{"page_id":1777699,"book_id":1728,"shamela_page_id":1,"part":null,"page_num":1,"sequence_num":1,"body":"معالم تربوية لطالبي أسنى الولايات الشرعية\rلصاحب الفضيلة الدكتور\rمحمد بن محمد المختار الشنقيطي\rالأستاذ المساعد بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة\rوالمدرس بالمسجد النبوي الشريف\rجمعها واعتنى بها ورتبها\rأحد طلاب العلم\rتم عرضها على فضيلة الشيخ/ محمد واستحسن ما فيها\rالإهداء\rإلى طلاب العلم (١) [١] ) ...\rإلى خلَفِ الأئمة.. فإنه لا زال الخير فيهم.. فإن أئمة هذا الدين وعلماءه حين خرجوا من هذه الدنيا، خلّفوا وراءهم أمماً تشابههم، وطلاب علم يسيرون على نهجهم، خرجوا من الدنيا وارتحلوا، وقد بلّغوا أماناتهم ومسؤولياتهم لطلاب العلم.\rيا طلاب العلم.. ما أعظم الأمانة التي حُمّلتموها من العلم والعمل، هذه الأمانة العظيمة التي تنتظركم بها أمم لا يعلمها إلا الله، ينتظركم الضالّ بإذن الله أن تهدوه، والحائر بإذن الله أن ترشدوه، تنتظركم أمم بفارغ الصبر..\rفأنتم معقد الأمل بعد الله ﷿ في حمل الرسالة المحمدية وتبليغ الدعوة النبوية، أنتم خلفاء العلماء الأئمة الدعاة والهداة إلى الله، لذلك أحبتي في الله.. ما أعظم المسؤولية التي يحملها طالب العلم، وما أجلّها عند الله ﷿.\rإذا وافقت رجلاً حكيماً، صالحاً براً مستقيماً، يعي حقوق الله وحقوق عباده، فحملها بحقها، وأدّاها قربة لله ﷿ على وجهها، فنِعْمَ -والله- الطالب، ونِعْمَ -والله- الراغب، لذلك فإن طالب العلم الصادق في طلبه يحتاج في كل زمان ومكان إلى من يذكره بأمانة العلم، إلى من يذكره بمسؤولية وحق هذا العلم، الذي إذا أعطي حقه كان سبباً في عفو الله ومرضاة الله، لذلك فإن خير ما ينتظره طالب العلم، كلمة تَدُلُّه، ونصيحة تقدم له فالله الله يا طلاب العلم في هذه الرسالة العظيمة التي حمَّلتموها من الله.","footnotes":"(١) من محاضرة للشيخ محمد -حفظه الله- بعنوان (وصايا لطلاب العلم) .","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777700,"book_id":1728,"shamela_page_id":2,"part":null,"page_num":2,"sequence_num":2,"body":"﷽\rمقدمة\rحمداً لله، وصلاةً وسلاماً دائمين على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه، وترسم خطاه إلى يوم نلقاه ... وبعد:\rلا غرابة اليوم في كثرة المتحدثين عن آداب الطلب وطالب العلم، ولا غضاضة في كثرة ما تقذفه لنا المطابع من مؤلفات في هذا الموضوع.\rففي ظلال هذه الصحوة المباركة، راجت بضاعة العلم الشرعي بعد كسادها، وتلهفت على طلبه نفوس بعد خمولها، ولم نزل نرى -ولله الحمد- إقبالاً متزايداً من شباب الأمة وكهولها عليه.\rوكثرة الكتب والأشرطة فيه ظاهرة صحية -كما يقولون-، وكثرة اختلاف وجهات نظر المتحدثين حول قضاياه من اختلاف التنوع المحمود.\rبَيْدَ أن الحديث عن العلم وآدابه يحلو ويزدان، ويَلَذّ سماعه حينما يكون من أهله الذين بذلوا كليتهم له، وحينما تسمعه من عالم رباني يسّر الله له الأخذ بمجامع القلوب، ألا وهو الشيخ محمد بن الشيخ محمد المختار.\rوليست النائحة الثكلى كالمستأجرة.\rلا يعرف الشوق إلا من يكابده ... ... ولا الصَّبَابة إلا من يُعانيها\rولما كان الشيخ محمد كثيراً ما يتناول آداب الطلب وطالب العلم ما أتت له مناسبة، أو عند استهلال واستئناف دروسه، وتأتي توجيهاته ووصاياه مسددةً موفقة تَطْرَبُ لها الأسماع، أدركت أهمية ما يرمي إليه من توجيهات ومعالم وآداب يتربى عليها طلاب العلم، تهذب أخلاقهم، وتنفي زغل العلم عن طباعهم.\rفخطر ببالي أن لو جُمِعَتْ هذه التوجيهات والمعالم المتناثرة من ثنايا أشرطة الدروس والمحاضرات، لانتظمت منها قطعة أدبية بليغة، وموعظة روحانية رقيقة، فعرضت الأمر على الشيخ عام (١٤١٤هـ) ، فدعا وبرّك، فكانت الخطوات التالية:\rأولاً: فرغت من الأشرطة جميع المحاضرات التي خصصها الشيخ للحديث عن آداب طلب العلم وقضاياه، وعدتها ثمان محاضرات أُلقيت في سنوات متفاوتة، وأماكن متفرقة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777701,"book_id":1728,"shamela_page_id":3,"part":null,"page_num":3,"sequence_num":3,"body":"ثانياً: تَتَبَّعتُ مظان الحديث عن موضوع آداب طلب العلم في جميع أشرطة المحاضرات العامة، وهي غالباً إجابات على أسئلة تهم الموضوع في آخر بعض المحاضرات، وكذلك تتبعتها في أشرطة الدروس العلمية الموجودة عندي، فشملت:\r- درس شرح كتاب عمدة الأحكام الذي بدأ الشيخ فيه عام (١٤١٠هـ) ، وانتهى منه عام (١٤١٦هـ) .\r- درس شرح عمدة الفقه، والذي بدأ الشيخ في شرحه للطلاب عام (١٤٠٩هـ) ، وانتهى منه عام (١٤١٣هـ) .\r- درس شرح بلوغ المرام (متوقف) .\r- درس شرح زاد المستقنع، والذي بدأ فيه الشيخ عام (١٤١٤هـ) ليلة الأربعاء من كل أسبوع، ولا يزال مستمراً فيه في جامع التنعيم بمكة المكرمة.\r- درس تفسير سورة النور (متوقف) .\r- درس شرح كتاب التوحيد (متوقف) .\r- درس شرح سنن الترمذي الذي بدأ فيه الشيخ بتاريخ (٢/٦/١٤١٦هـ) بجامع الملك سعود بجدة ليلة الخميس من كل أسبوع، ولم ينتهِ بعد.\rثالثاً: آلفْتُ ونسقْتُ بين مواد هذه الأشرطة المجمعة لتصبح مادة مقروءة، وسقت عبارات الشيخ كما هي دون إضافة ولا زيادة، ولم أتصرف في كلام الشيخ إلا بحذف، خشية التكرار، أو تقديم أو تأخير اقتضاه السياق والسباق، أو جمع متفرق، من عدة أشرطة، وأجعله في موضع واحد.\rرابعاً: وضعت عناوين للمعالم تسهل فهم المراد، وجعلت هذا الكتاب في تمهيد وخمسة فصول. أخذت فكرة التقسيم من محاضرة حلية طالب العلم التي ألقاها فضيلته في قاعة المحاضرات بالجامعة الإسلامية في المدينة المنورة بتاريخ (٢٣/٦/١٤١٣هـ) .\rولكي يستفيد طلاب العلم بشتى مستوياتهم، ضَمَّنْتُها فصلين ماتعين هما ألصق بما نحن فيه من غيره، وهما: الرابع والخامس.\rفصارت حلة الكتاب كالتالي:\r- تمهيد في شرف العلم ومكانة العلماء.\r- الفصل الأول: معالم في الأدب مع العلماء.\r- الفصل الثاني: معالم في آداب طالب العلم في نفسه.\r- الفصل الثالث: معالم في آداب طالب العلم في درسه.\r- الفصل الرابع: معالم في آداب الفتوى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777702,"book_id":1728,"shamela_page_id":4,"part":null,"page_num":4,"sequence_num":4,"body":"- الفصل الخامس: أجوبة مهمة على أسئلة ملمة.\rخامساً: عزوت الآيات وخرجت الأحاديث، وحشّيتُ كلام الشيخ بما أراه يزيده إيضاحاً ويفيد منه القارئ الكريم، ولم أتقيد بطريقة كتابة البحوث العلمية ونظامها لحصول المقصود دون التقيد بذلك.\rسادساً: لم أعتمد ما وجدته من تعليقاتي وتقيدات زملائي أثناء دروس الشيخ تبيّن آراءه في بعض جوانب موضوعنا؛ لأني بحثتُ عن الأشرطة، فلما لم أجدها أعرضتُ عن الأخذ من هذه التعليقات.\rوكما هو مقرر معلوم أن تقيدات وطُرَر الطلاب عن الشيخ، لا يعتمد عليها في بيان آرائه وفتاويه؛ لمظنة خطأ الطلاب في الفهم والنقل، وعدم أمن اللبس؛ ولأن مقام التدريس ليس كمقام الفتوى.\rقال العلامة النابغة الشنقيطي (ت:١٢٤٥هـ) ﵀ في طليحيته (١) [٢] ) :\rوكلِ ما قُيد مما يُسْتَمَد ... في زمن الإقراء غيرُ معتمدْ\rوهو المسمى عندهم بالطُّرةِ ... قالوا ولا يُفتى به ابن حُرةِ\rلأنه يَهْدى وليس يُسْتَنَد ... عليه وحده مخافة الفَنَد (٢) [٣] )\rولن تجد –أخي القارئ- بين طيات هذا الكتاب تنظيراً ثقافياً، أو أطروحة فلسفية في توجيه طلاب العلم، كلا، ولا حشداً من النصوص والآثار –وما أكثرها- في فضل العلم ومكانة العلماء!!","footnotes":"(١) منظومة في ثلاثمائة بيت، موضوعها المعتمد وغير المعتمد في المذهب المالكي من الكتب والشروح والحواشي ورجال المذهب والمفتين، سميت بالطليحية؛ لأن مؤلفها نظمها تحت شجرة طلح.\r(٢) الفَنَد: الخطأ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777703,"book_id":1728,"shamela_page_id":5,"part":null,"page_num":5,"sequence_num":5,"body":"بل غاية ما ستجده –ولعلي أتعجّل النتيجة- كلماتٍ إيمانية تربوية عميقة، وإشاراتٍ قلبية رقيقة، ذاتِ طلاوة تمتنع على الترجمة من غير نقصان بهائها، وكأني بالشيخ محمد قد أرسل ألفاظها وانتقى كلماتها في أبها أيامه، وأثناء وصوله إلى ذروة صفاء حياته وأقصى انغماسه الإيماني، تخاطب قلب وروح طالب العلم قبل عقله، ونتائج تجربة عملية تربى عليها الشيخ –حفظه الله- يقدمها لطلاب العلم، وليس ذلك بدعاً عليه، وهو الذي تربى في بيت علم، ونهل من معين عالم جهبذٍ، ومحدث فقيه، ومؤرخ لغوي، ونسّابة، سِيَرِيّ (١) [٤] ) ، وهو والده ﵀ الذي عرفته أروقة وسواري المسجد النبوي وعرفها، ولطالما دوى صوته بحديث رسول الله ﷺ فيه زهاء ثلاثين عاماً.\rهو الشيخُ وابن الشيخ والشيخ جَدهُ ... ... ... فيا حبذا شيخٌ تناسلَ من شيخِ\rيأتي هذا الكتاب لينير لطلاب العلم الشرعي الدرب، ويبصّرهم بمداخل الشيطان فيه، ويكشف لهم عن تجربة طويلة مع مراحل الطلب.\rكل ذلك ببيانٍ يقوم على تحليل علمي رصين، وتشخيصٍ موفق دقيق، وسَيْرٍ وراء الدليل، واتباعٍ لأثارةٍ من علم السلف الصالحين.\rأبدتْ نقُولُك ما أخفيت من حِكَم ... ... موروثةٍ عن جدود وأنجُمٍ زُهُرِ\rوسميته (معالم (٢) [٥] ) تربوية لطالبي أسنى الولايات الشرعية) .\rولعل في نشر هذه المعالم والتوجيهات خدمة لإخواني طلاب العلم، ورفعاً لهممهم، وتسديداً لخطواتهم، ووفاءً لبعض حق الشيخ، فإنما العالم بطلابه.\rوإن أنسى فلا أنسى التنبيه على أن مادة هذا الكتاب في الأصل مسموعة، فلا ضير أن يوجد التفاوت بين الأسلوبين: أسلوب الكتابة، وأسلوب الإلقاء.","footnotes":"(١) نسبة إلى السيرة النبوية.\r(٢) المعالم جمع مَعْلَم، وهو ما يُستدَلّ به على الطريق. قاله في القاموس والمنجد في اللغة.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777704,"book_id":1728,"shamela_page_id":6,"part":null,"page_num":6,"sequence_num":6,"body":"وبعد -أخي القارئ الكريم- دونك جهد حولين كاملين، أحسب أني لم آل جهداً في تهيئة مواده من مسموعة إلى مقروءة، فإن جُدتَ عليَّ بدعواتٍ طيبات، فذلك ما كنا نَبْغِ، وإلا فلا أقل من حسن الظن، وحسن الظن اليوم أعزُّ من الأبلق العَقوق -كما يقولون-. وطلاب العلم لهم حظ من تعديل الله لهم في آية آل عمران: ((شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ)) [آل عمران:١٨] .\rطَلَبةُ العِلم على العدالة ... ... ... قد يُحملون نَجْل رُشْدٍ قالَهْ\rوالله الكريم أسأل أن يلطف بنا، ويعصمنا من الخطأ والزلل، وإرادة غير وجهه ﷿، وأن يجزي عنا الشيخ محمداً بأفضل ما جزى به شيخاً عن تلامذته، وأن يَمُدَّ في أيامه، ويديم علينا وعليه سابغات إنعامه، وأن يغفر لنا وله ولوالديه ومشايخه والمسلمين أجمعين.\rوالله الهادي إلى سواء السبيل..\rأحد طلاب العلم\rالمدينة المنورة (٢٦/٨/١٤١٦هـ)\rتمهيد في شرف العلم ومكانة العلماء (١) [٦] )\rالحمد لله ذي الوحدانية والكمال، الحمد لله المحمود على كل حال، الحمد لله المتصرف في الأحوال، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، من توكل عليه كفاه، ومن استعاذ به أغناه ووقاه، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله الذي اجتباه واصطفاه، صلى الله عليه وعلى آله ومن سار على نهجه المبارك وارتضاه.","footnotes":"(١) بتصرف من مقدمة محاضرة (حلية طالب العالم) ، ألقيت في قاعة المحاضرات بالجامعة الإسلامية بتاريخ ١٦/١١/١٤١٢هـ. ومن افتتاحية محاضرة الغرور وأثره على طلاب العلم، ومن مقدمة دروس شرح سنن الترمذي، ومن إجابات أسئلة الشريط رقم (٤٣) من دروس شرح زاد المستقنع، للشيخ محمد -حفظه الله-.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777705,"book_id":1728,"shamela_page_id":7,"part":null,"page_num":7,"sequence_num":7,"body":"العلم أمانة عظيمة، ومسؤولية جليلة كريمة، تُبلَّغ بها رسالةُ الله، وتقام بها الحجة على عباد الله، فكم هَدى الله ﷿ بالعلم من الضلالات، وكم أخرج به من الظلمات، كم هَدى الله به أُمماً حارت، وكم هَدى به أمماً ضلت، كم أبكى لله عيوناً، وكم أخشع لله ﷾ قلوباً وجفوناً.\rالعلم الشرعي هو نور الله، وهداية الله، ورحمة الله لهذه البشرية، هو معدنها الصافي، ومنبعها الذي لا يغيض، إنه السبيل الذي من سار فيه انتهى به إلى مرضاة الله وجنته.\rامتنّ الله ﷾ على نبيه ﷺ بالعلم، وشرّفه وكرّمه به، فكان به إمامهم وقدوتهم وهاديهم، صلوات الله وسلامه عليه.. وصدق الله إذ يقول: ((وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا)) [النساء:١١٣] .\rقال بعض العلماء: كان فضل الله عليك عظيماً حينما علمك ما لم تكن تعلم، وحينما أنقذك من الضلال، وهداك إلى الحق.. ((مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ)) [الشورى:٥٢] ، فالله علّمه ودلّه وهداه.. جلّ سبحانه في علاه..!\rالعلم بصيرة؛ لأن العالم يُبصِر به الحق فيتبعه، ويُبصِر به الباطل فيجتنبه. قال تعالى: ((قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ)) [يوسف:١٠٨] .\rالعلم بينة تنكشف بها الحقائق، ويَخْرسُ عند دلائلها كل متكلم وناطق. قال تعالى: ((قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي)) [الأنعام:٥٧] .\rالعلم.. وما أدراك ما العلم.\rشرّف الله به من شاء واصطفى من عباده، فشهد لمن حباه إياه أنه أراد به الخير الكثير، ((يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا)) [البقرة:٢٦٩] .\rوكثير من الله ليست بالهينة، فمن تعلم انكسر قلبه لربه، ومن تعلم عرف الله بأسمائه وصفاته، وعرف حدوده فاتقاها، ومحارمه فاجتنبها، ومراضي الله جل وعلا فطلبها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777706,"book_id":1728,"shamela_page_id":8,"part":null,"page_num":8,"sequence_num":8,"body":"العلم فاتحة كل خير، وأساس كل طاعة وبر، فلا طاعة إلا بالعلم، وكلما أطاع العبدُ ربَّه على بصيرة وعِلم، كانت طاعته أرجى للقبول من الله ﷾..\rالعلم كالغيث للقلوب، يُحْيي الله به الأفئدة بعد موتها، ويوقظها بعد غفلتها، وينبهها من بعد منامها.\rهذا العلم الذي عظم الله أهله، وجعلهم عنده في أعلى الدرجات، وأوجب لهم جزيل العطايا والهبات، ((يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ)) [المجادلة:١١] .\rلكن لهذا العلم رجال وأي رجال، لهذا العلم أمة فرغت أوقاتها ترجو به رحمة الله، وتطمع في عفو الله ﷾، لها أخلاق سمت بها إلى أعالي الفضائل، وتنزهت بها من أدران الرذائل، لهذا العلم طلابه، يعظمون شأنه، ويعرفون قدره، الذين غرس الله في قلوبهم إعظام هذا الدين، ((وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ)) [الحج:٣٠] .. ((وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ)) [الحج:٣٢] .\rهذا العلم قيض الله رجالاً شرّفهم لحمله، واصطفاهم لتبليغه، إنهم العلماء.\rفإن الله أحب من عباده العلماء، واصطفاهم واجتباهم ورثةً للأنبياء، وزادهم من الخير والبر حتى صاروا من عباده الأتقياء السعداء، وأثنى عليهم في كتابه، فشرّفهم وكرّمهم، فقال –وهو أصدق القائلين-: ((إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)) [فاطر:٢٨] .\rلذلك أحبتي في الله، هذه المسؤولية العظيمة، وهذه الأمانة الجليلة الكريمة، حملها العلماء العاملون، والثقات المعَدَّلون، حملوها فبلغوها عن الله، وأقاموا بها حجة الله على عباد الله، حملها الدعاة والفقهاء والمحدثون، والأئمة المهديون، إنهم أئمة الهدى، ومصابيح الدجى، بهم بعد الله يُهتدى.. وبنهجهم يُحتذى ويُقتدى..","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777707,"book_id":1728,"shamela_page_id":9,"part":null,"page_num":9,"sequence_num":9,"body":"فيالله، كم من أمة بهم اهتدت، وبعروة الله استمسكت، وكم من طالب علم علموه.. وتائه عن سبيل الرشد أرشدوه، وحائر عن صراط الله دلوه، ويالله كم دارس من العلم أحيوه، وكم شارد من العلم قيدوه، وكم أصل من الكتاب والسنة حرروه وضبطوه.\rنوّر الله بهم ضمائر العباد، ودلّ بهم على سبيل الحق والرشاد، حملوا هذا العلم جيلاً بعد جيل، ورعيلاً بعد رعيل، لم ينقطع لهم في الله ﷿ أثر ولا قيل، حملوا هذا العلم لله، وبلغوه لوجه الله وابتغاء مرضاة الله، رجال العلم والعمل، وأهل الخير والفضل، فرحمة الله عليهم أجمعين، وجزاهم بأحسن الجزاء إلى يوم الدين.\rأيها الأحبة في الله، أي مقام أشرف بأن تقوم يوماً من الأيام تخبر عن الله ورسوله ﷺ، وأي مقام أشرف حينما تصير أميناً على دين الله ووحي الله.\rفمن قرأ القرآن فأحل حلاله، وحرم حرامه، وعرف شرعه وفق أحكامه، فقد حمل النبوة بين دفتي صدره.\rمن حمل هذا العلم المبارك فقد حمل ميراث النبوة، وشرّفه الله بخير كثير.\rلكن وقفة قبل أن نصير إلى تلك الرياض العطرة، وتلك المجالس الكريمة النضرة، وقفة لكي نشحذ الهمم إلى أمور ينبغي أن يراعيها كل طالب علم، فلمجالس العلماء حقوق، ولطلب العلم حقوق.\rما من إنسان يفي لله ﷿ بهذه الحقوق إلا بارك الله له في علمه، وشرح صدره، ويسّر أمره.\rوقفة مع آداب طلاب العلم مع العلماء، حتى نؤدي لهذا العلم حقه، ونؤدي إلى حملة الكتاب والسنة حقهم وقدرهم.\rوالذي جعل بعض طلبة العلم يسأمون ويملون من طول الزمان في الطلب، هو أنهم يحملون العلم أحمالاً على ظهورهم دون استشعار روحه وآدابه، فتجد طالب العلم يجمع الأقوال في المسألة والمناقشات، ويشتغل بها اشتغالاً جامداً يقسي القلب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777708,"book_id":1728,"shamela_page_id":10,"part":null,"page_num":10,"sequence_num":10,"body":"أما لو عرضت عليه المسألة، وتأملها ونظر الحق الذي فيها، وتعجب من فتح الله على العلماء، وأدرك فضل الله على هذا العالم في استنباطه ومناقشته، وسأل الله أن يفتح عليه كما فتح على ذلك العالم، وينظر في كتب السلف الزاخرة بهذه المسائل، ويقول: يا رب، كما وفقتهم وفقني بمثل هذه الروح والارتباط بالله جل وعلا، يزداد علمه وقربه إلى الله.\rأيها الأحبة في الله، لقد تغيرت تلك الرياض الطيبة، وتغيرت تلك المجالس النيرة، التي كانت عامرة بالآداب والأخلاق، تغيرت بتلك الأخلاق الرديئة، تغيرت فأظلمت من بعد ضيائها، وتنكدت الأقدام في الدروب، وحادت عن علام الغيوب، لما فتنت بهذه المحنة العظيمة، وبليت الأمة في هذا العصر بداء الغرور، فسب السلف الصالح، وامتهنت كرامتهم، وأصبح العلماء يكابدون ويجاهدون من العناء والبلاء ما لا يُشكى إلا إلى الله وحده ﷿.\rوأصبح العبد يجد الشقاء في الجلوس فيها، فكم من كلمة نابية تسمع، وكم من تصرفات ممقوتة تُرى، لا ترى لها رادعاً، ولا ترى لها منكراً؛ لذلك جاءت أهمية هذا الموضوع.\rنداء إلى القلوب الطاهرة، نداء إلى تلك النفوس الطيبة، نداء إلى تلك المعادن الزاكية، التي تعرف حق هذا العلم، وتعرف فضل العلماء، وحق السلف والخلف، نداء إلى تلك القلوب الكريمة، لكي تثبت على هذا السبيل القويم.\rالعلم يطالب بحقوق كثيرة وعظيمة، فمن أراد أن يطلبه فليأخذه بحقه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777709,"book_id":1728,"shamela_page_id":11,"part":null,"page_num":11,"sequence_num":11,"body":"الفصل الأول: معالم في الأدب مع العلماء\rنص العلماء (١) [٧] ) ﵏ على أنه ينبغي على طالب العلم أن يتحلى بأزين الحلل، وأن تكون فيه حلية طالب العلم في وقاره وفي خشوعه وسمته. قال الإمام أبو عبد الله مالك بن أنس إمام دار الهجرة ﵀: (حق على طالب العلم أن تكون فيه سكينة ووقار، واتباع لأثر من مضى قبله) (٢) [٨] ) .\rإن طالب العلم إذا تزين بالآداب، وكان على أكرم الأخلاق، وجمّلها بالعلم، فإن الله يجمله بعد أن يصير عالماً، ولذلك نجد بعض العلماء مُهاباً جليلاً محبوباً، ولو نظرت إليه أثناء الطلب، لوجدته يهاب العلم ويجلّه، فبمقدار ما توفق إلى الآداب مع العلماء في مجلسهم ترزق من الطلاب مثله، فاجتهد -رحمك الله- في أن ينظر لك العالِم نظرة إجلال.\rجلس الإمام أحمد بن حنبل يطلب العلم عند عبد الرزاق بن همام الصنعاني -رحمة الله عليهما- إمامان حافظان جليلان من علماء السلف وأئمتهم، حفظا سنة النبي ﷺ ووعياها، وكانا على جلال وفضل وكمال -رحمة الله عليهما-.\rكان عبد الرزاق يتقي المزاح والطرفة إذا كان الإمام أحمد في مجلسه، وهذا أبلغ ما يكون من الوقار والجلال الذي ألبسه الله أهل العلم.\rقال ابن عباس ﵄: (ذللتُ طالباً وعززتُ مطلوباً) (٣) [٩] ) .\rوكان بعض السلف يكره أن يستند الطالب في مجلس العلم، كل ذلك إجلال ووقار للعلم وهيبة للعالم، وكانوا يشددون في مدّ الرِّجْل في مجلس العلم، ويشددون في الأمور التي تشعر بالاستخفاف بالعالِم أو بمجلس العلم.","footnotes":"(١) من محاضرة آداب طالب العلم للشيخ محمد، ألقيت في ٢٨/٤/١٤١٢هـ بمكة المكرمة.\r(٢) رواه الحافظ ابن عبد البر ﵀ في جامع بيان العلم وفضله برقم (٨٩٩) (ص:٥٤٤) ط: دار ابن الجوزي بتحقيق أبي الأشبال الزهيري. وذكره الحافظ الذهبي ﵀ في السير (٨/٤٨-١٣٥) .\r(٣) رواه الحافظ ابن عبد البر ﵀ في الجامع، وصححه المحقق الأستاذ الزهيري رقم (٧٥٦) (ص:٤٧٤) .","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777710,"book_id":1728,"shamela_page_id":12,"part":null,"page_num":12,"sequence_num":12,"body":"مكانك عند الله وكرامتك عند الله على قدر ما ينشرح له صدرك من تلقي العلم، ولذلك ما أحب الله العلماء بشيء مثل إقبالهم على كتابه وسنة رسوله ﷺ، فإياك ثم إياك أن تكون زهيداً في كل علم تتعلمه، والله، كم من مسائل سمعناها من العلماء، ما كنا نظن إنه يأتي يوم من الأيام فيكون فيها نفع، حصل فيها من النفع ما الله به عليم، لا تزهد من العلم في شيء، فلعلك أن تسمع حكمة تنشرها، يحيي بها الله القلوب، ولعلك تسمع سنة فتحييها، فيكتب الله لك أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة.\rاحرص على كل محاضرة وندوة ومجلس علم أن تحمل منه سنة من سنن رسول الله ﷺ، قولية أو فعلية أو اعتقادية، احرص على أن تتعلم ولو حديثاً واحداً، والله تعالى تكفل في كتابه لأهل العلم برفع الدرجات، تخرج من الدنيا ومكانتك عند الله على قدر ما حفظت من العلم، فطوبى لأقوام حفظوا كتاب الله وحفظوا سنة رسوله ﷺ في صدورهم وقلوبهم، فخرجوا من الدنيا والله ﵎ راضٍ عنهم بذلك العلم والضبط، وبلغهم نفع ذلك العلم في قبورهم، فهم الآن في رياضها يتنعمون، وفي ما هم فيه من السرور والنعيم يغبطون (١) [١٠] ) ، فالله الله أن يزهد إنسان في خير من الله، احرص على الخير، واحرص على الانتفاع، ولذلك ما انتفع إنسان بسنة إلا نفعه الله بها ونفع بها غيره.\rوكان السلف الصالح إذا أرادوا طلب العلم وطّنوا أنفسهم بالآداب الكريمة التي تحببهم إلى صدور العلماء.","footnotes":"(١) ١٠] ) قال الشيخ السعدي ﵀ في الفتاوى السعدية (ص:١١٥) –ط السعيدية-: وقد أخبرني صاحب لي كان قد أفتى في مسألة في الفرائض –تعلمها على أحد مشايخه، وكان قد توفي-، فقال: المسألة الفلانية التي أفتيت فيها وصلني أجرها. اهـ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777711,"book_id":1728,"shamela_page_id":13,"part":null,"page_num":13,"sequence_num":13,"body":"قالت أم الإمام مالك بن أنس ﵀ لما ألبسته العمامة وأمرَتْه أن يذهب إلى مجلس ربيعة بن عبد الرحمن، قالت له: (أي بني: اجلس مع ربيعة، وخذ من أدبه ووقاره وخشوعه قبل أن تأخذ من علمه) (١) [١١] ) .\rفإذا وجدت طالب علم يحرص على الأدب في مجلس العلم، فاعلم أنه على سنة، ولربما فتح له العالم صدره وأقبل عليه؛ لأن الله جبل القلوب على محبة الأخلاق والآداب، وهي تدل على سمو النفوس وعلو همتها، وأنها تريد ما عند الله ﷿، فلا يليق بطالب العلم أن يجلس في تلك المجالس لا يبالي بحرمتها، ولا يحسن التأدب مع أهلها.","footnotes":"(١) ١١] ) ذكره ابن فرحون ﵀ في الديباج المذهب (ص:٢٠/ج١) .","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777712,"book_id":1728,"shamela_page_id":14,"part":null,"page_num":14,"sequence_num":14,"body":"قال بعض العلماء: أخشى على من أساء الأدب في مجلس العالم أن يحبط علمه وهو لا يشعر، قالوا: وكيف ذلك؟ قال: لأن الله تعالى يقول: ((وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ)) [الحجرات:٢] ، والنبي ﷺ يقول: (العلماء ورثة الأنبياء) (١) [١٢] ) ، فاستنبط ﵀ من حكم الله ﷿ على من أساء الأدب في مجلس نبيه ﷺ أنه لا يَبْعُد أن يعامل بمثل ذلك؛ لأن العلم يعتبر في مقام النبوة، فمن أساء الأدب معه فقد انتهك حرمة تلك النبوة التي حواها صدره، كيف لا تتأدب مع العلماء وهم ورثة الأنبياء؟ كيف لا تتأدب معهم والله ائتمنهم على دينه وشرعه؟ كيف لا تخفض جناحك لهم وهم بمنزلة الوالدين، والله أمر بذلك في قوله تعالى: ((وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ)) [الإسراء:٢٤] ، بل ذهب بعض العلماء رحمة الله عليهم إلى أن حق العالم آكد من حق الوالد؛ لأن النسب الديني أعلى من النسب الطيني (٢)","footnotes":"(١) ١٢] ) جزء من حديث أبي الدرداء المشهور (من سلك طريقاً ... ) ، وهو في المسند وسنن الترمذي وأبي داود وابن ماجة وفي صحيح الترغيب والترهيب برقم (٦٧) .\r(٢) ١٣] ) مسألة: هل حق العلم آكد من حق الوالد؟ أشار إليها بعض الفضلاء من علماء الشناقطة بأبياتٍ منها:\rتهاونٌ بالعلماء تهاونٌ\rبالله والرسول لا تهاونوا\rمعظّم للعلماء معظّمُ\rلربهم للعلماء عظموا\rهل المعلم كوالدٍ أَم\rدون أم الشيخ عليه قدّم\rفيه خلاف والذي أقولُ\rفيه على ما تقتضي النقولُ\rتقديم حق عالِم عليه\rمع كونه لديه ما لديهِ\rكلاهما عقوقه محذّرٌ\rمنه ومن عقوق كلٍّ فاحذروا\rلكن عقوقُ الوالدين يُغفَرُ\rبتوبةٍ والشيخ لا لا فاحذرُ\rورد عليه العلامة أحمد فال الشنقيطي في أبيات، منها:\rوكون حق الشيخ من حق الأبِ\rألزمَ لم أجده في قول النبي\rولم يكن يظهر لي في الحُكْم\rولم أجده في الكتاب المحكم\rوكون ذا أصل الحياة الباقيةْ\rوالأب أصلٌ في الحياة الفانية\rليس به الدليل إذ للوالدينْ\rأصلٌ لذين في ارتضاع المحتدين (*)\rوكونه عقوقه لا يغفرُ\rفخرْقُ الإجماع فمنه استغفروا\r(*) تثنية مُحتِد، وهو الأصل، قاله في القاموس.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777713,"book_id":1728,"shamela_page_id":15,"part":null,"page_num":15,"sequence_num":15,"body":"[١٣] ) .\rقال بعض العلماء في قوله تعالى: ((ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ)) [الحج:٣٢] : المراد بالشعائر جمع شعيرة، وهي ما أشعر الله بتعظيمه، والله أشعر بتعظيم العلماء، فيدخلون في الآية، وليس المراد من تعظيم العلماء الغلو والخروج عن المنهج النبوي، وإنما المراد إعطاء تلك القلوب التي حفظت دين الله، وحفظت كتاب الله وسنة نبيه ورسوله ﷺ حقها وقدرها في مصافحتهم، وفي الحديث معهم وفي مجالستهم وفي مناقشتهم ومناظرتهم، وفي الأخذ عنهم، فما يليق بطالب علم أن يجلس بين يد عالمٍ فيسيء الأدب معه سواءً بالخطاب، أو في لحن القول والجواب، أو في غير ذلك مما يكون في مشهده وغيبته. فكم من طلاب علم مقتهم الله لسوء أدبهم مع العلماء والعياذ بالله.\rوكان للسلف الصالح –﵏ قصب السبق في الأدب مع العلماء (١) [١٤] ) ﵏، وكانوا يجلون العلماء وأهل العلم.\rهذا ابن عباس ﵀ النير النبراس، وارث الكتاب والسنة، لما توفي رسول الله ﷺ أحَبّ أن يكون من طلاب العلم، فجاء إلى زيد بن ثابت وتعلق قلبه به، فكان يمسك بركاب زيد، وكان زيد يجل منه ذلك حتى قال له: ما هذا يا ابن عم رسول الله ﷺ؟ فقال ابن عباس: هكذا أمرنا بأن نصنع بعلمائنا (٢) [١٥] ) .","footnotes":"(١) ١٤] ) ولما عوتب الإمام الشافعي ﵀ على تواضعه للعلماء، قال:\rأهينُ لهم نفسي فهمُ يكرمونها ... ... ... ولن تكرمّ النفسُ التي لا تَهينها. اهـ.\rتذكرة السامع والمتكلم (ص:٨٧) ، ومناقب الشافعي، للبيهقي (ص:١٢٧) .\r(٢) ١٥] ) رواه الخطيب في (الجامع لأخلاق الرائي والسامع) (١/١٨٨) ، وذكره الحافظ ابن حجر في الإصابة، والحافظ ابن عبد البر في الجامع (ص:٥١٤) ، وصححه المحقق.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777714,"book_id":1728,"shamela_page_id":16,"part":null,"page_num":16,"sequence_num":16,"body":"انظر إلى ابن عباس الذي علم سنة رسول الله ﷺ، ولم يقل: إن رسول الله ﷺ دعا لي بالعلم، فأنا عالم إن شاء الله، ولكن أهان نفسه لكي يكرمها عند الله، وأذلّ نفسه لكي يعزّها الله، فكان له ذلك من الله.\rولما توفي زيد، جاء ابن عباس –وكان وفياً لأهل العلم- فحمل جنازته حتى سقطت عمامته من رأسه، ولم يزل فيها حتى دفنه. ثم لما دفن زيداً، قام على قبره تختنقه العبرة، فبكى وقال: ألا من سَرّهُ أن ينظُرَ كيف يقبض الله العلم، فلينظر هكذا يقبض الله العلم بموت العلماء (١) [١٦] ) .\rولذلك عزّت عند الله مكانته، ورفع الله قدره، وشرح صدره، وبلغ من العلم مبلغاً عظيماً، حتى كان إماماً لا يجارى، إذا وقف في كتاب الله يفسره، تفجرت ينابيع الحكمة في تفسيره ﵁ وأرضاه، حتى قام في يوم عرفة ففسر سورة النور. يقول الراوي: والله لو شهده الفرس والروم والديلم لأسلموا لله ﷿ (٢) [١٧] ) .\rكل ذلك لما ذل للعلم وحفظ للعلماء حقوقهم ﵁ وأرضاه.\rوالله، لا يحفظ حق العلماء إلا الموفق، ولا يقلل من شأنهم إلا من قلبه مرض وزيغ، وأهل البدع والأهواء –والعياذ بالله- يُعرفون بنقيصة العلماء.\rقال بعض أهل العلم ﵏: إذا أردت أن تنظر إلى رجل في قلبه مرض، فانظر في من يطعن في العلماء أو يحتقر العلماء.","footnotes":"(١) ١٦] ) أخرجه الإمام الطبراني في الكبير (٥/٤٧٥١/١٠٩) . والحاكم في المستدرك (٣/٤٢٢) . وابن سعد في الطبقات (٢/٣٦١-٣٦٢) . والحافظ ابن عبد البر في الجامع، وصححه الزهيري رقم (١٠٣٥) (ص:٦٠١) .\r(٢) ١٧] ) رواه الحافظ ابن عبد البر ﵀ في الجامع عن شقيق (١/٥٤٣) ، وصححه المحقق برقم (٧٣١) (ص:٤٦٧) .","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777715,"book_id":1728,"shamela_page_id":17,"part":null,"page_num":17,"sequence_num":17,"body":"قال العلماء في حديث عمر بن الخطاب ﵁ لما قدم جبريل على النبي ﷺ يسأله، فجلس بين يديه وأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع يديه على فخذيه. قال: في هذا دليل على مراعاة الأدب في المجلس لطلب العلم، وهكذا كان الصحابة ﵃، كان النبي ﷺ إذا وقف يعلمهم يقول أنس: (أطرقوا، وكأن على رءوسهم الطير) (١) [١٨] ) ، أطرقوا أذلة لله، يرجون بذلك وجه الله وما عند الله، فما أجلها من نعمة أن يوفق الله طالب العلم للأدب.\rوالله ما رأيتَ طالبَ علمٍ يتأدب في مجالس العلماء ويتأدب مع أهل العلم إلا وجدتَ محبته في صدرك، وأن الله جمله بأدبه، فالأدب هو شريعتنا وما دل عليه ديننا، والله تعالى أدب الصحابة في مجلس نبيه ﷺ، فنهاهم أن يرفعوا الصوت عليه، ونهاهم أن يقوموا من مجلسه قبل استئذانه ﷺ. قال تعالى: ((لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ)) [الحجرات:٢] ، وقال تعالى: ((لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ)) [النور:٦٢] . ذلك لكي يرسم المنهج الأمثل لكل من أراد أن يتعلم العلم النافع، وأن يحفظ حق العلم وآداب العلماء.\rلطالب العلم أدب مع العلماء الذين مضوا إلى الله ﵎ وانتقلوا إلى الدار الآخرة، وأدب مع العلماء الأحياء..\rأولاً: الأدب لأموات العلماء ﵏:\rالمَعْلَمْ الأول: ذكرهم بالجميل:\rمن حق العلماء الأموات على الأحياء أن يذكروهم بالجميل.","footnotes":"(١) ١٨] ) ذكره القاضي عياض ﵀ في \"الشفا\" عن أسامة بن شريك ﵁ ٢/٣٨- ط دار الفكر ١٤٠١هـ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777716,"book_id":1728,"shamela_page_id":18,"part":null,"page_num":18,"sequence_num":18,"body":"قال الإمام الطحاوي ﵀ وهو يبين عقيدة السلف الصالح رحمة الله عليهم حينما ذكر أهل الخير والأثر، وأهل الفقه والنظر، من علماء الأمة من الصحابة والتابعين إليهم بإحسان، قال ﵀ عنهم: (وعلماء السلف من السابقين، ومن بعدهم من التابعين، أهل الخير والأثر، وأهل الفقه والنظر، لا يُذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير سبيل) (١) [١٩] ) .\rأي: ضل سبيل الأمة الذي يعصم الله ﷿ به الإنسان من الزلل والهوى، فذِكر العلماء الأموات بالسوء، وتتبع عثراتهم بقصد التشفي والتشهير لا خير فيه، إنما يبحث الإنسان عن علم العالم، فإن كانت عنده أخطاءٌ بينها، وإن كان له مخرج من تأول دليل في كتاب الله وسنة النبي ﷺ، أنصفه وبيّن دليله، وبيّن حجته.\rينبغي على طالب العلم أن يحفظ حق العلماء، سواء طلب على يديهم العلم أو لم يطلبه عليهم، فحقٌ على كل مؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر، إذا جلس مجلساً فذكر فيه عالماً، أن يذكره بالجميل، وأن لا يذكره بغير ذلك، فذلك شأن من ضل السبيل.\rينبغي على الإنسان أن يحفظ غيبة العلماء، إن حفظ عرض المسلم الذي هو من عامة المسلمين فريضة ينبغي حفظها، فكيف بالعلماء، ولذلك قال بعض العلماء: إن الإنسان إذا اغتاب العالم يخشى عليه حتى ولو سامحه العالم، فإنه لا يؤمن عليه أن يعاقبه الله؛ لأن غيبة العالم فيها حقان: حقٌ لله، وحقٌ للعالم.","footnotes":"(١) ١٩] ) متن الطحاوية بتعليق سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ (ص:٥٩) .","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777717,"book_id":1728,"shamela_page_id":19,"part":null,"page_num":19,"sequence_num":19,"body":"أما حق العالم: فبأذيته بالكلام الذي لا ينبغي، وأما حق الله: فلأن تنقّص العلماء تنقيصاً للعلم الذي حملوه، فلا يجوز لإنسان أن يرضى عن من ينتقص العلماء، حتى ولو قال: إن فلاناً لا يحسن الاستدلال، أو لا يحسن العلم، فعندها ينبغي أن تأخذك حمية الدين، فتقول لمن يقول هذا الكلام: اتق الله في أهل العلم، فإنك قد اغتبتَ عالماً، والله، إن غيبة العلماء عظيمة من جرائم الذنوب التي ينبغي للإنسان أن يحذر منها، وبمجرد ما تحس من الإنسان الذي أمامك أنه يريد أن ينتقص عالماً، ففرّ بدينك قبل أن يسلب شيئاً من حسناتك، فلربما تجلس مجلساً واحداً تسمع فيه غيبة عالم تهون عند الله في ذلك المجلس، فمن عادى ولياً لله آذنه بالحرب.\rفينبغي على الإنسان أن يحذر من سطوة الله في أذية العلماء، وإذا لم يغر لله على العلماء، فعلى من يغار، والمقصود من هذا كله أن تحفظ غيبة العلماء؛ لأنهم صفوة الله وأحباؤه من الخلق، وإذا أخطأ عالم في مسألة فينبغي أن يُبين الصواب لهذه المسألة، ولا حاجة إلى ذكر أسمائهم أو التعريض بها، كأن تقول قول فلان وتذكره وتسميه في معرض الردّ؛ لأن المقصود هو التوجيه والإرشاد والتعليم، لا انتقاص عباد الله وأكل أعراضهم.\rذكروا عن رجل من أهل العلم كان في مجلس من المجالس، فسمع رجلاً يغتاب عالماً قاضياً ويتهمه بالرشوة، فقال ذلك العالم الجليل –رحمة الله عليه- لذلك الرجل الذي تنقص واغتاب العالم: والله لا آمن عليك سوء الخاتمة، حلف بالله العظيم مَن نَقَل هذه القصة، قال: والله ما مرّت إلا مدة وجيزة شهدت وفاته، كانت على أسوأ حالة والعياذ بالله.\rالمَعْلَمْ الثاني: ذكرهم بالإجلال والإعظام:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777718,"book_id":1728,"shamela_page_id":20,"part":null,"page_num":20,"sequence_num":20,"body":"تقول: قال الإمام ﵀، تذكره بالإمامة وتشرفه وتكرّمه؛ وتميزه عند ذكره عن عامة الناس بهذه الألقاب؛ لأن الله ﷾ أدّبَ أصحاب النبي ﷺ بذلك في قوله: ((لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا)) [النور:٦٣] .\rلا ينبغي أن يدعوَ الإنسانُ رسول الله ﷺ باسمه مجرداً –صلوات الله وسلامه عليه-، وإنما يقول: يا رسول الله، ويا نبي الله –أي في حياته-، ولأن العلماء ورثة الأنبياء، فلا يقال: قال فلان وقال فلان ... يذكره باسمه مجرداً، وإنما يذكره بما يدل على علمه ورفعة قدره، وأنه ليس كعامة الناس، فهذا حق من حقوقه.\rوقد قال ﷺ: (إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه) (١) [٢٠] ) ، فكيف بإجلال العالم الحافظ لكتاب الله، والحافظ لسنة النبي ﷺ الذي أحيا الله به السنة، وأمات به البدعة، لا شك أنه أحق، وإجلاله إجلال للدين، وإذا ذكر العالم بوصف التشريف والتكريم أحست الناس بهيبة العالم، وأحست بمكانة العالم، وإذا ذُكِر كما يُذكر عوامّ الناس، لم يُفرّق بينه وبين العوام، فهذه مظلمة في حق العلماء –رحمة الله عليهم-، وهذا يستوي فيه الأحياء والأموات، ما دام أنه عالِم بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ، فينبغي أن يُجَل وأن يُكرّم.\rالمَعْلَمْ الثالث: أن يعتني بردّ الجميل لهم:","footnotes":"(١) ٢٠] ) رواه أبو داود من حديث أبي موسى ﵁، وحسنه الشيخ الألباني ﵀ في صحيح الترغيب والترهيب برقم (٩٣) .","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777719,"book_id":1728,"shamela_page_id":21,"part":null,"page_num":21,"sequence_num":21,"body":"من نحن لولا الله ﷻ، ثم علم هؤلاء العلماء..؟! ومن نحن لولا الله ثم هؤلاء الأئمة الذين فسروا كتاب الله وبيّنوا أحاديث رسول الله ﷺ؟! وقفوا عند كل كلمة من كتاب الله وسنة النبي ﷺ ... بيّنوا حلالها وحرامها.. وبيّنوا ناسخها ومنسوخها.. وبيّنوا حدودها ومحارمها.. وبيّنوا حقوقها وواجباتها –رحمة الله عليهم-، أسأل الله العظيم ربّ العرش الكريم أن يسبغ عليهم شآبيب الرحمات، وأن يوجب لهم علوّ الدرجات، وأن يجمعنا بهم في رياض الجنات.. إنه ولي ذلك والقادر عليه.\rهؤلاء الأئمة لهم فضل.. لولا الله ثم هم ما تكلمنا، وما استطعنا أن نعرف كثيراً من شعائر ديننا، فينبغي للإنسان إذا قرأ كتاباً لعالم يترحَّم عليه ويدعو له؛ لأن النبي ﷺ يقول: (من صنع إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تستطيعوا فادعوا له) (١) [٢١] ) .\rتمر عليك المسألة في الأحكام.. ويمرّ عليك حديث من أحاديث رسول الله ﷺ مُشكلٌ لا تدري أهو صحيح أم ضعيف، ثم لا تدري متنه، ما هو المراد منه..؟ أهو مطلق أم مقيد..؟ عام أم خاص..؟ فإذا وقفتَ أمام هذا الكلام الذي يقوله الإمام، أدركتَ حقيقة المراد، وأدركت جليّته، وكنتَ على بينة من هذا النص في كتاب الله أو ذاك النص من سنة رسول الله ﷺ، فما تملك إذا اطّلعت على هذا الخير إلا أن تقول: رحمة الله على فلان ... !\rوكان بعض مشائخنا –وهو الوالد رحمة الله عليه- إذا نظر في الكتاب وقرأ فيه، كثيراً ما أسمعه يقول: رحمة الله عليه.. رحمة الله عليه.. رحمة الله عليه..! كأنه كلما فرغ من مسألة يترحم عليه، فسألته ذات مرة، قلت: يا أبتِ: أنت تكثر من قولك: رحمة الله عليه، قال: ما فرغت من مسألة وأحسست بفضله عليَّ إلا ترحّمتُ عليه، وهذا قليل من حقه عليّ، أي: أقل ما يكون له أن أقول: ﵀.","footnotes":"(١) ٢١] ) رواه البخاري في الأدب المفرد رقم (٢١٦) بإسناد صحيح.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777720,"book_id":1728,"shamela_page_id":22,"part":null,"page_num":22,"sequence_num":22,"body":"من منا الآن إذا أمسك الكتاب وقرأ لهذا الإمام أو ذلك العالم دعا له بالمغفرة، ودعا له بعلو الدرجة..؟ فإنك إن دعوت له بالرحمة سخّر الله لك من ترحم عليك بعد موتك.\rهؤلاء أولياء الله.. العلماء العاملون.. أهل السنة الذين هم على منهج الكتاب والسنة، هؤلاء أحباب الله، وهم صفوة الله بعد الأنبياء؛ ولذلك جعل الله فيهم علم الكتاب والسنة، وجعلهم أمناء على الشريعة والملة، فالترحم عليهم والدعاء لهم، خيرٌ كثيرٌ.\rالمَعْلَمْ الرابع: نشر فضلهم بين الأحياء، والاعتذار لهم في الأخطاء:\rإذا قرأت فائدة، أو نقلت عِلماً نبَّه عليه إمام من أئمة السلف، كان من الحق عليك أن تنوِّه بفضله في ذلك، فتقول: كما قرّره شيخ الإسلام فلان، كما بيّنه الحافظ فلان، أو الإمام فلان، ولا توهم الناس أن الفضل –بعد الله- لك وحدك.. لا، وإنما تنصفهم وتذكر مآثرهم، وتبيّن فضلهم، فإن ذِكْرَ دقائق ما توصلوا إليه من الأفهام، وما كشفوه من العلوم والحقائق المبنية على دليل الكتاب والسنة.. ونشرِه بين الناس ونسبته إليهم، يُعرِّف الناس قدرهم، ويجعلهم يدركون فضلهم –خاصة بين طلاب العلم-، ويغارون عليهم من أن ينتقصوا وأن يُهانوا.\rثانياً: الأدب مع الأحياء من العلماء (١)","footnotes":"(١) ٢٢] ) وللفقيه الشيخ محمد الإغاثة -نزيل المدينة المنورة- رجَزّيةٌ في أدب الطالب مع شيخه، أثبتها بتمامها للفائدة. قال -حفظه الله-:\rالحمدُ لله مُنيل العلماءْ\rفضلاً جزيلاً بالذي قد عُلما\rثم صلاته مع السلام\rعلى الرسول سيد الأنام\rيا طالب العلم فضعْ تحت اليدِ\rما سأقول تُعنَ من ذي اليدِ\rومِعدُ فلآتي بإذن الهادي\rأفادهُ قَنَّونُ (*) في الجهاد\rوبعد فاعلم أن لابن العربي\rففيه كل عجم وعربِ\rبرُّ المُعَلِّم على المعلَّم\rيلْزمُ مثل الوالدين فاعلم\rقبّل يداً عنه وامشي إن ركبْ\rواجعله قبلةً وعظّم وارتكبْ\rتوقيره وانظر وأنْصِتْ واطلبِ\rإذناً لدى السؤال كل مطلبِ\rواحذر من أن تحفظ للزلاتِ\rوطلبِ الغِرّةِ في الحالاتِ\rوحقه حقيقةً وبرهْ\rآكدْ على الآباء في المبره\rهذا وقد نُقِلَ عن زروق\rمع الذي سِيق مِنَ الحقوق\rأن من اسْتَحْقَر بالأستاذ قَدْ\rيُبلى بنسيان لما منه فَقَدْ\rحفِظّ والموتُ بلا إيمان\rمِن ذا أعوذُ بالعلي الرحمن\rوَكَلّل اللسان عند الفزع\rربِّ قِنا الثلاث يوم المفْزَع\rوفي العهودِ من رسول الله\rقد عم أخذُ العهد كل لاهِ\rمنا وغيرُ لذويه ما عَقدْ\rفي نظمه الداني وبعدما انتقدْ\rلو لم يكونوا عملوا بالحقِّ\rلأنهم نُوّابُ خير الخلق\rومن يخنْهمُ فَقَدْ خانَ النبي\rوذاك كفرٌ ولبعض مذهبِ\rتكفير من صغّر كالعمامهْ\rلعالم لو لم يكن إمامه\rو (اليوسِي) (**) في قانونه ما يأتي\rوحقه الكتبُ بما الحياةِ\rانظر بمُقْلةِ الإجلال\rولتعتقد درجة الكمال\r(*) اسم أحد علماء المالكية المغاربة -رحمة الله على الجميع-.\r(**) اسم عالم من العلماء ﵏.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777721,"book_id":1728,"shamela_page_id":23,"part":null,"page_num":23,"sequence_num":23,"body":"[٢٢] ) :\rكانوا يقولون: قلّ أن يوفق إنسان لتعظيم العلم في الطلب إلا رزقهُ الله ذلك في طلابه ومن يأخذ العلم عنه غداً، مثلما كان يفعل، فإذا وجدت طالب العلم يوقّر العلماء، ويحترم العلماء، ويجلّ العلماء، فاعلم أنه صاحب سنة، وإذا وجدته يهين العلماء، وينتقص العلماء ويزدري العلماء، ويتتبع عورات العلماء، فاعلم أن فيه خلقاً من أهل البدع، فأهل السنة براء من هذه الرذائل، وطلاب العلم الصفوة الصادقين براء من هذه الرذائل، والنقائص شأن الجهال، إذا وجدوا العالم منهم في التفسير أو في الحديث أو في الفقه، وأطّلعوا على زلةٍ واحدةٍ منه، لَحِقَه منهم التشهير والتقريع والتوبيخ، وكأنه ليس من الإمامة في شيء، وهذا صنيع من لا ينصف، أما المنصف العادل فإنك تجده يعتبر ذلك الخطأ وذلك الزلل من قوله ﷺ: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب كان له أجران، وإذا اجتهد فأخطأ له أجر واحد) (١) [٢٣] ) .","footnotes":"(١) ٢٣] ) متفق عليه من حديث أبي هريرة وعمرو بن العاص ﵀.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777722,"book_id":1728,"shamela_page_id":24,"part":null,"page_num":24,"sequence_num":24,"body":"فتعلم أن هذا إمام مجتهد، وأن هذه المسألة الفرعية من مسائل الفقه إذا أخطأ فيها وجه الصواب أن له الأجر عند الله ﷿، وأنه لا ينبغي أن تُثرّب عليه، وقد قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمة الله عليه- في كتابه النفيس: (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) وقرره الأئمة –رحمة الله عليهم- أنه لا ينبغي أخذ الأخطاء المعيّنة والتشهير بالأئمة فيها، ولكن لا يمنع هذا أن نبين الأخطاء، وأن نبين أن هذه المسألة أخطأ فيها الإمام فلان، أو هذا أو ذاك.. ولكن لا تعتبر هذا الخطأ الفرعي سبباً في غمط هذا العالم حقه، فإن ذلك ليس من الإنصاف في شيء، فتجد مثلاً لو كان هذا الإمام إماماً من أئمة الجرح والتعديل أخطأ في هذا الراوي فحسّن روايته، وأنت ترى الراوي مجروحاً، وأنه لا يقبل التحسين، فلماذا يقال: إن فلاناً ليس من التحسين والتصحيح في شيء.. وهذا من أوهامه، وهذا من زلاته، ولا تغترّ به..! ولا كذا وكذا، من الكلمات الجارحة، التي تربي في طلبة العلم الاستهانة بالعلماء والاحتقار لهم، فلا ينبغي هذا، بل المُنبغي أن ننبه على الأخطاء، وننبه على فضل الأئمة، وعلوّ شأنهم، وعلوّ قدرهم عند الله ﷿، وعند عباده الصالحين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777723,"book_id":1728,"shamela_page_id":25,"part":null,"page_num":25,"sequence_num":25,"body":"هذا منهج السلف، وهذا منهج الأئمة. ثم اقرأ –رحمك الله- في كتب الأئمة الأعلام الذين شرحوا الأحاديث وتكلموا في المسائل الفقهية، تجد الأدب الجم.. تجد التواضع.. تجد الاحترام والتقدير والإجلال.. وحفظ الفضل لأهله، ولا يحفظ الفضل إلا من كان من أهله، فتجد الأئمة والحفاظ إذا اطّلعوا على شيء قالوا: وقد قال فلان –عفا الله عنه- كذا، كل ذلك من باب الأدب، ولذلك قال الله ﷿ لنبيه ﷺ: ((عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ)) [التوبة:٤٣] . قدّم له المغفرة والعفو قبل أن يعاتبه –صلوات الله وسلامه عليه-؛ ولذلك ينبغي التأدب مع الأئمة ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً، ونقصد بالأئمة: أئمة الكتاب والسنة، الذين شُهد لهم بتحري الحق والصواب، وأما غيرهم من المبتدعة وأهل الأهواء فليس على مثلهم يُلوى، ولا على مثلهم يُحزن.\rوللتأدب مع العلماء الأحياء في مجالس العلم آداب ومعالم، منها:\rالمَعْلَمْ الأول: التبكير لمجلس العلم:\rأول ما ينبغي على طالب العلم التبكير إلى مجلس العلم، فإن التأخر والتقاعس عن التبكير لمجلس العلم خاصة إذا كان عن قصد (١) [٢٤] ) ، يدل على عدم توقير العلم، وعدم إجلاله.\rفإن كان طالب العلم محافظاً على مجالس العلم، ولا يتأخر عنها إلا من عُذر ومن ضرورة، فإن الله ﷾ يبارك له فيمن يأخذ عنه العلم..\rالتبكير إلى مجلس العلم كان من شأن الأئمة والسلف الصالح.","footnotes":"(١) ٢٤] ) من درس مقدمة شرح سنن الترمذي، للشيخ محمد.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777724,"book_id":1728,"shamela_page_id":26,"part":null,"page_num":26,"sequence_num":26,"body":"كان ابن عباس ﵄ يغدو إلى زيد بن ثابت فينام على عتبة بابه..! ينام في الظهيرة وينام في السحر، يُرى الله منه الجدّ، ويشهده على صدق رغبته في العلم، وهذا لو تأملناه لوجدنا فيه فوائد عظيمة، ذلك أن ابن عباس ﵄ لم يرضَ لنفسه أن يشارك طلاب العلم، فيأتي ويحضر معهم إلى المجلس، ولكن غدا إلى بيت العالم، فمضى إلى زيد بن ثابت، وكان ينام على بابه، فإذا خرج زيد ربما أشفق عليه –﵄ وأرضاهما-.\rوثبت عنه أنه كان إذا ركب زيدٌ على دابته أخذ بخطام الدابة، فيقول له: أتفعل وأنت ابن عم رسول الله ﷺ! فيقول له ابن عباس: نعم، أنت من أهل العلم بكتاب الله ﷿.\rوكان زيد ممن كتب القرآن وحفظه وعلم حلاله وحرامه وناسخه ومنسوخه –﵁ وأرضاه-.\rولما دفن زيد، بكى أبو هريرة وقال (١) [٢٥] ) قولته المشهورة: لقد دفن الناس اليوم علماً كثيراً.. ولكن لعل الله أن يجعل في ابن عباس خلفاً من ذلك العلم..؛ لأن ابن عباس حفظ عن زيد، وكان كثير الحرص على التبكير إلى مجلس العلم.\rالمَعْلَمْ الثاني: الدنو والقرب من العلماء، والجلوس جلسة الموقر لمجلس العلم المتلهف عليه:\rكن قريباً إلى العالم، حتى إذا دنوت منه أشِعره بالإجلال، تجلس جلوس (٢) [٢٦] ) المتأدب، جلوس من يتذلل للعالم، ويظهر له أن يحبه وأنه يجله.","footnotes":"(١) ٢٥] ) رويت قولة مثلها عن ابن عباس في زيد في المصنف لابن أبي شيبة (٣/٥٧) وعند الحاكم في المستدرك (٣/٤٢٨) ، وأما عن أبي هريرة فلم أهتدِ إليها.\r(٢) ٢٦] ) من محاضرة حلية طالب العلم، للشيخ محمد –سلّمه الله-.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777725,"book_id":1728,"shamela_page_id":27,"part":null,"page_num":27,"sequence_num":27,"body":"دخل الإمام أحمد ﵀ على خلف الأحمر –وهو أحد أئمة الحديث-، لما أراد أن يقرأ عليه، جاء ليجلس بين يدي خلف ﵀، وكان الإمام أحمد مهاباً عند مشائخه، فلما جاء إلى خلف، أراد خلف أن يكرمه؛ لأنه أمام طالب من طلاب العلم، فجلس إلى جنبه، فقال له الإمام أحمد لما أراد أن يقرأ عليه: والله لا أجلس إلا بين يديك، هكذا أمرنا أن نتواضع مع من نأخذ عنه العلم.\rوذكروا عن بعض علماء التفسير من الأئمة –رحمة الله عليه- أنه كان معه بعض طلابه في مجلس من المجالس، وكان بعض طلابه نابغة في اللغة العربية، فتذاكروا مسألة في اللغة، فتكلم ذلك الطالب فأجاد وأفاد، ثم قال لذلك العالم: لقد كتبت فيها ورقات، فقال له العالم: اذهب فائتني بما كتبت، فلما جاء بتلك الورقات وتلك الرسالة، نظر فيها ذلك الإمام الجليل، ما إن تصفح منها صفحة واحدة حتى نزل من مجلسه وأقسم على تلميذه أن يجلس في المكان الذي كان فيه، وأن يجلس الشيخ بين يديه حتى يقرأ الرسالة عليه.. أمة تعظم العلم وتعطيه حقه.\rطالب العلم الذي لا يحسن الجلوس في مجالس العلماء، أو يجلس جلسة المتكدر، أو يجلس جلسة المترفع عن العلم، هذا بعيد عن سنة الصالحين، غافل عن خلُق عباد الله المتقين.\rالعلم مادة وروح، مادة: هي قال الله وقال رسوله ﷺ. وروح: وهو إجلال العلم وإجلال العالم، ولذلك يقول طاوس بن كيسان –إمام من أئمة السلف الصالح رحمة الله عليهم- تلميذ ابن عباس، يقول كلمة عجيبة، يقول: (من السنة توقير العلماء) .\rالمَعْلَمْ الثالث: الإنصات:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777726,"book_id":1728,"shamela_page_id":28,"part":null,"page_num":28,"sequence_num":28,"body":"إذا جلست في مجلس العالم فكن حريصاً على الاستماع والإنصات، فلمجلس العلم حق، وانظر إلى تلك الآيات العجيبة من سورة طه، نبي من أنبياء الله، أراد الله أن يعلّمه، وأن يوحي إليه بدينه وشرعه، فقال له الله تعالى يخاطبه –وهو موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام-، قال له كلمات استفتحها بقوله: ((إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى * إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي)) [طه:١٢-١٤] ، أدب المجلس: اخلع نعليك، وأدب الحديث: استمع لما يوحى، فالله يعلمنا في هذا الخطاب أن الإنصات من حقوق مجالس العلم، وهذا هو شأن الصحابة من الجنّ بين يدي النبي ﷺ. قال الله تعالى: ((وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ)) [الأحقاف:٢٩] ، أنصتوا: وصية يوصي بها بعضهم بعضاً، فلما تأدبوا في مجلس العلم، نفعهم الله به. وأما شأن الصحابة من الإنس في الإنصات فهو شيء عجيب، ورد عنهم في الأحاديث الصحيحة أنهم كانوا إذا ذكّرهم النبي ﷺ بركوا وكأن على رءوسهم الطير. وفي حديث سهيل بن عمرو في صحيح الإمام البخاري -يوم الحديبية- أنه قال يصف النبي ﷺ مع أصحابه: لا يرفع أحد منهم بصره في وجهه إجلالاً وإكباراً له –صلوات الله وسلامه عليه-.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777727,"book_id":1728,"shamela_page_id":29,"part":null,"page_num":29,"sequence_num":29,"body":"العلم أشرف ما اجتمعت عليه القلوب، ولذلك ينبغي على طالب العلم ألا ينشغل بشيء في مجلس العلم. وإني أعرف من طلاب العلم ممن صحبناهم، وبعضهم قد مات وتوفي –رحمة الله عليهم- كان من كبار السن، وجدنا فيهم من الإقبال على العلم العجبَ العُجاب.. كنا في مسجد النبي ﷺ نجلس بين يدي الوالد ونقرأ الحديث، فربما وقع شيءٌ في المسجد، فتلفتت الأنظار هنا وهناك، وهم وجوههم لا تنصرف عمن يتعلمون منه، ولا يمكن أن تجد الواحد يلتفت يمنة أو يسرة.. إنما مقبلاً على الشيخ، أو مطأطئاً رأسه في كتابه أو صحيفته.. وهذا من أبلغ ما يكون من الكمال في طلب العلم.\rالمَعْلَمْ الرابع: التأدب معهم في الخطاب والسؤال:\rكما أدّب الله الصحابة وهم جلوس في مجلس النبي ﷺ بقوله تعالى: ((لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا)) [النور:٦٣] ، أدبهم وهم يسألونه: ((لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ)) [المائدة:١٠١] ، وأدبهم وهم يصيحون وهو غائب عنهم، يستعجلون خروجه: ((إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ)) [الحجرات:٤] ، حكم عليهم أنهم ما عندهم عقل يردعهم، فمن حُرِم الأدب مع أهل العلم، ومع ميراث النبوة، فهو من الذين لا يعقلون؛ لأنه لو كان عنده عقل لعقله عن هذه الأخلاق الرديئة.\rوإكرام أهل العلم في الخطاب لا يتأتى بألفاظ العوام والرعاع، التي يُستحى من ذكرها، البعيدة عن الحياء وكمال المروءة، بل نتعاطى الألفاظ التي تدل على معالي الأمور ويحبّها الله ويرضاها، وكان النبي ﷺ يسأله الصحابة وتسأله الصحابيات عن الأمور الدقيقة، فتعجب من حُسن الأدب في السؤال، وكذلك كمال الأدب من رسول الله ﷺ في الجواب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777728,"book_id":1728,"shamela_page_id":30,"part":null,"page_num":30,"sequence_num":30,"body":"فهناك أساليب ينبغي على طالب العلم أن يسلكها في السؤال لأهل العلم: كإشعار العالِم بعلمه، ومخاطبته بخطاب أهل الإجلال والتوقير، قبل طرح سؤاله، فلا يأتي الإنسان مباشرة إذا كان مع العلماء ونحوهم، من كبار السن والأئمة الذين عُرف فضلهم، أو في مجمع من الناس، ويقول: ما حكم كذا وكذا ... ؟!\rولكن يقول: يا شيخ.. أو يا إمام.. أحسن الله إليك.. يخاطبه بالإجلال، ويخاطبه بالتوقير قبل أن يسأله.\rإن المعلم والطبيب كليهما ... لا ينصحان إذا هما لم يكرما\rفاقنع بدائك إن جَفَوْت طبيبه ... واقنعْ بجهلكَ إن جفوتَ مُعَلِّما\rالعالم حينما يرى من طالب العلم الأدبَ والإكرام والإجلال يقبل عليه بكليته؛ لأن الإنسان يُكرِم حين يُكرَم، ويُجِلّ حين يُجَلّ.\rلا تقاطعه في حديثه، ولا تعترض على ذلك الحديث حتى يقضي حديثه، وإذا أردت السؤال، بحثت عن الأمر الذي يليق السؤال عنه، فهناك مسائل لا يليق بطالب العلم السؤال عنها أمام العوام، وهناك مسائل للخواص، ومسائل بينك وبين العالم. ثلاث أنواع من المسائل:\rالنوع الأول: مسائل تصلح للعامة، وهي التي يعظم بها النفع لعامة الناس، فإذا جلست مع العالم، احرص على السؤال ولو كنت تعلم، حتى ينفع الله العامة بهذا السؤال إذا أجاب العالم، فمن تسبب في الخير رزق أجر ذلك الخير، تجلس مثلاً مع العالم، وفي الجلوس قوم ضالون، أو قوم حديثو عهد بالهداية، يكون السؤال عما يوصل القلوب إلى ربها ويذكرها برحمة خالقها، وعما يثّبتُ العبد على طاعة الله ومحبة الله، ويدله على مرضاة الله ﷿.\rالنوع الثاني: المسائل العلمية التي فيها مناقشات، هذه خاصة بمجلس يغلب فيه طلاب عِلْم، لا العامة.\rالنوع الثالث: المسائل المحرجة التي يترتب على نشرها تشويش أو فتن، أو كان بها إساءة ظن بالعالِم، فهذه تكون بينك وبين العالم، لا يشارك فيها طلاب العلم ولا العامة، فتحرص على عدم فتح باب الشر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777729,"book_id":1728,"shamela_page_id":31,"part":null,"page_num":31,"sequence_num":31,"body":"أحبتي في الله، إن خير ما تقضي به مجالس العلماء، وخير ما يحرص عليه طلاب العلم مع العلماء إعانتهم على تبليغ رسالة الله، وإعانتهم على قضاء أوقاتهم وإمضائها في محبة الله ومرضاة الله، فلا يليق بطالب العلم أن يزور العالم فيضِّيع على العالم وقته، يجلس معه الساعات الطويلة دون أن يسأله، أو يذاكره، وإلى الله المشتكى من مجالس هذا الزمان، كيف خلت من حكمة تنشر، وموعظة تذكر، وسنة تحيا، وشريعة يذكّر بها.. إلى الله المشتكى! كيف أقفرت مجالس العلماء بضعف طلاب العلم عن السؤال، إنه والله من الرزايا: أن يَقْدُم العالم على البلد أو يَقْدُم على القوم فيزورهم، فلا يجد من يسأله إلا الواحد والاثنين، ويخرج من ذلك الموضع بثلاث أو أربع مسائل. أين الناس؟! كان العالم إذا خرج من مسجد النبي ﷺ (أشهد) أنه إذا خرج، كان يخرج كخلية النحل من كثرة من يسأله، من كثرة من يستفتيه، من كثرة من يناقشه، من كثرة من يطلب العلم على يديه، أصبح بعض طلاب العلم الآن في كِبر وفي ترفع، يحس وكأنه ليس بحاجة للعالم، كم من مسائل في العقيدة، وفي الحديث، وفي الفقه، وتجد الإنسان أحوج ما يكون إلى من يعلمه بها، ومن يُطْلِعه على حقيقتها، ومن يفصل له ما فيها، ومع ذلك يصحب العلماء، ويستنكف عن سؤال واحد منهم، والله إنها لرزية، والله إنها لمصيبة، كم من مسائل يجهلها الإنسان في صلاته، في زكاته، في صيامه، في حجه، في عمرته، ومع ذلك لا يسأل العالم عن مسألة واحدة، ولكن يشغله بأسئلة خاصة عن حياته، ولا تعنيه.\rالمَعْلَمْ الخامس: تحضير الدروس:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777730,"book_id":1728,"shamela_page_id":32,"part":null,"page_num":32,"sequence_num":32,"body":"ضبط العلم أمانةٌ ومسؤولية على طلاب العلم، ينبغي قبل أن يجلسوا في مجالس العلماء أن يقرأوا الدرس ولو مرة واحدة، ويقرأوا الحديث الذي سيشرح ولو مرة واحدة. وكان بعض العلماء يقول: مما يعاب على طالب العلم، ويدل على ضعف همته في طلب العلم: أن لا يقرأ الدرس قبل الجلوس بين يدي العالم، يعني على الأقل أن تقرأه مرة واحدة، تقرأ الحديث، أو الآيات، أي موضوعٍ تريد أن تقرأه على يد ذلك العالم، فإذا حضرت وردتْ عليك المسائل والاستفسارات، والاستشكالات البديعة، التي تكون سبباً حتى في إفادة العامة، فأحسنت الاستفادة من العالم، وأحسنت سؤال ذلك العالم، فكم من علماء استفادوا من أسئلة تلامذتهم واستشكالاتهم، ولذلك من الرزايا الموجودة الآن، أن العالم يلقي المسألة في الدرس، أو في الفصل، أو في المحاضرة، ولا يجد من يحسن سؤاله ومناقشته، إلا النزر من طلاب العلم، الواحد أو الاثنين.\rلذلك أحبتي في الله، ضبط العلم وإتقانه: بقوة التحضير قبل الدروس، وبكثرة القراءة والمراجعة بعده، والله ما قرأتَ كتاباً وأنت ترجو به ضبط ذلك العلم، إلا يسّرهُ الله ﷿ لك، ما أردتَ به وجه الله، ولذلك قالوا: العلم من أفضل العبادات؛ لأنه تجتمع فيه جميع الجوارح، تكتب بيدك، وتسمع بأذنيك، وترى بعينيك، وتفهم بعقلك، جميع جوارحك في طاعة الله ومحبة الله.\rالمَعْلَمْ السادس: التواضع للحق:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777731,"book_id":1728,"shamela_page_id":33,"part":null,"page_num":33,"sequence_num":33,"body":"أن يتواضع للحق أنى قيل له، وكيف قيل له، فالحق أحق أن يُتّبع، يا طالب العلم.. إذا بلغك القول عن الله وعن رسوله ﷺ فطِب بذلك نفساً، واعلم أنه شرع الله، فاعتبره أصلاً وأساساً، طالب العلم الموفق في طلبه للعلم إذا بلغته الآية من كتاب الله أو الحديث من سنة النبي ﷺ، خضع لله، وقال بلسان الحال والمقال: سمعنا وأطعنا، يقول الله تعالى في كتابه: ((فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)) [النساء:٦٥] ، فلا وربك: يقسم الله ﷿ لنبيه، ((حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ)) ، هذا أول شيء، يحكموك فيما شجر بينهم، ((ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا)) حرجاً: نكرة، حتى تعمّ، وليس وحدها، بل ((وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)) ، ولذلك قالت أم المؤمنين عائشة ﵂ لِعَمْرَة، لَمَّا سألتها عَمْرة: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قالت لها: أحرورية أنتِ (١) [٢٧] ) ؟! أي: هل تعترضين على السنة، كشأن الخوارج من أهل حروراء.","footnotes":"(١) ٢٧] ) متفق عليه.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777732,"book_id":1728,"shamela_page_id":34,"part":null,"page_num":34,"sequence_num":34,"body":"وقال سعيد بن المسيب ﵀ -لما قال له ابن عمه في حديث العاقلة في سنن النسائي- قال له: يا أبا عبد الرحمن.. ألما عظمت مصيبتها قلت: ديتها، قال سعيد ﵀: يا ابن أخي، إنها السنة (١) [٢٨] ) .\rيعني إذا جاءك الحديث عن النبي ﷺ فطِب به نفساً، وارض به شرعاً وحكماً، لا تتقدم على الله ورسوله ﷺ. يقول بعض العلماء: يخشى على الإنسان الذي تبلغه الحجة من الكتاب والسنة -إذا ردّها ولو برأيه- يخشى عليه أن تصيبه الفتنة.","footnotes":"(١) ٢٨] ) رواه الإمام مالك ﵀ في الموطأ بلفظ: (حدثني يحيى عن مالك، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنه قال: سألتُ سعيد بن المسيب: كم في إصبع المرأة؟ فقال: عَشر من الإبل. فقلت: كم في إصبعين؟ قال: عشرون من الإبل. فقلت: كم في ثلاث؟ فقال: ثلاثون من الإبل. فقلت: كم في أربع؟ قال عشرون من الإبل. فقلت: حين عظم جرحها واشتدت مصيبتها نقص عقلها، فقال سعيد: أعراقي أنت؟ فقلت: بل عالم متثبت أو جاهل متعلم، فقال سعيد: هي السنة يا ابن أخي) .\rقال مالك: الأمر عندنا في أصابع الكف إذا قطعت، فقد تم عقلها، وذلك أن خمس الأصابع إذا قطعت كان عقلها عقل الكف: خمسين من الإبل، في كل أصبع عشرة من الإبل.\rقال مالك: وحساب الأصابع ثلاثة وثلاثون ديناراً وثلث دينار في كل أنملة، وهي من الإبل: ثلاث فرائض وثلث فريضة. (٢/٨٦٠) ، والخطيب في الفقيه والمتفقه، ورمز له المحقق بالصحة (ص:٣٦٠) – رقم (٣٥٨) ط. دار ابن الجوزي.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777733,"book_id":1728,"shamela_page_id":35,"part":null,"page_num":35,"sequence_num":35,"body":"قال تعالى: ((فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)) [النور:٦٣] ، جاء رجل إلى الإمام مالك بن أنس ﵀ فقال: يا أبا عبد الله -وكان من أهل المدينة-، إني أريد أن أُهِلّ بالحج من قبر النبي ﷺ والمسجد، يعني: أريد أن أنوي الإحرام بالحج في داخل المسجد، حتى يعظم الأجر، بدلاً من أن أُأَخّر الإحرام إلى الميقات، وهو ذو الحليفة، أريد أن أحرم من مسجد النبي ﷺ، فقال له ﵀: لا تفعل، إني أخاف عليك الفتنة، فإن الله تعالى يقول: ((فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ)) ، فاستنبط هذا الإمام الجليل: أنه لو أحرم من المسجد، لاعتقد أن فعله أفضل من هدي النبي ﷺ، وهذا هو الفتنة، فلو كان الإحرام من مسجد النبي ﷺ، لأحرم منه ﷺ، فكونه يؤخر –صلوات الله وسلامه عليه- يدلّ على أن السنة التأخير، ولا خير في تعمد مخالفة السنة. وكان السلف الصالح –﵏ يقفون عند الآية من كتاب الله، والحديث عن رسول الله ﷺ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777734,"book_id":1728,"shamela_page_id":36,"part":null,"page_num":36,"sequence_num":36,"body":"هذا عمر ﵁، لما قال الرجل المقالة فآذته ﵁، وغضب منها غضباً شديداً، مع أن الرجل رد على عمر رداً غليظاً يتهمه في دينه.. في أمانته، فأراد عمر أن ينتقم، قال له الحر بن قيس: يا أمير المؤمنين.. إن الله تعالى يقول: ((خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ)) [الأعراف:١٩٩] ، وإن هذا من الجاهلين، يقول: والله ما تجاوزها، فما إن سمعها حتى سكن غضبه (١) [٢٩] ) . الله أكبر.. أمة تعرف قيمة كلام الله وكلام رسوله ﷺ، وهذا يدل على الإيمان، ولذلك قالوا: من دلائل الإيمان: الاستسلام للكتاب والسنة، فهما طِبّ الأرواح، والله أغلق جميع السبل المفضية إلى الجنة، وأبقى سبيلاً واحداً، وهو سبيل الكتاب والسنة، فطالب العلم الصالح الموفق، إذا ناظرته في مسألة، أو ناقشته في مسألة، فقلت له: قال الله، قال الرسول ﷺ، يقول: سمعنا وأطعنا لها، لا يجاوزها، ولا يتكلف في الجواب عنها وردها.\rالفصل الثاني: معالم في آداب طالب العالم في نفسه\rالمَعْلَمْ الأول: في تقوى الله.\rالمَعْلَمْ الثاني: في الإخلاص.\rالمَعْلَمْ الثالث: الإقبال على العلم بكليته.\rالمَعْلَمْ الرابع: الصبر وتحمل المشاق في الطلب.\rالمَعْلَمْ الخامس: حفظ الوقت واغتنامه.\rالمَعْلَمْ السادس: اختيار الرفقة في الطلب.\rالمَعْلَمْ السابع: الوصية بالرفقة.\rالمَعْلَمْ الثامن: الأدب وحسن الخلق.\rالمَعْلَمْ التاسع: أخذ العلم عن أهله.\rالمَعْلَمْ العاشر: الاهتداء بالكتاب والسنة.\rالمَعْلَمْ الحادي عشر: العمل بالعلم.\rالمَعْلَمْ الأول: تقوى الله (٢) [٣٠] )","footnotes":"(١) ٢٩] ) رواه الإمام البخاري ﵀ في صحيحه برقم (٤٦٤٢، ٧٢٨٦) .\r(٢) ٣٠] ) بتصرف من محاضرة التفقه وآداب الفقهاء، للشيخ محمد، ألقيت بتاريخ ١٩/٢/١٤١٣هـ بالدمام.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777735,"book_id":1728,"shamela_page_id":37,"part":null,"page_num":37,"sequence_num":37,"body":"فإن تقوى الله ما كانت في قليل إلا كثرته، ولا في يسير إلا باركته، وصية الله للأولين والآخرين، وموعظة الله لعباده أجمعين، تقوى الله ما دخلت في قلب إلا أدمعت عينيه من خشية الله، وجعلت قلبه أسبق ما يكون إلى طاعة الله ومرضاته.\rقال الإمام أبو عمر يوسف بن عبد البر القرطبي ﵀ في كتابه الجامع: (جماع الخير كله تقوى الله، وأزين الحلى للعالم: تقوى الله) ، أزين ما يتحلى به من تخلق بالعلم: أن تكون تقوى الله قد وقرت في صدره، واستقرت في فؤاده وقلبه، فعندها يكون أعفّ الناس لساناً، وأثبت الناس في طاعة الله ومرضاته، جناناً، تقوى الله ﷿، التي ما خلت منها موعظة من مواعظ النبي ﷺ ولا كلمة من كلماته، فكم وعظ بها رسول الله ﷺ، حتى جاءه الرجل يريد السفر، فقال له يستوصيه: (زوّدك الله التقوى) (١) [٣١] ) ، فنعمَ –والله- الزاد، فهي زاد المهاجر إلى الله، وعدة عباد الله في طاعة الله، تكف الجوارح عن حدود الله، وتدعوها إلى المسارعة والمسابقة في طاعة الله.\rفطالب العلم الصادق المتقي لله أبعد الناس عن المحارم، وأعفّ الناس عن الحرام، وأنزههم عن الفواحش والآثام، يخاف الله في سمعه، يخاف الله في بصره، يخاف الله في لسانه وفرجه، في جميع حركاته وسكناته.\rفما أجمل طالب علم تسربل بسربال التقوى، واستمسك من الدين بالعروة الوثقى، وكان كريم القول والعمل، جميل الخصال والخلال، إذا نظرت إليه ذكّرك الكريم المتعال.\rبتقوى الله ييسر الله لك طلب العلم، فما قذف الله نور التقوى في قلب إلا يسر أمره، وشرح صدره، وأحسن عاقبته وأمره.","footnotes":"(١) ٣١] ) رواه الإمام الترمذي ﵀ من حديث أنس ﵁، وقال: حسن غريب. والحاكم، وحسنه الحافظ، وصححه الألباني ﵀ في صحيح الكلم الطيب.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777736,"book_id":1728,"shamela_page_id":38,"part":null,"page_num":38,"sequence_num":38,"body":"قبيحٌ على طالب العلم أن يبدأ طلب العلم وفيه خصلة من خصال الجاهلية، وعيب -والله- على طالب العلم أن يطلب العلم ولم يبلّغ نفسه فعل الأمور المرضية، والتي من أجلّها تقوى الله ربّ البرية.\rيا طالب العلم.. إنك إن اتقيت الله قَبِل منك: ((إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ)) [المائدة:٢٧] .\rولما دخل عبد الله بن عمر على أبيه ﵄ في مرض موته، وقال: يا أبتِ.. ألم تكن تفعل وتفعل، وذكّره بتبشير النبي ﷺ له بالجنة، قال له عمر ﵄: يا بُني: إنما يتقبل الله من المتقين.\rقال بعض العلماء:\rقد آلم القلب أني جاهل مالي ... عند الإله أَراضٍ هو أم قالي\rوأن ذلك مخبوءٌ إلى يوم ... اللقاء ومقفول عليه بأقفالِ\rيا طالب العلم.. إنك إن اتقيت الله أحبك الله، ((بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ)) [آل عمران:٧٦] .\rيا طالب العلم.. إنك إن اتقيت الله كنتَ له ولياً، ((وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ)) [الجاثية:١٩] .\rيا طالب العلم.. خير خلة تتحلى بها أن ينظر الله إلى قلبك قد عُمّر بتقواه، تخاف الله في قولك، تخاف الله في عملك.\rوإذا خرجتَ وأنت تحمل كتابك، ورمقتك الأبصار والأنظار، فاستشعر وأنت تحمل كتاباً من كتب الدين والملة أنك تمثل دين الله وشرع الله، فاتقِ الله واحفظ جوارحك عن كل شيء يشين العلم وأهله.\rالمَعْلَمْ الثاني: الإخلاص لله\rوهو ثمرة من ثمرات التقوى، إنه سرّ بينك وبين الله، لا يعلمه أحد سوى الله. هذه الوصية التي رفع الله ﷿ بها العلماء، فماتوا وما مات علمهم، وارتحلوا وما ارتحلت فضائلهم ومآثرهم لما علم الله إخلاصهم بقيت كتبهم كأنها كتبت بالأمس القريب، تنفذ وتطبع، وتنفذ وتطبع، بقيت علومهم تغشاهم بها الرحمات آناء الليل وأطراف النهار. إنها العبودية الصادقة لله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777737,"book_id":1728,"shamela_page_id":39,"part":null,"page_num":39,"sequence_num":39,"body":"قال بعض أهل العلم –﵏: الإخلاص هو الإسلام؛ لأن الإسلام هو الاستسلام لله وحده لا لشيء سواه، فأي طالب علم أخلص لله في طلبه، وكان يرجو الله ﷿ في قوله وعمله، فهو مسلم بحق، وهو طالب علم بصدق، وكم من أقوال قليلة عظمتها النية، وكم من أقوال كثيرة محق الله بركتها وعادت وبالاً على أصحابها لما خرجت لغير الله، وأريد بها غيره، فما كان لله دام واتصل، وما كان لغيره انقطع وانفصل.\rقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إخلاص العمل هو الدين لله، الذي لا يقبل الله ديناً سواه. وقال في موضع آخر: وهو خلاصة الدعوة النبوية، وقطب القرآن الذي تدور عليه رحاه، واستشهد بقول الله ﵎: ((تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ)) [الزمر:١-٣] . ألا لله العبودية والأقوال والأعمال الخالصة لوجهه.\rإخلاص العمل لله أن يأخذ هذا النور وهو يرجو رحمة الله في كل كلمة يسمعها ويقولها ويكتبها ويفهمها، فتكون أشجانه وأحزانه لله ﷻ، فلا يزال بهذا الإخلاص تُخط به في صحيفة عمله الحسنات، ويُستوجب له بها عند الله رفعة الدرجات، يغدو إلى مجالس العلم فينظر الله في قلبه وهو جالس مع العلماء، ومذاكرة طلاب العلم، وهو لا يريد إلا وجه الله والدار الآخرة، فلا يزال يحبه الله ويكرمه ويرفعه ويعظم أجره ويحسن العاقبة له في العلم.\rفمن كمل إخلاصه لله، فإن الله يوفقه ويسدده ويرحمه، ويجعل عمله نفعاً له في دينه ودنياه وآخرته.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777738,"book_id":1728,"shamela_page_id":40,"part":null,"page_num":40,"sequence_num":40,"body":"لقد كان (١) [٣٢] ) السلف الصالح يحملون همّ الإخلاص، حتى كان أبو هريرة ﵁ إذا حدث بحديث الثلاثة الذين أول من تسعر بهم النار (٢) [٣٣] ) يغشى عليه، وكان سفيان بن عيينة ﵀ يقول: (ما عالجت شيئاً أشد عليَّ من نيّتي أنها تتقلب عليَّ) (٣) [٣٤] ) .\rوكان بعضهم إذا قيل له حدثنا، قال: لا.. حتى تأتي النية.\rفأول ما يطلب الإنسان العلم يأتيه الزهو والغرور وحبّ المناظرة والمناقشة والبروز على الأقران وحظوظ الدنيا؛ لأنه حين رأيته يحمل كتابه بدأت تجله وتحترمه وتكبره وتخاطبه بالخطاب الذي يدل على إجلاله بعد أن كان من عوام الناس، فيعجب بذلك، فيهلك والعياذ بالله.\rوإذا أراد الله بالعبد خيراً في بداية الطلب، كسر قلبه لخشيته، وبدأت تظهر أمارات الإخلاص على عمله وحركاته وسكناته، ويكون أشد ما يكون حرصاً على إخفاء عمله.\rقال بعض السلف: وددتُ أن عبادتي بيني وبين الله، لا تراه عين.\rالإخلاص لوجه الله أن تستحي من الله ﷿، إذ علَّمَك وفَهَّمك وأجلسك مجالس الرحمة أن ترجو غيره، أو تلتمس رضوان أحد سواه، فاجعل تعلّمك خالصاً لله، ليس فيه لأحد سواه حظ ولا نصيب.","footnotes":"(١) ٣٢] ) من دروس شرح كتاب التوحيد للشيخ محمد –شريط رقم ٩- باب الخوف من الشرك.\r(٢) ٣٣] ) رواه مسلم من حديث أبي هريرة، وسيأتي إن شاء الله تعالى.\r(٣) ٣٤] ) ذكره ابن جماعة في تذكرة السامع والمتكلم (ص:٦٩-٧٠) .","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777739,"book_id":1728,"shamela_page_id":41,"part":null,"page_num":41,"sequence_num":41,"body":"ومن أمارات هذا الإخلاص ودلائله وعلاماته المشهورة أن تجد نفسك زاهداً في الدنيا، كثير الطمع في الآخرة، فلا تبحث عن سمعة، ولا تبحث عن رياء، ولا تلتمس رضوان أحد غير الله ﷻ، تصبر وتكافح وتجاهد في طلب العلم، لا تنثني لك عزيمة، ولا تنكسر لك شوكة، ولا تصرف وجهك عن الوجهة التي علمت فيها رضوان الله العظيم حتى تبلغ غايتك التي تريدها وتنشدها، وهذا هو النَّهَمُ الذي أشار إليه النبي ﷺ بقوله: (منهومان لا يشبعان: طالب علم، وطالب دنيا) (١) [٣٥] ) ، فطالب العلم المخلص لوجه الله لا يضعف، ولا يكلّ، ولا يسأم من طلب العلم؛ لأنه يعلم ما وراء هذا التعب والنصب من رضوان الله العظيم، ويعلم أن في نصبه وكدحه محبة الله والدرجات العلى عند الله ﷾.\rانتبه لنيتك، وتفقد سريرتك: ((إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ)) [الرعد:١١] .\rوأبشر بالتوفيق إذا وطنت نفسك على الإخلاص: ((إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ)) [الأنفال:٧٠] .\rالمَعْلَمْ الثالث: الإقبال على العلم بكليته\rأن نفتح لهذا العلم أسماعنا وقلوبنا، وأن نحس أن هذه الآذان تتشرف وتُكرم بسماع كلام الله ورسوله ﷺ، أن ينطلق طالب العلم وقلبه يشتعل شوقاً لمجالس العلم، فينفتح قلبه وقالبه لماء الوحي، حتى إذا نزل ذلك الماء على القلب، كان كالغيث الطيب في الأرض الطيبة، وما من طالب علم يقبل بكليته على العلم بهذه الكيفية إلا نفعه الله به، ولذلك كانت أول وصية من الله ﷿ لنبي الله موسى -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام-: ((وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى)) [طه:١٣] .","footnotes":"(١) ٣٥] ) ورد موقوفاً وورد مرفوعاً عند الإمام أحمد في المسند، وصححه الشيخ الألباني ﵀.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777740,"book_id":1728,"shamela_page_id":42,"part":null,"page_num":42,"sequence_num":42,"body":"من الإقبال بالكلية على العلم أن ننطلق إلى رياض الجنة ننافس إخواننا، ونسابق فيها خلاننا (١) [٣٦] ) ، فلا يسأم وهو في مجلس العلم، ولا يملّ ولا يفتر.. ((إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا)) [المزمل:٥] ، فالعلم ثقيل، ويحتاج إلى عزيمة وقوة وصبر وجَلَد وجمع البال له، ولذلك قال نبي الله موسى بن عمران -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام-: ((قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي)) [طه:٢٥-٢٦] ، فالأمر جد عظيم.. والتناوم والتكاسل والخمول لا يليق بطالب العلم.. والمحروم من حُرِم.\rوكان بعض العلماء يشنّع على من يستاك في مجلس العلم حتى لا يصرف باله عن العلم الذي جلس فيه، والله تعالى يقول: ((مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ)) [الأحزاب:٤] .\rوهكذا كان إقبال الصحابة على رسول الله ﷺ إذا جلسوا أطرقوا كأن على رؤوسهم الطير، ما كانوا يستاكون، ولا كانوا ينشغلون، وفي الحكمة (أعطِ العلم كلك يُعطِك بعضه) ، فكيف إذا أعطاه الإنسان بعضه (٢) [٣٧] ) ؟\rالمَعْلَمْ الرابع: الصبر وتحمل المشقة في الطلب\rوهذا المَعْلَم الذي ذكرناه أن العلم لابد فيه من المهانة، ولا بد فيه من التعب والنصب، تدل عليه السنة الصحيحة، ففي حديث عائشة ﵂ في قصة الوحي (٣) [٣٨] ) ، أخبرت ﵂ أن جبريل أخذ النبي ﷺ فغطه حتى بلغ منه ذلك المبلغ.\rيقول بعض العلماء: إن جبريل غط النبي ﷺ ثلاث مرات حتى رأى الموت -صلوات الله وسلامه عليه- وكان بالإمكان في أول مرة أن يقول له: اقرأ باسم ربك الذي خلق، قالوا: حتى يعرف طالب العلم أن العلم لا ينال إلا بالمهانة والتعب وبالنصب.","footnotes":"(١) ٣٦] ) من محاضرة (وصايا لطلاب العلم) ، للشيخ محمد، ألقيت بقاعة المحاضرات بجامعة أم القرى في ٢٤/٦/١٤١٣هـ.\r(٢) ٣٧] ) مقدمة دروس شرح سنن الترمذي (بتصرف) .\r(٣) ٣٨] ) رواه البخاري.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777741,"book_id":1728,"shamela_page_id":43,"part":null,"page_num":43,"sequence_num":43,"body":"وكان إذا نزل جبريل على النبي ﷺ بالوحي يتفصد عرقاً في اليوم الشديد البرد، فإذا كان على ناقة جثت الناقة، وأصاب عنقها الأرض من شدة ما يناله –﵊ عند نزول الوحي، فلا بد من الاختبار والامتحان في طلب العلم، فأول خطوة في الوحي أخذه جبريل فغطه حتى رأى الموت ﷺ، وآخر لحظة من الدنيا قال فيها: آه.. إن للموت لسكرات.\rالعلم ثقيل، العلم رسالة عظيمة تحتاج إلى جهاد، تحتاج إلى صبر، وتحتاج إلى كفاح، تحتاج إلى تحمل واحتساب الأجر، وهذا نبي الله وكليمه ونجيه موسى –عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- الذي قال الله ﷿ فيه: ((وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي)) [طه:٣٩] . ما أعز الله شأنه ورفع ذكره وأصبح إمام بني إسرائيل في زمانه، إلا حين تعب وبذل في سبيل ذلك الجهد، يمشي على قدميه إلى مجمع البحرين قاصداً الخضر ﵇ حتى أعيى، لم يستقر، ولم يهدأ له بال حتى يبلغ مكان العالم الذي ذكره الله له، الخضر ﵇: ((لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا)) [الكهف:٦٠] أي حياتي كلها أبد الآباد وأنا أسير في البحث عنه.\rفمشى مع غلامه يوشع بن نون حتى بلغ منه التعب والنصب مبلغه.. ((لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا)) [الكهف:٦٢] . فرأى علامة مكان الخضر عندئذٍ، ولذلك قالوا: على قدر المشقة تكون من الله المعونة والمؤنة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777742,"book_id":1728,"shamela_page_id":44,"part":null,"page_num":44,"sequence_num":44,"body":"ولما أظهر للخضر ﵇ حرصه على العلم، وطّنه بقوله: ((إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا)) [الكهف:٦٧] ، وهذا أدب من العالم أن ينصح لطالب العلم، قال له موسى \"سأصبر\" ((سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا)) [الكهف:٦٩] ، علّق الصبر على المشيئة، ولم يعلّقه على قوته وحوله، من منا اليوم يقول هذا لمن يتعلّم منه، سأصبر ولا أعصي لك أمراً، ولذلك لما فقدنا الذلة للعلم فقدنا روح العلم، تجد العلم ولكن لا تجد روحانية هذا العلم في القلوب.\rقال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلاّم، إمام من أئمة السلف، كان آية في علم القرآن وتفسيره، حتى صار يحتج بأقواله في تفسير القرآن، وكذلك في اللغة والشعر، يقول ﵀: لما تعبت في تحصيل العلم، كنت أكدح، أسهر الليل، وأتعب النهار، وأجد المشقة، فإذا وجدت الحكمة والفائدة من العلم، نسيت ما وجدت من التعب، كل التعب يهون عندما أجد الحكمة.\rوقال الإمام أبو حاتم (١) [٣٩] ) ﵀: مضت علينا أيام لم نطعم فيها مرقاً، فمن كثرة الدروس وحضور مجالس العلماء لا يجدون وقتاً لطبخ اللحم وشرب مرقته من جدّهم واجتهادهم في التحصيل، نسوا حتى حظوظ أنفسهم –رحمة الله عليهم-.\rوهذا أبو هريرة ﵁ وأرضاه حين قدم المدينة مهاجراً، ووجد النبي ﷺ في غزوة خيبر لم ينتظر ولم يهدأ له بال، حتى لحق به ﷺ بخيبر، إنها همة هذا الصحابي الجليل التي كانت ثمرتها أن أصبح بعد سنوات وعاء مليء علماً وحكمة، ومن المكثرين من رواية سنن وحديث رسول الله ﷺ، وأصبح اسمه يذكر اليوم كثيراً على المنابر وفي مجامع الناس، وكفى بهذا الذكر شرفاً، ناهيك عن الدعوات وعن أجر كل سنة يعمل بها من بعده وما أعدّه الله له من الكرامة (٢) [٤٠] ) .","footnotes":"(١) ٣٩] ) انظر تمام قصته في مقدمة كتابه (الجرح والتعديل) .\r(٢) ٤٠] ) من دروس شرح عمدة الأحكام، للشيخ محمد.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777743,"book_id":1728,"shamela_page_id":45,"part":null,"page_num":45,"sequence_num":45,"body":"(أذكر ذات يوم من الأيام أنني اشتكيت إلى الوالد ﵀ من المشقة في طلب العلم، وكانت دروسه متواصلة أثناء اليوم، بعد الفجر تفسير للقرآن، وبعد الظهر صحيح البخاري، وبعد العصر درس الفقه، وبعد المغرب السنن، وبعد العشاء في صحيح مسلم، خمسة دروس بالإضافة إلى دروس الجامعة، فلما وجدت بعض التعب والمشقة، وأحببت أن أقتصر على البعض، شكوت إليه ﵀، فقال: يا بني! والله لقد كنت أوقد الفتيل لأبحث عن مسألة من مسائل الفقه، فيخنقني الدخان فأطفئه ثم أوقده ثم أطفئه، ولا أنتهي من المسألة إلا قرابة منتصف الليل، وأنتم في الكهرباء والنعمة، يقول: والله يا بني.. لقد كان يمرّ عليَّ بعض الآلام والأسقام أسلو عنها بالعلم الذي أتعلّمه) .\rومما ذكر –رحمة الله عليه- يقول: (كانت أذني تؤلمني حتى أجد من الجهد والألم ما الله به عليم، فأضع الفتيلة في أذني لكيه من أجل يسكن الألم، وكتابي في حجري لا أتحول عنه) .\rالعلم يريد جهد وتعب وتضحية وبذل.\rطالب العلم يعامل الله، والمعاملة مع الله ابتلاء، وفيها اختبار، وفيها امتحان، ولا بد لطالب العلم أن يجد الشدائد، وأن يجد المحن، وأن يجد من يثبطه ومن يخذله، فأول شيء يوصى به طالب العلم: الصبر على وساوس الشيطان، فإن الشيطان لم يدع لطالب العلم باب خير يطرقه إلا وجاءه منه حتى لا يبلغه، لا يمكن أن يترك طالب العلم وأن يخلي بينه وبين الخير؛ لأن الله ﷿ أخبر أن المؤمن مبتلى، ودرجة طالب العلم فوق درجة المؤمن العامي.\rفأول ما يأتي الشيطان للإنسان يخذله، يقول له: من أنت حتى تطلب العلم فلست بعالم، ولا أباك عالم، ولست من بيت علم، حتى يخذله عدوّ الله، ويجد أمامه من حاجات الناس والأهل وأغراضهم ما يمتحن به، ويجعل في قلبه اليأس من رحمة الله والقنوط من روح الله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777744,"book_id":1728,"shamela_page_id":46,"part":null,"page_num":46,"sequence_num":46,"body":"فمن فهّم نبي الله سليمان، ومن علّم نبي الله داود -عليهما الصلاة والسلام- قادر على أن يفهمك ويعلمك، وكم من طلاب علم كانوا على جاهلية، وبُعْدٍ من الله ﵎، ولكنهم أحسنوا الظن بالله، فما مضت الأيام، ولا انقضت الأعوام، إلا وهم أئمة هدى ومشاعل خير، فأحسن الظن بالله ﷻ وكن قوي العزيمة على طلب العلم.\rفاصبر على طلب العلم، واحتسب البلاء الذي تجده، واحتسب عند الله ما يقال عليك أو يقال لك، فكما أن الإنسان قد يبتلى بالسب والشتم والأذى في عرضه، فقد يبتلى حتى بمدح الناس وثنائهم عليه، فإن الجاه والسمعة والشهرة قد تذهب حسناتك، بل قد تقتل الإنسان من حيث لا يدري، فما على الإنسان إلا أن يجاهد ويحتسب عند الله ﷿ أن يثّبته وأن يوفقه، ونسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا وإياكم أئمة هدى، هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين.\rالمَعْلَمْ الخامس: حفظ الوقت واغتنامه\rفإضاعة الوقت من أعظم المصائب على طالب العلم، أعز شيء يملكه طالب العلم: الوقت، والذي يريد العلم يحفظ وقته.\rوكان الوالد ﵀ إذا ذكر عنده أحد -يعني من طلاب العلم- يقول: نِعْمَ طالب العلم؛ لأنه يراه حريصاً على وقته، وإذا رآه طالب علم كثير الزيارة للناس، كثير الاشتغال بفضول الدنيا، لا يعدّه طالب علم بحق؛ لأن مفتاح طلب العلم الحفاظ على الوقت.\rأذكر أنه ﵀ كان بمجرد ما يدخل البيت يستفتح -إن كان الوقت وقت صلاة- فيصلي ما كُتب له، لا أذكر أنه دخل وجلس على فراشه في حياتي كلها معه، فيدخل ثم ينقلب على كتبه، ويقرأ فيها ما شاء الله له أن يقرأ، حتى إنه في بعض الأحيان يستمرّ إلى قرابة منتصف الليل.\rطالب العلم أعز شيء عنده: الوقت، خاصة إذا خرج في طلب العلم من مدينته إلى مدينة ثانية، ما ترك والديه، ولا ترك إخوانه ولا قرابته، ما تركهم عبثاً، ينبغي أن يحترق في قرارة قلبه على كل ساعة تضيع.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777745,"book_id":1728,"shamela_page_id":47,"part":null,"page_num":47,"sequence_num":47,"body":"من أعظم الآفات التي تضيع على طالب العلم الخير الكثير: عدم الحرص على الوقت، ومن الحرص على الوقت إذا جلس طالب العلم مع طلاب العلم يستفيد، لا تجلس هكذا صامتاً، سلهم مسألة وإن كانوا دونك في العلم، اطرح عليهم مسألة، ثم علّمهم إياها، وإن كانوا أعلى منك تواضع وخذ منهم، وإن كانوا في مستواك ذاكرهم، فتكون دائماً في مذاكرة للعلم، فإن مذاكرة العلم عبادة تشتري بها رحمة الله، يحتسب في لحظاته وحركاته حتى إذا جلس مع الناس أن يستفيد أو يفيد، فهذه رسالة طالب العلم.\rوإذا وفقه الله كان عنده الحرص على كل لحظة وعلى كل ساعة وعلى كل دقيقة أن تضيع هدراً، يغار على كل لحظة، يتذكر الوالدين، يتذكر الأبناء، يتذكر فلذات الكبد، الجيران، الخلان، الأحبة والإخوان، كلهم تركهم من أجل هذا العلم، إذاً فلا بد أن يُمضي الوقت في طاعة الله، وأن يستغل هذا الوقت في محبة الله ومرضاته، هذا من أهم ما يعتني به طالب العلم، وفي الحكمة: الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك. فالوقت إما لك، وإما عليك.\rقال الإمام مالك ﵀: ما دخلتُ على جعفر (١) [٤١] ) إلا وجدته على إحدى ثلاث خلال: إما قائماً يصلي، أو جالساً يقرأ القرآن، أو جالساً يذكر الله، حتى كان بعض العلماء يقول: نِعْمَ –والله- الحال.\rوأذكر بعض الفضلاء من أهل العلم كان من رفقائنا في طلب العلم، كنت إذا دخلت عليه أزوره، فأجلس أحادثه وأذاكره في المسائل، الكتاب في حجره، والله لا أخرج عن مذاكرة العلم قليلاً إلا تركني وأقبل على العلم ولم يجاملني.\rومما يعين على حفظ الوقت (٢) [٤٢] ) :","footnotes":"(١) ٤١] ) لعله الإمام أبو عبد الله جعفر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، الإمام الصادق، شيخ بني هاشم المدني، جده لأمه أبو بكر الصديق، ت ١٤٨هـ -رضي الله عن الجميع-.\r(٢) ٤٢] ) من محاضرة للشيخ، بعنوان: (وصايا للخريجين) .","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777746,"book_id":1728,"shamela_page_id":48,"part":null,"page_num":48,"sequence_num":48,"body":"أ- كثرة ذكر الآخرة: فمن تذكر أنه ستمرّ عليه مثل هذه اللحظات حبيس الأجداث والبلى، فإن هذا يهون عليه أمر الدنيا، ويُحَسّسهُ كأن عمره قصيراً، فيستنفذه في الطاعة والخير.\rب- الابتعاد عن المعاصي، فقد يقصر في بر الوالدين أو صلة الأرحام فيحرم البركة في الوقت، كما قال سفيان: أذنبتُ ذنباً فحرمتُ لذة قيام الليل سنتين.\rوليس من الحكمة أن تضع جدولاً لطلاب العلم لحفظ أوقاتهم؛ لأنهم يختلفون، فبعضهم لا يتمكن من الجلوس بعد الفجر أو الحفظ في آخر النهار، والبعض يناسبه السهر في طلب العلم، فوضْعُ منهجٍ معينٍ لتقسيم الأوقات من الصعوبة بمكان.\rولكن نضع لهم قواعداً تأسياً بالكتاب والسنة، (احرص على ما ينفعك) ، وننبه على ما يضيع الوقت، مثل: قرين السوء ولو كان صالحاً، لكن ليس عنده عقل، فيضيع أوقاتك فيما لا خير فيه، فتفقد من حولك، فالقرين الصالح إذا رآك على خير سددك، وإذا رآك على تقصير نبهك وذكّرك، ولذلك قال بعض السلف: أخوف الناس فيك من نصحك، أي: أخوف الناس لله فيك.\rإن أخاك الحق من كان معك ... ومن يضرّ نفسه لينفعك\rومن إذا ريب الزمان صدعك ... شتت فيك شمله ليجمعك\rوكم من الجلساء إذا جلستَ معه قمتَ وإيمانك أزيد مما كان من الخير والبرّ والفائدة والحكمة.\rوإذا لم تجد أعواناً وجلساء هذه صفاتهم، فاجلس مع السلف الصالح الأخيار في كتبهم ومؤلفاتهم وتراجمهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777747,"book_id":1728,"shamela_page_id":49,"part":null,"page_num":49,"sequence_num":49,"body":"كان الوالد ﵀ لا يحبّ ضياع الوقت حتى في المناسبات أو النزهة مع العلماء أو القرابة وغيرهم، والله؛ قلّ أن أراه يخرج إلا ومعه كتابه، فإن وجد المجلس فيه علم نافع ومذاكرة جلس، وإن وجد القيل والقال والغيبة، مضى إلى ظل شجرة فجلس يقرأ حتى يأتي الطعام، فيصيب منه ويجيب الدعوة وينصرف، ولا يسمح لأحد أن يضيع عليه وقته، إذا جاءه أحد يقول: فلان قال وفعل، يقول له: اسمع، إما أن تستفيد أو تقوم عني، وهكذا طالب العلم ينبغي أن يتفقد من حوله، ويحذر من الذي يفسد قلبه بالقيل والقال.\rصلح قرين السوء للقرين ... ... كصلح اللحم للسكين\rينبغي لطالب العلم أن يغار على كل ساعة وعلى كل لحظة وعلى كل طرفة عين، ما تغرّب الإنسان عن أهله ولا فارق جيرانه ولا إخوانه عبثاً، فارقهم لشيء أعز وأنفس، وهو طاعة الله ومرضاته في طلب العلم، فهذا أمر ينبغي العناية به.\rالمَعْلَمْ السادس: اختيار الرفقة في الطلب\rومن الأمور التي كان العلماء يوصون بها طالب العلم أنه يبحث عن قرين صالح يعينه على طلب العلم.. يبحث عن شاب خيّر صالح، يعرف فيه الهمة والنشاط، فيتخذه بطانة له على الخير، ويشدّ من أزره، وكل منهما ينصح لأخيه، حتى يكونا من المرحومين الذين سمّى الله ﷻ.\rوكان السلف الصالح -رحمة الله عليهم- يعرفون أثر الرفقة في طلب العلم من الإعانة على الخير، قال تعالى عن نبيه موسى لما أوحى إليه بالرسالة: ((وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا)) [طه:٢٩-٣٥] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777748,"book_id":1728,"shamela_page_id":50,"part":null,"page_num":50,"sequence_num":50,"body":"اشدد به أزري، وأشركه في أمري.. فجملة (كي نسبحك) .. تعليلية.. أي سألتك هذا لكي أكون أكثر عوناً على طاعتك، والقرين الصالح الذي تعرف فيه الهمة والنشاط يعينك وتعينه بإذن الله ﷻ، وتكونا ممن وصفهم الله في كتابه المبين في قوله تعالى: ((وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ)) [التوبة:٧١] ، فهذا من ولاية المؤمن لأخيه المؤمن.\rالمَعْلَمْ السابع: الوصية بالرفقة\rلإخوانك في طلب العلم حق عليك عظيم، وواجب تجاههم جسيم، ينبغي إذا آخيت طالب العلم أن تشعره بالمحبة والمودة، ويتخلل الصحبة شيء من الوفاء ومن النقاء ومن الصفاء، بعيدة عن محقرات الأمور التي تكون فيها النفرة وتفريق القلوب، وكان طلاب العلم في القديم ترى بينهم التواضع والألفة.\rكنت أجلس عند الوالد، ويجلس غيري عند غيره، فإذا كان قبل أذان العشاء بما يقرب ربع الساعة انتهى درس الوالد ﵀، فيأتيني هذا من حلقة ذاك وذاك، فنجلس، والله لا نشعر بيننا بفرقة، ولا يَنْتَقِصْ أحد منا شيخ الآخر، كل منا يسأل الآخر: ما الذي قال شيخك؟ حتى يستفيد منه وحتى يأخذ عنه، وتجد القلوب كالقلب الواحد، والنفوس متآلفة متراحمة متعاطفة.\rوالله وَصَفَ العوام من المؤمنين بأنهم متراحمون، وأنهم متعاطفون، فطلاب العلم أولى بالاتصاف بهذه الخصلة منهم. والجفاء والإعراض هذا ليس من خلق طلاب العلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777749,"book_id":1728,"shamela_page_id":51,"part":null,"page_num":51,"sequence_num":51,"body":"فأخوة العلم من أعظم الأخوة في الله، فما أعظم هذا الدين، وما أجلّ رسالة رب العالمين، ما أجلّ هذا الدين الذي جمع بين عباد الله المفترقين، ما أعظم الإسلام الذي جعل المسلمين كالجسد الواحد يحس بعضهم بأحاسيس البعض، يعيش المسلم أشجان أخيه وأحزانه، فتجد المسلم في أقصى شرق الأرض يتألم لأخيه في أقصى الغرب، ولا يعرفه ولم ترَه عيناه، ولم تسمعه أذناه، ولكن يعلم أنه يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فيحبه لله، ويتألم لآلامه، يعيش ما يعيشه من أشجانه وأحزانه، ما أعظم هذا الدين، وما أعظم أثره على عباد الله المؤمنين، فمن واجب العلم ومن حقوق العلم على طلاب العلم أن يحفظوا حقوق إخوانهم المسلمين عموماً، سيما طلاب العلم، قال بعض العلماء: إن أصدق وأجمل ما تكون الأخوة إذا كانت في طلب العلم، لماذا؟ لأنهم اجتمعوا على أقدس شيء وأفضل شيء، وهو الدين الذي يدور عليه قطب هذه الحياة. وما خلق الله السموات والأرض، ولا كان الحساب ولا العَرْض إلا من أجل هذا الدين الذي يتعلمونه، فأقدس رابطة ربطت بين المسلمين رابطة الدين، وأشرف رابطة بين المؤمنين رابطة العلم.\rولذلك قالوا في الحكمة: العلم رحم بين أهله، ينبغي لطالب العلم أن يحقق مع إخوانه الأخوة في الله، وذلك يتحصل بأمور:\rأولها: أن يحب لإخوانه ما يحبه لنفسه، حتى يكون مؤمناً حقاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777750,"book_id":1728,"shamela_page_id":52,"part":null,"page_num":52,"sequence_num":52,"body":"ثانيها: إياك أن ينظر الله إليك تعادي طالب علم في غير حق، أو تحسده، أو تكنّ له البغضاء، أو تكنّ له الشحناء، أو تتربص به الدوائر، والله إذا علم منك ذلك سيكون لك بالرصد، فقد تعادي طالب علم حبيباً من أحباب الله يعاديك الله بعداوته، فاتَّقِ الله وراقب قلبك، طالب العلم الصادق لسانه كقلبه، والذي في قلبه على لسانه لا يغش، لا يظهر بمظهر خلاف ما في باطنه، ولا يظهر في علانيته خلاف ما في سريرته، نقي السريرة، حتى كان ﷺ يقول: (دعوا لي أصحابي) (١) [٤٣] ) ، يريد أن يخرج نقي السريرة. أوصيك يا طالب العلم من الليلة أن تجتهد، أن لا ينظر الله إلى قلبك وفيه غلّ على مسلم، فضلاً عن طالب العلم.","footnotes":"(١) ٤٣] ) أخرجه الإمام أحمد والبزار رحمهما الله من حديث أنس ﵁، وصححه الشيخ الألباني ﵀ في الصحيحة برقم (١٩٢٣) .","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777751,"book_id":1728,"shamela_page_id":53,"part":null,"page_num":53,"sequence_num":53,"body":"وهنا أذكر قصة تعتبر عبرة من العبر، أذكرها وقد حضرتها، وكنت طرفاً فيها، طالب علم أعرفه فظاً غليظاً، كان معنا في الطلب، وكان هذا الطالب من أحسن ما يكون عليه طالب العلم جداً واجتهاداً، فشاء الله في يوم من الأيام في نهاية العام أن جاءه طالب كثير الكسل والخمول، جاء إلى هذا المجد وقال له: يا أخي! أريد منك ملخصاً في مادة الأصول- وكان هذا يوم الأربعاء، والاختبار في يوم السبت-، فما كان من هذا الطالب المجد إلا أن نهره وكهره، واحتقره وازدراه وطرده من عنده. والله يا إخوان.. جاءني الطالب يريد الملخص ودمعه على خدّه من القهر، وأخبرني بما كان منه، فشاء الله أن أعطيته ملخّصي. فلما رجع من عنده قال: والله لقد دعوتُ عليه بالرسوب في المادة، لغلظته عليَّ وطردي، فشاء الله ﷿ أن جئنا في يوم السبت واختبرنا، فلما خرجتُ إذا بذلك الطالب المجد قد جاء متأخراً وعلى عينيه النوم كالمذعور الخائف، نام عن مادة الأصول.. نعم يا إخوان، إنها عبرة، فمن حَرم الناس من العلم حرمه الله التوفيق، ولذلك يقول بعض العلماء في حديث الهرة: (إن الله أدخل النار امرأةً في هرة حبستها، لا هي أطعمتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض) . يقول: إذا كان الطعام والشراب، فكيف من حجب العلم عن أهله، فليتقِ الله طالب العلم، يتَّقِ الله ﷿ في حقوق العامة في العلم الذي عنده إذا جاؤوا يسألونه، وفي حقوق إخوانه وزملائه.\rولا نكن طلاب علم بحق إلا إذا كان بعضنا يشدّ من أزر بعض، وإذا كان طالب العلم أثناء العلم بخيلاً بالمعلومات، بخيلاً بالفائدة، بخيلاً ببذل العلم لإخوانه، فمتى يكون محدّثاً بذلك العلم؟ ومتى يبذل العلم للناس؟ فلذلك ينبغي لطالب العلم أن يترفع عن الشح وعن سوء القصد بإخوانه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777752,"book_id":1728,"shamela_page_id":54,"part":null,"page_num":54,"sequence_num":54,"body":"يا طالب العلم.. إنها والله أيام معدودة، وشهور معدودة، وسنوات معدودة، يفارق بعضنا بعضاً، فطوبى لطالب علم آخى إخوانه، نقي السريرة لله ﷿، ما نظر الله إليه يوماً من الأيام وقد أسكن في قلبه غلاً على أخيه، لا يتهم أحداً، ولا يسيء الظن بأحد، يستجيب لله ﷿ ولوصية النبي ﷺ.\rقال ﵊: (إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث) (١) [٤٤] ) .\rثالثها: أن تعامل إخوانك برفق؛ لأن الرفق ما كان في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه، فما ازدان طالب العلم بشيء مثل الرفق، خاصة مع إخوانه، ويكون هذا الرفق نابع من المحبة والتقدير والإجلال.\rرابعها: إذا لقيت أخاك، هُشّ له وبشّ، فهذه الابتسامة التي تستهين بها قد يثقل الله بها ميزانك، ويعظم الله بها أجرك، فإن البسمة الواحدة للعبد بها صدقة، قال ﷺ: (لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق) (٢) [٤٥] ) .\rفلا يليق بطالب العلم أن يمرّ على إخوانه ولا يهشّ في وجوههم، ولا يسلم السلام الذي هو من دلائل الإيمان، ومن موجبات المحبة ودخول الجنان، كيف يقف طالب العلم غداً أمام الناس يقول لهم: أفشوا السلام، وهو لا يُفشيه، ولذلك أول ما قدم النبي ﷺ على المدينة، والأوس والخزرج بينهم العداوة، أول ما قال: (أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلوا الأرحام، وصلّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام) (٣) [٤٦] ) .\rفإن أحببت أن تدخل الجنة بسلام، فأفش السلام، وهشّ لأخيك وبشّ.","footnotes":"(١) ٤٤] ) متفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁.\r(٢) ٤٥] ) رواه الإمام مسلم ﵀ من حديث أبي ذر ﵁.\r(٣) ٤٦] ) رواه الإمام الترمذي ﵀ من حديث عبد الله بن سلام ﵁، وصححه.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777753,"book_id":1728,"shamela_page_id":55,"part":null,"page_num":55,"sequence_num":55,"body":"يا طالب العلم! ما المانع إذا لقيت أخاك سلمتَ عليه وسألته عن حاله حتى لو لم تعرفه، تتواضع لله، وتأخذ بيديه وتقول له: كيف حالك؟ وما أخبار المسلمين في بلادك؟ تسأله عن همومه، عن أشجانه، عن أحزانه، فلعلك أن تفيده برأيك، ولعلك أن تنير طريقه باقتراحك، ولعلك أن تجد فيه خصلة توجب لك حبه، ولعلك أن تجد فيه كربة تفرجها عنه، فيفرج الله عنك كرب الدنيا والآخرة.\rخامسها: الذي ينبغي التنبيه عليه أن يحفظ طالب العلم عورات إخوانه، سيما طلاب العلم، أما كوننا يجلس بعضنا مع بعض فنذكر أخاً بسوء أو قد يصل الأمر إلى التهمة في العقيدة أو التهمة في السلوك أو التصرف، فهذا أمر –والله- من الخطورة بمكان، فلعل الرجل يكون على أصلح ما يكون، تخرج منه الكلمة يؤذي بها المسلم يوجب الله ﷿ له بها غضبه، قالوا: يا رسول الله! هي تصوم وتصلي، غير أنها تؤذي جارتها، قال: (هي في النار) (١) [٤٧] ) .\rفاتقِ الله في لسانك، ما تغرّب طالب العلم ليتتبع عورات إخوانه، ما تغرّب طالب العلم لكي يشتغل بعيوب إخوانه، ما تغرب لكي يهوي به الشيطان إلى مكان سحيق، إلى رذائل الأفعال ورذائل الأقوال، ينبغي أن يترفع طالب العلم عن هذا، ولذلك قال الإمام ابن القيم ﵀ كلمةً عجيبة في كتابه الفوائد، يقول ﵀: (أخسر الناس صفقة من اشتغل بنفسه عن الله، وأخسر منه صفقة من اشتغل بالناس عن نفسه) (٢) [٤٨] ) .","footnotes":"(١) ٤٧] ) رواه الإمام أحمد والبخاري في الأدب المفرد والحاكم، وصححه. والبزار وابن حبان من حديث أبي هريرة ﵁، وصححه العراقي في تخريج الإحياء –رحمة الله على الجميع-، وهو في السلسلة الصحيحة (جـ١، رقم ١٩٠) .\r(٢) ٤٨] ) روى الإمام ابن عبد البر ﵀ في الجامع مثلها عن مالك رقم (١٦٩٨) ، (ص:٩٠٦) ، ط. الزهيري.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777754,"book_id":1728,"shamela_page_id":56,"part":null,"page_num":56,"sequence_num":56,"body":"أخسر الناس صفقة من اشتغل بنفسه عن الله، فجعل يعتني بمأكله ومشربه ومنظره، وأهدر ما بينه وبين الله ﷿، وأخسر منه صفقة من اشتغل بالناس عن نفسه. فاتقِ الله يا طالب العلم، اتقِ الله في إخوانك، فإن الله ﷿ يقول: ((إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ)) [النور:١٥] ، لما تنقل الكلمة تقول: فلان من طلاب العلم يقولون فيه كذا وكذا، فقد غلت عنقك بين يدي الله، يَفُكُّكَ صدقك أو يغلّك لسانك.\rإن نقل الشائعة تؤدي بك إلى كارثة قد توجب لك اللعنة، إن الله قد لعن من قذف المُحْصَنة، والمُحْصَنة قذفها في العِرض، فكيف تقذف مسلماً في عقيدته؟ كيف تقذف عالماً في عقيدته؟ في منهجه؟ في فكره؟ بمجرد ما تقول: فيه كذا وفيه كذا، هذه شهادة، والله ﷿ يقول: ((سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ)) [الزخرف:١٩] ، ((مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) [ق:١٨] .\rعليك نفسك فاشتغل بمعايبها ... ... ودع عيوب الناس للناس\rوالله، لو أن طالب العلم كان صادقاً في معاملته مع الله ﷿ لكانت عيوبه تبكيه، وتشغله عن القول والتكلم في عيوب الناس، وكان العلماء –﵏ إذا ذكر عندهم أحد بسوء، قرعوا من ذكره وأدّبوه وكهروه، ولربما في الله ﷿ عادوه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777755,"book_id":1728,"shamela_page_id":57,"part":null,"page_num":57,"sequence_num":57,"body":"سادسها: ومن حقوق إخوانك عليك أخي في الله، ألا تنقل عنهم ما لا خير فيه، فهذا من النميمة، فإن نقل الكلام إلى العلماء بالطعن والتحريض على طلاب العلم، وإفساد قلوب العلماء على طلابهم نميمة وأي نميمة، إن النميمة بين عوامّ المسلمين توجب عذاب القبر، فكيف بالنميمة بين طلاب العلم، كيف بمن ينمّ الأخبار التي تفسد قلوب علمائهم، وتفسد قلوب مشائخهم عليهم، نسأل الله السلام والعافية. والله ما نقلت حديثاً فكان نميمة بين عبدين من عباد الله، إلا عُذّبْتَ به في قبرك شئتَ أم أبيتَ، فإن النبي ﷺ قال: (إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستنزه من بوله) (١) [٤٩] ) .","footnotes":"(١) ٤٩] ) متفق عليه من حديث ابن عباس.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777756,"book_id":1728,"shamela_page_id":58,"part":null,"page_num":58,"sequence_num":58,"body":"قاتقِ الله في هذا اللسان، كم من طالب علم يفضي إلى غرفته، أو إلى مجلسه، أو إلى منامه وقد غضب الله عليه بكلمة قالها في آخر، بل إن بعض أهل العلم ﵏ سمع رجلاً يتكلم في عالم من العلماء، فقال له: والله إني أخشى عليك سوء الخاتمة، وكان هذا الطالب يتتبع عورات العلماء، يقول هذا الرجل الذي ينقل لي القصة: والله لقد رأيت بعيني حالة موته، كانت على سوء والعياذ بالله، وهو من طلاب العلم، ولذلك الغريب أن الله ﷿ قد يمهل العبد، ثم ينتقم بالذنب الواحد ولو بعد سنوات، حتى إن بعض السلف، وهو محمد بن سيرين ﵀ أصابته ديون في آخر عمره، فقال: إني أعرف الذنب الذي أصبته، وأوجب لي هذا، قلتُ لرجل قبل أربعين سنة: يا مفلس، فابتلاني الله بالدين، قبل أربعين سنة ما تركها الله ﷿ له؛ لأنها في حق مسلم. بعض طلاب العلم يشتكي، يقول: لا أجد الخشوع، أسمع الآيات لا تؤثر في قلبي، وأسمع العظات لا تؤثر في قلبي، وأسمع كلام الله وكلام رسوله ﷺ لا أجد له أثراً، لماذا؟ بسبب هذه الذنوب، فإن اللعنة إذا أصابت صحابها حرمته من رحمة الله والعياذ بالله، وذلك قول الله تعالى: ((أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ)) [محمد:٢٣] ، ولذلك استنبط بعض العلماء من هذه الآية أن كل ذنب فيه لعنة، إذا أصيب بها صاحبها لا ينتفع بموعظة، ولا ينتفع بعبرة، يعني لا يعتبر ببصره، ولا يعتبر بسمعه، نسأل الله السلامة والعافية، فاتقِ الله يا طالب العلم، اتقِ الله أن تصيبك لعنة بسبب الكلام في عالم من العلماء، أو في داعية إلى الله، أو في طالب علم، بل ينبغي أن يكون عندك ورع وخوف من الله ﷿، وإذا -لا قدّر الله- بُلي طالب العلم بشيء من ذلك، فإنه ينبغي عليه أن يبادر بالتوبة، فمن تاب، تاب الله عليه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777757,"book_id":1728,"shamela_page_id":59,"part":null,"page_num":59,"sequence_num":59,"body":"المَعْلَمْ الثامن: الأدب وحسن الخلق\rالأدب نعمة من نِعم الله جل وعلا، ورحمةٌ يرحم الله بها عبده الذي يريد به خيري الدنيا والآخرة، ولو لم يكن في الأدب والخُلق الحسن إلا قول النبي ﷺ حينما سئل عن أثقل شيء في الميزان، قال: (تقوى الله وحسن الخُلق) (١) [٥٠] ) .\rفطالب العلم يوطّن نفسه على مكارم الأخلاق (٢) [٥١] ) ويسمو بنفسه إلى فضائلها وإلى معالي الأمور، ويترفع عن سفاسِفِها، فإذا أراد الله بالعبد الخير رزقه حلية العلم وجماله ووقاره وزينته وبهاءه، وهو الأدب وحسن الخُلق، فما أجملَ طالب العلم إذا ضمّ إلى علمه السكينة والوقار.\rوالحِلم والأناة والتواضع.. وغير ذلك من مكارم الأخلاق التي يُحبّها الله ويحبُّ أهلها، قال ﷺ لأشج عبد القيس: (إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم، والأناة) (٣) [٥٢] ) .\rفالحِلم والأناة كلاهما من مكارم الأخلاق، فيكْمُل طالب العلم ويجمُلُ ويعْظُم ويحْسُن إذا زيّنه الله جل وعلا بزينة التقوى، وألبسه الله حلية مكارم الأخلاق، فإذا رأيت آثار النبي ﷺ وأخلاقه وشمائله وآدابه -صلوات الله وسلامه عليه- تظهر من ذلك العبد الصالح في وجهه.. وفي كلامه.. وفي معاملته.. وفي أخذه وعطائه.. وظاهره وباطنه مع الناس، فاعلم أنه على هذى مستقيم.\rومن الخُلق الحسن أن يرى الله قلباً نقياً تقياً بريئاً يخافه ﷾ في عباده المؤمنين.\rوإلى ذلك أشار النبي ﷺ بقوله: (لا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا) (٤) [٥٣] ) .","footnotes":"(١) ٥٠] ) أخرجه الإمام أبو داود (٢/٢٨٩) ، والإمام أحمد وابن حبان، وصححه. والألباني ﵀ في الصحيحة برقم (٨٧٦) .\r(٢) ٥١] ) من مقدمة شرح سنن الترمذي، للشيخ محمد.\r(٣) ٥٢] ) رواه الإمام مسلم من حديث ابن عباس ﵄.\r(٤) ٥٣] ) متفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777758,"book_id":1728,"shamela_page_id":60,"part":null,"page_num":60,"sequence_num":60,"body":"أحق الناس –بعد العلماء- بسلامة الصدر طلاب العلم، فطالب العلم غداً يقف أمام الناس يفتيهم ويعلّمهم ويرشدهم، فلا بد من أن يربي نفسه على سلامة الصدر ونقاء السريرة التي هي صفة من صفات أهل الجنة: ((وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ)) [الحجر:٤٧] .\rوإذا سلّم الله طالب العلم –بل إذا سلّم الله عبده- من الحسد، فقد أراد الله به خيراً.\rوإذا أراد أن يهلك عبده ملأ قلبه بالشحناء والبغضاء والحسد، حتى لا يبالي به في أي وادٍ من أودية الدنيا هلك، فإن من حسد ظلمَ وبغى.. هذا إبليس مع علمه وعلو رتبته بين الملائكة حينما كان بينهم، حسد آدم، فأضله الله وأغواه ولعنه ﷾، كل ذلك بسبب الحسد.\rفطالب العلم إذا كان في قلبه الحسد، قلّ أن ينبغ، وقلّ أن يشرف، وقلّ أن يكمُل.\rولا بد للإنسان إذا أخفى سريرة لا تُرضي الله أن تظهر في شمائله وفي أخلاقه وأقواله (١) [٥٤] ) ، وإذا سَلِم صدره للمؤمنين أظهر الله السلام على أقواله وأفعاله وآدابه وأخلاقه مع الناس.\rفتجد طالب العلم الذي سلِم صدرهُ لا يؤذي أحداً بلسانه، وتجده لا يتهم الناس، ولا يُسيء الظنون بهم، ويحملهم –إذا سمع عنهم خبراً سيئاً- على أحسن المحامل، حتى يتبين أهو صحيح أم خلاف ذلك، والعكس بالعكس، فمن تجده حسوداً –والعياذ بالله- فإنه يظلم ويحمل على أسوأ المحامل، ولا يلتمس لإخوانه المخرج حتى يهلك بما يكون من أذيتهم ... نسأل الله السلام والعافية.","footnotes":"(١) ٥٤] ) ... ... وإذا الفتى لله أخلص سرّه ... فعليه منه رداءُ طيبٍ يظهرُ\rوإذا الفتى جعل الإله مراده ... ... فلذكره عَرْفٌ ذكيّ يُنشَرُ","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777759,"book_id":1728,"shamela_page_id":61,"part":null,"page_num":61,"sequence_num":61,"body":"ومما يعين على مكارم الأخلاق أن يوطّن نفسه على سلامة لسانه من أن يوقع بين المسلمين ما يوجب القطيعة بينهم، يكون لسانه يدعو إلى المحبة والألفة والاجتماع كما أمر الله ﷾: ((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ)) [الحجرات:١٠] .\rفطالب العلم يوطّن نفسه على هذا، لماذا؟ لأنه غداً يقود الناس ويوجّههم ويربيهم، فإذا تربى هو من بداية طلبه للعلم على سلامة صدره، ونقاء سريرته، وحفظِ لسانه من النميمة، فإنه أحرى أن يحفظ الله ﷿ من تَبِعه وسار على نهجه من شرّ ذلك اللسان وزلاّته.\rكذلك ينبغي أيضاً أن يبتعد عن الغيبة، قال بعض السلف –رحمة الله عليهم-: (ما اغتبتُ مسلماً منذ أن سمعتُ أن الله ينهى عن الغيبة) .\rوإما إذا كنتَ مسترسلاً في غيبة الناس منذ بداية طلبك للعلم، فإنه –نسأل الله السلام والعافية- لا يأمن إذا جلس الناس بين يديك أن تعلّمهم الغيبة، وأن يصبح طلابك وأشياعك وأنصارك على هذه الوتيرة، وعلى هذا المنهج الذي هو زللٌ وخلل، فتمسي وتصبح وحسناتك في صحائف الناس.. نسأل الله السلامة والعافية.\rومن الأخلاق التي ينبغي أن يتحلى بها طالب العلم: التواضع، فيوطّن نفسه على توطئة الكَنَف.. يتواضع للناس.. ويكون قريباً من الناس عامّتهم وخاصّتهم.\rقال ﷺ: (ما تواضع أحد لله إلا رفعه) (١) [٥٥] ) .\rوإذا تواضع منذ بدايته للطلب فإنه أحرى أن يكون التواضع سجية فيه، دون تكلف إذا بلغ مبلغ العلماء.\rوما أجمل العالم وما أحسنه، وما أكمله وأشرفه، إذا زيّنه صاحبه بالتواضع، فتواضع لعوام المسلمين وقضاء حوائجهم، وتأسى برسول الأمة حينما أمره الله بهذه الخلة الكريمة –صلوات الله وسلامه عليه-، فقال سبحانه: ((وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)) [الشعراء:٢١٥] .","footnotes":"(١) ٥٥] ) سيأتي تخريجه.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777760,"book_id":1728,"shamela_page_id":62,"part":null,"page_num":62,"sequence_num":62,"body":"تتواضع وتكون سهلاً ميسراً حليماً، بعيداً عن الكبرياء، وبعيداً عن العُجب.. يكسر هذا العلم الذي تتعلمه قلبك لله، وتعلم أنه خليق بك إذا سرت على هذا النهج، وسرت على هذا السبيل –أعني طلب العلم- أن تتخلق بأخلاق أهل الجنة التي منها التواضع.\rقال ﷺ: (وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً، وما تواضع أحدٌ لله إلا رَفَعه) (١) [٥٦] ) .\rيقولون: ما سلمت سريرة الإنسان إلا تواضع لله ﷻ، فطالب العلم ينبغي أن يتحلى بالتواضع.\rإن كريم الأصل كالغصن كُلّما ... ازداد من خيرٍ تواضع وانحنى\rلا ترتفع على إخوانك، ولا على زملائك، ولا على أقرانك، ولكن تكون موطأ الكَنَف، حتى تصير من أهل الجنة، قال ﷺ: (ألا أنبئكم بأقربكم مني مجلساً يوم القيامة ... ؟! أحاسنكم أخلاقاً، الموطؤون أكنافاً، الذين يَألفون ويؤلفون) (٢) [٥٧] ) .\rيكون طالب العلم منذ بداية طلبه للعلم فيه لين، وفيه رفق، وفيه يُسر، بعيداً عن الفظاظة، بعيداً عن العسر والأذية وسوء المنطق الذي يُنفّر الناس منه، فإذا تواضع الإنسان لله، كمّله ورَفعَ قَدْرَه، وكان في رحمة من الله سبحانه، وكان تواضعه قربة لله ﷻ.\rقال بعض السلف: والله ما دخلت مجلساً أرى نفسي أصغر الناس إلا خرجتُ وأنا أعلاهم، ولا دخلتُ مجلساً أرى نفسي أعلاهم إلا خرجتُ وقد وضعني الله أدناهم.\rفالإنسان إذا تواضع لله ﷻ رفع الله قدره، فلا يرفع الإنسان اجتهاده ولا كدحه، ولكن يرفعه الله ﷻ.\rوكان العلماء –رحمة الله عليهم- يكثرون من الوصية بالتواضع؛ لأن العلم فيه طفرة.\rفمن ذلك: أن يأتيه بالعُجب، قالوا: أول العلم طفرة وغرور، وآخره انكسار وخشية لله ﷾.","footnotes":"(١) ٥٦] ) أخرجه مسلم (٢٥٨٨) . والدارمي في سننه (١/٣٩٦) . والترمذي، وقال حسن صحيح (٢٠٢٩) . وأحمد (٢/٣٨٦) .\r(٢) ٥٧] ) رواه الإمام الترمذي ﵀ وقال حسن غريب، وصححه الألباني في الصحيحة (٩٧١) .","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777761,"book_id":1728,"shamela_page_id":63,"part":null,"page_num":63,"sequence_num":63,"body":"أول العلم طفرة.. فتجد الإنسان إذا تعلم القليل من العلم، وكان في بدايته، ربما اغترّ، وربما أخذه شيء من العُجب والكبرياء، حتى تدخله الخشية لله ﷻ، فتكسير قلبه لله ﷾، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ذلك الرجل.\rالمَعْلَمْ التاسع: أخذ العلم عن أهله\rمما يوصى به طالب العلم أن يأخذ العلم عن أهله، أن يبحث عن العالم العامل الذي يذكّرك الله مخبره ومظهره، فوالله ما بحثت عن عالم صادق في علمه آخذ العلم عن أهله إلا اتصل سندك بالرسول ﷺ، فإذا أتيت يوم القيامة وقيل لك: لما أفتيت بكذا وكذا، فتقول: يا رب.. أخبرني فلان عن فلان حتى يتصل سندك إلى رسول الله ﷺ.\rقال الإمام الشافعي ﵀: (رضيت بمالك حجةً بيني وبين الله) ، يعني إذا سألني الله يوم القيامة عمن أخذت العلم، قلت: عن مالك، ومن هو مالك؟ إنه ذلك الوعاء الذي قال فيه بعض أهل الحديث في زمانه: إنه المعنيّ بقول رسول الله ﷺ: (يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل، فلا يجدون عالماً إلا عالم المدينة) (١) [٥٨] ) .\rروى مسلم في صحيحه عن الإمام محمد بن سيرين، فقيه التابعين أنه قال: (أيها الناس! إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذوا دينكم) (٢) [٥٩] ) .","footnotes":"(١) ٥٨] ) رواه الإمامان أحمد والترمذي -رحمهما الله تعالى- وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وهو حديث ابن عيينة، فيه عنعنة ابن جريج وأبي الزبير، وضعفه الشيخ ناصر الدين ﵀ في ضعيف سنن الترمذي رقم (٥٠٢) .\r(٢) ٥٩] ) رواه الإمام مسلم ﵀ في المقدمة (١/١٤) . وروي مثله عن الإمام مالك ﵀ كما في الانتقاء للحافظ ابن عبد البر (ص:١٦) .","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777762,"book_id":1728,"shamela_page_id":64,"part":null,"page_num":64,"sequence_num":64,"body":"العلم دين وتجارة وعبودية ومعاملة مع الله ﵎، ولا تجوز المجاملة في تلقي العلم، فإذا علمت أن الذي أمامك ليس من أهل العلم المشهود لهم أنهم أهل لتلقي العلم عنهم، فلتتقِ الله وتذهب تبحث عن من ينجيك بين يدي الله وتأتمنه على دينك، وإلا كنت شريكه في الإثم، وهذا الذي أضر اليوم كثيراً من طلاب العلم، فلا بد من الرجوع والطلب على أيدي العلماء، وترك أنصاف المتعلمين والجهال.\rقال ﷺ: (حتى إذا لم يَبْقَ عالمٌ، اتخذ الناس رؤساء جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلّوا وأضلوا) (١) [٦٠] ) ، نسأل الله السلامة والعافية. وكان السلف الصالح –﵏ يعنون بذلك عناية عظيمة، روى الخطيب البغدادي ﵀ عن إبراهيم النخعي –إمام من أئمة التابعين- قال: (كان الرجل إذا أراد أن يأخذ عن الرجل، نظر في صلاته، وفي حاله، وفي سمته، ثم يأخذ عنه) (٢) [٦١] ) .\rينظر إلى عبادته لله ﷿، وينظر إلى سيرته وأخلاقه وشمائله هل هي متفقة مع ذلك العلم أو تخالفه؟ فإن العلم إنما يؤخذ عن العلماء الربانيين.\rقال الإمام ابن القيم ﵀:\rوالجهل داءٌ قاتل وشفاؤه ... أمران في التركيب متفقان\rنص من القرآن أو من سنة ... وطبيب ذاك العالم الرباني\rفكم من قلوب كانت مريضة سقيمة شفاها الله بفضله، ثم بالعلماء الربانيين، أطباء الأرواح الذين يحسنون تعليم الأمة وهدايتها ودلالتها إلى صراط الله المستقيم.\rوينبغي في العالم الذي تأخذ عنه أن تتوفر فيها خصلتان:\rالأولى: صلاح السريرة، ويكون بالاستقامة في عقيدته ومنهجه وفكره، بإخلاصه لله ﷿، وكلاهما له دلائل تدل عليه وتشهد بصدقه، فلا ينبغي لطلاب العلم أن يسلم زمام فكره إلى من ضلّ عن السبيل وفقدَ الحجة، وترك المحجة.","footnotes":"(١) ٦٠] ) متفق عليه من حديث عبد الله بن عمرو وعائشة ﵂.\r(٢) ٦١] ) من مقدمة دروس شرح سنن الترمذي، للشيخ محمد.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777763,"book_id":1728,"shamela_page_id":65,"part":null,"page_num":65,"sequence_num":65,"body":"كم من عالم مليء بالعلم شانته أخلاقه، وشانته تصرفاته، وشانه سمته ودله، لا يخاف الله في كلامه، ولا يراقب الله في منطقه، يتتبع عورات المسلمين، ويثلب عباد الله المتقين، فالحذر الحذر أن تغتر من العالم بكثرة علمه دون أن يكون عنده ورع يمسك بزمام لسانه عن أن يقول على الله ما لا علم له، وقد كان العلماء –﵏ يختبرون الأئمة، يختبرونهم بالسؤال عمن لا علم لهم به، فإن وجدوهم وقّافين عن حدود الله، وقّافين عند محارم الله، أحبوهم ورضوهم في أخذ العلم عنهم.\rالثانية: أن يكون صالح السيرة، حافظاً يحفظ عن الله ورسوله ﷺ، فكما أن الأعمى لا يقود الأعمى، فكذلك الجاهل لا يقود الجاهل، لذلك ينبغي للإنسان أن يبحث عن هذا الصنف العالم المتمكن في علمه، المتمكن في فنّه، فمثل هذا حجة، وكفى به حجة.\rإذا وجدت هذا العالم، فلا يخلو من حالتين:\rأ- إما أن يكون في بلدك.\rب- وإما أن يكون في غير بلدك.\rأ- فإن كان في بلدك: فاحرص مجالسه، واحرص على زيارته، فمن صفات طلاب العلم أنهم يحبون العلماء، وأنهم على صلة بأهل العلم والفضل، فلا يعرف الفضل لأهله إلا أهل الفضل، فاقبل عليه، واثبت عنده، ولذلك قالوا في الحكمة: من ثبت نبت، والمراد بالثبات: أن تلزم العالم وأن تأخذ عنه، وأن تحرص على الفائدة التي عنده، ولذلك قال الإمام أبو حنيفة ﵀: ثبتُ عند حماد بن أبي سليمان فنبتُّ، وقد عرَف السلف الصالح هذا الثبات، والذي ضرّ كثيراً من طلاب العلم في هذا الزمان أنهم لا يثبتون عند العلماء.\rلذلك انظر في حال السلف، فعبد الله بن عباس ﵄ أخذ عنه عكرمة، وأخذ عنه مجاهد، ومكحول الشامي، وطاوس.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777764,"book_id":1728,"shamela_page_id":66,"part":null,"page_num":66,"sequence_num":66,"body":"وعبد الله بن عمر أخذ عنه نافع وسالم وابنه، وما توفي أئمتهم وعلماؤهم إلا وكل واحد منهم قد أمسك بزمام العلم في بلده، وأصبح عَلَماً من أعلام المسلمين، وإمام من أئمة الدين، وورِثَ علم شيخه، وصار أشبه الناس بسمته ودله، وأحفظهم لأقواله وفتاويه واختياراته.\rب- أن يكون هذا العالم في غير بلدك وفي غير موضعك: وحينئذٍ تحرص على الرحلة، غامر وتغرّب لوجه الله، واحتسب عند الله الخطوات من أجل لقاء العلماء، فإن الله ﵎ ذكر في كتابه الرحلة في طلب العلم، وحثّ عليها الأخيار، وشحذ إليها همم الأبرار، فقال ﷾: ((فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ)) [التوبة:١٢٢] . وكان من هدي السلف الصالح: الرحلة في طلب العلم، ووالله ما أنَتشَرَتْ العلوم، ولا دُوّنت دواوين الإسلام، وحفظت كتبه بشيء مثل الرحلة في طلب العلم، هذه الرحلة التي لا يرفع فيها طالب العلم قدمه ويضعها –يتغرب عن الأوطان، ويفارق الأحبة والخلان، ويحتسب عند الله ﷿، كل ذلك من أجل القرآن والسنة- إلا أحبه الله ورفع درجته وأعلى مكانته.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777765,"book_id":1728,"shamela_page_id":67,"part":null,"page_num":67,"sequence_num":67,"body":"وإنني بهذه المناسبة والله، لأهنئ طلاب العلم بالجامعة الإسلامية إذ سافروا عن بلادهم، وتغربوا عن أوطانهم، هنيئاً لهم (١) [٦٢] ) ، إذ أقبلوا لها من كل حدَب وصوب، يرجون رحمة الله، ويرجون ما عند الله، نحسبهم ولا نزكيهم على الله أنهم جددوا مآثر الصحابة، فذكّر مقدمُهم المدينة بالوفود على رسول الله ﷺ مع الفارق بين الطائفتين، ومراعاة الفضل بين الفريقين، لذلك أحبتي في الله، فلا بد من الرحلة، ولا بد من السفر، ولا بد من الغربة، ولا بد أن تتعذب قبل أن تنال العلم، حتى يمحص الله إيمانك، ويظهر الله ﷿ فضلك وصلاحك وبرّك، يقولون: لا ينال العلم إلا بالجهاد، والله تعالى ذكر آية الرحلة - ((فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ)) [التوبة:١٢٢]- في طلب العلم في سورة الجهاد، فختم بها سورة التوبة، ولم يقف الأمر عند ذلك، بل جعل الله الرحلة في طلب العلم، والجهاد في طلب العلم، سنة الأنبياء وسنة الصالحين.\rهذا نبي الله موسى –عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- أخبره الله تعالى أن بمجمع البحرين من هو أعلم منه، عبداً علّمه الله من لدنه علماً- وهو الخضر ﵇، فما إن بلغ الخبر إلى موسى، حتى قال: ((لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا)) [الكهف:٦٠] .\rيقول بعض العلماء: لا أبرح: أي لا أنتظر ولا أجلس، ولا يقر لي قرار حتى أرى هذا العالم.","footnotes":"(١) ٦٢] ) من محاضرة حلية طالب العلم، ألقيت في قاعة المحاضرات بالجامعة الإسلامية بالمدينة، بتاريخ (٦/١١/١٤١٢هـ) .","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777766,"book_id":1728,"shamela_page_id":68,"part":null,"page_num":68,"sequence_num":68,"body":"نبي يقول الله له: ((وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي)) [طه:٣٩] ، كلمه الله تكليماً، وقرّبه نجياً، فخرج -صلوات الله وسلامه عليه- في رحلته الذي أبقاها الله إلى يوم الدين قصة وعبرة في كتابه المبين، والعجيب في القصة أنه كان بالإمكان أن يبين لنا حاله مع الخضر، دون ذكر تعبه في السفر، ودون ذكر مشقته في السفر.\rيقول بعض العلماء: حتى يعلم طلاب العلم، ويعلم العلماء أنه لا بد في العلم من التعب والنصب، ولذلك مشى يوماً كاملاً من أجل أن يبلغ هذا العالم، حتى ضني في مشيه، ثم قال لفتاه يوشع بن نون: ((آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا)) [الكهف:٦٢] ، فأخبره ذلك الغلام أنه قد نسي الحوت، تصوّر! يوماً كاملاً يمشي فيه حتى نسي طعامه وشرابه كله، وشاء الله أن يلقاه، فقال له: ((هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا)) [الكهف:٦٦] فرحاً بلقاء ذلك العالم.\rوإذا كان الطالب مشغولاً في أيام الدراسة يغتنم أيام العطل، يسافر إلى العلماء، يتغرّب، فينظر الله إليه وقد غابت عليه شمس يوم وقد أغبرّت قدماه في سبيل الله ﷻ، متحملاً المشاق والمتاعب، متقرباً بطلب أفضل وأشرف ما يرغب فيه ويطلب.. في هذه السنة شهراً، ثم في السنة الثانية شهراً أو شهرين، فيبارك الله له في علمه.\rأعرف طلاباً يتغربون بالأسابيع، يتفقون مع الشيخ على أن يأتوه أسبوعاً يقرؤون عليه متناً أو كتاباً، فيفرّغ الشيخ لهم نفسه، ويعطيهم القدر الذي يسّره الله في هذه الفترة، فيحصلون بذلك خيراً كثيراً، وطلب العلم على قدر الطاقة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777767,"book_id":1728,"shamela_page_id":69,"part":null,"page_num":69,"sequence_num":69,"body":"المعْلَمْ العاشر: الاهتداء بالكتاب والسنة\rفلا خير في العلم إذا لم يُصحب بالاهتداء (١) [٦٣] ) بالكتاب والسنة، إنهما أساس العلوم ومنبعهما؛ وقد تكفل الله لمن اتبعهما بألا يضلّ أبداً ولا يشقى، تكفل الله لمن تمسك بوحيه بالسعادة وحسن الغاية وعظيم الرضا ((إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ ... )) [الإسراء:٩] الآية.\rمن اهتدى بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ، سار على الصراط المستقيم، والمنهج القويم، وعصمه الله من الفتن، وحفظه من المحن، وجعل في قلبه طمأنينةً، وفي صدره انشراحاً. ((وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ)) [الأنعام:١٥٣] .\rفالناس تضلّ وهو يهتدي، والناس تنحرف وهو يسير على المنهج ((كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ)) [الفرقان:٣٢] ، حتى يلقى الله ﷻ ... يلقاه بكتابه المبين، فإذا بالقرآن أمامه شفيعاً له بين يدي الله ﷾، فإن القرآن حجّاجٌ (٢) [٦٤] ) لصاحبه بين يدي الله تعالى، حتى ينتهي به إلى الجنة.\rفاتباع القرآن والسنة هو الاهتداء الحقيقي. ((وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)) [الأعراف:١٥٨] .\rفالعبد الذي يريد أن يبارك له في علمه، يعضّ بنواجذه على الكتاب والسنة، واتباع هذه الشريعة والملة.\rفإذا تشعبت الآراء، وتباينت الأهواء، وكثرت المحن، وادلهمّت الفتن، وجد وحي الله منيراً مشرقاً، ليست به ضلالة ولا غواية.","footnotes":"(١) ٦٣] ) من مقدمة شرح سنن الترمذي.\r(٢) ٦٤] ) روى الإمام ابن حبان وغيره عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (القرآن شافع مشفع، وما حل مصدق) ، وهو في السلسلة الصحيحة رقم (٤٤٤٣) .","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777768,"book_id":1728,"shamela_page_id":70,"part":null,"page_num":70,"sequence_num":70,"body":"المَعْلَمْ الحادي عشر: العمل بالعلم\rأن يترجم هذا العلم للواقع، أن يخرجه الإنسان من قرار القلب إلى القالب، ومن الأقوال إلى الأفعال، يتمسك به ويطبقه ويلتزمه. ((فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ)) [الزخرف:٤٣] .\rفإذا تعلم طالب العلم سنة أو حكمة، تمسك بها وعمل بها أشهد الله على أنه من أهلها، إن ترجمة العلم إلى الجوارح حياته، وكم من سنن أحييت لما خرج طلاب العلم فنشروها أمام الأمة بلسان الحال والمقال، قال الله تعالى عن علماء بني إسرائيل: ((وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ)) [السجدة:٢٤] .\rبعض طلاب العلم الذين شرح الله صدرهم للعلم والعمل إذا رأيتهم ذكّرتك بالله رؤيتهم (١) [٦٥] ) .\rالعمل بالعلم كمال للإنسان، وأعظم ما يعين على ضبط العلم ووضع البركة فيه.\rقالوا في الحكمة: اعمل بالحديث مرة، تكن من أهله (٢) [٦٦] ) . فمن عمل بما علم، ورّثه الله علم ما لم يعلم.\rمن الأخطاء أن يستهين الطالب بالسنة في التطبيق، يقول: هذا سنة وليس بواجب، نعم ليس بواجب ولكن في حق طالب العلم الذي ينبغي أن يكون أكمل وأحرص له شأن آخر، وليس العلم للحفظ، وإنما هو للعمل.\rقال بعض السلف: (هتف العلم بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل) (٣) [٦٧] ) .","footnotes":"(١) ٦٥] ) من محاضرة وصايا لطلاب العلم، للشيخ محمد.\r(٢) ٦٦] ) ذكره الشيخ حسن المشاط رحمه لله في رفع الأستار شرح طلعة الأنوار عن عمرو بن قيس الملائي ﵀ (ص:١٩٥) .\r(٣) ٦٧] ) رواه الحافظ ابن عبد البر ﵀ في الجامع، وصححه المحقق الزهيري برقم (١٢٧٤) ، (ص:٧٠٧) . وروى نحوه عن علي بن أبي طالب ﵁ وابن المنكدر ﵀.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777769,"book_id":1728,"shamela_page_id":71,"part":null,"page_num":71,"sequence_num":71,"body":"ومن العمل الذي ينبغي لطالب العلم المواظبة عليه: أذكار الصباح والمساء والدخول والخروج والشدة والرخاء (١) [٦٨] ) .\rوأن يجعل له ورد من قيام الليل وصيام النهار، يتزود به، ويجعل له حظاً من تشييع الجنائز، وزيارة القبور، وعيادة المرضى (٢) [٦٩] ) .\rكذلك يحرص أن تكون بينه وبين الله حسنات لا يعلمها إلا هو ﷾، كالإحسان إلى الأيتام (٣) [٧٠] ) ، والأرامل، وزيارة الضعفاء ومواساتهم، ونحوها من الأعمال الصالحة التي يبارك الله في حال الإنسان بسببها تستوجب له الدعوات المباركات، والمحبة من الله ﷾ (٤) [٧١] ) . واقرأ في تراجم العلماء وسير الأئمة الذين مضوا –رحمة الله عليهم- تُحس بالهيبة والإجلال لهذا العالم؛ لأنه قرنَ القول بالعمل، حينما يقال: كان عالماً في التفسير.. إماماً في الحديث.. متواضعاً حليماً، وكان كثير الإحسان.. كثير الصدقات.. كثير البكاء من خشية الله.. كثير قيام الليل وصيام النهار، تُحِسّ بأثره، وتنتفع بعلمه، لذلك أوصي أن يحرص طالب العلم على العمل الذي هو بركة العلم.","footnotes":"(١) ٦٨] ) للمزيد من الحديث عن حال طالب العلم مع الذكر، راجع درس البلوغ –للشيخ جزاه الله خيراً- عند شرح حديث عائشة (كان يذكر الله على كل أحيانه) .\r(٢) ٦٩] ) وتدبر كلام شيخ الإسلام أبي العباس ابن تيمية ﵀: (لابد للعبد من أوقات ينفرد فيها بنفسه في دعائه وذكره وصلاته، وتفكره ومحاسبته لنفسه وإصلاح قلبه) اهـ. من الفتاوى (ص:١٠) نقلاً عن: كيف نتحمس لطلب العلم لأبي القعقاع محمد صالح آل عبد الله (ص:٨) .\r(٣) ٧٠] ) مقدمة درس شرح الترمذي، للشيخ محمد –حفظه الله.\r(٤) ٧١] ) قال ابن المبارك ﵀: ما رأيت أحداً ارتفع مثل مالك، ليس له كثير صلاة ولا صيام، إلا أن تكون له سريرة! (السير٨/٩٧) .","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777770,"book_id":1728,"shamela_page_id":72,"part":null,"page_num":72,"sequence_num":72,"body":"كان زين (١) [٧٢] ) العابدين -رحمة الله عليه- علي بن الحسين مع العلم والصلاح والعمل، كان إذا جنّ عليه الليل، لبس ثياباً مبتذلة، وحمل على ظهره الطعام، ومضى به إلى بيوت الأرامل والأيتام، وهو إمام في زمانه، ولم يعلم أحد أن هذا هو زين العابدين، سليل بيت النبوة إلا بعد أن توفي، وفقدوا من كان يقرع عليهم بيوتهم بالصدقات في جوف الليل (٢) [٧٣] ) .\rوكان الإمام شعبة بن الحجاج بن الورد الذي يقول فيه سفيان الثوري: (أمير المؤمنين في الحديث) ، وكان يهابه ويجلّه، كان شعبة -رحمة الله عليه- لا يردّ سائلاً سأله، حتى إنه دخل عليه رجل وبكى واشتكى أن دابته فُقدت عليه، فسأله كم قيمتها، قال: ثلاثة دنانير، فأدخل يده في جيبه وقال: هذه ثلاثة دنانير، والله لا أملك غيرها (٣) [٧٤] ) .\rكانوا يُضحّون ويتصدق أحدهم بنصف ماله، بل ربما خرج عن ماله كله؛ لأن العلم إذا أثرّ انكسر القلب لله ﷻ، فلم يبال بالدنيا جاءت أم ذهبت، والذي ضرنا ركوننا إلى الدنيا.\rفالأعمال الصالحة تقرب الإنسان من الله، وتزيده قربة منه ﷾، ولعله تصيبه دعوة تكون مستجابة عند الله ﷾.\rوقلّ أن تجد عالماً يحسن إلى الناس إلا وجدته في أعلى المراتب والقبول له كأحسن وأجمل ما يكون له القبول.\rجعلنا الله وإياكم ذلك الرجل، وهي مواقف تنبئ عن الرحمة بالمسلمين.\rالفصل الثالث: معالم في آداب طالب العلم في درسه\rالمَعْلَمْ الأول: أخذ العلم فنّاً فنّاً.\rالمَعْلَمْ الثاني: الاجتهاد في ضبط العلم.\rالمَعْلَمْ الثالث: عدم الاستعجال في النزول للساحة.","footnotes":"(١) ٧٢] ) (بتصرف) من محاضرة (وصايا للخريجين) ، للشيخ محمد -حفظه الله-.\r(٢) ٧٣] ) ذكره الحافظ الذهبي ﵀ في السير. انظر نزهة الفضلاء (٧/٤٠٦) .\r(٣) ٧٤] ) أخرجه الحافظ أبو نعيم ﵀ بسنده في الحلية (٧/١٤٦) .","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777771,"book_id":1728,"shamela_page_id":73,"part":null,"page_num":73,"sequence_num":73,"body":"المَعْلَمْ الأول: أخذ العلم فنّاً فنّاً\rفإن أفضل شيء أخذ الفن الواحد وإتقانه (١) [٧٥] ) ، ثم يأخذ غيره.\rقال البعض:\rوفي ترادف الفنون المنع جا ... ... إذ توأمان اجتمعا لن يَخرجا\rفضبط الفن الواحد، ثم ضبط ما سواه أنفع، ويستثنى من هذا الأصل إذا كان عند الطالب ملكة قوية في الضبط وتفرّغ، واستطاع أن يجمع بين فنين أو أكثر، فلا حرج؛ لأن الملكة تختلف، أو كان طالب العلم لا يجد في بلده ولا يتيسر له وجود العلماء، فيتغرّب السنة والسنتين في ديار العلم، فيحتاج أن يقرأ أكثر من فن وعلم؛ لأنه محتاج إلى ذلك، فهذا لا حرج عليه أن يجمع بين علمين.\rالمَعْلَمْ الثاني: الاجتهاد في ضبط العلم (٢) [٧٦] ) :\rكم نجلس من مجالس الدنيا، فنسمع فيها فضول الأحاديث والأخبار، ولو سألت الواحد عن خبر من الأخبار لقصه عليك لا يخرم منه حرفاً واحداً.\rثم نجلس مع العلماء الأجلاء وأهل الفضل الذين هم على علم بالكتاب والسنة، ينثرون درر الكتاب والسنة، ولا نرفع بذلك رأساً!\rوالله إذا بلغ الإنسان إلى هذا المقام فليبكي على نفسه؛ لأن الله حرَمِه التوفيق، إذا جلست في مجالس العلم فرأيت قلبك لم يعي ذلك العلم، فابكِ على نفسك، فلعل ذنباً حال بينك وبين ذلك الخير.","footnotes":"(١) ٧٥] ) من حاضرة حلية طالب العلم، للشيخ محمد.\r(٢) ٧٦] ) (بتصرف) من دروس تفسير سورة النور، للشيخ محمد -وفقه الله-.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777772,"book_id":1728,"shamela_page_id":74,"part":null,"page_num":74,"sequence_num":74,"body":"ومما يعين الطالب على ضبط العلم: استشعاره أن كل حكمة يضبطها أنها قربةٌ وطاعةٌ لله تعالى، فيشفق على نفسه من أن تفوته فائدة واحدة يحفظها غيره وهو لم يحفظها، فلعله يقوم من المجلس وهو أرفع قدراً عند الله ﷾ منه (١) [٧٧] ) ، فيحرص على أن لا تفوته كلمة، ولا يفوته ضبط لمسألة أو تحليل لقاعدة في ذلك المجلس، وهذا من محبة الله للعبد، فإذا رأيت الله ﷻ يشرح صدر طالب العلم فلا تفوته كلمة، ولا تفوته نادرة، يضبط حق الضبط، ويحصل حق التحصيل، فاعلم أن الله سيبارك في علمه، ولذلك ما نبغ من السلف ولا أشتهر من الأئمة إلا من كان بهذه المثابة، وربما أتاهم الخبر أن للعالم فلاناً مجلساً عُقد لحديث رسول الله ﷺ في مسجد كذا، فيتركون طعامهم، وينطلقون إلى ذلك العالم لضبط العلم، كل ذلك طلباً لمرضاة الله.","footnotes":"(١) ٧٧] ) من مقدمة شرح سنن الترمذي، للشيخ محمد –حفظه الله-.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777773,"book_id":1728,"shamela_page_id":75,"part":null,"page_num":75,"sequence_num":75,"body":"ولذلك بارك الله لهم، وألقى لهم المحبة بين الناس، ووضع لهم القبول بين عباده. نسأل الله العظيم أن يمنّ علينا بواسع رحمته (١) [٧٨] ) .\rوفي حديث أنس عن زيد في الصحيحين (قال: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية) ، انظر إلى الدقة والهمة في ضبط المسائل والسنة.\rوهذه خصلة طيبة في طالب العلم أن يكون دقيقاً في المسائل والنصوص، وهي أحظ في العلم وأكثر نبوغاً وفهماً (٢) [٧٩] ) .","footnotes":"(١) ٧٨] ) ومما يستملح من الأخبار في الحث على ضبط العلم وحفظه ما وقع للإمام أبي حامد الغزالي فقد سافر الإمام أبو حامد الغزالي ﵀ إلى جرجان وقرأ على كثير من علمائها وهو صغير، وكان يكتب تعليقات أستاذه في الفقه والفوائد التي أخذها منه وجمعها في كراريس سماها (التعليقة) ، وقد كان يريد الاكتفاء بالكتابة دون الحفظ، غير أن هذا لقّنهُ درساً قاسياً، حيث قُطع عليه الطريق وهو في طريق عودته إلى طوس، وأخذ قطاع الطريق جميع ما كان مع القافلة بما فيه المخلاة –أي حقيبة أبي حامد التي كانت فيها تعليقته- وقد حكى أبو حامد هذه الحادثة فقال، فتبعتهم فالتفت إلى كبيرهم وقال: ويحك، ارجع وإلا هلكت، فقلت: أسألك بالذي ترجو السلامة منه أن ترد عليَّ تعليقتي فقط فما هي بشيء تنتفعون به، فقال: وما هي تعليقتك؟ فقلت: كتب في تلك المخلاة هاجرتُ لسماعها وكتابتها ومعرفة علمها، فضحك وقال: كيف تدعي أنك عرفت علمها وقد أخذناها منك فتجردت من معرفتها وبقيت بلا علم؟! ثم أمر بعض أصحابه فسلّم إليَّ المخلاة.\rقال أبو حامد: فقلت: هذا مستنطق أنطقه الله ليرشدني به أمري، فلما وافيت طوس أقبلت على الاشتغال ثلاث سنين حتى حفظت جميع ما علقته، وصرت بحيث لو قُطع عليَّ الطريق لم أتجرد من علمي. طبقات الشافعية الكبرى (١/١٩٥) . نقلاً عن كتاب آداب طالب العلم، لابن رسلان (ص:١٥٤) .\r(٢) ٧٩] ) من دروس شرح كتاب عمدة الأحكام، للشيخ محمد –كتاب الصيام-.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777774,"book_id":1728,"shamela_page_id":76,"part":null,"page_num":76,"sequence_num":76,"body":"المَعْلَمْ الثالث: عدم الاستعجال في النزول للساحة\rفإطالة الوقت في الطلب فيها خير كثير للطالب، والذي أضر الكثيرين خروجهم إلى الساحة، ولما يأخذوا قسطاً من كمال العلم فأضرَّوا باستعجالهم، ولم يثق الناس بعلمهم، وفي الحكمة: (حب الظهور قصم الظهور) .\rوكان العلماء -رحمة الله عليهم- يعنون بإطالة الزمن في الطلب (١) [٨٠] ) . وفي أبيات الشافعي المشهورة ما يؤيد أن من شروط نيل العلم طول الزمن في الطلب (٢) [٨١] ) :\rأخي لن تنالَ العلمَ إلا بستةٍ ... سأنبيكَ عن تفصيلها ببيانِ\rذكاءٌ وحرصٌ واجتهادٌ وبُلغةٌ ... وصحبةُ أستاذٍ وطول زمانِ\rوهذا الإمام عبد الله بن وهب من أصحاب الإمام مالك -رحمة الله على الجميع- تفقه على الإمام مالك خمسة وعشرين سنة.. ربع قرن، سبحان الله، ونحن نستكثر ثلاث سنوات في كتاب معين (٣) [٨٢] ) .\rوالمنهج الذي تعلمت عليه هو إطالة الوقت في زمن الطلب.\rأذكر أني قرأت سنن الترمذي على الوالد -رحمة الله عليه- في أربع سنوات، في كل ليلة درس، وصحيح مسلم في ست سنوات، في كل ليلة درس، ما عدا يومي الثلاثاء والجمعة، والموطأ في ثلاث سنوات ونصف، وصحيح البخاري ابتدأت مع الوالد واستمريت معه أكثر من عشر سنوات، وتوفي ﵀ ولم أكمله عليه.","footnotes":"(١) ٨٠] ) قال الإمام مالك ﵀: كان الرجل يختلف إلى الرجل ثلاثين سنة يتعلم منه. وقال الحافظ محمد بن جعفر الكرابيسي الملقب بغُنْدَر ﵀: لزمتُ شعبة عشرين سنة.\r(٢) ٨١] ) ديوان الإمام الشافعي ﵀ بتعليق الزعبي ط. الثالثة (ص:٨١) .\r(٣) ٨٢] ) من دروس شرح بلوغ المرام، للشيخ محمد -حفظه الله-.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777775,"book_id":1728,"shamela_page_id":77,"part":null,"page_num":77,"sequence_num":77,"body":"وجربنا طول النفس في الطلب، والإطالة في زمن الطلب فيها مزايا، منها: يخرج طالب العلم بمادة مكتملة وتصور واضح، ويتربى الطالب على الصبر وتحمل المشاق والمتاعب، وهي أدعى للإخلاص والضبط، وليس المهم أن تختم الكتاب على الشيخ، فالعبرة ليست بالكم وكثرة المشايخ، وإنما بالكيف والنتيجة والثمرة، وطالب العلم –والحمد لله- على خير وعبادة أثناء زمن الطلب يحتسب الأمر في التعب والنصب.\rففي الاستعجال جناية على العلم، ولا يمنع من هذا أن يوجد بعض الطلاب عنده ملكة في الفهم والحفظ، يمكن أن يحصل الكثير من العلم في وقت قليل.\rالمَعْلَمْ الرابع: مذاكرة العلم:\rمما أضر كثيراً من طلاب العلم اليوم (١) [٨٣] ) أنهم لا يذاكرون، يأتي الشخص إلى مجلس العلم دون تحضير للدرس، فيفاجأ بأشياء، وتنهال عليه المعلومات، فلا يستطيع أن يضبط الدرس، لكن إذا كان عنده تحضير سابق مع مذاكرة ومناظرة لاحقة فإن هذا من أضبط ما يكون للعلم، وإذا انتهى من الدرس يرجع إلى البيت ويحاول يستذكر الشرح مرة ثانية، ولو كان معه طالب علم يتذاكر معه بحيث يكمل كل منهما النقص الذي ربما فات الآخر، لكان ذلك أضبط للعلم، والمذاكرة حياة العلم، كما قال بعض الفضلاء (٢)","footnotes":"(١) ٨٣] ) من دروس شرح كتاب التوحيد، للشيخ محمد –شريط رقم (١) - جواب السؤال الثاني في نهاية الدرس.\r(٢) ٨٤] ) هو العلامة مجدد العلم في بلاد شنقيط سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم العلوي ﵀، (ت:١٢٣٣) . ترجم له كثيرون، منهم صاحب معجم المؤلفين في القطر الشنقيطي (ص:٣٦) فقال:\rعالم واسع المعرفة، رحل أربعين سنة في طلب العلم، أخذ عن أجلة، منهم علاّمة النحو المختار بن بونة الجكني، والفقيه المغربي محمد البناني، وتخرج عليه عشرات العلماء، وترك مؤلفات كثيرة تمتاز بتحقيقات نفيسة، فأقبل عليها العلماء، منها مراقي السعود وشرحه نشر البنود، ونوازل في الفقه، وألفية في البلاغة مع شرحها نور الأقاح.\rشارك في الجهاد ضد البرتغاليين أيام حملتهم على المغرب، وتوفي عام ١٢٣٠هـ. اهـ بتصرف.\rومن مراثية بعضهم له:\rأحيا علوم الشرع حتى ظهرتْ\rوأهلكَ البدعة حتى اندثرتْ\rطوْدُ علوم ماله نظير\rيزول وهو لم يزلْ ثبيرُ\rقد كاد يوصف بالترجيح\rلفهمه ونقله الصحيح\rفهو الإمام الحجة العريفُ\rله الفتاوى وله التصنيف\rعلم الحديث فيه لا يبارى\rكأنما نشأ في بخارى\rوالبيت الذي استشهد به الشيخ من منظومته طلعة الأنوار، اختصر بها ألفية الحافظ العراقي في المصطلح في نحو ثلثها مع تحريرات دقيقة.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777776,"book_id":1728,"shamela_page_id":78,"part":null,"page_num":78,"sequence_num":78,"body":"[٨٤] ) :\rواعلم بأن العلم بالمذاكرة ... ... والدرس والفكرة والمناظرة\rوكان السلف ﵏ يعرفون هذا كما قالوا:\r(كنا نسمع الحديث من جابر بن عبد الله، فإذا خرجنا من عنده تذاكرنا، فإذا أبو الزبير أحفظنا..) (١) [٨٥] ) .\rثم يفضل بعد الدرس وبعد المذاكرة مع طالب علم جيد وحريص على الفائدة أن تكتب المعلومات، أو تكتب ملخص استفدته من خلال الدرس ومن خلال المراجعة، هذا الملخص تعتبره كأساس لك في التحصيل، بحيث لو رجعت بعد ختم الكتاب ترجع إلى هذا الملخص، وتصبح المعلومات منضبطة مختصرة، ثم بعد ذلك تتوسع في شرحها والإضافة عليها، وما يستجدّ عندك من معلومات في كل باب وتحت كل مسألة بحسبها، وحسب توسعك في العلم والفن.\rفإذا سار طالب العلم على هذه الطريقة، فإنه سيستفيد خيراً كثيراً، وأنبه على ضرورة اختيار طالب علم حريص على الفائدة، حتى لا يضيع وقتك.\rالفصل الرابع: معالم في بعض أحكام الفتوى\rتمهيد: في أهمية مقام الفتوى.\rالمَعْلَمَ الأول: الإخلاص في النية.\rالمَعْلَمَ الثاني: البصيرة وضبط العلم.\rالمَعْلَمَ الثالث: تحصيل الورع.\rالمَعْلَمَ الرابع: معرفة المصالح والمفاسد المترتبة على الفتوى.\rالمَعْلَمَ الخامس: تحصيل الخشية من الله.\rالمَعْلَمَ السادس: معرفة حال المستفتي.\rتمهيد: في أهمية مقام الفتوى\rالحديث في هذه (الأسطر) (٢) [٨٦] ) عن ثغر من ثغور الإسلام، تبيِّن به الشريعة والأحكام (٣) [٨٧] ) ، عن ذلك الثغر العظيم الذي تولى الله -جل وعلا- أمره من فوق سبع سماوات، ألا وهو الفتيا.","footnotes":"(١) ٨٥] ) رواه الحافظ أبو خيثمة ﵀ في كتاب العلم بتحقيق الشيخ الألباني ﵀ (ص:٢١) ، ط. المكتب الإسلامي.\r(٢) ٨٦] ) في الشريط: (اللحظة المباركة) .\r(٣) ٨٧] ) هذا الفصل أخذ من محاضرة (من أحكام الفتوى) ، للشيخ محمد، ألقيت بكلية الشريعة بالجامعة الإسلامية.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777777,"book_id":1728,"shamela_page_id":79,"part":null,"page_num":79,"sequence_num":79,"body":"هذا الثغر الذي تتعطش الأمة في كل زمان ومكان إلى أهله ورجاله، الذين نور الله قلوبهم بالعلم، وشرح صدورهم بالعلم والحكمة والإيمان، فجعلهم به هداة مهتدين، يقولون الحق وبه يعدلون، هذا المقام العظيم الذي يقوم به المسلم مبلّغاً لشرع الله ودين الله ﷿، فما أشرفه من مقام، وما أعظمه من ثغر جليل المرام، يوم يقف الإنسان لكي يبيّن الحلال والحرام ويفصّل الشريعة والأحكام، على نور من الله وهدى من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ.\rولذلك أخبر الله جل وعلا أنه تولى هذا المقام العظيم بنفسه، فقال في كتابه الكريم: ((يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ)) [النساء:١٧٦] ، يوم نزلت هذه النازلة برسول الأمة ﷺ، فتولى الله جوابها وحلها ودفع إشكالها، وقد تقلدها رسول الأمة ﷺ حين بين حلال الله وحرامه، وشرعه ونظامه، فهدى الله به الأمة إلى حكم الله في النوازل والمشاكل، ثم خلفه ﷺ في هذا الثغر العظيم والمقام الجليل الكريم، أصحابه الكرام ﵃ أجمعين.\rفكانوا أئمة هداة مهتدين، يسيرون على نهجه ﷺ قولاً وعملاً واعتقاداً، ثم تبعهم التابعون لهم بإحسان كلما مضى لهم جيل، تبعه على ذلك النهج جيل، فهم على أوضح حجة وأبين سبيل، فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خير ما جزى به عاملاً عن عمله، وما زالت الأمة بخير ما قام علماؤها بهذا الثغر، ولا تزال الأمة بخير مادام قد وجد فيها من يبيّن الحلال والحرام، ويفصّل الشريعة والأحكام، يلتزم بذلك المنهج المفضي إلى الجنة دار السلام، ولو لم يكن لفضل الفتوى إلا عظيم البلوى لكفاها شرفاً وفضلاً.\rفإن العلماء –﵏ يقولون: يستدل على فضل الشيء بعظيم أثره في الناس.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777778,"book_id":1728,"shamela_page_id":80,"part":null,"page_num":80,"sequence_num":80,"body":"فكم أُحيي من سنن المرسلين، وأُميتَ من بدع المضلين، حين تقلد الفتوى أئمة الدين، وكم انتشر من البدع والأهواء، وتنازعت الناس السبل، بسبب ضياع هذا الثغر العظيم.\rولذلك عدّ النبي ﷺ هذه الرزية العظيمة حين قال: (حتى إذا لم يَبقَ عالمٌ، اتخذ الناس رؤساء جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا) (١) [٨٨] ) .\rفما أعظمها من مصيبة على الأمة إذا تقلد الجهال هذا المقام، وما أعظمه من شرف، وما أجلّها من نعمة إذا وجد في الأمة العالم البصير الحاذق الذي يعرف حكم الله ﷾ في النوازل والمشاكل.\rوقد تسفك الدماء، وتنتهك الأعراض بسبب الخلاف في مسألة من مسائل الدين، حين لا يستطيع الناس أن يجدوا من يفصل بينهم في نازلة من النوازل.\rفإن النفوس تحب الأموال، وقد تحب المناصب والمراتب، فيتنازع الناس في حلالها وحرامها، فيعيش الناس حياة الفوضى، حتى يأتي ذلك العالم البصير الخبير لكي يخبر عن حكم الله الحكيم الخبير في هذه النازلة، التي لولا أن الله لطف وهيأ لهم هذا العالم لانتهت بالناس إلى شرّ عظيم وبلاء عميم.\rفالفتوى لها فضل عظيم. قال العلماء: إن الإنسان إذا تقلد الفتوى أجر على علمها والعمل بها.\rفتصور أخي طالب العلم إذا خرجتَ إلى أمتك وقمتَ على هذا الثغر في بلدك، فأصبحت الناس تصدر عن رأيك في الحلال والحرام، يعملون به آناء الليل وأطراف النهار، وأجور امتثالهم لأمر الله في صحيفة عملك.","footnotes":"(١) ٨٨] ) متفق عليه من حديث عبد الله بن عمرو وعائشة ﵄.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777779,"book_id":1728,"shamela_page_id":81,"part":null,"page_num":81,"sequence_num":81,"body":"ولذلك ورد في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: (أن الرجل ينصب له ميزانه يوم القيامة، فتأتي أعمال كالغمامات، فيقول: يا رب.. ما هذا؟ يقال: سنن دعوتَ إليها، كتب لك أجر من عمل بها) (١) [٨٩] ) .\rفهذا عضل عظيم، وكم من كُرُبات تفرّج بالفتوى بإذن الله ﷿، يأتيك السائل في ظلمات الليل قد قال لامرأته كلمة لا يدري أهي حلال، فيعيش معها ويبيت معها، أم هي حرام، فلا يستقرّ قراره حتى يسألك فتفتيه عن حكم الله ﷿.\rويأتيك الرجل قد ضاقت عليه الأرض بما رحبت في مال لا يدري أحلال فيطعم، أو حرام فيجتنب ويحجم، حتى تبيّن له حكم الله ﷿ في ذلك.\rفالفتوى مقام عظيم، ولذلك تشرّف به العلماء وزادوا به شرفاً وفضلاً حينما جاءهم الجليل والحقير والسوقةُ والأمير لكي يعرف حكم الله جلّ وعلا عنده، فالناس كلهم محتاجون إلى المفتي، علت مناصبهم أم نزلت، شرفت مراتبهم أو أهينت، كلهم محتاجون إلى حكم الله تعالى الذي يبينه المفتي، ولذلك تشرف به العلماء، حتى أثر عن بعضهم أنه تقلد الفتوى ما لا يقلّ عن أربعين عاماً، فلما حضرته الوفاة بكتْ ابنته، فقال لها: أتبكي عليّ وأربعون عاماً أوقع عنه، يعني: أتسيئين الظن أن الله يخيّبني وأنا أربعون عاماً أسد ثغر الفتوى لأهل الإسلام.","footnotes":"(١) ٨٩] ) لم أجده، وروى الحافظ ابن عبد البر في الجامع أثراً في معناه موقوفاً على إبراهيم النخعي برقم (٢٢٤) . انظر الجامع (ص:٢٠٩) ، تحقيق الأستاذ الزهيري.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777780,"book_id":1728,"shamela_page_id":82,"part":null,"page_num":82,"sequence_num":82,"body":"ولازم هذا أن لكل مقام عظيم، وكل منصب جليل كريم يحتاج صاحبه لبلوغه أن يدفع الثمن، وأن يبذل المقابل والعوض، وكون الإنسان متحملاً لأمانة الفتوى يستوجب عليه ذلك أن يكون على صفات وأخلاق وآداب تليق بمثله أن يُبلِّغ عن الله ﷿ شريعته، وأن يبين حكمه، ولذلك تكلم العلماء عن آداب المفتي وشروطه، وأهليته، وما ينبغي أن يراعيه، فنسأل الله العظيم أن يشرفنا وإياكم بهذا المقام العظيم، وأن يرزقنا فيه الإخلاص.\rلهذا المقام (معالم) وأمور يوصَى بها طالب العلم:\rالمَعْلَمَ الأول: إخلاص النية لله\rفأول ما يجب عليه في خاصة نفسه وأهمها وأعظمها: إخلاص النية لله جل وعلا، فإياك أن تُسأل عن مسألة أو تُسأل عن حكم شرعي وتريد أن تجيب فيه أو تتكلم فيه أو تبينه للناس إلا وأنت مخلص لوجه الله جل وعلا.\rأن تبين حكم الله لعباد الله وأنت ترجو ما عند الله جل وعلا، وبالإخلاص يكون التوفيق وتيسير الفتوى ونور التقوى، الذي هو فرقان بين الحق والباطل: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا)) [الأنفال:٢٩] ، وعماد التقوى ولبّها وروحها وأساسها إخلاص النية لله جل وعلا.\rومن تكلم في المسائل، وحل المعضلات والمشاكل، وهو يرجو ما عند الله، فتح الله عليه في كلامه، وألهمه البصيرة في شريعته ونظامه، وكان موفقاً مسدداً ملهماً، ولا يزال المخلص يجد من الله معونة وكفاية للمئونة.\rفبالإخلاص يعظم أجر البلوى، فإن الكلمة التي تخرج لوجه الله تصعد إلى الله وعليها نور.\rلما أخبر الله تعالى أنه: ((إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ)) [فاطر:١٠] ، فكل مسألة في الدين تكلمت فيها وأنت ترجو رحمة الله رب العالمين، تؤجر عليها، على حروفها، على كلماتها، على الخير الذي يكون بها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777781,"book_id":1728,"shamela_page_id":83,"part":null,"page_num":83,"sequence_num":83,"body":"فلو أن أمة سمعت منك فتوى في حلال، فعملت به، نلت أجور كل من عمل بها إذا أخلصتَ، ولو أن أمةً سمعت منك فتوى في حرام أن الله حرمه وأردت ما عند الله وأنت تتكلم، فكل من عمل بذلك الأمر واجتنب ذاك المنهي، فإنه في ميزان حسناتك، فبالإخلاص يخط المفتي في صفحات أعماله أجوراً لا يعلمها إلا الله جلّ وعلا.\rومن ثمرات الإخلاص: حسن البلاء.\rفإن الفتوى التي يفتي فيها أهلها وهم يريدون ما عند الله، الغالب أنه يكون لها أثرٌ وقبولٌ عند الناس.\rولذلك تجد بعض المفتين إذا أفتى أصْغت له الآذان، وارتاحت له القلوب، واطمأنت لكلامه النفوس، وعملت وتمسكت بما يقول، وذلك -والله أعلم- لما في القلوب من عمارتها بالإخلاص لله جل وعلا، وهذه ثلاث ثمرات لمن أخلص لله في فتواه.\rالمَعْلَمَ الثاني: البصيرة في العلم\rفقد أخبر ﵊ أن فتوى الجهلاء ضلالة، وأن الأمة تضلّ إذا تقلد الفتوى فيها الجهلاء، والعكس بالعكس، وتهدَى إذا تقلد الفتوى فيها العلماء.\rالبصيرة: فمن هذه الساعة ولو بقي لك في هذا المعقل من معاقل الإسلام (١) [٩٠] ) ، لو بقيت لك سنة دراسية واحدة من هذه الساعة توطّن نفسك على زيادة العلم والتحري والبصيرة، علّك أن تنقل علماً نافعاً ينفعك الله به في الدين والدنيا والآخرة، تفتح قلبك وسمعك وفؤادك للعلم فتنهل منه، لا تنكَفّ عن قليل فيه ولا كثير، فالذي يريد تقلّد الفتوى يفتح قلبه لأنوار الوحي من الكتاب والسنة، ويتعطش لكل مسألة، ولا يقف أمام السائل، ويقول هذه مسألة لا أحتاج إليها، هذه مسألة لا أعمل بها، كل مسألة هيّئ من نفسك أنك غداً مسؤول عنها، في العقيدة، في الأحكام، في الآداب، والأخلاق.","footnotes":"(١) ٩٠] ) ألقيت في الجامعة الإسلامية بالمدينة.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777782,"book_id":1728,"shamela_page_id":84,"part":null,"page_num":84,"sequence_num":84,"body":"جميع ما تراه من قول الله وقول الرسول ﷺ تعيشه وتفتح قلبك لوعيه وضبطه على نور من الكتاب والسنة. قال الله تعالى: ((إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ)) [ق:٣٧] ، وعظة لمن أراد السداد والنجاح والفلاح أن يشرح الله صدره لوعي العلم.\rالمَعْلَمَ الثالث: الورع\rوهو غذاء الفتوى وأساسها، فإذا سئلت عن أي أمر لا علم لك به، ولو سُئِلتَ على رؤوس الأشهاد تقول بكل عزة وإباء: الله أعلم (١) [٩١] ) .\rوليكن عندك الفرح أن تقول في المسألة: الله أعلم، أكثر من فرحك أن تجيب عليها؛ لأنك إن قلت: الله أعلم، فقد سَلِمْتَ وسَلِمَ الناسُ منك، وإن قلت فيما لا علم لك فقد تحملت المؤونة (٢) [٩٢] ) ، ولذلك قال بعض السلف: حق على من أفتى أن يقيم نفسه بين الجنة والنار، فينظر سبيله فيها، حق واجب وفرض عليه.\rولذلك كان من الداء والمقتلة للإنسان أن يجيب في كل ما سئل عنه؛ لأنه لا بد أن تكون هناك مسائل لم تطمئنّ بعد إلى قول فيها وتفتي به. قال ابن عباس وابن مسعود فيما أثر عنهما: (من هذا الذي يجيب الناس في كل ما سألوه أمجنون هو (٣) [٩٣] )) ؟ أي: لا عقل عنده.","footnotes":"(١) ٩١] ) قال في الطلعة:\rوالزم لِلا أدري إذا ما تسألُ ... ... عن كشف ما لتحقيق فيه تَجْهَلُ\rوقال بعضهم:\rوإن تقل مالي سوى ذي مرتبهْ\rقلنا فما على السكوت مَعْتَبهْ\rوكم بِلا أدري أجاب المصطفى\rحتى أتى الوحي وإلا وقفا\r(٢) ٩٢] ) أخرج الإمام أبو داود ﵀ من حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: (من أفتى بغير علم فإنما إثمه على من أفتاه، ومن أشار على أخيه بأمر يعلم أن الرشد في غيره فقد خانه) .\r(٣) ٩٣] ) رواه الحافظ ابن عبد البر ﵀ في الجامع بتحقيق الزهيري برقم (٢٢٠٦) (ص:١١٢٣) .","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777783,"book_id":1728,"shamela_page_id":85,"part":null,"page_num":85,"sequence_num":85,"body":"كذلك من الورع أن يكون على علم وبصيرة بالسؤال، فلا يفتي في مسألة حتى يكون ملمّاً بأطراف السؤال الذي نزل بك، فلا تحكم على شيء إلا بعد تصوره.\rولذلك من القواعد التي قررها العلماء: الحكم على الشيء فرع عن تصوره. فلا تدخل ولا تبدي رأيك في أمر لم تتصوره بعد، تنتظر حتى ينتهي السائل من سؤاله فتنظر أهذا السؤال مما تعلمه، فتجيب، أم مما لا تعلمه، فتكفّ عنه، وتتورع عنه.\rالمَعْلَمَ الرابع: معرفة المصالح والمفاسد المترتبة على الفتوى\rفقد تكون الفتوى من علمك، ولكن الجواب فيها يحدث مفسدة عظيمة على الأمة، فتتلطف وتحسن المخرج منها بجواب تعذر فيه إلى الله، ومع ذلك لا تقع الأمة به في فتنة.\rولذلك نبّه العلماء على أنه من آكد ما ينبغي على المفتي أن ينظر إلى أثر فتواه، فكم من فتاوى يسمعها العوامّ فيحملونها على غير المحامل، ويُحمّلون كلامها من التفسير ما لا تحتمل، فليس المهم أن تعرف المسألة وتعرف حكمها فقط، ولكن الأهم أن تعرف ما الذي يترتب على هذا السؤال؛ لأن الله بعث الرسل، وأنزل الكتب من أجل المصالح ودَرْء المفاسد.\rفإذا أصبحت الفتوى تفضي إلى المفاسد، وتقطع عن العباد المصالح فليس ثم ما يوجب ذكرها في هذه الحالة الضيقة المخصوصة.\rواقرأ في تراجم العلماء والسلف الصالح كيف كانوا يمتنعون في مواطن الفتن عمّا فيه مفسدة، فلا تجيب بين العوام إذا سئلت عن مسائل تورث عندهم الفتنة والشبهة ولا تحسن منها المخرج، فتشوش عليهم بذكر شيء أنت معذور في تركه أمام الله جلّ وعلا.\rولذلك قالوا: يحتاج المفتي إلى أمرين:\rأ- علم الفتوى.\rب- فقه الفتوى.\rفعلم الفتوى من ناحية المادة، وفقه الفتوى أن يلازم العلماء ويدرس فتاوى السلف الصالح والعلماء المهتدين، وكيف كانوا يحسنون التخلص من مواطن الفتن.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777784,"book_id":1728,"shamela_page_id":86,"part":null,"page_num":86,"sequence_num":86,"body":"المَعْلَمَ الخامس: تحصيل الخشية من الله ﷿\rوهو الأساس العظيم للتوفيق والتسديد في الفتوى، فكل مسألة في الدين والشريعة تتكلم فيها، فاجعل الجنة والنار نصب عينيك، تخاف الله، لا تخاف أحداً سواه، ترجو رحمة الله ولا ترجو شيئاً عداه.\rولذلك قال بعض العلماء: لن يوفق الإنسان لتبليغ رسالة الله إلا بالخشية، وكلما وجدت الإنسان يصدع بالحق، ويقول الحق، ويأمر بالحق، ويهدي إلى الحق، فاعلم أن في قلبه من خشية الله على قدر ما وجدت فيه من الصدق والتبليغ لرسالة الله.\rوكلما وجدت المفتي يبيّن حكم الله جل وعلا، ويُجّلّي الحقائق على أنصع ما تكون وأظهر ما تكون وأوضح ما تكون، فاعلم أن في قلبه من خشية الله على قدر ما وجدت من آثار فتواه من الوضوح.\r((الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ)) [الأحزاب:٣٩] . قال بعض العلماء: إن الله قرن الخشية بالتبليغ للرسالة والأداء للأمانة، ولذلك لن يستطيع طالب علم أن يبلغ أمانته إلا بقوة خوف من الله، وكلما كمل خوفه كمل تبليغه لرسالة الله.\rوانظر إلى حال طلاب العلم تجد ذلك جلياً ظاهراً، فبمجرد ما يرجع الشاب أو طالب العلم إلى قريته أو إلى بلده، وقلبه معمور بالخوف من الله، أن يسأله عن هذه الأمة، ويحاسبه عن هؤلاء القوم، وتجده على خوف ووجل، وجدته ناشراً للعلم، باذلاً له، فيخرج الخوف من الله ما عنده من العلم.\rفتبليغ رسالة الله والفتوى عن الله والإخبار عن الله يحتاج إلى شيء من الخوف والخشية والمعاملة لله ﷾.\rوالذي يَجبن ويَضعف، ويهاب الخلق أكثر من هيبته للخالق، ويخشى المخلوق أكثر من خشيته للخالق، فإنه لا يأمن أن يحرف دين الله وشريعة الله، نسأل الله السلامة والعافية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777785,"book_id":1728,"shamela_page_id":87,"part":null,"page_num":87,"sequence_num":87,"body":"المَعْلَمَ السادس: التأني في فهم السؤال وتصوره\rفلا يجوز للإنسان أن يفتي في مسألة لم يتصورها بعد، أو يتصورها على كلام إنسان لا يحسن فهمها، ومن هنا أنبّه على ما يقع فيه كثير من طلاب العلم من الاستعجال في الفتوى قبل معرفة حقائق أمورها وملابسات مشاكلها ومعضلاتها، ولذلك تجد العلماء يكثرون المراجعة للسائل والاستفهام من السائل، والاستيضاح منه، حتى يكون حكمهم للنازلة عن تصور كامل، فإذا سئلتَ عن مسألة، واحتمَلَتْ أوجهاً، أو احتملت احتمالات متعددة، فلا تتعجل حتى تسأل السائل هل مراده كذا؟. أم مراده كذا؟. وقد يقع اللبس في كلام السائل، فيعطيك ألفاظاً محتملة، وقد يأتيك السائل وهو يرغب في التحريم أو يرغب في التحليل، فيعطيك ألفاظاً تعينك على التحليل أو تعينك على التحريم، فالعواطف والمؤثرات الخارجية لصيغة السؤال ضعها جانباً، ولْينصبّ تصورك للسؤال بعينه، وأحسن فهم النازلة بذاتها، ثم بيّن حكم الله تعالى فيها، فحُسن التصور مهمّ، ولذلك أوصي طالب العلم إذا وجد اختلافاً بين العلماء في النوازل والمسائل أن ينظر على صيغة الأسئلة، فإنه سيجد للأسئلة وتصوير النازلة أثراً عظيماً في التأثير على المفتي.\rومن هنا أيضاً أنبّه على أنه إذا كان السائل يسألك عن شيء معين يعرفه المختصّون، فالأفضل أن تستبين ممن له خبرة وعلم بذلك التخصص، وأن لا تتعجل بحمل الجواب على ضوء إفادته قبل الرجوع إلى أهل الاختصاص.\rوهنا أمور، منها: لو سألك عن أمر يتعلق بالأطباء، أو مسألة طبّيّة، فقال لك: يفعلون ويفعلون، فلا تتعجل، وتقول: الحكم كذا وكذا، قل: لا.. حتى أسمع من طبيب. يقول لك -مثلاً-: هناك عملية يموت فيها الإنسان، هل يجوز فعلها أو لا يجوز؟.\rليس من حقّ هذا السائل أن يصف العملية بكونها مفضية للهلاك أو مفضية للسلامة، فتقول: أنا لا أفتي في هذه العملية، وهذا التداوي أو هذا الدواء، حتى أسأل أهل الخبرة، هل الغالب فيه النفع، أو الغالب فيه الضرر؟.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777786,"book_id":1728,"shamela_page_id":88,"part":null,"page_num":88,"sequence_num":88,"body":"فهذا مثال للمسائل التي تحتاج للرجوع إلى أهل الخبرة، ولذلك تجد بعض العلماء الأجلاء كان إذا سئل عن المسألة قال: يسأل عن ذلك أهل العلم به.\rانظر إلى الإمام النووي في (المجموع) -لما اختلف العلماء في الريق الخارج من الفم أثناء النوم، هل هو نجس أم طاهر؟. على وجهين مشهورَيْن: من يقول: إنه خارج من المعدة، فهو فضلة تأخذ حكم الفضلة النجسة، ومن قال هو خارج من الفم، يعطيه حكم المخاط والبصاق؛ لأنها فضلة طاهرة-.\rقال الإمام النووي: فإني سألت الأطباء فقالوا: إنه من الفم، وعليه فليس بنجس. والطب الحديث يؤكد أنه من الغدد اللعابية.\rفلما رجع إلى أهل العلم والخبرة بالشيء كفى المؤونة، فلذلك يرجع في الفتاوى والمسائل إلى أهل كل اختصاص.\rالنقطة الثانية: بالنسبة لحكم النازلة يحتاج المفتي في حكم النازلة أن يكون ذا اجتهاد.\rفأحق من يُستفتى في النوازل أهل الاجتهاد، وإذا وجد المجتهد وغير المجتهد، فالفتوى بالمجتهد ألزم وألصق وآكد.\rحتى إن بعض العلماء يرى أن النوازل التي يجتهد فيها يحرم الرجوع فيها إلى غير المجتهدين، ومن هنا تدرك خطأ كثير من طلاب العلم يتعاطفون مع المسائل النازلة قبل أن يسألوا العلماء.\rوتجد هذا يقول لك: هي حلال لكذا وكذا، وهذا يقول: هي حرام لكذا وكذا، وهذه جرأة على الله في الفتوى، وهي من المزالق التي جعلت كثيراً من طلاب العلم يجدون الهمّ والغمّ وعدم التوفيق في طلب العلم.\rولذلك قال ﷺ: (إن العبد ليتكلم بالكلمة من غضب الله ما يتبيّن فيها، يزلّ بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب) (١) [٩٤] ) . ومن غضب الله أن يفتي فيما هو ليس بأهل له، فيحل ما حرّم الله ويحرّم ما أحل الله.","footnotes":"(١) ٩٤] ) أخرجه الإمام أحمد والبخاري ومسلم ﵏ من حديث أبي هريرة ﵁ وفيه: (من سخط الله) .","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777787,"book_id":1728,"shamela_page_id":89,"part":null,"page_num":89,"sequence_num":89,"body":"الاجتهاد الذي هو سلاح النوازل، والذي هو حلّ المشكلات والمعضلات، ولذلك قالوا: أبلغ العلم الاجتهاد، وكم من أئمة من السلف -رحمة الله عليهم- ما أفتوا حتى شابت رؤوسهم، وقلّ أن يوجد غيرهم فحينئذٍ تعينت عليهم الفتوى فأقدموا، لذلك لا يجوز أن يفتي في مسألة اجتهادية لا يعلمها، واعتبره العلماء من كبائر الذنوب: ((وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ)) [البقرة:١٦٩] ، فالقول على الله بدون بيّنة أو حجة أو سلطان هلاك، قال الله تعالى يخاطب نبيّه: ((قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي)) [الأنعام:٥٧] ، قالوا: (مِنْ رَبِّي) هي الحجة والدليل من الكتاب والسنة، فلا يجوز لأحد أن يجتهد وهو لم يبلغ درجة الاجتهاد، فمشاكل المسلمين العامة التي يتعلق بها مصير الأمة، لا يجوز أن تقول: حكمها كذا، هذه لها أهلها ومجامعها، إنها مشكلات والله لو عرضت على أئمة علماء من السلف لرعدت فرائصهم من خشية الله أن يتكلموا فيها؛ لأنها تحتاج إلى دراسة واستبيان واستقراء لدليل الكتاب والسنة، حتى يُفتي فيها.\rفالتعجل في الفتوى دون علم آفة عظيمة، ولا يجوز لأحد أن يفتي فيما لا علم له، قال تعالى: ((قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ)) [ص:٨٦] ، قالوا: من التكلف الإفتاء فيما لا علم للإنسان به.\rالمَعْلَمَ السابع: معرفة حال المستفتي\rفينبغي على المفتي أن يكون على علم بالناس وأحوالهم، فمنهم المخادع، ومنهم الكذاب، ومنهم المغرض، ومنهم المفسد، فعليه أن يعرف أقدار الناس، وهذا يرجع إلى أصل السنة: من أن النبي ﷺ كان يأتيه الرجل فيسأله عن أفضل الأعمال وأحبها إلى الله، فيقول: (إيمان بالله) ، ثم يسأله الثاني عن أحب الأعمال، فيقول: (الصلاة على وقتها) ، ويسأله ثالث فيقول: (الجهاد في سبيل الله) ، (حج مبرور) ، قالوا: اختلف جوابه بحسب اختلاف أحوال السائلين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777788,"book_id":1728,"shamela_page_id":90,"part":null,"page_num":90,"sequence_num":90,"body":"وينبغي على المفتي أن يعرف أحوال السائلين وملابسات أسئلتهم، فإن بعض الفتاوَى تتأثر بمن يسأل، وتتأثر بمن يستفهم، فينبغي أن يكون الإنسان على بصيرة.\rوقد يكون الغرض من السؤال الفتنة، فإن السائل قد يسألك عن مسألة تعلم أنه قد خالفك فيها شيخ فاضل وليس مراده جوابك، ولكن مراده الطعن في الشيخ الذي خالفك.\rومن هنا أنبّه على مسالة ينبغي أن يتفطّن لها طلاب العلم. إذا جاءك رجل وقال لك: الشيخ فلان يفتي بكذا وكذا، أنت تفتي بماذا؟ أو الشيخ يرى كذا وكذا، أنت ترى ماذا؟. إياك أن تجيبه حتى يتأدب؛ لأنه ربما كان الحق معك، فتخطئ هذا العالم، فتنزل مكانته عند الناس بسبب تخطئتك له، ولذلك قل له: لا تسألني عن فتوى عالم بعينه، ولكن سلني عن المسالة؛ لأنه لو كان يريد الحق لسألك عن المسالة دون ذكر أحد من العلماء، لكن كونه يقول: فلان أفتى، بِمَ تفتي؟ فهو يريد أحدكما، إما أن يريدك أو يريده، فإن كان العالم الذي سأل عنه مشهوراً معروفاً بالفضل فهو يريدك، وإن كان الذي سأل عنه عدوّاً له أو يكرهه أو يشنّع عليه المسائل فهو يريد من سأل عن فتواه.. فعليك أن تكون حذراً لبيباً.\rومن مراعاة حال المستفتي: الإشفاق والترفق بالسائل. مثال ذلك: لو جاءك رجل يسألك عن طلاق، ويغلب على ظنك أنك لو أفتيته أنه يصاب في نفسه، وهذا يقع، فإن الرجل يأتيك متوتر الأعصاب، شارد الذهن، مضطرباً في نفسه، قال كلمة لزوجته، لو قلت له: حكمها كذا، أو هي طالق، ربما يغشى عليه، وربما يصيبه مرض في عقله، ويترتب عليها من الخطر على السائل ما الله به عليم.. وهذا معروف.\rقالوا: الحكمة أن تترفق به، تقول له: اسأل فلاناً، يقول: أفتني، تقول له: لعله أو يمكن أن يكون فيها طلاق، أو يحتمل أنها لا تطلق، تمهد له، لا تقل له مباشرة: طلقت عليك امرأتك، لكن تعطيه نوعاً من التخفيف عليه، فهذا من النصح لعامة المسلمين والترفق بهم في الفتوى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777789,"book_id":1728,"shamela_page_id":91,"part":null,"page_num":91,"sequence_num":91,"body":"الفصل الخامس: إجابات مُهِمّة عن أسئلة مُلِمّة\rالسؤال الأول\rهناك مقالة تفشَّت بين بعض طلاب العلم: وهي أن الدراسة النظامية في الجامعة أو غيرها تنافي الإخلاص، فما هو قول فضيلتكم (١) [٩٥] ) ؟\rالجواب:\rهذه مسألة تشكل على كثير من طلاب العلم، والذي يظهر -والعلم عند الله- أن ذلك ليس بصحيح؛ لأن هؤلاء التَبَس عليهم وجود فضل الدنيا مع العلم، وقد دلت نصوص الكتاب والسنة على أنه إذا كان السبب الداعي للعمل عند الطالب هو وجه الله، وجاءت حظوظ الدنيا بالتبع، أن ذلك لا يؤثر ولا يقدح في الإخلاص.\rمن أدلة الكتاب:\rأ-قول الله جل وعلا: ((وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ)) [الأنفال:٧] ، لاحظ هؤلاء هم الذين قاتلوا يوم بدر وشهدوها مع النبي ﷺ، وكان الباعث أول خروجهم طلب العير، فلما تغير الحال وأصبحوا إما العير وإما القتال، قال الله ﷿ عنهم: ((وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ)) [الأنفال:٧] .\rفكانوا يتمنون أن يكون حظهم العير، ومع ذلك أنزل الله فيهم من الفضل ما لم ينزله في غيرهم، من ذلك: قول النبي ﷺ لعمر فيهم: (وما يدريك لعل الله اطّلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرتُ لكم) (٢) [٩٦] ) .\rفهذا يدل على أنه إذا كان العلم أخروي وفيه نية دنيوية تابعة وليست الأصل انها لا تضر.","footnotes":"(١) ٩٥] ) من محاضرة حلية طالب العلم ألقيت في قاعة المحاضرات بالجامعة الإسلامية بتاريخ ١٦/١١/١٤١٢هـ.\r(٢) ٩٦] ) متفق عليه من حديث علي ﵁.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777790,"book_id":1728,"shamela_page_id":92,"part":null,"page_num":92,"sequence_num":92,"body":"ب-ومن أدلة الكتاب: قول الله تعالى: ((لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ)) [البقرة:١٩٨] ، فإنها نزلت في قول طائفة من المفسرين في الرجل الذي يحج وفي نيته الجمع بين الحج والتجارة، فالحج عبادة وجهاد، وينوي فيه التجارة، وهي دنيوية، ومع ذلك لم يعنّفه الله ﷿، ولم يعتبر إخلالاً في مقصده.\rمن أدلة السنة:\rأ-ما ثبت عنه ﷺ أنه قال: (من قتل قتيلاً فله سلبه) (١) [٩٧] ) ، قال بعض العلماء: في هذا الحديث دليل على جواز وضع ما يَحْفِز الإنسان على طاعة الله ومرضات الله فالنبي ﷺ رغّب في القتال في سبيل الله، وجعل الجائزة والحظ لمن قتل عدواً لله أن يأخذ سلبه، فهذا حظ من حظوظ الدنيا، فلا يقدح ولا يؤثر؛ لأنه تبع لنية الآخرة، فالمقصود ألا يلبّس الشيطان على الإخوة طلاب العلم.\rاجعل الدنياً تبعاً، لا تجعل الشهادة هي الأساس، بل تجعلها وسيلة، ولا عليك بعد ذلك، والعمل الأخروي إذا خالطته نية الدنيا لا يخلو من ثلاث حالات:\rأ- أن تكون نية الآخرة هي الأصل ونية الدنيا تبع، فهذا مما معنا ولا يؤثر.","footnotes":"(١) ٩٧] ) أخرجه الإمام أبو داود (٢٧١٨) ، والإمام الدارمي (٢/٢٢٩) والإمام أحمد (٣/١١٤) وغيرهم من حديث أنس ﵁، وصححه الالباني ﵀ في الإرواء، برقم (٢٢٢١) .","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777791,"book_id":1728,"shamela_page_id":93,"part":null,"page_num":93,"sequence_num":93,"body":"ب- أن تكون نية الدنيا أعظم من نية الآخرة، وهي الأصل، والآخرة تبع لهذا والعياذ بالله، فهذا الذي عناه الله بقوله: ((فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ)) [البقرة:٢٠٠] ، وهو الذي عناه ﷺ بقوله: (الرجل يقاتل حمية والرجل يقاتل للذكر، أي ذلك في سبيل الله؟ فقال: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) (١) [٩٨] ) . نسأل الله الإخلاص في القول والعمل، والعصمة من الخطأ والزلل، والله تعالى أعلم (٢) [٩٩] ) .\rالسؤال الثاني\rبعض المهتمّين بالدعوة يقولون: في هذا العصر الذي قلّ فيه الدعاة تقدم الدعوة على العلم، واستدلوا بحديث الأعرابي الذي بالَ في المسجد، فهل هذا صحيح (٣) [١٠٠] ) ؟\rالجواب:\rحديث الأعرابي الذي رواه أنس افي الصحيحين قال: (جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد، فزجره الناس، فنهاهم ﷺ، فلما قضى بوله، أمر النبي ﷺ بذنوب من ماء فأهريق عليه) .","footnotes":"(١) ٩٨] ) متفق عليه من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.\r(٢) ٩٩] ) لم يذكر الشيخ -حفظه الله- هنا الحالة الثالثة، وهي: إذا تساوت الرغبتان، لكن بسطها في مسألة حكم طلب العلم وتولي الولايات الشرعية: كالتدريس والقضاء والفتيا والإمامة وغيرها في نحو عشر صفحات في درس البلوغ عند شرح حديث عثمان بن أبي العاص: (يا رسول الله إجعلني إمام قومي..) الحديث في الشريط رقم (١٠) من كتاب الصلاة.\r(٣) ١٠٠] ) مستفاد باختصار من شرح حديث أنس في البلوغ، وحديث مالك بن الحويرث في شرح عمدة الأحكام، للشيخ محمد.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777792,"book_id":1728,"shamela_page_id":94,"part":null,"page_num":94,"sequence_num":94,"body":"ليس كما يزعم البعض ويظن، فإن الصحابة -رضوان الله عليهم- حينما قاموا بالإنكار على الأعرابي لم يكونوا تاركي فائدة العلم التي بين يدي رسول الله ﷺ؛ لأنه من المعلوم بداهة أنه بقيامهم وإمساك النبي ﷺ عن حديثه انتفى وصف ذلك المجلس بكونه مجلس علم محض، وأصبح العلم منصَباً إلى تلك الحادثة والنازلة بعينها، والذي يظهر -والعلم عند الله- أن أول ما يجب على الإنسان طلب العلم بخطاب الله ﷿ للنبي ﷺ والأمة تبع ((فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ)) [محمد:١٩] ؛ لأن العبودية الصحيحة لله تعالى لا تتحقق إلا بالعلم، والنجاة في الدنيا والآخرة متوقفة على العلم، ثم بعد أن يطلب العلم سواء على سبيل الإجزاء أو على الكمال، بعد ذلك يتوجه عليه الأمر بالعمل بالعلم ثم بالتبليغ، ويدلّ لذلك آية التوبة: ((فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)) [التوبة:١٢٢] . فجعل مرتبة الدعوة والإنذار بعد مرتبة التفقه والعلم.\rولا يعني هذا أن يسكت طالب العلم أثناء الطلب ويقول: لا أنكر حتى أصبح عالماً أو شيخاً، هذا خطأ، بل كلما تعلم شيئاً وضبطه بلّغه على حسب مقدرته، ولا إفراط ولا تفريط.\rوإذا بدأ طالب العلم مع العوام والجهال والصغار في الدعوة، يبدأ بالأهم، فالأهم العقيدة وتصحيح عقائد الناس، ثم تصحيح عباداتهم، وهذا الهدى دلّ عليه قوله ﷺ لمعاذ: (فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة إن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فإن أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات ... ) (١) [١٠١] ) الحديث.","footnotes":"(١) ١٠١] ) متفق عليه من حديث ابن عباس ﵄.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777793,"book_id":1728,"shamela_page_id":95,"part":null,"page_num":95,"sequence_num":95,"body":"فيبدأ بتعليمهم أصول الدين وأساسياته لكي يصح إيمان العبد، ولأن العبادة وقبولها تنبني على صحة العقيدة، ثم يعلمهم كيفية الطهارة وكيفية الصلاة.. وغيرها من فروض الأعيان، فالمقصود أنه ينبغي الاعتناء بذلك. وما انتشرت السنن، ولا أُميتت البدع، ولا حييت معالم الدين وأشرقت أنواره إلا بالدعوة إليه وتبليغ رسالة الله.\rوهل حصل ما حصل من الجهل -حتى أصبح الكثير من الناس يقع في أخطأ توجب بطلان صلاته أو صيامه أو حجّه وعبادته والعياذ بالله، وهو يعيش بين طلاب العلم- إلا بسبب تقاعس بعض الطلاب عن أداء هذه الرسالة العظيمة.\rوينبغي أن يفرق بين قضيتين: الدعوة إلى أصول الدين والقواعد العامة، أو النهي عن المنكرات العامة الواضحة التي لا تحتاج إلى كثير علم، وبَيْنَ الدعوة إلى المسائل الخاصة الدقيقة التي هي من اختصاص العلماء، فمن أمثلة الأولى: الدعوة إلى التوحيد، شخصٌ أمامك يعبد الوثن، لا يَسوغ لك أن تقول: أنا ما أدعوه حتى أتعلم وأتسلح بالعلم الكامل وأعرف الرد على الشبهات؛ لأن الدعوة إلى اصل الدين يستوي فيه عامة المسلمين، ويعتبر فرض عين على كل مسلم إذا رأى إنساناً يعبد غير الله أن يدعوه إلى توحيد الله ﷿، ولا يعذر أحد بترك هذا الأصل، فهو أمر من الواضحات.\rكذلك لو رأيتَ إنساناً على الزنا أو شرب الخمر والعياذ بالله، فإن الزنا وشرب الخمر منكر واضح لا يحتاج إلى كثير علم. شخصٌ لا يصلي أو لا يزكي، فكل إنسان مطالب بدعوته.\rوأما الدعوة إلى خصوصيات الأحكام أو المسائل التي تنزل بالناس ويحتاج فيها إلى علم وبصيرة ونور ومعرفة، فهذه للعلماء، ولا بدّ فيها من نور الوحي والبينة والبصيرة في الدعوة. ((قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي)) [الأنعام:٥٧] ، ((قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ)) [يوسف:١٠٨] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777794,"book_id":1728,"shamela_page_id":96,"part":null,"page_num":96,"sequence_num":96,"body":"ومن هنا ندرك خطأ بعض الناس حين يقول: كل واحد يدعو، ويقوم ويتكلم بما يفتح الله عليه، فقد يأتي هذا الجاهل، أو حديث عهد بالجاهلية، ويقف أمام أناس لهم علم ولهم معرفة، لكي يتكلم بما فتح الله عليه، فيخبط خبط عشواء، هذا طبعاً من الإفراط، وأما التفريط نجد مثلاً من يقول بترك الدعوة حتى يكتمل علمه، والمنكرات عن يمينه ويساره، من أمامه ومن خلفه، قرير العين، وهو يقول: لا.. حتى أنتهي من العلم كاملاً ثم أدعو الناس.. لا.. القضية وسط، فالمسائل التي لا يعذر أحد بجهلها، كمسائل الأصول، كل إنسان مطالب بالدعوة إليها، أما المسائل الدقيقة يترك الفصل فيها لأهل العلم، والمقصود أن طالب العلم لا يبقى، ويقول: أنا لا أدعو حتى أنتهي من طلب العلم، هذا تقصير، ويتحمل التبعية، بل يدعو على قدر علمه، حتى ولو في أحكام العبادات، لو قام بعد صلاة العصر كل يوم وتكلم عن هدي من هدي النبي ﷺ في العبادات والمناسبات خلال السنة، لكان خيراً كثيراً، ولا يتعلم أحد سنة منك فيعمل بها إلا كنتَ شريكه في الأجر، ولو أن هذا المتعلم منك علَّمَ أبناءه وبناته وأهله وجيرانه، أو نطق بهذه السنة في مجلس، لكان لك مثل أجره، حتى جاء في الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن رسول ﷺ: (يؤتى بالعبد يوم القيامة، فينصب له ميزان، فتأتي أعمال كالسحابة، فيقول: يا رب.. ما هذه الأعمال؟. هذه ليست بأعمالي، فيقول الله ﵎: بلى.. هذه سنن دعوتَ إليها، كان لك أجر من عمل بها) (١) [١٠٢] ) . فالتجارة مع الله ربح وفوز (٢) [١٠٣] ) ، فلذلك أقول: إن طالب العلم يُعلِّم، ولكن على قدر علمه","footnotes":"(١) ١٠٢] ) تقدم (ص:١١٤) .\r(٢) ١٠٣] ) من محاضرة الوصايا الذهبية للشيخ، ألقيت بتأريخ ١٠/١/١٤١١هـ بجدة.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777795,"book_id":1728,"shamela_page_id":97,"part":null,"page_num":97,"sequence_num":97,"body":"السؤال الثالث\rكيف تكون مجادلة العلماء ومماراة السفهاء التي في الحديث؟ نرجوا التوضيح، وجزاكم الله خيراً (١) [١٠٤] ) .؟.\rالجواب:\rقد ثبت في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: (من طلب العلم ليباهي به العلماء ويماري به السفهاء -وفي رواية: أو ليصرف وجوه الناس إليه- فهو في النار) (٢) [١٠٥] ) .\rهذا الحديث العظيم ينبغي لكل طالب علم أن يجعله نصب عينيه؛ لأنه يتعلق بأول خطوة في الطلب، وهي إخلاص النية لله ﷿، التي هي من أجلّ أعمال القلوب.\rفالقلوب محل نظر الله ﷿: (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى ألوانكم، ولكن إلى قلوبكم وأعمالكم) (٣) [١٠٦] ) .\rلا ينظر الله إلى فصاحة طالب العلم ولا إلى جماله ولا إلى ماله، ولكن إلى نيته وتعلقه به جل وعلا.\rولكن ما أن يغير طالب العلم نيته -والعياذ بالله- إلا غيّر الله عليه، فيقسو قلبه من بعد لين، وتنقبض نفسه من بعد انشراح، فيصبح هدفه من العلم الرياء والسمعة والثناء وصرف وجوه الناس إليه، قالو: (أول العلم غرور وطفرة، وآخره سرور ورحمة) .","footnotes":"(١) ١٠٤] ) من دروس شرح عمدة الأحكام - الشريط رقم ١٥٤.\r(٢) ١٠٥] ) رواه ابن ماجة، وصححه الشيخ ناصر الدين ﵀ في صحيح الترغيب والترهيب، (ج١، ص:٤٧) .\r(٣) ١٠٦] ) رواه الإمام مسلم ﵀ في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777796,"book_id":1728,"shamela_page_id":98,"part":null,"page_num":98,"sequence_num":98,"body":"فمن راءى راءى الله به، ومن سمّع سمّع الله به، قال بعض العلماء في معنى الحديث: إن الله يقيمه على رؤوس الأشهاد ويقول: هذا فلان ابن فلان الذي راءى الناس، فَيرى الناسُ ذلته وحقارته في ذلك الموضع -والعياذ بالله-، نسأل الله ﷿ ألَّا يجعلنا ذلك الرجل. وأما في الدنيا فلا يؤمن عليه من مكر الله، يستدرجه في تحصيل العلم، حتى إذا حصّل علماً كثيراً، صرف قلوب الناس عنه -والعياذ بالله-، لا تجد من يرتاح لعلمه، ولا من يرتاح للتعلم على يديه، قد نفرت القلوب من كلامه وأسلوبه، وكست الظلمة مجلسه ووجهه، وهذا من عاجل مكر الله لمن راءى في علمه. نسأل الله السلامة والعافية.\rومن إمارات وعلامات المماراة والمجادلة للعلماء: أن تجد طالب العلم إذا ذكرت أمامه مسألة يُشكك ويعترض، ويقول: هذا لا يستقيم، هذا لا يصير، هذا كذا، هذا كذا، وهو لم يفقه بعد، ولم يراجع المسألة، ويعرف وجه مأخذ العالم ودليله.\rولذلك قالوا: من كان ديدنه مجادلة العلماء لم يأمن أن يرد آية أو حديثاً عن رسول الله ﷺ فيهلك، ناهيك عن محق بركة علمه.\rولذلك ذكروا في ترجمة أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف (١) [١٠٧] ) ﵀، وكان وعاءً من أوعية العلم في الحديث والفقه، حتى كانت له اجتهادات انفرد بها، هذا العالم -رحمة الله عليه-، كاد أن يكون مغموراً ولم يشتهر علمه، والسبب -كما ذكره من ترجم له- أنه كان كثير الاعتراض والتعنت لابن عباس ﵄.","footnotes":"(١) ١٠٧] ) عن الزهري قال: (كان أبوسلمة يماري ابن عباس، فحرم بذلك علماً كثيراً) . مختصر جامع بيان العلم (ص:٦٥) ، وتذكرة السامع والمتكلم في آداب العالِم والمتعلم، لابن جماعة -رحمة الله على الجميع- (ص:١٧١) .","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777797,"book_id":1728,"shamela_page_id":99,"part":null,"page_num":99,"sequence_num":99,"body":"وكان لبعض مشايخنا منهجاً تربوياً لطلابه؛ يستحب عدم مناقشة الطلاب في مجلس العلم، ويترك للطلاب أن يتناقشوا فيما بينهم، ثم إذا لم يستطيعوا حلّ الإشكال رجعوا إليه؛ لأن ذلك ربما جرّأ السفلة والرعاع والمبتدئين على عدم إجلال وتقدير واحترام العلم، وربما أدى إلى كسر هيبة العلماء في النفوس.\rما كنا -والله- نعرف سوء الأدب والاعتراض على العالم في مجلس العلم، ولا حرج في المناقشة التي تدل على حُبّ الفهم ومعرفة الحق والاقتناع بالدليل ومعرفة التفصيل؛ لأنه لا يمكن ضبط العلم إلا بها، ولكن تكون بأصول وضوابط شرعية سامية، تصون حرمة العلم وقدر العلماء.\rومن علامة مماراة العالم ومجادلته: الإتيان بمسألة غريبة يستشكل بها في المجلس أمام العامة، فيظهر أنه ذلك الذي يعرف الأصول والضوابط ويفهمها.\rوكم من استشكالات وردت علينا أمام العلماء، انتظرنا وراعينا فيها الأدب في المجلس وحفظ حرمة العلماء، حتى فتح الله علينا، فقرأنا ما يزيلها ويجليها لنا (١) [١٠٨] ) .\rأعرف مسألة (٢) [١٠٩] ) ، مكثت فيها أكثر من عشر سنوات أسأل العلماء عن دليلها، ما وجدتها إلا في مخطوطة للإمام ابن العربي في شرح الموطأ لها دليل من الكتاب.\rالسؤال الرابع\rما رأيكم في بعض طلاب العلم يجتمعون للمناقشة في المناهج والمسائل، فيجتهدون، ويخطئ بعضهم بعضاً وهم متفقون في الأصول؟ نرجو من فضيلتكم توجيه النصح لهم (٣) [١١٠] ) .\rالجواب:","footnotes":"(١) ١٠٨] ) عن ابن عباس ﵄ قال: (مكثت سنتين أريد أن أسأل عمر عن المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله ﷺ، ما يمنعني إلا مهابته، فسألته، فقال: هما حفصة، وعائشة) . رواه البزار والطبراني، وقال السيوطي: سنده صحيح. فتح القدير (١/١٤، ٥/٢٥١) .\r(٢) ١٠٩] ) من دروس شرح عمدة الأحكام، للشيخ محمد -كتاب الحج- أسئلة الشريط رقم (١٤٠) .\r(٣) ١١٠] ) من درس شرح عمدة الأحكام -أسئلة الشريط رقم (١٣٩) .","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777798,"book_id":1728,"shamela_page_id":100,"part":null,"page_num":100,"sequence_num":100,"body":"الحقيقة هذا السؤال عام، والتفرق الموجود له طرق متعددة، ولذلك الإجابة على هذا السؤال قد تُفهم على غير المراد، ولكن أنبّه على الأصل الذي ينبغي على المسلم أن يلتزمه:\rأولاً: اعلم أن الله ﷿ جعل هذا الدين كُلاً لا يتجزأ: ((مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ)) [الروم:٣١-٣٢] وأمر الله بالاعتصام والتآلف، ونهى عن الفرقة والتخالف، ((وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا)) [آل عمران:١٠٣] ؛ لأنه ليس هناك موجب للخلاف في الأصل، فيلزم المسلم الكتاب والسنة، ولا يجتهد إلا بشرطين:\rالشرط الأول: أن يكون الكلام الذي يجتهد فيه صالحاً للاجتهاد وفيه مساغ للخلاف.\rالشرط الثاني: أن يكون أهلاً للاجتهاد.\rفأي قول خرج عن هذه الأصول، كأن يكون مستنبطاً من غير الكتاب والسنة، أو اجتهد وهو ليس بأهل، أو اجتهد في ما لا مجال للاجتهاد فيه، فإن خطأه بيّن واضح ظاهر، وعلى هذا فإنني أقول: ينبغي لطلاب العلم التناصح وتذكير بعضهم بعضاً بالتي هي أحسن، وأن يشد بعضهم من أزر بعض، وأن يكمّل بعضهم نقص بعض، ولا يعني ذلك المجاملة في الحق أو ترك بعضنا البعض على أمرٍ الخطأ فيه بيّن، أو المخالفة فيه لكتاب الله أو سنة النبي ﷺ أو منهج السلف الصالح واضحة، كل ذلك لا نعنيه، إنما نعني تهيئة الجو لقبول النصيحة وإصلاح الخطأ.\rوأما التجريح الذي فيه حظوظ النفس فلا يُرضي الله، وهو يهلك صاحبه -والعياذ بالله-.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777799,"book_id":1728,"shamela_page_id":101,"part":null,"page_num":101,"sequence_num":101,"body":"الكلام في الناس ولو كان بحق، وخالط قصدك إشفاء الغيظ والحنق والحقد، خرج عن كونه عبادة؛ لأنه لا يراد به وجه الله؛ ولذلك حذر علماء الجرح والتعديل ﵏ من أن يستغل الشيطان الإنسانَ من قصد التوجيه إلى بغض الشخص، حتى كان الجرح والتعديل من أصعب العلوم، لا من جهة تحصيله فقط، بل من جهة كبح النفس ومجاهدتها حتى يصبح جرحه وتعديله خالصاً لوجه الله.\rومن لوازم الإخلاص في الجرح:\rأولاً: أن يكون الباعث عليه إقامة الحجة على أخيك، والغيرة على الكتاب والسنّة، والحرص على الخير للناس، فهذه الركيزة الأولى.\rثانياً: من لوازم هذا الإخلاص أن تأتي لأخيك وتستره، والتشهير به فيه معنى لحظوظ النفس وحب الانتصار، وهو يضاد الإخلاص، بل والشرع، فإن الزاني يطالب المسلم بستره إذا زنى، وأجمع العلماء عليه، كما في حديث هزّال (١) [١١١] ) المعروف، فهذا من حق العامة من المسلمين، فكيف بطالب علم اجتهد أو تأول فأخطأ، من باب أولى وأحرى، فإن وجدتَ من نفسك أنها قابلة، لأن تنصحه في السر فاعلم أنك تريد وجه الله، وإن وجدت أنها تأمرك أن تسارع بكشفه، وتضيق حينما تهمُّ بالذهاب إليه، فاعلم أن الشيطان قد دخل إلى شعبة من شُعَب قلبك.","footnotes":"(١) ١١١] ) حديث هزال ﵁ رواه الإمام أبو داود ﵀، والإمام النسائي وغيرهما، وخلاصته أنه قال له: ائت رسول الله ﷺ فأخبره بما صنعت، لعله يستغفر لك، فقال النبي ﷺ (لو سترته بثوبك كان خيراً لك) .","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777800,"book_id":1728,"shamela_page_id":102,"part":null,"page_num":102,"sequence_num":102,"body":"وما المانع أن تدخل بيته محتسباً الخطوات عند الله، تشتري بها رحمات الله، ويعلم الله من قلبك أنك ما دخلت بيته إلا وأنت تريد ما عند الله جل وعلا، وتأتي إليه بكل نصح وتجرد، فإذا وجدته بين طلابه جلست كأنك واحد منهم -تهيئ الأسباب- حتى يفرغ. ثم تقوم معه إلى خلوته، وتقدم له ما عندك، أما أن تأتيه بين طلابه أو تتلقف زيد أو عبيد من طلابه، وتقول له: الشيخ فيه كذا وكذا، هذا أمر من الصعوبة بمكان.\rثالثاً: إذا جئته تتخير الحجج المناسبة والأسلوب المؤثر، وتظهر الشفقة عليه كأنه غريق تريد إنقاذه، ثم إن وجدت في نفسك أنها تشتهي إهانته وإفحامه وتسفيه رأيه ومنهجه، فاعلم أنك على جرف هار، وأنك -ولو كنت صاحب حق بهذا الشعور والميل، خرجت عن كونك ترجو ما عند الله إلى ما ترجوه من حظوظ نفسك.\rوقف بعض العلماء على إمام من أئمة السلف في الجرح، وقال له: تكلمتَ في أقوام لعلهم حطّوا رحالهم في الجنة منذ مائتي عام، فجلس العالم يبكي تأثراً حتى غشي عليه في المجلس، فليس مراد المذكّر إلا حثه على الاجتهاد في أن تكون نيته لله جل وعلا، وليس المراد أنه لا حاجة للجرح والتعديل، بل قد يكون واجباً كما هو معلوم.\rوليس -والله- من العيب أن يختلف العلماء وأن يتناظروا ويتناقشوا، هذا لاعيب فيه ولا حرج، ولكنّ المصيبة كل المصيبة دخول حثالات ممن لا يخافون الله ولا يتقونه في نقل الأحاديث ونقل الشائعات بين طلاب العلم حتى أفسدوا ذات بينهم، والله الموعد، ووالله لتمرنّ على الإنسان ساعة يعلم ما الذي أراد بهذه التصرفات التي يفعلها، وليعلمنّ نيته وقصده في سكرة الموت، أو في ظلمة القبر، أو عند زلة الصراط، يعرف عندها هل يريد وجه الله أو يريد حظوظ نفسه.\rيا أخي.. في الإنسان كفاية بعيوبه عن عيوب الناس، في الإنسان شغل في نفسه عن الناس.\rعليك نفسك فاشتغل بمعايبها ... ... ... ودع عيوب الناس للناس","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777801,"book_id":1728,"shamela_page_id":103,"part":null,"page_num":103,"sequence_num":103,"body":"إذا أصبح النصح والنقد فيه هوى وإشفاء غيظ، صار أقرب إلى الإثم منه إلى الأجر، فقد تجد شاباً حديث عهد بالتزام لو عرضت له شهوة لانتكسَ، وهو يتكلم في عالم، وقد كفاه غيره من أهل العلم بيان الخطأ الذي أخطأ فيه ذلك العالم، ما الذي أدخل أمثال هؤلاء أن يتكلموا في العلماء ويقولون: الشيخ فلان يؤخذ عليه كذا وكذا، وقد تكون المسألة من المسائل الفرعية التي يعذر فيها بنصّ أو حجة، هذا أمر خطير جداً، وبهذه الجرأة تضيع الأمة، ويفلت الزمام، وتذهب حقوق العلماء والدعاة والصالحين والأخيار، حين يتسلط من لا خوف ولا ورع له، والمقصود: أن من علم أنه من أهل النقد والاستدراك على العلماء، فليتقدم أو يتأخر، المهم أن يريد وجه الله، ويعلم ما يجيب به الله إذا سأله عن الكلام في فلان أو علاّن..\rكم من شاب يُمضي أيامه ولياليه في النقد والتجريح بغير الحق، ولو سألته عن صحة وضوء من توضأ ولم يتمضمض لَمَا علم لها جواباً، فينبغي للإنسان أن يشتغل فيما يعنيه عن ما لا يعنيه، وقد ورد في الخبر أنه: (لا تقوم الساعة حتى يلعن آخر هذه الأمة أولها (١) [١١٢] )) ، ولن يكون اللعن حتى يكون الاحتقار والازدراء، وهذه هُوّة سحيقة أن يتربى الشباب على الحقد على الدعاة والعلماء الأحياء، ثم ينتقل الدور إلى سلف الأمة، ثم تحرق كتبهم، ويكون ما أخبر به النبي ﷺ من ظهور الشر وغلبته، وعندها تقوم الساعة فللجنة طلابها، وللنار طلابها -والعياذ بالله-، ونسأل الله أن يجنبنا هذه المهالك والمزالق.","footnotes":"(١) ١١٢] ) أخرجه الإمام الطبراني ﵀ من حديث عوف بن مالك الأشجعي، وقال الهيثمي: فيه عبد الحميد بن إبراهيم وثقه ابن حبان وهو ضعيف، وفيه جماعة لم أعرفهم. اهـ. مختصراً من: إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة (١/٣٤٨) للشيخ الفاضل حمود التويجري ﵀.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777802,"book_id":1728,"shamela_page_id":104,"part":null,"page_num":104,"sequence_num":104,"body":"السؤال الخامس\rهل خدمة طالب العلم لشيخه من آداب الطلب أم فيها محظور ولا تنبغي؟. أرجو إزالة الإشكال في هذه المسألة (١) [١١٣] ) ؟\rالجواب:\rلا غضاضة ولا حرج في خدمة الأحرار من عامة الناس لمن كان من أهل العلم والفضل، كالعلماء ومن في حكمهم من كبار السن وصالحي الناس، والأصل فيها خدمة الصحابة للنبي ﷺ، كما في حديث ابن مسعود ﵁ قال: (كنت أقرِّب للنبي ﷺ وضوءه وأحمل له إداوته) (٢) [١١٤] ) ؛ لأن تعظيم أهل العلم وإجلالهم في الحدود الشرعية إجلال للدين والشرع، وإجلال لما حوته صدورهم من العلم، الذي شهد الله بفضلهم فيه ((بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ)) [العنكبوت:٤٩] ، وقال تعالى: ((لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ)) [النساء:١٦٢] .\rومن إكرامهم وتبجيلهم: خدمتهم، ويعتبر من القُرَب، لكن محل ذلك إذا أمنت الفتنة، أما إذا خاف طالب العلم أو الشيخ على نفسه الفتنة، وخشي أن يغترّ بإطرائهم، سيما إذا كان طالب العلم شاباً حدثاً، فإنه قد لا يأمن على نفسه الفتنة، ويكون ذلك مظنة الحسد بين الأقران.\rوكان بعض العلماء يشدد في ذلك نصحاً للمسلمين، وصيانةً لحمى الدين من الغلو والتعلق بالمخلوقين، ولذلك أثر عن ابن مسعود أنه لما خرج من المسجد، خرج معه أصحابه، قال: ما بكم؟. وما شأنكم؟. قالوا: رأيناك تمشي وحدك فأحببنا أن نسير وراءك، قال: إليكم عني، فإنها فتنة للمتبوع، وذلة للتابع (٣) [١١٥] ) .","footnotes":"(١) ١١٣] ) باختصار من دروس شرح بلوغ المرام، للشيخ محمد -باب قضاء الحاجة-.\r(٢) ١١٤] ) متفق عليه، ومثله وبمعناه أيضاً عن أنس ﵁، والمغيرة، وغيرهما..\r(٣) ١١٥] ) أخرجه الإمام ابن أبي شيبة ﵀ في المصنف (٦/٢١٣) .","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777803,"book_id":1728,"shamela_page_id":105,"part":null,"page_num":105,"sequence_num":105,"body":"وكان بعض الفضلاء يحكي عن الشيخ الأمين -رحمة الله عليه- أنه أعطاه رجلٌ ماءً ليتوضأ به، ثم همز ابنه ليقوم بصبّ الماء على الشيخ، قال الابن: فجئت إلى الإبريق، فلما دنوت لآخذه، نهرَني الشيخ وصبَّ على نفسه، قال، فغمزني أبي الثانية -يعني حاول-، يقول: فجئت المرة الثانية واقتربت من الشيخ، فدفعني وسحب الإبريق -رحمة الله عليه-، وهو عالم وإمام من الأئمة في العلم والورع والصلاح، ومع ذلك لم يقبل من هذا الطفل أن يلي طهوره. فقد يمتنع بعض أهل الفضل من ذلك إما لكمال فيه، أو خوف على نفسه، بل ينبغي على طالب العلم العاقل أن لا يفوِّت حسناته بخدمة الناس وتعظيمهم له.\rقال ابن عمر ﵄: لا تصم في السفر متنفلاً، إنك إن صمت قال أصحابك: أنزلوا الصائم، أجلسوا الصائم، حتى يذهب أجرك، فكانوا يخشون ذهاب حسناتهم بخدمة الناس لهم.\rوكان بعض العلماء يقول: أخشى من تعظيم الناس لي أن يُذْهِبَ حسناتي.\rوقد تكلم الإمام ابن القيم ﵀ بكلام نفيس على اغترار الناس بصحبة الصالحين، وهو على المعاصي، حتى يغتر بصحبتهم، فيفرَّق بينهم يوم القيامة.\rوالمقصود من صحبة وخدمة أهل العلم والفضل: التأسي بهم، والعمل بما يقولون، والوفاء والبر بهم، وردّ الجميل لهم إذا رضوا بذلك، وعلم منهم الرضا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777804,"book_id":1728,"shamela_page_id":106,"part":null,"page_num":106,"sequence_num":106,"body":"وإذا غلب على الظن أنه يحفظ دينه، وأن ذلك يعين إخوانه على القرب منه والألفة والمحبة وفي حدود المشروع، فلا حرج، وقد توسع أهل البدع في هذا الباب حتى استعبدوا الناس -والعياذ بالله- من دون الله، فأهانوهم، وأذلوهم بلحس الرُّكب والأقدام والأيدي.. وغير ذلك مما تمجُّه الطباع السليمة، فضلاً عن النفوس المستقيمة التي تسير على نهج الله، الذي أراد تكرمة بني آدم لا إذلاله، حتى أن الإمام مالك -رحمة الله عليه- كان يشدد في تقبيل اليد، ويسميها السجدة الصغرى، خوفاً من ذريعة الغلوّ في الصالحين والعلماء، ويتأكد ذلك في هذه الأزمنة التي ضعف فيها الدين في نفوس الناس، وبالغ العوام في هذه الأمور، أو يكون طالب العلم أو العالم في بيئة تبالغ في ذلك من الانحناء عند السلام وأخذ الكف بعد السلام ومسح الوجه بها.. كل ذلك من البدع والضلال الذي نشأ من الغلوّ في الصالحين والعلماء، ودين الإسلام دين عدل، فلا غلوّ ولا إجحاف\rالسؤال السادس\rبعض طلاب العلم يرى أن من الأصلح لطالب العلم أن يعتزل -في كثير من الأحيان- الناس حتى يأمن شرهم، هل هذا صحيح (١) [١١٦] ) ؟\rالجواب:\rمخالطة الناس مع الصبر أفضل من العزلة، كما جاء في الحديث: (المسلم الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم) (٢) [١١٧] ) ، وهذا من حيث العموم، أما إذا كان طالب العلم لا يستطيع التحمل والصبر على الأذى، أو ضعف أخلاقه لا يساعده على الدعوة والنصح وتعليم الناس مع عبادته وصلاحه، فهذا فتح الله عليه في باب العبادة، وتحمل أحاديث الأمر بالاعتزال على مثل هذه الحالات الذي يغلب على الظن فيها هلاك صاحبها بسبب الخلطة.","footnotes":"(١) ١١٦] ) من دروس شرح عمدة الأحكام، للشيخ محمد -أحسن الله له الختام-.\r(٢) ١١٧] ) رواه الإمام الترمذي، والإمام ابن ماجة رحمهما الله، وصححه الشيخ ناصر الدين في المشكاة برقم (٥٠٨٧) .","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777805,"book_id":1728,"shamela_page_id":107,"part":null,"page_num":107,"sequence_num":107,"body":"أما من رزقه الله العلم بالكتاب والسنة مع حسن خلق ولين ورفق، وحكمة وصبر، فهذا يجب عليه أن يخرج إلى الساحة، ويذكّر العباد برب العباد، وينصح ويوجه ويقيم حجة الله على خلقه، وهو بأفضل المنازل، فالإسلام كيف تبلغ شريعته وتقام حجته، وتنصَبُ راياته وتبيّن معالمه إذا أصبح علماؤه وطلاب علمه عاكفين في المساجد وفي الخلوات يقرؤون ويتعبدون؟ .. الإسلام دين كفاح، دين جهاد ودعوة وإصلاح ((كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)) [آل عمران:١١٠] ، والسبب هل تصلون وتصومون فقط؟ لا.. بل ((تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)) [آل عمران:١١٠] وإذا تقاعس العلماء وطلاب العلم عن الدعوة والجهاد في سبيل الله وإصلاح العباد وتقريبهم من ربهم، من الذي ينذر ويبشر ببشارة الله، ويقيم حجة الله على عباد الله. ولله در القاضي عبد الوهاب ﵀ في أبياته اللطيفة:\rمتى تصل العطاشُ إلى ارتواءٍ ... إذا استقتْ البحارُ من الركايا\rومن يثني الأصاغرَ عن مرادٍ ... وقد جلسَ الأكابرُ في الزوايا\rوإنّ ترفُّعَ الوضعاءِ يوماً ... على الرُّفعاء من إحدى البلايا (١) [١١٨] )","footnotes":"(١) ١١٨] ) الذخيرة لابن بسام، ووفيات الأعيان لابن خلكان (١/٣٠٤) نقلاً عن قواعد في التعامل مع العلماء، للشيخ عبد الرحمن اللويحق (ص:٩٥) ، وأوردها في الديباج المذهب (ص:١٦٠) .","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777806,"book_id":1728,"shamela_page_id":108,"part":null,"page_num":108,"sequence_num":108,"body":"يعني إذا كان العلماء والأكابر أهل الفضل جلسوا في الزوايا يتعبدون، إذاً: لا نثنى صغار السن والأحداث لقيادة الأمة، وعندها لا تسأل عن فساد الأحوال، ولذلك نصّ العلماء ﵏ أن تولي القضاء يجب على العالم طلبه إذا غلب على ظنه أنه يحكم بالعدل وينفع الناس، ولما استشكل بعضهم ذلك، أجيب بأنه: إذا امتنع من أجل أن يتورع، كان منجياً لنفسه قاصراً الخير عليها، وإذا خرج للقضاء كان قائماً بحق الغير عليه: من نشر العدل والعلم والحكمة، والحث على طاعة الله، وذلك نفعه للكافة والعامة، وهو أفضل من نفع نفسه خاصة، وهو معنى مستنبط من حديث رسول الله ﷺ: (فضل العالم على العابد، كفضل القمر على سائر الكواكب) (١) [١١٩] ) ، فحال من يؤثر في غيره مختلف عن حال من ينفّر غيره، ومن كان ضرره أكثر من نفعه لو خرج للناس، فالأفضل له أن يتعبد ويصلح نفسه.\rولما كتب عبد الله العمري العابد إلى مالك يحضه على الانفراد والعمل، كتب إليه الإمام مالك: إن الله قسم الأعمال كما قسم الأرزاق، فرب رجل فتح له في الصلاة ولم يفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الصدقة ولم يفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الجهاد، فنشر العلم من أفضل أعمال البر، وقد رضيتُ بما فتح لي فيه، وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه، وأرجو أن يكون كلانا على خير وبر (٢) [١٢٠] ) . اهـ","footnotes":"(١) ١١٩] ) رواه الإمام أحمد ﵀، والأربعة من حديث أبي الدرداء ﵁، وهو في صحيح الجامع.\r(٢) ١٢٠] ) ذكرها الحافظ ابن عبد البر في التمهيد، وعنه الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء (٨/١١٤) -رحمة الله عليهما-.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777807,"book_id":1728,"shamela_page_id":109,"part":null,"page_num":109,"sequence_num":109,"body":"وهذا فتح من الله على البعض من الأخيار الصالحين البررة، ربما جلس معهم العامي، فلا يجد عندهم أسلوب الدعوة، بمجرد ما يخطئ يقيمون الدنيا ويقعدونها عليه، لماذا؟؛ لأن الله لم يفتح عليهم في الدعوة، فهذا فضل من الله، والله يعطي فضله من يشاء، ولبعض الناس جهاده في خلوته أكثر من جهاده في علانيته، ومنهم العكس، ومنهم من جمع الله له بين الحسنيين، وآتاه كلا الفضيلتين، ويدل لذلك قوله ﷺ لأبي ذرّ ﵁: (إذا رأيت البناء بلغ سلعاً، فاخرج من المدينة) (١) [١٢١] ) ؛ لأنه ﵁ كان شديداً في طاعة الله، ويأخذ بالعزائم، ويرى أنه لا يجوز لك - وتعتبر من الذين يكنزون الذهب والفضة في الآية - أن تنام وعندك دينار واحد زائد عن حاجتك، من زهده وقوة خوفه من الله ﷿ ﵁ وأرضاه، وهذا من حكمته ﷺ: أن فاضل بين أصحابه، فكان يعطي البعض أحاديث الزهد، كأبي ذرّ، لو تتبعت أحاديثه في مسند الإمام أحمد لوجدت أكثرها في الزهد، والبعض من الصحابة أحاديثه في الجهاد أكثر، والبعض أحاديثه في العبادة، والبعض أحاديثه في العلم، والخلاصة أن الناس يختلفون، وبناءً عليه يُحكم لكلٍ حسب حاله. والله تعالى أعلم.\rالسؤال السابع\rأنا خطيب مسجد، تكلم فيَّ بعض الناس، فبِمَ تنصحوني؟ وما هي وصيتكم لمن يتكلم في الدعاة والعلماء، وينفر منهم الناس؟. وهل تجدي المناقشة معهم (٢) [١٢٢] ) ؟\rالجواب:\rهذه -والله- المصيبة التي تحزن إذا انتقص أهل العلم والفضل، فإنا لله وإنا إليه راجعون، والله إن باطن الأرض أولى من ظاهرها في العيش مع أقوام لا يعرفون لأهل العلم حقهم، ولا يقدرون لهم قدرهم.","footnotes":"(١) ١٢١] ) راجع العواصم من القواصم، للقاضي أبي بكر بن العربي ﵀، هامش (ص: ٧٦) بتحقيق الشيخ محب الدين الخطيب ﵀.\r(٢) ١٢٢] ) (بتصرف) من محاضرة وصايا لطالب العلم وأسئلة درس التفسير، الشريط رقم (٩) .","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777808,"book_id":1728,"shamela_page_id":110,"part":null,"page_num":110,"sequence_num":110,"body":"يا هذا.. قد نظرت إلى الدعاة والهداة، فوجدت فيهم من الفضل والصلاة والاستقامة والدعوة إلى الله ما سوف يحاسبك الله عنه، لم يبقَ إلا أن ينتقص العلماء وينفر منهم، وتُحذر الناس من مجالسهم، إنها مصيبة ورزية، إنها ثلمة -والله- في الإسلام إذا انتقص العلماء والدعاة، وتُتبعت عوراتهم وأخطاؤهم، ونُفِّر من مجالسهم، هذا مفتون، شأن أهل البدع -والعياذ بالله-.\rإنهم ينفرون من العلماء، ولذلك من أهم وأظهر سمات أهل الضلال أنهم يحتقرون أهل العلم؛ لأنهم يعلمون أنه لا يكشف عوارهم بعد الله إلا العلماء، فلذلك إخواني في الله ينبغي أن نتق الله في حقوق العلماء، في حقوق طلاب العلم والدعاة والهداة إلى الله ﷿، ينبغي أن تُلجم هذه الألسن بلجام الورع، والله، ما من كلمة تتلفظ فيها -حتى لو نقلت عن عالم أو داعية كلمة فيها انتقاص له- تحمل وزرها بين يدي الله ﷿، ونزّل نفسك منزلة هذا العالم، أترضى أن تظهر للناس فضيحتك وأخطاؤك.\rسلمنا جدلاً أنه أخطأ، فما الذي جعلك أن تذكر السيئات ولا تذكر الحسنات؟\rقال سعيد بن المسيب ﵀: من هذا الذي كمل، إنما يرجى الإنسان بالغلبة، ذلك أن الله تعالى يقول: ((فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)) [الأعراف:٨] ، ما قال: فمن خلصت موازينه (١)","footnotes":"(١) ١٢٣] ) قال ابن القيم ﵀ في إعلام الموقعين (٣/٢٨٣) :\r(ومن له علم بالشرع والواقع يعلم قطعاً أن الرجل الجليل الذي له في الإسلام قدم صالح وآثار حسنة، وهو من الإسلام وأهله بمكان، قد تكون منه الهفوة والزلة، هو فيها معذور، بل مأجور؛ لاجتهاده، فلايجوز أن يتبع فيها، ولا يجوز أن تهدر مكانته وإمامته في قلوب المسلمين اهـ.\rوقال أيضاً في المدارج (٢/٣٩) :\r( ... فلو كان كل من أخطأ أو غلِط ترك جُمْلةً أو أهدرت محاسنه، لفسدت العلوم والصناعات والحكم، وتعطلت معالمها) اهـ.\rويقول الإمام ابن رجب ﵀ في القواعد الفقهية (ص:٣) :\r(والمنصف: من اغتفر قليل خطأ المرء في كثير صوابه) .\rويقول الإمام الحافظ شمس الدين الذهبي ﵀ في السير (١٤/٤٠) في ترجمة محمد ابن نصر:\r(ولو أنا كلما أخطأ إمام في اجتهاده في آحاد المسائل خطأً مغفوراً له، قمنا عليه وبدعناه، وهجرناه، لما تسلّم معنا لا ابن نصر ولا ابن منده، ولا من هو أكبر منهما، والله هو هادي الخلق إلى الحق، وهو أرحم الراحمين، فنعوذ بالله من الهوى والفظاظة) اهـ.\rوقال ﵀ أيضاً في السير (٢٠/٤٦) :\r(ونحب السنة وأهلها، ونحب العالم على ما فيه من الاتباع والصفات الحميدة، ولا نحب ما ابتدع فيه بتأويل سائغ، وإنما العبرة بكثرة المحاسن) اهـ. من قواعد في التعامل مع العلماء، للشيخ عبد الرحمن بن معلاّ اللويحق - ط دار الورّاق الأولى ١٤١٥هـ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777809,"book_id":1728,"shamela_page_id":111,"part":null,"page_num":111,"sequence_num":111,"body":"[١٢٣] ) .\rولذلك العالم قد يزل، ولا ينبغي أن تُعجل في التشنيع عليه، بل يلتمس له العذر ما أمكن؛ لأن التشنيع عليه ثلمة في الدين.\rوالمنهج: أن تنقد الخطأ للخطأ، ولا تجرّح، شأن أهل الصلاح والفضل يبينون الخطأ دون تتبع عورات المسلمين وأعراضهم: ((وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا)) [يوسف:٨١] ، لا ينبغي للمسلم أن يقتحم عوار أخيه فيتهمه في منهجه وعقيدته، الذي يعنيك ما قرأت وما سمعت، وأما أن يلمز بعضنا بعضاً، وأن يحاول كل منا أن يفسر أقوال العلماء ويحملها على غير محاملها، فإنه سيسأل بين يدي الله عن ذلك: ((سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ)) [الزخرف:١٩] .\rأحبتي في الله! إن الله قسم بين الخلق فضله، فجعل أقواماً مفاتيح للخير، ويتكلمون بالخير، ولا يعرفون الفحش، برأهم الله من السوء في أنفسهم وأقوالهم، أعفة في اللسان، أعفة في الجنان، لا يُدخلون في قلوبهم غِلاً على مسلم، وهي من صفات أهل الجنة: ((وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ)) [الأعراف:٤٣] .\rولذلك لا يزال الإنسان يحسد العالم على علمه، على صلاحه، حتى تفنى حسناته -والعياذ بالله-.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777810,"book_id":1728,"shamela_page_id":112,"part":null,"page_num":112,"sequence_num":112,"body":"ومن العجب أن ترى طالب علم مجتهداً في العلم، قائماً الليل وصائماً النهار، حتى إذا جاء الكلام عن العلماء والدعاة، خرجت منه تلك الكلمات، فأتت على جميع حسناته -والعياذ بالله-، قالوا: يا رسول الله.. هي تصوم وتصلي، ولكنها تؤذي جارتها، قال: (لا خير فيها، هي من أهل النار) (١) [١٢٤] ) ، قالوا: ولا يؤمَن على من نال من أعراض الدعاة والعلماء من سوء الخاتمة، كما في قصة سعد بن أبي وقاص ﵁ مع الرجل، وسعيد بن زيد ﵁ مع المرأة، لما اتهماهما (٢) [١٢٥] ) ، فدعيا عليهما فساءت خاتمتهما -والعياذ بالله-، يا هذا.. وما يدريك أن لهؤلاء دعوات في السحر لا تردّ، وما يدريك لعلهم من أولياء الله، فتكون بمعاداتهم محارباً لله: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب) (٣) [١٢٦] ) .\rيا أخي، المسلم الحق (من سلم المسلمون من لسانه ويده) (٤) [١٢٧] ) ، ليس الإسلام الحقيقي: أن يأتي المسلم ظاهره على خير وباطنه منطوي على الحقد والغلّ وخبث النية والطوية على عباد الله، هذا ليس من الإسلام، الإسلام فيه براءة الظاهر والباطن.\rالمسلم الحق يستهويك حديثُه، سديدٌ في منطقه وفي رأيه، بعيدٌ عن سفاسف الأمور، سبحان الله! ما وجدنا ننقل إلا عورات، وعورات مَنْ؟! عورات أهل العلم والفضل.\rإخواني في الله ينبغي علينا:\rأولاً: ألّا نتصف بهذه الصفة والخصلة التي يبغضها الله، إنها الفحش في القول: ((لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ)) [النساء:١٤٨] .","footnotes":"(١) ١٢٤] ) تقدم تخريجه (ص:٧٧) .\r(٢) ١٢٥] ) قصة الرجل مع سعد ﵁، والمرأة مع سعيد بن زيد ﵁، ذكرها الحافظ الذهبي ﵀ في السير. انظر نزهة الفضلاء (٢٣/٢، ٢٧/٣) .\r(٣) ١٢٦] ) رواه الإمام البخاري ﵀ من حديث أبي هريرة ﵁.\r(٤) ١٢٧] ) متفق عليه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777811,"book_id":1728,"shamela_page_id":113,"part":null,"page_num":113,"sequence_num":113,"body":"ومن تخلق بذلك ليس بحبيب لله ﷿، بل جاء في الحديث: (بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم) (١) [١٢٨] ) ، فكيف بالعالم؟\rثانياً: ألا نسكت على من ينتقص علماءنا، ينبغي أن نغار على علمائنا، إذا لم نغر عليهم فعلى من نغار؟ وإذا لم تأخذك حميةُ الدين للعالم، فلمن تكون؟\rثالثاً: نفرق بين من ينقد بأدب، وحسن خلق، وعلى علم وبيّنة، وبين من ينتقد ويطعن في العلماء وطلاب العلم، العرض أمره ليس بالهين، فلو أن ثلاثةً من الصحابة ﵃ طَعنوا في عرضٍ دون بيّنة -وحاشاهم من ذلك- لما قبل منهم، ولردّت شهادتهم، لقوله تعالى: ((وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)) [النور:٤] ، فإذا كان هذا في العِرض (٢) [١٢٩] ) ، فكيف بمن يقذف العالم والداعية في عقيدته ومنهجه؟. فالذي ينبغي التبيّن والتثبت.\rالناس كثُر فيها القيل والقال والنقل والشائعات.\rرابعاً: الاشتغال بعيوب النفس عن عيوب الناس، لاسيما أهل العلم والفضل، فالماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث، وعليك بنفسك وعيوبك.\rفللناس ربٌ محاسبهم، ويجزيهم على الخير إحساناً، وعلى غيره صفحاً وغفرانا.\rوقال قال النبي ﷺ لعمر في حاطب ﵁ حين كتب الكتاب للكفار، يكشف سراً من أسرار المسلمين، ومع ذلك يقول ﷺ: (وما يدريك لعل الله اطّلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرتُ لكم) (٣) [١٣٠] ) .\rهذا يدل على أن العبد الصالح قد يكون بينه وبين الله حسنات تحرق خطاياه وزلَلَه.","footnotes":"(١) ١٢٨] ) رواه الإمام مسلم ﵀ من حديث أبي هريرة ﵁.\r(٢) ١٢٩] ) قال بعض الفضلاء:\rألم يكن قيل لمن أساءوا\rظَنّهُم في الإفكِ لولا جَاءوا\rثلاثةٌ عادلةٌ لا يُقبلون\rفي عرضِ مسلمِ فكيف بالظنونْ؟\r(٣) ١٣٠] ) تقدم تخريجه.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777812,"book_id":1728,"shamela_page_id":114,"part":null,"page_num":114,"sequence_num":114,"body":"تريد لهذا العالم الذي أفنى ليله ونهاره في الجهاد والدعوة إلى الله ﷿ أن تفني حسناتك أمامه؟. تريد أن الله لا يغفر إساءته، وله من الحسنات ونشر العلم والخير ما لا يُحصى، فالرجاء في الله عظيم (١) [١٣١] ) .\rوالله أسال: أن يرزقنا عفة الظاهر والباطن، وهذه –والله- وصية لكم أجمعين، لا أقصد بها شخصاً معيناً، ولا طائفة معينة، ولكن أريد أن يترسمها كل مؤمن فضلاً عن طالب العلم.\rوأما الأخ الذي تُكُلّمَ فيه فأوصيه بما يأتي:","footnotes":"(١) ١٣١] ) من درس شرح عمدة الأحكام، للشيخ محمد -السنن الراتبة- شريط رقم (٣١) .","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777813,"book_id":1728,"shamela_page_id":115,"part":null,"page_num":115,"sequence_num":115,"body":"أولاً: أن تتعزى وتتسلى بمن مضوا قبل من السلف والأخيار، فهذا رسول الله ﷺ سيد الأنبياء والعلماء الأبرار، اتهم في عرضه، واتهم في فكره ومنهجه، فقيل فيه: أفّاك؛ حاشاه، وقيل: ساحر، وقيل: كذّاب، ومات وهو سيد الأولين والآخرين؛ لأن الله تعالى جعل الأمور بعواقبها، وهي سنة ماضية في كل من تمسك بهذا الدين: أن يُبتلى على قدر تمسكه، كما اشار النبي ﷺ إلى ذلك بقوله: (أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأمثل، ثم الأمثل) (١) [١٣٢] ) ، فإن كنت أمثل صُبَ عليك من البلاء ما لا يعلمه إلا الله، ولْتعلم أن الله سيضعك -بالصبر على هذا البلاء- في مرتبة أحبابه وأوليائه ((وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ)) [السجدة:٢٤] ، أن تصبر وتحتسب عند الله ﷿ مما قيل فيك، فإن الله ﵎ قد تكفل بعباده وبيده أزمّة الأمور، فاصبر والله معك، قال ﷺ: (من يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاءً خيراً ولا أوسع من الصبر) (٢) [١٣٣] ) ، والله تعالى يقول: ((إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)) [البقرة:١٥٣] ، فإذا أراد الله رفعك وكره ذلك الخلق كلهم، فله الأمر من قبل ومن بعد (٣) [١٣٤] ) .\rولا تعبأ بحسدهم وبغضهم لك، ولمّا ابتلي الحافظ عبد الغني ﵀ في محنته (٤) [١٣٥] ) ، قال فيه القائل:\rإِنْ يَحسِدوكَ فلا تعبأ بقائلهم ... هم الغُثاءُ وأنت السيد البطلُ","footnotes":"(١) ١٣٢] ) رواه الإمام الترمذي، والإمام ابن ماجة، والإمام الدارمي ﵏ وصححه الشيخ ناصر الدين الألباني ﵀ في المشكاة رقم (١٥٦٢) .\r(٢) ١٣٣] ) متفق عليه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\r(٣) ١٣٤] ) من محاضرة وصايا لطلاب العلم، للشيخ محمد.\r(٤) ١٣٥] ) راجع قصة محنته ﵀ في اعتقاده في أول المجلد الثاني من ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب ﵀.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777814,"book_id":1728,"shamela_page_id":116,"part":null,"page_num":116,"sequence_num":116,"body":"والناس لا نجاة منها، فلو صاحبت أفضل الناس لابد من كلام الناس فيك.\rتالله لو صحب المرء جبريلا ... لا بدّ من قيلٍ وقيلا\rقد قيلَ في اللهِ أقوالٌ مسمّاة ... تتلى إذا رتّل القرآن ترتيلا\rقد قيل إن له صاحبة ... تعالى الله عما قيلا\rفالله لم يسلم من كلام خلقه: من أن له صاحبة وولداً، تعالى الله عما يقوله الظالمون علواً كبيراً.\rوهذه الفتنة لو وجدت عقولاً وقلوباً تتقي الله، لما راجت واستحكمت، وقد وقعت فتن في زمن أصحاب النبي ﷺ في أعظم من ذلك، في الدماء، لكنها وجدت عقولاً راجحة ضيقت نطاقها، وعرفت أهل الشر والغوى فيها، ونحن لا نبرّئ ساحات أهل العلم من وجود أناس لا خير فيهم، دخلاء على الصالحين، أو يتمسحون بالصلاح وهم منهم براء، وأشهد الله أني بريء ممن برئ من عقيدة السلف، وأبرأ إلى الله ممن يتكلم ويطعن في الصالحين والأخيار.\rثانياً: لا تناقش الجهال حتى لا تهلكهم، ربما أثناء نقاشه يرد آية أو حديثاً بمحض هواه وفهمه فيهلِك، وتضيّع وقتك.\rقال الإمام الشافعي: جادلني عالم فجدلته -أي غَلَبْتُه-، وجادلني جاهلٌ فغلبني، لأن الجاهل لا تدري من أين تأتيه، إذا جئته من يمين، يأتيك من شمال، وهكذا، ليست عنده ضوابط ولا قواعد ولا اصول يحتكم إليها، فلا تضيّع وقتك معه، قل له: ارجع إلى العلماء، حتى لا تَفْسُد القلوب بسبب هذه المناقشات التي لا تجدي؛ لأن هذا النوع من النقاش يفسدها ويوقع بينها الخلاف، والله قرن الفشل بالخلاف ((وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ)) [الأنفال:٤٦] .\rثالثاً: إذا كان الذي أمامك طالب علم، قد حصَّل علم آلة الخلاف والنقاش والاجتهاد، وتستفيد من مناقشته ومناظرته، فخذ بآداب البحث والمناظرة، وهي معروفة ومشهورة، ومنها:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777815,"book_id":1728,"shamela_page_id":117,"part":null,"page_num":117,"sequence_num":117,"body":"أ- أن يكون (١) [١٣٦] ) الخلاف بحجة وبرهان، والاستدلال بهذه الحجة مبني على أصل مقرر عند العلماء لا بمحض الهوى، فيستنبط (استنباطاً) ما سبقه إليه أحد، والعلم الحق موروث، والنبي ﷺ قال: (.. وإن الأنبياء لم يورِّثوا درهماً ولا ديناراً، وإنما ورَّثوا العلم..) (٢) [١٣٧] ) .\rفالذي يتكلم في الخلافيات والمسائل، ويناظر إخوانه وهو يعتمد أصول العلماء ويتكلم بكلامهم، فقد تكلم بإثارة من علم السلف.\rوإذا جاءك إنسان بقول عليه دليل وليس لك علم به، فاسكت -رحمك الله- حتى لا تزلّ قدم بعد ثبوتها، فقد يمقت الله طالب العلم بردّه لسنة. وكان أبو بكر ﵁ يقول: (أخاف إن تركت سنته أن أضل، إن الله يقول: ((فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)) [النور:٦٣] ، ينبغي أن يزن طالب العلم نفسه بميزان الشرع، ولا يتكلم في دين الله إلا بحجة من الله وبينة، لا بالهوى والظن، ((وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا)) [يونس:٣٦] .\rعوّد نفسك من اليوم: أنك لا تدخل في نقاش أو خلاف دون تصور وحجة وبرهان، واترك طلاب العلم حولك يختلفون ويصيحون ويُقيمون الدنيا ويقعدونها، واستمع لخلافهم وانصت، وخذا ما صفا، ودع ما كدر، واجْنِ الثمار وألْقِ الحطب في النار.\rوأما عاقبة من فُتن وكان جريئاً على الخلافات والمناظرات والمناقشات، دون علم، فإنه إذا تخرّج لا يرتاح حتى يجد من يناقشه ويناظره، ويصبح ديدنه ذلك، وأصحب ما عنده مسألة إجماعية لا خلاف فيها، ويصير علمه وبضاعته -والعياذ بالله- القيل والقال.","footnotes":"(١) ١٣٦] ) من أسئلة دروس البلوغ عند شرح حديث ابن عمر (نهي عن بيع العربون) .\r(٢) ١٣٧] ) الحديث أخرجه الإمام أحمد في المسند (٥/١٩٦) ، والترمذي (٢٦٨٢) ، والخطيب في الرحلة (ص:٨١) ، وهو حسن عند كثير من الحفاظ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777816,"book_id":1728,"shamela_page_id":118,"part":null,"page_num":118,"sequence_num":118,"body":"كان الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ -رحمة الله عليه- متصفاً بأنه لا يمكن أن يناقش أحداً أبداً، ويؤثر عنه أنه يجلس في المجلس، فما أن يقوم المشايخ بالمناظرة مع بعضهم حتى يقوم من المجلس، وبهذا أصبح عزيزاً بعلمه، عزيزاً بشخصه (١) [١٣٨] ) ، بخلاف ما إذا أصبح الإنسان منفلت اللسان، يجادل كل من هب ودب، فتضيع هيبة علمه.\rومجالس الجدل والمماراة أمَرَ الله بعدم الجلوس فيها: ((وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ)) [النساء:١٤٠] .\rب- تحديد المسألة وتحرير موضع النزاع، حتى لا تضيعوا الوقت في مناقشة مسائل، متفق عليها بينكم أو لا التقاء بينكم فيها.\rج- تحديد الأصل حتى يعرف من المطالب بالدليل ومن المدعي ومن المدعى عليه، فالذي يخرج عن الأصل هو المطالب بالدليل مثلاً الأصل فيها الجواز، الذي يقول بعدم الجواز هو المطالب بالدليل، لكن الذي يحصل من بعض طلاب العلم يجلسون مع بعض، الأول يقول: ائتني بالدليل على عدم الجواز، والثاني كذلك يقول: لا.. بل أنت تعطني دليل على الجواز.. وهكذا، مع أنه إذا كان أصل المسألة أمر تعبدي، فالذي يقول غير مشروع لا يطالب بالدليل؛ لأن الأصل معه، والآخر يقول بأنه مشروع هو الذي يطالب بدليل نسبة شيء إلى الشرع.. وهكذا.","footnotes":"(١) ١٣٨] ) قال الإمام الشافعي ﵀: (من إذلال العلم، أن تناظر كلّ من ناظرك، وتقاول كل من قاولك) مناقب الشافعي، للبيهقي (٢/١٥١) .","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777817,"book_id":1728,"shamela_page_id":119,"part":null,"page_num":119,"sequence_num":119,"body":"د- أن ينظر في هذا الدليل بكل إنصاف وتجرد للحق، والله، ما أنصفت خصمك من نفسك إلا وفقك الله للحق، وهذا مجرب، وكان السلف الصالح -رحمة الله عليهم- يتناظرون ويتناقشون، ويحصّلون من الفوائد درراً ونكتاً، لا تزال قواعد تنير الطريق لمن وراءهم، ومن قرأ الفقه الإسلامي يدرك أنه ما ثَرَتْ مادته إلا بردود العلماء ومناقشاتهم، حتى أصبحنا اليوم لو نزلت نازلة أو مشكلة معاصرة، نستطيع أن نخرجها على أصول العلماء، فكان الخلاف ثراء للمادة العلمية، لماذا؟. لأن مناقشاتهم مبنية على أساس: سلامة الصدر، وحسن الظن، والتجرد للحق.\rبخلاف ما يفعله بعض الطلاب -أصلحهم الله- من التشكيك في المدرّس، والتشويش عليه، وإظهار عواره أمام الطلاب، وليته اتقى الله، ولم يؤذِ هذا المسلم ويَحْرِم إخوانه من الفائدة، وليته سكت فلم يتحمل وزر ما نطق به.\rالحلمُ زينٌ والسكوتُ سلامةٌ ... ... ... فإذا نطقْتَ فلا تكن مهذاراً\rفلنتّقِ الله في هذه المجالس، ونراقب الله في المناقشات التي لا يراد بها وجه الله، لو أن طلاب العلم إذا جلسوا تذاكر كل بما سمع من شيخه، واستمروا على ذلك، وأصبح هذا ديدنهم وشأنهم، لوجدوا عاقبة وثمرة العلم من: انشراح الصدر، وعلوّ الدرجة، ولم يمرّ يوم أو أسبوع إلا وقد ازداد طالب العلم بما يرفعه الله به درجات، فإن شئت فاستقلّ أو استكثر. ونسأل الله العظيم أن يعصمنا وإياكم من هذه الآفات. والله تعالى أعلم.\rالسؤال الثامن\rأرجو أن تدلونا على كتاب يكون -بعد عون الله تعالى- عوناً على تحضير دروس بلوغ المرام على النمط الذي نسمعه من فضيلتكم (١) [١٣٩] ) ؟\rالجواب:\rالحقيقة: الطريقة الأكمل والأفضل قراءة الحديث وضبط نصّه وحفظه، ثم يقرأ شرحاً مفصلاً للحديث، ولمعاني الألفاظ، بحيث يكون عنده تصور مبدئي، ثم بعد ذلك يتفرغ للشرح الذي يسمعه.","footnotes":"(١) ١٣٩] ) من دروس شرح البلوغ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777818,"book_id":1728,"shamela_page_id":120,"part":null,"page_num":120,"sequence_num":120,"body":"فإن حصلت عنده إشكالات، يكون قد تهيأ لسماع الأجوبة عليها، فإن وجد فيها ما يحل هذه الإشكالات ويزيلها فالحمد لله، وإلا تداركها بالسؤال بعد الدرس.\rوأما الرجوع للمطولات في البداية، فإنها تُربك طالب العلم، وطلاب العلم لهم ثلاثة أحوال:\rالمرتبة الأولى: مرتبة البداية، ويكون الطالب لا يميز بين الأدلة، ولا يعرف قويها من ضعيفها، ولا جهة دلالتها.\rفهذا يقتصر على الخلاصة من الدرس، والراجح من الأحكام مع دليله، ولا يتعرض للأقوال ومناقشة أدلتها؛ لأنه لا يكلف بها.\rكما ذكر هذا الإمام ابن القيم في (إعلام الموقّعين) ، وشيخ الإسلام ابن تيمية في (المجموع) في أكثر من موضع، إن شأن هذا: الاكتفاء بقول عالم مع معرفة دليله، ويسير على هذا الشرح بقول واحد ودليله، ويبقى حتى يصل إلى درجة الاتّباع.\rوبعد أن يعرف الفقه بكماله، أو يقرأ كتاباً في أحاديث الأحكام بكامله، يكون عنده تصور مبدئي، يصبح بعد هذا وقد أخذ الفقه بدليله ممن يوثق به، وضبطه على نمط معين.\rفإذا لقي الله ﷿ وسأله عن هذا الذي يقوله أو يفعله أو يفتي به، ذكر حجته ودليله بين يدي الله ﷿.\rوإذا كان لا يحسن النظر وفهم الدليل، فقد احتج بما كلف بالرجوع إليهم في قوله تعالى: ((فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)) [النحل:٤٣] .\rيقول الإمام ابن القيم ﵀: إجماع السلف على هذا: كانوا يأمرون العوام بالرجوع إلى أهل العلم، ولا يكلفوهم باجتهاد ولا بنظر.\rالمرتبة الثانية: وهي الاتّباع وفهم الدليل: لا يعرف وجه الأدلة، ومراتب الدلالة، وكيفية التعامل مع النصوص المتعارضة، والترجيح، ولكنه يفهم الدليل ووجه دلالته، وإذا جاءته أقوال عديدة يتشتت ويتذبذب، ولا يستطيع أن يقف بين فحول الأئمة وينتقي من أقوالهم وترجيحاتهم، فهذا شأنه أن يأذ كل قول بدليله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777819,"book_id":1728,"shamela_page_id":121,"part":null,"page_num":121,"sequence_num":121,"body":"فتتعبد الله بقول أو بحجة من كتاب أو سنة، ولا تذهب لشيخ آخر حتى لا تتشتت، فقد يكون الشيخ الأول يعتبر دلالة المفاهيم، والثاني لا يعتبرها، فلا تثبت على طريقة، تارةً تتعبّد الله بدليل، وتارةً تتركه، وهذا تناقض منَع العلماء منه، وهو التنقل والتلفيق بين أقوال العلماء.\rوهذه مرتبة المتبع: عنده إلمام بالدليل دون الترجيح بين أنواع الأدلة، وهذه حالة كثير من طلاب العلم المتقدمين، ولذلك بعضهم يتذبذب؛ لأنهم يدخلون على الخلافات والأقوال قبل أن يكون عندهم تصور لأدلة ومسالك الفقهاء.\rفإذا قرأت الفقه بقول عالم ودليله -كما كان السلف يفعلون- دون تعصب، فأنت متبع، ولا مانع أن تلقى الله بقول أحمد، أو الشافعي، أو مالك، أو أبي حنيفة، بالدليل، فهم أئمة يقتدى بهم، وأجمعت الأمة على أخذ علم هؤلاء وجلالتهم.\rفتسير في فقهك بضوابط وأصول منضبطة مرتبة، حتى تصل إلى مرتبة الاجتهاد.\rوالذي ضرّ الكثير من طلاب العلم: الاجتهاد في هذه المرحلة، فيملّ ويسأل ويحتار، خاصة في مسائل البيوع والمعاملات.\rولذلك تجد بعض الطلاب يقول في مسألة كذا: أنا متحير، لا أدري أين الحق ولا أين الراجح، أو يرجح بهواه، فيقول: هذا أقوى في نظري من هذا، ولكن بالهوى -والعياذ بالله- لا بالحجة والبرهان؛ لأنه لا يملك الملكة التي تجعله يرجح بضوابط معينة.\rوبعض الأدلة كلها من القوة بمرتبة واحدة، ولكن بعضها ألصق بالقواعد والأصول من بعض، والله يقول: ((فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا)) [الأنبياء:٧٩] ، فجعل خلاف الفقه فيه حجة لكل قول، ولكن جعل التفهيم لسليمان، وأثنى على الجميع.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777820,"book_id":1728,"shamela_page_id":122,"part":null,"page_num":122,"sequence_num":122,"body":"فالمقصود أن طالب العلم في هذه المرتبة الاتباع، لا يحتار، بل يعرف ويضبط مسالك وطرق العلماء في الاستدلال، إن سار على هذا الضابط سلم، مثلاً: مفهوم الصفة أنه حجة، تقول: (في السائمة الزكاة) ، أنها إذا لم تَرْعَ أكثر الحول لا زكاة فيها، فتعتبر مفهوم الصفة هنا في باب الزكاة، وتعتبره في أبواب المعاملات كما اعتبرته في العبادات.\rلكن لو تنقلت بين عالمين: أحدهما يرجح مفهوم الصفة مثلاً، والآخر لا يقول به، وقلت بأقواله في المعاملات؛ لقوته فيها وتمرسه، فتردّ نصوصاً فيها حجة المفهوم الذي تعتبره في العبادات ولا تعتبره، ولا تتعبد الله به في المعاملات، فيصبح هذا تناقض، وهذا الذي جعل العلماء -رحمة الله عليهم- يمنعون من التلفيق بين أقوال العلماء والمذاهب في بداية التفقه.\rومن بلغ مرحلة أن يجتهد ويقف أمام ترجيحات الفقهاء، وكانت عنده ضوابط ومسالك يسير بها في اجتهاداته، وكذلك ملكة يعلم بها قوة وضعف أدلة الخصم، فإذا بلغ هذه المرتبة، ينتقل للمرتبة الثالثة، وهي:\rالمرتبة الثالثة: الاجتهاد.\rأما أن تكون في مرتبة الاتّباع وتجتهد، فلا، والله، لشرفٌ لك أن تقول: اتبع قول فلان -وتراه موثوقاً بعلمه وديانته من علماء السلف، أو من العلماء المعاصرين ممن شُهد لهم بالضبط والتحري، فتبقى على قوله بالدليل- من أن تجتهد ولستَ من أهل الاجتهاد، فإذا انتهيت من الفقه وعلم هذا الشيخ أو ذاك وتصورته على هذه الطريقة، إذا بك وجميع مسائل الفقه منحصرة عندك بضوابط معيّنة، وتجدك اكتملت عندك الصورة، وتصورت الفقه بأكمله على نمط معين مؤصَّل على منهج السلف، ولذلك انظروا للأئمة، ما منهم إلا وكان له مذهب معين.\rفمثلاً شيخ الإسلام بن تيمية ﵀ انظر إليه في (المجموع) : قال أصحابنا، وارتضاه أصحابنا، وهو الصحيح من أقوال أصحابنا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777821,"book_id":1728,"shamela_page_id":123,"part":null,"page_num":123,"sequence_num":123,"body":"بل إنه يجتهد في المذهب، فيقول: والصحيح من مذهب أحمد كذا، وغلط بعض أصحابنا في كذا وكذا، ويقول: ومن قال أن مذهب أحمد كذا فقط غلط لكذا وكذا. فتجده حجة في مذهبه، حجة خارجاً عن مذهبه.\rكما في الإنصاف للمرداوي -رحمة الله عليه- إذا ذكر الخلافات داخل المذهب وقال: قال الشيخ، فمراده: شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية، ويقطع ويقوي قوله بترجيحات شيخ الإسلام ابن تيمة، لماذا؟. لأنه قرأ علم إمام من الأئمة المشهود لهم بالإمامة والاقتداء بهم بالدليل، فوضع الله له البركة والخير في علمه.\rولا شك أن طالب العلم حينما يقرأ مثلاً أركان الصلاة بدليل في مذهب واحد، ليس مثل أن يقرأها في المذاهب الأخرى بأدلة متباينة متعارضة، فكيف يضبط؟! وهكذا طالب العلم، إذا لم يستطِع التمييز بين الأدلة يكتفي بالقول الراجح بدليله، ويمضي ويبقى على هذا، ويسير حتى ينتهي من الفقه كله، ويتصور أبوابه ومباحثه، ولا يهمك نقد غيرك لك، يلومك من يلومك، ويسفّه رأيك من يسفّهه، لا شأن لك به، كلنا أخذ الفقه بهذه الطريقة، كنا نأخذ على مشايخنا ونضبط أقوالهم، بالدليل لا مجرد أقوال رجال، لا.. بل بالدليل.\rفلما انتهينا أصبح الفقه أمامنا منضبط، وبعد أن قرأنا على مشايخنا، وجدنا أقوال وأدلة تخالف ما كنّا تلقيناه على مشايخنا، فأخذنا بها وتركنا ما كنا عليه وخالفناهم؛ لقوة أدلتها، وما نقص ذلك من قدرهم ومنزلتهم في قلوبنا، أبداً والله، ولكن الحق أحبّ إلينا من كل أحد.\rفلذلك: الطالب الذي يأخذ منهج معيّن، يفيد ويستفيد، ويصل إلى مرتبة الفقيه، وأما من يسلك كل يوم طريق ويتذبذب، لا تجد له أصلاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777822,"book_id":1728,"shamela_page_id":124,"part":null,"page_num":124,"sequence_num":124,"body":"وخذ طالب علم ممن سار على هذا المنهج الغير منضبط، وناظره في مسألة معيّنة، لا تجد له أصلاً ثابتاً، ولا تخرج مع بنتيجة، وتجده عائماً ليس له ميزان تصل مع إليه فيعذرك وتعذره في المسألة، أو تصلا إلى قول فصل في القضية، والسبب هو أن الأساس الذي سار عليه هو: التلقي من مشارب مختلفة في بداية الطلب، فيواجه أقوال وإشكالات يوردها جهابذة العلماء، لا يحسن فهم توجيهها، ولا الخروج منها.\rوكذلك يواجهه في شروح الأحاديث: كشروح الإمام النووي، أو ابن حجر، أو الحافظ ابن دقيق، أو الحافظ العيني.. وغيرهم -رحمة الله على الجميع-.\rولو جئت تنظر في قول كل واحد منهم تقول: أبداً، هذا قوله راجح، ثم إذا جئت تقرأ لغيره، تجد قول الأول من أضعف ما يكون، ثم تجد جواباً عن هذا الجواب عند الأول، وتصبح في حيرة.\rوحتى لو وصلت إلى نتيجة، لا تأمن من أنك كما قلت للقول الأول بأنه راجح، لا تزال مزعزع الثقة بقولك وما أنت عليه، ولو في آخر قول وصلت إليه.\rولذلك الأفضل الانضباط بأصل معين من البداية، وهذا الذي يميز فقه المتقدمين من الأئمة على غيرهم، تجد فقههم كالبناء، وأصولهم ثابتة ومنضبطة.\rومن هنا تلمس: أن بعض الفقهاء والعلماء له أقوال غريبة في المعاملات، فتتعجب كيف قال به في هذه المسألة، ويزول عجبك حين تعرف أن له أصلاً مشى عليه، واختاره ضابطاً له بقي عليه وثبت عليه.\rمثلاً بعض المالكية يقول في المزارعة: إذا كانت الزراعة تابعة للنخل المسقي في حدود الثلث جاز أن تتبع، وإذا كانت أكثر من الثلث لا تتبع. فتستغرب من أين جاءوا بضابط الثلث، فتجد الإمام مالك ﵀ أخذ من قوله ﵊: (الثلث والثلث كثير) (١) [١٤٠] ) ضابطاً في القلة والكثرة، وهذا أصل اعتمده من السنة، وليس من هواه، فيقول: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فاعتبر الثلث ضابطاً في جميع الأبواب.","footnotes":"(١) ١٤٠] ) متفق عليه من حديث أبي إسحاق سعد بن أبي وقاص ﵁.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777823,"book_id":1728,"shamela_page_id":125,"part":null,"page_num":125,"sequence_num":125,"body":"وهكذا الفقه عند المتقدمين، أصولهم في العبادات هي أصولهم في المعاملات، لا تتغير، ولا تتناقض ولا تختلف.\rبخلاف بعض المؤلفات المعاصرة، خذه، تجده يرجّح بأصل من العبادات، يخالفه في المعاملات ولا يعتبره، مع أن المسألة في البابين مبنية على الأصل نفسه، فيناقض نفسه بنفسه، ويفتي هنا بالجواز، وهناك بعدمه، مع أن الأصل واحد؛ لأنه ينظر إلى كل مسألة منفصلة عن نظائرها وعن مقاصد الشريعة وبعيداً عن مجموعة الأحاديث التي وردت فيها، وليس هذا صنيع السلف -رحمة الله عليهم-، بل ربما نظروا إلى أصل مقصود الشرع، هل ينظر في هذا الباب إلى المسامحة أم التضييق؟ ومعهم ملكات تؤهلهم لذلك.\rأئمة ودواوين علم، يحفظون القرآن والسنة، بل البعض يحفظ مئات آلاف الأحاديث.\rفإذا جاء أحدهم للمسألة، يستحضر كل هذه النصوص وشتاتها في الكتاب والسنة، وقد تجد الحديث في الهبات، يستنبط منه دليلاً على مسألة ما في الصوم، والحديث في الصلاة وفيه دلالة على مسألة في العشرة الزوجية، وهذا فضل من الله، فاضل به بين العلماء، وظهرت فيه سعة وشمولية هذه الشريعة الكاملة، وظهر فيه فضل علماء السلف: بحسن الاستنباط وحُسن الفهم ودقة الوعي، بل ربما تجد الواحد يحدثك بقصة في آية قرآنية ويستنبط منها حكماً شرعياً ومسألة فقهية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777824,"book_id":1728,"shamela_page_id":126,"part":null,"page_num":126,"sequence_num":126,"body":"وهذا من فهمهم عن الله وارتباطهم بالكتاب والسنة، تجد الواحد منهم يقوم بهذا القرآن في ثلاث ليال. يختمونه فتمرّ بهم المسائل، ناهيك عن ورعهم وخوفهم من التقوّل على الله، وارتباطهم بالله، واستلهامهم منه التوفيق والسداد (١) [١٤١] ) ، والمقصود أن الذي يريد أن يضبط الفقه يضبطه بالأصول، ويتقيد بها دون تعصب ولا جمود، في مرحلية ينتقل إلى ما بعدها حتى يصل إلى مرتبة الاجتهاد.\rكل ذلك بإخلاص وتعظيم لعلماء السلف، ومعرفة حقهم وعظيم فضلهم علينا.\rفكم من قول ربما سخر طالب العلم منه واستهجنه واستبعده، يتبيّن له فيما بعد أنه الصواب، أو يتبيّن وجهه ودليله الذي يعذر به صاحبه أمام الله جل وعلا.","footnotes":"(١) ١٤١] ) ذكر الشيخ علي القارئ ﵀ في كتابه الطبقات (أن الإمام أبا حنيفة ﵀ كان إذا أشكلت عليه مسألة قال لنفسه: ما هذا إلا لذنب أحدثته، فيبدأ يستغفر الله، أو يقوم يصلي، ويتضرع لربه ويدعو مولاه، فيفتحها الله عليه، فيقول: أرجو أن يكون قد تاب الله عليّ – أي: لأن تفهيمه لي السمألة مظنة توبته عليّ -، فبلغ ذلك الفضيل بن عياض، فبكى بكاءً شديداً، وقال: ذلك لقلة ذنوبه، أما غيره فلا ينتبه لذلك) اهـ. من طبقات الحنفية، للشيخ علي القارئ (٢/٤٧٨) نقلاً عن كتاب كيف نتحمس لطلب العلم الشرعي، لمحمد بن صالح آل عبد الله.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777825,"book_id":1728,"shamela_page_id":127,"part":null,"page_num":127,"sequence_num":127,"body":"كنت أعجب من قول الإمام ابن جرير، شيخ المفسرين ﵀، يقول: إن فرض الأذن في الوضوء: الغسل كالوجه، وليس المسح فسألت الوالد -رحمة الله عليه-، فقال: لا تعجب يا بني، ألم يقل ﷺ في دعاء سجود التلاوة (سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشقّ سمعه وبصره..) (١) [١٤٢] ) الحديث، فأضاف السمع للوجه، وهذا وإن كان قولاً ضعيفاً ترده السنة القولية والفعلية، لكن المقصود هو معرفة قدرنا عند أولئك الرجال الذين حَوَتْ صدورهم الكتاب والسنة: ((بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ)) [العنكبوت:٤٩] . نسأل الله لنا ولإخواننا العصمة من الزلل.\rالسؤال التاسع\rعندما يفتي البعض في إجابة مسألة، يذكر أقوالاً لأهل العلم فيها، ولا يَنسبها لأصحابها، أليس من الأمانة العلمية: نسبة القول لصاحبه؟ وما هي المراجع والمصادر الفقهية المعتمدة في كل مذهب، والتي تعتني بذكر الأدلة؟ أفيدونا بالتفصيل جزاكم الله خيراً (٢) [١٤٣] ) ؟\rالجواب:\rهذا فيه تفصيل: فإن كان في أسلوب نسبته للقول يوهم أنه من كلامه، فالأمانة العلمية تقتضي: نسبة القول لصاحبه، أما شخص يقول:\rاختلف العلماء في هذه المسألة على قولين أو على ثلاثة أقوال، فهذا ليس مدعي لنفسه شيئاً، ولا يطالَب بنسبة الأقوال لأصحابها، وهي في حقه مرتبة فضل، لا مرتبة فرض.","footnotes":"(١) ١٤٢] ) رواه الإمام أبو داود ﵀ وغيره، وصححه الحاكم، ووافقه الإمام الذهبي -رحمهما الله-.\r(٢) ١٤٣] ) من درس شرح عمدة الأحكام، السنن الراتبة، شريط رقم (٣١) ، وبتصرف من محاضرة آداب طالب العلم، ألقيت بمكة المكرمة.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777826,"book_id":1728,"shamela_page_id":128,"part":null,"page_num":128,"sequence_num":128,"body":"والعلم بنسبة الأقوال، وحفظها، وحفظ أصحابها، أمر تشيبُ منه الرؤوس، ولذلك تجد شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ -وناهيك به علماً وتحقيقاً، ومع أنه جمع فأوعى كثيراً من العلم- يقول: وهذه المسألة للعلماء فيها قولان: أصحها كذا وكذا، أو يقول: قول بالمنع وقول بالجواز، ولا ينسب الأقوال، وأحياناً يسترسل فيبيّن صحة النسبة؛ لأن الفقه يحتاج إلى بيان وتمييز الأقوال.\rثم المرتبة الثانية: وهي أعلى مما قبلها: نسبة الأقوال، وأعلى منها تحرير نسبة هذا القول، وهل هو المذهب أم قول ضعيف أم مشهور؟ وهل هو عند المتقدمين أو المتأخرين؟ فهذه أمور تختص بعلماء جهابذة؛ لأنها تحتاج نفساً طويلاً، وباعاً قوياً، وهو من أقوى ما يميز علماء وفقهاء السلف ﵏ عن غيرهم: الفقه المقارَن أو المقابَل. خذ مثالاً على ذلك: الإمام ابن جرير الطبري -رحمة الله عليه- في اختلاف الفقهاء في التفسير تجده يقول: وقال بعض العلماء: لا يجوز ذلك، ومنهم فلان وفلان.. ثم يسوق سنده حدثني فلان عن فلان أنه سئل عن كذا وكذا فقال بكذا وكذا، وإذا كان في السند أو الرواية ضعف، بيّنه، وهذه أمور خدمها علماء السلف ﵏ سواء في المذاهب الفقهية أو غيرها من العلوم الأخرى.\rوينبغي التنبيه على أن الأئمة لهم أسانيد بعضها أقوى من بعض، وأصحاب وكتب بعضها أقوى في الترجيح من بعض، إذا تعارضوا.\rوأما المراجع الفقهية، فخُذها مرتبة حسب المذاهب (١)","footnotes":"(١) ١٤٤] ) أخذت المراجع من مذكرة بخط الشيخ -حفظه الله-، كتبها لطلاب كلية الشريعة بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وأضفت عليها من جواب الشيخ حول المراجع من درس البلوغ في الشريط رقم (٩) - كتاب الصلاة، ومن أسئلة الدرس الثاني من دروس شرح سنن الترمذي.\rوأحيل القارئ الكريم لأخذ نبذة تعريفية عن كل كتاب وميزاته ومكانته بين كتب المذهب، أحيله على كتاب مهم لطالب علم الفقه، يعتبر مدخلاً لكتب المذاهب، وهو كتاب: (كتابة البحث العلمي ومصادر الدراسات الفقهية) ، لمعالي الدكتور الشيخ عبد الوهاب أبو سليمان، ط دار الشروق بجدة.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777827,"book_id":1728,"shamela_page_id":129,"part":null,"page_num":129,"sequence_num":129,"body":"[١٤٤] ) .\rأ- الحنفية:\r١- المتون:\r- المختصر (١) [١٤٥] ) ، للقدوري.\r- كنز الدقائق، للنسفي.\r٢- الشروح والحواشي:\r- فتح القدير، لابن الهُمام مع تكملته (٢) [١٤٦] ) . (من أكبر شروح الهداية وأوسعها) .\r- البحر الرائق شرح كنز الدقائق، لابن نُجيم مع تكملته.\r- حاشية عابدين، لابن عابدين مع تكملته، من أفضل كتب المذهب وأجمعها.\r- الاختيار في تعليل المختار، لأبي الفضل الموصلي. احتوى على ما عليه الفتوى في المذهب (٣) [١٤٧] ) .\r٣- الكتب التي تعني بأدلة الحنفية:\r- أحكام القرآن، للجصاص (من الكتاب) .\r- عمدة القاري شرح صحيح البخاري، للعيني (من السنة) .\r- المبسوط، للسرخسي، (النقلية والعقلية) .\r- بدائع الصنائع، للكاساني، (النقلية والعقلية) .\rب- المالكية:\r١- المتون:\r- المختصر، لخليل بن إسحاق.\r- الرسالة، لابن ابي زيد القيرواني.\r٢- الشروح والحواشي:\r- الشرح الكبير، للدردير (أوضحها وأخصرها) .\r- مواهب الجليل، للحطاب.\r- حاشية الخرشي (اعتنى بالأمثلة) .\r- منح الجليل، لعليّش.\r- حاشية البناني (اعتنى بالخلاف في المذهب وحَسْمه بين الماليكة، وردَّ تعارض عبارات المختصر) .\r- حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، للدسوقي.\r٣- الكتب التي تعتني بأدلة المالكية:\r- أحكام القرآن، لابن العربي (من الكتاب) .\r- الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي (من الكتاب) .\r- المنتقى، للباجي (من السنة) ، مع الأدلة العقلية.\r- مسالك الدلالة في بيان أدلة الرسالة، للغماري، مناقشة الأدلة والردود باختصار.\r- التمهيد والاستذكار، لابن عبد البر (من السنة) ، ويعتني بالردود والمناقشات في المسائل الخلافية.\rج- الشافعية:\r١- المتون:\r- المهذب، للشيرازي.","footnotes":"(١) ١٤٥] ) مطبوع مع اللباب في شرح الكتاب، للميداني - بيروت - المكتبة العلمية عام ١٤٠٠هـ.\r(٢) ١٤٦] ) التكملة من باب الوكالة إلى آخر الكتاب، للمولي شمس الدين المعروف بقاضي زاده، (ت ٩٨٨هـ) ﵀.\r(٣) ١٤٧] ) مطبوع مع متنه المختار.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777828,"book_id":1728,"shamela_page_id":130,"part":null,"page_num":130,"sequence_num":130,"body":"- المنهاج (منهاج الطالبين) ، للإمام النووي ﵀.\r٢- الشروح والحواشي:\r- المجموع شرح المهذب، للنووي، اعتنى بالأدلة والردود والمناقشات.\r- نهاية المحتاج شرح المنهاج، للرملي الملقب بالشافعي الصغير، وهو من أوسع كتب المذهب، ويعتني بالراجح من الخلاف فيه.\r- مغني المحتاج، للشربيني.\r- حاشية قليوبي وعميرة.\r- حواشي الشرواني والعباد.\r٣- الكتب التي تعني بأدلة الشافعية:\r- أحكام القرآن، إلْكيا الهراسِي الطبري (من الكتاب) .\r- فتح الباري، لابن حجر (من السنة) .\r- شرح النووي على مسلم (من السنة) .\r- المجموع، للنووي، (العقلية والنقلية) .\rد- الحنابلة:\r١- المتون:\r- المقنع، لابن قدامة.\r- منتهى الإرادات، للفتوحي.\r- الإقناع، للحجاوي.\r٢- الشروح والحواشي:\r- المبدع، لابن مفلح.\r- شرح منتهى الإرادات، للبهوتي.\r- كشاف القناع، للبهوتي.\r٣- تحرير المذهب عند اختلاف الروايات والأوجه:\r- الإنصاف، للمرداوي، وقد جمعه من مائة وخمسين كتاباً في المذهب، وهو من أعظم كتب الحنابلة.\r٤- أدلة الحنابلة: (النقلية العقلية) :\r- كتب الإمام ابن قدامة، مثل: العمدة، وهو أخصرها وأجلّها، ثم المقنع، ثم الكافي، ثم المغني.\r- كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه الإمام ابن القيم.\rهـ- الظاهرية:\r- المحلى، للإمام أبي محمد علي بن حزم الظاهري، وهو أنفسها وأجمعها، وقد جمع فأوعى، وذكر أدلتهم والردود على ما ورد عليهم من اعتراضات.\rو مذاهب السلف من الصحابة والتابعين، وأقوالهم في المسائل الخلافية: يمكن معرفتها عن طريق المصنفات والكتب التي تعتني بذكر فتاويهم، وهي تأتي على طريقتين: على طريقة الحكاية والتلخيص، فتجدها في المغني والمجموع؛ وأما على الطريقة المسندة، فمن أشهرها ما يلي:\r- المصنف، لعبد الرزاق.\r- المصنف، لابن أبي شيبة.\r- تهذيب الآثار، للإمام المسند العظيم ابن جرير الطبري.\r- المحلى، لابن حزم.\rز- الكتب التي تعتني بنقل الإجماع في المسائل الفقهية:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777829,"book_id":1728,"shamela_page_id":131,"part":null,"page_num":131,"sequence_num":131,"body":"-الإجماع، لابن المنذر.\r-مراتب الإجماع، لابن حزم.\r-مغني ذوي الأفهام، لابن عبد الهادي (١) [١٤٨] ) .\rالسؤال العاشر\rيقول الأخ: نويت أن أقوم بتأليف كتاب، ولكن ينتابني وسواس: أن هذا رياء، وأن لا أكتب اسمي وأرمز بلقبي، فهل هذا حل للوسواس، أم ترون أن أكتب اسمي كاملاً ولا أهتم بهذا الوسواس (٢) [١٤٩] ) ؟\rالجواب:\rأولاً: لا أرى أن كل إنسان -عنت له فكرة التأليف- أن يكتب إلا بشروط ثلاثة:\rأ- الأهلية في العلم والتأليف: وتكون بشهادة أهل العلم للشخص.\rجلس الإمام مالك ﵀ ذات يوم بين طلابه، فسأل سائل عن مسألة، فأجابه عبد الرحمن بن القاسم العتقي، وهو من أصحاب مالك، فغضب مالك ﵀ وقال: لا ينبغي لأحد أن يفتي حتى يشهد له من هو خير منه أنه أهل للفتوى، والله ما أفتيت الناس حتى شهد لي سبعون من أهل هذا المسجد -يعني مسجد النبي ﷺ أني أهل للفتوى (٣) [١٥٠] ) ، فلا ينبغي التصدر الكامل للفتوى والتأليف، إلا ممن شهد له أهل العلم بأنه أهل لهذا المقام.\rفالعينُ تُبصِرُ ما دنى ونأى ... ... ... ولا تَرى ما بها إلا بمرآةِ\rويعلم الله (٤) [١٥١] ) : أنني عرض عليّ مجلس أفضل من هذا المجلس، في مسجد النبي ﷺ وأنا أصغر سناً من الآن، وامتنعت؛ لأن التصدر يحتاج إلى أهلية.\rأما كون الإنسان يجمع من هنا وهناك، ويعيد صياغة العبارات، ثم يخرجها، وتحسب على أنها كتب علمية فلا.","footnotes":"(١) ١٤٨] ) للشيخ -حفظه الله- درساً مستقلاً في كيفية كتابة البحوث الفقهية والاستفادة من المصادر والمراجع ضمن أشرطة شرح عمدة الفقه. للتوسع يمكن الرجوع إليها.\r(٢) ١٤٩] ) بتصرف، من سؤال في دروس شرح عمدة الفقه، في باب الطلاق، وبتصرف من مقدمة دروس شرح عمدة الأحكام عند قول المصنف ﵀: فقد سألني.\r(٣) ١٥٠] ) ذكره الحافظ الذهبي ﵀ في السير. انظر نزهة الفضلاء (٣/٦٢١) .\r(٤) ١٥١] ) من شرح دروس عمدة الأحكام -كتاب الحج- عام ١٤١٤هـ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777830,"book_id":1728,"shamela_page_id":132,"part":null,"page_num":132,"sequence_num":132,"body":"والأهلية تحتاج إلى أمور ثلاثة:\rأ- علم موروث عن النبي ﷺ.\rب- سنوات طويلة من طلب العلم، وكان السلف ربما جلس الواحد منهم عند العالم ثلاثين عاماً، قبل أن يتصدر للتدريس.\rج- عقل؛ لان الإنسان قد يكون عالم ولا عقل له. والعلماء ثلاثة مراتب:\rأ- عالم عقله أكبر من علمه، عنده علم قليل، ولكن عنده حكمة وبصيرة في توجيه الناس وإرشادهم إلى ما يكون فيه خير كثير.\rب- عالم علمه أكبر من عقله، عنده علم كثير ويحفظ ويقرأ، ولكنه لا يحسن وضع الأمور في نصابها.\rج- عالم استوى عقله وعلمه، وهذه مرتبة الكمال، فلا بد من الأمرين للمتصدر.\rالعلم: وهو الركيزة الأولى، والعقل: الذي يعرف به محاسن الأمور ومساوئها، وهذه الركيزة الثانية.\rوأما التصدر الجزئي فيكفي فيه علم الشخص بالمسألة التي يتكلم فيها.\rومن لم يتوفر فيه هذا الشرط، فليتقِ الله في نفسه وفي المسلمين؛ لأن النبي ﷺ حذّر من اتخاذ الجهال رؤوساً في توجيه الأمة وتعليمها، وذلك في قوله ﵊: (حتى إذا لم يبقَ عالم، اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا) (١) [١٥٢] ) .\rولأن من ألف فقد عرض عقله على الناس في طبق، فإما أن يرى منه عقل كامل، أو ما هو دون ذلك.\rإضافة إلى مدح الناس وثنائهم عليه بالخير أو ذمهم، ولذلك قالوا: من ألف فقد استهدف، أي صار هدفاً للناس في المدح أو الذم.\rوكان علماء السلف إذا الفوا، عرضوا مؤلفاتهم على علماء عصرهم حتى يشهدوا بأهلية المؤلف (٢) [١٥٣] ) .","footnotes":"(١) ١٥٢] ) متفق عليه من حديث عبد الله بن عمرو وعائشة ﵄.\r(٢) ١٥٣] ) ومن ذلك عرض الإمام البخاري ﵀ كتابه بعد تأليفه على كبار حفاظ عصره، كالإمام أحمد، وابن المديني، وابن معين -رحمة الله على الجميع-.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777831,"book_id":1728,"shamela_page_id":133,"part":null,"page_num":133,"sequence_num":133,"body":"ب-أن توجد الحاجة لهذا التأليف: وهي من علامات وثمرات الإخلاص وإرادة وجه الله، أما إذا لم توجد حاجة، فلماذا يؤلف الإنسان! وما وجد هذا الزخم والغثاء في التآليف المعاصرة إلا حين فُقد هذا الشرط، وصار كل من اشتهى ألّف، ولذلك انظر إلى السلف الصالح -رحمة الله عليهم- ما كانوا يؤلفون حتى يلحّ عليهم في الطلب ويسألوا (١) [١٥٤] ) .\rولله أمر عجيب: أن ترى من يؤلف اليوم في مسالة قُتِلَت بحثاً من علماء سلفنا الصالح -رحمة الله عليهم-، وأنهوا الكلام فيها واستوعبوها بحثاً، وكفونا فيها المؤنة.\rفيأتي هذا ويقول: أحكام الوضوء، والثاني يؤلف في أحكام السواك أو الطهارة، وكلها مسائل ليست طارئة أو نازلة، بل ربما من المسائل التي هي من الفروع الواضحة، والتي قلّ أن يخلو منها كتاب.\rفيأتي هذا -وليته يكتفي بالنقل المقيد-، لا.. بل المصيبة أنه يجمع من كتب بعض المذاهب الزلات والهنات، ويطلق لسانه بالسب والشتم والثلب وانتقاص العلماء، وربما نقل عبارة لكي يعلق عليها بصفحات يثرب فيها على من ألف قبله، وهذا خطأ، وإلا لما ألّف أحد (٢) [١٥٥] ) . نسأل الله السلامة والعافية.\rبل ربما نصَّب نفسه حكماً بين فحول الأئمة والعلماء، كالإمام أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد -رحمة الله عليهم-.","footnotes":"(١) ١٥٤] ) انظر مقدمة كل من: الإمام مسلم ﵀ لصحيحه، وخليل صاحب المختصر، وعمدة الأحكام، وشرح منتهى الإرادات للبهوتي - فقد صرحوا في مقدماتهم بأن من سبب تأليفهم الإلحاح عليهم والطلب في التأليف-، ونظم العمريطي، للورقات حيث قال:\rوقد سئلت مدة في نظمه\rمسهلاً لحفظه وفهمه\rفلم أجد مما سُئلت بُدا\rوقد شرعت في مستمدا\rوقال الشيخ حافظ حكمي ﵀ في مقدمة سلم الوصول:\rسألني إياه من لا بدّ لي ... ... ... من امتثال سؤله الممتثل\r(٢) ١٥٥] ) قال بعض الفضلاء:\rالناس لم يؤلفوا في العلم\rحتى يكونوا غرضاً للذم\rما ألفوا إلا ابتغاء الأجر\rوالحسنات وجميل الذكر","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777832,"book_id":1728,"shamela_page_id":134,"part":null,"page_num":134,"sequence_num":134,"body":"مواقف كان يهابها العلماء الحفاظ الأتقياء، ويأتي هذا يزعم أنه أتى بالقول الفصل الذي لا ينبغي اتّباع قول غيره (١) [١٥٦] ) ، ويخرج على الناس في المسائل بأشذ وأضعف قول عند السلف. نعم هناك تعصب ولا شك، والإنسان ليس بكامل.\rوالتعصب جبلّة، والمعصوم من عصمه الله من التعصب لغير الحق، والمبالغة في ذلك حتى يخرج الإنسان فيها عن حدّ الشرع لا تحمد.\rولا نقصد بهذا الكلام تقديس أقوال العلماء، لكن أن نعرف قدرنا ومن نحن بعد الله لولا كتبهم وعلمهم، والتآليف أمانة، والناس إذا قرأت لك أو استمعت لمحاضرتك أو دروسك تأتمنك على الدين.\rج- أن يكتب وهو يريد وجه الله والدار الآخرة، ونفع الأمة، لا الرياء والشهرة، ولا مزاحمة الغير. ولما ألّف الإمام مالك ﵀ موطأه، ألّف الناس الموطآت، فقالوا له: يا أبا عبد الله.. كثرت الموطآت، فقال: ستعلمون ما أريد به وجه الله (٢) [١٥٧] ) .\rوالآن -بالله عليكم- هل تعرفون موطأ غير موطأ الإمام مالك برواية محمد بن الحسن أو يحيى بن يحيى الليثي، اندثرت كل تلك الموطآت، فالأمور التي يقصد بها غير وجه الله ﷿، غالباً تكون وبالاً على صاحبها، فما كان لله دام واتصل.\rثانياً: التأليف لا يدل دائماً على العلم:","footnotes":"(١) ١٥٦] ) روى أبو نعيم ﵀ في الحلية عن سعيد بن سليمان قال: قلّما سمعت مالكاً يفتي بشيء إلاتلا هذه الآية: ((إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ)) [الجاثية:٣٢] .\r(٢) ١٥٧] ) الديباج (ص:٢٦) .","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777833,"book_id":1728,"shamela_page_id":135,"part":null,"page_num":135,"sequence_num":135,"body":"فبعض الناس قد يعجز أثناء درسه عن إباحة كل ما في نفسه من علم، ويكون علمه مختبئاً، لا يظهر إلا إذا أمسك قلمه، والبعض العكس، وبعض العلماء جمع الله له بين التدريس والتأليف، وهذا موجود في كتب التراجم، تجد بعضهم أثني عليه في التدريس، ولم يُثن عليه في التأليف؛ ولذلك اليوم تجد البعض من العلماء وعاء من أوعية العلم، حافظاً يستحضر الشتات في المسألة، لكن لو سألته عن نازلة، لا يحسن الفتوى فيها، ولله تعالى في خلقه شؤون وحِكم.\rولا مانع أن تؤلف وتنفع إخوانك، ولو أخذت كتاباً من كتب السلف، أخرجته للنور -تحتسب عند الله الأجر، ويكون لك مثل أجر مؤلفه ووفاءً لحقهم علينا- لكان أجدى من هذا الزخم الموجود في المكتبات، والذي لا نحتاجه.\rالسؤال الحادي عشر\rنرجو من فضيلة شيخنا الكريم أن يعطينا بعض الأشياء عن حياة والده وبعض المواقف من سيرته (١) [١٥٨] ) ؟\rالجواب:\rهذا سؤال مفاجئ، والشخص إذا فوجئ بالسؤال لا يستحضر، لكن من أهم الأمور التي كنت ألمسها في الوالد -رحمة الله عليه-:\rأ- قضية إخلاص العمل لله ﷻ. أذكر أني ذات مرة راجعته في مسألة فيها دخلٌ من الدنيا، فقال لي كلمة قد يقولها عوام الناس، ولكن والله كان لها عظيم الأثر في قلبي إلى الآن، قال: يا بني.. إن الله عليم بذات الصدور - أي بحقائقها من إرادة وجهه أو إرادة الدنيا -، فقال: بذات الصدور، والله هذه الكلمة إلى الآن في قلبي، كل ما وجدت شيئاً من دخل الدنيا تذكرتها.","footnotes":"(١) ١٥٨] ) من محاضرة (وصايا لطالب العلم) ، و (بتصرف) من محاضرة (قبسات من حياة النبي ﷺ ، ألقيت في الدمام بتاريخ ٥/٦/١٤١٢هـ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777834,"book_id":1728,"shamela_page_id":136,"part":null,"page_num":136,"sequence_num":136,"body":"ب-مما لسمته منه -رحمة الله عليه-: كثرة العبادة الخفية، كان يجلس مع الناس ولا تظهر عليه كثرة العبادة، ولكن ما إن يخلو في جوف الليل حتى أسمع نشيجه وبكاؤه من غرفته -رحمة الله عليه-، وكان كثير قيام الليل، حتى أني أذكر أن بعض المشايخ في بعض المحاضرات استبعد أن يختم الشخص القرآن في ليلة، وجرى بينه وبينه كلام، وقلت: إن ذلك ممكن، خاصة في ليالي الشتاء، وإن كان -طبعاً- خلاف السنة كما تعلمون، أن لا يُختم في أقل من ثلاث.\rفذكرت ذلك للوالد، فقال: ليس ببعيد، بل هو سهل جداً وبسيط، فلم أزل معه وكأني مع المحاضر أشكك في ذلك حتى قال لي: يا بني.. الحمد لله مرّت عليّ في بداية الطلب سنوات أستفتح بعد العشاء بالقرآن ولا يأتي السحر إلا وأنا في آخر القرآن. رحمة الله عليه.\rج-ومما عرف به: الورع والحرص على أكل الحلال. يقول لي العم: محل اتفاق عندنا أنه ما كان عنده صبوة إلى الحرام.\rد-وكان أهم شيء عنده: الوقت، منذ بداية الطلب، يذكر لي أحد كبار السن عن خال له من أقرباء الشيخ الذي ارتحل الوالد لأخذ العلم عنه، يقول: وكان لا يخالط الطلاب إلا إذا كانت هناك فائدة، ولا يأنس بكل أحد -رحمة الله عليه-، وأنا لا أذكر أنه دخل المنزل وكان الوقت وقد صلاة وجلس دون أن يبدأ بالصلاة، حتى في مرض موته، كان يصلي جالساً ما كتب الله له، ثم ينقلب على فراشه.\rوله مكتبة فيها ما لا يقل عن أربعة آلاف كتاب، ما فيها كتاب إلا وقرأه من جلدته إلى جلدته.\rهـ- ووجدت فيه خصلة، أنه لا يمكن أن يتكلم في شيء يجهله، ولو كان من أوضح الواضحات، وكان يستشهد بقول الله تعالى: ((قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ)) [ص:٨٦] ، وإذا أعطاك المسالة يعطيك إياها عن تحرير، وهذا من أجلِّ نعم الله على طالب العلم: أن يرزقه الله عدم تكلف شيء لا يعرفه، وهو دليل على أمانته ووقوفه عند حدود الله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777835,"book_id":1728,"shamela_page_id":137,"part":null,"page_num":137,"sequence_num":137,"body":"و ومن الخصال التي كان يتحلى بها: عدم مبالاته بالدنيا أقبلت أو أدبرت. أذكر ذات مرة أنه حفر بئراً كلفه ما لا يقل عن مائتين وخمسين ألف ريال، ولم يشأ الله أن يخرج منها ماء، فجاء الذي حفره وقال: يا شيخ.. هذا يحتمل أن يسدّ شيئاً من المجاري، ويمكن مستقبلاً، أن يتحسن الوضع - يخفف الصدمة على الوالد-، فقال: يا بني.. والله لو تذهب هذه المزرعة كلها فإني راضٍ عن الله.\rز- وقلّ أن يُسأل شيئاً إلا أعطاه. دخلتُ عليه ذات يوم فوجدته يبكي، فلما رآني قلب وجهه إلى جهة الفراش ثانية ومسح الدموع، ثم جلس كأن لم يكن به شيء، فلما استقرّ بي المجلس وحييته بما يليق، سأتله لمعرفة ما الذي يبكيه -وكنت جريئاً عليه نوعاً ما-، وخشيت أن يكون جاءه ما يسوء، فما زلت به وهو يريد أن يصرفني، فقلت: يا شيخ.. رأيتك تبكي! فقال: يا بنيّ.. وما لي لا ابكي وأيتام فلان توفي أبوهم وليس عندي ما أرسله لهم!!. والله ما كفّ بكاءه حتى يسر الله ﷿ ما يسر، وإذا به كأنني جئت بالحاجة إليه.\rوكان يعوّدنا الرحمة والرأفة بالمساكين، وهي خصلة عجيبة فيه، حتى كان يقول لي: إذا مررتَ بامرأة تسأل، لا تجاوزها حتى تعطيها، ولو تعطيها غترتك التي على راسك، كأني أتعجب من هذا الكلام.\rفقال: لأنك تعرف المرأة إذا احتاجت قد تقع في الزنا، وهي عورة من عورات المسلمين، فلا يليق بك أن تمرّ بها إلا وقد كفيتها ولو كانت كاذبة.\rوكان راتبه أكثر من سبعة آلاف في ذلك الزمان، ما يأتي منتصف الشهر إلا ويقترض -رحمة الله عليه-، فنفعه الله بهذه الصفة كثيراً، ولذلك إذا أراد الله أن يفرغ طالب العلم للعلم، نزع من قلبه حبّ الدنيا. ويعلم الله كم من بيوت لمّا توفي، فقدتْ عطفه وحنانه.\rالموقف الأخير أذكره - ولعله يكون سبباً للترحم عليه- أنه قبل أن يتوفى بقرابة ثلث ساعة، والله العظيم لا أذكر أنني رأيته أشرق وجهاً ولا أبهج نفساً منه من تلك الساعة -رحمة الله عليه-.\rهذه بعض المواقف التي تحضرني، واسأل الله العظيم أن يجمعنا في مستقر رحمته.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777836,"book_id":1728,"shamela_page_id":138,"part":null,"page_num":138,"sequence_num":138,"body":"السؤال الثاني عشر\rهل هناك نظم في الفقه تنصحون به (١) [١٥٩] ) ؟\rالجواب:\rحفظ المتون في خير، ومن حفظ المتون حاز الفنون، لكن لا أرى أن يزاحم الطالب ذاكرته في بداية الطلب بحفظ المتون في الفقه، بل يبدأ بحفظ القرآن، ثم أحاديث الأحكام، بحفظ عمدة الأحكام، ثم بلوغ المرام، ثم له بعد ذلك أن يحفظ ما شاء من المتون الفقهية.\rومن ابتدأ بفقهه بحفظ نصوص الكتاب والسنة بارك الله له في فقهه، ولقي الله ﷿ بدليل وحجة، وهذا شيء مجرّب، كم من طلاب علم يحفظون نصوص العلماء وخلافهم وأقوالهم في المذهب وغيره، ويحسنون الصدر والورد، وإذا أقمته أمام الدليل لا يحسن فهمه ولا الاستنباط منه، وهذا -لاشك- إغراق في حفظ المتون الفقهية دون وعي وفهم لأصولها. والفقه في الحقيقة يقوم على الفهم عن الله ورسوله ﷺ، وهذا الذي عناه النبي ﷺ بقوله: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) (٢) [١٦٠] ) .\rفمن وفقه الله لمعرفة النصوص النازلة كتاباً وسنة واجتهاداً صحيحاً مبنياً على نظر صحيح، وأحسنَ فهمها وفهم قواعدها، وأصول الشرع التي بنيت عليه الأحكام، لا شك أنه قد أصاب الفقه.\rالسؤال الثالث عشر\rنريد من الشيخ نبذة عن كيفية طلبك للعلم؟\rالجواب:\rجزى الله من كتبه ورجى ثوابه، وأخشى أن أثبّط طلاب العلم، وتكونون كالمستجير من الرمضاء في النار.\rوالحديث عن النفس محرج، لكن على العموم نذكر بعض الشيء، وأسأل الله العظيم ألا يؤاخذني في الآخرة على ملء مادة من الشريط بمثل هذه الأخبار، ولكن حسبنا الله ونعم الوكيل.","footnotes":"(١) ١٥٩] ) من دروس شرح عمدة الفقه، سؤال في آخر الدرس في كتاب القضاء - باب تعارض الدعاوى.\r(٢) ١٦٠] ) متفق عليه من حديث معاوية ابن أبي سفيان ﵁.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777837,"book_id":1728,"shamela_page_id":139,"part":null,"page_num":139,"sequence_num":139,"body":"أما عن طلبي للعلم، فأسأل الله أن يجزي الوالد عني كل خير، وأحمد الله ﵎ أن هيأه لي وسخره لي، وما كان العبد ليصيب ذلك لولا فضل الله. كان ﵀ حريصاً إلى أخذنا إلى مجالسه في الحرم، وحضور درسه في البيت، وكان يأخذني منذ الصغر معه لدرسه بالحرم، حتى أنني ربما أنام -من صغري- في حجره في الدرس؛ لأنه كان يدرّس بعد الفروض كلها، إلا العصر أحياناً يكون عنده درس في البيت، فلما بلغت الخامسة عشرة، أمرني أن أجلس بين يديه وأن اقرأ عليه دروس الحرم، فابتدأت معه في سنن الترمذي، وتعرفون بداية مثلي في جمع من الناس في مسجد النبي ﷺ، ولكنه أراد أن يشحذ همتي، وكان يحسن الظن فيّ، أسأل الله العظيم ألا يخيّب ظنه فيّ.\rفابتدأت بقراءة سنن الترمذي، ثم الموطأ، وختمته عليه، ثم سنن ابن ماجة، وتوفي ولم أكمله عليه، وأسال الله أن يكتب له أجر إكماله. هذا بالنسبة للدرس الأول بعد المغرب.\rثم يأتي طالب ويقرأ عليه درس في اللغة، ثم طالب يقرأ عليه درساً في الفقه، وكنت أحضر معه.\rوبعد العشاء كنت أقرأ عليه صحيح مسلم، حتى ختمه، وابتدأ بالختمة الثانية، وتوفي في آخرها. ومن غريب ما يذكر: أنه توفي عند باب فضل الموت والدفن في المدينة.\rوأذكر أنه في آخر هذا الدرس دعا، ولم تكن عادته الدعاء في هذا الموضع، وقد قرأت عليه هذا الحديث من البخاري ومسلم قرابة أربعة مرات، ما أذكر أنه دعا إلا في آخر مجلس من حياته، وكان صحيحاً ليس به بأس، فبعد أن ذكر الفضل في الموت في المدينة وأقوال الصحابة، قال: وأسأل الله ألا يحرمنا ذلك، فأمّن الحاضرون، وكان تأمينهم ملفت للنظر كتأمين المصلين في الحرم في الصلاة من كثرتهم.\rثم في الفجر كان يقرأ التفسير حتى تطلع الشمس، وأما بعد صلاة الظهر فكنت أقرأ عليه صحيح البخاري حتى ختمته، ثم ابتدأتُ قراءة ثانية، وتوفي ولم أكملها عليه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777838,"book_id":1728,"shamela_page_id":140,"part":null,"page_num":140,"sequence_num":140,"body":"وأما بالنسبة لقراءتي الخاصة عليه، فقرأت عليه في الفقه متن الرسالة حتى أكملته. وشيئاً كثيراً من مسائل كتاب بداية المجتهد، وكنت أحررها، وكان ﵀ واسع الباع في علم الخلاف، إلا أنه من ورعه كان لا يرجح.\rوأما بالنسبة لعلم الأصول فقرأت عليه، لكنه كان ﵀ لا يحب كثرة الجدل والمنطق، التي يقوم عليها علم الأصول، فكان إذا دخلت معه في المنطق يقول: قم يطردني؛ لأنه كان يرى تحريمه، وهو قول لبعض العلماء.\rوإن كان اختيار بعض المحققين -ومنهم شيخ الإسلام- التفصيل كما أشار إلى ذلك الناظم بقوله:\rوابن الصلاح والنّواوي حَرّما ... وقال قومٌ ينبغي أن يُعْلَما\rوالقولة المشهورة الصحيحة ... جوازه لكامل القريحة\rممارسِ السنة والكتاب ... ليهتدي بها إلى الصواب\rالمقصود: أن أُدلل على أني ما أستوعب معه جانب الأصول من ناحية المنطق والخلافات، وأتممته على بعض المشايخ الذين كان لهم باع فيه، وأسأل الله أن يكون فيها تعويض لما لم أقرأه على الوالد.\rأما المصطلح، فقرأت عليه بعض المنظومات، منها البيقونية والطلعة (١) [١٦١] ) ، وقرأت عليه في تدريب الراوي.\rوالسيرة كان له درس في رمضان يقرأ فيه البداية والنهاية، وكان في التاريخ شيء عجيب، حتى إن الشيخ محمد العثيمين يقول لي: كان والدك يحفظ البداية والنهاية.","footnotes":"(١) ١٦١] ) طلعة الأنوار في علم آثار النبي المختار، نظم لمجدد العلم ببلاد شنقيط الفقيه العلامة: سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم العلوي، اختصر فيه ألفية الحافظ العراقي في مصطلح الحديث، وشرحها العلامة حسن المشاط ﵀، وهي مطبوعة. تقدمت ترجمته (ص: ١٠٦، ١٠٧) , أنظر ترجمته في أوائل نشر البنود، شرح مراقي السعود، والوسيط في تراجم أدباء شنقيط (ص:٣٧) .","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777839,"book_id":1728,"shamela_page_id":141,"part":null,"page_num":141,"sequence_num":141,"body":"وكان له باع في علم الأنساب، والحقيقة أنني قصّرت فيه ولم آخذ عنه، ويعلم الله: ما كان يمنعني منه إلا خشية أن الإنسان يأتي ويقول: هذه القبيلة تنتمي إلى كذا، فيتحمل أوزار أنساب أمم هو في عافية منه، لكن الحمد لله، في الفقه والحديث والعلوم التي أخذتها عليه غناء عن غيرها.\rالسؤال الرابع عشر\rهناك بعض الشباب الملتزمين يرفضون الأذان والإقامة بقصد الخوف من الرياء، والتواضع، وأنه ليس أهلاً لذلك، مع العلم أنهم لو رفضوا لأخذ مكانهم الجهلة، فما نصيحتكم لهؤلاء (١) [١٦٢] ) ؟\rالجواب:\rالإمامة شعيرة من شعائر الإسلام، يقوم بها العلماء الأعلام، وأشباههم من طلاب العلم الكرام، وكم يُحيى من سنن المرسلين إذا تقلدها الأخيار، وكم يُحيى من بدع المضلين، ويمات من سنن المرسلين إذا تقلدها الفجار الأشرار. ينبغي على طالبٍ إذا كان في حيّ لا يوجد فيه غيره وتعينت عليه، أن يتولاها، ويأثم إذا تقاعس لدرجة يليها من هو أجهل منه، ممن قد يعَرّض صلاة الناس إلى الخلل، أو يكون في تقدمه ضرر على الناس في دينهم أو عقائدهم.\rوأما إذا وجد في حيّ فيه من يتولاها غيره، وامتنع على سبيل التورع أو التفرغ لطلب العلم فلا حرج عليه، خاصةً إذا غلب على ظنه أن الإمامة تشغله عن إتقان العلم؛ لأن التفرغ مقدم على بعض الأحوال في بداية الطلب.\rوالأفضل أن يجمع طالب العلم بين الطلب والإمامة، كي تعينه على تبليغ رسالة الله، ولا ينبغي لمن فتح الله له باب دعوة في الخطابة أو الإمامة أن يتقاعس.","footnotes":"(١) ١٦٢] ) من دروس شرح بلوغ المرام.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777840,"book_id":1728,"shamela_page_id":142,"part":null,"page_num":142,"sequence_num":142,"body":"وينبغي لطالب العلم إذا تقدم للإمامة أن يحفظ مسائل الإمامة وأحكامها، ويتصل بالعلماء ويستشيرهم عن هدي النبي ﷺ في صلاته، ويجعل لأهل الحيّ درساً أسبوعياً في مسجده، ويفتح للناس قلبه، ويسمع مشاكلهم، فإن الإمامة بمثابة الأبوة للناس، وإمام الحي لا يكون إماماً بمعنى الكلمة، إلا إذا جمع بين رضاء الله ورضاء الناس، وذلك بالتودد لهم والتلطف لهم في حدود الشرع.\rالخاتمة (١) [١٦٣] )\rفيا شباب الإسلام..\rويا طلاب العلم..\rويا ورثة الأئمة الأعلام..\rإن ثغور الإسلام باكية..\rإن منابر الإسلام شاكية..\rإن ثغور الإسلام تنتظركم..\rإن ثغور الإسلام تنتظر من طلاب العلم أن يسدوها، وأن يحموا حماها، وأن يغاروا لله وفي دين الله على ما فيها..\rيا طلاب العلم.. مَن للحكمة والسنة والقرآن؟..\rمن للعقيدة والإيمان؟..\rمَن يحمي حمَى (طاعة) الله المجيد؟..\rمَن يبصر القلوب بالله؟..\rإن وراءكم قلوباً تشتاق إلى لقياكم..\rإن وراءكم أمماً تتعطش إلى الجلوس معكم..\rإن وراءكم أمماً تنتظر منكم كلمة تدل على الله..\rتنتظر منكم موعظة تذكر بالله..\rإن وراءكم قلوب ضلّت عن السبيل، تنتظر منكم الهداية والسبيل..\rإن وراءكم أمماً هي الخصوم لكم بين يدي الله..\rوالله، ما من ضال عن سبيل الله، إلا وهو خصم للعالم وطالب العلم بين يدي الله، فالله الله فيما حُمّلتم من دين الله، ما أعظم الأمانة التي حُمّلتموها والمسئولية التي تقلدتموها، فاتقوا الله في أبناء المسلمين، اتقوا الله في هذا الدين، ضاعت ثغور الإسلام، جفّت المحابر، وبكت المنابر، فمن لها إن لم تكونوا لها يا شباب الأمة، ويا ورثة العلماء والأئمة، اتقوا الله في هذه الرسالة، المسئولية بين يدي الله عن ذلك عظيمة.","footnotes":"(١) ١٦٣] ) من محاضرة (حلية طالب العلم) ، للشيخ محمد.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777841,"book_id":1728,"shamela_page_id":143,"part":null,"page_num":143,"sequence_num":143,"body":"لذلك: فإن كل طالب علم دخل إلى جامعة، أو جلس في حلقة، أو لازم شيخاً، فليعلم أنه بمجرد دخوله، وبمجرد ملازمته، قد وضعَ قدمه على عتبة المسئولية بين يدي الله ﷿، وأنه سيحمل على ظهره أمانة يوقف فيها بين يدي الله، إما أن تشقيه وإما أن تسعده وترضيه.\rفاعلموا -إخواني- أن التخصص في العلم الشرعي، وحمل هذه الحِكَم من الكتاب والسنة ما هي إلا حجج تكون للإنسان أو على الإنسان.\rجاء بعض السلف إلى أمّ المؤمنين عائشة ﵂ وكان يسألها المسائل، فقالت له يوماً من الأيام: أي بنيّ.. أكُلَّ ما علمتَه عملتَ به؟ فقال: يا أماه.. إني مقصّر -وجلس يشتكي من تقصيره- فقالت له: يا بنيّ.. لِمَ تستكثر من حجج الله عليك (١) [١٦٤] ) .\rفينبغي لنا أن نستشعر أن هذا العلم الذي نتعلمه حجج علينا، وأن وراءنا أمماً تنتظر هذا الوحي بفارغ الصبر، وراءك أهلك، وراءك حيك وأهل بلدتك وعشيرتك، ينتظرون هذا العلم الذي تتعلمه، فاتق الله فيما تعلمت، وكن غيوراً على هذا الدين، وبث الحِكم من كتاب الله وسنة سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه إلى يوم الدين.\rاحتسبوا -إخواني- الأجر عند الله، واعلموا أن هذا العلم لا يراد به الدنيا، وإنما يراد به ما عند الله. قال ﷺ: (من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا، لم يجد عرف الجنة) (٢) [١٦٥] ) .\rفطلاب العلم هم أشبه الناس بالعلماء، وأعرفهم بالفضل وسبيل الأدب مع الله ﷿ وخَلقه. لهم الأخلاق السامية، والآداب العالية، يغزون القلوب بأخلاقهم وأدبهم، قبل أن يغزوا العقول بأفهامهم ودعوتهم (٣) [١٦٦] ) .","footnotes":"(١) ١٦٤] ) وروى الحافظ ابن عبد البر في الجامع مثله عن أبي الدرداء (ص:٦٩٥) – ط. دار ابن الجوزي.\r(٢) ١٦٥] ) رواه أحمد (٢/٣٣٨) ، وأبو داود (٣٦٦٤) ، وابن ماجة (٢٥٢) ، والحاكم (١/٨٥) وصححه ووافقه الذهبي.\r(٣) ١٦٦] ) من محاضرة الغرور وأثره على طلاب العلم، للشيخ.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777842,"book_id":1728,"shamela_page_id":144,"part":null,"page_num":144,"sequence_num":144,"body":"اللهم إنا نسألك الإخلاص في العلم والعمل، ونسألك بعزّتك وجلالك أن تجعل هذا العلم حجة لنا لا حجة علينا، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين، وصلى الله وسلّم على نبيه وآله وصحبه أجمعين (١) [١٦٧] ) .\rأحد طلاب العلم\rالمدينة المنورة (٢٦/٨/١٤١٦هـ)\rفهرس الموضوعات\rالإهداء ... ٢\rمقدمة ... ٣\rتمهيد في شرف العلم ومكانة العلماء ... ٧\rالفصل الأول معالم في الأدب مع العلماء ... ١١\rأولاً: الأدب لأموات العلماء ﵏: ... ١٥\rالمَعْلَمْ الأول: ذكرهم بالجميل: ... ١٥\rالمَعْلَمْ الثاني: ذكرهم بالإجلال والإعظام: ... ١٧\rالمَعْلَمْ الثالث: أن يعتني بردّ الجميل لهم: ... ١٧\rالمَعْلَمْ الرابع: نشر فضلهم بين الأحياء، والاعتذار لهم في الأخطاء: ... ١٨\rثانياً: الأدب مع الأحياء من العلماء: ... ١٩","footnotes":"(١) ١٦٧] ) .. وبعد أخي الطالب، فقد زففتُ لك أجمل عرائس سمعتها أذناي من فيّ هذا الفقيه الرباني -متعنا الله ببقائه وثبّته إلى يوم لقاءه-، وأعيذني وإياك بالله أن يكون حظنا منها العلم وحده دون العمل والتأسي.\rإنها معالم تربوية، ومدارج مستقاة من آثار نبوية، جديرة بقول القائل:\rمعالم يَفنى الدهرُ وهي خوالد\rوتنخفض الأعلام وهي فوارع\rمناهج فيها للهدى مُتَصَرّف\rموارد فيها للرشاد شرائع\rفهل تكون هذه الكلمات النيرات من الشيخ تبصرة وذكرى لنا؟. وغذاءاً لأرواحنا، فإن نماء الروح لا حدّ يقف عنده.\rفالازدياد في الهدى، والقرب من الله، وعَدل السيرة، وحسن الخلق، هو الغرض من التعليم، والغاية من التربية، كما حدده لنا الإمام الشافعي ﵀ بقوله:\rإذا لم يزد علم الفتى قلبَه هدى\rوسيرتَه عدلاً وأخلاقه حسناً\rفبشره أن الله أولاه نقمة\rيُساء بها مثل الذي عبد الوثنا\rجعلني الله وإياك مفاتيح للخير، مغاليق للشر، واستعملنا غرساً في طاعته، وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، والحمد لله رب العالمين.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777843,"book_id":1728,"shamela_page_id":145,"part":null,"page_num":145,"sequence_num":145,"body":"المَعْلَمْ الأول: التبكير لمجلس العلم: ... ٢١\rالمَعْلَمْ الثاني: الدنو والقرب من العلماء، والجلوس جلسة الموقر لمجلس العلم المتلهف عليه: ... ٢١\rالمَعْلَمْ الثالث: الإنصات: ... ٢٢\rالمَعْلَمْ الرابع: التأدب معهم في الخطاب والسؤال: ... ٢٣\rالمَعْلَمْ الخامس: تحضير الدروس: ... ٢٥\rالمَعْلَمْ السادس: التواضع للحق: ... ٢٥\rالفصل الثاني معالم في آداب طالب العالم في نفسه ... ٢٨\rالمَعْلَمْ الأول: تقوى الله: ... ٢٩\rالمَعْلَمْ الثاني: الإخلاص لله: ... ٣٠\rالمَعْلَمْ الثالث: الإقبال على العلم بكليته: ... ٣٢\rالمَعْلَمْ الرابع: الصبر وتحمل المشقة في الطلب: ... ٣٣\rالمَعْلَمْ الخامس: حفظ الوقت واغتنامه: ... ٣٥\rالمَعْلَمْ السادس: اختيار الرفقة في الطلب: ... ٣٧\rالمَعْلَمْ السابع: الوصية بالرفقة: ... ٣٨\rالمَعْلَمْ الثامن: الأدب وحسن الخلق: ... ٤٢\rالمَعْلَمْ التاسع: أخذ العلم عن أهله: ... ٤٦\rالمعْلَمْ العاشر: الاهتداء بالكتاب والسنة: ... ٤٩\rالمَعْلَمْ الحادي عشر: العمل بالعلم: ... ٥٠\rالفصل الثالث معالم في آداب طالب العلم في درسه ... ٥٣\rالمَعْلَمْ الأول: أخذ العلم فنّاً فنّاً: ... ٥٤\rالمَعْلَمْ الثاني: الاجتهاد في ضبط العلم: ... ٥٤\rالمَعْلَمْ الثالث: عدم الاستعجال في النزول للساحة: ... ٥٥\rالمَعْلَمْ الرابع: مذاكرة العلم: ... ٥٦\rالفصل الرابع معالم في بعض أحكام الفتوى ... ٥٨\rتمهيد ... ٥٩\rالمَعْلَمَ الأول: إخلاص النية لله: ... ٦١\rالمَعْلَمَ الثاني: البصيرة في العلم: ... ٦٢\rالمَعْلَمَ الثالث: الورع: ... ٦٢\rالمَعْلَمَ الرابع: معرفة المصالح والمفاسد المترتبة على الفتوى: ... ٦٣\rالمَعْلَمَ الخامس: تحصيل الخشية من الله ﷿: ... ٦٤\rالمَعْلَمَ السادس: التأني في فهم السؤال وتصوره: ... ٦٤\rالمَعْلَمَ السابع: معرفة حال المستفتي: ... ٦٧\rالفصل الخامس إجابات مُهِمّة عن أسئلة مُلِمّة ... ٦٨\rالسؤال الأول: ... ٦٨","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":1777844,"book_id":1728,"shamela_page_id":146,"part":null,"page_num":146,"sequence_num":146,"body":"السؤال الثاني: ... ٦٩\rالسؤال الثالث: ... ٧٢\rالسؤال الرابع: ... ٧٤\rالسؤال الخامس: ... ٧٧\rالسؤال السادس: ... ٧٨\rالسؤال السابع: ... ٨٠\rالسؤال الثامن: ... ٨٧\rالسؤال التاسع: ... ٩٣\rالسؤال العاشر: ... ٩٧\rالسؤال الحادي عشر: ... ١٠٠\rالسؤال الثاني عشر: ... ١٠٢\rالسؤال الثالث عشر: ... ١٠٣\rالسؤال الرابع عشر: ... ١٠٥\rالخاتمة ... ١٠٧\rفهرس الموضوعات ... ١١٠\r---","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}