_num":94,"sequence_num":94,"body":"القرآن، فإن سمع أمرًا أو نهيًا قدّر أنه المنهي والمأمور، وإن سمع وعدًا أو وعيدًا فكمثل ذلك، وإن سمع قصص الأولين والأنبياء علم أن السَّمَرَ غير مقصود، وإنما المقصود ليعتبر به وليأخذ من تضاعيفه ما يحتاج إليه، فما من قصة في القرآن إلا وسياقها لفائدة في حق النبي ﷺ وأمته. ولذلك قال تعالى: ﴿ما نثبت به فؤادك﴾ فليقدر العبد أن الله ثبت فؤاده بما صه عليه من أحوال الأنبياء وصبرهم على الإيذاء وثباتهم في الدين لانتظار نصر الله تعالى.\rوكيف لا يقدر هذا والقرآن ما أنزل على رسول الله ﷺ لرسول الله خاصة بل هو شفاء وهدى ورحمة ونور للعالمين؟ ولذلك أمر الله تعالى الكافة بشكر نعمة الكتاب فقال تعالى: ﴿واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به﴾ وقال ﷿: ﴿لقد أنزلنا إليكم كتابًا فيه ذكركم أفلا تعقلون﴾ ، ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزلنا إليهم﴾ ، ﴿كذلك يضرب الله للناس أمثالهم﴾ ، ﴿واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم﴾ ، ﴿هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون﴾ ، ﴿هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين﴾ ، وإذا قُصد بالخطاب جميعُ الناس فقد قصد الآحاد، فهذا القارئ الواحد مقصود، فماله ولسائر الناس، فليقدر أنه المقصود، قال الله تعالى: ﴿وأوحي إلى هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ﴾ قال محمد بن كعب القُرظي: من بلغه القرآن فكأنما كلمه الله، وإذا قدر ذلك لم يتخذ دراسة القرآن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633070,"book_id":1630,"shamela_page_id":95,"part":null,"page_num":95,"sequence_num":95,"body":"عمله بل يقرؤه كما يقرأ العبد كتاب مولاه الذي كتبه إليه ليتأمله ويعمل بمقتضاه، ولذلك قال بعض العلماء: هذا القرآن رسائل أتتنا من قبل ربنا ﷿ بعهود نتدبرها في الصلوات ونقف عليها في الخلوات وننفذها في الطاعات والسنن المتبعات، وكان مالك ابن دينار يقول: ما زرع القرآن في قلوبكم يا أهل القرآن؟ إن القرآن ربيع المؤمن كما أن الغيث ربيع الأرض، وقال قتادة: لم يجالس أحد القرآن إلا قام بزيادة أو نقصان، قال تعالى: ﴿هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا﴾ .\rالثامن: التأثر: وهو أن يتأثر قلبه بآثار مختلفة بحسب اختلاف الآيات فيكون له بحسب كل فهم حالٌ ووجدٌ يتصف به قلبه من الحزن والخوف والرجاء وغيره، ومهما تمت معرفته كانت الخشية أغلب الأحوال على قلبه، فإن التضييق غالب على آيات القرآن، فلا يُرى ذكر المغفرة والرحمة إلا مقرونًا بشروط يقصُرُ العارف عن نيلها كقوله عز ولج: ﴿وإني لغفار﴾ ثم أتبع ذلك بأربعة شروط: ﴿لمن تاب وآمن وعمل صالحًا ثم اهتدى﴾ وقوله تعالى: ﴿والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾ ذكر أربعة شروط، وحيث اقتصر ذكر شرطًا جامعًا، فقال تعالى: ﴿إن رحمة الله قريب من المحسنين﴾ فالإحسان يجمع الكل، وهكذا من يتصفح القرآن من أوله إلى آخره ومن فهم ذلك فجدير بأن يكون حاله الخشية والحزن.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633071,"book_id":1630,"shamela_page_id":96,"part":null,"page_num":96,"sequence_num":96,"body":"ولذلك قال الحسن، والله ما أصبح اليوم عبد يتلو القرآن يؤمن به إلا كثر حزنه وقل فرحه وكثر بكاؤه وقل ضحكه وكثر نصبه وشغلُه وقلت راحته وبطالته، وقال وهيب بن الورد: نظرنا في هذه الأحاديث والمواعظ فلم نجد شيئًا أرق للقلوب ولا أشد استجلابًا للحزن من قراءة القرآن وتفهمه وتدبره، فتأثر العبد بالتلاوة أن يصبر بصفة الآية المتلوة.\rفعند الوعيد وتقييد المغفرة بالشروط يتضاءل من خيفته كأنه يكاد يموت، وعند التوسع ووعد المغفرة يستبشر كأنه يطير من الفرح.\rوعند ذكر الله صفاته وأسمائه يتطأطأ خضوعًا لجلاله واستشعارًا لعظمته.\rوعند ذكر الكفار ما يستحيل على الله ﷿ كذكرهم لله ﷿ ولدًا وصاحبة يغّضُّ الصوت وينكسر في باطنه حياء من قبح مقالتهم. وعند وصف الجنة ينبعث بباطنه شوقًا إليها.\rوعند وصف النار ترتعد فرائصه خوفًا منها، ولما قال رسول الله ﷺ لابن مسعود: \"فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدًا\" رأيت عينيه تذرفان بالدمع فقال لي: \"حسبك الآن\" رواه البخاري، وهذا لأن مشاهدة تلك الحالة استغرقت قلبه بالكلية، ولقد كان من الخائفين من خرّ مغشيًا عليه عند آيات","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633072,"book_id":1630,"shamela_page_id":97,"part":null,"page_num":97,"sequence_num":97,"body":"الوعيد، ومنهم من مات في سماع الآيات، فمثل هذه الأحوال يخرجه عن أن يكون حاكيًا في كلامه. فإذا قال: ﴿إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم﴾ ولم يكن خائفًا كان حاكيًا، وإذا قال: ﴿عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير﴾ ولم يكن حاله التوكل والإنابة كان حاكيًا، وإذا قال: ﴿ولنصبرن على ما آذيتمونا﴾ فليكن حاله الصبر أو العزيمة عليه حتى يجد حلاوة التلاوة. فإن لم يكن بهذه الصفات ولم يتردد قلبه بين هذه الحالات كان حظه من التلاوة حركة اللسان مع صريح اللعن على نفسه في قوله تعالى: ﴿ألا لعنة الله على الظالمين﴾ وفي قوله تعالى: ﴿كبر مقتًا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون﴾ وفي قوله ﷿: ﴿وهم في غفلة معرضون﴾ وفي قوله: ﴿فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا﴾ وفي قوله تعالى: ﴿ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون﴾ إلى غير ذلك من الآيات، وكان داخلاً في معنى قوله ﷿: ﴿ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني﴾ يعني التلاوة المجردة، وقوله ﷿: ﴿وكأين من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون﴾ لأن القرآن هو المبين لتلك الآيات في السموات والأرض، ومهما تجاوزها ولم يتأثر بها كان معرضًا عنها، ولذلك قيل: إن من لم يكن متصفًا بأخلاق القرآن فإذا قرأ القرآن ناداه الله تعالى: مالك وكلامي وأنت معرض عني، دع كلامي إن لم تتب إلي. ومثال العاصي إذا قرأ القرآن وكرره مثال من يكرر كتاب الملك كل يوم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633073,"book_id":1630,"shamela_page_id":98,"part":null,"page_num":98,"sequence_num":98,"body":"مرات وقد كتب إليه في عمارة مملكته وهو مشغول بتخريبها ومقتصر على دراسة كتابه، فلعله لو ترك الدراسة\rعند المخالفة لكان أبعد عن الاستهزاء واستحقاق المقت، ولذلك قال يوسف ابن أسباط: إني لأهمُّ بقراءة القرآن فإذا ذكرت ما فيه خشيت المقت فاعدل إلى التسبيح والاستغفار (١) .\rوالمعرض عن العمل به أريد بقوله ﷿: ﴿فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنًا قليلاً فبئس ما يشترون﴾ ولذلك قال رسول الله ﷺ: \"اقرءوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم فإذا اختلفتم فلستم تقرءونه- وفي بعض الروايات- فإذا اختلفتم فقوموا عنه\" متفق عليه، قال تعالى: ﴿الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا وعلى ربهم يتوكلون﴾ ، وقال ﷺ: \"إن أحسن الناس صوتًا بالقرآن إذا سمعته يقرأ رأيت أنه يخشى الله تعالى\" (٢) وقال بعض القراء: قرأت القرآن على شيخ لي ثم رجعت لأقرأ ثانيًا فانتهرني وقال: جعلت القرآن عليّ عملاً اذهب فاقرأ على الله ﷿، فانظر بماذا يأمرك وبماذا ينهاك.","footnotes":"(١) وليس هذا على الدوام وإلا أدى إلى هجر القرآن، ويحمل فعل يوسف على المجاهدة بالتسبيح والاستغفار حتى يتأهل لتحمل تبعة القراءة، وهذا واضح ولا ريب، فإن أتكأ على فعلة يوسف بن أسباط بطالٌ فهجرَ القرآن وردّد هذه الحجة فهو نصيبه من بطالته وحرمانه.\r(٢) رواه الطبراني في \"الكبير\" وأبو نعيم في \"أخبار الصحابة\" وصححه الألباني في \"الصحيحة\" (١٥٨٣) .","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633074,"book_id":1630,"shamela_page_id":99,"part":null,"page_num":99,"sequence_num":99,"body":"وبهذا كان شغل الصحابة ﵁ في الأحوال والأعمال، فمات رسول الله ﷺ عن عشرين ألفًا من الصحابة (١) لم يحفظ منهم القرآن إلا ستة اختلف في اثنين منهم، وكان أكثرهم يحفظ السورة والسورتين، وكان الذي يحفظ البقرة والأنعام من علمائهم ولما جاء واحد ليتعلم القرآن فانتهى إلى قوله ﷿: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره﴾ قال: يكفي هذا وانصرف، فقال ﷺ: \"انصرف الرجل وهو فقيه\" رواه أبو داود والحاكم وصححه، وإنما لعزيز مثل تلك الحالة التي منَّ الله ﷿ بها على قلب المؤمن عقيب فهم الآية.\rفأما مجرد حركة اللسان فقليل الجدوى، بل التالي باللسان المعرض عن العمل جدير بأن يكون هو المراد بقوله تعالى: ﴿ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى﴾ وبقوله ﷿: ﴿كذلك أتتك آيتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى﴾ أي تركتها ولم تنظر إليها ولم تعبأ بها فإن المقصر في الأمر يقال إنه نسي الأمر، وتلاوة القرآن حق تلاوته هو أن يشترك فيه اللسان والعقل والقلب، فحظ اللسان تصحيح الحروف بالترتيل وحظ العقل تفسير المعاني وحظ القلب الاتعاظ والتأثر بالانزجار والائتمار، فاللسان يرتل والعقل يترجم والقلب يتعظ.\rالتاسع: الترقي: وأعني به أن يترقى إلى أن يسمع الكلام من","footnotes":"(١) بل مائة ألف وأكثر كما قال أبو زرعة ﵀.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633075,"book_id":1630,"shamela_page_id":100,"part":null,"page_num":100,"sequence_num":100,"body":"الله ﷿ لا من نفسه، فدرجات القرآن ثلاث، أدناها: أن يقدر العبد كأنه يقرؤه على الله ﷿ واقفًا بين يديه وهو ناظر إليه ومستمع منه، فيكون حاله عند هذا التقدير: السؤال والتملق والتضرع والابتهال، الثانية: أن يشهد بقلبه كأن الله ﷿ يراه ويخاطبه بألطافه ويناجيه بإنعامه وإحسانه فمقامه الحياء والتعظيم والإصغاء والفهم، الثالثة: أن يرى في الكلام المتكلم وفي الكلمات الصفات فلا ينظر إلى نفسه ولا إلى قراءته ولا إلى تعلق الإنعام به من حيث إنه منعم عليه بل يكون مقصور الهم على المتكلم موقوف الفكر عليه كأنه مستغرق بمشاهدة المتكلم عن غيره (١) . وهذه درجة المقربين وما قبله درجة أصحاب اليمين وما خرج عن هذا فهو درجات الغافلين.\rالعاشر: التبري: وأعني به أن يتبرأ من حوله وقوته والالتفات إلى نفسه بعين الرضا والتزكية، فإذا تلا بآيات الوعيد والمدح للصالحين فلا يشهد نفسه عند ذلك، بل يشهد الموقنين والصديقين فيها، ويتشوق إلى أن يلحقه الله ﷿ بهم، وإذا تلا آيات المقت وذم العصاة والمقصّرين شهد على نفسه هناك، وقدّر أنه المخاطب خوفًا وإشفاقًا.\rولذلك كان ابن عمر ﵄ يقول: \"اللهم إني","footnotes":"(١) ودليل هذه الدرجات قوله ﷺ: \"الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك\" متفق عليه.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633076,"book_id":1630,"shamela_page_id":101,"part":null,"page_num":101,"sequence_num":101,"body":"استغفرك لظلمي وكفري، فقيل له: هذا الظلم فما بال الكفر، فتلا قوله ﷿: ﴿إن الإنسان لظلوم كفار﴾ وقيل ليوسف ابن أسباط: إذا قرأت القرآن بماذا تدعو؟ فقال: استغفر الله ﷿ من تقصيري سبعين مرة، فإذا رأى نفسه بصورة التقصير في القراءة كان رؤيته سبب قربه، فإن من شهد العبد في القرب لُطف به في الخوف حتى يسوقه الخوف إلى درجة أخرى في القرب وراءها، ومن شهد القرب في البعد مُكِر به في الأمن الذي يفضه إلى درجة أخرى في البعد أسفل مما هو فيه.\rومهما كان مشاهدًا نفسه يعين الرضا صار محجوبًا بنفسه عن الله (١) وكان الشافعي يقول:\r\rأحب الصالحين ولست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعة\rوأكره من تجارته المعاصي وإن كنا سواء في البضاعة\r\rوكان يقول أيضًا ﵀:\rفعين الرضا عن كل عيب كليلةٌ كما أن عين السخط تبدي المساويا\r***\r\rوسائل تحصيل ثمرة الدعاء\rالأول: أن يترصّد لدعائه الأوقات الشريفة، كيوم عرفة من السنة","footnotes":"(١) من الإحياء بتصرف واختصار (١/٢٨٠- ٢٨٨) .","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633077,"book_id":1630,"shamela_page_id":102,"part":null,"page_num":102,"sequence_num":102,"body":"ورمضان من الأشهر والجمعة من أيام الأسبوع، ووقت السحر من ساعات الليل.\rقال تعالى: ﴿وبالأسحار هم يستغفرون﴾ ، وقال ﷺ: \"ينزل الله تعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول ﷿: من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له\" متفق عليه، وقيل إن يعقوب ﷺ إنما قال: \"سوف أستغفر لكم ربي\" ليدعو في وقت السحر.\rفقيل إنه قام في وقت السحر يدعو وأولاده يؤَمّنون خلفه فأوحى الله ﷿ إني قد غفرت لهم وجعلتهم أنبياء.\rالثاني: أن يغتنم الأحوال الشريفة. قال أبو هريرة ﵁: إن أبواب السماء تفتح عند زحف الصفوف في سبيل الله تعالى وعند نزول الغيث وعند إقامة الصلوات المكتوبة فاغتنموا الدعاء فيها وقال مجاهد: إن الصلاة جعلت في خير الساعات فعليكم بالدعاء خلف الصفوف، وقال ﷺ: \"الدعاء بين الآذان والإقامة لا يرد\" رواه أبو داود والنسائي والترمذي وحسنه، وقال ﷺ أيضًا: \"الصائم لا ترد دعوته\" رواه الترمذي وحسنه، وبالحقيقة يرجع شرف الأوقات إلى شرف الحالات أيضًا إذ وقت السحر وقت صفاء القلب وإخلاصه وفراغه من المهوشات.\rويوم عرفة ويوم الجمعة وقت اجتماع الهمم وتعاون القلوب على استدرار رحمة الله ﷿ فهذا أحد أسباب شرف الأوقات","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633078,"book_id":1630,"shamela_page_id":103,"part":null,"page_num":103,"sequence_num":103,"body":"سوى ما فيها من أسرار لا يُطَّلعُ عليها، وحالة السجود أيضًا أجدر بالإجابة قال أبو هريرة ﵁: قال النبي ﷺ: \"أقرب ما يكون العبد من ربه ﷿ وهو ساجد فأكثروا فيه من الدعاء\" رواه مسلم، وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: \"إني نُهِيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا فأما الركوع فعظموا فيه الرب تعالى وأما السجود فاجتهدوا فيه بالدعاء فإنه قّمِنٌ (١) أن يستجاب لكم\" رواه مسلم.\rالثالث: أن يدعو مستقبل القبلة ويرفع يديه بحيث يُرى بياضُ إبطيه أو يرفع يديه قبالة وجهه أو نحو ذلك أو يرفع إصبعه السبّابة، وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ: \"أتى الموقف بعرفة واستقبل القبلة ولم يزل يدعو حتى غربت الشمس\" رواه مسلم، وقال سلمان: قال رسول الله ﷺ: \"إن ربكم حييٌ كريم يستحي من عبيده إذا رفعوا أيديهم إليه أن يردها صفرًا\" رواه أبو داود والترمذي وحسنه، وعن أنس أنه ﷺ: \"كان يرفع يديه حتى بياض إبطيه في الدعاء\" رواه مسلم، وعن أبو هريرة ﵁ أنه ﷺ مر على إنسان يدعو ويشير بإصبعيه السبابتين فقال ﷺ: \"أحدْ أحِّدْ\" رواه النسائي وابن ماجة، أي اقتصر على الواحدة، وقال أبو الدرداء ﵁: عنه: ارفعوا هذه الأيدي قبل أن تُغلَّ بالأغلال وقال ابن عباس كان ﷺ: \"إذا دعا","footnotes":"(١) قمن: جدير.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633079,"book_id":1630,"shamela_page_id":104,"part":null,"page_num":104,"sequence_num":104,"body":"ضم وجعل بطونهما مما يلي وجهه\" أخرجه الطبراني بإسناد فيه ضعف، فهذه هيئات اليد، ولا يرفع بصره إلى السماء، قال ﷺ: \"لينتهين أقوام عن رفع أبصارهم إلى السماء عند الدعاء أو لتخطفن أبصارهم\" رواه مسلم.\rالرابع: خفض الصوت بين المخافتة والجهر لما ورد أن أبا موسى الأشعري قال: قدمنا مع رسول الله ﷺ فلما دنونا من المدينة كبّر وكبَّر الناس ورفعوا أصواتهم فقال النبي ﷺ: \"يا أيها الناس إن الذي تدعون ليس بأصَمَّ ولا غائب\" متفق عليه، وقالت عائشة ﵂ في قوله ﷿: ﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها﴾ أي: بدعائك: وقد أثنى الله ﷿ على نبيه زكريا ﵇ حيث قال: إذ نادى ربه نداء خفيا﴾ ، وقال ﷿: ﴿ادعو ربكم تضرعًا وخفية﴾ .\rالخامس: أن لا يتكلف السّجع في الدعاء، فإن حال الداعي ينبغي أن يكون حال متضرع، والتكلف لا يناسبه، قال ﷺ: \"سيكون قوم يعتدون في الدعاء\" رواه أبو داود وابن ماجة، وقد قال ﷿: ﴿ادعو ربكم تضرعًا وخفية إنه لا يحب المعتدين﴾ قبل معناه التكلف للأسجاع، والأولى أن لا يجاوز الدعوات المأثورة، فإنه قد يتعدى في دعائه فيسأل ما لا تقتضيه مصلحته، فما كلُّ أحد يحسن الدعاء، ولذلك روي عن معاذ ﵁: إن العلماء يُحتاج إليهم في الجنة إذ يقال لأهل الجنة تمنوا فلا يدرون","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633080,"book_id":1630,"shamela_page_id":105,"part":null,"page_num":105,"sequence_num":105,"body":"كيف يتمنَّون حتى يتعلموا من العلماء، وفي الخبر: سيأتي قوم يعتدون في الدعاء والطهور، ومر بعض السلف بقاص يدعو بسجع فقال له: أعلى الله تبالغ؟ أشهد لقد رأيت حبيبًا العجمي يدعو وما يزيد على قوله: اللهم اجعلنا جيّدين، اللهم لا تفضحنا يوم القيامة، اللهم وفقنا للخير، والناس يدعون من كل ناحية وراءه وكلٌ يعرف بركة دعائه.\rوقال بعضهم: ادع بلسان الذّلة والافتقار لا بلسان الفصاحة والانطلاق.\rويقال إن العلماء لا يزيدون في الدعاء على سبع كلمات فما دونها، ويشهد له آخر سورة البقرة، فإن الله تعالى لم يخبر في موضع من أدعية عباده أكثر من ذلك.\rواعلم أن المراد بالسجع هو المتكلف من الكلام، فإن ذلك لا يلائم الضراعة والذلة وإلا ففي الأدعية المأثورة عن رسول الله ﷺ كلمات متوازنة لكنها غير متكلفة كقوله ﷺ: \"أسألك الأمن يوم الوعيد والجنة يوم الخلود مع القربين الشهود والركع السجود الموفين بالعهود إنك رحيم ودود وإنك تفعل ما تريد\" رواه الترمذي وقال: غريب، وأمثال ذلك، فليقتصر على المأثور من الدعوات أو ليلتمس بلسان التضرع والخشوع من غير سجع وتكلف فالتضرع هو المحبوب عند الله ﷿.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633081,"book_id":1630,"shamela_page_id":106,"part":null,"page_num":106,"sequence_num":106,"body":"السادس: التضرع والخشوع والرغبة والرهبة قال الله تعالى: ﴿إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبًا ورهبًا﴾ وقال ﷿: ﴿ادعوا ربكم تضرعًا وخفية﴾ .\rالسابع: أن يجزم الدعاء ويوقن بالإجابة ويصدق رجاؤه فيه. قال رسول الله ﷺ: \"لا يقل أحدكم إذا دعا اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت ليعزم المسألة فإنه لا مُكرِه له\" متفق عليه، وقال رسول الله ﷺ: \"إذا دعا أحدكم فليُعظم الرغبة فإن الله يتعاظمُه شيء\" رواه ابن حبان، وقال ﷺ: \"ادعو الله وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أن الله ﷿ لا يستجيب دعاءً من قلب غافلٍ\" رواه الترمذي وقال: غريب، وقال سفيان ابن عيينةً: لا يمنعن أحدكم من الدعاء ما يعلمُ من نفسه فإن الله ﷿ أجاب دعاء شر الخلق إبليس لعنه الله إذ قال: ﴿رب فانظرني إلى يوم يبعثون قال إنك من المنظرين﴾ .\rالثامن: أن يُلحَّ في الدعاء ويكرره ثلاثًا قال ابن مسعود: \"كان ﵇ إذا دعا ثلاثاً وإذا سأل سأل ثلاثًا\"رواه مسلم، وينبغي أن لا يستبطئ الإجابة لقوله ﷺ: \"يستجاب لأحدكم ما لم يعجّل فيقول قد دعوتُ فلم يُستجب لي، فإذا دعوت فاسأل الله كثيرًا فإنك تدعوا كريمًا\" متفق عليه، وقال بعضهم: إني سألت الله ﷿ منذ عشرين سنة حاجة وما أجابني وأنا أرجو الإجابة، سألت الله أن يوفقني لترك ما لا يعيني.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633082,"book_id":1630,"shamela_page_id":107,"part":null,"page_num":107,"sequence_num":107,"body":"التاسع: أن يفتتح الدعاء بذكر الله ﷿ فلا يبدأ بالسؤال. قال سلمة بن الأكوع: \"ما سمعت رسول الله ﷺ يستفتتح الدعاء إلا استحفته بقوله: سبحان ربي العيِّ الأعلى الوهاب\" رواه أحمد والحاكم وفيه ضعف، قال أبو سليمان الداراني ﵀: من أراد أن يسأل الله حاجته فليبدأ بالصلاة على النبي ﷺ ثم يسأله حاجته ثم يختم بالصلاة على النبي ﷺ فإن الله ﷿ يقبل الصلاتين وهو أكرم أن يدع ما بينهما.\rالعاشر: وهو الأدب الباطن وهو الأصل في الإجابة: التوبة ورد المظالم والإقبال على الله ﷿ بكُنه الهمة فذلك هو السبب القريب في الإجابة، فيروي عن كعب الأحبار أنه قال: أصاب الناس قحط شديد على عهد موسى رسول الله ﷺ فخرج موسى ببني إسرائيل يستقي بهم فلم يسقوا حتى خرج ثلاث مرات ولم يُسقَوا، فأوحى الله ﷿ إلى موسى ﵇: إني لا أستجيب لك ولمن معك وفيكم نمام، فقال موسى: يا رب ومن هو حتى نخرجه من بيننا فأوحى الله ﷿ إليه: يا موسى أنهاكم عن النميمة وأكون نمامًا! فقال موسى لبني إسرائيل: توبوا إلى ربكم بأجمعكم عن النميمة فتابوا فأرسل الله تعالى عليهم الغيث، وقال سفيان الثوري: بلغني أن بني إسرائيل قُحِطوا سبع سنين حتى أكلوا الميتة من المزابل وكانوا كذلك يخرجون إلى الجبال","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633083,"book_id":1630,"shamela_page_id":108,"part":null,"page_num":108,"sequence_num":108,"body":"يبكون ويتضرعون، فأوحى الله ﷿ إلى أنبيائهم ﵈ لو مشيتم بأقدامكم حتى تحفى رُكبكُم وتبلغ أيديكم عنان السماء وتكِلَّ ألسنتكم عن الدعاء فإني لا أجيب لكم داعيًا ولا أرحم لكم باكيًا حتى تردوا المظالم إلى أهلها ففعلوا فمُطروا من يومهم. وقال مالك بن دينار: أصاب الناس في بني إسرائيل قحطٌ فخرجوا مرارًا فأوحى الله ﷿ إلى نبيهم أن أخبرهم أنكم تخرجون إليّ بأبدان نجسة وترفعون إلي أكُفًا قد سفكتم بها الدماء وملأتم بطونكم من الحرام، الآن قد اشتد غضبي عليكم ولن تزدادوا مني إلا بعدًا.\rوقال أبو الصديق الناجي: خرج سليمان ﵇ يستقي فمرّ بنملة ملقاة على ظهرها رافعة قوائمها إلى السماء وهي تقول: اللهم إنا خلق من خلقك ولا غنى بنا عن رزقك فلا تهلكنا بذنوب غيرنا، فقال سليمان ﵇: ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم.\rوقال الأوزاعي: خرج الناس يتستقون فقام فيهم بلال بن سعد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا معشر من حضر ألستم مقرّين بالإساءة؟ فقالوا: اللهم نعم، فقال\" اللهم إنا قد سمعناك تقول: ﴿ما على المحسنين من سبيل﴾ وقد أقررنا بالإساءة فهل تكون مغفرتك إلا لمثلنا، اللهم فاغفر لنا وارحمنا واسقنا، فرفع يديه ورفعوا أيديهم فسقوا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633084,"book_id":1630,"shamela_page_id":109,"part":null,"page_num":109,"sequence_num":109,"body":"وقيل لمالك بن دينار: ادع لنا فقال: إنكم تستبطئون المطر وأنا استبطئ الحجارة.\rورُوي أن عيسى صلوات الله عليه وسلامه خرج يستسقي فلما ضجروا قال لهم عيسى ﵇: من أصاب منكم ذنبًا فليرجع فرجعوا كلهم ولم يبق معه في المفازة إلا واحد، فقال له عيسى ﵇: أما لك من ذنب؟ فقال: والله ما عملت من شيء غير أني كنت ذات يوم أصلي فمرت بي امرأة فنظرت إليها بعيني هذه فلما جاوزتني أدخلت إصبعي في عيني فانتزعتها وتبعت المرأة بها، فقال له عيسى ﵇ فادع الله حتى أؤمن على دعائك، قال: فدعا فتجللت السماء سحابًا ثم صبَّت فسُقوا.\rوقال يحيى الغساني: أصاب الناس قحط على عهد داود ﵇ فاختاروا ثلاثة من علمائهم فخرجوا حتى يستسقوا بهم فقال أحدهم: اللهم إنك أنزلت في توراتك أن نعفو عمن ظلمنا اللهم إنا قد ظلمنا أنفسنا فاعف عنا، وقال الثاني: اللهم إنك أنزلت في توراتك أن نعتق أرقَّاءَك اللهم إنا أرقاؤك فاعقتنا، وقال الثالث: اللهم إنك أنزلت في توراتك أن لا نرد المساكين إذا وقفوا بأبوابنا اللهم إنا مساكينك وقفنا ببابك فلا ترد دعاءنا فسقوا.\rوقال عطاء السلمي: منعنا الغيث فخرجنا نستسقي فإذا نحن برجل بين المقابر فنظر إليّ فقال: يا عطاء أهذا يوم النشور أو بُعثِر ما","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633085,"book_id":1630,"shamela_page_id":110,"part":null,"page_num":110,"sequence_num":110,"body":"في القبور؟ فقتل: لا ولكنا منعنا الغيث فخرجنا نستسقي، فقال: يا عطاء بقلوب أرضِيَّة أم بقلوب سماوية؟ فقلت: بل بقلوب سماوية فقال: هيهات يا عطاء، قل للمُتبهرجين لا تتبهرجوا فإن الناقد بصير، ثم رمق السماء بطرفٍ وقال: إلهي وسيدي ومولاي لا تهلك بلادك بذنوب عبادك ولك بالسر المكنون من أسمائك إلا ما سقيتنا ماء غدقًا فُراتًا تحيي العباد وتروي به البلاد، يا من هو على كل شيء قدير. قال عطاء: فما استتم الكلام حتى أرعدت السماء وأبرقت وجادت بمطر كأفواه القِرب.\rوقال ابن المبارك: قدمت المدينة في عام شديد القحط فخرج الناس يستسقون فخرجت معهم إذ أقبل غلام أسود عليه قطعتا خيش قد اتزر بإحداهما وألقى الأخرى على عاتقه فجلس إلى جنبي فسمعته يقول: إلهي أخلقت الوجوه عندك كثرةُ الذنوب ومساوي الأعمال وقد حبست عنا غيث السماء لتؤدب عبادك بذلك، فأسألك يا حليمًا ذا أناة يا من لا يعرف عباده منه إلا الجميل أن تسقيهم الساعة الساعة، فلم يزل يقول الساعة الساعة حتى اكتست السماء بالغمام وأقبل المطر من كل جانب، قال ابن المبارك: فجئت إلى الفضيل فقال: ما لي أراك كئيبًا؟ قلت أمر سبقنا إليه غيرُنا فتواله دوننا، وقصصت عليه القصة فصاح الفضيل وخرّ مغشيًا عليه. ويُروى أن عمر بن الخطاب ﵁ استسقى بالعباس ﵁ فلما فرغ عمر من دعائه قال","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633086,"book_id":1630,"shamela_page_id":111,"part":null,"page_num":111,"sequence_num":111,"body":"العباس: اللهم إنه لم ينزل بلاء من السماء إلا بذنب ولم يكشف إلا بتوبة وقد توجه بي القوم إليك لمكاني من نبيك ﷺ وهذه أيدينا إليك بالذنوب ونواصينا بالتوبة وأنت الراعي لا تمهل الضالة ولا تدع الكبير بدار مضيعةٍ فقد ضرعَ الصغير ورقَّ الكبير وارتفعت الأصوات بالشكوى وأنت تعلم السر وأخفى اللهم فأغثهم بغياثك قبل أن يقنطوا فيهلِكوا فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون، قال فما تم كلامه حتى ارتفعت السماء مثل الجبال (١) .\r***\rالقاعدة العاشرة\rإحياء الطاعات المهجورة والعبادات الغائبة\rشأن التجارة الرابحة مع الله أن تتناول كل مراضيه، والذي يفتش عن مردات إلهه ومحابه فيأتيها هو الحاذق في تجارته مع ربه ﷿.\rوقد اعتاد الناس عباداتٍ معينة ظنوها هي وحدها الأبواب المفتوحة إلى الله، لكن بنبغي أن يكون الساعي في مرضات ربه بحّاثًا عن المسالك المهجورة والأبواب البعيدة ذات الطرق الوعْرة التي تنكبت عنها إرادات الناس كسلاً أو عجزًا.","footnotes":"(١) \"إحياء علوم الدين\" بتصرف واختصار (١/٣٠٤- ٣٠٩) .","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633087,"book_id":1630,"shamela_page_id":112,"part":null,"page_num":112,"sequence_num":112,"body":"فمن تلك الطاعات التي غفل عنها الناس وأهملوها ولم نجد من يحافظ عليها إلا القليل، الاستغفار بالأسحار، وهي عبادة الصادقين قال تعالى: ﴿والله بصير بالعباد الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار﴾ .\rوالسحر هو آخر الليل، وهو وقت السحُّور، لذا استُحب أن يطعم مريد الصوم في هذا الوقت، ثم يستحب له أن يُبقى وقتًا يسيرًا قبل الفجر للاستغفار وطلب العفو والصفح والعتق من النار، وهذا الوقت زبدة الأوقات العامرة وخلاصة الأزمنة السائرة، تتصل الأرض بالسماء، ويعبق ليل المتهجدين بأنفاس الملائكة المُنزلة والألطاف الهاطلة، ويكون النزول الإلهي (١) المهيب في الثلث الأخير من الليل حيث الأقدام مصفوفة في محاريب التبجيل، والمآقِي مُغرورِقة فرحًا بقرب الكبير الجليل، والأيادي مرفوعة بالأدعية والتراتيل، والألسنة لهجة بالذكر وتلاوة التنزيل.\rومن تلك العبادات المهجورة: عبادة التفكر والتأمل في مخلوقات الله وعجائب قدره، والتدبر في أسمائه وصفاته وآلائه","footnotes":"(١) في صحيح البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ \".","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633088,"book_id":1630,"shamela_page_id":113,"part":null,"page_num":113,"sequence_num":113,"body":"ونعمته قال تعالى: ﴿إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار﴾ ، وقال تعالى: ﴿إن في خلق السموات والأرض والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون﴾ ، وقال تعالى: ﴿وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمت البر والبحر قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون. وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرًا نخرج منه حبًا متراكبًا ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبهًا وغير متشابه انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون﴾ ، وقال تعالى: ﴿وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتًا ومن الشجر ومما يعرشون، ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللاً يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون﴾ .\rوغير ذلك من الآيات الدالة على قدرة الله الداعية إلى التفكر والتدبر والتأمل فيها.\rواعلم أن هذه العبادة هي أصل طريق اليقين في الله ﷿، وبهذا التدبر يثبت بالضرورة في الذهن وجود الرب الخالق المدبر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633089,"book_id":1630,"shamela_page_id":114,"part":null,"page_num":114,"sequence_num":114,"body":"ومن ثمَّ إلهية هذا الرب المدبر واستحقاقه للعبادة دون غيره، وبهذا التقرير خاطب الله ﷿ المشركين مطالبًا إياهم بأن يتفكروا في هذه الحقائق، قال تعالى: ﴿قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد﴾ . وقال تعالى: ﴿قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون. فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون﴾ .\rواعلم أيضًا أن هذه العبادة من أعظم ما يقرب الإنسان من ربه ويوقفه على جلاله وعظمته بل هي العلم الذي أشار الله ﷿ إليه باعتباره موصّلاً لخشية الله، قال تعالى: ﴿ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفًا ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود. ومن الناس والدواب والأنعم مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور﴾ .\rومن تلك العبادات الغائبة بين الناس عبادة التبتل، أي الانقطاع إلى الله.\r(قال تعالى: ﴿واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلاً﴾ والتبتل: الانقطاع وهو تفعل من البتل وهو القطع، وسميت مريم البتول","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633090,"book_id":1630,"shamela_page_id":115,"part":null,"page_num":115,"sequence_num":115,"body":"لانقطاعها عن الأزواج، وعن أن يكون لها نظراء من نساء زمانها ففاقت نساء الزمان شرفًا وفضلاً، وقُطعت منهن، ومصدر بتل: تبتلاً كالتعلّم والتفهّم ولكن جاء على التفعيل مصدر- تفعّل- سر لطيف، فإن في هذا الفعل إيذانًا بالتدريج والتكلّف والتعمّل والتكثّر والمبالغة، فأتى بالفعل الدال على أحدهما وبالمصدر الدال على الآخر، فكأنه قيل: بَتِّل نفسك إليه تبتيلاً، وتبتّل إليه تبتُّلاً، ففُهم المعنيان من الفعل ومصدره، فالتبتل الانقطاع إلى الله بالكلية) (١) .\rومثل هذه العبادة تلازم الإنسان في كل زمان ومكان لا تنفك عنه، فهو بين الناس بجسمه ولكن روحه تطوف حول العرش، يكلمهم بمحياه ولسانه، لكن مشاهدة عظمة الله وجلاله في سويداء جنانه. يفرح مع الناس لفرحهم، لكن قلبه قد مُلئ وجلاً وخوفًا وخشية من ربه، يحزن مع الناس لحزنهم ولكن فؤاده قد ملئ أنسًا ورضًا وحبورًا بما قضى الله وقدر، إنه ذلك الحاضر الغائب الموجود المفقود بين الهياكل والصور والأجسام والغِيَر.\rومن العبادات المهجورة في هذا الشهر عبادة الصدقة والإنفاق، وهي من أرجى الطاعات عند السالكين، والفقه فيها عظيم أثرهُ في النفس. في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله","footnotes":"(١) \"تهذيب مدارج السالكين\" (١/٧٤٢) .","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633091,"book_id":1630,"shamela_page_id":116,"part":null,"page_num":116,"sequence_num":116,"body":"عنهما قال: \"كان النبي ﷺ أجودَ الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، فلرسول الله ﷺ حين يلقاه جبريل أجودُ بالخير من الريح المرسلة\".\rقال الشافعي ﵀: أُحبُّ للرجل الزيادة بالجود في شهر رمضان اقتداءً برسول الله ﷺ ولحاجة الناس فيه إلى مصالحهم وتشاغل كثير منهم بالصوم والصلاة عن مكاسبهم.\r\rوليس المقصود كثرة المُنفق، بل كثرة الإنفاق أي فعله وإن قل المال، ورب درهم ينفقه امرؤٌ من درهمين يملكهما أحب إلى الله من مائة ينفقها مّنْ يملك الآلاف، قال ﷺ: \"سبق درهم مائة ألف درهم: رجل له درهمان أخذ أحدهما فتصدق به، ورجل له مال كثير فأخذ من عرضه مائة ألف فتصدق بها\" رواه النسائي عن غيره وهو حديث حسن.\rوقد خرج أبو بكر من ماله كله وترك لأهله الله ورسوله ﷺ، وخرج عمر من نصف ماله، وتصدق عبد الرحمن بن عوف بقافلة قدمت المدينة بأحلاسها وأقتابها.\rوأدبُ المتصدق أن يعلم منةَ الله عليه إذ رزقه المال ثم وفقه للصدقة ويسر له من يقبل منه صدقته ثم تلقاها منه ربه وقبل منه ما رزقه.\rوأن يتصدق بأفضل ما عنده ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ وأن يتلطف في إعطائها للفقير أو المحتاج حتى لا يشعر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633092,"book_id":1630,"shamela_page_id":117,"part":null,"page_num":117,"sequence_num":117,"body":"بمنة العبد فيها، فيعمل على إخفائها أو إرسالها مع قريب له أو نحو ذلك.\rوكان بعض السلف إذا أعطى الصدقة وضعها على كفه وناولها للفقير على يده مبوسطة حتى يتناولها الفقير بنفسه، فقيل له في ذلك! فقال حتى تكون يده هي اليد العليا، يشير إلى قوله ﷺ: \"واليد العليا خير من اليد السفلى\" وهذا من لطيف ما يقوم به أولئك الأكابر. والله الموفق.\rومن الطاعات المهجورة بل من أعظمها تحديث النفس بالغزو والجهاد، وخاصة في شهر رمضان شهر المعارك الكبرى كبدر وفتح مكة وغيرهما، بل إن المتبادر من الحديث أن هذه الطاعة واجبة لا يجوز الانفكاك عنها، فقال ﷺ: \"من مات ولم يغزُ ولم يُحدِّث نفسه بالغزو مات على شعبة من نفاق\". رواه أحمد ومسلم، فالظاهر وجوب أحد الأمرين حتى يبرأ من هذا النفاق.\rوفائدة تحديث النفس بالغزو: إحياء معاني الجهاد والعزة والولاء والنصرة للدين والبراءة من الكفر والشرك ومعاداة أهله، والوصول بالنفس إلى أعلى مراتب البذل وهو بذل الأرواح والمُهَج في سبيل الله.\rولقد هجرت هذه المعاني حتى صارت بين الملتزمين فضلاً عن المسلمين نسيًا منسيًا، وما أجدرنا أن نعاود إحياء هذه المعاني في هذا الشهر المبارك شهر الصبر والبذل وجهاد النفس.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633093,"book_id":1630,"shamela_page_id":118,"part":null,"page_num":118,"sequence_num":118,"body":"فهذه بعض نماذج من العبادات المهجورة الغائبة، ولو تأملت قوله ﷺ: \"الإيمان بضع وستون شعبة أو بضع وسبعون شعبة أعلاها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق\" لعرفت كم ضيع الناس من شعب الإيمان العملية وطرق الخير الموصلة لرضا الرب ﵎، والله المستعان.\r***\r\rالقاعدة الحادية عشرة\rمعرفة قطاع الطريق إلى الله\rها أنت قد شمرت عن ساعد الجد، وحثثت الهمة الخاملة، وأوقدت نار العزيمة الخامدة، وألجمت هواك بلجام الإرادة وجمعت رقاب الأماني بزمام التوكل على الله في الفعل، وبدأت السير إلى الله ﷿ لتصل إلى شهر رمضان وقد توقَّدت عزيمتك وانقادت لك إرادتُك وأذعنت لك همتُك.\rلقد بدأت المعركة الحقيقية مُذ تمحّض اختيارك لله وجدَّ سيرك إليه ويممت القلب والقالب في الإقبال عليه، فاحذر حينئذ قطّاع هذا الطريق الوعر، فإنه طريق الجنة، وهو محفوف بالشهوات والهوى والشياطين والنزغ والشبهات، وكلها أنواع لجنس واحد، وهو العائق عن الوصول لدرب القبول المؤِذن لشمس عزمك بالأُفول.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633094,"book_id":1630,"shamela_page_id":119,"part":null,"page_num":119,"sequence_num":119,"body":"فتعال معًا نتذاكر صفات بعض هؤلاء القطاع ومكامنهم، وخدعهم، فبذلك تتعلم صفة الشر لتتجنبه.\rعرفت الشر لا للشر لكن لتوقّيه ومن لا يعرف الشر من الخير يقع فيه\rوالمقصود بيان نماذج من هؤلاء القطّاع ليستدل بهم على غيرهم فمن هؤلاء القطاع: الفتور والسآمة والملل، وهو من أعظم ما يعتري السالكين، وقدي تعاظم أمره ويستفحل حتى يكون سببًا للردة والنكوص والعياذ بالله.\rوغالب شأن هذا الفتور من كثرة الفرح بالطاعة وعدم الشكر عليها ورؤية منة الله فيها ومشاهدة النفس في أدائها، قال ابن القيم ﵀ واصفًا ومحللاً ومعالجًا لهذا الداء: (فإذا نسي السالك نفسه وفرح فرحًا لا يقارنه خوف فليرجع إلى السير إلى بدايات سلوكه وحدة طلبه، عسى أن يعود إلى سابق ما كان منه من السير الحثيث الذي كانت تسوقه الخشية، فيترك الفتور الذي لابد أن ينتج عن السرور.\rفتخلل الفترات للسالكين أمر لازم لابد منه، فمن كانت فترته إلى مقاربة وتسديد ولم يخرجه من فرض ولم تدخله في محرّم: رجي له أن يعود خيرًا مما كان.\rقال عمر بن الخطاب: إن لهذه القلوب إقبالاً وإدبارًا فإذا أقبلت فخذوها بالنوافل وإن أدبرت فألزموها الفرائض.\rوفي هذه الفترات والغيوم والحجب التي تعرض للسالكين من","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633095,"book_id":1630,"shamela_page_id":120,"part":null,"page_num":120,"sequence_num":120,"body":"الحِكَم ما لا يعلم تفصيله إلا الله، وبهذا يتبين الصادق من الكاذب، فالكاذب ينقلب على عقبيه ويعود إلى رسوم طبيعته وهواه، والصادق ينتظر الفرج ولا ييأس من روح الله ويُلقي نفسه بالباب طريحًا ذليلاً مسكينًا مستكينًا، كالإناء الفارغ الذي لا شيء فيه ألبتة ينتظر أن يضع فيه مالك الإناء وصانعه ما يصلح له، لا بسبب من العبد- وإن كان هذا الافتقار من أعظم الأسباب- لكن ليس هو منك، بل هو الذي منّ عليك به، وجرّدك منك وأخلاك عنك وهو الذي: ﴿يحول بين المرء وقلبه﴾ .\rفإذا رأيته قد أقامك في هذا المقام فأعلم أنه يريد أن يرحمك ويملأ إناءك، فإن وضعت القلب في غير هذا الموضع فاعلم أنه قلب مُضيَّع فسل ربه ومن هو بين أصابعه أن يردّه عليك ويجمع شملك به.\rوقد أخبر النبي ﷺ: \"إن لكل عامل شِرَّة ولكل شرة فَترة\" فالطالب الجاد لابد من أن تعرض له فترة فيشتاق في تلك الفترة إلى حالة وقت الطلب والاجتهاد.\rوربما كانت للسالك بداية ذات نشاط، كان فيها عالي الهمة، فيفيده عند فتوره أن يرجع إلى ذكريات تلك البداية فتتجدَّد له العزيمة، ويعود إلى دأبه في الشكر.\rوكان الجنيد ﵀ كثير الذكر لبداية سيره، وكان إذا ذكرها يقول: واشوقاه إلى أوقات البداية. يعني لذة أوقات البداية","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633096,"book_id":1630,"shamela_page_id":121,"part":null,"page_num":121,"sequence_num":121,"body":"وجمع الهمة على الطلب والسير إلى الله والإعراض عن الخلق. أهـ من تهذيب مدارج السالكين.\rأما إذا راودتك السامةُ في عبادتك، كصلاة أو ذكر أو تلاوة قرآن فلا تُرسل زمام هواك للشيطان محتجًا بقوله ﷺ: \"فوالله إن الله لا يملّ حتى تملوا\"، وقد ذكرنا لك في تمارين العزيمة فقه هذا الحديث ونحوه عن الأئمة الأعلام، فحريٌ بمن ملّ العبادة أن يعود إلى نفسه هلعًا وخوفًا من أن يكون ذلك من إعراض الله عنه.\rوليستحضر في قلبه سوء أدبه مع الله وعدم تعظيمه وقدره حق قدره إذ تطيب نفسه مع شهوات الدنيا ومعافسة الأولاد والزوجات للساعات الطوال ثم هو يُبتلى في عبادته بالملل بعد لويحظات معدودات.\rوما روي عن بعض السلف من أنهم كانوا يتكدرون لطلوع الفجر لأنه يحول بينهم وبين لذيذ المناجاة فيُحمل على أنهم يحزنون لعدم تواصل لذة المناجاة لا أنهم كانوا يكرهون طلوع الفجر ويقدّمون قيام الليل على الفريضة، فهذا أبعد ما يكون عن هديهم ومتواتر سيرتهم، كيف وهم يعلمون أن قرآن الفجر مشهود تحضره الملائكة وترفع أمره إلى الله.\rومن قطاع الطريق إلى الله: الوساوس والخواطر الرديئة التي ترد على السالك طريق الآخرة، وتشمل هذه الخواطر الرديئة ما يرد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633097,"book_id":1630,"shamela_page_id":122,"part":null,"page_num":122,"sequence_num":122,"body":"على المبتلين بالشهوات من التفكير في الصور وفيما يعشقون ومن يهوون وكذا أصحاب الحقد والحسد والأمراض والآفات النفسية، وكلها انحرافات سلوكية، أي في السالك طريق الآخرة، ومن أعظمها خطرًا وسواس الشبهات في وجود الله وذاته وصفاته، وهذا مما ابتلى به كثير من شباب هذه العصور لغلبة الأفكار الإلحادية والعلمانية المبنية على المادة والتفسير العلمي لكل الظواهر الكونية وشيوع الفحشاء والشهوات الصارفة للقلوب عن ممارسة عبوديتها في التسليم والإذعان، وتحليلاً للخواطر يمكننا تقسيمها إلى ثلاثة أنواع:\rالنوع الأول: خواطر الشبهات وهي العارضة في شأن وجود الله وذاته وصفاته وفي قرآنه وأنبيائه ورسله وقضائه وقدره.\rالنوع الثاني: خواطر الشهوات وهي واردات الذهن من الصور ونماذج المعشوقات.\rالنوع الثالث: خواطر القلب من آفات وأمراض نفسية كالكبرياء والعجب والحقد والحسد.\rوعلاج النوع الأول باستحضار اليقين، وكلامنا مع من اعتقد وجود الله، أما الملحد فلا خطاب معه، وعندي أن الإلحاد هو النوع الوحيد من الجنون الذي يؤاخذ الإنسان به، فمن أيقن وجود الله وربوبيته وهيمنته وتصرفه وعدله وحكمته مثَّل هذا اليقين","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633098,"book_id":1630,"shamela_page_id":123,"part":null,"page_num":123,"sequence_num":123,"body":"بالشمس يراها ثم يستعرض الشبهات ويمثلها بمن يماريه في رؤيته للشمس، ويجادله في الدليل المفيد لطلوعها، حينئذ يردد قوله ﷿: ﴿أفي الله شك فاطر السموات والأرض﴾ ، ويردد قوله: آمنت بالله، ويستعيذ بالله من نزغ الشيطان معتصمًا بالله لائذًا بحفظه وكلاءته، متعجبًا من تفاهة شبهته:\rوليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل\rأما النوع الثاني وهو الأعم الأفشى بين الناس، وعلاجه من أصعب العلاجات لكننا نأتي على ذِكر جملةٍ من الفوائد المهمة المُجتثة لهذا المرض من جذوره.\rفاعلم أيها الأريب أن الشهوات في أصلها فطرية قدرية لا فكاك للعبد منها، فهو مفطور على الغضب واللذة وحب الطعام والشراب، غير أن هذه الشهوات رُكزت في الجبلة لغايات هي حفظ النفس بالطعام ورد الاعتداء وصيانة الذات بالغضب وحفظ النسل باللذة (أعني شهوة الفرج) فإذا تعدّت هذه الشهوات غاياتها كانت وبالاً على أصحابها، ولذلك جاء عن النبي ﷺ التنبيه على حفظ الفرج والبطن واللسان وأنه من أعظم أسباب النجاة والفوز.\rفإذا علمت ذلك تبين سلطانك على هذه الشهوات، وأن الله ﷿ قد أمرك في الحقيقة عليها، وأعطاك زمام قيادتها فما عليك إلا ممارسة هذه الإمارة دون خوف أو تباطؤ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633099,"book_id":1630,"shamela_page_id":124,"part":null,"page_num":124,"sequence_num":124,"body":"وحسم مادة الشهوات يكون بحسم موارد حياتها، وأهم تلك الموارد حب الدنيا والرغبة في نوال كل ما يراه من جميل فيها، فقطع شجرة الدنيا من القلب كفيل بصرف الهمة مطلقًا عن الدنيا والاهتمام بما تحصل به النجاة.\rوهاك بعض الفوائد المعينة على حسم مادة الشهوة وصرف واردات الخواطر الشهوانية:\rأولاً: التبرؤ من حول النفس وقوتها والالتجاء والاعتصام والاستعاذة بالله، ومن جليل ما ينبغي ترداده في حق المبتلى بالشهوة \"لا حول ولا قوة إلا بالله\" ومعناها: لا تحوّل عن معصيةٍ إلا بمعونة من الله ولا قوة على طاعة إلا بتوفيق من الله.\rثانيًا: تذكر المنغّصات: سكرات الموت، نزع الروح، القبر وأهواله، سؤال الملكين، البعث والنشور وأهوال يوم القيامة، والمثول بين يدي الله عاصيًا مذنبًا والنار وأهوالها.\rثالثاً: تذّكر المشوقات: كلذة المناجاة وتوفيق الله للطاعة وشرف الولاية والانتساب إلى حزب الله والكرامات اللائقة لأوليائه عند موتهم ودخولهم الجنة وما فيها من الحور العين اللائي لا تقارن الدنيا كلها بأنملة من أنامل الواحدة منهن، ورؤية الله ﷿ يوم القيامة ورضوانه على أهل الجنة.\rرابعًا: تذكر جمال خالق الجمال البشري، الذي سماه الرسول ﷺ -","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633100,"book_id":1630,"shamela_page_id":125,"part":null,"page_num":125,"sequence_num":125,"body":"جميلاً، فكل جمالٍ فُتن به المرء لو قُرن بجمال الله ﷿ لتلاشت كل خواطره الرديئة.\rخامسًا: تذكّر مثالب الصور المعشوقة وآفاتها وأمراضها وفساد بواطنها وظواهرها.\rسادسًا: البعد عن المثيرات كالسير في الطرقات العامة (وخاصة في هذه الأزمنة وفي أماكن الفجور والفسوق) أو مشاهدة التلفاز والفيديو والمجلات والجرائد الساقطة التي تهدف غواية النفوس المطمئنة وتحت أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا.\rومن هذا القبيل عدم المكوث في خلوة إذا طرأ عارض الشهوة، بل يشتغل بالصوارف التي تلهيه عن تلك الخواطر كذكر الله وزيارة الصالحين وحضور مجالس العلم أو خدمة الأهل والمسلمين.\rوينصح ابن القيم بما يلي:\r(١) العلم الجازم بإطلاع الرب سبحانه ونظره إلى قلبك وعلمه بتفصيل خواطرك.\r(٢) حياؤك منه.\r(٣) إجلالك له أن يرى مثل تلك الخواطر في البيت الذي خلقه لتُسكِنَه معرفته ومحبته.\r(٤) خوفك منه أن تسقط من عينه بتلك الخواطر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633101,"book_id":1630,"shamela_page_id":126,"part":null,"page_num":126,"sequence_num":126,"body":"(٥) إيثارك له أن تساكن قلبك غير محبته.\r(٦) خشيتك أن تتولد تلك الخواطر ويتسرع شررها فتأكل ما في القلب من الإيمان ومحبة الله فتذهب به جملة وأنت لا تشعر.\r(٧) أن تعلم أن هذه الخواطر بمنزلة الحبِّ الذي يُلقى للطائر ليصاد به، فاعلم أن كل خاطر منها فهو حبة في فخ منصوب لصيدك وأنت لا تشعر.\r(٨) أن تعلم أن الخواطر الرديئة لا تجتمع مع خواطر الإيمان ودواعي المحبة والإنابة أصلاً بل هي ضدها من كل وجه.\r(٩) أن تعلم أن الخواطر بحر من بحور الخيال لا ساحل له فإذا دخل القلب في غمراته غرق فيه وتاه في ظلماته فيطلب الخلاص فلا يجد إليه سبيلاً فيكون بعيدًا عن الفلاح.\r(١٠) أن تعلم أن الخواطر وادي المحقى وأماني الجاهلين فلا تثمر إلا الندامة والخزي وإذا غلبت على القلب أورثته الوساوس وعزلته عن سلطانها انسدت عليه عينه وألقته في الأسر الطويل أهـ.\rأما النوع الثالث وهو آفات القلب كالحقد والحسد والكبرياء والعُجب، فهو باطن الإثم، قال تعالى: ﴿وذروا ظاهر الإثم وباطنه﴾ وجماع دواء هذه الآفات رؤية عجز النفس وقيامها بالله، ومشاهدة حكمة الله ﷿ وتصرفه في الخلق، فمثل هذا الاستحضار يحول بينه وبين الاعتراض على تقسيم الرزق والنعم، ويحول بينه وبين رؤية النفس وقدرتها، ويئول به الحال إلى التسليم بمنة الله وعدله وحكمته.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633102,"book_id":1630,"shamela_page_id":127,"part":null,"page_num":127,"sequence_num":127,"body":"وقد تكلم الإمام ابن الجوزي كلامًا نفيسًا عن هذه الآفات في كتابه \"الطب الروحاني\" فراجعه هناك نجد علاجات تفصيلية لكل آفة ومرض وحسبنا من الألف شاهد مثال واحد.\rلكن ابن القيم ﵀ يلمس مكمن الداء ويصفه وصفًا دقيقًا ثم يقترح العلاج المناسب فيقول: (واعلم أن الخطرات والوساوس تؤدي متعلقاتها إلى الفكر فيأخذ الفكر فيؤديها إلى التذكر فيؤديها إلى الإرادة فتأخذها الإرادة إلى الجوارح والعمل فتستحكم فتصير عادة، فردُّها من مبادئها أسهل من قطعها بعد قوتها وتمامها، ومعلوم أنه لم يُعط الإنسان إماتة الخواطر ولا القوة على قطعها وهي تهجم عليه هجوم النفس، إلا أن قوة الإيمان والعقل تعينه على قبول أحسنها ورضاه به ومساكنته له، على رفع أقبحها وكراهته له ونفرته منه كما قال الصحابة يا رسول الله: إن أحدنا يجد في نفسه ما لأن يحترق حتى يصير حممة أحب إليه من أن يتكلم به، فقال: \"أو قد وجدتموه؟ قالوا: نعم، قال: ذاك صريح الإيمان\" وفي لفظ \"الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة\" وفيه قولان: أحدهما: أن رده وكراهته صريحُ الإيمان، والثاني: أن وجوده وإلقاء الشيطان له في نفسه صريح الإيمان، فإنه إنما ألقاه في النفس طلبًا لمعارضة الإيمان وإزالته به. وقد خلق الله سبحانه النفس شبيهة بالرَّحا الدائرة التي لا تسكن ولابد لها من شيء تطحنه، فإن وُضع فيها حيُّ طحنته وإن وضع","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633103,"book_id":1630,"shamela_page_id":128,"part":null,"page_num":128,"sequence_num":128,"body":"فيها تراب أو حصى طحنته، فالأفكار والخواطر التي تجول في النفس هي بمنزلة الحب الذي يوضع في الرحا ولا تبقى تلك الرحا معطلة قط بل لابد لها من شيء يوضع فيها، فمن الناس من يطحن رحاه حبًا يخرج دقيقًا ينفع به نفسه وغيره، وأكثرهم يطحن رملاً وحصًا وتبنًا ونحو ذلك، فإذا جاء وقت العجن والخبز تبين له حقيقة طحنه، أهـ كلامه ﵀ (الفوائد ١٦١) .\rفهؤلاء نماذج من قطاع طريقك إلى الله وسفرك في درب الآخرة وسعيك في عتق رقبتك من النار وبذل ثمن الجنة، فاحذر مثل تلك الصوارف وأعد لها عدتها والله الموفق.\r\rتتمة في فهم بعض الوصايا\rالأولى: الاجتهاد في العشر الأواخر وأواخر العشر.\rفي الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: \"كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله\" هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: \"أحيا الليل وأيقظ أهله وجدّ وشد المئزر\". وفي رواية لمسلم عنها قالت: \"كان رسول الله ﷺ يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره\".\rوروى أبو نعيم بسند فيه ضعف عن أنس قال: \"كان النبي ﷺ إذا شهد رمضان قام ونام، فإذا كان أربعًا وعشرين لم يدق غُمضًا\".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633104,"book_id":1630,"shamela_page_id":129,"part":null,"page_num":129,"sequence_num":129,"body":"وفي صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: \"لا تواصلوا، فأيكم أراد أن يوصل فليواصل إلى السحر\" قالوا فإنك تواصل يا رسول الله؟ قال: \"إني لست كهيئتكم إني أبيت لي مُطعمٌ يطعمني وساق يسقيني\".\rوأخرج ابن أبي عاصم بإسنادٍ قال عنه ابن رجب إنه مقارب عن عائشة قالت: \"كان رسول الله ﷺ إذا كان رمضان قام ونام فإذا دخل العشر شد المئزر واجتنب النساء واغتسل بين الأذانين وجعل العشاء سحورًا\".\rوفي الصحيحين عن عائشة ﵂: \"أن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله تعالى\".\rتحصّل من هذه الأحاديث بعض السنن المؤكدة التي ينبغي الاعتناء بها في العشر الأواخر وهي من أهم وظائف هذا الشهر الكريم لأنها فورة الوداع ومسك الختام.\rوسنلخص لك هذه السنن مع الكلام في فقهها وأسرارها.\rأولاً: إحياء الليل كله. ويدل عليه ظاهر قول عائشة: أحيا الليل، وفي رواية مضعّفة: \"أحيا الليل كله\" ويشهد لهذا الأمر أيضًا قولها: \"جد\" أي اجتهد وبالغ في الطاعة العمل.\rوهذه هي العزيمة اللازمة في أخريات رمضان. فيجب تقليل النوم قدر الإمكان وجعله في النهار، وشغل الليل بالصلاة والذكر وقراءة القرآن.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633105,"book_id":1630,"shamela_page_id":130,"part":null,"page_num":130,"sequence_num":130,"body":"وقد وردت عن بعض السلف آثار في بيان المراد بإحياء الليل، وأنه يحصل بقيام غالبه (وهو قريب من الأول) أو إحياء نصفه، وقيل تحصيل فضيلة الإحياء بساعة، ونُقل عن الشافعي وغيره أن فضيلة الإحياء تحصل بأن يصلي العشاء في جماعة ويعزم على أن يصلي الصبح في جماعة (١) وهذا الإحياء المذكور يشمل كل ليالي رمضان بوجه عام، والعشر الأواخر بوجه خاص، وليلة القدر بأخص.\rومثل هذا الاجتهاد يحتاج إلى الإعداد الذي تكلمنا عنه فيما مضى من الأبواب، وإلى العزيمة والمجاهدة والمكابدة للنوم والتعب من جَهد العبادة.\rويساعد على ذلك قلة الطعام، وتنويع العبادات بين قيام وركوع وسجود وذكر وتلاوة لقرآن، وصحبة العابدين لشحذ الهمم.\rوجماع ذلك كله أن يستمطر العون والمدد والألطاف من الله ﷿، فهو القادر على أن يقيمك بين يديه الدهر كله دون نصب أو رهق أو سآمة.\rثانيًا: إشاعة الأجواء الإيمانية في البيوت بِحَثّ الأهل على","footnotes":"(١) وفيه نظر، لأنه يتنافى مع مقاصد الحديث وهو ضرورة البذل الزائد المفضي للتأهل للمغفرة العامة. والله أعلم.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633106,"book_id":1630,"shamela_page_id":131,"part":null,"page_num":131,"sequence_num":131,"body":"الاجتهاد في الطاعة والعمل وإيقاظهم في الليل لصلاة التهجد، ويدل ذلك قول عائشة: \"وأيقظ أهله\".\rثالثًا: شد المئزر والمراد به على الراجح: اعتزال النساء وعدم الجماع والمباشرة والاستمتاع، ووجهه: كون النبي ﷺ معتكفًا في المسجد لطلب ليلة القدر (١) ، ويؤخذ من ههنا أنه كان يصيب ﷺ من أهله في العشرين من رمضان ثم يعتزل نساء ويتفرغ لطلب ليلة القدر في العشر الأواخر.\rرابعًا: الاعتكاف. قال ابن رجب: وإنما كان يعتكف النبي ﷺ في هذه العشر التي يُطلب فيها ليلة القدر، قطعًا لأشغاله وتفريغًا لباله، وتحليًا لمناجاة ربه وذكره ودعائه، وكان يحتجر حصيرًا يتخلى فيها عن الناس فلا يخالطهم ولا يشغل بهم. وذهب الإمام أحمد إلى أن المعتكف لا يستحب له مخالطة الناس حتى ولا لتعليم علم وإقراء قرآن، بل الأفضل له الانفراد بنفسه والتخلي بمناجاة ربه وذكره ودعائه، وهذا الاعتكاف هو الخلوة الشرعية، وإنما يكون في المساجد لئلا يترك به الجمع والجماعات، فإن الخلوة القاطعة عن الجمع والجماعات منهيٌّ عنها. سئل ابن عباس عن رجل يصوم النهار ويقوم الليل ولا يشهد الجمعة والجماعة؟ قال: هو في النار. فالخلوة المشروعة لهذه الأمة هي الاعتكاف في","footnotes":"(١) والمعتكف مأمور بمجانبة النساء.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633107,"book_id":1630,"shamela_page_id":132,"part":null,"page_num":132,"sequence_num":132,"body":"المساجد خصوصًا في شهر رمضان وخصوصًا في العشر الأواخر منه كما كان النبي ﷺ يفعله، فالمعتكف قد حبس نفسه على طاعة الله وذكره، وقطع عن نفسه كل شاغل يشغله عنه وعكف بقلبه وقالبه على ربه وما يقربه منه، فما بقي له همٌّ سوى الله وما يرضيه عنه.\rفمعنى الاعتكاف وحقيقته: قطع العلائق عن الخلائق للاتصال بخدمة الخالق، وكلما قويت المعرفة بالله والمحبة له والأنس به أورثت صاحبها الانقطاع إلى الله بالكلية على كل حال. كان بعضهم لا يزال منفردًا في بيته خاليًا بربه، فقيل له: أما تستوحش؟ قال: كيف استوحش وهو يقول: \"أنا جليس من ذكرني\" أهـ (١) .\rخامسًا: إقلال الطعام للغاية، أو الوصال للسحر، وقد اختلف العلماء في هذا الوصال، وقد أجازه الإمام أحمد وإسحق، والصحيح أن الوصال إلى السحر فقط جائز لقوله ﷺ: \"فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر\" رواه البخاري.\rوالغاية منه كما قال العلماء خواء البطن وشرايين الشهوات من مادة الثوران، وخواء البطن مجلبة لامتلاء القلب بصنوف المعارف، وكلما ازداد الجوعُ وألَمُه رقَّ الفؤاد ولان وخشع.","footnotes":"(١) \"اللطائف\" (٣٤٨) .","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633108,"book_id":1630,"shamela_page_id":133,"part":null,"page_num":133,"sequence_num":133,"body":"قال ابن رجب: ويتأكد تأخير الفطر في الليالي التي تُرجى فيها ليلة القدر، قال زِرٌّ بن حبيش في ليلة سبع وعشرين: من استطاع منكم أن يؤخر فطره فليفعل وليفطر على ضياح اللبن. وضياح اللبن وروي ضيح هو اللبن الخائر الممزوج بالماء (١) .\rسادسًا: الاغتسال بين المغرب والعشاء كل ليلة من العشر الأواخر وقد وردت فيه بعض الأحاديث الضعيفة والآثار المستفيضة عن سلف هذه الأمة في التنظيف والتزين والتطيب بالغسل والطيب واللباس الحسن، وهي مشمولة بالنصوص العامة الآمرة بالتنظف والتزين والتطيب، والمستقرئ لسيرة النبي ﷺ والصحابة والسلف يجزم بحرصهم على الاغتسال في أزمنة العبادة ومواسم الطاعة.\rواعلم أيها النابه أن كل هذه الوظائف تحوم حول تحصيل وموافقة ليلة القدر التي قال عنها النبي ﷺ: \"من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه\" رواه البخاري، وهي ليلة حريٌّ بالمسلم أن يستميت في تحصيل فضلها وثوابها، قال عنها الله ﷿، ﴿ليلة القدر خير من ألف شهر﴾ أي العمل فيها أفضل من العمل في ألف شهر وهو ما يقارب ثمانين سنة أو أكثر.\rولا تنفع الأماني والأحلام في إثبات تحريك لها، بل لابد من التشمير، وأن تُري الله من نفسك خيرًا، حتى يرى إقبالك فيقبلكَ","footnotes":"(١) \"اللطائف\" (٣٤٦) .","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633109,"book_id":1630,"shamela_page_id":134,"part":null,"page_num":134,"sequence_num":134,"body":"واجتهادك فيلطُف بمقامك ويهبك منشور الولاية ويضع اسمك في ديوان العتقاء من النار.\rأما تعيين ليلة القدر فهي ممكنة على الراجح كما قال النووي ووافقه ابن حجر رحمهما الله، وهذا لمن كشفها الله له، بل ثوابها لا يحصل إلى لمن كُشفت له كما رجح الأكثر، وذهب الطبري وابن العربي وجماعة إلى أن ثوابها يحصل لمن اتفق له قيامها وإن لم يظهر له شيء، وهذا مفرّع على أن ليلة القدر لها علامة أم لا؟ فذهب البعض إلى وجود تلك العلامات ومنها أن يرى كل شيء ساجدًا، وقيل الأنوار في كل مكان ساطعة حتى في المواضع المظلمة، وقيل يسمع سلامًا أو خطابًا من الملائكة، وقيل علامتها استجابة دعاء من وفقت له، واختار الطبري أن جميع ذلك غير لازم وأنه لا يشترط لحصولها رؤية شيء ولا سماعه.\rواختار ابن حجر ﵀ أن لها علامة وأن شرط حصول ثوابها الكامل الموعود به يكون لمن علمها فقط لا لمن اتفق قيامه فيها وإن حصل ثوابًا جزيلاً بقيامه ابتغاءها، ولو علم بها أحد هل يذكرها لغيره؟ استنبط تقي الدين السبكي من قوله ﷺ: \"خرجت لأخبركم بليلة القدر فتلاحى فلان وفلان فرُفِعت وعسى أن يكون خيرًا فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة\" رواه البخاري، استنبط منه استحباب كتمان ليلة القدر لمن رآها قال: ووجهُ الدلالة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633110,"book_id":1630,"shamela_page_id":135,"part":null,"page_num":135,"sequence_num":135,"body":"أن الله قدر لنبيه أنه لم يُخبر بها، والخير كله فيما قَدَّر له، فيستحب اتباعه في ذلك. وفيما قاله بحث ونظر، وذكر في شرح المنهاج ذلك عن الحاوي قال: والحكمة فيها أنها كرامة، والكرامة ينبغي كتمانها بلا خلاف بين أهل الطريق من جهة رؤية النفس فلا يأمن السّلب ومن جهة ألا يأمن الرياء، ومن جهة الأدب فلا يتشاغل عن الشكر لله بالنظر إليها وذكرها للناس، ومن جهة أنه لا يأمن الحسد فيوقع غيره في المحذور، ويُستأنسُ له بقول يعقوب ﵇: ﴿يا بني لا تقصص رؤياك على إخواتك﴾ الآية. وهذا هو الأولى في التوجيه. وبالله التوفيق.\rالثانية: لا تهمل الدعوة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، فإنها من صميم رسالتك في هذا الوجود، فوق كون هذا الأمر ثمرة النُّسك وتعظيم الأمر والنهي، وتركه مُؤذِنٌ بجعل الطاعات والعبادات بلا طعم أو ثمرة، قال ﷺ: \"والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا منه فتدعونه فلا يستجاب لكم\". رواه الترمذي بإسناد صحيح.\rوما ثمرة صف الأقدام أمام رب يتجاوز الناس حرماته ويجاهرونه ويبارزونه بالمعصية وأنت لا تغضب له؟\rفإذا عجزت عن الدعوة إليه ودلالة الناس عليه وأمرهم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633111,"book_id":1630,"shamela_page_id":136,"part":null,"page_num":136,"sequence_num":136,"body":"بالمعروف ونهيهم عن المنكر فاعتذر إلى الله ﷿ بإلقاء النصيحة ولا عليك أن يتركها الناس ﴿وإذا قالت أمة منهم لم تعظون قومًا الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون﴾ .\rالثالثة: لو كنت إمامًا أو خطيبًا أو داعيًا فاجهد أن يكون لك دورٌ مع الناس في وصولهم إلى خالقهم ومليكهم، فالدلالة على الله مهنة الأنبياء والرسل، وما إخال الدال على الله محجوبًا عن الدخول مع الداخلين.\rثم لا تنس تشديد الحساب على نفسك في طاعاتها، حتى تنقّي بواطنك من والجات الهوى.\rالرابعة: لو ضاع منك معظم الشهر فلا تحرم نفسك الاجتهاد في باقيه، ولا يلقينّ الشيطان في قلبك اليأس فتقعد عن الاجتهاد، فلا يبعد أن تُرى مع المشمّرين فيهبك الله لهم، فتسعد:\rمن لي بمثل سيرك المدلّلِ تمشي الهُوينى وتجِي في الأوَّل\rالخامسة: إذا لم يقع عليك الهمُّ من خوف الرد وعدم القبول، فهو أمارة سوء. فمن صفات المتقين أنهم ﴿يؤتون ما ءاتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون﴾ قال مالك بن دينار: الخوف على العمل ألا يُتقبل أشد من العمل، وقال عطاء","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633112,"book_id":1630,"shamela_page_id":137,"part":null,"page_num":137,"sequence_num":137,"body":"السليمي: الحذر: الاتقاء على العمل ألا يكون لله، وقال عبد العزيز بن أبي روّاد: أدركتهم يجتهدون في العمل الصالح، فإذا فعلوه وقع عليهم الهمّ أُيقبل منهم أم لا؟ وقال ابن رجب: كان بعض السلف يظهر عليه الحزن يوم عيد الفطر، فيقال له: إنه يوم فرح وسرور، فيقول: صدقتم، ولكني عبد أمرني مولاي أن أعلم له عملاً فلا أدري أيقبله مني أم لا؟\rروي عن علي ﵁ أن كان ينادي في آخر ليلة من شهر رمضان: يا ليت شعري من هذا المقبول فنهنه؟ ومن هذا المحروم فنعزيه:\rرحل الشهرُ الهَفاهُ وانصرما واختص بالفوز في الجنات من خدما\rوأصبح الغافل المسكين منكسرًا مثلي فيا ويحه يا عُظم ما حُرما\rمن فاته الزرع في وقت البذار فما تراه يحصُد إلا الهم والندما\rالسادسة: لا تجزع من هول التبعات وضيق الأوقات بالعمل والدراسة ورعاية الأهل.. إلى آخر هذه المنظومة، وكذلك المرأة يَهُولنَّها ضخامة ما تقوم به من تربية الأولاد ورعاية البيت، فكل هذا وإن تفاقم لا يمنع من القيام بواجب الخدمة للمعبود والبذل في هذا الشهر.\rوسبب تحاشي أولئك أنهم متّكلون على قوتهم معتمدون على مهارتهم، هنا يُوكلون إلى ضعفهم وعورتهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633113,"book_id":1630,"shamela_page_id":138,"part":null,"page_num":138,"sequence_num":138,"body":"أما صدق اللجأ إلى الله فهو كفيل يقبل قوانين الزمان والجهد والقوة، فيضحي اليوم مديدًا دون أن تشعر، وقوتك الت يكانت تخور أما الأحمال الثقال تراها عند الطاعات وثابة.\rأما تعجب من الصحابة كيف يغزون وزادهم تمرات يمصونها فيُقِمن أصلابهم أمام أعدائهم.\rبالله ثق وله أنب وبه استعن فإذا فعلت فأنت خيرُ معانٍ\rالسابعة: لا تُخلِ الأوقات من عمل نافع، وقيدّ عندك البدائل حتى إذا ما داخلت نفسك السآمة من عمل كان عندك غيره ليشغلك.\rونقترح عليك هذا الجدول في رمضان:\r١- تلاوة خمسة أجزاء على الأقل يوميًا.\r٢- التواجد في المسجد قبل الأذان لكل صلاة.\r٣- استيفاء كل السنن الراتبة وغير الراتبة.\r٤- استيفاء الخشوع في الفرائض والنوافل ومحاسبة النفس قبل الصلاة، وبعدها.\r٥- التراويح والتهجد ثلاث ساعات على الأقل كل ليلة، وإذا كنت تؤدي التراويح جماعة فاجعل لبيتك قسطًا من صلاة الليل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633114,"book_id":1630,"shamela_page_id":139,"part":null,"page_num":139,"sequence_num":139,"body":"٦- دوام الذكر باللسان والقلب وخاصة أذكار الصباح والمساء.\r٧- دوام الدعاء والتضرع.\r٨- عدم إخلاء ساعة في يوم أو ليل في رمضان من نافلة خلا أوقات الكراهة.\r٩- الضحى في المسجد بعد الفجر.\r١٠- الصدقة بمبلغ كل يوم.\rفهذا المقترح- يا باغي الخير- أقل ما يمكن تصوره لمجتهدٍ في رمضان، وهو معدود على مذهب السلف (من المقصرين أو المفرطين) ، فاعلُ بهمتك وتزود من الطعات ما به تنال صك العتق من النار، وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم.\rالثامنة: الاستعداد لشهر رمضان والشوق له وبلوغ زمانه ينبغي أن يسبق رمضان بأشهر عديدة، فيوطن نفسه على المعاني التي ذكرناها في الرسالة ويدرب جسده على تمارين العزيمة التي تحدثنا عنها ويؤمل المغفرة والعتق فيه فيكون ممن أعد للشهر عدته.\rقال ابن رجب: قال بعض السلف كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان ثم يدعون الله ستة أشهر أخرى أن يُتقَبَُل منهم. اهـ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633115,"book_id":1630,"shamela_page_id":140,"part":null,"page_num":140,"sequence_num":140,"body":"ويقتضي هذا النقل عن السلف أنهم كانوا يدعون في رمضان أن يتقبل الله منهم أو يدعون بأن يبلغهم رمضان اللاحق، وهذا من أجدر ما يأمله الإنسان من ربه أن يتقبل منه الطاعة وأن يوفقه إلى غيرها.\r\rأيها السالك طريق الآخرة: ها نحن قد رددنا العجز إلى الصدر، وأكدنا لك المعنى بأسهل عبارة، فإن آنست مما ذكرناه حافزًا لهمتك فدونك الميدان أثر نقعه وتوسّط جمعه. وإلا فتدبر قول الله ﷿: ﴿ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكوراً. كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محذورا. انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلاً﴾ .\rوآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.\r***","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633116,"book_id":1630,"shamela_page_id":141,"part":null,"page_num":141,"sequence_num":141,"body":"ملاحظة:\r\r- المؤلف -حفظه الله- لا يتحمل أى مسوؤلية عن الأخطاء التى قد تكون حدثت أثناء الكتابة،ومنها: ترك تشكيل معظم الآيات، والأبيات الشعرية، وبعض الكلمات التى شُكلت فى الأصل المطبوع، الفهرس، وأخطاء أخر … ونحن نعتذر منها وسبببها إرادة التعجيل بهذا الخير ولأن هذا وقت موضوعه. ونحن نرجو منك أن تساعدنا إما بالفعل أو حتى التنبيه وجزاك الله خيرا ورزقنا واياك حلاوة الخدمة للدين الحنيف.. آمين.\rالكتاب نشر مكتبة الفهيد بجدة - السعودية، هاتف: ٦٨١١٢٦٠، والموزعين بمصر: القاهرة: الموزع الرئيسى.. ٠١٠١١٣٦٠٨٢، وتوزيع محلات أبو الفدا لملابس المحجبات والكتب الإسلامية: ٥٩٠٧٦٥٧ - ٥٨٨٥٣٩٣، فرع كفر الشيخ: ٠٤٧٢٣٦٢٦٨.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1633117,"book_id":1630,"shamela_page_id":142,"part":null,"page_num":142,"sequence_num":142,"body":"هذا الكتاب\rيتناول أهم قضية تشغل السالكين فى طريق الآخرة مما يتعلق بعبادتهم وأسرار طاعتهم وهو إحسان العبادة.\rيعرض بطريقة عملية الوسائل التى بها يتمكن العباد من الانتفاع بشهر رمضان.\rيساعد على تحصيل لذة العبادة.\rيكشف المشكلات التى تواجه السائرين إلى الله فى طاعاتهم بما يساعدهم على تلافيها وعلاجها.\rمنهج عملى سلفى فى تزكية النفس.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}