{"page_id":3083438,"book_id":3509,"shamela_page_id":1,"part":"المقدمة","page_num":1,"sequence_num":1,"body":"[المقدمة]\r﷽\rترجمة المصنف «١»\rهو أبو الربيع سليمان بن موسى بن سالم بن حسان بن سليمان بن أحمد بن عبد السلام الحميري الكلاعي البلنسي الأندلسي المالكي المعروف بابن سالم.\rولد سنة خمس وستين وخمسمائة (٥٦٥ هـ) ، ونشأ ببلنسية، وتلقى العلوم في رحلته إلى إشبيلية وشاطبة وغرناطة والإسكندرية.\rتوفي شهيدا سنة أربع وثلاثين وستمائة للهجرة (٦٣٤ هـ) في موقعة أنيشة حاملا اللواء بنفسه.\rمن مؤلفاته:\r١- أحاديث مصافحة أبي بكر ابن العربي الإمامين.\r٢- أحاديث مصافحة أبي علي الإمامين.\r٣- أربعون السباعية من الحديث.\r٤- الأربعون حديثا عن أربعين شيخا لأربعين من الصحابة في أربعين معنى.\r٥- الإعلام بأخبار البخاري الإمام ومن بلغت روايته عنه من الأغفال والأعلام.","footnotes":"(١) انظر ترجمته في تاريخ الإسلام للذهبي (وفيات سنة ٦٣٤) ، وتذكرة الحفاظ (٤/ ١٤١٧) ، وسير أعلام النبلاء (٢٣/ ١٣٤) ، والعبر للذهبي (٥/ ١٣٧) ، والوافي (١٥/ ٤٣٢) ، ومرآة الجنان (٥/ ٨٥) ، وشذرات الذهب (٥/ ١٦٤) ، وهدية العارفين (١/ ٣٩٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083439,"book_id":3509,"shamela_page_id":2,"part":"المقدمة","page_num":2,"sequence_num":2,"body":"٦- الاكتفاء؛ وهو الكتاب الذي بين أيدينا.\r٧- الامتثال لمثال المبهج في ابتداع الحكم واختراع الأمثال.\r٨- برنامج مروياته.\r٩- تحفة الرواد في العوالي البلدية الإسناد.\r١٠- جنى الرطب في سني الخطب.\r١١- جهد النصيح في معارضة المعري في خطبة الفصيح.\r١٢- حلية الأمالي في الواقعات والعوالي.\r١٣- ديوان الرسائل.\r١٤- ديوان شعره.\r١٥- الصحف المبشرة في القطع المعشرة.\r١٦- مجازفة اللحن للاحن الممتحن.\r١٧- المسلسلات والإنشادات.\r١٨- مصباح الظلام في المستغيثين بخير الأنام في اليقظة والمنام.\r١٩- المعجم فيمن وافقت كنيته زوجته.\r٢٠- مفاوضة القلب والعليل في منابذة الأمل الطويل بطريقة المعري وملقى السبيل.\r٢١- ميدان السابقين وحلبة الصادقين المصدقين.\r٢٢- نتيجة الحب الصميم وزكاة النثير والنظيم.\r٢٣- نكتة الأمثال ونفثة السحر الحلال. بنى فيه الكلام على التوشيح بما تضمنه كتاب أبي عبيد من أمثال العرب واضطرار الكلام إليها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083440,"book_id":3509,"shamela_page_id":3,"part":"المقدمة","page_num":3,"sequence_num":3,"body":"عملنا في التحقيق\r١- قمنا بنسخ المخطوط من النسخة المحفوظة بدار الكتب المصرية بمكتبة طلعت تحت رقم ٢٠٧٤، وهي نسخة جيدة كتبت بخط مشرقي دقيق، ثم قمنا بضبطها بالاستعانة بالنسخة المطبوعة بالقاهرة.\r٢- قمنا بتخريج آيات القرآن الكريم وإثبات التخريج عقب الآية بين معقوفتين.\r٣- قمنا بتخريج الأحاديث المذكورة بالكتاب.\r٤- ترجمنا لبعض الأعلام وإن كان قليلا.\r٥- قمنا بالتعليق على بعض المواضع بالكتاب، وشرح بعض الألفاظ الغريبة.\r٦- قمنا بتخريج بعض الأبيات الشعرية.\r٧- قمنا بعمل عجالة للتعريف بالمؤلف.\rوالله سبحانه المسؤول أن يجعله خالصا لوجهه الكريم، وأن ينفع به، إنه بعباده رؤوف رحيم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083441,"book_id":3509,"shamela_page_id":4,"part":"1","page_num":1,"sequence_num":4,"body":"الجزء الأول\rصورة الصفحة الأولى من الخطوط","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083442,"book_id":3509,"shamela_page_id":5,"part":"1","page_num":2,"sequence_num":5,"body":"صورة الصفحة الأخيرة من المخطوط","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083443,"book_id":3509,"shamela_page_id":6,"part":"1","page_num":3,"sequence_num":6,"body":"﷽\r\rمقدمة المصنف\rقال الشيخ الفقيه الخطيب المحدث الثبت الشهيد أبو الربيع، سليمان بن موسى بن سالم، الكلاعى، البلنسى، كرم الله مثواه، وجعل الجنة مستقره ومأواه:\rالحمد لله الذى منّ علينا بالإسلام، وأكرمنا بنبيه محمد عليه أفضل الصلوات والسلام، وجعل آثاره الكريمة ضالتنا المنشودة، والاقتداء بهديه الأهدى، ونوره الأوضح الأبدى غايتنا المقصودة وأمنيتنا المودودة، وأنعم على قلوبنا بالارتياح والاهتزاز عند سماع مصدره أو إليه منتماه.\rوإنه لأثر رجاء فى هذه القلوب البطالة وأثاره خير يرجى، أن يذودها عن مشارع الجهالة ومنازع الضلالة، فإن الارتياح للذكر شهادة الحب وأمارة المحب.\rوقد روى عنه صلوات الله عليه نقلة السنة أن من أحبه كان معه فى الجنة. فنسأل الله أن يكتبنا فى محبيه حقيقة، ويسلك بنا من الوقوف عند مقتضيات أوامره ونواهيه طريقة بالسعادة خليفة.\rفما نزال طالبين ذلك من أكرم مطلوب لديه، راغبين فيه إلى خير مرغوب إليه. وإن لم نكن أهلا للإسعاف بتقصيرنا فى الأعمال، فإنه ﷻ أهل الجود والإفضال.\rونصلى قبل وبعد على هذا النبى المبارك الكريم، صلى الله عليه وعلى آله الطاهرين وصحبه المنتخبين، خير صحب وخير آل.\rوهذا كتاب ذهبت فيه إلى إيقاع الإقناع، وإمتاع النفوس والأسماع، باتساق الخبر عن سيرة رسول الله ﷺ، وذكر نسبه ومولده وصفته ومبعثه، وكثير من خصائصه، وأعلام نبوته ومغازيه، وأيامه من لدن مولده إلى أن استأثر به وقبض روحه الطيبة إليه، صلوات الله وبركاته عليه.\rمقدما لذلك ما يجب تقديمه، ومتمما من ذكر أوليته المباركة بلدا ومحتدا، بما يحسن علمه وتعليمه، ملخصا جميعه من كتب أئمة هذا الشأن الذين صرفوا إليه اعتناءهم،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083444,"book_id":3509,"shamela_page_id":7,"part":"1","page_num":4,"sequence_num":7,"body":"واستنفذوا فى آناءهم، ككتاب محمد بن إسحاق، الذى تولى عبد الملك بن هشام تهذيبه واختصاره، وكتاب موسى بن عقبة، الذى استحسن الأئمة اقتصاده واقتصاره، وغيرهما من المجموعات التى لا يديم الإنصاف قصد جماعها ولا يذم الاختبار اختياره.\rولكنه عظم المعول بحكم الخاطر الأول على كتاب ابن إسحاق، إياه أردت وتجريده من اللغات وكثير من الأنساب والأشعار قصدت، وعلى ترتيبه غالبا جريت، ومنزعه فى أكثر ما يخص المغازى تحريت.\rفإنه الذى شرب ماء هذا الشأن فأنقع، ووقع كتابه من نفوس الخاص والعام أجل موقع.\rإلا أنه يتخلله، كما أشرنا إليه قبل، أشياء من غير المغازى تقدح عند الجمهور فى إمتاعه، وتقطع بالخواطر المستجمعة لسماعه.\rوإن كانت تلك القواطع عريقة فى نسب العلم، وحقيقة بالتقييد والنظم. فسعى أن يكون لها مكان هو بإيرادها أخص، إذ لكل مقام لا يحسن فى غيره الإيراد له والنص.\rولذلك نويت فيه أن أحذف ما تخلله من مشبع الأنساب التى ليس احتياج كل الناس إليها بالضرورى الحثيث، ونفيس اللغات المعوق اعتراضها اتصال الأحاديث، حتى لا يبقى إلا الأخبار المجردة، وخلاصة المغازى التى هى فى هذا المجموع المقصودة المعتمدة.\rظنا منى أنه إذا أذن الله فى تمامه، وتكفل تعالى بتيسير محاولته وفق المأمول وتقريب مرامه، استأنفت النفوس له قبولا وعليه إقبالا، ولم يزده هذا النقص لدى جمهورهم إلا كمالا.\rثم بدا لى أن أزيد على هذا المقدار ما يحسن فى هذا المضمار، وأعوض مما حذفت منه من اللغات والأنساب والأشعار، بما يكون له إن شاء الله مزية الاختيار، ويروق عليه رونق الإيثار، منتقيا ذلك من الدواوين التى طار بها فى الناس طائر الاشتهار، ومتخيرا له من الأماكن التى لا يستقل بحصر فوائدها وانتقاء فرائدها كل مختار.\rككتاب ابن عقبة، وقد سميته، فإنه وإن اختصره جدا فقد أحسن العبارة، وأتى مواضع من المغازى حذاها بسطه وحماها اختصاره.\rوسأضع على كثير منها ميسمه وأرسمها فى هذا المختصر على نحو ما رسمه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083445,"book_id":3509,"shamela_page_id":8,"part":"1","page_num":5,"sequence_num":8,"body":"وقد وقفت على كتاب محمد بن عمر الواقدى فى المغازى، ولم يحضرنى الآن، لكنى رأيته كثيرا ما يجرى مع ابن إسحاق، فاستغنيت عنه به لفضل فصاحة ابن إسحاق فى الإيراد، وحسن بيانه الذى لا يفقد معه استحسان الحديث المعاد.\rوللواقدى أيضا كتاب المبعث، وهو مشبع فى بابه، ممتع باستيفائه واستيعابه، قد نقلت هنا منه جملا، تناسب الغرض المسطور، وتصد المعترض أن يجور.\rوكذلك كتاب الزبير بن أبى بكر القاضى ﵀ فى أنساب قريش، وهو كما سمعت شيخنا الخطيب أبا القاسم ابن حبيش ﵀ يحكى عن شيخه أبى الحسن ابن مغيث أنه كان يقول فيه: هو كتاب عجب لا كتاب نسب.\rالتقطت أيضا من درره نفائس معجبة، وتخيرت من فوائده نخبا لمتخيرها موجبة.\rومثله التاريخ الكبير لأبى بكر ابن أبى خيثمة، وناهيك به من بحر لا تكدره الدلاء، وغمر لا ينفذه الأخذ الدراك ولا يستنزفه الورد الولاء.\rوكم شىء أستحسنه من غير هذه الكتب المسماة فأنظمه فى هذا النظام، وأضطر إلى الإفادة به مساق الكلام. إما متمما لحديث سابق، وإما مفيدا بغرض لما تقدمه مطابق.\rفإن لم يكن بينهم فى الأحاديث اختلاف يشعر بنقض، فكثيرا ما أدخل حديث بعضهم فى حديث بعض، ليكون المساق أبين والاتساق أحسن.\rوإن عرض عارض خلاف فالفصل حينئذ أرفع للإشكال وأدفع للمقال.\rوربما فصلت بين بعض أحاديثهم وإن اشتبهت معانيها، بحسب ما تدعو إليه ضرورة الموضع، أو تحمل على إعادته حلاوة الموقع.\rوكل ذلك يشهد الله أن المراد فيه بالقصد الأول وجهه الكريم، وإحسانه العميم، ورحمته التى منها شق لنفسه أنه الرحمن الرحيم.\rثم القصد الثانى متوفر على إيثار الرغبة فى إيناس الناس بأخبار نبيهم ﷺ، وعمارة خواطرهم بما يكون لهم فى العاجل والآجل أنفع وأسلم.\rوقد عم ﵊ ببركة دعائه سامع حديثه ومبلغه، وقال ﷺ: «ما أفاد المسلم أفضل من حديث حسن بلغه فبلغه» .\rولا أحسن بعد كتاب الله الذى هو أحسن القصص وأصدق القصص، وأفضل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083446,"book_id":3509,"shamela_page_id":9,"part":"1","page_num":6,"sequence_num":9,"body":"الحصص، وأجلى الأشياء للغصص من أخبار رسول الله ﷺ التى بالوقوف عليها توجد حلاوة الإسلام، ويعرف كيف تمهدت السبل إلى دار السلام.\rفإنه لا يخلو الحاضرون لهذا الكتاب من أن يسمعوا ما صنع الله لرسوله فى أعداء تنزيله، فيستجزلوا ثواب الفرح بنصر الله، أو يستمعوا ما امتحنه الله به من المحن التى لا يطيق احتمالها إلا نفوس أنبياء الله بتأييد الله، فيعتبروا بعظيم ما لقيه من شدائد الخطوب، ويصطبروا لعوارض الكروب، تأدبا بآدابه، وجريا فى الصبر على ما يصيبهم والاحتساب لما ينوبهم على طريقة صبره واحتسابه.\rوتلك غايات لن نبلغ عفوها بجهدنا، ولن نصل أدانيها بنهاية ركضنا وشدنا، وإنما علينا بذل الجهد فى قصد الاهتداء، وعلى الله سبحانه المعونة فى الغاية والابتداء.\rوإذا استوفيت بفضل الله طلق هذا المعنى كما نويت، وبلغت حاجة نفسى منه وقضيت، فلى نية، إن ساعدت المشيئة عليها، فى أن أصل هذا الغرض المتقدم، من ذكر مغازى رسول الله ﷺ، بذكر مغازى الخلفاء الثلاثة الأول، رضى الله عنهم، منتحلا على رجاء معونة الله أسبابها، ومنتخلا من كتاب شيخنا الخطيب أبى القاسم، ﵀، ومن غيره مما هو فى نحو معناه، صفوها ولبابها، لتنتظم الفائدتان معا، ويكون الخبر عن مغازى رسول الله ﷺ ومغازى خلفائه، الذين بهديهم الائتمام، فى مكان واحد مجتمعا.\rوأرجو بحول الله الذى له الطول وبيده القوة والحول، أن يكون هذا المجموع كافيا فى البابين، وافيا بالغرضين المنتابين، ولذلك ترجمته بكتاب: الاكتفاء بما تضمنه من مغازى رسول الله ﷺ ومغازى الخلفاء.\rوفضله ﷻ نعم الكفيل أن يجزى به خير الجزاء، ويجعله من عددنا النافعة يوم اللقاء، فهو عز وجهه الملجأ والمعول، وبه أستعين وعليه أتوكل، لا إله إلا هو سبحانه، هو حسبى وإليه أنيب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083447,"book_id":3509,"shamela_page_id":10,"part":"1","page_num":7,"sequence_num":10,"body":"ذكر نسب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما وكيف طهره الله نفسا وخيما وشرفه حديثا وقديما وألقى إلى آبائه الأقدمين من الدلائل على اصطفائه إياه فى الآخرين وابتعاثه له رحمة للعالمين ما صيره لديهم قبل وجوده بطوائل السنين معلوما\rفى الصحيح من حديث واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بنى كنانة، واصطفى من بنى كنانة قريشا، واصطفى من قريش بنى هاشم، واصطفانى من بنى هاشم» «١» .\rوفى حديث عن عبد الله بن عباس، أن رسول الله ﷺ قال: «لم يزل الله ﷿ ينقلنى من الأصلاب الطيبة إلى الأرحام الطاهرة، صفيا مهذبا، لا تتشعب شعبتان إلا كنت فى خيرهما» «٢» .\rوخرج أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذى، من حديث المطلب بن أبى وداعة، أن رسول الله ﷺ قام على المنبر فقال: «من أنا» ؟ فقالوا: «أنت رسول الله عليك السلام» قال: «أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، إن الله خلق الخلق فجعلنى فى خيرهم فرقة، ثم جعلهم فرقتين، فجعلنى فى خيرهم فرقة، ثم جعلهم قبائل، فجعلنى فى خيرهم قبيلة، ثم جعلهم بيوتا، فجعلنى فى خيرهم بيتا، وخيرهم نفسا» . وفى رواية:\r«فأنا خيرهم نفسا، من خيرهم بيتا» «٣» .","footnotes":"(١) أخرجه الترمذى (٣٦٠٥) ، الإمام أحمد فى المسند (٤/ ١٠٧) ، الألبانى فى السلسلة الضعيفة (١٦٣) ، الزبيدى فى إتحاف السادة المتقين (٩/ ٨٩) ، السيوطى فى الدر المنثور (٣/ ٢٩٤، ٤/ ٢٧٤) ، ابن أبى شيبة فى المصنف (١١/ ٤٧٨) .\r(٢) أخرجه السيوطى فى الدر المنثور (٣/ ٢٩٤، ٥/ ٩٨) .\r(٣) أخرجه الترمذى (١/ ٧٦) باب ما جاء فى فضل النبى، البيهقى فى السنن الكبرى (٧/ ٣٨٧، ٣٨٨، ١٠/ ٥٧) ، الحاكم فى المستدرك (٢/ ٦٤، ٣/ ٢٥٨) ، ابن أبى شيبة فى المصنف (١١/ ٢٠) ، الطبرانى فى الكبير (٧/ ٣٨٣، ١٧/ ١٣٦) ، الهيثمى فى المجمع (١/ ٢٢، -","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083448,"book_id":3509,"shamela_page_id":11,"part":"1","page_num":8,"sequence_num":11,"body":"وصدق ﷺ، والصدق شيمته، وفوق العالمين طرا قدره الرفيع وقيمته، هو أشرفهم حسبا وأفضلهم نسبا وأكرمهم أما وأبا.\rهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب «١» بن هاشم- واسمه عمرو- بن عبد مناف- واسمه المغيرة- بن قصى- واسمه زيد- بن كلاب بن مرة بن كعب، ابن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.\rهذا الصحيح المجتمع عليه فى نسبه، وما فوق ذلك مختلف فيه.\rولا خلاف فى أن عدنان من ولد إسماعيل نبى الله، ابن إبراهيم خليل الله، ﵉، وإنما الاختلاف فى عدد من بين عدنان وإسماعيل من الآباء. فمقلل ومكثر.\rوكذلك من إبراهيم إلى آدم ﵉، لا يعلم ذلك على حقيقته إلا الله.\rروى عن ابن عباس قال: كان النبى ﷺ إذا انتهى إلى عدنان أمسك ثم يقول:\r«كذب النسابون» ، قال الله تعالى: «وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً» [الفرقان: ٣٨] .\rومن عدنان تفرقت القبائل من ولد إسماعيل.\rفولد عدنان رجلين: معد بن عدنان، وعك بن عدنان.\rفصارت عك فى دار اليمن، لأن عكا تزوج فى الأشعريين منهم وأقام فيهم، فصارت الدار واللغة واحدة.\rوالأشعريون هم بنو أشعر بن نبت بن أدد بن زيد بن هميسع بن عمرو بن عريب ابن يشجب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان «٢» .\rوقحطان هو عند جمهور العلماء بالنسب أبو اليمن كلها، وإليه يجتمع نسبها، والعرب كلها عندهم من ولد إسماعيل وقحطان. وبعض اليمن يقول: قحطان من ولد إسماعيل، وإسماعيل أبو العرب كلها. والله أعلم.","footnotes":"٤/ ٢٣٨، ٢٤٤، ١٠/ ٣٧٥) ، شرح السنة للبغوى (٣/ ٢٣٩، ٩/ ٢٤٦) ، الزبيدى فى إتحاف السادة المتقين (٢/ ٢٠٦، ٧/ ١٩٤) ، المتقى الهندى فى الكنز (٢٩٦٨٧) .\r(١) قال ابن إسحاق فى السيرة: اسم عبد المطلب شيبة بن هاشم. وانظر ذكر نسب النبى فى: السيرة (١/ ٢٣، ٢٤) ، والبداية والنهاية كتاب سيرة رسول الله ﷺ ونسبه (٢/ ٢٥٧) .\r(٢) انظر: السيرة (١/ ٢٧) ذكر نسب ولد إسماعيل.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083449,"book_id":3509,"shamela_page_id":12,"part":"1","page_num":9,"sequence_num":12,"body":"وأما معد، فذكر الزبير بن أبى بكر ﵀، أن بختنصر لما أمر بغزو بلاد العرب وإدخال الجنود عليهم فيها، وقتل مقاتلهم لانتهاكهم معاصى الله، واستحلالهم محارمه وقتلهم أنبياءه، وردهم رسالاته، أمر أرميا بن حلقيا، وكان فيما ذكر نبى بنى إسرائيل فى ذلك الزمان: أن ائت معد بن عدنان الذى من ولده محمد خاتم النبيين، فأخرجه عن بلاده واحمله معك إلى الشام، وتول أمره قبلك.\rويقال: بل المحمول عدنان، والأول أكثر.\rوفى حديث عن ابن عباس، أن الله بعث ملكين، فاحتملا معدا، فلما أدبر الأمر رده فرجع إلى موضعه من تهامة، بعدما دفع الله بأسه عن العرب، فكان بمكة وناحيتها مع أخواله من جرهم، وبها منهم بقية هم ولاة البيت يومئذ، فاختلط بهم وناكحهم.\rفولد معد بن عدنان نفرا، منهم قضاعة، وكان بكره الذى به يكنى فيما يزعمون، وقنص، ونزار، وإياد.\rفأما قضاعة فتيامنت إلى حمير بن سبأ وانتمت إلى ابنه مالك بن حمير، حتى قال قائل منهم يفخر بذلك:\rنحن بنو الشيخ الهجان الأزهر ... قضاعة بن مالك بن حمير\rالنسب المعروف غير المنكر ... فى الحجر المنقوش تحت المنبر «١»\rوأنكر كثير من الناس منتماهم هذا، وجرت بينهم وبين من قال به من القضاعيين فى ذلك أقاويل معروفة وأشعار محفوظة.\rقال الزبير: ولم يجتمع رأى قضاعة على الانتساب فى اليمن، بل أهل العلم منهم والدين مقيمون على نسبهم فى معد.\rوأما قنص بن معد، فهلكت بقيتهم فيما زعموا، وكان منهم النعمان بن المنذر ملك الحيرة «٢» .\rواحتج من قال ذلك بأن عمر- رضى الله عنه- حين أتى بسيف النعمان بن","footnotes":"(١) انظر: السيرة (١/ ٢٨) .\r(٢) انظر: السيرة (١/ ٢٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083450,"book_id":3509,"shamela_page_id":13,"part":"1","page_num":10,"sequence_num":13,"body":"المنذر، دعا جبير بن مطعم بن عدى بن نوفل بن عبد مناف بن قصى «١» ، فسلحه إياه، ثم قال: ممن كان يا جبير النعمان بن المنذر؟.\rفقال: كان من أشلاء، قنص بن معد.\rوكان جبير أنسب قريش لقريش والعرب قاطبة، وكان يقول: إنما أخذت النسب من أبى بكر الصديق.\rوكان أبو بكر رضى الله عنه، أنسب العرب «٢» .\rوقد قيل فى نسب النعمان غير ذلك، مما سيأتى ذكره عند تأدية الحديث إليه، إن شاء الله تعالى.\rوقد ذكر أيضا فى بنى معد الضحاك بن معد.\rذكر الزبير بإسناد له إلى مكحول قال: أغار الضحاك بن معد على بنى إسرائيل فى أربعين رجلا من بنى معد، عليهم دراريع الصوف خاطمى خيلهم بحبال الليف، وسبوا وظفروا، فقالت بنو إسرائيل: يا موسى، إن بنى معد أغاروا علينا، وهم قليل، فكيف لو كانوا كثيرا وأغاروا علينا وأنت نبينا؟ فادع الله عليهم.\rفتوضأ موسى وصلى، وكان إذا أراد حاجة من الله صلى، ثم قال: يا رب إن بنى معد أغاروا على بنى إسرائيل فقتلوا وسبوا وظفروا، وسألونى أن أدعوك عليهم.\rفقال الله تعالى: يا موسى لا تدع عليهم، فإنهم عبادى، وإنهم ينتهون عند أول أمرى، وإن فيهم نبيا أحبه وأحب أمته.\rقال: يا رب، ما بلغ من محبتك له؟.\rقال: أغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.\rقال: يا رب ما بلغ من محبتك لأمته؟.","footnotes":"(١) انظر ترجمته فى: الاستيعاب (١/ ٣٠٣) ، الإصابة ترجمة رقم (١٠٩٤) ، أسد الغابة ترجمة رقم (٦٩٨) ، نسب قريش (٢٠١) ، طبقات خليفة ترجمة رقم (٤٣) ، التاريخ الكبير (٢/ ٢٢٣) ، المعارف (٤٨٥) ، الجرح والتعديل (٢/ ٥١٢) ، مشاهير علماء الأمصار الترجمة رقم (٣٥) ، جمهرة أنساب العرب (١١٦) ، العقد الثمين (٣/ ٤٠٨) .\r(٢) انظر: السيرة (١/ ٢٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083451,"book_id":3509,"shamela_page_id":14,"part":"1","page_num":11,"sequence_num":14,"body":"قال: يستغفرنى مستغفرهم فأغفر له، ويدعونى داعيهم فأستجيب له.\rقال: يا رب فاجعلهم من أمتى.\rقال: نبيهم منهم.\rقال: يا رب فاجعلنى منهم.\rقال: تقدمت واستأخروا.\rقال الزبير: وحدثنى على بن المغيرة قال: لما بلغ بنو معد عشرين رجلا أغاروا على عسكر موسى ﵇، فدعا عليهم فلم يجب فيهم، ثم أغاروا، فدعا عليهم فلم يجب فيهم، ثلاث مرات.\rفقال: يا رب، دعوتك على قوم فلم تجبنى فيهم بشىء.\rفقال: يا موسى، دعوتنى على قوم منهم خيرتى فى آخر الزمان.\rوأما نزار بن معد، واسمه مشتق من النزر وهو القليل، فيقال: إن أباه معدا لما ولد له نظر إلى نور بين عينيه، ففرح لذلك فرحا شديدا، ونحر وأطعم، وقال: إن هذا كله لنزر فى حق هذا المولود.\rوما كان الذى رآه إلا نور النبوة، الذى لم يزل ينتقل فى الأصلاب، حتى انتهى إلى نبينا محمد ﷺ، فطبق الأرض نورا، وهدى الله به من أراد سعادته من عباده، صراطا مستقيما.\rوكل هذه الأنوار والآثار شاهدة له- ﵇ بعظيم عناية الله، وكريم المكانة عنده، فلم تزل بركته ﷺ متعرفة فى آبائه الماضين، وظاهرة على أسلافه الأكرمين، تشير المخايل اللائحة فيهم إليه، وتدل الدلائل الواضحة فى أوليتهم عليه، صلوات الله وبركاته عليه.\rفولد نزار بن معد: مضر وربيعة وأنمارا وإيادا، وإليه دفع أبوه حجابة الكعبة فيما ذكر الزبير. وأمه سودة بنت عك بن عدنان.\rوقيل هى أم مضر خاصة، وأم إخوته الثلاثة أختها شقيقة ابنة عك بن عدنان.\rوقد قيل: إن إيادا شقيق لمضر، أمهما معا سودة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083452,"book_id":3509,"shamela_page_id":15,"part":"1","page_num":12,"sequence_num":15,"body":"فإنمار هو أبو بجيلة وخثعم، وقد تيامنت بجيلة إلا من كان منهم بالشام والمغرب، فإنهم على نسبهم إلى أنمار بن نزار.\rوجرير بن عبد الله «١» صاحب رسول الله ﷺ من سادات بجيلة وله يقول القائل:\rلولا جرير هلكت بجيلة ... نعم الفتى وبئست القبيلة\rوكذلك تيامنت الدار أيضا بخثعم، وهم بنو أقيل بن أنمار، وإنما خثعم جبل تحالفوا عنده فسموا به، وهم بالسراة على نسبهم إلى أنمار.\rوإذا كان بين مضر واليمن فيما هنالك حرب، كانت خثعم مع اليمن على مضر «٢» .\rويروى أن نزارا لما حضرته الوفاة، قسم ماله بين بنيه الأربع: مضر وربيعة وإياد وأنمار.\rفقال: هذه القبة لقبة كانت له حمراء من أدم، وما أشبهها من المال لمضر، وهذا الخباء الأسود وما أشبهه لربيعة، وهذه الخادم، وكانت شمطاء، وما أشبها لإياد. وهذه البدرة والمجلس لأنمار يجلس فيه.\rوقال لهم: إن أشكل عليكم الأمر فى ذلك واختلفتم فى القسمة، فعليكم بالأفعى الجرهمى. وكان بنجران.\rفاختلفوا بعده وأشكل أمر القسمة عليهم، فتوجهوا إلى الأفعى. فبينا هم فى مسيرهم إليه إذ رأى مضر كلأ قد رعى، فقال: إن البعير الذى رعى هذا لأعور.\rفقال ربيعة: وهو أزور. وقال إياد: وهو أبتر. وقال أنمار: وهو شرود.\rفلم يسيروا إلا قليلا، حتى لقيهم رجل توضع به راحلته، فسألهم عن البعير، فقال له مضر: أهو أعور؟ قال: نعم. قال ربيعة: أهو أزور؟ قال: نعم. قال إياد: أهو أبتر؟ قال نعم. قال أنمار: وهو شرود؟ قال: نعم، هذه والله صفة بعيرى دلونى عليه. فحلفوا له ما","footnotes":"(١) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٣٢٦) ، الإصابة الترجمة رقم (١١٣٩) ، أسد الغابة الترجمة (٧٣٠) ، طبقات ابن سعد (٦/ ٢٢) ، طبقات خليفة (١١٦، ١٣٨) ، تاريخ خليفة (٢١٨) ، التاريخ الكبير (٢/ ٢١١) ، الجرح والتعديل (٢/ ٥٠٢) ، تهذيب الكمال (١٩١) ، تاريخ الإسلام (٢/ ٢٧٤) ، العبر (١/ ٥٧) ، تهذيب التهذيب (٢/ ٧٣) ، خلاصة تذهيب الكمال (٦١) ، شذرات الذهب (١/ ٥٧، ٥٨) .\r(٢) انظر: السيرة (١/ ٧٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083453,"book_id":3509,"shamela_page_id":16,"part":"1","page_num":13,"sequence_num":16,"body":"رأوه، فلزمهم وقال: كيف أصدقكم وأنتم تصفون بعيرى بصفته!! فساروا حتى قدموا نجران، فنزلوا بالأفعى الجرهمى، فنادى صاحب البعير: بعيرى، وصفوا لى صفته، ثم قالوا: لم نره!\rفقال لهم الأفعى: كيف وصفتموه، ولم تروه؟\rفقال له مضر: رأيته يرعى جانبا ويدع جانبا فعرفت أنه أعور.\rوقال ربيعة: رأيت إحدى يديه ثابتة الأثر والأخرى فاسدة الأثر، فعلمت أنه أفسدها لشدة وطئه لازوراره.\rوقال إياد: عرفت بتره باجتماع بعره، ولو كان ذيالا لمصع به.\rوقال أنمار: عرفت أنه شرود، أنه كان يرعى فى المكان المتلف نبته، ثم يجوزه إلى مكان أرق منه وأخبث.\rقال الشيخ: ليسوا بأصحاب بعيرك، فاطلبه.\rثم سألهم من هم؟\rفأخبروه، فرحب بهم وقال: تحتاجون إلى وأنتم كما أرى!\rفدعا لهم بطعام، فأكل وأكلوا وشرب وشربوا.\rفقال مضر: لم أر كاليوم خمرا أجود لولا أنها نبتت على قبر.\rوقال ربيعة: لم أر كاليوم لحما أطيب لولا أنه ربى بلبن كلبة.\rوقال إياد: لم أر كاليوم رجلا سرنى لولا أنه ليس لأبيه الذى يدعى له.\rوقال أنمار: لم أر كاليوم كلاما أنفع فى حاجتنا.\rوسمع صاحبهم كلامهم، فقال: ما هؤلاء؟! إنهم لشياطين.\rثم أتى أمه، فسألها، فأخبرته أنها كانت تحت ملك لا يولد له، فكرهت أن يذهب الملك، فأمكنت رجلا نزل بهم من نفسها، فوطئها، فجاءت به.\rوقال للقهرمان: الخمر التى شربناها ما أمرها؟\rقال: من حبلة غرستها على قبر أبيك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083454,"book_id":3509,"shamela_page_id":17,"part":"1","page_num":14,"sequence_num":17,"body":"وسأل الراعى عن اللحم، فقال: شاة أرضعناها من لبن كلبة، ولم يكن ولد فى الغنم غيرها. فأتاهم، فقال: قصوا على قصتكم، فقصوا عليه ما أوصى به أبوهم، وما كان من اختلافهم.\rفقال: ما أشبه القبة الحمراء من مال فهو لمضر. فصارت إليه الدنانير والإبل، وهى حمر، فسميت مضر الحمراء.\rقال: وما أشبه الخباء الأسود من دابة ومال فهو لربيعة. فصارت له الخيل، وهى دهم، فسمى ربيعة الفرس.\rقال: وما أشبه الخادم، وكانت شمطاء، من مال فيه بلق، فهو لإياد. فصارت له الماشية البلق. وقضى لأنمار بالدراهم والأرض. فساروا من عنده على ذلك.\rوكان يقال: مضر وربيعة هما الصريحان من ولد إسماعيل.\rوروى ميمون بن مهران، عن عبد الله بن العباس، أن رسول الله ﷺ قال: «لا تسبوا مضر وربيعة فإنهما كانا مسلمين» «١» .\rوقال ﷺ فيما روى عنه: «إذا اختلف الناس فالحق مع مضر» «٢» .\rوسمع ﵇ قائلا يقول:\rإنى امرؤ حميرى حين تنسبنى ... لا من ربيعة آبائى ولا مضرا\rفقال ﷺ: «ذلك أبعد لك من الله ومن رسوله» «٣» .\rومما يؤثر من حكم مضر بن نزار ووصاياه: من يزرع شرا يحصد ندامة، وخير الخير أعجله، فاحملوا أنفسكم على مكروهها فيما أصلحكم، واصرفوها عن هواها فيما أفسدها، فليس بين الصلاح والفساد إلا صبر فواق.\rفولد مضر بن نزار رجلين: إلياس بن مضر، وعيلان بن مضر.\rقال الزبير: وأمهما الحنفاء بنت إياد بن معد.","footnotes":"(١) أخرجه ابن حجر فى الفتح (٧/ ١٤٦) ، المتقى الهندى فى الكنز (٢٣٩٨٧) .\r(٢) أخرجه المتقى الهندى فى الكنز (٣٣٩٨٩) ، ابن حجر فى المطالب العالية (٤١٨٨) ، ابن عدى فى الكامل فى الضعفاء (١٤٥٦) ، ابن أبى شيبة فى المصنف (١٢/ ١٩٨) .\r(٣) أخرجه أبو داود فى السنن كتاب البيوع باب (٨٨) ، البيهقى فى السنن الكبرى (٦/ ١٧٤) ، الزيلعى فى نصب الراية (٤/ ١٢٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083455,"book_id":3509,"shamela_page_id":18,"part":"1","page_num":15,"sequence_num":18,"body":"وقال ابن هشام: أمهما جرهمة. ولما أدرك إلياس بن مضر، أنكر على بنى إسماعيل ما غيروا من سنن آبائهم وسيرهم، وبان فضله عليهم ولان جانبه لهم، حتى جمعهم على رأيه، ورضوا به رضا لم يرضوه بأحد من ولد إسماعيل بعد أدد.\rفردهم إلى سنن آبائهم، حتى رجعت سنتهم تامة على أولها.\rوهو أول من أهدى البدن إلى البيت، أو فى زمانه.\rوأول من وضع الركن للناس بعد هلاكه، حين غرق البيت وانهدم زمن نوح ﵇.\rفكان أول من سقط عليه إلياس، أو فى زمانه، فوضعه فى زاوية البيت للناس.\rومن الناس من يقول: إنما هلك الركن بعد إبراهيم وإسماعيل ﵉. وهو الأشبه، إن شاء الله.\rولم تبرح العرب تعظم إلياس بن مضر تعظيم أهل الحكمة، كلقمان وأشباهه.\rفولد إلياس بن مضر ثلاثة نفر: مدركة، وطابخة، وقمعة.\rوأمهم خندف بنت حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، واسمها ليلى، واسم مدركة عامر، واسم طابخة عمرو، واسم قمعة عمير.\rوإنما حالت أسماؤهم إلى الذى ذكرنا أولا عنهم، فيما ذكروا، أن أرنبا أنفرت إبل إلياس بن مضر، فصاح ببنيه هؤلاء أن يطلبوا الإبل والأرنب.\rفأما عمير فاطلع من المظلة ثم قمع. فسمى قمعة.\rوخرج عامر وعمرو فى آثار الإبل، وخرجت أمهم ليلى تسعى خلفهم.\rفقال لها زوجها إلياس: أين تخندفين؟ أى أين تسعين. فسميت خندف «١» .\rومر عامر وعمرو بظبى، فرماه عمرو فقتله، ويقال: بل رمى الأرنب التى أنفرت الإبل، فقال له عامر: اطبخ صيدك، وأنا أكفيك الإبل. فطبخ عمرو، فسمى طابخة.\rوأدرك الإبل عامر، فسمى مدركة.","footnotes":"(١) قال ابن حجر فى فتح البارى (٦/ ٦٣٣) : خندف هى بكسر المعجمة وسكون النون وفتح الدال بعدها فاء، وهو اسم امرأة إلياس بن مضر، واسمها: ليلى بنت حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، لقبت بخندف لمشيتها والخندف: الهرولة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083456,"book_id":3509,"shamela_page_id":19,"part":"1","page_num":16,"sequence_num":19,"body":"واشتهر بنو خندف هؤلاء بأمهم خندف للذى سار من فعلها فى الناس.\rوذلك أنه لما مرض زوجها إلياس وجدت لذلك وجدا شديدا، ونذرت إن هلك، ألا تقيم فى بلد مات فيه، ولا يظلها بيت بعده، وأن تسيح فى الأرض. وحرمت الرجال والطيب.\rفلما هلك إلياس خرجت سائحة فى الأرض حتى هلكت حزنا.\rوكانت وفاته يوم الخميس، فكانت كلما طلعت الشمس من ذلك اليوم تبكيه حتى تغيب، فصارت خندف وما صنعت عجبا فى الناس، يتحدثون به ويذكرونه فى أشعارهم.\rفقيل لرجل من إياد، أو همدان، وقد هلكت امرأته: ألا تبكى عليها؟\rفقال: لو كان ذلك يردها لفعلت كما فعلت خندف على إلياس. ثم اندفع يقول:\rلو أنه يغنى بكيت كخندف ... على إلياس حتى ملها الشر تندب\rإذا مونس لاحت خراطيم شمسه ... بكت غدوة حتى ترى الشمس تغرب\rولم تر عيناها سوى الدفن قبره ... فساحت وما تدرى إلى أين تذهب\rفلم يغن شيئا طول ما بلغت به ... وما طلها دهر وعيش معذب\rوفقدت امرأة من غسان أخاها ثم أباها، فمكثت دهرا تبكى عليهما، فنهاها قومها، فقالت:\rتلحون سلمى أن بكت أباها ... وقبل ما قد ثكلت أخاها\rفحولوا العذل إلى سواها ... عصتكم سلمى إلى هواها\rكما عصت خندف من نهاها ... خلت بنيها أسفا وراها\rتبكى على آلياس فما أتاها\rفولد مدركة بن إلياس نفرا، منهم خزيمة بن مدركة، وهذيل بن مدركة.\rوأمهما امرأة من قضاعة، قيل: هى سلمى بنت سويد بن أسلم بن الحاف بن قضاعة. وقيل غير ذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083457,"book_id":3509,"shamela_page_id":20,"part":"1","page_num":17,"sequence_num":20,"body":"فولد خزيمة بن مدركة كنانة وأسدا وأسدة والهون.\rوأم كنانة منهم، عوانة بنت سعد بن قيس بن عيلان بن مضر. وقيل: هند بنت عمرو بن قيس بن عيلان. قرأته بخط أحمد بن يحيى بن جابر.\rفولد كنانة بن خزيمة جماعة منهم: النضر، وبه كان يكنى، ونضير، ومالك، وملكان، وعمرو، وعامر، وأمهم برة بنت مر، خلف عليها كنانة بعد أبيه خزيمة، على ما كانت الجاهلية تفعله، إذا مات الرجل خلف على زوجته بعده أكبر بنيه من غيرها.\rفنهى الله عن ذلك بقوله: وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ [النساء: ٢٢] «١» .\rويقال: إن برة هذه، لما أهديت أولا إلى خزيمة بن مدركة، قالت له: إنى رأيت فى المنام كأنى ولدت غلامين من خلاف بينهما سابياء، فبينا أنا أتأملهما إذا أحدهما أسد يزأر وإذا الآخر قمر ينير.\rفأتى خزيمة كاهنة بتهامة، فقص عليها الرؤيا، فقالت: لئن صدقت رؤياها لتلدن منك غلاما يكون لولده قلوب باسلة، ثم لتموتن عنها فيختلف عليها ابن لك، فتلد منه غلاما يكون لولده عدل وعدد وقروم مجد وعز إلى آخر الأبد.\rثم توفى خزيمة، فخلف عليها كنانة بعد أبيه، فولدت له النضر وإخوته، وإنما سمى النضر، لنضارة وجهه وجماله.\rوأتى أبوه كنانة بن خزيمة وهو نائم فى الحجر، فقيل له: تخير يا أبا النضر بين الصهيل والهدر وعمارة الجدر وعز الدهر.\rفقال: كل يا رب.\rفصار هذا كله فى قريش.\rوالنضر هو جماع قريش فى قول طائفة من أهل العلم بالنسب، والأكثر على أن فهر بن مالك بن النضر هو قريش.\rفمن كان من ولده فهو قرشى، ومن لم يكن من ولده فليس بقرشى.\rوذكر الزبير أن هذا هو رأى كل من أدرك من نساب قريش.","footnotes":"(١) انظر: السيرة (١/ ٩٣) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083458,"book_id":3509,"shamela_page_id":21,"part":"1","page_num":18,"sequence_num":21,"body":"فولد النضر بن كنانة مالكا، ويخلد، والصلت «١» .\rفولد مالك فهر بن مالك. وأمه جندلة بنت الحارث بن جندل بن عامر بن سعيد بن الحارث بن مضاض الجرهمى. وهو جماع قريش عند الأكثر.\rقال الزبير: قد اجتمع النساب من قريش وغيرهم أن قريشا إنما تفرقت عن فهر.\rويقال: إن قريشا هو اسمه الذى سمته به أمه، ولقبته فهرا.\rفولد فهر بن مالك غالبا ومحاربا والحارث وأسدا، وأختهم جندلة. وأم جميعهم ليلى بنت سعد بن هذيل بن مدركة «٢» .\rولما حضرت الوفاة فهر بن مالك، قال لابنه غالب: يا بنى، إن فى الحزن إقلاق النفوس قبل المصائب، فإذا وقعت المصيبة برد حرها، وإنما القلق فى غليانها، فإذا أنا مت فبرد حر مصيبتك بما ترى من وقع المنية أمامك وخلفك، وعن يمينك وعن شمالك، وبما ترى من آثارها فى محيى الحياة، ثم اقتصر على قليلك، وإن قلت منفعته، فقليل ما فى يدك أغنى لك من كثير ما أخلق وجهك وإن صار إليك.\rفولد غالب بن فهر لؤيا وتيما، وهو الأدرم، كان منقوص الذقن.\rويقال لقومه: بنو الأدرم.\rوأمهما فى قول ابن إسحاق «٣» : سلمى بنت عمرو الخزاعى.\rوفى قول الزبير: عاتكة بنت يخلد بن النضر.\rوروى أن لؤى بن غالب قال لأبيه، وهو غلام حديث: يا أبت، من رب معروفة قل إخلاقه، ونضر ماؤه. ومن أخلقه أخمله، وإذا أخلق الشىء لم يذكر، وعلى المولى تكبير صغيره ونشره، وعلى المولى تصغير كبيره وستره.\rفقال له أبوه غالب: إنى لأستدل بما أسمع من قولك على فضلك، وأستدعى لك به الطول على قومك، فإن ظفرت بطول فعد على قومك بفضلك، وكف غرب جهلهم بحلمك، ولم شعثهم برفقك، فإنما تفضل الرجال الرجال بأفعالها، ومن قايسها على أوزانها أسقط الفضل ولم تعل به درجة على أحد، وللعليا فضل أبدا على السفلى.","footnotes":"(١) انظر: السيرة (١/ ٩٤- ٩٥) .\r(٢) انظر: السيرة (١/ ٩٥) .\r(٣) انظر: السيرة (١/ ٩٥) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083459,"book_id":3509,"shamela_page_id":22,"part":"1","page_num":19,"sequence_num":22,"body":"فولد لؤى بن غالب كعبا وعامرا، وسامة، وعوفا وسعدا، وخزيمة «١» .\rفدخل بنو خزيمة فى شيبان، ويسمون فيهم بعائذة، وهى امرأة من اليمن، كانت أم بنى عبيد بن خزيمة فنسبوا إليها.\rوكذلك دخل بنو سعد، فى شيبان، ويسمون فيهم ببنانة حاضنة كانت لهم من قضاعة، وقيل من النمر بن قاسط، فنسبوا إليها.\rوأما سامة بن لؤى، فخرج إلى عمان، ويزعمون أن عامر بن لؤى أخرجه.\rوذلك أنه كان بينهما شىء، ففقأ سامة عين عامر، فأخافه عامر، فخرج إلى عمان.\rفيزعمون أن سامة بن لؤى بينا هو يسير على ناقته، إذ وضعت رأسها ترتع، فأخذت حية بمشفرها، فهصرتها «٢» حتى وقعت الناقعة لشقها، ثم نهشت ساقه فقتلته. فقال سامة حين أحس بالموت، فيما يزعمون:\rعين فابكى لسامة بن لؤى ... علقت ما بسامة العلاقة\rلا أرى مثل سامة بن لؤى ... يوم حلوا به قتيلا لناقة\rبلغا عامرا وكعبا رسولا ... أن نفسى إليهما مشتاقة\rإن تكن فى عمان دارى فإنى ... غالبى خرجت من غير فاقة\rرب كأس هرقت يا بن لؤى ... حذر الموت لم تكن مهراقة\rرمت دفع الحتوف يا بن لؤى ... ما لمن رام ذاك بالحتف طاقة\rوخروس السرى تركت رديا ... بعد جد وحدة ورشاقة «٣»\rقال ابن هشام: وبلغنى أن بعض ولده أتى رسول الله ﷺ فانتسب إلى سامة بن لؤى، فقال رسول الله ﷺ: «ألشاعر؟» فقال له بعض أصحابه: كأنك يا رسول الله أردت قوله:\rرب كأس هرقت يابن لؤى ... حذر الموت لم تكن مهراقة\rقال: «أجل» «٤» .","footnotes":"(١) انظر: السيرة (٩٦) .\r(٢) الهصر: هو الكسر، هصر الشىء يهصره هصرا: جبذه وأماله وأهتصره، وقال أبو عبيدة: هصرت الشىء ووقصته إذا كسرته. انظر: اللسان (مادة هصر) .\r(٣) خروس السرى: يعنى ناقة صموتا صبورا. السرى: هو سير الليل، وقيل: سير الليل كله.\r(٤) ذكره الأصفهانى فى كتاب الأغانى (٩/ ١٠٤) ، وليس له إسناد يعرف.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083460,"book_id":3509,"shamela_page_id":23,"part":"1","page_num":20,"sequence_num":23,"body":"قال ابن إسحاق «١» : وأما عوف بن لؤى، فإنه خرج فيما يزعمون فى ركب من قريش، حتى إذا كان بأرض غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان أبطئ به، فانطلق من كان معه من قومه، فأتاه ثعلبة بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان، فحبسه والتاطه وآخاه وزوجه، فانتسب بتلك المؤاخاة إلى سعد بن ذبيان أبى ثعلبة.\rوثعلبة، يزعمون، هو القائل له:\rاحبس على ابن لؤى جملك ... تركتك القوم ولا مترك لك\rويروى أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه، قال: لو كانت مدعيا حيا من العرب أو ملحقهم بنا لا دعيت بنى مرة بن عوف، إنا لنعرف منهم الأشباه مع ما نعرف من موقع ذلك الرجل حيث وقع؛ يعنى عوف بن لؤى.\rوهم فى نسب غطفان مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان، وهم يقولون إذا ذكر لهم النسب: ما ننكره ولا نجحده، وإنه لأحب النسب إلينا.\rوقيل: إن عمر بن الخطاب قال لرجال من بنى مرة: إن شئتم أن ترجعوا إلى نسبكم فارجعوا إليه. وكان القوم أشرافا فى غطفان هم سادتهم وقادتهم، منهم هرم بن سنان ابن أبى حارثة، وأخوه خارجة بن سنان، والحارث بن عوف، والحصين بن الحمام، وهشام بن حرملة، قوم لهم صيت وذكر فى غطفان وقيس كلها، فأقاموا على نسبهم.\rعلى أن الحصين بن الحمام قد تحير فى هذا واختلف رأيه، فلما سمع قول الحارث ابن ظالم، أحد بنى مرة بن عوف، حين هرب من النعمان بن المنذر ولحق بقريش:\rوما قومى بثعلبة بن سعد ... ولا بفزارة الشعر الرقابا «٢»\rفقومى إن سألت بنو لؤى ... بمكة علموا مضر الضرابا\rسفهنا باتباع بنى بغيض ... وترك الأقربين لنا انتسابا\rسفاهة مخلف لما تروى ... هراق الماء واتبع السرابا «٣»\rفلو طوعت عمرك كنت فيهم ... وما ألفيت انتجع السحابا «٤»","footnotes":"(١) انظر: السيرة (١/ ٩٨- ٩٩) .\r(٢) الشعر: جمع أشعر، وهو الكثير الشعر.\r(٣) المخلف: الذى يسقى الماء. هراق: أى صبه.\r(٤) انتجع: أى ذهب فى طلب الكلاء فى موضعه. وذكره ابن إسحاق فى السيرة وزاد فى آخره بيت هو:\rوخش رواحة القرشى رحلى ... بناحية ولم يطلب ثوابا\rانظر: السيرة (١/ ٩٨- ٩٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083461,"book_id":3509,"shamela_page_id":24,"part":"1","page_num":21,"sequence_num":24,"body":"قال الحصين بن الحمام يرد عليه وينتمى إلى غطفان:\rألا لستم منا ولسنا إليكم ... برئنا إليكم من لؤى بن غالب\rأقمنا على عز الحجاز وأنتم ... بمعتلج البطحاء بين الأخاشب\rيعنى قريشا.\rثم ندم الحصين على ما قال، وعرف صدق الحارث، فأكذب نفسه وقال:\rندمت على قول مضى كنت قلته ... تبينت فيه أنه جد كاذب\rفليت لسانى كان نصفين منهما ... بكيم ونصف عند مجرى الكواكب\rأبونا كنانى بمكة قبره ... بمعتلج البطحاء بين الأخاشب\rلنا الربع من بيت الحرام وراثة ... وربع البطاح عند دار ابن حاطب\rيعنى أن بنى لؤى كانوا أربعة، كعبا، وعامرا، وسامة، وعوفا.\rوفى بنى مرة بن عوف كان البسل، وذلك ثمانية أشهر حرم لهم من كل سنة من بين العرب، يسيرون به إلى أى بلاد العرب شاؤا، ولا يخافون منهم شيئا، قد عرفوا ذلك لهم لا يدفعونه ولا ينكرونه.\rوكان سائر العرب إنما يأمنون فى الأشهر الحرم الأربعة فقط.\rوذكر الزبير عن أبى عبيدة، أنه كانت لقريش فى هذا مزية على سائر العرب قاطبة، وذلك أن العربى لم يكن ليخرج من داره فى غير الأشهر الحرم إلا فى جماعة، وكان القرشى يخرج حيث شاء وأنى شاء، فيقال: رجل من أهل الله فلا يعرض له عارض، ولا يريبه أحد بمكروه، ويعظمه من لقيه أو ورد عليه، ولذلك قال من قال منهم:\rالقرشى بكل بلد حرام.\rوأما كعب بن لؤى، وعامر بن لؤى، فهما أهل الحرم وصريح ولد لؤى.\rوكان كعب منهما عظيم القدر فى العرب، وأرخوا بموته إعظاما له، إلى أن كان عام الفيل فأرخوا به «١» .\rوكان بين موته والفيل، فيما ذكروا، خمسمائة سنة وعشرون سنة. وكان يوم الجمعة يسمى العروبة، فسماه كعب الجمعة لاجتماع قومه فيه يخطبهم ويذكرهم.","footnotes":"(١) انظر: السيرة (١/ ١٠٢) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083462,"book_id":3509,"shamela_page_id":25,"part":"1","page_num":22,"sequence_num":25,"body":"فيقول فيما يقول: أيها الناس، اسمعوا وعوا، وافهموا وتعلموا، ليل ساج ونهار ضاح، والسماء بناء، والأرض مهاد، والنجوم أعلام، لم تخلق عبثا فتضربوا عن أمرها صفحا، الآخرون كالأولين، والدار أمامكم، واليقين غير ظنكم، صلوا أرحامكم، واحفظوا أصهاركم، وأوفوا بعهدكم، وثمروا أموالكم، فإنها قوام مروآتكم، ولا تصونوها عما يجب عليكم، وعظموا هذا الحرم وتمسكوا به فسيكون له نبأ عظيم، وسيخرج به نبى كريم. ثم ينشد أبياتا منها:\rصروف وأنباء تقلب أهلها ... لها عقدة ما يستحيل مريرها\rعلى غفلة يأتى النبى محمد ... فيخبر أخبارا صدوقا خبيرها\rثم يقول:\rيا ليتنى شاهد فحواء دعوته ... حين العشيرة تبغى الحق خذلانا\rأما والله لو كنت ذا سمع وبصر ويد ورجل لتنصبت فيها تنصب الفحل، ولأرقلت فيها إرقال الجمل، فرحا بدعوته جذلا بصرخته.\rفولد كعب بن لؤى بن مرة، وهصيصا، وعديا «١» .\rوأمهم وحشية بنت شيبان بن محارب بن فهر بن مالك.\rوقيل: إن أم عدى وحده امرأة من فهر، وهى حبيبة بنت بجالة بن سعد بن فهم بن عمرو بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار.\rفولد مرة بن كعب كلابا، وتيما، ويقظة «٢» .\rفولد كلاب رجلين: قصيا وزهرة. وأمهما فاطمة بنت سعد بن سيل، أحد الجدرة من خثعمة الأسد من اليمن، حلفاء فى بنى الديل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، ويقال خثعمة الأسد «٣» .\rواسم سيل: خير، وإنما سمى سيلا لطوله. وسيل اسم جبل، وهو خير بن حمالة بن عوف بن غنم بن عامر الجادر، بن عمرو بن خثعمة بن يشكر بن مبشر بن صعب بن دهمان بن نصر بن الأزد.","footnotes":"(١) انظر: السيرة (١/ ١٠٢) .\r(٢) انظر: السيرة (١/ ١٠٢) .\r(٣) انظر: السيرة (١/ ١٠٣) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083463,"book_id":3509,"shamela_page_id":26,"part":"1","page_num":23,"sequence_num":26,"body":"وسمى عامر الجادر لأنه بنى جدارا للكعبة، كان وهى من سيل أتى أيام ولاية جرهم البيت.\rوكان عامر تزوج منهم بنت الحارث بن مضاض، وقيل لولده الجدرة لذلك.\rوذكر الشرفى بن القطامى، أن الحاج كانوا يتمسحون بالكعبة ويأخذون من طينها وحجارتها تبركا بذلك، وأن عامرا هذا كان موكلا بإصلاح ما شعث من جدرها، فسمى الجادر. والله أعلم.\rوسعد بن سيل جد قصى بن كلاب، وهو أول من حلى السيوف بالفضة والذهب، وأهدى إلى كلاب بن مرة مع ابنته فاطمة سيفين محليين، فجعلا فى خزانة الكعبة.\rوقصى هو الذى جمع الله به قريشا، وكان اسمه زيدا، فسمى مجمعا لما جمع من أمرها. وسمى قصيا لتقصيه عن بلاد قومه مع أمه فاطمة بعد وفاة أبيه كلاب بن مرة.\rوحديثه فى ذلك طويل، وسنذكره إن شاء الله عند ذكر ولايته البيت، وهناك نذكر مآثره وعظيم غنائه فى إقامة أمر قومه، إن شاء الله، فإن القصد هنا الإيجاز ما أمكن فى إيراد هذا النسب المبارك، لتحصل لسامعه الفائدة بانتظامه واتصاله، ولا يضل ذلك عليه بما تخلل أثناءه من القواطع التى تباعد بين أطرافه.\rفولد قصى بن كلاب أربعة نفر وامرأتين «١» :\rعبد مناف، وعبد الدار، وعبد العزى، وعبدا، وتخمر، وبرة.\rوأمهم جميعا حبى بنت حليل بن حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو الخزاعى.\rوساد عبد مناف فى حياة أبيه، وكان مطاعا فى قريش، وهو الذى يدعى القمر لجماله، واسمه المغيرة.\rذكر الزبير عن موسى بن عقبة، أنه وجد كتابا فى حجر، فيه: أنا المغيرة بن قصى، آمر بتقوى الله وصلة الرحم.\rوإياه عنى القائل بقوله:\rكانت قريش بيضة فتفلقت ... فالمح خالصه لعبد مناف\rفولد عبد مناف أربعة نفر: هاشما، وعبد شمس، والمطلب، ونوفلا «٢» .","footnotes":"(١) انظر: السيرة (١/ ١٠٣- ١٠٤) .\r(٢) انظر: السيرة (١/ ١٠٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083464,"book_id":3509,"shamela_page_id":27,"part":"1","page_num":24,"sequence_num":27,"body":"وكلهم لعاتكة بنت مرة بن هلال بن فالج بن ذكوان بن ثعلبة بن بهثة بن سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر.\rإلا نوفلا فليس منهم، فإنه لوافدة بنت عمرو المازنية. مازن بن منصور بن عكرمة.\rفولد هاشم بن عبد مناف أربعة نفر وخمس نسوة «١» .\rعبد المطلب، وأسدا، وأبا صيفى، ونضلة، والشفاء، وخالدة، وضعيفة، ورقية، وحية، وأم عبد المطلب أمهم سلمى بنت عمرو بن زيد بن لبيد بن خداش بن عامر بن غنم بن عدى بن النجار.\rفولد عبد المطلب عشرة نفر وست نسوة «٢» .\rالعباس، وحمزة، وعبد الله، وأبا طالب، واسمه عبد مناف، والزبير، والحارث، وهو أكبرهم، والحجل، والمقوم، وضرارا، وعبد العزى أبا لهب، وصفية، وأم حكيم البيضاء، وعاتكة، وأميمة، وأروى، وبرة.\rفأم عبد الله وأبى طالب وجميع النساء غير صفية، فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤى.\rفولد عبد الله بن عبد المطلب، محمدا رسول الله ﷺ خاتم النبيين وسيد الأولين والآخرين، ونخبة الخلق أجمعين، فنسبه ﷺ أشرف الأنساب، وسببه إلى الله سبحانه باصطفائه إياه واختياره له أفضل الأسباب، وبيته فى قريش أوسط بيوتها الحرمية، وأعرق معادنها الكرمية، لم تخل قط مكة من سيد منهم أو سادات، يكونون خير جيلهم ورؤساء قبيلهم، حتى إذا درجوا سما قسماؤهم فى المجد الصميم، وشركاؤهم فى النسب الكريم إلى ذلك المقام، فعرجوا فصحبوا على ذلك الزمان.\rلواؤهم على من ناوأهم منصور، وسؤدد البطحاء عليهم مقصور، والعيون إليهم أية سلكوا صور.\rثم أتى الوادى فطم على القرى، وشد الله أركان مجدهم العريق العتيق بهذا النبى الأمى، فاحتازوا المجد عن آخره. وفازوا من شرف الدين والدنيا بما تعجز ألسنة البلغاء عن أدنى مفاخره.","footnotes":"(١) انظر: السيرة (١/ ١٠٤) .\r(٢) انظر: السيرة (١/ ١٠٥) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083465,"book_id":3509,"shamela_page_id":28,"part":"1","page_num":25,"sequence_num":28,"body":"وأمه ﷺ هى آمنة بنت وهب، بن عبد مناف، بن زهرة، بن كلاب «١» ، قسمية أبيه من هذا الأب، وكريمة قومها أولى المكان النبيه والحسب.\rوحسبها من الشرف المتين والكرم المبين والفخر الممكن غاية التمكين، أن كانت أما لخاتم النبيين، ﷺ وعلى آله أجمعين.\rفكيف ولها من نصاعة الحسب المحسب، وعتاقة المنسب والمنصب، ما يقف عند البطاح، وتعترف له قريش البطاح.\rفرسول الله صلوات الله وبركاته عليه، خيرة الخير من كلا طرفيه، وقد اعتنى الناس بنسبه الكريم نثرا ونظما، ونقبوا عن آبائه الأمجاد، وأمهاته الطاهرات الميلاد أبا فأبا وأما فأما.\rفرادوا من ذلك الفخار حدائق غلبا، وسادوا من شرف تلك الآثار مراقى شمّا.\rوقد تقدمت من ذلك نبذ منثورة أثناء الكلام، وستأتى إن شاء الله منظومة مع أشكالها، تفوق العقد فى النظام، فى قصيدة فريدة مفيدة، لأبى عبد الله بن أبى الخصال، خاتمة رؤساء الآداب، والعلماء المبرزين فى هذا الباب، سماها «معراج المناقب، ومنهاج الحسب الثاقب، فى ذكر نسب رسول الله ﷺ ومعجزاته ومناقب أصحابه» ، قرأتها على شيخنا الخطيب أبى القاسم بن حبيش، عنه فقد رأيت أن أورد منها هنا ما يختص بهذا النسب الكريم على اختصار، يفى إن شاء الله بالغرض المروم، إذ الكلام المنظوم أعذب جريا على الألسان وأهذب رأيا فى الإفادة بالمستحسن.\rوأولها:\rإليك فهمى والفؤاد بيثرب ... وإن عاقنى عن مطلع الوحى مغربى\rأعلل بالآمال نفسا أغرها ... بتقديم غاياتى وتأخير مذهبى\rودينى على الأيام زورة أحمد ... فهل ينقضى دينى ويقرب مطلبى\rوهل أردن فضل الرسول بطيبة ... فيا برد أحشائى ويا طيب مشربى\rوهل فضلت من مركب العمر فضلة ... تبلغنى أم لا بلاغ لمركب\rألا ليت زادى شربة من مياهها ... وهل مثلها ريا لغلة مذنب","footnotes":"(١) انظر نسبها فى: السيرة (١/ ١٠٥) ، وذكرها هناك من جهة الأب، ومن جهة الأم وقال بعد نسبها من جهة الأب: وأمها برة بنت عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصى بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083466,"book_id":3509,"shamela_page_id":29,"part":"1","page_num":26,"sequence_num":29,"body":"ويا ليتنى فيها إلى الله صائر ... وقلبى عن الإيمان غير مقلب\rوإن امرؤ وارى البقيع عظامه ... لفى زمرة تلقى بسهل ومرحب\rوفى ذمة من خير من وطئ الثرى ... ومن يعتلقه حبله لا يعذب\rوما لى لا أشرى الجنان بعزمة ... يهون عليها كل طام ويسبسب\rوماذا الذى يثنى عنانى وإننى ... لجواب آفاق كثير التقلب\rأفقر ففى كفى لله نعمة ... وبين فقد فارقت قبل بنى أبى\rوقد مرنت نفسى على البعد وانطوت ... على مثل حد السمهرى المدرب\rوكم غربة فى غير حق قطعتها ... فهلا لذات الله كان تغربى\rوكم فاز دونى بالذى رمت فائز ... وأخطأنى ما ناله من تغرب\rأراه وأهوى فعلة البر قاعدا ... فيا قعدى البر قم وتلبب\rأمانى قد أفنى الشباب انتظارها ... وكيف بما أعيى الشباب لأشيب\rوقد كانت أسرى فى الظلام بأدهم ... فهأنا أغدو فى الصباح بأشهب\rفمن لى وأنى لى بريح تحطنى ... إلى ذروة البيت الرفيع المطنب\rإلى الهاشمى الأبطحى محمد ... إلى خاتم الرسل المكين المقرب\rإلى صفوة الله الأمين لوحيه ... أبى القاسم الهادى إلى خير مشعب\rإلى ابن الذبيحين الذى صيغ مجده ... ولما تصغ شمس ولا بدر غيهب\rإلى المنتقى من عهد آدم فى الذرى ... يردد فى سر الصريح المهذب\rإلى من تولى الله تطهير بيته ... وعصمته من كل عيص مؤشب\rفجاء برىء العرض من كل وصمة ... فما شئت من أم حصان ومن أب\rكروض الربا كالشمس فى رونق الضحى ... كناشئ ماء المزن قبل التصوب\rعليه من الرحمن عين كلاءة ... تجنبه إلمام كل مجنب\rإذا أعرضت أعراقه عن قبيلة ... فما أعرضت إلا لأمر مغيب\rوما عبرت إلا على مسلك الهدى ... ولا عثرت إلا على كل طيب\rفمن مثل عبد الله خير لداته ... وآمنة فى خير ضنء ومنصب\rإذا اتصلت جاءتك أفلاذ زهرة ... كأسد الشرى من كل أشوس أغلب\rولا خال إلا دون سعد بن مالك ... ولو كان فى عليا معد ويعرب\rومن ذا له جد كشيبة ذى الندى ... وساقى الحجيج بين شرق ومغرب\rله سؤدد البطحاء غير مدافع ... وحومة ما بين الصفا والمحصب\rأبو الحارث السامى إلى كل ذروة ... يقصر عن إدراكها كل كوكب","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083467,"book_id":3509,"shamela_page_id":30,"part":"1","page_num":27,"sequence_num":30,"body":"به وبما فى برده من أمانة ... حمى الله ذاك البيت من كل مرهب\rوأهلك بالطير الأبابيل جمعهم ... فيا لهم من عارض غير خلب\rوفيما رآه شيبة الحمد آية ... تلوح لعين الناظر المتعجب\rوفى ضربه عنه القداح مروعا ... ومن يرم بين العين والأنف يرهب\rوما زال يرمى والسهام تصيبه ... إلى أن وقبه الكوم من نسل أرحب\rوكانوا أناسا كلما أمهم أذى ... تكشف عن صنع من الله معجب\rوعاش بنو الحاجات فيهم وأخصبوا ... وإن أصبحوا فى منزل غير مخصب\rوعمرو المعالى هاشم وثريده ... بمكة يدعو كل أغبر مجدب\rبمثنى جفان كالجواب منيخة ... ملئن عبيطات السنام المرعب\rهو السيد المتبوع والقمر الذى ... على صفحته فى الرضا ماء مذهب\rبنى الله للإسلام عزا بصهره ... إلى منتهى الأحياء من آل يثرب\rوعبد مناف دوحة الشرف الذى ... تفرع منها كل أروع محرب\rمطاع قريش والكفيل بعزها ... ومانعها من كل ضيم ومنهب\rوزيد ومن زيد قصى مجمع ... سمعت وبلغنا وحسبك فاذهب\rبه اجتمعت أحياء فهر وأحرزت ... تراث أبيها دون كل مذبذب\rوأصبح حكم الله فى آل بيته ... فهم حوله من سادنين وحجب\rوما أسلمته عن تراخ خزاعة ... ولكن كما عض الهناء بأجرب\rولاذت قريش من كلاب بن مرة ... بجذل حكاك أو بعذق مرحب\rومرة ذو نفس لدى الحرب مرة ... وفى السلم نفس الصرخدى المذوب\rوكعب عقيد الجود والحكم والنهى ... وذو الحكم الغر المبشر بالنبى\rخطيب لؤى واللواء بكفه ... لخطبة ناد أو لخطة مقنب\rوأول من سمى العروبة جمعة ... وصدر أما بعد يلحى ويطبى\rوأرخ آل الله دهرا بموته ... سنين سدى يتعبن كف المحسب\rوأضحى لؤى غالبا كل ماجد ... ومن غالب يمينه للمجد يغلب\rوفهر أبو الأحياء جامع شملها ... وكاسبها من فخره خير مكسب\rتقرش فامتازت قريش بفضله ... وسد فسدوا خلة المتأوب\rوغادره اسما فى الكتاب منزلا ... يمر به فى آية كل معرب\rومالك المربى على كل مالك ... فتى النضر حابته السيادة بل حبى\rهو الليث فى الهيجاء والغيث فى الندى ... وبدر الدياجى حين يسرى ويحتبى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083468,"book_id":3509,"shamela_page_id":31,"part":"1","page_num":28,"sequence_num":31,"body":"تردى بفضفاض على المجد نسجه ... وليس عليه، فليجر ويسحب\rوللنضر يا للنضر من كل مشهد ... هو الشمس صعد فى سناها وصوب\rوأعرض بحر من كنانة زاخر ... يساق إلى أمواجه كل مذنب\rوخير حكما فى الصهيل أو الوغا فلم ... أو البيت أو عز على الدهر مصحب\rيقتصر واختار كلا فحازه ... إلى غاية العزم المديد المعقب\rله البيت محجوبا وعز مخلد ... وأجرد يعبوب إلى جانب أصهب\rوخزم آناف العتاة خزيمة ... فلاذوا بأخلاق الذلول المغرب\rعظيم لسلمى بنت سود بن أسلم ... لكل قضاعى كريم مصعب\rومدركة ذو اليمن والنجح عامر ... وخير مسمى فى العلا وملقب\rتراءى مطلا إذ تقمع صنوه ... ففاز بقدح ظافر لم يخيب\rلأم الجبل الشم والقطر والحصى ... لخندف إن تستركب الأرض تركب\rوإلياس مأوى الناس فى كل أزمة ... ومهربهم فى كل خوف ومرهب\rوزاجرهم إذ بدلوا الدين ضيلة ... وأضحوا بلا هاد ولا متحوب\rوجاءهم بالركن بعد هلاكه ... وقد كان فى صدع من الرض أنكب\rوما هو إلا معجز لنبوة ... وبشرى وعقبى للبشير المعقب\rوحج وأهدى البدن أول مشعر ... لها وفروض الحج لم تترتب\rوكم حكمة لم تسمع الأذن مثلها ... له إن تلح فى ناظر العين تكتب\rإلى قنص تنميه سوداء نبته ... كلا طرفيه من معد لمنسب\rوفى مضر تاه الكلام وأقبلت ... مآثر سدت كل وجه ومذهب\rوحينا وكاثرنا النجوم بجمعها ... بأكثر منها فى العديد وأثقب\rهنالك آتى الله من شاء فضله ... وقيل لهذا سر وللآخر اركب\rوكانا شقيقى نبعة فتفاوتا ... لعلم وحكم ماله من معقب\rوما منهما إلا حنيف ومسلم ... على نهج إسماعيل غير منكب\rوقد سلم الأفعى بنجران حكمه ... إليهم ولم ينظر إلى متعقب\rرأى فطنا أبدت له عن نجاره ... وكان لنبع فاستحال لأثأب\rوتلك علامات النبوة كلها ... تشير إلى منظورها المترقب\rوقال رسول الله مهما اختلفتم ... ولم تعرفوا قصد السبيل الملحب\rففى مضر جرثومة الحق فاعمدوا ... إلى مضر تلفوه لم يتنقب\rوما سيد إلا نزار يفوته ... ومن فاته بدر الدجى لم يؤنب","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083469,"book_id":3509,"shamela_page_id":32,"part":"1","page_num":29,"sequence_num":32,"body":"قريع معد والذى سد نفده ... متى يأتهم شعب من الدهر يرأب\rأبو أبحر الدنيا وأطوادها التى ... بها ثبتت طرّا فلم تنقلب\rولم يكفه حتى أعانت معانة ... بكل عتيق جرهمى مهذب\rوجاء والسماء شموسها ... وأقمارها فى ذيله المتسحب\rوبين يديه الأنجم الزهر بثها ... على الأرض حتى لا مساغ لأجنبى\rوقدما تحفى الله من يختنصر ... به والورى من هالك ومعذب\rوجنبه أرض البوار وحازه ... إلى معقل من حرزه متأشب\rوحل بأرمينية تحت حفظه ... لدى ملك عن جانبيه مذبب\rفلما تجلى الروع أسرى بعبده ... إلى حرم أمن لأبنائه اجتبى\rوقد كان رد الله عنهم كليمه ... ليالى يدعو دعوة المتغضب\rوجاء بنو يعقوب يشكون منهم ... ينادونه هذا قتيل وذا سبى\rفقال له لا تدع موسى عليهم ... فمنهم نبى أصطفيه وأجتبى\rأحبهم فيه رضا وأحبه ... كذلك من أحببه يكرم ويحبب\rوأغفر إن يستغفرونى ذنوبهم ... ومهما دعا داع أجبهخ وأقرب\rفقال إذن فاجعلهم رب أمتى ... فمن ترضاه يا رب يرض ويرغب\rفقال هم فى آخر الدهر صفوتى ... يقضون أعدائى ويستنصرون بى\rدعائم إيمان وأركان سؤدد ... مضت بعلاها مهدد بنت جلحب\rومصعد عدنان إلى جذم آدم ... بأبين من قصد الصباح وألحب\rونهى رسول الله صد وجوهها ... وكان لنا فى نظمها شد ملهب\rوإلا فأد بن الهميسع ماثل ... ونبت بن قيدار سلالة أشجب\rوواجه أعراق الثرى كل من ترى ... وأسمع إسماعيل دعوة مكثب\rوقام خليل الله يتلوه آزر ... أغر صباحى لأدهم غيهب\rإلى الناحر ابن الشارع الغمر يرتقى ... وللداع ثم القاسم الشامخ الأب\rويعبر ينميه إلى المجد شالخ ... إلى الرافد الوهاب برك وطيب\rلسام أبى السامين طرا سما بهم ... لنوح للمكان العلى لمثوب\rلإدريس ثم الرائد بن مهلهل ... لقينن ثم الطاهر المتطيب\rإلى هبة الرحمن شيث بن آدم ... أبى البشر الأعلى لطين لأثلب\rفمنه خلقنا ثم فيه معادنا ... ومنه إلى عدن فسدد وقارب\rوهنا انتهى ما يخص المنتمى العلى من هذه الكلمة، التى فرى ناظمها فى الإحسان","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083470,"book_id":3509,"shamela_page_id":33,"part":"1","page_num":30,"sequence_num":33,"body":"الفرى المحمود، فاقتصرت منها على ما وفى بالغرض المقصود، واستوفى رجال النسب المجيد والحسب التليد، تعجيلا لقرى المستفيد، واكتفاء من القلادة بالقدر المحيط بالجيد، وإنها إن شاء الله لكافية فى الباب، ومقدمة فى الكلام اللباب، وتحفة إنما يعرف قدرها أولو الألباب.\rوالله يجزى قائلها الحسنى، وينفعه بمقصده الأسنى.\rوإذ قد انتهينا إلى ما حسن لدينا إيراده فى هذا المعنى وصفا وذكرا، وخدمنا النسب الأشرف نظما ونثرا، فلنعرج على ذكر البقعة التى اختارها الله لرسوله الكريم منشأ، وجعلها لقومه قرارا ومتبوأ، وأولية البيت العتيق الذى جعله الله مثابة وأمنا للناس، ورفعه على أفضل القواعد وأكرم الأساس، ثم دحا الأرض من تحته رفعا للشبهة فى شرفه والالتباس.\rثم نذكر من وليه من آبائه الكرام، إذا هم أهله الأعلون وأولياؤه الأحقاء به الأولون، وهو مأثرتهم التى لم يزالوا إياها يرعون، ومن جرائها يراعون، وتراث المجد الذى إليهم يعزى وإليه يعزون، وبسيما شرفه يعرفون وباسمه يدعون.\rونشير إلى حرمته العظيمة فى الحرمات، وما أنزل الله تعالى بمن بغاه بسوء أو أتى فيه بأمر مذموم مشنوء من أليم العقوبات وعظيم النقمات.\rلنخدم البلد كما خدمنا المحتد، ونقضى حق المكان الشريف كما قضينا حق الحسب التليد والطريف.\rحق نخلص إلى ذكر المولد المبارك الذى منه نتدرج إلى المقصود، الذى نحن عليه عاملون، ولتمامه آملون، رجاء أن نجد ذلك مذخورا عند المولى الذى يضاعف لعبيده الحسنات ويعفو عن السيئات ويعلم ما يفعلون.\r\rذكر أولية بيت الله المحرم وركنه المستلم ومن تولى بناءه من ملائكته وأنبيائه صلى الله على جميعهم وسلم\rقال الله العظيم: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ [آل عمران: ٩٦] .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083471,"book_id":3509,"shamela_page_id":34,"part":"1","page_num":31,"sequence_num":34,"body":"وفى الصحيح من حديث أبى ذر الغفارى، أنه سأل رسول الله ﷺ: أى مسجد وضع فى الأرض أول؟ فقال له: «المسجد الحرام» قال: قلت: ثم أى؟ قال: «ثم المسجد الأقصى» قلت: كم بينهما؟ قال: «أربعون عاما» «١» .\rوذكر الزبير بن أبى بكر بإسناده إلى جعفر بن محمد الصادق رضى الله عنه، قال:\rكنت مع أبى محمد بن على بمكة فى ليالى العشر قبل التروية بيوم أو يومين، وأبى قائم يصلى فى الحجر، وأنا جالس وراءه، فجاء رجل أبيض الرأس واللحية، جليل العظام بعيد ما بين المنكبين عريض الصدر، عليه ثوبان غليظان فى هيئة محرم، فجلس إلى جنبه، فخفف أبى الصلاة، فسلم ثم أقبل عليه، فقال له الرجل: يا أبا جعفر، أخبرنى عن بدء خلق هذا البيت كيف كان؟.\rفقال له أبو جعفر محمد بن على: ممن أنت يرحمك الله؟ قال: رجل من أهل الشام.\rفقال له محمد بن على: إن أحاديثنا إذا سقطت إلى الشام جاءتنا صحاحا، وإذا سقطت إلى العراق حجاءتنا وقد زيد فيها ونقص.\rثم قال: بدء خلق هذا البيت أن الله ﵎، قال للملائكة: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، فردوا عليه: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها الآية.\rوغضب عليهم، فعاذوا بالعرش، وطافوا حوله سبعة أطواف يسترضون ربهم، فرضى عنهم وقال لهم: ابنوا لى فى الأرض بيتا فيعوذ به من سخطت عليه من بنى آدم ويطوفون حوله، كما فعلتم بعرشى، فأرضى عنهم.\rفبنوا له هذا البيت. فهذا يا عبد الله بدء خلق هذا البيت.\rفقال الرجل: يا أبا جعفر، فما بدء خلق هذا الركن؟.\rفقال: إن الله ﵎ لما خلق الخلق، قال لبنى آدم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى.\rوأقروا. وأجرى نهرا أحلى من العسل وألذ من الزبد، ثم أمر القلم فاستمد من ذلك النهر فكتب إقرارهم وما هو كائن إلى يوم القيامة، ثم ألقم ذلك الكتاب هذا الحجر، فهذا الاستلام الذى ترى إنما هو بيعة على إقرارهم بالذى كانوا أقروا به.","footnotes":"(١) أخرجه البخارى (٤/ ١٧٧، ١٩٧) ، مسلم فى صحيحه كتاب المساجد (١، ٢) ، البيهقى فى السنن الكبرى (٢/ ٤٣٣) ، السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٥٢) ، ابن كثير فى التفسير (٢/ ٦٣، ٥/ ٤٠٩) ، القرطبى فى التفسير (٤/ ١٣٧) ، أبو نعيم فى الحلية (٤/ ٢١٦) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083472,"book_id":3509,"shamela_page_id":35,"part":"1","page_num":32,"sequence_num":35,"body":"وقال جعفر بن محمد: كان أبى إذا استلم الركن قال: اللهم أمانتى أديتها، وميثاقى وفيت به، ليشهد لى عندك بالوفاء. قال: وقام الرجل فذهب.\rقال جعفر بن محمد: فأمرنى أبى أن أرده عليه، فخرجت فى أثره وأنا أراه، يحول بينى وبينه الزحام، حتى دخل نحو الصفا، فتبصرته على الصفا فلم أره، ثم ذهبت إلى المروة فلم أره عليها، فجئت إلى أبى فأخبرته فقال لى أبى: لم تكن لتجده، وذلك الخضر ﵇؟!!\rوخرج الترمذى من حديث عبد الله بن عباس وصححه، قال: قال رسول الله ﷺ:\r«نزل الحجر الأسود من الجنة وهو أشد بياضا من اللبن فسودته خطايا بنى آدم» «١» .\rومن حديث عبد الله بن عمرو، مرفوعا وموقوفا، قال: «إن الركن والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة، طمس الله نورهما، ولو لم يطمس نورهما لأضاآ ما بين المشرق والمغرب» «٢» .\rومن حديث ابن عباس أيضا قال: قال رسول الله ﷺ فى الحجر: «والله ليبعثه الله يوم القيامة، له عينان يبصر بهما ولسان ينطق، يشهد على من استلمه بحق» «٣» .\rوذكر أبو جعفر محمد بن جرير الطبرى من حديث عبد الصمد بن معقل، أنه سمع وهب بن منبه يقول: إن آدم ﵇ لما هبط إلى الأرض فرأى سعتها ولم ير فيها أحدا غيره، قال: يا رب أما لأرضك هذه عامر يسبح بحمدك ويقدسك غيرى؟\rقال الله تعالى: إنى سأجعل فيها من ولدك من يسبح بحمدى ويقدسنى، وسأجعل فيها بيوتا ترفع لذكرى ويسبح فيها خلقى ويذكر فيها اسمى، وسأجعل من تلك البيوت بيتا أخصه بكرامتى وأوثره باسمى، فأسميه بيتى، وعليه وضعت جلالى، ثم أنا","footnotes":"(١) أخرجه الترمذى حديث رقم (٨٧٧) ، ابن خزيمة فى صحيحه (٢٧٣٣) ، المتقى الهندى فى الكنز (٣٤٧٣٧) ، الزبيدى فى إتحاف السادة المتقين (٤/ ٣٤٤) ، التبريزى فى مشكاة المصابيح (٢٥٧٧) .\r(٢) أخرجه الإمام أحمد فى المسند (٢/ ٢١٣) ، الحاكم فى المستدرك (١/ ٤٥٦) ، المتقى الهندى فى كنز العمال (٣٤٧٤١) ، التبريزى فى مشكاة المصابيح (٢٥٧٩) ، السيوطى فى جمع الجوامع (٥٥٧٠) .\r(٣) أخرجه الترمذى فى سننه حديث (٩٦١) ، الزبيدى فى إتحاف السادة المتقين (٤/ ٢٧٦) ، المتقى الهندى فى الكنز (٣٤٧٢٣) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083473,"book_id":3509,"shamela_page_id":36,"part":"1","page_num":33,"sequence_num":36,"body":"مع ذلك فى كل شىء ومع كل شىء، أجعل ذلك البيت حرما آمنا، يتحرم بحرمته من حوله ومن تحته ومن فوقه، فمن حرمه بحرمتى استوجب بذلك كرامتى ومن أخاف أهله فقد أخفر ذمتى وأباح حرمتى، أجعله أول بيت وضع للناس ببطن مكة مباركا، يأتونه شعثا غبرا على كل ضامر يأتين من كل فج عميق، يزجون بالتلبية زجيجا ويثجون بالبكاء ثجيجا، ويعجون بالتكبير عجيجا.\rفمن اعتمده لا يريد غيره فقد وفد إلى وزارنى وضافنى، وحق على الكريم أن يكرم وفده وأضيافه، وأن يسعف كلا بحاجته.\rتعمره يا آدم ما كنت حى، ثم تعمره الأمم والقرون والأنبياء من ولدك، أمة بعد أمة وقرنا بعد قرن «١» .\rوفى حديث غير هذا عن عطاء وقتادة، أن آدم ﵇، لما أهبطه الله من الجنة وفقد ما كان يسمعه ويأنس إليه من أصوات الملائكة وتسبيحهم، استوحش حتى شكا ذلك إلى الله تعالى فى دعائه وصلاته، فوجهه إلى مكة، وأنزل الله تعالى ياقوتة من ياقوت الجنة فكانت على موضع البيت الآن.\rوقال الله: يا آدم، إنى قد أهبطت لك بيتا تطوف به، كما يطاف حول عرشى وتصلى عنده كما يصلى عند عرشى.\rفانطلق إليه آدم، فطاف به هو ومن بعده من الأنبياء، إلى أن كان الطوفان، فرفعت تلك الياقوتة، حتى أمر الله إبراهيم ﵇ ببناء البيت، فبناه، فذلك قوله تعالى:\rوَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ الآية.\rوعن ابن عباس، أن الله أوحى إلى آدم: أن لى حرما بحيال عرشى، فانطلق فابن لى بيتا فيه، ثم حف به كما رأيت ملائكتى يحفون بعرشى، فهنالك أستجيب لك ولولدك، من كان منهم فى طاعتى.\rفقال آدم: أى رب، وكيف لى بذلك؟ لست أقوى عليه ولا أهتدى لمكانه.\rفقيض الله له ملكا فانطلق به نحو مكة، فكان آدم ﵇ إذا مر بروضة ومكان يعجبه قال للملك: انزل بنا هاهنا. فيقول له الملك: أمامك.\rحتى قدم مكة، فبنى البيت من خمسة أجبل، من طور سيناء، وطور زيتا، ومن لبنان، والجودى، وبنى قواعده من حراء.","footnotes":"(١) أخرجه الطبرى فى التاريخ (١/ ١٣١) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083474,"book_id":3509,"shamela_page_id":37,"part":"1","page_num":34,"sequence_num":37,"body":"فلما فرغ من بنائه خرج به الملك إلى عرفات، فأراه المناسك كلها، التى يفعلها الناس اليوم، ثم قدم به مكة، فطاف بالبيت أسبوعا ثم رجع إلى أرض الهند فمات بها.\rوفى رواية أنه حج من الهند أربعين حجة على رجليه.\rوذكر الواقدى عن أبى بكر بن سليمان بن أبى خيثمة العدوى قال: قلت لأبى جهم ابن حذيفة: يا عم، حدثنى عن بناء البيت ونزول إسماعيل ﵇ الحرم.\rقال: يا ابن أخى سلنى عنه على نشاط منى فإنى أعلم من ذلك ما لا يعلمه غيرى.\rقال: فمكثت شهرا أذكره المرة بعد المرة، فيقول مثل قوله الأول، وكان قد كبر ورق وضعف، فدخلت عليه يوما وهو مسرور، فقال لى: اسمع حديثك الذى سألتنى عنه.\rإن البيت بناؤه حرم فى السماء السابعة وفى الأرض السابعة. يعنى أن ما يقابله حرم.\rوإن آدم ﵇، أمر بأساسه فبناه هو وحواء، أسساه بصخر أمثال الخلفات، يعنى النوق التى فى بطونها أجنة، واحدتها خلفة. أذن الله ﷿ للصخر أن يطيعهما.\rثم نزل البيت من السماء من ذهب أحمر، وكل به من الملائكة سبعون ألف ملك، فوضعوه على رأس آدم ﵇، ونزل الركن، وهو يومئذ درة بيضاء، فوضع موضعه اليوم من البيت، وطاف به آدم وصلى فيه. فلما مات آدم ﵇ وليه بعده ابنه شيث، فكان كذلك حتى حجه نوح ﵇. فلما كان الغرق يعنى الطوفان، بعث الله جل ثناؤه سبعين ألف ملك فرفعوه إلى السماء، كى لا يصيبه الماء النجس، وبقيت قواعده، وجاءت السفينة فدارت به سبعا ثم دثر البيت، فلم يحجه من بين نوح وبين إبراهيم أحد من الأنبياء على جميعهم السلام «١» .\rوعن غير الواقدى فى غير حديث أبى الجهم، أن شيث بن آدم ﵉، هو أول من بنى الكعبة، وأنها كانت قبل أن يبنيها خيمة من ياقوتة حمراء يطوف بها آدم ويأنس بها لأنها أنزلت إليه من الجنة، وكان قد حج إلى موضعها من الهند.\rوفى الخبر أن موضعها كان غثاء على الماء قبل أن يخلق الله السموات والأرض، فلما","footnotes":"(١) قد أورد الحافظ ابن كثير فى البداية والنهاية الكثير من الأخبار عن بناء البيت. انظرها فى البداية والنهاية (١/ ١٦٧- ١٧٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083475,"book_id":3509,"shamela_page_id":38,"part":"1","page_num":35,"sequence_num":38,"body":"بدأ الله خلق الأشياء، خلق التربة قبل السماء، فلما خلق السماء وقضاهن سبع سماوات، دحا الأرض، أى بسطها، وإنما دحاها من تحت الكعبة، فلذلك سميت مكة أم القرى.\rوذكر ابن هشام أن الماء لم يصل الكعبة حين الطوفان، ولكنه قام حولها، وبقيت هى فى هواء إلى السماء، وأن نوحا قال لأهل السفينة، وهى تطوف بالبيت: إنكم فى حرم الله ﷿ وحول بيته، فأحرموا لله ولا يمس أحد امرأة. وجعل بينهم وبين النساء حاجزا، فتعدى حام، فدعا عليه نوح بأن يسود الله لون بنيه، فأجابه الله على وفق ما دعاه، واسود كوش بن حام وولده إلى يوم القيامة.\rوقد قيل فى سبب دعوته غير هذا، فالله أعلم.\rويروى أنه لما نضب ماء الطوفان، بقى مكان البيت ربوة من مدرة، فحج إليه بعد ذلك هود وصالح ومن آمن معهما، وأن يعرب قال لهود ﵇: ألا تبنيه؟ قال: إنما يبنيه نبى كريم يأتى من بعدى، يتخذه الرحمن خليلا.\rقال أبو الجهم، من حديث الواقدى «١» : حتى أراد الله بإبراهيم ما أراد، فولد له إسماعيل وهو ابن تسعين سنة، فكان بكر أبيه، فلما أراد الله ﷿، أن يبوئ لإبراهيم مكان البيت وأعلامه، أوحى الله إليه يأمره بالمسير إلى بلده الحرام، فركب إبراهيم البراق، وحمل إسماعيل أمامه وهو ابن سنتين، وهاجر خلفه، ومعه جبريل يدله على موضع البيت ومعالم الحرم، فكان لا يمر بقرية إلا قال له إبراهيم: بهذه أمرت يا جبريل؟ فيقول جبريل: لا. حتى قدم به مكة، وهى إذ ذاك عضاة وسلم وسمر، والعماليق يومئذ حول الحرم، وهم أول من نزل مكة ويكونون بعرفة، وكانت المياه يومئذ قليلة، وكان موضع البيت قد دثر وهو ربوة حمراء مدرة، وهو يشرف على ما حوله، فقال جبريل حين دخل من كداء «٢» ، وهو الجبل الذى يطلعك على الحجون «٣» والمقبرة: بهذا أمرت. قال إبراهيم: بهذا أمرت؟ قال: نعم.","footnotes":"(١) انظر ما ذكره ابن كثير فى البداية (١/ ١٥٩) .\r(٢) كداء: بفتح أوله ممدود لا يصرف لأنه مؤنث، جبل بمكة، وهو عرفة وهى كلها موقف إلا عرنة فليست فى الحرم بينها وبين الحرم رمية حجر. انظر: الروض المعطار (٤٩٠) ، معجم ما استعجم (٤/ ١١١٧، ١١١٨) .\r(٣) الحجون: بفتح الحاء، موضع بمكة عند المحصب، وهو الجبل المشرف بحذاء المسجد الذى يلى شعب الجزارين إلى ما بين الحوضين اللذين فى حائط عوف، وقيل: الحجون مقبرة أهل مكة تجاه دار أبى موسى الأشعرى رضى الله عنه. انظر: الروض المعطار (١٨٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083476,"book_id":3509,"shamela_page_id":39,"part":"1","page_num":36,"sequence_num":39,"body":"فانتهى إلى موضع البيت، فعمد إبراهيم إلى موضع الحجر فآوى فيه هاجر وإسماعيل، وأمر هاجر أن تتخذ فيه عريشا، فلما أراد إبراهيم أن يخرج، ورأت أم إسماعيل أنه ليس بحضرتها أحد من الناس ولا ماء ظاهر، تركت ابنها فى مكانه وتبعت إبراهيم، فقالت: يا إبراهيم إلى من تدعنا؟ فسكت عنها، حتى إذا دنا من كداء قال: إلى الله ﷿ أدعكم. فقالت: فالله ﷿ أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: فحسبى تركتنا إلى كاف.\rوانصرفت هاجر إلى ابنها، وخرج إبراهيم حتى وقف على كداء، ولا بناء ولا ظل ولا شىء يحول دون ابنه، فنظر إليه، فأدركه ما يدرك الوالد من الرحمة لولده، فقال:\rرَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ وَما يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ.\rثم انصرف إبراهيم راجعا إلى الشام، وعمدت هاجر فجعلت عريشا فى موضع الحجر من سمر وثمام ألقته عليه ومعها شن فيه شىء من ماء، فلما نفد الماء عطش إسماعيل وعطشت أمه، فانقطع لبنها، فأخذ إسماعيل كهيئة الموت، فظنت أنه ميت، فجزعت وخرجت جزعا أن تراه على تلك الحال، وقالت: يموت وأنا غائبة عنه أهون على، وعسى الله أن يجعل لى فى ممشاى خيرا.\rفانطلقت فنظرت إلى جبل الصفا، فأشرفت عليه تستغيث ربها ﷿ وتدعوه، ثم انحدرت إلى المروة، فلما كانت فى الوادى خبت حتى انتهت إلى المروة، فعلت ذلك سبع مرار، كلما أشرفت على الصفا نظرت إلى ابنها، فتراه على حاله، وإذا أشرفت على المروة فمثل ذلك.\rفكان ذلك أول ما سعى بين الصفا والمروة. وكان من قبلها يطوفون بالبيت ولا يسعون بين الصفا والمروة، ولا يقفون المواقف، حتى كان إبراهيم.\rفلما كان الشوط السابع ويئست سمعت صوتا، فاستمعت فلم تسمع إلا الأول، فظنت أنه شىء عرض لسمعها من الظمأ والجهد.\rفنظرت إلى ابنها فإذا هو يتحرك، فأقامت على المروة مليا، ثم سمعت الصوت الأول، فقالت: إنى سمعت صوتك فأعجبنى، فإن كان عندك خير فأغثنى، فإنى قد هلكت وهلك ما عندى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083477,"book_id":3509,"shamela_page_id":40,"part":"1","page_num":37,"sequence_num":40,"body":"فخرج الصوت يصوت بين يديها، وخرجت تتلوه قد قويت له نفسها، حتى انتهى الصوت عند رأس إسماعيل، ثم بدا لها جبريل، فانطلق بها حتى وقف على موضع زمزم، فضرب بعقبه مكان البئر، فظهر الماء فوق الأرض حين فحص بعقبه، وفارت بالرواء، وجعلت أم إسماعيل تحظر الماء بالتراب خشية أن يفوتها قبل أن تأتى بشنتها، فاستقت وبادرت إلى ابنها فسقته وشربت، فجعل ثدياها يتقطران لبنا، فكان ذلك اللبن طعاما وشرابا لإسماعيل، وكانت تجتزئ بماء زمزم، فقال لها الملك: لا تخافى أن ينفد هذا الماء، وأبشرى، فإن ابنك سيشب ويأتى أبوه من الشام، فتبنون ها هنا بيتا يأتيه عباد الله من أقطار الأرضين ملبين لله جل ثناؤه شعثا غبرا، فيطوفون به ويكون هذا الماء شرابا لضيفان الله ﷿، الذين يزورون بيته.\rفقالت: بشرك الله بخير، وطابت نفسها، وحمدت الله ﷿.\rويقبل غلامان من العماليق يريدان بعيرا لهما أخطأهما، فقد عطشا وأهلهما بعرفة، فنظرا إلى طير يهوى قبل الكعبة فاستنكرا ذلك، وقالا: أنى يكون الطير على غير ماء؟\rفقال أحدهما لصاحبه: أمهل حتى نبرد، ثم نسلك فى مهوى الطير.\rفأبردا ثم تروحا، فإذا الطير ترد وتصدر، فاتبعا الواردة منها حتى وقفا على أبى قبيس، فنظرا إلى الماء وإلى العريش، فنزلا وكلما هاجر وسألاها متى نزلت؟ فأخبرتهما، وقالا: لمن هذا الماء؟ فقالت: لى ولابنى. فقالا: من حفره؟ فقالت: سقيا الله جل ثناؤه.\rفعرفا أن أحدا لا يقدر على أن يحفر هناك ماء، وعهدهما بما هناك قريب وليس به ماء.\rفرجعا إلى أهلهما من ليلتهما، فأخبراهم، فتحولوا حتى نزلوا معها على الماء فأنست بهم، ومعهم الذرية، فنشأ إسماعيل مع ولدانهم.\rوكان إبراهيم يزور هاجر فى كل شهر على البراق يغدو غدوة فيأتى مكة، ثم يرجع فيقيل فى منزله بالشام.\rفزارها بعد، ونظر إلى من هناك من العماليق وإلى كثرتهم وغمارة الماء، فسر بذلك.\rولما بلغ إسماعيل ﵇، تزوج امرأة من العماليق، فجاء إبراهيم زائرا لإسماعيل، وإسماعيل فى ماشية يرعاها ويخرج متنكبا قوسه، فيرمى الصيد مع رعيته، فجاء إبراهيم ﵇ إلى منزله، فقال: السلام عليكم يا أهل البيت.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083478,"book_id":3509,"shamela_page_id":41,"part":"1","page_num":38,"sequence_num":41,"body":"قال: فسكتت فلم ترد، إلا أن تكون ردت فى نفسها، فقال: هل من منزل؟ فقالت:\rلا هيم الله إذن، قال: فكيف طعامكم وشرابكم وشاؤكم؟ فذكرت جهدا، فقالت: أما الطعام فلا طعام، وأما الشاء فإنما نحلب الشاة بعد الشاة المصر، وأما الماء فعلى ما ترى من الغلظ، قال: فأين رب البيت؟ قالت: فى حاجته.\rقال: فإذا جاء فأقرئيه السلام، وقولى له غير عتبة بيتك.\rورجع إبراهيم إلى منزله، وأقبل إسماعيل راجعا إلى منزله بعد ذلك بما شاء الله ﷿، فلما انتهى إلى منزله سأل امرأته هل جاءك أحد؟ فأخبرته بإبراهيم وقوله وما قالت له، ففارقها وأقام ما شاء الله أن يقيم.\rوكانت العماليق هم ولاة الحكم بمكة فضيعوا حرمة الحرم واستحلوا منه أمورا عظاما ونالوا ما لم يكونوا ينالون، فقام فيهم رجل منهم يقال له عموق، فقال: يا قوم أبقوا على أنفسكم، فقد رأيتم وسمعتم من أهلك من هذه الأمم، فلا تفعلوا، تواصلوا ولا تستخفوا بحرم الله ﷿ وموضع بيته.\rفلم يقبلوا ذلك منه، وتمادوا فى هلكة أنفسهم.\rثم إن جرهما وقطوراء، وهما أبناء عم خرجوا سيارة من اليمن، أجدبت البلاد عليهم، فساروا بذراريهم وأموالهم، فلما قدموا مكة رأوا فيها ماء معينا وشجرا ملتفا، ونباتا كثيرا، وسعة من البلاد، ودفئا فى الشتاء.\rفقالوا: إن هذا الموضوع يجمع لنا ما نريد.\rفأعجبهم ونزلوا به، وكان لا يخرج من اليمن قوم إلا ولهم ملك يقيم أمرهم، سنة فيهم جروا عليها واعتادوها ولو كانوا نفرا يسيرا.\rفكان مضاض بن عمرو على قومه من جرهم، وكان على قطوراء السميدع، رجل منهم.\rفنزل مضاض بمن معه من جرهم أعلى مكة بقعيقعان «١» فما حاز.\rونزل السميدع بقطوراء أسفل مكة بأجياد «٢» ، فما حاز.","footnotes":"(١) قعيقعان: جبل بأعلى مكة، قيل سمى قعيقعان لأن مضاض بن عمرو لما سار إلى السميدع معه كتيبة فيها عدتها من الرماح والدرق والسيوف تقعقع بذلك فسمى قعيقعان، والقصة طويلة. انظر: الروض المعطار (٤٧٧) ، معجم ما استعجم (٣/ ١٠٨٦) .\r(٢) أجياد: بفتح أوله وإسكان ثانية وبالياء أخت الواو والدال المهملة، كأنه جمع جيد، أحد جبال-","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083479,"book_id":3509,"shamela_page_id":42,"part":"1","page_num":39,"sequence_num":42,"body":"وذهبت العماليق إلى أن ينازعوهم أمرهم فعلت أيديهم على العماليق وأخرجوهم من الحرم كله، فصاروا فى أطرافه لا يدخلونه.\rوجعل مضاض والسميدع يقطعان المنازل لمن ورد عليهما من قومهما فكثروا وأثروا، فكان مضاض يعشر، كل من دخل مكة من أعلاها، وكان السميدع يشعر كل من دخل من أسفلها، وكل على قومه لا يدخل أحدهما على صاحبه، وكانوا قوما عربا وكان اللسان عربيا.\rوكان إبراهيم يزور إسماعيل، فلما نظر إلى جرهم نظر إلى لسان عجيب وسمع كلاما حسنا، ونظر إسماعيل إلى رعلة بنت مضاض بن عمرو، فأعجبته فخطبها إلى أبيها فتزوجها.\rفجاء إبراهيم زائرا لإسماعيل، فجاء إلى بيت إسماعيل، فقال: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله، فقامت إليه المرأة فردت عليه ورحبت به، فقال: كيف عيشكم ولبنكم وما شيتكم؟ فقالت خير عيش بحمد الله ﷿، نحن فى لبن كثير ولحم كثير وماؤنا طيب، قال: هل من حب؟ قالت: يكون إن شاء الله ونحن فى نعم. قال: بارك الله لكم.\rقال أبو جهم: فكان أبى يقول: ليس أحد يخلى عن اللحم والماء بغير مكة إلا اشتكى بطنه، ولعمرى لو وجد عندنا حبا لدعا فيه بالبركة فكانت أرض زرع.\rويقال: إن إبراهيم قال لها: ما طعامكم؟ قالت: اللحم واللبن. قال: فما شرابكم؟\rقالت: اللبن والماء. قال: بارك الله لكم فى طعامكم وشرابكم، فاللبن طعام وشراب.\rقالت: فانزل رحمك الله فاطعم واشرب. قال: إنى لا أستطيع النزول. قالت: فإنى أراك شعثا أفلا أغسل رأسك وأدهنه؟ قال: بلى إن شئت. فجاءته بالمقام وهو يومئذ حجر رطب أبيض مثل المهاة، ملقى فى بيت إسماعيل، فوضع عليه قدمه اليمنى وقدم إليها رأسه وهو على دابته فغسلت شق رأسه الأيمن، فلما فرغت حولت له المقام حتى وضع قدمه اليسرى، وقدم إليها رأسه فغسلت شق رأسه الأيسر، فالأثر الذى فى المقام من ذلك. قال أبو الجهم: فقد رأيت موضع العقب والإصبع.","footnotes":"- مكة وهو الجبل الأخضر العالى بغربى المسجد الحرام، وفى رأسه منار يذكر أن أبا بكر رضى الله عنه أمر ببنائه ينادى عليه المؤذنون فى رمضان، يقابل من الكعبة الركن اليمانى يخرج إليه من باب إبراهيم ﵇، ويقابل قعيقعان من ناحية الغرب. انظر: الروض المعطار (١٢، ١٣) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083480,"book_id":3509,"shamela_page_id":43,"part":"1","page_num":40,"sequence_num":43,"body":"وعن الواقدى من غير حديث أبى الجهم أن أبا سعيد الخدرى سأل عبد الله بن سلام عن الأثر الذى فى المقام، فقال: كانت الحجارة على ما هى عليه اليوم إلا أن الله جل ثناؤه، أراد أن يجعل المقام آية من آياته.\rقال أبو الجهم: فلما فرغت يعنى المرأة، من غسل رأس إبراهيم ﵇، قال لها:\rإذا جاء إسماعيل فقولى له: أثبت عتبة بابك فإن صلاح المنزل العتبة.\rفلما جاء إسماعيل قال: هل جاءك أحد بعدى؟ فأخبرته بإبراهيم وما صنعت به، ثم قال لها: هل قال لك أن تقولى لى شيئا؟ قالت: قال لى أثبت عتبة بابك فإن صلاح المنزل العتبة.\rففرح إسماعيل وقال: أتدرين من هو؟ قالت: لا. قال: هذا خليل الله إبراهيم أبى، وأما قوله: «أثبت عتبة بابك» فقد أمرنى أن أقرك وقد كنت على كريمة وقد ازددت على كرامة. فصاحت وبكت، فقال: ما لك؟ قالت: ألا أكون علمت بمن هو فأكرمه وأصنع به غير الذى صنعت! فقال لها إسماعيل: لا تبكى ولا تجزعى فقد أحسنت ولم تكونى تقدرين أن تفعلى فوق الذى فعلت، ولم يكن ليزيدك على الذى صنع بك.\rفولدت لإسماعيل عشرة ذكور أحدهم نابت «١» .\rفلما بلغ إسماعيل ثلاثين سنة وإبراهيم يومئذ ابن مائة سنة، أوحى الله جل ثناؤه إلى إبراهيم أن ابن لى بيتا. قال إبراهيم: أى رب أين أبنيه؟.\rفأوحى الله إليه: أن اتبع السكينة، وهى ريح لها وجه وجناحان ومع إبراهيم الملك والصرد.\rفانتهوا بإبراهيم إلى مكة، فنزل إسماعيل إلى الموضع الذى بوأه الله جل وعز، لإبراهيم، وموضع البيت ربوة حمراء مدرة مشرفة على ما حولها.\rفحفر إبراهيم وإسماعيل ﵉ وليس معهما غيرهما، أساس البيت، يريدان أساس آدم الأول.","footnotes":"(١) قال ابن هشام فى السيرة (١/ ٢٤- ٢٨) : حدثنا زياد بن عبد الله البكائى، عن محمد بن إسحاق المطلبى، قال: ولد إسماعيل بن إبراهيم، ﵉، اثنى عشر رجلا: نابتا، وكان أكبرهم، وقيذر، وأذبل، وميشا، ومسمغا، وماشى، ودما، وأذر، وطيما، ويطور، ونبش، وقيذما، وأمهم: رعلة بنت مضاض بن عمرو الجرهمى. قال ابن هشام: ويقال: مضاض، وجرهم بن قحطان، وقحطان أبو اليمن كلها، وإليه يجتمع نسبها، ابن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083481,"book_id":3509,"shamela_page_id":44,"part":"1","page_num":41,"sequence_num":44,"body":"فحفرا عن ربض البيت يعنى حوله، فوجدا صخرة لا يطيقها إلا ثلاثون رجلا، وحفرا حتى بلغا أساس آدم ثم بنى عليه، وحلقت السكينة كأنها سحابة، على موضع البيت، فقالت: ابن علىّ.\rفلذلك لا يطوف بالبيت أحد أبدا، كافر ولا جبار، إلا رأيت عليه السكينة.\rفبنى إبراهيم وإسماعيل البيت، فجعل طوله فى السماء تسع أذرع، وعرضه ثلاثين ذراعا، وطوله فى الأرض اثنين وعشرين ذراعا، وأدخل الحجر وهو سبعة أذرع فى البيت، وكان قبل ذلك زربا لغنم إسماعيل.\rوإنما بناه بحجارة بعضها على بعض، ولم يجعل له سقفا، وجعل له بابا وحفر له بئرا عند بابه خزانة للبيت، يلقى فيها ما أهدى للبيت وجعل الركن علما للناس.\rفذهب إسماعيل إلى الوادى يطلب حجرا، ونزل جبريل بالحجر الأسود، وكان قد رفع إلى السماء حين غرقت الأرض، كما رفع البيت، فنزل به جبريل فوضعه إبراهيم موضع الركن، وجاء إسماعيل بالحجر من الوادى فوجد إبراهيم قد وضع الحجر، فقال:\rمن أين هذا؟ من جاءك به؟ قال إبراهيم: من لم يكلنى إليك ولا إلى حجرك «١» .\rوعن الواقدى أيضا من غير حديث أبى الجهم، أن يزيد بن رومان، قال: سمعت ابن الزبير يقول: إن إبراهيم ﵇ ابتغى الحجر، فناداه من فوق أبى قبيس: ألا أنا هذا.\rفرقى إليه إبراهيم فأخذه، فوضعه موضعه الذى هو فيه اليوم.\rوكان الله جل ثناؤه لما غرقت الأرض استودع أبا قبيس الركن، وقال: إذا رأيت خليلى يا بنى لى بيتا فأعطه الركن فأعطاه الركن.\rوعن غير ابن الزبير أن أبا قبيس لذلك كان يسمى فى الجاهلية الأمين، لوفائه بما استودعه الله إياه.","footnotes":"(١) قال ابن كثير فى البداية باب بناء البيت العتيق: قال السدى: لما أمر الله إبراهيم وإسماعيل أن يبنيا البيت، ثم لم يدريا أين مكانه حتى بعث الله ريحا يقال له الخجوج لها جناحان ورأس فى صورة حية، فكنست لهما ما حول الكعبة عن أساس البيت الأول، واتبعاها بالمعاول يحفران حتى وضعا الأساس، وذلك حين يقول تعالى: وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ فلما بلغا القواعد بنيا الركن، قال إبراهيم لإسماعيل: يا بنى، اطلب لى الحجر الأسود من الهند، وكان أبيض ياقوتة بيضاء مثل النعامة، وكان آدم هبط به من الجنة فاسود من خطايا الناس، فجاءه إسماعيل بحجر فوجده عند الركن، فقال: يا أبتى، من جاءك بهذا؟ قال: جاء به من هو أنشط منك. وانظر ما ورد فى ذكر بناء البيت فى البداية (١/ ١٦٧) وما بعدها.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083482,"book_id":3509,"shamela_page_id":45,"part":"1","page_num":42,"sequence_num":45,"body":"قال أبو جهم: ولما فرغ إبراهيم من بناء البيت وأدخل الحجر فى البيت، جعل المقام لاصقا بالبيت عن يمين الداخل، فلما كانت قريش قصر الخشب عليهم، فأخرجوا الحجر، وكان ما أخرجوا منه سبعة أذرع.\rوأمر إبراهيم بعد فراغه من البناء أن يؤذن فى الناس بالحج، فقال: يا رب، وما يبلغ صوتى؟!\rقال الله جل ثناؤه: أذّن وعلىّ البلاغ.\rفارتفع على المقام وهو يومئذ ملصق بالبيت، فارتفع به المقام حتى كان أطول الجبال، فنادى وأدخل إصبعيه فى أذنيه، وأقبل بوجهه شرقا وغربا، يقول: أيها الناس، كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق، فأجيبوا ربكم ﷿.\rفأجابه من تحت البحور السبعة، ومن بين المشرق والمغرب إلى منقطع التراب من أطراف الأرض كلها: لبيك اللهم لبيك.\rأفلا تراهم يأتون يلبون؟!\rفمن حج من يومئذ إلى يوم القيامة فهو ممن استجاب لله ﷿.\rوذلك قول الله جل ثناؤه: فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ [آل عمران: ٩٧] يعنى نداء إبراهيم على المقام بالحج فهى الآية.\rقال الواقدى: وقد روى أن الآية هى أثر إبراهيم على المقام.\rقال أبو الجهم: فلما فرغ إبراهيم من الأذان ذهب به جبريل فأراه الصفا والمروة، وأقامه على حدود الحرم، وأمره أن ينصب عليها الحجارة، ففعل إبراهيم ذلك، وكان أول من أقام أنصاب الحرم، ويريه إياها جبريل.\rفلما كان اليوم السابع من ذى الحجة، خطب إبراهيم ﵇ بمكة، حين زاغت الشمس قائما، وإسماعيل جالس، ثم خرجا من الغد يمشيان على أقدامهما يلبيان محرمين، مع كل واحد منهما إداوة يحملها وعصا يتوكأ عليها، فسمى ذلك اليوم يوم التروية.\rفأتيا منى فصليا بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح، وكانا نزلا فى الجانب الأيمن، ثم أقام حتى طلعت الشمس على ثبير، ثم خرج يمشى هو وإسماعيل حتى أتيا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083483,"book_id":3509,"shamela_page_id":46,"part":"1","page_num":43,"sequence_num":46,"body":"عرفة، وجبريل معهما يريهما الأعلام، حتى نزلا بنمرة، وجعل يريه أعلام عرفات، وكان إبراهيم قد عرفها قبل ذلك، فقال إبراهيم: قد عرفت: فسميت عرفات.\rفلما زاغت الشمس خرج بهما جبريل ﵇، حتى انتهى بهما إلى موضع المسجد اليوم، فقام إبراهيم فتكلم بكلمات، وإسماعيل جالس، ثم جمع بين الظهر والعصر، ثم ارتفع بهما إلى الهضاب، فقاما على أرجلهما يدعوان إلى أن غابت الشمس وذهب الشعاع، ثم دفعا من عرفة على أقدامهما، حتى انتهيا إلى جمع فنزلا، فصلى إبراهيم المغرب والعشاء فى ذلك الموضع الذى يصلى فيه اليوم، ثم باتا حتى إذا طلع الفجر وقفا على قزح، فلما أسفر قبل طلوع الشمس دفعا على أرجلهما حتى انتهيا إلى محسر، فأسرعا حتى قطعاه ثم عادا إلى مشيهما الأول، ثم رميا جمرة العقبة بسبع حصيات حملاها من جمع، ثم نزلا من منى فى الجانب الأيمن، ثم ذبحا فى المنحر اليوم، وحلقا رؤسهما، ثم أقاما أيام منى يرميان الجمار حين تزيغ الشمس ماشيين ذاهبين وراجعين، وصدرا يوم الصدر فصليا الظهر بالأبطح، وكل هذا يريه جبريل ﵇.\rقال أبو الجهم: فلما فرغ إبراهيم من الحج انطلق إلى منزله بالشام، فكان يحج البيت كل عام، وحجته سارة، وحجه إسحاق ويعقوب والأسباط، والأنبياء هلم جرا.\rوحجه موسى بن عمران ﵇.\rروى الواقدى بإسناد له عن ابن عباس قال: مر موسى ﵇، بصفاح الروحاء يلبى، تجاوبه الجبال، عليه عباءتان قطوانيتان من عباء الشام.\rوعن جابر بن عبد الله قال: حج هارون نبى الله البيت، فمر بالمدينة يريد الشام، فمرض بالمدينة فأوصى أن يدفن بأصل أحد، ولا تعلم به يهود، مخافة أن ينبشوه فدفنوه فقبره هناك.\rوعن ابن عباس، أن الحواريين كانوا إذا بلغوا الحرم نزلوا يمشون حتى يأتوا البيت.\rوعن ابن الزبير: أن الحواريين خلعوا نعالهم حين دخلوا الحرم، إعظاما أن ينتعلوا فيه.\rثم توفى الله خليله إبراهيم ﷺ، بعد أن وجه إليه ملك الموت، فاستنظره إبراهيم، ثم أعاده إليه لما أراد الله قبضه، فأخبره بما أمر به، فسلم إبراهيم لأمر ربه ﷿ فقال له ملك الموت: يا خليل الله، على أى حال تحب أن أقبضك؟ قال: تقبضنى وأنا ساجد، فقبضه وهو ساجد، وصعد بروحه إلى الله ﷿، ودفن إبراهيم ﵇ بالشام «١» .","footnotes":"(١) قال ابن كثير: قد روى ابن عساكر عن غير واحد من السلف، عن أخبار أهل الكتاب فى-","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083484,"book_id":3509,"shamela_page_id":47,"part":"1","page_num":44,"sequence_num":47,"body":"وعاش إسماعيل ﵇ بعد أبيه ما عاش، وتوفى بمكة، فدفن داخل الحجر، مما يلى باب الكعبة، وهنالك قبر أمه هاجر، ودفن معها وكانت توفيت قبله.\rولما توفى إسماعيل ﵇، ولى البيت بعده ابنه نابت، ولم يله أحد من ولده غيره. ثم مات فدفن فى الحجر مع أمه رعلة بنت مضاض.\rفولى البيت بعده جده مضاض بن عمرو، ثم أخواله من جرهم، وقاموا عليه، فكانوا هم ولاته وحجابه وولاة الأحكام بمكة.\rوكان البيت قد دخله السيل من أعلى مكة فانهدم، فأعادته جرهم على بناء إبراهيم، وجعلت له مصراعين وقفلا.\rقال ابن إسحاق: ثم إن جرهما وقطوراء بغى بعضهم على بعض وتنافسوا الملك بها، ومع مضاض يومئذ إسماعيل وبنو نابت وإليه ولاية البيت دون السميدع. فسار بعضهم إلى بعض، فخرج مضاض من قعيقعان فى كتيبته سائرا إلى السميدع، ومع كتيبته عدتها من الرماح والدرق والسيوف والجعاب يقعقع بذلك معه.\rفيقال: ما سمى قعيقعان قعيقعان إلا لذلك. وخرج السميدع من أجياد ومعه الخيل والرجال. فيقال: ما سمى أجياد أجيادا إلا لخروج الجياد من الخيل مع السميدع منه «١» .\rوغير ابن إسحاق يقول: إنما سمى أجياد لأن مضاضا ضرب فى ذلك الموضع أجياد مائة رجل من العمالقة. وقيل: بل أمر بعض الملوك غير مسمى بضرب رقاب فيه، فكان يقول لسيافه: توسط الأجياد. وهذا ونحوه أصح فى تسمية الموضع بأجياد، مما قال ابن إسحاق.\rقال: فالتقوا بفاضح «٢» ، فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتل السميدع وفضحت قطوراء.\rفيقال: ما سمى فاضح فاضحا إلا بذلك.","footnotes":"- صفة مجىء ملك الموت إلى إبراهيم ﵇ أخبارا كثيرة، الله أعلم بصحتها، وقد قيل: إنه مات فجأة، وكذا داود وسليمان، والذى ذكره أهل الكتاب وغيرهم خلاف ذلك، قالوا: ثم مرض إبراهيم ﵇، ومات عن مائة وخمس وسبعين، وقيل: وتسعين سنة، ودفن فى المغارة التى كانت بحبرون الحيثى، عند امرأته سارة، التى فى مزرعة عفرون الحيثى، وتولى دفنه إسماعيل وإسحاق، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وقد ورد ما يدل أنه عاش مائتى سنة، كما قاله ابن الكلبى. انظر البداية باب ذكر موته ﵇ (١/ ١٧٨) وما بعدها.\r(١) انظر: السيرة (١/ ١٠٧- ١٠٨) .\r(٢) فاضح: موضع بمكة. انظر الروض المعطار (ص ٤٣٣) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083485,"book_id":3509,"shamela_page_id":48,"part":"1","page_num":45,"sequence_num":48,"body":"ثم إن القوم تداعوا إلى الصلح، فساروا حتى نزلوا المطابخ «١» شعبا بأعلى مكة، فاصطلحوا به وأسلموا الأمر إلى مضاض.\rفلما رجع إليه أمر مكة فصار ملكها له، نحر للناس وأطعمهم، فاطبخ الناس وأكلوا.\rفيقال: ما سميت المطابخ إلا لذلك. وبعض أهل العلم يزعم أنها إنما سميت بذلك لما كان تبع نحر بها وأطعم، وكان منزله.\rفكان الذى كان بين مضاض والسميدع أول بغى كان بمكة، فيما يزعمون.\rثم نشر الله ولد إسماعيل بمكة، وأخوالهم من جرهم ولاة البيت والحكام بمكة، لا ينازعهم ولد إسماعيل فى ذلك، لخؤولتهم وقرابتهم، وإعظاما للحرمة أن يكون بها بغى أو قتال.\rفلما ضاقت مكة على ولد إسماعيل، انتشروا فى البلاد، فلا يناوئون قوما إلا أظهرهم الله عليهم بدينهم فوطئوهم.\rثم إن جرهم بغوا بمكة، واستحلوا [خلالا] «٢» من الحرمة، وظلموا من دخلها من غير أهلها، وأكلوا مال الكعبة الذى يهدى لها، فرق أمرهم.\rفلما رأت ذلك بنو بكر بن عبد مناة بن كنانة، وغبشان من خزاعة، أجمعوا لحربهم وإخراجهم من مكة، فآذنوهم بالحرب. فاقتتلوا فغلبتهم بنو بكر وغبشان، فنفوهم من مكة.\rوكانت مكة فى الجاهلية لا تقر فيها ظلما ولا بغيا، ولا يبغى فيها أحد إلا أخرجته، فكانت تسمى الناسة، ولا يريدها ملك يستحل حرمتها إلا هلك مكانه. فيقال: ما سميت ببكة «٣» ، إلا أنها كانت تبك أعناق الجبابرة إذا أحدثوا فيها شيئا.","footnotes":"(١) المطابخ: موضع معروف بمكة. انظر: الروض المعطار (ص ٥٤٣) .\r(٢) ما بين المعقوفتين فى الأصول: «حلالا» ، وما أوردناه من السيرة. وخلال: جمع خلة وهى الخصلة.\r(٣) قال ابن هشام فى السيرة (١/ ١٠٩) : أخبرنى أبو عبيدة: أن بكة اسم لبطن مكة؛ لأنهم يتباكون فيها، أى: يزدحمون، وأنشدنى:\rإذا الشريب أخذته أكه ... فخله حتى يبك بكه\rأى: فدعه حتى يبك إبله، أى يخليها إلى الماء، فتزدحم عليه، وهو موضع البيت والمسجد، وهذان البيتان لعامان بن كعب بن عمرو بن سعد بن زيد مناة بن تميم.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083486,"book_id":3509,"shamela_page_id":49,"part":"1","page_num":46,"sequence_num":49,"body":"فلم يزل أهلها على وجه الدهر يصونون جنابها ويحافظون على حرمتها.\rيقال: إنه اجتمع رأى بنى إسماعيل وخيارهم على أن لا يدعوا أحدا أحدث فى حرم الله حدثا إلا غربوه منه، ثم لم يرجع فيه. ويقال: بل كان ذلك مما سن لهم أولوهم، فصارت سنة فيهم يدينون بها، ثم خلف من خلف بعدهم على ذلك، يرون فيه رأيهم، وتكبر مواقعة الظلم فى حرم الله والتعدى به فى نفوسهم، ويعتقدون أن الباغى فيه معاقب فى دنياه فى نفسه وماله، وأن الحالف عند البيت حانثا مخوف عليه مما أصاب قبله ممن فعل فعله، وأن دعاء المظلوم عنده وخصوصا فى الشهر الحرام مجاب فى ظالمه، ويوثرون فى ذلك أشياء أراها الله إياهم، صونا لحرمه الكريم، وتنزيها لبيت خليله إبراهيم.\rذكر الواقدى من حديث عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث، قال: عدا رجل من بنى كنانة بن هذيل على ابن عم له وظلمه واضطهده فناشده بالرحم وعظم عليه، فأبى إلا ظلمه، فقال: والله لألحقن بحرم الله فى هذا الشهر، ولأدعون الله عليك. فقال له ابن عمه مستهزئا به: هذه ناقتى فلانة، فأنا أفقرك ظهرها فاذهب فاجتهد.\rفأعطاه ناقة، وخرج حتى جاء الحرم فى الشهر الحرام، فقال: اللهم إنى أدعوك جاهدا مضطرا على ابن عمى فلان، ترميه بداء لا دواء له.\rثم انصرف، فيجد ابن عمه قد رمى فى بطنه فصار مثل الزق، فمازال ينتفخ حتى انشق.\rقال عبد المطلب: لحدثت بهذا الحديث ابن عباس، فقال: أنا رأيت رجلا دعا على ابن عم له بالعمى، يعنى فى الحرم، فرأيته يقاد أكمة العميان.\rوعن ابن عباس، قال: سمعت عمر بن الخطاب يسأل رجلا من بنى سليم عن ذهاب بصره. فقال الرجل: يا أمير المؤمنين، كنا فى بنى ضبعاء عشرة، وكان لنا ابن عم، فكنا نظلمه ونضطهده، فكان يذكرنا بالله والرحم، وكنا أهل بيت نرتكب كل الأمور، فلما رأى ابن عمنا أنا لا نكف عنه ولا نرد إليه ظلامته، أمهل حتى دخلت الأشهر الحرم، انتهى إلى الحرم فجعل يرفع يديه إلى الله جل ثناؤه، ويقول:\rلاهم «١» أدعوك دعاء جاهدا ... اقتل بنى الضبغاء إلا واحدا","footnotes":"(١) لاهم: أى اللهم، والعرب تحذف منها الألف واللام للتخفيف.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083487,"book_id":3509,"shamela_page_id":50,"part":"1","page_num":47,"sequence_num":50,"body":"ثم اضرب الرجل ودعه قاعدا ... أعمى إذا قيد يعنى القائدا\rقال: فمات إخوتى تسعة فى تسعة أشهر، فى كل شهر واحد، وبقيت أنا، فعميت، ورمانى الله ﷿ فى رجلى، وكمهت فليس يلائمنى قائد.\rقال ابن عباس: فسمعت عمر يقول: سبحان الله إن هذا لهو العجب!\rقال: وسمعت عمر يسأل ابن عمهم الذى دعا عليهم، فقال: دعوت عليهم كل ليلة رجب الشهر كله بهذا الدعاء، فأهلكوا فى تسعة أشهر وأصاب الباقى ما أصابه.\rقال ابن عباس: وعدا رجل على ابن عم له فاستاق ذودا له، فخرج يطلبه حتى أصابه فى الحرم، فقال: ذودى. فقال اللص: كذبت ليس لك. قال: فاحلف. قال: إذا أحلف. فحلف عند المقام بالله الخالق رب هذا البيت ما هن لك.\rفقيل له: لا سبيل لك عليه.\rفقام رب الذود بين الركن والمقام باسطا يديه يدعو على صاحبه، فما برح مقامه يدعو عليه حتى دله فذهب عقله، فجعل يصيح بمكة: ما لى وللذود، ما لى ولفلان رب الذود.\rفبلغ ذلك عبد المطلب، فجمع الذود فدفعها إلى المظلوم فخرج بها، وبقى الآخر مدلها حتى تردى من جبل فمات فأكلته السباع.\rوكان عمر بن الخطاب رضى الله عنه، يقول: لو وجدت قاتل الخطاب فى الحرم ما هجته.\rوكان يقول: لأن أذنب بركبة سبعين ذنبا أحب إلى من أن أذنب ذنبا واحدا فى الحرم. وركبه خارج الحرم، محاذية لذات عرق.\rوذكر رضى الله عنه، يوما وهو خليفة ما كان يعاقب به من حلف ظلما، يعنى فى الحرم، زمن الجاهلية، فقال: إن الناس ليرتكبون ما هو أعظم منها ثم لا يعجل لهم من العقوبة مثل ما كان يعجل لأولئك، فما ترون ذلك؟\rفقالوا: أنت أعلم يا أمير المؤمنين.\rقال: إن الله جل ثناؤه، جعل فى الجاهلية، إذ لا دين حرمة حرمها وعظمها وشرفها، وجعل العقوبة لمن استحل شيئا مما حرم، ليتنكب عن انتهاك ما حرم مخافة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083488,"book_id":3509,"shamela_page_id":51,"part":"1","page_num":48,"sequence_num":51,"body":"تعجيل العقوبة، فلما بعث الله رسوله ﷺ أو عدهم فيما انتهكوا مما حرم الساعة، فقال:\rوَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ [القمر: ٤٦] .\rفأخر العقاب إلى يوم القيامة، وأراهم الله الاستجابة بعضهم لبعص ليتناهوا عن الظلم، وأخر أهل الإسلام ليوم الجمع، ويستجب الله لمن يشاء، فاتقوا الله وكونوا مع الصادقين.\rومن المشهور فى هذا الباب أمر إساف ونائلة، وهما صنما قريش اللذان أقاموهما على زمزم ينحرون عندهما. ذكروا أنهما كان رجلا وامرأة من جرهم، إساف بن بغى، ونائلة بنت ديك، فوقع إساف على نائلة فى الكعبة، فمسخهما الله حجرين. ويقال:\rأحدثا فيها فمسخهما الله؛ فالله أعلم.\rوأمرهما معدود فيما بلغت إليه جرهم من الاستخفاف بحرمة الحرم وقلة مبالاتهم بالبغى فيه، مع ما أراهم الله من عظيم الآية بمسخهما حجرين، فما نهاهم ذلك عن قبيح ما كانوا عليه، حتى أخرجهم الله عن جوار بيته بأيدى آخرين من عباده، فكان من أمرهم مع خزاعة ما كان.\rفخرج عمرو بن الحارث بن مضاض الجرهمى بغزالى الكعبة وبحجر الركن فدفنها فى زمزم، وانطلق هو ومن معه من جرهم إلى اليمن، وحزنوا على ما فارقوا من أمر مكة وملكها حزنا شديدا. فقال عمرو بن الحارث بن مضاض فى ذلك، وليس بمضاض الأكبر:\rكأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر «١»\rبلى نحن كنا أهلها فأبادنا ... صروف الليالى والجدود العواثر «٢»\rوكنا ولاة البيت من بعد نابت ... نطوف بذاك البيت والخير ظاهر\rونحن ولينا البيت من بعد نابت ... بعز فما يحظى لدينا المكاثر\rملكنا فعززنا فأعظم بملكنا ... فليس لحى غيرنا ثم فاخر\rألم تنكحوا من خير شخص علمته ... فأبناؤه منا ونحن الأصاهر","footnotes":"(١) هذه الأبيات ذكرها فى السيرة وذكر قبل هذا البيت:\rوقائلة والدمع سكب مبادر ... وقد شرقت بالدمع منها المحاجر\rانظر: السيرة (١/ ١٠٩) .\r(٢) صورف الليالى: شدائدها. والجدود: هو البخت والحظ.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083489,"book_id":3509,"shamela_page_id":52,"part":"1","page_num":49,"sequence_num":52,"body":"فإن تنثنى الدنيا علينا بحالها ... فإن لها حالا وفيها التشاجر\rفأخرجنا منها المليك بقدرة ... كذلك يا للناس تجرى المقادر\rأقول إذا نام الخلى ولم أنم ... إذا العرش لا يبعد سهيل وعامر\rوبدلت منها أو جها لا أحبها ... قبائل منها حمير ويحابر\rوصرنا أحاديثا وكنا بغبطة ... بذلك عضتنا السنون الغوابر\rفسحت دموع العين تبكى لبلدة ... بها حرم أمن وفيها المشاعر\rوتبكى لبيت ليس يؤذى حمامه ... يظل به أمنا وفيه العصافر\rوفيه وحوش لا ترام أنيسة ... إذا خرجت منه فليست تغادر\rوقال عمرو بن الحارث أيضا يذكر بكرا وغبشان وساكنى مكة الذين خلفوا فيما بعدهم:\rيا أيها الناس سيروا إن قصركم ... أن تصبحوا ذات يوم لا تسيرونا\rحثوا المطى وأرخوا من أزمتها ... قبل الممات وقضوا ما تقضونا\rكنا أناسا كما كنتم فغيرنا ... دهر فأنتم كما كنا تكونونا\rقال ابن هشام: هذا ما صح له منها، وحدثنى بعض أهل العلم بالشعر أن هذه الأبيات أول شعر قيل فى العرب، وأنها وجدت مكتوبة فى حجر باليمن ولم يسم لنا قائلها «١» .\rثم إن غبشان من خزاعة وليت البيت دون بنى بكر بن عبد مناة.\rوغبشان لقب، واسمه الحارث، وخزاعة يقال: إنهم من ولد قمعة بن إلياس بن مضر، وأن أباهم عمرو بن لحى، هو عمرو بن لحى بن قمعة بن خندف، وخزاعة يأبون هذا النسب، ويقولون: إنهم من ولد كعب بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر بن غسان.\rوقد روى أن رسول الله ﷺ قال: «أريت عمرو بن لحى بن قمعة بن خندف يجر قصبه فى النار، فسألته عمن بينى وبينه من الأمم، فقال: هلكوا» «٢» .","footnotes":"(١) انظر: السيرة (١/ ١١١) .\r(٢) أخرجه البخارى فى صحيحه (٤/ ٢٢٤، ٦/ ٦٩) ، كنز العمال للمتقى الهندى (٣٤٠٩٥) ، الخطيب البغدادى فى تاريخه (٥/ ١٧٣) ، السيوطى فى الحاوى للفتاوى (٢/ ٣٧٥) ، الطحاوى فى مشكل الآثار (٢/ ٢٠٧) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083490,"book_id":3509,"shamela_page_id":53,"part":"1","page_num":50,"sequence_num":53,"body":"فقيل له: ومن عمرو بن لحى؟ قال: أبو هؤلاء الحى من خزاعة، وهو أول من غير الحنيفية دين إبراهيم، وأول من نصب الأوثان حول الكعبة «١» .\rفإن كان رسول الله ﷺ قال هذا، فرسول الله أعلم وما قال فهو الحق.\rوعمرو بن ربيعة الذى تنتسب إليه خزاعة يقال: هو عمرو بن لحى، وإن حارثة بن ثعلبة بن عمرو خلف على أم لحى، ولحى هو ربيعة، بعد أن تأيمت من قمعة، ولحى صغير، فتبناه حارثة وانتسب إليه.\rفيكون النسب على هذا صحيحا بالوجهين، إلى قمعة بالولادة وفق ما روى أن رسول الله ﷺ قاله، وإلى حارثة بن ثعلبة بالتبنى، والانتساب به موجود كثيرا فى العرب.\rفلما وليت خزاعة البيت حفظوه مما كانت جرهم استباحته، وتوافروا على تعظيمه والذب عنه، وكان الذى يليه منهم عمرو بن الحارث الغبشانى، ثم قومه من بعده، وقريش إذ ذاك حلول وصرم «٢» متقطعون وبيوتات متفرقون فى قومهم من بنى كنانة.\rفأقامت خزاعة على ولاية البيت، يتوارثون ذلك كابرا عن كابر، حتى كان آخرهم حليل بن حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو الخزاعى. وبعده انتقلت ولاية البيت إلى قصى بن كلاب.\rوكان من حديث قصى «٣» أنه لما هلك أبوه كلاب بن مرة، خلف ولديه زهرة وقصيا، مع أمهما فاطمة بنت سعد بن سيل من عذرة، وزهرة يومئذ رجل، وقصى فطيم، فقدم مكة بعد مهلك كلاب حاج مع قضاعة فيهم ربيعة بن حرام بن ضنة بن عبد كبير بن عذرة، فتزوج فاطمة بنت سعد فاحتملها إلى بلاده، فاحتملت ابنها قصيا لصغره، وأقام زهرة فى قومه.\rفولدت فاطمة لربيعة رزاحا، فكان أخا قصى لأمه، وكان لربيعة بنون ثلاثة من امرأة أخرى، وهم: حن ومحمود وجلهمة، بنو ربيعة.","footnotes":"(١) انظر: السيرة (١/ ٨١)\r(٢) قال فى اللسان (مادة صرم) : الصرم بالكسر: الأبيات المجتمعة المنقطعة من الناس، وهو الفرقة من الناس ليسوا بالكثير والجمع أصرم وأصاريم وصرمان.\r(٣) انظر: السيرة (١/ ١١٥- ١٢٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083491,"book_id":3509,"shamela_page_id":54,"part":"1","page_num":51,"sequence_num":54,"body":"وأقام قصى بأرض قضاعة لا ينسب إلا إلى ربيعة بن حرام.\rفناضل يوما رجلا من قضاعة يدعى رفيعا، فنضله قصى، وهو يومئذ شاب، فغضب المنضول، فوقع بينهما حتى تقاولا وتنازعا، فقال رفيع: ألا تلحق ببلدك وبقومك، فإنك لست منا!.\rفرجع قصى إلى أمه، وقد وجد فى نفسه مما قال، فسألها عن ذلك فقالت: أو قد قال هذا؟ أنت والله يا بنى أكرم منه نفسا ووالدا ونسبا وأشرف منزلا، أنت ابن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة القرشى، وقومك بمكة عند البيت الحرام وفيما حوله، تفد العرب إلى ذلك البيت، وقد قالت لى كاهنة رأتك: هذا يلى أمرا جليلا، فطب نفسا.\rفأجمع قصى الخروج إلى قومه واللحوق بهم، وكره الغربة بأرض قضاعة، وضاق ذرعا بالمقام فيهم، فقالت له أمه: لا تعجل حتى يدخل عليك الشهر الحرام، فتخرج فى حاج العرب، فإنى أخشى عليك أن يصيبك بعض الناس.\rفأقام قصى حتى إذا دخل الشهر الحرام وخرج حاج قضاعة خرج معهم، وهم يظنون أنه إنما يريد الحج ثم يرجع إلى بلاده، حتى قدم مكة، فلما فرغ من الحج أقام بها، وعالجه القضاعيون على الخروج معهم فأبى.\rوكان رجلا جلدا نهدا نسيبا، فلم ينشب أن خطب إلى حليل بن حبشية ابنته حبى، فعرف حليل النسب ورغب فى الرجل فزوجه، وحليل يومئذ يلى أمر مكة والحكم فيها وحجابة البيت.\rفأقام قصى معه بمكة، وولدت له حبى بنيه عبد الدار وعبد مناف وعبد العزى وعبدا.\rفلما انتشر ولد قصى وكثر ماله وعظم شرفه هلك حليل، فرأى قصى أنه أولى بالكعبة وبأمر مكة من خزاعة وبنى بكر، وأن قريشا قرعة إسماعيل بن إبراهيم ﵉، وصريح ولده.\rفكلم رجالا من قريش وبنى كنانة، ودعاهم إلى إخراج خزاعة وبنى بكر من مكة، فأجابوه إلى ذلك، فكتب عند ذلك قصى إلى أخيه من أمه رزاح بن ربيعة، يدعوه إلى نصرته والقيام معه، فخرج رزاح ومعه إخوته لأبيه، حن ومحمود وجلهمة، فيمن تبعهم من قضاعة فى حاج العرب، وهم مجمعون لنصر قصى والقيام معه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083492,"book_id":3509,"shamela_page_id":55,"part":"1","page_num":52,"sequence_num":55,"body":"فلما اجتمع الناس بمكة وفرغوا من الحج ولم يبق إلا أن يصدر الناس، كان أول ما تعرض له قصى من المناسك أمر الإجازة للناس بالحج.\rوكانت صوفة هى التى تلى ذلك مع الدفع بهم من عرفة ورمى الجمار، وهم ولد الغوث بن مر بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر «١» .\rوالغوث هو أول من ولى ذلك منهم.\rوذلك أن أمه كانت امرأة من جرهم، وكانت لا تلد، فنذرت لله إن هى ولدت ولدا أن تصدق به على الكعبة عبدا لها يخدمها ويقوم عليها، فولدت الغوث وكان يقوم على الكعبة فى الدهر الأول مع أخواله من جرهم، فولى الإجازة بالناس من عرفة لمكانه الذى كان به من الكعبة، وولده من بعده حتى انقرضوا.\rفقال مر بن أد أبو الغوث لوفاء نذر أمه:\rإنى جعلت رب من بنيه ... ربطة بمكة العليه\rفباركن لى بها إليه ... واجعله لى من صالح البريه\rوكان الغوث بن مر، زعموا، إذا دفع بالناس قال:\rلا هم إنى تابع تباعه ... إن كان إثم فعلى قضاعه\rوذلك أن قضاعة كان منهم أحياء يستحلون الحرمة فى الجاهلية، فكانت صوفة تدفع بالناس من عرفة، وتجيز بهم إذا نفروا من منى إذا كان يوم النفر أتوا لرمى الجمار، ورجل من صوفة يرمى للناس، لا يرمون حتى يرمى، فكان ذوو الحاجات المتعجلون يأتونه فيقولون له: قم فارم حتى نرمى معك. فيقول: لا والله حتى تميل الشمس. فيظل ذوو الحاجات الذين يحبون التعجيل يرمونه بالحجارة ويستعجلونه بذلك، ويقولون له:\rويلك قم فارم بنا. فيأبى عليهم، حتى إذا مالت الشمس قام فرمى ورمى الناس معه.\rفإذا فرغوا من رمى الجمار وأرادوا النفر من منى أخذت صوفة بجانبى العقبة فحبسوا الناس وقالوا: أجيزى «٢» صوفة. فلم يجز أحد من الناس حتى يرموا، فإذا نفذت صوفة ومضت خلى سبيل الناس فانطلقوا بعدهم، فكانوا كذلك حتى انقرضوا.","footnotes":"(١) انظر: السيرة (١/ ١١٦) .\r(٢) أجيزى: جزت الطريق وجاز الموضع: أى سار فيه وسلكه، وأجازه: حلفه وقطعه، وأجازه: أنفذه. انظر: اللسان (مادة جوز) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083493,"book_id":3509,"shamela_page_id":56,"part":"1","page_num":53,"sequence_num":56,"body":"فورثهم ذلك من بعدهم بالقعدد بنو سعد بن زيد مناة بن تميم، وكانت من بنى سعد فى آل صفوان بن الحارث بن شجنة بن عطارد بن عوف بن كعب بن سعد.\rفكان صفوان هو الذى يجيز للناس بالحج من عرفة، ثم بنوه من بعده، حتى كان آخرهم الذى قام عليه الإسلام كرب بن صفوان.\rوفى ذلك يقول ابن مغراء السعدى:\rلا يبرح الناس ما حجوا معرفهم ... حتى يقال أجيزوا آل صفوانا\rفأما قول ذى الإصبع العدوانى، واسمه حرثان بن عمرو، وقيل له ذو الإصبع لحية لدغته فى إصبعه فقطعها:\rعذير الحى من عدوا ... ن كانوا حية الأرض «١»\rبغى بعضهم ظلما ... فلم يرع على بعض\rومنهم كانت السادا ... ت والموفون بالقرض\rومنهم من يجيز النا ... س بالسنة والفرض\rومنهم حكم يقضى ... فلا ينقض ما يقضى\rوإنما قال ذلك لأن الإفاضة من المزدلفة كانت فى عدوان، وهو عدوان بن عمرو بن قيس بن عيلان، يتوارثون ذلك كابرا عن كابر، حتى كان آخرهم الذى قام عليه الإسلام أبو سيارة عميلة بن الأعزل.\rقال حويطب بن عبد العزى: رأيت أبا سيارة يدفع بالناس من جمع على أتان له عقوق. وذكروا أنه أجاز عليها أربعين سنة «٢» .\rقالوا: وكان إذا وقف بالناس قال: اتقوا الله ربكم، وأصلحوا أموالكم، واحفظوا جيرانكم، وقاتلوا أعداءكم، اللهم حبب بين نسائنا، وبغض بين رعائنا، واجعل أمر الناس بأيدى صالحائنا؛ ثم يقول: أفيضوا على بركة الله.\rوفيه يقول شاعر من العرب:\rنحن دفعنا عن أبى سياره ... وعن مواليه بنى فزاره","footnotes":"(١) حية الأرض: يقال حية فلان وحية الوادى، إذا كان مهيبا شديد الشكيمة حاميا لحوزته، أراد أنهم كانوا ذوى إرب وشدة لا يضيعون ثأرا. انظر: اللسان (مادة حيا) .\r(٢) انظر: السيرة (١/ ١١٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083494,"book_id":3509,"shamela_page_id":57,"part":"1","page_num":54,"sequence_num":57,"body":"حتى أجاز سالما حماره ... مستقبل القبلة يدعو جاره\rقوله: «حكم يقضى» يعنى عامر بن ظرب العدوانى، وكانت العرب لا يكون بينها ثائرة ولا عضلة «١» فى قضاء إلا أسندوا ذلك إليه ثم رضوا بما قضى فيه.\rفاختصم إليه، فى بعض ما كانوا يختلفون فيه، فى رجل خنثى له ما للرجل وله ما للمرأة، أيجعله رجلا أو امرأة؟ ولم يأتوه بأمر كان أعضل منه.\rفقال: حتى أنظر فى أمركم، فو الله ما نزل بى مثل هذه منكم يا معشر العرب.\rفاستأخروا عنه، فبات ليلته ساهرا يقلب أمره وينظر فى شأنه فلا يتوجه له من وجه، وكانت له جارية يقال لها: سخيلة، ترعى عليه غنمه، فكان يعاتبها إذا سرحت فيقول:\rصبحت والله يا سخيل. وإذا راحت عليه يقول: مسيت والله يا سخيل. وذلك أنها كانت تؤخر السرح حتى يسبقها بعض الناس، وتؤخر الإراحة حتى يسبقها بعض الناس.\rفلما رأت سهره وقلة قراره على فراشه قالت: ما لك لا أبالك! ما عراك فى ليلتك هذه؟! قال: ويلك دعينى، أمر ليس من شأنك. ثم عادت له بمثل قولها، فقال فى نفسه:\rعسى أن تأتى مما أنا فيه بفرج. فقال: ويحك، اختصم إلى فى ميراث خنثى، أأجعله رجلا أو امرأة؟ فو الله ما أدرى ما أصنع وما يتوجه لى فيه وجه.\rفقالت: سبحان الله! لا أبالك! اتبع القضاء المبال، أقعده، فإن بال من حيث يبول الرجل فهو رجل، وإن بال من حيث تبول المرأة فهو امرأة. قال: مسى سخيل بعدها أو ضحى، فرجتها والله. ثم خرج على الناس حين أصبح، فقضى بالذى أشارت إليه «٢» .\rوهذا كله من الخبر معترض قطع اتصال حديث صوفة وقصى، فنرجع الآن إليه ونصله بموضع انقطاعه.\rحيث ذكر أن صوفة هى التى كانت تلى الإجازة بالناس من منى والدفع بهم من عرفة، وأن قصيا عزم على انتزاع ذلك من أيديهم والقيام به دونهم، واستدعى لمظاهرته على ذلك أخاه رزاحا فوصله مع من ذكر وصوله معه.\rفلما كان ذلك العام فعلت صوفة مثل ما كانت تفعل، قد عرفت ذلك لها العرب، وهو دين فى أنفسهم من عهد جرهم وخزاعة.","footnotes":"(١) العضلة: الأمر الشديد، وقيل: الإعوجاج، والعضلة أيضا من أسماء الداهية.\r(٢) انظر: السيرة (١/ ١١٥) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083495,"book_id":3509,"shamela_page_id":58,"part":"1","page_num":55,"sequence_num":58,"body":"فأتاهم قصى بمن معه من قومه من قريش وكنانة وقضاعة عند العقبة، فقال: لنحن أولى بهذا الأمر منكم.\rفقاتلوه، فاقتتل الناس قتالا شديدا، ثم انهزمت صوفة وغلبهم قصى على ما كان بأيديهم من ذلك.\rوانحازت عند ذلك خزاعة وبنو بكر عن قصى، وعرفوا أنه سيمنعهم كما منع صوفة، وأنه سيحول بينهم وبين الكعبة وأمر مكة، فلما انحازوا عنه بادأهم وأجمع لحربهم، وخرجت له خزاعة وبنو بكر فالتقوا، فاقتتلوا قتالا شديدا بالأبطح، حتى كثرت القتلى فى الفريقين جميعا، وفشت الجراح فيهم وأكثر ذلك فى خزاعة.\rثم إنهم تداعوا إلى الصلح وإلى أن يحكموا بينهم رجلا من العرب، فحكموا يعمر ابن عوف بن كعب بن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن قصى.\rفقضى بينهم أن قصيا أولى بالكعبة وأمر مكة من خزاعة، وأن كل دم أصابه قصى من خزاعة وبنى بكر موضوع يشدخه «١» تحت قدميه، وأن ما أصابت خزاعة وبنو بكر من قريش وكنانة وقضاعة ففيه الدية مؤداة، وأن يخلى بين قصى وبين الكعبة ومكة.\rفسمى يعمر بن عوف يومئذ الشداخ، لما شدخ من الدماء، ووضع منها، ويقال:\rالشداح أيضا.\rفولى قصى البيت وأمر مكة، وجمع قومه من منازلهم إلى مكة، وتملك على قومه وأهل مكة فملكوه، إلا أنه قد أقر العرب على ما كانوا عليه، وذلك أنه كان يراه دينا فى نفسه لا ينبغى تغييره.\rفأقر آل صفوان وعدوان والنسأة ومرة بن عوف على ما كانوا عليه؛ حتى جاء الإسلام فهدم الله به ذلك كله «٢» .\rوبنو مرة بن عوف هم أهل البسل وقد تقدم ذكرهم.\rوأما النسأة «٣» فهم بنو فقيم بن عدى بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر.","footnotes":"(١) يشدخه: الشدخ الكسر فى كل شىء رطب، وقيل: هو التهشيم يعنى به كسر اليابس وكل أجوف. وقال الليث: الشدخ كسرك الشىء الأجوف كالرأس ونحوه. انظر: اللسان (مادة اشدخ) .\r(٢) انظر: السيرة (١/ ١١٦) .\r(٣) انظر: السيرة (١/ ٥٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083496,"book_id":3509,"shamela_page_id":59,"part":"1","page_num":56,"sequence_num":59,"body":"وهم الذين كانوا ينسأون الشهور على العرب فى الجاهلية، فيحلون الشهر من أشهر الحرم ويحرمون مكانه الشهر من أشهر الحل ويؤخرون ذلك الشهر، ففيه أنزل الله سبحانه: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ [التوبة: ٣٧] .\rوكان أول من نسأ الشهور منهم على العرب، فأحلت منها ما أحل وحرمت منها ما حرم: القلمس، وهو حذيفة بن عبد بن فقيم بن عدى، وتوارث ذلك بنوه من بعده، حتى كان آخرهم الذى قام عليه الإسلام أبو ثمامة جنادة بن عوف بن أمية بن قلع بن عباد بن حذيفة، وهو القلمس.\rقال الزبير: وكان أبعدهم ذكرا وأطولهم أمرا، يقال: إنه نسأ أربعين سنة.\rوكانت العرب إذا فرغت من حجها اجتمعت إليه، فحرم الأشهر الحرم الأربعة:\rرجبا، وذا القعدة، وذا الحجة، والمحرم. فإذا أراد أن يحل منها شيئا أحل المحرم فأحلوه، وحرم مكانه صفرا فحرموه، ليواطئوا عدة الأربعة الأشهر الحرم.\rفإذا أرادوا الصدر قام فيهم فقال: اللهم إنى قد أحللت أحد الصفرين، الصفر الأول، ونسأت الآخر للعام المقبل.\rوفى ذلك يقول عمير بن قيس، جذل الطعان، أحد بنى فراس بن غنم بن مالك بن كنانة، يفخر بالنسأة على العرب:\rلقد علمت معد أن قومى ... كرام الناس إن لهم كراما «١»\rفأى الناس فاتونا بوتر ... وأى الناس لم نعلك لجاما «٢»\rألسنا الناسئين على معد ... شهور الحل نجعلها حراما\rفهذا كان شأن النسأة فى الجاهلية، فأقره قصى على ما كان عليه، مع سائر ما ذكر إقراره العرب عليه، حتى جاء الإسلام فهدم الله به ذلك كله.\rفكان قصى أول بنى كعب بن لؤى أصاب ملكا أطاع له به قومه، فكانت إليه","footnotes":"(١) أن لهم كراما: أراد أن لهم آباء كراما أو أخلاقا كراما.\r(٢) الوتر: قيل طالب الثأر، وقيل: هو الظلم فى الزّحل، وقيل هو الزحل عامة. وقوله: لم نعلك لجاما: أى لم نزجرهم كما ينزجر الفرس باللجام. وتقول: أعلكت الفرس لجامه، إذا رددته من نشاطه فعلك اللجام.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083497,"book_id":3509,"shamela_page_id":60,"part":"1","page_num":57,"sequence_num":60,"body":"الحجابة والسقاية، والرفادة، والندوة، واللواء. فحاز شرف مكة كله، وقطع مكة رباعا بين قومه، فأنزل كل قوم من قريش منازلهم من مكة التى أصبحوا عليها.\rويزعم الناس أن قريشا هابوا قطع الشجر من الحرم فى منازلهم، فقطعها قصى بيده وأعوانه؛ فسمته قريش مجمعا، لما جمع من أمرها، وتيمنت بأمره، فما تنكح امرأة ولا يزوج رجل من قريش، ولا يشاورون فى أمر نزل بهم، ولا يعقدون لواء لحرب قوم غيرهم إلا فى داره، يعقده لهم بعض ولده، ولا يعذر غلام إلا فى داره، ولا تدرع جارية «١» من قريش إلا فى داره، يشق عليها فيها درعها إذا بلغت ذلك، ثم تدرعه ثم ينطلق بها إلى أهلها.\rولا تخرج عير من قريش فيرحلون إلا من داره، ولا يقدمون إلا نزلوا فى داره.\rفكان أمره فى قريش فى حياته ومن بعد موته كالدين المتبع، لا يعمل بغيره.\rواتخذ لنفسه الندوة، وجعل بابها إلى المسجد الكعبة، ففيها كانت قريش تقضى أمورها.\rولما فرغ قصى من حربه انصرف أخوه رزاح إلى بلاده بمن معه من قومه، فلما استقر فى بلاده نشره الله ونشر حبا، فهما قبيلا عذرة اليوم.\rفهذا حديث قصى فى ولاية البيت بعد حليل بن حبشية وإخراج خزاعة عنه «٢» .\rوخزاعة تزعم أن حليلا أوصى بذلك قصيا وأمره به حين انتشر له من ابنته من الولد ما انتشر، وقال: أنت أولى بالكعبة وبالقيام عليها وبأمر مكة من خزاعة فعند ذلك طلب قصى ما طلب.\rقال ابن إسحاق: ولم يسمع ذلك من غيرهم؛ فالله أعلم.\rوقد ذكر الواقدى الأمرين على نحو ما ذكر ابن إسحاق.\rقال: وقد سمعنا فى ذلك وجها آخر، ذكر أن أبا غبشان رجلا من خزاعة، كان ولى الكعبة فباع حجابتها من قصى بن كلاب بيعا. وذكر غيره أنه باع منه مفتاح الكعبة بزق خمر. فلذلك قيل: أخسر صفقة من أبى غبشان.","footnotes":"(١) تدرع جارية: من درع: ودرع المرأة: قميصها وهو أيضا الثوب الصغير فى بيتها والجمع أدرع. وفى التهذيب: الدرع: ثوب تجوب المرأة وسطه وتجعل له يدين وتخيط فرجته. انظر: اللسان (مادة درع) .\r(٢) انظر: السيرة (١/ ١١٥) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083498,"book_id":3509,"shamela_page_id":61,"part":"1","page_num":58,"sequence_num":61,"body":"وذكر الواقدى أيضا بإسناد له، أن رجلا من قضاعة يقال له: أبو الشموس؛ حدث عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وهو خليفة حديث قصى بن كلاب، وكيف استعان بإخوته على خزاعة، فاستمع له عمر وتعجب لأول الحديث وقال: ذكرتنا أمرا كان دثر منا، فالحمد لله رب العالمين، إن الله ﷿ ليصنع لهذا الحى من قريش، وهم أولى الناس أن يتقوا الله وتحسن سيرة من ولى منهم، بصنع الله لهم، جعل فيهم الإمامة وقبل ذلك النبوة.\rقالوا: فلما كبر قصى ورق، وكان عبد الدار بكره، وكان عبد مناف قد شرف فى زمان أبيه وذهب كل مذهب، وعبد العزى وعبد، قال قصى لعبد الدار: أما والله يا بنى لألحقنك بالقوم وإن كانوا قد شرفوا عليك.\rلا يدخل رجل منهم الكعبة حتى تكون أنت تفتحها له، ولا يعقد لقريش لواء إلا أنت بيدك، ولا يشرب رجل بمكة إلا من سقايتك، ولا يأكل أحد من أهل الحرم طعاما إلا من طعامك، ولا تقطع قريش أمرا من أمورها إلا فى دارك.\rفأعطاه دار الندوة التى لا تقضى قريش أمرا من أمورها إلا فيها، وأعطاه الحجابة واللواء والسقاية والرفادة.\rوكانت الرفادة خرجا تخرجه قريش فى كل موسم من أموالها إلى قصى بن كلاب، فيصنع به طعاما للحاج فيأكله من لم يكن له سعة ولا زاد «١» .\rوذلك أن قصيا فرضها على قريش، فقال لهم حين أمرهم به: يا معشر قريش، إنكم جيران الله وأهل بيته وأهل الحرم، وإن الحجاج ضيف الله وزوار بيته، وهم أحق الضيف بالكرامة، فاجعلوا لهم طعاما وشرابا أيام الحج حتى يصدروا عنكم» .\rففعلوا، فكانوا يخرجون لذلك كل عام من أموالهم خرجا فيدفعونه إليه، فيصنعه طعاما للناس أيام منى، فجرى ذلك من أمره فى الجاهلية على قومه حتى قام الإسلام، ثم جرى فى الإسلام إلى يومنا هذا، فهو الطعام الذى يصنعه السلطان كل عام بمنى للناس حتى ينقضى الحج.\rفمضى أمر قصى فى عبد الدار ابنه، وجعل إليه كل ما كان بيده من أمر قومه؛ وكان قصى لا يخالف ولا يرد عليه شىء صنعه.","footnotes":"(١) انظر: السيرة (١/ ١٢٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083499,"book_id":3509,"shamela_page_id":62,"part":"1","page_num":59,"sequence_num":62,"body":"ثم إن قصيا هلك، فأقام أمره فى قومه وفى غيرهم بنوه من بعده. فاختطوا مكة رباعا بعد الذى كان قصى قطع لقومه بها، فكانوا يقطعونها فى قومهم وفى غيرهم من حلفائهم ويبيعونها.\rفأقامت قريش على ذلك معهم ليس بينهم اختلاف ولا تنازع «١» .\rثم إن بنى عبد مناف بن قصى: عبد شمس وهاشما والمطلب ونوفلا أجمعوا أن يأخذوا ما فى يدى بنى عبد الدار بن قصى مما كان قصى جعل إلى عبد الدار من الحجابة واللواء والسقاية والرفادة، ورأوا أنهم أولى بذلك منهم لشرفهم عليهم وفضلهم فى قومهم، فتفرقت عند ذلك قريش، فكانت طائفة منهم مع بنى عبد مناف على رأيهم يرون أنهم أحق به من بنى عبد الدار لمكانهم فى قومهم، وكانت طائفة مع بنى عبد الدار يرون ألا ينزع منهم ما كان قصى جعل إليهم.\rفكان صاحب أمر بنى عبد مناف، عبد شمس بن عبد مناف؛ وذلك أنه كان أسنهم.\rوكان صاحب أمر بنى عبد الدار عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار.\rوكانت بنو أسد بن عبد العزى بن قصى، وبنو زهرة بن كلاب، وبنو تيم بن مرة ابن كعب، وبنو الحارث بن فهر مع بنى عبد مناف.\rوكان بنو مخزوم بن يقظة بن مرة، وبنو سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب، وبنو جمح بن عمرو بن هصيص، وبنو عدى بن كعب مع بنى عبد الدار.\rوخرجت عامر بن لؤى ومحارب بن فهر، فلم يكونوا مع واحد من الفريقين.\rفعقد كل قوم على أمرهم حلفا مؤكدا على أن لا يتخاذلوا ولا يسلم بعضهم بعضا ما بل بحر صوفة «٢» .\rفأخرج بنو عبد مناف جفنة مملوءة طيبا «٣» فوضعوها لأحلافهم فى المسجد عند","footnotes":"(١) انظر: السيرة (١/ ١٢٠)\r(٢) قال فى اللسان (مادة صوف) : صوف البحر شىء على شكل هذا الصوف الحيوانى واحدته صوفة، ومن الأبديات قولهم: لا آتيك ما بل بحر صوفة.\r(٣) قال فى السيرة: يزعمون أن بعض نساء بنى عبد مناف قد أخرجته لهما، ولم يسمها. وقال السهيلى فى الروض الأنف: سماها الزبير فى موضعين من كتابه فقال: هى أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ وتوأمة أبيه. انظر: الروض الأنف (١/ ١٥٣) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083500,"book_id":3509,"shamela_page_id":63,"part":"1","page_num":60,"sequence_num":63,"body":"الكعبة، ثم غمس القوم أيديهم فيها فتعاقدوا وتعاهدوا هم وحلفاؤهم، ثم مسحوا الكعبة بأيديهم توكيدا على أنفسهم، فسموا المطيبين.\rوتعاقد بنو عبد الدار وتعاهدواهم وحلفاؤهم عند الكعبة حلفا مؤكدا على أن لا يتخاذلوا ولا يسلم بعضهم بعضا، فسموا الأحلاف.\rثم سوند بين القبائل ولز بعضها ببعض، فعبئت عبد مناف لبنى سهم، وعبئت بنو أسد لبنى عبد الدار، وعبئت زهرة لبنى جمح، وعبئت تيم لبنى مخزوم، وعبئت بنو الحارث بن فهر لبنى عدى، ثم قالوا: لتغن كل قبيلة من أسند إليها.\rفبينما الناس على ذلك قد أجمعوا للحرب إذ تداعوا إلى الصلح على أن يعطوا بنى عبد مناف السقاية والرفادة، وأن تكون الحجابة واللواء والندوة لبنى عبد الدار كما كانت، ففعلوا، ورضى كل واحد من الفريقين بذلك، وتحاجز الناس عن الحرب، وثبت كل قوم مع من حالفوا، حتى جاء الله بالإسلام، فقال رسول الله ﷺ: «ما كان من حلف فى الجاهلية فإن الإسلام لم يزده إلا شدة» «١» .\rفهذا حلف المطيبين «٢» .\rوقد كان فى قريش حلف آخر بعده، وهو حلف الفضول «٣» ، تداعت إليه قبائل من قريش، فاجتمعوا إليه فى دار عبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة، لشرفه وسنه، فتعاقدوا وتعاهدوا على أن لا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها وغيرهم ممن دخلها من سائر الناس إلا قاموا معه، وكانوا على من ظلمه حتى ترد عليه مظلمته، فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول.\rواختلف فى السبب الذى دعا قريشا إلى هذا الحلف، ولم سمى بهذا الاسم، فأما ما","footnotes":"(١) أخرجه البيهقى فى السنن الكبرى (٦/ ٣٣٥) .\r(٢) انظر: السيرة (١/ ١٢٠- ١٢٢) .\r(٣) قال السهيلى فى الروض الأنف (١/ ١٥٥) : قال ابن قتيبة: كان قد سبق قريشا إلى مثل هذا الحلف جرهم فى الزمن الأول، فتحالف منهم ثلاثة هم ومن تبعهم، أحدهم: الفضل بن فضالة، والثانى: الفضل بن وداعة، والثالث: فضيل بن الحارث، هذا قول القتبى. وقال الزبير: الفضيل ابن شراعة، والفضل بن وداعة، والفضل بن قطاعة، فلما أشبه حلف قريش الآخر فعل هؤلاء الجرهميين سمى: حلف الفضول، والفضول جمع فضل، وهى أسماء أولئك الذين تقدم ذكرهم، وهذا الذى قال ابن قتيبة حسن.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083501,"book_id":3509,"shamela_page_id":64,"part":"1","page_num":61,"sequence_num":64,"body":"دعاهم إليه، فذكر الزبير وغيره أن رجلا من أهل اليمن من بنى زبيد قدم مكة معتمرا ومعه بضاعة له، فاشتراها رجل من بنى سهم، ويقال: إنه العاص بن وائل، فلوى الرجل بحقه، فسأله ماله فأبى عليه، وسأله متاعه فأبى عليه، فجاء إلى بنى سهم يستعديهم عليه، فأغلظوا له، فعرف أن لا سبيل إلى ماله، فطوف فى قبائل قريش يستعين بهم، فتخاذلت القبائل عنه، فلما رأى ذلك قام على الحجر، ويقال: بل أشرف على أبى قبيس حين أخذت قريش مجالسها ثم نادى بأعلى صوته ثم قال:\rيا آل فهر لمظلوم بضاعته ... ببطن مكة نائى الدار والنفر\rوأشعث محرم لم يقض حرمته ... بين الإله وبين الحجر والحجر\rأقائم من بنى سهم بذمتهم ... أم ذاهب فى ضلال مال معتمر\rفلما سمعت ذلك قريش أعظموه وتكلموا فيه، فقال المطيبون: والله لئن قمنا فى هذا لتغضبن الأحلاف، وقال الأحلاف: والله لئن تكلمنا فى هذا ليغضبن المطيبون. فقال ناس من قريش: تعالوا فلنكن حلفا فضولا دون المطيبين ودون الأحلاف، فلذلك قيل له:\rحلف الفضول.\rفاجتمعوا فى دار عبد الله بن جدعان، وصنع لهم طعاما كثيرا، وكان رسول الله ﷺ يومئذ معهم قبل أن يوحى إليه، فاجتمعت بنو هاشم وبنو المطلب وزهرة وأسد وتيم، فتحالفوا على أن لا يظلم بمكة قريب ولا غريب ولا حر ولا عبد إلا كانوا معه، حتى يأخذوا له بحقه ويردوا إليه مظلمته من أنفسهم ومن غيرهم، ثم عمدوا إلى ماء من ماء زمزم فجعلوه فى جفنة، ثم بعثوا به إلى البيت فغسلت فيه أركانه، ثم أتوا به فشربوه، ثم انطلقوا إلى الرجل الذى تعدى على الرجل المستصرخ، العاص بن وائل أو غيره. فقالوا:\rوالله لا نفارقك حتى تؤدى إليه حقه.\rفأعطى الرجل حقه، فمكثوا كذلك لا يظلم أحد حقه بمكة إلا أخذوه له، وقال رسول الله ﷺ: «لقد شهدت فى دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لى به حمر النعم، ولو أدعى به فى الإسلام لأجبت» «١» .\rوحكى الزبير أيضا أنه إنما سمى حلف الفضول لأنهم تحالفوا على أن لا يتركوا لأحد عند أحد فضلا إلا أخذوه. وقيل: إنما سمى بذلك لأنه لما تداعى له من ذكر من قبائل قريش كره ذلك سائر المطيبين والأحلاف بأسرهم، وسموه حلف الفضول، عيبا","footnotes":"(١) أخرجه البيهقى فى السنن الكبرى (٦/ ١٦٧) ، القرطبى فى تفسيره (٦/ ٣٣، ١٠/ ١٦٩) ، ابن كثير فى البداية والنهاية (٢/ ٢٩١) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083502,"book_id":3509,"shamela_page_id":65,"part":"1","page_num":62,"sequence_num":65,"body":"له، وقالوا: هذا من فضول القوم.\rوقيل: بل كان هذا الحلف على مثل حلف تقدم إليه نفر من جرهم يقال لهم:\rالفضل وفضال والفضيل، فسمى لذلك هذا الآخر حلف الفضول، وأيا ما كان من ذلك، فهى مأثره لقريش من مآثرها الكرام، وآثارها العظام، نالتهم فيه بركة حضور رسول الله ﷺ، فهو وإن كان فعلا جاهليا دعتهم السياسة إليه، فقد صار لحضور رسول الله ﷺ له وما قاله بعد النبوة فيه وأكده من أمره، حكما شرعيا وفعلا نبويا.\rوقد نشأ بين حسين بن على بن أبى طالب رضى الله عنهما، وبين الوليد بن عتبة بن أبى سفيان زمن معاوية، والوليد يومئذ أمير المدينة من قبله منازعة فى مال كان بينهما بذى المروة، فكأن الوليد تحامل على حسين فى حقه لسلطانه، فقال له حسين: أحلف بالله لتنصفنى من حقى أو لآخذن سيفى ثم لأقومن فى مسجد رسول الله ﷺ، ثم لأدعون بحلف الفضول.\rفقال عبد الله بن الزبير وهو عند الوليد: وأنا أحلف بالله لئن دعا به لآخذن سيفى ثم لأقومن معه حتى ينصف من حقه أو نموت جميعا. وبلغت المسور بن مخرمة الزهرى فقال مثل ذلك. وبلغت عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمى فقال مثل ذلك. فلما بلغ ذلك الوليد أنصف الحسين من حقه حتى رضى. ولم تكن بنو عبد شمس دخلت فى هذا الحلف.\rوقد سأل عبد الملك بن مروان عن ذلك محمد بن جبير بن مطعم إذ قدم عليه حين قتل ابن الزبير، واجتمع الناس على عبد الملك بن مروان، وكان محمد بن جبير أعلم قريش، فلما دخل عليه قال: يا أبا سعيد، ألم نكن نحن وأنتم، يعنى بنى عبد شمس وبنى نوفل ابنى عبد مناف، فى حلف الفضول؟ قال: أنت أعلم. قال عبد الملك: لتخبرنى يا أبا سعيد بالحق من ذلك. فقال: لا والله، لقد خرجنا منه نحن وأنتم. قال: صدقت.\rفكان عتبة بن ربيعة بن عبد شمس يقول: لو أن رجلا وحده خرج من قومه لخرجت من عبد شمس، حتى أدخل فى حلف الفضول.\rوكانت لقريش أحلام عظام، كانوا منها فى جاهليتهم على مثل السلطان الضابط، عناية من الله بهم ومنا منه سبحانه عليهم، هم سكان الحرم، وأهل الله وحجاب بيته، وأهل السقاية والرفادة والرياسة واللواء والندوة ومكارم مكة، وكانوا على إرث من دين أبويهم إبراهيم وإسماعيل صلى الله عليهما، من قرى الضيف ورفد الحاج وتعظيم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083503,"book_id":3509,"shamela_page_id":66,"part":"1","page_num":63,"sequence_num":66,"body":"الحرم ومنعه من البغى فيه والإلحاد، وقمع الظالم ومنع المظلوم.\rإلا أنه دخلت على أوليتهم أحداث غيرت أصول الحنيفية عندهم، وطال الزمان حتى أفضى ذلك بهم إلى جهالات بشرائع الدين وضلالات عن سنن التوحيد فتدارك الله ذلك كله بنبيه ﷺ، فهدى من الضلالة وعلم من الجهالة.\rفيقال: إنه كان أول من غير الحنيفية دين إبراهيم ونصب الأوثان حول الكعبة ودعا إلى عبادتها: عمرو بن لحى بن قمعة بن إلياس بن مضر.\rروى أبو هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول لأكثم بن الجون الخزاعى: «يا أكثم، رأيت عمرو بن لحى بن قمعة بن خندف يجر قصبه فى النار، فما رأيت رجلا أشبه برجل منك به ولا بك منه» . فقال أكثم: عسى أن يضرنى بشبهه يا نبى الله، قال: «لا، لأنك مؤمن وهو كافر، إنه كان أول من غير دين إسماعيل، فنصب الأوثان وبحر البحيرة وسيب السائبة ووصل الوصيلة وحمى الحامى» «١» .\rفالبحيرة «٢» : عند العرب الناقة تشق أذنها ولا يركب ظهرها ولا يجزّ وبرها ولا يشرب لبنها إلا ضيف، أو يتصدق به، وتهمل لآلهتهم.\rوالسائبة: التى ينذر الرجل إن برئ من مرضه أو أصاب أمرا يطلبه أن يسيبها ترعى لا ينتفع بها.\rوالوصيلة: التى تلد أمها اثنين فى كل بطن، فيجعل صاحبها لآلهته الإناث منها ولنفسه الذكور، فتلدها أمها ومعها ذكر فى بطن فيقولون: وصلت أخاها، فيسيب أخوها معها فلا ينتفع به.\rوالحامى: الفحل إذا نتج له عشر إناث متتابعات ليس بينهن ذكر حمى ظهره، فلم يركب ولم يجز وبره وخلى فى إبله يضرب فيها، لا ينتفع منه بغير ذلك.\rفلما بعث الله رسوله ﷺ أنزل عليه: ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ [المائدة:\r١٠٣] .","footnotes":"(١) أخرجه الطبرى فى تفسيره (٧/ ٥٦) ، ابن كثير فى تفسيره (٣/ ٢٠٤) ، الألبانى فى السلسلة الصحيحة (١٦٧٧) .\r(٢) انظر: السيرة (١/ ٩٠- ٩٢) ، أمر البحيرة والسائبة والوصيلة والحامى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083504,"book_id":3509,"shamela_page_id":67,"part":"1","page_num":64,"sequence_num":67,"body":"وذكر بعض أهل العلم أن عمرو بن لحى خرج من مكة إلى الشام فى بعض أموره، فلما قدم مآب من أرض البلقاء وبها يومئذ العماليق وهم من ولد عملاق، ويقال:\rعمليق بن لاوذ بن سام بن نوح، رآهم يعبدون الأصنام، فقال لهم: ما هذه الأصنام التى أراكم تعبدون؟ قالوا: هذه أصنام نعبدها ونستمطرها فتمطرنا ونستنصرها فتنصرنا.\rفقال لهم: أفلا تعطوننى منها صنما فأسير به إلى أرض العرب فيعبدوه؟ فأعطوه صنما يقال له: «هبل» ؛ فقدم به مكة، فنصبه وأمر الناس بعبادته وتعظيمه.\rقال ابن إسحاق: ويزعمون أن أول ما كانت عبادة الحجارة فى بنى إسماعيل، أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن منهم حين ضاقت عليهم والتمسوا الفسيح فى البلاد، إلا حمل معه حجرا من حجارة الحرم تعظيما للحرم، فحيثما نزلوا وضعوه وطافوا به كطوافهم بالكعبة. حتى سلخ ذلك بهم إلى أن كانوا يعبدون ما استحسنوه من الحجارة، وأعجبهم حتى خلفت الخلوف «١» ونسوا ما كانوا عليه واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل غيره فعبدوا الأوثان وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم قبلهم من الضلالات «٢» .\rوفيهم على ذلك بقايا من عهد إبراهيم يتمسكون بها، من تعظيم البيت والطواف به والحج والعمرة والوقوف على عرفة والمزدلفة وهدى البدن والإهلال بالحج والعمرة، مع إدخالهم فيه ما ليس منه.\rفكانت كنانة وقريش إذا أهلوا قالوا: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريك هو لك تملكه وما ملك» ، فيوحدونه بالتلبية، ثم يدخلون معه أصنامهم، ويجعلون ملكها بيده! يقول الله ﵎ لنبيه محمد ﷺ: وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [يوسف: ١٠٦] ، أى ما يوحدوننى بمعرفة حقى إلا جعلوا معى شريكا من خلقى.\rوقد كانت لقوم نوح أصنام عكفوا عليها، قص الله ﵎ خبرها على رسوله ﷺ، فقال: وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً [نوح: ٢٣] .\rوذكر الواقدى بإسناد له عن أبى هريرة أن أول ما عبدت الأصنام فى زمن نوح عليه","footnotes":"(١) الخلوف: جمع خلاف، وهو القرن بعد القرن.\r(٢) انظر: السيرة (١/ ٨٢) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083505,"book_id":3509,"shamela_page_id":68,"part":"1","page_num":65,"sequence_num":68,"body":"السلام، وأن ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا كانوا رجالا صالحين من قوم نوح، أهل عبادة وفضل، فماتوا، فوجد عليهم أهلوهم وتوحش الناس لفقدهم، فقال لهم رجل: ألا أصورهم لكم صورا من خشب فتنظرون إليهم وتسكنون إلى رؤيتهم؟ قالوا: بلى إن قدرت، قال: أنا أقدر على تصويرهم، ولا أقدر أن أنفخ الروح فيهم.\rفجاء بالصور كهيئتهم أحياء، فأخذ أهل كل بيت صورة صاحبهم فوضعوها فى منزلهم ينظرون إليها، فأذهب ذلك بعض حزنهم. فكانوا على ذلك ما شاء الله، حتى هلك ذلك القرن، ثم خلف قرن آخر ثم ثالث بعده فكانوا على ما كان عليه القرن الأول حتى هلكوا.\rثم خلف القرن الرابع، فقالوا: لو أنا عبدنا هؤلاء لقربونا إلى الله وشفعوا لنا عنده، ولا يزيدونا إلا خيرا إنما نريد ما يقربنا منه، فعبدوها حتى هلكوا، وعبدها من بعدهم.\rفلما غرقت الأرض زمن نوح ﵇، غرقت تلك الأصنام، فمكثت ما شاء الله أن تمكث، ثم استخرجها عمرو بن لحى ففرقها فى القبائل. فالله تعالى أعلم.\rوقد خرج البخارى فى صحيحه من حديث عبد الله بن عباس موقوفا عليه فى التفسير نحو ما ذكره الواقدى مختصرا، أن ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا أسماء رجال صالحين من قوم نوح ﵇، فلما هلكوا أوحى الشياطين إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التى كانوا يجلسون إليها أنصابا وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم عبدت.\rقال ابن إسحاق: واتخذ أهل كل دار فى دارهم صنما يعبدونه، فإذا أراد الرجل منهم سفرا تمسح به حين يركب، فكان ذلك آخر ما يصنع حين يتوجه إلى سفره، وإذا قدم من سفره تمسح به، وكان أول ما يبدأ به قبل أن يدخل على أهله، فلما بعث الله رسوله محمد ﷺ بالتوحيد قالت قريش: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ [ص: ٥] «١» .","footnotes":"(١) ذكر الإمام أحمد فى مسنده (١/ ٢٢٧) أن هذه الآية نزلت حين مرض أبو طالب فدخل عليه رهط من قريش فيهم أبو جهل وشكوا النبى ﷺ لعمه أبى طالب فقال له أبو طالب: أى ابن أخى ما بال قومك يشكونك يزعمون أنك تشتم آلهتهم وتقول وأكثروا عليه من القول وتكلم رسول الله ﷺ فقال: «يا عم إنى أريدهم على لمة واحدة يقولونها تدين لهم بها العرب وتؤدى إليهم بها العجم الجزية» ، ففزعوا لكلمته ولقوله، فقال القوم: كلمة واحدة، نعم وأبيك عشرا، قالوا: فما هى؟ قال: «لا إله إلا الله» ، فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم، وهم يقولون: أَجَعَلَ-","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083506,"book_id":3509,"shamela_page_id":69,"part":"1","page_num":66,"sequence_num":69,"body":"وكانت العرب قد اتخذت مع الكعبة طواغيت، وهى بيوت تعظمها كتعظيم الكعبة، لها سدنة وحجاب، وتهدى إليها كما تهدى للكعبة، وتطوف بها كطوافها، وتنحر عندها، وهى تعرف فضل الكعبة عليها، لأنها قد عرفت أنها بيت إبراهيم ﵇ ومسجده.\rوسيمر فى تضاعيف هذا الكتاب بعض أخبار هذه الطواغيت وكيف جعل الله عاقبة أمرها خسرا، فأزهق الحق باطلها وعفى الإسلام آثارها، وأكمل الله تعالى دينه، وتم نوره ونعمته، ونصر دين الهدى والحق، فأظهره على الدين كله.\rومع إصفاق العرب مضرها ويمنها على هذا الضلال، فقد كان وقع إلى بعضهم باليمن دين اليهودية فدانوا به، ووقع أيضا دين النصرانية بنجران من أرض العرب على ما نذكره.\rفأما موقع اليهودية باليمن فمن جهة تبع الآخر، وهو تبان أسعد أبو كرب بن كلكى ابن كرب بن زيد، وهو تبع الأول بن عمرو ذى الأذعار بن أبرهة ذى المنار. وتبان أسعد هو الذى قدم المدينة وساق الحبرين من يهود إلى اليمن، وعمر البيت الحرام وكساه.\rوكان قد جعل طريقه حين أقبل من المشرق على المدينة، وكان قد مر بها فى بدأته فلم يهج أهلها وخلف بين أظهرهم ابنا له فقتل غيلة، فقدمها، وهو مجمع لإخرابها واستئصال أهلها وقطع نخلها.\rفجمع له هذا الحى من الأنصار، ورئيسهم عمرو بن ظلة أخو بنى النجار، وقد كان رجل من بنى عدى بن النجار يقال له: أحمر، عدا على رجل من أصحاب تبع، حين نزل بهم، فقتله. وذلك أنه وجده فى عذق له يجده «١» ، فضربه بمنجله فقتله، وقال: إنما التمر لمن أبره «٢» . فزاد ذلك تبعا حنقا عليهم.\rفاقتتلوا، فتزعم الأنصار أنهم كانوا يقاتلونه بالنهار ويقرونه بالليل! فيعجبه ذلك منهم، ويقول: والله إن قومنا لكرام.","footnotes":"- الْآلِهَةَ الآية، فزل فيهم: ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ. وأخرجه الترمذى فى كتاب التفسير (٣٢٣٢) . وذكره ابن كثير فى البداية (٣/ ١٣٥) .\r(١) العذق: كل غصن له شعب، وقيل: هى النخلة عند أهل الحجاز، ويجده: أى يقطعه.\r(٢) أبره: أى أصلحه، والأبر: العامل، والمؤتبر: رب الزرع، والمأبور: الزرع والنخل المصلح. انظر: اللسان (مادة أبر) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083507,"book_id":3509,"shamela_page_id":70,"part":"1","page_num":67,"sequence_num":70,"body":"فبينا تبع على ذلك من حربهم إذ جاءه حبران من أحبار يهود من بنى قريظة عالمان راسخان، حين سمعا بما يريد من إهلاك المدينة وأهلها، فقالا له: أيها الملك: لا تفعل، فإنك إن أبيت إلا ما تريد حيل بيتك وبينها، ولم نأمن عليك عاجل العقوبة. فقال لهما: ولم ذلك؟ قالا: هى مهاجر نبى يخرج من هذا الحرم من قريش فى آخر الزمان، تكون داره وقراره.\rفتناهى ورأى أن لهما علما، وأعجبه ما سمع منهما، فانصرف عن المدينة واتبعهما على دينهما.\rوهذا الحى من الأنصار يزعمون أنه إنما كان حنق تبع على هذا الحى من يهود، الذين كانوا بين أظهرهم، وإنما أراد هلاكهم فمنعوهم منه، ثم انصرف عنهم، ولذلك قال فى شعره:\rحنقا على سبطين حلا يثربا ... أولى لهم بعقاب يوم مفسد\rوذكر ابن هشام أن الشعر الذى فيه هذا البيت مصنوع «١» .\rوكان تبع وقومه أصحاب أوثان يعبدونها، فوجه إلى مكة وهى طريقه إلى اليمن، حتى إذا كان بين عسفان وأمج «٢» أتاه نفر من هذيل بن مدركة فقالوا له: أيها الملك:\rألا ندلك على بيت مال داثر أغفلته الملوك قبلك، فيه اللؤلؤ والزبرجد والياقوت والذهب والفضة؟ قال: بلى. قالوا: بيت بمكة يعبده أهله ويصلون عنده «٣» .\rوإنما أراد الهذليون هلاكه بذلك، لما عرفوا من هلاك من أراده من الملوك وبغى عنده. فلما أجمع لما قالوا أرسل إلى الحبرين، فسألهما عن ذلك، فقالا: ما أراد القوم إلا هلاكك وهلاك جندك، وما نعلم بيتا لله اتخذه فى الأرض لنفسه غيره، ولئن فعلت ما دعوك إليه لتهلكن وليهلكن من معك جميعا.","footnotes":"(١) قال السهيلى فى الروض الأنف (١/ ٢٩) : الشعر الذى زعم ابن هشام أنه مصنوع، قد ذكره فى كتاب التيجان وهو قصيد مطول أوله:\rما بال عينيك لا تنام كأنما ... كحلت مآقيها بسم الأسود\rانتهى باختصار.\r(٢) أمج: بفتح أوله وثانيه وبالجيم، قرية جامعة ما بين مكة والمدينة على أميال من قديد لها سور، وهى كثيرة المزارع وأهلها من خزاعة، وبها آثار كثيرة وبها نخل، وهى محلة بنى نمرة وجماعة من الناس. انظر: الروض المعطار (ص ٣٠، ٣١) .\r(٣) انظر: السيرة (١/ ٣٧) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083508,"book_id":3509,"shamela_page_id":71,"part":"1","page_num":68,"sequence_num":71,"body":"قال: فماذا تأمرانى أن أصنع إذا قدمت عليه؟ قالا: تصنع عنده ما يصنع أهله، تطوف به وتعظمه وتكرمه، وتحلق رأسك عنده، وتذلل له حتى تخرج من عنده.\rقال: فما يمنعكما أنتما من ذلك؟ قالا: أما والله إنه لبيت أبينا إبراهيم، وإنه لكما أخبرناك، ولكن أهله حالوا بيننا وبينه بالأوثان التى نصبوها حوله، وبالدماء التى يهريقون عنده، وهم نجس أهل شرك؛ أو كما قالا له.\rفعرف نصحهما وصدق حديثهما، فقرب النفر من هذيل فقطع أيديهم وأرجلهم.\rثم مضى حتى قدم مكة فطاف بالبيت ونحر عنده، وحلق رأسه، وأقام بمكة ستة أيام فيما يذكرون ينحر بها للناس ويطعم أهلها ويسقيهم العسل.\rورأى فى المنام أن يكسو البيت فكساه الخصف «١» ، ثم أرى أن يكسوه أحسن من ذلك، فكساه المعافر، ثم أرى أن يكسوه أحسن من ذلك، فكساه الملاء والوصائل، فكان تبع فيما يزعمون أول من كسا البيت.\rوأوصى به ولاته من جرهم، وأمرهم بتطهيره، وأن لا يقربوه دما ولا ميتة ولا مئلاة «٢» وهى المحائض وجعل له بابا ومفتاحا. ثم خرج موجها إلى اليمن بمن معه من جنوده وبالحبرين، حتى إذا دخل اليمن دعا قومه إلى الدخول فيما دخل فيه، فأبوا عليه، حتى يحاكموه إلى النار التى كانت باليمن.\rويقال: إنه لما دنا من اليمن ليدخلها حالت حمير بينه وبين ذلك، وقالوا: لا تدخلها علينا وقد فارقت ديننا. فدعاهم إلى دينه وقال: إنه خير من دينكم. قالوا: فحاكمنا إلى النار، قال: نعم.\rوكان باليمن فيما يزعم أهل اليمن، نار تحكم بينهم فيما يختلفون فيه، تأكل الظالم ولا تضر المظلوم.\rفخرج قومه بأوثانهم وما يتقربون به فى دينهم، وخرج الحبران بمصاحفهما فى أعناقهما متقلديها، حتى قعدوا للنار عند مخرجها الذى تخرج منه، فخرجت النار عليهم، فلما أقبلت نحوهم حادوا عنها وهابوها، فذمرهم من حضرهم من الناس وأمروهم بالصبر لها. فصبروا حتى غشيتهم فأكلت الأوثان وما قربوا معها، ومن حمل ذلك من","footnotes":"(١) الخصف: سفائف تسف من سعف النخل، فيسوى منها شقائق تلبس بيوت الأعراب، وقيل: هى ثياب غلاظ. انظر: اللسان (مادة/ خصف) .\r(٢) مئلاة: هى خرقة الحائض وهى أيضا خرقة النائحة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083509,"book_id":3509,"shamela_page_id":72,"part":"1","page_num":69,"sequence_num":72,"body":"رجال حمير.\rوخرج الحبران بمصاحفهما فى أعناقهما تعرق جباههما لم تضرهما. فأصفقت عند ذلك حمير على دينه. من هنالك وعن ذلك كان أصل اليهودية باليمن.\rقال ابن إسحاق «١» : وقد حدثنى محدث أن الحبرين ومن خرج من حمير إنما اتبعوا النار ليردوها وقالوا: من ردها فهو أولى بالحق فدنا منها رجال حمير بأوثانهم ليردوها، فدنت منهم لتأكلهم، وحادوا عنها ولم يستطيعوا ردها، ودنا منها الحبران بعد ذلك، وجعلا يتلوان التوراة وتنكص «٢» عنهما حتى رداها إلى مخرجها الذى خرجت منه.\rفأصفقت عند ذلك حمير على دينهما. فالله أعلم أى ذلك كان.\rوكان رئام بيتا لهم يعظمونه وينحرون عنده ويكلمون منه إذ كانوا على شركهم، فقال الحبران لتبع: إنما هو شيطان يفتنهم فخل بيننا وبينه. قال: فشأنكما به. فاستخرجا منه فيما يزعم أهل اليمن، كلبا أسود، فذبحاه ثم هدما ذلك الييت.\rقال ابن إسحاق «٣» : فبقاياه اليوم كما ذكر لى، بها آثار الدماء التى كانت تهراق عليه. وتبع هذا هو أحد الملوك الذين وطئوا البلاد ودوخوا الأرض ودانت لهم الممالك، ويقال: إنه المسمى فى قوله تعالى: أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْناهُمْ [الدخان: ٣٧] ، ذلك لأنه لما آمن فى آخر عمره ووحد، خالفته حمير فتفرقوا عنه، فانتقهم الله منهم.\rوحكى الحسن بن أحمد الهمدانى: أنه أول ملك بشر برسول الله ﷺ وآمن به، وهو رتب الملوك وأبناء الملوك من قومه فى قبائل العرب والعجم ومدائنها وأمصارها، وكان لكل قبيلة من العرب ولكل حى من العجم ملك من قومه، إما حميرى وإما كهلانى يسمع له ويطاع.\rويذكر أنه جمع الملوك وأبناء الملوك والأقاول وأبناء الأقاول من قومه، وقال لهم:\rأيها الناس: إن الدهر نفد أكثره ولم يبق إلا أقله، وإن الكثير إذا قل إلى النقصان","footnotes":"(١) انظر: السيرة (١/ ٤٠- ٤١) .\r(٢) تنكص: من النكوص: وهو الإحجام عن شىء، وقيل: هو الرجوع إلى الوراء، وقيل: هو القهقرى. انظر: اللسان (مادة/ نكص) .\r(٣) انظر: السيرة (١/ ٤١) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083510,"book_id":3509,"shamela_page_id":73,"part":"1","page_num":70,"sequence_num":73,"body":"أجرى منه إلى الزيادة، سارعوا إلى المكارم، فإنها تقربكم إلى الفلاح، واعملوا، على أنه من سلم من يومه لم يسلم من غده، ومن سلم من الغد لا يسلم مما بعده، وإنكم لتؤوبون مآب الآباء والأجداد وتصيرون إلى ما صاروا إليه، والموت كل يوم أقرب إلى المرء من حياته منه، ولكل زمان أهل، ولكل دائرة سبب، وسبب عطلان هذه الفترة التى من عز فيها بز من هو دونه، ظهور نبى يعز الله به دينه ويخصه بالكتاب المبين، على يأس من المرسلين، رحمة للمؤمنين وحجة على الكافرين، فليكن ذلك عندكم وعند أبنائكم بعدكم وأبناء أبنائكم قرنا فقرنا وجيلا فجيلا، ليتوقعوا ظهوره وليؤمنوا به وليجتهدوا فى نصره على كافة الأحياء، حتى يفىء الناس له إلى أمر الله.\rوأنشد له:\rشهدت على أحمد أنه ... رسول من الله بارى النسم\rفلو مد دهرى إلى دهره ... لكنت وزيرا له وابن عم\rوألزمت طاعته كل من ... على الأرض من عرب أو عجم\rولكن قولى له دائما ... سلام على أحمد فى الأمم\rفى أبيات ذكرها، وأشعار غير هذا أثبت فى «إكليله» كثيرا منها.\rقال: وذكروا أن الملوك وأبناء الملوك من حمير وكهلان لم تزل تتوقع ظهور النبى ﷺ وتبشر به، وتوصى بالطاعة له والإيمان به والجهاد معه والقيام بنصره، منذ ذلك العصر إلى أن ظهر رسول الله ﷺ، فكانوا بذلك حين بعث من أحرص الناس على نصره وطاعته.\rفمنهم من سمع له وأطاع وآمن به قبل أن يراه، ومنهم من وصل إليه كتابه فسمع وأطاع وآمن وصدق، ومنهم من آواه ونصره وأيده وجاهد فى سبيل الله دونه، نطق بذلك الكتاب المنير فى قوله: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ [الحشر: ٩] .\rوقوله ﵎: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ [المائدة: ٥٤، ٥٥] إلى آخر الآية.\rقال الهمدانى: عن أبى الحسن الخزاعى يقال: إنهم همدان. ثم أشار إلى ذكر سيف","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083511,"book_id":3509,"shamela_page_id":74,"part":"1","page_num":71,"sequence_num":74,"body":"ابن ذى يزن للنبى ﷺ وما ألقاه من أمره إلى جده عبد المطلب عند وفادته عليه.\rقال: وذكروا أنه لم يكن لسيف بن ذى يزن ذلك العلم فى قصة النبى ﷺ إلا من جهة تبع، وما تناهى إليه مما كان ألقاه إليهم وعرفهم به من خبر النبى ﷺ، وسنذكر خبر سيف هذا فى موضعه إن شاء الله.\rوأما موقع النصرانية «١» بأرض العرب، فقد كان بنجران بقايا من أهل دين عيسى ابن مريم على الإنجيل، أهل فضل واستقامة من أهل دينهم، لهم رأس يقال له عبد الله ابن الثامر، وكان موقع أصل ذلك الدين بنجران، وهى بأوسط أرض العرب فى ذلك الزمان، وأهلها وسائر العرب كلها أهل أوثان يعبدونها أن رجلا من بقايا أهل ذلك الدين يقال له: «فيميون» ، وقع بين أظهرهم فحملهم عليه فدانوا به.\rفحدث وهب بن منبه: أن فيميون كان رجلا صالحا مجتهدا زاهدا فى الدنيا مجاب الدعوة، وكان سائحا ينزل القرى، لا يعرف فى قرية إلا خرج منها إلى قرية لا يعرف بها، وكان لا يأكل إلا من كسب يده، وكان بناء يعمل الطين، وكان يعظم الأحد، فإذا كان يوم الأحد لم يعمل فيه شيئا، وخرج إلى فلاة من الأرض، فصلى فيها حتى يمسى.\rقال: وكان فى قرية من قرى الشام يعمل عمله ذلك مستخفيا، ففطن لشأنه رجل من أهلها يقال له صالح، فأحبه صالح حبا لم يحب شيئا كان قبله مثله، فكان يتبعه حيث ذهب ولا يفطن له فيميون، حتى خرج مرة فى يوم الأحد إلى فلاة من الأرض كما كان يصنع، وقد أتبعه صالح، وفيميون لا يدرى، فجلس صالح منه منظر العين مستخفيا منه لا يحب أن يعلم بمكانه، وقام فيميون يصلى، فبينا هو يصلى إذ أقبل نحوه التنين، الحية ذات الرؤس السبعة، فلما رآها فيميون دعا عليها فماتت، ورآها صالح ولم يدر ما أصابها فخاف عليه فعيل عوله فصرخ: يا فيميون التنين قد أقبل نحوك.\rفلم يلتفت إليه وأقبل على صلاته حتى فرغ منها.\rوأمسى فانصرف وعرف أنه قد عرف، وعرف صالح أنه قد رأى مكانه، فقال له: يا فيميون تعلم والله أنى ما أحببت شيئا قط حبك، وقد أردت صحبتك والكينونة معك حيثما كنت.\rقال: ما شئت، أمرى كما ترى، فإن علمت أنك تقوى عليه فنعم. فلزمه صالح، وقد كاد أهل القرية يفطنون لشأنه، وكان إذا ما جاءه العبد به الضر دعا له فشفى، وإذا","footnotes":"(١) راجع السيرة (١/ ٤٦) ، وما بعدها. أمر عبد الله بن الثامر، وأصحاب الأخدود.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083512,"book_id":3509,"shamela_page_id":75,"part":"1","page_num":72,"sequence_num":75,"body":"دعى إلى أحد به ضر لم يأته.\rوكان لرجل من أهل القرية ابن ضرير، فسأل عن شأن فيميون، فقيل له: إنه لا يأتى أحدا دعاه، ولكنه رجل يعمل للناس البنيان بالأجر، فعمد الرجل إلى ابنه ذلك فوضعه فى حجرته وألقى عليه ثوبا، ثم جاءه فقال: يا فيميون، إنى قد أردت أن أعمل فى بيتى عملا، فانطلق معى حتى تنظر إليه فأشارطك عليه.\rفانطلق معه حتى دخل حجرته، ثم قال له: ما تريد أن تعمل فى بيتك هذا؟ قال:\rكذا وكذا. ثم انتشط الثوب عن الصبى وقال: يا فيميون: عبد من عباد الله أصابه ما ترى فادع الله له. فدعا له فيميون فقام الصبى ليس به بأس «١» .\rوعرف فيميون أنه قد عرف، فخرج من القرية، واتبعه صالح، فبينا هو يمشى فى بعض الشام إذ مر بشجرة عظيمة فناداه منها رجل فقال: يا فيميون ما زلت أنتظرك وأقول: متى هو جاء، حتى سمعت صوتك فعرفت أنك هو، لا تبرح حتى تقوم على، فإنى ميت الآن.\rقال: فمات. وقام عليه حتى واراه، ثم انصرف ومعه صالح، حتى وطئا بعض أرض العرب، فاحتفظتهما سيارة من بعض العرب، فخرجوا بهما حتى باعوهما بنجران، وأهل نجران يومئذ على دين العرب يعبدون نخلة طويلة بين أظهرهم لها عيد فى كل سنة، إذا كان ذلك العيد علقوا عليها كل ثوب حسن وجدوه وحلى النساء، ثم خرجوا إليها فعكفوا عليها يوما.\rفابتاع فيميون رجل من أشرافهم، وابتاع صالحا آخر، فكان فيميون إذا قام من الليل يصلى فى بيت أسكنه إياه سيده، استسرج له البيت نورا حتى يصبح، من غير مصباح، فرأى ذلك سيده فأعجبه ما يرى منه، فسأله عن دينه فأخبره به، وقال له فيميون: إنما أنتم فى باطل، إن هذه النخلة لا تضر ولا تنفع، لو دعوت عليها إلهى الذى أعبد أهلكها، وهو الله وحده لا شريك له، فقال له سيده: فافعل، فإنك إن فعلت دخلنا فى","footnotes":"(١) قال فى الروض الأنف (١/ ٤٦) : ذكر الطبرى قصة الرجل الذى دعى لابنه فشفى بأتم مما ذكره ابن إسحاق، قال: فيميون حين دخل الرجل وكشف له عن ابنه: اللهم عبد من عبادك دخل عليه عدوك فى نعمتك ليفسدها عليه فاشفه وعافه وامنعه منه، فقام الصبى ليس به بأس، فتبين من هذا أن الصبى كان مجنونا لقوله: دخل عليه عدوك: يعنى الشيطان، وليس هذا فى حديث ابن إسحاق.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083513,"book_id":3509,"shamela_page_id":76,"part":"1","page_num":73,"sequence_num":76,"body":"دينك وتركنا ما نحن عليه.\rفقام فيميون فتطهر وصلى ركعتين، ثم دعا الله عليها، فأرسل الله ريحا فجعفتها من أصلها فألقتها. فاتبعه عند ذلك أهل نجران على دينه، فحملهم على الشريعة من دين عيسى ابن مريم ﵇، ثم دخلت عليهم الأحداث التى دخلت على أهل دينهم بكل أرض، فمن هنالك كانت النصرانية بنجران، فيما ذكر وهب بن منبه فى حديثه هذا.\rوأما محمد بن كعب القرظى، وبعض أهل نجران، فذكروا أن أهل نجران كانوا أهل شرك، يعبدون الأوثان، وكان فى قرية من قراها ساحر يعلم غلمان أهل نجران السحر، فلما نزلها فيميون ولم يسمه محمد بن كعب ولا شركاؤه فى الحديث، قالوا: رجل نزلها ابتنى خيمة بين نجران وبين تلك القرية التى بها الساحر، فجعل أهل نجران يرسلون غلمانهم إلى ذلك الساحر، فبعث الثامر ابنه عبد الله مع غلمان أهل نجران، فكان إذا مر بصاحب الخيمة أعجبه ما يرى من صلاته وعبادته، فجعل يجلس إليه ويسمع منه، حتى أسلم فوحد الله وعبده، وجعل يسأله عن شرائع الإسلام، حتى إذا فقه فيه جعل يسأله عن الاسم الأعظم، وكان يعلمه، فكتمه إياه، فقال: يا ابن أخى إنك لن تحمله، أخشى عليك ضعفك عنه.\rوالثامر أبو عبد الله بن الثامر، لا يظن إلا أن ابنه يختلف إلى الساحر كما يختلف الغلمان.\rفلما رأى عبد الله أن صاحبه قد ضن به عنه وتخوف ضعفه فيه، عمد إلى قداح فجمعها، ثم لم يبق لله اسما يعلمه إلا كتبه فى قدح، لكل اسم قدح، حتى إذا أحصاها أو قد لها نارا، ثم جعل يقذفها فيها قدحا قدحا، حتى إذا مر بذلك الاسم الأعظم قذف فيها بقدحه فوثب القدح حتى خرج منها لم تضره شيئا، فأخذه ثم أتى صاحبه فأخبره أنه قد علم الاسم الذى كتمه، فقال: وما هو؟ قال: هو كذا وكذا قال: وكيف علمته؟ فأخبره بما صنع، قال أى ابن أخى، قد أصبته فأمسك على نفسك وما أظن أن تفعل.\rفجعل عبد الله بن الثامر إذا دخل نجران لم يلق أحدا به ضر إلا قال له: يا عبد الله، أتوحد الله وتدخل فى دينى فأدعو الله فيعافيك مما أنت فيه من البلاء؟ فيقول: نعم.\rفيوحد الله ويسلم، ويدعو له فيشفى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083514,"book_id":3509,"shamela_page_id":77,"part":"1","page_num":74,"sequence_num":77,"body":"حتى لم يبق بنجران أحد به ضر إلا أتاه فاتبعه على أمره ودعا له فعوفى. حتى رفع شأنه إلى ملك نجران، فدعاه فقال: أفسدت على أهل قريتى وخالفت دينى ودين آبائى، لأمثلن بك.\rقال: لا تقدر على ذلك، فجعل يرسل به إلى الجبل الطويل فيطرح على رأسه فيقع إلى الأرض ليس به بأس، وجعل يبعث به إلى مياه بنجران بحور لا يقع أحد فيها إلا هلك، فيلقى فيها فيخرج ليس به بأس..\rفلما غلبه قال له عبد الله بن الثامر: إنك والله لا تقدر على قتلى حتى توحد الله فتؤمن بما آمنت به، فإنك إن فعلت سلطك الله على، فقتلتنى. فوحد الله ذلك الملك وشهد شهادة عبد الله بن الثامر، ثم ضربه بعصا فى يده فشجه شجة غير كبيرة فقتله، وهلك الملك مكانه.\rواستجمع أهل نجران على دين عبد الله بن الثامر، وكان على ما جاء به عيسى من الإنجيل وحكمه، ثم أصابهم ما أصاب أهل دينهم من الأحداث. فمن هنالك كان أصل النصرانية بنجران.\rقال ابن إسحاق: فهذا حديث محمد بن كعب القرظى وبعض أهل نجران عن عبد الله بن الثامر، فالله أعلم أى ذلك كان «١» .\rوحديث عبد الله بن الثامر هذا قد ورد فى الصحيح مرفوعا إلى النبى ﷺ من طرق ثابتة، خرجه مسلم بن الحجاج من حديث صهيب، وبينه وبين حديث ابن إسحاق اختلاف، وفيه مع ذلك زوائد تحسن لأجلها إعادة الحديث.\rفروى عبد الرحمن بن أبى ليلى، عن صهيب، أن رسول الله ﷺ قال: «كان ملك فيمن كان قبلكم، وكان له ساحر، فلما كبر قال للملك: إنى قد كبرت، فابعث إلى غلاما أعلمه السحر.\rفبعث إليه غلاما يعلمه، فكان فى طريقه إذا سلك راهب، فقعد إليه وسمع كلامه فأعجبه، فكان إذا أتى الساحر مر بالراهب وقعد إليه، فإذا أتى الساحر ضربه فشكا ذلك إلى الراهب، فقال: إذا خشيت الساحر فقل: حبسنى أهلى، وإذا خشيت أهلك فقل: حبسنى الساحر.","footnotes":"(١) انظر: السيرة (١/ ٤٦- ٤٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083515,"book_id":3509,"shamela_page_id":78,"part":"1","page_num":75,"sequence_num":78,"body":"فبينما هو كذلك، إذا أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس، فقال: اليوم أعلم الساحر أفضل أم الراهب أفضل. فأخذ حجرا فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضى الناس.\rفرماها فقتلها، ومضى الناس. فأتى الراهب فأخبره، فقال له الراهب: أى بنى، أنت اليوم أفضل منى، قد بلغ من أمرك ما أرى وإنك ستبتلى، فإن ابتليت فلا تدل على.\rوكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص ويداوى الناس من سائر الأدواء، فسمع به جليس للملك، وكان قد عمى، فأتاه بهدايا كثيرة، فقال: ما ها هنا لك أجمع إن أنت شفيتنى.\rقال: إنى لا أشفى أحدا، إنما يشفى الله، فإن آمنت بالله، دعوت الله فشفاك. فآمن بالله، فشفاه الله. فأتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس، فقال له الملك: من رد عليك بصرك؟ قال: ربى، قال: ولك رب غيرى؟! قال: ربى وربك الله.\rفأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام، فجىء بالغلام فقال له الملك: أى بنى، قد بلغ من سحرك ما يبرىء الأكمة والأبرص وتفعل وتفعل. فقال: إنى لا أشفى أحدا، إنما يشفى الله.\rفأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب. فجىء بالراهب فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى، فدعا بالمنشار فوضع فى مفرق رأسه فشقه به حتى وقع شقاه. ثم جىء بجليس الملك فقيل له: ارجع عن دينك. فأبى، فدعا بالمنشار فوضع فى مفرق رأسه، فشقه به حتى وقع شقاه.\rثم جىء بالغلام فقيل له: ارجع عن دينك. فأبى، فدفعه إلى نفر من أصحابه، فقال:\rاذهبوا به إلى جبل كذا وكذا فاصعدوا به الجبل، فإذا بلغتم ذروته، فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه، فذهبوا به، وصعدوا به الجبل، فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فرجف بهم الجبل فسقطوا.\rوجاء يمشى إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله. فدفعه إلى نفر من أصحابه، فقال: اذهبوا به فاحملوه فى قرقورة فتوسطوا به البحر، فإن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه، فذهبوا به فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فانكفأت بهم السفينة فغرقوا وجاء يمشى إلى الملك.\rفقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083516,"book_id":3509,"shamela_page_id":79,"part":"1","page_num":76,"sequence_num":79,"body":"فقال للملك: إنك لست بقاتلى حتى تفعل ما آمرك به، قال: وما هو؟.\rقال: تجمع الناس فى صعيد واحد، وتصلبنى على جذع، ثم خذ سهما من كنانتى، ثم ضع السهم فى كبد القوس، ثم قل: باسم الله رب الغلام، ثم ارمنى، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتنى. فجمع الناس فى صعيد واحد وصلبه على جذع، ثم أخذ سهما من كنانته، ثم وضع السهم فى كبد القوس، ثم قال: باسم الله رب الغلام، ثم رماه فوقع السهم فى صدغه، فوضع يده فى صدغه فى موضع السهم فمات.\rفقال الناس: آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام. فأتى الملك فقيل له: أرأيت ما كنت تحذر؟ قد والله نزل بك حذرك، قد آمن الناس.\rفأمر بالأخدود بأفواه السكك فخدت وأضرم النيران، وقال: من لم يرجع عن دينه، يعنى فأقحموه فيها. أو قيل له: اقتحم. ففعلوا، حتى جاءت امرأة ومعها صبى لها، فتقاعست أن تقع فيها، فقال لها الغلام: يا أمه، اصبرى فإنك على الحق!!.\rفهذا حديث مسلم عن عبد الله بن الثامر وأهل نجران، وإن وقعت الأسماء فيه مبهمة، فقد فسرها العلماء بما ورد من ذلك مبينا فى حديث ابن إسحاق وغيره، وجعلوا ذلك كله حديثا واحدا «١» .\rوذكر ابن إسحاق «٢» أنه لما كان من اجتماع أهل نجران على دين عبد الله بن الثامر ما تقدم الحديث به، سار إليهم ذو نواس بجنوده، فدعاهم إلى اليهودية، وخيرهم بينها وبين القتل، فاختاروا القتل، فخد لهم الأخدود، فحرق بالنار، وقتل بالسيف، ومثل بهم، حتى قتل منهم قريبا من عشرين ألفا.\rففى ذى نواس وجنده ذلك أنزل الله على نبيه محمد ﷺ: قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ إلى آخر الآيات «٣» .\rوالأخدود هنا هو الحفر المستطيل فى الأرض، كالخندق والجدول، ويقال أيضا لأثر السيف والسوط والسكين ونحوه فى الجلد: أخدود.","footnotes":"(١) انظر: غوامض الأسماء المبهمة لابن بشكوال (٨/ ٥٣٤، ٥٣٥) . وانظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (٦/ ١٧) ، الدر المنثور للسيوطى (٦/ ٣٣٤) .\r(٢) انظر: السيرة (١/ ٤٨) .\r(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره (٨/ ٣٩٠) ، والطبرى فى التاريخ (١/ ٤٣٦) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083517,"book_id":3509,"shamela_page_id":80,"part":"1","page_num":77,"sequence_num":80,"body":"قال ابن إسحاق: ويقال: كان فيمن قتل ذو نواس عبد الله بن الثامر رأسهم وإمامهم. وحدث عن عبد الله بن أبى بكر أنه حدث أن رجلا من أهل نجران حفر خربة من خرب نجران فى زمن عمر بن الخطاب، فوجدوا عبد الله بن الثامر تحت دفن منها قاعدا واضعا يده على ضربة فى رأسه ممسكا عليها بيده، فإذا أخرت يده عنها تثعبت دما، وإذا أرسلت يده ردها عليها فأمسك دمها، فى يده خاتم مكتوب فيه: ربى الله.\rفكتب فيه إلى عمر، فكتب إليهم: أن أقروه على حاله وردوا عليه الدفن الذى كان عليه. ففعلوا «١» .\rوذو نواس هذا هو زرعة بن تبان أسعد أبى كرب، وهو تبع الآخر، وقد تقدم خبره، وابنه زرعة ذو نواس هذا كان من صغار بنيه، وصار إليه ملك اليمن، وأمر حمير بعد أبيه بزمان.\rوذلك أنه ملك اليمن بين أضعاف ملوك التبابعة، ربيعة بن نضر بن أبى حارثة ابن عمرو بن عامر، وكان من سادات اليمن وأهل الشرف منها. وهو صاحب الرؤيا التى يعرف من تأويلها استيلاء الحبشة على اليمن، والبشارة بظهور النبى ﷺ.\rوذلك أنه رأى رؤياه هالته وفظع بها، فلم يدع كاهنا ولا ساحرا ولا عائفا ولا منجما من أهل مملكته إلا جمعه إليه، فقال لهم: إنى قد رأيت رؤيا هالتنى وفظعت بها، فأخبرونى به وبتأويلها. قالوا: اقصصها علينا نخبرك بتأويلها. قال: إنى إن أخبرتكم بها لم أطمئن إلى خبركم عن تأويلها، إنه لا يعرف تأويلها إلا من عرفها قبل أن أخبره بها.\rفقال له رجل منهم: فإن كان الملك يريد هذا فليبعث إلى سطيح «٢» وشق «٣» ، فإنه","footnotes":"(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره (٨/ ٣٩١) من طريق ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنى محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أنه حدث أن رجلا.... وساق القصة.\r(٢) اسم سطيح هو: ربيع بن ربيعة بن مسعود بن مازن بن ذئب بن عدى بن مازن غسان. وقال السهيلى فى الروض الأنف (١/ ٢٧) : كان سطيح جسما ملقى لا جوارح له، فيما يذكرون، ولا يقدر على الجلوس إلا إذا غضب انتفخ فجلس، وكان شعه شعّة إنسان، فيما يذكرون، إنما له يد واحدة ورجل واحدة وعين واحدة، ويذكر عن وهب بن منبه أنه قال: قيل لسطيح: أنى لك هذا العلم؟ فقال: لى صاحب من الجن استمع أخبار السماء من طور سيناء حين كلم الله تعالى موسى ﵇، فهو يؤدى إلىّ من ذلك ما يؤديه.\r(٣) اسم شق هو ابن صعب، بن يشكر بن رهم بن أفرك بن قسر بن عبقر بن أنمار بن إراش، وأنمار أبو بجيلة وخثعم. قاله ابن إسحاق. انظر: السيرة (١/ ٣٠) وما بعدها.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083518,"book_id":3509,"shamela_page_id":81,"part":"1","page_num":78,"sequence_num":81,"body":"ليس أحد أعلم منهما، فهما يخبرانه بما سأل عنه. فبعث إليهما، فقدم عليه سطيح قبل شق، فقال: إنى قد رأيت رؤيا هالتنى وفظعت بها، فأخبرنى بها، فإنك إن أصبتها أصبت تأويلها.\rفقال: أفعل. رأيت حممة خرجت من ظلمة فوقعت بأرض تهمة فأكلت منها كل ذات جمجمة.\rفقال له الملك: ما أخطأت منها شيئا يا سطيح، فما عندك فى تأويلها؟.\rفقال: أحلف بما بين الحرتين من حنش، ليهبطن أرضكم الحبش، فليملكن ما بين أبين «١» إلى جرش» .\rفقال الملك: وأبيك يا سطيح، إن هذا لنا لغائظ موجع، فمتى هو كائن؟ أفى زمانى أم بعده؟ قال: لا، بل بعده بحين، أكثر من ستين أو سبعين يمضين من السنين.\rقال: أفيدوم ذلك من ملكهم أو ينقطع؟ قال: بل ينقطع لبضع وسبعين من السنين، ثم يقاتلون ويخرجون منها هاربين. قال: ومن يلى ذلك من قتلهم وإخراجهم؟ قال: يليه إرم بن ذى يزن، يخرج عليهم من عدن فلا يترك منهم أحدا باليمن.\rقال: أفيدوم ذلك من سلطانه أم ينقطع؟ قال: بل ينقطع. قال: ومن يقطعه؟ قال:\rنبى زكى، يأتيه الوحى من قبل العلى. قال: وممن هو هذا النبى؟ قال: رجل من ولد غالب بن فهر بن مالك بن النضر، يكون الملك فى قومه إلى آخر الدهر.\rقال: وهل للدهر من آخر؟ قال: نعم، يوم يجمع فيه الأولون والآخرون، يسعد فيه المحسنون ويشقى فيه المسيئون. قال: أحق ما تخبرنى؟ قال: نعم، والشفق والغسق، والقمر إذا اتسق، إن ما أنبأتك لحق، ثم قدم عليه شق، له كقوله لسطيح، وكتمه ما قال سطيح، لينظر أيتفقان أم يختلفان.\rقال: نعم، رأيت حممه خرجت من ظلمة فوقعت بين روضة وأكمة فأكلت منها كل ذات نسمة. فلما قال له ذلك عرف أن قد اتفقا وأن قولهما واحد، إلا أن سطيحا","footnotes":"(١) أبين: بلاد باليمن، قيل فيه بكسر الألف وفتحها، وهو اسم رجل فى الزمن القديم إليه تنيب عدن وأبين من بلاد اليمن وبينها وبين عدن اثنا عشر ميلا. انظر: الروض المعطار (ص ١١) .\r(٢) جرش: بلاد باليمن، وهى من البلاد التى كان أهلها اتخذوا الأصنام بعد دين إسماعيل ﵇، وهم مذحج بن أدد، وهم الذين قالوا: لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً انظر: الروض المعطار (ص ١٥٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083519,"book_id":3509,"shamela_page_id":82,"part":"1","page_num":79,"sequence_num":82,"body":"قال: «بأرض تهمة، فأكلت منها كل ذات جمجمة» ، وقال شق: «وقعت بين روضة وأكمة فأكلت منها كل ذات نسمة» .\rفقال: الملك: ما أخطأت يا شق منها شيئا، فما عندك فى تأويلها؟ قال: أحلف بما بين الحرتين من إنسان، ليهبطن أرضكم السودان، فليغلبن على كل طفلة البنان، وليملكن ما بين أبين إلى نجران «١» .\rقال له الملك: وأبيك يا شق إن هذا لنا لغائظ موجع، فمتى هو كائن؟ أفى زمانى أم بعده؟ فقال، لا، بل بعده بزمان، ثم يستنقذكم منهم عظيم ذو شان، ويذيقهم أشد الهوان.\rقال: ومن هذا العظيم الشأن؟ قال: غلام ليس بدنى ولا مدن يخرج من بيت ذى يزن. قال: أفيدوم سلطانه أم ينقطع؟ قال: بل ينقطع برسول مرسل يأتى بالحق والعدل، بين أهل الدين والفضل، يكون الملك فى قومه إلى يوم الفصل.\rقال: وما يوم الفصل؟ قال: يوم يجزى فيه الولاة، يدعى فيه من السماء بدعوات، يسمع منها الأحياء والأموات، ويجمع فيه الناس للميقات، يكون فيه لمن اتقى الفوز والخيرات.\rقال: أحق ما تقول؟ قال: إى ورب السماء والأرض وما بينهما من رفع وخفض، إن ما أنبأتك لحق ما فيه أمض، فوقع فى نفس ربيعة بن نضر ما قالا، فجهز بنيه وأهل بيته إلى العراق بما يصلحهم، وكتب لهم إلى ملك من ملوك فارس يقال له سابور بن خرزاد فأسكنهم الحيرة.\rفمن بقية ولد ربيعة بن نضر فيما يزعمون، النعمان بن المنذر، فهو فى نسب اليمن وعلمهم: النعمان بن المنذر بن النعمان بن المنذر بن عمرو بن عدى بن ربيعة بن نضر، ذلك الملك.\rوقد تقدم قول من قال من العلماء أن النعمان من ولد قنص بن معد. وقد قيل أيضا إن النعمان من ولد الساطرون صاحب الحضر، وهو حصن عظيم كالمدينة على شاطئ الفرات، وهو الذى ذكره عدى بن زيد فى قوله:","footnotes":"(١) نجران: من بلاد اليمن، سميت بنجران بن زيد بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. انظر: الروض المعطار (ص ٥٧٣) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083520,"book_id":3509,"shamela_page_id":83,"part":"1","page_num":80,"sequence_num":83,"body":"وأخو الحضر إذا بناه وإذ دج ... لة تجبى إليه والخابور\rشاده مرمرا وجلله كل ... سا فللطير فى ذراه وكور «١»\rلم يهبه ريب المنون فباد الم ... لك عنه فبابه مهجور\rوأما شق وسطيح، فإن شقا هو ابن صعب بن يشكر من بنى أنمار بن نزار أبى بجيلة وخثعم. وكان شق إنسان فيما زعموا، إنما له يد واحدة ورجل واحدة وعين واحد، ولذلك سمى بشق «٢» .\rوسطيح هو ربيع بن ربيعة من بنى ذبيان بن عدى بن مازن بن غسان، وكانت العرب تسميه الذيبى، وإياه عنى ميمون بن قيس الأعشى بقوله:\rما نظرت ذات أشفار كنظرتها ... حقا كما نطق الذيبى إذ سجعا\rوإنما قيل له سطيح، لأنه كان جسدا ملقى له رأس وليس له جوارح، فيما ذكروا.\rوكان لا يقدر على الجلوس، فإذا غضب انتفخ وجلس. وذكر أنه قيل له: أنى لك هذا العلم؟\rفقال: لى صاحب من الجن استمع أخبار السماء من طور سيناء، حين كلم الله منه موسى ﵇، فهو يؤدى إلى من ذلك ما يؤديه. وعاش سطيح بعد هذا الحديث زمانا طويلا، حتى أدرك مولد رسول الله ﷺ.\rفذكر الخطابى وغيره من حديث هانئ بن هانئ المخزومى، وأتت عليه مائة وخمسون سنة، أنه لما كانت الليلة التى ولد فيها رسول الله ﷺ ارتجس إيوان كسرى فسقط منه أربع عشرة شرفة، وغاضت بحيرة ساوة، وفاض وادى السماوة، وخمدت نار فارس ولم تخمد قبل ذلك ألف عام. وأرى الموبذان إبلا صعابا تقود خيلا عرابا، قد قطعت دجلة وانتشرت فى بلادها.\rفلما أصبح كسرى أفزعه ذلك فصبر عليه تشجعا، حتى إذا عيل صبره رأى ألا يدخر ذلك عن قومه ومرازبته، فلبس تاجه وقعد على سريره، ثم بعث إليهم فلما اجتمعوا عنده قال: أتدرون فيم بعثت فيكم؟ قالوا: لا، إلا أن يخبرنا الملك.\rفبينا هم كذلك، إذ ورد عليه كتاب بخمود النار، فازداد غما إلى غمه، ثم أخبر بما","footnotes":"(١) شاده: أى بناه وأعلاه. والمرمر: الرخام. وجلله: أى كساه. وكلسا: هو ما طلى به الحائط من حصى وجيار. وكور: جمع وكر وهو عش الطائر.\r(٢) انظر: السيرة (١/ ٣١) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083521,"book_id":3509,"shamela_page_id":84,"part":"1","page_num":81,"sequence_num":84,"body":"رأى وما هاله من ذلك. فقال الموبذان: وأنا أصلح الله الملك قد رأيت فى هذه الليلة رؤيا. ثم قص عليه رؤيا فى الإبل. فقال: أى شىء يكون هذا يا موبذان؟ قال: حدث يكون من ناحية العرب. وكان أعلمهم فى أنفسهم.\rفكتب عند ذلك كسرى إلى النعمان بن المنذر أن يوجه إليه برجل عالم بما يريد أن يسأله عنه. فوجد إليه بعبد المسيح بن عمرو بن حيان بن بقيلة الغسانى. فلما قدم عليه قال له الملك: ألك علم بما أريد أن أسألك عنه؟ قال: ليخبرنى الملك عما أحب، فإن كان عندى منه علم وإلا أخبرته بمن يعلمه.\rفأخبره بالذى وجه إليه فيه. فقال له: علم ذلك عند خال لى يسكن مشارف الشام، يقال له سطيح. قال: فائته فسله عما سألتك عنه، ثم ائتنى بتفسيره. فخرج عبد المسيح حتى أتى إلى سطيح وقد أشفى على الموت، فسلم عليه وكلمه، فلم يرد عليه سطيح جوابا، فأنشأ عبد المسيح يقول:\rأصم أم يسمع غطريف اليمن ... أم فاد فاز لم به شأو العنن\rيا فاصل الخطة أعيت من ومن ... أتاك شيخ الحى من آل سنن\rوأمه من آل ذئب بن حجن ... أبيض فضفاض الرداء والبدن\rرسول قيل العجم ينمى للوسن ... لا يرهب الوغد ولا ريب الزمن\rتجوب بى الأرض علنداة شزن ... ترفعنى وجنا وتهوى فيه وجن\rحتى أتى عارى الجاحى والقطن ... تلفه فى الريح بوغاء الدمن\rفلما سمع سطيح شعره رفع رأسه يقول: عبد المسيح، أتى إلى سطيح، على جمل مشيح، وقد أوفى على الضريح، بعثك ملك بنى ساسان، لارتجاس الإيوان وخمود النيران، ورؤيا الموبذان، رأى إبلا صعابا تقود خيلا عرابا قد قطعت دجلة وانتشرت فى بلادها.\rعبد المسيح، إذا كثرت التلاوة، وظهر صاحب الهراوة، وفاض وادى السماوة، وغاضت بحيرة ساوة، وخمدت نار فارس، فليس الشام لسطيح شاما، يملك منهم ملوك وملكات على عدد الشرفات، وكل ما هو آت آت.\rثم قضى سطيح مكانه، فلما قدم عبد المسيح على كسرى أخبره بمقالة سطيح.\rفقال: إلى أن يملك منا أربعة عشر ملكا قد كانت أمور. فملك منهم عشرة إلى أربع سنين وملك الباقون إلى خلافة عثمان رضى الله عنه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083522,"book_id":3509,"shamela_page_id":85,"part":"1","page_num":82,"sequence_num":85,"body":"فلما هلك ربيعة بن نصر رجع ملك اليمن كله إلى حسان بن تبان أسعد أبى كرب، فسار بأهل اليمن يريد أن يطأبهم أرض العرب وأرض الأعاجم حتى إذا كان بأرض العراق كرهت حمير وقبائل اليمن المسير معه وأرادوا الرجعة إلى بلادهم وأهلهم، فكلموا أخا له يقال له عمرو وكان معه فى جيشه فقالوا له: اقتل أخاك حسان ونملكك علينا وترجع بنا إلى بلادنا. فأجابهم.\rفاجتمعوا على ذلك إلا ذو رعين الحميرى، فإنه نهاه عن ذلك ولم يقبل منه. فقال ذو رعين الحميرى:\rألا من يشترى سهرا بنوم ... سعيد من يبيت قرير عين\rفإما حمير غدرت وخانت ... فمعذرة الإله لذى رعين\rثم كتبهما فى رقعة وختم عليها ثم أتى بها عمرا فقال له: ضع لى هذا الكتاب عندك. ففعل. ثم قتل عمرو أخاه حسان ورجع بمن معه إلى اليمن «١» .\rفلما نزل اليمن منع منه النوم وسلط عليه السهر، فلما جهده ذلك سأل الأطباء والحزاة «٢» من الكهان والعرافين عما به؛ فقال له قائل منهم: إنه والله ما قتل رجل أخاه أو ذا رحمه بغيا على مثل ما قتلت أخاك عليه إلا ذهب نومه وسلط عليه السهر.\rفلما قيل له ذلك جعل يقتل كل من أمره بقتل أخيه حسان من أشراف اليمن حتى خلص إلى ذى رعين. فقال له ذو رعين: إن لى عندك براءة. قال: وما هى؟ قال:\rالكتاب الذى دفعت إليك.\rفأخرجه فإذا فيه البيتان، فتركه ورأى أنه قد نصحه. وهلك عمرو، فمرج أمر حمير عند ذلك وتفرقوا، فوثب عليهم رجل من حمير لم يكن من بيوت المملكة، يقال له لخنيعة «٣» ينوف ذو شناتر «٤» ، فقتل خيارهم وعبث ببيوت أهل المملكة منهم، فقال قائل من حمير:\rتقتل أبناها وتنفى سراتها ... وتبنى بأيديها لها الذل حمير","footnotes":"(١) انظر: السيرة (١/ ٤١) .\r(٢) الحزاة: جمع حاز، والحازى هو الذى ينظر فى الأعضاء وفى خيلان الوجه يتكهن، وقال الليث: هو الكاهن.\r(٣) لخنيعة: قال ابن دريد: وهو من اللخع، وهو استرخاء فى الجسم.\r(٤) ذو شناتر: الشناتر هو الأصابع بلغة حمير، واحدها: شنترة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083523,"book_id":3509,"shamela_page_id":86,"part":"1","page_num":83,"sequence_num":86,"body":"تدمر دنياها بطيش حلومها ... وما ضيعت من دينها فهو أكثر\rكذاك القرون قبل ذاك بظلمها ... وإسرافها تأتى الشرور فتخسر\rوكان لخنيعة امرآ فاسقا يعمل عمل قوم لوط، فكان يرسل إلى الغلام من أبناء الملوك فيقع عليه فى مشربة له قد صنعها لذلك لئلا يملك بعد ذلك، ثم يطلع من مشربته تلك إلى حرسه وجنده قد أخذ مسواكا فجعله فى فيه علامة للفراغ من خبيث فعله.\rحتى بعث إلى زرعة ذى نواس، بن تبان أسعد، أخى حسان، وكان صبيا صغيرا حين قتل حسان، ثم شب غلاما جميلا وسيما ذا هيئة وعقل، فلما أتاه رسوله عرف ما يريد به، فأخذ سكينا حديدا لطيفا فخبأه بين قدمه ونعله، ثم أتاه فلما خلا معه وثب إليه، فواثبه ذو نواس فوجأه حتى قتله، ثم حز رأسه فوضعه فى الكوة التى كان يشرف منها، ووضع مسواكه فى فيه ثم خرج على الناس، فسألوه فأشار لهم إلى الرأس فنظروا فإذا رأس لخنيعة مقطوع، فخرجوا فى أثر ذى نواس حتى أدركوه، فقالوا: ما ينبغى أن يملكنا غيرك إذ أرحتنا من هذا الخبيث فملكوه، واجتمعت عليه حمير وقبائل اليمن، فكان آخر ملوك حمير، ويسمى يوسف، فأقام فى ملكه سنين «١» .\rقال ابن قتيبة: ثمانيا وستين سنة. إلى أن كان منه فى أهل نجران ما تقدم ذكره، فكان ذلك سببا لاستئصال ملكه واستيلاء الحبشة على اليمن.\r\rذكر دخول الحبشة أرض اليمن واستيلائهم على ملكها وذكر السبب فى ذلك مع ما يتصل به من أمر الفيل\rولما انتهى زرعة ذو نواس إلى ما انتهى إليه بأهل نجران من التحريق والقتل، أفلت منهم رجل من سبأ يقال له دوس ذو ثعلبان على فرس له، فسلك الرمل فأعجزهم، فمضى على وجهه ذلك حتى أتى قيصر صاحب الروم، فاستنصره على ذى نواس وجنوده، وأخبره بما بلغ منهم، فقال له: بعدت بلادك منا، ولكنى سأكتب لك إلى ملك الحبشة فإنه على هذا الدين، وهو أقرب إلى بلادك.\rفكتب إليه يأمره بنصره والطلب بثأره.","footnotes":"(١) انظر: السيرة (١/ ٤٣) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083524,"book_id":3509,"shamela_page_id":87,"part":"1","page_num":84,"sequence_num":87,"body":"فقدم دوس على النجاشى بكتاب قيصر، فبعث سبعين ألفا من الحبشة، وأمر عليهم رجلا منهم يقال له أرياط، ومعه فى جنده أبرهة الأشرم، فركب أرياط البحر حتى نزل بساحل اليمن ومعه دوس، فسار إليه ذو نواس فى حمير، ومن أطاعه من قبائل اليمن، فلما التقوا انهزم ذو نواس وأصحابه، فلما رأى ذو نواس ما نزل به وبقومه وجه فرسه إلى البحر، ثم ضربه فدخل به، فخاض به ضحضاح «١» البحر حتى أفضى به إلى غمره فأدخله فيه، فكان آخر العهد به.\rودخل أرياط اليمن، فملكها «٢» .\rفأقام بها سنين فى سلطانه ذلك، ثم نازعه فى أمر الحبشة باليمن أبرهة الحبشى، حتى تفرقت الحبشة عليهما، فانحاز إلى كل واحد منهما طائفة منهم، ثم سار أحدهما إلى الآخر، فلما تقارب الناس أرسل أبرهة إلى أرياط أنك لا تصنع بأن تلقى الحبشة بعضها ببعض حتى تفنيها شيئا، فابرز لى وأبرز لك، فأينا أصاب صاحبه انصرف إليه جنده. فأرسل إليه أرياط: أنصفت.\rفخرج إليه أبرهة، وكان رجلا قصيرا لحيما، وكان ذا دين فى النصرانية، وخرج إليه أرياط، وكان رجلا عظيما جميلا طويلا، وفى يده حربة له، وخلف أبرهة غلام له يقال له عتودة يمنع ظهره، فرفع أرياط الحربة فضرب أبرهة يريد يافوخه «٣» ، فوقعت الحربة على جبهة أبرهة، فشرمت حاجبه وأنفه وعينه وشفته، فبذلك سمى أبرهة الأشرم.\rوحمل عتودة على أرياط من خلف أبرهة فقتله. فانصرف جند أرياط إلى أبرهة، فاجتمعت عليه الحبشة باليمن، وودى أبرهة أرياط. فلما بلغ ذلك النجاشى غضب غضبا شديدا وقال: عدا على أميرى فقتله بغير أمرى! ثم حلف لا يدع أبرهة حتى يطأ بلاده ويجز ناصيته.\rفحلق أبرهة رأسه وملأ جرابا من تراب اليمن ثم بعث به إلى النجاشى، وكتب إليه:\rأيها الملك إنما كان أرياط عبدك، وأنا عبدك، اختلفنا فى أمرك، وكل طاعته لك، إلا أنى كنت أقوى على أمر الحبشة وأضبط لها وأسوس منه وقد حلقت رأسى كله حين","footnotes":"(١) الضحضاح: هو الماء القليل يكون فى الغدير، وقيل: هو الماء اليسير، وقيل: هو ما لا غرق فيه ولا له غمر، وقيل: هو الماء إلى الكعبين إلى أنصاف السوق. انظر: اللسان (مادة، ضحح) .\r(٢) انظر: السيرة (١/ ٤٩- ٥٠) .\r(٣) يافوخه: أى وسط رأسه ويجمع على يآفيخ.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083525,"book_id":3509,"shamela_page_id":88,"part":"1","page_num":85,"sequence_num":88,"body":"بلغنى قسم الملك، وبعثت إليه بجراب من تراب أرضى ليضعه تحت قدميه، فيبر قسمه فى.\rفلما انتهى ذلك إلى النجاشى رضى عنه، وكتب إليه: أن اثبت بأرض اليمن حتى يأتيك أمرى «١» .\rفأقام بها، ثم إن أبرهة بنى القليس «٢» بصنعاء، فبنى كنيسة لم ير مثلها فى زمانها بشىء من الأرض، ثم كتب إلى النجاشى: إنى قد بنيت لك أيها الملك كنيسة لم يبن مثلها لملك كان قبلك، ولست بمنته حتى أصرف إليها حج العرب.\rفلما تحدثت العرب بكتاب أبرهة ذلك إلى النجاشى غضب رجل من النسأة أحد بنى فقيم بن عدى بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة، فخرج حتى أتى القليس فأحدث فيها، ثم لحق بأرضه، فأخبر بذلك أبرهة؛ فقال: من صنع هذا؟ فقيل له: رجل من أهل هذا البيت الذى تحج العرب إليه بمكة، لما سمع قولك: «أصرف إليها حج العرب» غضب فجاء فقعد فيها، أى أنها ليست لذلك بأهل «٣» .\rفغضب عند ذلك أبرهة، وحلف ليسيرن إلى البيت حتى يهدمه. ثم أمر الحبشة فتهيأت وتجهزت، ثم ساروا وخرج معه بالفيل. وسمعت بذلك العرب فأعظموه وفظعوا به، ورأوا جهاده حقا عليهم، حين سمعوا بأنه يريد هدم الكعبة بيت الله الحرام.\rفخرج إليه رجل كان من أشراف أهل اليمن وملوكهم يقال له ذو نفر، فدعا قومه ومن أجابه من سائر العرب إلى حرب أبرهة وجهاده عن بيت الله، وما يريد من هدمه وإخرابه.\rفأجابه من أجابه إلى ذلك، ثم عرض له فقاتله، فهزم ذو نفر وأصحابه، وأخذ له ذو نفر فأتى به أسيرا، فلما أراد قتله قال له ذو نفر: أيها الملك لا تقتلنى، فإنه عسى أن يكون بقائى معك خيرا لك من قتلى.\rوكان أبرهة رجلا حليما، فتركه من القتل وحبسه عنده فى وثاق.","footnotes":"(١) انظر: السيرة (١/ ٥٣- ٥٤) .\r(٢) القليس: هى الكنيسة التى بناها أبرهة على باب صنعاء، وسميت القليس لارتفاع بنيانها وعلوه.\r(٣) انظر: السيرة (١/ ٥٦) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083526,"book_id":3509,"shamela_page_id":89,"part":"1","page_num":86,"sequence_num":89,"body":"ثم مضى أبرهة على وجهه ذلك يريد ما خرج له، حتى إذا كان بأرض خثعم عرض له نفيل بن حبيب الخثعمى فى قبيلى خثعم «١» : شهران وناهس، ومن تبعه من قبائل العرب، فقاتله فهزمه أبرهة، وأخذ له نفيل أسيرا فأتى به، فلما هم بقتله قال له نفيل:\rأيها الملك لا تقتلنى فإنى دليلك بأرض العرب، وهاتان يداى لك على قبيلى خثعم، شهران وناهس، بالسمع والطاعة.\rفخلى سبيله وخرج به معه يدله، حتى إذا مر بالطائف خرج إليه مسعود بن معتب ابن مالك الثقفى فى رجال ثقيف، فقالوا له: أيها الملك إنما نحن عبيدك سامعون لك مطيعون ليس عندنا لك خلاف، وليس بيتنا هذا البيت الذى تريد. يعنون اللات، إنما تريد البيت الذى بمكة، ونحن نبعث من يدلك عليه.\rفتجاوز عنهم. واللات بيت لهم بالطائف كانوا يعظمونه نحو تعظيم الكعبة، فبعثوا معه أبا رغال يدله على الطريق إلى مكة. فخرج أبرهة ومعه أبو رغال، حتى أنزله المغمس، فلما أنزله به مات أبو رغال هنالك، فرجمت قبره العرب، فهو القبر الذى يرجم الناس بالمغمس «٢» .\rفلما نزل أبرهة المغمس بعث رجلا من الحبشة يقال له الأسود بن مقصود على خيل له حتى انتهى إلى مكة، فساق إليه أموال أهل تهامة من قريش وغيرهم، وأصاب فيها مائتى بعير لعبد المطلب بن هاشم، وهو يومئذ كبير قريش وسيدها.\rفهمت قريش وكنانة وهذيل ومن كان بذلك الحرم بقتاله، ثم عرفوا أنه لا طاقة لهم به، فتركوا ذلك.\rوبعث أبرهة حناطة الحميرى إلى مكة وقال له: سل عن سيد أهل هذا البلد وشريفهم، ثم قل له: إن الملك يقول لك: إنى لم آت لحربكم، إنما جئت لهدم هذا البيت، فإن لم تعرضوا دونه بحرب فلا حاجة لى بدمائكم. فإن هو لم يرض حربى فائتنى به.","footnotes":"(١) قال فى الروض الأنف: خثعم اسم جبل سمى به بنو عفرس لأنهم نزلوا عنده، ويقال: إنهم تخثعموا بالدم عند حلف عقدوه، وقيل: بل خثعم ثلاث: شهران، وناهس، وأكلب عند أهل النسب هو ابن لهيعة بن نزار.\r(٢) المغمس: مكان يبعد عن مكة بثلثى فرسخ، وهو فى طرف الحرم فيه برك محمود فيل أبرهة حين توجه به إلى مكة لأخراب الكعبة بزعمه، والميم الثانية فى المغمس مكسورة وروى فتحها فأما الأولى فمضمومة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083527,"book_id":3509,"shamela_page_id":90,"part":"1","page_num":87,"sequence_num":90,"body":"فلما دخل حناطة مكة سأل عن سيد قريش وشريفها، فقيل له: عبد المطلب بن هاشم. فجاءه فقال له ما أمره به أبرهة؛ فقال له عبد المطلب: والله ما نريد حربه وما لنا بذلك منه طاقة، هذا بيت الله الحرام وبيت خليله إبراهيم أو كما قال فإن يمنعه منه فهو بيته وحرمته، وإن يخل بينه وبينه، فو الله ما عندنا دفع عنه.\rفقال حناطة: فانطلق إليه، فإنه قد أمرنى أن آتيه بك.\rفانطلق معه عبد المطلب ومعه بعض بنيه، حتى أتى المعسكر فسأل عن ذى نفر، وكان له صديقا، حتى دخل عليه فى محبسه فقال له: يا ذا نفر هل عندك من غناء فيما نزل بنا؟ فقال له ذو نفر: وما غناء رجل أسير فى يدى ملك ينتظر أن يقتله غدوا أو عشيا! ما عندى غناء فى شىء مما نزل بك، إلا أن أنيسا سائس الفيل صديق لى فسأرسل إليه فأوصيه بك وأعظم عليه حقك، وأسأله أن يستأذن لك على الملك فتكلمه بما بدا لك، ويشفع لك عنده بخير إن قدر على ذلك. قال: حسبى.\rفبعث: ذو نفر إلى أنيس فقال له: إن عبد المطلب سيد قريش وصاحب عير مكة يطعم الناس بالسهل والوحوش فى رؤس الجبال، وقد أصاب له الملك مائتى بعير، فاستأذن له عليه وانفعه عنده بما استطعت. قال: أفعل.\rفكلم أنيس أبرهة، قال له: أيها الملك، هذا سيد قريش ببابك يستأذن عليك، فأذن له فليكلمك فى حاجته. ووصفه له بما وصفه ذو نفر لأنيس.\rفإذن له أبرهة، وكان عبد المطلب أوسم الناس وأجمله وأعظمه، فلما رآه أبرهة أجله وأكرمه عن أن يجلسه تحته، وكره أن تراه الحبشة يجلسه معه على سرير ملكه، فنزل أبرهة عن سريره فجلس على بساطه وأجلسه معه عليه إلى جنبه. ثم قال لترجمانه: قل له: حاجتك؟ فقال له ذلك الترجمان. فقال: حاجتى أن يرد على الملك مائتى بعير أصابها لى. فلما قال له ذلك قال أبرهة لترجمانه: قل له: قد كنت أعجبتنى حين رأيتك، ثم قد زهدت فيك حين كلمتنى! أتكلمنى فى مائتى بعير أصبتها لك، وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه لا تكلمنى فيه!؟.\rقال عبد المطلب: أنا رب الإبل، وإن للبيت ربا سيمنعه. قال: ما كان ليمتنع منى.\rقال: أنت وذاك. ويزعم بعض أهل العلم أنه كان ذهب مع عبد المطلب إلى أبرهة يعمر ابن نفاثة بن عدى بن الدئل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، وهو يومئذ سيد بنى بكر، وخويلد بن واثلة الهذلى، وهو يومئذ سيد هذيل، فعرضوا على أبرهة ثلث أموال تهامة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083528,"book_id":3509,"shamela_page_id":91,"part":"1","page_num":88,"sequence_num":91,"body":"على أن يرجع عنهم ولا يهدم البيت، فأبى عليهم، فالله أعلم أكان ذلك أم لا.\rفرد أبرهة على عبد المطلب الإبل التى أصاب له، فلما انصرفوا عنه انصرف عبد المطلب إلى قريش، فأخبرهم الخبر وأمرهم بالخروج من مكة والتحرز فى شعف الجبال والشعاب، تخوفا عليهم من معرة الجيش.\rثم قام عبد المطلب فأخذ بحلقة باب الكعبة، وقام معه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة وجنده. فقال عبد المطلب وهو آخذ بحلقة باب الكعبة:\rلا هم إن العبد يم ... نع رحله فامنع حلالك «١»\rلا يغلبن صليبهم ... ومحالهم غدوا محالك\rثم أرسل عبد المطلب حلقة باب الكعبة، وانطلق هو ومن معه من قريش إلى شعف الجبال فتحرزوا فيها ينتظرون ما أبرهة فاعل بمكة إذا دخلها.\rفلما أصبح أبرهة تهيأ لدخول مكة وهيأ فيله وعبى جيشه. وكان اسم الفيل محمودا، وأبرهة مجمع لهدم البيت والانصراف إلى اليمن، فلما وجهوا الفيل إلى مكة قام نفيل بن حبيب إلى جنب الفيل، ثم أخذ بأذنه فقال له: ابرك محمود وارجع راشدا من حيث جئت، فإنك فى بلد الله الحرام. ثم أرسل أذنه فبرك الفيل وخرج نفيل يشتد حتى أصعد فى الجبل.\rوضربوا الفيل ليقوم فأبى، وضربوه فى رأسه بالطبرزين «٢» ليقوم فأبى، فأدخلوا محاجن لهم فى مراقه فبزغوه بها ليقوم فأبى، فوجهوه راجعا إلى اليمن فقام يهرول، ووجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى مكة فبرك.\rوأرسل الله عليهم طيرا من البحر أمثال الخطاطيف والبلسان مع كل طائر منها ثلاثة أحجار، يحملها حجر فى منقاره وحجران فى رجليه، أمثال الحمص والعدس لا تصيب منهم أحدا إلا هلك، وليس كلهم أصابت.\rوخرجوا هاربين يبتدرون الطريق الذى منه جاؤا ويسألون عن نفيل بن حبيب","footnotes":"(١) لا هم: أى اللهم، والعرب تحذف منها الألف واللام للتخفيف، حلالك: جمع حلة وهى جماعة البيوت وربما أريد بها القوم المجتمعون لأنهم يحلون فيها.\r(٢) الطبرزين: آلة من الحديد. وقال السهيلى فى الروض الأنف: طبر هو الفأس، وذكر الطبرستان بفتح الباء وقال معناه: شجر قطع بفأس.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083529,"book_id":3509,"shamela_page_id":92,"part":"1","page_num":89,"sequence_num":92,"body":"ليدلهم على الطريق إلى اليمن، فقال نفيل حين رأى ما أنزل الله بهم من نقمته:\rأين المفر والإله الطالب ... والأشرم المغلوب ليس الغالب\rوقال نفيل أيضا:\rألا حييت عنا يا ردينا ... نعمناكم مع الإصباح عينا\rردينة لو رأيت ولا تريه ... لدى جنب المحصب ما رأينا\rإذا لعذرتنى وحمدت أمرى ... ولم تأسى على ما فات بينا\rحمدت الله إذ أبصرت طيرا ... وخفت حجارة تلقى علينا\rفكل القوم يسأل عن نفيل ... كأن علىّ للحبشان دينا «١»\rفخرجوا يتساقطون بكل طريق ويهلكون بكل مهلك على كل منهل، وأصيب أبرهة فى جسده وخرجوا به معهم يسقط أنملة أنملة، كلما سقطت أنملة منها اتبعتها مدة تمث قيحا ودما، حتى قدموا به صنعاء وهو مثل فرخ الطائر، فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه، فيما يزعمون.\rويقال: إنه أول ما رئيت الحصبة والجدرى بأرض العرب ذلك العام، وإنه أول ما رئى بها مرائر الشجر الحرمل «٢» والحنظل والعشر «٣» ذلك العام.\rفلما بعث الله محمدا ﷺ كان مما يعد الله على قريش من نعمته عليهم وفضله، ما رد عنهم من أمر الحبشة لبقاء أمرهم ومدتهم، فقال ﵎: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ.\rوقالت عائشة رضى الله عنها: لقد رأيت قائد الفيل وسائسه بمكة أعمين مقعدين يستطعمان.\rقال ابن إسحاق: فلما رد الله الحبشة عن مكة وأصابهم ما أصابهم به من النقمة،","footnotes":"(١) ذكر هذه الأبيات فى السيرة (١/ ٦٢) . فقال:\rألا حييت عنا يا ردينا ... نعمناكم مع الإصباح عينا\rأتانا قابس منكم عشاء ... فلم يقدر لقابسكم لدينا\rثم ذكرها سواء.\r(٢) الحرمل: حب نبات معروف يخرج السوداء والبلغم إسهالا.\r(٣) العشر: شجر مر يحمل ثمرا كالأترج وليس فيه منتفع.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083530,"book_id":3509,"shamela_page_id":93,"part":"1","page_num":90,"sequence_num":93,"body":"أعظمت العرب قريشا، وقالوا: هم أهل الله، قاتل الله عنهم وكفاهم مؤنة عدوهم، فقالوا فى ذلك أشعارا يذكرون فيها ما صنع الله بالحبشة وما رد عن قريش من كيدهم، فقال عبد الله بن الزبعرى السهمى:\rتنكلوا عن بطن مكة إنها ... كانت قديما لا يرام حريمها\rلم تخلق الشعرى ليالى حرمت ... إذ لا عزيز من الأنام يرومها\rسائل أمير الحبش عنها ما رأى ... ولسوف ينبى الجاهلين عليهما\rستون ألفا لم يؤوبوا أرضهم ... بل لم يعش بعد الإياب سقيمها\rكانت بها عاد وجرهم قبلهم ... والله من فوق العباد يقيمها\rوقال أبو قيس بن الأسلت الأنصارى ثم الخطمى، من قصيدة سيأتى ذكرها بجملتها:\rفقوموا فصلوا ربكم وتمسحوا ... بأركان هذا البيت بين الأخاشب\rفعندكم منه بلاء مصدق ... غداة أبى يكسوم هادى الكتائب\rكتيبته بالسهل تمشى ورجله ... على القاذفات فى رؤس المناقب «١»\rفلما أتاكم نصر ذى العرش ردهم ... جنود المليك بين ساف وحاصب\rفولوا سراعا هاربين ولم يؤب ... إلى قومه ملحبش غير عصائب «٢»\rوقالت سبيعة بنت الأحب بن زبينة من بنى نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور، لابنها خارجة بن عبد مناف بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة، تعظم عليه حرمة مكة وتنهاه عن البغى فيها وتذكر تبعا وتذلله لها، والفيل وهلاك جيشه عندها:\rأبنى لا تظلم بمك ... ة لا الصغير ولا الكبير\rواحفظ محارمها بن ... ى ولا يغرنك الغرور\rأبنى من يظلم بمك ... ة يلق أطراف الشرور\rأبنى يضرب وجهه ... ويلح بخديه السعير\rأبنى قد جربتها ... فوجدت ظالمها يبور\rالله آمنها وما ... بنيت بعرصتها قصور\rوالله آمن طيرها ... والعصم «٣» تأمن فى ثبير\rولقد غزاها تبع ... فكسا بنيتها الحبير «٤»","footnotes":"(١) القاذفات: أعالى الجبال البعيدة. والمناقب: جمع منقبة، وهى الطريق فى رأس الجبل.\r(٢) ملحبش: أى من الحبش، والعصائب: الجماعات.\r(٣) العصم: جمع أعصم، وهو الوعل، قيل له ذلك لأنه يعتصم بالجبال.\r(٤) الحبير: هو الثور الحبير: أى هو الجديد الناعم، وقيل: الثياب الموشية.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083531,"book_id":3509,"shamela_page_id":94,"part":"1","page_num":91,"sequence_num":94,"body":"وأذل ربى ملكه ... فيها فأوفى بالنذور\rيمشى إليها حافيا ... بفنائها ألفا بعير\rويظل يطعم أهلها ... لحم المهارى والجزور\rيسقيهم العسل المصف ... ى والرحيض من الشعير\rوالفيل أهلك جيشه ... يرمون فيها بالصخور\rوالملك فى أقصى البلا ... د وفى الأعاجم والجزير\rفاسمع إذا حدثت واف ... هم كيف عاقبة الأمور\rولم يزل شعراء أهل الجاهلية يذكرون ذلك فى أشعارهم معتدين بصنع الله فيه، وقد جرى على ذلك شعراء الإسلام، فقال الفرزدق بن غالب التميمى، يمدح سليمان بن عبد الملك بن مروان ويعرض للحجاج بن يوسف، ويذكر الفيل وجيشه:\rفلما طغى الحجاج حين طغى به ... غنى قال إنى مرتق فى السلالم\rفقال كما قال ابن نوح سأرتقى ... إلى جبل من خشية الماء عاصم\rرمى الله فى جثمانه مثل ما رمى ... عن القبلة البيضاء ذات المحارم\rجنودا تسوق الفيل حتى أعادهم ... هباء وكانوا مطرخيمى الطراخم «١»\rنصر كنصر البيت إذ ساق فيله ... إليه عظيم المشركين الأعاجم\rقال ابن إسحاق «٢» : فلما هلك أبرهة ملك الحبشة ابنه يكسوم بن أبرهة، وبه كان يكنى، فلما هلك يكسوم ملك اليمن فى الحبشة أخوه مسروق بن أبرهة.\rفلما طال البلاء على أهل اليمن، خرج سيف بن ذى يزن الحميرى حتى قدم على قيصر ملك الروم، فشكا إليه ما هم فيه، وسأله أن يخرجهم عنه، ويليهم هو، ويبعث إليهم من شاء من الروم، فلم يشكه.\rفخرج حتى أتى النعمان بن المنذر، وهو عامل كسرى على الحيرة وما يليها من أرض العراق، فشكا إليه أمر الحبشة، فقال له النعمان: إن لى على كسرى وفادة فى كل عام، فأقم حتى يكون ذلك؛ ففعل.\rثم خرج معه فأدخله على كسرى، وكان كسرى يجلس فى إيوان مجلسه الذى فيه تاجه، وكان تاجه مثل القلنقل العظيم، فيما يزعمون، يضرب فيه الياقوت والزبرجد","footnotes":"(١) الطراخم: جمع الطراخم وهو الممتلئ كبرا المتعظم.\r(٢) انظر: السيرة (١/ ٦٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083532,"book_id":3509,"shamela_page_id":95,"part":"1","page_num":92,"sequence_num":95,"body":"واللؤلؤ بالذهب والفضة، معلقا بسلسلة من ذهب فى رأس طاقة فى مجلسه ذلك، وكانت عنقه لا تحمل تاجه، إنما يستر بالثياب حتى يجلس فى مجلسه ذلك، ثم يدخل رأسه فى تاجه، فإذا استوى فى مجلسه كشفت عنه الثياب، فلا يراه رجل لم يره قبل ذلك إلا برك هيبة له.\rفلما دخل عليه سيف بن يزن برك، وقيل: إنه لما دخل عليه طأطأ رأسه، فقال الملك:\rإن هذا لأحمق! يدخل على من هذا الباب الطويل ثم يطأطئ رأسه!.\rفقيل ذلك لسيف، فقال: إنما فعلت هذا لهمى، لأنه يضيق عنه كل شىء. ثم قال:\rأيها الملك، غلبنا على بلادنا الأغربة.\rفقال كسرى: أى الأغربة؟ الحبشة أم السند؟ قال: بل الحبشة، فجئتك لتنصرنى ويكون ملك بلادى لك. قال: بعدت بلادك مع قلة خيرها، فلم أكن لأورط جيشا من فارس بأرض العرب، لا حاجة لى بذلك.\rثم أجازه بعشرة آلاف درهم واف، وكساه كسوة حسنة. فلما قبض ذلك سيف خرج فجعل ينثر تلك الورق للناس. فبلغ ذلك الملك فقال: إن لهذا لشأنا.\rثم بعث إليه فقال: عمدت إلى حباء الملك تنثره للناس! فقال: وما أصنع بهذا؟! ما جبال أرضى التى جئت منها إلا ذهب وفضة، يرغبه فيها.\rفجمع كسرى مرازبته «١» فقال: ماذا ترون فى أمر هذا الرجل وما جاء له؟ فقال قائل: أيها الملك إن فى سجونك رجالا حبستهم للقتل، فلو أنك بعثتهم معه، فإن يهلكوا كان ذلك الذى أردت، وإن ظفروا كان ملكا ازددته.\rفبعث معه كسرى من كان فى سجونه، وكانوا ثمانمائة رجل، واستعمل عليهم رجلا منهم يقال له: وهرز وكان ذا سن فيهم وأفضلهم حسبا وبيتا، فخرجوا فى ثمان سفائن فغرقت سفينتان ووصلت إلى ساحل عدن ست سفائن.\rفجمع سيف إلى وهرز من استطاع من قومه وقال له: رجلى مع رجلك حتى نموت جميعا أو نظفر جميعا. قال وهرز: أنصفت.\rوخرج إليه مسروق بن أبرهة ملك اليمن وجمع إليه جنوده، فأرسل إليهم وهرز ابنا له ليقاتلهم فيختبر قتالهم، فقتل ابن وهرز، فزاده ذلك حنقا عليهم. فلما تواقف الناس","footnotes":"(١) مرازبته: أى وزراءه. وقيل: هو الفارس الشجاع المقدم عند الملك.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083533,"book_id":3509,"shamela_page_id":96,"part":"1","page_num":93,"sequence_num":96,"body":"على مصافهم قال وهرز: أرونى ملكهم. قالوا له: أترى رجلا على الفيل عاقدا تاجه على رأسه، بين عينيه ياقوتة حمراء؟. قال: نعم. قالوا: ذلك ملكهم. قال: اتركوه.\rفوقفوا طويلا ثم قال: علام هو؟ قالوا: قد تحول على الفرس. قال: اتركوه. فوقفوا طويلا. ثم قال: علام هو؟ قالوا: على البغلة. قال وهرز: بنت الحمار! ذل وذل ملكه، إنى سأرميه، فإن رأيتم أصحابه لم يتحركوا فاثبتوا حتى أوذنكم، فإنى قد أخطأت الرجل، وإن رأيتم القوم قد استداروا ولاثوا به فقد أصبت الرجل، فاحملوا عليهم.\rثم أوتر قوسه، وكانت فيما يزعمون، لا يوترها غيره من شدتها، وأمر بحاجبيه فعصبا له، ثم رمى فصك الياقوتة التى بين عينيه فتغلغلت النشابة فى رأسه حتى خرجت من قفاه؟ ونكس عن دابته، واستدارت الحبشة ولاثت به، وحملت عليهم الفرس وانهزموا فقتلوا وهربوا فى كل وجه.\rوأقبل وهرز ليدخل صنعاء، حتى إذا أتى بابها قال: لا تدخل رايتى منكسة أبدا، اهدموا الباب. فهدم، ثم دخلها ناصبا رايته. وقال فى ذلك أبو الصلت بن أبى ربيعة الثقفى، وتروى لابنه أمية بن أبى الصلت:\rليطلب الوتر أمثال ابن ذى يزن ... مذيم فى البحر للأعداء أحوالا\rيهم قيصر لما حاز رحلته ... فلم يجد عنده بعض الذى سالا\rحتى أتى ببنى الأحرار يحملهم ... إنك عمرى لقد أسرعت قلقالا «١»\rلله درهم من عصبة خرجوا ... ما إن أرى لهم فى الناس أمثالا\rبيضا مرازبة غلبا أساورة ... أسدا تربب فى الغيضات أشبالا\rأرسلت أسدا على سود الكلاب فقد ... أضحى شريدهم فى الأرض فلالا «٢»\rفاشرب هنيئا عليك التاج مرتفعا ... فى رأس غمدان دارا منك محلالا «٣»\rواشرب هنيئا فقد شالت نعامتهم ... وأسبل اليوم فى برديك إسبالا»","footnotes":"(١) بنو الأحرار: أراد بهم الفرس، والقلقال: التحرك بسرعة.\r(٢) الفلال: جمع فل وهم القوم المنهزمون.\r(٣) رأس غمدان: قال ياقوت فى معجم البلدان (٤/ ٢١٠) : قيل إنه قصر بناه يشرح بن يحصب على أربعة أوجه وبنى فى داخله قصرا على سبعة سقوف، وقيل: إن الذى بناه سليمان بن داود ﵉، وقيل: إنه بين صنعاء وطيوه وهدم غمدان فى أيام عثمان بن عفان رضى الله عنه.\r(٤) شالت نعامتهم: أى هلكوا، والإسبال: إرخاء الثوب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083534,"book_id":3509,"shamela_page_id":97,"part":"1","page_num":94,"sequence_num":97,"body":"تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا\rوأقام وهرز والفرس باليمن، فمن بقية ذلك الجيش من الفرس الأبناء الذين باليمن اليوم.\rوكان ملك الحبشة باليمن منذ دخلها أرياط إلى أن أخرجتهم الفرس عنها اثنتين وسبعين سنة، وفق ما ذكره سطيح وشق فى تأويل رؤيا ربيعة بن نصر.\rثم مات وهرز، فأمر كسرى ابنه المرزبان بن وهرز على اليمن، ثم مات المرزبان فأمر كسرى ابنه التينجان بن المرزبان، ثم مات فأمر كسرى ابن التينجان، ثم عزله وولى باذان، فلم يزل عليها حتى بعث الله محمدا ﷺ «١» .\rفلما بلغ مبعثه كسرى كتب إلى باذان: إنه بلغنى أن رجلا من قريش خرج بمكة يزعم أنه نبى، فسر إليه فاستتبه، فإن تاب وإلا فابعث إلى برأسه. فبعث باذان بكتاب كسرى إلى رسول الله ﷺ، فكتب إليه رسول الله ﷺ: إن الله قد وعدنى أن يقتل كسرى فى يوم كذا من شهر كذا.\rفلما أتى باذان الكتاب توقف لينظر وقال: إن كان نبيا فسيكون ما قال. فقتل الله كسرى على يد ابنه شيرويه فى اليوم الذى قال رسول الله ﷺ. فلما بلغ ذلك باذان بعث بإسلام من معه إلى رسول الله ﷺ. فقالت الرسل من الفرس: إلى من نحن يا رسول الله، قال: «أنتم منا وإلينا أهل البيت» .\rقال الزهرى: فمن ثم قال رسول الله ﷺ: «سلمان منا أهل البيت» «٢» .\rوكأن هذه الأخبار وإن قطعت بعض ما كنا بسبيله من أمر بنى قصى فلها أيضا من الإفادة بنحو ما قصدناه وحسن الإمتاع بالشأن المناسب لما اعتمدناه ما يحسن اعتراضها وينظم فى سلك واحد مع ما مر من ذلك أو يأتى أغراضها.\rوعلينا بمعونة الله فى تجويد الترتيب لذلك كله تطبيق المنفصل ورد هذه الأحاديث المتفرقة فى حكم الحديث المتصل، فنطيل ولا نمل، ونقصر فلا نخل كل ذلك ببركة","footnotes":"(١) انظر: السيرة (١/ ٧٤) .\r(٢) انظر الحديث فى: المستدرك للحاكم (٣/ ٥٩٨) ، المعجم الكبير للطبرانى (٦/ ٢٦١) ، تفسير الطبرى (٢١/ ٨٥) ، البداية والنهاية لابن كثير (٢/ ١٨٠، ٤/ ٩٩) ، طبقات ابن سعد (٧/ ٦٥) ، كنز العمال للمتقى الهندى (٣٣٣٤٠) ، دلائل النبوة للبيهقى (٣/ ٤١٨) ، كشف الخفاء للعجلونى (١/ ٥٥٨) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٦/ ١٣٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083535,"book_id":3509,"shamela_page_id":98,"part":"1","page_num":95,"sequence_num":98,"body":"المختار الذى يممنا تخليد أوليته، وتيمنا بخدمة آثاره وسيرته، صلى الله عليه وعلى آله الأكرمين وصحابته.\rوكنا انتهينا من شأن بنى قصى بعده، إلى ما تراضوا به بينهم من الصلح على أن تكون السقاية والرفادة لبنى عبد مناف، وتكون حجابة البيت واللواء والندوة لبنى عبد الدار، على نحو ما جعله قصى إلى أبيهم.\rفولى السقاية والرفادة هاشم بن عبد مناف. وذلك أن عبد شمس كان رجلا سفارا قلما يقيم بمكة، وكان مقلا ذا ولد كثير، وكان هاشم موسرا، وكان فيما يزعمون، إذا حضر الحج قام صبيحة هلال ذى الحجة فيسند ظهره إلى الكعبة من تلقاء بابها، فيحض قومه على رفادة الحاج التى سنها لهم قصى، ويقول لهم فى خطبته: يا معشر قريش، أنتم سادة العرب، أحسنها وجوها، وأعظمها أحلاما، وأوسط العرب أنسابا، وأقرب العرب بالعرب أرحاما.\rيا معشر قريش، إنكم جيران بيت الله، أكرمكم الله بولايته وخصكم بجواره دون بنى إسماعيل، حفظ منكم أحسن ما حفظ جار من جاره، وإنه يأتيكم فى هذا الموسم زوار الله، يعظمون حرمة بيته، فهم ضيف الله، وأحق الضيف بالكرامة ضيفه، فأكرموا ضيفه وزواره، فإنهم يأتون شعثا غبرا من كل بلد على ضوامر كالقداح، وقد أزحفوا وأرملوا فأقروهم وأعينوهم، فورب هذه البنية لو كان لى مال يحمل ذلك لكفيتكموه، وأنا مخرج من طيب مالى وحلاله، ما لم تقطع فيه رحم، ولم يؤخذ بظلم، ولم يدخل فيه حرام فواضعه، فمن شاء منكم أن يفعل مثل ذلك فعله. وأسألكم بحرمة هذا البيت ألا يخرج رجل منكم من ماله لكرامة زوار بيت الله ومعونتهم إلا طيبا لم تقطع فيه رحم، ولم يؤخذ غصبا «١» .\rفكانت بنو كعب بن لؤى وسائر قريش يجتهدون فى ذلك ويترافدون عليه، ويخرجون ذلك من أموالهم حتى يأتوا به هاشم بن عبد مناف فيضعوه فى داره، حتى أن كان أهل البيت ليرسلون بالشىء اليسير على قدرهم. وكان هاشم يخرج فى كل سنة مالا كثيرا. وكان قوم من قريش أهل يسار، ربما أرسل كل إنسان منهم بمائة مثقال هرقلية.\rوكان هاشم يأمر بحياض من أدم، فتجعل فى موضع زمزم من قبل أن تحفر، ثم يستقى فيها من البيار التى بمكة، فيشرب الحاج.","footnotes":"(١) انظر: السيرة (١/ ١٢٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083536,"book_id":3509,"shamela_page_id":99,"part":"1","page_num":96,"sequence_num":99,"body":"وكان يطعمهم أول ما يطعمهم بمكة قبل التروية بيوم، ثم بمنى، وبجمع وعرفة، يثرد لهم الخبز واللحم، والخبز والسمن، والسويق والتمر، ويحمل لهم الماء، فيطعمهم ويسقيهم حتى يصدروا.\rوكان اسم هاشم عمرا، ويقال له: عمرو العلا. وإنما سمى هاشما لهشمه الخبز بمكة لقومه، وهو فيما يذكرون أول من سن الرحلتين لقريش، رحلة الشتاء والصيف. وفى ذلك يقول بعض شعرائهم:\rعمرو العلا هشم الثريد لقومه ... قوم بمكة مسنتين عجاف «١»\rسنت إليه الرحلتان كلاهما ... سفر الشتاء ورحلة الإصياف\rوذلك أن قريشا كانوا قوما تجارا، وكانت تجارتهم لا تعدو مكة، إنما يقدم الأعاجم بالسلع فيشترون منهم ويتبايعون فيما بينهم، ويبيعون ممن حولهم من العرب. فلم يزالوا كذلك حتى ذهب هاشم إلى الشام، فكان يذبح كل يوم شاة، فيصنع جفنة ثريد، ويدعو من حوله فيأكلون.\rوكان هاشم من أحسن الناس وأجملهم، إلى شرف نفسه وكرم فعاله. فذكر لقيصر فدعا به فلما رآه وكلمه أعجب به وأدناه. فلما رأى هاشم مكانه منه، طلب منه أمانا لقومه ليقدموا بلاده بتجاراتهم. فأجابه إلى ذلك. وكتب لهم قيصر كتاب أمان لمن أتى منهم.\rفأقبل هاشم بذلك الكتاب، فكلما مر بحى من أحياء العرب أخذ من أشرافهم إيلافا لقومه يأمنون به عندهم وفى أرضهم من غير حلف، وإنما هو أمان الطريق.\rواستوفى أخذ ذلك ممن بين مكة والشام، فأتى قومه بأعظم شىء أتوا به قط بركة، فخرجوا بتجارة عظيمة، وخرج هاشم معهم ليوفيهم إيلافهم الذى أخذ لهم من العرب، فلم يزل يوفيهم إياه، ويجمع بينهم وبين العرب حتى قدم بهم الشام.\rفهلك هاشم فى سفره ذلك بغزة من أرض الشام. وكان أول بنى عبد مناف هلكا.\rوخرج المطلب بن عبد مناف، وهو يسمى الفيض لسماحته وفضله، إلى اليمن، فأخذ من ملوكهم أمانا لمن تجر من قومه إلى بلادهم، ثم أقبل يأخذ لهم الإيلاف ممن","footnotes":"(١) هشم الثريد: به سمى هاشم بن عبد مناف أبو عبد المطلب جد النبى ﷺ كان يسمى عمرا وهو أول من ثرد الثريد وهشمه فسمى هاشما، فقالت فيه ابنته هذه الأبيات، وقال ابن برى: الشعر لابن الزبعرى. انظر هذا القول والبيت فى اللسان (١٢/ ٦١١) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083537,"book_id":3509,"shamela_page_id":100,"part":"1","page_num":97,"sequence_num":100,"body":"كان على طريقه من العرب، كما فعل أخوه هاشم، حتى أتى مكة، ثم رجع إلى اليمن، فمات بردمان.\rوخرج عبد شمس بن عبد مناف إلى ملك الحبشة، فأخذ منه أمانا كذلك لمن تجر من قريش إلى بلاده، ثم أخذ الإيلاف من العرب الذين على الطريق إليها حتى بلغ مكة، وتوفى بها فقبره بالحجون.\rوخرج نوفل بن عبد مناف، وكان أصغر ولد أبيه إلى العراق، فأخذ عهدا من كسرى لتجار قريش، ثم أقبل يأخذ الإيلاف ممن مر به من العرب حتى قدم مكة، ثم رجع إلى العراق فمات بسلمان من ناحية العراق.\rفجبر الله قريشا بهؤلاء النفر الأربعة من بنى عبد مناف، فنمت أموالهم، واتسعت تجارتهم، فكان بنو عبد مناف يسمون لأجل ذلك المجيزين، والعرب تسميهم أقداح النضار، لطيب أحسابهم، وكرم فعالهم.\rوقال مطرود بن كعب الخزاعى يبكيهم جميعا حين أتاه نعى نوفل منهم، وكان آخرهم هلكا:\rيا ليلة هيجت ليلاتى ... إحدى ليالى القسيات «١»\rوما أقاسى من هموم وما ... عالجت من رزء المنيات\rإذا تذكرت أخى نوفلا ... ذكرنى بالأوليات\rذكرنى بالأزر الحمر وال ... أردية الصفر القشيبات «٢»\rأربعة كلهم سيد ... أبناء سادات لسادات\rميت بردمان وميت بسل ... مان وميت بين غزات «٣»\rوميت أسكن لحدا لدى ال ... حجون شرقى البنيات\rأخلصهم عبد مناف فهم ... من لوم من لام بمنجاة\rإن المغيرات وأبناءها ... من خير أحياء وأموات «٤»","footnotes":"(١) القسيات: من القسوة أى لا لين عندهن ولا رأفة، والقسى: الشديد.\r(٢) القشيبات: واحدها القشب: وهو الجديد والناس تقول ثوب قشيب أى جديد.\r(٣) ردمان: بفتح أوله وهو فعلان من الردم وهو موضع باليمن. اسم ماء قديم جاهلى وبه قبر نوفل بن عبد مناف، وكان فى الجاهلية طريق إلى تهامة من العراق. غزات: أى غزة.\r(٤) المغيرات: المقصود بها بنو المغيرة وهو عبد مناف.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083538,"book_id":3509,"shamela_page_id":101,"part":"1","page_num":98,"sequence_num":101,"body":"وإنما سماهم المغيرات لأن عبد مناف أباهم كان اسمه المغيرة. فقيل لمطرود فيما يزعمون: لقد قلت فأحسنت، ولو كان أفحل مما هو كان أحسن.\rفقال: أنظرونى ليالى. فمكث أياما ثم قال:\rيا عين جودى وأذرى الدمع وانهمرى ... وابكى على السر من كعب المغيرات\rيا عين واسحنفرى بالدمع واحتفلى ... وابكى خبيئة نفسى فى الملمات «١»\rوابكى على كل فياض أخى ثقة ... ضخم الدسيعة وهاب الجزيلات «٢»\rمحض الضريبة عالى الهم مختلق ... جلد النجيزة ناء بالعظيمات «٣»\rصعب البديهة لا نكس ولا وكل ... ماضى العزيمة متلاف الكريمات\rصقر توسط من كعب إذا نسبوا ... بحبوحة المجد والشم الرفيعات\rثم اندبى الفيض والفياض مطلبا ... واستخرطى بعد فياض بجمات\rأمسى بردمان عنا اليوم مغتربا ... يا لهف نفسى عليه بين أموات\rوابكى لك الويل إما كنت باكية ... لعبد شمس بشرقى البنيات\rوهاشم فى ضريح وسط بلقعة ... تسفى الرياح عليه بين غزات\rونوفل كان دون القوم خالصتى ... أمسى بسلمان فى رمس بمومات\rلم ألق مثلهم عجما ولا عربا ... إذا استقلت بهم أدم المطيات\rأمست ديارهم منهم معطلة ... وقد يكونون زينا فى السريات*\rأفناهم الدهر أم كلت سيوفهم ... أم كل من عاش أزواد المنيات\rأصبحت أرضى من الأقوام بعدهم ... بسط الوجوه وإلقاء التحيات\rيا عين وابكى أبا الشعث الشجيات ... يبكينه حسرا مثل البليات**\rيبكين أكرم من يمشى على قدم ... يعولنه بدموع بعد عبرات","footnotes":"(١) اسحنفرى: أى أديمى الدمع. والخبيئة: الشىء المخبوء يريد أنه ذخيرة عند نزول الشدائد.\r(٢) الدسيعة: العطية وضخم الدسيعة أى كثير العطية.\r(٣) محض الضريبة: أى مخلص الطبيعة. والمختلق: تام الخلق. والنجيزة: الطبيعة من العين المختلف من كل شىء.\r(*) السريات: جمع سرية وهى طائفة من الجيش يبلغ أقصاه أربعمائة وسموا بذلك لأنهم يكونون خلاصة العسكر وخيارهم من الشىء السرى النفيس وقيل سموا بذلك لأنهم ينفذون سرا وخفية. انظر: اللسان (مادة سرا) .\r(**) البليات: جمع بلية، وهى: الناقة كانت تشد فى الجاهلية عند قبر صاحبها حتى تموت، وكانوا يقولون: يبعث صاحبها عليها. انظر: اللسان (مادة بلا) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083539,"book_id":3509,"shamela_page_id":102,"part":"1","page_num":99,"sequence_num":102,"body":"يبكين شخصا طويل الباع ذا فخر ... أبى الهضيمة فراج الجليلات\rيبكين عمرو العلا إذ حان مصرعه ... سمح السجية بسام العشيات\rيبكينه مستكينات على حزن ... يا طول ذلك من حزن وعولات\rيبكين لما جلاهن الزمان له ... خضر الخدود كأمثال الحميات\rمحتزمات على أوساطهن لما ... جر الزمان من أحداث المصيبات\rأبيت ليلى أراعى النجم من ألم ... أبكى وتبكى معى شجوى بنياتى\rما فى القروم لهم عدل ولا خطر ... ولا لمن تركوا شروى بقيات\rأبناؤهم خير أبناء وأنفسهم ... خير النفوس لدى جهد الأليات\rكم وهبوا من طمر سابح أرن ... ومن طمرة نهب فى طمرات\rومن سيوف من الهندى مخلصة ... ومن رماح كأشطان الركيات\rومن توابع مما يفضلون بها ... عند المسائل من بذل العطيات\rفلو حسبت وأحصى الحاسبون معى ... لم أحص أفعالهم تلك الهنيات\rهم المدلون إما معشر فخروا ... عند الفخار بأنساب نقيات\rزين البيوت التى خلوا مساكنها ... فأصبحت منهم وحشا خليات\rأقول والعين لا ترقا مدامعها ... لا يبعد الله أصحاب الرزيات\rوكان هاشم بن عبد مناف قد قدم المدينة فتزوج بها سلمى بنت عمرو أحد بنى عدى بن النجار، وكانت قبله عند أحيحة بن الجلاح فيما ذكر ابن إسحاق. قال:\rوكانت لا تنكح الرجال لشرفها حتى يشترطوا لها أن أمرها بيدها، إن كرهت رجلا فارقته.\rفولدت لهاشم عبد المطلب فسمته شيبة «١» ، فتركه هاشم عندها حتى كان وصيفا أو فوق ذلك. ثم خرج إليه عمه المطلب ليقبضه فيلحقه ببلده وقومه، فقالت له سلمى:\rلست بمرسلته معك.\rفقال لها المطلب: إنى غير منصرف حتى أخرج به معى، إن ابن أخى قد بلغ وهو غريب فى غير قومه، ونحن أهل بيت شرف فى قومنا نلى كثيرا من أمرهم، ورهطه وعشيرته وبلده خير له من الإقامة فى غيرهم. أو كما قال.\rوقال شيبة لعمه المطلب فيما يزعمون: لست بمفارقها إلا أن تأذن لى. فأذنت له","footnotes":"(١) قال الطبرى فى تاريخه (١/ ٥٠١) : سمى شيبة لشيبة كانت فى رأسه ويكنى بأبى الحارث والحارث أكبر ولده.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083540,"book_id":3509,"shamela_page_id":103,"part":"1","page_num":100,"sequence_num":103,"body":"ودفعته إليه، فاحتمله فدخل به مكة مردفه على بعيره، فقالت قريش: عبد المطلب ابتاعه.\rفبها سمى شيبة: عبد المطلب. فقال المطلب: ويحكم إنما هو ابن أخى هاشم قدمت به من المدينة «١» .\rوذكر الزبير أن شيبة إنما سمى عبد المطلب، لأن عمه المطلب لما قدم به من يثرب ودخل به مكة ضحوة مردفه خلفه والناس فى أسواقهم ومجالسهم، قاموا يرحبون به ويقولون: من هذا معك؟ فيقول: عبد لى ابتعته بيثرب، فلما كان العشية ألبسه حلة ابتاعها له، ثم أجلسه فى مجلس بنى عبد مناف وأخبرهم خبره، فجعل بعد ذلك يخرج فى تلك الحلة فيطوف فى سكك مكة، وكان أحسن الناس، فيقولون: هذا عبد المطلب، لقول المطلب فيه ذلك، فلج اسمه عبد المطلب، وترك شيبة.\rوكان يقال لعبد المطلب: شيبة الحمد، وإنما سمى شيبة لأنه كان فى ذؤابته شعرة بيضاء.\rثم ولى عبد المطلب بن هاشم السقاية والرفادة بعد عمه المطلب، فأقامها للناس وأقام لقومه ما كان آباؤه يقيمون لقومهم من أمرهم قبله، وشرف فى قومه شرفا لم يبلغه أحد من آبائه، وأحبه قومه وعظم خطره فيهم.\rويقال: كان يعرف فى عبد المطلب نور النبوة وهيبة الملك.\rقال الزبير: ومكارم عبد المطلب أكثر من أن أحيط بها، كان سيد قريش غير مدافع نفسا وأبا وبيتا وجمالا وبهاء وفعالا وكمالا. فصلى الله على المنتخب من ذريته، المخصوص بأولية الفخر وآخريته، وعلى آله الأكرمين وعترته وسلم تسليما.\r\rذكر حفر عبد المطلب زمزم وما يتصل بذلك من حديث مولد رسول الله ﷺ\rقد تقدم الخبر عن زمزم أنها بئر إسماعيل بن إبراهيم ﵉، التى سقاه الله حين ظمأ وهو صغير.","footnotes":"(١) انظر: السيرة (١/ ١٢٥- ١٢٦) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083541,"book_id":3509,"shamela_page_id":104,"part":"1","page_num":101,"sequence_num":104,"body":"وكانت جرهم دفنتها حين ظعنوا من مكة بين صنمى قريش إساف ونائلة عند منحر قريش، فبقى أمرها كذلك إلى أن أمر عبد المطلب بن هاشم بحفرها.\rفذكر ابن إسحاق «١» وغيره من حديث على بن أبى طالب رضى الله عنه، قال: قال عبد المطلب: إنى لنائم فى الحجر إذ أتانى آت فقال: احفر طيبة. قلت: وما طيبة؟ ثم ذهب عنى. فلما كان الغد رجعت إلى مضجعى فنمت فيه، فجاءنى فقال: احفر برة.\rفقلت: وما برة؟ ثم ذهب عنى.\rفلما كان الغد رجعت إلى مضجعى فنمت فيه، فجاءنى فقال: احفر المضنونة.\rفقلت: وما المضنونة؟ ثم ذهب عنى. فلما كان الغد رجعت إلى مضجعى فنمت فيه فجاءنى فقال: احفر زمزم. قلت: وما زمزم؟.\rقال: لا تنزف أبدا ولا تذم، تسقى الحجيج الأعظم، وهى بين الفرث والدم، عند نقرة الغراب الأعصم عند قرية النمل «٢» . فلما بين له شأنها ودل على موضعها وعرف أنه قد صدق، غدا بمعوله ومعه ابنه الحارث، ليس له يومئذ ولد غيره فحفر.\rفلما بدا لعبد المطلب الطى كبر. فعرفت قريش أنه قد أدرك حاجته، فقاموا إليه، فقالوا: يا عبد المطلب، إنها بئر أبينا إسماعيل، وإن لنا فيها حقا فأشر كنا معك فيها.\rقال: ما أنا بفاعل، إن هذا الأمر خصصت به دونكم وأعطيته من بينكم.\rقالوا له: فأنصفنا، فإنا غير تاركيك حتى نخاصمك فيها. قال: اجعلوا بينى وبينكم من شئتم نحاكمكم إليه. قالوا: كاهنة بنى سعد بن هذيم، قال: نعم. وكانت بأطراف الشام.\rفركب عبد المطلب ومعه نفر من بنى أبيه من بنى عبد مناف، وركب من كل قبيلة من قريش نفر. قال: والأرض إذ ذاك مفاوز. قال: فخرجوا حتى إذا كانوا ببعض تلك المفاوز بين الحجاز والشام فنى ماء عبد المطلب وأصحابه، فظمئوا حتى أيقنوا بالهلكة، فاستسقوا من معهم من قبائل قريش فأبوا عليهم، وقالوا: إنا بمفازة ونحن نخشى على أنفسا مثل ما أصابكم.\rفلما رأى عبد المطلب ما صنع القوم وما يتخوف على نفسه وأصحابه قال: ماذا","footnotes":"(١) انظر: السيرة (١/ ١٣٠) .\r(٢) قال السهيلى فى الروض الأنف (١/ ١٦٩) : قرية النمل لا تحرث ولا تبذر وتجلب الحبوب إلى قريتها من كل جانب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083542,"book_id":3509,"shamela_page_id":105,"part":"1","page_num":102,"sequence_num":105,"body":"ترون؟ قالوا: ما رأينا إلا تبع لرأيك، فمرنا بما شئت. قال: فإنى أرى أن يحفر كل رجل منكم حفرته لنفسه بما بكم الآن من القوة، فكلما مات رجل دفعه أصحابه فى حفرته ثم واروه حتى يكون آخركم رجلا واحدا، فضيعة رجل واحد أيسر من ضيعة ركب جميعا.\rقالوا: نعم ما أمرت به، فقام كل رجل منهم فحفر حفرته، ثم قعدوا ينتظرون الموت عطشا. ثم إن عبد المطلب قال لأصحابه: والله إن إلقاءنا بأيدينا هكذا للموت لا نضرب فى الأرض ولا نبتغى لأنفسنا لعجز، فعسى الله أن يرزقنا ماء ببعض البلاد، ارتحلوا.\rفارتحلوا، حتى إذا فرغوا، ومن معهم من قبائل قريش ينظرون إليهم ما هم فاعلون، تقدم عبد المطلب إلى راحلته فركبها، فلما انبعثت به انفجرت من تحت خفها عين من ماء عذب، فكبر عبد المطلب وكبر أصحابه، ثم نزل فشرب وشرب أصحابه واستقوا حتى ملأوا أسقيتهم.\rثم دعا القبائل من قريش، فقال: هلم إلى الماء، فقد سقانا الله فاشربوا واستقوا.\rفجاؤا فشربوا واستقوا، ثم قالوا: قد والله قضى لك علينا يا عبد المطلب، والله لا نخاصمك فى زمزم أبدا، إن الذى سقاك الماء بهذه الفلاة لهو الذى سقاك زمزم، فارجع إلى سقايتك راشدا.\rفرجع ورجعوا معه ولم يصلوا إلى الكاهنة وخلوا بينه وبينها. وفى غير حديث على ابن أبى طالب رضى الله عنه، أن عبد المطلب قيل له حين أمر بحفر زمزم:\rثم ادع بالماء الروى غير الكدر ... يسقى حجيج الله فى كل مبر\rليس يخاف منه شىء ما عمر\rفخرج عبد المطلب حين قيل له ذلك إلى قريش، فقال: تعلمون أنى قد أمرت أن أحفر زمزم، قالوا: فهل بين لك أين هى؟ قال: لا. قالوا: فارجع إلى مضجعك الذى رأيت فيه ما رأيت فإن يك حقا من الله يبين لك، وإن يك من الشيطان فلن يعود إليك.\rفرجع عبد المطلب إلى مضجعه فنام فيه فأتى فقيل له: احفر زمزم، إنك إن حفرتها لم تندم، وهى تراث من أبيك الأعظم لا تنزف أبدا ولا تذم، تستقى الحجيج الأعظم،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083543,"book_id":3509,"shamela_page_id":106,"part":"1","page_num":103,"sequence_num":106,"body":"مثل نعام جافل «١» لم يقسم، ينذر فيها ناذر لمنعم، تكون ميراثا وعقدا محكم، ليست كبعض ما قد تعلم، وهى بين الفرث والدم.\rفزعموا أنه حين قيل له ذلك قال: وأين هى؟ قيل له: عند قرية النمل حيث ينقر الغراب غدا. فغدا عبد المطلب ومعه ابنه الحارث وليس له يومئذ ولد غيره، فوجد قرية النمل ووجد الغراب ينقر عندها، بين الوثنين إساف ونائلة اللذين كانت قريش تنحر عندهما ذبائحهما.\rفجاء بالمعول وقام ليحفر حيث أمر، فقامت إليه قريش حين رأوا جده، فقالوا: والله لا نتركنك تحفر بين وثنينا هذين اللذين ننحر عندهما. فقال عبد المطلب لابنه الحارث:\rذب عنى فو الله لأمضين لما أمرت به.\rفلما عرفوا أنه غير نازع خلوا بينه وبين الحفر وكفوا عنه، فلم يحفر إلا يسيرا حتى بدا له الطى، فكبر وعرف أنه قد صدق، فلما تمادى به الحفر وجد فيها غزالين من ذهب، وهما الغزالان اللذان دفنت جرهم فيها حين خرجت من مكة، ووجد فيها أسيافا قلعية «٢» وأدراعا.\rفقالت له قريش: يا عبد المطلب لنا معك فى هذا شرك وحق، قال: لا، ولكن هلموا إلى أمر نصف بينى وبينكم، فضرب عليها بالقداح. قالوا: وكيف نصنع؟ قال: أجعل للكعبة قدحين ولى قدحين ولكم قدحين، فمن خرج قدحاه على شىء فهو له ومن تخلف قدحاه فلا شىء له، قالوا: أنصفت.\rفجعل قدحين أصفرين للكعبة، وقدحين أسودين لعبد المطلب، وقدحين أبيضين لقريش. ثم أعطوا القداح الذى يضرب بها عند هبل، وهبل صنم فى جوف الكعبة، وهو أعظم أصنامهم، وهو الذى عنى أبو سفيان بن حرب لما نادى يوم أحد: اعل هبل، أى أظهر دينك.\rوقام عبد المطلب يدعو الله، وضرب صاحب القداح، فخرج الأصفران على","footnotes":"(١) جافل: الجفول هو سرعة الذهاب والندور فى الأرض، يقال: جفلت الإبل جفولا إذا شردت. انظر: اللسان (مادة جفل) .\r(٢) قلعية: اسم معدن ينسب إليه الرصاص الجيد، قيل: وهو جبل بالشام، وقيل أيضا: هو قلعة عظيمة فى أول بلاد الهند من جهة الصين فيه معدن الرصاص القلعى لا يكون إلا فى قلعتها وفى هذه القلعة تضرب السيوف القلعية وهى الهندية العتيقة. انظر: معجم البلدان (٤/ ٣٨٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083544,"book_id":3509,"shamela_page_id":107,"part":"1","page_num":104,"sequence_num":107,"body":"الغزالين، وخرج الأسودان على الأسياف والأدراع لعبد المطلب، وتخلف قدحا قريش.\rفضرب عبد المطلب الأسياف بابا للكعبة، وضرب فى الباب الغزالين من ذهب، فكان أول ذهب حليته الكعبة، فيما يزعمون «١» .\rوذكر الزبير أن عبد المطلب لما أنبط الماء فى زمزم حفرها فى القرار ثم بحرها حتى لا تنزف، ثم بنى عليها حوضا فطفق هو وابنه ينزعان عليها فيملآن ذلك الحوض، فيشرب منه الحاج. وكان قوم حسدة من قريش لا يزالوان يكسرون حوضه ذلك بالليل ويغتسلون فيه، فيصلحه عبد المطلب حين يصبح.\rفلما أكثروا فساده دعا عبد المطلب ربه، فقيل له فى المنام: قل: اللهم إنى لا أحلها لمغتسل، وهى لشارب حل وبل.\rفقام عبد المطلب فى المسجد فنادى بالذى أرى، ثم انصرف فلم يكن يفسد حوضه ذلك عليه أحد من قريش أو يغتسل فيه إلا رمى فى جسده بداء، حتى تركوا حوضه ذلك وسقايته فرقا.\rوذكر الزبير أيضا أن عبد المطلب لما حفر زمزم وأدرك منها ما أدرك وجدت قريش فى أنفسها مما أعطى، فلقيه خويلد بن أسد بن عبد العزى، فقال: يا ابن سلمى، لقد سقيت ماء رغدا ونثلت عادية حتدا، قال: يا ابن أسد، أما إنك تشرك فى فضلها، والله لا يساعفنى أحد عليها ببر ولا يقوم معى بأزر إلا بذلت له خيرا لصهر.\rفقال خويلد بن أسد:\rأقول وما قولى عليهم بسنة ... إليك ابن سلمى أنت حافر زمزم\rحفيرة إبراهيم يوم ابن آجر ... وركضة جبريل على عهد آدم\rفقال عبد المطلب: ما وجدت أحدا ورث العلم الأقدم غير خويلد بن أسد. ثم إن عبد المطلب أقام سقاية زمزم للحجاج، وكانت قريش قبل حفر زمزم قد احتفرت بئارا بمكة «٢» ، وكانت خارجا من مكة آبار حفائر قديمة من عهد مرة بن كعب وكلاب بن","footnotes":"(١) انظر: السيرة (١/ ١٣٢- ١٣٣) .\r(٢) قال ابن هشام فى السيرة (١/ ١٣٣- ١٣٦) : وكانت قريش قبل حفر زمزم قد احتفرت بئارا بمكة، فيما حدثنا زياد بن عبد الله البكائى عن محمد بن إسحاق، ثم أخذ يذكر أسماء الآبار التى حفرت قبل زمزم فقال: حفر عبد شمس بن عبد مناف الطوى، وهى البئر التى بأعلى مكة عند البيضاء، دار محمد بن يوسف الثقفى. وحفر هاشم بن عبد مناف بذر، وهى البئر التى-","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083545,"book_id":3509,"shamela_page_id":108,"part":"1","page_num":105,"sequence_num":108,"body":"مرة وكبراء قريش الأول، منها يشربون، فعفت زمزم على تلك البئار التى كانت قبلها يسقى عليها الحاج.\rوانصرف الناس إليها لمكانها من المسجد الحرام، ولفضلها على ما سواها من المياه، ولأنها بئر إسماعيل بن إبراهيم ﵉، وافتخرت بها بنو عبد مناف على قريش كلها وعلى سائر العرب.\rوكان عبد المطلب فيما يزعمون «١» والله أعلم، قد نذر حين لقى من قريش ما لقى عند حفر زمزم: لئن ولد له عشرة نفر ثم بلغوا معه حتى يمنعوه، لينحرن أحدهم لله ﷿ عند الكعبة.\rفلما توافى بنوه عشرة وعرف أنهم سيمنعونه جمعهم ثم أخبرهم بنذره ودعاهم إلى الوفاء به، فأطاعوه وقالوا: وكيف نصنع؟ قال: ليأخذ كل رجل منكم قدحا ثم يكتب اسمه فيه ثم ائتونى ففعلوا، ثم أتوه فدخل بهم على هبل فى جوف الكعبة، وكان على بئر فى جوف الكعبة، فيها يجمع ما يهدى للكعبة، وكان عند هبل قداح سبعة بها يضربون على ما يريدون، وإلى ما تخرج به القداح ينتهون فى أمورهم.\rفقال عبد المطلب لصاحب القداح: اضرب على بنى هؤلاء بقداحهم هذه. وأخبره بنذره الذى نذر، وأعطاه كل رجل منهم قدحه الذى فيه اسمه. وكان عبد الله بن عبد المطلب أحب بنى أبيه إليه فيما يزعمون، فكان عبد المطلب يرى أن السهم إذا أخطأه فقد أشوى.\rفلما أخذ صاحب القداح القداح ليضرب بها، قام عبد المطلب عند هبل يدعو الله،","footnotes":"- عند المستنذر، خطم الخندمة على فم شعب أبى طالب، وحفر سجلة، وهى بئر المطعم بن عدى بن نوفل بن عبد مناف التى يسقون عليها اليوم، ويزعم بنو نوفل أن المطعم ابتاعها من أسد بن هاشم، ويزعم بنو هاشم أنه وهبها له حين ظهرت زمزم، فاستغنوا بها عن تلك الآبار وحفر أمية بن عبد شمس الحفر لنفسه. وحفرت بنو أسد بن عبد العزى: شفية، وهى بئر بنى أسد. وحفرت بنو عبد الدار: أم أحراد. وحفرت بنو جمح السنبلة، وهى بئر خلف بن وهب. وحفرت بنو سهم: الغمر، وهى بئر بنى سهم. وكانت آبار حفائر خارجا من مكة قديمة من عهد مرة بن كعب، وكلاب بن مرة، وكبراء قريش الأوائل منها يشربون، وهى رم، ورم: بئر مرة بن كعب بن لؤى. وخم، وخم: بئر بنى كلاب بن مرة. والحفر. انتهى باختصار.\r(١) انظر: السيرة (١/ ١٣٦- ١٣٩) ، تاريخ الطبرى (٢/ ٢٣٩، ٢٤٣) ، طبقات ابن سعد (١/ ٨٨، ٨٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083546,"book_id":3509,"shamela_page_id":109,"part":"1","page_num":106,"sequence_num":109,"body":"ثم ضرب صاحب القداح، فخرج القدح على عبد الله، فأخذ عبد المطلب بيده وأخذ الشفرة، ثم أقبل به إلى إساف ونائلة ليذبحه، فقامت إليه قريش من أنديتها وقالوا: ماذا تريد يا عبد المطلب؟ قال: أذبحه. فقالت له قريش وبنوه: والله لا تذبحه أبدا حتى تعذر فيه، لئن فعلت هذا لا يزال الرجل يأتى بابنه فيذبحه فما بقاء الناس على هذا؟!.\rوقال له المغيرة بن عبد الله بن عمرو بنم مخزوم، وكان عبد الله بن أخت القوم، أمه وأم أخويه الزبير وأبى طالب فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عبد بن عمران بن مخزوم:\rوالله لا تذبحه أبدا حتى تعذر فيه، فإن كان فداؤه بأموالنا فديناه. وقالت له قريش وبنوه: لا تفعل وانطلق إلى الحجاز فإن بها عرافة لها تابع، فتسألها ثم أنت على رأس أمرك، إن أمرتك بذبحه ذبحته وإن أمرتك بأمر لك وله فيه فرج قبلته.\rفانطلقوا حتى قدموا المدينة، فوجدوها فيما يزعمون، بخيبر، فركبوا حتى جاؤها فسألوها، وقص عليها عبد المطلب خبره وخبر ابنه وما أراد به ونذره فيه. فقالت لهم:\rارجعوا عنى اليوم حتى يأتينى تابعى فأسأله.\rفرجعوا من عندها، فلما خرجوا عنها قام عبد المطلب يدعو الله، ثم غدوا عليها فقالت لهم: قد جاءنى الخبر، كم الدية فيكم؟ قالوا: عشرة من الإبل، وكانت كذلك، قالت: فارجعوا إلى بلادكم ثم قربوا صاحبكم وقربوا عشرة من الإبل، ثم اضربوا عليه وعليها بالقداح، فإن خرجت على صاحبكم فزيدوا من الإبل حتى يرضى ربكم، وإن خرجت على الإبل فانحروها عنه فقد رضى ربكم ونجا صاحبكم.\rفخرجوا حتى قدموا مكة، فلما أجمعوا ذلك من الأمر قام عبد المطلب يدعو الله، ثم قربوا عبد الله وعشرا من الإبل، وعبد المطلب عند هبل يدعو الله، ثم ضربوا فخرج القدح على عبد الله، فزادوا عشرا من الإبل، فبلغت الإبل عشرين، وقام عبد المطلب يدعو الله، ثم ضربوا فخرج القدح على عبد الله، فزادوا عشرا من الإبل، ومازالوا كذلك يزيدون عشرا فعشرا من الإبل ويضربون عليها، كل ذلك يخرج القدح على عبد الله، حتى بلغت الإبل مائة من الإبل، وقام عبد المطلب يدعو الله، ثم ضربوا فخرج القدح على الإبل، فقالت قريش: قد انتهى، رضى ربك يا عبد المطلب.\rفزعموا أن عبد المطلب قال: لا والله حتى أضرب عليها ثلاث مرات، فضربوا على عبد الله وعلى الإبل، وقام عبد المطلب يدعو الله، فخرج القدح على الإبل، ثم عادوا الثانية والثالثة وعبد المطلب قائم يدعو الله، فخرج القدح فى كلتيهما على الإبل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083547,"book_id":3509,"shamela_page_id":110,"part":"1","page_num":107,"sequence_num":110,"body":"فنحرت، ثم تركت لا يصد عنها إنسان ولا يمنع.\rثم انصرف عبد المطلب آخذا بيد عبد الله، فمر به فيما يزعمون، على امرأة من بنى أسد بن عبد العزى «١» ، وهى أخت ورقة بن نوفل بن أسد، وهى عند الكعبة.\rقال الزبير: وكان عبد الله أحسن رجل رئى فى قريش قط، فقالت له حين نظرت إلى وجهه: أين تذهب يا عبد الله. قال: مع أبى. قالت: لك مثل الإبل التى نحرت عنك وقع على الآن، قال: أنا مع أبى ولا أستطيع خلافه ولا فراقه.\rفخرج به عبد المطلب حتى أتى به وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة، وهو يومئذ سيد بنى زهرة سنا وشرفا، فزوجه ابنته آمنة بنت وهب وهى يومئذ أفضل امرأة فى قريش نسبا وموضعا.\rفزعموا أنه دخل عليها حين أملكها مكانه فوقع عليها فحملت برسول الله ﷺ، ثم خرج من عندها فأتى المرأة التى عرضت عليه ما عرضت، فقال لها: مالك لا تعرضين على اليوم ما عرضت بالأمس، قالت له: فارقك النور الذى كان معك بالأمس، فليس لى بك اليوم حاجة، وقد كانت تسمع من أخيها ورقة بن نوفل، وكان تنصر واتبع الكتب، أنه كائن فى هذه الأمة نبى.\rويقال: إن عبد الله إنما دخل على امرأة كانت له مع آمنة ابنة وهب، وقد عمل فى طين له وبه آثار من الطين، فدعاها إلى نفسها، فأبطأت عليه لما رأت به من آثار الطين، فخرج من عندها، فتوضأ وغسل ما كان به من ذلك، ثم خرج عائدا إلى آمنة، فمر بتلك المرأة فدعته إلى نفسها فأبى عليها، وعمد إلى آمنة فدخل عليها فأصابها، فحملت بمحمد رسول الله ﷺ، ثم مر بامرأته تلك فقال لها: هل لك؟ قالت: لا، مررت بى وبين عينيك غرة فدعوتك فأبيت، ودخلت على آمنة فذهبت بها.\rفزعموا أن امرأته تلك كانت تحدث: أنه مر بها وبين عينيه مثل غرة الفرس، قالت:\rفدعوته رجاء أن تكون تلك بى، فأبى على ودخل على آمنة فأصابها فحملت برسول الله ﷺ.","footnotes":"(١) قال السهيلى فى الروض الأنف (١/ ١٨٠) : واسم هذه المرأة رقية بنت نوفل أخت ورقة بن نوفل تكنى أم فتال وبهذه التكنية وقع ذكرها فى رواية يونس بن إسحاق وذكر البرقى عن هشام الكلبى، قال: إنما مر على امرأة اسمها فاطمة بنت مر، كانت من أجمل النساء وأعفهن، وكانت قد قرأت الكتب، فرأت نور النبوة فى وجهه فدعته إلى نفسها فلما أبى قالت شعرا. انتهى باختصار.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083548,"book_id":3509,"shamela_page_id":111,"part":"1","page_num":108,"sequence_num":111,"body":"فكان رسول الله ﷺ أوسط قومه نسبا، وأعظمهم شرفا، من قبل أبيه وأمه ﷺ، ويزعمون فيما يتحدث الناس، والله أعلم، أن أمه كانت تحدث أنها أتيت حين حملت به، فقيل لها: إنك قد حملت بسيد هذه الأمة، فإذا وقع إلى الأرض فقولى: أعيذه بالواحد من شر كل حاسد، ثم سميه محمدا.\rثم لم يلبث عبد الله بن عبد المطلب، أبو رسول الله ﷺ، أن هلك وأمه حامل به.\rهذا قول ابن إسحاق «١» . وخالفه كثير من العلماء، فقالوا: إن النبى ﷺ كان فى المهد حين توفى أبوه. ذكره الدولابى وغيره. وذكر ابن أبى خيثمة أنه كان ابن شهرين، وقيل أكثر من ذلك. والله أعلم.\rوولد رسول الله ﷺ يوم الاثنين، لاثنتى عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول عام الفيل. قيل: بعد الفيل بخمسين يوما «٢» .\rوحكى الواقدى عن سليمان بن سحيم قال: كان بمكة يهودى يقال له يوسف، فلما كان اليوم الذى ولد فيه رسول الله ﷺ قبل أن يعلم به أحد من قريش قال: يا معشر قريش قد ولد نبى هذه الأمة فى بحرتكم هذه اليوم. وجعل يطوف فى أنديتهم فلا يجد خبرا، حتى انتهى إلى مجلس عبد المطلب فسأل فقيل له: ولد لابن عبد المطلب غلام.\rفقال: هو نبى والتوراة.\rوقال حسان بن ثابت: والله إنى لغلام يفعة ابن سبع سنين أو ثمان أعقل كل ما","footnotes":"(١) انظر: السيرة (١/ ١٤٠- ١٤١) .\r(٢) هذا قول ابن إسحاق. انظر: السيرة (١/ ١٤٢) . وذكره ابن كثير فى البداية باب مولد النبى ﷺ (٢/ ٢٦٤- ٢٦٧) وقال: إن رسول الله ﷺ ولد عام الفيل على قول الجمهور، فقيل: بعده بشهر، وقيل: بأربعين يوما، وقيل: بخمسين يوما، وهو أشهر. وعن أبى جعفر الباقر: كان قدوم الفيل للنصف من المحرم ومولد رسول الله ﷺ بعده بخمس وخمسين ليلة، وقال آخرون: بل كان عام الفيل قبل مولد رسول الله ﷺ بعشر سنين قاله ابن أبزى. وقيل: بثلاث وعشرين سنة، رواه شعيب بن شعيب عن أبيه عن جده. وقيل: بعد الفيل بثلاثين سنة، قاله موسى بن عقبة عن الزهرى ﵀، واختاره موسى بن عقبة أيضا ﵀. وقال أبو زكريا العجلانى: بعد الفيل بأربعين عاما، رواه ابن عساكر وهذا غريب جدا، وأغرب منه ما قال خليفة بن خياط: حدثنى شعيب بن حبان عن عبد الواحد بن أبى عمرو عن الكلبى عن أبى صالح عن ابن عباس، قال: ولد رسول الله ﷺ قبل الفيل بخمس عشرة سنة، وهذا حديث غريب ومنكر وضعيف أيضا، قال خليفة بن خياط: والمجتمع عليه أنه ﵇ ولد عام الفيل.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083549,"book_id":3509,"shamela_page_id":112,"part":"1","page_num":109,"sequence_num":112,"body":"أسمع إذا سمعت يهوديا يصرخ على أطمة بيثرب: يا معشر يهود. حتى إذا اجتمعوا قالوا: ويلك! مالك! قال: طلع الليلة نجم أحمد الذى ولد به «١» .\rوذكر ابن السكن من حديث عثمان بن أبى العاص عن أمه فاطمة بنت عبد الله، أنها شهدت ولادة آمنة بنت وهب رسول الله ﷺ ليلا. قالت: فما شىء أنظر إليه من البيت إلا نور، وإنى لأنظر إلى النجوم تدنو حتى إنى لأقول لتقعن على.\rوذكر ابن مخلد فى تفسيره أن إبليس رن أربع رنات، رنة حين لعن، ورنة حين أهبط، ورنة حين ولد رسول الله ﷺ، ورنة حين أنزلت فاتحة الكتاب!\rقال ابن إسحاق «٢» : فلما وضعته أمه أرسلت إلى جده عبد المطلب أنه قد ولد لك غلام، فائته فانظر إليه. فأتاه ونظر إليه، وحدثته بما رأت حين حملت به، وما قيل لها فيه، وما أمرت أن تسميه.\rفيزعمون أن عبد المطلب أخذه فدخل به الكعبة فقام يدعو الله ويشكر له ما أعطاه، ثم خرج به إلى أمه فدفعه إليها. ويروى أن عبد المطلب إنما سماه محمدا لرؤيا رآها.\rزعموا أنه أرى فى منامه كأن سلسلة من فضة خرجت من ظهره لها طرف فى السماء وطرف فى الأرض وطرف فى المشرق وطرف فى المغرب، ثم عادت كأنها شجرة على كل ورقة منها نور، وإذا أهل المشرق والمغرب يتعلقون بها.\rفقصها فعبرت له بمولود يكون من صلبه يتبعه أهل المشرق والمغرب ويحمده أهل السماء والأرض. فلذلك سماه محمدا، مع ما حدثته أمه.\rولا يعرف فى العرب أحد تسمى بهذا الاسم قبله، سوى نفر سموا به من أجله منهم محمد بن سفيان بن مجاشع التميمى، ومحمد بن أحيحة بن الجلاح، وآخر من ربيعة.\rوكان آباؤهم قد وفدوا على بعض الملوك ممن كان عنده علم بالكتاب الأول، فأخبرهم بمبعث النبى ﷺ وتقارب زمانه، وباسمه، وكان كل واحد منهم قد خلف امرأته حاملا، فنذر كل واحد منهم إن ولد له ذكر أن يسميه محمدا.\rففعلوا ذلك رجاء أن يكونه. والله أعلم حيث يجعل رسالاته. وقد وقع فى مواضع أخر أن هؤلاء النفر كانوا أربعة، ولم يذكر فيهم محمد بن أحيحة، وحديثهم مخالف لما ذكرناه خلافا يسيرا.","footnotes":"(١) ذكره البيهقى فى دلائل النبوة (١/ ٩١) .\r(٢) انظر: السيرة (١/ ١٤٣) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083550,"book_id":3509,"shamela_page_id":113,"part":"1","page_num":110,"sequence_num":113,"body":"روينا من حديث عبد الملك بن أبى سوية عن أبيه عن جده قال: سألت محمد بن عدى بن ربيعة: كيف سماك أبوك محمدا؟ فقال: سألت أبى عما سألتنى عنه، فقال:\rخرجت رابع أربعة من بنى تميم أنا فيهم، وسفيان بن مجاشع بن دارم وأسامة بن مالك ابن خندف ويزيد بن ربيعة، نريد ابن جفنة ملك غسان فلما شارفنا الشام نزلنا إلى غدير عليه شجرات وقربه شخص نائم، فتحدثنا فاستمع كلامنا وأشرف علينا فقال: إن هذه لغة ما هى لغة أهل هذه البلاد. فقلنا: نحن قوم من مضر قال: من أى المضريين؟\rقلنا: من خندف. قال: أما إنه يبعث فيكم وشيكا نبى خاتم النبيين فسارعوا إليه وخذوا بحظكم منه ترشدوا.\rفقلت له: ما اسمه؟ قال: محمد: فرجعنا من عند ابن جفنة فولد لكل رجل منا ابن سماه محمدا. والتمس لرسول الله ﷺ الرضعاء، فاسترضع له من امرأة من بنى سعد بن بكر يقال لها: حليمة بنت أبى ذؤيب «١» .\rوكانت تحدث أنها خرجت من بلدها مع زوجها وابن لها ترضعه، فى نسوة من بنى سعد بن بكر تلتمس الرضعاء. قالت: وفى سنة شهباء «٢» لم تبق لنا شيئا.\rقالت: فخرجت على أتان لى قمراء «٣» معنا شارف لنا «٤» ، والله ما تبض بقطرة ولا ننام ليلتان أجمع من صبينا الذى معنا من بكائه من الجوع، ما فى ثديى ما يغنيه وما فى شارفنا ما يغذيه، ولكنا نرجو الغيث والفرج.\rفخرجت على أتانى تلك، فلقد أذمت بالركب حتى شق ذلك عليهم، ضعفا وعجفا. حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء، فما منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله","footnotes":"(١) هى حليمة بنت أبى ذؤيب، وأبو ذؤيب هو عبد الله بن الحارث بن شجنة بن جابر بن رزام بن ناضرة بن سعد بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن حفصة بن غيلان بن مضر. وانظر ترجمتها: فى الاستيعاب الترجمة رقم (٣٣٣٦) ، الإصابة الترجمة رقم (١١٠٥٦) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٦٨٥٥) .\r(٢) سنة شهباء: إذا كانت مجدبة بيضاء من الجدب لا يرى فيها خضرة، وقيل الشهباء التى ليس فيها مطر. انظر: اللسان (مادة شهب) .\r(٣) القمراء: لون يميل إلى الخضرة، وقيل بياض، فيه كدرة يقال: حمار أقمر وأتان قمراء أى بيضاء وليلة قمراء أى مضيئة. انظر: اللسان (مادة قمر) .\r(٤) الشارف: الناقة التى قد أسنت وقال أبو الأعرابى الشارف الناقة الهمة، والشارف من الإبل المسن والمسنة والجمع شوارف. انظر: اللسان (مادة شرف) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083551,"book_id":3509,"shamela_page_id":114,"part":"1","page_num":111,"sequence_num":114,"body":"صلى الله عليه وسلم فتأباه إذا قيل لها إنه يتيم، وذلك أنا إنما كنا نرجو المعروف من أبى الصبى، فكنا نقول: يتيم ما عسى أن تصنع أمه وجده!! فكنا نكرهه لذلك.\rفما بقيت امرأة قدمت معى إلا أخذت رضيعا غيرى. فلما أجمعنا الانطلاق قلت لصاحبى: والله إنى لأكره أن أرجع من بين صواحبى ولم آخذ رضيعا، والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه.\rقال: لا عليك أن تفعلى، عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة. قالت: فذهبت إليه فأخذته، وما حملنى على أخذه إلا أنى لم أجد غيره.\rفلما أخذته رجعت به إلى رحلى، فلما وضعته فى حجرى أقبل عليه ثدياى بما شاء من لبن، فشرب حتى روى وشرب معه أخوه حتى روى. ثم ناما وما كنا ننام معه قبل ذلك. وقام زوجى إلى شارفنا تلك فإذا إنها لحافل «١» ، فحلب منها ما شرب وشربت حتى انتهينا ريا وشبعا.\rفبتنا بخير ليلة، يقول صاحبى حين أصبحنا: تعلمى والله يا حليمة لقد أخذت نسمة مباركة! قلت: والله إنى لأرجو ذلك. ثم خرجنا، وركبت أتانى وحملته عليها معى، فو الله لقطعت بالركب، ما يقدر على شىء من حميرهم، حتى إن صواحبى ليقلن: يا بنت أبى ذؤيب ويحك! اربعى «٢» علينا! أليست هذه أتانك التى كنت خرجت عليها؟! فأقول لهن: بلى والله إنها لهى. فيقلن: والله إن لها لشأنا.\rقالت: ثم قدمنا منازلنا من بنى سعد، ولا أعلم أرضا من أرض الله أجدب منها، فكانت غنمى تروح على حين قدمنا به معنا شباعا لبنا، فنحلب ونشرب وما يحلب إنسان قطرة لبن ولا يجدها فى ضرع، حتى كان الحاضر من قومنا يقولون لرعيانهم:\rويلكم اسرحوا حيث يسرح راعى بنت أبى ذؤيب. فتروح أغنامهم جياعا ما تبض بقطرة لبن وتروح غنمى شباعا لبنا.\rفلم نزل نتعرف من الله الزيادة والخير، حتى مضت سنتان وفصلته. وكان يشب شبابا لا يشبه الغلمان، فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلاما جعفرا. فقدمنا به على أمه ونحن أحرص شىء على مكثه فينا، لما كنا نرى من بركته.","footnotes":"(١) حافل: ممتلئة الضرع من اللبن، والحفل اجتماع اللبن فى الضرع، والمحفلة التى اجتمع لبنها فى ضرعها أياما.\r(٢) اربعى: أى انتظرينا، وهى من ربع يربع إذا وقف وانتظر. انظر: اللسان (مادة ربع) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083552,"book_id":3509,"shamela_page_id":115,"part":"1","page_num":112,"sequence_num":115,"body":"فكلمنا أمه وقلت لها: لو تركت بنى عندى حتى يغلظ، فإنى أخشى عليه وباء مكة. فلم نزل بها حتى ردته معنا، فرجعنا به.\rفو الله إنه بعد مقدمنا به بأشهر مع أخيه لفى بهم لنا خلف بيوتنا إذ أتانا أخوه يشتد، فقال لى ولأبيه ذاك أخى القرشى قد أخذه رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاه فشقا بطنه فهما يسوطانه.\rقالت: فخرجت أنا وأبوه نحوه، فوجدناه قائما منتقعا وجهه. قالت: فالتزمته والتزمه أبوه، فقلنا: ما لك يا بنى؟ قال: «جاءنى رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعانى فشقا بطنى فالتمسا فيه شيئا لا أدرى ما هو» «١» .\rقالت: فرجعنا به إلى خبائنا وقال لى أبوه: يا حليمة لقد خشيت أن يكون هذا الغلام قد أصيب، فألحقيه بأهله قبل أن يظهر ذلك به. قالت: فاحتملناه فقدمنا به على أمه، فقالت: ما أقدمك به يا ظئر «٢» ولقد كنت حريصة عليه وعلى مكثه عندك؟.\rقلت: قد بلغ والله بابنى، وقضيت الذى على، وتخوفت الأحداث عليه، فأديته عليك كما تحبين. قالت: ما هذا شأنك، فاصدقينى خبرك. قالت: فلم تدعنى حتى أخبرتها.\rقالت: أفتخوفت عليه الشيطان؟ قلت: نعم.\rقالت: كلا والله ما للشيطان عليه سبيل، وإن لبنى لشأنا، أفلا أخبرك خبره، قلت:\rبلى. قالت: رأيت حين حملت به أنه خرج منى نور أضاء لى قصور بصرى من أرض الشام.\rثم حملت به، فو الله ما رأيت من حمل قط كان أخف ولا أيسر منه، ووقع حين ولدته وإنه لواضع يديه بالأرض رافع رأسه إلى السماء. دعيه عنك وانطلقى راشدة «٣» .","footnotes":"(١) قصة شق صدر النبى، وهو عند حليمة السعدية مشهوره، وقد رواها الإمام مسلم فى صحيحه (١/ ١٠١، ١٠٢) عن أنس بن مالك: «أن رسول الله ﷺ أتاه جبريل، وهو يلعب مع الغلمان فأخذه فصرعه، فشق عن قلبه فاستخرجه، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله فى طست من ذهب بماء زمزم ثم لزمه ثم أعاده إلى مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه، يعنى مرضعته، أن محمدا قد قتل فاستقبلوه وهو منتقع اللون» .\r(٢) الظئر: مهموز العاطفة على غير ولدها المرضعة له من الناس والإبل الذكر والأنثى فى ذلك سواء والجمع اظئار. انظر: اللسان (مادة ظئر) .\r(٣) انظر: السيرة (١٤٤- ١٤٦) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083553,"book_id":3509,"shamela_page_id":116,"part":"1","page_num":113,"sequence_num":116,"body":"ويروى أن نفرا من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا له: يا رسول الله: أخبرنا عن نفسك. قال: «نعم، أنا دعوة أبى إبراهيم، وبشارة عيسى ابن مريم، ورأت أمى حين حملت بى أنه خرج منها نور أضاء لها قصور الشام، واسترضعت فى بنى سعد بن بكر، فبينا أنا مع أخ لى خلف بيوتنا نرعى بهما لنا، أتانى رجلان عليهما ثياب بيض بطست من ذهب مملوءة ثلجا، فأخذانى فشقا بطنى ثم استخرجا قلبى فشقاه فاستخرجا منه علقة سوداء فطرحاها ثم غسلا قلبى وبطنى بذلك الثلج حتى أنقياه، ثم قال أحدهما لصاحبه: زنه بعشرة من أمته فوزننى بعشرة فوزنتهم. ثم قال زنه بمائة من أمته. فوزننى بهم فوزنتهم. ثم قال: زنه بألف من أمته. فوزننى بهم فوزنتهم. فقال: دعه عنك، فلو وزنته بأمته لوزنها» «١» .\rوكان رسول الله ﷺ يقول: «ما من نبى إلا وقد رعى الغنم» . قيل: وأنت يا رسول الله؟ قال: «وأنا» «٢» .\rوكان يقول لأصحابه: «أنا أعربكم، أنا قرشى واسترضعت فى بنى سعد بن بكر» «٣» .\rوزعم الناس فيما يتحدثون «٤» ، والله أعلم، أن أمه السعدية لما قدمت به مكة أضلها فى الناس وهى مقبلة به نحو أهله، فالتمسته فلم تجده، فأتت عبد المطلب فقالت له: إنى قدمت بمحمد هذه الليلة فلما كنت بأعلى مكة أضلنى، فو الله ما أدرى أين هو.\rفقام عبد المطلب عند الكعبة يدعو الله أن يرده، فيزعمون أنه وجده ورقة بن نوفل ورجل آخر من قريش فأتيا به عبد المطلب فقالا: هذا ابنك وجدناه بأعلى مكة. فأخذه عبد المطلب فجعله على عنقه وهو يطوف بالكعبة يعوذه ويدعو له؛ ثم أرسل به إلى أمه آمنة.","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: تفسير القرطبى (٢/ ١٣١) ، تفسير الطبرى (١/ ٤٣٥) ، الدر المنثور للسيوطى (١/ ١٣٩، ٥/ ٢٠٧) ، كنز العمال للمتقى الهندى (٣١٨٣٣، ٣١٨٣٤، ٣١٨٣٥، ٣١٨٨٩) ، دلائل النبوة للبيهقى (١/ ٦٩) ، طبقات ابن سعد (١/ ١/ ٩٦) ، البداية والنهاية لابن كثير (٢/ ٢٧٥) .\r(٢) انظر الحديث فى: كنز العمال للمتقى الهندى (٩٢٤٢) ، البداية والنهاية لابن كثير (٦/ ٣٢٤) .\r(٣) انظر الحديث فى: كشف الخفاء للعجلونى (١/ ٢٣٢) ، كنز العمال للمتقى الهندى (٣١٨٨٤) ، طبقات ابن سعد (١/ ١/ ٧١) ، البداية والنهاية لابن كثير (٢/ ٢٧٧) .\r(٤) انظر: السيرة (١/ ١٤٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083554,"book_id":3509,"shamela_page_id":117,"part":"1","page_num":114,"sequence_num":117,"body":"وذكر بعض أهل العلم «١» أن مما هاج أمه السعدية على رده، ما ذكرت لأمه وما أخبرتها عنه، أن نفرا من الحبشة نصارى رأوه معها حين رجعت به بعد فطامه، فنظروا إليه وسألوها عنه، وقلبوه، ثم قالوا لها: لنأخذن هذا الغلام فلنذهبن به إلى ملكنا وبلدنا، فإن هذا غلام كائن له شأن نحن نعرف أمره. فلم تكد تنفلت به منهم.\rوذكر الواقدى أن أمه حليمة السعدية بعد أن رجعت به من عند أمه حضرت به سوق ذى المجاز، وبها يومئذ عراف من هوازن يؤتى إليه بالصبيان ينظر إليهم، فلما نظر إلى رسول الله ﷺ وإلى الحمرة فى عينيه وإلى خاتم النبوة، صاح: يا معشر العرب فاجتمع إليه أهل الموسم، فقال: اقتلوا هذا الصبى. وانسلت به حليمة. فجعل الناس يقولون: أى صبى هو؟ فيقول: هذا الصبى. فلا يرون شيئا، قد انطلقت به أمه، فيقال له:\rما هو؟ فيقول: رأيت غلاما، وآلهتكم، ليغلبن أهل دينكم وليكسرن أصنامكم وليظهرن أمره عليكم. فطلب بعكاظ فلم يوجد.\rورجعت به حليمة إلى منزلها، فكانت بعد هذا لا تعرضه لأحد من الناس. ولقد نزل بهم عراف، فأخرج إليه صبيان أهل الحاضر، وأبت حليمة أن تخرجه إليه، إلى أن غفلت عن رسول الله ﷺ فخرج من المظلة فرآه العراف فدعاه فأبى رسول الله ﷺ ودخل الخيمة، فجهد بهم العراف أن يخرج إليه فأبت. فقال: هذا نبى.\rوقد عرضه عمه أبو طالب على عائف من لهب، كان إذا قدم من مكة أتاه رجال قريش بغلمانهم ينظر إليهم ويعتاف لهم، فأتاه به أبو طالب وهو غلام مع من يأتيه، قال:\rفنظر إلى رسول الله ﷺ ثم شغله عنه شىء فقال: الغلام على به. فلما رأى أبو طالب حرصه عليه غيبه، فجعل يقول: ويلكم ردوا على الغلام الذى رأيت آنفا، فو الله ليكونن له شأن.\rوانطلق به أبو طالب. وكانت حليمة بعد رجوعها به من مكة لا تدعه أن يذهب مكانا بعيدا. فغفلت عنه يوما فى الظهيرة، فخرجت تطلبه حتى تجده مع أخته. فقالت:\rفى هذا الحر؟! فقالت أخته: يا أمه، ما وجد أخى حرا، رأيت غمامة تظل عليه إذا وقف وقفت وإذا سار سارت، حتى انتهى إلى هذا الموضع.\rتقول أمها: أحقا يا بنية؟ قالت: إى والله. قال: تقول حليمة: أعوذ بالله من شر ما يحذر على ابنى. فكان ابن عباس يقول: رجع إلى أمه وهو ابن خمسن سنين. وكان غيره يقول: رجع إليها وهو ابن أربع سنين. هذا كله عن الواقدى.","footnotes":"(١) انظر: السيرة (١/ ١٤٨- ١٤٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083555,"book_id":3509,"shamela_page_id":118,"part":"1","page_num":115,"sequence_num":118,"body":"قال ابن إسحاق: فكان النبى ﷺ مع أمه آمنة وجده عبد المطلب فى كلاءة الله وحفظه، ينبته الله نباتا حسنا لما يريد من كرامته. فلما بلغ رسول الله ﷺ ست سنين توفيت أمه بالأبواء بين مكة والمدينة «١» .\rوكان قد قدمت به إلى أخواله من بنى عدى بن النجار تزيره إياهم، فماتت وهى راجعة به إلى مكة. فكان رسول الله ﷺ مع جده عبد المطلب.\rوكان يوضع لعبد المطلب فراش فى ظل الكعبة، فكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك حتى يخرج إليه لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالا له. فكان رسول الله ﷺ يأتى وهو غلام جفر حتى يجلس عليه، فيأخذه أعمامه ليؤخروه عنه، فيقول عبد المطلب إذا رأى ذلك منهم: دعوا ابنى فو الله إن له لشأنا.\rثم يجلسه معه عليه ويمسح ظهره بيده ويسره ما يراه يصنع «٢» .\rقالوا: وكانت أم أيمن تحدث تقول: كنت أحضن رسول الله ﷺ فغفلت عنه يوما فلم أدر إلا بعبد المطلب قائما على رأسى يقول: يا بركة، قلت: لبيك، قال: أتدرين أين وجدت ابنى؟ قلت: لا أدرى. قال: وجدته مع غلمان قريبا من السدرة، لا تغفلى عن ابنى، فإن أهل الكتاب يزعمون أن ابنى نبى هذه الأمة، وأنا لا آمن عليه منهم.\rوكان لا يأكل طعاما إلا قال: على بابنى. فيؤتى به إليه.\rوحدث كعب بن مالك عن شيوخ من قومه أنهم خرجوا عمارا، وعبد المطلب يومئذ حى بمكة، ومعهم رجل من يهود تيماء، صحبهم للتجارة يريد مكة أو اليمن، فنظر إلى عبد المطلب، فقال: إنا نجد فى كتابنا الذى لم يبدل أنه يخرج من ضئضى هذا نبى يقتلنا وقومه قتل عاد.\rوجلس عبد المطلب يوما فى الحجر وعنده أسقف نجران: وكان صديقا له، وهو يحادثه وهو يقول: إنا نجد صفة نبى بقى من ولد إسماعيل، هذه مولده، من صفته كذا وكذا.\rوأتى رسول الله ﷺ على هذا الحديث، فنظر إليه الأسقف وإلى عينيه وإلى ظهره وإلى قدميه، فقال: هو هذا. فقال الأسقف: ما هذا منك؟ قال: ابنى. قال الأسقف: لا،","footnotes":"(١) انظر: السيرة (١/ ١٤٩) .\r(٢) انظر: السيرة (١/ ١٤٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083556,"book_id":3509,"shamela_page_id":119,"part":"1","page_num":116,"sequence_num":119,"body":"ما نجد أباه حيّا. قال عبد المطلب: هو ابن ابنى مات أبوه وأمه حبلى به. قال: صدقت.\rقال عبد المطلب: تحفظوا بابن أخيكم، ألا تسمعون ما يقال فيه؟!.\rوخرج رسول الله ﷺ يوما يلعب مع الغلمان حتى بلغ الردم، فرآه قوم من بنى مدلج فدعوه، فنظروا إلى قدميه وإلى أثره، ثم خرجوا فى طلبه حتى صادفوا عبد المطلب قد لقيه فاعتنقه، فقالوا لعبد المطلب: ما هذا منك؟ قال: ابنى. قالوا: فاحتفظ به، فإنا لم نر قدما قط أشبه بالقدم الذى فى المقام من قدمه.\rفقال عبد المطلب لأبى طالب: اسمع ما يقول هؤلاء. فكان أبو طالب يحتفظ به.\rوقد روى أبو داود السجستانى من حديث ابن عباس، قال: أتى نفر من قريش امرأة كاهنة، فقالوا: أخبرينا بأقربنا شبها بصاحب هذا المقام.\rقالت: إن جررتم على السهلة عباءة ومشيتم عليها أنبأتكم بأقربكم شبها به. فجروا عليها عباءة، ثم مشوا عليها، فرأت أثر قدم لمحمد ﷺ، فقالت: هذا والله أقربكم شبها به.\rقال ابن عباس: فمكثوا بعد عشرين سنة، ثم بعث محمد ﷺ. ولما ظهر سيف بن ذى يزن على الحبشة، وذلك بعد مولد النبى ﷺ أتته وفود العرب وأشرافها وشعراؤها يهنئونه ويمدحونه ويذكرون من حسن بلائه وطلبه بثأر قومه.\rفأتاه وفد قريش وفيهم عبد المطلب بن هاشم فى أناس من وجوه قريش، فقدموا عليه صنعاء فأذن لهم، فلما دخلوا عليه دنا عبد المطلب منه فاستأذنه فى الكلام، فقال:\rإن كنت ممن يتكلم بين يدى الملوك فقد أذنا لك.\rفقال عبد المطلب: إن الله قد أحلك أيها الملك محلا رفيعا صعبا منيعا، شامخا باذخا، وأنبتك منبتا طابت أرومته وعزت جرثومته، وثبت أصله، وبسق فرعه، فى أكرم موطن، وأطيب معدن.\rوأنت أيها الملك رأس العرب الذى به تنقاد، وعمودها الذى عليه العماد، ومعقلها الذى يلجأ إليه العباد، سلفك لك خير سلف، وأنت لنا فيه خير خلف، فلم يخمل من أنت سلفه، ولن يهلك من أنت خلفه، نحن أيها الملك أهل حرم الله وسدنة بيته، أشخصنا إليك الذى أبهجنا بكشف الكرب الذى فدحنا، فنحن وفد التهنئة لا وفد المرزئة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083557,"book_id":3509,"shamela_page_id":120,"part":"1","page_num":117,"sequence_num":120,"body":"فقال له سيف: وأيهم أنت أيها المتكلم؟ فقال: أنت عبد المطلب بن هاشم. قال: ابن أختنا؟ قال: نعم؟ قال: أدنه، فأدناه. ثم أقبل عليه وعلى القوم، فقال لهم: مرحبا وأهلا، قد سمع الملك مقالتكم وعرف قرابتكم وقبل وسيلتكم، وأنتم أهل الليل والنهار، فلكم الكرامة ما أقمتم والحباء إذا ظعنتم.\rثم أنهضوا إلى دار الضيافة والوفود، فأقاموا شهرا لا يصلون إليه ولا يأذن لهم بالانصراف. ثم انتبه لهم انتباهة فأرسل إلى عبد المطلب، فقال له: إنى مفوض إليك من سنى علمى أمرا لو يكون غيرك لم أبح له به، ولكنى رأيتك معدنه فأطلعتك عليه، فليكن عندك مكنونا حتى يأذن الله فيه، فإن الله بالغ أمره.\rإنى أجد فى الكتاب المكنون والعلم المخزون الذى اختزناه لأنفسنا واجتبيناه دون غيرنا خيرا عظيما وخطرا جسيما، فيه شرف الحياة وفضيلة الوفاة، للناس عامة ولرهطك كافة، ولك خاصة.\rفقال له عبد المطلب: مثلك أيها الملك سر وبر، فما هو؟ فداك أهل الوبر زمرا بعد زمر.. فقال: إذا ولد بتهامة غلام بين كتفيه شامة، كانت له الإمامة ولكم به الزعامة إلى يوم القيامة.\rفقال له عبد المطلب: لقد أبت بخير ما آب بمثله وافد، ولولا هيبة الملك وإجلاله وإعظامه لسألته من ساره إياى ما أزداد به سرورا.\rفقال له ابن ذى يزن: هذا حينه الذى يولد فيه، أو قد ولد، اسمه محمد، يموت أبوه وأمه ويكفله جده وعمه، قد ولدناه مرارا والله باعثه جهارا وجاعل له منا أنصارا يعز بهم أولياءه ويذل بهم أعداءه، يضرب بهم الناس عن عرض، ويستبيح بهم كرائم الأرض، ويكسر الصلبان ويخمد النيران ويعبد الرحمن ويدحر الشيطان، قوله فصل وحكمه عدل، يأمر بالمعروف ويفعله، وينهى عن المنكر ويبطله.\rفقال له عبد المطلب: عز جدك وعلا كعبك ودام ملكك وطال عمرك، فهل الملك سارى بإفصاح، فقد أوضح لى بعض الإيضاح.\rفقال له ابن ذى يزن: والبيت والحجب، والعلامات والنصب، إنك يا عبد المطلب لجده غير كذب. فخر عبد المطلب ساجدا، فقال له: ارفع رأسك ثلج صدرك وعلا أمرك، هل أحسست بشىء مما ذكرت لك؟.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083558,"book_id":3509,"shamela_page_id":121,"part":"1","page_num":118,"sequence_num":121,"body":"فقال عبد المطلب: كان لى ابن، وكنت عليه رفيقا، فزوجته كريمة من كرائم قومه، فجاء بغلام فسميته محمدا، فمات أبوه وأمه، وكفلته أنا.\rفقال له ابن ذى يزن: إن الذى قلت لك كما قلت، فاحتفظ بابنك واحذر عليه اليهود، فإنهم أعداؤه، ولن يجعل الله عليه سبيلا، واطو ما ذكرت لك دون هؤلاء الرهط الذين معك، فإنى لا آمن أن تدخلهم التعاسة من أن تكون لكم الرياسة، فيطلبون له الغوائل وينصبون له الحبائل، وهم فاعلون وأبناؤهم، ولولا أنى أعلم أن الموت مخترمى قبل مبعثه لسرت بخيلى ورجلى حتى أصير بيثرب دار ملكه، فإنى أجد فى الكتاب الناطق والعلم السابق أن بيثرب استحكام أمره وأهل النصرة له، وموضع قبره، ولولا أنى أخاف عليه الآفات واحذر عليه العاهات لأعلنت على حداثة سنه بذكره، ولكنى صارف ذلك إليك، من غير تقصير بمن معك.\rثم أمر لكل رجل من القوم بعشرة أعبد وعشر إماء، وحلس من البرود، ومائة من الإبل، وخمسة أرطال ذهب، وعشرة أرطال فضة، وكرش مملوءة عنبرا. وأمر لعبد المطلب بعشرة أضعاف ذلك كله، وقال له: إذا حال الحول فائتنى. فمات ابن ذى يزن قبل أن يحول الحول، فكان عبد المطلب كثيرا ما يقول: يا معشر قريش، لا يغبطنى أحدكم بجزيل عطاء الملك وإن كثر، فإنه إلى نفاد، ولكن ليغبطنى بما يبقى لى ولعقبى من بعدى ذكره، وفخره وشرفه. فإذا قيل له: فما ذاك؟ قال: ستعلمون نبأه ولو بعد حين.\rوحديث سيف بن ذى يزن هذا عن غير ابن إسحاق وهو عندنا بالإسناد، وقد تقدم ما ألقاه تبع الآخر إلى ملوك حمير وأبنائهم من أمر رسول الله ﷺ، وأن علم سيف بذلك إنما كان من تلك الجهات. والله أعلم.\rثم إن عبد المطلب بن هاشم هلك عن سن عالية مختلف فى حقيقتها «١» . أدناها فيما انتهى إلى ووقفت عليه، خمس وتسعون سنة؛ ذكره الزبير.\rوأعلاها فيما ذكر الزبير أيضا، عن نوفل بن عمارة قال: كان عبيد بن الأبرص ترب عبد المطلب، وبلغ مائة وعشرين سنة، وبقى عبد المطلب بعده عشرين سنة.\rوقال محمد بن سعيد بن المسيب: لما حضرت الوفاة عبد المطلب وعرف أنه ميت جمع بناته وكن ستا: صفية، وبرة، وعاتكة، وأم حكيم البيضاء، وأميمة وأروى، فقال","footnotes":"(١) انظر: السيرة (١/ ١٤٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083559,"book_id":3509,"shamela_page_id":122,"part":"1","page_num":119,"sequence_num":122,"body":"لهن: ابكين على حتى أسمع ما تقلن قبل أن أموت. فقالت كل واحدة منهن شعرا ترثيه به وأنشدته إياه، فأشار برأسه، وقد أصمت: أن هكذا فابكيننى. وذكر ابن إسحاق تلك الأشعار «١» .\rوقال ابن هشام: إنه لم ير أحدا من أهل العلم بالشعر يعرفها «٢» .\rقال ابن إسحاق: وقال حذيفة بن غانم أخو بنى عدى بن كعب يبكى عبد المطلب بن هاشم، ويذكر فضله، وفضل قصى على قريش وفضل ولده من بعده عليهم:\rأعينى جودا بالدموع على الصدر ... ولا تسأما أسقيتما سبل القطر «٣»\rوجودا بدمع واشفحا كل شارق ... بكاء امرئ لم يشوه نائب الدهر «٤»\rوسحا وجما واسجما ما بقيتما ... على ذى حياء من قريش وذى ستر\rعلى رجل جلد القوى ذى حفيظة ... جليل المحيا غير نكس ولا هذر\rعلى المزد البهلول ذى البأس والندى ... ربيع لؤى فى القحوط وفى العسر\rعلى خير حاف من معد وناعل ... كريم المساعى طيب الخيم والنجر «٥»\rعلى شيبة الحمد الذى كان وجهه ... يضىء سواد الليل كالقمر البدر\rوساقى الحجيج ثم للخير هاشم ... وعبد مناف ذلك السيد الفهرى\rطوى زمزما عند المقام فأصبحت ... سقايته فخرا على ذى فخر\rليبك عليه كل عان بكربة ... وآل قصى من مقل وذى وفر\rبنوه سراة كهلهم وشبابهم ... تفلق عنهم بيضة الطائر الصقر","footnotes":"(١) انظر ما ذكره ابن إسحاق فى: السيرة (١/ ١٥٠- ١٥٤) .\r(٢) هذا قول ابن هشام فى السيرة وقد ذكر أنه ذكرها لأنه رواه عن محمد بن سعيد بن المسيب فكتبه. انظر: السيرة (١/ ١٥٠) .\r(٣) سبل: أى المطر، وقيل: هو المطر بين السحاب والأرض حين يخرج من السحاب ويخرج من الأرض. انظر: اللسان (مادة سبل) .\r(٤) كل شارق: الشارق أى كل يوم طلعت فيه الشمس، وقيل: الشارق قرن الشمس. ولم يشوه: الإشواء يوضع موضع الإبقاء، قال أبو منصور: هذا كله من إشواء الرامى وذلك إذا رمى فأصاب الأطراف ولم يصيب المقتل فيوضع الإشواء موضع الخطأ والشىء الهين.\r(٥) أورد فى السيرة بعد هذا البيت بيتين لم يذكرهما هنا هما:\rوخيرهم أصلا وفرعا ومعدنا ... وأحظاهم بالمكرمات وبالذكر\rوأولاهم بالمجد والحلم والنهى ... وبالفضل عند المجحفات من الغبر\rانظر: السيرة (١/ ١٥٥) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083560,"book_id":3509,"shamela_page_id":123,"part":"1","page_num":120,"sequence_num":123,"body":"قصى الذى عادى كنانة كلها ... ورابط بيت الله فى العسر واليسر\rفإن تك غالته المنايا وصرفها ... فقد عاش ميمون النقيبة والأمر\rوأبقى رجالا سادة غير عزل ... مصاليت أمثال الردينية السمر\rأبو عتبة الملقى إلى حباءه ... أغر هجان اللون من نفر غر\rوحمزة مثل البدر يهتز للندى ... نقى الثياب والذمام من الغدر\rوعبد مناف ماجد ذو حفيظة ... وصول لذى القربى رحيم بذى الصهر\rكهولهم خير الكهول ونسلهم ... كنسل الملوك لا تبور ولا تحرى\rمتى ما تلاقى منهم الدهر ناشئا ... تجده بإجريا أوائله يجرى\rهم ملأوا البطحاء مجدا وسؤددا ... إذا استبق الخيرات فى سالف العصر\rوهم حضروا والناس باد فريقهم ... وليس بها إلا شيوخ بنى عمرو\rبنوها ديارا جمة وطووا بها ... بئرا تسح الماء من ثبج بحر\rلكى يشرب الحجاج منها وغيرهم ... إذا ابتدروها صبح تابعة النحر\rثلاثة أيام تظل ركابهم ... محبسة بين الأخاشب والحجر\rوقدما غنينا قبل ذلك حقبة ... ولا نستقى إلا بخم أو الحفر\rهم يغفرون الذنب ينقم دونه ... ويعفون عن قول السفاهة والهجر\rأخارج إما أهلكن فلا تزل ... لهم شاكرا حتى تغيب فى القبر\rولا تنس ما أسدى ابن لبنى فإنه ... قد أسدى يدا محقوقة منك بالشكر\rوأنت ابن لبنى من قصى إذا انتموا ... بحيث انتهى قصد الفؤاد من الصدر\rوأمك سر من خزاعة جوهر ... إذا حصل الأنساب يوما ذوو الخبر\rإلى سبأ الأبطال تنمى وتنتمى ... وأكرم بها منسوبة فى ذرى الدهر*\rابن لبنى هذا أبو لهب عبد العزى بن عبد المطلب، وهو أبو عتبة الذى ذكره قبل فى هذا الشعر. وكانت أمه امرأة من خزاعة اسمها لبنى بنت هاجر. ولذلك قال: «وأمك سر من خزاعة» «١» .\rونماها إلى سبأ الأبطال بناء على ما قدمناه من انتماء خزاعة إلى عمرو بن عامر، من","footnotes":"(*) أورد فى السيرة بعد هذا البيت بيتين لم يذكرهما هنا هما:\rأبو شمير منهم وعمرو بن مالك ... وذو جدن من قومها وأبو الجبر\rوأسعد قاد الناس عشرين حجة ... يؤيد فى تلك المواطن بالنصر\rانظر: السيرة (١/ ١٥٧، ١٥٨) .\r(١) انظر: السيرة (١/ ١٥٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083561,"book_id":3509,"shamela_page_id":124,"part":"1","page_num":121,"sequence_num":124,"body":"غسان وانتفائهم من المضرية. واليد التى ذكر هذا الشاعر أنها ترتبت عليه لأبى لهب:\rوذكر ابن إسحاق أنه كان أخذ بغرم أربعة آلاف درهم بمكة، فوقف بها، فمر به أبو لهب فافتكه.\rونسب الزبير هذا الشعر لحذافة بن غانم، ودليله قوله فيه:\r«أخارج إما أهلكن» ... البيت.\rفإن خارجة هو ابن حذافة وحذيفة الذى نسب ابن إسحاق إليه الشعر هو أخو حذافة، ولا يعرف له ابن يسمى خارجة، وإنما هو والد أبى جهم بن حذيفة، واسم أبى جهم عبيد «١» ، وهو الذى بعث إليه رسول الله ﷺ بالخميصة ذات الأعلام التى ألهته عن صلاته، وأمر أن يؤتى بأنبجانية.\rولما هلك عبد المطلب، ولى زمزم والسقاية عليها ابنه العباس وهو يومئذ من أحدث إخوته سنا، فلم تزل إليه حتى قام الإسلام وهى بيده، فأقرها رسول الله ﷺ على ما مضى من ولايته، وكان رسول الله ﷺ يجله إجلال الولد الوالد.\rيقول كريب مولى ابن عباس: وما ينبغى لرسول الله ﷺ أن يجل إلا والدا أو عما، فضيلة خص الله بها العباس دون من سواه. وقال ﷺ: «احفظونى فى عمى عباس، فإن عم الرجل صنو أبيه» «٢» .\rوطلع يوما على رسول الله ﷺ فقال: «هذا العباس أجود قريش كفّا وأوصلها» «٣» .\rولم يزل العباس سيدا فى الجاهلية والإسلام، يمنع الجار ويبذل المال ويعطى فى النوائب.\rقال الزبير: وكان يقال: كان للعباس بن عبد المطلب ثوب لعارى بنى هاشم، وجفنة","footnotes":"(١) هو: أبو جهم بن حذيفة بن غانم بن عامر بن عبد الله بن عبيد بن عويج بن عدى بن كعب القرشى العدوى، قيل: اسمه عامر بن حذيفة، وقيل: عبيد الله بن حذيفة. انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٢٩٢٩) ، الإصابة الترجمة رقم (٩٧٠٣) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٥٧٨٠) .\r(٢) أخرجه الطبرانى فى الصغير (١/ ٢٠٧) ، الخطيب البغدادى فى التاريخ (١٠/ ٦٨) ، الهيثمى فى المجمع (٩/ ٢٦٩) ، المتقى الهندى فى الكنز (٣٣٣٨٩، ٣٣٣٩٥، ٣٣٣٩٦، ٣٣٤١١) ، ابن عدى فى الضعفاء (٢/ ٧٦٨) .\r(٣) أخرجه ابن كثير فى البداية والنهاية (٧/ ١٦١) ، السيوطى فى اللآلئ المصنوعة (١/ ٢٢٣) ، الحاكم فى المستدرك (٣/ ٣٢٨، ٣٢٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083562,"book_id":3509,"shamela_page_id":125,"part":"1","page_num":122,"sequence_num":125,"body":"لجائعهم، ومقطرة لجاهلهم. والمقطرة: خشبة ذات سلسلة يحبس فيها الناس. وفى ذلك يقول إبراهيم بن على بن هرمة:\rوكانت لعباس ثلاث نعدها ... إذا ما جناب الحى أصبح أشهبا\rفسلسلة تنهى الظلوم وجفنة ... تناخ فيكسوها السنام المرغبا\rوحلمة عصب ما تزال معدة ... لعار ضريك ثوبه قد تهدبا\rوقال ابن شهاب: لقد جاء الله بالإسلام وإن جفنة العباس لتدور على فقراء بنى هاشم، وإن قيده وسوطه لمعد لسفهائهم. قال: فكان ابن عمر يقول: هذا والله الشرف، يطعم الجائع ويؤدب السفيه!.\rوكان أبو بكر وعمر فى ولايتهما لا يلقى العباس واحد منهما وهو راكب إلا نزل عن دابته وقادها ومشى مع العباس حتى يبلغ منزله أو مجلسه فيفارقه. وبقى رسول الله ﷺ بعد مهلك جده عبد المطلب مع عمه أبى طالب. وكان عبد المطلب يوصيه به فيما يزعمون.\rوذلك أن عبد الله أبا رسول الله ﷺ وأبا طالب أخوان لأب وأم، فكان أبو طالب هو الذى يلى رسول الله ﷺ بعد جده، فكان إليه ومعه «١» .\rوذكر الواقدى أن أبا طالب كان مقلا من المال، وكانت له قطعة من الإبل تكون بعرنة، فيبدو إليها فيكون فيها، ويؤتى بلبنها إذا كان حاضرا بمكة.\rفكان عيال أبى طالب إذا أكلوا جميعا وفرادى لم يشبعوا، وإذا أكل معهم رسول الله ﷺ شبعوا. فكان أبو طالب إذا أراد أن يعشيهم أو يغديهم يقول: كما أنتم حتى يأتى ابنى.\rفيأتى رسول الله ﷺ فيأكل معهم فيفضلون من طعامهم؛ وإن كان لبنا شرب رسول الله ﷺ أولهم، ثم يناول العيال القعب فيشربون منه فيروون من عند آخرهم من القعب الواحد، وإن كان أحدهم ليشرب قعبا!. فيقول أبو طالب: إنك لمبارك!. وكان الصبيان يصبحون شعثا رمضا ويصبح رسول الله ﷺ دهينا كحيلا.\rوقالت أم أيمن «٢» ، وكانت تحضنه: ما رأيت رسول الله ﷺ شكا جوعا قط ولا","footnotes":"(١) انظر: السيرة (١/ ١٥٩) .\r(٢) هى: بركة بنت ثعلبة بن عمرو بن حصن بن مالك بن سلمة بن عمرو بن النعمان، غلبت عليها كنيتها. انظر ترجمتها فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٣٢٨٧) ، الإصابة الترجمة رقم (١٠٩٢١) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083563,"book_id":3509,"shamela_page_id":126,"part":"1","page_num":123,"sequence_num":126,"body":"عطشا، وكان يغدو إذا أصبح فيشرب من ماء زمزم شربة، فربما عرضنا عليه الغذاء فيقول: لا أريده أنا شبعان.\rقال ابن إسحاق «١» : ثم إن أبا طالب خرج فى ركب تاجرا إلى الشام، فلما تهيأ للرحيل صب به «٢» رسول الله ﷺ فيما يزعمون، فرق له أبو طالب وقال: والله لأخرجن به معى ولا يفارقنى ولا أفارقه أبدا أو كما قال.\rفخرج به معه، فلما نزل الركب بصرى «٣» من أرض الشام، وبها راهب يقال له بحيرى فى صومعة له، وكان إليه علم أهل النصرانية، ولم يزل فى تلك الصومعة منذ قط راهب إليه يصير علمهم عن كتاب فيها فيما يزعمون يتوارثونه كابرا عن كابر.\rفلما نزلوا ذلك العام ببحيرى وكانوا كثيرا ما يمرون به قبل ذلك فلا يكلمهم ولا يعرض لهم، حتى كان ذلك العام، فلما نزلوا به قريبا من صومعته صنع لهم طعاما كثيرا، وذلك فيما يزعمون عن شىء رآه وهو فى صومعته، يزعمون أنه رأى رسول الله ﷺ فى الركب حين أقبلوا وغمامة تظله من بين القوم، ثم أقبلوا فنزلوا فى ظل شجرة قريبا منه، فنظر إلى الغمامة حتى أظلت الشجرة وتهصرت «٤» أغصان الشجرة على رسول الله ﷺ حتى استظل تحتها، فلما رأى ذلك بحيرى نزل من صومعته وقد أمر بذلك الطعام فصنع، ثم أرسل إليهم فقال: إنى قد صنعت لكم طعاما يا معشر قريش وأحب أن تحضروا كلكم صغيركم وكبيركم وعبدكم وحركم. فقال له رجل منهم:\rوالله يا بحيرى إن لك اليوم لشأنا! ما كنت تصنع هذا بنا، وقد كنا نمر بك كثيرا، فما شأنك اليوم؟.\rقال له بحيرى: صدقت، قد كان ما تقول، ولكنكم ضيف، وقد أحببت أن أكرمكم وأصنع لكم طعاما فتأكلوا منه كلكم. فاجتمعوا إليه وتخلف رسول الله ﷺ من بين القوم لحداثة سنه فى رحال القوم، فلما نظر بحيرى فى القوم لم ير الصفة التى يعرف","footnotes":"(١) هذه قصة بحيرى، وقد ذكرها ابن إسحاق فى السيرة (١/ ١٦٠- ١٦٢) .\r(٢) صب به: الصبابة الشوق، وقيل: رقته وحرارته، وقيل: رقة الهواء، وصب الرجل إذا عشق يصب صبابا. انظر: اللسان (مادة صبب) .\r(٣) بصرى: موضع بالشام من أعمال دمشق وهى قصبة كورة حوران مشهورة عند العرب. انظر: معجم البلدان (١/ ٤٤١) .\r(٤) تهصرت: قال الجوهرى: هصرت الفض بالكسر إذا أخذت برأسه فأملته إليك، وتهصرت أغصان الشجر أى تهدلت عليه. انظر: اللسان (مادة هصر) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083564,"book_id":3509,"shamela_page_id":127,"part":"1","page_num":124,"sequence_num":127,"body":"ويجد عنده، فقال: يا معشر قريش لا يتخلفن أحد منكم عن طعامى.\rفقالوا له: يا بحيرى ما تخلف عنك أحد ينبغى له أن يأتيك إلا غلام، وهو أحدث القوم سنا، فتخلف فى رحالهم. فقال: لا تفعلوا، ادعوه فليحضر هذا الطعام معكم.\rفقال رجل من قريش: واللات والعزى، إن كان للؤما بنا أن يتخلف ابن عبد الله بن عبد المطلب عن طعام من بيننا. ثم قام إليه فاحتضنه وأجلسه مع القوم.\rفلما رآه بحيرى جعل يلحظه لحظا شديدا وينظر إلى أشياء من جسده قد كان يجدها عنده من صفته، حتى إذا فرغ القوم من طعامهم وتفرقوا قام إليه بحيرى فقال: يا غلام أسألك بحق اللات والعزى إلا ما أخبرتنى عما أسألك عنه. وإنما قال له بحيرى ذلك لأنه سمع قومه يحلفون بهما. فزعموا أن رسول الله ﷺ قال: «لا تسألنى باللات والعزى شيئا، فو الله ما أبغضت شيئا قط بغضهما» . فقال له بحيرى: فبالله إلا ما أخبرتنى عما أسألك عنه. قال له: سلنى عما بدا لك.\rفجعل يسأله عن أشياء من حاله فى نومه وهيئته وأموره، ويخبره رسول الله ﷺ فيوافق ذلك ما عند بحيرى من صفته وأموره ويخبره. ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه على موضعه من صفته التى عنده. فلما فرغ أقبل على عمه أبى طالب، فقال:\rما هذا الغلام منك؟ قال: ابنى، قال: ما هو بابنك، وما ينبغى لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا، قال: فإنه ابن أخى. قال: فما فعل أبوه؟ قال: مات وأمه حبلى به.\rقال: صدقت، فارجع بابن أخيك إلى بلده، واحذر عليه يهود، فو الله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغنه شرا، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم، فأسرع به إلى بلاده «١» .\rفخرج به عمه أبو طالب سريعا حتى أقدمه مكة حين فرغ من تجارته بالشام.\rفزعموا أن نفرا من أهل الكتاب قد كانوا رأوا من رسول الله ﷺ ما رأى بحيرى فى ذلك السفر الذى كان فيه مع عمه أبى طالب، فأرادوه فردهم عنه بحيرى، وذكرهم الله","footnotes":"(١) ذكر قصة بحيرى: الترمذى فى السنن (٣٦٢٠) ، ابن أبى شيبة فى المصنف (١١/ ٤٧٩، ١٤/ ٢٨٦) ، أبو نعيم فى الدلائل (١٢٩) ، الحاكم فى المستدرك (٢/ ٦١٦) ، ابن حجر فى الفتح (٨/ ٥٨٧) ، ابن هشام فى السيرة (١/ ١٦٠) ، ابن سعد فى الطبقات (١/ ١٢٠) ، الطبرى فى التاريخ (٢/ ٢٧٧) ، ابن عساكر فى تاريخ دمشق (١، ١٠) ، السهيلى فى الروض الأنف (١/ ٢٠٥- ٢٠٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083565,"book_id":3509,"shamela_page_id":128,"part":"1","page_num":125,"sequence_num":128,"body":"وما يجدون فى الكتاب من ذكره وصفاته، وأنهم إن أجمعوا إلى ما أرادوا لم يخلصوا إليه، حتى عرفوا ما قال لهم وصدقوه بما قال، فتركوه وانصرفوا عنه.\rفشب رسول الله ﷺ يكلؤه الله ويحفظه، ويحوطه من أقذار الجاهلية لما يريد به من كرامته ورسالته. حتى بلغ أن كان رجلا أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقا، وأكرمهم حسبا، وأحسنهم جوارا، وأعظمهم حلما، وأصدقهم حديثا وأعظمهم أمانة، وأبعدهم من الفحش والأخلاق التى تدنس الرجال، تنزها وتكرما. حتى ما اسمه فى قومه إلا الأمين، لما جمع الله فيه من الأمور الصالحة.\rوكان ﷺ يحدث عما كان الله يحفظه به فى صغره وأمر جاهليته، أنه قال: لقد رأيتنى فى غلمان قريش ننقل حجارة لبعض ما يلعب به الغلمان، كلنا قد تعرى وأخذ إزاره وجعله على رقبته يحمل عليها الحجارة، فإنى لأقبل معهم كذلك وأدبر إذ لكمنى لاكم ما أراه لكمة وجيعة، ثم قال: شد عليك إزارك. قال: فأخذته فشددته على، ثم جعلت أحمل الحجارة على رقبتى وإزارى على من بين أصحابى «١» . وذكر البخارى عنه ﷺ أنه قال: «ما هممت بسوء من أمر الجاهلية إلا مرتين» «٢» .\rوروى غيره أن إحدى المرتين كان فى غنم يرعاها هو وغلام من قريش، فقال لصاحبه: «اكفنى أمر الغنم حتى آتى مكة» ، وكان بها عرس فيها لهو، فلما دنا من الدار ليحضر ذلك ألقى عليه النوم، فنام حتى ضربته الشمس، عصمة من الله له!. والمرة الأخرى مثل الأولى سواء.\rوذكر الواقدى عن أم أيمن قالت: كانت بوانة صنما تحضره قريش وتعظمه وتنسك له وتحلق عنده وتعكف عليه يوما إلى الليل فى كل سنة، فكان أبو طالب يحضره مع قومه ويكلم رسول الله ﷺ أن يحضر ذلك العيد معهم فيأبى ذلك.\rقالت: حتى رأيت أبا طالب غضب عليه ورأيت عماته غضبن يومئذ أشد الغضب، وجعلن يقلن: إنا لنخاف عليك مما تصنع من اجتناب آلهتنا. ويقلن: ما تريد يا محمد أن تحضر لقومك عيدا ولا تكثر لهم جمعا؟!\rفلم يزالوا به حتى ذهب، فغاب عنهم ما شاء الله ثم رجع مرعوبا فزعا، فقلن له: ما","footnotes":"(١) ذكره ابن إسحاق فى السيرة (١/ ١٦٢- ١٦٣) ، البيهقى فى دلائل النبوة (٢/ ٣١) ، ابن حجر فى فتح البارى (٧/ ١٨١) ، ابن كثير فى البداية والنهاية (٢/ ٢٨٧) .\r(٢) أخرجه الهيثمى فى المجمع (٨/ ٢٢٦) ، المتقى الهندى فى الكنز (٣٥٤٣٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083566,"book_id":3509,"shamela_page_id":129,"part":"1","page_num":126,"sequence_num":129,"body":"دهاك؟ قال: إنى أخشى أن يكون بى لمم. فقلن: ما كان الله ﷿ ليبتليك بالشيطان وفيك من خصال الخير ما فيك، فما الذى رأيت؟.\rقال: إنى كلما دنوت من صنم منها تمثل لى رجل أبيض طويل يصيح بى: وراءك يا محمد لا تمسه. قالت: فما عاد إلى عيد لهم حتى نبئ صلوات الله عليه وعلى آله.\rولما بلغ رسول الله ﷺ خمسا وعشرين سنة تزوج خديجة بنت خويلد، فيما ذكره غير واحد من أهل العلم «١» .\rوذكر الواقدى بإسناد له إلى نفيسة بنت منية أخت يعلى بن منية، وقد رويناه أيضا من طريق أبى على بن السكن، وحديث أحدهما داخل فى حديث الآخر مع تقارب اللفظ، وربما زاد أحدهما الشىء اليسير، وكلاهما ينمى إلى نفيسة.\rقالت: لما بلغ رسول الله ﷺ، خمسا وعشرين سنة وليس له بمكة اسم إلا الأمين، لما تكاملت فيه من خصال الخير، قال أبو طالب: يا ابن أخى أنا رجل لا مال لى، وقد اشتد الزمان علينا وألحت علينا سنون منكرة، وليست لنا مادة ولا تجارة، وهذه عير قومك قد حضر خروجها إلى الشام، وخديجة بنت خويلد تبعث رجالا من قومك فى عيراتها فيتجرون لها فى مالها ويصيبون منافع.\rفلو جئتها فعرضت نفسك عليها لأسرعت إليك وفضلتك على غيرك، لما يبلغها عنك من طهارتك، وإن كنت لأكره أن تأتى الشام وأخاف عليك من يهود، ولكن لا تجد من ذلك بدا.\rوكانت خديجة امرأة تاجرة ذات شرف ومال كثير وتجارة تبعث بها إلى الشام، فتكون عيرها كعامة عير قريش، وكانت تستأجر الرجال وتدفع إليهم المال مضاربة.\rوكانت قريش قوما تجارا، ومن لم يكن تاجرا من قريش فليس عندهم بشىء.\rفقال رسول الله ﷺ: فلعلها ترسل إلى فى ذلك. فقال أبو طالب: إنى أخاف أن تولى غيرك، فتطلب أمرا مدبرا. فافترقا، وبلغ خديجة ما كان من محاورة عمه له، وقبل ذلك ما قد بلغها من صدق حديثه، وعظم أمانته وكريم أخلاقه، فقالت: ما علمت أنه يريد هذا.","footnotes":"(١) انظر: السيرة (١/ ١٦٥) ، طبقات ابن سعد (٨/ ١٤- ١٩) ، الروض الأنف للسهيلى (٤/ ٢٦٧) ، تاريخ الطبرى (٣/ ١٦١) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083567,"book_id":3509,"shamela_page_id":130,"part":"1","page_num":127,"sequence_num":130,"body":"ثم أرسلت إليه فقالت: إنه دعانى إلى البعث إليك ما بلغنى من صدق حديثك وعظم أمانتك وكرم أخلاقك، وأنا أعطيك ضعف ما أعطى رجلا من قومك. ففعل رسول الله ﷺ، ولقى أبا طالب فذكر له ذلك، فقال: إن هذا لرزق ساقه الله إليك.\rفخرج مع غلامها ميسرة حتى قدم الشام، وجعل عمومته يوصون به أهل العير، حتى قدم الشام فنزلا فى سوق بصرى فى ظل شجرة قريبا من صومعة راهب يقال له:\rنسطورا. فاطلع الراهب إلى ميسرة وكان يعرفه، فقال: يا ميسرة، من هذا الذى نزل تحت هذه الشجرة؟.\rفقال ميسرة: رجل من قريش من أهل الحرم. فقال له الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة إلا نبى. ثم قال له: فى عينيه حمرة. قال ميسرة: نعم، لا تفارقه.\rفقال الراهب: هو هو، وهو آخر الأنبياء، ويا ليت أنى أدركه حين يؤمر بالخروج.\rفوعى ذلك ميسرة. ثم حضر رسول الله ﷺ سوق بصرى، فباع سلعته التى خرج بها واشترى، فكان بينه وبين رجل اختلاف فى سلعة، فقال الرجل: احلف باللات والعزى. فقال رسول الله ﷺ: ما حلفت بهما قط. فقال الرجل: القول قولك.\rثم قال لميسرة، وخلا به: يا ميسرة، هذا نبى، والذى نفسى بيده إنه لهو، تجده أحبارنا منعوتا فى كتبهم فوعى ذلك ميسرة. ثم انصرف أهل العير جميعا. وكان ميسرة يرى رسول الله ﷺ إذا كانت الهاجرة واشتد الحر، يرى ملكين يظلانه من الشمس وهو على بعيره.\rقال: وكان الله ﷿ قد ألقى على رسول الله ﷺ المحبة من ميسرة، فكان كأنه عبد لرسول الله. فلما رجعوا وكانوا بمر الظهران تقدم رسول الله ﷺ حتى دخل مكة فى ساعة الظهيرة، وخديجة فى علية لها، معها نساء فيهن نفيسة بنت منية، فرأت رسول الله ﷺ حين دخل وهو راكب على بعيره، وملكان يظلان عليه، فأرته نساءها، فعجبن لذلك.\rودخل عليها رسول الله ﷺ فخبرها بما ربحوا، فسرت بذلك. فلما دخل عليها ميسرة أخبرته بما رأت، فقال لها ميسرة: قد رأيت هذا منذ خرجنا من الشام. وأخبرها بقول الراهب نسطورا، وقول الآخر الذى خالفه فى البيع. قالوا: وقدم رسول الله ﷺ بتجارتها، فربحت ضعف ما كانت تربح، وأضعفت له ما سمت له. فلما استقر عندها هذا، وكانت امرأة حازمة شريفة لبيبة، مع ما أراد الله بها من الكرامة والخير، وهى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083568,"book_id":3509,"shamela_page_id":131,"part":"1","page_num":128,"sequence_num":131,"body":"يومئذ أوسط نساء قريش نسبا، وأعظمهن شرفا، وأكثرهن مالا، وكل قومها كان حريصا على نكاحها لو يقدر عليه، عرضت عليه نفسها.\rفقالت له فيما يزعمون: يا ابن عم، إنى قد رغبت فيك لقرابتك وصيتك فى قومك وأمانتك، وحسن خلقك، وصدق حديثك. فلما قالت له ذلك، ذكر ذلك لأعمامه، فخرج معه عمه حمزة بن عبد المطلب يرحمه الله حتى دخل على خويلد بن أسد، فخطبها إليه فتزوجها. هكذا ذكر ابن إسحاق «١» .\rوذكر الواقدى وغيره من حديث نفيسة، أن خديجة أرسلت إليه دسيسا، فدعته إلى تزوجها. فلما أجاب رسول الله ﷺ أرسلت إلى عمها عمرو بن أسد فحضر، ودخل رسول الله ﷺ فى عمومته فزوجه أحدهم. وقال عمرو: هذا الفحل لا يقدح أنفه.\rقال ابن هشام: وأصدقها رسول الله ﷺ عشرين بكرة «٢» . وكانت أول امرأة تزوجها، ولم يتزوج عليها غيرها حتى ماتت.\rقال ابن إسحاق فولدت خديجة لرسول الله ﷺ ولده كلهم، إلا إبراهيم: القاسم وبه كان يكنى والطاهر، والطيب، وزينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة «٣» .\rفأما القاسم والطاهر والطيب فهلكوا فى الجاهلية. وأما بناته فكلهن أدركن الإسلام، فأسلمن وهاجرن معه. هذا قول ابن إسحاق فى ذكور البنين، أنهم هلكوا فى الجاهلية «٤» .\rوقال الزبير بن بكار، وهو من أئمة هذا الشأن: ولدت له القاسم، وعبد الله وهو الطاهر والطيب، ولد بعد النبوة ومات صغيرا «٥» . وفى مسند الفريابى، ما يدل على أنه مات قبل أن يتم رضاعه وبعد النبوة.","footnotes":"(١) انظر: السيرة (١/ ١٦٥- ١٦٨) .\r(٢) انظر: السيرة (١/ ١٦٦) .\r(٣) انظر: السيرة (١/ ١٦٦) .\r(٤) انظر: السيرة (١/ ١٦٧) .\r(٥) قيل: أن عبد الله يسمى الطيب والطاهر وهو ولد بعد النبوة على الصحيح وهو الذى مات بمكة صغيرا، فقال العاص بن وائل السهمى: قد انقطع ولده فهو أبتر، يعنى النبى، فنزل فيه قوله تعالى: إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ. وانظر: المختصر الصغير (٦٨) ، تاريخ دمشق لابن عساكر (١/ ١٠٣- ١٠٨) ، ابن الجوزى فى تلقيح فهوم أهل الأثر (٣٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083569,"book_id":3509,"shamela_page_id":132,"part":"1","page_num":129,"sequence_num":132,"body":"وذلك أن خديجة دخل عليها رسول الله ﷺ بعد موت القاسم وهى تبكى عليه، فقالت: يا رسول الله، لو كان عاش حتى تكمل رضاعته لهون على. فقال: إن له مرضعا فى الجنة تستكمل رضاعته. فقالت: لو أعلم ذلك لهون على. فقال: إن شئت أسمعتك صوته فى الجنة. فقالت: بل أصدق الله ورسوله.\rقال ابن هشام «١» : وأما إبراهيم فأمه مارية سرية النبى ﷺ التى أهداها إليه المقوقس من حفن من كورة أنصناء. وهى قبطية من قبط مصر، وهذا هو الصهر الذى ذكره لهم رسول الله ﷺ فى قوله: «الله الله فى أهل الذمة، أهل المدرة السوداء السحم الجعاد، فإن لهم نسبا وصهرا» «٢» .\rقال مولى غفرة: نسبهم أن أم إسماعيل النبى ﵇ منهم، وصهرهم أن رسول الله ﷺ تسرر فيهم. وفى حديث آخر أن رسول الله ﷺ قال: «إذا افتتحتم مصر فاستوصوا بأهلها خيرا، فإن لهم ذمة ورحما» .\rقال ابن إسحاق «٣» : وكانت خديجة بنت خويلد قد ذكرت لورقة بن نوفل بن أسد ابن عبد العزى وكان ابن عمها وكان نصرانيا قد تتبع الكتب وعلم من علم الناس، ما ذكر لها غلامها ميسرة من قول الراهب وما كان يرى منه إذ كان الملكان يظلانه.\rفقال ورقة: لئن كان هذا حقا يا خديجة إن محمدا لنبى هذه الأمة، قد عرفت أنه كائن لهذه الأمة نبى ينتظر، هذا زمانه. أو كما قال. فجعل ورقة يستبطئ الأمر ويقول:\rحتى متى؟! وقال فى ذلك:\rلججت وكنت فى الذكرى لجوجا ... لهم طالما بعث النشيجا «٤»\rووصف من خديجة بعد وصف ... فقد طال انتظارى يا خديجا\rببطن المكتين على رجائى ... حديثك أن أرى منه خروجا\rبما خبرتنا من قول قس ... من الرهبان أكره أن يعوجا «٥»\rبأن محمدا سيسود يوما ... ويخصم من يكون له حجيجا","footnotes":"(١) انظر: السيرة (١/ ١٦٧) .\r(٢) أخرجه المتقى الهندى فى الكنز (٣٤٠٢٣) ، الهيثمى فى المجمع (١٠/ ٦٣) ، السيوطى فى جمع الجوامع (٩٦٥٩) .\r(٣) انظر: السيرة (١/ ١٦٧) .\r(٤) النشيجا: هو البكاء مع صوت، والألف الملقحة للإطلاق.\r(٥) القس: هو عابد النصارى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083570,"book_id":3509,"shamela_page_id":133,"part":"1","page_num":130,"sequence_num":133,"body":"ويظهر فى البلاد ضياء نور ... يقيم به البرية أن تموجا\rفيلقى من يحاربه خسارا ... ويلقى من يسالمه فلوجا\rفيا ليتى إذا ما كان ذاكم ... شهدت فكنت أولهم ولوجا\rولوجا فى الذى كرهت قريش ... ولو عجت بمكتها عجيجا\rأرجى بالذى كرهوا جميعا ... إلى ذى العرش إن سلفوا عروجا\rوهل أمر السفاهة غير كفر ... بمن يختار من سمك البروجا\rفإن يبقوا وأبق تكن أمور ... يضج الكافرون لها ضجيجا\rوإن أهلك فكل فتى سيلقى ... من الأقدار متلفة حروجا\rوقال ورقة بن نوفل أيضا فى ذلك، وهو مما رواه يونس بن بكير عن ابن إسحاق:\rأتبكر أم أنت العشية رائح ... وفى الصدر من إضمارك الحزن قادح\rلفرقة قوم لا أحب فراقهم ... كأنك عنهم بعد يومين نازح\rوأخبار صدق خبرت عن محمد ... يخبرها عنه إذا غاب ناصح\rفتاك الذى وجهت يا خير حرة ... بغدو وبالنجدين حيث الصحاصح\rإلى سوق بصرى فى الركاب التى غدت ... وهن من الأحمال قعص دوالح\rفخبرنا عن كل حبر بعلمه ... وللحق أبواب لهن مفاتح\rبأن ابن عبد الله أحمد مرسل ... إلى كل من ضمت عليه الأباطح\rوظنى به أن سوف يبعث صادقا ... كما أرسل العبدان هود وصالح\rوموسى وإبراهيم حتى يرى له ... بهاء ومنشور من الذكر واضح\rويتبعه حيا لؤى بن غالب ... شبابهم والأشيبون الجحاجح\rفإن أبق حتى يدرك الناس دهره ... فإنى به مستبشر الود فارح\rوإلا فإنى يا خديجة فاعلمى ... عن أرضك فى الأرض العريضة سائح\r\rذكر بنيان قريش الكعبة مع ذكر ما أحدثوه فى المناسك\rولما بلغ رسول الله ﷺ خمسا وثلاثين سنة، اجتمعت قريش لبنيان الكعبة. قال موسى بن عقبة: وإنما حمل قريشا على ذلك أن السيل كان أتى من فوق الردم الذى صنعوا فأخربه، فخافوا أن يدخلها الماء، وكان رجل يقال له: مليح سرق طيب الكعبة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083571,"book_id":3509,"shamela_page_id":134,"part":"1","page_num":131,"sequence_num":134,"body":"فأرادوا أن يشدوا بنيانها، وأن يرفعوا بابها، حتى لا يدخلها إلا من شاؤا وأعدوا لذلك نفقة، وعمالا، ثم عمدوا إليها ليهدموها على شفق وحذر من أن يمنعهم الله الذى أرادوا.\rقال ابن إسحاق «١» : وكانوا يهمون بذلك ليسقفوها ويهابون هدمها، وإنما كانت رضما «٢» فوق القامة، فأرادوا رفعها وتسقيفها، وذلك أن نفرا سرقوا كنز الكعبة، وإنما كان يكون فى بئر فى جوف الكعبة.\rقال: وكان الذى وجد عنده الكنز دويك مولى لبنى مليح بن عمرو، من خزاعة قال ابن هشام: فقطعت قريش يده. وتزعم قريش أن الذين سرقوه وضعوه عند دويك.\rقال: وكان البحر قد رمى بسفينة إلى جدة لرجل من تجار الروم فتحطمت فأخذوا خشبها فأعدوه لتسقيفها، وكان بمكة رجل قبطى نجار، فتهيأ فى أنفسهم بعض ما يصلحها.\rوكانت حية تخرج من بئر الكعبة التى كان يطرح فيها ما يهدى لها، فتتشرف على جدار الكعبة، وكانت مما يهابون، وذلك أنه كان لا يدخلها أحد إلا احزألت «٣» وكشت «٤» وفتحت فاها، فكانوا يهابونها. فبينا هى يوما تتشرف على جدار الكعبة كما كانت تصنع، بعث الله إليها طائرا فاختطفها، فذهب بها.\rفقالت قريش: إنا لنرجو أن يكون الله قد رضى ما أردنا، عندنا عامل رفيق وعندنا خشب، وقد كفانا الله الحية.\rفلما أجمعوا أمرهم فى هدمها وبنيانها، قام أبو وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران ابن مخزوم، فتناول من الكعبة حجرا فوثب من يده حتى رجع إلى موضعه، فقال: يا معشر قريش، لا تدخلوا فى بنيانها من كسبكم إلا طيبا، لا تدخلوا فيها معر بغى ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من الناس. والناس ينحلون هذا الكلام الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم «٥» .","footnotes":"(١) انظر: السيرة (١/ ١٦٨) .\r(٢) رضما: الرضم الحجارة يجعل بعضها على بعض.\r(٣) احزألت: أى رفعت رأسها.\r(٤) كشت: صوتت باحتكاك بعض جلدها ببعض.\r(٥) ذكره الطبرى فى تاريخه (١/ ٥٢٥) ، البيهقى فى الدلائل (٢/ ٦١) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083572,"book_id":3509,"shamela_page_id":135,"part":"1","page_num":132,"sequence_num":135,"body":"ثم إن قريشا تجزأت الكعبة، فكان شق الباب لبنى عبد مناف وزهرة، وكان ما بين الركن الأسود والركن اليمانى لبنى مخزوم وقبائل من قريش انضموا إليهم، وكان ظهر الكعبة لبنى جمح وبنى سهم، وكان شق الحجر لبنى عبد الدار بن قصى، ولبنى أسد بن عبد العزى بن قصى، ولبنى عدى بن كعب رهو الحطيم.\rثم إن الناس هابوا هدمها وفرقوا منه، فقال الوليد بن المغيرة: أنا أبدؤكم فى هدمها، فأخذ المعول، ثم قام عليها وهو يقول: اللهم لم ترع، ويقال: لم نزع اللهم إنا لا نريد إلا الخير.\rثم هدم من ناحية الركنين، فتربص الناس تلك الليلة، وقالوا: ننظر، فإن أصيب لم نهدم منها شيئا ورددناها كما كانت، وإن لم يصبه شىء هدمنا، فقد رضى الله ما صنعنا.\rفأصبح الوليد من ليلته غاديا إلى عمله، فهدم وهدم الناس معه، حتى إذا انتهى الهدم بهم إلى الأساس أساس إبراهيم أفضوا إلى حجارة خضر، كالأسنة آخذ بعضها بعضا.\rوقال ابن إسحاق «١» : فحدثنى بعض من يروى الحديث: أن رجلا من قريش ممن كان يهدمها، أدخل عتلة بين حجرين منها ليقلع بها أحدهما، فلما تحرك الحجر تنقضت مكة بأسرها، فانتهوا عن ذلك الأساس.\rقال «٢» : وحدثت أن قريشا وجدوا فى الركن كتابا بالسريانية، فلم يدروا ما هو حتى قرأه لهم رجل من يهود، فإذا هو: أنا الله ذو بكة، خلقتها يوم خلقت السموات والأرض، وصورت الشمس والقمر، وحففتها بسبعة أملاك حنفاء، لا تزول حتى يزول أخشباها، مبارك لأهلها فى الماء واللبن.\rوحدثت أنهم وجدوا فى المقام كتابا فيه: مكة بيت الله الحرام، يأتيها رزقها من ثلاثة سبل، لا يحلها أول من أهلها. وزعم ليث بن أبى سليم أنهم وجدوا حجرا فى الكعبة قبل مبعث النبى ﷺ بأربعين سنة إن كان ما يذكر حقا، مكتوبا فيه: من يزرع خيرا يحصد غبطة، ومن يرزع شرا يحصد ندامة، تعملون السيئات، وتجزون الحسنات!! أجل كما لا يجتنى من الشوك العنب.","footnotes":"(١) انظر: السيرة (١/ ١٧٠- ١٧١) .\r(٢) انظر: السيرة (١/ ١٧١) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083573,"book_id":3509,"shamela_page_id":136,"part":"1","page_num":133,"sequence_num":136,"body":"قال ابن إسحاق «١» : ثم إن القبائل من قريش، جمعت الحجارة لبنيانها، كل قبيلة تجمع على حدة، ثم بنوها حتى بلغ البنيان موضع الركن، فاختصموا فيه، كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى، حتى تجاوزوا وتحالفوا، وأعدوا للقتال، فقربت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دما، ثم تعاقدوا هم وبنو عدى على الموت، وأدخلوا أيديهم فى ذلك الدم فى تلك الجفنة، فسموا لعقة الدم. فمكثت قريش على ذلك أربع ليال أو خمسا، ثم إنهم اجتمعوا فى المسجد، فتشاوروا وتناصفوا.\rفزعم بعض أهل الرواية، أن أبا أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وكان عامئذ أسن قريش كلها، قال: يا معشر قريش، اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه، أول من يدخل من باب هذا المسجد يقضى بينكم؛ ففعلوا. فكان أول داخل رسول الله ﷺ فلما رأوه، قالوا: هذا الأمين، رضينا، هذا محمد. فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر قال ﷺ:\r«هلم إلى ثوبا» . فأتى به، فأخذ الركن فوضعه فيه بيده ثم قال: «لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ثم ارفعوه جميعا» . ففعلوا: حتى إذا بلغوا به موضعه وضعه هو بيده ﷺ، ثم بنى عليه «٢» .\rوكانت الكعبة على عهد النبى ﷺ، ثمانى عشرة ذراعا، كانت تكسى القباطى، ثم كسيت البرود. وأول من كساها الديباج، الحجاج بن يوسف. هذا قول ابن إسحاق «٣» . وقال الزبير: أول من كساها الديباج عبد الله بن الزبير.\rوذكر جماعة سواهما منهم الدار قطنى: أن نتلة بنت جناب، أم العباس بن عبد المطلب، كانت قد أضلت العباس يومئذ وهو صغير، فنذرت إن هى وجدته أن تكسو الكعبة الديباج، ففعلت ذلك حين وجدته.\rوذكر الزبير أن الذى أضلته نتلة بنت جناب إنما هو ابنها ضرار بن عبد المطلب شقيق العباس، ونذرت أن تكسو البيت إن وجدته، فكسته حين وجدته ثيابا بيضا، فالله تعالى أعلم.","footnotes":"(١) انظر: السيرة (١/ ١٧١) .\r(٢) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (٣/ ٤٢٥) ، مسند أبى داود الطيالسى (١١٣) ، مستدرك الحاكم (١/ ٤٥٨) ، دلائل النبوة للبيهقى (٢/ ٥٦، ٥٧) ، مصنف عبد الرزاق (٥/ ٩٨، ١٠٠) ، الهيثمى فى المجمع (٣/ ٢٩٢) .\r(٣) انظر: السيرة (١/ ١٧٣) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083574,"book_id":3509,"shamela_page_id":137,"part":"1","page_num":134,"sequence_num":137,"body":"قال ابن إسحاق «١» : وكانت قريش لا أدرى أقبل الفيل أم بعده ابتدعت أمر الحمس «٢» ، رأيا رأوه وأداروه.\rفقالوا: نحن بنو إبراهيم وأهل الحرمة وولاة البيت، وقاطن مكة وساكنها، فليس لأحد من العرب مثل حقنا، ولا مثل منزلتنا، ولا تعرف له العرب مثل ما تعرف لنا، فلا تعظموا شيئا من الحل كما تعظمون الحرم، فإنكم إن فعلتم ذلك استخفت العرب بحرمتكم، وقالوا: قد عظموا من الحل مثل ما عظموا من الحرم.\rفتركوا الوقوف على عرفة والإفاضة منها وهم يعرفون ويقرون أنها من المشاعر والحج ودين إبراهيم، ويرون لسائر العرب أن يقفوا عليها، وأن يفيضوا منها، إلا أنهم قالوا: نحن أهل الحرم، وليس ينبغى لنا أن نخرج من الحرمة، ولا نعظم غيرها كما نعظمها، نحن الحمس، والحمس أهل الحرم. ثم جعلوا لمن ولدوا من العرب من ساكن الحل والحرم مثل الذى لهم بولادتهم إياهم، يحل لهم ما يحل لهم ويحرم عليهم ما يحرم عليهم.\rثم ابتدعوا فى ذلك أمورا لم تكن لهم، حتى قالوا: لا ينبغى للحمس أن يأتقطوا الأقط «٣» ، ولا يسألوا السمن «٤» وهم حرم، ولا يدخلوا بيتا من شعر، ولا يستظلوا إن استظلوا إلا فى بيوت الأدم ما كانوا حرما.\rثم رفعوا فى ذلك فقالوا: لا ينبغى لأهل الحل أن يأكلوا من طعام جاؤا به معهم من الحل إلى الحرم إذا جاؤا حجاجا أو عمارا، ولا يطوفوا بالبيت إذا قدموا أول طوافهم إلا فى ثياب الحمس، فإن لم يجدوا منها شيئا طافوا بالبيت عراة، فإن تكرم منهم متكرم من رجل أو امرأة، ولم يجد ثياب أحمس فطاف فى ثيابه التى جاء بها من الحل، ألقاها إذا فرغ من طوافه، ثم لم ينتفع بها، ولم يمسها هو ولا أحد غيره أبدا، فكانت العرب تسمى تلك الثياب اللقى.\rفحملوا على ذلك العرب فدانت به، فوقفوا على عرفات وأفاضوا منها، وطافوا بالبيت عراة، أما الرجال فيطوفون عراة، وأما النساء فتضع إحداهن ثيابها كلها إلا ثوبا مفرجا عليها، ثم تطوف فيه.","footnotes":"(١) انظر: السيرة (١/ ١٧٣- ١٧٧) .\r(٢) الحمس: جمع أحمس، وهو شديد الصلب.\r(٣) الأقط: شىء يتخذ من المخيض الغنمى، وجمعه أقطان.\r(٤) يسلئوا السمن: يقال سلأت السمن وأستلأته إذا طبخ.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083575,"book_id":3509,"shamela_page_id":138,"part":"1","page_num":135,"sequence_num":138,"body":"فكانوا كذلك حتى بعث الله رسوله محمدا ﷺ، فأنزل الله عليه حين أحكم له دينه وشرع له سنن حجه: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ الآية [البقرة: ١٩٩] . يعنى قريشا، والناس العرب. فرفعهم فى سنة الحج إلى عرفات والوقوف عليها والإفاضة منها.\rوأنزل عليه فيما كانوا حرموا على الناس من طعامهم ولبوسهم عند البيت، حين طافوا عند البيت عراة وحرموا ما جاؤا به من الحل من الطعام: يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ الآية كلها [الأعراف: ٣١- ٣٢] .\rفوضع الله أمر الحمس، وما كانت قريش ابتدعت منه عن الناس، بالإسلام حين بعث الله به رسوله «١» . ولم يكن رسول الله ﷺ بالموافق قومه على تغيير مشاعر الحج والعدول عن مواقف الناس.\rقال جبير بن مطعم: لقد رأيت رسول الله ﷺ قبل أن ينزل عليه الوحى، وإنه لواقف على بعيره بعرفات مع الناس من بين قومه حتى يدفع معهم، توفيقا من الله له «٢» .\rوقد تقدم ما أحدثوه فى النسىء، وما أبطل الله من حكمه بقوله سبحانه: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ [التوبة: ٣٧] ، فأغنى ذلك عن إعادته.\r\rذكر ما حفظ عن الأحبار والرهبان والكهان من أمر رسول الله ﷺ قبل مبعثه سوى ما تقدم من ذلك مع ذكر شىء مما سمع من ذلك عند الأصنام أو هتفت به الهواتف\rقال ابن إسحاق «٣» : وكانت الأحبار من يهود، والرهبان من النصارى، والكهان من العرب، قد تحدثوا بأمر رسول الله ﷺ قبل مبعثه لما تقارب من زمانه. أما الأحبار من اليهود، والرهبان من النصارى، فعما وجدوا فى كتبهم من صفته وصفة زمانه، وما كان من عهد أنبيائهم إليهم فيه.","footnotes":"(١) انظر: السيرة (١/ ١٧٧) .\r(٢) ذكره ابن كثير فى البداية والنهاية (٢/ ٣٠٥) .\r(٣) انظر: السيرة (١/ ١٧٧- ١٨٢) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083576,"book_id":3509,"shamela_page_id":139,"part":"1","page_num":136,"sequence_num":139,"body":"وأما الكهان من العرب فأتتهم به الشياطين فيما تسترق من السمع، إذ كانت لا تحجب عن ذلك، وكان الكاهن والكاهنة، لا يزال يقع منهما ذكر بعض أموره لا تلقى العرب لذلك فيه بالا، حتى بعثه الله ووقعت تلك الأمور التى كانوا يذكرون فعرفوها.\rفلما تقارب أمر رسول الله ﷺ وحضر مبعثه، حجبت الشياطين عن السمع، وحيل بينها وبين المقاعد التى كانت تقعد فيها لاستراقه، فرموا بالنجوم، فعرفت الجن أن ذلك لأمر حدث من أمر الله فى العباد.\rيقول الله لنبيه ﷺ حين بعثه يقص عليه خبرهم إذ حجبوا: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللَّهِ شَطَطاً وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً [الجن: ١، ١٠] .\rفلما سمعت الجن القرآن عرفت أنها منعت من السمع قبل ذلك لئلا يشكل الوحى بشىء من خبر السماء فيلتبس على أهل الأرض ما جاءهم من الله فيه، لوقوع الحجة وقطع الشبهة، فآمنوا به وصدقوا. ثم: وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ [الأحقاف: ٢٩، ٣٠] .\rوقول الجن: وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ الآية [الجن:\r٦] ، هو أن الرجل من العرب من قريش وغيرهم كان إذا سافر فنزل بطن واد من الأرض ليبيت فيه قال: إنى أعوذ بعزيز هذا الوادى من الجن الليلة من شر ما فيه.\rوذكر «١» أن أول العرب فزع للرمى بالنجوم، حين رمى بها، ثقيف، وأنهم جاؤا إلى رجل منهم يقال له: عمرو بن أمية، أحد بنى علاج، وكان أدهى العرب وأنكرها رأيا فقالوا له: يا عمرو، ألم تر ما حدث فى السماء من القذف بهذه النجوم؟.\rقال: بلى، فانظروا فإن كانت معالم النجوم التى يهتدى بها فى البر والبحر، وتعرف","footnotes":"(١) انظر: السيرة (١/ ١٧٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083577,"book_id":3509,"shamela_page_id":140,"part":"1","page_num":137,"sequence_num":140,"body":"بها الأنواء من الصيف والشتاء، لما يصلح الناس فى معايشهم، هى التى يرمى بها فهو والله طى الدنيا، وهلاك هذا الخلق الذى فيها.\rوإن كانت نجوما غيرها، وهى ثابتة على حالها، فهذا لأمر أراد الله به هذا الخلق.\rفما هو؟!.\rوقد قال رسول الله ﷺ لنفر من الأنصار: «ما كنتم تقولون فى هذا النجم الذى يرمى به؟» . قالوا: يا نبى الله، كنا نقول حين رأيناها يرمى بها: مات ملك، ملّك ملك ولد مولود، مات مولود، فقال رسول الله ﷺ: «ليس ذلك كذلك، ولكن الله ﵎، كان إذا قضى فى خلقه أمرا سمعه حملة العرش فسبحوا، فسبح من تحتهم لتسبيحهم، فسبح من تحت ذلك، فلا يزال التسبيح يهبط حتى ينتهى إلى السماء الدنيا فيسبحوا. ثم يقول بعضهم لبعض: مم سبحتم؟ فيقولون: سبح من فوقنا فسبحنا لتسبيحهم. فيقولون: ألا تسألون من فوقكم مم سبحوا؟ فيقولون مثل ذلك، حتى ينتهوا إلى حملة العرش، فيقال لهم: مم سبحتم؟ فيقولون: قضى الله فى خلقه كذا وكذا؟ للأمر الذى كان. فيهبط به الخبر من سماء إلى سماء حتى ينتهى إلى السماء الدنيا، فيتحدثوا به، فتسترقه الشياطين بالسمع على توهم واختلاف، ثم يأتون به الكهان فيخطئون بعضا ويصيبون بعضا، ثم إن الله حجب الشياطين بهذه النجوم التى يقذفون بها، فانقطعت الكهانة اليوم، فلا كهانة» «١» .\rوذكر أبو جعفر العقيلى بإسناد له، إلى لهيب بن مالك اللهبى قال: حضرت عند رسول الله ﷺ فذكرت عنده الكهانة، فقلت: بأبى أنت وأمى نحن أول من عرف حراسة السماء وزجر الشياطين، ومنعهم من استراق السمع عند قذف النجوم، وذلك أنا اجتمعنا إلى كاهن لنا يقال له: خطر بن مالك، وكان شيخا كبيرا، قد أتت عليه مائة سنة وثمانون سنة، وكان من أعلم كهاننا، فقلنا: يا خطر، هل عندك علم من هذه النجوم التى يرمى بها؟ فإنا قد فزعنا لها وخفنا سوء عاقبتها.\rفقال: ائتونى بسحر، أخبركم الخبر، ألخير أم ضرر، ولأمن أو حذر. قال: فانصرفنا عن يومنا، فلما كان من غد فى وجه السحر أتيناه، فإذا هو قائم على قدميه شاخص فى السماء بعينيه، فناديناه: يا خطر، يا خطر. فأومأ إلينا أن أمسكوا فأمسكنا.","footnotes":"(١) أخرجه مسلم فى صحيحه كتاب السلام باب تحريم الكهانة (٥٧١) ، الترمذى فى سننه (٣٢٢٤) ، الإمام أحمد فى المسند (١/ ٢١٨) ، البيهقى فى الدلائل (٢/ ٢٣٦، ٢٣٧) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083578,"book_id":3509,"shamela_page_id":141,"part":"1","page_num":138,"sequence_num":141,"body":"فانقض نجم عظيم من السماء، وصرخ الكاهن رافعا صوته: أصابه أصابه، خامره عقابه، عاجله عذابه، أحرقه شهابه، زايله جوابه، يا ويحه ما حاله، بلبله بلباله، عاوده خباله، تقطعت حباله، وغيرت أحواله.\rثم أمسك طويلا وقال: يا معشر بنى قحطان، أخبركم بالحق والبيان، أقسمت بالكعبة والأركان، والبلد المؤتمن السدان، لقد منع السمع عتاة الجان، بثاقب، بكف ذى سلطان من أجل مبعوث عظيم الشأن يبعث بالتنزيل والقرآن وبالهدى وفاصل الفرقان، تبطل به عبادة الأوثان. قال: فقلنا: يا خطر، إنك لتذكر أمرا عظيما، فماذا ترى لقومك؟. فقال:\rأرى لقومى ما أرى لنفسى ... أن يتبعوا خير بنى الإنس\rبرهانه مثل شعاع الشمس ... يبعث فى مكة دار الحمس\rبمحكم التنزيل غير اللبس\rفقلنا له: يا خطر، وممن هو؟ فقال: والحياة والعيش، إنه لمن قريش، ما فى حلمه طيش ولا فى خلقه هيش يكون فى جيش وأى جيش! من آل قحطان وآل أيش. فقلنا:\rبين لنا من أى قريش هو؟. فقال: والبيت ذى الدعائم، إنه لمن نجل هاشم، من معشر أكارم، يبعث بالملاحم، وقتل كل ظالم. ثم قال: هذا هو البيان، أخبرنى به رئيس الجان. ثم قال: الله أكبر، جاء الحق وظهر، وانقطع عن الجن الخبر. ثم سكت وأغمى عليه، فما أفاق إلا بعد ثالثة، فقال: لا إله إلا الله.\rفقال رسول الله ﷺ: «سبحان الله، لقد نطق عن مثل نبوة، وإنه ليبعث يوم القيامة أمة وحده» .\rقال ابن إسحاق «١» : وحدثنى بعض أهل العلم أن امرأة من بنى سهم يقال لها الغيطلة، كانت كاهنة فى الجاهلية، جاءها صاحبها ليلة من الليالى فانقض تحتها «٢» ، ثم قال: بدر ما بدر، يوم عقر ونحر. فقالت قريش حين بلغها ذلك: ما يريد؟ ثم جاءها ليلة أخرى فانقض تحتها، ثم قال: شعوب ما شعوب، تصرع فيه كعب لجنوب. فلما بلغ","footnotes":"(١) انظر: السيرة (١/ ١٨٠) .\r(٢) انقض تحتها: أى تكلم بصوت خفى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083579,"book_id":3509,"shamela_page_id":142,"part":"1","page_num":139,"sequence_num":142,"body":"ذلك قريشا، قالوا: ماذا يريد؟ إن هذا لأمر هو كائن فانظروا ما هو. فما عرفوه حتى كانت وقعة بدر وأحد بالشعب، فعرفوا أنه كان الذى جاء به إلى صاحبته.\rقال «١» : وحدثنى على بن نافع الجرشى أن جنبا «٢» بطنا من اليمن، كان لهم كاهن فى الجاهلية، فلما ذكر أمر رسول الله ﷺ وانتشر فى العرب قالت له جنب: انظر لنا فى أمر هذا الرجل. واجتمعوا له فى أسفل جبله.\rفنزل عليهم حين طلعت الشمس فوقف لهم قائما متكئا على قوس له، فرفع رأسه إلى السماء طويلا، ثم جعل ينزو ثم قال: أيها الناس، إن الله أكرم محمدا واصطفاه، وطهر قلبه وحشاه، ومكثه فيكم أيها الناس قليل. ثم أسند فى جبله راجعا من حيث جاء.\rوحدثنى من لا أتهم «٣» ، أن عمر بن الخطاب بينا هو جالس فى الناس فى مسجد رسول الله ﷺ، إذ أقبل رجل من العرب يريد عمر، فلما نظر إليه عمر قال: إن الرجل لعلى شركه ما فارقه، أو لقد كان كاهنا فى الجاهلية، فسلم عليه الرجل، ثم جلس، فقال له عمر: هل أسلمت؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: فهل كنت كاهنا فى الجاهلية؟ فقال الرجل: سبحان الله يا أمير المؤمنين! لقد خلت فى واستقبلتنى بأمر ما أراك قلته لأحد من رعيتك منذ وليت، فقال عمر: اللهم غفرا، قد كنا فى الجاهلية على شر من هذا، نعبد الأصنام ونعتنق الأوثان، حتى أكرمنا الله برسوله وبالإسلام، قال:\rنعم، والله يا أمير المؤمنين، لقد كنت كاهنا فى الجاهلية. قال: فأخبرنى، ما جاء به صاحبك، قال: جاءنى قبيل الإسلام بشهر أو شيعه، فقال: ألم تر إلى الجن وإبلاسها «٤» وإياسها من دينها، ولحوقها بالقلاص «٥» وأحلاسها «٦» !.","footnotes":"(١) انظر: السيرة (١/ ١٨٠) .\r(٢) جنبا: جنب من مزحش وهم عبد الله، وأنس الله، وزيد الله، وأوس الله، وجعفى والحكم وجروة بنو سعد العشيرة بن مزحش، ومزحش هو مالك بن أدد وسموا جنبا لأنهم جانبوا بنى عمهم صداء ويزيد ابنى سعد العشيرة بن مزحش.\r(٣) انظر: السيرة (١/ ١٨١) .\r(٤) إبلاسها: أبلس الرجل إذا سكت ذليلا أو مغلوبا.\r(٥) القلاص: القلاص من الإبل: الفتية.\r(٦) أحلاسها: جمع حلاس، وهو كساء جلد يوضع على ظهر البعير ثم يوضع عليه الرجل ليقيه من الدبر.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083580,"book_id":3509,"shamela_page_id":143,"part":"1","page_num":140,"sequence_num":143,"body":"قال ابن هشام: هذا الكلام سجع وليس بشعر، وأنشدنى بعض أهل العلم بالشعر:\rعجبت للجن وإبلاسها ... وشدها العيس بأحلاسها\rتهوى إلى مكة تبغى الهدى ... ما مؤمن الجن كأنجاسها\rفقال عمر رضى الله عنه، عند ذلك، يحدث الناس: والله إنى لعند وثن من أوثان الجاهلية فى نفر من قريش، قد ذبح لهم رجل من العرب عجلا، فنحن ننتظر قسمه ليقسم لنا منه، إذ سمعت من جوف العجل صوتا ما سمعت قط أنفذ منه، وذلك قبيل الإسلام بشهر أو شيعه يقول: يا ذريح أمر نجيح، رجل يصيح يقول: لا إله إلا الله «١» .\rقال ابن هشام: ويقال: رجل يصيح بلسان فصيح يقول: لا إله إلا الله. وهذا الرجل الذى ظن به عمر رضى الله عنه، ما ظن، هو سواد بن قارب الدوسى «٢» ، وكان يتكهن فى الجاهلية.\rوقد ذكر خبره غير ابن إسحاق، فساقه سياقة أحسن من هذه وأتم، وذكر فيه أنه كان نائما على جبل من جبال السراة ليلة من الليالى، فأتاه آت، فضربه برجله وقال: قم يا سواد بن قارب، أتاك رسول من لؤى بن غالب. قال: فرفعت رأسى وجلست فأدبر وهو يقول:\rعجبت للجن وتطلابها ... وشدها العيس بأقتابها\rتهوى إلى مكة تبغى الهدى ... ما صادق الجن ككذابها\rفارحل إلى الصفوة من هاشم ... ليس قداماها كأذنابها «٣»\rوأتاه فى الليلة الثانية، فضربه برجله، وقال: قم يا سواد بن قارب، أتاك رسول من لؤى بن غالب. قال: فرفعت رأسى وجلست، فأدبر وهو يقول:\rعجبت للجن وأخبارها ... ورحلها العيس بأكوارها\rتهوى إلى مكة تبغى الهدى ... ما مؤمنوها مثل كفارها","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: صحيح البخارى فى كتاب مناقب الأنصار، باب إسلام عمر، رضى الله عنه (٧/ حديث رقم ٣٨٦٦) .\r(٢) هو: سواد بن قارب الدوسى. كذا قال الكلبى، وقال ابن أبى خيثمة: سواد بن قارب سدوسى من بنى سدوس. انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (١١١٤) ، الإصابة الترجمة رقم (٣٥٩٦) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٢٣٣٤) ، تجريد أسماء الصحابة (١/ ٢٤٨) ، الوافى بالوفيات (١٦/ ٣٥) ، التاريخ الكبير (٤/ ٢٠٢) ، الأعلام (٣/ ١٤٤) .\r(٣) انظر الأبيات فى: الاستيعاب (٢/ ٢٢٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083581,"book_id":3509,"shamela_page_id":144,"part":"1","page_num":141,"sequence_num":144,"body":"فارحل إلى الصفوة من هاشم ... ليس قداماها كأدبارها\rوأتاه فى الليلة الثالثة بعدما نام، فضربه برجله وقال: قم يا سواد بن قارب أتاك رسول الله ﷺ من لؤى بن غالب قال: فرفعت رأسى فجلست، فأدبر وهو يقول:\rعجبت للجن وإبلاسها ... ورحلها العيس بأحلاسها\rتهوى إلى مكة تبغى الهدى ... ما مؤمنوها مثل أرجاسها\rفارحل إلى الصفوة من هاشم ... وارم بعينيك إلى رأسها\rقال: فلما أصبحت اقتعدت بعيرى فأتيت مكة، فإذا رسول الله ﷺ قد ظهر، فأخبرته الخبر وبايعته. وفى بعض طرق حديثه أنه أنشد رسول الله ﷺ شعرا منه فى معنى ما جاءه به رئيه «١» :\rأتانى رئى بعد هدء وهجعة ... ولم يك فيما قد بلوت بكاذب\rثلاث ليال قوله كل ليلة ... أتاك رسول من لؤى بن غالب\rفرفعت أذيال الإزار وشمرت ... بى العرمس الوجنا هجول السباسب\rفأشهد أن الله لا شىء غيره ... وأنك مأمون على كل غائب\rوأنك أدنى المرسلين وسيلة ... إلى الله يا ابن الأكرمين الأطايب\rفمرنا بما يأتيك من وحى ربنا ... وإن كان فيما جئت شيب الذوائب\rوكن لى شفيعا حين لا ذو قرابة ... بمغن فتيلا عن سواد بن قارب\rولسواد بن قارب هذا مقام حميد فى قومه دوس، حين بلغهم وفاة رسول الله ﷺ، يثبتهم فى الدين ويحضهم على التمسك بالإسلام، سنذكره إن شاء الله مع نظائره بعد استيفاء الخبر عن وفاة رسول الله ﷺ.\rوذكر الواقدى بإسناد له قال: كان أبو هريرة يحدث أن قوما من خثعم كانوا عند صنم لهم جلوسا، وكانوا يتحاكمون إلى أصنامهم، فيقال لأبى هريرة: هل كنت أنت تفعل ذلك؟ فيقول: قد والله فعلت فأكثرت، فالحمد لله الذى تنقذنى بمحمد ﷺ.\rقال أبو هريرة: فبينا الخثعميون عند صنمهم إذ سمعوا هاتفا يهتف:\rيا أيها الناس ذوو الأجسام ... ومسندو الحكم إلى الأصنام\rأكلكم أوره كالكهام","footnotes":"(١) ذكرها فى الاستيعاب (٢/ ٢٢٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083582,"book_id":3509,"shamela_page_id":145,"part":"1","page_num":142,"sequence_num":145,"body":"ألا ترون ما أرى أمامى ... من ساطع يجلو دجى الظلام\rذاك نبى سيد الأنام ... من هاشم فى ذروة السنام\rمستعلن بالبلد الحرام ... جاء بهدم الكفر بالإسلام\rأكرمه الرحمن من إمام\rقال أبو هريرة: فأمسكوا ساعة حتى حفظوا ذلك ثم تفرقوا، فلم تمض بهم ثالثة حتى فجأهم خبر رسول الله ﷺ أنه قد ظهر بمكة. قال: فما أسلم الخثعميون حتى استأخر إسلامهم ورأوا عبرا عند صنمهم.\rوذكر الواقدى أيضا أن رجلا من الأنصار حدث عمر بن الخطاب رضى الله عنه، قال: انطلقت أنا وصاحبان لى نريد الشام، حتى إذا كانا بقفرة من الأرض نزلنا بها، فبينا نحن كذلك لحقنا راكب، فكنا أربعة وقد أصابنا سغب شديد، والتفت فإذا أنا بظبية عضباء ترتع قريبا منى فوثبت إليها. فقال الرجل الذى لحقنا: خل سبيلها، لا أبا لك، والله لقد رأيتنا ونحن نسلك هذا الطريق ونحن عشرة أو أكثر فيختطف بعضنا بعضا، فما هو إلا أن كانت هذه الظبية فما يهاج بها أحد.\rفأبيت وقلت: لا لعمر الله لا أخليها، فارتحلنا وقد شددتها معى، حتى إذا ذهب سدف من الليل إذا هاتف يهتف بنا ويقول:\rيا أيها الركب السراع الأربعه ... خلوا سبيل النافر المفزعه\rخلوا عن العضباء فى الوادى سعه ... لا تذبحن الظبية المروعه\rفيها لأيتام صغار منفعه\rقال: فخليت سبيلها، ثم انطلقنا حتى أتينا الشام، فقضينا حوائجنا، ثم أقبلنا حتى إذا كنا بالمكان الذى كنا فيه هتف بنا هاتف من خلفنا:\rإياك لا تعجل وخذها من ثقه ... فإن شر السير سير الحقحقه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083583,"book_id":3509,"shamela_page_id":146,"part":"1","page_num":143,"sequence_num":146,"body":"قد لاح نجم فأضاء مشرقه ... يخرج من ظلما عسوف موبقه\rذاك رسول مفلح من صدقه ... الله أعلى أمره وحققه\rقال الرجل: فأتيت مكة فإذا رسول الله ﷺ يدعو إلى الإسلام. فقال عمر: الحمد لله الذى أكرمنا بمحمد ﷺ.\rوروينا عن أبى المنذر هشام بن محمد الكلبى بإسناد متصل إليه قال: لقيت شيوخا من شيوخ طيئ المقدمين، فسألتهم عن قصة مازن يعنى مازن بن الغضوبة الطائى، وسبب إسلامه ووفوده على رسول الله ﷺ وإقطاعه أرض عمان، وذلك بمن الله وفضله.\rوكان مازن بأرض عمان بقرية تدعى سنابل. قال مازن: فعترت ذات يوم عتيرة، وهى الذبيحة، فسمعت صوتا من الصنم يقول: يا مازن أقبل أقبل، فاسمع ما لا تجهل، هذا نبى مرسل، جاء بحق منزل، فآمن به كى تعزل، عن حر نار تشعل، وقودها بالجندل.\rقال مازن: فقلت: إن هذا والله لعجب، ثم عترت بعد أيام عتيرة أخرى، فسمعت صوتا أبين من الأول، وهو يقول: يا مازن اسمع تسر، ظهر خير وبطن شر، بعث نبى من مضر، بدين الله الأكبر، فدع نحيتا من حجر، تسلم من حر سقر.\rقال مازن: فقلت إن هذا والله لعجب وإنه لخير يراد بى، وقدم علينا رجل من أهل الحجاز فقلنا: ما الخبر وراءك؟ قال: خرج بتهامة رجل يقول لمن أتاه: أجيبوا داعى الله، يقال له: أحمد.\rفقلت: هذا والله نبأ ما سمعت. فثرت إلى الصنم فكسرته جذاذا وشددت راحلتى ورحلت، حتى أتيت رسول الله ﷺ فشرح لى الإسلام فأسلمت، فأنشأت أقول:\rكسرت ياجر أجذاذا وكان لنا ... ربا نطيف به ضلا بتضلال\rبالهاشمى هدانا من ضلالتنا ... ولم يكن دينه منا على بال\rيا راكبا بلغن عمرا وإخوتها ... أنى لمن قال ربى ياجر قالى\rوقلت: يا رسول الله، إنى امرؤ مولع بالطرب وشرب الخمر وبالهلوك إلى النساء، وألحت على السنون، فأذهبن الأموال وأهزلن الذرارى والرجال، وليس لى ولد، فادع الله أن يذهب عنى ما أجد ويأتينى بالحياء، ويهب لى ولدا. فقال النبى ﷺ: «اللهم أبدله","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083584,"book_id":3509,"shamela_page_id":147,"part":"1","page_num":144,"sequence_num":147,"body":"بالطرب قراءة القرآن، وبالحرام الحلال، وآتهم بالحياء، وهب له ولدا» «١» .\rقال مازن: فأذهب الله عنى كل ما أجد، وأخصبت عمان، وتزوجت أربع حرائر، ووهب الله لى حيان بن مازن، وأنشأت أقول:\rإليك رسول الله سقت مطيتى ... تجوب الفيافى من عمان إلى العرج\rلتشفع لى يا خير من وطئ الحصى ... فيغفر لى ربى فأرجع بالفلج\rإلى معشر خالفت فى الله دينهم ... فلا رأيهم رأيى ولا شرجهم شرجى\rوكنت امرأ بالزغب والخمر مولعا ... شبابى حتى أذن الجسم بالنهج\rفأصبحت همى فى جهاد ونيتى ... فلله ما صومى ولله ما حجى\rومما يلحق بهذا الباب من حسان أخبار الكهان وإن كان بعد المبعث بزمان ولكنه يجتمع مع الأحاديث السابقة فى الدلالة على صدق الرسول، والإعلام بالغيب المجهول، والإرشاد إلى سواء السبيل، ما ذكره أبو على إسماعيل بن القاسم فى أماليه بإسناد له إلى ابن الكلبى عن أبيه قال:\rكان خنافر بن التوأم الحميرى كاهنا، وكان قد أوتى بسطة فى الجسم وسعة فى المال، وكان عاتيا، فلما وفدت وفود اليمن على النبى ﷺ وظهر الإسلام أغار على إبل لمراد فاكتسحها، وخرج بأهله وماله ولحق بالشحر فحالف جودان بن يحيى الفرضمى، وكان سيد منيعا، ونزل بواد من أودية الشحر مخصب كثير الشجر من الأيك والعرين.\rقال خنافر: وكان رئيى فى الجاهلية لا يغيب عنى، فلما شاع الإسلام فقدته مدة طويلة وساءنى ذلك، فبينا أنا ليلة فى ذلك الوادى نائما إذ هوى هوى العقاب، فقال خنافر: قلت شصار؟ فقال: اسمع أقل. قلت: أسمع. فقال: عه تغنم، لكل مدة نهاية وكل ذى أمد إلى غاية. قلت: أجل. فقال: كل دولة إلى أجل ثم يتاح لها حول، انتسخت النحل ورجعت إلى حقائقها الملل، إنك سجير موصول والنصح لك مبذول.\rإنى آنست بأرض الشام نفرا من أهل العزام حكاما على الحكام يذكرون ذا رونق من الكلام، ليس بالشعر المؤلف، ولا بالسجع المتكلف فأصغيت فزجرت، فعاودت فظلفت، فقلت: بم تهينمون وإلام تعتزون؟ فقالوا: خطاب كبار جاء من عند الملك الجبار، فاسمع يا شصار عن أصدق الأخبار، واسلك أوضح الآثار تنج من أوار النار.\rقلت: وما هذا الكلام؟ قالوا: فرقان بين الكفر والإيمان، رسول من مضر، ابتعث","footnotes":"(١) أخرجه البيهقى فى الدلائل (٢/ ٣٦، ٢٥٦) ، الهيثمى فى المجمع (٨/ ٢٤٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083585,"book_id":3509,"shamela_page_id":148,"part":"1","page_num":145,"sequence_num":148,"body":"فظهر، فجاء بقول قد بهر، وأوضح نهجا قد دثر، فيه مواعظ لمن اعتبر، ومعاذ لمن ازدجر، ألف بالآى الكبر.\rفقلت: ومن هذا المبعوث من مضر؟ قالوا: أحمد خير البشر، فإن آمنت أعطيت الشبر، وإن خالفت أصليت سقر. فآمنت يا خنافر، وأقبلت إليك أبادر، فجانب كل نجس كافر، وشايع كل مؤمن طاهر، وإلا فهو الفراق عن لا تلاق.\rقلت: من أين أبغى هذا الدين؟ قال: من ذات الإحرين والنفر الميامين أهل الماء والطين. قلت: أوضح. قال: الحق بيثرب ذات النخل، والحرة ذات النعل، فهنالك أهل الفضل والطول والمواساة والبذل.\rثم أملس عنى فبت مذعورا أراعى الصباح، فلما برق لى النور امتطيت راحلتى وآذنت أعبدى واحتملت بأهلى، حتى وردت الجوف فرددت الإبل على أربابها بحولها وسقايها، وأقبلت أريد صنعاء، فأصبت فيها معاذ بن جبل أميرا لرسول الله ﷺ، فبايعته على الإسلام، وعلمنى من القرآن. فمن الله على بالهدى بعد الضلالة، والعلم بعد الجهالة، وقلت فى ذلك:\rألم تر أن الله عاد بفضله ... فأنقذ من لفح الزخيخ خنافرا\rوكشف لى عن حجمتى عماهما ... وأوضح لى نهجى وقد كان داثرا\rدعانى شصار للتى لو رفضتها ... لصليت جمرا من لظى الهوب واهرا\rفأصبحت والإسلام حشو جوانحى ... وجانبت من أمسى عن الحق نائرا\rوكان مضلى من هديت برشده ... فلله مغو عاد بالرشد آمرا\rنجوت بحمد الله من كل قحمة ... تؤرث هلكا يوم شايعت شاصرا\rفقد أمنتنى بعد ذاك يحابر ... بما كنت أغشى المنديات يحابرا\rفمن مبلغ فتيان قومى ألوكة ... بأنى من أقتال من كان كافرا\rعليكم سواء القصد لا فل حذكم ... فقد أصبح الإسلام للكفر قاهرا\rوذكر ابن هشام أن بعض أهل العلم حدثه، أنه كان لمرداس أبى عباس بن مرداس السلمى وثن يعبده، وهو حجر يقال له: ضمار، فلما حضر مرداسا الموت قال لعباس:\rأى بنى اعبد ضمار، فإنه ينفعك ويضرك. فبينما العباس يوما عند ضمار، إذ سمع من جوف ضمار مناديا يقول:\rقل للقبائل من سليم كلها ... أودى ضمار وعاش أهل المسجد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083586,"book_id":3509,"shamela_page_id":149,"part":"1","page_num":146,"sequence_num":149,"body":"إن الذى ورث النبوة والهدى ... بعد ابن مريم من قريش مهتدى\rأودى ضمار وكان يعبد مرة ... قبل الكتاب إلى النبى محمد\rفحرق العباس ضمار، ولحق بالنبى ﷺ فأسلم. والأخبار فى هذا الباب مما نقل من ذلك عن الكهان، أو سمع عند الأصنام، أو هتفت به هواتف الجان كثيرة جدا، وقد أتينا منها بما استحسناه مما ذكره ابن إسحاق، أو ذكره سواه.\rقال ابن إسحاق «١» : وحدثنى عاصم بن عمر بن قتادة، عن رجال من قومه قالوا: إن مما دعانا إلى الإسلام مع رحمة الله لنا وهداه، لما كنا نسمع من أحبار يهود.\rكنا أهل شرك أصحاب أوثان، وكانوا أهل كتاب عندهم علم ليس لنا، وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور، فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا: إنه قد تقارب زمان نبى يبعث الآن، نقتلكم معه قتل عاد وإرم، فكنا كثيرا ما نسمع ذلك منهم فلما بعث الله رسوله محمدا ﷺ أجبناه حين دعانا إلى الله وعرفنا ما كانوا يتواعدوننا به، فبادرنا إليه، فآمنا به وكفروا به، ففينا وفيهم نزلت هذه الآية من البقرة: وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ [البقرة: ٨٩] «٢» .\rقال «٣» : وحدثنى صالح بن إبراهيم، عن محمود بن لبيد، عن سلمة بن سلامة بن وقش، وكان من أصحاب بدر، قال كان لنا جار من يهود فى بنى عبد الأشهل، فخرج علينا يوما من بيته حتى وقف على بنى عبد الأشهل، فذكر القيامة والبعث والحساب والميزان والجنة والنار، فقال ذلك لقوم أهل شرك، أصحاب أوثان، لا يرون أن بعثا كائن بعد الموت، فقالوا له: ويحك يا فلان أو ترى هذا كائنا، أن الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار، يجزون فيها بأعمالهم. قال: نعم والذى يحلف به: ولود أن له بحظه من تلك النار أعظم تنور فى الدار يحمونه ثم يدخلونه إياه فيطينونه عليه، بأن ينجو من تلك النار غدا، فقالوا له: ويحك يا فلان، وما آية ذلك؟ قال: نبى مبعوث من نحو هذه البلاد، وأشار بيده إلى مكة واليمن. قالوا: ومتى نراه؟ قال: فنظر إلى، وأنا من أحدثهم سنا، فقال: إن يستنفد هذا الغلام عمره يدركه.","footnotes":"(١) انظر: السيرة (١/ ١٨٢) .\r(٢) أخرجه الطبرى فى تفسيره (١/ ٣٢٥) ، ابن كثير فى تفسيره (١/ ١٧٨) .\r(٣) انظر: السيرة (١/ ١٨٣) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083587,"book_id":3509,"shamela_page_id":150,"part":"1","page_num":147,"sequence_num":150,"body":"قال سلمة: فو الله ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله رسوله محمدا ﷺ وهو حى بين أظهرنا، فآمنا به وكفر به بغيا وحسدا. فقلنا له: ويحك يا فلان! ألست بالذى قلت لنا فيه ما قلت؟! قال: بلى، ولكن ليس به! «١» .\rقال «٢» : وحدثنى عاصم بن عمر، عن شيخ من بنى قريظة، قال: قال لى: هل تدرى عم كان إسلام ثعلبة بن سعية وأسيد بن سعية وأسد بن عبيد، نفر من هدل إخوة بنى قريظة كانوا معهم فى جاهليتهم، ثم كانوا ساداتهم فى الإسلام؟ قال: قلت: لا، قال:\rفإن رجلا من يهود من أهل الشام يقال له: ابن الهيبان، قدم علينا قبل الإسلام بيسير، فحل بين أظهرنا، لا والله ما رأينا رجلا قط لا يصلى الخمس أفضل منه، فأقام عندنا، فكنا إذا قحط عنا المطر قلنا له: اخرج يا ابن الهيبان فاستسق لنا. فيقول: لا والله حتى تقدموا بين يدى مخرجكم صدقة. فنقول له: كم؟ فيقول: صاعا من تمر أو مدين من شعير. فنخرجهما ثم يخرج بنا إلى ظاهر حرثنا فيستسقى لنا، فو الله ما يبرح مجلسه حتى يمر السحاب ونسقى، قد فعل ذلك غير مرة ولا مرتين ولا ثلاث، ثم حضرته الوفاة عندنا. فلما عرف أنه ميت قال: يا معشر يهود، ما ترون أنه أخرجنى من أرض الخمر والحمير إلى أرض البؤس والجوع؟ قلنا: أنت أعلم.\rقال: فإنما قدمت هذه البلدة أتوكف خروج نبى قد أظل زمانه، وهذه البلدة مهاجرة، فكنت أرجو أن يبعث فأتبعه، وقد أظلكم زمانه، فلا تسبقن إليه يا معشر يهود، فإنه يبعث بسفك الدماء وسبى الذرارى والنساء ممن خالفه، فلا يمنعنكم ذلك منه.\rفلما بعث الله رسوله ﷺ وحاصر بنى قريظة قال هؤلاء الفتية، وكنا شبابا أحداثا: يا بنى قريظة، والله إنه للنبى الذى عهد إليكم فيه ابن الهيبان، قالوا: ليس به. قالوا: بلى والله، إنه لهو بصفته. فنزلوا فأسلموا فأحرزوا دماءهم وأموالهم وأهاليهم «٣» . قال ابن إسحاق: فهذا ما بلغنا عن أحبار يهود.\rقال «٤» : وحدثنى عاصم بن عمر بن قتادة الأنصارى، عن محمود، عن ابن عباس، قال: حدثنى سلمان الفارسى من فيه، قال: كنت رجلا فارسيا من أهل أصبهان، من","footnotes":"(١) أخرجه الإمام أحمد فى المسند (٣/ ٤٦٧) .\r(٢) انظر: السيرة (١/ ١٨٣- ١٨٤) .\r(٣) أخرجه البيهقى فى الدلائل (٢/ ٨٠- ٨١) ، وذكره ابن سيد الناس فى عيون الأثر (١/ ١٣١) .\r(٤) انظر: السيرة (١/ ١٨٤- ١٨٥) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083588,"book_id":3509,"shamela_page_id":151,"part":"1","page_num":148,"sequence_num":151,"body":"أهل قرية يقال لها: جى، وكان أبى دهقان قريته، وكنت أحب خلق الله إليه، لم يزل به حبه إياى حتى حبسنى فى بيته كما تحبس الجارية، واجتهدت فى المجوسية حتى كنت قطن النار الذى يوقدها، ولا يتركها تخبو ساعة، وكانت لأبى ضيعة عظيمة، فشغل فى بنيان له يوما، فقال لى: يا بنى، إنى قد شغلت فى بنيانى هذا اليوم عن ضيعتى، فاذهب إليها فاطلعها. وأمرنى فيها ببعض ما يريد، ثم قال لى: ولا تحتبس عنى، فإنك إن احتبست عنى كنت أهم إلى من ضيعتى وشغلتنى عن كل شىء من أمرى، فخرجت أريد ضيعته التى بعثنى إليها فمررت بكنيسة من كنائس النصارى، فسمعت أصواتهم فيها وهم يصلون، وكنت لا أدرى ما أمر الناس، لحبس أبى إياى فى بيته.\rفلما سمعت أصواتهم، دخلت عليهم أنظر ما يصنعون، فلما رأيتهم أعجبتنى صلاتهم، ورغبت فى أمرهم وقلت: هذا والله خير من الدين الذى نحن عليه. فو الله ما برحتهم حتى غربت الشمس، وتركت ضيعة أبى فلم آتها، ثم قلت لهم: أين أصل هذا الدين؟ قالوا: بالشام، فرجعت إلى أبى وقد بعث فى طلبى، وشغلته عن عمله كله، فلما جئته قال: أى بنى أين كنت؟ ألم أكن عهدت إليك ما عهدت؟! قلت: يا أبت مررت بأناس يصلون فى كنيسة لهم فأعجبنى ما رأيت فى دينهم، فو الله ما زلت عندهم حتى غربت الشمس.\rقال: أى بنى ليس فى ذلك الدين خير، دينك ودين آبائك خير منه، فقلت له: كلا والله، إنه لخير من ديننا، قال: فخافنى، فجعل فى رجلى قيدا ثم حبسنى فى بيته، وبعثت إلى النصارى، فقلت لهم: إذا قدم عليكم ركب من الشام فأخبرونى بهم، فقدم عليهم تجار من النصارى، فأخبرونى. فقلت لهم: إذا قضوا حوائجهم وأرادوا الرجعة إلى بلادهم، فآذنونى بهم.\rقال: فلما أرادوا الرجعة أخبرونى بهم، فألقيت الحديد من رجلى، ثم خرجت معهم حتى قدمت الشام. فلما قدمتها قلت: من أفضل أهل هذا الدين علما؟ قالوا: الأسقف فى الكنيسة. فجئته فقلت له: إنى قد رغبت فى هذا الدين، وأحببت أن أكون معك وأخدمك فى كنيستك، وأتعلم منك، وأصلى معك. قال: ادخل، فدخلت معه، فكان رجل سوء يأمرهم بالصدقة ويرغبهم فيها، فإذا جمعوا إليه شيئا منها اكتنزه لنفسه ولم يعطه المساكين، حتى جمع سبع قلال من ذهب وورق. فأبغضته بغضا شديدا لما رأيته يصنع، ثم مات. واجتمعت النصارى ليدفنوه، فقلت لهم: إن هذا كان رجل سوء،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083589,"book_id":3509,"shamela_page_id":152,"part":"1","page_num":149,"sequence_num":152,"body":"يأمركم بالصدقة ويرغبكم فيها، فإذا جئتموه بها اكتنزها لنفسه ولم يعط المساكين منها شيئا. فقالوا لى: وما علمك بذلك. فقلت: أنا أدلكم على كنزه فأريتهم موضعه فاستخرجوا سبع قلال مملوءة ذهبا وورقا، فلما رأوها، قالوا: والله لا ندفنه أبدا.\rفصلبوه ورجموه بالحجارة.\rوجاؤا برجل آخر فجعلوه مكانه، فما رأيت رجلا لا يصلى الخمس، رأى أنه أفضل منه، أزهد فى الدنيا ولا أرغب فى الآخرة، ولا أدأب ليلا ونهارا منه، فأحببته حبا لم أحبه شيئا قبله، فأقمت معه زمانا، ثم حضرته الوفاة، فقلت له: يا فلان إنى كنت معك وأحببتك حبا لم أحبه شيئا قبلك وقد حضرك من أمر الله ما ترى، فإلى من توصى بى، وبم تأمرنى.\rفقال: أى بنى، والله ما أعلم اليوم أحدا على ما كنت عليه، لقد هلك الناس وبدلوا وتركوا أكثر ما كانوا عليه إلا رجلا بالموصل «١» وهو فلان، وهو على ما كنت عليه.\rفلما مات وغيب لحقت بصاحب الموصل فقلت له: يا فلان، إن فلانا أوصانى عند موته أن ألحق بك، وأخبرنى أنك على أمره. فقال لى: أقم عندى.\rفأقمت عنده فوجدته خير رجل على أمر صاحبه. فلم يلبث أن مات، فلما حضرته الوفاة قلت له: يا فلان إن فلانا أوصى بى إليك، وأمرنى باللحوق بك، وقد حضرك من أمر الله ما ترى، فإلى من توصى بى؟ وبم تأمرنى؟ فقال: يا بنى، والله ما أعلم رجلا على ما كنا عليه إلا رجلا بنصيبين «٢» ، وهو فلان فالحق به.\rفلما مات وغيب لحقت بصاحب نصيبين، فأخبرته خبرى، وما أمرنى به صاحبى فقال: أقم عندى. فأقمت عنده، فوجدته على أمر صاحبيه، فأقمت مع خير رجل، فو الله ما لبث أن نزل به الموت، فلما حضر قلت له: يا فلان إن فلانا كان أوصى بى إلى فلان، ثم أوصى بى فلان إليك، فإلى من توصى بى: وبم تأمرنى.","footnotes":"(١) الموصل: فى الجانب الغربى من دجلة، وسميت بهذا الاسم؛ لأنها وصلت بين الفرات ودجلة، وشراب أهلها من ماء الدجلة. انظر: الروض المعطار (ص ٥٦٣) ، نزهة المشتاق (١٩٩) .\r(٢) نصيبين: مدينة فى ديار ربيعة العظمى، وهى من بلاد الجزيرة بين دجلة والفرات، وهى قديمة عظيمة كثيرة الأنهار، ولها نهار عظيم، يقال له الهرماس عليه قناطر حجارة، وأهلها قوم من ربيعة من بنى تغلب، وافتتحها عياض بن غنم الفهرى فى خلافة عمر رضى الله عنه سنة ثمان عشرة، وكانت مدينة رومية، فلما افتتحها عياض أسكنها المسلمين. انظر: الروض المعطار (ص ٥٧٧) ، نزهة المشتاق (١٩٩) ، آثار البلاد (٤٦٧) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083590,"book_id":3509,"shamela_page_id":153,"part":"1","page_num":150,"sequence_num":153,"body":"قال: يا بنى، والله ما أعلمه بقى أحد على أمرنا آمرك أن تأتيه، إلا رجلا بعمورية «١» من أرض الروم، فإنه على مثل ما نحن عليه، فإن أحببت فأته. فلما مات وغيب، لحقت بصاحب عمورية، فأخبرته خبرى، فقال: أقم عندى.\rفأقمت عند خير رجل على هدى أصحابه وأمرهم، واكتسبت حتى كانت لى بقرات وغنيمة، ثم نزل به أمر الله، فلما حضر قلت له: يا فلان، إنى كنت مع فلان فأوصى بى إلى فلان، ثم أوصى بى فلان إلى فلان، ثم أوصى بى فلان إليك، فإلى من توصى بى؟\rوبم تأمرنى؟.\rقال: أى بنى، والله ما أعلمه أصبح على مثل ما كنا عليه أحد من الناس آمرك أن تأتيه ولكنه قد أظل زمان نبى مبعوث بدين إبراهيم، يخرج بأرض العرب، مهاجره إلى أرض بين حرتين «٢» بينهما نخل، به علامات لا تخفى، يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة، بين كتفيه خاتم النبوة، فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد، فافعل. ثم مات وغيب.\rفمكثت بعمورية، ما شاء الله أن أمكث، ثم مر بى نفر من كلب تجار. فقلت لهم:\rاحملونى إلى أرض العرب وأعطيكم بقراتى هذه وغنيمتى هذه، فقالوا: نعم.\rفأعطيتهموها وحملونى معهم، حتى إذا بلغوا وادى القرى ظلمونى، فباعونى من رجل يهودى عبدا، فكنت عنده فرأيت النخل، فرجوت أن يكون البلد الذى وصف لى صاحبى، ولم يحق فى نفسى.\rفبينا أنا عنده إذ قدم عليه ابن عم له من بنى قريظة من المدينة، فابتاعنى منه، فاحتملنى إلى المدينة، فو الله ما هو إلا أن رأيتها فعرفتها بصفة صاحبى فأقمت بها.\rوبعث رسول الله ﷺ وأقام بمكة ما أقام لا أسمع له بذكر، مع ما أنا فيه من شغل الرق.\rثم هاجر إلى المدينة، فو الله إنى لفى رأس عذق لسيدى أعمل له فيه بعض العمل، وسيدى جالس تحتى، إذ أقبل ابن عم له حتى وقف عليه. فقال: يا فلان قاتل الله بنى قيلة، والله إنهم الآن لمجتمعون بقباء على رجل قدم عليهم من مكة اليوم يزعمون أنه نبى.","footnotes":"(١) عمورية: فى بلاد الروم من ناحية بلاد طوس وتفسيره المشرق، وهى مدينة كبيرة مشهورة فى بلاد الروم وبلاد المسلمين، أزلية، غير أن الفتوح تتوالى عليها من عهد المسلمين والروم، ولها سور حصين، وهى على نهر كبير يصب فى الفرات، ومنها الطريق إلى طرسوس، وبين عمورية والخليج مائة وخمسة وسبعين ميلا، وكانت منزلا لبعض ملوك الروم. انظر: الروض المعطار (ص ٤١٣، ٤١٤) ، نزهة المشتاق (٢٦٠) .\r(٢) حرتين: الحرة كل أرض ذات حجارة سود متشيطة من أثر احتراق بركانى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083591,"book_id":3509,"shamela_page_id":154,"part":"1","page_num":151,"sequence_num":154,"body":"فلما سمعتها أخذتنى العرواء حتى ظننت أنى سأسقط على سيدى، فنزلت عن النخلة فجعلت أقول لابن عمه ذلك: ماذا تقول؟ فغضب سيدى فلكمنى لكمة شديدة، ثم قال: ما لك ولهذا، أقبل على عملك. فقلت: لا شىء إنما أردت أن أستثبته عما قال.\rوقد كان عندى شىء جمعته، فلما أمسيت أخذته ثم ذهبت به إلى رسول الله ﷺ وهو بقباء، فدخلت عليه فقلت له: إنه قد بلغنى أنك رجل صالح، ومعك أصحاب لك غرباء ذوو حاجة، وهذا شىء كان عندى للصدقة، فرأيتكم أحق به من غيركم، فقربته إليه. فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: «كلوا» . وأمسك يده فلم يأكل.\rفقلت فى نفسى: هذه واحدة، ثم انصرفت عنه، فجمعت شيئا، وتحول رسول الله ﷺ إلى المدينة، ثم جئته به، فقلت: إنى قد رأيتك لا تأكل الصدقة وهذه هدية أكرمتك بها. فأكل رسول الله ﷺ منها وأمر أصحابه فأكلوا معه.\rفقلت فى نفسى هاتان ثنتان. ثم جئت رسول الله ﷺ وهو ببقيع «١» الغرقد قد تبع جنازة من أصحابه، على شملتان لى وهو جالس فى أصحابه، فسلمت عليه ثم استدرت أنظر إلى ظهره، هل أرى الخاتم الذى وصف لى صاحبى؟ فلما رآنى رسول الله ﷺ أستدير به، عرف أنى أستثبت فى شىء وصف لى، فألقى الرداء عن ظهره، فنظرت إلى الخاتم فعرفته، فأكببت عليه أقبله وأبكى. فقال لى رسول الله ﷺ: «تحول» . فتحولت فجلست بين يديه، فقصصت عليه حديثى كما حدثتك يا ابن عباس.\rفأعجب رسول الله ﷺ أن يسمع ذلك أصحابه. ثم شغل سلمان الرق، حتى فاته مع رسول الله ﷺ بدر وأحد. قال سلمان: ثم قال لى رسول الله ﷺ: «كاتب يا سلمان» . فكاتبت صاحبى على ثلاثمائة نخلة أحييها له بالفقير «٢» وأربعين أوقية.\rفقال رسول الله ﷺ: «أعينوا أخاكم» فأعانونى بالنخل، الرجل بثلاثين ودية، والرجل بعشرين ودية، والرجل بخمس عشرة والرجل بعشر، يعين الرجل بقدر ما عنده، حتى اجتمعت إلى ثلاثمائة ودية، فقال لى رسول الله ﷺ: «اذهب يا سلمان ففقر لها فإذا فرغت فائتنى، أكن أنا أضعها بيدى» .","footnotes":"(١) بقيع: أصل البقيع فى اللغة الموضع الذى فيه أروم الشجر من ضروب شتى وبه سمى بقيع الغرقد، والغرقد كبار العوسج وهو مقبرة أهل المدينة، وهى داخل المدينة. انظر: معجم البلدان (١/ ٤٧٣) .\r(٢) أحييها له بالفقير: أى بالحفر والغرس، بفقرات الأرض إذا حفرتها، ومنها سميت البئر فقرا.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083592,"book_id":3509,"shamela_page_id":155,"part":"1","page_num":152,"sequence_num":155,"body":"ففقرت وأعاننى أصحابى حتى إذا فرغت جئته فأخبرته، فخرج معى إليها، فجعلنا نقرب إليه الودى ويضعه رسول الله ﷺ بيده حتى فرغت. فو الذى نفس سلمان بيده، ما ماتت منها ودية واحدة، فأديت النخل وبقى على المال فأتى رسول الله ﷺ بمثل بيضة الدجاجة من ذهب من بعض المعادن، فقال: ما فعل الفارسى المكاتب فدعيت له فقال:\r«خذ هذه فأدها مما عليك يا سلمان» . قلت: وأين تقع هذه يا رسول الله مما على؟! قال:\r«خذها فإن الله سيؤدى بها عنك» . فأخذتها فوزنت لهم منها، والذى نفس سلمان بيده، أربعين أوقية، فأوفيتهم حقهم، فشهدت مع رسول الله ﷺ الخندق حرا. ثم لم يفتنى معه مشهد «١» .\rوعن سلمان أنه قال: لما قلت: وأين تقع هذه من الذى على يا رسول الله؟! أخذها رسول الله ﷺ فقلبها على لسانه. ثم قال: «خذها فأوفهم منها» . فأخذتها فأوفيتهم منها حقهم كله أربعين أوقية «٢» .\rوعنه أيضا أنه قال لرسول الله ﷺ حين أخبره خبره: أن صاحب عمورية قال له:\rأيت كذا وكذا من أرض الشام، فإن بها رجلا بين غيضتين، يخرج فى كل سنة من هذه الغيضة إلى هذه الغيضة مستجيزا، يعترضاه ذوو الأسقام. فلا يدعو لأحد منهم إلا شفى، فسله عن هذا الدين الذى تبتغى، فهو يخبرك عنه.\rقال سلمان: فخرجت حتى جئت حيث وصف لى، فوجدت الناس قد اجتمعوا بمرضاهم هناك، حتى خرج لهم تلك الليلة مستجيزا من إحدى الغيضتين إلى الأخرى، فغشيه الناس مرضاهم، لا يدعو لمريض إلا شفى، وغلبونى عليه، فلم أخلص إليه حتى دخل الغيضة التى يريد أن يدخل، إلا منكبه فتناولته فقال: من هذا؟ والتفت إلى، فقلت:\rيرحمك الله أخبرنى عن الحنيفية دين إبراهيم. قال: إنك لتسأل عن شىء ما يسأل عنه الناس اليوم، قد أظلك زمان نبى يبعث بهذا الدين من أهل الحرم، فائته فهو يحملك عليه.\rثم دخل. فقال رسول الله ﷺ: «لئن كنت صدقتنى يا سلمان، لقد لقيت عيسى ابن مريم» «٣» .","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (٥/ ٤٤٣) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٩/ ٣٣٥) ، تاريخ بغداد للخطيب البغدادى (١/ ١٦٩) ، المعجم الكبير للطبرانى (٦٠٦٥) .\r(٢) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (٥/ ٤٤٤) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٩/ ٣٣٦) ، البداية والنهاية لابن كثير (٢/ ٣١٠) .\r(٣) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (١/ ٣٦٥) ، طبقات ابن سعد (٤/ ١/ ٥٧) ، البداية والنهاية لابن كثير (٢/ ٣١٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083593,"book_id":3509,"shamela_page_id":156,"part":"1","page_num":153,"sequence_num":156,"body":"ومن حديث غير ابن إسحاق، عن أبى سفيان بن حرب قال: خرجت أنا وأمية بن أبى الصلت، وآخر سقط اسمه من كتابى، تجارا إلى الشام. قال أبو سفيان: فكلما نزلنا منزلا أخرج أمية سفرا يقرأه علينا، فكنا كذلك حتى نزلنا بقرية من قرى النصارى، فرأوه وعرفوه وأهدوا له فذهب معهم إلى بيعتهم، ثم رجع فى وسط النهار، فطرح ثوبيه، واستخرج ثوبين أسودين، فلبسهما ثم قال: يا أبا سفيان، هل لك فى عالم من علماء النصارى إليه تناهى علم الكتب تسله عما بدا لك؟. قال: قلت لا أرب لى فيه، والله لئن حدثنى ما أحب لا أثق به، ولئن حدثنى ما أكره لأوجلن منه.\rقال: وذهب يخالفه شيخ من النصارى، فدخل علينا فقال، يعنى له وللآخر الذى كان معه: ما منعكما أن تذهبا إلى هذا الشيخ؟ قلنا: لسنا على دينه. قال: وإن، فإنكما تسمعان عجبا وتريانه. قال: قلنا: لا أرب لنا فى ذلك. قال أثقفيان أنتما؟ قلنا: لا ولكن من قريش. قال: فما منعكما من الشيخ، فو الله إنه ليحبكم ويوصى بكم.\rوخرج من عندنا، ومكث أمية عنا حتى جاءنا بعد هدأة من الليل، فطرح ثوبيه ثم انجدل على فراشه، فو الله ما قام ولا نام حتى أصبح. قال: فأصبح كئيبا حزينا، ساقطا غبوقه على صبوحه ما يكلمنا، ثم قال: ألا ترحلان؟ قلنا: وهل بك من رحيل؟ قال:\rنعم، فارحلا.\rفرحلنا فسرنا بذلك ليلتين من همه وبثه. ثم قال ليلة: ألا تحدث يا أبا سفيان؟ قلت:\rوهل بك من حديث! فو الله ما رأيت مثل الذى رجعت به من عند صاحبك. قال: أما إن ذلك شىء لست فيه إنما ذلك شىء وجلت به من منقلبى. قلت: وهل لك من منقلب؟ قال: إى والله لأموتن ولأحاسبن. قلت: فهل أنت قابل أمانى؟ قال: وعلى ماذا؟ قلت: على أنك لا تبعث ولا تحاسب؛ فضحك ثم قال: بلى والله يا أبا سفيان لنبعثن ولنحاسبن، وليدخلن فريق فى الجنة وفريق فى النار. قلت: فى أيتهما أنت أخبرك صاحبك. قال: لا علم لصاحبى بذلك فى ولا فى نفسه.\rفكنا فى ذلك ليلتنا، يعجب منا ونضحك منه، حتى قدمنا غوطة دمشق وإياها كنا نريد، فبعنا متاعنا وأقمنا بذلك شهرين، ثم ارتحلنا حتى نزلنا بتلك القرية من قرى النصارى، فلما رأوه جاؤه فأهدوا له، وذهب معهم إلى بيعتهم، حتى جاءنا مع نصف النهار، فلبس ثوبيه الأسودين، فذهب ولم يدعنا إليه كما دعانا أول مرة، ثم جاءنا بعد هدأة من الليل، فطرح ثوبيه، ثم رمى بنفسه على فراشه فو الله ما نام ولا قام، فأصبح","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083594,"book_id":3509,"shamela_page_id":157,"part":"1","page_num":154,"sequence_num":157,"body":"مبثوثا حزينا، لا يكلمنا ولا نكلمه ثم قال لى: ألا ترحلان؟ قلت: بلى إن شئت. قال:\rفارحلا.\rفرحلنا فسرنا كذلك من بثه وحزنه ليالى. ثم قال لى ليلة: يا أبا سفيان، هل لك فى المسير؟ وتخلف هذا الغلام يستأنس بأصحابنا ويستأنسون به؟ قلت له: ما شئت. قال:\rفسر. فسرنا حتى برزنا. قال: هى يا صخر!. قلت: ما لك؟. قال: هى عن عتبة بن ربيعة أيجتنب المحارم والمظالم؟ قلت: إى والله. قال: ويصل الرحم ويأمر بصلتها؟\rقلت: نعم ويصل الرحم ويأمر بصلتها. قال: وكريم الطرفين، واسط فى العشيرة؟\rقلت: كريم الطرفين واسط فى العشيرة. قال: فهل تعلم قرشيا أشرف منه؟ قلت: لا والله ما أعلم. قال: ومحوج هو؟ قلت: لا بل ذو مال. قال: فكم أتى له؟ قلت: هو ابن سبعين نظر إليها قد قاربها، هو لها، هو ابنها. قال: فالسن والشرف أزريا به؟ قلت:\rوما لهما أزريا به؟ لا والله بل هما زاداه خيرا. قال: هو ذاك هل لك فى المبيت؟ قلت:\rهل لك فيه حاجة؟ قال: فاضطجعنا. حتى مر الثقل فسرنا حتى نزلنا فكنا فى المنزل وبتنا.\rثم رحلنا، فلما كان الليل قال: يا أبا سفيان. قلت: لبيك. قال: هل لك فى البارحة؟ قلت: هل لى. قال: فسرنا على ناقتين ناجيتين، حتى إذا برزنا قال: يا صخر، إيه عن عتبة. قلت: إيه عنه. قال: أيجتنب المحارم والمظالم ويأمر بصلة الرحم ويصلها؟\rقلت: ويفعل. قال: ومحوج؟ قلت: ومحوج.\rقال: هل تعلم قرشيا أسود منه؟ قلت: والله ما أعلمه. قال: أو كم أتى له؟ قلت:\rسبعون هو لها هو ابنها قد واقعها. قال: فإن السن والشرف أزريا به. قلت: لا والله ما أزريا به ولكنهما زاداه، وأنت قائل شيئا فقله. قال: والله لا تذكر حديثى حتى يأتى ما هو آت. قلت: والله لا أذكره. قال: الذى رأيت أصابنى فإنى جئت هذا العالم فسألته عن أشياء. قلت: أخبرنى عن هذا النبى الذى ينتظر؟ قال: هو رجل من العرب. قلت:\rقد علمت فمن أى العرب؟ قال: هو من أهل بيت تحجه العرب. قلت: فينا بيت تحجه العرب. قال: لا، هم إخوتكم وجيرانكم من قريش. قال: فأصابنى والله شىء ما أصابنى مثله قط. وخرج من يدى فوز الدنيا والآخرة، وكنت أرجو أن أكون أنا هو.\rقلت: فإذا كان ما كان فصفه لى؟ قال: بلى، هو شاب حين دخل فى الكهولة بدء أمره، إنه يجتنب المحارم والمظالم، ويصل الرحم ويأمر بصلتها، وهو محوج ليس ينازع","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083595,"book_id":3509,"shamela_page_id":158,"part":"1","page_num":155,"sequence_num":158,"body":"شرفا كريم الطرفين، متوسط فى العشيرة أكثر جنده من الملائكة قلت: وما آية ذلك؟\rقال: قد رجف بالشام منذ هلك عيسى ابن مريم ثمانون رجفة كلها فيهم مصيبة عامة، وبقيت رجفة عامة، فيها مصيبة يخرج على أثرها.\rقال أبو سفيان: قلت: وإن هذا هو الباطل، لئن بعث الله رسولا، لا يأخذه إلا شريفا مسنا. قال: والذى يحلف به إن هذا لهكذا يا أبا سفيان. هل لك فى المبيت. فبتنا حتى مر بنا الثقل، فرحلنا حتى إذا كان بيننا وبين مكة ليلتان، أدركنا الخبر من خلفنا:\rأصاب الشام بعدكم رجفة دمر أهلها وأصابتهم فيها مصيبة عظيمة. قال: كيف ترى يا أبا سفيان؟ قلت: أرى والله ما أظن صاحبك إلا صادقا.\rوقدمنا مكة فقضيت ما كان معى، ثم انطلقت حتى جئت أرض الحبشة تاجرا، فمكثت بها خمسة أشهر، ثم أقبلت حتى قدمت مكة فبينا أنا فى منزلى، جاءنى الناس يسلمون على، حتى جاءنى فى آخرهم محمد بن عبد الله ﷺ، وعندى هند جالسة تلاعب صبية لها، فسلم على ورحب بى وسألنى عن سفرى ومقدمى، ثم انطلق.\rفقلت: والله إن هذا الفتى لعجب، ما جاءنا أحد من قريش له معى بضاعة، إلا سألنى عنها وما بلغت وو الله إن له معى لبضاعة، ما هو بأغناهم عنها، ثم ما سألنى فقالت: أو ما علمت بشأنه؟ قلت وفزعت: ما شأنه؟! قالت: والله إنه ليزعم أنه رسول الله. قال:\rفوقذنى ذلك وذكرنى قول النصرانى، ووجمت حتى قالت لى: ما لك؟ فانتبهت وقلت:\rإن هذا والله لهو الباطل، لهو أعقل من أن يقول هذا. قالت: بلى والله إنه ليقوله، ويؤتى عليه وإن له لصاحبة معه على أمره. قلت: هو والله باطل.\rفخرجت فبينا أنا أطوف إذ لقيته، فقلت: إن بضاعتك قد بلغت وكان فيها خير، فأرسل إليها فخذها، ولست آخذا فيها ما آخذ من قومك قال: فإنى غير آخذها حتى تأخذ منى ما تأخذ من قومى. قلت: ما أنا بفاعل. قال: فو الله إذا لا آخذها. قلت:\rفأرسل إليها. فأخذت منها ما كنت آخذ، وبعثت إليه ببضاعته.\rولم أنشب أن خرجت تاجرا إلى اليمن فقدمت الطائف فنزلنا على أمية، فتغديت معه ثم قلت: يا أبا عثمان، هل تذكر حديث النصرانى؟ قال: أذكره. قلت: فقد كان، قال: ومن؟ قلت: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب. ثم قصصت عليه خبر هند. قال:\rفالله يعلم أنه تصبب عرقا ثم قال: يا أبا سفيان لعله، وإن صفته لهيه، ولئن ظهر وأنا حى لأبلين الله فى نصرته عذرا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083596,"book_id":3509,"shamela_page_id":159,"part":"1","page_num":156,"sequence_num":159,"body":"ومضيت إلى اليمن فلم أنشب أن جاءنى هناك استهلاله، وأقبلت حتى قدمت الطائف فنزلنا على أمية بن أبى الصلت. قلت: قد كان من هذا الرجل ما قد بلغك وسمعت.\rقال: قد كان. قلت: فأين أنت؟ قال: ما كنت لأومن برسول ليس من ثقيف! قال أبو سفيان: فأقبلت إلى مكة وو الله ما أنا منه ببعيد حتى جئت فوجدته هو وأصحابه يضربون ويقهرون، فجعلت أقول: فأين جنده من الملائكة؟! ودخلنى ما دخل الناس من النفاسة.\rووقع فى هذا الحديث من قول أبى سفيان: أن عتبة بن ربيعة ذو مال، ووقع بعد ذلك من قول أبى سفيان أيضا أنه محوج، ولا يصح أن يجتمع الأمران، وأحدهما غلط من الناقل، والله أعلم.\rوالمشهور من حال عتبة أنه كان فقيرا وكان يقال: لم يسد من قريش مملق إلا عتبة وأبو طالب، فإنهما سادا بغير مال. وأما أمية بن أبى الصلت فرجل من ثقيف، لم يرض دين أهل الجاهلية، ولا وفقه الله للدخول فى السمحة الحنيفية.\rفكان كما روى عن عروة بن الزبير قال: سئل رسول الله ﷺ عن أمية بن أبى الصلت فقال: «أوتى علما فضيعه» . وكما روى عن الحسن وقتادة أنهما قالا فى قول الله تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ [الأعراف: ١٧٥] أنه أمية بن أبى الصلت.\rولغيرهما من العلماء فى المعنى بهذه الآية قول أشهر من هذا، وهو أن المراد بها بلعام بن باعوراء، فالله تعالى أعلم.\rقال ابن إسحاق «١» : واجتمعت قريش يوما فى عيد لهم عند صنم من أصنامهم، كانوا يعظمونه، وينحرون له، ويعكفون عنده، فخلص منهم أربعة نفر نجيا «٢» ، ثم قال بعضهم لبعض: تصادقوا وليكتم بعضكم على بعض.\rقالوا: أجل. وهم: ورقة بن نوفل، وعبيد الله بن جحش، وعثمان بن الحويرث بن أسد بن عبد العزى، وزيد بن عمرو بن نفيل، فقال بعضهم لبعض: تعلموا والله ما قومكم على شىء، لقد أخطأوا دين أبيهم إبراهيم، ما حجر نطيف به لا يسمع ولا يبصر، ولا يضر ولا ينفع!!. يا قوم: التمسوا لأنفسكم فإنكم والله ما أنتم على شىء.","footnotes":"(١) انظر: السيرة (١/ ١٩١- ١٩٢) .\r(٢) نجى: النجى جماعة يتحدثون سرا يخفون حديثهم عن غيرهم، وهو لفظ يستوى فيه الواحد والاثنان والجماعة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083597,"book_id":3509,"shamela_page_id":160,"part":"1","page_num":157,"sequence_num":160,"body":"فتفرقوا فى البلدان يلتمسون الحنيفية دين إبراهيم.\rفأما ورقة بن نوفل فاستحكم فى النصرانية، واتبع الكتب من أهلها. وذكر الزبير بن أبى بكر بإسناد له إلى عروة بن الزبير قال: سئل رسول الله ﷺ عن ورقة بن نوفل.\rفقال: «لقد رأيته فى المنام عليه ثياب بيض، فقد أظن أن لو كان من أهل النار لم أر عليه البياض» . وكان يذكر الله فى شعره فى الجاهلية، ويسبحه وهو الذى يقول:\rلقد نصحت لأقوام وقلت لهم ... أنا النذير فلا يغرركم أحد\rلا تعبدن إلها غير خالقكم ... فإن دعوكم فقولوا بيننا حدد\rسبحان ذى العرش سبحانا يدوم له ... رب البرية فرد واحد صمد\rسبحان ذى العرش سبحانا نعود له ... وقبل سبحه الجودى والجمد\rمسخر كل ما تحت السماء له ... لا ينبغى أن ينادى ملكه أحد\rلا شىء مما ترى تبقى بشاشته ... يبقى الإله ويودى المال والولد\rلم تغن عن هرمز يوما خزائنه ... والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا\rولا سليمان إذ تجرى الرياح له ... والإنس والجن فيما بينها برد\rأين الملوك التى كانت لعزتها ... من كل أوب إليها وافد يفد\rحوض هنالك مورود بلا كذب ... لا بد من ورده يوما كما وردوا\rوفى هذا الشعر ألفاظ عن غير الزبير، والبيت الأخير كذلك، وفيه أبيات تروى لأمية بن أبى الصلت.\rقال ابن إسحاق «١» : وأما عبيد الله بن جحش فأقام على ما هو عليه من الالتباس حتى أسلم، ثم هاجر مع المسلمين إلى أرض الحبشة، ومعه امرأته أم حبيبة بنت أبى سفيان مسلمة، فلما قدماها تنصر وفارق الإسلام حتى هلك هنالك نصرانيا، وخلف رسول الله ﷺ بعده على امرأته أم حبيبة، وكان حين تنصر يمر بأصحاب رسول الله ﷺ فيقول: فقحنا وصأصأتم. أى أبصرنا وأنتم تلتمسون البصر ولم تبصروا بعد.\rوأما عثمان بن الحويرث فقدم على قيصر ملك الروم فتنصر وحسنت منزلته عنده.\rوذكر الزبير: أن قيصر ملكه على أهل مكة، وكتب له إليهم كتابا. فأنفت قريش أن يدنيوا لأحد، وصاح فيه ابن عمه أبو زمعة الأسود بن المطلب بن أسد والناس فى الطواف: إن قريشا لقاح لا تملك ولا تملك فمضت قريش على كلامه، ومنعوا عثمان","footnotes":"(١) انظر: السيرة (١/ ١٩٢) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083598,"book_id":3509,"shamela_page_id":161,"part":"1","page_num":158,"sequence_num":161,"body":"ما جاء يطلب، فرجع إلى قيصر ومات بالشام مسموما. يقال: سمه عمرو بن حفنة الغسانى الملك، وكان يقال لعثمان: هذا البطريق، ولا عقب له.\rقال ابن إسحاق «١» : وأما زيد بن عمرو بن نفيل فوقف فلم يدخل فى يهودية ولا نصرانية وفارق دين قومه، فاعتزل الأوثان، والميتة والدم، والذبائح التى تذبح على الأوثان ونهى عن قتل الموؤدة، وقال: أعبد رب إبراهيم، وبادى قومه بعيب ما هم عليه.\rقالت أسماء بنت أبى بكر الصديق رضى الله عنهما: لقد رأيت زيد بن عمرو بن نفيل شيخا كبيرا مسندا ظهره إلى الكعبة، وهو يقول: يا معشر قريش، والذى نفس زيد بن عمرو بيده، ما أصبح منكم أحد على دين إبراهيم غيرى. ثم يقول: اللهم لو أنى أعلم أى الوجوه أحب إليك عبدتك به، ولكن لا أعلمه. ثم يسجد على راحلته «٢» .\rوسأل ابنه سعيد بن زيد وابن عمه عمر بن الخطاب بن نفيل رسول الله ﷺ: أنستغفر لزيد بن عمرو؟ قال: «نعم، فإنه يبعث أمه وحده» «٣» .\rوقال زيد بن عمرو بن نفيل فى فراق دين قومه:\rأربا واحدا أم ألف رب ... أدين إذا تقسمت الأمور\rعزلت اللات والعزى جميعا ... كذلك يفعل الجلد الصبور\rفلا عزى أدين ولا ابنتيها ... ولا صنمى بنى عمرو أزور\rولا غنما* أدين وكان ربا ... لنا فى الدهر إذ حلمى يسير\rعجبت وفى الليالى معجبات ... وفى الأيام يعرفها البصير\rبأن الله قد أفنى رجالا ... كثيرا كان شأنهم الفجور\rوأبقى آخرين ببر قوم ... فيربل منهم الطفل الصغير\rوبينا المرء يعثر ثاب يوما ... كما يتروح الغصن المطير «٤»\rولكن أعبد الرحمن ربى ... ليغفر ذنبى الرب الغفور","footnotes":"(١) انظر: السيرة (١/ ١٩٣) .\r(٢) ذكره البخارى فى صحيحه تعليقا فى كتاب مناقب الأنصار، باب حديث زيد بن عمرو بن نفيل (٧/ ١٤٣) .\r(٣) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (٢/ ١٢٤) ، البداية والنهاية لابن كثير (٢/ ٢٣٩) ، المطالب العالية لابن حجر (٤٠٥٥) .\r(*) هكذا فى الأصول، وفى السيرة (١/ ١٩٤) : «ولا هبلا» .\r(٤) ثاب: رجع. يتروح: يهتز ويحتضر، وينبت ورقة بعد سقوطه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083599,"book_id":3509,"shamela_page_id":162,"part":"1","page_num":159,"sequence_num":162,"body":"فتقوى الله ربكم احفظوها ... متى ما تحفظوها لا تبوروا\rترى الأبرار دارهم جنان ... وللكفار حامية سعير\rوخزى فى الحياة وإن يموتوا ... يلاقوا ما تضيق به الصدور\rوقال زيد بن عمرو بن نفيل، وذكر ابن هشام: أن أكثرها لأمية بن أبى الصلت «١» ، فى قصيدة له:\rإلى الله أهدى مدحتى وثنائيا ... وقولا رصينا لا ينى الدهر باقيا\rإلى الملك الأعلى الذى ليس فوقه ... إله ولا رب يكون مدانيا\rألا أيها الإنسان إياك والردى ... فإنك لا تخفى من الله خافيا\rفإياك لا تجعل مع الله غيره ... فإن سبيل الرشد أصبح باديا\rحنانيك إن الجن كانت رجاؤهم ... وأنت إلهى ربنا ورجائيا\rرضيت بك اللهم ربا فلن أرى ... أدين إلها غيرك الله ثانيا\rوأنت من فضل من ورحمة ... بعثت إلى موسى رسولا مناديا\rفقلت له إذهب وهارون فادعوا ... إلى الله فرعون الذى كان طاغيا\rوقولا له آنت سويت هذه ... بلا وتد حتى اطمأنت كما هيا\rوقولا له آنت رفعت هذه ... بلا عمد أرفق إذا بك بانيا «٢»\rوقولا له آنت سويت وسطها ... منيرا إذا ما جنه الليل هاديا\rوقولا له من يرسل الشمس غدوة ... فيصبح ما مست من الأرض ضاحيا\rوقولا له من ينبت الحب فى الثرى ... فيصبح منه البقل يهتز رابيا\rويخرج منه حبه فى رؤسه ... وفى ذاك آيات لمن كان واعيا\rوأنت بفضل منك نجيت يونسا ... وقد بات فى أضعاف حوت لياليا\rوإنى وإن سبحت باسمك ربنا ... لأكثر إلا ما غفرت خطائيا\rفرب العباد ألق سيبا ورحمة ... على وبارك فى بنى وماليا\rوقال زيد بن عمرو أيضا:\rوأسلمت وجهى لمن أسلمت ... له الأرض تحمل صخرا ثقالا\rدحاها فلما رآها استوت ... على الماء أرسى عليها الجبالا","footnotes":"(١) أمية بن الصلت بن أبى ربيعة بن عبد عوف بن عقدة بن غيرة. انظر ترجمته فى: الشعر والشعراء (ص ٣٠٠) .\r(٢) أرفق إذا بك بانيا: هذا على التعجب، أى أرفقك بانيا؟.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083600,"book_id":3509,"shamela_page_id":163,"part":"1","page_num":160,"sequence_num":163,"body":"وأسلمت وجهى لمن أسلمت ... له المزن تحمل عذبا زلالا\rإذا هى سيقت إلى بلدة ... أطاعت فصبت عليها سجالا\rويروى أن زيدا كان إذا استقبل الكعبة داخل المسجد قال: لبيك حقّا حقّا تعبدا ورقا، عذت بما عاذ به إبراهيم مستقبل القبلة وهو قائم، إذ قال: إنى لك عان راغم، مهما تجشمنى فإنى جاشم، البر أبقى لا الخال، ليس مهجر كمن قال. ويقال: البر أبقى لا الحال «١» .\rوكان الخطاب بن نفيل قد آذى زيدا حتى أخرجه إلى أعلى مكة. فنزل حرا مقابل مكة. وكان الخطاب عمه وأخاه لأمه، وكل به شبابا من شباب قريش وسفهائهم، فقال لهم: لا تتركوه يدخل مكة. فكان لا يدخلها إلا سرا منهم، فإذا علموا بذلك آذنوا به الخطاب فأخرجوه وآذوه، مخافة أن يفسد عليهم دينهم وأن يتابعه أحد منهم على فراقه «٢» .\rوكان زيد قد أجمع الخروج من مكة ليضرب فى الأرض يطلب الحنيفية دين إبراهيم، فكانت امرأته صفية بنت الحضرمى كلما رأته تهيأ للخروج أو أراده، آذنت به الخطاب بن نفيل، وكان الخطاب وكلها به وقال: إذا رأيته هم بأمر فآذنينى به «٣» .","footnotes":"(١) انظر: السيرة (١/ ١٩٦) .\r(٢) انظر: السيرة (١/ ١٩٧) ، وهناك أورد شعر قاله فى ذلك وهو:\rلاهم إنى محرم لا حله ... وإن بيتى أوسط المحله\rعند الصفا ليس بذى مضله\r(٣) ذكره فى السيرة وذكر هناك شعر يعاتب فى امرأته على ذلك وهو:\rلا تحبسينى فى الهوا ... ن صفى ما دابى ودابه\rإنى إذا خفت الهوا ... ن مشيع ذلل ركابه\rدعموص أبواب الملو ... ك وجائب للخرق نابه\rقطاع أسباب تذل ... بغير أقران صعابه\rوإنما أخذ الهوا ... ن العير إذ يوهى إهابه\rويقول إنى لا أذل ... بصك جنبيه صلابه\rوأخى ابن أمى ثم ... عمى لا يواتينى خطابه\rوإذا يعاتبنى بسو ... ء قلت أعيانى جوابه\rولو أشاء لقلت ... ما عندى مفاتحه وبابه\rانظر السير: (١/ ١٩٥- ١٩٦) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083601,"book_id":3509,"shamela_page_id":164,"part":"1","page_num":161,"sequence_num":164,"body":"ثم خرج يطلب دين إبراهيم ويسأل الرهبان والأحبار، حتى بلغ الموصل والجزيرة كلها، ثم أقبل فجال الشام كلها، حتى انتهى إلى راهب بميفعة «١» من أرض البلقاء «٢» ، كان ينتهى إليه علم النصرانية فيما يزعمون، فسأله عن الحنيفية دين براهيم، فقال: إنك لتطلب دينا ما أنت بواجد من يحملك عليه اليوم، ولكن قد أظلك زمان نبى يخرج من بلادك التى خرجت منها يبعث بدين إبراهيم الحنيفية، فالحق به فإنه مبعوث الآن، هذا زمانه.\rوقد كان زيد رام اليهودية والنصرانية فلم يرض منها شيئا، فخرج سريعا حين قال له ذلك الراهب ما قال، يريد مكة، حتى إذا توسط بلاد لخم عدوا عليه فقتلوه. فقال ورقة بن نوفل يبكيه «٣» :\rرشدت وأنعمت ابن عمرو وإنما ... تجنبت تنورا من النار حاميا\rبدينك ربا ليس رب كمثله ... وتركك أوثان الطواغى كما هيا\rوإدراكك الدين الذى قد طلبته ... ولم تك عن توحيد ربك ساهيا\rفأصبحت فى دار كريم مقامها ... تعلل فيها بالكرامة لاهيا\rتلاقى خليل الله فيها ولم تكن ... من الناس جبارا إلى النار هاويا\rوقد تدرك الإنسان رحمة ربه ... ولو كان تحت الأرض سبعين ودايا\rقال ابن إسحاق «٤» : وكان فيما بلغنى عما كان وضع عيسى ابن مريم فيما جاءه من الله فى الإنجيل لأهل الإنجيل من صفة رسول الله ﷺ مما أثبت لهم يحنس الحوارى حين نسخ لهم الإنجيل من عهد عيسى ابن مريم إليهم فى رسول الله ﷺ قال: من أبغضنى فقد أبغض الرب، ولولا أنى صنعت بحضرتهم صنائع لم يصنعها أحد قبلى ما كانت لهم خطيئة، ولكن من الآن بطروا، وظنوا أنهم يعزوننى وأيضا للرب، ولكن لا بد من أن تتم الكلمة التى فى الناموس، أنهم أبغضونى مجانا، أى باطلا، فلو قد جاء المنحمنا هذا الذى يرسله الله إليكم من عند الرب، روح القسط هو الذى من عند الرب خرج","footnotes":"(١) ميفعة: أصل الميفعة الموضع المرتفع من البقاع.\r(٢) البلقاء: مدينة بالشام من عمل دمشق سميت بالبلقاء بن سورية من بنى عبيل بن لوط وهو بناها، وبها كان اجتماع الحكمين أبى موسى وعمرو بن العاص، رضى الله عنهما، فكان من أمرهما ما كان، وقيل كان ذلك بدومة الجندل على عشرة أيام من دمشق. انظر: الروض المعطار (ص ٩٦، ٩٧) .\r(٣) انظر الأبيات فى: السيرة (١/ ١٩٨) .\r(٤) انظر: السيرة (١/ ١٩٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083602,"book_id":3509,"shamela_page_id":165,"part":"1","page_num":162,"sequence_num":165,"body":"فهو شهيد على، وأنتم أيضا لأنكم قديما كنتم معى، هذا قلت لكم لكيلا تشكوا.\rوالمنحمنا بالسريانية هو محمد ﷺ، وهو بالرومية البرقليطس.\rقال ابن هشام: وبلغنى أن رؤساء نجران كانوا يتوارثون كتبا عندهم، فكلما مات رئيس منهم فأفضت الرياسة إلى غيره ختم على تلك الكتب خاتما مع الخواتم التى قبله ولم يكسرها، فخرج الرئيس الذى كان على عهد النبى ﷺ يمشى فعثر، فقال ابنه: تعس الأبعد. يريد النبى ﷺ، فقال له أبوه: لا تفعل فإنه نبى واسمه فى الوضائع. يعنى الكتب. فلما مات لم تكن لابنه همة إلا أن شد فكسر الخواتم، فوجد ذكر النبى ﷺ، فأسلم فحسن إسلامه وحج.\rوهو الذى يقول:\rإليك تعدو قلقا وضينها ... معترضا فى بطنها جنينها\rمخالفا دين النصارى دينها\rوقد جاءت أحاديث حسان بما وقع من صفة النبى ﷺ فى التوراة، لم يذكر ابن إسحاق منها شيئا. فمن ذلك ما ذكره الواقدى عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله ابن عمرو بن العاص فقلت: أخبرنى عن صفة رسول الله ﷺ فى التوراة؟ فقال: أجل والله إنه لموصوف فى التوراة بصفته فى الفرقان: يا أيها النبى إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين، أنت عبدى ورسولى، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب فى الأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا لا إله إلا الله، يفتح بها أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا.\rقال عطاء: ثم لقيت كعب الأحبار فسألته فما اختلفا فى حرف! وذكر الواقدى أيضا، عن النعمان السبئى قال: وكان من أحبار اليهود باليمن، فلما سمع بذكر النبى ﷺ قدم عليه فسأله عن أشياء، ثم قال: إن أبى كان يختم على سفر يقول: لا تقرأه على يهود حتى تسمع بنبى قد خرج بيثرب، فإذا سمعت به فافتحه.\rقال نعمان: فلما سمعت بك فتحت السفر، فإذا فيه صفتك كما أراك الساعة، وإذا فيه ما تحل وما تحرم، وإذا فيه أنك خير الأنبياء وأمتك خير الأمم واسمك أحمد صلى الله عليك وسلم، وأمتك الحمادون، قربانهم دماؤهم وأناجيلهم صدورهم، لا يحضرون","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083603,"book_id":3509,"shamela_page_id":166,"part":"1","page_num":163,"sequence_num":166,"body":"قتالا إلا وجبريل معهم، يتحنن الله إليهم كتحنن الطير على أفراخه.\rثم قال لى: إذا سمعت به فاخرج إليه وآمن به وصدق به. فكان النبى ﷺ يحب أن يسمع أصحابه حديثه، فأتاه يوما فقال النبى ﷺ: «يا نعمان حدثنا» ، فابتدأ النعمان الحديث من أوله فرأى رسول الله ﷺ يتبسم، ثم قال: «أشهد أنى رسول الله» «١» ، ويقال: إن النعمان هذا هو الذى قتله الأسود العنسى وقطعه عضوا عضو وهو يقول:\rأشهد أن محمدا رسول الله، وأنك كذاب مفتر على الله ﷿. ثم حرقه بالنار.\r\rذكر المبعث\rقال ابن إسحاق «٢» : فلما بلغ رسول الله ﷺ أربعين سنة بعثه الله رحمة للعالمين وكافة للناس. وكان الله قد أخذ له الميثاق على كل نبى بعثه قبله بالإيمان به والتصديق له والنصر على من خالفه، وأخذ عليهم أن يؤدوا ذلك إلى كل من آمن بهم وصدقهم، فأدوا من ذلك ما كان عليهم من الحق.\rفيه يقول الله تعالى لنبيه محمد ﷺ: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي أى ثقل ما حملتكم من عهدى قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران: ٨١] . فأخذ الله ميثاق النبيين جميعا بالتصديق له والنصر وأدوا ذلك إلى من آمن بهم وصدقهم من أهل هذين الكتابين.\rوعن عائشة رضى الله عنها، أن أول ما ابتدئ به رسول الله ﷺ من النبوة حين أراد الله كرامته ورحمة العباد به، الرؤيا الصادقة، لا يرى رؤيا إلا جاءت كفلق الصبح، وحبب الله إليه الخلوة، فلم يكن شىء أحب إليه من أن يخلو وحده «٣» .","footnotes":"(١) أخرجه البخارى (٤/ ٨٨، ٧/ ١٠٣) ، مسلم كتاب الإيمان (١٧٨) ، البيهقى فى الدلائل (١/ ١٤٢) ، السيوطى فى الدر المنثور (١/ ٢٧٣) ، ابن كثير فى البداية (٦/ ١٩٠) ، العجلونى فى كشفا الخفاء (١/ ١٤٢) ، أبو نعيم فى الدلائل (١٦٥) .\r(٢) انظر: السيرة (١/ ١٩٩) .\r(٣) انظر الحديث فى: البخارى فى صحيحه كتاب بدء الوحى (١/ ٢٢) ، صحيح مسلم كتاب الإيمان (١/ ٢٥٢) ، مسند الإمام أحمد (٦/ ١٥٣، ٢٣٢، ٢٣٣) . مستدرك الحاكم (٣/ ١٨٣، ١٨٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083604,"book_id":3509,"shamela_page_id":167,"part":"1","page_num":164,"sequence_num":167,"body":"وعن بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ حين أراده الله بكرامته وابتدائه بالنبوة، كان إذا خرج لحاجته أبعد حتى تحسر عنه البيوت ويفضى إلى شعاب مكة وبطون أوديتها، فلا يمر رسول الله ﷺ، بحجر ولا شجرة إلا قال: السلام عليك يا رسول الله. فيلتفت حوله عن يمينه وشماله وخلفه فلا يرى إلا الشجر والحجارة، فمكث كذلك يرى ويسمع ما شاء الله أن يمكث، ثم جاءه جبريل بما جاءه من كرامة الله وهو بحراء فى رمضان «١» .\rوعن عبيد بن عمير بن قتادة الليثى، يحدث كيف كان بدء ما ابتدئ به رسول الله ﷺ من النبوة حين جاءه جبريل قال: كان رسول الله ﷺ يجاور فى حراء من كل سنة شهرا، وكان ذلك مما تحنث به قريش فى الجاهلية، والتحنث: التبرر.\rفكان يجاور ذلك الشهر من كل سنة، يطعم من جاءه من المساكين، فإذا قضى جواره من شهره ذلك كان أول ما يبدأ به إذا انصرف قبل أن يدخل بيته الكعبة، فيطوف بها سبعا أو ما شاء الله، ثم يرجع إلى بيته «٢» .\rحتى إذا كان الشهر الذى أراد الله به فيه ما أراد من كرامته، وذلك الشهر رمضان، خرج رسول الله ﷺ إلى حراء كما كان يخرج لجواره ومعه أهله، حتى إذا كانت الليلة التى أكرمه الله فيها برسالته ورحم العباد بها جاءه جبريل بأمر الله.\rقال رسول الله ﷺ فجاءنى وأنا نائم بنمط «٣» من ديباج فيه كتاب «٤» ، فقال: إقرأ.\rقلت: «ما أقرأ» فغتنى به حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلنى، فقال: اقرأ. فقلت: «ما أقرأ» فغتنى «٥» به حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلنى فقال: اقرأ، قلت: «ما أقرأ» فغتنى به حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلنى فقال: اقرأ: قلت: «ماذا أقرأ؟» ، ما أقول ذلك إلا افتداء منه أن يعود لى بمثل ما صنع، قال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ","footnotes":"(١) ذكره ابن سعد فى الطبقات (١/ ١٥٧) ، البيهقى فى دلائل النبوة (٢/ ١٤٦) ، الحاكم فى المستدرك (٤/ ٧٠) .\r(٢) ذكره ابن كثير فى البداية والنهاية (٣/ ١٢) .\r(٣) النمط: هو ضرب من البسط.\r(٤) كتاب: قال فى الروض الأنف: قال بعض المفسرين فى قوله تعالى: الم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ إنها إشارة إلى الكتاب الذى جاء به جبريل حين قال له: اقرأ.\r(٥) فغتنى: قال ابن الأثير: الغت والغط سواء كأنه أراد عصرنى عصرا شديدا حتى وجدت منه المشقة، كما يجد من يغمس فى الماء قهرا.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083605,"book_id":3509,"shamela_page_id":168,"part":"1","page_num":165,"sequence_num":168,"body":"مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ [العلق: ١، ٥] ، فقرأتها ثم انتهى فانصرف عنى وهببت من نومى، «فكأنما كتبت فى قلبى كتابا» .\rفخرجت حتى إذا كنت فى وسط من الجبل سمعت صوتا من السماء يقول: يا محمد، أنت رسول الله وأنا جبريل، فرفعت رأسى إلى السماء أنظر، فإذا جبريل فى صورة رجل صاف قدميه فى أفق السماء يقول: يا محمد، أنت رسول الله، وأنا جبريل.\rفوقفت أنظر إليه فما أتقدم وما أتأخر، وجعلت أصرف وجهى عنه فى آفاق السماء، فلا أنظر فى ناحية منها إلا رأيته كذلك، فمازلت واقفا ما أتقدم أمامى وما أرجع ورائى، حتى بعثت خديجة رسلها فى طلبى، فبلغوا مكة ورجعوا إليها وأنا واقف فى مكانى ذلك، ثم انصرف عنى وانصرفت عنه راجعا إلى أهلى حتى أتيت خديجة فجلست إلى فخذها مضيفا إليها. فقالت: يا أبا القاسم أين كنت؟ فو الله لقد بعث رسلى فى طلبك فبلغوا مكة ورجعوا إلى، ثم حدثتها بالذى رأيت، فقالت: أبشر يا ابن عمى واثبت، فو الذى نفس خديجة بيده إنى لأرجو أن تكون نبى هذه الأمة.\rثم قامت فجمعت عليها ثيابها، ثم انطلقت إلى ورقة بن نوفل وهو ابن عمها، وكان قد تنصر وقرأ الكتب وسمع من أهل التوراة والإنجيل، فأخبرته بما أخبرها رسول الله ﷺ أنه رأى وسمع، فقال ورقة: قدوس قدوس، والذى نفس ورقة بيده لئن كنت صدقتنى يا خديجة لقد جاءه الناموس الأكبر الذى كان يأتى موسى، وإنه لنبى هذه الأمة، فقولى له فليثبت، فرجعت خديجة إلى رسول الله ﷺ فأخبرته بقول ورقة.\rفلما قضى رسول الله ﷺ جواره وانصرف، صنع كما كان يصنع، بدأ بالكعبة فطاف بها، فلقيه ورقة بن نوفل وهو يطوف بالكعبة، فقال له: يا ابن أخى، أخبرنى بما رأيت وسمعت، فأخبره رسول الله ﷺ، فقال له ورقة: والذى نفسى بيده، إنك لنبى هذه الأمة، ولقد جاءك الناموس الأكبر الذى جاء موسى، ولتكذبنه ولتؤذينه ولتخرجنه ولتقاتلنه، ولئن أنا أدركت ذلك اليوم لأنصرن الله نصرا يعلمه، ثم أدنى رأسه منه فقيل يا فوخه، ثم انصرف رسول الله ﷺ إلى منزله «١» .\rويروى عن خديجة أنها قالت لرسول الله ﷺ: أى ابن عم، أتستطيع أن تخبرنى بصاحبك هذا الذى يأتيك إذا جاءك؟ قال: «نعم» . قالت: فإذا جاءك فأخبرنى به،","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (٢/ ١٤٦، ١٤٩) ، فتح البارى لابن حجر (٨/ ٥٨٨، ٥٨٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083606,"book_id":3509,"shamela_page_id":169,"part":"1","page_num":166,"sequence_num":169,"body":"فجاءه جبريل كما كان يصنع، فقال رسول الله ﷺ: «يا خديجة، هذا جبريل قد جاءنى» ، قالت: قم يا ابن عم فاجلس على فخذى اليسرى، فقام فجلس عليها، قالت:\rهل تراه؟ قال: «نعم» . قالت: فتحول فاقعد على فخذى اليمنى، فتحول فقعد على فخذها اليمنى، فقالت: هل تراه؟ قال: «نعم» . قالت: فتحول فاجلس فى حجرى، فتحول فجلس فى حجرها، ثم قالت له: هل تراه؟ قال: «نعم» ؛ فتحسرت وألقت خمارها ورسول الله ﷺ جالس فى حجرها، ثم قالت: هل تراه؟ قال: «لا» . قالت: يا ابن عم، اثبت وأبشر، فو الله إنه لملك ما هذا بشيطان «١» .\rويروى أن خديجة أدخلت رسول الله ﷺ بينها وبين درعها، فذهب عند ذلك جبريل، وابتدىء رسول الله ﷺ بالتنزيل فى رمضان.\rيقول الله ﷿: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ [البقرة: ١٨١] ، وقال: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر:\r١] إلى خاتمة السورة.\rوقال: حم وَالْكِتابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْراً مِنْ عِنْدِنا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ [الدخان: ١، ٤] ، وقال: إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ [الأنفال: ٤٢] ، يعنى ملتقى رسول الله ﷺ والمشركين ببدر، وذلك يوم الجمعة صبيحة سبع عشرة من شهر رمضان.\rهكذا أورد ابن إسحاق «٢» ﵀ هذه الآيات كالمستشهد بها على ابتداء التنزيل فى شهر رمضان على رسول الله ﷺ. وفى صورة هذا الاستشهاد نظر. فإن ظاهر قوله سبحانه: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ عموم نزول القرآن بجملته فيه.\rوكذلك قوله: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وإِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ.\rولم يقع الأمر فى إنزاله على رسوله ﷺ هكذا، بل أنزله الله عليه فى رمضان وفى غيره متفرقا، آيات وسورا، بحسب سؤال السائلين، أو أحداث المحدثين، أو ما شاء الله من هداية العالمين.\rوقد قيل فى قوله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ أى","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: الجامع الكبير (٢/ ٧٢١) .\r(٢) انظر: السيرة (١/ ٢٠٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083607,"book_id":3509,"shamela_page_id":170,"part":"1","page_num":167,"sequence_num":170,"body":"الذى أنزل فى شأنه القرآن، أى نزل الأمر من الله ﷿، بصيامه كتابا يتلى وقرآنا لا يدرس ولا يبلى.\rكما يقال: «نزل القرآن بالصلاة» أى نزل جزء منه بفرضها و «نزل القرآن فى عائشة» رضى الله عنها، وإنما نزلت منه آيات ببراءتها من الإفك. ومثل هذا الإطلاق موجود فى الأحاديث والآثار كثيرا.\rولنسلم أن معنى قوله: أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ أى ابتدىء فيه إنزاله، فقد قيل ذلك وليس ببعيد فى المفهوم ولا مما تضيق عنه سعة الكلام، ثم نجرى ذلك المجرى الآيتين الأخيرتين، وهما: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ، وإِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وإن بعد ذلك فيهما لما ورد من الآثار المصححة لحكم عمومهما حسبما نذكره بعد، فما بال الآية الأخرى التى هى: وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ تنتظم فى هذا النظام، وقد أعقبها مفسرا بأن المعنى بذلك يوم بدر، وهو الحق؟!.\rوهل كان يوم بدر إلا فى السنة الثانية من الهجرة، وبعد اثنتى عشرة سنة من البعث ونزول الوحى، أو بعد خمس عشرة سنة، على ما ورد من الخلاف فى مدة مكث رسول الله ﷺ بمكة بعد النبوة، وما زال القرآن المكى والمدنى ينزل فى ماضى تلك السنين!.\rفإن كان ابن إسحاق عنى ما ذكرناه عنه ونسبناه إليه فقد بينا وجه رده واستوفينا التنبيه عليه، وإن كان عنى غير ذلك فقصر عنه تحرير عبارته أو سقط على الناقل من كلامه ما كان يفى لو بقى بإفهامه، فالله تعالى أعلم. والرجل أولى منا بأن يصيب ويسلم، إلا أنه لا ينكر أن يغلط هذا البشر.\rونعوذ بالله أن نقصد بهذا الاعتداء على ذى علم أو الغض من ذى حق، فإن العلماء هم آباؤنا الأقدمون وهداتنا المتقدمون، بأنوارهم نسرى فنبصر ونستبصر، وإلى غاياتهم نجرى فطورا نصل وأطوارا نقصر، فلهم دوننا قصب السبق، ولهم علينا فى كل الأحوال أعظم الحق، إذا أصابوا اعتمدنا، وإذا أخطأوا استفدنا، وإذا أفادوا استمددنا، فجزاهم الله عنا أفضل الجزاء، ووفقنا لتوفية حقوق الأئمة والعلماء.\rوبعد: فمن أحسن ما يتقلد فى تلك الآيات الثلاث التى صدر بها كلامه، مما يحفظ حكم عمومها ويطابق ظاهر مفهومها، ما رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس رضى الله عنهم أجمعين، أن القرآن أنزل جملة واحدة فى شهر رمضان إلى سماء الدنيا، فجعل فى بيت العزة، ثم أنزل على النبى ﷺ شيئا فشيئا إلى حين وفاته.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083608,"book_id":3509,"shamela_page_id":171,"part":"1","page_num":168,"sequence_num":171,"body":"وقيل للشعبى: شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن، أما كان ينزل فى سائر السنة؟\rقال: بلى، ولكن جبريل ﵇، كان يعارض محمدا ﷺ فى شهر رمضان ما أنزل فى ماضى السنة فيمحو الله ما يشاء ويثبت.\rقال ابن إسحاق «١» : ثم تتام الوحى إلى رسول الله ﷺ، وهو مؤمن بالله مصدق لما جاءه منه، قد قبله بقبوله وتحمل منه ما حمله على رضا العباد وسخطهم. وللنبوة أثقال ومؤنة لا يحملها، ولا يستطيع بها إلا أهل القوة والعزم من الرسل بعون الله وتوفيقه، لما يلقون من الناس وما يرد عليهم مما جاؤا به عن الله ﷿.\rفمضى رسول الله ﷺ على أمر الله على ما يلقى من قومه من الخلاف والأذى.\rوآمنت به خديجة بنت خويلد، وصدقت بما جاءه من الله، وآزرته على أمره. فكانت أول من آمن بالله ورسوله وصدق بما جاء منه.\rفخفف الله بذلك عن رسوله، لا يسمع شيئا يكرهه من رد عليه وتكذيب له فيحزنه ذلك إلا فرج الله عنه بها إذا رجع إليها، تثبته وتخفف عليه وتصدقه وتهون عليه أمر الناس. يرحمها الله «٢» .\rثم فتر عن رسول الله ﷺ الوحى حتى شق عليه وأحزنه. فجاءه جبريل بسورة وَالضُّحى، يقسم له ربه جل وعلا، وهو الذى أكرمه بما أكرمه به، ما ودعه ولا قلاة.\rفقال: وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى، يقول: ما حرمك فتركك، وما أبغضك منذ أحبك، وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى أى لما عندى من مرجعك إلى خير لك مما عجلت لك من الكرامة فى الدنيا، وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى من الفلج فى الدنيا والثواب فى الآخرة، أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى «٣» .\rيعرفه بما ابتدأه به من كرامته فى عاجل أمره، ومنه عليه فى يتمه وعيلته وضلالته، واستنفاذه من ذلك برحمته، فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ أى لا تكن جبارا ولا متكبرا ولا فحاشا فظا على الضعفاء من بعاد الله، وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ اذكرها وادع إليها «٤» .","footnotes":"(١) انظر: السيرة (١/ ٢٠٤) .\r(٢) انظر: السيرة (١/ ٢٠٥) .\r(٣) انظر: السيرة (١/ ٢٠٦) .\r(٤) انظر: السيرة (١/ ٢٠٧) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083609,"book_id":3509,"shamela_page_id":172,"part":"1","page_num":169,"sequence_num":172,"body":"فجعل رسول الله ﷺ يذكر ما أنعم الله به عليه وعلى العباد به من النبوة سرا إلى من يطمئن به إليه من أهله. وافترضت عليه الصلاة، فصلى صلوات الله وسلامه عليه ورحمته وبركاته.\rقالت عائشة رحمها الله: افترضت الصلاة على رسول الله ﷺ أول ما افترضت ركعتين ركعتين كل صلاة، ثم إن الله أتمها فى الحضر أربعا وأقرها فى السفر على فرضها الأولى ركعتين «١» .\rوعن بعض أهل العلم أن الصلاة حين افترضت على رسول الله ﷺ أتاه جبريل وهو بأعلى مكة فهمز له بعقبة فى ناحية الوادى فانفجرت له منه عين، فتوضأ جبريل ورسول الله ﷺ ينظر، ليريه كيف الطهور للصلاة، ثم توضأ رسول الله ﷺ كما رأى جبريل توضأ، ثم قام به جبريل فصلى به وصلى رسول الله ﷺ بصلاته، ثم انصرف جبريل فجاء رسول الله ﷺ خديجة فتوضأ ليريها كيف الطهور للصلاة كما أراه جبريل، فتوضأت كما توضأ لها ثم صلى بها كما صلى به جبريل فصلت بصلاته «٢» .\rوعن نافع بن جبير بن مطعم، وكان كثير الرواية عن ابن عباس، قال: لما افترضت الصلاة على رسول الله ﷺ أتاه جبريل فصلى به الظهر حين مالت الشمس، ثم صلى به العصر حين كان ظله مثله، ثم صلى به المغرب حين غابت الشمس، ثم صلى به العشاء الآخرة حين ذهب الشفق، ثم صلى به الصبح حين طلع الفجر. ثم صلى به الظهر حين كان ظله مثله، ثم صلى به العصر حين كان ظله مثليه، ثم صلى به المغرب حين غابت الشمس لوقتها بالأمس، ثم صلى به العشاء الآخرة حين ذهب ثلث الليل الأول، ثم صلى به الصبح مسفرا غير مشرق. ثم قال: يا محمد، الصلاة فيما بين صلاتك اليوم وصلاتك بالأمس «٣» .","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (١/ ٤٦٤) ، سنن أبى داود (١١٩٨) ، النسائى (١/ ٢٢٥) ، أحمد فى المسند (٦/ ٢٧٢) .\r(٢) انظر الحديث فى: تاريخ الطبرى (١/ ٥٣٥، ٥٣٦) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٩/ ٢٢٣، ٢٢٤) ، وذكره السهيلى فى الروض الأنف (١/ ٢٨٣، ٢٨٤) .\r(٣) انظر الحديث فى: سنن أبى داود (١/ ٣٩٣) ، سنن الترمذى (١٤٩) ، مسند الإمام أحمد (٣٠٨١) ، مستدرك الحاكم (١/ ١٩٣) . وذكره السهيلى فى الروض الأنف (١/ ٢٨٤) ، وقال: هذا الحديث لم يكن ينبغى له أن يذكره فى هذا الموضع، لأن أهل الصحيح متفقون على أن هذه القصة كانت فى الغد من ليلة","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083610,"book_id":3509,"shamela_page_id":173,"part":"1","page_num":170,"sequence_num":173,"body":"قال ابن إسحاق «١» : ثم كان أول ذكر من الناس آمن برسول الله ﷺ وصلى وصدق بما جاءه من الله ﵎، علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه، وهو ابن عشر سنين يومئذ.\rوكان مما أنعم الله به عليه أنه كان فى حجر رسول الله ﷺ قبل الإسلام. وذلك أن قريشا أصابتهم أزمة شديدة، وكان أبو طالب ذا عيال كثير، فقال رسول الله ﷺ للعباس عمه، وكان من أيسر بنى هاشم: «يا عباس، إن أخاك أبا طالب كثير العيال، وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمة، فانطلق بنا إليه فلنخفف عنه من عياله، آخذ من بنيه رجلا وتأخذ أنت رجلا فنكفهما عنه» ، قال العباس: نعم، فانطلقا حتى أتيا أبا طالب، فقالا: إنا نريد أن نخفف عنك من عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه، فقال لهما أبو طالب: إذا تركتما لى عقيلا فاصنعا ما شئتما، ويقال: عقيلا وطالبا، فأخذ رسول الله ﷺ عليّا فضمه إليه، وأخذ العباس جعفرا فضمه إليه، فلم يزل علىّ مع رسول الله ﷺ حتى بعثه الله نبيا فاتبعه على وآمن به وصدقه، ولم يزل جعفر عند العباس حتى أسلم واستغنى عنه «٢» .\rوذكر بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ كان إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكة، وخرج معه على بن أبى طالب مستخفيا من أبى طالب ومن جميع أعمامه وسائر قومه، فيصليان الصلوات فيها، فإذا أمسيا رجعا. فمكثا كذلك ما شاء الله أن يمكثا ثم إن أبا طالب عثر عليهما يوما وهما يصليان فقال لرسول الله: يا ابن أخى، ما هذا الدين الذى أراك تدين به؟! قال: «أى عم، هذا دين الله ودين ملائكته ورسله، ودين أبينا إبراهيم» . أو كما قال ﷺ. «بعثنى الله به رسولا إلى العباد، وأنت أى عم أحق من بذلت له النصيحة ودعوته إلى الهدى، وأحق من أجابنى إليه وأعاننى عليه» . أو كما قال.\rفقال أبو طالب: أى ابن أخى، إنى لا أستطيع أن أفارق دين آبائى وما كانوا عليه، ولكن والله لا يخلص إليك بشىء تكرهه ما بقيت «٣» .","footnotes":"- الإسراء، وذلك بعد ما نبئ بخمسة أعوام، وقد قيل: إن الإسراء كان قبل الهجرة بعام ونصف، وقيل: بعام، فذكره ابن إسحاق فى بدء نزول الوحى، وأول أحوال الصلاة.\r(١) انظر: السيرة (١/ ٢٠٨- ٢٠٩) .\r(٢) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (٢/ ١٦٢) .\r(٣) انظر الحديث فى: تاريخ الطبرى (٢/ ٣١٣) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083611,"book_id":3509,"shamela_page_id":174,"part":"1","page_num":171,"sequence_num":174,"body":"وذكروا أنه قال لعلى: أى بنى ما هذا الدين الذى أنت عليه؟. فقال: يا أبت، آمنت برسول الله وصدقت بما جاء به وصليت معه لله واتبعته. فزعموا أنه قال له: أما إنه لم يدعك إلا إلى خير فالزمه.\rقال ابن إسحاق «١» : ثم أسلم زيد بن حارثة الكلبى مولى رسول الله ﷺ فكان أول ذكر أسلم وصلى بعد على بن أبى طالب، وعن غير ابن إسحاق أن زيدا أصابه فى الجاهلية سباء فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بنت خويلد وقيل: بل وهبه لها، فوهبته خديجة لرسول الله ﷺ فأعتقه وتبناه، وذلك قبل أن يوحى إليه، وكان حارثة أبوه قد جزع عليه جزعا شديدا وبكى عليه حين فقده، فقال:\rبكيت على زيد ولم أدر ما فعل ... أحى فيرجى أم أتى دونه الأجل\rفو الله ما أدرى وإنى لسائل ... أغالك بعدى السهل أم غالك الجبل\rويا ليت شعرى هل لك الدهر أوبة ... فحسبى من الدنيا رجوعك لى بجل\rتذكرنيه الشمس عند طلوعها ... وتعرض ذكراه إذا غربها أفل\rوإن هبت الأرواح هيجن ذكره ... فيا طول ما حزنى عليه وما وجل\rسأعمل نص العيس فى الأرض جاهدا ... ولا أسأم التطواف أو تسأم الإبل\rحياتى أو تأتى على منيتى ... فكل امرىء فإن وإن غره الأمل\rثم إن أناسا من كلب حجوا فرأوا زيدا فعرفهم وعرفوه، فأعلموا أباه ووصفوا له موضعه وعند من هو. فخرج أبوه حارثة وعمه كعب ابنا شراحيل لفدائه.\rوقدما مكة فسألا عن النبى ﷺ فدخلا عليه فقالا: يا ابن عبد المطلب بن هاشم، يا ابن سيد قومه، أنتم أهل حرم الله وجيرانه، تفكون العانى وتطعمون الأسير، جئناك فى ابننا عبدك، فامنن عليه وأحسن إلينا فى فدائه. قال: «من هو؟» قالوا: زيد بن حارثة.\rفقال رسول الله ﷺ: «فهلا غير ذلك؟» قالوا: ما هو؟ قال: «أدعوه فأخيره، فإن اختاركم فهو لكم، وإن اختارنى فو الله ما أنا بالذى أختار على من اختارنى أحدا» .\rقالا: قد زدتنا على النصف وأحسنت.\rفدعاه فقال: «هل تعرف هؤلاء؟» قال: نعم. قال: «من هذا؟» قال: أبى وهذا عمى.\rقال: «فأنا من قد علمت ورأيت صحبتى لك فاخترنى أو اخترهما» . قال زيد: ما أنا بالذى اختار عليك أحدا، أنت منى مكان الأب والعم!، فقالا: ويحك يا زيد! أتختار","footnotes":"(١) انظر: السيرة (١/ ٢١٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083612,"book_id":3509,"shamela_page_id":175,"part":"1","page_num":172,"sequence_num":175,"body":"العبودية على الحرية، وعلى أبيك وعمك وأهل بيتك! قال: نعم، قد رأيت من هذا الرجل شيئا ما أنا بالذى أختار عليه أحدا أبدا. فلما رأى ذلك رسول الله ﷺ أخرجه إلى الحجر فقال: «يا من حضر، اشهدوا أن زيدا ابنى يرثنى وأرثه» . فلما رأى ذلك أبوه وعمه طابت نفوسهما، فانصرفوا «١» .\rفدعى: زيد بن محمد، حتى جاء الله بالإسلام فنزلت: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ الآية [الأحزاب: ٤] . فدعى من يومئذ زيد بن حارثة «٢» .\rقال ابن إسحاق «٣» : ثم أسلم أبو بكر بن أبى قحافة، واسمه عتيق، وقيل: عبد الله، وعتيق لقب، لحسن وجهه وعتقه، فيما قال ابن هشام. واسم أبى قحافة عثمان بن عامر ابن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤى.\rفلما أسلم أظهر إسلامه ودعا إلى الله وإلى رسوله. وكان أبو بكر رجلا مؤلفا لقومه محببا سهلا، وكان أنسب قريش لقريش وأعلم قريش بها وبما كان فيها من خير وشر، وكان رجلا تاجرا ذا خلق ومعروف، وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر، لعلمه وتجارته وحسن مجالسته، فجعل يدعو إلى الإسلام من وثق به من قومه ممن يغشاه ويجلس إليه.\rقال «٤» : فأسلم بدعائه فيما بلغنى، عثمان بن عفان بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصى، والزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصى، وعبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة بن كلاب، وسعد بن أبى وقاص مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة، وطلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة، فجاء بهم إلى رسول الله ﷺ حين استجابوا له فأسلموا وصلوا.\rفكان رسول الله ﷺ يقول فيما بلغنى «ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت فيه عنده كبوة ونظر وتردد، إلا ما كان من أبى بكر بن أبى قحافة، ما عكم عنه حين ذكرته له وما تردد فيه» «٥» .","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: معجم الطبرانى الكبير (٥/ ٦٦، ١٢/ ١١٤) ، تفسير ابن كثير (٣/ ٤٦٩) كنز العمال للمتقى الهندى (٣٦٤٩٣، ٣٦٤٩٦) .\r(٢) ذكره الهيثمى فى المجمع (٩/ ٢٧٤) .\r(٣) انظر: السيرة (١/ ٢١١) .\r(٤) انظر: السيرة (١/ ٢١٢٩) .\r(٥) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (١/ ١٠٨، ٣/ ٢٧) ، الدلائل للبيهقى (٢/ ١٦٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083613,"book_id":3509,"shamela_page_id":176,"part":"1","page_num":173,"sequence_num":176,"body":"قال «١» : فكان هؤلاء النفر الثمانية الذين سبقوا الناس بالإسلام فصلوا وصدقوا رسول الله ﷺ وصدقوا بما جاءه من الله، ثم أسلم أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر.\rوأبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، والأرقم بن أبى الأرقم بن أسد أبى جندب بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وعثمان بن مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤى.\rوأخواه قدامة وعبد الله ابنا مظعون، وعبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف بن قصى، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى بن عبد الله بن قرط بن رياح بن رزاح بن عدى بن كعب بن لؤى.\rوامرأته فاطمة بنت عمه الخطاب بن نفيل أخت عمر بن الخطاب، وأسماء بنت أبى بكر الصديق، وعائشة بنت أبى بكر الصديق وهى صغيرة، وخباب بن الأرت حليف بنى زهرة، وعمير بن أبى وقاص، أخو سعد بن أبى وقاص، وعبد الله بن مسعود الهذلى، حليف بنى زهرة، وجماعة سوى هؤلاء سماهم ابن إسحاق «٢» .\rقال: ثم دخل الناس فى الإسلام أرسالا من الرجال والنساء، حتى فشا ذكر الإسلام بمكة وتحدث به، ثم إن الله ﷿ أمر رسوله ﷺ أن يصدع بما جاءه منه وأن يبادى الناس بأمره ويدعو إليه، وكان بين ما أخفى رسول الله ﷺ أمره واستسر به إلى أن أمره الله بإظهار ثلاث سنين فيما بلغنى، من مبعثه، ثم قال الله له: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ [الحجر: ٩٤] ، ثم قال: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء: ١١٤، ١١٥] . وفى موضع آخر:\rوَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ [الحجر: ٨٩] .\rقال «٣» : وكان أصحاب رسول الله ﷺ إذا صلوا ذهبوا فى الشعاب واستخفوا بصلاتهم من قومهم، فبينا سعد بن أبى وقاص فى نفر من أصحاب رسول الله ﷺ فى شعب من شعاب مكة إذ ظهر عليهم ناس من المشركين وهم يصلون، فناكروهم وعابوا","footnotes":"(١) انظر: السيرة (١/ ٢١٢) .\r(٢) انظر: السيرة (١/ ٢١٢- ٢١٦) .\r(٣) انظر: السيرة (١/ ٢١٧) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083614,"book_id":3509,"shamela_page_id":177,"part":"1","page_num":174,"sequence_num":177,"body":"عليهم ما يصنعون، حتى قاتلوهم، فضرب سعد يومئذ رجلا من المشركين بلحى بعير «١» فشجه. فكان أول دم هريق فى الإسلام.\rفلما بادى رسول الله ﷺ قومه بالإسلام وصدع به كما أمره الله لم يبعد منه قومه ولم يردوا عليه، حتى ذكر آلهتهم وعابها. فلما فعل ذلك أعظموه وناكروه، وأجمعوا خلافه وعداوته، إلا من عصم الله منهم بالإسلام، وهم قليل مستخفون.\rوحدب «٢» على رسول الله ﷺ عمه أبو طالب ومنعه وقام دونه ومضى رسول الله ﷺ على أمره الله مظهرا له، لا يرده عنه شىء.\rفلما رأت قريش أن رسول الله ﷺ لا يعتبهم من شىء أنكروه عليه، من فراقهم وعيب آلهتهم، ورأوا أن عمه أبا طالب قد حدب عليه وقام دونه فلم يسلمه لهم، مشى رجال من أشرافهم إلى أبى طالب، عتبة وشيبة ابنا ربيعة بن عبد شمس وأبو سفيان بن حرب، وأبو البخترى بن هشام، والحارث بن أسد بن عبد العزى بن قصى، والأسود ابن المطلب بن أسد بن عبد العزى، وأبو جهل بن هشام بن المغيرة، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، والعاص بن وائل، ومن مشى منهم.\rفقالوا: يا أبا طالب، إن ابن أخيك قد سب آلهتنا وعاب ديننا وسفه أحلامنا وضلل آباءنا، فإما أن تكفه عنا، وإما أن تخلى بيننا وبينه، فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه، فنكفيه. فقال لهم أبو طالب قولا رفيقا، وردهم ردا جميلا، فانصرفوا عنه.\rومضى رسول الله ﷺ على ما هو عليه، يظهر دين الله ويدعو إليه، ثم شرى الأمر «٣» بينه وبينهم، حتى تباعد الرجال وتضاغنوا، وأكثرت قريش ذكر رسول الله ﷺ بينها، فتذامروا فيه وحض بعضهم بعضا عليه.\rثم إنهم مشوا إلى أبى طالب مرة أخرى، فقالوا له: يا أبا طالب، إن لك سنا وشرفا ومنزلة فينا، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا، وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا، حتى تكفه عنا أو ننازله وإياك فى ذلك حتى يهلك أحد الفريقين. أو كما قالوا له.","footnotes":"(١) لخى بعير: اللحى العظم الذى على الخد، وهو من الإنسان العظم الذى تنبت عليه اللحية.\r(٢) حدب: أى عطف عليه ومنعه، يقال: فلان حدب على فلاذن، إذا كان عاطفا عليه مانعا له.\r(٣) شرى الأمر: أى كثر واستفحل، يقال: شرى البرق إذا كثر لمعانه، ويقال: شرى الرجل إذا غضب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083615,"book_id":3509,"shamela_page_id":178,"part":"1","page_num":175,"sequence_num":178,"body":"ثم انصرفوا عنه، فعظم على أبى طالب فراق قومه وعداوتهم، ولم يطب نفسا بإسلام رسول الله ﷺ ولا خذلانه. وذكر أن أبا طالب حين قالت له قريش هذه المقالة بعث إلى رسول الله ﷺ.\rفقال له: يا ابن أخى، إن قومك قد جاؤنى فقالوا كذا وكذا، للذى قالوا له فأبق على وعلى نفسك ولا تحملنى من الأمر ما لا أطيق. فظن رسول الله ﷺ أنه قد بدا لعمه فيه بداء، وأنه خاذله ومسلمه، وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه، فقال له: «يا عم، والله لو وضعوا الشمس فى يمينى والقمر فى يسارى على أن أترك هذا الأمر، حتى يظهره الله أو أهلك فيه، ما تركته!» ، ثم استعبر رسول الله ﷺ فبكى! ثم قام، فلما ولى ناداه أبو طالب، فقال: أقبل يا ابن أخى، فأقبل عليه، فقال: اذهب يا ابن أخى فقل ما أحببت، فو الله لا أسلمك لشىء أبدا «١» .\rثم إن قريشا حين عرفوا أن أبا طالب قد أبى خذلان رسول الله ﷺ وإسلامه، مشوا إليه بعمارة بن الوليد بن المغيرة، فقالوا له: يا أبا طالب، هذا عمارة بن الوليد أنهد فتى فى قريش وأجمله، فخذه فلك عقله ونصره واتخذه ولدا، وأسلم إلينا ابن أخيك هذا الذى خالف دينك ودين آبائك وفرق جماعة قومك وسفه أحلامهم فنقتله، فإنما هو رجل كرجل، قال: والله لبئس ما تسوموننى! أتعطوننى ابنكم أغذوه لكم وأعطيكم ابنى تقتلونه! هذا والله ما لا يكون أبدا. فقال المطعم بن عدى بن نوفل بن عبد مناف:\rوالله يا أبا طالب لقد أنصفك قومك وجهدوا على التخلص مما تكره، فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئا، فقال له أبو طالب: والله ما أنصفونى، ولكنك قد أجمعت خذلانى ومظاهرة القوم على، فاصنع ما بدا لك أو كما قال. فحقب الأمر وحميت الحرب وتنابذ القوم وبادى بعضهم بعضا «٢» .","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ٤٨) ، الألبانى فى السلسلة الضعيفة (٩٠٩) ، وقال: هذا إسناد ضعيف معضل، يعقوب بن عتبة هذا من ثقات أتباع التابعين مات سنة ثمان وعشرين ومائة، وقد وجدت للحديث طريقا أخرى بسند حسن لكن بلفظ: «ما أنا بأقدر على أن أدع لكم ذلك، على أن تستشعلوا لى منها شعلة» يعنى الشمس، وقد خرجته فى الأحاديث الصحيحة (٩٢) .\r(٢) قال فى السيرة بعد أن ذكر ما أورد ابن هشام هنا: فقال أبو طالب عند ذلك، يعرض بالمطعم ابن عدى، ويعم من خذله من بنى عبد مناف، ومن عاداه من قبائل قريش، ويذكر ما سألوه، وما تباعد من أمرهم:","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083616,"book_id":3509,"shamela_page_id":179,"part":"1","page_num":176,"sequence_num":179,"body":"قال «١» : ثم إن قريشا تذامروا بينهم على من فى القبائل منهم من أصحاب رسول الله ﷺ الذين أسلموا معه. فوثبت كل قبيلة على من فيهم من المسلمين يعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم. ومنع الله ﵎، رسوله منهم بعمه أبى طالب، وقد قام أبو طالب حين رأى قريشا يصنعون ما يصنعون فى بنى هاشم وبنى المطلب فدعاهم إلى ما هو عليه من منع رسول الله ﷺ والقيام دونه، فاجتمعوا إليه وقاموا معه وأجابوه إلى ما دعاهم إليهم، إلا ما كان من أبى لهب.\rفلما رأى أبو طالب من قومه ما سره من جدهم وحدبهم عليه جعل يمدحهم ويذكر قديمهم وفضل رسول الله ﷺ فيهم ومكانه منهم ليشد لهم رأيهم وليحدبوا معه على أمره، فقال:\rإذا اجتمعت يوما قريش لمخفر ... فعبد مناف سرها وصميمها «٢»\rفإن حصلت أشراف عبد منافها ... ففى هاشم أشرافها وقديمها\rوإن فخرت يوما فإن محمدا ... هو المصطفى من سرها وكريمها\rتداعت قريش غثها وسمينها ... علينا فلم تظفر وطاشت حلومها «٣»\rوكنا قديما لا نقر ظلامة ... إذا ما ثنوا صعر الخدود نقيمها","footnotes":"-\rألا قل لعمرو والوليد ومطعم ... ألا ليت حظى من حياطتكم بكر\rمن الخور حبحاب كثير رغاؤه ... يرش على الساقين من بوله قطر\rتخلف خلف الورد ليس بلا حق ... إذا ما علا الفيفاء قيل له وبر\rأرى أخوينا من أبينا وأمنا ... إذا سئلا قالا إلى غيرنا الأمر\rبلى لهما أمر ولكن تجرجما ... كما جرجمت من رأس ذى علق صخر\rأخص خصوصا عبد شمس ونوفلا ... هما نبذانا مثل ما ينبذ الجمر\rهما أغمزا للقوم فى أخويهما ... فقد أصبحا منهم أكفهما صفر\rهما أشركا فى المجد من لا أبا له ... من الناس إلا أن يرس له ذكر\rوتيم ومخزوم وزهرة منهم ... وكانوا لنا مولى إذا بغى النصر\rفو الله لا تنفك منا عداوة ... ولا منهم ما كان من نسلنا شفر\rفقد أسفهت أحلامهم وعقولهم ... وكانوا كجفر بئس ما صنعت جفر\rانظر: السيرة (١/ ٢١٩- ٢٢٠) .\r(١) انظر: السيرة (١/ ٢٢٠) .\r(٢) سرها وصميمها: أى خالصها وكريمها.\r(٣) غثها وسمينها: الغث اللحم الضعيف، والسمين الماقبل أو العكس. طاشت حلومها: أى ذهبت عقولها.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083617,"book_id":3509,"shamela_page_id":180,"part":"1","page_num":177,"sequence_num":180,"body":"ونحمى حماها كل يوم كريهة ... ونضرب عن أحجارها من يرومها\rبنا انتعش العود الذوى وإنما ... بأكنافنا تندى وتنمى أرومها\rثم إن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش، وكان ذا سن فيهم، وقد حضر الموسم، فقال لهم: يا معشر قريش، إنه قد حضر هذا الموسم، وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا فأجمعوا فيه رأيا واحدا ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا، قالوا: فأنت يا أبا عبد شمس، فقل وأقم لنا رأيا نقول فيه، قال: بل أنتم فقولوا أسمع. قالوا: نقول: كاهن. قال: والله ما هو بكاهن، لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة «١» الكاهن ولا سجعه. قالوا: فنقول: مجنون. قال: ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون وعرفناه، فما هو بخنقه ولا تخالجه «٢» ولا وسوسته. قالوا: فنقول شاعر. قال ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه فما هو بالشعر قالوا: فنقول ساحر. قال: ما هو بساحر، قد رأينا السحار وسحرهم، فما هو بنفثه ولا عقده «٣» ، قالوا: فما نقول يا أبا عبد شمس؟ قال: والله إن لقوله لحلاوة وإن أصله لعذق «٤» وإن فرعه لجناة، وما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل، وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا ساحر، جاء بقول هو سحر، يفرق به بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجه، وبين المرء وعشيرته، فتفرقوا عنه بذلك، فجعلوا يجلسون لسبل الناس حين قدموا الموسم، لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه، وذكروا لهم أمره، وصدرت العرب من ذلك الموسم بأمر رسول الله ﷺ فانتشر ذكره فى بلاد العرب كلها «٥» .\rفلما خشى أبو طالب دهماء العرب أن يركبوه مع قومه قال قصيدته التى يعوذ فيها بحرم مكة وبمكانه منها، وتودد فيها أشراف قومه، وهو على ذلك يخبرهم وغيرهم فى ذلك من شعره أنه غير مسلم رسول الله ﷺ ولا تاركه لشىء أبدا حتى يهلك دونه.\rوأولها:","footnotes":"(١) زمزمة الكاهن: أى كلام خفى لا يهم.\r(٢) التخالج: اختلاج الأعضاء وتحركها عن غير إراده.\r(٣) نفثه وعقده: هذه إشارة إلى ما كان يفعل الساحر إذ كان يأخذ خيطا فيعقده ثم ينفث عليه بلا ريق.\r(٤) العذق: الكثير الشعب والأطراف، ومن رواه عذق فمعناه كثير الماء، والعذق: كل غصن له شعب، وأيضا هو النخلة عند أهل الحجاز. انظر: اللسان (مادة عذق) .\r(٥) انظر: السيرة (١/ ٢٢٢- ٢٢٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083618,"book_id":3509,"shamela_page_id":181,"part":"1","page_num":178,"sequence_num":181,"body":"ولما رأيت القوم لاود فيهم ... وقد قطعوا كمل العرى والوسائل «١»\rوقد صارحونا بالعداوة والأذى ... وقد طاوعوا أمر العدو المزايل\rوقد حالفوا قوما علينا أظنة ... يعضون غيظا خلفنا بالأنامل «٢»\rصبرت لهم نفسى بسمراء سمحة ... وأبيض عضب من تراث المقاول\rوأحضرت عند البيت رهطى وإخوتى ... وأمسكت من أثوابه بالوصائل\rقياما معا مستقبلين رتاجه ... لدى حيث يقضى حلفه كل نافل\rوحيث ينيخ الأشعرون ركابهم ... بمفضى السيول من إساف ونائل\rموسمة الأعضاء أو قصراتها ... مخيسة بين السديس وبازل\rترى الودع فيها والرخام وزينة ... بأعناقها معقودة كالعثاكل\rأعوذ برب الناس من كل طاعن ... علينا بسوء أو ملح بباطل\rومن كاشح يسعى لنا بمعيبة ... ومن ملحق فى الدين ما لم نحاول\rوثور ومن أرسى ثبيرا مكانه ... وراق ليرقى فى حراء ونازل\rوبالبيت حق البيت من بطن مكة ... وبالله إن الله ليس بغافل\rوبالحجر الأسود إذ يمسحونه ... إذا اكتنفوه بالضحى والأصائل\rوموطىء إبراهيم فى الصخر وطأة ... على قدميه حافيا غير ناعل\rوأشواط بين المروتين إلى الصفا ... وما فيهما من صورة وتماثل\rومن حج بيت الله من كل راكب ... ومن كل ذى نذر ومن كل راجل\rوبالمشعر الأقصى إذا عمدوا له ... إلال إلى مفضى الشراج القوابل «٣»\rوتوقافهم فوق الجبال عشية ... يقيمون بالأيدى صدور الرواحل\rوليلة جمع والمنازل من منى ... وهل فوقها من حرمة ومنازل\rوجمع إذا ما المقربات أجزنه ... سراعا كما يخرجن من وقع وابل «٤»\rوبالجمرة الكبرى إذا صمدوا لها ... يؤمنون قذفا رأسها بالجنادل\rوكندة إذ هم بالحصاب عشية ... تجيز بهم حجاج بكر بن وائل\rحليفان شدا عقد ما اختلفا له ... وردا عليه عاطفات الوسائل","footnotes":"(١) الوسائل: جمع وسيلة، وهى الوصلة والقربة، وقيل: هى المنزلة عند الملك.\r(٢) أظنة: جمع ظنين، وهو المتهم الذى تظن به التهمة.\r(٣) إلال: بالفتح هو جبل بعرفات، وسمى إلال لأن الحجيج إذا رأوه الوا فى السير واجتهدوا ليدركوا الموقف.\r(٤) المقربات: الخيل التى تقرب مرابطها من البيوت لكرمها. وابل: المطر الشديد.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083619,"book_id":3509,"shamela_page_id":182,"part":"1","page_num":179,"sequence_num":182,"body":"وحطمهم سمر الصفاح وسرحه ... وشبرقه وخد النعام الجوافل «١»\rفهل بعد هذا من معاذ لعائذ ... وهل من معيذ يتقى الله عاذل\rيطاع بنا الأعدا وودوا لو أننا ... تسد بنا أبواب ترك وكابل\rكذبتم وبيت الله نترك مكة ... ونظعن إلا أمركم فى بلابل\rكذبتم وبيت الله نبزى محمدا ... ولما نطاعن دونه ونناضل\rونسلمه حتى نصرع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل\rوينهض قوم فى الحديد إليكم ... نهوض الروايا تحت ذات الصلاصل «٢»\rوحتى نرى ذا الضغن يركب ردعه ... من الطعن فعل الأنكب المتحامل\rوإنا لعمرو الله إن جد ما أرى ... لتلتبسن أسيافنا بالأماثل\rبكفى فتى مثل الشهاب سميدع ... أخى ثقة حامى الحقيقة باسل «٣»\rوما ترك قوم لا أبالك سيدا ... يحوط الذمار غير ذرب مواكل «٤»\rوأبيض يستسقى الغمام بكفه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل\rيلوذ به الهلاك من آل هاشم ... فهم عنده فى رحمة وفواضل «٥»\rجزى الله عنا عبد شمس ونوفلا ... عقوبة شر عاجلا غير آجل\rبميزان قسط لا يخيس شعيرة ... له شاهد من نفسه غير عائل","footnotes":"(١) سمر: يحتمل أن يكون أصله سمرا بفتح فضم وهو من شجر الطلح. الصفاح: هو جمع صفح، وهو عرض الجبل، ويقال: أسفله حيث يسيل ماؤه، سرحه: السرح: شجر. شبرقة: الشبرق بالكسر نبات غض، وقيل: شجر منبته نجد وتهامة، وثمرته شاكة صغيرة الجرم حمراء مثل الدم وواحدته شبرق. وخد النعام: الوخد ضرب من سير الإبل وهو سعة الخطوة فى المشى.\r(٢) الروايا: الإبل التى تحمل الماء. الصلاصل: واحدتها صلصلة وهى الصوت وذات الصلاصل: الزادات التى فيها بقية من الماء يسمع لها صوت حين تسير الإبل.\r(٣) سميدع: السيد من الرجال. الباسل: الأسد لكراهة منظره وقبحه، والبسالة الشجاعة، والباسل الشديد، وقيل الشجاع، والجمع بسلاء وبسل.\r(٤) جاء فى السيرة قبل هذه البيت بيت آخر وهو:\rشهورا وأياما وحولا مجرما ... علينا وتأتى حجة بعد قابل\rوما ترك قوم ... ... ... مواكل\rانظر: السيرة (١/ ٢٢٦) .\r(٥) ذكر بعد هذا البيت فى السيرة أبيات آخر لم يذكرها هنا. انظرها فى: السيرة (١/ ٢٢٧- ٢٢٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083620,"book_id":3509,"shamela_page_id":183,"part":"1","page_num":180,"sequence_num":183,"body":"لقد سفهت أحلام قوم تبدلوا ... بنى خلف قيضا بنا والغياطل «١»\rونحن الصميم من ذؤابة هاشم ... وآل قصى فى الخطوب الأوائل\rوسهم ومخزوم تمالوا وألبوا ... علينا العدى من كل طمل وخامل\rفعبد مناف أنتم خير قومكم ... فلا تشركوا فى أمركم كل واغل «٢»\rلعمرى لقد وهنتم وعجزتم ... وجئتم بأمر مخطىء للمفاصل «٣»\rفإن يك قوما نتئر ما صنعتم ... وتحتلبوها لقحة غير باهل «٤»\rفأبلغ قصيا أن سينشر أمرنا ... وبشر قصيا بعدنا بالتخاذل\rولو طرقت ليلا قصيا عظيمة ... إذا ما لجأنا دونهم فى المداخل\rولو صدقوا ضربا خلال بيوتهم ... لكنا أسى عند النساء المطافل\rفإن نك كعب من لوى صميمة ... فلا بد يوما مرة من تزايل «٥»\rفكل صديق وابن أخت نعده ... لعمرى وجدنا غبه غير طائل\rسوى أن رهطا من كلاب بن مرة ... براء إلينا من معقة خاذل «٦»\rونعم ابن أخت القوم غير مكذب ... زهير حساما مفردا من حمائل\rأشم من الشم البهاليل ينتمى ... إلى حسب فى حومة المجد فاضل «٧»\rلعمرى لقد كلفت وجدا بأحمد ... وإخوته دأب المحب المواصل\rفلا زال فى الدنيا جمالا لأهلها ... وزينا لمن والاه رب المشاكل\rفمن مثله فى الناس أى مؤمل ... إذا قاسه الحكام عند التفاضل\rحليم رشيد عادل غير طائش ... يوالى إلها ليس عنه بغافل «٨»","footnotes":"(١) انظر: السيرة (١/ ٢٢٨) .\r(٢) الواغل: هو الداخل على القوم فى شرابهم وهو الذى يهجم على الشراب ليشرب معهم وليس منهم.\r(٣) ذكر فى السيرة بعد هذا البيت بيتان لم يذكرهما. انظرهما فى: السيرة (١/ ٢٢٨) .\r(٤) ذكر فى السيرة بعد هذا البيت أبيات لم يذكرها هنا، انظرهما فى: السيرة (١/ ٢٢٩) .\r(٥) هذا البيت لم يذكره فى السيرة.\r(٦) ذكر فى السيرة بعد هذ البيت أبيات لم يذكرها هنا، انظرها فى: السيرة (١/ ٢٢٩) .\r(٧) أشم: قيل: جبل أشم أى طويل الرأس. البهاليل: جمع بهلول وهو العزيز الجامع لكل خير، وقيل: هو الحيى الكريم.\r(٨) الأبيات التى وردت هنا بعد هذا البيت غير موجود فى السيرة بهذا التريتب فقد ذكرها هناك بترتيب أخر وهو:","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083621,"book_id":3509,"shamela_page_id":184,"part":"1","page_num":181,"sequence_num":184,"body":"فأيده رب العباد بنصره ... وأظهر دينا حقه غير باطل\rفو الله لولا أن أجئ بسبة ... تجر على أشياخنا فى القبائل\rلكنا ابتعناه على كل حالة ... من الدهر جدا غير قول التهازل\rلقد علموا أن ابننا لا مكذب ... لدينا ولا يعنى بقول الأباطل\rفأصبح فينا أحمد فى أرومة ... تقصر عنها سورة المتطاول\rحدبت بنفسى دونه وحميته ... ودافعت عنه بالذرى والكلاكل\rوالقصيدة أطول من هذا، وإنما تركنا ما تركنا منها اختصارا.\rوذكر ابن هشام أن بعض أهل العلم بالشعر ينكر أكثرها «١» ، قال: وحدثنى من أثق به قال: أقحط أهل المدينة فأتوا رسول الله ﷺ فشكوا إليه ذلك، فصعد المنبر فاستسقى، فما لبث أن جاء من المطر ما أتاه أهل الضواحى يشكون منه الغرق. فقال رسول الله ﷺ: «اللهم حوالينا ولا علينا» . فانجاب السحاب عن المدينة، فصار حواليها كالإكليل «٢» ، فقال رسول الله ﷺ: «لو أدرك أبو طالب هذا اليوم لسره» ، فقال له بعض أصحابه: كأنك يا رسول الله أردت لقوله:\rوأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل\rقال: «أجل» «٣» .","footnotes":"-\rفو الله لولا أن أجىء بسبة ... تجر على أشياخنا فى المحافل\rلكنا اتبعناه على كل حالة ... من الدهر جدا غير قول التهازل\rلقد علموا أن ابننا لا مكذب ... لدينا ولا يعنى بقول الأباطل\rفأصبح فينا أحمد فى أرومة ... تقصر عنها سورة المتطاول\rحدبت بنفسى دونه وحميته ... ودافعت عنه بالذرا والكلاكل\rفأيده رب العباد بنصره ... وأظهر دينا حقه غير باطل\rرجال كرام غير ميل نماهم ... إلى الخير آباء كرام المحاصل\rفإن تك كعب من لؤى صقيبة ... فلا بد يوما مرة من تزايل\rانظر: السيرة (١/ ٢٣٠) .\r(١) انظر: السيرة (١/ ٢٣٠) .\r(٢) الإكليل: هو شبه عصابة مزينة بالجواهر، وقيل: يريد أن الغيم تقشع عنها واستدار بآفاقها، وقيل: هو منزل من منازل القمر وهى أربعة أنجم. انظر: اللسان (مادة كلل) .\r(٣) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (٢/ ١٥، ٣٥، ٣٧، ٣٨، ٤٠، ٨/ ٩٢) ، مسلم كتاب الاستسقاء (٨/ ٩) ، النسائى (٣/ ١٦٠، ١٦١، ١٦٢، ١٦٦، ١٦٧) ، سنن ابن ماجه-","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083622,"book_id":3509,"shamela_page_id":185,"part":"1","page_num":182,"sequence_num":185,"body":"قال ابن إسحاق «١» : فلما انتشر أمر رسول الله ﷺ فى العرب وبلغ البلدان، ذكر بالمدينة، ولم يك حى من العرب أعلم بأمر رسول الله ﷺ حين ذكر وقبل أن يذكر من الأوس والخروج، وذلك لما كانوا يسمعون من أخبار يهود، وكانوا لهم حلفاء ومعهم فى بلادهم.\rفلما وقع ذكره بالمدينة وتحدثوا بما بين قريش فيه من الاختلاف، قال أبو قيس بن الأسلت الأوسى، وكان يحب قريشا، وكان يقيم فيهم السنين بامرأته أرنب بنت أسد ابن عبد العزى بن قصى، قصيدة يعظم فيها الحرمة، وينهى قريشا عن الحرب ويذكر فضلهم وأحلامهم، ويأمرهم بالكف بعضهم عن بعض وعن رسول الله ﷺ، ويذكرهم بلاء الله عندهم ودفعه الفيل عنهم فقال:\rويا راكبا إما عرضت فبلغن ... مغلغلة عنى لؤى بن غالب «٢»\rرسول امرىء قد راعه ذات بينكم ... على النأى محزون بذلك ناصب\rوقد كان عندى للهموم معرس ... ولم أقض منها حاجتى ومآربى\rأعيذكم بالله من شر صنعكم ... وشر تباغيكم ودس العقارب\rوإظهار أخلاق ونجوى سقيمة ... كوخز الأثافى وقعها حق صائب «٣»\rفذكرهم بالله أول وهلة ... وإحلال إحرام الظباء الشوازب «٤»","footnotes":"- (١٢٦٩) ، مسند الإمام أحمد (٣/ ١٠٤، ١٨٧، ١٩٤، ٢٦١، ٢٧١، ٤/ ٢٣٦) ، البيهقى فى السنن الكبرى (٣/ ٣٥٣، ٣٥٤، ٣٥٥، ٣٥٦، ٤/ ٢٢١) ، الدر المنثور للسيوطى (٦/ ٢٨) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٣/ ١٢) ، مشكاة المصابيح للتبريزى (٥٩٠٢) ، نصب الراية للزيلعى (٢/ ٢٣٩) ، فتح البارى (٢/ ٤١٣، ٥٠١، ٥٠٨، ٥١٠، ٥١٢، ٥١٩، ١٠/ ٥٠٤، ١١/ ١٤٣) ، صحيح ابن خزيمة (١٤٢٣، ١٧٨٩) ، شرح السنة للبغوى (٤/ ٤١٤) ، كنز العمال للمتقى الهندى (٢٣٥٤٠، ٢٣٥٤٨) ، إتحاف السادة المتقين للزبيدى (٧/ ١٩٥) ، البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ١٠٧، ٥/ ٨٩، ٦/ ١٠٢، ١٠٦) ، دلائل النبوة للبيهقى (٢/ ٨٩، ٦/ ١٣٩، ١٤٤) ، طبقات ابن سعد (١/ ١/ ١٧، ١/ ٢/ ٤٢) ، المعجم الكبير للطبرانى (١٠/ ٣٤٦) ، مصنف ابن أبى شيبة (١٠/ ٢١٩، ٣٤٦، ١١/ ٤٨١) .\r(١) انظر: السيرة (١/ ٢٣٢) .\r(٢) مغلغله: قال السهيلى: المغلغلة: الداخل إلى أقصى ما يراد بلوغه منها أى محموة من بلد إلى بلد وقيل: المسرعة من الفلفلة وهى سرعة السير. انظر: اللسان (مادة غلغل) .\r(٣) الوخز: الطعن الغير نافذ، وقيل: هو الطعن النافذ فى جنب المطعون. الأشافى: جمع إشفى، وهى حديدة يفرز بها الأسكافى.\r(٤) أحرام الظباء: التى يحرم صيدها فى الحرم. الشوازب: المضمرات، وقيل: الشازب الضامر اليابس من الناس وغيرهم.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083623,"book_id":3509,"shamela_page_id":186,"part":"1","page_num":183,"sequence_num":186,"body":"وقل لهم والله يحكم حكمه ... ذروا الحرب تذهب عنكم فى المراحب\rمتى تبعثوها تبعثوها ذميمة ... هى الغول للأقصين أو للأقارب\rتقطع أرحاما وتهلك أمة ... وتبرى السديف من سنام وغارب «١»\rفإياكم والحرب لا تغلقنكم ... وحوضا وخيم الماء مر المشارب «٢»\rتزين للأقوام ثم يرونها ... بعاقبة إذ بينت أم صاحب «٣»\rتحرق لا تشوى ضعيفا وتنتحى ... ذوى العز منكم بالحتوف الصوائب\rألم تعلموا ما كان فى حرب داحس ... فتعتبروا أو كان فى حرب حاطب\rوكم قد أصابت من شريف مسود ... طويل العماد ضيفه غير خائب\rوماء هريق فى الضلال كأنما ... أذاعت به ريح الصبا والجنائب «٤»\rيخبركم عنها امرؤ حق عالم ... بأيامها والعلم علم التجارب\rفبيعوا الحراب ملمحارب واذكروا ... حسابكم والله خير محاسب\rولى امرىء فاختار دينا فلا يكن ... عليكم رقيبا غير رب الثواقب\rأقيموا لنا دينا حنيفا فأنتم ... لنا غاية قد يهتدى بالذوائب\rوأنتم لهذا الناس نور وعصمة ... تؤمون والأحلام غير عوازب\rوأنتم إذا ما حصل الناس جوهم ... لكم سره البطحاء شم الأرانب «٥»\rتصونون أجسادا كراما عتيقة ... مهذبة الأنساب غير أشائب\rترى طالبى الحاجات نحو بيوتكم ... عصائب هلكى تهتدى بعصائب","footnotes":"(١) تبرى: تقطع. السديف: هو اللحم الذى يكون فى أعلى ظهر الإبل، وهو ما يسمى بالسنام، والغارب: أعلى الظهر.\r(٢) ذكر فى السيرة قبل هذا البيت بيتان لم يذكرهما هنا وهما:\rوتستبدلوا بالأتحمية بعدها ... شليلا وأصداء ثياب المحارب\rوبالمسك الكافور غبرا سوابغا ... كأن قتيريها عيون الجنادب\rانظر: السيرة (١/ ٢٣٤) .\r(٣) بينت: أى ظهر أمرها واتضح. أم صاحب: قال السهيلى فى الروض الأنف: أى عجوز كأم صاحب لك إذا لا يصحب الرجل إلا الرجل فى سنه.\r(٤) ريح الصبا: ريح معروفة تقابل الدبور، وقيل: الصبا ريح ومهبها المستوى أن تهب من موضع مطلع الشمس إذا استوى الليل والنهار، وينحتها الدبور، وقيل: الصبا ريح تستقبل البيت. انظر: اللسان (مادة صبا) .\r(٥) سرة: قيل: سرة الشىء، خيره وأعلاه. الشم: ارتفاع فى قصبة الأنف مع استواء أعلاه وإشراف الأرنبة قليلا. الأرانب: جمع أرنبة وهى القصبة التى فيها ثقب الأنف.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083624,"book_id":3509,"shamela_page_id":187,"part":"1","page_num":184,"sequence_num":187,"body":"لقد علم الأقوام أن سراتكم ... على كل حال خير أهل الجباجب «١»\rفقوموا فصلوا ربكم وتمسحوا ... بأركان هذا البيت بين الأخاشب\rفعندكم منه بلاء ومصدق ... غداة أبى يكسوم هادى الكتائب\rكتيبته بالسهل تمسى ورجله ... على القاذفات فى رؤس المناقب «٢»\rفلما أتاكم نصر ذى العرش ردهم ... جنود إله بين ساف وحاصب\rفولوا سراعا هاربين ولم يؤب ... إلى قومه ملحبش غير عصائب\rفإن تهلكوا نهلك وتهلك عصائب ... يعاش بها قول امرىء غير كاذب\rثم إن قريشا اشتد أمرهم، للشقاء الذى أصابهم، فى عداوة رسول الله ﷺ ومن أسلم معه منهم، فأغروا برسول الله ﷺ سفهاءهم، فكذبوه وآذوه ورموه بالشعر والسحر والكهانة والجنون، رسول الله ﷺ مظهر لأمر الله لا يستخفى به، مباد لهم بما يكرهون من عيب دينهم، واعتزال أوثانهم، وفراقه إياهم على كفرهم.\rفحدث عروة بن الزبير أنه قال لعبد الله بن عمرو بن العاص: ما أكثر ما رأيت قريشا أصابوا من رسول الله ﷺ فيما كانوا يظهرون من عداوته؟ قال: حضرتهم وقد اجتمع أشرافهم يوما فى الحجر، فذكروا رسول الله ﷺ فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من أمر هذا الرجل قط! سفه أحلامنا وشتم آباءنا وعاب ديننا وفرق جماعتنا وسب آلهتنا، لقد صبرنا معه على أمر عظيم. أو كما قالوا. فبينما هم فى ذلك طلع رسول الله ﷺ فأقبل يمشى حتى استلم الركن، ثم مر بهم طائفا بالبيت، فلما مر بهم غمزوه ببعض القول.\rقال: فعرفت ذلك فى وجه رسول الله ﷺ ثم مضى فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها، فعرفت ذلك فى وجه رسول الله ﷺ، ثم مر بهم الثالثة فغمزوه بمثلها، فوقف ثم قال: «أتسمعون يا معشر قريش؟! والذى نفسى بيده لقد جئتكم بالذبح» . قال:\rفأخذت القوم كلمته حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر واقع، حتى أن أشدهم وصاة فيه قبل ذلك ليرفؤه بأحسن ما يجد من القول، حتى إنه ليقول: انصرف يا أبا القاسم، فو الله ما كنت جهولا. قال: فانصرف رسول الله ﷺ حتى إذا كان الغد","footnotes":"(١) الجباجب: بالضم هو المستوى من الأرض وهى هنا أسماء منازل بمنى سميت به لأنه كروش الأضاحى تلقى فيها أيام الحج.\r(٢) القاذفات: أعالى الجبال، وقيل: هى كل ما أشرف من رؤس الجبال وأعاليها. المناقب: جمع منقبة، الطريق الضيق بين دارين أو جبلين لا يستطاع سلوكه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083625,"book_id":3509,"shamela_page_id":188,"part":"1","page_num":185,"sequence_num":188,"body":"اجتمعوا فى الحجر وأنا معهم، فقال بعضهم لبعض: ذكرتم ما بلغ منكم وما بلغكم عنه حتى إذا باداكم بما تكرهون تركتموه!.\rفبيناهم فى ذلك طلع رسول الله ﷺ، فوثبوا إليه وثبة رجل واحد فأحاطوا به يقولون: أنت الذى تقول كذا وكذا، للذى يقول من عيب آلهتهم. فيقول رسول الله:\r«نعم أنا الذى أقول ذلك» . فلقد رأيت رجلا منهم أخذ بمجمع ردائه، فقام أبو بكر دونه وهو يبكى ويقول: أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله!! ثم انصرفوا عنه. فإن ذلك لأشد ما رأيت قريشا نالوا منه قط «١» .\r\rذكر إسلام حمزة بن عبد المطلب رضى الله عنه\rقال ابن إسحاق «٢» : وحدثنى رجل من أسلم، كان واعية، أن أبا جهل مر برسول الله ﷺ عند الصفا فآذاه وشتمه ونال منه بعض ما يكره من العيب لدينة والتضعيف لأمره، فلم يكلمه رسول الله ﷺ. ومولاة لعبد الله بن جدعان فى مسكن لها تسمع ذلك. ثم انصرف عنه فعمد إلى نادى قريش عند الكعبة فجلس معهم. فلم يلبث حمزة ابن عبد المطلب أن أقبل متوحشا قوسه راجعا من قنص له، وكان صاحب قنص يرميه ويخرج له، وكان إذا رجع من قنصه لم يصل إلى أهله حتى يطوف بالكعبة، وكان إذا فعل ذلك لم يمر على ناد من قريش إلا وقف وسلم وتحدث معهم، وكان أعز فتى فى قريش وأشده شكيمة.\rفلما مر بالمولاة، وقد رجع رسول الله ﷺ إلى بيته قالت له: يا أبا عمارة، لو رأيت ما لقى ابن أخيك محمد آنفا من أبى الحكم بن هشام! وجده ها هنا جالسا فآذاه وسبه وبلغ منه ما يكره، ثم انصرف عنه ولم يكلمه محمد. فاحتمل حمزة الغضب، لما أراد الله به من كرامته، فخرج يسعى لم يقف على أحد، معدا لأبى جهل إذا لقيه أن يقع به.\rفلما دخل المسجد نظر إليه جالسا فى القوم فأقبل نحوه حتى إذا قام على رأسه رفع القوس فضربه بها فشجه بها شجة منكرة، ثم قال: أتشتمه، فأنا على دينه أقول ما يقول، فرد على إن استطعت. فقامت رجال بنى مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل،","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (٢/ ٢٧٦) ، إتحاف السادة المتقين للزبيدى (٧/ ٦٦) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٦/ ١٥) .\r(٢) انظر: السيرة (١/ ٢٤٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083626,"book_id":3509,"shamela_page_id":189,"part":"1","page_num":186,"sequence_num":189,"body":"فقال أبو جهل: دعوا أبا عمارة، فإنى والله قد سببت ابن أخيه سبا قبيحا. وتم حمزة على إسلامه وعلى ما بايع عليه رسول الله ﷺ من قوله. فلما أسلم حمزة عرفت قريش أن رسول الله ﷺ قد عز وامتنع، وأن حمزة سيمنعه، فكفوا عن بعض ما كانوا ينالون منه «١» .\rوعن محمد بن كعب القرظى، قال: حدثت أن عتبة بن ربيعة، وكان سيدا، قال يوما وهو جالس فى نادى قريش، والنبى ﷺ جالس فى المسجد وحده: يا معشر قريش، ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء ويكف عنا؟\rوذلك حين أسلم حمزة ورأوا أن أصحاب رسول الله ﷺ يزيدون ويكثرون. فقالوا: بلى يا أبا الوليد، فقم إليه فكلمه.\rفقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله ﷺ فقال: يا ابن أخى، إنك منا حيث قد علمت من السطة فى العشيرة والمكان فى النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت به جماعتهم وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفرت به من مضى من آبائهم، فاسمع منى أعرض عليك أمورا تنظر فيها، لعلك تقبل منا بعضها.\rفقال له رسول الله ﷺ: «قل يا أبا الوليد أسمع» .\rقال: يا ابن أخى، إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تريد به شرفا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرا دونك، وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذى يأتيك رئيا لا تستطيع رده من نفسك طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه. أو كما قال له.\rحتى إذا فرغ عتبة، ورسول الله ﷺ يسمع منه قال: «أقد فرغت يا أبا الوليد؟» قال:\rنعم. قال: «فاسمع منى» . قال: أفعل، قال: بسم الله الرحمن الرحيم حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ [فصلت: ١، ٤] . ومضى رسول الله ﷺ فيها يقرؤها عليه، فلما سمعها عتبة أنصت لها وألقى يديه خلف ظهره معتمدا عليها","footnotes":"(١) ذكره أبو نعيم فى حلية الأولياء (١/ ٤٠) ، وفى الدلائل (١٩٤) ، الهيثمى فى المجمع (٩/ ٢٦٧) ، ابن عساكر فى التاريخ (١٢/ ٧٢٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083627,"book_id":3509,"shamela_page_id":190,"part":"1","page_num":187,"sequence_num":190,"body":"يستمع منه، ثم انتهى رسول الله ﷺ إلى السجدة منها، فسجد ثم قال: «قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت فأنت وذاك» . فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذى ذهب به.\rفلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائى أنى سمعت قولا ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة، يا معشر قريش أطيعونى واجعلوها بى، وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه فو الله ليكونن لقوله الذى سمعت نبأ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم وكنتم أسعد الناس به. قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه، قال: هذا رأيى فيه، فاصنعوا ما بدا لكم «١» .\rقال ابن إسحاق «٢» : ثم إن الإسلام جعل يفشو بمكة فى قبائل قريش فى الرجال والنساء، وقريش تحبس من قدرت على حبسه، وتفتن من استطاعت فتنته من المسلمين، ثم إن أشراف قريش من كل قبيلة، اجتمعوا بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة، ثم قال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد فكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه.\rفبعثوا إليه فجاءهم رسول الله ﷺ سريعا، وهو يظن أن قد بدا لهم فيما كلمهم فيه بداء، وكان عليهم حريصا يحب رشدهم ويعز عليه عنتهم، حتى جلس إليهم، فقالوا: يا محمد، إنا قد بعثنا إليك لنكلمك، وإنا والله ما نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء، وعبت الدين، وشتمت الآلهة، وسفهت الأحلام، وفرقت الجماعة، فلما بقى أمر قبيح إلا قد جئته فيما بيننا وبينك، أو كما قالوا به، فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت إنما تريد به الشرف فينا فنحن نسودك علينا، وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذى يأتيك رئيا تراه قد غلب عليك، وكانوا يسمون التابع من الجن رئيا، فربما كان ذلك، بذلنا أموالنا فى طلب الطب لك حتى نبرئك منه أو نعذر فيك.\rفقال لهم رسول الله ﷺ: «ما بى ما تقولون، ما جئت بما جئت به أطلب أموالكم ولا","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: كنز العمال للمتقى الهندى (٣٥٤٢٨) ، دلائل النبوة للبيهقى (٢/ ٢٠٤، ٢٠٥) ، البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ٦٢- ٦٤) .\r(٢) انظر: السيرة (١/ ٢٤٣) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083628,"book_id":3509,"shamela_page_id":191,"part":"1","page_num":188,"sequence_num":191,"body":"الشرف فيكم ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثنى إليكم رسولا وأنزل على كتابا، وأمرنى أن أكون لكم بشيرا ونذيرا، فبلغتكم رسالات ربى ونصحت لكم، فإن تقبلوا منى ما جئتمكم به فهو حظكم فى الدنيا والآخرة، وإن تردوه على أصبر لحكم الله حتى يحكم الله بينى وبينكم» . أو كما قال ﷺ، قالوا: يا محمد، فإن كنت غير قابل شيئا مما عرضنا عليك فإنك قد علمت أنه ليس أحد من الناس أضيق بلدا ولا أقل ماء ولا أشد عيشا منا، فسل لنا ربك الذى بعثك بما بعثك به فليسير عنا هذه الجبال التى قد ضيقت علينا، وليبسط لنا بلادنا وليخرق فيها أنهارا كأنهار الشام والعراق، وليبعث لنا من مضى من آبائنا، وليكن فيمن يبعث لنا منهم قصى بن كلاب، فإنه كان شيخ صدق فنسألهم عما تقول: أحق هو أم باطل، فإن صدقوك وصنعت ما سألناك صدقناك وعرفنا به منزلتك من الله وأنه بعثك رسولا إلينا كما تقول.\rفقال لهم رسول الله ﷺ: «ما بهذا بعثت إليكم، إنما جئتكم من الله بما بعثنى به، وقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم، فإن تقبلوه فهو حظكم فى الدنيا والآخرة، وإن تردوه على أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بينى وبينكم» ، قالوا: فإذا لم تفعل هذا لنا فخذ لنفسك، سل ربك أن يبعث معك ملكا يصدقك بما تقول ويراجعنا عنك، وسله فليجعل لك جنانا وقصورا وكنوزا من ذهب وفضة يغنيك بها عما نراك تبتغى، فإنك تقوم بالأسواق وتلتمس المعاش كما نلتمسه، حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربك إن كنت رسولا كما تزعم، فقال لهم رسول الله ﷺ: «ما أنا بفاعل وما أنا بالذى يسأل ربه هذا وما بعثت إليكم بهذا، ولكن الله بعثنى بشيرا ونذيرا» . أو كما قال: «فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم فى الدنيا والآخرة، وإن تردوه على أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بينى وبينكم» .\rقالوا: فأسقط السماء علينا كسفا كما زعمت أن ربك إن شاء فعل، فإنا لا نؤمن بك إلا أن تفعل. فقال رسول الله ﷺ: «ذلك إلى الله إن شاء أن يفعله بكم فعل» . قالوا:\rيا محمد، فما علم ربك أنا سنجلس معك ونسألك عما سألناك عنه ونطلب منك ما نطلب، فيتقدم إليك فيعلمك ما تراجعنا به ويخبرك ما هو صانع فى ذلك بنا إذ لم نقبل منك ما جئتنا به؟ إنه بلغنا أنك إنما يعلمك هذا رجل باليمامة يقال له: الرحمن، وإنا والله ما نؤمن بالرحمن أبدا، فقد أعذرنا إليك يا محمد، وإنا والله لا نتركك، وما بلغت بنا حتى نهلكك أو تهلكنا.\rوقال قائلهم: نحن نعبد الملائكة وهى بنات الله. وقال قائلهم: لن نؤمن لك حتى تأتينا بالله والملائكة قبيلا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083629,"book_id":3509,"shamela_page_id":192,"part":"1","page_num":189,"sequence_num":192,"body":"فلما قالوا ذلك لرسول الله ﷺ قام عنهم، وقام معه عبد الله بن أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وهو ابن عمته عاتكة بنت عبد المطلب، فقال له: يا محمد عرض عليك قومك ما عرضوا، فلم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم أمورا ليعرفوا بها منزلتك من الله كما تقول ويصدقوك ويتبعوك، فلم تفعل، ثم سألوك أن تأخذ لنفسك ما يعرفون به فضلك عليهم ومنزلتك من الله، فلم تفعل، ثم سألوك أن تعجل لهم بعض ما تخوفهم به من العذاب، فلم تفعل. أو كما قال له، فو الله لا أؤمن لك أبدا حتى تتخذ إلى السماء سلمأ ثم ترقى فيه وأنا أنظر، حتى تأتيها، ثم تأتى معك بصك معك أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول، وأيم الله لو فعلت ذلك ما طننت أنى أصدقك. ثم انصرف عن رسول الله ﷺ، وانصرف رسول الله ﷺ إلى أهله حزينا آسفا لما فاته مما كان يطمع به من قومه حين دعوه، ولما رأى من مباعدتهم إياه.\rفلما قام عنهم قال أبو جهل: يا معشر قريش إن محمدا قد أبى إلا ما ترون من عيب ديننا، وشتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وشتم آلهتنا، وإنى أعاهد الله لأجلسن له غدا بحجر ما أطيق حمله، أو كما قال، فإذا سجد فى صلاته فضخت به رأسه، فأسلمونى عند ذلك أو امنعونى، فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم. قالوا: والله لا نسلمك لشىء أبدا فامض لما تريد.\rفلما أصبح أبو جهل أخذ حجرا كما وصف، ثم جلس لرسول الله ﷺ ينتظره، وغدا رسول الله ﷺ كما كان يغدر، وكان بمكة وقبلته إلى الشام، فكان إذا صلى صلى بين الركنين: الركن اليمانى والحجر الأسود وجعل الكعبة بينه وبين الشام.\rفقام رسول الله ﷺ يصلى، وقد غدت قريش فى أنديتهم ينتظرون ما أبو جهل فاعل، فلما سجد رسول الله ﷺ احتمل أبو جهل الحجر ثم أقبل نحوه، حتى إذا دنا منه رجع منهزما منتقعا لونه مرعوبا قد يبست يداه على حجره حتى قذف الحجر من يده. وقامت إليه رجال قريش فقالوا: ما لك يا أبا الحكم؟ قال: قمت إليه لأفعل ما قلت لكم البارحة، فلما دنوت منه عرض لى دونه فحل من الإبل لا والله ما رأيت مثل هامته ولا قصرته، ولا أنيابه لفحل قط، فهم بى أن يأكلنى.\rقال ابن إسحاق «١» : فذكر لى أن رسول الله ﷺ قال: «ذلك جبريل، لو دنا لأخذه» «٢» .","footnotes":"(١) انظر: السيرة (١/ ٢٤٦) .\r(٢) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (٢/ ١٩١) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083630,"book_id":3509,"shamela_page_id":193,"part":"1","page_num":190,"sequence_num":193,"body":"فلما قال لهم ذلك أبو جهل قام النضر بن الحارث بن كلدة بن علقمة بن عبد مناف ابن عبد الدار بن قصى، فقال لهم: يا معشر قريش، إنه والله قد نزل بكم أمر ما أتيتم له بحيلة بعد، قد كان محمد فيكم غلاما حدثا أرضاكم فيكم وأصدقكم حديثا وأعظمكم أمانة، حتى إذا رأيتم فى صدغيه الشيب وجاءكم بما جاءكم به قلتم: ساحر.\rلا والله ما هو بساحر، قد رأينا السحرة نفثهم وعقدهم. وقلتم: كاهن. لا والله ما هو بكاهن، قد رأينا الكهنة تخالجهم وسمعنا سجعهم. وقلتم: شاعر، لا والله ما هو بشاعر، لقد رأينا الشعر وسمعنا أصنافه كلها هزجه ورجزه. وقلتم: مجنون. لا والله ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون فما هو بخنقه ولا وسوسته ولا تخليطه، يا معشر قريش، انظروا فى شأنكم فإنه والله لقد نزل بكم أمر عظيم.\rفلما قال لهم ذلك النضر بن الحارث بعثوه وبعثوا معه عقبة بن أبى معيط إلى أحبار يهود بالمدينة، وقالوا لهما: سلاهم عن محمد وصفا لهم صفته وأخبراهم بقوله، فإنهم أهل الكتاب الأول، وعندهم علم ليس عندنا من علم الأنبياء.\rفخرجا حتى قدما المدينة فسألا أحبار يهود عن رسول الله ﷺ ووصفا لهم أمره وأخبراهم ببعض قوله، وقالا لهم: إنكم أهل التوراة وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا!.\rفقالت لهما أحبار يهود: سلوه عن ثلاث نأمركم بهن، فإن أخبركم بهن فهو نبى مرسل، وإن لم يفعل فالرجل متقول فروا فيه رأيكم، سلوه عن فتية ذهبوا فى الدهر الأول ما كان أمرهم؟ فإنه كان لهم حديث عجيب، وسلوه عن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبأه؟ وسلوه عن الروح ما هو؟ فإذا أخبركم بذلك فاتبعوه فإنه نبى، وإن لم يفعل فهو رجل متقول فاصنعوا فى أمره ما بدا لكم.\rفأقبل النضر بن الحارث وعقبة بن أبى معيط حتى قدما مكة، فقالا: يا معشر قريش، قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد. أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أشياء، فإن أخبركم عنها فهو نبى، وإن لم يفعل فالرجل متقول، فروا فيه رأيكم.\rفجاؤا رسول الله ﷺ فسألوه عن تلك الأشياء، فقال لهم: «أخبركم بما سألتم عنه غدا» ، ولم يستثن، فانصرفوا عنه، ومكث رسول الله ﷺ فيما يذكرون خمس عشرة ليلة لا يحدث الله ﷿، إليه فى ذلك وحيا ولا يأتيه جبريل، حتى أرجف آل مكة، وقالوا: وعدنا محمد غدا، واليوم خمس عشرة ليلة قد أصبحنا منها لا يخبرنا بشىء مما","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083631,"book_id":3509,"shamela_page_id":194,"part":"1","page_num":191,"sequence_num":194,"body":"سألناه عنه. وحتى أحزن رسول الله ﷺ مكث الوحى عنه وشق عليه ما يتلكم به أهل مكة، ثم جاءه جبريل من الله بسورة أصحاب الكهف، فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم وخبر ما سألوه عنه من أمر الفتية والرجل الطواف والروح.\rفذكر لى أن رسول الله ﷺ قال لجبريل حين جاءه: «لقد احتبست عنى يا جبريل حتى سؤت ظنا» . فقال له جبريل: وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [مريم: ٦٤] «١» .\rفلما جاءهم رسول الله ﷺ بما عرفوا من الحق، وعرفوا صدقه فيما حدث وموقع نبوته فيما جاءهم به من علم الغيوب حين سألوه عما سألوه عنه، حال الحسد منهم له بينهم وبين اتباعه وتصديقه، فعتوا على الله وتركوا أمره عيانا ولجوا فيما هم عليه من الكفر، فقال قائلهم: لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت:\r٢٦] أى اجعلوه لغوا وباطلا، واتخذوه هزوا لعلكم تغلبونه بذلك، فإنكم إن ناظرتموه وخاصمتموه غلبكم.\rفقال أبو جهل بن هشام يوما وهو يهزأ برسول الله ﷺ وما جاء به من الحق: يا معشر قريش، يزعم محمد أنما جنود الله الذين يعذبونكم فى النار ويحبسونكم فيها تسعة عشر، وأنتم أعظم الناس عددا وكثرة، أفيعجز كل مائة رجل منكم عن رجل منهم؟!.\rفأنزل الله فى ذلك من قوله: وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً [المدثر:\r٣١] إلى آخر القصة «٢» .\rفلما قال ذلك بعضهم لبعض، جعلوا إذا جهر رسول الله ﷺ بالقرآن وهو يصلى يتفرقون عنه ويأبون أن يستمعوا له، فكان الرجل منهم إذا أراد أن يستمع من رسول الله ﷺ بعض ما يتلو من القرآن وهو يصلى استرق السمع دونهم فرقا منهم، فإن رأى أنهم قد عرفوا أنه يستمع ذهب خشية أذا هم فلم يستمع، وإن خفض رسول الله ﷺ صوته فظن الذى يستمع أنهم لا يسمعون شيئا من قراءته وسمع هو شيئا دونهم أصاخ يستمع له «٣» .","footnotes":"(١) ذكره الواحدى فى أسباب النزول (٢٥٢) ، ابن حجر فى فتح البارى (٨/ ٢٨٤) .\r(٢) ذكره الشوكانى فى فتح القدير (٥/ ٤٧١) ، وقال: أخرجه ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس ولم يذكر له إسنادا.\r(٣) ذكره الطبرى فى تفسيره (١٥/ ١٦٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083632,"book_id":3509,"shamela_page_id":195,"part":"1","page_num":192,"sequence_num":195,"body":"وقال عبد الله بن عباس «١» : إنما نزلت هذه الآية: وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا [الإسراء: ١١٠] من أجل أولئك النفر «٢» .\rيقول: لا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ فيتفرقوا عنك وَلا تُخافِتْ بِها فلا يسمعها من يحب أن يسمعها ممن يسترق ذلك دونهم، لعله يرعوى إلى بعض ما يستمع فينتفع بذلك.\rوكان أول من جهر بالقرآن بعد رسول الله ﷺ بمكة عبد الله بن مسعود فيما حدث به عروة بن الزبير «٣» قال: اجتمع يوما أصحاب رسول الله ﷺ، فقالوا: والله ما سمعت قريش هذا القرآن يجهر لها به قط، فمن رجل يسمعهموه؟ فقال عبد الله بن مسعود:\rأنا. قالوا: إنا نخشاهم عليك، إنما نريد رجلا له عشيرة يمنعونه من القوم إن أرادوه. قال:\rدعونى فإن الله سيمنعنى. قال: فغدا ابن مسعود حتى أتى المقام فى الضحى، وقريش فى أنديتها، حتى قام عند المقام ثم قال: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ رافعا بها صوته الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ. ثم استقبلها يقرؤها، وتأمموه فجعلوا يقولون: ما قال ابن أم عبد؟ ثم قالوا: إنه ليتلوا بعض ما جاء به محمد.\rفقاموا إليه فجعلوا يضربون فى وجهه وجعل يقرأ حتى بلغ منها ما شاء الله أن يبلغ، ثم انصرف إلى أصحابه وقد أثروا بوجهه. فقالوا: هذا الذى خشينا عليك. قال: ما كان أعداء الله أهون على منهم الآن، ولئن شئتم لأغادينهم بمثلها قالوا: لا، حسبك، فقد أسمعتهم ما يكرهون «٤» .\rوذكر الزهرى «٥» أن أبا سفيان بن حرب وأبا جهل بن هشام والأخنس بن شريق خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله ﷺ وهو يصلى من الليل فى بيته، فأخذ كل رجل منهم مجلسا يستمع فيه، وكل لا يعلم بمكان صاحبه فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق، فتلاوموا وقال بعضهم لبعض: لا تعودوا فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم فى نفسه شيئا.\rثم انصرفوا، حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كل رجل منهم إلى مجلسه فباتوا","footnotes":"(١) انظر: السيرة (١/ ٢٥٩) .\r(٢) انظر الحديث فى: صحيح البخارى حديث رقم (٧٤٩٠) ، صحيح مسلم كتاب الصلاة (١/ ١٤٥) ، سنن الترمذى (٣١٤٦) .\r(٣) انظر: السيرة (١/ ٢٥٩- ٢٦٠) .\r(٤) ذكره القرطبى فى تفسيره (٧/ ١٤٧) ، الطبرى فى تاريخه (٢/ ٣٣٤، ٣٣٥) .\r(٥) انظر: السيرة (١/ ٢٦٠- ٢٦١) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083633,"book_id":3509,"shamela_page_id":196,"part":"1","page_num":193,"sequence_num":196,"body":"يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرة. ثم انصرفوا، حتى إذا كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل منهم مجلسه فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض: لا نبرح حتى نتعاهد لا نعود. فتعاهدوا على ذلك ثم تفرقوا.\rفلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه، ثم خرج حتى أتى أبا سفيان فى بيته فقال: أخبرنى يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد؟ فقال: يا أبا ثعلبة، والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها، وسمعت أشياء ما عرفت معناها ولا ما يراد بها.\rقال الأخنس: وأنا والذى حلفت به، ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل فدخل عليه بيته فقال: يا أبا الحكم ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ قال: ماذا سمعت؟ تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطمعوا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تحاذينا على الركب وكنا كفرسى رهان قالوا: منا نبى يأتيه الوحى من السماء!!.\rفمن يدرك هذه؟! والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه. فقام عنه الأخنس وتركه «١» .\rقال ابن إسحاق «٢» : وكان رسول الله ﷺ إذا تلا عليهم القرآن ودعاهم إلى الله قالوا يستهزئون به: قلوبنا فى أكنة لا نفقه ما تقول، وفى آذاننا وقر لا نسمع ما تقول، ومن بيننا وبينك حجاب قد حال بيننا وبينك، فاعمل بما أنت عليه إنا عاملون بما نحن عليه، إنا لا نفقه عنك شيئا، فأنزل الله عليه فى ذلك من قولهم: وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً إلى قوله: وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً [الإسراء: ٤٥، ٤٦] .\rأى كيف فهموا توحيدك ربك، إن كنت جعلت على قلوبهم أكنة وفى آذانهم وقرا وبينك وبينهم حجابا بزعمهم؟ أى أنى لم أفعل. نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً [الإسراء: ٤٧] .\rأى ذلك ما تواصوا به من ترك ما بعثتك به إليهم. انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا [الإسراء: ٤٨] ، أى أخطأوا المثل الذى ضربوا لك، فلا يصيبون","footnotes":"(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره (٥/ ٨١) .\r(٢) انظر: السيرة (١/ ٢٦١- ٢٦٢) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083634,"book_id":3509,"shamela_page_id":197,"part":"1","page_num":194,"sequence_num":197,"body":"به هدى ولا يعتدل بهم فيه قول وَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً [الإسراء: ٤٩] أى قد جئت تخبرنا أنا سنبعث بعد موتنا إذا كنا عظاما ورفاتا وذلك ما لا يكون. قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الإسراء: ٥٠، ٥١] أى الذى خلقكم مما تعرفون، فليس خلقكم من تراب بأعز من ذلك عليه. وسئل ابن عباس عن قول الله ﷿: أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ ما الذى أراد الله به؟ فقال:\rالموت.\rقال ابن إسحاق «١» : ثم إنهم عدوا على من أسلم واتبع رسول الله ﷺ من أصحابه، فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين، فجعلوا يحبسونهم ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش، وبرمضاء مكة إذا اشتد الحر، من استضعفوا منهم، يفتنونهم عن دينهم، منهم من يفتتن من شدة البلاء الذى يصيبه، ومنهم من يصلب لهم ويعصمه الله منهم.\rفكان بلال بن رباح وهو ابن حمامة لبعض بنى جمح «٢» مولدا من مولديهم، وكان صادق الإسلام طاهر القلب، فكان أمية بن خلف يخرجه إذا حميت الظهيرة فيطرحه على ظهره فى بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول له:\rلا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى فيقول وهو فى ذلك البلاء: أحد أحد.\rوكان ورقة بن نوفل يمر به وهو يعذب بذلك، وهو يقول: أحد أحد، فيقول: أحد أحد والله يا بلال! «٣» ثم يقبل على أمية ومن يصنع ذلك به من بنى جمح فيقول: أحلف بالله لئن قتلتموه على هذا لأتخذنه حنانا.\rأى: لأتخذن قبره منسكا ومسترحما، والحنان: الرحمة. حتى مر به أبو بكر الصديق يوما وهم يصنعون ذلك به فقال لأمية: ألا تتقى الله فى هذا المسكين؟! حتى متى؟!","footnotes":"(١) انظر: السيرة (١/ ٢٦٢) .\r(٢) بنى جمح: ينتسبون إلى جمح بن عمرو، وهو بطن من العدنانية. انظر: معجم قبائل العرب (١/ ٢٠٢، ٢٠٣) .\r(٣) قال ابن كثير فى البداية والنهاية (٣/ ١٠٧) : قد استشكل بعضهم هذا من جهة أن ورقة توفى بعد البعثة فى فترة الوحى، وإسلام من أسلم إنما كان بعد نزول: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ فكيف يمر ورقة ببلال وهو يعذب؟ وفيه نظر.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083635,"book_id":3509,"shamela_page_id":198,"part":"1","page_num":195,"sequence_num":198,"body":"قال: أنت الذى أفسدته فأنقذه. فقال أبو بكر: أفعل: عندى غلام أسود أجلد منه وأقوى، على دينك، أعطيكه به. قال: قد قبلت. قال: هو لك. فأعطاه أبو بكر غلامه ذلك، وأخذ بلالا فأعتقه «١» .\rوأعتق معه على الإسلام قبل أن يهاجر إلى المدينة ست رقاب، بلال سابعهم، عامر ابن فهيرة، وأم عبيس «٢» ، وزنيرة «٣» ، فأصيب بصرها حين أعتقها، فقالت قريش: ما أذهب بصرها إلا اللات والعزى. فقالت: كذبوا وبيت الله، ما تضر اللات والعزى ولا تنفعان. فرد الله إليها بصرها «٤» .\rوأعتق النهدية وابنتها، وكانتا لامرأة من بنى عبد الدار، فمر بهما أبو بكر وقد بعثتهما سيدتهما بطحين لها وهى تقول: والله لا أعتقكما أبدا. فقال أبو بكر: حلا يا أم فلان. فقالت: حل أنت، أفسدتهما فأعتقهما. قال: فبكم هما؟ قالت: بكذا وكذا.\rقال: قد أخذتهما، وهما حرتان، أرجعا إليها طحينها. قالتا: أو نفرغ منه يا أبا بكر ثم نرده إليها؟ قال: أو ذلك إن شيئتما «٥» .\rومر بجارية بنى نوفل حى من بنى عدى، وعمر بن الخطاب يعذبها لتترك الإسلام وهو يومئذ مشرك، فابتاعها أبو بكر فأعتقها. وقال له أبوه أبو قحافة: يا بنى، إنى أراك تعتق رقابا ضعافا فلو أنك إذ فعلت ما فعلت أعتقت رجالا جلداء يمنعونك ويقومون دونك؟ فقال أبو بكر: يا أبت إنى إنما أريد ما أريد.\rفيتحدث أنه ما نزل هؤلاء الآيات إلا فيه وفيما قال أبوه: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى إلى آخر السورة [الليل: ٧] «٦» .","footnotes":"(١) ذكره أبو نعيم فى حلية الأولياء (١/ ١٤٨) ، ابن سعد فى الطبقات (١/ ٢٤٣) .\r(٢) قال ابن عبد البر فى الاستيعاب (٤/ ٥٠٠) : أم عبيس، قال الزبير: كانت فتاة لبنى تيم بن مرة فأسلمت، وكانت ممن يعذب فى الله فاشتراها أبو بكر فأعتقها.\r(٣) قال ابن عبد البر فى الاستيعاب (٤/ ٤٠٦) : زنيرة: مولاة أبى بكر الصديق، هى أحد السبعة الذين كانوا يعذبون فى الله، فاشتراهم أبو بكر وأعتقهم. انظر ترجمتها فى: أسد الغابة الترجمة رقم (٦٩٤٨) ، الإصابة الترجمة رقم (١١٢٢٢) .\r(٤) ذكره ابن كثير فى البداية والنهاية (٣/ ١٠٧) .\r(٥) ذكره ابن كثير فى البداية (٣/ ١٠٧) .\r(٦) ذكره الطبرى فى تفسيره (٣٠/ ٢٢١) ، الحاكم فى المستدرك (٢/ ٥٢٥) ، وابن كثير فى تفسيره (٨/ ٤٤٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083636,"book_id":3509,"shamela_page_id":199,"part":"1","page_num":196,"sequence_num":199,"body":"وكانت بنو مخزوم يخرجون بعمار بن ياسر وبأبيه وأمه، وكانوا أهل بيت إسلام، إذا حميت الظهيرة يعذبونهم برمضاء مكة، فيمر بهم رسول الله ﷺ فيقول فيما بلغنى:\r«صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة» «١» . فأما أمه فقتلوها وهى تأبى إلا الإسلام.\rوكان أبو جهل الفاسق الذى يغرى بهم، فى رجال من قريش، إذا سمع بالرجل له شرف ومنعة قد أسلم أنبه وأخزاه فقال: تركت دين أبيك وهو خير منك! لنسفهن حلمك ولنفيلن رأيك ولنضعن شرفك. وإن كان تاجرا قال: والله لنكسدن تجارتك ولنهلكن مالك. وإن كان ضعيفا ضربه وأغرى به.\rوقال سعيد بن جبير لعبد الله بن عباس «٢» : أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله ﷺ من العذاب ما يعذرون به فى ترك دينهم؟ قال: نعم والله، إن كانوا ليضربون أحدهم ويجيعونه ويعطشونه حتى ما يقدر أن يستوى جالسا من شدة الضر الذى به حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة حتى يقولوا له: اللات والعزى إلهك من دون الله؟ فيقول: نعم. حتى إن الجعل ليمر بهم فيقولون له: أهذا الجعل إلهك من دون الله؟\rفيقول: نعم. افتداء منهم مما يلغون من جهده «٣» .\r\rذكر الهجرة إلى أرض الحبشة\rقال ابن إسحاق «٤» : فلما رأى رسول الله ﷺ ما يصيب أصحابه من البلاء، وما هو فيه من العافية بمكانه من الله ومن عمه أبى طالب، وأنه لا يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء قال لهم: «لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد،","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: مستدرك الحاكم (٣/ ٣٨٣) ، المطالب العالية لابن حجر (٤٠٣٤) ، كنز العمال للمتقى الهندى (٣٧٣٦٦، ٣٧٣٦٨) ، حلية الأولياء لأبى نعيم (١/ ١٤٠) ، البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ٥٩) .\r(٢) انظر: السيرة (١/ ٢٦٥) .\r(٣) ذكره ابن كثير فى البداية والنهاية (٣/ ١٧١) . وقال: وفى مثل هذا أنزل الله تعالى: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ الآية، فهؤلاء كانوا معذورين بما حصل لهم من الإهانة والعذاب البليغ، أجارنا الله من ذلك بحوله وقوته.\r(٤) انظر: السيرة (١/ ٢٦٦- ٢٦٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083637,"book_id":3509,"shamela_page_id":200,"part":"1","page_num":197,"sequence_num":200,"body":"وهى أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه» «١» .\rفخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله ﷺ إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة وفرارا بدينهم إلى الله. فكانت أول هجرة كانت فى الإسلام.\rوكان أول من خرج من المسلمين عثمان بن عفان مع امرأته رقية بنت رسول الله ﷺ، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة معه امرأته سهلة بنت سهيل، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، ومصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، وأبو سلمة بن عبد الأسد المخزومى معه امرأته أم سلمة، وعثمان بن مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح، وعامر بن ربيعة حليف آل الخطاب بن نفيل معه امرأته ليلى بنت أبى حثمة، وسهل بن بيضاء من بنى الحارث بن فهر، وأبو سبرة بن أبى رهم، ويقال: بل أبو حاطب بن عمرو. ويقال: هو كان أول من قدمها.\rوكان هؤلاء العشرة أول من خرج من المسلمين، ثم خرج جعفر بن أبى طالب وتتابع المسلمون حتى اجتمعوا بأرض الحبشة منهم من خرج بأهله ومنهم من خرج بنفسه.\rفكان جميع من لحق بأرض الحبشة من المسلمين سوى أبنائهم الذين خرجوا بهم صغارا أو ولدوا بها، ثلاثة وثمانين رجلا، إن كان عمار بن ياسر فيهم، وهو يشك فيه.\rوكان مما قيل من الشعر فى الحبشة أن عبد الله بن الحارث بن قيس بن عدى بن سعيد بن سهم، حين أمنوا بأرض الحبشة وحمدوا جوار النجاشى، وعبدوا الله لا يخافون على ذلك أحدا قال:\rيا راكبا بلغن عنى مغلغلة ... من كان يرجو بلاغ الله والدين «٢»\rكل امرىء من عباد الله مضطهد ... ببطن مكة مقهور ومفتون\rأنا وجدنا بلاد الله واسعة ... تنجى من الذى والمخزاة والهون\rفلا تقيموا على ذل الحياة وخز ... ى فى الممات وغيب غير مأمون\rإنا تبعنا رسول الله واطرحوا ... قول النبى وعالوا فى الموازين\rفاجعل عذابك بالقوم الذين بغوا ... وعائذا بك أن يعلوا فيطغونى\rوقال عبد الله بن الحارث أيضا، يذكر نفى قريش إياهم من بلادهم ويعاتب بعض","footnotes":"(١) ذكره ابن كثير فى البداية والنهاية (٣/ ٦٦) .\r(٢) مغلغلة: بفتح العين هى الرسالة المحمولة من بلد إلى بلد.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083638,"book_id":3509,"shamela_page_id":201,"part":"1","page_num":198,"sequence_num":201,"body":"قومه فى ذلك:\rأبت كبدى لا أكذبنك قتالهم ... على وتأباه على أناملى\rوكيف قتالى معشرا أدبوكم ... على الحق ألا تأشبوه بباطل\rنفتهم عباد الجن من حر أرضهم ... فأضحوا على أمر شديد البلابل «١»\rفإن تك كانت فى عدى أمانة ... عدى بن سعد عن تقى أو تواصل\rفقد كنت أرجو أن ذلك فيهم ... بحمد الذى لا يطبى بالجعائل\rوبدلت شبلا شبل كل ضعيفة ... بذى فجر مأوى الضعاف الأرامل «٢»\rوقال عبد الله بن الحارث أيضا:\rوتلك قريش تجحد الله حقه ... كما جحدت عاد ومدين والحجر «٣»\rفإن أنا لم أبرق فلا يسعنى ... من الأرض بر ذو فضاء ولا بحر\rبأرض بها عبد الإلة محمد ... أبين ما فى النفس إذ بلغ النفر\rفسمى عبد الله يرحمه الله، المبرق ببيته الذى قال.\rوقال عثمان بن مظعون يعاتب أمية بن خلف وهو ابن عمه، وكان يؤذيه فى إسلامه، وكان أمية شريف قومه فى زمانه ذلك:\rأتيم بن عمرو للذى جاء بغضه ... ومن دونه الشرمان والبرك أكتع «٤»\rأأخرجتنى من بطن مكة آمنا ... وأسكنتنى فى صرح بيضاء تقذع\rتريش نبالا لا يواتيك ريشها ... وتبرى نبالا ريشها لك أجمع\rوحاربت أقواما كراما أعزة ... وأهلكت أقواما بهم كنت تقرع\rستعلم إن نابتك يوما ملمة ... وأسلمك الأوباش ما كنت تصنع\rوتيم بن عمرو، الذى يدعو عثمان، هو جمح بن عمرو، كان اسمه تيما.\rقال ابن إسحاق «٥» : فلما رأت قريش أن أصحاب رسول الله ﷺ قد أمنوا واطمأنوا","footnotes":"(١) حر أرضهم: هى الأرض الكريمة. البلابل: شدة الهم والوساوس فى الصدور وحديث النفس.\r(٢) لا يطبى: أى لا يستمال ولا يستدعى. الجعائل: جمع جعالة وهى الرشوة.\r(٣) الحجر: هو اسم ديار ثمود بوادى القرى من المددينة والشام، وقيل: هو من وادى القرى على يوم بين جبال وبها قامت منازل ثمود. انظر: معجم البلدان (٢/ ٢٢١) .\r(٤) الشرم: لجة البحر، وقيل: موضع فيه: وقيل: هو أبعد قعره والشروم غمرات البحر واحدها شرم. انظر: اللسان (مادة شرم) . البرك: هو جماعة الإبل الباركة، وقيل: اسم موضع.\r(٥) انظر: السيرة (١/ ٢٧٥- ٢٧٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083639,"book_id":3509,"shamela_page_id":202,"part":"1","page_num":199,"sequence_num":202,"body":"بأرض الحبشة، وأنهم قد أصابوا بها دارا وقرارا، ائتمروا بينهم أن يبعثوا فيهم رجلين من قريش جلدين إلى النجاشى، فيردهم عليهم، ليفتنوهم فى دينهم، ويخرجوهم من دارهم، التى اطمأنوا بها وأمنوا فيها.\rفبعثوا عبد الله بن أبى ربيعة، وعمرو بن العاص وجمعوا لهما هدايا للنجاشى ولبطارقته ثم بعثوهما.\rفقال أبو طالب، حين رأى ذلك من رأيهم وما بعثوهما فيه، أبياتا يحض النجاشى على حسن جوارهم والدفع عنهم:\rألا ليت شعرى كيف فى النأى جعفر ... وعمرو وأعداء العدو الأقارب\rوهل نالت أفعال النجاشى جعفرا ... وأصحابه أو عاق ذلك شاغب\rتعلم أبيت اللعن أنك ماجد ... كريم فلا يشقى لديك المجانب «١»\rتعلّم فإن الله زادك بسطة ... وأسباب خير كلها بك لازب\rوأنك فيض ذو سجال غزيرة ... ينال الأعادى نفعها والأقارب\rوذكر ابن إسحاق: من حديث «٢» أم سلمة زوج النبى ﷺ، قالت: لما نزلنا أرض الحبشة، تعنى مع زوجها الأول أبى سلمة، جاورنا بها خير جار النجاشى، أمنا على ديننا، وعبدنا الله تعالى لا نؤذى ولا نسمع شيئا نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشا، ائتمروا بينهم أن يبعثوا إلى النجاشى فينا رجلين منهم جليدين، وأن يهدوا للنجاشى هدايا مما يستظرف من متاع مكة، وكان من أعجب ما يأتيه منها الأدم، فجمعوا له أدما كثيرا، ولم يتركوا من بطارقته بطريقا إلا أهدوا لهم، ثم بعثوا بذلك عبد الله بن أبى ربيعة، وعمرو بن العاص، وأمروهما بأمرهم، وقالوا لهما: ادفعا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلما النجاشى فيهم، ثم قدما إلى النجاشى هداياه، ثم اسألاه أن يسلمهم إليكما قبل أن يكلمهم.\rقالت: فخرجا حتى قدما إلى النجاشى، ونحن عنده بخير دار، عند خير جار، فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته قبل أن يكلماه، وقالا لكل بطريق: إنه قد ضوى إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا فى دينكم، وجاؤا بدين مبتدع، لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم ليردهم","footnotes":"(١) أبيت اللعن: هذه تحية العرب فى الجاهلية للملوك. المجانب: أراد به الداخل فى حماه.\r(٢) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (١/ ٢٠٢) ، مجمع الزوائد (٦/ ٢٤، ٢٧) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083640,"book_id":3509,"shamela_page_id":203,"part":"1","page_num":200,"sequence_num":203,"body":"إليهم، فإذا كلمنا الملك فيهم فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم، فإن قومهم أعلى بهم عينا «١» ، وأعلم بما عابوا عليهم؛ فقالوا لهما: نعم.\rثم إنهما قربا هداياهما إلى النجاشى فقبلها، ثم قالا له: أيها الملك، إنه قد ضوى إلى بلدك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا فى دينك، جاؤا بدين ابتدعوه، لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم عليهم، فهم أعلى بهم عينا، وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه.\rقالت: ولم يكن شىء أبغض إلى عبد الله بن أبى ربيعة، وعمرو بن العاص من أن لا يسمع كلامهما النجاشى. فقالت بطارقته: صدقا أيها الملك، قومهم أعلى بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم، فأسلمهم إليهما، فليرداهم إلى بلادهم وقومهم.\rفغضب النجاشى، ثم قال: لاها الله، إذا لا أسلمهم إليهما، ولا يكاد قوم جاورونى ونزلوا بلادى، واختارونى على من سواى، حتى أدعوهم فأسألهم عما يقول هذان من أمرهم، فإن كانوا كما يقولان أسلمتهم إليهما، ورددتهم إلى قومهم، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهم، وأحسنت جوارهم ما جاورونى. ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله ﷺ، فدعاهم فلما جاءهم رسوله اجتمعوا، ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إذا جئتموه؟ قالوا: نقول والله ما علمنا، وما أمرنا به نبينا كائنا فى ذلك ما هو كائن.\rفلما جاؤا، وقد دعا النجاشى أساقفته، فنشروا مصاحفهم حوله، سألهم فقال لهم: ما هذا الدين الذى قد فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا به فى دينى ولا فى دين أحد من هذه الملل؟.\rقالت: فكان الذى كلمه جعفر بن أبى طالب، قال: أيها الملك، كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتى الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسىء الجوار، ويأكل القوى منا الضعيف، فكنا على ذلك، حتى بعث الله إلينا رسولا منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله لا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام. قالت: فعدد عليه أمور الإسلام.","footnotes":"(١) أعلى بهم عينا: أى أبصر بهم، وقيل: أى عينهم وأبصارهم فوق عين غيرهم.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083641,"book_id":3509,"shamela_page_id":204,"part":"1","page_num":201,"sequence_num":204,"body":"فصدقناه وآمنا به، واتبعناه على ما جاء به من الله، فعبدنا الله وحده، فلم نشرك به شيئا، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا، فعذبونا، وفتنونا عن ديننا، ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله تعالى، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا، وضيقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك ورغبنا فى جوارك، ورجونا ألا نظلم عندك أيها الملك، فقال له النجاشى: هل معك مما جاء به عن الله من شىء؟ فقال له جعفر: نعم.\rقال: فاقرأه علىّ. فقرأ عليه صدرا من: كهيعص، فبكى والله النجاشى حتى أخضل لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم، حين سمعوا ما يتلى عليهم.\rثم قال لهم النجاشى: إن هذا والذى جاء به موسى ليخرج من مشكاة «١» واحدة، انطلقا، فو الله لا أسلمهم إليكما أبدا ولا يكادون.\rفلما خرجا من عنده، قال عمرو بن العاص: والله لآتينه عنهم غدا بما أستأصل به خضراءهم «٢» . قالت: فقال له عبد الله بن أبى ربيعة، وكان أتقى الرجلين فينا: لا تفعل فإن لهم أرحاما، وإن كانوا قد خالفونا. قال: والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى ابن مريم عبد. ثم غدا عليه، فقال: أيها الملك، إنهم يقولون فى عيسى ابن مريم قولا عظيما، فسلهم عما يقولون فيه.\rقالت: فأرسل إليهم ليسألهم عنه، ولم ينزل مثلها قط. فاجتمع القوم، ثم قال بعضهم لبعض: ماذا تقولون فى عيسى ابن مريم إذا سألكم عنه؟ فقالوا: نقول والله ما قال الله، وما جاءنا به نبينا، كائنا فى ذلك ما هو كائن.\rقالت: فلما دخلوا عليه قال لهم: ما تقولون فى عيسى ابن مريم؟ قالت: فقال جعفر ابن أبى طالب: نقول فيه الذى جاءنا به نبينا، نقول: عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول، قالت: فضرب النجاشى بيده إلى الأرض فأخذ منها عودا، ثم قال: ما عدا عيسى ابن مريم ما قلت هذا العود، قالت: فتناخرت «٣» بطارقته حوله حين قال ما قال، فقال: وإن نخرتم والله، اذهبوا فأنتم شيوم بأرضى أى آمنون، من سبكم غرم، من سبكم غرم، من سبكم غرم، فما أحب أن لى دبرا من ذهب وأنى","footnotes":"(١) مشكاة: أى الثقب الذى يوضع فيه الفتيل والمصباح، وهى الكوة غير النافذ.\r(٢) استأصل به خضراءهم: أى جماعتهم وقوتهم ومعظمهم، وقيل: شجرتهم التى تفرعوا منها.\r(٣) تناخرت: أى تكلمت وكأنه كلام من غضب ونفور.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083642,"book_id":3509,"shamela_page_id":205,"part":"1","page_num":202,"sequence_num":205,"body":"آذيت رجلا منكم. ويقال دبرا، وهو الجبل بلسان الحبشة فيما قال ابن هشام.\rردوا عليهما هداياهما فلا حاجة لى بها، فو الله ما أخذ الله منى الرشوة حين رد على ملكى فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس فى فأطيعهم فيه. قالت: فخرجا من عنده مقبوحين مردودا عليهما ما جاآ به، وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار، قالت: فو الله إنا لعلى ذلك إذ نزل به رجل من الحبشة ينازعه فى ملكه فو الله ما علمتنا حزنا قط كان أشد من حزن حزناه عند ذلك، تخوفا أن يظهر ذلك الرجل على النجاشى فيأتى رجل لا يعرف من حقنا ما كان النجاشى يعرف منه.\rوسار إليه النجاشى وبينهما عرض النيل، فقال أصحاب رسول الله ﷺ: من رجل يخرج حتى يحضر وقيعة القوم ثم يأتينا بالخبر؟ فقال الزبير بن العوام: أنا قالوا: فأنت.\rوكان من أحدث القوم سنا، فنفخوا له قربة فجعلنها فى صدره ثم سبح عليها حتى خرج إلى ناحية النيل التى بها ملتقى القوم، ثم انطلق حتى حضرهم.\rقالت: ودعونا الله للنجاشى بالظهور على عدوه والتمكين له فى بلاده. فو الله إنا لعلى ذلك متوقعون لما هو كائن إذ طلع الزبير يسعى، فلمع بثوبه يقول: ألا أبشروا فقد ظهر النجاشى وأهلك الله عدوه فو الله ما علمتنا فرحنا فرحة قط مثلها.\rورجع النجاشى، وقد أهلك الله عدوه ومكن له فى بلاده واستوسق عليه أمر الحبشة، فكنا عنده فى خير منزل حتى قدمنا على رسول الله ﷺ.\rقال الزهرى «١» : فحدثت عروة بن الزبير هذا الحديث، فقال: هل تدرى ما قوله: «ما أخذ الله منى الرشوة حين رد على ملكى فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس فى فأطيع الناس فيه» قلت: لا والله.\rقال: فإن عائشة أم المؤمنين حدثتنى أن أباه كان ملك قومه، ولم يكن له ولد إلا النجاشى، وكان للنجاشى عم له من صلبه إثنا عشر رجلا، وكانوا أهل بيت مملكة الحبشة، فقالت الحبشة بينها: لو أنا قتلنا أبا النجاشى وملكنا أخاه، فإنه لا ولد له غير هذا الغلام، وإن لأخيه من صلبه إثنى عشر رجلا فتوارثوا ملكهم من بعده بقيت الحبشة بعده دهرا.\rفعدوا على أبى النجاشى فقتلوه وملكوا أخاه، فمكثوا على ذلك حينا ونشأ","footnotes":"(١) انظر: السيرة (١/ ٢٧٩- ٢٨١) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083643,"book_id":3509,"shamela_page_id":206,"part":"1","page_num":203,"sequence_num":206,"body":"النجاشى مع عمه، وكان لبيبا حازما من الرجال، فغلب على أمر عمه ونزل منه بكل منزلة، فلما رأت الحبشة مكانه منه قالت بينها: والله لقد غلب هذا الفتى على أمر عمه، وإنا لنتخوف أن يملكه علينا، وإن ملكه علينا ليقتلننا أجمعين، لقد عرف أنا نحن قتلنا أباه.\rفمشوا إلى عمه، فقالوا: إما أن تقتل هذا الفتى أو لتخرجنه من بين أظهرنا، فإنا قد خفناه على أنفسنا. قال: ويلكم! قتلت أباه بالأمس وأقتله اليوم! بل أخرجه من بلادكم.\rفخرجوا به إلى السوق فباعوه من رجل من التجار بستمائة درهم، فقذفه فى سفينة فانطلق به حتى إذا كان العشى من ذلك اليوم هاجت سحابة من سحائب الخريف فخرج عمه يستمطر تحتها فأصابته صاعقة فقتلته.\rففزعت الحبشة إلى ولده فإذا هو محمق ليس فى ولده خير، فمرج على الحبشة أمرهم، فلما ضاق عليهم ما هم فيه قال بعضهم لبعض: تعلموا والله أن ملككم الذى لا يقيم أمركم غيره الذى بعتموه غدوة، فإن كان لكم بأمر الحبشة حاجة فأدركوه.\rقالت: فخرجوا فى طلبه وطلب الرجل الذى باعوه منه حتى أدركوه فأخذوه منه، ثم جاؤا به فعقدوا عليه التاج وأقعدوه على سرير الملك، فجاءهم التاجر الذى كانوا باعوه منه، فقال: إما أن تعطونى مالى وإما أن أكلمه فى ذلك. فقالوا: لا نعطيك شيئا.\rقال: إذا والله أكلمه. قالوا: فدونك.\rفجاءه فجلس بين يديه، فقال: أيها الملك، ابتعت غلاما من قوم بالسوق بستمائة درهم، فأسلموا إلى غلامى وأخذوا دراهمى، حيث إذا سرت أدركونى فأخذوا غلامى ومنعونى دراهمى.\rفقال لهم النجاشى: لتعطنه دراهمه أو ليضعن غلامه يده فى يده فليذهبن به حيث شاء! قالوا: بل نعطيه دراهمه «١» .\rوكان ذلك أول ما خبر من صلابته فى دينه وعدله فى حكمه رحمه الله تعالى، وعن عائشة قالت: لما مات النجاشى كان يتحدث أنه لا يزال يرى على قبره نور.\rوذكر ابن إسحاق «٢» أيضا، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، أن الحبشة اجتمعت، فقالوا للنجاشى، يعنى عندما وافق جعفر بن أبى طالب على قوله فى عيسى ابن مريم:","footnotes":"(١) ذكره ابن كثير فى البداية والنهاية (٣/ ١٢٣- ١٢٤) .\r(٢) انظر: السيرة (١/ ٢٨١) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083644,"book_id":3509,"shamela_page_id":207,"part":"1","page_num":204,"sequence_num":207,"body":"إنك فارقت ديننا. وخرجوا عليه، فأرسل إلى جعفر وأصحابه وهيأ سفنا وقال: اركبوا فيها وكونوا كما أنتم، فإن هزمت فامضوا حتى تلحقوا بحيث شيئتم، وإن ظفرت فاثبتوا.\rثم عمد إلى كتاب فكتب فيه: هو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ويشهد أن عيسى عبده ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم.\rثم جعله فى قبائه عند المنكب الأيمن، وخرج إلى الحبشة وصفوا له، فقال: يا معشر الحبشة، ألست أحق الناس بكم؟ قالوا: بلى. قال: فكيف رأيتم سيرتى فيكم؟ قالوا:\rخير سيرة. قال: فما لكم؟ قالوا: فارقت ديننا وزعمت أن عيسى عبد. قال: فما تقولون أنتم فى عيسى؟ قالوا: نقول هو ابن الله. قال النجاشى، ووضع يده على صدره على قبائه: هو يشهد أن عيسى لم يزد على هذا شيئا. وإنما يعنى على ما كتب. فرضوا وانصرفوا، فبلغ ذلك النبى ﷺ، فلما مات النجاشى صلى عليه واستغفر له «١» .\rقال ابن إسحاق «٢» : ولما قدم عمرو بن العاص، وعبد الله بن أبى ربيعة على قريش، ولم يدركوا ما طلبوا من أصحاب رسول الله ﷺ وردهما النجاشى بما يكرهون، وأسلم عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وكان رجلا ذا شكيمة لا يرام ما وراء ظهره، امتنع به أصحاب رسول الله ﷺ وبحمزة حتى عازوا قريشا.\rفكان عبد الله بن مسعود يقول: ما كنا نقدر على أن نصلى عند الكعبة حتى أسلم عمر، فلما أسلم قاتل قريشا حتى صلى عند الكعبة وصلينا معه «٣» .\rوقال ابن مسعود فى رواية البكائى عن غير ابن إسحاق: إن إسلام عمر كان فتحا، وإن هجرته كانت نصرا، وإن إمارته كانت رحمة، ولقد كنا وما نصلى عند الكعبة، حث أسلم عمر، وذكر مثل ما تقدم نصا إلى آخره.","footnotes":"(١) وردت من الأحاديث الكثير فى صلاة النبى ﷺ على النجاشى، ومنها ما أخرجه الإمام أحمد فى المسند (٤/ ٣٦٠، ٣٦٣) عن جرير بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أخاكم النجاشى قد مات فاستغفروا له» .\r(٢) انظر: السيرة (١/ ٢٨١- ٢٨٢) .\r(٣) ذكره الهيثمى فى المجمع (٩/ ٦٢) ، ابن سعد فى الطبقات (١/ ٢٧٠) . الحاكم فى المستدرك (٣/ ٨٣، ٨٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083645,"book_id":3509,"shamela_page_id":208,"part":"1","page_num":205,"sequence_num":208,"body":"ذكر الحديث عن إسلام عمر بن الخطاب رضى الله عنه\rحدث عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أمه، أم عبد الله بنت أبى حثمة قالت: والله إنا لنترحل إلى أرض الحبشة، وقد ذهب عامر فى بعض حاجتنا، إذ أقبل عمر بن الخطاب حتى وقف على، وهو على شركه، قالت: وكنا نلقى منه البلاء أذى لنا وشدة علينا، فقال: إنه للانطلاق يا أم عبد الله! فقلت: نعم، والله لنخرجن فى أرض الله، آذيتمونا وقهرتمونا، حتى يجعل الله لنا مخرجا! فقال: صحبكم الله! ورأيت له رقة لم أكن أرها، ثم انصرف وقد أحزنه فيما أرى خروجنا. قالت: فجاء عامر بحاجته تلك، فقلت له: يا أبا عبد الله لو رأيت عمر آنفا ورقته علينا! قال: أطمعت فى إسلامه؟\rقالت: نعم. قال: لا يسلم الذى رأيت حتى يسلم حمار الخطاب! قالت: يأسا منه لما كان يرى منه من غلظته وقسوته عن الإسلام «١» .\rقال ابن إسحاق «٢» : وكان إسلام عمر بعد خروج من خرج من أصحاب رسول الله ﷺ إلى الحبشة.\rقال: وكان إسلامه فيما بلغنى، أن أخته فاطمة بنت الخطاب كانت قد أسلمت، وأسلم زوجها سعيد بن زيد، وهم مستخفون بإسلامهم من عمر، وكان نعيم بن عبد الله النحام من بنى عدى قد أسلم، وكان يستخفى بإسلامه فرقا من قومه، وكان خباب بن الأرت يختلف إلى فاطمة بنت الخطاب يقرئها القرآن.\rفخرج عمر يوما متوشحا سيفه يريد رسول الله ﷺ ورهطا من أصحابه، قد ذكروا له أنهم اجتمعوا فى بيت عند الصفا، قريبا من أربعين بين رجال ونساء، ومع رسول الله ﷺ عمه حمزة، وأبو بكر الصديق، وعلى بن أبى طالب، فى رجال من المسلمين.\rفلقيه نعيم فقال: أين تريد يا عمر؟ قال: أريد محمدا هذا الصابىء الذى فرق أمر قريش وسفه أحلامها وأعاب دينها وسب آلهتها فأقتله. فقال له نعيم: والله لقد غرتك نفسك من نفسك يا عمر! أترى بنى عبد مناف تاركيك تمشى على الأرض، وقد قتلت محمدا! أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم.","footnotes":"(١) انظر: السيرة (١/ ٢٨٢) .\r(٢) انظر: السيرة (١/ ٢٨٢- ٢٨٣) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083646,"book_id":3509,"shamela_page_id":209,"part":"1","page_num":206,"sequence_num":209,"body":"قال: أى أهل بيتى؟ قال: ختنك وابن عمك سعيد بن زيد وأختك فاطمة، فقد والله أسلما وتابعا محمدا على دينه، فعليك بهما.\rفرجع عمر عائدا إلى أخته وختنه، وعندهما خباب معه صحيفة فيها «طه» يقرؤهما إياها، فلما سمعوا حسّ عمر تغيب خباب فى مخدع لهم، أو فى بعض البيت، وأخذت فاطمة بنت الخطاب الصحيفة فجعلتها تحت فخذها، وقد سمع عمر قراءة خباب، فلما دخل قال: ما هذه الهينمة التى سمعت؟ قالا: ما سمعت شيئا. قال: بلى والله، لقد أخبرت أنكما تابعتما محمدا على دينه.\rوبطش بختنه سعيد، فقامت إليه أخته لتكفه عن زوجها، فضربها فشجها، فلما فعل ذلك قالت له أخته وختنه: نعم أسلمنا وآمنا بالله ورسوله، فاصنع ما بدا لك!.\rولما رأى عمر ما بأخته من الدم ندم وارعوى، وقال لها: أعطينى هذه الصحيفة التى سمعتكم تقرأون آنفا أنظر ما هذا الذى جاء به محمد. وكان عمر كاتبا، فلما قال ذلك قالت له أخته: إنا نخشاك عليها. قال: لا تخافى، وحلف لها بآلهته ليردنها إليها إذا قرأها. فلما قال ذلك طمعت فى إسلامه، فقالت له: يا أخى، إنك نجس على شركك، وإنه لا يمسها إلا الطاهر. فقام عمر فاغتسل، فأعطته الصحيفة، وفيها «طه» فقرأها، فلما قرأ منها صدرا قال: ما أحسن هذا الكلام وأكرمه. فلما سمع ذلك خباب خرج إليه فقال: يا عمر، والله إنى لأرجو أن يكون الله قد خصك بدعوة نبيه، فإنى سمعته أمس وهو يقول: اللهم أيد الإسلام بأبى الحكم بن هشام، أو بعمر بن الخطاب، فالله الله يا عمر. فقال له عند ذلك: فدلنى يا خباب على محمد حتى آتيه فأسلم. فقال له خباب:\rهو فى بيت عند الصفا معه نفر من أصحابه.\rفأخذ عمر سيفه فتوشحه، ثم عمد إلى رسول الله ﷺ وأصحابه، فضرب عليهم الباب، فلما سمعوا صوته قام رجل منهم فنظر من خلل الباب فرآه متوشحا السيف فرجع وهو فزع فقال: يا رسول الله، هذا عمر بن الخطاب متوشحا السيف. فقال حمزة بن عبد المطلب: فأذن له، فإن كان جاء يريد خيرا بذلناه له، وإن كان جاء يريد شرا قتلناه بسيفه. فقال رسول الله ﷺ: ائذن له. فأذن له الرجل. ونهض إليه رسول الله ﷺ حتى لقيه فى الحجرة فأخذ بحجرته أو بمجمع ردائه ثم جبذه جبذة شديدة. وقال: «ما جاء بك يا ابن الخطاب، فو الله ما أرى أن تنتهى حتى ينزل الله بك قارعة!» ، فقال عمر: يا رسول الله، جئت لأومن بالله ورسوله وبما جاء من عنده. قال: فكبر رسول","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083647,"book_id":3509,"shamela_page_id":210,"part":"1","page_num":207,"sequence_num":210,"body":"الله ﷺ تكبيرة عرف أهل البيت من أصحاب رسول الله ﷺ أن عمر قد أسلم. فتفرقوا من مكانهم وقد عزوا فى أنفسهم حين أسلم عمر، مع إسلام حمزة، وعرفوا أنهما سيمنعان رسول الله ﷺ وينتصفون بهما من عدوهم «١» . فهذا حديث الرواة من أهل المدينة عن إسلام عمر.\rوقد روى غيرهم إن إسلام عمر فيما تحدثوا به عنه أنه كان يقول: كنت للإسلام مباعدا وكنت صاحب خمر فى الجاهلية أحبها وأشربها، وكان لنا مجلس يجتمع فيه رجال من قريش بالحزورة «٢» ، فخرجت ليلة أريد جلسائى أولئك فى مجلسهم ذلك فلم أجد فيه منهم أحدا، فقلت: لو أنى جئت فلانا الخمار لعلى أجد عنده خمرا فأشرب منها، فجئته فلم أجده، فقلت: فلو أنى جئت الكعبة فطفت بها سبعا أو سبعين. فجئت أريد ذلك فإذا رسول الله ﷺ قائم يصلى، وكان إذا صلى استقبل الشام وجعل بينه وبينها الكعبة، فكان مصلاه بين الركنين: الركن الأسود والركن اليمانى، فقلت حين رأيته: والله لو أنى استمعت لمحمد الليلة حتى أستمع ما يقول.\rفقلت: لئن دنوت منه لأروعنه، فجئت من قبل الحجر، فدخلت تحت ثيابها، فجعلت أمشى رويدا ورسول الله ﷺ قائم يصلى يقرأ القرآن حتى قمت فى قبلته مستقبله ما بينى وبينه إلا ثياب الكعبة. فلما سمعت القرآن رق له قلبى! فبكيت ودخلنى الإسلام، فلم أزل قائما فى مكانى ذلك حتى قضى رسول الله ﷺ صلاته ثم انصرف، وكان إذا انصرف خرج على دار ابن أبى حسين، وكانت طريقه حتى يخرج المسعى ثم يسلك بين دار عباس بن عبد المطلب وبين دار ابن أزهر.\rفتبعته حتى إذا دخل بينهما أدركته، فلما سمع حسى عرفنى، فظن أنى إنما تبعته لأوذيه فنهمنى ثم قال: «ما جاء بك يا ابن الخطاب هذه الساعة؟» قلت: جئت لأومن بالله وبرسوله وبما جاء به من عند الله، فحمد الله رسول الله ﷺ ثم قال: «قد هداك الله يا عمر» ، ثم مسح صدرى ودعا لى بالثبات، ثم انصرفت عن رسول الله ﷺ ودخل رسول الله ﷺ بيته «٣» .","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: طبقات ابن سعد (٣/ ٩١) ، دلائل النبوة للبيهقى (٢/ ٢١٩) .\r(٢) الحزورة: هى الآن قطعة من المسجد فى مكة.\r(٣) ذكره ابن كثير فى البداية والنهاية (٣/ ١٢٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083648,"book_id":3509,"shamela_page_id":211,"part":"1","page_num":208,"sequence_num":211,"body":"قال ابن إسحاق «١» : فالله أعلم أى ذلك كان.\rوذكر محمد بن عبد الله بن سنجر الحافظ فى إسلام عمر رضى الله عنه، زيادة لم يذكرها ابن إسحاق، فروى بإسناد له إلى شريح بن عبيد قال: قال عمر بن الخطاب:\rخرجت أتعرض لرسول الله ﷺ قبل أن أسلم، فوجدته قد سبقنى إلى المسجد فقمت خلفه، فاستفتح سورة الحاقة فجعلت أتعجب من تأليف القرآن، فقلت: هذا والله شاعر كما قالت قريش، فقرأ: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ [الحاقة: ٤٠، ٤١] ، قال: قلت: كاهن علم ما فى نفسى فقرأ: وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ [الحاقة: ٤٢] إأى آخر السورة.\rقال: فوقع الإسلام فى قلبى كل موقع.\rقال ابن إسحاق «٢» : وحدثنى نافع عن ابن عمر قال: لما أسلم عمر قال: أى قريش أنقل للحديث؟ قيل له: جميل بن معمر الجمحى. فغدا عليه وغدوت أتبع أثره أنظر ما يفعل، وأنا غلام أعقل كل ما رأيت، حتى جاءه فقال له: أعلمت يا جميل أنى أسلمت ودخلت فى دين محمد؟! فو الله ما راجعه حتى قام يجر رداءه، واتبعه عمر، واتبعت أبى، حتى إذا قام على باب المسجد صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش، وهم فى أنديتهم حول الكعبة، ألا إن ابن الخطاب قد صبأ، قال: يقول عمر من خلفه: كذب ولكنى أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، وثاروا إليه، فما برح يقاتلهم ويقاتلونه حتى قامت الشمس على رؤسهم.\rقال: وطلع فقعد، وقاموا على رأسه وهو يقول: افعلوا ما بدا لكم، فأحلف بالله أن لو كنا ثلاثمائة رجل لقد تركناها لكم أو تركتموها لنا، فبيناهم على ذلك إذ أقبل شيخ من قريش عليه حلة حبرة وقميص موشى حتى وقف عليهم فقال: ما شأنكم؟ قالوا:\rصبأ عمر. قال: فمه، رجل اختار لنفسه أمرا فماذا تريدون؟ أترون بنى عدى بن كعب يسلمون لكم صاحبهم. هكذا عن الرجل. فو الله لكأنما كانوا ثوبا كشط عنه. فقلت لأبى بعد أن هاجر إلى المدينة: يا أبت، من الرجل الذى زجر القوم عنك بمكة يوم أسلمت وهو يقاتلونك؟ جزاه الله خيرا. قال: أى بنى، ذلك العاص بن وائل السهمى، لا جزاه الله خيرا «٣» .","footnotes":"(١) انظر: السيرة (١/ ٢٨٦) .\r(٢) انظر: السيرة (١/ ٢٨٦) .\r(٣) ذكره ابن كثر فى البداية والنهاية (٣/ ١٢٩- ١٣٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083649,"book_id":3509,"shamela_page_id":212,"part":"1","page_num":209,"sequence_num":212,"body":"وهذا الدعاء عليه وله مما زاده ابن هشام عن غير ابن إسحاق.\rوعن بعض آل عمر قال عمر «١» : لما أسلمت تلك الليلة تذكرت أى الناس أشد عداوة لرسول الله ﷺ حتى آتيه فأخبره أنى قد أسلمت، قال: قلت: أبو جهل. وكان عمر ابنا لحنتمة بنت هشام بن المغيرة، فأقبلت حين أصبحت حتى ضربت عليه بابه، فخرج إلى فقال: مرحبا وأهلا يا ابن أختى، ما جاء بك؟ قلت: جئتك أخبرك أنى قد آمنت بالله وبرسوله محمد وصدقت بما جاء به، فضرب الباب فى وجهى وقال: قبحك الله وقبح ما جئت به.\rوفيما رواه يونس بن بكير عن ابن إسحاق أن عمر رضى الله عنه، قال حين أسلم.\rالحمد لله ذى المن الذى وجبت ... له علينا أياد كلها عبر\rوقد بدأنا فكذبنا فقال لنا ... صدق الحديث نبى عنده الخبر\rوقد ظلمت ابنة الخطاب ثم هدى ... ربى عشية قالوا قد صبا عمر\rلما دعت ربها ذا العرش جاهدة ... والدمع من عينها عجلان يبتدر\rأيقنت أن الذى تدعوه خالقها ... تكاد تسبقنى من عبرة درر\rفقلت أشهد أن الله خلقنا ... وأن أحمد فينا اليوم مشتهر\rنبى صدق أتى بالحق من ثقة ... وفى الأمانة ما فى عوده خور\rقال ابن إسحاق «٢» : فلما رأت قريش أن أصحاب رسول الله ﷺ قد نزلوا بلدا أصابوا به أمنا وقرارا، وأن النجاشى قد منع من لجأ إليه منهم، وأن عمر قد أسلم فكان هو وحمزة مع رسول الله ﷺ وأصحابه، وجعل الإسلام يفشوا فى القبائل، اجتمعوا وائتمروا أن يكتبوا كتابا يتعاقدون فيه على نبى هاشم وبنى المطلب، على أن لا يتكحوا إليهم ولا ينكحوهم، ولا يبيعوهم شيئا ولا يبتاعوا منهم.\rفلما اجتمعوا لذلك كتبوا فى صحيفة ثم تعاهدوا وتواثقوا على ذلك، ثم علقوا الصحيفة فى جوف الكعبة توكيدا على أنفسهم.\rفلما فعلت قريش ذلك انحازت بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبى طالب فدخلوا معه فى شعبه واجتمعوا إليه وخرج من بنى هاشم أبو لهب إلى قريش فظاهرهم، ولقى هندا","footnotes":"(١) انظر: السيرة (١/ ٢٨٧) .\r(٢) انظر: السيرة (١/ ٢٨٧- ٢٨٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083650,"book_id":3509,"shamela_page_id":213,"part":"1","page_num":210,"sequence_num":213,"body":"بنت عتبة بن ربيعة حين فارق قومه وظاهر عليم قريشا، فقال لها: يا بنت عتبة، هل نصرت اللات والعزى وفارقت من فارقهما وظاهر عليهما؟ قالت: نعم، فجزاك الله خيرا يا أبا عتبة.\rوقال أبو طالب فيما صنعت قريش من ذلك واجتمعوا عليه:\rألا أبلغا عنى على ذات بيننا ... لؤيا وخصا من لؤى بنى كعب\rألم تعلموا أنا وجدنا محمدا ... نبيا كموسى خط فى أول الكتب\rوأن عليه فى العباد محبة ... ولا خير ممن خصه الله بالحب\rوأن الذى لصقتم من كتابكم ... لكم كائن نحسا كراغية السقب «١»\rأفيقوا أفيقوا قبل أن يحفر الثرى ... ويصبح من لم يجن ذنبا كذى الذنب\rولا تبتغوا أمر الوشاة وتقطعوا ... أواصرنا بعد المودة والقرب\rوتستجلبوا حربا عوانا وربما ... أمر على من ضاقه حلب الحرب\rفلسنا ورب البيت نسلم أحمدا ... لعزاء من عض الزمان ولا كرب\rولما تبن منا ومنكم سوالف ... وأيد أترت بالقساسية الشهب «٢»\rبمعترك ضنك ترى كسر القنا ... به والنسور الطخم يعكفن كالشرب\rكأن مجال الخيل فى حجراته ... ومعمعة الأبطال معركة الحرب «٣»\rأليس أبونا هاشم شد أزره ... وأوصى بنيه بالطعان وبالضرب\rولسنا نمل الحرب حتى تملنا ... ولا نتشكى ما قد ينوب من النكب\rولكننا أهل الحفائظ والنهى ... إذا طار أرواح الكماة من الرعب\rفأقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثا حتى جهدوا لا يصل إليهم شىء إلا سرا، مستخفيا به من أراد صلتهم من قريش.\rوقد كان أبو جهل فيما يذكرون، لقى حكيم بن حزام معه غلام يحمل قمحا يريد به عمته خديجة وهى مع رسول الله ﷺ فى الشعب فتعلق به وقال: أتذهب بالطعام إلى بنى هاشم؟ فقال له أبو البخترى: طعام كان لعمته عنده، أفتمنعه أن يأتيها بطعامها؟\rخل سبيل الرجل.","footnotes":"(١) كراغية السقب: الراغية من الرغاء بضم أوله وهو أصوات الإبل. والسقب ولد الناقة.\r(٢) تبن: تنفصل. السوالف: صفحات الأعناق. أثرت: يعنى قطعت. القساسية: سيوف تنسب إلى قساس وهو جعل لبنى أسد فيه معدن الحديد.\r(٣) مجال الخيل: إيجالة الفرسان إياها. حجراته: أى النواحى. معمعة: الصوت.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083651,"book_id":3509,"shamela_page_id":214,"part":"1","page_num":211,"sequence_num":214,"body":"فأبى أبو جهل حتى نال أحدهما من صاحبه، فأخذ أبو البخترى لحى بعير فضربه، فشجه ووطئه وطأ شديدا، وحمزة بن عبد المطلب قريب يرى ذلك وهم يكرهون أن يبلغ ذلك رسول الله ﷺ وأصحابه فيشمتوا بهم.\rورسول الله ﷺ على ذلك يدعو قومه ليلا ونهارا وسرا وجهرا، مباديا لأمر الله لا يتقى فيه أحدا من الناس.\rفجعلت قريش حين منعه الله منها وقام عمه وقومه من بنى هاشم وبنى المطلب دونه وحالوا بينهم وبين ما أرادوا من البطش به، يهمزونه ويستهزئون به ويخاصمونه وجعل القرآن ينزل فى قريش بأحداثهم، وفيمن نصب لعداوته، منهم من سمى لنا، ومنهم من نزل فيه القرآن فى عامة من ذكر الله من الكفار.\rفكان من سمى لنا من قريش ممن نزل فيه القرآن عمه أبو لهب وامرأته أم جميل بنت حرب بن أمية، حمالة الحطب، وإنما سماها الله ﷿ حمالة الحطب أنها كانت فيما بلغنى، تحمل الشوك فتطرحه على طريق رسول الله ﷺ حيث يمر.\rوكان أبو لهب يقول فى بعض ما يقول: يعدنى محمد أشياء لا أراها، يزعم أنها كائنة بعد الموت، فماذا وضع فى يدى بعد ذلك! ثم ينفخ فى يديه ويقول: تبا لكما ما أرى فيكما شيئا مما يقول محمد!\rفأنزل الله ﷿ فيهما: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ [المسد: ١، ٥] «١» .\rقال ابن إسحاق «٢» : فذكر لى أن أم جميل حين سمعت ما نزل فيها وفى زوجها من","footnotes":"(١) ذكره الشوكانى فى فتح القدير (٥/ ٧٤٥) . وروى البخارى فى سبب نزول هذا السورة عن ابن عباس أن النبى ﷺ خرج إلى البطحاء فصعد الجبل فنادى «يا صباحاه» فاجتمعت إليه قريش: فقال: أرأيتم إن حدثتكم أن العدم مصبحكم أو ممسيكم أكنتم تصدقونى؟» قالوا: نعم، قال: «فإنى نذير لكم بين يدى عذاب شديد» ، فقال أبو لهب ألهذا جمعتنا؟ تبا لك فأنزل الله تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ إلى آخرها. وفى رواية فقام ينفض يديه وهو يقول: تبا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟ فأنزل الله: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ.\r(٢) انظر: السيرة (١/ ٢٩١- ٢٩٢) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083652,"book_id":3509,"shamela_page_id":215,"part":"1","page_num":212,"sequence_num":215,"body":"القرآن، أتت رسول الله ﷺ وهو جالس فى المسجد عند الكعبة ومعه أبو بكر الصديق وفى يدها فهر «١» من حجارة، فلما وقفت عليهما أخذ الله ببصرها عن رسول الله ﷺ فلا ترى إلا أبا بكر، فقالت: يا أبا بكر، أين صاحبك؟ فقد بلغنى أنه يهجونى، والله لو وجدته لضربت بهذا الفهر فاه، أما والله إنى لشاعرة، ثم قالت:\rمذ مما عصينا ... وأمره أبينا\rوعن غير ابن إسحاق: ودينه قلينا، ثم انصرفت. فقال أبو بكر: يا رسول الله، أما تراها رأتك؟ فقال: «ما أرتنى، لقد أخذ الله ببصرها عنى» «٢» .\rوكانت قريش إنما تسمى رسول الله ﷺ مذمما ثم يسبونه، فكان ﵇، يقول:\r«ألا تعجبون لما صرف الله عنى من أذى قريش! يسبون ويهجون مذمما وأنا محمد!» «٣» .\rوأمية بن خلف الجمحى، كان إذا رأى رسول الله ﷺ همزه ولمزه، فأنزل الله فيه:\rوَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ [الهمزة: ١] إلى آخر السورة «٤» .\rوالعاص بن وائل السهمى، كان خباب بن الأرت، قد باع منه سيوفا عملها له وكان قينا بمكة، فجاءه يتقاضاه، فقال له: يا خباب، أليس يزعم محمد صاحبكم هذا الذى أنت على دينه أن فى الجنة ما ابتغى أهلها من ذهب أو فضة أو ثياب أو خدم؟! قال: بلى.\rقال: فأنظرنى إلى يوم القيامة يا خباب حتى أرجع إلى تلك الدار فأقضيك هنالك حقك، فو الله لا تكون أنت وأصحابك يا خباب آثر عند الله منى ولا أعظم حظا فى ذلك!.\rفأنزل الله فى ذلك: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً كَلَّا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ وَيَأْتِينا فَرْداً [مريم: ٧٧، ٨٠] «٥» .","footnotes":"(١) الفهر: حجر على مقدار ملء الكف.\r(٢) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (٢/ ١٩٥) ، تفسير ابن كثير (٨ م ٥٣٦، ٣٥٧) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٧/ ١٤٤) ، المطالب العالية لابن حجر (٣/ ٣٩٩) . مستدرك الحاكم (٢/ ٣٦١) .\r(٣) انظر الحديث فى: صحيح البخارى كتاب المناقب (٣٥٣٣) ، مسند الإمام أحمد (٢/ ٢٤٤، ٣٦٩) .\r(٤) ذكره ابن كثير فى البداية والنهاية (٣/ ١٣٥) .\r(٥) انظر الحديث فى: صحيح البخارى كتاب البيوع (٢٠٩١) ، صحيح مسلم كتاب صفات المنافقين (٤/ ٣٥) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083653,"book_id":3509,"shamela_page_id":216,"part":"1","page_num":213,"sequence_num":216,"body":"ولقى أبو جهل بن هشام رسول الله ﷺ فيما بلغنى، فقال له: والله يا محمد لتتركن سب آلهتنا أو لنسبن إلهك الذى بعثك، فأنزل الله تعالى: وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ [الأنعام: ١٠٨] ، فذكر لى أن رسول الله ﷺ كف عن سب آلهتهم وجعل يدعوهم إلى الله «١» .\rوالنضر بن الحارث بن كلدة، من شياطين قريش ممن كان يؤذى رسول الله ﷺ وينصب له العداوة، وكان قدم الحيرة وتعلم بها أحاديث ملوك الفرس، فكان إذا جلس رسول الله ﷺ مجلسا فذكر فيه بالله ودعا فيه إلى الله وحذر قومه ما أصاب الأمم الخالية من نقمة الله، خلفه فى مجلسه إذا قام ثم قال: أنا والله يا معشر قريش أحسن حديثا منه، فهلم فأنا أحدثكم أحسن من حديثه. ثم يحدثهم عن رستم الشيذ واسبنديار وملوك فارس، ثم يقول: بماذا محمد أحسن حديثا منى؟ والله ما محمد بأحسن حديثا منى، وما أحاديثه إلا أساطير الأولين اكتتبها كما اكتتبتها، فأنزل الله ﷿ فيه:\rوَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً [الفرقان: ٥، ٦] وكل ما ذكر فيه الأساطير من القرآن، وأنزل أيضا فيه: يْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها\rكَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ [الجاثية: ٧، ٨] «٢» . وهو القائل: سأنزل مثل ما أنزل الله! فيما ذكر ابن هشام.\rقال ابن إسحاق «٣» : وجلس رسول الله ﷺ فيما بلغنى، يوما مع الوليد بن المغيرة فى المسجد، فجاء النضر بن الحارث فجلس معهم فى المجلس، وفيه غير واحد من رجال قريش، فتكلم رسول الله ﷺ فعرض له النضر، فكلمه رسول الله ﷺ حتى أفحمه، ثم تلا عليه وعليهم: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ [الأنبياء: ٩٨، ١٠٠] «٤» .\rثم قام رسول الله ﷺ وأقبل عبد الله بن الزبعرى السهمى حتى جلس، فقال له الوليد: والله ما قام النضر بن الحارث لابن عبد المطلب آنفا وما قعد، وقد زعم محمد أنا","footnotes":"(١) ذكره الطبرى فى تفسيره (٧/ ٢٠٧) .\r(٢) ذكره ابن كثير فى البداية والنهاية (٣/ ١٣٦) .\r(٣) انظر: السيرة (١/ ٢٩٤- ٢٩٥) .\r(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره (٥/ ٣٧٥) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083654,"book_id":3509,"shamela_page_id":217,"part":"1","page_num":214,"sequence_num":217,"body":"وما نعبد من آلهتنا هذه حصب جهنم، فقال ابن الزبعرى: أما والله لو وجدته لخصمته، فسلوا محمدا: أكل ما يعبد من دون الله فى جهنم مع من عبده؟ فنحن نعبد الملائكة واليهود تعبد عزيرا والنصارى تعبد عيسى ابن مريم.\rفعجب الوليد ومن كان معه من قول ابن الزبعرى، ورأوا أنه قد احتج وخاصم.\rفذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال لهم: «كل من أحب أن يعبد من دون الله فهو مع من عبده، إنهم إنما يعبدون الشياطين ومن أمرتهم بعبادته» . فأنزل الله عليه: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ [الأنبياء: ١٠١] ، أى عيسى وعزيرا ومن عبدوا من الأحبار والرهبان الذين مضوا على طاعة الله، فاتخذهم من يعبدهم من أهل الضلالة أربابا من دون الله «١» .\rونزل فيما يذكرون أنهم يعبدون الملائكة وأنها بنات الله: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ إلى قوله:\rوَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ [الأنبياء:\r٢٦، ٢٩] «٢» .\rوأنزل فيما ذكر من أمر عيسى أنه يعبد من دون الله وعجب الوليد ومن حضر من حجته وخصومته: وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ثم قال: إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ [الزخرف: ٥٧، ٦١] ، أى ما وضعت على يديه من إحياء الموتى وإبراء الأسقام فكفى به دليلا على علم الساعة، يقول: فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ.\rوالأخنس بن شريق الثقفى حليف بنى زهرة، وكان من أشراف القوم وممن يستمع منه، فكان يصيب من رسول الله ﷺ ويرد عليه، فأنزل الله فيه: وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ [ن: ١٠، ١٣] ، إلى قوله: زَنِيمٍ.\rولم يقل: «زنيم» لعيب فى نسبه، إن الله لا يعب أحدا بنسبه ولكنه حقق بذلك نعته","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: مجمع الزوائد للهيثمى (٧/ ١٠٤) ، مسند الإمام أحمد (١/ ٣١٧) ، مستدرك الحاكم (٣/ ٢٨٤، ٢٨٥) .\r(٢) انظر: السيرة (١/ ٢٩٦) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083655,"book_id":3509,"shamela_page_id":218,"part":"1","page_num":215,"sequence_num":218,"body":"ليعرف، والزنيم العديد للقوم «١» . قال الخطيم التميمى، فى الجاهلية:\rزنيم تداعاه الرجال زيادة ... كما زيد فى عرض الأديم الأكارع «٢»\rوالوليد بن المغيرة، قال: أينزل على محمد وأترك وأنا كبير قريش وسيدها، ويترك أبو مسعود عمرو بن عمير الثقفى سيد ثقيف ونحن عظيما القريتين! فأنزل الله فيه، فيما بلغنى: وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا إلى قوله: وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [الزخرف: ٢٠، ٢٢] .\rوأبى بن خلف الجمحى وعقبة بن أبى معيط، وكانا متصافيين حسنا ما بينهما، فكان عقبة بن أبى معيط قد جلس إلى رسول الله ﷺ وسمع منه، فبلغ ذلك أبيا فأتى عقبة فقال: ألم يبلغنى أنك جالست محمدا وسمعت منه؟! ثم قال: وجهى من وجهك حرام أن أكلمك، واستغلظ من اليمين، إن أنت جلست إليه أو سمعت منه، أو لم تأته فتتفل فى وجهه.\rففعل ذلك عدو الله عقبة، فأنزل الله فيه: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا [الفرقان: ٢٧، ٢٩] .\rومشى أبى بن خلف إلى رسول الله ﷺ بعظم بال قد ارفتّ فقال: يا محمد أنت تزعم أن الله يبعث هذا بعد ما [أرمّ] «٣» ؟! ثم فته بيده ثم نفخه فى الريح نحو رسول الله ﷺ. فقال رسول الله ﷺ: «نعم أنا أقول ذلك، يبعثه الله وإياك بعد ما تكونان هكذا، ثم يدخلك النار» «٤» ، فأنزل الله فيه: وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ [يس: ٧٨، ٨٠] .\rواعترض رسول الله ﷺ [وهو يطوف بالكعبة] «٥» ، فيما بلغنى، الأسود بن المطلب","footnotes":"(١) العديد للقوم: الذى يعد فى الناس وليس منهم.\r(٢) الأكارع: جمع كراع بضم الكاف بمعنى الأطراف.\r(٣) ما بين المعقوفتين ورد فى الأصل: «أرى» ، وما أوردناه من السيرة. وأرم: أى بليت.\r(٤) ذكره ابن الجوزى فى زاد المسير (٦/ ٢٨٣) ، الطبرى فى تفسيره (٢٣/ ٢١) ، الحاكم فى المستدرك (٢/ ٤٢٩) ، الواحدى فى أسباب النزول (٣٠٨) .\r(٥) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل وما أوردناه من السيرة، والمصنف ينقل منها.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083656,"book_id":3509,"shamela_page_id":219,"part":"1","page_num":216,"sequence_num":219,"body":"والوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف، والعاص بن وائل، وكانوا ذوى أسنان فى قومهم، فقالوا: يا محمد هلم فلنعبد ما تعبد وتعبد ما نعبد فنشترك نحن وأنت فى الأمر، فإن كان الذى تعبد خيرا مما نعبد كنا قد أخذنا بحظنا منه، وإن كان ما نعبد خيرا مما تعبد كنت قد أخذت بحظك منه!.\rفأنزل الله فيهم: قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ، السورة كلها، أى إن كنتم لا تعبدون الله إلا أن أعبد ما تعبدون فلا حاجة لى بذلك منكم، لكم دينكم ولى دين.\rوأبو جهل بن هشام، لما ذكر الله شجرة الزقوم تخويفا بها لهم، قال يا معشر قريش:\rهل تدرون ما شجرة الزقوم التى يخوفكم بها محمد؟ قالوا: لا. قال: عجوة يثرب بالزبد! والله لئن استمكنا منها لتنزقمنها تزقما «١» !.\rفأنزل الله فيه: إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ [الدخان: ٤٣] ، ووقف الوليد بن المغيرة مع رسول الله ﷺ ورسول الله يكلمه وقد طمع فى إسلامه، فبينا هو فى ذلك مر به ابن أم مكتوم الأعمى، فكلم رسول الله ﷺ وجعل يستقرئه القرآن، فشق ذلك منه على رسول الله ﷺ حتى أضجره، وذلك أنه شغله عما كان فيه من أمر الوليد وما طمع فيه من إسلامه، فلما أكثر عليه انصرف عنه عابسا، وتركه، فأنزل الله فيه: عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى إلى قوله: فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ [عبس: ١، ١٤] «٢» .\rأى: إنما بعثتك بشيرا ونذيرا لم أخص بك أحدا دون أحد، فلا تمنعه ممن ابتغاه ولا تتصد به لمن لا يريده.\rقال ابن إسحاق «٣» : ولما بلغ أصحاب رسول الله ﷺ الذين خرجوا إلى أرض الحبشة إسلام أهل مكة فأقبلوا لما بلغهم ذلك، حتى إذا دنوا من مكة بلغهم أن ذلك كان باطلا، فلم يدخل أحد منهم، إلا بجوار أو مستخفيا.\rوذكر موسى بن عقبة أن رجوع هؤلاء الذين رجعوا كان قبل خروج جعفر وأصحابه إلى أرض الحبشة، وأنهم الذين خرجوا أولا قبله ثم رجعوا حين أنزل الله سورة النجم.","footnotes":"(١) لتزقمنها تزقما: أى تبتلعها ابتلاعا.\r(٢) انظر الحديث فى: سنن الترمذى (٥/ ٣٣١) ، تفسير الطبرى (٣٠/ ٣٣) ، فتح القدير للشوكانى (٥/ ٥٤٤) ، المستدرك للحاكم (٢/ ٥١٤) .\r(٣) انظر: السيرة (١/ ٣٠٠- ٣٠٢) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083657,"book_id":3509,"shamela_page_id":220,"part":"1","page_num":217,"sequence_num":220,"body":"قال: وكان المشركون يقولون: لو كان هذا الرجل يذكر آلهتنا بخير أقررناه وأصحابه، ولكنه لا يذكر من خالف دينه من اليهود والنصارة بمثل الذى يذكر به آلهتنا من الشتم والشر.\rوكان رسول الله ﷺ قد اشتد عليه ما ناله وأصحابه من أذاهم وتكذيبهم، وأحزنه ضلالتهم وكان يتمنى هداهم فلما أنزل الله تعالى سورة «النجم» قال: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى [النجم: ١٩، ٢٠] ، ألقى الشيطان عندها على لسانه كلمات حين ذكر الطواغيت فقال: وإنهم لمن الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لهى التى ترتجى «١» .\rكان ذلك من سجع الشيطان وفتنته، فوقعت هاتان الكلمتان فى قلب كل مشرك بمكة وذلت بها ألسنتهم وتباشروا بها وقالوا: إن محمدا قد رجع إلى دينه الأول ودين أبائه. فلما بلغ رسول الله ﷺ آخر «والنجم» سجد وسجد كل من حضره من مسلم أو مشرك، غير أن الوليد بن المغيرة كان رجلا كبيرا، فرفع ملء كفه ترابا فسجد عليه.\rفعجب الفريقان كلاهما من اجتماعهم فى السجود لسجود رسول الله ﷺ، فأما المسلمون فعجبوا لسجود المشركين معهم على غير إيمان ولا يقين، ولم يكن المسلمون سمعوا الذى ألقى الشيطان على ألسنة المشركين.\rوأما المشركون فاطمأنت نفوسهم إلى النبى ﷺ وأصحابه لما ألقى الشيطان فى أمنية النبى ﷺ فسجدوا لتعظيم آلهتهم.\rوفشت تلك الكلمة فى الناس وأظهرها الشيطان حتى بلغت أرض الحبشة ومن بها من المسلمين، عثمان بن مظعون وأصحابه، وحدثوا أن أهل مكة قد أسلموا كلهم وصلوا مع رسول الله ﷺ وبلغهم سجود الوليد بن المغيرة على التراب على كفيه، وحدثوا أن المسلمين قد أمنوا بمكة. فأقبلوا سراعا وقد نسخ الله ما ألقى الشيطان وأحكم الله آياته، وقال عز من قائل: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ","footnotes":"(١) ذكره البيهقى فى دلائل النبوة (٢/ ٦٦) ، وأشار إلى أن هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل، وقد جرح رواتها. وذكره القاضى عياض فى الشفاء (٢/ ١١٦- ١٢٣) وقال: يكفيك أن هذا الحديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسند سليم متصل، مع ضعف نقلته، واضطراب روايته، وانقطاع إسناده، واختلاف كلمته.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083658,"book_id":3509,"shamela_page_id":221,"part":"1","page_num":218,"sequence_num":221,"body":"وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [الحج: ٥٢، ٥٤] .\rفلما بين الله قضاءه فبرأه من سجع الشيطان انقلب المشركون بضلالتهم وعداوتهم للمسلمين فاشتدوا عليهم. فلهذا الذى ذكره ابن عقبة لم يستطع أحد ممن رجع من أرض الحبشة أن يدخل مكة إلا بجوار أو مستخفيا، كما ذكر ابن إسحاق.\rقال: فكان جميع من قدم مكة منهم ثلاثة وثلاثين رجلا، دخل منهم بجوار، فيمن سمى لنا: عثمان بن مظعون الجمحى، دخل بجوار من الوليد بن المغيرة، وأبو سلمة بن عبد الأسد بجوار خاله أبى طالب.\rفأما عثمان «١» فإنه لما رأى ما فيه أصحاب رسول الله ﷺ من البلاء، وهو يغدو ويروح فى أمان الوليد، قال: والله إن غدوى ورواحى آمنا بجوار رجل من أهل الشرك، وأصحابى وأهل دينى يلقون من البلاء والأذى فى الله ما لا يصيا بنى لنقص كبير فى نفسى.\rفمشى إلى الوليد بن المغيرة فقال له: يا أبا عبد شمس، وفت ذمتك وقد رددت إليك جوارك، قال: لم يا ابن أخى؟ لعله آذاك أحد من قومى؟ قال: لا ولكنى أرضى بجوار الله ولا أريد أن أستجير بغيره. قال: فانطلق إلى المسجد فرد على جوارى علانية كما أجرتك علانية.\rفخرجا حتى أتيا المسجد، فقال الوليد: هذا عثمان جاء يرد على جوارى. قال:\rصدق، قد وجدته وفيا كريم الجوار، ولكنى أحببت أن لا أستجير بغير الله. ثم انصرف عثمان، ولبيد بن ربيعة فى مجلس من قريش ينشدهم، فجلس معهم عثمان، فقال لبيد «٢» :","footnotes":"(١) هو: عثمان بن مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح بن عمرو بن هصيص القرشى الجمحى، يكنى أبا السائب، وأمه سخيلة بنت العنبس بن أهبان بن حذافة بن جمح، وهى أم السائب وعبد الله. انظر ترجمته فى: الاستيعاب (٣/ ١٦٥) الترجمة رقم (١٧٩٨) .\r(٢) هو: لبيد أبى ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب العامرى، ويكنى لبيد بن عقيل وكان من شعراء الجاهلية وأدرك لبيد الإسلام وقدم على رسول الله ﷺ فى وفد بنى كلاب فأسلموا ورجعوا إلى بلادهم. انظر ترجمته فى: الشعر والشعراء (ص ٦٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083659,"book_id":3509,"shamela_page_id":222,"part":"1","page_num":219,"sequence_num":222,"body":"ألا كل شىء ما خلا الله باطل\rقال عثمان: صدقت. قال:\rوكل نعيم لا محالة زائل\rقال عثمان: كذبت، نعيم الجنة لا يزول.\rقال لبيد: يا معشر قريش، والله ما كان يؤذى جليسكم فمتى حدث هذا فيكم! فقال رجل من القوم: إن هذا سفيه فى سفهاء معه فارقوا ديننا فلا تجدن فى نفسك منه.\rفرد عليه عثمان حتى شرى أمرهما، فقام إليه ذلك الرجل فلطم عينه فحضرها والوليد ابن المغيرة قريب يرى ما بلغ من عثمان، فقال: أما والله يا ابن أخى إن كانت عينك عما أصابها لغنية، لقد كنت فى ذمة منيعة، قال: بل والله إن عينى الصحيحة لفقيرة إلى ما أصاب أختها فى الله: وإنى لفى جوار من هو أعز منك وأقدر يا أبا عبد شمس.\rفقال له الوليد: هلم يا ابن أخى إن شئت إلى جوارك. فقال: لا «١» .\rوأما أبو سلمة بن عبد الأسد، فإنه لما استجار بأبى طالب مشى إليه رجال بنى مخزوم فقالوا: يا أبا طالب هذا منعت منا ابن أخيك محمدا، فما لك ولصاحبنا تمنعه منا؟\rفقال: إنه استجار بى وهو ابن أختى، وإن أنا لم أمنع ابن أختى لم أمنع ابن أخى. فقام أبو لهب فقال: يا معشر قريش، والله لقد أكثرتم على هذا الشيخ ما تزالون توثبون عليه فى جواره من بين قومه، والله لتنتهن عنه أو لنقومن معه فى كل ما قام فيه حتى يبلغ ما أراد. فقالوا: بل ننصرف عما تكره يا أبا عتبة، وكان لهم وليا وناصرا على رسول الله ﷺ فأبقوا على ذلك.\rفطمع فيه أبو طالب حين سمعه يقول ما قال، ورجا أن يقوم معه فى شأن رسول الله ﷺ فقال يحرضه على ذلك:\rوإن امرآ أبو عتيبة عمه ... لفى روضة ما إن يسام المظالما\rأقول له وأين منه نصيحتى ... أبا معتب ثبت سوادك قائما «٢»\rولا تقبلن الدهر ما عشت خطة ... تسب بها إما هبطت المواسما\rوول سبيل العجز غيرك منهم ... فإنك لم تخلق على العجز لازما","footnotes":"(١) ذكره أبو نعيم فى حلية الأولياء (١/ ١٠٣، ١٠٤) ، ابن الأثير فى أسد الغابة (٣/ ٥٩٨، ٥٩٩) .\r(٢) ثبت سوادك: يريد كثر قومك ولا تقللهم بفراقك والسواد الشخص.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083660,"book_id":3509,"shamela_page_id":223,"part":"1","page_num":220,"sequence_num":223,"body":"وحارب فإن الحرب نصف ولن ترى ... أخا الحرب يعصى الخسف حتى يسالما\rوكيف ولم يجنوا عليك عظيمة ... ولم يخذلوك غانما أو مغارما\rجزى الله عنا عبد شمس ونوفلا ... وتيما ومخزوما عقوقا ومأثما\rبتفريقهم من بعد ود وألفة ... جماعتنا كيما ينالوا المحارما\rكذبتم وبيت الله نبزى محمدا ... ولما تروا يوما لدى الشعب قائما\rوكان أبو بكر رضى الله عنه، كما حدثت عائشة رضى الله عنها، حين ضاقت عليه مكة وأصابه فيها الأذى، ورأى من تظاهر قريش على رسول الله ﷺ وأصحابه ما رأى، قد استأذن رسول الله ﷺ فى الهجرة فأذن له، فخرج مهاجرا حتى إذا سار من مكة يوما أو يومين لقيه ابن الدغنة، أخو بنى الحارث بن عبد مناة بن كنانة، وهو يومئذ سيد الأحابيش فقال: أين يا أبا بكر؟.\rقال: أخرجنى قومى وآذونى وضيقوا على. قال: لم؟ فو الله إنك لتزين العشيرة وتعين على النوائب وتفعل المعروف وتكسب المعدوم، فارجع فأنت فى جوارى. فرجع معه حتى إذا دخل مكة قام ابن الدغنة فقال: يا معشر قريش، إنى قد أجرت ابن أبى قحافة فلا يعرضن له أحد إلا بخير، قالت: فكفوا عنه.\rوكان لأبى بكر مسجد عند باب داره فى بنى جمح فكان يصلى فيه، وكان رجلا رقيقا إذا قرأ القرآن استبكى، فيقف عليه الصبيان والعبيد والنساء يعجبون لما يرون من هيئته، فمشى رجال من قريش إلى ابن الدغنة فقالوا له: إنك لم تجر هذا ليؤذينا، إنه رجل إذا صلى وقرأ ما جاء به محمد يرق وكانت له هيئة ونحو، فنحن نتخوف على صبياننا ونسائنا وضعفتنا أن يفتنهم، فائته فأمره أن يدخل بيته فليصنع فيه ما شاء، فمشى ابن الدغنة فقال: يا أبا بكر، إنى لم أجرك لتؤذى قومك، إنهم قد كرهوا مكانك الذى أنت به وتأذوا بذلك منك فادخل بيتك فاصنع فيه ما أحببت، قال: أو أرد عليك جوارك وأرضى بجوار الله؟ قال: فاردد على جوارى. قال: قد رددته عليك. فقام ابن الدغنة فقال: يا معشر قريش، إن ابن أبى قحافة قد رد على جوارى فشأنكم بصاحبكم «١» .\rوعن القاسم بن محمد أن أبا بكر لقيه سفيه من سفهاء قريش وهو عامد إلى الكعبة، فحثا على رأسه التراب، فمر الوليد بن المغيرة أو العاص بن وائل فقال أبو بكر: ألا ترى","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: صحيح البخارى كتاب الكفالة (٢٢٩٧) ، مسند الإمام أحمد (٦/ ١٩٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083661,"book_id":3509,"shamela_page_id":224,"part":"1","page_num":221,"sequence_num":224,"body":"ما يصنع هذا السفيه؟ قال: أنت فعلت هذا بنفسك، وهو يقول: أى رب ما أحلمك أى رب ما أحلمك! «١» .\rقال ابن إسحاق «٢» : ثم إنه قام فى نقض الصحيفة التى تكاتبت فيها قريش على بنى هاشم وبنى المطلب نفر من قريش، ولم يبل أحد فيها أحسن من بلاء هشام بن عمرو بن الحارث بن حبيب بن نصر بن مالك بن حسل، وذلك أنه كان ابن أخى نضلة بن هاشم بن عبد مناف لأمه، فكان هشام لبنى هشام واصلا، وكان ذا شرف فى قومه، فكان فيما بلغنى ليلا بالبعير قد أوقره طعاما، حتى إذا أقبله فى فم الشعب خلع خطامه من رأسه ثم ضرب على جنبه ليدخل الشعب عليهم، ويأتى به قد أوقره [برّا] «٣» فيفعل به مثل ذلك.\rثم إنه مشى إلى زهير بن أمية بن المغيرة، وأمه عاتكة بنت عبد المطلب، فقال: يا زهير، أرضيت أن تأكل الطعام وتلبس الثياب وتنكح النساء، وأخوالك حيث قد علمت لا يباعون ولا يبتاع منهم ولا ينكحون ولا ينكح إليهم، أما إنى أحلف بالله، أن لو كانوا أخوال أبى الحكم بن هشام ثم دعوته إلى مثل ما دعاك إليه منهم ما أجابك إليه أبدا.\rفقال: ويحك يا هشام، فماذا أصنع؟ أنما أنا رجل واحد. والله لو كان معى رجل آخر لقمت فى نقضها حتى أنقضها. قال: قد وجدت رجلا. قال: من هو؟ قال: أنا.\rقال له زهير: ابغنا ثالثا.\rفذهب إلى المطعم بن عدى فقال له: يا مطعم، أرضيت أن يهلك بطنان من بنى عبد مناف وأنت شاهد على ذلك موافق لقريش فيه! أما والله لئن أمكنتموهم من هذه لتجدنهم إليها منكم سراعا قال: ويحك فماذا أصنع؟ إنما أنا رجل واحد. قال: قد وجدت ثانيا. قال: من هو؟ قال: أنا. قال: أبغنا ثالثا. قال: قد فعلت. قال: من هو؟\rقال: زهير بن أبى أمية. قال: ابغنا رابعا.","footnotes":"(١) انظر: السيرة (١/ ٣٠٦) .\r(٢) انظر: السيرة (١/ ٣٠٦- ٣٠٨) .\r(٣) ما بين المعقوفتين كذا فى الأصل، وفى السيرة: بزا. وقال السهيلى فى الروض الأنف: بزا بالزى المعجمة وفى غير نسخة الشيخ أبى بحر: برا، وفى رواية يونس: بزا أو برا، على الشك من الراوى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083662,"book_id":3509,"shamela_page_id":225,"part":"1","page_num":222,"sequence_num":225,"body":"فذهب إلى أبى البخترى بن هشام، فقال له نحوا مما قال للمطعم بن عدى. فقال:\rوهل من أحد يعين على هذا؟ قال: نعم. قال: من هو؟ قال: زهير بن أبى أمية والمطعم ابن عدى وأنا معك. قال: ابغنا خامسا.\rفذهب إلى زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد، فكلمه وذكر له قرابتهم ومكانهم.\rفقال: وهل على هذا الأمر الذى تدعونى إليه من أحد؟ قال: نعم. ثم سمى له القوم.\rفاتعدوا خطم الحجون ليلا بأعلى مكة، فاجتمعوا هنالك فأجمعوا أمرهم وتعاهدوا على القيام فى الصحيفة حتى ينقضوها. وقال زهير: أنا أبدؤكم فأكون أول من يتكلم.\rفلما أصبحوا غدوا إلى أنديتهم، وغدا زهير عليه حلة، فطاف بالبيت سبعا ثم أقبل على الناس فقال: يا أهل مكة، أنأكل الطعام ونلبس الثياب وبنو هاشم هلكى لا يباعون ولا يبتاع منهم! والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة.\rقال أبو جهل، وكان فى ناحية المسجد: كذبت والله لا تشق. قال زمعة بن الأسود: أنت والله أكذب، ما رضينا كتابتها حين كتبت. قال أبو البخترى: صدق زمعة، لا نرضى ما كتب فيها ولا نقر به. قال المطعم بن عدى: صدقتما وكذب من قال غير ذلك، نبرأ إلى الله منها ومما كتب فيها. وقال هشام بن عمرو نحوا من ذلك.\rفقال أبو جهل: هذا أمر قضى بليل تشوور فيه بغير هذا المكان. وأبو طالب جالس فى ناحية المسجد، وقام المطعم إلى الصحيفة ليشقها فوجد الأرضة قد أكلتها إلا باسمك اللهم. وكان كاتب الصحيفة منصور بن عكرمة، فشلت يده فيما يزعمون.\rوذكر بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ قال لأبى طالب: «يا عم، إن الله قد سلط الأرضة على صحيفة قريش فلم تدع فيها اسما هو لله إلا أثبتته ونفت منها القطيعة والظلم والبهتان» . قال: أربك أخبرك بهذا؟ قال: «نعم» . قال: فو الله ما يدخل عليك أحد. ثم خرج إلى قريش فقال: يا معشر قريش، إن ابن أخى أخبرنى بكذا وكذا، فهلم صحيفتكم فإن كانت كما قال فانتهوا عن قطيعتنا، وإن كان كاذبا دفعت إليكم ابن أخى. قال القوم: رضينا. فتعاقدوا على ذلك، ثم نظروا فإذا هى كما قال رسول الله ﷺ فزادهم ذلك شرا، فعند ذلك صنع الرهط من قريش فى نقض الصحيفة ما صنعوا «١» .","footnotes":"(١) ذكره السيوطى فى الخصائص الكبرى (١/ ٢٥٠، ٢٥١) ، ابن كثير فى البداية والنهاية (٣/ ٩٧) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083663,"book_id":3509,"shamela_page_id":226,"part":"1","page_num":223,"sequence_num":226,"body":"قال ابن إسحاق «١» : فلما مزقت الصحيفة وبطل ما فيها قال أبو طالب فيما كان من أمر أولئك الذين قاموا فى نقضها يمدحهم:\rألا هل أتى بحرينا صنع ربنا ... على نأيهم والله بالناس أرود «٢»\rفنخبرهم أن الصحيفة مزقت ... وأن كل ما لم يرضه الله مفسد\rتراوحها إفك وسحر مجمع ... ولم يلف سحر آخر الدهر يصعد «٣»\rجزى الله رهطا بالحجون تتابعوا ... على ملأ يهدى لحزم ويرشد\rقعودا لدى خطم الحجون كأنهم ... مقاولة بل هم أعز وأمجد\rأعان عليها كل صقر كأنه ... إذا ما مشى فى رفرف الدرع أحرد\rجرى على جل الخطوب كأنه ... شهاب بكفى قابس يتوقد\rمن الأكرمين من لؤى بن غالب ... إذا سيم خسفا وجهه يتربد\rطويل النجاد خارج نصف ساقه ... على وجهه نسقى الغمام ونسعد\rعظيم الرماد سيد وابن سيد ... يحض على مقرى الضيوف ويحشد\rويا بنى لأفياء العشيرة صالحا ... إذا نحن طفنا فى البلاد ويمهد\rألظ بهذا الصلح كل مبرأ ... عظيم اللواء أمره ثم يحمد\rقضوا ما قضوا فى ليلهم ثم أصبحوا ... على مهل وسائر الناس رقد\rهم رجعوا سهل بن بيضاء راضيا ... وسر أبو بكر بها ومحمد\rمتى شرك الأقوام فى جل أمرنا ... وكنا قديما قبلها نتودد","footnotes":"(١) انظر: السيرة (١/ ٣٠٩) .\r(٢) بحرينا: يقصد به من هاجر من المسلمين فى البحر.\r(٣) ذكر بعد هذا البيت، أبيات آخره لم يذكرها هنا وهى:\rتداعى لها من ليس فيها بقرقر ... فطائرها فى رأسها يتردد\rوكانت كفاء رقعة بأثيمة ... ليقطع منها ساعد ومقلد\rويظعن أهل المكتين فيهربوا ... فرائصهم من خشية الشر ترعد\rويترك حراث يقلب أمره ... أيتهم فيهم عند ذاك وينجد\rوتصعد بين الأخشبين كتيبة ... لها حدج سهم وقوس ومرهد\rفمن ينش من حضار مكة عزه ... فعزتنا فى بطن مكة أتلد\rنشأنا بها والناس فيها قلائل ... فلم ننفكك نزداد خيرا ونحمد\rونطعم حتى يترك الناس فضلهم ... إذا جعلت أيدى المفيضين ترعد\rانظر: السيرة (١/ ٣٠٩- ٣١٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083664,"book_id":3509,"shamela_page_id":227,"part":"1","page_num":224,"sequence_num":227,"body":"وكنا قديما لا نقر ظلامة ... وندرك ما شئنا ولا نتشدد\rفيا لقصى هل لكم فى نفوسكم ... وهل لكم فيما يجىء به غد\rفإنى وإياكم كما قال قائل ... لديك البيان لو تكلمت أسود\rأسود هنا اسم جبل كان قتل فيه قتيل لم يعرف قاتله، فقال أولياء المقتول هذه المقالة، يعنون بها أن هذا الجبل لو تكلم لأبان عن القائل ولعرف بالجانى، ولكنه لا يتكلم، فذهبت مقالتهم تلك مثلا.\rقال ابن إسحاق «١» : فكان رسول الله ﷺ على ما يرى من قومه يبذل لهم النصيحة ويدعوهم إلى النجاة مما هم فيه، وجعلت قريش حين منعه الله منهم يحذرونه الناس ومن قدم عليهم من العرب.\rفكان طفيل بن عمرو الدوسى «٢» وكان رجلا شريفا شاعرا لبيبا يحدث أنه قدم مكة ورسول الله ﷺ بها، فمشى إليه رجال من قريش فقالوا له: يا طفيل إنك قدمت بلادنا، وهذا الرجل الذى بين أظهرنا قد أعضل بنا «٣» ، فرق جماعتنا وشتت أمرنا، وإنما قوله كالسحر يفرق به بين الرجل وبين أبيه، وبين الرجل وبين أخيه وبين الرجل وبين زوجته، وإنا نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا، فلا تكلمنه ولا تسمعن منه.\rقال: فو الله ما زالوا بى حتى أجمعت أن لا أسمع منه شيئا ولا أكلمه، حتى حشوت فى أذنى حين غدوت إلى المسجد كرسفا «٤» فرقا من أن يبلغنى شىء من قوله، وأنا لا أريد أن أسمعه، قال: فغدوت إلى المسجد فإذا رسول الله ﷺ قائم يصلى عند الكعبة، فقمت قريبا منه، فأبى الله إلا أن يسمعنى بعض قوله، فسمعت كلاما حسنا، فقلت فى نفسى: واثكل أمى! والله إنى لرجل لبيب شاعر وما يخفى على الحسن من القبيح، فما يمنعنى أن أسمع من هذا الرجل، فإن كان الذى يأتى به حسنا قبلته، وإن كان قبيحا تركته.","footnotes":"(١) انظر: السيرة (١/ ٣١٢- ٣١٣) .\r(٢) هو: الطفيل بن عمرو بن طريف بن العاص بن ثعلبة بن سليم بن فهم بن غنم بن دوس الدوسى من دوس. انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (١٢٨٣) ، طبقات ابن سعد (٤/ ١/ ١٧٥) ، طبقات خليفة (١٣/ ١١٤) ، تاريخ خليفة (١١١) الجرح والتعديل (٤/ ٤٨٩) ، العبر (١/ ١٤) ، تاريخ ابن عساكر (٧/ ٦٢) .\r(٣) أعضل بنا: أى أشد أمره ولم يوجد له وجه.\r(٤) كرسفا: الكرسف يعنى القطن.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083665,"book_id":3509,"shamela_page_id":228,"part":"1","page_num":225,"sequence_num":228,"body":"فمكثت حتى انصرف رسول الله ﷺ إلى بيته فاتبعته، حتى إذا دخل بيته دخلت عليه فقلت: يا محمد، إن قومك قالوا لى كذا وكذا، فو الله ما برحوا يخوفوننى امرك حتى سددت أذنى بكرسف لئلا أسمع قولك، ثم أبى الله إلا أن يسمعنى فسمعت قولا حسنا، فاعرض على أمرك، فعرض على رسول الله ﷺ الإسلام وتلا على القرآن، فلا والله ما سمعت قولا قط أحسن منه ولا أمرا أعدل منه، فأسلمت وشهدت شهادة الحق، وقلت: يا نبى الله، إنى امرؤ مطاع فى قومى وإنى راجع إليهم وداعيهم إلى الإسلام فادع الله أن يجعل لى آية تكون لى عونا عليهم فيما أدعوهم إليه. فقال: اللهم اجعل له آية.\rفخرجت إلى قومى حتى إذا كنت على ثنية تطلعنى على الحاضر وقع نور بين عينى مثل المصباح. قلت: اللهم فى غير وجهى، إنى أخشى أن يظنوا أنها مثلة وقعت فى وجهى لفراقى دينهم. قال: فتحول فوقع فى رأس سوطى، فجعل أهل الحاضر يتراؤن ذلك النور فى سوطى كالقنديل المعلق، وأنا أهبط إليهم من الثنية حتى جئتهم، فلما نزلت أتانى أبى وكان شيخا كبيرا، فقلت: إليك عنى يا أبا فلست منك ولست منى.\rقال: لم يا بنى؟ قلت: أسلمت وتابعت دين محمد. قال: أى بنى فدينى دينك. فقلت:\rفاذهب فاغتسل وطهر ثيابك، ثم تعال حتى أعلمك ما علمت. فذهب فاغتسل وطهر ثيابه، ثم جاء فعرضت عليه الإسلام فأسلم، ثم أتتنى صاحبتى فقلت لها: إليك عنى فلست منك ولست منى. قالت: لم بأبى أنت وأمى؟! قلت: فرق بينى وبينك الإسلام وتابعت دين محمد. قالت: فدينى دينك. قلت: فاذهبى إلى حنا ذى الشرى.\rقال ابن هشام «١» : ويقال: حمى ذى الشرى، فتطهرى منه، وكان ذو الشرى صنما لدوس والحنا حمى حموه له، به وشل من ماء يهبط من جبل. فقالت: بأبى أنت وأمى، أتخشى على الصبية من ذى الشرى شيئا؟ قلت: لا أنا ضامن لذلك. فذهبت فاغتسلت ثم جاءت فعرضت عليها الإسلام فأسلمت، ثم دعوت دوسا إلى الإسلام فأبطأوا على، ثم جئت رسول الله ﷺ بمكة، فقلت يا نبى الله، إنه غلبنى على دوس الزنا فادع الله عليهم. فقال: اللهم اهد دوسا، ارجع إلى قومك فادعهم وارفق بهم.\rفلم أزل بأرض دوس أدعوهم إلى الإسلام حتى هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة، ومضى بدر وأحد والخندق، ثم قدمت إلى رسول الله ﷺ بمن أسلم معى من قومى، ورسول الله ﷺ بخيبر حتى نزلت المدينة بسبعين أو ثمانين بيتا من دوس، ثم لحقنا","footnotes":"(١) انظر: السيرة (١/ ٣١٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083666,"book_id":3509,"shamela_page_id":229,"part":"1","page_num":226,"sequence_num":229,"body":"برسول الله ﷺ بخيبر فأسهم لنا مع المسلمين، ثم لم أزل مع رسول الله ﷺ، حتى فتح الله عليه مكة قلت: يا رسول الله، ابعثنى إلى ذى الكفين، صنم عمرو بن حممة، حتى أحرقه.\rقال ابن إسحاق «١» : فخرج إليه فجعل وهو يوقد عليه النار يقول:\rيا ذا الكفين لست من عبادكا ... ميلادنا أقدم من ميلادكا\rإنى حشوت النار فى فؤادكا «٢»\rثم رجع، فكان بالمدينة حتى قبض الله رسوله، فلما ارتدت العرب خرج مع المسلمين فسار معهم حتى فرغوا من طليحة ومن أرض نجد كلها، ثم سار مع المسلمين إلى اليمامة ومعه ابنه عمرو بن الطفيل فرأى رؤيا وهو متوجه إلى اليمامة فقال لأصحابه: إنى قد رأيت رؤيا فاعبروها لى. رأيت أن رأسى حلق، وأنه خرج من فمى طائر، وأنه لقيتنى امرأة فأدخلتنى فى فرجها وأرى ابنى يطلبنى طلبا حثيثا ثم رأيته حبس عنى.\rقالوا: خيرا؛ قال: أما أنا والله فقد أولتها. قالوا: ماذا؟ قال: أما حلق رأسى فوضعه، وأما الطائر الذى خرج من فمى فروحى، وأما المرأة التى أدخلتنى فى فرجها فالأرض تحفر لى وأغيب فيها، وأما طلب ابنى إياى ثم حبسه عنى فإنى أراه سيجهد أن يصيبه ما أصابنى، فقتل ﵀ شهيدا باليمامة، وجرح ابنه جراحة شديدة ثم [استبلّ] «٣» منها ثم قتل عام اليرموك فى زمان عمر شهيدا «٤» .\rوذكر ابن هشام «٥» أن أعشى بنى قيس بن ثعلبة «٦» خرج إلى رسول الله ﷺ يريد","footnotes":"(١) انظر: السيرة (١/ ٣١٤) .\r(٢) انظر: الأبيات فى الاستيعاب الترجمة رقم (١٢٨٣) ، الإصابة الترجمة رقم (٤٢٧٣) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٢٦١٣) .\r(٣) ما بين المعقوفتين ورد فى الأصل: «استقل» ، وما أوردناه من السيرة. واستبل منها: يقال بل وأبل واستبل المريض من مرضه إذا أفاق وبرىء.\r(٤) ذكره بنحوه ابن عبد البر فى الاستيعاب الترجمة رقم (١٢٨٣) ، ابن حجر فى الإصابة (٣/ ٢٨٧) بنحوه مختصرا، ابن لأثير فى أسد الغابة (٣/ ٧٨) ، ابن كثير فى البداية والنهاية (٣/ ٩٩) .\r(٥) انظر: السيرة (١/ ٣١٧- ٣١٩) .\r(٦) قال فى كتاب الشعر والشعراء (١٥٤) : هو من سعد بن ضبيعة بن قيس، وكان أعمى، ويكنى أبا بصير، وكان أبوه قيس يدعى قتيل الجوع.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083667,"book_id":3509,"shamela_page_id":230,"part":"1","page_num":227,"sequence_num":230,"body":"الإسلام، وقال قصيدة يمدحه فيها، نذكرها بعد. فلما كان بمكة أو قريبا منها اعترضاه بعض المشركين من قريش فسأله عن أمره، فأخبره أنه جاء يريد رسول الله ﷺ ليسلم.\rفقال له: يا أبا بصير، إنه يحرم الزنا. فقال الأعشى: والله إن ذلك لأمر ما لى فيه من أرب. فقال: يا أبا بصير، فإنه يحرم الخمر «١» . فقال: أما هذه فو الله إن فى النفس منها لعلالات، ولكنى منصرف فأتروى منها عامى هذا ثم آتيه فأسلم.\rفانصرف فمات فى عامه ذلك ولم يعد إلى رسول الله ﷺ، هذا ما ذكر ابن هشام فى قصة الأعشى، وظاهره يقتضى أن قصده كان إلى مكة وأن رسول الله ﷺ فيها حينئذ لم يهاجر بعد.\rويعارض هذا الظاهر ما ذكر من تحريم الخمر، فإن أهل النقل مجمعون على أن الخمر إنما حرمت بالمدينة بعد أن مضى بدر وأحد ونزل تحريمها فى سورة المائدة وهى من آخر ما نزل من القرآن فإن صح أن خروج الأعشى كان قبل الهجرة كما فى ظاهر الخبر فلعل المشرك الذى لقيه وأخبره عن رسول الله ﷺ بتحريم الخمر، أراد بهذا القول تنفيره عن الإسلام وإبعاده عنه، مع ما كان من كراهية رسول الله ﷺ أبدا للخمر وتنزيه الله إياه عنها.\rألا تراه ليلة الإسراء لما عرضت عليه آنية الخمر واللبن اختار اللبن فقيل له: هديت للفطرة، لو أخذت الخمر غوت أمتك. والإسراء إنما كان بمكة فى صدر الإسلام. وقد يمكن أن يكون قصد الأعشى إلى المدينة بعد الهجرة وبعد تحريم الخمر فتلقاه بعض المشركين من قريش ممن لم يكن أسلم بعد.\rولعل هذا هو الأولى بدليل قوله فى قصيدته الآتية بعد:\rألا أيهذا السائلى أين يممت ... فإن لها فى أهل يثرب موعدا\rوالله أعلم بالحقيقة فى ذلك كله، والقصيدة التى مدح بها رسول الله ﷺ هى قوله:","footnotes":"(١) قال السهيلى فى الروض الأنف (٢/ ١٣٦) : هذه غفلة من ابن هشام، ومن قال بقوله: فإن الناس مجمعون على أن الخمر لم ينزل تحريمها إلا بالمدينة بعد أن مضيت بدر وأحد، وحرمت فى سورة المائدة وهى من أخر ما نزل، وفى الصحيحين من ذلك قصة حمزة حين شربها، وغتنه القينتان: ألا يا حمز للشرف النواء، فبقر خواصر الشارفين، واجتنب أسمنتها، وقوله للنبى ﷺ: هل أنتم إلا عبيد لآبائى، وهو ثمل، ... الحديث، فإن صح خبر الأعشى وما ذكر له فى الخمر، فلم يكن هذا بمكة، وإنما كان بالمدينة، ويكون القائل له: أما علمت أنه يحرم الخمر من المنافقين أو من اليهود، فالله أعلم.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083668,"book_id":3509,"shamela_page_id":231,"part":"1","page_num":228,"sequence_num":231,"body":"ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا ... وبت كما بات السليم مسهدا «١»\rوما ذاك من عشق النساء وإنما ... تناسيت قبل اليوم خلة مهددا\rولكن أرى الدهر الذى هو خائن ... إذا أصلحت كفاى عاد فأفسدا\rكهولا وشبابا فقدت وثروة ... فلله هذا الدهر كيف ترددا\rوما زلت أبغى المال مذ أنا يافع ... وليدا وكهلا حين شبت وأمردا\rوأبتذل العيس المراقيل تعتلى ... مسافة ما بين النجير فصرخدا «٢»\rألا أيهذا السائلى أين يممت ... فإن لها فى أهل يثرب موعدا\rفإن تسألى عنى فيا رب سائل ... حفى عن الأعشى به حيث [أصهدا] «٣»\rأجدت برجليها النجاء وراجعت ... يداها خنفاا لينا غير أحردا\rوفيها إذا ما هجرت عجرفية ... إذا خلت حرباء الظهيرة أصيدا «٤»\rوآليت لا آوى لها من كلالة ... ولا من حفى حتى تلاقى محمدا\rمتى ما تناخى عند باب ابن هشام ... تراحى وتلقى من فواضله ندا\rنبيا يرى ما لا ترون وذكره ... أغار لعمرى فى البلاد وأنجدا «٥»\rله صدقات ما تغب ونائل ... وليس عطاء اليوم مانعه غدا\rأجدك لم تسمع وصاة محمد ... نبى الإله حين أوصى وأشهدا\rإذا أنت لم ترحل بزاد من التقى ... ولا قيت بعد الموت من قد تزودا\rندمت على أن لا تكون كمثله ... فترصد للموت الذى كان أرصدا\rفإياك والميتات لا تقربنها ... ولا تأخذن سهما حديدا لتقصدا\rوذا النصب المنصوب لا تنسكنّه ... ولا تعبد الأوثان والله فاعبدا «٦»\rولا تقربن حرة كان سرها ... عليك حراما فانكحن أو تأبدا","footnotes":"(١) الأرمد: الذى يشتكى عينيه من الرمد. المسهد: الذى منع النوم.\r(٢) العيس: الإبل البيض يخالطها حمرة. المراقيل: مأخوذ من الإرقال وهو السرعة فى السير. النجير: موضع فى حضرموت فى اليمن. صرخد: موضع بالجزيرة.\r(٣) ما بين المعقفوتين ورد فى الأصل: «أصعدا» ، وما أوردناه من السيرة. وأصهدا: أى ذهب.\r(٤) العجرفية: أى تخليط من غير استقامة. الحرباء: بكسر فسكون دويبة تكون فى أعلى الشجرة.\r(٥) أغار لعمرى: معناه بلغ الغور وهو منخفض من الأرض. أنجد: بلغ النجد وهو ما ارتفع من الأرض.\r(٦) النصب: حجارة كان يذبحون لها. النسك: الدم كانوا يعترون عند أصناهم ثم يطلون رؤس الأصنام بدماء العتائر.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083669,"book_id":3509,"shamela_page_id":232,"part":"1","page_num":229,"sequence_num":232,"body":"وذا الرحم القربى فلا تقطعنه ... لعاقبة ولا الأسير المقيدا\rوسبح على حين العشيات والضحى ... ولا تحمد الشيطان والله فاحمدا\rولا تسخرن من بائس ذى ضرارة ... ولا تحسبن المال للمرء مخلدا\rقال ابن إسحاق «١» : وقد كان عدو الله أبو جهل مع عداوته رسول الله ﷺ وبغضه إياه، يذله الله إذا رآه.\rحدثنى «٢» عبد الملك بن عبد الله بن أبى سفيان الثقفى، وكان واعية، قال: قدم رجل من إراش «٣» بإبل له مكة، فابتاعها منه أبو جهل فمطله بأثمانها، فأقبل الإراشى حتى وقف على ناد من قريش ورسول الله ﷺ جالس فى ناحية المسجد، فقال: يا معشر قريش، من رجل يؤدينى على أبى الحكم بن هشام، فإنى غريب ابن سبيل وقد غلبنى على حقى.\rفقال له أهل ذلك المجلس: أترى ذلك الرجل؟ لرسول الله ﷺ يهزأون به لما يعلمون بينه وبين أبى جهل من العداوة، اذهب إليه فهو يؤديك عليه.\rفأقبل الإراشى حتى وقف على رسول الله ﷺ فقال: يا عبد الله، إن أبا الحكم بن هشام غلبنى على حق لى قبله وأنا غريب ابن سبيل، وقد سألت هؤلاء القوم عن رجل يؤدينى عليه، يأخذ لى حقى منه، فأشاروا لى إليك فخذ لى حقى منه يرحمك الله.\rقال: انطلق إليه. وقام معه رسول الله ﷺ، فلما رأوه قام معه قالوا لرجل ممن معهم:\rاتبعه فانظر ما يصنع.\rقال: وخرج رسول الله ﷺ حتى جاءه فضرب عليه بابه فقال: من هذا؟ فقال:\rمحمد. فاخرج إلى. فخرج إليه وما فى وجهه من رائحة، لقد انتقع لونه، فقال: أعط هذا حقه. قال نعم، لا يبرح حتى أعطيه الذى له.\rفدخل فخرج إليه بحقه فدفعه إليه، فأقبل الإراشى حتى وقف على ذلك المجلس فقال: جزاه الله خيرا، فقد والله أخذ لى حقى. وجاء الرجل الذى بعثوا معه فقالوا ويحك، ماذا رأيت؟ قال: عجبا من العجب! والله ما هو إلا أن ضرب عليه بابه فخرج","footnotes":"(١) انظر: السيرة (١/ ٣١٨) .\r(٢) انظر: السيرة (١/ ٣١٨- ٣١٩) .\r(٣) إراش: هو ابن الغوث أو ابن عمرو بن الغوث ابن بنت مالك وهو والد أنمار الذى ولد بجيله وخثعم.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083670,"book_id":3509,"shamela_page_id":233,"part":"1","page_num":230,"sequence_num":233,"body":"إليه وما معه روحه، فقال: أعط هذا الرجل حقه. قال: نعم، لا يبرح حتى أخرج إليه حقه. فدخل فخرج إليه بحقه فأعطاه إياه، ثم لم يلبث أبو جهل أن جاء، فقالوا: ويلك! ما لك؟ والله ما رأينا مثل ما صنعت قط، قال: ويحكم! والله ما هو إلا أن ضرب على بابى وسمعت صوته فملئت رعبا، ثم خرجت إليه وإن فوق رأسه لفحلا من الإبل ما رأيت مثل هامته ولا قصرته ولا أنيابه لفحل قط، والله لو أبيت لأكلنى «١» .\rوذكر الواقدى عن يزيد بن رومان قال: بينا رسول الله ﷺ جالسا فى المسجد معه رجال من أصحابه أقبل رجل من بنى زبيد يقول: يا معشر قريش، كيف تدخل عليكم المادة أو يجلب إليكم جلب أو يحل تاجر بساحتكم وأنتم تظلمون من دخل عليكم فى حرمكم. يقف على الحلق حلقة حلقة.\rحتى انتهى إلى رسول الله ﷺ فى أصحابه، فقال له رسول الله ﷺ: ومن ظلمك؟\rفذكر أنه قدم بثلاثة أجمال كانت خيرة إبله، فسامه أبو جهل ثلث أثمانها ثم لم يسمه بها لأجله سائم، قال: فأكسد على سلعتى وظلمنى. قال رسول الله ﷺ: «وأين أجمالك؟» قال: هى هذه بالحزورة. فقام رسول الله ﷺ معه وقام أصحابه، فنظر إلى الجمال فرأى جمالا فرها. فساوم الزبيدى حتى ألحقه برضاه، فأخذها رسول الله ﷺ فباع جملين منها بالثمن، وأفضل بعيرا باعه وأعطى أرامل بنى عبد المطلب ثمنه، وأبو جهل جالس فى ناحية من السوق لا يتكلم. ثم أقبل إليه رسول الله ﷺ فقال: «يا عمرو، إياك أن تعود لمثل ما صنعت بهذا الأعرابى فترى منى ما تكره» . فجعل يقول: لا أعود يا محمد، لا أعود يا محمد، فانصرف رسول الله ﷺ، وأقبل عليه أمية بن خلف ومن حضر من القوم، فقالوا: ذللت فى يدى محمد، فإما أن تكون تريد أن تتبعه وإما رعب دخلك منه. قال: لا أتبعه أبدا، إن الذى رأيتم منى لما رأيت معه، لقد رأيت رجالا عن يمينه وشماله معهم رماح يشرعونها إلى، لو خالفته لكانت إياها. أى لأتوا على نفسى.\rوذكر محمد بن إسحاق «٢» عن أبيه قال: كان ركانة بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب أشد قريش، فخلا يوما برسول الله ﷺ فى بعض شعاب مكة، فقال له: يا ركانة، ألا تتقى الله وتقبل ما أدعوك إليه؟! قال: لو أعلم أن الذى تقول حق لا تبعتك.\rفقال رسول الله ﷺ: أفرأيت إن صرعتك أتعلم أن ما أقول حق؟ قال: نعم. قال: فقم","footnotes":"(١) ذكره ابن كثير فى البداية والنهاية (٣/ ٩٤- ٩٥) .\r(٢) انظر: السيرة (١/ ٣١٩- ٣٢٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083671,"book_id":3509,"shamela_page_id":234,"part":"1","page_num":231,"sequence_num":234,"body":"حتى أصارعك. فقام إليه ركانة فصارعه، فلما بطش به رسول الله ﷺ أضجعه لا يملك من نفسه شيئا، ثم قال: عد يا محمد. فعاد فصرعه. فقال: يا محمد، إن ذا للعجب أتصرعنى!! قال رسول الله ﷺ: «وأعجب من ذلك إن شئت أن أريكه إن اتقيت الله واتبعت أمرى» ، قال: ما هو؟ قال: «أدعو لك هذه الشجرة التى ترى فتأتينى» . قال:\rادعها. فدعا بها، فأقبلت حتى وقفت بين يدى رسول ﷺ فقال لها: «ارجعى إلى مكانك، فرجعت إلى مكانها» ، فذهب ركانة إلى قومه فقال: يا بنى عبد مناف، ساحروا بصاحبكم أهل الأرض، فو الله ما رأيت أسحر منه قط. ثم أخبرهم بالذى رأى وصنع «١» .\rقال ابن إسحاق «٢» : ثم قدم على رسول الله ﷺ وهو بمكة عشرون رجلا أو قريبا من ذلك، من النصارى، يقال: إنهم من أهل نجران، حين بلغهم خبره من الحبشة، فوجدوه فى المسجد، فجلسوا إليه وكلموه وسألوه، ورجال من قريش فى أنديتهم حول الكعبة، فلما فرغوا من مسألة رسول الله ﷺ عما أرادوا دعاهم إلى الله وتلا عليهم القرآن، فلما سمعوا القرآن فاضت أعينهم من الدمع، ثم استجابوا له وآمنوا به وصدقوه وعرفوا منه ما كان يوصف لهم فى كتابهم من أمره، فلما قاموا عنه اعترضهم أبو جهل فى نفر من قريش، فقالوا لهم: خيبكم الله من ركب! بعثكم من وراءكم من أهل دينكم لتأتوهم بخبر الرجل، فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه! ما نعلم ركبا أحمق منكم. أو كما قالوا. فقالوا لهم: سلام عليكم لا نجاهلكم، لنا ما نحن عليه ولكم ما أنتم عليه، لم نأل أنفسنا خيرا.\rفيقال والله أعلم: فيهم نزلت هؤلاء الآيات: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ إلى قوله: لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ [القصص:\r٥٢، ٥٥] .\rفقال «٣» : وقد سألت الزهرى فقال: ما زلت أسمع من علمائنا أنهن نزلت فى النجاشى وأصحابه. والآيات من المائدة قول الله ﷿: وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: البدآية والنهاية لابن كثير (٣/ ١٠٣) ، دلائل النبوة للبيهقى (٦/ ٢٥٠) ، أبى داود فى المراسيل (٣٠٨) ، البيهقى فى السنن الكبرى (١٠/ ١٨) .\r(٢) انظر: السيرة (١/ ٣٢٠- ٣٢١) .\r(٣) انظر: السيرة (١/ ٣٢١) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083672,"book_id":3509,"shamela_page_id":235,"part":"1","page_num":232,"sequence_num":235,"body":"لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ [المائدة: ٨٢، ٨٣] .\rوكان رسول الله ﷺ إذا جلس فى المسجد فجلس إليه المستضعفون من أصحابه، خباب وعمار وأبو فكيهة يسار وصهيب وأشباههم هزئت بهم قريش وقال بعضهم لبعض: هؤلاء أصحابه كما ترون، أهؤلاء من الله عليهم من بيننا بالهدى والحق! لو كان ما جاء به محمد خيرا ما سبقنا هؤلاء إليه وما خصهم الله به دوننا.\rفأنزل الله عليهم: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الأنعام: ٥٢، ٥٤] «١» .\rوهؤلاء أيضا، ومن قال بقولهم هم الذين عنى الله سبحانه بقوله: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ [الأحقاف: ١١] .\rقال ابن إسحاق «٢» : وكان رسول الله ﷺ فيما بلغنى كثيرا ما يجلس عند المروة إلى مبيعة غلام نصرانى يقال له: جبر، عبد لبنى الحضرمى، وكانوا يقولون: والله ما يعلم محمدا كثيرا مما يأتى به إلا جبر النصرانى، فأنزل الله فى ذلك من قولهم: إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ [النحل: ١٠٣] «٣» .\rوكان العاص بن وائل إذا ذكر رسول الله ﷺ قال: دعوه، فإنما هو رجل أبتر، لو قد مات لقد انقطع ذكره واسترحتم منه، فأنزل الله ﷿، فى ذلك من قوله: إِنَّا","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: صحيح مسلم كتاب الفضائل (٤/ ٤٦) ، سنن ابن ماجه (٤١٢٧) ، تفسير الطبرى (٧/ ١٢٧) .\r(٢) انظر: السيرة (١/ ٣٢٢) .\r(٣) انظر الحديث فى: مستدرك الحاكم (٢/ ٣٥٧) ، الواحدى فى أسباب النزول (ص ٢٣٥) ، تفسير الطبرى (١٤/ ١١٩، ١٢٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083673,"book_id":3509,"shamela_page_id":236,"part":"1","page_num":233,"sequence_num":236,"body":"أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ [الكوثر: ١، ٤] «١» ، أى أعطيناك ما هو خير من الدنيا وما فيها. والكوثر العظيم. وقيل لرسول الله ﷺ: ما الكوثر الذى أعطاك الله؟ قال: «نهر كما بين صنعاء إلى أيلة آنيته كعدد نجوم السماء ترده طير لها أعناق كأعناق الإبل» . قال عمر بن الخطاب: إنها يا رسول الله لناعمة.\rقال: «آكلها أنعم منها» «٢» .\rودعا رسول الله ﷺ قوما إلى الإسلام، فقال له زمعة بن الأسود والنضر بن الحارث والأسود بن عبد يغوث وأبى بن خلف والعاص بن وائل: لو جعل معك يا محمد ملك يحدث عنك الناس ويرى معك؟ فأنزل الله فى ذلك: وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ [الأنعام: ٨، ٩] «٣» .\rومر رسول الله ﷺ بالوليد بن المغيرة وأمية بن خلف وأبى جهل، فهمزوه واستهزأوا به، فغاظه ذلك، فأنزل الله عليه: لا وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ [الأنعام: ١٠] «٤» .\r\rذكر الحديث عن مسرى رسول الله ﷺ\rقال ابن إسحاق «٥» : ثم أسرى برسول الله ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: مجمع الزوائد للهيثمى (٧/ ١٤٣) ، أسباب النزول للواحدى (ص ٤٠٤) .\r(٢) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (٣/ ٢٢٠، ٢٢١، ٢٣٦) ، مجمع الزوائد للهيثمى (١٠/ ٣٦٠، ٣٦١) .\r(٣) ذكره الشوكانى فى فتح القدير (٢/ ١٤٧) .\r(٤) ذكره الشوكانى فى فتح القدير (٢/ ١٤٨) .\r(٥) انظر: السيرة (٢/ ٥- ٧) . قلت: ولم يذكر ابن إسحاق تحديد السنة التى وقع فيها الإسراء، وقد تعرض ابن كثير فى البداية والنهاية لذلك، فقال: ذكر ابن عساكر أحاديث الإسراء فى أوائل البعثة، وأما ابن إسحاق فذكرها فى هذا الموطن بعد البعثة بنحو من عشر سنين، وروى البيهقى من طريق موسى بن عقبة، عن الزهرى أنه قال: أسرى برسول الله ﷺ قبل خروجه إلى المدينة بسنة ... ثم روى عن الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير، عن أسباط بن نصر، عن إسماعيل السدى أنه قال: فرض على رسول الله ﷺ الخمس ببيت المقدس ليلة أسرى به-","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083674,"book_id":3509,"shamela_page_id":237,"part":"1","page_num":234,"sequence_num":237,"body":"وهو بيت المقدس من إيلياء، وقد فشا الإسلام مكة فى قريش وفى القبائل كلها.\rفكان من الحديث فيما بلغنى، عن مسراه صلوات الله عليه وسلامه، عن عبد الله بن مسعود، وأبى سعيد الخدرى، وعائشة زوج النبى ﷺ، ومعاوية بن أبى سفيان، وأم هانىء بنت أبى طالب، والحسن بن أبى الحسن، وابن شهاب الزهرى، وقتادة وغيرهم من أهل العلم ما اجتمع فى هذا الحديث، كل يحدث عنه بعض ما ذكر من أمر رسول الله ﷺ حين أسرى به.\rوكان فى مسراه وما ذكر منه بلاء وتمحيص وأمر من الله فى قدرته وسلطانه، فيه عبرة لأولى الألباب وهدى ورحمة وثبات لمن آمن وصدق.\rوكان من أمر الله على يقين، فأسرى به كيف شاء وكما شاء ليريه من آياته ما أراد، حتى عاين ما عاين من أمره وسلطانه العظيم وقدرته التى يصنع بها ما يريد.\rفكان عبد الله بن مسعود، فيما بلغنى عنه، يقول أتى رسول الله ﷺ بالبراق، وهى الدابة التى كانت تحمل عليها الأنبياء قبله، تضع حافرها فى منتهى طرفها، فحمل عليه، ثم خرج به صاحبه يرى الآيات فيما بين السموات والأرض حتى انتهى إلى بيت المقدس، فوجد فيه إبراهيم وموسى وعيسى فى نفر من الأنبياء ﵈ قد جمعوا له، فصلى بهم ثم أتى بثلاثة آنية، إناء فيه لبن، وإناء فيه خمر، وإناء فيه ماء، قال:\rفسمعت قائلا يقول: إن أخذ الماء فغرق وغرقت أمته، وإن أخذ الخمر فغوى وغوت أمته، وإن أخذ اللبن هدى وهديت أمته. قال: «فأخذت إناء اللبن فشربت، فقال له جبريل: هديت وهديت أمتك يا محمد» «١» .\rقال «٢» : وحدثت عن الحسن أنه قال: قال رسول الله ﷺ: «بينا أنا نائم فى الحجر","footnotes":"- قبل مهاجره بستة عشر شهرا. فعلى قول السدى يكون الإسراء فى شهر ذى القعدة، وعلى قول الزهرى وعروة يكون فى ربيع الأول. ثم ذكر عن جابر، وابن عباس قالا: ولد رسول الله ﷺ عام الفيل يوم الإثنين الثانى عشر من ربيع الأول، وفيه بعث وفيه عرج به إلى السماء وفيه هاجر ومات. وفيه انقطاع، ثم ذكر أن المقدسى أورد حديثا لا يصح سند: أن الإسراء كان ليلة السابع والعشرين من رجب والله أعلم. انظر: المنتظم لابن الجوزى (حاشية ٣/ ٢٦) تحقيقنا.\r(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره (٥/ ٢٨) ، ابن حجر فى فتح البارى (٧/ ٢٥٦) ، الهيثمى فى المجمع (١/ ٧٨) ، السيوطى فى الخصائص الكبرى (١/ ٢٦٨، ٢٦٩) .\r(٢) انظر: السيرة (٢/ ٧) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083675,"book_id":3509,"shamela_page_id":238,"part":"1","page_num":235,"sequence_num":238,"body":"جاءنى جبريل فهمزنى بقدمه، فجلست فلم أر شيئا، فعدت لمضجعى، فجاءنى الثانية فهمزنى بقدمه فجلست فلم أر شيئا، فعدت لمضجعى فجاءنى الثالثة فهمزنى بقدمه فجلست فأخذ بعضدى، فقمت معه فخرج بى إلى باب المسجد، فإذا دابة أبيض، بين البغل والحمار، فى فخذيه جناحان يحفز بهما رجليه. يضع يديه فى منتهى طرفه، فحملنى عليه ثم خرج معى لا يفوتنى ولا أفوته» «١» .\rوفى حديث قتادة أن رسول الله ﷺ قال: «لما دنوت منه لأركبه شمش فوضع جبريل يده على معرفته ثم قال: ألا تستحى يا براق مما تصنع! فو الله ما ركبك عبد الله قبل محمد أكرم عليه منه. فاستحيا حتى ارفض عرقا ثم قر حتى ركبته» «٢» .\rوفى حديث الحسن من انتهاء جبريل بالنبى ﷺ إلى بيت المقدس وإمامته فيه بمن وجد عنده من الأنبياء، على جميعهم السلام، نحو ما تقدم من ذلك فى حديث ابن مسعود.\rقال: ثم أتى بإناءين فى أحدهما خمر وفى الآخر لبن، فأخذ إناء اللبن وترك إناء الخمر، فقال له جبريل: هديت للفطرة وهديت أمتك وحرمت عليكم الخمر.\rوذكر تحريم الخمر هنا غريب جدا، والذى عليه العلماء أن الخمر إنما حرمت بالمدينة بعد سنين من الهجرة.\rقال الحسن: ثم انصرف رسول الله ﷺ إلى مكة، فلما أصبح غدا على قريش فأخبرهم الخبر. فقال أكثر الناس: هذا والله الإمر البين «٣» ، والله إن العير لتطرد شهرا من مكة إلى الشام مدبرة وشهرا مقبلة، أفيذهب ذلك محمد فى ليلة واحدة ويرجع إلى مكة!. قال: فارتد كثير ممن كان أسلم، وذهب الناس إلى أبى بكر، فقالوا: هل لك يا أبا بكر فى صاحبك! يزعم أنه جاء هذه الليلة بيت المقدس وصلى فيه ورجع إلى مكة.\rفقال لهم أبو بكر: إنكم تكذبون عليه. فقالوا: بلى ها هو ذاك فى المسجد يحدث به الناس.\rفقال أبو بكر: والله لئن كان قاله لقد صدق، فما يعجبكم من ذلك؟! فو الله إنه","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: تفسير الطبرى (١٥/ ٣، ٤) .\r(٢) انظر الحديث فى: سنن الترمذى (٣٣٣١) ، تفسير الطبرى (١٥/ ١٢، ١٣) ، فتح البارى لابن حجر (٧/ ٢٤٧) ، مسند الإمام أحمد (٣/ ١٦٤) .\r(٣) الإمر البين: هو الأمر العظيم أو الشنيع، وقيل: هو العجب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083676,"book_id":3509,"shamela_page_id":239,"part":"1","page_num":236,"sequence_num":239,"body":"ليخبرنى أن الخبر ليأتيه من السماء إلى الأرض فى ساعة من ليل أو نهار فأصدقه، فهذا أبعد ما تعجبون منه، ثم أقبل حتى انتهى إلى رسول الله ﷺ فقال: يا نبى الله، أحدثت هؤلاء أنك جئت بيت المقدس هذه الليلة؟ قال: «نعم» . قال: يا نبى الله، فصفه لى فإنى قد جئته.\rقال الحسن: فقال رسول الله ﷺ: «فرفع لى حتى نظرت إليه» ، فجعل رسول الله ﷺ يصفه لأبى بكر، ويقول أبو بكر: صدقت أشهد أنك رسول الله. كلما وصف له منه شيئا قال: صدقت أشهد رسول الله. حتى إذا انتهى قال رسول الله ﷺ لأبى بكر:\rوأنت يا أبا بكر الصديق أشهد أنك. فيومئذ سماه الصديق.\rقال الحسن: وأنزل الله فيمن ارتد عن إسلامه لذلك: وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْياناً كَبِيراً [الإسراء: ٦٠] ، فهذا حديث عن مسرى رسول الله ﷺ، وما دخل فيه من حديث قتادة «١» .\rقال ابن إسحاق «٢» : وحدثنى بعض آل أبى بكر أن عائشة كانت تقول: ما فقد جسد رسول الله ﷺ ولكن أسرى بروحه «٣» .\rوكان معاوية بن أبى سفيان إذا سئل عن مسرى رسول الله ﷺ قال: كانت رؤيا من الله صادقة «٤» .\rفلم ينكر ذلك من قولهما لقول الحسن إن هذه الآية نزلت فى ذلك، قول الله:\rوَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ولقوله تعالى فى الخبر عن إبراهيم إذ قال لابنه: يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ [الصافات: ١٠٢] ثم مضى على ذلك، فعرفت أن الوحى من الله يأتى الأنبياء أيقاظا ونياما.","footnotes":"(١) ذكر البخارى فى صحيحه (٤٧١٦) كتاب التفسير باب وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ، من حديث ابن عباس، قال: هى رؤيا عين رأيها رسول الله ﷺ ليلة أسرى به والشجرة الملعونة هى شجرة الزقوم. وأخرجه أحمد فى مسنده (١/ ٢٢١، ٣٧٠) ، الترمذى فى كتاب التفسير (٣١٣٤) ، الحاكم فى المستدرك (٢/ ٣٦٢) .\r(٢) انظر: السيرة (٢/ ٩) .\r(٣) ذكره الطبرى فى تفسيره (١٥/ ١٣) .\r(٤) ذكره الطبرى فى تفسيره (١٥/ ١٣) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083677,"book_id":3509,"shamela_page_id":240,"part":"1","page_num":237,"sequence_num":240,"body":"وكان رسول الله ﷺ يقول: «تنام عينى وقلبى يقظان» «١» . فالله أعلم أى ذلك كان قد جاءه وعاين ما عاين من أمر الله، على أى حاليه كان نائما أو يقظان، كل ذلك حق وصدق.\rوزعم الزهرى عن سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ وصف لأصحابه إبراهيم وموسى وعيسى حين رآهم فى تلك الليلة صلوات الله على جميعهم، فقال: «أما إبراهيم فلم أر رجلا أشبه بصاحبكم، ولا صاحبكم أشبه به منه، وأما موسى فرجل آدم طويل ضرب جعد أقنى كأنه من رجال شنوءة، وأما عيسى ابن مريم فرجل أحمر بين القصير والطويل، سبط الشعر كثير خيلان الوجه كأنه خرج من ديماس تخال رأسه يقطر ماء وليس فيه ماء، أشبه رجالكم به عروة بن مسعود الثقفى» «٢» .\rقال ابن هشام «٣» : وكانت صفة رسول الله ﷺ فيما ذكر عمر مولى غفرة، عن إبراهيم بن محمد بن على بن أبى طالب، قال: كان علىّ إذا نعت النبى ﷺ يقول: لم يكن بالطويل الممغط ولا القصير المتردد، كان ربعة من القوم، ولم يكن بالجعد القطط ولا بالسبط كان جعدا رجلا، ولم يكن بالمطهم ولا بالمكلثم، وكان أبيض مشربا أدعج العينين أهدب الأشفار جليل المشاش والكند دقيق المسربة أجرد شئن الكفين والقدمين، إذا تمشى تقلع كأنما يمشى فى صبب، وإذا التفت التفت معا، بين كتفيه خاتم النبوة، وهو ﷺ خاتم النبيين أجود الناس كفا وأجرأ الناس صدرا وأصدق الناس لهجة وأوفى الناس بذمة وألينهم عريكة وأكرمهم عشرة، من رآه بديهة هابه ومن خالطه معرفة أحبه، يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله، ﷺ «٤» .","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: تفسير الطبرى (١٥/ ١٣) .\r(٢) انظر الحديث فى: تفسير الطبرى (١٥/ ١٢) .\r(٣) انظر: السيرة (٢/ ١١) .\r(٤) انظر الحديث فى: سنن الترمذى (٣٦٣٨) ، وقال: حديث حسن غريب ليس إسناده بمتصل. وقال أبو عيسى: سمعت أبا جعفر محمد بن الحسين، يقول: سمعت الأصمعى يقول فى تفسير صفة النبى ﷺ: الممغط: الذاهب طولا، وقال: سمعت أعرابيا يقول فى كلامه تمغط فى نشابته، أى مدها مدا شديدا. والمتردد: الداخل بعضه فى بعض قصرا. وأما القطط: فالشديد الجعودة. والرجل: الذى فى شعره حجونة، أى تثن قليل. وأما المطهم: فالبادن الكثير اللحم. والمكلثم: المدور الوجه. والمشرب: الذى فى بياضه حمرة. والأدعج: الشديد سواد العين. والأهدب: الطويل الأشفار. والكتد: مجتمع الكتفين وهو الكامل. والمسربة: هو الشعر الدقيق الذى كأنه قضيب من الصدر إلى السربة. والشثن: الغليظ الأصابع من الكفين والقدمين. والتقلع: أن-","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083678,"book_id":3509,"shamela_page_id":241,"part":"1","page_num":238,"sequence_num":241,"body":"قال ابن إسحاق «١» : وكان فيما بلغنى عن أم هانىء بنت أبى طالب أنها كانت تقول: ما أسرى برسول الله ﷺ إلا وهو فى بيتى، نام عندى تلك الليلة فصلى العشاء الآخرة ثم نام ونمنا، فلما كان قبيل الفجر أهبنا رسول الله ﷺ فلما صلى الصبح وصلينا معه قال: يا أم هانىء، لقد صليت معكم العشاء الآخرة كما رأيت بهذا الوادى، ثم جئت بيت المقدس فصليت فيه ثم قد صليت معكم صلاة الغداة الآن كما ترين، ثم قام ليخرج فأخذت بطرف ردائه، فتكشف عن بطنه وكأنه قبطية مطوية، فقلت: يا نبى الله، لا تحدث بهذا الناس فيكذبوك ويؤذوك، قال: والله لأحدثنهموه. فقلت لجارية لى حبشية: ويحك، اتبعى رسول الله ﷺ حتى تسمعى ما يقول للناس وما يقولون له، فلما خرج إلى الناس أخبرهم فعجبوا وقالوا: ما آية ذلك يا محمد، فإنا لم نسمع بمثل هذا قط؟ قال: آية ذلك أنى مررت بعير بنى فلان بوادى كذا، فأنفرهم حسن الدابة، فند لهم بعير فدللتهم عليه وأنا موجه إلى الشام، ثم أقبلت حتى إذا كانت بضجنان مررت بعير بنى فلان فوجدت القوم نياما ولهم إناء فيه ماء قد غطوا عليه بشىء، فكشفت غطاءه وشربت ما فيه ثم غطيت عليه كما كان، وآية ذلك أن عيرهم الآن تصوب من البيضاء، ثنية التنعيم، يقدمها جمل أورق عليه غرارتان إحداهما سوداء والأخرى برقاء، فابتدر القوم الثنية فلم يلقهم أول من الجمل، كما وصف لهم، وسألوهم عن الإناء فأخبروهم أنهم وضعوه مملوء ماء ثم غطوه، وأنهم هبوا فوجدوه مغطى كما غطوا ولم يجدوا فيه ماء، وسألوا الآخرين وهم بمكة فقالوا: صدق والله، لقد أنفرنا فى الوادى الذى ذكر وندّ لنا بعير، فسمعنا صوت رجل يدعونا إليه حتى أخذناه «٢» .\rقال ابن إسحاق «٣» : وحدثنى من لا أتهم، عن أبى سعيد الخدرى أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لما فرغت مما كان فى بيت المقدس أتى بالمعراج، ولم أر شيئا قط أحسن منه، وهو الذى يمد إليه ميتكم عينيه إذا حضر، فأصعدنى صاحبى فيه حتى انتهى بى إلى باب من أبواب السماء يقال له: باب الحفظة، عليه ملك من الملائكة يقال له:","footnotes":"- يمشى بقوة. والصبب: الحدور، يقال: إنحدرنا فى صبوب وصبب. وقوله: جليل المشاش: يريد رؤس المناكب. العشرة: الصحبة. والعشير: الصاحب. والبديهة: المفاجأة، يقال: بدهته بأمر أى فجأته.\r(١) انظر: السيرة (٢/ ١٢- ١٣) .\r(٢) انظر الحديث فى: تفسير الطبرى (١٥/ ٢) ، تفسير ابن كثير (٥/ ٣٩) ، مجمع الزوائد للهيثمى (١/ ٧٦، ٩/ ٤٢) ، عيون الأثر لابن سيد الناس (١/ ١٧٤) .\r(٣) انظر: السيرة (٢/ ١٣) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083679,"book_id":3509,"shamela_page_id":242,"part":"1","page_num":239,"sequence_num":242,"body":"إسماعيل تحت يديه اثنا عشر ألف ملك تحت يدى كل ملك منهم اثنا عشر ألف ملك.\rيقول رسول الله ﷺ حين حدث بهذا الحديث: وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [المدثر: ٣١] ، فلما دخل بى قال: «من هذا يا جبريل؟ قال: محمد. قال: أو قد بعث؟\rقال: نعم، فدعا لى بخير» . وقاله «١» .\rقال «٢» : وحدثنى بعض أهل العلم عمن حدثه عن رسول الله ﷺ أنه قال: ثم تلقتنى الملائكة حين دخلت السماء الدنيا، فلم يلقنى ملك إلا ضاحكا مستبشرا، يقول خيرا ويدعو به، حتى لقينى ملك من الملائكة فقال مثل ما قالوا ودعا بمثل ما دعوا به، إلا أنه لم يضحك، ولم أر منه من البشر مثل ما رأيت من غيره، فقلت لجبريل: من هذا الملك الذى قال لى مثل ما قالت الملائكة ولم يضحك ولم أر منه من البشر مثل الذى رأيت منهم. فقال جبريل: أما إنه لو كان ضحك إلى أحد قبلك أو كان ضاحكا إلى أحد بعدك لضحك إليك، ولكنه لا يضحك، هذا مالك صاحب النار.\rقال رسول الله ﷺ: فقلت لجبريل، وهو من الله بالمكان الذى وصف لكم مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ [التكوير: ٢١] ألا تأمره أن يرينى النار؟ فقال: بلى، يا مالك أر محمدا النار، فكشف عنها غطاءها ففارت وارتفعت حتى ظننت لتأخذن ما أرى.\rفقلت لجبريل: مره فليردها إلى مكانها. فأمره، فقال لها: اخبى فرجعت إلى مكانها الذى خرجت منه، فما شبهت رجوعها إلا وقوع الظل، حتى إذا دخلت من حيث خرجت رد عليها غطاءها «٣» .\rقال أبو سعيد الخدرى فى حديثه «٤» عن رسول الله ﷺ، قال: لما دخلت السماء الدنيا رأيت بها رجلا جالسا تعرض عليه أرواح بنى آدم، فيقول لبعضها إذا عرضت عليه خيرا ويسر به، ويقول: روح طيبة خرجت من جسد طيب، ويقول لبعضها إذا عرضت عليه أف، ويعبس بوجهه، روح خبيثة خرجت من جسد خبيث.\rقال: قلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا أبوك آدم تعرض عليه أرواح ذريته، فإذا","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (٢/ ٣٩٠) ، تفسير ابن كثير (٥/ ٢٠، ٢٢) ، البداية والنهاية (٣/ ١١٠، ١١١) ، الكامل فى الضعفاء لابن عدى (٥/ ٧٩) .\r(٢) انظر: السيرة (٢/ ١٤) .\r(٣) لم أقف على تخريجه، بهذا اللفظ فيما بين يديه من مصادر.\r(٤) تقدم تخريجه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083680,"book_id":3509,"shamela_page_id":243,"part":"1","page_num":240,"sequence_num":243,"body":"مرت به روح المؤمن منهم سر بها وإذا مرت به روح الكافر منهم أنف منها وكرهها.\rقال: ثم رأيت رجالا لهم مشافر كمشافر «١» الإبل، فى أيديهم قطع من نار كالأفهار «٢» يقذفونها فى أفواههم فتخرج من أدبارهم، قلت: من هؤلاء يا جبريل؟\rقال: هؤلاء أكلة أموال اليتامى ظلما.\rثم رأيت رجالا لهم بطون لم أر مثلها قط، بسبيل آل فرعون، يمرون عليهم كالإبل المهيومة «٣» حتى يعرضوا على النار، يطأونهم لا يقدرون على أن يتحولوا من مكانهم ذلك. قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء أكلة الربا.\rثم رأيت رجالا بين أيديهم لحم سمين طيب إلى جنبه لحم غث منتن، يأكلون من الغث المنتن ويتركون السمين الطيب، قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يتركون ما أحل الله لهم من النساء، ويذهبون إلى ما حرم الله عليهم منهن.\rثم رأيت نساء معلقات بثديهن، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء اللاتى أدخلن على الرجال من ليس من أولادهم. قال: ثم صعد بى إلى السماء الثانية فإذا فيها ابنا الخالة عيسى ابن مريم، ويحيى بن زكريا.\rقال: ثم أصعد بى إلى السماء الثالثة فإذا فيها رجل صورته كصورة القمر ليلة البدر، قلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا أخوك يوسف بن يعقوب، ثم أصعد بى إلى السماء الرابعة، فإذا فيها رجل، فسألته من هو؟ فقال: هذا إدريس. قال: يقول رسول الله ﷺ:\rوَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا [مريم: ٥٧] .\rقال: ثم أصعد بى إلى السماء الخامسة فإذا فيها كهل أبيض الرأس واللحية عظيم العثنون لم أر كهلا أجمل منه. قلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا المحبب فى قومه:\rهارون بن عمران.\rقال: ثم أصعد بى إلى السماء السادسة فإذا فيها رجل آدم طويل أقنى كأنه من رجال شنوءة فقلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا أخوك موسى بن عمران.","footnotes":"(١) مشافر: جمع شفر، وهو للبعير كالشفة للإنسان والجعفلة للفرس. انظر: اللسان (مادة شفر) .\r(٢) الأفهار: جمع فهر بكسر فسكون وهو الحجر قدر ما يدق به الجوز ونحوه وتصغيرها فهير. انظر: اللسان (مادة فهر) .\r(٣) المهيومة: العطشى، وقيل: هو من الداء، وقيل: الهيم الإبل التى يصيبها داء فلا تروى من الماء.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083681,"book_id":3509,"shamela_page_id":244,"part":"1","page_num":241,"sequence_num":244,"body":"ثم أصعد بى إلى السماء السابعة فإذا كهل جالس على كرسى إلى باب البيت المعمور، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يرجعون فيه إلى يوم القيامة، لم أر رجلا أشبه بصاحبكم ولا صاحبكم أشبه به منه. قلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا أبوك إبراهيم.\rثم دخل بى الجنة فرأيت فيها جارية لعساء فسألتها لمن أنت؟ وقد أعجبتنى فقالت:\rلزيد بن حارثة. فبشر بها رسول الله ﷺ زيدا.\rومن حديث عبد الله بن مسعود «١» أن جبريل لم يصعد به إلى سماء من السموات إلا قالوا له حين يستأذن فى دخولها: من هذا يا جبريل؟ فيقول: محمد. فيقولون: أو قد بعث؟ فيقول: نعم. فيقولون حياه الله من أخ وصاحب. حتى انتهى به إلى السماء السابعة، ثم انتهى به إلى ربه، ففرض عليه خمسين صلاة كل يوم.\rقال رسول الله ﷺ: فأقبلت راجعا فلما مررت بموسى بن عمران، ونعم الصاحب كان لكم، سألنى: كم فرض عليك من الصلاة؟ فقلت: خمسين صلاة فى كل يوم.\rقال: إن الصلاة ثقيلة وإن أمتك ضعيفة، فارجع إلى ربك فسله أن يخفف عنك وعن أمتك. فرجعت فسألت ربى فوضع عنى عشرا، ثم انصرفت فمررت على موسى فقال لى مثل ذلك، فرجعت فسألت ربى فوضع عنى عشرا ثم لم يزل يقول لى مثل ذلك كلما رجعت إليه، فأرجع فأسأل حتى انتهيت إلى أن وضع عنى ذلك إلا خمس صلوات فى كل يوم وليلة.\rثم رجعت على موسى فقال لى مثل ذلك، فقلت: قد راجعت ربى وسألته حتى استحييت منه، فلما أنا بفاعل. فمن أداهن منكم إيمانا واحتسابا لهن كان له أجر خمسين صلاة «٢» .\rقال ابن إسحاق «٣» : فأقام رسول الله ﷺ على أمر الله صابرا محتسبا مؤديا إلى قومه النصيحة، على ما يلقى منهم من التكذيب والأذى والاستهزاء، وكان عظماء المستهزئين خمسة نفر من قومه، وكانوا ذوى أسنان وشرف فى قومهم: الأسود بن المطلب الأسدى، أبو زمعة، وكان رسول الله ﷺ فيما بلغنى قد دعا عليه لما كان يبلغه من أذاه","footnotes":"(١) انظر: السيرة (٢/ ١٧) .\r(٢) انظر الحديث فى: صحيح مسلم كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله ﷺ (١/ ٢٥٩) .\r(٣) انظر: السيرة (٢/ ١٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083682,"book_id":3509,"shamela_page_id":245,"part":"1","page_num":242,"sequence_num":245,"body":"واستهزائه به فقال: «اللهم أعم بصره وأثكله ولده» «١» .\rوالأسود بن عبد يغوث الزهرى، والوليد بن المغيرة المخزومى، والعاص بن وائل السهى، والحارث بن الطلاطله الخزاعى. فلما تمادوا فى الشر وأكثروا برسول الله ﷺ الاستهزاء أنزل الله عليه: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [الحجر: ٩٤، ٩٦] .\rفأتى جبريل ﵇، رسول الله ﷺ وهم يطوفون بالبيت، فقام وقام رسول الله ﷺ إلى جنبه، فمر به الأسود بن المطلب فرمى فى وجهه بورقة خضراء فعمى، وسيأتى بعد أنه أصيب له يوم بدر ثلاثة من ولده، ابناه زمعة وعقيل وابن ابنه الحارث بن زمعة، فاستوفى الله سبحانه بذلك فيه لرسوله ﷺ إجابة دعوته عليه بالعمى والثكل.\rثم مر به الأسود بن عبد يغوث فأشار إلى بطنه فاستسقى بطنه فمات منه حبنا، وعن غير ابن إسحاق أنه لما نزل: إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ [الحجر: ٩٥] نزل جبريل ﵇، فحنا ظهر الأسود بن عبد يغوث الزهرى، فقال له رسول الله ﷺ خالى خالى فقال له جبريل: خله عنك، ثم حناه حتى قتله.\rقال ابن إسحاق: ومر به الوليد بن المغيرة فأشار إلى أثر جرح بأسفل كعب رجله أصابه قبل ذلك بسنين وهو يجر سبله، فانتقض به فقتله. ومر به العاص بن وائل فأشار إلى أخمص رجله، فخرج على حمار له يريد الطائف فربض به على شبرقة فدخلت فى أخمص رجله شوكة فقتلته. ومر به الحارث بن الطلاطلة فأشار إلى رأسه فامتخض قيحا فقتله «٢» .\rقال «٣» : وكان النفر الذين يؤذون رسول الله ﷺ فى بيته أبو لهب، والحكم بن أبى العاص بن أمية، وعقبة بن أبى معيط، وعدى ابن حمراء الثقفى، وابن الأصداء الهذلى، وكانوا جيرانه لم يسلم أحد منهم إلا الحكم.\rفكان أحدهم فيما ذكر لى، يطرح عليه رحم الشاة وهو يصلى، وكان أحدهم يطرحها فى برمته إذا نصبت له حتى اتخذ رسول الله ﷺ حجرا يستتر به منهم إذا","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ١٠٥) ، تفسير الطبرى (١٤/ ٤٨) ، تفسير ابن كثير (٤/ ٤٧٠) .\r(٢) انظر الحديث فى: تفسير ابن كثير (٤/ ٤٧٠) ، تفسير الطبرى (١٤/ ٤٨) .\r(٣) انظر: السيرة (٢/ ٢٦) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083683,"book_id":3509,"shamela_page_id":246,"part":"1","page_num":243,"sequence_num":246,"body":"صلى. فكان ﷺ إذا طرحوا عليه ذلك الأذى يخرج به على العود فيقف به على بابه ثم يقول: يا بنى عبد مناف أى جوار هذا؟! ثم يلقيه فى الطريق «١» .\rقال ابن إسحاق «٢» : ثم إن خديجة بنت خويلد وأبا طالب هلكا فى عام واحد، فتتابعت على رسول الله ﷺ المصائب بهلك خديجة، وكانت له وزير صدق على الإسلام، يسكن إليها، وبمهلك أبى طالب عمه، وكان له عضدا وحرزا فى أمره ومنعة وناصرا على قومه، وذلك قبل مهاجره إلى المدينة بثلاث سنين.\rفلما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله ﷺ من الأذى ما لم تكن تطمع به فى حياة أبى طالب، حتى اعترضاه سفيه من سفهاء قريش فنثر على رأسه ترابا، فدخل رسول الله ﷺ بيته والتراب على رأسه، فقامت إليه إحدى بناته فجعلت تغسل عنه التراب وهى تبكى، ورسول الله ﷺ يقول لها: «لا تبكى يا بنية، فإن الله مانع أباك.\rويقول بين ذلك: ما نالت منى قريش شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب» «٣» .\rقال: ولما اشتكى أبو طالب وبلغ قريشا ثقله قال بعضها لبعض: إن حمزة وعمر قد أسلما، وقد فشا أمر محمد فى قبائل قريش كلها، فانطلقوا بنا إلى أبى طالب فليأخذ لنا على ابن أخيه ولنعطه منا فإنا والله ما نأمن أن يبتزونا «٤» أمرنا.\rفمشوا إلى إبى طالب فكلموه، وهم أشراف قومه، عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو جهل ابن هشام، وأمية بن خلف، وأبو سفيان بن حرب فى رجال من أشرافهم، فقالوا: يا أبا طالب، إنك منا حيث قد علمت، وقد حضرك ما ترى وتخوفنا عليك، وقد علمت الذى بيننا وبين ابن أخيك، فادعه وخذ له منا وخذ لنا منه ليكف عنا ونكف عنه وليدعنا وديننا وندعه ودينه، فبعث إليه أبو طالب فجاء فقال: يا ابن أخى، هؤلاء أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليعطوك وليأخذوا منك، فقال رسول الله ﷺ: نعم كلمة واحدة تعطونيها تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم. فقال أبو جهل: نعم وأبيك، وعشر كلمات، قال: تقولون: لا إله إلا الله، وتخلعون ما تعبدون من دونه.","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: طبقات ابن سعد (١/ ٢٠١) ، تاريخ الطبرى (١/ ٥٥٣) ، البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ١٣٤، ١٣٥) .\r(٢) انظر: السيرة (١/ ٢٧) .\r(٣) انظر الحديث فى: تاريخ الطبرى (١/ ٥٥٣) ، البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ١٢٢) .\r(٤) يبتزونا: البز هو السلب ومعناه يسلبوننا إياه ويغلوبننا عليه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083684,"book_id":3509,"shamela_page_id":247,"part":"1","page_num":244,"sequence_num":247,"body":"قال: فصفقوا بأيديهم ثم قالوا: أتريد يا محمد أن تجعل الآلهة إلها واحدا؟! إن أمرك لعجب. ثم قال بعضهم لبعض: والله ما هذا الرجل بمعطيكم شيئا مما تريدون، فانطلقوا وامضوا على دين آبائكم حتى يحكم الله بينكم وبينه. ثم تفرقوا «١» .\rفقال أبو طالب لرسول الله ﷺ: والله يا ابن أخى ما رأيتك سألتهم شططا. فلما قالها طمع رسول الله ﷺ فيه فجعل يقول له: أى عم، فأنت فقلها أستحل لك بها الشفاعة يوم القيامة. فلما رأى حرص رسول الله ﷺ قال: يا ابن أخى والله لولا مخافة السبة عليك وعلى بنى أبيك من بعدى، وأن تظن قريش أنى إنما قلتها جزعا من الموت لقلتها، لا أقولها إلا لأسرك به. فلما تقارب من أبى طالب الموت نظر العباس إليه يحرك شفتيه فأصغى إليه بأذنيه، فقال: يا ابن أخى، والله لقد قال أخى الكلمة التى أمرته أن يقولها. فقال رسول الله ﷺ: «لم أسمع» «٢» .\rوخرج مسلم بن الحجاج فى صحيحه من حديث المسيب بن حزن قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله ﷺ، فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أبى أمية بن المغيرة، فقال رسول الله ﷺ: «يا عم قل: لا إله إلا الله، كلمة أشهد لك بها عند الله» ، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبى أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟! فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها عليه ويعودان بتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، فقال رسول الله ﷺ:\r«أما والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك» «٣» .\rفأنزل الله ﷿: ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ [التوبة: ١١٣] . وأنزل فى أبى طالب فقال لرسوله ﷺ: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [القصص: ٥٦] .\rوفى الصحيح أيضا أن العباس قال لرسول الله ﷺ: إن أبا طالب كان يحوطك","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: المستدرك للحاكم (٢/ ٤٣٢) ، تفسير الطبرى (٢٣/ ٧٩) ، البيهقى فى السنن الكبرى (٩/ ١٨٨) ، أسباب النزول للواحدى (ص ٣٠٩) .\r(٢) انظر الحديث فى: فتح البارى لابن حجر (٧/ ٢٣٤) ، البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ١٢٣) .\r(٣) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (٢/ ١١٩) ، صحيح مسلم كتاب الإيمان (٣٩) ، طبقات ابن سعد (١/ ١/ ٧٧) ، تفسير ابن كثير (٦/ ٢٥٦) ، الدر المنثور للسيوطى (٥/ ١٣٤) ، تفسير القرطبى (٨/ ٢٧٢) ، تفسير الطبرى (١١/ ٣٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083685,"book_id":3509,"shamela_page_id":248,"part":"1","page_num":245,"sequence_num":248,"body":"وينصرك ويغضب لك، فهل ينفعه ذلك؟ قال: «نعم، وجدته فى غمرات من النار فأخرجته إلى ضحضاح» «١» .\rوفيه أيضا من حديث أبى سعيد الخدرى أن رسول الله ﷺ ذكر عنده عمه أبو طالب، فقال: «لعله تنفعه شفاعتى يوم القيامة فيجعل فى ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلى منه دماغه» «٢» .\rوعن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «أهون أهل النار عذابا أبو طالب، وهو منتعل بنعلين يغلى منهما دماغه» «٣» .\rويروى أن أبا طالب لما حضرته الوفاة جمع إليه وجوه قريش فأوصاهم فقال: يا معشر قريش، أنتم صفوة الله من خلقه وقلب العرب، فيكم السيد المطاع وفيكم المقدم الشجاع والواسع الباع، واعلموا أنكم لم تتركوا للعرب فى المآثر نصيبا إلا احتزتموه، ولا شرفا إلا أدركتموه، فلكم بذلك على الناس الفضيلة، ولهم به إليكم الوسيلة، وإنى أوصيكم بتعظيم هذه البنية فإن فيها مرضاة للرب وقواما للمعاش وثباتا للوطأة، صلوا أرحاكم ولا تقطعوها فإن فى صلة الرحم منسأة فى الأجل وزيادة فى العدد، واتركوا البغى والعقوق ففيهما هلكت القرون قبلكم، أجيبوا الداعى وأعطوا السائل فإن فيهما شرف الحياة والممات، عليكم بصدق الحديث وأداء الأمانة، فإن فيها محبة فى الخاص ومكرمة فى العام، وإنى أوصيتم بمحمد خيرا فإنه الأمين فى قريش والصديق فى العرب، وهو الجامع لكل ما أوصيتكم به، وقد جاء بأمر قبله الجنان وأنكره اللسان مخافة الشنآن، وأيم الله لكأنى أنظر إلى صعاليك العرب وأهل البر فى الأطراف والمستضعفين من الناس قد أجابوا دعوته وصدقوا كلمته وعظموا أمره، فخاض بهم غمرات الموت","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: صحيح مسلم (١٩٥) ، مسند الحميدى (٤٦٠) .\r(٢) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (٥/ ٦٦، ٨/ ١٤٤) ، إتحاف السادة المتقين للزبيدى (١٠/ ٥١٣) ، دلائل النبوة للبيهقى (٢/ ٣٤٧) ، كنز العمال للمتقى الهندى (٣٤٠٩٢) ، البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ١٢٥) ، تفسير القرطبى (٨/ ١٦٣) ، فتح البارى لابن حجر (١١/ ٤١٧) ، السلسلة الصحيحة للألبانى (١/ ٥٤) .\r(٣) انظر الحديث فى: صحيح مسلم كتاب الإيمان (٣٦٢) ، مسند الإمام أحمد (١/ ٢٩٠) ، مستدرك الحاكم (٤/ ٥٨١) ، مشكاة المصابيح للتبريزى (٥٦٦٨) ، مسند أبو عوانة (١/ ٩٨) ، دلائل النبوة للبيهقى (٢/ ٣٤٨) ، كنز العمال للمتقى الهندى (٩١٥١٢) ، البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ١٢٥) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083686,"book_id":3509,"shamela_page_id":249,"part":"1","page_num":246,"sequence_num":249,"body":"فصارت رؤساء قريش وصناديدها أذنابا ودورها خرابا وضعفاؤها أربابا وإذا أعظمهم عليه أحوجهم إليه، وأبعدهم منه أخطأهم عنده، قد محضته العرب ودادها وأعطته قيادها، دونكم يا معشر قريش ابن أبيكم، كونوا له ولاة ولحزبه حماة، والله لا يسلك أحد منهم سبيله إلا رشد، ولا يأخذ أحد بهديه إلا سعد، ولو كان لنفسى مدة ولأجلى تأخير لكففت عنه الهزاهز ولدافعت عنه الدواهى.\r\rذكر خروج النبى ﷺ إلى الطائف بعد مهلك عمه أبى طالب\rقال ابن إسحاق «١» : ولما هلك أبو طالب ونالت قريش من رسول الله ﷺ ما لم تكن تنال منه فى حياته، خرج رسول الله ﷺ إلى الطائف وحده يلتمس النصرة من ثقيف والمنعة بهم من قومه، ورجا أن يقبلوا منه ما جاءهم به من الله.\rفلما انتهى إلى الطائف عمد إلى نفر من ثقيف هم يومئذ، سادة ثقيف وأشرافهم، وهم إخوة ثلاثة، عبد ياليل ومسعود وخبيب، بنو عمرو بن عمير بن عقدة بن غيرة بن عوف بن ثقيف، وعند أحدهم امرأة من قريش من بنى جمح، فجلس إليهم رسول الله ﷺ وكلمهم بما جاءهم له من نصرته على الإسلام والقيام على من خالفه من قومه، فقال له أحدهم: هو يمرط ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك؛ وقال الآخر: أما وجد الله أحدا يرسله غيرك! وقال الثالث: والله لا أكلمك أبدا! لئن كنت رسولا من الله كما تقول لأنت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغى لى أن أكلمك، فقام رسول الله ﷺ من عندهم وقد يئس من خير ثقيف، وقد قال لهم فيما ذكر لى: إذ فعلتم ما فعلتم فاكتموا على. وكره رسول الله ﷺ أن يبلغ قومه فيذئرهم ذلك عليه. فلم يفعلوا، أغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به حتى اجتمع عليه الناس.\rقال موسى بن عقبة: وقعدوا له صفين على طريقه، فلما مر رسول الله ﷺ بين صفيهم جعل لا يرفع رجليه ولا يضعهما إلا رضخوهما بالحجارة، حتى أدموا رجليه.\rوزاد سليمان التيمى أنه ﷺ كان إذا أذلقته الحجارة قعد إلى الأرض فيأخذون بعضديه فيقيمونه، فإذا مشى رجموه وهم يضحكون!.","footnotes":"(١) انظر: السيرة (٢/ ٢٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083687,"book_id":3509,"shamela_page_id":250,"part":"1","page_num":247,"sequence_num":250,"body":"قال ابن عقبة: فخلص منهم ورجلاه تسيلان دما فعمد إلى حائط من حوائطهم فاستظل فى ظل حبلة منه وهو مكروب موجع، وإذا فى الحائط عتبة وشيبة ابنا ربيعة، فلما رآهما كره مكانهما لما يعلم من عداوتهما لله ورسوله.\rوذكر ابن إسحاق «١» : أن الحائط كان لهما، وأن رسول الله ﷺ لما اطمأن، يعنى فى ظل الحبلة، قال: «اللهم إليك أشكو ضعف قوتى، وقلة حيلتى، وهوانى على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربى، إلى من تكلنى؟ إلى بعيد يتجهمنى أم إلى عدو ملكته أمرى؟ إن لم يكن بك على غضب فلا أبالى ولكن عافيتك هى أوسع لى، أعوذ بنور وجهك الذى أشرقت به الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن ينزل بى غضبك أو يحل على سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك» «٢» .\rقال: فلما رآه ابنا ربيعة وما لقى، تحركت له رحمهما، فدعوا غلاما لهما نصرانيا يقال له: عداس، فقالا له: خذ قطفا من هذا العنب، فضعه فى هذا الطبق، ثم اذهب به إلى ذلك الرجل، فقل له يأكل منه. ففعل عداس، ثم أقبل به حتى وضعه بين يدى رسول الله ﷺ ثم قال: له: كل. فلما وضع رسول الله ﷺ فيه يده قال: بسم الله ثم أكل، فنظر عداس فى وجهه ثم قال له: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد.\rفقال له رسول الله ﷺ: من أى البلاد أنت يا عداس وما دينك؟ قال: نصرانى وأنا من أهل نينوى «٣» . فقال له رسول الله ﷺ أمن قرية الرجل الصالح يونس ابن متى؟ قال له عداس: وما يدريك ما يونس ابن متى؟ قال رسول الله ﷺ: ذاك أخى كان نبيا وأنا نبى. فأكب عداس على رسول الله ﷺ يقبل رأسه ويديه وقدميه. فلما جاءهما عداس قالا له: ويلك، مالك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه؟ قال: يا سيدى ما فى الأرض شىء خير من هذا، لقد أعلمنى بأمر لا يعلمه إلا نبى. قالا: ويحك يا عداس لا يصرفنك عن دينك فإن دينك خير من دينه «٤» .","footnotes":"(١) انظر: السيرة (٢/ ٣٠) .\r(٢) انظر الحديث فى: تفسير الطبرى (١/ ٨٠، ٨١) ، وضعفه الألبانى فى ضعيف الجامع (١/ ٣٥٨) .\r(٣) نينوى: هى قرية يونس بن متى ﵇ بالموصل وبسواد الكوفية، ناحية يقال لها نينوى منها كربلاء.\r(٤) انظر تخريج الحديث السابق.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083688,"book_id":3509,"shamela_page_id":251,"part":"1","page_num":248,"sequence_num":251,"body":"وقد خرج البخارى ومسلم من حديث عائشة رضى الله عنها، أنها قالت للنبى ﷺ:\rهل أتى عليك يوم كان أشد عليك من يوم أحد؟ فقال: «لقد لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسى على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبنى إلى ما أردت، فانطلقت على وجهى وأنا مهموم، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسى فإذا أنا بسحابة قد أظلتنى، فنظرت فإذا فيها جبريل ﵇، فنادانى وقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم» . فنادانى ملك الجبال فسلم على فقال: يا محمد ذلك لك، فما شئت؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين. فقال النبى ﷺ: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا» «١» .\rوذكر ابن هشام «٢» أن رسول الله ﷺ لما انصرف عن أهل الطائف، ولم يجيبوه إلى ما دعاهم إليه من تصديقه ونصرته، سار إلى حراء، ثم بعث إلى الأخنس بن شريق ليجيره، فقال: أنا حليف والحليف لا يجير. فبعث إلى سهيل بن عمرو فقال: إن بنى عامر لا تجير على بنى كعب. فبعث إلى المطعم بن عدى فأجابه إلى ذلك، ثم تسلح المطعم وأهل بيته، وخرجوا حتى أتوا المسجد، ثم بعث إلى رسول الله ﷺ أن ادخل. فدخل رسول الله ﷺ فطاف بالبيت وصلى عنده ثم انصرف إلى منزله.\rولأجل هذه السابقة التى سبقت للمطعم، قال رسول الله ﷺ فى أسارى بدر: لو كان المطعم بن عدى حيّا ثم كلمنى فى هؤلاء النتنى، لتركتهم له.\rوفى انصراف رسول الله ﷺ من الطائف، راجعا إلى مكة حين يئس من خير ثقيف مر به النفر من الجن الذين ذكر الله تعالى، فى كتابه ورسول الله ﷺ بنخلة «٣» قد قام من جوف الليل يصلى، فمر به أولئك النفر من الجن فيما ذكر ابن إسحاق قال: وهم فيما ذكر لى سبعة نفر من جن أهل نصيبين، فاستمعوا له، فلما فرغ من صلاته ولوا إلى","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (٤/ ١٣٩) ، صحيح مسلم كتاب الجهاد (١١٢) ، إتحاف السادة المتقين للزبيدى (٩/ ٨٨) ، مشكاة المصابيح للتبريزى (٥٨٤٨) ، فتح البارى لابن حجر (٧/ ١٦٦) ، كنز العمال للمتقى الهندى (٣١٩٨٢) ، تفسير ابن كثير (٣/ ٢٥٩) .\r(٢) انظر: السيرة (٢/ ٣١) .\r(٣) نخلة: موضع على ليلة من مكة، وكان بها لقريش وبنى كنانة بعض الطواغيت التى كانت تعظمها مع الكعبة لأنهم قالوا: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً فكانت لهم بيوت تعظمها وتطوف بها كطوافها بالكعبة. انظر الروض المعطار (ص ٥٧٦) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083689,"book_id":3509,"shamela_page_id":252,"part":"1","page_num":249,"sequence_num":252,"body":"قومهم منذرين، قد آمنوا وأجابوا إلى ما سمعوا، فقص الله خبرهم عليه ﷺ «١» ، قال عز من قائل: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ [الأحقاف: ٢٩، ٣١] .\r\rذكر عرض رسول الله ﷺ نفسه على قبائل العرب\rقال ابن إسحاق «٢» : ثم قدم رسول الله ﷺ مكة وقومه أشد ما كانوا عليه من خلافه وفراق دينه، إلا قليلا مستضعفين ممن آمن به.\rفكان رسول الله ﷺ يعرض نفسه فى المواسم إذا كانت على قبائل العرب، يدعوهم إلى الله ويخبرهم أنه نبى مرسل، ويسألهم أن يصدقوه ويمنعوه حتى يبين عن الله ما بعثه به «٣» .\rقال ربيعة بن عباد الدؤلى: إنى لغلام شاب مع أبى بمنى، ورسول الله ﷺ يقف على منازل القبائل من العرب فيقول: يا بنى فلان إنى رسول الله إليكم يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد، وأن تؤمنوا بى وتصدقونى وتمنعونى حتى أبين عن الله ما بعثنى به، وخلفه رجل أحول وضىء له غديرتان، عليه حلة عدنية، فإذا فرغ رسول الله ﷺ من قوله، وما دعا إليه قال ذلك الرجل: يا بنى فلان إن هذا يدعوكم إلى أن تسلخوا اللات والعزى من أعناقكم، وحلفاءكم من الجن من بنى مالك بن أقيش إلى ما جاء به من البدعة والضلالة، فلا تطيعوه ولا تسمعوا منه.\rقال ربيعة: فقلت لأبى: من هذا الرجل الذى يتبعه يرد عليه ما قال؟ قال: هذا عمه","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (٤/ ٢٤٠) ، سنن الترمذى (٣٣٧٩) .\r(٢) انظر: السيرة (٢/ ٣٣) .\r(٣) انظر الحديث فى: الكامل فى التاريخ لابن الأثير (٢/ ٩٣) ، عيون الأثر لابن سيد الناس (٢/ ٢٥٧) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083690,"book_id":3509,"shamela_page_id":253,"part":"1","page_num":250,"sequence_num":253,"body":"عبد العزى بن عبد المطلب، أبو لهب «١» .\rوعن غير ربيعة «٢» أن رسول الله ﷺ أتى كندة فى منازلهم، فدعاهم إلى الله، وعرض عليهم نفسه، فأبوا عليه «٣» .\rوأتى كلبا فى منازلهم إلى بطن منهم يقال لهم بنو عبد الله، فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه حتى إنه ليقول لهم: «يا بنى عبد الله: إن الله قد أحسن اسم أبيكم» . فلم يقبلوا منه ما عرض عليهم «٤» .\rوعرض نفسه على بنى حنيفة فلم يك أحد من العرب أقبح ردا عليه منهم «٥» .\rذكر الواقدى بإسناد له عن عامر بن سلمة الحنفى، وكان قد أسلم فى آخر عمر رسول الله ﷺ أنه قال: نسأل الله ﷿، أن لا يحرمنا الجنة، لقد رأيت رسول الله ﷺ جاءنا ثلاثة أعوام بعكاظ وبمجنة وبذى المجاز يدعونا إلى الله ﷿، وأن نمنع له ظهره حتى يبلغ رسالات ربه، ويشرط لنا الجنة، فما استجبنا له ولا رددنا جميلا، لقد أفحشنا عليه وحلم عنا.\rقال عامر: فرجعت إلى حجر فى أول عام فقال لى هوذة بن على: هل كان فى موسمكم هذا خبر؟ فقلت: رجل من قريش يطوف على القبائل، يدعوهم إلى الله وحده، وإلى أن يمنعوا ظهره حتى يبلغ رسالة ربه ولهم الجنة. فقال هوذة: من أى قريش؟ قلت: هو من أوسطهم نسبا من بنى عبد المطلب.\rقال هوذة: أهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب؟ قلت: هو هو. قال: أما إن أمره سيظهر على ما ها هنا، فقلت: ها هنا قط من بين البلدان؟ قال: وغير ما ها هنا.\rثم وافيت السنة الثانية فقدمت حجرا، فقال: ما فعل الرجل؟ فقلت: رأيته على حاله فى العام الماضى. قال: ثم وافيت فى السنة الثالثة وهى آخر ما رأيته، وإذا بأمره قد أمر،","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (٣/ ٤٩٢، ٤٩٣) ، مستدرك الحاكم (١/ ١٥) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٦/ ٣٥) ، تاريخ الطبرى (١/ ٥٥٦) ، البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ١٣٨) .\r(٢) ذكر فى السيرة (٢/ ٣٤) هذا الحديث عن ابن شهاب الزهرى.\r(٣) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ١٣٩) ، تاريخ الطبرى (١/ ٥٥٦) .\r(٤) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (٢/ ٤١٨) ، البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ١٣٩) ، تاريخ الطبرى (١/ ٥٥٦) .\r(٥) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ١٣٩) ، تاريخ الطبرى (١/ ٥٥٦) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083691,"book_id":3509,"shamela_page_id":254,"part":"1","page_num":251,"sequence_num":254,"body":"وإذا ذكره كثير فى الناس، وأسمع أن الخزرج تبعته، فقدمت حجرا، فقال لى هوذة: ما فعل الرجل؟ فقلت: رأيت أمره قد أمر ورأيت قومه عليه أشداء. فقال هوذة: هو الذى قلت لك، ولو أنا تبعناه كان خيرا لنا، ولكنا نضن بملكنا. وكان قومه قد توجوه وملكوه.\rقال عامر: فمر بى سليط بن عمرو العامرى، حين بعثه رسول الله ﷺ إلى هوذة، فضيفته وأكرمته وأخبرنى من خبر هوذة، أنه لم يسلم، وقد رد ردا دون رد. قال:\rفأخبرت سليطا خبرى لهوذة، فأخبره سليط رسول الله ﷺ وأسلم عامر بن سلمة، ومات هوذة بن على سنة ثمان من الهجرة كافرا على نصرانيته. ودعا رسول الله ﷺ بنى عبس إلى الإسلام فلم يقبلوا.\rقال أبو وابصة العبسى فيما ذكر الواقدى: جاءنا رسول الله ﷺ فى منزلنا بمنى، فدعانا إلى الله، فو الله ما استجبنا له، وما خير لنا، وكان معنا ميسرة بن مسروق العبسى فقال لنا: أحلف بالله لو صدقنا هذا الرجل وحملناه حتى نحل به وسط رحالنا لكان الرأى. فقال له القوم: من بين العرب نفعل هذا؟ قال: نعم من بين العرب، فأحلف بالله ليظهرن أمره، حتى يبلغ كل مبلغ. فقال له القوم: دعنا منك لا تعرضنا لما لا قبل لنا به.\rوطمع رسول الله ﷺ فى ميسرة، فكلمه، فقال ميسرة: ما أحسن كلامك وأنوره، ولكن قومى يخالفوننى، وإنما الرجل بقومه. فانصرف رسول الله ﷺ وخرج القوم صادرين إلى أهليهم، فقال لهم ميسرة: ميلوا بنا إلى فدك فإن بها يهود، نسألهم عن هذا الرجل. فمالوا إلى يهود، فأخرجوا سفرا لهم فوضعوه، ثم درسوا ذكر النبى ﷺ، الأمى العربى يركب الحمار ويجتزىء بالكسرة، وليس بالطويل ولا بالقصير، ولا بالجعد ولا بالبسط، فى عينيه حمرة مشرب اللون. قالوا: فإن كان هذا الذى دعاكم فأجيبوه، وادخلوا فى دينه، فإنا نحسده ولا نتبعه ولنا منه فى مواطن بلاء عظيم، ولا يبقى فى العرب أحد إلا تبعه أو قتله، فكونوا ممن يتبعه.\rقال ميسرة: يا قوم والله ما بقى شىء، إن هذا لأمر بين. قال القوم: نرجع إلى الموسم ونلقاه، ورجع القوم إلى بلادهم، فأبى ذلك عليهم رجالهم، فلم يتبعه أحد منهم، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة مهاجرا وحج حجة الوداع لقيه ميسرة، فعرفه فقال: يا رسول الله، والله مازلت حريصا على اتباعك منذ يوم رأيتك أنخت بنا حتى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083692,"book_id":3509,"shamela_page_id":255,"part":"1","page_num":252,"sequence_num":255,"body":"كان ما كان، وأبى الله ﷿، إلا ما ترى من تأخر إسلامى، وقد مات عامة النفر الذين كانوا معى، فأين مدخلهم؟ فقال رسول الله ﷺ: «من مات على غير الإسلام فهو فى النار» . فقال ميسرة: الحمد لله الذى تنقدنى. فأسلم، فحسن إسلامه، وكان له عند أبى بكر الصديق رضى الله عنه، مكان.\rوعن ابن إسحاق «١» : أن رسول الله ﷺ أتى بنى عامر بن صعصعة، فدعاهم إلى الله ﷿، وعرض عليهم نفسه، فقال رجل منهم يقال له بيحرة بن فراس: والله لو أنى أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب، ثم قال له: أرأيت إن تابعناك على أمرك، ثم أظهرك الله على من خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك؟ قال: «الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء» . قال: أفنهدف نحورنا للعرب دونك، فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا! لا حاجة لنا بأمرك «٢» .\rفلما صدر الناس رجعت بنو عامر إلى شيخ لهم أدركته السن حتى لا يقدر أن يوافى معهم موسمهم، فكانوا إذا رجعوا إليه حدثوه بما يكون فى ذلك الموسم، فلما قدموا عليه ذلك العام سألهم عما كان فى موسمهم، فقالوا جاءنا فتى من قريش ثم أحد بنى عبد المطلب يزعم أنه بنى، يدعونا إلى أن نمنعه ونقوم معه ونخرج به إلى بلادنا.\rفوضع الشيخ يديه على رأسه ثم قال: يا بنى عامر، هل لنا من تلاف، هل لذباباها من مطلب؟ «٣» والذى نفس فلان بيده ما تقولها إسماعيلى قط وإنها لحق، فأين رأسكم كان عنكم؟!.\rوزاد الواقدى أن رسول الله ﷺ لما قام عن بنى عامر وانصرف إلى راحلته ليركبها أتاه بيجرة، ونسبه الواقدى: بيجرة بن عبد الله بن سلمة، ورجلان معه فنخسوا به راحلته حتى سقط عنها، ويقال: قطعوا بطان راحلته.\rقال: فقامت امرأة منهم يقال لها: ضباعة بنت قرط، وكانت قد أسلمت وكانت تحت عبد الله بن جدعان، فكرهته ففارقها وخلف عليها بعده هشام بن المغيرة، وهى أم ابنه سلمة، وصاحت: يا بنى عامر أيؤذى محمد وأنا شاهدة؟! فقام إليهم غطيف","footnotes":"(١) انظر: السيرة (٢/ ٣٤- ٣٥) .\r(٢) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ١٣٩، ١٤٠) ، تاريخ الطبرى (١/ ٥٥٦) .\r(٣) قال السهيلى فى الروض الأنف (٢/ ١٨١) : هو مثل يضرب لما فاته منها، وأصله: من ذنابى الطائر إذا أفلت من حباله فطلبت الأخذ بذنابيه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083693,"book_id":3509,"shamela_page_id":256,"part":"1","page_num":253,"sequence_num":256,"body":"وغطفان ابنا سهيل وعذرة بن عبد الله بن سلمة بن قشير، فضربوهم حتى هزموهم، فقال رسول الله ﷺ حين رآهم صنعوا ما صنعوا: اللهم بارك على هؤلاء، والعن هؤلاء الآخرين. فأسلم الذين بارك عليهم جميعا ومات الذين لعن وهم كفار.\rوذكر الواقدى أيضا، من حديث جهم بن أبى جهم أن رسول الله ﷺ وقف على بنى عامر يدعوهم إلى الله، فقام رجل منهم فقال له: عجبا لك والله، أعياك قومك ثم أعياك أحياء العرب كلها، حتى تأتينا وتردد علينا مرة بعد مرة! والله لأجعلنك حديثا لأهل الموسم.\rونهض إلى رسول الله ﷺ وكان جالسا فكسر الله ﷿ ساقه، فجعل يصيح من رجله، وانصرف رسول الله ﷺ عنه. قال الواقدى بإسناد ذكره: وأتى رسول الله ﷺ غسان فى منازلهم بعكاظ، وهم جماعة كثيرة، فجلس إليهم فدعاهم إلى الله تعالى، أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا.\rقال: وأن تمنعوا لى ظهرى حتى أبلغ رسالات ربى ولكم الجنة. فقال رجل منهم:\rهذا والله يا قوم الذى تذكر النصارى فى كتبها والذى يقولون: بقى من الأنبياء نبى اسمه أحمد، فتعالوا نؤمن به ونتبعه فنكون من أنصاره وأوليائه، فإنهم يزعمون أنه يظهر على ما بلغ الخف والحافر، فيجتمع لنا شرف الدنيا مع ما يكون بعد الموت.\rقال القوم: فنكون نحن أول العرب دخل فى هذا الأمر فتنصب لنا العرب قاطبة ويبلغ ملوك بنى الأصفر فيخرجوننا من ديارهم، ولكننا نقف عنه وننظر ما تصنع العرب، ثم ندخل فيما يدخل فيه الناس.\rقال الرجل: يا محمد تأبى عشيرتى أن يتبعوا قولى فيك، ولو أطاعونى رشدوا. قال رسول الله ﷺ: إن هذه القلوب بيد الله ﷿. فانصرف عنهم، ثم عاد بعد ذلك إليهم فدعاهم إلى الإسلام فقالوا: نرجع إلى من وراءنا ثم نلقاك قابلا.\rفرجعوا فوفد منهم نفر إلى الحارث بن أبى شمر، فذكروا له أمر رسول الله ﷺ.\rفقال الحارث: إياكم أن يتبعه رجل منكم، إذا يبيد ملكى من الشام ويتهمنى هرقل.\rقال: فأمسكوا عن ذكر رسول الله ﷺ.\rقال: وأتى رسول الله ﷺ بنى محارب بن خصفة بعكاظ فوجدهم فى محالهم فيهم شيخ منهم وهو جالس فى أصحابه، فنزل رسول الله ﷺ عن راحلته ودعا إلى الله","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083694,"book_id":3509,"shamela_page_id":257,"part":"1","page_num":254,"sequence_num":257,"body":"وطلب المنعة حتى يبلغ رسالات ربه، فرد على رسول الله ﷺ أقبح الرد وقال له: عجبا لك! يأبى قومك أن يتبعوك، وتأتى إلى محارب تدعوهم إلى ترك ما كان عليه آباؤهم! اذهب فإنه غير متبعك رجل من محارب آخر الدهر.\rويقبل إليه سفيه منهم فقال: يا محمد، ما فى بطن ناقتى هذه إن كنت صادقا؟\rفلعمرى إنك لتدعى من العلم أعظم مما سألتك عنه، تزعم أن الله يوحى إليك ويكلمك.\rفأسكت عنه رسول الله ﷺ، وأقبل إليه رجل منهم يقال له: سلمة بن قيس، وكان رسول الله ﷺ جالسا قريبا من منزلهم، فأراد أن يطرحه فى البئر، فقام رسول الله ﷺ فتنحى عن البئر، فجعل سلمة يقول: لو وقعت فى البئر استراح منك أهل الموسم. وأخذ رسول الله ﷺ بزمام راحلته يقودها وهم يرمونها بالحجارة حتى توارى عنهم وهو يقول: «اللهم إنك لو شئت لم يكونوا هكذا، وإن قلوبهم بيدك وأنت أعلم بهم، فإن كان هذا عن سخط بك على فلك العتبى، ولا حول ولا قوة إلا بك» .\rوذكر قاسم بن ثابت بن حزم العوفى من حديث عبد الله بن عباس، عن على بن أبى طالب رضى الله عنه، أنه قال: لما أمر الله رسوله ﷺ أن يعرض نفسه على قبائل العرب خرج وأنا معه وأبو بكر الصديق؛ حتى دفعنا إلى مجلس من مجالس العرب فتقدم أبو بكر فسلم وكان رجلا نسابة ومقدما فى كل خير، فقال: ممن القوم؟ قالوا: من ربيعة. قال:\rومن رأى ربيعة؟ أمن هامتها أم من لهازمها: قالوا: بل من هامتها العظمى، قال: وأى هامتها العظمى أنتم؟ قالوا: ذهل الأكبر «١» .\rفذكر الحديث فى مناسبة أبى بكر إياهم ومقاولته لهم، وانبراء دغفل بن حنظلة النسابة إليهم من بينهم وهو يومئذ غلام حين بقل وجهه، وموافقته لأبى بكر، حتى اجتذب أبو بكر زمام الناقة ورجع إلى رسول الله ﷺ وهو حديث مشهور تركته لشهرته، مع أن المقصود فيما بعده.\rقال على بن أبى طالب رضى الله عنه: ثم دفعنا إلى مجلس آخر عليهم السكينة والوقار، فتقدم أبو بكر فسلم وكان مقدما فى كل خير، فقال: ممن القوم؟ قالوا: من شيبان بن ثعلبة، فالتفت أبو بكر إلى النبى ﷺ فقال: بأبى أنت وأمى هؤلاء غرر فى قومهم. وفيهم مفروق بن عمرو وهانىء بن قبيصة والمثنى بن حارثة والنعمان بن شريك، وكان مفروق بن عمرو قد غلبهم جمالا ولسانا، وكانت له غديرتان تسقطان على تربيتيه وكان أدنى القوم مجلسا من أبى بكر.","footnotes":"(١) ذكره ابن كثير فى البداية والنهاية (٣/ ١٨٤- ١٨٥) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083695,"book_id":3509,"shamela_page_id":258,"part":"1","page_num":255,"sequence_num":258,"body":"فقال له أبو بكر: كيف العدد فيكم؟ قال له مفروق: إنا لنزيد على ألف ولن تغلب ألف من قلة. فقال أبو بكر: فكيف المنعة فيكم؟ قال: علنيا الجهد ولكل قوم جد، قال أبو بكر: فكيف الحرب بينكم وبين عدوكم؟ فقال مفروق: إنا لأشد ما نكون غضبا حين نلقى، وإنا لأشد ما نكون لقاء حين نغضب، وإنا لنؤثر الجياد على الأولاد والسلاح على اللقاح والنصر من عند الله، يديلنا مرة ويديل علينا، لعلك أخو قريش؟.\rفقال أبو بكر: أو قد بلغكم أنه رسول الله؟ فها هو ذا. فقال مفروق: قد بلغنا أنه يذكر ذلك، فالإم تدعو يا أخا قريش؟.\rفتقدم رسول الله ﷺ فقال: «أدعو إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنى رسول الله، وإلى أن تتؤونى وتنصرونى، فإن قريشا قد ظاهرت على أمر الله وكذبت رسوله، واستغنت بالباطل عن الحق، والله هو الغنى الحميد» .\rفقال مفروق: وإلام تدعو أيضا يا أخا قريش؟ فتلا رسول الله ﷺ: قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الأنعام: ١٥١] .\rفقال مفروق: وإلام تدعو أيضا يا أخا قريش؟ فتلا رسول الله ﷺ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل: ٩٠] .\rفقال مفروق: دعوت والله يا أخا قريش إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ولقد أفك قوم كذبوك وظاهروا عليك. وكأنه أراد أن يشركه فى الكلام هانىء بن قبيصة.\rفقال: وهذا هانىء بن قبيصة شيخنا وصاحب ديننا.\rفقال هانىء: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، وإنى أرى أن تركنا ديننا واتباعنا إياك على دينك، لمجلس جلسته إلينا ليس له أول ولا آخر، زلة فى الرأى وقلة نظر فى العاقبة، وإنما تكون الزلة مع العجلة، ومن ورائنا قوم نكره أن نعقد عليهم عقدا، ولكن ترجع ونرجع وتنظر وننظر. وكأنه أحب أن يشركه فى الكلام المثنى بن حارثة فقال:\rوهذا المثنى بن حارثة شيخنا وصاحب حربنا.\rفقال المثنى: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، والجواب هو جواب هانىء بن قبيصة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083696,"book_id":3509,"shamela_page_id":259,"part":"1","page_num":256,"sequence_num":259,"body":"فى ترك ديننا واتباعنا إياك لمجلس جلسته إلينا ليس له أول ولا آخر وإنما منزلنا بين صريى اليمامة والسمامة. فقال رسول الله ﷺ ما هذان الصريان؟ فقال: أنهار كسرى ومياه العرب، فأما ما كان من أنهار كسرى فذنب صاحبه غير مغفور وعذره غير مقبول، وأما ما كان من مياه العرب فذنب صاحبه مغفور وعذره مقبول، وإنا إنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى أن لا نحدث حدثا ولا نؤوى محدثا، وإنى أرى أن هذا الأمر الذى تدعونا إليه هو مما تكرهه الملوك، فإن أحببت أن نؤويك وننصرك مما يلى مياه العرب فعلنا.\rفقال رسول الله ﷺ: «ما أسأتم فى الرد إذ أفصحتم بالصدق، وإن دين الله لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه، أرأيتم إن لم تلبثوا إلا قليلا حتى يورثكم الله أرضهم وديارهم وأموالهم ويفرشكم نساءهم أتسبحون الله وتقدسونه؟» فقال النعمان:\rاللهم لك ذا.\rفتلا رسول الله ﷺ: إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً [الأحزاب: ٤٥] . ثم نهض النبى ﷺ فأخذ بيدى فقال: يا أبا بكر، يا أبا حسن، أية أخلاق فى الجاهلية! ما أشرفها! بها يدفع الله بأس بعضهم عن بعض وبها يتحاجزون فيما بينهم «١» .\rقال ابن إسحاق «٢» : فكان رسول الله ﷺ على ذلك من أمره كلما اجتمع له الناس بالموسم أتاهم يدعو القبائل إلى الله وإلى الإسلام ويعرض عليهم نفسه وما جاء به من الله تعالى من الهدى والرحمة، ولا يسمع بقادم قدم مكة من العرب له اسم وشرف إلا تصدى له فدعاه إلى الله وعرض عليه ما عنده.\rوقدم سويد بن صامت «٣» أخو بنى عمرو بن عوف مكة حاجا أو معتمرا، فتصدى له رسول الله ﷺ فدعاه إلى الله وإلى الإسلام فقال له سويد: فلعل الذى معك مثل الذى معى.","footnotes":"(١) ذكره ابن كثير فى البداية والنهاية (٣/ ١٨٤- ١٨٥) .\r(٢) انظر: السيرة (٢/ ٣٥) .\r(٣) هو: سويد بن الصامت الأوسى، لقى النبى ﷺ بسوق ذى المجاز من مكة فى حجة حجها سويد على ما كانوا يحجون عليه فى الجاهلية. انظر ترجمته فى: الاستيعاب (٢/ ٢٣٥، ٢٣٦) الترجمة رقم (١١٢١) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083697,"book_id":3509,"shamela_page_id":260,"part":"1","page_num":257,"sequence_num":260,"body":"قال له رسول الله ﷺ: «ما الذى معك؟» قال: مجلة لقمان «١» ، يعنى حكمة لقمان.\rفقال له رسول الله ﷺ: اعرضها على فعرضها عليه. فقال: «إن هذا الكلام حسن والذى معى أفضل من هذا، قرآن أنزله الله على هو هدى ونور» .\rفتلا عليه القرآن ودعاه إلى الإسلام، فلم يبعد منه، وقال: إن هذا القول حسن. ثم انصرف عنه فقدم المدينة على قومه، فلم يلبث أن قتلته الخزرج قبل بعاث. فإن كان رجال من قومه ليقولون: إنا لنراه قد قتل وهو مسلم «٢» .\rوكان سويد إنما يسميه قومه فيهم الكامل، لجلده وشعره وشرفه ونسبه وهو القائل:\rألا رب من تدعو صديقا ولو ترى ... مقاتله بالغيب ساءك ما يفرى\rمقالته كالشهد ما كان شاهدا ... وبالغيب مأثور على ثغرة النحر\rيسرك باديه وتحت أديمه ... نميمة غش تبترى عقب الظهر «٣»\rتبين لك العينان ما هو كاتم ... من الغل والبغضاء بالنظر الشزر\rفرشنى بخير طال ما قد بريتنى ... وخير الموالى من يريش ولا يبرى\rولما قدم أبو الحيسر أنس بن رافع مكة ومعه فتية من بنى عبد الأشهل فيهم إياس بن معاذ يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج، سمع بهم رسول الله ﷺ فأتاهم فجلس إليهم فقال لهم: هل لكم فى خير مما جئتم له؟ فقالوا له: وما ذاك؟ قال:\rأنا رسول الله بعثنى إلى العباد أدعوهم إلى أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا وأنزل على الكتاب. ثم ذكر لهم الإسلام وتلا عليهم القرآن.","footnotes":"(١) قال السهيلى فى الروض الأنف (٢/ ١٨٣) : مجلة لقمان وهى الصحيفة وكأنها مفصلة من الجلال والجلالة: أما الجلالة فمن صفة المخلوق، والجلال من صفة الله تعالى وقد أجاز بعضهم أن يقاس المخلوق: جلا وجلالة وأنشد:\rفلا ذا جلال هبته لجلالة ... ولا ذا ضياع هن يتركن للفقر\rولقمان كان نوبيا من أهل آيلة، وهو لقمان بن عنقاء بن سرور فيما ذكروا وابنه الذى ذكر فى القرآن هو ثاران فيما ذكر الزجاج وغيره، وقد قيل فى اسمه غير ذلك، وليس بلقمان بن عاد الحميرى. انتهى.\r(٢) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (٢/ ٤١٩) ، البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ١٤٧) .\r(٣) ذكر هذا البيت ابن عبد البر فى الاستيعاب (٢/ ٢٣٦) فذكر شطره الأول كما ورد هنا أما الثانى:\r... ... منحية شر يفترى عقب الظهر\rوانظر الأبيات أيضا فى أسد الغابة الترجمة رقم (٢٣٤٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083698,"book_id":3509,"shamela_page_id":261,"part":"1","page_num":258,"sequence_num":261,"body":"فقال إياس بن معاذ، وكان غلاما حدثا: أى قوم، هذا والله خير لكم مما جئتم له.\rفيأخذ أبو الحيسر جفنة من البطحاء فضرب بها وجه إياس وقال: دعنا منك، فلعمرى لقد جئنا لغير هذا، فصمت إياس، وقام عنهم رسول الله ﷺ، وانصرفوا إلى المدينة، فكانت وقعة بعاث بين الأوس والخزرج «١» .\rثم لم يلبث إياس أن هلك، فأخبر من حضر من قومه عند موته أنهم لم يزالوا يسمعونه يهلل الله ويكبره ويحمده ويسبحه حتى مات، فما كانوا يشكون أن قد مات مسلما، لقد كان استشعر الإسلام فى ذلك المجلس حين سمع من رسول الله ﷺ ما سمع.\r\rبدء إسلام الأنصار وذكر العقبة الأولى\rقال ابن إسحاق «٢» : فلما أراد الله إظهار دينه وإعزاز نبيه وإنجاز موعوده له، خرج رسول الله ﷺ فى الموسم الذى لقى فيه النفر من الأنصار فعرض نفسه على قبائل العرب كما كان يصنع فى كل موسم، فبينما هو عند العقبة لقى رهطا من الخزرج أراد الله بهم خيرا، فقال لهم: «من أنتم؟» قالوا: نفر من الخزرج، قال: «أمن موالى يهود؟» قالوا: نعم، قال: «أفلا تجلسون أكلمكم؟» قالوا: بلى، فجلسوا معه فدعاهم إلى الله وعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن.\rوكان مما صنع الله به فى الإسلام أن يهود كانوا معهم فى بلادهم، وكانوا أهل كتاب وعلم، وكانوا هم أهل شرك وأصحاب أوثان، وكان قد عزوهم ببلادهم، فكانوا إذا كان بينهم شىء قالوا لهم: «إن نبيا مبعوث الآن قد أظل زمانه نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم» .\rفلما كلم رسول الله ﷺ أولئك النفر ودعاهم إلى الله قال بعضهم لبعض: يا قوم تعلموا والله إنه للنبى الذى توعدكم به يهود، فلا يسبقنكم إليه.","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (٥/ ٤٢٧) ، دلائل النبوة للبيهقى (٢/ ٤٢٠، ٤٢١) ، المستدرك للحاكم (٣/ ١٨٠، ١٨١) .\r(٢) انظر: السيرة (٢/ ٣٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083699,"book_id":3509,"shamela_page_id":262,"part":"1","page_num":259,"sequence_num":262,"body":"فأجابوه فيما دعاهم إليه بأن صدقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام وقالوا له: إنا تركنا قومنا، ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك. ثم انصرفوا راجعين إلى بلادهم قد آمنوا وصدقوا «١» .\rوهم فيما ذكر لى «٢» ، ستة نفر من الخزرج: منهم من بنى النجار: أسعد بن زرارة أبو أمامة «٣» ، وعوف بن الحارث بن رفاعة وهو ابن عفراء «٤» . ومن بنى زريق: رافع بن مالك بن العجلان «٥» ، ومن بنى سلمة: قطبة بن عامر بن حديدة «٦» وعقبة بن عامر بن نابى «٧» ، وجابر بن عبد الله بن رئاب «٨» .\rفلما قدموا المدينة إلى قومهم ذكروا لهم رسول الله ﷺ ودعوهم إلى الإسلام حتى فشا فيهم؛ فلم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر من رسول الله ﷺ.\rحتى إذا كان العام المقبل وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلا فيهم من الستة المسمين قبل: أبو أمامة وعوف ورافع وقطبة وعقبة، ومن غير الستة من الخزرج أيضا:","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: عيون الأثر لابن سيد الناس (١/ ٢٦٢) ، دلائل النبوة للبيهقى (٢/ ٤٣٣، ٤٣٤) ، تاريخ الطبرى (١/ ٥٨٨) .\r(٢) انظر: السيرة (٢/ ٣٩- ٤٠) .\r(٣) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٣٠) ، الإصابة الترجمة رقم (١١١) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٩٨) .\r(٤) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٢٠٢٥) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٤١٢٨) .\r(٥) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٧٣٩) ، الإصابة الترجمة رقم (٢٥٥٠) ، أسد الغابة الترجمة رقم (١٥٩٨) ، الثقات (٣/ ١٢٣) ، تجريد أسماء الصحابة (١/ ١٧٤) ، تقريب التهذيب (١/ ٢٤١) ، الجرح والتعديل (٣/ ٢١٥٩) ، تهذيب التهذيب (٣/ ٢٣٢) ، سير أعلام النبلاء (١/ ٢١٩) ، دائرة معارف الأعلمى (١٨/ ٢٠٢) .\r(٦) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٢١٤٠) ، الإصابة الترجمة رقم (٧١٧٣) ، أسد الغابة الترجمة (٤٣٠٨) ، الثقات (٣/ ٣٤٧) ، الطبقات الكبرى (٩/ ١٥٩) ، تجريد أسماء الصحابة (٢/ ١٥) ، الاستبصار (١٦٣) .\r(٧) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (١٨٤٤) ، الإصابة الترجمة رقم (٥٦١٩) .\r(٨) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٢٨٩) ، الإصابة الترجمة رقم (١٠٢٧) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٦٤٦) ، طبقات خليفة الترجمة رقم (٦٢٣) ، التاريخ الكبير (٢/ ٢٠٧) ، الجرح والتعديل (٢/ ٤٩٢) ، مشاهير علماء الأمصار الترجمة رقم (٢٥) ، تهذيب الكمال (١٨٢) ، تاريخ الإسلام (٣/ ١٤٣) ، تذكرة الحفاظ (١/ ٤٠) ، تذهيب التهذيب (١/ ٩٩) ، خلاصة تذهيب الكمال (٥٠) ، شذرات الذهب (١/ ٨٤) ، تهذيب ابن عساكر (٣/ ٣٨٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083700,"book_id":3509,"shamela_page_id":263,"part":"1","page_num":260,"sequence_num":263,"body":"ذكوان بن عبد قيس بن خلدة الزرقى «١» ، وعبادة بن الصامت «٢» ، ويزيد بن ثعلبة «٣» من بنى غصينة من بلى حليف لهم، والعباس بن عبادة بن نضلة العجلانى «٤» ، ومعاذ بن الحارث بن رفاعة «٥» ، وهو ابن عفراء، ومن الأوس: أبو الهيثم بن مالك بن التيهان «٦» ، وعويم بن ساعدة «٧» ، فلقوه بالعقبة، وهى العقبة الأولى.\rقال عبادة بن الصامت: كنت ممن حضر العقبة الأولى، وكنا اثنى عشر رجلا، بايعنا رسول الله ﷺ على بيعة النساء وذلك قبل أن تفترض الحرب، على أن لا نشرك بالله شيئا، ولا نسرق ولا نزنى ولا نقتل أولادنا ولا نأتى بهتانا نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه فى معروف. قال: «فإن وفيتم فلكم الجنة، وإن غشيتم من ذلك شيئا فأصبتم بحد فى الدنيا فهو كفارة له، وإن سترتم عليه إلى يوم القيامة فأمركم إلى الله، إن شاء عذب وإن شاء غفر» «٨» .","footnotes":"(١) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٧١٠) ، الإصابة الترجمة رقم (٢٤٤٢) ، أسد الغابة الترجمة رقم (١٥٣١) ، تجريد أسماء الصحابة (١/ ١٦٧) ، الوافى بالوفيات (١٤/ ٣٨) ، الاستبصار (٤٧) ، الجرح والتعديل (٣/ ٢٠٣٨) .\r(٢) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (١٣٨٠) ، الإصابة الترجمة رقم (٤٥١٥) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٢٧٩١) .\r(٣) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٢٧٩١) ، الإصابة الترجمة رقم (٩٢٦١) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٥٥٣٦) ، الثقات (٣/ ٤٤٥) ، تجريد أسماء الصحابة (٢/ ١٣٥) ، الطبقات الكبرى (١/ ٢٢٠) .\r(٤) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (١٣٨٥) ، الإصابة الترجمة رقم (٢٥٢٥) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٢٧٩٨) ، الوافى بالوفيات (١٦/ ٦٣٤) ، تجريد أسماء الصحابة (١/ ٢٩٥) ، الثقات (٣/ ٢٨٨) .\r(٥) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٢٤٥٠) ، الإصابة الترجمة رقم (٨٠٦٨) .\r(٦) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٣٢٤٦) ، الإصابة الترجمة رقم (١٠٦٨٩) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٦٣٣١) ، تجريد أسماء الصحابة (٢/ ٢١٠) ، التاريخ لابن معين (٢/ ١٤٨) ، تنقيح المقال (٣/ ٢٤) .\r(٧) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٢٠٧٥) ، الإصابة الترجمة رقم (٦١٢٧) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٤١٣٨) ، طبقات ابن سعد (٣/ ٢/ ٣٠) ، مشاهير علماء الأمصار (١٠٧) ، حلية الأولياء (٢/ ١١) ، تهذيب الكمال (١٠٦٨) ، تهذيب التهذيب (٨/ ١٧٤) ، خلاصة تذهيب الكمال (٣٠٦) .\r(٨) انظر الحديث فى: صحيح البخارى كتاب مناقب الأنصار (٣٨٩٢، ٣٨٩٣) ، صحيح-","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083701,"book_id":3509,"shamela_page_id":264,"part":"1","page_num":261,"sequence_num":264,"body":"قال ابن إسحاق «١» : فلما انصرف عنه القوم بعث رسول الله ﷺ معهم مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصى، وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام ويفقههم فى الدين، فكان مصعب يسمى المقرىء بالمدينة، وكان منزله على أسعد بن زرارة بن عدس أبى أمامة، وكان يصلى بهم، وذلك أن الأوس والخزرج كره بعضهم أن يؤمه بعض «٢» .\r\rإسلام سعد بن معاذ وأسيد بن حضير على يدى مصعب بن عمير رضى الله عنه\rذكر ابن إسحاق عمن سمى من شيوخه «٣» أن أسعد بن زرارة خرج بمصعب بن عمير يريد به دار بنى عبد الأشهل ودار بنى ظفر، فدخل به حائطا من حوائط بنى ظفر، فجلسا فيه واجتمع إليهما رجال ممن أسلم.\rفلما سمع بذلك سعد بن معاذ «٤» وأسيد بن حضير «٥» وهما يومئذ سيدا قومهما بنى عبد الأشهل، وكلاهما مشرك على دين قومه، قال سعد لأسيد: لا أبا لك، انطلق إلى هذين الرجلين اللذين أتيا دارينا ليسفها ضعفاءنا فازجرهما وانههما عن أن يأتيا دارينا، فإنه لولا أن أسعد بن زرارة منى حيث قد علمت كفيتك ذلك، هو ابن خالتى ولا أجد عليه مقدما.","footnotes":"- مسلم كتاب الحدود (٣/ ٤٣) ، مسند الإمام أحمد (٥/ ٣١٦) ، دلائل النبوة للبيهقى (٢/ ٢٤٦، ٢٤٧) ، مستدرك الحاكم (٢/ ٦٢٤) .\r(١) انظر: السيرة (٢/ ٤٣) .\r(٢) انظر الحديث فى: تاريخ الطبرى (١/ ٥٥٩) ، فتح البارى لابن حجر (٧/ ٢٦٤) .\r(٣) انظر: السيرة (٢/ ٤٤) .\r(٤) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٩٦٣) ، الإصابة الترجمة رقم (٣٢١٣) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٢٠٤٦) ، طبقات خليفة (٧٧) ، التاريخ الكبير (٤/ ٦٥) ، الجرح والتعديل (٤/ ٩٣) ، تهذيب الكمال (٤٧٧) ، العبر (١/ ٧) ، تهذيب التهذيب (٣/ ٤٨١) ، خلاصة تذهيب الكمال (٦٣٥) ، شذرات الذهب (١/ ١١) .\r(٥) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٥٤) ، الإصابة الترجمة رقم (١٨٥) ، أسد الغابة الترجمة رقم (١٧٠) ، تجريد أسماء الصحابة (١/ ٢١) ، تهذيب الكمال (١/ ١١٣) ، تقريب التهذيب (١/ ٧٨) ، خلاصة تذهيب تهذيب الكمال (١/ ٩٨) ، الوافى بالوفيات (٩/ ٢٥٨) ، سير الإعلام (١/ ٢٩٩) ، تهذيب التهذيب (١/ ٣٤٧) ، الجرح والتعديل (٢/ ١١٦٣) ، الأنساب (١/ ٢٧٨) ، الرياض المستطابة (٢٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083702,"book_id":3509,"shamela_page_id":265,"part":"1","page_num":262,"sequence_num":265,"body":"فأخذ أسيد حربته ثم أقبل إليهما، فلما رآه أسعد بن زرارة قال لمصعب: هذا سيد قومه قد جاءك فاصدق الله فيه. قال: فوقف عليهما متشتما فقال: ما جاء بكما إلينا تسفهان ضعفاءنا، اعتزلانا إن كانت بأنفسكما حاجة.\rفقال له مصعب: أو تجلس فتسمع، فإن رضيت أمرا قبلته وإن كرهته كف عنك ما تكره. قال: أنصفت، ثم ركز حربته وجلس إليهما، فكلمه مصعب بالإسلام وقرأ عليه القرآن، فقالا فيما ذكر عنهما: والله لعرفنا فى وجهه الإسلام قبل أن يتكلم فى إشراقه وتسهله، ثم قال: ما أحسن هذا وأجمله، كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا فى هذا الدين؟ قالا له: تغتسل فتطهر وتطهر ثوبيك ثم تتشهد شهادة الحق ثم تصلى.\rفقام فاغتسل وطهر ثوبيه وتشهد شهادة الحق، ثم قام فركع ركعتين ثم قال لهما:\rإن ورائى رجلا إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه وسأرسله إليكما الآن، سعد ابن معاذ. ثم انصرف إلى سعد وقومه وهم جلوس فى ناديهم، فلما نظر إليه سعد مقبلا قال: أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذى ذهب به، فلما وقف على النادى قال له سعد: ما فعلت؟ قال كلمت الرجلين فو الله ما رأيت بهما بأسا، وقد نهيتهما فقالا: نفعل ما أحببت. وقد حدثت أن بنى حارثة خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه، وذلك أنهم عرفوا أنه ابن خالتك ليخفروك «١» .\rفقام سعد مغضبا مبادرا متخوفا للذى ذكر له من بنى حارثة، فأخذ الحربة من يده ثم قال: والله ما أراك أغنيت شيئا. ثم خرج إليهما فلما رآهما مطمئنين عرف أن أسيدا إنما أراد أن يسمع منهما، فوقف عليهما متشتما ثم قال: يا أبا أمامه، والله لولا ما بينى وبينك من القرابة ما رمت هذا منى، أتغشانا فى دارينا بما نكره!.\rوقد قال أسعد لمصعب بن عمير: أى مصعب، جاءك والله سيد من وراءه من قومه، إن يتبعك لا يتخلف عنك منهم اثنان. فقال له مصعب: أو تقعد فتسمع، فإن رضيت أمرا ورغبت فيه قبلته وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره.\rقال سعد: أنصفت. ثم ركز الحربة وجلس، فعرض عليه الإسلام وقرأ عليه القرآن.\rقالا: فعرفنا والله فى وجهه الإسلام قبل أن يتكلم لإشراقه وتسهله، ثم قال لهما: كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم ودخلتم فى هذا الدين؟.\rقالا: تغتسل فتطهر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحق ثم تصلى ركعتين. فقام فاغتسل","footnotes":"(١) ليخفروك: أخفره أى نقض عهده وخاس به وغدره، وأخفر الذمة لم يف بها.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083703,"book_id":3509,"shamela_page_id":266,"part":"1","page_num":263,"sequence_num":266,"body":"وطهر ثوبيه وتشهد شهادة الحق وركع ركعتين، ثم أخذ حربته فأقبل عامدا إلى نادى قومه ومعه أسيد بن حضير، فلما رآه قومه مقبلا قالوا: نحلف بالله لقد رجع إليكم سعد بغير الوجه الذى ذهب به.\rفلما وقف عليهم قال: يا بنى عبد الأشهل كيف تعلمون أمرى فيكم؟ قالوا: سيدنا، أفضلنا رأيا وأيمننا نقيبة «١» . قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم حرام على حتى تؤمنوا بالله ورسوله.\rقال: فو الله ما أمسى فى دار بنى عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلما أو مسلمة.\rورجع مصعب إلى منزل أسعد بن زرارة فأقام عنده يدعو الناس إلى الإسلام، حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون «٢» ، إلا ما كان من دار بنى أمية بن زيد وخطمة ووائل وواقف، وتلك أوس الله، وهم من الأوس بن حارثة.\rوذلك أنه كان فيهم أبو قيس بن الأسلت «٣» وكان شاعرا لهم قائدا يسمعون منه ويطيعونه، فوقف بهم عن الإسلام حتى هاجر رسول الله ﷺ ومضى بدر وأحد والخندق، وقال فيما رأى من الإسلام وما اختلف الناس فيه من أمره:\rأرب الناس أشياء المت ... يلف الصعب منها بالذلول\rأرب الناس إما إن ضللنا ... فيسرنا لمعروف السبيل\rفلولا ربنا كنا يهودا ... وما دين اليهود بذى شكول «٤»\rولولا ربنا كنا نصارى ... مع الرهبان فى جبل الجليل\rولكنا خلقنا إذ خلقنا ... حنيفا ديننا عن كل جيل «٥»\rنسوق الهدى ترسف مذعنات ... مكشفة المناكب فى الجلول","footnotes":"(١) أيمننا نقيبة: النقيبة أيمن النعل، وقال ابن بزرج: اللهم نقيبة أى نفاذ رأى، ورجل ميمون النقيبة: مبارك النفس، مظفر بما يحاول. انظر: اللسان (مادة نقب) .\r(٢) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (٢/ ٤٣٨، ٤٣٩) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٦/ ٤٢) .\r(٣) انظر ترجمته فى: طبقات فحول الشعراء (١/ ٢٢٦) .\r(٤) قال السهيلى فى الروض الأنف: شكول جمع شكل، وشكل الشىء بالفتح هو مثله، والشكل بالكسر الدل والحسن، فكأنه أراد أن دين اليهود بدع فليس له شكول أى: ليس له نظير فى الحقائق ولا مثيل يعضده من الأمر بالمعروف المقبول.\r(٥) خنيفا: من حنف إذا مال، أى مائلا عن الأديان الباطلة، والميل هو الصنف من الناس.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083704,"book_id":3509,"shamela_page_id":267,"part":"1","page_num":264,"sequence_num":267,"body":"ذكر العقبة الثانية\rقال ابن إسحاق «١» : ثم إن مصعب بن عمير رجع إلى مكة، وخرج من خرج من الأنصار من المسلمين مع حجاج قومهم من أهل الشرك حتى قدموا مكة، فواعدوا رسول الله ﷺ العقبة من أوسط أيام التشريق، حين أراد الله ما أراد من كرامته والنصر لنبيه وإعزاز الإسلام وأهله وإذلال الشرك وأهله.\rحدث كعب بن مالك «٢» ، وكان ممن شهد العقبة وبايع بها رسول الله ﷺ، قال:\rخرجنا فى حجاج قومنا من المشركين وقد صلينا وفقهنا، ومعنا البراء بن معرور «٣» سيدنا وكبيرنا، فلما وجهنا لسفرنا وخرجنا من المدينة قال لنا البراء: يا هؤلاء، إنى قد رأيت رأيا وو الله ما أدرى أتوافقونى عليه أم لا. فقلنا: وما ذاك؟ قال: رأيت ألا أدع هذه البنية منى بظهر، يعنى الكعبة، وأن أصلى إليها. فقلنا: والله ما بلغنا أن نبينا يصلى إلا إلى الشام، وما نريد أن نخالفه. فقال: إنى لمصل إليها. فقلنا له: لكنا لا نفعل.\rفكنا إذا حضرت الصلاة صلينا إلى الشام وصلى إلى الكعبة، حتى قدمنا مكة، فلما قدمناها وقد كنا عبنا عليه ما صنع، قال لى: يا ابن أخى انطلق بنا إلى رسول الله ﷺ حتى أسأله عما صنعت فى سفرى هذا فإنه والله لقد وقع فى نفسى منه شىء لما رأيت من خلافكم إياى فيه، فخرجنا نسأل عن رسول الله ﷺ وكنا لا نعرفه لم نره قبل ذلك، فلقينا رجلا من أهل مكة فسألناه عنه فقال: هل تعرفانه؟ فقلنا: لا. فقال: هل تعرفان العباس عمه؟ قلنا: نعم. وقد كنا نعرف العباس، كان لا يزال يقدم علينا تاجرا.\rقال: فإذا دخلتما المسجد فهو الرجل الجالس مع العباس.\rفدخلنا المسجد فإذا العباس جالس ورسول الله ﷺ جالس معه، فسلمنا ثم جلسنا إليه، فقال رسول الله ﷺ للعباس: هل تعرف هذين الرجلين يا أبا الفضل؟ قال: نعم، هذا البراء بن معرور سيد قومه وهذا كعب بن مالك، فو الله ما أنسى قول رسول الله ﷺ:","footnotes":"(١) انظر: السيرة (٢/ ٤٨- ٤٩) .\r(٢) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٢٢٣١) ، الإصابة الترجمة رقم (٧٤٤٧) ، شذرات الذهب (١/ ٥٦) ، تهذيب الكمال (١١٤٧) ، تاريخ الإسلام (٢/ ٢٤٣) ، تهذيب التهذيب (٨/ ٤٤٠، ٤٤١) ، خلاصة تذهيب الكمال (٣٢١) ، طبقات خليفة (١٠٣) .\r(٣) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (١٧١) ، الإصابة الترجمة رقم (٦٢٢) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٣٩٢) ، طبقات ابن سعد (٣/ ٢/ ١٤٦) ، شذرات الذهب (١/ ٩) ، العبر (١/ ٣) ، الاستبصار (١٤٢) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083705,"book_id":3509,"shamela_page_id":268,"part":"1","page_num":265,"sequence_num":268,"body":"ألشاعر؟ قال: نعم. فقال له البراء بن معرور: يا نبى الله، إنى خرجت فى سفرى هذا وقد هدانى الله للإسلام، فرأيت أن لا أجعل هذه البنية منى بظهر، فصليت إليها، وخالفنى أصحابى فى ذلك، حتى وقع فى نفسى منه شىء فماذا ترى يا رسول الله؟\rقال: قد كنت على قبلة لو صبرت عليها. فرجع البراء إلى قبلة رسول الله ﷺ وصلى معنا إلى الشام. قال: وأهله يزعمون أنه صلى إلى الكعبة حتى مات، وليس كما قالوا، نحن أعلم به منهم «١» .\rقال كعب «٢» : ثم خرجنا إلى الحج وواعدنا رسول الله ﷺ العقبة من أوسط أيام التشريق، فلما فرغنا من الحج وكانت الليلة التى واعدنا رسول الله ﷺ لها، ومعنا عبد الله بن عمرو بن حرام «٣» ، أبو جابر، سيد من ساداتنا أخذناه معنا وكنا نكتم من معنا من المشركين أمرنا فكلمناه وقلنا: يا أبا جابر، إنك سيد من ساداتنا وشريف من أشرافنا، وإنا نرغب بك أن تكون حطبا للنار غدا.\rثم دعوناه إلى الإسلام وأخبرناه بميعاد رسول الله ﷺ إيانا العقبة، فأسلم وشهد معنا وكان نقيبا. فنمنا تلك الليلة مع قومنا فى رجالنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله ﷺ نتسلل تسلل القطا مستخفين، حتى اجتمعنا فى الشعب عند العقبة ونحن ثلاثة وسبعون رجلا ومعنا امرأتان من نسائنا، نسيبة بنت كعب أم عمارة «٤» ، إحدى نساء بنى مازن بن النجار، وأسماء بنت [عمرو بن عدى بن نابى] «٥» ، أم منيع»\r، إحدى نساء بنى سلمة، فاجتمعنا فى الشعب ننتظر رسول الله ﷺ حتى جاءنا ومعه العباس وهو يومئذ على دين قومه إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له.","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (٣/ ٤٦١) ، صحيح ابن خزيمة (٤٢٩) ، الهيثمى فى المجمع (٦/ ٤٢، ٤٣) .\r(٢) انظر: السيرة (٢/ ٤٩- ٥٠) .\r(٣) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (١٦٣٣) ، الإصابة الترجمة رقم (٤٨٥٦) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٣٠٨٦) ، تجريد أسماء الصحابة (١/ ٣٢٥) ، تاريخ الإسلام (٢/ ٢٠٥) ، سير أعلام النبلاء (١/ ٣٢٤) ، حلية الأولياء (٢/ ٤) ، الأعلام (٤/ ١١) .\r(٤) انظر ترجمتها فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٣٦٢٤) ، الإصابة الترجمة رقم (١٢١٨٣) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٧٥٥٠) ، تهذيب التهذيب (١٢/ ٤٧٤) ، خلاصة تذهيب الكمال (٤٩٩) .\r(٥) ما بين المعقوفتين ورد فى الأصل: «عدى بن عمرو» ، والتصحيح من السيرة والاستيعاب.\r(٦) انظر ترجمتها فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٣٢٦٣) ، الإصابة الترجمة رقم (٦٧١٢) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٣٢٧٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083706,"book_id":3509,"shamela_page_id":269,"part":"1","page_num":266,"sequence_num":269,"body":"فلما جلس كان أول متكلم العباس فقال: يا معشر الخزرج، وكانت العرب إنما يسمون هذا الحى من الأنصار الخزرج، خزرجها وأوسها، إن محمدا منا حيث قد علمتم وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو فى عز من قومه ومنعة فى بلده، وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفه فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم فمن الآن فدعوه، فإنه فى عز ومنعة من قومه وبلده.\rفقلنا له: قد سمعنا ما قلت. فتكلم يا رسول الله فخذ لنفسك ولربك ما أحببت.\rفتكلم رسول الله ﷺ فتلا القرآن ودعا إلى الله ورغب فى الإسلام، ثم قال: أبايعكم على أن تمنعونى مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم.\rفأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: نعم والذى بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا، فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أهل الحروب وأهل الحلقة ورثناها كابرا عن كابر.\rفاعترض القول، والبراء يكلم رسول الله ﷺ، أبو الهيثم بن التيهان، فقال: يا رسول الله، إن بيننا وبين الرجال حبالا ونحن قاطعوها، يعنى اليهود، فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟.\rقال: فتبسم رسول الله ﷺ ثم قال: بل الدم الدم، والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم منى، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم. قال كعب: وقد قال رسول الله ﷺ:\rأخرجوا إلى منكم اثنى عشر نقيبا يكونون على قومهم بما فيهم.\rفأخرجوا منهم اثنى عشر نقيبا، تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس، من الخزرج:\rأبو أمامة أسعد بن زرارة، وسعد بن الربيع «١» ، وعبد الله بن رواحة «٢» ، ورافع بن مالك","footnotes":"(١) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٩٣٦) ، الإصابة الترجمة رقم (٣١٦١) ، أسد الغابة الترجمة رقم (١٩٩٤) ، طبقات ابن سعد (٣/ ٢/ ٧٧) ، تاريخ خليفة (٧١) ، الجرح والتعديل (٤/ ٨٢- ٨٣) ، الاستبصار (١١٤) .\r(٢) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (١٥٤٨) ، الإصابة الترجمة رقم (٤٦٩٤) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٢٩٤٣) ، الثقات (٣/ ٢٢١) ، حلية الأولياء (١/ ١١٨، ١٢١) ، تجريد أسماء الصحابة (١/ ٣١٠) ، تهذيب التهذيب (٥/ ٢١٢) ، تهذيب الكمال (٢/ ٦٨١) ، تقريب التهذيب (١/ ٤١٥) ، خلاصة تذهيب (٢/ ٥٥) ، الوافى بالوفيات (١٧/ ١٦٨) ، سير أعلام النبلاء (١/ ٢٣٠) ، الأعلام (٤/ ٨٦) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083707,"book_id":3509,"shamela_page_id":270,"part":"1","page_num":267,"sequence_num":270,"body":"ابن العجلان، والبراء بن معرور، وعبد الله بن عمرو بن حرام، وعبادة بن الصامت، وسعد بن عبادة بن دليم «١» ، والمنذر بن عمرو «٢» . ومن الأوس: أسيد بن حضير، وسعد ابن خيثمة «٣» ، ورفاعة بن عبد المنذر «٤» .\rقال ابن هشام «٥» : وأهل العلم يعدون فيهم أبا الهيثم بن التيهان ولا يعدون رفاعة.\rفقال رسول الله ﷺ للنقباء: «أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء ككفاله الحواريين لعيسى ابن مريم، وأنا كفيل على قومى» ، قالوا: نعم «٦» .\rوحدث «٧» عاصم بن عمر بن قتادة أن القوم لما اجتمعوا لبيعة رسول الله ﷺ قال العباس بن عبادة بن نضلة، أخو بنى سالم بن عوف: يا معشر الخزرج: هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟ قالوا: نعم. قال: إنكم تبايعونه على حرب الأحمر، والأسود من الناس، فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة وأشرافكم قتلا أسلمتموه فمن الآن، فهو والله إن فعلتم خزى الدنيا والآخرة، وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على نهكة الأموال وقتل الأشراف فهو والله خير الدنيا والآخرة، قالوا: فإنا","footnotes":"(١) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٩٤٩) ، الإصابة الترجمة رقم (٣١٨١) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٢٠١٢) ، طبقات ابن سعد (٣/ ٢/ ١٤٢) ، مشاهير علماء الأمصار الترجمة رقم (٢٠١) ، تهذيب الكمال (٤٧٤) ، تهذيب التهذيب (٣/ ٤٧٥) ، خلاصة تذهيب الكمال (٢١٣٤) ، شذرات الذهب (١/ ٢٨) .\r(٢) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٢٥٢٣) ، الإصابة الترجمة رقم (٨٢٤٢) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٥١١٤) ، الثقات (٣/ ٣٨٦) ، الاستبصار (١٠٠) ، الأعلام (٧/ ٢٩٤) ، تجريد أسماء الصحابة (٢/ ٩٥) .\r(٣) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٩٣٤) ، الإصابة الترجمة رقم (٣١٥٥) ، أسد الغابة الترجمة رقم (١٩٨٦) ، شذرات الذهب (١/ ٩) ، سير أعلام النبلاء (١/ ٢٦٦) ، الوافى بالوفيات (١٥/ ٢١٦) ، الأعلام (٣/ ٨٤) ، تجريد أسماء الصحابة (١/ ٢١٣) .\r(٤) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٧٨٠) ، الإصابة الترجمة رقم (٢٦٧٥) ، أسد الغابة الترجمة (١٦٩٢) ، تجريد أسماء الصحابة (١/ ١٨٤) ، سير أعلام النبلاء (١/ ١٣٥، ١٨٥) ، الوافى بالوفيات (١٤/ ١٧١) ، تهذيب التهذيب (٣/ ٢٨٢) ، تقريب التهذيب (١/ ٢٥١) ، حلية الأولياء (١/ ٣٦٦) ، خلاصة تذهيب (١/ ٣٢٧) .\r(٥) انظر: السيرة (٢/ ٥٤) .\r(٦) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ١٦٢) ، فتح البارى لابن حجر (٧/ ٢٩٢) ، تاريخ الطبرى (١/ ٥٦٢، ٥٦٣) .\r(٧) انظر: السيرة (٢/ ٥٥) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083708,"book_id":3509,"shamela_page_id":271,"part":"1","page_num":268,"sequence_num":271,"body":"نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف، فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا؟\rقال: الجنة. قالوا: ابسط يدك. فبسط يده فبايعوه «١» .\rقال عاصم: والله، ما قال ذلك العباس إلا ليشد العقد لرسول الله ﷺ فى أعناقهم.\rوقال غيره: ما قاله إلا ليؤخر القوم تلك الليلة رجاء أن يحضرها عبد الله بن أبى بن سلول فيكون أقوى لأمر القوم. فالله أعلم أى ذلك كان.\rقال ابن إسحاق «٢» : فبنو النجار يزعمون أن أبا أمامة أسعد بن زرارة كان أول من ضرب على يده، وبنو عبد الأشهل يقولون: بل أبو الهيثم بن التيهان.\rوفى حديث معبد بن كعب عن أخيه عبد الله، عن أبيه قال: كان أول من ضرب على يد رسول الله ﷺ البراء بن معرور، ثم بايع القوم، فلما بايعنا رسول الله ﷺ صرح الشيطان من رأس العقبة بأنفذ صوت سمعته قط: يا أهل الجباجب، وهى المنازل، هل لكم فى مذمم والصباء معه قد اجتمعوا على حربكم.\rفقال رسول الله ﷺ: «هذا أزب العقبة هذا ابن أزيب، ويقال ابن أزيب، أتسمع أى عدو الله، أما والله لأفرغن لك» ، ثم قال رسول الله ﷺ: «ارفضوا إلى رحالكم» ، فقال له العباس بن عبادة بن نضلة: والذى بعثك بالحق إن شئت لنميلن على أهل منى بأسيافنا.\rفقال رسول الله ﷺ: «لم أومر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم» . فرجعنا إلى مضاجعنا فنمنا عليها، فلما أصبحنا غدت علينا جلة قريش حتى جاؤونا فى منازلنا، فقالوا: يا معشر الخزرج، إنه قد بلغنا أنكم جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا، وتبايعونه على حربنا، وإنه والله ما من حى من العرب أبغض إلينا أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم.\rفانبعث من هنالك من مشركى قومنا يحلفون بالله ما كان من هذا شىء، وما علمناه.\rوصدقوا، لم يعلموه، وبعضنا ينظر إلى بعض.\rثم قام القوم وفيهم الحارث بن هشام المخزومى «٣» ، وعليه نعلان له جديدان فقلت","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: مجمع الزوائد للهيثمى (٦/ ٤٨) ، مسند الإمام أحمد (٤/ ١١٩، ١٢٠) ، تاريخ الطبرى (١/ ٥٦٣) ، البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ١٦٢) .\r(٢) انظر: السيرة (٢/ ٥٦- ٥٧) .\r(٣) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٤٥٢) ، الإصابة الترجمة رقم (١٥٠٩) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٩٧٩) ، تهذيب الكمال (٢٢٣) ، تذهيب التهذيب (١/ ١١٦) ، خلاصة تذهيب الكمال (٦٩) ، تهذيب ابن عساكر (٤/ ٨) ، العقد الثمين (٤/ ٣٢) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083709,"book_id":3509,"shamela_page_id":272,"part":"1","page_num":269,"sequence_num":272,"body":"له كلمة، كأنى أريد أن أشرك القوم بها فيما قالوا: يا أبا جابر ما تستطيع وأنت سيد من ساداتنا أن تتخذ مثل نعلى هذا الفتى من قريش؟! فسمعها الحارث فخلعهما من رجليه، ثم رمى بهما إلى فقال: والله لتنتعلنهما، قال: يقول أبو جابر: مه، أحفظت والله الفتى، فاردد إليه نعليه. قلت: والله لا أردهما، فأل والله صالح، والله لئن صدق الفأل لأسلبنه «١» .\rوفى حديث غير كعب أنهم أتوا عبد الله بن أبى سلول، فقالوا: مثل ما ذكر كعب من القول، فقال لهم: إن هذا لأمر جسيم، ما كان قومى ليتفوتوا على بمثل هذا، وما علمته كان، فانصرفوا عنه.\rونفر الناس من منى، فتنطس «٢» القوم الخبر، فوجدوه قد كان، وخرجوا فى طلب القوم، فأدركوا سعد بن عبادة بأذاخر والمنذر بن عمرو أخا بنى ساعدة، وكلاهما كان نقيبا، فأما المنذر فأعجز القوم، وأما سعد فأخذوه فربطوا يديه إلى عنقه بنسع «٣» رحله، ثم أقبلوا به حتى أدخلوه مكة، يضربونه ويجذبونه بجمته، وكان ذا شعر كثير.\rقال سعد: فو الله، إنى لفى أيديهم إذ طلع علىّ نفر من قريش فيهم رجل وضىء أبيض شعشاع حلو من الرجال، قال فقلت فى نفسى: إن يك عند أحد من القوم خير فعند هذا، فلما دنا منى، رفع يده فلكمنى لكمة شديدة، فقلت فى نفسى: لا والله، ما عندهم بعد هذا من خير، فو الله إنى لفى أيديهم يسحبوننى إذ أوى إلى رجل ممن معهم، فقال لى: ويحك! أما بينك وبين أحد من قريش تجارة ولا عهد؟ فقلت: بلى والله لقد كنت أجيز لجبير بن مطعم تجارة وأمنعهم ممن أراد ظلمهم ببلادى، وللحارث بن حرب ابن أمية. قال: ويحك فاهتف باسم الرجلين واذكر ما بينك وبينهما.\rقال: ففعلت، وخرج ذلك الرجل إليهما، فوجدهما عند الكعبة، فقال لهما: إن رجلا من الخزرج الآن يضرب بالأبطح ليهتف بكما، ويذكر أن بينه وبينكما جوارا، قالا: ومن هو؟ قال: سعد بن عبادة، قالا: صدق والله، إن كان ليجيز لنا تجارنا ويمنعهم","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: مستدرك الحاكم (٣/ ١٨١) ، فتح البارى لابن حجر (٣/ ٢٦٢) .\r(٢) تنطس القوم: تنطس عن الأخبار أى بحث وكل مبالف فى شىء متنطس وتنتطست الأخبار تجسستها. انظر: اللسان (مادة تنطس) .\r(٣) النسع: هو سير يضفر على هيئة لأعنة النعال تشد به الرحال، والجمع أنساع ونسوع ونسع، والقطعة منه نسعة، وقيل: هو سير مضفور يجعل زماما وغيره وقد تنسج عريضة تجعل على صدور البعير. انظر: اللسان (مادة نسع) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083710,"book_id":3509,"shamela_page_id":273,"part":"1","page_num":270,"sequence_num":273,"body":"أن يظلموا ببلده، قال: فجاآ فخلصا سعدا من أيديهم، وكان الذى لكم سعدا سهيل ابن عمرو «١» .\rقال ابن هشام: والذى أوى له أبو البحترى بن هشام.\rقال ابن إسحاق «٢» : فكان أول شعر قيل فى الهجرة بيتين قالهما ضرار بن الخطاب ابن مرداس «٣» ، أخو بنى محارب بن فهر. قال:\rتداركت سعدا عنوة فأخذته ... وكان شفاء لو تداركت منذرا\rولو نلته ظلت هناك جراحة ... وكان حقيقا أن يهان ويهدرا\rفأجابه حسان بن ثابت «٤» فقال:\rولست إلى عمرو ولا المرء منذر ... إذا ما مطايا القوم أصبحن ضمرا\rفلولا أبو وهب لمرت قصائد ... على شرف البرقاء يهوين حسرا\rأتفخر بالكتان لما لبسته ... وقد تلبس الأنباط ريطا مقصرا\rفلا تك كالوسنان يحلم أنه ... بقرية كسرى أو بقرية قيصرا\rولا تك كالثكلى وكانت بمعزل ... عن الثكل لو كان الفؤاد تفكرا\rولا تك كالشاة التى كان حتفها ... بحفر ذراعيها فلم ترض محفرا\rولا تك كالعاوى فأقبل نحره ... ولم يخشه سهم من النبل مضمرا\rفإنا ومن يهدى القصائد نحونا ... كمستبضع تمرا إلى أرض خيبرا\rقال «٥» : فلما قدموا المدينة أظهروا الإسلام، وفى قومهم بقايا من شيوخ لهم على دينهم من الشرك، منهم: عمرو بن الجموح، وكان ابنه معاذ شهد العقبة وبايع بها رسول الله ﷺ، وكان عمرو سيدا من سادات بنى سلمة، وشريفا من أشرافهم، وكان","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (٢/ ٤٤، ٤٤٩) ، مسند الإمام أحمد (٣/ ٤٦٠، ٤٦٢) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٦/ ٤٥) ، مستدرك الحاكم (٣/ ٢٥٢) .\r(٢) انظر: السيرة (٢/ ٥٨- ٥٩) .\r(٣) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (١٢٦٠) ، الإصابة الترجمة رقم (٤١٩٣) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٢٥٦٣) ، تجريد أسماء الصحابة (١/ ٢٧١) ، الثقات (٣/ ٢٠٠) ، الوافى بالوفيات (١٦/ ٣٦٣) ، تاريخ بغداد (١/ ٢٠٠) .\r(٤) انظر ترجمته فى: الاستيعاب (١/ ٤٠٠) الترجمة رقم (٥٢٥) ، الإصابة الترجمة رقم (١٧٠٩) ، أسد الغابة الترجمة رقم (١١٥٣) .\r(٥) انظر: السيرة (٢/ ٦٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083711,"book_id":3509,"shamela_page_id":274,"part":"1","page_num":271,"sequence_num":274,"body":"قد اتخذ فى داره صنما من خشب، يقال له: مناة، كما كانت الأشراف يصنعون، يتخذه إلها يعظمه، ويطهره، فلما أسلم فتيان بنى سلمة، ابنه معاذ، ومعاذ بن جبل فى فتيان منهم ممن أسلم وشهد العقبة، كانوا يدلجون بالليل على صنم عمرو ذلك، فيحملونه فيطرحونه فى بعض حفر بنى سلمة، وفيها عذر الناس، منكسا على رأسه.\rفإذا أصبح عمرو قال: ويلكم، من عدا على آلهتنا هذه الليلة، ثم يغدو يلتمسه، حتى إذا وجده غسله وطهره وطيبه، ثم قال: أما والله، لو أعلم من فعل بك هذا لأخزيته، فإذا أمسى ونام عمرو، عدوا عليه ففعلوا به مثل ذلك، فيغدو فيجده فى مثل ما كان فيه من الأذى، فيغسله ويطهره ويطيبه، ثم يعدون عليه إذا أمسى، فيفعلون به مثل ذلك، فلما أكثروا عليه استخرجه من حيث ألقوه يوما، فغسله وطهره وطيبه، ثم جاء بسيفه فعلقه عليه، ثم قال له: إنى والله ما أعلم من يصنع بك ما ترى، فإن كان فيك خير فامتنع فهذا السيف معك، فلما أمسى ونام عمرو، عدوا عليه، فأخذوا السيف من عنقه، ثم أخذوا كلبا ميتا فقرنوه به بحبل، ثم ألقوه فى بئر من آبار بنى سلمة فيها عذر من عذر الناس، وغدا عمرو بن الجموح فلم يجده فى مكانه.\rفخرج يتتبعه حتى وجده فى تلك البئر منكسا مقرونا بكلب ميت، فلما رآه أبصر شأنه، وكلمه من أسلم من قومه فقال حين أسلم وعرف من الله ما عرف يذكر صنمه ذلك، وما أبصره من أمره، ويشكر الله الذى أنقذه مما كان فيه من العمى والضلالة:\rوالله لو كنت إلها لم تكن ... أنت وكلب وسط بئر فى قرن «١»\rأف لملقاك إلها مستدن ... الآن فتشناك من سوء الغبن «٢»\rالحمد لله العلى ذى المنن ... الواهب الرزاق ديان الدين\rهو الذى أنقذنى من قبل أن ... أكون فى ظلمة قبر مرتهن\rقال ابن إسحاق «٣» : وكان رسول الله ﷺ قبل بيعة العقبة لم يؤذن له فى الحرب ولم تحلل له الدماء، إنما يؤمر بالدعاء إلى الله ﵎، والصبر على الأذى والصفح عن الجاهل، فكانت قريش قد اضطهدت من اتبعه من قومه حتى فتنوهم عن دينهم ونفوهم","footnotes":"(١) القرن: بفتح القاف والراء، قيل: هو شىء من لحاء شجر يفتل منه حبل، وقيل: الحبل من اللحاء، وقيل: هو الخصلة المفتولة من العهن.\r(٢) مستدن: أى ذليل مستبعد، وقال السهيلى فى الروض الأنف: هو من السدانة وهى خدمة البيت. والغبن: يكون فى الرأى تقول غبن رأى فلان كما تقول سفهت نفس فلان.\r(٣) انظر: السيرة (٢/ ٧٤- ٧٥) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083712,"book_id":3509,"shamela_page_id":275,"part":"1","page_num":272,"sequence_num":275,"body":"عن بلادهم، فهم من بين مفتون فى دينه وبين معذب فى أيديهم وبين هارب فى البلاد، منهم بأرض الحبشة، ومنهم بالمدينة وفى كل وجه.\rفلما عتت قريش على الله وردوا عليه ما أرادهم به من الكرامة، وكذبوا نبيه وعذبوا ونفوا من عبده ووحده وصدق نبيه واعتصم بدينه، أذن الله ﵎ لرسوله ﷺ فى القتال والامتناع والانتصار ممن ظلمهم وبغى عليهم، فكانت أول آية أنزلت فى إذنه فى الحرب وإحلاله له الدماء والقتال لمن بغى عليهم، فيما بلغنى عن عروة بن الزبير، وغيره من العلماء «١» ، قول الله ﵎: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ [الحج: ٣٩، ٤١] .\rثم أنزل الله عليه: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ أى حتى لا يفتن مؤمن عن دينه وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ [البقرة: ١٩٣] أى وحتى يعبد الله لا يعبد غيره.\r\rبدء الهجرة إلى المدينة\rقال ابن إسحاق «٢» : فلما أذن الله ﵎ لرسوله فى الحرب، وبايعه هذا الحى من الأنصار على الإسلام والنصرة له ولمن اتبعه وأوى إليهم من المسلمين، أمر رسول الله ﷺ أصحابه من قومه ومن معه بمكة من المسلمين بالخروج إلى المدينة والهجرة إليها واللحوق بإخوانهم من الأنصار، وقال: إن الله قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون بها، فخرجوا أرسالا وأقام رسول الله ﷺ بمكة ينتظر أن يأذن له ربه فى الخروج من مكة والهجرة إلى المدينة «٣» .\rفكان أول من هاجر إليها من أصحاب رسول الله ﷺ من قريش من بنى مخزوم: أبو","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: سنن الترمذى (٣١٧١) ، سنن النسائى الكبرى (٦/ ٤١١) ، المستدرك للحاكم (٢/ ٦٦) ، تفسير ابن كثير (٥/ ٤٣٠) .\r(٢) انظر: السيرة (٢/ ٧٧) .\r(٣) ذكره ابن كثير فى البداية والنهاية (٣/ ١٦٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083713,"book_id":3509,"shamela_page_id":276,"part":"1","page_num":273,"sequence_num":276,"body":"سلمة بن عبد الأسد «١» ، هاجر إليها قبل بيعة أصحاب العقبة بسنة، وكان قدم مكة من أرض الحبشة، فلما آذته قريش وبلغه إسلام من أسلم من الأنصار خرج إلى المدينة مهاجرا «٢» .\rقالت أم سلمة: لما أجمع أبو سلمة الخروج إلى المدينة رحل لى بعيره ثم حملنى عليه وحمل معى ابنى سلمة فى حجرى، ثم خرج بى يقود بعيره، فلما رأته رجال بنى المغيرة قاموا إليه فقالوا: هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتنا هذه علام نتركك تسير بها فى البلاد؟! قالت: فنزعوا خطام البعير من يده فأخذونى منه، وغضب عند ذلك بنو عبد الأسد رهط أبى سلمة، فقالوا: لا والله لا نترك ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا. فتجاذبوا بنى سلمة بينهم حتى خلعوا يده! وانطلق به بنو عبد الأسد، وحبسنى بنو المغيرة عندهم، وانطلق زوجى أبو سلمة إلى المدينة، ففرق بينى وبين زوجى وبين ابنى، فكنت أخرج كل غداة فأجلس بالأبطح فما أزال أبكى حتى أمسى، سنة أو قرييا منها. حتى مر بى رجل من بنى عمى فرأى ما بى فرحمنى فقال لبنى المغيرة: ألا تحرجون من هذه المسكينة! فرقتم بينها وبين زوجها وبين ولدها.\rفقالوا لى: الحقى بزوجك إن شئت. ورد بنو عبد الأسد إلى عند ذلك ابنى، فارتحلت بعيرى ثم أخذت بنى فوضعته فى حجرى، ثم خرجت أريد زوجى بالمدينة وما معى أحد من خلق الله، قلت: أتبلغ بمن لقيت حتى أقدم على زوجى.\rحتى إذا كنت بالتنعيم لقيت عثمان بن طلحة بن أبى طلحة «٣» ، أخا بنى عبد الدار، فقال: إلى أين يا بنت أبى أمية؟ قلت: أريد زوجى بالمدينة. قال: أو ما معك أحد؟ قلت:\rلا والله، إلا الله وبنى هذا! قال: والله مالك من مترك. فأخذ بخطام البعير يقودنى معه يهوى بى، فو الله ما صحبت رجلا من العرب قط أرى أنه كان أكرم منه كان إذا بلغ","footnotes":"(١) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٣٠٤٣) ، الإصابة الترجمة رقم (١٠٠٤٩) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٥٩٧٨) ، تهذيب الكمال (١٦١٠) ، تقريب التهذيب (٢/ ٤٣٠) ، تهذيب التهذيب (١٢/ ١١٥) .\r(٢) انظر الحديث فى: فتح البارى لابن حجر (٧/ ٢٦٨) ، تاريخ الطبرى (١/ ٥٦٥) .\r(٣) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (١٧٩٠) ، الإصابة الترجمة رقم (٥٤٥٦) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٣٥٨٠) ، الثقات (٣/ ٢٦٠) ، تجريد أسماء الصحابة (١/ ٣٧٣) ، تقريب التهذيب (٢/ ١٠) ، تهذيب التهذيب (٧/ ١٢٤) ، تهذيب الكمال (٢/ ٩١٠) ، الجرح والتعديل (٦/ ١٠٥٥) ، سير أعلام النبلاء (٣/ ١٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083714,"book_id":3509,"shamela_page_id":277,"part":"1","page_num":274,"sequence_num":277,"body":"المنزل أناخ بى ثم استأخر عنى، حتى إذا نزلت استأخر ببعيرى فحط عنه ثم قيده فى الشجر، ثم تنحى إلى شجرة فاضطجع تحتها، فإذا دنا الرواح قام إلى بعيرى فرحله ثم استأخر عنى فقال: اركبى، فإذا ركبت واستويت على بعيرى أتى فأخذ بخطامه فقادنى حتى ينزل بى، فلم يزل يصنع ذلك بى حتى أقدمنى المدينة، فلما نظرنا إلى قرية بنى عمرو بن عوف وكان أبو سلمة بها، قال: زوجك فى هذه القرية فادخليها على بركة الله. ثم انصرف راجعا إلى مكة، فكانت أم سلمة تقول: ما أعلم أهل بيت فى الإسلام أصابهم ما أصاب آل أبى سلمة، وما رأيت صاحبا كان أكرم من عثمان بن طلحة «١» .\rقال ابن إسحاق «٢» : ثم كان أول من قدمها من المهاجرين بعد أبى سلمة، عامر بن ربيعة»\rحليف بنى عدى بن كعب، معه امرأته ليلى بنت أبى حثمة بن غانم «٤» ، ثم عبد الله بن جحش بن رئاب من بنى غنم بن ذودان بن أسد بن خزيمة حليف بنى أمية ابن عبد شمس، احتمل بأهله وبأخيه أبى أحمد [عبد] «٥» بن جحش «٦» ، وكان أبو أحمد رجلا ضرير يطوف مكة أعلاها وأسفلها بغير قائد، وكان شاعرا وكانت عنده الفرعة بنت أبى سفيان بن حرب، وكانت أمه أميمة بنت عبد المطلب.\rفغلقت دار بنى جحش هجرة، فمر بها عتبة بن ربيعة والعباس بن عبد المطلب وأبو جهل بن هشام فنظر إليها عتبة تخفق أبوابها يبابا ليس فيها ساكن، فتنفس الصعداء ثم قال:\rوكل دار وإن طالت سلامتها ... يوما ستدركها النكباء والحوب\rولما خرج بنو جحش من دارهم عدا عليها أبو سفيان بن حرب فباعها من عمرو بن علقمة أخى بنى عامر بن لؤى، فذكر ذلك عبد الله بن جحش، لما بلغه لرسول الله ﷺ،","footnotes":"(١) ذكر هذه القصة ابن حجر فى الإصابة (٨/ ٢٤٠) ، البخارى فى التاريخ الكبير (٤/ ٨٠) .\r(٢) انظر: السيرة (٢/ ٧٧- ٧٩) .\r(٣) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (١٣٣٥) ، الإصابة الترجمة رقم (٤٣٣٩) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٢٦٩٣) ، تجريد أسماء الصحابة (١/ ٢٨٤) .\r(٤) انظر ترجمتها فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٣٥١٦) ، الإصابة الترجمة رقم (١١٧١٢) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٧٢٦١) .\r(٥) ما بين المعقوفتين ورد فى الأصل: «عبيد» ، والتصحيح من السيرة، والاستيعاب.\r(٦) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (١٣٨٨، ٢٨٦٠) ، الإصابة الترجمة رقم (٩٥٠٥) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٥٦٦٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083715,"book_id":3509,"shamela_page_id":278,"part":"1","page_num":275,"sequence_num":278,"body":"فقال له رسول الله ﷺ: «ألا ترضى يا عبد الله أن يعطيك الله بها دارا فى الجنة خيرا منها؟» قال: بلى. قال: «فذلك لك» .\rفلما افتتح رسول الله ﷺ مكة كلمة أبو أحمد فى دارهم، فأبطأ عليه رسول الله ﷺ، فقال الناس لأبى أحمد: يا أبا أحمد، إن رسول الله ﷺ يكره أن ترجعوا فى شىء أصيب منكم فى الله. فأمسك عن كلام رسول الله ﷺ.\rوكان بنو غنم بن ذودان أهل الإسلام قد أوعبوا إلى المدينة مع رسول الله ﷺ هجرة رجالهم ونساءهم، فقال أبو أحمد بن جحش يذكر هجرة بنى أسد بن خزيمة من قومه إلى الله ﵎ وإلى رسوله، وإيعابهم فى ذلك حين دعوا إلى الهجرة:\rولو حلفت بين الصفا أم أحمد ... ومروتها بالله برت يمينها\rلنحن الأولى كنا بها ثم لم نزل ... بمكة حتى عاد غثا سمينها\rبها خيمت غنم بن ذودان وانبنت ... وما أرعدت غنم وخف قطينها\rإلى الله تعدو بين مثنى وواحد ... ودين رسول الله بالحق دينها\rوقال أبو أحمد أيضا:\rولما رأتنى أم أحمد غاديا ... بذمة من أخشى بغيب وأرهب\rتقول فإما كنت لا بد فاعلا ... فيمم بنا البلدان ولتنأ يثرب\rفقلت لها ما يثرب بمظنة ... وما يشأ الرحمن فالعبد يركب\rإلى الله وجهى والرسول ومن يقم ... إلى الله يوما وجهه لا يخيب\rفكم قد تركنا من حميم مناصح ... وناصحة تبكى بدمع وتندب\rيرى أن وترا نأينا عن بلادنا ... ونحن نرى أن الرغائب نطلب «١»\rدعوت بنى غنم لحقن دمائهم ... وللحق لما لاح للناس ملحب\rأجابوا بحمد الله لما دعاهم ... إلى الحق داع والنجاح فأوعبوا\rوكنا وأصحابا لنا فارقوا الهدى ... أعانوا علينا بالسلاح وأجلبوا «٢»\rكفوجين أما منهما فموفق ... على الحق مهدى وفوج معذب\rطغوا وتمنوا كذبة وأزلهم ... عن الحق إبليس فخابوا وخيبوا","footnotes":"(١) الوتر: طلب الثأر، يريد أنه يستحق أن يطالبوا مخرجهم به. النأى: البعد. الرغائب: جمع رغيبة، وهى من العطاء الكثير.\r(٢) أجلبوا: يروى بالجيم وبالحاء المهملة فمن رواه بالحاء المهملة فمعناه أعانوا، ومن واه بالجيم فمعناه أحدثوا جلبه وهى الصياح.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083716,"book_id":3509,"shamela_page_id":279,"part":"1","page_num":276,"sequence_num":279,"body":"ورغنا إلى قول النبى محمد ... فطاب ولاة الحق منا وطيبوا\rنمت بأرحام إليهم قريبة ... ولا قرب بالأرحام إذ لا تقرب\rفأى ابن أخت بعدنا يأمننكم ... وأية صهر بعد صهرى يرقب\rستعلم يوما أينا إذ تزايلوا ... وزيل أمر الناس للحق أصوب\rثم خرج عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وعياش بن أبى ربيعة المخزومى «١» ، حتى قدما المدينة.\rقال عمر رضى الله عنه: لما أردنا الهجرة إلى المدينة اتعدت أنا وعياش بن أبى ربيعة، وهشام بن العاص التناضب من أضاة بنى غفار «٢» فوق سرف، وقلنا: أينا لم يصبح عندها فقد حبس فليمض صاحباه. فأصبحت أنا وعياش عندها وحبس عنا هشام وفتن فافتتن.\rفلما قدمنا المدينة نزلنا بقباء، وخرج أبو جهل والحارث أخوه إلى عياش، وكان ابن عمهما وأخاهما لأمهما حتى قدما علينا فقالا له: إن أمك نذرت أن لا تمس رأسها بمشط حق تراك ولا تستظل من شمس حتى تراك.\rفرق لها، فقلت له: يا عياش، والله إن يريدك القوم إلا ليفتنوك عن دينك فاحذرهم، فو الله لو قد آذى أمك لا متشطت! ولو قد اشتد عليها حر مكة لاستظلت. فقال: أبر قسم أمى، ولى هناك مال فآخذه.\rقلت: والله إنك لتعلم أنى لمن أكثر قريش مالا، فلك نصف مالى ولا تذهب معهما.\rفأبى على إلا أن يخرج معهما، فلما أبى إلا ذلك قلت: أما إذ قد فعلت ما فعلت فخذ ناقتى هذه فإنها نجيبة ذلول، فالزم ظهرها فإن رابك من القوم ريب فانج عليها.\rفخرج عليها معهما، حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال له أبو جهل: والله يا أخى لقد استغلظت بعيرى هذا أفلا تعقبنى على ناقتك هذه؟ قال: بلى. قال: فأناخ وأناخا ليتحول عليها، فلما استووا بالأرض عدوا عليه فأوثقاه رباطا ثم دخلا به مكة، وفتناه فافتتن!.","footnotes":"(١) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٢٠٣٢) ، الإصابة الترجمة رقم (٦١٣٨) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٤١٤٥) .\r(٢) أضاة بنى غفار: الأضاءة الماء المستنقع من سيل، ويقال: هو مسيل الماء إلى الغدير، وغفار قبيلة من كنانة على عشرة أميال من مكة. انظر: معجم البلدان (١/ ٢١٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083717,"book_id":3509,"shamela_page_id":280,"part":"1","page_num":277,"sequence_num":280,"body":"وفى غير حديث عمر أنهما دخلا به مكة نهارا موثقا ثم قالا: يا أهل مكة هكذا فافعلوا بسفهائكم كما فعلنا بسفيهنا هذا «١» .\rقال عمر رضى الله عنه، فى حديثه: فكنا نقول: ما الله بقابل ممن افتتن صرفا ولا عدلا ولا توبة، عرفوا الله ثم رجعوا إلى الكفر لبلاء أصابهم وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة أنزل الله ﵎، فيهم وفى قولنا وقولهم لأنفسهم: يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [الزمر: ٥٣] «٢» .\rقال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: فكتبتها بيدى فى صحيفة وبعثت بها إلى هشام ابن العاص، قال: فقال هشام: لما أتتنى جعلت أقرؤها بذى طوى أصعد بها فيه وأصوب ولا أفهمها، حتى قلت: اللهم فهمنيها. فألقى الله فى قلبى أنها إنما نزلت فينا وفيما كنا نقول فى أنفسنا ويقال فينا. فرجعت إلى بعيرى فجلست عليه، فلحقت برسول الله ﷺ بالمدينة. هذا ما ذكر ابن إسحاق فى شأن هشام.\rوذكر ابن هشام عمن يثق به «٣» أن رسول الله ﷺ قال وهو بالمدينة: من لى بعياش ابن أبى ربيعة، وهشام بن العاص؟ فقال الوليد بن الوليد بن المغيرة: أنا لك يا رسول الله بهما. فخرج إلى مكة فقدمها مستخفيا، فلقى امرأة تحمل طعاما، فقال لها: أين تريدين يا أمة الله؟ فقالت: أريد هذين المسجونين تعنيهما، فتبعها حتى عرف موضعيهما، وكانا محبوسين فى بيت لا سقف له، فلما أمسى تسور عليهما ثم أخذ مروة فوضعها تحت قيديهما ثم ضربهما بسيفه فقطعهما، فكان يقال لسيفه ذو المروة لذلك.\rثم حملهما على بعيره وساق بهما فعثر فدميت إصبعه فقال:\rهل أنت إلا إصبع دميت ... وفى سبيل الله ما لقيت","footnotes":"(١) انظر: السيرة (٢/ ٨٢) .\r(٢) انظر الحديث فى: مستدرك الحاكم (٢/ ٤٣٥) ، السنن الكبرى للبيهقى (٩/ ١٤) ، دلائل النبوة (٢/ ١٤٦) ، تفسير الطبرى (٢٤/ ١١) ، طبقات ابن سعد (٣/ ٢٧١) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٦/ ٦١) ، كشف الأستار (٢/ ٣٧٠) .\r(٣) انظر: السيرة (٢/ ٨٣) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083718,"book_id":3509,"shamela_page_id":281,"part":"1","page_num":278,"sequence_num":281,"body":"ثم قدم بهما المدينة على رسول الله ﷺ «١» .\rثم تتابع المهاجرون أرسالا، فنزل طلحة بن عبيد الله وصهيب بن سنان على خبيب ابن إساف. بالسبخ، ويقال: بل نزل طلحة على أسعد بن زرارة.\rقال ابن هشام «٢» : وذكر لى أن صهيبا حين أراد الهجرة قال له كفار قريش: أتيتنا صعلوكا حقيرا فكثر مالك عندنا وبلغت الذى بلغته، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك! والله لا يكون ذلك.\rفقال لهم صهيب: أرأيتم إن جعلت لكم مالى أتخلون سبيلى؟ قالوا: نعم. قال: فإنى قد جعلت لكم مالى. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: «ربح صهيب، ربح صهيب» «٣» !.\rقال ابن إسحاق «٤» : وأقام رسول الله ﷺ بمكة بعد أصحابه من المهاجرين، ينتظر أن يؤذن له فى الهجرة، ولم يتخلف معه أحد بمكة من المهاجرين، إلا من حبس أو فتن، إلا على بن أبى طالب وأبو بكر الصديق، وكان أبو بكر كثيرا ما يستأذن رسول الله ﷺ فى الهجرة فيقول له: لا تعجل، لعل الله يجعل لك صاحبا. فيطمع أبو بكر أن يكونه «٥» .\rولما رأت قريش أن رسول الله ﷺ قد كانت له شيعة وأصحاب من غيرهم بغير بلدهم، ورأوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم، عرفوا أنهم قد نزلوا دارا وأصابوا منهم منعة، فحذروا خروج رسول الله ﷺ، وعرفوا أنه مجمع لحربهم، فاجتمعوا له فى دار الندوة، وهى دار قصى بن كلاب التى كانت قريش لا تقضى أمرا إلا فيها، يتشاورون ما يصنعون فى أمره.\rفاعترض لهم إبليس فى هيئة شيخ جليل عليه بت «٦» ، فوقف على باب الدار فى","footnotes":"(١) ذكره ابن حجر فى فتح البارى (١/ ٥٥٧) ، وقال: من زيادات ابن هشام فى السيرة.\r(٢) انظر: السيرة (٢/ ٨٤) .\r(٣) انظر الحديث فى: الحلية لأبى نعيم (١/ ١٥١، ١٥٣) ، مستدرك الحاكم (٣/ ٣٩٨) ، طبقات ابن سعد (٣/ ٢٢٧، ٢٢٨) ، البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ١٧٣، ١٧٤) ، المطالب العالية لابن حجر (٣/ ٣٥٥٢) .\r(٤) انظر: السيرة (٢- ٨٧) .\r(٥) انظر الحديث فى: مجمع الزوائد للهيثمى (٦/ ٦٢) ، وقال: رواه الطبرانى وفيه عبد الرحمن بن بشير الدمشقى ضعفه أبو حاتم.\r(٦) بت: بفتح الباء وتشديد التاء، الكساء الغليظ من صوف جيد أو خز يلبس كالعباءة ويدل على المكانة والشرف، وجمعه بتوت.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083719,"book_id":3509,"shamela_page_id":282,"part":"1","page_num":279,"sequence_num":282,"body":"اليوم الذى اتعدوا له، ويسمى يوم الزحمة، فلما رأوه واقفا على بابها قالوا: من الشيخ؟\rقال: شيخ من أهل نجد سمع بالذى اتعدتم له فحضر معكم ليسمع ما تقولون وعسى أن لا يعدمكم منه رأيا ونصحا قالوا: أجل، فادخل. فدخل معهم وقد اجتمع فيها أشراف قريش وغيرهم.\rفقال بعضهم لبعض: إن هذا الرجل قد كان من أمره ما قد رأيتم، وإنا والله ما نأمنه على الوثوب علينا بمن اتبعه من غيرنا، فأجمعوا فيه رأيا، فتشاوروا ثم قال قائل: احبسوه فى الحديد وأغلقوا عليه بابا ثم تربصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذين كانوا قبله، زهيرا والنابغة ومن مضى منهم من هذا الموت حتى يصيبه ما أصابهم.\rفقال الشيخ النجدى: لا والله، ما هذا لكم برأى، والله لئن حبستموه كما تقولون ليخرجن أمره من وراء الباب الذى أغلقتم دونه إلى أصحابه. فلأوشكوا أن يثبوا عليكم فينتزعوه من أيديكم ثم يكاثروكم به حتى يغلبوكم على أمركم، ما هذا لكم برأى فانظروا فى غيره.\rفتشاوروا ثم قائل منهم: نخرجه من بين أظهرنا فننفيه من بلادنا، فإذا خرج عنا فو الله ما نبالى أين ذهب ولا حيث وقع إذا غاب عنا وفرغنا منه فأصلحنا أمرنا وألفتنا كما كانت.\rقال الشيخ النجدى: لا والله، ما هذا لكم برأى، ألم تروا حسن حديثه وحلاوة منطقه وغلبته على قلوب الرجال لما يأتى به؟! والله لو فعلتم ذلك ما أمنت أن يحل على حى من أحياء العرب فيغلب عليهم بذلك من قوله وحديثه حتى يتابعوه، ثم يسير بهم إليكم حتى يطأكم بهم فيأخذ أمركم من أيديكم ثم يفعل بكم ما أراد، أديروا فيه رأيا غير هذا، فقال أبو جهل: والله إن لى فيه لرأيا ما أراكم وقعتم عليه بعد. قالوا: وما هو يا أبا الحكم، قال: أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى شابا جليدا نسيبا وسيطا فينا، ثم نعطى كل فتى منهم سيفا صارما ثم يعمدوا إليه فيضربوه بها ضربة رجل واحد فيقتلوه فنستريح منه، فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه فى القبائل جميعا فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا، فرضوا منا بالعقل فعقلناه لهم.\rفقال الشيخ النجدى: القول ما قاله الرجل، هو الرأى لا رأى غيره. فتفرق القوم على ذلك وهم مجمعون له. فأتى جبريل رسول الله ﷺ فقال: لا تبت هذه الليلة على فراشك الذى كنت تبيت عليه، فلما كانت عتمة من الليل اجتمعوا على بابه يرصدونه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083720,"book_id":3509,"shamela_page_id":283,"part":"1","page_num":280,"sequence_num":283,"body":"حتى ينام فيثبون عليه، فلما رأى رسول الله ﷺ مكانهم قال لعلى بن أبى طالب: نم على فراشى وتسج بردى هذا الحضرمى الأخضر فنم فيه فإنه لن يخلص إليك شىء تكرهه منهم. وكان رسول الله ﷺ ينام فى برده ذلك إذا نام «١» .\rفاجتمعوا له وفيهم أبو جهل، فقال وهو على بابه: إن محمدا يزعم أنكم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم ثم بعثتم من بعد موتكم فجعلت لكم جنان كجنان الأردن، وإن لم تفعلوا كان لكم فيه ذبح، ثم بعثتم من بعد موتكم فجعلت لكم نار تحرقون فيها! وخرج عليهم رسول الله ﷺ فأخذ حفنة من تراب فى يده ثم قال: نعم، أنا الذى أقول ذلك، أنت أحدهم.\rوأخذ الله على أبصارهم عنه فلا يرونه، وجعل ينثر ذلك التراب على رؤسهم وهو يتلو هؤلاء الآيات: يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إلى قوله تعالى: وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [يس: ٩] .\rحتى فرغ رسول الله ﷺ من هؤلاء الآيات ولم يبق منهم رجل إلا وقد وضع على رأسه ترابا، ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب، فأتاهم آت ممن لم يكن معهم فقال:\rما تنتظرون هاهنا؟ قالوا: محمدا. قال: خيبكم الله! قد والله خرج عليكم محمد، ثم ما ترك منكم رجلا إلا وضع على رأسه ترابا، وانطلق لحاجته، أفلا ترون ما بكم؟!\rفوضع كل رجل منهم يده على رأسه فإذا عليه تراب، ثم جعلوا يطلعون فيرون عليا على الفراش متسجيا برد رسول الله ﷺ فيقولون: والله، إن هذا لمحمد نائما عليه برده، فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا، فقام على عن الفراش، فقالوا: والله لقد صدقنا الذى كان حدثنا «٢» .\rفكان مما أنزل الله من القرآن فى ذلك اليوم وما كانوا أجمعوا له قول الله سبحانه:\rوَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ [الأنفال: ٣٠] «٣» .","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (٢/ ٤٦٨) ، البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ١٧٦) ، طبقات ابن سعد (١/ ٢١٢) .\r(٢) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ١٧٧) ، فتح القدير للشوكانى (٤/ ٥١٠) .\r(٣) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (١/ ٣٤٨) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٧/ ٢٧) ، مستدرك الحاكم (٣/ ٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083721,"book_id":3509,"shamela_page_id":284,"part":"1","page_num":281,"sequence_num":284,"body":"وأذن الله ﵎، عند ذلك لنبيه فى الهجرة.\r\rذكر الحديث عن خروج رسول الله ﷺ وأبى بكر الصديق رضى الله عنه مهاجرين إلى المدينة\rحدث «١» عروة بن الزبير، عن عائشة رضى الله عنها قالت: كان لا يخطىء رسول الله ﷺ أن يأتى بيت أبى بكر أحد طرفى النهار، إما بكرة وإما عشية، حتى إذا كان اليوم الذى أذن الله فيه لرسوله فى الهجرة والخروج من مكة من بين ظهرانى قومه، أتانا بالهاجرة فى ساعة كان لا يأتى فيها، قالت: فلما رآه أبو بكر قال: ما جاء رسول الله ﷺ هذه الساعة إلا من حدث.\rفلما دخل تأخر له أبو بكر عن سريره، فجلس عليه رسول الله ﷺ وليس عند أبى بكر إلا أنا وأختى أسماء، فقال رسول الله ﷺ: أخرج عنى من عندك. فقال: يا نبى الله، إنما هما ابنتاى، وما ذاك فداك أبى وأمى؟.\rفقال: «إن الله قد أذن لى فى الخروج والهجرة» . فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله، قال: «الصحبة» . قالت: فو الله ما شعرت قط قبل ذلك أن أحدا يبكى من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكى يومئذ!.\rثم قال: يا نبى الله، إن هاتين الراحلتين قد كنت أعددتهما لهذا. وكان أبو بكر رجلا ذا مال، فكان حين استأذن رسول الله ﷺ فى الهجرة، فقال له: «لا تعجل لعل الله يجعل لك صاحبا» ، قد طمع بأن رسول الله ﷺ إنما يعنى نفسه، فابتاع راحلتين، فحبسهما فى داره يعلفهما إعدادا لذلك.\rواستأجر عبد الله بن أريقط رجلا من بنى الديل بن بكر وكان مشركا، يدلهما الطريق، ودفعا إليه راحلتيهما فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما.\rقال ابن إسحاق «٢» : ولم يعلم بخروج رسول الله ﷺ حين خرج أحد، إلا على بن أبى طالب، وأبو بكر الصديق، وآل أبى بكر. أما على فإن رسول الله ﷺ أخبره بخروجه، وأمره أن يتخلف بعده بمكة حتى يؤدى عن رسول الله ﷺ الودائع التى كانت","footnotes":"(١) انظر: السيرة (٢/ ٩١) .\r(٢) انظر: السيرة (٢/ ٩٢) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083722,"book_id":3509,"shamela_page_id":285,"part":"1","page_num":282,"sequence_num":285,"body":"عنده للناس، ولم يكن بمكة أحد عنده شىء يخشى عليه إلا وضعه عنده لما يعلم من صدقه وأمانته.\rفلما أجمع ﵇ الخروج أتى أبا بكر فخرجا من خوخة «١» لأبى بكر فى ظهر بيته، ثم عمدا إلى غار بثور، جبل بأسفل مكة، فدخلاه.\rوأمر أبو بكر ابنه عبد الله أن يتسمع لهما ما يقول الناس فيهما نهارا ثم يأتيهما إذا أمسى بما يكون فى ذلك اليوم من الخبر، فكان يفعل ذلك، وأمر عامر بن فهيرة «٢» مولاه أن يرعى غنمه نهاره، ثم يريحها عليهما إذا أمسى فى الغار، فكان عامر يرعى رعيان أهل مكة فإذا أمسى أراح عليهما، فاحتلبا وذبحا، فإذا غدا عبد الله بن أبى بكر من عندهما إلى مكة، تبع عامر أثره بالغنم حتى يعفى عليه، وكانت أسماء بنت أبى بكر تأتيهما من الطعام بما يصلحهما.\rوذكر ابن هشام «٣» عن الحسن بن أبى الحسن قال: انتهى رسول الله ﷺ وأبو بكر إلى الغار ليلا فدخل أبو بكر قبله فلمس الغار لينظر فيه سبع أو حية، يقى رسول الله ﷺ بنفسه «٤» .\rولما فقدت قريش رسول الله ﷺ طلبوه بمكة أعلاها وأسفلها، وبعثوا القافة يتبعون أثره فى كل وجه، فوجد الذى ذهب قبل ثور أثره هناك، فلم يزل يتبعه حتى انقطع له لما انتهى إلى ثور. وشق على قريش خروج رسول الله ﷺ عنهم، وجزعوا لذلك، فطفقوا يطلبونه بأنفسهم فيما قرب منهم، ويرسلون من يطلبه فيما بعد عنهم، وجعلوا مائة ناقة لمن رده عليهم، ولما انتهوا إلى فم الغار، وقد كانت العنكبوت ضربت على بابه بعشاش بعضها على بعض، بعد أن دخله رسول الله ﷺ فيما ذكروا، قال قائل منهم:\rادخلوا الغار، فقال أمية بن خلف: وما أربكم إلى الغار؟ إن عليه لعنكبوتا أقدم من ميلاد محمد!.","footnotes":"(١) خوخة: هى الكوة فى الجدار تؤدى الضوء، وقيل: هى باب صغير كالنافذة الكبيرة تكون بين بيتين ينصب عليها باب. انظر: اللسان (مادة خوخ) .\r(٢) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (١٣٤٦) ، الإصابة الترجمة رقم (٤٤٣٣) ، تلقيح المقال (٢/ ٦٠٥٩) .\r(٣) انظر: السيرة (٢/ ٩٢- ٩٣) .\r(٤) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ١٨٠) ، فتح البارى لابن حجر (٧/ ٢٧٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083723,"book_id":3509,"shamela_page_id":286,"part":"1","page_num":283,"sequence_num":286,"body":"قالوا: فنهى النبى ﷺ يومئذ عن قتل العنكبوت، وقال: «إنها جند من جنود الله» «١» .\rوخرج أبو بكر البزار فى مسنده من حديث أبى مصعب المكى، قال: أدركت زيد ابن أرقم، والمغيرة بن شعبة، وأنس بن مالك، يحدثون: أن النبى ﷺ لما كان ليلة بات فى الغار، أمر الله ﵎ شجرة فنبتت فى وجه الغار فسترت وجه النبى ﷺ، وأمر الله العنكبوت فنسجت على وجه الغار، وأمر الله ﷿، حمامتين وحشيتين فوقفتا بفم الغار، وأتى المشركون من كل بطن حتى إذا كانوا من النبى ﷺ على قدر أربعين ذراعا، معهم قسيهم وعصيهم، تقدم رجل منهم فنظر فرأى الحمامتين، فرجع فقال لأصحابه: ليس فى الغار شىء، رأيت حمامتين على فم الغار فعرفت أن ليس فيه أحد.\rفسمع قول النبى ﷺ فعرف أن الله قد درأ بهما عنه، فشمت عليهما وفرض جزاءهما، واتخذت فى حرم الله ففرخن. أحسبه قال: فأصل كل حمام فى الحرم من فراخهما.\rوذكر قاسم بن ثابت فيما تولى شرحه من الحديث أن الله أنبت الراءة على باب الغار لما دخله رسول الله ﷺ، وأبو بكر رضى الله عنه، قال: وهى شجرة معروفة. قال غيره: تكون مثل قامة الإنسان، ولها زهر أبيض تحشى به المخاد للينه وخفته.\rوحكى الواقدى: أن رسول الله ﷺ لما دخل الغار، دعا بشجرة كانت أمام الغار، فأقبلت حتى وقفت على باب الغار، فحجبت أعين الكفار وهم يطوفون فى الجبل.\rوقال أبو بكر لرسول الله ﷺ يومئذ: يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه. فقال: «يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما!» «٢» .\rوأقام رسول الله ﷺ وأبو بكر معه فى الغار ثلاثا، حتى إذا مضت الثلاثة وسكن عنهما الناس، أتاهما صاحبهما الذى استأجرا ببعيريهما، وأتتهما أسماء بنت أبى بكر بسفرتهما، ونسيت أن تجعل لها عصاما «٣» ، فلما ارتحلا ذهبت لتعلق السفرة فإذا ليس","footnotes":"(١) ذكره السيوطى فى الدر المنثور (٣/ ٢٤٠) .\r(٢) انظر الحديث فى: سنن الترمذى (٣٠٩٦) ، مسند الإمام أحمد (١/ ٤) ، طبقات ابن سعد (٣/ ١/ ١٢٣) ، الدر المنثور للسيوطى (٣/ ٢٤٢) ، كنز العمال للمتقى الهندى (٣٢٦١٤، ٣٢٥٦٨) ، شرح السنة للبغوى (١٣/ ٣٦٦) ، إتحاف السادة المتقين للزبيدى (٧/ ٦٨، ١١١) ، مشكاة المصابيح للتبريزى (٥٨٦٨) .\r(٣) العصام: الحبل أو شبهه يشد على فم المزادة ونحوها ليحفظ باقيها أو تعلق منها فى وتد.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083724,"book_id":3509,"shamela_page_id":287,"part":"1","page_num":284,"sequence_num":287,"body":"فيها عصام، فتحل نطاقها فتجعله عصاما، ثم تعلقها به، فكان يقال لها: ذات النطاق لذلك فيما ذكر ابن إسحاق «١» .\rوأما ابن هشام «٢» فذكر أنها إنما يقال لها: ذات النطاقين، وهو المشهور عنها رضى الله عنها، وذكر أنه سمع غير واحد من أهل العلم يفسره بأنها شقت نطاقها باثنين، فعلقت السفرة بواحد وانتطقت بالآخر.\rقال ابن إسحاق: فلما قرب أبو بكر الراحلتين إلى رسول الله ﷺ قدم له أفضلهما، ثم قال: اركب فداك أبى وأمى. فقال رسول الله ﷺ: إنى لا أركب بعيرا ليس لى.\rقال: فهى لك يا رسول الله بأبى أنت وأمى. قالا: لا، ولكن ما الثمن الذى ابتعتها به؟\rقال: كذا وكذا. قال: قد أخذتها بذلك. فركبا وانطلقا، وأردف أبو بكر خلفه مولاه عامر بن فهيرة ليخدمهما فى الطريق «٣» .\rقال»\r: فحدثت عن أسماء بنت أبى بكر قالت: لما خرج رسول الله ﷺ وأبو بكر أتانا نفر من قريش فيهم أبو جهل، فقالوا: أين أبوك يا ابنة أبى بكر؟ قلت: لا أدرى والله. فرفع أبو جهل يده وكان فاحشا خبيثا فلطم خدى لطمة طرح منها قرطى، ثم انصرفوا فمكثنا ثلاث ليال ما ندرى أين وجه رسول الله ﷺ حتى أقبل رجل من الجن من أسفل مكة يتغنى بأبيات من شعر غناء العرب، وإن الناس ليتبعونه يسمعون صوته وما يرونه، حتى خرج من أعلى مكة وهو يقول:\rجزى الله رب الناس خير جزائه ... رفيقين حلا خيمتى أم معبد\rهما نزلا بالبر ثم تروحا ... فأفلح من أمسى رفيق محمد\rليهن بنى كعب مكان فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد\rقالت أسماء: فلما سمعنا قوله عرفنا حيث وجه رسول الله ﷺ وأن وجهه إلى المدينة «٥» .","footnotes":"(١) انظر: السيرة (٢/ ٩٣) .\r(٢) انظر: السيرة (٢/ ٩٣- ٩٤) .\r(٣) انظر الحديث فى: صحيح البخارى كتاب الإيجارة (٢٢٦٣) ، مسند الإمام أحمد (٦/ ٤٧٣، ٤٧٥) .\r(٤) انظر: السيرة (٢/ ٩٤) .\r(٥) انظر الحديث فى: الحاكم فى المستدرك (٣/ ٩، ١٠) ، ابن كثير فى البداية والنهاية (٣/ ١٩٢- ١٩٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083725,"book_id":3509,"shamela_page_id":288,"part":"1","page_num":285,"sequence_num":288,"body":"وعن غير ابن إسحاق وهو عندنا بالإسناد من طرق، أن أم معبد هذه امرأة من بنى كعب من خزاعة، وأن رسول الله ﷺ حين خرج من مكة مهاجرا إلى المدينة هو وأبو بكر ومولاة عامر بن فهيرة ودليلهما الليثى عبد الله بن الأريقط مروا على خيمتى أم معبد الخزاعية «١» وكانت امرأة برزة جلدة تحتبى بفناء القبة ثم تسقى وتطعم، فسألوها لحما وتمرا ليشتروه منها فلم يصيبوا عندها شيئا من ذلك، وكان القوم مرملين مسنتين، فنظر رسول الله ﷺ إلى شاة فى كسر الخمية فقال: «ما هذه الشاة يا أم معبد؟» قالت:\rشاة خلفها الجهد عن المغنم. قال: «هل بها من لبن؟» قالت: هى أجهد من ذلك. قال:\r«أتأذنين أن أحلبها؟» قالت: نعم، بأبى أنت وأمى إن رأيت بها حلبا فاحلبها، فدعا بها رسول الله ﷺ فمسح بيده ضرعها وسمى الله ودعا لها فى شاتها فتفاجت عليه ودرت واجترت، ودعا بإناء يربض الرهط فحلب فيه ثجا حتى علاه البهاء، ثم سقاها حتى رويت وسقى أصحابه حتى رووا وشرب آخرهم، ثم أراضوا، ثم حلب فيه ثانيا بعد بدء حتى ملأ الإناء، ثم غادره عندها وبايعها وارتحلوا عنها.\rفقل ما لبثت حتى جاء زوجها أبو معبد «٢» يسوق أعنزا عجافا يتساوكن هزلا ضخامهن قليل، فلما رأى أبو معبد اللبن عجب وقال: من أين لك هذا اللبن يا أم معبد؛ والشاء عازب حيال ولا حلوب فى البيت؟ قالت: لا والله، إلا أنه مر بنا رجل مبارك من حاله كذا وكذا. قال: صفيه لى يا أم معبد: قالت: رأيت رجلا ظاهر الوضاءة أبلج الوجه حسن الخلق لم يعبه ثجلة ولم تزر به صعلة وسيم قسيم فى عينيه دعج وفى وعج وفى أشفاره غطف وفى عنقه سطع وفى صوته صحل وفى لحيته كثافة، أزج أقرن إن صمت فعليه الوقار وإن تكلم سما وعلاه البهاء، أجمل وأبهاه من بعيد وأحسنه وأجمله من قريب، حلو المنطق فصل لا نزر ولا هذر كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن، ربعة لا يائس من طول ولا تقتحمه عين من قصر، غصن بين غصنين فهو أنضر الثلاثة منظرا وأحسنهم قدرا، له رفقاء يحفون به إن قال أنصتوا لقوله وإن أمر تبادروا لأمره محفود محشود لا عابس ولا مفند.","footnotes":"(١) هى: عاتكة بنت خالد بن منقذ بن ربيعة، أم معبد الخزاعية، ويقال: عاتكة بنت خالد بن مهاجرا. انظر ترجمتها فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٣٤٥٧) ، الإصابة الترجمة رقم (١١٤٥١) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٧٠٨٦) .\r(٢) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٣٢٠٩) ، الإصابة الترجمة رقم (١٠٥٥١) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٦٢٦٢) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083726,"book_id":3509,"shamela_page_id":289,"part":"1","page_num":286,"sequence_num":289,"body":"قال أبو معبد: هو والله صاحب قريش الذى ذكر لنا من أمره ما ذكر بمكة، ولقد هممت أن أصحبه ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلا «١» . وأصبح صوت بمكة عال يسمعون الصوت بمكة علا يسمعون الصوت ولا يدرون من صاحبه، وهو يقول:\rجزى الله رب الناس خير جزائه ... رفيقين قالا خيمتى أم معبد\rهما نزلاها بالهدى فاهتدت به ... فقد فاز من أمسى رفيق محمد\rفيا لقصى ما زوى الله عنكم ... به من فعال لا تجارى وسؤدد\rليهن بنى كعب مقام فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد\rسلوا أختكم عن شاتها وإنائها ... فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد\rدعاها بشاة حائل فتحلبت ... له بصريح ضرة الشاة مزبد\rفغادرها رهنا لديها لحالب ... يرددها فى مصدر ثم مورد\rفلما سمع بذلك حسان بن ثابت جعل يجاوب الهاتف ويقول:\rلقد خاب قوم زال عنهم نبيهم ... وقدس من يسرى إليهم ويغتدى\rترحل عن قوم فضلت عقولهم ... وحل على قوم بنور مجدد\rهداهم به بعد الضلالة ربهم ... وأرشدهم من يتبع الحق يرشد\rوهل يستوى ضلال قوم تسكعوا ... عمى وهداة يهتدى بمهتدى\rلقد نزلت منهم على أهل يثرب ... ركاب هدى حلت عليهم بأسعد\rنبى يرى ما لا يرى الناس حوله ... ويتلو كتاب الله فى كل مسجد\rوإن قال فى يوم مقالة غائب ... فتصديقها فى اليوم أو فى ضحى الغد\rليهن أبا بكر سعادة جده ... بصحبته من يسعد الله يسعد\rوذكر أبو منصور محمد بن سعد الماوردى بإسناد له إلى قيس بن النعمان قال: لما انطلق رسول الله ﷺ وأبو بكر معه يستخفيان فى الغار فمرا بعبد يرعى غنما فاستسقياه من اللبن فقال: والله ما لى شاة تحلب، غير أن هاهنا عناقا حملت أول الشاء. فقال رسول الله ﷺ: «ائتنا بها» . فدعا لها رسول الله ﷺ بالبركة ثم حلب عسا فسقى أبا بكر، ثم حلب آخر فسقى الراعى، ثم حلب فشرب.\rفقال العبد: من أنت؟ فو الله ما رأيت مثلك قط! فقال رسول الله ﷺ: «أتراك إن","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: طبقات ابن سعد (١/ ١/ ١٥٥) ، دلائل النبوة للبيهقى (١/ ٢٧٨) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٦/ ٥٦) ، إتحاف السادة المتقين للزبيدى (٧/ ١٥٩، ١٨٦) ، مشكاة المصابيح للتبريزى (٥٩٤٣) ، كنز العمال للمتقى الهندى (٤٦٣٠٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083727,"book_id":3509,"shamela_page_id":290,"part":"1","page_num":287,"sequence_num":290,"body":"حدثتك تكتم على؟» قال: نعم، قال: «فإنى محمد رسول الله» . قال: أنت الذى تزعم قريش أنك صابئ؟ قال: «إنهم ليقولون ذلك» .\rقال العبد: فإنى أشهد أنك رسول الله، وأن ما جئت به الحق، وأنه ليس يفعل فعلك إلا نبى، ثم قال العبد: أتبعك؟ قال: «لا، حتى تسمع بنا أنا قد ظهرنا» «١» .\rوخرج البرقانى فى مصافحته من حديث البراء بن عازب «٢» رضى الله عنهما، وأورده الإمامان البخارى ومسلم فى صحيحيهما من حديثه قال: اشترى أبو بكر رضى الله عنه، من عازب رحلا بثلاثة عشر درهما، فقال أبو بكر لعازب: مر البراء أن يحمله إلى أهلى. فقال له عازب: حتى تحدثنى كيف صنعت أنت ورسول الله ﷺ حين خرجتما من مكة والمشركون يطلبونكم.\rقال: ارتحلنا من مكة فأحثثنا يومنا وليلتنا حتى أظهرنا وقام قائم الظهيرة، فرميت ببصرى هل أرى من ظل نأوى إليه، فإذا أنا بصخرة فانتهيت إليها فإذا بقية ظل لها، فنظرت بقية ظلها فسويته وفرشت لرسول الله ﷺ فروة وقلت: اضطجع يا رسول الله، فاضطجع، ثم ذهبت أنظر ما حوله هل أرى من الطلب أحدا، فإذا أنا براعى غنم يسوق غنمه إلى الصخرة يريد منها مثل الذى أريد، يعنى الظل. فسألته فقلت: لمن أنت يا غلام؟ قال: فلان، رجل من قريش سماه، فعرفته، فقلت: هل فى غنمك من لبن؟\rقال: نعم، قلت: هل أنت حالب لى؟ قال: نعم، فاعتقل شاة من غنمه فأمرته أن ينفض ضرعها من الغبار، ثم أمرته أن ينفض كفيه، فقال هكذا، فضرب إحدى يديه على الأخرى فحلب لى كثبة من لبن وقد رويت معى لرسول الله ﷺ إداوة على فمها خرقة، فصببت على اللبن حتى برد أسفله، فانتهيت إلى رسول الله ﷺ وقد استيقظ، قلت: يا رسول الله اشرب، فشرب حتى رضيت، وقلت: قد آن الرحيل يا رسول الله، فارتحلنا والقوم يطلبوننا فلم يدركنا أحد منهم غير سراقة بن مالك بن جعشم «٣» على فرس له،","footnotes":"(١) ذكره ابن حجر فى المطالب العالية (٤٢٩٥) .\r(٢) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (١٧٤) ، الإصابة الترجمة رقم (٦١٨) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٣٨٩) ، مشاهير علماء الأمصار الترجمة رقم (٢٧٢) ، جمهرة أنساب العرب (٣٤١) ، العقد الفريد (٥/ ٢٨٢) ، الوافى بالوفيات (١٠/ ١٠٤) ، مرآة الجنان (١/ ١٤٥) ، تقريب التهذيب (١/ ٩٤) ، خلاصة تذهيب التهذيب (٤٦) ، شذرات الذهب (١/ ٧٧، ٧٨) ، طبقات الفقهاء (٥٢) ، تاريخ الطبرى (١٠/ ١٩٢) .\r(٣) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٩٢١) ، الإصابة الترجمة رقم (٣١٢٢) ، أسد الغابة-","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083728,"book_id":3509,"shamela_page_id":291,"part":"1","page_num":288,"sequence_num":291,"body":"فقلت: هذا الطلب قد لحقنا يا رسول الله، وبكيت، قال: «لا تحزن إن الله معنا!» .\rقال: فلما دنا فكان بيننا وبينه قدر رمحين أو ثلاثة قلت: هذا الطلب يا رسول الله ﷺ قد بلغنا، وبكيت، قال: «ما يبكيك؟» فقلت: أما والله ما على نفسى أبكى، ولكنى أبكى عليك، فدعا عليه رسول الله ﷺ: «اللهم اكفناه بما شئت» ، فساخت فرسه فى الأرض إلى بطنها، فوثب عنها وقال: يا محمد، قد علمت أن هذا عملك فادع الله أن ينجينى مما أنا فيه، فو الله لأعمين على من ورائى من الطلب، وهذه كنانتى فخذ منها سهما فإنك ستمر على إبلى وغنمى بمكان كذا وكذا، فخذ منها حاجتك، فقال رسول الله ﷺ: «لا حاجة لى فى إبلك» ، ودعا له، فانطلق راجعا إلى أصحابه. وفى حديث البخارى ومسلم: فجعل لا يلقى أحدا إلا قال: قد كفيتكم ما هنا. فلا يلقى أحدا إلا ردة. قال: ووفى لنا «١» .\rوعن سراقة بن مالك بن جعشم فيما أورده ابن إسحاق «٢» قال: لما خرج رسول الله ﷺ من مكة مهاجرا إلى المدينة جعلت قريش فيه مائة ناقة لمن رده عليهم. قال: فبينما أنا جالس فى نادى قومى أقبل رجل منا حتى وقف علينا فقال: والله لقد رأيت ركبة ثلاثة مروا على آنفا، إنى لأراهم محمدا وأصحابه، قال: فأومأت إليه، يعنى أن أسكت، ثم قلت: إنما هم بنو فلان يتبعون ضالة لهم. قال: لعله. ثم سكت.\rفمكثت قليلا ثم قمت فدخلت بيتى، ثم أمرت بفرسى فقيد لى إلى بطن الوادى وبسلاحى فأخرج لى من دبر حجرتى، ثم أخذت قداحى التى أستقسم بها، ثم انطلقت فلبست لامتى، ثم أخرجت قداحى، فاستقسمت بها فخرج السهم الذى أكره: لا يضره. وكنت أرجو أن أرده على قريش فآخذ المائة، فركبت على أثره، فبينا فرسى يشتد بى عثر بى فسقطت عنه، فقلت: ما هذا؟! ثم أخرجت قداحى فاستقسمت بها","footnotes":"- الترجمة رقم (١٩٥٥) ، تجريد أسماء الصحابة (١/ ٢١٠) ، تقريب التهذيب (١/ ٢٨٤) ، تهذيب التهذيب (٣/ ٤٥٦) ، تهذيب الكمال (١/ ٤٦٦) ، شذرات الذهب (١/ ٣٥) ، الأعلام (٣/ ٨٠) ، الأنساب (٧/ ١١٦) ، العقد الثمين (٤/ ٥٢٣) .\r(١) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (٤/ ٢٤٦، ٥/ ٤) ، صحيح مسلم (٢٣١٠) ، مسند الإمام أحمد (١/ ٢، ٣) ، مصنف ابن أبى شيبة (١٤/ ٣٢٨) ، دلائل النبوة للبيهقى (٢/ ٤٧٨، ٤٨٥) ، امجمع الزوائد للهيثمى (٦/ ٥٢) ، شرح السنة للبغوى (١٣/ ٣٦٩) ، الدر المنثور للسيوطى (٣/ ٢٣٩) ، فتح البارى لابن حجر (٧/ ٨) .\r(٢) انظر: السيرة (٢/ ٩٦- ٩٧) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083729,"book_id":3509,"shamela_page_id":292,"part":"1","page_num":289,"sequence_num":292,"body":"فخرج السهم الذى أكره: لا يضره. فأبيت إلا أن أتبعه، فركبت فى أثره، فبينا فرسى يشتد بى عثر بى فرسى وذهبت يداه فى الأرض وسقطت عنه، ثم انتزع يديه من الأرض وتبعها دخان كالإعصار، فعرفت حين رأيت ذلك أنه قد منع منى وأنه ظاهر، فناديت القوم: أنا سراقة بن جعشم، انظرونى أكلمكم، فو الله لا أريبكم ولا يأتيكم منى شىء تكرهونه.\rفقال رسول الله ﷺ لأبى بكر رضى الله عنه: «قل له: ما تبتغى؟» قال: تكتبوا لى كتابا يكون آية بينى وبينك. قال: «اكتب يا أبا بكر» .\rفكتب لى كتابا فى عظم أو فى رقعة أو فى خرقة ثم ألقاه إلى، فأخذته فجعلته فى كنانتى، ثم رجعت فلم أذكر شيئا مما كان، حتى إذا كان فتح مكة على رسول الله ﷺ وفرغ من حنين والطائف خرجت ومعى الكتاب لألقاه فلقيته بالجعرانة فدخلت فى كتيبة من خيل الأنصار فجعلوا يقرعوننى بالرماح ويقولون: إليك إليك ماذا تريد؟، فدنوت من رسول الله ﷺ وهو على ناقته، والله لكأنى أنظر إلى ساقه فى غرزه كأنها جمارة، فرفعت يدى بالكتاب ثم قلت: يا رسول الله هذا كتابك لى، أنا سراقة بن جعشم. فقال رسول الله ﷺ: يوم وفاء وبر ادن. فدنوت فأسلمت. ثم تذكرت شيئا أسأل رسول الله ﷺ عنه فما أذكره، إلا أنى قلت: يا رسول الله الضالة من الإبل تغشى حياضى وقد ملأتها لإبلى، هل لى من أجر فى أن أسقيها؟ قال: «نعم، فى كل ذات كبد حرى أجر» «١» . ثم رجعت إلى قومى فسقت إلى رسول الله ﷺ صدقتى.\rوفى حديث آخر عن غير ابن إسحاق أن سراقة بن مالك بن جعشم هذا كان شاعرا مجيدا، وأنه قال يخاطب أبا جهل بن هشام بعد انصرافه عن رسول الله ﷺ:\rأبا حكم والله لو كنت شاهدا ... لأمر جوادى إذ تسوخ قوائمه\rعلمت ولم تشكك بأن محمدا ... رسول ببرهان فمن ذا يقاومه\rعليك بكف القوم عنه فإننى ... أرى أمره يوما ستبدو معالمه\rبأمر يود الناس فيه بأسرهم ... بأن جميع الناس طرا يسالمه\rوذكر ابن إسحاق من رواية يونس بن بكير عنه شعرا نسبه إلى أبى بكر الصديق","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (٤/ ١٧٥) ، سنن ابن ماجه (٣٦٨٦) ، مستدرك الحاكم (٣/ ٦١٩) ، مسند الحميدى (٩٠٢) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٣/ ١٣١) ، وقال: رواه أحمد ورجاله ثقات.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083730,"book_id":3509,"shamela_page_id":293,"part":"1","page_num":290,"sequence_num":293,"body":"رضى الله عنه يذكر فيه مسيره مع رسول الله ﷺ وقصة الغار وأمر سراقة، وهو:\rقال النبى ولم يجزع يوقرنى ... ونحن فى سدفة من ظلمة الغار\rلا تخش شيئا فإن الله ثالثنا ... وقد توكل لى منه بإظهار\rوإنما كيد من تخشى بوادره ... كيد الشياطين كادته لكفار\rوالله مهلكهم طرا بما كسبوا ... وجاعل المنتهى منهم إلى النار\rوأنت مرتحل عنهم وتاركهم ... إما غدوا وإما مدلج سارى\rوهاجر أرضهم حتى يكون لنا ... قوم عليهم ذوو عز وأنصار\rحتى إذا الليل وارتنا جوانبه ... وسد دون الذى نخشى بأستار\rسار الأريقط يهدينا وأنيقه ... ينعين بالقرم نعيا تحت أكوار\rيعسفن عرض الثنايا بعد أطولها ... وكل سهب رقاق الترب موار\rحتى إذا قلت قد أنجدن عارضها ... من مدلج فارس فى منصب وار\rيردى به مشرف الأقطار معتزم ... كالسيد ذى اللبدة المستأسد الضارى\rفقال كروا فقلنا إن كرتنا ... من دونها لك نصر الخالق البارى\rإن يخسف الأرض بالأحوى وفارسه ... فانظر إلى أربع فى الأرض غوار\rفهيل لما رأى أرساغ مقربه ... قد سخن فى الأرض لم تحفر بمحفار\rفقال هل لكم أن تطلقوا فرسى ... وتأخذوا موثقى فى نصح أسرار\rوأصرف الحى عنكم إن لقيتهم ... وأن أعور منهم عين عوار\rفادع الذى هو عنكم كف عدوتنا ... يطلق جوادى وأنتم خير أبرار\rفقال قولا رسول الله مبتهلا ... يا رب إن كان منه غير إخفار\rفنجه سالما من شر دعوتنا ... ومهر مطلقا من كلم آثار\rفأظهر الله إذ يدعو حوافره ... وفاز فارسه من هول أخطار\rوسراقة بن مالك هذا الذى أظهر الله فيه هذا العلم العظيم من أعلام نبوة نبينا محمد ﷺ، قد أظهر الله فيه أثرا آخر من الآثار الشاهدة له ﵇ بأن الله أطلعه من الغيب فى حياته ما ظهر مصداقه بعد وفاته.\rروى سفيان بن عيينة، عن أبى موسى، عن الحسن، أن رسول الله ﷺ قال لسراقة بن مالك: «كيف بك إذا لبست سوارى كسرى؟!» «١» قال: فلما أتى عمر رضى الله عنه، بسوارى كسرى ومنطقته وتاجه دعا سراقة بن مالك فألبسه إياهما.","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: إتحاف السادة المتقين للزبيدى (٧/ ١٨) ، كشفا الخفاء للعجلونى (١/ ٦٧٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083731,"book_id":3509,"shamela_page_id":294,"part":"1","page_num":291,"sequence_num":294,"body":"وكان سراقة رجلا أزب كثير شعر الساعدين، وقال له: ارفع يديك فقل: الله أكبر! الحمد لله الذى سلبهما كسرى بن هرمز الذى كان يقول: أنا رب الناس، وألبسهما سراقة بن مالك بن جعشم أعرابيا من بنى مدلج!! ورفع بها عمر رضى الله عنه، صوته.\rقال ابن إسحاق «١» : وذكر إسنادا رفعه إلى أسماء بنت أبى بكر، قالت: لما خرج رسول الله ﷺ وخرج معه أبو بكر احتمل أبو بكر ماله كله، خمسة آلاف أو ستة، فدخل علينا جدى أبو قحافة وقد ذهب بصره، فقال: والله إنى لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه. فقلت: يا أبت إنه قد ترك لنا خيرا كثيرا. فأخذت أحجارا فوضعتها فى كوة كان أبى يضع ماله فيها، ثم وضعت عليها ثوبا ثم أخذت بيده فقلت: يا أبت ضع يدك على هذا المال. قالت: فوضع يده عليه ثم قال: لا بأس إذا كان ترك لكم هذا فقد أحسن، وفى هذا بلاغ لكم، ولا والله ما ترك لنا شيئا، ولكنى أردت أن أسكن الشيخ بذلك «٢» .\rوذكر ابن إسحاق الطريق التى سلك برسول الله ﷺ وبأبى بكر الصديق رضى الله عنه دليلهما عبد الله بن أريقط، والمناقل التى سار بهما عليهما إلى أن قدم بهما قباء على بنى عمرو بن عوف لاثنتى عشرة ليلة خلت من ربيع الأول يوم الاثنين، حين اشتد الضحى وكادت الشمس تعتدل «٣» .\rوقال غير ابن إسحاق: قدمها لثمان خلون من ربيع الأول.\rوقال ابن الكلبى: خرج من الغار يوم الاثنين أول يوم من ربيع الأول، ووصل المدينة يوم الجمعة لاثنتى عشرة منه. فالله تعالى أعلم.\rوذكر ابن إسحاق «٤» : من حديث عبد الرحمن بن [عويم] «٥» بن ساعدة، قال:\rحدثنى رجال من قومى من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: لما سمعنا بمخرج رسول الله ﷺ من مكة توكفنا قدومه، فكنا نخرج إذا صلينا الصبح إلى ظاهر حرتنا ننتظره، فو الله","footnotes":"(١) انظر: السيرة (٢/ ٩٥- ٩٦) .\r(٢) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (٦/ ٣٥٠) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٦/ ٥٩) .\r(٣) انظر: السيرة (٢/ ٩٨- ٩٩) .\r(٤) انظر: السيرة (٢/ ١٠٠) .\r(٥) ما بين المعقوفتين ورد فى الأصل: «عويمر» ، والتصحيح من السيرة والاستيعاب. وانظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (١٤٥٦) ، الإصابة الترجمة رقم (٦٢٤٤) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٣٣٧٢) ، التاريخ الكبير (٥/ ٣٢٥) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083732,"book_id":3509,"shamela_page_id":295,"part":"1","page_num":292,"sequence_num":295,"body":"ما نبرح حتى تغلبنا الشمس على الظلال، فإذا لم نجد ظلا دخلنا، وذلك فى أيام حارة.\rحتى إذا كان اليوم الذى قدم فيه جلسنا كما كنا نجلس، حتى إذا لم يبق ظل دخلنا بيوتنا، وقدم رسول الله ﷺ حين دخلنا البيوت، فكان أول من رآه رجل من يهود وقد رأى ما كنا نصنع وأنا ننتظر قدوم رسول الله ﷺ علينا، فصرخ بأعلى صوته: يا بنى قيلة هذا جدكم قد جاء.\rفخرجنا إلى رسول الله ﷺ وهو فى ظل نخلة ومعه أبو بكر فى مثل سنه، وأكثرنا لم يكن رأى رسول الله ﷺ قبل ذلك، وركبه الناس، وما يعرفونه من أبى بكر حتى زال الظل عن رسول الله ﷺ فقام أبو بكر فأظله بردائه فعرفناه عند ذلك «١» .\rقال ابن إسحاق «٢» : فنزل رسول الله ﷺ فيما يذكرون على كلثوم بن هدم «٣» ، أخى بنى عمرو بن عوف. ويقال: بل نزل على سعد بن خيثمة.\rويقول من يذكر نزوله على كلثوم أنه ﷺ كان إذا خرج من منزل كلثوم جلس للناس فى بيت سعد بن خيثمة، لأنه كان عزبا لا أهل له، فمن هناك يقال: نزل عليه.\rوكان يقال لبيت سعد: بيت العزاب، لأنه كان منزل المهاجرين منهم. فالله أعلم أى ذلك كان «٤» .\rونزل أبو بكر الصديق رضى الله عنه، على خبيب بن إساف «٥» ، أحد بنى الحارث ابن الخزرج بالسنج، ويقال: على خارجة بن زيد بن أبى زهير «٦» منهم.","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: صحيح البخارى كتاب مناقب الأنصار (٧/ ٢٨١، ٢٨٢) ، طبقات ابن سعد (١/ ٢٣٣) ، دلائل النبوة للبيهقى (٢/ ٤٩٨، ٤٩٩) ، شرح السنة للبغوى (٧/ ١٠٩) .\r(٢) انظر: السيرة (٢/ ١٠٠) .\r(٣) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٢٢٣٧) ، الإصابة الترجمة رقم (٧٤٥٩) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٤٤٩٤) ، طبقات ابن سعد (٣/ ٢/ ١٤٩) ، تاريخ خليفة (٥٥) ، الاستبصار (٢٩٣) .\r(٤) ذكره الطبرى فى تاريخه (١/ ٥٧١) ، ابن كثير فى السيرة (٢/ ٢٧٠) ، ابن سعد فى الطبقات (١/ ٢٣٣) .\r(٥) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٦٥١) ، الإصابة الترجمة رقم (٢٢٢٤) ، أسد الغابة الترجمة رقم (١٤١٣) ، تجريد أسماء الصحابة (١/ ١٥٦) ، الاستبصار (١٨٦) ، تبصير المنتبه (٣/ ٩٢٧) ، الطبقات الكبرى (٨/ ٣٦٠) .\r(٦) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٦٠٨) ، الإصابة الترجمة رقم (٢١٤٠) ، أسد الغابة-","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083733,"book_id":3509,"shamela_page_id":296,"part":"1","page_num":293,"sequence_num":296,"body":"وأقام على بن أبى طالب بمكة ثلاث ليال وأيامها، حتى أدى عن رسول الله ﷺ الودائع التى كانت عنده للناس، حتى إذا فرغ منها لحق برسول الله ﷺ فنزل معه. فكان على رضى الله عنه، وإنما كانت إقامته بقباء ليلة أو ليلتين، يقول: كانت بقباء امرأة مسلمة لا زوج لها، فرأيت إنسانا يأتيها من جوف الليل فيضرب عليها بابها فتخرج إليه فيعطيها شيئا معه فتأخذه.\rقال: فاستربت شأنه، فقلت لها: يا أمة الله، من هذا الذى يضرب عليك بابك كل ليلة فتخرجين إليه فيعطيك شيئا لا أدرى ما هو، وأنت امرأة مسلمة لا زوج لك؟ قالت:\rهذا سهل بن حنيف، قد عرف أنى امرأة لا أحد لى، فإذا أمسى عدا على أوثان قومه فكسرها ثم جاءنى بها فقال: احتطبى بهذا! فكان على رضى الله عنه، يأثر ذلك فى أمر سهل بن حنيف، حين هلك عنده بالعراق «١» .\rقال ابن إسحاق «٢» : فأقام رسول الله ﷺ بقباء فى بنى عمرو بن عوف يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وأسس مسجدهم «٣» ، ثم أخرجه الله تعالى، من بين أظهرهم يوم الجمعة. وبنو عمرو بن عوف يزعمون أنه مكث فيهم أكثر من ذلك، فالله أعلم.\rفأدركت رسول الله ﷺ الجمعة فى بنى سالم بن عوف فصلاها فى المسجد الذى فى بطن الوادى، وادى رانوناء، فكانت أول جمعة صلاها بالمدينة «٤» .\rفأتاه عتبان بن مالك «٥» ، وعباس بن عبادة بن نضلة «٦» ، فى رجال من بنى سالم، فقالوا: يا رسول الله، صلى الله عليك، أقم عندنا فى العدد والعدة والمنعة. قال: «خلوا سبيلها فإنها مأمورة لناقته، فخلوا سبيلها» .","footnotes":"- الترجمة رقم (١٣٣٠) ، تجريد أسماء الصحابة (١/ ١٤٧) ، سير أعلام النبلاء (٤/ ٤٣٧، ٤٤٦) ، روضات الجنات (٣، ٢٧٥) ، الاستبصار (١/ ١١٥) ، الثقات (٣/ ١١١) .\r(١) ذكره الصالحى فى السيرة الشامية (٣/ ٣٧٩) ، ابن سيد الناس فى عيون الأثر (١/ ٣١٢) .\r(٢) انظر: السيرة (٢/ ١٠٢) .\r(٣) انظر الحديث فى: صحيح البخارى كتاب مناقب الأنصار (٣٩٣٢) .\r(٤) ذكره الطبرى فى تاريخه (٢/ ٧) ، ابن كثير فى البداية والنهاية (٣/ ٢١٣، ٢١٤) .\r(٥) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٢٠٤٢) ، الإصابة الترجمة رقم (٥٤١٢) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٣٥٤١) .\r(٦) انظر ترجمته فى: الاستيعاب (١٣٨٥) ، الإصابة الترجمة رقم (٢٥٢٥) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٢٧٩٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083734,"book_id":3509,"shamela_page_id":297,"part":"1","page_num":294,"sequence_num":297,"body":"فانطلقت حتى إذا وازنت دار بنى بياسة تلقاه زياد بن لبيد وفروة بن عمرو، فى رجال من بنى بياضة، فقالوا: يا رسول الله، هلم إليها إلى العدد والعدة والمنعة. «قال:\rخلوا سبيلها فإنها مأمورة، فخلوا سبيلها» .\rحتى إذا مرت بدار بنى ساعدة اعترضاه سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو فى رجال منهم، فقالوا: يا رسول الله، هلم إلينا إلى العدد والعدة والمنعة، قال: خلوا سبيلها فإنها مأمورة، فخلوا سبيلها، فانطلقت حتى إذا وازنت دار بنى الحارث بن الخزرج اعترضاه سعد بن الربيع وخارجة بن زيد بن أبى زهير، وعبد الله بن رواحة فى رجال من بلحارث، فقالوا: يا رسول الله، هلم إلينا إلى العدد والعدة والمنعة. قال: خلو سبيلها فإنها مأمورة. فخلوا سبيلها، فانطلقت حتى إذا مرت بدار بنى عدى بن النجار وهم أخواله دنيا أم عبد المطلب، سلمى بنت عمرو إحدى نسائهم، اعترضاه سليط بن قيس وأبو سليط أسيرة بن أبى خارجة، فى رجال منهم، فقالوا: يا رسول الله، هلم إلى أخواله دنيا أم عبد المطلب، سلمى بنت عمرو إحدى نسائهم، اعترضاه سليط بن قيس وأبو سليط أسيرة بن أبى خارجة، فى رجال منهم، فقالوا: يا رسول الله، هلم إلى أخوالك إلى العدد والعدة والمنعة. قال. «خلوا سبيلها» ، حتى إذا أتت دار بنى مالك بن النجار بركت على باب مسجده، وهو يومئذ مربد لغلامين يتيمين من بنى مالك بن النجار، فى حجر معاذ بن عفراء، فلما بركت ورسول الله ﷺ عليها لم ينزل وثبت، فسارت غير بعيد، ورسول الله ﷺ واضع لها زمامها لا يثنيها به، ثم التفتت خلفها فرجعت إلى مبركها أول مرة فبركت فيه، ثم تحلحلت ورزمت ووضعت جرانها، فنزل عنها رسول الله ﷺ فاحتمل أبو أيوب رحله فوضعه فى بيته.\rونزل عليه رسول الله ﷺ حتى بنى مسجده ومساكنه، وسأل عن المربد لمن هو؟\rفقال له معاذ بن عفراء: هو يا رسول الله لسهل وسهيل ابنى عمرو، وهما يتيما له وسأرضيهما منه، فاتخذه مسجدا، فأمر به رسول الله ﷺ أن يا بنى، وعمل فيه رسول الله ﷺ ليرغب المسلمين فى العمل فيه، فعمل فيه المهاجرون والأنصار ودأبوا «١» .\rفقال قائل من المسلمين:\rلئن قعدنا والنبى يعمل ... لذاك منا العمل المضلل\rوحدث «٢» أبو أيوب قال: لما نزل على رسول الله ﷺ فى بيتى نزل فى السفل وأنا","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: صحيح البخارى كتاب مناقب الأنصار (٣٩٠٦) ، صحيح مسلم كتاب الجهاد (٣/ ١٢٩) ، مسند الإمام أحمد (٢/ ٣٨١) ، سنن أبى داود حديث رقم (٤٥٣) . سنن ابن ماجه (٧٤٢) .\r(٢) انظر: السيرة (٢/ ١٠٦- ١٠٧) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083735,"book_id":3509,"shamela_page_id":298,"part":"1","page_num":295,"sequence_num":298,"body":"وأم أيوب فى العلو، فقلت له: يا نبى الله بأبى أنت وأمى! إنى لأكره وأعظم أن أكون فوقك وتكون تحتى، فاظهر أنت فكن فى العلو وننزل نحن فنكون فى السفل. فقال: «يا أبا أيوب، إن أرفق بنا وبمن يغشانا أن تكون فى سفل البيت» «١» .\rفلقد انكسر حب لنا فيه ماء، فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة ما لنا لحاف غيرها ننشف بها الماء، تخوفا أن يقطر على رسول الله ﷺ منه شىء فيؤذيه.\rفكنا نصنع له العشاء ثم نبعث به إليه، فإذا رد علينا فضله تيممت أنا وأم أيوب موضع يده فأكلنا منه، نبتغى بذلك البركة، حتى بعثنا إليه بعشائه وقد جعلنا له فيه بصلا أو ثوما، فرده رسول الله ﷺ ولم أر ليده فيه أثرا، فجئته فزعا فقلت: يا رسول الله، بأبى أنت وأمى رددت عشاءك ولم أر فيه موضع يدك، وكنت إذا رددته علينا تيممت أنا وأم أيوب موضع يدك نبتغى بذلك البركة. قال: إنى وجدت فيه ريح هذه الشجرة وأنا رجل أناجى، فأما أنتما فكلوه. فأكلناه ولم نصنع له تلك الشجرة بعد «٢» .\rقال ابن إسحاق «٣» : وتلاحق المهاجرون إلى رسول الله ﷺ فلم يبق بمكة منهم أحد إلا مفتون أو محبوس، ولم يوعب أهل هجرة من مكة بأهليهم وأموالهم إلى الله ﵎ وإلى رسوله ﷺ، إلا أهل دور مسمون، بنو مظعون من بنى جمح، وبنو جحش ابن رئاب، حلفاء بنى أمية، وبنو البكير من بنى سعد بن ليث، حلفاء بنى عدى بن كعب، فإن دورهم غلقت بمكة هجرة، ليس فيها ساكن.\rفأقام رسول الله ﷺ بالمدينة إذ قدمها شهر ربيع الأول إلى صفر من السنة الداخلة، بنى له فيها مسجده ومساكنه. قال: وكانت أول خطبة خطبها رسول الله ﷺ فيما بلغنى عن أبى سلمة بن عبد الرحمن، نعوذ بالله أن نقول على رسول الله ﷺ ما لم يقل، أنه قام فيهم فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: «أما بعد، أيها الناس، فقدموا لأنفسكم تعلمن والله ليصعقن أحدكم ثم ليدعن غنمه ليس لها راع، ثم ليقولن له ربه، ليس له ترجمان ولا حاجب يحجبه دونه: ألم يأتك رسولى فبلغك وآتيتك مالا وأفضلت عليك فما قدمت لنفسك؟ فلينظرن يمينا وشمالا فلا يرى شيئا، ثم لينظرن قدامه فلا يرى غير جهنم. فمن استطاع أن يقى وجهه من النار ولو بشق تمرة فليفعل، ومن لم","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (٥/ ٤١٥) ، صحيح مسلم كتاب الفتن (٣/ ١٧١) .\r(٢) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ٢٠١) ، مستدرك الحاكم (٣/ ٤٦٠) ، ورواه أبو بكر بن أبى شيبة وابن أبى عاصم كما فى الإصابة (١/ ٤٠٥) .\r(٣) انظر: السيرة (٢/ ١٠٧) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083736,"book_id":3509,"shamela_page_id":299,"part":"1","page_num":296,"sequence_num":299,"body":"يجد فبكلمة طيبة، فإن بها تجزى الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته» «١» .\rقال ابن إسحاق «٢» : ثم خطب رسول الله ﷺ الناس مرة أخرى فقال: «إن الحمد لله أحمده وأستعينه، نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إن أحسن الحديث كتاب الله ﵎، قد أفلح من زينه الله فى قلبه، وأدخله فى الإسلام بعد الكفر، فاختاره على ما سواه من أحاديث الناس، إنه أحسن الحديث وأبلغه، أحبوا ما أحب الله، أحبوا الله من كل قلوبكم، ولا تملوا كلام الله وذكره، ولا تقس عنه قلوبكم، فإنه من كل ما يخلق الله يختار ويصطفى، فقد سماه الله خيرته من الأعمال ومصطفاه من العباد، والصالح من الحديث ومن كل ما أوتى الناس الحلال والحرام، فاعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا واتقوه حق تقاته، واصدقوا الله صالح ما تقولون بأفواهكم، وتحابوا بروح الله بينكم، إن الله يغضب أن ينكث عهده، والسلام عليكم» «٣» .\rقال ابن إسحاق «٤» : وكتب رسول الله ﷺ كتابا بين المهاجرين والأنصار وادع فيه يهود وعاهدهم وأقرهم على دينهم وأموالهم، واشترط عليهم وشرط لهم «٥» .","footnotes":"(١) انظر ذكر أول خطبة للنبى ﷺ فى: المنتظم لابن الجوزى (٣/ ٦٥) ، تاريخ الطبرى (٢/ ٣٩٤) ، البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ٢١٣) .\r(٢) انظر: السيرة (٢/ ١٠٩) .\r(٣) ذكره ابن كثير فى البداية والنهاية (٣/ ٢١٤) .\r(٤) انظر: السيرة (٢/ ١٠٩) .\r(٥) ذكر ابن هشام فى السيرة نص ما اشتراطه النبى ﷺ على المهاجرين والأنصار، فقال: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد النبى ﷺ، بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب، ومن تبعهم، فلحق بهم، وجاهد معهم، إنهم أمة واحدة من دون الناس، المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم، وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو عوف على ربعتهم يتعاقلون الأولى، كل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو ساعدة على رعبتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو الحارث على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو جشم على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو النجار على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم-\r- الأولى، وكل طائفة منهم تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو عمرو بن عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو النبت على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو الأوس على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وإن المؤمنين لا يتركون مفرحا بينهم أن يعطوه بالمعروف فى فداء أو عقل «وأن لا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه، وإن المؤمنين المتقين على من بغى منهم، أو ابتغى دسيعة ظلم، أو إثم، أو عدوان، أو فساد بين المؤمنين، وإن أيديهم عليه جميعا، ولو كان ولد أحدهم، ولا يقتل مؤمن مؤمنا فى كافر، ولا ينصر كافر على مؤمن، وإن ذمة الله واحدة يجير عليهم أدناهم، وإن المؤمنين بعضهم موالى بعض دون الناس، وإنه من تبعنا من يهود، فإن له النصر والأسوة، غير مظلومين ولا متناصرين عليهم، وإن سلم المؤمنين واحدة، لا يسالم مؤمن دون مؤمن فى قتال فى سبيل الله، إلا على سواء وعدل بينهم، وإن كل غازية غزت معنا يعقب بعضها بعضا، وإن المؤمنين يبىء بعضهم على بعض بما نال دماءهم فى سبيل الله، وإن المؤمنين المتقين على أحسن هدى وأقومه، وإنه لا يجير مشرك مالا لقريش ولا نفسا، ولا يحول دونه على مؤمن، وإنه من اعتبط مؤمنا قتلا عن بينة، فإنه قود به إلا أن يرضى ولى المقتول، وإن المؤمنين عليه كافة، ولا يحل لهم إلا قيام عليه، وإنه لا يحل لمؤمن أقر بما فى هذه الصحيفة وآمن بالله واليوم الآخر، أن ينصر محدثا ولا يؤويه، وأنه من نصره أو آواه، فإن عليه لعنة الله وغصبه يوم القيامة، ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل، وإنكم مهما اختلفتم فيه من شىء، فإن مرده إلى الله ﷿، وإلى محمد ﷺ، وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وإن يهود بنى عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم وأثم، فإنه لا يوتغ إلا نفسه، وأهل بيته، وإن اليهود بنى النجار مثل ما ليهود بنى عوف، وإن ليهود بنى الحارث مثل ما ليهود بنى عوف، وإن ليهود بنى ساعدة مثل ما ليهود بنى عوف، وإن ليهود بنى جشم مثل ما ليهود بنى عوف، وإن ليهود بنى الأوس مثل ما ليهود بنى عوف، وإن ليهود بنى ثعلبة مثل ما ليهود بنى عوف، إلا من ظلم وأثم، فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته، وإن جفنة بطن من ثعلبة كأنفسهم، وإن لبنى الشطيبة مثل ما ليهود بنى عوف، وإن البر دون الإثم، وإن موالى ثعلبة كأنفسهم، وإن بطانة يهود كأنفسهم، وإنه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد ﷺ، وإنه لا ينحجز على ثار جرح، وإنه من فتك فبنفسه فتك، وأهل بيته، إلا من ظلم، وإن الله على أبر هذا وإن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وإن بينهم النصح والنصيحة، والبر دون الإثم، وإنه لم يأثم امرؤ بحليفه، وإن النصر للمظلوم، وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة، وإن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم، وإنه لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها، وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده، فإن مرده إلى-","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083737,"book_id":3509,"shamela_page_id":300,"part":"1","page_num":298,"sequence_num":300,"body":"وآخى رسول الله ﷺ بين أصحابه من المهاجرين والأنصار، فقال فيما بلغنا ونعوذ بالله أن نقول عليه ما لم يقل: تآخوا فى الله أخوين أخوين. ثم أخذ بيد على بن أبى طالب فقال: هذا أخى. فكان رسول الله ﷺ، سيد المرسلين وإمام المتقين ورسول رب العالمين الذى ليس له خطير ولا نظير من العباد، وعلى بن أبى طالب أخوين.\rثم سمى ابن إسحاق نفرا ممن آخى بينهم رسول الله ﷺ من أصحابه تركنا ذكرهم اختصارا «١» .\rقال: وهلك فى تلك الأشهر أبو أمامة أسعد بن زرارة، والمسجد يا بنى، أخذته الذبحة أو الشهقة، فقال رسول الله ﷺ: «بئس الميت أبو أمامة ليهود ولمنافقى العرب، يقولون:\rلو كان نبيا لم يمت صاحبه! ولا أملك لنفسى ولا لصاحبى من الله شيئا» «٢» .\rولما مات أبو أمامة اجتمعت بنو النجار إلى رسول الله ﷺ وكان أبو أمامة نقيبهم، فقالوا: يا رسول الله، إن هذا كان منا حيث قد علمت، فاجعل منا رجلا مكانه يقيم فى أمرنا ما كان يقيم. فقال لهم رسول الله ﷺ: «أنتم أخوالى وأنا أولى بكم، فأنا نقيبكم» «٣» . وكره رسول الله ﷺ أن يخص بها بعضهم دون بعض. فكان من فضل بنى النجار الذى يعدون على قومهم أن كان رسول الله ﷺ نقيبهم.","footnotes":"- الله ﷿، وإلى محمد رسول الله ﷺ، وإن الله على أتقى ما فى هذه الصحيفة وأبره، وإنه لا تجار قريش ولا من نصرها، وإن بينهم النصر على من دهم يثرب، وإذا دعوا إلى صلح يصالحونه وتلبسونه، فإنهم يصالحونه ويلبسونه، وإنهم إذا دعوا إلى مثل ذلك، فإنه لهم على المؤمنين، إلا من حارب فى الدين، على كل أناس حصتهم من جانبهم الذى قبلهم، وإن يهود الأوس، مواليهم وأنفسهم على مثل ما لأهل هذه الصحيفة، مع البر المحض من أهل هذه الصحيفة» . قال ابن هشام: ويقال: مع البر المحسن من أهل هذه الصحيفة. قال ابن إسحاق: «وإن البر دون الإثم، لا يكسب كاسب إلا على نفسه، وإن الله على أصدق ما فى هذه الصحيفة وأبره، وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم وآثم، وإنه من خرج آمن، ومن قعد آمن بالمدينة، إلا من ظلم أو أثم، وإن الله جار لمن بر واتقى، ومحمد رسول الله ﷺ» . انظر: السيرة (٢/ ١٠٩- ١١٢) ، البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ٢٢٤، ٢٢٥) ،\r(١) انظر السيرة (٢/ ١١٣- ١١٦) .\r(٢) انظر الحديث فى: سنن ابن ماجه (٣٤٩٢) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٥/ ٩٨) ، مستدرك الحاكم (٤/ ٢١٤) .\r(٣) انظر الحديث فى: مستدرك الحاكم (٣/ ١٨٦) ، طبقات ابن سعد (٣/ ٦١١) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083738,"book_id":3509,"shamela_page_id":301,"part":"1","page_num":299,"sequence_num":301,"body":"قال ابن إسحاق «١» : فلما اطمأن رسول الله ﷺ بالمدينة واجتمع إليه إخوانه من المهاجرين واجتمع أمر الأنصار، استحكم أمر الإسلام فقامت الصلاة وفرضت الزكاة والصيام، وقامت الحدود وفرض الحلال والحرام وتبوأ الإسلام بين أظهرهم، وكان هذا الحى من الأنصار الذين تبوأوا الدار والإيمان.\rوقد كان رسول الله ﷺ حين قدمها إنما يجتمع إليه الناس للصلاة فى حين مواقيتها بغير دعوة، فهم رسول الله ﷺ أن يجعل بوقا كبوق يهود الذى يدعون به لصلاتهم، ثم كرهه، ثم أمر بالناقوس فنحت ليضرب به للمسلمين للصلاة.\rفبيناهم على ذلك رأى عبد الله بن زيد أخو بلحارث بن الخزرج النداء، فأتى رسول الله ﷺ فقال له: يا رسول الله، إنه طاف فى هذه الليلة طائف، مر بى رجل عليه ثوبان أخضران يحمل ناقوسا فى يده، فقلت: يا عبد الله أتبيع هذا الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ قلت: ندعوا به إلى الصلاة. قال: أفلا أدلك على خير من ذلك؟ قلت: وما هو؟ قال: تقول: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حى على الصلاة، حى على الصلاة، حى على الفلاح، حى على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله.\rفلما أخبر بها رسول الله ﷺ قال: «إنها لرؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال فألقها عليه فليؤذن بها فإنه أندى صوتا منك» .\rفلما أذن بها بلال سمعها عمر بن الخطاب وهو فى بيته، فخرج إلى رسول الله ﷺ وهو يجر رداءه وهو يقول: يا نبى الله والذى بعثك بالحق لقد رأيت مثل الذى رأى.\rفقال رسول الله ﷺ: «فلله الحمد» «٢» .\rوذكر ابن هشام «٣» عن عبيد بن عمير أن عمر بن الخطاب بينا هو يريد أن يشترى خشبتين للناقوس عندما ائتمر به النبى ﷺ وأصحابه إذ رأى فى المنام أن لا تجعلوا الناقوس، بل أذنوا بالصلاة، فذهب عمر إلى النبى ﷺ ليخبره بالذى رأى، فما راعه إلا","footnotes":"(١) انظر: السيرة (٢/ ١١٧) .\r(٢) انظر الحديث فى: سنن أبى داود (٤٩٩) ، مسند الإمام أحمد (٤/ ٤٣) ، السنن الكبرى للبيهقى (١/ ٣٩١) ، سنن الدارمى (١١٨٧) ، سنن الترمذى (١٨٩) ، سنن الدارقطنى (١/ ٢٤١) ، تلخيص الحبير لابن حجر (٢/ ٢٠٨) ، البخارى فى خلق أفعال العباد (ص ٤٨) ، الإرواء للألبانى (١/ ٢٦٥) .\r(٣) انظر: السيرة (٢/ ١١٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083739,"book_id":3509,"shamela_page_id":302,"part":"1","page_num":300,"sequence_num":302,"body":"بلال يؤذن، وقد جاء النبى ﷺ الوحى بذلك. فقال رسول الله ﷺ حين أخبره: «سبقك بذلك الوحى» «١» .\rقال ابن إسحاق «٢» : فلما اطمأنت برسول الله ﷺ داره وأظهر الله بها دينه وسره بما جمع من المهاجرين والأنصار من أهل ولايته.\rقال أبو قيس صرمة بن أبى أنس «٣» ، أخو بنى عدى بن النجار، يذكر ما أكرمهم الله ﵎، به من الإسلام، وما خصهم به من نزول رسول الله ﷺ عليهم:\rثوى فى قريش بضع عشرة حجة ... يذكر لو يلقى صديقا مواتيا\rويعرض فى أهل المواسم نفسه ... فلم ير من يؤوى ولم ير داعيا\rفلما أتانا أظهر الله دينه ... فأصبح مسرورا بطيبة راضيا\rوألفى صديقا واطمأنت به النوى ... وكان له عونا من الله [هاديا] *\rيقص لنا ما قال نوح لقومه ... وما قال موسى إذ أجاب المناديا\rفأصبح لا يخشى من الناس واحدا ... قريبا ولا يخشى من الناس نائيا\rبذلنا له الأموال من جل مالنا ... وأنفسنا عند الوغى والتآسيا\rونعلم أن الله لا شىء غيره ... ونعلم أن الله أفضل هاديا\rنعادى الذى عادى من الناس كلهم ... جميعا وإن كان الحبيب المصافيا\rأقول إذا أدعوك فى كل بيعة ... تباركت قد أكثرت لاسمك داعيا\rأقول إذا جاوزت أرضا مخوفة ... حنانيك لا تظهر على الأعاديا\rفطأ معرضا إن الحتوف كثيرة ... وإنك لا تبقى لنفسك باقيا\rفو الله ما يدرى الفتى كيف يتقى ... إذا هو لم يجعل له الله واقيا\rولا تجعل النخل المقيمة ربها ... إذا أصبحت ريا وأصبح ثاويا\rوكان أبو قيس هذا رجلا قد ترهب فى الجاهلية ولبس المسوح وفارق الأوثان واغتسل من الجنابة وتطهر من الحائض من النساء وهم بالنصرانية، ثم أمسك عنها، ودخل بيتا له فاتخذه مسجدا لا يدخل عليه فيه طامث ولا جنب، وقال: أعبد رب","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: مصنف عبد الرازق (١/ ٤٥٦) .\r(٢) انظر: السيرة (٢/ ١١٩) .\r(٣) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (١٢٤٤) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٢٥٠١) ، تجريد أسماء الصحابة (١/ ٢٦٤) ، الأعلام (٣٠/ ٢٠٣) ، تبصرة المنتبه (٣/ ٩٩٨) .\r(*) ما بين المعقوفتين كذا فى الأصل وورد فى السيرة «باديا» .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083740,"book_id":3509,"shamela_page_id":303,"part":"1","page_num":301,"sequence_num":303,"body":"إبراهيم. حتى قدم رسول الله ﷺ المدينة فأسلم وحسن إسلامه وهو شيخ كبير، وكان قوالا بالحق معظما لله فى جاهليته يقول فى ذلك أشعارا حسانا، هو الذى يقول «١» :\rيقول أبو قيس وأصبح غاديا ... ألا ما استطعتم من وصاتى فافعلوا\rأوصيكم بالله والبر والتقى ... وأعراضكم والبر بالله أول\rوإن قومكم سادوا فلا تحسدنهم ... وإن كنتم أهل الرياسة فاعدلوا\rوإن نزلت إحدى الدواهى بقومكم ... فأنفسكم دون العشيرة فاجعلوا\rوإن ناب غرم فادح فارفقوهم ... وما حملوكم فى الملمات فاحملوا\rوإن أنتم أمعرتم فتعففرا ... وإن كان فضل الخير فيكم فأفضلوا «٢»\rوقال أبو قيس أيضا «٣» :\rسبحوا الله شرق كل صباح ... طلعت شمسه وكل هلال\rعالم السر والبيان لدينا ... ليس ما قال ربنا بضلال\rوله الطير تستدير وتأوى ... فى وكور من آمنات الجبال\rوله الوحش بالفلاة تراها ... فى حقاف وفى ظلال الرمال\rوله هودت يهود ودانت ... كل دين إذا ذكرت عضال\rوله شمس النصارى وقاموا ... كل عيد لديهم واحتفال\rوله الراهب الحبيس تراه ... رهن بؤس وكان ناعم بال\rيا بنى الأرحام لا تقطعوها ... وصلوها قصيرة من طوال\rواتقوا الله فى ضعاف اليتامى ... ربما يستحل غير الحلال\rواعلموا أن لليتيم وليا ... عالما يهتدى بغير السؤال\rثم مال اليتيم لا تأكلوه ... إن مال اليتيم يرعاه والى\rيا بنى النجوم لا تخزلوها ... إن خزل النجوم ذو عقال\rيا بنى الأيام لا تأمنوها ... واحذروا مكرها ومر الليالى\rواعلموا أن أمرها لنفاد ال ... خلق ما كان من جديد وبالى\rواجمعوا أمركم على البر والتق ... وى وترك الخنا وأخذ الحلال","footnotes":"(١) انظر الأبيات فى: السيرة (٢/ ١١٩) .\r(٢) أمعرتم: قال السهيلى: معناها افتقرتم، وقيل أمعر: أى افتقر وفنى زاده كمعر تمعيرا، وأمعرت الأرض: لم يكن فيها نبات أو قل ماؤها.\r(٣) انظر الأبيات فى: السيرة (٢/ ١٢٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083741,"book_id":3509,"shamela_page_id":304,"part":"1","page_num":302,"sequence_num":304,"body":"قال ابن إسحاق «١» : ونصب عند ذلك أحبار يهود لرسول الله ﷺ العداوة بغيا وحسدا وضغنا لما خص الله به العرب من أخذه رسوله منهم.\rوانضاف إليهم رجال من الأوس والخزرج، ممن كان عسى على جاهليته فكانوا أهل نفاق على دين آبائهم من الشرك والتكذيب بالبعث، إلا أن الإسلام قهرهم بظهوره واجتماع قومهم عليه، فظهروا بالإسلام واتخذوه جنة من القتل، ونافقوا فى السر فكان هواهم مع يهود لتكذيبهم النبى ﷺ وجحودهم الإسلام.\rوكانت أحبار يهودهم الذين يسألون رسول الله ﷺ ويتعنتونه ويأتونه باللبس ليلبسوا الحق بالباطل، إلا ما كان من عبد الله بن سلام ومخيريق فكان القرآن ينزل فيما يسألون عنه إلا قليلا من المسائل فى الحلال والحرام كان المسلمون يسألون عنها.\rوكان من حديث عبد الله بن سلام «٢» وإسلامه، وكان حبرا عالما، قال: لما سمعت برسول الله ﷺ عرفت صفته واسمه وزمانه الذى كنا نتوكف له، فكنت مسرا لذلك صامتا عليه حتى قدم المدينة، فلما نزل بقباء فى بنى عمرو بن عوف أقبل رجل حتى أخبر بقدومه وأنا فى رأس نخلة لى أعمل فيها، وعمتى خالدة بنت الحارث تحتى جالسة، لما سمعت الخبر بقدوم رسول الله ﷺ كبرت، فقالت لى عمتى حين سمعت تكبيرتى:\rخيبك الله! لو كنت سمعت موسى بن عمران قادما ما زدت!.\rفقلت لها: أى عمة، هو والله أخو موسى بن عمران وعلى دينه، بعث بما بعث به.\rفقالت: أى ابن أخى، أهو النبى الذى كنا نخبر أنه يبعث مع نفس الساعة؟ فقلت لها:\rنعم. فقالت: فذاك إذا، قال: ثم رحت إلى رسول الله ﷺ فأسلمت ثم رجعت إلى أهلى فأمرتهم فأسلموا وكتمت إسلامى من يهود. ثم جئت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، إن يهود قوم بهت، وإنى أحب أن تدخلنى فى بعض بيوتك وتغيا بنى عنهم، ثم تسألهم عنى حتى يخبروك كيف أنا فيهم قبل أن يعلموا بإسلامى، فإنهم إن علموا به بهتونى وعابونى.","footnotes":"(١) انظر: السيرة (٢/ ١٢٢) .\r(٢) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (١٥٧٩) ، الإصابة الترجمة رقم (٤٧٤٣) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٢٩٨٦) ، شذرات الذهب (١/ ٤٠، ٥٣) ، تهذيب التهذيب (٥/ ٢٤٩) ، تقريب التهذيب (١/ ٤٢٢) ، خلاصة تذهيب (٢/ ٦٤) ، الوافى بالوفيات (١٧/ ١٩٨) ، الأعلام (٤/ ٩٠) ، الثقات (٣/ ٢٢٨) ، الرياض المستطابة (١٩٣) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083742,"book_id":3509,"shamela_page_id":305,"part":"1","page_num":303,"sequence_num":305,"body":"قال: فأدخلنى رسول الله ﷺ فى بعض بيوته، ودخلوا عليه فكلموه وسألوه ثم قال لهم: أى رجل الحصين بن سلام فيكم؟ فقالوا: سيدنا وابن سيدنا، وحبرنا وعالمنا.\rفلما فرغوا من قولهم خرجت عليهم فقلت لهم: يا معشر يهود اتقوا الله واقبلوا ما جاءكم به، فو الله إنكم لتعلمون أنه رسول الله، تجدونه مكتوبا عندكم فى التوراة باسمه وصفته، فإنى أشهد أنه رسول الله ﷺ وأومن به وأصدقه وأعرفه. قالوا: كذبت. ثم وقعوا بى! فقلت لرسول الله ﷺ: ألم أخبرك يا نبى الله أنهم قوم بهت، أهل غدر وكذب وفجور؟! قال: فأظهرت إسلامى وإسلام أهل بيتى، وأسلمت عمتى خالدة فحسن إسلامها «١» .\rقال ابن إسحاق «٢» : وكان من حديث مخيريق، وكان حبرا عالما غنيا كثير الأموال من النخل، وكان يعرف رسول الله ﷺ بصفته وما يجد فى علمه، وغلب عليه إلف دينه فلم يزل على ذلك حتى إذا كان يوم أحد، وكان يوم السبت، قال: يا معشر يهود، والله إنكم لتعلمون أن نصر محمد عليكم لحق. قالوا: إن اليوم يوم السبت. قال: لا سبت لكم، ثم أخذ سلاحه فخرج حتى أتى رسول الله ﷺ وأصحابه بأحد وعهد إلى من وراءه من قومه: إن قتلت هذا اليوم فأموالى لمحمد يصنع فيها ما أراه الله.\rفلما اقتتل الناس قاتل حتى قتل، وقبض رسول الله ﷺ أمواله، فعامة صدقاته بالمدينة منها. وكان ﷺ فيما بلغنى يقول: «مخيريق خير يهود» «٣» .\rقال «٤» : وحدثنى عبد الله بن أبى بكر، قال: حدثت عن صفية ابنة حيى أنها قالت: كنت أحب ولد أبى إليه وإلى عمى أبى ياسر، لم ألقهما مع ولد لهما إلا أخذانى دونه، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة غدا عليه أبى وعمى مغلسين، فلم يرجعا حتى كان مع غروب الشمس، فأتيا كالين كسلانين ساقطين يمشيان الهوينى فهششت إليهما كما كنت أصنع، فو الله ما التفت إلى واحد منهما مع ما بهما من الغم، وسمعت عمى أبا ياسر وهو يقول لأبى: أهو هو؟ قال: نعم والله.","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: صحيح البخارى كتاب الأنبياء (٣٣٢٩) ، دلائل النبوة للبيهقى (٢/ ٥٣٠، ٥٣١) ، البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ٢١١) .\r(٢) انظر: السيرة (٢/ ١٢٦) .\r(٣) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ٢٣٧، ٤/ ٣٦) ، طبقات ابن سعد (١/ ٥٠٢) ، عيون الأثر لابن سيد الناس (١/ ٣٣٤) .\r(٤) انظر: السيرة (٢/ ١٢٦- ١٢٧) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083743,"book_id":3509,"shamela_page_id":306,"part":"1","page_num":304,"sequence_num":306,"body":"قال: أتعرفه وتثبته؟ قال: نعم. قال: فما فى نفسك منه؟ قال: عداوته والله ما بقيت «١» .\rوكان هذان الأخوان الشقيان من أشد يهود للعرب حسدا لما خصهم الله برسوله ﷺ، فكانا جاهدين فى رد الناس عن الإسلام بما استطاعا، فأنزل الله ﷿ فيهما:\rوَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: ١٠٩] .\rومر شأس بن قيس، وكان شيخا قد [عمى] «٢» عظيم الكفر، شديد الضغن على المسلمين، شديد الحسد لهم، على نفر من أصحاب رسول الله ﷺ من الأوس والخزرج فى مجلس قد جمعهم يتحدثون فيه، فغاظه ما رأى من ألفتهم وجماعتهم وصلاح ذات بينهم على الإسلام، بعد الذى كان بينهم من العداوة فى الجاهلية، فقال: قد اجتمع ملأ بنى قيلة بهذه البلاد، لا والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار.\rفأمر شابا من يهود كان معه فقال: اعمد إليهم فاجلس معهم ثم اذكر يوم بعاث وما كان فيه وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار. وكان يوما اقتتلت فيه الأوس والخزرج وكان الظفر فيه للأوس، وكان عليها يومئذ حضير أبو أسيد بن حضير، وعلى الخزرج عمرو بن النعمان البياضى فقاتلا جميعا.\rففعل الشاب ما أمره به شأس، فتكلم القوم عند ذلك وتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب وهما أوس بن قيظى وجبار بن صخر فتاولا، ثم قال أحدهما لصاحبه: إن شئتم رددناها الآن جذعة. وغضب الفريقان جميعا وقالوا: قد فعلنا موعدكم الظاهرة وهى الحرة، السلاح السلاح.\rفخرجوا إليها، وبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فخرج إليهم فيمن معه من أصحابه المهاجرين حتى جاءهم فقال: يا معشر المسلمين، الله الله! أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله للإسلام وأكرمكم به وقطع به عنكم أمر الحاهلية واستنقذكم به من الكفر وألف به بينكم.\rفعرف القوم أنها نزعة من الشيطان وكيد من عدوههم فبكوا وعانق الرجال من","footnotes":"(١) ذكره ابن سيد الناس فى عيون الأثر (١/ ٣٣٥) .\r(٢) ما بين المعقوفتين كذا فى الأصل وورد فى السيرة «عسا» ، وعسا: أى اشتد وقوى، يريد أنه تمكن فى كفره فصعب إخراجه منه. انظر: السيرة (٢/ ١٦٢) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083744,"book_id":3509,"shamela_page_id":307,"part":"1","page_num":305,"sequence_num":307,"body":"الأوس والخزرج بعضهم بعضا، ثم انصرفوا مع رسول الله ﷺ سامعين مطيعين، وقد أطفأ الله عنهم كيد عدو الله شأس بن قيس.\rفأنزل الله ﵎، فى شأن شأس وما صنع: يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَداءُ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [آل عمران:\r٩٩] «١» .\rوأنزل الله فى أوس بن قيظى وجبار بن صخر ومن كان معهما من قومهما الذين صنعوا ما صنعوا عما أدخل عليهم شأس من أمر الجاهلية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [آل عمران: ١٠٠، ١٠٣] .\rقال «٢» : وحدثت عن سعيد بن جبير أنه قال: أتى رهط من يهود رسول الله ﷺ فقالوا له: يا محمد، هذا الله خلق الخلق، فمن خلقه؟ قال: فغضب رسول الله ﷺ حتى انتقع لونه، ثم ساورهم غضبا لربه، فجاءه جبريل فسكنه فقال: خفض عليك يا محمد، وجاءه من الله بجواب ما سألوه عنه: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ.\rفلما تلاها عليهم قالوا: فصف لنا يا محمد كيف خلقه؟ كيف ذراعة؟ كيف عضده؟\rفغضب رسول الله ﷺ أشد من غضبه الأول وساورهم، فأتاه جبريل فقال له مثل ما قال أول مرة، وجاءه من الله ﵎ بجواب ما سألوه عنه، يقول الله جل وعلا: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزمر: ٦٧] «٣» .","footnotes":"(١) ذكره الطبرى فى تفسيره (٤/ ١٦) .\r(٢) انظر: السيرة (٢/ ١٧٨) .\r(٣) انظر الحديث فى: صحيح مسلم كتاب التفسير (٤/ ١٩) ، صحيح البخارى (٤٨١١) ، تفسير ابن جرير (١/ ٣٧٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083745,"book_id":3509,"shamela_page_id":308,"part":"1","page_num":306,"sequence_num":308,"body":"ودخل أبو بكر الصديق رضى الله عنه، بيت المدراس على يهود، فوجد منهم ناسا كثيرا قد اجتمعوا إلى رجل منهم يقال له: فنحاص وكان من علمائهم وأحبارهم، ومعه حبر من أحبارهم يقال له: أشيع، فقال أبو بكر لفنحاص: ويلك يا فنحاص؟ اتق الله وأسلم، فو الله إنك لتعلم أن محمدا رسول الله قد جاءكم بالحق من عنده، تجدونه مكتوبا عندكم فى التوراة والإنجيل.\rفقال فنحاص لأبى بكر: والله يا أبا بكر ما بنا إلى الله من فقر، وإنه إلينا لفقير، وما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا، وإنا عنه لأغنياء وما هو عنا بغنى، ولو كان عنا غنيا ما استقرضنا أموالنا كما يزعم صاحبكم، ينهاكم عن الربا ويعطيناه، ولو كان عنا غنيا ما أعطانا الربا! فغضب أبو بكر فضرب وجه فنحاص ضربا شديدا، وقال: والذى نفسى بيده لولا العهد الذى بيننا وبينك لضربت رأسك أى عدو الله. فذهب فنحاص إلى رسول الله ﷺ وقال: يا محمد، انظر ما صنع بى صاحبك.\rفقال رسول الله ﷺ لأبى بكر: «ما حملك على ما صنعت؟» فقال أبو بكر: يا رسول الله، إن عدو الله قال قولا عظيما، إنه زعم أن الله فقير وأنهم عنه أغنياء، فلما قال ذلك غضبت لله مما قال فضربت وجهه.\rفجحد ذلك فنحاص، وقال: ما قلت ذلك. فأنزل الله ﷿، فيما قال فنحاص ردا عليه وتصديقا لأبى بكر: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ [آل عمران: ١٨١] » .\rونزل فى أبى بكر وما بلغه فى ذلك من الغضب: وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [آل عمران: ١٨٦] .\rوكان ممن انضاف إلى يهود من المنافقين من الأوس والخزرج فيما ذكروا والله أعلم «٢» : من الأوس: جلاس بن سويد بن الصامت من بنى حبيب بن عمرو بن عوف، وهو القائل، وكان ممن تخلف عن غزوة تبوك: لئن كان هذا الرجل صادقا لنحن شر من الحمر.","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: تفسير الطبرى (٤/ ١٢٩) ، تفسير ابن كثير (٢/ ١٥٣) .\r(٢) انظر: السيرة (٢/ ١٢٧- ١٣٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083746,"book_id":3509,"shamela_page_id":309,"part":"1","page_num":307,"sequence_num":309,"body":"وكان فى حجره عمير بن سعد، خلف جلاس على أمه بعد أبيه، فقال له عمير:\rوالله يا جلاس إنك لأحب الناس إلىّ، وأحسنه عندى وأعزهم علىّ أن يصيبه شىء يكرهه، ولقد قلت مقالة لئن رفعتها عليك لفضحنك، ولئن صمت عليها ليهلكن دينى، ولإحداهما أيسر على من الأخرى.\rثم مشى إلى رسول الله ﷺ فذكر له ما قال جلاس، فحلف جلاس لرسول الله ﷺ بالله لقد كذب على عمير وما قلت ما قال.\rفأنزل الله فيه: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ [التوبة: ٧٤] «١» .\rفزعموا أنه تاب فحسنت توبته حتى عرف منه الإسلام والخير. وأخوه الحارث بن سويد، قتل المجذر بن زياد البلوى. وذلك أن المجذر فيما ذكر ابن هشام، قتل أباه سويد بن الصامت بعض الحروب إذ كانت بين الأوس والخزرج، فلما كان يوم أحد طلب الحارث غرة المجذر ليقتله بأبيه، فقتله.\rوذكر ابن إسحاق «٢» أن سويدا إنما قتله معاذ بن عفراء غيلة فى غير حرب، رماه بسهم فقتله قبل يوم بعاث. قال: وكان رسول الله ﷺ فيما يذكرون قد أمر عمر بن الخطاب بقتل الحارث إن هو ظفر به ففاته فكان بمكة، ثم بعث إلى أخيه جلاس يطلب التوبة ليرجع إلى قومه. فأنزل الله ﵎ فيه: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [آل عمران: ٨٦] . إلى آخر القصة.\rونبتل بن الحارث من بنى ضبيعة بن زيد بن مالك، وهو القائل: إنما محمد أذن، من حدثه شيئا صدقه. فأنزل الله تعالى: وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [التوبة: ٦١] «٣» .","footnotes":"(١) ذكره الطبرى فى تفسيره (١٠/ ١٢٧) ، ابن كثير فى تفسيره (٤/ ١٢٠) .\r(٢) انظر: السيرة (٢/ ١٢٩) .\r(٣) انظر الحديث فى: أسباب النزول للواحدى (ص ٢٠٦) ، الشوكانى فى فتح القدير (٢/ ٥٢٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083747,"book_id":3509,"shamela_page_id":310,"part":"1","page_num":308,"sequence_num":310,"body":"وفيه قال رسول الله ﷺ فيما ذكر: «من أحب أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل ابن الحارث» «١» ، وكان جسميا أدلم ثائر شعر الرأس أحمر العينين.\rوذكر أن جبريل أتى رسول الله ﷺ فقال: إنه يجلس إليك رجل أدلم «٢» ثائر شعر الرأس أسفع الخدين «٣» أحمر العينين كأنهما قدران من صفر كبده أغلظ من كبد الحمار، ينقل حديثك إلى المنافقين، فاحذره. وكان تلك صفة نبتل بن الحارث فيما يذكرون.\rوعمرو بن خذام، وعبد الله بن نبتل، وحارثة بن عامر بن العطاف وابناه زيد ومجمع وهم ممن اتخذ مسجد الضرار. وكان مجمع، غلاما حدثا قد جمع من القرآن أكثره، وكان يصلى بهم فيه، فلما كان زمان عمر بن الخطاب كلم فى مجمع ليصلى بقومه بنى عمرو بن عوف فى مسجدهم، فقال: لا، أو ليس بإمام المنافقين فى مسجد الضرار!.\rفقال له مجمع: يا أمير المؤمنين، والله الذى لا إله إلا هو ما علمت بشىء من أمرهم، ولكنى كنت غلاما قارئا للقرآن وكانوا لا قرآن معهم، فقدمونى أصلى بهم وما أرى أمرهم إلا على أحسن ما ذكروا. فزعموا أن عمر رضى الله عنه، تركه فصلى بقومه «٤» .\rومن الخزرج، ثم من بنى عوف: عبد الله بن أبى بن سلول، وكان رأس المنافقين وإليه يجتمعون. وهو الذى قال فى غزوة بنى المصطلق: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. وسيأتى ذكر ذلك مستوفى وبيان سببه عند الانتهاء إلى غزوة بنى المصطلق، إن شاء الله تعالى.\rوقدم رسول الله ﷺ المدينة وسيد أهلها عبد الله بن أبى هذا، لا يختلف عليه فى شرفه من قومه اثنان، لم تجتمع الأوس والخزرج قبله ولا بعده على رجل من أحد الفريقين، حتى جاء الإسلام، ومعه فى الأوس رجل، هو فى قومه من الأوس شريف مطاع، أبو عامر عبد عمرو بن صيفى بن النعمان أحد بنى ضبيعة بن زيد، وهو أبو حنظلة الغسيل يوم أحد، وكان قد ترهب ولبس المسوح، فكان يقال له الراهب، فشقيا بشرفهما!.\rأما عبد الله بن أبى فكان قومه قد نظموا له الخرز ليتوجوه ويملكوه عليهم، فجاءهم","footnotes":"(١) انظر: الحديث فى: البداية والنهاية (٣/ ٢٣٨) .\r(٢) أدلم: الرجل الأدلم: الطويل الأسود، ويقال: هو المسترخى الشفتين.\r(٣) أسفع الخدين: أسفع من السفعة وهى حمرة تضرب إلى السواد.\r(٤) انظر: السيرة (٢/ ١٣١) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083748,"book_id":3509,"shamela_page_id":311,"part":"1","page_num":309,"sequence_num":311,"body":"الله ﵎ برسوله ﷺ وهم على ذلك، فلما انصرف عنه قومه إلى الإسلام ضغن ورأى أن رسول الله ﷺ قد استلبه ملكا، فلما رأى قومه قد أبوا إلا الإسلام دخل فيه كارها مصرا على نفاق وضغن «١» .\rوحدث أسامة بن زيد حب رسول الله ﷺ قال: ركب رسول الله ﷺ إلى سعد بن عبادة يعوده من شكو أصابه على حمار عليه ألحاف فوقه قطيفة فركبه فخطمه «٢» بحبل من ليف وأردفنى خلفه، فمر بعبد الله بن أبى وحوله رجال من قومه، فلما رآه رسول الله ﷺ تذمم أن يجاوزه حتى ينزل، فنزل فسلم ثم جلس فتلا القرآن ودعا إلى الله وذكر به وحذر وبشر وأنذر، وعبد الله زام لا يتكلم، حتى إذا فرغ رسول الله ﷺ قال: يا هذا إنه لا أحسن من حديثك هذا إن كان حقا، فاجلس فى بيتك فمن جاءك فحدثه إياه، ومن لم يأتك فلا تغشه به ولا تأته فى مجلسه بما يكره.\rفقال عبد الله بن رواحة فى رجال كانوا عنده من المسلمين: بل فاغشنا به وائتنا فى مجالسنا ودورنا وبيوتنا، فهو والله ما نحب ومما أكرمنا الله به وهدانا له.\rفقال عبد الله حين رأى من خلاف قومه ما رأى:\rمتى ما يكن مولاك خصمك لم تزل ... تذل ويصرعك الذين تصارع\rوهل ينهض البازى بغير جناحه ... وإن جد يوما ريشه فهو واقع «٣»\rقال: وقام رسول الله ﷺ فدخل على سعد بن عبادة وفى وجهه ما قال عدو الله ابن أبى، فقال: والله يا رسول الله، إنى لأرى فى وجهك شيئا: لكأنك سمعت شيئا تكرهه؟ قال: «أجل» . ثم أخبره بما قال ابن أبى. فقال سعد: يا رسول الله، ارفق به، فو الله لقد جاءنا الله بك وإنا لننظم له الخرز لنتوجه، فإنه ليرى أن قد سلبته ملكا!.\rوأما أبو عامر فأبى إلا الكفر والفراق لقومه حين اجتمعوا على الإسلام، وأتى رسول الله ﷺ حين قدم المدينة فقال: ما هذا الدين الذى جئت به؟ قال: «جئت بالحنيفية دين إبراهيم» . قال: فأنا عليها. فقال له رسول الله ﷺ: «إنك لست عليها» .\rقال: إنك أدخلت يا محمد فى الحنيفية ما ليس منها. قال: «ما فعلت ولكنى جئت بها بيضاء نقية» . قال: الكاذب أماته الله طريدا غريبا وحيدا، يعرض برسول الله ﷺ","footnotes":"(١) انظر: السيرة (٢/ ١٨٩- ١٩٠) .\r(٢) الاختطام: أن يجعل على رأس الدابة وأنفها حبل يمسك منه الراكب.\r(٣) انظر الأبيات فى: السيرة (١٩١- ١٩٢) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083749,"book_id":3509,"shamela_page_id":312,"part":"1","page_num":310,"sequence_num":312,"body":"فقال رسول الله ﷺ: «أجل، فمن كذب يفعل الله ذلك به» «١» .\rفكان هو ذلك عدو الله، خرج إلى مكة ببضعة عشر رجلا مفارقا للإسلام ولرسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ: «لا تقولوا: الراهب، ولكن قولوا الفاسق» «٢» . فلما افتتح رسول الله ﷺ مكة خرج إلى الطائف، فلما أسلم أهل الطائف لحق بالشام فمات بها طريدا غريبا وحيدا!.\rقال ابن إسحاق «٣» : وكان ممن تعوذ بالإسلام ودخل فيه مع المسلمين وأظهره وهو منافق من أحبار يهود، من بنى قينقاع: سعد بن حنيف، ونعمان بن أوفى، وعثمان بن أوفى، وزيد بن اللصيت، وهو الذى قال حين ضلت ناقة رسول الله ﷺ: يزعم محمد أنه يأتيه خبر السماء وهو لا يدرى أين ناقته! فقال رسول الله ﷺ، ودل على ناقته وجاءه الخبر بما قال عدو الله فى رحله: «إن قائلا قال: يزعم محمد أنه يأتيه خبر السماء وهو لا يدرى أين ناقته، وإنى والله ما أعلم إلا ما علمنى الله، وقد دلنى الله عليها فهى فى هذا الشعب قد حبستها شجرة بزمامها» . فذهب رجال من المسلمين فوجدوها حيث قال رسول الله ﷺ وكما وصف «٤» .\rوكان هؤلاء المنافقون المسلمون وغيرهم ممن لم يسم يحضرون المسجد فيستمعون أحاديث المسلمين ويسخرون منهم ويستهزئون بدينهم.\rفاجتمع يوما فى المسجد منهم ناس فرآهم رسول الله ﷺ يتحدثون بينهم خافضى أصواتهم قد لصق بعضهم ببعض، فأمر بهم رسول الله ﷺ فأخرجوا من المسجد إخراجا عنيفا.\rفقام أبو أيوب خالد بن زيد إلى عمرو بن قيس أحد بنى غنم بن مالك بن النجار، وكان صاحب آلهتهم فى الجاهلية، فأخذ برجله فسحبه حتى أخرجه من المسجد، وهو يقول: أتخرجنى يا أبا أيوب من مربد بنى ثعلبة!.\rثم أقبل أبو أيوب أيضا، إلى رافع بن وديعة أحد بنى النجار فلببه بردائه ثم نتره نترا شديدا ثم لطم وجهه وأخرجه من المسجد وهو يقول: أف لك منافقا خبيثا، أدراجك يا منافق من مسجد رسول الله ﷺ.","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: المنتظم لابن الجوزى (٣/ ١٨٤) ، عيون الأثر لابن سيد الناس (١/ ٣٥١) .\r(٢) انظر الحديث فى: عيون الأثر لابن سيد الناس (١/ ٣٥١) .\r(٣) انظر: السيرة (٢/ ١٣٥) .\r(٤) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (٥/ ٢٣٢) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083750,"book_id":3509,"shamela_page_id":313,"part":"1","page_num":311,"sequence_num":313,"body":"وقام عمارة بن حزم إلى زيد بن عمرو، وكان طويل اللحية، فأخذ بلحيته فقاده بها قودا عنيفا حتى أخرجه من المسجد، ثم جمع عمارة يديه فلدمه بهما فى صدره لدمة خر منها. قال: يقول: خدشتنى يا عمارة! قال: أبعدك الله يا منافق، فما أعد الله لك من العذاب أشد من ذلك، فلا تقربن مسجد رسول الله ﷺ.\rوقام أبو محمد، رجل من بنى النجار، وكان بدريا، إلى قيس بن عمرو فجعل يدفع فى قفاه حتى أخرجه من المسجد. وكان قيس غلاما شابا لا يعلم فى المنافقين شاب غيره.\rوقام رجل من بلحارث يقال له: عبد الله بن الحارث إلى رجل يقال له: الحارث بن عمرو وكان ذا جمة فأخذ بجمته يسحبه عنيفا على ما مر به من الأرض حتى أخرجه من المسجد.\rقال: يقول المنافق: لقد أغلظت يا ابن الحارث. فقال له: إنك أهل لذلك يا عدو الله لما أنزل الله فيك، فلا تقرب مسجد رسول الله ﷺ فإنك نجس. وقام رجل من بنى عمرو بن عوف إلى أخي ذوى بن الحارث فأخرجه من المسجد إخراجا عنيفا وأفف منه «١» وقال: غلب عليك الشيطان وأمره.\rفهؤلاء من حضر المسجد يومئذ، من المنافقين فأمر رسول الله ﷺ بإخراجهم «٢» .\rففى هؤلاء من أحبار يهود والمنافقين من الأوس والخزرج نزل صدر سورة البقرة إلى المائة منها، فيما بلغنى والله أعلم.\rوقدم على رسول الله ﷺ المدينة وفد نصارى نجران، ستون راكبا، فدخلوا عليه المسجد حين صلى العصر عليهم ثياب الحبرات جبب وأردية، فى جمال رجال بنى الحارث بن كعب، يقول بعض من رآهم يومئذ، من أصحاب رسول الله ﷺ: ما رأينا بعدهم وفدا مثلهم.\rوحانت صلاتهم فقاموا يصلون فى المسجد، فقال رسول الله ﷺ: دعوهم. فصلوا إلى المشرق، وكان فيهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم، فى الأربعة عشر منهم ثلاثة نفر إليهم يؤول أمرهم: العاقب أمير القوم وذو رأيهم وصاحب مشورتهم الذى لا يصدرون","footnotes":"(١) أقف منه: أى قال له أف، وهى كلمة تقال لكل ما يتقل ويضجر منه.\r(٢) انظر: السيرة (٢/ ١٣٧) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083751,"book_id":3509,"shamela_page_id":314,"part":"1","page_num":312,"sequence_num":314,"body":"إلا عن رأيه، واسمه عبد المسيح، والسيد ثمالهم وصاحب رحلهم ومجتمعهم واسمه الأيهم، وأبو حارثة بن علقمة أحد بنى بكر بن وائل أسقفهم وحبرهم وإمامهم وصاحب مدراسهم وكان أبو حارثة هذا قد شرف فيهم ودرس كتبهم حتى حسن علمه فى دينهم، فكان ملوكهم قد شرفوه ومولوه وأخدموه وبنوا له الكنائس وبسطوا عليه الكرامات، لما يبلغهم عنه من علمه واجتهاده فى دينهم «١» .\rفلما وجهوا إلى رسول الله ﷺ من نجران، جلس أبو حارثة على بغلة له موجها [إلى رسول الله ﷺ] «٢» وإلى جنبه أخ له يقال له: كرز بن علقمة، ويقال كوز بن علقمة، فعثرت بغلة أبى حارثة فقال كوز: تعس الأبعد. يريد رسول الله ﷺ. فقال له أبو حارثة: بل أنت تعست: قال: ولم يا أخى؟ قال: والله إنه للنبى الذى كنا ننتظره. فقال له كوز: فما يمنعك منه وأنت تعلم هذا؟! قال: ما صنع بنا هؤلاء القوم، شرفونا ومولونا وأكرمونا وقد أبوا إلا خلافه، فلو فعلت نزعوا منا كل ما ترى.\rفأضمر عليها منه أخوه كوز بن علقمة حتى أسلم بعد ذلك، فهو كان يحدث عنه هذا الحديث «٣» .\rوكان أبو حارثة هذا ممن كلم رسول الله ﷺ هو والعاقب والسيد، وهم من النصرانية على دين الملك مع اختلاف من أمرهم فى عيسى ﵇، يقولون: هو الله، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا، ويقولون: هو ولد الله كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله، إذن لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض. سبحان الله عما يصفون، عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون. ويقولون: هو ثالث ثلاثة. وما من إله إلا إله واحد.\rففى كل هذا من قولهم قد نزل القرآن مدحضا حججهم ومبطلا دعاويهم، والله يقول الحق وهو يهدى السبيل. قال الله العظيم: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النَّارُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ [المائدة: ٧٢] .","footnotes":"(١) انظر: السيرة (٢/ ١٨٠) .\r(٢) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل، وما أوردناه من السيرة.\r(٣) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (٥/ ٣٨٢، ٣٨٣) ، البداية والنهاية لابن كثير (٥/ ٥٩) ، طبقات ابن سعد (١/ ٣٥٧) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083752,"book_id":3509,"shamela_page_id":315,"part":"1","page_num":313,"sequence_num":315,"body":"لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ [المائدة: ٧٢، ٧٥] .\rوقال عز من قائل: وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [التوبة: ٣٠، ٣١] .\rولما كلموا رسول الله ﷺ أمرهم بالإسلام، فقال له حبران ممن كلمه منهم: قد أسلمنا. فقال لهما: «إنكما لم تسلما فأسلما» . فقالا: بلى قد أسلمنا قبلك. فقال:\r«كذبتما، يمنعكما من الإسلام دعاؤكما لله ولدا وعبادتكما الصليب وأكلكما الخنزير» .\rقالا: فمن أبوه يا محمد؟ فصمت رسول الله ﷺ فلم يجيبهما «١» .\rفأنزل الله فى ذلك من قولهم واختلاف أمرهم كله صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها.\rفافتتح السورة بتنزيه نفسه سبحانه مما قالوا، وتوحيده إياها بالخلق والأمر، ردا عليهم ما ابتدعوا من الكفر وجعلوا معه من الأنداد ليعرفهم بذلك ضلالتهم. فقال جل قوله وتعالى جده: الم اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران: ١، ٦] .\rثم استمر سبحانه فيما شاء من التبيان لهم والإعذار إليهم والاحتجاج عليهم، وإرشاد عباده المؤمنين إلى سبيل الضراعة إليه بأن لا يزيغ قلوبهم بعد إذ هداهم، وأن يهب لهم من لدنه رحمة، وما وصل بذلك من قوله الحق وذكره الحكيم.","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: فتح البارى لابن حجر (٧/ ٦٩٩) ، تفسير ابن كثير (٢/ ٤١) ، فتح القدير للشوكانى (١/ ٤٦٦) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083753,"book_id":3509,"shamela_page_id":316,"part":"1","page_num":314,"sequence_num":316,"body":"ثم استقبل لهم أمر عيسى وكيف كان بدء ما أراد به، فقال: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.\rثم ذكر امرأة عمران ونذرها لله ما فى بطنها محررا، أى تعبده له سبحانه لا ينتفع به لشىء من الدنيا، ثم ما كان من وضعها مريم وتعويذها إياها وذريتها بالله من الشيطان الرجيم.\rيقول الله ﵎: فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا أى ضمها وقام عليها بعد أبيها وأمها.\rثم قص خبرها وخبر زكريا وما دعا به وما أعطاه، إذ وهب له يحيى، ثم ذكر مريم وقول الملائكة لها: يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ\r. يقول الله جل وعز: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ أى يستهمون عليها، أيهم يخرج سهمه يكفلها. وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ أى ما كنت معهم إذ يختصمون فيها.\rيخبره بخفى ما كتموا منه من العلم، تحقيقا لنبوته وإقامة للحجة عليهم بما يأتيهم به مما أخفوا منه. ثم قال تعالى: إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ.\rأى هكذا كان أمره لا ما يقولون فيه، وإن هذه حالاته التى يتقلب بها فى عمره كتقلب بنى آدم فى أعمارهم صغارا وكبارا، إلا أن الله خصه بالكلام فى مهده آية لنبوته، وتعريفا للعباد مواقع قدرته. قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ.\rأى يصنع ما أراد ويخلق ما يشاء من بشر أو غير بشر. ويصور فى الأرحام ما يشاء وكيف يشاء بذكر وبغير ذكر. إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.\rثم أخبرها بما يريد به من كرامته وتعليمه الكتاب والحكمة والتوراة المنزلة على موسى قبله والإنجيل المنزل عليه، وجعله رسولا إلى بنى إسرائيل، مؤيدا من الايات بما","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083754,"book_id":3509,"shamela_page_id":317,"part":"1","page_num":315,"sequence_num":317,"body":"هو صادر عن إذنه موقوف على مشيئته تحقيقا لما أراد من نبوته، كإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله، وغير ذلك مما أيده الله به من العجائب المصدقة له، وأمره إياهم بتقوى الله وطاعته وقوله لهم: إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ تبريا من الذى يقولون فيه واحتجاجا لربه عليهم. فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ أى هذا الهدى قد حملتكم عليه وجئتكم به. فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ إلى آخر قولهم.\rثم ذكر رفعه إياه إليه حين اجتمعوا لقتله، فقال: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ. ثم أخبرهم ورد عليهم فيما أقروا لليهود بصلبه، كيف رفعه وطهره منهم فقال: إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ثم القصة حتى انتهى إلى قوله: ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ.\rأى قد جاءك الحق من ربك فلا ترتابن به ولا تمترين فيه، وإن قالوا: كيف خلق عيسى من غير ذكر فقد خلقت آدم من تراب بتلك القدرة من غير أنثى ولا ذكر، فكان كما كان عيسى لحما ودما وشعرا وبشرا، فليس خلق عيسى من غير ذكر بأعجب من هذا.\rفَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ أى من بعد ما قصصت عليك من خبره وكيفية أمره فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ.\rنبتهل: ندعو باللعنة، ونبتهل أيضا، نجتهد بالدعاء. إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ أى ما أخبرتك به من أمر عيسى وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ. فدعاهم الله إلى النصف وقطع عنهم الحجة.\rفلما أتى رسول الله ﷺ الخبر من الله ﷿، فى شأن عيسى وفصل القضاء بينه وبينهم بما أمر به من ملاعنتهم إن ردوا ذلك عليه، دعاهم إلى ذلك، فقالوا: يا أبا القاسم، دعنا ننظر فى أمرنا ثم نأتيك بما نريد أن نفعل فيما دعوتنا إليه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083755,"book_id":3509,"shamela_page_id":318,"part":"1","page_num":316,"sequence_num":318,"body":"فانصرفوا عنه ثم خلوا بالعاقب، وكان ذا رأيهم، فقالوا: يا عبد المسيح، ما ترى؟\rفقال: «والله، يا معشر النصارى لقد علمتم أن محمدا لنبى مرسل، ولقد جاءكم من خبر صاحبكم بالحق، ولقد علمتم ما لا عن قوم نبيا قط فبقى كبيرهم ولا نبت صغيرهم، وإنه للاستئصال منكم إن فعلتم، فإن كنتم قد أبيتم إلا ألف دينكم والإقامة على ما أنتم عليه من القول فى صاحبكم فوادعوا الرجل ثم انصرفوا إلى بلادكم» .\rفأتوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا أبا القاسم، قد رأينا أن لا نلاعنك وأن نتركك على دينك ونرجع إلى ديننا، ولكن ابعث معنا رجلا من أصحابك ترضاه لنا يحكم بيننا فى أشياء اختلفنا فيها من أموالنا، فإنكم عندنا رضى.\rفقال لهم رسول الله ﷺ: «ائتونى العشية أبعث معكم القوى الأمين» . فكان عمر بن الخطاب رضى الله عنه، يقول: ما أحببت الإمارة قط حبى إياها يومئذ، رجاء أن أكون صاحبها، فرحت إلى الظهر مهجرا، فلما صلى بنا رسول الله ﷺ الظهر سلم ثم نظر عن يمينه ويساره فجعلت أتطاول له ليرانى، فلم يزل يلتمس ببصره حتى رأى أبا عبيدة ابن الجراح، فدعاه فقال: أخرج معهم فاقض بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه. قال عمر:\rفذهب بها أبو عبيدة «١» .\rولما قدم رسول الله ﷺ المدينة قدمها وهى أوبأ أرض الله من الحمى، فأصاب أصحابه منها بلاء وسقم حتى جهدوا فما كانوا يصلون إلا وهم قعود، وصرف الله ذلك عن نبيه ﷺ فخرج عليهم صلوات الله عليه، وهم يصلون كذلك، فقال لهم:\r«اعلموا أن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم» . فتجشم المسلمون القيام على ما بهم من الضعف والسقم التماس الفضل! «٢» .\rوكان أبو بكر الصديق رضى الله عنه، ممن أصابته الحمى، وكذلك مولياه عامر بن فهيرة وبلال، قالت عائشة: فدخلت أعودهم قبل أن يضرب علينا الحجاب وهم فى بيت واحد وبهم ما لا يعلمه إلا الله من الوعك، فدنوت من أبى بكر فقلت له: كيف","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: صحيح البخارى كتاب المغازى (٤٣٨٠) ، صحيح مسلم كتاب فضائل الصحابة (٤/ ٥٥) .\r(٢) انظر الحديث فى: صحيح مسلم كتاب صلاة المسافرين (١/ ١٢٠) ، سنن النسائى (١٦٥٨) ، سنن أبى داود (٩٥٠) ، سنن ابن ماجه (١٢٢٩، ١٢٣٠، ١٢٣١) ، مسند الإمام أحمد (٢/ ١٩٣، ٣/ ٤٢٥، ٦/ ٦١، ٧١) ، البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ٢٢٤) ، فتح البارى لابن حجر (٢/ ٦٨٢) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083756,"book_id":3509,"shamela_page_id":319,"part":"1","page_num":317,"sequence_num":319,"body":"كل امرىء مصبح فى أهله ... والموت أدنى من شراك نعله\rفقلت: والله ما يدرى أبى ما يقول، ثم دنوت إلى عامر فقلت: كيف تجدك يا عامر؟\rفقال:\rلقد وجدت الموت دون ذوقه ... إن الجبان حتفه من فوقه\rكل امرىء مجاهد بطوقه ... كالثور يحمى جلده بروقه\rقالت: وكان بلال إذا تركته الحمى اضطجع بفناء البيت ثم رفع عقيرته وقال:\rألا ليت شعرى هل أبيتن ليلة ... بواد وحولى إذخر وجليل\rوهل أردن يوما مياه مجنة ... وهل يبدون لى شامة وطفيل\rقالت عائشة: فذكرت لرسول الله ﷺ ما سمعت منهم، فقال رسول الله ﷺ: «اللهم حبب لنا المدينة كما حببت إلينا مكة أو أشد، وبارك لنا فى مدها وصاعها، وانقل وباءها إلى مهيعة» «١» ، وهى الجحفة.\r\rشروع رسول الله ﷺ فى حرب المشركين وذكر مغازيه التى أعز الله بها الإيمان والمؤمنين\rقال ابن إسحاق: ثم إن رسول الله ﷺ تهيأ لحربه وقام فيما أمره الله ﵎ به من جهاد عدوه وقتال من أمره الله بقتاله ممن يليه من مشركى العرب.\rوخرج غازيا فى صفر على رأس اثنى عشر شهرا من مقدمه المدينة.\rحتى بلغ ودّان وهى غزوة الأبواء «٢» ، يريد قريشا وبنى ضمرة من بكر بن عبد مناة ابن كنانة، فوادعته فيها بنو ضمرة، وكان الذى وادعه منهم عليهم مخشىّ بن عمرو الضمرى، وكان سيدهم فى زمانه ذلك.","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: صحيح البخارى كتاب مناقب الأنصار (٣٩٢٦) ، صحيح مسلم كتاب الحج (٢/ ٤٨٠) ، مسند الإمام أحمد (٥/ ٣٠٩) ، السنن الكبرى للبيهقى (٣/ ٣٣٢) ، الترغيب والترهيب للمنذرى (٢/ ٢٢٦) ، دلائل النبوة للبيهقى (٢/ ٥٦٩) ، موطأ الإمام مالك (٢/ ١٤) .\r(٢) راجع هذه الغزوة فى: المغازى للواقدى (١/ ١١، ١٢) ، طبقات ابن سعد (٢/ ١/ ٣، ٤) ، تاريخ الطبرى (٢/ ٤٠٧) ، البداية والنهاية (٣/ ٢٤٦) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083757,"book_id":3509,"shamela_page_id":320,"part":"1","page_num":318,"sequence_num":320,"body":"ثم رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة ولم يلق كيدا، فأقام بها.\rوبعث فى مقامه ذلك عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف بن قصى «١» فى ستين أو ثمانين راكبا من المهاجرين، ليس فيهم من الأنصار أحد.\rفسار حتى بلغ ماء بالحجاز بأسفل ثنية المرّة، فلقى بها جمعا عظيما من قريش، فلم يكن بينهم قتال، إلّا أن سعد بن أبى وقاص قد رمى يومئذ بسهم، فكان أول سهم رمى به فى سبيل الله.\rوقال سعد فى رميته تلك فيما يذكرون:\rألا هل أتى رسول الله أنى ... حميت صحابتى بصدور نبلى\rأذود بها أوائلهم ذيادا ... بكل حزونة وبكل سهل\rفما يعتد رام فى عدوّ ... بسهم يا رسول الله قبلى\rفى أبيات ذكرها ابن إسحاق، وذكر ابن هشام أن أكثر أهل العلم بالشعر ينكرها لسعد.\rثم انصرف القوم عن القوم وللمسلمين حامية.\rوفرّ من المشركين إلى المسلمين المقداد بن عمرو البهرانى «٢» وعتبة بن غزوان «٣» ، وكانا مسلمين ولكنهما خرجا ليتوصلا بالكفار.\rويقال: إن أبا بكر الصديق رضى الله عنه قال فى غزوة عبيدة هذه:","footnotes":"(١) انظر ترجمته فى: الثقات (٣/ ٣١٢) ، الاستبصار (١٥٨، ٣٠١) ، تجريد أسماء الصحابة (١/ ٣٦٩) ، الأعلام (٤/ ١٩٨) ، سير أعلام النبلاء (١/ ٢٥٦) ، الإصابة ترجمة رقم (٥٣٩١) ، أسد الغابة ترجمة رقم (٣٥٣٤) .\r(٢) انظر ترجمته فى: طبقات ابن سعد (٣/ ١/ ١٤٤) ، طبقات خليفة (٦١، ٦٧، ١٦٨) ، التاريخ الكبير (٨/ ٥٤) ، التاريخ الصغير (٦٠، ٦١) ، المعارف (٢٦٣) ، الجرح والتعديل (٨/ ٤٢٦) ، حلية الأولياء (١/ ١٧٢، ١٧٦) ، تهذيب التهذيب (١٠/ ٢٨٥) ، شذرات الذهب (١/ ٣٩) ، الإصابة ترجمة رقم (٨٢٠١) ، أسد الغابة ترجمة رقم (٥٠٧٦) .\r(٣) انظر ترجمته فى: طبقات ابن سعد (٣/ ١/ ٦٩) ، التاريخ الكبير (٦/ ٥٢٠، ٥٢١) ، المعارف (٢٧٥) ، الجرح والتعديل (٦/ ٣٧٣) ، حلية الأولياء (١/ ١٧١، ١٧٢) ، تهذيب التهذيب (٧/ ١٠٠) ، شذرات الذهب (١/ ٢٧) ، سير أعلام النبلاء (١/ ٣٠٤) ، الإصابة ترجمة رقم (٥٤٢٧) ، أسد الغابة ترجمة رقم (٣٥٥٦) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083758,"book_id":3509,"shamela_page_id":321,"part":"1","page_num":319,"sequence_num":321,"body":"أمن طيف سلمى بالبطاح الدمائث ... أرقيت وأمر فى العشيرة حادث «١»\rترى من لؤى فرقة لا يصدها ... عن الكفر تذكير ولا بعث باعث\rرسول أتاهم صادق فتكذبوا ... عليه وقالوا لست فينا بماكث\rإذا ما دعوناهم إلى الحق أدبروا ... وهروّا هرير المحجرات اللواهث «٢»\rفكم قد متتنا فيهم بقرابة ... وترك التقى شىء لهم غير كارث\rفإن يرجعوا عن كفرهم وعقوقهم ... فما طيبات الحلّ مثل الخبائث\rوإن يركبوا طغيانهم وضلالهم ... فليس عذاب الله عنهم بلابث\rونحن أناس من ذؤابة غالب ... لنا العز منها فى الفروع الأثائث\rفأولى بربّ الراقصات عشية ... حراجيج تجرى فى السريح الرّثائث\rكأدم ظباء حول مكة عكف ... بردن حياض البئر ذات النّبائث\rلئن لم يفيقوا عاجلا من ضلالهم ... ولست إذا آليت قولا بحانث\rلتبتدرنهم غارة ذات مصدق ... تحرم أطهار النساء الطوامث\rوكانت راية عبيدة أول راية عقدها رسول الله ﷺ فى الإسلام.\rوبعض العلماء يزعم أنه بعثه حين أقبل من غزوة الإبواء قبل أن يصلى إلى المدينة، وأنه بعث فى مقامه بالمدينة حمزة بن عبد المطلب إلى سيف البحر من ناحية العيص فى ثلاثين راكبا من المهاجرين، فلقى أبا جهل بذلك الساحل فى ثلاثمائة راكب من أهل مكة، فحجز مجدى بن عمرو الجهنى، وكان موادعا للفريقين.\rفانصرف بعض القوم عن بعض، ولم يك بينهم قتال.\rوبعض الناس يقول: كانت راية حمزة أول راية عقدها رسول الله ﷺ لأحد من المسلمين، وذلك أن بعثه وبعث عبيدة كانا معا، فشبه ذلك على الناس.\rوقد زعموا أن حمزة قال فى ذلك شعرا يذكر فيه أن رايته أول راية عقدها رسول الله ﷺ.\rفإن كان حمزة قال ذلك فقد صدق إن شاء الله، لم يكن يقول إلا حقّا، فالله أعلم أى ذلك كان.","footnotes":"(١) الدمائث: أى الرمال اللينة.\r(٢) هروا: أى وثبوا كما تثب الكلاب. والمجحرات: أى الكلاب التى اجحرت، أى لجئت إلى مواضعها.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083759,"book_id":3509,"shamela_page_id":322,"part":"1","page_num":320,"sequence_num":322,"body":"فأما ما سمعنا من أهل العلم عندنا: فعبيدة بن الحارث أول من عقد له.\rوالشعر المنسوب لحمزة رضى الله عنه:\rألا يا لقومى للتحكم والجهل ... وللنقص من رأى الرجال وللعقل\rوللراكبينا بالمظالم لم نطأ ... لهم حرمات من سوام ولا أهل «١»\rكأنا تبلناهم ولا تبل عندنا ... لهم غير أمر بالعفاف وبالعدل»\rوأمر بإسلام فلا يقبلونه ... وينزل منهم مثل منزلة الهزل\rفما برحوا حتى انتدبت بغارة ... لهم حيث حلوا ابتغى راحة الفضل\rبأمر رسول الله أول خافق ... عليه لواء لم يكن لاح من قبل\rلواء لديه النصر من ذى كرامة ... إله عزيز فعله أفضل الفعل\rعشية ساروا حاشدين وكلنا ... مراجله من غيظ أصحابه تغلى\rفلما تراءينا أناخوا فعقلوا ... مطايا وعقلنا مدى غرض النبل\rفعلنا لهم حبل الإله نصيرنا ... وليس لكم إلا الضلالة من حبل\rفثار أبو جهل هنالك باغيا ... فخاب ورد الله كيد أبى جهل\rوما نحن إلا فى ثلاثين راكبا ... وهم مئتان بعد واحدة فضل\rفيال لؤى لا تطيعوا غواتكم ... وفيئوا إلى الإسلام والمنهج السهل «٣»\rفإنى أخاف أن يصب عليكم ... عذاب فتدعوا بالندامة والثّكل\rثم غزا رسول الله ﷺ فى ربيع الأول يريد قريشا حتى بلغ بواط «٤» من ناحية رضوى، ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيدا.\rثم غزاهم فسلك على نقب بنى دينار على فيفاء الحبار، فنزل تحت شجرة ببطحاء ابن أزهر، يقال لها: ذات الساق، فصلى عندها، فثمّ مسجده ﷺ، وصنع له عندها طعام فأكل منه وأكل الناس معه، فموضع أثافى البرمة معلوم هنالك، واستقى له من ماء يقال له: المشرب المشترب.\rثم ارتحل حتى هبط بليل، ثم سلك فرش ملل حتى لقى الطريق بصحيرات اليمام، ثم اعتدل به الطريق حتى نزل العشيرة من بطن ينبع، فأقام بها جمادى الأولى وليالى من","footnotes":"(١) السوام: أى الإبل الراعية، وقيل: هى المرسلة فى المرعى.\r(٢) تبلناهم: أى عاديناهم.\r(٣) فيئوا: أى ارجعوا. والمنهج: أى الطريق الواضح.\r(٤) انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (٢/ ٨) ، البداية والنهاية (٣/ ٢٤٦) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083760,"book_id":3509,"shamela_page_id":323,"part":"1","page_num":321,"sequence_num":323,"body":"جمادى الآخرة. ووادع فيها بنى مدلج وحلفاءهم من بنى ضمرة ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيدا.\rوبعث سرية فيما بين ذلك من غزوة سعد بن أبى وقاص فى ثمانية رهط من المهاجرين، فبلغ الخرّار من أرض الحجاز، ثم رجع ولم يلق كيدا.\rولم يقم رسول الله ﷺ بالمدينة حين قدم من غزوة العشيرة «١» إلا ليالى قلائل لا تبلغ العشر، حتى أغار كرز بن جابر الفهرى «٢» على سرح المدينة.\rفخرج ﷺ فى طلبه حتى بلغ واديا يقال له: سفوان من ناحية بدر، وفاته كرز فلم يدركه. وهى غزوة بدر الأولى.\rثم رجع إلى المدينة.\rوبعث عبد الله بن جحش بن رئاب الأسدى «٣» فى رجب مقفلة من تلك الغزاة، وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين، وهم: أبو حذيفة بن عتبة، وسعد بن أبى وقاص، وعكاشة بن محصن، وعتبة بن غزوان، وعامر بن ربيعة، وواقد بن عبد الله التميمى، وخالد بن البكير، وسهيل بن بيضاء. وكتب له كتابا وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه فيمضى لما أمره به، ولا يستكره من أصحابه أحدا.\rفلما سار عبد الله يومين فتح الكتاب فإذا فيه: «إذا نظرت فى كتابى هذا فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف، فترصد بها قريشا وتعلم لنا من أخبارهم» .\rفقال عبد الله: سمعا وطاعة، ثم قال لأصحابه: قد أمرنى رسول الله ﷺ أن أمضى إلى نخلة أرصد فيها قريشا حتى آتيه منهم بخبر، وقد نهانى أن أستكره أحدا منكم، فمن كان منكم يريد الشهادة ويرغب فيها، فلينطلق، ومن كره ذلك فليرجع، فأما أنا فماض لأمر رسول الله ﷺ.\rفمضى ومضى معه أصحابه، لم يختلف عنه منهم أحد، وسلك على الحجاز حتى إذا","footnotes":"(١) راجع هذه الغزوة فى: المغازى للواقدى (١/ ١٢، ١٣) ، طبقات ابن سعد (٢/ ١/ ٤، ٥) ، تاريخ الطبرى (٢/ ٤٠٨) ، البداية والنهاية (٣/ ٢٤٦) .\r(٢) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (٧٤٠٩) ، أسد الغابة ترجمة رقم (٤٤٤٩) .\r(٣) انظر ترجمته فى: الثقات (٣/ ٢٣٧) ، صفوة الصفوة (١/ ٣٨٥) ، حلية الأولياء (١/ ١٠٨، ١٠٩) ، شذرات الذهب (١/ ٥٤) ، تجريد أسماء الصحابة (١/ ٣٠٢) ، تهذيب التهذيب (٥/ ١٤٣) ، الجرح والتعديل (٥/ ٢٢، ١٠١) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083761,"book_id":3509,"shamela_page_id":324,"part":"1","page_num":322,"sequence_num":324,"body":"كان بمعدن فوق الفرع يقال له: بحران أضل سعد بن أبى وقاص وعتبه بن غزوان بعيرا لهما كانا يعتقبانه، فتخلفا فى طلبه.\rومضى عبد الله فى بقية أصحابه حتى نزل بنخلة، فمرت به عير لقريش تحمل زبيبا، وأدما، وتجارة من تجارة قريش، فيها عمرو بن الحضرمى، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة المخزومى وأخوه نوفل، والحكم بن كيسان، فلما رآهم القوم هابوهم، وقد نزلوا قريبا منهم، فأشرف لهم عكاشة بن محصن، وكان قد حلق رأسه، فلما رأوه أمنوا، وقالوا:\rعمار لا بأس عليكم منهم، وتشاور القوم فيهم، وذلك فى آخر يوم من رجب، فقالوا:\rوالله لئن تركتموهم هذه الليلة ليدخلن الحرم فليمنعن منكم به، ولئن قتلتوهم لتقتلنهم فى الشهر الحرام.\rفتردد القوم وهابوا ثم شجعوا أنفسهم وأجمعوا قتل من قدروا عليه منهم، وأخذ ما معهم.\rفرمى واقد بن عبد الله عمرو بن الحضرمى بسهم فقتله، واستأسر عثمان بن عبد الله، والحكم، وأفلت القوم نوفل فأعجزهم.\rوأقبل عبد الله بن جحش وأصحابه بالعير والأسيرين حتى قدموا على رسول الله ﷺ المدينة.\rوعزل عبد الله بن جحش لرسول الله ﷺ خمس تلك الغنيمة وقسم سائرها بين أصحابه، وذلك قبل أن يفرض الله الخمس من المغانم فلما أحل الله الفىء بعد ذلك وأمر بقسمه وفرض الخمس فيه، وقع على ما كان عبد الله صنع فى تلك العير.\rفلما قدموا على رسول الله ﷺ قال: «ما أمرتكم بقتال فى الشهر الحرام» «١» . فوقف العير والأسيرين وأبى أن يأخذ من ذلك شيئا.\rفلما قال ذلك رسول الله ﷺ سقط فى أيدى القوم وظنوا أنهم قد هلكوا، وعنفهم إخوانهم من المسلمين فيما صنعوا، وقالت قريش: قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام، وسفكوا فيه الدم وأخذوا فيه الأموال، وأسروا فيه الرجال.\rفقال من يرد عليهم من المسلمين ممن كان بمكة: إنما أصابوا ما أصابوا فى شعبان.\rوقالت يهود، تفاءل بذلك على رسول الله ﷺ: عمرو بن الحضرمى قتله واقد بن عبد","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ٢٤٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083762,"book_id":3509,"shamela_page_id":325,"part":"1","page_num":323,"sequence_num":325,"body":"الله: عمرو: عمرت الحرب، والحضرمى: حضرت الحرب، وواقد بن عبد الله: وقدت الحرب: فجعل الله ﵎ ذلك عليهم لا لهم.\rفلما أكثر الناس فى ذلك، أنزل الله على رسوله: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ [البقرة: ٢١٧] .\rأى إن كنتم قتلتم فى الشهر الحرام فقد صدوكم عن سبيل الله مع الكفر به، وعن المسجد الحرام، وإخراجكم منه أهله أكبر عند الله من قتل من قتلتم منهم، والفتنة أكبر من القتل، أى قد كانوا يفتنون المسلم فى دينه حتى يردوه إلى الكفر بعد إيمانه، فذلك أكبر عند الله من القتل.\rفلما نزل القرآن بهذا من الأمر وفرج الله عن المسلمين ما كانوا فيه من الشّفق، قبض رسول الله ﷺ العير والأسيرين، وبعثت قريش فى فدائهما، فقال رسول الله ﷺ:\r«لا، حتى يقدم صاحبانا، يعنى سعد بن أبى وقاص وعتبة بن غزوان، فإنا نخشاكم عليهما، فإن تقتلوهما، نقتل صاحبيكم» . فقدم سعد وعتبة، فأفدى الأسيرين عند ذلك منهم.\rفأما الحكم فأسلم فحسن أسلامه، وأقام عند رسول الله ﷺ حتى استشهد يوم بئر معونة، وأما عثمان فلحق بمكة فمات بها كافرا.\rفلما تجلى عن عبد الله بن جحش وأصحابه ما كانوا فيه حين نزل القرآن طمعوا فى الأجر، فقالوا: يا رسول الله، أنطمع أن تكون لنا غزوة نعطى فيها أجر المجاهدين؟\rفأنزل الله ﵎ فيهم: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة: ٢١٨] ، فوضعهم الله من ذلك على أعظم الرجاء.\rوقال أبو بكر الصديق رضى الله عنه فى تلك الغزوة أبياتا، ويقال بل عبد الله بن جحش، قالها حين قالت قريش: قد أحل محمد وأصحابه الشهر الحرام، فسفكوا فيه الدم وأخذوا المال وأسروا الرجال:\rتعدون قتلا فى الحرام عظيمة ... وأعظم منه لو يرى الرشد راشد\rصدودكم عما يقول محمد ... وكفر به والله راء وشاهد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083763,"book_id":3509,"shamela_page_id":326,"part":"1","page_num":324,"sequence_num":326,"body":"وإخراجكم من مسجد الله أهله ... لئلا يرى فى البيت الله ساجد\rفإنا وإن عيرتمونا بقتله ... وأرجف بالإسلام باغ وحاسد\rسقينا من ابن الحضرمى رماحنا ... بنخلة لما أوقد الحرب واقد\rدما وابن عبد الله عثمان بيننا ... ينازعه غلّ من القيد عاقد\r\rغزوة بدر الكبرى «١»\rقال ابن إسحاق «٢» : ثم إن رسول الله ﷺ سمع بأبى سفيان بن حرب مقبلا من الشام فى عير لقريش عظيمة.\rفندب المسلمين إليهم، وقال: «هذه عير قريش، فيها أموالهم، فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها» «٣» .\rفانتدب الناس، فخف بعضهم وثقل بعضهم، وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله ﷺ يلقى حربا.\rوكان أبو سفيان حين دنا من الحجاز يتجسس الأخبار، ويسأل من لقى من الرّكبان، تخوفا، حتى أصاب من بعضهم خبرا باستنفار رسول الله ﷺ له ولعيره، فحذر عند ذلك، واستأجر ضمضم بن عمرو الغفارى، فبعثه إلى مكة ليخبر قريشا بذلك، ويستنفرهم إلى أموالهم، فخرج ضمضم سريعا.\rوكانت عاتكة بنت عبد المطلب «٤» قد رأت قبل قدوم ضمضم مكة بثلاث رؤيا أفزعتها، فقالت لأخيها العباس: يا أخى، والله لقد رأيت الليلة رؤيا لقد أفظعتنى وتخوفت أن يدخل على قومك منها شر ومصيبة، فاكتم عنى ما أحدثك، فقال لها: وما رأيت؟.","footnotes":"(١) ذكرها ابن الجوزى فى المنتظم (٣/ ٩٧) ، الواقدى فى المغازى (١/ ١٩) ، ابن سعد فى الطبقات (٢/ ١/ ٦ ط الشعب) ، الطبرى فى تاريخه (٢/ ٤٢١) ، ابن كثير فى البداية والنهاية (٣/ ٢٥٦) ، ابن الأثير فى الكامل فى التاريخ (٢/ ١٤) .\r(٢) انظر السيرة (٢/ ٢١١) .\r(٣) انظر الحديث فى: الطبقات الكبرى لابن سعد (٢/ ١/ ٦) ، الدر المنثور للسيوطى (٣/ ١٦٨) ، تفسير ابن كثير (٣/ ٥٥٧) ، تفسير القرطبى (٧/ ٣٧٣) ، تفسير الطبرى (٩/ ١٢٢) ، البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ٢٥٦) .\r(٤) انظر ترجمتها فى: طبقات ابن سعد (٨/ ٤٣) ، المعارف (١١٨) ، الإصابة ترجمة رقم (١١٤٥٥) ، أسد الغابة ترجمة رقم (٧٠٨٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083764,"book_id":3509,"shamela_page_id":327,"part":"1","page_num":325,"sequence_num":327,"body":"قالت: رأيت راكبا أقبل على بعير له حتى وقف بالأبطح ثم صرخ بأعلى صوته: ألا أنفروا يالغدر لمصارعكم فى ثلاث، فأرى الناس اجتمعوا إليه، ثم دخل المسجد والناس يتبعونه، فبيناهم حوله، مثل به بعيره على ظهر الكعبة، ثم صرخ بمثلها، ألا أنفروا يالغدر إلى مصارعكم فى ثلاث، ثم مثل به بعيره على رأس أبى قبيس «١» فصرخ بمثلها، ثم أخذ صخرة فأرسلها فأقبلت تهوى، حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضت فما بقى بيت من بيوت مكة ولا دار إلا دخلتها منها فلقة.\rقال العباس: والله إن هذه لرؤيا، وأنت فاكتميها ولا تذكريها لأحد.\rثم خرج العباس فلقى الوليد بن عتبة بن ربيعة، وكان له صديقا، فذكرها له واستكتمه إياها، فذكرها الوليد لأبيه عتبة، ففشا الحديث حتى تحدثت به قريش.\rقال العباس: فغدوت لأطوف بالبيت وأبو جهل فى رهط من قريش قعود يتحدثون برؤيا عاتكة، فلما رآنى قال: يا أبا الفضل، إذا فرغت من طوافك فأقبل إلينا.\rفلما فرغت أقبلت حتى جلست معهم، فقال لى أبو جهل يا بنى عبد المطلب، متى حدثت فيكم هذه النّبيئة؟ قال: قلت: وما ذاك؟ قال: الرؤيا التى رأت عاتكة، فقلت:\rوما رأت؟.\rقال يا بنى عبد المطلب، أما رضيتم أن يتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساءكم؟ قال:\rزعمت عاتكة فى رؤياها أنه قال: انفروا فى ثلاث، فسنتربص بكم هذه الثلاث، فإن يك حقّا ما تقول فسيكون، وإن تمض الثلاث ولم يكن من ذلك شىء نكتب عليكم كتابا أنكم أكذب أهل بيت فى العرب.\rقال العباس: فو الله، ما كان منى إليه كبير، إلا أنى جحدت ذلك وأنكرت أن تكون رأيت شيئا، ثم تفرقنا.\rفلما أمسيت لم تبق امرأة من بنى عبد المطلب إلا أتتنى، فقالت: أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع فى رجالكم، ثم قد تناول النساء وأنت تسمع، ثم لم يكن عندك غيرة بشىء مما سمعت؟ فقلت: قد والله فعلت، وما كنا منى إليه من كبير، وإيم الله لأتعرضن له فإن عاد لأكفيكنّه.\rقال: فغدوت فى اليوم الثالث من رؤيا عاتكة وأنا حديد مغضب، أرى أنه قد فاتنى","footnotes":"(١) أبو قبيس: جبل مشرف على مكة من شرقيها. انظر: معجم البلدان (١/ ٨٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083765,"book_id":3509,"shamela_page_id":328,"part":"1","page_num":326,"sequence_num":328,"body":"أمر أحب أن أدركه منه، فدخلت المسجد فرأيته، وكان رجلا خفيفا حديد الوجه حديد اللسان حديد النظر، فو الله، إنى لأمشى نحوه أتعرضه ليعود لبعض ما قال، فأقع به، إذ خرج نحو باب المسجد يشتد، فقلت فى نفسى: ماله، لعنة الله؟! أكل هذا فرقا منى أن أشاتمه! وإذا هو قد سمع ما لم أسمع، صوت ضمضم بن عمرو [الغفارى] وهو يصرخ ببطن الوادى واقفا على بعيره قد جدعه وحول رحله وشق قميصه وهو يقول:\rيا معشر قريش، اللطيمة اللطيمة، أموالكم مع أبى سفيان قد عرض لها محمد فى أصحابه، لا أرى أن تدركوها، الغوث الغوث.\rقال: فشغلنى عنه، وشغله عنى ما جاء من الأمر.\rفتجهز الناس سراعا وقالوا: أيظن محمد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرمى؟ كلا والله ليعلمن غير ذلك.\rفكانوا بين رجلين، إما خارج وإما باعث مكانه رجلا.\rوأو عبت قريش فلم يتخلف من أشرافها أحد، إلا أن أبا لهب تخلف وبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة. وكانت عليه لأبى لهب أربعة آلاف درهم، فاستأجره بها على أن يجزىء عنه بعثة.\rوأجمع أمية بن خلف القعود- وكان شيخا جليلا جسيما ثقيلا- فأتاه عقبة بن أبى معيط وهو جالس فى المسجد بين ظهرى قومه بمجمرة فيها نار ومجمر حتى وضعها بين يديه، ثم قال: يا أبا على، استجمر فإنما أنت من النساء! فقال: قبحك الله وقبح ما جئت به. ثم تجهز وخرج مع الناس.\rولما فرغوا من جهازهم وأجمعوا السير ذكروا حربا كانت بينهم وبين بنى بكر ابن عبد مناة بن كنانة، وقالوا: إنا نخشى أن يأتونا من خلفنا، فكاد ذلك يثبتهم، فتبدى لهم إبليس فى صورة سراقة بن جعشم المدلجى، وكان من أشراف بنى كنانة، فقال: أنا لكم جار من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشىء تكرهونه.\rفخرجوا سراعا.\rوخرج رسول الله ﷺ فى ليال مضت من شهر رمضان فى أصحابه، ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار «١» ، وكان أبيض، وكان أمام","footnotes":"(١) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (٨٠٢٠) ، أسد الغابة ترجمة رقم (٤٩٣٦) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083766,"book_id":3509,"shamela_page_id":329,"part":"1","page_num":327,"sequence_num":329,"body":"رسول الله ﷺ رايتان سوداوان، إحداهما مع على بن أبى طالب- رضى الله عنه- والأخرى مع بعض الأنصار، وجعل على الساقة قيس بن أبى صعصعة أخا بنى مازن بن النجار، وكانت راية الأنصار مع سعد بن معاذ فيما قال ابن هشام.\rفسلك رسول الله ﷺ طريقة من المدينة إلى مكة حتى إذا كان قريبا من الصفراء بعث بسبس بن عمرو «١» ، وعدى بن أبى الزغباء «٢» الجهينيين إلى بدر يتجسسان له الأخبار عن أبى سفيان وغيره.\rفمضيا حتى نزلا بدرا، فأناخا إلى تل قريب من الماء، فسمعا جاريتين من جوارى الحاضر تتلازما على الماء، والملزومة تقول لصاحبتها: إنما ترد العير غدا أو بعده فأعمل لهم ثم أقضيك. فقال مجدى بن عمرو، وكان على الماء: صدقت، ثم خلص بينهما.\rفلما سمع بذلك عدى وبسبس، انطلقا حتى أتيا رسول الله ﷺ فأخبراه.\rثم تقدم أبو سفيان العير حذرا حتى ورد الماء، فقال لمجدى: هل أحسست أحدا؟\rقال: لا، إلا أنى قد رأيت راكبين أناخا إلى هذا التل، ثم استقيا فى شن لهما، ثم انطلقا.\rفأتى أبو سفيان مناخهما، فأخذ من أبعار بعيريهما ففته فإذا فيه النوى، فقال: هذه والله علائف يثرب! فأسرع إلى اصحابه فضرب وجه عيره عن الطريق فساحل بها، وترك بدرا بيساره.\rثم ارتحل رسول الله ﷺ حتى أتى واديا يقال له: «ذفران» ، فجزع فيه، ثم نزل.\rوأتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عيرهم، فأخبر الناس واستشارهم.\rفقام أبو بكر الصديق فقال وأحسن، ثم قام عمر بن الخطاب فقال وأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله، امض لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﵇: «اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون» ، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فو الذى بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه.","footnotes":"(١) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (٨١٠) ، أسد الغابة ترجمة رقم (٤٠٥) ، تجريد أسماء الصحابة (١/ ٤٨) ، معرفة الصحابة (٣/ ١٧٥) .\r(٢) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (٥٤٩٨) ، أسد الغابة ترجمة رقم (٣٦١٣) ، الثقات (٣/ ٣١٦) ، تجريد أسماء الصحابة (١/ ٣٧٧) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083767,"book_id":3509,"shamela_page_id":330,"part":"1","page_num":328,"sequence_num":330,"body":"فقال رسول الله ﷺ خيرا ودعا له، ثم قال رسول الله ﷺ: «أشيروا على» «١» . وإنما يريد الأنصار، وذلك أنهم عدد الناس، وأنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا: يا رسول الله، إنا برآء من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا، فإذا وصلت إلينا فأنت فى ذمتنا، نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا. فكان رسول الله ﷺ يتخوف أن لا تكون الأنصار ترى عليها نصره إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوه، وأن ليس عليهم أن يسير بهم من بلادهم إلى عدو، فلما قال ذلك رسول الله ﷺ قال له سعد بن معاذ: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال:\r«أجل» «٢» ، قال: فقد آمنا بك وصدقناك؛ وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فو الذاى بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما يتخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بناعدونا غدا، إنا لصبر فى الحرب صدق عند اللقاء لعل يريك منا ما تقربه عينك، فسر بنا على بركة الله.\rفسر رسول الله ﷺ بقول سعد ونشطه ذلك، ثم قال: «سيروا وأبشروا فإن الله ﵎ قد وعدنى إحدى الطائفتين، والله لكأنى الآن انظر إلى مصارع القوم» «٣» .\rثم ارتحل رسول الله ﷺ من «ذفران» «٤» حتى نزل قريبا من بدر فركب هو ورجل من أصحابه، قيل: هو أبو بكر الصديق، حتى وقف على شيخ من العرب فسأله عن قريش، وعن محمد وأصحابه، وما بلغه عنهم، فقال الشيخ: لا اخبر كما حتى تخبرانى ممن أنتما؟\rفقال له رسول الله ﷺ: «إذا أخبرتنا أخبرناك» . قال: أو ذاك بذاك، قال: «نعم» ، قال الشيخ: فإنى بلغنى أن محمدا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان صدق الذى أخبرنى فهم اليوم بمكان كذا وكذا، للمكان الذى به رسول الله ﷺ، وبلغنى أن قريشا خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان صدق الذى أخبرنى فهم اليوم بمكان كذا وكذا، للمكان الذى به قريش. فلما فرغ من خبره، قال: ممن أنتما؟ فقال رسول الله ﷺ: «نحن من ماء» «٥» . ثم انصرف عنه رسول الله ﷺ.","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: مجمع الزوائد للهيثمى (٩/ ٣٥٦) ، دلائل النبوة للبيهقى (٢/ ٣٧٧، ٣٨١) .\r(٢) انظر الحديث فى: سنن أبى داود (٥٢٣٣) ، مسند الإمام أحمد (١/ ٢٥٥، ٢٨٤، ٣/ ٤٣٨، ٥/ ٢٨٦، ٣٧٢، ٣٨١) ، الدر المنثور للسيوطى (٥/ ٢٠٥) ، كنز العمال للمتقى الهندى (٣١٣٧٩) .\r(٣) انظر الحديث فى: تفسير ابن كثير (٣/ ٧٢) ، فتح البارى لابن حجر (٧/ ٣٣٦) .\r(٤) ذفران: واد قرب واد الصفراء والذفر كل ريح من طيب أو نتن. انظر: معجم البلدان (٣/ ٦) .\r(٥) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ٢٦٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083768,"book_id":3509,"shamela_page_id":331,"part":"1","page_num":329,"sequence_num":331,"body":"قال: يقول الشيخ: ما من ماء! أمن ماء العراق؟\rثم رجع رسول الله ﷺ إلى أصحابه، فلما أمسى بعث على بن أبى طالب والزبير بن العوام، وسعد بن أبى وقاص فى نفر من أصحابه إلى ماء بدر يلتمسون الخبر له عليه، فأصابوا راوية لقريش فيهما غلامان لبعضهم، فأتوا بهما فسألوهما، ورسول الله ﷺ قائم يصلى، فقالا: نحن سقاة قريش، بعثونا نسقيهم من الماء، فكره القوم خبرهما، ورجوا أن يكونا لأبى سفيان، فضربوهما، فلما أذلقوهما قالا: نحن لأبى سفيان، فتركوهما.\rوركع رسول الله ﷺ وسجد سجدتيه، ثم سلم وقال: «إذا صدقاكم ضربتموهما، وإذا كذباكم تركتموهما! صدقا والله، إنهما لقريش، أخبرانى عن قريش. فقالا: هم وراء هذا الكثيب الذى ترى» . قال: «كم القوم؟» قالا: كثير. قال: «ما عدتهم؟» قالا:\rما ندرى. قال: «كم ينحرون كل يوم؟» قالا: يوما تسعا ويوما عشرا. قال رسول الله ﷺ: «القوم ما بين التسعمائة والألف» «١» .\rثم قال لهما: «من فيهم من أشراف قريش؟» قالا: عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو البخترى بن هشام، وحكيم بن حزام، ونوفل بن خويلد، والحارث بن عامر، وطعيمة بن عدى، والنضر بن الحارث، وزمعة بن الأسود، وأبو جهل بن هشام، وأمية ابن خلف، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، وسهيل بن عمرو، وعمرو بن عبد ود.\rفأقبل رسول الله ﷺ على الناس فقال: «هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها» «٢» .\rوأقبلت قريش؛ فلما نزلوا الجحفة رأى جهيم بن الصلت بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف رؤيا، فقال: إنى أرى فيما يرى النائم، وإنى لبين النائم واليقظان، إذ نظرت إلى رجل أقبل على فرس حتى وقف ومعه بعير له، ثم قال: قتل عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، وابو الحكم بن هشام، وأمية بن خلف وفلان، فعدد رجالا ممن قتل يوم بدر من أشراف قريش، ثم رأيته ضرب فى لبة بعيره ثم أرسله فى العسكر فيما بقى خباء من أخبية العسكر إلا أصابه نضح من دمه.","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: تفسير ابن كثير (٢/ ١٣، ٤/ ١١) ، تفسير الطبرى (٣/ ١٣١) ، الدر المنثور للسيوطى (٣/ ١٦٦) .\r(٢) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ٢٧٧، ٢٧٨) ، تاريخ الطبرى (٢/ ٢٨) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٦/ ٧٥، ٧٦) ، دلائل النبوة للبيهقى (٣/ ٤٢) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083769,"book_id":3509,"shamela_page_id":332,"part":"1","page_num":330,"sequence_num":332,"body":"فبلغت أبا جهل فقال: وهذا- أيضا- نبى آخر من بنى المطلب! سيعلم غدا من المقتول إن نحن التقينا.\rقال: ولما رأى أبو سفيان قد أحرز عيره أرسل إلى قريش: إنكم خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم فقد نجاها اله، فارجعوا.\rقال أبو جهل: والله لا نرجع حتى نرد بدرا، وكان موسما للعرب لهم به سوق كل عام، فنقيم عليه ثلاثا، فننحر الجزر، ونطعم الطعام، ونسقى الخمر، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا، فلا يزالون يهابوننا أبدا بعدها، فامضوا.\rوقال الأخنس بن شريق الثقفى: يا بنى زهرة، وكان حليفا لهم: قد نجى الله أموالكم وخلص لكم صاحبكم مخرمة بن نوفل، وإنما نفرتم لتمنعوه وماله، فاجعلوه بن جنبها وارجعوا، فإنه لا حاجة لكم بأن تخرجوا فى غير ضيعة، لا ما يقول هذا.\rفرجعوا فلم يشهدها زهرى واحد، أطاعوه وكان فيهم مطاعا.\rولم يكن بقى من قريش بطن إلا قد نفر منهم ناس إلا بنو عدى بن كعب، لم يخرج منهم رجل واحد، فرجعت بنو زهرة مع الأخنس، فلم يشهد بدرا من هذين القبيلين أحد.\rوكان بين طالب بن أبى طالب وكان فى القوم، وبين بعض قريش محاورة، فقالوا:\rوالله لقد عرفنا يا بنى هاشم وإن خرجتم معنا أن هواكم لمع محمد. فرجع طالب إلى مكة مع من رجع، وقال:\rلا هم إما يغزون طالب ... فى عصبة مخالفا محارب\rفى مقنب من هذه المقانب ... فليكن المسلوب غير السالب\rوليكن المغلوب غير الغالب\rومضت قريش حتى نزلوا بالعدوة القصوى من الوادى خلف العقنقل والقلب ببدر فى العدوة الدنيا إلى المدينة.\rوبعث الله- ﷿ السماء، وكان الوادى دهسا، فأصاب رسول الله ﷺ وأصحابه منها ما لبد لهم الأرض ولم يمنعهم من المسير، وأصاب قريشا منها ما لم يقدروا على أن يرتحلوا معه.\rفخرج رسول الله ﷺ يبادرهم إلى الماء، حتى إذا جاؤا أدنى ماء من بدر نزلوا به.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083770,"book_id":3509,"shamela_page_id":333,"part":"1","page_num":331,"sequence_num":333,"body":"فذكروا أن الحباب بن المنذر بن الجموح الأنصارى قال: يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتاخر عنه؟ أم هو الرأى والجرب والمكيدة؟\rفقال: «بل هو الرأى والحرب والمكيدة» . قال: يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بنا حتى نأنى أدنى ماء من القوم فننزله ثم نغور ما وراءه من القلب، ثم نبنى عليه حوضا فنملأه ماء ثم نتقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون.\rفقال رسول الله ﷺ: «لقد أشرت بالرأى» «١» . فنهض رسول الله ﷺ ومن معه من الناس، فساروا حتى إذا اتى ماء إلى القوم نزل عليه، ثم أمر بالقلب فغورت وبنى حوضا على القليب الذى نزل عليه فملىء ماء ثم قذفوا فيه الآنية.\rوقال سعد بن معاذ: يا نبى الله، ألا نبنى لك عريشا تكون فيه، ونعد عندك ركائبك، ثم نلقى عدونا، فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا، كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الأخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا من قومنا، فقد تخلف عنك أقوام يا نبى الله ما نحن بأشد حبا لك منهم، ولو ظنوا أنك تلقى حربا ما تخلفوا عنك، يمنعك الله- ﷿ بهم يناصحونك ويجاهدون معك.\rفأثنى رسول الله ﷺ عليه خيرا ودعا له بخير، ثم بنى لرسول الله ﷺ عريش فكان فيه.\rوارتحلت قريش حين أصبحت فأقبلت، فلما رآها رسول الله ﷺ تصوب من الكثيب الذى جاؤا منه، قال: «اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك، اللهم فنصرك الذى وعدتنى به، اللهم أحنهم الغداة» «٢» .\rوقد كان خفاف بن أيماء بن رحضة الغفارى أو أبوه بعث إلى قريش حين مروا به ابنا له بجزائر أهداها لهم، وقال: إن أحببتم أن نمدكم بسلاح ورجال فعلنا. فأجابوه: أن وصلتك رحم، قد قضيت الذى عليك، فلعمرى لئن كنا إنما نقاتل الناس ما بنا ضعف عنهم، ولئن كنا إنما نقاتل الله كما يزعم محمد ما لأحد بالله من طاقة!\rفلما نزل الناس أقبل نفر من قريش فيهم حكيم بن حزام حتى وردوا حوض رسول","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: مستدرك الحاكم (٤/ ٤٢٦، ٤٢٧) .\r(٢) انظر الحديث فى: صحيح مسلم (٣/ ٥٨) ، مسند الإمام أحمد (٢٠٨، ٢٢١) ، تاريخ الطبرى (٢/ ٣٠) ، البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ٢٦٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083771,"book_id":3509,"shamela_page_id":334,"part":"1","page_num":332,"sequence_num":334,"body":"الله ﷺ، فقال: «دعوهم» . فما شرب منه يومئذ رجل إلا قتل، إلا ما كان من حكيم بن حزام فإنه لم يقتل، ثم أسلم بعد فحسن إسلامه، فكان إذا اجتهد فى يمينه قال: لا، والذى نجانى من يوم بدر «١» .\rولما اطمأن القوم بعثوا عمير بن وهب الجمحى فقالوا: احزر لنا أصحاب محمد.\rفدار بفرسه حول العسكر ثم رجع إليهم، فقال: ثلاثمائة رجل يزيدون قليلا أو ينقصونه، ولكن أمهلونى حتى أنظر أللقوم كمين أو مدد، وضرب فى الوادى حتى أبعد فلم ير شيئا، فرجع إليهم فقال: ما رأيت شيئا، ولكن قد رأيت يا معشر قريش البلايا تحمل المنايا، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع، قوم ليس لهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم، والله ما أرى أن يقتل رجل منهم حتى يقتل رجلا منكم، فإذا أصابوا منكم أعدادهم فما خير العيش بعد ذلك، فروا رأيكم.\rفلما سمع حكيم بن حزام ذلك مشى فى الناس فأتى عتبة بن ربيعة فقال: يا أبا الوليد، إنك كبير قريش وسيدها والمطاع فيها، هل لك إلى أن لا تزال تذكر منها بخير إلى آخر الدهر، قال: وما ذلك يا حكيم؟ قال: ترجع بالناس، وتحمل أمر حليفك عمرو بن الحضرمى. قال: قد فعلت، أنت على بذلك إنما هو حليفى فعلى عقله وما أصيب من ماله، فأت ابن الحنظلية- يعنى أبا جهل- فإنى لا أخشى أن يشجر أمر الناس غيره.\rثم قام عتبة خطيبا فقال:\rيا معشر قريش، إنكم والله ما تصنعون بأن تلقوا محمدا وأصحابه شيئا، والله لئن أصبتموه لا يزال رجل ينظر فى وجه رجل يكره النظر إليه، قتل ابن عمه أو ابن خاله أو رجلا من عشيرته، فارجعوا وخلوا بين محمد، وبين سائر العرب، فإن أصابوه فذلك الذى أردتم، وإن كان غير ذلك ألقاكم، ولم تعرضوا منه ما تريدون.\rوقد كان رسول الله ﷺ رأى عتبة فى القوم على جمل له أحمر فقال: «إن يك عند أحد من القوم خير فعند صاحب الجمل الأحمر، إن يطيعوه يرشدوا» «٢» .\rقال حكيم: فانطلقت حتى جئت أبا جهل فوجدته قد نثل درعا له من جرابها فهو يهيئها، فقلت له: يا أبا الحكم، إن عتبة أرسلنى إليك بكذا وكذا، للذى قال. فقال:\rانتفخ والله سحره حين رأى محمدا وأصحابه، كلا والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا","footnotes":"(١) ذكره ابن كثير فى البداية والنهاية (٣/ ٢٩٨) ، الطبرى فى تاريخه (٢/ ٣٠) .\r(٢) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (١/ ١١٧) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٦/ ٧٥، ٧٦) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083772,"book_id":3509,"shamela_page_id":335,"part":"1","page_num":333,"sequence_num":335,"body":"وبين محمد وما بعتبة ما قال: ولكنه قد رأى أن محمدا وأصحابه أكلة جزور وفيهم ابنه، فقد تخوفكم عليه.\rثم بعث إلى عامر بن الحضرمى، فقال: هذا حليفك يريد أن يرجع بالناس، وقد رأيت ثأرك بعينيك، فقم فانشد خفرتك، ومقتل أخيك.\rفقام عامر بن الحضرمى فاكتشف ثم صرخ: واعمراه، واعمراه! فحميت الحرب وحقب أمر الناس واستوسقوا على ما هم عليه من الشر وأفسد على الناس الرأى الذى دعاهم إليه عتبة.\rفلما بلغ عتبة قول أبى جهل: انتفخ والله سحره، قال: سيعلم مصفر استه من انتفخ سحره أنا أم هو؟!\rثم التمس عتبة بيضة ليدخلها فى رأسه فما وجد فى الجيش بيضة تسعة من عظم هامته، فلما ذلك اعتجر على رأسه ببرد له.\rوخرج الأسود بن عبد الأسد المخزومى وكان رجلا شرسا سيىء الخلق، فقال:\rأعاهد الله لأشربن من حوضهم أو لأهدمنه أو لأموتن دونه.\rفخرج إليه حمزة بن عبد المطلب فضربه فأطن قدمه بنصف ساقه وهو دون الحوض، فوقع على ظهره تشخب رجله دما، ثم حبا إلى الحوض حتى اقتحم فيه يريد. زعم أن يبر يمينه، وأتبعه حمزة فضربه حتى قتله فى الحوض.\rثم خرج بعده عتبة بن ربيعة بين اخيه شيبة وابنه الوليد بن عتبة حتى إذا نصل من الصف دعا إلى المبارزة، فخرج إليه فتية من الأنصار ثلاثة، وهم: عوف ومعوذ ابنا الحارث وأمهما عفراء، وعبد الله بن رواحة. فقالوا: من أنتم؟ قالوا: رهط من الأنصار.\rقالوا: ما لنا بكم من حاجة، ثم نادى مناديهم: يا محمد، أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا.\rفقال رسول الله ﷺ: «قم يا عبيدة بن الحارث، وقم يا حمزة وقم يا علىّ» «١» . فلما قاموا ودنوا منهم، قالوا: من أنتم، فقال عبيدة: عبيدة، وقال حمزة: حمزة، وقال على: على.\rقالوا: نعم، أكفاء كرام.\rفبارز عبيدة، وكان أسن القوم، عتبة، وبارز حمزة شيبة، وبارز علىّ الوليد.\rفأما حمزة فلم يمهل شيبة أن قتله. وأما علىّ فلم يمهل الوليد أن قتله، واختلف عبيدة","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: سنن أبى داود (٢٦٦٥) ، من حديث على بن أبى طالب رضى الله عنه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083773,"book_id":3509,"shamela_page_id":336,"part":"1","page_num":334,"sequence_num":336,"body":"وعتبة بينهما ضربتين كلاهما أثبت صاحبه، وكر حمزة وعلىّ بأسيافهما على عتبة فذففا عليه، واحتملا صاحبهما فحازاه إلى أصحابه.\rوذكر ابن عقبة، أنه لما طلب القوم المبارزة فقام إليهم ثلاثة نفر من الأنصار، استحيا النبى ﷺ من ذلك لأنه كان أول قتال التقى فيه المسلمون والمشركون ورسول الله ﷺ شاهد معهم، فأحب النبى ﷺ أن تكون الشوكة ببنى عمه، فناداهم أن ارجعوا إلى مصافكم، وليقم إليهم بنو عمهم. فعند ذلك قام حمزة وعلىّ وعبيدة.\rثم تزاحف الناس ودنا بعضهم من بعض، وأمر رسول الله ﷺ أصحابه أنه لا يحملوا حتى يأمرهم، وقال: «إن أكتنفكم القوم فانضحوهم عنكم بالنبل» «١» .\rورسول الله ﷺ فى العريش معه أبو بكر الصديق، وكان شعار أصحاب رسول الله ﷺ: أحد، أحد.\rوعدل رسول الله ﷺ يومئذ- صفوف أصحابه وفى يده قدح يعدل به القوم، فمر بسواد بن غزية- حليف بنى عدى بن النجار- وهو مستنثل من الصف- أى بارز- فطعن فى بطنة بالقدح وقال: «استو يا سواد» . فقال: يا رسول الله أو جعتنى، وقد بعثك الله بالحق والعدل فأقدنى. فكشف رسول الله ﷺ عن بطنه وقال: «استقد» ، فاعتنقه فقبل بطنه، فقال له: «ما حملك على هذا يا سواد؟» «٢» قال: يا رسول الله، حضر ما ترى، فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدى جلدك، فدعا له بخير، وقاله له.\rثم عدل رسول الله ﷺ الصفوف ورجع إلى العريش، فدخله ومعه فيه أبو بكر، ليس معه فيه غيره، ورسول الله ﷺ يناشد ربه ما وعده من النصر ويقول فيما يقول: «اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد» . وأبو بكر يقول: يا نبى الله، بعض مناشدتك ربك، فإن الله منجز لك ما وعدك.\rوخفق رسول الله ﷺ خفقة وهو فى العريش، ثم انتبه فقال: «أبشر يا أبا بكر، أتاك نصر الله! هذا جبريل آخذا بعنان فرسه يقوده على ثناياه النقع» «٣» . يريد الغبار.\rورمى مهجع مولى عمر بن الخطاب بسهم فقتله، فكان أول قتيل من المسلمين.","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (٣٩٨٤، ٣٩٨٥) ، سنن أبى داود (٢٦٦٣) .\r(٢) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ٢٧١) ، تاريخ الطبرى (٢/ ٣٢) .\r(٣) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ٢٨٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083774,"book_id":3509,"shamela_page_id":337,"part":"1","page_num":335,"sequence_num":337,"body":"ثم رمى حارثة بن سراقة- أحد بنى عدى بن النجار- وهو يشرب من الحوض بسهم فأصاب نحره فقتله.\rثم خرج رسول الله ﷺ إلى الناس فحرضهم، ثم قال: «والذى نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة» «١» .\rفقال عمير بن الحمام، أخو بنى سلمة وفى يده تمرات يأكلهن: بخ بخ! أفما بينى وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلنى هؤلاء! ثم قذف التمرات من يده وأخذ سيفه فقاتل حتى قتل.\rوقال- يومئذ- عوف بن الحارث وهو ابن عفراء: يا رسول الله، ما يضحك الرب من عبده؟ فقال: «غمسه يده فى العدو حاسرا» «٢» فنزع درعا كانت عليه فقذفها ثم أخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل.\rوقاتل عكاشة بن محصن الأسدى حليف بنى عبد شمس يوم بدر بسيفه حتى انقطع فى يده، فاتى رسول الله ﷺ فأعطاه جذلا من حطب، فقال: «قاتل بهذا يا عكاشة» »\r، فلما أخذه هذه فعاد فى يده سيفا طويل القامة شديد المتن أبيض الحديدة، فقاتل به حتى فتح الله على المسلمين، وكان ذلك السيف يسمى العون، ثم لم يزل عنده يشهد به المشاهد مع رسول الله ﷺ حتى قتل فى الردة وهو عنده، قتله طليحة الأسدى.\rثم إن رسول الله ﷺ أخذ حفنة من الحصباء فاستقبل بها قريشا ثم قال: «شاهت الوجوه» «٤» ، ثم نفحهم بها، ثم أمر أصحابه فقال: «شدوا» ، فكانت الهزيمة عليهم.","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: صحيح مسلم كتاب الإمارة (٣/ ١٤٥) ، مسند الإمام أحمد (٣/ ١٣٦، ١٣٧) ، مستدرك الحاكم (٣/ ٤٢٦) .\r(٢) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ٢٧١) .\r(٣) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (٣/ ٩٨، ٩٩) ، المغازى للواقدى (١/ ٩٣) .\r(٤) انظر الحديث فى: صحيح مسلم فى كتاب الجهاد باب (٢٨) رقم (٨١) ، مسند الإمام أحمد (١/ ٣٠٣، ٣٦٨، ٥/ ٢٨٦) ، مستدرك الحاكم (١/ ١٦٣، ٣/ ١٥٧) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٦/ ٨٤، ١٨٤، ٨/ ٤، ٢٢٨) ، دلائل النبوة للبيهقى (٥/ ١٤١، ٦/ ٢٤٠) ، فتح البارى لابن حجر (٧/ ١٦٩، ٨/ ٣٢) ، الدر المنثور للسيوطى (٥/ ١٧٤، ٢٢٤، ٢٢٦، ٣٤٥) ، كنز العمال للمتقى الهندى (٣٦٩٧، ٢٩٩٢٤، ٢٩٩٢٥، ٣٠٢١٣، ٣٠٢٠٤) ، تفسير ابن كثير (٣/ ٥٧١، ٥٨٦، ٤/ ٦٩) ، تفسير القرطبى (٨/ ٩٨، ١٦، ٢٦٣) ، البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ٢٨٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083775,"book_id":3509,"shamela_page_id":338,"part":"1","page_num":336,"sequence_num":338,"body":"وجعل الله تلك الحصباء عظيما شانها، لم تترك من المشركين رجلا إلا ملأت عينيه.\rواستولى عليهم المسلمون معهم الله وملائكته يقتلونهم ويأسرونهم ويجدون النفر كل رجل منهم منكبّ على وجهه لا يدرى أين يتوجه، يعالج التراب ينزعه من عينيه.\rفقتل الله من قتل من صناديد قريش، وأسر من أسر من أشرافهم.\rفلما وضع القوم أيديهم يأسرون وسعد بن معاذ قائم على باب العريش الذى فيه رسول الله ﷺ متوشح السيف فى نفر من الأنصار يحرسون رسول الله ﷺ خوف كرة العدو عليه، رأى رسول الله ﷺ فى وجه سعد الكراهية لما يصنع الناس، فقال له:\r«لكأنك والله يا سعد تكره ما يصنع القوم؟» «١» فقال: أجل والله يا رسول الله، كانت أول وقعة أوقعها الله بأهل الشرك، فكان الإثخان فى القتل أحب إلى من استقبال الرجال.\rوقال رسول الله ﷺ يومئذ لأصحابه: «إنى قد عرفت أن رجالا من بنى هاشم وغيرهم أخرجوا كرها، لا حاجة لهم بقتالنا، فمن لقى منكم أحدا من بنى هاشم فلا يقتله، ومن لقى أبا البخترى بن هشام فلا يقتله، ومن لقى العباس عم رسول الله فلا يقتله، فإنه إنما خرج مستكرها» . فقال أبو حذيفة: أنقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وعشيرتنا ونترك العباس! والله لئن وجدته لألحمنه السيف. فبلغت رسول الله ﷺ فقال لعمر بن الخطاب: «يا أبا حفص» . قال عمر: والله، إنه لأول يوم كنانى فيه رسول الله ﷺ بأبى حفص. «أيضرب وجه عم رسول الله ﷺ بالسيف؟» «٢» فقال عمر: يا رسول الله، دعنى فلأضرب عنقه بالسيف، فو الله لقد نافق.\rفكان أبو حذيفة يقول: ما أنا بآمن من تلك الكلمة التى قلت يومئذ ولا أزال منها خائفا إلا أن تكفرها عنى الشهادة، فقتل يوم اليمامة شهيدا ﵀.\rوإنما نهى رسول الله ﷺ عن قتل أبى البخترى لأنه كان أكف القوم عنه بمكة، وكان لا يؤذيه ولا يبلغه عنه شىء يكرهه، وكان ممن قام فى نقض الصحيفة التى كتبت قريش على بنى هاشم وبنى المطلب.\rفلقيه المجذر بن زياد البلوى حليف الأنصار- يوم بدر- فقال له: إن رسول الله","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ٢٨٤) ، تاريخ الطبرى (٢/ ٣٤) ، الكامل فى التاريخ لابن الأثير (٢/ ١٢٦) .\r(٢) انظر الحديث فى: تاريخ الطبرى (٢/ ٣٤) ، عيون الأثر لابن سيد الناس (١/ ٣٩٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083776,"book_id":3509,"shamela_page_id":339,"part":"1","page_num":337,"sequence_num":339,"body":"صلى الله عليه وسلم قد نهانا عن قتلك، ومع أبى البخترى زميل له خرج معه من مكة، قال: وزميلى؟\rقال المجذر: لا والله ما نحن بتاركى زميلك، ما أمرنا رسول الله ﷺ إلا بك وحدك.\rقال: إذا والله لأموتن أنا وهو جميعا، لا تحدث عنى نساء مكة إنى تركت زميلى حريصا على الحياة، وقال يرتجز:\rلن يسلم ابن حرة زميله ... حتى يموت أو يرى سبيله\rثم اقتتلا فقتله المجذر، ثم أتى رسول الله ﷺ فقال: والذى بعثك بالحق لقد جهدت عليه أن يستأسر فآتيك به فأبى إلا أن يقاتلنى فقاتلته فقتلته.\rهذا الذى ذكر ابن إسحاق فى قتل أبى البخترى «١» .\rوقال موسى بن عقبة: يزعم ناس أن أبا اليسر قتل أبا البخترى ويأبى أعظم الناس إلا أن المجذر هو الذى قتله.\rثم أضرب ابن عقبة عن القولين، وقال: بل قتله- غير شك- أبو داود المازنى وسلبه سيفه فكان عند بنيه حتى باعه بعضهم من بعض بنى أبى البخترى.\rوكان المجذر قد ناشده أن يستأسره، وأخبره بنهى رسول الله ﷺ عن قتله، فأبى أبو البخترى أن يستأسر وشد عليه المجذر بالسيف وطعنه الأنصارى، يعنى أبا داود المازنى، بين ثدييه فأجهز عليه فقتله.\rويومئذ قال المجذر فيما ذكروا:\rإما جهلت أو نسيت نسبى ... فأثبت النسبة أنى من بلى\rالطاعنين برماح اليزنى ... والضاربين الكبش حتى ينحنى\rبشر بيتم من أبوه البخترى ... أو بشرن بمثلها منى بنى\rأنا الذى يقال أصلى من بلى ... أطعن بالصعدة حتى تنثنى\rوأعبط القرن بعضب مشرفى ... أرزم للموت كإرزام المرى\rفلا ترى مجذرا يفرى فرى\rوقال عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه: كان أمية بن خلف لى صديقا بمكة، وكان اسمى عبد عمرو، فلما أسلمت تسميت عبد الرحمن، فكان يلقانى فيقول: يا عبد عمرو، أرغبت عن اسم سماكه أبوك؟ فأقول نعم. فيقول: فإنى. لا أعرف الرحمن،","footnotes":"(١) انظر السيرة (٢/ ٢٣٣) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083777,"book_id":3509,"shamela_page_id":340,"part":"1","page_num":338,"sequence_num":340,"body":"فاجعل بينى وبينك شيئا أدعوك به، أما أنت فلا تجيا بنى باسمك الأول، وأما أنا فلا أدعوك بما لا أعرف. فقلت له: يا أبا علىّ، اجعل ما شئت. قال: فأنت عبد الإله.\rفقلت: نعم.\rحتى إذا كان يوم بدر مررت به وهو واقف مع ابنه على آخذ بيده ومعى أدراع لى قد استلبتها فأنا أحملها، فلما رآنى قال: يا عبد عمرو. فلم أجبه فقال: يا عبد الإله.\rفقلت: نعم. قال: هل لك فىّ فأنا خير لك من هذه الأدراع؟ قلت: نعم.\rفطرحت الأدراع من يدى وأخذت بيده ويد ابنه، وهو يقول: ما رأيت كاليوم قط! أما لكم حاجة فى اللبن؟ يريد الفداء.\rوقال عبد الرحمن: قال لى أمية وأنا بينه وبين ابنه آخذ بأيديهما: من الرجل منكم المعلم بريشة نعامة فى صدره؟ زائده قلت: ذلك حمزة بن عبد المطلب. قال: ذلك الذى فعل بنا الأفاعيل.\rقال عبد الرحمن: فو الله، إنى لأقودهما إذ رآه بلال، وكان هو الذى يعذبه بمكة على ترك الإسلام، فيخرجه إلى رمضاء مكة إذا حميت فيضجعه على ظهره ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره ثم يقول: لا تزال هكذا أو تفارق دين محمد. فيقول بلال:\rأحد أحد. فلما رآه قال: رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجوت، قال: قلت أى بلال أبأسيرى؟!\rقال: لا نجوت إن نجا. قلت: أتسمع يا ابن السوداء؟ قال: لا نجوت إن نجا. ثم صرخ بأعلى صوته: يا أنصار الله، رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا.\rفأحاطوا بنا حتى جعلونا فى مثل المسكة، وأنا اذب عنه، فأخلف رجل السيف فضرب رجل ابنة فوقع، وصاح أمية صيحة ما سمعت مثلها قط، فقلت: انج بنفسك، ولا نجاء به، فو الله ما أغنى عنك شيئا، فهبروهما بأسيافهم حتى فرغوا منهما، فكان عبد الرحمن يقول: رحم الله بلالا، ذهبت أدراعى وفجعنى بأسيرى.\rوقاتلت الملائكة يوم بدر. قال ابن عباس: ولم تقاتل فى يوم سواه، وكانوا يكونون فيما سواه من الأيام عددا ومددا لا يضربون، وكانت سماهم يوم بدر عمائم بيضاء، قد أرسلوها فى ظهروهم، ويوم حنين عمائم حمرا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083778,"book_id":3509,"shamela_page_id":341,"part":"1","page_num":339,"sequence_num":341,"body":"وذكر ابن هشام «١» عن على- رضى الله عنه- فى سيماهم يوم بدر مثل ما قال ابن عباس، إلا جبريل، فإن فى حديث على أنه كانت عليه عمامة صفراء.\rوقال ابن عباس: حدثنى رجل من غفار قال: أقبلت أنا وابن عم لى حتى أصعدنا فى حيل يشرف بنا على بدر، ونحن مشركان ننظر لمن تكون الدبرة فننتهب مع من ينتهب؛ فبينا نحن فى الجبل إذ دنت منا سحابة فسمعنا فيها حمحمة الخيل، فسمعت قائلا يقول:\rأقدم حيزوم. فأما ابن عمى فانكشف قناع قلبه فمات مكانه، وأما أنا فكدت أهلك ثم تماسكت.\rوقال أبو أسيد الساعدى بعد أن ذهب بصره، وكان شهد بدرا: لو كنت اليوم ببدر ومعى بصرى لأريتكم الشعب الذى خرجت منه الملائكة، لا أشك ولا أتمارى.\rوقال أبو داود المازنى: إنى لأتبع رجلا من المشركين يوم بدر لأضربه إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفى، فعرفت أنه قد قتله غيرى.\rفلما فرغ رسول الله ﷺ من عدوه أمر بأبى جهل أن يلتمس فى القتلى، وقال لهم:\r«انظروا إن خفى عليكم فى القتلى إلى أثر جرح فى ركبته، فإنى ازدحمت يوما أنا وهو على مأدبة لعبد الله بن جدعان ونحن غلامان وكنت أشف منه بيسير، فدفعته فوقع على ركبتيه فجحشت فى إحداهما جحشا لم يزل أثره به» «٢» .","footnotes":"(١) انظر السيرة (٢/ ٢٣٧) .\r(٢) ذكر ابن الجوزى فى المنتظم (٣/ ١١٥) فى ذكر مقتل أبى جهل قصة أصح من هذا وهى فى صحيح البخارى، فقال: أخبرنا عبد الأول، قا: أخبرنا الداوودى، قال: أخبرنا ابن أعين، قال: أخبرنا الفربرى، قال: حدثنا البخارى، قال: أخبرنا مسدد، قال: حدثنا يوسف بن يعقوب الماجشون، عن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن جده عبد الرحمن، أنه قال: بينا أنا واقف فى الصف يوم بدر، فنظرت عن يمينى وعن شمالى، فإذا أنا بغلامين من الأنصار، حديثه أسنانهما، تمنيت لو كنت بين أضله منهما، فغمزنى أحدهما، فقال: يا عم هل تعرف أبا جهل؟ قلت: نعم، وما حاجتك إليه يا ابن أخى؟ قال: بلغنى أنه يسب رسول الله ﷺ، والذى نفسى بيده لئن رأيته لم يفارق سوادى سوداه حتى يموت الأعجل منا، قال: فغمزنى الآخر، فقال لى مثلها، فتعجبت لذلك ثم لم أنشب أن نظرت إلى أبى جهل يجول فى الناس، فقلت لهما: ألا تريان هذا صاحبكما الذى تسألان عنه، فابتدراه فاستقبلهما فضرباه حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول الله ﷺ فأخبراه، فقال: «أيكما قتله؟» فقال كل واحد منهما: أنا قتلته، قال: «مسحتما سيفيكما؟» ، قالا: لا، فنظر رسول الله ﷺ فى السيفين، فقال: «كلا كما قتله» ، وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083779,"book_id":3509,"shamela_page_id":342,"part":"1","page_num":340,"sequence_num":342,"body":"وكان من حديث عدو الله يوم بدر أنه لما التقى الناس ودنا بعضهم من بعض قال:\rاللهم أقطعنا للرحم وآتانا بما لا نعرف فأحنه الغداة. فكان هو المستفتح، وأقبل يرتجز وهو يقول:\rما تنقم الحرب العوان منى ... بازل عامين حديث سنى\rلمثل هذا ولدتنى أمى\rوكان أول من لقيه ذكر معاذ بن عمرو بن الجموح أخو بنى سلمة، قال: سمعت القوم وأبو جهل فى مثل الحربة يقولون: أبو الحكم لا يخلصن إليه.\rفلما سمعتها جعلته من شأنى فصمدت نحوه، فلما أمكننى حملت عليه فضربته ضربة أطنت قدمه بنصف ساقة، فضربنى ابنه عكرمة على عاتقى فطرح يدى فتعلقت بجلدة من جنبى، وأجهضنى القتال عنه، فلقد قاتلت عامة يومى وإنى لأسحبها خلفى، فلما آذتنى وضعت عليها قدمى ثم تمطيت بها عليها حتى طرحتها وعاش بعد ذلك معاذ هذا- ﵀ إلى زمان عثمان رضى الله عنه.\rثم مر بأبى جهل، وهو عقير، معوذ بن عفراء فضربه حتى أثبته فتركه وبه رمق، وقاتل معوذ حتى قتل.\rفمر عبد الله بن مسعود بأبى جهل حين أمر رسول الله ﷺ بالتماسه فى القتلى. قال عبد الله: وقد كان ضبث بى مرة بمكة فآذانى ولكزنى، فوجدته بآخر رمق فعرفته فوضعت رجلى على عنقه ثم قلت له: أخزاك الله يا عدو الله! قال: وبماذا أخزانى؟\rأعمد من رجل قتلتموه، أخبرنى لمن الدائرة اليوم؟ قلت: لله ولرسوله.\rثم احتززت رأسه، ثم جئت به رسول الله ﷺ، فقلت: يا رسول الله هذا رأس عدو الله أبى جهل. فقال: «آلله الذى لا إله غيره؟» «١» وكانت يمين رسول الله ﷺ، قلت:\rنعم، والله الذى لا إله غيره. ثم ألقيت رأسه بين يديه، فحمد الله.\rوخرج مسلم فى صحيحه عن عبد الرحمن بن عوف، قال: بينا أنا واقف فى الصف","footnotes":"- وقال ابن الجوزى هما: معاذ بن عمرو، ومعاذ بن عفراء. قلت: والحديث أخرجه: البخارى فى صحيحه (٦/ ٢٤٦) ، مسلم فى صحيحه كتاب الجهاد والسير (٣/ ٤٢) ، أحمد فى المسند (١/ ١٩٣) .\r(١) انظر الحديث فى: السنن الكبر للبيهقى (٩/ ٦٢) ، تاريخ الطبرى (٢/ ٣٧) ، البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ٢٨٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083780,"book_id":3509,"shamela_page_id":343,"part":"1","page_num":341,"sequence_num":343,"body":"يوم بدر نظرت عن يمينى وشمالى، فإذا أنا بين غلامين من الأنصار حديثه أسنانهما، فتمنيت لو كنت بين اضلع منهما فغمزنى أحدهما، فقال: يا عم، هل تعرف أبا جهل؟\rقلت: نعم وما حاجتك إليه يا ابن أخى؟ قال: أخبرت أنه يسب رسول الله ﷺ، والذى نفسى بيده لئن رأيته لا يفارق سوادى سواده حتى يموت الأعجل منا. قال: فتعجبت لذلك، فغمزنى الآخر فقال مثلها.\rقال: فلم أنشب أن نظرت إلى أبى جهل يجول فى الناس، فقلت: ألا تريان؟ هذا صاحبكما الذى تسألان عنه.\rفابتدراه، فضرباه بسيفيهما حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول الله ﷺ فأخبراه، فقال:\r«أيكما قتله؟» فقال كل واحد منهما: أنا قتلته. فقال: «هل مسحتما سيفيكما؟» قالا:\rلا، فنظر فى السيفين، فقال: «كلاكما قتله» . وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح.\rوالرجلان: معاذ بن عمرو بن الجموح، ومعاذ بن عفراء.\rوذكر ابن عقبة أن رسول الله ﷺ وقف يوم بدر على القتلى، فالتمس أبا جهل فلم يجده، حتى عرف ذلك فى وجه رسول الله ﷺ فقال: «اللهم لا يعجزن فرعون هذه الأمة» .\rفسعى له الرجال حتى وجده عبد الله بن مسعود مصروعا، بينه وبين المعركة غير كبير، مقنعا فى الحديد واضعا سيفه على فخذيه، ليس به جرح ولا يستطيع أن يحرك منه عضوا، وهو مكب ينظر إلى الأرض، فلما رآه ابن مسعود طاف حوله ليقتله وهو خائف أن ينوء إليه، فلما دنا منه وأبصره لا يتحرك ظن أنه مثبت جراحا، فأراد أن يضربه بسيفه، فخاف أن لا يعنى شيئا فأتاه من ورائه، فتناول قائم سيف أبى جهل فاستله وهو مكب لا يتحرك، ثم رفع سابغة البيضة عن قفاه، فضربه فوقع رأسه بين يديه، ثم سلبه، فلما نظر إليه إذا هو ليس به جراح وأبصر فى عنقه حدرا وفى يديه وكتفه مثل آثار السياط.\rفأتى ابن مسعود النبى ﷺ فأخبره بقتله، والذى رأى به، فقال النبى ﷺ، زعموا:\r«ذلك ضرب الملائكة» .\rوأمر رسول الله ﷺ بالقتلى أن يطرحوا فى القليب فطرحوا فيه إلا ما كان من أمية ابن خلف، فإنه انتفخ فى درعه فملأها، فذهبوا ليحركوه فتزايل، فأقروه وألقوا عليه ما غيبه من التراب والحجارة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083781,"book_id":3509,"shamela_page_id":344,"part":"1","page_num":342,"sequence_num":344,"body":"ويقال: إنهم ألقوا فى القليب وقف عليهم رسول الله ﷺ فقال: «يا أهل القليب، بئس عشيرة النبى كنتم لنبيكم، كذبتمونى وصدقنى الناس، وأخرجتمونى وآوانى الناس، وقاتلتمونى ونصرنى الناس. يا أهل القليب، هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا، فإنى قد وجدت ما وعدنى ربى حقا» .\rفقال له أصحابه: يا رسول الله، أتكلم قوما موتى؟\rفقال لهم: «لقد علموا أن ما وعدهم ربهم حق» .\rقالت عائشة: والناس يقولون: لقد سمعوا ما قلت لهم، وإنما قال رسول الله ﷺ:\r«لقد علموا» «١» .\rوفى حديث أنس أن المسلمين قالوا لرسول الله ﷺ حين نادى أصحاب القليب: يا رسول الله، أتنادى قوما قد جيفوا. فقال: «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبونى» «٢» .\rوذكر ابن عقبة نحوا من ذلك عن نافع عن عبد الله بن عمر.\rوقال حسان بن ثابت:\rعرفت ديار زينب بالكثيب ... كخط الوحى فى الورق القشيب\rتداولها الرياح وكل جون ... من الوسمى منهمر سكوب\rفأمسى رسمها خلقا وأمست ... يبابا بعد ساكنها الحبيب\rفدع عنك التذكر كل يوم ... ورد حرارة الصدر الكئيب\rوخبر بالذى لا عيب فيه ... بصدق غير أخبار الكذوب\rبما صنع المليك غداة بدر ... لنا فى المشركين من النصيب\rغداة كأن جمعهم حراء ... بدت أركانه جنح الغروب\rفلا قيناهم منا بجمع ... كأسد الغاب مردان وشيب\rأمام محمد قد وازروه ... على الأعداء فى لقح الحروب\rبأيديهم صوارم مرهفات ... وكل مجرب ماضى الكعوب","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (٦/ ٢٧٦) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٦/ ٩٠، ٩١) ، مستدرك الحاكم (٣/ ٢٢٤) ، البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ٢٩٢) .\r(٢) انظر الحديث فى: صحيح مسلم كتاب الجنة (٤/ ٧٧) ، سنن النسائى (٢٠٧٤) ، مسند الإمام أحمد (٢/ ٣١) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083782,"book_id":3509,"shamela_page_id":345,"part":"1","page_num":343,"sequence_num":345,"body":"بنو الأوس الغطارف وآزرتها ... بنو النجار فى الدين الصليب\rفغادرنا أبا جهل صريعا ... وعتبة قد تركنا بالحبوب\rوشيبة قد تركنا فى رجال ... ذوى حسب إذا نسبوا حسيب\rيناديهم رسول الله لما ... قذفناهم كباكب فى القليب\rألم تجدوا كلامى كان حقا ... وأمر الله يأخذ بالقلوب\rفما نطقوا ولو نطقوا لقالوا ... صدقت وكنت ذا رأى مصيب\rولما أمر رسول الله ﷺ أن يلقوا فى القليب أخذ عتبة بن ربيعة فسحب إلى القليب، فنظر رسول الله ﷺ فيما ذكر- فى وجه أبى حذيفة بن عتبة فإذا هو كئيب قد تغير، فقال: «يا أبا حذيفة، لعلك دخلك من شأن أبيك شىء؟» «١» أو كما قال ﷺ.\rقال: لا والله يا رسول الله، ما شككت فى أبى ولا فى مصرعه، ولكنى كنت أعرف من أبى رأيا وحلما وفضلا، فكنت أرجو أن يهديه ذلك للإسلام، فلما رأيت ما أصابه، وذكرت ما مات عليه من الكفر بعد الذى كنت أرجو له، أحزننى ذلك.\rفدعا له رسول الله ﷺ بخير وقال له خيرا.\rوكان فى قريش فتية أسلموا ورسول الله ﷺ بمكة، فلما هاجر إلى المدينة حبسهم آباؤهم وعشائرهم بمكة، وفتنوهم فافتتنوا، ثم ساروا مع قومهم إلى بدر فأصيبوا به جميعا، فنزل فيهم من القرآن فيما ذكر: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً [النساء: ٩٧] .\rوأولئك الفتية: الحارث بن زمعة بن الأسود، وأبو قيس بن الفاكه، وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة، وعلى بن أمية بن خلف، والعاص بن منبه بن الحجاج.\rثم إن رسول الله ﷺ أمر بما فى العسكر مما جمع الناس فجمع.\rفاختلف فيه المسلمون، فقال من جمعه: هو لنا. وقال الذين كانوا يقاتلون العدو ويطلبونه: والله لولا نحن ما أصبتموه، لنحن شغلنا عنكم القوم حتى أصبتم ما أصبتم.\rوقال الذين كانوا يحرسون رسول الله ﷺ مخافة أن يخالف إليه العدو:\rوالله، ما أنتم بأحق به منا، ولقد رأينا أن نقتل العدو إذ منحنا الله أكتافهم، ولقد","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٢/ ٢٩٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083783,"book_id":3509,"shamela_page_id":346,"part":"1","page_num":344,"sequence_num":346,"body":"رأينا أن نأخذ المتاع حين لم يكن دونه من يمنعه، ولكنا خفنا على رسول الله ﷺ كرة العدو فقمنا دونه، فما أنتم بأحق به منا.\rفكان عبادة بن الصامت إذا سئل عن الأنفال، قال: فينا معاشر أصحاب بدر أنزلت حين اختلفنا فى النفل وساءت فيه أخلاقنا، فنزعه الله من أيدينا، فجعله إلى رسوله ﷺ فقسمه بيننا عن بواء. يقول: على السواء. فكان فى ذلك تقوى الله وطاعته وطاعة رسوله، وصلاح ذات البين.\rثم بعث رسول الله ﷺ عبد الله بن رواحة بشيرا إلى أهل العالية بما فتح الله على رسوله وعلى المسلمين، وبعث زيد بن حارثة إلى أهل السافلة، قال أسامة بن زيد: فأتانا الخبر- حين سوينا على رقية بنت رسول الله ﷺ، وكان رسول الله ﷺ خلفنى عليها مع زوجها عثمان- أن زيد بن حارثة قد قدم.\rقال: فجئته وهو واقف بالمصلى وقد غشيه الناس وهو يقول: قتل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة وأبو جهل بن هشام، وزمعة بن الأسود، وأبو البخترى بن هشام، وأمية ابن خلف، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج. قلت: يا أبه أحق هذا؟ قال: نعم والله يا بنى.\rثم أقبل رسول الله ﷺ قافلا إلى المدينة ومعه الأسارى من المشركين، وفيهم عقبة بن أبى معيط والنضر بن الحارث، حتى إذا خرج رسول الله ﷺ من مضيق الصفراء، نزل على كثيب يقال له: سير إلى سرحة به، فقسم هنالك النفل الذى أفاء الله على المسلمين من المشركين على السواء.\rثم ارتحل حتى إذا كان بالروحاء، لقيه المسلمون يهنئونه بما فتح الله عليه ومن معه من المسلمين، فقال لهم سلمة بن سلامة بن وقش: ما الذى تهنئوننا به؟ فو الله، إن لقينا إلا عجائز صلعا كالبدن المعلقة فنحرناها، فتبسم رسول الله ﷺ ثم قال: «أى ابن أخى؟\rأولئك الملأ» «١» .\rحتى إذا كان رسول الله ﷺ بالصفراء، قتل النضر بن الحارث، قتله على بن أبى طالب- رضى الله عنه- ثم خرج حتى إذا كان بعرق الظبية، قتل عقبة بن أبى معيط، فقال عقبة حين أمر بقتله: فمن للصبية يا محمد؟ قال: «النار» «٢» .","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: تاريخ الطبرى (٢/ ٣٨) ، البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ٣٠٥) .\r(٢) انظر الحديث فى: تاريخ الطبرى (٢/ ٣٨) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٦/ ٨٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083784,"book_id":3509,"shamela_page_id":347,"part":"1","page_num":345,"sequence_num":347,"body":"فقتله عاصم بن ثابت بن أبى الأقلح، فى قول ابن عقبة وابن إسحاق. وقال ابن هشام «١» : قتله على بن أبى طالب رضى الله عنه.\rوقالت قتيلة أخت النضر بن الحارث لما بلغها مقتل أخيها:\rيا راكبا إن الأثيل مظنة ... من صبح خامسة وأنت موفق «٢»\rأبلغ بها ميتا بأن تحية ... ما إن تزال بها النجائب تخفق «٣»\rمنى إليك وعبرة مسفوجة ... جادت بواكفها وأخرى تخنق\rهل يسمعنى النضر إن ناديته ... أم كيف يسمع ميت لا ينطق\rأمحمد يا خير ضنء كريمة ... فى قومها والفحل فحل معرق «٤»\rما كان ضرك لو مننت وربما ... منّ الفتى وهو المغيظ المحنق\rأو كنت قابل فدية فلينفقن ... بأعز ما يغلو به ما ينفق\rفالنضر أقرب من أسرت قرابة ... وأحقهم إن كان عتق يعتق\rظلت سيوف بنى أبيه تنوشه ... لله أرحام هناك تشقق\rقال ابن هشام: فيقال، والله أعلم: إن رسول الله ﷺ لما بلغه هذا الشعر قال: «لو بلغنى هذا قبل مقتله لمننت عليه» «٥» .\rثم مضرى رسول الله ﷺ حتى قدم المدينة قبل الأسارى بيوم، وقد كان فرقهم بين أصحابه، وقال: استوصوا بالأسارى خيرا.\rوكان أبو عزيز بن عمير أخو مصعب بن عمير لأبيه وأمه فى الأسارى، قال: وكنت فى رهط من الأنصار حين أقبلوا بى من بدر، وكانوا إذا قدموا غداءهم وعشاءهم خصونى بالخبز، وأكلوا التمر، لوصية رسول الله ﷺ إياهم بنا، ما تقع فى يد رجل منهم كسرة من الخبز إلا نفحنى بها، قال: فاستحى فأردها عليه فيردها على ما يمسها!\rقال: ومر بى أخى مصعب ورجل من الأنصار يأسرنى، فقال له: شد يديك به، فإن أمه ذات متاع، لعلها تفديه منك، فقال له أبو عزيز- فيما ذكر ابن هشام- يا أخى،","footnotes":"(١) انظر السيرة (٢/ ٢٤٩) .\r(٢) الأثيل: تصغير أثل، والأثل: هو شجر الطرفاء، ثم سمى به موضع قرب المدينة بين بدر، ووادى الصفراء. ومظنة: موضع لحصول الظن.\r(٣) النجائب: كرام الإبل. تخفق: تسرع.\r(٤) ضن: النسل والولد. المعرق: الكريم الذى يأتى بنسل كرام.\r(٥) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ٣٠٦) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083785,"book_id":3509,"shamela_page_id":348,"part":"1","page_num":346,"sequence_num":348,"body":"هذه وصاتك بى! فقال له مصعب: إنه أخى دونك، فسألت أمه عن أغلى ما فدى به قرشى، فقيل لها: أربعة آلاف درهم، فبعثت ففدته بها.\rوذكر قاسم بن ثابت فى دلائله: أن قريشا لما توجهت إلى بدر مر هاتف من الجن على مكة- فى اليوم الذى أوقع بهم المسلمون- وهو ينشد بأبعد صوت ولا يرى شخصه:\rأزار الحنيفيون بدرا وقيعة ... سينقض منها ركن كسرى وقيصرا\rأبادت رجالا من لؤى وأبرزت ... خرائد يضربن الترائب حسرا\rفيا ويح من أمسى عدو محمد ... لقد جار عن قصد الهدى وتحيرا\rفقال قائلهم: من الحنيفيون؟ فقالوا: هو محمد وأصحابه، يزعمون أنهم على دين إبراهيم الحنيف، ثم لم يلبثوا أن جاءهم الخبر اليقين.\rوكان أول من قدم مكة بمصاب قريش: الحيسمان بن عبد الله الخزاعى. فقالوا: ما وراءك؟ قال: قتل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو الحكم بن هشام، وأمية بن خلف، وزمعة بن الأسود، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، وأبو البخترى بن هشام، فلما جعل يعدد أشراف قريش، قال صفوان بن أمية وهو قاعد فى الحجر: والله إن يعقل هذا، فسلوه عنى. قالوا: ما فعل صفوان بن أمية؟ قال: ها هو ذاك جالس فى الحجر، وقد والله رأيت اباه وأخاه حين قتلا.\rوقال أبو رافع مولى رسول الله ﷺ: كنت غلاما للعباس بن عبد المطلب، وكان الإسلام قد دخلنا أهل البيت فأسلم العباس، وأم الفضل، وأسلمت، وكان العباس يهاب قومه، ويكره خلافهم، فكان يكتم إسلامه، وكان ذا مال كثير متفرق فى قومه، وكان أبو لهب قد تخلف عن بدر، فلما جاءه الخبر عن مصاب أصحاب بدر من قريش كبته الله وأخزاه، ووجدنا فى أنفسنا قوة وعزة، وكنت أعمل الأقداح فى حجرة زمزم، فو الله، إنى لجالس فيها أنحت أقداحى وعندى أم الفضل جالسة، وقد سرنا ما جاءنا من الخبر، إذ أقبل أبو لهب يجر رجليه بشر حتى جلس إلى طنب الحجرة ظهره إلى ظهرى.\rفبينا هو جالس إذ قال الناس: هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب قد قدم.\rفقال أبو لهب: هلم إلى فعندك لعمرى الخبر، فجلس إليه والناس قيام عليه، فقال: يا ابن أخى، أخبرنى كيف كان أمر الناس؟ قال: والله، ما هو إلا أن لقينا القوم منحناهم أكتافنا يقتلوننا كيف شاؤا ويأسروننا كيف شاؤا، وأيم الله مع ذلك ما لمت الناس،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083786,"book_id":3509,"shamela_page_id":349,"part":"1","page_num":347,"sequence_num":349,"body":"لقينا رجالا بيضا على خيل بلق بين السماء والأرض، واله ما تليق شيئا، ولا يقوم لها شىء.\rقال أبو رافع: فرفعت طنب الحجرة بيدى ثم قلت: تلك والله الملائكة! فرفع أبو لهب يده فضرب وجهى ضربة شديدة، وثاورته فاحتملنى وضرب بى الأرض، ثم برك علىّ يضربنى وكنت رجلا ضعيفا، فقامت أم الفضل إلى عمود من عمد الحجرة فضربته به ضربة فلقت فى رأسه شجة منكرة. وقالت أتستضعفه أن غاب عنه سيده! فقام موليا ذليلا، فو الله ما عاش إلا سبع ليال حتى رماه الله بالعدسة فقتلته.\rوذكر محمد بن جرير الطبرى فى تاريخه أن العدسة قرحة كانت العرب تتشاءم بها، ويرون أنها تعدى أشد العدوى.\rفلما أصابت أبا لهب تباعد عنه بنوه، وبقى بعد موته ثلاثا لا تقرب جنازته، ولا يحاول دفنه، فلما خافوا السّبّة فى تركه حفروا له ثم دفعوه بعود فى حفرته، وقذفوه بالحجارة من بعيد، حتى واروه.\rوقال ابن إسحاق فى رواية يونس بن بكير عنه: إنهم لم يحفروا له ولكن أسندوه إلى حائط وقذفوا عليه الحجارة من خلف الحائط، حتى واروه.\rويروى أن عائشة- رضى الله عنها- كانت إذا مرت بموضعه ذلك غطت وجهها.\rوخرج البخارى فى صحيحه: أن أبا لهب رآه بعض أهله فى المنام بشرحيبة، أى حالة، فقال: ما لقيت بعدكم راحة، غير أنى سقيت فى مثل هذه- وأشار إلى النقرة بين السبابة والإبهام- بعتقى ثويبة.\rوثويبة هذه أرضعت رسول الله ﷺ وارضعت عمه حمزة وابا سلمة بن عبد الأسد.\rوروى غير البخارى أن الذى رأى أبا لهب من أهله هو أخوه العباس، وأنه قال:\rمكثت حولا بعد موت أبى لهب لا أراه فى نوم، ثم رأيته فى شر حال، فقال: ما لقيت بعدكم راحة، إلا أن العذاب يخفف عنى كل يوم اثنين.\rوذلك أن رسول الله ﷺ ولد يوم الاثنين، فبشرت أبا لهب بمولده ثوبية مولاته، فقالت له: أشعرت أن آمنة ولدت غلاما لأخيك عبد الله؟ فقال لها: اذهبى فأنت حرة، فنفعه ذلك وهو فى النار، كما نفع أخاه ابا طالب ذبه عن رسول الله ﷺ واجتهاده فى منعه ونصرته، فهو أهون أهل النار عذابا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083787,"book_id":3509,"shamela_page_id":350,"part":"1","page_num":348,"sequence_num":350,"body":"ويفعل الله ما يشاء مما يطابق سابق تقديره، وقد قضى الله- سبحانه- بإحباط عمل الكافرين، فمحال أن يقيم لهم يوم القيامة وزنا، أو ينالوا عنده بشىء قدموه مما يتصور بصورة الأعمال الصالحة نعيما، إلا أنه ربما جعل التفاوت بين جماهيرهم وبين شاء منهم بمقدار العذاب، فيضاعفه على قوم أضعافا، ويضع من شدائده عن آخرين تخفيفا.\rوكل عذاب الله شديد، فنعوذ برضا مولانا الكريم من سخطه، وبمعافاته من عقوبته.\rوحدث محمد بن إسحاق بن يسار عن يحيى بن عباد، عن أبيه عباد بن عبد الله بن الزبير، قال: ناحت قريش على قتلاهم، ثم قالوا: لا تفعلوا فيبلغ محمدا وأصحابه فيشمتوا بكم، ولا تبعثوا فى أسراكم حتى تستأنوا بهم لا يأرب عليكم محمد وأصحابه فى الفداء.\rقال: وكان الأسود بن المطلب قد أصيب له ثلاثة من ولده: زمعة وعقيل ابناه، والحارث بن زمعة وهو ابن ابنه، وكان يحب أن يبكى عليهم، فسمع نائحة من الليل فقال لغلام له وقد ذهب يصره، انظر هل أحل النحب؟ هل بكت قريش على قتلاها؟\rلعلى ابكى على أبى حكيمة- يعنى زمعة- فإن جوفى قد احترق!\rفلما رجع إليه الغلام، قال: إنما هى امرأة تبكى على بعير لها أضلته. قال: فذاك حين يقول الأسود:\rأتبكى أن يضل لها بعير ... ويمنعها من النوم السهود\rفلا تبكى على بكر ولكن ... على بدر تقاصرت الجدود\rفى أبيات ذكرها ابن إسحاق «١» .\rوقد تقدم دعاء رسول الله ﷺ على الأسود بن عبد المطلب هذا بأن يعمى الله بصره ويثكله ولده، فاستجيب له وفق دعائه، سبق العمى أولا إلى بصره، ثم أصيب يوم بدر بمن سمى آنفا من ولده، فتمت إجابة الله سبحانه رسوله فيه.\rوكان فى الأسارى أبو وداعة السهمى، فقال رسول الله ﷺ: «إن له بمكة ابنا كيسا تاجرا ذا مال، وكأنكم به قد جاءكم فى طلب فداء أبيه» «٢» ، فلما قالت قريش: لا","footnotes":"(١) انظر السيرة (٢/ ٢٥٣) .\r(٢) انظر الحديث فى: مجمع الزوائد للهيثمى (٦/ ٩٠) ، تاريخ الطبرى (٢/ ٤١) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083788,"book_id":3509,"shamela_page_id":351,"part":"1","page_num":349,"sequence_num":351,"body":"تعجلوا بفداء أسراكم لا يأرب عليكم محمد وأصحابه، قال المطلب بن أبى وداعة، وهو الذى كان رسول الله ﷺ عنى، صدقتم لا تعجلوا. وانسل من الليل فقدم المدينة فأخذ اباه بأربعة آلاف درهم.\rثم بعثت قريش فى فداء الأسارى، فقدم مكرز بن حفص بن الأحتف فى فداء سهيل بن عمرو وكان الذى أسره مالك بن الدخشم أخو بنى سالم بن عوف، فلما قاولهم فيه مكرز وانتهى إلى رضاهم قالوا: هات الذى لنا، قال: اجعلوا رجلى مكان رجله، وخلوا سبيله حتى يبعث إليكم بفدائه. فخلوا سبيل سهيل، وحبسوا مكرزا مكانه عندهم، فقال مكرز:\rفديت بأذواد ثمان سبا فتى ... ينال الصميم غرمها لا المواليا\rرهنت يدى والمال أيسر من يدى ... على ولكنى خشيت المخازيا\rوقلت سهيل خيرنا فاذهبوا به ... لأبنائنا حتى ندير الأمانيا\rوكان سهيل قد قام فى قريش خطيبا عندما استنفرهم أبو سفيان، فقال: يا لغالب أتاركون أنتم محمدا والصبا من أهل يثرب يأخذون عيرانكم وأموالكم، من أراد مالا فهذا مالى، ومن أراد قوة فهذه قوة.\rفيروى أن عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- قال لرسول الله ﷺ لما أسر سهيل يوم بدر: يا رسول الله، انزع ثنتيتى سهيل بن عمرو يدلع لسانه، فلا يقوم عليك خطيبا فى موطن أبدا.\rفقال رسول الله ﷺ: «لا أمثل به، فيمثل الله بى، وإن كنت نبيا! إنه عسى أن يقوم مقاما لا تذمة» «١» .\rفصدق الله ورسوله، وكان لسهيل بعد وفاته ﷺ فى تثبيت أهل مكة على الإيمان مقام سيأتى ذكر حديثه فى موضعه إن شاء الله.\rوكان عمرو بن أبى سفيان بن حرب أسيرا فى يدى رسول الله ﷺ من أسارى بدر، فقيل لأبى سفيان بن حرب: أفد عمرا ابنك. فقال: أيجمع على دمى ومالى، قتلوا حنظلة وأفدى عمرا؛ دعوه فى أيديهم يمسكونه ما بدا لهم!","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: كنز العمال للمتقى الهندى (١٣٣٩٥، ١٣٤٤٧، ١٣٤٤٨) ، البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ٣١٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083789,"book_id":3509,"shamela_page_id":352,"part":"1","page_num":350,"sequence_num":352,"body":"فبينا هو كذلك محبوس بالمدينة عند رسول الله ﷺ إذ خرج سعد بن النعمان بن أكال أخو بنى عمرو بن عوف معتمرا، ومعه مرية له، وكان شيخا مسلما فى غنم له بالبقيع، فخرج من هنالك معتمرا ولا يخشى الذى صنع به، لم يظن أنه يحبس بمكة، إنما جاء معتمرا، وقد كان عهد قريشا لا يعرضون لأحد جاء حاجا أو معتمرا إلا بخير، فعدا عليه أبو سفيان بن حرب بمكة فحبسه بابنه عمرو. ثم قال:\rأرهط ابن أكال أجيبوا دعاءه ... تعاقدتم لا تسلموا السيد الكهلا\rفإن بنى عمرو لئام أذلة ... لئن لم تفكوا عن أسيرهم الكبلا\rفأجابه حسان بن ثابت فقال:\rولو كان سعد يوم مكة مطلقا ... لأكثر فيكم قبل أن يؤسر القتلا\rبعضب حسام أو بصفراء نبعة ... تحن إذا ما أنبضت تحفز النبلا\rومشى بنو عمرو بن عوف إلى رسول الله ﷺ فأخبروه خبره، وسألوه أن يعطيهم عمرو بن أبى سفيان، فيفكوا به صاحبهم، ففعل رسول الله ﷺ فبعثوا به إلى أبى سفيان، فخلى سبيل سعد.\rوكان فى الأسارى- أيضا- أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس، ختن رسول الله ﷺ زوج ابنته زينب، وكان ﷺ يثنى عليه فى صهره خيرا، وكان من رجال مكة المعدودين مالا وأمانة وتجارة، وهو ابن أخت خديجة- رضى الله عنها- وهى سألت رسول الله ﷺ قبل أن ينزل عليه الوحى أن يزوجه، وكان لا يخالفها، فزوجه، وكانت تعده بمنزلة ولدها.\rفلما أكرم الله رسوله ﷺ بنبوته، آمنت به خديجة وبناته، فصدقنه ودن بدينه، وشهدن أن الذى جاء به هو الحق، وثبت أبو العاص على شركه.\rفلما بادى رسول الله ﷺ قريشا بأمر الله ﵎ وبالعداوة، قالوا: إنكم فرغتم محمدا من همه، فردوا عليه بناته فاشغلوه بهن. فمشوا إلى أبى العاص فقالوا له: فارق صاحبتك ونحن نزوجك أى امرأة من قريش شئت. قال: لا ها الله، إذا لا أفارق صاحبتى، وما أحب أن لى بها امرأة من قريش.\rثم مشوا إلى عتبة بن أبى لهب وكان رسول الله ﷺ قد زوجه رقية أو أم كلثوم، فقالوا له: طلق ابنة محمد ونحن ننكحك أى امرأة من قريش شئت، فقال: إن زوجتمونى ابنة أبان بن سعيد بن العاص، أو ابنة سعيد بن العاص فارقتها. فزوجوه بنت سعيد بن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083790,"book_id":3509,"shamela_page_id":353,"part":"1","page_num":351,"sequence_num":353,"body":"العاص وفارقها، ولم يكن دخل بها، فأخرجها الله من يده كرامة لها وهوانا له. وخلف عليها عثمان بن عفان بعده.\rوكان رسول الله ﷺ لا يحل بمكة ولا يحرم، مغلوبا على أمره، وكان الإسلام قد فرق بين زينب ابنته وبين أبى العاص، إلا أنه كان لا يقدر أن يفرق بينهما، فأقامت معه على إسلامها وهو على شركه، حتى هاجر رسول الله ﷺ.\rفلما سارت قريش إلى بدر سار فيهم أبو العاص فأصيب فى الأسارى، فكان بالمدينة عند رسول الله ﷺ، فلما بعث أهل مكة فى فداء أسراهم بعثت زينب بنت رسول الله ﷺ فى فداء أبى العاص بمال وبعثت فيه بقلادة لها كانت خديجة أدخلتها بها على أبى العاص حين بنى بها، فلما رآها رسول الله ﷺ رق لها رقة شديدة، وقال: «إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها، وتردوا عليها الذى لها فافعلوا» «١» قالوا: نعم يا رسول الله. فأطلقوه وردوا عليها مالها.\rوكان رسول الله ﷺ قد أخذ عليه أن يخلى سبيل زينب إليه، أو وعده أبو العاص بذلك، أو شرطه عليه رسول الله ﷺ فى إطلاقه، ولم يظهر ذلك منه ولا من رسول الله ﷺ فيعلم ما هو.\rإلا أنه لما خرج أبو العاص إلى مكة وخلى سبيله، بعث رسول الله ﷺ مكانه زيد بن حارثة، ورجلا من الأنصار، فقال: كونا ببطن يأجح حتى تمر بكما زينب فتصحباها، حتى تأتيانى بها. فخرجا وذلك بعد بدر بشهر أو سبعة، فلما قدم أبو العباس مكة أمرها باللحوق بأبيها، فخرجت تتجهز.\rقالت زينب: بينا أنا أتجهز بمكة لقيتنى هند ابنة عتبة، فقالت: يا ابنة محمد ألم يبلغنى أنك تريدين اللحوق بأبيك؟ قالت: ما أردت ذلك. قالت: أى ابنة عم لا تفعلى، إن كانت لك حاجة بمتاع مما يرفق بك فى سفرك أو بمال تتبلغين به إلى أبيك، فإن عندى حاجتك، فلا تضطنى منى فإنه لا يدخل بين النساء ما يدخل بين الرجال. قالت زينب:\rفو الله ما أراها قالت ذلك إلا لتفعل، ولكنى خفتها فأنكرت أن أكون أريد ذلك، وتجهزت.","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: سنن أبى داود (٢٦٩٢) ، مسند الإمام أحمد (٦/ ٢٧٦) ، السنن الكبرى للبيهقى (٦/ ٣٢٢) ، مستدرك الحاكم (٤/ ٤٥) ، مشكاة المصابيح للتبريزى (٣٩٧٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083791,"book_id":3509,"shamela_page_id":354,"part":"1","page_num":352,"sequence_num":354,"body":"ولما فرغت بنت رسول الله ﷺ من جهازها قدم إليها كنانة بن الربيع «١» أخو زوجها بعيرا فركبته، وأخذ قوسه وكنانته ثم خرج بها نهارا يقود بها وهى فى هودج لها، وتحدث بذلك رجال قريش، فخرجوا فى طلبها حتى أدركوها بذى طوى، فكان أول من سبق إليها هبار بن الأسود الفهرى، فروعها هبار بالرمح وهى فى هودج لها، وكانت حاملا- فيما يزعمون- فلما ريعت طرحت ذا بطنها.\rوبرك حموها كنانة ونثر كنانته ثم قال: والله، لا يدنو منى رجل إلا وضعت فيه سهما. فتكر كر الناس عنه، وأتى أبو سفيان بن حرب فى جلة من قريش فقال: أيها الرجل، كف عنا نبلك حتى نكلمك. فكف، فأقبل أبو سفيان حتى وقف عليه، فقال:\rإنك لم تصب، خرجت بالمرأة على رؤس الناس علانية، وقد عرفت مصيبتنا ونكبتنا، وما دخل علينا من محمد. فيظن الناس إذا خرجت إليه ابنته علانية على رؤس الناس من بين أظهرنا أن ذلك عن ذل أصابنا عن مصيبتنا التى كانت، وأن ذلك من ضعف ووهن، ولعمرى! ما لنا بحبسها عن أبيها من حاجة، وما لنا فى ذلك من ثورة ولكن أرجع المرأة، حتى إذا هدأت الأصوات وتحدث الناس أن قد رددناها، فسلها سرا وألحقها بأبيها. ففعل، فأقامت ليالى حتى إذا هدأت الأصوات خرج بها ليلا حتى أسلمها إلى زيد بن حارثة وصاحبه، فقدما بها على رسول الله ﷺ.\rولما انصرف الذين خرجوا إلى زينب لقيتهم هند بنت عتبة فقالت لهم:\rأفى السلم أعيار جفاء وغلظة ... وفى الحرب أشباه النساء العوارك\rوأمر رسول الله ﷺ بسرية بعثها بتحريق هبار بن الأسود أو الرجل الذى سبق معه إلى زينب إن ظفروا بهما، ثم بعث إليهم فقال: «إنى كنت قد أمرتكم بتحريق هذين الرجلين إن أخذتموهما، ثم رأيت أنه لا ينبغى أن يعذب بالنار إلا الله ﷿، فإن ظفرتم بهما فاقتلوهما» «٢» .\rوأقام أبو العاص بمكة وأقامت زينب عند رسول الله ﷺ، حين فرق بينهما الإسلام، حتى إذا كان قبيل الفتح خرج أبو العاص تاجرا إلى الشام، وكان رجلا مأمونا، بمال له وأموال لرجال من قريش أبضعوها معه، فلما فرغ من تجارته وأقبل قافلا لقيته سرية لرسول الله ﷺ فأصابوا ما معه وأعجزهم هاربا، فلما قدمت السرية بما أصابوا من ماله","footnotes":"(١) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (٧٤٧٩) ، أسد الغابة ترجمة رقم (٤٥٠٦) .\r(٢) انظر الحديث فى: مصنف ابن أبى شيبة (١٢/ ٣٨٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083792,"book_id":3509,"shamela_page_id":355,"part":"1","page_num":353,"sequence_num":355,"body":"أقبل أبو العاص تحت الليل حتى دخل على زينب بنت رسول الله ﷺ فاستجار بها فأجارته، وجاء فى طلب ماله، فلما خرج رسول الله ﷺ إلى الصبح فكبر وكبر الناس معه صرخت زينب من صفة النساء: أيها الناس: إنى قد أجرت أبا العاص بن الربيع.\rفلما سلم رسول الله ﷺ من الصلاة أقبل على الناس فقال: «أيها الناس، هل سمعتم ما سمعت؟» قالوا: نعم، قال: «أما والذى نفس محمد بيده، ما علمت بشىء حتى سمعت ما سمعتم، إنه يجير على المسلمين أدناهم» .\rثم انصرف، فدخل على ابنته فقال: «أى بنية، أكرمى مثواه ولا يخلصن إليك، فإنك لا تحلين له» «١» . وبعث إلى السرية الذين أصابوا مال أبى العاص فقال لهم: «إن هذا الرجل منا حيث قد علمتم، وقد أصبتم له مالا، فإن تحسنوا وتردوا عليه الذى له فإنا نحب ذلك، وإن أبيتم فهو فىء الله الذى أفاء عليكم، فأنتم أحق به» «٢» . قالوا: يا رسول الله، بل نرده عليه، فردوه عليه، حتى إن الرجل ليأتى بالدلو ويأتى الرجل بالشنه والإداوده، حتى إن الرجل ليأتى بالشظاظ حتى ردوا عليه ماله بأسره لا يفقد منه شيئا، ثم احتمل إلى مكة فأدى إلى كل ذى مال من قريش ماله ثم قال: يا معشر قريش، هل بقى لأحد منكم عندى مال لم يأخذه؟ قالوا: لا، فجزاك الله خيرا، فقد وجدناك وفيا كريما. قال: فإنى أشهد لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، والله ما منعنى من الإسلام عنده إلا تخوف أن تظنوا أنى إنما أردت أن آكل أموالكم، فلما أداها الله إليكم وفرغت منها، أسلمت. ثم خرج حتى قدم على رسول الله ﷺ.\rوحكى ابن هشام عن أبى عبيدة «٣» ، أن أبا العاص لما قدم من الشام ومعه أموال المشركين قيل له: هل لك أن تسلم وتأخذ هذه الأموال، فإنها للمشركين؟ فقال: بئس ما أبدأ به إسلامى أن أخون أمانتى.\rومن رسول الله ﷺ على نفر من الأسارى من قريش بغير فداء، منهم أبو عزة عمرو ابن عبد الله الجمحى، كان متحاجا ذا بنات، فكلم رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، لقد عرفت مالى من مال، وإنى لذو حاجة وذو عيال، فامنن على. فمن عليه رسول الله ﷺ وأخذ عليه أن لا يظاهر عليه أحدا، فقال أبو عزة فى ذلك يمدح رسول الله ﷺ","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: نصب الراية للزيلعى (٣/ ٢١١) ، سنن البيهقى (٩/ ٩٥) ، مستدرك الحاكم (٣/ ٢٣٦، ٢٣٧) .\r(٢) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (٤/ ٨٥) ، مستدرك الحاكم (٣/ ٢٣٧) .\r(٣) انظر السيرة (٢/ ٢٦٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083793,"book_id":3509,"shamela_page_id":356,"part":"1","page_num":354,"sequence_num":356,"body":"ويذكر فضله على قومه:\rومن مبلغ عنى الرسول محمدا ... بأنك حق والمليك حميد\rوأنت امرؤ تدعو إلى الحق والهدى ... عليك من الله العظيم شهيد\rوأنت امرؤ بوئت فينا مباءة ... لها درجات سهلة وصعود\rفإنك من حاربته لمحارب ... شقى ومن سالمته لسعيد\rولكن إذا ذكرت بدرا وأهله ... تأوب ما بى حسرة وقعود «١»\rوذكر موسى بن عقبة أن المسلمين جهدوا على أبى عزة هذا عندما أسر ببدر أن يسلم، فقال: لا، حتى أضرب فى الخزرجية يوما إلى الليل.\rوما وقع فى شعره ومحاورته رسول الله ﷺ مما يقتضى التصريح برسالته، فلا أعلم له مخرجا، إن صح، إلا أن يكون ذلك من جملة ما قصد به أبو عزة أن يخدع رسول الله ﷺ، فعاد على عدو الله ما ائتمر، ولم يخدع إلا نفسه وما شعر، وذلك أنه لما أخذت قريش قبل أحد فى الإعداد لحرب رسول الله ﷺ طلبا بثأرهم فى يوم بدر قال صفوان ابن أمية لأبى عزة هذا: يا أبا عزة، إنك امرؤ شاعر، فأعنا بلسانك، فاخرج معنا، فقال:\rإن محمدا قد منّ علىّ فلا أريد أن أظاهر عليه. قال: بلى، فأعنا بنفسك، فلك الله على إن رجعت أن أعينك، وإن أصبت أن أجعل بناتك مع بناتى، يصيبهن ما أصابهن من عز ويسر.\rفخرج أبو عزة يسير فى تهامة ويدعو بنى كنانة ويقول:\rأيا بنى عبد مناة الرزام ... أنتم حماة وأبو كم حام\rلا تعدمونى نصركم بعد العام ... لا تسلمونى لا يحل إسلام\rثم كان من الأمر يوم أحد ما كان، وخرج رسول الله ﷺ بعد الوقعة مرهبا لعده حتى انتهى إلى حمراء الأسد، فأخذ رسول الله ﷺ فى وجهه ذلك أبا عزة الجمحى، فقال: يا رسول الله، أقلنى. فقال رسول الله ﷺ: «والله لا تمسح عارضيك بمكة، تقول:\rخدعت محمدا مرتين، اضرب عنقه يا زبير» «٢» . فضرب عنقه.\rوذكر ابن هشام- فيما بلغه عن سعيد بن المسيب- أن رسول الله ﷺ قال له: «إن","footnotes":"(١) ذكر قصته ابن حجر فى فتح البارى (١٠/ ٥٤٧) ، العجلونى فى كشف الخفاء (٢/ ٥٠٥) ، البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ٣١٢، ٣١٣) ، ابن سيد الناس فى عيون الأثر (١/ ٤١٢) .\r(٢) انظر الحديث فى: فتح البارى لابن حجر (١٠/ ٥٤٧) ، السنن الكبرى للبيهقى (٩/ ٦٥) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083794,"book_id":3509,"shamela_page_id":357,"part":"1","page_num":355,"sequence_num":357,"body":"المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، اضرب عنقه، يا عاصم بن ثابت» «١» فضرب عنقه.\rوكان عمير بن وهب «٢» شيطانا من شياطين قريش، وممن كان يؤذى رسول الله ﷺ وأصحابه بمكة ويلقون منه عنتا، وكان ابنه وهب بن عمير فى أسارى بدر، فجلس عمير مع صفوان بن أمية فى الحجر بعد مصاب أهل بدر بيسير، فذكر أصحاب القليب ومصابهم، فقال له صفوان: فو الله، إن فى العيش خير بعدهم. فقال عمير: صدقت والله، أما والله لولا دين على ليس له عندى قضاء وعيال أخشى عليهم الضيعة بعدى لركبت إلى محمد حتى أقتله، فإن لى فيهم علة، ابنى أسير فى أيديهم.\rفاغتنمها صفوان فقال: على دينك أنا أقضيه عنك، وعيالك مع عيالى أواسيهم ما بقوا لا يسعنى شىء ويعجز عنهم، قال: عمير: فاكتم عنى شأنى وشأنك، قال: أفعل.\rثم أمر عمير بسيفه فشحذ له وسم، ثم انطلق حتى قدم المدينة. فبينا عمر بن الخطاب فى نفر من المسلمين يتحدثون عن يوم بدر ويذكرون ما أكرمهم الله به وما أراهم من عدوهم، إذ نظر عمر إلى عمير بن وهب حين أناخ على باب المسجد متوشحا السيف، فقال: هذا الكلب عدو الله عمير بن وهب ما جاء إلا لشر، وهذا الذى حرش بيننا «٣» وحرزنا للقوم «٤» يوم بدر.\rثم دخل عمر على رسول الله ﷺ فقال: يا بنى الله، هذا عدو الله عمير بن وهب، قد جاء متوشحا سيفه. قال: «فأدخله علىّ» . فأقبل عمر حتى أخذ بحمالة سيفه فى عنقه فلببه بها وقال لرجال من الأنصار كانوا معه: ادخلوا على رسول الله ﷺ فاجلسوا عنده واحذروا عليه هذا الخبيث فإنه غير مأمون. ثم دخل به، فلما رآه رسول الله ﷺ كذلك قال: «أرسله يا عمر، أدن يا عمير» . فدنا ثم قال: أنعموا صباحا، وكانت تحية أهل الجاهلية بينهم، فقال رسول الله ﷺ: «قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير، بالسلام، تحية أهل الجنة» قال: أما والله إن كنت بها يا محمد لحديث عهد. قال: «فما جاء بك يا عمير؟» قال: جئت لهذا الأسير الذى فى أيديكم فأحسنوا فيه، قال: «فما","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: السنن الكبرى للبيهقى (٩/ ٦٥) ، مشكل الآثار للطحاوى (٢/ ١٩٧) ، البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ٥١) ، الطبقات الكبرى لابن سعد (٢/ ١/ ٣٠) .\r(٢) انظر ترجمته فى: الجرح والتعديل (٦/ ٢٠٩١) ، الإصابة ترجمة رقم (٦٠٧٣) ، أسد الغابة ترجمة رقم (٤٠٩٦) ، البداية والنهاية (٣/ ١١٣، ٥/ ٨) .\r(٣) حرش بيننا: أى أفسد بيننا.\r(٤) حزرنا للقوم: أى قدر عددنا.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083795,"book_id":3509,"shamela_page_id":358,"part":"1","page_num":356,"sequence_num":358,"body":"بال السيف فى عنقك؟» فقال: قبحها الله من سيوف، وهل أغنت شيئا! قال:\r«أصدقنى، ما الذى جئت له؟» قال: ما جئت إلا لذلك. قال: «بلى، قعدت أنت وصفوان بن أمية فى الحجر، فذكرتما أصحاب القليب من قريش، ثم قلت: لولا دين على وعيال عندى لخرجت حتى أقتل محمدا، فتحمل لك صفوان بدينك وعيالك على أن تقتلنى له، والله حائل بينك وبين ذلك» . قال عمير: أشهد أنك رسول الله، قد كنا يا رسول الله نكذبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء وما ينزل عليك من الوحى، وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان، فو الله إنى لأعلم ما أتاك به إلا الله، فالحمد لله الذى هدانى للإسلام وساقنى هذا المساق. ثم شهد بشهادة الحق، فقال رسول الله ﷺ:\r«فقهوا أخاكم فى دينه، وأقرئوه القرآن، وأطلقوا له أسيره» «١» ففعلوا.\rثم قال: يا رسول الله، إنى كنت جاهدا على إطفاء نور الله، شديد الأذى لمن كان على دين الله، وأنا أحب أن تأذن لى فأقدم مكة فأدعوهم إلى الله وإلى الإسلام، لعل الله يهديهم، وإلا آذيتهم فى دينهم كما كنت أوذى أصحابك فى دينهم.\rفأذن له رسول الله ﷺ فلحق بمكة. وكان صفوان حين خرج عمير يقول: أبشروا بوقعة تأتيكم الآن فى أيام تنسيكم وقعة بدر. وكان يسأل عنه الركبان، حتى قدم راكب فأخبره عن إسلامه، فحلف أن لا يكلمه أبدا ولا ينفعه بنفع أبدا، فلما قدم عمير مكة أقام بها يدعو إلى الإسلام ويؤذى من خالفه أذى شديدا، فأسلم على يديه ناس كثير.\rوعمير هذا أو الحارث بن هشام- يشك ابن إسحاق- هو الذى رأى إبليس حين نكص على عقبيه يوم بدر فقال: أين أى سراق؟ ومثل عدو الله فذهب. فأنزل الله- ﵎ فيه: وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ [الأنفال: ٤٨] فذكر استدراج إبليس إياهم بتشبهه بسراقة بن مالك بن جعشم لهم حين ذكروا ما بينهم وبين بنى بكر من الحرب، يقول الله ﷿: فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ ونظر عدو الله إلى جنود الله من الملائكة قد أيد الله بهم رسوله والمؤمنين على عدوهم نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ وصدق عدو الله الكذوب، رأى ما لم يروا وقال: إِنِّي أَخافُ اللَّهَ","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: مجمع الزوائد للهيثمى (٨/ ٢٨٦، ٢٨٧) ، الخصائص الكبرى للسيوطى (١/ ٣٤٤) ، تاريخ الطبرى (٢/ ٤٤، ٤٦) ، المغازى للواقد (١/ ١٢٥) ، عيون الأثر لابن سيد الناس (١/ ٤١٣، ٤١٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083796,"book_id":3509,"shamela_page_id":359,"part":"1","page_num":357,"sequence_num":359,"body":"وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ فذكر أنهم كانوا يرونه فى كل منزل فى صورة سراقة لا ينكرونه، حتى إذا كان يوم بدر والتقى الجمعان نكص على عقبية فأوردهم ثم أسلمهم.\rوفى ذلك يقول حسان بن ثابت:\rقومى الذين هم آووا نبيهم ... وصدقوه وأهل الأرض كفار\rإلا خصائص أقوام هم سلف ... للصالحين مع الأنصار أنصار\rمستبشرين بقسم الله قولهم ... لما أتاهم كريم الأصل مختار\rأهلا وسهلا ففى أمن وفى سعة ... نعم النبى ونعم القسم والجار\rفأنزلوه بدار لا يخاف بها ... من كان جارهم دارا هى الدار\rوقاسموهم بها الأموال إذ قدموا ... مهاجرين وقسم الجاحد النار\rسرنا وساروا إلى بدر لحينهم ... لو يعلمون يقين العلم ما ساروا\rدلاهم بغرور ثم أسلمهم ... إن الخبيث لمن والاه غرار\rوقال إنى لكم جار فأوردهم ... شر الموارد فيه الخزى والعار\rثم التقينا فولوا عن سراتهم ... من منجدين ومنهم فرقة غاروا\rويروى أن قريشا رأوا سراقة المدلجى بعد وقعة بدر، وهو الذى تمثل لهم إبليس فى صورته يوم بدر كما تقدم، فقالوا له: يا سراقة، أخرمت الصف وأوقعت فينا الهزيمة؟! فقال: والله ما علمت بشىء من أمركم حتى كانت هزيمتكم، وما شهدت معكم. فما صدقوه حتى اسلموا وسمعوا ما أنزل الله فى ذلك، فعلموا أنه كان إبليس تمثل لهم.\rولما انقضى أمر بدر، أنزل الله- ﵎ فيه من القرآن «الآنفال» بأسرها.\rوكان جميع من شهد بدرا من المسلمين من المهاجرين والأنصار، من شهدها ومن ضرب له بسهمه وأجره ثلاثمائة رجل وأربعة عشر رجلا، من المهاجرين ثلاثة وثمانون رجلا: ثلاثة منهم ضرب لهم بسهامهم وأجورهم ولم يشهدوا، وهم: عثمان بن عفان، تخلف على امرأته رقية بنت رسول الله ﷺ لمرضها الذى توفيت فيه قبل أن يرجع رسول الله ﷺ من بدر، فضرب له رسول الله ﷺ بسهمه. قال: وأجرى يا رسول الله ﷺ؟\rقال: «وأجرك» . وطلحة بن عبيد الله، وسعيد بن زيد، كانا بالشام فرجعا بعد رجوع رسول الله ﷺ من بدر، فضرب لكليهما بسهمه. قال: وأجرى يا رسول الله؟ قال:\rوأجرك.\rومن الأوس: واحد وستون، اثنان منهم ضرب لهما بسهميهما: عاصم بن عدى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083797,"book_id":3509,"shamela_page_id":360,"part":"1","page_num":358,"sequence_num":360,"body":"العجلانى، رده رسول الله ﷺ بعد أن خرج معه وضرب له بسهم، وخوّات بن جبير ضرب له، أيضا، بسهمه.\rومن الخزرج مائة وسبعون رجلا، منهم الحارث بن الصمة كسر به بالروحاء فضرب له رسول الله ﷺ بسهمه.\rواستشهد يومئذ من المسلمين مع رسول الله ﷺ أربعة عشر رجلا: ستة من قريش:\rعبيدة بن الحارث بن المطلب، وعمير بن أبى وقاص الزهرى، وذو الشمالين بن عبد عمرو حليف بنى زهرة، وعاقل بن البكير حليف لبنى عدى، ومهجع مولى عمر بن الخطاب، وصفوان بن بيضاء.\rومن الأنصار ثمانية نفر، خمسة من الأوس: سعد بن خيثمة، ومبشر بن عبد المنذر من بنى عمرو بن عوف، ويزيد بن الحارث الذى يقال له: ابن فسحم من بنى الحارث ابن الخزرج، وعمير بن الحمام من بنى سلمة، ورافع بن المعلى من بنى جشم.\rوثلاثة من الخزرج من بنى النجار: حارثة بن سراقة، وعوف ومعوذ ابنا الحارث بن رفاعة منهم، وهم ابنا عفراء، رحمة الله على جميعهم ورضوانه.\rوكان من المسلمين يوم بدر من الخيل فرس الزبير بن العوام، وفرس مرثد بن أبى مرثد الغنوى، وفرس المقداد بن عمرو البهرانى.\rوذكر ابن إسحاق أن جميع من أحصى له من قتلى قريش من المشركين يوم بدر خمسون رجلا. وقال ابن هشام «١» : حدثنى أبو عبيدة عن أبى عمرو أن قتلى بدر من المشركين كانوا سبعين رجلا والأسرى كذلك، وهو قول ابن عباس وسعيد بن المسيب.\rوفى كتاب الله ﵎: أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها يقول لأصحاب أحد، وكان من أستشهد منهم سبعين رجلا، يقول: قد أصبتم يوم بدر مثلى من استشهد منكم يوم أحد: سبعين قتيلا وسبعين أسيرا.\rوأنشدنى أبو زيد الأنصارى لكعب بن مالك من قصيدة له ينعى قتلى بدر:\rفأقام بالعطن المعطن منهم ... سبعون عتبة منهم والأسود\rوكان مما قيل فى يوم بدر من الشعر: قول حمزة بن عبد المطلب يرحمه الله، ومن أهل العلم من ينكرها له:","footnotes":"(١) انظر السيرة (٢/ ٣٠٧) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083798,"book_id":3509,"shamela_page_id":361,"part":"1","page_num":359,"sequence_num":361,"body":"ألم تر أمرا كان من عجب الدهر ... وللحين أسباب مبينة الأمر\rوما ذاك إلا أن قوما أفادهم ... فخانوا تواص بالعقوق وبالكفر\rعشية راحوا نحو بدر بجمعهم ... فكانوا رهونا للركية من بدر «١»\rوكنا طلبنا العير لم نبغ غيرها ... فساروا إلينا فالتقينا على قدر\rفلما التقينا لم تكن مثنوية ... لنا غير طعن بالمثقفة السمر\rوضرب ببيض يختلى الهام حدها ... مشهرة الألوان بينة الأثر\rونحن تركنا عتبة الغى ثاويا ... وشيبة فى القتلى تجرجم فى الجفر\rوعمرو ثوى فيمن ثوى من حماتهم ... فشقت جيوب النائحات على عمرو\rجيوب نساء من لؤى بن غالب ... كرام تفر عن الذوائب من فهر\rأولئك قوم قتلوا فى ضلالهم ... وخلوا لواء غير محتضر النصر\rلواء ضلال قاد إبليس أهله ... فخاس بهم إن الخبيث إلى غدر\rوقال لهم إذ عاين الأمر واضحا ... برئت إليكم ما بى اليوم من صبر\rفإنى أرى ما لا ترون وإننى ... أخاف عقاب الله والله ذو قسر «٢»\rفقدمهم للحين حتى تورطوا ... وكان بما لم يخبر القوم ذا خبر «٣»\rفكانوا غداة البئر ألفا وجمعنا ... ثلاث مئين كالمسدمة الزهر «٤»\rوفينا جنود الله حين يمدنا ... بهم فى مقام ثم مستوضح الذكر\rفشد بهم جبريل تحت لوائنا ... لدى مأزق فيه مناياهم تجرى «٥»\rوقال على بن أبى طالب- رضى الله عنه- فى يوم بدر، ولم ير ابن هشام أحدا يعرفها من أهل العلم بالشعر:\rألم تر أن الله أبلى رسوله ... بلاء عزيز ذى اقتدار وذى فضل «٦»\rبما أنزل الكفار دار مذلة ... فلاقوا هوانا من إسار ومن قتل\rفآمسى رسول الله قد عز نصره ... وكان رسول الله أرسل بالعدل\rفجاء بفرقان من الله منزل ... مبينة آياته لذوى العقل","footnotes":"(١) الرهون: جمع رهن. والركية: البئر المطوية بالحجارة.\r(٢) القسر: الغابة والقهر.\r(٣) تورطوا: وقعوا فى هلكة.\r(٤) المسدمة: الفحول من الإبل. والزهر: جمع أزهر وأراد به البيض.\r(٥) المأزق: الموضع الضيق فى الحرب.\r(٦) أبلى رسوله: منّ عليه وصنع له صنعا حسنا.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083799,"book_id":3509,"shamela_page_id":362,"part":"1","page_num":360,"sequence_num":362,"body":"فأمن أقوام بذاك وأيقنوا ... فأمسوا بحمد الله مجتمعى الشمل\rوأنكر أقوام فزاغت قلوبهم ... فزادهم ذو العرش خبلا على خبل\rوأمكن منهم يوم بدر رسوله ... وقوما غضابا فعلهم أحسن الفعل\rبأيديهم ببعض خفاف عصوا بها ... وقد حادثوها بالجلاء وبالصقل\rفكم تركوا من ناشئ ذى حمية ... صريع ومن ذى نجدة منهم كهل\rتبيت عيون النائحات عليهم ... تجود بإسيال الرشاش وبالوبل\rنوائح تنعى عتبة الغى وابنه ... وشيبة تنعاه وتنعى أبا جهل\rوذا الرجل تنعى وابن جدعان فيهم ... مسلبة حرى مبينة الثكل «١»\rثوى منهم فى بئر بدر عصابة ... ذوى نجدات فى الحروب وفى المحل\rدعا الغى منهم من دعا فأجابه ... وللغى أسباب مرمقة الوصل\rفأضحوا لدى دار الجحيم بمعزل ... عن الشغب والعدوان فى أشغل الشغل\rوقال كعب بن مالك أخو بنى سلمة يذكر بدرا:\rعجبت لأمر الله والله قادر ... على ما أراد ليس لله قاهر\rقضى يوم بدر أن نلاقى معشرا ... بغوا وسبيل البغى فى النار جائر\rوقد حشدوا واستنفروا من يليهم ... من الناس حتى جمعهم متكاثر\rوسارت إلينا لا تحاول غيرنا ... بأجمعها كعب جميعا وعامر\rوفينا رسول الله والأوس حوله ... له معقل منهم عزيز وناصر\rوجمع بنى النجار تحت لوائه ... يمشون فى الماذى والنقع ثائر\rفلما لقيناهم وكل مجاهد ... لأصحابه مستبسل النفس صابر\rشهدنا بأن الله لا رب غيره ... وأن رسول الله بالحق ظاهر\rوقد عريت بيض خفاف كأنها ... مقاييس يزهيها لعينيك شاهر\rبهن أيدنا جمعهم فتبددوا ... وكان يلاقى الحين من هو فاجر\rفكب أبو جهل صريعا لوجهه ... وعتبة قد غادرته وهو عائر\rوشيبة والتيمى غادرن فى الوغى ... وما منهم إلا بذى العرش كافر\rفأمسوا وقود النار فى مستقرها ... وكل كفور فى جهنم صائر","footnotes":"(١) ذا الرجل: أراد به الأسود بن المطلب بن عبد المخزومى، الذى خرج من صفوف المشركين يريد أن يقتحم على المسلمين ليشرب من حوضهم، وقد عاهد الله أن يشرب منه أو يموت فضربه حمزة فقطع قدمه. والحرى: المحترقة الجوف.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083800,"book_id":3509,"shamela_page_id":363,"part":"1","page_num":361,"sequence_num":363,"body":"تلظى عليهم وهى قد شب حميها ... بزبر الحديد والحجارة ساجر\rوكان رسول الله قد قال أقبلوا ... فولوا وقالوا إنما أنت ساحر\rلأمر أراد الله أن يهلكوا به ... وليس لأمر حمه الله زاجر\rولضرار بن الخطاب الفهرى فى هذا الروى شعر، ذكر ابن إسحاق أن كعب بن مالك أجابه عنه بهذا الشعر الذى كتبناه آنفا، والأظهر من مقتضى الشعر أن ضرارا هو الذى أجاب كعب بن مالك ونقض عليه. وهذا شعر ضرار:\rعجبت لفخر الأوس والحين دائر ... عليهم غدا والدهر فيه بصائر\rوفخر بنى النجار إن كان معشر ... أصيبوا ببدر كلهم ثم صابر\rفإن تك قتلى غودرت من رجالنا ... فإنا رجال بعدهم سنغادر\rوتردى بنا جرد عناجيج وسطكم ... بنى الأوس حتى يشفى النفس ثائر\rووسط بنى النجار سوف نكرها ... لها بالقنا والدارعين زوافر\rفنترك صرعى تعصب الطير حولهم ... وليس لهم إلا الأمانى ناصر\rوتبكيهم من أهل يثرب نسوة ... لهن بها ليل عن النوم ساهر\rوذلك أنا لا تزال سيوفنا ... بهن دم ممن يحاربن مائر\rفإن تظفروا فى يوم بدر فإنما ... بأحمد أمسى جدكم وهو ظاهر\rوبالنفر الأخيار هم أولياؤه ... يحامون فى اللأواء والموت حاضر\rيعد أبو بكر وحمزة فيهم ... ويدعى على وسط من أنت ذاكر\rأولئك لا من نتجت فى ديارها ... بنو الأوس والنجار حين تفاخر\rولكن أبوهم من لؤى بن غالب ... إذا عدت الأنساب كعب وعامر\rهم الطاعنون الخيل فى كل معرك ... غداة الهياج الأطيبون الأكاثر\rومن شعر حسان بن ثابت يعرض بالحارث بن هشام وفراره عن يوم بدر:\rإن كنت كاذبة الذى حدثتنى ... فنجوت منجى الحارث بن هشام\rترك الأحبة أن يقاتل دونهم ... ونجا برأس طمرة ولجام «١»\rفأجابه الحارث بن هشام- فيما ذكر- فقال:\rالله أعلم ما تركت قتالهم ... حتى علوا فرسى بأشقر مزبد\rوعرفت أنى إن أقاتل واحد ... أقتل ولا ينكى عدوى مشهدى\rفصددت عنهم والأحبة فيهم ... طمعا لهم بعقاب يوم مفسد","footnotes":"(١) الطمرة: الفرس الكثير الجرى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083801,"book_id":3509,"shamela_page_id":364,"part":"1","page_num":362,"sequence_num":364,"body":"وقال حسان بن ثابت أيضا، ويقال: إنها لعبد الله بن الحارث السهمى، يشبه أنها من قصيدة:\rمستشعرى حلق الماذى يقدمهم ... جلد النحيزة ماض غير رعديد «١»\rأعنى رسول الإله الحق فضله ... على البرية بالتقوى وبالجود\rوقد زعمتم بأن تحموا ذماركم ... وماء بدر زعمتم غير مورود «٢»\rثم وردنا ولم نسمع لقولكم ... حتى شربنا رواء غير تصريد «٣»\rمستعصمين بحبل غير منجذم ... مستحكم من حبال الله ممدود\rفينا الرسول وفينا الحق نتبعه ... حتى الممات ونصر غير محدود\rوقال حسان بن ثابت أيضا:\rألا ليت شعرى هل أتى أهل مكة ... إبارتنا الكفار فى ساعة العسر\rقتلنا سراة القوم عند مجالنا ... فلم يرجعوا إلا بقاصمة الظهر\rفكم قتلنا من كريم مرزء ... له حسب فى قومه نابه الذكر\rتركناهم للعاويات يتبنهم ... ويصلون نارا بعد حامية القعر\rلعمرك ما حامت فوارس مالك ... وأشياعهم يوم التقينا على بدر\rوقال عبيدة بن الحارث بن المطلب فى يوم بدر، يذكر مبارزته هو وحمزة وعلىّ عدوهم، وما كان من إصابة رجله يومئذ. قال ابن هشام: وبعض أهل العلم بالشعر ينكرها له:\rستبلغ عنا أهل مكة وقعة ... يهب لها من كان عن ذاك نائيا\rبعتبة إذ ولى وشيبة بعده ... وما كان فيها بكر عتبة راضيا «٤»\rفإن تقطعوا رجلى فإنى مسلم ... أرجى بها عيشا من الله دانيا\rمع الحور أمثال التماثيل أخلصت ... مع الجنة العليا لمن كان عاليا\rوبعت بها عيشا نغرفت صفوه ... وعالجته حتى فقدت الأدانيا «٥»","footnotes":"(١) مستشعرى: لابس، تقول: استشعرت الثوب إذا لبسته. والماذى: الدروع اللينة البيض. والنحيزة: الطبيعة. والرعديد: الجبان.\r(٢) الرواء: التملؤ من الماء. والتصريد: تقليل الشرب.\r(٣) الذمار: ما وجب على المرء أن يحميه.\r(٤) بكر عتبة: يريد ولده الأول.\r(٥) تعرقت: مزجت، تعرقت التراب إذا مزجته.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083802,"book_id":3509,"shamela_page_id":365,"part":"1","page_num":363,"sequence_num":365,"body":"وأكرمنى الرحمن من فضل منه ... بثوب من الإسلام غطى المساويا\rوما كان مكروها إلىّ قتالهم ... غداة دعا الأكفاء من كان داعيا\rلقيناهم كالأسد تعثر بالقنا ... نقاتل فى الرحمن من كان عاصيا\rفما برحت أقدامنا من مقامنا ... ثلاثتنا حتى أزيروا المنانيا\rقال ابن هشام «١» : لما أصيبت رجل عبيدة قال: أما والله لو أدرك أبو طالب هذا اليوم لعلم أنى أحق منه بما قال حين يقول:\rكذبتم وبيت الله نبزى محمدا ... ولما نطاعن حوله ونناضل\rونسلمه حتى نصرع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل\rولما هلك عبيدة بن الحارث من مصاب رجله قالت هند ابنة أثاثة بن عباد بن المطلب ترثيه وكانت وفاته بالصفراء، وبها دفن يرحمه الله تعالى:\rلقد ضمن الصفراء مجدا وسؤددا ... وحلما أصيلا وافر اللب والعقل\rعبيدة فابكيه لأضياف غربة ... وأرملة تهوى لأشعث كالجذل\rوبكيه للأقوام فى كل شتوة ... إذا احمر آفاق السماء من المحل\rوبكيه للأيتام والريح زفزف ... وتشتيت قدر طال ما أزبدت تغلى\rفإن تصبح النيران قد مات ضوؤها ... فقد كان يذكيهن بالحطب الجزل\rلطارق ليل أو لملتمس القرى ... ومستنبح أضحى لديه على رسل\rوقال طالب بن أبى طالب يمدح النبى ﷺ، ويبكى أصحاب القليب من قريش:\rألا إن عينى أنفدت ماءها سكبا ... تبكى على كعب وما إن ترى كعبا\rألا إن كعبا فى الحروب تخاذلوا ... وأرادهم ذا الدهر واجترحوا ذنبا\rوعامر تبكى للملمات غدوة ... فياليت شعرى هل أرى لهما قربا\rهما أخواى لن يعدا لغية ... تعد ولن يستام جارهما غصبا\rفيا أخوينا عبد شمس ونوفلا ... فدا لكما لا تبعثوا بيننا حربا\rولا تصحبوا من بعد ود وألفة ... أحاديث فيها كلكم يشتكى النكبا\rألم تعلموا ما كان فى حرب داحس ... وجيش أبى يكسوم إذ ملأوا الشعبا\rفلولا دفاع الله لا شىء غيره ... لأصبحتم لا تمنعون لكم سربا\rفما إن جنينا فى قريش عظيمة ... سوى أن حمينا خير من وطئ التربا\rأخا ثقة فى النائبات مرزأ ... كريما ثناه لا بخيلا ولا ذربا","footnotes":"(١) انظر السيرة (٢/ ٣٢٧) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083803,"book_id":3509,"shamela_page_id":366,"part":"1","page_num":364,"sequence_num":366,"body":"يطيف به العافون يغشون بابه ... يؤمون بهرا لا نزورا ولا صربا\rفو الله لا تنفك نفسى حزينة ... تململ حتى تصدقوا الخزرج الضربا\rوكانت وقعة بدر يوم الجمعة، لسبع عشرة من شهر رمضان، وكان فراغ رسول الله ﷺ منها فى عقبة أو فى شوال بعده.\rفلما قدم المدينة لم يقم بها إلا سبع ليال حتى غزا بنفسه يريد بنى سليم، فبلغ ماء من مياههم يقال له: الكدر «١» ، فأقام عليه ثلاث ليال، ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيدا، فأقام بها بقية شوال وذا القعدة وأفدى فى إقامته تلك جل الأسارى من قريش «٢» .\rوكان أبو سفيان بن حرب حين رجع فل قريش من بدر نذر أن لا يمس رأسه ماء من جنابة حتى يغزو محمدا ﷺ، فخرج فى مائتى راكب من قريش لتبر يمينه، فسلك النجدية حتى نزل بصدر قناة، على بريد أو نحوه من المدينة، ثم خرج من الليل حتى أتى بنى النضير تحت الليل، فأتى حيى بن أخطب فضرب عليه بابه، فأبى أن يفتح له وخافه، فانصرف عنه إلى سلام بن مشكم، وكان سيد بنى النضير فى زمانه ذلك وصاحب كنزهم، فاستأذن عليه فأذن له فقراه وسقاه وبطن له من خبر الناس، ثم خرج فى عقب ليلته حتى أتى أصحابه، فبعث رجالا منهم، فأتوا ناحية العريض فحرقوا بها أصوار نخل وقتلوا رجلا من الأنصار وحليفا له فى حرث لهما، ثم انصرفوا راجعين، ونذر بهم الناس، فخرج رسول الله ﷺ فى طلبهم حتى بلغ قرقرة الكدر، ثم انصرف وقد فاته أبو سفيان بن حرب وأصحابه، وطرحوا من أزوادهم يتخففون منها للنجاء، وكان أكثر ما طرحوه السويق، فهجم المسلمون على سويق كثير، فسميت غزوة السويق، فقال المسلمون حين رجع بهم رسول الله ﷺ: يا رسول، أتطمع لنا أن تكون غزوة؟ قال: «نعم» «٣» .\rثم غزا رسول الله ﷺ نجدا يريد غطفان، وهى غزوة ذى أمر، فأقام بنجد ثم رجع ولم يلق كيدا.","footnotes":"(١) وهذه الغزوة تعرف بغزوة: قرقرة الكدر، كما فى الطبقات الكبرى (٢/ ٣١) ، أو: قرارة الكدر، كما فى المغازى للواقدى (١/ ١٩٦) . وتراجع هذه الغزوة فى: البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ٣٤٤) ، المنتظم لابن الجوزى (٣/ ١٥٦) .\r(٢) انظر السيرة (٣/ ٥) .\r(٣) انظر الحديث فى: الدلائل للبيهقى (٣/ ١٦٦) ، التاريخ للطبرى (٢/ ٥٠) ، الكامل فى التاريخ (٢/ ٣٩، ٤٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083804,"book_id":3509,"shamela_page_id":367,"part":"1","page_num":365,"sequence_num":367,"body":"ثم غزا قريشا حتى بلغ بحران «١» ، معدنا بالحجاز من ناحية الفرع، ثم رجع منه إلى المدينة ولم يلق كيدا، وذلك بعد مقامه به نحوا من شهرين، ربيع الآخر وجمادى الأولى من سنة ثلاث.\r\rأمر بنى قينقاع\rوكان فيما بين ما ذكر من غزو رسول الله ﷺ أمر بنى قيقناع.\rوكانوا أول يهود نقضوا ما بينهم وبين رسول الله ﷺ وحاربوا فيما بين بدر وأحد.\rوكان رسول الله ﷺ جمعهم فى سوقهم، ثم قال: «يا معشر يهود احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من النقمة وأسلموا، فإنكم قد عرفتم أنى نبى مرسل، تجدون ذلك فى كتابكم وعهد الله إليكم» «٢» .\rقالوا: يا محمد، إنك ترى أنا قومك! لا يغرنك أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة، إنا والله لئن حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس.\rفقال ابن عباس «٣» : ما أنزل هؤلاء الآيات إلا فيهم: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ [آل عمران: ١٢، ١٣] .\rوكان منشأ أمرهم: أن امرأة من العرب قدمت بجلب لها فباعته بسوق قينفاع\" وجلست إلى صائغ بها، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سوءتها، فضحكوا بها فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، وكان يهوديا، فشدت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود، فأغضب المسلمون فوقع الشر بينهم وبين بنى قينقاع.","footnotes":"(١) ذكرها ابن الأثير فى الكامل (٢/ ١٤٢) ، والطبرى فى تاريخه (٢/ ٥٢) ، والواقدى فى المغازى (١/ ١٩٦، ١٩٧) .\r(٢) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ٣) .\r(٣) انظر السيرة (٣/ ٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083805,"book_id":3509,"shamela_page_id":368,"part":"1","page_num":366,"sequence_num":368,"body":"فحاصرهم رسول الله ﷺ حتى نزلوا على حكمه، فقام إليه عبد الله بن أبىّ بن سلول، حين أمكنه الله منهم، فقال: يا محمد، أحسن فى موالى، وكانوا حلفاء الخزرج، فأبطأ عليه رسول الله ﷺ، فقال: يا محمد أحسن فى موالى، فأعرض عنه رسول الله ﷺ فأدخل يده فى جيب درع رسول الله ﷺ وكان يقال لها: ذات الفضول، فقال له:\r«أرسلنى» ! وغضب ﷺ حتى رأوا لوجهه ظللا، ثم قال: «ويحك أرسلنى» . قال: لا والله لا أرسلك حتى تحسن فى موالى، أربعمائة حاسر وثلاثمائة دارع قد منعونى من الأحمر والأسود تحصدهم فى غداة واحدة! إنى والله امرؤا أخشى الدوائر، فقال رسول الله ﷺ: «هم لك» «١» .\rولما حاربت بنو قينقاع تشبث عبد الله بن أبى بأمرهم وقام دونهم، قال: مشى عبادة بن الصامت، وكان أحد بنى عوف، لهم من حلفه مثل الذى لهم من عبد الله بن ابى، إلى رسول الله ﷺ فخلعهم إليه وتبرأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم، وقال: يا رسول الله، أتولى الله ورسوله والمؤمنين، وأبرأ من حلف هؤلاء الكفار وولايتهم.\rففيه وفى عبد الله بن أبى نزلت [هذه] القصة من المائدة: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يريد عبد الله بن أبىّ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ. ثم القصة فى قوله: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ وذلك لتولى عبادة بن الصامت الله ورسوله والذين آمنوا، وتبرية، من بنى قينقاع وحلفهم وولايتهم وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ [المائدة: ٥١- ٥٦] .\r\rسرية زيد بن حارثة «٢»\rولما كان من وقعة بدر ما كان، خافت قريش طريقهم التى كانوا يسلكون إلى","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: تاريخ للطبرى (٢/ ٤٩) ، الطبقات لابن سعد (٢/ ٢٩) .\r(٢) هذه السرية ذكرها الواقدى فى المغازى (١/ ١٩٧، ١٩٨) ، وابن سعد فى الطبقات (٢/ ٣٦) ، وابن الأثير فى التاريخ (٢/ ١٤٥) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083806,"book_id":3509,"shamela_page_id":369,"part":"1","page_num":367,"sequence_num":369,"body":"الشام، فسلكوا طريق العراق، فخرج منهم تجار فيهم أبو سفيان بن حرب، ومعه فضة كثيرة وهى عظم تجارتهم، وبعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة فلقيهم على القردة- ماء من مياه نجد- فأصاب تلك العير وما فيها وأعجزه الرجال فقدم بها على رسول الله ﷺ.\rفذلك الذى يعنى حسان بن ثابت بقوله فى غزوة بدر الآخره يؤنب قريشا فى أخذهم تلك الطريق:\rدعو فلجات الشام قد حال دونها ... جلاد كأفواه المخاض الأوارك «١»\rبأيدى رجال هاجروا نحو ربهم ... وأنصاره حقا وأيدى الملائك\rإذا سلكت للغور من بطن عالج ... فقولا لها ليس الطريق هنالك «٢»\r\rمقتل كعب بن الأشرف\rولما بعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة بشيرين إلى من بالمدينة من المسلمين بفتح الله عليه وقتل من قتل من المشركين ببدر، قال كعب بن الأشرف وكان رجلا من طيىء، ثم أحد بنى نبهان، وأمه من بنى النضير، حين بلغه هذا الخبر:\rأحق هذا؟ أترون أن محمدا قتل هؤلاء الذين يسمى هذان الرجلان؟ فهؤلاء اشراف العرب وملوك الناس، والله لئن كان محمد أصاب هؤلاء القوم لبطن الأرض خير لى من ظهرها.\rفلما تبين عدو الله الخبر، خرج حتى قدم مكة، فجعل يحرض على رسول الله ﷺ وينشد الأشعار، ويبكى أصحاب القليب من قريش، ثم رجع إلى المدينة فشبب بنساء المسلمين حتى آذاهم.\rفقال رسول الله ﷺ: من لى من ابن الأشراف؟ فقال له محمد بن مسلمة الأشهلى:\rأنا لك به يا رسول الله ﷺ أنا أقتله قال: فافعل إن قدرت على ذلك.\rفرجع محمد بن مسلمة فمكث ثلاثا لا يأكل ولا يشرب إلا ما يعلق به نفسه، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فدعاه فقال له: لم تركت الطعام والشراب؟ فقال يا رسول الله،","footnotes":"(١) الفلجات: العيون الجارية. والمخاض: الإبل الحوامل. والأوارك: الإبل التى ترعى الآراك، وهو شجر السواك.\r(٢) الغور: الأرض المنخفضة. وبطن عالج: أى موضع كثير الرمل.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083807,"book_id":3509,"shamela_page_id":370,"part":"1","page_num":368,"sequence_num":370,"body":"قلت لك قولا لا أدرى هل أفين لك به أم لا. قال: إنما عليك الجهد، قال: يا رسول الله، لا بد لنا من أن نقول. قال: قولوا ما بدا لكم فأنتم فى حل من ذلك.\rفاجتمع فى قتله محمد بن مسلمة، وسلكان بن سلامة أبو نائلة، وعباد بن بشر والحارث بن أوس، وكلهم من بنى عبد الأشهل، وأبو عبس بن جبر أخو بنى حارثة، ثم قدموا إلى عدو الله ابن الأشرف سلكان بن سلامة وكان أخاه من الرضاعة، فجاءه فتحدث معه ساعة ثم قال: ويحك يا ابن الأشرف! إنى قد جئتك لحاجة أريد ذكرها لك فاكتم عنى، قال: أفعل، قال: كان قدوم هذا الرجل علينا بلاء من البلاء، عادتنا العرب ورمتنا عن قوس واحدة، وقطعت عنا السبل حتى ضاع العيال وجهدت الأنفس. فقال كعب: أنا ابن الأشرف! أما والله لقد كنت أخبرك يا ابن سلامة أن الأمر سيصير إلى ما أقول. فقال له سلكان: إنى قد أردت أن تبيعنا طعاما ونرهنك ونوثق لك. قال: أترهنونى نساءكم؟ قال: كيف نرهنك نساءنا وأنت أشب أهل يثرب وأعطرهم. قال: أترهنونى أبناءكم؟ قال: لقد أردت أن تفضحنا، يسب ابن أحدنا فيقال: رهن فى وسق شعير! ثم قال له: إن معى أصحابا لى على مثل رأيى وقد أردت أن آتيك بهم فتبيعهم وتحسن فى ذلك ونرهنك من الحلقة ما فيه وفاء وأراد سلكان أن لا ينكر السلاح إذا جاؤا بها. قال: إن فى الحلقة لوفاء.\rفرجع سلكان إلى أصحابه فأخبرهم وأمرهم أن يأخذوا السلاح ويجتمعوا إليه، فاجتمعوا عند رسول الله ﷺ، فمشى معهم صلوات الله عليه إلى بقيع الغرقد فى ليلة مقمرة، ثم وجههم وقال: انطلقوا على اسم الله، اللهم أعنهم. ثم رجع إلى بيته.\rفأقبلوا حتى انتهوا إلى حصنه، فهتف به أبو نائلة، وكان حديث عهد بعرس، فوثب فى ملحفته، فأخذت امرأته بناحيتها وقالت: إنك امرؤ محارب، وإن أصحاب الحرب لا ينزلون هذه الساعة. قال: إنه أبو نائلة لو وجدنى نائما ما أيقظنى. فقالت: والله إنى لأعرف فى صوته الشر. فقال لها كعب: لو يدعى الفتى لطعنة لأجاب!\rفنزل فتحدث معهم ساعة وتحدثوا معه، فقالوا له: هل لك يا ابن الأشرف إلى أن نتماشى إلى شعب العجوز فنتحدث فيه بقية ليلتنا هذه. قال: إن شئتم.\rفخرجوا يتماشون، فمشوا ساعة، ثم إن أبا نائلة شام يده فى فود رأسه ثم شم يده، فقال: ما رأيت كالليلة طيبا أعطر قط، ثم مشى ساعة ثم عاد لمثلها، حتى اطمأن، ثم مشى ثم عاد لمثلها، فأخذ بفود رأسه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083808,"book_id":3509,"shamela_page_id":371,"part":"1","page_num":369,"sequence_num":371,"body":"ثم قال: اضربوا عدو الله، فضربوه فاختلفت عليه أسيافهم فلم تغن شيئا. قال محمد ابن مسلمة: فتذكرت معولا كان فى سيفى حين رأيت أسيافنا لا تغنى شيئا، فأخذته وقد صاح عدو الله صيحة لم يبق حولنا حصن إلا أوقدت عليه نار، قال: فوضعته فى ثنيته ثم تحاملت عليه حتى بلغت غايته فوقع عدو الله وقد أصيب الحارث بن أوس بجرح فى رجله أو رأسه أصابه بعض أسيافنا، فخرجنا حتى أسندنا فى حرة العريض وقد ابطأ علينا الحارث بن أوس صاحبنا ونزفه الدم، فوقفنا له ساعة ثم أتانا يتبع آثارنا فاحتملناه فجئنا به رسول الله ﷺ آخر الليل وهو قاءم يصلى، فسلمنا عليه فخرج إلينا فأخبرناه بقتل عدو الله، وتفل على جرح صاحبنا، ثم رجعنا إلى أهلينا فأصبحنا وقد خافت يهود لوقعتنا بعدو الله، فليس بها يهودى إلا وهو يخاف على نفسه.\rوذكر ابن عقبة أن كعب بن الأشرف لما قدم على قريش يستنفرهم على رسول الله ﷺ قال له أبو سفيان والمشركون، نناشدك الله، أديننا أحب إلى الله أم دين محمد وأصحابه؟ وأينا أهدى فى رأيك وأقرب إلى الحق، فإنا نطعم الجزور الكوماء ونسقى اللبن على الماء ونطعم ما هبت الشمال.\rفقال: ابن الأشرف: أنتم أهدى سبيلا، فأنزل الله فيه والله أعلم بما ينزل: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا [النساء: ٥١] .\rوذكر ابن إسحاق أن هذه الآية إنما نزلت فى حيى بن أخطب وسلام بن أبى الحقيق وجماعة غيرهما من أحبار يهود، ليس ابن الأشرف مذكورا فيهم، وهم الذين حزيوا الأحزاب من قريش وغطفان على رسول الله ﷺ، فلما قدموا على قريش قالوا: هؤلاء أحبار يهود وأهل العلم بالكتاب الأول فسلوهم: أدينكم خير أم دين محمد؟ فسألوهم فقالوا: بل دينكم خير من دينه وأنتم أهدى منه وممن اتبعه. فأنزل الله تعالى فيهم الآية المذكورة. فالله تعالى أعلم.\rقال ابن إسحاق: وقال رسول الله ﷺ: من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه. فوثب محيصة بن مسعود الأوسى على ابن سنينة من تجار يهود، وكان يلابسهم ويبايعهم فقتله، فلما قتله جعل أخوه حويصة بن مسعود ولم يكن أسلم يومئذ وكان أسن من محيصة، يضربه ويقول: أى عدو الله أقتلته، وأما والله لرب شحم فى بطنك من ماله فقال محيصة: والله لقد أمرنى بقتله من لو أمرنى بقتلك لضربت عنقك! قال: فو الله إن كان","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083809,"book_id":3509,"shamela_page_id":372,"part":"1","page_num":370,"sequence_num":372,"body":"لأول إسلام حويصة. قال: أو الله لو أمرك محمد بقتلى لقتلتنى؟ قال: نعم، والله لو أمرنى بضرب عنقك لضربتها، قال: والله إن دينا بلغ منك هذا لعجب! فأسلم حويصة، وقال محيصة فى ذلك:\rيلوم ابن أمى لو أمرت بقتله ... لطبقت ذفراه بأبيض قاضب «١»\rحسام كلون الملح أخلص صقله ... متى ما أصوبه فليس بكاذب «٢»\rوما سرنى أنى قتلتك طائعا ... وأن لنا ما بين بصرى ومأرب «٣»\rوذكر ابن هشام أن هذا عرض لمحيصة بعد غزوة بنى قريظة وظفر رسول الله ﷺ بهم، وأن رسول الله ﷺ دفع إليهم منهم كعب بن يهوذا. قال: وكان عظيما فيهم، ليقتله، فقال له أخوه حويصة وكان كافرا: أقتلت كعب بن يهوذا؟ قال: نعم. قال: أما والله لرب شحم قد نبت فى بطنك من ماله، إنك للئيم. فقال له محيصة: لقد أمرنى بقتله من لو أمرنى بقتلك لقتلتك. فعجب من قوله، ثم ذهب عنه متعجبا فذكروا أنه جعل ينتفض من الليل فيعجب من قول أخيه محيصة حتى أصبح وهو يقول: والله إن هذا لدين. ثم أتى النبى ﷺ فأسلم.\r\rغزوة أحد «٤»\rوكان من حديث أحد أنه لما قتل الله من قتل من كفار قريش يوم بدر ورجع فلهم إلى مكة، ورجع أبو سفيان بن حرب بعيرهم، مشى عبد الله بن أبى ربيعة وعكرمة بن أبى جهل وصفوان بن أمية فى رجال ممن أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم يوم بدر فكلموا ابا سفيان ومن كانت له فى تلك العير تجارة من قريش، وقالوا لهم: إن محمدا قد وتركم وقتل خياركم، فأعينوا بهذا المال على حربه لعلنا ندرك منه ثأرا بمن اصاب منا. ففعلوا.\rففيهم يقال: أنزل الله ﷿: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ [الأنفال: ٣٦] .","footnotes":"(١) طبقت: قطعت. والزفران: عظمان ناتئان خلف الأذنين. والقاضب: القاطع.\r(٢) الحسام: السيف القاطع.\r(٣) بصرى: مدينة بالشام. ومأرب: مدينة باليمن.\r(٤) انظر السيرة (٣/ ٢٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083810,"book_id":3509,"shamela_page_id":373,"part":"1","page_num":371,"sequence_num":373,"body":"فاجتمعت قريش لحرب رسول الله ﷺ حين فعل ذلك أبو سفيان وأصحاب العير، وحركوا لذلك من أطاعهم من القبائل وحرضوهم عليه وخرجوا بحدهم وجدهم وأحابيشهم «١» ومن تابعهم من بنى كنانة وأهل تهامة، وخرجوا معهم بالظعن التماس الحفيظة وأن لا يفروا، فخرج أبو سفيان بن حرب وكان قائد الناس بهند بنت عتبة، وكذلك سائر أشراف قريش وكبرائهم خرجوا معهم بنسائهم.\rوكان جبير بن مطعم قد أمر غلامه وحشيا الحبشى بالخروج مع الناس وقال له: إن قتلت حمزة عم محمد بعمى طعيمة بن عدى فأنت عتيق. فكانت هند بنت عتبة كلما مرت بوحشى أو مر بها قالت: ويها أبا دسمة، وهى كنيته، اشف واشتف.\rفأقبلوا حتى نزلوا بعينين- جبل ببطن السبخة من قناة على شفير الوادى مقابل المدينة.\rفلما سمع بهم رسول الله ﷺ والمسلمون قد نزلوا حيث نزلوا، قال ﵇:\r«إنى قد رأيت والله خيرا، رأيت بقرا تذبح، ورأيت فى ذباب سيفى ثلما، فأما البقر، فهى ناس من أصحابى يقتلون، وأما الثلم الذى فى ذباب سيفى فهو رجل من أهل بيتى يقتل، ورأيت أنى أدخلت يدى فى درع حصينة فأولتها المدينة، فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا فإن أقاموا أقاموا بشر مقام وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها» «٢» .\rوكان رسول الله ﷺ يكره الخروج، وكان عبد الله بن أبى يرى رأى رسول الله ﷺ فى ذلك، فقال رجل من المسلمين ممن أكرم الله بالشهادة يوم أحد وغيره ممن كان فاته بدر: يا رسول الله، اخرج بنا إلى أعدائنا، لا يرون أنا جبنا عنهم. فقال عبد الله بن أبى: يا رسول الله، أقم بالمدينة ولا تخرج إليهم، فو الله ما خرجنا منها إلى عدو لنا قط إلا أصاب منا، ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه، فدعهم يا رسول الله فإن أقاموا أقاموا بشر محبس وإن دخلوا قاتلهم الرجال فى وجوههم ورماهم الصبيان والنساء بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين كما جاؤا.","footnotes":"(١) أحابيشهم: أحياء من القارة انضموا إلى بنى ليث فى الحرب التى وقعت بينهم وبين قريش قبل الإسلام.\r(٢) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (٣/ ٣٥١) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٦/ ١٠٧) ، الدلائل للبيهقى (٣/ ٢٢٥، ٢٦٦) ، تفسير الطبرى (٤/ ٤٦، ٤٧) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083811,"book_id":3509,"shamela_page_id":374,"part":"1","page_num":372,"sequence_num":374,"body":"فلم يزل برسول الله ﷺ الناس الذين كان من أمرهم حب لقاء العدو، حتى دخل رسول الله ﷺ فلبس لأمته، وذلك يوم الجمعة حين فرغ رسول الله ﷺ من الصلاة، وقد مات فى ذلك اليوم رجل من الأنصار يقال له: مالك بن عمرو، أخو بنى النجار، فصلى عليه رسول الله ﷺ، ثم خرج عليهم وقد ندم الناس، فقالوا: يا رسول الله، استكرهناك ولم يكن ذلك لنا، فإن شئت فاقعد ﷺ عليك. فقال رسول الله ﷺ: «ما ينبغى للنبى إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل» «١» .\rفخرج فى ألف من أصحابه، حتى إذا كانوا بين المدينة وأحد انخذل عنه عبد الله بن أبى بثلث الناس، وقال: أطاعهم وعصانى، ما ندرى علام نقتل أنفسنا هاهنا أيها الناس.\rفرجع بمن اتبعه من أهل النفاق والريب، واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام يقول: يا قوم، أذكركم الله أن تخذلوا قومكم ونبيكم عند ما حضر من عدوهم. قالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم، ولكنا لا نرى أنه يكون قتال. فلما استعصوا عليه وأبوا إلا الإنصراف عنهم، قال: أبعدكم الله أعداء الله فسيغنى الله عنكم نبيه.\rومضى رسول الله ﷺ حتى سلك فى حرة بنى حارثة، فذب فرس بذنبه فأصاب كلّاب سيف فاستله، فقال رسول الله ﷺ وكان يحب الفأل ولا يعتاف:\r«يا صاحب السيف، شم سيفك، فإنى أرى السيوف ستسل اليوم» «٢» .\rثم قال رسول الله ﷺ: «من رجل يخرج بنا على القوم من كثب، أى من قرب، من طريق لا تمر بنا عليهم» ، فقال أبو خيثمة أخو بنى حارثة: أنا يا رسول الله.\rفنفذ به فى حرة بنى حارثة وبين أموالهم حتى سلك فى مال لمربع بن قيظى، وكان منافقا ضرير البصر، فلما سمع حس رسول الله ﷺ ومن معه من المسلمين قام يحثى فى وجوههم التراب ويقول: إن كنت رسول الله فإنى لا أحل لك أن تدخل حائطى.\rوذكر أنه أخذ حفنة من تراب فى يده ثم قال: والله لو أعلم أنى لا اصيب بها غيرك يا محمد لضربت بها وجهك. فابتدره القوم ليقتلوه فقال رسول الله ﷺ: «لا تقتلوه، فهذا الأعمى أعمى القلب أعمى البصر» «٣» .","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: الدر المنثور للسيوطى (٢/ ٦٨) ، تفسير الطبرى (٤/ ٤٦) ، تفسير ابن كثير (٢/ ٩١) .\r(٢) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ١٤) .\r(٣) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ١٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083812,"book_id":3509,"shamela_page_id":375,"part":"1","page_num":373,"sequence_num":375,"body":"ومضى رسول الله ﷺ حتى نزل الشّعب من أحد فجعل ظهره وعسكره إلى أحد وقال: «لا يقاتلن أحد حتى نأمره بالقتال» «١» .\rوقد سرحت قريش الظهر والكراع فى زروع كانت للمسلمين، فقال رجل من الأنصار: أترعى زرع بنى قيلة ولما نضارب!\rوتعبى رسول الله ﷺ للقتال وهو فى سبعمائة رجل، وأمر على الرماة عبد الله بن جبير أخا بنى عمرو بن عوف، وهو معلم يومئذ بثياب بيض، والرماة خمسون رجلا، فقال: انضح الخيل عنا لا يأتوننا من خلفنا، إن كانت لنا أو علينا فاثبت مكانك لا نؤتين من قبلك.\rوظاهر رسول الله ﷺ بين درعين، ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير أخى بنى عبد الدار.\rوتعبأت قريش وهم ثلاث آلاف ومعهم مائتا فرس قد جنبوها، فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد وعلى الميسرة عكرمة بن أبى جهل.\rوقد كان أبو عامر عبد عمرو بن صيفى من الأوس، خرج عن قومه إلى مكة مباعدا لرسول الله ﷺ، فكان يعد قريشا أن لو لقى قومه لم يختلف عليه منهم رجلان، فلما التقى الناس كان أول من لقيهم أبو عامر فى الأحابيش وعبدان أهل مكة، فنادى: يا معشر الأوس أنا أبو عامر. قالوا: فلا أنعم الله بك عينا يا فاسق. وبذلك سماه رسول الله ﷺ، وكان يسمى فى الجاهلية الراهب، فلما سمع ردهم عليه، قال: «لقد أصاب قومى بعدى شر! ثم قاتلهم قتالا شديدا ثم راضخهم «٢» بالحجارة» «٣» .\rوقال أبو سفيان- يومئذ- لأصحاب اللواء من بنى عبد الدار يحرضهم بذلك: يا بنى عبد الدار، إنكم قد وليتم لواءنا يوم بدر فأصابنا ما قد رأيتم، وإنما يؤتى الناس من قبل راياتهم، إذا زالت زالوا، فإما أن تكفونا لواءنا وإما أن تخلوا بيننا وبينه فنكفيكموه.\rفهموا به وتواعدوه قالوا: أنحن نسلم إليك لواءنا! ستعلم غدا إذا التقينا كيف نصنع.\rوذلك أراد أبو سفيان.\rفاقتتل الناس حتى حميت الحرب.","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: الدر المنثور للسيوطى (٥/ ٦١) .\r(٢) راضخهم: رماهم.\r(٣) انظر الحديث فى: تاريخ الطبرى (٢/ ٥١٢) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083813,"book_id":3509,"shamela_page_id":376,"part":"1","page_num":374,"sequence_num":376,"body":"وقاتل أبو دجانة «١» سماك بن خرشة أخو بنى ساعدة، حتى أمعن فى الناس، وقد كان رسول الله ﷺ قال لسيف عنده: «من يأخذ هذا السيف بحقه؟» فقام إليه رجال فأمسكه عنهم، حتى قام إليه أبو دجانة فقال: وما حقه يا رسول الله؟ قال: «أن تضرب به فى العدو حتى ينحنى» «٢» . قال: أنا آخذه يا رسول الله بحقه. فأعطاه إياه، وكان أبو دجانة رجلا شجاعا يختال عند الحرب، وكان إذا أعلم بعصابة له حمراء فاعتصب بها علم الناس أنه سيقاتل، فلما أخذ السيف من يد رسول الله ﷺ أخرج عصابته تلك فعصب بها رأسه، ثم جعل يتبختر بين الصفين، فقال رسول الله ﷺ حين رآه يتبختر:\r«إنها لمشية يبغضها الله إلا فى مثل هذا الموطن» «٣» .\rوكان الزبير بن العوام قد سأل رسول الله ﷺ ذلك السيف مع من سأله منه فمنعه إياه، فقال: وجدت فى نفسى حين سألته إياه فمنعنيه وأعطاه أبا دجانة، وقلت: أنا ابن صفية عمته ومن قريش وقد قمت إليه فسألته إياه قبله فأعطاه إياه وتركنى! والله لأنظرن ما يصنع، فأتبعه، فأخرج عصابة حمراء فعصب بها رأسه، فقالت الأنصار:\rأخرج أبو دجانة عصابة الموت! وهكذا كانت تقول له إذا تعصب لها، فخرج وهو يقول:\rأنا الذى عاهدنى خليلى ... ونحن بالسفح لدى النخيل\rأن لا أقوم الدهر فى الكيول ... أضرب بسيف الله والرسول «٤»\rفجعل لا يلقى أحدا إلا قتله، وكان فى المشركين رجل لا يدع جريحا إلا ذفف عليه: فجعل كل واحد منهما يدنو من صاحبه، فدعوت الله أن يجمع بينهما، فالتقيا فاختلفا ضربتين، فضرب المشرك أبا دجانة فاتقاه بدرقته فعضت بسيفه، وضربه أبو دجانة فقتله، ثم رأيته قد حمل السيف على مفرق رأس هند بنت عتبة ثم عدل السيف عنها، قال الزبير: فقلت الله ورسوله أعلم.","footnotes":"(١) انظر ترجمته فى: أسد الغابة ترجمة رقم (٥٨٦٣) ، الإصابة ترجمة رقم (٩٨٦٦) ، تنقيح المقال (٣/ ١٥) ، ريحانة الأدب (٧/ ٩٥) ، معجم رجال الحديث (٢١/ ١٥١) .\r(٢) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (٣/ ١٢٣) ، مستدرك الحاكم (٣/ ٢٣٠) ، مصنف ابن أبى شيبة (١٢/ ٢٠٦، ١٤/ ٤٠١) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٦/ ١٠٩، ٩/ ١٢٤) ، كنز العمال للمتقى الهندى (١٠٩٧٢، ١٠٩٧٣) ، البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ١٥) .\r(٣) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (٣/ ٢٣٤) ، البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ١٥) .\r(٤) الكيول: آخر الصفوف فى الحرب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083814,"book_id":3509,"shamela_page_id":377,"part":"1","page_num":375,"sequence_num":377,"body":"وقال أبو دجانة: رأيت إنسانا يخمش الناس خمشا شديدا فصمدت إليه، فلما حملت عليه السيف ولول فإذا امرأة، فأكرمت سيف رسول الله ﷺ أن أضرب به امرأة.\rوقاتل حمزة بن عبد المطلب حتى قتل أحد النفر الذين كانوا يحملون اللواء من بنى عبد الدار، وكان جبير بن مطعم قد وعد غلامه وحشيا بالعتق إن قتل حمزة بعمه طعيمة ابن عدى المقتول يوم بدر، قال وحشى: فخرجت مع الناس وكنت رجلا حبشيا أقذف بالحربة قذف الحبشة قل ما أخطىء بها شيئا، فلما التقى الناس خرجت أنظر حمزة حتى رأيته فى عرض الناس مثل الجمل الأورق يهد الناس بسيفه هدا ما يقوم له شىء، فو الله إنى لأتهيأ له أريده وأستتر منه بشجرة أو بحجر ليدنو منى إذ تقدمنى إليه سباع بن عبد العزى الغبشانى، فلما رآه حمزة قال له: هلم إلى يا بن مقطعة البظور. وكانت أمه ختّانة بمكة، قال: فضربه ضربة فكأنما أخطأ رأسه، قال: وهززت حربتى حتى إذا رضيت منها دفعتها عليه فوقعت فى ثنته حتى خرجت من بين رجليه وذهب لينوء نحوى فغلب وتركته وإياها حتى مات، ثم أتيته فأخذت حربتى ورجعت إلى العسكر فقعدت فيه، ولم تكن لى بغيره حاجه، إنما قتلته لأعتق.\rفلما قدمت مكة عتقت، ثم أقمت حتى افتتح رسول الله ﷺ مكة هربت إلى الطائف فكنت بها، فلما خرج وفد الطائف إلى رسول الله ﷺ ليسلموا تعيت على المذاهب، فو الله إنى لفى ذلك إذ قال لى رجل: ويحك إنه والله ما يقتل أحدا من الناس دخل فى دينه، فلما قال لى ذلك خرجت حتى قدمت على رسول الله ﷺ المدينة فلم يرعه إلا بى قائما على رأسه أتشهد شهادة الحق، فلما رآنى قال: أو حشىّ؟ قلت: نعم يا رسول الله، قال: أقعد فحدثنى كيف قتلت حمزة، فحدثته فلما فرغت قال: ويحك! غيب عنى وجهك. فكنت أتنكّبه ﷺ حيث كان لئلا يرانى حتى قبضه الله تعالى.\rفلما خرج المسلمون إلى مسيلمة الكذاب خرجت معهم وأخذت بحربتى التى قتلت بها حمزة، فلما التقى الناس رأيت مسيلمة قائما فى يده السيف وما أعرفه، فتهيأت له وتهيأ له رجل من الأنصار من الناحية الأخرى كلانا يريده، فهززت حربتى حتى إذا رضيت منها دفعتها عليه فوقعت فيه وشدّ عليه الأنصارى فضربه بالسيف، فربك أعلم أينا قتله، فإن كنت قتلته فقد قتلت خير الناس بعد رسول الله ﷺ، وقد قتلت شر الناس!\rوذكر ابن إسحاق «١» بإسناد له إلى عبد الله بن عمر، وكان شهد اليمامة قال:\rسمعت يومئذ صارخا يقول: قتله العبد الأسود.","footnotes":"(١) انظر السيرة (٣/ ٣٣) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083815,"book_id":3509,"shamela_page_id":378,"part":"1","page_num":376,"sequence_num":378,"body":"قال ابن إسحاق: فبلغنى أن وحشيا لم يزل يحد فى الخمر حتى خلع من الديوان.\rفكان عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، يقول: قد علمت أن الله لم يكن ليدع قاتل حمزة.\rقال ابن إسحاق «١» : وقاتل مصعب بن عمير «٢» دون رسول الله ﷺ حتى قتل، قتله ابن قميئة الليثى، وهو يظن أنه رسول الله ﷺ، فرجع إلى قريش فقال: قتلت محمدا.\rفلما قتل مصعب أعطى رسول الله ﷺ اللواء على بن أبى طالب، فقاتل على ورجال من المسلمين.\rولما اشتد القتال يومئذ جلس رسول الله ﷺ تحت راية الأنصار وأرسل إلى على أن قدم الراية، فتقدم فقال: أنا أبو القصم، فناداه أبو سعد بن أبى طلحة: هل لك يا أبا القصم فى البراز من حاجة؟ قال: نعم. فبرزا بين الصفين فاختلفا ضربتين فضربه على فصرعه ثم انصرف ولم يجهز عليه، فقال له أصحابه: أفلا أجهزت عليه؟ فقال: إنه استقبلنى بعورته فعطفتنى عليه الرحم وعرفت أن الله قد قتله.\rويقال: إن أبا سعد هذا خرج بين الصفين وطلب من يبارزه مرارا فلم يخرج إليه أحد، فقال: يا أصحاب محمد، زعمتم أن قتلاكم فى الجنة وقتلانا فى النار، كذبتم واللات لو تعلمون ذلك حقا لخرج إلى بعضكم. فخرج إليه علىّ فاختلفا ضربتين فقتله علىّ. وقد قيل: إن سعد بن أبى وقاص هو الذى قتل أبا سعد هذا.\rوقاتل عاصم بن ثابت بن أبى الأقلح «٣» ، فقتل مسافع بن طلحة وأخاه الجلاس ابن طلحة، كلاهما يشعره سهما «٤» فيأتى أمه فيضع رأسه فى حجرها فتقول: يا بنى من أصابك؟ فيقول: سمعت رجلا يقول رمانى: خذها وأنا ابن أبى الأقلح. فندرت إن أمكنها الله من رأس عاصم أن تشرب فيه الخمر، وكان عاصم قد عاهد الله أن لا يمس مشركا ولا يمسه مشرك أبدا، فتمم الله له ذلك حيا وميتا حسب ما نذكره عند مقتل عاصم على الرجيع- ماء لهذيل- إن شاء الله تعالى.","footnotes":"(١) انظر السيرة (٣/ ٣٤) .\r(٢) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (٨٠٢٠) ، أسد الغابة ترجمة رقم (٤٩٣٦) .\r(٣) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (٤٣٦٥) ، أسد الغابة ترجمة رقم (٢٦٦٥) .\r(٤) يشعره سهما: أى يصيبه به فى جسده، فيصير له مثل الشعار، والشعار ما ولى الجسد من الثياب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083816,"book_id":3509,"shamela_page_id":379,"part":"1","page_num":377,"sequence_num":379,"body":"والتقى يوم أحد حنظلة بن أبى عامر الغسيل وأبو سفيان، فلما استعلاه حنظلة رآه شداد بن الأسود بن شعوب قد علا أبا سفيان فضربه شداد فقتله، فقال رسول الله ﷺ:\rإن صاحبكم- يعنى حنظلة- لتغسله الملائكة فسلوا أهله ما شأنه؟ فسئلت صاحبته، فقالت: خرج وهو جنب حين سمع الهاتفة. فقال: رسول الله ﷺ: «لذلك غسلته الملائكة» «١» .\rثم أنزل نصره على المسلمين وصدقهم وعده فحسوهم بالسيوف حتى كشفوهم عن العسكر ونهكوهم قتلا.\rوقد حملت خيل المشركين على المسلمين ثلاث مرات، كل ذلك تنضح بالنبل فترجع مفلولة، وكانت الهزيمة لا شك فيها.\rفلما أبصر الرماة الخمسون أن الله قد فتح لإخوانهم قالوا: والله ما نجلس هنا لشىء، قد أهلك الله العدو، وإخواننا فى عسكر المشركين، فتركوا منازلهم التى عهد إليهم رسول الله ﷺ أن لا يتركوها، وتنازعوا وفشلوا، وعصوا الرسول فأوجفت الخيل فيهم قتلا، ولم يكن نبل ينضحها ووجدت مدخلا عليهم، فكان ذلك سبب الهزيمة على المسلمين بعد أن كانت لهم.\rقال الزبير بن العوام رضى الله عنه: والله، لقد رأيتنى أنظر إلى خدم هند بنت عتبة وصواحبها منكشفات هوارب، ما دون أخذهن قليل ولا كثير، إذا مالت الرماة إلى العسكر حتى كشفنا القوم عنه، وخلوا ظهورنا للخيل، فأتتنا من خلفنا، وصرخ صارخ: ألا إن محمدا قد قتل، فانكفأنا وانكفأ علينا القوم بعد أن أصبنا أصحاب اللواء، حتى ما يدنو منه أحد من القوم.\rوانكشف المسلمون فأصاب فيهم العدو، ويقال: إن الصارخ هو الشيطان.\rوكان يوم بلاء وتمحيص أكرم الله فيه من أكرم من المسلمين بالشهادة. حتى خلص العدو إلى رسول الله ﷺ فدث بالحجارة حتى وقع لشقه فأصيبت رباعيته وكلمت شفته وشج فى وجهه فجعل الدم يسيل على وجهه، وجعل ﷺ يمسحه وهو يقول: «كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم» «٢» .","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: السنن الكبرى للبيهقى (٤/ ١٥) ، دلائل النبوة للبيهقى (٣/ ٢٤٦) ، إرواء الغليل للألبانى (٣/ ١٦٧) ، السلسلة الصحيحة للألبانى (١/ ٥٨١) .\r(٢) انظر الحديث فى: سنن ابن ماجه (٤٠٢٧) ، مسند الإمام أحمد (٣/ ٢٠٦) ، الدر المنثور-","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083817,"book_id":3509,"shamela_page_id":380,"part":"1","page_num":378,"sequence_num":380,"body":"فأنزل الله عليه فى ذلك: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ [آل عمران: ١٢٨] .\rوكان الذى كسر رباعيته وجرح شفته عتبة بن أبى وقاص وشجه عبد الله بن شهاب الزهرى فى جبهته وجرح ابن قميئة وجنته فدخلت حلقتان من حلق المغفر فى وجنته، ووقع صلوات الله عليه فى حفرة من الحفر التى عمل أبو عامر ليقع فيها المسلمون وهم لا يعلمون، فأخذ على بن أبى طالب بيده ورفعه طلحة بن عبيد الله حتى استوى قائما. ومص مالك بن سنان والد أبى سعيد الخدرى الدم من وجهه ثم ازدرده، فقال رسول الله ﷺ: «من مس دمه دمى لم تصبه النار» «١» .\rوقال ﷺ: «من أحب أن ينظر إلى شهيد يمشى على الأرض فلينظر إلى طلحة» «٢» .\rونزع أبو عبيدة بن الجراح إحدى الحلقتين من وجهه ﷺ فسقطت ثنيته، ثم نزع الأخرى فسقطت ثنيته الأخرى، فكان ساقط الثنيتين.\rوكان سعد بن أبى وقاص يقول: والله، ما حرصت على قتل رجل قط حرصى على قتل عتبة بن أبى وقاص- وهو أخوه- وإن كان ما علمت لسىء الخلق مبغضا فى قومه، ولقد كفانى منه قول رسول الله ﷺ: «اشتد غضب الله على من دمى وجه رسوله» «٣» .\rوقال رسول الله ﷺ حين غشيه القوم: «من رجل يشرى لنا نفسه؟» فقام زياد بن السكن فى نفر خمسة من الأنصار، وبعض الناس يقولون: إنما هو عمارة بن زياد بن السكن، فقاتلوا دون رسول الله ﷺ رجلا ثم رجلا، يقتلون دونه، حتى كان آخرهم زياد أو عمارة، فقاتل حتى أثبتته الجراحة، ثم جاءت فئة من المسلمين فأجهضوهم عنه،","footnotes":"- للسيوطى (٢/ ٧١) ، إتحاف السادة المتقين (٧/ ٩٢) ، تفسير ابن كثير (٢/ ٩٨) ، فتح البارى لابن حجر (٧/ ٣٦٦) ، المغنى عن حمل الأسفار للعراقى (٢/ ٣٥٢) ، أخلاق النبوة (٧٢) ، البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ٢٣) .\r(١) انظر الحديث فى: تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر (٦/ ١١٢) ، البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ٢٤) .\r(٢) انظر الحديث فى: المعجم الكبير للطبرانى (١/ ٧٦) ، السنة لابن أبى عاصم (٢/ ٦١٤) ، كنز العمال للمتقى الهندى (٣٣٣٦٩) ، تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر (٧/ ٨٠) .\r(٣) انظر الحديث فى: موارد الظمآن للهيثمى (٢٢١٢) ، دلائل النبوة للبيهقى (٣/ ٢٦٥) ، البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ٣٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083818,"book_id":3509,"shamela_page_id":381,"part":"1","page_num":379,"sequence_num":381,"body":"فقال رسول الله ﷺ: «أدنوه منى» «١» . فأدنوه منه فوسده قدمه، فمات وخده على قدم رسول الله ﷺ.\rوقاتلت أم عمارة نسيبه بنت كعب المازنية، يومئذ قالت: خرجت أول النهار وأنا أنظر ما يصنع الناس ومعى سقاء فيه ماء، فانتهيت إلى رسول الله ﷺ وهو فى أصحابه والدولة والريح للمسلمين، فلما انهزم المسلمون انحزت إلى رسول الله ﷺ، فقمت أباشر القتال وأذب عنه بالسيف وأرمى عن القوس، حتى خلصت الجراح إلىّ.\rقالت أم سعد بنت سعد بن الربيع: فرأيت على عاتقها جراحا أجوف له غور فقلت: من أصابك بهذا، قالت: ابن قميئة أقمأه الله، لما ولى الناس عن رسول الله ﷺ أقبل يقول: دلونى على محمد فلا نجوت إن نجا. فاعترضته أنا ومصعب بن عمير وأناس ممن ثبت مع رسول الله ﷺ فضربنى هذه الضربة، ولقد ضربته على ذلك ضربات، ولكن عدو الله كانت عليه درعان.\rوترس دون رسول الله ﷺ أبو دجانة بنفسه، يقع النبل فى ظهره وهو منحن عليه، حتى كثر فيه النبل.\rورمى سعد بن أبى وقاص دون رسول الله ﷺ، قال سعد: فلقد رأيته يناولنى النبل ويقول: «أرم فداك أبى وأمى» «٢» حتى إنه ليناولنى السهم ماله من نصل فيقول: «ارم به» .\rورمى رسول الله ﷺ يوم أحد عن قوسه حتى اندقت سيتها.\rوأصيبت يومئذ عين قتادة بن النعمان «٣» فردها رسول الله ﷺ بيده فكانت أحسن عينيه وأحدهما.","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (٣/ ٢٣٥) .\r(٢) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (٤/ ٤٧، ٥/ ١٢٤، ٨/ ٥٢) ، صحيح مسلم فى كتاب فضائل الصحابة (٤١، ٤٢) ، سنن الترمذى (٢٨٢٩، ٣٧٥٣) ، السنن الكبرى للبيهقى (٩/ ١٦٢) ، دلائل النبوة للبيهقى (٣/ ٢٣٩) ، البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ٢٧، ٨/ ٧٢) .\r(٣) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (٧٠٩١) ، أسد الغابة ترجمة رقم (٤٢٧٧) ، طبقات خليفة (٨١، ٩٦) ، تاريخ خليفة (١٥٣) ، التاريخ الكبير (٧/ ١٨٤، ١٨٥) ، تاريخ الفسوى (١/ ٣٢٠) ، الجرح والتعديل (٧/ ١٣٢) ، تاريخ ابن عساكر (١٤/ ٢٠٠) ، تهذيب الكمال (١١٢٣) ، تاريخ الإسلام (٢/ ٥٠) ، العبر (١/ ٢٧) ، تهذيب التهذيب (٨/ ٣٥٧، ٣٥٨) ، خالصة تذهيب الكمال (٣١٥) ، شدرات الذهب (١/ ٣٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083819,"book_id":3509,"shamela_page_id":382,"part":"1","page_num":380,"sequence_num":382,"body":"وأصيب فم عبد الرحمن بن عوف فهتم وجرح عشرين جراحة أو أكثر، أصابه بعضها فى رجله فعرج.\rوأتى أنس بن النضر عم أنس بن مالك وبه سمى، إلى عمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله فى رجال من المهاجرين والأنصار قد ألقوا بأيديهم، فقال: ما يجلسكم؟ قالوا:\rقد قتل محمد رسول الله. قال: فما تصنعون بالحياة بعده! قوموا على ما مات عليه رسول الله ﷺ. ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل، رحمه الله تعالى.\rوروى حميد عن أنس، أن عمه أنس بن النضر هذا غاب عن قتال يوم بدر، فقال:\rغبت عن أول قتال قاتله رسول الله ﷺ المشركين لئن أشهدنى الله قتالا ليرين الله ما أصنع، فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون فقال: اللهم إنى أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، يعنى المشركين، وأعتذر إليك مما جاء به هؤلاء، يعنى المسلمين، ثم مشى بسيفه فلقيه سعد بن معاذ فقال: أى سعد، والذى نفسى بيده إنى لأجد ريح الجنة دون أحد! واها لريح الجنة. فقال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع. فوجدناه بين القتلى وبه بضع وثمانون جراحة من ضربة بسيف وطعنة برمح ورمية بسهم، وقد مثلوا به حتى عرفته أخته ببنانه.\rقال أنس: كنا نقول أنزلت هذه الآية: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ [الأحزاب: ٢٣] فيه وفى أصحابه.\rقال ابن إسحاق «١» : وكان أول من عرف رسول الله ﷺ بعد الهزيمة وتحدث الناس بقتله: كعب بن مالك الأنصارى، قال: عرفت عينيه تزهران تحت المغفر فناديت بأعلى صوتى: يا معشر المسلمون أبشروا، هذا رسول الله ﷺ، فأشار إلى أن أنصت. فلما عرف المسلمون رسول الله ﷺ نهضوا به ونهض معهم نحو الشّعب، معه أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعلى بن أبى طالب وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام والحارث بن الصمة، ورهط من المسلمين.\rفلما أسند رسول الله ﷺ فى الشعب أدركه أبى بن خلف وهو يقول: أين محمد: لا نجوت إن نجوت! فقال القوم: يا رسول الله، أيعطف عليه رجل منا؟ فقال: «دعوه» «٢» .","footnotes":"(١) انظر السيرة (٣/ ٤٦) .\r(٢) انظر الحديث فى: مستدرك الحاكم (٣/ ٦٢٤) ، سنن ابن ماجه (٥٣٠) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٣/ ١٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083820,"book_id":3509,"shamela_page_id":383,"part":"1","page_num":381,"sequence_num":383,"body":"فلما دنا تناول رسول الله ﷺ الحربة من الحارث بن الصمة، يقول بعض القوم: فلما أخذها رسول الله ﷺ منه انتفض بها انتفاضة تطايرنا عنه تطاير الشعراء من ظهر البعير إذا انتفض بها، ثم استقبله فطعنه فى عنقه طعنة تدأدأ منها عن فرسه مرارا.\rوكان أبى بن خلف يلقى رسول الله ﷺ بمكة فيقول: يا محمد، إن عندى العوذ، فرسا أعلفه كل يوم فرقا من ذرة أقتلك عليه. فيقول رسول الله ﷺ: «أنا أقتلك إن شاء الله» «١» .\rفلما رجع إلى قريش وقد خدشه فى عنقه خدشا غير كبير فاحتقن الدم قال: قتلنى والله محمد! فقالوا له: ذهب والله فؤادك! والله إن بك بأس. قال: إنه قد كان قال لى بمكة: أنا أقتلك. فو الله لو بصق على لقتلنى.\rفمات عدو الله بسرف وهم قافلون به إلى مكة.\rوقد قال رسول الله ﷺ فيما قاله يومئذ: «اشتد غضب الله على رجل قتله رسول الله» «٢» . فسحقا لأصحاب السعير.\rولما انتهى رسول الله ﷺ إلى الشعب خرج على بن أبى طالب حتى ملأ درقته من المهراس، فجاء به إلى رسول الله ﷺ ليشرب منه، فوجد له ريحا فعافه ولم يشرب منه، وغسل عن وجهه الدم فصب على رأسه وهو يقول: «اشتد غضب الله على من دمى وجه رسوله» «٣» .\rفبينا رسول الله ﷺ فى الشعب معه أولئك النفر من أصحابه إذا علت عالية من قريش الجبل فقال: «اللهم إنه لا ينبغى لهم أن يعلونا» «٤» فقاتل عمر بن الخطاب ورهط معه من المهاجرين حتى أهبطوهم من الجبل.\rونهض رسول الله ﷺ إلى صخرة من الجبل ليعلوها فلم يستطع، وقد كان بدن","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: تفسير القرطبى (٧/ ٣٨٥) ، البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ٣٥) ، الطبقات الكبرى لابن سعد (٢/ ١/ ٣٢) .\r(٢) انظر الحديث فى: مستدرك الحاكم (٤/ ٢٧٥) ، شرح السنة للبغوى (١٢/ ٣٣٧) ، كنز العمال للمتقى الهندى (٢٩٨٨٥، ٢٩٨٨٧) .\r(٣) سبق تخريجه.\r(٤) انظر الحديث فى: تفسير الطبرى (٤/ ٩٠) ، البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ٣٦) ، دلائل النبوة للبيهقى (٣/ ٢٣٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083821,"book_id":3509,"shamela_page_id":384,"part":"1","page_num":382,"sequence_num":384,"body":"وظاهر بين درعين فجلس تحته بن عبيد الله فنهض به حتى استوى عليها، فقال ﷺ:\r«أوجب طلحة» «١» .\rوصلى رسول الله ﷺ الظهر- يومئذ- قاعدا من الجراح التى أصابته، وصلى المسلمون خلفه قعودا.\rولما خرج ﷺ إلى أحد رفع حسيل بن جابر وهو اليمان أبو حذيفة بن اليمان، وثابت بن قيس فى الآكام مع النساء والصبيان، فقال أحدهما لصاحبه وهما شيخان كبيران: لا اب لك! ما ننتظر؟ فو الله إن بقى لواحد منا من عمره إلا ظمء حمار، إنما نحن هامة اليوم أو غد، أفلا نأخذ أسيافنا ثم نلحق رسول الله ﷺ، لعل الله يرزقنا شهادة معه؟ فأخذا اسيافهما ثم خرجا حتى دخلا فى الناس ولم يعلم بهما.\rفأما ثابت فقتله المشركون، وأما حسيل فاختلفت عليه أسياف المسلمين فقتلوه وهم لا يعرفونه، فقال حذيفة: أبى! قالوا: والله إن عرفناه. وصدقوا. قال حذيفة: يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين. فأراد رسول الله ﷺ أن يديه فتصدق حذيفة بديته على المسلمين، فزاده عند رسول الله خيرا.\rوكان ممن قتل يوم أحد مخيرق من أحبار اليهود، وقد تقدم خبره وكيف قال- يومئذ- ليهود: لقد علمتم أن نصر محمد عليكم لحق. فتعللوا عليه بأنه يوم السبت، فقال لهم: لا سبت لكم. وأخذ سيفه وعدّته فلحق برسول الله ﷺ فقاتل معه حتى قتل بعد أن قال: إن أصبت فمالى لمحمد يصنع فيهما يشاء. وفيه قال رسول الله ﷺ:\r«مخيريق خير يهود» «٢» .\rوكان عمرو بن ثابت وقش أصيرم بنى عبد الأشهل يأبى الإسلام على قومه، فلما","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: سنن الترمذى (٣٧٣٨) ، مسند الإمام أحمد (١/ ١٦٥) ، السنن الكبرى للبيهقى (٦/ ٣٧٠، ٩/ ٤٦) ، مستدرك الحاكم (٣/ ٢٥، ٣٧٣) ، موارد الظمآن للهيثمى (٢٢١٢) ، الترغيب والترهيب للمنذرى (٢/ ٢٨١) ، فتح البارى لابن حجر (٧/ ٣٦١، ١٢/ ٩١) ، مشكاة المصابيح للتبريزى (٦١١٢) ، شرح السنة للبغوى (١٤/ ١٢٠) ، الطبقات الكبرى لابن سعد (٣/ ١/ ١٥٥) ، السنة لابن أبى عاصم (٢/ ٦١٢) ، كنز العمال للمتقى الهندى (٣٣٣٦٤) ، دلائل النبوة للبيهقى (٣/ ٢٣٨) .\r(٢) انظر الحديث فى: الطبقات الكبرى لابن سعد (١/ ٢/ ١٨٣) ، دلائل النبوة لأبى نعيم (١/ ١٨) ، البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ٢٣٧، ٤/ ٣٦) ، تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر (٣/ ٢٤٥، ١٠/ ٨٧) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083822,"book_id":3509,"shamela_page_id":385,"part":"1","page_num":383,"sequence_num":385,"body":"كان يوم أحد بدا له فى الإسلام فأسلم، ثم أخذ سيفه فغزا حتى دخل فى عرض الناس فقاتل حتى أثبتته الجراحة، فبينا رجال من بنى الأشهل يلتمسون قتلاهم فى المعركة إذا هم به، فقالوا: والله إن هذا للأصيرم، ما جاء به؟ لقد تركناه وإنه لمنكر لهذا الحديث.\rفسألوه ما جاء بك عمرو؟ أحدب على قومك أم رغبة فى الإسلام؟ قال: بل رغبة فى الإسلام، آمنت بالله وبرسوله وأسلمت ثم أخذت سيفى فغدوت مع رسول الله ﷺ، ثم قاتلت حتى أصابنى ما أصابنى. ثم لم يلبث أن مات فى ايديهم، فذكروه لرسول الله ﷺ فقال: «إنه لمن أهل الجنة» «١» .\rوكان أبو هريرة يقول: حدثونى عن رجل دخل الجنة لم يصل قط؟ فإذا لم يعرفه الناس سألوه من هو؟ فيقول: أصيرم بنى عبد الأشهل؟\rوكان عمرو بن الجموح أعرج شديد العرج، وكان له بنون أربعة مثل الأسد يشهدون مع رسول الله ﷺ المشاهد، فلما كان يوم أحد أرادوا حبسه وقالوا له: إن الله قد عذرك. فأتى رسول الله ﷺ فقال: إن بنى يريدون أن يحبسونى عن هذا الوجه والخروج معك فيه، فو الله إنى لأرجو أن أطأ بعرجتى هذه فى الجنة. فقال له رسول الله ﷺ: «أما أنت فقد عذرك الله فلا جهاد عليك» . وقال لبنيه: «ما عليكم أن لا تمنعوه لعل الله يرزقه الشهادة» «٢» فخرج معه فقتل، يرحمه الله.\rووقعت هند بنت عتبة «٣» والنسوة اللاتى معها يمثلن بالقتلى من المسلمين يجدعن الاذان والأنوف، حتى اتخذت هند من آذان الرجال وأنوفهم خدما وقلائد، وأعطت خدمها وقلائدها وقرطها وحشيا قاتل حمزة، وبقرت عن كبد حمزة- رضى الله عنه- فلاكتها فلم تستطع أن تسيغها فلفظتها، ثم علت على صخرة مشرفة فصرخت بأعلى صوتها:\rنحن جزيناكم بيوم بدر ... والحرب بعد الحرب ذات سعر «٤»\rما كان عن عتبة لى من صبر ... ولا أخى وعمه وبكر","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (٥/ ٤٢٨، ٤٢٩) .\r(٢) انظر الحديث فى: إتحاف السادة المتقين (١٠/ ٣٣٢) ، البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ٣٧) .\r(٣) انظر ترجمتها فى: الإصابة ترجمة رقم (١١٨٦٠) ، أسد الغابة ترجمة رقم (٧٣٥٠) ، الثقات (٢/ ٤٣٩) ، أعلام النساء (٥/ ٢٣٩) ، تجريد أسماء الصحابة (٢/ ٣١٠) ، أزمنة التاريخ الإسلامى (١٠٠٨) ، تلقيح فهوم أهل الأثر (٣١٩) ، ودر السحابة (٨٢٤) .\r(٤) السعر: أى الالتهاب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083823,"book_id":3509,"shamela_page_id":386,"part":"1","page_num":384,"sequence_num":386,"body":"شفيت نفسى وقضيت نذرى ... شفيت وحشى غليل صدرى\rفشكر وحشى علىّ عمرى ... حتى ترم أضلعى فى قبرى\rفأجابتها هند بنت أثاثة بن عباد بن المطلب، فقالت:\rخزيت فى بدر وبعد بدر ... يا منه وقاع عظيم الكفر\rصبحك الله غداة الفجر ... بالهاشمين الطوال الزهر\rبكل قطاع حسام يفرى ... حمزة ليثى وعلى صقرى\rإذ رام شيب وأبوك غدرى ... فخضبا منه ضواحى النحر\rونذرك السوء فشر نذر\rوقد كان الحليس بن زبان أخو بنى الحارث بن عبد مناة، وهو يومئذ سيد الأحابيش، مر بأبى سفيان وهو يضرب فى شدق حمزة بن عبد المطلب بزح الرمح ويقول: ذق عقق، فقال الحليس: يا بنى كنانة، هذا سيد قريش يصنع بابن عمه ما ترون لحما. فقال: ويحك، اكتمها عنى فإنها كانت زلة.\rثم إن أبا سفيان حين أراد الإنصراف أشرف على الجبل ثم صرخ بأعلى صوته:\rأنعمت فعال، إن الحرب سجال يوم بيوم بدر، اعل هبل. أى ظهر دينك.\rفقال رسول الله ﷺ: «قم يا عمر فأجبه، فقل: الله أعلى وأجل، لا سواء، قتلانا فى الجنة وقتلاكم فى النار» «١» .\rوفى الصحيح من حديث البراء أن أبا سفيان قال: إنه لنا العزى ولا عزى لكم.\rفقال النبى ﷺ: «أجيبوه» . قالوا: ما نقول؟ قال قالوا: «الله مولانا ولا مولى لكم» «٢» .\rوفيه أيضا: أن أبا سفيان أشرف يوم أحد فقال: أفى القوم محمد؟ فقال: لا تجيبوه.\rفقال: أفى القوم ابن أبى قحافة؟ قال: لا تجيبوه. قال: أفى القوم ابن الخطاب؟ فلما لم يجبه أحد قال: إن هؤلاء قتلوا، فلو كانوا أحياء لأجابوا، فلم يملك عمر نفسه، فقال:\rكذبت يا عدو الله قد أبقى الله لك ما يخزيك.\rقال ابن إسحاق: فلما أجاب عمر أبا سفيان قال له: هلم إلى يا عمر، فقال رسول","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ٣٨) .\r(٢) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (٤/ ٨٠) ، مسند الإمام أحمد (٤/ ٢٩٣) ، دلائل النبوة للبيهقى (٣/ ٢١٣) ، تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر (٦/ ٣٩٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083824,"book_id":3509,"shamela_page_id":387,"part":"1","page_num":385,"sequence_num":387,"body":"الله ﷺ لعمر: «ايته فانظر ما شأنه» «١» . فجاءه فقال له أبو سفيان: أنشدك الله يا عمر:\rأقتلنا محمدا؟ قال عمر: اللهم لا وإنه ليسمع كلامك الآن، قال: أنت أصدق عندى من ابن قميئه وابر. لقول ابن قميئة لهم: إنى قد قتلت محمدا، ثم نادى أبو سفيان: إنه قد كان فى قتلاكم مثل، والله ما رضيت وما سخطت، وما أمرت وما نهيت.\rولما انصرف أبو سفيان ومن معه نادى: إن موعدكم بدر العام القابل. فقال رسول الله ﷺ لرجل من أصحابه قل: «نعم، هو بيننا وبينكم موعد» «٢» .\rثم بعث رسول الله ﷺ على بن أبى طالب فقال: «اخرج فى آثار القوم فانظر ماذا يصنعون وماذا يريدون، فإن كانوا قد جنبوا الخيل وامتطوا الإبل فإنهم يريدون مكة، وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل فهم يريدون المدينة، والذى نفسى بيده لئن أرادوها لأسيرن إليهم فيها ثم لأناجزنهم» «٣» ؛ فخرج على فرآهم قد جنبوا الخيل وامتطوا الإبل ووجهوا إلى مكة.\rوفرغ الناس لقتلاهم وانتشروا يبتغونهم، فلم يجدوا قتيلا إلا وقد مثلوا به إلا حنظلة ابن أبى عامر فإن أباه كان مع المشركين فتركوه له، وزعموا أن أباه وقف عليه قتيلا فدفع صدره بقدمه وقال: قد تقدمت إليك فى مصرعك هذا، ولعمر الله إن كنت لواصلا للرحم برا بالوالدة.\rوقال رسول الله ﷺ: «من رجل ينظر لى ما فعل سعد بن الربيع، أفى الأحياء هو أم فى الأموات؟» «٤» فقال رجل من الأنصار: أنا أنظر لك يا رسول الله ما فعل. فنظر فوجده جريحا فى القتلى وبه رمق، قال فقلت له: إن رسول الله ﷺ أمرنى أن أنظر أفى الأحياء أنت أم فى الأموات؟ قال: أنا فى الأموات، فأبلغ رسول الله ﷺ عنى السلام وقل له: إن سعد بن الربيع يقول: جزاك الله عنا خير ما جزى نبيّا عن أمته، وأبلغ قومك السلام عنى وقل لهم: إن سعد بن الربيع يقول لكم: إنه لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى نبيكم ومنكم عين تطرف. قال: ثم لم أبرح حتى مات. فجئت رسول الله ﷺ فأخبرته خبره.","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: تفسير الطبرى (٢/ ٩٠) .\r(٢) انظر الحديث فى: التاريخ لابن كثير (٤/ ٣٨) ، تاريخ الطبرى (٢/ ٧١) .\r(٣) انظر الحديث فى: تاريخ الطبرى (٢/ ٧١) ، البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ١٣٨) ، المغازى للواقدى (١/ ٢٩٨) .\r(٤) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (٣/ ٢٨٥) ، البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ٣٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083825,"book_id":3509,"shamela_page_id":388,"part":"1","page_num":386,"sequence_num":388,"body":"وفى سعد هذا يقول أبو بكر الصديق- رضى الله عنه- وقد دخل عليه رجل وعلى صدره بنت لسعد جارية صغيرة يرشفها ويقبلها فقال الرجل: من هذه؟ فقال أبو بكر رضى الله عنه: بنت رجل خير منى، سعد بن الربيع، كان من النقباء ليلة العقبة وشهد بدرا، واستشهد يوم أحد.\rوخرج رسول الله ﷺ يلتمس حمزة بن عبد المطلب فوجده ببطن الوادى قد بقر بطنه عن كبده ومثل به فجدع أنفه وأذناه، فقال رسول الله ﷺ حين رأى ما رأى: «لولا أن تحزن صفية ويكون سنّة من بعدى لتركته حتى يكون فى بطون السباع وحواصل الطير، ولئن أظهرنى الله على قريش فى مواطن من المواطن لأمثلن بثلاثين رجلا منهم» «١» .\rفلما رأى المسلمون حزن الرسول ﷺ وغيظه على من فعل بعمه ما فعل، قالوا: والله لئن أظفرنا الله بهم يوما من الدهر لنمثلن بهم مثله لم يمثلها أحد من العرب. فأنزل الله تعالى، فيما قاله من ذلك رسوله صلوات الله عليه وسلامه: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ [النحل: ١٢٦، ١٢٧] ، فعفا رسول الله ﷺ وصبر ونهى عن المثلة.\rويقال: إن رسول الله ﷺ لما وقف على حمزة قال: «لن أصاب بمثلك أبدا! ما وقفت موقفا قط أغيظ إلى من هذا» «٢» . ثم قال: «جاءنى جبريل فأخبرنى أن حمزة مكتوب فى أهل السموات السبع: حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله» «٣» .\rثم أمر به رسول الله ﷺ فسجى ببرده، ثم صلى عليه فكبر سبع تكبيرات، ثم أتى بالقتلى، يوضعون إلى حمزة وصلى عليهم وعليه معهم، حتى صلى عليه ثنتين وسبعين صلاة.\rوأقبلت صفية بنت عبد المطلب «٤» إليه، وكان أخاها لأبيها وأمها فقال رسول الله","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ٣٩) .\r(٢) انظر الحديث فى: فتح البارى لابن حجر (١/ ٣٧١) ، البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ٤٠) .\r(٣) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ٤٠) .\r(٤) انظر ترجمتها فى: طبقات ابن سعد (٨/ ٤١) ، طبقات خليفة (٣٣١) ، تاريخ خليفة (١٤٧) ، المعارف (١٢٨) ، تاريخ الإسلام (٣٨١٢) ، الإصابة ترجمة رقم (١١٤١١) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083826,"book_id":3509,"shamela_page_id":389,"part":"1","page_num":387,"sequence_num":389,"body":"صلى الله عليه وسلم لابنها الزبير بن العوام: «القها فأرجعها، لا ترى ما بأخيها» . فقال لها: يا أمه، إن رسول الله ﷺ يأمرك أن ترجعى. قالت ولم؟ وقد بلغنى أن قد مثّل بأخى، وذلك فى الله، فما أرضانا بما كان من ذلك، لأحتسبن ولأصبرن إن شاء الله. فلما أخبر الزبير بذلك رسول الله ﷺ قال له: «خل سبيلها» . فأتته فنظرت إليه فصلت عليه واسترجعت واستغفرت له.\rثم أمر به رسول الله ﷺ فدفن.\rوزعم آل عبد الله بن جحش أن رسول الله ﷺ دفن عبد الله بن جحش مع حمزة فى قبره، وهو ابن أخته أميمة بنت عبد المطلب، وكان قد مثل به كما مثل بخاله حمزة، إلا أنه لم يبقر عن كبده وجدع أنفه وأذناه، فلذلك يقال له: المجدع فى الله.\rوكان فى أول النهار قد لقى سعد بن أبى وقاص فقال له عبد الله: هلم يا سعد فلندع الله وليذكر كل واحد منا حاجته فى دعائه وليؤمن الآخر. فقال سعد: يا رب إذا لقيت العدو فلقنى رجلا شديدا بأسه شديدا حرده أقاتله فيك ويقاتلنى ثم ارزقنى الظفر عليه حتى أقتله وأسلبه سلبه. فأمن عبد الله بن جحش ثم قال: اللهم ارزقنى رجلا شديدا بأسه شديدا حرده أقاتله فيك ويقاتلنى فيقتلنى ثم يجدع أنفى وأذنى، فإذا لقيتك غدا قلت لى: يا عبد الله، فيم جدع أنفك وأذناك؟ فأقول: فيك يا رب وفى رسولك. فتقول لى: صدقت. فأمن سعد على دعوته.\rقال سعد: كانت دعوة عبد الله خيرا من دعوتى، لقد رأيته النهار وإن أذنيه وأنفه معلقان فى خيط، ولقيت أنا فلان من المشركين فقتلته وأخذت سلبه.\rوذكر الزبير أن سيف عبد الله بن جحش انقطع يوم أحد فأعطاه رسول الله ﷺ عرجونا فعاد فى يده سيفا منه، فقاتل به فكان ذلك السيف يسمى العرجون، ولم يزل هذا يتوارث حتى بيع من بغا التركى بمائتى دينار.\rواحتمل ناس من المسلمين قتلاهم إلى المدينة فدفنوهم بها، ثم نهى رسول الله ﷺ عن ذلك قال: «ادفنوهم حيث صرعوا» «١» .\rولما أشرف صلوات الله عليه وسلامه يوم أحد على القتلى قال: «أنا شهيد على هؤلاء، إن ما من جريح يجرح فى الله إلا والله يبعثه يوم القيامة يدمى جرحه اللون لون","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (٣/ ٢٩٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083827,"book_id":3509,"shamela_page_id":390,"part":"1","page_num":388,"sequence_num":390,"body":"دم والريح ريح مسك، انظروا أكثر هؤلاء جمعا للقرآن فاجعلوه أمام أصحابه فى القبر» «١» . وكانوا يدفنون الاثنين والثلاثة فى القبر الواحد.\rوقال- يومئذ- حين أمر بدفن القتلى: «انظروا عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو بن حرام، فإنهما كانا متصافيين فى الدنيا فاجعلوهما فى قبر واحد» «٢» .\rوذكر مالك بن أنس فى موطّئه أن السيل حفر قبرهما بعد زمان فحفر عنهما ليغيرا من مكانهما، فوجدا لم يتغيرا كأنما ماتا بالأمس، وكان أحدهما قد جرح فوضع يده على جرحه فدفن وهو كذلك فأميطت يده عن جرحه ثم أرسلت فرجعت كما كانت، وكان بين أحد وبين يوم حفر عنهما ست وأربعون سنة.\rثم انصرف رسول الله ﷺ راجعا إلى المدينة فلقيته حمنة بنت جحش، فلما لقيت الناس نعى لها أخوها عبد الله بن جحش فاسترجعت واستغفرت له، ثم نعى لها خالها حمزة بن عبد المطلب فاسترجعت واستغفرت له، ثم نعى لها زوجها مصعب بن عمير فصاحت وولولت، فقال رسول الله ﷺ: «إن زوج المرأة منها لبمكان» «٣» لما رأى من تثبتها على أخيها وخالها وصياحها على زوجها.\rومر رسول الله ﷺ بدار من دور الأنصار فسمع البكاء والنوائح على قتلاهم، فذرفت عيناه فبكى، ثم قال: «لكن حمزة لا بواكى له» «٤» .\rفلما رجع سعد بن معاذ وأسيد بن حضير إلى دار بنى عبد الأشهل أمرا نساءهما أن يتحزمن ثم يذهبن فيبكين على عم رسول الله ﷺ، ففعلن فلما سمع رسول الله ﷺ بكاءهن على حمزة خرج عليهن وهن على باب المسجد يبكين عليه، فقال: «ارجعن","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ٤١، ٤٢) ، الطبقات الكبرى لابن سعد (٣/ ١/ ٧) .\r(٢) انظر الحديث فى: الطبقات الكبرى لابن سعد (٢/ ٥٦٢) ، موطأ مالك (٢/ ٤٧٠/ ٤٩) .\r(٣) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (٣/ ٣٠١) ، البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ٤٦) .\r(٤) انظر الحديث فى: سنن ابن ماجه (١٥٩١) ، مسند الإمام أحمد (٢/ ٤٠، ٨٤، ٩٢) ، السنن الكبرى للبيهقى (٤/ ٧٠) ، مستدرك الحاكم (١/ ٣٨١، ٣/ ١٩٥) ، المعجم الكبير للطبرانى (٣/ ١٥٩، ١١/ ٣٩٢) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٦/ ١٢٠) ، الطبقات الكبرى لابن سعد (٢/ ١/ ٣١، ٣/ ١/ ٥، ١٠، ١١) ، مصنف ابن أبى شيبة (٣/ ٣٩٤) ، مصنف عبد الرزاق (٦٦٩٤) ، دلائل النبوة للبيهقى (٣/ ٢١٦، ٣٠١) ، كنز العمال للمتقى الهندى (٣٦٩٤٥) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083828,"book_id":3509,"shamela_page_id":391,"part":"1","page_num":389,"sequence_num":391,"body":"يرحمكن الله، فقد آسيتن «١» بأنفسكن» «٢» . وقيل: إنه لما سمع بكاءهن قال: «رحم الله الأنصار، فإن المواساة منهم ما علمت لقديمة، مروهن فلينصرفن» .\rومر رسول الله فى انصرافه بامرأة من بنى دينار وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله ﷺ بأحد، فلما نعوا لها قالت: فما فعل رسول الله ﷺ؟ قالوا: خيرا يا أم فلان، هو بحمد الله كما تحبين. قالت: أرونيه حتى أنظر إليه. فأشير لها إليه حتى إذا رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل! تريد صغيرة.\rفلما انتهى رسول الله ﷺ إلى أهله ناول سيفه ابنته فاطمة فقال: «اغسلى عن هذا دمه يا بنية، فو الله لقد صدقنى اليوم» «٣» ، وناولها على بن أبى طالب سيفه فقال: وهذا فاغسلى عنه دمه، فو الله لقد صدقنى اليوم. فقال رسول الله ﷺ: «لئن كنت صدقت القتال لقد صدق معك سهل بن حنيف وأبو دجانة» «٤» .\rوكان يقال لسيف رسول الله ﷺ: ذو الفقار. ونادى مناد يوم أحد:\rلا سيف إلا ذو الفقا ... ر ولا فتى إلا على\rوقال رسول الله ﷺ لعلى بن أبى طالب: «لا يصيب المشركون منا مثلها حتى يفتح الله علينا» «٥» .\rوكان يوم أحد السبت للنصف من شوال.\rفلما كان الغد منه يوم الأحد أذن مؤذن رسول الله ﷺ بطلب العدو، وأذن مؤذنه:\rأن لا يخرجن معنا أحد إلا أحد حضر يومنا بالأمس.\rفكلمه جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام فقال: يا رسول الله، كان أبى خلفنى على أخوات لى سبع وقال: «يا بنى لا ينبغى لى ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة لا رجل فيهن، ولست بالذى أو ثرك بالجهاد مع رسول الله ﷺ على نفسى، فتخلف على أخواتك.\rفتخلفت عليهن. فأذن له رسول الله ﷺ فخرج معه.\rوإنما خرج رسول الله ﷺ مرهبا للعدو ليبلغهم أنه خرج فى طلبهم فيظنوا به قوة، وأن الذى أصابهم لم يوهنهم عن عدوهم.","footnotes":"(١) آسيتن: أى عزيتن وعاونتن.\r(٢) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ٤٧) ، دلائل النبوة للبيهقى (٣/ ٣٠١، ٣٠٢) .\r(٣) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ٤٧) .\r(٤) انظر الحديث فى: مستدرك الحاكم (٣/ ٢٤) ، البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ٤٧) .\r(٥) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ٤٧) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083829,"book_id":3509,"shamela_page_id":392,"part":"1","page_num":390,"sequence_num":392,"body":"وشهد مع رسول الله ﷺ يوم أحد أخوان من بنى الأشهل فرجعا جريحين، قال أحدهما: فلما أذن مؤذن رسول الله ﷺ بالخروج فى طلب العدو قلت لأخى أو قال لى: أتفوتنا غزوة مع رسول الله ﷺ؟! والله ما لنا من دابة نركبها وما منا إلا جريح ثقيل. فخرجنا وكنت أيسر جرحا منه، فكان إذا غلب حملته عقبة ومشى عقبة، حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون.\rوانتهى رسول الله ﷺ فى خروجه ذلك إلى حمراء الأسد، على ثمانية أميال من المدينة. فأقام بها الاثنين والثلاثاء والأربعاء ثم رجع إلى المدينة.\rوقد مر به هنالك معبد بن أبى معبد الخزاعى، وكانت خزاعة مسلمهم ومشركهم عيبة نصح رسول الله بتهامة، صفقتهم معه لا يخفون عنه شيئا كان بها، ومعبد يومئذ مشرك فقال: يا محمد، أما والله لقد عز علينا ما أصابك فى أصاحبك، ولوددنا أن الله عافاك فيهم.\rثم خرج ورسول الله ﷺ بحمراء الأسد، حتى لقى ابا سفيان بن حرب ومن معه بالروحاء وقد أجمعوا الرجعة إلى رسول الله ﷺ وأصحابه، وقالوا: أصبنا حد أصحابه وقادتهم وأشرافهم ثم نرجع قبل أن نستأصلهم! لنكرن على بقيتهم فلنفرغن منهم. فلما رأى أبو سفيان معبدا قال: ما وراءك يا معبد؟ قال: محمد قد خرج فى أصحابه يطلبكم فى جمع لم أر مثله قط يتحرقون عليكم تحرقا، قد اجتمع معه من كان تخلف عنه فى يومكم وندموا على ما صنعوا، فيهم من الحنق عليكم شىء لم أر مثله قط. فقال: ويحك ما تقول؟ قال: والله ما أرى أن ترتحل حتى ترى نواصى الخيل. قال: فو الله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم. قال: فإنى أنهاك عن ذلك، والله لقد حملنى ما رأيت على أن قلت فيه أبياتا من الشعر. قال: وما قلت؟ قال قلت:\rكادت تهد من الأصوات راحلتى ... إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل «١»\rتردى بأسد كرام لا تنابلة ... عند اللقاء ولا ميل معازيل «٢»\rفظلت عدوا أظن الأرض مائلة ... لما سموا برئيس غير مخذول\rفقلت ويل ابن حرب من لقائكم ... إذا تغطمطت البطحاء بالجيل «٣»","footnotes":"(١) تهد: تسقط من الإعياء لهول ما رأت من صوت الجيش وكثرته. والجرد: الخيل العتاق. والأبابيل: الجماعات.\r(٢) تردى: أى تسرع. والتنابلة: القصار. والميل: أى الذى لا رمح له.\r(٣) أبو حرب: هو أبو سفيان. وتغطمطت: أى اهتزت وارتجت. والجيل: الصنف من الناس.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083830,"book_id":3509,"shamela_page_id":393,"part":"1","page_num":391,"sequence_num":393,"body":"إنى نذير لأهل البسل ضاحية ... لكل ذى إربة منهم ومعقول\rمن جيش أحمد لا وخشا قنابلة ... وليس يوصف ما أنذرت بالقيل\rفثنى ذلك أبا سفيان ومن معه.\rومر به ركب من عبد القيس فقال: أبن تريدون؟ قالوا: نريد المدينة، قال: ولم؟\rقالوا: نريد الميرة. قال: فهل أنتم مبلغون عنى محمدا رسالة أرسلكم بها إليه وأحمل لكم بهذه غدا زبيبا بعكاظ إذا ما أتيتموها؟ قالوا: نعم. قال: فإذا وافيتموه فأخبروه أنا قد أجمعنا السير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم. فمر الركب برسول الله ﷺ وهم بحمراء الأسد فأخبروه بالذى قال أبو سفيان وأصحابه فقالوا: «حسبنا الله ونعم الوكيل» «١» .\rويقال: إنهم لما هموا بالرجعة إلى المدينة ليستأصلوا- كما زعموا- بقية أصحاب رسول الله ﷺ قال لهم صفوان بن أمية: لا تفعلوا فإن القوم قد حربوا وقد خشينا أن يكون لهم قتال غير الذى كان، فارجعوا. فرجعوا.\rفقال النبى ﷺ وهو بحمراء الأسد حين بلغه أنهم هموا بالرجعة: «والذى نفسى بيده لقد سومت «٢» لهم حجارة لو صبحوا بها لكانوا كأمس الذاهب» «٣» .\rوأخذ رسول الله ﷺ فى وجهه قبل رجوعه إلى المدينة معاوية بن المغيرة بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس جد عبد الملك بن مروان أبا أمه وأبا عزة الجمحى، وكان رسول الله ﷺ أسره ببدر ثم من عليه، وقد تقدم ذكر ذلك وذكر مقتله إياه فى هذه الأخذة الثانية صدر غزوة أحد، ولجأ معاوية بن المغيرة إلى عثمان بن عفان فاستأمن له رسول الله ﷺ فأمنه على أنه إن وجد بعد ثلاث قتل، فأقام بعدها وتوارى. فبعث النبى زيد بن حارثة وعمار بن ياسر وقال: «إنكما ستجدانه بموضع كذا» «٤» . فوجداه فقاتلاه.","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (١/ ٣٢٦) ، المعجم الكبير للطبرانى (١٢/ ١٢٨) ، الدر المنثور للسيوطى (٢/ ١٠١، ٥/ ٣٣٨) ، دلائل النبوة للبيهقى (٣/ ٣١٧) ، الطبقات الكبرى لابن سعد (٢/ ١/ ٤٨) ، البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ٥٠) ، السلسلة الصحيحة للألبانى (١٠٧٩) ، زاد المسير لابن الجوزى (٥/ ٣٣٦، ٥٠٥) ، تفسير ابن كثير (٥/ ١٩٦) ، تفسير الطبرى (٤/ ١١٩، ٢٩/ ٩٥) ، تاريخ بغداد للخطيب البغدادى (١١/ ٨٦) .\r(٢) سومت: علمت.\r(٣) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ٥١) .\r(٤) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ٥١) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083831,"book_id":3509,"shamela_page_id":394,"part":"1","page_num":392,"sequence_num":394,"body":"وكان يوم أحد يوم بلاء ومصيبة وتمحيص، اختبر الله به المؤمنين ومحن به المنافقين ممن كان يظهر الإيمان بلسانه وهو مستخف بالكفر فى قلبه، وأكرم الله فيه من أراد كرامته بالشهادة من أهل ولايته.\rوكان مما أنزل الله- ﵎ من القرآن فى شأن أحد ستون آية من آل عمران فى طاعة من أطاع، ونفاق من نافق، وصفة ما كان فى يومهم، وتعزية المؤمنين فى مصيبتهم ومعاتبة من عاتب منهم.\rيقول الله ﵎ لنبيه ﷺ: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. أى سميع لما يقولون عليم بما يخفون.\rإِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا أى تتخاذلا. والطائفتان: بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس، وهما الجناحان، يقول الله ﵎: وَاللَّهُ وَلِيُّهُما أى المدافع عنهما ما همتا به من ذلك برحمته وعائذته حتى سلمتا ولحقتا بنبيهما. وقيل: إنه لما أنزل الله- تعالى- فى هاتين الطائفتين قالتا: ما نحب أنا لم نهم بما هممنا لتولى الله إيانا فى ذلك.\rوَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ، أى من كان به ضعف من المؤمنين فليتوكل على وليستعن بى أعنه على أمره وأدفع عنه حتى أبلغ به وأقويه على نيته.\rوَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ أقل عددا وأضعف قوة فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أى فاتقونى فإنه شكر نعمتى.\rإِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ، أى إن تصبروا لعدوى وتطيعوا أمر ويأتوكم من وجههم هذا أمددكم بهذا العدد من الملائكة مسومين أى معلمين.\rوَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ، أى ما سميت لكم من سميته من جنود ملائكتى إلا لتستبشروا بذلك وتطمئن قلوبكم إليه، لما أعرف من ضعفكم، وما النصر إلا من عند الله لسلطانى وقدرتى، وذلك أن العزة والحكم لى لا إلى أحد من خلقى.\rثم قال لمحمد ﷺ: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083832,"book_id":3509,"shamela_page_id":395,"part":"1","page_num":393,"sequence_num":395,"body":"ظالِمُونَ، أى ليس لك من الحكم شىء فى عبادى إلا ما أمرتك به فيهم، أو أتوب عليهم برحمتى فإن شئت فعلت، أو أعذبهم بذنوبهم فبحقى فإنهم ظالمون أى عصوا فاستوجبوا ذلك بمعصيتهم إياى.\rثم استقبل ذكر المصيبة التى نزلت بهم والبلاء الذى أصابهم والتمحيص لما كان فيهم واتخاذه الشهداء منهم، فقال تعزية لهم وتعريفا لهم فيما صنعوا وفيما هو صانع بهم: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ، أى قد مضت منى وقائع نقمة فى أهل التكذيب برسلى والشرك، فى عاد وثمود وقوم لوط وأصحاب مدين، فرأوا مثلات قد مضت منى فيهم ولمن هو على مثل ما هم عليه: هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ، أى نور وأدب لمن أطاعنى وعرف أمرى.\rوَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا، أى لا تضعفوا ولا تبتئسوا على ما أصابكم وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ لكم تكون العاقبة والظهور إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أى أن كنتم صدقتم نبيى بما جاءكم به عنى.\rإِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ أى جراح فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ أى جراح مثلها وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ أى نصرفها للبلاء والتمحيص وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ، أى حسبتم أن تدخلوا الجنة فتصيبوا كرامة ثوابى ولم أختبركم بالشدة وأبتليكم بالمكاره حتى أعلم صدق ذلك منكم، الإيمان بى والصبر على ما أصابكم فىّ.\rوَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ أى الشهادة مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ يعنى الذين استنهضوا رسول الله ﷺ إلى الخروج بهم إلى عدوهم يوم أحد لما فاتهم من يوم بدر رغبة فى الشهادة، يقول: فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ.\rوَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ، أى لقول الناس: قتل محمد. وانهزامهم عند ذلك وانصرافهم عن عدوهم.\rأفئن مات أو قتل رجعتم عن دينكم كفارا كما كنتم، وتركتم جهاد عدوكم وكتاب ربكم وما خلف نبيه من دينه معكم وعندكم وقد بين لكم فيما جاءكم به عنى أنه ميت عنكم ومفارق لكم؟! وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ أى يرجع عن دينه فَلَنْ يَضُرَّ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083833,"book_id":3509,"shamela_page_id":396,"part":"1","page_num":394,"sequence_num":396,"body":"اللَّهَ شَيْئاً أى لن ينقص ذلك عز الله ولا ملكه ولا سلطانه ولا قدرته وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ أى من أطاعه وعمل بأمره.\rوَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ أى من أراد الدنيا خاصة أتاه منها ما كتب له وما له فى الآخرة من نصيب، ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن آتاه منها ما وعد به مع ما يجرى عليه فى دنياه من رزقه المقدر له، وذلك هو جزاء الشاكرين أى المتقين.\rوَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا، أى وكم من نبى أصابه القتل ومعه جماعات من أنصاره، فما وهنوا لفقد نبيهم وما ضعفوا عن عدوهم وما استكانوا لما أصابهم فى الجهاد عن الله وعن دينهم، وذلك هو الصبر وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ.\rوَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ، أى فقولوا مثل ما قالوا، واعلموا أن ذلك بذنوب منكم فاستغفروه كما استغفروا كما استغفروا، وامضوا على دينكم كما مضوا على دينهم ولا ترتدوا على أعقابكم راجعين، وسلوه كما سألوه أن يثبت أقدامكم وينصركم على القوم الكافرين. فكل هذا من قولهم كان وقد قتل نبيهم، ولم يفعلوا كما فعلتم.\rفَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا بالظهور على عدوهم وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ الذى به وعدهم وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ.\rيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ أى عن عدوكم فتذهب دنياكم وآخرتكم.\rبَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ فإن كان ما تقولون بألسنتكم صدقا عن قلوبكم فاعتصموا به ولا تنتصروا بغيره، ولا ترجعوا كفارا على أعقابكم مرتدين عن دينه.\rسَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ الذى به كنت أنصركم عليهم جزاء لهم بما أشركوا بى، فلا تظنوا أن لهم عاقبة نصر ولا ظهورا عليكم ما اعتصمتم بى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083834,"book_id":3509,"shamela_page_id":397,"part":"1","page_num":395,"sequence_num":397,"body":"واتبعتم أمرى، وإنما أصابكم منهم ما أصابكم بذنوب قدمتموها لأنفسكم خالفتم بها أمرى وعصيتم فيها نبيى.\rوَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ، أى لقد وفيت لكم ما وعدتكم من النصر على عدوكم إذ تحسونهم بالسيوف أى تستأصلونهم قتلا بإذنى وتسليطى أيديكم عليهم وكفى أيديهم عنكم حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ أى تخاذلتم وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ اختلفتم فيه وَعَصَيْتُمْ بترك أمر نبيكم، يعنى الرماة الذين عهد إليهم ألا يفارقوا مكانهم فخالفوا أمره حتى أتى المسلمون من قبلهم مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ أى الفتح لا شك فيه وهزيمة القوم عن نسائهم وأموالهم مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا أى النهب وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ أى الذين جاهدوا فى الله ولم يخالفوا إلى ما نهوا عنه ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، أى أنه سبحانه وإن عاقب من يشاء من عباده ببعض الذنوب فى عاجل الدنيا أدبا وموعظة، فإنه غير مستوف كل ماله فيهم من الحق بما أصابوا من معصية، فضلا من الله ورحمة.\rثم أنبهم بالفرار عن نبيهم وهو يدعوهم ولا يعطفون عليه فقال: إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ أى كربا بعد كرب بقتل من قتل من إخوانكم وعلو عدوكم عليكم وما وقع فى أنفسكم حين سمعتم أنه قتل نبيكم لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ من الظهور على عدوكم بعد أن رأيتموه بأعينكم وَلا ما أَصابَكُمْ من قتل إخوانكم بما فرجت عنكم من الكرب بوقاية نبيكم وكشف كرب الشيطان فى الصراخ بقتله بينكم، فكان هذا هو الذى فرج الله به عنهم ما تابع عليهم من الغم، فلما رأوا رسول الله ﷺ حيا بين أظهرهم هان عليهم ما فاتهم من القوم بعد الظهور عليهم والمصيبة التى أصابتهم فيمن قتل منهم.\rثم قال تعالى بعد آيات ذكر فيها ما ذكر من قصة أحد وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ يعنى عبد الله بن أبى والراجعين عن رسول الله ﷺ حين سار إلى عدوه عن المشركين. يقول الله ﵎: هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083835,"book_id":3509,"shamela_page_id":398,"part":"1","page_num":396,"sequence_num":398,"body":"ثم قال لنبيه ﵇ يرغب المؤمنين فى الجهاد ويهون عليهم القتل: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ.\rقال عبد الله بن عباس رضى الله عنهما: قال رسول الله ﷺ: «لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم فى أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوى إلى قناديل من ذهب فى ظل العرش، فلما وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم وحسن مقيلهم قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله بنا لئلا يزهدوا فى الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب» قال الله ﵎: فأنا أبلغهم عنكم» «١» ؛ فأنزل الله- عز ذكره- على رسوله ﷺ هذه الآيات: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ إلى آخرها.\rوقال رسول الله ﷺ: «الشهداء على بارق نهر بباب الجنة فى قبة خضراء يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيا» «٢» .\rوسئل عبد الله بن مسعود عن هؤلاء الآيات: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً فقال: أما إنا قد سألنا عنها فقيل لنا: إنه لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم فى أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوى إلى قناديل من ذهب فى ظل العرش فيطلع الله إليهم اطلاعة، فيقول: يا عبادى، ما تشتهون فأزيدكم؟ فيقولون: ربنا لا فوق ما أعطيتنا، الجنة نأكل منها حيث شئنا. ثم يطلع الله إليهم اطلاعه فيقول: يا عبادى، ما تشتهون فأزيدكم؟ فيقولون: ربنا لا فوق ما أعطيتنا، الجنة نأكل منها حيث نشاء، ثم يطلع إليهم اطلاعة فيقول: يا عبادى، ما","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: سنن أبو داود (٢٥٢٠) ، مسند الإمام أحمد (١/ ٢٦٦) ، السنن الكبرى للبيهقى (٩/ ١٦٣) ، مستدركم الحاكم (٢/ ٨٨، ٢٩٧) ، دلائل النبوة للبيهقى (٣/ ٣٠٤) ، مصنف ابن أبى شيبة (٥/ ٢٩٤) ، الدر المنثور للسيوطى (٢/ ٩٥) ، زاد المسير لابن الجوزى (١/ ٤٩٩) ، تفسير ابن كثير (٢/ ١٤١) ، تفسير الطبرى (٤/ ١١٣) ، تفسير القرطبى (٤/ ٢٦٨) .\r(٢) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (١/ ٢٦٦) ، مستدرك الحاكم (٢/ ٧٤) ، المعجم الكبير للطبرانى (١٠/ ٤٠٥) ، مصنف ابن أبى شيبة (٥/ ٢٩٠) ، إتحاف السادة المتقين (١٠/ ٣٣٨) ، موارد الظمآن للهيثمى (١٦١١) ، الدر المنثور للسيوطى (٢/ ٩٦) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٥/ ٢٩٤، ٢٩٨) ، كنز العمال للمتقى الهندى (١١٠٩٩) ، الترغيب والترهيب للمنذرى (٢/ ٣٢٣) ، تفسير الطبرى (٢/ ٣٤، ٤/ ١١٣) ، تفسير ابن كثير (٢/ ١٤٢) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083836,"book_id":3509,"shamela_page_id":399,"part":"1","page_num":397,"sequence_num":399,"body":"تشتهون فأزيدكم؟ فيقولون: ربنا لا فوق ما أعطيتنا، الجنة نأكل منها حيث شئنا، إلا أنا نحب أن ترد أرواحنا فى أجسادنا ثم تردنا إلى الدنيا فنقاتل فيك حتى نقتل فيك مرة أخرى» .\rوقال رسول الله ﷺ لجابر بن عبد الله: «ألا أبشرك يا جابر؟» «١» قال: قلت: بلى يا رسول الله. قال: «إن أباك حيث أصيب بأحد أحياه الله، ثم قال: ما تحب يا عبد الله ابن عمرو أن أفعل بك؟ قال: أى رب أحب أن تردنى إلى الدنيا فأقاتل فيك فأقتل مرة أخرى» «٢» .\rوقال رسول الله ﷺ: «والذى نفسى بيده ما من مؤمن يفارق الدنيا يحب أن يرجع إليها ساعة من النهار وأن له الدنيا وما فيها، إلا الشهيد فإنه يحب أن يرد إلى الدنيا فيقاتل فى الله فيقتل مرة أخرى» .\rواستشهد من المسلمين يوم أحد مع رسول الله ﷺ من المهاجرين والأنصار خمسة وستون رجلا، أربعة من المهاجرين وسائرهم من الأنصار وقتل الله من المشركين يومئذ اثنتين وعشرين رجلا.\rوكان مما قيل من الشعر فى يوم أحد قول كعب بن مالك الأنصارى ﵀:\rألا هل أتى غسان عنا ودونهم ... من الأرض خرق سيره متنعنع\rصحار وأعلام كأن قتامها ... من البعد نقع هامد متقطع\rتظل به البزل العراميس رزحا ... ويخلو به غيث السنين فيمرع\rبه جيف الحسرى يلوح صليبها ... كما لاح كتان التجار الموضع\rبه العين والآرام يمشين خلفة ... وبيض نعام قيضه يتقلع\rمجالدنا عن ديننا كل فخمة ... مذربة فيها القوانس تلمع\rوكل صموت فى الصوان كأنها ... إذا لبست نهى من الماء مترع\rولكن ببدر سائلوا من لقيتم ... من الناس والأنباء بالغيب تنفع\rوإنا بأرض الخوف لو كان أهلها ... سوانا لقد أجلوا بليل فأقشعوا","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: مجمع الزوائد للهيثمى (٩/ ٣١٧) ، إتحاف السادة المتقين (٥/ ٢٤، ١٠/ ٣٨٣) ، المغنى عن حمل الأسفار للعراقى (١/ ٢٠٥، ٤/ ٤٨٠) ، البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ٤٤) .\r(٢) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ٤٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083837,"book_id":3509,"shamela_page_id":400,"part":"1","page_num":398,"sequence_num":400,"body":"إذا جاء منا راكب كان قوله ... أعدوا لما يزجى ابن حرب ويجمع\rولما ابتنوا بالعرض قال سراتنا ... علام إذا لم نمنع العرض نزرع\rوفينا رسول الله نتبع أمره ... إذا قال فينا القول لا نتطلع\rتدلى عليه الروح من عند ربه ... ينزل من جو السماء ويرفع\rنشاوره فيما نريد وقصدنا ... إذا ما اشتهى أنا نطيع ونسمع\rوقال رسول الله لما بدوا لنا ... ذروا عنكم هول المنيات واطمع\rوكونوا كمن يشرى الحياة تقربا ... إلى ملك يحيا لديه ويرجع\rولكن خذوا أسيافكم وتوكلوا ... على الله إن الأمر لله أجمع\rفسرنا إليهم جهرة فى رحالهم ... ضحيا علينا البيض لا نتخشع\rبملمومة فيها السنور والقنا ... إذا ضربوا أقدامها لا تورع\rفجئنا إلى موج من البحر وسطه ... أحابيش منهم حاسر ومقنع\rثلاثة آلاف ونحن نصيبة ... ثلاث مئين إن كثرنا وأربع\rنعاورهم تجرى المنية بيننا ... نشارعهم حوض المنايا ونشرع\rتهادى قسى النبع فينا وفيهم ... وما هو إلا اليثربى المقطع\rومنجوفة حرمية صاعدية ... يذر عليها السم ساعة تصنع\rوخيل تراها بالفضاء كأنها ... جراد صبا فى قرة يتريع\rفلما تلاقينا ودارت بنا الرحى ... وليس لأمر حمه الله مدفع\rضربناهم حتى تركنا سراتهم ... كأنهم بالقاع خشب مصرع\rلدن غدوة حتى استفقنا عشية ... كأن ذكاها حر نار تلفع\rوراحوا سراعا موجفين كأنهم ... جهام هراقت ماءه الريح مقلع\rورحنا وأخرانا بطاء كأنها ... أسود على لحم ببيشة ظلع\rفنلنا ونال القوم منا وربما ... فعلنا ولكن ما لدى الله أوسع\rودارت رحانا واستدارت رحاهم ... وقد جعلوا كل من الشر يشبع\rونحن إناس لا نرى القتل سبة ... على كل من يحمى الذمار ويمنع\rجلاد على ريب الحوادث لا ترى ... على هالك عين لنا الدهر تدمع\rبنو الحرب لا نعيا بشئ نقوله ... ولا نحن مما جرت الحرب نجزع\rوقال حسان بن ثابت يجيب عبد الله بن الزبعرى عن كلمة له على روى هذا الجواب يفخر فيها بيوم أحد، وكلتا الكلمتين ينكرها بعض أهل العلم لمن نسبت إليه:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083838,"book_id":3509,"shamela_page_id":401,"part":"1","page_num":399,"sequence_num":401,"body":"أشاقتك من أم الوليد ربوع ... بلاقع ما من أهلهن جميع\rعفاهن ضيفى الرياح وواكف ... من الدلو زجاف السحاب هموع\rفلم يبق إلا موقد النار حوله ... رواكد أمثال الحمام كنوع «١»\rفدع ذكر دار بددت بين أهلها ... نوى لمتينات الحبال قطوع\rوقل إن يكن يوم بأحد يعده ... سفيه فإن الحق سوف يشيع\rفقد صابرت فيه بنو الأوس كلهم ... وكان لهم ذكر هناك رفيع\rوحامى بنو النجار فيه وصابروا ... وما كان منهم فى اللقاء جزوع\rأمام رسول الله لا يخذلونه ... لهم ناصر من ربهم وشفيع\rوفوا إذ كفرتم يا سخين بربكم ... ولا يستوى عبد وفى ومضيع\rبأيديهم بيض إذا حمش الوغى ... فلا بد أن يردى لهن صريع «٢»\rكما غادرت فى النقع عتبة ثاويا ... وسعدا صريعا والوشيج شروع «٣»\rوقد غادرت تحت العجاجة مسندا ... أبيا وقد بل القميص نجيع\rيكف رسول الله حيث تنصبت ... على القوم مما قد يثرن نقوع\rأولئك قوم سادة من فروعكم ... وفى كل قوم سادة وفروع\rبهن نعز الله حتى يعزنا ... وإن كان أمر يا سخين فظيع\rفلا تذكروا قتلى وحمزة فيهم ... قتيل ثوى لله وهو مطيع\rفإن جنان الخلد منزلة له ... وأمر الذى يقضى الأمور سريع\rوقتلاكم فى النار أفضل رزقهم ... حميم معا فى جوفها وضريع «٤»\rوقال كعب بن مالك يجيب ابن الزبعرى وعمرو بن العاص عن كلمتين قالاها فى ذلك:\rأبلغ قريشا وخير القول أصدقه ... والصدق عند ذوى الألباب مقبول\rأن قد قتلنا بقتلانا سراتكم ... أهل اللواء ففيما يكثر القيل\rويوم بدر لقيناكم لنا مدد ... فيه مع النصر ميكال وجبريل\rإن تقتلونا فدين الحق فطرتنا ... والقتل فى الحق عند الله تفضيل","footnotes":"(١) رواكد: الحجارة التى كانوا ينصبونها لوضع القدور عليها. وكنوع: أى لاصقة بالأرض.\r(٢) حمش: أى اشتد وقوى. ويردى: أى يهلك.\r(٣) ثاويا: أى مقيما.\r(٤) الضريع: نبات أخضر يرمى به البحر.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083839,"book_id":3509,"shamela_page_id":402,"part":"1","page_num":400,"sequence_num":402,"body":"وإن تروا أمرنا فى رأيكم سفها ... فرأى من خالف الإسلام تضليل\rفلا تمنوا لقاح الحرب واقتعدوا ... إن أخا الحرب أصدى اللون مشغول\rإنا بنو الحرب نمريها وننتجها ... وعندنا لذوى الأضغان تنكيل «٥»\rإن ينج منها ابن حرب بعدما بلغت ... منه التراقى وأمر الله مفعول «٦»\rفقد أفادت له حلما وموعظة ... لمن يكون له لب ومعقول\rولو هبطتم ببطن السيل كافحكم ... ضرب بشاكلة البطحاء ترعيل «٧»\rتلقاكم عصب حول النبى لهم ... مما يعدون للهيجا سرابيل «٨»\rمن جذم غسان مسترخ حمائلهم ... لا جبناء ولا ميل معازيل\rيمشون تحت عمايات القتال كما ... تمشى المصاعبة الأدم المراسيل «٩»\rأو مثل مشى أسود الظل ألثقها ... يوم رذاذ من الجوزاء مشمول\rفى كل سابغة كالنهى محكمة ... قيامها فلح كالسيف بهلول «١٠»\rترد حد قدان النبل خاسئة ... ويرجع السيف عنها وهو مفلول\rولو قذفتم بسلع عن ظهوركم ... وللحياة ودفع الموت تأجيل «١١»\rما زال فى القوم وتر منكم أبدا ... تعفو السلام عليه وهو مطلول «١٢»\rوقال كعب- أيضا فى يوم أحد من قصيدة يفخر فيها بقومه:\rفإن كنت عن شأننا سائلا ... فسل عنه ذا العلم ممن يلينا\rبنا كيف نفعل إن قلصت ... عوانا ضروسا عضوضا حجونا\rألسنا نشد عليها العقا ... ب حتى تدر وحتى تلينا\rويوم له وهج دائم ... شديد التهاول حامى الأرينا\rطويل شديد أوار القتا ... ل يبغى حواقره المقرفينا\rتخال الكماة بأعراضه ... ثمالى على لذة منزفينا","footnotes":"(٥) نمريها: نستدرها. والأضغان: أى العداوة.\r(٦) التراقى: عظام الصدر.\r(٧) شاكلة البطحاء: أى جانبها. والترعيل: أى الضرب السريع.\r(٨) الهيجا: أى الحرب.\r(٩) المصاعبة: الفحول من الإبل.\r(١٠) السالفة: الدرع الكاملة الشاملة.\r(١١) سلع: اسم جبل.\r(١٢) تعفو: تذهب آثارها. والسلام: الحجارة. ومطول: لم يؤخذ بثأره.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083840,"book_id":3509,"shamela_page_id":403,"part":"1","page_num":401,"sequence_num":403,"body":"تعاور أيمانهم بينهم ... كؤوس المنايا بحد الظبينا\rشهدنا فكنا أولى بأسه ... وتحت العماية والمعلمينا\rبخرس الحسيس حسان رواء ... وبصرية قد أجمن الجفونا\rفما ينفللن وما ينحنين ... وما ينتهين إذا ما نهينا\rكبرق الخريف بأيدى الكماة ... يفجعن بالطل هاما سكونا\rوعلمنا الضرب آباؤنا ... وسوف نعلم أيضا بنينا\rجلاد الكماة وبذل التلا ... د عن جل أحسابنا ما بقينا\rإذا مر قرن كفى نسله ... وأورثه بعده آخرينا\rتشب وتهلك آباؤنا ... وبينا نربى بنينا فنينا\rوقال حسان بن ثابت يبكى حمزة بن عبد المطلب رضى الله عنه:\rأتعرف الدار عفا رسمها ... بعدك صوب السبل الهاطل «١»\rبين السراديح فأدمانة ... فمدفع الروحاء فى حائل «٢»\rسألتها عن ذاك فاستعجمت ... لم تدر ما مرجوعة السائل «٣»\rدع عنك دارا قد عفا رسمها ... وابك على حمزة ذى النائل «٤»\rالمالئ الشيزى إذا أعصفت ... غبراء فى ذى الشبم الماحل «٥»\rوالتارك القرن لدى لبدة ... يعثر فى ذى الخرص الذابل «٦»\rواللابس الخيل إذ أجحمت ... كالليث فى غابته الباسل\rأبيض فى الذروة من هاشم ... لم يمر دون الحق بالباطل\rمال شهيدا بين أسيافكم ... شلت يدا وحشى من قاتل «٧»\rأى امرئ غادر فى ألة ... مطرورة مارنة العامل «٨»","footnotes":"(١) عفا: أى غير ودرس. ورسمها: أى أثرها.\r(٢) السراديح: جمع سرادح، وهو الوادى. وأدمانة: اسم موضع. والروحاء: اسم موضع. وحائل: جبل.\r(٣) استعجمت: أى لم ترد جوابا. ومرجوعة السائل: أى رجوع جوابه.\r(٤) النائل: أى العطاء.\r(٥) الشيزى: الجفان التى تصنع من خشب الشيز.\r(٦) القرن: الذى يقاومك فى القتال. واللبدة: أى الغبار الملبد.\r(٧) وحشى: هو قاتل حمزة.\r(٨) والألة: الحربة التى لها سنان طويل. والمطرورة: أى المحددة. والمارنة: أى اللينة. والعامل: أعلى","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083841,"book_id":3509,"shamela_page_id":404,"part":"1","page_num":402,"sequence_num":404,"body":"أظلمت الأرض لفقدانه ... واسود نور القمر الناصل\rصلى عليه الله فى جنة ... عالية مكرمة الداخل\rكنا نرى حمزة حرزا لنا ... فى كل أمر نابنا نازل\rوكان فى الإسلام ذا تدرأ ... يكفيك فقد القاعد الخاذل\rلا تفرحى يا هند واستحلبى ... دمعا وأذرى عبرة الثاكل\rوابك على عتبة إذ قطه ... بالسيف تحت الرهج الجائل\rإذا خر فى مشيخة منكم ... من كل عات قلبه جاهل\rأرداهم حمزة فى أسرة ... يمشون تحت الحلق الفاضل\rغداة جبريل وزير له ... نعم وزير الفارس الحامل\rوقال عبد الله بن رواحة يبكى حمزة، وتروى- أيضا- لكعب بن مالك رضى الله عنهم أجمعين:\rبكت عينى وحق لها بكاها ... وما يغنى البكاء ولا العويل\rعلى أسد الإله غداة قالوا ... أحمزة ذاكم الرجل القتيل\rأصيب المسلمون به جميعا ... هناك وقد أصيب به الرسول\rأبا يعلى لك الأركان هدت ... وأنت الماجد البر الوصول\rعليك سلام ربك فى جنان ... مخالطها نعيم لا يزول\rوقالت صفية بنت عبد المطلب تبكى أخاها حمزة رضى الله عنهما:\rأسائلة أصحاب أحد مخافة ... بنات أبى من أعجم وخبير\rفقال الخبير إن حمزة قد ثوى ... وزير رسول الله خير وزير\rدعاه الإله الحق ذو العرش دعوة ... إلى جنة يحيا بها وسرور\rفذلك ما كنا نرجى ونرتجى ... لحمزة يوم الحشر خير مصير\rفو الله لا أنساك ما هبت الصبا ... بكاء وحزنا محضرى ومسيرى\rعلى أسد الله الذى كان مدرها ... يذود عن الإسلام كل كفور\rفيا ليت شلوى عند ذاك وأعظمى ... لدى أضبع تعتادنى ونسور\rأقول وقد أعيى النعى عشيرتى ... جزى الله خيرا من أخ ونصير\rوقالت نعم امرأة شماس بن عثمان تبكى زوجها شماسا وأصيب يوم أحد:","footnotes":"أعلى الرمح.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083842,"book_id":3509,"shamela_page_id":405,"part":"1","page_num":403,"sequence_num":405,"body":"يا عين جودى بفيض غير إبساس ... على كريم من الفتيان لباس\rصعب البديهة ميمون نقيبته ... حمال ألوية ركاب أفراس «١»\rأقول لما أتى الناعى له جزعا ... أودى الجواد وأودى المطعم الكاسى «٢»\rوقلت لما خلت منه مجالسه ... لا يبعد الله عنا قرب شماس\rفأجابها أخوها يعزيها فقال:\rاقنى حياءك فى ستر وفى كرم ... فإنما كان شماس من الناس «٣»\rلا تقتلى النفس إذ حانت منيته ... فى طاعة الله يوم الروع والباس «٤»\rقد كان حمزة ليث الله فاصطبرى ... فذاق يومئذ من كأس شماس\rوقالت هند بنت عتبة حين انصرف المشركون عن أحد:\rرجعت وفى نفسى بلابل جمة ... وقد فاتنى بعض الذى كان مطلبى «٥»\rمن أصحاب بدر من قريش وغيرهم ... بنى هاشم منهم ومن أهل يثرب\rولكننى قد نلت شيئا ولم يكن ... كما كنت أرجو فى مسيرى ومركبى\rوهذه هند أم معاوية بن أبى سفيان، وكانت امرأة فيها مكارة وذكورة ولها نفس وأنفة، وكان المسلمون قد أصابوا يوم بدر أباها عتبة وعمها شيبة وأخاها الوليد، فأصابها من ذلك ما يصيب من مثله النفوس الشهمة والقلوب الكافرة، فخرجت إلى أحد مع زوجها أبى سفيان تبتغى الانتصار وتطلب الأوتار، فهذا قولها- يرحمها الله- والوتر يقلقها والكفر يحنقها والحزن يحرقها والشيطان ينطقها.\rثم إن الله سبحانه هداها إلى الإسلام وأخذ بحجزتها عن سواء النار، فصلحت حالها وتبدلت أقوالها، حتى قالت لرسول الله ﷺ فيما قالت له: والله يا رسول الله، ما كان على الأرض أهل خباء أحب إلى أن يذلوا من أهل خبائك، وما أصبح اليوم الأرض خباء أحب إلى أن يعزوا من أهل خبائك. أو نحو هذا من القول.\rفالحمد لله الذى هدانا برسوله أجمعين، وإياه سبحانه نسأل أن يميتنا على خير ما هدانا إليه، لا مبدلين ولا مغيرين.\r***","footnotes":"(١) البديهة: أول الأمر والرأى. وميمون نقيبته: أى مسعود الفأل. والألوية: جمع لواء، وهو العلم.\r(٢) الناعى: الذى يأتى بخبر الميت.\r(٣) اقنى حياءك: أى حافظى عليه ولا تخرجى عنه.\r(٣) اقنى حياءك: أى حافظى عليه ولا تخرجى عنه.\r(٤) المنية: أى الموت. والروع: أى الفزع. والبأس: أى الشجاعة.\r(٥) البلابل: أى الأحزان.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083843,"book_id":3509,"shamela_page_id":406,"part":"1","page_num":404,"sequence_num":406,"body":"غدر عضل والقارة بأصحاب رسول الله ﷺ\rوقدم على رسول الله ﷺ بعد أحد رهط من عضل والقارة، وهم بنو الهون ابن خزيمة بن مدركة، فقالوا له: يا رسول الله، إن فينا إسلاما فابعث معنا نفرا من أصحابك يفقهوننا فى الدين ويقرئوننا القرآن ويعلموننا شرائع الإسلام.\rفبعث معهم ستة من أصحابه: مرثد بن أبى مرثد الغنوى «١» وأمره عليهم، وخالد بن البكير «٢» ، وعاصم بن ثابت بن أبى الأقلح، وخبيب بن عدى «٣» ، وزيد بن الدثنة «٤» ، وعبد الله بن طارق «٥» .\rفخرجوا حتى إذا كانوا على الرجيع، ماء لهذيل بناحية الحجاز من صدر الهدأة «٦» ، غدروا بهم فاستصرخوا عليهم هذيلا فلم يرع القوم وهم فى رحالهم إلا الرجال بأيديهم السيوف قد غشوهم، فأخذوا أسيافهم ليقاتلوا القوم فقالوا لهم: إنا والله ما نريد قتلكم، ولكنا نريد أن نصيب بكم شيئا من أهل مكة، ولكم عهد الله وميثاقه أن لا نقتلكم.\rفأما مرثد وخالد وعاصم فقالوا: والله لا نقبل من مشرك عهدا ولا عقدا أبدا. وقال عاصم:\rما علتى وأنا جلد نابل ... والقوس فيها وتر عنابل «٧»","footnotes":"(١) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (٧٨٩٥) ، أسد الغابة ترجمة رقم (٤٨٣١) ، البداية والنهاية (٦/ ٣٥٣) ، تجريد أسماء الصحابة (٢/ ٦٨) ، تهذيب الكمال (٣/ ١٣١٤) ، تهذيب التهذيب (١٠/ ٨٢) .\r(٢) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (٢١٥٣) ، أسد الغابة ترجمة رقم (١٣٤٨) ، طبقات ابن سعد (٣/ ١/ ٢٨٣) .\r(٣) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (٢٢٢٧) ، أسد الغابة ترجمة رقم (١٤١٧) ، حلية الأولياء (١/ ١١٢، ١١٤) .\r(٤) انظر ترجمته فى: أسد الغابة ترجمة رقم (١٨٣٥) ، تجريد أسماء الصحابة (١/ ١٩٩) ، الإصابة ترجمة رقم (٢٦٠٥) .\r(٥) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (٤٧٨٧) ، أسد الغابة ترجمة رقم (٣٠٢٦) .\r(٦) الهدأة: موضع بين عسفان ومكة.\r(٧) النابل: صاحب النبل. وعنابل: أى غليظ شديد.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083844,"book_id":3509,"shamela_page_id":407,"part":"1","page_num":405,"sequence_num":407,"body":"تزل عن صفحتها المعابل ... الموت حق والحياة باطل\rوكل ما حم الإله نازل ... بالمرء والمرء إليه آثل\rإن لم أقاتلكم فأمى هابل\rثم قاتل القوم حتى قتل وقتل صاحباه ﵏.\rفلما قتل عاصم ارادت هذيل أخذ رأسه ليبيعوه من سلافة بنت سعد بن شهيد بمكة، وكانت حين أصاب ابنيها يوم أحد نذرت لئن قدرت على راس عاصم لتشربن فى قحفة الخمر، فمنعه الدبر فقالوا: دعوه حتى يمسى فتذهب عنه فنأخذه. فبعث الله الوادى فاحتمل عاصما فذهب به.\rوقد كان عاصم أعطى الله عهدا أن لا يمس مشركا وألا يمسه مشرك أبدا، تنجسا!\rفكان عمر بن الخطاب يقول: يحفظ الله العبد المؤمن! كان عاصم نذر أن لا يمسه مشرك ولا يمس مشركا أبدا فى حياته، فمنعه الله بعد وفاته كما امتنع منه فى حياته.\rوأما زيد بن الدثنة وخبيب بن عدى وعبد الله بن طارق فلانوا ورقوا ورغبوا فى الحياة، فأعطوا بأيديهم فأسروهم، ثم خرجوا بهم إلى مكة ليبيعوهم بها، حتى إذا كانوا بالظهران «١» انتزع عبد الله بن طارق يده من القران ثم أخذ سيفه واستأخر عنه القوم، فرموه بالحجارة حتى قتلوه، فقبره بالظهران.\rوأما خبيب بن عدى وزيد بن الدثنة فقدموا بهما مكة فابتاع خبيبا حجير بن أبى إهاب التميمى لعقبة بن الحارث بن عامر بن نوفل ليقتله بأبيه.\rوأما زيد بن الدثنة فابتاعه صفوان بن أمية ليقتله بأبيه أمية بن خلف، فبعث به مع مولى له يقال له: نسطاس إلى التنعيم، فأخرجوه من الحرم ليقتلوه، واجتمع رهط من قريش منهم أبو سفيان بن حرب، فقال له أبو سفيان لما قدم ليقتل: أنشدك الله يا زيد، أتحب أن محمدا الآن عندنا مكانك تضرب عنقه وأنك فى أهلك؟ فقال: والله ما أحب أن محمدا الآن فى مكانه الذى هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأنى جالس فى أهلى!\rيقول أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحدا يحب أحدا كحب أصحاب محمد محمدا.\rثم قتله- ﵀ نسطاس مولى صفوان.","footnotes":"(١) الظهران: واد قرب مكة عنده قرية يقال لها: مرّ، تضاف إلى هذا الوادى، فيقال: واد الظهران. انظر: معجم البلدان (٤/ ٦٣) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083845,"book_id":3509,"shamela_page_id":408,"part":"1","page_num":406,"sequence_num":408,"body":"قال ابن عقبة: وزعموا أنهم رموه بالنبل وأرادوا فتنته فلم يزده إلا إيمانا ويقينا.\rوأما خبيب بن عدى فجلس بمكة فى بيت ماوية مولاة حجير بن أبى إهاب، فكانت تخبر بعد ما أسلمت، قالت: لقد اطلعت عليه يوما وإن فى يده لقطفا من عنب مثل رأس الرجل يأكل منه، وو الله ما أعلم فى أرض الله عنبا يؤكل!\rقالت: وقال لى حين حضره القتل: ابعثى إلى بحديدة أتطهر بها للقتل، فأعطيت الموسى غلاما من الحى فقلت: ادخل بها على هذا الرجل، قالت: فو الله ما هو إلا أن ولى الغلام بها إليه، فقلت: ماذا صنعت؟ أصاب والله الرجل ثأره يقتل هذا الغلام، فيكون رجلا برجل. فلما ناوله الحديدة أخذها من يده ثم قال: لعمرك ما خافت أمك غدرى حين بعثتك بهذه الحديدة إلىّ؟ ثم خلى سبيله.\rثم خرجوا بخبيب حتى إذا جاؤا به التنعيم ليصلبوه قال لهم: إن رأيتم أن تدعونى حتى أركع ركعتين فافعلوا. قالوا له؛ دونك فاركع. فركع ركعتين أتمهما وأحسنهما، ثم أقبل على القوم فقال: أما والله لولا تظنوا أنى إنما طولت جزعا من القتل لا ستكثرت من الصلاة.\rفكان خبيب أول من سن هاتين الركعتين عند القتل للمسلمين.\rثم رفعوه على خشبة، فلما أوثقوه قال: اللهم إنا قد بلغنا رسالة رسولك فبلغه الغداة ما يصنع بنا. ثم قال: اللهم أحصهم عددا واقتلهم بددا ولا تغادر منهم أحدا. ثم قتلوه.\rفكان معاوية بن أبى سفيان يقول: حضرت- يومئذ- فيمن حضره مع أبى أبى سفيان، فلقد رأيته يلقينى فى الأرض فرقا من دعوة خبيب، وكانوا يقولون: الرجل إذا دعى عليه فاضطجع لجنبه زلت عنه.\rوكان ممن حضره- يومئذ- سعيد بن عامر بن جذيم الجمحى «١» ، ثم أسلم بعد ذلك واستعمله عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- على بعض الشام، فكانت تصيبه غشية بين ظهرى القوم، فذكر ذلك لعمر وقيل: إن الرجل مصاب. فسأله عمر- ﵀ فى قدمة قدمها عليه فقال: يا سعيد، ما هذا الذى يصيبك؟ قال: والله يا أمير","footnotes":"(١) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (٣٢٨٠) ، أسد الغابة ترجمة رقم (٢٠٨٤) ، تجريد أسماء الصحابة (١/ ٢٢٣) ، شذرات الذهب (٢) ، الجرح والتعديل (٤/ ترجمة ٢٠٥) ، حلية الأولياء (١/ ٣٦٨) ، الطبقات الكبرى (٧/ ٢٤٢، ٤٠٢) ، صفة الصفوة (١/ ٦٦٠) ، الوافى بالوفيات (١٥/ ٣٢٠) ، البداية والنهاية (٦/ ١٠٣) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083846,"book_id":3509,"shamela_page_id":409,"part":"1","page_num":407,"sequence_num":409,"body":"المؤمنين ما بى من بأس، ولكنى كنت فيمن حضر خبيب بن عدى حين قتل وسمعت دعوته، فو الله ما خطرت على قلبى وأنا فى مجلس قط إلا وغشى على فزادته عند عمر خيرا.\rوذكر ابن عقبة أن خبيبا وزيدا قتلا فى يوم واحد، قال: وزعموا أن رسول الله ﷺ قال وهو جالس فى ذلك اليوم الذى قتلا فيه: «وعليكما أو وعليك السلام، خبيب قتلته قريش» ، لا ندرى أذكر ابن الدثنة معه أم لا.\rوقال خبيب- ﵀ لما اجتمع القوم لصلبه:\rلقد جمع الأحزاب حولى وألبوا ... قبائلهم واستجمعوا كل مجمع «١»\rوكلهم مبدى العداوة جاهد ... علىّ لأنى فى وثاق بمضيع\rوقد جمعوا أبناءهم ونساءهم ... وقربت من جذع طويل ممنع\rإلى الله أشكو غربتى ثم كربتى ... وما أرصد الأحزاب لى عند مصرعى\rفذا العرش صبرنى على ما يراد بى ... فقد بضعوا لحمى وقد ياس مطمعى\rوذلك فى ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع\rوقد خيرونى الكفر والموت دونه ... وقد هملت عيناى من غير مجزع «٢»\rوما بى حذار الموت إنى لميت ... ولكن حذارى جحيم نار ملفع «٣»\rولست أبالى حين أقتل مسلما ... على أى جنب كان فى الله مصرعى\rفلست بمبد للعدو تخشعا ... ولا جزعا إنى إلى الله مرجعى\rوقال حسان بن ثابت يبكى خبيبا:\rيا عين جودى بدمع منك منسكب ... وابكى خبيبا مع الفتيان لم يؤب\rصقرا توسط فى الأنصار منصبه ... سمح السجية محضا غير مؤتشب\rقد هاج عينى على علات عبرتها ... إذ قيل نص إلى جذع من الخشب\rيا أيها الراكب الغادى لطيته ... أبلغ اليك وعيدا ليس بالكذب «٤»\rبنى كهينة أن الحرب قد لقحت ... محلوبها الصاب إذ تمرى لمحتلب\rفيها أسود بنى النجار تقدمهم ... شهب الأسنة فى معصوصب لجب","footnotes":"(١) ألبوا: أى جمعوا. ومجمع: مكان الاجتماع.\r(٢) هملت عيناى: أى سال دمعها.\r(٣) الجحيم: أى الملتهب المتقد. والملفع: أى المشتمل.\r(٤) الطية: ما انطوت عليه نيتك من الجهة التى تريد أن تتوجه إليها.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083847,"book_id":3509,"shamela_page_id":410,"part":"1","page_num":408,"sequence_num":410,"body":"وقال حسان- أيضا- يهجو هذيلا:\rلعمرى لقد شانت هذيل بن مدرك ... أحاديث كانت فى خبيب وعاصم\rأحاديث لحيان صلوا بقبيحها ... ولحيان جرامون شر الجرائم «١»\rأناس هم من قومهم فى صميمهم ... بمنزلة الزمعان دبر القوائم\rهم غدروا يوم الرجيع وأسلمت ... أمانتهم ذا عفة ومكارم\rرسول رسول الله غدرا ولم تكن ... هذيل توقى منكرات المحارم\rفسوف يرون النصر يوما عليهم ... بقتل الذى يحميه دون المحارم\rأبابيل دبر شمس دون لحمه ... حمت لحم شهاد عظام الملاحم\rلعل هذيلا أن يروا بمصابه ... مصارع قتلى أو مقاما لمأتم\rويوقع فيهم وقعة ذات صولة ... يوافى بها الركبان أهل المواسم\rبأمر رسول الله إن رسوله ... رأى رأى ذى حزم بلحيان عالم\rقبيلته ليس الوفاء يهمهم ... وإن ظلموا لم يدفعوا كف ظالم\rإذا الناس حلوا بالقضاء رأيتهم ... بمجرى مسيل الماء بين المخارم «٢»\rمحلهم دار البوار ورأيهم ... إذا نابهم أمر كرأى البهائم\r\rغزوة بئر معونة «٣»\rوبعث رسول الله ﷺ أصحاب بئر معونة فى صفر على رأس أربعة أشهر من أحد.\rوكان من حديثهم أن أبا براء ملاعب الأسنة، واسمه عامر بن مالك بن جعفر قدم المدينة على رسول الله ﷺ، فعرض عليه رسول الله ﷺ الإسلام ودعاه إليه، فلم يسلم ولم يبعد من الإسلام، وقال: يا محمد، لو بعثت رجالا من أصحابك إلى أهل نجد فدعوهم إلى أمرك رجوت أن يستجيبوا لك.\rفقال رسول الله ﷺ: «إنى أخشى عليهم أهل نجد» «٤» . قال: أنا لهم جار فابعثهم.","footnotes":"(١) صلوا بقبيحها: أى أصابهم شرها. وجرامون: أى كاسبون.\r(٢) المخارم: مسايل الماء التى يخرمها السيل، أى يقطعها.\r(٣) راجع الغزوة فى: الطبقات الكبرى لابن سعد (٢/ ٥١، ٥٤) ، المنتظن لابن الجوزى (٣/ ١٩٨) ، المغازى للواقدى (١/ ٣٤٦) .\r(٤) انظر الحديث فى: مجمع الزوائد للهيثمى (٦/ ١٢٨) ، دلائل النبوة للبيهقى (٣/ ٣٣٩) ، البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ٧٣) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083848,"book_id":3509,"shamela_page_id":411,"part":"1","page_num":409,"sequence_num":411,"body":"فبعث رسول الله ﷺ المنذر بن عمرو أخا بنى ساعدة، المعنق ليموت، فى أربعين رجلا من أصحابه، منهم الحارث بن الصمة، وحرام بن ملحان، وعروة بن أسماء بن الصلت السلمى، ونافع بن بديل بن ورقاء، وعامر بن فهيرة، فى رجال مسمين من خيار المسلمين.\rفساروا حتى نزلوا بئر معونة وهى بين أرض بنى عامر وحرة بنى سليم، كلا البلدين منها قريب، وهى إلى حرة بنى سليم أقرب.\rفلما نزلوها بعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله ﷺ إلى عدو الله عامر بن الطفيل، فلما أتاهم لم ينظر فى كتابه حتى عدا على الرجل فقتله، ثم استصرخ عليهم بنى عامر فأبوا أن يجيبوه، وقالوا: لن نخفر أبا براء، وقد عقد لهم عقدا وجوارا.\rفاستصرخ عليهم قبائل من بنى سليم: عصية ورعلا وذكوان، فأجابوه إلى ذلك، فخرجوا حتى غشوا القوم فأحاطوا بهم فى رحالهم فلما رأوهم أخذوا سيوفهم ثم قاتلوهم حتى قتلوا من عند آخرهم ﵏، إلا كعب بن زيد أخا بنى دينار بن النجار- يرحمه الله- فإنهم تركوه وبه رمق فارتث من بين القتلى فعاش حتى قتل يوم الخندق شهيدا.\rوكان فى سرح القوم عمرو بن أمية الضمرى، ورجل من الأنصار من بنى عمرو بن عوف قيل: إنه المنذر بن محمد بن عقبة بن أحيحة بن الجلاح، فلم ينبئهما بمصاب أصحابهما إلا الطير تحوم على العسكر فقالا: والله إن لهذا الطير لشأنا.\rفأقبلا لينظرا فإذا القوم فى دمائهم وإذا الخيل التى اصابهم واقفة.\rفقال الأنصارى لعمرو بن أمية: ما ترى؟\rقال: أرى أن نلحق برسول الله ﷺ فنخبره الخبر. فقال الأنصارى: لكنى ما كنت لأرغب بنفسى عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو، وما كنت لتخبرنى عنه الرجال.\rثم قاتل القوم حتى قتل.\rوأخذوا عمرو بن أمية أسيرا، فلما أخبرهم أنه من مضر أطلقه عامر بن الطفيل وجز ناصيته وأعتقه عن رقبة زعم أنها كانت على أمه.\rفخرج عمرو بن أمية حتى إذا كان بالقرقرة من صدر قناة أقبل رجلان من بنى عامر حتى نزلا معه فى ظل هو فيه فسألهما ممن أنتما؟ فقالا: من بنى عامر. فأمهلهما حتى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083849,"book_id":3509,"shamela_page_id":412,"part":"1","page_num":410,"sequence_num":412,"body":"إذا ناما عدا عليهما فقتلهما، وهو يرى أنه قد أصاب بهما ثؤرة من بنى عامر فى ما أصابوه من أصحاب رسول الله ﷺ، وكان مع العامريين عقد من رسول الله ﷺ وجوار لم يعلم به عمرو بن أمية، فلما قدم عمرو على رسول الله ﷺ فأخبره الخبر قال: لقد قتيلين لأدينهما. ثم قال رسول الله ﷺ: «هذا عمل أبى براء، قد كنت لهذا كارها متخوفا» «١» .\rوكان فيمن أصيب- يومئذ- عامر بن فهيرة، فكان عامر بن الطفيل يقول: من رجل منهم لما قتل رأيته رفع بين السماء والأرض حتى رأيت السماء دونه؟ قالوا: هو عامر بن فهيرة.\rوذكر ابن عقبة أنه لم يوجد جسد عامر بن فهيرة يومئذ، فيرون أن الملائكة هى وارته، رحمة الله عليه.\rوكان جبار بن سلمى فيمن حضرها- يومئذ- مع عامر بن الطفيل ثم أسلم فكان يقول: إن مما دعانى إلى الإسلام أنى طعنت رجلا منهم بالرمح بين كتفيه، فنظرت إلى سنان الرمح حين خرج من صدره، فسمعته يقول: فزت والله! فقلت فى نفسى: ما فاز! ألست قد قتلت الرجل؟! حتى سألت بعد ذلك عن قوله فقالوا: الشهادة. فقلت: فاز لعمر الله.\rوأقام رسول الله ﷺ شهرا يدعو فى صلاة الغداة على الذين قتلوا أصحاب بئر معونة، يدعو على رعل وذكوان وعصية الذين عصوا الله ورسوله، وأنزل فيمن قتل هنالك قرآن ثم رفع: «بلغوا عنا قومنا أن لقينا ربنا فرضى عنا ورضينا عنه» .\r\rذكر غزوة بنى النضير «٢» والسبب الذى هاج الخروج إليهم\rوذلك أن رسول الله ﷺ خرج إليهم يستعينهم فى دية العامرين، اللذين قتل عمرة","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: الطبقات الكبرى لابن سعد (٢/ ٣٧) ، دلائل النبوة للبيهقى (٣/ ٣٤١) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٦/ ١٢٩) ، البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ٧٣) .\r(٢) راجع هذه الغزوة فى: المغازى للواقدى (١/ ٣٦٣) ، طبقات ابن سعد (١/ ٢/ ٤٠) ، تاريخ الطبرى (٢/ ٥٥٠) ، الكامل (٢/ ٦٤) ، صحيح البخارى (٥/ ٨٨) ، فتح البارى (٧/ ٣٢٩) ، عيون الأثر (٢/ ٦١) ، الدرر لابن عبد البر (١٦٤) ، البداية والنهاية (٤/ ٧٤) ، دلائل النبوة للبيهقى (٣/ ١٧٦، ٣٥٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083850,"book_id":3509,"shamela_page_id":413,"part":"1","page_num":411,"sequence_num":413,"body":"ابن أمية الضمرى، للجور الذى كان رسول الله ﷺ عقد لهما، فقالوا له لما كلمهم فى ذلك: نعم، يا أبا القاسم نعينك على ما أحببت مما استعنت بنا عليه، اجلس حتى تطعم وترجع بحاجتك.\rفجلس رسول الله ﷺ إلى ظل جدار من جدر بيوتهم معه نفر من أصحابه فيهم أبو بكر وعمر وعلى، ينتظرون أن يصلحوا أمرهم.\rفخلا بعضهم ببعض والشيطان معهم لا يفارقهم، فائتمروا بقتل رسول الله ﷺ وقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه، فمن رجل يعلو على هذا البيت فيقلى عليه صخرة فيريحنا منه.\rفانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب، أحدهم، فقال: أنا لذلك وصعد ليفعل.\rفأتى رسول الله ﷺ الخبر من السماء بما أراد القوم، فقام راجعا إلى المدينة وترك أصحابه فى مجلسهم، فلما استلبث النبى ﷺ أصحابه قاموا فى طلبه، فلقوا رجلا مقبلا من المدينة فسألوه عنه فقال: لقيته داخلا المدينة، فأقبلوا حتى انتهوا إليه فأخبرهم بما كانت يهود أرادت من الغدر به.\rوأمر رسول الله ﷺ بالتهيؤ لحربهم والسير إليهم، ثم سار بالناس ونزل بهم، فتحصنوا منه فى الحصون.\rوعرض عليهم رسول الله ﷺ الجلاء عن أوطانهم وأن يسيروا حيث شاؤا فراسلهم أولياؤهم من المنافقين- عبد الله بن أبى فى رهط من قومه- حين سمعوا ما يراد منهم: أن اثبتوا وتمنعوا فإنا لن نسلمكم، إن قاتلتم قاتلنا معكم، وإن خرجتم خرجنا معكم.\rفغرتهم أمانى المنافقين، ونادوا النبى ﷺ وأصحابه: إنا والله لا نخرج، ولئن قاتلتنا لنقاتلنك.\rفمضى رسول الله ﷺ لأمر الله فيهم، فلما انتهى إلى أزقتهم وحصونهم كره أن يمكنهم من القتال فى دورهم وحصونهم، فحفظ الله له أمره وعزم له على رشده، فأمر بالأدنى فالأدنى من دورهم أن تهدم وبالنخيل أن تحرق وتقطع، وكف الله أيديهم وأيدى المنافقين فلم ينصروهم، وألقى الله فى قلوب الفريقين كليهما الرعب، فهدموا الدور التى هم فيها من أدبارها، فلما كادوا يبلغون آخر دورهم وهم ينتظرون المنافقين","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083851,"book_id":3509,"shamela_page_id":414,"part":"1","page_num":412,"sequence_num":414,"body":"ويتربصون من نصرهم ما كانوا يمنونهم به حتى يئسوا مما عندهم، سألوا رسول الله ﷺ الذى كان عرض عليهم قبل ذلك.\rفقاضاهم- صلوات الله عليه وسلامه- على أن يجليهم ويكف عن دمائهم وعلى أن لهم ما استقلت به الإبل من أموالهم إلا الحلقة فقط.\rفطاروا بذلك كل مطير وتحملوا بما أقلت إبلهم، حتى إن الرجل ليهدم بيته عن نجاف بابه فيضعه على ظهر بعيره فينطلق به. فخرجوا إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام، وكان أشرافهم بنو أبى الحقيق وحيى بن أخطب فيمن سار إلى خيبر، فلما نزلوها دان لهم أهلها.\rوخلى بنو النضير الأموال لرسول الله ﷺ، فكانت له خاصة بحكم الله له بها ليضعها حيث شاء، فقسمها على المهاجرين الأولين دون الأنصار، إلا أن سهل بن حنيف وأبا دجانة سماك بن خرشة ذكرا فقرا فأعطاهما رسول الله ﷺ منها.\rوكانت اليهود قد عيروا المسلمين حين يهدمون الدور ويقطعون النخل فنادوا: أن محمد قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه على من صنعه، فما بال قطع النخيل وتحريقها؟\rوما ذنب شجرة وأنتم تزعمون أنكم مصلحون فى الأرض؟!\rفأنزل الله- سبحانه- فى قصتهم وما ذكروه من قولهم وبيان وجه الحكم فى أموالهم سورة الحشر بأسرها. فقال عز من قائل:\rسَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ، للذى كان منهم من الهدم من أدبار بيوتهم وهدم المسلمين لما يليهم منها.\rوَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا أى بالسيف وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ أى مع ما لقوه فى الدنيا من النقمة.\rثم قال- تعالى- فيما عابوه من قطع النخيل وعدوه من ذلك فسادا: ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ أى فبأمر الله قطعت، لم يكن ذلك فسادا بل نقمة أنزلها بهم وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083852,"book_id":3509,"shamela_page_id":415,"part":"1","page_num":413,"sequence_num":415,"body":"ثم بين تعالى لرسوله الحكم فى أموالهم وأنها نفل له لا سهم لأحد فيها معه فقال عز ذكره وجل قوله: وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فقسمها رسول الله ﷺ فيمن أراه الله من المهاجرين الأولين كما تقدم، وأعطى منها الرجلين المسميين من الأنصار.\rوقال على بن أبى طالب يذكر إجلاء بنى النضير وما تقدم قبل ذلك من قتل كعب ابن الأشرف، ويقال: بل قالها رجل من المسلمين غير علىّ:\rعرفت ومن يعتدل يعرف ... وأيقنت حقا ولم أصدف «١»\rعن الكلم المحكم اللاء من ... لدى الله ذى الرأفة الأراف\rرسائل تدرس فى المؤمنين ... بهن اصطفى أحمد المصطفى\rفأصبح أحمد فينا عزيزا ... عزيز المقامة والموقف «٢»\rفيا أيها الموعدوه سفاها ... ولم يأت جورا ولم يعنف «٣»\rألستم تخافون أدنى العذاب ... وما آمن الله كالأخوف\rوأن تصرعوا تحت أسيافه ... كمصرع كعب أبى الأشرف\rغداة رأى الله طغيانه ... وأعرض كالجمل الأحنف\rفأنزل جبريل فى قتله ... بوحى إلى عبده ملطف\rفدس الرسول رسولا له ... بأبيض ذى هبة مرهف\rفباتت عيون له معولات ... متى ينع كعب لها تذرف «٤»\rوقلن لأحمد ذرنا قليلا ... فإنا من النوح لم نشتف\rفخلاهم ثم قال اظعنوا ... دحورا على رغم الآنف\rوأجلى النضير إلى غربة ... وكانوا بدار ذوى زخرف\rإلى أذرعات ردافى وهم ... على كل ذى دبر أعجف «٥»","footnotes":"(١) لم أصدف: لم أعرض.\r(٢) المقامة: موضع الإقامة.\r(٣) السفاه: الضلال. لم يعتف: أى لم يأتى غير العفة.\r(٤) معولات: باكيات بصوت مرتفع. ينعى: يذكر خبر قتله. تذرف: تسيل بالدموع.\r(٥) أذرعات: بلد فى أطراف الشام يجاور أرض البلقاء ينسب إليها الخمر. انظر: معجم البلدان (١/ ١٣٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083853,"book_id":3509,"shamela_page_id":416,"part":"1","page_num":414,"sequence_num":416,"body":"ولم يسلم من بنى النضير إلا رجلان: يامين بن عمير بن كعب «١» ، ابن عم عمرو بن جحاش، وأبو سعد بن وهب «٢» ، أسلما خوفا على أموالهما فأحرزاها، وحدث بعض آل يامين أن رسول الله ﷺ قال ليامين: «ألم تر ما لقيت من ابن عمك وما هم به من شأنى؟» «٣» فجعل يامين لرجل جعلا على أن يقتل عمرو بن جحاش فقتله، فيما يزعمون.\r\rغزوة ذات الرقاع «٤»\rثم أقام رسول الله ﷺ بالمدينة بعد غزوة بنى النضير شهر ربيع وبعض جمادى، ثم غزا نجدا يريد بنى محارب وبنى ثعلبة من غطفان حتى نزل نخلا.\rوهى غزوة ذات الرقاع وسميت بذلك لأنهم رقعوا فيها راياتهم، وقيل: لأجل شجرة بذلك الموضع يقال لها: ذات الرقاع. وقيل: لما كانوا يعصبون على أرجلهم من الخرق إذ نقبت أقدامهم.\rفلقى رسول الله ﷺ هنالك جمعا من غطفان، فتقارب الناس ولم يكن بينهم حرب وخاف الناس بعضهم بعضا، حتى صلى رسول الله ﷺ يومئذ بالناس صلاة الخوف، ثم انصرف بهم.\rوفى هذه الغزوة عرض له رجل من محارب يقال له: غورث، وقد قال لقومه من غطفان ومحارب: ألا أقتل لكم محمدا؟ قالوا: بلى، وكيف تقتله؟ قال: أفتك به. فأقبل إلى رسول الله ﷺ وهو جالس وسيفه فى حجره فقال: يا محمد، أنظر إلى سيفك هذا؟\rقال: «نعم» «٥» . فأخذه فاستله ثم جعل يهزه ويهم به فيكبته الله، ثم قال: يا محمد، أما","footnotes":"(١) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (٩٢٣٣) .\r(٢) انظر ترجمته فى: الإكمال (١/ ٣٩٦٠) ، الإصابة ترجمة رقم (١٠٠١٠) ، أسد الغابة (٥٩٥٥) .\r(٣) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ٧٦) .\r(٤) راجع هذه الغزوة فى: المغازى للواقدى (١/ ٣٩٥) ، طبقات ابن سعد (٢/ ١/ ٤٣) ، تاريخ الطبرى (٢/ ٥٥) ، الكامل (٢/ ٦٦) ، دلائل النبوة (٣/ ٣٦٩) ، البداية والنهاية (٤/ ٨٣) .\r(٥) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (٤/ ٩، ١٠، ١٣، ٧/ ١٨٩، ١/ ٥، ١٦، ٦٣، ١٥٣) ، صحيح مسلم (٤٢، ٤٤، ٥٦، ٦١، ١٦٧، ٢٥١، ٢٧٥) ، سنن الترمذى (٦٦٩، ٧٢٦، ١٢٠٤) ، سنن ابن ماجه (١٨١، ٥٥٧، ٨٤٢، ١٢٣٥، ١٤١٤، ٤٣٥، ٥٥٠، ٦٩٦، ٩٧٣، ١١٣٥، ١٢٥٤، ١٧٥٩، ١٨٣٥، ٢٧١٦، ٢٧١٧، ١٤٢٥، ١٤٧٥، ١٤٧٦، -","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083854,"book_id":3509,"shamela_page_id":417,"part":"1","page_num":415,"sequence_num":417,"body":"تخافنى؟ قال: «لا والله ما أخاف منك» . قال: أما تخافنى وفى يدى السيف؟ قال: «بلى يمنعنى الله منك» «١» . ثم عمد إلى سيف رسول الله ﷺ فرده عليه.\rفأنزل الله ﵎: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [المائدة: ١١] .\rوقيل: إنها إنما نزلت فى عمرو بن جحاش وما هم به من إلقاء الحجر على رسول الله ﷺ يوم وصل إلى بنى النضير مستعينا بهم فى دية العامريين. فالله أعلم أى ذلك كان.\rوحدث جابر بن عبد الله قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ فى غزوة ذات الرقاع من نخل فأصاب رجل امرأة رجل من المشركين، فلما انصرف رسول الله ﷺ قافلا أتى زوجها وكان غائبا، فلما أخبر الخبر حلف أن لا ينتهى حتى يهريق فى أصحاب محمد دما، فخرج يتبع أثر رسول الله ﷺ فنزل رسول الله ﷺ منزلا، فقال: «من رجل يكلؤنا «٢» ليلتنا؟» «٣» قال: فانتدب رجل من المهاجرين، قيل: هو عمار بن ياسر، ورجل من الأنصار، قيل: هو عباد بن بشر، فلما خرج الرجلان إلى فم الشعب قال الأنصارى","footnotes":"- ١٥١٠، ١٧١٨، ١٩١٥، ١٩٤٥، ٢٩٠٧، ٣٢٣٦، ٣٤٥١) ، مسند الإمام أحمد (١/ ٢٧، ٢٠٤١، ٥/ ١٠٠) ، سنن الدارمى (١/ ١٢) ، السنن الكبرى للبيهقى (١/ ١٥٨، ١٦٨، ٤٤٢، ٩/ ٤٣) ، مستدرك الحاكم (٢/ ٢١٤) ، مصنف ابن أبى شيبة (٨/ ٤٣١، ٤٨٠، ٩/ ٨٨، ١٠/ ٥٢١، ٥٦٤، ١١/ ٨، ١٠، ١٢/ ٤١، ٤٢، ٤٥، ١٤١، ١٤/ ١٤٩، ٣٠٥، ٣٢٤، ٤٣٥، ٤٣٩، ٥٩٤) ، المعجم الكبير للطبرانى (١/ ١٧٢، ٢/ ٢٩، ٢٣١، ٧/ ٢١، ١١/ ٢٤٦، ٢٤٧، ٢٧٠، ٣٣١، ١٢/ ١٣٤، ١٥٣، ١٦٧، ١٦٨، ١٨٥، ١٩٩، ٢٠٠، ٤٣١، ٤٣٦، ٤٣٧) ، كنز العمال للمتقى الهندى (٤٦٦٠/ ١٢٨٨٤٦، ١٢٨٥٥، ٣٥٣٤٦، ٣٥٤٤٦، ٣٥٤٨٨، ٣٥٤٩٣، ٣٥٨٦٦، ٣٧٥٢٧، ٣٧٥٦٦، ٣٧٦٦٩، ٤٥٨٩١) ، فتح البارى لابن حجر (١/ ٨٧، ١١/ ٤٩١) ، زاد المسير لابن الجوزى (٥/ ٦٩) ، الترغيب والترهيب للمنذرى (٣/ ٥٩٥) ، البداية والنهاية لابن كثير (٥/ ٣٤٠، ٣٥٤) .\r(١) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ٨٤) .\r(٢) يكلؤنا: أى يحفظنا.\r(٣) انظر الحديث فى: سنن أبى داود باب (٧٩) ، مسند الإمام أحمد (٣/ ٣٤٤) ، السنن الكبرى للبيهقى (١/ ١٤٠، ٩/ ١٥٠) ، مستدرك الحاكم (١/ ١٥٦) ، البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ٨٥) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083855,"book_id":3509,"shamela_page_id":418,"part":"1","page_num":416,"sequence_num":418,"body":"للمهاجرى: أى الليل تحب أن أكفيكه أوله أو آخره؟ قال: بل اكفنى أوله فاضطجع المهاجرى فنام، وقام الأنصارى يصلى، وأتى الرجل فلما رأى شخصه عرف أنه ربيئة القوم، فرماه بسهم فوضعه فيه، قال: فانتزعه عنه وثبت قائما، ثم رماه بسهم آخر فوضعه فيه فنزعه فوضعه، وثبت قائما، ثم عاد له بثالث، فوضعه فيه فنزعه ثم ركع وسجد، ثم أهب صاحبه فقال: اجلس فقد أثبت. قال: فوثب، فلما رآهما الرجل عرف أن قد نذرا به فهرب، فلما رأى المهاجرى ما بالأنصارى من الدماء، قال: سبحان الله، أفلا أهببتنى أول ما رماك؟ قال: كنت فى سورة أقرؤها فلم أحب أن أقطعها حتى أنفذها فلما تابع على الرمى ركعت فآذنتك، وأيم الله لولا أن أضيع ثغرا أمرنى رسول الله ﷺ بحفظه لقطع نفسى قبل أن أقطعها أو أنفذها!\rوقال جابر بن عبد الله: خرجت إلى غزوة ذات الرقاع على جمل لى ضعيف، فلما قفل رسول الله ﷺ جعلت الرفاق تمضى وجعلت أتخلف، حتى أدركنى رسول الله ﷺ فقال: «ما لك يا جابر؟» قلت: يا رسول الله، أبطأ بى جملى، قال: «أنخه» «١» فأنخته وأناخ رسول الله ﷺ ثم قال: «أعطنى هذه العصا من يدك أو اقطع لى عصا من شجرة» «٢» ، ففعلت، فأخذها رسول الله ﷺ فنخسه بها نخسات ثم قال: «اركب» »\r، فركبت فخرج- والذى بعثه بالحق- يواهق ناقته مواهقة، وتحدثت معه فقال لى:\r«أتبيعنى جملك هذا يا جابر؟» «٤» قلت: يا رسول الله، بل أهبه لك. قال: «لا ولكن بعينه» . قلت: فسمنيه. قال: «قد أخذته بدرهم» . قلت: لا إذن تغبننى يا رسول الله.\rقال: «فبدرهمين» . قلت: لا. فلم يرفع لى حتى بلغ الأوقية فقلت: أقد رضيت؟ قال:\r«نعم» . قلت: فهو لك. قال: «قد أخذته» «٥» .\rثم قال: «يا جابر، هل تزوجت بعد؟» «٦» قلت: نعم يا رسول الله، قال: «أثيبا أم بكرا؟» قلت: بل ثيبا. قال: «أفلا جارية تلاعبها وتلاعبك؟» قلت: يا رسول الله، إن","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (٣/ ٣٨٢) .\r(٢) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (٢/ ٥١٧، ٣/ ٣٧٥) ، البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ٨٦) .\r(٣) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (٣/ ٣٧٦) ، المعجم الكبير للطبرانى (١٧/ ٣٣٦) .\r(٤) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (٣/ ٣١٦) ، دلائل النبوة للبيهقى (٣/ ٣٨٢) .\r(٥) انظر الحديث فى: سنن الترمذى (٩١٦) ، مسند الإمام أحمد (٣/ ٣٧٦) ، سنن الدارقطنى (٣/ ٤٥) .\r(٦) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (٦/ ٣٧٦) ، تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر (٣/ ٣٩٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083856,"book_id":3509,"shamela_page_id":419,"part":"1","page_num":417,"sequence_num":419,"body":"أبى أصيب يوم أحد وترك بنات له سبعا فنكحت امرأة جامعة تجمع رؤسهن وتقوم عليهن. قال: «أصبت إن شاء الله، أما إنه لو قد جئنا صرارا أمرنا بجزور فنحرت وأقمنا عليها يومنا ذلك وسمعت بنا فنفضت نمارقها» «١» . قلت: والله يا رسول الله مالها من نمارق. قال: «إنها ستكون، فإذا أنت قدمت فاعمل عملا كيسا» «٢» . قال: فلما جئنا صرارا أمر رسول الله ﷺ بجزور فنحرت وأقمنا عليها ذلك اليوم، فلما أمسى دخل ودخلنا، فحدثت المرأة الحديث وما قال لى رسول الله ﷺ، قالت: فدونك فسمع وطاعة.\rفلما أصبحت أخذت برأس الجمل فأقبلت به حتى أنخته على باب رسول الله ﷺ ثم جلست فى المسجد قريبا منه، وخرج رسول الله ﷺ فرأى الجمل، فقال: «ما هذا؟» «٣» فقالوا: يا رسول الله، هذا جمل جاء به جابر. قال: «فأين جابر؟» فدعيت له. فقال: «يا ابن أخى خذ برأس جملك فهو لك» . ودعا بلالا وقال: «اذهب بجابر فأعطه أوقية» «٤» .","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (٥/ ١٢٣) ، صحيح مسلم فى كتاب الفضائل (٨٤) ، سنن النسائى (١/ ١٧٢) ، السنن الكبرى للبيهقى (١/ ٢٥٤، ٦/ ٦٧) ، مستدرك الحاكم (٣/ ٣٠٦) ، سنن الدارقطنى (٤/ ٢٢٩) ، المعجم الكبير للطبرانى (١/ ٨٧، ٢/ ٢٩٠) ، موارد الظمآن للهيثمى (٩٩٩، ١٣٣٤) ، مسند الإمام أحمد (٣/ ٣٠٨، ٣٧٦) ، تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر (٦/ ٤٥٣) ، كنز العمال للمتقى الهندى (١٣٥٦٧، ٤٥٦٣٢) ، الدر المنثور للسيوطى (١/ ٢٤٠) ، ٤/ ١١٠) ، منحة المعبود للساعاتى (١٠٤٩) ، تفسير الطبرى (١/ ١٣، ١٤) ، تفسير ابن كثير (٨/ ٤٧٥) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٦/ ٦٤) ، الطبقات الكبرى لابن سعد (٣/ ١/ ٨٨، ٤/ ١/ ١٦٣) ، البداية والنهاية لابن كثير (٦/ ٢٩) ، موطأ مالك (٣٦٦) .\r(٢) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (٣/ ٣٧٦) .\r(٣) انظر الحديث فى: صحيح مسلم فى كتاب صلاة المسافرين (٢٩١) ، سنن الترمذى (١٠٩٤) ، سنن النسائى (٣/ ٧٢، ٤/ ٨٤، ٦/ ١٦٤، ٢٨٠، ٧/ ٣٠، ٢٧٣) ، مسند الإمام أحمد (٥/ ٤٣٨) ، الطبقات الكبرى لابن سعد (١/ ٢/ ١٥٧، ٤/ ١/ ١٦، ٢٤، ٥٨، ٥٩) ، سنن الدارقطنى (٢/ ٥٥، ٨/ ٨٦، ٢١٥) ، مصنف ابن أبى شيبة (١/ ١٢٢، ٣٣٧، ٣/ ٢٢٥، ٦/ ٥٥٢، ٨/ ٧٦، ٨٠، ٣٧٩، ١١/ ٤٣٧، ١٤/ ٢٨٠، ٣٢٣) ، المعجم الكبير للطبرانى (١١/ ٣٢٠، ١٢/ ٥، ٩٤، ٩٥، ١٧/ ١٣، ٢٤٩، ١٨/ ١٧٢، ١٨٩) ، دلائل النبوة للبيهقى (٦/ ٩٩) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٥/ ٨٦، ٧/ ٢٦٠، ٨/ ٦٨، ١٢١، ٩/ ٣٥، ٨٥، ٨٦، ٩٦، ٣٣٦، ٣٣٨، ١٠/ ٢٤١، ٢٤٢، ٨٥٢) ، السلسلة الصحيحة للألبانى (٣/ ١٧٩، ٤٤٧) ، سنن أبى داود (٤٠٦٨، ٥٢٣٦، ٤٧٤٨) ، سنن ابن ماجه (٢١٣٦، ٤١٦٠) .\r(٤) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (٤/ ٢٠٩٧) ، مسند الإمام أحمد (٣/ ٣٧٥، ٣٧٦) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083857,"book_id":3509,"shamela_page_id":420,"part":"1","page_num":418,"sequence_num":420,"body":"قال: فذهبت معه فأعطانى أوقية وزادنى شيئا يسيرا، فو الله ما زال ينمى عندى ويرى مكانه من بيتنا حتى أصيب أمس فيما أصيب لنا! يعنى يوم الحرة.\rقال ابن إسحاق «١» : ولما قدم رسول الله ﷺ من غزوة ذات الرقاع أقام بها بقية جمادى الأولى الآخرة ورجب.\rثم خرج فى شعبان إلى بدر لميعاد أبى سفيان، حتى نزله فأقام عليه ثمانى ليال ينتظره.\rوخرج أبو سفيان، فى أهل مكة، حتى نزل مجنة من ناحية، الظهران- وبعض الناس يقول غسفان- ثم بداله فى الرجوع، فقال: يا معشر قريش، إنه لا يصلحكم إلا عام خصيب ترعون فيه الشجر وتشربون فيه اللبن، فإن عامكم هذا عام جدب، وإنى راجع فارجعوا. فرجع الناس، فسماهم أهل مكة جيش السويق يقولون: إنما خرجتم تشربون السويق.\rوأقام رسول الله ﷺ على بدر ينتظر ابا سفيان لميعاده، فأتاه مخشى بن عمرو الضمرى، وهو الذى كان وادعه على بنى ضمرة فى غزوة ودان فقال: يا محمد، أجئت للقاء قريش على هذا الماء؟ قال: «نعم يا أخا بنى ضمرة، وإن شئت مع ذلك رددنا إليك ما كان بيننا وبينك ثم جالدناك حتى يحكم الله بيننا وبينك» «٢» . قال: لا والله يا محمد، مالنا بذلك منك من حاجة.\rومر برسول الله ﷺ، وهو هناك ينتظر أبا سفيان معبد بن أبى معبد الخزاعى فقال وناقته تهوى به، وقد رأى مكان رسول الله ﷺ:\rقد نفرت من رفقتى محمد ... وعجوة من يثرب كالعنجد «٣»\rتهوى على دين أبيها الأتلد ... قد جعلت ماء قديد موعدى\rوماء ضجان لها ضحى الغد\rوقال عبد الله بن رواحة فى ذلك، ويقال: إنها لكعب بن مالك:\rوعدنا أبا سفيان بدرا فلم نجد ... لميعاده صدقا وما كان وافيا\rفأقسم لو وافيتنا فلقيتنا ... لأبت ذميما وافتقدت المواليا","footnotes":"(١) انظر السيرة (٣/ ١٧٨) .\r(٢) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ٨٨) .\r(٣) العنجد: حب الزبيب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083858,"book_id":3509,"shamela_page_id":421,"part":"1","page_num":419,"sequence_num":421,"body":"تركنا به أوصال عتبة وابنه ... وعمرا أبا جهل تركناه ثاويا\rعصيتم رسول الله أف لدينكم ... وأمركم السيئ الذى كان غاويا\rفإنى وإن عنفتمونى لقائل ... فدا لرسول الله أهلى وماليا\rأطعناه لم نعدله فينا بغيره ... شهابا لنا فى ظلمة الليل هاديا\rوقال حسان بن ثابت فى ذلك:\rدعوا فلجات الشام قد حال دونها ... جلاد كأفواه المخاض الأوارك\rبأيدى رجال هاجروا نحو ربهم ... وأنصاره حقا وأيدى الملائك\rإذا سلكت للغور من بطن عالج ... فقولا لها ليس الطريق هنالك\rأقمنا على الرس النزوع ثمانيا ... بأرعن جرار عريض المبارك\rبكل كميت جوزه نصف خلقه ... وقب طوال مشرفات الحوارك\rترى العرفج العامى تذرى أصوله ... مناسم أخفاف المطى الرواتك «١»\rفإن نلق فى تطوافنا والتماسنا ... فرات بن حيان يكن رهن هالك\rوإن تلق قيس بن امرئ القيس بعده ... يزد فى سواد لونه لون حالك\rفأبلغ أبا سفيان عنى رسالة ... فإنك من غر الرجال الصعالك\rثم انصرف رسول الله ﷺ إلى المدينة فأقام بها حتى مضى ذو الحجة، وهى سنة أربع من مقدمه المدينة، ثم غزا دومة الجندل «٢» ، ثم رجع قبل أن يصل إليها ولم يلق كيدا، ﷺ.\r\rغزوة الخندق «٣»\rوكانت فى شوال من سنة خمس فى قول ابن إسحاق.\rوكان من الحديث عن الخندق أنه لما أجلى رسول الله ﷺ بنى النضير خرج نفر من اليهود- سلام بن أبى الحقيق وحيى بن أخطب وكنانة بن الربيع النضريون، وهوذة بن","footnotes":"(١) مناسم: جمع منسم، وهو طرف خف البعير. والرواتك: أى المسرعة.\r(٢) راجع هذه الغزوة فى: المغازى للواقدى (١/ ٤٠٢) ، طبقات ابن سعد (٢/ ١/ ٤٤) ، تاريخ الطبرى (٢/ ٥٦٤) ، البداية والنهاية (٤/ ٩٢) ، دلائل النبوة (٣/ ٣٨٩) .\r(٣) راجع هذه الغزوة فى: المغازى للواقدى (٢/ ٤٤٠) ، طبقات ابن سعد (٢/ ١/ ٤٧) ، تاريخ الطبرى (٢/ ٥٦٤) ، الكامل (٢/ ٧٠) ، البداية والنهاية (٤/ ٩٢) ، دلائل النبوة (١٣/ ٣٩٢) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083859,"book_id":3509,"shamela_page_id":422,"part":"1","page_num":420,"sequence_num":422,"body":"قيس وأبو عمارة الوائليان- فى نفر من بنى النضير وبنى وائل، وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله ﷺ، حين قدموا مكة على قريش فاستفزوهم واستنفروهم على رسول الله ﷺ ودعوهم إلى حربه، وقالوا: إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله.\rفقالت لهم قريش: يا معشر يهود إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد، أفديننا خير أم دينه؟ قالوا: بل دينكم خير من دينه وأنتم أولى بالحق منه، فهم الذين الله ﷿ فيهم: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً [النساء: ٥١- ٥٢] .\rفلما قالوا ذلك لقريش سرهم ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله ﷺ فاجتمعوا لذلك واتعدوا له.\rثم خرج أولئك النفر حتى جاؤا غطفان من قيس عيلان فدعوهم إلى مثل ما دعوا إليه قريشا، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم وأن قريشا قد تابعوهم على ذلك.\rوجعلت يهود لغطفان تحريضا على الخروج نصف تمر خيبر كل عام.\rفزعموا أن الحارث بن عوف أخا بنى مرة قال لعيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر ولقومه من غطفان: يا قوم أطيعونى، دعوا قتال هذا الرجل وخلوا بينه وبين عدوة من العرب، فغلب عليهم الشيطان وقطع أعناقهم الطمع ونفذوا لأمر عيينة على قتال رسول الله ﷺ. وكتبوا إلى حلفائهم من بنى أسد، فأقبل طليحة الأسدى، فيمن اتبعه من بنى أسد، وهما الحليفان أسد وغطفان.\rوكتبت قريش إلى رجال من بنى سليم أشراف بينهم وبينهم أرحام استمدادا لهم، فأقبل أبو الأعور بمن اتبعه من سليم مددا لقريش.\rفخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن فى بنى فزارة والحارث بن عوف فى بنى مرة ومسعر بن رخلية الأشجعى فيمن تابعه من قومه من أشجع، وتكامل لهم ولمن استمدوه فأمدهم جمع عظيم، هم الذين سماهم الله «الأحزاب» .\rفلما سمع رسول الله ﷺ بخروجهم وبما أجمعوا له من الأمر أخذ فى حفر الخندق وضربه على المدينة، فعمل فيه ﷺ ترغيبا للمسلمين فى العمل والأجر وعمل معه المسلمون، فدأب فيه ودأبوا حتى أحكموه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083860,"book_id":3509,"shamela_page_id":423,"part":"1","page_num":421,"sequence_num":423,"body":"وأبطأ عنهم فى عملهم ذلك رجال من المنافقين وجعلوا يورون بالضعيف من العمل ويتسللون إلى أهلهم بغير علم من رسول الله ﷺ ولا إذن، وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التى لا بد له منها يذكر ذلك لرسول الله ﷺ ويستأذنه فى اللحوق بحاجته فيأذن له فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله رغبة فى الخبر واحتسابا له، فأنزل الله فى أولئك من المؤمنين: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [النور: ٦٢] . فنزلت هذه الآية فيمن كان من المسلمين من أهل الحسبة والرغبة فى الحرب والطاعة لله ولرسوله.\rثم قال ﵎، يعنى المنافقين الذين كانوا يتسللون من العمل ويذهبون بغير إذن من النبى ﷺ: لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [النور: ٦٣] .\rوكانت فى حفر الخندق أحاديث فيها من الله عبرة فى تصديق رسوله وتحقيق نبوته، عاين ذلك المسلمون. فمنها: أنه اشتد عليهم فى بعض الخندق كدية فشكوها إلى رسول الله ﷺ، فدعا بإناء من ماء فتفل فيه ثم دعا بما شاء الله أن يدعو به، ثم نضح ذلك الماء على تلك الكدية فيقول من حضرها: فو الذى بعثه بالحق لانهالت حتى عادت كالكثيب ما ترد فأسا ولا مسحاة.\rودعت عمرة بنت رواحة أم النعمان بن بشير ابنة لها من بشير فأعطتها حفنة من تمر فى ثوبها ثم قالت: أى بنية، اذهبى إلى ابيك وخالك عبد الله بن رواحة بغدائهما.\rقالت: فأخذتها فانطلقت فمررت برسول الله ﷺ وأنا ألتمس أبى وخالى، فقال:\rتعالى يا بنية، ما هذا معك؟ قالت: قلت: يا رسول الله، هذا تمر بعثتنى به أمى إلى أبى، بشير بن سعد وخالى عبد الله بن رواحة يتغديانه. قال: هاتيه. قالت: فصببته فى كفى رسول الله ﷺ فما ملأتهما ثم أمر بثوب فبسط له، ثم دحا بالتمر عليه فتبدد فوق الثوب، ثم قال لإنسان عنده: اصرخ فى أهل الخندق: أن هلم إلى الغداء. فاجتمع اهل الخندق عليه فجعلوا يأكلون منه وجعل يزيد حتى صدر أهل الخندق وإنه ليسقط من أطراف الثوب!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083861,"book_id":3509,"shamela_page_id":424,"part":"1","page_num":422,"sequence_num":424,"body":"وقال جابر بن عبد الله: عملنا مع رسول الله ﷺ فى الخندق وكنا نعمل فيه نهارا فإذا أمسينا رجعنا إلى أهالينا، فكانت معى شويهة غير جد سمينة، فقلت: والله لو صنعناها لرسول الله ﷺ. فأمرت امرأتى فطحنت لنا شيئا من شعير فصنعت لنا منه خبزا وذبحت تلك الشاة فشويناها لرسول الله ﷺ، فلما أمسينا وأراد رسول الله ﷺ الانصراف عن الخندق قلت: يا رسول الله، إنى قد صنعت لك شويهة كانت عندنا وصنعنا معها شيئا من خبز هذا الشعير، فأحب أن تنصرف معى إلى منزلى. وإنما أريد أن ينصرف رسول الله ﷺ معى وحده.\rفلما قلت له ذلك قال: «نعم» . ثم أمر صارخا فصرخ: أن انصرفوا مع رسول الله ﷺ إلى بيت جابر بن عبد الله. قال: قلت: إنا لله وإنا إليه راجعون! فأقبل رسول الله ﷺ والناس معه فجلس وأخرجناها إليه، فبرك وسمى الله ثم أكل وتواردها الناس، كلما فرغ قوم قاموا وجاء ناس، حتى صدر أهل الخندق عنها.\rوحدث سلمان الفارسى قال: ضربت فى ناحية من الخندق فغلظت على ورسول الله ﷺ قريب منى، فلما رآنى أضرب ورأى شدة المكان على نزل فأخذ المعول من يدى فضرب به ضربة لمعت تحت المعول برقة، ثم ضرب به ضربة أخرى فلمعت تحته برقة أخرى، ثم ضرب به الثالثة فلمعت برقة أخرى، قلت: بأبى أنت وأمى يا رسول الله! ما هذا الذى رأيت لمع تحت المعول وأنت تضرب؟ قال: «أوقد رأيت ذلك يا سلمان» : قلت: نعم.\rقال: «أما الأولى فإن الله فتح على بها اليمن، وأما الثانبة فإن الله فتح على بها الشام والمغرب، وأما الثالثة فإن الله فتح بها على المشرق» «١» . فكان أبو هريرة يقول حين فتحت الأمصار فى زمان عمر وزمان عثمان وما بعده: افتتحوا ما بدا لكم، فو الذى نفس أبى هريرة بيده ما افتتحتم من مدينة ولا تفتحونها إلى يوم القيامة إلا وقد أعطى الله محمدا ﷺ مفاتيحها قبل ذلك.\rولما فرغ رسول الله ﷺ من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة بين الجرف وزغابة فى عشرة آلاف من أحابيشهم ومن تبعهم من بنى كنانة وأهل تهامة، وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد حتى نزلوا بذنب نقمى إلى جانب أحد.\rوخرج رسول الله ﷺ والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع- فى ثلاثة آلاف","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ٩٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083862,"book_id":3509,"shamela_page_id":425,"part":"1","page_num":423,"sequence_num":425,"body":"من المسلمين- فضرب هنالك عسكره والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذرارى والنساء فجعلوا فى الآطام.\rوخرج عدو الله حيى بن أخطب حتى أتى كعب بن أسد صاحب عقد بنى قريظة، وعهدهم، وكان قد وادع رسول الله ﷺ على قومه وعاقده على ذلك وعاهده، فلما سمع كعب بحيى بن أخطب أغلق دونه باب حصنه، فاستأذن عليه فأبى أن يفتح له، فناداه حيى: ويحك يا كعب افتح لى. فقال: ويحك يا حيى إنك امرؤ مشؤوم، وإنى قد عاهدت محمدا فلست بناقض ما بينى وبينه، ولم أر منه إلا وفاء وصدقا، قال: ويحك افتح لى أكلمك. قال: ما أنا بفاعل. قال والله: إن أغلقت دونى إلا على جشيشتك أن آكل معك منها. فأحفظ الرجل ففتح له فقال: ويحك يا كعب! جئتك بعز الدهر وببحر طام! جئتك بقريش على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال من رومة، وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بذنب نقمى إلى جنب أحد، قد عاهدونى وعاقدونى على أن لا يبرحوا حتى نستأصل محمدا ومن معه.\rفقال له كعب: جئتنى والله بذل الدهر، وبجهام قد هراق ماءه فهو يرعد ويبرق وليس فيه شىء، ويحك يا حيى فدعنى وما أنا عليه فإنى لم أر من محمد إلا صدقا ووفاء.\rفلم يزل حيى بكعب يفتله فى الذروة والغارب حتى سمح له، على أن أعطاه عهدا من الله وميثاقا لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك فى حصنك حتى يصيا بنى ما أصابك.\rفنقض كعب بن أسد عهده، وبرىء مما كان بينه وبين رسول الله ﷺ.\rفلما انتهى الخبر إلى رسول الله ﷺ وإلى المسلمين بعث رسول الله ﷺ سعد بن معاذ، وهو- يومئذ- سيد الأوس وسعد بن عبادة، وهو- يومئذ- سيد الخزرج ومعهما عبد الله بن رواحة وخوات بن جبير فقال: «انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم؟ فإن كان حقا فالحنوا إلى لحنا أعرفه ولا تفتوا فى أعضاد الناس، وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فأجهروا به الناس» .\rفخرجوا حتى أتوهم فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم، نالوا من رسول الله ﷺ وقالوا: من رسول الله؟! لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد؛ فشاتمهم سعد ابن معاذ وشاتموه، وكان رجلا فيه حدة، فقال له سعد بن عبادة: دع عنك مشاتمتهم فما بيننا أربى من المشاتمة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083863,"book_id":3509,"shamela_page_id":426,"part":"1","page_num":424,"sequence_num":426,"body":"ثم أقبلا ومن معهما إلى رسول الله ﷺ: فسلموا عليه، ثم قالوا: عضل والقارة. أى كعذر عضل والقارة بأصحاب الرجيع- خبيب وأصحابه- فقال رسول الله ﷺ: «الله أكبر، أبشروا يا معشر المسلمين» «١» .\rوعظم عند ذلك البلاء واشتد الخوف وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون كل ظن ونجم النفاق من بعض المنافقين، وحتى قال قائل منهم: كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط!.\rوأقام عليه المشركون قريبا من شهر لم يكن بينهم حرب إلا الرمياء. بالنبل والحصار.\rفلما اشتد على الناس البلاء بعث رسول الله ﷺ إلى عيينة بن حصن وإلى الحارث بن عوف، وهما قائدا غطفان فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهما المراوضة فى الصلح حتى كتبوا الكتاب ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح، ثم بعث رسول الله ﷺ إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، فذكر لهما ذلك واستشارهما فيه، فقالا: يا رسول الله، أمرا تحبه فتصنعه؟ أم شيئا أمرك الله به لا بد لنا من العمل به؟ أم شيئا تصنعه لنا؟ قال: «بل شىء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا انى رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما» «٢» .\rفقال له سعد بن معاذ: يا رسول الله، قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها تمرة إلا قرى أو بيعا، فحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا؟! ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم.\rقال رسول الله ﷺ: «فأنت وذلك» «٣» . فتناول سعد الصحيفة فمحا ما فيها من الكتب ثم قال: ليجهدوا علينا.\rفأقام رسول الله ﷺ والمسلمون وعدوهم محاصروهم، ولم يكن بينهم قتال، إلا أن فوارس من قريش منهم عمرو بن عبد ود وعكرمة بن أبى جهل وهبيرة بن أبى وهب","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ١٠٤) ، دلائل النبوة للبيهقى (٣/ ٤٣٠) .\r(٢) انظر الحديث فى: المعجم الكبير للطبرانى (٣/ ٥٧) . البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ١٠٥) .\r(٣) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (٣/ ٤٣٠، ٤٣١) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083864,"book_id":3509,"shamela_page_id":427,"part":"1","page_num":425,"sequence_num":427,"body":"وضرار بن الخطاب تلبسوا للقتال ثم خرجوا على خليهم حتى مروا بمنازل بنى كنانة فقالوا: تهيأوا يا بنى كنانة للحرب فستعلمون من الفرسان اليوم. ثم أقبلوا تعنق بهم خيلهم حتى وقفوا على الخندق، فلما رأوه قالوا: والله إن هذه لمكيدة، ما كانت العرب تكيدها! ثم تيمموا مكانا من الخندق ضيقا فضربووا خيلهم فاقتحمت منه فجالت بهم فى السبخة بين الخندق وسلع، وخرج على بن أبى طالب فى نفر من المسلمين حتى أخذوا عليهم الثغرة التى أقحموا منها خيلهم، وأقبلت الفرسان تعنق نحوهم، وكان عمرو بن عبد ود قد قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراحة فلم يشهد يوم أحد فلما كان يوم الخندق خرج معلما ليرى مكانه، فلما وقف هو وخيله قال: من يبارز؟ فبرز على بن أبى طالب فقال له: يا عمرو إنك كنت عاهدت الله لا يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خلتين إلا أخذتها منه، فقال له: أجل؛ فقال له على: فإنى أدعوك إلى الله وإلى رسوله وإلى الإسلام. قال: لا حاجة لى بذلك. قال: فإنى أدعوك إلى النزال. قال له:\rولم يا ابن أخى! فو الله ما أحب أن أقتلك. قال على: لكنى والله أحب أن أقتلك! فحمى عمرو عند ذلك فاقتحم عن فرسه فعقره وضرب وجهه، ثم أقبل على على فتنازلا وتجاولا، فقتله علىّ.\rوخرجت خيلهم منهزمة حتى اقتحمت من الخندق هاربة.\rوذكر ابن إسحاق فى غير رواية البكائى أن عمرا لما نادى يطلب من يبارزه قام على- رضى الله عنه- وهو مقنع فى الحديد فقال: أنا له يا نبى الله فقال له: «اجلس إنه عمرو» ثم ذكر عمرو النداء وجعل يؤنبهم ويقول: أين جنتكم التى تزعمون أنه من قتل منكم دخلها! أفلا تبرزون إلى رجلا؟! فقام على فقال: أنا له يا رسول الله. قال:\r«اجلس إنه عمرو» . ثم نادى الثالثة وقال:\rولقد بححت من الندا ... أبجمعكم هل من مبارز\rووقفت إذ جبن المشجع ... وقفة الرجل المناجز\rوكذاك أنى لم أزل ... متسرعا نحو الهزاهز\rإن الشجاعة فى الفتى ... والجود من خير الغرائز\rفقال علىّ- رضى الله عنه- فقال: أنا له يا رسول الله. فقال: «إنه عمرو» فقال:\rوإن كان عمرا. فأذن له رسول الله ﷺ فمشى إليه علىّ وهو يقول:\rلا تعجلن فقد أتا ... ك مجيب صوتك غير عاجز","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083865,"book_id":3509,"shamela_page_id":428,"part":"1","page_num":426,"sequence_num":428,"body":"ذو نية وبصيرة ... والصدق منجى كل فائز\rإنى لأرجو أن أقي ... م عليك نائحة الجنائز\rمن ضربة نجلاء يب ... قى ذكرها عند الهزاهز\rفقال عمرو: من أنت؟ قال: أنا على، قال: ابن عبد مناف؟ قال: أنا على بن أبى طالب. فقال: غيرك يا ابن أخى من أعمامك من هو أسن منك، فإنى أكره أن أهريق دمك. فقال على: لكنى والله ما أكره أن أهريق دمك. فغضب ونزل فسل سيفه كأنه شعلة نار، ثم أقبل نحو على مغضبا. ويقال: إنه كان على فرسه فقال له على: كيف أقاتلك وأنت على فرسك؟ ولكن تنزل معى. فنزل عن فرسه ثم أقبل نحوه فاستقبله علىّ بدرقته فضربه عمرو فيها فقدّها وأثبت فيها السيف وأصاب رأسه فشجه، وضربه علىّ على حبل العاتق فسقط وثار العجاج، وسمع رسول الله ﷺ التكبير فعرف أن عليا قد قتله، فثم يقول على رضى الله عنه:\rأعلى تقتحم الفوارس هكذا ... عنى وعنه أخبروا أصحابى\rفاليوم يمنعنى الفرار حفيظتى ... ومصمم فى الرأس ليس بنابى\rأدى عمير حين أخلص صقله ... صافى الحديدة يستفيض ثوابى\rفغدوت ألتمس القراع بمرهف ... عضب مع النتراء فى إقراب\rقال ابن عبد حين شد ألية ... وحلفت فاستمعوا من الكذاب\rأن لا يفر ولا يهلل فالتقى ... أسدان يضطربان كل ضراب\rنصر الحجارة من سفاهة رأيه ... ونصرت دين محمد بصواب\rفصددت حين تركته متجدلا ... كالجذع بين دكادك وروابى\rوعففت عن أثوابه ولو أننى ... كنت المجدل بزنى أثوابى\rلا تحسبن الله خاذل دينه ... ونبيه يا معشر الأحزاب\rوكان شعار أصحاب رسول الله ﷺ يوم الخندق وبنى قريظة: «حم لا ينصرون» .\rوكانت عائشة- رضى الله عنها- يوم الخندق فى حصن بنى حارثة، وكان من أحرز حصون المدينة، وكانت أم سعد بن معاذ معها فى الحصن، قالت عائشة: وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب، فمر سعد وعليه درع له مقصلة وقد خرجت منها ذراعه كلها وفى يده حربته يرقد بها- أى يسرع بها- فى نشاط، وهو يقول:\rلبث قليلا يشهد الهيجا حمل ... لا بأس بالموت إذا حان الأجل\rفقالت أمه: الحق أى بنى فقد والله أخرت. قالت عائشة: فقلت لها: يا أم سعد،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083866,"book_id":3509,"shamela_page_id":429,"part":"1","page_num":427,"sequence_num":429,"body":"والله لوددت أن درع سعد كانت أسبغ مما هى. قالت: وخفت عليه حيث أصاب السهم منه، فرمى سعد بسهم فقطع منه الأكحل، رماه حبان بن قيس بن العرقة أحد بنى عامر لؤى، فلما أصابه قال: خذها وأنا ابن العرقة. فقال له سعد: عرق الله وجهك فى النار، اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقى لها فإنه لا قوم أحب إلى أن أجاهد من قوم آذوا رسولك وكذبوه وأخرجوه، اللهم وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعلها لى شهادة ولا تمتنى حتى تقرعينى من بنى قريظة.\rوكان عبد الله بن كعب بن مالك يقول: ما أصاب سعدا- يومئذ- إلا أبو أسامة الجشمى حليف بنى مخزوم، وقال فى ذلك شعرا يخاطب به عكرمة بن أبى جهل:\rأعكرم هلا لمتنى إذ تقول لى ... فداك بآطام المدينة خالد\rألست الذى ألزمت سعدا مرشة ... لها بين أثناء المرافق عاند\rقضى نحبه منها سعيد فأعولت ... عليه مع الشمط والعذارى النواهد «١»\rفى أبيات ذكرها ابن إسحاق.\rويقال: إن الذى رمى سعدا خفافة بن عاصم بن حبان. فالله أعلم أى ذلك كان.\rوكانت صفية بنت عبد المطلب فى فارع، أطم حسان بن ثابت، قالت: وحسان معنا فيه مع النساء والصبيان. قالت صفية: فمر بنا رجل من يهود فجعل يطيف بالحصن وقد حاربت بنو قريظة وقطعت ما بينها وبين رسول الله ﷺ، وليس بيننا وبينهم أحد يدفع عنا، ورسول الله ﷺ والمسلمون فى نحور عدوهم لا يستطيعون أن ينصرفوا عنهم إلينا إن أتانا آت، قالت: قلت يا حسان، إن هذا اليهودى كما ترى يطيف بالحصن، وإنى والله ما آمنه أن يدل على عورتنا من وراءنا من يهود، وقد شغل عنا رسول الله ﷺ وأصحابه، فانزل إليه فقتله. قال: يغفر الله لك يا ابنة عبد المطلب! والله لقد علمت ما أنا بصاحب هذا. فلما قال لى ذلك ولم أر عنده شيئا احتجزت ثم أخذت عمودا ثم نزلت من الحصن إليه فضربته بالعمود حتى قتلته، فلما فرغت منه رجعت إلى الحصن فقلت لحسان: انزل فاسلبه فإنى لم يمنعنى من سلبه إلا أنه رجل. قال: مالى بسلبه من حاجة يا بنت عبد المطلب.\rوأقام رسول الله ﷺ واصحابه فيما وصف الله من الخوف والشدة لتظاهر عدوهم عليهم وإتيانهم من فوقهم ومن أسفل منهم.","footnotes":"(١) النحب: الأصل. والشمط: جمع شمطاء، وهى المرأة التى خالط شعرها الشيب. والنواهد: جمع ناهد، أى التى ظهر نهدها.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083867,"book_id":3509,"shamela_page_id":430,"part":"1","page_num":428,"sequence_num":430,"body":"ثم إن نعيم بن مسعود الأشجعى أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إنى قد أسلمت وإن قومى لم يعلموا بإسلامى، فمرنى بما شئت.\rفقال رسول الله ﷺ: «إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة» «١» .\rفخرج نعيم حتى أتى بنى قريظة، وكان لهم نديما فى الجاهلية فقال: يا بنى قريظة، قد عرفتم ودى إياكم وخاصة ما بينى وبينكم. قالوا: صدقت فلست عندنا بمتهم. فقال لهم: إن قريشا وغطفان ليسوا كأنتم، البلد بلدكم به أموالكم وابناؤكم ونساؤكم لا تقدرون على أن تتحولوا منه إلى غيره، وإن قريشا وغطفان قد جاؤا لحرب محمد وأصحابه وقد ظاهرتموهم عليه، وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغيره فليسوا كأنتم فإن رأوا نهزة أصابوها، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل ببلدكم، فلا طاقة لكم به إن خلا بكم، فلا تقاتلوا مع القوم تأخذوا حتى منهم رهنا من أشرافهم يكونون بأيديكم ثقة لكم على أن يقاتلوا معكم محمدا حتى تناجزوه.\rقالوا: لقد أشرت بالرأى.\rثم خرج حتى أتى قريشا فقال لأبى سفيان ومن معه من رجالهم، قد عرفتم ودى لكم وفراقى محمدا، وإنه قد بلغنى أمر رأيت على حقا أن أبلغكموه نصحا لكم فاكتموا عنى قالوا: نفعل. قال: تعلمون أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد، وقد أرسلوا إليه أنا قد ندمنا على ما فعلنا، فهل يرضيك أن نأخذ لك من القبيلتين من قريش وغطفان رجالا من اشرافهم فنعطيكهم فتضرب أعناقهم ثم نكون معك على من بقى منهم حتى نستأصلهم؟ فأرسل إليهم: نعم. فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون رهنا من رجالكم فلا تدفعوا إليهم منكم رجلا واحدا.\rثم خرج حتى أتى غطفان فقال: يا معشر غطفان، إنكم أصلى وعشيرتى وأحب الناس إلىّ، ولا أراكم تتهموننى. قالوا: صدقت، ما أنت عندنا بمتهم؛ قال: فاكتموا عنى. قالوا: نفعل. ثم قال لهم مثل ما قال لقريش وحذرهم ما حذرهم.\rفلما كانت ليلة السبت، وكان ذلك من صنع الله لرسوله ﷺ أرسل أبو سفيان بن حرب ورؤس غطفان إلى بنى قريظة عكرمة بن أبى جهل فى نفر من قريش وغطفان فقالوا لهم: إنا لسنا بدار مقام، قد هلك الخف والحافر فاغدوا للقتال حتى نناجز محمدا","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (٣/ ٤٤٥) ، البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ١١١) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083868,"book_id":3509,"shamela_page_id":431,"part":"1","page_num":429,"sequence_num":431,"body":"ونفرغ مما بيننا وبينه؛ فأرسلوا إليهم: إن اليوم يوم السبت، وهو يوم لا نعمل فيه شيئا، وقد كان أحدث فيه بعضنا حدثا فأصابه ما لم يخف عليكم، ولسنا مع ذلك بالذين نقاتل معكم محمدا حتى تعطونا رهنا من رجالكم يكونون بأيدينا ثقة لنا حتى نناجز محمدا، فإنا نخشى إن ضرستكم الحرب، واشتد عليكم القتال أن تنشمروا إلى بلادكم وتتركونا والرجل فى بلادنا ولا طاقة لنا بذلك.\rفلما رجعت إليهم الرسل بما قالت بنو قريظة قالت قريش وغطفان: والله، إن الذى حدثكم نعيم بن مسعود لحق. فأرسلوا إلى بنى قريظة: إنا والله لا ندفع إليكم رجلا واحدا من رجالنا، فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا.\rفقالت بنو قريظة حين انتهت إليهم الرسل بهذا: إن الذى ذكر لكم نعيم بن مسعود لحق، ما يريد القوم إلا أن يقاتلوا فإن رأوا فرصة انتهزوها وإن كان غير ذلك انشمروا إلى بلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل فى بلدكم. فأرسلوا إلى قريش وغطفان: إنا والله لا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا. فأبوا عليهم.\rوخذل الله بينهم، وبعث عليهم الريح فى ليال شاتية شديدة البرد، فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح آنيتهم.\rفلما انتهى إلى رسول الله ﷺ ما اختلف من أمرهم وما فرق الله من جماعتهم دعا حذيفة بن اليمان فبعثه ليلا لينظر ما فعل القوم، فحدث حذيفة- ﵀ وقد قال له رجل من أهل الكوفة: يا أبا عبد الله، أرأيتم رسول الله ﷺ وصحبتموه؟ قال نعم يا ابن أخى. قال: فكيف كنتم تصنعون؟ قال: والله لقد كنا نجهد. قال الرجل: والله لو أدركناه ما تركناه يمشى على الأرض ولحملناه على أعناقنا. فقال حذيفة: يا بن أخى، والله لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ بالخندق وصلى هويا من الليل ثم التفت إلينا فقال:\r«من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع- يشرط له رسول الله ﷺ الرجعة- أسال الله أن يكون رفيقى فى الجنة؟» «١» فما قام رجل من القوم من شدة الخوف وشدة الجوع وشدة البرد، فلما لم يقم أحد دعانى فلم يكن لى بد من القيام حين دعانى فقال:\r«يا حذيفة، اذهب فادخل فى القوم فانظر ما يفعلون ولا تحدثن شيئا حتى تأتينا» «٢» .","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (٢/ ٣٩٢) ، تفسير الطبرى (٢١/ ٨٠) ، تفسير ابن كثير (٦/ ٣٨٦) ، البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ١١٣) .\r(٢) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (٥/ ٣٩٢) ، تفسير ابن كثير (٦/ ٣٨٦) ، تفسير الطبرى (٢١/ ٨٠) ، البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ١١٣) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083869,"book_id":3509,"shamela_page_id":432,"part":"1","page_num":430,"sequence_num":432,"body":"فذهبت فدخلت فى القوم والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل لا تقر لهم قدرا ولا نارا ولا بناء، فقام أبو سفيان فقال: يا معشر قريش، لينظر امرؤ من جليسه. قال حذيفة: فأخذت بيد الرجل الذى إلى جنبى فقلت: من أنت؟ قال: فلان بن فلان.\rوذكر ابن عقبة أنه فعل ذلك بمن يلى جانبيه يمينا ويسارا، قال: وبدرهم بالمسألة خشية أن يظنوا له.\rقال حذيفة: ثم قال أبو سفيان: يا معشر قريش، إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع والخف وأخلفتنا بنو قريظة وبلغنا عنهم الذى نكره، ولقينا من شدة الريح ما ترون ما تطمئن لنا قدر ولا تقوم لنا نار ولا يستمسك لنا بناء، فارتحلوا فإنى مرتحل. ثم قام إلى جمله وهو معقول فجلس عليه ثم ضربه فوثب به على ثلاث فما أطلق عقاله إلا وهو قائم. ولولا عهد رسول الله ﷺ إلى: «أن لا تحدث شيئا حتى تأتينى» ثم شئت لقتلته بسهم.\rفرجعت إلى رسول الله ﷺ وهو قائم يصلى فى مرط «١» لبعض نسائه، فلما رآنى أدخلنى إلى رجليه وطرح على طرف المرط ثم ركع وسجد وإنى لفيه، فلما سلم أخبرته الخبر.\rوسمعت غطفان بما فعلت قريش فانشمروا راجعين إلى بلادهم.\rولما أصبح رسول الله ﷺ انصرف عن الخندق راجعا إلى المدينة والمسلمون معه وقد عضهم الحصار، فرجعوا مجهودين فوضعوا السلاح.\rفلما كانت الظهر أتى جبريل رسول الله ﷺ معتجرا بعمامة من إستبرق على بغلة عليها رحالة عليها قطيفة من ديباج.\rويقولون فيما ذكر ابن عقبة: أن رسول الله ﷺ كان فى المغتسل عندما جاءه جبريل وهو يرجل رأسه قد رجّل أحد شقيه. فجاءه جبريل على فرس عليه اللأمة حتى وقف بباب المسجد عند موضع الجنائز، وإن على وجه جبريل لأثر الغبار، فخرج إليه رسول الله ﷺ فقال له جبريل: غفر الله لك! أقد وضعتم السلاح؟ قال: «نعم» . قال جبريل: ما وضعت الملائكة السلاح بعد وما رجعت الآن إلا من طلب القوم، إن الله يأمرك يا محمد بالمسير إلى بنى قريظة فإنى عامد إليهم فمزلزل بهم.","footnotes":"(١) المرط: أى الكساء.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083870,"book_id":3509,"shamela_page_id":433,"part":"1","page_num":431,"sequence_num":433,"body":"فأمر رسول الله ﷺ مؤذنا فأذن فى الناس: من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا فى بنى قريظة.\rوقدم رسول الله ﷺ على بن أبى طالب برايته إلى بنى قريظة وابتدرها الناس، فسار علىّ- رضى الله عنه- حتى إذا دنا من الحصون سمع منها مقالة قبيحة لرسول الله ﷺ، فرجع حتى لقى رسول الله ﷺ بالطريق فقال: يا رسول الله، لا عليك أن لا تدنو من هؤلاء الأخابيث. قال: «لم؟ أظنك سمعت منهم لى أذى» قال: نعم. قال: «لو رأونى لم يقولوا من ذلك شيئا «١» » . فلما دنا رسول الله ﷺ من حصونهم قال: «يا إخوان القردة، هل أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته؟» «٢» قالوا: يا أبا القاسم، ما كنت جهولا.\rومر رسول الله ﷺ بنفر من أصحابه فى طريقة قبل أن يصل إلى بنى قريظة، فقال:\r«هل مرّ بكم أحد؟» قالوا: يا رسول الله، مر بنا دحية بن خليفة الكلبى على بغلة بيضاء عليها رحالة عليها قطيفة ديباج. فقال رسول الله ﷺ: «ذلك جبريل بعث إلى بنى قريظة يزلزل بهم حصونهم ويقذف الرعب فى قلوبهم» «٣» .\rوتلاحق الناس برسول الله ﷺ، فأتى رجال من بعد العشاء الآخرة لم يصلوا العصر لقول رسول الله ﷺ: «لا يصلين أحد العصر إلا ببنى قريظة» «٤» فصلوا العصر بها من بعد العشاء الآخرة، فما عابهم الله بذلك فى كتابه ولا عنفهم به رسوله.\rوذكر ابن عقبة أن الناس لما حانت العصر وهم فى الطريق ذكروا الصلاة فقال بعضهم: ألم تعلموا أن رسول الله ﷺ أمركم أن تصلوا العصر فى بنى قريظة. وقال آخرون: هى الصلاة. فصلى منهم طائفة وأخرت الصلاة طائفة حتى صلوها فى بنى قريظة بعد أن غابت الشمس، فذكروا لرسول الله ﷺ من عجل الصلاة ومن أخرها، فذكر أن رسول الله ﷺ لم يعنف واحدة من الطائفتين.","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: تفسير الطبرى (٢١/ ٩٥، ٩٦) .\r(٢) انظر الحديث فى: تفسير الطبرى (٢١/ ٩٦) .\r(٣) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (٨/ ١١٧) ، إرواء الغليل للألبانى (٣/ ٤٠٣) .\r(٤) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (٢/ ١٩، ٥/ ١٤٣) ، صحيح مسلم فى كتاب الجهاد باب (٢٣) ، رقم (٦٩) ، شرح السنة للبغوى (١٤/ ١١) ، تغليق التعليق لابن حجر العسقلانى (٣٧٧) ، فتح البارى لابن حجر (٢/ ٤٣٦، ٧/ ٤٠٨، ٤٠٩، ١٣/ ٢٤٠) ، البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ١١٠، ١١٧) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083871,"book_id":3509,"shamela_page_id":434,"part":"1","page_num":432,"sequence_num":434,"body":"وحاصر رسول الله ﷺ بنى قريظة خمسا وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار، وقذف الله فى قلوبهم الرعب.\rوكان حيى بن أخطب دخل مع بنى قريظة فى حصنهم حين رجعت عنهم قريش وغطفان وفاء لكعب بن أسد بما كان عاهده عليه، فلما أيقنوا أن رسول الله ﷺ غير منصرف عنهم حتى يناجزهم قال لهم كعب بن أسد: يا معشر يهود، قد نزل بكم من الأمر ما ترون، وإنى عارض عليكم خلالا ثلاثا فخذوا أيها شئتم. فقالوا: وما هى؟\rقال: نتابع هذا الرجل ونصدقه فو الله لقد تبين لكم أنه نبى مرسل وأنه للذى تجدونه فى كتابكم، فتأمنون على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم. وقالوا: لا نفارق حكم التوراة أبدا ولا نستبدل به غيره. قال: فإذا أبيتم على هذه فهلم فلنقتل أبناءنا ونساءنا ثم نخرج إلى محمد واصحابه رجالا مصلتين السيوف لم نترك وراءنا ثقلا حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، فإن نهلك نهلك ولم نترك وراءنا نسلا نخشى عليه وإن نظهر فلعمرى لنجدن النساء والأبناء. قالوا: أنقتل هؤلاء المساكين؟ فما خير العيش بعدهم! قال: فإذا أبيتم على هذه فإن الليلة ليلة السبت وإنه عسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنوا فيها فانزلوا لعلنا نصيب من محمد وأصحابه غرة. قالوا: أنفسد سبتنا ونحدث فيه ما لم يحدث من كان قبلنا إلا من قد علمت فأصابه ما لم يخف عليك من المسخ! قال: ما بات رجل منكم منذ ولدته أمه حازما ليلة واحدة من الدهر!\rثم إنهم بعثوا إلى رسول الله ﷺ: أن ابعث إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر، أخا بنى عمرو ابن عوف، وكانوا حلفاء الأوس، نستشيره فى أمرنا، فأرسله رسول الله ﷺ إليهم، فلما رأوه قام إليه الرجال وجهش إليه النساء والصبيان يبكون فى وجهه، فرق لهم وقالوا له: يا أبا لبابة، أترى أن ننزل على حكم محمد؟ قال: نعم. وأشار بيده إلى حلقة: إنه الذبح.\rقال أبو لبابة: فو الله مازالت قدماى من مكانهما حتى عرفت أنى قد خنت الله ورسوله. ثم أنطلق أبو لبابة على وجهه ولم يأت رسول الله ﷺ حتى ارتبط فى المسجد إلى عمود من عمده. وقال: لا أبرح مكانى هذا حتى يتوب الله على مما صنعت، وعاهد الله: أن لا أطأ بنى قريظة أبدا ولا أرى فى بلد خنت الله ورسوله فيه أبدا.\rفلما بلغ رسول الله ﷺ خبره وكان قد استبطأه قال: «أما إنه لو كان جاءنى لا ستغفرت له، فأما إذ فعل ما فعل فما أنا بالذى أطلقه من مكانه حتى يتوب الله","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083872,"book_id":3509,"shamela_page_id":435,"part":"1","page_num":433,"sequence_num":435,"body":"عليه» «١» . فنزلت توبته على رسول الله ﷺ وهو فى بيت أم سلمة، قالت: سمعت رسول الله ﷺ من السحر وهو يضحك؛ قلت: مم تضحك أضحك الله سنك؟ قال:\r«تيب على أبى لبابة» «٢» . قالت: قلت: أفلا أبشره يا رسول الله. قال: «بلى إن شئت» «٣» . قال: فقامت على باب حجرتها، وذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب فقالت: يا أبا لبابة، أبشر فقد تاب الله عليك. قالت: فثار الناس إليه ليطلقوه فقال لا والله حتى يكون رسول الله ﷺ هو الذى يطلقنى بيده. فلما مر عليه خارجا إلى صلاة الصبح أطلقه.\rوذكر ابن هشام «٤» أن أبا لبابة أقام مرتبطا بالجذع ست ليال تأتيه امرأته فى كل وقت صلاة فتحله للصلاة، ثم يعود فيرتبط بالجذع.\rوالآية التى نزلت فى توبته: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [التوبة: ١٠٢] ، وأنزل الله فى أبى لبابة، فيما روى عن عبد الله بن قتادة:\rيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [الأنفال: ٢٧] .\rثم إن ثعلبة بن سعية وأسيد بن سعية وأسد بن عمير وهم نفر من بنى هدل ليسوا من بنى قريظة ولا بنى النضير، نسبهم فوق ذلك هم بنو عم القوم، أسلموا تلك الليلة التى نزلت فيها بنو قريظة على حكم رسول الله ﷺ فأحرزوا دماءهم وأموالهم، وكان إسلامهم فيما زعموا عما كان ألقاه إليهم من أمر رسول الله ﷺ ابن الهيبان القادم عليهم قبل الإسلام متوكفا لخروج رسول الله ﷺ ومحققا لنبوته، فنفع الله هؤلاء الثلاثة بذلك واستنقذهم به من النار.\rوقد تقدم ذكر خبره فيما مضى من هذا الكتاب.","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: تفسير الطبرى (٢١/ ٩٧) .\r(٢) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (٤/ ١٧) .\r(٣) انظر الحديث فى: صحيح مسلم (١٤١٢، ٢١٥١) ، السلسلة الصحيحة للألبانى (٣١٣) ، صحيح البخارى (٤/ ٢٦، ١٢٥) ، المعجم الكبير للطبرانى (٦/ ١٠٩، ٨/ ٢٧٥) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٣/ ٣١٢، ٥/ ٦٧) ، كنز العمال للمتقى الهندى (١٧٩٠٥، ٢٩٩٩٣، ٣٠١٥٤، ٣٧١٥٥) ، فتح البارى لابن حجر (٧/ ٨) ، الطبقات الكبرى لابن سعد (١/ ١/ ٢٠) .\r(٤) انظر السيرة (٣/ ٢٠٧) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083873,"book_id":3509,"shamela_page_id":436,"part":"1","page_num":434,"sequence_num":436,"body":"وخرج فى تلك الليلة عمرو بن سعدى القرظى. فمر بحرس رسول الله ﷺ وعليه محمد بن مسلمة، فلما رآه قال: «من هذا؟» قال: أنا عمرو بن سعدى. وكان عمرو قد أبى أن يدخل مع بنى قريظة فى غدرهم برسول الله ﷺ وقال: لا أغدر بمحمد أبدا.\rفقال محمد بن مسلمة حين عرفه: اللهم لا تحرمنى إقالة عثرات الكرام! ثم خلى سبيله، فخرج على وجهه حتى بات فى مسجد رسول الله ﷺ بالمدينة تلك الليلة ثم ذهب فلم يدر أين توجه من الأرض إلى يومه هذا. فذكر شأنه لرسول الله ﷺ فقال: «ذلك رجل نجاه الله برفائه» «١» . وبعض الناس يزعم أنه كان أوثق برمة فيمن أوثق من بنى قريظة حين نزلوا على حكم رسول الله ﷺ، فأصبحت رمته ملقاة ولا يدرى أين ذهب. فقال رسول الله ﷺ فيه تلك المقالة. فالله أعلم أى ذلك كان.\rولما نزل بنو قريظة على حكم رسول الله ﷺ تواثبت الأوس فقالوا: يا رسول الله، إنهم موالينا دون الخزرج، وقد فعلت فى موالى إخواننا بالأمس ما قد علمت- يريدون بنى قينقاع- وما كان من حصار رسول الله ﷺ لهم ونزولهم على حكمه، وكيف سأله إياهم عبد الله بن أبىّ بن سلول فوهبهم له. فلما كلمته الأوس قال رسول الله ﷺ: «ألا ترضون يا معشر الأوس أن يحكم فيهم رجل منكم» قالوا: بلى. قال: «فذاك إلى سعد بن معاذ» » .\rوكان رسول الله ﷺ قد جعل سعد بن معاذ فى خيمة لامرأة من أسلم يقال لها:\rرفيدة فى مسجده، كانت تداوى الجرحى وتحتسب بنفسها على خدمة من كانت به ضيعة من المسلمين، وكان رسول الله ﷺ قد قال لقومه حين أصابه السهم فى الخندق:\r«اجعلوه فى خيمة رفيدة حتى أعوده من قريب» «٣» . فلما حكمه رسول الله ﷺ فى بنى قريظة أتاه قومه فحملوه على حمار قد وطأوا له بوسادة من أدم، وكان رجلا جسيما، ثم أقبلوا معه إلى رسول الله ﷺ وهم يقولون: يا أبا عمرو، أحسن فى مواليك، فإن رسول الله ﷺ إنما ولاك ذلك لتحسن فيهم. فلما أكثروا قال: لقد آن لسعد أن لا تأخذه فى الله لومة لائم!\rفرجع بعض من كان معه من قومه إلى دار بنى عبد الأشهل فنعى لهم رجال بنى قريظة قبل أن يصل إليهم سعد، عن كلمته التى سمع منه.","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ١٢١) .\r(٢) انظر الحديث فى: تفسير الطبرى (٢١/ ٩٧) .\r(٣) انظر الحديث فى: تفسير الطبرى (٢١/ ٩٧) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083874,"book_id":3509,"shamela_page_id":437,"part":"1","page_num":435,"sequence_num":437,"body":"فلما انتهى سعد إلى رسول الله ﷺ والمسلمين قال رسول الله ﷺ: «قوموا إلى سيدكم» «١» فاما المهاجرون من قريش فيقولون: إنما أراد الأنصار. وأما الأنصار فيقولون: قد عم بها رسول الله ﷺ المسلمين. فقاموا إليه فقالوا: يا أبا عمرو، إن رسول الله ﷺ قد ولاك أمر مواليك لتحكم فيهم. فقال سعد بن معاذ: عليكم عهد الله وميثاقه: أن الحكم فيهم لما حكمت؟ قالوا: نعم. قال: وعلى من ها هنا- فى الناحية التى فيها رسول الله ﷺ وهو معرض عن رسول الله ﷺ إجلالا له. فقال: رسول الله ﷺ «نعم» . قال سعد: فإنى أحكم فيهم أن تقتل الرجال وتقسم الأموال وتسبى والنساء. فقال رسول الله ﷺ: «قد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة» «٢» .\rثم استنزلوا فحسبهم رسول الله ﷺ فى المدينة فى دار امرأة من بنى النجار، ثم خرج ﷺ إلى سوق المدينة فخندق بها خنادق، ثم بعث إليهم فضرب أعناقهم فى تلك الخنادق، يخرج بهم إليها أرسالا. وفيهم عدو الله حيى بن أخطب وكعب بن أسد رأس القوم، وهم ستمائة أو سبعمائة، والمكثر يقول: كانوا بين الثمان المائة والتسع المائة.\rوقالوا لكعب بن أسد وهم يذهب بهم إلى رسول الله ﷺ أرسالا: يا كعب ما تراه يصنع بنا؟ قال: أفى كل موطن لا تعقلون! ألا ترون أن الداعى لا ينزع وأن من ذهب به منكم لا يرجع؟ هو والله القتل.\rفلم يزل ذلك الدأب حتى فرغ منهم رسول الله ﷺ وأتى بعدو الله حيى بن أخطب وعليه حلة فقاحية قد شقها عليه من كل ناحيه قدر أنملة لئلا يسلبها، مجموعة يداه إلى عنقه بحبل، فلما نظر إلى رسول الله ﷺ قال: أما والله ما لمت نفسى فى عداوتك ولكن من يخذل الله يخذل! ثم أقبل على الناس فقال: يا أيها الناس، إنه لا بأس بأمر الله، كتاب وقدر وملحمة كتبت على بنى إسرائيل! ثم جلس فضربت عنقه. فقال فى ذلك","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (٤/ ٨١، ٥/ ٤٤، ٦/ ٧٢، ١٣٤) ، صحيح مسلم فى كتاب الجهاد باب (٢٢) رقم (٦٤) ، سنن أبى داود (٥٢١٥، ٥٢١٦) ، سنن الترمذى (٨٥٦) ، مسند الإمام أحمد (٣/ ٢٢، ٧١) ، السنن الكبرى للبيهقى (٦/ ٥٨، ٩/ ٦٣، ٩٧) ، المعجم الكبير للطبرانى (٦/ ٦) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٦/ ١٣٨) ، مصنف ابن أبى شيبة (١٤/ ٤٢٥) ، دلائل النبوة (٤/ ١٨) ، كنز العمال للمتقى الهندى (٢٥٤٨٣) ، مشكاة المصابيح للتبريزى (٤٦٩٥، ٣٩٦٣٥) ، فتح البارى لابن حجر (١/ ٣٢٠، ٥/ ٥١، ١٧٧، ٧٨، ٧/ ٤١١، ١١/ ٤٩) ، زاد المسير لابن الجوزى (٨/ ١٩٣) ، الطبقات الكبرى لابن سعد (٣/ ٢/ ٤، ٥) ، شرح السنة للبغوى (١١/ ٩٢) ، السلسلة الصعيفة للألبانى (٣٤٦) .\r(٢) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ١٠٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083875,"book_id":3509,"shamela_page_id":438,"part":"1","page_num":436,"sequence_num":438,"body":"جبل ابن جوال الثعلبى:\rلعمرك ما لام ابن أخطب نفسه ... ولكنه من يخذل الله يخذل\rلجاهد حتى أبلغ النفس عذرها ... وقلقل يبغى العز كل مقلقل «١»\rبل ابتغى عدو الله ذل الأبد فوجده، وجاهد الله فجهده، فأصبح برأيه القائل وسعيه الخاسر من الذين لهم خزى فى الدينا ولهم فى الآخرة عذاب النار.\rوقتل من نساء بنى قريظة امرأة واحدة لم يقتل من نسائهم غيرها، قالت عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها: والله إنها لعندى تحدث معى وتضحك ظهرا وبطنا، ورسول الله ﷺ يقتل رجالها فى السوق إذ هتف هاتف باسمها: أين فلانة قالت: أنا والله، قلت لها: ويلك مالك؟ قالت: أقتل. قلت: ولم؟ قالت: لحدث أحدثته. فانطلق بها فضربت عنقها. فكانت عائشة تقول: والله لا أنسى عجبا منها، طيب نفسها وكثرة ضحكها وقد علمت أنها تقتل.\rقال ابن هشام «٢» : هى التى طرحت الرحا على خلاد بن سويد فقتلته.\rوكان الزبير بن باطا القرظى قد من على ثابت قيس بن شماس فى الجاهلية، أخذه يوم بعاث فجز ناصيته ثم خلى سبيله. فجاءه ثابت لما قتل بنو قريظة وهو شيخ كبير فقال: يا أبا عبد الرحمن، هل تعرفنى؟ قال: وهل يجهل مثلى مثلك. قال: فإنى أردت أن أجزيك بيدك عندى. قال: إن الكريم يجزى الكريم. ثم أتى ثابت رسول الله ﷺ فقال:\rيا رسول الله، إنه كان للزبير على منة وقد أحببت أن أجزيه بها فهب لى دمه. فقال رسول الله ﷺ: «هو لك» «٣» . فأتاه فقال: إن رسول الله ﷺ قد وهب لى دمك فهو لك، قال: شيخ كبير لا أهل له ولا ولد فما يصنع بالحياة؟ فأتى ثابت رسول الله ﷺ فقال: بأبى أنت وأمى يا رسول الله امرأته وولده. قال: «هم لك» . فأتاه فقال: قد وهب لى رسول الله ﷺ أهلك وولدك فهم لك. قال: أهل بيت بالحجاز لا مال لهم فما بقاؤهم على ذلك؟ فأتى ثابت رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ماله. قال: هو لك.\rفأتاه ثابت فقال: قد أعطانى رسول الله ﷺ مالك فهو لك، فقال: أى ثابت ما فعل الذى كان وجهه مرآة صينية يتراءى فيها عذارى الحى، كعب بن أسد؟ قال: قتل. قال:","footnotes":"(١) مقلقل: تحرك.\r(٢) انظر السيرة (٣/ ٢١١) .\r(٣) انظر الحديث فى: سنن النسائى فى كتاب البيوع باب (٧٧) ، مسند الإمام أحمد (٣/ ٣٠٣) ، تغليق التعليق لابن حجر العسقلانى (٧٣٦) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٦/ ١٤١) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083876,"book_id":3509,"shamela_page_id":439,"part":"1","page_num":437,"sequence_num":439,"body":"فما فعل سيد الحاضر والبادى حيى بن أخطب؟ قال: قتل. قال: فما فعل مقدمتنا إذا شددنا وحاميتنا إذا فررنا عزال بن شموال. قال: قتل. قال: فما فعل المجلسان؟، يعنى بنى كعب بن قريظة وبنى عمرو بن قريظة. قال: ذهبوا فقتلوا. قال: فإنى أسألك يا ثابت بيدى عندك إلا ألحقتنى بالقوم، فو الله ما فى العيش بعد هؤلاء من خير، فما أنا بصابر لله فيلة دلو ناضح حتى ألقى الأحبة. فقدمه ثابت فضرب عنقه.\rفلما بلغ أبا بكر الصديق- رضى الله عنه- قوله: «ألقى الأحبة» قال: يلقاهم والله فى نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا.\rوكان رسول الله ﷺ قد أمر بقتل كل من أنبت منهم. قال عطية القرظى: وكنت غلاما فوجدونى لم أنبت فخلوا سبيلى.\rوكان رفاعة بن شموال القرظى رجلا قد بلغ فلاذ بسلمى بنت قيس أم المنذر، أخت سليط بن قيس، وكانت إحدى خالات رسول الله ﷺ قد صلت القبلتين معه وبايعته بيعة النساء، فقالت: يا نبى الله، بأبى أنت وأمى هب لى رفاعة، فإنه زعم أنه سيصلى ويأكل لحم الجمل. فوهبه لها فاستحيته.\rثم إن رسول الله ﷺ قسم أموال بنى قريظة ونساءهم وأبناءهم على المسلمين، وأعلم فى ذلك اليوم سهمان الخيل وسهمان الرجال وأخرج منها الخمس، فكان للفارس ثلاثة أسهم، للفرس سهمان ولفارسه سهم، وللراجل من ليس له فرس سهم. وكانت الخيل يوم بنى قريظة ستة وثلاثين فرسا، وكان أول فىء وقعت فيه السهمان وأخرج منه الخمس، فعلى سنتها وما مضى من رسول الله ﷺ فيها وقعت المقاسم ومضت السنة فى المغازى.\rثم بعث رسول الله ﷺ سعد بن زيد الأنصارى الأشهلى بسبايا من سبايا بنى قريظة إلى نجد فابتاع له بهم خيلا وسلاحا.\rوكان رسول الله ﷺ قد اصطفى لنفسه من نسائهم ريحانة بنت عمرو بن خنافة من بنى عمرو بن قريظة، فكانت عنده حتى توفى عنها وهى فى ملكه، وكان عرض عليها أن يتزوجها ويضرب عليها الحجاب فقالت يا رسول الله، بل تتركنى فى ملكك فهو أخف على وعليك فتركها. وكانت حين سباها قد تعصت بالإسلام وابت إلا اليهودية، فعزلها رسول الله ﷺ ووجد فى نفسه لذلك من أمرها، فبينا هو مع أصحابه إذ سمع","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083877,"book_id":3509,"shamela_page_id":440,"part":"1","page_num":438,"sequence_num":440,"body":"وقع نعلين خلفه فقال: «إن هذا لثعلبة بن سعية يبشرنى بإسلام ريحانة» «١» . فجاءه فقال:\rيا رسول الله، قد أسلمت ريحانة. فسره ذلك من أمرها.\rوأنزل الله- ﷿ فى أمر الخندق وبنى قريظة القصة فى سورة الأحزاب يذكر فيها ما نزل بهم من البلاء، ويذكر نعمته عليهم وكفايته إياهم حتى فرج عنهم ذلك:\rيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً [الأحزاب: ٩- ١٢] فى آيات استوفى فيها تعالى ذكر ما شاء من قصتهم.\rثم قال سبحانه: وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً [الأحزاب:\r٢٤- ٢٧] .\rفلما انقضى شأن بنى قريظة انفجر بسعد بن معاذ جرحه فمات شهيدا، يرحمه الله.\rفذكروا أن جبريل أتى رسول الله ﷺ حين قبض سعد من خوف الليل معتجرا بعمامة من استبرق فقال: يا محمد، من هذا الميت الذى فتحت له أبواب السماء واهتز له العرش؟! فقام رسول الله ﷺ سريعا يجر ثوبه إلى سعد بن معاذ فوجده قد مات.\rوقد كان سعد رجلا بادنا، فلما حمله الناس وجدوا له خفة، فقال رجال من المنافقين: والله إن كان لبادنا، وما حملنا من جنازة أخف منه. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: «إن له حملة غيركم، والذى نفس محمد بيده لقد استبشرت الملائكة بروح سعد واهتز له العرش» «٢» .","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: الطبقات الكبرى لابن سعد (٨/ ١٣١) ، دلائل النبوة للبيهقى (٤/ ٢٤) .\r(٢) انظر الحديث فى: سنن الترمذى (٥/ ٣٨٤٩) ، مستدرك الحاكم (٣/ ٢٠٧) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083878,"book_id":3509,"shamela_page_id":441,"part":"1","page_num":439,"sequence_num":441,"body":"وقالت عائشة- رضى الله عنها- لأسيد بن حضير، وهو قافل معها من مكة وبلغه موت امرأة فحزن عليها بعض الحزن: يغفر الله لك أبا يحيى، اتحزن على امرأة وقد أصبت بابن عمك وقد اهتز له العرش؟ تعنى سعدا.\rوقال جابر بن عبد الله: لما دفن سعد ونحن مع رسول الله ﷺ سبح رسول الله ﷺ فسبح الناس معه وكبر فكبر الناس معه فقالوا: يا رسول الله، مم سبحت؟ قال: «لقد تضايق على هذا الرجل الصالح قبره حتى فرجه الله عنه» «١» .\rويروى أن رسول الله ﷺ قال: «إن للقبر لضمة لو كان أحد منها ناجيا لكان سعد ابن معاذ» «٢» .\rولسعد يقول رجل من الأنصار:\rوما اهتز عرش الله من موت هالك ... سمعنا به إلا لسعد أبى عمرو\rوقالت أم سعد حين احتمل نعشه وهى تبكيه:\rويل أم سعد سعدا ... صرامة وحدا\rوسؤددا ومجدا ... وفارسا معدا\rسد به مسدا\rفقال رسول الله ﷺ: «كل نائحة تكذب إلا نائحة سعد بن معاذ» «٣» .\rوقال حسان بن ثابت يبكى سعدا:\rلقد سجمت من فيض عينى عبرة ... وحق لعينى أن تفيض على سعد\rقتيل ثوى فى معرك فجعت به ... عيون ذوارى الدمع دائمة الوجد «٤»\rعلى ملة الرحمن وارث جنة ... مع الشهداء وفدها أكرم الوفد\rفإن تك قد ودعتنا وتركتنا ... وأمسيت فى غبراء مظلمة اللحد\rفأنت الذى يا سعد أبت بمشهد ... كريم وأثواب المكارم والحمد\rبحكمك فى حيى قريظة بالذى ... قضى الله فيهم ما قضيت على عمد","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (٣/ ٣٦٠) ، مشكاة المصابيح للتبريزى (١٣٥) ، إرواء الغليل للألبانى (٣/ ١٦٦) ، البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ١٢٨) .\r(٢) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ١٢٨) .\r(٣) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ١٣٠) .\r(٤) ثوى: أى أقام. والمعرك: موضع القتال. وذوارى الدمع: أى تسكبه. والوجد: أى الحزن.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083879,"book_id":3509,"shamela_page_id":442,"part":"1","page_num":440,"sequence_num":442,"body":"فوافق حكم الله حكمك فيهم ... ولم تعف إذ ذكرت ما كان من عهد\rفإن كان ريب الدهر أمضاك فى الألى ... شروا هذه الدنيا بجناتها الخلد\rفنعم مصير الصادقين إذا دعوا ... إلى الله يوما للوجاهة والقصد\rوقال حسان يبكى سعدا ورجالا من الشهداء من أصحاب رسول الله ﷺ:\rألا يا لقومى هل لما حم دافع ... وهل ما مضى من صالح العيش راجع\rتذكر عصرا قد مضى فتهافتت ... بنات الحشا وانهل منى المدامع\rصبابة وجد ذكرتنى أخوة ... وقتلى مضى فيها طفيل ورافع\rوسعد فأضحوا فى الجنان وأوحشت ... منازلهم فالأرض منهم بلاقع\rوفوا يوم بدر للرسول وفوقهم ... ظلال المنايا والسيوف اللوامع\rدعا فأجابوه بحق وكلهم ... مطيع له فى كل أمر وسامع\rفما نكلوا حتى تولوا جماعة ... ولا يقطع له فى كل أمر وسامع\rفما نكلوا حتى تولوا جماعة ... ولا يقطع الآجال إلا المصارع\rلأنهم يرجون منه شفاعة ... إذا لم يكن إلا النبيون شافع\rفذلك يا خير العباد ملاذنا ... إجابتنا لله والموت نافع\rلنا القدم الأولى إليك وخلفنا ... لأولنا فى ملة الله تابع\rونعلم أن الملك لله وحده ... وأن قضاء الله لا بد واقع\rولم يستشهد من المسلمين يوم الخندق إلا ستة نفر كلهم من الأنصار: سعد بن معاذ، وأنس بن أوس بن عتيك، وعبد الله بن سهل الأشهليون، والطفيل بن النعمان، وثعلبة بن غنمة الجشميان. ومن بنى دينار بن النجار كعب بن زيد، أصابه سهم غرب فقتله، رحمة الله عليهم.\rواستشهد يوم بنى قريظة من المسلمين خلاد بن سويد من بنى الحارث بن الخزرج، طرحت عليه رحى فشدخته شدخا شديدا، فزعموا أن رسول الله ﷺ قال: «إن له لأجر شهيدين» .\rومات أبو سنان بن محصن أخو عكاشة بن محصن، ورسول الله ﷺ محاصر بنى قريظة.\rولما انصرف أهل الخندق عن الخندق قال رسول الله ﷺ: محاصر بنى قريظة.\rولما انصرف أهل الخندق عن الخندق قال رسول الله ﷺ: «لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا، ولكنكم تغزونهم» «١» .","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (٣/ ٤٥٨) ، تفسير ابن كثير (٦/ ٣٩٦) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083880,"book_id":3509,"shamela_page_id":443,"part":"1","page_num":441,"sequence_num":443,"body":"فكان كذلك لم تغزوهم قريش بعد ذلك وكان هو ﷺ يغزوهم حتى فتح الله عليه مكة.\rوقال حسان بن ثابت فى يوم الخندق يجيب عبد الله بن الزبعرى شاعر قريش عن كلمة قالها فى ذلك:\rهل رسم دارسة المقام بباب ... متكلم لمحاور بجواب\rقفر عفا رهم السحاب رسومه ... وهبوب كل مظلة مرباب\rولقد رأيت بها الحلول يزينهم ... بيض الوجوه ثواقب الأحساب «١»\rفدع الديار وذكر كل خريدة ... بيضاء آنسة الحديث كعاب «٢»\rواشك الهموم إلى الإله وما ترى ... من معشر ظلموا الرسول غضاب\rساروا بأجمعهم إليه وألبوا ... أهل القرى وبوادى الأعراب\rجيش عيينة وابن حرب فيهم ... متخمطين بحلية الأحزاب\rحتى إذا وردوا المدينة وارتجوا ... قتل الرسول ومغنم الأسلاب\rوغدوا علينا قادرين بأيدهم ... ردوا بغيظهم على الأعقاب\rبهبوب معصفة تفرق جمعهم ... وجنود ربك سيد الأرباب\rفكفى الإله المؤمنين قتالهم ... وأثابهم فى الأجر خير ثواب\rمن بعد ما قنطوا ففرق جمعهم ... تنزيل نصر مليكنا الوهاب\rوأقر عين محمد وصحابه ... وأذل كل مكذب مرتاب\rعاتى الفؤاد موقع ذى ريبة ... فى الكفر ليس بطاهر الأثواب «٣»\rعلق الشقاء بقلبه ففؤاده ... فى الكفر آخر هذه الأحقاب\rوقال كعب بن مالك فى ذلك- أيضا- يجيب ابن الزبعرى عن كلمته:\rأبقى لنا حدث الحروب بقية ... من خير نحلة ربنا الوهاب\rبيضاء مشرقة الذرى ومعاطنا ... حم الجذوع غزيرة الأحلاب\rكاللوب يبذل جمعها وحفيلها ... للجار وابن العم والمنتاب\rونزائعا مثل السراج نمى بها ... علف الشعير وجزة المقضاب","footnotes":"(١) الحلول: البيوت المجتمعة. وثواقب: أى مشرقة.\r(٢) الخريدة: أى المرأة الناعمة. والكعاب: أى التى نهد ثديها فى أول ما نهد.\r(٣) عاتى الفؤاد: أى قاسيه. وموقع ذى ريبة: أصله من التوقيع فى ظهر الدابة، وهو انسلاخ يكون فيه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083881,"book_id":3509,"shamela_page_id":444,"part":"1","page_num":442,"sequence_num":444,"body":"عرى الشوى منها وأردف نحضها ... جرد المتون وسار فى الآراب\rقودا تراح إلى الصياح إذ غدت ... فعل الضراء تراح للكلاب\rوتحوط سائمة الذمار وتارة ... تردى العدى وتؤوب بالأسلاب\rيعدون بالزغف المضاعف شكة ... وبمترصات فى الثقاف صياب\rوصوارم نزع الصياقل غلبها ... وبكل أروع ماجد الأنساب\rيصل اليمين بمارن متقارب ... وكلت وقيعته إلى خباب\rوكتيبة ينفى القران قتيرها ... وترد حد قواجز النشاب\rأعيت أبا كرب وأعيت تبعا ... وأبت بسالتها على الأعراب\rومواعظ من ربنا نهدى بها ... بلسان أزهر طيب الأثواب\rعرضت علينا فاشتهينا ذكرها ... من بعد ما عرضت على الأحزاب\rحكما يراها المجرمون بزعمهم ... حرجا ويفهمها ذوو الألباب\rجاءت سخينة كى تغالب ربها ... فليغلبن مغالب الغلاب\rولما قال كعب بن مالك هذا البيت: «جاءت سخينة» إلى آخره. قال له رسول الله ﷺ: «لقد شكرك الله يا كعب على قولك هذا» «١» .\rوقال كعب أيضا:\rلقد علم الأحزاب حين تألبوا ... علينا وراموا ديننا ما نوادع\rأضاميم من قيس بن عيلان أصفقت ... وخندف لم يدروا بما هو واقع «٢»\rيذودوننا عن ديننا ونذودهم ... عن الكفر والرحمن راء وسامع\rإذا غايظونا فى مقام أعاننا ... على غيظهم نصر من الله واسع\rوذلك حفظ الله فينا وفضله ... علينا ومن لم يحفظ الله ضائع\rهدانا لدين الحق واختاره لنا ... ولله فوق الصانعين صنائع\rوقال كعب أيضا:\rألا أبلغ قريشا أن سلعا ... وما بين العريض إلى الصماد\rنواضح فى الحروب مدربات ... وخوص بقيت من عهد عاد\rرواكد يزخر المران فيها ... فليست بالجمام ولا الثماد\rبلاد لم تثر إلا لكيما ... نجالد إن نشطتم للجلاد","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ١٣٤) .\r(٢) أضاميم: أى جماعات انضم بعضها إلى بعض. وأصفقت: أى اجتمعت وتوافقت على الأمر.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083882,"book_id":3509,"shamela_page_id":445,"part":"1","page_num":443,"sequence_num":445,"body":"أثرنا سكة الأنباط فيها ... فلم نر مثلها جلهات وادى\rقصرنا كل ذى حضر وطول ... على الغايات مقتدر جواد\rأجيبونا إلى ما نجتذيكم ... من القول المبين والسداد\rوإلا فاصبروا لجلاد يوم ... لكم منا إلى شطر المذاد\rنصبحكم بكل أخى حروب ... وكل مطهم سلس القياد\rوكل طمرة خفق حشاها ... تدف دفيف صفراء الجراد\rوكل مقلص الآراب نهد ... تميم الخلق من أخر وهاد\rخيول لا تضاع إذا أضيعت ... خيول الناس فى السنة الجماد\rينازعن الأعنة مصغيات ... إذا نادى إلى الفزع المنادى\rإذا قالت لنا النذر استعدوا ... توكلنا على رب العباد\rوقلنا لن يفرج ما لقينا ... سوى ضرب القوانس والجهاد\rولم فلم نر عصبة فيمن لقينا ... من الأقوام من قار وباد\rأشد بسالة منا إذا ما ... أردناه وألين فى الوداد\rإذا ما نحن أشرجنا عليها ... جياد الجدل فى الأرب الشداد\rقذفنا فى السوابغ كل صقر ... كريم غير معتلث الزناد\rأشم كأنه أسد عبوس ... غداة بدا ببطن الجزع غادى\rليظهر دينك اللهم إنا ... بكفك فاهدنا سبل الرشاد\rوقال حسان بن ثابت يذكر بنى قريظة:\rتفاقد معشر نصروا قريشا ... وليس لهم ببلدتهم نصير «١»\rهم أوتوا الكتاب فضيعوه ... وهم عمى من التوراة بور\rفهان على سراة بنى لؤى ... حريق بالبويرة مستطير\rولما سمع ذلك أبو سفيان بن الحارث قال:\rأدام الله ذلك من صنيع ... وحرق فى طرائقها السعير\rفى أبيات ذكرها ابن إسحاق لم يأل قائلها أن صدق حسان.\rوقال فى ذلك- أيضا- جبل بن جوال الثعلبى، وبكى النضير وقريظة ونعى على سعد بن معاذ إسلامه مواليه منهم خلاف ما فعل عبد الله بن أبى فى بنى قينقاع:","footnotes":"(١) تفاقد: أى فقد بعضهم بعضا.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083883,"book_id":3509,"shamela_page_id":446,"part":"1","page_num":444,"sequence_num":446,"body":"ألا يا سعد سعد بنى معاذ ... لما لقيت قريظة والنضير\rلعمرك إن سعد بنى معاذ ... غداة تحملوا لهو الصبور\rفأما الخزرجى أبو حباب ... فقال لقينقاع لا تسيروا\rويقول فى آخرها:\rتركتم قدركم لا شىء فيها ... وقدر القوم حامية تفور\rفقال سعد حين بلغه هذا الشعر: من لقيهم فليحدثهم أنهم خانوا الله ورسوله فأخزاهم الله.\r\rمقتل سلام بن أبى الحقيق\rوكان سلام بن أبى الحقيق أبو رافع فيمن حزب الأحزاب على رسول الله ﷺ.\rوكان مما صنع الله به لرسوله أن هذين الحيين من الأنصار- الأوس والخزرج- كانا يتصاولان مع رسول الله ﷺ تصاول الفحلين، لا تصنع الأوس شيئا فيه عن رسول الله ﷺ عناء إلا قالت الخزرج: والله لا يذهبون بهذه فضلا علينا عند رسول الله ﷺ وفى الإسلام. فلا ينتهون حتى يوقعوا مثلها، وإذا فعلت الخزرج شيئا قالت الأوس مثل ذلك.\rوكانت الأوس قبل أحد قد قتلت كعب بن الأشرف فى عداوته لرسول الله ﷺ وتحريضه عليه، فقالت الخزرج: والله لا يذهبون بها فضلا علينا أبدا.\rفتذاكروا بعد أن انقضى شأن الخندق وبنى قريظة: من رجل لرسول الله ﷺ فى العداوة كابن الأشرف؟ فذكروا ابن أبى الحقيق وهو بخيبر، فاستأذنوا رسول الله ﷺ فى قتله فأذن لهم، فخرج إليه من الخزرج من بنى سلمة خمسة نفر: عبد الله بن عتيك، ومسعود بن سنان، وعبد الله بن أنيس، وأبو قتادة الحارث بن ربعى، وخزاعى بن أسود حليف لهم من أسلم.\rفخرجوا، وأمر عليهم رسول الله ﷺ عبد الله بن عتيك ونهاهم أن يقتلوا وليدا أو امرأة.\rفخرجوا حتى إذا قدموا خيبر أتوا دار ابن أبى الحقيق ليلا، فلم يدعوا لهم بيتا فى الدار إلا أغلقوه على أهله، وكان فى علية له إليها عجلة فأسندوا فيها حتى قاموا على بابه، فاستأذنوا، فخرجت عليهم امرأة فقالت من أنتم؟ فقالوا: أناس من العرب نلتمس","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083884,"book_id":3509,"shamela_page_id":447,"part":"1","page_num":445,"sequence_num":447,"body":"الميرة. قالت: ذاكم صاحبكم فادخلوا إليه. قال: فلما دخلنا أغلقنا علينا وعليها الحجرة تخوفا أن يكون دونه مجادلة تحول بيننا وبينه. قال: وصاحت امرأته فنوهت بنا، وابتدرناه وهو على فراشه بأسيافنا، والله ما يدلنا عليه فى سواد الليل إلا بياضه كأنه قبطية ملقاة.\rقال: ولما صاحت بنا امرأته جعل الرجل منا يرفع عليها سيفه ثم يذكر نهى رسول الله ﷺ فيكف يده، ولولا ذلك لفرغنا منها بليل، فلما ضربناه بأسيافنا تحامل عليه عبد الله ابن أنيس بسيفه فى بطنه حتى أنفذه وهو يقول: قطنى قطنى، أى حسبى حسبى.\rقال: وخرجنا وكان عبد الله بن عتيك رجلا سىء البصر، فوقع من الدرجة فوثئت يده وثئا شديدا، قال ابن هشام: ويقال: رجله، وحملناه حتى نأتى منهرا من عيونهم فندخل فيه. قال: وأوقدوا النيران واشتدوا فى كل وجه يطلبون، حتى إذا يئسوا رجعوا إلى صاحبهم فاكتنفوه وهو يقضى بينهم. فقلنا كيف لنا بأن نعلم أن عدو الله قد مات؟\rفقال رجل منا: أنا أذهب فأنظر لكم. فانطلق حتى دخل فى الناس، قال: فوجدتها ورجال يهود حوله وفى يدها المصباح تنظر فى وجهه وتحدثهم وتقول: أما والله لقد سمعت صوت ابن عتيك ثم أكذبت وقلت أنى ابن عتيك بهذه البلاد. ثم أقبلت عليه تنظر فى وجهه ثم قالت: فاظ وإله يهود. فما سمعت من كلمة كانت ألذ إلى نفسى منها.\rقال: ثم جاءنا فأخبرنا الخبر، فاحتملنا صاحبنا فقدمنا على رسول الله ﷺ فأخبرناه بقتل عدو الله واختلفنا عنده فى قتله، كلنا ندعيه، فقال رسول الله ﷺ: «هاتوا أسيافكم» . فجئناه بها فنظر إليها، فقال لسيف عبد الله بن أنيس: «هذا قتله، أرى فيه أثر الطعام» «١» .\rوقال حسان بن ثابت يذكر قتل كعب بن الأشرف وقتل سلام بن أبى الحقيق:\rلله در عصابة لاقيتهم ... يابن الحقيق وأنت يابن الأشرف\rيسرون بالبيض الخفاف إليكم ... مرحا كأسد فى عرين مغرف «٢»\rحتى أتوكم فى محل بلادكم ... فسقوكم حتفا ببيض ذفف «٣»\rمستنصرين لنصر دين نبيهم ... مستصغرين لكل أمر مجحف","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: الطبقات الكبرى لابن سعد (٢/ ١/ ٦٦) .\r(٢) مغرف: ملتف الشجر.\r(٣) ذفف: سريعة القتل.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083885,"book_id":3509,"shamela_page_id":448,"part":"1","page_num":446,"sequence_num":448,"body":"ذكر إسلام عمرو بن العاص وخالد بن الوليد رضى الله عنهما\rحدث عمرو بن العاص- ﵀ قال: لما انصرفنا مع الأحزاب عن الخندق جمعت رجالا من قريش كانوا يريون رأيى ويسمعون منى فقلت لهم: تعلموا والله إنى أرى أمر محمد يعلو الأمور علوا منكرا، وإنى قد رأيت أمرا فما ترون فيه؟ قالوا: وماذا رأيت؟ قال: رأيت أن نلحق بالنجاشى فنكون عنده، فإن ظهر محمد على قومنا كنا عند النجاشى، فإنا أن نكون تحت يديه أحب إلينا أن نكون تحت يدى محمد، وإن ظهر قومنا فنحن من قد عرفوا فلن يأتينا منهم إلا خير.\rقالوا: إن هذا لرأى. قلت: فاجمعوا ما نهدى له، وكان أحب ما يهدى إليه من أرضنا الأدم، فجمعنا له أدما كثيرا، ثم خرجنا حتى قدمنا عليه، فو الله إنا لعنده إذ جاءه عمرو بن أمية الضمرى، بعثه إليه رسول الله ﷺ فى شأن جعفر وأصحابه، قال: فدخل عليه ثم خرج من عنده فقلت لأصحابى: هذا عمرو بن أمية لو قد دخلت على النجاشى سألته إياه فأعطانيه فضربت عنقه، فإذا فعلت ذلك رأت قريش أنى قد أجزأت عنها حين قتلت رسول محمد: قال: فدخلت عليه فسجدت له كما كنت أصنع فقال لى: مرحبا بصديقى، أهديت لى من بلدك شيئا؟ قلت: نعم أيها الملك، قد أهديت لك أدما كثيرا. ثم قربته إليه فأعجبه واشتهاه، ثم قلت له: أيها الملك، إنى قد رأيت رجلا خرج من عندك وهو رسول رجل عدو لنا فأعطينيه لأقتله فإنه قد أصاب من أشرافنا وخيارنا.\rقال: فغضب ثم مد يده وضرب بها أنفه ضربة ظننت أنه قد كسره، فلو انشقت لى الأرض لدخلت فيها فرقا منه، ثم قلت له: أيها الملك، والله لو ظننت أنك تكره هذا ما سألتكه، قال: أتسألنى أن أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الأكبر الذى كان يأتى موسى لتقتله؟! قلت أيها الملك أكذلك هو؟ قال: ويحك يا عمرو، أطعنى واتبعه فإنه والله لعلى الحق وليظهرن على من خالفه كما ظهر موسى على فرعون وجنوده. فقلت:\rأفتبايعنى له على الإسلام؟ قال: نعم. فبسط يده فبايعته على الإسلام.\rثم خرجت إلى أصحابى وقد حال رأيى عما كان عليه، وكتمت أصحابى إسلامى، ثم خرجت عامدا إلى رسول الله ﷺ لأسلم، فلقيت خالد بن الوليد وذلك قبيل الفتح، وهو مقبل من مكة، فقلت: أين يا أبا سليمان؟ قال: والله لقد استقام المنسم وإن الرجل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083886,"book_id":3509,"shamela_page_id":449,"part":"1","page_num":447,"sequence_num":449,"body":"لنبى، أذهب والله فأسلم، حتى متى؟! قلت: والله ما جئت إلا لأسلم.\rفقدمنا المدينة على رسول الله ﷺ فتقدم خالد بن الوليد فأسلم وبايع ثم دنوت فقلت: يا رسول الله، إنى أبايعك على أن يغفر لى ما تقدم من ذنبى ولا أذكر ما تأخر.\rفقال رسول الله ﷺ: «يا عمرو بايع، فإن الإسلام يجب ما كان قبله، وإن الهجرة تجب ما كان قبلها» «١» ، قال: فبايعته وانصرفت.\rوذكر ابن إسحاق عمن لا يتهم أن عثمان بن طلحة بن أبى طلحة أخا بنى عبد الدار كان معهما أسلم حين أسلما.\rوذكر غيره أن رسول الله ﷺ قال حين رآهم: «رمتكم مكة بأفلاذ كبدها» .\rوحدث الواقدى بإسناد له قال: قال عثمان بن طلحة: لقينى رسول الله ﷺ بمكة قبل الهجرة فدعانى إلى الإسلام فقلت: يا محمد، العجب لك حين تطمع أن أتبعك وقد خالفت قومك وجئت بدين محدث ففرقت جماعتهم وألفتهم وأذهبت بهاءهم.\rفانصرف، وكنا نفتح الكعبة فى الجاهلية يوم الاثنين والخميس، فأقبل يوما يريد أن يدخل الكعبة مع الناس، فغلظت عليه ونلت منه وحلم عنى ثم قال: يا عثمان، لعلك سترى هذا المفتاح يوما بيدى أضعه حيث شئت.\rفقلت: لقد هلكت قريش- يومئذ- وذلت. فقال رسول الله ﷺ: «بل عمرت وعزت يومئذ» . ودخل الكعبة فوقعت كلمته منى موقعا ظننت أن الأمر سيصير إلى ما قال: فأردت الإسلام، فإذا قومى يزبروننى زبرا شديدا ويزرون برأيى، فأمسكت عن ذكره. فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة جعلت قريش تشفق من رجوعه عليها، فهم على ما هم عليه حتى جاء النفير إلى بدر، فخرجت فيمن خرج من قومنا وشهدت المشاهد كلها معهم على رسول الله ﷺ، فلما دخل رسول الله ﷺ مكة عام القضية غير الله قلبى عما كان عليه ودخلنى الإسلام وجعلت أفكر فيما نحن عليه وما نعبد من حجر لا يسمع ولا يبصر ولا ينفع ولا يضر، وأنظر إلى رسول الله ﷺ وأصحابه وظلف أنفسهم عن الدنيا فيقع ذلك منى فأقول: ما عمل القوم إلا على الثواب لما يكون بعد الموت.","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (٤/ ١٩٩) ، السنن الكبرى للبيهقى (٩/ ١٢٣) ، دلائل النبوة للبيهقى (٤/ ٣٤٨) ، البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ١٤٢) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٩/ ٣٥١) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083887,"book_id":3509,"shamela_page_id":450,"part":"1","page_num":448,"sequence_num":450,"body":"وجعلت أحب النظر إلى رسول الله ﷺ، إلى أن رأيته خارجا من باب بنى شيبة يريد منزله بالأبطح، فأردت أن آتيه وآخذ بيده وأسلم عليه فلم يعزم لى على ذلك، وانصرف رسول الله ﷺ راجعا إلى المدينة، ثم عزم لى على الخروج إليه، فأدلجت إلى بطن يأجج فألقى خالد بن الوليد، فاصطحبنا حتى نزلنا الهدة فما شعرنا إلا بعمرو بن العاص فانقمعنا عنه وانقمع منا، ثم قال: أين يريد الرجلان؟ فأخبرناه فقال: وأنا أريد الذى تريدان.\rفاصطحبنا جميعا حتى قدمنا المدينة على رسول الله ﷺ فبايعته على الإسلام وأقمت حتى خرجت معه فى غزوة الفتح ودخل مكة، فقال لى: «يا عثمان، ايت بالمفتاح» ، فأتيته به فأخذه منى ثم دفعه إلى وقال: «خذوها تالدة خالدة ولا ينزعها منكم إلا ظالم، يا عثمان، إن الله استأمنكم على بيته فكلوا مما يصل إليكم من هذا البيت بالمعروف» «١» .\rقال عثمان: فلما وليت نادانى فرجعت إليه فقال: «ألم يكن الذى قلت لك؟» فذكرت قوله لى قبل الهجرة بمكة: «لعلك سترى هذا المفتاح يوما بيدى أضعه حيث شئت» ، فقلت بلى، أشهد أنك رسول الله!\rقال الواقدى: فهذا أثبت الوجوه فى إسلام عثمان.\r\rغزوة بنى لحيان «٢»\rوخرج رسول الله ﷺ على رأس ستة أشهر من فتح بنى قريظة إلى لحيان يطلبهم بأصحاب الرجيع- خبيب وأصحابه- وأظهر أنه يريد الشام ليصيب من القوم غرة.\rفلما انتهى إلى منازلهم بغران وهو واد بين أمج وعسفان وجدهم قد حذروا وتمنعوا فى رؤس الجبال. فلما أخطأه من غرتهم ما أراد قال: لو أنا هبطنا عسفان لرأى أهل مكة أنا قد جئنا مكة. فخرج فى مائتى راكب من أصحابه حتى نزل عسفان ثم بعث فارسين من أصحابه حتى بلغا كراع الغميم ثم كرا وراح رسول الله ﷺ قافلا.","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: المعجم الكبير للطبرانى (١١/ ١٢٠) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٣/ ٢٨٥) ، الدر المنثور (٢/ ١٧٥) ، كنز العمال للمتقى الهندى (٣٤٧٦٦) .\r(٢) راجع هذه الغزوة فى: طبقات ابن سعد (٢/ ١/ ٥٦) ، المغازى للواقدى (٢/ ٥٣٥) ، تاريخ الطبرى (٢/ ٥٩٥) ، البداية والنهاية (٤/ ٨١) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083888,"book_id":3509,"shamela_page_id":451,"part":"1","page_num":449,"sequence_num":451,"body":"فكان جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول حين وجه راجعا:\r«آيبون تائبون إن شاء الله، لربنا حامدون، أعوذ بالله من وعثاء السفر وكآبة المنقلب وسوء المنظر فى الأهل والمال» «١» .\r\rغارة عيينة بن حصن على سرح المدينة وخروج النبى ﷺ فى أثره، وهى غزوة ذى قرد «٢»\rولما قدم رسول الله ﷺ المدينة من غزوة بنى لحيان لم يقم بالمدينة إلا ليال قلائل، حتى أغار عيينة بن حصن فى جبل من غطفان على لقاح رسول الله ﷺ بالغابة، وفيها رجل من بنى غفار وامرأة له، فقتلوا الرجل واحتملوا المرأة فى اللقاح.\rوكان أول من نذر بهم سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلمى، غدا يريد الغابة متوشحا سيفه ونبله ومعه غلام لطلحة بن عبيد الله معه فرس يقوده، حتى إذا علا ثنية الوداع نظر إلى بعض خيولهم فأشرف فى ناحية سلع ثم صرخ: واصباحاه. ثم خرج يشد فى آثار القوم وكان مثل السبع، حتى لحق القوم فجعل يردهم بالنبل ويقول إذا رمى:\rخذها وانا ابن الأكوع ... اليوم يوم الرضع\rفإذا وجهت الخيل نحوه انطلق هاربا ثم عارضهم فإذا أمكنه الرمى رمى ثم قال:\rخذها وانا ابن الأكوع ... اليوم يوم الرضع\rفيقول قائلهم: أأكيعنا هو أول النهار.\rوبلغ رسول الله ﷺ صياح ابن الأكوع فصرخ بالمدينة: الفزع الفزع. فترامت الخيل إلى رسول الله ﷺ، فكان أول من انتهى إليه من الفرسان المقداد بن عمرو، وهو الذى يقال له: المقداد بن الأسود. ثم كان أول فارس وقف على رسول الله ﷺ بعد المقداد من الأنصار عباد بن بشر وسعد بن زيد الأشهليان وأسيد بن ظهير الحارثى، يشك فيه، وعكاشة بن محصن، ومحرز بن نضلة الأسديان وأبو قتادة السلمى وأبو عياش، الزرقى.","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: عمل اليوم والليلة لابن السنى (٥٢٥) ، مصنف ابن أبى شيبة (١٢/ ٥١٩، ٥٢٠) .\r(٢) راجع هذه الغزوة فى: البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ١٥٠) ، طبقات ابن سعد (٢/ ٨٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083889,"book_id":3509,"shamela_page_id":452,"part":"1","page_num":450,"sequence_num":452,"body":"فلما اجتمعوا إلى رسول الله ﷺ أمر عليهم سعد بن زيد وقال: «اخرج فى طلب القوم حتى ألحقك فى الناس» «١» . وقال لأبى عياش: «يا أبا عياش لو أعطيت هذا الفرس رجلا هو أفرس منك فلحق بالناس» . قال أبو عياش: فقلت: يا رسول الله، أنا أفرس الناس. ثم ضربت الفرس فو الله ما جرى بى خمسين ذراعا حتى طرحنى، فعجبت أن رسول الله ﷺ يقول: «لو أعطيته أفرس منك» وأقول: أنا أفرس! فأعطى رسول الله ﷺ فرس أبى عياش هذا- فيما زعموا- معاذ ابن ماعص أو عائذ بن ماعص، فكان ثامنا.\rفخرج الفرسان فى طلب القوم حتى تلاحقوا، وكان أول فارس لحق بالقوم محرز بن نضلة الأخرم، ويقال له أيضا: قمير، ولما كان الفزع جال فرس لمحمود بن مسلمة فى الحائط وهو مربوط بجذع نخل حين سمع صاهلة الخيل، وكان فرسا صنيعا جاما، فقال بعض نساء بنى عبد الأشهل: يا قمير، هل لك فى أن تركب هذا الفرس فإنه كما ترى، ثم تلحق برسول الله ﷺ وبالمسلمين؟ قال: نعم فأعطينه إياه فخرج عليه فلم يلبث أن بز الخيل بجمامه حتى أدرك القوم، فوقف لهم بين أيديهم ثم قال: قفوا بنى اللكيعة حتى يلحق بكم من وراءكم من المهاجرين والأنصار، وحمل عليه رجل منهم فقتله، وجال الفرس فلم يقدر عليه حتى وقف على أرية فى بنى عبد الأشهل. فقيل: إنه لم يقتل من المسلمين- يومئذ- غيره، وقد قيل: إنه قتل معه وقاص بن محرز المدلجى.\rولما تلاحقت الخيل قتل أبو قتادة حبيب بن عيينة بن حصن وغشاه برده ثم لحق بالناس، وأقبل رسول الله ﷺ فى المسلمين فإذا حبيب مسجى ببرد أبى قتادة، فاسترجع الناس وقالوا: قتل أبو قتادة، فقال رسول الله ﷺ: «ليس بأبى قتادة، ولكنه قتيل لأبى قتادة وضع عليه برده ليعرفوا أنه صاحبه» «٢» .\rوأدرك عكاشة بن محصن أو بارا وابنه عمرو بن أوبار وهما على بعير واحد فانتظمهما بالرمح فقتلهما جميعا، واستنقذوا بعض اللقاح.\rوسار رسول الله ﷺ حتى نزل بالجبل من ذى قرد وتلاحق به الناس، وأقام عليه يوما وليلة، وقال له أبو سلمة بن الأكوع: يا رسول الله، لو سرحتنى فى مائة رجل لاستنقذت بقية السرح وأخذت بأعناق القوم، فقال له رسول الله ﷺ: «إنهم الآن ليغبقون فى غطفان» «٣» .","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: المعجم الكبير للطبرانى (٧/ ٣٢) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٦/ ١٤٣) .\r(٢) انظر الحديث فى: المعجم الكبير للطبرانى (٧/ ٣١) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٦/ ١٤٣) .\r(٣) انظر الحديث فى: صحيح مسلم فى كتاب الجهاد (٣/ ١٣٢/ ١٤٣٣، ١٤٤١) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083890,"book_id":3509,"shamela_page_id":453,"part":"1","page_num":451,"sequence_num":453,"body":"فقسم رسول الله ﷺ: فى أصحابه فى كل مائة رجل جزورا. وأقاموا عليها ثم رجع قافلا إلى المدينة.\rوأفلتت ارمأة الغفارى على ناقة من إبل رسول الله ﷺ حتى قدمت عليه فأخبرته الخبر، فلما فرغت قالت: يا رسول الله، إنى قد نذرت لله أن أنحرها إن نجانى الله عليها، فتبسم رسول الله ﷺ ثم قال: «بئس ما جزيتها أن حملك الله عليها ونجاك بها ثم تنحرينها، إنه لا نذر فى معصية الله ولا فيما لا تملكين، إنما هى ناقة من إبلى، ارجعى إلى أهلك على بركة الله» «١» .\rفهذا حديث ابن إسحاق عن غزوة ذى قرد.\rوخرج مسلم بن الحجاج- ﵀ حديثا فى صحيحه بإسناده إلى سلمة بن الأكوع فذكر حديثا طويلا خالف به حديث ابن إسحاق فى مواضع منه، فمن ذلك:\rأن هذه الغزوة كانت بعد انصراف الرسول ﷺ الحديبية، وجعلها ابن إسحاق قبل ذلك، وكذلك فعل ابن عقبة.\rوفيه أن سلمة بن الأكوع»\rاستنقذ سرح رسول الله ﷺ بجملتة، قال سلمة: فو الله مازلت أرميهم وأعقر بهم فإذا رجع إلى فارس أتيت شجرة فجلست فى أصلها ثم رميته فعقرت به حتى إذا تضايق الجبل فدخلوا فى تضايقه علوت الجبل فجعلت أرديهم بالحجارة. قال: فمازلت كذلك أتبعهم حتى ما خلق الله من بعير من ظهر رسول الله ﷺ إلا خلفته وزاء ظهرى وخلوا بينى وبينه، ثم اتبعتهم أرميهم حتى ألقوا أكثر من ثلاثين بردة وثلاثين رمحا يستخفون، ولا يطرحون شيئا إلا جعلت عليه آراما من الحجارة يعرفها رسول الله ﷺ وأصحابه حتى أتوا متضايقا من ثنية فإذا هم قد أتاهم فلان بن بدر الفزارى، فجلسوا يتضخون- أى يتغدون- وجلست على رأس قرن.\rقال الفزارى: ما هذا الذى أرى؟ قالوا: لقينا من هذا البرح، والله ما فارقنا منذ غلس يرمينا حتى انتزع كل شىء فى أيدينا. قال فليقم إليه نفر منكم أربعة، قال: فصعد إلى","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: مجمع الزوائد للهيثمى (٤/ ١٨٧) .\r(٢) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (٣٣٧٤) ، أسد الغابة ترجمة رقم (٢١٥٥) ، طبقات ابن سعد (٣٠٥) ، طبقات خليفة ترجمة رقم (٦٨٩) ، التاريخ الكبير (٤/ ٦٩) ، المعارف (٢١٢) ، المعرفة والتاريخ (١/ ٣٣٦) ، مشاهير علماء الأنصار ترجمة رقم (٨٠) ، تهذيب الكمال (٥٢٥) ، تاريخ الإسلام (٣/ ١٥٨) ، العبر (١/ ٨٤) ، البداية والنهاية (٩/ ٦) ، تهذيب التهذيب (٤/ ١٥٠) ، شذرات الذهب (١/ ٨١) ، تهذيب ابن عساكر (٦/ ٢٣٢) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083891,"book_id":3509,"shamela_page_id":454,"part":"1","page_num":452,"sequence_num":454,"body":"منهم أربعة فى الجبل، فلما أمكنونى من الكلام قلت: هل تعرفوننى؟ قالوا: لا، ومن أنت؟ قلت: أنا سلمة بن الأكوع والذى كرم وجه محمد ﷺ لا اطلب رجلا منكم إلا أدركته ولا يطلبنى فيدركنى. قال أحدهم: أنا أظن ذلك، فرجعوا.\rفما برحت مكانى حتى رأيت فوارس رسول الله ﷺ يتخللون الشجر، فإذا أولهم الأخرم الأسدى، على أثره أبو قتادة الأنصارى وعلى أثره المقداد بن الأسود الكندى فأخذت بعنان الأخرم فولوا مدبرين، قلت: يا أخرم احذرهم لا يقتطعونك حتى يلحق رسول الله ﷺ وأصحابه، قال: يا سلمة، إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر وتعلم أن الجنة حق والنار حق فلا تحل بينى وبين الشهادة. قال: فخليته فالتقى هو وعبد الرحمن، قال: فعقر بعبد الرحمن فرسه وطعنه عبد الرحمن فقتله، وتحول على فرسه. ولحق أبو قتادة فارس رسول الله ﷺ بعبد الرحمن فطعنه فقتله، فو الذى كرم وجه محمد لتبعتهم أعدو على رجلى حتى ما أرى من ورائى من أصحاب محمد ﷺ ولا غبارهم شيئا، حتى يعدلوا قبل غروب الشمس إلى شعب فيه ماء يقال له: ذو قرد ليشربوا منه وهم عطاش فنظروا إلى أعدو وراءهم فحلأتهم عنه. فما ذاقوا منه قطرة، ويخرجون فيشتدون فى ثنية فأعدو فألحق منهم فأمكسه بسهم فى نغض كتفه، قلت:\rخذها وانا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرضع\rقال: يا ثكلته أمه أأكوعه بكرة؟ قلت: نعم يا عدو نفسه أكوعه بكرة.\rقال: وأردوا فرسين على ثنية فجئت بهما أسوقهما إلى رسول الله ﷺ، ولحقنى عامر بسطيحة فيها مذقة من لبن وسطيحة فيها ماء فتوضأت وشربت ثم أتيت رسول الله ﷺ وهو على الماء الذى حلأتهم عنه قد أخذ تلك الإبل وكل شىء استنقذته من المشركين وكل رمح وكل بردة، وإذا بلال نحر ناقة من الإبل التى استنقذت من القوم، وإذا هو يشتوى لرسول الله ﷺ من كبدها وسنامها، قلت: يا رسول الله، خلنى فأنتحب من القوم مائة رجل فأتبع القوم فلا يبقى منهم مخبر إلا قتلنه. فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه فى ضوء النار قال: «يا سلمة، أتراك كنت فاعلا؟» قلت: نعم، والذى أكرمك، قال: «إنهم الآن ليقرون بأرض غطفان» . قال: فجاء رجل من غطفان فقال:\rنحر لهم فلان جزورا فلما كشطوا جلدها رأوا غبارا فقالوا: إياكم القوم فخرجوا هاربين.\rفلما أصبحنا قال رسول الله ﷺ: «كان خير فرساننا اليوم أبو قتادة، وخير رجالنا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083892,"book_id":3509,"shamela_page_id":455,"part":"1","page_num":453,"sequence_num":455,"body":"سلمة» . ثم أعطانى رسول الله ﷺ سهمين: سهم الفارس وسهم الراجل فجمعهما لى جميعا.\rوذكر الزبير بن أبى بكر أن رسول الله ﷺ مر فى غزوة قرد هذه على ماء يقال له:\rبيسان، فسأل عنه فقيل: اسمه يا رسول الله: بيسان وهو مالح. فقال رسول الله ﷺ؟:\r«لا، بل اسمه نعمان وهو طيب» . فغير رسول الله ﷺ الاسم وغير الله- تعالى- الماء.\rفاشتراه طلحة بن عبيد الله ثم تصدق به وجاء إلى رسول الله ﷺ فأخبره، فقال رسول الله ﷺ: «ما أنت يا طلحة إلا فياض» . فسمى طلحة الفياض.\rوكان مما قيل من الشعر فى يوم ذى قرد قول حسان بن ثابت:\rأظن عيينة إذا زارها ... بأن سوف يهدم فيها قصورا\rفأكذبت ما كنت صدقته ... وقلتم سنغنم أمرا كبيرا\rوولوا سراعا كشد النعام ... ولم يكشفوا عن ملط حصيرا\rأمير علينا رسول الملي ... ك أحبب بذاك إلينا أميرا\rرسول نصدق ما جاءه ... ويتلوا كتابا مضيئا منيرا\rوقال كعب بن مالك:\rأيحسب أولاد اللقيطة أننا ... على الخيل لسنا مثلهم فى الفوارس\rوإنا أناس لا نرى القتل سبة ... ولا ننثنى عند الرماح المداعس\rوإنا لنقرى الضيف من قمع الذرى ... ونضرب رأس الأبلخ المتشاوس «١»\rنرد كماة المعلمين إذا انتحوا ... بضرب يسلى نخوة المتقاعس\rبكل فتى حامى الحقيقة ماجد ... كريم كسرحان الغضاة مخالس\rيذودون عن أحسابهم وتلادهم ... ببيض تقد الهام تحت القوانس\rفسائل بنى بدر إذا ما لقيتهم ... بما فعل الإخوان يوم التمارس\rإذا ما خرجتم فاصدقوا من لقيتم ... ولا تكتموا أخباركم فى المجالس\rوقولوا زللنا عن مخالب خادر ... به وحر فى الصدر ما لم يمارس\rوقال شداد بن عارض الجشمى فى يوم ذى قرد لعيينة بن حصن وكان عيينة يكنى أبا مالك:","footnotes":"(١) القمع: جمع قمعة، وهى أعلى سنام البعير. والذرا: أى الأسنمة. والأبلخ: أى المتكبر. والمتشاوس: هو الذى ينظر بمؤخر عينه نظرة المتكبر.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083893,"book_id":3509,"shamela_page_id":456,"part":"1","page_num":454,"sequence_num":456,"body":"فهلا كررت أبا مالك ... وخيلك مدبرة تقتل\rذكرت الإياب إلى عسجر ... وهيهات قد بعد المقفل «١»\rوطمنت نفسك ذا ميعة ... مسح الفضاء إذا يرسل\rإذا قبضته إليك الشما ... ل جاش كما اضطرم المرجل\rفلما عرفتم عباد الإل ... هـ لم ينظر الآخر الأول\rعرفتم فوارس قد عودوا ... طراد الكماة إذا أسهلوا\rإذا طردوا الخيل تشقى بهم ... فضاحا وإن يطردوا ينزلوا\rفيعتصموا فى سواء المقا ... م بالبيض أخلصها الصيقل «٢»\r\rغزوة بنى المصطلق وهى غزوة المريسيع «٣»\rوغزا رسول الله ﷺ بنى المصطلق من خزاعة فى شعبان سنة ست، وكان بلغه أنهم يجمعون له، وقائدهم الحارث بن أبى ضرار أبو جويرية زوج النبى ﷺ.\rفلما سمع بهم رسول الله ﷺ خرج إليهم حتى لقيهم على ماء من مياههم يقال له:\rالمريسيع، فتزاحف الناس واققتلوا، فهزم الله بنى المصطلق وقتل من قتل منهم ونفل رسوله أبناءهم ونساءهم وأموالهم.\rوكان شعار المسلمين فى ذلك اليوم: يا منصور أمت أمت.\rوأصاب- يومئذ- رجل من الأنصار من رهط عبادة بن الصامت رجلا من المسلمين من بنى كلب بن عوف بن عامر بن أمية بن ليث بن بكر يقال له: هشام ابن صبابة، وهو يرى أنه من العدو فقتله خطأ.\rفبينا الناس على ذلك الماء وردت واردة الناس ومع عمر بن الخطاب أجير له من غفار يقال له: جهجاه بن مسعود يقود فرسه، فازدحم جهجاه وسنان بن وبر الجهنى حليف بنى عوف بن الخزرج على الماء فاقتتلا، فصرخ الجهنى: يا معشر الأنصار.","footnotes":"(١) عسجر: موضع بالقرب من مكة. والمقفل: أى الرجوع.\r(٢) أخلصها الصقيل: أى أزال ما عليها من الصدأ.\r(٣) راجع هذه الغزوة فى: المغازى للواقدى (١/ ٤٠٤) ، طبقات ابن سعد (٢/ ١/ ٤٥) ، تاريخ الطبرى (٢/ ٥٩٣) ، الكامل (٢/ ٨١) ، البداية والنهاية (٤/ ١٥٦) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083894,"book_id":3509,"shamela_page_id":457,"part":"1","page_num":455,"sequence_num":457,"body":"وصرخ جهجاه: يا معشر المهاجرين. فغضب عبد الله بن أبى بن سلول فقال: أقد فعلوها؟ قد نافرونا وكاثرونا فى بلادنا، والله ما أعدنا وجلابيب قريش هؤلاء إلا كما قال الأول: سمن كلبك يأكلك، وأما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. ثم أقبل على من حضره من قومه- وفيهم زيد بن أرقم غلام حدث- فقال:\rهذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم.\rفمشى زيد بن أرقم إلى رسول الله ﷺ فأخبره الخبر، وذلك عند فراغه من عدوه، وعنده عمر بن الخطاب، فقال: مر به عباد بن بشر فليقتله. فقال رسول الله ﷺ:\r«فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه، لا ولكن أذن بالرحيل» «١» .\rوذلك فى ساعة لم يكن رسول الله ﷺ يرتحل فيها.\rفارتحل الناس وقد مشى عبد الله بن أبى إلى رسول الله ﷺ حين بلغة أن زيدا بلغه ما سمع منه، فحلف بالله ما قلت ما قال ولا تكلمت به. وكان فى قومه شريفا عظيما، فقال من حضر من الأنصار من أصحابه: يا رسول الله عسى أن يكون الغلام أوهم فى حديثه ولم يحفظ ما قال الرجل. حدبا على ابن أبى ودفعا عنه.\rفلما استقل رسول الله ﷺ وسار لقيه أسيد بن حضير فحياه بتحية النبوة وسلم عليه ثم قال: يا نبى الله، والله لرحت فى ساعة منكرة ما كنت تروح فى مثلها. فقال له رسول الله ﷺ: «أو ما بلغك ما قال صاحبكم؟» قال: وأى صاحب يا رسول الله؟ قال:\r«عبد الله بن أبى» . قال: وما قال؟ قال: «زعم أنه إن رجع إلى المدينة أخرج الأعز منها الأذل» «٢» .\rقال: فأنت والله يا رسول الله تخرجه إن شئت، هو والله الذليل وأنت العزيز. ثم قال: يا رسول الله صلى الله عليك ارفق به، فو الله لقد جاء الله بك وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه، فإنه ليرى أن قد استلبته ملكا!\rثم مشى رسول الله ﷺ بالناس يومهم ذلك حتى أمسى وليلتهم حتى أصبح، وسار يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس ثم نزل بالناس فلم يلبثوا أن وجدوا مس الأرض فوقعوا نياما، وإنما فعل ذلك ليشغل الناس عن الحديث الذى كان بالأمس ثم راح","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: مصنف ابن أبى شيبة (١٢/ ٥٤٠، ١٤/ ٤٣٢) .\r(٢) انظر الحديث فى: تفسير الطبرى (٢٨/ ٧٥) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083895,"book_id":3509,"shamela_page_id":458,"part":"1","page_num":456,"sequence_num":458,"body":"بالناس، فهبت عليهم ريح شديدة آذتهم وتخوفوها، فقال رسول الله ﷺ: «لا تخافوها فإنما هبت لموت عظيم من الكفار» «١» . فلما قدموا المدينة وجدوا رفاعة بن زيد بن التابوت- أحد ينى قينقاع- وكان من عظماء يهود وكهفا للمنافقين مات ذلك اليوم.\rونزلت السورة التى ذكر الله فيها المنافقين فى عبد الله بن أبى ومن كان على مثل أمره. فلما نزلت أخذ رسول الله ﷺ بأذن زيد بن أرقم ثم قال: «هذا الذى أوفى الله بأذنه» «٢» .\rوبلغ عبد الله بن عبد الله بن أبى الذى كان من أمر أبيه، فأتى رسول الله ﷺ فقال:\rيا رسول الله، إنه بلغنى أنك تريد قتل عبد الله بن أبى فيما بلغك عنه، فإن كنت فاعلا فمرنى فأنا أحمل إليك رأسه، فو الله لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبر بوالده منى، إنى أخشى أن تأمر به غيرى فيقتله فلا تدعنى نفسى أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبى يمشى فى الناس فأقتله فأقتل مؤمنا بكافر فأدخل النار.\rفقال رسول الله ﷺ: «بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقى معنا» «٣» .\rوجعل بعد ذلك إذا أحدث الحدث كان قومه هم الذين يعاتبونه ويؤاخذونه ويعنفونه، فقال رسول الله ﷺ لعمر بن الخطاب حين بلغه ذلك من شأنهم: «كيف ترى يا عمر؟ أما والله لو قتله يوم قلت لى اقتله لأرعدت له آنف لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته» «٤» ! فقال عمر: قد والله علمت لأمر رسول الله ﷺ أعظم بركة من أمرى.\rوقدم مقيس بن صبابة من مكة متظاهرا بالإسلام، فقال يا رسول الله، جئتك مسلما، وجئتك اطلب دية أخى قتل خطأ، فأمر له رسول الله ﷺ بدية أخيه هشام بن صبابة، فأقام عند رسول الله ﷺ غير كثير ثم عدا على قاتل أخيه فقتله. ثم خرج إلى مكة مرتدا وقال فى شعر له:\rشفى النفس أن بات بالقاع مسندا ... تضرج ثوبيه دماء الأخادع «٥»","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (٤/ ٦١) .\r(٢) انظر الحديث فى: كنز العمال للمتقى الهندى (٤٤١٣) ، سنن الترمذى (٥/ ٣٣١٣) ، فتح البارى لابن حجر (٨/ ٥١٤) .\r(٣) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (٤/ ٦٢) ، البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ١٥٨) .\r(٤) انظر الحديث فى: تفسير الطبرى (٢٨/ ٧٦) ، البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ١٥٨) .\r(٥) تضرج: أى تلطخ. والأخادع: عروق القفا.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083896,"book_id":3509,"shamela_page_id":459,"part":"1","page_num":457,"sequence_num":459,"body":"وكانت هموم النفس من قبل قتله ... تلم فتحمينى وطاء المضاجع\rحللت به وترى وأدركت ثؤرتى ... وكنت إلى الأوثان أول راجع\rثأرت به فهرا وحملت عقله ... سراة بنى النجار أرباب فارع\rوقال أيضا:\rجللته ضربة باتت لها وشل ... من ناقع الجوف يعلوه وينصرم\rفقلت والموت تغشاه أسرته ... لا تأمنن بنى بكر إذا ظلموا\rوأصاب رسول الله ﷺ من بنى المصطلق سبيا كثيرا، فشا قسمة فى المسلمين، وكان فيمن أصيب- يومئذ- من السبايا جويرية بنت الحارث بن أبى ضرار، فوقعت فى السهم لثابت بن قيس بن الشماس أو لابن عم له، فكاتبته على نفسها.\rقال عائشة رضى الله عنها: وكانت- تعنى جويرية- امرأة حلوة ملاحة لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه، فأتت رسول الله ﷺ تستعينه فى كتابتها، فو الله ما هو إلا أن رأيتها على باب حجرتى فكرهتها وعرفت أنه سيرى منها ما رايت، فدخلت عليه فقالت: يا رسول الله، أنا جويرية بنت الحارث بن أبى ضرار سيد قومه، وقد أصابنى من البلاء ما لم يخف عليك فوقعت فى السهم لثابت بن قيس بن الشماس أو لابن عم له، فكاتبته على نفسى، فجئتك أستعينك على كتابتى، قال: «فهل لك فى خير من ذلك؟» قالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: «أقضى كتابتك وأتزوجك» «١» . قالت: نعم يا رسول الله. قال: «قد فعلت» «٢» . وخرج الخبر إلى الناس: أن رسول الله ﷺ قد تزوج جويرية. فقال الناس: أصهار رسول الله ﷺ. فأرسلوا ما بأيديهم، قالت: فلقد أعتق بتزوجه إياها مائة أهل بيت من بنى المصطلق، فما أعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها.\rوبعث إليهم رسول الله ﷺ بعد إسلامهم الوليد بن عقبة بن أبى معيط، فلما سمعوا به ركبوا إليه، فلما سمع بهم هابهم فرجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره أن القوم هموا بقتله ومنعوه ما قبلهم من صدقتهم، فأكثر المسلمون فى ذكر غزوهم حتى هم رسول","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (٦/ ٢٧٧) .\r(٢) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (٤/ ٧٨) ، المعجم الكبير للطبرانى (٧/ ٢٠٥) ، موارد الظمآن للهيثمى (١٢١٣) ، الطبقات الطبرى لابن سعد (٨/ ٨٣، ١٠٧) ، إتحاف السادة المتقين (٥/ ٤١) ، الدر المنثور للسيوطى (١/ ١٢) ، كنز العمال للمتقى الهندى (١١٥٣٠) ، تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر (١/ ٣٠٦) ، البداية والنهاية لابن كثير (٥/ ٦٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083897,"book_id":3509,"shamela_page_id":460,"part":"1","page_num":458,"sequence_num":460,"body":"الله ﷺ يأن يغزوهم، فبينا هم فى ذلك قدم وفدهم على رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله، سمعنا برسولك حين بعثته إلينا، فخرجنا إليه لنكرمه ونؤدى إليه ما قبلنا من الصدقة، فانشمر راجعا، فبلغنا أنه زعم لرسول الله ﷺ أنا خرجنا إليه لنقتله وو الله ما جئنا لذلك. فأنزل الله فيه وفيهم: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ [الحجرات: ٦] .\rهكذا ذكر ابن إسحاق «١» أن رسول الله ﷺ بعث إلى بنى المصطلق بعد إسلامهم الوليد بن عقبة ولم يعين مدة توجيهه إياه إليهم، وقد يوهم ظاهره أن ذلك كان بحدثان إسلامهم، ولا يصح ذلك، إذ الوليد من مسلمة الفتح، وإنما كان الفتح فى سنة ثمان بعد غزوة بنى المصطلق وإسلامهم بسنتين، فلا يكون هذا التوجيه إلا بعد ذلك ولا بد.\rوقد قال أبو عمر بن عبد البر: لا خلاف بين أهل العلم بتأويل القرآن فيما علمت أن قوله ﷿: إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ نزلت فى الوليد بن عقبة حين بعثه رسول الله ﷺ إلى بنى المصطلق مصدقا، والله سبحانه أعلم.\rوأقبل رسول الله ﷺ من سفره ذلك حتى إذا كان قريبا من المدينة قال: «أهل الإفك فى الصديقة المبرأة المطهرة عائشة بنت الصديق، رضى الله عنهما، ما قالوا» .\rفحدثت- يرحمها الله- قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه. فلما كانت غزوة بنى المصطلق أقرع بين نسائه كما كان يصنع فخرج سهمى عليهن معه فخرج بى ﷺ. قالت: وكان النساء إذ ذاك إنما يأكلن العلق لم يهبجهن اللحم فيثقلن، وكنت إذا رحّل لى بعيرى جلست فى هودجى ثم يأتى القوم الذين يرحلون لى ويحملوننى فيأخذون بأسفل الهودج فيرفعونه فيضعونه على ظهر البعير فيشدونه بحباله ثم يأخذون برأس البعير فينطلقون به.\rفلما فرغ رسول الله ﷺ من سفره ذلك وجه قافلا حتى إذا كان قريبا من المدينة نزل منزلا فبات به بعض الليل ثم أذن فى الناس بالرحيل، فارتحل الناس وخرجت لحاجتى وفى عنقى عقد لى فيه جزع ظفار فلما فرغت انسل من عنقى ولا أدرى، فلما رجعت إلى الرحل ذهبت ألتمسه فى عنقى فلم أجده وقد أخذ الناس فى الرحيل، فرجعت إلى مكانى الذى ذهبت إليه فالتمسته حتى وجدته، وجاء خلافى القوم الذين كانوا يرحلون لى البعير وقد فرغوا من رحلته فأخذوا الهودج وهم يظنون أنى فيه كما","footnotes":"(١) انظر: السيرة (٣/ ٢٦٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083898,"book_id":3509,"shamela_page_id":461,"part":"1","page_num":459,"sequence_num":461,"body":"كنت أصنع، فاحتملوه فشدوه على البعير ولم يشكوا أنى فيه، ثم أخذوا برأس البعير فانطلقوا به، ورجعت إلى العسكر وما فيه داع ولا مجيب قد انطلق الناس، قالت:\rفتلففت بجلبابى ثم اضطجعت فى مكان وعرفت أنه لو قد افتقدت لرجع إلى.\rفو الله إنى لمضطجعة إذ مر بى صفوان بن المعطل السلمى، وكان تخلف عن العسكر لبعض حاجته فلم يبت مع الناس، فرأى سوادى، فأقبل حتى وقف على، وقد كان يرانى قبل أن يضرب علينا الحجاب، فلما رآنى قال: إنا لله وإنا إليه راجعون! ظعينة رسول الله ﷺ! وأنا متلففة فى ثيابى. قال: ما خلفك، رحمك الله؟ قالت: فما كلمته، ثم قرب البعير فقال: اركبى. واستأخر عنى، فركبت وأخذ برأس البعير فانطلق سريعا يطلب الناس، فو الله ما أدركنا الناس وما افتقدت حتى أصبحت، ونزل الناس فلما اطمأنوا طلع الرجل يقودنى، فقال أهل الإفك ما قالوا. فارتعج العسكر، والله ما أعلم بشىء من ذلك.\rثم قدمنا المدينة فلم ألبث أن اشتكيت شكوا شديدا لا يبلغنى من ذلك شىء وقد انتهى الحديث إلى رسول الله ﷺ وإلى أبوى لا يذكرون لى منه قليلا ولا كثيرا، إلا أنى قد أنكرت من رسول الله ﷺ بعض لطفه بى، كنت إذا اشتكيت رحمنى ولطف لى فلم يفعل ذلك فى شكوى ذلك فأنكرت ذلك منه، كان إذا دخل على وعندى أمى تمرضنى قال: كيف تيكم، لا يزيد على ذلك حتى وجدت فى نفسى حين رأيت من جفائه لى. فقلت: يا رسول الله لو أذنت لى فانتقلت إلى أمى فتمرضنى؟ قال: «لا عليك» .\rفانتقلت إلى أمى ولا علم لى بشىء مما كان، حتى نقهت من وجعى بعد بضع وعشرين ليلة، وكنا قوما عربا لا نتخذ فى بيوتنا هذه الكنف التى تتخذ الأعاجم نعافها ونكرهها، إنما كنا نذهب فى فسح المدينة، وإنما كان النساء يخرجن كل ليلة فى حوائجهن، فخرجت ليلة لبعض حاجتى ومعى أم مسطح بنت أبى رهم بن المطلب بن عبد مناف، وكانت أمها خالة أبى بكر الصديق، فو الله إنها لتمشى معى إذ عثرت فى مرطها فقالت: تعس مسطح. قلت: بئس لعمر الله ما قلت لرجل من المهاجرين قد شهد بدرا. قالت: أو ما بلغك الخبر يا بنت أبى بكر؟ قلت: وما الخبر؟ فأخبرتنى بالذى كان من قول أهل الإفك. قلت: أوقد كان هذا؟ قالت: نعم والله لقد كان.\rفو الله ما قدرت على أن أقضى حاجتى ورجعت، فوالله مازلت أبكى حتى ظننت","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083899,"book_id":3509,"shamela_page_id":462,"part":"1","page_num":460,"sequence_num":462,"body":"أن البكاء سيصدع كبدى. وقلت لأمى: يغفر الله لك! تحدث الناس بما تحدثوا به ولا تذكرين لى من ذلك شيئا؟ قالت: أى بنية خفضى عليك الشأن، فو الله لقل ما كنت امرأة حسناء عند رجل يحبها لها ضرائر إلا كثرن وكثر الناس عليها.\rقالت: وقد قام رسول الله ﷺ فى الناس فخطبهم ولا أعلم بذلك، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أيها الناس، ما بال رجال يؤذوننى فى أهلى ويقولون عليهم غير الحق، والله ما علمت منهم إلا خيرا، ويقولون ذلك لرجل والله ما علمت منه إلا خيرا، وما يدخل بيتا من بيوتى إلا وهو معى» . قالت: وكان كبر ذلك عند عبد الله بن أبى فى رجال من الخزرج مع الذى قال مسطح وحمنة بنت جحش، وذلك أن أختها زينب كانت عند رسول الله ﷺ ولم يكن من نسائه امرأة تناصينى فى المنزلة عنده غيرها، فأما زينب فعصمها الله بدينها فلم تقل إلا خيرا، وأما حمنة فأشاعت من ذلك ما أشاعت تضادنى لأختها، فشقيت بذلك.\rفلما قال رسول الله ﷺ تلك المقالة قال أسيد بن خضير: يا رسول الله، إن يكونوا من الأوس نكفكهم وإن يكونوا من إخواننا من الخزرج فمرنا بأمرك فو الله إنهم لأهل أن تضرب أعناقهم. فقام سعد بن عبادة فقال: كذبت لعمر الله لا تضرب أعناقهم، أما والله ما قلت هذه المقالة إلا أنك قد عرفت أنهم من الخزرج، ولو كانوا من قومك ما قلت هذا. فقال أسيد: كذبت لعمر الله ولكنك منافق تجادل عن المنافقين. قالت:\rوتثاور الناس حتى كاد يكون بين هذين الحيين من الأوس والخزرج شر.\rونزل رسول الله ﷺ فدعا على بن أبى طالب وأسامة بن زيد فاستشارهما، فأما أسامة فأثنى خيرا، ثم قال: يا رسول الله، أهلك ولا نعلم منهم إلا خيرا، وهذا الكذب والباطل. وأما على فإنه قال: يا رسول الله، إن النساء لكثير وإنك لتقدر أن تستخلف، وسل الجارية فإنها ستصدقك. فدعا رسول الله ﷺ بريرة ليسألها، فقام إليها على فضربها ضربا شديدا ويقول: اصدقى رسول الله ﷺ، فتقول: والله ما أعلم إلا خيرا، وما كنت أعيب على عائشة شيئا إلا أنى كنت أعجن عجينى فآمرها أن تحفظه فتنام عنه فتأتى الشاة فتأكله.\rقالت: ثم دخل على رسول الله ﷺ وعندى أبواى وعندى امرأة من الأنصار فأنا أبكى وهى تبكى معى، فجلس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «يا عائشة إنه قد كان ما بلغك من قول الناس، فاتقى الله وإن كنت قارفت سوآ مما يقول الناس فتوبى إلى الله","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083900,"book_id":3509,"shamela_page_id":463,"part":"1","page_num":461,"sequence_num":463,"body":"فإن يقبل التوبة عن عباده» «١» . قالت: فو الله إن هو إلا أن قال لى ذلك فقلص دمعى حتى ما أحس منه شيئا. وانتظرت أبوى أن يجيبا رسول الله ﷺ فلم يتكلما.\rقالت: وأيم الله لأنا كنت أحقر فى نفسى وأصغر شأنا من أن ينزل الله فى قرآنا يقرأ به فى المسجد ويصلى به، ولكنى كنت أرجوا أن يرى رسول الله ﷺ فى منامه شيئا يكذب الله به عنى لما يعلم من براءتى أو يخبر خبرا، فأما قرآن ينزل فى فو الله لنفسى كانت أحقر عندى من ذلك.\rقالت: فلما لم أرى أبوى يتكلمان قلت لهما: ألا تجيبان رسول الله ﷺ؟ فقالا: والله ما ندرى بماذا نجيبه. قالت: وو الله ما أعلم أهل بيت دخل عليهم ما دخل على آل أبى بكر فى تلك الأيام. قالت: فلما استعجما على استعبرت فبكيت ثم قلت: والله لا أتوب إلى الله مما ذكرت أبدا، والله إنى لأعلم لئن أقررت بما يقول الناس والله يعلم أنى منه بريئة لأقولن ما لم يكن، ولئن أنا أنكرت ما يقولون لا تصدقوننى، ثم التمست اسم يعقوب فما أذكره فقلت: ولكنى سأقول كما قال أبو يوسف: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ [يوسف: ١٨] .\rقالت: فو الله ما برح رسول الله ﷺ مجلسه حتى تغشاه من الله ما كان يتغشاه، فسجى بثوبه ووضعت له وسادة من أدم تحت رأسه، فأما أنا حين رأيت من ذلك ما رأيت فو الله ما فرغت ولا باليت، قد عرفت أنى بريئة وأن الله غير ظالمى، وأما أبواى فو الذى نفس عائشة بيده ما سرى عن رسول الله ﷺ حتى ظننت لتخرجن أنفسهما فرقا من أن يأتى من الله تحقيق ما قال الناس. ثم سرى عن رسول الله ﷺ، فجلس وإنه ليتحدر منه مثل الجمان وفى يوم شات، فجعل يمسح العرق عن جبينه ويقول: «أبشرى يا عائشة فقد أنزل الله براءتك» «٢» قلت: بحمد الله.\rثم خرج إلى الناس فخطبهم وتلا عليهم ما أنزل الله عليه من القرآن فى ذلك ثم أمر بمسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش وحسان بن ثابت، وكانوا ممن أفصح بالفاحشة فضربوا حدهم.\rقالت: فلما نزل القرآن ذكر من قال من الفاحشة ما قال من أهل الإفك فقال: إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: فتح البارى لابن حجر (٨/ ٤٧٥) ، البدآية والنهاية لابن كثير (٤/ ١٦٣) .\r(٢) انظر الحديث فى: سنن أبى داود (٤/ ٤٧٣٥) ، سنن الترمذى (٥/ ٣١٨٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083901,"book_id":3509,"shamela_page_id":464,"part":"1","page_num":462,"sequence_num":464,"body":"مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ [النور: ١١] قيل: إنه حسان بن ثابت وأصحابه، ويقال: عبد الله بن أبى وأصحابه.\rثم قال: لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ أى هلا قلتم إذ سمعتموه كما قال أبو أيوب الأنصارى وصاحبته أم أيوب، وذلك أنها قالت لزوجها: يا أبا أيوب، ألا تسمع ما يقول الناس فى عائشة؟\rقال: بلى وذلك الكذب، أكنت يا أم أيوب فاعلته؟ قال: لا والله ما كنت لأفعله. قال:\rفعائشة والله خير منك.\rثم قال تعالى: إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ.\rفلما نزل هذا فى عائشة وفيمن قال لها ما قال قال أبو بكر- ﵀ وكان ينفق على مسطح لقرابته وحاجته: والله لا أنفق على مسطح أبدا ولا أنفعه بنفع أبدا بعد الذى قال لعائشة وادخل علينا. قالت: فأنزل الله فى ذلك وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [النور: ٢٢] قالت: فقال أبو بكر: بلى، والله إنى لأحب أن يغفر الله لى فرجع إلى مسطح نفقته التى كان ينفق عليه وقال: والله لا أنزعها منه أبدا.\rوذكر ابن إسحاق «١» : أن حسان بن ثابت مع ما كان منه فى صفوان بن المعطل من القول السىء قال مع ذلك شعرا يعرض فيه بصفوان ومن أسلم من مضر يقول فيه:\rأمسى الجلابيب قد عزوا وقد كثروا ... وابن الفريعة أمسى بيضة- البلد\rفلما بلغ ذلك ابن المعطل اعترض حسان بن ثابت فضربه بالسيف ثم قال:\rتلق ذباب السيف عنى فإننى ... غلام إذا هو جيت لست بشاعر\rفوثب عند ذلك ثابت بن قيس بن شماس على صفوان فجمع يديه إلى عنقه بحبل ثم انطلق به إلى دار بنى الحارث بن الخزرج، فلقيه عبد الله بن رواحة فقال: ما هذا؟ قال:\rأما أعجبك ضرب حسان بالسيف؟ والله ما أراه إلا قد قتله. فقال له ابن رواحة: هل علم رسول الله ﷺ بشىء مما صنعت؟ قال: لا والله. قال: لقد اجترأت، أطلق الرجل.\rفأطلقه.","footnotes":"(١) انظر السيرة (٣/ ٢٧٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083902,"book_id":3509,"shamela_page_id":465,"part":"1","page_num":463,"sequence_num":465,"body":"ثم أتوا رسول الله ﷺ فذكروا ذلك له، فدعا حسان وصفوان، فقال صفوان: يا رسول الله، آذانى وهجانى فاحتملنى الغضب فضربته. فقال رسول الله ﷺ لحسان: «يا حسان، أتشوهت على قومى أن هداهم الله للإسلام؟» ثم قال: «أحسن يا حسان فى الذى أصابك» «١» . قال: هى لك. فأعطاه رسول الله ﷺ عوضا منها بئر «حاء» ماء كان لأبى طلحة بالمدينة فتصدق به إلى رسول الله ﷺ ليضعه حيث شاء فأعطاه حسان فى ضربته، وأعطاه «سيرين» أمة قبطية ولدت له ابنه عبد الرحمن.\rوقد روى من وجوه أن إعطاء رسول الله ﷺ إياه سيرين إنما كان لذبه بلسانه عن النبى ﷺ. والله تعالى أعلم.\rوكانت عائشة- رحمها الله- تقول: لقد سئل عن ابن المعطل فوجدوه حصورا لا يأتى النساء ثم قتل بعد ذلك شهيدا.\rوقال بعد ذلك حسان يمدح عائشة- رضى الله عنها- ويعتذر من الذى كان فى شأنها:\rحصان رزان ما تزن بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل «٢»\rعقيلة حى من لؤى بن غالب ... كرام المساعى مجدهم غير زائل\rمهذبة قد طيب الله جنبها ... وطهرها من كل سوء وباطل\rفإن كنت قد قلت الذى قد زعمتم ... فلا رفعت سوطى إلى أناملى\rوكيف وودى ما حييت ونصرتى ... لآل رسول الله زين المحافل\rله رتب عال على الناس كلهم ... تقاصر عنه سورة المتطاول\rفإن الذى قد قيل ليس بلائط ... ولكنه قول امرئ بى ماحل\rوقال قائل من المسلمين فى ضرب حسان وصاحبيه فى فريتهم على عائشة رضى الله عنها:\rلقد ذاق حسان الذى كان أهله ... وحمنة إذ قالوا هجيرا ومسطح\rتعاطوا برجم الغيب زوج نبيهم ... وسخطة ذى العرش الكريم فأترحوا\rوآذوا رسول الله فيها فجللوا ... مخازى تبقى عمموها وفضحوا","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ١٦٣) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٩/ ٢٣٤) .\r(٢) الحصان: أى العفيفة. والرزان: أى الملازمة موضعها. وما تزن: أى ما تتهم. وغرثى: أى جائعة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083903,"book_id":3509,"shamela_page_id":466,"part":"1","page_num":464,"sequence_num":466,"body":"وصبت عليهم محصدات كأنها ... شآبيب قطر من ذرى المزن تسفح\rوقد ذكر أبو عمر بن عبد البر الحافظ أن قوما أنكروا أن يكون حسان خاض فى الإفك أو جلد فيه، ورووا عن عائشة- رحمها الله- أنها برأته من ذلك، ثم ذكر عن الزبير بن بكار وغيره أن عائشة كانت فى الطواف مع أم حكيم بنت خالد بن العاص وابنة عبد الله بن أبى ربيعة، فتذاكرن حسان فابتدرتاه بالسب فقالت لهما عائشة: ابن الفريعة تسبان! إنى لأرجوا أن يدخله الله الجنة بذبه عن النبى ﷺ بلسانه، أليس القائل:\rهجوت محمدا فأجبت عنه ... وعند الله فى ذاك الجزاء\rفإن أبى ووالده وعرضى ... لعرض محمد منكم وقاء\rفقالتا لها: أليس ممن لعنه الله فى الدنيا والآخرة بما قال فيك؟ قلت: لم يقل شيئا، ولكنه القائل:\rحصان رزان ما تزن بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل\rفإن كان ما قد قيل عنى قلته ... فلا رفعت سوطى إلى أناملى\r\rغزوة الحديبية\rوخرج رسول الله ﷺ فى ذى القعدة من سنة ست معتمرا لا يريد حربا، واستنفر العرب ومن حوله من أهل البوادى من الأعراب ليخرجوا معه، وهو يخشى من قريش الذى صنعوا، أن يعرضوا له بحرب أو يصدوه عن البيت.\rفأبطأ عليه كثير من الأعراب، وخرج بمن معه من المهاجرين والأنصار ومن لحق به من العرب، وساق معه الهدى وأحرم بالعمرة ليأمن الناس من حربه، وليعلم أنه إنما خرج زائرا لهذا البيت ومعظما له.\rحتى إذا كان بعسفان لقيه بسر بن سفيان الكعبى «١» فقال: يا رسول الله، هذه قريش قد سمعت بمسيرك معهم العوذ المطافيل قد لبسوا جلود النمور وقد نزلوا بذى طوى يعاهدون الله لا تدخلها عليهم أبدا وهذا خالد بن الوليد فى خيلهم قد قدموها إلى كراع الغميم. فقال رسول الله ﷺ: «يا ويح قريش! لقد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم","footnotes":"(١) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (٦٤٦) ، أسد الغابة ترجمة رقم (٤١١) ، تجريد أسماء الصحابة (١/ ٤٨) ، الوافى بالوفيات (١٠/ ١٣٣) ، العقد الثمين (٩/ ٣٦٧) ، تقريب التهذيب (٢/ ٩٥، ١٦٠، ٤/ ٢٩٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083904,"book_id":3509,"shamela_page_id":467,"part":"1","page_num":465,"sequence_num":467,"body":"لو خلوا بينى وبين سائر العرب فإن هم أصابونى كان الذى أرادوا، وإن أظهرنى الله عليهم دخلوا فى الإسلام وافرين، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة؛ فما تظن قريش؟\rفو الله لا أزال أجاهد على الذى بعثنى الله به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة» «١» .\rثم قال: «من رجل يخرج بنا على غير طريقهم؟» «٢» فقال رجل من أسلم: أنا، فسلك بهم طريقا وعرا أجرل بين شعاب، فلما خرجوا منه وقد شق عليهم وأفضوا إلى أرض سهلة عند منقطع الوادى قال رسول الله ﷺ: «قولوا: نستغفر الله ونتوب إليه» . فقالوا ذلك، فقال: «والله إنها للحطة التى عرضت على بنى إسرائيل فلم يقولوها» «٣» .\rفأمر رسول الله ﷺ الناس فقال: «اسلكوا ذات اليمين بين ظهرى الحمص فى طريق تخرج على ثنية المرار «٤» » ، فهبط الحديبية من أسفل مكة. فسلك الجيش ذلك الطريق، فلما رأت خيل قريش هدة الجيش قد خالفوا عن طريقهم وكفوا راجعين إلى قريش، وخرج رسول الله ﷺ حتى إذا سلك فى ثنية المرار بركت ناقته، فقال الناس: خلأت.\rفقال: «ما خلأت، وما هو لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة، لا تدعونى قريش اليوم إلى خطة يسلون فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها «٥» » ، ثم قال للناس:\r«انزلوا» . قيل: يا رسول الله، ما بالوادى ماء ننزل عليه. فأخرج ﷺ سهما من كنانته فأعطاه رجلا من أصحابه، فنزل فى قليب من تلك القلب، فغرزه غى جوفه فجاش بالرواء حتى ضرب الناس عنه بعطن.\rفلما اطمأن رسول الله ﷺ أتاه بديل بن ورقاء فى رجال من خزاعة فكلموه وسألوه ما الذى جاء له، فأخبرهم أنه لم يأت يريد حربا وإنما جاء زائرا للبيت ومعظما لحرمته، ثم قال لهم نحوا قال لبسر بن سفيان، فرجعوا إلى قريش فقالوا: إنكم تعجلون على محمد، إن محمدا لم يأت لقتال إنما جاء زائرا لهذا البيت. فاتهموهم وجبهوهم وقالوا:\rإن كان جاء ولا يريد قتالا فو الله لا يدخلها علينا عنوة أبدا ولا تحدث بذلك عنا العرب.\rثم بعثوا إليه مكرز بن حفص بن الأخيف أخا بنى عامر بن لؤى، فلما رآه رسول","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (٤/ ٣٢٣) ، كنز العمال للمتقى الهندى (١١٣٠٧) ، تفسير ابن كثير (٧/ ٣٢٨) ، البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ١٦٥) .\r(٢) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ١٦٥) .\r(٣) انظر الحديث السابق.\r(٤) ثنية المرار: حشيشة مرة إذا أكلتها الإبل قلصت مشافرها.\r(٥) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (٤/ ٣٢٣) ، البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ١٦٥) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083905,"book_id":3509,"shamela_page_id":468,"part":"1","page_num":466,"sequence_num":468,"body":"الله ﷺ مقبلا قال: «هذا رجل غادر» «١» . فلما انتهى إليه وكلمة قال له رسول الله ﷺ نحوا مما قال لبديل وأصحابه. فرجع إلى قريش فأخبرهم. ثم بعثوا إليه الحليس بن علقمة أو ابن زبان، أحد بنى الحارث بن عبد مناة بن كنانة- وكان يومئذ سيد الأحابيش- فلما رآه رسول الله ﷺ قال: «إن هذا من قوم يتألهون فابعثوا الهدى فى وجهه حتى يراه» «٢» . فلما رأى الهدى يسيل عليه من عرض الوادى فى قلائده قد أكل أوباره من طول الحبس عن محله، رجع إلى قريش ولم يصل إلى رسول الله ﷺ إعظاما لما رأى؛ فقال لهم ذلك، فقالوا له: اجلس. فإنما أنت أعرابى لا علم لك؛ فغضب الحليس عند ذلك وقال: يا معشر القوم، والله ما على هذا حالفناكم وما على هذا عاقدناكم، أيصد عن بيت الله من جاء معظما له؟! والذى نفس الحليس بيده لتخلن بين محمد وبين ما جاء له أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد. فقالوا له: كف عنا يا حليس حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به.\rثم بعثوا إلى رسول الله ﷺ عروة بن مسعود الثقفى فقال: يا معشر قريش إنى قد رأيت ما يلقى منكم من بعثتموه إلى محمد إذا جاءكم من التعنيف وسوء اللفظ، وقد عرفت أنكم والد وأنى ولد- وكان لسبيعة بنت عبد شمس- وقد سمعت بالذى نابكم فجمعت من أطاعنى من قومى ثم جئتكم حتى آسيتكم بنفسى. قالوا: صدقت ما أنت عندنا بمتهم. فخرج حتى أتى رسول الله ﷺ فجلس بين يديه ثم قال: يا محمد، أجمعت أوشاب الناس ثم جئت إلى بيتك لتقضهابهم؟! إنها قريش قد خرجت معها العوذ المطافيل قد لبسوا جلود النمور يعاهدون الله لا تدخلها عليهم عنوة أبدا، وأيم الله لكأنى بهؤلاء قد انكشفوا عنك. فرد عليه أبو بكر الصديق- رضى الله عنه- وقال:\rأنحن ننكشف عنه! ثم جعل عروة يتناول لحية رسول الله ﷺ وهو كلمة والمغيرة بن شعبة واقف على رأس رسول الله فى الحديد، فجعل يقرع يده إذا فعل ذلك ويقول:\rاكفف يدك عن وجه رسول الله ﷺ قبل أن لا تصل إليك. فيقول عروة: ويحك ما أفظك وأغلظك. فتبسم رسول الله ﷺ. فقال: من هذا يا محمد؟ قال: «هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة» «٣» . قال: أى غدر هل غسلت سوءتك إلا بالأمس! يريد أن المغيرة","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (٤/ ٣٢٤) ، تفسير ابن كثير (٧/ ٣٢٨) ، البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ١٦٦) .\r(٢) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ١٦٦) .\r(٣) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (٤/ ٣٢٤) ، المطالب العالية لابن حجر (٤٣٤٧) ، تفسير ابن كثير (٧/ ٣٢٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083906,"book_id":3509,"shamela_page_id":469,"part":"1","page_num":467,"sequence_num":469,"body":"كان قتل قبل إسلامه ثلاثة عشر رجلا من ثقيف فتهايج الحيان من ثقيف بنو مالك رهط المقتولين والأحلاف رهط المغيرة، فودى عروة المقتولين ثلاث عشرة دية وأصلح ذلك الأمر.\rوكلم رسول الله ﷺ عروة بنحو مما كلم به أصحابه، وأخبره أنه لم يأت يريد حربا حربا فقام من عنده وقد رأى ما يصنع به أصحابه لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوءه، ولا يبصق بصاقا إلا ابتدروه ولا يسقط من شعره شىء إلا أخذوه، فرجع إلى قريش فقال:\rيا معشر قريش، إنى قد جئت كسرى فى ملكة وقيصر فى ملكه والنجاشى فى ملكه، وإنى والله ما رأيت ملكا فى قوم قط مثل محمد فى أصابه! ولقد رأيت قوما لا يسلمونه لشىء أبدا فروا رأيكم.\rودعا رسول الله ﷺ خراش بن أمية الخزاعى «١» فحمله على بعير له وبعثه إلى قريش ليبلغ أشرافهم عنه ما جاء له، فعقروا به الجمل وأرادوا قتله فمنعته الاحابيش، فخلوا سبيله حتى أتى رسول الله ﷺ.\rوبعثت قريش أربعين رجلا أو خمسين وأمروهم أن يطيفوا بعسكر رسول الله ﷺ ليصيبوا لهم من أصحابه أحدا، فأخذوا أخذا، فأتى بهم رسول الله ﷺ فخلى سبيلهم.\rثم دعا عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكة فيبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له فقال: يا رسول الله، إنى أخاف قريشا على نفسى، وليس بمكة من بنى عدى بن كعب أحد يمنعنى، وقد عرفت قريش عداوتى إياها وغلظتى عليها، ولكنى أدلك على رجل أعز بها منى: عثمان بن عفان.\rفدعا رسول الله ﷺ عثمان فبعثه إلى أبى سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنه لم يأت لحرب وأنه جاء زائرا لهذا البيت ومعظما لحرمته؛ فخرج عثمان إلى مكة فلقيه أبان بن سعيد بن العاص حين دخل مكة أو قبل أن يدخلها فحمله بين يديه ثم أجاره.\rوقال له فيما ذكره غير ابن إسحاق: أقبل وأدبر ولا تخف أحدا بنو سعيد أعزة الحرم.\rفانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش فبلغهم عن رسول الله ﷺ ما أرسله به، فقالوا له حين فرغ: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف. قال: ما كنت لأفعل","footnotes":"(١) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (٢٢٣٨) ، أسد الغابة ترجمة رقم (١٤٢٨) ، الثقات (٣/ ١٠٧) ، الطبقات الكبرى (٤/ ١٣٩) ، تجريد أسماء الصحابة (١/ ١٥٧) ، المغازى للواقدى (٦٠٠) ، الجرح والتعديل (٣/ ٣٩٢) ، تاريخ الطبرى (٣/ ٦٣١) ، الوافى بالوفيات (١٣/ ٣٠١) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083907,"book_id":3509,"shamela_page_id":470,"part":"1","page_num":468,"sequence_num":470,"body":"حتى يطوف به رسول الله ﷺ. فاحتبسته قريش عندها، فبلغ رسول الله ﷺ والمسلمين أن عثمان قد قتل، فقال حين بلغه ذلك: «لا نبرح حتى نناجز القوم» «١» .\rودعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة، فكان الناس يقولون: بايعهم على الموت. وكان جابر يقول: بايعنا على ألانفر.\rفبايع رسول الله ﷺ الناس ولم يختلف عنه أحد من المسلمين حضرها إلا الجد بن قيس لصق بإبط ناقته يستتر بها من الناس.\rثم أتى رسول الله ﷺ أن الذى كان من أمر عثمان باطل. وقد كان رسول الله ﷺ بايع لعثمان: ضرب بإحدى يديه على الأخرى وقال: «هذه يد عثمان» .\rثم بعثت قريش سهيل بن عمرو وقالوا: إيت محمدا فصالحه ولا يكون فى صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا، فو الله لا تحدث العرب أنه دخلها علينا عنوة أبدا.\rفأتى سهيل، فلما رآه رسول الله ﷺ مقبلا قال: «قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل» «٢» .\rفلما انتهى إليه سهيل تكلم فأطال الكلام وتراجعا، ثم جرى بينهما الصلح.\rفلما التأم الأمر ولم يبق إلا الكتاب وثب عمر بن الخطاب فأتى أبا بكر فقال: يا أبا بكر، أليس برسول الله؟ قال: بلى. قال: أولسنا بالمسلمين؟ قال: بلى. قال: أوليسوا بالمشركين؟ قال: بلى. قال: فعلام نعطى الدنية»\rفى ديننا! قال أبو بكر: يا عمر، الزم غرزه فإنى أشهد أنه رسول الله. قال عمر: وأنا أشهد أنه رسول الله.\rثم أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، ألست برسول الله؟ قال: «بلى» . قال:\rأولسنا بالمسلمين؟ قال: «بلى» . قال: أو ليسوا بالمشركين؟ قال: «بلى» «٤» . قال: فعلام","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ١٦٧) .\r(٢) انظر الحديث فى: السنن الكبرى للبيهقى (٩/ ٢٢١) ، دلائل النبوة للبيهقى (٤/ ١٤٥) .\r(٣) الدنية: الذل والصغار والخسيس من الأمر.\r(٤) انظر الحديث فى: صحيح مسلم (١٤١٢، ٢١٥١) ، السلسلة الصحيحة للألبانى (٣١٣) ، صحيح البخارى (٤/ ٢٦، ١٢٥) ، المعجم الكبير للطبرانى (٦/ ١٠٩، ٨/ ٢٧٥) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٣/ ٣١٢، ٥/ ٦٧) ، كنز العمال للمتقى الهندى (١٧٩٠٥، ٢٩٩٩٣، ٣٠١٥٤، ٣٧١٥٥) ، فتح البارى لا بن حجر (٧/ ٨) ، الطبقات الكبرى لابن سعد (١/ ١/ ٢٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083908,"book_id":3509,"shamela_page_id":471,"part":"1","page_num":469,"sequence_num":471,"body":"نعطى الدنية فى ديننا؟! قال: «أنا عبد الله ورسوله لن أخالف أمره ولن يضيعنى» «١» .\rفكان عمر يقول: مازلت أتصدق واصوم واصلى وأعتق من الذى صنعت- يومئذ- مخافة كلامى الذى تكلمت به حين رجوت أنه يكون خيرا.\rثم دعا رسول الله ﷺ على بن أبى طالب رضى الله عنه فقال اكتب: «بسم الله الرحمن الرحيم» «٢» ، فقال سهيل بن عمرو: لا أعرف هذا، ولكن اكتب: باسمك اللهم.\rفقال رسول الله ﷺ: «اكتب باسمك اللهم» «٣» . فكتبها ثم قال: «اكتب: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو» . فقال سهيل: لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك. فقال رسول الله ﷺ: «اكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو. اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين، يأمن فيهن الناس ويكف بعضهم عن بعض، على أنه من أتى محمدا من قريش بغير إذن وليه رده عليهم، ومن جاء قريشا ممن مع محمد لم يردوه عليه، وأن بيننا عيبة مكفوفة، وأنه لا إسلال ولا إغلال «٤» ، وأنه من أحب أن يدخل فى عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل فى عقد قريش وعهدهم دخل فيه» «٥» .\rفتواثبت خزاعة فقالوا: نحن فى عقد محمد وعهده. وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن فى عقد قريش وعهدهم.","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (٥/ ٢٠١) ، صحيح مسلم فى كتاب النكاح (١٣٥) ، السنن الكبرى للبيهقى (٧/ ٢٢٩) ، التاريخ الكبير للبخارى (٣/ ٢١٧) ، تفسير ابن كثير (٤/ ٦٩، ٧/ ٣٣٠) ، زاد المسير لابن الجوزى (٧/ ٤٢٥) ، موارد الظمآن للهيثمى (١٣٠٥، ١٧٠٥، ٢١٢٨) ، البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ٣٥٦) ، الطبقات الكبرى لابن سعد (٢/ ١/ ١٠٩، ١١٣) .\r(٢) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (٣/ ٢٦٨، ٤/ ٨٦، ٣٢٥، ٣٣٠) ، السنن الكبرى للبيهقى (٩/ ٢٢٠، ٢٢٧) ، مصنف عبد الرزاق (٩٧٢٠) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٦/ ١٤٥، ١٤٦) ، تفسير ابن كثير (١/ ٣٦، ٧/ ٣٢٤) ، تفسير الطبرى (٢٦/ ٥٩، ٦٣) ، فتح البارى لابن حجر (٧/ ٥٠٢) ، كنز العمال للمتقى الهندى (١٦٢٧، ٣٠١٥١، ٣٠١٥٤) ، البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ١٧٥) .\r(٣) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (٤/ ٨٦، ٣٢٥، ٣٣٠) ، تفسير ابن كثير (٧/ ٣٢٤) ، تفسير الطبرى (٢٦، ٥٩، ٦٣) ، فتح البارى لابن حجر (٥/ ٣٣١، ٧/ ٥٠٢) ، كنز العمال للمتقى الهندى (٣٠١٥٤) .\r(٤) الأسلال: أى السرقة الخفية. والأغلال: أى الخيانة.\r(٥) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (١/ ٣٤٢، ٤/ ٨٧) ، تفسير الطبرى (١٣/ ١٠١) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083909,"book_id":3509,"shamela_page_id":472,"part":"1","page_num":470,"sequence_num":472,"body":"«وأنك ترجع عنا عامك هذا فلا تدخل علينا مكة، وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنها فدخلتها بأصحابك فأقمت بها ثلاثا معك سلاح الراكب: السيوف فى القرب لا تدخلها بغيرها» .\rفبينا رسول الله يكتب الكتاب هو وسهيل بن عمرو إذ جاء أبو جندل ابن عمرو يرسف «١» فى الحديد قد انفلت إلى رسول الله ﷺ.\rوقد كان أصحاب رسول الله ﷺ خرجوا وهم لا يشكون فى الفتح لرؤيا رآها رسول الله ﷺ، فلما رأوا ما رأوا من الصلح والرجوع وما يحمل عليه رسول الله ﷺ فى نفسه دخل الناس من ذلك أمر عظيم حتى كادوا يهلكون.\rفلما رأى سهيل أبا جندل قام إليه فضرب وجهه وأخذ بتلبيبة ثم قال: يا محمد، قد لجت القضية بيتى وبينك قبل أن يأتيك هذا. قال: صدقت. فجعل ينتره بتلبيبه ويجره ليرده إلى قريش، وجعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته: يا معشر المسلمين، أرد إلى المشركين يفتنونى فى دينى؟! فزاد الناس ذلك إلى ما بهم.\rفقال رسول الله ﷺ: «يا أبا جندل اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك من المسلمين فرجا ومخرجا، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صالحا وأعطيناهم على ذلذك وأعطونا عهد الله، وإنا لا نغدرهم» «٢» .\rفوثب عمر بن الخطاب مع أبى جندل يمشى إلى جنبه ويقول: اصبر يا أبا جندل، فإنما هم المشركون وإنما دم أحدهم دم كلب! - ويدنى قائم السيف منه- يقول عمر:\rرجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه، فضن الرجل بأبيه ونفذت القضية.\rفلما فرغ من الكتاب اشهد رجالا من المسلمين ورجالا من المشركين، أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن سهيل بن عمرو، وسعد ابن أبى وقاص ومحمود بن مسلمة، ومكرز بن حفص وهو مشرك وعلى بن أبى طالب وهو كان كاتب الصحيفة.\rوكان رسول الله ﷺ مضطربا فى الحل وكان يصلى فى الحرم، فلما فرغ من الصلح","footnotes":"(١) انظر ترجمته فى: الثقات (٥/ ٥٦٨) ، الإصابة ترجمة رقم (٩٦٩٩) ، أسد الغابة ترجمة رقم (٥٧٧٥) .\r(٢) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (٤/ ٣٢٥) ، تفسير ابن كثير (٧/ ٣٣٠) ، تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر (٧/ ١٣٥) ، البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ١٦٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083910,"book_id":3509,"shamela_page_id":473,"part":"1","page_num":471,"sequence_num":473,"body":"قام إلى هديه فنحره ثم جلس فحلق رأسه وأهدى عامئذ فى هداياه جملا لأبى جهل فى رأسه برة من فضة ليغيظ بذلك المشركين. فلما رآه الناس قد نحر وحلق تواثبوا ينحرون ويحلقون، وكان فيهم- يومئذ- من قصر فقال فقال رسول الله ﷺ: «يرحم الله المحلقين» . قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: «يرحم الله المحلقين» . قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: «يرحم الله المحلقين» «١» . قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال:\r«والمقصرين» «٢» . فقالوا: يا رسول الله، فلم ظاهرت الترحيم للمحلقين دون المقصرين؟\rقال: «لم يشكوا» «٣» .\rثم انصرف رسول الله ﷺ من جهة ذلك قافلا، حتى إذا كان بين مكة والمدينة نزلت سورة الفتح: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً.\rثم ذكر القصة فيه وفى أصحابه، حتى إذا انتهى إلى ذكر البيعة فقال: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً. ثم ذكر من تخلف عنهم من الأعراب فاستوفى قصتهم. ثم قال: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ. عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً. ثم قال: وَهُوَ","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (١/ ٣٥٣، ٢/ ١٦، ٤/ ٧٠، ٦/ ٤٠٢) ، السنن الكبرى للبيهقى (٥/ ١٣٤) ، مشكل الآثار للطحاوى (٢/ ١٤٤) ، تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر (٢/ ١٠١) ، كنز العمال للمتقى الهندى (١٢٧٣٨، ١٢٧٣٩) ، البدآية والنهاية لابن كثير (٤/ ١٦٩، ٥/ ١٨٩) ، مصنف ابن أبى شيبة (١٤/ ٤٥٢، ٤٥٣) ، دلائل النبوة للبيهقى (٤/ ١٥١) .\r(٢) انظر الحديث فى: صحيح مسلم (٩٤٥، ٦٤٩) ، سنن الترمذى (٩١٢) ، سنن ابن ماجه (٣٠٤٤) ، مسند الإمام أحمد (١/ ٢٥٣، ٢/ ٧٩، ١٣٨، ٢٣١، ٤١١، ٤/ ٧٠، ٥/ ٣٨١، ٦/ ٣٩٣، ٤٠٢) ، سنن الدارمى (٢/ ٦٤) ، مصنف ابن أبى شيبة (١٤/ ٤٥٢، ٤٥٣) ، موطأ مالك (٣٩٥) ، دلائل النبوة للبيهقى (٤/ ١٥١) ، المعجم الكبير للطبرانى (١٩/ ٢٧٥) ، شرح السنة للبغوى (٧/ ٢٠٢) .\r(٣) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (١/ ٣٥٣) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083911,"book_id":3509,"shamela_page_id":474,"part":"1","page_num":472,"sequence_num":474,"body":"الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً، يعنى النفر الذين وجهت قريش بهم ليصيبوا من أصحاب رسول الله ﷺ أحدا فلم ينالوا شيئا وأخذوا لرسول الله ﷺ بجملتهم وسيقوا إليه فخلى سبيلهم.\rثم قال بعد: إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ يعنى سهيل ابن عمرو حين حمى أن يكتب: بسم الله الرحمن الرحيم. وأن محمدا رسول الله:\rفَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها، أى التوحيد: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبد ورسوله.\rثم قال: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا أى لرؤيا رسول الله ﷺ التى رأى أنه سيدخل مكة آمنا لا يخاف. وقد قال لرسول الله ﷺ لما قدم المدينة بعض من كان معه: ألم تقل يا رسول الله أنك تدخل مكة آمنا؟ قال: «بلى» ، قال:\r«أفقلت لكم من عامى هذا؟» قالوا: لا. قال: «فهو كما قال لى جبريل» «١» فحقق له سبحانه من موعده ما أنجزه له بعد وصدقه بقوله جل قوله: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ معه فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً صلح الحديبية.\rيقول الزهرى: فما فتح فى الإسلام فتح قبله كان أعظم منه، إنما كان القتال حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنة ووضعت الحرب وأمن الناس كلهم بعضهم بعضا والتقوا فتفاوضوا فى الحديث والمنازعة، فلم يكلم أحد بالإسلام يعقل شيئا إلا دخل فيه، فلقد دخل فى تينك السنتين مثل من كان فى الإسلام قبل ذلك وأكثر.\rقال ابن هشام «٢» : والدليل على ما قال الزهرى أن رسول الله ﷺ خرج إلى الحديبية فى ألف وأربعمائة فى قول جابر بن عبد الله ثم خرج عام فتح مكة بعد ذلك بسنتين فى عشرة آلاف.\rوذكر ابن عقبة أنه لما كان صلح الحديبية قال رجال من أصحاب رسول الله ﷺ: ما هذا بفتح، لقد صددنا عن البيت وصد هدينا. فبلغ رسول الله ﷺ قول أولئك فقال:","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (٤/ ٣٣١) ، تفسير ابن كثير (٨/ ١٢٠) .\r(٢) انظر السيرة (٣/ ٢٩٦) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083912,"book_id":3509,"shamela_page_id":475,"part":"1","page_num":473,"sequence_num":475,"body":"«بئس الكلام هذا، بل هو أعظم الفتوح، قد رضى المشركون أن يدفعوكم بالراح عن بلادهم ويسألوكم القضية ويرغبوا إليكم فى الأمان، وقد رأوا منكم ما كرهوا وأظفركم الله عليهم وردكم سالمين مأجورين، فهو أعظم الفتوح، أتنسون يوم أحد إذ تصعدون ولا تلوون على أحد وأنا أدعوكم فى أخراكم؟! أنسيتم يوم الأحزاب إذ جاؤكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا؟» «١» فقال المسلمون: صدق الله ورسوله فهو أعظم الفتوح، والله ما فكرنا فيما فكرت فيه، ولأنت أعلم بالله وأمره منا.\rوفى الصحيح من حديث سهل بن حنيف أنه قال يوم صفين: يا أيها الناس اتهموا رأيكم على دينكم، فلقد رأيتنى يوم أبى جندل ولو أستطيع أن أراد أمر رسول الله ﷺ لرددته والله ورسوله أعلم.\rوخرج البخارى من حديث البراء بن عازب قال: تعدون أنتم الفتح فتح مكة وقد كان فتح مكة فتحا، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية، كنا مع رسول الله ﷺ أربع عشرة مائة والحديبية بئر، فنزحناها فلم نترك فيها قطرة، فبلغ ذلك النبى ﷺ فأتاها فجلس على شفيرها ثم دعا بإناء من ماء فتوضأ ثم مضمض ودعا ثم صبه فيها فتركناها غير بعيد، ثم إنها أصدرتنا ما شئنا نحن وركابنا.\rوعن سالم بن أبى الجعد عن جابر بن عبد الله قال: عطش الناس يوم الحديبية ورسول الله ﷺ بين يديه ركوة فتوضأ منها ثم أقبل الناس نحوه فقالوا: يا رسول الله، ليس عندنا ماء نتوضأ به ولا يشرب إلا ما فى ركوتك. قال: فوضع النبى ﷺ يده فى الركوة فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون. قال: فشربنا وتوضانا؛ فقلت لجابر كم كنتم يومئذ؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة «٢» .","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (٤/ ١٦٠) ، الدر المنثور للسيوطى (٦/ ٦٨) .\r(٢) الحديث عن نبع الماء من بين أصابع النبى ﷺ وانبجاسه وتدفقه وفورانه متعدد المواضع لتكرر حدوثه، وهو محكى فى البخارى الصحيح ج ١ ص ٨٩، ١٠٠، ١٠٢ (كتاب الوضوء) ، ج ٥ ص ٣٥، ٣٦، ٣٨ (كتاب المناقب) ، ج ٤ ص ٢٦٠، (باب غزوة الحديبية) ، مسلم. الجامع الصحيح ج ٢ ص ١٣٨- ١٤١ (كتاب المساجد، باب قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها) ، ج ٧ ص ٥٩ (كتاب الفضائل، باب معجزات النبى ﷺ ، ج ٨ ص ٢٣٥، ٢٣٦ (كتاب الزهد والرقائق، حديث جابر الطويل وقصة أبى اليسر) . وراجع: ابن جماعة، المختصر الصغير (ص ٦٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083913,"book_id":3509,"shamela_page_id":476,"part":"1","page_num":474,"sequence_num":476,"body":"وذكر ابن عقبة عن ابن عباس قال: لما رجع رسول الله ﷺ من الحديبية كلمة بعض أصحابه فقالوا: جهدنا وفى الناس ظهر فانحروه لنا فلنأكل من لحومه ولندهن من شحومه ولنحتذ من جلوده. فقال عمر: لا تفعل يا رسول الله، فإن الناس إن يكن فيهم بقية ظهر أمثل. فقال رسول الله ﷺ: «ابسطوا أنطاعكم وعباءكم» «١» ففعلوا، ثم قال:\r«من كان عنده بقية من زاد وطعام فلينثره» ودعا لهم، ثم قال لهم: «قربوا أوعيتكم» «٢» .\rفأخذوا ما شاؤا.\rقال ابن إسحاق «٣» : ولما قدم رسول الله ﷺ المدينة- يعنى من الحديبية- أتاه أبو بصير عتبة بن أسيد بن حارثة «٤» - وكان ممن حبس بمكة- فكتب فيه أزهر بن عبد عوف والأخنس بن شريق إلى رسول الله ﷺ وبعثا رجلا من بنى عامر بن لؤى ومعه مولى لهم، فقدما على رسول الله ﷺ بالكتاب، فقال ﷺ: «يا أبا بصير، إنا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت ولا يصلح لنا فى ديننا الغدر، وإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا» «٥» .\rفانطلق معهما حتى إذا كان بذى الحليفة جلس إلى جدار وجلس معه صاحباه، فقال أبو بصير. أصارم سيفك هذا يا أخا بنى عامر؟ فقال: نعم. قال أنظر إليه قال: إن شئت فاستله أبو بصير ثم علاه به حتى قتله.\rوذكر ابن عقبة أن الرجل هو الذى سل سيفه ثم هزه فقال: لأضربن بسيفى هذا فى الأوس والخزرج يوما إلى الليل، فقال له أبو بصير: وصارم سيفك هذا؟ فقال: نعم.\rفقال: ناولنيه أنظر إليه؛ فناوله إياه، فلما قبض عليه ضربه به حتى برد. قال: ويقال: بل تناول أبو بصير سيف الرجل بفيه وهو نائم فقطع إساره ثم ضربه به حتى برد، وطلب الآخر، فجمز مرعوبا مستخفيا حتى دخل المسجد ورسول الله ﷺ جالس فيه يطن الحصباء من شدة سعيه، فقال رسول الله ﷺ حين رآه: «لقد رأى هذا ذعرا» . قال ابن","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (٥/ ٣٥٤) ، دلائل النبوة للبيهقى (٤/ ١١٦) ، إتحاف السادة المتقين للزبيدى (٥/ ٤٧٩) ، فتح البارى لابن حجر (٨/ ٤٦) .\r(٢) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (٤/ ١١٩) .\r(٣) انظر السيرة (٣/ ٢٩٦) .\r(٤) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (٩٦٣٣) ، أسد الغابة ترجمة رقم (٥٧٣٤) .\r(٥) انظر الحديث فى: السنن الكبرى للبيهقى (٩/ ٢٢٧) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083914,"book_id":3509,"shamela_page_id":477,"part":"1","page_num":475,"sequence_num":477,"body":"إسحاق: فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ قال: «ويحك مالك؟» «١» قال: قتل صاحبكم صاحبى.\rفو الله ما برح حتى طلع أبو بصير متوشحا السيف فقال: يا رسول الله، وفت ذمتك وأدى الله عنك، أسلمتنى بيد القوم وقد امتنعت بدينى أن أفتن فيه أو يعبث بى. فقال رسول الله ﷺ: «ويلمه محش حرب «٢» لو كان معه رجال» «٣» .\rثم خرج أبو بصير حتى نزل العيص من ناحية المروة على ساحل البحر بطريق قريش التى كانوا يأخذوا إلى الشام، وبلغ المسلمين الذين كانوا احتسبوا بمكة قول رسول الله ﷺ لأبى بصير: «ويلمه محش حرب لو كان معه رجال» فخرجوا إلى أبى بصير بالعيص، فاجتمع إليه قريب من سبعين رجلا منهم.\rوذكر موسى بن عقبة أن أبا جندل بن سهيل بن عمرو الذى رد على قريش مكرها يوم القضية هو الذى انفلت فى سبعين راكبا أسلموا وهاجروا فلحقوا بأبى بصير وكرهوا الثواء بين أظهر قومهم، فنزلوا مع أبى بصير فى منزل كريه إلى قريش فقطعوا مادتهم من طريق الشام. قال: وكان أبو بصير- زعموا- وهو فى مكانه ذلك يصلى لأصحابه، فلما قدم عليهم أبو جندل كان هو يؤمهم.\rواجتمع إلى أبى جندل ناس من غفار وأسلم وجهينه وطوائف من العرب حتى بلغوا ثلاثمائة مقاتل وهم مسلمون، فأقاموا مع أبى جندل وأبى بصير، لا يمر بهم عير لقريش إلا اخذوها وقتلوا أصحابها. وقال فى ذلك أبو جندل فيما ذكره غير ابن عقبة:\rأبلغ قريشا عن أبى جندل ... أنا بذى المروة بالساحل\rفى معشر تخفق أيمانهم ... بالبيض فيها والقنا الذابل\rيأبون أن يبقى لهم رفقة ... من بعد إسلامهم الواصل\rأو يجعل الله لهم مخرجا ... والحق لا يغلب بالباطل\rفيسلم المرء بإسلامه ... أو يقتل المرء ولم يأتل","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: سنن أبو داود (٤٥١٩) ، السنن الكبرى للبيهقى (٤/ ٢٢٦) .\r(٢) محش حرب: أى أنه يوقد الحرب ويهيجها ويشعل نارها.\r(٣) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (٣/ ٢٥٧) ، سنن أبى داود فى كتاب الجهاد باب (١٦٧) ، مسند الإمام أحمد (٤/ ٣٣١) ، السنن الكبرى للبيهقى (٩/ ٢٢١، ٢٢٢، ٢٢٦، ٢٢٨) ، دلائل النبوة للبيهقى (٤/ ١٠٧، ٦٧٣) ، الدر المنثور للسيوطى (٦/ ٧٨) ، البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ١٧٦) ، مصنف عبد الرزاق (٩٧٢٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083915,"book_id":3509,"shamela_page_id":478,"part":"1","page_num":476,"sequence_num":478,"body":"فأرسلت قريش إلى رسول الله ﷺ أبا سفيان بن حرب يسألونه ويتضرعون إليه أن يبعث إلى أبى بصير وإلى أبى جندل بن سهيل ومن معهم فيقدموا عليه وقالوا: من خرج منا إليك فأمسكه فى غير حرج، فإن هؤلاء الركب قد فتحوا علينا بابا لا يصلح إقراره.\rفلما كان ذلك من أمرهم علم الذين كانوا أشاروا على رسول الله ﷺ أن يمنع أبا جندل من ابيه بعد القضية أن طاعة رسول الله خير فيما أحبوا وفيما كرهوا، وأن رأيه أفضل من رأيهم ومن رأى من ظن أن له قوة ورأيا، وعلم أن ما خص الله به نبيه من العون والكرامة أفضل.\rوكتب رسول الله ﷺ إلى أبى جندل وأبى بصير يأمرهم أن يقدموا عليه ويأمر من معهما من المسلمين أن يرجعوا إلى بلادهم وأهليهم ولا يعرضوا لأحد مر بهم من قريش وعيراتها، فقدم كتاب رسول الله ﷺ زعموا- على أبى جندل وأبى بصير وأبو بصير يموت، فمات وكتاب رسول الله ﷺ فى يده يقترئه. فدفنه أبو جندل مكانه وجعل عند قبره مسجدا.\rوقدم أبو جندل على رسول الله ﷺ معه أناس من أصحابه ورجع سائرهم إلى أهليهم وأمنت عيرات قريش.\rفلم يزل أبو جندل مع رسول الله ﷺ وشهد ما أدرك من المشاهد بعد ذلك وشهد الفتح، ورجع مع رسول الله ﷺ فلم يزل معه بالمدينة حتى توفى صلوات الله عليه وسلامه وقدم أبوه سهيل بن عمرو المدينة أول إمارة عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- فمكث بها أشهر ثم خرج مجاهدا إلى الشام وخرج معه ابنه أبو جندل، فلم يزالا مجاهدين حتى ماتا جميعا هناك، يرحمهما الله.\rوهاجرت إلى رسول الله ﷺ فى تلك المدة أم كلثوم بنت عقبة بن أبى معيط «١» ، فخرج أخواها عمارة والوليد ابنا عقبة حتى قدما على رسول الله ﷺ يسألانه أن يردها عليهما بالعهد الذى بينه وبين قريش فى الحديبية، فلم يفعل، أبى الله ذلك وأنزل فيه على رسوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَ","footnotes":"(١) انظر ترجمتها فى: الإصابة ترجمة رقم (١٢٢٣١) ، أسد الغابة ترجمة رقم (٧٥٨٥) ، الطبقات الكبرى (٨/ ٢٣٠) ، تهذيب التهذيب (١٢/ ٤٧٦) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083916,"book_id":3509,"shamela_page_id":479,"part":"1","page_num":477,"sequence_num":479,"body":"أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا ذلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [الممتحنة: ٩- ١٠] .\r\rغزوة خيبر\rولما قدم رسول الله ﷺ المدينة من الحديبية مكث بها ذا الحجة منسلخ سنة ست، وبعض المحرم من سنة سبع.\rثم خرج فى بقية منه إلى خيبر غازيا.\rوكان الله وعده إياها وهو بالحديبية بقوله عز من قائل: وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ [الفتح: ٢٠] يعنى بالمعجل صلح الحديبية، والمغانم الموعود بها فتح خيبر.\rفخرج إليها رسول الله ﷺ مستنجزا ميعاد ربه وواثقا بكفايته ونصره، ودفع الراية إلى على بن أبى طالب- وكانت بيضاء- فسلك على عصر فبنى له فيها مسجدا، ثم على الصهباء، ثم أقبل بجيشه حتى نزل به بواد يقال له الرجيع فنزل بينهم وبين غطفان ليحول بينهم وبين أن يمدوا أهل خيبر وكانوا لهم مظاهرين على رسول الله ﷺ، فذكر أن غطفان لما سمعت منزله من خيبر جمعوا ثم خرجوا ليظاهروا يهود عليه حتى إذا ساروا منقلة سمعوا خلفهم فى أموالهم وأهليهم حسا ظنوا أن القوم قد خالفوا إليهم، فرجعوا على أعقابهم فأقاموا فى أهليهم وأموالهم وخلوا بين رسول الله ﷺ وخيبر.\rقال أبو معتب بن عمرو: لما أشرف رسول الله ﷺ على خيبر قال لأصحابه وأنا فيهم: «قفوا» «١» . ثم قال: «اللهم رب السموات السبع وما أظللن، ورب الأرضين السبع وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما أذرين، فإنا نسألك خير هذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها، ونعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها» ثم قال: «أقدموا بسم الله» «٢» . قال: وكان يقولها لكل قرية دخلها.","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: مجمع الزوائد للهيثمى (١/ ١٣٤) .\r(٢) انظر الحديث فى: مستدرك الحاكم (١/ ٤٤٦، ٢/ ١٠٠) ، تفسير القرطبى (٨/ ١٧٥) ، مشكل الآثار للطحاوى (٢/ ٣١٢، ٣/ ٢١٥) ، زاد المسير لابن الجوزى (٨/ ٢٩٩) ، الدر المنثور للسيوطى (٤/ ٢٢٤) ، التاريخ الكبير للبخارى (٦/ ٤٧٢) ، المعجم الكبير للطبرانى (٨/ ٣٩) ، البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ١٨٣) ، دلائل النبوة للبيهقى (٤/ ٢٠٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083917,"book_id":3509,"shamela_page_id":480,"part":"1","page_num":478,"sequence_num":480,"body":"وقال أنس بن مالك: كان رسول الله ﷺ إذا غزا قوما لم يغر عليهم حتى يصبح، فإن سمع أذانا أمسك وإن لم يسمع أذانا أغار، فنزلنا خيبر ليلا، فبات رسول الله ﷺ حتى إذا اصبح لم يسمع أذانا فركب وركبنا معه، فركبت خلف أبى طلحة وإن قدمى لتمس قدم رسول الله ﷺ واستقبلنا عمال خيبر غادين قد خرجوا بمساحيهم ومكاتلهم، فلما رأوا رسول الله ﷺ والجيش قالوا: محمد والخميس معه. فأدبروا هرابا، فقال رسول الله ﷺ: «الله أكبر، خربت حيبر! إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين» «١» .\rقال ابن إسحاق «٢» : وتدنى رسول الله ﷺ الأموال يأخذها مالا مالا ويفتحها حصنا حصنا، فكان أول حصونهم افتتح حصن ناعم، وعنده قتل محمود بن مسلمة، ألقيت عليه رحى منه فقتله، ثم القموص حصن أبى الحقيق، وأصاب رسول الله ﷺ منهم سبايا منهن صفية بنت حيى بن أخطب، وكانت عند كنانة بن الربيع بن أبى الحقيق وبنتى عم لها، فاصطفى صفية لنفسه بعد أن سأله إياها دحية بن خليفة الكلبى، فلما اصطفاها لنفسه أعطاه ابنتى عمها، وكان بلال هو الذى جاء بصفية وبأخرى معها فمر بها على قتلى من قتلى يهود، فلما رأتهم التى مع صفية صاحت وصكت وجهها وحثت التراب على رأسها، فلما رآها رسول الله ﷺ قال: «أغربوا عنى هذه الشيطانة» «٣» ، وأمر بصفية فحيزت خلفه وألقى عليها رداؤه، فعرف المسلمون أنه قد اصطفاها لنفسه، فذكر أن رسول الله ﷺ قال لبلال حين رأى بتلك اليهودية ما رأى: «أنزعت منك الرحمة يا بلال حين تمر بامراتين على قتلى رجالهما؟!» «٤» .\rوكانت صفية قد رأت فى المنام وهى عروس بكنانة بن الربيع بن أبى الحقيق أن قمرا وقع فى حجرها، فعرضت رؤياها على زوجها فقال: ما هذا إلا أنك تمنين ملك الحجاز محمدا! فلطم وجهها لطمة حضر عينها منها. فأتى بها رسول الله ﷺ وبها أثر منه فسألها ما هو فأخبرته الخبر.","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (١/ ١٠٤، ١٥٩، ٢/ ١٩، ٤/ ٥٨، ٢٥٣) ، صحيح مسلم (١٠٤٣، ١٠٤٤) ، سنن النسائى (٦/ ١٣٢) ، مسند الإمام أحمد (٢/ ١٠٢، ١٦٤، ١٨٦، ٢٤٦، ٢٦٣) ، السنن الكبرى للبيهقى (٢/ ٢٣٠، ٩/ ٥٥، ٧٩، ٨٠، ١٥٢) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٦/ ٢١٥) ، موطأ مالك (٤٦٩) ، مصنف ابن أبى شيبة (١٤/ ٤٦١) ، الطبقات الكبرى لابن سعد (٢/ ١/ ٧٧، ٧٩) ، البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ١٨٣، ١٨٤، ١٩٦) ، دلائل النبوة للبيهقى (٤/ ٢٠٣، ٢٢٧) .\r(٢) انظر السيرة (٣/ ٣٠٤) .\r(٣) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ١٩٧) .\r(٤) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ١٩٧) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083918,"book_id":3509,"shamela_page_id":481,"part":"1","page_num":479,"sequence_num":481,"body":"ولما أعرس بها رسول الله ﷺ بخيبر أو ببعض الطريق وبات بها فى قبة له، بات أبو أيوب الأنصارى متوشحا السيف يحرسه ويطيف بالقبة حتى أصبح رسول الله ﷺ، فلما رأى مكانه قال: «ما لك يا أبا أيوب؟» قال: يا رسول الله خفت عليك من هذه المرأة، وكانت امرأة قد قتلت أباها وزوجها وقومها وكانت حديثة عهد بكفر فخفتها عليك.\rفزعموا أن رسول الله ﷺ قال: «اللهم احفظ أبا أيوب كما بات يحفظنى» «١» .\rوأتى رسول الله ﷺ بكنانة بن الربيع- وكان عنده كنز بنى النضير- فساله عنه فجحد أن يكون يعلم مكانه، فأتى رسول الله ﷺ برجل من يهود فقال: إنى رأيت كنانة يطيف بهذه الخربة كل غداة. فقال رسول الله ﷺ لكنانة: أرأيت إن وجدناه عندك أقتلك؟ قال: نعم. فأمر رسول الله ﷺ بالخربة فحفرت فأخرج منها بعض كنزهم ثم سأله ما بقى فأبى أن يريه، فأمر به الزبير بن العوام فقال: عذبه حتى تستأصل ما عنده. فكان الزبير يقدح بزند فى صدره حتى أشرف على نفسه ثم دفعه رسول الله ﷺ إلى محمد بن مسلمة فضرب عنقه بأخيه محمود بن مسلمة.\rوفشت السبايا من خيبر فى المسلمين وأكل المسلمون لحوم الحمر من حمرها.\rقال ابن عقبة: كانت أرضا وخيمة شديدة الجهد، فجهد المسلمون جهدا شديدا وأصابهم مسغبة شديدة فوجدوا أحمرة إنسية ليهود لم يكونوا أدخلوها الحصن فانتحروها، ثم وجدوا فى أنفسهم من ذلك، فذكروها لرسول الله ﷺ فنهاهم عن أكلها.\rقال أبو سليط فيما ذكر ابن إسحاق: أتانا نهى رسول الله ﷺ عن أكل لحوم الحمر الإنسية والقدور تفور بها فكأناها على وجوهها.\rوذكر- أيضا- أن رسول الله ﷺ قام- يومئذ- فى الناس فنهاهم عن أمور سماها لهم، قال مكحول: نهاهم- يومئذ- عن أربع: عن إتيان الحبالى من النساء، وعن أكل الحمار الأهلى، وعن أكل كل ذى ناب من السباع، وعن بيع المغانم حتى تقسم.\rوحدث جابر بن عبد الله ولم يشهد خيبر: أن رسول الله ﷺ حين نهى الناس عن أكل لحوم الحمر أذن لهم فى لحوم الخيل.","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: كنز العمال للمتقى الهندى (٣٧٨٠٥) ، البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ٢١٢) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083919,"book_id":3509,"shamela_page_id":482,"part":"1","page_num":480,"sequence_num":482,"body":"وافتتح رويفع بن ثابت قرية من قرى المغرب يقال لها: جربه، فقاك خطيبا فقال: يا أيها الناس، إنى لا أقول لكم إلا ما سمعت من رسول الله ﷺ يقول فينا يوم خيبر، قام فينا فقال: «لا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أ، يصيب امرأة من السبى حتى يستبرئها، ولا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيع مغنما حتى يقسم، ولا يحل لامرئ يؤمن يالله واليوم الآخر أن يركب دابة من فىء المسلمين حتى إذا أعجفها ردها فيه، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يلبس ثوبا من فىء المسلمين حتى إذا أخلقه رده فيه» » .\rوقال عبادة بن الصامت: نهانا رسول الله ﷺ يوم خيبر أن نبيع أو نبتاع تبر الذهب بالذهب العين، وتبر الفضة بالورق العين، وقال: «ابتاعوا تبر الذهب بالورق العين، وتبر الفضة بالذهب العين» .\rولما أصاب المسلمين بخيبر ما أصابهم من الجهد أتى بنو سهم من أسلم رسول الله ﷺ. فقالوا: يا رسول الله، لقد جهدنا وما بأيدينا من شىء. فلم يجدوا عند رسول الله ﷺ شيئا يعطيهم إياه، فقال: «اللهم إنك قد عرفت حالهم وأن ليست بهم قوة وأن ليس بيدى شىء أعطيهم إياه فافتح عليهم أعظم حصونها عنهم غناء وأكثرها طعاما وودكا» «٢» . فغدا الناس وفتح الله عليهم حصن الصعب بن معاذ، وما بخيبر كان أكثر طعاما وودكا منه.\rولما افتتح رسول الله ﷺ من حصونهم ما افتتح وحاز من الأموال ما حاز انتهوا إلى حصنيهم «الوطيح» و «السلالم» وكانا آخر حصون أهل خيبر افتتاحا، فحاصرهم رسول الله ﷺ بضع عشرة ليلة، وخرج مرحب اليهودى من حصنهم قد جمع سلاحه وهو ينادى: من يبارز، ويرتجز:\rقد علمت خيبر أنى مرحب ... شاكى السلاح بطل مجرب\rأطعن أحيانا وحينا أضرب ... إذا الليوث أقبلت تحرب\rإن حماى للحمى لا يقرب","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: سنن أبى داود (٢١٥٨، ٢١٥٩) ، مسند الإمام أحمد (٤/ ١٠٨، ٦/ ٣٨٥) ، إرواء الغليل للألبانى (١/ ٢٠١) ، شرح السنة للبغوى (٩/ ٣٢١) ، تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر (٤/ ٣٠) ، البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ١٩٢) ، السنن الكبرى للبيهقى (٩/ ١٢٤) .\r(٢) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (٤/ ٢٢٣) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083920,"book_id":3509,"shamela_page_id":483,"part":"1","page_num":481,"sequence_num":483,"body":"فأجابه كعب بن مالك فقال:\rقد علمت خيبر أنى كعب ... مفرج الغمى جرىء صلب\rحيث تشب الحرب ثم الحرب ... معى حسام كالعقيق عضب\rنطؤكم حتى يذل الصعب ... نعطى الجزاء أو يفاء النهب\rبكف ماض ليس فيه عتب\rفقال رسول الله ﷺ: «من لهذا؟» قال محمد بن مسلمة: أنا له يا رسول الله، أنا والله الموتور الثائر، قتل أخى بالأمس. قال: «فقم إليه، اللهم أعنه عليه» «١» . فلما دنا أحدهما من صاحبه دخلت بينهما شجرة عمرية من شجر العشر فجعل أحدهما يلوذ بها من صحابه، كلما لاذ بها منه اقتطع صاحبه بسيفه ما دونه منها، حتى برز كل واحد منهما لصاحبه وصارت بينهما كالرجل القائم ما فيها فنن، ثم حمل مرحب على محمد بن مسلمة فاتقاه بدرقته فوقع سيفه فيها فعضت به فأمسكته، وضربه محمد بن مسلمة حتى قتله.\rثم خرج بعد مرحب أخوه ياسر وهو يقول: من يبارز؟ فخرج إليه الزبير بن العوام، فيما ذكر هشام بن عروة- فقالت أمه صفية بنت عبد المطلب: يقتل ابنى يا رسول الله، قال: بل ابنك يقتله إن شاء الله. فخرج الزبير فالتقيا فقتله الزبير.\rوحدث سلمة بن عمرو بن الأكوع قال: قال رسول الله ﷺ يوم خيبر: «لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، يفتح الله على يديه، ليس بفرار «٢» » فدعا على بن أبى طالب- رضى الله عنه- وهو أرمد فتفل فى عينيه ثم قال: «خذ هذه الراية فامض بها حتى يفتح الله عليك» «٣» . فخرج وهو يهرول بها هرولة وإنا لخلفه نتبع أثره، حتى ركز رايته فى رضم من حجارة تحت الحصن، فاطلع إليه يهودى من رأس الحصن فقال:\rمن أنت؟ قال: أنا على بن أبى طالب. قال: اليهودى: علوتم وما أنزل على موسى- أو كما قال- فما رجع حتى فتح الله على يديه.\rوقال أبو رافع، مولى رسول الله ﷺ: خرجنا مع على- رضى الله عنه- حين بعثه","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (٣/ ٣٨٥) ، السنن الكبرى للبيهقى (٩/ ١٣١) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٦/ ١٥٠) ، دلائل النبوة للبيهقى (٤/ ٢١٥) ، كنز (٣٠١٢٢) .\r(٢) انظر الحديث فى: السنة لابن أبى عاصم (٢/ ٦٠٨) ، الأسماء والصفات للبيهقى (٤٩٨) .\r(٣) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (٤/ ٢١٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083921,"book_id":3509,"shamela_page_id":484,"part":"1","page_num":482,"sequence_num":484,"body":"رسول الله ﷺ برايته، فلما دنا من الحصن خرج إليه أهله فقاتلهم فضربه رجل من يهود فطرح ترسه من يده، فتناول علىّ بابا كان عند الحصن فترس به عن نفسه، فلم يزل فى يده وهو يقاتل حتى فتح الله عليه ثم ألقاه من يده حين فرغ، فلقد رأيتنى فى نفر معى سبعة أنا ثامنهم نجهد على أن نقلب ذلك الباب فما نقلبه.\rوحدث أبو اليسر كعب بن عمرو قال: إنا لمع رسول الله ﷺ بخيبر ذات عشية إذ أقبلت غنم لرجل من يهود تريد حصنهم ونحن محاصروهم، فقال رسول الله ﷺ: «من رجل يطعمنا من هذه الغنم؟» «١» فقال أبو اليسر: أنا يا رسول الله، قال: «فافعل» . قال:\rفخرجت أشتد مثل الظليم، فلما رآنى رسول الله ﷺ موليا قال: «اللهم أمتعنا به!» «٢» قال: فأدركت الغنم وقد دخلت أولاها الحصن فأخذت شاتين من أخراها فاحتضنتهما تحت يدى ثم أقبلت بهما أشتد كأنه ليس معى شىء حتى ألقيتهما عند رسول الله ﷺ فذبحوهما فأكلوهما. فكان أبو اليسر من آخر أصحاب رسول الله ﷺ موتا، فكان إذا حدث هذا الحديث بكى ثم قال: أمتعوا بى لعمرى حتى كنت من آخرهم!\rوحاصر رسول الله ﷺ أهل خيبر فى حصنيهم «الوطيح» و «السلالم» حتى إذا أيقنوا بالهلكة سألوه أن يسيرهم وأن يحقن لهم دماءهم ففعل. وكان رسول الله ﷺ قد حاز الأموال كلها: الشق ونطاة والكتيبة؛ وجميع حصونهم إلا ما كان من ذينك الحصنين، فلما سمع بهم أهل فدك قد صنعوا ما صنعوا بعثوا إلى رسول الله ﷺ سألوه أن يسيرهم وأن يحقن لهم دماءهم ويخلوا له الأموال ففعل.\rفلما نزل أهل خيبر على ذلك سألوا رسول الله ﷺ أن يعاملهم فى الأموال على النصف، وقالوا: نحن أعلم بها منكم وأعمر لها، فصالحهم رسول الله ﷺ على أنا إذا شئنا أن نخرجكم أخرجناكم، فصالحه أهل فدك على مثل ذلك، فكانت خيبر فيئا بين المسلمين.\rوكانت فدك خالصة لرسول الله ﷺ لأنهم لم يجلبوا عليها بخيل ولا ركاب.\rفلما اطمأن رسول الله ﷺ أهدت له زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم شاة مصلية. وقد سألت أى عضو من الشاة أحب إليه؟ فقيل لها: الذراع فأكثرت فيها من السم. ثم سمت سائر الشاة، ثم جاءت بها فلما وضعتها بين يديه تناول الذراع فلاك","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (٣/ ٤٢٧) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٦/ ١٤٩) .\r(٢) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (٣/ ٤٢٧) ، البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ١٩٥) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083922,"book_id":3509,"shamela_page_id":485,"part":"1","page_num":483,"sequence_num":485,"body":"منها مضغة فلم يسغها ومعه بشر بن البراء بن معرور قد أخذ منها كما أخذ رسول الله ﷺ، فأما بشر فأساغها وأما رسول الله ﷺ فلفظها ثم قال: «إن هذا العظم ليخبرنى أنه مسموم» «١» . ثم دعا بها فاعترفت. فقال: «ما حملك على ذلك؟» «٢» قالت: بلغت من قومى ما لم يخف عليك فقلت: إن كان ملكا استرحت منه؛ وإن نبيا فسيخبر. فتجاوز عنها رسول الله ﷺ.\rومات بشر بن البراء من أكلته التى أكل.\rوذكر ابن عقبة أن رسول الله ﷺ تناول الكتف من تلك الشاة فانتهش منها وتناول بشر عظما فانتهش منه؛ فلما استرط رسول الله ﷺ لقمته استرط بشر ما فى فيه، فقال رسول الله ﷺ: «ارفعوا أيديكم فإن كتف هذه الشاة يخبرنى أنى بغيت فيها» . فقال بشر بن البراء: والذى أكرمك لقد وجدت ذلك فى أكلتى التى أكلت فما منعنى أن ألفظها إلا أنى اعظمت أن أنغصك طعامك، فلما أسغت ما فى فيك لم أكن أرغب بنفسى عن نفسك، ورجوت أن لا تكون استرطتها وفيها بغى.\rفلم يقم بشر من مكانه حتى عاد لونه مثل الطيلسان وماطله وجعه حتى كان لا يتحول إلا ما حول.\rقال جابر بن عبد الله: واحتجم رسول الله ﷺ يومئذ- على الكاهل، حجمه أبو طيبة مولى بنى بياضة. وبقى رسول الله ﷺ بعده ثلاث سنين حتى كان وجعه الذى توفى منه، فدخلت عليه أم بشر، بنت البراء بن معرور تعوده فيما ذكر ابن إسحاق فقال لها: «يا أما بشر: إن هذه لأوان وجدت انقطاع أبهرى من الأكلة التى أكلت مع أخيك بخيبر» «٣» .","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ٢١١) .\r(٢) انظر الحديث فى: سنن ابن ماجه (٢٠٦٥) ، السنن الكبرى للبيهقى (٧/ ٣٨٦، ٩/ ١٤٧) ، مستدرك الحاكم (١/ ٤٨٣، ٣/ ٣٠١) ، المعجم الكبير للطبرانى (١/ ٢٢٧، ١١/ ٢٣٦) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٨/ ٢٩٥، ٢٩٦، ٩/ ٣٠٣، ٣٠٤) ، مصنف عبد الرزاق (١٥٢٥، ١٥٢٦) ، الطبقات الكبرى لابن سعد (٨/ ١٠٩) ، الدر المنثور للسيوطى (٣/ ٣٥٣، ٦/ ١٨٣) ، مشكاة المصابيح للتبريزى (٣٣٠٢) ، فتح البارى لابن حجر (١٧/ ٤٩٧) ، إرواء الغليل للألبانى (٧/ ١٧٩) ، تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر (٥/ ١٠٠) ، العلل المتناعية لابن الجوزى (١/ ٢٢٩) .\r(٣) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ٢١١) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083923,"book_id":3509,"shamela_page_id":486,"part":"1","page_num":484,"sequence_num":486,"body":"قال: فإن كان المسلمون ليرون أن رسول الله ﷺ مات شهيدا مع ما أكرمه الله من النبوة.\rولما فرغ رسول الله ﷺ من خيبر انصرف إلى وادى القرى فحاصر أهله ليالى ثم انصرف راجعا إلى المدينة.\rقال أبو هريرة: لما انصرفنا مع رسول الله ﷺ عن خيبر إلى وادى القرى نزلناها أصلا مع مغرب الشمس، ومع رسول الله ﷺ غلام أهداه له رفاعة بن زيد الجذامى ثم الضبيبى، فو الله إنه ليضع رحل رسول الله ﷺ إذ أتاه سهم غرب فأصابه فقتله، فقلنا:\rهنيئا له الجنة. فقال رسول الله ﷺ: «كلا والذى نفس محمد بيده، إن شملته- الآن- لتحرق عليه فى النار، كان غلها من فىء المسلمين يوم خيبر» «١» . فسمعها رجل من أصحاب رسول الله ﷺ فأتاه فقال له: يا رسول الله، أصبت شراكين لنعلين لى. فقال:\r«يقد لك مثلهما من النار» «٢» .\rوخرج مسلم فى صحيحه من حديث عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- قال: لما كان يوم خيبر أقبل نفر من صحابة النبى ﷺ فقالوا: فلان شهيد وفلان شهيد حتى مروا على رجل فقالوا: فلان شهيد. فقال رسول الله ﷺ: «كلا، إنى رأيته فى النار فى بردة غلها أو عباءة» . ثم قال: «يا بن الخطاب، أذهب فناد فى الناس: إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون» «٣» . قال: فخرجت فناديت: ألا إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون.\rوشهد خيبر مع رسول الله ﷺ نساء من نساء المسلمات، فرضخ لهن ﵇ من الفىء، ولم يضرب لهن بسهم. حدثت بنت [أبى] الصلت عن امرأة غفارية سمتها قالت: أتيت رسول الله ﷺ فى نسوة من بنى غفار وهو يسير إلى خيبر: فقلن يا رسول الله، قد أردنا الخروج معك إلى وجهك هذا فنداوى الجرحى ونعين المسلمين بما استطعنا. فقال: «على بركة الله» «٤» . قالت: فخرجنا معه، فلما افتتح خيبر رضح لنا من","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (٨/ ١٧٩) ، صحيح مسلم فى كتاب الإيمان باب (٤٨) ، رقم (١٨٣) ، السنن الكبرى للبيهقى (٩/ ١٠٠) ، مستدرك الحاكم (٣/ ٤٠) ، التمهيد لابن عبد البر (٢/ ٣) .\r(٢) انظر الحديث فى: مستدرك الحاكم (٣/ ٤٠) .\r(٣) انظر الحديث فى: صحيح مسلم، الجامع الصحيح (١/ ٧٥) ، كتاب الإيمان، باب غلظ تحريم الغلول.\r(٤) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (٦/ ٣٨٠) ، السنن الكبرى للبيهقى (٢/ ٤٠٧) ، الطبقات الكبرى لابن سعد (٨/ ٢١٤) ، البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ٢٠٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083924,"book_id":3509,"shamela_page_id":487,"part":"1","page_num":485,"sequence_num":487,"body":"الفىء وأخذ هذه القلادة التى تزين فى عنقى فأعطانيها وعلقها بيده فى عنقى، فو الله لا تفارقنى أبدا. قالت: فكانت فى عنقها حتى ماتت ثم أوصت أن تدفن معها.\rواستشهد بخيبر من المسلمين نحو من عشرين رجلا منهم عامر بن الأكوع عم سلمه ابن عمرو بن الأكوع؛ وكان رسول الله ﷺ قد قال له فى مسيره إلى خيبر: «انزل يا ابن الأكوع فخذ لنا من هناتك» «١» فنزل يرتجز برسول الله ﷺ فقال:\rوالله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا\rإنا إذا قوم بغوا علينا ... وإن أرادوا فتنة أبينا\rفأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا\rفقال رسول الله ﷺ: «يرحمك الله» «٢» . فقال عمر بن الخطاب: وجبت والله يا رسول الله لو أمتعتنا به! فقتل يوم خيبر شهيدا، وكان قتله أن سيفه رجع عليه وهو يقاتل فكلمه كلما شديدا فمات منه، فكان المسلمون قد شكوا فيه وقالوا: إنما قتله سلاحه، حتى سأل ابن أخيه سلمة رسول الله ﷺ عن ذلك وأخبره بقول الناس، فقال رسول الله ﷺ: «إنه لشهيد» «٣» ، وصلى عليه. فصلى عليه المسلمون.\rومنهم الأسود الراعى من أهل خيبر، وكان من حديثه أنه أتى رسول الله ﷺ وهو محاصر لبعض حصون خيبر ومعه غنم كان فيها أجيرا لرجل من يهود، فقال: يا رسول الله، أعرض علىّ الإسلام فعرضه عليه فأسلم. وكان رسول الله ﷺ لا يحقر أحدا أن يدعوه إلى الإسلام ويعرضه عليه، فلما أسلم قال: يا رسول الله، إنى كنت أجيرا لصاحب هذه الغنم وهى أمانة عندى فكيف أصنع بها؟ قال: «اضرب فى وجوهها فإنها سترجع إلى ربها» - أو كما قال- فقام الأسود فأخذ حفنة من الحصباء فرمى بها فى وجهها وقال: ارجعى إلى صاحبك فو الله لا أصحبك. وخرجت مجتمعة كأن سائقا يسوقها حتى دخلت الحصن، ثم تقدم الأسود إلى ذلك الحصن ليقتل مع المسلمين فأصابه حجر فقتله، وما صلى لله صلاة قط، فأتى به رسول الله ﷺ فوضع خلفه وسجى بشملة كانت عليه فالتفت إليه رسول الله ﷺ ومعه نفر من أصحابه ثم أعرض","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: السنن الكبرى للبيهقى (٤/ ١٦) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٦/ ١٤٨) ، التاريخ الكبير للبخارى (٨/ ١٠٠) ، فتح البارى لابن حجر (٧/ ٤٦٥) ، الطبقات الكبرى لابن سعد (٤/ ٢/ ٣٧) ، البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ١٨٢) .\r(٢) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ١٨٣) .\r(٣) انظر الحديث فى: السنن الكبرى للبيهقى (٤/ ١٦) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083925,"book_id":3509,"shamela_page_id":488,"part":"1","page_num":486,"sequence_num":488,"body":"عنه فقالوا: يا رسول الله، لم أعرضت عنه؟ قال: «إن معه- الآن- زوجتيه من الحور العين!» .\rوذكر ابن إسحاق «١» عن عبيد بن أبى نجيح أن الشهيد إذا ما أصيب نزلت زوجتاه من الحور العين عليه ينفضان التراب عن وجهه ويقولان: ترب الله وجه من تربك وقتل من قتلك.\rقال: ولما افتتحت خيبر كلم رسول الله ﷺ الحجاج بن علاط السلمى ثم البهزى فقال: يا رسول الله، إن لى بمكة مالا عند صاحبتى أم شيبة بنت أبى طلحة ومالا متفرقا فى تجار أهل مكة، فأذن لى يا رسول الله فأذن له؛ قال: إنه لا بد لى يا رسول الله من أن أقول. قال: قل.\rقال الحجاج: فخرجت حتى إذا قدمت مكة وجدت بثنية البيضاء رجالا من قريش يتسمعون الأخبار ويسألون عن أمر رسول الله ﷺ، وقد بلغهم أنه سار إلى خيبر وعرفوا أنها قرية الحجاز ريفا ومنعة وجالا، فهم يتحسسون الأخبار ويسألون الركبان، فلما رأونى ولم يكونوا علموا بإسلامى قالوا: الحجاج بن علاط؟ عنده والله الخبر، أخبرنا يا أبا محمد فإنه بلغنا أن القاطع سار إلى خيبر وهى بلد يهود وريف الحجاز. قلت: قد بلغنى ذلك وعندى من الخبر ما يسركم. قال: فالتبطوا بجنبى ناقتى يقولون: إيه يا حجاج؟ قلت: هزم هزيمة لم تسمعوا بمثلها قط وقتل أصحابه قتلا لم تسمعوا بمثله قط وأسر محمد أسرا، وقالوا: لا نقتله حتى نبعث به إلى مكة فيقتلونه بين أظهرهم بمن كان أصاب من رجالهم. قال: فقاموا وصاحوا بمكة وقالوا: قد جاءكم الخبر وهذا محمد إنما تنظرون أن يقدم به عليكم فيقتل بين أظهركم.\rقال: فقلت أعينونى على جمع مالى بمكة على غرمائى فإنى أريد أن أقدم خيبر فأصيب به من أهل محمد وأصحابه قبل أن يسبقنى التجار إلى ما هنالك. فقاموا فجمعوا إلى مالى كأحث جمع سمعت به وجئت صاحبتى فقلت: مالى- وقد كان لى عندها مال موضوع- لعلى ألحق بخيبر فأصيب من فرص البيع قبل أن يسبقنى التجار.\rقال: فلما سمع العباس بن عبد المطلب الخبر وجاءه عنى أقبل حتى وقف إلى جنبى وأنا فى خيمة من خيام التجار فقال: يا حجاج، ما هذا الذى جئت به؟ قلت: وهل عندك حفظ لما وضعت عندك؟ قال: نعم. قلت: فاستأخر عنى حتى ألقاك على خلاء","footnotes":"(١) انظر السيرة (٣/ ٣٢٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083926,"book_id":3509,"shamela_page_id":489,"part":"1","page_num":487,"sequence_num":489,"body":"فإنى فى جمع مالى كما ترى فانصرف عنى حتى أفرغ قال: حتى إذا فرغت من جمع كل شىء كان لى بمكة وأجمعت الخروج لقيت العباس فقلت: احفظ على حديثى يا أبا الفضل- فإنى أخشى الطلب- ثلاثا ثم قل ما شئت. قال: أفعل. قلت: فإنى والله لقد تركت ابن أخيك عروسا على بنت ملكهم- يعنى صفية بنت حيى- ولقد افتتح خيبر وانتثل ما فيها وصارت له ولأصحابه. قال: ما تقول يا حجاج؟ قلت: إى والله فاكتم عنى، ولقد أسلمت وما جئت إلا لآحذ مالى فرقا من أن أغلب عليه، فإذا مضت ثلاث فأظهر أمرك فهو والله على ما تحب.\rقال: حتى إذا كان اليوم الثالث لبس العباس حلة له وأخذ عصاه ثم خرج حتى أتى الكعبة فطاف بها، فلما رأوه قالوا: يا أبا الفضل هذا والله التجلد لحر المصيبة! قال: كلا والله الذى حلفتم به، لقد افتتح محمد خيبر وترك عروسا على ابنة ملكهم وأحرز أموالهم وما فيها فأصبحت له ولأصحابه. قالوا: من جاءك بهذا الخبر، قال: الذى جاءكم بما جاءكم به، ولقد دخل عليكم مسلما وأخذ ماله فانطلق ليلحق بمحمد وأصحابه فيكون معه. قالوا: يال عباد الله! انفلت عدو الله، أما والله لو علمنا لكان لنا وله شأن. ولم ينشبوا أن جاءهم الخبر بذلك.\rوقال كعب بن مالك الأنصارى فى يوم خيبر:\rونحن وردنا خيبرا وفروضه ... بكل فتى عارى الأشاجع مذود\rجواد لدى الغايات لا واهن القوى ... جرىء على الأعداء فى كل مشهد\rعظيم رماد القدر فى كل شتوة ... ضروب بنصل المشرفى المهند\rيرى القتل مدحا إن أصاب شهادة ... من الله يرجوها وفوزا بأحمد\rيذود ويحمى عن ذمار محمد ... ويدمع عنه بالسان وباليد\rوينصره من كل أمر يريبه ... يجود بنفس دون نفس محمد\rوذكر ابن عقبة أن بنى فزارة قدموا على أهل خيبر فى أول أمرهم ليعينوهم، فراسلهم رسول الله ﷺ أن لا يعينوهم وأن يخرجوا عنهم على أن يعطيهم من خيبر شيئا سماه لهم، فأبوا عليه وقالوا: جيراننا وحلفاؤنا. فلما فتح الله خيبر أتاه من كان هناك من بنى فزارة فقالوا: الذى وعدتنا؟ فقال: «لكم ذو الرقيبة» - لجبل من جبال خيبر- قالوا: إذن نقاتلك؛ قال: «موعدكم جنفاء» فلما سمعوا ذلك من رسول الله خرجوا هاربين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083927,"book_id":3509,"shamela_page_id":490,"part":"1","page_num":488,"sequence_num":490,"body":"قال ابن إسحاق «١» : وكانت المقاسم على أموال خيبر على الشق ونطاة والكتيبة، وكانت الشق ونطاة فى سهمان المسلمين، وكانت الكتيبة خمس الله وسهم النبى ﷺ وسهم ذوى القربى والمساكين وطعم أزواج النبى ﷺ وطعم رجال مشوا بين رسول الله ﷺ وبين أهل فدك بالصلح.\rوقسمت خيبر على أهل الحديبية من شهد خيبر، ومن غاب عنها، ولم يغب عنها إلا جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام، فقسم له رسول الله ﷺ كسهم من حضرها.\rوفى هذه الغزوة بين رسول الله ﷺ سهمان الخيل والرجال، فجعل للفرس سهمين ولفارسه سهما وللراجل سهما، فجرت المقاسم على ذلك فيما بعد، ويومئذ عرب العربى من الخيل وهجن الهجين.\rوذكر ابن عقبة أنه قدم على رسول الله ﷺ بخيبر نفر من الأشعريين فيهم أبو عامر الأشعرى، قدموا المدينة مع مهاجرة الحبشة ورسول الله ﷺ بخيبر، فمضوا إليه وفيهم أبان بن سعيد بن العاص والطفيل- يعنى ابن عمرو الدوسى ذا النور- وأبو هريرة ونفر من دوس، فرأى رسول الله ﷺ ورأيه الحق أن لا يخيب مسيرهم ولا يبطل سفرهم فشركهم فى مقاسم خيبر وسأل أصحابه ذلك فطابوا به نفسا.\rولم يذكر ابن عقبة جعفر بن أبى طالب فى هؤلاء القادمين على رسول الله ﷺ بخيبر من أرض الحبشة وهو أولهم وأفضلهم، وما مثل جعفر يتخطى ذكره، ومن البعيد أن يغيب ذلك عن ابن عقبة، فالله أعلم بعذره.\rوقد ذكر ابن إسحاق: أن رسول الله ﷺ كان بعث مرو بن أمية الضمرى إلى النجاشى فيمن كان أقام بأرض الحبشة من أصحابه فحملهم فى سفينتين فقدم بهم عليه وهو بخيبر بعد الحديبية. فذكر جعفرا أولهم وذكر معه ستة عشر رجلا قدموا فى السفينتين صحبته. وذكر ابن هشام عن الشعبى أن جعفرا قدم على رسول الله ﷺ يوم فتح خيبر فقبل رسول الله ﷺ ما بين عينيه والتزمه وقال: «ما أدرى بأيتهما أنا أسر، أبفتح خيبر أم بقدوم جعفر؟» «٢» .\rولما جرت المقاسم فى أموال خيبر اتسع فيها المسلمون ووجدوا بها مرفقا لم يكونوا","footnotes":"(١) انظر السيرة (٣/ ٣٢٤) .\r(٢) انظر الحديث فى: مصنف ابن أبى شيبة (١٢/ ١٠٦، ١٤/ ٣٤٩) ، الطبقات الكبرى لابن سعد (٢/ ١/ ٧٨) ، المعجم الكبير للطبرانى (٢/ ١٠٧) ، البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ٢٠٦) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083928,"book_id":3509,"shamela_page_id":491,"part":"1","page_num":489,"sequence_num":491,"body":"وجدوه قبل، حتى لقال عبد الله بن عمر- رضى الله عنهما- فيما خرج له البخارى فى صحيحه: ما شبعنا حتى فتحنا خيبر.\rوأقر رسول الله ﷺ يهود خيبر فى أموالهم يعملون فيها للمسلمين على النصف مما يخرج منها كما تقدم.\rقال ابن إسحاق: فكان رسول الله ﷺ يبعث إلى أهل خيبر عبد الله بن رواحة خارصا بين المسلمين وبين يهود فيخرص عليهم، فإذا قالوا: تعديت علينا. قال: إن شئتم فلكم وإن شئتم فلنا. فتقول يهود: بهذا قامت السموات والأرض!\rقال: وإنما خرص عليهم عبد الله عاما واحدا ثم أصيب بمؤته- يرحمه الله- فكان جبار بن صخر أخو بنى سلمة هو الذى يخرص عليهم بعده.\rفأقامت يهود على ذلك لا يرى بهم المسلمون بأسا فى معاملتهم حتى عدوا فى عهد رسول الله ﷺ على عبد الله بن سهل أخى بنى حارثة فقتلوه، فأتهمهم رسول الله ﷺ والمسلمون عليه وكتب إليهم أن يدوه أو يأذنوا بحرب. فكتبوا يحلفون بالله ما قتلوه ولا يعلمون له قاتلا، فوداه رسول الله ﷺ من عنده وأقرهم على ما سبق من معاملته إياهم.\rفلما توفى رسول الله ﷺ أقرهم أبو بكر الصديق على مثل ذلك حتى توفى، ثم أقرهم عمر صدرا من إمارته، ثم بلغ عمر أن رسول الله ﷺ قال فى وجعه الذى قبضه الله فيه: «لا يجتمعن بجزيرة العرب دينان» . ففحص عمر عن ذلك حتى بلغه الثبت، فأرسل إلى يهود فقال: إن الله قد أذن فى جلائكم، قد بلغنى أن رسول الله ﷺ قال:\r«لا يجتمعن بجزيرة العرب دينان» «١» فمن كان عنده عهد من رسول الله فليأتنى به أنفذه له، ومن لم يكن عنده عهد من رسول الله فليتجهز للجلاء. فأجلى عمر منهم من لم يكن عنده عهد من رسول الله ﷺ.\rوقال عبد الله بن عمر: خرجت أنا والزبير والمقداد بن الأسود إلى أموالنا بخيبر نتعاهدها، فلما قدمنا تفرقنا فى أموالنا فعدى على تحت الليل فقرعت يداى من مرفقى، فلما أصبحت استصرخ على صاحباى فأتيانى فأصالحا من يدى؛ ثم قاما بى على عمر فقال: هذا عمل يهود، ثم قام فى الناس خطيبا فقال: أيها الناس، إن رسول الله ﷺ كان عامل يهود خيبر على أنا نخرجهم إذا شئنا، وقد عدوا على عبد الله بن عمر","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: مجمع الزوائد للهيثمى (٤/ ١٢١) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083929,"book_id":3509,"shamela_page_id":492,"part":"1","page_num":490,"sequence_num":492,"body":"ففدعوا يديه كما بلغكم مع عدوتهم على الأنصارى قبله لا نشك أنهم أصحابه ليس لنا هناك عدو غيرهم، فمن كان له مال بخيبر فليلحق به فإنى مخرج يهود. فأخرجهم.\rولما أخرج عمر- رضى الله عنه- يهود خيبر ركب فى المهاجرين والأنصار وخرج معه بجبار بن صخر- وكان خارص أهل المدينة وحاسبهم- ويزيد بن ثابت، فهما قسما خيبر على أصحاب السهمان التى كانت عليها، وذلك أن الشق والنطاة اللتين هما سهم المسلمين قسمت فى الأصل على عهد رسول الله ﷺ إلى ثمانية عشر سهما: نطاة من ذلك خمسة أسهم والشق ثلاثة عشر سهما، ثم قسم كل قسم من هذه الثمانية عشر سهما إلى مائة سهم، لكل رجل سهم ولكل فرس سهمان؛ وكانت عدة الذين قسمت عليهم ألف رجل وأربعمائة رجل ومائتى فرس، فذلك ألف سهم وثمانمائة سهم.\r\rعمرة القضاء «١» وهى غزوة الأمن\rقال ابن إسحاق «٢» : ولما رجع رسول الله ﷺ من خيبر إلى المدينة أقام بها شهرى ربيع وما بعده إلى شوال، يبعث فيما بين ذلك سراياه.\rثم خرج فى ذى القعدة فى الشهر الذى صده فيه المشركون معتمرا عمرة القضاء مكان عمرته التى صدوه عنها، وخرج معه المسلمون ممن كان صد معه فى عمرته تلك، وهى سنة سبع، فلما سمع به أهل مكة خرجوا عنه.\rقال ابن عقبة: وتغيب رجال من أشرافهم خرجوا إلى بوادى مكة كراهية أن ينظروا إلى رسول الله ﷺ غيظا وحنقا ونفاسة وحسدا.\rوتحدثت قريش بينها فيما ذكر ابن إسحاق: أن محمدا وأصحابه فى عسرة وجهد وشدة فصفوا له عند دار الندوة لينظروا إليه وإلى أصحابه.\rفلما دخل رسول الله ﷺ المسجد اضطبع بردائه وأخرج عضده اليمنى ثم قال:","footnotes":"(١) انظر: المغازى للواقدى (٢/ ٧٣١) ، طبقات ابن سعد (٢/ ١/ ٨٧) ، البداية والنهاية (٤/ ٢٢٦) .\r(٢) انظر السيرة (٤/ ٥) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083930,"book_id":3509,"shamela_page_id":493,"part":"1","page_num":491,"sequence_num":493,"body":"«رحم الله امرء أراهم اليوم من نفسه قوة» «١» ثم استلم الركن وخرج يهرول ويهرول أصحابه معه، حتى إذا واراه البيت منهم واستلم الركن اليمانى مشى حتى يستلم الركن الأسود، ثم هرول كذلك ثلاثة أطواف ومشى سائرها فكان ابن عباس يقول: كان الناس يظنون أنها ليست عليهم وذلك أن رسول الله ﷺ إنما صنعها لهذا الحى من قريش الذى بلغه عنهم حتى حج حجة الوداع فلزمها فمضت السنة بها.\rولما دخل رسول الله ﷺ مكة فى تلك العمرة وعبد الله بن رواحة يرتجز بين يديه:\rخلوا بنى الكفار عن سبيله ... خلوا فكل الخير فى رسوله\rيا رب إنى مؤمن بقيله ... أعرف حق الله فى قبوله\rوكان رسول الله ﷺ قد بعث بين يديه جعفر بن أبى طالب إلى ميمونة بنت الحارث ابن حزن الهلالية، فخطبها عليه فجعلت أمرها إلى العباس بن عبد المطلب، وكانت تحته أختها أم الفضل بنت الحارث، وقيل: جعلت أمرها إلى أم الفضل، فجعلت أم الفضل أمرها إلى العباس فزوجها العباس رسول الله ﷺ وأصدقها عنه أربعمائة درهم.\rوقضى رسول الله ﷺ نسكه، وأقام بمكة ثلاث ليال، وكان ذلك أجل القضية يوم الحديبية. فلما أصبح رسول الله ﷺ من اليوم الرابع أتاه سهيل بن عمرو وحويطب عبد العزى. [فى نفر من قريش] ورسول الله ﷺ فى مجلس الأنصار يتحدث مع سعد بن بن عبادة فصاح حويطب: نناشدك الله والعقد إلا خرجت من أرضنا فقد مضت الثلاث.\rفقال سعد: كذبت لا أم لك إنها ليست بأرضك ولا أرض أبيك والله لا يخرج إلا راضيا، فقال رسول الله ﷺ وضحك: «يا سعد، لا تؤذ قوما زارونا فى رحالنا» . ثم قال رسول الله ﷺ: «وما عليكم لو تركتمونى فأعرست بين أظهركم وصنعنا لكم طعاما فحضرتموه؟» «٢» قالوا: لا حاجة لنا بطعامك فاخرج عنا.\rفأمر رسول الله ﷺ أبا رافع مولاه فأذن بالرحيل، وخلف أبا رافع على ميمونة حتى أتاه بها بسرف وقد لقيت ومن معها عناء وأذى من سفهاء المشركين وصبيانهم، فبنى بها رسول الله ﷺ بسرف ثم أدلج فسار حتى قدم المدينة. ثم كان من قضاء الله سبحانه أن ماتت ميمونة بسرف بعد ذلك بحين، فتوفيت حيث بنى بها.\rقال موسى بن عقبة: وذكر أن الله- تعالى- أنزل فى تلك العمرة: الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ [البقرة: ١٩٤] .","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: صحيح مسلم (٢/ ٢٤٠، ٩٢٣) ، مسند الإمام أحمد (١/ ٣٠٥، ٣٠٦) .\r(٢) انظر الحديث فى: الحاكم فى المستدرك (٤/ ٣١) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083931,"book_id":3509,"shamela_page_id":494,"part":"1","page_num":492,"sequence_num":494,"body":"وذكر ابن هشام أنها يقال لها: «عمرة القصاص» لأنهم صدوا رسول الله ﷺ عن العمرة فى ذى القعدة فى الشهر الحرام من سنة ست فاقتص منهم رسول الله ﷺ ودخل مكة فى ذى القعدة فى الشهر الحرام الذى صدوة فيه من سنة سبع.\r\rغزوة مؤتة من أرض الشام «١»\rولما صدر رسول الله ﷺ من عمرة القضاء إلى المدينة أقام بها نحوا من ستة أشهر، ثم بعث إلى الشام فى جمادة الأولى من سنة ثمان بعثة الذين أصيبوا بمؤنة، واستعمل عليهم زيد بن حارثة، وقال: «إن أصيب زيد فجعفر بن أبى طالب على الناس، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة» .\rفتجهز الناس ثم تهيأوا للخروج، وهم ثلاثة الآف، فلما حضر خروجهم ودع الناس أمراء رسول الله ﷺ وسلموا عليهم، فلما ودع عبد الله بن رواحة بكى فقالو: ما يبكيك يا بن رواحة؟ فقال: والله ما بى حب الدنيا ولا صبابة بكم، ولكنى سمعت رسول الله ﷺ يقرأ آية من كتاب الله ويذكر فيها النار: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا [مريم: ٧١] فلست أدرى كيف لى بالصدر بعد الورود! فقال المسلمون: صحبكم الله ودفع عنكم وردكم إلينا صالحين. فقال عبد الله بن رواحة:\rلكنى أسأل الرحمن مغفرة ... وضربة ذات فرغ تقذف الزبدا\rأو طعنة بيدى حران مجهزة ... بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا\rجتى يقال إذا مروا على جدثى ... ما أرشد الله من غاز وقد رشدا\rثم إن القوم تهيأو للخروج فأتى عبد الله بن رواحة رسول الله ﷺ فودعه ثم قال:\rأنت الرسول فمن يحرم نوافله ... والوجه منه فقد أزرى به القدر\rفثبت الله ما آتاك من حسن ... فى المرسلين ونصرا كالذى نصروا\rإنى تفرست فيك الخير نافلة ... فرأسة خالفت فيك الذى نظروا\rيعنى المشركين.\rثم خرج القوم، وخرج رسول الله ﷺ يشيعهم، جتى إذا ودعهم وانصرف عنهم","footnotes":"(١) راجع هذه الغزوة فى: المنتظم لابن الجوزى (٣/ ٣١٨) ، المغازى للواقدى (٢/ ٧٥٥) ، الطبقات الكبرى لابن سعد (١/ ٢/ ٩٢) ، البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ٢٤١) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083932,"book_id":3509,"shamela_page_id":495,"part":"1","page_num":493,"sequence_num":495,"body":"قال عبد الله بن رواحة:\rخلف السلام على امرىء ودعته ... فى النخل خير مشيع وخليل\rوحدث زيد بن أرقم قال: كنت يتيما لعبد الله بن رواحة فى حجرة، فخرج بى فى سفره ذلك مردفى على حقيبة رحلة، فواله إنه ليسير ليلة إذ سمعته ينشد أبياته هذه:\rإذ أدنيتنى وحملت رحلى ... مسيرة أربع بعد الحساء\rفشأنك فانعمى وخلاك ذم ... ولا أرجع إلى أهلى ورائى\rوجاء المسلمون وغادرونى ... بأرض الشام مشتهى الثواء\rوردك كل ذى رحم قريب ... إلى الرحمن منقطع الرجاء\rهنالك لا أبالى طلع بعل ... ولا نخل أسافلها وراء\rفلما سمعتهن بكيت فخفقنى بالدرة وقال: وما عليك يا لكع أن يرزقنى الله الشهادة وترجع بين شعبتى الرحل؟!\rثم مضى القوم حتى نزلوا معان من أرض الشام فبلغ الناس أن هرقل قد نزل مآب من أرض البلقاء فى مائة ألف من الروم وانضم إليهم من لخم وجذام والقين وبهراء وبلى مائة ألف منهم.\rفلما بلغ ذلك المسلمين أقاموا على معان ليلتين ينظرون فى أمرهم وقالوا: نكتب إلى رسول الله ﷺ فنخبره بعدد عدونا فإما أن يمدنا بالرجال وإما أن يأمرنا بأمره فنمضى له. فشجع الناس عبد الله بن رواحة فقال: يا قوم، والله إن الذى تكرهون للذى خرجتم تطلبون، الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، وما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذى أكرمنا الله به فانطلقوا، فإنما هى إحدى الحسنيين، إما ظهور وإما شهادة، فقال الناس: صدق والله ابن رواحة. فمضى الناس وقال عبد الله فى مجلسهم ذلك:\rجلبنا الخيل من أجأ وفرع ... تعر من الحشيش لها العكوم\rحذوناها من الصوان سبتا ... أزل كأن صفحته أديم «١»\rأقامت ليلتين على معان ... فأعقب بعد فترتها جموم\rفرحنا والجياد مسومات ... تنفس فى مناخرها السموم","footnotes":"(١) حذوناها: أى جعلنا لها حذاء، وهو النعل. والصوان: حجارة ملس. والسبت: النعال المصنوعة من الجلد المدبوغ.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083933,"book_id":3509,"shamela_page_id":496,"part":"1","page_num":494,"sequence_num":496,"body":"فلا وأبى مآب لنأتينها ... وإن كانت بها عرب وروم\rفعبأنا أعنتها فجاءت ... عوابس والغبار لها بريم\rبذى لجب كأن البيض فيه ... إذا برزت قوانسها النجوم\rفراضية المعيشة طلقتها ... أسنتها فتنكح أو تئيم\rثم مضى الناس حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء لقيتهم جموع هرقل من الروم والعرب بقرية من قرى البلقاء يقال لها: مشارف. ثم دنا العدو وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها: مؤتة، فالتقى الناس عندها. فتعبى لهم المسلمون فجعلوا على ميمنتهم رجلا من بنى عذرة يقال له: قطبة بن قتادة وعلى ميسرتهم رجلا من الأنصار يقال له: عبابة بن مالك، ويقال: عبادة. ثم التقى الناس فاقتلوا، فقاتل زيد بن حارثة براية رسول الله ﷺ حتى شاط فى رماح القوم، ثم أخذها جعفر فقاتل بها حتى إذا ألحمه القتال اقتحم عن فرس له شقراء. قال أحد بنى مرة بن عوف وكان فى تلك الغزوة: والله لكأنى أنظر إليه حين اقتحم عنها ثم عقرها ثم قاتل القوم حتى قتل وهو يقول:\rيا حبذا الجنة واقترابها ... طيبة وبارد شرابها\rوالروم روم قد دنا عذابها ... على إذ لا قيتها ضرابها\rوكان جعفر أول من عقر فى الإسلام فرسه.\rولما قتل جعفر أخذ عبد الله بن رواحة الراية ثم تقدم بها وهو على فرسه فجعل يستنزل نفسه ويتردد بعض التردد ثم قال:\rأقسمت يا نفس لتنزلنه ... لتنزلن أو لتكرهنه\rإن أجلب الناس وشدوا الرنه ... ما لى أراك تكرهين الجنه\rقد طال ما قد كنت مطمئنه ... هل أنت إلا نطفة فى شنه\rوقال أيضا:\rيا نفس إلا تقتلى تموتى ... هذا حمام الموت قد صليت\rوما تمنيت فقد أعطيت ... إن تفعلى فعلهما هديت\rيعنى صاحبيه زيدا وجعفرا. ثم نزل فأتاه ابن عم له بعرق من لحم فقال: شد بهذا صلبك فإنك قد لقيت فى أيامك هذه ما لقيت. فأخذه من يده فانتهس منه نهسة ثم سمع الحطمة فى ناحية الناس فقال: وأنت فى الدنيا! ثم ألقاه من يده ثم أخذ سيفه فتقدم فقاتل حتى قتل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083934,"book_id":3509,"shamela_page_id":497,"part":"1","page_num":495,"sequence_num":497,"body":"ثم أخذ الراية ثابت بن أرقم أخو بنى العجلان فقال: يا معشر المسلمين، اصطلحوا على رجل منكم. قالوا: أنت. قال ما أنا بفاعل، فاصطلح القوم على خالد بن الوليد.\rفلما أخذ الراية دافع القوم وخاشى بهم ثم انحاز وانحيز عنه، حتى انصرف بالناس.\rولما أصيب القوم قال رسول الله ﷺ: «أخذ الراية زيد بن حارثة فقاتل بها حتى قتل شهيدا، ثم أخذها جعفر فقاتل بها حتى قتل شهيدا» ، ثم صمت رسول الله ﷺ حتى تغيرت وجوه الأنصار وظنوا أنه قد كان فى عبد الله بن رواحة بعض ما يكرهون، ثم قال: «أخذها عبد الله بن رواحة فقاتل بها حتى قتل شهيدا» . ثم قال: «لقد رفعوا إلى الجنة فيما يرى النائم على سرر من ذهب، فرأيت فى سرير عبد الله بن رواحة ازورارا عن سريرى صاحبيه فقلت: عم هذا؟ فقيل لى: مضيا وتردد عبد الله بعض التردد ثم مضى» «١» .\rوذكر ابن هشام أن جعفرا أخذ اللواء بيمينه فقطعت، فأخذه بشماله فقطعت، فاحتضنه بعضديه حتى قتل وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة فأثابه الله بذلك جناحين يطير بهما حيث شاء.\rويقال: إن رجلا من الروم ضربه- يومئذ- فقطعه نصفين.\rوذكر ابن عقبة أن رسول الله ﷺ قال بالمدينة لما أصيبوا، قبل أن يأتيه نعيهم: «مر على جعفر بن أبى طالب فى الملائكة يطير كما يطيرون له جناحان» . قال: وقدم يعلى ابن منبه على رسول الله ﷺ بخبر أهل مؤتة فقال له رسول الله ﷺ: «إن شئت فأخبرنى وإن شئت أخبرتك» . قال: فأخبرنى يا رسول الله فأخبره ﷺ خبرهم كله ووصفه له.\rفقال: والذى بعثك بالحق ما تركت من حديثهم حرفا واحدا لم تذكره، وإن أمرهم لكما ذكرت. فقال رسول الله ﷺ: «إن الله رفع لى الأرض حتى رأيت معتركهم» .\rوحدثت أسماء بنت عميس امرأة جعفر قالت: لما أصيب جعفر وأصحابه دخل على رسول الله ﷺ فقال: «ايتينى ببنى جعفر» . وقد كانت غسلتهم ودهنتهم ونظفتهم.\rقالت: فأتيته بهم فشمهم وذرفت عيناه، فقلت: يا رسول الله بأبى أنت ما يبكيك؟\rأبلغك عن جعفر وأصحابه شىء؟ قال: «نعم، أصيبوا هذا اليوم» . قالت: فقمت أصيح واجتمع إلى النساء. وخرج رسول الله ﷺ إلى أهله فقال: «لا تغفلوا آل جعفر من أن تصنعوا لهم طعاما، فإنهم قد شغلوا بأمر صاحبهم» «٢» .","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: مجمع الزوائد للهيثمى (٦/ ١٦٠) .\r(٢) انظر الحديث فى: سنن ابن ماجه (١/ ١٦١٠) ، سنن الترمذى (٣/ ٩٩٨) ، السنن الكبرى للبيهقى (٤/ ٦١) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083935,"book_id":3509,"shamela_page_id":498,"part":"1","page_num":496,"sequence_num":498,"body":"وقالت عائشة رضى الله عنها: لما أتى نعى جعفر عرفنا فى وجه رسول الله ﷺ الحزن.\rولما انصرف خالد قافلا بالناس ودنوا من المدينة تلقاهم رسول الله ﷺ والمسلمون، ولقيهم الصبيان يشتدون ورسول الله ﷺ مقبل مع القوم على دابة، فقال: خذوا الصبيان فاحملوهم وأعطونى ابن جعفر. فأتى بعبد الله بن جعفر فأخذه فحمله بين يديه وجعل الناس يحثون على الجيش التراب ويقولون: يا فرار، فررتم فى سبيل الله! فيقول رسول الله ﷺ: «ليسوا بالفرار ولكنهم الكرار إن شاء الله» «١» .\rوقالت أم سلمة زوج النبى ﷺ لامرأة سلمة بن هشام بن العامر بن المغيرة: مالى لا أرى سلمة يحضر الصلاة مع رسول الله ﷺ؟ قالت: والله ما يستطع أن يخرج، كلما خرج صاح به الناس: يا فرار، فررتم فى سبيل الله! حتى قعد فى بيته فما يخرج.\rوقد قال فيما كان من أمر الناس وأمر خالد ومخاشاته بالناس وانصرافه بهم- قيس ابن المسحر اليعمرى يعتذر مما صنع يومئذ وصنع الناس:\rوو الله لا تنفك نفسى تلومنى ... على موقفى والخيل قابعة قبل\rوقفت بها لا مستجيزا فنافذا ... ولا مانعا من كان حم له القتل «٢»\rعلى أننى آسيت نفسى بخالد ... ألا خالد فى القوم ليس له مثل\rوجاشت إلى النفس من نحو جعفر ... بمؤتة إذ لا ينفع النابل النبل\rوضم إلينا حجزتيهم كليهما ... مهاجرة لا مشركون ولا عزل\rفبين قيس فى شعره ما اختلف الناس فيه من ذلك: أن القوم حاجزوا وكرهوا الموت وحقق انحياز خالد بمن معه.\rوكان مما بكى به أصحاب مؤتة قول حسان بن ثابت:\rتأوبنى ليل بيثرب أعسر ... وهم إذا ما هوم الناس مسهر «٣»\rلذكرى حبيب هيجت لى عبرة ... سفوحا وأسباب البكاء التذكر\rبلى إن فقدان الحبيب بلية ... وكم من كريم يبتلى ثم يصبر\rرأيت خيار المؤمنين تواردوا ... شعوب وخلفا بعدهم يتأخر","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ٢٥٣) .\r(٢) مستجيزا: أى منحازا إلى ناحية.\r(٣) تأوبنى: أى عاودنى ورجع إلىّ.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083936,"book_id":3509,"shamela_page_id":499,"part":"1","page_num":497,"sequence_num":499,"body":"فلا يبعدن الله قتلى تباعدوا ... جميعا وأسباب المنية تخطر إلى\rغداة مضوا بالمؤمنين يقودهم ... الموت ميمون النقيبة أزهر\rأغر كضوء البدر من آل هاشم ... أبى إذا سيم الطلامة يجسر\rفطاعن حتى مال غير موسد ... بمعترك فيه قنا متكسر\rفصار مع المستشهدين ثوابه ... جنان وملتف الحدائق أخضر\rوكنا نرى فى جعفر من محمد ... وفاء وأمرا حازما حين يأمر\rوما زال فى الإسلام من آل هاشم ... دعائم عز لا يزلن ومفخر\rهم جبل الإسلام والناس حولهم ... رضام إلى طود يروق ويقهر\rبهاليل منهم جعفر وابن أمه ... علىّ ومنهم أحمد المتخير\rوحمزة والعباس منهم ومنهم ... عقيل وماء العود من حيث يعصر\rبهم تفرج الأواء فى كل مأزق ... عماس إذا ما ضاق بالناس مصدر\rهم أولياء الله أنزل حكمه ... عليهم وفيهم ذا الكتاب المطهر\rوقال كعب بن مالك فى ذلك:\rنام العيون ودمع عينك يهمل ... سحا كما وكف الطباب المخضل\rفى ليلة وردت علىّ همومها ... طورا أحن وتارة أتململ\rواعتادنى حزن فبت كأننى ... ببنات نعش والسماك موكل\rوكأنما بين الجوانح والحشا ... مما تأوبنى شهاب مدخل\rوجدا على النفر الذين تتابعوا ... يوما بمؤتة أسندوا لم ينقلوا\rصلى الإله عليهم من فتية ... وسقى عظامهم الغمام المسبل\rصبروا بمؤتة للإله نفوسهم ... حذر الردى ومخافة أن ينكلوا\rفمضوا أمام المسلمين كأنهم ... فنق عليهن الحديد المرفل\rإذ يهتدون بجعفر ولوائه ... قدام أولهم فنعم الأول\rحتى تفرجت الصفوف وجعفر ... حيث التقى وعث الصفوف مجدل\rفتغير القمر المنير لفقده ... والشمس قد كسفت وكادت تأفل\rقوم علا بنيانه من هاشم ... فرعا أشم وسؤددا ما ينقل\rقوم بهم عصم الإله عباده ... وعليهم نزل الكتاب المنزل\rفضلوا المعاشر عزة وتكرما ... وتغمدت أحلامهم من يجهل\rلا يطلقون إلى السفاه جباهم ... ويرى خطيبهم بحق يفصل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083937,"book_id":3509,"shamela_page_id":500,"part":"1","page_num":498,"sequence_num":500,"body":"بيض الوجوه ترى بطون أكفهم ... تندى إذا اعتذر الزمان الممحل\rوبهديهم رضى الإله لخلقه ... وبحدهم نصر النبى المرسل\rوقال حسان بن ثابت يبكى جعفرا:\rولقد بكيت وعز مهلك جعفر ... حب النبى على البرية كلها\rولقد جزعت وقلت حين نعيت لى ... من للجلاد لدى العقاب وظلها»\rبالبيض حين تسل من أغمادها ... ضربا وإنهال الرماح وعلها\rبعد ابن فاطمة المبارك جعفر ... خير البرية كلها وأجلها\rرزآ وأكرمها جميعا محتدا ... وأعرها متظلما وأذلها\rللحق حين ينوب غير تنحل ... كذبا وأنداها يدا وأبلها\rبالعرف غير محمد لا مثله ... حى من أحيا البرية كلها\rوقال شاعر من المسلمين ممن رجع عن غزوة مؤتة:\rكفى حزنا أنى رجعت وجعفر ... وزيد وعبد الله فى رمس أقبر\rقضوا نحبهم لما مضوا لسبيلهم ... وخلفت للبوى مع المتغير\rواستشهد يوم مؤتة من المسلمين سوى الأمراء الثلاثة- رضى الله عنهم- من قريش ثم من بنى عدى بن كعب: مسعود بن الأسود بن حارثة. ومن بنى مالك بن حسل: وهب بن سعد بن أبى سرح. ومن الأنصار: عباد بن قيس من بنى الحارث بن الخزرج، والحارث بن النعمان بن إساف من بنى غنم بن مالك بن النجار، وسراقة بن عمر بن عطية بن خنساء من بنى مازن بن النجار، وأبو كليب ويقال: أبو كلاب، وجابر ابنا عمرو بن زيد بن عوف بن مبذول وهما لأب وأم. وعمر وعامر ابنا سعد بن الحارث بن عباد من بنى مالك بن أفصى. وهؤلاء الأربعة عن ابن هشام.\r\rغزوة الفتح\rوأقام رسول الله ﷺ بعد بعثه إلى مؤتة جمادى الآخرة ورجبا.\rثم عدت بنو بكر بن عبد مناة بن كنانة على خزاعة، ولم يزالوا قبل ذلك متعادين، وكان الذى هاج ما بينهم أن حليفا للأسود بن رزن الديلى خرج تاجرا، فلما توسط أرض خزاعة عدوا عليه فقتلوه وأخذوا ماله، فعدت بنو بكر على رجل من خزاعة","footnotes":"(١) العقاب: اسم لراية الرسول ﷺ.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083938,"book_id":3509,"shamela_page_id":501,"part":"1","page_num":499,"sequence_num":501,"body":"فقتلوه، فعدت خزاعة قبيل الإسلام على بنى الأسود بن رزن سلمى وكلثوم وذؤيب وهم منحر بنى كنانة وأشرافهم كانوا فى الجاهلية يودون ديتين ديتين لفضلهم فى قومهم، فقتلتهم خزاعة بعرفة عند أنصاب الحرم ثم حجز بينهم الإسلام وتشاغل الناس به.\rفلما كان صلح الحديبية دخلت خزاعة فى عقد رسول الله ﷺ، ودخلت بنو بكر فى عقد قريش. فلما كانت الهدنة اغتنمتها بنو الديل فخرجوا حتى بيتوا خزاعة على الوتير «١»\r- ماء لهم- فأصابوا منهم رجلا وتحاجزوا واقتتلوا ورفدت قريش بنى بكر بالسلاح وقاتل معهم من قريش من قاتل بالليل مستخفيا.\rفلما تظاهرت بنو بكر وقريش على خزاعة ونقضوا ما كان بينهم وبين رسول الله ﷺ من العهد والميثاق بما استحلوا منهم وكانوا فى عقده وعهده، خرج عمرو بن سالم الخزاعى الكعبى حتى قدم على رسول الله ﷺ المدينة فوقف عليه وهو جالس فى المسجد بين ظهرى الناس فقال:\rيا رب إنى ناشد محمدا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا\rقد كنتم ولدا وكنا والدا ... ثمت أسلمنا فلم ننزع يدا\rفانصر هداك الله نصرا أعتدا ... وادع عباد الله يأتوا مددا\rفيهم رسول الله قد تجردا ... أبيض مثل البدر يسمو صعدا\rإن سيم خسفا وجهه تربدا ... فى فيلق كالبحر يجرى مزبدا\rإن قريشا أخلفوك الموعدا ... ونقضوا ميثاقك المؤكدا\rوجعلوا لى فى كداء رصدا ... وزعموا أن لست أدعو أحدا\rوهم أذل وأقل عددا ... هم بيتونا بالوتير هجدا\rوقتلونا ركعا وسجدا\rيقول: قتلنا وقد أسلمنا.\rفقال رسول الله ﷺ: «نصرت يا عمرو بن سالم» ، ثم عرض لرسول الله ﷺ عنان من السماء فقال: «إن هذه السحابة لتستهل بنصر بنى كعب» «٢» . ثم خرج بديل بن ورقاء فى نفر من خزاعة حتى قدموا على رسول الله ﷺ المدينة فأخبروه بما أصيب منهم","footnotes":"(١) الوتير: اسم ماء بأسفل مكة لخزاعة.\r(٢) انظر الحديث فى: «دلائل النبوة للبيهقى (٥/ ٦، ٧) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٦/ ١٦٣، ١٦٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083939,"book_id":3509,"shamela_page_id":502,"part":"1","page_num":500,"sequence_num":502,"body":"ومظاهرة قريش بنى بكر عليهم ثم انصرفوا راجعين إلى مكة.\rوقد قال رسول الله ﷺ للناس: «كأنكم بأبى سفيان قد جاءكم ليشد العقد وليزيد فى المدة» «١» .\rومضى بديل بن ورقاء فى أصحابه حتى لقوا أبا سفيان بعسفان قد بعثته قريش إلى رسول الله ﷺ ليشد العقد ويزيد فى المدة وقد رهبوا الذى صنعوا، فلما لقى أبو سفيان بديلا قال: من أين أقبلت يا بديل؟ وظن أنه قد أتى رسول الله ﷺ: قال: سيرت فى خزاعة فى هذا الساحل وفى بطن هذا الوادى. قال: أو ما جئت محمدا؟ قال: لا. فلما راح بديل إلى مكة قال أبو سفيان: لئن كان بديل جاء المدينة لقد علف بها النوى. فأتى مبرك راحلته فأخذ من بعرها ففته فرأى فيه النوى فقال: أحلف بالله لقد جاء بديل محمدا.\rثم خرج أبو سفيان حتى قدم المدينة فدخل على ابنته أم حبيبة، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله ﷺ طوته عنه فقال: يا بنية، ما أدرى أرغبت بى عن هذا الفراش أم رغبت به عنى؟ قالت: بل هو فراش رسول الله ﷺ وأنت رجل نجس مشرك، فلم أحب أن تجلس عليه. قال: والله يا بنية لقد أصابك بعدى شر!\rثم خرج حتى أتى رسول الله ﷺ فكلمه فلم يرد عليه شيئا، ثم ذهب إلى أبى بكر فكلمه أن يكلم له رسول الله ﷺ فقال: ما أنا بفاعل. ثم أتى عمر بن الخطاب فكلمه فقال: أنا أشفع لكم إلى رسول الله ﷺ؟ فو الله لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به. ثم خرج حتى دخل على علىّ بن أبى طالب وعنده فاطمة بنت رسول الله ﷺ وعندها حسن بن على غلام يدب بين يديها فقال: يا على، إنك أمس القوم بى رحما وإنى قد جئت فى حاجة فلا أرجعن كما جئت فاشفع لى، قال: ويحك يا أبا سفيان، والله لقد عزم رسول الله ﷺ على أمر ما نستطيع أن نكمله فيه. فالتفت إلى فاطمة فقال: يا بنت محمد، هل لك أن تأمرى بنيك هذا فيجير بين الناس فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر.\rقالت: والله ما بلغ بنى ذلك أن يجير بين الناس، وما يجير أحد على رسول الله ﷺ. قال:\rيا أبا حسن، إنى أرى الأمور قد اشتدت على فانصحنى. قال: والله ما أعلم شيئا يغنى عنك شيئا ولكنك سيد بنى كنانة فقم فأجر بين الناس ثم ألحق بأرضك، قال: أو ترى ذلك مغنيا عنى شيئا؟ قال: لا والله ما أظنه ولكننى لا اجد لك غير ذلك. فقام أبو","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ٢٨١) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083940,"book_id":3509,"shamela_page_id":503,"part":"1","page_num":501,"sequence_num":503,"body":"سفيان فقال: أيها الناس، إنى قد أجرت بين الناس. ثم ركب بعيره فانطلق. فلما قدم على قريش قالوا: ما وراءك؟ قال: جئت محمدا فكلمته فو الله ما رد على شيئا ثم جئت ابن أبى قحافة فلم أجد فيه خيرا. ثم جئت ابن الخطاب فوجدته أدنى العدو. ويقال:\rأعدى العدو، ثم أتيت عليا فوجدته ألين القوم، وقد أشار على بشىء صنعته فو الله ما أدرى هل يغنى شيئا أم لا؟ قالوا: وبم أمرك؟ قال: أمرنى أن أجير بين الناس ففعلت.\rقالوا: فهل أجاز ذلك محمد؟ قال: لا. قالوا: ويلك! والله ما زاد الرجل على أن لعب بك فما يغنى عنك ما قلت. قال: لا والله ما وجدت غير ذلك.\rوأمر رسول الله ﷺ الناس بالجهاز وأمر أهله أن يجهزوه، فدخل أبو بكر على ابنته عائشة وهى تحرك بعض جهاز رسول الله ﷺ فقال: أى بنية أمركم رسول الله ﷺ أن تجهزوه؟ قالت: نعم فتجهز. قال: فأين ترينه يريد؟ قالت: لا والله ما أدرى.\rثم إن رسول الله ﷺ أعلم الناس أنه سائر إلى مكة وأمرهم بالجد والتهيؤ، وقال:\r«اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها فى بلادها» «١» ؛ فتجهز الناس.\rوكتب حاطب بن أبى بلتعة عند ذلك كتابا إلى قريش يخبرهم بالذى أجمع عليه رسول الله ﷺ من الأمر فى السير إليهم ثم أعطاه امرأة وجعل لها جعلا على أن تبلغه قريشا. فجعلته فى رأسها ثم فتلت عليه قرونها ثم خرجت به. وأتى رسول الله ﷺ الخبر من السماء بما صنع حاطب فبعث على بن أبى طالب والزبير بن العوام فقال: أدركا امرأة كتب معها حاطب إلى قريش يحذرهم ما أجمعنا له فى أمرهم. فخرجا حتى أدركاها فاستنزلاها والتمسا فى رحلها فلم يجدا شيئا، فقال لها على: أحلف بالله ما كذب رسول الله ولا كذبنا ولتخرجن هذا الكتاب أو لنكشفنك. فلما رأت الجد منه استخرجت الكتاب من قرون رأسها فدفعته إليه. فأتى به رسول الله ﷺ. فدعا رسول الله ﷺ حاطبا فقال: «يا حاطب، ما حملك على هذا؟» قال: يا رسول الله، أما والله إنى لمؤمن بالله وبرسوله ما غيرت ولا بدلت، ولكنى كنت امرء ليس لى فى القوم من أصل ولا عشيرة، وكان لى بين أظهرهم ولد وأهل فصانعتهم عليه؛ فقال عمر: يا رسول الله دعنى فلأضرب عنقه فإن الرجل نافق. فقال رسول الله ﷺ: «وما يدريك يا عمر لعل الله قد اطلع إلى أصحاب بدر يوم بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» «٢» .","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: مجمع الزوائد للهيثمى (٦/ ١٦٤) . البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ٢٨٨٣) .\r(٢) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (١/ ٧٩، ٨٠، ١٠٥) ، سنن الترمذى (٥/ ٣٣٠٥) ، صحيح البخارى فى كتاب الجهاد والسير (٦/ ٣٠٠٧) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083941,"book_id":3509,"shamela_page_id":504,"part":"1","page_num":502,"sequence_num":504,"body":"فأنزل الله فى حاطب: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ الآيات كلها إلى قوله: قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكُمْ وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [الممتحنة: ١- ٤] إلى آخر القصة.\rثم مضى رسول الله ﷺ لسفره حتى نزل بمر الظهران فى عشرة آلاف من المسلمين، وقيل فى اثنى عشر ألفا، فسبعت سليم وقيل: ألفت وألفت مزينة، وفى كل القبائل عدد وإسلام. وأوعب مع رسول الله ﷺ المهاجرون والأنصار فلم يتخلف عنه منهم أحد.\rوقد كان ابن عمه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وابن عمته عبد الله بن أبى أمية بن المغيرة لقياه بنيق العقاب فيما بين مكة والمدينة، فالتمسا الدخول عليه وكلمته أم سلمة فيهما وهى أخت عبد الله منهما فقالت: يا رسول الله، ابن عمك وابن عمتك وصهرك. قال: «لا حاجة لى بهما، أما ابن عمى فهتك عرضى وأما ابن عمتى وصهرى فهو الذى قال لى بمكة ما قال» . فلما خرج الخبر إليهما بذلك قال أبو سفيان- ومعه بنى له- والله ليأذنن لى أو لآخذن بيد بنى هذا ثم لنذهبن فى الأرض حتى نموت عطشا وجوعا. فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ رق لهما ثم أذن لهما، فدخلا عليه فأسلما، وأنشده أبو سفيان:\rلعمرك إنى يوم أحمل راية ... لتغلب خيل اللات خيل محمد\rلكالمدلج الحيران أظلم ليله ... فهذا أوانى حين أهدى وأهتدى\rهدانى هاد غير نفسى وقادنى ... مع الله من طردت كل مطرد\rفزعموا أنه لما أنشده هذا البيت ضرب رسول الله ﷺ فى صدره وقال: «أنت طردتنى كل مطرد» «١» .\rوعميت الأخبار عن رسول الله ﷺ على قريش، فلا يأتيهم خبر عنه ولا يدرون ما هو فاعل.\rوخرج فى تلك الليالى أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء يتحسسون الأخبار. وكان العباس بن عبد المطلب قد لقى رسول الله ﷺ ببعض الطريق مهاجرا بعياله، وكان قبل ذلك مقيما بمكة على سقايته ورسول الله ﷺ عنه راض.","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: مجمع الزوائد للهيثمى (٦/ ١٦٥- ١٦٧) ، مستدرك الحاكم (٣/ ٤٣، ٤٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083942,"book_id":3509,"shamela_page_id":505,"part":"1","page_num":503,"sequence_num":505,"body":"قال العباس: فلما نزل رسول الله ﷺ مر الظهران قلت: واصباح قريش والله لئن دخل رسول الله ﷺ مكة عنوة قبل أن يأتوه فيستأمنوه إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر.\rفجلست على بغلة رسول الله ﷺ البيضاء فخرجت عليها حتى جئت الأراك فقلت:\rلعلى أجد بعض الحطابة أو صاحب لبن أو ذا حاجة يأتى مكة فيخبرهم بمكان رسول الله ﷺ ليخرجوا إليه فيستأمنوه. فو الله إنى لأسير عليها والتمس ما خرجت له إذ سمعت كلام أبى سفيان وبديل بن ورقاء وهما يتراجعان وأبو سفيان يقول: ما رأيت كالليلة نيرانا قط ولا عسكرا. قال: يقول بديل: هذه والله خزاعة حمستها الحرب، فيقول أبو سفيان: خزاعة أقل وأذل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها. قال: فعرفت صوته فقلت: يا أبا حنظلة، فعرف صوتى فقال: أبو الفضل؟ قلت: نعم. قال: مالك فداك أبى وأمى؟! قلت: ويحك يا أبا سفيان، هذا رسول الله ﷺ فى الناس واصباح قريش والله. قال: فما الحيلة فداك أبى وأمى؟ قلت: والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك فاركب فى عجز هذه البغلة حتى آتى بك رسول الله ﷺ فأستأمنه لك. فركب خلفى ورجع صاحباه، فجئت به كلما مر بنار من نيران المسلمين قالوا: من هذا؟ فإذا رأوا بغلة رسول الله ﷺ وأنا عليها قالوا: عم رسول الله على بغلته. حتى مررت بنار عمر ابن الخطاب فقال: من هذا؟ وقام إلى، فلما رأى أبا سفيان على عجز الدابة قال: أبو سفيان عدو الله! الحمد لله الذى أمكن منك بغير عقد ولا عهد. ثم خرج يشتد نحو رسول الله ﷺ وركضت البغلة فسبقته بما تسبق الدابة البطيئة الرجل البطىء فاقتحمت عن البغلة فدخلت على رسول الله ﷺ ودخل عليه عمر فقال: يا رسول الله هذا أبو سفيان قد أمكن الله منه بغير عهد ولا عقد فدعنى فلأضرب عنقه. قلت: يا رسول الله، إنى قد أجرته؛ ثم جلست إلى رسول الله ﷺ فأخذت برأسه فقلت: والله لا يناجيه الليلة رجل دونى. فلما أكثر عمر فى شأنه قلت: مهلا يا عمر، فو الله لو كان من رجال بنى عدى بن كعب ما قلت هذا، ولكنك قد عرفت أنه من رجال بنى عبد مناف. فقال: مهلا يا عباس، فو الله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلى من إسلام الخطاب لو أسلم، وما بى إلا أنى عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله ﷺ من إسلام الخطاب، فقال رسول الله ﷺ: «اذهب به يا عباس إلى رحلك فإذا أصبحت فائتنى به» ؛ فذهبت به إلى رحلى فبات عندى، فلما أصبحت غدوت به إلى رسول الله ﷺ فلما رآه قال: «ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله؟» قال:\rبأبى أنت وأمى ما أحلمك وأكرمك وأوصلك والله لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى شيئا بعد. قال: «ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أنى رسول","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083943,"book_id":3509,"shamela_page_id":506,"part":"1","page_num":504,"sequence_num":506,"body":"الله؟» قال: بأبى أنت وأمى ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، أما والله هذه فإن فى نفسى منها شيئا حتى الآن. قال له العباس: ويحك، أسلم واشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قبل أن تضرب عنقك. قال: فشهد شهادة الحق وأسلم.\rقال العباس: قلت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل يحب الفخر، فاجعل له شيئا.\rقال: «نعم، من دخل دار أبى سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن» .\rفلما ذهب لينصرف قال رسول الله ﷺ: «يا عباس، احبسه بمضيق الوادى عند خطم الجبل حتى تمر به جنود الله فيراها» . قال: فخرجت فحبسته حيث أمرنى رسول الله ﷺ أن أحبسه «١» . فمرت القبائل على راياتها كلما مرت قبيلة قال: يا عباس من هذه؟\rفأقول: سليم. فيقول: مالى ولسليم. ثم تمر القبيلة فيقول: من هؤلاء؟ فأقول: مزينة.\rفيقول: مالى ولمزينة. حتى نفذت القبائل ما تمر قبيلة إلا سألنى عنها فإذا أخبرته بهم قال: مالى ولبنى فلان. حتى مر رسول الله ﷺ فى كتيبته الخضراء فيها المهاجرون والأنصار لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد قال: سبحان الله، يا عباس من هؤلاء؟\rقلت: هذا رسول الله ﷺ فى المهاجرين والأنصار. قال: ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة! والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما. قلت يا أبا سفيان إنها النبوة. قال: فنعم إذن. قلت: النجاء إلى قومك. حتى إذا جاءهم صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبى سفيان فهو آمن. فقامت إليه هند بنت عتبة فأخذت بشاربه فقالت: اقتلوا الحميت الدسم الأحمس قبح من طليعة قوم. قال: ويحكم، لا تغرنكم هذه من أنفسكم، فإنه قد جاءكم مالا قبل لكم به، فمن دخل دار أبى سفيان فهو آمن. قالوا: قاتلك الله، وما تغنى عنا دارك؟\rقال: ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن. فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد.\rولما انتهى رسول الله ﷺ إلى ذى طوى وقف على راحلته معتجرا بشقة برد حبرة حمراء، وإنه ليضع رأسه تواضعا لله حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح حتى إن عثنونه ليكاد يمس وسط الرحل.\rولما وقف هناك قال أبو قحافة- وقد كف بصره- لابنة له من أصغر ولده: أى بنية","footnotes":"(١) سبق تخريجه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083944,"book_id":3509,"shamela_page_id":507,"part":"1","page_num":505,"sequence_num":507,"body":"اظهرى بى على أبى قبيس. فأشرفت به عليه، فقال: أى بنية ماذا ترين؟ قالت: أرى سوادا مجتمعا قال: تلك الخيل. قالت: وأرى رجلا يسعى بين يدى السواد مقبلا ومدبرا. قال: أى بنية ذلك الوازع الذى يأمر الخيل ويتقدم إليها. ثم قالت: قد والله انتشر السواد. فقال: قد والله إذن دفعت الخيل فأسرعى بى إلى بيتى. فانحطت به، وتلقاه الخيل قبل أن يصل إلى بيته وفى عنق الجارية طوق من ورق فيلقاها رجل فيقتطعه من عنقها.\rقالت: فلما دخل رسول الله ﷺ مكة ودخل المسجد أتاه أبو بكر بأبيه يقوده، فلما رآه ﷺ قال: «هلا تركت الشيخ فى بيته حتى أكون أنا آتيه فيه!» فقال أبو بكر: يا رسول الله، هو أحق أن يمشى إليك من أن تمشى إليه. قال: فأجلسه بين يديه ثم مسح صدره ثم قال له: «أسلم» . فاسلم. ورآه رسول الله ﷺ وكأن رأسه ثغامة فقال: «غيروا هذا من شعره» «١» . ثم قام أبو بكر فأخذ بيد أخته فقال: أنشد الله والإسلام طوق أختى. فلم يجبه أحد، فقال: أى أخية احتسبى طوقك فو الله إن الأمانة اليوم فى الناس لقليل!\rوأمر رسول الله ﷺ حين فرق جيشه من ذى طوى الزبير بن العوام أن يدخل فى بعض الناس من كدى، وكان على المجنبة اليسرى، وأمر سعد بن عبادة أن يدخل فى بعض الناس من كدا، فذكروا أن سعدا حين وجه داخلا قال: «اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة» .\rفسمعها رجل من المهاجرين، قيل: هو عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- فقال: يا رسول الله اسمع ما قال سعد، ما نأمن أن تكون له فى قريش صولة. فقال رسول الله ﷺ لعلى بن أبى طالب: «أدركه فخذ الراية فكن أنت تدخل بها» «٢» . ويقال: إنه أمر الزبير بذلك وجعله مكان سعد على الأنصار مع المهاجرين. فسار الزبير بالناس حتى وقف بالحجون وغرز بها راية رسول الله ﷺ.\rوذكر غير ابن إسحاق أن ضرار بن الخطاب قال- يومئذ- شعرا استعطف فيه رسول الله ﷺ على قريش حين سمع قول سعد، وهو من أجود شعر قاله:\rيا نبى الهدى إليك لحاجى قريش ولات حين لجاء","footnotes":"(١) ذكره الحاكم فى المستدرك (٣/ ٤٦، ٤٧) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٦/ ١٧٣، ١٧٤) .\r(٢) انظر الحديث فى: الإصابة لابن حجر (٥/ ٢٥٤) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٦/ ١٦٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083945,"book_id":3509,"shamela_page_id":508,"part":"1","page_num":506,"sequence_num":508,"body":"حين ضاقت عليهم سعة الأر ... ض وعاداهم إله السماء\rوالتقت حلقتا البطان على القو ... م ونودوا بالصيلم الصلعاء\rإن سعدا يريد قاصمة الظه ... ر بأهل الحجون والبطحاء\rخزرجى لو يستطيع من الغي ... ظ رمانا بالنسر والعواء\rفانهينه فإنه الأسد الأس ... ود والليث والغ فى الدماء\rفلئن أقحم اللواء ونادى ... يا حماة اللواء أهل اللواء\rلتكونن بالبطاح قريش ... فقعة القاع فى أكف الإماء\rفحينئذ انتزع رسول الله ﷺ الراية من سعد بن عبادة فيما ذكروا. والله أعلم.\rوأمر رسول الله ﷺ خالد بن الوليد- وكان على المجنبة اليمنى- فدخل من الليط أسفل مكة، فلقيته بنو بكر فقاتلوه فقتل منهم قريب من عشرين رجلا ومن هذيل ثلاثة أو أربعة، وانهزموا وقتلوا بالحزورة حتى بلغ قتلهم باب المسجد، وهرب فضضهم حتى دخلوا الدور، وارتفعت طائفة منهم على الجبال واتبعهم المسلمون بالسيوف.\rوأقبل أبو عبيدة بن الجراح بالصف من المسلمين ينصب لمكة بين يدى رسول الله ﷺ.\rودخل رسول الله ﷺ من أذاخر فى المهاجرين الأولين حتى نزل بأعلى مكة وضربت هناك قبته. ولما علا رسول الله ﷺ ثنية كداء نظر إلى البارقة على الجبل مع فضض المشركين فقال: ما هذا وقد نهيت عن القتال؟ فقال المهاجرون: نظن أن خالدا قوتل وبدىء بالقتال فلم يكن بد من أن يقاتل من قاتله، وما كان يا رسول الله ليعصيك ولا ليخالف أمرك. فهبط رسول الله ﷺ من الثنية فأجاز على الحجون.\rواندفع الزبير بن العوام بمن معه حتى وقف بباب الكعبة.\rوجرح رجلان من أصحاب رسول الله ﷺ.\rوكان رسول الله ﷺ قد عهد إلى أمرائه من المسلمين حين أمرهم أن يدخلوا مكة أن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم، إلا أنه قد عهد فى نفر سماهم أمر بقتلهم وإن وجدوا تحت أستار الكعبة منهم: عبد الله بن سعد بن أبى سرح، وكان قد أسلم وكتب الوحى لرسول الله ﷺ ثم ارتد مشركا ففر يومئذ إلى عثمان بن عفان وكان أخاه من الرضاعة فغيبه حتى أتى به رسول الله ﷺ بعد أن اطمأن الناس فاستأمن له. فزعموا أن رسول الله ﷺ صمت طويلا ثم قال: «نعم» . فلما انصرف عنه عثمان قال رسول الله ﷺ لمن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083946,"book_id":3509,"shamela_page_id":509,"part":"1","page_num":507,"sequence_num":509,"body":"حوله من أصحابه: «لقد صمت ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه» . فقال رجل من الأنصار: فهلا أو مأت إلى يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ: «إن النبى لا يقتل بالإشارة» «١» . وفى رواية: «إن النبى لا ينبغى أن تكون له خائنة أعين» .\rومنهم: عبد الله بن خطل- رجل من بنى تيم بن غالب- كان مسلما فبعثه رسول الله ﷺ مصدقا وكان معه رجل مسلم يخدمه فأمره أن يصنع له طعاما ونام، فاستيقظ ولم يصنع له شيئا فعدا عليه فقتله ثم ارتد مشركا، وكانت له قينتان تغنيان بهجاء رسول الله ﷺ، فأمر بقتلهما معه، فقتلت إحداهما وهربت الأخرى حتى استؤمن لها رسول الله ﷺ فأمنها.\rوقيل- يومئذ- لرسول الله ﷺ: إن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة؛ فقال:\r«اقتلوه» . فقتله سعيد بن حريث المخزومى وأبو برزة الأسلمى اشتركا فى دمه.\rومنهم: الحويرث بن نقيذ بن وهب بن عبد بن قصى وكان ممن يؤذى رسول الله ﷺ بمكة، ولما حمل العباس بن عبد المطلب فاطمة وأم كلثوم بنتى رسول الله ﷺ من مكة يريد بهما المدينة نخس بهما الحويرث هذا فرمى بهما إلى الأرض، فقتله يوم الفتح على بن أبى طالب.\rومنهم: مقيس بن صبابة الليثى، وكان أخوه هشام بن صبابة قد قتله رجل من الأنصار خطأ فقدم مقيس بعد ذلك على رسول الله ﷺ المدينة مظهرا الإسلام حتى إذا وجد غرة من قاتل أخيه عدا عليه فقتله ثم لحق بقريش مشركا. وقد تقدم ذكر ذلك فلأجله أمر رسول الله ﷺ بقتله، فقتله نميلة بن عبد الله- رجل من قومه- فقالت أخت مقيس فى ذلك:\rلعمرى لقد أخزى نميلة رهطه ... وفجع أضياف الشتاء بمقيس\rفلله عينا من رأى مثل مقيس ... إذا النفساء أصبحت لم تخرس\rومنهم سارة مولاة لبنى عبد المطلب ولعكرمة بن أبى جهل، وكانت تؤذى رسول الله ﷺ بمكة فاستؤمن لها فأمنها وبقيت حتى أوطأها رجل من الناس فرسا فى زمان عمر بن الخطاب بالأبطح فقتلها.\rوكان صفوان بن أمية وعكرمة بن أبى جهل وسهيل بن عمرو قد جمعوا أناسا بالخندمة ليقاتلوا، فيهم حماس بن قيس بن خالد أخو بنى بكر، وكان قد أعر سلاحا","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: سنن أبو داود (٣/ ٢٦٨٣) . سنن النسائى (٧/ ٤٠٧٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083947,"book_id":3509,"shamela_page_id":510,"part":"1","page_num":508,"sequence_num":510,"body":"وأصلح منها فقالت له امرأته: لماذا تعد ما أرى؟ قال: لمحمد واصحابه. قالت: والله ما أراه يقوم لمحمد شىء! قال: والله إنى لأرجو أن أخدمك بعضهم! ثم قال:\rإن يقبلوا اليوم فما لى عله ... هذا سلاح كامل وأله\rوذو غرارين سريع السله «١»\rثم شهد الخندمة، فلما لقيهم المسلمون من أصحاب خالد بن الوليد ناوشوهم شيئا من قتال، فقتل كرز بن جابر وخنيس بن خالد كانا فى خيل خالد فشذا عنه وسلكا طريقا غير طريقه فقاتلا جميعا وأصيب سلمة بن الميلاء الجهنى من خيل خالد، وأصيب من المشركين ناس ثم انهزموا فخرج حماس منهزما حتى دخل بيته وقال لامرأته: أغلقى على بابى.\rقالت: فأين ما كنت تقول؟ فقال:\rإنك لو شهدت يوم الخندمه ... إذ فر صفوان وفر عكرمه\rواستقبلتهم بالسيوف المسلمه ... يقطعن كل ساعد وجمجمه\rضربا فلا يسمع إلا غمغمه ... لهم نهيت خلفنا وهمهمه\rلم تنطقى فى اللوم أدنى كلمه «٢»\rوقال رسول الله ﷺ لخالد بن الوليد: «لم قاتلت وقد نهيتك عن القتال؟» قال: هم بدأونا ووضعوا فينا السلاح وأشعرونا النبل، وقد كففت يدى ما استطعت. فقال رسول الله ﷺ: «قضاء الله خير» .\rوفر- يومئذ- صفوان بن أمية عامدا للبحر وعكرمة بن أبى جهل عامدا لليمن، فأقبل عمير بن وهب بن خلف إلى رسول الله ﷺ فقال: يا نبى الله، إن صفوان بن أمية سيد قومه وقد خرج هاربا منك ليقذف نفسه فى البحر فأمنه صلى الله عليك فإنك قد أمنت الأحمر والأسود. فقال رسول الله ﷺ: «أدرك ابن عمك فهو آمن» . قال: يا رسول الله، فأعطنى آية يعرف بها أمانك. فأعطاه رسول الله ﷺ عمامته التى دخل فيها مكة. فخرج بها عمير حتى أدركه بجدة وهو يريد أن يركب البحر فقال: يا صفوان فداك أبى وأمى! الله الله فى نفسك أن تهلكها فهذا أمان من رسول الله ﷺ قد جئتك به قال: ويلك اغرب عنى فلا تكلمنى.","footnotes":"(١) ذو غرارين: أى بها سيفا، والغرار: الحد.\r(٢) النهيب: نوع من صياح الأسد. والهمهمة: صوت فى الصدر.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083948,"book_id":3509,"shamela_page_id":511,"part":"1","page_num":509,"sequence_num":511,"body":"قال: أى صفوان فداك أبى وأمى! أفضل الناس وأبر الناس وأحلم الناس وخير الناس ابن عمك، عزه عزك وشرفه شرفك وملكه ملكك.\rقال: إنى أخافه على نفسى. قال: هو أحلم من ذلك وأكرم. فرجع معه حتى وقف به على رسول الله ﷺ فقال صفوان: إن هذا يزعم أنك أمنتنى. قال: «صدق» . قال:\rفاجعلنى فيه بالخيار شهرين. قال: «أنت بالخيار أربعة أشهر» «١» .\rوأقبلت أم حكيم بنت الحارث بن هشام وكانت تحت عكرمة بن أبى جهل وهى مسلمة- يومئذ- فقالت: يا رسول الله، آمن زوجى وائذن لى فى طلبه. فأذن لها وأمنه فأدركته ببعض تهامة وقيل: باليمن فأقبل معها وأسلم، فلما رآه رسول الله ﷺ وثب إليه فرحا وما عليه رداء.\rوكانت فاختة بنت الوليد تحت صفوان بن أمية، وكانت أسلمت أيضا، فلما أسلم عكرمة وصفوان أقر رسول الله ﷺ كل واحدة منهما عند زوجها على النكاح الأول.\rوقالت أم هانىء بنت أبى طالب وكانت عند هبيرة بن أبى وهب المخزومى: لما نزل رسول الله ﷺ بأعلى مكة فر إلى رجلان من أحمائى من بنى مخزوم فدخل على أخى على بن أبى طالب فقال: والله لأقتلنهما، فأغلقت عليهما بيتى ثم جئت رسول الله ﷺ وهو بأعلى مكة فوجدته يغتسل من جفنة إن فيها لأثر العجين وفاطمة ابنته تستره بثوبه، فلما اغتسل أخذ ثوبه فتوشح به ثم صلى ثمانى ركعات من الضحى ثم انصرف إلى فقال: «مرحبا وأهلا يا أم هانىء، ما جاء بك؟» فأخبرته خبر الرجلين وخبر على فقال: «قد أجرنا من أجرت يا أم هانىء وأمنا من أمنت فلا يقتلهما» «٢» .\rقال ابن هشام: هما الحارث بن هشام وزهير بن أبى أمية بن المغيرة.\rولما نزل رسول الله ﷺ مكة واطمأن الناس خرج حتى جاء البيت فطاف به سبعا على راحلته ليستلم الركن بمحجن فى يده، فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة فأخذ منه مفتاح الكعبة ففتحت له فدخلها فوجد فيها حمامة من عيدان فكسرها بيده، ثم طرحها، ثم وقف على باب الكعبة فقال:\r«لا إله إلا الله، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا كل مأثرة","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (٥/ ٩٧) ، موطأ مالك (٢/ ٥٤٣، ٥٤٤/ ٤٤) .\r(٢) انظر الحديث فى: صحيح مسلم فى كتاب المسافرين (١/ ٤٩٨/ ٨٢) ، سنن أبى داود (٣/ ٢٧٦٣) ، سنن الترمذى (٤/ ١٥٧٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083949,"book_id":3509,"shamela_page_id":512,"part":"1","page_num":510,"sequence_num":512,"body":"أو دم أو مال يدعى فهو تحت قدمى هاتين إلا سدانة البيت وسقاية الحاج، ألا وقتيل الخطأ شبه العمد السوط والعصا ففيه الدية مغلظة مائة من الإبل أربعون منها فى بطونها أولادها، يا معشر قريش، إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء، الناس لآدم وآدم من تراب» . ثم تلا هذه الآية: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [الحجرات: ١٣] .\rثم قال: «يا معشر قريش، ما ترون أنى فاعل فيكم؟ قالوا: خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم. ثم قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء» «١» .\rثم جلس رسول الله ﷺ فى المسجد فقام إليه على بن أبى طالب- رضى الله عنه- ومفتاح الكعبة فى يديه، فقال: يا رسول الله، اجمع لنا الحجابة مع السقاية صلى الله عليك فقال رسول الله ﷺ: «أين عثمان بن طلحة» ؟ فدعى له فقال: «هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم بر ووفاء» . وقال لعلى فيما حكى ابن هشام: «إنما أعطيكم ما ترزأون لا ما ترزأون» «٢» .\rوذكر ابن عقبة أن رسول الله ﷺ لما قضى طوافه نزل فأخرجت الراحلة فركع ركعتين ثم انصرف إلى زمزم فاطلع فيها وقال: «لولا أن يغلب بنو عبد المطلب على سقياتهم لنزعت منها بيدى» . ثم انصرف إلى ناحية المسجد قريبا من مقام إبراهيم- وكان المقام لاصقا بالكعبة- فأخذه رسول الله ﷺ ودعا رسول الله ﷺ بسجل من ماء فشرب وتوضأ والمسلمون يبتدرون وضوءه يصبونه على وجوههم والمشركون ينظرون إليهم ويعجبون ويقولون: ما راينا ملكا قط بلغ هذا ولا سمعنا به!\rوذكر ابن هشام- أيضا- أن رسول الله ﷺ دخل البيت يوم الفتح فرأى فيه صور الملائكة وغيرهم، فرأى إبراهيم مصورا فى يده الأزلام يستقسم بها، فقال: «قاتلهم الله! جعلوا شيخنا يستقسم بالأزلام؟! ما شأن إبراهيم والأزلام» ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» [آل عمران: ٦٧] ثم أمر بتلك الصور كلها فطمست «٣» .","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: فتح البارى لابن حجر (٧/ ٦١٢) ، السنن الكبرى للبيهقى (٩/ ١١٨) .\r(٢) انظر الحديث فى: مجمع الزوائد للهيثمى (٦/ ١٧٧) .\r(٣) انظر الحديث فى: سنن أبو داود (٢/ ٢٠٢٧) ، سنن البيهقى (٥/ ١٥٨) ، المطالب العالية لابن حجر (٤/ ٤٣٦٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083950,"book_id":3509,"shamela_page_id":513,"part":"1","page_num":511,"sequence_num":513,"body":"وعن ابن عباس قال: دخل رسول الله ﷺ مكة يوم الفتح على راحلته فطاف عليها وحول البيت أصنام مشددة بالرصاص فجعل النبى يشير بقضيب فى يده إلى الأصنام وهو يقول: جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً [الإسراء: ٨١] فما أشار إلى صنم منها فى وجهه إلا وقع لقفاه ولا أشار إلى قفاه إلا وقع لوجهه، حتى ما بقى صنم إلا وقع. فقال تميم بن أسد الخزاعى:\rوفى الأصنام معتبر وعلم ... لمن يرجو الثواب أو العقابا\rوأراد فضالة بن عمير بن الملوح الليثى قتل النبى ﷺ وهو بالبيت عام الفتح، فلما دنا منه قال رسول الله ﷺ: «أفضالة؟» قال: نعم فضالة يا رسول الله قال: «ماذا كنت تحدث نفسك؟» فقال: لا شىء، كنت أذكر الله. فضحك النبى ﷺ ثم قال: «استغفر الله» ، ثم وضع يده على صدره فسكن قلبه. فكان فضالة يقول: والله ما رفع يده عن صدرى حتى ما من خلق الله شىء أحب إلى منه. قال فضالة: فرجعت إلى أهلى فمررت بامرأة كنت أتحدث إليها فقالت: هلم إلى الحديث: فقلت لا. وانبعث فضالة يقول:\rقالت هلم إلى الحديث فقلت لا ... يأبى عليك الله والإسلام\rلو ما رأيت محمد وقبيله ... بالفتح يوم تكسر الأصنام\rلرأيت دين الله أضحى بينا ... والشرك يغشى وجهه الإظلام\rوأمر رسول الله ﷺ لما دخل الكعبة عام الفتح بلالا أن يؤذن، وكان دخل معه، وأبو سفيان بن حرب وعتاب بن أسيد والحارث بن هشام جلوس بفناء الكعبة فقال عتاب:\rلقد أكرم الله أسيدا أن لا يكون سمع هذا فيسمع منه ما يغيظه. فقال الحارث: أما والله لو أعلم أنه محق لا تبعته. وقال أبو سفيان: لا أقول شيئا، لو تكلمت لأخبرته عنى هذه الحصباء! فخرج عليهم النبى ﷺ فقال: «قد علمت الذى قلتم» «١» ثم ذكر ذلك لهم، فقال الحارث وعتاب: نشهد أنك رسول الله، والله ما اطلع على هذا أحد كان معنا فنقول أخبرك.\rوقام رسول الله ﷺ حين افتتح مكة على الصفا يدعو وقد أحدقت به الأنصار، فقالوا فيما بينهم: أترون رسول الله ﷺ إذ فتح الله عليه أرضه وبلده يقيم بها.\rفلما فرغ من دعائه قال: ماذا قلتم؟ قالوا: لا شىء يا رسول الله. فلم يزل بهم حتى","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: تفسير ابن كثير (٣/ ١٣٢) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083951,"book_id":3509,"shamela_page_id":514,"part":"1","page_num":512,"sequence_num":514,"body":"أخبروه فقال: «معاذ الله! المحيا محياكم والممات مماتكم» «١» .\rوعدت خزاعة الغد من يوم الفتح على رجل من هذيل يقال له: ابن الأثوع فقتلوه وهو مشرك برجل من أسلم يقال له: أحمر بأسا وكان رجلا شجاعا وكان إذا نام غط غطيطا منكرا لا يخفى مكانه فكان يبيت فى حيه معتنزا، فإذا بيت الحى صرخوا: يا أحمر. فيثور مثل الأسد لا يقوم لسبيله شى. فأقبل غزى من هذيل يريدون حاضره، حتى إذا دنوا من الحاضر قال ابن الأثوع الهذلى: لا تعجلوا حتى أنظر فإذا كان فى الحاضر أحمر فلا سبيل إليهم فإن له غطيطا لا يخفى. فاستمع فلما سمع غطيطه مشى إليه حتى وضع السيف فى صدره ثم تحامل عليه حتى قتله. ثم أغاروا على الحاضر فصرخوا: يا أحمر ولا أحمر لهم! فلما كان الغد من يوم الفتح أتى ابن الأثوع الهذلى حتى دخل مكة ينظر ويسأل عن أمر الناس وهو على شركه فرأته خزاعة فعرفوه فأحاطوا به وهو إلى جنب جدار من جدر مكة يقولون: أنت قاتل أحمر؟ قال: نعم أنا قاتل أحمر فمه. إذ أقبل خراش بن أمية مشتملا على السيف فقال: هكذا عن الرجل.\rقال بعض من حضرهم: وو الله ما نظن إلا أنه يريد أن يفرج الناس عنه، فلما تفرجوا حمل عليه فطعنه بالسيف فى بطنه، فو الله لكأنى أنظر إليه وحشوته تسيل من بطنه وإن عينيه لترنقان فى رأسه وهو يقول: أقد فعلتموها يا معشر خزاعة! حتى انجعف فوقع.\rفقال رسول الله ﷺ لما بلغه ما صنع خراش بن أمية: «إن خراشا لقتال» . يعيبه بذلك.\rوقام ﷺ فى الناس خطيبا فقال: «يا أيها الناس، إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، فهى حرام من حرام الله إلى يوم القيامة، فلا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دما ولا يعضد فيها شجرا، لم تحلل لأحد كان قبلى ولا تحل لأحد يكون بعدى، ولم تحل لى إلا هذه الساعة غضبا على أهلها؛ ألا ثم قد رجعت كحرمتها بالأمس فليبلغ الشاهد منكم الغائب، فمن قال لكم: إن رسول الله قد قاتل.\rفقولوا: إن الله قد أحلها لرسوله ولم يحلها لكم. يا معشر خزاعة ارفعوا أيديكم عن القتل فقد كثر القتل أن يقع لقد قتلتم قتيلا لأدينه؛ فمن قتل بعد مقامى هذا فهم بخير النظرين إن شاؤا فدم قاتله وإن شاؤا فعقله» «٢» .\rثم ودى رسول الله ﷺ ذلك الرجل الذى قتلت خزاعة.","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: سنن الدار قطنى (٣/ ٢٣٢/ ٥٩، ٦٠) ، مسند الإمام أحمد (٢/ ٥٣٨) .\r(٢) انظر الحديث فى: صحيح مسلم (٢/ ٩٨٧، ٩٨٨، ٤٤٦) ، سنن الترمذى (٣/ ٨٠٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083952,"book_id":3509,"shamela_page_id":515,"part":"1","page_num":513,"sequence_num":515,"body":"وأقام رسول الله ﷺ بمكة بعد فتحها خمس عشرة ليلة يقصر الصلاة. وكان فتحها لعشر ليال بقين من رمضان سنة ثمان.\rوكان مما قيل من الشعر فى فتح مكة قول حسان بن ثابت، وذكر ابن هشام أنه قالها قبل الفتح:\rعفت ذات الأصابع فالجواء ... إلى عذراء منزلها خلاء «١»\rديار من بنى الحسحاس قفر ... تعفيها الروماس والسماء «٢»\rوكانت لا يزال بها أنيس ... خلال مروجها نعم وشاء\rفدع هذا ولكن من لطيف ... يؤرقنى إذا ذهب العشاء\rلشعثاء التى قد تيمته ... فليس لقلبه منه شفاء\rكأن سيئة من بيت رأس ... يكون مزاجها عسل وماء\rإذا ما الأشربات ذكرن يوما ... فهن لطيب الراح الفداء\rنوليها الملامة إن ألمنا ... إذا ما كان مغث أو لحاء\rونشربها فتتركنا ملوكا ... وأسدا ما ينهنهنا اللقاء\rعدمنا خيلنا إن لم تروها ... تثير النقع موعدها كداء\rينازعن الأعنة مصغيات ... على أكتافها الأسل الظماء «٣»\rتظل جيادنا متمطرات ... يلطمهن بالخمر النساء\rفإما تعرضوا عنا اعتمرنا ... وكان الفتح وانكشف الغطاء\rوإلا فاصبروا لجلاد يوم ... يغر الله فيه من يشاء\rوجبريل رسول الله فينا ... وروح القدس ليس له كفاء\rوقال الله قد أرسلت عبدا ... يقول الحق إن نفع البلاء\rشهدت به فقوموا صدقوه ... فقلتم لا نقوم ولا نشاء\rوقال الله قد يسرت جندا ... هم الأنصار عرضتها اللقاء\rلنا فى كل يوم من معد ... سباب أو قتال أو هجاء\rفنحكم بالقوافى من هجانا ... ونضرب حين تختلط الدماء","footnotes":"(١) عفت: أى درست وتغيرت.\r(٢) الحسحاس: الرجل الجواد الذى يطرد الجوع بسخائه. والروامس: الرياح التى تثير التراب فترمى به الآثار.\r(٣) مصغيات: أى مستمعات. والأسل: أى الرماح.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083953,"book_id":3509,"shamela_page_id":516,"part":"1","page_num":514,"sequence_num":516,"body":"ألا أبلغ أبا سفيان عنى ... مغلغلة فقد برح الخفاء\rهجوت محمدا وأجبت عنه ... وعند الله فى ذاك الجزاء\rأتهجوه ولست له بكفء ... فشر كما لخير كما الفداء\rهجوت مباركا برا حنيفا ... أمين الله شيمته الوفاء\rأمن يهجو رسول الله منكم ... ويمدحه وينصره سواء\rفإن أبى ووالده وعرضى ... لعرض محمد منكم وقاء\rلسانى صارم لا عيب فيه ... وبحرى لا تكدره الدلاء\rوقول ابن هشام: إن حسان قال هذا الشعر قبل الفتح ظاهر فى غير ما شىء من مقتضياته، ومن ذلك: مقاولته لأبى سفيان وهو ابن الحارث بن عبد المطلب ابن عم رسول الله ﷺ. وقد أسلم قبل الفتح فى طريق رسول الله ﷺ إلى مكة كما تقدم.\rوكذلك ذكر ابن عقبة أن حسان قاله فى مخرج رسول الله ﷺ إلى مكة، وأن رسول الله ﷺ لما دخل مكة نظر إلى النساء يلطمن الخيل بالخمر فالتفت إلى أبى بكر فتبسم لقول حسان فى ذلك: يلطمهن بالخمر النساء.\rوقال أنس بن زنيم الديلى يعتذر إلى رسول الله ﷺ مما قال فيهم عمرو بن سالم الخزاعى:\rوأنت الذى تهدى معد بأمره ... بل الله يهديهم وقال لك اشهد\rوما حملت من ناقة فوق رحلها ... أبر وأوفى ذمة من محمد\rأحث على خير وأسبغ نائلا ... إذ راح كالسيف الصقيل المهند\rوأكسى لبرد الخال قبل ابتذاله ... وأعطى لرأس السابق المتجرد\rتعلم رسول الله أنك مدركى ... وأن وعيدا منك كالأخذ باليد\rتعلم رسول الله أنك قادر ... على كل صرم متهمين ومنجد\rتعلم بأن الركب ركب عويمر ... هم الكاذبون المخلفون كل موعد\rونبوا رسول الله أنى هجوته ... فلا حملت سوطى إلى إذن يدى\rسوى أننى قد قلت ويلم فتية ... أصيبوا بنحس لائط وبأسعد\rذويب وكلثوم وسلمى تتابعوا ... جميعا فإن لا تدمع العين أكمد\rأصابهم من لم يكن لدمائهم ... كفاء فعزت عبرتى وتبلدى\rوقال بجير بن زهير بن أبى سلمى فى يوم الفتح:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083954,"book_id":3509,"shamela_page_id":517,"part":"1","page_num":515,"sequence_num":517,"body":"نفى أهل الحبلق كل فج ... مزينة غدوة وبنو خفاف\rضربناهم بمكة يوم فتح الن ... بى الخير بالبيض الخفاف\rصبحناهم بسلع من سليم ... وألف من بنى عثمان واف\rنطا أكتافهم ضربا وطعنا ... ورشقا بالمريشة اللطاف «١»\rترى بين الصفوف لها حفيفا ... كما انصاع الفواق من الرصاف\rفرحنا والجياد تجول فيهم ... بأرماح مقومة الثقاف\rفأبنا غانمين بما اشتهينا ... وآبوا نادمين على الخلاف\rوأعطينا رسول الله منا ... مواثقنا على حسن التصافى\rوقد سمعوا مقالتنا فهموا ... غداة الروع منا بانصراف\rوقال عباس بن مرداس السلمى فى فتح مكة:\rمنا بمكة يوم فتح محمد ... ألف تسيل به البطاح مسوم «٢»\rنصروا الرسول وشاهدوا أيامه ... وشعارهم يوم اللقاء مقدم\rفى منزل ثبتت به أقدامهم ... ضنك كأن الهام فيه الحنتم\rجرت سنابكها بنجد قبلها ... حتى استعاد لها الحجاز الأدهم\rالله مكنه له وأذله ... حكم السيوف لنا وجد مزحم\rوقال نجيد بن عمران الخزاعى:\rوقد أنشأ الله السحاب بنصرنا ... ركام صحاب الهيدب المتراكب\rوهجرتنا فى أرضنا عندنا بها ... كتاب أتى من خير ممل وكاتب\rومن أجلنا حلت بمكة حرمة ... لندرك ثأرا بالسيوف القواضب\rولما فتح الله على رسوله ﷺ مكة بعث السرايا فيما حولها يدعو إلى الله، ولم يأمرهم بقتال.\rوكان ممن بعث خالد بن الوليد، وأمره أن يسير بأسفل تهامة داعيا ولم يبعثه مقاتلا، ومعه قبائل من العرب، فوطئوا بنى جذيمة بن عامر بن عبد مناة بن كنانة. فلما رآه القوم أخذوا السلاح، فقال خالد: ضعوا السلاح فإن الناس قد أسلموا. فقال رجل منها يقال له جحدم: ويلكم يا بنى جذيمة إنه خالد! والله ما بعد وضع السلاح إلا الإسار، وما بعد الإسار إلا ضرب الأعناق، والله لا أضع سلاحى أبدا. فأخذه رجال من قومه","footnotes":"(١) رشقا: أى الرمى السريع. والمريشة: أى السهام التى لها ريش.\r(٢) البطاح: جمع بطحاء، وهى الأرض السهلة المتسعة. مسوم: أى مرسل.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083955,"book_id":3509,"shamela_page_id":518,"part":"1","page_num":516,"sequence_num":518,"body":"فقالوا: يا جحدم، أتريد أن تسفك دماءنا؟ إن الناس قد أسلموا ووضعت الحرب وأمن الناس، فلم يزالوا به حتى نزعوا سلاحه ووضع القوم السلاح لقول خالد.\rفلما وضعوه أمر بهم خالد عند ذلك فكتفوا ثم عرضهم على السيف فقتل من قتل منهم. وقال لهم جحدم حين وضعوا سلاحه ورأى ما يصنع بهم: يا بنى جذيمة ضاع الضرب! قد كنت حذرتكم ما وقعتم فيه.\rفلما انتهى الخبر إلى رسول الله ﷺ رفع يديه إلى السماء ثم قال: «اللهم إنى أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد» «١» . وقال رسول الله ﷺ لرجل انفلت منهم فأتاه بالخبر:\r«هل أنكر عليه أحد؟» فقال: نعم، قد أنكر عليه رجل أبيض ربعة فنهمه خالد فسكت عنه، وأنكر عليه رجل أحمر مضطرب فرجعه فاشتدت مراجعتهما. فقال عمر بن الخطاب: أما الأول يا رسول الله فابنى عبد الله، وأما الآخر فسالم مولى أبى حذيفة.\rوذكروا أن رسول الله ﷺ قال: «رأيت كأنى لقمت لقمة من حيس فالتذذت طعمها فاعترض فى حلقى منها شىء حين ابتعلتها فأدخل على يده فنزعه» . فقال أبو بكر: هذه سرية من سراياك تبعثها فيأتيك منها بعض ما تحب ويكون فى بعضها اعتراض فتبعث عليا فيسهله «٢» .\rثم لما كان من خالد فى بنى جذيمة ما كان دعا رسول الله ﷺ على بن أبى طالب فقال: «يا على اخرج إلى هؤلاء القوم فانظر فى أمرهم واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك» . فخرج على حتى جاءهم ومعه مال قد بعث به رسول الله ﷺ فودى لهم الدماء وما أصيب من الأموال حتى إنه ليدى لهم ميلغة الكلب، حتى إذا لم يبق شىء من دم ولا مال إلا وداه بقيت معه بقية من المال فقال لهم على حين فرغ منه: هل بقى دم أو مال لم يود لكم؟ قالوا: لا؛ قال: فإنى أعطيكم هذه البقية من هذا المال احتياطا لرسول الله ﷺ مما لا يعلم ولا تعلمون.\rففعل ثم رجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره الخبر، فقال: «أصبت وأحسنت» .\rثم قام رسول الله ﷺ فاستقبل القبلة قائما شاهرا يديه حتى إنه ليرى ما تحت منكبيه يقول: «اللهم إنى أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد» «٣» ، ثلاث مرات.","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (٢/ ٦٣٨٢) ، السنن الكبرى للبيهقى (٩/ ١١٥) .\r(٢) ذكره ابن حجر فى فتح البارى (٧/ ٦٥٥) .\r(٣) انظر الحديث فى: فتح البارى لابن حجر (٧/ ٦٥٥) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083956,"book_id":3509,"shamela_page_id":519,"part":"1","page_num":517,"sequence_num":519,"body":"وقد قال بعض من يعذر خالدا: إنه قال: ما قاتلت حتى أمرنى بذلك عبد الله بن حذافة السهمى وقال: إن رسول الله ﷺ أمر أن تقاتلهم لامتناعهم من الإسلام.\rوحدث ابن أبى حدرد الأسلمى قال: كنت يومئذ فى خيل خالد بن الوليد فقال لى فتى من بنى جذيمة وهو فى سنى وقد جمعت يداه إلى عنقه برمة ونسوة مجتمعات غير بعيد منه: يا فتى. قلت: ما تشاء؟ قال: هل أنت آخذ بهذه الرمة فقائدى إلى هؤلاء النسوة حتى أقضى إليهن حاجة ثم تردنى بعد فتصنعوا بى بعد ما بدا لكم؟ قال قلت:\rوالله ليسير ما طلبت. فأخذت برمته فقدته بها أو قفته عليهن فقال: اسلمى حبيش على نفد العيش:\rأريتك إذ طالبتكم فوجدتكم ... بحلية أو ألفيتكم بالخوانق\rألم يك أهلا أن ينول عاشق ... تكلف إدلاج السرى والودائق\rفلا ذنب لى قد قلت إذا أهلنا معا ... أثيبى بود قبل إحدى الصفائق\rأثيبى بود قبل أن تشحط النوى ... وينأى الأمير بالحبيب المفارق\rفقالت: وأنت فحييت سبعا وعشرا وترا وثمانيا تترى. قال: ثم انصرفت به فضربت عنقه. فحدث من حضرها أنها قامت إليه حين ضربت عنقه فما زالت تقبله حتى ماتت عنده.\rوخرج النسائى هذه القصة فى مصنفة فى باب «قتل الأسارى» من حديث ابن عباس أن النبى ﷺ بعث سرية فغنموا وفيهم وفيهم رجل قال: إنى لست منهم، عشقت امرأة فلحقتها فدعونى أنظر إليها نظرة ثم اصنعوا بى ما بدا لكم. قال: فإذا امرأة طويلة أدماء فقال: اسلمى حبيش قبل نفد العيش وذكر بعض الشعر المتقدم وبعده: قالت: نعم فديتك. قال: فقدموه فضربوا عنقه فجاءت المرأة فوقفت عليه فشهقت شهقة أو شهقتين ثم ماتت، فلما قدموا على رسول الله ﷺ أخبروه الخبر فقال ﷺ: «أما كان فيكم رجل رحيم» .\rثم بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد إلى العزى وكانت بنخلة، وكان بيتا تعظمه قريش وكنانة ومضر كلها، وكان سدنتها وحجابها بنى شيبان من بنى سليم حلفاء بن هاشم، فلما سمع صاحبها السلمى بسير خالد إليها علق عليها سيفه وأسند فى الجبل الذى هو فيه وهو يقول:\rأيا عز شدى شدة لا شوى لها ... على خالد ألقى القناع وشمرى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083957,"book_id":3509,"shamela_page_id":520,"part":"1","page_num":518,"sequence_num":520,"body":"أيا عز إن لم تقتلى المرء خالدا ... فبوئى بإثم عاجل أو تنصرى\rفلما انتهى إليها خالد هدمها. ثم رجع إلى رسول الله ﷺ.\r\rغزوة حنين «١»\rولما سمعت «٢» هوازن برسول الله ﷺ وما فتح الله عليه من مكة، جمعها مالك بن عوف النضرى، فاجتمع إليه مع هوازن ثقيف كلها، واجتمعت نضر وجشم كلها، وسعد بن بكر وناس من بنى هلال وهم قليل، ولم يشهدها من قيس عيلان إلا هؤلاء.\rوفى بنى جشم دريد بن الصمة شيخ كبير ليس فيه شىء إلا التيمن برأيه ومعرفته بالحرب، وجماع أمر الناس إلى مالك بن عوف.\rفلما أجمع السير إلى رسول الله ﷺ حط مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم، فلما نزل بأوطاس اجتمع إليه الناس وفيهم دريد بن الصمة فى شجار «٣» له يقاد به، فلما نزل قال: «فى أى واد أنتم؟» قالوا: بأوطاس. قال: «نعم مجال الخيل لا حزن ضرس»\rولا سهل دهس «٥» ، ما لى أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، وبكاء الصغير ويعار الشاء؟» قالوا: ساق مالك بن عوف مع الناس أمولهم ونساءهم وأبناءهم. قال: «أين مالك؟» فدعى له فقال: «يا مالك، إنك أصبحت رئيس قومك، وإن هذا يوم له ما بعده، ما لى أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، وبكاء الصغير، ويعار الشاء؟» قال: سقت مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم، أردت أن أجعل خلف كل رجل منهم أهله وماله ليقاتل عنهم قال: فانقض به، وقال: «راعى ضأن والله! وهل يرد المنهزم شىء؟ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت فى أهلك ومالك» .\rثم قال: «ما فعلت كعب وكلاب؟» قالوا: لم يشهدها منهم أحد. قال: «غاب","footnotes":"(١) راجع هذه الغزوة فى: المنتظم لابن الجوزى (٣/ ٣٣١- ٣٤١) ، مغازى الواقدى (٣/ ٨٨٥) ، طبقات ابن سعد (٢/ ١/ ١٠٨) ، تاريخ الطبرى (٣/ ٧١) ، الكامل (٢/ ١٣٥) ، البداية والنهاية (٤/ ٣٢٢) .\r(٢) انظر: السيرة (٤/ ٧١) .\r(٣) شجار: شبه الهودج إلا أنه مكشوف من أعلى.\r(٤) الحزن: المرتفع من الأرض. الضرس: الذى فيه حجارة محددة.\r(٥) سهل دهس: هو كل لين سهل لا يبلغ أن يكون رملا وليس بتراب ولا طين..","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083958,"book_id":3509,"shamela_page_id":521,"part":"1","page_num":519,"sequence_num":521,"body":"الحد «١» والجد لو كان يوم علاء ورفعة لم تغب عنه كعب وكلاب، ولوددت أنكم فعلتم ما فعلت كعب وكلاب، فمن شهدها منكم؟» قالوا: عمرو بن عامر وعوف بن عامر. قال: «ذانك الجذعان «٢» لا ينفعان ولا يضران! يا مالك، إنك لم تصنع بتقديم بيضة هوازن إلى نحور الخيل شيئا، ارفعهم إلى ممتنع بلادهم وعلياء قومهم ثم الق الصّبّاء «٣» على متون الخيل فإن كانت لك لحق بك من وراءك، وإن كانت عليك ألفاك ذلك وقد أحرزت أهلك ومالك» .\rقال: والله لا أفعل، إنك قد كبرت وكبر عقلك والله لتطيعننى يا معشر هوازن أو لأتكئن على هذا السيف حتى يخرج من ظهرى، وكره أن يكون لدريد فيها ذكر أو أرى، قالوا: أطعناك.\rفقال دريد ابن الصمة: هذا يوم لم أشهده ولم يفتنى:\rيا ليتنى فيها جذع ... أخب فيها وأضع «٤»\rثم قال مالك للناس: إذا رأيتموهم فاكسروا جفون سيوفكم، ثم شدوا شدة رجل واحد.\rوبعث مالك بن عوف عيونا من رجاله، فأتوه وقد تفرقت أوصالهم فقال: ويلكم ما شأنكم؟ قالوا: رأينا رجالا بيضا على خيل بلق والله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى، فو الله ما رده ذلك عن وجهه أن مضى على ما يريد.\rولما سمع بهم نبى الله ﷺ بعث إليهم عبد الله بن أبى حدرد الأسلمى وأمره أن يدخل فى الناس، ويقيم فيهم حتى يعلم علمهم، ثم يأتيه بخبرهم، فانطلق ابن أبى حدرد فدخل فيهم حتى سمع وعلم ما قد أجمعوا عليه من حرب رسول الله ﷺ، وسمع من مالك وأمر هوزان ما هم له ثم أقبل حتى أتى رسول الله ﷺ فأخبره الخبر «٥» .","footnotes":"(١) غاب الحد: أى غابت الشجاعة والحدة.\r(٢) الجذعان: يريد أنهما ضعيفان بمنزلة الجذع فى سنه.\r(٣) الصباء: مفردها صابىء وكانوا يسمون المسلمون صباء.\r(٤) يا ليتنى فيها جذع: يتمنى أن يكون فى هذه الحرب شابا لم تحطمه الأيام. وأخب: من الخبب، وهو ضرب من السير.\r(٥) ذكر فى السيرة (٤/ ٧٣) زيادة فى هذا الموضع فقال: « ... فأخبره الخبر، فدعا رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب، فأخبره الخبر فقال عمر: كذب ابن أبى حدرد، فقال ابن أبى حدرد: إن-","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083959,"book_id":3509,"shamela_page_id":522,"part":"1","page_num":520,"sequence_num":522,"body":"فلما أجمع رسول الله ﷺ السير إلى هوازن ذكر له أن عند صفوان بن أمية أدراعا وسلاحا فأرسل إليه وهو يومئذ مشرك فقال: «يا أبا أمية، أعرنا سلاحك هذا نلقى فيها عدونا غدا» ، فقال صفوان: أغصبا يا محمد؟ فقال: «بل عارية مضمونة حتى نؤديها إليك» ، قال: ليس بهذا بأس. فأعطاه مائة درع بما يكفيها من السلاح، فزعموا أن رسول الله ﷺ سأله أن يكفيهم حملها ففعل «١» .\rثم خرج أن رسول الله ﷺ عامدا لحنين معه ألفان من أهل مكة وعشرة آلاف من أصحابه الذين فتح الله بهم مكة، فكانوا اثنى عشر ألفا.\rوذكر «٢» أن رسول الله ﷺ قال حين فصل من مكة إلى حنين ورأى كثرة من معه من جنود الله: «لن نغلب اليوم من قلة» «٣» . وزعم بعض الناس أن رجلا من بنى بكرة قالها.\rواستعمل رسول الله ﷺ عتاب بن أسيد بن أبى العيص بن أمية بن عبد شمس «٤» على مكة أميرا على من تخلف عنه من الناس. ثم مضى رسول الله ﷺ على وجهه يريد لقاء هوازن.\rقال ابن عقبة: وكان أهل حنين يظنون حين دنا منهم رسول الله ﷺ يعنى فى توجهه إلى مكة أنه بادىء بهم، وصنع الله لرسوله ما هو أحسن من ذلك، فتح له مكة فأقر بها عينه وكبت بها عدوه.","footnotes":"- كذبتنى فربما كذبت بالحق يا عمر، فقد كذبت من هو خير منى، فقال عمر: يا رسول الله، ألا تسمع ما يقول ابن أبى حدرد؟ فقال رسول الله ﷺ: «قد كانت ضالا فهداك الله يا عمر» . هكذا وردت هذه الزيادة فى السيرة. وانظر هذه الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ٣٢٤) ، دلائل النبوة للبيهقى (٥/ ١٢١) .\r(١) انظر الحديث فى: مستدرك الحاكم (٣/ ٤٨، ٤٩) ، السلسلة الصحيحة للألبانى (٦٣١) ، السنن الكبرى للبيهقى (٦/ ٨٩) .\r(٢) انظر: السيرة (٤/ ٧٧) .\r(٣) انظر الحديث فى: مستدرك الحاكم (١/ ٤٤٣) ، سنن أبى داود (٣/ ٢٦١١) ، سنن الترمذى (٤/ ١٥٥٥) .\r(٤) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (١٧٧٥) ، الإصابة الترجمة رقم (٥٤٠٧) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٣٥٣٨) ، الثقات (٣/ ٣٠٤) ، تجريد أسماء الصحابة (١/ ٣٧٠) ، تقريب التهذيب (٢/ ٣) خلاصة تذهيب (٢/ ٢٠٨) ، شذرات الذهب (١/ ٥٦) ، العبر (١/ ١٦) ، تهذيب الكمال (٢/ ٩٠٠) ، مشاهير علماء الأمصار (١٥٥) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083960,"book_id":3509,"shamela_page_id":523,"part":"1","page_num":521,"sequence_num":523,"body":"فلما خرج ﷺ إلى حنين خرج معه أهل مكة ركبانا ومشاة، حتى خرج معه النساء يمشين على غير دين نظارا ينظرون ويرجون الغنائم، ولا يكرهون أن تكون الصدمة برسول الله ﷺ وأصحابه.\rوحدث «١» أبو واقد الليثى قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين ونحن حديثوا عهد بالجاهلية، وكانت لكفار قريش ومن سواهم من العرب شجرة خضراء عظيمة يقال لها: ذات أنواط. يأتونها كل سنة فيعلقون عليها أسلحتهم ويذبحون عندها ويعكفون عليها يوما، قال: فرأينا ونحن نسير معه سدرة خضراء عظيمة فتنادينا من جنبات الطريق: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال رسول الله ﷺ: «الله أكبر! قلتم والذى نفس محمد بيده كما قال قوم موسى: اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ، قالَ: إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [الأعراف: ١٣٨] فإنها السنن لتركبن سنن من كان قبلكم» «٢» .\rوحدث «٣» جابر بن عبد الله قال: لما استقبلنا وادى حنين انحدرنا فى واد من أودية تهامة أجوف حطوط إنما ننحدر فيه انحدارا قال: وذلك فى عمامة الصبح، وكان القوم قد سبقونا إلى الوادى فكمنوا لنا فى شعابه وأحنائه ومضايقه، قد أجمعوا وتهيأوا، فو الله ما راعنا ونحن منحطون إلا الكتائب قد شدوا علينا شدة رجل واحد، وانشمر الناس راجعين لا يلوى أحد على أحد.\rوانحاز رسول الله ﷺ ذات اليمين ثم قال: «أيها الناس هلم إلى أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله» قال: فلا شىء! حملت الإبل بعضها على بعض وانطلق الناس، إلا أنه قد بقى مع رسول الله ﷺ نفر من المهاجرين والأنصار وأهل بيته، وفيمن ثبت معه من المهاجرين: أبو بكر وعمرو ومن أهل بيته على بن أبى طالب والعباس وأبو سفيان بن الحارث وابنه والفضل بن عباس وربيعة بن الحارث وأسامة بن زيد وأيمن بن عبيد وهو ابن أم أيمن قتل يومئذ «٤» .\rقال «٥» : ورجل من هوازن على جمل له أحمر بيده راية سوداء فى رأس رمح طويل","footnotes":"(١) انظر: السيرة (٤/ ٧٥) .\r(٢) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (٥/ ٢١٨) ، سنن الترمذى (٤/ ٢١٨٠) .\r(٣) انظر: السيرة (٤/ ٧٥) .\r(٤) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (٣/ ٣٧٦) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٦/ ١٧٩) .\r(٥) انظر: السيرة (٤/ ٧٦) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083961,"book_id":3509,"shamela_page_id":524,"part":"1","page_num":522,"sequence_num":524,"body":"أمام هوازن وهم خلفه، إذا أدرك طعن برمحه وإذا فاته الناس رفع رمحه لمن وراءه فاتبعوه، فبينا ذلك الرجل يصنع ما يصنع إذا أهوى له على بن أبى طالب ورجل من الأنصار يريدانه قال: فيأتى على من خلفه فضرب عرقوبى الجمل فوقع على عجزه ووثب الأنصارى على الرجل فضربه ضربة أطن قدمه بنصف ساقه فانجعف عن رحله.\rقال ابن إسحاق «١» : فلما انهزم الناس ورأى من كان مع رسول الله ﷺ من جفاة أهل مكة الهزيمة تكلم رجال منهم بما فى أنفسهم من الضغن فقال أحدهم: لا تنتهى هزيمتهم دون البحر. وإن الأزلام لمعه فى كنانته. وصرخ آخر منهم: ألا بطل السحر اليوم! فقال له صفوان بن أمية وهو يومئذ مشرك فى المدة التى جعل له رسول الله ﷺ:\rاسكت فض الله فاك! فو الله لأن يربنى رجل من قريش أحب إلىّ من أن يربنى رجل من هوازن.\rوقال شيبة بن عثمان بن أبى طلحة أخو بنى عبد الدار، وكان أبوه قتل يوم أحد، قلت: اليوم أدرك ثأرى، اليوم أقتل محمدا. قال: فأردت برسول الله لأقتله فأقبل شىء حتى تغشى فؤادى فلم أطق ذلك وعلمت أنى ممنوع منه «٢» .\rوذكر ابن أبى خيثمة حديث شيبة هذا، قال: لما رأيت النبى ﷺ يوم حنين أعرى ذكرت أبى وعمى قتلهما حمزة، قلت: اليوم أدرك ثأرى فى محمد، فجئته عن يمينه فإذا أنا العباس قائما عليه درع بيضاء، قلت: عمه لن يخذله، فجئته عن يساره فإذا أنا بأبى سفيان بن الحارث، قلت: ابن عمه لن يخله، فجئته من خلفه فدنوت ودنوت حتى لم يبق إلا أن أسور سورة بالسيف فرفع إلى شواظ من نار كأنه البرق فنكصت على عقبى القهقرى، فالتفت رسول الله ﷺ فقال: «يا شيبة ادنه» . فدنوت فوضع يده على صدرى فاستخرج الله الشيطان من قلبى فرفعت إليه بصرى فلهو أحب إلى من سمعى وبصرى، فقال لى: «يا شيبة قاتل الكفار» «٣» . فقاتلت معه ﷺ.\rوحدث «٤» العباس بن عبد المطلب قال: إنى لمع رسول الله ﷺ آخذ بحكمة بغلته البيضاء قد شجرتها بها وكنت امرء جسيما شديد الصوت ورسول الله ﷺ يقول حين رأى ما رأى من أمر الناس: «أين أيها الناس؟» فلم أر الناس يلوون على شىء، فقال: «يا","footnotes":"(١) انظر: السيرة (٤/ ٧٦- ٧٧) .\r(٢) انظر: السيرة (٤/ ٧٧) .\r(٣) انظر الحديث فى: البداية والنهاية (٤/ ٣٣٣) ، الدر المنثور للسيوطى (٣/ ٢٢٦) .\r(٤) انظر: السيرة (٤/ ٧٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083962,"book_id":3509,"shamela_page_id":525,"part":"1","page_num":523,"sequence_num":525,"body":"عباس اصرخ: يا معشر الأنصار، يا معشر أصحاب السمرة» . قال: فأجابوا: لبيك لبيك.\rقال: فيذهب الرجل ليثنى بعيره، فلا يقدر على ذلك، فيأخذ درعه، فيقذفها فى عنقه، ويأخذ سيفه وترسه ويقتحم عن بعيره ويخلى سبيله فيؤم الصوت حتى ينتهى إلى رسول الله ﷺ، حتى إذا اجتمع إليه منهم مائة استقبلوا الناس فاقتتلوا، فكانت الدعوى أول ما كانت للأنصار ثم خلصت آخرا للخزرج، وكانوا صبرا عند الحرب، فأشرب رسول الله ﷺ فى ركائبه فنظر إلى مجتلد القوم فقال: «الآن حمى الوطيس» «١» .\rقال جابر بن عبد الله فى حديثه: واجتلد الناس، فو الله ما رجعت راجعة الناس من هزيمتهم حتى وجدوا الأسارى مكتفين عند رسول الله ﷺ!.\rقال: والتفت رسول الله ﷺ إلى أبى سفيان بن الحارث وكان حسن الإسلام وممن صبر يومئذ معه وهو آخذ بثغر بغلته فقال: «من هذا؟» قال: أنا ابن أمك يا رسول الله «٢» .\rوذكر ابن عقبة أن رسول الله ﷺ لما غشيه القتال يومئذ قام فى الركابين وهو على البغلة. ويقولون: نزل. فرفع يديه إلى الله يدعوه يقول: «اللهم إنى أنشدك ما وعدتنى، اللهم لا ينبغى لهم أن يظهروا علينا» . ونادى أصحابه فذمرهم: «يا أصحاب البيعة يوم الحديبية، يا أصحاب سورة البقرة، يا أنصار الله وأنصار رسوله، يا بنى الخزرج» . وقبض قبضة من الحصباء فحصب بها وجوه المشركين ونواحيهم كلها. وقال: «شاهت الوجوه» «٣» .\rفهزم الله أعداءه من كل ناحية حصبهم فيها رسول الله ﷺ، واتبعهم المسلمون يقتلونهم وغنمهم الله نساءهم وذراريهم وشاههم وإبلهم، وفر مالك بن عوف حتى دخل حصن الطائف فى ناس من أشراف قومه.","footnotes":"(١) ذكره الإمام أحمد فى مسنده (١٧٧٥) ، مسلم فى صحيحه (٣/ ١٣٩٨، ١٣٩٩/ ٧٦) .\r(٢) لم أقف على تخريجه فيما بين يدى من مصادر، وقصة أبى سفيان بن الحارث أنه كان أخذ بزمام ناقة النبى ﷺ أخرجها البخارى فى صحيحه كتاب المغازى (٧/ ٤٣١٥) من طريق أبى إسحاق قال: سمعت البراء بن عازب ... وفيه: «فيفهم هوزان بالنبل والنبى ﷺ على بغلته البيضاء، وأبو سفيان بن الحارث آخذ بلجامها والنبى ﷺ يقول: «أنا النبى لا كذب أنا ابن عبد المطلب» .\r(٣) انظر الحديث فى: البداية والنهاية (٤/ ٣٣٠) ، المعجم الكبير للطبرانى (١٠/ ١٨٨) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٦/ ٨٢، ٨/ ٦١٩) ، دلائل النبوة للبيهقى (٥/ ١٣١) ، فتح البارى لابن حجر (٧/ ٦١٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083963,"book_id":3509,"shamela_page_id":526,"part":"1","page_num":524,"sequence_num":526,"body":"وأسلم عند ذلك ناس كثير من أهل مكة وغيرهم حين رأوا نصر الله ورسوله وإعزاز دينه.\rوحدث «١» جبير بن مطعم قال: لقد رأيت قبل هزيمة القوم والناس يقتتلون مثل البجاد الأسود أقبل من السماء حتى سقط بيننا وبين القوم، فنظرت فإذا نمل أسود مثبوت قد ملأ الوادى ولم أشك أنها الملائكة، فلم تكن إلا هزيمة القوم «٢» .\rوالتفت رسول الله ﷺ يومئذ فرأى أم سليم بنت ملحان، وكانت مع زوجها أبى طلحة وهى حازمة وسطها ببرد لها وإنها لحامل بعبد الله بن أبى طلحة، ومعها جمل أبى طلحة قد خشيت أن يعزها فأدنت رأسه منها فأدخلت يدها فى خزامته مع الحظام فقال رسول الله ﷺ: «أم سليم؟» قالت: نعم، بأبى أنت وأمى يا رسول الله، اقتل هؤلاء الذين ينهزمون عنك كما تقتل الذين يقاتلونك فإنهم أهل، فقال رسول الله ﷺ: «أو يكفى الله يا أم سليم؟» . وقال لها أبو طلحة: ما هذا الخنجر يا أم سليم؟ لخنجر رآه عندها. قالت: خنجر اتخذته إن دنا منى أحد من المشركين بعجته به. فقال أبو طلحة:\rألا تسمع يا رسول الله ما تقول أم سليم! «٣» .\rوحدث «٤» أنس: أن أبا طلحة استلب وحده يوم حنين عشرين رجلا «٥» .\rوقال أبو قتادة رأيت يوم حنين رجلين يقتتلان: مسلما ومشركا، فإذا رجل من المشركين يريد أن يعين صاحبه المشرك على المسلم فأتيته فضربت يده فقطعتها واعتنقنى بيده الأخرى، فو الله ما أرسلنى حتى وجدت ريح الدم.\rويروى: ريح الموت. فلولا أن الدم نزفه لقتلنى، فسقط فضربته فقتلته وأجهضنى عنه القتال. فلما وضعت الحرب أوزارها وفرغنا من القوم، قال رسول الله ﷺ: من قتل قتيلا فله سلبه. فقلت: يا رسول الله والله لقد قتلت قتيلا ذا سلب فأجهضنى عنه القتال","footnotes":"(١) انظر: السيرة (٤/ ٨١- ٨٢) .\r(٢) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (٥/ ١٤٦) ، تاريخ الطبرى (٢/ ١٦٩) ، تفسير ابن كثير (٤/ ٧٢) .\r(٣) انظر الحديث فى: صحيح مسلم كتاب الجهاد باب غزوة النساء مع الرجال (٣/ ١٤٤٢، ١٤٤٣) ، سنن أبو داود (٢٧١٨) ، مسند الإمام أحمد (٣/ ١٠٨، ١٠٩، ١٩٠، ٢٧٩، ٢٨٦) .\r(٤) انظر: السيرة (٤/ ٨١) .\r(٥) انظر الحديث فى: سنن الدارمى (٢/ ٢٤٨٤) ، مسند الإمام أحمد (٣/ ١١٤، ١٢٣، ١٩٠، ٢٧٩) ، مستدرك الحاكم (٣/ ٣٥٣) ، ابن حبان (٧/ ٤٨١٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083964,"book_id":3509,"shamela_page_id":527,"part":"1","page_num":525,"sequence_num":527,"body":"فما أدرى من استلبه. فقال رجل من أهل مكة: صدق يا رسول الله فأرضه عنى من سلبه. فقال أبو بكر: لا والله لا ترضيه منه تعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن دين الله تقاسمه سلبه! اردد عليه سلب قتيله. فقال رسول الله ﷺ: صدق اردد عليه سلبه.\rقال أبو قتادة: فأخذته منه فبعته فاشتريت بثمنه مخرفا، فإنه لأول مال اعتقدته «١» .\rولما انهزمت هوازن استحر القتل من ثقيف فى بنى مالك، فقتل منهم سبعون رجلا تحت رايتهم، فيهم عثمان بن عبد الله بن ربيعة ومعه كانت راية بنى مالك.\rوكانت قبله مع ذى الخمار، فلما قتل أخذها عثمان فقاتل بها حتى قتل، فلما بلغ رسول الله ﷺ قتله قال: «أبعده الله، فإنه كان يبغض قريشا» «٢» .\rوكانت راية الأحلاف مع قارب بن الأسود، فلما انهزم الناس هرب هو وقومه من الأحلاف فلم يقتل منهم غير رجلين يقال لأحدهما وهب وللآخر الجلاح، فقال رسول الله ﷺ حين بلغه قتل الجلاح: «قتل اليوم سيد شباب ثقيف، إلا ما كان من ابن هنيدة» «٣» . يعنى الحارث بن أويس.\rولما انهزم المشركون أتوا الطائف ومعهم مالك بن عوف وعسكر بعضهم بأوطاس وتوجه بعضهم نحو نخلة، وتبعت خيل رسول الله ﷺ من سلك فى نخلة من الناس ولم تتبع من سلك الثنايا، فأدرك ربيعة بن رفيع وكان يقال له: ابن الدغنة، وهى أمه غلبت على اسمه أدرك دريد بن الصمة فأخذ بخطام جمله وهو يظن أنه امرأة، وذلك أنه كان فى شجار له، فأناخ به فإذا شيخ كبير وإذا هو دريد ولا يعرفه الغلام، فقال له دريد:\rماذا تريد بى؟ قال: أقتلك. قال: ومن أنت؟ قال: انا ربيعة بن رفيع السلمى. ثم ضربه بسيفه فلم يغن شيئا فقال: بئس ما سلحتك أمك! خذ سيفى هذا من مؤخر الرحل ثم اضرب به وارفع عن العظام واخفض عن الدماغ، فإنى كذلك كنت أضرب الرجال، ثم إذا أتيت أمك فأخبرها أنك قتلت دريد بن الصمة فرب والله يوم قد منعت فيه نساءك.\rفزعم بنو سليم أن ربيعة قال: لما ضربته فوقع تكشف فإذا عجانه وبطون فخذيه مثل القرطاس من ركوب الخيل أعراء. فلما رجع ربيعة إلى أمه أخبرها بقتله إياه فقالت: أما","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: صحيح مسلم (٣/ ١٣٧٠، ١٣٧١، ٤١) ، مسند الإمام أحمد (٥/ ٣٠٦) .\r(٢) انظر الحديث فى: مصنف عبد الرزاق (١١/ ١٩٩٠٤) .\r(٣) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ٣٣٥) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083965,"book_id":3509,"shamela_page_id":528,"part":"1","page_num":526,"sequence_num":528,"body":"والله لقد أعتق أمهات لك ثلاثا «١» . وقالت عميرة بنت دريد ترثى أباها:\rقالوا قتلنا دريدا قلت قد صدقوا ... فظل دمعى على السربال ينحدر\rلولا الذى قهر الأقوام كلهم ... رأت سليم وكعب كيف يأتمر «٢»\rوبعث رسول الله ﷺ فى آثار من توجه قبل أوطاس أبا عامر الأشعرى «٣» فأدرك بعض المنهزمة فناوشوه القتال، فرمى بسهم فقتل، فأخذ الراية أبو موسى الأشعرى «٤» ففتح الله عليه وهزمهم الله، ويزعمون أن سلمة بن دريد هو الذى رمى أبا عامر.\rوذكر ابن هشام «٥» عمن يثق به أن أبا عامر الأشعرى لقى يوم أوطاس عشرة أخوة من المشركين، فحمل عليه أحدهم فحمل عليه أبو عامر وهو يدعوه إلى الإسلام ويقول: اللهم اشهد عليه، فقتله أبو عامر، ثم حمل عليه آخر، فحمل عليه أبو عامر، وهو يدعوه إلى الإسلام ويقول: اللهم اشهد عليه، فقتله أبو عامر، ثم جعلوا يحملون عليه رجلا بعد رجل، ويحمل أبو عامر ويقول ذلك، حتى قتل تسعة وبقى العاشر، فحمل على أبى عامر وحمل عليه أبو عامر، وهو يدعوه إلى الإسلام ويقول: اللهم اشهد عليه. فقال الرجل: اللهم لا تشهد على، فكف عنه أبو عامر فأفلت ثم أسلم بعد فحسن إسلامه، فكان رسول الله ﷺ إذا رآه قال: «هذا شريد أبى عامر» «٦» ورمى أبا عامر يومئذ- فيما ذكر ابن هشام- خوان من بنى جشم بن معاوية فأصاب أحدهما قلبه والأخر ركبته فقاتلاه، وولى الناس أبو موسى الأشعرى فحمل عليهما فقتلهما.\rوذكر ابن إسحاق «٧» أن القتل استحر فى بنى نصر بن رئاب، فزعموا أن عبد الله","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (٥/ ١٤٥) ، تاريخ الطبرى (٢/ ١٧٠) ، الأصفهانى كتاب الأغانى (٩/ ١٥، ١٦) .\r(٢) ذكر فى السيرة بعد هذان البيتان بيت آخر هو:\rإذن لصحبهم غبا وظاهرة ... حيث استقرت نواهم جحفل دفر\rانظر: السيرة (٤/ ٨٧) .\r(٣) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٣٠٩٢) ، الإصابة الترجمة رقم (١٠١٨٥) ، أسد الغابة الترجمة (٦٠٤٣) .\r(٤) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٣٢٢٦) ، الإصابة الترجمة رقم (١٠٥٨٨) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٦٢٩٤) .\r(٥) انظر: السيرة (٤/ ٨٩- ٩٠) .\r(٦) انظر الحديث فى: فتح البارى لابن حجر (٧/ ٦٣٩) ، البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ٣٣٨) .\r(٧) انظر: السيرة (٤/ ٨٧- ٨٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083966,"book_id":3509,"shamela_page_id":529,"part":"1","page_num":527,"sequence_num":529,"body":"ابن قيس الذى يقال له: ابن العوراء، وهو أحد بنى وهب بن رئاب، قال: يا رسول الله، هلكت بنو رئاب. فزعموا أن رسول الله ﷺ قال: «اللهم اجبر مصيبتهم» «١» .\rوخرج مالك بن عوف عند الهزيمة فوقف فى فوارس من قومه على ثنية من الطريق وقال لأصحابه: قفوا حتى يمضى ضعفاؤكم وتلحق اخراكم. فوقف هنالك حتى مضى من كان لحق بهم منهزمة الناس.\rقال ابن هشام «٢» : وبلغنى أن خيلا طلعت ومالك وأصحابه على الثنية فقال لأصحابه: ماذا ترون؟ قالوا: نرى قوما واضعى رماحهم بين آذان خيلهم طويلة بوادهم.\rفقال: هؤلاء بنو سليم ولا بأس عليكم منهم، فلما أقبلوا سلكوا بطن الوادى، ثم طلعت خيل اخرى تتبعها فقال لأصحابه: ماذا ترون، قالوا: نرى أقواما عارضى أرماحهم أغفالا «٣» على خيلهم. قال: هؤلاء الأوس والخزرج ولا بأس عليكم منهم، فلما انتهوا إلى أصل الثنية سلكوا طريق بنى سليم ثم اطلع فارس فقال لأصحابه: ماذا ترون؟ قالوا:\rنرى فارسا طويل الباد واضعا رمحه على عاتقه عاصبا رأسه بملاءة حمراء. فقال: هذا الزبير بن العوام وأحلف باللات ليخالطنكم فاثبتوا له. فلما انتهى الزبير إلى أصل الثنية أبصر القوم فصمد لهم فلم يزل يطاعنهم حتى أزاحهم عنها.\rوقال رسول الله ﷺ يومئذ: «إن قدرتم على بجاد، رجل من بنى سعد بن بكر، فلا يفلتنكم» ، وكان قد أحدث حدثا، فلما ظفر به المسلمون ساقوه وأهله، وساقوا معه الشيماء بنت الحارث بن عبد العزى أخت رسول الله ﷺ من الرضاعة، فعنفوا عليها فى السياق فقالت للمسلمين: تعلموا والله أنى لأخت صاحبكم من الرضاعة. فلم يصدقوها حتى أتوا بها النبى ﷺ فلما انتهوا بها إليه قالت: يا رسول الله إنى أختك. قال: وما علامة ذلك؟ قالت عضة عضة عضضتنيها فى ظهرى وأنا متوركتك، فعرف رسول الله ﷺ العلامة فبسط لها رداءه فأجلسها عليه وخيرها، فقال: إذا أحببت فعندى محبة مكرمة وإن أحببت أن أمتعك وترجعى إلى قومك فعلت، قالت: بل تمتعنى وتردنى إلى قومى. فمتعها رسول الله ﷺ وردها إلى قومها. فزعمت بنو سعد أنه أعطاها غلاما له يقال له: مكحول، وجارية، فزوجت أحدهما الآخر فلم يزل فيهم من نسلهما بقية «٤» .","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: الطبقات الكبرى لابن سعد (٢/ ١٥٢) ، الإصابة لابن حجر (٤/ ١٢١) .\r(٢) انظر: السيرة (٤/ ٨٨- ٨٩) .\r(٣) أغفالا: جمع غفل، وهو الذى لا علامة له، يريد أنهم لم يتخذوا لأنفسهم علامة يعرفون بها.\r(٤) انظر الحديث فى: تاريخ الطبرى (٢/ ١٧١) ، الإصابة لابن حجر (٨/ ١٢٣) ، الاستيعاب لابن-","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083967,"book_id":3509,"shamela_page_id":530,"part":"1","page_num":528,"sequence_num":530,"body":"وأنزل الله ﵎ فى يوم حنين لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ [التوبة: ٢٥، ٢٦] .\rواستشهد من المسلمين يوم حنين من قريش ثم من بنى هاشم: أيمن بن عبيد «١» مولاهم. ومن بنى أسد بن عبد العزى يزيد بن زمعة بن الأسود بن المطلب «٢» ، جمح به فرس يقال له الجناح فقتل.\rومن الأنصار: سراقة بن الحارث العجلانى «٣» . ومن الأشعريين أبو عامر الأشعرى.\rثم جمعت إلى رسول الله ﷺ سبايا حنين وأموالها فأمر بها إلى الجعرانة فحبست بها حتى أدركها هنالك منصرفه عن الطائف على ما يذكر بعد إن شاء الله تعالى.\rوقال عباس بن مرداس السلمى «٤» فى يوم حنين «٥» :\rعفا مجدل من أهله فمتالع ... فمطلا أريك قد خلافا لمصانع\rديار لنا يا جمل إذ جل عيشنا ... رخى وصرف الدهر للحى جامع\rحبيبة ألوت بها غربة النوى ... لبين فهل ماض من العيش راجع\rفإن تبتغى الكفار غير ملومة ... فإنى وزير للنبى وتابع\rدعانا إليه خير وفد علمتم ... خزيمة والمرار منهم وواسع","footnotes":"- عبد البر الترجمة رقم (١٨٧٠، ٤٠٠٣) ، أسد الغابة لابن الأثير (٧/ ١٦٦، ١٦٧) .\r(١) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (١٣١) ، الإصابة الترجمة رقم (٣٩٤) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٣٥٣) ، تجريد أسماء الصحابة (١/ ٤١) ، معرفة الصحابة (٢/ ٣٧٢) .\r(٢) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٢٨٠٠) ، الإصابة الترجمة رقم (٩٢٨٠) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٥٥٥٢) .\r(٣) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٩١٦) ، الإصابة الترجمة رقم (٣١١٣) ، أسد الغابة الترجمة رقم (١٩٤٨) .\r(٤) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (١٣٨٧) ، الإصابة الترجمة رقم (٤٥٢٩) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٢٨٠١) ، تجريد أسماء الصحابة (١/ ٢٩٥) ، تاريخ جرجان (٢٨١) ، تقريب التهذيب (١/ ٣٩٩) ، تهذيب التهذيب (٥/ ١٣٠) ، خلاصة تذهيب (٢/ ٣٧) ، تهذيب الكمال (٢/ ٦٦٠) ، الأعلام (٣/ ٢٦٧) .\r(٥) انظر الأبيات فى: السيرة (٤/ ٩٥- ٩٦) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083968,"book_id":3509,"shamela_page_id":531,"part":"1","page_num":529,"sequence_num":531,"body":"فجئنا بألف من سليم عليهم ... لبوس لهم من نسج داود رائع\rنبايعه بالأخشبين وإنما ... يد الله بين الأخشبين نبايع\rفجسنا مع المهدى مكة عنوة ... بأسيافنا والنقع كاب وساطع\rعلانية والخيل يغشى متونها ... حميم وآن من دم الجوف ناقع\rويوم حنين حين سارت هوازن ... إلينا وضاقت بالنفوس الأضالع\rصبرنا مع الضحاك لا يستفزنا ... قراع الأعادى منهم والوقائع\rأمام رسول الله يخفق فوقنا ... لواء كخدروف السحابة لامع\rعشية ضحاك بن سفيان معتص ... بسيف رسول الله والموت كانع\rنذود أخانا عن أخينا ولو نرى ... مصالا لكنا الأقربين نتابع\rولكن دين الله دين محمد ... رضينا به فيه الهدى والشرائع\rأقام به بعد الضلالة أمرنا ... وليس لأمر حمه الله دافع\rوقال عباس أيضا «١» :\rتقطع باقى وصل أم مؤمل ... بعاقبة واستبدلت نية خلفا\rوقد حلفت بالله لا تقطع النوى ... فما صدقت فيه ولا برت الحلفا\rخفافية بطن العقيق مصيفها ... وتحتل فى البادين وجرة فالعرفا «٢»\rفإن تتبع الكفار أم مؤمل ... فقد زودت قلبى على نأيها شغفا\rوسوف ينبيها الخبير بأننا ... أبينا ولم نطلب سوى ربنا حلفا\rوإنا مع الهادى النبى محمد ... وفينا ولم نستوفها معشر ألفا\rبفتيان صدق من سليم أعزة ... أطاعوا فما يعصون من أمره حرفا\rخفاف وذكوان وعوف تخالهم ... مصاعب زافت فى طروقتها كلفا\rكأن النسيج الشهب والبيض ملبس ... أسودا تلاقت فى مراصدها غضفا «٣»\rبنا عز دين الله غير تنحل ... وزدنا على الحى الذى معه ضعفا\rبمكة إذ جئنا كأن لواءنا ... عقاب أرادت بعد تحليقها خطفا\rعلى شخص الأبصار تحسب بينها ... إذا هى جالت فى مواردها عزفا","footnotes":"(١) انظر الأبيات فى: السيرة (٤/ ٩٦- ٩٧) .\r(٢) خفافية: منسوبة إلى بنى خفاف وهم حى من سليم. مصيفها: المكان الذى تقيم فيه فى الصيف.\r(٣) غضفا: الغضف: جمع أغضف وهو المسترخى الأذنين.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083969,"book_id":3509,"shamela_page_id":532,"part":"1","page_num":530,"sequence_num":532,"body":"غداة وطئنا المشركين ولم نجد ... لأمر رسول الله عدلا ولا صرفا\rبمعترك لا يسمع القوم وسطه ... لنا [زجمة] «٤» إلا التذامر والنقفا\rببيض تطير الهام عن مستقرها ... وتقطف أعناق الكماة بها قطفا\rفكاين تركنا من قتيل ملحب ... وأرملة تدعو على بعلها لهفا\rرضا الله ننوى لا رضا الناس نبتغى ... ولله ما يبدو جميعا وما يخفى\rوقال عباس أيضا «١» :\rما بال عينك فيها عائر سهر ... مثل الحماطة أغضى فوقها الشفر\rعين تأوبها من شجوها أرق ... فالماء يغمرها طورا وينحدر\rكأنه نظم در عند ناظمه ... تقطع السلك منه فهو منتثر\rما بعد منزل من ترجو مودته ... ومن أتى دونه الصمان فالحفر\rدع ما تقدم من عهد الشباب فقد ... ولى الشباب وزار الشيب والزعر\rواذكر بلاء سليم فى مواطنها ... وفى سليم لأهل الفخر مفتخر\rقوم هم نصروا الرحمن واتبعوا ... دين الرسول وأمر الناس مشتجر\rالضاربون جنود الشرك ضاحية ... ببطن مكة والأرواح تبتدر\rحتى رفعنا وقتلاهم كأنهم ... نخل بظاهرة البطحاء منقعر\rونحن يوم حنين كان مشهدنا ... للدين عزا وعند الله مدخر\rإذ نركب الموت مخضرا بطائنه ... والخيل ينجاب عنها ساطع كدر\rتحت اللوامع والضحاك يقدمنا ... كما مشى الليث فى غاباته الخدر\rفى مأزق من مجر الحرب كلكلها ... تكاد تأفل منه الشمس والقمر\rوقد صبرنا بأوطاس أسنتنا ... لله ننصر من شئنا وننتصر\rحتى تأوب أقوام منازلهم ... لولا المليك ولولا نحن ما صدروا\rفما ترى معشرا قلوا ولا كثروا ... إلا قد أصبح منا فيهم أثر\rوقال عباس بن مرداس أيضا رضى الله عنه «٢» :\rيا أيها الرجل الذى تهوى به ... وجناء مجمرة المناسم عرمس","footnotes":"(٤) ما بين المعقوفتين ورد فى الأصل: «رحمة» ، والتصحيح من السيرة. وزجمة: تقول ما زجم فلان أى ما نطق بكلمة.\r(١) انظر الأبيات فى: السيرة (٤/ ٩٧- ٩٨) .\r(٢) انظر الأبيات فى: السيرة (٤/ ٩٨- ٩٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083970,"book_id":3509,"shamela_page_id":533,"part":"1","page_num":531,"sequence_num":533,"body":"إما أتيت على النبى فقل له ... حقا عليك إذا اطمأن المجلس\rيا خير من ركب المطى ومن مشى ... فوق التراب إذا تعد الأنفس\rإنا وفينا بالذى عاهدتنا ... والخيل تقدع بالكماة وتضرس\rإذ سال من أفناء بهثة كلها ... جمع تظل به المخارم ترجس\rحتى صبحنا أهل مكة فيلقا ... شهباء يقدمها الهمام الأشوس\rمن كل أغلب من سليم فوقه ... بيضاء محكمة الدخال وقونس\rوعلى حنين قد وفى من جمعنا ... ألف أمد به الرسول عرندس\rكانوا أمام المؤمنين دريئة ... والشمس يومئذ عليها أشمس\rنمضى ويحرسنا الإله بحفظه ... والله ليس بضائع من يحرس\rولقد حبسنا بالمناقب محبسا ... رضى الإله بهم فنعم المحبس\rوغداة أوطاس شددنا شدة ... كفت العدو وقيل منها يحبس\rندعو هوازن بالإخاءة بيننا ... ثدى تمد به هوازن أيبس\rحتى تركنا جمعهم وكأنه ... عير تعاقبه السباع مفرس\rوقال عباس بن مرداس أيضا «١» :\rنصرنا رسول الله من غضب له ... بألف كمى لا تعد حواسره\rحملنا له فى عامل الرمح راية ... يذود بها فى حومة الموت ناصره\rونحن خضبناها دما فهو لونها ... غداة حنين يوم صفوان شاجره\rوكنا على الإسلام ميمنة له ... وكان لنا عقد اللواء وشاهره\rوكنا له يوم الجنود بطانة ... يشاورنا فى أمره ونشاوره\rدعانا فسمانا الشعار مقدما ... وكنا له عونا على من يناكره\rجزى الله خيرا من نبى محمدا ... وأيده بالنصر والله ناصره\r\rغزوة الطائف «٢»\rولما قدم فل الطائف أغلقوا عليهم أبواب مدينتها، وصنعوا الصنائع للقتال، ولم","footnotes":"(١) انظر الأبيات فى: السيرة (٤/ ٩٩) .\r(٢) راجع هذه الغزوة فى: المنتظم لابن الجوزى (٣/ ٣٤١) ، مغازى الواقدى (٣/ ٩٢٢) ، طبقات ابن سعد (٢/ ١/ ١١٤) ، تاريخ الطبرى (٣/ ٨٢) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083971,"book_id":3509,"shamela_page_id":534,"part":"1","page_num":532,"sequence_num":534,"body":"يشهد حنينا ولا الطائف عروة بن مسعود «١» ولا غيلان بن سلمة «٢» ، كانا بجرش يتعلمان صنعة الدبابات والمجانيق والضبور.\rثم سار رسول الله ﷺ إلى الطائف حين فرغ من حنين، فقال كعب بن مالك حين أجمع رسول الله ﷺ السير إليها «٣» :\rقضينا من تهامة كل ريب ... وخيبر ثم أجممنا السيوفا\rنخيرها ولو نطقت لقالت ... قواطعهن دوسا أو ثقيفا\rفلست لحاضن إن لم تروها ... بساحة دار كم منا ألوفا\rوننتزع العروش ببطن وج ... وتصبح دوركم منكم خلوفا\rويأتيكم لنا سرعان خيل ... يغادر خلفه جمعا كثيفا\rإذا نزلوا بساحتكم سمعتم ... لها مما أناخ بها رجيفا\rبأيديهم قواضب مرهفات ... يزرن المصطلين بها الحتوفا\rكأمثال العقائق أخلصتها ... قيون الهند لم تضرب كتيفا\rتخال جدية الأبطال فيها ... غداة الروع جاديا مدوفا\rأجدهم أليس لهم نصيح ... من الأقوام كان بنا عريفا\rيخبرهم بأنا قد جمعنا ... عتاق الخيل والنجب الطروفا\rوأنا قد أتيناهم بزحف ... يحيط بسور حصنهم صفوفا\rرئيسهم النبى وكان صلبا ... نقى القلب مصطبرا عزوفا\rرشيد الأمر ذا حكم وعلم ... وحلم لم يكن نزقا خفيفا\rنطيع نبينا ونطيع ربا ... هو الرحمن كان بنا رؤفا\rفإن تلقوا إلينا السلم نقبل ... ونجعلكم لنا عضدا وريفا\rوإن تأبوا نجاهدكم ونصبر ... ولا يك أمرنا رعشا ضعيفا\rنجالد ما بقينا أو تنيبوا ... إلى الإسلام إذعانا مضيفا","footnotes":"(١) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (١٨٢٣) ، الإصابة الترجمة رقم (٥٥٤٢) ، تجريد أسماء الصحابة (١/ ٣٨٠) ، الأعلام (٤/ ٢٢٧) ، الثقات (٣/ ٣١٣) ، التحفة اللطيفة (٣/ ١٨٧) ، تبصير المنتبه (٤/ ١٤٩٥) ، العبر (١/ ١٠) .\r(٢) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٢٠٩٠) ، الإصابة الترجمة رقم (٦٩٤٠) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٤١٩٠) .\r(٣) انظر الأبيات فى: السيرة (٤/ ١٠٦- ١٠٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083972,"book_id":3509,"shamela_page_id":535,"part":"1","page_num":533,"sequence_num":535,"body":"نجاهد لا نبالى ما لقينا ... أأهلكنا التلاد أم الطريفا\rوكم من معشر ألبوا علينا ... صميم الجذم منهم والحليفا\rأتونا لا يرون لهم كفاء ... فجدعنا المسامع والأنوفا\rبكل مهند لين صقيل ... نسوقهم بها سوقا عنيفا\rلأمر الله والإسلام حتى ... يقوم الدين معتدلا حنيفا\rوتنسى اللات والعزى وود ... ونسلبها القلائد والشنوفا\rفأمسوا قد أقروا واطمأنوا ... ومن لا يمتنع يقبل خسوفا\rوسلك رسول الله ﷺ على نخلة اليمانية، وانتهى إلى بحرة الرغاة «١» فابتنى بها مسجدا فصلى فيه وأقاد فيها يومئذ بدم رجل من هذيل قتله رجل من بنى ليث فقتله به، وهو أول دم أقيد به فى الإسلام، وأمر فى طريقه بحصن مالك بن عوف فهدم.\rثم سلك فى طريق فسأل عن اسمها فقيل له: الضيقة. فقال: «بل هى اليسرى» . ثم خرج منها حتى نزل تحت سدرة يقال لها: الصادرة قريبا من مال رجل من ثقيف، فأرسل إليه رسول الله ﷺ: «إما أن تخرج، وإما أن نخرب عليك حائطك» ، فأبى أن يخرج فأمر بإخرابه.\rثم مضى حتى نزل قريبا من الطائف، فضرب به عسكره، فقتل ناس من أصحابه بالنبل، وذلك أن العسكر اقترب من حائط الطائف، فكانت النبل تنالهم، ولم يقدر المسلمون على أن يدخلوا حائطهم، أغلقوه دونهم.\rفلما أصيب أولئك النفر من أصحابه بالنبل وضع عسكره عند مسجده الذى بالطائف اليوم فحاصرهم بضعا وعشرين ليلة، وقيل «٢» : بضع عشرة ليلة ومعه امرأتان من نسائه، إحداهما أم سلمة، فضرب لهما قبتين، ثم صلى بينهما، فلما أسلمت ثقيف بنى عمرو بن أمية بن وهب بن معتب بن مالك على مصلاة ذلك مسجدا، وكانت فيه سارية فيما يزعمون لا تطلع الشمس عليها يوما من الدهر إلا سمع لها نقيض، فحاصرهم رسول الله ﷺ وقاتلهم قتالا شديدا، وتراموا بالنبل «٣» .\rورماهم رسول الله ﷺ بالمنجنيق فيما ذكر ابن هشام، قال: وهو أول من رمى به فى الإسلام إذ ذاك «٤» .","footnotes":"(١) بحرة الرغاء: هو موضع من أعمال الطائف قرب ليّة. انظر: معجم البلدان (١/ ٣٤٦) .\r(٢) هذا من كلام ابن هشام، قال: ويقال: سبع عشرة ليلة. انظر: السيرة (٤/ ١٠٩) .\r(٣) ذكره ابن كثير فى البداية والنهاية (٤/ ٣٤٦) ، الطبرى فى تاريخه (٢/ ١٧٢) .\r(٤) انظر: السيرة (٤/ ١١٠) ، وذكره ابن كثير فى البداية والنهاية (٤/ ٣٤٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083973,"book_id":3509,"shamela_page_id":536,"part":"1","page_num":534,"sequence_num":536,"body":"حتى إذا كان يوم الشدخة عند جدار الطائف دخل نفر من أصحاب رسول الله ﷺ تحت دبابة ثم رجعوا بها إلى جدار الطائف ليحرقوه، فأرسلت عليهم ثقيف سكك الحديد محماة بالنار، فخرجوا من تحتها فرمتهم بالنبل فقتلوا منهم رجالا، فأمر رسول الله ﷺ بقطع أعتاب ثقيف فوقع الناس فيها يقطعون، وتقدم أبو سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة إلى الطائف فناديا ثقيفا أن آمنونا حتى نكلمكم فآمنوهما. فدعوا نساء من نساء قريش وبنى كنانة منهن ابنة أبى سفيان ليخرجن إليهما وهما يخافان عليهن السباء فأبين، فلما أبين قال لهما الأسود بن مسعوديا أبا سفيان ويا مغيرة ألا أدلكما على خير مما جئتما له؟ إن مال بنى الأسود حيث علمتما، وكان رسول الله ﷺ نازلا بينه وبين الطائف بواد يقال له العقيق، إنه ليس بالطائف مال أبعد رشاء وأشد مؤنة ولا أبعد عمارة من مال بنى الأسود، وإن محمدا إن قطعه لم يعمر أبدا، فكلماه فليأخذه لنفسه او ليدعه لله وللرحم، فإن بيننا وبينه من القرابة ما لا يجهل.\rفزعموا أن رسول الله ﷺ تركه لهم. وقال رسول الله ﷺ فيما ذكر لأبى بكر الصديق رضى الله عنه وهو محاصر ثقيفا: «يا أبا بكر، إنى رأيت إنى أهديت إلى قعبة مملوءة زبدا، فنقرها ديك، [فهراق] «١» ما فيها» . فقال: ما أظن أن تدرك منهم يومك هذا ما تريد. فقال رسول الله ﷺ: «وأنا لا أرى ذلك» «٢» .\rثم إن خويلة بنت حكيم السلمية «٣» ، امرأة عثمان بن مظعون قالت: يا رسول الله أعطنى إن فتح الله عليك الطائف حلى بادية بنت غيلان، أو حلى الفارعة ابنة عقيل.\rوكانتا من أحلى نساء ثقيف. فذكر أن رسول الله ﷺ قال لها: «وإن كان لم يؤذن فى ثقيف يا خويلة؟» فخرجت خويلة، فذكرت ذلك لعمر بن الخطاب رضى الله عنه، فدخل عمر على رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، ما حديث حدثتنيه خويلة، زعمت أنك قلته؟ قال: «قد قلته» . قال: أو ما أذن فيهم يا رسول الله؟ قال: «لا» . قال: أفلا أؤذن بالرحيل؟ قال: «بلى» ، فأذن عمر بالرحيل «٤» .","footnotes":"(١) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل، وما أوردناه من السيرة.\r(٢) ذكره ابن كثير فى البداية والنهاية (٤/ ٣٥٠) .\r(٣) انظر ترجمتها فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٣٣٥٥) ، الإصابة الترجمة رقم (١١١١٩) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٦٨٨٨) ، تجريد أسماء الصحابة (٢/ ٢٦٤) ، خلاصة تذهيب تهذيب الكمال (٣/ ٣٨٠) .\r(٤) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (٥/ ١٦٨- ١٦٩) ، ابن كثير فى البداية والنهاية (٤/ ٣٥٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083974,"book_id":3509,"shamela_page_id":537,"part":"1","page_num":535,"sequence_num":537,"body":"فلما استقل الناس نادى سعيد بن عبيد: ألا إن الحى مقيم. يقول عيينة بن حصن «١» :\rأجل، والله مجدة كراما! فقال له رجل من المسلمين: قاتلك الله يا عيينة؟ أتمدح المشركين بالامتناع من رسول الله ﷺ، وقد جئت تنصره؟ قال: إنى والله ما جئت لأقاتل ثقيفا معكم، ولكنى أردت أن يفتح محمد الطائف فأصيب من ثقيف جارية أتطئها لها تلد لى رجلا فإن ثقيفا قوم مناكير.\rونزل على رسول الله ﷺ فى إقامته عليهم عبيد لهم فأسلموا فأعتقهم رسول الله ﷺ، فلما أسلم أهل الطائف تكلم نفر منهم فى أولئك العبيد «٢» ، فقال رسول الله ﷺ:\r«لا، أولئك عتقاء الله» «٣» .\rواستشهد بالطائف من أصحاب رسول الله ﷺ اثنا عشر رجلا، سبعة من قريش وأربعة من الأنصار ورجل من بنى ليث «٤» .\rثم انصرف رسول الله ﷺ عن الطائف حتى نزل الجعرانة وإليها كان قدم سبى هوازن وأموالهم «٥» ، وقال له رجل من أصحابه يوم ظعن عن ثقيف: يا رسول الله، ادع عليهم فقال: «اللهم اهد ثقيفا وائت بهم» «٦» .\rثم أتاه وفد هوازن بالجعرانة، وقد أسلموا، وكان معه من سبيهم ستة آلاف من الذرارى والنساء ومن الإبل والشاء ما لا يدرى ما عدته، فقالوا: يا رسول الله إنا أهل وعشيرة وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك فامنن علينا من الله عليك، وقام رجل منهم من سعد بن بكر يقال له: زهير، يكنى بأبى صرد، فقال: يا رسول الله، إنما فى الحظائر عماتك وخالاتك وحواضنك اللائى كن يكفلنك، ولو أنا ملحنا للحارث بن","footnotes":"(١) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٢٠٧٨) ، الإصابة الترجمة رقم (٦١٦٦) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٤١٦٦) ، تجريد أسماء الصحابة (١/ ٤٣٢) ، الاستبصار (٩٤، ٩٥) ، العبر (١٢، ١٣) ، الثقات (٣/ ٣١٢) .\r(٢) ذكر ابن إسحاق فى السيرة (٤/ ١١٢) ، إنه كان ممن تكلم فيهم الحارث بن كلدة.\r(٣) انظر الحديث فى: تاريخ الطبرى (٤/ ٣٤٨) ، دلائل النبوة للبيهقى (٥/ ١٥٩) .\r(٤) قد سمهم ابن إسحاق فى السيرة (٤/ ١١٣- ١١٤) .\r(٥) راجع أمر أموال هوازن وسباياها فى: تاريخ الطبرى (٢/ ١٧٣) ، الكامل فى التاريخ (٢/ ٢٦٨) ، الطبقات الكبرى لابن سعد (٢/ ١٥٢، ١٥٣) ، عيون الأثر لابن سيد الناس (٢/ ١٩٣) .\r(٦) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (٣/ ٣٤٣) ، سنن الترمذى (٥/ ٣٩٤٢) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083975,"book_id":3509,"shamela_page_id":538,"part":"1","page_num":536,"sequence_num":538,"body":"أبى شمر أو للنعمان بن المنذر، ثم نزلا منا بمثل ما نزلت به رجونا عطفه، وعائدته علينا، وأنت خير المكفولين. ثم أنشأ يقول:\rامنن علينا رسول الله فى كرم ... فإنك المرء نرجوه وننتظر\rامنن على بيضة قد عاقها قدر ... مفرق شملها فى دهرها غير\rأبقت لنا الحرب هتافا على حزن ... على قلوبهم الغماء والغمر\rإن لم تداركهم نعماء تنشرها ... يا أرجح الناس حلما حين يحتبر\rامنن على نسوة قد كنت ترضعها ... إذ فوك تملأه من محضها الدرر\rإذ أنت طفل صغير كنت ترضعها ... وإذ يزينك ما تأتى وما تذر\rلا تجعلنا كمن شالت نعامته ... واستبق منه فإنا معشر زهر\rإنا لنشكر للنعمى وقد كفرت ... وعندنا بعد هذا اليوم مدخر\rفألبس العفو من قد كنت ترضعه ... من أمهاتك إن العفو يشتهر\rإنا نؤمل عفوا منك تلبسه ... هذى البرية أن تعفو وتنصر\rفاعف عفا الله عما أنت راهبه ... يوم القيامة إذ يهدى لك الظفر\rفقال رسول الله ﷺ: «أبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم أم أموالكم» ؟ فقالوا: يا رسول الله، خيرتنا بين أموالنا وأحسابنا، بل ترد إلينا نساءنا وأبناءنا فهو أحب إلينا. فقال لهم:\r«أما ما كان لى ولبنى عبد المطلب فهو لكم وإذا أنا صليت الظهر بالناس فقوموا فقولوا:\rإنا نستشفع برسول الله إلى المسلمين، وبالمسلمين إلى رسول الله فى أبنائنا ونسائنا.\rفسأعطيكم عند ذلك وأسأل لكم» .\rفلما صلى رسول الله ﷺ الظهر قاموا فتكلموا بالذى أمرهم به، فقال رسول الله ﷺ: «أما ما كان لى ولبنى عبد المطلب فهو لكم» ، فقال المهاجرون: وما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ. وقالت الأنصار: ما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ. فقال الأقرع بن حابس «١» : أما أنا وبنو تميم فلا. وقال عيينة بن حصن: أما أنا وبنو فزارة فلا.\rوقال عباس بن مرداس: أما أنا وبنو سليم فلا. فقالت بنو سليم: بلى ما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ. فقال عباس: وهنتمونى؟ فقال رسول الله ﷺ: «أما من تمسك منكم","footnotes":"(١) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٦٩) ، الإصابة الترجمة رقم (٢٣١) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٢٠٨) ، تجريد أسماء الصحابة (١/ ٢٦) ، الوافى بالوفيات (٩/ ٣٠٧) ، تهذيب تاريخ دمشق (٣/ ٨٩) ، تنقيح المقال (١٠٣٤) ، الثقات (٣/ ١٨) ، الجامع فى الرجال (٢٨١) ، التحفة اللطيفة (١/ ٣٣٧) ، جامع الرواة (١/ ١٠٧) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083976,"book_id":3509,"shamela_page_id":539,"part":"1","page_num":537,"sequence_num":539,"body":"بحقه من هذا السبى فله بكل إنسان ست فرائض من أول شىء أصيبه، فردوا إلى الناس أبناءهم ونساءهم» «١» .\rوكان عيينة بن حصن أخذ عجوزا من عجائزهم وقال حين أخذها: أرى عجوزا، إنى لأحسب أن لها فى الحى نسبا وعسى أن يعظم فداؤها. فلما رد رسول الله ﷺ السبايا بست فرائض أبى أن يردها، فقال له زهير أبو صرد: خذها عنك فو الله ما فوها ببارد، ولا ثديها بناهد، ولا بطنها بوالد، ولا زوجها بواجد، ولا ردها بماكد، فردها بست فرائض حين قال له زهير ما قال «٢» .\rوسأل رسول الله ﷺ وفد هوازن: «ما فعل مالك بن عوف؟» فقالوا: هو بالطائف مع ثقيف. فقال لهم: «أخبروا مالكا أنه إن أتانى مسلما رددت عليه أهله وماله وأعطيته مائة من الإبل» . فأتى مالك بذلك فخاف ثقيفا أن يعلموا بما قال له رسول الله ﷺ فيحسبوه، فأمر براحلته فهيئت له، وأمر بفرس له فأتى به بالطائف، فخرج ليلا على فرسه حتى أتى راحلته حيث أمر بها أن تحبس فركبها فلحق برسول الله ﷺ فأدركه بالجعرانة أو بمكة، فرد عليه أهله وماله وأعطاه مائة من الإبل وأسلم فحسن إسلامه «٣» .\rوقال:\rما إن رأيت ولا سمعت بمثله ... فى الناس كلهم بمثل محمد\rأوفى وأعطى للجزيل إذا اجتدى ... ومتى تشأ يخبرك عما فى غد\rوأذا الكتيبة عردت أنيابها ... بالسمهرى وضرب كل مهند\rفكأنه ليث على أشباله ... وسط الهباءة خادر فى مرصد\rفاستعمله رسول الله ﷺ على من أسلم من قومه فكان يقاتل بهم ثقيفا لا يخرج لهم سرح إلا أغار عليه حتى ضيق عليهم فقال أبو محجن بن حبيب الثقفى «٤» :","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: سنن أبى داود كتاب الجهاد (٢٦٩٤) ، السنن الكبرى للبيهقى (٦/ ٣٣٦، ٣٣٧) ، مسند الإمام أحمد (٢/ ١٨٤، ٢١٨) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٦/ ١٨٧، ١٨٨) .\r(٢) انظر: السيرة (٤/ ١١٩) ، وذكر هناك زيادة بعد هذا وهى: « ... فزعموا أن عيينة لقيه الأقرع بن حابس، فشكا إليه ذلك، فقال: إنك والله ما أخذتها ببيضاء غريرة، ولا نصفا وثيرة» . قلت: ذكره البيهقى فى دلائل النبوة (٥/ ١٩٣) ، الهيثمى فى المجمع (٦/ ١٨٨) .\r(٣) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (٥/ ١٩٨) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٦/ ١٨٩) .\r(٤) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٣١٩٣) ، الإصابة الترجمة رقم (١٠٥٠٧) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٦٢٢٨) ، تجريد أسماء الصحابة (٢/ ٢٠٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083977,"book_id":3509,"shamela_page_id":540,"part":"1","page_num":538,"sequence_num":540,"body":"هابت الأعداء جانبنا ... ثم تغزونا بنو سلمه\rوأتانا مالك بهم ... ناقضا للعهد والحرمه\rولما فرغ رسول الله ﷺ من رد سبايا حنين إلى أهلها ركب واتبعه الناس يقولون: يا رسول الله، اقسم علينا فيئنا. للإبل والغنم، حتى ألجأوه إلى شجرة فاختطفت عنه رداءه فقال: «ردوا على ردائى أيها الناس، فو الله إن لو كان لكم بعدد شجر تهامة نعما لقسمته عليكم، ثم ما ألفيتمونى بخيلا ولا جبانا ولا كذوبا» «١» .\rثم قام إلى جنب بعير فأخذ وبرة من سنامه فرفعها ثم قال: «أيها الناس، والله مالى من فيئكم ولا هذه الوبرة إلا الخمس والخمس مردود عليكم فأدوا الخائط والمخيط، فإن الغلول يكون على أهله عارا وشنارا ونارا يوم القيامة» ، فجاء رجل من الأنصار بكبة من خيوط شعر فقال: يا رسول الله، أخذت هذه الكبة أعمل بها برذعة بعير لى دبر. فقال:\r«أما نصيبى منها فلك» . قال: أما إذا بلغت ذلك فلا حاجة لى بها. ثم طرحها من يده «٢» .\rويروى «٣» أن عقيل بن أبى طالب دخل يوم حنين على امرأته فاطمة بنت شيبة وسيفه متلطخ دما فقالت: إنى قد عرفت أنك قد قاتلت فماذا أصبت من غنائم المشركين؟ قال: دونك هذه الإبرة تخيطين بها ثيابك. فدفعها إليها فسمع منادى رسول الله ﷺ يقول: من أخذ شيئا فليرده حتى الخائط والمخيط. فرجع عقيل فقال: ما أرى إبرتك إلا قد ذهبت! وأخذها فألقاها فى الغنائم.\rوأعطى رسول الله ﷺ المؤلفة قلوبهم، وكانوا أشرافا من أشراف الناس، يتألفهم ويتألف بهم قومهم، فأعطى أبا سفيان بن حرب وابنه معاوية وحكيم بن حزام والحارث بن الحارث بن كلدة، والحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العزى وصوفان بن أمية، وكل هؤلاء من أشراف قريش، والأقرع بن حابس التميمى وعيينة بن حصن الفزارى ومالك بن عوف النصرى، أعطى كل واحد من هؤلاء المسلمين من قريش وغيرهم مائة بعير، وأعطى دون المائة رجالا من قريش منهم","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (٦/ ٢٨٢١) ، مسند الإمام أحمد (٤/ ٨٤) ، مصنف عبد الرزاق (٥/ ٩٤٩٧) .\r(٢) انظر الحديث فى: السنن الكبرى للبيهقى (٩/ ١٠٢) ، موطأ مالك (٢/ ٤٥٧، ٤٥٨) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٥/ ٣٣٩) .\r(٣) انظر: السيرة (٤/ ١٢١) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083978,"book_id":3509,"shamela_page_id":541,"part":"1","page_num":539,"sequence_num":541,"body":"مخرمة بن نوفل وعمير بن وهب، وأعطى سعيد بن يربوع المخزومى وعدى بن قيس السهمى خمسين خمسين، وأعطى عباس بن مرداس أباعر فسخطها وقال يعاتب فيها النبى ﷺ:\rوكانت نهابا تلافيتها ... بكرى على المهر فى الأجرع\rوإيقاظى القوم أن يرقدوا ... إذا هجع الناس لم أهجع\rفأصبح نهبى ونهب العبي ... د بين عيينة والأقرع\rوقد كنت فى الحرب ذا تدراء ... فلم أعط شيئا ولم أمنع\rإلا أفائل أعطيتها ... عديد قوائمه الأربع\rوما كان حصن ولا حابس ... يفوقان مرداس فى مجمع\rوما كنت دون امرىء منهما ... ومن تضع اليوم لا يرفع\rفقال رسول الله ﷺ: «اذهبوا فاقطعوا عنى لسانه» «١» ، فأعطوه حتى رضى، فكان ذلك قطع لسانه.\rوذكر ابن هشام «٢» أن عباسا أتى رسول الله ﷺ: فقال له رسول الله ﷺ: «أنت القائل:\rفأصبح نهبى ونهب العبي ... د بين الأقرع وعيينة»\rفقال أبو بكر: بين عيينة والأقرع، فقال رسول الله ﷺ: «هما واحد» . فقال أبو بكر: أشهد أنك كما قال الله: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ [يس: ٦٩] «٣» .\rوذكر ابن عقبة ان عباسا لما أمر رسول الله ﷺ بقطع لسانه فزع لها وقال: من لا يعرف أمر عباس يمثل به، فأتى به إلى الغنائم فقيل له: خذ منها ما شئت، فقال عباس:\rإنما أراد رسول الله ﷺ أن يقطع لسانى بالعطاء بعد أن تكلمت فتكرم أن يأخذ منها شيئا، فبعث إليه رسول الله ﷺ بحلة فقبلها ولبسها.\rوقال لرسول الله ﷺ قائل من أصحابه: يا رسول الله، أعطيت عيينة بن حصن والقرع بن حابس مائة مائة وتركت جعيل بن سراقة الضمرى؟ فقال رسول الله ﷺ:","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: صحيح مسلم (٢/ ٧٣٧، ٧٣٨) ، كشفا الخفاء للعجلونى (١/ ١٨٢، ٤٨٤) .\r(٢) انظر: السيرة (٤/ ١٢٣) .\r(٣) انظر الحديث فى: تاريخ ابن كثير (٤/ ٣٦٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083979,"book_id":3509,"shamela_page_id":542,"part":"1","page_num":540,"sequence_num":542,"body":"«أما والذى نفس محمد بيده لجعيل بن سراقة خير من طلاع الأرض كلهم مثل عيينة والأقرع ولكنى تألفتهما ليسلما ووكلت جعيل بن سراقة إلى إسلامه» «١» .\rوجاء رجل من بنى تميم يقال له: ذو الخويصرة فوقف على رسول الله ﷺ وهو يعطى الناس فقال: يا محمد، قد رأيت ما صنعت فى هذا اليوم. فقال رسول الله ﷺ:\r«أجل، فكيف رأيت؟» قال: لم أرك عدلت. فغضب رسول الله ﷺ ثم قال: «ويحك! إذا لم يكن العدل عندى فعند من يكون؟» فقال عمر بن الخطاب: ألا نقتله؟ فقال: «لا، دعوه فإنه سيكون له شيعة يتعمقون فى الدين حتى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرمية، ينظر فى النصل فلا يوجد شىء، ثم فى القدح فلا يوجد شىء، ثم فى الفوق فلا يوجد شىء، سبق الفرث والدم» «٢» .\rولما أعطى رسول الله ﷺ ما أعطى فى قريش وفى قبائل العرب ولم يعط الأنصار شيئا، وجدوا فى أنفسهم حتى كثرت منهم القالة وحتى قال قائاهم: لقى والله رسول الله ﷺ قومه.\rوذكر ابن هشام «٣» أن حسان بن ثابت قال يعاتبه فى ذلك:\rزاد الهموم فماء العين منحدر ... سحا إذا حفلته عبرة درر\rوجدا بشماء إذ شماء بهكنة ... هيفاء لا ذنن فيها ولا خور\rدع عنك شماء إذ كانت مودتها ... نزرا وشر وصال الواصل النزر\rوائت الرسول فقل يا خير مؤتمن ... للمؤمنين إذا ما عدد البشر\rعلام تدعى سليم وهى نازحة ... قدام قوم هم آووا وهم نصروا\rسماهم الله أنصارا ينصرهم ... دين الهدى وعوان الحرب تستعر\rوسارعوا فى سبيل الله واعترفوا ... للنائبات وما خافوا وما ضجروا\rوالناس إلب علينا فيك ليس لنا ... إلا السيوف وأطراف القنا وزر\rنجالد الناس لا نبقى على أحد ... ولا نضيع ما توحى به السور\rولا تهز جناة الحرب نادينا ... ونحن حين تلظى نارها سعر\rكما رددنا ببدر دون ما طلبوا ... أهل النفاق وفينا ينزل الظفر","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: الطبقات الكبرى لابن سعد (٤/ ٢٤٦) ، حلية الأولياء لأبى نعيم (١/ ٣٥٣) .\r(٢) انظر الحديث فى: صحيح مسلم (٢/ ٧٤٤، ٧٤٥، ١٤٨) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٦/ ٢٨٨) .\r(٣) انظر الأبيات فى: السيرة (٤/ ١٢٦) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083980,"book_id":3509,"shamela_page_id":543,"part":"1","page_num":541,"sequence_num":543,"body":"ونحن جندك يوم النعف من أحد ... إذ حزبت بطرا احزابها مضر\rفما ونينا ولا خمنا وما خبروا ... منا عثارا وكل الناس قد عثروا\rفدخل سعد بن عبادة على رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إن هذا الحى من الأنصار قد وجدوا عليك لما صنعت فى هذا الفىء الذى أصبت، قسمت فى قومك وأعطيت عطايا عظاما فى قبائل العرب ولم يك فى هذا الحى من الأنصار منها شىء.\rقال: «فأين أنت من ذلك يا سعد؟» قال: يا رسول الله، ما أنا إلا من قومى. قال:\r«فاجمع لى قومك فى هذه الحظيرة» ، فخرج سعد فجمع الأنصار فى تلك الحظيرة، فجاء رجال من المهاجرين فتركهم فدخلوا وجاء آخرون فردهم، فلما اجتمعوا له أعلمه سعد بهم فأتاهم رسول الله ﷺ فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: «يا معشر الأنصار، ما قالة بلغتنى عنكم وجدة وجدتموها على فى أنفسكم؟ ألم آتكم ضلالا فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله، وأعداء فألف الله بين قلوبكم؟» قالوا: بل الله ورسوله أمن وأفضل، ثم قال: «ألا تجيبوننى يا معشر الأنصار؟» قالوا: بماذا نجيبك يا رسول الله، لله ولرسوله المن والفضل، فقال صلوات الله عليه: «أما والله لو شئتم لقلتم فلصدقتم ولصدقتم: أتيتنا مكذبا فصدقناك، ومخذولا فنصرناك، وطريدا فآويناك، وعائلا فآسيناك، أوجدتم يا معشر الأنصار فى أنفسكم فى لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم؟ ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعوا برسول الله ﷺ إلى رحالكم، فو الذى نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت امرء من الأنصار ولو سلك الناس شعبا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار» ، فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم وقالوا: رضينا برسول الله ﷺ قسما وحظا. ثم انصرف رسول الله ﷺ وتفرقوا «١» .\rثم خرج رسول الله ﷺ من الجعرانة معتمرا، وأمر ببقايا الفىء فحبس بمجنة بناحية مر الظهران، فلما فرغ من عمرته انصرف راجعا إلى المدينة واستخلف عتاب بن أسيد على مكة وخلف معه معاذ بن جبل يفقه الناس فى الدين ويعلمهم القرآن، وأتبع رسول الله ﷺ ببقايا الفىء «٢» .\rولما استعمل رسول الله ﷺ عتابا على مكة رزقه فى كل يوم درهما، فقام عتاب","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: صحيح مسلم (٢/ ٧٣٥، ٧٣٦، ١٣٥) ، صحيح البخارى (٧/ ٤٣٣٧) ، مسند الإمام أحمد (٣/ ٧٦، ٧٧) ، مجمع الزوائد للهيثمى (١٠/ ٢٩) .\r(٢) ذكره ابن كثير فى البداية والنهاية (٤/ ٣٦٨) ، الحاكم فى المستدرك (٣/ ٣٧٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083981,"book_id":3509,"shamela_page_id":544,"part":"1","page_num":542,"sequence_num":544,"body":"خطيبا فى الناس فقال: أيها الناس، أجاع الله كبد من جاع على درهم، فقد رزقنى رسول الله ﷺ درهما كل يوم فليست بى حاجة إلى أحد «١» .\rوكانت عمرة رسول الله ﷺ فى ذى القعدة، وقدم المدينة فى بقيتة أو فى أول ذى الحجة «٢» .\rوحج الناس تلك السنة على ما كانت العرب تحج عليه وحج عتاب بن أسيد بالمسلمين فيها وهى سنة ثمان، وأقام أهل الطائف على شركهم وامتناعهم فى طائفهم ما بين ذى القعدة إذ انصرف رسول الله ﷺ إلى رمضان سنة تسع.\rولما قدم رسول الله ﷺ من سفره هذا منصرفا عن الطائف كتب بجير بن زهير بن أبى سلمى إلى أخيه كعب بن زهير يخبره أن رسول الله ﷺ قد قتل رجالا بمكة ممن كان يهجوه ويؤذيه، وأن من بقى من شعراء قريش ابن الزبعرى وهبيرة بن أبى وهب قد هربوا فى كل وجه، فإن كانت لك فى نفسك حاجة فطر إلى رسول الله ﷺ فإنه لا يقتل أحدا جاء تائبا، وإن أنت لم تفعل فانج إلى نجائك من الأرض.\rفلما بلغ كعبا الكتاب ضاقت به الأرض وأشفق على نفسه وأرجف به من كان فى حاضره من عدوه، فقالوا: هو مقتول، فلما لم يجد من شىء بدا قال قصيدته التى يمدح فيها رسول الله ﷺ، ويذكر فيها خوفه وإرجاف الوشاة به، ثم خرج حتى قدم المدينة، فنزل على رجل من جهينة كانت بينه وبينه معرفة، فغدا به إلى رسول الله ﷺ حين صلى الصبح، فصلى معه ثم أشار له إلى رسول الله ﷺ فقال: هذا رسول الله، فقم إليه فاستأمنه، فذكر أنه قام إلى رسول الله ﷺ حين جلس إليه فوضع يده فى يده، وكان رسول الله ﷺ لا يعرفه، فقال: يا رسول الله، إن كعب بن زهير قد جاء ليستأمن منك تائبا مسلما، فهل أنت قابل منه إن أنا جئتك به؟ قال رسول الله ﷺ: «نعم» ، قال: أنا يا رسول الله كعب بن زهير، فوثب عليه رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله، دعنى وعدو الله أضرب عنقه، فقال رسول الله ﷺ: «دعه عنك، فإنه قد جاءنا تائبا نازعا» «٣» .\rفغضب كعب على الأنصار لما صنع به صاحبهم ومدح المهاجرين دونهم إذ لم يتكلم فيه رجل منهم إلا بخير.","footnotes":"(١) ذكره ابن كثير فى البداية والنهاية (٤/ ٣٦٨) .\r(٢) ذكره مسلم فى صحيحه كتاب الحج (٢/ ٢١٧، ٩١٦) ، ابن كثير فى البداية والنهاية (٤/ ٣٦٨) ، أبو داود (١٩٩٤) ، الترمذى (٨١٥) ، أحمد فى المسند (١/ ٢٤٦، ٣٢١) .\r(٣) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ٣٦٩) ، مستدرك الحاكم (٣/ ٥٨٣) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٩/ ٣٩٣، ٣٩٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083982,"book_id":3509,"shamela_page_id":545,"part":"1","page_num":543,"sequence_num":545,"body":"والقصيدة التى قالها كعب فى ذلك وذكر أنه أنشدها رسول الله ﷺ فى المسجد:\rبانت سعاد فقلبى اليوم مبتول ... متيم عندها لم يجز مكبول\rوما سعاد غداة البين إذ برزت ... إلا أغن غضيض الطرف مكحول «١»\rتجلو عوارض ذى ظلم إذا ابتسمت ... كأنه منهل بالراح معلول «٢»\rشحت بذى شبم من ماء محنية ... صاف بأبطح أضحى وهو مشمول «٣»\rتنفى الرياح القذى عنه وأفرطه ... من صوب غادية بيض يعاليل «٤»\rوبلمها خلة لو أنها صدقت ... بوعدها أو لو أن النصح مقبول\rلكنها خلة قد سيط من دمها ... فجع وولع وإخلاف وتبديل\rفما تدوم على حال تكون بها ... كما تلون فى أثوابها الغول «٥»\rكانت مواعيد عرقوب لها مثلا ... وما مواعيدها إلا الأباطيل\rفلا يغرنك ما منت وما وعدت ... إن الأمانى والأحلام تضليل «٦»\rأمست سعاد بأرض لا تبلغها ... إلا العتاق النجيبات المراسيل\rولا يبلغها إلا عذافرة ... فيها على الأبن إرقال وتبغيل «٧»\rمن كل نضاخة الذفرى إذا عرقت ... عرضتها طامس الأعلام مجهول «٨»","footnotes":"(١) الأغن: الصبى الصغير الذى فى صوته غنة، وهى صوت يخرج من الخيشوم. غضيض الطرف: أى فاتر الجفن.\r(٢) العوارض: الأسنان. ذى ظلم: الظلم ماء الأسنان وبريقها. الراح: اسم من أسماء الخمر.\r(٣) شجت: مزجت. ذى شبم: أى الماء البارد. المجنية: منتهى الوادى.\r(٤) القذى: أراد ما يقع فى الماء من تبن أو غيره. الصوب: المطر. غادية: السحابة التى تمطر بالغدو. اليعاليل: هو رغوة الماء.\r(٥) ذكر فى السيرة بعد هذه البيت بيت آخر لم يذكره هنا وهو:\rوما تمسك بالعهد الذى زعمت ... إلا كما يمسك الماء الغرابيل\rانظر: السيرة (٤/ ١٣٢) .\r(٦) ذكر فى السيرة هذا البيت قبل البيت الذى يسبقه هنا. وهناك بيت آخر لم يذكره هنا ورد بعدهما وهو:\rأرجو وآمل أن تدنو مودتها ... وما إخال لدينا منك تنويل\rانظر: السيرة (٤/ ١٣٢) .\r(٧) العذافرة: بضم العين هى الناقة الضخمة. الأين: الفتور والإعياء. الإرقال: ضرب من السير.\r(٨) ذكر فى السيرة بعد هذا البيت بيت آخر لم يذكره هنا وهو:\rترمى النجاد بعينى مفرد لهق ... إذا توقدت الحزان والميل\rانظر: السيرة (٤/ ١٣٣) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083983,"book_id":3509,"shamela_page_id":546,"part":"1","page_num":544,"sequence_num":546,"body":"ضخم مقلدها فعم مقيدها ... فى خلقها عن بنات الفحل تفضيل*\rحرف أخوها أبوها من مهجنة ... وعمها خالها قوداء شمليل*\rكأن أوب ذراعيها وقد عرقت ... وقد تلفع بالقور العساقيل*\rأوب يدى فاقد شمطاء معولة ... قامت فجاوبها نكد مثاكيل\rنواحة رخوة الضبعين ليس لها ... لما نعى بكرها الناعون معقول\rتفرى اللبان بكفيها ومدرعها ... مشقق عن تراقيها رعابيل\rتمشى الغواة بجنبيها وقولهم ... إنك يا ابن أبى سلمى لمقتول\rوقال كل صديق كنت آمله ... لا ألهينك إنى عنك مشغول\rفقلت خلوا طريقى لا أبالكم ... فكل ما قدر الرحمن مفعول\rكل ابن أنثى وإن طالت سلامته ... يوما على آلة حدباء محمول\rنبئت أن رسول الله أوعدنى ... والعفو عند رسول الله مأمول\rمهلا هداك الذى أعطاك نافلة ال ... قرآن فيها مواعيظ وتفصيل\rلا تأخذنى بأقوال الوشاة ولم ... أذنب ولو كثرت فى الأقاويل","footnotes":"(*) ذكر فى السيرة بعد هذا البيت بيتان لم يذكرهم هنا وهما:\rغلباء وجناء علكوم مذكرة ... فى دفها سعة قدامها ميل\rوجلدها من أطوم ما يؤيسه ... طلح بضاحية المتنين مهزول\rانظر: السيرة (٢/ ١٣٣) .\r(*) ذكر فى السيرة بعد هذا البيت أبيات أخرى لم يذكره هنا وهى:\rيمشى القراد عليها ثم يزلفه ... منها لبان وأقراب زهاليل\rعيرانة قذفت بالنحض عن عرض ... مرفقها عن بنات الزور مفتول\rكأنما فات عينيها ومذبحها ... من خطمها ومن اللحيين برطيل\rتمر مثل عسيب النخل ذا خصل ... فى غارز لم تخونه الأحاليل\rقنواء فى حرتيها للبصير بها ... عتق مبين وفى الخدين تسهيل\rتخدى على يسرات وهى لا حقة ... ذوابل مسهن الأرض تحليل\rسمر العجايات يتركن الحصى زيما ... لم يقهن رؤس الأكم تنعيل\rانظر: السيرة (٤/ ١٣٤، ١٣٥) .\r(*) ذكر فى السيرة بعد هذا البيت بيتان لم يذكرهم هنا وهما:\rيوما يظل به الحرباء مصطخدا ... كأن ضاحية بالشمس مملول\rوقال للقوم حاديهم وقد جعلت ... ورق الجنادب يركضن الحصاقيلوا\rانظر: السيرة (٤/ ١٣٥) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083984,"book_id":3509,"shamela_page_id":547,"part":"1","page_num":545,"sequence_num":547,"body":"لقد أقوم مقاما لو يقوم به ... يرمى ويسمع ما قد أسمع الفيل\r[لظل ترعد من خوف بوادره ... إن لم يكن من رسول الله تنويل\rحتى وضعت يمينى ما أنازعها ... فى كف ذى نقمات قوله القيل\rفلهو أخوف عندى إذ أكلمه ... وقيل إنك منسوب ومسئول\rمن ضيغم بضراء الأرض مخدره ... فى بطن عثر غيل دونه غيل\rإن الرسول لنور يستضاء به ... مهند من سيوف الله مسلول\rفى عصبة من قريش قال قائلهم ... ببطن مكة لما أسلموا زولوا\rزالوا فما زال انكاس ولا كشف ... عند اللقاء ولا ميل معازيل\rيمشون مشى الجمال الزهر يعصمهم ... ضرب إذا عرد السود التنابيل\rشم العرانين أبطال لبوسهم ... من نسج داود فى الهيجا سرابيل\rبيض سوابغ قد شكت لها حلق ... كأنها حلق القفعاء مجدول\rليسوا مفاريح إن نالت رماحهم ... قوما وليسوا مجازيعا إذا نيلوا\rلا يقع الطعن إلا فى نحورهم ... ليس لهم عن حياض الموت تهليل\rويروى أن كعبا لما أنشد رسول الله ﷺ:\rإن الرسول لنور يستضاء به ... مهند من سيوف الله مسلول\rأشار رسول الله ﷺ بيده إلى الخلق: «أى اسمعوا» . تعجبا بقوله.\rومن مستجاد شعر كعب بن زهير قوله أيضا يمدح النبى ﷺ:\rتخذى به الناقة الأدماء معتجرا ... بالبرد كالبدر جلى ليلة الظلم\rوفى عطافيه أو أثناء بردته ... ما يعلم الله من دين ومن كرم\rولما قال كعب فى لاميته المتقدمة: «إذا عرد السود التنابيل» ، يريد الأنصار وخص المهاجرين بمدحته دونهم غضب عليه الأنصار فقال بعد أن أسلم يمدحهم ويذكر بلاءهم مع رسول الله ﷺ وموضعهم من اليمن، ويقال: إن رسول الله ﷺ حضه على ذلك وقال لما أنشده القصيدة المتقدمة: «لولا ذكرت الأنصار بخير فإن الأنصار لذلك أهل؟» «١» ، فقال كعب هذه الأبيات:\rمن سره كرم الحياة فلا يزل ... فى مقنب من صالح الأنصار\rورثوا المكارم كابرا عن كابر ... إن الخيار هم بنو الأخيار","footnotes":"(١) ذكره ابن كثير فى البداية والنهاية (٤/ ٣٧٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083985,"book_id":3509,"shamela_page_id":548,"part":"1","page_num":546,"sequence_num":548,"body":"المكرهين السمهرى بأذرع ... كسوالف الهندى غير قصار\rوالناظرين بأعين محمرة ... كالجمر غير كليلة الإبصار\rوالبائعين نفوسهم لنبيهم ... للموت يوم تعانق وكرار\rيتطهرون يرونه نسكا لهم ... بدماء من علقوا من الكفار\rدربوا كما دربت ببطن خفية ... غلب الرقاب من الأسود ضوارى\rوإذا حللت ليمنعوك إليهم ... أصبحت عند معاقل الأغفار\rضربوا عليا يوم بدر ضربة ... دانت لوقعتها جميع نزار\rلو يعلم الأقوام علمى كله ... فيهم لصدقنى الذين أمارى\rقوم إذا خوت النجوم فإنهم ... للطارقين النازلين مقارى\rفى الغر من غسان فى جرثومة ... أعيت محافرها على المحفار «١٠»\rوكان عبد الله بن الزبعرى السهمى شاعر قريش ولسانها فى مناقضة حسان بن ثابت وغيره من شعراء رسول الله ﷺ، له فى ذلك أشعار كثيرة ذكرها ابن إسحاق فى مواضعها وأضربنا نحن عنها وعن سائر أشعار الجاهلية لما فيها من تنقص الإسلام والنيل من أهله، فلما كان عام الفتح فر ابن الزبعرى إلى نجران فرماه حسان بن ثابت ببيت واحد ما زاد عليه وهو:\rلا تعدمن رجلا أحلك بغضه ... نجران فى عيش أحذ لئيم\rفلما بلغ ذلك ابن الزبعرى «١» خرج إلى رسول الله ﷺ فأسلم، وقال فى ذلك أشعارا منها فى أبيات «٢» :\rيا رسول الله المليك إن لسانى ... راتق ما فتقت إذ أنا بور\rإذ أبارى الشيطان فى سنن الغى ... ومن مال ميله مثبور\rوقال أيضا حين أسلم «٣» :\rمنع الرقاد بلابل وهموم ... والليل معتلج الرواق بهيم","footnotes":"(١٠) انظر الأبيات فى: السيرة (٤/ ١٣٨- ١٣٩) .\r(١) هو عبد الله بن الزبعرى بن قيس بن عدى بن سعد بن سهم القرشى السهمى. انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (١٥٥١) ، الإصابة الترجمة رقم (٤٦٩٧) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٢٩٤٦) .\r(٢) انظر الأبيات فى: السيرة (٤/ ٥٤) .\r(٣) انظر الأبيات فى: السيرة (٤/ ٥٥) ، وقال ابن هشام: وبعض أهل العلم بالشعر ينكرها له.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083986,"book_id":3509,"shamela_page_id":549,"part":"1","page_num":547,"sequence_num":549,"body":"مما أتانى أن أحمد لامنى ... فيه فبت كأننى محموم\rيا خير من حملت على أوصالها ... عيرانة سرح اليدين عشوم\rإنى لمعتذر إليك من الذى ... أسديت إذ أنا فى الضلال أهيم\rأيام تامرنى بأغوى خطة ... سهم وتأمرنى بها مخزوم\rوأمد أسباب الردى ويقودنى ... أمر الغواة وأمرهم مشئوم\rفاليوم آمن بالنبى محمد ... قلبى ومخطىء هذه محروم\rمضت العداوة فانقضت أسبابها ... ودعت أواصر بيننا وحلوم\rفاغفر فدى لك والداى كلاهما ... زللى فإنك راحم مرحوم\rوعليك من علم المليك علامة ... نور أغر وخاتم مختوم\rأعطاك بعد محبة برهانه ... شرفا وبرهان الإله عظيم\rولقد شهدت بأن دينك صادق ... حق وأنك فى العباد جسيم\rوالله يشهد أن أحمد مصطفى ... متقبل فى الصالحين كريم\rفرم علا بنيانه من هاشم ... فرع تمكن فى الذرى وأروم\r\rغزوة تبوك «١»\rوأقام رسول الله ﷺ بالمدينة بعد منصرفه عن عمرة الجعرانة ما بين ذى الحجة إلى رجب ثم أمر أصحابه بالتهيؤ لغزو الروم، وذلك فى زمان عسرة من الناس وشدة من الحر وجدب من البلاد، وحين طابت الثمار والناس يحبون المقام فى ثمارهم وظلالهم ويكرهون الشخوص على الحال من الزمان الذى هم عليه.\rوكان رسول الله ﷺ قل ما يخرج فى غزوة إلا ورى عنها وأخبر أنه يريد غير الوجه الذى يعمد إليه، إلا ما كان من غزوة تبوك، فإنه بينها للناس لبعد الشقة وشدة الزمان وكثرة العدو الذى يصمد له، ليتأهب الناس لذلك أهبته، فأمر الناس بالجهاز، وأخبرهم أنه يريد الروم. فقال ﷺ ذات يوم وهو فى جهازه للجد بن قيس أحد بنى سلمة:\r«ياجد هل لك العام فى جلاد بنى الأصفر؟» فقال: يا رسول الله، أو تأذن ولا تفتنى، فو الله لقد عرف قومى أنه ما من رجل أشد عجبا بالنساء منى، وإنى أخشى إن رأيت","footnotes":"(١) راجع هذه الغزوة فى: المنتظم لابن الجوزى (٣/ ٣٦٢) ، المغازى للواقدى (٣/ ٩٨٩) ، طبقات ابن سعد (٢/ ١/ ١١٨، ١١٩) ، تاريخ الطبرى (٣/ ١٠٠) ، البداية والنهاية (٥/ ٢) ، الكامل (٢/ ١٤٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083987,"book_id":3509,"shamela_page_id":550,"part":"1","page_num":548,"sequence_num":550,"body":"نساء بنى الأصفر أن لا أصبر. فأعرض عنه رسول الله ﷺ وقال: «قد أذنت لك» ، ففيه نزلت: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ [التوبة: ٤٩] «١» أى إن كان إنما خشى الفتنة من نساء بنى الأصفر وليس ذلك به فما سقط فيه من الفتنة أكبر لتخلفه عن رسول الله ﷺ والرغبة بنفسه عن نفسه، يقول: وإن جهنم لمن ورائه «٢» .\rوقال قوم من المنافقين بعضهم لبعض: لا تنفروا فى الحر: زهادة فى الجهاد وشكا فى الحق وإرجافا بالرسول، فأنزل الله فيهم: وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ [التوبة: ٨١، ٨٢] .\rوبلغ رسول الله ﷺ أن ناسا من المنافقين يجتمعون فى بيت سويلم اليهودى، يثبطون الناس عنه فى غزوة تبوك، فبعث إليهم طلحة بن عبيد الله فى نفر من أصحابه وأمره أن يحرق عليهم البيت وفعل طلحة، فاقتحم الضحاك بن خليفة من ظهر البيت فانكسرت رجله واقتحم أصحابه فأفلتوا «٣» فقال الضحاك فى ذلك:\rوكادت وبيت الله نار محمد ... يشيط بها الضحاك وابن أبيرق\rوظلت وقد طبقت كبس سويلم ... أنوء على رجلى كسيرا ومرفقى\rسلام عليكم لا أعود لمثلها ... أخاف ومن تشمل به النار يحرق\rثم إن رسول الله ﷺ جد فى سفره وأمر الناس بالجهاز والانكماش، وحض أهل الغنى على النفقة والحملان فى سبيل الله، فحمل رجال من أهل الغنى واحتسبوا، وأنفق عثمان بن عفان فى ذلك نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها، فقال رسول الله ﷺ: «اللهم ارض عن عثمان فإنى عنه راض» «٤» .\rثم إن رجالا من المسلمين أتوا رسول الله ﷺ وهم البكاؤن وهم سبعة نفر من الأنصار وغيرهم، سالم بن عمير «٥» ، وعلبة بن زيد «٦» ، وأبو ليلى بن كعب «٧» ، وعمرو","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: زاد المسير لابن الجوزى (٣/ ٣٠٥) ، دلائل النبوة للبيهقى (٥/ ٢١٣) .\r(٢) انظر الحديث فى: تاريخ الطبرى (٢/ ١٨٢) .\r(٣) ذكره ابن كثير فى التاريخ (٥/ ٣) .\r(٤) انظر الحديث فى: كنز العمال للمتقى الهندى (١١/ ٥٩٣/ ٣٢٨٤١) ، جامع الجوامع للسيوطى (١/ ٣٨١) .\r(٥) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٨٨٥) ، الإصابة الترجمة رقم (٣٠٥٣) ، أسد الغابة الترجمة رقم (١٩٠٠) ، الطبقات الكبرى (٣/ ٤٨٠) ، الوافى بالوفيات (١٥/ ٨٩) ، تاريخ الإسلام (١/ ٦٠) ، تاريخ اليعقوبى (٢/ ٢٧) .\r(٦) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٢٠٥٦) ، الإصابة الترجمة رقم (٥٦٧٣) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٣٧٦١) .\r(٧) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٣١٨٤) ، الإصابة الترجمة رقم (١٠٤٧٧) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083988,"book_id":3509,"shamela_page_id":551,"part":"1","page_num":549,"sequence_num":551,"body":"ابن حمام، وهرمى بن عبد الله «١» ، وعبد الله بن مغفل المزنى «٢» ، ويقال: عبد الله بن عمرو المزنى «٣» ، وعرباض بن سارية الفزارى «٤» ، فاستحملوا رسول الله ﷺ وهم أهل حاجة فقال: «لا أجد ما أحملكم عليه» ، فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا أن لا يجدوا ما ينفقون «٥» .\rفذكر أن ابن يامين بن عمير النضرى لقى أبا ليلى بن كعب وابن مغفل وهما يبكيان فقال: ما يبكيكما؟ قالا: جئنا رسول الله ﷺ ليحملنا فلم نجد عنده ما يحملنا عليه وليس عندنا ما نتقوى به على الخروج معه فأعطاهما ناضحا له فارتحلاه وزودهما شيئا من تمر فخرجنا مع رسول الله ﷺ «٦» . وجاء المعذرون من الأعراب فاعتذروا إليه، فلم يعذرهم الله، وذكر أنهم نفر من بنى غفار «٧» .","footnotes":"(١) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٢٧٣٧) ، الإصابة الترجمة رقم (٩٠٤٨) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٥٣٦٥) .\r(٢) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (١٦٨٥) ، الإصابة الترجمة رقم (٤٩٨٨) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٣٢٠٢) ، تاريخ ابن معين (٣٣٣) ، سير أعلام النبلاء (٤/ ٢٠٦) ، الوافى بالوفيات (٧/ ٦٢٨) ، تهذيب الكمال (٧٤٥) ، تهذيب التهذيب (٦/ ٤٢) ، خلاصة تذهيب الكمال (٢١٥، ٢١٦) ، شذرات الذهب (١/ ٦٥) .\r(٣) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (١٦٤٠) ، الإصابة الترجمة رقم (٤٨٧٣) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٣٠٩٧) ، تجريد أسماء الصحابة (١/ ٣٢٦) ، تهذيب التهذيب (٥/ ٣٤١) ، تهذيب الكمال (٢/ ٧١٧) ، تاريخ الإسلام (٣/ ١٠٧) ، الثقات (٣/ ٢٣٨) .\r(٤) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٢٠٤٩) ، الإصابة الترجمة رقم (٥٥١٧) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٣٦٣٠) ، معرفة الرجال (٢/ ٢٠٣) ، سير أعلام النبلاء (٣/ ٤١٩) ، مشاهير علماء الأمصار الترجمة رقم (٢٣١) ، المعين وطبقات المحدثين (٢٤) ، مرآة الجنان (١/ ١٥٦) ، تقريب التهذيب (٢/ ١٧) ، خلاصة تذهيب التهذيب (٢٦٩) ، شذرات الذهب (١/ ٨٢) .\r(٥) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (٥/ ٢١٨) ، أسباب النزول (٢١٢) ، تفسير الطبرى (١٠/ ١٤٥، ١٤٦) ، فتح القدير للشوكانى (٢/ ٥٥١) .\r(٦) ذكره ابن كثير فى البداية والنهاية (٥/ ٥) ، الطبرى فى تاريخه (٢/ ١٨٢) .\r(٧) انظر: السيرة (٤/ ١٤٣) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083989,"book_id":3509,"shamela_page_id":552,"part":"1","page_num":550,"sequence_num":552,"body":"ثم استتب برسول الله ﷺ سفره، وأجمع السير وتخلف عنه نفر من المسلمين عن غير شك ولا ارتياب، منهم كعب بن مالك أخو بنى سلمة ومرارة بن الربيع أخو بنى عمرو بن عوف، وهلال بن أمية أخو بنى واقف، وأبو خيثمة أخو بنى سالم، وكانوا نفر صدق لا يتهمون فى إسلامهم.\rفلما خرج رسول الله ﷺ ضرب عسكره على ثنية الوداع وضرب عبد الله بن أبى معه على حده عسكره أسفل منه نحو ذباب «١» ، وكان فيما يزعمون ليس بأقل العسكرين فلما سار رسول الله ﷺ تخلف عنه عبد الله بن أبى فيمن تخلف من المنافقين وأهل الريب.\rوخلف رسول الله ﷺ على بن أبى طالب على أهله، وأمره بالإقامة فيهم، فأرجف به المنافقون، وقالوا: ما خلفه إلا استثقالا له، وتخففا منه، فلما قالوا ذلك أخذ علىّ سلاحه ثم خرج حتى أتى رسول الله ﷺ وهو نازل بالجرف فقال: يا نبى الله، زعم المنافقون أنك إنما خلفتنى أنك استثقلتنى وتخففت منى، فقال: «كذبوا ولكنى خلفتك لما تركت ورائى، فارجع فاخلفنى فى أهلى وأهلك، أفلا ترضى يا علىّ أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبى بعدى» «٢» . فرجع علىّ إلى المدينة رضى الله عنه ومضى رسول الله ﷺ على سفره.\rثم إن أبا خيثمة بعد أن سار رسول الله ﷺ أياما رجع إلى أهله فى يوم حار، فوجد امرأتين له فى عريشين لهما فى حائطه قد رشت كل واحدة منهما عريشها وبردت له فيه ماء وهيأت له طعاما، فلما دخل قام على باب العريش فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا له، فقال: رسول الله ﷺ فى الضح والريح والحر، وأبو خيثمة فى ظل بارد وطعام مهيأ وامرأة حسناء فى ماله مقيم! ما هذا بالنصف ثم قال: والله لا أدخل على عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله ﷺ فهيئا لى زادا ففعلتا ثم قدم ناضحه فارتحله ثم خرج فى طلب رسول الله ﷺ حتى أدركه حين نزل بتبوك.\rوقد كان أدرك أبا خيثمة فى الطريق عمير بن وهب الجمحى يطلب رسول الله ﷺ","footnotes":"(١) ذباب: ذكره الحازمى بكسر أوله وباءين وقال: جبل بالمدينة له ذكر فى المغازى والأخبار، وعن العمرانى: ذباب بوزن الذباب الطائر جبل بالمدينة. انظر: معجم البلدان (٣/ ٣) .\r(٢) انظر الحديث فى: صحيح البخارى كتاب المغازى باب غزوة تبوك (٧/ ٤٤١٦) ، صحيح مسلم كتاب فضائل الصحابة باب فضائل علىّ (٤/ ٣١، ٣٢) ، دلائل النبوة للبيهقى (٥/ ٢٢٠) ، تاريخ ابن كثير (٥/ ٧) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083990,"book_id":3509,"shamela_page_id":553,"part":"1","page_num":551,"sequence_num":553,"body":"فترافقا، حتى إذا دنوا من تبوك قال أبو خيثمة لعمير: إن لى ذنبا فلا عليك أن تخلف عنى حتى آتى رسول الله ﷺ ففعل حتى إذا دنا من رسول الله ﷺ وهو نازل بتبوك قال الناس: هذا راكب على الطريق مقبل. فقال رسول الله ﷺ: «كن أبا خيثمة» . قالوا: هو والله أبو خيثمة يا رسول الله، فلما أناخ أقبل فسلم على رسول الله ﷺ، فقال له رسول الله ﷺ: «أولى لك يا أبا خيثمة!» ثم أخبره خبره فقال له رسول الله ﷺ خيرا ودعا له بخير «١» . ويروى أن أبا خيثمة! قال فى ذلك «٢» :\rولما رأيت الناس فى الدين نافقوا ... أتيت التى كانت أعف وأكرما\rوبايعت باليمنى يدى لمحمد ... فلم أكتسب إثما ولم أغش محرما\rتركت خضيبا فى العريش وصرمة ... صفايا كراما بسرها قد تحمما\rوكنت إذا شك المنافق أسمحت ... إلى الدين نفسى شطره حيث يميما\rوكان رسول الله ﷺ حين مر بالحجر نزلها واستقى الناس من بئرها فلما راحوا قال رسول الله ﷺ: «لا تشربوا من مائها ولا يتوضأ منه للصلاة وما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه الإبل، ولا تأكلوا منه شيئا، ولا يخرجن أحد منكم الليلة إلا ومعه صاحب له» .\rففعل الناس ما أمرهم رسول الله ﷺ، إلا أن رجلين من بنى ساعدة خرج أحدهما لحاجته وخرج الآخر فى طلب بعير له، فأما الذى ذهب لحاجته فإنه خنق على مذهبه، وأما الذى ذهب فى طلب بعيره فاحتمله الريح حتى طرحته بجبلى طىء، فأخبر بذلك رسول الله ﷺ فقال: ألم أنهكم أن يخرج أحد منكم إلا ومعه صاحبه؟ ثم دعا للذى أصيب على مذهبه فشفى، وأما الذى وقع بجبلى طىء، فإن طيئا أهدته لرسول الله ﷺ حين قدم المدينة «٣» .\rولما مر رسول الله ﷺ بالحجر سجى ثوبه على وجهه، واستحث راحلته ثم قال: «لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا إلا وأنتم باكون خوفا أن يصيبكم ما أصابهم» «٤» .\rفلما أصبح الناس ولا ماء معهم شكوا إلى رسول الله ﷺ، فدعا فأرسل الله سبحانه سحابة فأمطرت حتى ارتوى الناس واحتملوا حاجتهم من الماء. قال محمود بن لبيد «٥» :","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: صحيح مسلم (٤/ ٥٣/ ٢١٢٠- ٢١٢٢) ، دلائل النبوة للبيهقى (٥/ ٢٢٣) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٦/ ١٩٣) .\r(٢) انظر الأبيات فى: السيرة (٤/ ١٤٦) .\r(٣) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (٥/ ٢٤٠) ، البداية والنهاية لابن كثير (٥/ ١١) .\r(٤) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (٦/ ٣٣٨١) ، صحيح مسلم (٤/ ٣٩، ٢٢٨٦) .\r(٥) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٢٣٧٥) ، الإصابة الترجمة رقم (٧٨٣٨) ، أسد-","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083991,"book_id":3509,"shamela_page_id":554,"part":"1","page_num":552,"sequence_num":554,"body":"لقد أخبرنى رجال من قومى عن رجل من المنافقين معروف نفاقه كان يسير مع رسول الله ﷺ حيث سار، فلما كان من أمر الماء بالحجر ما كان ودعا رسول الله ﷺ حين دعا فأرسل الله الصحابة فأمطرت حتى ارتوى الناس قالوا: أقبلنا عليه نقول: ويحك! هل بعد هذا شىء؟ قال: سحابة مارة. قيل لمحمود: هل كان الناس يعرفون النفاق فيهم؟ قال:\rنعم، والله إن كان الرجل ليعرفه من أخيه ومن أبيه ومن عمه وفى عشيرته ثم يلبس بعضهم بعضا على ذلك «١» .\rثم إن رسول الله ﷺ سار حتى إذا كان ببعض الطريق ضلت ناقته فخرج أصحابه فى طلبها وعند رسول الله ﷺ رجل من أصحابه يقال له: عمارة بن حزم وكان عقبيا بدريا وهو عم بنى عمرو بن حزم وكان فى رحله زيد بن اللصيت القينقاعى، وكان منافقا، فقال زيد وهو فى رحل عمارة وعمارة عند رسول الله ﷺ: أليس محمد يزعم أنه نبى ويخبركم عن خبر السماء وهو لا يدرى أين ناقته، فقال رسول الله ﷺ وعمارة عنده:\r«إن رجلا قال: هذا محمد يخبركم أنه نبى ويزعم أنه يخبركم بأمر السماء وهو لا يبدى أين ناقته وإنى والله لا أعلم إلا ما علمنى الله وقد دلنى الله عليها وهى فى الوادى من شعب كذا وكذا وقد حبستها شجرة بزمامها فانطلقوا حتى تأتونى بها» ؛ فذهبوا فجاؤا بها فرجع عمارة بن حزم إلى رحله فقال: والله لعجب من شىء حدثناه رسول الله ﷺ آنفا عن مقالة قائل أخبره الله عنه. للذى قال زيد بن اللصيت. فقال رجل ممن كان فى رحل عمارة ولم يحضر رسول الله ﷺ: زيد والله قال هذه المقالة قبل أن تأتى، فأقبل عمارة على زيد يجأ فى عنقه ويقول: يا عباد الله! إن فى رحلى لداهية وما أشعر! اخرج أى عدو الله من رحلى فلا تصحبنى «٢» .\rفزعم بعض الناس أن زيدا تاب بعد ذلك وقال بعض: لم يزل متهما بشر حتى مات «٣» .\rثم مضى رسول الله ﷺ سائرا فجعل يتخلف عنه الرجل فيقولون: يا رسول الله تخلف فلان. فيقول: «دعوه فإن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد","footnotes":"- الغابة الترجمة رقم (٤٧٨٠) ، طبقات ابن سعد (٥/ ٧٧) ، طبقات خليفة الترجمة رقم (٢٠٣٩) ، المعرفة والتاريخ (١/ ٣٥٦) ، تهذيب الكمال (١٣١٠) ، تذهيب التهذيب (٤/ ٢٦) ، تهذيب التهذيب (١٠/ ٦٥) ، خلاصة تذهيب الكمال (٣١٧) ، شذرات الذهب (١/ ١١٢) .\r(١) ذكره الهيثمى فى مجمع الزوائد (٦/ ١٩٤، ١٩٥) ، ابن كثير فى البداية والنهاية (٥/ ٩) .\r(٢) ذكره البيهقى فى دلائل النبوة (٥/ ٢٢٣) ، ابن كثير فى البداية والنهاية (٥/ ٩) .\r(٣) انظر: السيرة (٤/ ١٤٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083992,"book_id":3509,"shamela_page_id":555,"part":"1","page_num":553,"sequence_num":555,"body":"أراحكم الله منه» حتى قيل: يا رسول الله تخلف أبو ذر وأبطأ به بعيره. فقال: «دعوه فإن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه» ، وتلوم أبو ذر على بعيره، فلما أبطأ عليه أخذ متاعه فحمله على ظهره ثم خرج يتبع أثر رسول الله ﷺ ماشيا، ونزل رسول الله ﷺ فى بعض منازله فنظر ناظر من المسلمين فقال: يا رسول الله، إن هذا الرجل يمشى على الطريق وحده. فقال رسول الله ﷺ: «كن أبا ذر» . فلما تأمله القوم قالوا: يا رسول الله، هو والله أبوذر، فقال رسول الله ﷺ: «رحم الله أبا ذر يمشى وحده ويموت وحده، ويبعث وحده» «١» .\rفقضى الله سبحانه أن أباذر لما أخرجه عثمان رضى الله عنه إلى الربدة وأدركته بها منيته لم يكن معه أحد إلا امرأته وغلامه، فأوصاهما أن غسلانى وكفنانى ثم ضعانى على قارعة الطريق فأول ركب يمر بكم فقولوا: هذا أبو ذر صاحب رسول الله فأعينوننا على دفنه فلما مات فعلا ذلك وأقبلو عبد الله بن مسعود فى رهط من العراق عمار، فلم يرعهم إلا بالجنازة على ظهر الطريق قد كادت الإبل تطؤها وقام إليهم الغلام فقال: هذا أبو ذر صاحب رسول الله ﷺ فأعينوننا على دفنه. فاستهل عبد الله يبكى ويقول: صدق رسول الله تمشى وحدك وتموت وحدك وتبعث وحدك! ثم نزل هو وأصحابه فواروه. ثم حدثهم عبد الله بن مسعود حديثه وما قال له رسول الله ﷺ فى مسيره إلى تبوك «٢» .\rوقد كان رهط من المنافقين منهم وديعة بن ثابت أخو بنى عمرو بن عوف وحليف لبنى سلمة من أشجع يقال له: نخشن بن حمير، ويقال: مخشى، يشيرون إلى رسول الله ﷺ وهو منطلق إلى تبوك فقال بعضهم لبعض: أتحسبون جلاد بنى الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضا؟ والله لكأننا بكم غدا مقرنين فى الحبال إرجافا وترهيبا للمؤمنين فقال مخشن بن حمير، والله لوددت أنى أقاضى على أن يضرب كل رجل منا مائة جلدة وأنا نتفلت أن ينزل فينا قرآن لمقالتكم هذه. وقال رسول الله ﷺ فيما بلغنا لعمار بن ياسر:\r«أدرك القوم فإنهم قد احترقوا فسلهم عما قالوا، فإن أنكروا فقل: بل قلتم كذا وكذا» ، فانطلق إليهم عمار، فقال ذلك لهم فأتوا رسول الله ﷺ يعتذرون، فقال وديعة بن ثابت","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: مستدرك الحاكم (٣/ ٥٠، ٥١) ، دلائل النبوة للبيهقى (٥/ ٢٢٢) ، البداية والنهاية لابن كثير (٥/ ٨) ، صحيح ابن حبان (٨/ ٢٣٤) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٩/ ٣٣١، ٣٣٢) .\r(٢) انظر: السيرة (٤/ ١٤٩- ١٥٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083993,"book_id":3509,"shamela_page_id":556,"part":"1","page_num":554,"sequence_num":556,"body":"ورسول الله ﷺ واقف على ناقته فجعل يقول وهو آخذ بحقها: يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب، فأنزل الله ﷿ فيهم: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ [التوبة: ٦٥] ، وقال مخشن بن حمير: يا رسول الله قعد بى اسمى واسم أبى.\rفكان الذى عفى عنه فى هذه الآية مخشن بن حمير فتسمى عبد الرحمن، وسأل الله أن يقتله شهيدا لا يعلم مكانه، فقتل يوم اليمامة فلم يوجد له أثر «١» .\rولما انتهى رسول الله ﷺ إلى تبوك اتاه يحنة بن رؤبة صاحب أيلة فصالح رسول الله ﷺ وأعطى الجزية. وأتاه أهل جرباء «٢» وأذرح «٣» فأعطوا الجزية، وكتب لهم رسول الله ﷺ كتابا فهو عندهم [فكتب ليحنّة بن رؤبة] «٤» : «بسم الله الرحمن الرحيم، هذه أمنة من الله ومحمد النبى رسول الله ليحنة بن رؤبة وأهل أيلة سفنهم وسيارتهم فى البر والبحر، لهم ذمة الله ومحمد النبى ومن كان منهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر فمن أحدث منهم حدثا فإنه لا يحول ماله دون نفسه وأنه طيبة لمن أخذه من الناس، وإنه لا يحل أن يمنعوا ماء يردونه ولا طريقا يردونه من بر أو بحر «٥» .\rثم دعا رسول الله ﷺ خالد بن الوليد فبعثه إلى أكيدر دومة وهو أكيدر ابن عبد الملك رجل من كندة كان ملكا عليها وكان نصرانيا فقال رسول الله ﷺ لخالد:\r«إنك ستجده يصيد البقر» . فخرج خالد حتى إذا كان من حصنه بمنظر العين وفى ليلة مقمرة صائفة وهو على سطح له ومعه امرأته فباتت البقر تحك بقرونها باب القصر، فقالت له امرأته: هل رأيت مثل هذا قط؟ قال: لا والله، قالت: فمن يترك هذه؟ قال: لا أحد، فنزل فأمر بفرسه، فأسرج له، وركب معه نفر من أهل بيته، فيهم أخ له يقال له:\rحسان، فركب وخرجوا معه بمطاردهم، فلما خرجوا تلقتهم خيل رسول الله ﷺ فأخذته، وقتلوا أخاه، وكان عليه قباء ديباج مخوص بالذهب، فاستلبه خالد فبعث به إلى رسول الله ﷺ قبل قدومه عليه، فجعل المسلمون يلمسونه بأيديهم ويتعجبون منه، فقال رسول الله ﷺ: «أتعجبون من هذا؟ فو الذى نفسى بيده لمناديل سعد بن معاذ فى","footnotes":"(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره (٢/ ٣٨١، ٣٨٢) ، ابن حجر فى الإصابة (٦/ ٧٥) .\r(٢) جرباء: كأنه تأنيب الأجرب، موضع من أعمال عمان بالبلقاء من أرض الشام قرب جبال السراة من ناحية الحجاز. انظر: معجم البلدان (٢/ ١١٢) .\r(٣) أذرح: اسم بلد فى أطراف الشام من أعمال السراة، ثم من نواحى البلقاء وعمان مجاورة لأرض الحجاز. انظر: معجم البلدان (١/ ١٢٩) .\r(٤) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل، وما أوردناه من السيرة.\r(٥) ذكر البيهقى فى الدلائل (٥/ ٢٤٧، ٢٤٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083994,"book_id":3509,"shamela_page_id":557,"part":"1","page_num":555,"sequence_num":557,"body":"الجنة أحسن من هذا» «١» . ثم قدم خالد بأكيدر على رسول الله ﷺ فحقن له دمه، وصالحه على الجزية، ثم خلى سبيله، فرجع إلى قريته، فقال رجل من طيىء يقال له: بجير ابن يجرة، يذكر قول رسول الله ﷺ لخالد: إنك ستجده يصيد البقر، وما صنعت البقر تلك الليلة حتى استخرجته لتصديق قول رسول الله ﷺ:\rتبارك سائق البقرات إنى ... رأيت الله يهدى كل هادى\rفمن يك حائدا عن ذى تبوك ... فإنا قد أمرنا بالجهاد «٢»\rفأقام رسول الله ﷺ بتبوك بضع عشرة ليلة ولم يجاوزها، ثم انصرف قافلا إلى المدينة.\rوكان فى الطريق ماء يخرج من وشل يروى الراكب والراكبين والثلاثة، بواد يقال له: وادى المشقق، فقال رسول الله ﷺ: «من سبقنا إلى الماء فلا يستقين منه شيئا، حتى نأتيه» ، فسبقه إليه نفر من المنافقين، فاستقوا ما فيه، فلما أتاه رسول الله ﷺ وقف عليه فلم ير فيه شيئا، فقال: «من سبقنا إلى هذا؟» فقيل: يا رسول الله فلان وفلان، فقال:\r«أو لم أنهكم أن تستقوا منه شيئا حتى آتيه؟» ثم لعنهم رسول الله ﷺ ودعا عليهم، ثم نزل فوضع يده تحت الوشل فجعل يصب فى يده ما شاء الله أن يصب ثم نضحه به ومسحه بيده ودعا بما شاء الله أن يدعو به، فانخرق من الماء كما يقول من سمعه ما إن حسا كحس الصواعق، فشرب الناس واستقوا حاجتهم منه. فقال رسول الله ﷺ: «لئن بقيتم أو من بقى منكم لتسمعن بهذا الوادى وهو أخصب ما بين يديه وما خلفه» «٣» .\rومات فى هذه الغزوة من أصحاب رسول الله ﷺ: عبد الله ذو البجادين المزنى، وإنما سمى ذا البجادين لأنه كان ينازع إلى الإسلام فيمنعه قومه من ذلك ويضيقون عليه حتى تركوه فى بجاد ليس عليه غيره، والبجاد: الكساء الغليظ الجافى، فهرب منهم إلى رسول الله ﷺ فلما كان قريبا منه شق بجاده باثنين فاتزر بواحد، واشتمل بالآخر، ثم أتى رسول الله ﷺ فقيل له: ذو البجادين لذلك «٤» .","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: صحيح مسلم (٤/ ١٩١٦/ ١٢٧) ، سنن النسائى (٧/ ٥٧١٥) ، مسند الإمام أحمد (٣/ ١١١) ، الطبقات الكبرى لابن سعد (٢/ ١٦٦) ، دلائل النبوة للبيهقى (٤٥/ ٢٥٠، ٢٥١) .\r(٢) انظر الأبيات فى: السيرة (٤/ ١٥٢) .\r(٣) انظر الحديث فى: موطأ مالك (١/ ٢/ ١٤٣) ، البداية والنهاية لابن كثير (٥/ ١٨) ، صحيح مسلم (٤/ ١٠/ ١٧٨٤، ١٧٨٥) .\r(٤) انظر: السيرة (٤/ ١٥٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083995,"book_id":3509,"shamela_page_id":558,"part":"1","page_num":556,"sequence_num":558,"body":"فكان عبد الله بن مسعود يحدث قال: قمت من جوف الليل وأنا مع رسول الله ﷺ فى غزوة تبوك، فرأيت شعلة من نار فى ناحية العسكر فاتبعتها أنظر إليها، فإذا رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وإذا عبد الله ذو البجادين قد مات، وإذا هم قد حفروا له ورسول الله ﷺ فى حفرته وأبو بكر وعمر يدليانه إليه وهو يقول: أدليا إلى أخاكما فدلياه، فلما هيأه لشقه قال: «اللهم إنى قد أمسيت راضيا عنه فارض عنه» يقول عبد الله ابن مسعود: يا ليتنى كنت صاحب الحفرة! «١» .\rوقال أبو رهم الغفارى، وكان ممن بايع تحت الشجرة: غزوت مع رسول الله ﷺ غزوة تبوك، فسرت ذات ليلة معه قريبا منه وألقى علينا النعاس، فطفقت أستيقظ وقد دنت راحلتى من راحلته ﵇ فيفزعنى دنوها منه مخافة أن أصيب رجله فى الغرز فما استيقظت إلا لقوله: حس، فقلت: يا رسول الله استغفر لى: قال: «سر» . فجعل يسألنى عمن تخلف من بنى غفار فأخبره به، فقال وهو يسألنى: «ما فعل النفر الحمر الطوال الثطاط» «٢» ، فحدثته بتخلفهم، قال: «فما فعل النفر السود الجعاد القصار؟» قلت: والله ما أعرف هؤلاء منا. قال: «بلى، الذين هم نعم بشبكة شدخ» ، فتذكرتهم فى بنى غفار، فلم أذكرهم حتى ذكرت أنهم رهط من أسلم كانوا حلفاء فينا، فقلت:\rيا رسول الله، أولئك رهط من أسلم حلفاء فينا، فقال رسول الله ﷺ: «ما منع أحد أولئك حين تخلف أن يحمل على بعير من إبله امرء نشيطا فى سبيل الله؟! إن أعز أهلى علىّ أن يتخلف عنى المهاجرون من قريش والأنصار وغفار وأسلم» «٣» .\rقال ابن إسحاق «٤» : ثم أقبل رسول الله ﷺ حتى نزل بذى أوان بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار، وكان أصحاب مسجد الضرار قد أتوه وهو يتجهز إلى تبوك فقالوا: يا رسول الله، إنا قد بنينا مسجدا لذى العلة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية، وإنا نحب أن تأتينا فتصلى لنا فيه، فقال: «إنى على جناح سفر، وحال شغل» . أو كما قال ﷺ: «ولو قد قدمنا إن شاء الله لأتيناكم، فصلينا لكم فيه» ، فلما نزل بذى أوان أتاه خبر المسجد فدعا رسول الله ﷺ مالك بن الدخشم، أخا بنى سالم بن عوف، ومعن بن","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: مجمع الزوائد للهيثمى (٩/ ٣٦٩) ، البداية والنهاية لابن كثير (٥/ ١٨) .\r(٢) الثطاط: جمع ثط، وهو قليل شعر اللحية والحاجبين.\r(٣) انظر الحديث فى: الطبقات الكبرى لابن سعد (٤/ ١٨٠) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٦/ ١٩٢) ، مسند الإمام أحمد (٤/ ٣٥٠) .\r(٤) انظر: السيرة (٤/ ١٥٥- ١٥٦) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083996,"book_id":3509,"shamela_page_id":559,"part":"1","page_num":557,"sequence_num":559,"body":"عدى، أو أخاه عاصم بن عدى، أخا بنى العجلان، فقال: «انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه وحرقاه» ، فخرجا سريعين حتى أتيا بنى سالم بن عوف رهط مالك فقال مالك لمعن: انظرنى حتى أخرج إليك بنار من أهلى. فدخل إلى أهله فأخذ سعفا من النخل فأشعل فيه نارا ثم خرجا يشتدان حتى دخلاه وفيه أهله فحرقاه وهدماه وتفرقوا عنه ونزل فيهم من القرآن ما نزل: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ [التوبة: ١٠٧] إلى آخر القصة «١» .\rوقدم رسول الله ﷺ المدينة وقد كان تخلف عنه من تخلف من المنافقين، وأولئك الرهط الثلاثة من المسلمين من غير شك ولا نفاق: كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: «لا تكلمن أحدا من هؤلاء الثلاثة» ، وأتاه من تخلف عنه من المنافقين فجعلوا يحلفون له ويعتذرون فصفح عنهم رسول الله ﷺ ولم يعذرهم الله ولا رسوله، فاعتزل المسلمون كلام أولئك النفر الثلاثة.\rفحدث «٢» كعب بن مالك قال: ما تخلفت عن رسول الله فى غزوة غزاها قط، غير أنى تخلفت عنه فى غزوة بدر، وكانت غزوة لم يعاتب الله فيها ولا رسوله أحدا تخلف عنها، وذلك أن رسول الله ﷺ إنما خرج يريد عير قريش فجمع الله بينه وبين عدوه على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله ﷺ العقبة حين تواثقنا على الإسلام وما أحب أن لى بها مشهد بدر، وإن كانت غزوة بدر هى أذكر فى الناس منها.\rوكان من خبرى حين تخلفت عنه فى غزوة تبوك أنى لم أكن قط أقوى ولا أيسر منى حين تخلفت عنه فى تلك الغزوة، والله ما اجتمعت لى راحلتان قط حتى اجتمعنا لى فى تلك الغزوة، وكان رسول الله ﷺ قل ما يريد غزوة يغزوها إلا ورى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة فغزاها رسول الله ﷺ فى حر شديد واستقبل سفرا بعيدا واستقبل غزو عدو كثير، فجلى للناس أمرهم ليتأهبوا لذلك أهبته وأخبرهم خبره بوجهه الذى يريد، والمسلمون من تبع رسول الله ﷺ كثير لا يجمعهم كتاب حافظ، يعنى بذلك الديوان، فقل رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أنه سيخفى له ذلك ما لم ينزل فيه وحى من الله تعالى، وغزا رسول الله ﷺ تلك الغزوة حين طابت الثمار وأحبت الظلال فالناس إليها صعر، فتجهز رسول الله ﷺ وتجهز المسلمون معه، وجعلت أغدو لأتجهز معهم فأرجع ولم أقض حاجة فأقول فى نفسى: أنا قادر على ذلك إذا أردت، فلم يزل ذلك","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: تفسير ابن كثير (٤/ ١٤٩) .\r(٢) انظر: السيرة (٤/ ١٥٧- ١٥٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083997,"book_id":3509,"shamela_page_id":560,"part":"1","page_num":558,"sequence_num":560,"body":"يتمادى بى حتى شمر بالناس الجد وأصبح رسول الله ﷺ غاديا والمسلمون معه ولم أقض من جهازى شيئا فقلت: أتجهز بعده بيوم أو يومين ثم ألحق بهم، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز فرجعت ولم أقض شيئا، ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل ذلك يتمادى بى حتى أسرعوا وتفرط الغزو فههمت أن أرتحل فأدركهم، وليتنى فعلت، فلم أفعل، وجعلت إذا خرجت فى الناس بعد خروج رسول الله ﷺ فطفت فيهم يحزننى أنى لا أرى إلا رجلا مغموصا عليه فى النفاق أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرنى رسول الله ﷺ حتى بلغ تبوك فقال وهو جالس فى القوم بتبوك: ما فعل كعب ابن مالك؟ فقال رجل من بنى سلمة: يا رسول الله، حبسه برداه والنظر فى عطفيه.\rفقال له معاذ: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا منه إلا خيرا. فسكت رسول الله ﷺ، فلما بلغنى أن رسول الله ﷺ توجه قافلا حضر لى بثى فجعلت أتذكر الكذب وأقول: بماذا أخرج من سخط رسول الله ﷺ غدا؟ وأستعين على ذلك كل ذى رأى من أهلى، فلما قيل لى: إن رسول الله ﷺ قد أظل قادما زاح عنى الباطل وعرفت أن لا أنجو منه إلا بالصدق، فأجمعت أن أصدق.\rوصبح رسول الله ﷺ المدينة، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاء المخلفون من الأعراب فجعلوا يحلفون له ويعتذرون، وكانوا بضعة وثمانين رجلا، فيقبل منهم رسول الله ﷺ علانيتهم وأيمانهم ويستغفر لهم ويكل سرائرهم إلى الله، حتى جئت فسلمت عليه فتبسم تبسم المغضب ثم قال لى: تعاله. فجئت أمشى حتى جلست بين يديه فقال لى: «ما خلفك ألم تكن ابتعت ظهرك؟» قلت: يا رسول الله، والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أنى سأخرج من سخطه بعذر لقد أعطيت جدلا، ولكن والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديثا كذبا لترضين عنى وليوشكن الله أن يسخط علىّ، ولئن حدثتك اليوم حديثا صادقا تجد على فيه إنى أرجو عقباى من الله فيه، ولا والله ما كان لى عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر منى حين تخلفت عنك. فقال رسول الله ﷺ: أما هذا فقد صدقت فيه، فقم حتى يقضى فيك. فقمت.\rوثار معى رجال من بنى سلمة فاتبعونى فقالوا: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله ﷺ بما اعتذر إليه المخلفون فقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله ﷺ لك، فو الله ما زالوا حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله ﷺ فأكذب نفسى، ثم قلت لهم: هل لقى هذا أحد غيرى؟ قالوا:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083998,"book_id":3509,"shamela_page_id":561,"part":"1","page_num":559,"sequence_num":561,"body":"نعم، رجلان قالا مثل ذلك وقيل لهما مثل ما قيل لك. قلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع العمرى وهلال بن أمية الواقفى، فذكروا لى رجلين صالحين فيهما أسوة حسنة، فقمت حين ذكروهما لى، ونهى رسول الله ﷺ عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت لى نفسى والأرض فما هى بالأرض التى كنت أعرف.\rفلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباى فاستكانا فقعدا فى بيوتهما، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم فكنت أخرج وأشهد الصلوات مع المسلمين واطوف بالأسواق لا يكلمنى أحد، وآتى رسول الله ﷺ فأسلم عليه وهو فى مجلسه بعد الصلاة فأقول فى نفسى: هل حرك شفتيه برد السلام على أم لا! ثم أصلى قريبا منه فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتى نظر إلى، وإذا التفت نحوه أعرض عنى.\rحتى إذا طال ذلك على من جفوة المسلمين مشيت حتى تسورت جدار حائط أبى قتادة وهو ابن عمى وأحب الناس إلى فسلمت عليه فو الله ما رد على السلام، فقلت: يا أبا قتادة، أنشدك الله هل تعلم أنى أحب الله ورسوله؟ فسكت فعدت فنا شدته، فسكت، فعدت فناشدته، فقال: الله ورسوله أعلم. ففاضت عيناى ووثبت فتسورت الحائط. ثم غدوت إلى السوق فبينا انا أمشى بالسوق إذا نبطى «١» يسأل عنى من نبط الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدل على كعب بن مالك؟ فجعل الناس يشيرون له إلى، حتى جاءنى فدفع إلى كتابا من ملك غسان فى سرقة من حرير فإذا فيه: أما بعد، فإنه قد بلغنا أن صاحبك جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة فالحق بنا نوسك. قلت حين قرأتها: وهذا من البلاء أيضا قد بلغ لى ما وقعت فيه أن طمع فى رجل من أهل الشرك فعمدت بها إلى تنور فسجرته بها.\rفأقمنا على ذلك حتى مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا رسول الله ﷺ يأتينى فقال: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك. فقلت: أطلقها أم ماذا؟ قال: لا، بل اعتزلها ولا تقربها. وأرسل إلى صاحبى بمثل ذلك، فقلت لامرأتى: الحقى بأهلك وكونى فيهم حتى يقضى الله فى هذا الأمر ما هو قاض.\rوجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن هلال بن أمية شيخ كبير ضائع إلا خادم، أفتكره ان أخدمه؟ قال: لا ولكن لا يقربنك. قالت: يا","footnotes":"(١) النبطى: واحد النبط وهم قوم من الأعاجم.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3083999,"book_id":3509,"shamela_page_id":562,"part":"1","page_num":560,"sequence_num":562,"body":"رسول الله، والله ما به من حركة، والله ما زال يبكى منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا ولقد تخوفت على بصره. فقال لى بعض أهلى: لو استأذنت رسول الله ﷺ لامرأتك فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه، فقلت: والله لا أستأذنه فيها، ما أدرى ما يقول لى فى ذلك إذا استأذنته وأنا رجل شاب، قال: فلبثنا بعد ذلك عشر ليال فكمل لنا خمسون من حين نهى رسول الله المسلمين عن كلامنا، ثم صليت الصبح خمسين ليلة على طهر بيت من بيوتنا على الحال التى ذكر الله، هنا قد ضاقت علينا الأرض بما رحبت وضاقت على نفسى، وقد كنت ابتنيت خيمة فى ظهر سلع، فكنت اكون فيها إذ سمعت صوت صارخ أو فى على سلع يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر. فخررت ساجدا وعرفت أن قد جاءنى الفرج.\rقال: وآذن رسول الله ﷺ بتوبة الله علينا حين صلى الفجر، فذهب الناس يبشروننا وذهب نحو صاحبى مبشرون، وركض رجل إلى فرسا وسعى ساع من أسلم، حتى أوفى على الجبل فكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءنى الذى سمعت صوته يبشرنى نزعت ثوبى فكسوتهما إياه بشارة، وو الله ما أملك يومئذ غيرهما، واستعرت ثوبين فلبستهما، ثم انطلقت أتيمم رسول الله ﷺ، وتلقانى الناس يبشروننى بالتوبة يقولون: ليهنك توبة الله عليك. حتى دخلت المسجد ورسول الله ﷺ جالس حوله الناس فقام إلى طلحة بن عبيد الله فحيانى وهنأنى، والله ما قام إلى رجل من المهاجرين غيره. فكان كعب لا ينساها لطلحة.\rقال كعب: فلما سلمت على رسول الله ﷺ قال ووجهه يبرق من السرور: أبشر بخير يوم مر عليك منذ يوم ولدتك أمك. قلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: بل من عند الله. قال: وكان رسول الله ﷺ إذا استبشر كأن وجهه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه.\rقال: فلما جلست بين يديه، قلت: يا رسول الله، إن من توبتى إلى الله أن أنخلع من مالى صدقة إلى الله وإلى رسوله. قال: أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك. قلت:\rإنى ممسك سهمى الذى بخيبر. وقلت: يا رسول الله إن الله قد نجانى بالصدق، فإن من توبتى إلى الله أن لا أحدث إلا صدقا ما بقيت. والله ما أعلم أحدا من الناس أبلاه الله فى صدق الحديث منذ ذكرت لرسول الله ﷺ ذلك أفضل مما أبلانى، والله ما تعمدت من كذبة مذ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ إلى يومى هذا، وإنى لأرجو أن يحفظنى الله فيما بقى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084000,"book_id":3509,"shamela_page_id":563,"part":"1","page_num":561,"sequence_num":563,"body":"وأنزل الله ﵎: لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة: ١٧٧- ١١٩] .\rقال كعب: فو الله ما أنعم الله على نعمة قط بعد أن هدانى للإسلام كانت أعظم فى نفسى من صدقى رسول الله ﷺ يومئذ، أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوه، فإن الله ﵎ قال فى الذين كذبوه شر ما قال لأحد: سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ [التوبة: ٩٥- ٩٦] .\rقال: وكنا خلفنا أيها الثلاثة عن أمر هؤلاء الذين قبل منهم رسول الله ﷺ حين حلفوا له فعذرهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله ﷺ أمرنا حتى قضى الله فيه ما قضى، فلذلك قال الله ﵎: وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا وليس الذى ذكر من تخليفنا لتخلفنا عن الغزوة، ولكن لتخليفه إيانا وإرجائه أمرنا عن من حلف له واعتذر إليه فقبل منه «١» .\r\rذكر إسلام ثقيف\rوقدم رسول الله ﷺ المدينة من تبوك فى رمضان وقدم عليه فى ذلك الشهر وفد ثقيف.\rوكان من حديثهم أن رسول الله ﷺ لما انصرف عنهم اتبع أثره عروة بن مسعود حتى أدركه قبل أن يصل إلى المدينة، فأسلم وسأله أن يرجع إلى قومه بالإسلام، فقال له رسول الله ﷺ كما يتحدث قومه: إنهم قاتلوك. وعرف رسول الله ﷺ أن فيهم نخوة","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: صحيح البخارى كتاب المغازى (٧/ ٤٤١٨) ، صحيح مسلم كتاب التوبة (٤/ ٥٣) مسند الإمام أحمد (٣/ ٤٥٤- ٤٥٩) ، سنن الترمذى كتاب التفسير (٣١٠٢) ، دلائل النبوة للبيهقى (٥/ ٢٧٣- ٢٧٩) ، مصنف عبد الرزاق (٥/ ٩٧٤٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084001,"book_id":3509,"shamela_page_id":564,"part":"1","page_num":562,"sequence_num":564,"body":"الامتناع الذى كان منهم. فقال عروة: يا رسول الله، أنا أحب إليهم من أبكارهم.\rويقال: من أبصارهم. وكان فيهم كذلك محببا مطاعا.\rفخرج يدعو قومه إلى الإسلام رجاء أن لا يخالفوه لمنزلته فيهم، فلما أشرف لهم على علية له وقد دعاهم إلى الإسلام وأظهر لهم دينه رموه بالنبل من كل وجه فأصابه سهم فقتله، فقيل له: ما ترى فى دمك؟ قال: كرامة أكرمنى الله بها وشهادة ساقها إلى فليس فى إلا ما فى الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله ﷺ قبل أن يرتحل عنكم فادفنونى معهم.\rفزعموا أن رسول الله ﷺ قال: «إن مثله فى قومه لكمثل صاحب ياسين فى قومه» «١» .\rثم أقامت ثقيف بعد قتل عروة أشهرا، ثم إنهم ائتمروا بينهم ورأوا أنهم لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب، وقد بايعوا وأسلموا، فمشى عمرو بن أمية أخو بنى علاج وكان من أدهى العرب إلى عبد ياليل بن عمرو حتى دخل داره وكان قبل مهاجرا له الذى بينهما سىء ثم أرسل إليه، أن عمرو بن أمية يقول لك: اخرج إلى فقال عبد ياليل للرسول: ويلك أعمرو وأرسلك إلى؟ قال: نعم وها هو ذا واقفا فى دارك. قال: إن هذا لشىء ما كنت أظنه، لعمرو كان أمنع فى نفسه من ذلك. فخرج إليه فلما رآه رحب به فقال له عمرو: إنه قد نزل بنا ما ليست معه هجرة، إنه قد كان من أمر هذا الرجل ما قد رأيت، وقد أسلمت العرب كلها، وليست لكم بحربهم طاقة فاتنظروا فى أمركم «٢» .\rفعند ذلك ائتمرت ثقيف بينها وقال بعضهم لبعض: ألا ترون أنه لا يأمن لكم سرب ولا يخرج منكم أحد إلا اقتطع؟ فائتمروا بينهم وأجمعوا أن يرسلوا إلى رسول الله ﷺ رجلا كما أرسلوا عروة. فكلموا عبد ياليل وكان سن عروة، وعرضوا عليه ذلك فأبى أن يفعل وخشى أن يصنع به إذا رجع كما صنع بعروة فقال: لست فاعلا حتى ترسلوا معى رجالا. فأجمعوا أن يبعثوا معه رجلين من الأحلاف وثلاثة من بنى مالك فيكونوا ستة، فبعثوا مع عبد ياليل الحكم بن عمرو بن وهب بن معتب، وشر حبيل بن غيلان بن سلمة بن معتب. ومن بنى مالك: عثمان بن أبى العاص وأوس بن عوف ونمير بن خرشة.\rفخرج بهم عبد ياليل وهو ناب القوم وصاحب أمرهم، ولم يخرج بهم إلا خشية من","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: مستدرك الحاكم (٣/ ٦١٥، ٦١٦) ، تاريخ الطبرى (٢/ ١٧٩) ، دلائل النبوة للبيهقى (٥/ ٢٩٩، ٣٠٠) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٩/ ٣٨٦) ، الطبقات الكبرى لابن سعد (١/ ٣١٢) .\r(٢) انظر: السيرة (٤/ ١٦٤- ١٦٦) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084002,"book_id":3509,"shamela_page_id":565,"part":"1","page_num":563,"sequence_num":565,"body":"مثل ما صنع بعروة بن مسعود لكى يشغل كل رجل منهم إذا رجعوا إلى الطائف رهطه، فلما دنوا من المدينة ونزلوا قناة ألفوا بها المغيرة بن شعبة يرعى فى نوبته ركاب أصحاب رسول الله ﷺ وكانت رعيتها نوبا عليهم، فلما رآهم ترك الركاب عند الثقفيين وضبر يشتد «١» يبشر رسول الله ﷺ بقدومهم، فلقيه أبو بكر الصديق قبل أن يدخل على رسول الله ﷺ، فأخبره بقدومهم يريدون البيعة والإسلام وأن يشترطوا شروطا ويكتتبوا من رسول الله ﷺ كتابا. فقال أبو بكر رضى الله عنه للمغيرة:\rأقسمت عليك بالله لا تسبقنى إلى رسول الله ﷺ حتى أكون أنا أحدثه. ففعل المغيرة.\rفدخل أبو بكر على رسول الله ﷺ فأخبره بذلك ثم خرج المغيرة إلى أصحابه فروح الظهر معهم وعلمهم كيف يحيون رسول الله ﷺ، فلم يفعلوا إلا بتحية الجاهلية.\rولما قدموا على رسول الله ﷺ ضرب عليهم قبة فى ناحية مسجده كما يزعمون فكان خالد بن سعيد هو الذى يمشى بينهم وبين رسول الله ﷺ حتى اكتتبوا كتابهم، كتبه خالد بيده وكانوا لا يطعمون طعاما ياتيهم من رسول الله ﷺ حتى يأكل منه خالد حتى أسلموا وفرغوا من كتابهم.\rوقد كان فيما سألوا رسول الله ﷺ أن يدع لهم الطاغية وهى اللات لا يهدمها ثلاث سنين فأبى ذلك عليهم، فما برحوا يسألونه سنة سنة ويأبى حتى سألوه شهرا واحدا بعد مقدمهم فأبى عليهم أن يدعها شيئا مسمى، وإنما يريدون بذلك فيما يظهرون أن يسلموا بتركها من سفهائهم ونسائهم وذراريهم ويكرهون أن يروعوا قومهم بهدمها حتى يدخلهم الإسلام، فأبى عليهم رسول الله ﷺ إلا أن يبعث أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة فيهدماها. وقد كانوا سألوه مع ترك الطاغية أن يعفيهم من الصلاة وأن لا يكسروا أوثانهم بأيديهم فقال رسول الله ﷺ: «أما كسر أوثانكم فسنعفيكم منه، وأما الصلاة فلا خير فى دين لا صلاة فيه» ، [فقالوا: يا محمد، فسنؤتيكها، وإن كانت دناءة] «٢» ، فلما أسلموا وكتب لهم رسول الله ﷺ كتابا أمر عليهم عثمان بن أبى العاص وكان من أحدثهم سنا فقال أبو بكر لرسول الله ﷺ: يا رسول الله، إنى قد رأيت هذا الغلام من أحرصهم على التفقه فى الإسلام وتعلم القرآن «٣» .","footnotes":"(١) ضبر يشتد: أى وثب، ويقال: ضبر الفرس إذا جمع قوائمه ووثب.\r(٢) ما بين المعقوفتين سقط فى الأصل، وما أوردناه من السيرة.\r(٣) انظر الحديث فى: سنن أبى داود (٣/ ٣٠٢٦) ، مسند الإمام أحمد (٤/ ٢١٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084003,"book_id":3509,"shamela_page_id":566,"part":"1","page_num":564,"sequence_num":566,"body":"فحدث «١» عثمان بن أبى العاص قال: كان من آخر ما عهد إلى رسول الله ﷺ حين بعثنى على ثقيف أن قال: «يا عثمان تجاوز فى صلاتك واقدر الناس بأضعفهم فإن فيهم الكبير والصغير والضعيف وذا الحاجة» «٢» .\rفلما فرغوا من أمرهم وتوجهوا راجعين إلى بلادهم بعث رسول الله ﷺ معهم أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة فى هدم الطاغية فخرجا مع القوم حتى إذا قدموا الطائف أراد المغيرة أن يقدم أبا سفيان، فأبى ذلك عليه أبو سفيان وقال: ادخل أنت على قومك. وأقام أبو سفيان بماله بذى الهدم، فلما دخل علاها يضربها بالمعول وقام دونه بنو معتب خشية أن يرمى أو يصاب كما أصيب عروة، وخرج نساء ثقيف حسرا «٣» يبكين عليها ويقلن:\rلتبكين دفاع ... أسلمها الرضاع «٤»\rلم يحسنوا المصاع\rفلما هدمها المغيرة وأخذ مالها وحليها أرسل إلى أبى سفيان وحليها مجموع ومالها من الذهب والجزع.\rوقد كان أبو مليح بن عروة وقارب بن الأسود قدما على رسول الله ﷺ قبل وفد ثقيف حين قتل عروة يريدان فراق ثقيف وأن لا يجامعاهم على شىء أبدا. فأسلما فقال لهما رسول الله ﷺ: توليا من شئتما. فقالا: نتولى الله ورسوله فقال رسول الله ﷺ:\r«وخالكما أبا سفيان بن حرب» . فقالا: وخالنا أبا سفيان، فلما أسلم أهل الطائف ووجه رسول الله ﷺ أبا سفيان والمغيرة إلى هدم الطاغية سأل أبو مليح رسول الله ﷺ أن يقضى عن أبيه عروة دينا كأن عليه من مال الطاغية. فقال رسول الله ﷺ: «نعم» .\rفقال له قارب بن الأسود: وعن الأسود يا رسول الله فاقضه، وعروة والأسود أخوان لأب وأم، فقال رسول الله ﷺ: «إن الأسود مات مشركا» . فقال قارب: يا رسول الله، لكن تصل مسلما ذا قرابة، يعنى نفسه، إنما الدين على وإنما أنا الذى أطلب به. فأمر رسول الله ﷺ أبا سفيان أن يقضى دين عروة والأسود من مال الطاغية، فلما جمع","footnotes":"(١) انظر: السيرة (٤/ ١٦٧) .\r(٢) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (٤/ ٢١) ، صحيح مسلم (١/ ١٨٧/ ٣٤٢) .\r(٣) حسرا: بضم الحاء وتشديد السين مفتوحة، جمع حاسرة، وهى المكشوفة الوجه.\r(٤) دفاع: هى صيغة مبالغة من الدفع، وإنما سموا طاغيتهم دفاعا لأنهم كانوا يعتقدون أن الأصنام تدفع عنهم البلاء والمحن. الرضاع: جمع راضع وأريد بهم اللئام.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084004,"book_id":3509,"shamela_page_id":567,"part":"1","page_num":565,"sequence_num":567,"body":"المغيرة مالها ذكر أبا سفيان بذلك فقضى منه عنهما «١» .\rهكذا ذكر ابن إسحاق إسلام أهل الطائف بعقب غزوة تبوك فى رمضان من سنة تسع قبل حج أبى بكر بالناس آخر تلك السنة. وجعل ابن عقبة قدوم عروة على رسول الله ﷺ ومقتله فى قومه وإسلام ثقيف كل ذلك بعد صدر أبى بكر عن حجه. وبين حديثه وحديث ابن إسحاق بعض اختلاف، رأيت ذكر حديث ابن عقبة وإن كان أكثره معادا لأجل ذلك الاختلاف، ثم أذكر بعده حجة أبى بكر فى الموضع الذى ذكرها فيه ابن إسحاق.\rقال موسى بن عقبة: فلما صدر أبو بكر من حجه بالناس قدم عروة بن مسعود الثقفى على رسول الله ﷺ فأسلم ثم استأذن رسول الله ﷺ فى الرجوع إلى قومه فقال له: إنى أخاف ان يقتلوك، قال: لو وجدونى نائما ما أيقظونى. فأذن له فرجع إلى الطائف وقدمها عشاء فجاءته ثقيف يسلمون عليه فدعاهم إلى الإسلام ونصح لهم فاتهموه وأعضوه وأسمعوه من الأذى ما لم يكن يخشاه منهم فخرجوا من عنده حتى إذا أسحر وسطع الفجر قام على غرفة فى داره فأذن بالصلاة وتشهد، فرماه رجل من ثقيف بسهم فقتله فقال رسول الله ﷺ لما بلغه قتله: «مثل عروة مثل صاحب ياسين، دعا قومه إلى الله، فقتلوه» «٢» .\rوأقبل بعد قتله وفد من ثقيف بضعة عشر رجلا هم أشراف ثقيف، فيهم كنانة بن عبد ياليل وهو رأسهم يومئذ، وفيهم عثمان بن أبى العاص وهو أصغر القوم حتى قدموا على رسول الله ﷺ المدينة يريدون الصلح حين رأوا أن قد فتحت مكة وأسلم عامة العرب، فقال المغيرة بن شعبة: يا رسول الله، أنزل على قومى أكرمهم بذلك فإنى حديث الجرم فيهم. قال: لا أمنعك أن تكرم قومك ولكن تنزلهم حيث يسمعون القرآن.\rفأنزلهم رسول الله ﷺ فى المسجد وبنى لهم خياما لكى يسمعوا القرآن ويروا الناس إذا صلوا. وكان رسول الله ﷺ إذا خطب لم يذكر نفسه، فلما سمعه وفد ثقيف قالوا:\rيأمرنا ان نشهد أنه رسول الله ولا يشهد به فى خطبته! فلما بلغه قولهم قال: «فإنى أول","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: الطبقات الكبرى لابن سعد (٥/ ٥٠٤، ٥٠٥) .\r(٢) انظر الحديث فى: مستدرك الحاكم (٣/ ٦١٥) ، طبقات ابن سعد (٥/ ٣٧٠) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٩/ ٣٨٦) ، المعجم الكبير للطبرانى (١٧/ ١٤٨) ، الدر المنثور للسيوطى (٥/ ٢٦٢) ، كنز العمال للمتقى الهندى (٣٣٦١٥) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084005,"book_id":3509,"shamela_page_id":568,"part":"1","page_num":566,"sequence_num":568,"body":"من يشهد أنى رسول الله» «١» . وكانوا يغدون على رسول الله كل يوم ويخلفون عثمان بن أبى العاص على رحالهم لأنه أصغرهم، فكان عثمان كلما رجع الوفد إليه وقالوا بالهاجرة عمد إلى رسول الله ﷺ فسأله عن الذين واستقرأه القرآن، فاختلف إليه عثمان مرارا حتى فقه فى الدين وعلم. وكان إذا وجد رسول الله ﷺ نائما عمد إلى أبى بكر، وكان يكتم ذلك من أصحابه، فأعجب ذلك رسول الله ﷺ وأحبه.\rفمكث الوفد يختلفون إلى رسول الله ﷺ وهو يدعوهم إلى الإسلام، فقال له كنانة ابن عبد ياليل: هل أنت مقاضينا حتى نرجع إلى قومنا ثم نرجع إليك؟ فقال: «نعم، إن أنتم أقررتم بالإسلام قاضيتكم وإلا فلا قضية ولا صلح بينى وبينكم» .\rقالوا: أرأيت الزنا؟ فإنا قوم نغترب ولا بد لنا منه. قال: «هو عليكم حرام إن الله» يقول: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا [الإسراء: ٣٢] .\rقالوا: فالربا؟ قال: «والربا» . قالوا: إنه أموالنا كلها. قال: «فلكم رؤس أموالكم» ، قال الله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [البقرة: ٢٧٨] . قالوا فالخمر؟ فإنها عصير أرضنا ولا بد لنا منها. قال: «إن الله قد حرمها» ، قال الله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة: ٩٠] .\rفارتفع القوم فخلا بعضهم إلى بعض وقالوا: ويحكم إنا نخاف إن خالفناه يوما كيوم مكة، انطلقوا فأعطوه ما سأل وأجيبوه. فأتوا رسول الله ﷺ فقالوا: لك ما سألت.\rأرأيت الربة ماذا نصنع فيها؟ قال: «اهدموها» . قالوا: هيهات! لو تعلم الربة أنا نريد هدمها لقتلت أهلنا. فقال عمر: ويحك يا بن عبد ياليل ما أحمقك إنما الربة حجر، قال:\rإنا لم نأتك يا ابن الخطاب. ثم قال: يا رسول الله، تول أنت هدمها، فأما نحن فلن نهدمها أبدا، قال رسول الله ﷺ: «فسأ بعث إليكم من يكفيكم هدمها» . قال كنانة: ائذن لنا قبل رسولك ثم ابعث فى آثارنا، فإنى أعلم بقومى، فأذن لهم رسول الله ﷺ وأكرمهم وحملهم. قالوا: يا رسول الله، أمر علينا رجلا يؤمنا، فأمر عليهم عثمان بن أبى العاص «٢» لما رأى من حرصه على الإسلام وقد كان علم سورا من القرآن قبل أن يخرج.","footnotes":"(١) ذكره البيهقى فى دلائل النبوة (٥/ ٣٠٠) .\r(٢) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (١٧٩١) ، الإصابة الترجمة رقم (٥٤٥٧) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٣٥٨١) ، تهذيب الكمال (٦/ ٢١٢) ، تهذيب التهذيب (٧/ ١٢٨، ١٢٩) ، خلاصة تذهيب الكمال (٩١٣) ، شذرات الذهب (١/ ٣٦) ، سير أعلام النبلاء (٢/ ٣٧٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084006,"book_id":3509,"shamela_page_id":569,"part":"1","page_num":567,"sequence_num":569,"body":"وقال كنانة «١» لأصحابه: أنا أعلمكم بثقيف فاكتموهم إسلامكم وخوفوهم الحرب والقتال وأخبروهم أن محمدا سألنا امورا أبيناها عليه، سألنا أن نهدم اللات ونبطل أموالنا فى الربا ونحرم الخمر.\rحتى إذا دنوا من الطائف خرجت إليهم ثقيف يتلقونهم، فلما رأوهم قد ساروا العنق وقطروا الإبل وتغشوا ثيابهم كهيئة قوم قد حزنوا أو كذبوا قالت ثقيف بعضهم لبعض: ما جاؤكم بخير. فلما دخلوا حصنهم عمدوا للآت فجلسوا عندها، واللات بيت كانوا يعبدونه ويسترونه ويهدون له الهدى يضاهون به بيت الله، ثم رجع كل واحد منهم إلى أهله فجاء كل رجل حامية من ثقيف فسألوه: ماذا جئتم به؟ قالوا: أتينا رجلا فظا غليظا يأخذ من أمره ما شاء قد ظهر بالسيف وأداخ العرب ودان له الناس، فعرض علينا أمورا شدادا: هدم اللات وترك الأموال فى الربا إلا رؤس أموالكم وحرم الخمر والزنا. قالت ثقيف: والله لا نقبل هذا أبدا. قال الوفد: أصلحوا السلاح وتهيئوا للقتال ورموا حصنكم.\rفمكثت ثقيف بذلك يومين أو ثلاثة تريد القتال ثم ألقى الله الرعب فى قلوبهم وقالوا: والله ما لنا به طاقة أداخ العرب كلها فارجعوا إليه فأعطوه ما سأل وصالحوه عليه. فلما رأى الوفد أنهم قد رعبوا واختاروا الأمن على الخوف وعلى الحرب، قالوا لهم: إنا قد فرغنا من ذلك، قد قاضيناه وأسلمنا وأعطانا ما أحببنا واشترطنا ما أردنا وجدناه اتقى الناس وأوفاهم وأرحمهم وأصدقهم وقد بورك لنا ولكم فى مسيرنا إليه وفيما قاضيناه عليه. فقالت ثقيف: فلم كتمتمونا هذا الحديث وغممتمونا بذلك أشد الغم؟ قالوا: أردنا أن ينزع الله من قلوبكم نخوة الشيطان، فأسلموا مكانهم واستسلموا.\rفمكثوا أياما ثم قدم عليهم رسل رسول الله ﷺ قد أمر عليهم خالد بن الوليد وفيهم المغيرة بن شعبة، فلما قدموا عليهم عمدوا للات ليهدموها وانكفأت ثقيف كلها الرجال والنساء والصبيان حتى خرج العواتق من الحجال وهم لا يرون أنها تهدم ويظنون أنها ستمتنع. فقام المغيرة بن شعبة «٢» وقال لأصحابه: لأضحكنكم من ثقيف فأخذ الكرزن","footnotes":"(١) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٢٢٤٣) ، الإصابة الترجمة رقم (٧٤٧٨) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٤٥٠٥) .\r(٢) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٢٥١٢) ، الإصابة الترجمة رقم (٨١٩٧) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٥٠٧١) ، التاريخ لابن معين (٢/ ٥٧٩) ، ترتيب الثقات (٤٣٧) ، الطبقات لابن سعد (٢/ ٢٨٤) ، أنساب الأشراف (١/ ١٦٨) ، مروج الذهب (١٦٥٦) ، الكامل فى التاريخ-","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084007,"book_id":3509,"shamela_page_id":570,"part":"1","page_num":568,"sequence_num":570,"body":"فضرب به ثم أخذ يرتكض فارتج أهل الطائف بصيحة واحدة وقالوا: أبعد الله المغيرة قد قتلته الربة! وفرحوا حين رأوه ساقطا وقالوا: من شاء منكم فليقترب ويجهد على هدمها فو الله لا تستطاع أبدا. فوثب المغيرة فقال: قبحكم الله يا معشر ثقيف! إنما هى لكاع حجارة ومدر! ثم ضرب الباب فكسره ثم علا على سورها وعلا الرجال معه، فما زالوا يهدمونها حجرا حجرا حتى سووها بالأرض وجعل صاحب المفاتيح يقول:\rليغضبن الأساس فليخسفن بهم. فلما سمع ذلك المغيرة قال لخالد: دعنى أحفر أساسها.\rفحفروها حتى أخرجوا ترابها وأخذوا حليها وثيابها. فبهتت ثقيف.\rوانصرف الوفد إلى رسول الله ﷺ بحليتها وكسوتها فقسمه رسول الله ﷺ من يومه وحمد الله على نصر نبيه وأغزاز دينه.\r\rذكر حج أبى بكر الصديق رضى الله عنه بالناس سنة تسع وتوجيه رسول الله ﷺ على بن أبى طالب بعده بسورة براءة\rوبعث رسول الله ﷺ أبا بكر أميرا على الحج من سنة تسع ليقيم للمسلمين حجهم، ونزلت بعد بعثه إياه «براءة» فى نقض ما بين رسول الله ﷺ وبين المشركين من العهد الذى كانوا عليه فيما بينه وبينهم: أن لا يصد عن البيت أحد جاءه، ولا يخاف على أحد فى الشهر الحرام، وكان ذلك عهدا عاما بينه وبين أهل الشرك، وكان بين ذلك عهود خصائص بينه وبين قبائل العرب إلى آجال مسماة فنزلت فيه وفيمن تخلف من المنافقين عن تبوك وفى قول من قال منهم فكشف الله سرائر قوم كانوا يستخفون بغير ما يظهرون «١» .\rفقيل لرسول الله ﷺ: لو بعثت بها إلى أبى بكر؟ فقال: «لا يؤدى عنى إلا رجل من أهل بيتى» ، ثم دعا على بن أبى طالب فقال: «اخرج بهذه القصة من صدر براءة وأذن فى الناس يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى: أنه لا يدخل الجنة كافر ولا يحج بعد العام مشرك","footnotes":"- (٣/ ٤٦١) ، المعين من طبقات المحدثين (١٢٤) ، العبر (١/ ٥٦) ، مرآة الجنان (١/ ١٢٤) ، سير أعلام النبلاء (٣/ ٢١) ، تقريب التهذيب (٢/ ٢٦٩) ، خلاصة تذهيب التهذيب (٣٢٩) ، شذرات الذهب (١/ ٥٦) ، العقد الثمين (٧/ ٢٥٥) .\r(١) انظر: السيرة (٤/ ١٧٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084008,"book_id":3509,"shamela_page_id":571,"part":"1","page_num":569,"sequence_num":571,"body":"ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عند رسول الله ﷺ عهد فهو إلى مدته» ، فخرج على على ناقة رسول الله ﷺ العضباء حتى أدرك أبا بكر الصديق بالطريق، فلما رآه أبو بكر قال: أمير أم مأمور؟ قال: بل مأمور. ومضيا، فأقام أبو بكر للناس الحج، والعرب فى تلك السنة على منازلهم من الحج التى كانوا عليها فى الجاهلية، حتى إذا كان يوم النحر قام على بن أبى طالب فأذن فى الناس بالذى أمره به رسول الله ﷺ وأجل الناس أربعة أشهر من يوم أذن فيهم ليرجع كل قوم إلى مأمنهم وبلادهم، ثم لا عهد لمشرك ولا ذمة إلا أحد كان له عند رسول الله ﷺ عهد إلى مدة فهو له إلى مدته، فلم يحجج بعد ذلك العام مشرك ولم يطف بالبيت عريان «١» .\rوكانت براءة تسمى فى زمان رسول الله ﷺ: «المبعثرة» لما كشفت من سرائر الناس، وكانت تبوك آخر غزوة غزاها رسول الله ﷺ.\rوكان جميع ما غزا رسول الله ﷺ بنفسه سبعا وعشرين غزاة: غزوة ودان وهى غزوة الأبواء، ثم غزوة بواط من ناحية رضوى، ثم غزوة العشيرة من بطن ينبع، ثم غزوة بدر الأولى يطلب كرز بن جابر، ثم غزوة بدر التى قتل الله فيها صناديد قريش، ثم غزوة بنى سليم حين بلغ الكدر، ثم غزوة السويق يطلب أبا سفيان بن حرب، ثم غزوة غطفان إلى نجد، وهى غزوة ذى أمر، ثم غزوة بحران معدن بالحجاز، ثم غزوة أحد، ثم غزوة حمراء الأسد، ثم غزوة بنى النضير، ثم غزوة ذات الرقاع من نخل، ثم غزوة بدر الآخرة، ثم غزوة دومة الجندل، ثم غزوة الخندق، ثم غزوة بنى قريظة، ثم غزوة بنى لحيان من هذيل، ثم غزوة ذى قرد، ثم غزوة بنى المصطلق من خزاعة، ثم غزوة الحديبية لا يريد قتالا فصده المشركون، ثم غزوة خيبر، ثم عمرة القضاء، ثم غزوة الفتح، ثم غزوة حنين، ثم غزوة الطائف، ثم غزوة تبوك، قاتل ﷺ فى تسع غزوات منها: بدر، وأحد، والخندق، وقريظة، وبنى المصطلق وخيبر، والفتح، وحنين، والطائف. وهذا الترتيب عن ابن إسحاق «٢» ، وخالفه ابن عقبه فى بعضه.\r\rالسرايا\rوكانت بعوث رسول الله ﷺ وسراياه ثمانية، وثلاثين من بين بعث وسرية: غزوة","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: فتح البارى لابن حجر (٧/ ٦٨٤) ، البداية والنهاية لابن كثير (٥/ ٣٧) ، وله شواهد منها ما فى مسند الإمام أحمد (٢/ ٢٩٩) من طريق: محرز بن أبى هريرة عن أبيه، قال: «كنت مع على بن أبى طالب فكنت أنادى حتى صحل صوتى» .\r(٢) انظر: السيرة (٤/ ٢٣٣) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084009,"book_id":3509,"shamela_page_id":572,"part":"1","page_num":570,"sequence_num":572,"body":"عبيدة بن الحارث أسفل ثنية المرة، وغزوة حمزة بن عبد المطلب ساحل البحر من ناحية العيص، وبعض الناس يقدم غزوة حمزة قبل غزوة عبيدة.\rوغزوة سعد بن أبى وقاص الخرار، وغزوة عبد الله بن جحش نخلة، وغزوة زيد بن حارثة القردة، وغزوة محمد بن مسملة كعب بن الأشرف، وغزوة مرثد بن أبى مرثد الغنوى الرجيع، وغزوة المنذر بن عمرو بئر معونة، وغزوة أبى عبيدة بن الجراح ذا القصة، من طريق العراق، وغزوة عمر بن الخطاب تربة من أرض بنى عامر، وغزوة على ابن أبى طالب اليمن، وغزوة غالب بن عبد الله الكلبى كلب ليث، الكديد فأصاب بنى الملوح «١» .\rوكان من حديثها أن رسول الله ﷺ بعثه فى سرية وأمره أن يشن الغارة على بنى الملوح وهم بالكديد، قال جندب بن مكيث الجهنى، وكان مع غالب فى سريته هذه:\rفخرجنا حتى إذا كنا بقديد لقينا الحارث بن مالك وهو ابن البرصاء الليثى فأخذناه فقال: إنى جئت أريد الإسلام وما خرجت إلا إلى رسول الله ﷺ. فقلنا له: إن تك مسلما فلن يضرك رباط ليلة، وإن تك على غير ذلك كنا قد استوثقنا منك فشددناه رباطا ثم خلفنا عليه رجلا من أصحابنا وقلنا له: إن عازك «٢» فاحتز رأسه.\rقال: ثم سرنا حتى اتينا الكديد عند غروب الشمس فكمنا فى ناحية الوادى وبعثنى أصحابى ربيئة لهم «٣» ، فخرجت حتى آتى تلا مشرفا على الحاضر، فأسندت فيه فعلوت فى رأسه فنظرت إلى الحاضر فو الله إنى لمنبطح على التل إذ خرج رجل منهم من خبائه فقال لامرأته: إنى لأرى على التل سوادا ما رأيته فى أول يومى فانظرى إلى أوعيتك هل تفقدين شيئا لا تكون الكلاب جرت بعضها. فنظرت فقالت: لا والله ما أفقد شيئا.\rقال: فناولينى قوسى وسهمين. فناولته فأرسل سهما فو الله ما أخطأ جنبى فأنزعه وأضعه وثبت مكانى. ثم أرسل الآخر فوضعه فى منكبى فأنزعه وأضعه وثبت مكانى.\rفقال لامرأته: لو كان ربيئة تحرك لقد خالطه سهماى، لا أبالك، إذا أصبحت فابتغيهما فخذيهما لا يمضغهما الكلاب على. ثم دخل.\rوأمهلناهم، حتى إذا اطمأنوا وناموا، وكان فى وجه السحر، شننا عليهم الغارة","footnotes":"(١) انظر: السيرة (٢٣٣، ٢٣٤) .\r(٢) عازك: أى غالبك، ومنه قوله تعالى: وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ أى غلبنى.\r(٣) ربيئة القوم: أى طليعة القوم الذى ينظر لأصحابه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084010,"book_id":3509,"shamela_page_id":573,"part":"1","page_num":571,"sequence_num":573,"body":"فقتلنا، واستقنا النعم، وخرج صريخ القوم، فجاءنا دهم لا قبل لنا به، ومضينا بالنعم، ومررنا بابن البرصاء وصاحبه، فاحتملناهما معنا، وأدركنا القوم حتى قربوا منا فما بيننا وبينهم إلا وادى قديد، فأرسل الله الوادى بالسيل من حيث شاء الله ﵎، من غير سحابة نراها، ولا مطر، فجاء بشىء ليس لأحد به قوة، ولا يقدر على أن يجاوزه، فوقفوا ينظرون إلينا، وإنا لنسوق نعمهم، وما يستطيع منهم رجل أن يجيز إلينا، حتى فتناهم، فقدمنا بها على رسول الله ﷺ «١» .\rوغزوة على بن أبى طالب بنى عبد الله بن سعد من أهل فدك، وغزوة أبى العوجاء السلمى أرض بنى سليم، فأصيب بها هو وأصحابه جميعا، وغزوة عكاشة بن محصن الغمرة، وغزوة أبى سلمة بن عبد الأسد قطنا ماء من مياه بنى أسد، من ناحية نجد، قتل فيها مسعود بن عروة، وغزوة محمد بن مسلمة القرطاء من هوازن، وغزوة بشير بن سعد بنى مرة بفدك، وغزوته أيضا بناحية خيبر، وغزوة زيد بن حارثة الجموح، من أرض بنى سليم، وغزوته أيضا جذام، من أرض خشين، ويقال: من أرض حسمى «٢» .\rوكان من حديثها كما حدث رجال من جذام كانوا علماء بها: أن رفاعة بن زيد الجذامى لما قدم على قومه من عند رسول الله ﷺ بكتابه يدعوهم إلى الإسلام فاستجابوا له لم يلبث أن قدم دحية بن خليفة الكلبى من عند قيصر صاحب الروم، حين بعثه رسول الله ﷺ ومعه تجارة له، حتى إذا كان بواد من أوديتهم أغار عليه الهنيد بن عوص الضليعى بطن منهم وابنه عوص، فأصابا كل شىء كان معه، فبلغ ذلك قوما من بنى الضبيب رهط رفاعة ممن كان أسلم وأجاب، فنفروا إلى الهنيد وابنه فاستنفذوا ما كان فى أيديهما فردوه على دحية، فخرج دحية حتى قدم على رسول الله ﷺ فأخبره خبره، واستسقاه دم الهنيد وابنه، فبعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة وبعث معه جيشا فأغاروا فجمعوا ما وجدوا من مال أو ناس وقتلوا الهنيد وابنه ورجلين معهما، فلما سمعت بذلك بنو الضبيب ركب نفر منهم فيهم حسان بن ملة فلما وقفوا على زيد بن حارثة قال حسان: إنا قوم مسلمون، فقال له زيد: فاقرأ أم الكتاب، فقرأها حسان، فقال زيد بن حارثة: نادوا فى الجيش: إن الله قد حرم علينا ثغرة القوم التى جاؤا منها إلا من ختر، وإذا أخت حسان فى الأسارى فقال له زيد: خذها، فقالت أم الفزر الصلعية: أتنطلقون ببناتكم وتذرون أمهاتكم؟! فقال أحد بنى الخصيب: إنها بنو","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: الطبقات الكبرى لابن سعد (٢/ ١١٩) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٦/ ٢٠٣) .\r(٢) انظر: السيرة (٤/ ٢٣٦) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084011,"book_id":3509,"shamela_page_id":574,"part":"1","page_num":572,"sequence_num":574,"body":"الضبيب وسحر ألسنتهم سائر اليوم فسمعها بعض الجيش فأخبر بها زيدا فأمر بأخت حسان وقد كانت أخذت بحقوقى أخيها ففكت يداها من حقويه وقال لها: اجلسى مع بنات عمك حتى يحكم الله فيكن حكمه.\rفرجعوا ونهى الجيش أن يهبطوا إلى واديهم الذى جاؤا منه فأمسوا فى أهليهم، فلما شربوا عتمتهم ركبوا إلى رفاعة بن زيد فصبحوه فقال له حسان بن ملة: إنك لجالس تحلب المعزى ونساء جذام أسارى قد غرها كتابك الذى جئت به، فدعا رفاعة بجمل له، فشد عليه رحله وهو يقول:\rهل أنت حى أو تنادى حيا «١»\rثم غدا وهم معه مبركين، فساروا إلى جوف المدينة ثلاث ليال، فلما دخلوا على رسول الله ﷺ ورآهم ألاح إليهم بيده أن تعالوا. من وراء الناس، فلما استفتح رفاعة بن زيد المنطق قال رجل من الناس: يا رسول الله، إن هؤلاء قوم سحرة. فرددها مرتين.\rفقال رفاعة: رحم الله من لم يحذنا فى يومنا هذا إلا خيرا.\rثم دفع رفاعة إلى رسول الله ﷺ كتابه الذى كان كتب له، فقال: دونك يا رسول الله قديما كتابه حديثا غدره. فقال رسول الله ﷺ: اقرأه يا غلام وأعلن. فلما قرأ كتابه استخبرهم فأخبره فقال رسول الله ﷺ: كيف أصنع بالقتلى؟ ثلاث مرات فقال رفاعة:\rأنت أعلم يا رسول الله لا نحرم عليك حلالا ولا نحل لك حراما. فقال أبو زيد بن عمرو أحد من قدم مع رفاعة: أطلق لنا يا رسول الله من كان حيا ومن قتل فهو تحت قدمى هذه. فقال رسول الله ﷺ: «صدق أبو زيد اركب معهم يا على» ، فقال له على:\rيا رسول الله، إن ريدا لن يطيعنى، قال: «فخذ سيفى هذا» ، فأعطاه سيفه.\rفخرجوا فإذا رسول الله لزيد بن حارثة على ناقة من إبلهم، فأنزلوه عنها فقال: «يا على ما شأنى؟» فقال: ما لهم عرفوه فأخذوه، ثم ساروا فلقوا الجيش، فأخذوا ما بأيديهم حتى كانوا ينتزعون لبيد المرأة من تحت الرحل «٢» .\rوغزوة زيد بن حارثة أيضا الطرف من ناحية نخل من طريق العراق، وغزوته أيضا وادى القرى لقى فيه بنى فزارة فأصيب بها ناس من أصحابه وارتث زيد من بين القتلى فلما قدم زيد آلى أن لا يمس رأسه غسل من جنابة حتى يغزو بنى فزارة، فلما استبل من","footnotes":"(١) انظر البيت فى: السيرة (٤/ ٢٣٨) .\r(٢) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٥/ ٢١٨) ، طبقات ابن سعد (٢/ ٨٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084012,"book_id":3509,"shamela_page_id":575,"part":"1","page_num":573,"sequence_num":575,"body":"جراحه بعثه رسول الله ﷺ إلى بنى فزارة فى جيش فقتلهم بوادى القرى وأصاب فيهم.\rوغزوة عبد الله بن رواحة خيبر مرتين، إحداهما التى أصاب فيها اليسير بن رزام ويقال: ابن رازم «١» ، وكان من حديثه أنه كان بخيبر يجمع غطفان لغزو رسول الله ﷺ فبعث إليه رسول الله ﷺ عبد الله بن رواحة فى نفر من أصحابه منهم عبد الله بن أنيس حليف بنى سلمة، فلما قدموا عليه كلموه وقربوا له وقالوا له: إنك إن قدمت على رسول الله ﷺ استعملك وأكرمك. فلم يزالوا به حتى خرج معهم فى نفر من يهود، فحمله عبد الله بن أنيس على بعيره، حتى إذا كان بالقرقرة من خيبر على ستة أميال ندم اليسير على مسيره إلى رسول الله ﷺ، ففطن له عبد الله بن أنيس وهو يريد السيف فاقتحم به ثم ضربه بالسيف فقطع رجله وضربه اليسير بمخرش فى يده من شوحط فأمه ومال كل رجل من أصحاب رسول الله ﷺ على صاحبه من يهود فقتله إلا رجلا واحدا أفلت على رجليه. فلما قدم عبد الله بن أنيس على رسول الله ﷺ تفل على شجته فلم تقح ولم تؤذه «٢» .\rوغزوة عبد الله بن عتيك خيبر فأصاب بها أبا رافع بن أبى الحقيق.\rوغزوة «٣» عبد الله بن أنيس خالد بن سفيان بن نبيح بعثه رسول الله ﷺ إليه وهو بنخلة أبو بعرنة يجمع لرسول الله ﷺ ليغزوه، فقتله. قال عبد الله بن أنيس: دعانى رسول الله ﷺ فقال لى: «إنه بلغنى أن ابن سفيان بن نبيح الهذلى يجمع لى الناس ليغزونى وهو بنخلة أبو بعرنة فأته فاقتله» ، فقلت: يا رسول الله، انعته لى حتى أعرفه، قال: «إنك إذا رأيته أذكرك الشيطان، وآية ما بينك وبينه أنك إذا رأيته وجدت له قشعريرة» ، قال: فخرجت متوشحا سيفى حتى دفعت إليه وهو فى ظعن يرتاد لهن منزلا وكان وقت العصر، فلما رأيته وجدت ما قال لى رسول الله ﷺ من القشعريرة، فأقبلت نحوه وخشيت أن تكون بينى وبينه مجاولة تشغلنى عن الصلاة فصليت وأنا أمشى نحوه وأومىء برأسى، فلما انتهيت إليه قال: من الرجل؟ قلت: رجل من العرب سمع بك وبجمعك لهذا الرجل فجاءك لذلك، قال: أجل أنا فى ذلك.","footnotes":"(١) انظر: السيرة (٤/ ٢٤١- ٢٤٢) .\r(٢) ذكره ابن كثير فى البداية والنهاية (٥/ ٢١٩) ، ابن سعد فى الطبقات (٢/ ٩٢) ، وليس فيه: «تفل على شجته فلم تقح ولم تؤذه» .\r(٣) انظر: السيرة (٢٤٢- ٢٤٣) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084013,"book_id":3509,"shamela_page_id":576,"part":"1","page_num":574,"sequence_num":576,"body":"قال: فمشيت معه شيئا حتى إذا أمكننى حملت عليه بالسيف فقتلته، ثم خرجت وتركت ظعائنه منكبات عليه. فلما قدمت على رسول الله ﷺ فرآنى قال: «أفلح الوجه» ! قلت: قد قتلته يا رسول الله، قال: «صدقت» ، ثم قام بى فأدخلنى بيته فأعطانى عصا، فقال: «أمسك هذه العصا عندك يا عبد الله بن أنيس» ، قال: فخرجت بها على الناس، فقالوا: ما هذه لعصا؟ قلت: أعطانيها رسول؛ الله ﷺ وأمرنى أن أمسكها عندى. قالوا: أفلا ترجع إليه فتسأله لم ذلك؟ فرجعت فقلت: يا رسول الله، لم أعطيتنى هذه العصا؟ قال: «آية بينى وبينك يوم القيامة، إن أقل الناس المتخصرون يومئذ» ، فقرنها عبد الله بن أنيس بسيفه فلم تزل معه حتى مات ثم أمر بها فضمت فى كفنه ثم دفنا جميعا «١» .\rوقال عبد الله فى ذلك:\rتركت ابن ثور كالحوار وحوله ... نوائح تفرى كل جيب مقدد\rتناولته والظعن خلفى وخلفه ... بأبيض من ماء الحديد مهند\rعجوم لهام الدار عين كأنه ... شهاب غضبا من ملهب متوقد «٢»\rأقول له والسيف يعج رأسه ... أنا ابن أنيس فارسا غير قعدد*\rوقلت له خذها بضربة ماجد ... حنيف على دين النبى محمد\rوكنت إذا هم النبى بكافر ... سبقت إليه باللسان وباليد\rومن البعوث أيضا: بعث مؤتة حيث أصيب جعفر بن أبى طالب وأصحابه، وغزوة كعب بن عمير الغفارى ذات أطلاح من أرض الشام أصيب بها هو وأصحابه جميعا، وغزوة عيينة بن حصن بنى العنبر من تميم.\rوكان من حديثهم أن رسول الله ﷺ بعثه إليهم، فأغار عليهم، وأصاب منهم أناسا، وسبى منهم أناسا، وقالت عائشة لرسول الله ﷺ: يا رسول الله، إن علىّ رقبة من ولد","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (٣/ ٤٦٩) ، سنن أبو داود (١٢٤٩) ، صحيح ابن حبان (٩/ ٧١١٦) ، سنن البيهقى (٣/ ٢٥٦) ، صحيح ابن خزيمة (٢/ ٩٨٢) .\r(٢) عجوم: هو من صفات الأبيض وهى صيغة مبالغة من العجم وهو العض. الغضا: شجر يشتد التهاب النار فيه.\r(*) ذكر فى السيرة بعد هذا البيت بيت آخر لم يذكره هنا، وهو:\rأنا ابن الذى لم ينزل الدهر قدره ... رحيب فناء الدار غير مزند\rانظر: السيرة (٤/ ٢٤٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084014,"book_id":3509,"shamela_page_id":577,"part":"1","page_num":575,"sequence_num":577,"body":"إسماعيل، قال: «هذا سبى بنى العنبر يقدم الآن، فنعطيك منهم إنسانا فتعتقينه» «١» .\rفلما قدم بسبيهم ركب فيهم وفد من بنى تميم منهم ربيعة بن رفيع، وسبرة بن عمرو والقعقاع بن معبد ووردان بن محرز وقيس بن عاصم ومالك بن عمرو والأقرع بن حابس وفراس بن حابس، فكلموا رسول الله ﷺ فيهم فأعتق بعضا، وأفدى بعضا، وذلك هو الذى عنى الفرزدق بقوله «٢» :\rوعند رسول الله قام ابن حابس ... بخطة سوار إلى المجد حازم\rله أطلق الأسرى التى فى حباله ... مغللة أعناقها والشكائم\rكفى أمهات الخالفين عليهم ... غلاء المفادى أو سهام المقاسم\rوغزوة غالب بن عبد الله الكليبى أرض بنى مرة وفيها قتل أسامة بن زيد حليفا لهم يقال له مرداس بن نهيك بن الحرقة من جهينة، قال: أدركته أنا ورجل من الأنصار، فلما شهرنا عليه السلاح قال: أشهد أن لا إله إلا الله، فلم ننزع عنه حتى قتلناه. هكذا ذكر ابن إسحاق فى حديثه «٣» .\rوخرج مسلم فى صحيحه عن أسامة بن زيد قال: فكف عنه الأنصارى وطعنته برمحى حتى قتلته، فلما قدمنا بلغ ذلك النبى ﷺ فقال: «يا أسامة، أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله؟» قلت: يا رسول الله إنما كان متعوذا، فقال: «أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله؟!» فما زال يكررها على حتى تمنيت أنى لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم «٤» .\rوفى بعض طرق مسلم أن رسول الله ﷺ قال لأسامة: «لم قتلته؟» قال: يا رسول الله، أوجع فى المسلمين وقتل فلانا وفلانا وفلانا وسمى له نفرا وإنى حملت عليه فلما رأى السيف قال: لا إله إلا الله. قال رسول الله ﷺ: «أقتلته؟» قال: نعم، قال: «فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟» قال: يا رسول الله استغفر لى، قال:\r«وكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة!» فجعل لا يزيده على أن يقول:","footnotes":"(١) ذكره ابن حجر فى فتح البارى (٥/ ٢٠٤) .\r(٢) انظر الأبيات فى: السيرة (٤/ ٢٤٥) .\r(٣) انظر: السيرة (٤/ ٢٤٦) ، والحديث أخرجه الطبرى فى تاريخه (٢/ ١٤٢) ، المتقى الهندى فى الكنز (١٤٦٢) .\r(٤) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (٥/ ١٨٣، ٩/ ٤) ، صحيح مسلم كتاب الإيمان (١٥٩) ، فتح البارى لابن حجر (١٢/ ١٩١) ، البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ٢٢٢) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084015,"book_id":3509,"shamela_page_id":578,"part":"1","page_num":576,"sequence_num":578,"body":"«كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة» «١» .\rوفى حديث ابن إسحاق أن أسامة قال: أنظرنى يا رسول الله، إنى أعاهد الله أن لا أقتل رجلا يقول: لا إله إلا الله أبدا «٢» .\rوغزوة عمرو بن العاص ذات السلاسل من أرض بنى عذره، وكان من حديثه أن رسول الله ﷺ بعثه يستنفر العرب إلى الشام، وذلك أن أم أبيه العاص بن وائل كانت امرأة من بلى فبعثه رسول الله ﷺ إليهم يستألفهم لذلك، حتى إذا كان على ماء بأرض جذام يقال له: السلسل وبذلك سميت تلك الغزوة غزوة ذات السلاسل، خاف فبعث إلى رسول الله ﷺ يستمده فبعث إليه أبا عبيدة بن الجراح فى المهاجرين الأولين فيهم أبو بكر وعمر وقال لأبى عبيدة حين وجهه: لا تختلفا. فخرج أبو عبيدة حتى إذا قدم عليه قال له عمرو: إنما جئت مددا لى. قال أبو عبيدة: لا، ولكنى على ما أنا عليه وأنت على ما أنت عليه. فقال له عمرو: بل أنت مدد لى. فقال له أبو عبيدة وكان رجلا لينا هينا سهلا عليه أمر الدنيا: يا عمرو، إن رسول الله ﷺ قال لى لا تختلفا وإنك إن عصيتنى أطعتك، قال: فإنى الأمير عليك وأنت مدد لى. قال: فدونك. فصلى عمرو بالناس «٣» .\rوحدث «٤» رافع بن أبى رافع الطائى وهو رافع بن عميرة قال: كنت امرآ نصرانيا فلما أسلمت خرجت فى تلك الغزاة يعنى غزوة ذات السلاسل فقلت: والله لأختارن لنفسى صاحبا فصحبت أبا بكر فكنت معه فى رحله فكانت عليه عباءة له فدكية «٥» فكان إذا نزلنا بسطها وإذا ركبنا لبسها ثم شكها عليه بخلال له وذلك الذى يقول اهل نجد حين ارتدوا كفارا بعد موت النبى ﷺ ومبايعة الناس بعده لأبى بكر: أنحن نبايع ذا العباءة! جهلوا يومئذ أن فضل الكمال ليس فى ظاهر البهاء وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، قال رافع: فلما دنونا من المدينة قافلين، قلت: يا أبا بكر إنما صحبتك لينفعنى","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: صحيح مسلم كتاب الإيمان (١٥٩) ، فتح البارى لابن حجر (١٢/ ١٩٦) .\r(٢) انظر: السيرة (٤/ ٢٤٦) .\r(٣) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (٧/ ٣٦٦٢، ٤٣٥٨) ، دلائل النبوة للبيهقى (٤/ ٣٩٩، ٤٠٠) ، صحيح مسلم (٤/ ٨/ ١٨٥٦) .\r(٤) انظر: السيرة (٤/ ٢٤٧- ٢٤٨) .\r(٥) فدكية: منسوبة إلى فدك، وهو موضع بالحجاز، بينها وبين المدينة يومان وقيل: ثلاثة. انظر: معجم البلدان (٤/ ٢٣٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084016,"book_id":3509,"shamela_page_id":579,"part":"1","page_num":577,"sequence_num":579,"body":"الله بك فانصحنى وعلمنى، قال: لو لم تسلنى ذلك لفعلت، آمرك أن توحد الله لا تشرك به شيئا، وأن تقيم الصلاة وتؤتى الزكاة وتصوم رمضان وتحج هذا البيت وتغتسل من الجنابة ولا تتأمرن على رجلين من المسلمين أبدا.\rقال قلت: يا أبا بكر، أما أنا والله فإنى أرجو أن لا أشرك بالله أبدا، وأما الصلاة فلن أتركها أبدا إن شاء الله، وأما الزكاة فإن يكن لى مالى أؤديها إن شاء الله، وأما الحج فإن أستطع أحج إن شاء الله، وأما الجنابة فسأغتسل منها إن شاء الله وأما الإمارة فإنى رأيت الناس يا أبا بكر لا يشرفون عند رسول الله ﷺ وعند الناس إلا بها فلم تنهى عنها؟ قال: إنما استجهدتنى لجهده لك، وسأخبرك عن ذلك: إن الله ﵎ بعث محمدا ﷺ بهذا الدين فجاهد فيه حتى دخل الناس فيه طوعا وكرها، فلما دخلوا فيه كانوا عواذ الله وجيرانه وفى ذمته، فإياك أن تخفر الله»\rفى جيرانه فيتبعك الله فى خفرته، فإن احدكم يخفر فى جاره فيظل نائتا «٢» عضله غضبا لجاره إن أصيب له شاة أو بعير، فالله أشد غضبا لجاره.\rقال: ففارقته على ذلك، فلما قبض رسول الله ﷺ وأمر أبو بكر على الناس قدمت عليه فقلت: يا أبا بكر، ألم تكن نهيتنى عن أن أتامر على رجلين من المسلمين؟ قال:\rبلى، وأنا الآن أنهاك عن ذلك. فقلت له: فما حملك على أن تلى أمر الناس؟ قال: لا أجد من ذلك بدا خشيت على أمة محمد الفرقة «٣» .\rوفى هذه الغزاة أيضا صحب عوف بن مالك الأشجعى أبا بكر وعمر رضى الله عنهما قال: فمررت بقوم على جزور لهم قد نحروها وهم لا يقدرون على أن يعضوها فقلت: أتعطوننى منها عشيرا على أن أقسمها بينكم؟ قالوا: نعم.\rفأخذت الشفرتين فجزأتها وأخذت منها جزء فحملته إلى أصحابى فاطبخناه فأكلناه، فقال أبو بكر وعمر: أنى لك هذا اللحم يا عوف؟ فأخبرتهما خبره فقالا:\rوالله ما أحسنت حين أطعمتنا هذا، ثم قاما يتقيآن ما فى بطونهما من ذلك. فلما قفل الناس كنت أول قادم على رسول الله ﷺ فجئته وهو يصلى فى بيته فقلت: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته. قال: أعوف بن مالك؟ قلت: نعم بأبى أنت","footnotes":"(١) تخفر الله: أى تنقض عهده.\r(٢) فيضل نائتا: أى يضل مرتفعا.\r(٣) انظر: السيرة (٤/ ٢٤٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084017,"book_id":3509,"shamela_page_id":580,"part":"1","page_num":578,"sequence_num":580,"body":"وأمى يا رسول الله. قال: أصاحب الجزور؟ ولم يزدنى رسول الله ﷺ على ذلك «١» .\rوغزوة ابن أبى حدرد وأصحابه بطن إضم، وكانت قبل الفتح قال عبد الله بن أبى حدرد: بعثنا رسول الله ﷺ إلى إضم «٢» فى نفر من المسلمين فيهم أبو قتادة ومحلم بن جثامة، فخرجنا حتى إذا كنا ببطن إضم مر بنا عامر بن الأضبط الأشجعى على قعود له معه متيع له ووطب من لبن فسلم علينا بتحية الإسلام فأمسكنا عنه وحمل عليه محلم بن جثامة قتله لشىء كان بينهما وأخذ بعيره ومتيعه. فلما قدمنا على رسول الله وأخبرناه الخبر نزل فينا: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا [النساء: ٩٤] إلى آخر الآية «٣» .\rوعن «٤» ضميرة بن سعد السلمى عن أبيه، وكان شهد حنينا قال: صلى بنا رسول الله ﷺ الظهر ثم عمد إلى ظل شجرة فجلس تحتها وهو بحنين فقام إليه الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن يختصمان فى عامر بن الأضبط، وعيينة يطلب بدمه. وهو يومئذ رئيس غطفان، والأقرع يدفع عن محلم بن جثامة لمكانه من خندف، فتداولا الخصومة عند رسول الله ﷺ ونحن نسمع، فسمعنا عيينة يقول: والله يا رسول الله لا أدعه حتى أذيق نساءه من الحر مثل ما أذاق نسائى، ورسول الله ﷺ يقول: بل تأخذون الدية خمسين فى سفرنا هذا وخمسين إذا رجعنا. وهو يأبى عليه ثم ذكر تكرار رسول الله ﷺ قوله هذا، فقبلوا الدية ثم قالوا: أين صاحبكم هذا يستغفر له رسول الله ﷺ. فقام رجل آدم ضرب طويل عليه حلة له قد كان تهيأ فيها للقتل حتى جلس بين يدى رسول الله ﷺ فقال له: ما اسمك؟ فقال: أنا محلم ابن جثامة، فرفع رسول الله ﷺ يديه ثم قال: اللهم لا تغفر لمحلم بن جثامة. ثلاثا، فقام يتلقى دمعه بفضل ردائه قال: فأما نحن فنقول فيما بيننا إنا لنرجو أن يكون","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: مجمع الزوائد للهيثمى (٤/ ٩٧) ، دلائل النبوة للبيهقى (٤/ ٤٠٢) .\r(٢) إضم: بالكسر ثم الفتح، ماء يطؤه الطريق بين مكة واليمامة عند السمينة، ويقال: هو واد بجبال تهامة، وهو الوادى الذى فيه المدينة ويسمى من عند المدينة: القناة، ومن أعلى منها عند السد يسمى الشظاة، ومن عند الشظاة إلى أسفل يسمى إضما إلى البحر. انظر: معجم البلدان (١/ ٢١٤، ٢١٥) .\r(٣) انظر الحديث فى: تفسير الطبرى (٥/ ١٤٢) ، مسند الإمام أحمد (٦/ ١١) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٧/ ٨) ، أسباب النزول للواحدى (١٤٢) ، السنن الكبرى للبيهقى (٩/ ١١) .\r(٤) انظر: السيرة (٤/ ٢٥٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084018,"book_id":3509,"shamela_page_id":581,"part":"1","page_num":579,"sequence_num":581,"body":"رسول الله ﷺ قد استغفر له وأما ما ظهر من رسول الله فهذا «١» .\rوذكر «٢» سالم أبو النضر أنه حدث أن عيينة بن حصن وقيسا لم يقبلوا الدية حتى خلا بهم الأقرع بن حابس وقال: يا معشر قيس، منعتم رسول الله قتيلا يستصلح به الناس، أفأمنتم أن يلعنكم رسول الله فيلعنكم الله بلعنته أو أن يغضب عليكم فيغضب الله عليكم بغضبه؟ والله الذى نفس الأقرع بيده لتسلمنه إلى رسول الله ﷺ فليصنعن فيه ما أراد أو لأتيت بخمسين رجلا من بنى تميم يشهدون بالله لقتل صاحبكم كافرا ما صلى قط فلأطلن دمه. فقبلوا الدية.\rوفى حديث عن الحسن البصرى قال: والله ما مكث محلم بن جثامة إلا سبعا حتى مات فلفظته الأرض والذى نفس الحسن بيده، ثم عادوا له فلفظته، ثم عادوا له فلفظته.\rفلما غلب قومه عمدوا إلى صدين فسطحوه بينهما ثم رضموا عليه الحجارة حتى واروه فبلغ رسول الله ﷺ شأنه فقال: «والله إن الأرض لتطابق على من هو شر منه ولكن الله أراد أن يعظكم فى حرم ما بينكم بما أراكم منه» «٣» .\rوغزوة ابن أبى حدرد الأسلمى أيضا الغابة «٤» ، قال: تزوجت امرأة من قومى فجئت رسول الله ﷺ أستعينه على نكاحى فقال: وكم أصدقت؟ قلت: مائتى درهم. قال:\rسبحان الله! لو كنتم تأخذون الدراهم من بطن واد ما زدتم، والله ما عندى ما أعينك به. قال: فلبثت أياما وأقبل رجل من بنى جشم بن معاوية يقال له: رفاعة بن قيس أو قيس بن رفاعة فى بطن عظيم من بنى جشم حتى ينزل بقومه ومن معه بالغابة يريد أن يجمع قيسا على حرب رسول الله ﷺ وكان ذا اسم فى جشم وشرف، فدعانى رسول الله ﷺ ورجلين معى من المسلمين فقال: اخرجوا إلى هذا الرجل حتى تأتوا منه بخبر وعلم؛ قال: وقدم لنا شارفا عجفاء فحمل عليها أحدنا، فو الله ما قامت به ضعفا حتى دعمها الرجال من خلفها بأيديهم حتى استقلت وما كادت ثم قال: تبلغوا عليها واعتقبوها، قال: فخرجنا ومعنا سلاحنا من النبل والسيوف حتى إذا جئنا قريبا من","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: سنن ابن ماجه (٢/ ٢٦٢٥) ، سنن أبى داود (٤/ ٤٥٠٣) ، سنن البيهقى (٩/ ١١٦) .\r(٢) انظر: السيرة (٤/ ٢٥١) .\r(٣) انظر الحديث فى: كنز العمال للمتقى الهندى (١٥/ ٩٠) .\r(٤) الغابة: موضع قرب المدينة من ناحية الشام، وفيه أموال لأهل المدينة. انظر: معجم البلدان (٤/ ١٨٢) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084019,"book_id":3509,"shamela_page_id":582,"part":"1","page_num":580,"sequence_num":582,"body":"الحاضر عشيشية مع غروب الشمس كمنت فى ناحية. وأمرت صاحبى فكمنا فى ناحية أخرى من حاضر القوم وقلت لهما: إذا سمعتمانى قد كبرت وشددت فى ناحية العسكر فكبرا وشدا معى. فو الله، إنا لكذلك ننتظر غرة القوم أو أن نصيب منهم شيئا وقد غشينا الليل حتى ذهبت فحمة العشاء وكان لهم راع سرح فى ذلك البلد فأبطأ عليهم حتى تخوفوا عليه، فقام صاحبهم ذلك فأخذ سيفه فجعله فى عنقه ثم قال: والله لأتبعن أثر راعينا هذا ولقد أصابه شر. فقال نفر ممن معه: والله لا تذهب أنت نحن نكفيك. قال: والله لا يذهب إلا أنا. قالوا: فنحن معك. قال: والله لا يتبعنى أحد منكم. وخرج حتى مر بى فلما أمكننى نفحته بسهم فوضعته فى فؤاده والله ما تكلم.\rووثبت إليه فاحتززت رأسه وشدتت فى ناحية العسكر وكبرت وشد صاحباى وكبرا فو الله ما كان إلا النجاء ممن فيه، عندك، بكل ما قدروا عليه من نسائهم وأبنائهم وما خف معهم من أموالهم واستقنا إبلا عظيمة وغنما كثيرة فجئنا بها إلى رسول الله ﷺ وجئت برأسه أحمله معى فأعاننى رسول الله ﷺ من تلك الإبل بثلاثة عشر بعيرا فى صداقى فجمعت إلى أهلى «١» .\rوغزوة توجه فيها عبد الرحمن بن عوف، قال عطاء بن أبى رباح: سمعت رجلا من اهل البصرة يسأل عبد الله بن عمر بن الخطاب عن إرسال العمامة من خلف الرجل إذا اعتم، فقال عبد الله: سأخبرك إن شاء الله عن ذلك بعلم. ثم ذكر مجلسا شاهده من رسول الله ﷺ أمر فيه عبد الرحمن بن عوف أن يتجهز لسرية بعثه عليها. قال: فأصبح وقد اعتم بعمامة من كرابيس سوداء فأدناه رسول الله ﷺ منه ثم نقضها ثم عمه بها وأرسل من خلفه أربع أصابع أو نحوا من ذلك. ثم قال: هكذا يا ابن عوف فاعتم فإنه أحسن وأعرف. ثم أمر بلالا أن يدفع إليه اللواء، فدفعه إليه، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نفسه ثم قال: «خذه يا ابن عوف، اغزوا جميعا فى سبيل الله فقاتلوا من كفر بالله لا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا، فهذا عهد الله وسيرة نبيه فيكم» ، فأخذ عبد الرحمن بن عوف اللواء «٢» .","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: مجمع الزوائد للهيثمى (٦/ ٢٠٦، ٢٠٧) ، مسند الإمام أحمد (٦/ ١١) ، البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ٢٢٣) ، دلائل النبوة للبيهقى (٤/ ٣٠٣) .\r(٢) انظر الحديث فى: كنز العمال للمتقى الهندى (٣٠٢٨٩) ، طبقات ابن سعد (٢/ ٨٩) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٥/ ٣١٧، ٣١٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084020,"book_id":3509,"shamela_page_id":583,"part":"1","page_num":581,"sequence_num":583,"body":"قال ابن هشام: فخرج إلى دومة الجندل «١» .\rوبعث رسول الله ﷺ سرية إلى سيف البحر عليهم أبو عبيدة بن الجراح وزودهم جرابا من تمر فجعل يقوتهم إياه حتى صار إلى أن يعده لهم عددا حتى كان يعطى كل رجل منهم كل يوم تمرة فقسمها يوما فنقصت تمرة عن رجل فوجد فقدها ذلك اليوم!.\rقال بعضهم: فلما جهدنا الجوع أخرج الله لنا دابة من البحر فأصبنا من لحمها وودكها وأقمنا عليها عشرين ليلة حتى سمنا وأخذ أميرنا ضلعا من أضلاعها فوضعها على طريقه ثم أمر بأجسم بعير معنا فحمل عليه أجسم رجل منا فجلس عليه فخرج من تحتها وما مست رأسه فلما قدمنا على رسول الله ﷺ أخبرناه خبرها وسألناه عن أكلنا إياها فقال: «رزق رزقكموه الله» «٢» .\rوبعث رسول الله ﷺ عمرو بن أمية الضمرى بعد مقتل خبيب وأصحابه إلى مكة وأمره ان يقتل أبا سفيان بن حرب وبعث معه جبار بن صخر الأنصارى، فخرجا حتى قدما مكة وحبسا جمليهما بشعب من شعاب يأجج ثم دخلا مكة ليلا فقال جبار لعمرو: لو أنا طفنا بالبيت وصلينا ركعتين؟ فقال عمرو: إن القوم إذا تعشوا جلسوا بأفنيتهم، فقال: كلا إن شاء الله. قال عمرو: فطفنا بالبيت وصلينا ثم خرجنا نريد أبا سفيان، فو الله إنا لنمشى بمكة إذا نظر إلى رجل من أهل مكة فعرفنى فقال: عمرو بن أمية! والله إن قدمها إلا لشر. فقلت لصاحبى: النجاء. فخرجنا نشتد حتى أصعدنا فى جبل وخرجوا فى طلبنا حتى إذا علونا الجبل يئسوا منّا فرجعنا فدخلنا كهفا فى الجبل فبتنا وقد أخذنا حجارة فرضمناها دوننا. فلما أصبحنا غدا رجل من قريش يقود فرسا له ويختلى عليها فغشينا ونحن فى الغار فقلت: إن رآنا صاح بنا فأخذنا فقتلنا. قال:\rومعى خنجر قد أعددته لأبى سفيان، فأخرج إليه فأضربه على ثديه وصاح صيحة أسمع أهل مكة، وأرجع فأدخل مكانى. وجاءه الناس يشتدون وهو بآخر رمق فقالوا:\rمن ضربك؟ فقال: عمرو بن أمية. وغلبه الموت فمات مكانه ولم يدلل على مكاننا، فاحتملوه فقلت لصاحبى لما أمسينا: النجاء.\rفخرجنا ليلا من مكة نريد المدينة فمررنا بالحرس وهم يحرسون جيفة خبيب ابن","footnotes":"(١) انظر: السيرة (٤/ ٢٥٤) .\r(٢) انظر الحديث فى: صحيح مسلم (٣/ ١٥٣٥/ ١٧، ١٨) ، مسند الإمام أحمد (٣/ ٣١١) ، مسنف عبد الرزاق (٤/ ٨٦٦٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084021,"book_id":3509,"shamela_page_id":584,"part":"1","page_num":582,"sequence_num":584,"body":"عدى فقال أحدهم: والله ما رأيت كالليلة أشبه بمشية عمرو بن أمية، لولا أنه بالمدينة لقلت هو عمرو بن أمية. فلما حاذى عمرو الخشبة شد عليها فاحتملها وخرج هو وصاحبه شدا وخرجوا وراءه حتى أتى جرفا بمبسط يأجج فرمى بالخشبة فى الجرف فغيبه الله عنهم فلم يقدروا عليه.\rقال عمرو بن أمية: وقلت لصاحبى: النجاء حتى تأتى بعيرك فتقعد عليه فإنى شاغل عنك القوم وكان الأنصارى لا رجلة له. قال: ومضيت حتى اخرج على ضجنان ثم آويت إلى جبل فأدخل كهفا، فبينا أنا فيه دخل على شيخ من بنى الديل أعور فى غنيمة فقال: من الرجل؟ فقلت: من بنى بكر فمن أنت؟ قال: من بنى بكر. قلت: مرحبا فاضطجع. ثم رفع عقيرته فقال:\rولست بمسلم ما دمت حيا ... ولا دان لدين المسلمينا\rفقلت فى نفسى: ستعلم. فأمهلته حتى إذا نام أخذت قوسى فجعلت سيتها فى عينه الصحيحة ثم تحاملت عليه حتى بلغت العظم. ثم خرجت النجاء حتى جئت العرج ثم سلكت ركوبه حتى إذا هبطت النقيع «١» إذا رجلان من قريش من المشركين كانت قريش بعثتهما عينا إلى المدينة ينظران ويتحسسان فقلت: استأسرا. فأبيا فأرمى أحدهما بسهم فأقتله واستأسر الآخر فأوثقته رباطا وقدمت به المدينة «٢» .\rوسرية زيد بن حارثة إلى مدين فأصاب سبيا من أهل ميناء وهى السواحل وفيها جماع من الناس فبيعوا ففرق بينهم يعنى بين الأمهات والأولاد فخرج رسول الله ﷺ وهم يبكون فقال: ما لهم؟ فقيل: يا رسول الله، فرق بينهم. فقال: «لا تبيعوهم إلا جميعا» «٣» .\rوغزوة سالم؛ بن عمير أبا عفك أحد بنى عمرو بن عوف وكان نجم نفاقه حين قتل رسول الله ﷺ الحارث بن سويد بن صامت فقال:\rلقد عشت دهرا وما إن أرى ... من الناس دارا ولا مجمعا","footnotes":"(١) العرج: واد بالحجاز. ركوبة: ثنية بين الجرميت. النقيع: موضع ببلاد مزينة.\r(٢) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (٣/ ٣٣- ٣٣٧) بطوله. وذكره الطبرى فى تاريخه (٢/ ٧٩، ٨٠) مختصرا، والبيهقى فى السنن الكبرى (٩/ ٢١٣) ، ابن سعد فى الطبقات (٢/ ٩٣، ٩٤) ، ابن كثير فى البداية والنهاية (٦٩- ٧١) .\r(٣) انظر الحديث فى: سنن سعيد بن منصور (٢/ ٢٦٦١) ، الإصابة لابن حجر (٣/ ٢٧٥) . وانظر السيرة (٤/ ٢٥٧) ، وفيه قال ابن هشام يعقب على الحديث: أراد الأمهات والأولاد.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084022,"book_id":3509,"shamela_page_id":585,"part":"1","page_num":583,"sequence_num":585,"body":"أبر عهودا وأوفى لمن ... يعاقد فيهم إذا ما دعا\rمن اولاد قيلة فى جمعهم ... تهد الجبال ولم تخضعا\rفصدعهم راكب جاءهم ... حلال حرام لشتى معا\rفلو أن بالعز صدقتم ... أو الملك تابعتم تبعا «١»\rفقال رسول الله ﷺ: «من لى بهذا الخبيث؟» فخرج سالم بن عمير أخو بنى عمرو ابن عوف، وهو أحد البكائين، فقتله «٢» . فقالت أمامة المريدية فى ذلك:\rتكذب دين الله والمرء أحمدا ... لعمرى الذى امناك بئس الذى يمنى\rحباك حنيف آخر الليل طعنة ... أبا عفك خذها على كبر السن «٣»\rوغزوة عمير بن عدى الخطمى وهو الذى يدعى القارىء عصماء بنت مروان من بنى أمية بن زيد، وكانت تحت رجل من بنى خطمة يقال له: يزيد بن زيد، فلما قتل أبو عفك نافقت فقالت تعيب الإسلام وأهله، وتؤنب الأنصار فى اتباعهم رسول الله ﷺ:\rأطعتم أتاوى من غيركم ... فلا من مراد ولا مذحج*\rترجونه بعد قتل الرؤس ... كما يرتجى مرق المنضج\rألا آنف يبتغى غرة ... فيقطع من أمل المرتجى «٤»\rفلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ قال: «ألا [آخذ] * لى من ابنة مروان؟» فسمع ذلك من","footnotes":"(١) انظر الأبيات فى: السيرة (٤/ ٢٥٨) .\r(٢) ذكره ابن كثير فى البداية والنهاية (٥/ ٢٢١) .\r(٣) انظر الأبيات فى: السيرة (٤/ ٢٥٨) .\r(*) ذكر فى السيرة بيت قبل هذا وهو:\rباشت بنى مالك والنبيت ... وعوف وباست بنى الخزرج\rانظر: السيرة (٤/ ٢٥٨) .\r(٤) وذمر فى السيرة أبيات أجابها به حسان بن ثابت فقال:\rبنو وائل وبنو واقف ... وخطمة دون بنى الخزرج\rمتى ما دعت سفها ويحها ... بعولتها والمنايا تجى\rفهزت فتى ما جدا عرقه ... كريم المداخل والمخرج\rفضرجها من تجيع الدما ... ء بعد الهدو فلم يحرج\rانظر: السيرة (٤/ ٢٥٨- ٢٥٩) .\r(*) ما بين المعقوفتين ورد فى الأصل «أحد» ، وما أوردناه من السيرة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084023,"book_id":3509,"shamela_page_id":586,"part":"1","page_num":584,"sequence_num":586,"body":"قوله عمير بن عدى فلما أمسى من تلك الليلة سما عليها فى بيتها فقتلها ثم أصبح مع رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إنى قد قتلتها: فقال: نصرت الله ورسوله يا عمير.\rفقال: هل على شىء من شأنها يا رسول الله؟ فقال: «لا ينتطح فيها عنزان» «١» .\rفرجع عمير إلى قومه وبنو خطمة يومئذ كثير فوجههم فى شأن بنت مروان ولها بنون خمسة رجال. فقال: يا بنى خطمة، أنا قتلت بنت مروان فكيدونى جميعا ثم لا تنظرون. فذلك اليوم أول ما عز الإسلام فى دار بنى خطمة، وكان يستخفى بإسلامه فيهم من أسلم. ويومئذ أسلم رجال منهم لما رأوا من عز الإسلام.\rوالسرية التى أسرت ثمامة بن أثال الحنفى سيد أهل اليمامة، وذلك أن خيلا لرسول الله ﷺ خرجت فأخذت رجلا من بنى حنيفة لا يشعورن من هو، حتى أتوا به رسول الله ﷺ، فقال: «أتدرون من أخذتم؟ هذا ثمامة بن أثال الحنفى، أحسنوا إساره» ، ورجع رسول الله ﷺ إلى أهله. فقال: «اجمعوا ما كان عندكم من طعام، فابعثوا به إليه» ، وأمر بلقحته أن يغدى عليه بها ويراح، فجعل لا يقع من ثمامة موقعا، ويأتيه رسول الله ﷺ فيقول: «أسلم يا ثمامة» ، وفى رواية: «ما تقول يا ثمامة؟» فيقول: يا محمد، إن تقتل ذا دم وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن ترد الفداء فسل تعط منه ما شئت. فمكث ما شاء الله أن يمكث ثم قال النبى ﷺ يوما: أطلقوا ثمامة. فلما أطلقوه خرج حتى اتى البقيع فتطهر فأحسن طهوره ثم أقبل فبايع النبى ﷺ على الإسلام، فلما أمسى جاؤه بما كانوا يأتونه به من الطعام فلم ينل منه إلا قليلا، وباللقحة فلم يصب من حلابها إلا يسيرا، فعجب المسلمون من ذلك، فقال رسول الله ﷺ: «مم تعجبون، من رجل أكل فى أول النهار فى معى كافر وأكل آخر النهار فى معى مسلم، إن الكافر يأكل فى سبعة أمعاء وإن المسلم يأكل فى معى واحد» «٢» .","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: كنز العمال للمتقى الهندى (٤٤١٣١) ، الطبقات الكبرى لابن سعد (٢/ ٢٧، ٢٨) .\r(٢) هذا الحديث عند ابن إسحاق، وإسناده عنده ضعيف، وللحديث شواهد عن أبى هريرة من وجوه، أخرجها الترمذى فى سننه (١٨١٩) ، ابن ماجه فى سننه (٣٢٥٦) ، النسائى فى السنن الكبرى (٤/ ١٧٨) . وأخرج البخارى فى كتاب المغازى (٧/ ٤٣٧٢) ، مسلم فى كتاب الجهاد (٣/ ٥٩) من طريق سعيد بن أبى سعيد أنه سمع أبا هريرة رضى الله عنه قال: بعث رسول الله ﷺ خيلا قبل نجد الحيثد، فذكره بطوله، وفيه: إسلام ثمامة بن أثال، وليس فى الحديث ذكر الطعام.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084024,"book_id":3509,"shamela_page_id":587,"part":"1","page_num":585,"sequence_num":587,"body":"وقال ثمامة حين أسلم لرسول الله ﷺ: لقد كان وجهك أبغض الوجوه إلىّ فأصبح وهو أحب الوجوه إلىّ، ولقد كان دينك أبغض الدين إلىّ فأصبح وهو أحب الأديان إلىّ، ولقد كان بلدك أبغض البلاد إلىّ فأصبح وهو أحب البلاد إلىّ. ثم قال: يا رسول الله، إن خيلك أخذتنى وأنا أريد العمرة فأذن لى يا رسول الله. فأذن له فخرج معتمرا فلما قدم مكة قالوا: صبأت يا ثمامة. قال: لا ولكنى اتبعت خير الدين دين محمد، ولا والله لا تصل إليكم حبة من اليمامة حتى يأذن فيها رسول الله ﷺ. ثم خرج إلى اليمامة فمنعهم أن يحملوا إلى مكة شيئا، فكتبوا إلى رسول الله ﷺ: إنك تأمر بصلة الرحم وإنك قد قطعت أرحامنا. فكتب إليه رسول الله ﷺ أن خل بين قومى وبين ميرتهم.\rففعل «١» .\rويقال: إنه لما كان ببطن مكة فى عمرته لبى فكان اول من دخل مكة يلبى، فأخذته قريش فقالوا: لقد اجترأت علينا. وهموا بقتله ثم خلوه لمكان حاجتهم إليه وإلى بلده فقال بعض بنى حنيفة:\rومنا الذى لبى بمكة معلنا ... برغم أبى سفيان فى الأشهر الحرم\rوبعث علقمة بن مجزز المدلجى لما قتل وقاص بن مجزر اخوه يوم ذى قرد، وسأل رسول الله ﷺ أن يبعثه فى آثار القوم ليدرك ثأره فيهم، فبعثه فى نفر من المسلمين، قال أبو سعيد الخدرى: وأنا فيهم، حتى إذا بلغنا رأس غزاتنا أو كنا ببعض الطريق أذن لطائفة من الجيش واستعمل عليهم عبد الله بن حذافة السهمى وكانت فيه دعابة، فلما كان ببعض الطريق أوقد نارا ثم قال للقوم: أليس لى عليكم السمع والطاعة؟ قالوا:\rبلى. قال: فما آمركم بشىء إلا فعلتموه؟ قالوا: نعم. قال: فإنى أعزم عليكم بحقى وطاعتى إلا تواثبتم فى هذه النار. فقام بعض القوم يحتجز حتى ظن أنهم واثبون فيها.\rفقال لهم: اجلسوا فإنما كنت أضحك معكم. فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «من أمركم منهم بمعصية فلا تطيعوه» «٢» .\rويقال: إن علقمة بن مجزر رجع هو وأصحابه ولم يلق كيدا «٣» .\rوبعث كرز بن جابر. وذلك أن نفرا من قيس كبة من بجيلة قدموا على رسول الله","footnotes":"(١) انظر: السيرة (٤/ ٢٦٠- ٢٦١) .\r(٢) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (٣/ ٦٧) ، سنن ابن ماجه (٢/ ٢٨٦٣) ، طبقات ابن سعد (٢/ ١٦٣) ، صحيح ابن حبان (٧/ ٤٥٤٠) .\r(٣) انظر: السيرة (٤/ ٢٦٢) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084025,"book_id":3509,"shamela_page_id":588,"part":"1","page_num":586,"sequence_num":588,"body":"صلى الله عليه وسلم فاستوبأوا المدينة وطلحوا وكانت لرسول الله ﷺ لقاح ترعى ناحية الجماء يرعاها عبد له يقال له: يسار، كان رسول الله ﷺ أصابه فى غزوة بنى محارب وبنى ثعلبة، فقال لهم رسول الله ﷺ: «لو خرجتم إلى اللقاح فشربتم من ألبانها وأبوالها» ، فخرجوا إليها فلما صحوا وانطوت بطونهم عكنا عدوا على راعى رسول الله ﷺ فذبحوه وغرزوا الشوك فى عينيه واستاقوا اللقاح فبعث رسول الله ﷺ فى آثارهم كرزا فلحقهم، فأتى بهم رسول الله ﷺ مرجعه من غزوة ذى قرد فقطع أيديهم وسمل أعينهم، وألقوا فى الحرة يستسقون، فلا يسقون حتى ماتوا «١» .\rوغزوة على بن أبى طالب اليمن، غزاها مرتين. وقال أبو عمر المدينى: بعث رسول الله ﷺ على بن أبى طالب إلى اليمن وبعث خالد بن الوليد فى جند آخر وقال: «إن التقيتما فالأمير على بن أبى طالب» «٢» .\rثم بعث رسول الله ﷺ أسامة بن زيد بن حارثة إلى الشام وأمره ان يوطىء الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين، وهو آخر بعث أمر به رسول الله ﷺ. فتجهز الناس وأوعب مع أسامة المهاجرون الأولون. فبينا الناس على ذلك ابتدىء رسول الله ﷺ بشكوه الذى قبضه الله فيه إلى ما أراد من رحمته وكرامته، فلم ينفذ بعث أسامة إلا بعد وفاته صلوات الله عليه ورحمته وبركاته «٣» .\rوسيأتى ذكر ذلك مستوفى إن شاء الله.\rفهذه مغازى رسول الله ﷺ وبعوثه وسراياه التى أعز الله بها الدين ودوخ بها الكافرين، وشد أزره فيها بمن اختاره لصحبته ونصرته من الأنصار والمهاجرين رضى الله عنهم أجمعين وتلك أيام الله التى يجب بها التذكر والتذكير، ويتأكد شكر الله سبحانه على ما يسرته منها المقادير.\rوقال حسان بن ثابت يعدد أيام الأنصار مع رسول الله ﷺ ويذكر مواطنهم معه فى","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: مجمع الزوائد للهيثمى (٦/ ٢٩٤) ، سنن النسائى (٧/ ٤٠٤١) ، مسند الإمام أحمد (٣/ ١٠٧، ١٦٣، ١٧٠، ١٧٧، ١٨٦، ١٩٨، ٢٠٥، ٢٣١، ٢٨٧، ٢٩٠) ، سنن أبى داود (٤/ ٤٣٦٤- ٤٣٦٨) .\r(٢) انظر الحديث فى: تاريخ الطبرى (٢/ ٢٩٧) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٨/ ٩٨) .\r(٣) انظر: السيرة (٤/ ٢٦٣- ٢٦٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084026,"book_id":3509,"shamela_page_id":589,"part":"1","page_num":587,"sequence_num":589,"body":"أيام غزوه وتروى لابنه عبد الرحمن»\r:\rألستم خير معد كلها نفرا ... ومعشرا إن هم عموا وإن حصلوا\rقوم هم شهدوا بدرا بأجمعهم ... مع الرسول فما آلوا وما خذلوا\rوبايعوه فلم ينكث به أحد ... منهم ولم يك فى أيمانهم دخل\rويوم صبحهم فى الشعب من أحد ... ضرب رصين كحر النار مشتعل\rويوم ذى قرد يوم استثار بهم ... على الجياد فما خاموا وما نكلوا\rوذا العشيرة جاسوها بخيلهم ... مع الرسول عليها البيض والأسل\rويوم ودان أجلوا اهله رقصا ... بالخيل حتى نهانا الحزن والجبل\rوليلة طلبوا فيها عدوهم ... لله والله يجزيهم بما عملوا\rوغزوة يوم نجد ثم كان لهم ... مع الرسول بها الأسلاب والنفل\rوليلة بحنين جالدوا معه ... فيها يعلهم بالحرب إذ نهلوا\rوغزوة القاع فرقنا العدو به ... كما تفرق دون المشرب الرسل\rويوم بويع كانوا أهل بيعته ... على الجلاد فآسوه وما عدلوا\rوغزوة الفتح كانوا فى سريته ... مرابطين فما طاشوا وما عجلوا\rويوم خيبر كانوا فى كتيبته ... يمشون كلهم مستبسل بطل\rبالبيض ترعش فى الأيمان عارية ... تعوج فى الضرب أحيانا وتعتدل\rويوم سار رسول الله محتسبا ... إلى تبوك وهم راياته الأول\rوساسة الحرب إن حرب بدت لهم ... حتى بدا لهم الإقبال فالقفل\rأولئك القوم أنصار النبى وهم ... قومى أصير إليهم حين أتصل\rماتوا كراما ولم تنكث عهودهم ... وقتلهم فى سبيل الله إذ قتلوا\rوقال حسان أيضا «٢» :\rوكنا ملوك الناس قبل محمد ... فلما أتى الإسلام كان لنا الفضل\rوأكرمنا الله الذى ليس غيره ... إله بأيام مضت مالها شكل\rبنصر الإله والرسول ودينه ... وألبسناه اسما مضى ماله مثل\rأولئك قومى خير قوم بأسرهم ... فما كان من خير فقومى له أهل\rيربون بالمعروف معروف من مضى ... وليس عليهم دون معروفهم قفل","footnotes":"(١) انظر الأبيات فى: السيرة (٤/ ١٨١- ١٨٢) .\r(٢) انظر الأبيات فى: السيرة (٤/ ١٨٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084027,"book_id":3509,"shamela_page_id":590,"part":"1","page_num":588,"sequence_num":590,"body":"إذا اختبطوا لم يفحشوا فى نديهم ... وليس على سؤالهم عندهم بخل\rوإن حاربوا أو سالموا لم يشبهوا ... فحربهم حتف وسلمهم سهل\rوجارهم موف بعلياء بيته ... له ما ثوى فينا الكرامة والبذل\rوحاملهم موف بكل حمالة ... تحمل لا غرم عليه ولا خذل\rوقائلهم بالحق إن قال قائل ... وحلمهم عود وحكمهم عدل\rومنا أمير المسلمين حياته ... ومن غسلته من جنابته الرسل\rوقال حسان أيضا من قصيدة له أولها «١» :\rوقومى أولئك إن تسألى ... كرام إذا الضيف يوما ألم\rعظام القدور لأيسارهم ... يكبون فيها المسن السنم\rيواسون جارهم فى الغنى ... ويحمون مولاهم إن ظلم\rفكانوا ملوكا بأرضيهم ... يبادون غضبا بأمر غشم\rملوكا على الناس لم يملكوا ... من الدهر يوما كحل القسم*\rملوكا إذا غشموا فى البلا ... د لا ينكلون ولكن قدم\rفأبنا بساداتهم والنساء ... وأولادهم فيهم تقتسم\rورثنا مساكنهم بعدهم ... وكنا ملوكا بها لم نرم","footnotes":"(١) انظر الأبيات فى: السيرة (٤/ ١٨٤) .\r(*) ذكر فى السيرة أبيات بعد هذا لم يذكرها هنا وهى:\rأنبوا بعاد وأشياعهم ... ثمود وبعض بقايا إرم\rبيثرب قد شيدوا فى النخيل ... حصونا ودجن فيها النعم\rنواضح قد علمتها اليهو ... د عل إليك وقولا هلم\rوفيما اشتهوا من عصير القطا ... ف والعيش رخوا على غيرهم\rفسرنا إليهم بأثقالنا ... على كل فحل هجان قطم\rجنبنا بهن جياد الخيو ... ل قد جللوها جلال الأدم\rفلما أناخوا بجنبى صرار ... وشدوا السروج بلى الحزم\rفما راعهم غير معج الخيو ... ل والزحف من خلفهم قد دهم\rفطاروا سراعا وقد أفزعوا ... وجئنا إليهم كأسد الأجم\rعلى كل سلهبة فى الصبا ... ن لا يشتكين نحول السأم\rوكل كميت مطار الفؤاد ... أمين الفصوص كمثل الزلم\rعليها فوارس قد عودوا ... قراع الكماة وضرب البهم\rانظر: السيرة (٤/ ١٨٣- ١٨٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084028,"book_id":3509,"shamela_page_id":591,"part":"1","page_num":589,"sequence_num":591,"body":"فلما اتانا الرسول الرشي ... د بالحق والنور بعد الظلم\rفقلنا صدقت رسول المليك ... هلم إلينا وفينا أقم\rفنشهد أنك عبد الإل ... هـ أرسلت نورا بدين قيم\rفإنا وأولادنا جنة ... نقيك وفى مالنا فاحتكم\rفنحن أولئك إن كذبوك ... فناد نداء ولا تحشم\rوناد بما كنت أخفيته ... نداء جهارا ولا تكتم\rفسار الغواة بأسيافهم ... إليه يظنون أن يخترم\rفقمنا إليهم بأسيافنا ... نجالد عنه بغاة الأمم\rبكل صقيل له ميعة ... رقيق الذباب عضوض خذم\rإذا ما يصادف صم العظا ... م لم ينب عنها ولم ينثلم\rفذلك ما ورثتنا القرو ... م مجدا تليدا وعزا أشم\rإذا مر نسل كفى نسله ... وغادر نسلا إذا ما انقصم\rفما إن من الناس إلا لنا ... عليه وإن خاس فضل النعم\r\rذكر الوفود على رسول الله ﷺ ملخصا من كتاب ابن إسحاق والواقدى وغيرهما\rوما زال آحاد الوافدين وأفذاذ الوفود من العرب يغدون على رسول الله ﷺ منذ أظهر الله دينه، وقهر أعداه. ولكن انبعاث جماهيرهم إلى ذلك إنما كان بعد فتح مكة، ومعظمه فى سنة تسع، ولذلك كانت تسمى سنة الوفود.\rوذلك «١» أن العرب كانت تربص بالإسلام ما يكون من قريش فيه، إذ هم الذين كانوا نصبوا لحرب رسول الله ﷺ وخلافه، وكانوا إمام الناس وهاديهم، وأهل البيت والحرم، وصريح ولد إسماعيل، وقادة العرب، لا ينكر لهم ذلك، ولا ينازعون فيه. فلما افتتح رسول الله ﷺ مكة، ودانت له قريش، ودوخها الإسلام، عرفت العرب أنهم لا طاقة لهم بحربه ولا عداوته، فدخلوا فى دين الله أفواجا، يضربون إليه من كل وجه، يقول الله ﷿ لنبيه ﷺ: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [النصر: ١] أى فتح مكة","footnotes":"(١) انظر: السيرة (٤/ ١٨٥) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084029,"book_id":3509,"shamela_page_id":592,"part":"1","page_num":590,"sequence_num":592,"body":"وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً جماعات جماعات فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ أى فاحمد الله على ما ظهر من دينك وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً إشارة إلى انقضاء أجله، واقتراب لحاقه برحمة ربه، مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً [النساء: ٦٩] .\rكذلك يقول عبد الله بن عباس، وقد سأله عمر بن الخطاب عن هذه السورة، فلما أجابه بنحو هذا المعنى، قال له عمر رضى الله عنه: ما أعلم منها إلا ما تعلم.\rفقدمت على رسول الله ﷺ وفود العرب، فمن ذلك:\r\rوفد بنى تميم «١»\rقدم عليه عطارد بن حاجب بن زرارة بن عدس التميمى، فى أشراف من قومه، منهم: الأقرع بن حابس، والزبرقان بن بدر، وعمرو بن الأهتم، والحتات بن يزيد، ونعيم ابن يزيد، وقيس بن الحارث، وقيس بن عاصم فى وفد عظيم من بنى تميم.\rفلما دخلوا المسجد نادوا رسول الله ﷺ من وراء حجراته: أن أخرج إلينا يا محمد، فآذى ذلك رسول الله ﷺ من صياحهم، وإياهم عنى الله سبحانه بقوله: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ [الحجرات: ٤] ، فخرج إليهم رسول الله ﷺ فقالوا: يا محمد، جئناك نفاخرك، فأذن لشاعرنا وخطيبنا؛ قال: «قد أذنت لخطيبكم فليقل» ، فقام عطارد بن حاجب، فقال:\rالحمد لله الذى له علينا الفضل، وهو أهله، الذى جعلنا ملوكا، ووهب لنا أموالا عظاما، نفعل فيها المعروف، وجعلنا أعزة أهل المشرق وأكثره عددا، وأيسره عدة، فمن مثلنا فى الناس؟ ألسنا برؤس الناس، وأولى فضلهم؟ فمن فاخرنا فليعدد مثل ما عددناه، وإنا لو نشاء لأكثرنا الكلام، ولكنا نحيا من الإكثار فيما أعطانا، وإنا نعرف بذلك.\rأقول هذا لأن تأتونا بمثل قولنا، وأمر أفضل من أمرنا، ثم جلس. فقال رسول الله ﷺ لثابت بن قيس بن شماس أخى بنى الحارث بن الخزرج: «قم، فأجب الرجل فى خطبته» . فقام ثابت، فقال:\rالحمد لله الذى السموات والأرض خلقه، قضى فيهن أمره، ووسع كرسيه علمه،","footnotes":"(١) انظر: السيرة (٤/ ١٨٦) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084030,"book_id":3509,"shamela_page_id":593,"part":"1","page_num":591,"sequence_num":593,"body":"ولم يك شىء قط إلا من فضله، ثم كان من قدرته أن جعلنا ملوكا، واصطفى من خير خلقه رسولا، أكرمه نسبا، وأصدقه حديثا، وأفضله حسبا، فأنزل عليه كتابه، وأتمنه على خلقه، فكان خيرة الله من العالمين، ثم دعا الناس إلى الإيمان به، فآمن برسول الله ﷺ المهاجرون من قومه وذوى رحمه، أكرم الناس أحسابا، وأحسن الناس وجوها، وخير الناس فعالا، ثم كان أول الخلق إجابة، واستجابة لله حين دعاه رسول الله ﷺ فنحن أنصار الله ووزراء رسول الله، نقاتل الناس حتى يؤمنوا، فمن آمن بالله ورسوله منع منا ماله ودمه، ومن كفر جاهدناه فى الله أبدا، وكان قتله علينا يسيرا. أقول قولى هذا وأستغفر الله لى وللمؤمنين والمؤمنات، والسلام عليكم «١» .\rفقام الزبرقان بن بدر، فقال «٢» :\rنحن الكرام فلا حى يعادلنا ... منا الملوك وفينا تنصب البيع «٣»\rوكم قسرنا من الأحياء كلهم ... عند النهاب وفضل العز يتبع\rونحن يطعم عند القحط مطعمنا ... من الشواء إذا لم يؤنس القزع\rبما ترى الناس تأتينا سراتهم ... من كل أرض هوانا ثم [متبع] *\rفننحر الكوم عبطا فى أرومتنا ... للنازلين إذا ما أنزلوا [شيع] *\rفلا ترانا إلى حى نفاخرهم ... إلا استفادوا وكانوا الرأس يقتطع\rفمن يفاخرنا فى ذاك نعرفه ... فيرجع القوم والأخبار تستمع\rإنا أبينا وما يأبى لنا أحد ... إنا كذلك عند الفخر نرتفع\rوكان رسول الله ﷺ قد استدعى حسان بن ثابت ليجيب شاعر بنى تميم، قال حسان: فخرجت إلى رسول الله ﷺ، وأنا أقول:\rمنعنا رسول الله إذ حل وسطنا ... على أنف راض من معد وراغم\rمنعناه لما حل بين بيوتنا ... بأسيافنا من كل باغ وظالم\rببيت حريد عزة وثراؤه ... بجابية الجولان وسط الأعاجم","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: مجمع الزوائد للهيثمى (٨/ ١١٦، ١١٧) ، الطبرى فى التاريخ (٢/ ١٨٨: ١٩٠) ، إتحاف السادة المتقين للزبيدى (٦/ ٢١٢، ٢١٣) .\r(٢) انظر الأبيات فى: السيرة (٤/ ١٨٨- ١٨٩) .\r(٣) البيع: مواضع الصلاة والعبادات، واحدتها بيعة.\r(*) كذا فى الأصل، وفى السيرة: «نصطنع» .\r(*) كذا فى الأصل، وفى السيرة: «شبعوا» .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084031,"book_id":3509,"shamela_page_id":594,"part":"1","page_num":592,"sequence_num":594,"body":"هل المجد إلا السؤدد العود والندى ... وجاه الملوك واحتمال العظائم\rفلما فرغ الزبرقان، قال رسول الله ﷺ: «قم يا حسان، فأجب الرجل» ، فقال حسان:\rإن الذوائب من فهر وإخوتهم ... قد بينوا سنة للناس تتبع\rيرضى بهم كل من كانت سريرته ... تقوى الإله وكل الخير يصطنع\rقوم إذا حاربوا ضروا عدوهم ... أو حاولوا النفع فى أشياعهم\rسجية تلك منهم غير محدثة ... نفعوا\rإن كان فى الناس سباقون بعدهم ... إن الخلائق فاعلم شرها البدع\rلا يرقع الناس ما أوهت أكفهم ... فكل سبق لأدنى سبقهم تبع\rإن سابقوا الناس يوما فاز سبقتهم ... عند الدفاع ولا يوهون ما رقعوا\rأعفة ذكرت فى الوحى عفتهم ... أو وازنوا أهل مجد بالندى متعوا\rلا يبخلون على جار بفضلهم ... لا يطمعون ولا يرديهم طمع\rإذا نصبنا لحى لم ندب لهم ... ولا يمسهم من مطمع طبع\rنسمو إذا الحرب نالتنا مخالبها ... كما يدب إلى الوحشية الذرع\rلا يفخرون إذا نالوا عدوهم ... إذا الزعانف من أظفارها خشعوا\rكأنهم فى الوغى والموت مكتنع ... وإن أصيبوا فلا خور ولا هلع\rخذ منهم ما أتى عفوا إذا غضبوا ... أسد بحلبة فى أرساغها فدع\rفإن فى حربهم فاترك عداوتهم ... ولا يكن همك الأمر الذى منعوا\rاكرم بقوم رسول الله شيعتهم ... شرا يخاض عليه السم والسلع\rأهدى لهم مدحتى قلب يوازره ... إذا تفاوتت الأهواء والشيع\rفإنهم أفضل الأحياء كلهم ... فى ما أحب لسان حائك صنع\rإن جد بالناس جد القول أو شمع\rوذكر ابن هشام «١» عن بعض أهل العلم بالشعر من بنى تميم، أن الزبرقان بن بدر لما قدم على رسول الله ﷺ فى وفد بنى تميم، قام فقال:\rأتيناك كيما يعلم الناس فضلنا ... إذا اختلفوا عند احتضار المواسم\rبأنا فروع الناس فى كل موطن ... وأن ليس فى أرض الحجاز كدارم\rوأنا نذود المعلمين إذا انتخوا ... ونضرب رأس الأصيد المتفاقم\rوأن لنا المرباع فى كل غارة ... نغير بنجد أو بأرض الأعاجم","footnotes":"(١) انظر: السيرة (٤/ ١٩١) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084032,"book_id":3509,"shamela_page_id":595,"part":"1","page_num":593,"sequence_num":595,"body":"فقام حسان بن ثابت فأجابه، فقال:\rهل المجد إلا السؤدد العود والندى ... وجاه الملوك واحتمال العظائم\rنصرنا وآوينا النبى محمدا ... على أنف راض من معد وراغم\rبحى حريد أصله وثراؤه ... بجابية الجولان وسط الأعاجم\rنصرناه لما حل وسط ديارنا ... بأسيافنا من كل باغ وظالم\rجعلنا بنينا دونه وبناتنا ... وطبنا له نفسا بفىء المغانم\rونحن ضربنا الناس حتى تتابعوا ... على دينه بالمرهقات الصوارم\rونحن ولدنا من قريش عظميها ... ولدنا نبى الخير من آل هاشم\rبنى دارم لا تفخروا إن فخركم ... يعود وبالا عند ذكر المكارم\rهبلتم علينا تفخرون وأنتم ... لنا خول ما بين ظئر وخادم\rفإن كنتم جئتم لحقن دمائكم ... وأموالكم ان تقسموا فى المقاسم\rفلا تجعلوا لله ندا وأسلموا ... ولا تلبسوا زيّا كزىّ الأعاجم\rقال ابن إسحاق: فلما فرغ حسان من قوله، قال الأقرع بن حابس: وأبى، إن هذا الرجل لمؤتى له، لخطيبه أخطب من خطيبنا، ولشاعره أشعر من شاعرنا، ولأصواتهم أعلى من أصواتنا. فلما فرغ القوم أسلموا، وجوزهم رسول الله ﷺ فأحسن جوائزهم.\rوكان عمرو بن الأهتم قد خلفه القوم فى ظهرهم، وكان أصغرهم سنا، فأعطاه رسول الله ﷺ مثل ما أعطى القوم.\rوقيس بن عاصم هو الذى ذكره له ذكرا أزرى به فيه، فكان بينهما ما هو معلوم.\r\rوفد بنى عامر «١»\rوقدم على رسول الله ﷺ وفد بنى عامر، فيهم بن الطفيل وأربد بن قيس وجبار بن سلمى، وكان هؤلاء الثلاثة رؤساء القوم وشياطينهم.\rفقدم عامر بن الطفيل عدو الله، على رسول الله ﷺ، وهو يريد الغدر به، وقد قال له قومه: يا عامر، إن الناس قد أسلموا فأسلم، قال: والله لقد كنت آليت أن لا أنتهى حتى تتبع العرب عقبى، فأنا أتبع عقب هذا الفتى من قريش! ثم قال لأربد: إذا قدمنا","footnotes":"(١) انظر: السيرة (٤/ ١٩٤- ١٩٥) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084033,"book_id":3509,"shamela_page_id":596,"part":"1","page_num":594,"sequence_num":596,"body":"على الرجل، فإنى سأشغل عنك وجهه، فإذا فعلت ذلك فاعله بالسيف. فلما قدموا على رسول الله ﷺ قال له عامر بن الطفيل: يا محمد، خالنى، قال: «لا والله، حتى تؤمن الله وحده» . قال: يا محمد، خالنى، وجعل يكلمه وينتظر من أربد ما كان امره به، فجعل أربد لا يحير شيئا؛ فلما أبى عليه رسول الله ﷺ قال: أما والله لأملأنها عليك خيلا ورجالا؛ فلما ولى، قال رسول الله ﷺ: «اللهم اكفنى عامر بن الطفيل» ، فلما خرجوا، قال عامر لأربد: ويلك يا أربد، أين ما كنت امرتك به؟ والله ما كان على وجه الأرض رجل اخوف عندى على نفسى منك، وأيم الله لا أخافك بعد اليوم أبدا.\rقال: لا أبا لك! لا تعجل على، والله ما هممت بالذى امرتنى به إلا دخلت بينى وبين الرجل، حتى ما أرى غيرك، أفاضربك بالسيف؟ وخرجوا راجعين إلى بلادهم، حتى إذا كانوا ببعض الطريق، بعث الله على عامر بن الطفيل الطاعون فى عنقه، فقتله الله فى بيت امرأة من بنى سلول، فجعل يقول: يا بنى عامر، أغدة كغدة البكر فى بيت امرأة من بنى سلول «١» .\rويقال «٢» : إنه قال: أغدة كغدة الإبل، وموتا فى بيت سلولية!\rثم خرج أصحابه حين واروه حتى قدموا أرض بنى عامر، فأتاهم قومهم، فقالوا: ما وراءك يا أربد؟ قال: لا شىء والله، لقد دعانى إلى عبادة شىء لوددت انه عندى الآن، فأرميه بالنبل حتى أقتله. فخرج بعد مقالته بيوم أو يومين معه جمل له يتبعه، فأرسل الله عليه وعلى جمله صاعقة، فأحرقتهما. وأنزل الله جل قوله فى وقاية الله تعالى لنبيه ﵇ مما أراده به عامر، وفيما قتل به أربد: سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ أى أن المعقبات التى يحفظ الله بها نبيه هى من أمر الله إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ [الرعد: ١٠- ١٣] «٣» .","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (٥/ ٣٢٩- ٣٢١) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٦/ ١٢٦) .\r(٢) هذا القول ذكره ابن هشام فى السيرة (٤/ ١٩٥) .\r(٣) ذكره الواحدى فى أسباب النزول الحديث رقم (٥٢٧) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084034,"book_id":3509,"shamela_page_id":597,"part":"1","page_num":595,"sequence_num":597,"body":"وفد تجيب «١»\rوقدم على رسول الله ﷺ وفد تجيب، وهم من السكون، ثلاثة عشر رجلا، قد ساقوا معهم صدقات أموالهم التى فرض الله عليهم، فسر رسول الله ﷺ بهم وأكرم منزلهم، وقالوا: يا رسول الله، سقنا إليك حق الله تعالى فى أموالنا. فقال رسول الله ﷺ: «ردوها، فاقسموها على فقرائكم» . فقالوا: يا رسول الله، ما قدمنا عليك إلا بما فضل عن فقرائنا. فقال أبو بكر: يا رسول الله، ما وفد علينا وفد من العرب بمثل ما وفد به هؤلاء الحى من تجيب. فقال رسول الله ﷺ: «إن الهدى بيد الله ﷿ فمن أراد به خيرا شرح صدره للإيمان» .\rوسألوا رسول الله ﷺ أشياء، فكتب لهم بها، وجعلوا يسألونه عن القرآن والسنن، فازداد رسول الله ﷺ رغبة فيهم، وأمر بلالا أن يحسن ضيافتهم.\rفأقاموا أياما، ولم يطيلوا اللبث، فقيل لهم: ما يعجلكم؟ فقالوا: نرجع إلى من وراءنا فنخبرهم برؤيتنا رسول الله ﷺ وكلامنا إياه، وما رد علينا.\rثم جاؤا إلى رسول الله ﷺ يودعونه، فأرسل إليهم بلالا، فأجازهم بأرفع ما كان يجيز به الوفود. قال: «هل بقى منكم أحد» ؟ قالوا: غلام خلفناه على رحالنا هو أحدثنا سنا، قال: «أرسلوه إلينا» . فلما رجعوا إلى رحالهم قالوا للغلام: انطلق إلى رسول الله ﷺ فاقض حاجتك منه، فإنا قد قضينا حوائجنا منه. وودعناه. فأقبل الغلام حتى اتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إنى امرؤ من بنى أبذى.\rقال الواقدى: هو أبذى بن عدى، وأم عدى تجيب بنت ثوبان بن سليم من مذحج، وإليها ينسبون يقول الغلام: من الرهط الذين أتوك آنفا، فقضيت حوائجهم، فاقض حاجتى يا رسول الله. «وما حاجتك؟» قال: إن حاجتى ليست بحاجة أصحابى، وإن كانوا قدموا راغبين فى الإسلام، وساقوا ما ساقوا من صدقاتهم، وإنى والله ما أعلمنى من بلادى إلا أن تسأل الله ﷿ أن يغفر لى، وأن يرحمنى، وأن يجعل غناى فى قلبى. فقال رسول الله ﷺ وأقبل إلى الغلام: «اللهم اغفر له وارحمه واجعل غناه فى قلبه» . ثم أمر له بمثل ما أمر به لرجل من أصحابه.\rفانطلقوا راجعين إلى أهليهم، ثم وافوا رسول الله ﷺ فى الموسم بمنى سنة عشر،","footnotes":"(١) راجع قدوم وفد تجيب فى: طبقات ابن سعد (١/ ٢/ ٦٠) ، البداية والنهاية (٤/ ٨٤) ، المنتظم لابن الجوزى (٣/ ٣٥٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084035,"book_id":3509,"shamela_page_id":598,"part":"1","page_num":596,"sequence_num":598,"body":"فقالوا: نحن بنو أبذى. قال رسول الله ﷺ: «ما فعل الغلام الذى أتانى معكم؟» قالوا: يا رسول الله، والله ما رأينا مثله قط، ولا حدثنا بأقنع منه بما رزقه الله ﷿ لو أن الناس اقتسموا الدنيا ما نظر نحوها ولا التفت إليها.\rفقال رسول الله ﷺ: «الحمد لله، إنى لأرجو أن يموت جميعا» . فقال رجل منهم:\rأو ليس يموت الرجل جميعا يا رسول الله؟! قال رسول الله ﷺ: «تشعب أهواؤه وهمومه فى أودية الدنيا، فلعل أجله أن يدركه فى بعض تلك الأودية، فلا يبالى الله ﷿ فى أيها هلك» .\rقالوا: فعاش ذلك الرجل فينا على أفضل حال وأزهده فى الدنيا وأقنعه بما رزق، فلما توفى رسول الله ﷺ ورجع من رجع من أهل اليمن عن الإسلام، قام فى قومه يذكرهم الله والإسلام، فلم يرجع منهم أحد. وجعل أبو بكر الصديق رضى الله عنه يذكره ويسأل عنه، حتى بلغه حاله وما قام به، فكتب إلى زياد بن لبيد يوصيه به خيرا.\r\rفروة بن مسيك المرادى «١»\rوقدم فروة بن مسيك المرادى على رسول الله ﷺ مفارقا لملوك كندة، متابعا للنبى ﷺ وقال فى ذلك:\rلما رأيت ملوك كندة أعرضت ... كالرجل خان الرجل عرق نسائها\rقربت راحلتى أؤم محمدا ... أرجو فواضها وحسن ثرائها\rثم خرج حتى أتى المدينة، وكان رجلا له شرف، فأنزله سعد بن عبادة عليه، ثم غدا على رسول الله ﷺ وهو جالس فى المسجد، فسلم عليه، ثم قال: يا رسول الله، أنا لمن ورائى من قومى، قال: «أين نزلت يا فروة؟» قال: على سعد بن عبادة، قال: «بارك الله على سعد بن عبادة» . وكان يحضر مجلس رسول الله ﷺ كلما جلس، ويتعلم القرآن وفرائض الإسلام وشرائعه.\rوكان بين مراد وهمدان قبيل الإسلام وقعة، أصابت فيها همدان من مراد ما أرادوا، حتى أثخنوهم فى يوم يقال له: «يوم الردم» ، وكان الذى قاد همدان إلى مراد «الأجدع ابن مالك» ، ففضحهم يومئذ، فقال رسول الله ﷺ لما وفد إليه: «يا فروة، هل ساءك ما","footnotes":"(١) انظر: السيرة (٤/ ٢٠٦- ٢٠٧) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084036,"book_id":3509,"shamela_page_id":599,"part":"1","page_num":597,"sequence_num":599,"body":"أصاب قومك يوم الردم؟» قال: يا رسول الله، من ذا يصيب قومه مثل ما أصاب قومى يوم الردم لا يسوءه ذلك؟ فقال رسول الله ﷺ: «أما إن ذلك اليوم لم يزد قومك فى الإسلام إلا خيرا» .\rوفى ذلك اليوم يقول فروة بن مسيك «١» :\rمررنا باللفاة* وهن خوص ... ينازعن الأعنة ينتحينا\rفإن نغلب فغلابون قدما ... وإن نغلب فغير مغلبينا\rوما إن طبنا جبن ولكن ... منايانا وطعمة آخرينا\rكذاك الدهر دولته سجال ... تكر صروفه حينا فحينا\rفبينا ما نسربه ونرضى ... ولو لبست غضارته سنينا\rإذا انقلبت به كرات دهر ... فألفى للأولى غبطوا طحينا\rفمن يغبط بريب الدهر منهم ... تجد ريب الزمان له خئونا\rفلو خلد الملوك إذن خلدنا ... ولو بقى الكرام إذا بقينا\rفأفنى ذلكم سروات قومى ... كما أفنى القرون الأولينا\rواستعمل رسول الله ﷺ فروة بن مسيك «٢» على مراد وزبيد ومذحج كلها، وبعث معه خالد بن سعيد بن العاص على الصدقة، وكتب له فيها كتابا لا يعدوه إلى غيره، فكان خالد مع فروة فى بلاده حتى توفى رسول الله ﷺ «٣» .\rولما كانت السنة التى توفى فيها صلوات الله وبركاته عليه، وصدر عن مكة، ورأت أبناء زبيد قبائل اليمن تقدم على رسول الله ﷺ مقرين بالإسلام، مصدقين برسول الله ﷺ ثم يرجع راجعهم إلى بلاده وهم على ما هم عليه، قالوا لخالد بن سعيد «٤» : والله،","footnotes":"(١) انظر الأبيات فى: السيرة (٤/ ٢٠٦- ٢٠٧) .\r(*) كذا فى الأصل، وفى السيرة «مررن على لفاة» .\r(٢) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٢١٠١) ، الإصابة الترجمة رقم (٦٩٩٦) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٤٢٢٤) ، تجريد أسماء الصحابة (٢/ ٧) ، تهذيب التهذيب (٨/ ٢٦٥) ، خلاصة تذهيب الكمال (٢/ ٣٣٣) ، تهذيب الكمال (٢/ ١٠٩٤) .\r(٣) ذكره الطبرى فى التاريخ (٥/ ١٩٨) .\r(٤) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٦١٧) ، الإصابة الترجمة رقم (٢١٧٢) ، أسد الغابة الترجمة رقم (١٣٦٥) ، العقد الثمين (٤/ ٢٦٧) ، شذرات الذهب (١/ ٣٠) ، طبقات ابن سعد (٤/ ١/ ٦٩) ، طبقات خليفة (١١/ ٢٩٨) ، التاريخ الكبير (٣/ ١٥٢) ، مشاهير علماء الأمصار الترجمة رقم (١٧٢) ، تاريخ الإسلام (١/ ٣٧٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084037,"book_id":3509,"shamela_page_id":600,"part":"1","page_num":598,"sequence_num":600,"body":"لقد دخلنا فيما دخل فيه الناس، وصدقنا بمحمد ﷺ وخلينا بينك وبين صدقات أموالنا، وكنا لك عونا على من خالفك من قومنا.\rقال خالد: قد فعلتم، قالوا: فأوفد منا نفرا يقدمون على رسول الله ﷺ ويخبرونه بإسلامنا، ويقبسونا منه خيرا. قال خالد: ما أحسن ما دعوتم إليه، وأنا أجيبكم، ولم يمنعنى أن أقول لكم هذا إلا أنى رأيت الوفود تمر بكم فلا يهيجكم ذلك على الخروج، فساءنى ذلك منكم حتى ساء ظنى بكم، وكنتم على ما كنتم عليه من حداثة عهدكم بالشرك، فخشيت أن يكون الإسلام لم يرسخ فى قلوبكم، فأما إذا طلبتم ما طلبتم، فأنا أرجو أن يكون الإسلام راسخا فى قلوبكم. قالوا: وما أنكرت منا؟ والله لقد كنا فى حيزك واخترناك على غيرك من عمال رسول الله ﷺ وما رأيت منا شيئا تكرهه ولا تنكره إلى يومنا هذا.\rقال: اللهم غفرا، لولا أنى أنكرت منكم بعض ما ينكر ما قلت هذا، أما تعلمون أنى أخذت من شاب منكم فريضة بنت مخاض، فعقلتها ووسمتها بميسم الصدقة، فجئتم بأجمعكم فأخذتموها، ثم قلتم: إن شاء خالد فليأخذها من مرعاها، فأمسكت عنكم وخفت أن يأتى منكم ما هو شر من هذا؟! فقالوا: فقد كان، ونزعنا وتبنا إلى الله، فلا نحول بينك وبين شىء تريده، فبعث معهم وفدا إلى رسول الله ﷺ.\r\rوفد زبيد عمرو بن معدى كرب «١»\rوقدم عمرو بن معدى كرب على رسول الله ﷺ فى أناس من قومه بنى زبيد، فأسلم؛ وكان عمرو قد قال لقيس بن مكشوح المرادى، حين انتهى إليهم أمر رسول الله ﷺ: يا قيس، إنك سيد قومك، وقد ذكر لنا أن رجلا من قريش يقال له: محمد خرج بالحجاز، يقال: إنه نبى، فانطلق بنا إليه حتى نعلم علمه، فإن كان نبيا كما يقول، فإنه لن يخفى علينا، إذا لقيناه اتبعناه، وإن كان غير ذلك علمنا علمه، فإنه إن سبق إليه رجل من قومك سادنا وترأس علينا، وكنا له أذنابا. فأبى عليه قيس وسفه رأيه، فركب عمرو بن معدى كرب حتى قدم على رسول الله ﷺ وأقام أياما، فأجازه رسول الله ﷺ كما كان يجيز الوفود، وأنصرف راجعا إلى بلاده، فأقام فى قومه بنى زبيد وعليهم فروة بن مسيك سامعا له مطيعا، فلما توفى رسول الله ﷺ ارتد عمرو، ثم راجع الإسلام بعد ذلك.","footnotes":"(١) انظر: السيرة (٤/ ٢٠٧- ٢٠٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084038,"book_id":3509,"shamela_page_id":601,"part":"1","page_num":599,"sequence_num":601,"body":"وقد كان قيس بن مكشوح لما بلغه خروج عمرو أوعده وتحطم عليه، وقال: خالفنى وترك رأيى. فقال عمرو فى ذلك من أبيات:\rأمرتك يوم ذى صنعاء ... أمرا باديا رشده\rأمرتك باتقاء الل ... هـ والمعروف تتعده\rفكنت كذى الحمير غره ... مما به وتده\rتمنانى على فرس ... عليه جالس أسده*\rفلو لاقيتنى للقي ... ت ليثا فوقه لبده\rوطلب فروة بن مسيك قيس بن مكشوح كل الطلب، حتى هرب من بلاده، وكان مصمما فى طلب من خالفه، فكان عمرو يقول لقيس: قد خبرتك يا قيس أنك تكون ذنبا تابعا لفروة بن مسيك.\r\rوفد بنى ثعلبة\rوقدم على رسول الله ﷺ وفد بنى ثعلبة سنة ثمان مرجعه من الجعرانة.\rذكر الواقدى عن رجل منهم قال: لما قدم رسول الله ﷺ من الجعرانة قدمنا عليه وافدين مقرين بالإسلام، ونحن أربعة نفر، فنزلنا دار رملة بنت الحارث، فجاءنا بلال، فنظر إلينا، فقال: أمعكم غيركم؟ قلنا: لا، فانصرف عنا، فلم يلبث إلا يسيرا حتى أتى بجفنة من ثريد بلبن وسمن، فأكلنا حتى نهلنا، ثم رحنا إلى الظهر، فإذا رسول الله ﷺ قد خرج من بيته ورأسه يقطر ماء، فرمى ببصره إلينا، فأسرعنا إليه، وبلال يقيم الصلاة.\rفسلمنا عليه، وقلنا: يا رسول الله، إنا رسل من خلفنا من قومنا، مقرين بالإسلام، وهم فى مواشيهم، وما لا يصلحه إلا هم، وقد قيل لنا يا رسول الله: لا إسلام لمن لا هجرة له، فقال رسول الله ﷺ: «حيثما كنتم، واتقيتم الله فلا يضركم حيث كنتم» .\rوفرغ بلال من الآذان، ورسول الله ﷺ يكلمنا، ثم تقدم فصلى بنا الظهر، لم تصل وراء أحد قط أتم صلاة ولا أوجز منه، ثم انصرف إلى بيته، فدخل، فلم يلبث أن خرج إلينا، فقيل لنا: صلى فى بيته ركعتين، فدعا بنا، فقال: «أين أهلكم؟» فقلنا: قريبا يا رسول","footnotes":"(*) ذكر فى السيرة بعد هذا البيت بيت لم يذكره هنا، وهو:\rعلىّ مفاضة كالنه ... ى أخلص ماءه جدده\rانظر: السيرة (٤/ ٢٠٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084039,"book_id":3509,"shamela_page_id":602,"part":"1","page_num":600,"sequence_num":602,"body":"الله، هم بهذه السرية فقال: «كيف بلادكم؟» فقلنا: مخصبون، فقال: «الحمد لله» .\rفأقمنا أياما، فتعلمنا من القرآن والسنن، وضيافته تجرى علينا، ثم جئنا نودعه منصرفين، فقال لبلال: «أجزهم كما تجيز الوفد» ، فجاء بلال بنقر من فضة، فأعطى كل واحد منا خمس أواق، وقال: ليس عندنا دراهم مضروبة، فانصرفنا إلى بلادنا «١» .\r\rوفد بنى سعد هذيم «٢»\rوقدم على رسول الله ﷺ بنو سعد هذيم، من قضاعة فى سنة تسع.\rذكر الواقدى عن ابن النعمان منهم عن أبيه قال: قدمت على رسول الله ﷺ وافدا فى نفر من قومى، وقد أوطأ رسول الله ﷺ البلاد غلبة، وأداخ العرب، والناس صنفان. إما داخل فى الإسلام راغب فيه، وإما خائف من السيف، فنزلنا ناحية من المدينة، ثم خرجنا نؤم المسجد حتى انتهينا إلى بابه، فنجد رسول الله ﷺ يصلى على جنازة فى المسجد، فقمنا خلفه ناحية، ولم ندخل مع الناس فى صلاتهم، وقلنا: حتى نلقى رسول الله ﷺ ونبايعه، ثم انصرف رسول الله ﷺ فنظر إلينا، فدعا بنا، فقال: «من أنتم؟» فقلنا: من بنى سعد هذيم، فقال: «أمسلمون أنتم؟» قلنا: نعم، قال: فهلا صليتم على أخيكم؟» قلنا: يا رسول الله، ظننا أن ذلك لا يجوز لنا حتى نبايعك، فقال رسول الله ﷺ: «أينما أسلمتم مسلمون» .\rقال: فأسلمنا وبايعنا رسول الله ﷺ بأيدينا على الإسلام، ثم انصرفنا إلى رحالنا، وقد كنا خلفنا عليها أصغرنا، فبعث رسول الله ﷺ فى طلبنا، فأتى بنا إليه، فتقدم صاحبنا فبايعه على الإسلام، فقلنا: يا رسول الله، إنه أصغرنا، وإنه خادمنا، فقال: «أصغر القوم خادمهم، بارك الله عليه» «٣» .\rقال: فكان والله خيرنا، وأقرأنا للقرآن، لدعاء رسول الله ﷺ له، ثم أمره رسول الله ﷺ علينا، فكان يؤمنا.\rولما أردنا الانصراف، أمر بلالا فأجازنا بأواقى من فضة، لكل رجل منا، فرجعنا إلى قومنا، فرزقهم الله الإسلام.","footnotes":"(١) ذكره ابن عساكر فى تهذيب تاريخ دمشق (٣/ ٣٠٢، ١٠/ ٢٩٦) .\r(٢) راجع: المنتظم لابن الجوزى (٣/ ٣٥٦) ، طبقات ابن سعد (١/ ٢/ ٥٩، ٦٥) .\r(٣) ذكره ابن كثير فى البداية والنهاية (٥/ ٩٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084040,"book_id":3509,"shamela_page_id":603,"part":"1","page_num":601,"sequence_num":603,"body":"وفد بنى فزارة «١»\rولما رجع رسول الله ﷺ من تبوك قدم عليه وفد بنى فزارة، بضعة عشر رجلا، فيهم خارجة بن حصن، والحر بن قيس بن حصن ابن أخى عيينة بن حصن، وهو أصغرهم، فنزلوا فى دار زينب بنت الحارث، وجاؤا رسول الله ﷺ مقرين بالإسلام، وهم مستنون على وكاف عجاف، فسألهم رسول الله ﷺ عن بلادهم، فقال أحدهم: يا رسول الله، أسنتت بلادنا، وهلكت مواشينا، وأجدب جنابنا، وغرث عيالنا، فادع لنا ربك يغثنا، واشفع لنا إلى ربك، وليشفع لنا ربك إليك. فقال رسول الله ﷺ: «سبحان الله ويلك، هذا أنا شفعت إلى ربى ﷿، فمن ذا الذى يشفع ربنا إليه؟ لا إله إلا هو العلى العظيم، وسع كرسيه السموات والأرض، فهى تئط من عظمته وجلاله كما يئط الرجل الجديد» .\rوقال رسول الله ﷺ: «إن الله جل وعز ليضحك من شفعكم، وأزلكم، وقرب غياثكم» .\rفقال الأعرابى: يا رسول الله، ويضحك ربنا ﷿؟ قال: «نعم» ، قال الأعرابى:\rلن نعدمك من رب يضحك خير، فضحك النبى ﷺ من قوله، وصعد المنبر، فتكلم بكلمات، وكان لا يرفع يديه فى شىء من الدعاء إلا فى الاستسقاء، فرفع يديه حتى رؤى بياض إبطيه، وكان مما حفظ من دعائه: «اللهم اسق بلادك وبهائمك، وانشر رحمتك، وأحى بلدك الميت، اللهم اسقنا غيثا مغيثا مربعا طيبا، واسعا عاجلا غير آجل، نافعا غير ضار، اللهم اسقنا رحمة ولا تسقنا عذابا ولا هدما ولا غرقا ولا محقا، اللهم اسقنا الغيث وانصرنا على الأعداء» .\rفقام أبو لبابة بن عبد المنذر الأنصارى، فقال: يا رسول الله، التمر فى المربد. فقال رسول الله ﷺ: «اللهم اسقنا» ، فعاد أبو لبابة لقوله، وعاد رسول الله ﷺ لدعائه، فعاد أيضا أبو لبابة لقوله، وعاد رسول الله ﷺ لدعائه، فعاد أيضا أبو لبابة، فقال: التمر فى المربد يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ: «اللهم اسقنا حتى يقوم أبو لبابة عريانا يسد ثعلب مربده بإزاره» ، قالوا: ولا والله ما فى السماء سحاب ولا قزعة، وما بين المسجد وبين سلع من شجر ولا دار، فطلعت من وراء سلع سحابة مثل الترس، فلما توسطت","footnotes":"(١) راجع: المنتظم لابن الجوزى (٤/ ٣٥٣) ، طبقات ابن سعد (١/ ٢/ ٥٩) ، البداية والنهاية (٥/ ٧٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084041,"book_id":3509,"shamela_page_id":604,"part":"1","page_num":602,"sequence_num":604,"body":"السماء انتشرت، ثم أمطرت، فو الله ما رأوا الشمس سبعا، وقام أبو لبابة عريانا يسد ثعلب مربده بإزاره، لئلا يخرج التمر منه، فجاء ذلك الرجل أو غيره فقال: يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فصعد رسول الله ﷺ المنبر، فدعا ورفع يديه مدا، حتى رؤى بياض إبطيه، ثم قال: «اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر» «١» .\rقال: فانجابت السحاب عن المدينة انجياب الثوب.\r\rوفد بنى أسد «٢»\rوقدم على رسول الله ﷺ وفد بنى أسد، عشرة رهط، فيهم وابصة بن معبد وطليحة ابن خويلد، ورسول الله ﷺ جالس فى المسجد مع أصحابه، فسلموا وتكلموا، وقال متكلمهم: يا رسول الله، إنا شهدنا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنك عبده ورسوله، وجئناك يا رسول الله، ولم تبعث إلينا بعثا، ونحن لمن وراءنا.\rقال محمد بن كعب القرظى: فأنزل الله ﷿ على رسوله: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [١٧: الحجرات] .\rوكان مما سألوا رسول الله ﷺ عند يومئذ: العيافة والكهانة وضرب الحصى، فنهاهم عن ذلك كله. فقالوا: يا رسول الله، إن هذه أمور كنا نفعلها فى الجاهلية، أرأيت خصلة بقيت؟ قال: «وما هى» ؟ قال: الخط، قال: «علمه نبى من الأنبياء، فمن صادف مثل علمه علم» «٣» .","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: سنن أبو داود (١١٧٣) ، سنن البيهقى الكبرى (٣/ ٣٥٦) ، كنز العمال للمتقى الهندى (١٨٠٢٥) ، موطأ الإمام مالك (١٩١) ، العلل المتناهية لابن الجوزى (٢١٢) ، مشكاة المصابيح للتبريزى (١٥٠٦) .\r(٢) راجع: المنتظم لابن الجوزى (٤/ ٣٥٥) ، طبقات ابن سعد (١/ ٢/ ٣٩) ، البداية والنهاية لابن كثير (٥/ ٧٩) .\r(٣) ذكره السيوطى فى الدرر المنثور (٦/ ٣٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084042,"book_id":3509,"shamela_page_id":605,"part":"1","page_num":603,"sequence_num":605,"body":"وفد بهراء»\rوذكر الواقدى عن كريمة بنت المقداد، قالت: سمعت أمى ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب «٢» تقول: قدم وفد بهراء من اليمن، وهم ثلاثة عشر رجلا، فأقبلوا يقودون رواحلهم، حتى انتهوا إلى باب المقداد، ونحن فى منزلنا نبنى جديلة، فخرج إليهم المقداد، فرحب بهم، وأنزلهم، وجاءهم بجفنة من حيس قد كنا هيأناها قبل أن يحلوا لنجلس عليها، فحملها أبو معبد المقداد، وكان كريما على الطعام، فأكلوا منها حتى نهلوا، وردت إلينا القصعة وفيها أكل، فجمعنا تلك الأكل فى قصعة صغيرة، ثم بعثنا بها إلى رسول الله ﷺ مع سدرة مولاتى، فوجدته فى بيت أم سلمة، فقال رسول الله ﷺ:\r«ضباعة أرسلت بهذا» ؟، قالت سدرة: نعم يا رسول الله، قال: «ضعى» ، ثم قال: «ما فعل ضيف أبى معبد؟» قلت: عندنا، فأصاب منها رسول الله ﷺ أكلا هو ومن معه فى البيت حتى نهلوا، وأكلت معهم سدرة، ثم قال: «اذهبى بما بقى إلى ضيفكم» ، قالت سدرة: فرجعت بما بقى فى القصعة إلى مولاتى، قالت: فأكل منها الضيف ما أقاموا، نرددها عليهم وما تغيض، حتى جعل الضيف يقولون: يا أبا معبد، إنك لتنهلنا من أحب الطعام إلينا، وما كنا نقدر على مثل هذا إلا فى الحين، وقد ذكر لنا أن بلادكم قليلة الطعام، إنما هو العلق أو نحوه، ونحن عندك فى الشبع، فأخبرهم أبو معبد بخبر رسول الله ﷺ أنه أكل منها أكلا وردها، فهذه بركة أثر أصابع رسول الله ﷺ فجعل القوم يقولون:\rنشهد أنه رسول الله، وازدادوا يقينا، وذلك الذى أراد رسول الله ﷺ.\rوتعلموا الفرائض، وأقاموا أياما، ثم جاؤا رسول الله ﷺ فودعوه، وأمر لهم بجوائزهم، وانصرفوا إلى أهلهم.\r\rوفد بنى غدرة\rوقدم على رسول الله ﷺ وفد بنى غدرة فى صفر سنة تسع، اثنا عشر رجلا، فيهم حمزة بن النعمان وسليم وسعد ابنا مالك ومالك بن أبى رباح، فنزلوا فى دار رملة بنت","footnotes":"(١) راجع: المنتظم لابن الجوزى (٤/ ٣٥٦) ، طبقات ابن سعد (١/ ٢/ ٦٦) .\r(٢) انظر ترجمتها فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٣٤٥١) ، الإصابة الترجمة رقم (١١٤٢٩) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٧٠٧٦) ، تهذيب الكمال (١٦٨٧) ، تهذيب التهذيب (١٢/ ٤٣٢) ، خلاصة تذهيب الكمال (٤٩٣) ، تاريخ الإسلام (٢/ ٢٢٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084043,"book_id":3509,"shamela_page_id":606,"part":"1","page_num":604,"sequence_num":606,"body":"الحارث النجارية، ثم جاؤا رسول الله ﷺ وهو فى المسجد، فسلموا بسلام أهل الجاهلية، فقال رسول الله ﷺ: «من القوم» ؟ فقال متكلمهم: من لا تنكر، نحن بنو غدرة، أخوة قصى لأمه، نحن الذين عضوا قصيا، وأزاحوا من بطن مكة خزاعة وبنى بكر، ولنا قرابات وأرحام. قال رسول الله ﷺ: «مرحبا بكم وأهلا، ما أعرفنى بكم، فما منعكم من تحية الإسلام» ؟ قالوا: يا محمد، كنا على ما كان عليه آباؤنا، فقدمنا مرتادين لأنفسنا ولمن خلفنا، فإلام تدعو؟ فقال رسول الله ﷺ: «إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وأن تشهدوا أنى رسول الله إلى الناس كافة» ، فقال المتكلم: فما وراء ذلك من الفرائض؟ فقال رسول الله ﷺ: «الصلوات الخمس، تحسن طهورهن وتصليهن لمواقيتهن، فإنه أفضل العمل» .\rثم ذكر لهم سائر الفرائض من الصيام والزكاة والحج، فقال المتكلم: الله أكبر، نشهد أنه لا إله إلا الله وأنك رسول الله، قد أجبناك إلى ما دعوت إليه، ونحن أعوانك وأنصارك ثم قال: يا رسول الله: إنا متاخمو الشام، وأخبارهم ترد علينا، وبالشام من قد علمت، هرقل، فهل اوحى إليك فى أمره بشىء؟ فقال رسول الله ﷺ: «أبشر، فإن الشام ستفتح عليكم، ويهرب هرقل إلى ممتنع بلاده» ، قال: الله أكبر، يا رسول الله، إن فينا امرأة كاهنة، كانت قريش والعرب يتحاكمون إليها، ولو قد رجعنا أقرت هى وغيرها من قومنا بالإسلام إن شاء الله، أفنسألها عن كهانتها؟ فقال رسول الله ﷺ: «لا تسألوها عن شىء» ، قال: الله أكبر، ثم سأله عن الذبائح التى كانوا يذبحون فى الجاهلية لأصنامهم، فنهاهم رسول الله ﷺ عنها، وقال، وقال: «لا ذبيحة لغير الله ﷿ ولا ذبيحة عليكم فى سنتكم إلا واحدة» . قال: وما هى؟ فداك أبى وأمى، قال: «الأضحية» ، قال: وأى وقت تكون؟ قال: «صبيحة العاشر من ذى الحجة، تذبح شاة عنك وعن أهلك» ، قال: يا رسول الله، أهى على أهل كل بيت وجدوها؟ قال: «نعم» «١» .\rفأقوموا أياما، ثم أجازهم كما يجيز الوفود، وانصرفوا.\r\rوفد بلى «٢»\rوقدم على رسول الله ﷺ وفد بلى فى ربيع الأول من سنة تسع. قال رويفع ابن","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: كنز العمال للمتقى الهندى (١٢٢٥٩) .\r(٢) راجع: المنتظم لابن الجوزى (٣/ ٣٥٥) ، طبقات ابن سعد (١/ ٢/ ٦٥) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084044,"book_id":3509,"shamela_page_id":607,"part":"1","page_num":605,"sequence_num":607,"body":"ثابت البلوى: فبلغنى قدومهم، فخرجت حتى جئتهم برأس الثنية فى أيديهم خطم رواحلهم، فرحبت بهم وقلت: المنزل على، فعدلت بهم إلى منزلى، فنزلوا، ولبسوا من صالح ثيابهم، ثم خرجت بهم حتى انتهيت إلى رسول الله ﷺ وهو جالس فى أصحابه فى بقية فئ الغداة، فسلمت. فقال: «رويفع» ، فقلت: لبيك، قال: «من هؤلاء القوم» ؟\rقلت: قومى، قال: «مرحبا بك وبقومك» ، قلت: يا رسول الله، قدموا وافدين عليك مقرين بالإسلام، وهم على من وراءهم من قومهم. فقال رسول الله ﷺ: «من يرد الله به خيرا يهده للإسلام» .\rقال: وتقدم شيخ الوفد أبو الضبيب فجلس بين يديه، فقال: يا رسول الله، إنا قدمنا عليك لنصدقك ونشهد أن ما جئت به حق، ونخلع ما كنا نعبد ويعبد آباؤنا قبلنا. فقال رسول الله ﷺ: «الحمد لله الذى هداكم للإسلام، فكل من مات على غير الإسلام فهو فى النار» ، قال: يا رسول الله، إنى رجل لى رغبة فى الضيافة، فهل لى فى ذلك من أجر؟ قال رسول الله ﷺ: «نعم، وكل معروف صنعته إلى غنى أو فقير فهو صدقة» ، قال: يا رسول الله، ما وقت الضيافة؟ قال: «ثلاثة أيام، فما كان بعد ذلك فصدقة، ولا يحل للضيف ان يقيم عندك فيحرجك» ، قال: يا رسول الله، أرأيت الضالة من الغنم أجدها فى الفلاة من الأرض؟ قال: «لك أو لأخيك أو للذئب» ، قال: فالبعير، قال:\r«مالك وله، دعه حتى يجده صاحبه» «١» .\rوسأله عن أشياء غير هذه، فأجابه عنها.\rقال رويفع: ثم قاموا، فرجعوا إلى منزلى، فإذا رسول الله ﷺ يأتى منزلى يحمل تمرا، فقال: «استعن بهذا التمر» ، فكانوا يأكلون منه ومن غيره، فأقاموا ثلاثا، ثم ودعوا رسول الله ﷺ وأجازهم، ورجعوا إلى بلادهم.\r\rضمام بن ثعلبة «٢»\rوبعثت بنو سعد بن بكر ضمام بن ثعلبة وافدا إلى رسول الله ﷺ فقدم عليه، وأناخ","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (٢/ ١٨٦، ٢٠٣، ٤/ ١١٧) ، السنن الكبرى للبيهقى (١/ ١٨٥، ٤/ ١٥٣، ٦/ ١٨٩، ١٩٠) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٤/ ١٦٨) ، المعجم الكبير للطبرانى (٥/ ٢٨٩) ، فتح البارى لابن حجر (١/ ١٨٦، ٥/ ٨٠) .\r(٢) انظر: السيرة (٤/ ١٩٨- ٢٠٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084045,"book_id":3509,"shamela_page_id":608,"part":"1","page_num":606,"sequence_num":608,"body":"بعيره على باب المسجد، ثم عقله، ثم دخل المسجد ورسول الله ﷺ جالس فى أصحابه؛ وكان ضمام رجلا جلدا، أشعر، ذا غديرتين، فأقبل حتى وقف على رسول الله ﷺ فى أصحابه، فقال: أيكم ابن عبد المطلب؟ فقال رسول الله ﷺ: «أنا ابن عبد المطلب» . قال:\rأمحمد؟ قال: «نعم» ؛ قال: يا ابن عبد المطلب، إنى سائلك ومغلظ عليك فى المسألة، فلا تجدن فى نفسك، قال: «لا أجد فى نفسى، فسل عما بدا لك» . قال: أنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك، وإله من هو كائن بعدك، الله بعثك إلينا رسولا؟ قال: «اللهم نعم» ، قال: فأنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك، وإله من هو كائن بعدك: الله أمرك أن تأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا، وأن نخلع هذه الأنداد التى كان آباؤنا يعبدون معه؟ قال: «اللهم نعم» ، قال: فأنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك، وإله من هو كائن بعدك: الله أمرك أن نصلى هذه الصلوات الخمس؟ قال: «اللهم نعم» . ثم جعل يذكر فرائض الإسلام فريضة فريضة: الزكاة والصيام والحج، وشرائع الإسلام كلها، ينشده عند كل فريضة كما ينشده فى التى قبلها، حتى إذا فرغ قال: فإنى أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، وسأؤدى هذه الفرائض، وأجتنب ما نهيتنى عنه، ثم لا أزيد ولا أنقص. ثم انصرف إلى بعيره راجعا. فقال رسول الله ﷺ: «إن صدق ذو العقيصتين دخل الجنة» .\rقال: فأتى بعيره فأطلق عقاله، ثم خرج حتى قدم على قومه، فاجتمعوا عليه، فكان أول ما تكلم به أن سب اللات والعزى، قالوا: مه يا ضمام! اتق البرص، اتق الجذام، اتق الجنون! قال: ويلكم! إنهما والله ما تضران ولا تنفعان إن الله قد بعث رسولا، وأنزل عليه كتابا فاستنقذكم به مما كنتم فيه، فإنى أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وقد جئتكم من عنده بما أمركم به وما نهاكم عنه.\rقال: فو الله، ما أمسى من ذلك اليوم وفى حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلما. فبنوا المساجد، وأذنوا بالصلاة، وكلما اختلفوا فى شىء قالوا: عليكم بوافدنا.\rقال ابن عباس: فما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضمام بن ثعلبة «١» .\rواختلف فى الوقت الذى وفد فيه ضمام هذا على النبى ﷺ فقيل: سنة خمس. ذكره الواقدى وغيره، وقيل: سنة سبع، وقيل: سنة تسع، فالله أعلم.","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: سنن الدارمى (١/ ٦٥٢) ، صحيح البخارى (١/ ٦٣) ، صحيح مسلم (١/ ١٠/ ٤١، ٤٢) ، سنن النسائى (٤/ ٢٠٩١) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084046,"book_id":3509,"shamela_page_id":609,"part":"1","page_num":607,"sequence_num":609,"body":"وفد عبد القيس «١»\rوقدم على رسول الله ﷺ وفد عبد القيس فى جماعة رأسهم عبد الله بن عوف الأشج، فلما أتوه قال: «من الوفد؟» أو «من القوم؟» قالوا: ربيعة، قال: «مرحبا بالقوم أو بالوفد غير خزايا ولا الندامى» ، قالوا: يا رسول الله، إنا نأتيك من شقة بعيدة، وإن بيننا وبينك هذا الحى من كفار مضر، وإنا لا نستطيع أن نأتيك إلا فى الشهر الحرام، فمرنا بأمر فصل نخبر به من وراءنا، ندخل به الجنة. فأمرهم بأربع، ونهاهن عن أربع.\rأمرهم بالإيمان بالله وحده، وقال: «هل تدرون ما الإيمان بالله» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تؤدوا خمسا من المغنم» .\rونهاهم عن الدباء والحنتم والمزفت والنقير. قالوا: يا نبى الله، ما علمك بالنقير؟\rقال: «بلى، جذع ينقرونه فيقذفون فيه من القطيعاء، أو قال: من التمر ثم يصبون فيه من الماء حتى إذا سكن غليانه شربتموه، حتى أن أحدكم أو أن أحدهم ليضرب ابن عمه بالسيف» ، وفى القوم رجل أصابته جراحه كذلك، قال: وكنت أخبأها حياء من رسول الله ﷺ وقد كان رسول الله ﷺ لما سلم عليه القوم سألهم: «أيكم عبد الله الأشج» ؟ فقالوا: أتاك يا رسول الله. وكان عبد الله وضع ثياب سفره، وأخرج ثيابا حسانا فلبسها، وكان رجلا دميما، فلما جاء ونظر رسول الله ﷺ إلى دمامته قال: يا رسول الله، إنه لا يستقى فى مسوك الرجال، إنما يحتاج من الرجل إلى أصغريه، لسانه وقلبه. فقال له رسول الله ﷺ: «إن فيك لخصلتين يحبهما الله ورسوله: الحلم، والأناة» .\rفقال عبد الله: يا رسول الله، أشىء حدث فى، أم شىء جبلت عليه؟ فقال: «بل شىء جبلت عليه» «٢» .\rوكان الأشج يسائل رسول الله ﷺ عن الفقه والقرآن، فكان رسول الله يدنيه منه إذا جلس، وكان يأتى أبى بن كعب فيقرأ عليه.","footnotes":"(١) راجع: السيرة (٢٠٠- ٢٠١) . المنتظم لابن الجوزى (٣/ ٣٨٢) ، طبقات ابن سعد (١/ ٢/ ٦٤) ، تاريخ الطبرى (٣/ ١٣٦) .\r(٢) انظر الحديث فى: سنن البيهقى (١٠/ ١٠٤) ، المعجم الكبير للطبرانى (٥/ ٣١٧) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٥/ ٦٤، ٩/ ٣٨٧، ٣٨٨) ، الترغيب والترهيب للمنذرى (٣/ ٤١٨) ، التاريخ الكبير-- (٥٨٥) ، فتح البارى لابن حجر (١٠/ ٤٥٩) ، مشكاة المصابيح للتبريزى (٥٠٥٤) ، إتحاف السادة المتقين للزبيدى (٨/ ٣١) ، كنز العمال للمتقى الهندى (٥٨٣٦، ٥٨٣٧) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084047,"book_id":3509,"shamela_page_id":610,"part":"1","page_num":608,"sequence_num":610,"body":"وأمر لهم رسول الله ﷺ بجوائز، وفضل الأشج عليهم، فأعطاه اثنتى عشرة أوقية، ونشا، وذلك أكثر مما كان يجيز به الوفود.\rوقدم فى هذا الوفد الجارود بن عمرو، وكان نصرانيا، فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ كلمه، فعرض عليه الإسلام، ودعا إليه، ورغبه فيه. فقال: يا محمد، إنى كنت على دين، وإنى تارك دينى لدينك، أفتضمن لى دينى؟ فقال رسول الله ﷺ: «نعم، أنا ضامن أن قد هداك الله إلى ما هو خير منه» . فأسلم وحسن إسلامه، وأراد الرجوع إلى بلاده، فسأل النبى ﷺ حملانا، فقال: «والله ما عندى ما أحملكم عليه» ، قال: يا رسول الله، فإن بيننا وبين بلادنا ضوال من ضوال الناس، أفنتبلغ عليها إلى بلادنا؟ قال: «لا» ، إياك وإياها، فإنما تلك حرق النار» «١» .\rفخرج من عنده الجارود راجعا إلى قومه، وكان حسن الإسلام، صليبا فى دينه، حتى هلك وقد أدرك الردة، فلما رجع من كان أسلم من قومه إلى دينهم الأول مع الغرور بن المنذر بن النعمان، قام الجارود فتشهد بشهادة الحق، ودعا إلى الإسلام، فقال:\rيا أيها الناس، إنى أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وأكفر من لم يتشهد. ويروى: وأكفىء من لم يشهد «٢» .\r\rوفد بنى مرة\rوقدم على رسول الله ﷺ وفد بنى مرة، ثلاثة عشر رجلا رأسهم الحارث بن عوف، وذلك منصرف رسول الله ﷺ من تبوك، جاؤه وهو فى المسجد، فقال الحارث بن عوف: يا رسول الله، إنا قومك وعشيرتك، نحن قوم من بنى لؤى بن غالب، فتبسم رسول الله ﷺ وقال للحارث: «أين تركت أهلك» ؟ قال: بسلاح وما والاها قال:\r«فكيف البلاد؟ قال: والله، إنا لمستنون وما فى المال مخ، فادع الله لنا. قال رسول الله ﷺ: «اللهم اسقهم الغيث» ، فأقاموا أياما، ثم أرادوا الإنصراف إلى بلادهم، فجاؤا رسول الله ﷺ مودعين له، فأمر بلالا أن يجيزهم، فأجازهم بعشر أواق، عشر أواق فضة، وفضل الحارث بن عوف، أعطاه اثنتى عشرة أوقية، ورجعوا إلى بلادهم، فوجدوا البلاد","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (٥/ ٨٠) ، مصنف عبد الرزاق (١٠/ ١٨٦٠٤) ، السلسلة الصحيحة للألبانى (٦٢٠) .\r(٢) انظر: السيرة (٤/ ٢٠١) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084048,"book_id":3509,"shamela_page_id":611,"part":"1","page_num":609,"sequence_num":611,"body":"مطيرة، فسألوا: متى مطرتم؟ فإذا هو ذلك اليوم الذى دعا رسول الله ﷺ فيه.\rفقدم عليه قادم بعد وهو يتجهز لحجة الوداع، فقال: يا رسول الله، رجعنا إلى بلادنا فوجدناها مضبوطة مطرا، لذلك اليوم الذى دعوت لنا فيه، ثم قلدتنا أقلاد الزرع فى كل خمس عشرة ليلة مطرة جودا، ولقد رأيت الإبل تأكل وهى بروك، وإن غنمنا ما توارى من أبياتنا، فترجع فتقيل فى أهلنا. فقال رسول الله: «الحمد الله الذى هو صنع ذلك «١» » .\r\rوفد خولان\rوقدم على رسول الله ﷺ فى شعبان من سنة عشر وفد خولان، وهم عشرة، فقالوا:\rيا رسول الله، نحن على من وراءنا من قومنا، ونحن مؤمنون بالله ﷿ مصدقون برسوله، قد ضربنا إليك آباط الإبل، وركبنا حزون الأرض وسهولها، والمنة لله ولرسوله علينا، وقدمنا زائرين لك. فقال رسول الله ﷺ: «أما ذكرتم من مسيركم إلى فإن لكم بكل خطوة خطاها بعير أحدكم حسنة، وأما قولكم زائرين لك، فإنه من زارنى بالمدينة كان فى جوارى يوم القيامة» . قالوا: يا رسول الله، هذا السفر الذى لا توى عليه. ثم قال رسول الله ﷺ: «ما فعل عم أنس؟» وهو صنم خولان الذى كانوا يعبدونه قالوا:\rبشر وعر، بدلنا الله به ما جئت به، وقد بقيت منا بعد بقايا من شيخ كبير وعجوز كبيرة متمسكون به، ولو قد قدمنا عليه هدمناه إن شاء الله فقد كنا فى غرور وفتنة يا رسول الله، إن فتنته كانت أعظم مما عسينا أن نذكره لك، فالحمد لله الذى من علينا بك، وتنقذنا من الهلكة، وما مضى عليه الآباء من عبادته، قال رسول الله ﷺ: «وما أعظم ما رأيتم من فتنته؟» قالوا: يا رسول الله، لقد رأيتنا وأسنتنا حتى أكلنا الرمة، ومات الولدان غرما، وهلكت ناغيتنا وراعيتنا وحافرنا أو ما ذهب منها. فقلنا، أو من قال منا: قربوا لعم أنس قربانا يشفع لكم، فتغاثوا فتعاونوا، فجمعنا ما قدرنا عليه من عين مالنا، ثم ذهب ذاهبنا فابتاع مائة ثور، ثم حشرها علينا، فنحرناها فى غداة واحدة، وتركناها تردها السباع، ونحن أحوج إليها من السباع، فجاءنا الغيث من ساعتنا، فأى فتنة أعظم من هذه، فلقد رأينا العشب يوارى الرجال، ويقول قائلنا: أنعم علينا عم أنس.","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٥/ ٨٩) ، دلائل النبوة لأبى نعيم (١٦٠) ، طبقات ابن سعد (١/ ٢/ ٤٣) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084049,"book_id":3509,"shamela_page_id":612,"part":"1","page_num":610,"sequence_num":612,"body":"وذكروا لرسول الله ﷺ ما كانوا يقسمون لصنمهم هذا من أنعامهم وحروثهم، وأنهم كانوا يجعلون من ذلك جزآ له وجزآ لله بزعمهم.\rقالوا: كنا نزرع الزرع، فنجعل له وسطه، فنسميه له، ونسمى زرعا آخر حجرة لله جل وعز فإذا مالت الريح بالذى سميناه لله جعلناه لعم أنس، وإذا مالت الريح بالذى جعلناه لعم أنس لم نجعله لله.\rفذكر لهم رسول الله ﷺ أن الله ﷿ أنزل عليه فى ذلك: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ [الأنعام: ١٣٦] . قالوا: وكنا نتحاكم إليه فنكلم. فقال رسول الله ﷺ: «تلك الشياطين تكلمكم» . قالوا: فأصبحنا يا رسول الله، وقلوبنا تعرف أنه كان لا يضر ولا ينفع، ولا يدرى من عبده ممن لم يعبده. فقال رسول الله ﷺ: «الحمد لله الذى هداكم وأكرمكم بمحمد ﷺ» . وسألوه عن فرائض الدين، فأخبرهم وأمرهم بالوفاء بالعهد، وأداء الأمانة، وحسن الجوار لمن جاوروا، وأن يظلموا أحدا. قال: «فإن الظلم ظلمات يوم القيامة» «١» .\rثم أمر بهم فأنزلوا دار رملة وأمر لهم بضيافة تجرى عليهم، وأمر من يعلمهم القرآن والسنن، ثم ودعوه بعد أيام، فأجازهم، ورجعوا إلى قومهم فلم يحلوا عقدة حتى هدموا عم أنس.\r\rوفد محارب «٢»\rوقدم على رسول الله ﷺ عام حجة الوداع وفد محارب، وهم كانوا أغلظ العرب، وأفظه على رسول الله ﷺ فى تلك المواسم، أيام عرضه نفسه على القبائل يدعوهم إلى الله، فجاء رسول الله ﷺ منهم عشرة نائبين عن من وراءهم من قومهم، فأسلموا.\rوكان بلال يأتيهم بغذاء وعشاء إلى أن جلسوا مع رسول الله ﷺ يوما من الظهر إلى العصر، فعرف رجلا منهم، فأبداه النظر، فلما رآه المحاربى يديم النظر إليه، قال: كأنك","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: صحيح مسلم كتاب البر والصلة (٥٦، ٥٧) ، مسند الإمام أحمد (٢/ ١٠٦، ١٩٥، ٣/ ٣٢٣) ، سنن البيهقى الكبرى (٦/ ٩٣، ١٠/ ١٣٤، ٢٤٣) ، جمع الجوامع للسيوطى (٥٦٨٧) ، الدر المنثور للسيوطى (٦/ ١٩٦) ، إتحاف السادة المتقين للزبيدى (٨/ ١٩٣) .\r(٢) راجع: المنتظم لابن الجوزى (٣/ ٣٨١) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084050,"book_id":3509,"shamela_page_id":613,"part":"1","page_num":611,"sequence_num":613,"body":"يا رسول الله توهمنى. قال: «لقد رأيتك» . فقال المحاربى: أى والله، لقد رأيتنى وكلمتنى، وكلمتك بأقبح الكلام ورددتك بأقبح الرد بعكاظ وأنت تطوف على الناس.\rفقال رسول الله ﷺ: «نعم» . ثم قال المحاربى: يا رسول الله، ما كان فى أصحابى أشد عليك يومئذ ولا أبعد من الإسلام منى، فأحمد الله الذى أبقانى حتى صدقت بك، ولقد مات أولئك النفر الذين كانوا معى على دينهم. فقال رسول الله ﷺ: «إن هذه القلوب بيد الله ﷿» . فقال المحاربى: يا رسول، استغفر لى من مراجعتى إياك. فقال رسول الله ﷺ: «إن الإسلام يجب ما كان قبله من الكفر» «١» . ثم انصرفوا إلى أهليهم.\r\rوفد طىء «٢»\rوقدم على رسول الله ﷺ وفد وطىء، فيهم زيد الخيل «٣» ، وهو سيدهم؛ فلما انتهوا إليه كلموه، وعرض عليهم الإسلام، فأسلموا، فحسن إسلامهم؛ وقال رسول الله ﷺ:\r«ما ذكر لى رجل من العرب بفضل ثم جاءنى، إلا رأيته دون ما يقال فيه، إلا زيد الخيل، فإنه لم يبلغ كل ما فيه» ، ثم سماه زيد الخير، وقطع له فيدا وأرضين معه؛ وكتب له بذلك كتابا، فخرج من عنده راجعا إلى قومه؛ فقال رسول الله ﷺ: «إن ينج زيد من حمى المدينة» يسميها رسول الله ﷺ يومئذ باسم غير الحمى، وغير أم ملدم.\rوقال زيد حين انصرف:\rأنيخت بآجام المدينة أربعا ... وعشرا يغنى فوقها الليل طائر\rفلما قضى أصحابها كل بغية ... وخط كتابا فى الصحيفة ساطر\rشددت عليها رحلها وسليلها ... من الدرس والشعراء والبطن ضامر\rفلما انتهى زيد من بلد نجد إلى ماء من مياهه، يقال له: فردة أصابته الحمى، فمات.\rوقال لما أحس بالموت «٤» :\rأمر تحل قومى المشارقى غدوة ... وأترك فى بيت بفردة منجد","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: طبقات ابن سعد (١/ ٢/ ٤٣) ، البداية والنهاية لابن كثير (٥/ ٨٩) .\r(٢) راجع: المنتظم لابن الجوزى (٣/ ٣٥٦) ، طبقات ابن سعد (١/ ٢/ ٥٩، ٦٥) .\r(٣) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٨٦٦) ، الإصابة الترجمة رقم (٢٩٤٨) ، أسد الغابة الترجمة رقم (١٨٧٧) .\r(٤) انظر الأبيات فى السيرة (٤/ ٢٠٣) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084051,"book_id":3509,"shamela_page_id":614,"part":"1","page_num":612,"sequence_num":614,"body":"ألا رب يوم لو مرضت لعادنى ... عوائد من لم يشف منهن يجهد\rفليت اللواتى عدننى لم يعدننى ... وليت اللواتى غبن عنى شهد\rفلما مات عمدت امرأته إلى ما كان من كتبه التى قطع له رسول الله ﷺ فحرقتها بالنار «١» .\rوأما عدى بن حاتم «٢» ، فكان يقول فيما ذكر عنه: ما من رجل من العرب كان أشد كراهية لرسول الله ﷺ حين سمع به منى، أما أنا فكنت امرأ شريفا، وكنت نصرانيا، وكنت أسير فى قومى بالمرباع، فكنت فى نفسى على دين. وكنت ملكا فى قومى، لما كان يصنع بى قومى، وما كان يصنع فى أهل دينى، فلما سمعت برسول الله ﷺ كرهته، فقلت لغلام كان لى عربى وكان راعيا لإبل لى: لا أبا لك، أعدد لى من إبلى أجمالا ذللا سمانا، فاحتبسها قريبا منى، فإذا سمعت بجيش لمحمد قد وطىء هذه البلاد فآذنى؛ ففعل، ثم إنه أتانى ذات غداة، فقال: يا عدى، ما كنت صانعا إذا غشيك خيل محمد فاصنعه الآن، فإنى قد رأيت رايات، فسألت عنها، فقالوا: هذه جيوش محمد، قلت: فقرب إلى أجمالى، فقربها، فاحتملت بأهلى وولدى، ثم قلت: ألحق بأهل دينى من النصارى بالشام، وخلفت بنتا لحاتم فى الحاضر، فلما قدمت الشام أقمت بها.\rوتخالفنى خيل رسول الله ﷺ فتصيب بنت حاتم فيمن أصابت، فقدم بها على رسول الله ﷺ فى سبايا من طىء، فجعلت بنت حاتم فى حظيرة بباب المسجد، كانت السبايا تحبس فيها، فمر بها رسول الله ﷺ وقد كان بلغه هربى إلى الشام، فقامت إليه، وكانت امرأة جزلة، فقالت: يا رسول الله، هلك الوالد، وغاب الوافد، فامنن علىّ من الله عليك، قال: «ومن وافدك؟» قالت عدى بن حاتم. قال: «الفار من الله ورسوله؟» قالت: ثم مضى وتركنى، حتى إذا كان من الغد مر بى، فقلت له مثل ذلك، وقال لى مثل ما قال بالأمس. قالت: حتى إذا كان بعد الغد مر بى وقد يئست، فأشار إلى رجل من خلفه أن قومى فكلميه؛ فقمت إليه، فقلت: يا رسول الله، هلك الوالد، وغاب","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: طبقات ابن سعد (١/ ٢/ ٥٩) ، تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر (٦/ ٣٦) ، دلائل النبوة للبيهقى (٥/ ٣٣٧) ، تاريخ الطبرى (٢/ ٢٠٣) .\r(٢) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (١٨٠٠) ، الإصابة الترجمة رقم (٥٤٩١) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٣٦١٠) ، طبقات خليفة (٤٦٣، ٩٠٤) ، مروج الذهب (٣/ ١٩٠) ، جمهرة أنساب العرب (٤٠٢) ، تاريخ بغداد (١/ ١٨٩) ، تاريخ الإسلام (٣/ ٤٦) ، تهذيب التهذيب (٧/ ١٦٦) ، تهذيب الكمال (٩٢٥) ، خلاصة تذهيب الكمال (٢٢٣) ، سير أعلام النبلاء (٣/ ١٦٢) ، شذرات الذهب (١/ ٧٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084052,"book_id":3509,"shamela_page_id":615,"part":"1","page_num":613,"sequence_num":615,"body":"الوافد، فامنن على من الله عليك؛ قال رسول الله ﷺ: «قد فعلت، فلا تعجلى بخروج حتى تجدى من قومك من يكون لك ثقة، حتى يبلغك إلى أهلك، ثم آذنينى» .\rفسألت عن الرجل الذى أشار إلى أن كلميه، فقيل: على بن أبى طالب، وأقمت حتى قدم ركب من بلى أو قضاعة، وإنما أريد أن آتى أخى بالشام، فجئت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، قد قدم رهط من قومى، لى فيهم ثقة وبلاغ. فكسانى رسول الله ﷺ وحملنى، وأعطانى نفقة، فخرجت معهم حتى قدمت الشام.\rقال عدى: فو الله إنى لقاعد فى أهلى، إذ نظرت إلى ظعينة تصوب إلى تؤمنا، قلت:\rابنة حاتم؟ فإذا هى هى، فلما وقفت على انسحلت تقول: القاطع الظالم، احتملت بأهلك وولدك، وتركت بقية والدك عورتك، قلت: أى أخية، لا تقولى إلا خيرا، فو الله ما لى من عذر، لقد صنعت ما ذكرت.\rثم نزلت فأقامت عندى، فقلت لها، وكانت امراة حازمة: ماذا ترين فى أمر هذا الرجل؟ قالت: أرى والله أن تلحق به سريعا، فإن يكن الرجل نبيا فللسابق إليه فضله، وإن يك ملكا فلن تذل فى عز اليمن، وأنت أنت، قلت: والله، إن هذا للرأى.\rفخرجت حتى أقدم على رسول الله ﷺ المدينة، فدخلت عليه، وهو فى مسجده، فسلمت عليه، فقال: «من الرجل؟» فقلت: عدى بن حاتم؛ فقام رسول الله ﷺ فانطلق بى إلى بيته، فو الله إنه لعامد بى إليه، إذ لقيته امرأة ضعيفة كبيرة، فاستوقفته، فوقف لها طويلا تكلمه فى حاجتها؛ قال: قلت فى نفسى: والله ما هذا بملك، قال: ثم مضى بى رسول الله ﷺ حتى إذا دخل بى بيته، تناول وسادة من أدم محشوة ليفا، فقذفها إلى؛ فقال: «اجلس على هذه» ، قال: قلت: بل أنت فاجلس عليها، قال: «بل أنت» ، فجلست عليها، وجلس رسول الله ﷺ بالأرض؛ فقلت فى نفسى: والله ما هذا بأمر ملك، ثم قال: «إيه يا عدى بن حاتم! ألم تك ركوسيا؟» قلت: بلى، قال: «أولم تكن تسير فى قومك بالمرباع؟» قلت: بلى، قال: «فإن ذلك لم يكن يحل لك فى دينك» ؛ قلت: أجل والله، وعرفت أنه نبى مرسل يعلم ما يجهل، ثم قال: «لعلك يا عدى إنما يمنعك من الدخول فى هذا الدين ما ترى من حاجتهم، فو الله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه؛ ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه ما ترى من كثرة عدوهم وقلة عددهم، فو الله ليوشكن أن تسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعيرها حتى تزور هذا البيت، لا تخاف؛ ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه أنك ترى أن الملك","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084053,"book_id":3509,"shamela_page_id":616,"part":"1","page_num":614,"sequence_num":616,"body":"والسلطان فى غيرهم، وأيم الله ليوشكن أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم» «١» . قال: فأسلمت.\rوكان عدى يقول: مضت اثنتان وبقيت الثالثة، والله لتكونن. قد رأيت القصور البيض من أرض بابل قد فتحت، وقد رأيت المرأة تخرج من القادسية على بعيرها لا تخاف حتى تحج هذا البيت، وأيم الله لتكونن الثالثة، ليفيض المال حتى لا يوجد من يأخذه.\r\rوفد كندة «٢»\rوقدم على رسول الله ﷺ الأشعث بن قيس فى ثمانين راكبا من كندة، فدخلوا على رسول الله ﷺ مسجده، قد رجلوا جمعهم وتكحلوا، عليهم جباب [الحبرة] «٣» ، قد كففوها بالحرير، فلما دخلوا على رسول الله ﷺ قال: «ألم تسلموا؟» قالوا: بلى، قال:\r«فما بال هذا الحرير فى أعناقكم؟» ، قال: فشقوه منها، فألقوه.\rثم قال له الأشعث بن قيس «٤» : يا رسول الله، نحن بنو آكل المرار، وأنت ابن آكل المرار. فتبسم رسول الله ﷺ وقال: «ناسبوا بهذا النسب العباس بن عبد المطلب، وربيعة ابن الحارث، وكانا إذا خرجا تاجرين فضربا فى بعض العرب فسئلا ممن هما؟ قالا: نحن آكل المرار، يتعززان بذلك، وذلك أن كندة كانوا ملوكا» . ثم قال لهم: لا، بل نحن بنو النضر بن كنانة، لا تقفو أمنا، ولا ننتفى من أبينا» «٥» . وقال جندب بن مكيث «٦» : لقد","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: مجمع الزوائد للهيثمى (٥/ ٣٣٥) ، مستدرك الحاكم (٤/ ٥٨١) .\r(٢) راجع: السيرة (٤/ ٢٠٩- ٢١٠) . المنتظم لابن الجوزى (٣/ ٣٨٢) ، طبقات ابن سعد (١/ ٢/ ٦٤) ، تاريخ الطبرى (٢/ ٦٤) .\r(٣) ما بين المعقوفتين كذا فى الأصل، وفى السيرة: «الحيرة» . وجبب الحيرة: الجبب جمع جبة، وهو ضرب من الثياب، والحيرة: ضرب من برود اليمن.\r(٤) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (١٣٥) ، الإصابة الترجمة رقم (٢٠٥) ، أسد الغابة الترجمة رقم (١٨٥) ، تهذيب التهذيب (١/ ٣٥٩) ، تهذيب الكمال (١١٩) ، خلاصة تذهيب الكمال (٣٩) ، العبر (١/ ٤٢، ٤٦) ، تاريخ خليفة (١١٦، ١٩٣، ١٩٩) .\r(٥) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (٥/ ٢١١، ٢١٢) ، سنن ابن ماجه (٢٦١٢) ، التاريخ الصغير للبخارى (١١، ١٢) ، التاريخ الكبير للبخارى (٧/ ٢٧٤) . مصنف عبد الرزاق (١١/ ٧٤) .\r(٦) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٣٤٥) ، الإصابة الترجمة رقم (٢٣١) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٨٠٧) ، تجريد أسماء الصحابة (١/ ٩١) ، تقريب التهذيب (١/ ١٧٣) ، الثقات (٣/ ٥٧) ، الوافى بالوفيات (١١/ ١٩٤) ، الجرح والتعديل (٢/ ٢١٠٣) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084054,"book_id":3509,"shamela_page_id":617,"part":"1","page_num":615,"sequence_num":617,"body":"رأيت رسول الله ﷺ يوم قدم وفد كندة عليه حلة يمانية يقال: إنها حلة ابن ذى يزن، وعلى أبى بكر وعمر مثل ذلك.\rوكان رسول الله ﷺ إذا قدم عليه الوفد لبس أحسن ثيابه، وأمر عليه أصحابه بذلك.\r\rوفد صداء\rوقدم على رسول الله ﷺ وفد صداء فى سنة ثمان، وذلك أن رسول الله ﷺ لما انصرف من الجعرانة بعث بعوثا إلى اليمن، وهيأ بعثا استعمل عليهم قيس بن سعد بن عبادة، وعقد له لواء أبيض، ورفع له راية سوداء، وعسكر بناحية قناة فى أربعمائة من المسلمين، وأمره أن يطأ ناحية من اليمن كان فيها صداء، فقدم على رسول الله ﷺ رجل منهم وعلم بالجيش، فأتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، جئتك وافدا على من ورائى، فاردد الجيش وأنا لك بقومى، فرد رسول الله ﷺ قيس بن سعد من صدور قناة، وخرج الصدائى إلى قومه، فقدم على رسول الله ﷺ خمسة عشر رجلا منهم، فقال سعد ابن عبادة: يا رسول الله، دعهم ينزلوا على، فنزلوا عليه، فحياهم وأكرمهم وكساهم، ثم راح بهم إلى النبى ﷺ فبايعوه على الإسلام، وقالوا: نحن: لكن على من وراءنا من قومنا، فرجعوا إلى قومهم ففشا فيهم الإسلام، فوافى رسول الله ﷺ منهم مائة رجل فى حجة الوداع.\rذكر هذا الواقدى عن بعض بنى المصطلق. وذكر من حديث زياد بن الحارث الصدائى أنه الذى قدم على رسول الله ﷺ، فقال له: أردد الجيش، وأنا لك بقومى.\rفردهم.\rقال: وقدم وفد قومى، عليه، فقال لى: «يا أخا صداء، إنك لمطاع فى قومك» ، قال:\rقلت: بلى من الله ﷿ ومن رسوله، وكان زياد هذا مع رسول الله ﷺ فى بعض أسفاره. قال: فاعتشى رسول الله ﷺ أى سار ليلا واعتشينا معه، وكنت رجلا قويا، قال: فجعل أصحابه يتفرقون عنه، ولزمت عرزه، فلما كان فى السحر قال: «أذن يا أخا صداء» ، فأذنت على راحلتى، ثم سرنا حتى نزلنا، فذهب لحاجته، ثم رجع فقال: «يا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084055,"book_id":3509,"shamela_page_id":618,"part":"1","page_num":616,"sequence_num":618,"body":"أخا صداء، هل معك ماء؟» قلت: معى شىء فى إداوتى. فقال: «هاته» فجئت به، فقال:\r«صب» ، فصببت ما فى الإداوة فى القعب، وجعل أصحابه يتلاحقون، ثم وضع كفه على الإناء، فرأيت بين كل أصبعين من أصابعه عينا تفور، ثم قال: «يا أخا صداء، لولا انى أستحى من ربى لسقينا واستقينا» ، ثم توضأ، وقال: «أذن فى صحابى. من كانت له حاجة بالوضوء فليرد» . قال: فوردوا من آخرهم، ثم جاء بلال يقيم، فقال رسول الله ﷺ: «إن أخا صداء قد أذن، ومن أذن فهو يقيم» ، فأقمت، ثم تقدم رسول الله ﷺ فصلى بنا، وكنت سألته قبل أن يؤمرنى على قومى ويكتب لى بذلك كتابا، ففعل، فلما سلم يريد من صلاته قام رجل يتشكى من عامله، فقال: يا رسول الله، إنه أخذنا بدخول كانت بيننا وبينه فى الجاهلية، فقال رسول الله ﷺ: «لا خير فى الإمارة لرجل مسلم، ثم قام رجل فقال: يا رسول الله، أعطنى من الصدقة، فقال رسول الله ﷺ: «إن الله لم يكل قسمها إلى ملك مقرب، ولا نبى مرسل، حتى جزأها على ثمانية أجزاء، فإن كانت جزآ منها أعطيتك، وإن كنت عنها غنيا فإنما هو صداع فى الرأس وداء فى البطن» .\rفقلت فى نفسى: هاتان خصلتان حين سألت الإمارة وأنا رجل مسلم وسألته من الصدقة وأنا غنى عنها، فقلت: يا رسول الله، هذان كتاباك فاقبلهما، فقال رسول الله ﷺ:\r«ولم؟» قلت: إنى سمعتك تقول: «لا خير فى الإمارة لرجل مسلم وأنا مسلم» ، وسمعتك تقول: «من سأل من الصدقة وهو عنها غنى فإنما هى صداع فى الرأس وداء البطن» ، وأنا غنى. فقال رسول الله ﷺ: «أما إن الذى قلت كما قلت لك» ، فقتلهما رسول الله ﷺ ثم قال: دلنى على رجل من قومك استعمله، فدللته على رجل فاستعمله، قلت: يا رسول الله، إن لنا بئرا إذا كان الشتاء كفانا ماؤها، وإذا كان الصيف قل علينا فتفرقنا على المياه، والإسلام اليوم فينا قليل، ونحن نخاف، فادع الله ﷿ لنا فى بئرنا. فقال رسول الله ﷺ: «ناولنى سبع حصيات» ، فناولته فعركهن بيده، ثم دفعهن إلى، وقال: «إذا انتهيت إليها فألق فيها حصاة وسم الله» . قال: ففعلت، فما أدركنا لها قعرا حتى الساعة «١» .\r***","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: المعجم الكبير للطبرانى (٥/ ٣٠٣) ، طبقات ابن سعد (١/ ٢/ ٦٣) ، دلائل النبوة للبيهقى (٥/ ٣٥٥) ، كنز العمال للمتقى الهندى (٣٧٠٧٥) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٥/ ٢٠٣) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084056,"book_id":3509,"shamela_page_id":619,"part":"1","page_num":617,"sequence_num":619,"body":"وفد غسان «١»\rوقدم على رسول الله ﷺ وفد غسان.\rقالوا أو من قاله منهم فيما ذكر الواقدى عنهم: قدمنا على رسول الله ﷺ فى رمضان سنة عشر، ونحن ثلاثة نفر، فلما كنا برأس الثنية لقينا رجل على فرس متنكب قوسا، فحيانا بتحية الإسلام، فرددنا عليه تحيتنا، فقال: من أنتم؟ قلنا: رهط من غسان، قد قدمنا على محمد نسمع من كلامه ونرتاد لقومنا، قال: فانزلوا حيث ينزل الوفد، قلنا:\rوأين ينزل الوفد؟ قال: دار رملة بنت الحارث، ويقال: الحارث، ثم ائتوا رسول الله ﷺ فكلموه، قلنا: ونقدر عليه كلما أردنا؟ قال: فتبسم، فقال: أى لعمرى، إنه ليطوف بالأسواق ويمشى وحده، وكنا قوما نسمع كلام النصارى وصفتهم رسول الله ﷺ، وأنه يمشى وحده لا شرطة معه، ويرعب من يراه منهم، فقلنا للرجل: من أنت لك الجنة؟\rقال: أنا أبو بكر بن أبى قحافة، فقلنا: أنت فيما يزعم النصارى تقوم بهذا الأمر بعده، قال أبو بكر: الأمر إلى الله ﷿، ثم قال: كيف تخدعون عن الإسلام وقد خبركم أهل الكتاب بصفته، وأنه آخر الأنبياء؟ قلنا: هو ذاك، فمضى ومضينا نسأل عن دار رملة حتى انتهينا إليها فنصادف وفودا من العرب كلهم مصدق بمحمد ﷺ، فقلنا فيما بيننا: أترانا شر من نزى من العرب؟ ثم خرجنا حتى نلقى رسول الله ﷺ عند باب المسجد واقفا، فأمدنا ببصره، وقال: «أنتم الغسانيون؟» قلنا: نعم، قال: «قدمتم مرتادين لقومكم فما انتفعتم بعلم من كان معكم من أهل الكتاب» . قلنا: يا محمد، لم نر أحدا منهم اتبعك، فوقفنا عنك لذلك، ونحن الآن على غير ما كنا عليه، فالإم تدعو؟ قال:\r«أدعو إلى الله وحده لا شريك له، وخلع ما دعى من دونه، وأنى رسول الله» . قال قائلهم: فمن معك من اتباعك؟ قال: «الله جل وعز معى والملائكة: جبريل وميكائيل، والأنبياء، وصالح المؤمنين» ، ثم التفت ونظر إلى عمر، ولم ير أبا بكر، فقال: «هذا وصاحبه» ، قلنا: ابن أبى قحافة؟ قال: «نعم» ، قلنا: إنك لتأوى إلى ركن شديد، وقد صدقناك، وشهدنا أن ما جئت به حق، ولا ندرى أيتبعنا قومنا أم لا، وهم يحبون بقاء ملكهم وقرب قيصر «٢» .\rثم أسلموا، وأجازهم رسول الله ﷺ بجوائز، وانصرفوا راجعين، فقدموا على قومهم،","footnotes":"(١) راجع: المنتظم لابن الجوزى (٣/ ٣٨٢) ، طبقات ابن سعد (١/ ٢/ ٧١) ، تاريخ الطبرى (٣/ ١٣٠) .\r(٢) انظر الحديث فى: تاريخ الطبرى (٣/ ١٣٠) ، طبقات ابن سعد (١/ ٢/ ٧١) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084057,"book_id":3509,"shamela_page_id":620,"part":"1","page_num":618,"sequence_num":620,"body":"فلم يستجيبوا لهم، وكتموا إسلامهم حتى مات منهم رجلان على الإسلام، وأدرك الثالث منهم عمر بن الخطاب عام اليرموك، فلقى أبا عبيدة فخبره بإسلامه، فكان يكرمه.\r\rوفد سلامان «١»\rوذكر الواقدى أيضا بإسناد له: أن خبيب بن عمرو السلامانى كان يحدث قال:\rقدمنا وفد سلامان على رسول الله ﷺ، ونحن سبعة نفر، فانتهينا إلى باب المسجد، فصادفنا رسول الله ﷺ خارجا منه إلى جنازة دعى إليها، فلما رأيناه قلنا يا رسول الله، السلام عليك. فقال رسول الله ﷺ: «وعليكم السلام، من أنتم؟» قلنا: نحن من سلامان، قدمنا عليك لنبايعك على الإسلام، ونحن على من وراءنا من قومنا. فالتفت إلى ثوبان غلامه، فقال: «أنزل هؤلاء حيث ينزل الوفد» ، فخرج بنا ثوبان حتى انتهى بنا إلى دار واسعة فيها نخل وفيها وفود من العرب، وإذا هى دار رملة بنت الحارث النجارية، فلما سمعنا أذان الظهر خرجنا إلى الصلاة، فقمنا على باب رسول الله ﷺ حتى خرج إلى المسجد، فصلى بالناس وهو يتصفحنا، ودخل بيته فلم يلبث أن خرج، فجلس فى المسجد بين المنبر وبين بيته، وجلست عليه أصحابه، عن يمينه وعن شماله، فرأيت رجلا هو أقرب القوم منه، يكثر ما يلتفت إليه، ويحدثه. فسألت عنه، فقيل: أبو بكر بن أبى قحافة، وجئنا فجلسنا تجاه وجهه، وجعل الوفد يسألونه عن شرائع الإسلام، فلم يكد سائلهم يقطع حتى خشيت أن يقوم رسول الله ﷺ فقلت: إنا نريد ما تريد، فتبسم رسول الله ﷺ وأسكت السائل، فقلت: أى رسول الله، ما أفضل الأعمال؟ قال:\r«الصلاة فى وقتها» ، ثم ذكر حديثا طويلا.\rقال: ثم جاء بلال، فأقام الصلاة، فقام رسول الله ﷺ، فصلى بالناس العصر، فكانت صلاة العصر أخف فى القيام من الظهر، ثم دخل بيته، فلم ينشب أن خرج فجلس فى مجلسه الأول، وجلس معه أصحابه، وجئنا فجلسنا، فلما رآنى قال: «يا أخا سلامان» ، قلت: لبيك، قال: «كيف البلاد عندكم؟» قلت: أى رسول الله، مجدبة، وما لنا خير من البلاد، فادع الله أن يسقينا فى بلادنا، فنقر فى أوطاننا ولا نسير إلى بلاد غيرنا، فإن النجع تفرق الجميع وتشتت الديار. فقال رسول الله ﷺ بيده: «اللهم اسقهم الغيث فى","footnotes":"(١) راجع: المنتظم لابن الجوزى (٣/ ٣٨٠- ٣٨١) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084058,"book_id":3509,"shamela_page_id":621,"part":"1","page_num":619,"sequence_num":621,"body":"ديارهم» ، فقلت: يا رسول الله، ارفع يديك، فإنه أكثر وأطيب، فتبسم رسو الله ﷺ، ورفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه، ثم قام وقمنا عنه، فأقمنا ثلاثا وضيافته تجرى علينا، ثم ودعناه، وأمر لنا بجوائز، فأعطينا خمس أواقى، لكل رجل منا، واعتذر إلينا بلال، وقال: ليس عندنا مال اليوم، فقلنا: ما أكثر هذا وأطيبه، ثم رحلنا إلى بلادنا فوجدناها قد مطرت فى اليوم الذى دعا فيه رسول الله ﷺ فى تلك الساعة «١» .\rقال الواقدى: وكان مقدمهم على رسول الله ﷺ فى شوال سنة عشر.\r\rوفد بنى عبس\rقال: وقدم على رسول الله ﷺ وفد بنى عبس، فقالوا: يا رسول الله، قدم علينا قراؤنا، فأخبرونا أنه لا إسلام لمن لا هجرة له، ولنا أموال ومواش، وهى معايشنا، فإن كان لا إسلام لمن لا هجرة له فلا خير فى أموالنا، بعناها وهاجرنا من آخرنا، فقال رسول الله ﷺ: «اتقوا الله حيث كنتم، فلن يلتكم الله من أعمالكم شيئا» ، وسألهم رسول الله ﷺ عن خالد بن سنان، هل له عقب؟ فأخبروه أنه لا عقب له، كانت له ابنة فانقرضت، وأنشأ رسول الله ﷺ يحدث أصحابه عن خالد بن سنان، فقال: «نبى ضيعه قومه» «٢» .\r\rوفد الأزد ووفد جرش»\rقال ابن إسحاق «٤» : وقدم على رسول الله ﷺ صرد بن عبد الله الأزدى، فأسلم، وحسن إسلامه، فى وفد من الأزد، فأمره رسول الله ﷺ على من أسلم من قومه. وأمره أن يجاهد بمن أسلم من كان يليه من أهل الشرك من قبائل اليمن.\rفخرج صرد بن عبد الله يسير بأمر رسول الله ﷺ حتى نزل بجرش، وهى يومئذ مدينة مغلقة، وبها قبائل من قبائل اليمن، وقد ضوت إليها خثعم، فدخلوها معهم حين","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: طبقات ابن سعد (١/ ٢/ ٦٧) .\r(٢) انظر الحديث فى: طبقات ابن سعد (١/ ٢/ ٤٢) .\r(٣) راجع: المنتظم لابن الجوزى (٣/ ٣٨١) ، طبقات ابن سعد (١/ ٢/ ٧١) ، تاريخ الطبرى (٣/ ١٣٠) ، البداية والنهاية (٥/ ٨٤) .\r(٤) انظر: السيرة (٤/ ٢١١- ٢١٢) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084059,"book_id":3509,"shamela_page_id":622,"part":"1","page_num":620,"sequence_num":622,"body":"سمعوا بمسير رسول الله ﷺ إليهم، فحاصروهم فيها قريبا من شهر، وامتنعوا فيها منه، ثم إنه رجع عنهم قافلا، حتى إذا كان إلى جبل يقال له: شكر، ظن أهل جرش أنه إنما ولى عنهم منهزما، فخرجوا فى طلبه، حتى إذا أدركوه عطف عليهم، فقتلهم قتلا شديدا.\rوقد كان أهل جرش بعثوا رجلين منهم إلى رسول الله ﷺ بالمدينة يرتادان وينظران؛ فبينما هما عند رسول الله ﷺ عشية بعد العصر، إذ قال رسول الله ﷺ: «بأى بلاد الله شكر؟» فقال الجرشيان: ببلادنا جبل يقال له: كشر وكذلك يسميه أهل جرش فقال:\r«إنه ليس بكشر، ولكنه شكر» ، قالا: فما شأنه يا رسول الله؟ قال: «إن بدن الله لتنحر عنده الآن» ، فجلس الرجلان إلى أبى بكر أو إلى عثمان، فقال لهما: ويحكما! إن رسول الله ﷺ الآن لينعى لكما قومكما، فقوموا فاسألاه أن يدعو الله ان يرفع عن قومكما؛ فقاما إليه، فسألاه عن ذلك، فقال: «اللهم ارفع عنهم» ، فخرجا من عند رسول الله ﷺ راجعين إلى قومهما، فوجدوا قومهما أصابهم صرد بن عبد الله فى اليوم الذى قال فيه رسول الله ﷺ ما قال: وفى الساعة التى ذكر فيها ذكر «١» .\rفخرج وفد جرش حتى قدموا على رسول الله ﷺ فأسلموا، وحمى لهم حمى حول قريتهم، على أعلام معلومة، للفرس والراحلة وللميرة، بقرة الحرث، فمن رعاه من الناس فماله سحت.\rفقال فى تلك الغزوة رجل من الأزد، وكانت خثعم تصيب من الأزد فى الجاهلية، وكانوا يعدون فى الشهر الحرام «٢» :\rيا غزوة ما غزونا غير خائبة ... فيها البغال وفيها الخيل والحمر\rحتى أتينا حميرا فى مصانعها ... وجمع خثعم قد شاعت لها النذر\rإذا وضعت غليلا كنت أحمله ... فما أبالى أدانوا بعد أم كفروا\r\rوفد غامد\rقال الواقدى: وقدم على رسول الله ﷺ وفد غامد سنة عشر، وهم عشرة، فنزلوا فى","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (٥/ ٣٧٢، ٣٧٣) ، البداية والنهاية لابن كثير (٥/ ٧٤، ٧٥) .\r(٢) انظر الأبيات فى: السيرة (٤/ ٢١٢) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084060,"book_id":3509,"shamela_page_id":623,"part":"1","page_num":621,"sequence_num":623,"body":"بقيع الغرقد، وهو يومئذ أثل وطرفاء، ثم انطلقوا إلى رسول الله ﷺ وخلفوا فى رحلهم أحدثهم سنا، فنام عنه، وأتى سارق فسرق عيبة لأحدهم فيها أثواب له، وانتهى القوم إلى رسول الله ﷺ فسلموا عليه وأقروا له بالإسلام، وكتب لهم كتابا فيه شرائع الإسلام، وقال لهم: «من خلفتم فى رحالكم؟» قالوا: أحدثنا يا رسول الله، قال: «فإنه قد نام عن متاعكم حتى أتى آت فأخذ عيبة أحدكم» ، فقال أحد القوم: يا رسول الله، ما لأحد من القوم عيبة غيرى. فقال رسول الله ﷺ: «قد أخذت، وردت إلى موضعها» فخرج القوم سراعا حتى أتو رحلهم، فوجدوا صاحبهم، فسألوه عما خبرهم رسول الله ﷺ، فقال: فزعت من نومى ففقدت العيبة، فقمت فى طلبها، فإذا رجل قد كان قاعدا، فلما رآنى ثار يعدو منى، فانتهيت إلى حيث انتهى، فإذا أثر حفر، وإذا هو قد غيب العيبة، فاستخرجتها، فقالوا: نشهد أنه رسول الله، فإنه قد أخبرنا بأخذها، وأنها قد ردت، فرجعوا إلى النبى فأخبروه، وجاء الغلام الذى خلفوه فأسلم.\rوأمر النبى ﷺ أبى بن كعب «١» ، فعلمهم قرآنا، وأجازهم ﷺ كما كان يجيز الوفود، وانصرفوا.\r\rوفد بنى الحارث بن كعب «٢»\rقال ابن إسحاق «٣» : وبعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد فى شهر ربيع الآخر أو جمادى الأولى سنة عشر إلى بنى الحارث بن كعب بنجران، وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم ثلاثا، فإن استجابوا فأقبل منهم، وإن لم يفعلوا فقاتلهم، فخرج خالد بن الوليد حتى قدم عليهم، فبعث الركبان يضربون فى كل وجه، ويدعون إلى الإسلام، ويقولون: أيها الناس، أسلموا تسلموا، فأسلم الناس، ودخلوا فيما دعوا إليه،","footnotes":"(١) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٦) ، الإصابة الترجمة رقم (٣٢) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٣٤) ، طبقات خليفة (٨٨، ٨٩) ، تاريخ خليفة (١٦٧) ، الجرح والتعديل (٢/ ٢٩٠) ، حلية الأولياء (١/ ٢٥٠) ، شذرات الذهب (١/ ٣٢، ٣٣) ، تهذيب التهذيب (١/ ١٨٧) ، تهذيب الكمال (٧٠) ، خلاصة تذهيب الكمال (٢٤) ، طبقات القراء (١/ ٣١) ، تذكرة الحفاظ (١/ ١٦) ، العبر (١/ ٢٣) ، الاستبصار (٤٨) .\r(٢) راجع: المنتظم لابن الجوزى (٣/ ٣٧٩- ٣٨٠) ، طبقات ابن سعد (١/ ٢/ ٧٢) ، تاريخ الطبرى (٣/ ١٢٦) ، البداية والنهاية (٥/ ٨٨) .\r(٣) انظر: السيرة (٤/ ٢١٥- ٢١٧) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084061,"book_id":3509,"shamela_page_id":624,"part":"1","page_num":622,"sequence_num":624,"body":"فأقام فيهم خالد يعلمهم الإسلام وكتاب الله وسنة نبيه، وبذلك كان أمره رسول الله ﷺ إن هم أسلموا ولم يقاتلوا. ثم كتب خالد إلى رسول الله ﷺ: بسم الله الرحمن الرحيم، لمحمد النبى رسول الله من خالد بن الوليد، السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو: أما بعد يا رسول الله صلى الله عليك فإنك بعثتنى إلى بنى الحارث بن كعب، وأمرتنى إذا أتيتهم أن لا أقاتلهم ثلاثة أيام، وأن أدعوهم إلى الإسلام، فإن أسلموا قبلت منهم، وعلمتهم معالم الإسلام وكتاب الله وسنة نبيه، وإن لم يسلموا قاتللهم، وإنى قدمت عليهم، فدعوتهم إلى الإسلام ثلاثة أيام، كما أمرنى رسول الله ﷺ وبعثت فيهم ركبانا، فقالوا: يا بنى الحارث، أسلموا تسلموا، فأسلموا ولم يقاتلوا، وأنا مقيم بين أظهرهم، آمرهم بما أمرهم الله به، وأنهاهم عن ما نهاهم الله عنه، وأعلمهم معالم الإسلام وسنة النبى ﷺ حتى يكتب إلى رسول الله ﷺ، والسلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته.\rفكتب إليه رسول الله ﷺ: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد النبى، رسول الله إلى خالد بن الوليد، سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو. أما بعد، فإن كتابك جاءنى مع رسولك يخبر أن بنى الحارث بن كعب قد أسلموا قبل أن تقاتلهم، وأجابوا إلى ما دعوتهم إليه من الإسلام، وشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن قد هداهم الله بهداه فبشرهم وأنذرهم وأقبل وليقبل معك وفدهم، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته» .\rفأقبل خالد إلى رسول الله ﷺ وأقبل معه وفد بنى الحارث بن كعب، منهم قيس بن الحصين «١» ذو الغصة، ويزيد بن عبد المدان «٢» ، ويزيد بن المحجل، وعبد الله بن قراد الزيادى «٣» ، وشداد بن عبد الله القنانى «٤» ، وعمرو بن عبد الله الضبابى «٥» ، فلما قدموا","footnotes":"(١) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٢١٥٢) ، الإصابة الترجمة رقم (٧١٧٥) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٤٣٤٠) ، تجريد أسماء الصحابة (٢/ ١٩) ، الثقات (٣/ ٣٤١) ، الطبقات الكبرى (١/ ٢٦٨، ٣٣٩) ، الجرح والتعديل (٧/ ٩٥) .\r(٢) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٢٨١٦) ، الإصابة الترجمة رقم (٩٣٠٩) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٥٥٨٦) .\r(٣) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (١٦٥٣) وفيه: «عبد الله بن قريط الزيادى» ، الإصابة الترجمة رقم (٤٩١١) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٣١٢٩) .\r(٤) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (١١٦٥) ، الإصابة الترجمة رقم (٣٨٧٣) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٢٣٩٧) .\r(٥) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (١٩٥٥) ، الإصابة الترجمة رقم (٥٩١١) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٣٩٧٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084062,"book_id":3509,"shamela_page_id":625,"part":"1","page_num":623,"sequence_num":625,"body":"على رسول الله ﷺ فرآهم قال: «من هؤلاء القوم الذين كأنهم رجال الهند؟» يعنى فى الطول والسمرة قيل: يا رسول الله، هؤلاء بنو الحارث بن كعب، فلما وقفوا عليه سلموا، وقالوا: نشهد أنك لرسول الله، وأنه لا إله إلا الله؛ قال: «وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله» ، ثم قال: «أنتم الذين إذا زجروا استقدموا» ، فسكتوا، فلم يراجعه منهم أحد، ثم أعادها الثانية، فلم يراجعه منهم أحد، ثم أعادها الثالثة، فلم يراجعه منهم أحد، ثم أعادها الرابعة، فقال يزيد بن عبد المدان: نعم، يا رسول الله، نحن الذين إذا زجروا استدقموا، قالها أربع مرات، فقال رسول الله ﷺ: «لو أن خالدا لم يكتب إلى بأنكم أسلمتم ولم تقاتلوا لألقيت رؤسكم تحت أقدامكم» . فقال يزيد بن عبد المدان: أما والله ما حمدناك ولا حمدنا خالدا، قال: «فمن حمدتم؟» قالوا: حمدنا الله الذى هدانا بك يا رسول الله، قال: «صدقتم» ، ثم قال رسول الله ﷺ: «بم كنتم تغلبون من قاتلكم فى الجاهلية» ؟ قالوا: لم نك نغلب أحدا؛ قال: «بلى، قد كنتم تغلبون من قاتلكم» . قالوا: كنا نغلب من قاتلنا يا رسول الله، إنا كنا نجتمع ولا نفترق ولا نبدأ أحدا بظلم؛ قال: «صدقتم» . وأمر رسول الله ﷺ على بنى الحارث بن كعب قيس بن الحصين «١» .\rفرجع وفد بنى الحارث إلى قومهم فى بقية شوال أو فى صدر ذى القعدة، فلم يمكثوا بعد أن رجعوا إلى قومهم إلا أربعة أشهر، حتى توفى رسول الله ﷺ.\rوقد كان رسول الله ﷺ بعث إليهم بعد أن ولى وفدهم عمرو بن حزم «٢» ، ليفقههم فى الدين، ويعلمهم السنة ومعالم الإسلام، ويأخذ منهم صدقاتهم، وكتب لهم كتابا","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (٥/ ٤١١، ٤١٢) ، الطبقات الكبرى لابن سعد (١/ ٣٣٩، ٣٤٠) .\r(٢) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (١٩٢٩) ، الإصابة الترجمة رقم (٥٨٢٦) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٣٩٠٥) ، نسب قريش (٢٣٣) ، طبقات خليفة (٢٠) ، التاريخ الكبير (٦/ ٣٠٥) ، تاريخ الثقات للعجلى (٣٦٣) ، المعرفة والتاريخ (١/ ٣٢٣) ، أنساب الأشراف (١/ ٢٢٨) ، مشاهير علماء الأمصار الترجمة رقم (٢٨٦) ، مروج الذهب (١٨٩٦) ، الجرح والتعديل (٦/ ٢٢٦) ، سير أعلام النبلاء (٣/ ٤١٧) ، العقد الثمين (٦/ ٣٦٨) ، تهذيب التهذيب (٨/ ١٧) ، تقريب التهذيب (٢/ ٦٧) ، تذهيب التهذيب (٢٤٤) ، تاريخ الإسلام (٢/ ٤٩٢) ، شذرات الذهب (١/ ٩٥) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084063,"book_id":3509,"shamela_page_id":626,"part":"1","page_num":624,"sequence_num":626,"body":"عهد إليه فيه عهده، وأمره فيه أمره:\r«بسم الله الرحمن الرحيم، هذا بيان من الله ورسوله، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة: ١] ، عهد من محمد النبى رسول الله، ﷺ لعمرو بن حزم، حين بعثه إلى اليمن، أمره بتقوى الله فى أمره كله، فإن الله مع الذين اتقوا. والذين هم محسنون، وأمره أن يأخذ بالحق كما أمره الله، وأن يبشر الناس بالخير، ويأمرهم به، ويعلم الناس القرآن ويفقههم فيه، وينهى الناس، فلا يمس القرآن إنسان إلا وهو طاهر، ويخبر الناس بالذى لهم، والذى عليهم، ويلين للناس فى الحق، ويشتد عليهم فى الظلم، فإن الله كره الظلم ونهى عنه، فقال: أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ، ويبشر الناس بالجنة وبعملها، وينذر الناس النار وعملها، ويتألف الناس حتى يفقهوا فى الدين، ويعلم الناس معالم الحج وسننه وفرائضه، وما أمر الله به، والحج الأكبر، والحج الأصغر هو العمرة وينهى الناس أن يصلى أحد فى ثوب واحد صغير، إلا أن يكون ثوبا يثنى طرفيه على عاتقيه، وينهى أن يجتبى أحد فى ثوب واحد يفضى بفرجه إلى السماء، وينهى أن لا يعقص أحد شعر رأسه فى قفاه، وينهى إذا كان بين الناس هيج عن الدعاء إلى القبائل والعشائر، ولتكن دعواهم إلى الله وحده لا شريك له. فمن لم يدع إلى الله، ودعا إلى القبائل والعشائر فليقطفوا بالسيف، حتى تكون دعواهم إلى الله وحده لا شريك له، ويأمر الناس بإسباغ الوضوء وجوههم وأيديهم إلى المرافق وأرجلهم إلى الكعبين، ويمسحوا برؤسهم كما أمرهم الله، وأمر بالصلاة لوقتها وإتمام الركوع والسجود يغلس بالصبح، ويهجر بالهاجرة حين تميل الشمس، وصلاة العصر والشمس فى الأرض مدبرة، والمغرب حين يقبل الليل، لا تؤخر حتى تبدو النجوم فى السماء، والعشاء أول الليل، وأمره بالسعى إلى الجمعة إذا نودى لها، والغسل عند الرواح إليها، وأمره أن يأخذ من المغانم خمس الله، وما كتب على المؤمنين فى الصدقة من العقار عشر ما سقت السماء وسقت العين، وعلى ما سقى الغرب نصف العشر، وفى كل عشر من الإبل شاتان، وفى كل عشرين أربع شاة، وفى كل أربعين من البقر بقرة، وفى كل ثلاثين من البقر تبيع جذع أو جذعة، وفى كل أربعين من الغنم سائمة وحدها، شاة، فإنها فريضة الله التى افترض على المؤمنين فى الصدقة، فمن زاد خيرا فهو خير له، وإنه من أسلم من يهودى أو نصرانى إسلاما خالصا من نفسه، ودان بدين الإسلام، فإنه من المؤمنين، له مثل ما لهم، وعليه مثل ما عليهم، ومن كان على نصرانيته أو يهوديته فإنه لا يرد عنها أى لا يفتن وعلى كل حالم: ذكر أو أنثى، حر أو عبد، دينار واف أو عوضه ثيابا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084064,"book_id":3509,"shamela_page_id":627,"part":"1","page_num":625,"sequence_num":627,"body":"فمن أدى ذلك، فإن له ذمة الله وذمة رسوله ومن منع ذلك، فإنه عدو لله ولرسوله وللمؤمنين جميعا، صلوات الله على محمد، والسلام عليه ورحمة الله وبركاته» «١» .\r\rوفد بنى حنيفة «٢»\rوقدم على رسول الله ﷺ وفد بنى حنيفة، فيهم مسيلمة بن حبيب الحنفى الكذاب.\rقال ابن إسحاق «٣» : فحدثنى بعض علمائنا من أهل المدينة: أن بنى حنيفة أتت به رسول الله ﷺ تستره بالثياب، ورسول الله جالس فى أصحابه، معه عسيب من سعف النخل، فى رأسه خوصات؛ فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ وهم يسترونه بالثياب، كلمه وسأله، فقال رسول الله ﷺ: «لو سألتنى هذا العسيب ما أعطيتكه» «٤» .\rقال: وقد حدثنى شيخ من بنى حنيفة من أهل اليمامة أن حديثه كان على غير هذا.\rزعم أن وفد بنى حنيفة اتوا رسول الله ﷺ وخلفوا مسيلمة فى رحالهم، فلما أسلموا ذكروا مكانه، فقالوا: يا رسول الله، إنا قد خلفنا صاحبا لنا فى رحالنا أو فى ركابنا يحفظها لنا، قال: فأمر له رسول الله ﷺ بمثل ما أمر به للقوم، وقال: «أما إنه ليس بشركم مكانا» أى لحفظه ضيعة أصحابه ذلك الذى يريد رسول الله ﷺ «٥» .\rقال: ثم انصرفوا عن رسول الله ﷺ وجاؤه بما أعطاه، فلما انتهوا إلى اليمامة ارتد عدو الله وتنبأ وتكذب لهم، وقال: إنى قد أشركت فى الأمر معه، وقال لوفده الذين كانوا معه: ألم يقل لكم حين ذكرتمونى له: «أما إنه ليس بشركم مكانا» ؟ ما ذاك إلا لما كان يعلم إنى قد أشركت فى الأمر معه؛ ثم جعل يسجع لهم، ويقول فيما يقول مضاهاة للقرآن: لقد أنعم الله على الحبلى، أخرج منها نسمة تسعى، من بين صفاق وحشى، وأحل لهم الخمر والزنا، ووضع عنهم الصلاة، وهو مع ذلك يشهد لرسول الله","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: سنن النسائى (٨/ ٤٨٦٨) ، مستدرك الحاكم (١/ ٣٩٧) ، السنن الكبرى للبيهقى (٨/ ٧٣، ١٠٠) .\r(٢) راجع: المنتظم لابن الجوزى (٣/ ٣٨٢) ، البداية والنهاية لابن كثير (٥/ ٤٥) ، تاريخ الطبرى (٣/ ١٣٧) .\r(٣) انظر: السيرة (٤/ ٢٠١- ٢٠٣) .\r(٤) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (٥/ ٣٥٠) ، صحيح البخارى (٧/ ٤٣٧٣) .\r(٥) انظر الحديث فى: فتح البارى لابن حجر (٧/ ٦٩١) ، الطبقات الكبرى لابن سعد (١/ ٣١٧) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084065,"book_id":3509,"shamela_page_id":628,"part":"1","page_num":626,"sequence_num":628,"body":"صلى الله عليه وسلم بأنه نبى، فأصفقت معه حنيفة على ذلك. فالله أعلم أى ذلك كان «١» .\rوذكر الواقدى إنه قدم فى وفد بنى حنيفة الرحال بن عنفوة، وأنه كان أيام مقام الوفد يختلف إلى أبى كعب، يتعلم القرآن وشرائع الإسلام، حتى كان الرحال عندهم أفضل من كان وفد عليهم لما يرون من حرصه، فلما تنبأ مسيلمة بعد وفاة رسول الله ﷺ له الرحال بن عنفوة أن رسول الله ﷺ أشركه فى الأمر، فافتتن الناس.\r\rوفد همدان\rقال ابن هشام «٢» : وقدم وفد همدان على رسول الله ﷺ فيهم مالك بن نمط، وأبو ثور، وهو ذو المشعار، ومالك بن أيفع، وضمام بن مالك السلمانى، وعميرة ابن مالك الخارقى، فلقوا رسول الله ﷺ مرجعه من تبوك، وعليهم مقطعات الحبرات، والعمائم العدنية، برحال الميس على المهرية والأرحبية، ومالك بن نمط ورجل آخر يرتجزان بالقوم، يقول أحدهما:\rهمدان خير سوقة وأقيال ... ليس لها فى العالمين أمثال «٣»\rمحلها الهضب ومنها الأبطال ... لها إطابات وآكال «٤»\rويقول الآخر:\rإليك جاوزن سواد الريف ... فى هبوات الصيف والخريف\rمخطمات بحبال الليف «٥»\rفقام مالك بن نمط «٦» بين يديه، ثم قال: يا رسول الله، نصيّة من همدان، من كل حاضر وباد، أتوك على قلص نواج، متصلة بحبائل الإسلام، لا تأخذهم فى الله لومة لائم، من مخلاف خارف، ويام وشاكر، أهل السواد والقود، أجابوا دعوة الرسول","footnotes":"(١) انظر: السيرة (٤/ ٢٠٢) .\r(٢) انظر: السيرة (٤/ ٢٢٠) .\r(٣) السوقة: الذين دون الملوك من الناس، الأقيال: هم الذين يلون الملك فى المنزلة.\r(٤) الهضب: الأمكنة المرتفعة، واحدها هضبة. الأطابات: الأموال الطيبة.\r(٥) انظر الأبيات فى: السيرة (٤/ ٢٠٢) .\r(٦) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٢٢٣٨) ، الإصابة الترجمة رقم (٧٧١٠) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٤٦٥١) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084066,"book_id":3509,"shamela_page_id":629,"part":"1","page_num":627,"sequence_num":629,"body":"وفارقوا آلهات الأنصاب، عهدهم لا ينقض ما أقامت لعلع، وما جرى اليعفور بصلع.\rفكتب لهم رسول الله ﷺ كتابا فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، كتاب من رسول الله لمخلاف خارف، وأهل جناب الهضب، وخقاف الرمل، مع وافدها ذى المشعار مالك بن نمط، ومن أسلم من قومه، على أن لهم فراعها ووهاطها، ما أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، يأكلون علافها، ويرعون عافيها، لهم بذلك عهد الله وذمام رسوله، وشاهدهم المهاجرون والأنصار» «١» .\rفقال فى ذلك مالك بن نمط «٢» :\rذكرت رسول الله فى فحمة الدجى ... ونحن بأعلى رحرحان وصلدد\rوهن بنا خوض طلائع تغتلى ... بركبانها فى لا حب متمدد\rعلى كل فتلاء الذراعين جسرة ... تمر بنا مرا لهجف الخفيدد\rحلفت برب الراقصات إلى منى ... صوادى بالركبان من ظهر قردد\rبأن رسول الله فينا مصدق ... رسول أتى من عند ذى العرش مهتد\rفما حملت من ناقة فوق رحلها ... أشد على أعدائه من محمد\rوأعطى إذا ما طالب العرف جاءه ... وأمضى بحد المشرفى المهند\r\rوفد النخع\rقال الواقدى: وقدم على رسول الله وفد النخع، وهم آخر وفد، قدموا للنصف من المحرم سنة إحدى عشرة من الهجرة، فى مائتى رجل، فنزلوا دار الأضياف، ثم جاؤا رسول الله ﷺ مقرين بالإسلام، وقد كانوا بايعوا معاذ ابن جبل باليمن. فقال رجل منهم، يقال له زرارة بن عمرو «٣» : يا رسول الله إنى رأيت فى سفرى هذا عجبا، قال:\r«وما رأيت» ؟ قال: رأيت أتانا تركتها فى الحى كأنها ولدت جديا أسفع أحوى، فقال له رسول الله ﷺ: «هل تركت أمة لك مصرة على حمل» ؟ قال: نعم، قال: «فإنها قد","footnotes":"(١) ذكره ابن الأثير فى أسد الغابة (٥/ ٥١، ٥٢) ، ابن حجر فى الإصابة (٦/ ٣٦) .\r(٢) انظر الأبيات فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٢٣٢٨) ، الإصابة الترجمة رقم (٧٧١٠) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٤٦٥١) ، السيرة (٤/ ٢٢١- ٢٢٢) .\r(٣) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٨١٤) ، الإصابة الترجمة رقم (٢٨٠٢) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٧٣٩) ، تجريد أسماء الصحابة (١/ ٨٩) ، الثقات (٣/ ١٤٣) ، الوافى بالوفيات (١٤/ ١٩٢) ، الجرح والتعديل (٣/ ٢٧٢٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084067,"book_id":3509,"shamela_page_id":630,"part":"1","page_num":628,"sequence_num":630,"body":"ولدت غلاما وهو أبنك» ، قال: يا رسول الله، فما باله أسفع أحوى؟ قال: «ادن منى» .\rفدنا منه، فقال: «هل بك من برص تكتمه؟» قال: والذى بعثك بالحق، ما علم به أحد، ولا اطلع عليه غيرك. قال: «فهو ذلك» . قال: يا رسول الله ورأيت النعمان بن المنذر عليه قرطان ودملجان ومسكتان. قال: «ذلك ملك العرب رجع إلى أحسن زيه وبهجته» . قال: يا رسول الله، ورأيت عجوز اشمطاء، خرجت من الأرض. قال: «تلك بقية الدنيا» . قال: ورأيت نارا خرجت من الأرض فحالت بينى وبين ابن لى يقال له:\rعمرو، وهى تقول: لظى لظى، بصير وأعمى، أطعمونى آكلكم (آكلكم) : أهلكم ومالكم. قال رسول الله ﷺ: «تلك فتنة تكون فى آخر الزمان» . قال: يا رسول الله، وما الفتنة؟ قال: «يقتل الناس إمامهم، ويشتجرون اشتجار أطباق الرأس وخالف رسول الله ﷺ بين أصابعه يحسب المسئ فيها أنه محسن، ويكون دم المؤمن أحل من شرب الماء، إن مات ابنك أدركت الفتنة، وإن مت أنت أدركها ابنك» .\rقال: يا رسول الله، ادع الله أن لا أدركها. فقال رسول الله ﷺ: «اللهم لا يدركها» . فمات وبقى ابنه، وكان ممن خلع عثمان «١» .\rوهذا الذى تيسر لنا ذكره من شأن الوفود، وهم أكثر من هذا، ومعظم من ذكرنا إنما هو من كتاب الواقدى مع من ذكره ابن إسحاق منهم.\rانتهى الجزء الأول ويليه الجزء الثانى\rوأوله «بعث رسول الله إلى الملوك وكتابه إليهم»","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: طبقات ابن سعد (٥/ ٣٨٨) ، الاستيعاب الترجمة رقم (٨١٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084068,"book_id":3509,"shamela_page_id":631,"part":"1","page_num":629,"sequence_num":631,"body":"فهرس محتويات الجزء الأول\rمقدمة التحقيق أ\rمقدمة المصنف ٣\rذكر نسب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما ٧\rذكر أولية بيت الله المحرم وركنه المستلم ومن تولى بناءه من ملائكته وأنبيائه صلى الله على جميعهم وسلم ٣٠\rذكر دخول الحبشة أرض اليمن واستيلائهم على ملكها وذكر السبب فى ذلك مع ما يتصل به من أمر الفيل ٨٣\rذكر حفر عبد المطلب زمزم وما يتصل بذلك من حديث مولد رسول الله ﷺ ١٠٠\rذكر بنيان قريش الكعبة مع ذكر ما أحدثوه فى المناسك ١٣٠\rذكر ما حفظ عن الأحبار والرهبان والكهان من أمر رسول الله ﷺ قبل مبعثه سوى ما تقدم من ذلك مع ذكر شىء مما سمع من ذلك عند الأصنام أو هتفت به الهواتف ١٣٥\rذكر المبعث ١٦٣\rذكر إسلام حمزة بن عبد المطلب رضى الله عنه ١٨٥\rوفد بنى أسد ٦٠٢\rوفد بهراء ٦٠٣\rوفد بنى غدرة ٦٠٣\rوفد بلى ٦٠٤\rضمام بن ثعلبة ٦٠٥\rوفد عبد القيس ٦٠٧\rوفد بنى مرة ٦٠٨\rوفد خولان ٦٠٩\rوفد محارب ٦١٠\rوفد طىء ٦١١\rوفد كندة ٦١٤\rوفد صداء ٦١٥\rوفد غسان ٦١٧\rوفد سلامان ٦١٨\rوفد بنى عبس ٦١٩\rوفد الأزد ووفد جرش ٦١٩\rوفد غامد ٦٢٠\rوفد بنى الحارث بن كعب ٦٢١\rوفد بنى حنيفة ٦٢٥\rوفد همدان ٦٢٦\rوفد النخع ٦٢٧\rالفهرس ٦٢٩","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084069,"book_id":3509,"shamela_page_id":632,"part":"2","page_num":3,"sequence_num":632,"body":"الجزء الثاني\r﷽\rذكر بعث رسول الله ﷺ إلى الملوك، وكتابه إليهم يدعوهم إلى الله وإلى الإسلام\rقال ابن هشام «١» : وقد كان رسول الله ﷺ بعث إلى الملوك رسلا من أصحابه، وكتب معهم إليهم يدعوهم إلى الإسلام.\rحدثنى من أثق به عن أبى بكر الهذلى قال: بلغنى أن رسول الله ﷺ خرج على أصحابه ذات يوم بعد عمرته التى صد عنها يوم الحديبية، فقال: «أيها الناس، إن الله قد بعثنى رحمة وكافة، فلا تختلفوا على كما اختلف الحواريون على عيسى ابن مريم ﵇» .\rوفى حديث ابن إسحاق: «إن الله بعثنى رحمة وكافة، فأدوا عنى يرحمكم الله، ولا تختلفوا على كما اختلف الحواريون على عيسى» ، فقال أصحابه: «وكيف اختلف الحواريون يا رسول الله؟» ، فقال: «دعاهم إلى الذى دعوتكم إليه، فأما من بعثه مبعثا قريبا فرضى وسلم، وأما من بعثه مبعثا بعيدا فكره وجهه وتثاقل، فشكا ذلك عيسى إلى الله تعالى فأصبح المتثاقلون وكل واحد منهم يتكلم بلغة الأمة التى بعث إليها» «٢» .\rفبعث رسول الله ﷺ دحية بن خليفة الكلبى «٣» إلى قيصر ملك الروم، وبعث عبد الله بن حذافة السهمى»\rإلى كسرى ملك فارس، وبعث عمرو بن أمية","footnotes":"(١) انظر: السيرة (٤/ ٢٣١) .\r(٢) . انظر الحديث فى: مجمع الزوائد للهيثمى (٥/ ٣٠٥، ٣٠٦) ، فتح البارى لابن حجر (٧/ ٧٣٤) .\r(٣) . انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٧٠٠) ، الإصابة الترجمة رقم (٢٣٩٥) ، أسد الغابة الترجمة رقم (١٥٠٧) ، التاريخ الكبير (٣/ ٢٥٤) ، تاريخ الطبرى (٢/ ٥٨٢) ، أنساب الأشراف (١/ ٣٧٧) ، الجرح والتعديل (٣/ ٤٣٩) ، العقد الفريد (٢/ ٣٤) ، مشاهير علماء الأمصار الترجمة رقم (٥٦) ، الأنساب لابن السمعانى (١٠/ ٤٥٢) ، تهذيب الكمال (٨/ ٤٧٣) ، تهذيب التهذيب (٣/ ٥٠٦) ، خلاصة تهذيب الكمال (١١٢) ، الوافى بالوفيات (٤/ ٥١) ، تاريخ الإسلام (١/ ٤٨) .\r(٤) . انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (١٥٢٦) ، الإصابة الترجمة رقم (٤٦٤١) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٢٨٩١) ، خلاصة تذهيب الكمال (٢/ ٤٩) ، المعرفة والتاريخ (١/ ٢٥٢) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084070,"book_id":3509,"shamela_page_id":633,"part":"2","page_num":4,"sequence_num":633,"body":"الضمرى «١» إلى النجاشى ملك الحبشة، وبعث حاطب بن أبى بلتعة «٢» إلى المقوقس صاحب الإسكندرية، وبعث عمرو بن العاص إلى جيفر وعبد* ابنى الجلندى ملك عمان، وبعث سليط بن عمرو «٣» أحد بنى عامر بن لؤى إلى ثمامة بن أثال، وهوذة بن على الحنفيين ملكى اليمامة؛ وبعث العلاء بن الحضرمى إلى المنذر بن ساوى العبدى ملك البحرين؛ وبعث شجاع بن وهب الأسدى «٤» إلى الحارث بن أبى شمر الغسانى ملك تخوم الشام «٥» .\rويقال: بعثه إلى حبلة بن أيهم الغسانى، وبعث المهاجر بن أبى أمية المخزومى إلى الحارث بن عبد كلال الحميرى ملك اليمن.\rذكر كتاب النبى ﷺ إلى قيصر، وما كان من خبر دحية معه «٦»\rذكر الواقدى من حديث ابن عباس، ومن حديثه خرج فى الصحيحين: أن رسول","footnotes":"(١) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (١٩١٣) ، الإصابة الترجمة رقم (٥٧٨١) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٣٨٦٢) ، سير أعلام النبلاء (٣/ ١٧٩) ، تهذيب التهذيب (٨/ ٦) ، تقريب التهذيب (٢/ ٦٥) ، خلاصة تهذيب الكمال (٢/ ٢٨٠) ، الاستبصار (٧٨) ، الأعلام (٥/ ٧٣) ، المعرفة والتاريخ (١/ ٣٢٥) ، الرياض المستطابة (٢١٤) ، التحفة اللطيفة (٣/ ٢٩١) .\r(٢) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٤٧٢) ، الإصابة الترجمة رقم (١٥٤٣) ، أسد الغابة الترجمة رقم (١٠١١) ، تاريخ خليفة (١٦٦) ، الجرح والتعديل (٣/ ٣٠٣) ، تهذيب التهذيب (٢/ ١٦٨) ، تاريخ الإسلام (٢/ ٨٥) ، شذرات الذهب (١/ ٣٧) .\r(*) كذا فى الأصل، وفى السيرة: «عياذ» .\r(٣) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (١٠٤٥) ، الإصابة الترجمة رقم (٣٤٣٥) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٢٢٠٣) ، تجريد أسماء الصحابة (١/ ٢٣٥) ، الجرح والتعديل (٤/ ١٢٢٨) ، الثقات (٣/ ١٨١) ، المصباح المضىء (١/ ٢٧٠، ٢/ ٧٤) .\r(٤) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (١١٩٩) «وفيه قال ابن عبد البر: شجاع بن أبى وهب ويقال: ابن وهب» . الإصابة الترجمة رقم (٣٨٥٩) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٢٣٨٨) .\r(٥) انظر: السيرة (٤/ ٢٣١) .\r(٦) راجع: صحيح البخارى (٤/ ١١٩، ١٢٢) ، دلائل النبوة لأبى نعيم (٣٤٣، ٣٤٨) ، دلائل النبوة للبيهقى (٤/ ٣٧٧، ٣٨٦) ، تاريخ الطبرى (٣/ ٦٤٤، ٦٤٦، ٦٥١) ، تاريخ اليعقوبى (٢/ ٧٧، ٧٨) ، المصباح المضىء (٢/ ٧٦، ١٢٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084071,"book_id":3509,"shamela_page_id":634,"part":"2","page_num":5,"sequence_num":634,"body":"الله ﷺ كتب إلى قيصر يدعوه إلى الإسلام، وبعث بكتابه مع دحية الكلبى، وأمره أن يدفعه إلى عظيم بصرى، ليدفعه إلى قيصر، فدفعه عظيم بصرى إلى قيصر، وكان قيصر لما كشف الله عنه جنود فارس مشى من حمص إلى إيلياء شكرا لله جل وعز فيما أبلاه من ذلك، فلما جاء قيصر كتاب رسول الله ﷺ قال: التمسوا لنا هاهنا أحدا من قومه نسألهم عنه.\rقال ابن عباس: فأخبرنى أبو سفيان بن حرب أنه كان بالشام فى رجال من قريش، قدموا تجارا، وذلك فى الهدنة التى كانت بين رسول الله ﷺ وبين كفار قريش، قال:\rفأتانا رسول قيصر، فانطلق بنا حتى قدمنا إيلياء، فأدخلنا عليه، فإذا هو جالس فى مجلس ملكه عليه التاج، وحوله، عظماء الروم، فقال لترجمانه: سلهم، أيهم أقرب نسبا بهذا الرجل الذى يزعم أنه نبى، قال أبو سفيان: فقلت: أنا أقربهم نسبا، وليس فى الركب يومئذ رجل من بنى عبد مناف غيرى، قال قيصر: أدنوه منى، ثم أمر بأصحابى فجعلوا خلف ظهرى، ثم قال لترجمانه: قل لأصحابه، إنما قدمت هذا أمامكم لأسأله عن هذا الرجل الذى يزعم أنه نبى، وإنما جعلتم خلف كتفيه لتردوا عليه كذبا إن قاله، قال أبو سفيان: فو الله لولا الحياء يومئذ من أن يأثروا على كذبا لكذبت عنه، ولكنى استحييت فصدقته وأنا كاره، ثم قال لترجمانه: قل له: كيف نسب هذا الرجل فيكم؟ فقلت هو فينا ذو نسب قال: قل له هل قال هذا القول منكم أحد قبله؟، قلت: لا، قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال: قلت: لا، قال: هل كان من آبائه ملك؟\rقلت: لا، قال: فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ قلت: بل ضعفاؤهم قال: فهل يزيدون أو ينقصون؟ قلت: بل يزيدون، قال: فهل يرتد أحد سخطة لدينه بعد أن دخل فيه؟ قلت: لا، قال: فهل يغدر؟ قلت: لا، ونحن الآن منه فى مدة، ونحن لا نخاف غدره، وفى رواية: ونحن منه فى مدة لا ندرى ما هو فاعل فيها.\rقال أبو سفيان: ولم تمكنى كلمة أغمزه بها لا أخاف على فيها شيئا غيرها. قال:\rفهل قاتلتموه؟، قلت: نعم، قال: فكيف حربكم وحربه؟، قلت: دول سجال، ندال عليه مرة ويدال علينا أخرى، قال: فما يأمركم به؟، قلت: يأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا، وينهانا عما كان يعبد أباؤنا، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة، فقال لترجمانه: قل له: إنى سألتك عن نسبه فزعمت أنه فيكم ذو نسب، وكذلك الرسل تبعث فى نسب قومها، وسألتك: هل قال هذا القول منكم أحد قبله، فزعمت أن لا، فلو كان أحد منكم قال هذا القول قبله لقلت: رجل يأتم بقول قيل قبله،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084072,"book_id":3509,"shamela_page_id":635,"part":"2","page_num":6,"sequence_num":635,"body":"وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال، فزعمت أن لا، فقد عرفت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ويكذب على الله، وسألتك هل كان من آبائه ملك، فقلت: لا، فقلت: لو كان من آبائه ملك، قلت: رجل يطلب ملك أبيه، وسألتك:\rأأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم، فقلت: ضعفاؤهم، وهم أتباع الرسل، وسألتك هل يزيدون أو ينقصون، فزعمت أنهم يزيدون، وكذلك الإيمان حتى يتم، وسألتك: هل يرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه، فزعمت أن لا، وكذلك الإيمان حتى تخالط بشاشته القلوب لا يسخطه أحد، وسألتك: هل قاتلتموه، فقلت: نعم، وأن حربكم وحربه دول سجال، ويدال عليكم مرة، وتدالون عليه أخرى وكذلك الرسل تبتلى ثم تكون لهم العاقبة، وسألتك: ماذا يأمركم به، فزعمت أنه يأمركم بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة، وهو نبى، وقد كنت أعلم أنه خارج لكم ولكن لم أظن أنه فيكم، وإن كان ما أتانى عنه حقا، فيوشك أن يملك موضع قدمى هاتين، ولو أعلم أنى أخلص إليه لتجشمت لقيه، ولو كنت عنده لغسلت قدميه.\rقال أبو سفيان: «ثم دعا بكتاب رسول الله ﷺ فقرئ، فإذا فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن عبد الله، إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإنى أدعوك بداعية الإسلام، أسلم لتسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين، ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم، أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا، ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله، فإن تولوا فقولوا: اشهدوا بأنا مسلمون» .\rقال أبو سفيان: فلما قضى مقالته وفرغ الكتاب علت أصوات الذين حوله وكثر لغطهم، فلا أدرى ما قالوا، وأمر بنا فأخرجنا، فلما خرجت أنا وأصحابى وخلصنا، قلت لهم: لقد أمر أمر ابن أبى كبشة، هذا ملك بنى الأصفر يخافه، قال: فو الله ما زلت ذليلا مستيقنا أن أمره سيظهر حتى أدخل الله على الإسلام «١» .\rوفى حديث غير هذا، ذكره أيضا الواقدى عن محمد بن كعب القرظى أن دحية الكلبى لقى قصر بحمص لما بعثه إليه رسول الله ﷺ وقيصر ماش من قسطنطينة إلى إيلياء فى نذر كان عليه إن ظهرت الروم على فارس أن يمشى حافيا من قسطنطينة، فقال لدحية قومه لما بلغ قيصر: إذا رأيته فاسجد له، ثم لا ترفع رأسك أبدا حتى يأذن لك.","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (٦/ ٤٥) ، سنن أبى داود (٥١٣٦) ، تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر (٣/ ٤١٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084073,"book_id":3509,"shamela_page_id":636,"part":"2","page_num":7,"sequence_num":636,"body":"قال دحية: لا أفعل هذا أبدا، ولا أسجد لغير الله ﷿، قالوا: إذ لا يؤخذ كتابك، ولا يكتب جوابك، قال: وإن لم يأخذه، فقال له رجل منهم: أدلك على أمر يأخذ فيه كتابك، ولا يكلفك فيه السجود. قال دحية: وما هو؟ قال: إن له على كل عقبة منبرا يجلس عليه، فضع صحيفتك تجاه المنبر، فإن أحد لا يحركها حتى يأخذها هو، ثم يدعو صاحبها فيأتيه. قال: أما هذا فسأفعل، فعمد إلى منبر من تلك المنابر التى يستريح عليها قيصر، فألقى الصحيفة، فدعا بها فإذا عنوانها كتاب العرب، فدعا الترجمان الذى يقرأ بالعربية، فإذا فيه: «من محمد رسول الله إلى قيصر صاحب الروم» ، فغضب أخ لقيصر يقال له: نياق، فضرب فى صدر الترجمان ضربة شديدة، ونزع الصحيفة منه، فقال له قيصر: ما شأنك، أخذت الصحيفة؟ فقال: تنظر فى كتاب رجل بدأ بنفسه قبلك؟\rوسماك قيصر صاحب الروم، وما ذكر لك ملكا. فقال له قيصر: إنك والله ما علمت أحمق صغيرا، مجنون كبيرا، أتريد أن تخرق كتاب رجل قبل أن أنظر فيه، فلعمرى لئن كان رسول الله كما يقول، لنفسه أحق أن يبدأ بها منى، وإن كان سمانى صاحب الروم لقد صدق، ما أنا إلا صاحبهم وما أملكهم، ولكن الله ﷿ سخرهم لى، ولو شاء لسلطهم على كما سلط فارس على كسرى فقتلوه. ثم فتح الصحيفة، فإذا فيها:\r«بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله، إلى قيصر صاحب الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ الآية إلى قوله: اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران: ٦٤] فى آيات من كتاب الله يدعوه إلى الله ويزهده فى ملكه ويرغبه فيما رغبه الله فيه من الآخرة، ويحذره بطش الله وبأسه» «١» .\rوفى حديث غير الواقدى أن دحية لما لقى قيصر قال له: يا قيصر، أرسلنى إليك من هو خير منك، والذى أرسله خير منه ومنك، فاسمع بذل، ثم أجب بنصح، فإنك إن لم تذلل لم تفهم، وإن لم تنصح لم تنصف. قال: هات. قال: هل تعلم أن المسيح كان يصلى؟. قال: نعم، قال: فإنى ادعوك إلى من كان المسيح يصلى له، وأدعوك إلى من دبر خلق السموات والأرض والمسيح فى بطن أمه، وأدعوك إلى هذا النبى الأمى، الذى بشر به موسى وبشر به عيسى ابن مريم بعده، وعندك من ذلك أثاره من علم تكفى عن العيان وتشفى عن الخبر فإن أجبت كانت لك الدنيا والآخرة، وإلا ذهبت عنك الآخرة","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر (٥/ ٢٢٢) ، كنز العمال للمتقى الهندى (٣٠٢٧٨، ٣٠٣٣٧) ، دلائل النبوة لأبى نعيم (١٢١) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٥/ ٣٠٦) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084074,"book_id":3509,"shamela_page_id":637,"part":"2","page_num":8,"sequence_num":637,"body":"وشوركت فى الدنيا، وأعلم أن لك ربا يقصم الجبابرة ويغير النعم.\rفأخذ قيصر الكتاب فوضعه على عينيه ورأسه، وقبله، ثم قال: أما والله، ما تركت كتابا إلا قرأته، ولا عالما إلا سألته، فما رأيت إلا خيرا، فأمهلنى حتى أنظر من كان المسيح يصلى له، فإنى أكره أن أجيبك اليوم بأمر أرى غدا ما هو أحسن منه، فأرجع عنه، فيضرنى ذلك ولا ينفعنى، أقم حتى أنظر.\rويروى أن قيصر لما سأل أبا سفيان بن حرب عما سأله عنه من أمر رسول الله ﷺ حسبما تقدم، وأخبره به قال: والذى نفسى بيده ليوشكن أن يغلب على ما تحت قدمى، يا معشر الروم، هلم إلى أن نجيب هذا الرجل إلى ما دعا إليه، ونسأله الشام أن لا توطأ علينا أبدا، فإنه لم يكتب نبى من الأنبياء قط إلى ملك من الملوك يدعوه إلى الله فيجيبه إلى ما دعاه إليه، ثم يسأله عندها مسألة إلا أعطاه مسألته ما كانت، فأطيعوني، فلنجبه ونسأله أن لا توطأ الشام. قالوا: لا نطاوعك فى هذا أبدا، تكتب إليه تسأله ملكك الذى تحت رجليك، وهو هنالك لا يملك من ذلك شيئا، فمن أضعف منك.\rوفى هذا الحديث عن أبى سفيان أنه قال لقيصر لما سأله عن النبى ﷺ فى جملة ما أجابه:\rأيها الملك، ألا أخبرك خبرا تعرف به أنه قد كذب؟. قال: وما هو؟ قلت: إنه زعم لنا أنه خرج من أرضنا أرض الحرم فى ليلة فجاء مسجدكم هذا مسجد إيلياء ورجع إلينا فى تلك الليلة قبل الصباح. قال: وبطريق إيلياء عند رأس قيصر، فقال: قد علمت تلك الليلة، قال: فنظر إليه قيصر، وقال: وما علمك بهذا؟ قال: إنى كنت لا أنام ليلة أبدا حتى أغلق أبواب المسجد، فلما كانت تلك الليلة أغلقت الأبواب كلها غير باب واحد غلبنى، فاستعنت عليه عمالى ومن يحضرنى فلم نستطع أن نحركه، كأنما نزاول جبلا، فدعوت النجارين فنظروا إليه فقالوا: هذا باب سقط عليه النجاف والبنيان، فلا نستطيع أن نحركه حتى نصبح، فننظر من أين أتى، فرجعت وتركت البابين مفتوحين، فلما أصبحت غدوت عليهما فإذا الحجر الذى فى زاوية المسجد مثقوب، وإذا فيه أثر مربط الدابة، فقلت لأصحابى: ما حبس هذا الباب الليلة إلا على نبى، وقد صلى الليلة فى مسجدنا هذا.\rفقال قيصر لقومه: يا معشر الروم، ألستم تعلمون أن بين عيسى وبين الساعة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084075,"book_id":3509,"shamela_page_id":638,"part":"2","page_num":9,"sequence_num":638,"body":"نبى بشركم به عيسى ابن مريم، ترجون أن يجعله الله فيكم؟ قالوا: بلى، قال: فإن الله قد جعله فى غيركم، فى أقل منكم عددا، وأضيق منكم بلدا، وهى رحمة الله ﷿ يضعها حيث يشاء «١» .\rوفى الصحيح من الحديث أن هرقل لما تحقق أمر رسول الله ﷺ بما كان يجده فيما عندهم من العلم أذن لعظماء الروم فى دسكرة له بحمص، وأمر بالأبواب فغلقت، ثم طلع عليهم، فقال: يا معشر الروم، هل لكم فى الفلاح والرشد، وأن يثبت لكم ملككم، وأن تتبعوا ما قال عيسى ابن مريم؟ قالوا: وما ذاك أيها الملك؟ قال: تتبعون هذا النبى العربى. قال: فحاصوا حيصة حمر الوحش واستجالوا فى الكنيسة وتناخروا، ورفعوا الصلب، وابتدروا الأبواب، فوجدوها مغلقة، فلما رأى هرقل ما رأى يئس من إسلامهم وخافهم على ملكه، فقال: ردوهم على، فردوهم، فقال: إنما قلت لكم ما قلت لأخبر كيف صلابتكم فى دينكم، فقد رأيت منكم الذى أحب، فسجدوا له ورضوا عنه، فكان ذلك آخر شأنهم «٢» .\rويروى أن قيصر لما انتهى مع قومه إلى ما ذكر، ويئس من إجابتهم كتب مع دحية جواب كتابه الذى جاءه به، يقول فيه للنبى ﷺ: إنى مسلم، ولكنى مغلوب على أمرى.\rوأرسل إليه بهدية، فلما قرأ رسول الله ﷺ كتابه قال: «كذب عدو الله، ليس بمسلم، بل هو على نصرانيته» ، وقبل هديته، وقسمها بين المسلمين.\rوقال دحية فى قدومه:\rألا هل أتاها على نأيها ... بأنى قدمت على قيصر\rفقررته بصلاة المسيح ... وكانت من الجوهر الأحمر\rوتدبير ربك أمر السما ... ء والأرض فأغضى ولم ينكر\rوقلت تفز ببشرى المسيح ... فقال سأنظر قلت انظر\rفكاد يقر بأمر الرسول ... فمال إلى البدل الأعور\rفشك وجاشت له نفسه ... وجاشت نفوس بنى الأصفر\rعلى وضعه بيديه الكتاب ... على الرأس والعين والمنخر\rفأصبح قيصر فى أمره ... بمنزلة الفرس الأشقر","footnotes":"(١) انظر: التخريج السابق.\r(٢) انظر: التخريج السابق.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084076,"book_id":3509,"shamela_page_id":639,"part":"2","page_num":10,"sequence_num":639,"body":"ذكر توجه عبد الله بن حذافة إلى كسرى بكتاب النبى ﷺ وما كان من خبره معه «١»\rوكسرى هذا هو أبرويز بن هرمز، أنو شروان، ومعنى أبرويز: المظفر، فيما ذكره المسعودى، وهو الذى كان غلب الروم، فأنزل الله فى قصتهم: الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ [١- ٣: الروم] ، وأدنى الأرض فيما ذكر الطبرى هى بصرى وفلسطين، وأذرعات من أرض الشام.\rوذكر الواقدى من حديث الشفاء بنت عبد الله، أن رسول الله ﷺ بعث عبد الله بن حذافة السهمى منصرفه من الحديبية إلى كسرى، وبعث معه كتابا مختوما فيه:\r«بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، ادعوك بداعية الله، فإنى أنا رسول الله إلى الناس كافة، لأنذر من كان حيا، ويحق القول على الكافرين، أسلم تسلم، فإن أبيت، فعليك إثم المجوس» . قال عبد الله بن حذافة، فانتهيت إلى بابه، فطلبت الإذن عليه حتى وصلت إليه، فدفعت إليه كتاب رسول الله ﷺ فقرئ عليه، فأخذه ومزقه، فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ قال:\r«مزق ملكه» «٢» .\rوذكر أبو رفاعة، وثيمة بن موسى بن الفرات، قال: لما قدم عبد الله بن حذافة على كسرى قال: يا معشر الفرس، إنكم عشتم بأحلامكم لعدة أيامكم بغير نبى ولا كتاب، ولا تملك من الأرض إلا ما فى يديك، وما لا تملك منها أكثر، وقد ملك الأرض قبلك ملوك أهل الدنيا وأهل الآخرة، فأخذ أهل الآخرة بحظهم من الدنيا، وضيع أهل الدنيا حظهم من الآخرة، فاختلفوا فى سعى الدنيا واستووا فى عدل الآخرة، وقد صغر هذا الأمر عندك، أنا أتيناك به، وقد والله جاءك من حيث خفت، وما تصغيرك إياه بالذى يدفعه عنك، ولا تكذيبك به بالذى يخرجك منه، وفى وقعة ذى قار على ذلك دليل.\rفأخذ الكتاب فمزقه، ثم قال: لى ملك هنى، لا أخشى أن أغلب عليه، ولا أشارك فيه،","footnotes":"(١) راجع: صحيح البخارى (٤/ ١١٩) ، تاريخ الطبرى (٣/ ٦٤٤، ٦٥٤، ٦٥٧) ، دلائل النبوة لأبى نعيم (٣٤٨، ٣٥١) ، دلائل النبوة للبيهقى (٤/ ٣٨٧، ٣٩٢) ، المصباح المضىء (٢/ ١٨٠، ٢٢٧) ، أعلام النبوة للماوردى (٩٧، ٩٨) .\r(٢) ذكره ابن كثير فى البداية والنهاية (٦/ ٣٤٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084077,"book_id":3509,"shamela_page_id":640,"part":"2","page_num":11,"sequence_num":640,"body":"وقد ملك فرعون بنى إسرائيل، ولستم بخير منهم، فما يمنعنى أن أملككم وأنا خير منه، فأما هذا الملك فقد علمنا أنه يصير إلى الكلاب، وأنتم أولئك تشبع بطونكم وتأبى عيونكم، فأما وقعة ذى قار فهى بوقعة الشام.\rفانصرف عنه عبد الله، وقال فى ذلك:\rأبى الله إلا أن كسرى فريسة ... لأول داع بالعراق محمدا\rتقاذف فى فحش الجواب مصغرا ... لأمر العريب الخائفين له الردا\rفقلت له أرود فإنك داخل ... من اليوم فى بلوى ومنتهب غدا\rفأقبل وأدبر حيث شئت فإننا ... لنا الملك فابسط للمسالمة اليدا\rوإلا فأمسك قارعا سن نادم ... أقر بذل الخرج أو مت موحدا\rسفهت بتخريق الكتاب وهذه ... بتمزيق ملك الفرس يكفى مبددا\rويروى أن كسرى رأى فى النوم بعد أن أخبر بخروج النبى ﷺ ونزوله يثرب أن سلما وضع فى الأرض إلى السماء، وحشر الناس حوله، إذ أقبل رجل عليه عمامة، وإزار أو رداء، فصعد السلم حتى إذا كان بمكان منه نودى: أين فارس ورجالها ونساؤها ولامتها وكنوزها؟ فأقبلوا، فجعلوا فى جوالق، ثم رفع الجوالق إلى ذلك الرجل، فأصبح كسرى تعس النفس، محزونا لتلك الرؤيا، وذكرها لأساورته، فجعلوا يهونون عليه الأمر، فيقول كسرى: هذا أمر تراد به فارس، فلم يزل مهموما حتى قدم عليه عبد الله بن حذافة بكتاب رسول الله ﷺ يدعوه إلى الإسلام.\rوذكر الواقدى من حديث أبى هريرة وغيره أن كسرى بينا هو فى بيت كان يخلو فيه إذا رجل قد خرج إليه فى يده عصا، فقال: يا كسرى، إن الله قد بعث رسولا، وأنزل عليه كتابا، فأسلم تسلم، واتبعه يبق لك ملكك قال كسرى: أخر هذا عنى أثرا ما، فدعا حجابه وبوابيه، فتواعدهم، وقال: من هذا الذى دخل على؟ قالوا: والله، ما دخل عليك أحد، وما ضيعنا لك بابا، ومكث حتى إذا كان العام المقبل أتاه فقال له مثل ذلك، وقال: إن لا تسلم أكسر العصا. قال: لا تفعل، أخر ذلك أثرا ما، ثم جاء العام المقبل، ففعل مثل ذلك، وضرب بالعصا على رأسه فكسرها، وخرج من عنده، ويقال أن ابنه قتله فى تلك الليلة، وأعلم الله بذلك رسوله ﵇ بحدثان كونه فأخبر ﷺ بذلك رسل باذان إليه.\rوكان باذان عامل كسرى على اليمن، فلما بلغه ظهور النبى ﷺ ودعاؤه إلى الله، كتب إلى باذان: أن ابعث إلى هذا الرجل الذى خالف دين قومه، فمره فليرجع إلى دين قومه، فإن أبى فابعث إلى برأسه، وإلا فليواعدك يوما تقتتلون فيه، فلما ورد كتابه إلى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084078,"book_id":3509,"shamela_page_id":641,"part":"2","page_num":12,"sequence_num":641,"body":"باذان، بعث بكتابه مع رجلين من عنده، فلما قدما على رسول الله ﷺ أنزلهما وأمرهما بالمقام فأقاما أياما، ثم أرسل إليهما رسول الله ﷺ ذات غداة، فقال: «انطلقا إلى باذان فأعلماه أن ربى ﷿ قد قتل كسرى فى هذه الليلة» ، فانطلقا حتى قدما على باذان، فأخبراه بذلك، فقال: إن يكن الأمر كما قال فو الله إن الرجل لنبى، وسيأتى الخبر بذلك إلى يوم كذا، فأتاه الخبر كذلك، فبعث باذان بإسلامه وإسلام من معه إلى رسول الله ﷺ.\rويقال: إن الخبر أتاه بمقتل كسرى وهو مريض، فاجتمعت إليه أساورته، فقالوا: من تؤمر علينا. فقال لهم: ملك مقبل وملك مدبر، فاتبعوا هذا الرجل، وادخلوا فى دينه وأسلموا. ومات باذان، فبعث رؤسهم إلى رسول الله ﷺ وفدهم يعرفونه بإسلامهم.\rذكر إسلام النجاشى، وكتاب رسول الله ﷺ إليه مع عمرو بن أمية الضمرى «١»\rقال ابن إسحاق: لما وجه رسول الله ﷺ رسله إلى ملوك الأرض يدعوهم إلى الإسلام، وجه إلى النجاشى عمرو بن أمية، فقال له: يا أصحمة، إن على القول، وعليك الاستماع، إنك كأنك فى الرقة علينا منا، وكأنا فى الثقة بك منك، لأنا لن نظن بك خيرا قط إلا نلناه، ولم نخفك على شىء قط إلا أمناه، وقد أخذنا الحجة عليك من فيك، الإنجيل بيننا وبينك شاهد لا يرد، وقاض لا يجور، وفى ذلك وقع الحز وإصابة المفصل، وإلا فأنت فى هذا النبى الأمى كاليهود فى عيسى ابن مريم، وقد فرق النبى ﷺ رسله إلى الناس، فرجاك لما لم يرجهم له، وأمنك على ما خافهم عليه، لخير سالف وأجر ينتظر، فقال النجاشى: أشهد بالله أنه للنبى الأمى الذى ينتظره أهل الكتاب، وأن بشارة موسى براكب الحمار كبشارة عيسى براكب الجمل، وأن العيان ليس بأشفى من الخبر.\rوذكر الواقدى أن الكتاب الذى كتبه رسول الله ﷺ إلى النجاشى مع عمرو ابن أمية الضمرى هو هذا: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى النجاشى ملك الحبشة. سلم أنت، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن","footnotes":"(١) راجع: صحيح البخارى (٢/ ١٨٤، ١٨٥) ، صحيح مسلم (٣/ ٥٤، ٥/ ١١٦) ، دلائل النبوة للبيهقى (٤/ ٤١٠، ٤١٢) ، تاريخ الطبرى (٣/ ٦٤٤/ ٦٥٢، ٦٥٤) ، المصباح المضىء لابن حديدة (٢/ ١٧، ٧٥) ، الأسماء المبهمة للخطيب البغدادى (٢١، ٢٢) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084079,"book_id":3509,"shamela_page_id":642,"part":"2","page_num":13,"sequence_num":642,"body":"المهيمن، وأشهد أن عيسى ابن مريم روح الله وكلمته، ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة، فحملت بعيسى، فخلقه من روحه ونفخه كما خلق آدم بيده.\rوإنى أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، والموالاة على طاعته، وأن تتبعنى وتؤمن بالذى جاءنى، فإنى رسول الله، وإنى أدعوك وجنودك إلى الله ﷿، فقد بلغت ونصحت، فأقبلوا نصيحتى، والسلام على من اتبع الهدى» .\rفكتب إليه النجاشى: بسم الله الرحمن الرحيم. إلى محمد رسول الله، من النجاشى أصحمة. سلام عليك يا رسول الله من الله ورحمة الله وبركات الله الذى لا إله إلا هو.\rأما بعد، فقد بلغنى كتابك يا رسول الله فيما ذكرت من أمر عيسى، فو رب السماء والأرض إن عيسى لا يزيد على ما ذكرت ثفروقا، إنه كما ذكرت، وقد عرفنا ما بعثت به إلينا، وقد قربنا ابن عمك وأصحابه، فأشهد أنك رسول الله صادقا مصدقا، وقد بايعتك وبايعت ابن عمك، وأسلمت على يديه لله رب العالمين «١» .\rوذكر الواقدى عن سلمة بن الأكوع أن النجاشى توفى فى رجب سنة تسع، منصرف رسول الله ﷺ عن تبوك، قال سلمة: صلى بنا رسول الله ﷺ الصبح، ثم قال:\r«إن أصحمة النجاشى قد توفى هذه الساعة، فاخرجوا بنا إلى المصلى حتى نصلى عليه» ، قال سلمة: فحشد الناس وخرجنا مع رسول الله ﷺ إلى المصلى، فرأيت رسول الله ﷺ يقدمنا وإنا لصفوف خلفه، وأنا فى الصف الرابع، فكبر بنا أربعا «٢» .\rكتاب رسول الله ﷺ إلى المقوقس صاحب الإسكندرية مع حاطب بن أبى بلتعة «٣»\rولما وجه رسول الله ﷺ رسله إلى الملوك، بعث حاطبا إلى المقوقس صاحب الإسكندرية بكتاب فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن عبد الله رسول الله، إلى","footnotes":"(١) ذكره ابن كثير فى البداية والنهاية (٣/ ٨٣) .\r(٢) انظر الحديث فى: سنن ابن ماجه (١٥٣٤) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٣/ ٣٩) .\r(٣) راجع تاريخ الطبرى (٣/ ٦٤٤، ٦٤٥) ، دلائل النبوة للبيهقى (٤/ ٣٩٥، ٣٩٦) ، المصباح المضىء لابن حديدة (٢/ ١٢٥- ١٧٩) ، مروج الذهب للمسعودى (٢/ ٢٨٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084080,"book_id":3509,"shamela_page_id":643,"part":"2","page_num":14,"sequence_num":643,"body":"المقوقس عظيم القبط، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإنى أدعوك بداعية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم القبط قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران: ٦٤] » . وختم الكتاب «١» .\rفخرج به حاطب حتى قدم عليه الإسكندرية، فانتهى إلى حاجبه، فلم يلبثه أن أوصل إليه كتاب رسول الله ﷺ.\rوقال حاطب للمقوقس لما لقيه: «إنه قد كان قبلك رجل يزعم أنه الرب الأعلى، فأخذه الله نكال الآخرة والأولى، فانتقم به، ثم انتقم منه، فاعتبر بغيرك، ولا يعتبر بك» .\rقال: هات. قال: «إن لك دينا لن تدعه إلا لما هو خير منه، وهو الإسلام الكافى به الله، فقد ما سواه، إن هذا النبى ﷺ دعا الناس، فكان أشدهم عليه قريش، وأعداهم له يهود، وأقربهم منه النصارى، ولعمرى ما بشارة موسى بعيسى إلا كبشارة عيسى بمحمد ﷺ وما دعاؤنا إياك إلى القرآن إلا كدعائك أهل التوراة إلى الإنجيل، وكل نبى أدرك قوما، فهم من أمته، فالحق عليهم أن يطيعوه، فأنت ممن أدركه هذا النبى، ولسنا ننهاك عن دين المسيح، ولكنا نأمرك به» . فقال المقوقس: «إنى قد نظرت فى أمر هذا النبى، فوجدته لا يأمر بمزهود فيه، ولا ينهى إلا عن مرغوب عنه، ولم أجده بالساحر الضال، ولا الكاهن الكاذب، ووجدت معه آلة النبوة بإخراج الخبء والإخبار بالنجوى، وسأنظر.\rوأخذ كتاب النبى ﷺ فجعله فى حق من عاج وختم عليه، ودفعه إلى جارية له، ثم دعا كاتبا له يكتب بالعربية، فكتب إلى النبى ﷺ: «بسم الله الرحمن الرحيم. لمحمد بن عبد الله من المقوقس عظيم القبط، سلام عليك. أما بعد، فقد قرأت كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه، وما تدعو إليه. وقد علمت أن نبيا قد بقى، وكنت أظن أنه يخرج بالشام، وقد أكرمت رسولك، وبعثت إليك بجاريتين لهما مكان فى القبط عظيم، وبكسوة، وأهديت لك بغلة لتركبها. والسلام عليك» . ولم يزد على هذا، ولم يسلم. وهاتان الجاريتان اللتان ذكرهما، إحداهما مارية أم إبراهيم ابن النبى ﷺ وأختها سيرين، وهى التى وهبها النبى ﷺ لحسان بن ثابت فولدت له ابنه عبد الرحمن، والبغلة هى دلدل، وكانت بيضاء. وقيل: إنه لم يكن فى العرب يومئذ غيرها، وإنها بقيت إلى زمان معاوية.","footnotes":"(١) انظر: التخريج السابق.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084081,"book_id":3509,"shamela_page_id":644,"part":"2","page_num":15,"sequence_num":644,"body":"وذكر الواقدى بإسناد له: أن المقوقس أرسل إلى حاطب ليلة وليس عنده أحد إلا ترجمان له يترجم بالعربية، فقال له: ألا تخبرنى عن أمور أسألك عنها وتصدقنى؟ فإنى أعلم أن صاحبك قد تخيرك من بين أصحابه حيث بعثك، فقال له حاطب: لا تسألنى عن شىء إلا صدقتك، فسأله عن: ماذا يدعو إليه النبى ﷺ ومن أتباعه، وهل يقاتل قومه؟ فأجابه حاطب عن ذلك كله، ثم سأله عن صفته، فوصفه حاطب ولم يستوف، فقال له: بقيت أشياء لم أرك تذكرها، فى عينيه حمرة، قل ما تفارقه، وبين كتفيه خاتم النبوة، ويركب الحمار، ويلبس الشملة، ويجتزى بالتمرات والكسرة، ولا يبالى من لاقى من عم وابن عم.\rقال حاطب: فهذه صفته. قال: كنت أعلم أنه بقى نبى، وكنت أظن أن مخرجه ومنبته بالشام، وهناك تخرج الأنبياء من قبله، فأراه قد خرج فى العرب فى أرض جهد وبؤس، والقبط لا يطاوعونى فى اتباعه، ولا أحب أن تعلم بمحاورتى إياك، وأنا أضن بملكى أن أفارقه، وسيظهر على البلاد، وينزل بساحتنا هذه أصحابه من بعده حتى يظهر على ما هاهنا، فارجع إلى صاحبك، فقد أمرت له بهدايا وجاريتين أختين فارهتين، وبغلة من مراكبى، وألف مثقال ذهبا، وعشرين ثوبا من لين، وغير ذلك، وأمرت لك بمائة دينار وخمسة أثواب. فارحل من عندى ولا تسمع منك القبط حرفا واحدا.\rفرجعت من عنده وقد كان لى مكرما فى الضيافة، وقلة اللبث ببابه، ما أقمت عنده إلا خمسة أيام، وإن الوفود، وفود العجم ببابه منذ شهر وأكثر. قال حاطب: فذكرت قوله لرسول الله ﷺ فقال: «ضن الخبيث بملكه، ولا بقاء لملكه» .\rذكر كتاب رسول الله ﷺ إلى المنذر بن ساوى العبدى مع العلاء بن الحضرمى بعد انصرافه من الحديبية «١»\rذكر الواقدى بإسناد له عن عكرمة قال: وجدت هذا الكتاب فى كتب ابن عباس بعد موته، فنسخته، فإذا فيه: بعث رسول الله ﷺ العلاء بن الحضرمى، إلى المنذر بن","footnotes":"(١) راجع: تاريخ الطبرى (٣/ ٦٤٥) ، الروض الأنف للسهيلى (٤/ ٢٥٠) ، المصباح المضىء (٢/ ٣٣٥، ٣٣٨) ، تاريخ اليعقوبى (٢/ ٧٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084082,"book_id":3509,"shamela_page_id":645,"part":"2","page_num":16,"sequence_num":645,"body":"ساوى «١» ، وكتب إليه رسول الله ﷺ كتابا يدعوه فيه إلى الإسلام، فكتب يعنى المنذر إلى رسول الله ﷺ: أما بعد، يا رسول الله، فإنى قرأت كتابك على أهل هجر، فمنهم من أحب الإسلام، وأعجبه، ودخل فيه، ومنهم من كرهه، وبأرضى مجوس ويهود، فأحدث إلى فى ذلك أمرك» .\rفكتب إليه رسول الله ﷺ: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله، إلى المنذر ابن ساوى، سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله. أما بعد، فإنى أذكرك الله ﷿ فإنه من ينصح فإنما ينصح لنفسه، وإنه من يطع رسلى ويتبع أمرهم فقد أطاعنى، ومن نصح لهم فقد نصح لى، وإن رسلى قد أثنوا عليك خيرا، وإنى قد شفعتك فى قومك، فاترك للمسلمين ما أسلموا عليه، وعفوت عن أهل الذنوب فاقبل منهم، وإنك مهما تصلح فلن نعزلك عن عملك، ومن أقام على يهودية أو مجوسية فعليه الجزية» «٢» .\rوذكر غير الواقدى أن العلاء بن الحضرمى لما قدم على المنذر بن ساوى قال له: يا منذر، إنك عظيم العقل فى الدنيا، فلا تصغرن من الآخرة، إن هذه المجوسية شردين، ليس فيها تكرم العرب، ولا علم أهل الكتاب، ينكحون ما يستحى من نكاحه، ويأكلون ما يتكرم عن أكله، ويعبدون فى الدنيا نارا تأكلهم يوم القيامة، ولست بعديم عقل ولا أرى، فانظر: هل ينبغى لمن لا يكذب أن تصدقه، ولمن لا يخون أن تأتمنه، ولمن لا يخلف أن تثق به، فإن كان هذا هكذا فهو هذا النبى الأمى الذى والله لا يستطيع ذو عقل أن يقول: ليت ما أمر به نهى عنه، أو ما نهى عنه أمر به أو ليته زاد فى عفوه أو نقص من عقابه، إن كل ذلك منه على أمنية أهل العقل وفكر أهل البصر.\rفقال المنذر: قد نظرت فى هذا الذى فى يدى فوجدته للدنيا دون الآخرة، ونظرت فى دينكم فوجدته للآخرة والدنيا، فما يمنعنى من قبول دين فيه أمنية الحياة وراحة الموت، ولقد عجبت أمس ممن يقبله، وعجبت اليوم ممن يدره، وإن من إعظام ما جاء به أن يعظم رسوله، وسأنظر.\rوذكر ابن إسحاق والواقدى وسيف والطبرى وغيرهم أن المنذر لما وصله العلاء","footnotes":"(١) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٢٥١٥) ، الإصابة الترجمة رقم (٨٢٣٤) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٥١٠٦) .\r(٢) انظر التخريج السابق.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084083,"book_id":3509,"shamela_page_id":646,"part":"2","page_num":17,"sequence_num":646,"body":"برسالة رسول الله ﷺ وكتابه أسلم فحسن إسلامه. وزاد الواقدى: أن النبى ﷺ استقدم العلاء بن الحضرمى، فاستخلفه العلاء مكانه على عمله.\rوذكر ابن إسحاق وغيره أن المنذر توفى قبل ردة أهل البحرين والعلاء عنده أميرا لرسول الله ﷺ على البحرين.\rوذكر ابن قانع أن المنذر وفد على النبى ﷺ ولا يصح ذلك إن شاء الله.\rذكر كتاب النبى ﷺ إلى جيفر وعبد ابنى الجلندى الأزديين، ملكى عمان، مع عمرو بن العاص «١»\rذكر الواقدى بإسناد له إلى عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ بعث نفرا سماهم إلى جهات مختلفة برسم الدعاء إلى الإسلام.\rقال عمرو: فكنت أنا المبعوث إلى جيفر وعبد ابنى الجلندى، وكتب رسول الله ﷺ معى كتابا.\rقال: وأخرج عمرو الكتاب، فإذا صحيفة أقل من الشبر، فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن عبد الله، إلى جيفر وعبد ابنى الجلندى، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإني أدعوكما بداعية الإسلام، أسلما تسلما، فإنى رسول الله إلى الناس كافة، لأنذر من كان حيا، ويحق القول على الكافرين، وإنكما إن أقررتما بالإسلام وليتكما، وإن أبيتما أن تقرا بالإسلام فإن ملككما زائل عنكما، وخيلى تحل بساحتكما، وتظهر نبوتى على ملككما» وكتب أبى بن كعب، وختم رسول الله ﷺ الكتاب.\rثم خرجت حتى انتهيت إلى عمان، فلما قدمتها عمدت إلى عبد، وكان أحلم الرجلين وأسهلهما خلقا، فقلت: إنى رسول رسول الله ﷺ إليك وإلى أخيك، فقال:\rأخى المقدم على بالسن والملك، وأنا أوصلك إليه حتى يقرأ كتابك، ثم قال لى: وما تدعو إليه؟ قلت: أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، وتخلع ما عبد من دونه، وتشهد أن محمدا عبده ورسوله. قال: يا عمرو، إنك ابن سيد قومك، فكيف صنع أبوك؟ فإن لنا","footnotes":"(١) راجع: تاريخ الطبرى (٣/ ٦٤٥) ، الروض الأنف للسهيلى (٤/ ٢٥٠) ، تاريخ اليعقوبى (٢/ ٧٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084084,"book_id":3509,"shamela_page_id":647,"part":"2","page_num":18,"sequence_num":647,"body":"فيه قدوة. قلت: مات، ولم يؤمن بمحمد ﷺ وودت أنه كان أسلم وصدق به، وقد كنت أنا على مثل رأيه حتى هدانى الله للإسلام. قال: فمتى تبعته؟ قلت: قريبا، فسألنى أين كان إسلامى؟ قلت: عند النجاشى، وأخبرته أن النجاشى قد أسلم، قال: فكيف صنع قومه بملكه؟ قلت: أقروه واتبعوه، قال: والأساقفة والرهبان تبعوه، قلت: نعم. قال: انظر يا عمرو ما تقول، إنه ليس من خصلة فى رجل واحد أفضح له من كذب. قلت: ما كذبت، وما نستحله فى ديننا. ثم قال: ما أرى هرقل علم بإسلام النجاشى.\rقلت: بلى. قال: بأى شىء علمت ذلك؟ قلت: كان النجاشى يخرج له خرجا، فلما أسلم وصدق بمحمد ﷺ قال: لا، والله لو سألنى درهما واحدا ما أعطيته، فبلغ هرقل قوله، فقال له نياق أخوه: أتدع عبدك لا يخرج لك خرجا، ويدين دينا محدثا؟ قال هرقل: رجل رغب فى دين واختاره لنفسه، ما أصنع به، والله لولا الضن لملكى لصنعت كما صنعوا. قال: انظر ما تقول يا عمر، قلت: والله صدقتك. قال عبد: فأخبرنى ما الذى يأمر به وينهى عنه. قلت: يأمر بطاعة الله ﷿ وينهى عن معصيته، ويأمر بالبر وصلة الرحم، وينهى عن الظلم والعدوان، وعن الزنا وشرب الخمر، وينهى عن عبادة الحجر والوثن والصليب. فقال: ما أحسن هذا الذى يدعو إليه، لو كان أخى يتابعنى لركبنا حتى نؤمن بمحمد ونصدق به، ولكن أخى أضن بملكه من أن يدعه ويصير ذنبا.\rقلت: إنه إن أسلم ملكه رسول الله ﷺ على قومه، فأخذ الصدقة من غنيهم فردها على فقيرهم. فقال: إن هذا لخلق حسن، وما الصدقة؟ فأخبرته بما فرض رسول الله ﷺ من الصدقات فى الأموال حتى انتهيت إلى الإبل. فقال: يا عمرو، تؤخذ من سوائم مواشينا التى ترعى الشجر وترد المياه. فقلت: نعم.\rفقال: والله، ما أرى قومى فى بعد دارهم وكثرة عددهم يطيعون بهذا. قال: فمكثت ببابه أياما وهو يصل إلى أخيه فيخبره كل خبرى، ثم إنه دعانى يوما فدخلت عليه، فأخذ أعوانه بضبعى، فقال: دعوه، فأرسلت، فذهبت لأجلس، فأبوا أن يدعونى أجلس، فنظرت إليه، فقال: تكلم بحاجتك، فدفعت إليه الكتاب مختوما، ففض خاتمه، فقرأه حتى انتهى إلى آخره. ثم دفعه إلى أخيه فقرأه مثل قراءته، إلا أنى رأيت أخاه أرق منه، ثم قال: ألا تخبرنى عن قريش، كيف صنعت؟ فقلت: تبعوه، إما راغب فى الدين، وإما مقهور بالسيف. قال: ومن معه؟ قلت: الناس، قد رغبوا فى الإسلام، واختاروه على غيره، وعرفوا بعقولهم مع هدى الله إياهم أنهم كانوا فى ضلال، فما أعلم أحدا بقى غيرك فى هذه الحرجة، وأنت إن لم تسلم اليوم وتتبعه يوطئك الخيل، ويبيد خضراءك،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084085,"book_id":3509,"shamela_page_id":648,"part":"2","page_num":19,"sequence_num":648,"body":"فأسلم تسلم ويستعملك على قومك، ولا تدخل عليك الخيل والرجال. قال: دعنى يومى هذا وارجع إلى غدا.\rفرجعت إلى أخيه، قال: يا عمرو، إنى لأرجوا أن يسلم إن لم يضن بملكه حتى إذا كان الغد أتيت إليه، فأبى أن يأذن لى، فانصرفت إلى أخيه، فأخبرته أنى لم أصل إليه، فأوصلنى إليه. فقال: إنى فكرت فيما دعوتنى إليه، فإذا أنا أضعف العرب إن ملكت رجلا ما فى يدى وهو لا تبلغ خيله هاهنا، وإن بلغت خيله ألفت قتالا ليس كقتال من لاقى. قلت: فأنا خارج غدا، فلما أيقن بمخرجى خلا به أخوه، فقال: ما نحن فيما قد ظهر عليه، وكل من أرسل إليه قد أجابه، فأصبح، فأرسل إلى، فأجاب إلى الإسلام هو وأخوه جميعا، وصدقا النبى ﷺ وخليا بينى وبين الصدقة، وبين الحكم فيما بينهم، وكانا لى عونا على من خالفنى «١» .\rوفى حديث غير الواقدى أن عمرا قال له فيما دار بينهما من الكلام: إنك وإن كنت منا بعيدا فإنك من الله غير بعيد، إن الذى تفرد بخلقك أهل أن تفرده بعبادتك، وأن لا تشرك به من لم يشركه فيك، وأعلم أنه يميتك الذى أحياك، ويعيدك الذى أبدأك، فانظر فى هذا النبى الأمى الذى جاءنا بالدنيا والآخرة، فإن كان يريد به أجرا فامنعه، أو يميل به هوى فدعه، ثم انظر فيما يجىء به، هل يشبه ما يجىء به الناس؟ فإن كان يشبهه فسله العيان وتخير عليه فى الخبر، وإن كان لا يشبهه فاقبل ما قال، وخف ما وعد.\rقال ابن الجلندى: إنه والله لقد دلنى على هذا النبى الأمى أنه لا يأمر بخير إلا كان أول من أخذ به، ولا ينهى عن شر إلا كان أول تارك له، وأنه يغلب فلا يبطر، ويغلب فلا يضجر، وأنه يفى بالعهد، وينجز الموعود، وأنه لا يزال سر قد اطلع عليه يساوى فيه أهله، وأشهد أنه نبى.\rكتاب رسول الله ﷺ إلى هوذة بن على مع سليط بن عمرو العامرى، وما كان من خبره معه «٢»\rولما بعث رسول الله ﷺ رسله إلى الملوك يدعوهم إلى الله، بعث سليط بن عمرو إلى","footnotes":"(١) انظر التخريج السابق.\r(٢) راجع: تاريخ الطبرى (٣/ ٦٤٤، ٦٤٥) ، المصباح المضىء لابن حديدة (٢/ ٣٥٤، ٣٥٩) ، تاريخ اليعقوبى (٢/ ٧٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084086,"book_id":3509,"shamela_page_id":649,"part":"2","page_num":20,"sequence_num":649,"body":"هوذة بن على الحنفى صاحب اليمامة والمتوج بها وهو الذى يقول فيه الأعشى، ميمون ابن قيس من كلمة:\rإلى هوذة الوهاب أعلمت ناقتى ... أرجى عطاء فاضلا من عطائكا\rفلما أتت آطام جو وأهلها ... أنيخت وألقت رحلها بقبائكا\rوذكر الواقدى أن رسول الله ﷺ كتب إلى هوذة مع سليط حين بعثه إليه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله، إلى هوذة بن على، سلام على من اتبع الهدى، واعلم أن دينى سيظهر إلى منتهى الخف والحافر، فأسلم تسلم، وأجعل لك ما تحت يديك» . فلما قدم عليه سليط بكتاب النبى ﷺ مختوما أنزله وحياه، واقترأ عليه الكتاب، فرد ردا دون رد، وكتب إلى النبى ﷺ: ما أحسن ما تدعو إليه وأجمله، وأنا شاعر قومى وخطيبهم، والعرب تهاب مكانى فاجعل إلى بعض الأمر أتبعك.\rوأجاز سليطا بجائزة، وكساه أثوابا من نسج هجر، فقدم بذلك كله على النبى ﷺ فأخبره، وقرأ النبى ﷺ كتابه، وقال: «لو سألنى سبابة من الأرض ما فعلت، باد وباد ما فى يده» ، فلما انصرف النبى ﷺ من الفتح جاءه جبريل ﵇ بأن هوذة مات، فقال رسول الله ﷺ: «أما إن اليمامة سيخرج بها كذاب يتنبأ، يقتل بعدى» ، فقال قائل:\rيا رسول الله، فمن يقتله؟ فقال له رسول الله ﷺ: «أنت وأصحابك» ، فكان من أمر مسيلمة وتكذبه ما كان، وظهر المسلمون عليه فقتلوه، وكان ذلك القاتل من قتله وفق ما قاله الصادق المصدوق صلوات الله وبركاته عليه.\rوذكر وثيمة بن موسى أن سليط بن عمرو لما قدم على هوذة بكتاب رسول الله ﷺ وكان كسرى قد توجه، وقال له: يا هوذة، إنه قد سودتك أعظم حائلة وأرواح فى النار، وإنما السيد من متع الإيمان ثم زود التقوى، إن قوما سعدوا برأيك، فلا تشقين به، وإنى آمرك بخير مأمور به، وأنهاك عن شر منهى عنه، آمرك بعبادة الله، وأنهاك عن عبادة الشيطان، فإن فى عبادة الله الجنة، وفى عبادة الشيطان النار، فإن قبلت نلت ما رجوت وأمنت ما خفت، وإن أبيت فبيننا وبينك كشف الغطاء وهو المطلع.\rفقال هوذة: يا سليط، سودنى من لو سودك شرفت به، وقد كان لى رأى اختبر به الأمور فقدته، فموضعه من قلبى هواء، فاجعل لى فسحة يرجع إلى رأيى فأجيبك به إن شاء الله «١» .","footnotes":"(١) انظر التخريج السابق.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084087,"book_id":3509,"shamela_page_id":650,"part":"2","page_num":21,"sequence_num":650,"body":"وقال هوذة فى ذلك:\rأتانى سليط بالحوادث جمة ... فقلت له ماذا يقول سليط\rفقال التى فيها على غضاضة ... وفيها رجاء مطمع وقنوط\rفقلت له غاب الذى كنت أجتلى ... به الأمر عنى فالصعود هبوط\rوقد كان لى والله بالغ أمره ... أبا النصر جاش فى الأمور ربيط\rفأذهبه خوف النبى محمد ... فهوذة فيه فى الرجال سقيط\rفأجمع أمرى من يمين وشمأل ... كأنى ردود للنبال لقيط\rوأذهب ذاك الرأى إذ قال قائل ... أتاك رسول الله للنبى خبيط\rرسول الله راكب ناضح ... عليه من أوبار الحجاز غبيط\rسكرت ودبت فى المفارق وسنة ... لها نفس على الفؤاد غطيط\rأحاذر منه سورة هائمية ... فوارسها وسط الرجال عبيط\rفلا تعجلنى يا سليط فإننا ... نبادر أمرا والقضاء محيط\rوذكر الواقدى بإسناد له عن عبد الله بن مالك أنه قال: قدمت اليمامة فى خلافة عثمان بن عفان، فجلست فى مجلس لحجر، فقال رجل فى المجلس: إنى لعند ذى التاج الحنفى يعنى هوذة يوم الفصح إذ جاء حاجبه، فاستأذن لأركون دمشق وهو عظيم من عظماء النصارى فقال: ائذن له، فدخل فرحب به وتحدثا، فقال الأركون: ما أطيب بلاد الملك وأبرأها من الأوجاع. قال ذو التاج: هى أصح بلاد العرب، وهى زين بلادهم، قال الأركون: وما قرب محمد منكم؟ قال ذو التاج: هو بيثرب، وقد جاءنى كتابه يدعونى إلى الإسلام فلم أجبه. قال الأركون: لم لا تجيبه؟ قال: ضننت بدينى، وأنا ملك قومى، وإن تبعته لم أملك. قال: بلى، والله لئن اتبعته ليمكنك وإن الخيرة لك فى اتباعه، وإنه للنبى العربى الذى بشر به عيسى ابن مريم، وإنه لمكتوب عندنا فى الإنجيل: محمد رسول الله. قال ذو التاج: قد قرأت فى الإنجيل ما تذكر. ثم قال الأركون: فما لك لا تتبعه؟ قال: الحسد له، والضن بالخمر وشربها. قال: فما فعل هرقل؟ قال: هو على دينه ويظهر لرسله أنه معه، وقد سبر أهل مملكته، فأبوا أشد الإباء، فضن بملكه أن يفارقه، قال ذو التاج: فما أرانى إلا متبعه وداخلا فى دينه، فأنا فى بيت العرب، وهو مقرى على ما تحت يدى. قال البطريق: هو فاعل فاتبعه، فدعا رسولا وكتب معه كتابا، وسمى هدايا، فجاءه قومه فقالوا: تتبع محمدا وتترك دينك، لا تملكن علينا أبدا، فرفض الكتاب.\rقال: فأقام الأركون عنده فى حباء وكرامة، ثم وصله ووجه راجعا إلى الشام.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084088,"book_id":3509,"shamela_page_id":651,"part":"2","page_num":22,"sequence_num":651,"body":"قال الرجل: وتبعته حين خرج، فقلت: أحق ما أخبرت ذا التاج؟ قال: نعم والله، فاتبعه، قال: فرجعت إلى أهلى فتكلفت الشخوص إلى النبى ﷺ فقدمت عليه مسلما، فأخبرته بكل ما كان، فحمد الله الذى هدانى.\rولم يسم فى حديث الواقدى هذا الرجل، إلا أن فيه أنه كان من طيئ، ثم من بنى نبهان.\rوقد تقدم صدر هذا الكتاب أن عامر بن سلمة من بنى حنيفة رأى رسول الله ﷺ ثلاثة أعوام ولاء فى الموسم بعكاظ وبمجنة وبذى المجاز يعرض نفسه على قبائل العرب، يدعوهم إلى الله وإلى أن ينصروه، حتى يبلغ عن الله فلا يستجيب له أحد، وإن هوذة بن على سأل عامرا بعد انصرافه عن الموسم إلى اليمامة فى أول عام عن ما كان فى موسمهم من خبر، فأخبره خبر رسول الله ﷺ وأنه رجل من قريش، فسأله هوذة: من أى قريش هو؟ فقال له عامر: من أوسطهم نسبا، من بنى عبد المطلب، قال هوذة: أهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب؟ فقال: هو هو، فقال هوذة: أما إن أمره سيظهر على ما هاهنا وغير ما هاهنا. ثم ذكر تكرر سؤال هوذة له عنه حتى ذكر له فى السنة الثالثة أنه رآه وأمره قد أمر، فقال له هوذة: هو الذى قلت لك، ولو أنا اتبعناه لكان خيرا لنا، ولكنا نضن بملكنا.\rوأخبر عامر بذلك كله سليط بن عمرو، وقد مر به منصرفا عن هوذة إذ بعثه إليه رسول الله ﷺ فلم يسلم وأسلم عامر آخر حياة النبى ﷺ ومات هوذة كافرا على نصرانيته.\rذكر كتاب النبى ﷺ إلى الحارث بن أبى شمر الغسانى مع شجاع بن وهب «١»\rذكر الواقدى أن رسول الله ﷺ بعث شجاعا إلى الحارث بن أبى شمر، وهو بغوطة دمشق، فكتب إليه رسول الله ﷺ مرجعه من الحديبية:\r«بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله، إلى الحارث بن أبى شمر، سلام على","footnotes":"(١) راجع: تاريخ الطبرى (٣/ ٦٤٤، ٦٥٢) ، الروض الأنف للسهيلى (٤/ ٢٥، ٢٥١) ، المصباح المضىء لابن حديدة (٢/ ٣١٤، ٣١٦) ، تاريخ اليعقوبى (٢/ ٧٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084089,"book_id":3509,"shamela_page_id":652,"part":"2","page_num":23,"sequence_num":652,"body":"من اتبع الهدى وآمن به وصدق، وإنى أدعوك إلى أن تؤمن بالله وحده لا شريك له، يبق لك ملكك» . فختم الكتاب، وخرج به شجاع بن وهب.\rقال: فانتهيت إلى صاحبه، فأخذه يومئذ وهو مشغول بتهيئة الإنزال والألطاف لقيصر، وهو جاء من حمص إلى إيلياء، حيث كشف الله عنه جنود فارس شكرا لله تعالى قال: فأقمت على بابه يومين أو ثلاثة، فقلت لحاجبه: إنى رسول رسول الله ﷺ فقال حاجبه: لا تصل إليه حتى يخرج يوم كذا وكذا، وجعل حاجبه وكان روميا اسمه مرى يسألنى عن رسول الله ﷺ وما يدعو إليه، فكنت أحدثه، فيرق حتى يغلبه البكاء، ويقول: إنى قرأت فى الإنجيل، وأجد صفة هذا النبى بعينه فكنت أراه يخرج بالشام، فأراه قد خرج بأرض القرظ، فأنا أؤمن به وأصدقه، وأنا أخاف من الحارث بن أبى شمر أن يقتلنى.\rقال شجاع: فكان، يعنى هذا الحاجب، يكرمنى ويحسن ضيافتى ويخبرنى عن الحارث باليأس منه، ويقول: هو يخاف قيصر.\rقال: فخرج الحارث يوما فجلس، فوضع التاج على رأسه، فأذن لى عليه، فدفعت إليه كتاب رسول الله ﷺ فقرأه، ثم رمى به، وقال: من ينتزع منى ملكى؟ أنا سائر إليه، ولو كان باليمن جئته، على بالناس، فلم يزل جالسا بعرض حتى الليل، وأمر بالخيل أن تنعل، ثم قال: أخبر صاحبك بما ترى. وكتب إلى قيصر يخبره خبرى، فصادف قيصر بإيلياء وعنده دحية الكلبى قد بعثه إليه رسول الله ﷺ فلما قرأ قيصر كتاب الحارث كتب إليه:\rأن لا تسر إليه واله عنه ووافنى بإيلياء، قال: ورجع الكتاب وأنا مقيم، فدعانى وقال:\rمتى تريد أن تخرج إلى صاحبك؟ قلت: غدا، فأمر بمائة مثقال، ووصلنى مرى بنفقة وكسوة، وقال: اقرأ على رسول الله منى السلام، وأخبره أنى متبع دينه.\rقال شجاع: فقدمت على النبى ﷺ فأخبرته، فقال: باد ملكه، وأقرأته من مرى السلام، وأخبرته بما قال، فقال رسول الله ﷺ: «صدق» .\rقال الواقدى: ومات الحارث بن أبى شمر عام الفتح، وكان نازلا بجلق، ووليهم جبلة ابن الأيهم، وكان ينزل الجابية، وكان آخر ملوك غسان، أدركه عمر بن الخطاب رضى الله عنه بالجابية فأسلم، ثم إنه لاحى رجلا من مزينة، فلطم عينه، فجاء به المزنى إلى عمر رضى الله عنه وقال: خذ لى بحقى، فقال له عمر: الطم عينه، فأنف جبلة وقال: عينى وعينه سواء؟ قال عمر: نعم، فقال جبلة: لا أقيم بهذه الدار أبدا، ولحق بعمورية مرتدا، فمات هناك على ردته.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084090,"book_id":3509,"shamela_page_id":653,"part":"2","page_num":24,"sequence_num":653,"body":"هكذا ذكر الواقدى أن توجه شجاع بن وهب بكتاب رسول الله ﷺ كان إلى الحارث بن أبى شمر، وكذلك قال ابن إسحاق.\rوأما ابن هشام «١» فقال: إنما توجه إلى جبلة بن الأيهم، وقد قال ذلك غيره، فالله أعلم.\rوذكر بعض من وافق ابن هشام على أن الرسالة كانت إلى جبلة: أن شجاع بن وهب لما قدم عليه قال له: «يا جبلة، إن قومك نقلوا هذا النبى الأمى من داره إلى دارهم يعنى الأنصار فأووه ومنعوه، وإن هذا الدين الذى أنت عليه ليس بدين آبائك، ولكنك ملكت الشام وجاورت بها الروم، ولو جاورت كسرى دنت بدين الفرس لملك العراق، وقد أقر بهذا النبى الأمى من أهل دينك من إن فضلناه عليك لم يغضبك، وإن فضلناك عليه لم يرضك، فإن أسلمت أطاعتك الشام وهابتك الروم، وإن لم يفعلوا كانت لهم الدنيا ولك الآخرة، وكنت قد استبدلت المساجد بالبيع، والأذان بالناقوس، والجمع بالشعانين، والقبلة بالصليب، وكان ما عند الله خير وأبقى» .\rفقال له جبلة: «إنى والله لوددت أن الناس اجتمعوا على هذا النبى الأمى اجتماعهم على خلق السموات والأرض، ولقد سرنى اجتماع قومى له، وأعجبنى قتله أهل الأوثان واليهود واستبقاءه النصارى، ولقد دعانى قيصر إلى قتال أصحابه يوم مؤتة فأبيت عليه، فانتدب له مالك بن نافلة من سعد العشيرة، فقتله الله، ولكنى لست أرى حقا ينفعه ولا باطلا يضره، والذى يمدنى إليه أقوى من الذى يختلجنى عنه، وسأنظر» .\rوأما توجه المهاجر بن أبى أمية بن المغيرة المخزومى، وهو شقيق أم سلمة زوج النبى ﷺ إلى الحارث بن عبد كلال، فلم أجد عند ابن إسحاق، ولا فيما وقع إلى عن الواقدى شيئا أنقله عنهما سوى ما ذكر ابن إسحاق «٢» من توجيه رسول الله ﷺ إياه إلى الحارث بن عبد كلال ذكرا مقتصرا فيه على القدر مختصرا من الإمتاع بما تحسن إضافته إلى ذلك من الوصف.\rوتقدم لابن إسحاق فى كتابه، وذكره أيضا الواقدى أن رسول الله ﷺ قدم عليه كتاب ملوك حمير مقدمه من تبوك، ورسولهم إليه بإسلامهم الحارث بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال والنعمان قيل: ذى رعين ومعافر وهمدان، وبعث إليه زرعة ذى يزن مالك بن مرة الرهاوى بإسلامهم ومفارقتهم الشرك وأهله.","footnotes":"(١) انظر: السيرة (٤/ ٢٣١) .\r(٢) انظر: السيرة (٤/ ٢٣١) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084091,"book_id":3509,"shamela_page_id":654,"part":"2","page_num":25,"sequence_num":654,"body":"وقد كان رسول الله ﷺ فى مسيره إلى تبوك يقول: «إنى بشرت بالكنزين: فارس والروم، وأمددت بالملوك: ملوك حمير، يأكلون فىء الله ويجاهدون فى سبيل الله» . فلما قدم عليه مالك بن مرة بإسلامهم، كتب إليهم: «بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله النبى، إلى الحارث بن عبد كلال وإلى نعيم بن عبد كلال وإلى النعمان قيل:\rذى رعين ومعافر وهمدان. أما بعد ذلكم، فإنى أحمد إليكم الله الذى لا إله إلا هو. أما بعد، فإنه قد وقع بنا رسولكم منقلبنا من الأرض الروم فلقينا بالمدينة، فبلغ ما أرسلتم به، وخبر ما قبلكم، وأنبأنا بإسلامكم وقتلكم المشركين، وأن الله قد هداكم بهداه. أن أصلحتم وأطعتم الله ورسوله وأقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وأعطيتم من المغانم خمس الله وسهم النبى وصفيه، وما كتب على المؤمنين من الصدقة وبين لهم صدقة الزرع والإبل والبقر والغنم، ثم قال: فمن زاد خيرا فهو خير له، ومن أدى ذلك وأشهد على إسلامه وظاهر المؤمنين على المشركين فإنه من المؤمنين، له ما لهم، وعليه ما عليهم، وله ذمة الله وذمة رسوله، وأنه من أسلم من يهودى أو نصرانى فإنه من المؤمنين، له ما لهم، وعليه ما عليهم، ومن كان على يهوديته أو نصرانيته فإنه لا يرد عنها، وعليه الجزية على كل حالم ذكر أو أنثى حر أو عبد دينار واف من قيمة المعافر أو عوضه ثيابا، فمن أدى ذلك إلى رسول الله ﷺ فإن له ذمة الله وذمة رسوله، ومن منعه فإنه عدو لله ولرسوله.\rأما بعد، فإن محمد النبى أرسل إلى زرعة ذى يزن أن إذا أتاكم رسلى فأوصيكم بهم خيرا، معاذ بن جبل وعبد الله بن زيد ومالك بن عبادة وعقبة بن نمر ومالك بن مرة وأصحابهم، وأن أجمعوا ما عندكم من الصدقة والجزية من مخالفيكم وأبلغوها رسلى، فإن أميرهم ابن جبل، فلا ينقلبن إلا راضيا. أما بعد، فإن محمدا يشهد أن لا إله إلا الله وأنه عبده ورسوله، ثم إن مالك بن مرة الرهاوى قد حدثنى أنك قد أسلمت من أول حمير، وقتلت المشركين، فأبشر بخير، وآمرك بحمير خيرا، ولا تخاونوا ولا تخاذلوا فإن رسول الله هو مولى غنيكم وفقيركم، وإن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لأهل بيته، وإنما هى زكاة يزكى بها على فقراء المسلمين وابن السبيل، وإن مالكا قد بلغ الخبر وحفظ الغيب، وآمركم به خيرا، وإنى قد أرسلت إليكم من صالحى أهلى وأولى دينهم وأولى علمهم وآمركم بهم خيرا، فإنه منظور إليهم، والسلام عليكم ورحمة الله» «١» .\rفهذا ما ذكر ابن إسحاق «٢» من شأن ملوك حمير، وما كتبوا به، وكتب إليهم، وذكر الواقدى أيضا نحوه.","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٥/ ٧٥) .\r(٢) انظر: السيرة (٤/ ٢١٢- ٢١٣) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084092,"book_id":3509,"shamela_page_id":655,"part":"2","page_num":26,"sequence_num":655,"body":"ولا ذكر للمهاجر بن أبى أمية فى شىء من ذلك إلا أن ابن إسحاق والواقدى ذكرا أن قدوم رسول ملوك حمير على رسول الله ﷺ كان مقدمه من تبوك، وذلك فى سنة تسع، وتوجيه رسول الله ﷺ رسله إلى الملوك إنما كان بعد انصرافه عن الحديبية آخر سنة ست، فلعل المهاجر والله أعلم كانت وجهه حينئذ إلى الحارث بن عبد كلال فصادف منه عامئذ ترددا واستنظارا، ثم جلا الله عنه العمى فيما بعد، وأمر بهدايته فاستبان له القصد، فعند ذلك أرسل هو وأصحابه بإسلامهم إلى رسول الله ﷺ وبذلك يجتمع الأمران، ويصح الخبران، إذ لا خلاف بين أهل العلم بالأخبار والعناية بالسير أن ملوك حمير أسلموا وكتبوا بإسلامهم إلى رسول الله ﷺ كما أنه لا خلاف بينهم أيضا فى توجيه المهاجر بن أبى أمية إلى الحارث بن عبد كلال.\rويقول بعض من ذكر ذلك أن المهاجر لما قدم عليه قال له: يا حارث إنك كنت أول من عرض عليه النبى ﷺ نفسه فخطيت عنه، وأنت أعظم الملوك قدرا، فإذا نظرت فى غلبة الملوك فانظر فى غالب الملوك، وإذا أسرك يومك فخف غدك، وقد كان قبلك ملوك ذهبت آثارها وبقيت أخبارها، عاشوا طويلا وأملوا بعيدا وتزودوا قليلا، منهم من أدركه الموت، ومنهم من أكلته النقم، وإنى أدعوك إلى الرب الذى إن أردت الهدى لم يمنعك، وإن أرادك لم يمنعك منه أحد، وأدعوك إلى النبى الأمى الذى ليس شىء أحسن مما يأمر به ولا أقبح مما ينهى عنه، واعلم أن لك ربا يميت الحى ويحيى الميت، ويعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور.\rفقال الحارث: قد كان هذا النبى عرض نفسه على، فخطيت عنه، وكان ذخرا لمن صار إليه، وكان أمره أمرا بسق، فحضره اليأس وغاب عنه الطمع، ولم تكن لى قرابة أحتمله عليها، ولا لى فيه هوى أتبعه له، غير أنى أرى أمرا لم يؤسسه الكذب، ولم يسنده الباطل، له بدو سار وعافية نافعة، وسأنظر.\rذكر كتاب النبى ﷺ إلى فروة بن عمرو الجذامى ثم النفاتى، وما كان من تبرعه بالإسلام هداية من الله ﷿ له «١»\rذكر الواقدى بإسناد له أن فروة بن عمرو»\r، هذا كان عاملا لقيصر على عمان من","footnotes":"(١) راجع: السيرة (٤/ ٢١٤) .\r(٢) انظر ترجمته فى: الاستيعاب ترجمة رقم (٢٠٩٧) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084093,"book_id":3509,"shamela_page_id":656,"part":"2","page_num":27,"sequence_num":656,"body":"أرض البلقاء وفى كتاب ابن إسحاق: معان وما حولها من أرض الشام، وكان رسول الله ﷺ قد كتب إلى هرقل وإلى الحارث بن أبى شمر، ولم يكتب إليه، فأسلم فروة، وكتب إلى رسول الله ﷺ بإسلامه، وبعث من عنده رسولا يقال له: مسعود بن سعد من قومه بكتاب مختوم فيه:\r«بسم الله الرحمن الرحيم. لمحمد رسول الله النبى، إنى مقر بالإسلام مصدق به، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وإنه الذى بشر به عيسى ابن مريم. والسلام عليك» .\rثم بعث مع الرسول بغلة بيضاء يقال لها: فضة، وحماره يعفور، وفرسا يقال له:\rالضرب، وبعث بأثواب من لين، وقباء من سندس مخوص بالذهب، فقدم الرسول فدفع الكتاب إلى رسول الله ﷺ فاقترأه، وأمر بلالا أن ينزله ويكرمه، فلما أراد الخروج كتب إليه رسول الله ﷺ جواب كتابه:\r«من محمد رسول الله، إلى فروة بن عمرو، سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد. فإنه قدم علينا رسولك بكتابك فبلغ ما أرسلت به، وخبر عن ما قبلكم، وأنبأنا بإسلامك، وإن الله ﷿ قد هداك إن أصلحت وأطعت الله ورسوله وأقمت على الصلاة وآتيت الزكاة، والسلام عليك» .\rولما بلغ قيصر إسلام فروة بن عمرو بعث إليه فحبسه، ولما طال حبسه أرسلوا إليه:\rأن ارجع إلى دينك ويعيد إليك ملكك، فقال: لا أفارق دين محمد أبدا، أما أنك تعرف أنه رسول الله، بشرك به عيسى ابن مريم، ولكنك ضننت بملكك وأحببت بقاءه. فقال قيصر: صدق والإنجيل.\rوذكر الواقدى أنه مات فى ذلك الحبس، فلما مات صلبوه.\rقال: فلما اجتمعت الروم لصلبه قال:\rألا هل أتى سلمى بأن حليلها ... على ماء عفرا فوق إحدى الرواحل «١»\rعلى ناقة لم يضرب الفحل أمها ... مشذبة أطرافها بالمناجل «٢»\rوذكر ابن شهاب الزهرى أنهم لما قدموه ليقتلوه قال:","footnotes":"(١) إحدى الرواحل: المراد بها الخشبة التى صلب عليها.\r(٢) مشذبة: قد أزيلت أغصانها.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084094,"book_id":3509,"shamela_page_id":657,"part":"2","page_num":28,"sequence_num":657,"body":"أبلغ سراة المسلمين بأننى ... سلم لربى أعظمى ومقامى\rثم ضربوا عنقه وصلبوه على ذلك الماء، يرحمه الله.\rقال ابن إسحاق «١» : وقد كان تكلم على عهد رسول الله ﷺ الكذابان: مسيلمة بن حبيب الحنفى باليمامة فى بنى حنيفة، والأسود بن كعب العنسى بصنعاء.\rوذكر بإسناد له عن أبى سعيد الخدرى قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو يخطب الناس على منبره وهو يقول:\r«يا أيها الناس، إنى قد رأيت ليلة القدر، ثم أنسيتها، ورأيت فى ذراعى سوارين من ذهب، فكرهتهما، فنفختهما فطارا، فأولتهما هذين الكذابين: صاحب اليمن، وصاحب اليمامة» «٢» .\rوعن أبى هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون دجالا، كلهم يدعى النبوة» «٣» .\rقال ابن إسحاق «٤» : وكان رسول الله ﷺ قد بعث أمراءه وعماله على الصدقات إلى كل ما أوطأ الإسلام من البلدان، فبعث المهاجر بن أبى أمية بن المغيرة «٥» إلى صنعاء، فخرج عليه العنسى وهو بها، وبعث زياد بن لبيد «٦» أخا بنى بياضة الأنصارى إلى","footnotes":"(١) انظر: السيرة (٤/ ٢٢٢) .\r(٢) انظر الحديث فى: صحيح مسلم (٤/ ١٧٨١/ ٢١) ، سنن الترمذى (٤/ ٢٢٩٢) ، مسند الإمام أحمد (١/ ٢٦٣، ٢/ ٣١٩، ٣٣٨، ٣٤٤) .\r(٣) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (٢/ ٤٥٠) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٥/ ٣١٥) ، سنن أبى داود (٤/ ٤٣٣٣) .\r(٤) انظر: السيرة (٤/ ٢٢٣) .\r(٥) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (٨٢٧١) ، أسد الغابة ترجمة رقم (٥١٣٤) ، مؤتلف الدارقطنى (ص ١٦٣) .\r(٦) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (٢٨٧١) ، أسد الغابة ترجمة رقم (١٨٠٩) ، مسند أحمد (٤/ ١٦٠) ، الطبقات الكبرى (٣/ ٥٩٨) ، التاريخ الكبير (٣/ ٣٤٤) ، التاريخ الصغير (١/ ٤١) ، تاريخ الطبرى (٣/ ١٤٧) ، الجرح والتعديل (٣/ ٥٤٣) ، المعجم الكبير (٥/ ٣٠٤) ، الكامل فى التاريخ (٢/ ٣٠١) ، تهذيب الكمال (٩/ ٥٠٦) ، الكاشف (١/ ٢٦٢) ، تجريد أسماء الصحابة (١/ ١٩٥) ، الوافى بالوفيات (١٥/ ١٠) ، تهذيب التهذيب (٣/ ٣٨٢) ، خلاصة تهذيب التهذيب (١٢٥) ، تاريخ الإسلام (١/ ٥٢) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084095,"book_id":3509,"shamela_page_id":658,"part":"2","page_num":29,"sequence_num":658,"body":"حضرموت وعلى صدقاتها، وبعث عدى بن حاتم «١» على طيىء وصدقاتها، وعلى بنى أسد، وبعث مالك بن نويرة اليربوعى «٢» على صدقات بنى حنظلة، وفرق صدقة بنى سعد على رجلين منهم، فبعث الزبرقان بن بدر «٣» على ناحية منها، وقيس بن عاصم «٤» على ناحية، وكان قد بعث العلاء بن الحضرمى «٥» على البحرين، وبعث على بن أبى طالب إلى نجران ليجمع صدقاتهم ويقدم عليهم بجزيتهم.\rوقد كان مسيلمة بن حبيب كتب إلى رسول الله ﷺ: «من مسيلمة رسول الله، إلى محمد رسول الله، سلام عليك، أما بعد. فإنى قد أشركت فى الأمر معك، وإن لنا نصف الأرض، ولقريش نصفها، ولكن قريشا قوم يعتدون» .\rفقدم على رسول الله ﷺ بهذا الكتاب رسولان لمسيلمة، فقال لهما رسول الله ﷺ حين قرأ كتابه: «فما تقولان أنتما؟» قالا: نقول كما قال، فقال: «أما والله لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما» . ثم كتب إلى مسيلمة:","footnotes":"(١) انظر ترجمته فى: طبقات ابن سعد (٦/ ٢٢) ، التاريخ الكبير (٧/ ٤٣) ، التاريخ الصغير (١/ ١٤٨) ، المعارف (٣١٣) ، الجرح والتعديل (٧/ ٢) ، تاريخ بغداد (١/ ١٨٩) ، تاريخ ابن عساكر (١١/ ٢٣٤) ، تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٣٢٧) ، تهذيب الكمال (٩٢٥) ، تاريخ الإسلام (٣/ ٤٦) ، العبر (١/ ٧٤) ، تذهيب التهذيب (٣/ ٣٦) ، جامع الأصول (٩/ ١١١) ، مرآة الجنان (١/ ١٤٢) ، تهذيب التهذيب (٧/ ١٦٦) ، خلاصة تذهيب الكمال (٢٢٣) ، شذرات الذهب (١/ ٧٤) ، سير أعلام النبلاء (٣/ ١٦٢) ، الإصابة ترجمة رقم (٥٤٩١) ، أسد الغابة ترجمة رقم (٣٦١٠) .\r(٢) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (٧٧١٢) ، أسد الغابة ترجمة رقم (٤٦٥٤) .\r(٣) انظر ترجمته فى: الثقات (٣/ ١٤٢) ، أسد الغابة ترجمة رقم (١٧٢٨) ، تجريد أسماء الصحابة (١/ ١٨٨) ، الإصابة ترجمة رقم (٢٧٨٩) ، الاستبصار (٣١٤، ٤١٥) ، الأعلام (٣/ ٤١) ، تقريب التهذيب (١/ ٢٥٧) ، الطبقات الكبرى (٧/ ٣٦، ١/ ٢٩٤، ٢/ ١٦١) ، الجرح والتعديل (٣/ ٢٧٦٠٠) ، البداية والنهاية (٥/ ٤١) .\r(٤) انظر ترجمته فى: الثقات (٣/ ٣٣٨) ، تجريد أسماء الصحابة (٢/ ٢٢) ، الجرح والتعديل (٧/ ١٠١) ، تقريب التهذيب (٢/ ١٢٩) ، تهذيب التهذيب (٨/ ٣٩٩) ، خلاصة تهذيب الكمال (٢/ ٣٥٧) ، الكاشف (٢/ ٣٠٥) ، أزمنة التاريخ الإسلامى (٨١٦) ، التاريخ الكبير (٧/ ١٤١) ، الأنساب (٩/ ١٣٥) ، بقى بن مخلد (٣٢١) ، الإصابة ترجمة رقم (٧٢٠٩) ، أسد الغابة ترجمة رقم (٤٣٧٠) .\r(٥) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (٥٦٥٨) ، أسد الغابة ترجمة رقم (٣٧٤٥) ، تجريد أسماء الصحابة (١/ ٣٨٨) ، الجرح والتعديل (٦/ ٣٥٦) ، التاريخ الكبير (٦/ ٥٠٦) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084096,"book_id":3509,"shamela_page_id":659,"part":"2","page_num":30,"sequence_num":659,"body":"«بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، السلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين» «١» .\rقال ابن إسحاق: وكان ذلك فى آخر سنة عشر «٢» .\rوقال أبو جعفر محمد بن جرير الطبرى: وقد قيل: إن دعوى مسيلمة ومن ادعى من الكذابين النبوة فى عهد رسول الله ﷺ إنما كانت بعد انصرافه من حجة التمام، ووقوعه فى المرض الذى توفاه الله فيه، فالله تعالى أعلم.\rذكر حجة الوداع «٣» وتسمى أيضا حجة التمام، وحجة البلاغ\rولما دخل على رسول الله ﷺ ذو القعدة من سنة عشر تجهز للحج، وأمر الناس بالجهاز له، وخرج لخمس ليال بقين من ذى القعدة، وقد كان أذن فى الناس أنه خارج، فقدم المدينة بشر كثير، كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله ﷺ ويعمل مثل عمله.\rقال جابر بن عبد الله: فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة، فصلى رسول الله ﷺ فى المسجد، ثم ركب القصواء حتى إذا استوت به ناقته على البيداء نظرت إلى مد بصرى بين يديه من راكب وماش وعن يمينه مثل ذلك وعن يساره مثل ذلك ومن خلفه مثل ذلك، ورسول الله ﷺ بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل من شىء عملناه، فأهل بالتوحيد: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك» «٤» .","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: سنن البيهقى (٩/ ٢١١) ، مسند الإمام أحمد (٣٧٠٨) ، سنن أبى داود (٣/ ٢٧٦١) .\r(٢) انظر: السيرة (٤/ ٢٢٤) .\r(٣) عرفت باسم: حجة الوداع؛ وذلك لأن رسول الله ﷺ وتسمى أيضا حجة الإسلام. انظر: لم يحج بعدها، إذ بدأ به مرضه الذى توفاه الله فيه، كما قيل: حجة البلاغ؛ لأنه ﷺ أرى الناس مناسكهم وعلمهم حجهم، وقيل: حجة الإسلام؛ لأنه ﷺ لم يحج بعد أن فرض الحج فى الإسلام غيرها. راجع: طبقات ابن سعد (٢/ ١٧٢- ١٨٩) ، المغازى للواقدى (٣/ ١٠٨٨- ١١١٥) ، الثقات لابن حبان (٢/ ١٢٤- ١٢٩) .\r(٤) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (٢/ ١٧٠، ٧/ ٢٠٩) ، صحيح مسلم كتاب الحج، باب-","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084097,"book_id":3509,"shamela_page_id":660,"part":"2","page_num":31,"sequence_num":660,"body":"وأهل الناس بهذا الذى يهلون به، فلم يرد عليهم شيئا منه، ولزم ﷺ تلبيته.\rوفى حديث عائشة أن رسول الله ﷺ لما خرج فى حجة الوداع لم يكن يذكر ولا يذكر الناس إلا الحج، حتى إذا كان بسرف وقد ساق رسول الله ﷺ معه الهدى وأشراف من أشراف الناس، أمر الناس أن يحلوا بعمرة، إلا من ساق الهدى.\rوقال جابر فى حديثه: لسنا ننوى إلا الحج، لسنا نعرف العمرة، حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثا ومشى أربعا، ثم تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى [البقرة: ١٢٥] فجعل المقام بينه وبين البيت، ثم رجع إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ [البقرة: ١٥٨] أبدأ بما بدأ الله به، فبدأ بالصفا، فرقى عليه حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة، فوحد الله وكبره، وقال: «لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده» «١» . ثم دعا بين ذلك، قال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة حتى انصبت قدماه فى بطن الوادى، حتى إذا صعدنا مشى حتى أتى المروة ففعل على المروة كما فعل على الصفا حتى إذا كان آخر طواف على المروة قال:\r«لو أنى استقبلت من أمرى ما استدبرت، لم أسق الهدى ولجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدى فليحل وليجعلها عمرة» «٢» . فقام سراقة بن مالك بن جعشم «٣»","footnotes":"- (٣) رقم (١٩، ٢٠، ٢١، باب (١٩) رقم (١٤٧) ، سنن أبى داود (١٨١٢، ١٨١٣) ، سنن الترمذى (٨٢٥) ، سنن ابن ماجه (٢٩١٥، ٢٩١٨، ٣٠٧٤) ، سنن النسائى (٥/ ١٥٩، ١٦٠، ١٦١) ، مسند الإمام أحمد (١/ ٢٦٧، ٤٠١، ٢/ ٧٧، ٤٠١، ٣/ ٣٢٠، ٦/ ١٠٠، ١٨١، ٢٣٠، ٢٤٣) ، السنن الكبرى للبيهقى (٥/ ٤٤، ٤٥، ٧/ ٤٨) ، موطأ مالك (٣٣١) ، الدر المنثور للسيوطى (١/ ٢١٩) ، فتح البارى لابن حجر (١/ ٣٦٠) ، مشكاة المصابيح للتبريزى (٢٥٤١، ٢٥٥٥) ، تاريخ بغداد للخطيب البغدادى (٣/ ٧٣، ٥/ ٥٥، ٢٨٢، ٦/ ٤٥) ، طبقات ابن سعد (٢/ ١/ ١٢٧) ، البداية والنهاية لابن كثير (٥/ ١٤٣) .\r(١) انظر الحديث فى: سنن الدارمى (٢/ ٤٦) ، الدر المنثور للسيوطى (١/ ٢٢٦) .\r(٢) انظر الحديث فى: صحيح مسلم كتاب الحج باب (١٩) رقم (١٤٧) .\r(٣) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (٣١٢٢) ، أسد الغابة ترجمة رقم (١٩٥٥) ، الثقات (٣/ ١٨٠) ، تجريد أسماء الصحابة (١/ ٢١٠) ، تقريب التهذيب (١/ ٢٨٤) ، تهذيب التهذيب (٣/ ٤٥٦) ، تهذيب الكمال (١/ ٤٦٦) ، الكاشف (١/ ٣٤٩) ، الجرح والتعديل (٤/ ١٣٤٢) ، شذرات الذهب (١/ ٣٥) ، الطبقات (٣٤) ، الطبقات الكبرى (٩/ ٧٨) ، بقى بن مخلد (١٣٠) ، العقد الثمين (٤/ ٥٢٣) ، العبر (١/ ٢٧) ، الأعلام (٣/ ٨٠) ، الأنساب (٧/ ١١٦) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084098,"book_id":3509,"shamela_page_id":661,"part":"2","page_num":32,"sequence_num":661,"body":"فقال: يا رسول الله، ألعامنا هذا أم لأبد؟ فشبك رسول الله ﷺ أصابعه واحدة فى الأخرى، وقال: «دخلت العمرة فى الحج مرتين بل لأبد الأبد» «١» .\rوقدم على من اليمن ببدن رسول الله ﷺ فوجد فاطمة ممن حل ولبست ثيابا صبيغا واكتحلت، فأنكر ذلك عليها، فقالت: إن أبى أمرنى بهذا، قال: فكان على يقول بالعراق: فذهبت إلى رسول الله ﷺ محرشا على فاطمة للذى صنعت، مستفتيا له فيما ذكرت عنه، فأخبرته أنى نكرت ذلك عليها، فقال: «صدقت صدقت، ماذا قلت حين فرضت الحج؟» «٢» قال: قلت: اللهم إنى أهل بما أهل به رسول الله ﷺ. قال: فإن معى الهدى فلا تحل، فكان جماعة الهدى الذى قدم به على من اليمن والذى أتى به النبى ﷺ مائة.\rفلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج، فركب رسول الله ﷺ فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس، فأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة، فسار رسول الله ﷺ ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع فى الجاهلية، فأجاز رسول الله ﷺ حتى إذا أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت به بنمرة، فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له، فأتى بطن الوادى، فخطب الناس.\rقال ابن إسحاق «٣» : ومضى رسول الله ﷺ على حجه، فأرى الناس مناسكهم،","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: صحيح مسلم فى كتاب الحج باب (١٩) رقم (١٤٧) ، سنن أبى داود فى كتاب المناسك، باب (٢٣) ، باب (٥٧) ، سنن النسائى فى كتاب الحج باب (٧٦) ، سنن الترمذى (٩٣٢) ، سنن ابن ماجه (٣٠٧٤) ، مسند الإمام أحمد (١/ ٢٣٦، ٢٥٣، ٢٥٩، ٣٤١، ٤/ ١٧٥) ، سنن الدارمى (٤٧) ، السنن الكبرى للبيهقى (٤/ ٣٥٢، ٥/ ٧، ١٣، ١٨) ، مستدرك الحاكم (١/ ٦١٩، ٣/ ٦١٩) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٣/ ٢٣٥، ٣٧٨) ، المعجم الكبير للطبرانى (٢/ ١٤٤، ٧/ ١٤٠، ١٥١، ١٥٤، ١١/ ٨٣، ١٢/ ٢٢٨) ، التمهيد لابن عبد البر (٨/ ٣٦٠) ، مصنف ابن أبى شيبة (٤/ ١٠٢) ، إرواء الغليل للألبانى (٤/ ١٥٢) ، المطالب العالية لابن حجر (١١٠٠) ، كنز العمال للمتقى الهندى (١١٩٧٥، ١١٩٨٣، ١٢٤٧٤) ، البداية والنهاية لابن كثير (٥/ ١٣٥) ، الحاوى للفتاوى للسيوطى (٢/ ٥١) ، الكاف الشاف فى تخريج أحاديث الكشاف لابن حجر (٥٩) ، مسند الشافعى (١١٢، ١٩٦) ، تاريخ أصبهان لأبى نعيم (٢/ ١٩١) ، سنن الدارقطنى (٢/ ٢٨٣) ، المنتقى لابن الجارود (٤٦٥) .\r(٢) انظر الحديث فى: المنتقى لابن الجارود (٤٦٩) .\r(٣) انظر: السيرة (٤/ ٢٢٧) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084099,"book_id":3509,"shamela_page_id":662,"part":"2","page_num":33,"sequence_num":662,"body":"وأعلمهم سنن حجهم، وخطب للناس خطبته التى بين فيها ما بين، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:\r«أيها الناس، اسمعوا قولى، فإنى لا أدرى لعلى لا ألقاكم بعد عامى هذا بهذا الموقف أبدا، أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام؛ إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا، وكحرمة شهركم هذا، وإنكم ستلقون ربكم، فيسألكم عن أعمالكم، وقد بلغت، فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها، وإن كل ربّا موضوع، ولكن لكم رؤس أموالكم، لا تظلمون ولا تظلمون. قضى الله أنه لا ربا وإن ربا عباس بن عبد المطلب موضوع كله، وإن كل دم كان فى الجاهلية موضوع، وإن أول دمائكم أضع دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وكان مستعرضا فى بنى ليث، فقتلته هذيل، فهو أول ما أبدأ به من دماء الجاهلية.\rأما بعد، أيها الناس، فإن الشيطان قد يئس من أن يعبد بأرضكم هذه أبدا، ولكنه إن يطع فيما سوى ذلك، فقد رضى به مما تحقرون من أعمالكم، فاحذروه على دينكم.\rأيها الناس: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ [التوبة: ٣٧] ، ويحرموا ما أحل الله، وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، [التوبة: ٣٦] . ثلاثة متوالية، ورجب مضر الذى هو بين جمادى وشعبان.\rأما بعد، أيها الناس، فإن لكم على نسائكم حقا ولهن عليكم حقا، لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، وعليهن أن لا يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تهجروهن فى المضاجع وتضربوهن ضربا غير مبرح، فإن انتهين فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف، واستوصوا بالنساء خيرا، فإنهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئا، وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمات الله، فاعقلوا أيها الناس قولى، فإنى قد بلغت وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا، أمرا بينا، كتاب الله وسنة نبيه.\rأيها الناس، اسمعوا قولى واعقلوه، تعلمن أن كل مسلم أخ للمسلم، وأن المسلمين إخوة، فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه؛ فلا تظلمن أنفسكم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084100,"book_id":3509,"shamela_page_id":663,"part":"2","page_num":34,"sequence_num":663,"body":"اللهم هل بلغت؟» فذكر أن الناس قالوا: اللهم نعم، فقال رسول الله ﷺ: «اللهم اشهد» «١» .\rوفى حديث جابر، أن رسول الله ﷺ قال للناس فى خطبته: «وأنتم تسألون عنى، فما أنتم قائلون؟» قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت. فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكبها إلى الناس: «اللهم اشهد، اللهم اشهد» ثلاث مرات، ثم إذن، ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئا، ثم ركب حتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل جبل المشاة بين يديه. واستقبل القبلة، فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص، وأردف أسامة بن زيد خلفه، ودفع وقد شنق القصواء الزمام حتى أرسلها ليصيب مورك رحله، ويقول بيده اليمنى: أيها الناس، السكينة، كلما أتى جبلا من الجبال أرخى لها قليلا حتى تصعد، ثم أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئا، ثم اضطجع رسول الله ﷺ حتى طلع الفجر، فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، فدعا الله وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واقفا حتى اصفر جدا، فدفع قبل أن تطلع الشمس وأردف الفضل بن عباس حتى أتى بطن محر، فحرك قليلا، ثم سلك الطريق الوسطى التى تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التى عند الشجرة فرماها يسبع حصات، يكبر مع كل حصاة منها، رمى من بطن الوادى، ثم انصرف إلى المنحر، فنحر ثلاثا وستين بدنة بيده، ثم أعطى عليا فنحر ما غبروا شركة فى هديه، ثم أمر من كل بدنة ببضعة، فجعلت فى قدر فطبخت، فأكلا من لحمها وشربا من مرقها، ثم ركب رسول الله ﷺ إلى البيت فى قدر فأفاض وصلى بمكة الظهر، فأتى بنى عبد المطلب وهم يسقون على زمزم، فقال: «انزعوا يا بنى عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم» «٢» ، فناولوه دلوا، فشرب منه.\rويروى أن ربيعة بن أمية بن خلف هو الذى كان يصرخ فى الناس يقول رسول الله","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: صحيح مسلم (٢/ ١٤٧/ ٨٨٦- ٨٩٢) ، سنن أبى داود (٢/ ١٩٠٥) .\r(٢) انظر الحديث فى: صحيح مسلم كتاب الحج (١٤٧) ، سنن أبى داود فى كتاب المناسك باب (٥٧) ، سنن ابن ماجه (٣٠٧٤) ، مسند الإمام أحمد (١/ ٧٦) ، السنن الكبرى للبيهقى (٥/ ١٥٧) ، سنن الدارمى (٢/ ٤٩) ، الدر المنثور للسيوطى (١/ ٢٢٦) ، البداية والنهاية لابن كثير (٥/ ١٩١) ، المنتقى لابن جارود (٤٦٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084101,"book_id":3509,"shamela_page_id":664,"part":"2","page_num":35,"sequence_num":664,"body":"صلى الله عليه وسلم وهو بعرفة، يقول له رسول الله ﷺ: قل: «أيها الناس، إن رسول الله يقول: هل تدرون أى شهر هذا؟» فيقوله لهم، فيقولون: الشهر الحرام، فيقول لهم: إن الله قد حرم عليكم دماءكم وأموالكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة شهركم هذا، ثم يقول: قل: أيها الناس، إن رسول الله يقول: «هل تدرون أى بلد هذا؟» قال: فيصرخ به، فيقولون: البلد الحرام، فيقول: قل لهم: «إن الله قد حرم عليكم دماءكم وأموالكم إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة بلدكم هذا» ، ثم يقول: «قل: يا أيها الناس، إن رسول الله يقول: هل تدرون أى يوم هذا؟» فيقول لهم، فيقولون: يوم الحج الأكبر، فيقول: «قل لهم: إن الله قد حرم عليكم دماءكم وأموالكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا» «١» .\rوقال عمرو بن خارجة: وقفت تحت ناقة النبى ﷺ وإن لعابها ليقع على رأسى، ورسول الله ﷺ واقف بعرفة، فسمعته وهو يقول: «أيها الناس، إن الله قد أدى إلى كل ذى حق حقه، فلا وصية لوارث، والولد للفراش، وللعاهر الحجر، ومن ادعى إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله له صرفا ولا عدلا» «٢» .\rولما وقف رسول الله ﷺ بعرفة قال: «هذا الموقف، للجبل الذى هو عليه، «وكل عرفة موقف» .\rوقال حين وقف على قزح صبيحة المزدلفة: «هذا الموقف، وكل المزدلفة موقف» .\rثم لما نحر بالمنحر بمنى قال: «هذا المنحر، وكل منى منحر» «٣» .\rفقضى رسول الله ﷺ الحج، وقد أراهم مناسكهم، وأعلمهم ما فرض عليهم من حجهم: من الموقف، ورمى الجمار، وطواف البيت، وما أحل لهم فى حجهم، وما حرم عليهم، فكانت حجة البلاغ، وحجة الوداع، وذلك أن رسول الله ﷺ لم يحج بعدها.","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: مستدرك الحاكم (١/ ٤٧٣، ٤٧٤) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٣/ ٢٧٠) .\r(٢) انظر الحديث فى: سنن الترمذى (٤/ ٢١٢١) ، سنن النسائى (٦/ ٣٦٤٤) ، مسند الإمام أحمد (٤/ ١٨٦، ٢٣٨) .\r(٣) انظر الحديث فى: سنن أبى داود (٢/ ١٩٠٧، ١٩٣٥) ، سنن ابن ماجه (٢/ ٣٠١٢) ، مسند الإمام أحمد (٣/ ٣٢٠، ٣٢١، ٣٢٦) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084102,"book_id":3509,"shamela_page_id":665,"part":"2","page_num":36,"sequence_num":665,"body":"ذكر مصيبة الأولين والآخرين من المسلمين بوفاة رسول الله ﷺ وعلى آله أجمعين\rولما قفل رسول الله ﷺ من حجة الوداع أقام بالمدينة بقية ذى الحجة والمحرم وصفرا، وضرب على الناس بعثا إلى الشام، وهو البعث الذى أمر عليه أسامة بن زيد، وأمره أن يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين، فتجهز الناس، وأوعب مع أسامة المهاجرون الأولون، وكان آخر بعث بعثه رسول الله ﷺ فبينا الناس على ذلك ابتدئ صلوات الله عليه بشكوه الذى قبضه الله فيه إلى ما أراد من رحمته وكرامته فى ليال بقين من صفر أو فى أول شهر ربيع الأول، فكان أول ما ابتدئ به رسول الله ﷺ فيما ذكر أنه خرج إلى بقيع الغرقد من جوف الليل، فاستغفر لهم، ثم رجع إلى أهله، فلما أصبح ابتدئ بوجعه من يومه ذلك.\rحدث أبو مويهبة مولى رسول الله ﷺ قال: بعثنى رسول الله ﷺ من جوف الليل فقال: «يا أبا مويهبة، إنى قد أمرت أن أستغفر لأهل هذا البقيع فانطلق معى» ، فانطلقت معه، فلما وقف بين أظهرهم قال: «السلام عليكم يا أهل المقابر، ليهنأ لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، يتبع آخرها أولها، الآخرة شر من الأولى» ؛ ثم أقبل على فقال: «يا أبا مويهبة، إنى قد أوتيت مفاتح خزائن الدنيا والخلد فيها، ثم الجنة، فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربى والجنة» ، فقلت: بأبى أنت وأمى فخذ مفاتح خزائن الدنيا والخلد فيها، ثم الجنة؛ قال: «لا والله يا أبا مويهبة، لقد اخترت لقاء ربى والجنة» . ثم استغفر لأهل البقيع، ثم انصرف، فبدأ به وجعه الذى قبضه الله فيه «١» .\rوقالت عائشة رضى الله عنها: رجع رسول الله ﷺ من البقيع، فوجدنى وأنا أجد صداعا فى رأسى، وأنا أقول: وا رأساه، فقال: «بل أنا والله يا عائشة، وا رأساه» . قالت:\rثم قال: «وما ضرك لو مت قبلى، فقمت عليك وكفنتك وصليت عليك ودفنتك؟» فقلت: والله لكأنى بك لو قد فعلت ذلك لرجعت إلى بيتى فأعرست فيه ببعض نسائك، فتبسم رسول الله ﷺ وتتام به وجعه وهو يدور على نسائه، حتى استعز به وهو فى بيت ميمونة، فدعا نساءه فاستأذنهن فى أن يمرض فى بيتى، فأذن له «٢» .","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: مستدرك الحاكم (٣/ ٥٥، ٥٦) ، دلائل النبوة للبيهقى (٧/ ١٦٢، ١٦٣) ، سنن الدارمى (١/ ٧٨) .\r(٢) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (١٠/ ٥٦٦٦) ، مسند الإمام أحمد (٦/ ٢٢٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084103,"book_id":3509,"shamela_page_id":666,"part":"2","page_num":37,"sequence_num":666,"body":"وفى غير حديث عائشة أن نساءه ﷺ كن يومئذ تسعا: عائشة بنت أبى بكر الصديق، وحفصة بنت عمر بن الخطاب، وأم حبيبة بنت أبى سفيان بن حرب، وأم سلمة بنت أبى أمية بن المغيرة، وزينب بنت جحش، وسودة بنت زمعة القرشيات، وميمونة بنت الحارث بن حزن الهلالية، وجويرية بنت الحارث بن أبى ضرار المصطلقية، وصفية بنت حيى بن أخطب من بنى النضير.\rفهؤلاء التسع هن اللاتى توفى عنهن ﷺ وتوفى منهن قبله ﵇ خديجة بنت خويلد، وزيرته على الإسلام وأم بنيه وبناته كلهم ما خلا إبراهيم فإنه لسريته مارية القبطية، ولم يتزوج عليها رسول الله ﷺ حتى ماتت، وزينب بنت خزيمة من بنى هلال ابن عامر بن صعصعة: وكانت تسمى أم المساكين لرحمتها إياهم ورقتها عليهم، فزينب هذه وخديجة توفيتا قبله، وبهما كمل عدد من بنى عليه رسول الله ﷺ من أزواجه ممن اتفق العلماء عليه إحدى عشرة امرأة، توفى منهن عن تسع كما ذكرنا.\rوقد عقد ﵇ على نساء غيرهن، فلم يبن فى المشهور من أقاويل العلماء بواحدة منهن، فاستغنينا لذلك عن ذكرهن.\rونرجع الآن إلى حديث عائشة زوج النبى ﷺ لما استأذن أزواجه أن يمرض فى بيتها فأذن له، قالت: فخرج رسول الله ﷺ يمشى بين رجلين من أهله، أحدهما الفضل بن عباس، ورجل آخر عاصبا رأسه تخط قدماه، حتى دخل بيتى.\rوعن ابن عباس: أن الرجل الآخر هو على بن أبى طالب.\rثم غمر رسول الله ﷺ واشتد به وجعه، فقال: «هريقوا على من سبع قرب من آبار شتى، حتى أخرج إلى الناس فأعهد إليهم» . فأقعدناه فى مخضب لحفصة بنت عمر، ثم صببنا عليه الماء حتى طفق يقول: «حسبكم حسبكم» «١» .\rقال الزهرى: حدثنى أبو أيوب بن بشير أن رسول الله ﷺ خرج عاصبا رأسه حتى جلس على المنبر، ثم كان أول ما تكلم به أنه صلى على أصحاب أحد واستغفر لهم فأكثر الصلاة عليهم، ثم قال: «إن عبدا من عباد الله خيره الله بين الدنيا والآخرة، وبين ما عنده، فاختار ما عند الله» ، ففهمها أبو بكر وعرف أن نفسه يريد، فبكى وقال: بل نفديك بأنفسنا وأبنائنا، فقال: «على رسلك يا أبا بكر» ، ثم قال: «انظروا هذه الأبواب","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (٦/ ٢٢٨) ، مصنف عبد الرزاق (٥/ ٩٧٥٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084104,"book_id":3509,"shamela_page_id":667,"part":"2","page_num":38,"sequence_num":667,"body":"اللافظة فى المسجد فسدوها إلا باب أبى بكر، فإنى لا أعلم أحدا كان أفضل فى الصحبة عندى يدا منه» «١» .\rوفى رواية: «فإنى لو كنت متخذا من العباد خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن صحبة وإخاء إيمان حتى يجمع الله بيننا عنده» .\rوعن عروة بن الزبير وغيره من العلماء أن رسول الله ﷺ استبطأ الناس فى بعث أسامة بن زيد وهو فى وجعه، فخرج عاصبا رأسه حتى جلس على المنبر، وقد كان الناس قالوا فى إمرة أسامة أمر غلاما حدثا على جلة المهاجرين والأنصار.\rفحمد الله وأثنى عليه بما هو له أهل، ثم قال: «أيها الناس، أنفذوا بعث أسامة، فلعمرى لئن قلتم فى إمارته لقد قلتم فى إمارة أبيه من قبله، وإنه لخليق للإمارة وإن كان أبوه لخليق بها» «٢» ، ثم نزل رسول الله ﷺ وانكمش الناس فى جهازهم، واستعز برسول الله ﷺ وجعه، فخرج أسامة وخرج جيشه معه حتى نزلوا الجرف من المدينة على فرسخ، فضرب به عسكره وتتام إليه الناس، وثقل رسول الله ﷺ فأقام أسامة والناس لينظروا ما الله قاض فى رسوله ﵇.\rومن حديث عبد الله بن كعب بن مالك أن رسول الله ﷺ أوصى بالأنصار يوم صلى واستغفر لأصحاب أحد، وذكر من أمرهم ما ذكر، فقال يومئذ: «يا معشر المهاجرين، استوصوا بالأنصار خيرا، فإن الناس يزيدون وإن الأنصار على هيئتها لا تزيد، وإنهم كانوا عيبتى التى آويت إليها، فأحسنوا إلى محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم» «٣» ، ثم نزل رسول الله ﷺ ودخل بيته وتتام به وجعه حتى غمر.\rوفى الصحيحين من حديث عبيد الله بن عبد الله أنه قال لعائشة رضى الله عنها: ألا تحديثنى عن مرض رسول الله ﷺ؟ قالت: بلى، ثقل النبى ﷺ فقال: «أصلى الناس؟» قلنا:\rلا، هم ينتظرونك يا رسول الله، قال: «ضعوا لى ماء فى المخضب» ، قالت: ففعلنا، فاغتسل ثم ذهب لينوى فأغمى عليه، ثم أفاق، فقال: «أصلى الناس؟» قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله، قال: «ضعوا لى ماء فى المخضب» ، قالت: فاغتسل ثم ذهب","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (٣/ ١٨) ، صحيح البخارى (١/ ٤٦٦) ، الطبقات الكبرى لابن سعد (٢/ ٢٨٨) .\r(٢) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (٧/ ٤٢٥٠) ، فتح البارى لابن حجر (٧/ ٧٥٩) .\r(٣) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (٧/ ٣٨٠٠) ، مسند الإمام أحمد (٥/ ٢٢٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084105,"book_id":3509,"shamela_page_id":668,"part":"2","page_num":39,"sequence_num":668,"body":"لينوى فأغمى عليه، ثم أفاق، فقال: «أصلى الناس؟» قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله، قال: «ضعوا لى ماء فى المخضب» ، فقعد فاغتسل ثم ذهب لينوى فأغمى عليه، ثم أفاق فقال: «أصلى الناس؟» «١» قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله عكوف فى المسجد ينتظرون النبى ﷺ لصلاة العشاء الآخرة فأرسل النبى ﷺ إلى أبى بكر بأن يصلى بالناس، فأتاه الرسول فقال: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تصلى بالناس، فقال أبو بكر وكان رجلا رقيقا: يا عمر صل بالناس، فقال له عمر: أنت أحق بذلك، فصلى أبو بكر تلك الأيام.\rومن حديث الأسود عن عائشة قالت: لما ثقل رسول الله ﷺ جاء بلال يؤذنه بالصلاة، فقال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس» . قالت: فقلت: يا رسول الله، إن أبا بكر رجل أسيف وإنه متى يقم مقامك لا يسمع الناس، فلو أمرت عمر، فقال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس» ، قالت: فقلت لحفصة: قولى له: إن أبا بكر رجل أسيف وإنه متى يقم مقامك لا يسمع الناس، فلو أمرت عمر، فقالت له، فقال رسول الله ﷺ: «إنكن لأنتن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس» «٢» ، قالت: فأمروا أبا بكر، فلما دخل فى الصلاة وجد رسول الله ﷺ من نفسه خفة، فقام يهادى بين رجلين ورجلاه تخطان فى الأرض، فلما دخل المسجد وسمع أبو بكر حسه ذهب يتأخر، فأومأ إليه رسول الله ﷺ:\r«أقم مكانك» ، فجاء رسول الله ﷺ حتى جلس عن يسار أبى بكر، فكان رسول الله ﷺ يصلى بالناس جالسا، وأبو بكر قائما، يقتدى أبو بكر بصلاة رسول الله ﷺ ويقتدى الناس بصلاة أبى بكر.\rوعن عبد الله بن زمعة بن الأسود أنه كان عند رسول الله ﷺ فى نفر من المسلمين لما استعز به ودعاه بلال إلى الصلاة، فقال: «مروا من يصلى بالناس» ، قال: فخرجت فإذا عمر فى الناس، وكان أبو بكر غائبا، فقلت: قم يا عمر فصل بالناس، فقام، فلما كبر سمع رسول الله ﷺ صوته وكان عمر رجلا مجهرا فقال رسول الله ﷺ: «فأين أبو بكر؟","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (١/ ١٧٦) ، صحيح مسلم فى كتاب الصلاة (٩٠) ، سنن النسائى (٢/ ١٠١) ، مسند الإمام أحمد (٢/ ٥٢، ٦/ ٢٥١) ، سنن الدارمى (١/ ٢٨٧) ، السنن الكبرى للبيهقى (١/ ١٢٣، ٨/ ١٥١) ، كنز العمال للمتقى الهندى (١٨٨٣٨) ، دلائل النبوة للبيهقى (٧/ ١٩٠) ، مصنف ابن أبى شيبة (٢/ ٣٣١، ٣٣٢، ١٤/ ٥٦٠، ٥٦١) ، البداية والنهاية لابن كثير (٥/ ٢٣٣) ، طبقات ابن سعد (٢/ ٢/ ١٩) .\r(٢) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (٦/ ٢٢٨، ٢٢٩) ، صحيح مسلم (١/ ٩٤، ٣١٣) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084106,"book_id":3509,"shamela_page_id":669,"part":"2","page_num":40,"sequence_num":669,"body":"يأبى الله ذلك والمسلمون، يأبى الله ذلك والمسلمون» ، فبعث إلى أبى بكر، فجاء بعد أن صلى عمر تلك الصلاة، فصلى أبو بكر بالناس يريد ما بعد من الصلوات، فقال لى عمر:\rويحك، ماذا صنعت فى يا ابن زمعة والله ما ظننت حين أمرتنى إلا أن رسول الله ﷺ أمرك بذلك، ولولا ذلك ما صليت بالناس. قلت: والله ما أمرنى رسول الله ﷺ بذلك، ولكنى حين لم أر أبا بكر رأيتك أحق من حضر بالصلاة للناس «١» .\rوعن أنس بن مالك قال: آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله ﷺ كشف الستارة يوم الاثنين والناس صفوف فى الصلاة، فنظر إلينا وهو قائم كأن وجهه ورقة مصحف، ثم تبسم رسول الله ﷺ ضاحكا، فبهتنا ونحن فى الصلاة من فرح بخروج النبى ﷺ ونكص أبو بكر على عقبه ليصل الصف، وظن أن رسول الله ﷺ خارج للصلاة، فأشار إليهم رسول الله ﷺ بيده أن أتموا صلاتكم، ثم دخل فأرخى الستر، فتوفى من يومه ذلك.\rوفى رواية عن أنس أن خروج رسول الله ﷺ إلى الناس كان وهم يصلون الصبح، وأنه لما رفع الستر وقام على باب عائشة، فكاد المسلمون يفتتنون فى صلاتهم فرحا به حين رأوه، قال: وتبسم رسول الله ﷺ سرورا لما رأى من هيئتهم فى صلاتهم، وما رأيت رسول الله ﷺ أحسن هيئة منه تلك الساعة.\rقال: ثم رجع، وانصرف الناس وهم يرون أن رسول الله ﷺ قد أفرق من وجعه.\rوعن سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس: يوم الخميس وما يوم الخميس، ثم بكى، حتى بل دمعه الحصا، قلت: يا ابن عباس، وما يوم الخميس؟ قال: اشتد برسول الله ﷺ وجعه، فقال: «ائتونى أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعدى» ، فتنازعوا وما ينبغى عند نبى تنازع وقالوا: ما شأنه، أهجر، استفهموه، قال: «دعونى، فالذى أنا فيه خير، أوصيكم بثلاث، أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم» .\rقال: وسكت عن الثالثة أو قالها فأنسيتها.\rوفى حديث عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس أن النبى ﷺ لما حضر وفى البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، قال النبى ﷺ: «هلم اكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده» «٢» ،","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: مستدرك الحاكم (٣/ ٦٤١) ، سنن أبى داود (٤/ ٤٦٦٠) .\r(٢) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (٧/ ١٥٦، ٩/ ١٣٧) ، صحيح مسلم فى كتاب الوصية (٢٢) ، مسند الإمام أحمد (١/ ٣٢٤) ، طبقات ابن سعد (٢/ ٢/ ٣٧) ، فتح البارى لابن حجر (١٣/ ٣٣٦) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084107,"book_id":3509,"shamela_page_id":670,"part":"2","page_num":41,"sequence_num":670,"body":"فقال عمر: إن رسول الله ﷺ قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله.\rفاختلف أهل البيت، منهم من يقول: قوموا يكتب لكم رسول الله كتابا لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر، فقال رسول الله ﷺ: «قوموا» «١» ، لما أكثروا اللغو والاختلاف عنده. قال: فكان ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله ﷺ وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم.\rوعن عبد الله بن مسعود قال: نعى إلينا نبينا وحبيبنا نفسه قبل موته بشهر، بأبى هو ونفسى له الفداء، فلما دنا الفراق جمعنا فى بيت أمنا عائشة فنظر إلينا وتشدد ودمعت عيناه، وقال: «مرحبا بكم، حياكم الله، رحمكم الله، آواكم الله، حفظكم الله، رفعكم الله، نفعكم الله، وقفكم الله، رزقكم الله، هداكم الله، نصركم الله، سلمكم الله، قبلكم الله، أوصيكم بتقوى الله، وأوصى الله ﷿ بكم وأستخلفه عليكم، وأذكركم الله وأشهدكم أنى لكم منه نذير وبشير أن لا تعلوا على الله فى عباده وبلاده فإنه ﷿ قال لى ولكم: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [الزمر: ٣٢] ، وقال: أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ [٦٠: الزمر] » ، قلنا: متى أجلك يا رسول الله؟ قال: «دنا الأجل والمنقلب إلى الله ﷿ وإلى سدرة المنتهى وإلى جنة المأوى والفردوس الأعلى والكأس الأوفى والعيس والحظ المهنى» . قلنا: فمن يغسلك يا رسول الله؟ قال: «رجال أهل بيتى الأدنى فالأدنى» ، قلنا: ففيم نكفنك يا رسول الله؟ قال: «فى ثيابى هذه إن شئتم أو فى بياض مصر أو حلة يمانية» ، قلنا: فمن يصلى عليك يا رسول الله؟ قال: فبكى وبكينا، فقال:\r«مهلا غفر الله لكم وجزاكم عن نبيكم خيرا إذا أنتم غسلتمونى وكفنتمونى فضعونى على شفير قبرى ثم اخرجوا عنى ساعة، فإن أول من يصلى على خليلى وجليسى","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (٤/ ٢٣٥، ٥/ ١٣٨، ٦/ ١٢، ٧/ ٨٩، ٨/ ١٧٤) ، صحيح مسلم فى كتاب الوصية باب (٥) رقم (٢٢) ، وكتاب الأشربة باب (٢٠) رقم (١٤٠، ١٤٢، ١٤٣) ، مسند الإمام أحمد (١/ ٣٣٦، ٣/ ١٥٨، ٢١٨، ٢٣٢) ، السنن الكبرى للبيهقى (٤، ٢٧٣) ، الدر المنثور للسيوطى (٦/ ٣٨٩) ، فتح البارى لابن حجر (١/ ٥١٧، ٩/ ٥٢٦، ١٠/ ١٢٦، ١١/ ٥٧٠) ، إتحاف السادة المتقين للزبيدى (٢/ ٢٠٦، ٧/ ١٨١) ، موطأ مالك (٩٢٧) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٨/ ٣٠٧) ، كنز العمال للمتقى الهندى (٣٥٤٤٤) ، مصنف ابن أبى شيبة (٧/ ٤١٦) ، دلائل النبوة للبيهقى (٦/ ٩٠، ٧/ ١٨٤) ، طبقات ابن سعد (٢/ ٢/ ٣٨) ، دلائل النبوة لأبى نعيم (١٣٧، ١٤٧) ، البداية والنهاية لابن كثير (٥/ ٢٢٧) ، ٦/ ١٢١، ١٥٤) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٩/ ٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084108,"book_id":3509,"shamela_page_id":671,"part":"2","page_num":42,"sequence_num":671,"body":"جبريل، ثم ميكائيل، ثم إسرافيل، ثم ملك الموت مع جنوده بأجمعهم مع الملائكة ﵈، ثم ادخلوا على أفواجا فصلوا على وسلموا تسليما، ولا يؤمكم أحد ولا تؤذونى بتزكية ولا نصيحة ولا برنة، واقرؤا أنفسكم منى السلام، ومن كان غائبا من أصحابى فأبلغوه عنى السلام، وأشهدكم أنى قد سلمت على من دخل فى الإسلام وعلى من تابعنى على دينى من اليوم إلى يوم القيامة» . قلنا: فمن يدخلك قبرك يا رسول الله؟ قال:\r«رجال أهل بيتى الأدنى فالأدنى مع ملائكة كثير يرونكم من حيث لا ترونهم» «١» .\rوعن الفضل بن عباس أن رسول الله ﷺ قال له وهو موعوك قد عصب رأسه: «خذ بيدى» «٢» . قال: فأخذت بيده حتى جلس على المنبر، ثم قال: «ناد فى الناس» . فصحت فى الناس، فاجتمعوا إليه، فقال: «أما بعد، أيها الناس، فإنى أحمد إليكم الله الذى لا إله إلا هو، وإنه قد دنا منى خفوف من بين أظهركم، فمن كنت جلدت له ظهرا فهذا ظهرى فليستقد منه، ومن كنت شتمت له عرضا فهذا عرضى فليستقد منه، ومن كنت أخذت له مالا فهذا مالى فليأخذ منه، ولا يقل رجل: إنى أخشى الشحناء من قبل رسول الله ﷺ ألا وأن الشحناء ليست من طبيعتى، ولا من شأنى، ألا وإن أحبكم إلى من أخذ منى حقا إن كان له أو حللنى، فلقيت الله ﷿ وأنا طيب النفس، وقد أرى أن هذا غير مغن عنى حتى أقوم فيكم مرارا» . قال الفضل: ثم نزل فصلى الظهر، ثم رجع فجلس على المنبر فعاد لمقالته الأولى فى الشحناء وغيرها، فقام رجل فقال: يا رسول الله، إن لى عندك ثلاثة دراهم، فقال: «أما إنا لا نكذب قائلا، ولا نستحلفه على يمين، فيم كانت لك عندى؟» «٣» فقال: يا رسول الله، أتذكر يوم مر بك المسكين فأمرتنى فأعطيته ثلاثة دراهم؟ فقال: «أعطه يا فضل» «٤» ، ثم قال: «أيها الناس، من كان عنده شىء فليرده ولا يقل رجل: فضوح الدنيا، ألا وإن فضوح الدنيا أيسر من فضوح الآخرة» «٥» . فقام رجل فقال: يا رسول الله، عندى ثلاثة دراهم غللتها فى سبيل الله، قال: «ولم غللتها؟» قال: كنت إليها محتاجا، قال: «خذها منه يا فضل» ، ثم قال: «من","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: إتحاف السادة المتقين للزبيدى (١٠/ ٣٨٦) ، المطالب العالية لابن حجر (٤٣٩٢، ٤٣٩٣) ، حلية الأولياء لأبى نعيم (٤/ ١٩٨) .\r(٢) انظر الحديث فى: السنن الكبرى للبيهقى (٦/ ٧٤) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٩/ ٢٥) ، دلائل النبوة للبيهقى (٧/ ١٧٩) ، البداية والنهاية لابن كثير (٥/ ٢٣١) .\r(٣) انظر الحديث فى: ميزان الاعتدال (٦٨٥٥) ، المعجم الكبير للطبرانى (١٨/ ٢٨١) .\r(٤) انظر الحديث فى: السنن الكبرى للبيهقى (٦/ ٧٥) ، البداية والنهاية لابن كثير (٥/ ٢٣١) .\r(٥) انظر الحديث فى: جمع الجوامع للسيوطى (٩٥٧٠) ، كنز العمال للمتقى الهندى (١١٠٥١) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084109,"book_id":3509,"shamela_page_id":672,"part":"2","page_num":43,"sequence_num":672,"body":"خشى من نفسه شيئا فليقم أدع له» ، فقام رجل فقال: يا رسول الله، إنى لكذوب، وإنى لفاحش، وإنى لنؤم. فقال: «اللهم ارزقه الصدق وأذهب عنه النوم إذا أراد» . ثم قال رجل فقال: والله يا رسول الله إنى لكذاب وإنى لمنافق وما شىء أو إن شىء إلا قد جئته. فقام عمر بن الخطاب فقال: فضحت نفسك أيها الرجل، فقال النبى ﷺ: «يا ابن الخطاب، فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة، اللهم ارزقه صدقا وإيمانا وصير أمره إلى خير» .\rفقال عمر كلمة، فضحك رسول الله ﷺ ثم قال: «عمر معى وأنا مع عمر والحق بعدى مع عمر حيث كان» «١» .\rوعن عائشة أن رسول الله ﷺ كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث، قالت: فلما اشتد وجعه كنت أنا أقرأ عليه وأمسح عنه بيمينه رجاء بركتها.\rوعنها قالت: ما رأيت الوجع على أحد أشد منه على رسول الله ﷺ ولا أغبط أحدا بهون موت بعد الذى رأيت من شدة موت رسول الله ﷺ.\rوقالت رضى الله عنها: رأيت رسول الله ﷺ وهو بالموت وعنده قدح فيه ماء وهو يدخل يده فى القدح ثم يمسح وجهه ﷺ بالماء، ثم يقول: «اللهم أعنى على منكرات الموات أو سكرات الموت» «٢» .\rوعنها، وعن عبد الله بن عباس أيضا قالا: لما نزل برسول الله ﷺ طفق يلقى خميصة على وجهه، فإذا اغتم كشفها عن وجهه، فقال وهو كذلك: «لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» «٣» . يحذرهم مثل ما صنعوا.\rوعن أسامة بن زيد قال: لما ثقل النبى ﷺ وهبطت وهبط الناس معى إلى المدينة يعنى","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: المعجم الكبير للطبرانى (١٨/ ٢٨١) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٩/ ٢٦) .\r(٢) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (٦/ ٦٤، ٧٠، ٧٧، ١٥١) ، سنن ابن ماجه (١٦٢٣) ، الدر المنثور للسيوطى (٦/ ١٠٥) ، مشكاة المصابيح للتبريزى (١٥٦٤) ، فتح البارى لابن حجر (٨/ ١٤٠، ١١/ ٣٦٢) ، كنز العمال للمتقى الهندى (١٨٨٣٦) ، طبقات ابن سعد (٢/ ٢/ ٤٧) ، البداية والنهاية لابن كثير (٥/ ٢٣٩) .\r(٣) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (١/ ١١٩، ٤/ ٢٠٦، ٦/ ١٤، ٧/ ١٠٩) ، صحيح مسلم فى كتاب المساجد باب (٣) رقم (٢٢) ، سنن النسائى (٢/ ٤٠) ، مسند الإمام أحمد (٦/ ٢٧٥، ٢٩٩) ، دلائل النبوة للبيهقى (٧/ ٢٠٣) ، البداية والنهاية لابن كثير (٥/ ٢٣٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084110,"book_id":3509,"shamela_page_id":673,"part":"2","page_num":44,"sequence_num":673,"body":"الجيش الذى كان تهيأ للخروج معه فى بعثه قال: فدخلت على رسول الله ﷺ وقد أصمت فلا يتكلم، وجعل يرفع يديه إلى السماء، ثم يضعهما على، أعرف أنه يدعو لى.\rوذكر ابن إسحاق «١» : من حديث أبى بكر بن عبد الله بن أبى مليكة أن مما تكلم به رسول الله ﷺ للناس يوم صلى قاعدا عن يمين أبى بكر أن قال لهم لما فرغ من الصلاة وأقبل عليهم فكلمهم رافعا صوته حتى خرج صوته من باب المسجد، يقول: «يا أيها الناس، سعرت النار، وأقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، إنى والله ما تمسكون على بشىء، إنى لم أحل إلا ما أحل القرآن، ولم أحرم إلا ما حرم القرآن» .\rقال: فلما فرغ رسول الله ﷺ من كلامه قال له أبو بكر: يا رسول الله، إنى أراك قد أصبحت بنعمة من الله وفضل كما نحب، واليوم يوم بنت خارجة، أفآتيها؟ قال: «نعم» ، ثم دخل رسول الله ﷺ وخرج أبو بكر إلى أهله بالسنح «٢» .\rوعن عبد الله بن عباس قال: خرج يومئذ على بن أبى طالب رضى الله عنه على الناس من عند رسول الله ﷺ فقال له الناس: يا أبا حسن، كيف أصبح رسول الله ﷺ؟\rقال: أصبح بحمد الله بارئا. قال: فأخذ العباس بيده، ثم قال: يا على، أنت والله عبد العصا، بعد ثلاث مرات، أحلف بالله لقد رأيت الموت فى وجه رسول الله ﷺ كما كنت أعرفه فى وجوه بنى عبد المطلب، فانطلق بنا إلى رسول الله ﷺ فإن كان هذا الأمر فينا عرفناه، وإن كان فى غيرنا أمرناه فأوصى بنا الناس. فقال على: إنى والله لا أفعل، والله لئن منعناه لا يؤتيناه أحد بعده، فتوفى رسول الله ﷺ حين اشتد الضحى من ذلك اليوم.\rوقالت عائشة رضى الله عنها: رجع رسول الله ﷺ فى ذلك اليوم حين دخل المسجد فاضطجع فى حجرى، فدخل على رجل من آل أبى بكر وفى يده سواك أخضر، فنظر إليه رسول الله ﷺ فى يده نظرا عرفت أنه يريده، فقلت: يا رسول الله، أتحب أن أعطيك هذا السواك؟ قال: «نعم» ، قالت: فأخذته فمضغته له حتى لينته، ثم أعطيته إياه؛ قالت: فاستن به كأشد ما رأيته استن بسواك قط، ثم وضعه؛ ووجدت رسول الله ﷺ يثقل فى حجرى، فذهبت أنظر فى وجهه، فإذا بصره قد شخص وهو يقول: «بل الرفيق الأعلى من الجنة» «٣» ؛ قالت: فقلت: خيرت فاخترت والذى بعثك بالحق.","footnotes":"(١) انظر: السيرة (٤/ ٢٧٨) .\r(٢) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (٧/ ٢٠١) .\r(٣) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (٦/ ٢٧٤) ، إتحاف السادة المتقين للزبيدى (١٠/ ٢٨٨، ٢٩٣) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084111,"book_id":3509,"shamela_page_id":674,"part":"2","page_num":45,"sequence_num":674,"body":"وقالت: كان ﵇ كثيرا ما أسمعه يقول: «إن الله لم يقبض نبيا حتى يخيره» ، فلما حضر كان آخر كلمة سمعتها منه وهو يقول: «بل الرفيق الأعلى من الجنة» فقلت:\rإذا والله لا يختارنا، وعرفت أنه الذى كان يقول لنا: «إن نبيا لم يقبض حتى يخير» «١» .\rقالت: وقبض رسول الله ﷺ.\rوعن أنس بن مالك قال: لما وجد رسول الله ﷺ من كرب الموت ما وجد قالت فاطمة، واكرباه لكربك يا أبة، فقال النبى ﷺ: «لا كرب على أبيك بعد اليوم، إنه قد حضر من أبيك ما ليس بتارك منه أحدا لموافاة يوم القيامة» «٢» .\rوقالت عائشة رضى الله عنها: كان آخر ما عهد رسول الله ﷺ أن قال: «لا يترك بجزيرة العرب دينان» «٣» .\rوقالت أم سلمة: كان عامة وصية رسول الله ﷺ عند موته: «الصلاة وما ملكت أيمانكم» «٤» ، حتى جعل يلجلجها فى صدره، وما يقبض بها لسانه.\rوقال أنس بن مالك: شهدته يوم توفى ﷺ فلم أر يوما كان أقبح منه.","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (٦/ ٤٥، ٤٨، ٧٤، ٨٩، ١٠٨، ١٢٠، ١٢٦) ، صحيح مسلم (٤/ ١٨٩٣/ ٨٥) .\r(٢) انظر الحديث فى: سنن ابن ماجه (١٦٢٩) ، إتحاف السادة المتقين للزبيدى (١٠/ ٢٦٣) ، دلائل النبوة للبيهقى (٧/ ٢١٢) ، كنز العمال للمتقى الهندى (١٨٨١٨، ١٨٨٢٠) ، تاريخ أصفهان (٢/ ٢٢١) .\r(٣) انظر الحديث فى: مجمع الزوائد للهيثمى (٥/ ٣٢٥) ، مسند الإمام أحمد (٦/ ٢٧٥) .\r(٤) انظر الحديث فى: سنن ابن ماجه (١٦٢٥، ٢٦٩٧، ٢٦٩٨) ، مسند الإمام أحمد (٣/ ١١٧) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٤/ ٢٣٧) ، طبقات ابن سعد (٢/ ٢/ ٤٤) ، شرح السنة للبغوى (٩/ ٣٥٠) ، إتحاف السادة المتقين للزبيدى (١٠/ ٢٩٧) ، الترغيب والترهيب للمنذرى (٣/ ٢١٥) ، كنز العمال للمتقى الهندى (١٨٨٦٣) ، مشكاة المصابيح للتبريزى (٣٣٥٦، ٣٣٥٧) ، البداية والنهاية لابن كثير (٥/ ٢٣٨) ، تاريخ بغداد للخطيب البغدادى (٤/ ٢٤٠) ، تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر (٢/ ٢٣٦) ، المغنى عن حمل الأسفار للعراقى (٢/ ٤٤) ، مشكل الآثار للطحاوى (٤/ ٢٣٥، ٢٣٦) ، تفسير ابن كثير (٨/ ٣١٤) ، علل الحديث لابن أبى حاتم الرازى (٣٠٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084112,"book_id":3509,"shamela_page_id":675,"part":"2","page_num":46,"sequence_num":675,"body":"وقالت عائشة: توفى رسول الله ﷺ بين سحرى ونحرى، وفى دولتى «١» ، لم أظلم فيه أحدا، فمن سفهى وحداثة سنى أن رسول الله ﷺ قبض وهو فى حجرى، ثم وضعت رأسه على وسادة، وقمت التدم مع النساء، وأضرب وجهى «٢» .\rواختلف أهل العلم بهذا الشأن فى اليوم الذى توفى فيه رسول الله ﷺ من الشهر بعد اتفاقهم على أنه توفى يوم الاثنين فى شهر ربيع الأول.\rفذكر الواقدى وجمهور الناس أنه توفى يوم الاثنين لاثنتى عشرة خلت من ربيع الأول لتمام عشر سنين من مقدمه المدينة، وهذا لا يصح، وقد جرى فيه على العلماء من الغلط ما علينا بيانه، وذلك أن المسلمين قد أجمعوا على أن وقفة النبى ﷺ بعرفة فى حجة الوداع كانت يوم الجمعة تاسع ذى الحجة من سنة عشر، فاستهل هلال ذى الحجة على هذا ليلة الخميس، ثم لا يخلو شهر ذى الحجة والمحرم بعده من سنة إحدى عشرة ثم صفر بعده أن تكون هذه الأشهر الثلاثة كاملة كلها أو ناقصة كلها، أو اثنان منها كاملين وواحد ناقصا، أو اثنان منها ناقصين وواحد كاملا، وأيا ما قدرت من ذلك واعتبرته لم تجد الثانى عشر من ربيع الأول يكون يوم الاثنين أصلا.\rوذكر أبو جعفر الطبرى بإسناد يرفعه إلى فقهاء أهل الحجاز، قالوا: قبض رسول الله ﷺ نصف النهار يوم الاثنين لليلتين مضتا من شهر ربيع الأول.\rوهذا القول وإن خالف ما ذكره جهور العلماء فإنه أولى بالصواب، وأمكن أن يكون حقا، فإنه إن كانت الأشهر الثلاثة كل شهر منها من تسعة وعشرين يوما كان استهلال شهر ربيع الأول على ذلك بالأحد فكان يوم الاثنين ثانيه.\rوقد حكى الخوارزمى أنه ﷺ توفى أول يوم من شهر ربيع الأول، وهذا أيضا أمكن وأكثر إذ اتصال النقص فى ثلاثة أشهر لا يكون إلا قليلا، والله تعالى أعلم.\rولما توفى رسول الله ﷺ وارتفعت الرنة عليه وسجته الملائكة دهش الناس كما روى عن غير واحد من الصحابة وطاشت عقولهم، وأفحموا، واهتلطوا، فمنهم من خبل، ومنهم من أصمت، ومنهم من أقعد إلى الأرض، فكان عمر رضى الله عنه ممن خبل، فجعل يصيح ويقول: إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول الله ﷺ توفى وإنه والله ما مات، ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، فقد غاب عن قومه أربعين","footnotes":"(١) فى دولتى: أى فى نوبتها.\r(٢) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (٦/ ٤٨/ ١٢١، ٢٠٠، ٢٧٤) ، صحيح البخارى (٣/ ١٣٨٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084113,"book_id":3509,"shamela_page_id":676,"part":"2","page_num":47,"sequence_num":676,"body":"ليلة ثم رجع إليهم بعد أن قيل: قد مات، والله ليرجعن رسول الله ﷺ كما رجع موسى، فليقطعن أيدى رجال وأرجلهم زعموا أن رسول الله ﷺ مات.\rوأما عثمان بن عفان رضى الله عنه فأخرس حتى جعل يذهب به ويجاء ولا يتكلم.\rوأقعد على رضى الله عنه فلم يستطع حراكا. وأضنى عبد الله بن أنيس.\rوبلغ الخبر أبا بكر رضى الله عنه وهو بالسنح فجاء وعيناه تهملان وزفراته تترد فى صدره وغصصه ترتفع كقطع الحرة وهو فى ذلك رضوان الله عليه جلد العقل والمقالة، حتى دخل على رسول الله ﷺ فأكب عليه وكشف عن وجهه ومسحه وقبل جبينه وجعل يبكى ويقول: بأبى أنت وأمى طبت حيا وميتا، ولنقطع لموتك ما لم ينقطع لموت أحد من الأنبياء من النبوة، فعظمت عن الصفة، وجللت عن البكاء، وخصصت حتى صرت مسلاة، وعممت حتى صرنا فيك سواء، ولولا أن موتك كان اختيارا لجدنا لموتك بالنفوس، لولا أنك نهيت عن البكاء لأنفذنا عليك ماء الشون، فأما ما لا نستطيع نفيه عنا فكمد وأدناف يتخالفان لا يبرحان، اللهم فأبلغه عنا، اذكرنا يا محمد عند ربك ولنكن من بالك، فلولا ما خلفت من السكينة لم نقم لما خلفت من الوحشة، اللهم أبلغ نبيك عنا واحفظه فينا. ثم خرج إلى الناس وهم فى عظيم غمراتهم وشديد سكراتهم فقام فيهم بخطبة جلها الصلاة على النبى ﷺ وقال فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله وخاتم أنبيائه، وأشهد أن الكتاب كما نزل وأن الدين كما شرع، وأن الحديث كما حدث، وأن القول كما قال، وأن الله هو الحق المبين ... فى كلام طويل، ثم قال:\rأيها الناس، من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حى لا يموت، وإن الله قد تقدم إليكم فى أمره فلا تدعوه جزعا، قال الله ﵎:\rوَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [آل عمران: ١٤٤] . وإن الله سبحانه قد اختار لنبيه ﷺ ما عنده على ما عندكم، وقبضه إلى ثوابه، وخلف فيكم كتابه وسنة نبيه، فمن أخذ بهما عرف ومن فرق بينهما أنكر، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ [النساء: ١٣٥] ولا يشغلنكم الشيطان بموت نبيكم، ولا يلفتنكم عن دينكم، فعاجلوا الشيطان بالخزى تعجزوه ولا تستنظروه فليلحق بكم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084114,"book_id":3509,"shamela_page_id":677,"part":"2","page_num":48,"sequence_num":677,"body":"فلما فرغ من خطبته التفت إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه فقال: يا عمر، أنت الذى بلغنى عنك أنك تقول على باب النبى ﷺ: والذى نفس عمر بيده ما مات نبى الله أما علمت أن رسول الله ﷺ قال يوم كذا: كذا وكذا، وقال يوم كذا: كذا وكذا، وقال الله تعالى فى كتابه: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [٣٠: الزمر] . فقال عمر: والله لكأنى لم أسمع بها فى كتاب الله تعالى قبل ذلك لما نزل بنا، أشهد أن الكتاب كما نزل وأن الحديث كما حدث وأن الله ﵎ حى لا يموت، صلوات الله على رسوله، وعند الله نحتسب رسوله.\rوفى بعض سياق هذا الخبر أن أبا بكر رضى الله عنه لما دخل على رسول الله ﷺ فى بيت عائشة ورسول الله ﷺ مسجى فى ناحية البيت عليه برد حبرة، أقبل حتى كشف عن وجه رسول الله ﷺ ثم أقبل عليه فقبله، ثم قال: بأبى أنت وأمى، أما الموتة التى كتبها الله عليك فقد ذقتها، ثم لن تصيبك بعدها موتة أبدا، ثم رد البرد على وجه رسول الله ﷺ ثم خرج وعمر يكلم الناس، فقال: يا عمر، أنصت. فأبى إلا أن يتكلم، فلما رآه أبو بكر لا ينصت أقبل يكلم الناس، فلما سمع الناس كلام أبى بكر أقبلوا عليه وتركوا عمر؛ فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه، ثم قال:\rيا أيها الناس، إنه من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حى لا يموت، ثم تلا هذه الآية: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ [آل عمران: ١٤٤] إلى آخر الآية.\rقال: فو الله لكأن الناس لم يعلموا أن هذه الآية نزلت حتى تلاها أبو بكر يومئذ؛ وأخذها الناس عن أبى بكر، فإنما هى فى أفواهم.\rوقال عمر رضى الله عنه: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها، فعقرت «١» حتى وقعت إلى الأرض، ما تحملنى رجلاى، وعرفت أن رسول الله ﷺ قد مات «٢» .\rوقال عمر بن الخطاب رضى الله عنه فيما كان منه يومئذ:\rلعمرى لقد أيقنت أنك ميت ... ولكنما أبدى الذى قلته الجزع\rوقلت يغيب الوحى عنا لفقده ... كما غاب موسى ثم يرجع كما رجع\rوكان هواى أن تطول حياته ... وليس لحى فى بقا ميت طمع","footnotes":"(١) عقرت: أى دهشت وتحيرت.\r(٢) انظر الحديث فى: صحيح البخارى فى كتاب فضائل الصحابة (٧/ ٣٦٦٧- ٣٦٦٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084115,"book_id":3509,"shamela_page_id":678,"part":"2","page_num":49,"sequence_num":678,"body":"فلما كشفنا البرد عن حر وجهه ... إذا الأمر بالجدع الموعب قد وقع\rفلم تك لى عند المصيبة حلية ... أرد بها أهل الشماتة والقذع\rسوى إذن الله الذى فى كتابه ... وما أذن الله العباد به يقع\rوقد قلت من بعد المقالة قولة ... لها فى حلوق الشامتين به بشع\rألا إنما كان النبى محمد ... إلى أجل وافى به الموت فانقطع\rندين على العلات منا بدينه ... ونعطى الذى أعطى ونمنع ما منع\rووليت محزونا بعين سخينة ... أكفكف دمعى والفؤاد قد انصدع\rوقلت لعينى كل دمع ذخرته ... فجودى به إن الشجى له دفع\rوذكر ابن إسحاق «١» بإسناد يرفعه إلى عبد الله بن عباس قال: إنى لأمشى مع عمر فى خلافته وهو عامد إلى حاجة له، وفى يدة الدرة ما معه غيرى، وهو يحدث نفسه ويضرب وخشى قدمه بدرته، إذ التفت إلى فقال: يا ابن عباس، هل تدرى ما حملنى على مقالتى التى قلت حين توفى الله ورسوله ﷺ؟ قال: قلت: لا أدرى يا أمير المؤمنين؛ أنت أعلم. قال: فإنه والله، إن حملنى على ذلك إلا أنى كنت أقرأ هذه الآية: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [١٤٣: البقرة] ، فو الله إن كنت لأظن أن رسول الله ﷺ سيبقى فى أمته حتى يشهد عليها بآخر أعمالها، فإنه للذى حملنى على أن قلت ما قلت «٢» .\rوذكر موسى بن عقبة أن المقام الذى قام به أبو بكر رضى الله عنه بعد وفاة رسول الله ﷺ وبعد الذى كان من عمر من القول هو أنه خرج سريعا إلى المسجد من بيت رسول الله ﷺ يتوطأ رقاب الناس حتى جاء المنبر وعمر يكلم الناس ويوعد من زعم أن رسول الله ﷺ مات، فجلس عمر حين رأى أبا بكر مقبلا، فقام أبو بكر على المنبر فنادى الناس أن اجلسوا وأنصتوا، فتشهد بشهادة الحق، ثم قال: إن الله قد نعى نبيكم لنفسه وهو حى بين أظهركم، ونعى لكم أنفسكم، فهو الموت حتى لا يبقى أحد إلا الله، يقول الله ﷿: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ\r[١٤٤: آل عمران] .\rوقال: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [٣٠: الزمر]","footnotes":"(١) انظر: السيرة (٤/ ٢٨٦) .\r(٢) أخرجه الطبرى فى تاريخه (٢/ ٢٣٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084116,"book_id":3509,"shamela_page_id":679,"part":"2","page_num":50,"sequence_num":679,"body":"وقال: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران: ٣٥، الأنبياء، ٥٧] .\rوقال: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص: ٨٨] . وقال: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ [الرحمن: ٢٦] .\rثم قال: إن الله عمر محمدا وأبقاه حتى أقام دين الله وأظهر أمر الله وبلغ رسالة الله وجاهد أعداء الله حتى توفاه الله صلوات الله عليه وهو على ذلك وتركتم على الطريقة، فلا يهلك هالك إلا من بعد البينة، فمن كان الله ربه فإن الله حى لا يموت فليعبده، ومن كان يعبد محمدا أو يراه، إلها فقد هلك إلهه، فأفيقوا أيها الناس واعتصموا بدينكم وتوكلوا على ربكم، فإن دين الله قائم، وإن كلمته باقية، وإن الله ناصر من نصره ومعز دينه.\rوإن كتاب الله بين أظهرنا هو النور والشفاء وبه هدى الله محمدا، وفيه حلال الله وحرامه، لا والله ما نبالى من أجلب علينا من خلق الله، إن سيوف الله لمسلولة ما وضعناها بعد، ولنجاهدن من خالفنا كما جاهدنا مع رسول الله ﷺ فلا يبقين أحد إلا على نفسه.\rثم انصرف وانصرف المهاجرون معه.\rبيعة أبى بكر رضى الله عنه وما كان من تحيز الأنصار إلى سعد بن عبادة فى سقيفة بنى ساعدة، ومنتهى أمر المهاجرين معهم\rقال ابن إسحاق «١» : ولما قبض رسول الله ﷺ انحاز هذا الحى من الأنصار إلى سعد بن عبادة فى سقيفة بنى ساعدة، واعتزل على بن أبى طالب والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله فى بيت فاطمة، وانحاز بقية المهاجرين إلى أبى بكر، وانحاز معهم أسيد بن حضير فى بنى عبد الأشهل، فأتى آت إلى أبى بكر فقال: إن هذا الحى من الأنصار مع سعد بن عبادة فى سقيفة بنى ساعدة قد انحازوا إليه، فإن كان لكم بأمر الناس حاجة فأدركوا الناس من قبل أن يتفاقم أمرهم ورسول الله ﷺ فى بيته لم يفرغ من أمره قد أغلق دونه الباب أهله. قال عمر: فقلت لأبى بكر: انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من","footnotes":"(١) انظر: السيرة (٤/ ٢٨١) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084117,"book_id":3509,"shamela_page_id":680,"part":"2","page_num":51,"sequence_num":680,"body":"الأنصار حتى ننظر ما هم عليه. قال: وكان من حديث السقيفة حين اجتمعت بها الأنصار أن عبد الله بن عباس قال: أخبرنى عبد الرحمن بن عوف وكنت فى منزله بمنى أنتظره، وهو عند عمر فى آخر حجة حجها عمر قال: فرجع عبد الرحمن بن عوف من عند عمر فوجدنى فى منزله أنتظره، وكنت أقرئه القرآن، فقال لى: لو رأيت رجلا أتى أمير المؤمنين فقال: يا أمير المؤمنين، هل لك فى فلان يقول: والله لو قد مات عمر بن الخطاب لقد بايعت فلانا، والله ما كانت بيعة أبى بكر إلا فلتة فتمت. قال: فغضب عمر فقال: إنى إن شاء الله لقائم العشية فى الناس، فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمرهم. ثم قال عبد الرحمن: فقلت: يا أمير المؤمنين لا تفعل، إن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم وإنهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم فى الناس، وإنى أخشى أن تقوم فتقول مقالة يطير بها أولئك عنك كل مطير ولا يعودها ولا يضعوها على موضعها، فأمهل حتى تقدم المدينة فإنها دار السنة وتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس فتقول ما قلت بالمدينة متمكنا، فيعى أهل الفقه مقالتك، ويضعونها موضعها. فقال عمر: أما والله إن شاء الله لأقومن بذلك أول مقام أقومه بالمدينة.\rقال ابن عباس «١» : فقدمنا المدينة فى عقب ذى الحجة، فلما كان يوم الجمعة عجلت الرواح حين زاغت الشمس فأجد سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل جالسا إلى ركن المنبر، فجلست حذوه تمس ركبتى ركبته، فلم أنشب أن خرج عمر، فلما رأيته مقبلا قلت لسعيد بن زيد: ليقولن العشية على هذا المنبر مقالة لم يقلها منذ استخلف؛ قال:\rفأنكر على سعيد بن زيد ذلك. قال: وما عسى أن يقول مما لم يقل قبله، فجلس عمر على المنبر، فلما سكت المؤذن قام فأثنى على الله بما هو له أهل، ثم قال: أما بعد، فإنى قائل لكم مقالة قد قدر لى أن أقولها ولا أدرى لعلها بين يدى أجلى، فمن عقلها ووعاها فليأخذنها حيث انتهت به راحلته، ومن خشى أن لا يعيها فلا يحل لأحد أن يكذب على؛ إن الله بعث محمدا ﷺ وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل عليه آية الرجم، فقرأناها وعلمناها ووعيناها، ورجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد الرجم فى كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، وإن الرجم فى كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة، أو كان الحبل أو الاعتراف؛ ثم إنا قد كنا نقرأ فيما نقرأ من الكتاب: «لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم» أو «كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم» ، ألا إن رسول الله ﷺ","footnotes":"(١) انظر: السيرة (٤/ ٢٨٢) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084118,"book_id":3509,"shamela_page_id":681,"part":"2","page_num":52,"sequence_num":681,"body":"قال: «لا تطرونى كما أطرى عيسى ابن مريم، وقولوا: عبد الله ورسوله» «١» ؛ ثم إنه قد بلغنى أن فلانا قال: لو والله قد مات عمر بايعت فلانا، فلا يغرن امرأ أن يقول: إن بيعة أبى بكر كانت فلتة فتمت، وإنها قد كانت كذلك إلا أن الله قد وقى شرها، وليس فيكم من تنقطع الأعناق إليه مثل أبى بكر، فمن بايع رجلا من غير مشورة من المسلمين فإنه لا بيعة له هو ولا الذى بايعه، تغرة أن يقتلا، إنه كان من خبرنا حين توفى الله نبيه ﷺ أن الأنصار خالفوا فاجتمعوا بأشرافهم فى سقيفة بنى ساعدة، وتخلف عنا على بن أبى طالب والزبير بن العوام ومن معهما، واجتمع المهاجرون إلى أبى بكر، فقلت لأبى بكر: انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار، فانطلقنا نؤمهم حتى لقينا منهم رجلان صالحان، فذكرا لنا ما تمالأ عليه القوم، فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ قلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار، فقالا: فلا عليكم أن لا تقربوهم يا معشر المهاجرين، اقضوا أمركم. قال: قلت: والله لنأتينهم. فانطلقنا حتى أتيناهم فى سقيفة بنى ساعدة، فإذا بين ظهرانيهم رجل مزمل، فقلت: من هذا؟ قالوا: سعد بن عبادة، فقلت: ما له؟ فقالوا:\rوجع. فلما جلسنا تشهد خطيبهم فأثنى على الله بما هو له أهل، ثم قال: أما بعد، فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام، وأنتم يا معشر المهاجرين رهط منا، وقد دفت دافة من قومكم.\rقال: وإذا هم يريدون أن يحتازونا من أصلنا ويغصبونا الأمر، فلما سكت أردت أن أتكلم وقد زورت فى نفسى مقالة قد أعجبتنى، أريد أن أقدمها بين يدى أبى بكر، وكنت أدارى منه بعض الحد، فقال أبو بكر: على رسلك يا عمر. فكرهت أن أعصيه، فتكلم، وهو كان أعلم منى وأوقر، فو الله ما ترك من كلمة أعجبتنى من تزويرى إلا قالها فى بديهته أو مثلها أو أفضل منها حتى سكت.\rقال: أما ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، ولن تعرف العرب هذا الأمر إلا هذا الحى من قريش، هم أوسط العرب نسبا ودارا، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم، وأخذ بيدى وبيد أبى عبيدة بن الجراح وهو جالس بيننا، ولم أكره شيئا مما قال غيرها، كان والله أن أقدم فتضرب عنقى لا يقربنى ذلك إلى إثم أحب إلى من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر.\rقال: فقال قائل من الأنصار: أنا جذيلها المحك وعذيقها المرجب، منا أمير ومنكم","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: سنن الدارمى (٢/ ٢٧٨٤) ، مسند الإمام أحمد (١/ ٢٣، ٢٤، ٤٧، ٥٥) ، مصنف عبد الرزاق (١١/ ٢٠٥٢٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084119,"book_id":3509,"shamela_page_id":682,"part":"2","page_num":53,"sequence_num":682,"body":"أمير يا معشر قريش. قال: فكثر اللغط وارتفعت الأصوات، حتى تخوفت الاختلاف، فقلت: ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون ثم بايعه الأنصار، ونزونا على سعد بن عبادة فقال قائل منهم: قتلتم سعد بن عبادة. فقلت: قتل الله سعد ابن عبادة.\rوذكر ابن إسحاق «١» عن الزهرى عن عروة أن أحد الرجلين اللذين لقوا من الأنصار حين ذهبوا إلى السقيفة هو عويم بن ساعدة، وهو الذى قال فيه رسول الله ﷺ لما سئل:\rمن الذين قال الله لهم: رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ [التوبة:\r١٠٨] ، فقال ﵇: «نعم المرء منهم عويم بن ساعدة، وأما الرجل الآخر فهو:\rمعن بن عدى» «٢» ، ويقال: إنه لما بكى الناس على رسول الله ﷺ حين توفاه الله وقالوا:\rوالله لوددنا أن متنا قبله، إنا نخشى أن نفتتن بعده، قال معن بن عدى: لكنى والله ما أحب أنى مت قبله حتى أصدقه ميتا كما صدقته حيا، وقتل ﵀ شهيدا اليمامة.\rوذكر ابن عقبة أنهم لما توجهوا إلى سقيفة بنى ساعدة وأراد عمر أن يتكلم ويسبق بالقول ويمهد لأبى بكر ويتهدد من هناك من الأنصار، وقال عمر: خشيت أن يقصر أبو بكر رضى الله عنه عن بعض الكلام وعن ما أجد فى نفسى من الشدة على من خالفنا زجره أبو بكر رضى الله عنه فقال: على رسلك فستكفى الكلام إن شاء الله تعالى، ثم سوف تقول بعدى ما بدا لك، فتشهد أبو بكر، وأنصت القوم، ثم قال:\rبعث الله محمدا بالهدى ودين الحق، فدعا رسول الله ﷺ إلى الإسلام فأخذ الله بقلوبنا ونواصينا إلى ما دعانا إليه، فكنا معشر المهاجرين أول الناس إسلاما، ونحن عشيرته وأقاربه، وذوو رحمه، فنحن أهل النبوة وأهل الخلافة وأوسط الناس أنسابا فى العرب، ولدتنا العرب كلها، فليست منها قبيلة إلا لقريش فيها ولادة، ولن تعترف العرب ولا تصلح إلا على رجل من قريش، هم أصبح الناس وجوها، وأبسطه ألسنا، وأفضله قولا، فالناس لقريش تبع، فنحن الأمراء، وأنتم الوزراء، وهذا الأمر بيننا وبينكم قسمة إلا بلمه، وأنتم يا معشر الأنصار إخواننا فى كتاب الله وشركاؤنا فى الدين وأحب الناس إلينا، وأنتم الذين آووا ونصروا، وأنتم أحق الناس أن لا تحسدوهم على خير أتاهم الله إياه، فأنا أدعوكم إلى أحد هذين الرجلين: عمر بن الخطاب وأبى عبيدة","footnotes":"(١) انظر: السيرة (٤/ ٢٨٥) .\r(٢) انظر الحديث فى: طبقات ابن سعد (٣/ ٢/ ٣١) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084120,"book_id":3509,"shamela_page_id":683,"part":"2","page_num":54,"sequence_num":683,"body":"ابن الجراح ووضع يديه عليهما، وكان قائما بينهما فكلاهما قد رضيته للقيام بهذا الأمر، ورأيته أهلا لذلك.\rفقال عمر وأبو عبيدة: ما ينبغى لأحد بعد رسول الله ﷺ أن يكون فوقك يا أبا بكر، أنت صاحب الغار مع رسول الله، وثانى اثنين، وأمرك رسول الله ﷺ حين اشتكى فصليت بالناس، فأنت أحق بهذا الأمر.\rقالت الأنصار: والله ما نحسدكم على خير ساقه الله إليكم، وما خلق الله قوما أحب إلينا ولا أعز علينا منكم، ولا أرضى عندنا هديا، ولكنا نشفق بعد اليوم، فلو جعلتم اليوم رجلا منكم فإذا مات أخذنا رجلا من الأنصار فجعلناه، فإذا مات أخذنا رجلا من المهاجرين فجعلناه، فكنا كذلك أبدا ما بقيت هذه الأمة بايعناكم ورضينا بذلك من أمركم، وكان ذلك أجدر إن يشفق القرشى إن زاغ أن ينقض عليه الأنصارى، وأن يشفق الأنصارى إن زاغ أن ينقض عليه القرشى.\rفقال عمر: لا ينبغى هذا الأمر ولا يصلح إلا لرجل من قريش، ولن ترضى العرب إلا به، ولن تعرف العرب الإمارة، إلا له، ولن تصلح إلا عليه، والله لا يخالفنا أحد إلا قتلناه.\rفقام الحباب بن المنذر من بنى سلمة «١» ، فقال: منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش، أنا جذيلها المحك وعذيقها المرجب، دفت علينا منكم دافة أرادوا أن يخرجونا من أصلنا ويختصونا من هذا الأمر، وإن شئتم كررناها جزعة.\rفكثر القول حتى كادت الحرب تقع بينهم، وأوعد بعضهم بعضا، ثم تراد المسلمون وعصم الله لهم دينهم، فرجعوا بقول حسن، وسلموا الأمر لله وعصوا الشيطان، ووثب عمر فأخذ بيد أبى بكر وقام أسيد بن حضير الأشهلى «٢» وبشير بن سعد أبو النعمان بن","footnotes":"(١) انظر ترجمته فى: الأنساب (٣/ ٢٧٨) ، الإصابة ترجمة رقم (١٥٥٧) ، أسد الغابة ترجمة رقم (١٠٢٣) .\r(٢) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (١٨٥) ، أسد الغابة ترجمة رقم (١٧٠) ، تجريد أسماء الصحابة (١/ ٢١) ، الثقات (٣/ ٦) ، الإكمال (٢/ ٤٨٢) ، تهذيب الكمال (١/ ١١٣) ، الطبقات (٧٧) ، تقريب التهذيب (١/ ٧٨) ، بقى بن مخلد (١٣٦) ، خلاصة تذهيب الكمال (١/ ٩٨) ، الوافى بالوفيات (٩/ ٢٥٨، ١/ ٣٢٨) ، تهذيب التهذيب (١/ ٣٤٧) ، الكاشف (١/ ١٣٣) ، الجرح والتعديل (٢/ ١١٦٣) ، التاريخ الكبير (٢/ ٤٧) ، البداية والنهاية (٧/ ١٠١) ، الأنساب (١/ ٢٧٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084121,"book_id":3509,"shamela_page_id":684,"part":"2","page_num":55,"sequence_num":684,"body":"بشير «١» يستبقان ليبايعا أبا بكر فسبقهما عمر فبايع ثم بايعا معا، ووثب أهل السقيفة يبتدرون البيعة، وسعد بن عبادة مضطجع يوعك، فازدحم الناس على أبى بكر، فقال رجل من الأنصار: اتقوا سعدا، لا تطؤه فتقتلوه.\rفقال عمر وهو مغضب: قتل الله سعدا، فإنه صاحب فتنة. فلما فرغ أبو بكر من البيعة رجع إلى المسجد فقعد على المنبر فبايعه الناس حتى أمسى، وشغلوا عن دفن رسول الله حتى آخر الليل من ليلة الثلاثاء مع الصبح.\rوقال ابن أبى عزة القرشى الجمحى فى ذلك:\rشكرا لمن هو بالثناء خليق ... ذهب اللجاج وبويع الصديق\rمن بعد ما دحضت بسعد نعله ... ورجا رجاء دونه العيوق\rجاءت به الأنصار عاصب رأسه ... فأتاهم الصديق والفاروق\rوأبو عبيدة والذين إليهم ... نفس المؤمل للبقاء تتوق\rكنا نقول لها على والرضى ... عمر وأولادهم بتلك عتيق\rفدعت قريش باسمه فأجابها ... إن المنوه باسمه الموثوق\rوذكر وثيمة بن موسى بن الفرات أنه كان لأشراف قريش فيما كان من شأن الأنصار مقامات محمودة، فمن ذلك أن خالد بن الوليد قام على أثر أبى بكر بعد وفاة رسول الله ﷺ وكان خطيب قريش، فقال:\rأيها الناس، إنا رمينا فى بدء هذا الدين بأمر ثقل علينا محمله وصعب علينا مرتقاه، وكنا كأنا منه على أوفاز، ثم والله ما لبثنا أن خف علينا ثقله، وذللنا صعبه، وعجبنا ممن شك فيه بعد عجبنا ممن آمن به، حتى والله أمرنا بما كنا ننهى عنه، ونهينا عن ما كنا نأمر به، ولا والله ما سبقنا إليه بالعقول، ولكنه التوفيق. ألا وإن الوحى لم ينقطع حتى أكمل، ولم يذهب النبى ﷺ حتى أعذر، فلسنا ننتظر بعد النبى نبيا ولا بعد الوحى وحيا، ونحن اليوم أكثر منا بالأمس، ونحن بالأمس خير منا اليوم، من دخل فى هذا الدين كان من ثوابه على حسب عمله، ومن تركه رددناه إليه، إنه والله ما صاحب هذا الأمر","footnotes":"(١) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (٦٩٤) ، أسد الغابة ترجمة رقم (٤٥٩) ، الثقات (٣/ ٣٣) ، تجريد أسماء الصحابة (١/ ٥٣) ، تهذيب التهذيب (١/ ٤٦٤) ، الطبقات (٩٤، ١٩٠) ، خلاصة تذهيب تهذيب الكمال (١/ ١٣٠) ، الوافى بالوفيات (١٠/ ١٦٢) ، العبر (١/ ١٥، ١٦) ، البداية والنهاية (٦/ ٣٥٣) ، التاريخ الصغير (١/ ٧٣) ، تقريب التهذيب (١/ ١٠٣) ، التاريخ الكبير (٢/ ٩٨) ، الجرح والتعديل (٢/ ٣٧٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084122,"book_id":3509,"shamela_page_id":685,"part":"2","page_num":56,"sequence_num":685,"body":"يعنى أبو بكر بالمسئول عنه ولا المختلف فيه، ولا بالخفى الشخص، والمغمور القناة.\rثم سكت، فعجب الناس من كلامه.\rوقام حزن بن أبى وهب وهو الذى سماه رسول الله ﷺ سهلا فقال:\rوقامت رجال من قريش كثيرة ... فلم يك فى القوم القيام كخالد\rترقى فلم تزلق به صدر نعله ... وكف فلم يعرض لتلك الأوابد\rفجاء بها غراء كالبدر سهلة ... تشبهها فى الحسن أم القلائد\rأخالد لا تعدم لؤى بن غالب ... قيامك فيها عند قذف الجلامد\rكساك الوليد بن المغيرة مجده ... وعلمك الشيخان ضرب العماحد\rتقارع فى الإسلام عن صلب دينه ... وفى الشرك عن أجلال جد ووالد\rوكنت لمخزوم بن يقظة جنة ... كلا اسميك فيها ماجد وابن ماجد\rإذا ما غنا فى هيجها ألف فارس ... عدلت بألف عند تلك الشدائد\rومن يك فى الحرب المصرة واحدا ... فما أنت فى الحرب العوان بواحد\rإذا ناب أمر فى قريش محلج ... تشيب له روس العذارى النواهد\rتوليت منه ما يخاف وإن تغب ... يقولوا جميعا خطنا غير شاهد\rقال ابن إسحاق «١» : ولما توفى رسول الله ﷺ عظمت به مصيبة المسلمين، فكانت عائشة فيما بلغنى تقول: لما توفى رسول الله ﷺ ارتدت العرب واشرأبت اليهودية والنصرانية ونجم النفاق، وصار المسلمون كالغنم المطيرة فى الليلة الشاتية لفقد نبيهم حتى جمعهم الله على أبى بكر.\rوذكر ابن هشام «٢» عن أبى عبيدة وغيره من أهل العلم أن أكثر أهل مكة لما توفى رسول الله ﷺ هموا بالرجوع عن الإسلام وأرادوا ذلك حتى خافهم عتاب بن أسيد فتوارى فقام سهيل بن عمرو فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر وفاة رسول الله ﷺ وقال:\rإن ذلك لم يزد الإسلام إلا قوة، فمن رابنا ضربنا عنقه، فتراجع الناس وكفوا عن ما هموا به، فظهر عتاب بن أسيد، وقد تقدم لنا أن رسول الله ﷺ قال فى سهيل بن عمرو لعمر بن الخطاب وقد قال له: انزع ثنتيتى سهيل بن عمرو يدلع لسانه فلا يقوم عليك","footnotes":"(١) انظر: السيرة (٤/ ٢٩١) .\r(٢) انظر المصدر السابق.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084123,"book_id":3509,"shamela_page_id":686,"part":"2","page_num":57,"sequence_num":686,"body":"خطيبا أبدا، فقال له رسول الله ﷺ: «إنه عسى أن يقوم مقاما لا تذمه» «١» ، فكان هذا المقام المتقدم هو الذى أراد رسول الله ﷺ.\rوعن أنس بن مالك قال: لما بويع أبو بكر فى السقيفة وكان الغد جلس أبو بكر على المنبر، فقام عمر فتكلم قبل أبى بكر، فحمد الله وأثنى عليه بما هو له أهل، ثم قال:\rأيها الناس، إنى قد كنت قلت لكم بالأمس مقالة ما كانت وما وجدتها فى كتاب الله، ولا كانت عهدا عهده إلى رسول الله ﷺ ولكنى كنت أرى أن رسول الله ﷺ سيد برنا؛ يقول: يكون آخرنا، وإن الله قد أبقى فيكم كتابه الذى به هدى رسوله، فإن اعتصمتم به هداكم الله لما كان هداه، وإن الله قد جمع أمركم على خيركم، صاحب رسول الله ﷺ ثانى اثنين إذ هما فى الغار، فقوموا فبايعوه.\rفبايع الناس أبا بكر بيعة العامة بعد بيعة السقيفة.\rثم تكلم أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه بالذى هو أهله، ثم قال: أما بعد أيها الناس، فإنى قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينونى، وإن أسأت فقومونى؛ الصدق أمانة والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوى عندى حتى أريح عليه حقه إن شاء الله، والقوى فيكم ضعيف عندى حتى آخذ الحق منه إن شاء الله، لا يدع قوم الجهاد فى سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة فى قوم إلا عمهم الله بالبلاء؛ أطيعونى ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لى عليكم. قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله «٢» .\rوذكر موسى بن عقبة أن رجالا من المهاجرين غضبوا فى بيعة أبى بكر، منهم على والزبير، فدخلا بيت فاطمة ابنة رسول الله ﷺ ومعهما السلاح، فجاءهما عمر بن الخطاب فى عصابة من المهاجرين والأنصار فيهم أسيد بن حضير وسلمة بن سلامة بن وقش الأشهليان وثابت بن قيس بن شماس الخزرجى فكلموهما حتى أخذ أحد القوم سيف الزبير فضرب به الحجر حتى كسره ثم قام أبو بكر فخطب الناس واعتذر إليهم وقال:\rوالله ما كنت حريصا على الإمارة يوما قط، ولا ليلة، ولا سألتها الله قط سرا ولا علانية، ولكنى أشفقت من الفتنة، وما لى فى الإمارة من راحة، ولقد قلدت أمرا عظيما","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ٣١٠) ، دلائل النبوة للبيهقى (٦/ ٣٦٧) .\r(٢) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (٦/ ٣٠١) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084124,"book_id":3509,"shamela_page_id":687,"part":"2","page_num":58,"sequence_num":687,"body":"ما لى به طاقة ولا يدان إلا بتقوية الله، ولوددت أن أقوى الناس عليها مكانى اليوم.\rفقبل المهاجرون منه ما قاله واعتذر به، وقال على والزبير: ما غضبنا إلا أنا أخرنا عن المشورة، وإنا لنرى أن أبا بكر أحق الناس بها بعد رسول الله ﷺ وأنه لصاحب الغار وثانى اثنين، وإنا لنعرف له شرفه وسنه، ولقد أمره رسول الله ﷺ بالصلاة بالناس وهو حى.\rوذكر غير ابن عقبة أن أبا بكر رضى الله عنه قام فى الناس بعد مبايعتهم إياه يقيلهم فى بيعتهم ويستقيلهم فيما تحمله من أمرهم ويعيد ذلك عليهم، كل ذلك يقولون له:\rوالله لا نقيلك ولا نستقيلك، قدمك رسول الله ﷺ فمن ذا يؤخرك.\rولم يبدأ أبو بكر رضى الله عنه بعد أن فرغ أمر البيعة واطمأن الناس بشىء من النظر قبل إنفاذ بعث أسامة، فقال له: امض لوجهك الذى بعثك له رسول الله ﷺ، فكلمه رجال من المهاجرين والأنصار وقالوا: أمسك أسامة وبعثه، فإنا نخشى أن تميل علينا العرب إذا سمعوا بوفاة رسول الله ﷺ، فقال أبو بكر وكان أفضلهم رأيا: أنا أحتبس بعثا بعثه رسول الله ﷺ لقد اجترأت إذ على أمر عظيم، والذى نفسى بيده لأن تميل العرب على أحب إلى من أن احتبس جيشا أمرهم رسول الله ﷺ. امض يا أسامة فى جيشك للوجه الذى أمرت به، ثم اغز حيث أمرك رسول الله ﷺ من ناحية فلسطين، وعلى أهل مؤتة فإن الله سيكفى ما تركت، ولكن إن رأيت أن تأذن لعمر بن الخطاب بالتخلف لأستشيره وأستعين برأيه فإنه ذو رأى ونصيحة للإسلام وأهله فعلت. ففعل أسامة وأذن لعمر، فأقام بالمدينة مع أبى بكر رضى الله عنهم أجمعين.\rذكر غسل رسول الله ﷺ ودفنه، وما يتصل بذلك من أمره صلوات الله عليه وسلامه ورحمته وبركاته\rولما فرغ الناس من بيعة أبى بكر الصديق رضى الله عنه وجمعهم الله عليه وصرف عنهم كيد الشيطان أقبلوا على تجهيز نبيهم ﷺ والاشتغال به.\rقالت عائشة رضى الله عنها: لما أرادوا غسل رسول الله ﷺ اختلفوا فيه، فقالوا: والله ما ندرى، أنجرد رسول الله ﷺ من ثيابه كما نجرد موتانا، أو نغسله وعليه ثيابه؟ قالت:\rفلما اختلفوا ألقى الله عليهم النوم حتى ما منهم رجل إلا ذقنه فى صدره، وكلمهم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084125,"book_id":3509,"shamela_page_id":688,"part":"2","page_num":59,"sequence_num":688,"body":"مكلم من ناحية البيت لا يدرون من هو: أن اغسلوا النبى وعليه ثيابه. قالت: فقاموا إلى رسول الله ﷺ فغسلوه وعليه قميصه، يصبون الماء فوق القميص، ويدلكونه والقميص دون أيديهم.\rويروى عن غير واحد أن الذين ولوا غسله ﷺ ابن عمه على بن أبى طالب، وعمه العباس بن عبد المطلب، وابناه الفضل، وقثم، وحبه أسامة بن زيد، ومولاه شقران.\rوقال أوس بن خولى أحد بنى عوف بن الخزرج وكان ممن شهد بدرا لعلى بن أبى طالب يومئذك أنشدك الله يا على وحظنا من رسول الله ﷺ. فقال له: ادخل، فدخل وجلس، فحضر غسل رسول الله ﷺ معهم، فأسند على رسول الله ﷺ إلى صدره، وكان العباس والفضل وقثم يقلبونه معه، وكان أسامة وشقران هما اللذان يصبان الماء عليه، وعلى يغسله، قد أسنده إلى صدره، وعليه قميصه يدلكه به من ورائه، لا يفضى بيده إلى رسول الله ﷺ وعلى يقول: بأبى أنت وأمى، ما أطيبك حيا وميتا. ولم ير من رسول الله ﷺ شىء مما يرى من الميت «١» .\rوكانت عائشة رضى الله عنها تقول: لو استقبلت من أمرى ما استدبرت ما غسل رسول الله ﷺ إلا نساؤه «٢» .\rولما فرغ من غسل رسول الله ﷺ كفن فى ثلاث أثواب.\rقال ابن إسحاق «٣» فى حديث يرفعه إلى على بن حسين: ثوبين صحاريين، وبرد حبرة أدرج فيه إدراجا «٤» .\rوخرج مسلم فى صحيحه من حديث عائشة، قالت: كفن رسول الله ﷺ فى ثلاثة","footnotes":"(١) انظر: الطبقات لابن سعد (٢/ ٢٨٠) ، تاريخ الطبرى (٢/ ٢٣٨) ، سنن ابن ماجه فى كتاب الجنائز باب ما جاء فى غسل النبى ﷺ (١/ ١٤٦٧) .\r(٢) انظر: مسند أبى داود الطيالسى (ص ٢١٥ ج ١٥٣٠) .\r(٣) انظر: السيرة (٤/ ٢٨٨) .\r(٤) انظر: التمهيد لابن عبد البر (٢/ ١٦٣) ، الدلائل للبيهقى (٧/ ٢٤٨) ، صحيح البخارى فى كتاب الجنائز (٣/ ١٢٦٤) ، صحيح مسلم فى كتاب الجنائز (٢/ ٦٥٠، ٦٥١) ، سنن أبى داود فى كتاب الجنائز باب فى الكفن (٣/ ٣١٥١) ، سنن الترمذى فى كتاب الجنائز (٣/ ٩٩٦) ، سنن النسائى (١٨٩٦) ، سنن ابن ماجه (١/ ١٤٦٩) ، موطأ مالك (١/ ٥/ ٢٢٣) ، مسند الإمام أحمد (٦/ ٤٠، ١٣٢، ١٦٥، ١٩٢، ٢٠٤، ٢٣١) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084126,"book_id":3509,"shamela_page_id":689,"part":"2","page_num":60,"sequence_num":689,"body":"أثواب بيض سحولية من كرسف ليس فيها قميص ولا عمامة «١» .\rزاد الترمذى قال: فذكروا لعائشة قولهم: فى ثوبين وبرد حبرة. فقالت: قد أتى بالبرد ولكنهم ردوه ولم يكفنوه فيه.\rواختلف المسلمون فى موضع دفنه، فقال قائل: ندفنه فى مسجده، وقال آخر: بل ندفنه مع أصحابه، وقال أبو بكر رضى الله عنه: ادفنوه فى الموضع الذى قبض فيه، فإن الله لم يقبض روحه إلا فى مكان طيب، فعلموا أن قد صدق «٢» .\rوفى رواية أنه قال لهم: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما قبض نبى إلا دفن حيث يقبض.\rفرفع فراش رسول الله ﷺ الذى توفى عليه، فحفر له تحته.\rولما أرادوا أن يحفروا له، وكان أبو عبيدة بن الجراح يضرح كحفر أهل مكة، وكان أبو طلحة زيد بن سهل هو الذى يحفر لأهل المدينة، وكان يلحد، دعا العباس برجلين، فقال لأحدهما: اذهب إلى أبى عبيدة بن الجراح، وللآخر: اذهب إلى أبى طلحة. اللهم خر لرسول الله، فوجد الذى توجه إلى أبى طلحة أبا طلحة، فجاء به، فلحد لرسول الله ﷺ.\rفلما فرغ من جهاز رسول الله ﷺ يوم الثلاثاء، وضع على سريره فى بيته، ثم دخل الناس على رسول الله ﷺ يصلون عليه أرسالا الرجال، حتى إذا فرغوا أدخل النساء حتى إذا فرغ النساء أدخل الصبيان، ولم يؤم الناس على رسول الله ﷺ أحد.\rويروى فى حديث أن عليا رضى الله عنه قال: لقد سمعنا همهمة ولم نر شخصا، فسمعنا هاتفا يقول: ادخلوا رحمكم الله فصلوا على نبيكم.\rثم دفن رسول الله ﷺ من وسط الليل، ليلة الأربعاء «٣» .\rقالت عائشة رضى الله عنها: ما علمنا بدفن رسول الله ﷺ حتى سمعنا صوت","footnotes":"(١) انظر: صحيح مسلم (٣/ ٣٩) ، صحيح البخارى (٢/ ٢١١) ، سنن أبى داود (٣/ ١٩٨/ ٣١٥١) ، سنن النسائى (٤٩٠/ ٣٥، ٣٦) ، طبقات ابن سعد (٢/ ٢٨٢- ٢٨٤) ، دلائل النبوة للبيهقى (٧/ ٢٤٦- ٢٤٩) .\r(٢) انظر: طبقات ابن سعد (٢/ ٢٧٥، ٢٩٢، ٢٩٩) ، دلائل النبوة للبيهقى (٢٥٩- ٢٦١) .\r(٣) انظر: السيرة (٤/ ٢٨٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084127,"book_id":3509,"shamela_page_id":690,"part":"2","page_num":61,"sequence_num":690,"body":"المساحى من جوف الليل من ليلة الأربعاء. وكان الذين نزلوا فى قبر رسول الله ﷺ على بن أبى طالب، والفضل وقثم ابنا عمه العباس، وشقران مولى رسول الله ﷺ.\rوقال أوس بن خولى من الأنصار لعلى بن أبى طالب: يا على، أنشدك الله وحظنا من رسول الله ﷺ. فقال: انزل، فنزل مع القوم.\rوكانت لرسول الله ﷺ قطيفة يلبسها ويفترشها، فأخذها شقران مولاه، فدفنها فى القبر: والله لا يلبسها أحد بعدك أبدا، فدفنت مع رسول الله ﷺ.\rولما انصرف الناس قالت فاطمة رضى الله عنها لعلى رضى الله عنه: يا أبا الحسن، دفنتم رسول الله ﷺ؟ قال: نعم. قالت فاطمة: كيف طابت أنفسكم أن تحثوا التراب على رسول الله ﷺ؟ أما كان فى صدوركم لرسول الله رحمة؟ أما كان معلم الخير؟ قال:\rبلى يا فاطمة، ولكن أمر الله الذى لا مرد له، فجعلت تبكى وتندب: وا أبتاه، أجاب ربا دعاه، وا أبتاه من جنة الفردوس مأواه، وا أبتاه، إلى جبريل ينعاه.\rوقد كان رسول الله ﷺ أسر إليها فى مرضه أنه مقبوض منه ولا حق بربه، فبكت مشفقة من فراقه، فأسر إليها ثانية أنها أول أهله لحاقا به، فضحكت راضية بالموت مسرورة بوقوعه فى جنب ما تتعجل من لقائه فى حضرة القدس ومحلة الرضوان والكرامة.\rولما دفن رسول الله ﷺ وانصرف المهاجرون والأنصار عن دفنه، ورجعت فاطمة رضى الله عنها إلى بيتها اجتمع إليها نساؤها فقال:\rاغبر أفاق السماء وكورت ... شمس النهار وأظلم العصران\rفالأرض من بعد النبى كئيبة ... أسفا عليه كثيرة الرجفان\rفليبكه شرق البلاد وغربها ... ولتبكه مضر وكل يمان\rوليبكه الطود المعظم جوه ... والبيت ذو الأستار والأركان\rيا خاتم الرسل المبارك ضنه ... صلى عليك منزل الفرقان\rويروى أيضا أن فاطمة رضى الله عنها أنشدت بعد موت رسول الله ﷺ متمثلة بشعر سميتها فاطمة بنت الأجهم:\rقد كنت لى جبلا ألوذ بظله ... فتركتنى أمشى بأجرد ضاح\rقد كنت ذات حمية ما عشت لى ... أمشى البرار وكنت أنت جناحى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084128,"book_id":3509,"shamela_page_id":691,"part":"2","page_num":62,"sequence_num":691,"body":"فاليوم أخضع للذليل وأتقى ... منه وأدفع ظالمى بالراح\rوإذا دعت قمرية شجنا لها ... ليلا على فنن دعوت صباحى\rومما ينسب إلى على أو فاطمة رضى الله عنهما:\rماذا على من شم تربة أحمد ... أن لا يشم مدا الزمان غواليا\rصبت على مصائب لو أنها ... صبت على الأيام عدن لياليا\rوجلست أم أيمن تبكى على رسول الله ﷺ بعد موته، وهى حاضنته التى كان يأوى إليها بعد موت أمه، ورسول الله ﷺ فى بيته لم يدفن بعد، فقيل لها: ما يبكيك يا أم أيمن قد أكرم الله نبيه وأدخله جنته وأراحه من نصب الدنيا، فقالت: إنما أبكى على خبر السماء كان يأتينا غضا جديدا كل يوم وليلة، فقد انقطع عنا ورفع، فعليه أبكى. فعجب الناس من قولها وبكوا لبكائها.\rوقال أنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ: لما كان اليوم الذى دخل فيه رسول الله ﷺ المدينة أضاء منها كل شىء، فلما كان اليوم الذى مات فيه أظلم منها كل شىء وما نفضنا أيدينا من التراب، وإنا لفى دفنه حتى أنكرنا قلوبنا.\rوقال عبد الله بن عباس رضى الله عنهما: ولد النبى ﷺ يوم الاثنين، ونبئ يوم الاثنين، وخرج مهاجرا من مكة إلى المدينة يوم الاثنين، وقدم المدينة يوم الاثنين، وقبض يوم الاثنين، فيا لهذا اليوم كم خير تسبب فيه إلى أهل الأرض، وأى مصيبة نزلت فيه بمنية ضاق عنها منفسح الطول والعرض.\rوقد حدثنا ابن عباس أيضا أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «من كان له فرطان من أمتى أدخله الله بهما الجنة» «١» . فقالت عائشة: فمن كان له فرط من أمتك؟ قال: «ومن كان له فرط يا موفقة» «٢» قالت: فمن لم يكن له فرط من أمتك؟ قال: «فأنا فرط لأمتى، لن يصابوا بمثلى» «٣» .\rولله در شاعره حسان بن ثابت إذ يقول:","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: سنن الترمذى (١٠٦٢) ، مسند الإمام أحمد (١/ ٣٣٤) ، السنن الكبرى للبيهقى (٤/ ٦٨) ، مشكاة المصابيح للتبريزى (١٧٣٥) ، كنز العمال للمتقى الهندى (٦٥٧٢، ٦٦٠٩) ، تاريخ بغداد للخطيب البغدادى (١٢/ ٢٠٨) .\r(٢) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (١/ ٣٣٥) ، الشمائل للترمذى (٢١٢) .\r(٣) انظر الحديث فى: هامش المواهب (٢٠٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084129,"book_id":3509,"shamela_page_id":692,"part":"2","page_num":63,"sequence_num":692,"body":"وهل عدلت يوما رزية هالك ... رزية يوم مات فيه محمد\rوهذا البيت من قصيدة له يرثى بها رسول الله ﷺ سنذكرها بعد فى مراثيه.\rوروى أيضا عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ليعز المسلمين فى مصائبهم المصيبة بى» «١» .\rفيا لها والله مصيبة أحرقت الأكباد، وغمرت بالأسف والحزن الآماد والآباد، ورزآ ثقيلا آد كاهل الإيمان منه ما آد، وخطبا جليلا أودى بكل صبر جميل أو كاد:\rوالصبر يحمد فى المواطن كلها ... إلا عليك فإنه مذموم\rولولا أن الله ﷾ ربط على القلوب من بعده بأمر من عنده لأودت مكانها كمدا، ولما وجدت إلى البقاء متسلفا، ولا عن وحى القنا ملتحدا، ولو رجفت الأرض لفقدان أحد لأصبحت لفقدانه راجفة، ولو نسفت الجبال لمهلك هالك لغدت رواسيها على حكم الأسف متناسفة، ولو كسفت النيرات لمصرع حى لأمست دررها منثورة لمصرعه، ولو تغيرت المشارع المورودة لموت إنسان لأمر لموته على كل وارد عذب مشرعه هيهات هيهات، ذلك والله الرزأ الكبار، والنازلة التى يعيى بها الاحتمال والاصطبار، والخطر الذى تقاصر دونه الأخطار، والخطب الذى تشقى بمضاضة مشاهدته المهاجرون والأنصار، والمفقود الذى لا عوض منه أبدا وإن تراخت الأيام وتطاولت الأعصار، ولو غير الأقدار أصابته لبدلت دونه أعلاق المهج، أو غير المنايا نابتة لتعذر على قاصده وجه السبيل المنتهج، ولكنها السبيل التى لا يتخطاها سالك، وما سبقت به مشيئة الدائم الباقى الذى كل شىء إلا وجهه هالك، فلا مجال للدفاع، ولا حيلة فى الامتناع، ولا غناء للأعوان والأتباع، ولا شىء يضمه حكم الممكن المستطاع غير الانقياد لأمر الله والإهطاع، ولهفا عليه، ويا برح شوق القلوب المشربة نور الإيمان به، وشدة نزاعها إليه، وبالدموع أجريت عليه، صلوات الله وبركاته عليه، لقد وجدت مجرا، وأوجبت أجرا وحرمت لهيا عن أسبابها وزجرا، ولقد كان من يقدم المدينة بعد أن استأثر به مولاه الذى شرح له صدرا، ورفع له ذكرا وقدرا، إذا أشرفوا عليها سمعوا لأهلها ضجيجا يصم السميع، وللبكاء فى جنباتها عجيجا أصحل الحلوق ونزف الدموع.\rحدث أبو ذؤيب الهذلى فقال: بلغنا أن رسول الله ﷺ عليل، فاستشعرت حزنا، وبت بأطول ليلة لا ينجاب ديجورها، ولا يطلع نورها، فظللت أقاسى طولها حتى إذا كان قرب السحر أغفيت فهتف بى هاتف وهو يقول:","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: السلسلة الصحيحة للألبانى (١١٠٦) ، موطأ مالك (٢٣٦) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084130,"book_id":3509,"shamela_page_id":693,"part":"2","page_num":64,"sequence_num":693,"body":"خطب أجل أناخ بالإسلام ... بين النخيل ومعقد الأطام\rقبض النبى محمد فعيوننا ... تذرى الدموع عليه بالتسجام\rقال أبو ذؤيب: فوثبت من نومى فزعا، فنظرت إلى السماء، فلم أر إلا سعد الذابح، فتفاءلت به، ذبح يقع فى العرب، وعلمت أن النبى ﷺ قد قبض، أو هو ميت من علته، فركبت ناقتى وسرت، فلما أصبحت طلبت شيئا أزجر به، فعن لى شيهم يعنى القنفذ قد قبض على صل يعنى الحية فهى تلتوى عليه، والشيهم يقضها حتى أكلها، فزجرت ذلك وقلت: شيهم شىء مهم، والتواء الصل التواء الناس عن الحق على القائم بعد رسول الله ﷺ ثم أكل الشيهم إياها غلبة القائم بعده على الأمر، فحثثت ناقتى حتى إذا كنت بالغابة زجرت الطائر فأخبرنى بوفاته، ونعب غراب سانح، فنطق بمثل ذلك، فتعوذت بالله من شر ما عن لى فى طريقى، وقدمت المدينة ولها ضجيج بالبكاء كضجيج الحجيج إذا أهلوا بالإحرام، فقلت: مه؟ فقالوا: قبض رسول الله ﷺ فجئت المسجد، فوجدته خاليا، فأتيت رسول الله ﷺ فوجدت بابه مرتجا، وقيل إلى الأنصار، فجئت إلى السقيفة، فأصبت أبا بكر وعمر وأبا عبيدة بن الجراح وسالما مولى أبى حذيفة وجماعة من قريش، ورأيت الأنصار فيهم سعد بن عبادة، وفيهم شعراؤهم: حسان بن ثابت وكعب بن مالك وملأ منهم، فآويت إلى قريش وتكلمت الأنصار، فأطالوا الخطاب، وأكثروا الصواب، وتكلم أبو بكر رضى الله عنه فلله دره من رجل لا يطيل الكلام ويعلم مواضع فصل الخطاب، والله لقد تكلم لكلام لا يسمعه سامع إلا انقاد له ومال إليه، ثم تكلم عمر رضى الله عنه بعده دون كلامه، ومد يده وبايعوه، ورجع أبو بكر ورجعت معه.\rقال أبو ذؤيب: فشهدت الصلاة على محمد ﷺ وشهدت دفنه.\rثم أنشد أبو ذؤيب يبكى النبى ﷺ:\rلما رأيت الناس فى غسلاتهم ... ما بين ملحود له ومضرح\rمتبادلين لشرجع بأكفهم ... نص الرقاب لفقد أبيض أروح\rفهناك صرت إلى الهموم ومن بيت ... جار الهموم يبيت غير مروح\rكسفت لمصرعه النجوم وبدرها ... وتزعزعت آطام بطن الأبطح\rوتزعزعت أجيال يثرب كلها ... ونخيلها لحلول خطب مفدح\rولقد زجرت الطير قبل وفاته ... بمصابه وزجرت سعد الأذبح\rوذكر الزبير بن أبى بكر بإسناد له إلى هشام بن عروة: أن صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ قالت ترثى رسول الله ﷺ لما توفى:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084131,"book_id":3509,"shamela_page_id":694,"part":"2","page_num":65,"sequence_num":694,"body":"ألا يا رسول الله كنت رجاءنا ... وكنت بنا برا ولم تك جافيا\rوكنت رحيما هاديا ومعلما ... ليبك عليك اليوم من كان باكيا\rلعمرك ما أبكى النبى لفقده ... ولكن لما أخشى من الهرج آتيا\rكأن على قلبى لذكر محمد ... وما خفت من بعد النبى المكاويا\rأفاطم صلى الله رب محمد ... على جدث أمسى بيثرب ثاويا\rفدا لرسول الله أمى وخالتى ... وعمى وآباى ونفسى وماليا\rصدقت وبلغت الرسالة صادقا ... ومت صليب العود أبلج صافيا\rفلو أن رب الناس أبقى نبينا ... سعدنا ولكن أمره كان ماضيا\rعليك من الله السلام تحية ... وأدخلت جنات من العدن راضيا\rأرى حسنا أيتمته وتركته ... يبكى ويدعو جده اليوم نائيا\rوقال أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم «١» يبكى رسول الله ﷺ:\rأرقت فات ليلى لا يزول ... وليل أخى المصيبة فيه طول\rوأسعدنى البكاء وذاك فيما ... أصيب المسلمون به قليل\rلقد عظمت مصيبتنا وجلت ... عشية قيل قد قبض الرسول\rوأضحت أرضنا مما عراها ... تكاد بنا جوانبها تميل\rفقدنا الوحى والتنزيل فينا ... يروح به ويغدو جبرئيل\rوذاك أحق ما سالت عليه ... نفوس الناس أو كربت تسيل\rنبى كان يجلو الشك عنا ... بما يوحى إليه وما يقول\rويهدينا فلا نخشى ضلالا ... علينا والرسول لنا دليل\rأفاطم إن جزعت فذاك عذر ... وإن لم تجزعى ذاك السبيل\rفقبر أبيك سيد كل قبر ... وفيه سيد الناس الرسول\rولما بلغت عمرو بن العاص السهمى وفاة رسول الله ﷺ وهو يومئذ بعمان، قال يرثيه:\rأتانى ورحلى فى عمان مصيبة ... فبت بعين طرفها طرف أرمد\rغداة نعى الناس النبى محمدا ... فأعزز علينا بالنبى محمد\rفقدنا به وحى السماء ونعمة ... تروح علينا بالمراد وتغتدى\rوأوحش منه منبر كان زينة ... ومسجده وحش فيها خير مسجد","footnotes":"(١) انظر ترجمته فى: تجريد أسماء الصحابة (٢/ ١٧٣) ، الإصابة ترجمة رقم (١٠٠٢٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084132,"book_id":3509,"shamela_page_id":695,"part":"2","page_num":66,"sequence_num":695,"body":"فلو كنت يوما شاهدا لوفاته ... لمست ترابا من ضريحته يدى\rبإذن يراه أهله ومكيده ... أسود بها ما عشت يومى وفى غد\rكما نالها منه المغيرة خدعة ... وما أنا دون الطائفى الجفيدد\rيريد: المغيرة بن شعبة الثقفى، وكان يدعى أنه أحدث الناس عهدا برسول الله ﷺ ويقول: أخذت خاتمى فألقيته فى القبر، وقلت: إن خاتمى سقط منى، وإنما طرحته عمدا لأمس رسول الله ﷺ فأكون أحدث الناس عهدا به ﷺ.\rوكان على بن أبى طالب رضى الله عنه ينكر ذلك من قول المغيرة ويأباه، ويقول:\rأحدث الناس عهدا برسول الله ﷺ قثم بن عباس.\rوذكر وثيمة بن موسى أن عبد الله بن أنيس الجهنى «١» كان غائبا ببعض ضواحى المدينة، فلما انتهى إليه الخبر بوفاة رسول الله ﷺ أظلمت عليه الأرض، ثم قال: والله، لو أن ميتا رده قتل حى نفسه لقتلت نفسى، ولكن أفرغ إلى أمر الله، إنا لله وإنا إليه راجعون. ثم سأل الذى أخبره: هل استخلف رسول الله ﷺ رجلا بعينه؟ قال: لا والله.\rقال: الله اكبر، لو استخلفه هلكنا بمعصية. فهل اجتمع الناس على رجل؟ قال: أمر نبى الله ﷺ أبا بكر أن يصلى بالناس. قال: هى إعلام الإمامة، وليس كل من صلى بإمام. ما فعل على؟ قال: هو فى بيته. قال: لا يريدها يا ابن أخى، لها ثلاثة من قريش: على وأبو بكر وعمر، من ادعى منازلهم قصر دونهم. ما صنعت الأنصار؟ قال: اعتزلت، قال:\rكلا، طائف من الشيطان، لم يكن الله ليخذلهم مع ما سبق لهم، بت عندى الليلة فإنى عليل ولا أرانى إلا لما بى من هذه الصدمة، ولكن أبلغ عنى قريشا، فقال:\rنفا النوم ما لا تبتغيه الأصابع ... وخطب جليل للبلية جامع\rغداة نعى الناعى إلينا محمدا ... وتلك التى تستك منها المسامع\rفلو رد نفسا قتل نفس قتلتها ... ولكنه لا يدفع الموت دافع\rفآليت لا أبكى على هلك هالك ... من الناس ما أؤسى ثبير وفارغ","footnotes":"(١) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (٤٥٦٥) ، أسد الغابة ترجمة رقم (٢٨٢٧) ، الثقات (٣/ ٢٣٤) ، حلية الأولياء (٢/ ٥) ، حسن المحاضرة (١/ ٢١١) ، شذرات الذهب (١/ ٦٠) ، البداية والنهاية (٨/ ٥٧) ، تجريد أسماء الصحابة (١/ ٢٩٨) ، تهذيب التهذيب (٥/ ١٤٩) ، العبر (١/ ٥٩) ، الجرح والتعديل (٥/ ١) ، تلقيح فهوم أهل الأثر (٣٦٧) ، التاريخ الكبير (٣/ ١٤) ، تهذيب الكمال (٢/ ٦٦٦) ، الطبقات (١١٨) ، الكاشف (٢/ ٧٣) ، تقريب التهذيب (١/ ٤٠٢) ، الوافى بالوفيات (١٧/ ٧٦) ، الأنساب (٢/ ١٧٨) ، بقى بن مخلد (١١٣) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084133,"book_id":3509,"shamela_page_id":696,"part":"2","page_num":67,"sequence_num":696,"body":"ولكننى باك عليك ومتبع ... مصيبته إنى إلى الله راجع\rوقد قبض الله النبيين قبله ... وعادا أصيب بالورى والتتابع\rفإن مات فالإسلام حى وربنا ... لذا الدين مما كاده اليوم مانع\rفيا ليت شعرى من يقوم بأمرنا ... وهل لقريش يا إمام منازع\rثلاثة رهط من قريش هم هم ... أزمة هذا الأمر والله صانع\rعلى أو الصديق أو عمر لها ... وليس لها بعد الثلاثة رابع\rأولئك خير الحى فهر بن مالك ... وأول من تجنى عليه الأصابع\rأولئك إن قاموا به سلكوا بنا ... محجتنا العظمى وقل التنازع\rوكل قريش والذى أنا عبده ... على كل حال للثلاثة تابع\rفإن قال منا قائل غير هذه ... أبينا وقلنا الله راء وسامع\rفيا لقريش قلدوا الأمر بعضكم ... فإن ضجيع العجز للسن قارع\rولا تبطئوا عنها فواقا فإنها ... إذا قطعت لم تسر فيها المطامع\rقال: فانتهى الرجل إلى قريش وقد انطلق المهاجرون إلى الأنصار، وكان من أمرهم الذى كان، فرجع إلى عبد الله بن أنيس، فأخبره الخبر، ففرح بذلك.\rولأبى الهيثم بن التيهان الأنصارى فى نحو هذا المعنى شعر قاله وقد مر به أبو بكر الصديق رضى الله عنه قبل مبايعة الناس إياه، فشكى إليه وفاة رسول الله ﷺ فقال أبو الهيثم: وقد والله شمتت اليهودية والنصرانية، وبلغنى عن الناس أمر ساءنى، فرجع أبو الهيثم إلى منزله، فقال:\rألا قد أرى أن المنى لم تخلد ... لأن المنايا للنفوس بمرصد\rلقد جدعت أذاننا وأنوفنا ... غداة فجعنا بالنبى محمد\rتكلم أهل الشرك من بعد غلظة ... لغيبة هاد كان فينا ومهتدى\rثلاثة أصناف من الناس كلهم ... يروح علينا بالشنان ويغتدى\rنصارى يقولون الفرى ومنافق ... شبيه بذاك الشامت المتهود\rوأوعد كذاب اليمامة جهده ... فأجلب عودا باللسان وباليد\rفإن تك هذا اليوم منهم شماتة ... فلا يأمنوا ما يحدث الله فى غد\rوما نحن إن لم يجمع الله أمرنا ... بخير قريش كلها بعد أحمد\rبأمنع من شاء يقفر مطيرة ... بقيعة قاع أو ضباب بفدفد\rوإنى لأرجو أن يقوم بأمرنا ... على أو الصديق والمرء من عدى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084134,"book_id":3509,"shamela_page_id":697,"part":"2","page_num":68,"sequence_num":697,"body":"أولئك خيار الحى فهر بن مالك ... وأنصار هذا الدين من كل معتدى\rولما انتهت إلى همدان وفاة رسول الله ﷺ تكلمت سفاؤهم بما كرهت ظماؤهم، فقال عبد الله بن مالك الأرض، وكان من أصحاب رسول الله ﷺ له هجرة وفضل فى دينه، فاجتمعت إليه همدان، فقال:\rيا معشر همدان، إنكم لم تعبدوا محمدا، إنما عبدتم رب محمد، وهو الحى الذى لا يموت، غير أنكم أطعتم رسولكم بطاعة الله فدعاكم فأجبتموه، وهداكم فاتبعتموه، واعلموا أنه ولى نعمتكم فى دينكم ودنياكم، فأما دينكم فاستنقذكم الله به من النار، وأما دنياكم فاستنقذكم الله به من الرق، ولم يكن الله ليجمع صحابة رسوله على ضلال، وقد وعدهم أن يهديهم عندما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، فأطيعوا من اختاروا، وقدموا من قدموا، فى كلام غير هذا تكلم به على هذا المثال، ونسجه على هذا المنوال.\rوقال فى ذلك:\rلعمرى لئن مات النبى محمد ... لما مات يا ابن القيل رب محمد\rوما كان إلا مرسلا برسالة ... ليبلغها والحادثات بمرصد\rولما قضى من ذاك ما كان قاضيا ... ولم يبق شىء فيه إلحاد ملحد\rدعاه إليه ربه فأجابه ... فيا خير غورى ويا خير منجد\rوما نحن إلا مثل من كان قبلنا ... فريقين شتى كافر وموحد\rونحن على ما كان بالأمس بيننا ... من الدين نهدى من أراد فيهتدى\rثم قام ابن ذى مران، وكان من سادات همدان وملوكهم، فتكلم فيهم، فأطال نفس الكلام، وحرض على التمسك بالدين، وحمل على الطاعة للقائم بالأمر بعد رسول الله ﷺ ثم قال يرثيه ويتفجع للمصيبة فيه:\rإن حزنى على الرسول طويل ... ذاك منى على الرسول قليل\rقلت والموت يا إمام كريه ... ليتنى مت يوم مات الرسول\rليتنى لم أكن بقيت فواقا ... بعده والفواق منى طويل\rبكت الأرض والسماء عليه ... وبكاه خليله جبريل\rيا لها رحمة أصيب بها النا ... س تولت وحان منها الرحيل\rجدعت منهم الأنوف فللقل ... ب خفوق وللجفون همول\rليس للناس إمام من الأم ... ر فتيل وأين منك الفتيل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084135,"book_id":3509,"shamela_page_id":698,"part":"2","page_num":69,"sequence_num":698,"body":"إنما الأمر للذى خلق الخل ... ق وفى خلقه عليه دليل\rفى أبيات غير هذه يؤنس فيها المهاجر بن أبى أمية بن المغيرة، وكان أميرا عليهم من قبل رسول الله ﷺ بما عند قومه من حسن الطاعة له والقيام فى الحق معه.\rثم قام ابن ذى المشغار، وكان ملك أهل ناحيته، وكان متألها، فتكلم أيضا فى هذا النحو بكلام حسن، نظما ونثرا، فلما فرغ من مقالته أتاه مسروق بن الحارث القوال الأرحبى، فقال له:\rأيها الملك، إنه لا يعرف عندك فى قريش إلا رجل مثلى من قومك، أنا القوال ابن القوال، الفارس ابن الفارس، ابعثنى إلى خليفة رسول الله ﷺ، فأقوم مقاما شريفا أباهى به فيك الناس.\rفسرحه، فلما قدم مسروق على أبى بكر رضى الله عنه تهيأت له قريش، وقالوا:\rخطيب همدان وفتاها، فتكلم عندهم بكلام تركنا ذكره وذكر ما أنشد معه من الشعر، إذ ليس مناسبا لما نحن الآن بسبيله من ذكر مراثى رسول الله ﷺ فلما سمعت قريش شعره وخطبته، عجبت منه، وكان معه عبد الله بن سلمة الهمدانى، فقام فقال: يا معشر قريش، إنكم لم تصابوا بنبى الله ﷺ دون سائر العرب، لأنه لم يكن لأحد دون أحد، وأيم الله، لا أدرى أى الرجلين أشد حزنا عليه، وأعظم مصابا به، من عاينه فغاب عنه عيانه، أو من أشرف على رؤيته، فلم يره؟ غير أنا معترفون للمهاجرين بفضل هجرتهم، وللأنصار بفضل نصرتهم، والتابع ناصر، والمؤمن مهاجر فى كلام غير هذا صدر عن قلب مؤمن، وجأش به خاطر شديد، فأثنى عليه أبو بكر خيرا، وحمدته قريش، وكان سيدا، فقال:\rإن فقد النبى جدعنا اليو ... م فدته الأسماع والأبصار\rوفدته النفوس ليس من المو ... ت فرار وأين أين الفرار\rما أصيبت به الغداة قريش ... لا ولا أفردت به الأنصار\rدون من وجه الصلاة إلى الل ... هـ وقد هنئت به الكفار\rورجال منافقون شمات ... ويوم واروه كفرهم إسرار\rمن بكته السماء تسعدها الأر ... ض وبكت بعد القفار البحار\rوسرافيل قد بكاه وجبري ... ل وميكال والملأ الطهار\rيا لها كلمة يضيق بها الحل ... ق أتانا بنقلها السفار","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084136,"book_id":3509,"shamela_page_id":699,"part":"2","page_num":70,"sequence_num":699,"body":"قيل مات النبى فانصدع القل ... ب وشابت من هولها الأشعار\rفعليه السلام ما هبت الري ... ح ومدت جنح الدجى أنوار\rوقال سواد بن قارب الدوسى «١» ، وهو الذى كان كاهنا فأسلم فحسن إسلامه بإرشاد ربه إياه إلى ذلك حسب ما تقدم صدر كتابنا هذا من خبره يبكى النبى ﷺ لما بلغت أسد السراة وفاته، وبعد أن قام فيهم مقاما محمودا، يثبتهم فى الدين، ويحذرهم سوء عاقبة الارتداد، وكان قد سادهم وشرف فيهم، فأجابوه إلى ما أراد، وقبلوا رأيه، وقال:\rجلت مصيبتك الغداة سواد ... وأرى المصيبة بعدها ترداد\rأبقى لنا فقد النبى محمد ... صلى الإله عليه ما يعتاد\rحزنا لعمرك فى الفؤاد مخامرا ... أو هل لمن فقد النبى فؤاد\rكنا نحل به جنابا ممرعا ... خف الجناب فأجدب الرواد\rفبكت عليه أرضنا وسماؤنا ... وتصدعت وجدا به الأكباد\rقل المتاع به وكان عيانه ... حلما تضمن سكريته رقاد\rكان العيان هو الطريف وحزنه ... باق لعمرك فى النفوس تلاد\rإن النبى وفاته كحياته ... والحق حق والجهاد جهاد\rلو قيل تفدون النبى محمدا ... بذلت له الأموال والأولاد\rوتسارعت فيها النفوس لبذلها ... هذا له الأغياب والأشهاد\rهذا وهذا لا يرد نبينا ... لو كان يفديه فداء سواد\rوقال عبد الحارث بن أسد بن الريان من أهل نجران يبكى النبى ﷺ لما بلغتهم وفاته، بعد قيامه فيهم أحمد مقام، يحرضهم على التمسك بالدين والثبوت على الإسلام، ويذكرهم نعمة الله عليهم، بالدخول فيه واللحاق بمن هاجر إليه، ويقول لهم فيما قال:\rإنما كان نبى الله ﷺ بين أظهركم عارية، فأتى عليه أجله، وبقى الكتاب الذى كان يحكم به، ويحكم عليه، فأمره أمر ونهيه نهى إلى يوم القيامة، وقد سهل لكم الطريق فاسلكوه، ولا بد من جولة، فكونوا فيها ذوى إناة، وقد اختار القوم لأنفسهم رجلا لا يألوهم خيرا، فأطيعوا قريشا ما أطاعوا الله، فإذا عصوه فاعصوهم، فإنه لا ينبغى لآخرنا أن يملك","footnotes":"(١) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (٣٥٩٦) ، أسد الغابة ترجمة رقم (٢٣٣٤) ، الثقات (٣/ ١٧٩) ، تجريد أسماء الصحابة (١/ ٢٤٨) ، الوافى بالوفيات (١٦/ ٣٥) ، التاريخ الكبير (٤/ ٢٠٢) ، الأعلام (٣/ ١٤٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084137,"book_id":3509,"shamela_page_id":700,"part":"2","page_num":71,"sequence_num":700,"body":"إلا بما ملك به أولنا، وهى النبوة، فميراثها منها فى كلام غير هذا حسن أبلى به عذرا، وبالغ لقومه نصحا.\rوقال:\rلعمرى لئن كان النبى محمد ... ﵇ الله أودى به القدر\rلقد كسفت شمس النهار لفقده ... وبكت عليه الأرض وانكسف القمر\rوبكته آفاق السماء وما لها ... وللأرض شجو غير ذاك ولا عبر\rولو قيل تفدون النبى محمدا ... لقلنا نعم بالنفس والسمع والبصر\rوقل له منا الفداء وهذه ... وإن بذلت لا يسترد بها بشر\rفإن يك وافاه الحمام فدينه ... على كل دين خالف الحق قد ظهر\rونحن بحمد الله هامة مذحج ... بنو الحارث الخير الذين هم الغرر\rبنجران نعطى من سعى صدقاتنا ... موفرة ما فى الخدود لها صعر\rونحن على دين النبى نرى الذى ... نهانا حراما منه والأمر ما أمر\rأحاذر إن لم يدفع الله جولة ... مجدعة يبيض من هولها الشعر\rيحين فيها الله من خف حلمه ... ويسعد فيها ذو الأناة بما صبر\rنطيع قريشا ما أطاعوا فإن عصوا ... أبينا ولم نشر السلامة بالغرر\rوكان لهذا الأمر منهم ثلاثة ... على أو الصديق أو ثالث عمر\rفلم يخطئوا إذا سددوها لبعضهم ... هم ما هم كل لإرعاده مطر\rوأمثال هذه المقالات نثرا ونظما لرجال من سادات العرب وأشراف القبائل بعد وفاة رسول الله ﷺ كثير، قاموا بها فى قومهم يحذرونهم من الفتنة، ويحرضونهم على التمسك بالطاعة لمن قام بالأمر.\rوقد ذكر المؤلفون فى الردة كثيرا منها، وهى بذلك الباب أخص، وإنما تخيرت هنا منا ما يتعلق نظمه بباب الرثاء، ويبعث فى حق المصطفى على التفجع والبكاء، حشدا على الداهية الدهياء، واستعانة على الحادثة النكراء، وعظيم المصيبة بوفاة من حق فى حقه بكاء الأرض والسماء، وقل لفقده أن تسح المدامع عوض الدموع بالدماء:\rهو الرزء الذى ابتدأ الرزايا ... وقال لأعين الثقلين جودى\rوقال حسان بن ثابت الأنصارى «١» يبكى رسول الله ﷺ:","footnotes":"(١) انظر: السيرة (٤/ ٢٩٢) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084138,"book_id":3509,"shamela_page_id":701,"part":"2","page_num":72,"sequence_num":701,"body":"بطيبة رسم للرسول ومعهد ... منير وقد تعفو الرسوم وتهمد\r«١»\rولا تمتحى الآيات من دار حرمة ... بها منبر الهادى الذى كان يصعد\rوواضح آثار وباقى معالم ... وربع له فيه مصلى ومسجد\rبها حجرات كان ينزل وسطها ... من الله نور يستضاء ويوفد\rمعارف لم تطمس على العهد أيها ... أتاها البلى فالآى منها تجدد\rعرفت بها رسم الرسول وعهده ... وقبرا بها واراه فى التراب ملحد\rظللت بها أبكى الرسول فأسعدت ... عيون ومثلاها من الجفن تسعد\rيذكون ألاء الرسول وما أرى ... لها محصيا نفسى فنفسى تبلد «٢»\rمفجعة قد شفها فقد أحمد ... فظلت لآلاء الرسول تعدد «٣»\rوما بلغت من كل أمر عشيره ... ولكن لنفسى بعد ما قد توجد «٤»\rاطالت وقوفا تذرف العين جهدها ... على طلل القبر الذى فيه أحمد\rفبوركت يا قبر الرسول وبوركت ... بلاد ثوى فيها الرشيد المسدد\rوبورك لحد منك ضمن طيبا ... عليه بناء من صفيح منضد «٥»\rتهيل عليه الترب أيد واعين ... عليه وقد غارت بذلك أسعد\rلقد غيبوا حلما وعلما ورحمة ... عشية علوه الثرى لا يوسد\rوراحوا بحزن ليس فيهم نبيهم ... وقد وهنت منهم ظهور وأعضد\rيبكون من تبكى السموات يومه ... ومن قد بكته الآرض فالناس أكمد\rوهل عدلت يوما رزية هالك ... رزية يوم مات فيه محمد\rتقطع فيه منزل الوحى عنهم ... وقد كان ذا نور يغور وينجد «٦»\rيدل على الرحمن من يقتدى به ... وينفذ من هول الخزايا ويرشد\rإمام لهم يهديهم الحق جاهدا ... معلم صدق أن يطيعوا ويسعدوا","footnotes":"(١) طيبة: اسم مدينة النبى. والرسم: ما بقى من آثار الدار. وتعفو: أى تدرس وتتغير. وتهمد: أى تبلى.\r(٢) تسعد: أى تعين.\r(٣) شفها: أى أضعفها.\r(٤) العشير: أى العشر. وتوجد: من الوجد، وهو الحزن.\r(٥) الصفيح: الحجارة العريضة. والمنضد: الذى جعل بعضه على بعض.\r(٦) يغور: أى يبلغ الغور، وهو المنخفض من الأرض. وينجد: أى يبلغ النجد، وهو المرتفع من الأرض.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084139,"book_id":3509,"shamela_page_id":702,"part":"2","page_num":73,"sequence_num":702,"body":"عفو عن الزلات يقبل عذرهم ... وإن يحسنوا فالله بالخير أجود\rوإن ناب أمر لم يقوموا بحمله ... فمن عنده تيسير ما يتشدد\rفبينا هم من نعمة الله وسطهم ... دليل به نهج الطريق يقصد\rعزيز عليه أن يجوروا عن الهدى ... حريص على أن يستقيموا ويهتدوا\rعطوف عليهم لا يثنى جناحه ... إلى كتف يحنو عليهم ويمهد «٧»\rفبينا هم فى ذلك النور إذ غدا ... إلى نورهم سهم من الموت مقصد\rفأصبح محمودا إلى الله راجعا ... يبكيه جن المرسلات ويحمد\rوأمست بلاد الحرم وحشا بقاعها ... لغيبة ما كانت من الوحى تعهد\rقفارا سوى معمورة اللحد ضافها ... فقيد نبكيه بلاط وغرقد\rومسجده فالموحشات لفقده ... خلاء له فيها مقام ومقعد\rوبالجمرة الكبرى له ثم أوحشت ... ديار وعرصات وربع ومولد\rفبكى رسول الله يا عين عبرة ... ولا أعرفنك الدهر دمعك يجمد\rومالك لا تبكين ذا النعمة التى ... على الناس منها سابغ يتغمد\rفجودى عليه بالدموع وأعولى ... لفقد الذى لا مثله الدهر يوجد\rوما فقد الماضون مثل محمد ... ولا مثله حتى القيامة يفقد\rأعف وأوفى ذمة بعد ذمة ... وأقرب منه نائلا لا ينكد\rوأبذل منه للطريف وتالدا ... إذا ضن معطاء بما كان يتلد «٨»\rوأكرم صيتا فى البيوت إذا انتهى ... وأكرم جدا أبطحيا يسود «٩»\rوأمنع ذروات وأثبت فى العلا ... دعائم عز شاهقات تشيد\rوأثبت فرعا فى الفروع ومنبتا ... وعودا غذاه المزن فالعود أغيد\rرباه وليدا فاستتم تمامه ... على أكرم الخيرات رب ممجد\rتناهت وصاة المسلمين بكفه ... فلا العلم محبوس ولا الرأى يفند\rأقول ولا يلقى لما قلت عائب ... من الناس إلا عازب العقل مبعد «١٠»\rوليس هواى نازعا عن ثنائه ... لعلى به فى جنة الخلد أخلد","footnotes":"(٧) الكنف: أى الجانب والناحية.\r(٨) الطريف: المال المستحدث. والتالد: المال القديم الموروث. وضن: أى بخل. ويتلد: أى يكتسب قديما.\r(٩) الصيت: أى الذكر الحسن. والأبطحى: المنسوب إلى أبطح مكة، وهو موضع سهل متسع.\r(١٠) عازب العقل: بعيد العقل غائبه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084140,"book_id":3509,"shamela_page_id":703,"part":"2","page_num":74,"sequence_num":703,"body":"مع المصطفى أرجو بذاك جواره ... وفى نيل ذاك اليوم أسعى وأجهد\rوقال حسان بن ثابت «١» يبكى رسول الله ﷺ.\rما بال عينك لا تنام كأنما ... كحلت مآقيها بكحل الأرمد\rجزعا على المهدى أصبح ثاويا ... يا خير من وطئ الحصى لا تبعد\rوجهى يقيك الترب لهفا ليتنى ... غيبت قبلك فى بقيع الغرقد\rبأبى وأمى من شهدت وفاته ... فى يوم الاثنين النبى المهتدى\rفظللت بعد وفاته متبلدا ... متلدا يا ليتنى لم أولد\rأأقيم بعدك فى المدينة بينهم ... يا ليتنى صبحت سم الأسود\rأو حل أمر الله فينا عاجلا ... فى روحة من يومنا أو من غد\rفتقوم ساعتنا فنلقى طيبا ... محضا ضرائبه كريم المحتد\rيا بكر آمنة المبارك ذكرها ... ولدته محصنة الأسعد\rنورا أضاء على البرية كلها ... من يهد للنور المبارك يهتدى\rيا رب فاجمعنا معا ونبينا ... فى جنة تبنى عيون الحسد\rفى جنة الفردوس فاكتبها لنا ... يا ذا الجلال وذا العلا والسؤدد\rوالله أسمع ما بقيت بهالك ... إلا بكيت على النبى محمد\rيا ويح أنصار النبى ورهطه ... بعد المغيب فى سواء الملحد\rضاقت بالانصار البلاد فأصبحوا ... سودا وجوههم كلون الأثمد\rولقد ولدناه وفينا قبره ... وفضول نعمته بنا لم تجحد\rوالله أكرمنا به وهدى به ... أنصاره فى كل ساعة مشهد\rصلى الإله ومن يحف بعرشه ... والطيبون على المبارك أحمد\rوقال حسان بن ثابت «٢» أيضا يبكى رسول الله ﷺ:\rنب المساكين أن الخير فارقهم ... مع النبى تولى عنهم سحرا\rمن ذا الذى عنده رحلى وراحلتى ... ورزق أهلى إذا لم يؤنسوا المطرا\rأم من نعاتب لا نخشى جنادعه ... إذا اللسان عتا فى القول أو عثرا\rكان الضياء وكان النور نتبعه ... بعد الإله وكان السمع والبصرا\rيا ليتنا يوم واروه بملحده ... وغيبوه وألقوا فوقه المدارا","footnotes":"(١) انظر: السيرة (٤/ ٢٩٥) .\r(٢) انظر: السيرة (٤/ ٢٩٦) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084141,"book_id":3509,"shamela_page_id":704,"part":"2","page_num":75,"sequence_num":704,"body":"لم يترك الله منا بعده أحدا ... ولم يعش بعده أنثى ولا ذكرا\rذلت رقاب بنى النجار كلهم ... وكان أمرا من أمر الله قد قدرا\rواقتسم الفىء دون الناس كلهم ... وبددوه جهارا بينهم هدرا\rوقال حسان بن ثابت أيضا يبكى رسول الله ﷺ:\rآليت ما فى جميع الناس مجتهدا ... منى ألية بر غير إفناد «١»\rتالله ما حملت أنثى ولا وضعت ... مثل الرسول نبى الأمة الهادى\rولا برا الله خلقا من بريته ... أو فى بذمة جار أو بميعاد\rمن ذا الذى كان فينا يستضاء به ... مبارك الأمر ذا عدل وإرشاد\rأمسى نساؤك عطلن البيوت فما ... يضربن فوق قفا ستر بأوتاد\rمثل الرواهب يلبسن المباذل قد ... أيقن بالبؤس بعد النعمة الباد\r«٢»\rيا أفضل الناس إنى كنت فى نهر ... أصبحت منه كمثل المفرد الصادى «٣»\rوقال كعب بن مالك الأنصارى من كلمة يبكى رسول الله ﷺ:\rوباكية حرى تحرق بالبكا ... وتلطم منها خدها والمقلدا\rعلى هالك بعد النبى محمد ... ولو عدلت لم تبك إلا محمدا\rفلست بباك بعد فقد محمد ... فقيدا وإن كان القريب المسودا\rفجعنا بخير الناس حيا وميتا ... وأدناه من أهل السموات مقعدا\rوأعظمه فقدا على كل مسلم ... وأكرمه فى الناس كلهم يدا\rمتى تنزل الأملاك بالوحى بعده ... علينا إذ ما اللبس فينا ترددا\rإذا كان منه القول كان موفقا ... وإن كان وحيا كان نورا مجددا\rجزى الله عنا ربنا خير ما جزى ... نبى الهدى الداعى إلى الحق أحمدا\rوقال عمرو بن سالم الخزاعى يبكى رسول الله ﷺ:\rلعمرى لئن جادت لك العين بالبكا ... لمحقوقة أن تستهل وتدمعا\rفيا حفص إن الأمر جل عن البكا ... غداة نعى الناعى النبى فأسمعا\rفلم أر يوما كان أعظم حادثا ... ولم أر يوما كان أكثر موجعا","footnotes":"(١) الألية: اليمين والحلف. والإفناد: العيب والخطأ.\r(٢) المباذل: الأثواب التى تستعمل يوميا، أو الأثواب الخلقة.\r(٣) الصادى: العاطش أو الشديد العطش.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084142,"book_id":3509,"shamela_page_id":705,"part":"2","page_num":76,"sequence_num":705,"body":"ولم أر من يوم أعم مصيبة ... ولا ليلة كانت أمر وأفظعا\rتعزى بصبر واذكرى الله واعلمى ... بأن سوف يجزى كل ساع بما سعى\rولا تزرئى محض الحياء فتفجعى ... بدينك والدنيا فتزريهما معا\rفإن يك قد مات النبى فبعدما ... نعى نفسه بدآ وعودا فأسمعا\rإذا ذكرت نفسى فراق محمد ... تهيج حزنى والفؤاد تقطعا\rفيالك نفسا لا يزال يزيدها ... على الدهر طول الدهر إلا تصدعا\rجزى منك رب الناس أفضل ما جزى ... نبيا هدانا ثم ولى مودعا\rفو الله لا أنساك ما دمت ذاكرا ... لشىء وما قلبت كفا وإصبعا\rوقد أكثر الشعراء فى تأبينه صلوات الله عليه قديما وحديثا، وقضوا من التفجيع عليه حقا، لا ينبغى أن يكون عهده نكيشا، ولم يمنعهم تقادم الأيام وتطاول الأعوام من تجديد البكاء عليه، ومزيد الحنين إليه، وبحق ما يكون ذلك، فهو الرزء الذى حقه أن ينسى جميع الأرزاء، والحادث الجلل الذى يقبح معه حسن العزاء، وطواعية الأسف عليه دائما من أعدل الشهادات بالإخلاص لمن قام بها واستقام بالنية والقول على سواء مذهبها، جعلنا الله ممن أحبه حقا، وكتبنا فيمن غدا لشفاعته المشفعة مستحقا.\rفمن ذلك ما وقفت عليه لأبى إسحاق إسماعيل بن القاسم الغزى الكوفى، المعروف بأبى العتاهية من كلمة:\rعلى رسول الله منى السلام ... ما كان إلا رحمة للأنام\rأحيى به الله قلوبا كما ... أحيى موات الأرض صوب الغمام\rأكرم به للخلق من مبلغ ... هاد وللناس به من إمام\rوأصبح الحق به قائما ... وأصبح الباطل دحض المقام\rوقال إسماعيل بن القاسم أيضا من كلمة أخرى:\rليبك رسول الله من كان باكيا ... ولا تنس قبرا بالمدينة ساويا\rجزى الله عنا كل خير محمدا ... فقد كان مهديا دليلا هاديا\rلمن تبتغى الذكرى لما هو أهله ... إذا كنت للبر المطهر ناسيا\rأتنسى رسول الله أفضل من مشى ... وآثاره بالمسجدين كما هيا\rوكان أبر الناس بالناس كلهم ... وأكرمهم بيتا وشعبا وواديا\rتكدر من بعد النبى محمد ... عليه سلام الله ما كان صافيا\rفكم من منار كان أوضحه لنا ... ومن علم أمسى وأصبح عافيا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084143,"book_id":3509,"shamela_page_id":706,"part":"2","page_num":77,"sequence_num":706,"body":"ركنا إلى الدنيا الدنية بعده ... وكشفت الأطماع منا المساويا\rوإنا لنرمى كل يوم بعبرة ... نراها فما نزداد إلا تعاميا\rكأنا خلقنا للبقاء وأينا ... وإن مدت الدنيا له ليس فانيا\rأبى الموت إلا أن يكون لمن ترى ... من الخلق طرا حيث ما كان لاقيا\rحسمت المنى يا موت حسما مبرحا ... وعلمت يا موت البكاء البواكيا\rومزقتنا يا موت كل ممزق ... وعرفتنا يا موت منك الدواهيا\rولأبى عبد الله محمد بن أبى الخصال الغافقى الأندلسى، ومكانه من متانة العلم والدين وصدق المقالة وصحة اليقين المكان الذى يلحقه بأقرانه من العلماء المتقنين، قصائد يرثى بها النبى ﷺ وعلى آله أجمعين يساجل بها شاعره حسان بن ثابت فى قصائده المتقدمة صوتا بصوت، وكلمة بكلمة، أخبرنا بها وبسائر كلامه نثره ونظمه غير واحد من أشياخنا ﵏ عنه فمن ذلك قوله يعارض حسان فى قصيدته الأولى ويمشى فى التفجع والتوجع على طريقته المثلى:\rبطيبة آثار تحج وتقصد ... ودار بها الله نور مخلد\rومهبط جبريل بوحى وحكمة ... يبينها للعالمين محمد\rومظهر آيات كأن رسومها ... على ما محى منها البلى يتجدد\rوفى مسجد التقوى تأرخ روضة ... عليها من الفردوس كل ممدد\rيفاوحها طيب الجنان وتربة ... تبوءها من جنة الخلد أحمد\rومنبره الأعلى على ذروة التقى ... وجذع له فيه حنين مردد\rومولد إبراهيم حيث تمخضت ... به أمه مثوى كريم ومولد\rوموقعه من نفسه واختياره ... له اسم خليل الله فخر مشيد\rوإعلانه بالحزن تدمع عينه ... له رحمة والنفس ترقى وتصعد\rومبنى على والهدى يألف الهدى ... بفاطمة نور بنور يقيد\rومولد سبطيه وريحان قلبه ... مكانهما من عاتقيه ممهد\rوحيث ارتقت منها إمامة مرتقى ... يقوم بها جبالها ثم يسجد\rوحيث بنى بالطيبات نسائه ... بعصمته الوثقى وجبريل يشهد\rومتلى كتاب الله فى حجراتها ... يقمن به فى الليل والناس هجد\rوتمت لأصحاب الكساء طهارة ... من الله يحييها الكتاب المؤيد\rمعاهد إيمان تألق نورها ... ففى كل أفق جذوة تتوقد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084144,"book_id":3509,"shamela_page_id":707,"part":"2","page_num":78,"sequence_num":707,"body":"وكانت أمانا ثم عادت مخافة ... فزائرها فوق الردى يتوسد\rفيا أيها الدار التى حق أهلها ... على الناس طرا دائم ليس ينفد\rلقد درست منك المغانى وأوحشت ... وكان إليها الدين يأوى ويصمد\rذكرتك ذكرى من يهيم فؤاده ... بقربك لكنى عن القرب مبعد\rومثلت لى فى بهجة الدين والتقى ... وأمر رسول الله يعلو ويمهد\rوإذا برقت نورا أسارير وجهه ... فزحزح قطع الليل والليل أسود\rوألقت إليه الأرض أفلاذها التى ... تحل بها عقم الأمور وتعقد\rوغزو تبوك ثم حج وداعه ... ولم يبق تبين ولم يبق مشهد\rومثلت لى والمسلمون بشكوه ... فرائصهم من روعة البيت ترعد\rوقد جلل الدنيا ظلام مطبق ... يخال به ليل على الناس سرمد\rفما راعهم إلا وفاة رسولهم ... وكل يرى أن الرسول يخلد\rوقد ذهلوا أن التى يقرونها ... إذا جاء نصر الله للموت مرصد\rوودع جبريل وداع مفارق ... ولا عود يستثنى ولا وحى يعهد\rوأم أبيها مسبلات دموعها ... كما انحل من سلك فريد مبدد\rفأودعها سرا بكت من نجيه ... وثنى بسر فانثنت تتجلد\rوقد أعلنت عند الرسول بكربها ... لكرب أبيها وهو بالموت يجهد\rفقال لها كفى دموعك واصبرى ... فما بعد هذا اليوم كرب يعدد\rوبشرها من قرب ملحقها له ... ببشرى حديث صادق لا يفند\rفيا من رأى حيا يعزى بموته ... فيرضى كأن الموت خلد مؤيد\rفرارا عن الدنيا إلى قرب ربها ... وشجا عليها من حياة تنكد\rولطفا من الله العظيم بصونها ... وباب الرزايا المستكنات مرصد\rولو أنها امتدت طويلا حياتها ... لشرد عنها النوم ليل مسهد\rوغصت على قرب بثكل ابن عمها ... وفقد شهيد حزنه ليس يفقد\rأقام كتاب الله فى كل مارق ... يقر به فى زعمه وهو يجحد\rفقيض أشقى الناس يدنى سعادة ... لمن هو بالإيمان أولى وأسعد\rوكيف بها والله يأبى هوانها ... لمصرع سبط أول وهو مقصد\rوقد جرعته حتفه كف جعدة ... بمكرع سم مجه فيه أسود\rولو حدثت عن كربلاء لأبصرت ... حسينا فتاها وهو شلو مقدد\rوثانى سبطى أحمد جعجعت به ... عتاة جفاة وهو فى الأرض أوحد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084145,"book_id":3509,"shamela_page_id":708,"part":"2","page_num":79,"sequence_num":708,"body":"ولم يرقبوا إلا لآل محمد ... ولم يذكروا أن القيامة موعد\rوأن عليهم فى الكتاب مودة ... لقرباه لا ينحاش عنها موحد\rفيا سرع ما ارتدوا وصدوا عن الهدى ... ومالوا عن البيت الذى بهم هدوا\rفحل عن برد الفرات عطاشهم ... وروى منهم ذابل ومهند\rفيا أوجها شاهت وناهت عن الهدى ... أهذا التحفى منكم والتردد\rوترتم رسول الله فى ذبح سبطه ... وبؤتم بنار حرها ليس يبرد\rفما لكم عند الشفيع شفاعة ... ولا لكم فى كوثر الحوض مورد\rلعمرى لقد غادرتم كل مؤمن ... على مضض برح يقوم ويقعد\rونغصتم المحيى وأرضيتم العدى ... فأنتم لغير الله جند وأعبد\rفيا كبدى إن أنت لم تتصدعى ... فأنت من الصفوان أقسى وأجلد\rويا عبرتى إن لم تفيضى عليهم ... فنفسى أسخى بالحياة وأجود\rأتنتهب الأيام أفلاذ أحمد ... وأفلاذ من عاداهم تتودد\rويضحى ويظمى أحمد وبناته ... وبنت زياد وردها لا يصرد\rأفى دينه فى أمنه فى بلاده ... تضيق عليهم فسحة تتورد\rوما الدين إلا دين جدهم الذى ... به أصدروا فى العالمين وأوردوا\rينام النصارى واليهود بأمنهم ... ونومهم بالخوف نوم مشرد\rوما هى إلا ردة جاهلية ... وحقد قديم بالحديث يؤكد\rألهفى على سبطى هدى ونبوة ... جرى لها يوم من الشر أنكد\rشهيدين متبوعين من كل مؤمن ... بكل صلاة برة تتعهد\rفهذا أذابت سورة السم كبده ... وهذا أبادته قسى تكبد\rفما عذر أهل الأرض والقسط قائم ... وكلهم فى موقف الفصل شهد\rأيفعل هذا بابن بنت نبيكم ... وليس لكم فى النصر يوم ولا غد\rأبى الله إلا أن فى النفس حسرة ... بغصتها أضحى وأمسى وأرقد\rإلى أن يقيد الله من كل واتر ... على أن كفؤا مقنعا ليس يوجد\rوأى دم يوفى دم ابن محمد ... حسين وأمسى وهو سبط موحد\rفيا خاتم الأسباط إن تحيتى ... تؤمك من أرض بعيد وتقصد\rمثقلة بالدمع شوقا ولوعة ... على زفرة من حرها أتأود\rويا أسوة للمؤمنين كريمة ... يلين عليها الحادق المتشدد\rفمن ينكر البلوى وأنت بكربلا ... لذى البث والشكوى إمام مقلد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084146,"book_id":3509,"shamela_page_id":709,"part":"2","page_num":80,"sequence_num":709,"body":"فإن تجهل الدنيا عليك وأهلها ... فإنك فى أهل السماء ممجد\rأبوك شفيع الناس وهو الذى له ... مقام كريم فى البرية يحمد\rومشرعة الحوض الروى بكفه ... تزاد رجال عندها وتطرد\rوممن يذود الله عنه عصابة ... بقتلك فى طغيانها تتحمد\rوذنبهم فى قتلك الذنب كله ... فما لهم إلا الجحيم تغمد\rوهل كنت إلا مثل عمك جعفر ... قتيلا بكفار بذى العرش ألحدوا\rوإلا كليث الله جدك حمزة ... وحربة وحشى إليه تسدد\rوما منهم إلا غريق شهادة ... حياتهم موصولة حين تنفد\rومثل أبى حفص وعثمان بعده ... ومثل على وهو للحق سيد\rدماؤهم مسك ذكى وأجرهم ... على الله لا يحصى ولا يتحدد\rأقول ببث مستكن وظاهر ... مضاضته عن حبكم تتولد\rوما سرنى أنى خلى من الهوى ... هوى هو فى حم يتلى ويسند\rسريرة حب يوم تتلى سرائرى ... يقوم بها عنى الصفيح المنضد\rسلام على تلك المعاهد إنها ... لآل رسول الله طهر ومسجد\rفيا رب وفدنى إليها مسلما ... ويا طيب مسرى من إليها يوفد\rأفض بها دمعى وأنقع غلتى ... وأتهم فى ربع الرسول وأنجد\rوأدعو إلى الرحمن دعوة تائب ... إلى عفوه من طيبه يتزود\rوأسموا إلى البيت العتيق بفرضه ... فكل به من ذنبه يتجرد\rولست على قبر الرسول بمؤثر ... ليحشر من ذاك البقيع محمد\rفيا رب حقق نيتى ومنيتى ... هنالك والأرواح جند مجند\rوقال أيضا يعارض حسان فى كلمته الثانية التى أولها:\rما بال عينك لا تنام كأنما............... ......\rبهذه الكلمة المرسومة بعد:\rهل يجمعن صباح يوم أو غد ... بينى وبين القبر قبر محمد\rحتى أروى ناظرى من عبرتى ... ويقر عينى طيب ذاك المشهد\rوأقبل الأرض التى حملت به ... نورا يجلى كل جنح أسود\rوأعظم البلد الذى رأسى به ... طود النبوة ثابتا بالأسعد\rأشكو إلى جبل تضمن حبه ... حبا أضاق تصبرى وتجلدى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084147,"book_id":3509,"shamela_page_id":710,"part":"2","page_num":81,"sequence_num":710,"body":"وأبلغ القلب المروع أمانه ... وأقول للنفس التى ظمئت ردى\rوأهش للأفق المبارك جوه ... متجددا من نوره المتجدد\rوأسح فى أبيات آل محمد ... دمعا كنظم اللؤلؤ المتبدد\rوالله يعلم أن آل رسوله ... آل تمكن حبهم فى محتدى\rوبكربتى منهم أبوح وأنطوى ... وبحسرتى فيهم أروح وأغتدى\rقف بالمنازل سائلا عن أهلها ... أين الرسالة والرسول المهتدى\rأين الصواحب والصحابة حوله ... إذ بايعوه بالقلوب وباليد\rأين الذين بسبقهم عز الهدى ... وعلت على الأديان ملة أحمد\rأين الذين لعتبة ولشيبة ... وإلى الوليد سموا بكل مهند\rأين الذين بيوم أحد صرعوا ... ما بين مثنى فى الإله وموحد\rأين الذين بمؤتة وجلادها ... ماتوا كراما كالليوث الحرد\rأين الثمانية الذين بصبرهم ... تابت بأوطاس بصائر من هدى\rيا مسجد التقوى غدوت بفضلهم ... ومكانهم فى الدين أفضل مسجد\rوبقيت بعدهم مثابة رحمة ... فى غربة المستوحش المتفرد\rتبكى على خير البرية كلها ... بدموع كل مصدق وموحد\rفقد السماء كما فقدت نديهم ... ونحيبهم فى مهبط أو مصعد\rوتفرد الرحمن بالغيث الذى ... كان الرسول بوحيه عبق الند\rولقد أقام الدين من خلفائه ... أصهاره كل بأحمد يقتدى\rوأتتك بعدهم الملوك فمصلح ... يضع الأمانة عند آخر مفسد\rيا بيت عائشة المجن ثلاثة ... تطموا به نظم الطراز الأوحد\rمثوى النبى وصاحبيه وفسحة ... عيسى ابن مريم حازها بالموعد\rبوركت من بيت يضم رسالة ... ونبوة وخلافة فى ملحد\rمنى إليك تحية يهفو بها ... قلب بذكرهم وحلهم ند\rصلى الإله وأرضه وسماؤه ... والعالمون على النبى المقتدى\rبالأنبياء المهتدى بهداهم ... رشدا تبين فى الكتاب المرشد\rوقال أبو عبد الله أيضا يعارض حسان فى كلمته الثالثة التى أولها:\rنب المساكين أن الخير فارقهم............... .......\rبهذه الكلمة المرسومة:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084148,"book_id":3509,"shamela_page_id":711,"part":"2","page_num":82,"sequence_num":711,"body":"هون عليك من الأرزاء ما خطرا ... بعد الرسول ولا تعدل به خطرا\rواذكره فى كل محذور تغص به ... تلقى المصاب به قد هون الحذرا\rأبعد أحمد يستقرى مضاجعه ... فودع البيت والأركان والحجرا\rمستقبلا طيبة والله ينقله ... إلى رضاه فلما يعد أن صدرا\rثم استعز به شكو يعالجه ... يغشى بسورته الأبيات والحجرا\rحتى انتهى دوره فى بيت عائشة ... فى نومها يتبع الأنفاس والأثرا\rفمال فى حجرها طلقا أسرته ... غض البشاشة إلا اللمح والنظرا\rفأذهل الناس طرا عن حياتهم ... موت الرسول ومنهم من نفى الخبرا\rفياله من نظام بات فى قلق ... لولا أبو بكر الصديق لانتثرا\rإن كنت معتبرا فانظر تقلله ... والأرض تبر ودين الله قد ظهرا\rلم يرض منها سوى قبر تضمنه ... كان الفراش له فى نومه مدرا\rيا قبر أحمد هل من زورة أمم ... قبل الحمام تسر السمع والبصرا\rوهل إلى طيبة ممشى يقربها ... يا طيبة إن تأتى يومه سفرا\rفتنشق النفس فى أرجائها أرجا ... يشفى السقام وينفى الذنب والضررا\rوأستجير ببطن الأرض من كرب ... فى ظهرها لم تدع شمسا ولا قمرا\rأستجمل الله من أسرار قدرته ... عزما يخوض إليه البدو والحضرا\rوقوة بالضعيف الهم ناهضة ... وحجة تنظم الآصال والبكرا\rيا حب أحمد كن لى فى زيارته ... أقوى ظهير إلى أن أقضى الوطرا\rصلى الإله صلاة غير نافدة ... تكاثر الريح والأشجار والمطرا\rعلى البشير النذير المصطفى كرما ... من كل بطن وصلب طيب ظهرا\rعلى ابن آمنة الماحى بملته ... من كان بالله والإسلام قد كفرا\rوأهله الطيبين الأكرمين ومن ... آوى وساهم فى البلوى ومن نصرا\rوأمهات جميع المؤمنين ومن ... هدى هداه ومن صلى ومن نحرا\rونضر الله حسانا وأعظمه ... وقد بعثت الجوى والحزن والذكرا\rأبا الوليد لقد هيجت لى شجنا ... نافحت عنهم بروح القدس مقتدرا\rوأنت شاعر آل الله قاطبة ... ضريحه وامسحى عن وجهه العفرا\rيا رحمة الله أمى غير صاغرة ... فى الحق أن تمسح الأعطاف والغررا\rفإنه سابق والسابقات لها ... عمت فى المدر استثنت ولا الوبرا\rأبقى له منبر الإنشاد مكرمة ... فى الحق أن تمسح الأعطاف والغررا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084149,"book_id":3509,"shamela_page_id":712,"part":"2","page_num":83,"sequence_num":712,"body":"ولم يسل لسانا فى مقاولة ... وإنما سل عضبا صارما ذكرا\rيا مقولا نضر الله الرسول به ... لا زلت فى جنة الفردوس مشتهرا\rوقال أيضا ﵀ يبكى رسول الله ﷺ ويعارض حسان فى كلمته المتقدمة قبل، رابعة لكلماته، وهى التى أولها:\rآليت ما فى جميع الناس مجتهدا............... ...........\rبهذه الكلمة الموسومة بعد:\rقلبى إلى طيبة ذو غلة صادى ... إلى البشير النذير الخاتم الهادى\rإلى أبى القاسم الماحى بملته ... كفران كل كفور جهله بادى\rحتى أعفر خدى فى مواطئه ... غورا بغور وأنجادا بأنجاد\rوأرسل الدمع سحا فى منازله ... مستفرغا جهد أفلاذ وأكباد\rفى حيث أودع جبريل رسالته ... وحيا إليه بتوفيق وإرشاد\rوأشرب الماء من أروى منابعه ... فطيبه قد سرى فى ذلك الوادى\rيا حب أحمد إنى منك فى ثقة ... وأنت أحضر أعتادى وأزوادى\rسر بى إليه وجاور بى مثابته ... حتى أضمن أكفانى وأعوادى\rوما تمكنت من قلبى لتبدع بى ... ولا لتقطعنى عن ذلك النادى\rنور من الله لو أنى سريت به ... لما افتقرت إلى هاد ولا حادى\rلم يقذف الله فى قلبى محبته ... إلا لأحمل فوق الرأس والهاد\rمتى أقول لوفد الله عن كثب ... يا رايحين انظرونى إننى غاد\rوقد برئت إلى الرحمن من نشبى ... وقد تخليت عن أهلى وأولادى\rمستبدلا بجوار الله منقطعا ... إلى الرسول انقطاع العاطف الباد\rصلى الإله وأهل الأرض يقدمهم ... أهل السموات من مثنى وآحاد\rعلى الذى أنقذ الله العباد به ... من ظلمة الكفر رشدا بعد إفناد\rعلى ابن آمنة المختار من نفر ... ما فوق مجدهم مرمى لمزداد\rعلى النبى الذى تمت نبوته ... وآدم طينة قدت لأجساد\rعلى الرسول بن عبد الله أكرم من ... أورى بنور أضاء الأرض وقاد\rوبعده صلوات الله عاطرة ... على الصحابة أعداد بأعداد\rوأهله الطيبين الأكرمين فهم ... فى الأرض أطهر غياب وشهاد\rيا رب واحفظ مقامى فى محبتهم ... فإنها وإليك المنتهى زادى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084150,"book_id":3509,"shamela_page_id":713,"part":"2","page_num":84,"sequence_num":713,"body":"فهذا ما تيسر لنا ذكره من مراثى الشعراء فى سيد المرسلين وخاتم الأنبياء. وبقى علينا منها كثير تخطيناه، إما لتخطى الاختيار له والانتقاء، وإما لقصد الاختصار والاكتفاء، وأكثر الشعراء أفحمتهم المصيبة القاصمة للظهور، الرزية المتجددة على بلى الأزمان وتجدد الدهور، عن أن يفوهوا فى ذلك ببنت شفة أو يفوا بما يناسب ذلك الكرب العظيم والخطب الجسيم من صفة متصفة، وأولئك أولى الناس بالمعذرة، وأحقهم بالتجاوز عن مقصدهم المقصرة، فمصاب المسلمين به عليه أفضل الصلاة والسلام أعظم من أن تؤدى حقيقته سعة الكلام، أو تستقل أساليب القول المتشعبة ومنادح العبارات المتطنبة المهذبة بأيسر جزء من مآثره الكرام ومحاسنه العظام، أو تفى الألفاظ على اتساعها وتعدد ضروبها وأنواعها بشرح ما يتحمل فيه القلوب المؤمنة من برح الآلام، والإعراب عن قدر مصيبة فقده على الإسلام، فجزاه الله عن نهجه لنا السبيل إلى دار السلام أفضل ما أعده من الجزاء لأنبيائه المختصين من عنايته بشرف الاجتباء والاصطفاء دون الأنام، وأدر عليه وعليهم من سحب الرحمة والبركات والسلام والصلوات ما يزرى بهطال الديم وواكف الغمام.\rوهنا انتهى ما يختص من هذا المجموع بمغازى نبينا محمد ﷺ وذكر أيامه وكافة أمره إلى حين وفاته.\rونشرع الآن فى صلة ذلك بمغازى خلفائه الثلاثة الأول رضى الله عن جميعهم على نحو ما علمنا به فى مغازى من قصد التهذيب، وبذل الجهد فى حسن الترتيب، وربنا الكريم جلت قدرته نعم الوكيل بالمعونة على ذلك، لا حول ولا قوة إلا به، هو حسبى لا إله إلا هو، عليه توكلت وإليه أنيب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084151,"book_id":3509,"shamela_page_id":714,"part":"2","page_num":85,"sequence_num":714,"body":"ذكر خلافة أبى بكر الصديق رضى الله عنه «١» وما حفظ عن رسول الله ﷺ من الإيماء إليها والإشارات الدالة عليها مع ما كان من تقدمه ﷺ إلى الإنذار بالفتن الكائنة بعده وما صدر عنه من الأقاويل المنذرة بالردة\rفى الصحيح من الآثار، أن رسول الله ﷺ، لما سمع صوت عمر فى صلاته بالناس عندما أمر ﵇ فى مرضه أبا بكر أن يصلى، فلم يوجد حاضرا، قال: يأبى الله ذلك والمسلمون، يأبى الله ذلك والمسلمون.\rوعن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ: «اقتدوا باللذين من بعدى، أبى بكر وعمر» «٢» .\rوقال على بن أبى طالب رضى الله عنه: استخلف أبو بكر، فأقام واستقام. وقال صعصعة: استخلف الله أبا بكر، فأقام المصحف.\rوذكر يعقوب بن محمد الزهرى، عن شيوخه، قالوا: وذكروا استخلاف أبى بكر بعد رسول الله ﷺ، ومن قبل ما وصف لهم صفة من يلى بعده، حتى كاد يقول: خليفتى أبو بكر.\rوحدث جبير بن مطعم «٣» أن امرأة أتت النبى ﷺ، تكلمه فى شىء، فأمرها أن ترجع","footnotes":"(١) راجع: المنتظم لابن الجوزى (٤/ ٥- ٧) .\r(٢) انظر الحديث فى: سنن الترمذى (٣٦٦٢، ٣٨٠٥) ، سنن ابن ماجه (٩٧) ، مسند الإمام أحمد (٥/ ٣٨٢، ٣٨٥، ٣٩٩، ٤٠١، ٤٠٢) ، السنن الكبرى للبيهقى (٥/ ١٢، ٨/ ١٥٣) ، مستدرك الحاكم (٣/ ٧٥) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٩/ ٥٣، ٢٩٥) ، حلية الأولياء لأبى نعيم (٩/ ١٠٩) ، شرح السنة للبغوى (١٤/ ١٠١، ١٠٢) ، مشكاة المصابيح للتبريزى (٦٢٢١) ، إتحاف السادة المتقين للزبيدى (٢/ ٢٣٠) ، البخارى فى التاريخ الكبرى (٨/ ٢٠٩، ٩/ ٥٠) ، كشفا الخفاء للعجلونى (١/ ١٨١) ، الدر المنثور للسيوطى (١/ ٣٣٠) ، المعجم الكبير للطبرانى (٩/ ٦٨) ، كنز العمال للمتقى الهندى (٣٦٥٦، ٣٢٦٤٦، ٣٢٦٥٧، ٣٣١١٧، ٣٣٦٧٩، ٣٦٧٤٦، ٣٦٨٥٣) ، الكامل فى الضعفاء لابن عدى (٢/ ٦٦٦، ٧٩٧) .\r(٣) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٣١٥) ، الإصابة الترجمة رقم (١٠٩٤) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٦٩٨) ، مشاهير علماء الأمصار الترجمة رقم (٣٥) ، جمهرة أنساب العرب (١١٦) ، تهذيب الكمال (١٨٨) ، تهذيب التهذيب (٢/ ٦٣) ، تذهيب التهذيب (١/ ١٠٢) ، -","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084152,"book_id":3509,"shamela_page_id":715,"part":"2","page_num":86,"sequence_num":715,"body":"إليه، فقالت: يا رسول الله، إن جئت فلم أجدك، تعنى الموت، قال: «فأتى أبا بكر» .\rوعن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ، قال: «رأى الليلة رجل صالح أن أبا بكر نيط برسول الله ﷺ، ونيط عمر بأبى بكر، ونيط عثمان بعمر» ، قال جابر: فلما قمنا من عند رسول الله ﷺ، قلنا: أما الرجل الصالح فرسول الله، وأما ذكر من نوط بعضهم ببعض، فهم ولاة هذا الأمر الذى بعث الله به نبيه.\rوعن أبى هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «بينا أنا نائم، رأيتنى على قليب عليها دلو، فنزعت منها ما شاء الله، ثم أخذها ابن أبى قحافة فنزع منها ذنوبا أو ذنوبين، وفى نزعه، والله يغفر له، ضعف، ثم استحالت غربا، فأخذها ابن الخطاب، فلم أر عبقريا من الناس ينزع نزع عمر بن الخطاب، حتى ضرب الناس بعطن» .\rوفى رواية: «فأروى الظمئة، وضرب الناس بعطن» «١» .\rوقد أخبر رسول الله ﷺ، بردة المرتدين من بعده، فحدث أبو سعيد الخدرى، قال:\rقال رسول الله ﷺ: «بينا أنا نائم، رأيت فى يدى سوارين من ذهب، فكرهتهما فنفختهما فطارا، فأولتهما: كذابين يخرجان، مسيلمة والعنسى» «٢» .\rوعن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: «بين يدى الساعة كذابون، منهم صاحب اليمامة، يعنى مسيلمة، وصاحب خيبر، يعنى طليحة، ومنهم العنسى يعنى الأسود، ومنهم الدجال، وهو أعظمهم فتنة» «٣» .","footnotes":"- خلاصة تذهيب الكمال (٥٢) ، شذرات الذهب (١/ ٦٤) ، العقد الثمين (٣/ ٤٠٨) .\r(١) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (٥/ ٧، ٩/ ٤٥، ٤٩، ١٧١) ، صحيح مسلم كتاب فضائل الصحابة (١٧) ، السنن الكبرى للبيهقى (٨/ ١٥٣) ، فتح البارى لابن حجر (٧/ ١٩، ١٢/ ٤١٤) ، مشكاة المصابيح للتبريزى (٦٠٣١) ، شرح السنة للبغوى (١٤/ ٨٩) ، البداية والنهاية لابن كثير (٦/ ٢٢٦) ، كنز العمال للمتقى الهندى (٣٢٧٣) ، دلائل النبوة للبيهقى (٦/ ٣٤٤) ، السنة لابن أبى عاصم (١٤/ ٨٩) .\r(٢) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (٥/ ٢١٧، ٩/ ٥٢) ، مسند الإمام أحمد (١/ ٢٦٣) ، البداية والنهاية لابن كثير (٥/ ٥٠) ، فتح البارى لابن حجر (١٢/ ٤٢٠) .\r(٣) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (٣/ ٣٤٥، ٥/ ٩٥، ٩٦، ١٠٠، ١٠١، ١٠٦) ، الدر المنثور للسيوطى (٦/ ٥١) ، كنز العمال للمتقى الهندى (٣٨٣٧١) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٦/ ٥١) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084153,"book_id":3509,"shamela_page_id":716,"part":"2","page_num":87,"sequence_num":716,"body":"وعن عبد الله بن حوالة «١» ، قال: قال رسول الله ﷺ: «ثلاث من نجا منهن فقد نجا:\rمن موتى، ومن قتل خليفة مصطبر بالحق يعطيه، ومن الدجال» «٢» .\rوقال رسول الله ﷺ، لعبدة بن مسهر الحارثى فيما يعظه به لما قدم عليه: «وإن أدركتك الردة فلا تتبعن كندة» .\rودعا أيضا لجرير بن عبد الله «٣» لما وفد عليه، فقال: «اللهم اشرح صدره للإسلام، ولا تجعله من أهل الردة» .\rولما أسر المسلمون يوم بدر سهيل بن عمرو العامرى، سأل عمر بن الخطاب رسول الله ﷺ، أن ينزع ثنيتيه السفلاوين، وكان أعلم الشفة السفلى، قال: فإنه خطيب ليقوم عليك خطيبا بمكة، فقال رسول الله ﷺ لعمر: «عسى أن يقوم مقاما يسرك» «٤» ، فلما توفى رسول الله ﷺ، وانتهى خبر وفاته إلى مكة، تكلم بها قوم كلاما قبيحا، ووعى ذلك عليهم، فقام سهيل بن عمرو بخطبة أبى بكر، كأنه كان يسمعها، فقال: أيها الناس، من كان يعبد محمدا، فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله، فإن الله حى لم يمت، وقد نعى الله ﷿ نبيه ﷺ، إليكم وهو بين أظهركم، ونعاكم إلى أنفسكم، فهو الموت حتى لا يبقى أحد، ألم تعلموا أن الله تعالى قال: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر:\r٣٠] ، وقال: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ. الآية [آل عمران: ١٤٤] ، وقال تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران: ١٨٥] ، وقال: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص: ٨٨] .\rفاتقوا الله، واعتصموا بدينكم، وتوكلوا على ربكم، فإن دين الله قائم، وكلمته تامة، وإن الله ناصر من نصره، ومعز دينه، جمعكم الله على خيركم.","footnotes":"(١) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (١٥٣٦) ، الإصابة الترجمة رقم (٤٦٥٨) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٢٩٠٩) ، تجريد أسماء الصحابة (١/ ٣٠٦) ، تهذيب التهذيب (٥/ ١٩٤) ، تقريب التهذيب (١/ ٤١١) ، تهذيب الكمال (٢/ ٦٧٦) ، خلاصة تذهيب الكمال (٢/ ٥١) ، الوافى بالوفيات (١٧/ ١٥٦) ، الثقات (٣/ ٣٤٣) ، حلية الأولياء (٢/ ٣) .\r(٢) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٧/ ٢١١) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٤/ ٣٣٤) .\r(٣) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٣٢٦) ، الإصابة الترجمة رقم (١١٣٩) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٧٣٠٩، طبقات خليفة (١١٦، ١٣٨) ، تاريخ خليفة (٢١٨) ، الجرح والتعديل (٢/ ٥٠٢) ، تهذيب الكمال (١٩١) ، تهذيب التهذيب (٢/ ٧٣) ، خلاصة تذهيب الكمال (٦١) ، شذرات الذهب (١/ ٥٧، ٥٨) .\r(٤) انظر الحديث فى الشفاء للقاضى عياض (١/ ٦٧٦) ، الجامع الكبير (٢/ ٧٨٦) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084154,"book_id":3509,"shamela_page_id":717,"part":"2","page_num":88,"sequence_num":717,"body":"وفى كلام أكثر من هذا وعظهم به، وذكرهم. وقد كان الناس نفروا وهموا، فنفعهم الله بكلامه، فلم يرتد بمكة أحد، فلما بلغ عمر بن الخطاب مقام سهيل، قال: أشهد أن ما قال رسول الله ﷺ، حق، فهو والله هذا المقام.\rذكر بدء الردة بعد وفاة رسول الله ﷺ وما كان من تأييد الله لخليفة رسوله ﵇ فيها\rقالت عائشة رضى الله عنها: لما توفى رسول الله ﷺ، نجم النفاق وارتدت العرب، واشرأبت اليهودية والنصرانية، وصار المسلمون كالغنم المطيرة فى الليلة الشاتية، لفقد نبيهم، حتى جمعهم الله على أبى بكر، فلقد نزل بأبى ما لو نزل بالجبال الراسيات لهاضها، فو الله ما اختلفوا فيه من أمر إلا طار أبى بعلائه وغنائه، وكان من رأى ابن الخطاب علم أنه خلق عونا فللإسلام، كان والله أحوذيا، نسيج وحده، قد أعد للأمور أقرانها.\rوفى الصحيح من حديث أبى هريرة، قال: لما توفى رسول الله ﷺ، واستخلف أبو بكر رضى الله عنه، بعده، وكفر من كفر من العرب، قال عمر بن الخطاب لأبى بكر:\rكيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم منى نفسه وماله إلا بحقه، وحسابه على الله؟» فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعونى عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ، لقاتلتهم على منعه، فقال عمر بن الخطاب: فو الله ما هو إلا أن رأيت أن الله قد شرح صدر أبى بكر للقتال، فعرفت أنه الحق «١» .","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (١/ ١٣، ١٠٩، ٢/ ١٣١، ٤/ ٥٨، ٩/ ١٩، ١١٥، ١٣٨) ، صحيح مسلم كتاب الإيمان (٣٢، ٣٣، ٣٥) ، سنن النسائى الصغرى (٧/ ٧٧، ٧٨، ٧٩، ٨/ ٨١) ، سنن أبى داود (١٥٥٦، ٢٦٤٠) ، سنن الترمذى (٢٦٠٦، ٢٦٠٧، ٣٣٤١) ، سنن ابن ماجه (٣٩٢٧، ٣٩٢٨، ٣٩٢٩) ، مسند الإمام أحمد (١/ ١١، ١٩، ٣٥، ٤٨، ٢/ ٣٧٧، ٤٢٣، ٤٧٥، ٥٠٢، ٥٢٧، ٥٢٨، ٣/ ٣٠٠، ٣٢٢، ٣٣٩، ٤/ ٨) ، سنن البيهقى الكبرى (١/ ٧، ٥٤، ٢/ ٣، ٩٢، ٤/ ١٠٤، ١١٤، ٧/ ٣، ٤، ٨، ١٩، ١٣٦، ١٧٦، ١٧٧، ١٩٦، ٩/ ٤٩، ١٨٢) ، مستدرك الحاكم (٢/ ٥٢٢) ، تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر (٦/ ١٧١) ، شرح السنة للبغوى (١/ ٦٦، ٦٩، ٥/ ٤٨٨) ، كنز العمال للمتقى الهندى (٣٧٥، ٣٧٩، -","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084155,"book_id":3509,"shamela_page_id":718,"part":"2","page_num":89,"sequence_num":718,"body":"قال عمر بن الخطاب: والله لرجح إيمان أبى بكر بإيمان هذه الأمة جميعا فى قتال أهل الردة.\rوذكر يعقوب بن محمد الزهرى عن جماعة من شيوخه، قالوا: فكان أبو بكر أمير الشاكرين الذين ثبتوا على دينهم، وأمير الصابرين الذين صبروا على جهاد عدوهم، أهل الردة بعد وفاة رسول الله ﷺ.\rوبرأى أبى بكر أجمعوا على قتالهم، وذلك أن العرب افترقت فى ردتها، فقالت فرقة:\rلو كان نبيا ما مات، وقال بعضهم: انقضت النبوة بموته، فلا نطيع أحدا بعده، وفى ذلك يقول قائلهم:\rأطعنا رسول الله ما عاش بيننا ... فيالعباد الله ما لأبى بكر\rأيورثها بكرا إذا مات بعده ... فتلك وبيت الله قاصمة الظهر\rوقال بعضهم: نؤمن بالله، ونشهد أن محمدا رسول الله، ونصلى، ولكن لا نعطيكم أموالنا، فأبى أبو بكر إلا قتالهم على حسب ما تقدم ذكره.\rوجادل أبو بكر الصحابة فى جهادهم، وكان من أشدهم عليه عمر وأبو عبيدة بن الجراح «١» ، وسالم مولى أبى حذيفة «٢» ، وقالوا له: احبس جيش أسامة بن زيد، فيكون عمارة وأمانة بالمدينة، وارفق بالعرب حتى ينفرج هذا الأمر، فإن هذا الأمر شديد غوره وتهتكه من غير وجهه، فلو أن طائفة من العرب ارتدت قلنا: قاتل بمن معك ممن ثبت من ارتد، وقد اتفقت العرب على الارتداد، فهم بين مرتد، ومانع صدقة، فهو مثل المرتد،","footnotes":"- ١٦٨٣٦، ١٦٨٤٦) ، إتحاف السادة المتقين للزبيدى (١/ ١٥٥) ، مشكاة المصابيح للتبريزى (١٧٩٠) ، البداية والنهاية لابن كثير (١٠/ ٣٣٤) ، فتح البارى لابن حجر (١/ ٤٩٧، ١٣/ ١٧٤، ٢٥٠، ٣٣٩) ، نصب الراية للزيلعى (٣/ ٣٨٠، ٤٨٠، ٤/ ٣٢٤، ٣٣٩) ، الدر المنثور للسيوطى (٥/ ٢٧٤، ٦/ ٣٤٣) ، زاد المسير لابن الجوزى (٩/ ١٠٠) ، جمع الجوامع (٤٤١١، ٤٤١٤، ٤٤١٨) ، المعجم الكبير للطبرانى (٢/ ١٩٨، ٣٤٧، ٦/ ١٦١، ٨/ ٣٨٢) ، التاريخ الكبير للبخارى (٣/ ٣٦٧، ٧/ ٣٥) ، مصنف ابن أبى شيبة (١٠/ ١٢٢، ١٢٣، ١٢٤، ١٢/ ٣٧٤، ٣٧٦، ٣٧٧، ٣٨٠) .\r(١) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٣١٠٨) ، الإصابة الترجمة رقم (١٠٢٣٣) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٦٠٨٤) ، تهذيب الكمال (١٦٢٣) ، تقريب التهذيب (٢/ ٤٤٨) ، تهذيب التهذيب (١٢/ ١٥٩) ، المؤتلف والمختلف (٨٤٠) ، التبصرة والتذكرة (٣/ ٢٧) .\r(٢) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٨٨٦) ، الإصابة الترجمة رقم (٣٠٥٩) ، أسد الغابة الترجمة رقم (١٨٩٢) ، وهو: سالم بن معقل، مولى أبى حذيفة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084156,"book_id":3509,"shamela_page_id":719,"part":"2","page_num":90,"sequence_num":719,"body":"وبين واقف ينظر ما تصنع أنت وعدوك، قد قدم رجلا وأخر رجلا «١» .\rوفى كتاب الواقدى من قول عمر لأبى بكر: وإنما شحت العرب على أموالها، وأنت لا تصنع بتفريق العرب عنك شيئا، فلو تركت للناس صدقة هذه السنة.\rوقدم على أبى بكر عيينة بن حصن الفزارى، والأقرع بن حابس، فى رجال من أشراف العرب، فدخلوا على رجال من المهاجرين، فقالوا: إنه قد ارتد عامة من وراءنا عن الإسلام، وليس فى أنفسهم أن يؤدوا إليكم من أموالهم ما كانوا يؤدون إلى رسول الله ﷺ، فإن تجعلوا لنا جعلا نرجع فنكفيكم من وراءنا؛ فدخل المهاجرون والأنصار على أبى بكر، فعرضوا عليه الذى عرضوا عليهم، وقالوا: نرى أن تطعم الأقرع وعيينة طعمة يرضيان بها ويكفيانك من وراءهما، حتى يرجع إليك أسامة وجيشه، ويشتد أمرك، فإنا اليوم قليل فى كثير، ولا طاقة لنا بقتال العرب، قال أبو بكر: هل ترون غير ذلك؟ قالوا:\rلا؛ قال أبو بكر: إنكم قد علمتم أنه كان من عهد رسول الله ﷺ، إليكم المشورة فيما لم يمض فيه أمر من نبيكم ولا نزل به الكتاب عليكم، وأن الله لن يجمعكم على ضلالة، وإنى سأشير عليكم، فإنما أنا رجل منكم، تنظرون فيما أشير به عليكم وفيما أشرتم به، فتجتمعون على أرشد ذلك، فإن الله يوفقكم، وأما أنا فأرى أن ننبذ إلى عدونا، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، وأن لا نرشو على الإسلام أحدا، وأن نتأسى برسول الله ﷺ، فنجاهد عدوه كما جاهدهم، والله لو منعونى عقالا لرأيت أن أجاهدهم عليه حتى آخذه، فأئتمروا يرشدكم الله، فهذا رأيى؛ وأما قدوم عيينة وأصحابه إليكم، فهذا أمر لم يغب عنه عيينة، هو راضه ثم جاء له ولو رأوا ذباب السيف لعادوا إلى ما خرجوا منه أو أفناهم السيف فإلى النار، قتلناهم على حق منعوه وكفر. فبان للناس وجه أمرهم، وقالوا لأبى بكر لما سمعوا رأيه: أنت أفضلنا رأيا، ورأينا لرأيك تبع. فأمر أبو بكر الناس بالتجهز، وأجمع على المسير بنفسه لقتال أهل الردة.\rوكانت أسد وغطفان من أهل الضاحية قد ارتدت، ولم ترتد عبس ولا بعض أشجع، وارتدت عامة بنى تميم وطوائف من بنى سليم: عصية وعميرة وخفاف، وبنو عوف بن امرئ القيس، وذكوان، وبنو جارية، وارتد أهل اليمامة «٢» كلهم، وأهل البحرين «٣» ،","footnotes":"(١) انظر: غزوات ابن حبيش (١/ ٢٢) .\r(٢) راجع قصة ارتداد أهل اليمامة فى: المنتظم لابن الجوزى (٤/ ٧٩- ٨٣) ، تاريخ الطبرى (٣/ ٢٨٠، ٢٨١) .\r(٣) راجع قصة أهل البحرين فى: المنتظم لابن الجوزى (٤/ ٨٣- ٨٥) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084157,"book_id":3509,"shamela_page_id":720,"part":"2","page_num":91,"sequence_num":720,"body":"وبكر بن وائل، وأهل دبى من أزد عمان «١» ، والنمر بن قاسط، وكلب، ومن قاربهم من قضاعة، وعامة بنى عامر بن صعصعة، وفيهم علقمة بن علاثة، وقيل: إنها تربصت مع قادتها وسادتها ينظرون لمن تكون الدبرة، وقدموا رجلا وأخروا أخرى، وارتدت فزارة، وجمعها عيينة بن حصن، وتمسك بالإسلام من بين المسجدين، وأسلم وغفار وجهينة ومزينة وكعب وثقيف، قام فيهم عثمان بن أبى العاص فى بنى مالك، وقام فى الأحلاف رجل منهم، فقال: يا معشر ثقيف، نشدتكم الله أن تكونوا أول العرب ارتدادا وآخرهم إسلاما؛ وأقامت طئ كلها على الإسلام، وهذيل، وأهل السراة وبجيلة وخثعم ومن قارب تهامة من هوازن نصر وجشم وسعد بن بكر وعبد القيس، قام فيهم الجارود فثبتوا على الإسلام، وارتدت كندة وحضرموت وعنس.\rوقال أبو هريرة: لم يرجع رجل واحد من دوس ولا من أهل السراة كلها. وقال أبو مرزوق التجيبى: لم يرجع رجل واحد من تجيب ولا من همدان، ولا من الأبناء بصنعاء، ولقد جاء الأبناء وفاة رسول الله ﷺ، فشق نساؤهم الجيوب وضربن الخدود، وفيهم المرزبانة، فشقت درعها من بين يديها ومن خلفها.\rوقد كان رسول الله ﷺ، لما صدر من الحج سنة عشر، وقدم المدينة فأقام حتى رأى هلال المحرم سنة إحدى عشرة، وبعث المصدقين فى العرب، فبعث على عجز هوازن عكرمة بن أبى جهل «٢» ، وبعث حامية بن سبيع الأسدى على صدقات قومه، وعلى بنى كلاب الضحاك بن سفيان «٣» ، وعلى أسد وطئ عدى بن حاتم «٤» ، وعلى بنى يربوع","footnotes":"(١) راجع قصة أهل عمان فى: المنتظم لابن الجوزى (٤/ ٨٥- ٨٦) ، تاريخ الطبرى (٣/ ٣١٤) .\r(٢) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (١٨٥٧) ، الإصابة الترجمة رقم (٥٦٥٤) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٣٧٤١) ، مشاهير علماء الأمصار الترجمة رقم (١٧٤) ، طبقات خليفة (٢٠/ ٢٩٩) ، تاريخ خليفة (٩٢) ، الجرح والتعديل (٧/ ٦، ٧) ، العقد الثمين، (٦/ ١١٩، ١٢٣) ، شذرات الذهب (١/ ٢٧، ٢٨) ، سير أعلام النبلاء (١/ ٣٢٣) ، العبر (١/ ١٨) ، تهذيب الكمال (٩٥٠) ، تهذيب التهذيب (٧/ ٢٥٧) ، خلاصة تذهيب الكمال (٢٧٠) .\r(٣) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (١٢٥٥) ، الإصابة الترجمة رقم (٤١٨٦) أسد الغابة الترجمة رقم (٢٥٥٦) ، تجريد أسماء الصحابة (١/ ٢٧٠) ، الوافى بالوفيات (١٦/ ٣٥٢) ، الأعلام (٣/ ٢١٤) ، تهذيب الكمال (١/ ٦١٥) ، تهذيب التهذيب (٤/ ٤٤٤) ، خلاصة تذهيب الكمال (٢/ ٣) ، المعرفة والتاريخ (٣/ ٣٦٩) ، التحفة اللطيفة (٢/ ٢٥٠) ، الجرح والتعديل (٤/ ٢٠١٨) ، دائرة معارف الأعلمى (٢٠/ ٢٥٥) .\r(٤) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (١٨٠٠) ، الإصابة الترجمة رقم (٥٤٩١) ، أسد-","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084158,"book_id":3509,"shamela_page_id":721,"part":"2","page_num":92,"sequence_num":721,"body":"مالك بن نويرة «١» ، وعلى بنى دارم وقبائل بنى حنظلة الأقرع بن حابس «٢» ، وبعث الزبرقان بن بدر «٣» على صدقات قومه، وقيس بن عاصم المنقرى «٤» على صدقات قومه.\rفلما بلغتهم وفاة رسول الله ﷺ اختلفوا، فمنهم من رجع، ومنهم من أدى إلى أبى بكر، وكان الذين حبسوا صدقات قومهم وفرقوها بين قومهم مالك بن نويرة، وقيس بن عاصم، والأقرع بن حابس التميمى، وأما بنو كلاب فتربصوا، ولم يمنعوا منعا بينا، ولم يعطوا، كانوا بين ذلك.\rوبعث رسول الله ﷺ، على فزارة نوفل بن معاوية الديلى»\r، فلقيه خارجة بن حصن ابن حذيفة بن بدر الفزارى بالشربة، فقال: أما ترضى أن تغنم نفسك؟ فرجع نوفل بن","footnotes":"- الغابة الترجمة رقم (٣٦١٠) ، الجرح والتعديل (٧/ ٢) ، مروج الذهب (٣/ ١٩٠) ، جمهرة أنساب العرب (٤٠٢) ، تاريخ بغداد (١/ ١٨٩) ، تهذيب الكمال (٩٢٥) ، تذهيب التهذيب (٣/ ٣٦) ، خلاصة تذهيب الكمال (٢٢٣) ، تهذيب التهذيب (٧/ ١٦٦) ، شذرات الذهب (١/ ٧٤) ، سير أعلام النبلاء (٣/ ١٦٢) .\r(١) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٢٣٣١) ، الإصابة الترجمة رقم (٧٧١٢) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٤٦٥٦) .\r(٢) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٦٩) ، الإصابة الترجمة رقم (٢٣١) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٢٠٨) ، تجريد أسماء الصحابة (١/ ٢٦) ، الوافى بالوفيات (٩/ ٣٠٧) ، التحفة اللطيفة (١/ ٣٣٧) ، أزمنة التاريخ الإسلامى (١/ ٥٣١) ، التاريخ الصغير (٥٩) ، الجامع فى الرجال (٢٨١) ، تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٢٤) .\r(٣) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٨٧٠) ، الإصابة الترجمة رقم (٢٧٨٩) ، أسد الغابة الترجمة رقم (١٧٢٨) ، تجريد أسماء الصحابة (١/ ١٨٨) ، تقريب التهذيب (١/ ٢٥٧) ، الطبقات الكبرى (٧/ ٣٦) ، الثقات (٣/ ١٤٢) ، الأعلام (٣/ ٤١) .\r(٤) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٢١٦٤) ، الإصابة الترجمة رقم (٧٢٠٩) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٤٣٧٠) ، تجريد أسماء الصحابة (٢/ ٢٢) ، تقريب التهذيب (٢/ ١٢٩) ، تهذيب التهذيب (٨/ ٣٩٩) ، خلاصة تهذيب الكمال (٢/ ٣٥٧) ، الأنساب لابن السمعانى (٧/ ١٤١) ، أزمنة التاريخ الإسلامى (٨١٦) ، الثقات (٣/ ٣٣٨) .\r(٥) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٢٦٧٣) ، الإصابة الترجمة رقم (٨٨٥٤) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٥٣٢٢) ، تجريد أسماء الصحابة (٢/ ١١٥) ، تتهذيب التهذيب (١٠/ ٤٩٢) ، تقريب التهذيب (٢/ ٣٠٩) ، خلاصة تذهيب الكمال (٣/ ١٠٣) ، الجرح والتعديل (١/ ٤٨٧) ، العقد الثمين (٧/ ٣٥٣) ، الأنساب لابن للسمعانى (٥/ ٤٤٩) ، الأعلام (٨/ ٥٥) ، الطبقات الكبرى (١/ ٨٧) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084159,"book_id":3509,"shamela_page_id":722,"part":"2","page_num":93,"sequence_num":722,"body":"معاوية هاربا حتى قدم على أبى بكر الصديق بسوطه، وقد كان جمع فرائض فأخذها منه خارجة، فردها على أربابها، وكذا فعلت سليم بعرباض بن سارية «١» ، وقد كان رسول الله ﷺ، بعثه على صدقاتهم، فلما بلغتهم وفاة النبى ﷺ، أبوا أن يعطوه شيئا، وأخذوا منه ما كان جمع، فانصرف من عندهم بسوطه، وأما أسلم وغفار ومزينة وجهينة، وكان رسول الله ﷺ، بعث إليهم كعب بن مالك الأنصارى، فسلموا إليه صدقاتهم، لما بلغتهم وفاته، وتأدت إلى أبى بكر، فاستعان بها فى قتال أهل الردة، وكذلك فعل بنو كعب مع أمير صدقاتهم بشر بن سفيان الكعبى، وأشجع مع مسعود بن رحيلة الأشجعى «٢» ، فقدم بذلك كله على أبى بكر.\rوكان عدى بن حاتم قد حبس إبل الصدقة، يريد أن يبعث بها إلى أبى بكر إذا وجد فرجة، والزبرقان بن بدر مثل ذلك، فجعل قومهما يكلمونهما فيأبيان، وكان أحزم رأيا وأفضل فى الإسلام رغبة ممن كان فرق الصدقة فى قومه، فقالا لقومهما: لا تعجلوا، فإنه إن قام بهذا الأمر قائم ألفاكم لم تفرقوا الصدقة، وإن كان الذى تظنون، فلعمرى إن أموالكم لبأيديكم، فلا يغلبنكم عليها أحد، فسكتوهم حتى أتاهم يقين خبر القوم، فلما اجتمع الناس على أبى بكر جاءهم أنه قد قطع البعوث، وسار بعث أسامة بن زيد إلى الشام، وأبو بكر يخرج إليهم، فكان عدى بن حاتم يأمر ابنه أن يسرح مع نعم الصدقة، فإذا كان المساء روحها، وإنه جاء بها ليلة عشاء، فضربه، وقال: ألا عجلت بها؟.\rثم راح بها الليلة الثانية فوق ذلك قليلا، فجعل يضربه، وجعلوا يكلمونه فيه، فلما كان اليوم الثالث قال: يا بنى إذا سرحتها فصح فى أدبارها وأم بها المدينة، فإن لقيك لاق من قومك أو من غيرهم فقل أريد الكلأ، تعذر علينا ما حولنا، فلما أن جاء الوقت الذى كان يروح فيه، لم يأت الغلام، فجعل أبوه يتوقعه ويقول لأصحابه: العجب لحبس ابنى، فيقول بعضهم: نخرج يا أبا طريف فنتبعه، فيقول: لا والله؛ فلما أصبح تهيأ ليغدو، فقال قومه: نغدو معك، فقال: لا يغدو معى منكم أحد، إنكم إن رأيتموه حلتم بينى","footnotes":"(١) انظر ترجمته فى: الأستيعاب الترجمة رقم (٢٠٤٩) ، الإصابة الترجمة رقم (٥٥١٧) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٣٦٣٠) ، مشاهير علماء الأمصار الترجمة رقم (٣٣١) ، شذرات الذهب (١/ ٨٢) ، حلية الأولياء (٢/ ١٣) ، سير أعلام النبلاء (٣/ ٤١٩) ، تقريب التهذيب (٢/ ١٧) ، خلاصة تذهيب التهذيب (٢٦٩) ، تاريخ الإسلام (٢/ ٤٨٣) .\r(٢) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٢٤٠٨) ، وفيه: مسعود بن «رخيلة بن عائذ الأشجعى» ، الإصابة الترجمة رقم (٧٩٦١) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٤٨٨٣) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084160,"book_id":3509,"shamela_page_id":723,"part":"2","page_num":94,"sequence_num":723,"body":"وبين ضربه، وقد عصى أمرى كما ترون؛ فخرج على بعير له سريعا حتى لحق ابنه، ثم حدر النعم إلى المدينة، فلما كان ببطن قناة لقيته خيل لأبى بكر، عليها ابن مسعود، ويقال محمد بن مسلمة «١» وهو أثبت عندنا، فلما نظروا إليه ابتدروه، وما كان معه، وقالوا له: أين الفوارس الذين كانوا معك؟ قال: ما معى أحد، قالوا: بلى، لقد كان معك فوارس، فلما رأونا تغيبوا، فقال ابن مسعود: خلوا عنه فما كذب ولا كذبتم، جنود الله معه، ولم يرهم.\rفقدم على أبى بكر بثلاثمائة بعير، وكانت أول صدقة قدم بها على أبى بكر.\rوذكر بعض من ألف فى الردة: أن الزبرقان بن بدر هو الذى فعل هذا الفعل المنسوب فى هذا الحديث إلى عدى بن حاتم، فإما أن يكونا فعلاه معا توفيقا من الله لهما، وإما أن يكون هذا مما يعرض فى النقل من الاختلاف، والذى ينسب ذلك إلى الزبرقان يقول:\rإنه قال فى ذلك:\rلقد علمت قيس وخندف أننى ... وفيت إذا ما فارس الغدر ألجما\rأتيت التى قد يعلم الله أنها ... إذا ذكرت كانت أعف وأكرما\rأنفت لعوف أن يسب أبوهم ... إذا اقتسم الناس السوام المقسما\rوروحتها من أهل جوفاء صبحت ... تدوس بأيديها الحصاد المحرما\rحبوت بها قبر النبى وقد أبى ... فلم يجبه ساع من الناس مقسما\rوقال أيضا:\rوفيت بأذواد النبى ابن هاشم ... على موطن ضام الكريم المسودا\rفأديتها ألفا ولو شئت ضمها ... رعاء يكون الوشيج المقصدا\rوذكر ابن إسحاق: أن عدى بن حاتم كانت عنده إبل عظيمة اجتمعت له من صدقات قومه عندما توفى رسول الله ﷺ، فلما ارتد من الناس وارتجعوا صدقاتهم، وارتدت بنو أسد، وهم جيرانهم، اجتمعت طيئ إلى عدى بن حاتم، فقالوا: إن هذا الرجل قد مات، وقد انتقض الناس بعده، وقبض كل قوم ما كان فيهم من صدقاتهم، فنحن أحق بأموالنا من شذاذ الناس، فقال: ألم تعطوا من أنفسكم العهد والميثاق على الوفاء طائعين غير مكرهين.","footnotes":"(١) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٢٣٧٢) ، الإصابة الترجمة رقم (٧٨٢٢) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٤٧٦٨) ، تهذيب الكمال (١٢٧١) ، تهذيب التهذيب (٩/ ٤٥٤) ، خلاصة تذهيب الكمال (٣٥٩) ، شذرات الذهب (١/ ٤٥، ٥٣) ، الجرح والتعديل (٨/ ٧١) ، الاستبصار (٢٤١، ٢٤٢) ، تاريخ الإسلام (٢/ ٢٤٥) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084161,"book_id":3509,"shamela_page_id":724,"part":"2","page_num":95,"sequence_num":724,"body":"قالوا: بلى، ولكن قد حدث ما ترى، وقد ترى ما صنع الناس. قال: والذى نفس عدى بيده، لا أخيس بها أبدا، ولو كنت جعلتها لرجل من الزنج، لوفيت له بها، فإن أبيتم لأقاتلنكم، يعنى على ما فى يده وما فى أيديهم، فليكونن أول قتيل يقتل على وفاء ذمته عدى بن حاتم، أو يسلمها، فلا تطمعوا أن يسب حاتما فى قبره عدى ابنه من بعده، فلا يدعونكم عذر عاذر إلى أن تعذروا، فإن للشيطان قادة عند موت كل نبى، يستخف لها أهل الجهل حتى يحملهم على قلائص الفتنة، وإنما هى عجاجة لا ثبات لها، ولا ثبات فيها، إن لرسول الله ﷺ، خليفة من بعده يلى هذا الأمر، وإن لدين الله أقواما سينهضون ويقومون به بعد رسول الله ﷺ، كما قاموا بعهده وذو بيته فى السماء، لئن فعلتم ليقارعنكم على أموالكم ونسائكم بعد قتل عدى وغدركم، فأى قوم أنتم عند ذلك، فلما رأوا منه الجد، كفوا عنه، وسلموا له.\rويروى أن مما قال له قومه: أمسك فى يدك، فإنك إن تفعل تسد الحليفين، يعنون طيئا وأسدا.\rفقال: ما كنت لأفعل حتى أدفعها إلى أبى بكر، فجاء بها حتى دفعها إليه، فلما كان زمن عمر بن الخطاب، رأى من عمر ﵀، جفوة، فقال له عدى: ما أراك تعرفنى؟\rقال عمر: بلى، والله، والله يعرفك من السماء، أعرفك والله: أسلمت إذ كفروا، ووفيت إذ غدروا، وأقبلت إذ أدبروا، بلى، وايم الله أعرفك.\rوقدم أيضا الزبرقان بن بدر بصدقات قومه على أبى بكر، فلم يزل لعدى والزبرقان بذلك شرف وفضل على من سواهما.\rوأعطى أبو بكر عديا ثلاثين بعيرا من إبل الصدقة، وذلك أن عديا لما قدم على رسول الله ﷺ، نصرانيا فأسلم وأراد الرجوع إلى بلاده أرسل إليه رسول الله ﷺ، يعتذر من الزاد ويقول: «والله، ما أصبح عند آل محمد شقة من الطعام، ولكن ترجع ويكون خير» ، فلذلك أعطاه أبو بكر تلك الفرائض.\rولما كان من العرب ما كان من التوائهم عن الدين ومنع من منع منهم الصدقة جد بأبى بكر الجد فى قتالهم، وأراه الله رشده فيهم، وعزم على الخروج بنفسه إليهم، وأمر الناس بالجهاز، وخرج هو فى مائة من المهاجرين، وقيل: فى مائة من المهاجرين والأنصار، وخالد بن الوليد يحمل اللواء، حتى نزل بقعاء، وهو ذو القصة «١» ، يريد أبو","footnotes":"(١) ذو القصة: مكان على بريد من المدينة، وهو الذى أخرج إليه رسول الله ﷺ أبا عبيدة بن الجراح رضى الله عنه. انظر: الروض المعطار (٤٧٧) ، معجم ما استعجم (٣/ ١٠٨٦) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084162,"book_id":3509,"shamela_page_id":725,"part":"2","page_num":96,"sequence_num":725,"body":"بكر أن يتلاحق الناس من خلفه، ويكون أسرع لخروجهم، ووكل بالناس محمد بن مسلمة يستحثهم، فانتهى إلى بقعاء عند غروب الشمس، فصلى بها المغرب، وأمر بنار عظيمة فأوقدت، وأقبل خارجة بن حصن بن حذيفة بن بدر وكان ممن ارتد، فى خيل من قومه إلى المدينة يريد أن يخذل الناس عن الخروج، أو يصيب غرة فيغير، فأغار على أبى بكر رضى الله عنه، ومن معه، وهم غافلون، فاقتتلوا شيئا من قتال، وتحيز المسلمون، ولاذ أبو بكر بشجرة، وكره أن يعرف، فأوفى طلحة بن عبيد الله على شرف فصاح بأعلى صوته لا بأس، هذه الخيل قد جاءتكم، فتراجع الناس، وجاءت الأمداد، وتلاحق المسلمون، فانكشف خارجة بن حصن وأصحابه، وتبعه طلحة بن عبيد الله فيمن خف معه، فلحقوه فى أسفل ثنايا عوسجة، وهو هارب لا يألو فيدرك أخريات أصحابه، فحمل طلحة على رجل بالرمح فدق ظهره، ووقع ميتا، وهرب من بقى، ورجع طلحة إلى أبى بكر، فأخبره أن قد ولوا منهزمين هاربين، وأقام أبو بكر ببقعاء أياما ينتظر الناس، وبعث إلى من كان حوله من أسلم وغفار ومزينة وأشجع وجهينة وكعب يأمرهم بجهاد أهل الردة، والخفوف إليهم، فتحلب الناس إليهم من هذه النواحى، حتى شحنت منهم المدينة.\rقال سبرة الجهنى «١» : قدمنا معشر جهينة أربعمائة معنا الظهر والخيل، وساق عمرو ابن مسرة الجهنى مائة بعير عونا للمسلمين، فوزعها أبو بكر فى الناس، وجعل عمر بن الخطاب، وعلى بن أبى طالب يكلمان أبا بكر فى الرجوع إلى المدينة لما رأيا عزمه على المسير بنفسه، وقد توافى المسلمون وحشدوا، فلم يبق أحد من أصحاب النبى ﷺ، من المهاجرين والأنصار من أهل بدر إلا خرج، وقال عمر: ارجع يا خليفة رسول الله ﷺ، تكن للمسلمين فئة وردآ، فإنك إن تقتل يرتد الناس ويعل الباطل الحق، وأبو بكر مظهر المسير بنفسه، وسألهم بمن نبدأ من أهل الردة، فاختلفوا عليه، فقال أبو بكر: نصمد لهذا الكذاب على الله وعلى كتابه، طليحة.\rولما ألحوا على أبى بكر فى الرجوع، وعزم هو عليه، أراد أن يستخلف على الناس،","footnotes":"(١) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٩١٣) ، الإصابة الترجمة رقم (٣٠٩٤) ، أسد الغابة الترجمة رقم (١٩٣٦) ، مشاهير علماء الأمصار (٣٥) ، الوافى بالوفيات (١٥/ ١١١) ، تهذيب الكمال (١٠/ ٢٠٣) ، تهذيب التهذيب (٣/ ٤٥٠٣) ، تقريب التهذيب (١/ ٢٨٣) ، خلاصة تذهيب التهذيب (١٣٣) ، تاريخ الإسلام (١/ ٢١٢) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084163,"book_id":3509,"shamela_page_id":726,"part":"2","page_num":97,"sequence_num":726,"body":"فدعا زيد بن الخطاب «١» لذلك، فقال: يا خليفة رسول الله، قد كنت أرجو أن أرزق الشهادة مع رسول الله ﷺ، فلم أرزقها، وأنا أرجو أن أرزقها فى هذا الوجه، وإن أمير الجيش لا ينبغى أن يباشر القتال بنفسه، فدعا أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة، فعرض عليه ذلك، فقال مثل ما قال زيد، فدعا سالما مولى أبى حذيفة ليستعمله، فأبى عليه، فدعا أبو بكر خالد بن الوليد فأمره على الناس، وقال لهم وقد توافى المسلمون قبله، وبعث مقدمته أمام الجيش: أيها الناس، سيروا على اسم الله تعالى وبركته، فأميركم خالد بن الوليد، إلى أن ألقاكم، فإنى خارج فيمن معى إلى ناحية خيبر حتى ألاقيكم. ويروى أنه قال للجيش: سيروا، فإن لقيتكم بعد غد فالأمر إلى، وأنا أميركم، وإلا فخالد بن الوليد عليكم، فاسمعوا له وأطيعوا.\rوإنما قال ذلك أبو بكر لأن تذهب كلمته فى الناس، وتهاب العرب خروجه، ثم خلا بخالد بن الوليد، فقال: يا خالد، عليك بتقوى الله، وإيثاره على من سواه، والجهاد فى سبيله، فقد وليتك على من ترى من أهل بدر من المهاجرين والأنصار، فسار خالد، ورجع أبو بكر، وعمر، وعلى، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبى وقاص فى نفر من المهاجرين والأنصار من أهل بدر رضى الله عنهم جميعهم، إلى المدينة.\rوصية أبى بكر الصديق رضى الله عنه، خالد بن الوليد حين بعثه فى هذا الوجه\rقال حنظلة بن على الأسلمى: بعث أبو بكر رضى الله عنه، خالد بن الوليد إلى أهل الردة، وأمره أن يقاتلهم على خمس خصال، فمن ترك واحدة من الخمس قاتله: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام شهر رمضان. زاد زيد بن أسلم: وحج البيت، وقال: كن ستا.\rوعن نافع بن جبران أن أبا بكر حين بعث خالد بن الوليد عهد إليه، وكتب معه هذا الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد به أبو بكر، خليفة رسول الله ﷺ، إلى","footnotes":"(١) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٨٥١) ، الإصابة الترجمة رقم (٨٩٠٤) ، أسد الغابة الترجمة رقم (١٨٣٤) ، تجريد أسماء الصحابة (١/ ١٩٨) ، سير أعلام النبلاء (١/ ٢٩٧) ، تهذيب التهذيب (٣/ ٤١١) ، تقريب التهذيب (١/ ٢٧٤) ، خلاصة تذهيب الكمال (١/ ٣٥٢) ، الأعلام (٣/ ٥٨) ، العبر (١٤) ، الثقات (٣/ ١٣٦) ، الاستبصار (٢٩٦، ٢٩٧) ، صفة الصفوة (١/ ٤٤٧) ، التحفة اللطيفة (١/ ٩٩) ، الرياض المستطاب (٨٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084164,"book_id":3509,"shamela_page_id":727,"part":"2","page_num":98,"sequence_num":727,"body":"خالد بن الوليد، حين بعثه فيمن بعثه من المهاجرين والأنصار، ومن معهم من غيرهم لقتال من رجع عن الإسلام بعد رسول الله ﷺ، عهد إليه وأمره أن يتقى الله ما استطاع فى أمره كله، علانيته وسره، وأمره بالجد فى أمر الله والمجاهدة لمن تولى عنه إلى غيره ورجع عن الإسلام إلى ضلالة الجاهلية وأمانى الشيطان.\rوعهد إليه وأمره أن لا يقاتل قوما حتى يعذر إليهم ويدعوهم إلى الإسلام، ويبين لهم الذى لهم فى الإسلام والذى عليهم فيه، ويحرص على هداهم، فمن أجابه إلى ما دعاه إليه من الناس كلهم، أحمرهم وأسودهم، قبل منه، وليعذر إلى من دعاه بالمعروف وبالسيف، فإنما يقاتل من كفر بالله على الإيمان بالله، فإذا أجاب المدعو إلى الإيمان، وصدق إيمانه، لم يكن عليه سبيل، وكان الله حسيبه بعد فى عمله، ومن لم يجبه إلى ما دعا إليه من دعائه الإسلام، ممن رجع عن الإسلام بعد وفاة رسول الله ﷺ، أن يقاتل أولئك بمن معه من المهاجرين والأنصار، حيث كانوا، وحيث بلغ مراغمه، ثم يقتل من قدر عليه من أولئك، ولا يقبل من أحد شيئا دعاه إليه ولا أعطاه إياه الإسلام والدخول فيه والصبر به وعليه وشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله.\rوأمره أن يمضى بمن معه من المسلمين حتى يقدم اليمامة فيبدأ ببنى حنيفة ومسيلمتهم الكذاب، فيدعوهم ويدعوه إلى الإسلام، وينصح لهم فى الدين، ويحرص على هداهم، فإن أجابوا إلى ما دعاهم إليه من دعاية الإسلام قبل منهم، وكتب بذلك إلى، وأقام بين أظهرهم حتى يأتيه أمرى، وإن هم لم يجيبوا ولم يرجعوا عن كفرهم واتباع كذابهم على كذبه على الله ﷿، قاتلهم أشد القتال بنفسه وبمن معه، فإن الله ناصر دينه ومظهره على الدين كله، كما قضى فى كتابه ولو كره الكافرون، فإن أظهره الله عليهم إن شاء الله وأمكنه منهم فليقتلهم بالسلاح، وليحرقهم بالنار، ولا يستبق منهم أحدا قدر على أن يستبقيه، وليقسم أموالهم وما أفاء الله عليه وعلى المسلمين إلا خمسه، فليرسل به إلى أضعه حيث أمر الله به أن يوضع إن شاء الله.\rوعهد إليه أن لا يكون فى أصحابه فشل من رأيهم ولا عجلة عن الحق إلى غيره، ولا يدخل فيهم حشو من الناس حتى يعرفهم ويعرف ممن هم، وعلام اتبعوه وقاتلوا معه، فإنى أخشى أن يدخل معكم ناس يتعوذون بكم ليسوا منكم ولا على دينكم، فيكونون عيونا عليكم، ويتحفظون من الناس بمكانهم معكم، وأنا أخشى أن يكون ذلك فى الأعراب وجفاتهم، فلا يكونن من أولئك فى أصحابك أحد إن شاء الله تعالى، وارفق بالمسلمين فى سيرهم ومنازلهم، وتفقدهم، ولا تعجل بعض الناس عن بعض فى المسير","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084165,"book_id":3509,"shamela_page_id":728,"part":"2","page_num":99,"sequence_num":728,"body":"ولا فى الارتحال من مكان، واستوص بمن معك من الأنصار خيرا فى حسن صحبتهم، ولين القول لهم، فإن فيهم ضيقا ومرارة وزعارة، ولهم حق وفضيلة وسابقة ووصية من رسول الله ﷺ، فاقبل من محسنهم وتجاوز عن مسيئهم كما قال رسول الله ﷺ، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.\rويروى أن أبا بكر ﵀، كتب مع هذا الكتاب كتابا آخر إلى عامة الناس، وأمر خالدا أن يقرأه عليهم فى كل مجمع، وهو: بسم الله الرحمن الرحيم، من أبى بكر خليفة رسول الله ﷺ إلى من بلغه كتابى هذا من عامة أو خاصة، تاما على إسلامه أو راجعا عنه، سلام على من اتبع الهدى ولم يرجع بعد الهدى إلى الضلالة والعمى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبد ورسوله، الهادى غير المضل، أرسله بالحق من عنده إلى خلقه بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، لينذر من كان حيا، ويحق القول على الكافرين، فهدى الله بالحق من أجاب إليه، وضرب بالحق من أدبر عنه حتى صاروا إلى الإسلام طوعا وكرها، ثم أدرك رسول الله ﷺ، عند ذلك أجله الذى قضى الله عليه وعلى المؤمنين، فتوفاه الله، وقد كان بين له ذلك ولأهل الإسلام فى الكتاب الذى أنزل عليه، فقال له: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر: ٣٠] ، وقال:\rوَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ [الأنبياء: ٣٤، ٣٥] ، وقال للمؤمنين:\rوَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [آل عمران: ١٤٤] ، فمن كان إنما يعبد محمدا، فإن محمدا قد مات، صلوات الله عليه، ومن كان إنما يعبد الله وحده لا شريك له، فإن الله بالمرصاد، حى قيوم لا يموت، ولا تأخذه سنة ولا نوم، حافظ لأمره، منتقم من عدوه، وإنى أوصيكم أيها الناس بتقوى الله، وأحضكم على حظكم ونصيبكم من الله وما جاءكم به نبيكم محمد ﷺ، وأن تهتدوا بهدى الله، وتعتصموا بدين الله، فإن كل من لم يحفظه الله ضائع، وكل من لم يصدقه الله كاذب، وكل من لم يسعده الله شقى، وكل من لم يرزقه الله محروم، وكل من لم ينصره الله مخذول، فاهتدوا بهدى الله ربكم وما جاءكم به نبيكم محمد ﷺ، فإنه: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً [الكهف: ١٧] ، وإنه قد بلغنى رجوع من رجع منكم عن دينه بعد أن أقر بالإسلام وعمل به، اغترارا بالله وجهالة بأمر الله، وطاعة للشيطان، إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084166,"book_id":3509,"shamela_page_id":729,"part":"2","page_num":100,"sequence_num":729,"body":"حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ [فاطر: ٦] ، وإنى قد بعثت خالد بن الوليد فى جيش من المهاجرين الأولين من قريش والأنصار وغيرهم، وأمرته أن لا يقاتل أحدا ولا يقتله حتى يدعوه إلى داعية الله، فمن دخل فى دين الله وتاب إلى الله ورجع عن معصية الله إلى ما كان يقر به من دين الله وعمل صالحا قبل ذلك منه، وأعانه عليه، ومن أبى أن يرجع إلى الإسلام بعد أن يدعوه بداعية الله ويعذر إليه بعاذرة الله، أن يقاتل من قاتله على ذلك أشد القتال بنفسه ومن معه من أنصار دين الله وأعوانه، ثم لا يبقى على أحد بعد أن يعذر إليه، وأن يحرقهم بالنار، ويسبى الذرارى والنساء، وأمرته أن لا يقبل من أحد شيئا إلا الرجوع إلى دين الله، وشهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله ﷺ، وقد أمرته أن يقرأ على الناس كتابى إليهم فى كل مجمع وجماعة، فمن اتبعه فهو خير له، ومن تركه فهو شر له.\rوعن عروة بن الزبير، قال: جعل أبو بكر رضى الله عنه، يوصى خالد بن الوليد ويقول: يا خالد، عليك بتقوى الله، والرفق بمن معك من رعيتك، فإن معك أصحاب رسول الله ﷺ، أهل السابقة من المهاجرين والأنصار، فشاوروهم فيما نزل بك، ثم لا تخالفهم، وقدم أمامك الطلائع ترتاد لك المنازل، وسر فى أصحابك على تعبئة جيدة، فإذا لقيت أسدا وغطفان فبعضهم لك وبعضهم عليك، وبعضهم لا عليك ولا لك، متربص دائرة السوء، ينظر لمن تكون الدبرة، فيميل مع من تكون له الغلبة، ولكن الخوف عندى من أهل اليمامة، فاستعن بالله على قتالهم، فإنه بلغنى أنهم رجعوا بأسرهم، وإن كفاك الله الضاحية فامض إلى أهل اليمامة، فإنك تلقى عدوا كلهم عليك، لهم بلاد منكرة، فلا تؤتى إلا من مفازة، فارفق بجيشك فى تلك المفازة، فإن فى جيشك قوما أهل ضعف، أرجو أن تنصر بهم حتى تدخل بلادهم إن شاء الله تعالى.\rفإذا دخلت بلادهم فالحذر الحذر إذا لقيت القوم فقاتلهم بالسلاح الذى يقاتلونك به، السهم للسهم، والرمح للرمح، والسيف للسيف، فإن أعطاك الله الظفر عليهم، فأقل البقيا عليهم إن شاء الله تعالى، وإياك أن تلقانى غدا بما يضيق صدرى به منك، اسمع عهدى ووصيتى، لا تغيرن على دار سمعت فيها أذانا حتى تعلم ما هم عليه، وإياك وقتل من صلى، واعلم يا خالد أن الله يعلم من سريرتك ما يعلم من علانيتك، واعلم أن رعيتك إنما تعمل بما تراك تعمل، كف عليك أطرافك، وتعاهد جيشك، وانههم عما لا يصلح لهم، فإنما تقاتلون من تقاتلون بأعمالكم، وبهذا نرجو لكم النصر على أعدائكم، سر على بركة الله تعالى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084167,"book_id":3509,"shamela_page_id":730,"part":"2","page_num":101,"sequence_num":730,"body":"ذكر مسير خالد بن الوليد رضى الله عنه، إلى بزاخة وغيرها\rقالوا: وسار خالد بن الوليد ومعه عدى بن حاتم، وقد انضم إليه من طيىء ألف رجل، فنزل بزاخة، وكانت جديلة معرضة عن الإسلام، وهى بطن من طيىء، وكان عدى بن حاتم من الغوث، وقد همت جديلة أن ترتد، فجاءهم مكنف بن زيد الخيل الطائى، فقال: أتريدون أن تكونوا سبة على قومكم، لم يرجع رجل واحد من طيىء، وهذا أبو طريف عدى بن حاتم، معه ألف رجل من طيىء، فكسرهم، فلما نزل خالد بزاخة، قال لعدى: يا أبا طريف، ألا نسير إلى جديلة؟ فقال: يا أبا سليمان، لا تفعل، أقاتل معك بيدين أحب إليك، أم بيد واحدة؟ فقال خالد: بل بيدين، قال عدى: فإن جديلة إحدى يدى، فكف خالد عنهم، فجاءهم عدى فدعاهم إلى الإسلام، فأسلموا، فحمد الله وسار بهم إلى خالد.\rفلما رآهم خالد فزع منهم، وظن أنهم أتوا للقتال، فصاح فى أصحابه بالسلاح، فقيل له: إنما هى جديلة أتت تقاتل معك، فلما جاؤا حلوا ناحية، وجاءهم خالد، فرحب بهم، وفرح بهم، واعتذروا إليه من اعتزالهم، وقالوا: نحن لك حيث أحببت، فجزاهم خيرا، فلم يرتد من طيىء رجل واحد، فسار خالد على تعبئته، وطلب إليه عدى أن يجعل قومه مقدمة أصحابه، فقال: يا أبا طريف، إن الأمر قد اقترب، وأنا أخاف أن أقدم قومك، فإذا ألحمهم القتال انكشفوا، فانكشف من معنا، ولكن دعنى أقدم قوما صبرا، لهم سوابق ونيات، وهم من قومك.\rقال عدى: الرأى ما رأيت، فقدم المهاجرين، والأنصار، ولم يزل خالد يقدم طليعته منذ خرج من بقعاء حتى قدم اليمامة، وأمر عيونه أن يختبروا كل من مروا به عند مواقيت الصلاة بالأذان لها، فيكون ذلك أمانا لهم، ودليلا على إسلامهم، وانتهى خالد والمسلمون إلى عسكر طليحة، وقد ضربت لطليحة قبة من أدم، وأصحابه حوله معسكرون، فانتهى خالد ممسيا، فضرب عسكره على ميل أو نحوه من عسكر طليحة، وخرج يسير على فرس معه نفر من أصحاب النبى ﷺ، فوقف من عسكر طليحة غير بعيد، ثم قال: يخرج إلى طليحة، فقال أصحابه: لا تصغر اسم نبينا، وهو طلحة. فخرج طليحة فوقف، فقال له خالد: إن من عهد خليفتنا إلينا أن ندعوك إلى الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن تعود إلى ما خرجت منه، فنقبل منك، ونغمد سيوفنا عنك، فقال: يا خالد، أنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأنى رسول الله، وأنى نبى مرسل يأتينى ذو النون، كما كان جبريل يأتى محمدا، وقد كان ادعى هذا فى عهد النبى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084168,"book_id":3509,"shamela_page_id":731,"part":"2","page_num":102,"sequence_num":731,"body":"صلى الله عليه وسلم، فقال النبى ﷺ: لقد ذكر ملكا عظيما فى السماء يقال له: ذو النون، وكان عيينة بن حصن قد قال له: لا أبا لك، هل أنت مرينا بعض نبوتك، فقد رأيت ورأينا ما كان يأتى محمدا، قال: نعم، فبعث عيونا له حيث سار خالد بن الوليد من المدينة مقبلا إليهم قبل أن يسمع بذكر خالد، وقال: إن بعثتم فارسين على فرسين أغرين محجلين من بنى نصر بن قعين أتوكم من القوم بعين، فهيئوا فارسين، فبعثوهما، فخرجا يركضان، فلقيا عينا لخالد بن الوليد، فقالا: ما وراءك؟ فقال: هذا خالد بن الوليد فى المسلمين، قد أقبلوا، فأتوا به إليه، فزادهم فتنة، وقال: ألم أقل لكم؟.\rفلما أبى طليحة على خالد أن يقر بما دعاه إليه انصرف خالد إلى معسكره، فاستعمل تلك الليلة على حرسه مكنف بن زيد الخيل، وعدى بن حاتم، وكان لهما صدق نية ودين، فباتا يحرسان فى جماعة من المسلمين، فلما كان فى السحر، نهض خالد فعبأ أصحابه، ووضع ألويته مواضعها، ودفع اللواء الأعظم إلى زيد بن الخطاب، فتقدم به، وتقدم ثابت بن قيس بن شماس بلواء الأنصار، وطلبت طيىء لواء يعقد لها، فعقد خالد لواء ودفعه إلى عدى بن حاتم، فلما سمع طليحة حركة القوم عبأ أصحابه، وجعل خالد يسوى الصفوف على رجليه، وطليحة يسوى أصحابه على راحلته، حتى إذا استوت الصفوف زحف بهم خالد حتى دنا من طليحة، فلما انتهى إليه، خرج إليه طليحة بأربعين غلاما جلداء من جنوده، مردا، فأقامهم فى الميمنة، فقال: اضربوا حتى تأتوا الميسرة، فتضعضع الناس ولم يقتل أحد، ثم أقامهم فى الميسرة ففعلوا مثل ذلك، وانهزم المسلمون، فقال رجل من هوازن، حضرهم يومئذ: إن خالدا لما كان ذلك قال: يا معشر الأنصار، الله الله، واقتحم وسط القوم، وكر عليه أصحابه، فاختلطت الصفوف، واختلفت السيوف بينهم، وضرس خالد فى القتال، فجعل يقحم فرسه ويقولون له: الله الله، فإنك أمير القوم، ولا ينبغى لك أن تقدم، فيقول: والله إنى لأعرف ما تقولون، ولكنى والله ما رأيتنى أصبر، وأخاف هزيمة المسلمين.\rوفيما ذكر الكلبى عن بعض الطائيين: أنه نادى مناد من طيىء، يعنى عندما حمل أولئك الأربعون غلاما على المسلمين: يا خالد، عليك سلمى وأجأ فقال: بل إلى الله الملجأ، قال: ثم حمل، فو الله ما رجع حتى لم يبق من أولئك الأربعين رجل واحد، وقاتل خالد يومئذ بسيفين، حتى قطعهما، وتراد الناس بعد الهزيمة، واشتد القتال، وأسر حبال ابن أبى حبال، فأرادوا أن يبعثوا به إلى أبى بكر، فقال: اضربوا عنقى ولا ترونى محمديكم هذا، فضربوا عنقه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084169,"book_id":3509,"shamela_page_id":732,"part":"2","page_num":103,"sequence_num":732,"body":"وذكر الواقدى عن ابن عمر، قال: نظرت إلى راية طليحة يومئذ، حمراء يحملها رجل منهم لا يزول بها فترا، فنظرت إلى خالد أتاه فحمل عليه فقتله، فكانت هزيمتهم، فنظرت إلى الراية تطؤها الإبل والخيل والرجال حتى تقطعت.\rوعنه، قال: يرحم الله خالد بن الوليد، لقد كان له غناء وجرأة، ولقد رأيته يوم طليحة يباشر الحرب بنفسه حتى ليم فى ذلك، ولقد رأيته يوم اليمامة يقاتل أشد القتال، إن كان مكانه ليتقى حتى يطلع إلينا منبهرا.\rولما تراجع المسلمون، وضرس القتال، تزمل طليحة بكساء له ينتظر، زعم أن ينزل عليه الوحى، فلما طال ذلك على أصحابه وهدتهم الحرب، جعل عيينة بن حصن يقاتل ويذمر الناس.\rقال ابن إسحاق: قاتل يومئذ فى سبعمائة من فزارة قتالا شديدا، حتى إذا لج المسلمون عليهم بالسيف وقد صبروا لهم، أتى طليحة وهو متلثم فى كسائه، فقال: لا أبا لك، هل أتاك جبريل بعد؟ قال: يقول طليحة وهو تحت الكساء: لا والله ما جاء بعد، فقال عيينة: تبا لك سائر اليوم، ثم رجع عيينة فقاتل، وجعل يحض أصحابه وقد ضجوا من وقع السيوف.\rفلما طال ذلك على عيينة جاء طليحة وهو مستلق متسج بكسائه فجبذه جبذة جلس منها، وقال له: قبح الله هذه من نبوة، ما قيل لك بعد شىء؟ فقال: طليحة: قد قيل لى:\rإن لك رحا كرحاه، وأمرا لن تنساه، فقال عيينة: أظن قد علم الله أن سيكون لك أمر لن تنساه، يا فزارة، هكذا، وأشار له تحت الشمس، هذا والله كذاب، ما بورك له ولا لنا فيما يطالب، فانصرفت فزارة، وذهب عيينة وأخوه فى آثارها، فيدرك عيينة فأسر، وأفلت أخوه، ويقال: أسر عيينة عروة بن مضرس بن أوس بن حارثة بن لام الطائى، فأراد خالد قتله حتى كلمه فيه رجل من بنى مخزوم، فترك قتله.\rولما رأى طليحة أن الناس يقتلون ويؤسرون، خرج منهزما، وأسلمه الشيطان، فأعجزهم هو وأخوه، فجعل أصحابه يقولون له: ماذا ترى؟ وقد كان أعد فرسه وهيأ امرأته النوار فوثب على فرسه، وحمل امرأته وراءه فنجا بها، وقال: من استطاع منكم أن يفعل كما فعلت فليفعل، ولينج بأهله، ثم هرب حتى قدم الشام، فأقام عند بنى جفنة الغسانيين.\rوفى كتاب يعقوب الزهرى: أن طليحة قال لأصحابه لما رأى انهزامهم: ويلكم ما","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084170,"book_id":3509,"shamela_page_id":733,"part":"2","page_num":104,"sequence_num":733,"body":"يهزمكم؟ فقال له رجل منهم: أنا أخبرك أنه ليس منا رجل إلا وهو يحب أن صاحبه يموت قبله، وأنا نلقى قوما كلهم يحب أن يموت قبل صاحبه.\rوذكر ابن إسحاق أن طليحة لما ولى هاربا تبعه عكاشة بن محصن، وثابت بن أقرم، وقد كان طليحة أعطى الله عهدا أن لا يسأله أحد النزول إلا فعل، فلما أدبر ناداه عكاشة: يا طليحة، فعطف عليه، فقتل عكاشة، ثم أدركه ثابت، فقتله أيضا طليحة، ثم لحق بالشام. وقال طليحة يذكر قتله إياهما:\rزعمتم بأن القوم لن يقتلوكم ... أليسوا وإن لم يسلموا برجال\rعدلت لهم صدر الحمالة إنها ... معودة قيل الكماة نزال\rفيوما تفى بالمشرفية خدها ... ويوما تراها فى ظلال عوال\rويوما تراها فى الجلال مصونة ... ويوما تراها غير ذات جلال\rعشية غادرت ابن أقرم ثاويا ... وعكاشة الغنمى عند مجال\rفإن يك أذواد أصبن ونسوة ... فلن يذهبوا فرغا بقتل حبال\rوقد قيل فى قتلها غير هذا، وهو ما ذكره الواقدى عن عميلة الفزارى، وكان عالما بردتهم: أن خالد بن الوليد كان لما دنا من القوم بعث عكاشة وثابتا طليعة أمامه، وكانا فارسين، فلقيهما طليحة وأخاه مسيلمة ابنى خويلد، طليعة لمن وراءهما من الناس، وخلفوا عسكرهم من ورائهم، فلما التقوا، انفرد طليحة بعكاشة، ومسلمة بثابت، فلم يلبث مسلمة أن قتل ثابتا، وصرخ طليحة بمسلمة: أعنى على الرجل فإنه قاتلى، فكر معه على عكاشة، فقاتلاه ﵀، ثم كرا راجعين إلى من وراءهما، وأقبل خالد معه المسلمون، فلم يرعهم إلا ثابت بن أقرم قتيلا تطؤه المطى، فعظم ذلك على المسلمين، ثم لم يسيروا إلا يسيرا حتى وطئوا عكاشة قتيلا، فثقل على المطى، كما وصف واصفهم، حتى ما تكاد المطى ترفع أخفافها.\rوفى كتاب الزهرى: ثم لحقوا أصحاب طليحة، فقتلوا وأسروا، وصاح خالد: لا يطبخن رجل قدرا ولا يسخنن ماء إلا على أثفية رأس رجل، وتظلف رجل من بنى أسد، فوثب على عجز راحلة خالد وهو يقول:\rلن يخزى الله قوما أنت قائدهم ... يا ابن الوليد ولن تشقى بك الدبر\rكفاك كف عقاب عند سطوتها ... على العدو وكف برة عقر\rأنشدك الله أن يكون هلاك مضر اليوم على يديك، قال: من أنت ويحك؟ قال: أنا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084171,"book_id":3509,"shamela_page_id":734,"part":"2","page_num":105,"sequence_num":734,"body":"الأباء بن قيس يا خالد، حكمك فى بنى أسد، قال: حكمى فيهم أن يقيموا الصلاة، ثم يؤتوا الزكاة، ثم يرجعوا إلى بلادهم، فمن كان له بها مال فليعمده، وليسلم عليه، فهو له. فأقروا بذلك، فنادى خالد: من قام فهو آمن، فقام الناس كلهم، فآمن من قام.\rوسمعت بذلك بنو عامر، فأعلنوا بالإسلام، وأمر خالد بالحظائر أن تبنى، ثم أوقد فيها النار، ثم أمر بالأسرى، فألقيت فيها، وألقى يومئذ حامية بن سبيع بن الحسحاس الأسدى، وهو الذى كان رسول الله ﷺ، استعمله على صدقات قومه فارتد عن الإسلام.\rوأخذ أم طليحة، إحدى نساء بنى أسد، فعرض عليها الإسلام، فأبت، ووثبت فاقتحمت النار وهى تقول:\rيا موت عم صباحا ... كافحته كفاحا\rإذا لم أجد براحا\rوذكر الواقدى عن يعقوب بن يزيد بن طلحة: أن خالدا جمع الأسارى فى الحظائر، ثم أضرمها عليهم، فاحترقوا وهم أحياء، ولم يحرق أحد من بنى فزارة، فقلت لبعض أهل العلم: لم حرق هؤلاء من بين أهل الردة؟ فقال: بلغت عنهم مقالة سيئة، شتموا النبى ﷺ، وثبتوا على ردتهم.\rوذكر عن غير يعقوب: أن خالدا أمر بالأخدود يحفر، فقيل له: ما تريد بهذا الأخدود؟ قال: أحرقهم بالنار، فكلم فى ذلك، فقال: هذا عهد الصديق أبى بكر إلى، اقرؤه فى كل مجمع: إن أظفرك الله بهم فاحرقهم بالنار.\rوعن عبد الله بن عمر، قال: شهدت بزاخة فظفرنا الله على طليحة، فكنا كلما أغرنا على القوم سبينا الذرارى واقتسمنا أموالهم.\rذكر رجوع بنى عامر وغيرهم إلى الإسلام\rولما أوقع الله ببنى أسد وفزارة ما أوقع ببزاخة بعث خالد بن الوليد السرايا ليصيبوا ما قدروا عليه ممن هو على ردته، وجعلت العرب تسير إلى خالد راغبة فى الإسلام أو خائفة من السيف، فمنهم من أصابته السرية، فيقول: جئت راغبا فى الإسلام، وقد رجعت إلى ما خرجت منه، ومنهم من يقول: ما رجعنا ولكنا منعنا أموالنا وشححنا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084172,"book_id":3509,"shamela_page_id":735,"part":"2","page_num":106,"sequence_num":735,"body":"عليها، فقد سلمناها فليأخذ منها حقه، ومنهم من لم تظفر به السرايا، فانتهى إلى خالد مقرا بالإسلام، ومنهم من مضى إلى أبى بكر الصديق ولم يقرب خالدا.\rقال الواقدى: فاختلفوا علينا فى قرة بن هبيرة القشيرى «١» ، فقال قائل: هرب إلى أبى بكر وأسلم عنده، وقال قائل: أخذته خيل خالد، فأتت به إليه، ومنهم من قال: جاء إلى خالد بن الوليد شاردا حين جاءت بنو عامر إلى خالد، وهو أثبت عندنا.\rقال بعضهم: وكانت بنو عامر تربص لمن الدبرة، وصاحب أمرهم قرة بن هبيرة، فقام فيهم أبو حرب ربيعة بن خويلد العقيلى، وهو يومئذ، فارس عامر ورجلها، فقال: مهلا يا بنى عامر، قد قتلتم رسل رسول الله ﷺ، إلى بئر معونة، وأخفرتم ذمة أبى براء، وأرداكم عامر بن الطفيل، وقد أظلكم خالد فى المهاجرين والأنصار، فكسرهم قوله، وقد رضوه، وكان عرض لعمرو بن العاص مقدمه من عمان بعد وفاة رسول الله ﷺ، مع قرة بن هبيرة ما نذكره، وذلك أن عمرا كان عاملا للنبى ﷺ، على عمان، فجاءه يوما يهودى من يهود عمان، فقال: أرأيتك إن سألتك عن شىء أأخشى على منك؟ قال: لا، قال اليهودى: أنشدك الله، من أرسلك إلينا؟ قال: اللهم، رسول الله ﷺ، فقال اليهودى:\rالله إنك لتعلم أنه رسول الله؟ قال عمرو: اللهم نعم، فقال اليهودى: لئن كان حقا ما تقول لقد مات اليوم.\rفلما رأى عمرو ذلك جمع أصحابه وحواشيه، وكتب ذلك اليوم الذى قال له اليهودى فيه ما قال، ثم خرج بخفراء من الأزد وعبد القيس، يأمن بهم، فجاءته وفاة رسول الله ﷺ بهجر، ووجد ذكر ذلك عند المنذر بن ساوى، فسار حتى قدم أرض بنى حنيفة، فأخذ منهم خفيرا حتى جاء أرض بنى عامر، فنزل على قرة بن هبيرة القشيرى، فقال له حين أراد عمرو أن يركب: إن لك عندى نصيحة، وأنا أحب أن تسمعها، إن صاحبك قد توفى، قال عمرو: وصاحبنا هو لا أم لك، يعنى دونك، قال له قرة: وإنكم يا معشر قريش كنتم فى حرمكم تأمنون فيه ويأمنكم الناس، ثم خرج منكم رجل يقول ما سمعت، فلما بلغنا ذلك لم نكرهه، وقلنا، رجل من مضر يريد يسوق الناس، وقد توفى، والناس إليكم سراع، وإنهم غير معطيكم شيئا، فالحقوا بحرمكم تأمنون فيه، وإن كنت غير فاعل، فعدنى حيث شئت آتك، فوقع به عمرو وقال: إنى أرد عليك نصيحتك، وموعدك حفش أمك، قال قرة: إنى لم أرد هذا، وندم على مقالته، ويقال:","footnotes":"(١) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٢١٣٨) ، الإصابة الترجمة رقم (٧١٢١) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٤٢٩٦) ، الجرح والتعديل (٧/ ٧٤٠) ، التاريخ الكبير (٧/ ١٨١) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084173,"book_id":3509,"shamela_page_id":736,"part":"2","page_num":107,"sequence_num":736,"body":"خرج مع عمرو فى مائة من قومه خفراء له. وأقبل عمرو بن العاص يلقى الناس مرتدين، حتى أتى على ذى القصة، فلقى عيينة بن حصن خارجا من المدينة، وذلك حين قدم على أبى بكر يقول: إن جعلت لنا شيئا كفيناك ما وراءنا، فقال له عمرو بن العاص: ما وراءك يا عيينة؟ من ولى الناس أمورهم؟ قال: أبو بكر. فقال عمرو: الله أكبر، قال عيينة: يا عمرو، استوينا نحن وأنتم، فقال عمرو: كذبت يا ابن الأخابث من مضر، وسار عيينة فجعل يقول لكل من لقى من الناس: احبسوا عليكم أموالكم. قالوا: فأنت ما تصنع؟ قال: لا يدفع إليه رجل من فزارة عناقا واحدة، ولحق عند ذلك بطليحة الأسدى، فكان معه.\rوقدم عمرو المدينة، فأخبر أبا بكر بما كان فى وجهه، وبمقالة قرة بن هبيرة، وبمقالة عيينة بن حصن، وأتى عمرو خالدا حين بعثه أبو بكر إلى أهل الردة، فجعل يقول: يا أبا سليمان، لا يفلت منك قرة بن هبيرة، فلما صنع الله بأهل بزاخة ما صنع، عمد خالد إلى جبلى طيىء فأتته عامر وغطفان يدخلون فى الإسلام، ويسألونه الأمان على مياههم وبلادهم، وأظهروا له التوبة، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، فأمنهم خالد، وأخذ عليهم العهود والمواثيق ليبايعن على ذلك أبناءكم ونساءكم آناء الليل وآناء النهار، فقالوا: نعم نعم، ولما اجتمعوا إليه، قال خالد: أين قرة بن هبيرة القشيرى؟ قال: ها أنا ذا، قال: قدمه فاضرب عنقه، وقال: أنت المتكلم لعمرو بن العاص بما تكلمت به وأنت المتربص بالمسلمين الدوائر، ولم تنصر وقلت إن كانت الدائرة على المسلمين فمالى بيدى، وجمعت قومك على ذلك، ورأسك قومك، ولم تكن بأهل أن ترأس ولا تطاع. قال: يا ابن المغيرة، إن لى عند عمرو بن العاص شهادة، فقال خالد: عمرو الذى نقل عنك إلى الخليفة ما تكلمت به.\rويروى أنه قال له هذا ما قال لك عمرو: سيأتيك فى حفش أمك. فقال له قرة: يا أبا سليمان، إنى قد أجرته فأحسنت جواره، وأنا مسلم لم أرتد، فقال: لولا ما تذكر لضربت عنقك، ولكن لا بد أن أبعث بك فى وثاق إلى أبى بكر فيرى فيك رأيه، فلما فرغ من بيعة بنى عامر أوثق عيينة بن حصن، وقرة بن هبيرة، وبعث بهما إلى أبى بكر الصديق.\rقال ابن عباس: فقدم بهما المدينة فى وثاق، فنظرت إلى عيينة مجموعة يداه إلى عنقه بحبل ينخسه غلمان المدينة بالجريد، ويضربونه، ويقولون: أى عدو الله، أكفرت بالله بعد إيمانك؟ فيقول: والله ما كنت آمنت بالله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084174,"book_id":3509,"shamela_page_id":737,"part":"2","page_num":108,"sequence_num":737,"body":"قالوا: ووقف عليه عبد الله بن مسعود، فقال: خبت وخسرت، إنك لموضع فى الباطل قديما، فقال له عيينة: اقصر أيها الرجل، فلولا ما أنا فيه لم تكلمنى بما تكلمنى به، فانصرف ابن مسعود، وأتى بقرة بن هبيرة، فقال: يا خليفة رسول الله، والله ما كفرت، وسل عمرو بن العاص، فإن لى عنده شهادة، لما أقبل من عمان خرجت فى مائة من قومى خفراء له، وقبل ذلك ما أكرمت منزله، ونحرت له، فسأل أبو بكر رضى الله عنه، عمرا، فقال: نزلت به، فلم أر للضيف خيرا منه، لم يترك، وخرج معى فى مائة من قومه؛ ثم ذكر عمرو ما قال له قرة، فقال قرة: انزع يا عمرو، فقال عمرو: لو نزعت نزعت، فلم يعاقبه أبو بكر، وعفا عنه، وكتب له أمانا، وقبل منه.\rوكان فيمن ارتد من بنى عامر ولم يرجع معهم علقمة بن علاثة بن عوف بن الأحوص بن جعفر، فبعث أبو بكر إلى ابنته وامرأته ليأخذهما، فقالت امرأته: مالى ولأبى بكر، إن كان علقمة قد كفر فإنى لم أكفر، فتركها، ثم راجع علقمة الإسلام زمن عمر رضى الله عنه، فرد عليه زوجته.\rوأخذ خالد بن الوليد من بنى عامر وغيرهم من أهل الردة ممن جامعهم وبايعه على الإسلام كل ما ظهر من سلاحهم، واستحلفهم على ما غيبوا عنه، فإن حلفوا تركهم، وإن أبوا شدهم أسرا حتى أتوا بما عندهم من السلاح، فأخذ منهم سلاحا كثيرا، فأعطاه أقواما يحتاجون إليه فى قتال عدوهم، وكتبه عليهم، فلقوا به العدو ثم ردوه بعد، فقدم به على أبى بكر، رضى الله عنه.\rوحدث يزيد بن شريك الفزارى، عن أبيه، قال: قدمت مع أسد وغطفان على أبى بكر وافدا حين فرغ خالد من بزاخة، وجعلت أسد وغطفان تسلل، فاجتمعوا عند أبى بكر، فمنهم من بايع خالدا، ومنهم من لم يبايعه، فجاؤا إلى أبى بكر، فقال أبو بكر:\rاختاروا بين خصلتين: حرب مجلية أو سلم مخزية، قال خارجة بن حصن: هذه الحرب المجلية قد عرفتها، فلما السلم المخزية؟.\rقال: تقرون أن قتلانا فى الجنة، وأن قتلاكم فى النار، وأن تردوا علينا ما أخذتم منا، ولا نرد عليكم مما أخذنا منكم شيئا، وأن تدوا قتلانا دية كل قتيل مائة بعير، منها أربعون فى بطونها أولادها، ولا ندى قتلاكم، ونأخذ منكم الحلقة والكراع، وتلحقون بأذناب الإبل حتى يرى الله خليفة نبيه والمؤمنين ما شاء فيكم أو يرى منكم إقبالا إلى ما خرجتم منه. فقال خارجة بن حصن: نعم يا خليفة رسول الله، قال أبو بكر: عليكم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084175,"book_id":3509,"shamela_page_id":738,"part":"2","page_num":109,"sequence_num":738,"body":"عقد الله وميثاقه أن تقوموا بالقرآن آناء الليل وآناء النهار، وتعلموه أولادكم ونساءكم، ولا تمنعوا فرائض الله فى أموالكم، قالوا: نعم، فقال عمر: يا خليفة رسول الله، كل ما قلت كما قلت إلا أن يدوا من قتلوا منا، فإنهم قوم قتلوا فى سبيل الله، واستشهدوا.\rوفى رواية: فتتابع الناس على قول عمر، وقبض أبو بكر رضى الله عنه، كل ما قدر عليه من الحلقة والكراع، فلما توفى، رأى عمر رضى الله عنه، أن الإسلام قد ضرب بجرانه، فدفعه إلى أهله، أو إلى عصبة من مات منهم.\rولما فرغ خالد من بزاخة وبنى عامر ومن يليهم، أظهر أن أبا بكر عهد إليه أن يسير إلى أرض بنى تميم وإلى اليمامة، فقال ثابت بن قيس بن شماس، وهو على الأنصار، وخالد على جماعة المسلمين: ما عهد إلينا ذلك، وما نحن بسائرين، وليست بنا قوة، وقد كلّ المسلمون، وعجف كراعهم. فقال خالد: أما أنا فلست بمستكره أحدا منكم، فإن شئتم فسيروا، وإن شئتم فأقيموا، فسار خالد ومن تبعه من المهاجرين وأبناء العرب، عامدا لأرض بنى تميم، واليمامة، وأقامت الأنصار يوما أو يومين، ثم تلاومت فيما بينها، وقالوا: والله ما صنعنا شيئا، والله لئن أصيب القوم ليتولن: أخذلتموهم وأسلمتموهم، وإنها لسبة باق عارها آخر الدهر، ولئن أصابوا خيرا وفتح الله فتحا، إنه لخير منعتموه، فابعثوا إلى خالد يقيم لكم حتى تلحقوه، فبعثوا إليه مسعود بن سنان، ويقال: ثعلبة بن غنمة، فلما جاءه الخبر أقام حتى لحقوه، فاستقبلهم فى كثرة من معه من المسلمين، لما أطلوا على العسكر حتى نزلوا، وساروا جميعا حتى انتهى خالد بهم إلى البطاح من أرض بنى تميم، فلم يجد بها جمعا، ففرق السرايا فى نواحيها، وكان فى سرية منها أبو قتادة الأنصارى.\rقال: فلقينا رجل، فقلنا: ممن أنت؟ قال: من بنى حنظلة، فقلنا: أين من يمنع الصدقة منا الآن؟ قال: هم بمكان كذا وكذا، فقلت: كم بيننا؟ قال: مائة، فانطلقنا سراعا حتى أتيناهم حين طلعت الشمس، ففزعوا حين رأونا، وأخذوا السلاح، وقالوا: من أنتم؟ قلنا:\rنحن عباد الله المسلمون، قالوا: ونحن عباد الله المسلمون، وكانوا اثنى عشر رجلا، فيهم مالك بن نويرة، قلنا: فضعوا السلاح واستسلموا، ففعلوا، فأخذناهم، فجئنا بهم خالدا.\rوذكر من خبرهم ما يأتى بعد إن شاء الله تعالى.\rوكان مالك بن نويرة قد بعثه النبى ﷺ، مصدقا إلى قومه بنى حنظلة، وكان سيدهم، فجمع صدقاتهم، فلما بلغته وفاة النبى ﷺ، جفل إبل الصدقة، أى ردها من حيث","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084176,"book_id":3509,"shamela_page_id":739,"part":"2","page_num":110,"sequence_num":739,"body":"جاءت، فلذلك سمى الجفول، وجمع قومه، فقال: إن هذا الرجل قد هلك، فإن قام قائم من قريش بعد نجتمع عليه جميعا، إن رضى منكم أن تدخلوا فى أمره، ولم يطلب ما مضى من هذه الصدقة أبدا، ولم تكونوا أعطيتم الناس أموالكم، فأنتم أولى بها وأحق، فتسارع إليه جمهور قومه وفرحوا بذلك، فقام ابن قعنب، وكان سيد بنى يربوع، فقال:\rيا بنى تميم، بئس ما ظننتم، أن ترجعوا فى صدقاتكم ولا يرجع الله فى نعمه عليكم، وأن تجردوا للبلاء ويلبسكم الله العافية، وأن تستشعروا خوف الكفر، وأن تسكنوا فى أمن الإسلام، إنكم أعطيتم قليلا من كثير، والله مذهب الكثير بالقليل ومسلط على أموالكم غدا من لا يأخذها على الرضى ولا يخيركم فى الصدقة، وإن منعتموها قتلتم، فأطيعوا الله واعصوا مالكا.\rفقام مالك، فقال: يا معشر بنى تميم، إنما رددت عليكم أموالكم إكراما لكم، وبقيا عليكم، وإنه لا يزال يقوم قائم منكم يخطئنى فى ردها عليكم ويخطئكم فى أخذها، فما أغنانى عما يضرنى ولا ينفعكم، فو الله ما أنا بأحرصكم على المال، ولا بأجزعكم من الموت، ولا بأخفاكم شخصا إن أقمت، ولا بأخفكم رحلة إن هربت، فترضاه عند ذلك بنو حنظلة، وأسندوا إليه أمرهم، وقالوا: حربنا حربك وسلمنا سلمك، فأخذوا أموالهم، وأبى الله إلا أن يتم أمره فيهم، وقال فى ذلك مالك:\rوقال رجال سدد اليوم مالك ... وقال رجال مالك لم يسدد\rفقلت دعونى لا أبا لأبيكم ... فلم أخط رأيا فى المعاد ولا البد\rوقلت خذوا أموالكم غير خائف ... ولا ناظر فيما يجىء به غد\rفدونكموها إنها صدقاتكم ... مصررة أخلافها لم تحرد\rسأجعل نفسى دون ما تحذرونه ... وأرهنكم يوما بما قلته يدى\rفإن قام بالأمر المخوف قائم ... أطعنا وقلنا الدين دين محمد\rولما بلغ ذلك أبا بكر والمسلمين حنقوا على مالك، وعاهد الله خالد بن الوليد لئن أخذه ليقتلنه، ثم ليجعلن هامته أثفية للقدر، فلما أتى به أسيرا فى نفر من قومه، أخذوا معه كما تقدم.\rاختلف فيه الذين أخذوهم، فقال بعضهم: قد والله أسلموا، فما لنا عليهم من سبيل وفيمن شهد بذلك أبو قتادة الأنصارى، وكان معهم فى تلك السرية، وقالوا: إنا قد أذنا فأذنوا، ثم أقمنا فأقاموا، ثم صلينا فصلوا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084177,"book_id":3509,"shamela_page_id":740,"part":"2","page_num":111,"sequence_num":740,"body":"وكان من عهد أبى بكر إلى خالد أن: أيما دار غشيتموها فسمعتم الأذان فيها بالصلاة فأمسكوا عن أهلها حتى تسألوهم ماذا نقموا وماذا يبغون، وأيما دار غشيتموها فلم تسمعوا فيها الأذان، فشنوا عليها الغارة، فاقتلوا وحرقوا.\rوشهد بعض من كان فى تلك السرية أنهم لم يسلموا، وأنهم لم يسمعوهم كبروا ولا أذنوا، وأن قتلهم وسبيهم حلال، وكان ذلك رأى خالد فيهم.\rقال أبو قتادة: فجئته فقلت: أقاتل أنت هؤلاء القوم؟ قال: نعم، قلت: والله ما يحل لك قتلهم، ولقد اتقونا بالإسلام، فما عليهم من سبيل، ولا أتابعك على قتلهم، فأمر بهم خالد فقتلوا.\rقال أبو قتادة: فتسرعت حتى قدمت على أبى بكر، فأخبرته الخبر، وعظمت عليه الشأن، فاشتد فى ذلك عمر، وقال: ارجم خالدا، فإنه قد استحل ذلك، فقال أبو بكر:\rوالله لا أفعل، إن كان خالد تأول أمرا فأخطأه.\rوذكر يعقوب بن محمد الزهرى والواقدى فى مقتل مالك بن نويرة روايات غير ما تقدم، أستغنى عن إيرادها بما ذكر هنا. وفى بعض ذلك أن خالدا أمر برأسه فجعل أثفية لقدر حسب ما تقدم من نذره ذلك، وكان من أكثر الناس شعرا، فكانت القدر على رأسه، فراحوا وإن شعره ليدخن وما خلصت النار إلى شواة رأسه.\rوعاتب أبو بكر خالدا لما قدم عليه فى قتل مالك بن نويرة مع ما شهد له به أبو قتادة وغيره، فاعتذر إليه خالد، وزعم أنه سمع منه كلاما استحل به قتله، فعذره أبو بكر وقبل منه.\rورثا متمم بن نويرة «١» أخاه مالكا بقصائد كثيرة منها قصيدته المشهورة المتخيرة فى مراثى العرب التى يقول فيها «٢» :\rوكنا كندمانى جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل لن نتصدعا\rفلما تفرقنا كأنى ومالكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا\rويروى أن عمر بن الخطاب ﵀، قال لمتمم بن نويرة: لوددت أنى رثيت أخى زيدا بمثل ما رثيت به مالكا أخاك، وكان زيد أصيب يوم اليمامة، فقال له متمم: يا أبا","footnotes":"(١) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٢٥٤١) ، الإصابة الترجمة رقم (٧٧٣٣) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٤٦٦٦) .\r(٢) انظر الأبيات فى ديوانه ص (١١) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084178,"book_id":3509,"shamela_page_id":741,"part":"2","page_num":112,"sequence_num":741,"body":"حفص، والله لو علمت أن أخى صار حيث صار أخوك ما رثيته، فقال عمر: ما عزانى أحد عن أخى بمثل تعزيته.\rقصة مسيلمة الكذاب وردة أهل اليمامة «١»\rعن رافع بن خديج قال: قدمت على النبى ﷺ، وفود العرب، فلم يقدم علينا وفد أقسى قلوبا ولا أحرى أن يكون الإسلام لم يقر فى قلوبهم من بنى حنيفة.\rوقد تقدم ذكر قدوم مسيلمة فى قومه، وأنه ذكر لرسول الله ﷺ، فقال: «أما أنه ليس بشركم مكانا، لما كانوا أخبروه به من أنهم تركوه فى رحالهم حافظا لها» «٢» .\rويروى من حديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ، ذكر له مسيلمة، قال عندما قدم فى قومه: لو جعل لى محمد الخلافة من بعده لاتبعته، فجاءه رسول الله ﷺ، معه ثابت بن قيس بن شماس، وفى يد رسول الله ﷺ، ميتخة من نخل فوقف عليه، ثم قال: «لئن أقبلت ليفعلن الله بك، ولئن أدبرت ليقطعن الله دابرك، وما أراك إلا الذى رأيت فيه ما رأيت، ولئن سألتنى هذه الشظية، لشظية من الميتخة التى فى يده، ما أعطيتكها، وهذا ثابت يجيبك» .\rقال ابن عباس: فسألت أبا هريرة عن قول النبى ﷺ: ما أراك إلا الذى رأيت فيه ما رأيت، قال: كان رسول الله ﷺ، قال: «بينا أنا نائم، رأيت فى يدى سوارين من ذهب، فنفختهما فطارا، فوقع أحدهما باليمامة، والآخر باليمن، قيل: ما أولتهما يا رسول الله؟\rقال: أولتهما كذابين يخرجان من بعدى» «٣» .\rولما انصرف فى قومه إلى اليمامة، ارتد عدو الله، وادعى الشركة فى النبوة مع النبى ﷺ، وقال للوفد الذين كانوا معه: «ألم يقل لكم حين ذكرتمونى له: أما أنه ليس بشركم مكانا، ما ذاك إلا لما علم أنى أشركت فى الأمر معه» ، وكتب إلى رسول الله ﷺ: من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، أما بعد، فإنى قد أشركت فى الأمر معك، وإن لنا نصف الأرض ولقريش نصفها، ولكن قريشا قوم يعتدون.","footnotes":"(١) راجع: المنتظم (٤/ ٧٩- ٨٣) ، تاريخ الطبرى (٣/ ٢٨٠- ٢٨١) .\r(٢) انظر الحديث فى: فتح البارى لابن حجر (٧/ ٦٩١) ، الطبقات الكبرى لابن سعد (١/ ٣١٧) .\r(٣) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (٥/ ٢١٧، ٩/ ٥٢) ، مسند الإمام أحمد (١/ ٢٦٣) ، البداية والنهاية لابن كثير (٥/ ٥٠) ، فتح البارى لابن حجر (١٢/ ٤٢٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084179,"book_id":3509,"shamela_page_id":742,"part":"2","page_num":113,"sequence_num":742,"body":"وقدم على رسول الله ﷺ، بهذا الكتاب رسولان لمسيلمة، فقال لهما رسول الله ﷺ حين قرآ كتابه: «فما تقولان أنتما؟» قالا: نقول كما قال، فقال: «أما والله لولا أن الرسل ما تقتل لضربت أعناقكما» ، ثم كتب إلى مسيلمة: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله، إلى مسيلمة الكذاب، أما بعد، فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين «١» » .\rقال ابن إسحاق: وكان ذلك فى آخر سنة عشر، وذكر غيره أن ذلك كان بعد انصراف النبى ﷺ، من حجة الوداع، ووقوعه فى المرض الذى توفاه الله فيه، فالله تعالى أعلم.\rوجد بعدو الله ضلاله بعد وفاة رسول الله ﷺ، وأصفقت معه حنيفة على ذلك، إلا أفدادا من ذوى عقولهم، ومن أراد الله به الخير منهم، وكان من أعظم ما فتن به قومه شهادة الرجال بن عنفوة له بإشراك النبى ﷺ، إياه فى الأمر، وكان من قصة الرجال أنه قدم مع قومه وافدا على النبى ﷺ، فقرأ القرآن وتعلم السنن.\rقال ابن عمر: وكان من أفضل الوفد عندنا، قرأ البقرة وآل عمران، وكان يأتى أبيا يقرئه فقدم اليمامة، وشهد لمسيلمة على رسول الله ﷺ، أنه أشركه فى الأمر من بعده، فكان أعظم أهل اليمامة فتنة من غيره، لما كان يعرف به.\rوقال رافع بن خديج: كان بالرجال من الخشوع ولزوم قراءة القرآن والخير فيما نرى شىء عجيب، خرج علينا رسول الله ﷺ، يوما وهو معنا جالس مع نفر، فقال: «أحد هؤلاء النفر فى النار» «٢» . قال رافع: فنظرت فى اليوم، فإذا بأبى هريرة وأبى أروى الدوسى وطفيل بن عمرو الدوسى، والرجال بن عنفوة، فجعلت أنظر وأعجب، وأقول:\rمن هذا الشقى؟ فلما توفى رسول الله ﷺ، رجعت بنو حنيفة، فسألت: ما فعل الرجال؟\rقالوا: افتتن، هو الذى شهد لمسيلمة على رسول الله ﷺ، أنه أشركه فى الأمر من بعده، فقلت: ما قال رسول الله ﷺ فهو حق.\rقالوا: وسمع الرجال يقول: كبشان انتطحا، فأحبهما إلينا كبشنا. وكان ابن عمير اليشكرى من سراة أهل اليمامة وأشرافهم، وكان مسلما يكتم إسلامه، وكان صديقا","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٦/ ٣٨٤) ، مسند أبى حنيفة (١٨٠) .\r(٢) انظر الحديث فى: معجم الطبرانى الكبير (٤/ ٣٣٨) ، إتحاف السادة المتقين للزبيدى (٧/ ١٨١) ، مجمع الزوائد للهيثمى (٨/ ٢٩٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084180,"book_id":3509,"shamela_page_id":743,"part":"2","page_num":114,"sequence_num":743,"body":"للرجال، فقال شعرا فشا فى اليمامة حتى كانت المرأة والوليدة والصبى ينشدونه، فقال:\rيا سعاد الفؤاد بنت أثال ... طال ليلى بفتنة الرجال\rإنها يا سعاد من حديث الده ... ر عليكم كفتنة الرجال\rفتن القوم بالشهادة والل ... هـ عزيز ذو قوة ومحال\rلا يساوى الذى يقول من الأم ... ر قبالا وما احتذى من قبال\rإن دينى دين النبى وفى القو ... م رجال على الهدى أمثالى\rأهلك القوم محكم بن طفيل ... ورجال ليسوا لنا برجال\rبزهم أمرهم مسيلمة اليو ... م فلن يرجعوه أخرى الليالى\rقلت للنفس إذ تعاظمها الصب ... ر وساءت مقالة الأقوال\rربما تجزع النفوس من الأم ... ر له فرجة كحل العقال\rإن تكن ميتتى على فطرة الل ... هـ حنيفا فإننى لا أبالى\rفبلغ ذلك مسيلمة، ومحكما، وأشراف أهل اليمامة، فطلبوه، ففاتهم، ولحق بخالد بن الوليد، فأخبره بحال أهل اليمامة، ودله على عوراتهم، وقالوا: إن رجلا من بنى حنيفة كان أسلم، وأقام عند رسول الله ﷺ، فحسن إسلامه، فأرسله رسول الله ﷺ، إلى مسيلمة ليقدم به عليه، وقال الحنفى: إن أجاب أحدا من الناس أجابنى، وعسى أن يجيبه الله، فخرج حتى أتاه، فقال: إن محمدا قد أحب أن تقدم عليه، فإنك لو جئته لم يفارقك إلا عن رضى، ورفق له، وجعل يأتيه خاليا، فيلقى هذا القول إليه، فلما أكثر عليه قال:\rانظر فى ذلك، فشاور الرجال بن عنفوة وأصحابه، فقالوا: لا تفعل، إن قدمت عليه قتلك، ألم تسمع كلامه وما قال.\rفأبى مسيلمة أن يقدم معه على رسول الله ﷺ، وبعث معه رجلين ممن يصدق به ليكلماه ويخبراه بما قال الحنفى، فخرج الرسولان حتى قدما على رسول الله ﷺ، مع رسوله، فتشهد أحدهما برسول الله وحده، ثم كلمه بما بدا له، فلما قضى كلامه تشهد الآخر، فذكر رسول الله وذكر مسيلمة، فقال رسول الله ﷺ: «كذبت، خذوا هذا فاقتلوه» ، فثار المسلمون إليه يلببونه، وأخذ صاحبه بحجزه وجعل يقول: يا رسول الله، اعف عنه، بأبى أنت وأمى، فيجاذبه إياه المسلمون، فلما أرسلوه تشهد بذكر رسول الله، ﷺ وحده، وأسلم هو وصاحبه، فلما توفى رسول الله ﷺ خرجا فقدما على أهليهما باليمامة، وقد فتن الذى أمسك بحجزة صاحبه ذلك، فقتل مع مسيلمة، وثبت المسمك بحجزته، وكان بعد يخبر خالد بن الوليد بعورة بنى حنيفة، وأخبر رسول الله ﷺ، رسوله","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084181,"book_id":3509,"shamela_page_id":744,"part":"2","page_num":115,"sequence_num":744,"body":"إلى مسيلمة كيف رفق به حتى أراد أن يقدم لولا أن الرجال نهاه، فقال رسول الله ﷺ:\rيقتله الله، ويقتل الرجال معه، ففعل الله ذلك بهما، وأنجز وعده فيهما.\rواستضاف مسيلمة إلى ضلاله فى دين الله وتكذبه على الله ضلالة سجاح، وكانت امرأة من بنى تميم، أجمع قومها أنها نبية، فادعت الوحى، واتخذت مؤذنا وحاجبا ومنبرا، فكانت العشيرة إذا اجتمعت تقول: الملك فى أقربنا من سجاح، وفيها يقول عطارد بن حاجب بن زرارة:\rأضحت نبيتنا أنثى نطيف بها ... وأصبحت أنبياء الناس ذكرانا\rثم إن سجاح رحلت تريد حرب مسيلمة، وأخرجت معها من قومها من تابعها على قولها وهم يرون أن سجاح أولى بالنبوة من مسيلمة، فلما قدمت عليه خلا بها، وقال لها: تعالى نتدارس النبوة، أينا أحق؟ فقالت سجاح: قد أنصفت، وفى الخبر بعد هذا من قوله ما يحق الإعراض عن ذكره.\rوقد قيل إن سجاح إنما توجهت إلى مسيلمة مستجيرة به لما وطئ خالد العرب ورأت أنه لا أحد أعز لها منه، وقد كانت أمرت مؤذنها شبت بن ربعى أن يؤذن بنبوة مسيلمة، فكان يفعل، فلما قدمت على مسيلمة قالت: اخترتك على من سواك ونوهت باسمك، حتى إن مؤذنى ليؤذن بنبوتك، فخلا بها ليتدارسا النبوة.\rولما قتل مسيلمة، أخذ خالد بن الوليد سجاح، فأسلمت ورجعت إلى ما كانت عليه، ولحقت بقومها.\rوعظمت فتنة بنى حنيفة بكذابهم هذا حتى كان يدعو لمريضهم ويبرك على مولودهم، ولا ينهاهم عن اغترارهم به ما يشاهدون من قلة غنائه عنهم. جاءه قوم بمولود، فمسح رأسه فقرع وقرع كل مولود له، وجاءه آخر، فقال: يا أبا ثمامة، إنى ذو مال، وليس لى مولود يبلغ سنتين حتى يموت غير هذا المولود، وهو ابن عشر سنين، ولى مولود ولد أمس، فأحب أن تبارك فيه وتدعو أن يطيل الله عمره، فقال: سأطلب لك الذى طلبت، فجعل عمر المولود أربعين سنة، فرجع الرجل إلى منزله مسرورا، فوجد الأكبر قد تردى فى بئر، ووجد الصغير ينزع فى الموت، فلم يمس من ذلك اليوم حتى ماتا جميعا، تقول أمهما: فلا والله ما لأبى ثمامة عند إلهه مثل منزلة محمد ﷺ.\rقالوا: وحفرت بنو حنيفة بئرا، فأعذبوها نتاحا، فجاؤا إلى مسيلمة، فطلبوا إليه أن يأتيها، وأن يبارك فيها، فأتاها، فبصق فيها، فعادت أجاجا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084182,"book_id":3509,"shamela_page_id":745,"part":"2","page_num":116,"sequence_num":745,"body":"وكان أبو بكر الصديق رضى الله عنه، قد عاهد خالدا إذا فرغ من أسد وغطفان والضاحية أن يقصد اليمامة، وأكد عليه فى ذلك، فلما أظفر الله خالدا بأولئك تسلل بعضهم إلى المدينة يسألون أبا بكر أن يبايعهم على الإسلام ويؤمنهم، فقال لهم: بيعتى إياكم وأمانى لكم أن تلحقوا بخالد بن الوليد ومن معه من المسلمين، فمن كتب إلى خالد بأنه حضر معه اليمامة فهو آمن، فليبلغ شاهدكم غائبكم، ولا تقدموا على، اجعلوا وجوهكم إلى خالد.\rقال أبو بكر بن أبى الجهم: أولئك الذين لحقوا خالد بن الوليد من الضاحية الذين كانوا انهزموا بالمسلمين يوم اليمامة ثلاث مرات، وكانوا على المسلمين بلاء.\rوقال شريك الفزارى: كنت ممن حضر بزاخة مع عيينة بن حصن، فرزق الله الإنابة، فجئت أبا بكر، فأمرنى بالمسير إلى خالد، وكتب معى إليه: أما بعد، فقد جاءنى كتابك مع رسولك تذكر ما أظفرك الله بأهل بزاخة، وما فعلت بأسد وغطفان، وإنك سائر إلى اليمامة، وذلك عهدى إليك، فاتق الله وحده لا شريك له، وعليك بالرفق بمن معك من المسلمين، كن لهم كالوالد، وإياك يا خالد بن الوليد ونخوة بنى المغيرة، فإنى قد عصيت فيك من لم أعصه فى شىء قط، فانظر بنى حنيفة إذا لقيتهم إن شاء الله، فإنك لم تلق قوما يشبهون بنى حنيفة كلهم عليك، ولهم بلاد واسعة، فإذا قدمت فباشر الأمر بنفسك، واجعل على ميمنتك رجلا وعلى ميسرتك رجلا، واجعل على خيلك رجلا، واستشر من معك من الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ، من المهاجرين والأنصار، واعرف لهم فضلهم، فإذا لقيت القوم وهم على صفوفهم، فالقهم إن شاء الله وقد أعددت للأمور أقرانها، فالسهم للسهم، والرمح للرمح، والسيف للسيف، فإذا صرت إلى السيف فهو الثكل، فإن أظفرك الله بهم فإياك والإبقاء عليهم، اجهز على جريحهم، واطلب مدبرهم، واحمل أسيرهم على السيف، وهول فيهم القتل، واحرقهم بالنار، وإياك أن تخالف أمرى، والسلام عليك.\rفلما انتهى الكتاب إلى خالد اقترأه، وقال: سمع وطاعة.\rولما اتصل بأهل اليمامة مسير خالد إليهم بعد الذى صنع الله له فى أمثالهم حيرهم ذلك وجزع له محكم بن الطفيل سيدهم، وهم أن يرجع إلى الإسلام، فبات يتلوى على فراشه، وهو يقول:\rأرى الركبان تخبر ما كرهنا ... أكل الركب يكذب ما يقول","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084183,"book_id":3509,"shamela_page_id":746,"part":"2","page_num":117,"sequence_num":746,"body":"ألا لا ليس كلهم كذوبا ... وقد كذبوا وكذبهم قليل\rوقد صدقوا لهم منا ومنهم ... لنا إن حاربوا يوم طويل\rفقل لابن الوليد وللمنايا ... على السراء والضراء دليل\rأيقطع بيننا حبلا وصال ... فليس إليهما أبدا سبيل\rوما فى الحرب أعظم من جريح ... وعان خر بينهما قتيل\rفلما سمع القوم كلامه، عرفوا أنه ثابت على ضلالته معهم، وفرح بذلك منه مسيلمة، وكان محكم سيد أهل اليمامة، وكان صديقا لزياد بن لبيد بن بياضة من الأنصار، فقال له خالد فى بعض الطريق: لو ألقيت إلى محكم شيئا تكسره به، فإنه سيد أهل اليمامة، وطاعة القوم له، فبعث إليه مع راكب، ويقال: بل بعث بها إليه حسان بن ثابت من المدينة:\rيا محكم بن طفيل قد أتيح لكم ... لله در أبيكم حية الوادى\rيا محكم بن طفيل إنكم نفر ... كالشاء أسلمها الراعى لآساد\rما فى مسيلمة الكذاب من عوض ... من دار قوم وإخوان وأولاد\rفاكفف حنيفة عنه قبل نائحة ... تنعى فوارس شاخ شجوها بادى\rلا تأمنوا خالدا بالبرد معتجرا ... تحت العجاجة مثل الأغضف العاد\rويل اليمامة ويلا لا فراق له ... إن جالت الخيل فيها بالقنا الصاد\rوالله لا تنثنى عنكم أعنتها ... حتى تكونوا كأهل الحجر أو عاد\rووردت على محكم، وقيل له: هذا خالد بن الوليد فى المسلمين، فقال: رضى خالد أمرا ورضينا غيره، وما ينكر خالد أن يكون فى بنى حنيفة من قد أشرك فى الأمر، فسيرى خالد إن قدم علينا يلق قوما ليسوا كمن لقى، ثم خطب أهل اليمامة فقال: يا معشر أهل اليمامة إنكم تلقون قوما يبذلون أنفسهم دون صاحبهم، فابذلوا أنفسكم دون صاحبكم، فإن أسدا وغطفان إنما أشار إليهم خالد بذباب السيف، فكانوا كالنعام الشارد، وقد أظهر خالد بن الوليد بأوا حيث أوقع ببزاخة ما أوقع، وقال: هل حنيفة إلا كمن لقينا.\rوكان عمير بن ضابئ اليشكرى فى أصحاب خالد، وكان من سادات اليمامة، ولم يكن من أهل حجر، كان من أهل ملمم، وهى لبنى يشكر، فقال له خالد: تقدم إلى قومك، فاكسرهم، فأتاهم، ولم يكونوا علموا بإسلامه، وكان مجتهدا فارسا سيدا، فقال: يا معشر أهل اليمامة، أظلكم خالد فى المهاجرين والأنصار، تركت القوم يتتابعون","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084184,"book_id":3509,"shamela_page_id":747,"part":"2","page_num":118,"sequence_num":747,"body":"إلى فتح اليمامة، قد قضوا وطرا من أسد وغطفان وعليا وهوازن، وأنتم فى أكفهم، وقولهم: لا قوة إلا بالله، إنى رأيت أقواما إن غلبتموهم بالصبر غلبوكم بالنصر، وإن غلبتموهم على الحياة غلبوكم على الموت، وإن غلبتموهم بالعدد غلبوكم بالمدد، لستم والقوم سواء، الإسلام مقبل، والشرك مدبر، وصاحبهم نبى، وصاحبكم كذاب، ومعهم السرور، ومعكم الغرور، فالآن والسيف فى غمده والنبل فى جفيره قبل أن يسل السيف ويرمى بالسهم سرت إليكم مع القوم عشرا.\rفكذبوه واتهموه، فرجع عنهم، وقام ثمامة بن أثال الحنفى «١» فى بنى حنيفة، فقال:\rاسمعوا منى وأطيعوا أمرى ترشدوا، إنه لا يجتمع نبيان بأمر واحد، وإن محمدا ﷺ، لا نبى بعده، ولا نبى مرسل معه، ثم قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم: حم تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ [غافر: ١، ٣] .\rهذا كلام الله ﷿، أين هذا من: يا ضفدع نقى كم تنقين، لا الشرب تمنعين، ولا الماء تكدرين، والله إنكم لترون أن هذا الكلام ما يخرج من إل، وقد استحق محمد ﷺ، أمرا أذكره به، مر بى رسول الله ﷺ، وأنا على دين قومى، فأردت قتله، فحال بينى وبينه عمير، وكان موفقا، فأهدر رسول الله ﷺ، دمى، ثم خرجت معتمرا، فبينا أنا أسير قد أظللت على المدينة أخذتنى رسله فى غير عهد ولا ذمة، فعفا عن دمى وأسلمت، فأذن لى فى الخروج إلى بيت الله، وقلت: يا رسول الله، إن بنى قشير قتلوا أثالا فى الجاهلية، فأذن لى أغزهم، فغزوتهم، وبعثت إليه بالخمس، فتوفى رسول الله ﷺ، وقام بهذا الأمر من بعده رجل هو أفقههم فى أنفسهم، لا تأخذه فى الله لومة لائم، ثم بعث إليكم رجلا لا يسمى باسمه ولا اسم أبيه، يقال له: سيف الله، معه سيوف لله كثيرة، فانظروا فى أمركم «٢» ، فآذاه القوم جميعا، أو من آذاه منهم، فقال ثمامة:\rمسيلمة ارجع ولا تمحك ... فإنك فى الأمر لم تشرك\rكذبت على الله فى وحيه ... فكان هواك هوى الأنوك\rومناك قومك أن يمنعوك ... وإن يأتهم خالد تترك\rفما لك من مصعد فى السماء ... ولا لك فى الأرض من مسلك","footnotes":"(١) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٢٨٢) ، الإصابة الترجمة رقم (٩٦٣) ، الوافى بالوفيات (١١/ ٢١٩) ، تجريد أسماء الصحابة (١/ ٦٩) .\r(٢) راجع ما ذكره ابن عبد البر فى الاستيعاب فى قصة ثمامة الترجمة رقم (٢٨٢) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084185,"book_id":3509,"shamela_page_id":748,"part":"2","page_num":119,"sequence_num":748,"body":"ذكر تقديم خالد بن الوليد الطلائع أمامه من البطاح «١»\rقالوا: ولما سار خالد بن الوليد من البطاح، ووقع فى أرض بنى تميم، قدم أمامه مائتى فارس عليهم معن بن عدى العجلانى، وبعث معه فرات بن حيان العجلى دليلا، وقدم عينين له أمامه، مكنف بن زيد الخيل الطائى، وأخاه.\rوذكر الواقدى: أن خالدا لما نزل العارض، قدم مائتى فارس، وقال: من أصبتم من الناس فخذوه، فانطلقوا حتى أخذوا مجاعة بن مرارة الحنفى فى ثلاثة وعشرين رجلا من قومه قد خرجوا فى طلب رجل من بنى نمير أصاب فيهم دما، فخرجوا وهم لا يشعرون بمقبل خالد، فسألوهم: ممن أنتم؟ قالوا: من بنى حنيفة، فظن المسلمون أنهم رسل من مسيلمة إلى خالد، فلما أصبحوا وتلاحق الناس، جاؤا بهم إلى خالد، فلما رآهم ظن أيضا، أنهم رسل من مسيلمة، فقال: ما تقولون يا بنى حنيفة فى صاحبكم؟ فشهدوا أنه رسول الله ﷺ، فقال لمجاعة: ما تقول أنت؟ فقال: والله ما خرجت إلا فى طلب رجل من بنى نمير أصاب فينا دما، وما كنت أقرب مسيلمة، ولقد قدمت على رسول الله ﷺ، فأسلمت، وما غيرت ولا بدلت، فقدم القوم، فضرب أعناقهم على دم واحد، حتى إذا بقى سارية بن مسيلمة بن عامر قال: يا خالد، إن كنت تريد بأهل اليمامة خيرا أو شرا فاستبق هذا، يعنى مجاعة «٢» ، فإنه لك عون على حربك وسلمك.\rوكان مجاعة شريفا، فلم يقتله، وأعجب بسارية وكلامه، فتركه أيضا، وأمر بهما فأوثقا فى جوامع حديد، وكان يدعو مجاعة وهو كذلك فيتحدث معه، ومجاعة يظن أن خالدا يقتله، فبينما هما يتحدثان، قال له: يا ابن المغيرة، إن لى إسلاما، والله ما كفرت، ولقد قدمت على رسول الله ﷺ، فخرجت من عنده مسلما، وما خرجت لقتال، وأعاد ذكر خروجه فى طلب النميرى، فقال خالد: إن بين القتل والترك منزلة، وهى الحبس حتى يقضى الله فى حربنا ما هو قاض، ودفعه إلى أم متمم امرأته التى تزوجها لما قتل زوجها مالك بن نويرة وأمرها أن تحسن إساره، فظن مجاعة أن خالدا يريد حبسه لأن يشير عليه ويخبره عن عدوه، فقال: يا خالد، إنه من خاف يومك خاف غدك، ومن","footnotes":"(١) راجع: المنتظم لابن الجوزى (٤/ ٧٨- ٧٩) ، تاريخ الطبرى (٣/ ٢٧٦) ، الأغانى (١٥/ ٢٢٩- ٣٠٢) .\r(٢) هو: مجاعة بن مرارة اليمامى. انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٢٥٤٥) ، الإصابة الترجمة رقم (٧٧٣٨) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٤٩٧١) ، تهذيب الكمال (٣/ ١٣٠٤) ، تقريب التهذيب (٢/ ٢٢٩) ، تجريد أسماء الصحابة (٢/ ٥١) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084186,"book_id":3509,"shamela_page_id":749,"part":"2","page_num":120,"sequence_num":749,"body":"رجاك رجاهما، ولقد خفتك ورجوتك، ولقد علمت أنى قدمت على رسول الله ﷺ، وبايعته على الإسلام، ثم رجعت إلى قومى، وأنا اليوم على ما كنت عليه أمس، فإن يكن كذاب خرج فينا، فإن الله يقول: لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [فاطر: ١٨] .\rوقد عجلت فى قتل أصحابى قبل التأنى بهم، والخطأ مع العجلة، فقال خالد: يا مجاعة، تركت اليوم ما كنت عليه أمس، وكان رضاك بأمر هذا الكذاب، وسكوتك عنه وأنت أعز أهل اليمامة، وقد بلغك مسيرى، إقرارا له، ورضى بما جاء به، فهلا أبليت عذرا، فتكلمت فيمن تكلم، فقد تكلم ثمامة بن أثال فرد وأنكر، وقد تكلم اليشكرى، فإن قلت أخاف قومى، فهلا عمدت إلىّ تريد لقائى، أو كتبت إلىّ كتابا أو بعثت إلىّ رسولا، وأنت تعلم أنى قد أوقعت بأهل بزاخة، وزحفت بالجيوش إليك. فقال مجاعة: إن رأيت يا ابن المغيرة أن تعفو عن هذا كله فعلت. فقال خالد: قد عفوت عن دمك، ولكن فى نفسى من تركك حوجا بعد، فقال مجاعة: أما إذا عفوت عن دمى فلا أبالى.\rوكان خالد كلما نزل منزلا واستقر به دعا مجاعة فأكل معه وحدثه، فقال له ذات يوم: أخبرنى عن صاحبك يعنى مسيلمة، ما الذى يقرأ عليكم؟ هل تحفظ منه شيئا؟ قال:\rنعم، فذكر له شيئا من رجزه، قال خالد وضرب بإحدى يديه على الأخرى: يا معشر المسلمين، اسمعوا إلى عدو الله كيف يعارض القرآن، ثم قال: ويحك يا مجاعة، أراك رجلا سيدا عاقلا، اسمع إلى كتاب الله ﷿، ثم انظر كيف عارضه عدو الله، فقرأ عليه خالد: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، فقال مجاعة: أما إن رجلا من أهل البحرين كان يكتب، أدناه مسيلمة وقربه حتى لم يكن يعد له فى القرب عنده أحد، فكان يخرج إلينا فيقول: يا أهل اليمامة، صاحبكم والله كذاب، وما أظنكم تتهموننى عليه، إنكم لترون منزلتى عنده، وحالى، هو والله يكذبكم ويأتيكم بالباطل.\rقال خالد: فما فعل ذلك البحرانى؟ قال: هرب منه، كان لا يزال يقول هذا القول حتى بلغه، فخافه على نفسه، فهرب، فلحق بالبحرين، قال خالد: فما كان فى هذا ناه ولا زاجر، ثم قال: هات زدنا من كذب الخبيث، فقال مجاعة: أخرج لكم حنطة وزؤانا، ورطبا وتمرانا، فى رجز له، فقال خالد: وهذا كان عندكم حقا؟ وكنتم تصدقونه؟ قال مجاعة: لو لم يكن عندنا حقا لما لقيتك غدا أكثر من عشرة آلاف سيف يضاربونك فيه حتى يموت الأعجل، قال خالد: إذا يكفيناهم الله ويعز دينه، فإياه تقاتلون ودينه تريدون.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084187,"book_id":3509,"shamela_page_id":750,"part":"2","page_num":121,"sequence_num":750,"body":"وفى كتاب الأموى: ثم مضى خالد حتى نزل منزله من اليمامة، ببعض أوديتها، وخرج الناس مع مسيلمة.\rوقال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: لما أشرف خالد بن الوليد وأجمع أن ينزل عقرباء «١» ، دفع الطلائع أمامه، فرجعوا إليه، فخبروه أن مسيلمة ومن معه قد خرجوا فنزلوا عقرباء، فشاور أصحابه أن يمضى إلى اليمامة، أو ينتهى إلى عقرباء، فأجمعوا له أن ينتهى إلى عقرباء، فزحف خالد بالمسلمين حتى نزلوا عقرباء، وضرب عسكره.\rوقد قيل: إن خالدا هو الذى سبق إلى عقرباء، فضرب عسكره ثم جاء مسيلمة فضرب عسكره «٢» . ويقال: توافيا إليها جميعا.\rقالوا: وكان المسلمون يسألون عن الرجال بن عنفوة، فإذا الرجال على مقدمة مسيلمة، فلعنوه وشتموه، فلما فرغ خالد من ضرب عسكره، وحنيفة تسوى صفوفها، نهض خالد إلى صفوفه فصفها، وقدم رايته مع زيد بن الخطاب، ودفع راية الأنصار إلى ثابت بن قيس بن شماس، فتقدم بها، وجعل على ميمنته أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وعلى ميسرته شجاع بن وهب، واستعمل على الخيل البراء بن مالك، ثم عزله واستعمل عليها أسامة بن زيد، وأمر بسرير فوضع فى فسطاطه، واضطجع عليه يتحدث مع مجاعة، ومعه أم متمم وأشراف أصحاب رسول الله ﷺ، يتحدث معهم، وأقبلت بنو حنيفة قد سلت السيوف، فلم تزل مسللة وهم يسيرون نهارا طويلا، فقال خالد: يا معشر المسلمين، أبشروا، فقد كفاكم الله عدوكم، ما سلوا السيوف من بعيد إلا ليرهبونا، وإن هذا منهم لجبن وفشل، فقال مجاعة ونظر إليهم: كلا والله يا أبا سليمان، ولكنها الهندوانية، خشوا من تحطمها، وهى غداة باردة، فأبرزوها للشمس لأن تسخن متونها.\rفلما دنوا من المسلمين نادوا: إنا نعتذر من سلنا سيوفنا حين سللناها، والله ما سللناها ترهيبا لكم ولا جبنا عنكم، ولكنها كانت الهندوانية، وكانت غداة باردة، فخشينا تحطمها، فأردنا أن تسخن متونها إلى أن نلقاكم، فسترون.\rقال: فاقتتلوا قتالا شديدا، وصبر الفريقان جميعا صبرا طويلا، حتى كثرت القتلى والجراح فى الفريقين، وكان أول قتيل من المسلمين مالك بن أوس من بنى زعوراء، قتله","footnotes":"(١) عقرباء: موضع بناحية اليمامة. انظر: الروض المعطار (٤١٩- ٤٢٠) وذكر فيه هذا الخبر.\r(٢) قال فى الفتوح (١/ ٣١) : سار خالد بن الوليد بالمسلمين حتى نزل بموضع يقال له: عقرباء من أرض اليمامة، فضرب عسكره هناك، وسار مسيلمة فى جميع بنى حنيفة حتى نزل حذاء خالد.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084188,"book_id":3509,"shamela_page_id":751,"part":"2","page_num":122,"sequence_num":751,"body":"محكم بن الطفيل، واستلحم من المسلمين حملة القرآن حتى فنوا إلا قليلا، وهزم كلا الفريقين حتى دخل المسلمون عسكر المشركين، والمشركون عسكر المسلمين مرارا، وإذا أجلى المسلمون عن عسكرهم فدخل المشركون أرادوا حمل مجاعة، فلا يستطيعون لما هو فيه من الحديد، ولأنه لا تزال تناوشهم خيل المسلمين، فإذا رجع المسلمون وثبوا على مجاعة ليقتلوه، وقالوا: اقتلوا عدو الله، فإنه رأسهم، وأنهم إن دخلوا عليه أخرجوه، فإذا أشهروا عليه سيوفهم ليقتلوه، حنت عليه أم متمم امرأة خالد وردتهم عنه، وقالت: إنى له جار، حتى أجارته منهم، وكان مجاعة أيضا، قد أجارها من المشركين مرارا أن يقتلوها على هذا الوجه.\rوقد كان مجاعة قال لها لما دفعه إليها خالد لتحسن إساره: يا أم متمم، هل لك أن أحلفك، إن غلب أصحابى كنت لك جارا، وأنت كذلك؟ فقالت: نعم، فتحالفا على ذلك.\rوقال عكرمة: حملت حنيفة أول مرة كانت لها الحملة، وخالد على سريره حتى خلص إليه، فجرد سيفه وجعل يسوق حنيفة سوقا، حتى ردهم، وقتل منهم قتلى كثيرة، ثم كرت حنيفة حتى انتهوا إلى فسطاط خالد، فجعلوا يضربون الفسطاط بالسيوف.\rقال الواقدى: وبلغنا أن رجلا منهم لما دخلوا الفسطاط، أراد قتل أم متمم، ورفع السيف عليها، فاستجارت بمجاعة، فألقى عليها رداءه، وقال: إنى جار لها فنعمت الحرة كانت، وعيرهم وسبهم «١» ، وقال: تركتم الرجال وجئتم إلى امرأة تقتلونها، عليكم بالرجال، فانصرفوا، وجعل ثابت بن قيس يومئذ يقول، وكانت معه راية الأنصار: بئس ما عودتم أنفسكم الفرار يا معشر المسلمين.\rوقد انكشف المسلمون حتى غلبت حنيفة على الرحال، فجعل زيد بن الخطاب ينادى، وكانت عنده راية خالد: أما الرحال فلا رحال، وأما الرجال فلا رجال، اللهم إنى اعتذر إليك من فرار أصحابى، وأبرأ إليك مما جاء به مسيلمة، ومحكم بن طفيل، وجعل يشتد بالراية، يتقدم بها فى نحر العدو، ثم ضارب بسيفه حتى قتل، ﵀، فلما قتل وقعت الراية، فأخذها سالم مولى أبى حذيفة، فقال المسلمون: يا سالم، إنا نخاف أن نؤتى من قبلك، فقال: بئس حامل القرآن أنا إذا إن أتيتم من قبلى.\rقالوا: ونادت الأنصار ثابت بن قيس وهو يحمل رايتهم: الزمها، فإنما ملاك القوم الراية.","footnotes":"(١) انظر: المنتظم لابن الجوزى (٤/ ٨١) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084189,"book_id":3509,"shamela_page_id":752,"part":"2","page_num":123,"sequence_num":752,"body":"فتقدم سالم مولى أبى حذيفة، فحفر لرجليه حتى بلغ أنصاف ساقيه، ومعه راية المهاجرين، وحفر ثابت لنفسه مثل ذلك «١» ، ثم لزما رايتيهما، ولقد كان الناس يتفرقون فى كل وجه، وإن سالما وثابتا لقائمان برايتيهما، حتى قتل سالم وقتل أبو حذيفة مولاه، رحمهما الله تعالى، فوجد رأس أبى حذيفة عند رجلى سالم، ورأس سالم عند رجلى أبى حذيفة، لقرب مصرع كل واحد منهما من صاحبه، فلما قتل سالم، مكثت الراية ساعة لا يرفعها أحد، فأقبل يزيد بن قيس، وكان بدريا، فحملها حتى قتل ﵀، ثم حملها الحكم بن سعيد بن العاص، فقاتل دونها نهارا طويلا، ثم قتل ﵀.\rقال وحشى «٢» : اقتتلنا قتالا شديدا، فهزموا المسلمين ثلاث مرات، وكر المسلمون فى الرابعة، وتاب الله عليهم، وثبت أقدامهم، وصبروا لوقع السيوف، واختلفت بينهم وبين بنى حنيفة السيوف، حتى رأيت شهب النار تخرج من خلالها، حتى سمعت لها أصواتا كالأجراس، وأنزل الله تعالى، علينا نصره، وهزم الله بنى حنيفة، وقتل الله مسيلمة.\rقال: ولقد ضربت بسيفى يومئذ حتى غرى قائمه فى كفى من دمائهم.\rوقال ابن عمر: لقد رأيت عمارا على صخرة قد أشرف، يصيح: يا معشر المسلمين، أمن الجنة تفرون، أنا عمار بن ياسر، هلموا إلىّ، وأنا أنظر إلى أذنه تذبذب وقد قطعت.\rوقال سعد القرظ: لقد رأيته يومئذ يقاتل قتال عشرة.\rوقال شريك الفزارى: لما التقينا والقوم، صبر الفريقان صبرا لم أر مثله قط، ما تزول الأقدام فترى، واختلفت السيوف بينهم، وجعل يقبل أهل السوابق والنيات فيتقدمون، فيقتلون، حتى فنوا، وذلقت فينا سيوفهم طويلا، فانهزمنا، فلقد أحصيت لنا ثلاث انهزامات، وما أحصيت لحنيفة إلا انهزامة واحدة، التى ألجأناهم فيها إلى الحديقة، يعنى حديقة الموت.","footnotes":"(١) قال ابن عبد البر فى الاستيعاب فى ترجمة ثابت رقم (٢٥٣) : لما كان يوم اليمامة خرج مع خالد بن الوليد إلى مسيلمة، فلما التقوا انكشفوا، فقال ثابت وسالم مولى أبى حذيفة: ما هكذا كنا نقاتل مع رسول الله ﷺ، ثم حفر كل واحد منهما له حفرة، فثبتا وقاتلا حتى قتلا.\r(٢) هو وحشى بن حرب الحبشى، انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٢٧٦٨) ، الإصابة الترجمة رقم (٩١٢٩) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٥٤٤٩) ، الثقات (٣/ ٤٣٠) ، الاستبصار (٨١) ، الإكمال (٧/ ٩٠) ، العقد الثمين (٧/ ٣٨٥) ، مشاهير علماء الأمصار الترجمة رقم (٣٥٦) ، تاريخ الثقات (٤٦٤) ، الأنساب لابن السمعانى (١١/ ١١١، ١١٢) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084190,"book_id":3509,"shamela_page_id":753,"part":"2","page_num":124,"sequence_num":753,"body":"وقال رافع بن خديج «١» : شهدنا اليمامة، فكنا تسعين من النبيت، فلاقينا عدوا صبرا لوقع السلاح، وجماعة الناس أربعة آلاف، وحنيفة مثل ذلك أو نحوه، فلما التقينا أذن الله للسيوف فينا وفيهم، فجعلت السيوف تختلى هام الرجال وأكفهم، وجراحا لم أر جراحا قط أبعد غورا منه، فينا وفيهم، إنى لأنظر إلى عباد بن بشر قد ضرب بسيفه حتى انحنى كأنه منجل، فيقيمه على ركبته، فيعرض له رجل من بنى حنيفة، فلما اختلفا ضربات ضربه عباد بن بشر على العاتق مستمكنا، فو الله لرأيت سحره باديا، ومضى عنه عباد، ومررت بالحنفى وبه رمق، فأجهزت عليه، وأنظر بعد إلى عباد وقد اختلف السيوف عليه وهو يبضع بها ويبعج بطنه، فوقع وما أعلم به مصحا، وكانوا حنقوا عليه لأنه أكثر القتل فيهم. قال: وحرضت على قتلته، فناديت أصحابنا من النبيت، فقمنا عليه، وقتلنا قتلته، فرأيتهم حوله مقتلين، فقلت: بعدا لكم.\rوقال ضمرة بن سعيد المازنى، وذكر ردة بنى حنيفة: لم يلق المسلمون عدوا أشد لهم نكاية منهم، لقوهم بالموت الناقع، وبالسيوف قد أصلتوها قبل النبل، وقبل الرماح، وقد صبر المسلمون لهم، فكان المعول يومئذ على أهل السوابق، ونادى عباد بن بشر يومئذ وهو يضرب بالسيف، قد قطع من الجراح، وما هو إلا كالنمر الجرف، فيلقى رجلا من بنى حنيفة كأنه جمل صئول، فقال: هلم يا أخا الخزرج، أتحسب قتالنا مثل من لاقيت، فيعمد له عباد، ويبدره الحنفى، ويضربه ضربة بالسيف، فانكسر سيفه ولم يصنع شيئا، وضربه عباد فقطع رجليه وجاوزه وتركه ينؤ على ركبتيه، فناداه: يا ابن الأكارم اجهز علىّ، فكر عليه عباد، فضرب عنقه، ثم قام آخر فى ذلك المقام، فاختلفا ضربات وتجاولا، وعباد على ذلك كثير الجراح، فضربه عباد ضربة أبدى سحره، وقال: خذها وأنا ابن وقش، ثم جاوزه يفرى فى بنى حنيفة ضربا فريا، فكان يقال: قتل عباد يومئذ من بنى حنيفة بالسيف أكثر من عشرين رجلا، وأكثر فيهم الجراح.\rقال ضمرة: فحدثنى رجل من بنى حنيفة قديم قال: إن حنيفة لتذكر عباد بن بشر، فإذا رأت الجراح بالرجل منهم تقول: هذا ضرب مجرب القوم، عباد بن بشر.\rوفى بعض الروايات عن حديث رافع بن خديج قال: خرجنا من المدينة ونحن أربعة آلاف، وأصحابنا من الأنصار ما بين خمسمائة إلى أربعمائة، وعلى الأنصار ثابت بن","footnotes":"(١) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٧٢٨) ، الإصابة الترجمة رقم (٢٥٣٢) ، أسد الغابة الترجمة رقم (١٥٨٠) ، تاريخ خليفة (٢٧١) ، طبقات خليفة (٧٩) ، شذرات الذهب (١/ ٨٢) ، تاريخ الإسلام (٢/ ٤٠٠) ، تقريب التهذيب (١/ ٢٤١) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084191,"book_id":3509,"shamela_page_id":754,"part":"2","page_num":125,"sequence_num":754,"body":"قيس، ويحمل رايتنا أبو لبابة، فانتهينا إلى اليمامة، فننتهى إلى قوم هم الذين قال الله تعالى: سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ [الفتح: ١٦] .\rفلما صففنا صفوفنا ووضعنا الرايات مواضعها، لم يلبثوا أن حملوا علينا، فهزمونا مرارا، فنعود إلى مصافنا وفيها خلل، وذلك أن صفوفنا كان مختلطة، فيها حشو كثير من الأعراب فى خلال صفوفنا، فينهزم أولئك الناس فيستخفون أهل البصائر والنيات، حتى كثر ذلك منهم، ثم إن الله بمنه وفضله رزقنا عليهم الظفر، وذلك أن ثابت بن قيس نادى خالد بن الوليد: أخلصنا، فقال: ذلك إليك، فناد فى أصحابك، قال: فأخذ الراية ونادى: يا للأنصار، فتسللت إليه رجلا رجلا، فنادى خالد للمهاجرين، فأحدقوا به، ونادى عدى بن حاتم، ومكنف بن زيد الخيل الطائى بطيئ، فثابت إليهما طيئ، وكانوا أهل بلاء حسن، وعزلت الأعراب عنا ناحية، فقاموا من ورائنا غلوة أو أكثر، وإنما كنا نؤتى من الأعراب.\rقال رافع: فانتهينا إلى جمعهم فصبروا وصبرنا صبرا لم ير مثله قط، لم تزل الأقدام، فذكرت بيتى قيس بن الحطيم:\rإذا ما فررنا كان أسوا فرارنا ... صدود الخدود وازورار المناكب\rصدود الخدود والقنا متشاجر ... ولا تبرح الأقدام عند التضارب «١»\rقال: واجهضهم أهل السوابق والبصائر، فهم فى نحورهم ما يجد أحد مدخلا إلا أن يقتل رجل منهم، أو يخرج فيقع، فيخلف مقامه آخر، حتى أوجعنا فيهم وبان خلل صفوفهم، وضجوا من السيف، ثم اقتحمنا الحديقة، فضاربوا فيها، وعلقنا الحديقة، وأقمنا على بابها رجالا لئلا يهرب منهم أحد، فلما رأوا ذلك عرفوا أنه الموت، فجدوا فى القتال، ودكت السيوف بيننا وبينهم، ما فيها رمى بسهم ولا حجر ولا طعن حتى قتلنا عدو الله مسيلمة، فقيل لرافع: يا أبا عبد الله، أى القتلى كان أكثر، قتلاكم أو قتلاهم؟ قال: قتلاهم أكثر من قتلانا وأخبث، أحسبنا قتلنا منهم ضعف ما قتلوا منا مرتين، فقد قتل من الأنصار يومئذ زيادة على التسعين، وجرح منهم مائتان، ولقد لقينا بنى سليم بالجواء، وأنهم لمجروحون، فأبلوا بلاء حسنا.\rوكان أبو خيثمة النجارى يقول: لما انكشف المسلمون يوم اليمامة تنحيت ناحية،","footnotes":"(١) انظر الأبيات فى: ديوانه ص (٤١) ، الخزانة للبغدادى (٣/ ١٦٥) ، الأشباه والنظائر للخالديين (٢٧، ٢٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084192,"book_id":3509,"shamela_page_id":755,"part":"2","page_num":126,"sequence_num":755,"body":"وكأنى أنظر إلى أبى دجانة «١» يومئذ ما يولى ظهره منهزما، وما هو إلا فى نحور القوم، حتى قتل ﵀، وكان يختال فى مشيته عند الحرب سجية، ما يستطيع غير ذلك.\rقال: وكرت عليه طائفة من بنى حنيفة، فما زال يضرب بالسيف أمامه وعن يمينه وعن شماله، فحمل على رجل فصرعه، وما ينبس بكلمة، حتى انفرجوا عنه ونكصوا على أعقابهم، والمسلمون مولون، وقد ابيض ما بينهم وبينه، فما ترى إلا المهاجرين والأنصار، لا والله ما أرى أحدا يخالطهم، فقاموا ناحية، وتلاحق الناس، فدفعوا حنيفة دفعة واحدة، فانتهينا بهم إلى الحديقة، فأقحمناهم إياها.\rقال أبو دجانة: ألقونى على الترسة حتى أشغلهم، فكانوا قد أغلقوا الحديقة، فأخذوه فألقوه على الترسة، حتى وقع فى الحديقة، وهو يقول: لا ينجيكم منا الفرار، فضاربهم حتى فتحها، ودخلنا عليه مقتولا ﵀.\rوقد روى أن البراء بن مالك هو المرمى به فى الحديقة، والأول أثبت.\rوقال ثابت بن قيس، يومئذ: يا معشر الأنصار، الله الله ودينكم، علمنا هؤلاء أمرا ما كنا نحسنه، ثم أقبل على المسلمين، فقال: أف لكم ولم تعملون، ثم قال: خلوا بيننا وبينهم، أخلصونا، فأخلصت الأنصار، فلم يكن لهم ناهية حتى انتهوا إلى محكم بن الطفيل، فقتلوه، ثم انتهوا إلى الحديقة فدخلوها، فقاتلوا أشد القتال، حتى اختلطوا فيها، فما يعرف بعضهم بعضا إلا بالشعار، وشعارهم: أمت أمت، ثم صاح ثابت صيحة يستجلب بها المسلمين: يا أصحاب سورة البقرة، يقول رجل من طيئ: والله ما معى منها آية، وإنما يريد ثابت: يا أهل القرآن.\rوقال واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ: لما زحف المسلمون، انكشفوا أقبح الانكشاف، حتى ظن ظانهم أن لا تكون لهم فئة فى ذلك اليوم، والناس أوزاع قد هدأ حسهم. وأشرت حنيفة وأظهروا البغى، وأوفى عباد بن بشر على نشز من الأرض، ثم صاح بأعلى صوته: أنا عباد بن بشر، يا للأنصار، يا للأنصار، ألا إلى، ألا إلى، فأقبلوا إليه جميعا، وأجابوه: لبيك لبيك، حتى توافوا عنده، فقال: فداكم أبى وأمى، حطموا جفون السيوف، ثم حطم جفن سيفه، فألقاه، وحطمت الأنصار جفون سيوفهم، ثم قال: حملة صادقة، اتبعونى، فخرج أمامهم حتى ساقوا حنيفة منهزمين، حتى انتهوا بهم","footnotes":"(١) اسمه: سماك بن خرشة، انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٢٩٦٨) ، الإصابة الترجمة رقم (٩٨٦٦) ، معجم رجال الحديث (٢١/ ١٥١) ، تنقيح المقال (٣/ ١٥) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084193,"book_id":3509,"shamela_page_id":756,"part":"2","page_num":127,"sequence_num":756,"body":"إلى الحديقة، فأغلق عليهم، فأوفى عباد بن بشر يشرف على الحديقة وهم فيها، فقال للرماة: ارموا، فرموا أهل الحديقة بالنبل حتى ألجئوهم أن اجتمعوا فى ناحية منها لا يطلع النبل عليهم، ثم إن الله فتح الحديقة، فاقتحم عليهم المسلمون، فضاربوهم ساعة، ثم أغلق عباد باب الحديقة لما كلّ أصحابه، وكره أن تفر حنيفة، وجعل يقول: اللهم إنى أبرأ إليك مما جاءت به حنيفة.\rقال واقد بن عمرو: فحدثنى من رأى عباد بن بشر ألقى درعه على باب الحديقة، ثم دخل بالسيف صلتا يجالدهم حتى قتل، ﵀.\rوقال أبو سعيد الخدرى: سمعت عباد بن بشر يقول حين فرغنا من بزاخة: يا أبا سعيد، رأيت الليلة كأن السماء فرجت، ثم أطبقت علىّ، فهى إن شاء الله الشهادة، قال: قلت: خيرا والله، قال أبو سعيد: فأنظر إليه يوم اليمامة وإنه ليصيح بالأنصار ويقول: أخلصونا، فأخلصوا أربعمائة رجل، لا يخلطهم أحد، يقدمهم البراء بن مالك وأبو دجانة سماك بن خرشة وعباد بن بشر، حتى انتهوا إلى باب الحديقة.\rقال أبو سعيد: فرأيت بوجه عباد، يعنى بعد قتله، ضربا كثيرا، وما عرفته إلا بعلامة كانت فى جسده.\rوكان أبو بكر الصديق رضى الله عنه، لما انصرف إليه أسامة بن زيد من بعثه إلى الشام، بعثه فى أربعمائة مددا لخالد بن الوليد، فأدرك خالدا قبل أن يدخل اليمامة بثلاث، فاستعمله خالد على الخيل مكان البراء بن مالك، وأمر البراء أن يقاتل راجلا، فاقتحم عن فرسه، وكان راجلا لا رجلة به، فلما انكشف الناس يوم اليمامة، وانكشف أسامة بأصحاب الخيل، صاح المسلمون: يا خالد، ول البراء بن مالك، فعزل أسامة، ورد الخيل إلى البراء، فقال له: اركب فى الخيل، فقال البراء: وهل لنا من خيل؟ قد عزلتنى وفرقت الناس عنى، فقال له خالد: ليس حين عتاب، اركب أيها الرجل فى خيلك، أما ترى ما لحم من الأمر، فركب البراء فرسه، وإن الخيل لأوزاع فى كل ناحية، وما هى إلا الهزيمة، فجعل يليح بسيفه وينادى: يا صحابة، يا للأنصار، يا للأنصار، يا خيلاه، يا خيلاه، أنا البراء بن مالك، فثابت إليه الخيل من كل ناحية، وثابت إليه الأنصار، فارسها وراجلها.\rقال أبو سعيد الخدرى: فقال لنا: احملوا عليهم فداكم أبى وأمى، حملة صادقة، تريدون فيها الموت، ثم أظهر التكبير، وكبرنا معه، فما كانت لنا ناهية إلا باب الحديقة،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084194,"book_id":3509,"shamela_page_id":757,"part":"2","page_num":128,"sequence_num":757,"body":"وقد غلقت دوننا، وازدحمنا عليهم، فلم نزل حتى فتح الله، وظفرنا، فله الحمد.\rوقال عبد الله بن أبى بكر بن حزم: كان البراء فارسا، وكان إذا حضرته الحرب أخذته رعدة، وانتفض حتى يضبطه الرجال مليا، ثم يفيق فيبول بولا أحمر كأنه نقاعة الحناء، فلما رأى ما يصنع بالناس يومئذ من الهزيمة أخذه ما كان يأخذه، فانتفض وضبطه أصحابه وجعل يقول: طرونى إلى الأرض، فلما أفاق سرى عنه، وهو مثل الأسد، وهو يقول:\rأسعدنى ربى على الأنصار ... كانوا يدا طرا على الكفار\rفى كل يوم ساطع الغبار ... فاستبدلوا النجاة بالفرار\rقال: وضرب بسيفه قدما، حتى أفرجوا له، وخاض غمرتهم، وثابت إليه الأنصار كأنها النحل تأوى إلى يعسوبها، وتلاومت الأنصار فيما صنعت.\rوحدث عن خالد بن الوليد من سمعه يقول: شهدت عشرين زحفا، فلم أر قوما أصبر لوقع السيوف ولا أضرب بها ولا أثبت أقداما من بنى حنيفة يوم اليمامة، أنّا لما فرغنا من طليحة الكذاب، ولم تكن له شوكة، قلت كلمة والبلاء موكل بالقول: وما حنيفة، ما هى إلا كمن لقينا فلقينا قوما ليسوا يشبهون أحدا، لما انتهينا إلى عسكرهم نظرت إلى قوم قد قدموا أمام عسكرهم بشرا كثيرا، فقلت: هذه مكيدة، وإذا القوم لم يحفلوا بنا، فعسكرنا منهم بمنظر العين، فلما أمسيت حزرت القوم بنفسى، فإذا القوم نحونا، فبتنا فى عسكرنا، وباتوا فى عسكرهم.\rفلما طلع الفجر قام القوم إلى التعبئة، وثرنا معهم فى غدوة باردة، وصففت صفوفى، وصفوا صفوفهم، ثم أقبلوا إلينا يقطعون قطوا، قد سلوا السيوف، فكبرت، ورأيت ذلك منهم فشلا، فلما دنوا منا نادوا: أن هذا ليس بفشل، ولكنها الهندوانية وخفنا التحطم عليها، فما هو إلا أن واجهونا، حملوا علينا حملة واحدة، وانهزمت الأعراب، ولا ذوا بين أضعاف الصفوف، فانهزم معهم أهل النيات، وأوجعت حنيفة فى أدباركم بالقتل، وتقدمت أضرب بسيفى مرة يشتملون علىّ، ومرة أنفذ منهم، وكر المسلمون كرة ثانية، فحملت بنو حنيفة أيضا، حتى هزموا المسلمين ثلاث مرات. وإنما يهزم بالناس الأعراب.\rفناديت فى المسلمين، فذكرتهم الله، وناديت فى المهاجرين والأنصار: الله الله، الكرة على عدوكم، فنادى أهل السوابق: أخلصونا، فأخلصوا، لا يخلطهم رجل، فأخلص قوم قد ألح السيف عليهم، وقتل من قتل منهم، ومن بقى من أهل النيات منقطع من الجراح،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084195,"book_id":3509,"shamela_page_id":758,"part":"2","page_num":129,"sequence_num":758,"body":"ولكنا لم نجد المعول إلا عليهم ولا الصبر إلا عندهم، فصفوا جميعا فى نحر العدو، وجاءت الأعراب من خلفهم، وذهبت حنيفة تطلب أن تهزمهم كما كانت تفعل، فثبتوا على مصافهم لا تزول فترا، واختلفت السيوف بينهم، وصبر الفريقان جميعا، وذهب الأعراب من ورائنا، فحملنا عليهم حملة، فما زادت حنيفة على أن رجعت القهقرى ما تولى الأدبار، حتى وقفوا على باب الحديقة، واختلفت السيوف بيننا وبينهم حتى نظرت إلى شهب النار، وحتى صارت القتلى منا ومنهم ركاما، وقد أغلقت الحديقة، فدخل من ﵀ فشغلهم عن الباب حتى دخلنا.\rفإذا أهل السوابق قد وطئوا أنفسهم على الموت، فما هو إلا أن عاينتهم حنيفة فى الحديقة، فناديت أصحابى: عضوا على النواجذ، لا أسمع شيئا إلا وقع الحديد بعضه على بعض، فما كان شىء حتى قتل عدو الله، فما ضرب أحد بعده من بنى حنيفة بسيف، ولقد صبروا لنا من حين طلعت الشمس إلى صلاة العصر، ولقد رأيتنى فى الحديقة وعانقنى رجل منهم وأنا فارس وهو فارس، فوقعنا عن فرسينا، ثم تعانقنا بالأرض، فأجؤه بخنجر فى سيفى، وجعل يجؤنى بمعول فى سيفه، فجرحنى سبع جراحات، وقد جرحته جرحا أثبته، فاسترخى فى يدى، وما بى حركة من الجراح، وقد نزفت من الدم إلا أنه سبقنى بالأجل، فالحمد لله على ذلك.\rوحدث ضمرة بن سعيد: أنه خلص يومئذ إلى محكم بن طفيل وهو يقول: يا بنى حنيفة قاتلوا قبل أن تستحقب الكرائم غير رضيات، وينكحن غير حظيات، وما كان عندكم من حسب فأخرجوه، فقد لحم الأمر، واحتيج إلى ذلك منكم، وجعل يقول: يا بنى حنيفة ادخلوا الحديقة، سأمنع دابركم، وجعل يرتجز:\rلبئسما أوردنا مسيلمة ... أورثنا من بعده أغيلمة\rفدخلوا الحديقة وغلقوها عليهم، ورمى عبد الرحمن بن أبى بكر محكما بسهم فقتله، فقام مكانه المعترض ابن عمه، فقاتل ساعة حتى قتله الله.\rوفى غير حديث ضمرة أن خالد بن الوليد هو الذى قتل محكما.\rحدث الحارث بن الفضل، قال: لما رأى محكم بن طفيل من قتل قومه ما رأى، جعل يصيح: ادن يا أبا سليمان، فقد جاءك الموت الناقع، قد جاءك قوم لا يحسنون الفرار، فبلغ خالدا كلمته وهو فى مؤخر الناس، فأقبل يقول: هأنذا أبو سليمان، وكشف المغفر عن وجهه، ثم حمل على ناحية محكم يخوف بنى حنيفة، فاقتحم عليه خالد، فيضربه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084196,"book_id":3509,"shamela_page_id":759,"part":"2","page_num":130,"sequence_num":759,"body":"ضربة أرعش منها، ثم ثنى له بأخرى وهو يقول: خذها وأنا أبو سليمان، فوقع ميتا، وكان عبد الرحمن بن أبى بكر قد رماه بسهم قبل ذلك، ومنهم من يقول: رماه عبد الرحمن بعد ضربة خالد، ومنهم من يقول: لم يكن من سهم عبد الرحمن شىء.\rوقاتلت حنيفة بعد قتل محكم بن طفيل أشد القتال، وهم يقولون: لا بقاء بعد محكم، وقال قائل: يا أبا ثمامة، أين ما كنت وعدتنا؟ قال: أما الدين فلا دين، ولكن قاتلوا عن أحسابكم، فاستيقن القوم أنهم كانوا على غير شىء.\rوقال وحشى: لما اختلط الناس فى الحديقة، وأخذت السيوف بعضها بعضا، نظرت إلى مسيلمة وما أعرفه، ورجل من الأنصار يريده، وأنا من ناحية أخرى أريده، فهززت من حربتى حتى رضيت منها، ثم دفعتها عليه، وضربه الأنصارى، فربك أعلم أينا قتله، إلا أنى سمعت امرأة فوق الدير تقول: قتله العبد الحبشى.\rوقال أبو الحويرث: ما رأيت أحدا يشك أن عبد الله بن زيد الأنصارى «١» ضرب مسيلمة وزرقه وحشى فقاتلاه جميعا «٢» .\rوذكر عمرو بن يحيى المازنى عن عبد الله بن زيد أنه كان يقول: أنا قتلته. وكان معاوية بن أبى سفيان يقول: أنا قتلته.\rوكانت أم عبد الله بن زيد، وهى أم عمارة، نسيبة بنت كعب تقول: إن ابنها عبد الله هو الذى قتله. وكانت ممن شهد ذلك اليوم، وقطعت فيه يدها، وذلك أن ابنها حبيب بن زيد كان مع عمرو بن العاص بعمان عندما توفى رسول الله ﷺ، فلما بلغ ذلك عمرا، أقبل من عمان، فسمع به مسيلمة، فاعترض له، فسبقه عمرو، وكان حبيب ابن زيد وعبد الله بن وهب الأسلمى فى الساقة، فأصابهما مسيلمة، فقال لهما:\rأتشهدان أنى رسول الله، فقال الأسلمى: نعم، فأمر به فحبس فى حديد، وقال لحبيب:\rأتشهد أنى رسول الله، فقال: لا أسمع، فقال: أتشهد أن محمدا رسول الله، قال: نعم،","footnotes":"(١) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (١٥٥٨) ، الإصابة الترجمة رقم (٤٧٠٦) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٢٩٥٨) ، الوافى بالوفيات (١٧/ ٤٧) ، تهذيب التهذيب (٥/ ٢٢٣) ، تقريب التهذيب (١/ ٤١٧) ، سير أعلام النبلاء (٢/ ٣٧٧) .\r(٢) ذكر ابن الجوزى فى المنتظم (٤/ ٨٢) : أنه اشترك فى قتل مسيلمة رجلان: رجل من الأنصار، ووحشى مولى جبير بن مطعم: وقال: وكان وحشى يقول: وقعت فيه حربتى وضربه الأنصارى والله يعلم أينا قتله. وكان يقول: قتلت خير الناس وشر الناس، حمزة ومسيلمة، وكانوا يقولون: قتله العبد الأسود، فأما الأنصار فلا شك عندهم أن أبا دجانة سماك بن خرشة قتله.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084197,"book_id":3509,"shamela_page_id":760,"part":"2","page_num":131,"sequence_num":760,"body":"فأمر به فقطع. وكلما قال له: أتشهد أنى رسول الله، قال: لا أسمع، فإذا قال له: أتشهد أن محمدا رسول الله، قال: نعم، حتى قطعه عضوا عضوا، حتى قطع يديه من المنكبين ورجليه من الوركين، ثم حرقه بالنار، وهو كل ذلك لا ينزع عن قوله، ولا يرجع عن ما بدأ به، حتى مات فى النار، ﵀.\rفلما تهيأ بعث خالد بن الوليد إلى اليمامة جاءت أم عمارة إلى أبى بكر الصديق رضى الله عنه، فاستأذنته فى الخروج، فقال لها أبو بكر: ما مثلك يحال بينه وبين الخروج، قد عرفناك وعرفنا جزاءك فى الحرب، فاخرجى على اسم الله.\rقالت فيما حدث به عنها ابن ابنها عباد بن تميم بن زيد: فلما انتهوا إلى اليمامة، واقتتلوا، تداعت الأنصار: أخلصونا، فأخلصوا، فلما انتهينا إلى الحديقة ازدحمنا على الباب، وأهل النجدة من عدونا فى الحديقة، قد انحازوا، يكونون فئة لمسيلمة، فاقتحمنا فضاربناهم ساعة، والله يا بنى ما رأيت أبذل لمهج أنفسهم منهم، وجعلت أقصد لعدو الله مسيلمة لأن أراه، وقد عاهدت الله لئن رأيته لا أكذب عنه أو أقتل دونه، وجعلت الرجال تختلط، والسيوف بينهم تختلف، وخرص القوم، فلا صوت إلا وقع السيوف، حتى بصرت بعدو الله فأشد عليه، ويعرض لى منهم رجل، فضرب يدى فقطعها، فو الله ما عرجت عليها حتى أنتهى إلى الخبيث وهو صريع، وأجد ابنى عبد الله قد قتله.\rوفى رواية: وابنى يمسح سيفه بثيابه، فقلت: أقتلته؟ قال: نعم يا أمه، فسجدت لله شكرا، وقطع الله دابرهم، فلما انقطعت الحرب، ورجعت إلى منزلى، جاءنى خالد بن الوليد بطبيب من العرب، فداوانى بالزيت المغلى، وكان والله أشد علىّ من القطع، وكان خالد كثير التعاهد لى، حسن الصحبة لنا، يعرف لنا حقنا، ويحفظ فينا وصية نبينا ﷺ، قال عباد: فقلت: يا جدة، كثرت الجراح فى المسلمين؟ فقالت: يا بنى، لقد تحاجز الناس، وقتل عدو الله، وإن المسلمين لجرحى كلهم، لقد رأيت بنى أبى مجرحين، ما بهم حركة، ولقد رأيت بنى مالك بن النجار بضعة عشر رجلا، لهم أنين يكمدون ليلتهم بالنار.\rولقد أقام الناس باليمامة خمس عشرة ليلة، وقد وضعت الحرب أوزارها، وما يصلى مع خالد بن الوليد من المهاجرين والأنصار إلا نفر يسير من الجراح، وذلك أنا أتينا من قبل العرب، انهزموا بالمسلمين، إلا أنى أعلم أن طيئا قد أبلت يومئذ بلاء حسنا، لقد رأيت عدى بن حاتم يومئذ يصيح بهم: صبرا، فداكم أبى وأمى لوقع الأسل، وإن ابنى زيد الخيل يومئذ ليقاتلان قتالا شديدا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084198,"book_id":3509,"shamela_page_id":761,"part":"2","page_num":132,"sequence_num":761,"body":"وعن محمد بن يحيى بن حبارة، قال: جرحت أم عمارة يعنى يوم اليمامة، أحد عشر جرحا بين ضربة بسيف، أو طعنة برمح، وقطعت يدها سوى ذلك، فرئى أبو بكر يأتيها يسأل عنها، وهو يومئذ خليفة.\rوقاتل كعب بن عجرة «١» يومئذ، وانهزم الناس الهزيمة الآخرة، وجاوزوا الرحال منهزمين، فجعل يصيح: يا للأنصار، يا للأنصار الله ورسوله، حتى انتهى إلى محكم بن الطفيل، فضربه محكم، فقطع شماله، فو الله ما عرج عليها كعب، وأنه ليضرب بيمينه، وإن شماله لتهراق الدماء، حتى انتهى إلى الحديقة، فدخل.\rوأقبل حاجب بن زيد بن تميم الأشهلى «٢» يصيح بالأوس: يا للأشهل، فقال له ثابت ابن هذال: ناد يا للأنصار، فإنه جماع لنا ولك، فنادى: يا للأنصار، يا للأنصار، حتى اشتملت عليه حنيفة، فانفرجت، وتحته منهم اثنان قد قتلهما، وقتل ﵀، فخلفه فى مقامه عمير بن أوس، فاشتملوا عليه حتى قتل، ﵀.\rوكان أبو عقيل الأزرقى، حليف الأنصار، بدرى من أول من خرج يوم اليمامة، رمى بسهم فوقع بين منكبيه وفؤاده، فشطب فى غير مقتل، فأخرج السهم، ووهن شقه الأيسر، وكانت فيه، وهذا أول النهار وجرروه إلى الرحل، فلما حمى القتال وانهزم المسلمون وجاوزوا رحالهم، وأبو عقيل واهن من جرحه، سمع معن بن عدى يصيح: يا للأنصار، الله الله والكرة على عدوكم، وأعنق معن بن عدى يقدم القوم، وذلك حين صاحت الأنصار: أخلصونا، فأخلصوا رجلا رجلا، يتميزون.\rقال أبو عمرو: ونهض أبو عقيل يريد قومه، فقلت: ما تريد يا أبا عقيل؟ ما فيك قتال، قال: قد نوه المنادى باسمى، فقلت: إنما يقول: يا للأنصار، لا يعنى الجرحى، قال:\rفأنا رجل من الأنصار، وأنا أجيب ولو جبنوا، قال ابن عمر: فتحزم أبو عقيل، فأخذ السيف بيده اليمنى مجردا، ثم جعل ينادى: يا للأنصار، كرة كيوم حنين، فاجتمعوا جميعا يقدمون المسلمين دريئة دون عدوهم، حتى أقحموا عدوهم الحديقة، فاختلطوا واختلفت السيوف بيننا وبينهم، فنظرت إلى أبى عقيل وقد قطعت يده المجروحة من المنكب،","footnotes":"(١) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٢٢٢٣) ، الإصابة الترجمة رقم (٧٤٣٤) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٤٤٧١) ، جمهرة أنساب العرب (٤٤٢) ، تهذيب الكمال (١١٤٦) ، تاريخ الإسلام (٢/ ٣١٣) ، تهذيب التهذيب (٨/ ٤٣٥) ، شذرات الذهب (١/ ٥٨) .\r(٢) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٣٩١) ، الإصابة الترجمة رقم (١٣٦٥) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٨٤٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084199,"book_id":3509,"shamela_page_id":762,"part":"2","page_num":133,"sequence_num":762,"body":"فوقعت إلى الأرض، وبه أربعة عشر جرحا، كلها قد خلصت إلى مقتل، وقتل عدو الله مسيلمة.\rقال ابن عمر: فوقفت على أبى عقيل وهو صريع بآخر رمق، فقلت: يا أبا عقيل، فقال لبيك بلسان ملتاث، ثم قال: لمن الدبرة، فقلت: أبشر ورفعت صوتى، قد قتل عدو الله، فرفع إصبعه إلى السماء يحمد الله، ومات، ﵀.\rقال ابن عمر: فأخبرت أبى بعد أن قدمت بخبره كله، فقال: ﵀، مازال يسأل الشهادة ويطلبها، وإن كان ما علمت لمن خيار أصحاب نبينا ﷺ، وقديمى إسلامهم.\rوذكر مجاعة بن مرارة يوما، معن بن عدى، وكان نازلا به ليالى قدم على رسول الله ﷺ، مع خلة كانت بينهما قبل ذلك قديمة، فلما قدم فى وفد اليمامة على أبى بكر، توجه أبو بكر رضى الله عنه، يوما إلى قبور الشهداء زائرا لهم فى نفر من أصحابه يمشون، قال: فخرجت معهم حتى أتوا قبور الشهداء السبعين يرحمهم الله، فقلت: يا خليفة رسول الله، لم أر قوما قط، أصبر لوقع السيوف، ولا أصدق كرة منهم، لقد رأيت رجلا منهم يرحمهم الله، وكانت بينى وبينه خلة، فقال أبو بكر رضى الله عنه:\rمعن بن عدى؟ قلت: نعم، وكان عارفا بما كان بينى وبينه، فقال: ﵀، ذكرت رجلا صالحا، حديثك، قلت: يا خليفة رسول الله، فأنظر إليه وأنا موثق فى الحديد فى فسطاط ابن الوليد، وانهزم المسلمون، انهزمت بهم الضاحية انهزامة ظننت أنهم لا يجتبرون لها، وساءنى ذلك، قال أبو بكر: الله، لساءك ذلك؟ قلت: الله لساءنى، قال أبو بكر: الحمد لله على ذلك، قال: فأنظر إلى معن بن عدى قد كر معلما فى رأسه بعصابة حمراء، واضعا سيفه على عاتقه، وإنه ليقطر دما، ينادى: يا للأنصار، كرة صادقة، قال:\rفكرت الأنصار عليه، فكانت الوقعة التى ثبتوا عليها حتى انتحوا وأباحوا عدوهم، فلقد رأيتنى وأنا أطوف مع خالد بن الوليد أعرفه قتلى بنى حنيفة، وإنى لأنظر إلى الأنصار وهم صرعى، فبكى أبو بكر رضى الله عنه، حتى بل لحيته.\rوعن أبى سعيد الخدرى، قال: دخلت الحديقة حين جاء وقت الظهر، واستحر القتال، فأمر خالد بن الوليد المؤذن، فأذن على جدار الحديقة بالظهر، والقوم يضطربون على القتل، حتى انقطعت الحرب بعد العصر، فصلى بنا خالد الظهر والعصر، ثم بعث السقاة يطوفون على القتلى، فطفت معهم، فمررت بأبى عقيل الأنصارى البدرى، وبه خمسة عشر جرحا، فاستسقانى، فسقيته، فخرج الماء من جراحاته كلها، ومات رحمه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084200,"book_id":3509,"shamela_page_id":763,"part":"2","page_num":134,"sequence_num":763,"body":"الله، ومررت ببشر بن عبد الله وهو قاعد فى حشوته، فاستسقانى، فسقيته، فمات، ومررت بعامر بن ثابت العجلانى وإلى جنبه رجل من بنى حنيفة به جراح، فسقيت عامرا فشرب وقال الحنفى: اسقنى فدى لك أبى وأمى، قلت: لا كرامة، ولكنى أجهز عليك، قال: قد أحسنت لى مسألة ولا شىء عليك فيها، أسألك عنها، قلت: وما هى؟\rقال: أبو ثمامة، ما فعل؟ قلت: قتل والله، قال: نبى ضيعه قومه، قال أبو سعيد: فضربت عنقه.\rوعن محمود بن لبيد قال: لما قتل خالد بن الوليد من أهل اليمامة من قتل، كانت لهم فى المسلمين أيضا مقتلة عظيمة «١» ، حتى أبيح أكثر أصحاب رسول الله ﷺ، وقيل: لا نغمد السيوف بيننا وبينهم عين تطرف وكان فيمن بقى من المسلمين جراحات كثيرة، فلما أمسى مجاعة بن مرارة، أرسل إلى قومه ليلا: أن ألبسوا السلاح النساء والذرية والعبيد، ثم إذا أصبحتم فقوموا مستقبلى الشمس على حصونكم حتى يأتيكم أمرى، وبات خالد والمسلمون يدفنون قتلاهم، فلما فرغوا، رجعوا إلى منازلهم، فباتوا يتكمدون بالنار من الجراح.\rفلما أصبح خالد، أمر بمجاعة، فسيق معه فى الحديد، فجعل يستبرئ القتلى، وهو يريد مسيلمة، فمر برجل وسيم، فقال: يا مجاعة، أهو هذا؟ قال: لا، هذا والله أكرم منه، هذا محكم بن الطفيل، ثم قال مجاعة: إن الذى تبتغون رجل ضخم أشعر البطن والظهر، أبجر، بجرته مثل القدح، مطرق إحدى العينين، ويقال: هو أرجل أصيفر أخينس، قال:\rوأمر خالد بالقتلى، فكشفوا حتى وجد الخبيث، فوقف عليه خالد، فحمد الله كثيرا، وأمر به فألقى فى البئر التى كان يشرب منها» .\rقالوا: ولما أمسينا، أخذنا شعل السعف، ثم جعلنا نحفر لقتلانا حتى دفناهم جميعا، بدمائهم وثيابهم، وما صلينا عليهم، وتركنا قتلى بنى حنيفة، فلما صالحوا خالدا طرحوهم فى الآبار.\rوكان خالد يرى أنه لم يبق من بنى حنيفة أحد إلا من لا ذكر له، ولا قتال عنده، فقال خالد لما وقف على مسيلمة مقتولا: يا مجاعة، هذا صاحبكم الذى فعل لكم","footnotes":"(١) قال ابن الجوزى فى المنتظم (٤/ ٨٣) : قال علماء السير: قتل من المسلمين يوم اليمامة أكثر من ألف، وقتل من المشركين نحو عشرين ألفا.\r(٢) ذكر مثل هذا الخبر ابن الجوزى فى المنتظم (٤/ ٨٢) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084201,"book_id":3509,"shamela_page_id":764,"part":"2","page_num":135,"sequence_num":764,"body":"الأفاعيل، ما رأيت عقولا أضعف من عقول أصحابك، مثل هذا فعل بكم ما فعل، فقال مجاعة: قد كان ذلك يا خالد، ولا تظن أن الحرب انقطعت بينك وبين بنى حنيفة، وإن قتلت صاحبهم، إنه والله ما جاءك إلا سرعان الناس، وإن جماعة الناس وأهل البيوتات لفى الحصون، فانظر، فرفع خالد بن الوليد رأسه وهو يقول: قاتلك الله، ما تقول؟ قال:\rأقول والله الحق، فنظر خالد، فإذا السلاح، وإذا الخلق على الحصون، فرأى أمرا غمه، ثم تشدد ساعتئذ وأدركته الرجولية، فقال لأصحابه: يا خيل الله اركبى، وجعل يدعو بسلاحه، ويقول: يا صاحب الراية قدمها، قال: والمسلمون كارهون لقتالهم، وقد ملوا الحرب، وقتل من قتل وعامة من بقى جريح.\rفقال مجاعة: أيها الرجل، إنى لك ناصح، إن السيف قد أفناك وأفنى غيرك، فتعال أصالحك عن قومى، وقد أخل بخالد مصاب أهل السابقة، ومن كان يعرف عنده الغناء، فقد رق وأحب الموادعة مع عجف الكراع، فاصطلحا على الصفراء والبيضاء، والحلقة والكراع، ونصف السبى، ثم قال مجاعة: آتى القوم فأعرض عليهم ما صنعت، قال:\rفانطلق، فذهب ثم رجع، فأخبره أنهم قد أجازوه، فلما بان لخالد أنه إنما هو السبى، قال: ويلك، يا مجاعة خدعتنى فى يوم مرتين، قال مجاعة: قومى، فما أصنع، وما وجدت من ذلك بدا، قد حضنى النساء، وأنشده قول امرأة من بنى حنيفة:\rمسيلم لم يبق إلا النساء ... سبايا لذى الخف والحافر\rوطفل ترشحه أمه ... حفير متى يدع يستأخر\rفأما الرجال فأودى بهم ... حوادث من دهرنا العاثر\rفليت أباك مضى حيضه ... وليتك لم تك فى الغابر\rسحبت علينا ذيول البلاء ... وجئت بهن سمى قاشر\rفمجاعة الخير فانظر لنا ... فليس لنا اليوم من ناظر\rسواك فإنا على حالة ... تروعنا مرة الطائر\rفقال: مجاعة: فكنت أجد من هذا بدا «١» .\rوذكر أن مجاعة لما ذهب إلى قومه ليعرض عليهم الصلح، انتهى إلى باب الحصن ليلا، فإذا امرأة تنشد هذا الشعر، فدنا منها مجاعة، فقال: هتم الله فاك، اسكتى، أنا مجاعة، ثم دخل الحصن وليس فيه إلا النساء والصبيان، فأمرهم بلبس السلاح وإطالة الإشراف، والقيام فى مصاف الرجال، فقال سلمة بن عمير لأصحابه: يا بنى حنيفة قاتلوا ولا","footnotes":"(١) راجع ما ذكره ابن الجوزى فى صلح خالد بن الوليد مع أهل اليمامة (٤/ ٨٢- ٨٣) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084202,"book_id":3509,"shamela_page_id":765,"part":"2","page_num":136,"sequence_num":765,"body":"تصالحوا خالدا، فإن الحصن حصين، والطعام كثير، والقوم قد أفناهم السيف، ومن بقى منهم جريح، ولا تطيعوا مجاعة، فإنه إنما يريد أن ينفلت من إساره، فقال مجاعة: يا بنى حنيفة، أطيعونى واعصوا سلمة، فإنى أخاف أن يصيبكم ما قال شرحبيل بن سلمة، أن تستردف النساء سبيات، وينكحن غير حظيات، فأطاعوا مجاعة، وتم الصلح بينه وبين خالد.\rوقال أسيد بن حضير «١» وأبو نائلة لخالد لما صالح: يا خالد، اتق الله، ولا تقبل الصلح، قال خالد: إنه أفناكم السيف، قال أسيد: وإنه قد أفنى غيرنا أيضا، قال: فمن بقى منكم جريح، قال: وكذلك من بقى من القوم جرحى، لا ندخل فى الصلح أبدا، اغد بنا عليهم حتى يظفرنا الله بهم أو نبيد من آخرنا، احملنا على كتاب أبى بكر: إن أظفرك الله ببنى حنيفة فلا تبق عليهم، فقد أظفرنا الله بهم وقتلنا رأسهم، فمن بقى أكل شوكة، فبينما هم على ذلك إذ جاء كتاب أبى بكر يقطر الدم، ويقال: إنهم لم يمسوا حتى قدم سلمة بن سلامة بن وقش من عند أبى بكر بكتابين، فى أحدهما: بسم الله الرحمن، أما بعد فإذا جاءك كتابى، فانظر، فإن أظفرك الله ببنى حنيفة فلا تستبق منهم رجلا جرت عليه الموسى «٢» .\rفكلمت الأنصار فى ذلك، وقالوا: أمر أبى بكر فوق أمرك، فلا تستبق منهم أحدا، فقال خالد: إنى والله ما صالحت القوم إلا لما رأيت من رقتكم، ولما نهكت الحرب منكم، وقوم قد صالحتهم ومضى الصلح فيما بيننا وبينهم، والله لو لم يعطونا شيئا ما قاتلتهم، وقد أسلموا.\rقال أسيد بن حضير: قد قتلت مالك بن نويرة وهو مسلم، فسكت عنه خالد، فلم يجبه، قالوا: وقال سلمة بن سلامة بن وقش: لا تخالف كتاب إمامك يا خالد، فقال خالد: والله ما ابتغيت بذلك إلا الذى هو خير، رأيت أهل السابقة وأهل الفضل وأهل القرآن قد قتلوا، ولم يبق معى إلا قوم خشيت أن لا يكون لهم بقاء على السيف لو ألح عليهم، فقبلت الصلح، مع أنهم قد أظهروا الإسلام، واتقوا بالراح.","footnotes":"(١) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٥٤) ، الإصابة الترجمة رقم (١٨٥) ، أسد الغابة الترجمة رقم (١٧٠) ، تجريد أسماء الصحابة (١/ ٢١) ، تهذيب الكمال (١/ ١١٣) ، تقريب التهذيب (١/ ٧٨) ، تهذيب التهذيب (١/ ٣٤٧) ، الوافى بالوفيات (٩/ ٢٥٨) ، سير أعلام النبلاء (١/ ٢٢٩) ، الجرح والتعديل (٢/ ١١٦٣) ، الرياض المستطابة (٢٩) .\r(٢) انظر: المنتظم لابن الجوزى (٤/ ٨٣) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084203,"book_id":3509,"shamela_page_id":766,"part":"2","page_num":137,"sequence_num":766,"body":"وكان خالد قد خطب إلى مجاعة ابنته، وكانت أجمل أهل اليمامة، فقال له مجاعة:\rمهلا، إنك قاطع ظهرى وظهرك عند صاحبك «١» ، إن القالة عليك كثيرة، وما أقول هذا رغبة عنك، فقال له خالد: زوجنى أيها الرجل، فإنه إن كان أمرى عند صاحبى على ما أحب فلن يفسده ما تخاف علىّ، وإن كان على ما أكره، فليس هذا بأعظم الأمور، فقال له مجاعة: قد نصحتك، ولعل هذا الأمر لا يكون عيبة إلا عليك، ثم زوجه.\rفلما بلغ ذلك أبا بكر رضى الله عنه، غضب، وقال لعمر بن الخطاب: وأبى خالد أنه لحريص على النساء، حين يصاهر عدوه، وينسى مصيبته، فوقع عمر فى خالد، وعظم الأمر ما استطاع، فكتب أبو بكر إلى خالد مع سلمة بن سلامة:\rيا خالد بن أم خالد، إنك لفارغ، تنكح النساء، وتعرس بهن، وببابك دماء ألف ومائتين من المسلمين، لم تجف بعد، ثم خدعك مجاعة عن رأيك فصالحك على قومه، ولقد أمكن الله منهم، فى كلام غير هذا ذكره وثيمة فى الردة. فلما نظر خالد فى الكتاب قال: هذا عمل عمر «٢» .\rوكتب إلى أبى بكر جواب كتابه مع أبى برزة الأسلمى: أما بعد، فلعمرى ما تزوجت النساء حتى تم لى السرور، وقرت بى الدار، وما تزوجت إلا إلى امرئ لو أعملت إليه من المدينة خاطبا لم أبل، دع أنى استشرت خطبتى إليه من تحت قدمى، فإن كنت كرهت لى ذلك لدين أو دنيا اعتبتك، وأما حسن عزائى على قتلى المسلمين، فو الله لو كان الحزن يبقى حيا أو يرد ميتا لأبقى حزنى الحى ورد الميت، ولقد أقحمت فى طلب الشهادة حتى يئست من الحياة، وأيقنت بالموت، وأما خدعة مجاعة إياى عن رأيى، فإنى لم أخط رأى يومى، ولم يكن لى علم بالغيب، وقد صنع الله للمسلمين خيرا، أورثهم الأرض، وجعل لهم عاقبة المتقين.\rفلما قدم الكتاب على أبى بكر رضى الله عنه، رق بعض الرقة، وتم عمر على رأيه الأول فى عيب خالد بما صنع، ووافقه على ذلك رهط من قريش، فقام أبو برزة الأسلمى فعذر خالدا، وقال: يا خليفة رسول الله، ما يؤبن خالد بجبن ولا خيانة، ولقد","footnotes":"(١) انظر: المنتظم لابن الجوزى (٤/ ٨٣) .\r(٢) ذكر ابن الجوزى فى المنتظم كتاب أبى بكر رضى الله عنه إلى خالد فقال: « ... فبلغ ذلك أبا بكر فكتب إليه: لعمرى يا ابن أم خالد، إنك لفارغ حين تتزوج النساء وحول حجرتك دماء المسلمين لم تجف بعد، فإذا جاءك كتاب فالحق بمن معك من جموعنا بأهل الشام، واجعل طريقك على العراق، فقال: وهو يقرأ الكتاب: هذا عمل الأعيسر، يعنى عمر بن الخطاب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084204,"book_id":3509,"shamela_page_id":767,"part":"2","page_num":138,"sequence_num":767,"body":"أقحم حتى أعذر، وصبر حتى ظفر، وما صالح القوم إلا على رضاه، وما أخطأ رأيه بصلح القوم، إذ هو لا يرى النساء فى الحصون إلا رجالا، فقال أبو بكر: صدقت لكلامك هذا أولى بعذر خالد من كتابه إلىّ.\rوقد كان خالد لما وقع الصلح، خاف من عمر أن يحمل أبا بكر، رضى الله عنهما، عليه، فكتب إلى أبى بكر كتابا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم لأبى بكر خليفة رسول الله من خالد بن الوليد، أما بعد، فإنى أقسم بالله أنى لم أصالحهم حتى قتل من كنت أقوى به، وحتى عجف الكراع، وهلك الخف، ونهك المسلمون بالقتل والجراح، حتى إنى لأفعل أمورا أرى أنى فيها معزر، أباشر القتال بنفسى حتى ضعف المسلمون ونهكوا، حتى إن كنت لا تنكر، ثم أدخل بسيفى فرقا على المسلمين حتى جاء بالظفر، فله الحمد.\rفسر أبو بكر بذلك، فدخل عليه عمر وهو يقرأ الكتاب، فدفعه إليه، فقرأه، فقال: إنما راقب خئونتهم وخالف أمرك، ألا ترى إلى ذكره أنه يباشر القتال بنفسه، يمن عليك بذلك. فقال أبو بكر: لا تقل يا عمر، فإنه والى صدق ميمون النقيبة، ناكى العدو، وقد كان رسول الله ﷺ، يقدمه ويقربه، وقد ولاه، فقال عمر: ولاه، وخالف أمره، وقبل بدخول الجاهلية حتى كان ما كان، فقال أبو بكر: دع هذا عنك، فقال عمر: سمعا وطاعة.\rولما فرغ خالد من الصلح، أمر بالحصون فألزمها الرجال، وحلف مجاعة بالله لا يغيب عنه شيئا مما صالحه عليه، ولا يعلم أحدا غيبة إلا رفعه إلى خالد، ثم فتحت الحصون، فأخرج سلاحا كثيرا، فجمعه خالد على حدة، وأخرج ما وجد فيها من دنانير ودراهم، فجمعه على حدة، وجمع كراعهم، وترك الخف فلم يحركه ولا الرثة، ثم أخرج السبى، فقسمه قسمين، ثم أقرع على القسمين، فخرج سهمه على أحدهما، وفيه: مكتوب لله، ثم جزأ الذى صار له من السبى على خمسة أجزاء، ثم كتب على كل سهم منها: لله، وجزأ الكراع، والحلقة هكذا، ووزن الذهب والفضة، فعزل الخمس، وقسم على الناس أربعة الأخماس، وأسهم للفرس سهمين، ولصاحبه سهما، وعزل الخمس من ذلك كله، حتى قدم به على أبى بكر الصديق، رضى الله عنه.\rولما انقطعت الحرب بين خالد وبين أهل اليمامة، تحول من منزله الذى كان فيه إلى منزل آخر، ينتظر كتاب أبى بكر يأمره أن ينصرف إليه بالمدينة، فبينا هو على ذلك، إذ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084205,"book_id":3509,"shamela_page_id":768,"part":"2","page_num":139,"sequence_num":768,"body":"أقبل سلمة بن عمير الحنفى، وكان من شياطينهم، فقال لمجاعة: استأذن لى على الأمير، فإن لى إليه حاجة، فأبى مجاعة عليه، وقال: ويحك يا سلمة، ابق على نفسك، فقد آن لك أن تبصر ما أنت فيه، والله لكأنى أنظر إلى خالد بن الوليد قد أمر بك فضربت عنقك.\rفقال سلمة: ما بينى وبين خالد من عتاب، قد قتل قومى، فلهى عنه مجاعة، يطلب غرة من خالد، فأقبل مع الناس الذين يدخلون عليه، فلما رآه خالد التفت إلى مجاعة، فقال: والله إنى لأعرف فى وجه هذا الشر، فقام إليه مجاعة وهو يخافه على الذى ظن به، فإذا هو مشتمل على السيف، فقال: يا عدو الله، لعنك الله، لقد أردت أن تستأصل حنيفة، والله لو قتلته ما بقى من حنيفة صغير ولا كبير إلا قتل، ثم لببه بثوبه، وجعل يتله حتى أدخله بيتا، ثم أوثقه فى الحديد، وأغلق عليه، فأفلت من الليل ومعه سيف، فوقع فى حائط من حوائط اليمامة، وعلم شأنه وما أراد من ضرب خالد بالسيف، وكان خالد قد أمر به أن تضرب عنقه، فكلمه فيه مجاعة، وقال: هبه لى يا أبا سليمان، فوهبه له، وقال له: أحسن أدبه، فذلك حين حذره مجاعة، فخرج بالسيف واكتنفه أهل اليمامة، فلما رأى ذلك أمال السيف على حلقه، فقطع أوداجه، وسقط فى بئر هناك، فانقطع ذكره.\rوحدث زيد بن أسلم عن أبيه، قال: كان أبو بكر حين وجه خالدا إلى اليمامة، رأى فى النوم كأنه أتى بتمر من تمر هجر «١» ، فأكل منها تمرة واحدة وجدها نواة على خلقة التمرة، فلاكها ساعة ثم رمى بها، فتأولها، فقال: ليلقين خالد من أهل اليمامة شدة، وليفتحن الله على يديه إن شاء الله، فكان أبو بكر يستروح الخبر من اليمامة بقدر ما يجىء رسول خالد، فخرج أبو بكر يوما بالعشى إلى ظهر الحرة، يريد أن يبلغ صرارا، ومعه عمر بن الخطاب وسعيد بن زيد وطلحة بن عبيد الله، ونفر من المهاجرين والأنصار، فلقى أبا خيثمة النجارى قد أرسله خالد، فلما رآه أبو بكر قال له: ما وراءك يا أبا خيثمة؟ قال: خير يا خليفة رسول الله، قد فتح الله علينا اليمامة، قال: فسجد أبو بكر، قال أبو خيثمة: وهذا كتاب خالد إليك، فحمد الله أبو بكر وأصحابه، ثم قال:\rأخبرنى عن الوقعة، كيف كانت؟.\rفجعل أبو خيثمة يخبره كيف صنع خالد، وكيف صف أصحابه، وكيف انهزم المسلمون، ومن قتل منهم، وجعل أبو بكر يسترجع ويترحم عليهم، وجعل أبو خيثمة","footnotes":"(١) هجر: بفتح أوله وثانيه، مدينة البحرين، وهى معرفة لا تدخلها الألف واللام، سميت بهجر بنت مكنف من العماليق. انظر: الروض المعطار (٥٩٢) ، معجم ما استعجم (٤/ ١٣٤٦) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084206,"book_id":3509,"shamela_page_id":769,"part":"2","page_num":140,"sequence_num":769,"body":"يقول: يا خليفة رسول الله ﷺ، أتينا من قبل الأعراب، انهزموا بنا وعودونا ما لم نكن نحسن، حتى أظفرنا الله بعد، ثم قال أبو بكر: كرهت رؤيا رأيتها كراهية شديدة، ووقع فى نفسى أن خالدا سيلقى منهم شدة، وليت خالدا لم يصالحهم، وأنه حملهم على السيف، فما بعد هؤلاء المقتولين يستبقى أهل اليمامة، ولن يزالوا من كذابهم فى بلية إلى يوم القيامة، إلا أن يعصمهم الله، ثم قدم بعد ذلك وفد اليمامة مع خالد على أبى بكر رضى الله عنه.\rقال الواقدى: أجمع أصحابنا أن خالد بن الوليد قدم المدينة من اليمامة، وقدم بوفد اليمامة سبعة عشر رجلا من بنى حنيفة، فيهم مجاعة بن مرارة، وإخوته، وأن أبا بكر حبسهم، فلم يدخلهم عليه، فدخلوا على عمر بن الخطاب يكلمونه فى أن يكلم أبا بكر أن يأذن لهم فيدخلهم أو يأذن لهم فى الرجوع إلى بلادهم، فوجدوه يحلب شاة على رغيف فى صحفة، ومعه عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب وابنه زيد بن الخطاب، فهما ينزوان على ظهره، قالوا، أو من قال منهم: فنسبنا، فانتسبنا، فقرب تلك الصحفة وما فيها، وقال: أصيبوا شيئا، فتحرمنا فأصبنا شيئا، فسألته: من هذان الغلامان؟ فقال: هذان ابنا زيد بن الخطاب ﵀، فوجمنا لأنا قتلنا زيدا، فلما رأى وجومنا قال: ما لكم قد سكتم؟ هذا أمر قد ذهب، حاجتكم، قالوا: فبسطنا، فقلنا: احتبسنا ولا نقدر على الدخول على أبى بكر، ولا السراح إلى بلادنا، فقال عمر: عليكم عهد الله وكفالته أن تناصحوا الإسلام وأهله، قلنا: نعم، قال: ارجعوا حتى تأتوا فى هذه الساعة من غد فأوصلكم إلى أبى بكر، فلما كان ذلك الوقت من الغد، جاؤه، فخرج معهم حتى أوصلهم إلى أبى بكر.\rوقال زيد بن أسلم عن أبيه: لما دخلوا على أبى بكر الصديق، قال: ويحكم، ما هذا الذى استنزل منكم ما استنزل، وخدعكم، قالوا: يا خليفة رسول الله، قد كان الذى بلغك مما أصابنا.\rوذكر وثيمة أن الذى كلم أبا بكر منهم رجل من بنى سحيم، فقال: يا خليفة رسول الله، كان رجلا مشئوما أصابته فتنة من حديث النفس، وأمانى الشيطان، دعا إليها أقواما مثله فأجابوه فلم يبارك الله له ولا لقومه.\rقال أسلم فى حديثه: ثم أقبل يعنى أبا بكر، على مجاعة، فقال: يا مجاعة، أنت خرجت طليعة لمسيلمة حتى أخذك خالد أخذا؟ فقال: يا خليفة رسول الله، والله ما","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084207,"book_id":3509,"shamela_page_id":770,"part":"2","page_num":141,"sequence_num":770,"body":"فعلت، خرجت فى طلب رجل من بنى نمير قد أصاب فينا دما، فهجمت علينا خيل خالد، ولقد كنت قدمت على رسول الله، فلما ذكر رسول الله، قال أبو بكر: قل ﷺ، فقال: ﷺ، ثم رجعت إلى قومى، فو الله ما زلت معتزلا أمر مسيلمة حتى كان أوان قدمت عليك مقدمى هذا، ثم لم آل لخالد فيما استشارنى إلى اليوم، وقد جئناك لترضى عمن أساء، وتقبل ممن تاب، فإن القوم قد رجعوا وتابوا، فقال أبو بكر: أما أنى قد كتبت إلى خالد كتابا فى أثر كتاب آمره أن لا يستبقى من بنى حنيفة أحدا مرت عليه الموسى قال مجاعة: الذى صنع الله لك ولخالد خير، يفىء الله بهم إلى الإسلام، قال أبو بكر: أرجو أن يكون ما صنع خالد خيرا، يا مجاعة أنى خدعتم بمسيلمة؟ قال: يا خليفة رسول الله، لا تدخلنى فى القوم، فإن الله يقول: لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [فاطر:\r١٨] ، قال أبو بكر رضى الله عنه: فما كان يقول لقومه؟ قال: فكره مجاعة أن يخبره فقال أبو بكر: عزمت عليك لتخبرنى.\rوفى غير هذا الحديث أن الرجل السحيمى الذى تقدم ذكره قبل أخبره بأنه كان يقول: يا ضفدع بنت ضفدعين، لحسن ما تنقنقين، لا الشارب تمنعين، ولا الماء تكدرين، امكثى فى الأرض حتى يأتيك الخفاش بالخبر اليقين، لنا نصف الأرض ولقريش نصفها، ولكن قريش قوم لا يعدلون. فاسترجع أبو بكر، ثم قال: سبحان الله، ويحكم، أى كلام هذا، إن هذا الكلام ما خرج من إل ولا بر، فأين ذهب بكم؟ الحمد لله الذى قتله، قالوا: يا خليفة رسول الله، قد أردنا الرجوع إلى بلادنا، قال: ارجعوا، وكتب لهم كتابا آمنهم فيه.\rوفى كتاب يعقوب الزهرى: أن وفد بنى حنيفة لما قدموا، نادى أبو بكر أن لا يؤويهم أحد، ولا يبايعهم، ولا ينزلهم، ولا يكلمهم، فداروا فى المدينة لا يكلمون ولا يبايعون، فضاقت عليهم، فقيل لهم: ائتوا عمر، فجاؤه، فوجدوه معتقلا عنزا يحلبها على رغيف، فلما رآهم، حلب، فاشتد حلبه حتى دار الرغيف فى القدح من شدة حلبه، ثم وضعه، فدعاهم فأكلوا معه، ومعه صبية صغيرة، فقالوا: إنا نعوذ بالله أن يرد علينا من إسلامنا ما يقبل من غيرنا، وإنا نشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، الذى لا إله إلا هو، الذى يعلم من السر ما يعلم من العلانية، قال: الله، إن ما تقولون بألسنتكم لحق من قلوبكم، قالوا: الذى لا إله إلا هو إن ما نقول بألسنتنا لحق من قلوبنا، قال:\rالحمد لله الذى جعل لنا من الإسلام ما يعزنا ويردنا إليه. قال: أفيكم قاتل زيد بن الخطاب؟ قلنا: ما تريد بذلك؟ قال: أفيكم قاتل زيد؟ فقام أبو مريم، فقال: أنا قاتل زيد،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084208,"book_id":3509,"shamela_page_id":771,"part":"2","page_num":142,"sequence_num":771,"body":"قال: وكيف قتلته؟ قال: اضطربت أنا وهو بالسيفين حتى انقطعا، ثم أطعنا بالرمحين حتى انكسرا، ثم اصطرعنا، فشحطته بالسكين شحطا، قال: يا بنية، هذا قاتل أبيك، فوضعت يدها على رأسها، وصاحت: يا أبتاه.\rقال: ثم خرج حتى جاء أبا بكر، فاستأذن لنا عليه، فدخلنا فقلنا له كما قلنا لعمر، وناشدنا كما ناشدنا عمر، فحلفنا له، فقال: الحمد لله الذى جعل لنا من الإسلام ما يعزنا ويردنا إليه، قال: أفيكم من رهط عامر بن مسلمة أحد؟ قال خالد: وما تصنع بعامر وهذا مجاعة سيد أهل اليمامة، فكررها أبو بكر، فقال: هل فيكم من رهط ثمامة ابن أثال أحد؟ قال خالد: وما تصنع بثمامة، وهذا مجاعة سيد أهل اليمامة، قال أبو بكر رضى الله عنه: إنهم أهل بيت اصطعنهم النبى ﷺ، فأحب أن أصطنعهم، فقام مطرف بن النعمان بن سلمة، فقال: عامر بن سلمة عمى، وثمامة بن أثال عمى، فاستعمله أبو بكر على اليمامة.\rوقال أبو بكر لخالد: سم لى أهل البلاء، فقال: يا خليفة رسول الله، كان البلاء للبراء بن مالك، والناس له تبع.\rولما قدم خالد المدينة لم يبق بها دار إلا فيها باك لكثرة من قتل معه من الناس، فبكى أبو بكر رضى الله عنه، لما رأى ذلك، وقال ما أبعد ما رأى من الظفر، والله لثابت بن قيس بن شماس «١» أعز على الأنصار من أسماعها وأبصارها.\rوكانت اليمامة فى ربيع الأول من سنة اثنتى عشرة «٢» ، واختلف فى عدد من استشهد فيها من المسلمين، فأكثر ما فى ما وقع فى كتاب أبى بكر إلى خالد: أن ببابك دماء ألف ومائتين من المسلمين.\rوقال سالم بن عبد الله بن عمر: قتل يوم اليمامة ستمائة من المهاجرين والأنصار، وغير ذلك.\rوقال زيد بن طلحة: قتل يوم اليمامة من قريش سبعون، ومن الأنصار ستون، ومن سائر الناس خمسمائة.","footnotes":"(١) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٢٥٣) ، الإصابة الترجمة رقم (٩٠٦) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٥٦٩) .\r(٢) ذكر ابن الجوزى فى المنتظم (٤/ ٨٣) : أنها كانت سنة إحدى عشرة فى قول جماعة منهم أبو معشر، فأما ابن إسحاق فإنه قال فتح اليمامة واليمن والبحرين، وبعث الجنود إلى الشام سنة اثنتى عشرة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084209,"book_id":3509,"shamela_page_id":772,"part":"2","page_num":143,"sequence_num":772,"body":"وعن أبى سعيد الخدرى قال: قتلت الأنصار فى مواطن أربعة سبعين سبعين، يوم أحد سبعين، ويوم بئر معونة سبعين، ويوم اليمامة سبعين، ويوم جسر أبى عبيد سبعين.\rوقال سعيد بن المسيب: قتلت الأنصار فى مواطن ثلاثة سبعين سبعين، فذكر ما تقدم إلا بئر معونة.\rوذكر عمر بن الخطاب رضى الله عنه، يوما وقعة اليمامة ومن قتل فيها من المهاجرين والأنصار، فقال: أحلت السيوف على أهل السوابق من المهاجرين والأنصار، ولم نجد المعول يومئذ إلا عليهم، خافوا على الإسلام أن يكسر بابه، فيدخل منه إن ظهر مسيلمة، فمنع الله الإسلام بهم، حتى قتل عدوه وأظهر كلمته، وقدموا يرحمهم الله، على ما يسرون به من ثواب جهادهم من كذب على الله وعلى رسوله، ورجع عن الإسلام بعد الإقرار به.\rوفى رواية عنه: جعل منادى المسلمين، يعنى يوم اليمامة، ينادى: يا أهل الوجوه، لولا ما استدرك خليفة رسول الله ﷺ، من جمع القرآن لخفت أن لا يلتقى المسلمون وعدوهم فى موضع إلا استحر القتل بأهل القرآن.\rولما قتل ثابت بن قيس بن شماس يوم اليمامة، ومعه كانت راية الأنصار يومئذ، وهو خطيبهم وسيد من سادتهم، أرى رجل من المسلمين فى منامه ثابت بن قيس يقول له:\rإنى موصيك بوصية، فإياك أن تقول هذا حلم فتضيعه، إنى لما قتلت بالأمس جاء رجل من ضاحية نجد وعلىّ درع فأخذها، فأتى بها منزله فأكفأ عليها برمة، وجعل على البرمة رحلا، وخباؤه فى أقصى العسكر، إلى جنب خبائه فرس يستن فى طوله، فائت خالد بن الوليد فأخبره فليبعث إلى درعى فليأخذها، وإذا قدمت على خليفة رسول الله ﷺ، فأخبره أن علىّ من الدين كذا ولى من الدين كذا، وسعد ومبارك غلاماى حران، وإياك أن تقول هذا حلم، فتضيعه.\rفلما أصبح الرجل أتى خالد بن الوليد فأخبره، فبعث خالد إلى الدرع فوجدها كما قال، وأخبره بوصيته فأجازها، ولا نعلم أحدا من المسلمين أجيزت، وصيته بعد موته إلا ثابت بن قيس «١» .\rوقد روى أن بلال بن الحارث كان صاحب الرؤيا، رواه الواقدى، ثم قال بعقبه:\rفذكرته، يعنى الحديث، لعبد الله بن سعد، فقال: حدثنى عبد الواحد بن أبى عون، قال:","footnotes":"(١) ذكر ابن عبد البر فى الاستيعاب هذا الخبر فى ترجمة ثابت رقم (٢٥٣) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084210,"book_id":3509,"shamela_page_id":773,"part":"2","page_num":144,"sequence_num":773,"body":"قال بلال: رأيت فى منامى كأن سالما مولى أبى حذيفة قال لى ونحن منحدرون من اليمامة إلى المدينة: إن درعى مع الرفقة الذين معهم الفرس الأبلق، تحت قدرهم، فإذا أصبحت فخذها من تحت قدرهم، فاذهب بها إلى أهلى، وإن علىّ شيئا من دين، فمرهم يقضونه، قال بلال: فأقبلت إلى تلك الرفقة، وقدرهم على النار، فألفيتها وأخذت الدرع، وجئت أبا بكر فحدثته الحديث، فقال: نصدق قولك، ونقضى دينه الذى قلت.\rوقتل الله من بنى حنيفة يوم اليمامة عددا كثيرا، ففى كتاب يعقوب الزهرى أنه قتل منهم أكثر من سبعة آلاف، وعن غيره أنه أصيب يومئذ من صليب بنى حنيفة سبعمائة مقاتل، وكان داؤهم خبيثا، والطارئ منهم على الإسلام عظيما، فاستأصل الله تعالى شأفتهم، ورد ألفة الإسلام على ما كانت عليه على عهد رسول الله ﷺ.\rذكر ردة بنى سليم\rذكر الواقدى من حديث سفيان بن أبى العوجاء السلمى، قال: وكان عالما بردة قومه، مع أنه كان من وعاة العلم، وممن يوثق به فى الدين، قال: أهدى ملك من ملوك غسان إلى النبى ﷺ، لطيمة فيها مسك وعنبر، وخيل، فخرجت بها الرسل حتى إذا كانوا بأرض بنى سليم، بلغتهم وفاة النبى ﷺ، فتشجع بعض بنى سليم على أخذها والردة، وأبى بعضهم من ذلك، وقالوا: إن كان محمد قد مات، فإن الله حى لا يموت، وكان الذين ارتدوا منهم عصية وبنو عميرة وبنو عوف، وبعض بنى جارية، والذين انتهبوا اللطيمة فتمزقوها، بنو الحكم بن مالك بن خالد بن الشريد.\rفلما ولى أبو بكر كتب إلى معن بن حاجز «١» فاستعمله على من أسلم من بنى سليم، وكان قد قام فى ذلك قياما حسنا، ذكر وفاة النبى ﷺ، وذكر الناس ما قال الله لنبيه ﵇: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر: ٣٠] ، وقال: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ الآية [آل عمران: ١٤٤] والتى قبلها، مع آى من كتاب الله، فاجتمع إليه بشر كثير من بنى سليم، وانحاز أهل الردة منهم فجعلوا يغيرون على الناس، ويقطعون السبيل، فلما بدى لأبى بكر أن يوجه خالد بن الوليد إلى الضاحية، كتب إلى معين بن حاجز أن يلحق بخالد بن الوليد هو ومن معه من المسلمين، ويستعمل","footnotes":"(١) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٢٤٩٩) ، الإصابة الترجمة رقم (٨٤٧٣) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٢٤٩٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084211,"book_id":3509,"shamela_page_id":774,"part":"2","page_num":145,"sequence_num":774,"body":"على عمله طريفة بن حاجز، ففعل، وأقام طريفة يكالب من ارتد بمن معه من المسلمين، يغير عليهم ويغيرون عليه، إذ قدم الفجاءة، وهو إياس بن عبد الله بن عبد ياليل بن عمير ابن خفاف، على أبى بكر الصديق، فقال: يا أبا بكر، إنى مسلم، وقد أردت جهاد من ارتد من الكفار، فاحملنى وأعنى، فإنه لو كان عندى قوة لم أقدم عليك، ولكنى مضعف من الظهر والسلاح، فسر أبو بكر بمقدمه، فحمله على ثلاثين بعيرا، وأعطاه سلاح ثلاثين رجلا، فخرج يستعرض المسلم والكافر، فيأخذ أموالهم، ويصيب من امتنع مع قوم من أهل الردة قد تبعوه على ذلك، لقد أغار على قوم بالأرحضية مسلمين، جاؤا يريدون أبا بكر، فسلبهم وقتلهم، ومعه رجل من بنى الشريد، يقال له: نجبة بن أبى المثنى.\rفلما بلغ أبا بكر خبره وما صنع، كتب إلى طريفة بن حاجز: بسم الله الرحمن الرحيم، من أبى بكر خليفة رسول الله إلى طريفة بن حاجز، سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، وأسأله أن يصلى على محمد ﷺ أما بعد، فإن عدو الله الفجاءة أتانى، فزعم أنه مسلم، وسألنى أن أقويه على قتال من ارتد عن الإسلام، فقويته، وقد انتهى إلى الخبر اليقين أنه قد استعرض المسلم والمرتد، يأخذ أموالهم، ويقتل من امتنع منهم، فسر إليه بمن معك من المسلمين حتى تقتله أو تأسره، فتأتينى به فى وثاق إن شاء الله، والسلام عليك ورحمة الله.\rفقرأ طريفة كتاب أبى بكر على قومه المسلمين، فحشدوا، وساروا معه إلى الفجاءة، فقدم إليهم نجبة بن أبى المثنى، فناوش المسلمين، وقتل نجبة، وهرب من كان معه إلى الفجاءة، ثم زحف طريفة إلى الفجاءة، فتصادما، وجعل المسلمون يرمون بالنبل، ورمى أصحاب الفجاءة شيئا وهم منكسرون لما يرون من انكسار الفجاءة وندامته، فقال: يا طريفة «١» والله ما كفرت، وإنى لمسلم، وما أنت بأولى بأبى بكر منى، أنت أميره وأنا أميره، قال طريفة: فإن كنت صادقا، فألق السلاح، ثم انطلق إلى أبى بكر فأخبره خبرك، فوضع الفجاءة السلاح، وأوثقه طريفة فى جامعة، فقال طريفة: لا تفعل، فإنك إن أقدمتنى فى وثاق أشعرتنى، فقال طريفة: هذا كتاب أبى بكر إلى: أن ابعثك إليه فى وثاق، فقال الفجاءة: سمعا وطاعة، فبعث به فى جامعة مع عشرة من بنى سليم، فأرسل به أبو بكر رضى الله عنه، إلى بنى جشم، فحرقه بالنار.","footnotes":"(١) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (١٣٠٨) ، الإصابة الترجمة رقم (٤٢٦٣) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٢٦٠٥) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084212,"book_id":3509,"shamela_page_id":775,"part":"2","page_num":146,"sequence_num":775,"body":"وقدم على أبى بكر رضى الله عنه، قبيصة، أحد بنى الضربان، من بنى خفاف، فذكر أن مسلم، وأنه قومه لم يرتدوا، فأمره أبو بكر أن يقاتل بمن معه من سليم على الإسلام من ارتد عنه منهم، فرجع قبيصة إلى قومه، فاجتمع إليه ناس كثير ممن ثبت على الإسلام، فخرج يتبع بهم أهل الردة يقتلهم حيث وجدهم، حتى مر ببيت خميصة بن الحكم الشريدى، فوجده غائبا يجمع أهل الردة، ووجد جارا له مرتدا، فقتله، واستاق ماله ومضى حتى نزل منزلا، فذبح أصحابه شاة من غنم جار خميصة، ثم راحوا، ويقبل خميصة حتى أتى أهله، فيخبروه خبر جاره، فخرج فى طلب القوم حتى مر بمنزلهم حيث ذبحوا الشاة، فيجد رأسها مملولا، قد تركه القوم، فأخذه، فجعل ينهش منه، وهو يطلبهم فأدركهم وهو ينهشه والدم يسيل على لحيته، وكان رجلا أيدا، فقال لقبيصة: قتلت جارى؟ قال: إن جارك ارتد عن الإسلام، قال: فاردد ماله، فرد قبيصة ماله، فقال: وفقد الشاة التى ذبحوا، فقال: أين الشاة التى ذبحت؟ فقال: لا سبيل إليها، قد أكلها القوم وهم مستحقون لذلك فى طلب قوم كفروا بعد إسلامهم، فقال: يا قبيصة، أمن بين من كفر تعدو على جار لجأ إلى لأمنعه؟ فقال قبيصة: قد كان ذلك فاصنع ما أنت صانع، فطعن قبيصة بالرمح، فوقع فى واسط الرحل، فدقه وانثنى سنان الرمح، وخر قبيصة عن بعيره، فقال لخميصة: إنك قد أشويتنى، فاكفف، فعدل خميصة سنان رمحه بين حجرين ثم شد على قبيصة، وهو يقول: أكفف بعد قتل جارى، لا والله أبدا، فطعنه بالرمح فقتله وكان قبيصة قد فرق أصحابه، وبثهم قبل أن يلحقه خميصة.\rوكتب أبو بكر ﵀، إلى خالد بن الوليد: أما بعد، فإن أظفرك الله ببنى حنيفة، فأقل اللبث فيهم حتى تنحدر إلى بنى سليم فتطأهم وطأة يعرفون بها ما منعوا، فإنه ليس بطن من العرب أنا أغيظ عليه منى عليهم، قدم قادمهم يذكر إسلاما ويريد أن أعينه، فأعنته بالظهر والسلاح، ثم جعل يعترض الناس، فإن أظفرك الله بهم فلا ألومك فيهم، فى أن تحرقهم بالنار، وتهول فيهم بالقتل، حتى يكون نكالا لهم.\rقالوا: فجعل خالد بن الوليد يبعث الطلائع أمامه، وسمعت بنو سليم بمقبل خالد، فاجتمع منهم بشر كثير يعرضون لهم، وجلهم بنو عصية، واستجلبوا من بقى من العرب مرتدا، وكان الذى جمعهم أبو شجرة بن عبد العزى، فانتهى خالد إلى جمعهم بالجواء مع الصبح، فصاح خالد فى أصحابه، وأمرهم بلبس السلاح، ثم صفهم، وصفت بنو سليم، وقد كل المسلمون وعجف كراعهم، وخفهم، وجعل خالد يلى القتال بنفسه، حتى أثخن فيهم القتل، ثم حمل عليهم حملة واحدة، فهربوا، وأسر منهم بشر كثير، فجعل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084213,"book_id":3509,"shamela_page_id":776,"part":"2","page_num":147,"sequence_num":776,"body":"يضرب أحدهم على عاتقه فيجز له باثنين، ويبدو سحره، ويضرب الآخر من وسطه.\rوفى حديث سفيان بن أبى العوجاء: أن خالدا خطر لهم الخطائر، فحرقهم فيها بالنار، وأصاب أبو شجرة يومئذ، فى المسلمين وجرح جراحات كثيرة، وقال فى ذلك أبياتا، يقول فى آخرها:\rفرويت رمحى من كتيبة خالد ... وإنى لأرجو بعدها أن أعمرا\rولما قدم خالد على أبى بكر، كان أول ما سأل عنه خبر بنى سليم، فأخبره خالد، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قدم على أبى بكر معاوية بن الحكم، وأخوه خميصة مسلمين، فقال أبو بكر لخميصة: أنت قتلت قبيصة، ورجعت عن الإسلام؟ قال: إنه قتل جارى، قال: وإن قتل جارك على ردة، قتلته، لن تفلت منى حتى أقتلك، فقال أخوه: يا خليفة رسول الله، كان يومئذ مرتدا كافرا موتورا، وقد تاب اليوم وراجع، ولكن نديه قال أبو بكر: فأخرج ديته، فقال: أفعل يا خليفة رسول الله، قال: فنعم الرجل كان قبيصة، ونعم السبيل مات عليه.\rثم قال لمعاوية: وعمدتم يا بنى الشريد إلى لطيمة بعث بها إلى رسول الله ﷺ، فانتهبتموها، وقلتم إن يقم بهذا الأمر رجل من قريش، فلعمرى ليرضى أن تدخلوا فى الإسلام مع الناس، فكيف يأخذكم بأمن الطريق إلى رجل قد مات، فإن طلب ما أخذتم فإنما يطلبها أهل بيته، فما كانوا يطلبون ذلك منكم وأنتم أخوالهم. قال معاوية: نحن نضمنها حتى نؤديها إليك، فحمل أبو بكر، معاوية اللطيمة التى أصابوها، ووقت لهم شهرين أو ثلاثة.\rقال: فأداها إلى أبى بكر، ثم إن أبا شجرة أسلم، ودخل فيما دخل فيه الناس، فجعل يعتذر ويجحد أن يكون قال البيت المتقدم، فلما كان زمن عمر بن الخطاب، قدم أبو شجرة وأناخ راحلته بصعيد بنى قريظة، وجاء من حرة شوران، ثم أتى عمر وهو يقسم بين فقراء العرب، فقال: يا أمير المؤمنين، أعطنى، فإنى ذو حاجة، فقال: من أنت؟ قال:\rأنا أبو شجرة بن عبد العزى، فقال له: يا عدو الله، ألست الذى يقول:\rفرويت رمحى من كتيبة خالد ... وإنى لأرجو بعدها أن أعمرا\rعمر الله سوء ما عشت لك يا خبيث، ثم جعل يعلوه بالدرة على رأسه، حتى سبقه عدوا، وعمر فى طلبه، فرجع أبو شجرة موليا إلى راحلته، فارتحلها، ثم شد بها فى حرة شوران راجعا إلى أرض بنى سليم، فما استطاع أبو شجرة أن يقرب عمر حتى توفى،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084214,"book_id":3509,"shamela_page_id":777,"part":"2","page_num":148,"sequence_num":777,"body":"وإن كان إسلامه لا بأس به، وكان إذا ذكر عمر ترحم عليه، ويقول: ما رأيت أحدا أهيب من عمر بن الخطاب.\rوقال أبو شجرة فيما كان من ذلك:\rضن علينا أبو حفص بنائله ... وكل مختبط يوما له ورق\rما زال يرهقنى حتى خذيت له ... وحال من دون بعض البغية الشفق\rلما لقيت أبا حفص وشرطته ... والشيخ يقرع أحيانا فينحمق\rثم ارعويت إلى وجناء كاشرة ... مثل الطريرة لم يثبت لها الأفق\rأقبلت الخيل من شوران صادرة ... أنى لأزرى عليها وهى تنطلق\rتطير مروا خطاها عن مناسمها ... كما ينقر عند الجهبذ الورق\rإذا يعارضها خرق تعارضه ... ورهاء فيها إذا استعجلتها خرق\rينوء آخرها منها وأولها ... سرح اليدين معا نهاضة فتق\rوفى حديث هشام بن عروة عن أبيه: أن لقاء أبى شجرة عمر كان على غير ما تقدم، وأن أبا شجرة قدم المدينة، فأدخل راحلته بعض دورها، ودخل المسجد متنكرا، فاضطجع فيه، وكان عمر رضى الله عنه، قل شىء يظنه إلا كان حقا، فبينا عمر جالسا فى أصحابه، وأبو شجرة مضطجع، قال عمر: إنى لأرى هذا أبا شجرة، فقام حتى وقف عليه، فقال: من أنت؟ قال: رجل من بنى سليم، قال: انتسب، قال: فلان بن عبد العزى، قال: ما كنيتك؟ قال: أبو شجرة، فعلاه بالدرة.\rثم ذكر من تقريره على قوله: فرويت رمحى البيت، نحوا مما تقدم.\rردة البحرين «١»\rحدث يعقوب الزهرى عن إسحاق بن يحيى، عن عمه عيسى بن طلحة، قال: لما ارتدت العرب بعد وفاة رسول الله ﷺ، قال صاحب المدائن: من يكفينى أمر العرب، فقد مات صاحبهم وهم الآن يختلفون بينهم، إلا أن يريد الله بقاء ملكهم فيجتمعوا على أفضلهم، فإنهم إن فعلوا صلح أمرهم، وبقى ملكهم، وأخرجوا العجم من أرضهم، قالوا:\rنحن بذلك على أكمل الرجال، قال: من؟ قالوا: مخارق بن النعمان، ليس فى الناس مثله، وهو من أهل بيت قد دوخوا العرب ودانت لهم، وهؤلاء جيرانك بكر بن وائل، فأرسل","footnotes":"(١) راجع: المنتظم لابن الجوزى (٤/ ٨٣- ٨٥) ، تاريخ الطبرى (٣/ ٣٠١) ، الأغانى (١٥/ ٢٥٥) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084215,"book_id":3509,"shamela_page_id":778,"part":"2","page_num":149,"sequence_num":778,"body":"منهم ناسا مع مخارق، فأرسل معه ستمائة من بكر بن وائل، الأشرف فالأشرف، وارتد أهل هجر عن الإسلام.\rوعن الحسن بن أبى الحسن: أن الجارود قام فى قومه، فقال: يا قوم، ألستم تعلمون ما كنت عليه من النصرانية، وإنى لم آتكم قط إلا بخير، وإن الله تعالى بعث نبيه فنعى له نفسه وأنفسكم؟ فقال: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر: ٣٠] ، وقال: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً [آلا عمران: ١٤٤] .\rوفى حديث آخر، أنه قام فيهم، فقال: ما شهادتكم أيها الناس على موسى؟ قالوا:\rنشهد أنه رسول الله، قال: فما شهادتكم على عيسى؟ قالوا: نشهد أنه رسول الله، قال:\rوأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، عاش كما عاشوا، ومات كما ماتوا، وأتحمل شهادة من أبى أن يشهد على ذلك، فلم يرتد من عبد القيس أحد.\rوقد كان رسول الله ﷺ، قال حين وفدوا عليه: «عبد القيس خير أهل المشرق، اللهم اغفر لعبد القيس ثلاثا، وبارك لهم فى ثمارهم» ، فخرجوا مسرورين بدعوته وأهدوا له من طرائف ثمارهم، وثبتوا على الإسلام حين الردة.\rوكان النبى ﷺ، استعمل أبان بن سعيد بن العاص «١» على البحرين، وعزل العلاء بن الحضرمى، فسأل أبان رسول الله ﷺ، أن يحالف عبد القيس، فأذن له، فحالفهم، فلما بلغ أبان بن سعيد مسير من سار إليه مرتدين، قال لعبد القيس: أبلغونى مأمنى، فأشهد أمر أصحاب رسول الله ﷺ، فليس مثلى يغيب عنهم، فأحيا بحياتهم، وأموت بمماتهم، فقالوا: لا تفعل، فأنت أعز الناس علينا، وهذا علينا وعليك فيه مقالة، يقول قائل: فر من القتال، فأبى وانطلق معه ثلاثمائة رجل يبلغونه المدينة، فقال أبو بكر لأبان: ألا ثبت مع قوم لم يبدلوا ولم يرتدوا؟ فقال: ما كنت لأعمل لأحد بعد رسول الله ﷺ.\rوذكر أبان من عبد القيس خيرا، فدعا أبو بكر العلاء بن الحضرمى، فبعثه إلى البحرين، فى ستة عشر راكبا، وقال: امض، فإن أمامك عبد القيس، فسار حتى بلغهم، ومر بثمامة بن أثال الحنفى، فأمده برجال من قومه بنى سحيم، ولحق به ثمامة، فخرج","footnotes":"(١) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٤) ، الإصابة الترجمة رقم (٢) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٢) ، نسب قريش (١٧٤، ١٧٥) ، طبقات خليفة (٢٩٨) ، الجرح والتعديل (٢/ ٢٩٥) ، تاريخ الإسلام (١/ ٣٧٦، ٣٧٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084216,"book_id":3509,"shamela_page_id":779,"part":"2","page_num":150,"sequence_num":779,"body":"العلاء بمن معه حتى نزل بحصن يقال له جواثى، وكان مخارق قد نزل بمن معه من بكر بن وائل المشقر، فسار إليهم العلاء فيمن اجتمع إليه من المسلمين، فقاتلهم قتالا شديدا، حتى كثرت القتلى وأكثرها فى أهل الردة، والجارود بالخط يبعث البعوث إلى العلاء، وبعث مخارق الخطم بن شريح، أحد بنى قيس بن ثعلبة إلى مرزبان الخط يستمده، فأمده بالأساورة، فنزل الخطم ردم الفلاح، وكان حلف أن لا يشرب الخمر حتى يرى هجر، فقالوا له: هذه هجر، وأخذ المرزبان الجارود رهينة عنده، وقال عبد الرحمن بن أبى بكرة: أخذ الخطم الجارود، فشده فى الحديد، وسار الخطم وأبجر بن العجلى فيمن معهما حتى حصروا العلاء بن الحضرمى بجواثى. فقال عبد الله بن حذف أحد بنى عامر بن صعصعة:\rألا أبلغ أبا بكر رسولا ... وسكان المدينة أجمعينا\rفهل لكم إلى نفر يسير ... مقيم فى جواثى محصرينا\rكأن دماءهم فى كل شمس ... شعاع الشمس يغشين العيونا\rتوكلنا على الرحمن إنا ... وجدنا النصر للمتوكلينا «١»\rفمكثوا على ذلك محصورين، فسمع العلاء وأصحابه ذات ليلة لغطا فى عسكر المشركين، فقالوا: والله لوددنا أن لو علمنا أمرهم، فقال عبد الله بن حذف: أنا أعلم لكم علمهم، فدلونى بحبل، فدلوه، فأقبل حتى يدخل على أبجر بن جابر العجلى، وأم عبد الله امرأة من بنى عدل، فلما رآه أبجر، قال: ما جاء بك، لا أنعم الله بك علينا؟ قال:\rيا خالى، الضرر والجوع وشدة الحصار، وأردت اللحاق بأهلى، فزودنى. قال أبجر:\rأفعل، على أنى أظنك والله على غير ذلك، بئس ابن الأخت سائر الليلة، فزوده وأعطاه نعلين، وأخرجه من العسكر، وخرج معه حتى برزا، فقال له: انطلق، فإنى والله لأراك بئس ابن الأخت أنت هذه الليلة، فمض ابن حذف كأنه لا يريد الحصن، حتى أبعد، ثم عطف فأخذ بالحبل، فصعد الحصن، فقالوا: ما وراءك؟ قال: ورائى والله أنى تركتهم سكارى لا يعقلون، قد نزل بهم تجار من تجار الخمر، فاشتروا منهم ثم وقعوا فيها، فإن كانت لكم حاجة بهم فالليلة، فنزل إليهم المسلمون، فبيتوهم، ووضعوا فيهم سلاحهم حيث شاؤا «٢» .\rوقال إسحاق بن يحيى بن طلحة فى حديثه: كان العلاء فى ثلاثمائة وستة وعشرين","footnotes":"(١) انظر الأبيات فى: البداية والنهاية (٦/ ٣٢١) .\r(٢) راجع ما ذكره ابن كثير فى البداية (٦/ ٣٢٠- ٣٢٣) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084217,"book_id":3509,"shamela_page_id":780,"part":"2","page_num":151,"sequence_num":780,"body":"من المهاجرين، فطرقوهم، فوجدوهم قد ثملوا، فقتلوهم، فلم يفلت منهم أحد، ووثب الخطم وهو سكران، فوضع رجله فى ركاب فرسه، ثم جعل يقول: من يحملنى، فسمعه عبد الله بن حذف، فأقبل نحوه وهو يقول: أبا ضبيعة؟ قال: نعم، قال: أنا أحملك، فلما دنا منه ابن حذف ضربه حتى قتله، وقطعت رجل أبجر بن جابر العجلى فمات منها وقد كان قال حين قطعت: قاتلك الله يا ابن حذف، ما أشأمك، وقد قيل إن عفيف بن المنذر، أحد بنى عمرو بن تميم، هو الذى سمع كلام الخطم حين رام الركوب، فلم يستطع، فقال: ألا رجل من بنى قيس بن ثعلبة يعقلنى الليلة، فقال له عفيف وقد عرف صوته: أبا ضبيعة، أعطنى رجلك، فأعطاه إياها، يظن أنه يعقله على فرسه، فأطنها من الفخذ وتركه، فقال: أجهز على، فقال: إنى أحب أن لا تموت حتى أمصك، وكان مع عفيف تلك الليلة عدة من بنى أبيه أصيبوا.\rوقتل ليلتئذ مسمع بن سنان، أبو المسامعة، وانهزم الباقون، حتى صاروا فى ناحية من البحرين فعصموا بمفروق الشيبانى.\rقال إسحاق: وأصبح ما أفاء الله على المسلمين من خيولهم، وما سوى ذلك عند العلاء فى حصن جواثى، ثم صار العلاء إلى المدينة فقاتلهم قتالا شديدا، وهزمهم الله حتى لجئوا إلى باب المدينة، فضيق عليهم، فلما رأى ذلك مخارق ومن معه، قالوا: إن خلوا عنا رجعنا من حيث جئنا، فشاور العلاء أصحابه، فأشاروا عليه أن يخلى عنهم، فخرجوا فلحقوا ببلادهم، وبقى أهل المدينة، فطلبوا الصلح والأمان، فصالحهم العلاء على ثلث ما فى أيديهم بالمدينة من أموالهم، وما كان من شىء خارج منها، فهو له، فبعث العلاء بمال كثير إلى المدينة.\rوفى غير هذا الحديث أن عبد القيس لما أوقعوا تلك الليلة ببكر بن وائل، طفقت بكر تنادى: يا عبد القيس، إياكم مفروق بن عمرو فى جماعة بكر بن وائل، فقال عبد الله بن حذف فى ذلك:\rلا توعدونا بمفروق وأسرته ... إن يأتنا يلق منا سنة الخطم\rالنخل ظاهرها خيل وباطنها ... خيل تكردس بالفرسان كالنعم\rوإن ذا الحى من بكر وإن كثروا ... لأمة داخلون النار فى أمم\rثم سار العلاء بن الحضرمى إلى الخط حتى نزل على الساحل، فجاءه نصرانى، فقال له: مالى إن دللتك على مخاضة تخوض منها الخيل إلى دارين، قال: وما تسألنى؟ قال: أهل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084218,"book_id":3509,"shamela_page_id":781,"part":"2","page_num":152,"sequence_num":781,"body":"بيت بدارين، قال: هم لك، فخاض به وبالخيل إليهم، فظفر عليهم عنوة، وسبى أهلها، ثم رجع إلى عسكره.\rوقال إبراهيم بن أبى حبيبة: حبس لهم البحر حتى خاضوه إليهم، وجازه العلاء وأصحابه مشيا على أرجلهم، وقد تجرى فيه السفن قبل، ثم جرت فيه بعد، فقاتلهم، فأظفره الله بهم، وسلموا له ما كانوا منعوا من الجزية التى صالحهم عليها رسول الله ﷺ.\rويروى أنه كان للعلاء بن الحضرمى ومن كان معه جوار إلى الله تعالى فى خوض هذا البحر، فأجاب الله دعائهم، وفى ذلك يقول عفيف بن المنذر، وكان شاهدا معهم «١» :\rألم تر أن الله ذلل بحره ... وأنزل بالكفار إحدى الجلائل\rدعونا الذى شق البحار فجاءنا ... بأعظم من غلق البحار الأوائل\rوفى حديث غيره، قال: لما رأى ذلك أهل الردة من أهل البحرين سألوه الصلح على ما صالح عليه أهل حجر.\rولما ظهر العلاء بن الحضرمى على أهل الردة والمجوس من أهل البحرين، أقام عليها أميرا، وبعث أربعة عشر رجلا من رؤساء عبد القيس وفدا إلى أبى بكر الصديق رضى الله عنه، فنزلوا على طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام، وأخبروهما بمسارعتهم إلى الإسلام وقيامهم فى الردة، ثم دخل القوم على أبى بكر، وحضر الزبير وطلحة رضى الله عنهم، فقالوا: يا خليفة رسول الله، إنا قوم أهل إسلام، وليس شىء أحب إلينا من رضاك، ونحن نحب أن تعطينا أرضا من أرض البحرين وطواحين، فأبى أبو بكر، فكلمه فى ذلك طلحة والزبير، فأذعن، وقال: اشهدوا أنى قد فعلت وأعطيتهم كل ما سألونى، وعرفت لهم قدر إسلامهم، فجزوه خيرا.\rفلما خرجوا من عنده، قال لهم طلحة: إن هذا الأمر لا نراه يليه بعد أبى بكر إلا عمر، فكلموا أبا بكر يكتب لكم كتابا، ويشهد فيه عمر، فلا يكون لعمر بعد هذا اليوم كلام، فعادوا إلى أبى بكر، فذكروا له ذلك، فدعا عبد الله بن الأرقم، فقال: اكتب لهم بهذا الذى أعطيتهم، ففعل، وشهد فى الكتاب عشرة من قريش والأنصار، ولم يكن عمر بن الخطاب حاضرا، فانطلقوا إليه، فأقرأوه الكتاب، فلما قرأه فض الخاتم ثم تفل","footnotes":"(١) انظر الأبيات فى: البداية والنهاية (٦/ ٣٢٣) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084219,"book_id":3509,"shamela_page_id":782,"part":"2","page_num":153,"sequence_num":782,"body":"فيه، ورده عليه، فأقبل الوفد على طلحة، فقالوا: هذا عملك أنت، أمرتنا أن نشهد عمر، واتهموه فى أمرهم، فقال طلحة: والله ما أردت إلا الخير، فرجعوا إلى أبى بكر غضابا، فخبروه الخبر، ودخل طلحة والزبير، فقالا: والله ما ندرى أنت الخليفة أم عمر، فقال أبو بكر: وما ذاك؟ فأخبروه، فقال: فما صنع عمر بالكتاب؟.\rقالوا: فض الخاتم وتفل فى الكتاب ومحاه، فقال أبو بكر: لئن كان عمر كره من ذلك شيئا، فإنى لا أفعله، فبينما هم كذلك إذ جاء عمر، فقال له أبو بكر: ما كرهت من هذا الكتاب؟ فقال: كرهت أن تعطى الخاصة دون العامة، ولكن اجعل أمر الناس واحدا لا يكون عندك خاصة دون عامة، وإلا فأنت تقسم على الناس فيئهم، فتأبى أن تفضل أهل السابقة وأهل بدر وتعطى هؤلاء قيمة عشرين ألفا دون الناس، فقال أبو بكر:\rوفقك الله وجزاك خيرا، فهذا هو الحق.\rوذكر وثيمة بن موسى: أن بكر بن وائل لما خفت عند ردة العرب بعد وفاة النبى ﷺ، قالوا: والله لنردن هذا الملك إلى آل النعمان بن المنذر، فبلغ ذلك كسرى، فبعث فى وجوههم، فقدموا عليه وعنده يومئذ المخارق بن النعمان وهو المنذر بن النعمان بن المنذر، وكان يسمى الغرور، فقال لهم: سيروا مع المنذر بن النعمان، فإنى قد ملكته، فخذوا البحرين، فساروا، وسارت معه الأساورة، وهم يومئذ ستة آلاف راكب، ثم إن كسرى ندم على تمليك المنذر وتوجيه من وجه معه، وقال: غلام موبق، قتلت أباه، معه كتيبة النعمان من بكر بن وائل يأتون إخوتهم من عبد القيس، وهو غلام فتى السن لم يختبر، هذا خطأ من الرأى، فصرفه إليه، وانكسر المنذر للذى صنع به، ثم عاود كسرى رأيه فيه لكلام بلغه عنه، فأمضاه وسرح معه أبجر بن جابر العجلى، ثم ذكر حديثا طويلا تتخلله أشعار كثيرة لم أر لذكر شىء منها وجها، واستغنيت من حديثهم بما تقدم منه.\rوذكر أن المنذر لما كان من ظهور الإسلام ما تقدم ذكره هرب إلى الشام، فلحق ببنى جفنة، وندم على ما مضى منه، ثم ألقى الله فى قلبه الإسلام، فأسلم، فكان بعد إسلامه، يقول: لست بالغرور ولكنى المغرور، هذا ما ذكره وثيمة فى شأن الغرور.\rوذكر سيف فى فتوحه وحكاه الدارقطنى عنه، قال: الغرور بن سويد أسر يوم البحرين، أسره عفيف بن المنذر وأجاره، فأتى به العلاء بن الحضرمى، فقال: إنى قد أجرت هذا، قال: ومن هو؟ قال: الغرور، قال: أنت غررت هؤلاء؟ قال: إنى لست","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084220,"book_id":3509,"shamela_page_id":783,"part":"2","page_num":154,"sequence_num":783,"body":"بالغرور ولكنى المغرور، قال: أسلم، فأسلم، وبقى بهجر، وكان اسمه الغرور وليس بلقب.\rذكر ردة أهل دبا وأزد عمان «١»\rوكان وفد الأزد من أهل دبا قد قدموا على النبى ﷺ، مقرين بالإسلام، فبعث عليهم مصدقا منهم، يقال له حذيفة بن اليمان الأزدى، من أهل دبا، وكتب له فرائض صدقات أموالهم، ورسم له أخذها من أغنيائهم وردها على فقرائهم، ففعل حذيفة ذلك، وبعث إلى رسول الله ﷺ، بفرائض فضلت من صدقاتهم لم يجد لها موضعا، فلما توفى رسول الله ﷺ، منعوا الصدقة وارتدوا، فدعاهم حذيفة إلى التوبة، فأبوا، وأسمعوه شتم النبى ﷺ، فقال: يا قوم، أسمعونى الذى فى أبى وفى أمى، ولا تسمعونى الأذى فى رسول الله ﷺ، فأبوا إلا ذلك، وجعلوا يرتجزون:\rلقد أتانا خير ردى ... أمست قريش كلها نبى\rظلم لعمر الله عبقرى «٢»\rفكتب حذيفة إلى أبى بكر الصديق بما كان منهم، فاغتاظ أبو بكر عليهم غيظا شديدا، وقال: من هؤلاء، ويل لهم، ثم بعث إليهم عكرمة بن أبى جهل، وكان النبى ﷺ، استعمله على سفلى بن عامر بن صعصعة مصدقا، فلما بلغته وفاة النبى ﷺ، انحاز إلى تبالة فى أناس من العرب ثبتوا على الإسلام، فكان مقيما بتبالة من أرض كعب بن ربيعة، فجاءه كتاب أبى بكر الصديق وكان أول بعث بعثه إلى أهل الردة، أن سر فيمن قبلك من المسلمين إلى أهل دبا، فسار عكرمة فى نحو ألفين من المسلمين، ورأس أهل الردة لقيط بن مالك، فلما بلغه مسير عكرمة بعث ألف رجل من الأزد يلقونه، وبلغ عكرمه أنهم فى جموع كثيرة، فبعث طليعة، وكان لأصحاب لقيط أيضا طليعة، فالتقى الطليعتان فتناوشوا ساعة.\rثم انكشف أصحاب لقيط، وبعث أصحاب عكرمة فارسا نحو عكرمة، فلما أتاه الخبر أسرع بأصحابه ومن معه حتى لحق طليعته، ثم زحفوا جميعا ميمنة وميسرة، وسار","footnotes":"(١) راجع: المنتظم لابن الجوزى (٤/ ٨٥) ، تاريخ الطبرى (٣/ ٣١٤) ، البداية والنهاية لابن كثير (٦/ ٣٢٣- ٣٢٥) .\r(٢) انظر الأبيات فى: الروض المعطار ص (٢٣٢) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084221,"book_id":3509,"shamela_page_id":784,"part":"2","page_num":155,"sequence_num":784,"body":"على تعبئته حتى إذا أدرك القوم والتقوا فاقتتلوا ساعة، ثم رزق الله عكرمة عليهم الظفر، فهزمهم وأكثر فيهم القتل، وخرجوا منهزمين راجعين إلى لقيط بن مالك، فأخبروه أن جمع عكرمة مقبل إليهم، وأنهم لا طاقة لهم بهم، وفقدوا من أصحابهم بشرا كثيرا، منهم من قتل ومنهم من أسره عكرمة أسرا.\rفلما انتهوا إلى لقيط مفلولين قوى حذيفة بن اليمان بمن معه من المسلمين، فناهضهم وناوشهم، وجاء عكرمة فى أصحابه، فقاتل معهم، فأصابوا منهم مائة أو نحوها فى المعركة، ثم انهزموا حتى دخلوا مدينة دبا «١» ، فتحصنوا فيها، وحصرهم المسلمون فى حصنهم شهرا أو نحوه، وشق عليهم الحصار، إذ لم يكونوا أخدوا له أهبته، فأرسلوا إلى حذيفة رجلا منهم يسألونه الصلح، فقال: لا إلا أن أخيرهم بين حرب مجلية أو سلم مخزية، قالوا: أما الحرب المجلية فقد عرفناها، فما السلم المخزية؟.\rقال: تشهدون أن قتلانا فى الجنة وقتلاكم فى النار، وأن ما أخذنا منكم فهو لنا وأن ما أخذتموه منا فهو رد علينا، وأنا على حق وأنكم على باطل وكفر ونحكم فيكم بما رأينا، فأقروا بذلك، فقال: اخرجوا عن مدينتكم عزلا لا سلاح معكم، ففعلوا، فدخل المسلمون حصنهم، فقال حذيفة: إنى قد حكمت فيكم: أن أقتل أشرافكم، وأسبى ذراريكم. فقتل من أشرافهم مائة رجل، وسبى ذراريهم، وقدم حذيفة بسبيهم إلى المدينة وهم ثلاثمائة من المقاتلة، وأربعمائة من الذرية والنساء، وأقام عكرمة بدبا عاملا عليها لأبى بكر، فلما قدم حذيفة بسبيهم المدينة، اختلف فيهم المسلمون، فكان زيد بن ثابت يحدث أن أبا بكر أنزلهم دار رملة بنت الحارث، وهو يريد أن يقتل من بقى من المقاتلة.\rفكان من كلام عمر له: يا خليفة رسول الله، قوم مؤمنون إنما شحوا على أموالهم، والقوم يقولون: والله ما رجعنا عن الإسلام، ولكن شححنا على أموالنا، فيأبى أبو بكر أن يدعهم بهذا القول، ولم يزالوا موقفين فى دار رملة بنت الحارث، حتى توفى أبو بكر رضى الله عنه، وولى عمر، فدعاهم، فقال: قد كان من رأيى يوم قدم بكم على أبى بكر أن يطلقكم، وقد أفضى إلى الأمر، فانطلقوا إلى أى البلاد شئتم، فأنتم قوم أحرار لا فدية عليكم، فخرجوا حتى نزلوا البصرة، وكان فيهم أبو صفرة والد المهلب، وهو غلام يومئذ، فكان ممن نزل البصرة.","footnotes":"(١) دبا: مثل عصا، موضع بظهر الحيرة، ودبا فيما بين عمان والبحرين. انظر: الروض المعطار (٢٣٢) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084222,"book_id":3509,"shamela_page_id":785,"part":"2","page_num":156,"sequence_num":785,"body":"وروى عن ابن عباس: أن رأى المهاجرين فيهم إذا استأسرهم أبو بكر، كان قتلهم، أو فداءهم بأغلى الفداء، وكان عمر يرى أن لا قتل عليهم ولا فداء، لم يزالوا محتبسين حتى ولى عمر، فأرسلهم بغير فداء.\rويروى عن عمر بن عبد العزيز: أن عمر بن الخطاب قضى فيهم بأربعمائة درهم فداء، ثم نظر فى ذلك، فقال: لا سباء فى الإسلام وهم أحرار، والأول أكثر.\rوعن عروة قال: لما قدم أهل غزو دبا قافلين، أعطاهم أبو بكر خمسة دنانير خمسة دنانير «١» .\rذكر ردة صنعاء\rوكان الأسود بن كعب العنسى «٢» قد ادعى النبوة فى عهد النبى ﷺ، واتبع على ذلك، فتزوج المرزبانة امرأة باذان الفارسى، وكانت من عظماء فارس، وقسرها على ذلك، فأبغضته أشد البغض، وسمعت به بنو الحارث بن كعب، من أهل نجران، وهم يومئذ مسلمون، فأرسلوا إليه يدعونه أن يأتيهم فى بلادهم، فجاءهم، فاتبعوه وارتدوا عن الإسلام.\rويقال: دخلها يوم دخلها فى آلاف من حمير، يدعى النبوة، ويشهدون له بها، فنزل غمدان، فلم يتبعه من النخع ولا من جعفى أحد، وتبعه ناس من زبيد ومذحج، وعبس وبنى الحارث وأود ومسلية وحكم.\rوأقام الأسود بنجران يسيرا، ثم رأى أن صنعاء خير له من نجران، فسار إليها فى ستمائة راكب من بنى الحارث، فنزل صنعاء، فأبت الأبناء أن يصدقوه، فغلب على صنعاء واستذل الأبناء بها، وقهرهم وأساء جوارهم لتكذيبهم إياه، فبعث رسول الله ﷺ، رجلا من الأزد، وقيل من خزاعة، يقال له وبر بن يحنس إلى الأبناء فى أمر الأسود، فدخل صنعاء مختفيا، فنزل على داذويه الأبناوى فخبأه عنده، وتآمرت الأبناء لقتل الأسود، فتحرك فى قتله نفر منهم قيس بن عبد يغوث المكشوح، وفيروز الديلمى، وداذويه الأبناوى، وكانت المرزبانة كما تقدم قد أبغضت الأسود أشد البغض، فوعدتهم","footnotes":"(١) ذكر فى الروض المعطار جميع ما فى هذه القصة (٢٣٢- ٢٣٤) .\r(٢) اسمه: عبهلة بن كعب، يقال له: ذو الخمار، لقب بذلك لأنه كان يقول: يأتينى ذو خمار. انظر ترجمته فى المنتظم لابن الجوزى (٤/ ١٨- ٢٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084223,"book_id":3509,"shamela_page_id":786,"part":"2","page_num":157,"sequence_num":786,"body":"موعدا أتوا لميقاته، وقد سقته الخمر حتى سكر، فسقط نائما كالميت، فدخل عليه فيروز وقيس ونفر معهما، فوجدوه على فراش عظيم من ريش، قد غاب فيه، فأشفق فيروز أن يتعادى عليه السيف إن ضربه به، فوضع ركبته على صدر الكذاب، ثم فتل عنقه فحولها، حتى حول وجهه من قبل ظهره، وأمر فيروز قيسا، فاحتز رأسه، فرمى به إلى الناس، ففض الله الذين اتبعوه، وألقى عليهم الخزى والذلة، وخطب الناس قيس بن مكشوح، وأظهر أن الكذاب قتل بكذبه على الله، وأن محمدا رسول الله.\rوبلغ الخبر بذلك إلى رسول الله ﷺ، وهو فى مرضه الذى توفى فيه، فقال ﷺ، وذكر الأسود: «قتله الرجل الصالح فيروز الديلمى» «١» ، ورد فيروز وداذويه الأمر إلى قيس بن المكشوح، فكان أمير صنعاء، وبها يومئذ جماع من أصحاب الأسود الكذاب، فلما بلغتهم وفاة رسول الله ﷺ، ثبت قيس والأبناء وأهل صنعاء على الإسلام، إلا أصحاب الأسود.\rثم إن قيسا خاف فيروز وداذويه أن يغلباه على سلطان صنعاء، فأجمع أن يفتك بهما، فأرسل إليهما يدعوهما، فجاء داذويه فقتله، وأقبل فيروز يريده، فأخبره بقتل داذويه، فهرب منه إلى أبى بكر رضى الله عنه، وارتد قيس بن المكشوح، وأخرج الأبناء من صنعاء، فلم يبق بها أحد إلا فى جوار، فكان الشعبى يقول فيما ذكر عنه: باليمن رجلان لو انبغى لأحد أن يسجد لشىء دون الله لانبغى لأهل اليمن أن يسجدوا لهما: سيف بن ذى يزن فى الحبشة، وقيس بن مكشوح فى الأبناء الذين بصنعاء، يعنى إخراج سيف الحبشة وإخراج قيس الأبناء.\rولما بلغ خالد بن سعيد بن العاص ردة صنعاء، سار يومها، وكان فى ناحية أرض مراد، حتى دخلها، فاستعداه فيروز على قيس فى قتل داذويه، فبعث إليه من يأتى به، فذهب الرسول فأخذه، ثم أقبل به حتى إذا كان قريبا من صنعاء اختدع قيس الرسول حتى انفلت منه فدخل على خالد فقال: من جاءكم مسلما قد أصاب فى الجاهلية أشياء ماذا عليه؟ فقال له خالد: هدم الإسلام ما قبله، فأسلم قيس، ثم خرج مع خالد إلى الصلاة فيجد فيروز فى المسجد، فقال له: يا فيروز، هل لك حاجة إلى الأمير؟.\rفانكسر فيروز ودخل على خالد فاستعداه على قيس، فبعث أبو بكر إلى عكرمة بن أبى جهل، وهو يومئذ بأرض عمان: أن سر فى بلاد مهرة حتى تخرج على صنعاء، فخذ","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: كنز العمال للمتقى الهندى (٣٧٤٧٢) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084224,"book_id":3509,"shamela_page_id":787,"part":"2","page_num":158,"sequence_num":787,"body":"قيس بن مكشوح المرادى، فابعث به إلى فى وثاق، فسار عكرمة حتى دخل أرض مهرة، فقتل فيهم وسبى، وسار كذلك لا يطأ قوما إلا قاتلوه وقاتلهم، فقتل منهم وسبى، حتى رجعوا إلى الإسلام، وبعث بسبيهم إلى أبى بكر بالمدينة، ثم مضى على وجهه حتى خرج إلى صنعاء، فلقيه قيس وهو لا يدرى بالذى أمر فيه، فأمر به عكرمة، فجعل فى جامعة، وبعث به إلى أبى بكر، فلما دخل عليه عرفه أبو بكر بقتل داذويه، فحلف له ما يدرى من أمره شيئا، ولا يدرى من قتله، ورغب فى الجهاد فى سبيل الله، فخرج إلى قومه من مذحج، فاستجلبهم إلى الجهاد ورغبهم فيه، فخفوا فى ذلك وخرجوا حتى توجهوا إلى من بعث أبو بكر إلى الشام، فذلك أول نزول مذحج الشام.\rثم إن الأصفر العكى خرج هو وجماعة من قومه ممن ثبت على الإسلام حتى دخل نجران «١» ، وهو يريد قتال بنى الحارث بن كعب، فلما دخل عليهم الأصفر رجعوا إلى الإسلام من غير قتال، فأقام الأصفر فى نجران، وضبطها، وغلب عليها ثم أمر أبو بكر المهاجر بن أبى أمية أن يستنفر من مر به من مضر ويقويهم ويعطيهم من مال أعطاه إياه أبو بكر، فسار المهاجر يؤم صنعاء، معه سرية من المهاجرين والأنصار، فيجد المهاجر بنجران الأصفر العكى، ثم سار المهاجر إلى صنعاء ومعه بشر كثير، فلقى جماعة من أصحاب الأسود منفصين، فأخذ عليهم الطريق وألجأهم إلى غيضة، فقتل منهم وأسر، ثم أقبل بالأسرى، ومضى حتى دخل صنعاء، وقد كانت طوائف من زبيد «٢» ارتدت منهم عمرو بن معدى كرب، فاجتمع إلى خالد بن سعيد من ثبت على الإسلام من مراد وسائر مذحج، فلقى بهم بنى زبيد، فانهزموا وظفر بهم خالد، فسبى منهم نسوة، منهن امرأة عمرو بن معدى كرب جلالة، وكانت أحسن النساء، وكان عمرو فيما ذكروا، غائبا عن ذلك القتال، فلما ظفر خالد، سألت منه زبيد أن يقرهم على الإسلام ويكف عنهم، فكف عنهم، وأسلموا، وبلغ الخبر عمرا، فأقبل حتى نزل بجانب عسكر خالد، ثم خرج ليلا فتلطف حتى لقى جلالة، فقال لها: يا جلالة، ما صنع بك خالد؟ فقالت: لم يصنع بى إلا خيرا، ولم يعرض علىّ من أمره إلا كرما، قال: هل قربك؟ قالت: لا والله، وما يحل له ذلك فى دينه، قال: فو رب الكعبة إن دينا منعه منك لدين صدق.","footnotes":"(١) نجران: من بلاد اليمن، سميت بنجران بن زيد بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. انظر: الروض المعطار (٥٧٣- ٥٧٦) .\r(٢) زبيد: مدينة باليمن بقرب الجند ومعاثر، تسير فى صحراء رمال حتى تنتهى إلى زبيد، وليس باليمن بعد صنعاء أكبر من زبيد. انظر: الروض المعطار (٢٨٤) ، نزهة المشتاق (٢٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084225,"book_id":3509,"shamela_page_id":788,"part":"2","page_num":159,"sequence_num":788,"body":"فلما أصبح عمرو غدا على خالد، فقال: ما تريد يا خالد بجلالة؟ قال: قد أسلمت، فإن تسلم أردها إليك، فأسلم عمرو، فردها إليه.\rوقدم خالد المدينة، ثم قدم عمرو بن معدى كرب المدينة، فدخل على خالد داره، فقال له: إنى والله ما وجدت شيئا أكافئك به فى جلالة إلا سيفى الصمصامة، ثم خلعه من عنقه فناوله إياه، وقال عمرو:\rوهبت لخالد سيفى ثوابا ... على الصمصامة السيف السلام\rخليل لم أخنه ولم يخنى ... ولكن التواهب فى الكرام\rذكر ردة كندة وحضرموت\rوكان رسول الله ﷺ، لما قدم عليه وفد كندة مسلمين استعمل عليهم زياد بن لبيد الأنصارى البياضى «١» ، وأمره بالمسير معهم، ففعل، وأقام معهم فى ديارهم يأخذ صدقاتهم حياة رسول الله ﷺ، وكان رجلا مسلما، فلما توفى رسول الله ﷺ، وولى أبو بكر، بعث أبا هند مولى بنى بياضة، بكتاب فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، من أبى بكر خليفة رسول الله ﷺ، إلى زياد بن لبيد، سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو.\rأما بعد، فإن النبى ﷺ توفى، فإنا لله، وإنا إليه راجعون، فانظر ولا قوة إلا بالله أن تقوم قيام مثلك، ويبايع من عندك، فنمن أبى وطئته بالسيف، وتستعين بمن أقبل على من أدبر، فإن الله مظهر دينه على الدين كله ولو كره المشركون.\rفلما قدم أبو هند بكتاب أبى بكر ﵀، على زياد بن لبيد، قدم من الليل، وأخبره باجتماع الناس على أبى بكر، وأنه لم يكن بين المسلمين اختلاف، فحمد الله زياد على ذلك، فلما أصبح زياد غدا يقرئ الناس كما كان يفعل قبل ذلك، ثم دخل بيته، فلما جاءت الظهر، خرج إلى الصلاة وعليه السيف، فقال بعض الناس: ما شأن أميركم والسيف، فصلى الظهر بالناس، ثم قال:","footnotes":"(١) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٨٣٩) ، الإصابة الترجمة رقم (٢٨٧١) ، أسد الغابة الترجمة رقم (١٨٠٩) ، التاريخ الكبير (٣/ ٣٤٤) ، أنساب الأشراف (١/ ٢٤٥) ، الجرح والتعديل (٣/ ٥٤٣) ، تهذيب الكمال (٩/ ٥٠٦) ، تهذيب التهذيب (٣/ ٣٨٢) ، الوافى بالوفيات (١٥/ ١٠) ، تاريخ الإسلام (١/ ٥٢) ، تجريد أسماء الصحابة (١/ ١٩٥) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084226,"book_id":3509,"shamela_page_id":789,"part":"2","page_num":160,"sequence_num":789,"body":"أيها الناس، إن رسول الله ﷺ توفى، فمن كان يعبد محمدا فإن محمدا قد توفى، ومن كان يعبد الله فإن الله حى لا يموت، وقد اجتمع المسلمون على أفضلهم من أنفسهم ولم يكن بينهم اختلاف فى أبى بكر بن أبى قحافة، وقد كان النبى ﷺ، يأمره فى مرضه أن يصلى بالناس، فبايعوا أيها الناس، ولا تجعلوا على أنفسكم سبيلا.\rفقال الأشعث بن قيس: إذا اجتمع الناس، فما أنا إلا كأحدهم، ونكص عن التقدم إلى البيعة، فقال امرؤ القيس بن عابس الكندى: أنشدك الله يا أشعث، ووفادتك على النبى ﷺ، وإسلامك أن تنقضه اليوم، والله ليقومن بهذا الأمر من بعده من يقتل من خالفه، فإياك إياك، أبق على نفسك فإنك إن تقدمت تقدم الناس معك، وإن تأخرت افترقوا واختلفوا، فأبى الأشعث، وقال: قد رجعت العرب إلى ما كانت الآباء تعبد، ونحن أقصى العرب دارا من أبى بكر، أيبعث أبو بكر إلينا الجيوش؟ قال: أى والله، وأحرى أن لا يدعك عامل رسول الله ﷺ ترجع إلى الكفر.\rقال الأشعث: من قال زياد بن لبيد، فتضاحك، ثم قال: أما يرضى زياد أن أجيره، فقال امرؤ القيس: سترى، ثم قام الأشعث، فخرج من المسجد إلى منزله، وقد أظهر ما أظهره من الكلام القبيح من غير أن يكون نطق بالردة، ووقف يتربص، وقال: نقف أموالنا بأيدينا ولا ندفعها، ونكون من آخر الناس، وبايع زياد بن لبيد لأبى بكر من بعد الظهر إلى أن قامت العصر، فصلى بالناس العصر، ثم انصرف إلى بيته، ثم غدا على الصدقة من الغد كما كان قبل، وهو أقوى ما كان نفسا، وأشده لسانا، فبينا هو يصدق إلى أن أخذ قلوصا فى الصدقة من فتى من كندة، فلما أمر بها زياد تعقل وتوسم بميسم السلطان، وكان الميسم لله، أتى الفتى، فصاح: يا حارثة بن سراقة «١» ، يا أبا معدى كرب، عقلت البكرة، فأتى حارثة إلى زياد، فقال: أطلق للفتى بكرته، فأبى زياد، فقال:\rقد عقلتها ووسمتها بميسم السلطان، فقال حارثة: أطلقها أيها الرجل طائعا، خير من أن تطلقها وأنت كاره، قال زياد: لا والله لا أطلقها ولا نعمت عين. فقام حارثة فحل عقالها وضرب على جنبها، فخرجت القلوص تعدو إلى الأنهار، وجعل حارثة يقول:\rأطعنا رسول الله ما كان وسطنا ... فيا قوم ما شأنى وشأن أبى بكر\rأيورثها بكرا إذا مات بعده ... فتلك إذا والله قاصمة الظهر","footnotes":"(١) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٤٥٩) ، الإصابة الترجمة رقم (١٥٢٩) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٩٩٣) ، تجريد أسماء الصحابة (١/ ١١٢) ، الجرح والتعديل (١/ ١٤٥) ، شذرات الذهب (١/ ٩) ، تصحيفات المحدثين (٩٧٦) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084227,"book_id":3509,"shamela_page_id":790,"part":"2","page_num":161,"sequence_num":790,"body":"قالوا: فكان زياد يقاتلهم النهار إلى الليل، فلما كان يوم من تلك الأيام، ضاربهم كذلك حتى أمسى، ولم يكن فيما مضى يوم أشد منه، كانت بينهم فيه قتلى وجراح.\rقال أبو هند: برز منهم يومئذ رجل يدعو إلى البراز، فبرزت إليه، فتشاولنا بالرمحين نهارا طويلا، فلم يظفر واحد منا بصاحبه، ثم صرنا إلى السيفين، فما قدر واحد منا على صاحبه، ونحن فارسان إلى أن عثر فرسه، فاقتحم وصار راجلا، ويدرك فرسى فيضرب عرقوبيه، فوقعت إلى الأرض، وأفضى أحدنا إلى صاحبه، فبدرته، فأضربه، فأقطع يده من المنكب، فوقع السيف من يده، وولى منهزما، وألحقه، فأجهزت عليه، فما خرج أحد يدعو إلى البراز حتى صلح أمرهم.\rقالوا: فلما أمسوا من ذلك اليوم، وتفرقوا، وزياد فى بيته قد بعث العيون، إذ جاءه عين له بعد أن ذهب عامة الليل فدله على عورة من عدوه، وقال: هل لك فى الظفر؟\rفقال: ما هو؟ قال: ملوكهم الأربعة فى محجرهم قد ثملوا من الشراب، فسار من ساعته فى مائة رجل من أصحابه حتى انتهوا إلى المحجر، فتقدم العين فاستمع الصوت فإذا القوم قد هدوا وناموا، فأغار عليهم، فقتل الملوك الأربعة، مخرس ومشرح وحمد وأبضعة، وأختهم العمرة ذبحهم ذبحا، وكانوا ملوك كندة وأشرافهم.\rويقال: كانت الملوك سبعة: الأشعث بن قيس، ومخرس، وحمد، ووديعة، وأبضعة، ومشرح، ووليعة. فقتل منهم أربعة، ثم رجع زياد إلى أهله، فأصبح القوم قد انكسر حدهم وذلوا.\rوقالوا: إن العمردة لما توفى رسول الله ﷺ، ضربت بغربال، فقطع زياد لذلك يدها، وصلبها، فهى كانت أول امرأة قتلت فى الردة.\rوبعث زياد أبا هند إلى أبى بكر وكتب معه:\rبسم الله الرحمن الرحيم، لأبى بكر خليفة رسول الله ﷺ، من زياد بن لبيد، سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد، فإن الناس قبلنا منعوا الصدقة، أو عامتهم وأبوا أن يسلموها، وقاتلوا دونها أشد القتال، وأظهروا الردة عن الإسلام، فبعثت عيونا فى طلب غرتهم، فأتانى آت منهم يخبرنى بغرة منهم، فزحفت إليهم ليلا، فقتلتهم فى محجرهم، وكانوا أربعة: مخرس ومشرح وحمد وأبضعة، وأختهم العمردة، فأصبحوا وقد ذلوا وانكسروا، وإنى كتبت إليك والسيف على عاتقى، وبعثت إليك أبا هند بالكتاب، وأمرته أن يجد السير، وأن يخبرك بما رأى وشهد، وإن الكتاب موجز، وعنده علم ما كنا فيه، والسلام.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084228,"book_id":3509,"shamela_page_id":791,"part":"2","page_num":162,"sequence_num":791,"body":"فيروى أن أبا هند قال: خرجت من عند زياد بعد أن صليت الغداة على راحلتى، ومعى رجل من بنى قتيرة على راحلة خفير لى، فبلغ بى صنعاء، ثم انصرف، فسرت من حضرموت إلى المدينة تسع عشرة، فأرخفت «١» راحلتى، وما مسيت عنها أكثر مما ركبت، وانتهيت إلى أبى بكر، فأجده حين خرج إلى الصلاة، فلما رآنى قال: أبا هند، ما ورائك؟ قلت: خير، والذى يسرك. قتل الملوك الأربعة وأختهم العمردة، قال: قد كنت كتبت إلى زياد أنهى أن يقتل الملوك من كندة، وبعثت بذلك المغيرة بن شعبة، أما لقيته؟ قلت: ما لقيته.\rوقدم المغيرة خلافى، وذلك أنه أخطأ الطريق، فذلك الذى أبطأ به، وجعل أبو بكر يسألنى، فأخبره عن كل ما يسره، ثم قال: ما فعل الأشعث بن قيس؟ قلت: يا خليفة رسول الله، هو أول من نقض، وهو رأس من بقى، وقد ضوى إليه ناس كثير، وقد تحصن فى النجير بمن معه ممن هو على رأيه، والله مخزيهم، وقد تركت زياد بن لبيد يريد محاصرتهم، فقال أبو بكر: قد كتبت إلى المهاجر بن أبى أمية أن يمد زيادا ويكون أمرهما واحدا.\rوكان النبى ﷺ، لما قتل الأسود العنسى «٢» بعث المهاجر واليا على صنعاء، فتوفى ﷺ، والمهاجر وال عليها، فانحاز إلى زياد بحضرموت، كما أمره أبو بكر.\rوكانت قتيرة من كندة قد ثبتت على الإسلام، لم يرجع منها رجل واحد، فلما قدم المهاجر على زياد اشتد أمرهما، وكانا يحاصران أهل النجير، وكان أهل النجير قد غلقوه، فلما قتل الملوك الأربعة دخلوا مع الأشعث بن قيس، وجثم زياد ومهاجر على النجير، فحاصروا أهله بالمسلمين، لا يفارقونه ليلا ولا نهارا، وقذف الله الرعب فى أفئدتهم، فلما اشتد به الحصار، بعثوا إلى زياد بن لبيد: أن تنح عنا حتى نكون نخرج ونخليك والحصن، فقال: لا أبرح شبرا واحدا حتى نموت من آخرنا أو تنزلوا على حكما ورأينا، وجعل يكايدهم لما يرى من جزعهم. فكتب كتابا، ثم بعث به فى السر مع رجل من بنى قتيرة ليلا، مسيرة يوم أو بعض يوم، ثم يأتيه بكتابه الذى كتبه فيقرؤه على الناس:\rمن أبى بكر خليفة رسول الله ﷺ، إلى زياد بن لبيد، سلام عليك، فإنى أحمد إليك","footnotes":"(١) أرخف: بالكسر أى تعب. انظر اللسان (١٦١٦) .\r(٢) انظر خبر قتل الأسود العنسى فى: المنتظم لابن الجوزى (٤/ ١٩) ، تاريخ الطبرى (٣/ ٢٣٦) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084229,"book_id":3509,"shamela_page_id":792,"part":"2","page_num":163,"sequence_num":792,"body":"الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد، فقد بلغنى ردة من ارتد قبلك بعد المعرفة بالدين، غرة بالله، والله مخزيهم إن شاء الله، فاحصرهم ولا تقبل منهم إلا ما خرجوا منه أو السيف.\rفقد بعثت إليك عشرة آلاف رجل عليهم فلان بن فلان، وخمسة آلاف عليهم فلان بن فلان، وقد أمرتهم أن يسمعوا لك ويطيعوا، فإذا جاءك كتابى هذا فإن أظفرك الله بهم فإياك والبقيا فى أهل النجير، حرق حصنهم بالنار، واقطع معايشهم، واقتل المقاتلة، واسب الذرية، وابعث بهم إن شاء الله.\rوإنما هذا كتاب كتبه زياد بيده مكايدة لعدوه، فكانوا إذا قرئ عليهم هذا الكتاب أيقنوا بالهلكة، واشتد عليهم الحصار، وندموا على ما صنعوا، فبينا هم على ذلك الحصار قد جهدهم، قال الأشعث: إلى متى هذا الحصر قد غرثنا وغرث عيالنا، وهذه البعوث تقدم علينا بما لا قبل لنا به، وقد ضعفنا عمن معنا، فكيف بمن يأتينا من هذه الأمداد والله للموت بالسيف أحسن من الموت بالجوع، أو يؤخذ برقبة الرجل كما يصنع بالذرية.\rقالوا: وهل لنا قوة بالقوم؟ فما ترى لنا؟ فأنت سيدنا، قال: أنزل فآخذ لكم الأمان قبل أن تدخل هذه الأمداد، بما لا قبل لنا به، فجعل أهل الحصن يقولون للأشعث: افعل وخذ لنا أمانا، فإنه ليس أحد أجرأ على ما قبل زياد منك، قال: فأنا أنزل.\rفأرسل إلى زياد: أنزل فأكلمك وأنا آمن؟ قال: نعم، فنزل الأشعث من النجير فخلا بزياد، فقال: يا ابن عم، قد كان هذا الأمر ولم يبارك لنا فيه، وإن لى قرابة ورحما، وإن أوصلتنى إلى صاحبك قتلنى، يعنى المهاجر بن أمية «١» ، وأن أبا بكر يكره قتل مثلى، وقد جاءك كتابه ينهاك عن قتل الملوك من كندة، فأنا أحدهم، وأنا أطلب منك الأمان على أهلى ومالى، فقال زياد: لا أؤمنك أبدا على دمك وأنت كنت رأس الردة والذى نقض علىّ كندة، فقال: أيها الرجل، دع ما مضى واستقبل الأمور إذا أقبلت، قال زياد:\rوماذا؟ قال: وأفتح لك النجير، فأمنه زياد على أهله وماله، على أن يقدم به على أبى بكر، فيرى فيه رأيه، وفتح له النجير.\rوقد كان المهاجر لما نزل الأشعث من الحصن ليكلمهم، قال لزياد: رده إلى الحصن حتى ينزل على حكمنا فنضرب عنقه، فنكون قد استأصلنا شأفة الردة، فأبى زياد إلا أن يؤمنه، وقال: أخشى أن يلومنى أبو بكر فى قتله وقد جاءنى كتابه ينهانى عن قتل الملوك الأربعة، فأخاف مثل ذلك، مع أن أبا بكر إن أراد قتله فله ذلك، إنما جعل له الأمان على","footnotes":"(١) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٢٥٣١) ، الإصابة الترجمة رقم (٨٢٧١) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٥١٣٤) ، مؤتلف الدارقطنى (ص ١٦٣) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084230,"book_id":3509,"shamela_page_id":793,"part":"2","page_num":164,"sequence_num":793,"body":"نفسه وماله إلى أن يبلغ أبا بكر، لا أدع من عين ماله شيئا يخف حمله معه إلا سار به، وأحول بينه وبين ما هاهنا مما لا يطيق حمله، حتى يأتى رأى أبى بكر فيه، فأمنه زياد على أن يبعث به وبأهله وبماله إلى أبى بكر رضى الله عنه، فيحكم فيه بما يرى.\rوفتحوا له النجير، فأخرجوا المقاتلة، فعمد زياد إلى أشرافهم وهم سبعمائة فضرب أعناقهم على دم واحد، ولام القوم الأشعث، فقالوا لزياد: غدر بنا فأخذ الأمان لنفسه وأهله، ولم يأخذ لنا، وإنما نزل على أن يأخذ لنا جميعا، فنزلنا ونحن آمنون، فقتلنا. فقال زياد: ما أمنتكم، فقالوا: صدقت، خدعنا الأشعث.\rقال الواقدى: وقد ذكروا فى فتح النجير وجها آخر عن أبى مغيث، قال: كنت فيمن حضر أهل النجير، فصالح الأشعث زيادا على أن يؤمن من أهل النجير سبعين رجلا، ففعل، فنزل سبعون رجلا ونزل معهم الأشعث، فكانوا أحدا وسبعين، فقال زياد:\rأقتلك، لم يكن لك أمان، فقال الأشعث: تؤمننى على أن أقدم على أبى بكر فيرى فىّ رأيه، فآمنه على ذلك، والقول الأول أثبت.\rوبعث أبو بكر نهيك بن أوس بن [حزمة] «١» إلى زياد بن لبيد يقول: إن ظفرت بأهل النجير فاستبقهم، فقدم عليه ليلا وقد قتل منهم فى أول النهار سبعمائة فى صعيد واحد، قال نهيك: فما هو إلا أن رأيتهم فشبهت بهم قتلى بنى قريظة يوم قتلهم النبى ﷺ، وأبى زياد أن يوارى جثثهم، وتركهم للسباع، فكان هذا أشد على من بقى من القتل، وهرب أهل الردة فى كل وجه، وكان لا يؤخذ منهم إنسان إلا قتل.\rثم بعث زياد بالسبى مع نهيك، وبعث معه ثمانين رجلا من قتيرة، وبعث بالأشعث معهم فى وثاق.\rقال عبد الرحمن بن الحويرث: رأيته يوم قدم به المدينة فى حديد، مجموعة يداه إلى عنقه.\rونزل نهيك بالسبى فى دار رملة بنت الحارث، ومعهم الأشعث بن قيس، ولما كلمه أبو بكر جعل يقول: يا خليفة رسول الله، والله ما كفرت بعد إسلامى، ولكنى شححت على مالى، فقال أبو بكر: ألست الذى يقول: قد رجعت العرب إلى ما كانت الآباء تعبد، وأبو بكر يبعث إلينا الجيوش ونحن أقصى العرب دارا؟ فرد عليك من هو","footnotes":"(١) ما بين المعقوفتين كذا فى الأصل، وفى الاستيعاب الترجمة رقم (٢٦٦٧) : «نهيك بن أوس بن خزمة» . وانظر ترجمته فى: الإصابة (٨٨٣٩) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٥٣١٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084231,"book_id":3509,"shamela_page_id":794,"part":"2","page_num":165,"sequence_num":794,"body":"خير منك، فقال: لا يدعك عامله ترجع إلى الكفر، فقلت: من، قال: زياد بن لبيد، فتضاحكت، فكيف وجدت زيادا، أذكرت به أمه؟ قال الأشعث: نعم كل الأذكار، ثم قال فى آخر قوله: أيها الرجل، أطلق إسارى، واستبقنى لحربك، وزوجنى أختك أم فروة بنت أبى قحافة، فإنى قد تبت مما صنعت، ورجعت إلى ما خرجت منه من منع الصدقة، فأسعفه أبو بكر فزوجه، فكان الأشعث مقيما بالمدينة حتى كانت ولاية عمر بن الخطاب، وثاب الناس إلى فتح العراق، فخرج الأشعث مع سعد بن أبى وقاص.\rقالوا: وقدم على أبى بكر رضى الله عنه، أربعة عشر رجلا من كندة يطلبون أن يفادوا بينهم، وقالوا: يا خليفة رسول الله ﷺ، ما رجعنا عن الإسلام ولكن شححنا على أموالنا، وقد رجع من وراءنا إلى ما خرجوا منه وبايعوك راضين، فقال أبو بكر: بعد ماذا؟ بعد أن وطئكم السيف؟ فقالوا: يا خليفة رسول الله، إن الأشعث غدر بنا، كنا جميعا فى الحصن، فكان أجزعنا، وكان أول من نقض، وأبى أن يدفع الصدقة، وأمرنا بذلك، ورأسنا، فلم يبارك لنا فى رياسته. فقال: أنزل وآخذ لكم الأمان جميعا، فإن لم يكن رجعت إليكم فيصيا بنى ما يصيبكم، فنزل، فأخذ الأمان لنفسه وأهله ومواليه، وقتلنا صبرا بالسيف.\rفقال أبو بكر رضى الله عنه: قد كنت كتبت إلى زياد بن مهاجر كتابا مع نهيك بن أوس إن ظفرتما بأهل النجير فلا تقتلاهم وأنزلاهم على حكمى.\rفقال المتكلم: قد والله قتل منا سبعمائة على دم واحد، وقد رجوناك يا خليفة رسول الله.\rولما كلمه الوفد فى أن يرد عليهم السبى ويقبل منهم الفداء أجاب إلى ذلك، وخطب الناس على المنبر، فقال: أيها الناس، ردوا على هؤلاء نساءهم وذراريهم، لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يغيب عنهم أحدا، قد جعلنا الفداء على كل رأس منهم أربعمائة درهم.\rوأمر أبو بكر زيد بن ثابت بقبض الفداء، وأمره أيضا بإخراج الخمس.\rقال الواقدى: سألت معاذ بن محمد فقلت: أرأيت الأربعة الأخماس، حيث أمر أبو بكر أن يفدوا بأربعمائة أربعمائة، ما فعل بها؟ قال: جمع أبو بكر ذلك كله فجعله سهمانا لأهل النجير مع ما استخرج زياد بن لبيد والمهاجر مما وجدوا فى الحصن النجير من الرثة والسلاح، ومما أصابوا من غير ذلك، فجعلوه مغنما.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084232,"book_id":3509,"shamela_page_id":795,"part":"2","page_num":166,"sequence_num":795,"body":"وكان أبو بكر قد أمد زيادا والمهاجر بعكرمة بن أبى جهل وهو يومئذ بدبا، فسار إليهم فى سبعمائة فارس، وقدم بعد فتح النجير بأربعة أيام، فأمر أبو بكر بأن يسهم لهم فى ذلك، فأسهم لهم.\rونظرت عجوز من سبى النجير إلى الأشعث بن قيس، فقالت: قبحت من وافد قوم ورسولهم، أخذت الأمان لأهلك ومواليك وعرضتنا للسباء، وقتلت رجالنا بغدرك، ولم تواسهم بنفسك، وأنت شأمتهم، رأسوك فلم يبارك لهم فى رياستك، والله ما رجعوا عن الإسلام ولكن شحوا على أموالهم، فقتلوا، ورجعت أنت عن الإسلام فنجوت، ما كان أحد قط، أشأم على قومه منك.\rومما يحفظ من شعر الأشعث، يذكر الجماعة الذين ضرب زياد أعناقهم من أهل النجير وهم سبعمائة كما تقدم:\rفلا رزء إلا يوم أقرع بينهم ... وما الدهر عندى بعدهم بأمين\rفليت جنوب الناس تحت جنوبهم ... ولم تمش أنثى بعدهم بجنين\rفكنت كذات البو ضغت فأقبلت ... إلى بوها أو طربت بحنين\rلغمرى وما عمرى على بهين ... لقد كنت بالقتلى أحق ضنين\rويروى أن الأشعث إنما قال هذا فى الملوك الأربعة الذين قتلوا، ومن روى هذا أنشد الشعر هكذا:\rلعمرى وما عمرىّ على بهين ... لقد كنت بالأملاك حق ضنين\rفإن يك هذا الدهر فرق بينهم ... فما الدهر عندى بعدهم بأمين\rفليت جنوب الناس تحت جنوبهم ... ولم يبشرونى بعدهم بجنين\rوكنت كذات البو ريعت فأقبلت ... على بوها أو طربت بحنين\rذكر بدء الغزو إلى الشام وما وقع فى نفس أبى بكر الصديق رضى الله عنه، من ذلك وما قوى عزمه عليه «١»\rحدث سهل بن سعد الساعدى رضى الله عنه، قال: لما فرغ أبو بكر رضى الله عنه، من أهل الردة، واستقامت له العرب، حدث نفسه بغزو الروم، ولم يطلع عليه أحدا، فبينما هو كذلك إذ جاءه شرحبيل بن حسنة فجلس إليه، فقال: يا خليفة رسول الله","footnotes":"(١) راجع المنتظم لابن الجوزى (٤/ ١١٥) ، تاريخ الطبرى (٣/ ٣٨٧) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084233,"book_id":3509,"shamela_page_id":796,"part":"2","page_num":167,"sequence_num":796,"body":"أحدثت نفسك أن تبعث إلى الشام جندا؟ قال: نعم، قد حدثت نفسى بذلك ولم أطلع عليه أحدا، وما سألتنى إلا لشىء. قال: أجل، إنى رأيت فيما يرى النائم كأنك تمشى فى ناس من المسلمين فوق حرشفة من الجبل، فأقبلت تمشى معهم حتى صعدت قلة فى أعاليه، فأشرفت على الناس ومعك أصحابك أولئك، ثم هبطت من تلك القلة إلى أرض سهلة دمثة، فيها الزروع والعيون والقرى والحصون، فقلت: يا للمسلمين! شنوا الغار على المشركين، فأنا ضامن لكم بالفتح والغنيمة!.\rفشد المسلمون وأنا فيهم ومعى راية، فتوجهت بها إلى قرية فسألونى الأمان فأمنتهم، ثم جئت فأجدك قد انتهيت إلى حصن عظيم، ففتح لك، وألقوا إليك السلم، ووضع لك عريش فجلست عليه، ثم قال لك قائل: يفتح عليك وتنصر فاشكر ربك واعمل بطاعته، ثم قرأ: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً [النصر: ١، ٤] .\rثم انتهيت، فقال له أبو بكر رضى الله عنه: نامت عينك، ثم دمعت عينا أبى بكر رضى الله عنه، فقال: أما الحرشفة التى كنا نمشى عليها حتى صعدنا منها إلى القلة لعالية فأشرفنا منها على الناس فإنا نكابد من أمر هذا الجند مشقة ويكابدونها ثم نعلو بعد ويعلو أمرنا، وأما نزولنا من القلة إلى الأرض السهلة الدمثة وما فيها من الزروع والعيون والقرى والحصون فإنا ننزل إلى أمر أسهل مما كنا فيه، فيه الخصب والمعاش، وأما قولى للمسلمين: شنوا عليهم الغارة، فإنى ضامن لكم بالفتح والغنيمة، فإن ذلك توجيهى للمسلمين إلى بلاد المشركين واحتثاثى إياهم على الجهاد، وأما الراية التى كانت معك فتوجهت بها إلى قرية من قراهم فدخلتها فاستأمنوك فأمنتهم فإنك تكون أحد أمراء المسلمين ويفتح الله على يديك، وأما الحصن الذى فتح لنا فهو ذلك الوجه، يفتحه الله علىّ، وأما العريش الذى رأيتنى عليه جالسا، فإن الله يرفعنى ويضع المشركين، وأما الذى أمرنى بالعمل وبالطاعة وقرأ علىّ السورة فإنه نعى إلىّ نفسى، إن هذه السورة حين أنزلت على النبى ﷺ، علم أن نفسه قد نعيت إليه، ثم سألت عينا أبى بكر، فقال: لآمرن بالمعروف ولأنهين عن المنكر ولأجاهدن من ترك أمر الله ولأجهزن الجنود إلى العادلين بالله فى مشارق الأرض ومغاربها حتى يقولوا: الله أحد، الله أحد، أو يؤدوا الجزية عن يد وهم صاغرون، أمر الله وسنة رسوله ﷺ، فإذا توفانى الله لم يجدنى وانيا، ولا فى ثواب المجاهدين فيه زاهدا، ثم إنه عند ذلك أمر الأمراء، وبعث إلى الشام البعوث.\rوعن عبد الله بن أبى أوفى الخزاعى، وكانت له صحبة، قال: لما أراد أبو بكر أن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084234,"book_id":3509,"shamela_page_id":797,"part":"2","page_num":168,"sequence_num":797,"body":"يجهز الجنود إلى الشام دعا عمر وعثمان وعليا وعبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير وسعد بن أبى وقاص وأبا عبيدة بن الجراح، ووجوه المهاجرين والأنصار من أهل بدر وغيرهم، فدخلوا عليه وأنا فيهم، فقال: إن الله ﵎، لا تحصى نعمه، ولا تبلغ جزاءها، الأعمال، فله الحمد كثيرا على ما اصطنع عندكم، قد جمع كلمتكم، وأصلح ذات بينكم، وهداكم إلى الإسلام، ونفى عنكم الشيطان، فليس يطمع أن تشركوا بالله ولا أن تتخذوا إلها غيره، فالعرب اليوم بنو أم وأب، وقد رأيت أن أستنفرهم إلى الروم بالشام، فمن هلك منهم هلك شهيدا، وما عند الله خير للأبرار، ومن عاش منهم عاش مدافعا عن الدين، مستوجبا على الله ثواب المجاهدين، هذا رأيى الذى رأيت، فليشر على كل امرئ بمبلغ رأيه» .\rفقام عمر رضى الله عنه، فقال: الحمد لله الذى يخص بالخير من يشاء من خلقه، والله ما استبقنا إلى شىء من الخير إلا سبقتنا إليه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، قد والله أردت لقاءك بهذا الرأى الذى ذكرت غير مرة، فما قضى الله أن يكون ذلك حتى ذكرته الآن، فقد أصبت، أصاب الله بك سبيل الرشاد، سرب إليهم الخيل فى أثر الخيل، وابعث الرجال بعد الرجال، والجنود يتبعها الجنود، فإن الله تعالى ناصر دينه، ومعز الإسلام وأهله، ومنجز ما وعده رسوله.\rثم إن عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه قام، فقال: يا خليفة رسول الله، إنما الروم بنو الأصفر حد حديد، وركن شديد، والله ما أرى أن تقحم الخيل عليهم إقحاما، ولكن تبعث الخيل فتغير فى أدنى أرضهم، وترجع إليك، فإذا فعلوا ذلك مرارا أضروا بهم، وغنموا من أدانى أرضهم، فقووا بذلك على قتالهم، ثم تبعث إلى أقاصى أهل اليمن، وأقاصى ربيعة ومضر، فتجمعهم إليك جميعا، فإن شئت عند ذلك غزوتهم بنفسك، وإن شئت أغزيتهم غيرك.\rثم جلس وسكت، وسكت الناس، فقال لهم أبو بكر: ماذا ترون رحمكم الله؟ فقام عثمان بن عفان رضى الله عنه، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على رسوله، ثم قال:\rنرى أنك ناصح لأهل هذا الدين، شفيق عليهم، فإذا رأيت رأيا تراه لعامتهم رشدا وصلاحا فاعزم على إمضائه، فإنك غير ضنين عليهم ولا متهم.\rفقال طلحة والزبير وسعد وأبو عبيدة وسعيد بن زيد وجميع من حضر ذلك المجلس","footnotes":"(١) انظر: تاريخ فتوح الشام للأزدى ص (١ وما بعدها) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084235,"book_id":3509,"shamela_page_id":798,"part":"2","page_num":169,"sequence_num":798,"body":"من المهاجرين والأنصار: صدق عثمان، ما رأيت من الرأى فامضه، فإنا سامعون لك، مطيعون، لا نخالف أمرك، ولا نتهم رأيك، ولا نتخلف عن دعوتك وإجابتك.\rفذكروا هذا وأشباهه، وعلى رضى الله عنه، فى القوم لا يتكلم، فقال له أبو بكر رضى الله عنهما: ماذا ترى يا أبا الحسن؟ فقال: أرى أنك مبارك الأمر، ميمون النقيبة، وإنك إن سرت إليهم بنفسك أو بعثت إليهم نصرت إن شاء الله تعالى. قال: بشرك الله بخير، ومن أين علمت هذا؟.\rقال: سمعت رسول الله ﷺ، يقول: «لا يزال هذا الدين ظاهرا على كل من ناوأه حتى تقوم الساعة وأهله ظاهرون» «١» .\rفقال أبو بكر: سبحانه الله! ما أحسن هذا الحديث، لقد سررتنى به، سرك الله فى الدنيا والآخرة.\rثم إنه قام فى الناس فذكر الله بما هو أهله، وصلى على نبيه ﷺ ثم قال: أيها الناس، إن الله تعالى، قد أنعم عليكم بالإسلام، وأعزكم بالجهاد، وفضلكم بهذا الدين على أهل كل دين، فتجهزوا عباد الله إلى غزو الروم بالشام، فإنى مؤمر عليكم أمراء، وعاقد لهم عليكم، فأطيعوا ربكم، ولا تخالفوا أمراءكم، ولتحسن نيتكم وسريرتكم وطعمتكم، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون.\rفسكت القوم، فو الله ما أجابه أحد هيبة لغزو الروم، لما يعلمون من كثرة عددهم وشدة شوكتهم، فقام عمر ﵀، فقال: يا معشر المسلمين، ما لكم لا تجيبون خليفة رسول الله إذا دعاكم لما يحييكم؟ أما لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لا بتدرتموه! فقام إليه عمرو بن سعيد فقال: يا ابن الخطاب، ألنا تضرب أمثال المنافقين؟ فما يمنعك مما عتبت علينا فيه؟. فقال: الاتكال، على أنه يعلم أنى أجيبه لو يدعونى، وأغزو لو يغزينى.\rفقال عمرو: ولكن نحن لا نغزو لكم إن غزونا، فإنما نغزو لله، فقال أبو بكر لعمرو:\rاجلس رحمك الله، فإن عمر لم يرد بما سمعت أذى مسلم ولا تأنيبه، إنما أراد أن يبعث بما سمعت المتثاقلين إلى الأرض عن الجهاد، فقام خالد بن سعيد «٢» فقال: صدق خليفة","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (٥/ ٨٧) ، المستدرك للحاكم (٤/ ٤٤٩) ، كنز العمال للمتقى الهندى (١٤١٧٢، ٣٤٥٥٨) ، الدر المنثور للسيوطى (٣/ ١٨) .\r(٢) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٦١٧) ، الإصابة الترجمة رقم (٢١٧٢) ، أسد الغابة الترجمة رقم (١٣٦٥) ، نسب قريش (١٧٤) ، طبقات ابن خليفة (١١/ ٢٩٨) ، مشاهير علماء الأمصار الترجمة رقم (١٧٢) ، تاريخ الإسلام (١/ ٣٧٨) ، العقد الثمين (٤/ ٢٦٧) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084236,"book_id":3509,"shamela_page_id":799,"part":"2","page_num":170,"sequence_num":799,"body":"رسول الله ﷺ اجلس يا أخى، فجلس أخوه، فقال خالد: الحمد لله الذى لا إله إلا هو، الذى بعث محمدا ﷺ، بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، فالله منجز وعده، ومعز دينه، ومهلك عدوه.\rثم أقبل على أبى بكر فقال: ونحن أولا غير مخالفين لك، ولا متخلفين عنك، وأنت الوالى الناصح الشفيق، ننفر إذا استنفرتنا، ونطيعك إذا أمرتنا، ونجيبك إذا دعوتنا، ففرح بمقالته أبو بكر رضى الله عنه، وقال له: جزاك الله خيرا من أخ وخليل، فقد أسلمت مرتغبا، وهاجرت محتسبا، وهربت بدينك من الكفار لكى يطاع الله ورسوله وتعلو كلمته، فأنت أمير الناس، فتيسر رحمك الله.\rثم إنه نزل، ورجع خالد بن سعيد فتجهز، وأمر أبو بكر رضى الله عنه، بلالا فأذن فى الناس: انفروا أيها الناس إلى جهاد عدوكم: الروم بالشام، وأمير الناس خالد بن سعيد، فكان الناس لا يشكون أن خالدا أميرهم، وكان خالد بن سعيد من عمال رسول الله ﷺ، على اليمن، فلما قبض رسول الله ﷺ، جاء المدينة وقد استخلف الناس أبا بكر، فاحتبس عن أبى بكر ببيعته أياما، وأتى بنى هاشم وقال: أنتم الظهر والبطن والشعار دون الدثار، فإذا رضيتم رضينا، وإذا سخطتم سخطنا، حدثونى: أبايعتم هذا الرجل؟\rقالوا: نعم، قال: على بر ورضى من جماعتكم؟ قالوا: نعم، قال: فإنى أرضى إذا رضيتم، وأبايع إذا بايعتم، أما أنكم والله يا بنى هاشم فينا لطوال الشجر، طيبو الثمر، ثم بايع أبا بكر بعد ذلك.\rوبلغت مقالته أبا بكر فلم يبال، واضطغن ذلك عليه عمر، فلما ولاه أبو بكر الجند الذى استنفر إلى الشام، أتى عمر، أبا بكر فقال: أتولى خالد بن سعيد وقد حبس عنك بيعته، وقال لبنى هاشم ما بلغك، وقد جاء بورق اليمن وعبيد له حبشان وبدروع ورماح؟ ما أرى أن توليه وما آمن خلافه، وكان أبو بكر لا يخالف عمر ولا يعصيه، فدعا يزيد بن أبى سفيان، وأبا عبيدة بن الجراح، وشرحبيل بن حسنة، فقال لهم: إنى باعثكم فى هذا الوجه، ومؤمركم على هذا الجند، وأنا باعث على كل رجل من الرجال ما قدرت عليه، فإذا قدمتم البلد ولقيتم العدو فاجتمعتم على قتالهم فأميركم أبو عبيدة.\rوإن أبو عبيدة لم يلقكما وجمعتكما حرب فيزيد بن أبى سفيان الأمير، انطلقوا فتجهزوا.\rفخرج القوم يتجهزون، وبلغ ذلك خالد بن سعيد، فتيسر وتهيأ بأحسن هيئة، ثم أقبل نحو أبى بكر وعنده المهاجرون والأنصار أجمع ما كانوا، وقد تيسر الناس، وأمروا بالعسكرة مع هؤلاء النفر الثلاثة، فسلم على أبى بكر وعلى المسلمين، ثم جلس، فقال","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084237,"book_id":3509,"shamela_page_id":800,"part":"2","page_num":171,"sequence_num":800,"body":"لأبى بكر: أما إنك كنت وليتنى أمر الناس، وأنت لى غير متهم، ورأيك فىّ حسن حتى خوفت منى أمرا، والله لأن أخر من رأس حالق أو تخطفنى الطير فى الهواء بين الأرض والسماء أحب إلىّ من أن يكون ما ظن، والله ما أنا فى الإمارة براغب، ولا على البقاء فى الدنيا بحريص، وإنى أشهدكم أنى وأخوتى وفتيانى ومن أطاعنى من أهلى جيش فى سبيل الله نقاتل المشركين أبدا حتى يهلكهم الله أو نموت، لا نريد به حمد الناس ولا جزاءهم، فقال له الناس خيرا، ودعوا له به، وقال أبو بكر ﵀: أوتيت فى نفسى وولدى ما أحب لك ولإخوتك، والله إنى لأرجو أن تكون من نصحاء الله فى عباده، وإقامة كتابه، واتباع سنة رسوله «١» .\rفخرج هو وإخوته وغلمته ومن معه، فكان أول خلق الله عسكر، ثم خرج الناس إلى معسكرهم من عشرة وعشرين وثلاثين وأربعين وخمسين ومائة فى كل يوم حتى اجتمع الناس وكثروا، فخرج أبو بكر ذات يوم، ومعه من الصحابة كثير حتى انتهى إلى عسكرهم فرأى عدة حسنة، فلم يرض كثرتها للروم، فقال لأصحابه: ماذا ترون فى هؤلاء؟ أترون أن نشخصهم إلى الشام فى هذه العدة؟ فقال له عمر: ما أرضى بهذه العدة لجموع بنى الأصفر، فأقبل على أصحابه فقال: ماذا ترون؟ فقالوا: ونحن أيضا، نرى ما رأى عمر، فقال أبو بكر: أفلا نكتب كتابا إلى أهل اليمن ندعوهم إلى الجهاد ونرغبهم فى ثوابه؟ فرأى ذلك جميع أصحابه، فقالوا: نعم ما رأيت، فافعل.\rفكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، من خليفة رسول الله ﷺ، إلى من قرئ عليه كتابى هذا من المؤمنين والمسلمين من أهل اليمن، سلام عليكم، فإنى أحمد إليكم الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد. فإن الله ﵎، كتب على المسلمين الجهاد، وأمرهم أن ينفروا فيه خفافا وثقالا، فقال جل ثناؤه: وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [الصف: ٩] ، فالجهاد فريضة مفروضة، وثوابه عند الله عظيم، وقد استنفرنا من قبلنا من المسلمين إلى جهاد الروم بالشام، وقد سارعوا إلى ذلك، وعسكروا وخرجوا، وحسنت نيتهم وعظمت حسبتهم، فسارعوا عباد الله إلى فريضة ربكم وسنة نبيكم، وإلى إحدى الحسنيين: إما الشهادة وإما الفتح والغنيمة، إن الله جل ذكره، لم يرض من عباده بالقول دون العمل، ولا بترك الجهاد فيه أهل عداوته حتى يدينوا بالحق ويقروا بحكم الكتاب، حفظ الله لكم دينكم وهدى قلوبكم، وزكى أعمالكم، ورزقكم أجر المجاهدين الصابرين، والسلام عليكم.","footnotes":"(١) انظر: المنتظم لابن الجوزى (٤/ ١١٦) ، تاريخ الطبرى (٣/ ٣٨٧، ٣٨٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084238,"book_id":3509,"shamela_page_id":801,"part":"2","page_num":172,"sequence_num":801,"body":"وبعث بالكتاب مع أنس بن مالك. قال أنس: أتيت اليمن فبدأت بهم حيا حيا «١» ، وقبيلة قبيلة، أقرأ عليهم كتاب أبى بكر الصديق، فإذا فرغت من قراءته قلت: الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ﷺ، أما بعد، فإنى رسول خليفة رسول الله إليكم، ورسول المسلمين، ألا وإنى قد تركتهم معسكرين، ليس يمنعهم عن الشخوص إلى عدوهم إلا انتظاركم، فعجلوا إلى إخوانكم بالنفر، رحمكم الله أيها المسلمون.\rقال: فكان كل من أقرأ عليه ذلك الكتاب ويسمع منى هذا القول يحسن الرد ويقول:\rنحن سائرون، وكأن قد فعلنا حتى انتهيت إلى ذى الكلاع «٢» ، فلما قرأت عليه الكتاب، وقلت له هذا المقال دعا بفرسه وسلاحه ونهض فى قومه، وأمر بالعسكرة، فما برحنا حتى عسكر وعسكر معه جموع كثيرة من أهل اليمن، وسارعوا، فلما اجتمعوا إليه قام فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على نبيه، ثم قال:\rأيها الناس، إن من رحمة الله إياكم ونعمته عليكم أن بعث فيكم نبيا أنزل عليه الكتاب فأحسن عنه البلاغ، فعلمكم ما يرشدكم، ونهاكم عما يفسدكم، حتى علمكم ما لم تكونوا تعلمون، ورغبكم من الخير فما لم تكونوا فيه ترغبون، وقد دعاكم إخوتكم الصالحون إلى جهاد المشركين، واكتساب الأجر العظيم، فلينفر من أراد النفر معى الساعة.\rقال: فنفر بعدد من الناس كثير، وأقبل بهم إلى أبى بكر ﵀، فرجعنا نحن فسبقناه بأيام فوجدنا أبا بكر بالمدينة ووجدنا ذلك العسكر على حاله، وأبو عبيدة يصلى بأهل ذلك العسكر.\rفلما قدمت حمير معها أولادها ونساؤها، فرح بهم أبو بكر وقام فقال: عباد الله، ألم نكن نتحدث فنقول إذا مرت حمير معها نساؤها تحمل أولادها: نصر الله المسلمين وخذل المشركين؟ فأبشروا أيها المسلمون، قد جاءكم النصر.\rقال: وجاء قيس بن هبيرة بن مكشوح المرادى معه جمع كثير حتى أتى أبا بكر فسلم","footnotes":"(١) فى تاريخ فتوح الشام: «.... أتيت أهل اليمن جناحا جناحا، وقبيلة قبيلة، أقرأ عليهم..» .\r(٢) ذى الكلاع: هو: «أيفع بن يزيد بن النعمان» ، وسمى بذلك لأن حمير تلكعوا، أى اتحدوا وتحالفوا على يديه وهو الذى خطب الناس وحرضهم على القتال. انظر ترجمته فى: شذرات الذهب (١/ ٢١٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084239,"book_id":3509,"shamela_page_id":802,"part":"2","page_num":173,"sequence_num":802,"body":"عليه ثم جلس، فقال له: ما تنتظر ببعثة هذه الجنود؟ قال: ما كنا ننتظر إلا قدومكم، قال: فقد قدمنا، فابعث الناس الأول فالأول، فإن هذه البلدة ليست ببلدة خف ولا كراع «١» .\rقال: فعند ذلك خرج أبو بكر رضى الله عنه، يمشى، فدعا يزيد بن أبى سفيان فعقد له، ودعا ربيعة بن عامر من بنى عامر بن لؤى فعقد له، ثم قال له: أنت مع يزيد بن أبى سفيان لا تعصه ولا تخالفه، ثم قال ليزيد: إن رأيت أن توليه مقدمتك فافعل، فإنه من فرسان العرب وصالحاء قومك، وأرجو أن يكون من عباد الله الصالحين، فقال يزيد: لقد زاده إلىّ حبا حسن ظنك به ورجاؤك فيه، ثم إنه خرج معه يمشى، فقال له يزيد: يا خليفة رسول الله، إما أن تركب، وإما أن تأذن لى فأمشى معك، فإنى أكره أن أركب وأنت تمشى، فقال أبو بكر رضى الله عنه: ما أنا براكب، وما أنت بنازل، إنى أحتسب خطاى هذه فى سبيل الله، ثم أوصاه فقال:\rيا يزيد، إنى أوصيك بتقوى الله وطاعته، والإيثار له، والخوف منه، وإذا لقيتم العدو فأظفركم الله به فلا تغلل ولا تمثل ولا تغدر ولا تجبن، ولا تقتلن وليدا ولا شيخا كبيرا ولا امرأة، ولا تحرقن نخلا ولا تغرقنه، ولا تقطعن شجرا مثمرا، ولا تعقروا بهيمة إلا لمأكل، وستمرون بقوم فى هذه الصوامع يزعمون أنهم حبسوا أنفسهم لله، فدعهم وما حبسوا أنفسهم له، وستجدون آخرين فحص الشيطان أوساط رؤسهم كأن أوساطها أفاحيص «٢» القطا، فأضربوا بالسيف ما فحصوا عنه من رؤسهم حتى ينيبوا إلى الإسلام أو يؤدوا الجزية عن يد وهم صاغرون، ولينصرن الله من ينصره ورسله بالغيب. وأقرأ عليك السلام، وأستودعك الله.\rثم أخذ بيده فودعه، ثم قال: إنك أول امرئ وليته على رجال من المسلمين أشراف غير أوضاع فى الناس، ولا ضعفاء ولا أدنياء ولا جفاة فى الدين، فأحسن صحبتهم، وألن لهم كتفك، واخفض لهم جناحك، وشاورهم فى الأمر، أحسن أحسن الله لك الصحابة، وعلينا الخلافة.\rفخرج يزيد فى جيشه قبل الشام، وكان أبو بكر ﵀، كل غدوة وعشية يدعو فى دبر صلاة الغداة، ويدعو بعد صلاة العصر، فيقول: اللهم إنك خلقتنا ولم نك شيئا،","footnotes":"(١) الخف: الإبل. والكراع: الخيل.\r(٢) أفاحيص: جمع أفحوص، وهو التراب، تتخذ فيه طيور القطا مساكن لها.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084240,"book_id":3509,"shamela_page_id":803,"part":"2","page_num":174,"sequence_num":803,"body":"ثم بعثت إلينا رسولا رحمة منك وفضلا علينا، فهديتنا وكنا ضلالا، وحببت إلينا الايمان وكنا كفارا، وكثرتنا وكنا قليلا، وجمعتنا وكنا أشتاتا، وقويتنا وكنا ضعفاء، ثم فرضت علينا الجهاد وأمرتنا بقتال المشركين حتى يقولوا: لا إله إلا الله، ويعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، اللهم إنا أصبحنا نطلب رضاك، بجهاد من عاداك، ثم عدل بك وعبد معك آلهة غيرك، لا إله إلا أنت تعاليت عما يقول الظالمون علوا كبيرا، اللهم فانصر عبادك المسلمين على عدوك من المشركين، اللهم افتح لهم فتحا يسيرا، وانصرهم نصرا عزيزا، وشجع جبنهم، وثبت أقدامهم وزلزل بعدوهم، وأدخل الرعب قلوبهم، واستأصل شأفتهم، واقطع دابرهم، وأبد خضراءهم، وأورثنا أرضهم وديارهم وأموالهم وآثارهم، وكن لنا وليا، وبنا حفيا، وأصلح لنا شأننا، واجعلنا لأنعمك من الشاكرين، واغفر لنا وللمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، ثبتنا الله وإياكم بالقول الثابت فى الحياة الدنيا وفى الآخرة، إنه بالمؤمنين رؤف رحيم.\rوعن أنس قال: لما بعث أبو بكر ﵀، يزيد بن أبى سفيان إلى الشام لم يسر من المدينة حتى جاء شرحبيل بن حسنة إلى أبى بكر، فقال: يا خليفة رسول الله، إنى قد رأيت فيما يرى النائم كأنك فى جماعة من المسلمين كثيرة، وكأنك بالشام ونحن معك، إذ استقبلك النصارى بصلبها، والبطارقة بكتبها، وانحطوا عليك من كل شرف وحدب، وكأنهم السيل، فاعتصمنا بلا إله إلا الله، وقلنا: حسبنا الله ونعم الوكيل، ثم نظرنا فإذا نحن بالقرى والحصون من ورائهم وعن أيمانهم وشمائلهم، فإذا نحن بآت قد أتى، فنزل بأعلى شاهقة فى الجبل حتى استوى بالحضيض، ثم أخرج كفه وأصابعه فإذا هى نار، ثم إنه أهوى بها إلى ما قابله من القرى والحصون، فصارت نارا تأجج، ثم إنها خبت فصارت رمادا، ثم نظرنا إلى ما استقبلنا من نصاراهم وبطارقتهم وجموعهم فإذا الأرض قد ساخت بهم، فرفع الناس رؤسهم وأيديهم إلى ربهم يحمدونه ويمجدونه ويشكرونه، فهذا ما رأيت، ثم انتبهت.\rفقال أبو بكر رضى الله عنه: نامت عينك، هذه بشرى، وهو الفتح إن شاء الله لا شك فيه، وأنت أحد أمرائى، فإذا سار يزيد بن أبى سفيان فأقم ثلاثا ثم تيسر للسير، ففعل، فلما مضى اليوم الثالث أتاه من الغد يودعه، فقال له: يا شرحبيل، ألم تسمع وصيتى يزيد بن أبى سفيان؟ قال: بلى، قال: فإنى أوصيك بمثلها، وأوصيك بخصال أغفلت ذكرهن لابن أبى سفيان، أوصيك بالصلاة لوقتها، وبالصبر يوم البأس حتى تظفر أو تقتل، وبعيادة المرضى وحضور الجنائز، وبذكر الله كثيرا على كل حال، فقال له أبو","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084241,"book_id":3509,"shamela_page_id":804,"part":"2","page_num":175,"sequence_num":804,"body":"سفيان: إن هذه الخصال كان يزيد بهن مستوصيا، وعليهن مواظبا قبل أن يسير إلى الشام، فهو الآن لهن ألزم إن شاء الله تعالى. فقال شرحبيل: الله المستعان، وما شاء الله أن يكون كان، ثم ودع أبا بكر وخرج فى جيشه قبل الشام، وبقى عظم الناس مع أبى عبيدة فى العسكر يصلى بهم، وأبو عبيدة ينتظر كل يوم أن يدعوه أبو بكر، فيسرحه، وأبو بكر ينتظر به قدوم العرب عليه من كل مكان، يريد أن يشحن أرض الشام من المسلمين، ويريد إن زحفت إليهم الروم أن يكونوا مجتمعين، فقدمت عليه حمير فيها ذو الكلاع، واسمه أيقع، وجاءت مذحج فيها قيس بن هبيرة المرادى معه جمع عظيم من قومه، وفيهم الحجاج بن عبد يغوث الزبيدى، وجاء حابس بن سعد الطائى فى عدد كثير من طيئ، وجاءت الأزد فيهم جندب بن عمرو بن حممة الدوسى، وفيهم أبو هريرة، وجاءت جماعة من قبائل قيس، فعقد أبو بكر رضى الله عنه، لميسرة بن مسروق العبسى عليهم، وجاء قباث بن أشيم فى بنى كنانة، فأما ربيعة وأسد وتميم فإنهم كانوا بالعراق.\rوعن سهل بن سعد أن أبا بكر، ﵀، لما أراد أن يبعث أبا عبيدة دعاه، فأتاه فسلم عليه، ثم جلس، فمكث أبو بكر مليا لا يكلمه، فظن أبو عبيدة أنه هم بعزله كما عزل خالد بن سعيد وهو يستحى أن يستقبله به، فقال: يا خليفة رسول الله، إن كنا لا نصلح لكم ولا نحبكم ولا ننصحكم إلا بأن تولونا فلسنا بإخوان فى الله، وإن كنا لا نجاهد فى سبيل الله ولا نقاتل أعداء الله إلا أن نكون أمراء رؤساء فلسنا الله نريد بجهادنا، وإنما ننوى به إذا الفخر فى الدنيا، إنى أطلب إليك أن تعزلنى عن هذا الجند وتولى عليه من أحببت وأنا أخرج معه، فأشير عليه برأيى وأنصحه جهدى، وأواسى المسلمين بنفسى. فقال أبو بكر: سبحان الله، يا أبا عبيدة أظننت أنك ممن نتهمه أو ممن نبتغى به بدلا أو ممن نتخوف أن يأتى المسلمين من قبله وهن أو خلاف أو فساد؟ معاذ الله أن نكون من أولئك، ثم قال له:\rاسمع سماع من يريد أن يفهم ما قيل له ثم يعمل بما أمر به، إنك تخرج فى أشراف العرب وبيوتات الناس وصالحاء المسلمين وفرسان الجاهلية، كانوا إذ ذاك يقاتلون حمية، وهم اليوم يقاتلون على النية الحسنة والحسبة، أحسن صحبة من صحبك، وليكونوا عندك فى الحق سواء، فاستعن بالله، وكفى به معينا، وتوكل عليه وكفى بالله وكيلا.\rاخرج من غد إن شاء الله، فخرج من عنده، فلما ولى قال: يا أبا عبيدة، فانصرف إليه، فقال له: إنى أحب أن تعلم كرامتك علىّ، ومنزلتك منى، والذى نفسى بيده، ما على","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084242,"book_id":3509,"shamela_page_id":805,"part":"2","page_num":176,"sequence_num":805,"body":"الأرض من المهاجرين ولا غيرهم من أعدله بك، ولا بهذا، يعنى عمر، ﵀، ولا له عندى فى المنزلة إلا دون ما لك. فقال أبو عبيدة: رحمك ربك يا خليفة رسول الله، هذا كان ظنى بك.\rقال: فانصرف، فلما كان من الغد خرج أبو بكر فى رجال من المسلمين على رواحلهم، حتى أتى أبا عبيدة، فسار معه حتى بلغ ثنية الوداع، ثم قال حين أراد أن يفارقه: يا أبا عبيدة، اعمل صالحا، وعش مجاهدا، ولتتوف شهيدا، وليعطك الله كتابك بيمينك، ويقر عينك فى دنياك وآخرتك، فو الله إنى لأرجو أن تكون من التوابين الأوابين الزاهدين فى الدنيا الراغبين فى الآخرة، إن الله ﵎ قد صنع بك خيرا وساقه إليك إذ جعلك تسير فى جيش من المسلمين تقاتل به من كفر بالله وعبد غيره.\rفقال أبو عبيدة: رحمك الله يا خليفة رسول الله، فنشهد بفضلك فى إسلامك، ومناصحتك الله، ومجاهدتك بعد رسول الله من تولى عن دين الله حتى ردهم الله بك إلى الدين وهم صاغرون، ونشهد أنك رحيم بالمؤمنين، ذو غلظة على الكافرين، فبورك لك فيما عملت، وسددت فيما حملت، إن أكن صالحا فلربى المنة علىّ بصلاحى، وإن أكن فاسدا فهو ولى إصلاحى، وأما أنت فنرى أن نجيبك إذا دعوت، وأن نطيعك إذا أمرت.\rثم إنه تأخر، وتقدم إليه معاذ بن جبل فقال: يا خليفة رسول الله، إنى أردت أن يكون ما أكلمك به الآن بالمدينة قبل شخوصنا عنها، ثم بدا لى أن أؤخر ما أردت من ذلك حتى يكون عند وداعى، فيكون ذلك آخر ما أفارقك عليه، قال: هات يا معاذ، فو الله إنك ما علمت لسديد القول، موفق الرأى، رشيد الأمر، فأدنى راحلته، ومقود فرسه فى يده، وهو متنكب القوس ومتقلد السيف، فقال: إن الله تعالى بعث محمدا ﷺ، برسالته إلى خلقه، فبلغ ما أحب أن يبلغ، وكان كما أحب ربه أن يكون، فقبضه الله إليه وهو محمود مبرور صلوات الله عليه وبركاته، إنه حميد مجيد، جزاه الله عن أمته كأحسن ما يجزى النبيين، ثم إن الله تعالى استخلفك أيها الصديق عن ملأ من المسلمين، ورضى منهم بك، فارتد مرتدون، وأرجف مرجفون، ورجعت راجعة عن هذا الدين، فأدهن بعضنا، وحار جلنا، وأحب المهادنة والموادعة طائفة منا، واجتمع رأى الملأ الأكابر منا أن يتمسكوا بدينهم ويعبدوا الله حتى يأتيهم اليقين، ويدعوا الناس وما ذهبوا إليه، فلم ترض منهم بشىء كان رسول الله ﷺ، يرده عليهم، فنهضت بالمسلمين، وشمرت للمجرمين، وشددت بالمطيع المقبل على العاصى المدبر، حتى أجاب إلى الحق من كان عند عنه،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084243,"book_id":3509,"shamela_page_id":806,"part":"2","page_num":177,"sequence_num":806,"body":"وزجل عن الباطل من كان مرتكسا فيه، فلما تمت نعمة الله عليك وعلى المسلمين فى ذلك قدت المسلمين إلى هذا الوجه الذى يضاعف الله لهم فيه الأجر، ويعظم لهم الفتح والمغنم، فأمرك مبارك، ورأيك محمود ورشيد، ونحن وصالحو المؤمنين نسأل الله لك المغفرة والرحمة الواسعة والقوة فى العمل بطاعة الله فى عافية، وإن هذا الذى تسمع من دعائى وثنائى ومقالتى لتزداد فى فعل الخير رغبة، وتحمد الله تعالى على النعمة، وأنا معيد هذا على المؤمنين ليحمدوا الله على ما أبلاهم واصطنع عندهم بولايتك عليهم.\rثم أخذ كل واحد منهما بيد صاحبه فودعه، ودعا له، ثم تفرقا، وانصرف أبو بكر ﵀، ومضى ذلك الجيش، وقال رجل من المسلمين لخالد بن سعيد وقد تهيأ للخروج مع أبى عبيدة: لو كنت خرجت مع ابن عمك يزيد بن أبى سفيان كان أمثل من خروجك مع غيره. فقال: ابن عمى أحب إلىّ من هذا فى قرابته، وهذا أحب إلىّ من ابن عمى فى دينه، هذا كان أخى فى دينى على عهد الرسول ﷺ، وولىّ وناصرى على ابن عمى قبل اليوم، فأنا به أشد استئناسا وإليه أشد طمأنينة.\rفلما أراد أن يغدو سائرا إلى الشام لبس سلاحه، وأمر إخوته فلبسوا أسلحتهم: عمرا، وإبانا، والحكم، وعلقمة ومواليه، ثم أقبل إلى أبى بكر، ﵀، عند صلاة الغداة فصلبى معه، فلما انصرفوا قام إليه هو وإخوته، فجلسوا إليه، فحمد الله خالد وأثنى عليه، وصلى على رسول الله ﷺ، ثم قال: يا أبا بكر، إن الله ﵎، قد أكرمنا وإياك والمسلمين عامة بهذا الدين، فأحق من أقام السنة وأمات البدعة وعدل فى السيرة الوالى على الرعية، وكل امرئ من أهل هذا الدين محفوف بالإحسان، ومعدلة الوالى أعم نفعا، فاتق الله يا أبا بكر فيمن ولاك أمره، وارحم الأرملة واليتيم، وأعن الضعيف والمظلوم، ولا يكن رجل من المسلمين إذا رضيت عنه آثر عندك فى الحق منه إذا سخطت عليه، ولا تغضب ما قدرت على ذلك، فإن الغضب يجر الجور، ولا تحقد على مسلم وأنت تستطيع، فإن حقدك على المسلم يجعلك له عدوا، وإن اطلع على ذلك منك عاداك، وإذا عادى الوالى الرعية وعادت الرعية الوالى كان ذلك قمنا أن يكون إلى هلاكهم داعيا، ولن للمحسن واشتد على المريب، ولا تأخذك فى الله لومة لائم.\rثم قال: هات يدك يا أبا بكر، فإنى لا أدرى أنلتقى فى الدنيا أم لا، فإن قضى الله لنا فى الدنيا البقاء، فنسأل الله عفوه وغفرانه، وإن كانت هى الفرقة التى ليس بعدها لقاء، فعرفنا الله وإياك وجه النبى ﷺ، فى جنات النعيم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084244,"book_id":3509,"shamela_page_id":807,"part":"2","page_num":178,"sequence_num":807,"body":"فأخذ أبو بكر رضى الله عنه، بيده فبكى، وبكى خالد، وبكى المسلمون وظنوا أنه يريد الشهادة، وطال بكاؤهم، ثم إن أبا بكر رضى الله عنه، قال: انتظر نمشى معك، قال: ما أريد أن تفعل، قال: لكنى أريد ذلك، ومن أراده من المسلمين، فقام، وقام الناس معه حتى خرج من بيوت المدينة، فما رأيت مشيعا من المسلمين شيعه أكثر ممن شيع خالد بن سعيد يومئذ وإخوته، فلما خرج من المدينة قال أبو بكر: إنك قد أوصيتنى برشدى وقد وعيت، وأنا موصيك فاسمع وصاتى وعها، إنك امرؤ قد جعل الله لك سابقة فى الإسلام وفضيلة عظيمة، والناس ناظرون إليك ومستمعون منك، وقد خرجت فى هذا الوجه العظيم الأجر وأنا أرجو أن يكون خروجك فيه بحسبة ونية صادقة إن شاء الله تعالى، فثبت العالم، وعلم الجاهل، وعاتب السفيه المسرف، وانصح لعامة المسلمين، واخصص الوالى على الجهد من نصيحتك ومشورتك بما يحق لله وللمسلمين عليك، واعمل لله كأنك تراه، واعدد نفسك فى الموتى وأعلم أنا عما قليل ميتون ثم مبعثون ثم مسئولون ومحاسبون، جعلنا الله وإياك لأنعمه من الشاكرين، ولنقمه من الخائفين.\rثم أخذ بيده فودعه، وأخذ بأيدى إخوته بعد ذلك فودعهم واحدا واحدا، ثم ودعهم المسلمون، ثم إنهم دعوا بإبلهم فركبوها، وكانوا قبل ذلك يمشون مع أبى بكر رضى الله عنهم أجمعين، ثم قيدت معهم خيلهم، فخرجوا بهيئة حسنة، فلما أدبروا قال أبو بكر:\rاللهم احفظهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم، واحطط أوزارهم وأعظم أجورهم. ثم انصرف أبو بكر ومن معه من المسلمين.\rوقد قيل: إن أبا بكر ﵀، جعل خالدا ردآ بتيماء لما عزله عن الجند وأطاع عمر ﵀ «١» ، فى بعض أمره وعصاه فى بعض، وسيأتى ذكر ذلك فى موضعه إن شاء الله.\rوعن محمد بن خليفة أن ملحان بن زياد الطائى، أخا عدى بن حاتم لأمه أتى أبا بكر ﵀، فى جماعة من قومه من طيئ نحو ستمائة، فقال له: إنا أتيناك رغبة فى الجهاد وحرصا على الخير، ونحن القوم الذين تعرف الذين قاتلنا معكم من ارتد منا حتى أقر بمعرفة ما كان ينكر، وقاتلنا معكم من ارتد منكم حتى أسلموا طوعا وكرها، فسرحنا فى أثر الناس، واختر لنا وليا صالحا نكن معه.","footnotes":"(١) انظر خبر عزل خالد بن سعيد فى: المنتظم لابن الجوزى (٤/ ١١٦) ، تاريخ الطبرى (٣/ ٣٨٧، ٣٨٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084245,"book_id":3509,"shamela_page_id":808,"part":"2","page_num":179,"sequence_num":808,"body":"وكان قدومهم على أبى بكر بعد مسير الأمراء كلهم إلى الشام، فقال أبو بكر: قد اخترت لك أفضل أمرائنا أميرا، وأقدم المهاجرين هجرة، الحق بأبى عبيدة بن الجراح، فقد رضيت لك صحبته، وحمدت لك أدبه، فنعم الرفيق فى السفر، ونعم الصاحب فى الحضر.\rقال: فقلت لأبى بكر: فقد رضيت لخيرتك التى اخترت لى. فاتبعته حتى لحقته بالشام فشهدت معه مواطنه كلها، لم أغب عن يوم منها.\rوعن أبى سعيد المقبرى قال: قدم ابن ذى السهم الخثعمى على أبى بكر وجماعة من خثعم فوق تسعمائة ودون ألف، فقال لأبى بكر: إنا تركنا الديار والأصول، والعشائر والأموال، وأقبلنا بنسائنا وأبنائنا، ونحن نريد جهاد المشركين، فماذا ترى لنا فى أولادنا ونسائنا؟ أنخلفهم عندك ونمضى؟ فإذا جاء الله بالفتح بعثنا إليهم فأقدمناهم علينا؟ أم ترى لنا أن نخرجهم معنا ونتوكل على الله ربنا؟.\rفقال أبو بكر: سبحان الله، يا معشر المسلمين، هل سمعتم أحدا ممن سار من المسلمين إلى أرض الروم وأرض الشام ذكر من الأولاد والنساء مثل ما ذكر أخو خثعم؟\rأما إنى أقسم لك يا أخا خثعم، لو سمعت هذا القول منك والناس مجتمعون عندى قبل أن يشخصوا لأحببت أن أحبس عيالاتهم عندى وأسرحهم ليس معهم من النساء والأبناء ما يشغلهم ويهمهم حتى يفتح الله عليهم ومعهم ذراريهم، ولك بجماعة المسلمين إسوة، وأنا أرجو أن يدفع الله بعزته عن حرمة الإسلام وأهله، فسر فى حفظ الله وكنفه، فإن بالشام أمراء قد وجهناهم إليها، فأيهم أحببت أن تصحبه، فسار حتى لقى يزيد بن أبى سفيان فصحبه.\rوعن يحيى بن هانئ بن عروة أن أبا بكر كان أوصى أبا عبيدة بقيس بن مكشوح وقال له: إنه قد صحبك رجل عظيم الشرف، فارس من فرسان العرب، لا أظن له عظيم حسبة ولا كبير نية فى الجهاد، وليس بالمسلمين غنى عن مشورته ورأيه وبأسه فى الحرب، فأدنه والطفه وأره أنك غير مستغن عنه ولا مستهين بأمره، فإنك تستخرج منه بذلك نصيحة لك، وجهده وجده على عدوك، ودعا أبو بكر قيسا فقال له: إنى قد بعثتك مع أبى عبيدة الأمين، الذى إذا ظلم كظم، وإذا أسىء إليه غفر، وإذا قطع وصل، رحيم بالمؤمنين، شديد على الكافرين، فلا تعصين له أمرا، ولا تخالفن له رأيا، فإنه لن يأمرك إلا بخير، وقد أمرته أن يسمع منك، فلا تأمره إلا بتقوى الله، فقد كنا نسمع أنك","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084246,"book_id":3509,"shamela_page_id":809,"part":"2","page_num":180,"sequence_num":809,"body":"شريف بئيس مجرب، وذلك فى زمان الشرك والجاهلية الجهلاء، فاجعل بأسك وشدتك ونجدتك اليوم فى الإسلام على من كفر بالله وعبد غيره، فقد جعل الله فيه الأجر العظيم، والعز للمسلمين. فقال: إن بقيت فسيبلغك من حيطتى على المسلم، وجهدى على الكافر ما يسرك ويرضيك، فقال أبو بكر ﵀: فافعل ذلك، فلما بلغته مبارزته البطريقين بالجابية وقتله إياهما، قال: صدق قيس ووفى وبر.\rوعن هاشم بن عتبة بن أبى وقاص قال «١» : لما مضت جنود أبى بكر إلى الشام بلغ ذلك هرقل ملك الروم، وهو بفلسطين، وقيل له: قد أتتك العرب وجمعت لك جموعا عظيمة، وهم يزعمون أن نبيهم الذى بعث إليهم أخبرهم أنهم يظهرون على أهل هذه البلاد، وقد جاؤك وهم لا يشكون أن هذا يكون، وجاؤك بأبنائهم ونسائهم تصديقا لمقالة نبيهم، يقولون: لو دخلناها وافتتحناها نزلناها بأولادنا ونسائنا. فقال هرقل: ذلك أشد لشوكتهم، إذا قاتل القوم على تصديق ويقين فما أشد على من كابدهم أن يزيلهم أو يصدهم.\rقال: فجمع إليه أهل البلاد وأشراف الروم، ومن كان على دينه من العرب، فقال: يا أهل هذا الدين، إن الله قد كان إليكم محسنا، وكان لدينكم هذا معزا، وله ناصرا على الأمم الخالية، وعلى كسرى والمجوس، وعلى الترك الذين لا يعلمون، وعلى من سواهم من الأمم كلها، وذلك أنكم كنتم تعملون بكتاب ربكم وسنة نبيكم الذى كان أمره رشدا وفعله هدى، فلما بدلتم وغيرتم أطمع ذلك فيكم قوما، والله ما كنا نعبأ بهم ولا نخاف أن نبتلى بهم، وقد ساروا إليكم حفاة عراة جياعا، اضطرهم إلى بلادكم قحط المطر وجدوبة الأرض وسوء الحال، فسيروا إليهم، فقاتلوهم عن دينكم وعن بلادكم وعن أبنائكم ونسائكم، وأنا شاخص عنكم وممدكم بالخيول والرجال، وقد أمرت عليكم أمراء، فاسمعوا لهم وأطيعوا، ثم خرج حتى أتى دمشق فقام مثل هذا المقام، وقال فيها مثل هذا المقال، ثم خرج حتى أتى حمص، ففعل مثل ذلك، ثم أتى أنطاكية، فأقام بها وبعث إلى الروم، فحشدهم إليه، فجاءه منهم ما لا يحصى عدده، ونفر إليه مقاتلتهم وشبابهم وأتباعهم، وأعظموا دخول العرب عليهم، وخافوا أن يسلبوا ملكهم.\rوأقبل أبو عبيدة حتى مروا بوادى القرى «٢» ، ثم أخذ على الحجر أرض صالح النبى","footnotes":"(١) راجع: ما ذكره ابن الجوزى فى المنتظم فى هذا الخبر (٤/ ١١٧) ، والطبرى فى تاريخه ٣/ ٣٩٢) .\r(٢) وادى القرى: من أعمال المدينة. انظر: الروض المعطار (٦٠٢) ، المغانم المطابة (٤٢٣) ، رحلة الناصرى (٣١٠) ، صبح الأعشى (٤/ ٢٩٢) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084247,"book_id":3509,"shamela_page_id":810,"part":"2","page_num":181,"sequence_num":810,"body":"صلى الله عليه وسلم، ثم على ذات المنار «١» ، ثم على زبرا «٢» ، ثم ساروا إلى مؤب «٣» بعمان، فخرج إليهم الروم، فلم يلبثهم المسلمون أن هزموهم حتى دخلوا مدينتهم، فحاصروهم فيها، وصالح أهل مؤب عليها، فكانت أول مدائن الشام صالح أهلها، ثم سار أبو عبيدة حتى إذا دنا من الجابية «٤» أتاه آت فخبره أن هرقل بأنطاكية، وأنه قد جمع لكم من الجموع ما لم يجمعه أحد كان قبله من آبائه لأحد من الأمم قبلكم، فكتب أبو عبيدة إلى أبى بكر رضى الله عنهما:\rبسم الله الرحمن الرحيم. لعبد الله أبى بكر، خليفة رسول الله ﷺ، من أبى عبيدة بن الجراح، سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو. أما بعد، فإنا نسأل الله أن يعز الإسلام وأهله عزا مبينا، وأن يفتح لهم فتحا يسيرا، فإنه بلغنى أن هرقل ملك الروم، نزل قرية من قرى الشام تدعى بأنطاكية، وأنه بعث إلى أهل مملكته فحشدهم إليه، وإنهم نفروا إليه على الصعب والذلول، وقد رأيت أن أعلمك ذلك فترى فيه رأيك، والسلام عليك ورحمة الله تعالى.\rفكتب إليه أبو بكر: بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد، فقد بلغنى كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه من أمر هرقل ملك الروم، فأما منزله بأنطاكية فهزيمة له ولأصحابه، وفتح من الله عليك وعلى المسلمين، وأما حشده أهل مملكته وجمعه لكم الجموع، فإن ذلك ما قد كنا وكنتم تعلمون أنه سيكون منهم، ما كان قوم ليدعوا سلطانهم ولا ليخرجوا من مملكتهم بغير قتال، ولقد علمت والحمد لله أن قد غزاهم رجال كثير من المسلمين يحبون الموت حب عدوهم الحياة، يحتسبون من الله فى قتالهم الأجر العظيم، ويحبون الجهاد فى سبيل الله أشد من حبهم أبكار نسائهم وعقائل أموالهم، الرجل منهم عند الهيج خير من ألف رجل من المشركين، فالقهم بجندك، ولا تستوحش لمن غاب من المسلمين، فإن الله تعالى ذكره معك، وأنا مع ذلك ممدك بالرجال بعد الرجال حتى تكتفى ولا تريد أن تزداد، والسلام عليك. وبعث بهذا الكتاب مع دارم العبسى.","footnotes":"(١) ذات المنار: موضع فى أول بادية الشام مما يلى الحجاز. انظر: الروض المعطار (٥١٧) .\r(٢) الزبرا: المكان المرتفع من الأرض، ويقصد: أحد أماكن البلقاء فى الأردن.\r(٣) مؤب: من قرى الشام من أرض البلقاء، ذكرها ابن الحميرى فى الروض المعطار (٥١٧) ، وذكر قصة خروج أبى عبيدة.\r(٤) الجابية: بالشام، وقال البكرى: هى قنسرين، وبين الجابية ومنبج أربعة فراسخ، ومن حلب إليها ستة فراسخ. انظر: الروض المعطار (١٥٣) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084248,"book_id":3509,"shamela_page_id":811,"part":"2","page_num":182,"sequence_num":811,"body":"وكتب يزيد بن أبى سفيان إلى أبى بكر ﵀: أما بعد، فإن هرقل ملك الروم لما بلغه مسيرنا إليه ألقى الله الرعب فى قلبه، فتحمل ونزل أنطاكية، وخلف أمراء من جنده على جند الشام، وأمرهم بقتالنا، وقد تيسروا لنا واستعدوا، وقد نبأنا مسالمة الشام أن هرقل استنفر أهل مملكته، وأنهم جاؤا يجرون الشوك والشجر، فمرنا بأمرك، وعجل علينا فى ذلك برأيك، نتبعه، نسأل الله النصر والصبر والفتح وعافية المسلمين، والسلام عليك.\rوبعث بهذا الكتاب مع عبد الله بن قرط الثمالى، فقال له أبو بكر لما قدم عليه:\rأخبرنى خبر الناس، قال: المسلمون بخير، قد دخلوا أدنى أرض الشام، ورعب أهلها منهم، وذكر لنا أن الروم قد جمعت لنا جموعا عظاما، ولم نلق عدونا بعد، ونحن فى كل يوم نتوكف لقاء العدو أو نتوقعه، وإن لم تأتنا جيوش من قبل هرقل، فليست الشام بشىء. فقال له أبو بكر ﵀: صدقتنى الخبر، فقال: وما لى لا أصدقك، ويحل لى الكذب، ويصلح لمثلى أن يكذب مثلك، ولو كذبت فى هذا لم أخن إلا أمانتى وأخن ربى وأخن المسلمين. قال أبو بكر: معاذ الله، لست من أولئك، وكتب حينئذ معه بهذا الكتاب: أما بعد، فقد بلغنى كتابك، تذكر فيه تحول ملك الروم إلى أنطاكية «١» ، وإلقاء الله الرعب فى قلبه من جموع المسلمين، فإن الله ﵎، وله الحمد قد نصرنا ونحن مع رسول الله ﷺ، بالرعب، وأيدنا بملائكته الكرام، وإن ذلك الدين الذى نصرنا الله فيه بالرعب هو هذا الدين الذى ندعو الناس إليه اليوم، فو ربك لا يجعل الله المسلمين كالمجرمين، ولا من يشهد أنه لا إله غيره كمن يعبد معه آلهة أخرى ويدين بعبادة آلهة شتى، فإذا لقيتهم فانبذ إليهم بمن معك وقاتلهم، فإن الله لن يخذلك، وقد نبأنا الله أن الفئة القليلة منا تغلب الفئة الكثيرة بإذن الله، وأنا مع ما هنالك ممدكم بالرجال فى أثر الرجال حتى تكتفوا ولا تحتاجوا إلى زيادة إنسان إن شاء الله، والسلام.\rولما رد أبو بكر رضى الله عنه، عبد الله بن قرط «٢» بهذا الكتاب إلى يزيد، قال له:","footnotes":"(١) أنطاكية: بتخفيف الياء، مدينة عظيمة على ساحل البحر، قالوا: وكل شىء عند العرب من قبل الشام فهو أنطاكية، ويقال: ليس فى أرض الإسلام ولا أرض الروم مثلها. انظر: الروض المعطار (٣٨- ٣٩) ، نزهة المشتاق (١٩٥) ، صبح الأعشى (٤/ ١٢٩) .\r(٢) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (١٦٥٢) ، الإصابة الترجمة رقم (٤٩٠٨) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٣١٢٦) ، الجرح والتعديل (٥/ ١٠٤) ، تجريد أسماء الصحابة (١/ ٣٢٩) ، تهذيب الكمال (٢/ ٧٢٤) ، التاريخ الكبير (٥/ ٣٤) ، تهذيب التهذيب (٥/ ٣٦١) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084249,"book_id":3509,"shamela_page_id":812,"part":"2","page_num":183,"sequence_num":812,"body":"أخبره والمسلمين أن مدد المسلمين آتيهم مع هاشم بن عتبة وسعيد بن عامر بن حذيم.\rفخرج عبد الله بكتابه حتى قدم به على يزيد، وقرأه على المسلمين، فتباشروا به، وفرحوا.\rثم إن أبا بكر رضى الله عنه، دعا هاشم بن عتبة «١» ، فقال له: يا هاشم، إن من سعادة جدك ووفاء حظك أنك أصبحت ممن تستعين به الأمة على جهاد عدوها من المشركين، وممن يثق الوالى بنصيحته وصحته وعفافه، وبأسه، وقد بعث إلى المسلمون يستنصرون على عدوهم من الكفار، فسر إليهم فيمن يتبعك، فإنى نادب الناس معك، فاخرج حتى تقدم على أبى عبيدة.\rثم قام أبو بكر فى الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإن إخوانكم من المسلمين معافون مكلوؤون، مدفوع عنهم، مصنوع لهم، قد ألقى الله جل ثناؤه الرعب منهم فى قلوب عدوهم، فقد استعصموا بحصونهم وأغلقوا أبوابها دونهم، وقد جاءتنى رسلهم يخبروننى بهرب هرقل ملك الروم من بين أيديهم حتى نزل قرية من أقصى قرى الشام، وأنه وجه إليهم جندا من مكانه ذلك، فرأيت أن أمد إخوانكم بجند منكم يشد الله بهم ظهورهم، ويكبت به عدوهم، ويلقى به الرعب فى قلوبهم، فانتدبوا رحمكم الله، مع هاشم بن عتبة بن أبى وقاص، واحتسبوا فى ذلك الأجر والخير، فإنكم إن نصرتم فهو الفتح والغنيمة، وإن هلكتم فهى الشهادة والكرامة.\rثم انصرف إلى منزله، ومال الناس على هاشم حتى كثروا عليه، فلما تموا ألفا أمره أبو بكر ﵀، أن يسير، فسلم عليه وودعه، وقال له أبو بكر: يا هاشم، إنما كنا ننتفع من الشيخ الكبير برأيه ومشورته وحسن تدبيره، وكنا ننتفع من الشاب بصبره وبأسه ونجدته، وإن الله تعالى قد جمع لك تلك الخصال كلها، وأنت حديث السن مستقبل الخير، فإذا لقيت عدوك فاصبر وصابر، واعلم أنك لا تخطو خطوة ولا تنفق ولا يصيبك ظمأ ولا نصب ولا مخمصة فى سبيل الله إلا كتب الله لك بذلك عملا صالحا، إن الله لا يضيع أجر المحسنين. فقال: إن يرد الله بى خيرا يجعلنى كذلك، وأنا أفعل، ولا قوة إلا بالله، أما أنا فأرجو إن لم أقتل أن أقتل ثم أقتل ثم أقتل!.","footnotes":"(١) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٢٧٢٩) ، الإصابة الترجمة رقم (٥٣٢٨) ، طبقات الخليفة (٨٣١) ، تاريخ بغداد (١/ ١٩٦) ، مرآة الجنان (١/ ١٠١) ، العقد الثمين (٧/ ٣٥٩) ، شذرات الذهب (١/ ٤٦) ، العبر (١/ ٣٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084250,"book_id":3509,"shamela_page_id":813,"part":"2","page_num":184,"sequence_num":813,"body":"فقال له عمه سعد بن أبى وقاص: يا ابن أخى لا تطعنن طعنة ولا تضربن ضربة إلا وأنت تريد بها وجه الله، واعلم أنك خارج من الدنيا وشيكا، وراجع إلى الله قريبا، ولن يصحبك من الدنيا إلى الآخرة إلا قدم صدق قدمته، وعمل صالح أسلفته، فقال: يا عم، لا تخافن هذه منى، إنى إذا لمن الخاسرين إن جعلت حلى وارتحالى وغدوى ورواحى وسعى وإجلابى، وطعنى برمحى وضربى بسيفى رياء للناس.\rثم خرج من عند أبى بكر رضى الله عنه، فلزم طريق أبى عبيدة حتى قدم عليه، فسر المسلمون بقدومه وتباشروا به.\rوبلغ سعيد بن عامر بن حذيم «١» أن أبا بكر يريد أن يبعثه، فلما أبطأ ذلك عليه، ومكث أياما لا يذكر له ذلك أتاه، فقال: يا أبا بكر، والله لقد بلغنى أنك كنت أردت أن تبعثنى فى هذا الوجه، ثم رأيتك قد سكت، فما أدرى ما بدا لك فىّ، فإن كنت تريد أن تبعث غيرى فابعثنى معه، فما أرضانى بذلك، وإن كنت لا تريد أن تبعث أحدا فإنى راغب فى الجهاد، فأذن لى يرحمك الله كيما ألحق بالمسلمين، فقد ذكر لى أن الروم جمعت لهم جمعا عظيما. فقال أبو بكر: رحمك أرحم الراحمين يا سعيد بن عامر، فإنك ما علمت من المتواضعين المتواصلين المخبتين المتهجدين بالأسحار، الذاكرين الله كثيرا.\rفقال له سعيد: رحمك الله، نعم الله علىّ أفضل، وله الطول والمن، وأنت والله ما علمت صدوع بالحق، قوام بالقسط، رحيم بالمؤمنين، شديد على الكافرين، تحكم بالعدل، ولا تستأثر فى القسم، فقال له: حسبك يا سعيد، حسبك، اخرج رحمك الله، فتجهز، فإنى مسرح إلى المسلمين جيشا وأؤمرك عليهم، فأمر بلالا فنادى فى الناس: أن انتدبوا أيها المسلمون مع سعيد بن عامر إلى الشام، فانتدب معه سبعمائة رجل فى أيام، فلما أراد سعيد الشخوص جاء بلال فقال: يا خليفة رسول الله، إن كنت إنما أعتقتنى لله تعالى لأملك نفسى وأصطرف فيما ينفعنى فخل سبيلى حتى أجاهد فى سبيل ربى، فإن الجهاد إلىّ أحب من المقام، قال أبو بكر: فإن الله يشهد أنى لم أعتقك إلا له، وأنى لا أريد منك جزاء ولا شكورا، فهذه الأرض ذات العرض، فاسلك أى فجاجها أحببت، فقال: كأنك أيها الصديق عتبت علىّ فى مقالتى ووجدت فى نفسك منها؟ قال: لا، والله ما وجدت فى نفسى من ذلك، وإنى لأحب أن لا تدع هواك لهواى ما دعاك","footnotes":"(١) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٩٩٣) ، الإصابة الترجمة رقم (٣٢٨٠) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٢٠٨٤) ، تجريد أسماء الصحابة (١/ ٢٢٣) ، الجرح والتعديل (٤/ ٢٠٥) . حلية الأولياء (١/ ٣٦٨) ، الوافى بالوفيات (١٥/ ٣٢٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084251,"book_id":3509,"shamela_page_id":814,"part":"2","page_num":185,"sequence_num":814,"body":"هواك إلى طاعة ربك، قال: فإن شئت أقمت معك، قال: أما إذا كان هواك الجهاد فلم أكن لآمرك بالمقام، وإنما أردتك للأذان، ولأجدن لفراقك وحشة يا بلال، ولا بد من التفرق فرقة لا التقاء بعدها حتى يوم البعث، فاعمل صالحا يا بلال، وليكن زادك من الدنيا ما يذكرك الله به ما حييت، ويحسن لك به الثواب إذا توفيت. فقال له بلال:\rجزاك الله من ولى نعمة وأخ فى الإسلام خيرا، فو الله ما أمرك لنا بالصبر على الحق والمداومة على العمل بالطاعة ببدع، وما كنت لأؤذن لأحد بعد النبى ﷺ، ثم خرج بلال مع سعيد بن عامر.\rوجاء سعيد على راحلته حتى وقف على أبى بكر والمسلمين، فقال له: إنا نؤم هذا الوجه، فجعله الله وجه بركة، اللهم فإن قضيت لنا التقاء فاجمعنا على طاعتك، وإن قضيت لنا الفرقة فإلى رحمتك، والسلام عليكم، ثم ولى يذهب. فقال أبو بكر: عباد الله، ادعوا الله كيما يصحب صاحبكم ويسلمه، ارفعوا أيديكم رحمكم الله، فرفع القوم أيديهم إلى ربهم وهم أكثر من خمسين رجلا، فقال على رضى الله عنه: ما رفع عدتكم من المسلمين أيديهم إلى ربهم يسألونه شيئا إلا استجاب لهم، ما لم يكن معصية أو قطيعة رحم، فبلغه ذلك بعدما واقع أرض الشام وقاتل العدو، فقال: رحم الله إخوانى، ليتهم لم يكونوا دعوا لى، قد كنت خرجت وإنى على الشهادة لحريص جاهد، فما هو إلا أن لقيت العدو فعصمنى الله من الهزيمة والفرار، وذهب من نفسى ما كنت أعرف من حب الشهادة، فلما خبرت أن أخوانى دعوا لى بالسلامة عرفت أنهم استجيب لهم.\rوكان أبو بكر أمره أن يلحق بيزيد بن أبى سفيان، فسار حتى لحق به، وشهد معه وقعة العربة والداثنة.\rوعن حمزة بن مالك الهمذانى أنه قدم فى جمع عظيم من همذان «١» على أبى بكر، ﵀، قال: فقدموا وهم ألفا رجل أو أكثر، فلما رأى أبو بكر عددهم وعدتهم سره ذلك، فقال: الحمد لله على صنيعه للمسلمين، ما يزال الله تعالى، يرتاج لهم بمدد من أنفسهم يشد به ظهورهم ويقصم به عدوهم، قال: ثم إن أبا بكر أمرنا فعسكرنا بالمدينة، وكنت أختلف إلى أبى بكر غدوة وعشية، وعنده رجال من المهاجرين والأنصار، فكان يلطفنى ويدنى مجلسى، ويقول لى: تعلم القرآن، وأسبغ الوضوء، وأحسن الركوع والسجود، وصل الصلاة لوقتها، وأد الزكاة فى حينها، وانصح المسلم، وفارق المشرك،","footnotes":"(١) همذان: بالذال المعجمة، مدينة من عراق العجم من كور الجبل. انظر: الروض المعطار (٥٩٦) ، نزهة المشتاق (٢٠٣) ، اليعقوبى (٢٧٢) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084252,"book_id":3509,"shamela_page_id":815,"part":"2","page_num":186,"sequence_num":815,"body":"واحضر البأس يوم البأس. فقلت: والله لأجهدن أن لا أدع شيئا مما أمرتنى به إلا عملته، إنى لأعلم أنك قد اجتهدت لى فى النصيحة، وأبلغت فى الموعظة، ثم إنه خرج إلى عسكرنا وأمرنا أن نتيسر ونتجهز ونشترى حوائجنا، ثم نعجل على أصحابنا، فتحثحثنا لذلك وعجلنا بالجهاز، فلما فرغنا وعلم ذلك بعث إلى فقال: يا أخا همذان، إنك شريف بئيس ذو عشيرة، فأحضرهم البأس، ولا تؤذ بهم الناس.\rقال: وكان معى رجال من أهل القرى من همذان، فيهم جهل وجفاء، وكانوا قد تأذى منهم أهل المدينة، فشكوا ذلك إلى أبى بكر، فقال أبو بكر: نشدتك الله امرأ مسلما سمع نشدى لما كف عن هؤلاء القوم، ومن رأى عليه حقا فليحتمل ذرب ألسنتهم، أو عجلة يكرهها منهم ما لم يبلغ ذلك الحد، إن الله تعالى، مهلك بهؤلاء وأشباههم غدا جموع هرقل والروم، وإنما هم إخوانكم، فلو أن أخا أحدكم فى دينه عجل عليه فى شىء ألم يكن أصوب فى الرأى وخيرا فى المعاد أن يحتمل له؟ قال المسلمون: بلى، قال: فهم إخوانكم فى الدين وأنصاركم على الأعداء، ولهم عليكم حق، فاحتملوا لهم ذلك، ثم نظر إلىّ فقال: ارتحل، ما تنتظر؟ فارتحلت وقد قلت له قبل أن نرتحل: علىّ أمير دونك؟ قال: نعم، هناك ثلاثة أمراء قد أمرناهم؟. فأيهم شئت فكن معه، فلما لحقت بالمسلمين سألتهم: أى الأمراء أفضل وأيهم كان أفضل عند النبى ﷺ، صحبة؟ فقيل: أبو عبيدة بن الجراح، فقلت فى نفسى: والله لا أعدل بهذا أحدا، فجئت حتى أتيت أبا عبيدة ثم قصصت عليه قصة مخرجى ومقدمى على أبى بكر، وما كان من أمرى وأمر أصحابى بالمدينة، وبمقدمى عليه واختيارى له، فقال: بارك الله لك فى إسلامك وجهادك وقدومك علينا، وبارك لنا فيك وفيمن قدمت به علينا من المسلمين.\rوقال عمرو بن محصن «١» : لم يكن أبو بكر ﵀، يسأم توجيه الجنود إلى الشام، وإمداد الأمراء الذين بعث إليها بالرجال بعد الرجال، إرادة إعزاز أهل الإسلام وإذلال أهل الشرك.\rوعن أبى سعيد المقبرى قال: لما بلغ أبا بكر ﵀، جمع الأعاجم لم يكن شىء أعجب إليه من قدوم المجاهدين عليه من أرض العرب، فكانوا كلما قدموا عليه سرح الأول فالأول، فقدم عليه فيمن قدم أبو الأعور السلمى، فدخل عليه فقال: إنا جئناك من غير قحمة ولا عدم، فإن شئت أقمنا معك مرابطين، وإن شئت وجهتنا إلى عدوك","footnotes":"(١) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (١٩٧٤) ، الإصابة الترجمة رقم (٥٩٧٠) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٤٠٢١) ، تجريد أسماء الصحابة (١/ ٤١٧) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084253,"book_id":3509,"shamela_page_id":816,"part":"2","page_num":187,"sequence_num":816,"body":"المشركين، فقال له أبو بكر: لا، بل تجاهدون الكافرين، وتواسون المسلمين، فبعثه، فسار حتى قدم على أبى عبيدة.\rثم قدم على أبى بكر رضى الله عنه، معن بن يزيد بن الأخنس السلمى فى رجال من بنى سليم، نحو من مائة، فقال أبو بكر: لو كان هؤلاء أكثر مما هم لأمضيناهم، فقال له عمر: والله لو كانوا عشرة لرأيت لك أن تمد بهم إخوانهم، أى والله، وأرى أن تمدهم بالرجال الواحد إذا كان ذا جزاء وغناء.\rفقال حبيب بن مسلمة الفهرى: عندى نحو من عدتهم رجال من أبناء القبائل ذوو رغبة فى الجهاد، فأخرجنا وهؤلاء جميعا يا خليفة رسول الله، ثم ابعثنا. فقال له: أما الآن فاخرج بهم جميعا حتى تقدم بهم على إخوانهم.\rفخرج فعسكر معهم، ثم جمع أصحابه إليهم، ثم مضى بهم حتى قدم على يزيد بن أبى سفيان.\rقال: واجتمعت رجال من كعب وأسلم وغفار ومزينة نحو من مائتين، فأتوا أبا بكر رضى الله عنه، فقالوا: ابعث علينا رجلا، وسرحنا إلى إخواننا، فبعث عليهم الضحاك بن قيس، فسار حتى أتى يزيد، فنزل معه.\rوعن سعيد بن يزيد بن عمرو بن نفيل قال: لما رأى أهل مدائن الشام أن العرب قد جاشت عليهم من كل وجه، وكثرة جموعهم، بعثوا الرسل إلى ملكهم يعلمونه ذلك ويسألونه المدد، فكتب إليهم: إنى قد عجبت لكم حين تستمدوننى وحين تكثرون علىّ عدة من جاءكم، وأنا أعلم بكم وبمن جاءكم منهم، ولأهل مدينة واحدة من مدائنكم أكثر ممن جاءكم منهم أضعافا، فالقوهم فقاتلوهم ولا تحسبوا أنى كتبت إليكم بهذا وأنا لا أريد أن أمدكم، لأبعثن إليكم من الجنود ما تضيق به الأرض الفضاء.\rوكانت مدائن أهل الشام من الروم قد أرسلوا إلى كل من كان على دينهم من العرب فأطمعهم أكثرهم فى النصر، ومنهم من حمى للعرب، فكان ظهور العرب أحب إليه، وذلك من لم يكن فى دينه راسخا منهم، وبلغ خبرهم وتراسلهم أبا عبيدة بن الجراح، فكتب إلى أبى بكر رضى الله عنهما: بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد، فالحمد لله الذى أعزنا بالإسلام، وكرمنا بالإيمان، وهدانا لما اختلف فيه المختلفون من الحق بإذنه، إنه يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم، وإن عيونى من أنباط الشام نبئونى أن أول أمداد ملك الروم قد وقعوا إليه، وأن أهل مدائن الشام بعثوا رسلهم إليه يستمدونه، وأنه كتب","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084254,"book_id":3509,"shamela_page_id":817,"part":"2","page_num":188,"sequence_num":817,"body":"إليهم: أن أهل مدينة من مدائنكم أكثر ممن قدم عليكم من عدوكم، فانهضوا إليهم فقاتلوهم، فإن مددى من ورائكم، فهذا ما بلغنا عنهم، وأنفس المسلمين طيبة بقتالهم، وقد خبرنا أنهم تيسروا لقتالنا، فأنزل الله على المسلمين نصره، وعلى عدوهم رجزه، إنه بما يعملون عليم، والسلام.\rقال: فجمع أبو بكر ﵀، أشراف قريش من المهاجرين وغيرهم من أهل مكة، ثم دعا بأشراف الأنصار وذوى السابقة منهم، فقال عمر: لأى شىء دعوت بهؤلاء؟\rفقال: لأستشيرهم فى هذا الأمر الذى كتب إلينا فيه أبو عبيدة. قال له: أما المهاجرين والأنصار فأهل الاستنصاح والمشورة، وأما رجال أهل مكة الذين كنا نقاتلهم لتكون كلمة الله هى العليا ويقاتلوننا ليطفئوا نور الله بأفواههم جاهدين على قتالنا، إن قلنا ليس مع الله آلهة، قالوا: مع الله آلهة أخرى، فلما أعز الله دعوتنا وصدق أحدوثتنا ونصرنا عليهم أردنا أن نقدمهم فى الأمور ونستشيرهم فيها ونستنصحهم وندنيهم دون من هو خير منهم، ما أنصفنا إذا نصحاؤنا الذين كانوا يقاتلونهم فى الله حين نقدمهم دونهم، ولا نراهم وضعهم عندنا إذا جهادهم إيانا وجهدهم علينا، لا والله لا نفعل ذلك أبدا.\rفقال أبو بكر رضى الله عنه: قد كنت أردت إدناءهم وإنزالهم منا بالمنازل التى كانوا بها فى قومهم من الشرف، فأما الآن حيث ذكرت ما ذكرت، فو الله ما أرى الرأى فى هذا إلا رأيك، فبلغ ذلك أشراف قريش أولئك، فشق عليهم.\rوقال الحارث بن هشام: إن عمر كان فى شدته علينا قبل أن هدانا الله للإسلام مصيبا، فأما الآن حيث هدانا الله فلا نراه فى شدته علينا إلا قاطعا.\rثم خرج هو وسهيل بن عمرو «١» مع عكرمة بن أبى جهل فى رجال من أشراف قريش حتى أتوا أبا بكر ﵀، وعنده عمر، فقال الحارث: يا عمر، إنك قد كنت فى شدتك علينا قبل الإسلام مصيبا، فأما الآن وقد هدانا الله لدينه فما نراك إلا قاطعا، ثم جثا سهيل بن عمرو على ركبتيه وقال: إياك يا عمر نخاطب، وعليك نعتب، فأما خليفة رسول الله ﷺ، فبرىء عندنا من الضغن والحقد والقطيعة، ألسنا إخوانكم فى الإسلام، وبنى أبيكم فى النسب، أفإنكم إن كان الله قدم لكم فى هذا الأمر قدما صالحا لم نؤت مثله قاطعون قرابتنا ومستهينون بحقنا، ثم قال لهم عكرمة: أما إنكم وإن كنتم","footnotes":"(١) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (١١٠) ، الإصابة الترجمة رقم (٣٥٨٤) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٢٣٢٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084255,"book_id":3509,"shamela_page_id":818,"part":"2","page_num":189,"sequence_num":818,"body":"تجدون فى عداوتنا قبل اليوم مقالا فلستم اليوم بأشد على من ترك هذا الدين، ولا أعدى منا. فقال لهم عمر رضى الله عن جميعهم، والله ما قلت الذى بلغكم إلا نصيحة لمن سبقكم بالإسلام، وتحريا للعدل فيما بينكم وبين من هو أفضل منكم.\rقال سهيل: فإن كنتم إنما فضلتمونا بالجهاد فى سبيل الله، فو الله لنستكثرن منه، أشهدكم أنى حبيس فى سبيل الله.\rوقال الحارث بن هشام: وأنا أشهدكم أنى حبيس فى سبيل الله، والله لأنفقن مكان كل نفقة أنفقتها على حرب رسول الله ﷺ، نفقتين فى سبيل الله، ولأنفقن مكان كل موقف وقفته على رسول الله ﷺ، موقفين على أعداء الله. وقال عكرمة: وأنا أشهدكم أنى حبيس فى سبيل الله.\rفقال أبو بكر رضى الله عنه: اللهم أبلغ بهم أفضل ما يأملون، واجزهم بأحسن ما يعملون، فقد أصبتم فيما صنعتم، فأرشدكم الله. فلما خرجوا من عنده أقبل سهيل على أصحابه، وكان شريفا عاقلا، فقال لهم: لا تجزعوا مما ترون، فإنهم دعوا ودعينا، فأجابوا وأبطأنا، ولو ترون فضائل من سبقكم إلى الإسلام عند الله عليكم ما نفعكم عيش، وما من أعمال الله عمل أفضل من الجهاد فى سبيل الله، فانطلقوا حتى تكونوا بين المسلمين وبين عدوهم، فتجاهدوهم دونهم حتى تموتوا، فلعلنا أن نبلغ فضل المجاهدين، فخرجوا حينئذ إلى جهاد الروم. قال: فبلغنى أنهم ماتوا مقترنين بين المسلمين وبين الروم، رضى الله عنهم.\rثم دعا أبو بكر، عمرو بن العاص، فقال: يا عمرو، هؤلاء أشراف قومك يخرجون مجاهدين، فاخرج فعسكر حتى أندب الناس معك، فقال: يا خليفة رسول الله، ألست أنا الوالى على الناس؟ قال: نعم، أنت الوالى على من أبعثه معك من هاهنا، قال: لا، بل وال على من أقدم عليه من المسلمين، قال: لا، ولكنك أحد الأمراء، فإن جمعتكم حرب فأبو عبيدة أميركم، فسكت عنه، ثم خرج فعسكر، واجتمع إليه ناس كثير، وكان معه أشراف قريش أولئك، فلما حضر خروجه جاء إلى عمر، فقال: يا أبا حفص، إنك قد عرفت بصرى بالحرب، وتيمن نقيبتى فى الغزو، وقد رأيت منزلتى عند رسول الله ﷺ، وقد علمت أن أبا بكر ليس يعصيك، فأشر عليه أن يولينى أمر هذه الجنود التى بالشام، فإنى أرجو أن يفتح الله على يدى هذه البلاد، وأن يريكم والمسلمين من ذلك ما تسرون به.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084256,"book_id":3509,"shamela_page_id":819,"part":"2","page_num":190,"sequence_num":819,"body":"فقال له عمر: لا أكذبك، ما كنت لأكلمه فى ذلك، لأنه لا يوافقنى أن يبعثك على أبى عبيدة، وأبو عبيدة أفضل منزلة عندنا منك، قال: فإنه لا ينقص أبا عبيدة شيئا من فضله أن ألى عليه، فقال له: ويحك يا عمرو، إنك والله ما تطلب بهذه الرياسة إلا شرف الدنيا، فاتق الله ولا تطلب بشىء من سعيك إلا وجه الله، واخرج فى هذا الجيش، فإنك إن يكن عليك أمير فى هذه المرة فما أسرع ما تكون إن شاء الله أميرا ليس فوقك أحد، فقال: قد رضيت.\rفخرج واستتب له المسير، فلما أراد الشخوص خرج معه أبو بكر يشيعه، وقال: يا عمرو، إنك ذو رأى وتجربة للأمور، وبصر بالحرب، وقد خرجت فى أشراف قومك، ورجال من صالحاء المسلمين، وأنت قادم على إخوانك فلا تألوهم نصيحة ولا تدخر عنهم صالح مشورة، فرب رأى لك محمود فى الحرب، مبارك فى عواقب الأمور. فقال له عمرو: ما أخلق أن أصدق ظنك ولأفنك رأيك، ثم ودعه وانصرف عنه، فقدم الشام، فعظم غناؤه وبلاؤه عند المسلمين.\rوكتب أبو بكر ﵀، إلى أبى عبيدة: أما بعد، فقد جاءنى كتابك تذكر فيه تيسر عدوكم لمواقعتكم، وما كتب به إليهم ملكهم من عدته إياهم أن يمدهم من الجنود بما تضيق به الأرض الفضاء، ولعمر الله لقد أصبحت الأرض ضيقة عليه برحبها، وايم الله ما أنا بيائس أن تزيلوه من مكانه الذى هو به عاجلا إن شاء الله تعالى، فبث خيلك فى القرى والسواد، وضيق عليهم بقطع الميرة، ولا تحاصر المدائن حتى يأتيك أمرى، فإن ناهضوك فانهض إليهم، واستعن بالله عليهم، فإنه ليس يأتيهم مدد إلا أمددناكم بمثلهم أو ضعفهم، وليس بكم والحمد لله قلة ولا ذلة، ولأعرفن ما جبنتم عنهم، فإن الله فاتح لكم، ومظهركم على عدوكم، ومعزكم بالنصر، وملتمس منكم الشكر، لينظر كيف تعملون، وعمرو فأوصيك به خيرا، فقد أوصيته أن لا يضيع لك حقا، والسلام عليك.\rوجاء عمرو بالناس حتى نزل بأبى عبيدة، وكان عمرو فى مسيره ذلك إلى الشام، فيما حدث به عمرو بن شعيب، يستنفر من مر بهم من الأعراب، قال: فتبعه منهم ناس كثير، فلما اجتمعوا هم ومن كان قدم بهم معه من المدينة، كانوا نحوا من ألفين، فلما قدم بهم على أبى عبيدة سر بهم هو والناس الذين معه، واستأنس بهم، وكان عمرو ذا رأى فى الحرب وبصر بالأشياء، فقال له أبو عبيدة: أبا عبد الله، رب يوم شهدته فبورك للمسلمين فيه برأيك ومحضرك، إنما أنا رجل منكم، لست وإن كنت الوالى عليكم بقاطع","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084257,"book_id":3509,"shamela_page_id":820,"part":"2","page_num":191,"sequence_num":820,"body":"أمرا دونكم، فأحضرنى رأيك فى كل يوم بما ترى، فإنه ليس بى عنكم غنى. فقال له:\rأفعل، والله يوفقك لما يصلح المسلمين.\rوقال سهل بن سعد: ما زال أبو بكر رحمه الله تعالى، يبعث الأمراء إلى الشام، أميرا أميرا، ويبعث القبائل، قبيلة قبيلة، حتى ظن أنهم قد اكتفوا، وأنهم لا يريدون أن يزدادوا رجلا.\rوذكر أبو جعفر الطبرى «١» ، عن محمد بن إسحاق: أن تجهيز أبى بكر الجيوش إلى الشام كان بعد قفوله من الحج سنة اثنتى عشرة، وأنه حينئذ بعث عمرو بن العاص قبل فلسطين.\rوذكر فى تولية أبى بكر خالد بن سعيد بن العاص جند الشام، وتأخيره عن ذلك قبل نفوذه نحوا مما تقدم.\rوذكر أيضا من طريق آخر أن توليته إياه إنما كان على ربع من ذلك الجند.\rوقيل: إن أبا بكر رضى الله عنه، جعله ردآ بتيماء، وأمره أن لا يبرحها، وأن يدعو من حوله بالانضمام إليه، وأن لا يقبل إلا ممن لم يرتد، ولا يقاتل إلا من قاتله حتى يأتيه أمره. فأقام، فاجتمعت إليه جموع كثيرة، وبلغ الروم عظيم ذلك العسكر، فضربوا على العرب الضاحية بالشام البعوث إليهم، فكتب خالد بن سعيد بذلك إلى أبى بكر، فكتب إليه أبو بكر، رضى الله عنه: أن أقدم ولا تحجم واستنصر الله «٢» .\rفصار إليهم خالد، فلما دنا منهم تفرقوا وأعروا منزلهم، فنزله ودخل من كان تجمع له فى الإسلام. وكتب بذلك إلى أبى بكر، فكتب إليه أبو بكر رضى الله عنه: أقدم ولا تقتحمن حتى لا تؤتى من خلفك. فسار فيمن كان خرج معه من تيماء وفيمن لحق به من طرف الرمل، فسار إليه بطريق من بطارقة الروم، يدعى باهان، فهزمه وفل جنده، وكتب بذلك إلى أبى بكر، واستمده، وقد قدم على أبى بكر أوائل مستنفرى اليمن، ومن بين مكة واليمن، فساروا فقدموا على خالد بن سعيد، وعند ذلك اهتاج أبو بكر للشام وعناه أمره.\rوقد كان أبو بكر رد عمرو بن العاص على عمالته التى كان رسول الله ﷺ، ولاه","footnotes":"(١) انظر: تاريخ الطبرى (٣/ ٣٨٧) .\r(٢) انظر: تاريخ الطبرى (٣/ ٣٨٨- ٣٨٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084258,"book_id":3509,"shamela_page_id":821,"part":"2","page_num":192,"sequence_num":821,"body":"إياها من صدقات سعد وعذرة وما كان معها قبل ذهابه إلى عمان، فخرج إلى عمان من عند رسول الله ﷺ، وهو على عدة من عمله إذا هو رجع، فأنجز له ذلك أبو بكر، ثم كتب إليه أبو بكر عند اهتياجه للشام: إنى كنت قد رددتك على العمل الذى كان رسول الله ﷺ، ولاكه مرة وسماه لك أخرى إذ بعثك إلى عمان إنجازا لموعد رسول الله ﷺ، فقد وليته ثم وليته، وقد أحببت أبا عبد الله أن أفرغك لما هو خير لك فى حياتك ومعادك منه، إلا أن يكون الذى أنت فيه أحب إليك. فكتب إليه عمرو: إنى سهم من سهام الإسلام، وأنت بعد الله الرامى بها، والجامع لها، فانظر أسرها وأحسنها وأفضلها فارم به شيئا إن جاءك من ناحية من النواحى «١» .\rوكتب أبو بكر رضى الله عنه، إلى الوليد بن عقبة بنحو ذلك، فأجابه بإيثار الجهاد.\rوعن أبى أمامة الباهلى «٢» ، قال: كنت ممن سرح أبو بكر رضى الله عنه، مع أبى عبيدة، وأوصانى به وأوصاه بى، فكانت أول وقعة بالشام يوم العربة، ثم يوم الداثنة، وليسا من الأيام العظام، خرج ستة قواد من الروم مع كل قائد خمسمائة، فكانوا ثلاثة آلاف، فأقبلوا حتى انتهوا إلى العربة، فبعث يزيد بن أبى سفيان إلى أبى عبيدة يعلمه، فبعثنى إليه فى خمسمائة، فلما أتيته بعث معى رجلا فى خمسمائة، فلما رأيناهم يعنى الروم وقوادهم أولئك، حملنا عليهم فهزمناهم وقتلنا قائدا من قوادهم، ثم مضوا واتبعناهم، فجمعوا لنا بالداثنة، فسرنا إليهم، فقدمنى يزيد وصاحبى فى عدتنا، فهزمناهم، فعند ذلك فزعوا واجتمعوا وأمدهم ملكهم.\rوذكر ابن إسحاق عن صالح بن كيسان أن عمرو بن العاص خرج حتى نزل بعمر العربات، ونزلت الروم بثنية جلق بأعلى فلسطين فى سبعين ألفا عليهم تذارق أخو هرقل لأبيه وأمه، فكتب عمرو إلى أبى بكر يستمده، وخرج خالد بن سعيد بن العاص وهو بمرج الصفر من أرض الشام فى يوم مطير يستمطر فيه فتعادى عليه أعلاج الروم فقتلوه، وقيل أتاهم أذريجا فى أربعة آلاف وهم غازون فاستشهد خالد بن سعيد وعدة من المسلمين.\rقال أبو جعفر الطبرى «٣» : قيل إن المقتول فى هذه الغزوة ابن لخالد بن سعيد، وأن خالدا انحاز حين قتل ابنه.","footnotes":"(١) انظر: تاريخ الطبرى (٣/ ٣٨٩) .\r(٢) اسمه: صدى بن عجلان. انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٢٨٨٢) ، الإصابة الترجمة رقم (٩٥٤٦) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٥٦٩٥) .\r(٣) انظر: تاريخ الطبرى (٣/ ٣٩١) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084259,"book_id":3509,"shamela_page_id":822,"part":"2","page_num":193,"sequence_num":822,"body":"وذكر سيف أن الوليد بن عقبة لما قدم على خالد بن سعيد فسانده، وقدمت جنود المسلمين الذين كان أبو بكر أمده بهم، وبلغه عن الأمراء، يعنى أمراء المسلمين الذين أمدهم أبو بكر، وتوجههم إليه، اقتحم على الروم طلب الحظوة، وأعرى ظهره، وبادر الأمراء لقتال الروم، واستطرد له باهان، فأرز هو ومن معه إلى دمشق، واقتحم خالد فى الجيش ومعه ذو الكلاع وعكرمة والوليد حتى ينزل المرج، مرج الصفر، ما بين الواقوصة ودمشق، فانطوت مسالح باهان عليه، وأخذوا عليه الطرق ولا يشعر، وزحف له باهان فوجد ابنه سعيد بن خالد يستمطر فى الناس، فقتلوهم. وأتى الخبر خالدا، فخرج هاربا فى جريدة خيل، ولم ينته بخالد الهزيمة عن ذى المروة، وأقام عكرمة فى الناس ردآ لهم، فرد عنهم باهان وجنوده أن يطلبوهم، وأقام من الشام على قريب.\rوذكر ابن إسحاق مسير الأمراء ومنازلهم، وأن يزيد بن أبى سفيان نزل البلقاء، ونزل شرحبيل بن حسنة الأردن، ويقال: بصرى، ونزل أبو عبيدة الجابية.\rوعن غير ابن إسحاق أنه لما نزل أبو عبيدة بالجابية كتب إلى أبى بكر الصديق رضى الله عنه، منها: أما بعد، فإن الروم وأهل البلد، ومن كان على دينهم من العرب قد أجمعوا على حرب المسلمين، ونحن نرجو النصر، وإنجاز موعود الرب ﵎، وعادته الحسنى، وأحببت إعلامك ذلك لترينا رأيك.\rفقال أبو بكر ﵀: والله لأنسين الروم وساوس الشيطان بخالد بن الوليد. وكان خالد إذ ذاك يلى حرب العراق، فكتب إليه أبو بكر:\rأما بعد، فدع العراق وخلف فيه أهله الذين قدمت عليهم وهم فيه، وامض متخفيا فى أهل القوة من أصحابك الذين قدموا معك العراق، من اليمامة، وصحبوك فى الطريق، وقدموا عليك من الحجاز، حتى تأتى الشام، فتلقى أبا عبيدة ومن معه من المسلمين، فإذا التقيتم فأنت أمير الجماعة، والسلام.\rويروى أنه كان فيما كتب إليه به: «أن سر حتى تأتى جموع المسلمين باليرموك، فإنهم قد شجوا وأشجوا، وإياك أن تعود لمثل ما فعلت، فإنه لم يشج الجموع بعون الله سبحانه، أحد من الناس إشجاءك، ولم ينزع الشجاء أحد من الناس نزعك، فلتهنئك أبا سليمان النعمة والحظوة، فأتمم يتمم الله لك، ولا يدخلنك عجب فتخسر وتخذل، وإياك أن تدل بعمل، فإن الله تعالى، له المن، وهو ولى الجزاء» «١» .","footnotes":"(١) انظر: تاريخ الطبرى (٣/ ٣٨٤- ٣٨٥) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084260,"book_id":3509,"shamela_page_id":823,"part":"2","page_num":194,"sequence_num":823,"body":"ووافى خالدا كتاب أبى بكر هذا وهو بالحيرة «١» ، منصرفا من حجة حجها مكتتما بها، وذلك أنه لما فرغ من إيقاعه بالروم ومن انضوى إليهم مغيثا لهم من مسالح فارس بالفراض، والفراض تخوم الشام والعراق والجزيرة، أقام بالفراض عشرا، ثم أذن بالقفل إلى الحيرة لخمس بقين من ذى القعدة، وأمر عاصم بن عمرو أن يسير بهم، وأمر شجرة بن الأعز أن يسوقهم، وأظهر خالد أنه فى الساقة.\rوخرج من الحيرة ومعه عدة من أصحابه يعتسف البلاد حتى أتى مكة بالسمت فتأتى له من ذلك ما لم يتأت لدليل ولا رئبال فسار طريقا من طريق الجزيرة، لم ير طريقا أعجب منه، فكانت غيبته عن الجند يسيرة، ما توافى إلى الحيرة آخرهم حتى وافاهم مع صاحب الساقة الذى وضعه، وقدما معا، وخالد وأصحابه محلقون، ولم يعلم بحجه إلا من أفضى إليه بذلك من الساقة، ولم يعلم أبو بكر ﵀، بذلك إلا بعد، فهو الذى يعنيه بما تقدم فى كتاب إليه من معاتبته إياه «٢» .\rوقدم على خالد بالكتاب عبد الرحمن بن حنبل الجمحى، فقال له خالد قبل أن قرأ كتابه: ما وراءك؟ فقال: خير، تسير إلى الشام. فشق عليه ذلك وقال: هذا عمل عمر، نفس علىّ أن يفتح الله على العراق.\rوكانت الفرس قد هابوه هيبة شديدة، وكان خالد إذا نزل بقوم من المشركين عذابا من عذاب الله عليهم، وليثا من الليوث.\rفلما قرأ كتاب أبى بكر ورأى أنه قد ولاه على أبى عبيدة وعلى الشام، كأن ذلك سخا بنفسه. وقال: أما إذ ولانى، فإن فى الشام من العراق خلفا، فقام إليه النسير بن ديسم العجلى، وكان من أشراف بنى عجل وفرسان بكر بن وائل، ومن رؤس أصحاب المثنى بن حارثة، فقال لخالد: أصلحك الله، والله ما جعل الله فى الشام من العراق خلفا، للعراق أكثر حنطة وشعيرا وديباجا وحريرا وفضة وذهبا، وأوسع سعة، وأعرض عرضا، والله ما الشام كله إلا كجانب من العراق، فكره المثنى مشورته عليه، وكان يحب أن يخرج عن العراق ويخليه وإياها.","footnotes":"(١) الحيرة: قال الهمدانى: سار تبع أبو كرب فى غزوته فلما أتى موضع الحيرة خلف هنالك مالك بن فهم بن غنم بن دوس على أثقاله وخلف معه من ثقل من أصحابه فى نحو اثنى عشر ألفا وقال: تحيروا هذا الموضع، فسمى الموضع الحيرة، فما لك أول ملوك الحيرة وأبوهم. وكانت الحيرة على ثلاثة أميال من الكوفة، والحيرة على النجف، والنجف كان على ساحل البحر الملح، وكان فى سالف الدهر يبلغ الحيرة. انظر: الروض المعطار (٢٠٧) .\r(٢) انظر: تاريخ الطبرى (٣/ ٣٨٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084261,"book_id":3509,"shamela_page_id":824,"part":"2","page_num":195,"sequence_num":824,"body":"فقال خالد: إن بالشام أهل الإسلام، وقد تهيأت لهم الروم وتيسرت، فإنما أنا مغيث وليس لهم مترك، فكونوا أنتم هاهنا على حالكم التى كنتم عليها، فإن نفرغ مما أشخصنا إليه عاجلا عجلنا إليكم، وإن أبطأت رجوت أن لا تعجزوا ولا تهنوا، وليس خليفة رسول الله بتارك إمدادكم بالرجال حتى يفتح الله عليكم هذه البلاد إن شاء الله تعالى.\rويروى أن أبا بكر أمر خالدا بالخروج فى شطر الناس، وأن يخلف على الشطر الثانى المثنى بن حارثة، وقال له: لا تأخذ مجدا إلا خلفت لهم مجدا، فإذا فتح الله عليكم فارددهم إلى العراق معهم، ثم أنت على عملك.\rوأحصى خالد أصحاب رسول الله ﷺ، فاستأثرهم على المثنى وترك للمثنى أعدادهم من أهل الغناء ممن لم يكن له صحبة، ثم نظر فيمن بقى فاختلج من كان قدم على النبى ﷺ، وافدا أو غير وافد، وترك للمثنى أعدادهم من أهل الغناء، ثم قسم الجند نصفين.\rفقال المثنى: والله لا أقيم إلا على إنفاذ أمر أبى بكر كله فى استصحاب نصف الصحابة، وإبقاء النصف أو بعض النصف، فو الله ما أرجو النصر إلا بهم، فأنى تعرينى منهم؟ فلما رأى ذلك خالد بعدما تلكأ عليه أعاضه منهم حتى رضى، وكان فيمن أعاضه منهم فرات بن حيان العجلى وبشير بن الخصاصية والحارث بن حسان الذهليان ومعبد بن أم معبد الأسلمى وبلال بن الحارث المزنى وعاصم بن عمرو التميمى، حتى إذا رضى المثنى وأخذ حاجته انحدر خالد فمضى لوجهه، وشيعه المثنى إلى قراقر، فقال له خالد: انصرف إلى سلطانك غير مقصر ولا ملوم ولا وان «١» .\rوذكر الطبرى «٢» أن خالدا ﵀، لما أراد المسير إلى الشام دعا بالأدلة فارتحل من الحيرة سائرا إلى دومة، ثم ظعن فى البر إلى قراقر، ثم قال: كيف لى بطريق أخرج فيه من وراء جموع الروم؟ فإنى إن استقبلتها حبستنى عن غياث المسلمين، فكلهم قال: لا نعرف إلا طريقا لا تحمل الجيوش، فإياك أن تغرر بالمسلمين، فعزم عليه، ولم يجبه إلى ذلك إلا رافع بن عميرة على تهيب شديد، فقام فيهم فقال: لا يختلفن هديكم ولا تضعفن تعبئتكم، واعلموا أن المعونة تأتى على قدر النية، والأجر على قدر الحسبة، وأن المسلم لا ينبغى له أن يكترث لشىء يقع فيه مع معونة الله له. فقالوا له: أنت رجل قد جمع الله لك الخير فشأنك، فطابقوه ونووا واحتسبوا.","footnotes":"(١) انظر: تاريخ الطبرى (٣/ ٤١١) .\r(٢) انظر: تاريخ الطبرى (٣/ ٤٠٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084262,"book_id":3509,"shamela_page_id":825,"part":"2","page_num":196,"sequence_num":825,"body":"وذكر غير الطبرى أن خالدا حين أراد المسير إلى الشام قال له محرز بن حريش، وكان يتجر بالحيرة، ويسافر إلى الشام: اجعل كوكب الصبح على حاجبك الأيمن، ثم أمه حتى تصبح، فإنك لا تجور. فجرب ذلك فوجده كذلك.\rثم أخذ فى السماوة حتى انتهى إلى قراقر ففوز من قراقر إلى سوى، وهما منزلان بينهما خمس ليال، فلم يهتدوا للطريق، فدل على رافع بن عميرة الطائى، فقال: خفف الأثقال واسلك هذه المفازة إن كنت فاعلا، فكره خالد أن يخلف أحدا، فقال: قد أتانى أمر لا بد من إنفاذه، وأن نكون جميعا. قال: فو الله إن الراكب المنفرد ليخافها على نفسه، ما يسلكها إلا مغررا، فكيف أنت بمن معك؟ قال: إنه لا بد من ذلك، فقد أتتنى عزيمة، قال: فمن استطاع منكم أن يصر أذن راحلته على ماء فليفعل، فإنها المهالك إلا ما وقى الله، ثم قال لخالد: ابغنى عشرين جزورا عظاما سمانا مسان. فأتاه بهن، فظمأهن حتى إذا أجهدهن عطشا سقاهن حتى أرواهن، ثم قطع مشافرهن، ثم كعمهن»\r، ثم قال لخالد: سر بالخيول والأثقال، فكلما نزل منزلا نحر من تلك الشرف أربعا فافتض ماءهن فسقاه الخيول، وشرب الناس مما تزودوا حتى إذا كان آخر ذلك قال خالد لرافع: ويحك ما عندك يا رافع؟ فقال: أدركك الرأى إن شاء الله، انظروا، هل تجدون شجرة؟ هو شج على ظهر الطريق، قالوا: لا، قال: إنا لله إذا والله هلكت وأهلكت، لا أبا لكم انظروا، فنظروا فوجدوها، فكبروا وكبر وقال: أحفروا فى أصلها، فاحتفروا، فوجدوا عينا، فشربوا وارتووا، فقال رافع: والله ما وردت هذا الماء قط إلا مرة مع أبى وأنا غلام.\rوقال راجز من المسلمين:\rلله در رافع أنى اهتدى ... فوز من قراقر إلى سوى\rأرضا إذا ما سارها الجيش بكى ... ما سارها من قبله إنس أرى\rلكن بأسباب متينات الهدى ... نكبها الله بنيات الردى «٢»\rوعن عبد الله بن قرط الثمالى قال: لما خرج خالد من عين التمر «٣» مقبلا إلى الشام كتب إلى المسلمين مع عمرو بن الطفيل بن عمرو الأزدى، وهو ابن ذى النور: أما بعد، فإن كتاب خليفة رسول الله ﷺ، أتانى، فأمرنى بالمسير إليكم، وقد شمرت وانكمشت، وكأن قد أظلت عليكم خيلى ورجالى، فأبشروا بإنجاز موعود الله، وحسن ثواب الله،","footnotes":"(١) كعمهن: أى شد أفواههن.\r(٢) انظر الأبيات فى: تاريخ الطبرى (٣/ ٤١٦) .\r(٣) راجع خبر عين التمر فى: المنتظم لابن الجوزى (٤/ ١٠٧) ، تاريخ الطبرى (٣/ ٣٧٦) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084263,"book_id":3509,"shamela_page_id":826,"part":"2","page_num":197,"sequence_num":826,"body":"عصمنا الله وإياكم باليقين، وأثابنا أحسن ثواب المجاهدين، والسلام عليكم.\rوكتب معه إلى أبى عبيدة: أما بعد، فإنى أسأل الله تعالى لنا ولك الأمن يوم الخوف والعصمة فى دار الدنيا من كل سوء، وقد أتانى كتاب خليفة رسول الله ﷺ، يأمرنى بالمسير إلى الشام، وبالقيام على جندها، والتوالى لأمرها، والله ما طلبت ذلك قط، ولا أردته، إذ وليته، فأنت على حالتك التى كنت لا نعصيك ولا نخالفك ولا نقطع أمرا دونك، فإنك سيد المسلمين، لا ننكر فضلك، ولا نستغنى عن رأيك، تمم الله ما بنا وبك من إحسان، ورحمنا وإياك من صلى النار، والسلام عليك ورحمة الله.\rقال: فلما قدم علينا عمرو بن الطفيل «١» ، قرأ كتاب خالد على الناس وهم بالجابية، ودفع إلى أبى عبيدة كتابه، فقرأه، فقال: بارك الله لخليفة رسول الله فيما رأى وحيى الله خالدا.\rقال: وشق على المسلمين أن ولى خالد على أبى عبيدة، ولم أره على أحد أشد منه على بنى سعيد بن العاص، وإنما كانوا متطوعين حبسوا أنفسهم فى سبيل الله حتى يظهر الله الإسلام. فأما أبو عبيدة فإنا لم نتبين فى وجهه ولا فى شىء من منطقة الكراهة لأمر خالد.\rوعن سهل بن سعد أن أبا بكر كتب إلى أبى عبيدة، رضى الله عنهما: أما بعد، فإنى قد وليت خالدا قتال العدو بالشام فلا تخالفه واسمع له وأطع أمره، فإنى لم أبعثه عليك أن لا تكون عندى خيرا منه، ولكنى ظننت أن له فطنة فى الحرب ليست لك، أراد الله بنا وبك خيرا، والسلام.\rثم إن خالدا خرج من عين التمر حتى أغار على بنى تغلب والنمر بالبسر فقتلهم، وهزمهم، وأصاب من أموالهم طرفا. قال: وإن رجلا منهم ليشرب من شراب له فى جفنة، وهو يقول:\rألا عللانى قبل جيش أبى بكر ... لعل منايانا قريب وما ندرى\rفما هو إلا أن فرغ من قوله، حتى شد عليه رجل من المسلمين فضرب عنقه، فإذا رأسه فى الجفنة.","footnotes":"(١) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (١٩٥١) ، الإصابة الترجمة رقم (٥٨٩٤) ، أسد الغابة الترجمة رقم (٣٩٦٧) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084264,"book_id":3509,"shamela_page_id":827,"part":"2","page_num":198,"sequence_num":827,"body":"وعن عدى بن حاتم قال «١» : غزونا، يعنى مع خالد، على أهل المصيخ، وإذا رجل من النمر يدعى حرقوص بن النعمان، حوله بنوه وامرأته، وبينهم جفنة من خمر، وهم عليها عكوف يقولون له: ومن يشرب هذه الساعة فى أعجاز الليل؟ فقال: اشربوا شرب وداع، فما أرى أن تشربوا خمرا بعدها أبدا، هذا خالد بالعين وقد بلغه جمعنا وليس بتاركنا:\rألا فاشربوا من قبل قاصمة الظهر ... وقبل انتقاض القوم بالعسكر الدثر\rوقبل منايانا المصيبة بالقدر ... لحين لعمرى لا يزيد ولا يحرى\rفسبق إليه وهو فى ذلك بعض الخيل، فضرب رأسه، فإذا هو فى جفنته، فأخذنا بناته وقتلنا بنيه.\rوفى كتاب سيف قال «٢» : ولما بلغ غسان خروج خالد على سوى وانتسافها، وإغارته على مصيخ بهراء وانتسافها، اجتمعوا بمرج راهط، وبلغ ذلك خالدا وقد خلف ثغور الشام وجنودها مما يلى العراق، فصار بينهم وبين اليرموك صمد لهم، فخرج من سوى بعدما رجع إليها بسبى بهراء فنزل علمين على الطريق، ثم نزل الكثيب، حتى سار إلى دمشق، ثم مرج الصفر، فلقى عليه غسان، وعليهم الحارث بن الأيهم، فانتسف عسكرهم ونزل بالمرج أياما، وبعث إلى أبى بكر بالأخماس، ثم خرج من المرج حتى نزل مياه بصرى، فكانت أول مدينة افتتحت بالشام على يدى خالد فيمن معه من جنود العراق، وخرج منها فوافى المسلمين بالواقوصة.\rوعن غير سيف أن خالدا أغار على غسان فى يوم فصحهم، فقتل وسبى، وخرج على أهل الغوطة حتى أغار عليهم، فقتل ما شاء وغنم، ثم إن العدو دخلوا دمشق فتحصنوا، وأقبل أبو عبيدة، وكان بالجابية مقيما، حتى نزل معه بالغوطة، فحاصر أهل دمشق.\rوعن قيس بن أبى حازم قال: كان خرج مع خالد من بجيلة وعظمهم أحمس نحو من مائتى رجل ومن طيئ نحو من مائة وخمسين.\rقال: وكان معنا المسيب بن نجيبة، فى نحو مائتى فارس من بنى ذبيان، وكان يعنى خالدا، فى نحو من ثلاثمائة من المهاجرين والأنصار، فكان أصحابه الذين دخلوا معه","footnotes":"(١) انظر: تاريخ الطبرى (٣/ ٣٨٢) .\r(٢) انظر: تاريخ الطبرى (٣/ ٤١٠- ٤١١) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084265,"book_id":3509,"shamela_page_id":828,"part":"2","page_num":199,"sequence_num":828,"body":"الشام ثمانمائة وخمسين رجلا كلهم ذو نية وبصيرة، لأنه كان يقحمهم أمورا يعلمون أنه لا يقوى على ذلك إلا كل قوى جلد، فأقبل بنا حتى مر بأركة، فأغار عليها، وأخذ الأموال، وتحصن منه أهلها، فلم يبارحهم حتى صالحهم.\rقال: ومر بتدمر «١» ، فتحصنوا منه، فأحاط بهم من كل جانب، وأخذهم من كل مأخذ، فلم يقدر عليهم، فلما لم يطقهم ترحل عنهم، وقال لهم حين أراد أن يرتحل، فيما روى عن عبد الله بن قرط: والله لو كنتم فى السحاب لاستنزلناكم وظهرنا عليكم، ما جئناكم إلا ونحن نعلم أنكم ستفتحون علينا، وإن أنتم لم تصالحوا هذه المرة لأرجعن إليكم لو قد انصرفت من وجهى هذا ثم لا أرحل عنكم حتى أقتل مقاتلتكم وأسبى ذراريكم.\rفلما فصل قال علماؤهم، واجتمعوا: إنا لا نرى هؤلاء القوم إلا الذين كنا نتحدث أنهم يظهرون علينا، فافتحوا لهم، فبعثوا إلى خالد فجاء، ففتحوا له وصالحوه.\rوعن سراقة بن عبد الأعلى بن سراقة: أن خالدا فى طريقه ذلك مر على حوران فهابوه، فتحرز أكثرهم منه، وأغار عليهم، فاستاق الأموال وقتل الرجال وأقام عليهم أياما، فبعثوا إلى ما حولهم ليمدوهم، فأمدوهم من مكانين: من بعلبك، وهى أرض دمشق، ومن قبل بصرى، وبصرى مدينة حوران، وهى من أرض دمشق أيضا.\rفلما رأى المددين قد أقبلا خرج فصف بالمسلمين، ثم تجرد فى مائتى فارس، فحمل على مدد بعلبك «٢» وهم أكثر من ألفين فما وقفوا حتى انهزموا، فدخلوا المدينة، ثم انصرف يوجف فى أصحابه وجيفا، حتى إذا كان بحذاء بصرى، وإنهم لأكثر من ألفين، حمل عليهم فما ثبتوا له فواقا حتى هزمهم، فدخلوا المدينة، وخرج أهل المدينة فرموا المسلمين بالنشاب، فانصرف عنهم خالد وأصحابه، حتى إذا كان من الغد خرجوا إليه ليقاتلوه، فعجزوا وأظهر الله عليهم المسلمين، فصالحوهم.\rوقال عمرو بن محصن: حدثنى علج من أهل حوران «٣» كان يشجع، قال: والله","footnotes":"(١) تدمر: من مدن الشام بالبرية، أولية يقال إن الجن بنتها لسليمان ﵇. ومن حلب إليها خمسة أيام وكذلك من دمشق إليها، وكذا من الرقة إليها، وكذا من الرحبة إليها. انظر: الروض المعطار (١٣١) ، معجم ما استعجم (١/ ٣٠٧) .\r(٢) بعلبك: مدينة بالشام بينها وبين دمشق فى جهة الشرق مرحلتان، وهى حصينة فى سفح جبل وعليها سور حصين بالحجارة. انظر: الروض المعطار (١٠٩) ، نزهة المشتاق (١١٦) .\r(٣) حوران: جبل بالشام، وحوران أيضا من أعمال دمشق، ومدينتها بصرى، تسير فى صحراء حوران عشرة فراسخ حتى تصل إلى مدينة بصرى. انظر: الروض المعطار (٢٠٦) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084266,"book_id":3509,"shamela_page_id":829,"part":"2","page_num":200,"sequence_num":829,"body":"لخرجنا إليهم بعد ما جاءنا مدد أهل بعلبك وأهل بصرى بيوم، فلخرجنا وإنا لأكثر من خالد وأصحابه بعشرة أضعافهم وأكثر، فما هو إلا أن دنونا منهم، فثاروا فى وجوهنا بالسيوف كأنهم الأسد، فانهزمنا أقبح الهزيمة، وقتلونا شر المقتلة، فما عدنا نخرج إليهم حتى صالحناهم، ولقد رأيت رجلا منا كنا نعده بألف رجل، قال: لئن رأيت أميرهم لأقتلنه، فلما رأى خالدا قيل له: هذا خالد أمير القوم، فحمل عليه، وإنا لنرجو لبأسه أن يقتله، فما هو إلا أن دنا منه، فضرب خالد فرسه، فقدمه عليه، ثم استعرض وجهه بالسيف فأطار قحف رأسه، ودخلنا مدينتنا، فما كان لنا هم إلا الصلح حتى صالحناهم.\rوعن قيس بن أبى حازم قال: كنت مع خالد حين مر بالشام، فأقبل حتى نزل بقناة بصرى من أرض حوران، وهى مدينتها، فلما نزلنا واطمأننا خرج إلينا الدرنجار «١» فى خمسة آلاف فارس من الروم، فأقبل إلينا وما يظن هو وأصحابه إلا أنا فى أكفهم، فخرج خالد فصفنا، ثم جعل على ميمنتنا رافع بن عميرة الطائى، وعلى ميسرتنا ضرار بن الأزور، وعلى الرجال عبد الرحمن بن حنبل الجمحى، وقسم خيله، فجعل على شطرها المسيب بن نجية، وعلى الشطر الآخر رجلا كان معه من بكر بن وائل، ولم يسمه، وأمرهما خالد حين قسم الخيل بينهما أن يرتفعا من فوق القوم عن يمين وشمال، ثم ينصبا على القوم، ففعلا ذلك، وأمرنا خالد أن نزحف إلى القلب، فزحفنا إليهم، والله ما نحن إلا ثمانمائة وخمسون رجلا، وأربعمائة رجل من مشجعة من قضاعة، استقبلنا بهم يعبوب رجل منهم، فكنا ألفا ومائتين ونيفا.\rقال: وكنا نظن أن الكثير من المشركين والقليل عند خالد سواء، لأنه كان لا يملأ صدره منهم شىء، ولا يبالى بمن لقى منهم لجرأته عليهم، فلما دنوا منا شدوا علينا شدتين، فلم نبرح، ثم إن خالدا نادى بصوت له جهورى شديد عال، فقال: يا أهل الإسلام، الشدة، الشدة، احملوا رحمكم الله، عليهم، فإنكم إن قاتلتموهم محتسبين بذلك وجه الله فليس لهم أن يواقفوكم ساعة، ثم إن خالدا شد عليهم، فشددنا معه، فو الله الذى لا إله إلا هو ما ثبتوا لنا فواقا حتى انهزموا، فقتلنا منهم فى المعركة مقتلة عظيمة، ثم اتبعناهم نكردهم «٢» ونصيب الطرف منهم، ونقطعهم عن أصحابهم، ثم نقتلهم، فلم نزل كذلك حتى انتهينا إلى مدينة بصرى، فأخرج لنا أهلها الأسواق، واستقبلوا المسلمين","footnotes":"(١) الدرنجار: أى قائد الروم البيزنطيين.\r(٢) نكردهم: أى نطردهم.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084267,"book_id":3509,"shamela_page_id":830,"part":"2","page_num":201,"sequence_num":830,"body":"بكل ما يحبون، ثم سألوا الصلح، فصالحناهم، فخرج خالد من فوره ذلك، فأغار على غسان فى جانب من مرج راهط فى يوم فصحهم، فقتل وسبى.\rوعن أبى الخزرج الغسانى قال: كانت أمى فى ذلك السبى، فلما رأت هدى المسلمين وصلاحهم وصلاتهم وقع الإسلام فى قلبها فأسلمت، فطلبها أبى فى السبى فعرفها، فجاء المسلمين فقال: يا أهل الإسلام، إنى رجل مسلم، وهذه امرأتى قد أصبتموها، فإن رأيتم أن تصلونى وتحفظوا حقى فتردوا علىّ أهلى فعلتم. فقال لها المسلمون: ما تقولين فى زوجك قد جاء يطلبك وهو مسلم؟ قالت: إن كان مسلما رجعت إليه، وإلا فلا حاجة لى فيه، ولست براجعة إليه.\rوقعة أجنادين\rذكر سعيد بن الفضل وأبو إسماعيل وغيرهما أن خالد بن الوليد لما دخل الغوطة «١» كان قد مر بثنية فخرعها، ومعه راية له بيضاء تدعى العقاب، فسميت بذلك تلك الثنية:\rثنية العقاب، ثم نزل ديرا يقال له: دير خالد لنزوله به، وهو مما يلى باب الشرقى، يعنى من دمشق.\rوجاء أبو عبيدة من قبل الجابية، حتى نزل باب الجابية، ثم شنا الغارات فى الغوطة وغيرها، فبينما هما كذلك أتاهما أن وردان صاحب حمص، قد جمع الجموع يريد أن يقتطع شرحبيل بن حسنة وهو ببصرى، وأن جموعا من الروم قد نزلت أجنادين «٢» ، وأن أهل البلد ومن مروا به من نصارى العرب قد سارعوا إليهم، فأتاهما خبر أفظعهما وهما مقيمان على عدو يقاتلانه، فالتقيا فتشاورا فى ذلك، فقال أبو عبيدة: أرى أن نسير حتى نقدم على شرحبيل قبل أن ينتهى إليه العدو الذى قد صمد صمدة، فإذا اجتمعنا سرنا إليه حتى نلقاه، فقال له خالد: إن جمع الروم هنا بأجنادين، وإن نحن سرنا إلى شرحبيل تبعنا هؤلاء من قريب، ولكن أرى أن نصمد صمد عظمهم، وأن نبعث إلى شرحبيل فنحذره مسير العدو إليه، ونأمره فيوافينا بأجنادين، ونبعث إلى يزيد بن أبى سفيان وعمرو بن العاص فيوافيانا بأجنادين، ثم نناهض عدونا. فقال له أبو عبيدة: هذا رأى حسن، فأمضه على بركة الله.","footnotes":"(١) الغوطة: قيل: هى قصبة دمشق، وقيل: هو موضع متصل بدمشق من جهة باب الفراديس، وطول الغوطة مرحلتان عرض فى عرض مرحلة. انظر: الروض المعطار (٤٣١) .\r(٢) أجنادين: بفتح الهمزة والنون والدال، بعدها ياء ونون على لفظ التثنية، موضع بالشام من بلاد الأردن. انظر: الروض المعطار (١٢) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084268,"book_id":3509,"shamela_page_id":831,"part":"2","page_num":202,"sequence_num":831,"body":"وكان خالد مبارك الولاية، ميمون النقيبة، مجربا، بصيرا، بالحرب، مظفرا. فلما أراد الشخوص من أرض دمشق إلى الروم الذين اجتمعوا بأجنادين، كتب نسخة واحدة إلى الأمراء:\rأما بعد، فإنه نزل بأجنادين جمع من جموع الروم، غير ذى قوة ولا عدة، والله قاصمهم وقاطع دابرهم، وجاعل دائرة السوء عليهم، وقد شخصت إليهم يوم سرحت رسولى إليكم، فإذا قدم عليكم فانهضوا إلى عدوكم بأحسن عدتكم وأصح نيتكم، ضاعف الله أجوركم وحط أوزاركم، والسلام.\rووجه بهذه النسخ مع أنباط كانوا مع المسلمين عيونا لهم، وفيوجا «١» وكان المسلمون يرضخون لهم، ودعا خالد الرسول الذى بعثه منهم إلى شرحبيل، فقال له:\rكيف علمك بالطريق؟ قال: أنا أدل الناس بالطريق، قال: فادفع إليه هذا الكتاب، وحذره الجيش الذى ذكر لنا أنه يريده، وخذ به وبأصحابه طريقا تعدل به عن طريق العدو الذى شخص إليه وتأتى به حتى تقدمه علينا بأجنادين. قال: نعم، فخرج الرسول إلى شرحبيل، ورسول آخر إلى عمرو بن العاص، وآخر إلى يزيد بن أبى سفيان.\rوخرج خالد وأبو عبيدة بالناس إلى أهل أجنادين، والمسلمون سراع إليهم، جراء عليهم، فلما شخصوا لم يرعهم إلا أهل دمشق فى آثارهم، فلحقوا أبا عبيدة وهو فى أخريات الناس فلما رآهم قد لحقوا به نزل، وأحاطوا به، وهو فى نحو من مائتى رجل من أصحابه، وأهل دمشق فى عدد كثير، فقاتلهم أبو عبيدة قتالا شديدا، وأتى الخبر خالدا وهو أمام الناس فى الفرسان والخيل، فعطف راجعا، ورجع الناس معه، وتعجل خالد فى الخيل وأهل القوة، وانتهوا إلى أبى عبيدة وأصحابه وهم يقاتلون الروم قتالا حسنا، فحمل الخيل على الروم فدق بعضهم على بعض، وقتلهم ثلاثة أميال حتى دخلوا دمشق، ثم انصرف، ومضى بالناس نحو الجابية، وأخذ يلتفت وينتظر قدوم أصحابه عليه.\rومضى رسول خالد إلى شرحبيل، فوافاه وليس بينه وبين الجيش الذى سار إليه من حمص «٢» مع وردان إلا مسيرة يوم، وهو لا يشعر، فدفع إليه الرسول الكتاب، وأخبره الخبر، واستحثه بالشخوص، فقام شرحبيل، فى الناس، فقال: أيها الناس، اشخصوا إلى","footnotes":"(١) فيوج: جمع فج، وهو الحارث أو العداء سريع الجرى.\r(٢) حمص: مدينة بالشام، ولا يجوز فيها الصرف كما لا يجوز فى هند لأنه اسم أعجمى، سميت برجل من العماليق يسمى حمص، ويقال: رجل من عاملة، هو أو من نزلها. انظر: الروض المعطار (١٩٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084269,"book_id":3509,"shamela_page_id":832,"part":"2","page_num":203,"sequence_num":832,"body":"أميركم، فإنه قد توجه إلى عدو المسلمين بأجنادين، وقد كتب إلىّ يأمرنى بموافاته هنالك.\rثم خرج بالناس ومضى بهم الدليل، وبلغ ذلك الجيش الذى جاء فى طلبهم، فجعل المسير فى آثارهم، وجاء وردان كتاب من الروم الذين بأجنادين: أن عجل إلينا فإنا مؤمروك علينا ومقاتلون معك العرب حتى تنفيهم من بلادنا. فأقبل فى آثار هؤلاء، رجاء أن يستأصلهم أو يصيب طرفا منهم، فيكون قد نكب طائفة من المسلمين، فأسرع السير فلم يلحقهم، وجاؤا حتى قدموا على المسلمين، وجاء وردان فيمن معه حتى وافى جمع الروم بأجنادين، فأمروه عليهم، واشتد أمرهم.\rوأقبل يزيد بن أبى سفيان حتى وافى أبا عبيدة وخالدا، ثم إنهم ساروا حتى نزلوا بأجنادين، وجاء عمرو بن العاص فيمن معه، فاجتمع المسلمون جميعا بأجنادين، وتزاحف الناس غداة السبت.\rفخرج خالد، فأنزل أبا عبيدة فى الرجال، وبعث معاذ بن جبل على الميمنة، وسعيد ابن عامر بن حذيم على الميسرة، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل على الخيل.\rوأقبل خالد يسير فى الناس، لا يقر فى مكان واحد، يحرض الناس، وقد أمر نساء المسلمين فاحتزمن وقمن وراء الناس يدعون الله ويستغثنه، وكلما مر بهن رجل من المسلمين رفعن أولادهن إليه وقلن لهم: قاتلوا دون أولادكم ونسائكم.\rوأقبل خالد يقف على كل قبيلة فيقول: اتقوا الله عباد الله، وقاتلوا فى الله من كفر بالله، ولا تنكصوا على أعقابكم، ولا تهنوا من عدوكم، ولكن أقدموا كإقدام الأسد، أو ينجلى الرعب وأنتم أحرار كرام، قد أوتيتم الدنيا واستوجبتم على الله ثواب الآخرة، ولا يهولنكم ما ترون من كثرتهم، فإن الله منزل رجزه وعقابه بهم. وقال للناس: إذا حملت فاحملوا.\rوقال معاذ بن جبل: يا معشر المسلمين، اشروا أنفسكم اليوم لله، فإنكم إن هزمتموهم اليوم كانت لكم دار السلام أبدا مع رضوان الله والثواب العظيم من الله.\rوكان من رأى خالد مدافعتهم، وأن يؤخر القتال إلى صلاة الظهر، عند مهب الأرواح، وتلك الساعة التى كان رسول الله ﷺ، يستحب القتال فيها، فأعجله الروم، فحملوا على المسلمين مرتين: من قبل الميمنة على معاذ بن جبل، ومن قبل الميسرة على","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084270,"book_id":3509,"shamela_page_id":833,"part":"2","page_num":204,"sequence_num":833,"body":"سعيد بن عامر، فلم يتخلخل أحد منهم، ورموا المسلمين بالنشاب، فنادى سعيد بن زيد، وكان من أشد الناس: يا خالد علام تستهدف هؤلاء الأعلاج؟ وقد رشقونا بالنشاب حتى شمست الخيل، فقال خالد للمسلمين: احملوا رحمكم الله على اسم الله، فحمل خالد والناس بأجمعهم، فما واقفوهم فواقا، وهزمهم الله، فقتلهم المسلمون كيف شاؤا، وأصابوا عسكرهم وما فيه.\rوأصابت إبان بن سعيد بن العاص نشابة، فنزعها وعصبها بعمامته، فحمله إخوته، فقال: لا تنزعوا عمامتى عن جرحى فلو قد نزعتموها تبعتها نفسى، أما والله ما أحب أنها بحجر من جبل الحمر، وهو جبل السماق، فمات منها، يرحمه الله.\rوأبلى يومئذ بلاء حسنا، وقاتل قتالا شديدا عظم فيه غناؤه، وعرف به مكانه، وكان قد تزوج أم أبان بنت عتبة بن ربيعة، وبنى عليها، فباتت عنده الليلة التى زحفوا للعدو فى غدها، فأصيب، فقالت أم أبان هذه لما مات: ما كان أغنانى عن ليلة أبان.\rوقتل اليعبوب بن عمرو بن ضريس المشجعى يومئذ، سبعة من المشركين، وكان شديدا جليدا، فطعن طعنة كان يرجى أن يبرأ منها، فمكث أربعة أيام أو خمسة ثم انتقضت به فاستأذن أبا عبيدة أن يأذن له إلى أهله، فإن يبرأ رجع إليهم، فأذن له، فرجع إلى أهله بالعمر، عمر المدائن، فمات، يرحمه الله، فدفن هنالك.\rوقتل مسلمة بن هشام المخزومى، ونعيم بن عدى بن صخر العدوى، وهشام بن العاص السهمى، أخو عمرو بن العاص، وهبار بن سفيان، وعبد الله بن عمرو بن الطفيل الدوسى، وهو ابن ذى النور، وكان من فرسان المسلمين، فقتلوا يومئذ، يرحمهم الله.\rوقتل المسلمون فى المعركة منهم ثلاثة آلاف، وأتبعوهم يأسرونهم ويقتلونهم، فخرج فل الروم بإيلياء وقيسارية ودمشق وحمص فتحصنوا فى المدائن العظام.\rوكتب خالد إلى أبى بكر: لعبد الله أبى بكر الصديق، خليفة رسول الله ﷺ، من خالد بن الوليد، سيف الله المصبوب على المشركين، سلام عليك، فإنى أخبرك أيها الصديق أنا التقينا نحن والمشركين وقد جمعوا لنا جموعا بأجنادين، وقد رفعوا صلبهم، ونشروا كتبهم، وتقاسموا بالله لا يفروا حتى يفنونا أو يخرجونا من بلادهم، فخرجنا إليهم واثقين بالله متوكلين على الله، فطاعناهم بالرماح شيئا، ثم صرنا إلى السيوف فقارعناهم بها مقدار جزر جزور، ثم إن الله أنزل نصره وأنجز وعده وهزم الكافرين، فقتلناهم فى كل فج وشعب وحائط، فالحمد لله على إعزاز دينه وإذلال عدوه وحسن الصنع لأوليائه، والسلام عليك ورحمة الله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084271,"book_id":3509,"shamela_page_id":834,"part":"2","page_num":205,"sequence_num":834,"body":"وبعث خالد بكتابه هذا مع عبد الرحمن بن حنبل الجمحى، فلما قرئ على أبى بكر وهو مريض مرضه الذى توفاه الله فيه أعجبه ذلك، وقال: الحمد لله الذى نصر المسلمين، وأقر عينى بذلك.\rقال سهل بن سعد: وكانت وقعة أجنادين هذه أول وقعة عظيمة كانت بالشام، كانت سنة ثلاث عشرة، فى جمادى الأولى لليلتين بقيتا منه، يوم السبت نصف النهار، قبل وفاة أبى بكر رضى الله عنه، بأربع وعشرين ليلة.\rوذكر الطبرى «١» عن ابن إسحاق أن الذى كان على الروم تذارق أخو هرقل لأبيه وأمه، ثم ذكر عنه، عن عروة بن الزبير، أنه قال: كان على الروم رجل منهم يقال له:\rالقبقلار، وكان هرقل استخلفه على أمراء الشام حين سار إلى القسطنطينية، وإليه انصرف تذارق ومن معه من الروم.\rقال ابن إسحاق: فأما علماء أهل الشام فيزعمون أنه إنما كان على الروم تذارق، فالله أعلم.\rوعنه قال: لما تدانى العسكران بعث القبقلار رجلا عربيا، فقال له: ادخل فى هؤلاء القوم فأقم فيهم يوما وليلة ثم ائتنى بخبرهم. فدخل فى الناس رجل عربى لا ينكر، فأقام فيهم يوما وليلة، ثم أتاه فقال له: مه ما وراءك؟ قال: بالليل رهبان وبالنهار فرسان، ولو سرق ابن ملكهم قطعوا يده، ولو زنى لرجم، لإقامة الحق فيهم، فقال له القبقلار: لئن كنت صدقتنى لبطن الأرض خير من لقاء هؤلاء على ظهرها، ولوددت أن حظى من الله أن يخلى بينى وبينهم، فلا ينصرنى عليهم ولا ينصرهم على.\rثم تزاحف الناس، فاقتتلوا، فلما رأى القبقلار ما رأى من قتالهم قال للروم: لفوا رأسى بثوب، قالوا له: لم؟ قال: هذا يوم بئيس، ما أحب أن أراه، ما رأيت من الدنيا يوما أشد من هذا. قال: فاحتز المسلمون رأسه، وإنه لملفف.\rوعن غير ابن إسحاق قال: ثم إن خالد بن الوليد أمر الناس أن يسيروا إلى دمشق، وأقبل بهم حتى نزلوها، وقصد إلى ديره الذى كان ينزل به، فنزله وهو من دمشق على ميل مما يلى باب الشرقى، وبخالد يعرف ذلك الدير إلى اليوم، وجاء أبو عبيدة حتى نزل على باب الجابية، ونزل يزيد بن أبى سفيان على جانب آخر من دمشق وأحاطوا بها، وحاصروا أهلها حصارا شديدا.","footnotes":"(١) انظر: تاريخ الطبرى (٣/ ٤١٧) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084272,"book_id":3509,"shamela_page_id":835,"part":"2","page_num":206,"sequence_num":835,"body":"وقدم عبد الرحمن بن حنبل من عند أبى بكر بكتابه إلى خالد، وأتى يزيد بن أبى سفيان ومعه كان يكون، فقال له يزيد: هل لقيت أبى؟ قال: نعم، قال: فهل سألك عنى؟ قال: نعم، قال: فما قلت له؟ قال: قلت له إن يزيد حازم الرأى، متواضع فى ولايته، بئيس البأس، محبب فى الإخوان، يبذل ما قدر عليه من فضله. فقال أبو سفيان:\rكذلك ينبغى لمثله أن يكون، وطلب إلىّ أن أكتب إليه بما يكون من أمرنا، وأن أعلمه حالنا، فوعدته ذلك.\rقال: فخرج خالد بالمسلمين ذات يوم، فأحاطوا بمدينة دمشق، ودنوا من أبوابها، فرماهم أهلها بالحجارة ورشقوهم من فوق السور بالنشاب، فقال ابن حنبل:\rوأبلغ أبا سفيان عنا فإننا ... على خير حال كان جيش يكونها\rوأنا على بابى دمشقة نرتمى ... وقد حان من بابى دمشقة حينها\rوقعة مرج الصفر\r«١» قال: فإن المسلمين لكذلك يقاتلونهم ويرجون فتح مدينتهم إذ أتاهم آت فأخبرهم أن هذا جيش قد جاءكم من قبل ملك الروم، فنهض خالد بالناس على تعبئته وهيئته، فقدم الأثقال والنساء، وخرج معهن يزيد بن أبى سفيان، ووقف خالد وأبو عبيدة من وراء الناس، ثم أقبلوا نحو ذلك الجيش، فإذا هو درنجار بعثه ملك الروم فى خمسة آلاف رجل من أهل القوة والشدة ليغيث أهل دمشق، فصمد المسلمون صمدهم، وخرج إليهم أهل القوة من أهل دمشق، وناس كثير من أهل حمص، فالقوم نحو من خمسة عشر ألفا، فلما نظر إليهم خالد عبأ أصحابه كتعبئته يوم أجنادين، فجعل على ميمنته معاذ بن جبل، وعلى ميسرته هاشم بن عتبة، وعلى الخيل سعيد بن زيد، وأبا عبيدة على الرجال.\rوذهب خالد فوقف فى أول الصف يريد أن يحرض الناس، ثم نظر إلى الصف من أوله إلى آخره حتى حملت خيل لهم على خالد بن سعيد، وكان واقفا فى جماعة من المسلمين فى ميمنة الناس يدعون الله، ويقص عليهم، فحملت طائفة منهم عليه، فقاتلهم حتى قتل ﵀، وحمل عليهم معاذ بن جبل من الميمنة فهزمهم، وحمل عليهم خالد","footnotes":"(١) مرج الصفر: بالشام، به كانت وقعة للمسلمين على نصارى الشام بعد وقعة أجنادين وكان بين الوقعتين عشرون يوما وكان ذلك قبل وفاة أبى بكر رضى الله عنه بأربعة أيام. انظر: الروض المعطار (٥٣٥) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084273,"book_id":3509,"shamela_page_id":836,"part":"2","page_num":207,"sequence_num":836,"body":"ابن الوليد من الميسرة فهزم من يليه منهم، وحمل سعيد بن زيد بالخيل على عظم جمعهم، فهزمهم الله وقتلهم، واجتث عسكرهم، ورجع الناس، وقد ظفروا وقتلوهم كل قتلة، وذهب المشركون على وجههم، فمنهم من دخل مدينة دمشق مع أهلها، ومنهم من رجع إلى حمص، ومنهم من لحق بقيصر.\rوعن عمرو بن محصن: أن قتلاهم يومئذ وهو يوم مرج الصفر كانت خمسمائة فى المعركة، وقد تلوا وأسروا نحوا من خمسمائة أخرى.\rوقال أبو أمامة فيما رواه عنه يزيد بن يزيد بن جابر: كان بين أجنادين وبين يوم مرج الصفر عشرون يوما. قال: فحسبت ذلك فوجدته يوم الخميس لاثنتى عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة، قبل وفاة أبى بكر رضى الله عنه، بأربعة أيام.\rثم إن الناس أقبلوا عودهم على بدئهم حتى نزلوا دمشق، فحاصروا أهلها وضيقوا عليهم، وعجز أهلها عن قتال المسلمين، ونزل خالد منزله الذى كان ينزل به على باب الشرقى، ونزل أبو عبيدة منزله على باب الجابية، ونزل يزيد بن أبى سفيان جانبا آخر، فكان المسلمون يغيرون، فكلما أصاب رجل نفلا جاء بنفله حتى يلقيه فى القبض، لا يستحل أن يأخذ منه قليلا ولا كثيرا، حتى إن الرجل منهم ليجىء بالكبة الغزل أو بالكبة الصوف أو الشعر أو المسلمة أو الإبرة فيلقيها فى القبض، لا يستحل أن يأخذها، فسأل صاحب دمشق بعض عيونه عن أعمالهم وسيرتهم، فوصفهم له بهذه الصفة فى الأمانة، ووصفهم بالصلاة بالليل وطول القيام، فقال: هؤلاء رهبان بالليل أسد بالنهار، لا والله ما لى بهؤلاء طاقة، وما لى فى قتالهم خير.\rقال: فراود المسلمين على الصلح، فأخذ لا يعطيهم ما يرضيهم، ولا يبايعونه على ما يسأل، وهو فى ذلك لا يمنعه من الصلح والفراغ إلا أنه قد بلغه أن قيصر يجمع الجموع للمسلمين، يريد غزوهم، فكان ذلك مما يمنعه من تعجيل الصلح.\rوعلى تعبئة ذلك بلغ المسلمين الخبر بوفاة أبى بكر الصديق رضى الله عنه، واستخلافه عمر رضى الله عنهما، وما تبع ذلك من صرف خالد بأبى عبيدة، حسبما يأتى تفصيله وبيانه إن شاء الله تعالى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084274,"book_id":3509,"shamela_page_id":837,"part":"2","page_num":208,"sequence_num":837,"body":"ذكر الخبر عن وفاة أبى بكر الصديق رضى الله عنه، وما كان من عهده إلى عمر بن الخطاب، جزاهما الله عن دينه الحق أفضل الجزاء\r«١» قد تقدم فى بدء الردة، وذكر خلافة أبى بكر رضى الله عنه، من هذا الكتاب ما دل على ولاية عمر بعده، من حديث رسول الله ﷺ كالذى يروى عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ، قال: رأى الليلة رجل صالح أن أبا بكر نيط برسول الله ﷺ، ونيط عمر بأبى بكر، ونيط عثمان بعمر، قال جابر فلما قمنا من عند رسول الله ﷺ قلنا: أما الرجل الصالح فرسول الله ﷺ وأما ما ذكر من نوط بعضهم ببعض، فهم ولاة هذا الأمر الذى بعث الله به نبيه.\rوعن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «بينما أنا نائم رأيتنى على قليب عليها دلو، فنزعت منها ما شاء الله، ثم أخذها ابن أبى قحافة، فنزع منها ذنوبا، أو ذنوبين، وفى نزعه والله يغفر له ضعف، ثم استحالت غربا، فأخذها ابن الخطاب، فلم أر عبقريا من الناس ينزع نزع عمر بن الخطاب، حتى ضرب الناس بعطن» «٢» .\rواختلف أهل العلم فى السبب الذى توفى منه أبو بكر، فذكر الواقدى أنه اغتسل فى يوم بارد فحم ومرض خمسة عشر يوما. وقال الزبير بن بكار: كان به طرف من السل.\rوقال غيره: أن أصل ابتداء ذلك السل به الوجد على رسول الله ﷺ لما قبضه الله إليه، فما زال ذلك به حتى قضى منه.\rوروى عن سلام بن أبى مطيع أنه رضى الله عنه، سم. وبعض من ذكر ذلك يقول:\rأن اليهود سمته فى أرزة، وقيل فى حريرة، فمات بعد سنة. وقيل له: لو أرسلت إلى الطبيب، فقال: قد رآنى، قالوا: فما قال لك؟ قال: قال: إنى أفعل ما أريد «٣» .","footnotes":"(١) راجع الخبر فى: المنتظم لابن الجوزى (٤/ ١٢٩) ، تاريخ الطبرى (٣/ ٤١٩) ، طبقات ابن سعد (٣/ ١/ ١٤٠) .\r(٢) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (٥/ ٧، ٩/ ٤٥، ٤٩، ١٧١) ، صحيح مسلم كتاب فضائل الصحابة (١٧) ، السنن الكبرى للبيهقى (٨/ ١٥٣) ، فتح البارى لابن حجر (٧/ ١٩، ١٢/ ٤١٤) ، مشكاة المصابيح للتبريزى (٦٠٣١) ، شرح السنة للبغوى (١٤/ ٨٩) ، البداية والنهاية لابن كثير (٦/ ٢٢٦) ، كنز العمال للمتقى الهندى (٣٢٧٣) ، دلائل النبوة للبيهقى (٦/ ٣٤٤) ، السنة لابن أبى عاصم (١٤/ ٨٩) .\r(٣) راجع ما ذكره ابن الجوزى فى المنتظم (٤/ ١٢٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084275,"book_id":3509,"shamela_page_id":838,"part":"2","page_num":209,"sequence_num":838,"body":"وكذلك اختلفوا فى حين وفاته، فقال ابن إسحاق: توفى يوم الجمعة لسبع ليال بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة. وقال غيره من أهل السير: إنه مات عشى يوم الاثنين، وقيل ليلة الثلاثاء وقيل: عشى الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة، وهذا هو الأكثر فى وفاته «١» .\rوأوصى أن تغسله زوجه أسماء بنت عميس، فغسلته، وصلى عليه عمر بن الخطاب فى مسجد رسول الله ﷺ وحمل على السرير الذى حمل عليه رسول الله ﷺ ونزل فى قبره عمر وعثمان وطلحة وابنه عبد الرحمن بن أبى بكر، ودفن ليلا فى بيت عائشة مع النبى ﷺ، وجعل رأسه عند كتفى رسول الله ﷺ وألصقوا لحده بلحده، وجعل قبره مسطحا مثل قبر النبى ﷺ ورش عليه بالماء.\rولا يختلفون فى أنه توفى ابن ثلاث وستين سنة، وأنه استوفى بخلافته بعد الرسول صلوات الله عليه، سن رسول الله ﷺ التى توفاه الله لها «٢» .\rويروى أنه رضى الله عنه، لما احتضر، وابنته عائشة حاضرة، فأنشدت رضى الله عنها «٣» :\rلعمرك ما يغنى الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر\rرفع إليها رأسه وقال: لا تقولى هذا يا بنية، أو: ليس هكذا يا بنية، ولكن قولى:\r«وجاءت سكرة [الحق بالموت] ذلك ما كنت منه تحيد» «٤» ، هكذا قرأها أبو بكر رضى الله عنه.\rوقالوا: كان آخر ما تكلم به: رب توفنى مسلما، وألحقنى بالصالحين.\rوقال أبو بكر رضى الله عنه، لعائشة رضى الله عنها، وهو مريض: فى كم كفن","footnotes":"(١) راجع المنتظم لابن الجوزى (٤/ ١٣٠) ، تاريخ الطبرى (٣/ ٤٢١) .\r(٢) انظر: تاريخ الطبرى (٣/ ٤٢١) .\r(٣) انظر الأبيات فى: العقد الفريد (٥/ ١٩) ، وهذا البيت لحاتم الطائى، راجع ديوانه ص (٥١) .\r(٤) ما بين المعقوفتين ورد فى بعض الأصول: «الموت بالحق» وهذا هو المشهور فى القراآت السبع، وقول المصنف هكذا قرأها أبو بكر، يوضح أن أبا بكر قرأها باختلاف عن المشهور، وكذلك أيضا قرأ بها سعيد بن جبير وطلحة وعبد الله بن مسعود، وشعبة، وأبى عمران. انظر: الطبرى (٢٦/ ١٠٠) ، الفراء (٣/ ٧٨) ، الكشاف (٤/ ٧) ، القرطبى (١٧/ ١٢) ، النحاس (٣/ ٢١٧) ، مجمع البيان (٩/ ١٤٣) ، زاد المسير (٧/ ١٩٤) ، المحتسب (٥/ ٣٣٧- ٣٣٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084276,"book_id":3509,"shamela_page_id":839,"part":"2","page_num":210,"sequence_num":839,"body":"رسول الله ﷺ؟ فقالت: فى ثلاثة أثواب بيض سحولية. فقال أبو بكر: خذوا هذا الثوب، لثوب عليه قد أصابه مشق أو زعفران فاغسلوه، ثم كفنونى فيه مع ثوبين آخرين. فقالت عائشة: وما هذا؟ فقال أبو بكر: الحى أحوج إلى الجديد من الميت، وإنما هذا للمهلة.\rولما توفى أبو بكر ﵀، ارتجت المدينة بالبكاء، ودهش القوم كيوم قبض النبى ﷺ فأقبل على بن أبى طالب رضى الله عنه، مسرعا باكيا مسترجعا، حتى وقف على باب البيت الذى فيه أبو بكر، وقد سجى بثوب، فقال: رحمك الله يا أبا بكر، كنت أول القوم إسلاما، وأخلصهم إيمانا، وأشدهم يقينا، وأخوفهم لله ﷿، وأعظمهم غناء، وأحدبهم على الإسلام، وأيمنهم على أصحابه، وأحسنهم صحبة وأفضلهم مناقب، وأكثرهم سوابق، وأرفعهم درجة، وأقربهم من رسول الله ﷺ وأشبههم به هديا وخلقا وسمتا وفعلا، وأشرفهم منزلة، وأكرمهم عليه، وأوثقهم عند الله، فجزاك الله عن الإسلام وعن رسوله والمسلمين خيرا، صدقت رسول الله حين كذبه الناس، فسماك الله فى كتابه صديقا.\rفقال: والذى جاء بالصدق محمد، وصدق به أبو بكر، وآسيته حين بخلوا، وقمت معه حين عنه قعدوا، وصحبته فى الشدة أكرم الصحبة، ثانى اثنين، وصاحبه فى الغار، والمنزل عليه السكينة، ورفيقه فى الهجرة ومواطن الكريهة، ثم خلفته فى أمته أحسن الخلافة حين ارتد الناس، وقمت بدين الله قياما لم يقم به خليفة نبى قط، قويت حين ضعف أصحابك، وبدرت حين استكانوا، ونهضت حين وهنوا، ولزمت منهاج رسوله إذ هم أصحابه، كنت خليفته حقا، لم تنازع ولم تضرع برغم المنافقين وصغر الفاسقين وغيظ الكافرين وكره الحاسدين، فقمت بالأمر حين فشلوا، ونطقت حين تتعتعوا، ومضيت بنور الله إذ وقفوا، فاتبعوك، فهدوا، وكنت أخفضهم صوتا، وأعلاهم فوقا، وأقلهم كلاما، وأصوبهم منطقا، وأطولهم صمتا، وأبلغهم قولا، وكنت أكبرهم رأيا، وأشجعهم قلبا، وأحسنهم عملا، وأعرفهم بالأمور، كنت والله للدين يعسوبا أولا حين تفرق عنه الناس، وآخرا حين أقبلوا، كنت للمؤمنين أبا رحيما إذ صاروا عليك عيالا، فحملت أثقال ما عنه ضعفوا، وحفظت ما ضيعوا، ورعيت ما أهملوا، وشمرت إذ خنعوا، وعلوت إذ هلعوا، وصبرت إذ جزعوا، فأدركت أوتار ما طلبوا ونالوا بك ما لم يحتسبوا، كنت على الكافرين عذابا صبا، وكنت للمسلمين غيثا وخصبا، فطرت والله بغنائها، وفزت بحبابها، وذهبت بفضائلها، وأحرزت سوابقها، لم تفلل حجتك، ولم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084277,"book_id":3509,"shamela_page_id":840,"part":"2","page_num":211,"sequence_num":840,"body":"يزغ قلبك، ولم تضعف بصيرتك، ولم تجبن نفسك، ولم تخن، كنت كالجبل الذى لا تحركه العواصف، ولا تزيله القواصف، كنت كما قال رسول الله ﷺ: أمن الناس عليه فى صحبتك وذات يدك، وكما قال: ضعيفا فى بدنك قويا فى أمر الله تعالى متواضعا فى نفسك، عظيما عند الله، جليلا فى الأرض، كبيرا عند المؤمنين، لم يكن لأحد فيك مهمز، ولا لقائل فيك مغمز، ولا لأحد فيك مطمع، ولا عندك هوادة لأحد، الضعيف الذليل عندك قوى عزيز حتى تأخذ له بحقه، والقوى العزيز عندك ضعيف ذليل حتى تأخذ منه الحق، القريب والبعيد عندك فى ذلك سواء، شأنك الحق والصدق والرفق، وقولك حكم وحتم، ورأيك علم وعرف، فأقلعت وقد نهج السبيل، وسهل العسير، وأطفئت النيران، واعتدل بك الدين، وقوى الإيمان، وظهر أمر الله ولو كره الكافرون، فسبقت والله سبقا بعيدا، وأتعبت من بعدك إتعابا شديدا، وفزت بالحق فوزا مبينا، فجللت عن البكاء، وعظمت رزيتك فى السماء، وهدت مصيبتك الأنام، فإنا لله وإنا إليه راجعون، رضينا عن الله قضاءه، وسلمنا لله أمره، ولن يصاب المسلمون بعد رسول الله ﷺ بمثلك أبدا، كنت للدين عزا وكهفا، وللمؤمنين حصنا وفئة وأنسا، وعلى المنافقين غلظة وغيظا وكظما، فألحقك الله بميتة نبيك ﷺ ولا حرمنا أجرك، ولا أضلنا بعدك، فإنا لله، وإنا إليه راجعون «١» .\rوأنصت الناس حتى قضى كلامه، ثم بكى وبكوا، قوالوا: صدقت يابن عم رسول الله ﷺ.","footnotes":"(١) انظر الخطبة فى: العقد الفريد (٥/ ١٩- ٢٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084278,"book_id":3509,"shamela_page_id":841,"part":"2","page_num":212,"sequence_num":841,"body":"استخلاف عمر بن الخطاب\r«١» وتقلد أمر الأمة وخلافة المسلمين بعد أبى بكر صاحبه ورفيقه وظهيره ووزيره عمر ابن الخطاب رضى الله عنهما، بعهد أبى بكر إليه بذلك، واستخلافه إياه عليه، نظرا للدين، ونصيحة لله وللأمة، وذلك لما استعز بأبى بكر رضى الله عنه، وجعه، وثقل، أرسل إلى عثمان وعلى ورجال من أهل السابقة والفضل من المهاجرين والأنصار، فقال:\rقد حضر ما ترون، ولا بد من قائم بأمركم يجمع فئتكم ويمنع ظالمكم من الظلم، ويرد على الضعيف حقه، فإن شئتم اخترتم لأنفسكم، وإن شئتم جعلتم ذلك إلىّ، فو الله لا آلوكم ونفسى خيرا. قالوا: قد رضينا من اخترت لنا، قال: فقد اخترت عمر، وقال لعثمان: اكتب: هذا ما عهد أبو بكر فى آخر عهده بالدنيا خارجا منها، وعند أول عهده بالآخرة داخلا فيها، حين يتوب الفاجر ويؤمن الكافر ويصدق الكاذب، عهد أنه يشهد أن لا إله إلا الله وأن وعد الله حق وصدق المرسلون، وأن محمدا رسول الله ﷺ وخاتم النبيين صلى الله عليه وعلى أنبيائه ورسله، وقد استخلفت.\rولما انتهى أبو بكر إلى هذا الموضع ضعف ورهقته غشية، فكتب عثمان: وقد استخلفت عمر بن الخطاب، وأمسك، حتى أفاق أبو بكر فقال: أكتبت شيئا؟ قال: نعم، كتبت عمر بن الخطاب، فقال: رحمك الله، أما لو كتبت نفسك لكنت لها أهلا، فاكتب: قد استخلفت عمر بن الخطاب بعدى عليكم، ورضيته لكم، فإن عدل فذلك ظنى به، ورأيى فيه، وذلك أردت، وما توفيقى إلا بالله، وإن بدل فلكل نفس ما كسبت وعليها ما اكتسبت، والخير أردت، ولا أعلم الغيب، وسيعلم الذين ظلموا أى منقلب ينقلبون.\rوالتوى عمر رضى الله عنه، على أبى بكر ﵀، فى قبول عهده، وقال: لا أطيق القيام بأمر الناس، فقال أبو بكر لابنه عبد الرحمن: ارفعنى وناولنى السيف، فقال عمر:\rأو تعفينى؟ قال: لا، فعند ذلك قبل.\rذكر هذا كله أبو الحسن المدائنى، وذكر بإسناد له عن أبى هريرة وغيره أنه لما عهد أبو بكر إلى عمر عهده قال له: يا عمر، إن لله حقا فى الليل لا يقبله فى النهار، وحقا فى النهار لا يقبله فى الليل، ولا يقبل نافلة حتى تؤدى الفريضة، وإنه يا عمر إنما ثقلت","footnotes":"(١) راجع: المنتظم لابن الجوزى (٤/ ١٣١) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084279,"book_id":3509,"shamela_page_id":842,"part":"2","page_num":213,"sequence_num":842,"body":"موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق وخفته عليهم، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يكون ثقيلا، وإنه يا عمر إنما خفت موازين من خفت موازينهم يوم القيامة باتباعهم الباطل، وخفته عليهم، وحق لميزان لا يوضع فيه يوم القيامة إلا الباطل أن يكون خفيفا، ألم تر أنه نزلت آية الرخاء مع آية الشدة، وآية الشدة مع آية الرخاء، ليكون المؤمن راغبا راهبا، فلا يرغب رغبة يتمنى فيها على الله ما ليس له، ولا يرهب رهبة يلقى فيها بيده إلى التهلكة، ألم تر يا عمر أن الله ذكر أهل النار بسئ أعمالهم، لأنه رد عليهم ما كان لهم من حسن، فإذا ذكرتهم قلت: إنى لأخشى أن أكون منهم.\rوفى رواية: عوضا من هذا، فيقول قائل: أنا خير منهم، فيطمع، وذكر أهل الجنة بأحسن أعمالهم، لأنه تجاوز لهم عما كان من سىء، فإذا ذكرتهم قلت: إنى مقصر، أين عملى من أعمالهم، وفى رواية: عوضا من هذا، فيقول قائل: من أين أدرك درجتهم، ليجتهد، فإن حفظت وصيتى يا عمر، فلا يكونن غائب أحب إليك من الموت، وهو نازل بك، وإن ضيعت وصيتى فلا يكونن غائب أكره لك من الموت، ولست بمعجزه.\rوعن أسماء بنت عميس قالت: لما أحس أبو بكر بنفسه أرسل إلى عمر، فقال له: يا عمر إنى قد وليتك ما وليتك، وقد صحبت رسول الله ﷺ ورأيت عمله، وأثرته أنفسكم على نفسه، وأهلكم على أهله، حتى إن كنا لنظل نهدى إليه من فضل ما يأتينا من قبله، وصحبتنى ورأيتنى وإنما اتبعت أثر من كان قبلى، والله ما نمت فحملت، ولا شبهت فتوهمت، وإنى لعلى السبيل ما زغت، وإن أول ما أحذرك نفسك، فإن لكل نفس شهوة، فإذا أعطيتها شهوتها تمادت فيها ورغبت فى غيرها.\rوفى حديث غير هذا: وخذ هذه اللقحة فإنها من إبل الصدقة، احتبستها للرسل إذا قدموا يصيبوا من رسلها، وخذ هذا البرد فإنى كنت أتجمل به للوفود، وخذ هذا السقاء وهذه العلبة فإنها من متاع إبل الصدقة، وعلىّ ثمانية آلاف درهم، ويقال: قال: ستة آلاف أخذتها للرسل، ولمن كان يغشانا، فأدها من مالى.\rفخرج عمر متأبطا البرد، وقد حمل السقاء والعلبة، يقود اللحقة، يبكى ويقول: يرحم الله أبا بكر، لقد أتعب من بعده.\rومات أبو بكر ﵀، ودفن ليلا، فلما أصبح عمر بعثت إليه عائشة بناضح وعبد حبشى كان يسقى لآل أبى بكر على ذلك الناضح، وقطيفة. فقبض عمر ذلك، فقال له عبد الرحمن بن عوف: سبحان الله، تسلب عيال أبى بكر ناضحا وعبدا أسود كان","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084280,"book_id":3509,"shamela_page_id":843,"part":"2","page_num":214,"sequence_num":843,"body":"ينفعهم، وقطيفة قيمتها خمسة دراهم؟ قال: فما ترى؟ قال: ترده عليهم، قال: لا ورب الكعبة، لا يكون ذلك وأنا حى، يخرج منه أبو بكر وأرده أنا على عياله «١» .\rوعن المسور بن مخرمة أو علقمة بن أبى الفغواء الخزاعى قال: أرسل أبو بكر إلى عمر وهو مريض، فأتاه، فقال: يا عمر، إنى كنت أرى الرأى فتشير علىّ بخلافه، فأتهم نفسى لك، ألا إنى قد عصيتك فى استعمال شرحبيل بن حسنة، وقلت: أخاف ضعفه، فقلت لك: قد كان له فى الإسلام نصيب، وقد أحببت أن أبلوه، فإن رأيت ما أحب أثبته، وإن بلغنى عنه ضعف استبدلت به، فلا عليك أن تقره على عمله، وكنت تنهانى عن يزيد بن أبى سفيان، فقلت لك: إن له موضعا فى قريش، ونشأ بخير، وكان فيه، وقد أحببت أن أقيم له شرفه، فلا عليك أن تقره على عمله، ورجل لم أوصك بمثله ولا أراك فاعلا، قال: تريد خالدا؟ قال: أريده.\rفقال عمر: أما شرحبيل بن حسنة فقد كنت أشير عليك أن لا تبعثه، وخفت ضعفه، وأمرتك أن تبعث مكانه عمار بن ياسر، ولم يبلغنا عنه إلا خير، ولست عازله إلا أن يبلغنى عنه ما لا أستحل معه تركه، وأما يزيد فقلت لك: غلام حديث السن لا سابقة له، ابعث مكانه سعد بن أبى وقاص، فلم يكن فى أمره إلا خير، ولا أعزله إلا أن يبلغنى عنه ما لا أستحل معه تركه. وأما خالد، فو الله ما أعدك فى أمره بما لا أفعل ولا أبدأ بأول من عزله، وما كنت أرى لك أن تجعل مع أبى عبيدة ضدا، وقد عرفت فضل أبى عبيدة.\rفقال أبو بكر: أما أنى قد رأيت أبا عبيدة فى مرضى هذا آخذا بثوب رسول الله ﷺ يتبعه، ولنعم المتبع، ورأيتنى آخذا بثوب أبى عبيدة، ولنعم المتقدم، ثم سمعت خسفا ورائى، فالتفت فإذا أنت وإذا الظلمة، فاستلحقتك وما أبالى إذا لحقت بمن تخلف، فكأنى أسمع وقع نعليك، حتى أخذت بثوبى والتفت، فإذا نفر يخرجون من الظلمة يزدحمون، فالنجاء، النجاء يا عمر.\rوكانت من جماعة من المهاجرين موافقة لأبى بكر فى استخلاف عمر ليس إلا، لما كانوا يعرفون من غلظته، فيقول أبو بكر: هو والله إن شاء الله خيركم. وقال لبعضهم:\rإنى أرى ما لا ترون، ولو قد أفضى إليه أمركم لترك كثيرا مما ترون، إنى رمقته، فإذا أغلظت فى أمر أرانى التسهيل، وإذا لنت فى أمر تشدد فيه.","footnotes":"(١) انظر ما ذكره ابن قتيبة فى المعارف ص (١٧١) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084281,"book_id":3509,"shamela_page_id":844,"part":"2","page_num":215,"sequence_num":844,"body":"وقال له طلحة والزبير: ما أنت قائل لربك إذ وليته مع غلظته؟ قال: ساندونى، فأجلسوه، فقال: أبالله تخوفوننى، أقول: استعملت عليهم خير أهلك وحلفت، ما تركت أحدا أشد حبا له من عمر، ستعلمون إذا فارقتموه وتنافستموها.\rودخل عثمان وعلى فأخبرهما أبو بكر، فقال عثمان: علمى به أنه يخاف الله فوله، فما فينا مثله، وقال على: يا خليفة رسول الله امض لرأيك، فما نعلم إلا خيرا، وخرجنا ودخل عمر، فقال أبو بكر: كرهك كاره، وأحبك محب. قال: لا حاجة لى بها، قال:\rاسكت، إنى ميت من مرضى هذا، إنى رأيت بعد وفاة رسول الله ﷺ أنى فقت ثلاث فوقات، فدسعت فى الآخرة طعاما، فمرضت به مرضتين، وهذه الثالثة، فأنا ميت، وإياك والأثرة على الناس، وإياك والذخيرة فإن ذخيرة الإمام تهلك دينه.\rولما توفى أبو بكر ﵀، كتب عمر رضى الله عنه، إلى أبى عبيدة: أما بعد، فإن أبا بكر الصديق خليفة رسول الله ﷺ توفى، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ورحمة الله على أبى بكر، القائل بالحق، والآمر بالقسط، والآخذ بالعرف، البر الشيم، السهل القريب، وأنا أرغب إلى الله فى العصمة برحمته، والعمل بطاعته، والحلول فى جنته، إنه على كل شىء قدير، والسلام عليك ورحمة الله «١» .\rوجاء بالكتاب يرفأ حتى أتى أبا عبيدة، فقرأه فلم يسمع من أبى عبيدة حين قرأه شىء ينتفع به مقيم ولا ظاعن، ودعا أبو عبيدة معاذ بن جبل فأقرأه الكتاب، فالتفت معاذ إلى الرسول فقال: رحمة الله على أبى بكر، ويح غيرك، ما فعل المسلمون؟ قال:\rاستخلف أبو بكر، عمر، فقال معاذ: الحمد لله، وفقوا وأصابوا، فقال أبو عبيدة: ما منعنى من مسألته منذ قرأت الكتاب حتى دعوتك لقراءته إلا مخافة أن يستقبلنى فيخبرنى أن الوالى غير عمر. فقال له الرسول: يا أبا عبيدة، إن عمر يقول لك: أخبرنى عن حال الناس، وأخبرنى عن خالد بن الوليد، أى رجل هو؟ وأخبرنى عن يزيد بن أبى سفيان، وعمرو بن العاص، كيف هما فى حالهما ونصيحتهما للمسلمين؟ فقال أبو عبيدة: أما خالد فخير أمير، أنصحه لأهل الإسلام، وأحسنه نظرا لهم، وأشده على عدوهم من الكفار، ويزيد وعمرو فى نصيحتهما وجدهما كما يحب عمر ونحب، قال: فأخبرنى عن أخويك: سعيد بن زيد، ومعاذ بن جبل. قال: قل له هما كما عهدت، إلا أن تكون السن زادتهما فى الدنيا زهادة، وفى الآخرة رغبة.","footnotes":"(١) انظر: تاريخ فتوح الشام للأزدى ص (٩٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084282,"book_id":3509,"shamela_page_id":845,"part":"2","page_num":216,"sequence_num":845,"body":"قال: ثم إن الرسول وثب لينصرف فقالا له: سبحان الله، انتظر نكتب معك. فكتب:\rبسم الله الرحمن الرحيم من أبى عبيدة بن الحراج ومعاذ بن جبل إلى عمر بن الخطاب، سلام عليك، فإنا نحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد، فإنا عهدناك وأمر نفسك لك مهم، فأصبحت قد وليت أمر هذه الأمة أحمرها وأسودها يجلس بين يديك، الشريف والوضيع، والعدو والصديق، والضعيف والشديد، ولكل حصته من العدل، فانظر كيف تكون عند ذلك يا عمر، إنا نذكرك يوما تبلى فيه السرائر، وتكشف فيه العورات، وتنقطع فيه الحجج، وتزاح فيه العلل، وتجب فيه القلوب، وتعنو فيه الوجوه لعزة ملك قهرهم بجبروته، فالناس له داخرون، ينتظرون قضاءه، ويخافون عقابه، ويرجون رحمته.\rوإنا كنا نتحدث على عهد نبينا ﷺ أنه سيكون فى آخر الزمان ويروى: فى هذه الأمة، رجال يكونون إخوان العلانية أعداء السريرة، وإنا نعوذ بالله أن ينزل كتابنا منك بغير المنزلة التى هو بها من أنفسنا، والسلام.\rفمضى الرسول بهذا الكتاب، وقال أبو عبيدة لمعاذ: والله ما أمرنا عمر أن نظهر وفاة أبى بكر للناس، ولا ننعاه إليهم، فما أرى أن نذكر من ذلك شيئا دون أن يكون هو يذكره. فقال له معاذ: فإنك نعم ما رأيت. فسكتا، فلم يذكرا للناس شيئا، ولم يلبثا إلا مقدار ما قدم رسول عمر إليه حتى بعث إليهما بجواب كتابهما، وبعهد أبى عبيدة، وأمره بعظة الناس. وكان جوابه عن كتابهما: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عمر أمير المؤمنين، إلى أبى عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل، سلام عليكما، فإنى أحمد إليكما الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد. فإنى أوصيكما بتقوى الله، فإنه رضاء ربكما وحفظ أنفسكما، وغنيمة الأكياس لأنفسهم عند تفريط العجزة، وقد بلغنى كتابكما تذكران أنكما عهدتمانى وأمر نفسى إلىّ مهم، وما يدريكما؟ وكتبتما تذكران أنى وليت أمر هذه الأمة، يقعد بين يدى العدو والصديق، والقوى والضعيف، ولكل علىّ حصته من العدل، وتسألانى: كيف بى عند ذلك؟ وإنه لا حول ولا قوة إلا بالله، وكتبتما تخوفانى بيوم هو آت، يوم تحبب فيه القلوب، وتعنوا فيه الوجوه، وتنقطع فيه الحجج، وتزيح فيه العلل، لعزة ملك قهرهم بجبروته، فالخلق له داخرون، ينتظرون قضاءه ويخافون عقابه، وكأن ذلك قد كان، هذا الليل والنهار، يبليان كل جديد، ويقربان كل بعيد، ويأتيان بكل موعود، حتى يكون الناس بأعمالهم فريقا فى الجنة وفريقا فى السعير، وكتبتما تذكران أنكما كنتما تحدثان على عهد رسول الله ﷺ أنه سيكون فى آخر الزمان إخوان العلانية أعداء السريرة، وأن هذا ليس بزمان ذلك، ولا أنتم أولئك، وإنما ذلكم إذا ظهرت الرغبة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084283,"book_id":3509,"shamela_page_id":846,"part":"2","page_num":217,"sequence_num":846,"body":"والرهبة، وإذا كانت رغبة الناس بعضهم إلى بعض، ورهبة بعضهم من بعض فى صلاح دنياهم، وكتبتما تعوذان بالله من أن أنزل كتابكما من قلبى سوى المكان الذى تنزلانه من قلوبكما، فإنكما كتبتما لى نظرا لى، وقد صدقتما، ولا غنى بى عن كتابكما، فتعاهدانى بكتبكما، والسلام.\rوذكر المدائنى وغيره عن صالح بن كيسان، قال: أول كتاب كتبه عمر حين ولى إلى أبى عبيدة يوليه على جند خالد بن الوليد: أوصيك بتقوى الله الذى يبقى ويفنى ما سواه، الذى هدانا من الضلالة، وأخرجنا من الظلمات إلى النور. وقد استعملتك على جند خالد بن الوليد، فقم بأمرهم الذى يحق لله عليك، لا تقدم المسلمين إلى هلكة رجاء غنيمة، ولا تنزلهم منزلا قبل أن تستريده لهم، وتعلم كيف مأتاه، ولا تبعث سرية إلا فى كثف من الناس، وإياك وإلقاء المسلمين فى الهلكة، وقد أبلاك الله وأبلى بك، فغمض بصرك عن الدنيا، وأله قلبك عنها، وإياك أن تهلكك كما أهلكت من كان قبلك، فقد رأيت مصارعهم «١» .\rوعن عباس بن سهيل بن سعد قال: قدم شداد بن أوس بعهد أبى عبيدة، فدفعه إليه، وشداد شاك، فنزل مع أبى عبيدة ومعاذ بن جبل فى منزلهما وأمرهما واحد، فكانا يقومان إليه حتى تماثل، فمكث أبو عبيدة خمس عشرة ليلة يصلى خالد بالناس ويأمر بالأمر، وما يعلم أن أبا عبيدة الأمير، حتى جاء كتاب من عمر إلى أبى عبيدة، فكره أن يخفيه، وكان فى كتابه إليه: أما بعد، فإنك فى كنف من المسلمين، وعدد يكفى حصار دمشق، فابعث سراياك فى أرض حمص ودمشق وما سواهما من الشام، ولا يبعثنك قولى هذا على أن تعرى عسكرك فيطمع فيك عدوك، ولكن نظر برأيك فما استغنيت عنه منهم فسيرهم، وما احتجت إليه منهم فاحتبسهم عندك، وليكن فيمن تحتبس عندك خالد ابن الوليد، فإنه لا غنى بك عنه، والسلام.\rفلما قرأ أبو عبيدة كتابه على الناس، قال خالد: يرحم الله أبا بكر، لو كان حيا ما عزلنى. وولى عمر فولى أبا عبيدة، فعافى الله أبا عبيدة، كيف لم يعلمنى بولايته علىّ ثم أتى أبا عبيدة، فقال له: رحمك الله، أنت الأمير والوالى علىّ ولا تعلمنى؟ وأنت تصلى خلفى والسلطان سلطانك. فقال له أبو عبيدة: ما كنت لأعلمك به أبدا حتى تعلمه من عند غيرى، وما سلطان الدنيا وإمارتها؟ فإن كل ما ترى يصير إلى زوال، وإنما نحن أخوان فإننا أمة إخوة أو أمر عليه لم يضره ذلك فى دينه ولا دنياه، بل لعل الوالى أن","footnotes":"(١) انظر: تاريخ الطبرى (٣/ ٤٣٤) ، المنتظم لابن الجوزى (٤/ ٢٣٥- ١٣٦) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084284,"book_id":3509,"shamela_page_id":847,"part":"2","page_num":218,"sequence_num":847,"body":"يكون أقربهما إلى الفتنة، وأوقعهما بالخطيئة، إلا من عصم الله، وقليل ما هم.\rذكر الخبر عما صار إليه أمر دمشق من الفتح والصلح بعد طول الحصار فى خلافة عمر بن الخطاب، على نحو ما ذكره من ذلك أصحاب فتوح الشام\rفتح دمشق «١» : قالوا: وتولى أبو عبيدة حصار دمشق، وولى خالدا القتال على الباب الذى كان عليه، وهو باب الشرقى، وولاه الخيل إذا كان يوم يجتمع فيه المسلمون للقتال، فحاصروا دمشق بعد مهلك أبى بكر ﵀، وولايته حولا كاملا، وأياما.\rوكان أهلها قد بعثوا إلى قيصر وهو بأنطاكية: أن العرب قد حاصرتنا وضيقت علينا، وليس لنا بهم طاقة، وقد قاتلناهم مرارا، فعجزنا عنهم، فإن كان لك فينا وفى السلطان علينا حاجة فأمددنا وأغثنا وعجل علينا، فإنا فى ضيق وجهد، وإلا فقد أعذرنا، والقوم قد أعطونا الأمان، ورضوا منا من الجزية باليسير.\rفأرسل إليهم: أن تمسكوا بحصنكم، وقاتلوا عدوكم، فإنكم إن صالحتموهم وفتحتم حصنكم لهم لم يفوا لكم، وأجبروكم على ترك دينكم، واقتسموكم بينهم، وأنا مسرح إليكم الجيوش فى أثر رسولى.\rفانتظروا مدده وجيشه، فلما أبطأ عليهم وألح عليهم المسلمون بالتضييق وشدة الحصار، ورأوا أن المسلمين لا يزدادون كل يوم إلا قوة وكثرة بعثوا إلى أبى عبيدة يسألونه الصلح. وكان أبو عبيدة أحب إلى الروم وسكان الشام من خالد بن الوليد، وكان أن يكون كتاب الصلح من أبى عبيدة أحب إليهم، لأنه كان ألينهما وأشدهما منهم استماعا، وأقربهما منهم قربا، وكان قد بلغهم أنه أقدمهما هجرة وإسلاما، فكانت رسل صاحب دمشق: إنما تأتى أبا عبيدة وخالد ملح على الباب الذى يليه، فأرسل صاحب دمشق إلى أبى عبيدة فصالحه، وفتح له باب الجابية، وألح خالد على باب الشرقى ففتحه عنوة، فقال لأبى عبيدة: اقتلهم واسبهم، فإنى قد فتحتها عنوة، فقال أبو عبيدة: لا، إنى قد أمنتهم «٢» .","footnotes":"(١) انظر: المنتظم لابن الجوزى (٤/ ١٤٢) ، تاريخ الطبرى (٣/ ٤٣٤) .\r(٢) انظر: تاريخ اليعقوبى (١/ ١٤٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084285,"book_id":3509,"shamela_page_id":848,"part":"2","page_num":219,"sequence_num":848,"body":"ودخل المسلمون دمشق، وتم الصلح، وجاء الجيش من قبل أنطاكية مددا لأهل دمشق، فلما قدموا بعلبك أتاهم الخبر بأن دمشق قد افتتحت، وكان عليهم در نجاران عظيمان، كل درنجار على خمسة آلاف، فكانوا عشرة آلاف، فأقاموا وبعثوا إلى ملكهم يخبرونه بالمكان الذى هم فيه، وبالخبر الذى بلغهم عن دمشق.\rوذكر أبو جعفر الطبرى «١» أن شداد بن أوس هو الذى قدم الشام بوفاة أبى بكر، ومعه محمية بن جزء ويرفأ، فوجدوا المسلمين بالواقوصة يقاتلون عدوهم، فتكتموا الخبر حتى ظفر المسلمون، فعند ذلك أخبروا أبا عبيدة بوفاة أبى بكر، وبولايته حرب الشام، وعزل خالد.\rوعن محمد بن إسحاق: أن المسلمين لما فرغوا من أجنادين ساروا إلى فحل من أرض الأردن، وقد اجتمعت به رافضة الروم، والمسلمين على أمرائهم، فاقتتلوا فهزمت الروم، ودخل المسلمون فحل، ولحقت رافضة الروم بدمشق، فسار المسلمون إلى دمشق، وعلى مقدمة الناس خالد بن الوليد، وقد اجتمعت الروم إلى رجل منهم يقال له باهان، فالتقى المسلمون والروم حول دمشق فاقتتلوا قتالا شديدا، ثم هزم الله الروم فدخلوا دمشق، وجثم المسلمون عليها فرابطوها حتى فتحت، وقد كان الكتاب قدم على أبى عبيدة بإمارته وعزل خالد، فاستحيا أبو عبيدة أن يعلم خالدا حتى فتحت دمشق وجرى الصلح على يدى خالد، وكتب الكتاب باسمه، فبعد ذلك أظهر أبو عبيدة إمارته. فلما صالحت دمشق لحق باهان صاحب الروم بهرقل» .\rوخالف سيف بن عمرو ما تقدم من المساق والتاريخ فى أمر دمشق، فذكر على ما سيأتى أن وقعة اليرموك كانت فى سنة ثلاث عشرة، وأن المسلمين ورد عليهم البريد بوفاة أبى بكر باليرموك فى اليوم الذى هزمت الروم فى آخره، وأن عمر ﵀، أمرهم بعد الفراغ من اليرموك بالمسير إلى دمشق. وزعم أن فحلا كانت بعد دمشق، خلافا لما ذكره ابن إسحاق من أنها كانت قبلها، وأن رافضة فحل هم الذين صاروا إلى دمشق «٣» .\rوأما الواقدى فزعم أن فتح دمشق كان سنة أربع عشرة، وكذا قال ابن إسحاق،","footnotes":"(١) انظر: تاريخ الطبرى (٣/ ٤٣٤) .\r(٢) انظر: تاريخ الطبرى (٣/ ٤٣٤- ٤٣٥) .\r(٣) انظر: تاريخ الطبرى (٤/ ٤٣٥- ٤٣٦) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084286,"book_id":3509,"shamela_page_id":849,"part":"2","page_num":220,"sequence_num":849,"body":"وزعم أن حصار المسلمين لها كان ستة أشهر، وأن وقعة اليرموك كانت فى سنة خمس عشرة، وبعدها فى تلك السنة بعينها جلا هرقل عن أنطاكية إلى قسطنطينية، وأنه لم يكن بعد اليرموك وقعة. وسنورد إن شاء الله مما أوردوه على اختلافه ما نبلغ به المقصود من الإمتاع وتذكير الناس بأيام الله.\rفأما خبر دمشق من رواية سيف فذكر أنه: لما هزم الله جند اليرموك، وتهافت أهل الواقوصة، وفرغ من المقاسم والأنفال، وبعث بالأخماس، وسرحت الوفود، استخلف أبو عبيدة على اليرموك بشير بن كعب بن أبى الحميرى كيلا تغتال بردة ولا تقطع الروم مواده، وخرج أبو عبيدة حتى نزل بالصفرين وهو يريد اتباع الفل، ولا يدرى أيجتمعون أو يفترقون، فأتاه الخبر بأنهم أرزوا إلى فحل، وبأن المدد قد أتى على دمشق من حمص، فهو لا يدرى أبدمشق يبدأ أم بفحل من بلاد الأردن، فكتب فى ذلك إلى عمر، وأقام بالصفرين ينتظر جوابه، وكان عمر لما جاءه فتح اليرموك أقر الأمراء على ما كان استعملهم عليه أبو بكر، إلا ما كان من عمرو بن العاص وخالد بن الوليد، فإنه ضم خالد إلى أبى عبيدة، وأمر عمرا بمعونة الناس حتى تصير الحرب إلى فلسطين، ثم يتولى حربها «١» .\rفلما جاء عمر كتاب أبى عبيدة، كتب إليه: أما بعد، فابدؤا بدمشق، وانهدوا لها، فإنها حصن الشام وبيت مملكتهم، واشغلوا عنهم أهل فحل بخيل تكون بإزائهم فى نحورهم ونحور أهل فلسطين وأهل حمص، فإن فتحها الله قبل دمشق فذلك الذى نحب، وإن تأخر فتحها حتى يفتح الله دمشق فلينزل دمشق من تمسك بها، ودعوها، وانطلق أنت وسائر الأمراء حتى تغيروا على فحل، فإن فتح الله عليكم فانصرف أنت وخالد إلى حمص، ودع شرحبيل وعمرا وأخلهما بالأردن وفلسطين، وأمير كل بلد وجند على الناس حتى يخرجوا من إمارته «٢» .\rفسرح أبو عبيدة إلى فحل عشرة فيهم أبو الأعور وعمارة بن مخش، وهو قائد الناس، وكانت الرؤساء تكون من الصحابة، فساروا من الصفرين حتى نزلوا قريبا من فحل، فلما رأت الروم أن الجنود تريدهم بثقوا المياه حول فحل، فأردغت «٣» الأرض، ثم وحلت، واغتنم المسلمون ذلك، فحبسوا عن المسلمين ثمانين ألف فارس. وبعث أبو","footnotes":"(١) انظر: تاريخ الطبرى (٣/ ٤٣٦) .\r(٢) انظر: تاريخ الطبرى (٣/ ٤٣٧- ٤٣٨) .\r(٣) أردغت: الرداغ: الوحل الشديد.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084287,"book_id":3509,"shamela_page_id":850,"part":"2","page_num":221,"sequence_num":850,"body":"عبيدة ذا الكلاع حتى كان بين دمشق وحمص ردآ. وبعث علقمة بن حكيم ومسروقا فكانا بين دمشق وفلسطين، والأمير يزيد.\rوقدم خالد وأبو عبيدة وعمرو وشرحبيل على دمشق فنزلوا حواليها وحاصروا أهلها حصارا شديدا نحوا من سبعين ليلة، وقاتلوهم قتالا عظيما بالزحوف والترامى والمجانيق، وهم معتصمون بالمدينة، يرجون الغياث، وهرقل منهم قريب بحمص، ومدينة حمص بينه وبين المسلمين وذو الكلاع بين المسلمين وبين حمص على رأس ليلة من دمشق، كأنه يريد حمص.\rوجاءت جنود هرقل مغيثة لأهل دمشق، فأشجتها الخيول التى مع ذى الكلاع وشغلتها، فلما أيقن أهل دمشق أن الأمداد لا تصل إليهم فشلوا ووهنوا وأبلسوا، وازداد المسلمون طمعا فيهم، وكانوا قبل يرون أنها كالغارات، وأنه إذا جاء البرد قفل الناس، فسقط النجم والمسلمون مقيمون، فعند ذلك انقطع رجاء الروم وندموا على دخول دمشق، واتفق أن ولد للبطريق الذى دخل على أهل دمشق مولود، فصنع عليه طعاما، فأكل القوم وشربوا، وغفلوا عن مواقفهم، ولا يشعر بذلك أحد من المسلمين إلا ما كان من خالد، فإنه كان لا ينام ولا ينيم، ولا يخفى عليه من أمرهم شىء، عيونه ذاكية وهو معنى بما يليه، قد اتخذ حبالا كهيئة السلالم وأوهاقا «١» ، فلما أمسى من ذلك اليوم نهد هو ومن معه من جنوده الذين قدم بهم، وتقدمهم هو والقعقاع بن عمرو ومذعور بن عدى وأمثالهما.\rوقالوا: إذا سمعتم تكبيرنا على السور فارقوا إلينا وانهدوا للباب وائتوا من الباب الذى كان خالد يليه، فقطعوا الخندق سبحا على ظهورهم القرب، ثم رموا بالحبال الشرف. فلما ثبت لهم وهقان تسلق القعقاع ومذعور ثم لم يدعا أحبولة إلا أثبتاها والأوهاق بالشرف، وكان المكان الذى اقتحموا منه خندقهم أحصن مكان يحيط بدمشق، أكثره ماء، وأشده مدخلا، وتوافوا لذلك، فلم يبق ممن دخل معه أحد إلا رقى أو دنا من الباب، حتى إذا استووا على السور حدر عامة أصحابه، وانحدر معهم، فكبر الذين على رأس السور، فنهد المسلمون إلى الباب، ومال إلى الحبال بشر كثير، فوثبوا فيها، وانتهى خالد إلى أول من يليه فأنامهم، وانحدر إلى الباب فقتل البوابين، وثار أهل المدينة، وفزع سائر الناس فأخذوا مواقفهم ولا يدرون من الشأن، وتشاغل أهل كل","footnotes":"(١) الأوهاق: جمع وهق، وهو الحبل فى طرفيه أنشوطة يطرح فى عنق الدابة أو الإنسان حتى يؤخذ.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084288,"book_id":3509,"shamela_page_id":851,"part":"2","page_num":222,"sequence_num":851,"body":"ناحية مما يليهم وقطع خالد ومن معه أغلاق الباب بالسيوف، وفتحوا للمسلمين، فأقبلوا عليهم من داخل حتى ما بقى مما يلى باب خالد مقاتل إلا أنيم.\rولما شد خالد على من يليه، وبلغ منهم الذى أراد عنوة أرز من أفلت إلى أهل الأبواب التى كان يليها غير خالد، وقد كان المسلمون دعوهم إلى المشاطرة فأبوا وأبعدوا، فلم يفجأهم إلا وهم يبوحون لهم بالصلح، فأجابهم المسلمون وقبلوا منهم، ففتحوا لهم الأبواب، وقالوا: ادخلوا وامنعونا من أهل ذلك الباب، فدخل أهل كل باب بصلح مما يليهم، ودخل خالد مما يليه عنوة، فالتقى خالد والقواد فى أوساطها، هذا استعراضا وانتهابا، وهذا صالحا وتسكينا، فأجروا ناحية خالد مجرى الصلح، فصار كل ذلك صالحا، وكان صلح دمشق على مقاسمة الديار والعقار، ودينار على كل رأس، وعلى جريب من كل حرث أرض، واقتسموا الأسلاب، فكان أصحاب خالد فيها كأصحاب سائر القواد، ووقف ما كان للملوك ومن صوب معهم فيئا، وقسموا لذى الكلاع ومن معه، ولأبى الأعور ومن معه، وبعثوا بالبشارة إلى عمر.\rوقدم على أبى عبيدة كتاب عمر: أن اصرف جند العراق إلى العراق، وأمرهم بالحث إلى سعد بن مالك. فأمر عليهم أبو عبيدة هاشم بن عتبة، وعلى مقدمته القعقاع بن عمرو، وعلى مجنبتيه عمرو بن مالك الزهرى، وربعى بن عامر، وخرج هاشم نحو العراق فى جند العراق، وكانوا عشرة آلاف إلا من أصيب منهم فأتموهم بأناس ممن لم يكن منهم، كقيس والأشطر، وخرج القواد نحو فحل، وخرج علقمة ومسروق إلى إيلياء، فنزلا على طريقها، وبقى بدمشق مع يزيد بن أبى سفيان من قواد أهل اليمن عدد، وبعث يزيد، دحية بن خليفة الكلبى فى خيل بعد فتح دمشق إلى تدمر، وأبا الزهراء القشيرى إلى البثنية وحوران، فصالحوهما على صلح دمشق، ووليا القيام على فتح ما بعثا إليه «١» .\rوكان الذى سار على الناس نحو فحل شرحبيل بن حسنة، على ما ذكره سيف عن أشياخه، قالوا: وبعث خالدا على المقدمة، وأبا عبيدة وعمرا على مجنبتيه، وعلى الخيل ضرار بن الأزور، وعلى الرجال عياض، وكرهوا أن يصمدوا لهرقل، وخلفهم من الروم ثمانون ألفا بإزاء فحل ينظرون إليهم، فلما انتهوا إلى أبى الأعور قدموه إلى طبرية، فحاصرها ونزلوا هم على فحل من أرض الأردن، وقد كان أهلها حين نزل بهم أبو الأعور تركوها وأرزوا إلى بيسان وجعلوا بينهم وبين المسلمين تلك المياه والأوحال،","footnotes":"(١) انظر: تاريخ الطبرى (٣/ ٤٣٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084289,"book_id":3509,"shamela_page_id":852,"part":"2","page_num":223,"sequence_num":852,"body":"وكتب المسلمون إلى عمر بالخبر، وأقاموا بفحل لا يريدون أن يريموها حتى يرجع جواب عمر، ولا يستطيعون الإقدام على العدو من مكانهم لما دونهم من الأوحال.\rوأصاب المسلمون من ريف الأردن أفضل مما فيه المشركون، مادتهم متواصلة، وخصبهم رغد، ورجاء الروم أن يكون المسلمون على غرة، فقصدوهم ليلا، والمسلمون على حذر لا يأمنون مجيئهم، وكان شرحبيل لا يبيت ولا يصبح إلا على تعبئة، فلما هجموا على المسلمين غافصوهم، ولم يناظروهم، فاقتتلوا بفحل كأشد قتال اقتتلوا قط ليلتهم ويومهم إلى الليل، فأظلم الليل عليهم وقد حاروا، فانهزموا، وقد أصيب رئيسهم سقلار بن مخراق، والذى يليه فيهم نسطورس، وظفر المسلمون بهم كأحسن الظفر وأهناه، وركبوهم وهم يرون أنهم على قصد، فوجدوهم حيارى لا يعرفون مأخذهم، فأسلمتهم هزيمتهم وحيرتهم إلى الوحل، فركبوه، ولحق بهم أوائل المسلمين وقد وحلوا فيه، فوخزوهم بالرماح وهم لا يمنعون يد لامس، وقتلوا فى الرداغ، فما أفلت من أولئك الثمانين ألفا إلا الشريد، وكان الله يصنع للمسلمين وهم كارهون، كرهوا البثوق فكانت عونا لهم على عدوهم، وآية من الله ليزدادوا بصيرة وجدا، واقتسموا ما أفاء الله عليهم، وانصرف أبو عبيدة بخالد من فحل إلى حمص، وصرفوا بشير بن كعب معهم، ومضوا بذى الكلاع ومن معه، وخلوا شرحبيل بن حسنة ومن معه «١» .\rذكر بيسان «٢»\rولما فرغ شرحبيل من وقعة فحل نهد بالناس إلى بيسان ومعه عمرو، فنزلوا عليها، وأبو الأعور والقواد معه على طبرية، وقد بلغ أفناء أهل الأردن ما لقيت دمشق، وما لقى سقلار والروم بفحل وفى الردغة، ومسير شرحبيل إليهم، فتحصنوا بكل مكان، وحصر شرحبيل أهل بيسان أياما. ثم خرجوا يقاتلونه، فقتل المسلمون من خرج إليهم منهم، وصالح بقية أهلها.\rذكر طبرية «٣»\rوبلغ أهل طبرية، فصالحوا أبا الأعور على أن يبلغهم شرحبيل، ففعل، وصالحهم","footnotes":"(١) انظر: تاريخ الطبرى (٣/ ٣٣٦- ٣٤١) .\r(٢) انظر: المنتظم لابن الجوزى (٤/ ١٤٤) ، تاريخ الطبرى (٣/ ٤٤٣) .\r(٣) انظر: المنتظم لابن الجوزى (٤/ ١٤٤) ، تاريخ الطبرى (٣/ ٤٤٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084290,"book_id":3509,"shamela_page_id":853,"part":"2","page_num":224,"sequence_num":853,"body":"شرحبيل وأهل بيسان على صلح دمشق، على أن يشاطروا المسلمين المنال فى المدائن، وما أحاط بها مما يصلها، فيدعوا لهم نصفا، ويأخذوا نصفا، وعلى كل رأس دينار كل سنة، ومن كل حرث أرض جريب بر أو شعير، أى ذلك حرث، وأشياء صالحوهم عليها. ونزلت القواد وخيولهم فيها.\rوتم صلح الأردن، وتفرقت الأمداد فى مدائنها وقراها، وكتب إلى عمر بالفتح.\rحديث مرج الروم من رواية سيف أيضا\rقال «١» : خرج أبو عبيدة بخالد بن الوليد من فحل إلى حمص، وبمن تضيف إليهم من اليرموك، فنزلوا جميعا على ذى الكلاع، وقد بلغ الخبر هرقل، فبعث توذرا البطريق حتى نزل بمرج دمشق وغربها، فبدأ أبو عبيدة بمرج الروم وجمعهم هذا به، وقد هجم الشتاء عليهم والجراح فيهم فاشية، فلما نزل على القوم بمرج الروم نازله، يوم نزل عليه شنس الرومى، فى مثل خيل توذرا، إمدادا لتوذرا وردآ لأهل حمص، فنزل فى عسكره على حدة.\rفلما كان من الليل فر توذرا، فأصبحت الأرض منه بلاقع، وكان خالد بإزائه وأبو عبيدة بإزاء شنس، وأتى خالدا الخبر برحيل توذرا إلى جهة دمشق، فأجمع رأيه ورأى أبى عبيدة أن يتبعه خالد، فأتبعه من ليلته فى جريدة، وبلغ يزيد بن أبى سفيان ما فعل توذرا، فاستقبله، فاقتتلوا، ولحق بهم خالد وهم يقتتلون، فأخذهم من خلفهم، فقتلوا من بين أيديهم ومن خلفهم، فلم يفلت منهم إلا الشريد، وقتل يزيد توذرا، وأصاب المسلمون ما شاؤا من ظهر وأداة وثياب، وقسم ذلك يزيد على أصحابه وأصحاب خالد، ثم انصرف يزيد إلى دمشق، وانصرف خالد إلى أبى عبيدة، وبعد خروج خالد فى أثر توذرا ناهد أبو عبيدة شنس، فاقتتلوا بمرج الروم، فقتلهم أبو عبيدة مقتلة عظيمة، حتى امتلأ المرج من قتلاهم، وأنتنت منهم الأرض. وقتل أبو عبيدة شنس، وهرب من هرب منهم، فلم يقلهم، وركب أقفاءهم إلى حمص.\rفهذا ما ذكر سيف من حديث دمشق، وفحل، ومرج الروم، وسائر ما ذكر معها أوردناه مهذبا مقربا، ثم نعود إلى تتمة ما وقع فى كتب فتوح الشام مما يخالف ما ذكره سيف من بعض الوجوه ليوقف على كل ما ذكروه مما اتفقوا عليه واختلفوا فيه.","footnotes":"(١) انظر: تاريخ الطبرى (٣/ ٥٩٨- ٥٩٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084291,"book_id":3509,"shamela_page_id":854,"part":"2","page_num":225,"sequence_num":854,"body":"قالوا «١» : إن أبا عبيدة لما ظهر على دمشق أمر عمرو بن العاص بالمسير إلى أرض الأردن وفلسطين، فيكون فيما بينهما، ولا يقدم على المدينتين وجمع الروم بهما، ولكن ينزل أطراف الرساتيق، ويغير بالخيل عليهم من كل جانب، ويصالح من صالحه.\rفخرج عمرو حتى واقع أرض الأردن، فلما بلغ أهل الأردن وفلسطين فتح دمشق وتوجه الجيش إليهم هالهم ذلك ورعبهم، وأشفقوا على مدائنهم أن تفتح، فاجتمع من كان بها من الروم ونزلوا من حصونهم، ووافاهم أهل البلد، وكثير من نصارى العرب، فكثر جمعهم، وكتبوا إلى قيصر يستمدونه وهو بأنطاكية، فبعث إلى أولئك الذين كان وجههم مددا لأهل دمشق فأقاموا ببعلبك لما بلغهم خبر فتحها أن يسيروا إليهم.\rوكتب عمرو إلى أبى عبيدة: أما بعد، فإن الروم قد أعظمت فتح دمشق، فاجتمعوا من نواحى الأردن وفلسطين، فعسكروا وقد تعاقدوا وتواثقوا وتحالفوا بالله: لا يرجعون إلى النساء والأولاد أو يخرجون العرب من بلادهم، والله مكذب أملهم، ومبطل قولهم، ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا. فاكتب إلىّ برأيك فى هذا الحديث، أرشد الله رأيك وسددك وأدام رشدك، والسلام.\rوقدم بهذا الكتاب رسول عمرو، وقد استشار أبو عبيدة أصحابه فى المسير بهم إلى حمص، وقال: إن الله تعالى، قد فتح هذه المدينة، يعنى دمشق، وهى من أعظم مدائن الشام، وقد رأيت أن أسير إلى حمص، لعل الله يفتحها علينا، وهذا عمرو بن العاص من ورائنا، فلسنا نتخوف أن نؤتى من هناك.\rفقال له خالد بن الوليد، ويزيد بن أبى سفيان، ومعاذ بن جبل ورؤس المسلمين:\rفإنك قد أصبت ووفقت، فسر بنا إليهم.\rفإنهم لكذلك فى هذا الرأى إذ قدم عليهم كتاب عمرو الذى تقدم، فلما قرأه أبو عبيدة ألقاه إلى خالد، وقال: قد حدث أمر غير ما كنا فيه، ثم قرأوا الكتاب على من حضرهم، فقال يزيد: أمدد عمرا ومره بمواقعة القوم وأقم أنت بمكانك. فقال أبو عبيدة:\rماذا ترى أنت يا خالد؟ قال: أرى أن تنظر ما يصنع هذا الجيش الذى ببعلبك، فإن هم ساروا منها إلى إخوانهم سرت إلى إخوانك فلقيتهم بجماعة المسلمين، وإن هم أقاموا أمددت عمرا، وبعثت إلى هؤلاء من يقاتلهم، وأقمت أنت بمكانك. فقال له: نعم ما رأيت، فسير أبو عبيدة شرحبيل بن حسنة إلى عمرو، وقال له: لا تخالفه. فخرج","footnotes":"(١) انظر: فتوح الشام للأزدى (ص ١٠٦) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084292,"book_id":3509,"shamela_page_id":855,"part":"2","page_num":226,"sequence_num":855,"body":"شرحبيل فى ألفين وثمانمائة، فقدم على عمرو، وعمرو فى ألفين وخمسمائة.\rوقال أبو عبيدة لخالد: ما لهذا الجيش النازل ببعلبك إلا أنا وأنت أو يزيد. فقال له خالد: لا، بل أنا أسير إليهم. فقال: أنت لهم.\rفبعثه أبو عبيدة فى خمسة آلاف فارس، وخرج معه يشيعه، فسار معه قليلا، فقال له خالد: ارجع رحمك الله، إلى عسكرك، فقال له: يا خالد، أوصيك بتقوى الله، وإذا أنت لقيت القوم فلا تناظرهم ولا تطاولهم فى حصونهم، ولا تذرهم يأكلون ويشربون وينتظرون أن تأتيهم أمدادهم، وإذا لقيتهم فقاتلهم، فإنك إن هزمتهم انقطع رجاؤهم، وإن احتجت إلى مدد فأعلمنى حتى يأتيك من المدد حاجتك، وإن احتجت أن آتيك بنفسى أتيتك إن شاء الله. ثم أخذ بيده فودعه، ثم انصرف عنه.\rويجىء رسول قيصر إلى الذين ببعلبك، فأمرهم باللحاق بأولئك الذين اجتمعوا ببيسان، فخرجوا إليهم، وأخرجوا معهم ناسا كثيرا من أهل بعلبك، وأتاهم ناس كثير من أهل حمص غضبا لدينهم وشفقا من أن تفتح مدينتهم كما فتحت دمشق، فخرجوا وهم أكثر من عشرين ألفا متوجهين إلى الجمع الذى ببيسان منهم، وجاء خالد حتى انتهى إلى بعلبك، فأخبر الخبر، فأغاز على نواحى بعلبك، فقتل وسبى واستاق من المغانم شيئا كثيرا، وأقبل راجعا إلى أبى عبيدة فأخبره، واجتمع رأيهم على أن يسير أبو عبيدة بجماعة الناس إلى ذلك الجمع من الروم، فقدم خالد فى ألف وخمسمائة، فارس أمامهم، وأمرهم، وأمره بالإسراع إلى عمرو وأصحابه ليشد الله بهم ظهورهم، وليرى الروم أن المسلمين قد أتوهم، فأقبل خالد مسرعا فى آثار الروم فلحقهم وقد دخل أوائلهم عسكرهم، فحمل على أخرياتهم، فقتل منهم مقتلة عظيمة، وأصاب كثيرا من أثقالهم، وأفلت من أفلت منهم منهزمين حتى دخلوا عسكرهم، وجاء خالد فى خيله حتى نزل قريبا من عمرو، ففرح المسلمون بهم، وكان عمرو يصلى بأصحابه الذين كانوا معه، وخالد يصلى بأصحاب الخيل التى أقبل فيها.\rوقعة فحل حسبما فى كتب فتوح الشام\r«١» قالوا: فلما بلغ الروم أن أبا عبيدة قد أقبل إليهم تحولوا إلى فحل فنزلوا بها، وجاء المسلمون بأجمعهم حتى نزلوا بهم، وخرج علقمة بن الأرث فجمع من أطاعه من بنى","footnotes":"(١) راجع: المنتظم لابن الجوزى (٤/ ١٤٢) ، تاريخ الطبرى (٣/ ٤٣٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084293,"book_id":3509,"shamela_page_id":856,"part":"2","page_num":227,"sequence_num":856,"body":"القين، وجاءت لخم وجذام وعاملة وغسان، وقبائل من قضاعة، فدخلوا مع المسلمين، وأخذ أهل البلد من النصارى يراسلون المسلمين، فيقدمون رجلا ويؤخرون أخرى، ويقولون: أنتم أحب إلينا من الروم وإن كنتم على غير ديننا، أنتم أوفى لنا وأرأف بنا وأكف عن ظلمنا، ولكنهم غلبونا على أمرنا، فيقول لهم المسلمون: إن هذا ليس بنافعكم عندنا ما لم تعتقدوا منا الذمة، وإنا إن ظهرنا عليكم كان لنا أن نسبيكم ونستعبدكم، وإن اعتقدتم منا الذمة سلمتم من ذلك، فكانوا يتربصون وينتظرون ما يكون من أمر قيصر، وقد بلغهم أنه بعث إلى أقاصى بلاده، وإلى كل من كان دينه ممن حوله، وأنهم فى كل يوم يقدمون عليه ويسقطون إليه، فهم ينتظرون ما يكون منه، وهم مع ذلك بموضعهم بين الثلاثين ألفا والأربعين ألفا «١» .\rوكان المسلمون حيث نزلوا بهم ليس شىء أحب إليهم من معاجلتهم، وكانوا هم ليس شىء أحب إليهم من مطاولة المسلمين رجاء المدد من صاحبهم، ولأن المسلمين ليسوا فى مثل ما الروم فيه من الخصب والكفاية.\rوأقبلت الروم يبثقون المياه بينهم وبين المسلمين ليطاولوهم، وأقبل المسلمون يخوضون إليهم الماء ويمشون فى الوحل، فلما رأى ذلك الروم، وأنه لا يمنعهم منهم شىء خرجوا فعسكروا وتيسروا للقتال، ووطنوا أنفسهم عليه، وكانوا كل يوم فى زيادة من الأمداد الواصلة إليهم.\rفأمر أبو عبيدة المسلمين حيث بلغه ذلك أن يغيروا عليهم وعلى ما حولهم من القرى والسواد والرساتيق، ففعلوا، وقطعوا بذلك المادة والميرة.\rفلما رأى ذلك ابن الجعد أتى أبا عبيدة فصالحه على سواد الأردن، وكتب له كتابا.\rوكان صفوان بن المعطل، ومعن بن يزيد بن الأخنس السليمان قد خرجا فى خيل لهما فأغارا، فغنما، فلما انصرفا عرضت لهم الروم فقاتلوهم، وإنما كان المسلمون فى نحو من مائة رجل والروم فى خمسة آلاف مع درنجار عظيم منهم، فطاردوهم وصبروا لهم، واحتسبوا فى قتالهم، ثم إن الروم غلبوهم على غنيمتهم. وجاء حابس بن سعد الطائى فى نحو من مائة رجل، فحمل عليهم فزالوا غير بعيد، ثم حملوا عليه فردوه وأصحابه حتى ألحقوهم بالمسلمين، ثم انصرفوا وقد بغوا، وهم يعدون هذا ظفرا، ولم يقتلوا أحدا، ولم يهزموا جمعا، فلما انصرفوا إلى عسكرهم أرسلوا إلى أبى عبيدة: أن","footnotes":"(١) انظر هذا الخبر وما بعده فى: تاريخ فتوح الشام للأزدى (ص ١١١- ١٣٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084294,"book_id":3509,"shamela_page_id":857,"part":"2","page_num":228,"sequence_num":857,"body":"اخرج أنت ومن معك من بلادنا التى تنبت الحنطة والشعير والفواكه والأعناب، فلستم لها بأهل، وارجعوا إلى بلادكم، بلاد البؤس والشقاء، وإلا أتيناكم فيما لا قبل لكم به، ثم لم ننصرف عنكم وفيكم عين تطرف.\rفرد عليهم أبو عبيدة: أما قولكم: أخرجوا من بلادنا فلستم لها بأهل، فلعمرى ما كنا لنخرج عنها وقد أورثناها الله ونزعها من أيديكم، وإنما البلاد بلاد الله، والعباد عباد الله، والله ملك الملوك، يؤتى الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء. وأما قولكم فى بلادنا أنها بلاد البؤس والشقاء، فصدقتم، إنها لكذلك، وقد أبدلنا الله بها بلادكم، بلاد العيش الرفيع والسعر الرخيص والجناب الخصيب، فلا تحسبونا تاركيها ولا منصرفين عنها حتى نفنيكم أو نخرجكم منها، ولكن أقيموا، فو الله لا نجشمكم أن تأتونا، ولنأتينكم إن أنتم أقمتم لنا، فلا نبرح حتى نبيد خضراءكم، ونستأصل شأفتكم إن شاء الله تعالى.\rفلما جاءهم ذلك عنهم أيقنوا بجد القوم، فأرسلوا إليهم، أن ابعثوا إلينا رجلا من صالحائكم نسأله عما تريدون وما تسألون وما تدعون إليه، ونخبره بذات أنفسنا، وندعوكم إلى حظكم إن قبلتم.\rفأرسل إليهم أبو عبيدة، معاذ بن جبل، فأتاهم على فرس له، فلما دنا منهم نزل عن فرسه، ثم أخذ بلجامه وأقبل إليهم يقوده، فقالوا لبعض غلمانهم: انطلق إليه فأمسك له فرسه، فجاء الغلام ليفعل، فقال له معاذ: أنا أمسك فرسى، لا أريد أن يمسكه أحد غيرى، وأقبل يمشى إليهم، فإذا هم على فرش وبسط ونمارق تكاد الأبصار تغشى منها، فلما دنا من تلك الثياب قام قائما، فقال له رجل منهم: أعطنى هذه الدابة أمسكها لك، وادن أنت فاجلس مع هذه الملوك مجالسهم، فإنه ليس كل أحد يقدر أن يجلس معهم، وقد بلغهم عنك صلاح وفضل فيمن أنت منه، فهم يكرهون أن يكلموك جلوسا وأنت قائم.\rفقال لهم معاذ، والترجمان يفسر لهم ما يقول: إن نبينا ﷺ أمرنا أن لا نقوم لأحد من خلق الله، ولا يكون قيامنا إلا الله فى الصلاة والعبادة والرغبة إليه، فليس قيامى هذا لكم، ولكن قمت إعظاما للمشى على هذه البسط والجلوس على هذه النمارق التى استأثرتم بها على ضعفائكم، وإنما هى من زينة الدنيا وغرورها، وقد زهد الله فى الدنيا وذمها، ونهى عن البغى والسرف فيها، فأنا أجلس هاهنا على الأرض، وكلمونى أنتم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084295,"book_id":3509,"shamela_page_id":858,"part":"2","page_num":229,"sequence_num":858,"body":"بحاجتكم من ثم، وأقيموا الترجمان بينى وبينكم، يفهمنى ما تقولون، ويفهمكم ما أقول، ثم أمسك برأس فرسه وجلس على الأرض عند طرف البساط. فقالوا له: لو دنوت فجلست معنا كان أكرم لك، إن جلوسك مع هذه الملوك على هذه المجالس مكرمة لك، وإن جلوسك على الأرض متنحيا صنيع العبد بنفسه، فلا نراك إلا قد أزريت بنفسك.\rفلما أخبره الترجمان بمقالتهم جثا على ركبتيه واستقبل القوم بوجهه، وقال للترجمان:\rقل لهم: إن كانت هذه المكرمة التى تدعوننى إليها استأثرتم بها على من هو مثلكم إنما هى للدنيا، فلا حاجة لنا فى شرف الدنيا ولا فى فخرها، وإن زعمتم أن هذه المجالس والدنيا التى فى أيدى عظمائكم وهم مستأثرون بها على ضعفائكم مكرمة لمن كانت فى يده منكم عند الله، فهذا خطأ من قولكم، وجور من فعلكم، ولا يدرك ما عند الله بالخطأ، ولا بخلاف ما جاء به الأنبياء عن الله من الزهادة فى الدنيا.\rوأما قولكم إن جلوسى على الأرض متنحيا صنيع العبد بنفسه، ألا فصنيع العبد بنفسه صنعت، أنا عبد من عبيد الله جلست على بساط الله، ولا أستأثر من مال الله بشىء على إخوانى من أولياء الله، وأما قولكم أزريت بنفسى فى مجلسى، فإن كان ذلك إنما هو عندكم وليس كذلك عند الله، فلست أبالى كيف كانت منزلتى عندكم إذا كنت عند الله على غير ذلك، وإن قلتم أن ذلك عند الله فقد أخطأتم خطأ بينا، لأن أحب عباد الله إلى الله المتواضعون لله القريبون من عباد الله، الذين لا يشغلون أنفسهم بالدنيا، ولا يدعون التماس نصيبهم من الآخرة.\rفلما فسر لهم الترجمان هذا الكلام نظر بعضهم إلى بعض وتعجبوا مما سمعوا منه، وقالوا لترجمانهم: قل له: أنت أفضل أصحابك؟ فلما قال له، قال: معاذ الله أن أقول ذلك، وليتنى لا أكون شرهم، فسكتوا عنه ساعة لا يكلمونه، وتكلموا فيما بينهم، فلما رأى ذلك قال لترجمانهم: إن كانت لهم حاجة فى كلامى وإلا انصرفت عنهم، فلما أخبرهم قالوا: قل له: أخبرونا ما تطلبون؟ وإلام تدعون؟ ولماذا دخلتم بلادنا وتركتم أرض الحبشة وليسوا منكم ببعيد، وأهل فارس وقد هلك ملكهم وهلك ابنه، وإنما يملكهم اليوم النساء، ونحن ملكنا حى وجنودنا عظيمة، وإن أنتم افتتحتم من مدائننا مدينة أو من قرانا قرية أو من حصوننا حصنا أو هزمتم لنا جندا أظننتم أنكم ظفرتم بجماعتنا أو قطعتم عنكم حربنا وفرغتم مما وراءنا، ونحن عدد نجوم السماء وحصى الأرض؟ وأخبرونا بم تستحلون قتالنا وأنتم تؤمنون بنبينا وكتابنا؟.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084296,"book_id":3509,"shamela_page_id":859,"part":"2","page_num":230,"sequence_num":859,"body":"فلما قالوا هذا القول وفسره الترجمان لمعاذ، سكتوا، فقال معاذ للترجمان: أقد فرغوا؟\rقال: نعم، قال: فأفهم عنى، إن أول ما أنا ذاكر: حمدا لله الذى لا إله إلا هو، والصلاة على محمد ﷺ وأول ما أدعوكم إليه أن تؤمنوا بالله وحده، وبمحمد ﷺ وأن تصلوا صلاتنا، وتستقبلوا قبلتنا، وأن تستسنوا بسنة نبينا، وتكسروا الصليب، وتجتنبوا شرب الخمر وأكل لحم الخنزير، ثم أنتم منا ونحن منكم، وأنتم إخواننا فى ديننا، لكم ما لنا وعليكم ما علينا، وإن أبيتم، فأدوا الجزية فى كل عام إلينا عن يد وأنتم صاغرون، فإن أنتم أبيتم هاتين الخصلتين فليس شىء مما خلق الله نحن قابلوه منكم، فابرزوا إلينا حتى يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين، فهذا ما نأمركم به وما ندعوكم إليه.\rوأما قولكم: ما أدخلكم بلادنا وتركتم أرض الحبشة وليسوا منكم ببعيد، وأهل فارس وقد هلك ملكهم، فإنى أخبركم عن ذلك، ما بدأنا بقتالكم أن يكونوا آثر عندنا منكم، إنكم جميعا لسواء، وما حابيناهم بالكف عنهم إذ بدأنا بكم، ولكن الله ﵎، أنزل فى كتابه على نبينا ﷺ: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً [التوبة: ١٢٢] ، فكنتم أقرب إلينا منهم، فبدأنا بكم لذلك، ثم لقد أتتهم طائفة منا بعدنا، فإنهم اليوم ليقاتلونهم، وإنا لنرجو أن يعزهم الله ويفتح عليهم، وأما قولكم: إن ملكنا حى، وإن جنودنا عظيمة، وإنا عدد نجوم السماء وحصى الأرض وتؤيسونا من الظهور عليكم، فإن الأمر فى ذلك ليس إليكم، وإن الأمور كلها لله، وكل شىء فى قبضته وقدرته، وإذا أراد شيئا فإنما يقول له كن فيكون، فإن يكن ملككم هرقل فإنما ملكنا نحن الله ﵎، وأميرنا رجل منا، إن عمل فينا بكتاب ربنا وسنة نبينا أقررناه، وإن غير عزلناه، ولا يحتجب منا، ولا يتكبر علينا، ولا يستأثر علينا فى فيئنا الذى أفاء الله ﷿، علينا، وهو فيه كرجل منا. وأما جنودنا، فإنها وإن عظمت وكثرت حتى تكون أكثر من نجوم السماء وحصى الأرض، فإنا لا نثق بها ولا نتكل عليها، ولكنا نتبرأ من الحول والقوة، ونتوكل على الله ونثق به، وكم من فئة قليلة قد أعزها الله ونصرها وأعانها، وكم من فئة كثيرة قد أذلها الله سبحانه، وأهانها قال الله ﵎: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة: ٢٤٩] .\rوأما قولكم: كيف تستحلون قتالنا وأنتم مؤمنون بنبينا وكتابنا، فأنا أخبركم عن ذلك: نحن نؤمن بنبيكم، ونشهد أنه عبد من عباد الله ورسول من رسل الله، وأن مثله عند الله كمثل آدم خلقه من تراب، ثم قال له كن فيكون، ولا نقول: إنه الله، ولا أنه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084297,"book_id":3509,"shamela_page_id":860,"part":"2","page_num":231,"sequence_num":860,"body":"ثانى اثنين ولا ثالث ثلاثة، ولا أن لله ﷿، ولدا ولا صاحبة، ولا أن مع الله آلهة أخرى، لا إله إلا هو، تعالى عما تقولون علوا كبيرا، وأنتم تقولون فى عيسى قولا عظيما، ولو أنكم قلتم فى عيسى كما نقول، وآمنتم بنبوة نبينا ﷺ كما تجدونه فى كتابكم، وكما نؤمن نحن بنبيكم، وأقررتم بما جاء به من عند الله، ووحدتم الله، ما قاتلناكم، بل سالمناكم وواليناكم وقاتلنا عدوكم معكم.\rفلما فرغ معاذ من مخاطبتهم قالوا له: ما نرى ما بيننا وبينكم إلا متباعدا، وقد بقيت خصلة ونحن عارضوها عليكم، فإن قبلتموها منا فهو خير لكم، وإن أبيتم فهو شر لكم:\rنعطيكم البلقاء وما والى أرضكم من سواد الأردن، وتتحولون عن بقية أرضنا، وعن مدائننا، ونكتب عليكم كتابا نسمى فيه خياركم وصالحاءكم، ونأخذ فيه عهودكم ومواثيقكم أن لا تطلبوا من أرضنا غير ما صالحناكم عليه، وعليكم بأهل فارس فقاتلوهم ونحن نعينكم عليهم حتى تقتلوهم أو تظهروا عليهم.\rفقال لهم معاذ: هذا الذى تعطوننا هو كله فى أيدينا، ولو أعطيتمونا جميع ما فى أيديكم مما لم نظهر عليه ومنعتمونا خصلة من الخصال الثلاث التى وصفت لكم ما فعلنا. فغضبوا، وقالوا: أنتقرب منكم وتتباعد منا، اذهب إلى أصحابك، فو الله إنا لنرجو أن نقرنكم غدا فى الحبال. فقال معاذ: أما فى الحبال فلا، ولكن والله لتقتلننا عن آخرنا أو لنخرجنكم منها أذلة وأنتم صاغرون.\rثم انصرف إلى أبى عبيدة فأخبره بما قالوا وما رد عليهم. فإنهم لكذلك إذ بعثوا إلى أبى عبيدة: إنك بعثت إلينا رجلا لا يقبل النصف، ولا يريد الصلح، فلا نرى أعن رأيك ذلك أم لا، وإنا نريد أن نبعث إليك رجلا منا يعرض عليك النصف، ويدعوك إلى الصلح، فإن قبلت ذلك منه فلعله يكون خيرا لنا ولك، وإن أبيت فلا نراه إلا شرا لك «١» .\rفقال لهم أبو عبيدة: ابعثوا من شئتم. فبعثوا إليه رجلا منهم، طويلا أحمر أزرق، فلما جاء المسلمين لم يعرف أبا عبيدة من القوم، ولم يدر أفيهم هو أم لا، ولم ير هيبة مكان أمير، فقال: يا معشر العرب، أين أميركم؟ قالوا له: هو ذا، فنظر فإذا هو بأبى عبيدة جالسا على الأرض عليه الدرع، وهو متنكب القوس، وفى يده أسهم يقلبها، فقال له:\rأنت أمير هؤلاء الناس؟ قال: نعم، قال: فما جلوسك على الأرض؟ أرأيت لو كنت","footnotes":"(١) انظر: تاريخ فتوح الشام للأزدى (١١٣) وما بعدها.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084298,"book_id":3509,"shamela_page_id":861,"part":"2","page_num":232,"sequence_num":861,"body":"جالسا على وسادة، أو كان تحتك بساط، أكان ذلك واضعك عند الله أو مباعدك من الإحسان؟.\rفقال أبو عبيدة: إن الله لا يستحى من الحق، لأصدقنك عما قلت، ما أصبحت أملك دينارا ولا درهما، وما أملك إلا فرسى وسلاحى، ولقد احتجت أمس إلى نفقة فلم تكن عندى حتى استقرضت أخى هذا يعنى معاذا، نفقة كانت عنده، فأقرضنيها، ولو كان عندى أيضا، بساط أو وسادة ما كنت لأجلس عليه دون أصحابى وإخوانى، وأجلس على الأرض أخى المسلم الذى لا أدرى لعله عند الله خير منى، ونحن عباد الله نمشى على الأرض، ونأكل على الأرض، ونجلس عليها، ونضطجع عليها، وليس بناقصنا ذلك عند الله شيئا، بل يعظم الله به أجورنا، ويرفع به درجاتنا. هات حاجتك التى جئت لها.\rفقال الرومى: إنه ليس شىء أحب إلى الله من الإصلاح، ولا أبغض إليه من البغى والفساد، وإنكم قد دخلتم بلادنا فظهر منكم فيها الفساد والبغى، وقل ما بغى قوم وأفسدوا فى الأرض إلا عمهم الله بهلاك، وإنا نعرض عليكم أمرا فيه حظ إن قبلتموه:\rإن شئتم أعطيناكم دينارين دينارين، وثوبا ثوبا، وأعطيناك أنت ألف دينار، ونعطى الأمير الذى فوقك يعنون عمر بن الخطاب، ألفى دينار، وتنصرفون عنا، وإن شئتم أعطيناكم البلقاء وما إلى أرضكم من سواد الأردن، وخرجتم من مدائننا وأرضنا، وكتبنا فيما بيننا وبينكم كتابا يستوثق فيه بعضنا من بعض بالأيمان المغلظة لتقومن بما فيه ولنفين بما عاهدنا الله عليه.\rفقال أبو عبيدة: إن الله تعالى، بعث فينا رسولا تنبأه، وأنزل عليه كتابا حكيما، وأمره أن يدعو الناس إلى عبادته رحمة منه للعالمين، فقال لهم: إن الله إله واحد عزيز حكيم، علىّ مجيد، وهو خالق كل شىء، وليس كمثله شىء، فوحدوا الله الذى لا إله إلا هو، ولا تتخذوا معه إلها آخر، فإن كل شىء يعبده الناس دونه فهو خلقه، وإذا أتيتم المشركين فادعوهم إلى الإيمان بالله ورسوله والإقرار بما جاء به من ربه، فمن آمن وصدق فهو أخوكم فى دينكم، له ما لكم وعليه ما عليكم، ومن أبى فاعرضوا عليهم أن يؤدوا الجزية عن يد وهم صاغرون، فإن أبوا أن يؤمنوا أو يؤدوا الجزية فقاتلوهم، فإن قتيلكم المحتسب بنفسه شهيد عند الله فى جنات النعيم، وقتيل عدوكم فى النار، فإن قبلتم ما سمعتم فذاكم، وإن أبيتم فابرزوا إلينا حتى يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين.\rقال الرومى: فقد أبيتم إلا هذا. فقال أبو عبيدة: نعم. فقال: أما والله على ذلك إنى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084299,"book_id":3509,"shamela_page_id":862,"part":"2","page_num":233,"sequence_num":862,"body":"لأراكم ستتمنون أنكم قبلتم منا دون ما عرضنا عليكم. فقال أبو عبيدة: لا والله، لا نقبل هذا منك ولا من غيرك أبدا، فانصرف الرومى رافعا يديه إلى السماء يقول: اللهم إنا قد أنصفناهم فأبوا، اللهم فانصرنا عليهم. ووثب أبو عبيدة مكانه، فسار فى الناس، وقال: أصبحوا أيها الناس وأنتم تحت راياتكم وعلى مصافكم. فأصبح الناس وخرجوا على تعبئتهم ومصافهم «١» .\rوكتب أبو عبيدة إلى عمر: لعبد الله عمر أمير المؤمنين، من أبى عبيدة بن الجراح.\rسلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد. فإن الروم قد أقبلت، فنزلت طائفة منهم فحلا مع أهلها، وقد سارع إليهم أهل البلد، ومن كان على دينهم من العرب، وقد أرسلوا إلىّ: أن اخرجوا من بلادنا، فإنكم لستم لهذه البلاد التى تنبت الحنطة والشعير والفواكه والأعناب أهلا، والحقوا ببلادكم، بلاد الشقاء والبؤس، فإن أنتم لم تفعلوا سرنا إليكم بما لا قبل لكم به، ثم أعطينا الله عهدا أن لا ننصرف عنكم وفيكم عين تطرف، فأرسلت إليهم:\rأما قولكم: اخرجوا من بلادنا، فلستم لما تنبت أهلا، فلعمرى ما كنا لنخرج عنها وقد أورثناها الله تعالى، ونزعها من أيديكم، وإنما البلاد بلاد الله، والعباد عباد الله، وهو سبحانه ملك الملوك، يؤتى الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء.\rوأما ما ذكرتم من بلادنا، وزعمتم أنها بلاد البؤس والشقاء، فقد صدقتم، وقد أبدلنا الله بها بلادكم، بلاد العيش الرفيع، والسعر الرخيص، والجناب الخصيب، فلا تحسبونا تاركيها ولا منصرفين عنها، ولكن أقيموا لنا، فو الله لا نجشمكم إتياننا ولنأتينكم إن أقمتم لنا.\rوكتبت إليك حين نهضت إليهم متوكلا على الله، راضيا بقضاء الله، واثقا بنصر الله، فكفانا الله وإياك كيد كل كائد، وحسد كل حاسد، ونصر الله أهل دينه نصرا عزيزا، وفتح لهم فتحا يسيرا، وجعل لهم من لدنه سلطانا نصيرا، والسلام عليك.\rودفع أبو عبيدة هذا الكتاب إلى نبطى من أنباط الشام، وقال له: ائت به أمير المؤمنين، ثم نهض هو إلى الروم بجماعة المسلمين، فدنا منهم، وتعرضت خيل المسلمين لهم، فلم يخرجوا يومئذ، فانصرف المسلمون عنهم من غير قتال، وتأخر النبطى عن","footnotes":"(١) انظر: تاريخ فتوح الشام للأزدى (١١٤) وما بعدها.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084300,"book_id":3509,"shamela_page_id":863,"part":"2","page_num":234,"sequence_num":863,"body":"المسير حتى انصرف المسلمون، فذهب عند ذلك بالكتاب. وقد كان أبو عبيدة بعثه أول النهار، فلما قدم على عمر ﵀، وقرأ كتابه، قال له: ويحك، هل علمت أو بلغت ما كان من أمر المسلمين، فإن أبا عبيدة كتب إلىّ يخبرنى أنه كتب إلىّ حين نهض إلى المشركين؟ فقال له: أصلحك الله، فإنى لم أبرح يومئذ حتى رجع المسلمون عنهم، وكانوا زحفوا إليهم، وتعرضت خيلهم لهم، فلم يخرج النصارى إليهم، فانصرف المسلمون إلى عسكرهم، وهم أطيب شىء أنفسا وأحسن شىء حالا.\rقال: فأنت ما حبسك يومئذ، إلى العشى لم تقبل بالكتاب وقد دفعه إليك أبو عبيدة أول النهار؟ قال: ظننت أنك ستسألنى عما سألتنى عنه الساعة، فأحببت أن يكون عندى علم ما تسألنى عنه. قال له عمر: ويحك، ما دينك؟ قال: نصرانى، قال: ويحك، أفما يدلك عقلك هذا الذى أرى على أن تسلم، ويحك أسلم فهو خير لك. قال: فقد أسلمت. فقال عمر: الحمد لله الذى يهدى من يشاء إذا يشاء، ثم كتب معه إلى أبى عبيدة بن الجراح: سلاح عليك، فإنى أحمد إليك الله لا إله إلا هو. أما بعد، فإن كتابك جاءنى بنفير الروم إليك، ومنزلهم الذى نزلوا به، ورسالتهم التى أرسلوها، وبالذى رجعت إليهم فيما سألوك، وقد سددت بحجتك، وأوتيت رشدك، فإن أتاكم كتابى هذا وأنتم الغالبون فكثيرا ما يكون من ربنا الإحسان، وإن أتاكم وقد أصابكم نكب أو قرح فلا تهنوا ولا تحزنوا ولا تستكينوا، وأنتم الأعلون، وإنها دار الله، وهو فاتحها عليكم فاصبروا إن الله مع الصابرين، واعلم أنك متى لقيت عدوك فاستعنت بالله عليهم وعلم منك الصدق نصرك عليهم، فقل إذا أنت لقيتهم: اللهم أنت الناصر لدينك، المعز لأوليائك، الناصر لهم قديما وحديثا، اللهم فتول نصرهم، وأظهر فلجهم، ولا تكلهم إلى أنفسهم فيعجزوا عنها، وكن أنت الصانع لهم والمدافع عنهم برحمتك، إنك أنت الولى الحميد.\rفأقبل الرسول بهذا إلى أبى عبيدة، وكان أبو عبيدة بعد ذلك اليوم الذى زحف فيه إلى الروم فلم يخرجوا إليه، سرح إليهم من الغد خالدا فى الخيل، ولم يخرج أبو عبيدة يومئذ فى الرجالة، فخرجت إلى خالد خيل لهم عظيمة، فأقبلت نحوه، فقال لقيس بن هبيرة، وكان من أشد الناس بأسا، وأشده نكاية فى العدو، ومباشرة لهم بعد خالد: يا قيس، اخرج إلى هذا الخيل. فخرج إليهم قيس، فحمل عليهم مرارا، وحملوا عليه، فقاتلهم قتالا شديدا، ثم أقبلت خيل أخرى عظيمة للروم، فقال خالد لميسرة بن مسروق: اخرج إليهم، فخرج ميسرة فقاتلهم قتالا شديدا، ثم خرجت إليهم من الروم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084301,"book_id":3509,"shamela_page_id":864,"part":"2","page_num":235,"sequence_num":864,"body":"خيل عظيمة، هى أعظم من الخيلين جميعا، عليها بطريق عظيم من بطارقتهم، فجاء حتى إذا دنا من خالد، أمر بشطر خيله، فحملت على خالد وأصحابه، فلم يتخلخل أحد منهم، ثم إنه جمعهم جميعا، فحمل بهم، فلم يبرح أحد من المسلمين، فلما رأى ذلك الرومى انصرف.\rفقال خالد لأصحابه: إنه لم يبق من جد القوم ولا حدهم ولا قوتهم إلا ما قد رأيتم، فاحملوا معى يا أهل الإسلام حملة واحدة واتبعوهم ولا تقلعوا عنهم رحمكم الله. ثم حمل عليهم خالد بمن معه، فكشف من يليه منهم، وحمل قيس بن هبيرة على الذين كانوا يلونه فهزمهم وكشفهم، وحمل ميسرة على الذين كانوا يلونه، فهزمهم، واتبعهم المسلمون يقتلونهم ويقصفون بعضهم على بعض، حتى اضطروهم إلى عسكرهم وقد رأوا ما أصابهم، فانكسروا ووهنوا وهابوا المسلمين هيبة شديدة، وانصرف المسلمون إلى عسكرهم وقد قرت أعينهم، واجتمعوا إلى أبى عبيدة وهم مسرورون بما أراهم الله فى عدوهم من عونه لهم عليهم فقال له خالد: إن هزيمتنا خيل المشركين قد دخل رعبها قلوب جماعتهم، فكلهم قلبه مرعوب متخوف لمثلها منا مرة أخرى، فناهض القوم غدا بالغداة ما دام رعب هذه الهزيمة فى قلوبهم، فإنك إن أخرت قتالهم أياما ذهب رعبها من قلوبهم واجترؤوا علينا. قال أبو عبيدة: فانهضوا على بركة الله غدا بالغداة.\rقال عمرو بن مالك القيسى: ولم يكن شىء أحب إلى الروم من التطويل ودفع الحرب، انتظارا لمدد، ولا شىء أحب إلى المسلمين من المناجزة وتعجيل الفراغ.\rوقال عبد الله بن قرط: لما كانت الليلة التى خرجنا فى صبيحتها إلى أهل فحل، خرج إلينا أبو عبيدة فى الثلث الباقى من الليل، فلم يزل يعبئ الناس ويحرضهم حتى إذا أصبح صلى بالناس، فكان إلى التغليس أقرب منه إلى التنوير، ثم إنه جعل على ميمنته معاذ بن جبل، وعلى ميسرته هاشم بن عتبة، وعلى الرجالة سعيد بن زيد، وعلى الخيل خالد بن الوليد، ثم زحف أبو عبيدة بالناس، وأخذوا يزفون زفا رويدا على رسلهم.\rوركب أبو عبيدة فاستعرض الصف من أوله إلى آخره، يقف على كل راية وكل قبيلة، ويقول: عباد الله، استوجبوا من الله النصر بالصبر، فإن الله مع الصابرين، عباد الله، ليبشر من قتل منكم بالشهادة، ومن بقى بالنصر والغنيمة، ولكن وطنوا أنفسكم على القتال والطعن بالرماح، والضرب بالسيوف، والرمى بالنبل، ومعانقة الأقران، فإنه والله ما يدرك ما عند الله إلا بطاعته والصبر فى المواطن المكروهة التماس رضوانه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084302,"book_id":3509,"shamela_page_id":865,"part":"2","page_num":236,"sequence_num":865,"body":"وتقدم خالد فى الخيل حتى أطل على الروم، فلما رأوه خرجوا إليه فى الخيل والرجل جميعا، وقالوا: إن العرب أفرس على الخيل منا، وخيلنا لا تكاد تثبت لخيلهم، فاخرجوا إليهم فى الخيل والرجال، وكان خالد قد هزم خيلهم بالأمس، فكان ذلك أيضا، مما حملهم على الخروج على هذه التعبئة، خرجوا وهم خمسة صفوف، فأول صف من صفوفهم جعلوا فيه الفارس بين راجلين: رامح وناشب، وجعلوا صفا من الخيل وراء هذا الصف، وجعلوا له مجنبتين.\rثم صفوا ثلاثة صفوف أخر رجالا كلهم، ثم أقبلوا نحو المسلمين، وهم نحو خمسين ألفا. فكان أول من لقيهم خالد بن الوليد فى الخيل، فأخذ لا يجد عليهم مقدما، وأخذوا يزحفون إليه ويرشقونه بالنشاب، وجعل ينكص هو وأصحابه وراءهم، وأخذت الروم تقدم عليهم وهم يتأخرون، حتى انتهوا إلى صفهم، ودافعت أعجاز كثير من خيلهم صدور رجالهم، ثم إن خالدا بعث إلى قيس بن هبيرة: أن اخرج فى خيلك حتى تأتى ميسرتهم فتحمل عليها، وقال لميسرة بن مسروق: قف قبالة صفهم فى خيلك، وضمها إليك كتيبة واحدة، فإذا رأيتنا قد حملنا وانتقض صفهم فاحمل على من يليك منهم.\rوكان خالد قسم خيله أثلاثا، فجعل للمرادى قيس بن هبيرة، ثلثها، ولميسرة بن مسروق العبسى ثلثها، وكان هو فى ثلثها، فخرج خالد فى ثلث الخيل التى معه حتى انتهى إلى ميمنتهم، فعلاها، حتى إذا ارتفع عليهم أخرجوا إليه خيلا لهم، كما تشغله وأصحابه، فلما دنت منه، قال: الله أكبر، الله أخرجهم لكم من رجالتهم، شدوا عليهم، ثم استعرضهم فشد عليهم، وشد معه أصحابه بجماعة خيلهم، فهزمهم الله، ووضعوا السلاح والسيوف فيهم حيث شاؤا، فصرعوا منهم أكثر من سبعين قبل أن ينتهوا إلى ميمنتهم، وارتفع قيس بن هبيرة إلى ميسرتهم، فأخرجوا إليه خيلا كما صنعوا بخالد، فحمل عليهم قيس، فهزمهم وضربهم حتى انتهى إلى ميسرتهم، وقتل منهم بشر كثير، وقتلى عظيمة، وكان واثلة بن الأسقع فى خيل قيس بن هبيرة، فخرج له بطريق من كبارهم، فبرز واثلة وهو يقول فى حملته:\rليث وليث فى مجال ضنك ... كلاهما ذو أنف ومعك\rأجول جول صارم فى العرك ... أو يكشف الله قناع الشك\rمع ظفرى بحاجتى ودركى\rثم حمل على البطريق فضربه ضربة قتله بها، وحملوا بأجمعهم حتى اضطروا الروم إلى عسكرهم، ووقفوا بإزائهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084303,"book_id":3509,"shamela_page_id":866,"part":"2","page_num":237,"sequence_num":866,"body":"قال هاشم بن عتبة ﵀: والله لقد كنا أشفقنا يومئذ، على خيلنا أول النهار، ثم أحسن الله، فما هو إلا أن رأينا خيلنا قد نصرها الله على خيلهم، فدعوت الناس إلىّ وأمرتهم بتقوى الله، ثم نزلت، فهززت رايتى، ثم قلت: والله لا أردها حتى أركزها فى صفهم، فمن شاء فليتبعنى، ومن شاء فليتخلف عنى، قال: فو الذى لا إله غيره، ما أعلم أن أحدا من أصحاب رايتى تخلف عنى، حتى انتهيت إلى صفهم، فنضحونا بالنشاب، فجثونا على الركب واتقيناهم بالدرق.\rثم ثرت بلوائى وقلت لأصحابى: شدوا عليهم أنا فداؤكم، فإنها غنيمة الدنيا والآخرة، فشددت وشدوا معى، فأستقبل عظيما منهم قد أقبل نحوى فأوجزه الرمح، فخر ميتا، وضاربناهم بالسيوف ساعة فى صفهم، وحمل عليهم خالد من قبل ميسرتهم فقتلهم قتلا ذريعا، وانتقضت صفوفهم من قبل خالد ومن قبلى، ونهد إليهم أبو عبيدة بالناس، وأمر الخيل التى كانت تليه من خيل خالد، فحملت عليهم، فكانت هزيمتهم «١» .\rوقال عمرو بن مالك القينى عن أبيه: كان منا رجل له فينا منزلة وحال حسنة، قال:\rفقلت فى نفسى: قد بلغنى أن صاحب العرب هذا، يعنى أبا عبيدة، رجل صدق، فو الله لآتينه فلأصحبنه ولأتعلمن منه. قال: فكنت آتيه وأخرج معه إذا خرج إلى عسكره، فلما كان ذلك اليوم أقبل حتى كان إلى جنب أبى عبيدة، فألظ به لا يفارقه، قال: فو الله لرأيته يقص علينا، ويقول: كونوا عباد الله أولياء الله، وارغبوا فيما عند الله أشد من رغبتكم فى الدنيا، ولا تواكلوا فتخاذلوا، وليغن كل رجل منكم قرنه، وأقدموا إقدام من يريد بإقدامه ثواب الله، ولا يكن من لقيكم من عدوكم أصبر على باطلهم منكم على حقكم، ثم نهض يمشى إليهم، ونهض المسلمون معه تحت راياتهم ببصيرة وسكينة ودعة وحسن رعة، وحمل قيس بن هبيرة على الروم من قبل ميسرتهم، فقصف بعضهم على بعض «٢» .\rوعن يحيى بن هانئ المرادى: أن قيسا قطع يومئذ ثلاثة أسياف، وكسر بضعة عشر رمحا، وكان يقاتل ويقول:\rلا يبعدن كل فتى كرار ... ماضى الجنان شاحب صبار\rحين تهم الخيل بالإدبار ... يقدم إقدام الشجاع الضارى","footnotes":"(١) انظر: تاريخ فتوح الشام للأزدى (١٢٣- ١٢٤) .\r(٢) انظر: تاريخ فتوح الشام (١٣٤- ١٣٥) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084304,"book_id":3509,"shamela_page_id":867,"part":"2","page_num":238,"sequence_num":867,"body":"وقال سالم بن ربيعة: حمل ميسرة بن مسروق يومئذ، ونحن معه فى الخيل، فحملنا على القلب وقد أخذ صف الروم ينتقض من قبل ميسرتهم وميمنتهم، ولم ينته الانتقاض إلى القلب بعد، فثبتوا لنا، وقاتلونا قتالا شديدا، فصرع ميسرة عن فرسه، وصرعت معه، وجرح فرسى فعار، ويعتنق ميسرة رجلا من الروم، فاعتركا ساعة، فقتله ميسرة، ثم شد عليه آخر وقد أعيى ميسرة، فاعتركا ساعة، فصرعه الرومى وجلس على صدره، وأشد عليه، فأضرب وجه الرومى بالسيف، فأطرت قحفه، فوقع ميتا، ووثب ميسرة وانبرى إلى رجل منهم، فضربنى ضربة دير بى منها، ويضربه ميسرة فيصرعه، وركبنا منهم عدد كثير، فأحاطوا بنا، وظننا والله أنه الهلاك، إذ نظرنا فإذا نحن نسمع نداء المسلمين وتكبيرهم، وإذا صفوفهم قد انتهت إلينا، وراياتهم قد غشيتنا، فكبرنا، واشتدت ظهورنا، فانقشع الروم عنا، وحمل عليهم خالد من قبل ميمنتهم، فدق بعضهم على بعض حتى دخلوا عسكرهم «١» .\rوعن نوفل بن مساحق، عن أبيه: أن خالدا قاتل يومئذ، قتالا شديدا ما قاتل مثله أحد من المسلمين، وما كان إلا حديثا ومثلا لمن حضره، ولقد كان يستعرض صفوفهم وجماعتهم، فيحمل عليهم حتى يخالطهم، ثم يجالدهم حتى يفرقهم، ويهزمهم، ويكثر القتل فيهم.\rقال: ولقد سمعت من يزعم أنه قتل فى ذلك اليوم أحد عشر رجلا من الروم من بطارقتهم وأشدائهم وأهل الشجاعة منهم، وكان يقاتلهم ويقول «٢» :\rأضربهم بصارم مهند ... ضرب صليب الدين هاد مهتد\rلا واهن الحول ولا مفند\rوعن سهل بن سعد قال: كان معاذ بن جبل يومئذ من أشد الناس بأسا، وكان يقول:\rيا أهل الإسلام، إن هذا اليوم لما بعده من الأيام، غضوا أبصاركم رحمكم الله، وأقدموا إقدام الأسد على عدوكم، ولا تفارقوا راياتكم، ولا تزولوا عن مصافكم، وسوقوهم سوقا عنيفا، ولا تشاغلوا عنهم بغنائمهم، ولا بما فى عسكرهم، فإنى أخاف أن يكون لهم عليكم عطفة فلا تقوم لكم بعدها قائمة إن تفرقتم وشغلتكم غنائمهم، فاطلبوهم حتى لا تروا لهم جمعا ولا صفا.","footnotes":"(١) انظر: تاريخ فتوح الشام (١٣٥- ١٣٦) .\r(٢) انظر: تاريخ فتوح الشام (١٣٦) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084305,"book_id":3509,"shamela_page_id":868,"part":"2","page_num":239,"sequence_num":868,"body":"فمضى المسلمون كما وصف لهم على راياتهم وصفوفهم يقدمون عليهم، وجعلت صفوف الروم تنتقض وتدبر، وخيل المسلمين تكردهم وتقتلهم، وتحمل عليهم، ولا تقلع عنهم، فقتلوا منهم فى المعركة نحوا من خمسة آلاف، وقتلوا فى عسكرهم حيث دخلوا نحوا من ألفين، وخرجوا عباديد منهزمين، وخيل المسلمين تتبعهم وتقتلهم حتى اقتحموا فى فحل، وفحل مطلة على أهوية تحتها الماء، فتحصنوا فيها، وأصاب المسلمون منهم نحوا من ألفى أسير، فقتلهم المسلمون، وأقبل أبو عبيدة حتى دخل عسكرهم وحوى ما فيه.\rوقال عبد الله بن قرط الثمالى: مررت يومئذ بعمرو بن سعيد بن العاص قبل هزيمة المشركين، ومعه رجال من المسلمين، سبعة أو ثمانية، وإنه لأمامهم نحو العدو، وإنه ليقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [الأنفال: ١٥، ١٦] ، ثم يقول: لكن الجنة والله نعم المصير، ولمن؟ هى هى والله لمن شرى نفسه اليوم لله، وقاتل فى سبيل الله، ثم يقول: إلىّ يا أهل الإسلام، أنا عمرو بن سعيد بن العاص، لا تفروا، فإن الله يراكم، ومن يره الله يفر عن نصر دينه يمقته، فاستحيوا من الله ربكم أن يراكم تطيعون أبغض خلقه إليه، وهو الشيطان الرجيم، وتعصونه وهو الرحمن الرحيم «١» .\rقال عبد الله بن قرط: وقد كان العدو حمل علينا حملة منكرة، فرقت بينى وبين أصحابى، فانتهيت إلى عمرو وهو يقول هذا القول، فقلت فى نفسى: والله ما أنا بواجد اليوم فى هذا العسكر رجلا أقدم صحبة ولا أقرب قرابة من رسول الله ﷺ من هذا الرجل، فدنوت منه ومعى الرمح، وقد أحاطت به من الروم جماعة، فحملت عليهم، فأصرع أحدهم، ثم أقبلت إليه، فوقفت معه، ثم قلت: يا ابن أبى أحيحة، أتعرفنى؟ فقال لى: نعم يا أخا ثقيف، فقلت له: لم تبعد، هم الإخوان والجيران والحلفاء، ولكنى أخو ثمالة، عبد الله بن قرط. فقال لى: مرحبا بك أخى فى الإسلام، وهو أقرب النسب، أما والله لئن استشهدت وكفى بالله شهيدا لأشهدن لك، ولئن شفعت لأشفعن لك. قال:\rفنظرت إلى وجهه، فإذا هو مضروب على حاجبه بالسيف، وإذا الدم قد ملأ عينيه، وإذا هو لا يستطيع أن يطرف ولا يفتح عينيه من الدم، فقلت له: أبشر بخير، فإن الله معافيك من هذه الضربة، ومنزل النصر على الإسلام. قال: أما النصر لأهل الإسلام، فأنزل الله","footnotes":"(١) انظر: تاريخ فتوح الشام (١٣٧- ١٣٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084306,"book_id":3509,"shamela_page_id":869,"part":"2","page_num":240,"sequence_num":869,"body":"فعجل، وأما أنا، فجعل الله لى هذه الضربة شهادة وأهدى إلىّ أخرى مثلها، فو الله ما أحب أنها بعرض أبى قبيس، وو الله لولا أن يقتل بعض من حولى لأقدمت على هذا العدو حتى ألحق بربى، يا أخى إن ثواب الشهادة عظيم، وإن الدنيا قل ما يسلم منها أهلها.\rقال: فما كان بأسرع من أن شد علينا منهم جماعة، فمشى إليهم بسيفه، فضاربهم ساعة وهو أمام الناس، وثار بينهم الغبار، فشددنا عليهم، فصرنا منهم عدة، وإذا نحن بعمرو بن سعيد صريعا، وإذا هو قد بضع وبه أكثر من ثلاثين ضربة، وكانوا حنقوا عليه وحردوا لما رأوا من شدة قتاله، فقطعوه بأسيافهم يرحمه الله.\rوقتل أيضا هناك من قريش من بنى سهم: سعيد بن عمرو، وسعيد بن الحارث بن قيس، والحارث بن الحارث، وغلب المسلمون على الأرض واحتووها، وصار من بقى من العدو فى الحصن، وقد قتل الله منهم مقتلة عظيمة، فأقام المسلمون على الحصن وقد غلبوا على سواد الأردن وأرضها وكل ما فيها، وطلبوها بالنزول إليهم، على أن يؤمنوهم، فأبوا، وذلك أنه بلغهم أن ملك الروم بعث إليهم رجلا من غسان يقال له:\rالمنذر بن عمرو، فجاء فى جمع عظيم من الروم يمد أهل فحل، فلم يبلغهم حتى هزمهم الله وأذلهم، فكان أراد أن يجىء حتى يدخل معهم حصنهم.\rوكان طائفة قد جاؤا بعد وقعة فحل بيوم، فقال خالد: ما أظن هؤلاء ينبغى لنا أن نعطيهم قوم قاتلوا على هذا الفىء وغلبوا عليه. فقال علقمة بن الأرث القيسى: لم أصلحك الله لا تجعلهم شركاءنا وقد جاؤا بعيالهم يسيرون ويغدون ويروحون لينصروا الإسلام ويجاهدوا فى سبيل الله؟ أفإن المسلمون سبقوهم بساعة من النهار لا يشركونهم وهم إخوانهم وأنصارهم؟ فقال خالد: ننظر، قال أبو عبيدة: ما نرى إلا أن نشركهم.\rفلما بلغ قضاعة أن المنذر بن عمرو قد دخل بطن الأردن، جاء علقمة بن الأرث إلى أبى عبيدة، فقال: إن المنذر بن عمرو قد نزل بطن الأردن، أفلا تبعث إليه المسلمين؟\rفقال: دعه حتى يدنو. فقال: أصلحك الله، ابعث معى خيلا فأنا أكفيكه. فقال: لا، لا تقربنه، لست آذن لك، دعه حتى يدنو، فخرج إلى أصحابه فقال لمن لم يشهد الوقعة منهم، ولمن شهدها، ولهم خيل وقوة: اخرجوا بنا حتى نلقى المنذر بن عمرو، فإنى أرجو أن نصادمه مغترا فنقتله، فنذهب إن شاء الله بأجرها وشرف ذكرها، فتابعوه، فأقبل حتى إذا دنا من عسكر المنذر بن عمرو، حمل الخيل عليهم من جانب العسكر وهم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084307,"book_id":3509,"shamela_page_id":870,"part":"2","page_num":241,"sequence_num":870,"body":"غازون، فهزمهم، وأتبعهم الخيل تثفنهم وتقتلهم فى كل جانب، وأغار رجالته فى العسكر فاحتووا ما فيه، ولحق علقمة بالمنذر فجاراه ساعة حتى دنا منه، فطعنه وقتله، وأخذ فرسه ورجع إلى أبى عبيدة وقد جاءه خبره، فقال له أبو عبيدة: إنى لأكره أن لا ألومك وقد عصيتنى، وإنى لأكره أن ألومك وقد فتح الله عليك، ورأى أبو عبيدة أن يسهم لهم مع المسلمين، فقاسموهم ما كان فى عسكر المنذر، فلم يصيبوا منها إلا اليسير.\rوكتب أبو عبيدة إلى عمر رحمهما الله «١» : بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله عمر أمير المؤمنين، من أبى عبيدة بن الجراح، سلام عليك فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد: فالحمد لله الذى أنزل على المسلمين نصره، وعلى الكافرين رجزه، أخبر أمير المؤمنين أصلحه الله، أنا لقينا الروم وقد جمعوا لنا الجموع العظام، فجاؤنا من رؤس الجبال وأسياف البحار، يرون أن لا غالب لهم من الناس، فبرزوا إلينا، وبغوا علينا، وتوكلنا على الله تعالى، ورفعنا رغبتنا إلى الله، وقلنا حسبنا الله ونعم الوكيل، فنهضنا إليهم بخيلنا ورجلنا، وكان القتال بين الفريقين مليا من النهار، أهدى الله فيه الشهادة لرجال من المسلمين ﵏، منهم: عمرو بن سعيد بن العاص، وضرب الله وجوه المشركين، وأتبعهم المسلمون يقتلونهم ويأسرونهم، حتى اعتصموا بحصنهم، وانتهب المسلمون عسكرهم، وغلبوا على بلادهم، وأنزلهم الله من صياصيهم، وقذف الرعب فى قلوبهم فاحمد الله يا أمير المؤمنين أنت ومن قبلك من المسلمين على إعزاز الدين وإظهار الفلج على المشركين، وادع الله لنا بتمام النعمة، والسلام عليك.\rولما رأى أهل فحل أن أرض الأردن قد غلب عليها المسلمون سألوا الصلح على أن يعفى لهم عن أنفسهم، وأن يؤدوا الجزية، ومن كان فيهم من الروم إن أحب لحق بالروم وخلى بلاد الأردن، وإن أحب أن يقيم ويؤدى الجزية أقام، فصالحهم المسلمون وكتبوا لهم كتابا. وخرج منهم من كان أقبل من الروم فى تلك السنة، وتبقى معهم من كان تبنبك قبل ذلك بالبلد، واتخذ الضياع، وتزوج بها، وولد له فيها، فأقاموا على أن يؤدوا الجزية هم وسائر من كان معهم فى الحصن.\rوأما من عداهم من أهل الأردن أهل الأرض والقرى، فاختلف فيهم المسلمون، لأخذهم ذلك عنوة، وغلبتهم عليه بغير صلح، فقالت طائفة: نقتسمهم، وقالت طائفة:\rنتركهم، فكتب أبو عبيدة إلى عمر:","footnotes":"(١) انظر: تاريخ فتوح الشام (١٣٩- ١٤٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084308,"book_id":3509,"shamela_page_id":871,"part":"2","page_num":242,"sequence_num":871,"body":"بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد، فإن الله جل ثناؤه ذا المن والفضل والنعم العظام فتح على المسلمين أرض الأردن، فرأت طائفة من المسلمين أن يقروا أهلها، على أن يؤدوا الجزية إليهم، ويكونوا عمار الأرض، ورأت طائفة أن يقتسموهم، فاكتب إلينا يا أمير المؤمنين برأيك فى ذلك، أدام الله لك التوفيق فى جميع الأمور، والسلام.\rفكتب إليه عمر: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عمر أمير المؤمنين، إلى أبى عبيدة بن الجراح، سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو. أما بعد: فقد بلغنى كتابك تذكر إعزاز الله أهل دينه، وخذلانه أهل عدوانه، وكفايته إيانا مؤنة من عادانا، فالحمد لله على إحسانه فيما مضى، وحسن صنيعه فيما غبر، الذى عافى جماعة المسلمين، وأكرم بالشهادة فريقا من المؤمنين، فهنيئا لهم رضا ربهم، وكرامته إياهم، ونسأل الله أن لا يحرمنا أجرهم، ولا يفتنا بعدهم، فقد نصحوا الله وقضوا ما عليهم، ولربهم كانوا يحفدون، ولأنفسهم كانوا يمهدون، وقد فهمت ما ذكرت من أمر الأرض التى ظهر عليها وعلى أهلها المسلمون، فقالت طائفة: نقر أهلها، على أن يؤدوا الجزية للمسلمين، ويكونوا للأرض عمارا.\rورأت طائفة أن يقتسموهم، وإنى نظرت فيما كتبت فيه، ففرق لى من الرأى فيما سألتنى عنه أنى رأيت أن تقرهم، وتجعل الجزية عليهم، وتقسمها بين المسلمين، ويكونوا للأرض عمارا، فهم أعلم بها وأقوى عليها، أرأيتم لو أنا أخذنا أهلها فاقتسمناهم، من كان يكون لمن يأتى بعدنا من المسلمين؟ والله ما كانوا ليجدوا إنسانا يكلمونه، ولا ينتفعون بشىء من ذات يده، وإن هؤلاء يأكلهم المسلمون ما داموا أحياء، فإذا هلكنا وهلكوا أكل أبناؤنا أبناءهم أبدا ما بقوا، وكانوا عبيدا لأهل الإسلام ما دام دين الإسلام ظاهرا، فضع عليهم الجزية، وكف عنهم السباء، وامنع المسلمين من ظلمهم والإضرار بهم وأكل أموالهم إلا بحقها، والسلام عليك.\rفلما جاء أبا عبيدة هذا الرأى من عمر عمل به، وكان رأيه ورأى عمر فى ذلك واحدا «١» .\rوقال علقمة بن الأرث القينى فى يوم فحل:\rونحن قتلنا كل واف سباله ... من الروم معروف النجار منطق\rنطلق بالبيض الرقاق نساءهم ... وأبنا إلى أزواجنا لم تطلق","footnotes":"(١) انظر: تاريخ فتوح الشام (١٣٩- ١٤٢) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084309,"book_id":3509,"shamela_page_id":872,"part":"2","page_num":243,"sequence_num":872,"body":"نصرعهم فى كل فج وغائط ... كأنهم بالقاع معزى المحلق\rفكم من قتيل أوهطته سيوفنا ... كفاحا وكف قد أطارت وأسوق\rفتح حمص فيما حكاه أصحاب فتوح الشام «١»\rعن محرز بن أسد الباهلى قال: دعا أبو عبيدة رؤس المسلمين وفرسان العرب الذين معه، فجمعنا بعدما ظهرنا على فحل وفرغنا من الأردن وأرضها، وقد تحصن منا أهل إيلياء، واجتمعت بقيسارية جموع عظام مع أهلها، وأهلها لم يزالوا كثيرا، فقال أبو عبيدة: يا أهل الإسلام، إن الله قد أحسن إليكم وألبسكم عافية مجللة وأمنا واسعا، وأظهركم على بطارقة الروم، وفتح لكم الحصون والقلاع والقرى والمدائن، وجعلكم لهذه الدار دار الملوك، أربابا، وجعلها لكم منزلا، وقد كنت أردت النهوض بكم إلى أهل إيلياء وأهل قيسارية، فكرهت أن آتيهم وهم فى جوف مدينتهم متحرزون متحصنون، ولم آمن أن يأتيهم مدد من جندهم، وأنا نازل عليهم قد حبست نفسى لهم عن افتتاح الأرض، ولم أدر لعل من طاعتى إذا رأونى قد شغلت نفسى بهم أن يرجعوا إليهم، وأن ينقضوا العهد الذى بينى وبينهم، فرأيت أن أسير إلى دمشق، ثم أسير فى أرضها إلى من لم يدخل طاعتى منهم، ثم أسير إلى حمص، فإن قدرنا عليها، وإلا تركناها ولا نقيم عليها أكثر من يوم الأربعاء والخميس والجمعة، ثم ندنو من ملك الروم وننظر ما يريد بمكانه الذى هو به، فإن الله نفاه عن مكانه ذلك لم تبق بالشام قرية ولا مدينة إلا سالمت وصالحت وأعطت الجزية ودخلت فى الطاعة «٢» .\rفقال المسلمون جميعا: فنعم الرأى رأيك، فأمضه وسر بنا إذا بدا لك، فدعا خالدا وكان لكل ملمة ولكل شدة، فقال له: سر رحمك الله، فى الخيل. فخرج فيها، وخلف عمرو بن العاص فى أرض الأردن، وفى طائفة من أرض فلسطين مما يلى أرض العرب، وجاء خالد حتى تولى أرض دمشق، فاستقبله الذين كانوا صالحوا المسلمين.\rثم إن أبا عبيدة جاء من الغد، فخرجوا أيضا، فاستقبلوه بما يحب، فلبث يومين أو ثلاثة، ثم أمر خالدا فسار حتى بلغ بعلبك وأرض البقاع، فغلب على أرض البقاع، وأقبل قبل بعلبك حتى نزل عليها، فخرج إليه منها رجل، فأرسل إليهم فرسانا من المسلمين نحوا من خمسين، فيهم ملحان بن زياد الطائى، وقنان بن دارم العبسى، فحملوا عليهم","footnotes":"(١) راجع: المنتظم لابن الجوزى (٤/ ١٩٠) ، تاريخ الطبرى (٣/ ٥٩٨) .\r(٢) انظر: تاريخ فتوح الشام (١٤٣- ١٤٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084310,"book_id":3509,"shamela_page_id":873,"part":"2","page_num":244,"sequence_num":873,"body":"حتى أقحموهم الحصن. فلما رأوا ذلك بعثوا فى طلب الصلح، فأعطاهم ذلك أبو عبيدة، وكتب لهم كتابا.\rثم إنه خرج نحو حمص، فجمع له أهلها جمعا عظيما، ثم استقبلوه بجوسية «١» ، فرماهم بخالد بن الوليد، فلما نظر إليهم خالد قال: يا أهل الإسلام، الشدة، الشدة. ثم حمل عليهم خالد، وحمل المسلمون معه، فولوا منهزمين حتى دخلوا مدينتهم، وبعث خالد ميسرة بن مسروق فاستقبل خيلا لهم عظيمة عند نهير قريب من حمص، فطاردهم قليلا ثم حمل عليهم، فهزمهم، وأقبل رجل من المسلمين من حمير يقال له شرحبيل، فعرض له منهم فوارس، فحمل عليهم وحده، فقتل منهم سبعة، ثم جاء إلى نهر دون حمص مما يلى دير مسحل فنزل عن فرسه فسقاه، وجاء نحو من ثلاثين فارسا من أهل حمص فنظروا إلى رجل واحد، فأقبلوا نحوه، فلما رأى ذلك أقحم فرسه وعبر الماء إليهم، ثم ضرب فرسه فحمل عليهم، فقتل أول فارس، ثم الثانى، ثم الثالث، ثم الرابع، ثم الخامس، ثم انهزموا وتبعهم وحده، فلم يزل يقتل واحدا واحدا حتى انتهوا إلى دير مسحل وقد صرع منهم أحد عشر رجلا، فاقتحموا جوف الدير واقتحم معهم، فرماه أهل الدير بالحجارة حتى قتلوه، ﵀.\rوجاء ملحان بن زياد وعبد الله بن قرط وصفوان بن المعطل إلى المدينة، فأخذوا يطيفون بها يريدون أن يخرج إليهم أهلها، فلم يخرجوا. وجاء المسلمون حتى نزلوا على باب الرستن «٢» ، فزعم النضر بن شفى أن رجلا من آل ذى الكلاع كان أول من دخل مدينة حمص، وذلك أنه حمل من جهة باب الشرقى فلم يرد وجهه شىء، فإذا هو فى جوف المدينة، فلما رأى ذلك ضرب فرسه فخرج كما هو على وجهه ولا يرى إلا أنه قد هلك، حتى خرج من باب الرستن، فإذا هو فى عسكر المسلمين.\rوحاصر المسلمون أهل حمص حصارا شديدا، فأخذوا يقولون للمسلمين: اذهبوا نحو الملك، فإن ظفرتم به فنحن كلنا لكم عبيد. فأقام أبو عبيدة على باب الرستن بالناس، وبث الخيل فى نواحى أرضهم، فأصابوا غنائم كثيرة وقطعوا عنهم المادة والميرة، واشتد عليهم الحصار، وخشوا السباء فأرسلوا إلى المسلمين يطلبون الصلح، فصالحهم المسلمون","footnotes":"(١) جوسية: بالضم ثم السكون وكسر السين المهملة وياء خفيفة، قرية من قرى حمص على ستة فراسخ منها من جهة دمشق. انظر: معجم البلدان (٢/ ١٥٨) .\r(٢) الرستن: بفتح أوله وسكون ثانيه، بليدة قديمة كانت على نهر الميماس، بين حماة وحمص، فى نصف الطريق. انظر: معجم البلدان (٣/ ٤٣) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084311,"book_id":3509,"shamela_page_id":874,"part":"2","page_num":245,"sequence_num":874,"body":"وكتبوا لهم كتابا بالأمان على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم، وعلى أن يضيفوا المسلمين يوما وليلة، وعلى أن على أرض حمص مائة ألف دينار وسبعين ألف دينار، وفرغوا من الصلح، وفتحوا باب المدينة للمسلمين، فدخلوها وأمن بعضهم بعضا.\rوكتب أبو عبيدة إلى عمر رضى الله عنهما: بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله عمر أمير المؤمنين، من أبى عبيدة بن الجراح، سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد، فأحمد الله الذى أفاء علينا وعليك يا أمير المؤمنين أفضل كورة بالشام، أكثرها أهلا وقلاعا وجمعا وخراجا، وأكبتهم للمشركين كبتا، وأيسره على المسلمين فتحا. أخبرك يا أمير المؤمنين أصلحك الله، أنا قدمنا بلاد حمص وبها من المشركين عدد كثير، والمسلمون يزفون إليهم ببأس شديد، فلما دخلنا بلادهم ألقى الله الرعب فى قلوبهم، ووهن كيدهم، وقلم أظفارهم، فسألونا الصلح وأذعنوا بأداء الخراج، فقبلنا منهم وكففنا عنهم، ففتحوا لنا الحصون واكتتبوا منا الأمان، وقد وجهنا الخيول إلى الناحية التى بها ملكهم وجنوده.\rنسأل الله ملك الملوك وناصر الجنود أن يعز المسلمين بنصره، وأن يسلم المشرك الخاطئ بذنبه، والسلام عليك.\rفكتب إليه عمر: أما بعد، فقد بلغنى كتابك تأمرنى فيه بحمد الله على ما أفاء علينا من الأرض وفتح علينا من القلاع ومكن لنا فى البلاد وصنع لنا ولكم وأبلانا وإياكم من حسن البلاء، فالحمد لله على ذلك حمدا كثيرا ليس له نفاد ولا يحصى له تعداد، وذكرت أنك وجهت الخيول نحو البلاد التى فيها ملك الروم وجموعهم، فلا تفعل، ابعث إلى خيلك فأضممها إليك وأقم حتى يمضى هذا الحول ونرى من رأينا. ونستعين الله ذا الجلال والإكرام على جميع أمرنا، والسلام عليك.\rفلما أتى أبا عبيدة الكتاب دعا رؤس المسلمين، فقال لهم: إنى قد كنت قدمت ميسرة بن مسروق إلى ناحية حلب وأنا أريد الإقدام والغارة على ما دون الدرب من أرض الروم، وكتبت بذلك إلى أمير المؤمنين، فكتب إلىّ: أن أصرف إلى خيلى، وأن أتربص بهم الحول حتى يرى من رأيه. فقالوا: لم يألك أمير المؤمنين والمسلمين نظرا وخيرا. فسرح إلى ميسرة، وقد كان أشرف على حلب ودنا منها، فيجامعه كتاب إلى ميسرة: أما بعد، فإذا لقيت رسولى فأقبل معه ودع ما كنت وجهتك إليه حتى نرى من رأينا وننظر ما يأمرنا به خليفتنا، والسلام.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084312,"book_id":3509,"shamela_page_id":875,"part":"2","page_num":246,"sequence_num":875,"body":"فأقبل ميسرة فى أصحابه حتى انتهى إلى أبى عبيدة بحمص، فنزل معه، وخرج أبو عبيدة فعسكر بالناس، ودعا خالد بن الوليد، فقال له: اخرج إلى دمشق فانزلها فى ألف رجل من المسلمين وأقيم أنا هاهنا، ويقيم عمرو بن العاص فى مكانه الذى هو فيه، فيكون بكل جانب من الشام طائفة من المسلمين، فهو أقوى لنا عليها وأحرى أن نضبطها، فخرج خالد فى ألف رجل حتى أتى دمشق وبها سويد بن كلثوم بن قيس القرشى، من بنى محارب بن فهر، وكان أبو عبيدة خلفه بها فى خمسمائة رجل، فقدم خالد فعسكر على باب من أبوابها، ونزل سويد فى جوفها.\rوعن أدهم بن محرز بن أسد الباهلى قال: أول راية دخلت أرض حمص ودارت حول مدينتها راية ميسرة بن مسروق، ولقد كانت لأبى أمامة راية ولأبى راية، وإن أول رجل من المسلمين قتل رجلا من المشركين لأبى، إلا أن يكون رجل من حمير، فإنه حل هو وأبى جميعا فكل واحد منهما قتل فى حملته رجلا، فكان أبى يقول: أنا أول رجل من المسلمين قتل رجلا من المشركين بحمص، لا أدرى ما الحميرى، فإنى حملت أنا وهو فقتل كل رجل منا فى حملته رجلا، ولا أخال إلا أنى قتلت قتيلى قبل قتيله «١» .\rوقال أدهم: إنى لأول مولود بحمص، وأول مولود فرض له بها، وأول من رئى فيها بيده كتف يختلف إلى الكتاب، ولقد شهدت صفين وقاتلت «٢» .\rوقال عبد الله بن قرط: عسكر أبو عبيدة ونحن معه حول حمص نحوا من ثمان عشرة ليلة، وبث عماله فى نواحى أرضها، واطمأن فى عسكره، وذهبت منهزمة الروم من فحل حتى قدمت على ملك الروم بأنطاكية، وخرجت فرسان من فرسان الروم ورجال من عظمائهم وذوى الأموال والغنى والقوة منهم ممن كان أوطن بالشام فدخلوا قيسارية، وتحصن أهل فلسطين بإيلياء.\rولما قدمت المنهزمة على هرقل دعا رجالا منهم، فقال لهم: أخبرونى ويلكم عن هؤلاء القوم الذين تلقونهم، أليسوا بشرا مثلكم؟ قالوا: بلى، قال: فأنتم أكثر أم هم؟\rقالوا: نحن أكثر منهم أضعافا، وما لقيناهم فى موطن إلا ونحن أكثر منهم. قال: ويلكم فما بالكم تنهزمون إذا لقيتموهم؟ فسكتوا. فقام شيخ منهم، فقال: أنا أخبرك أيها الملك من أين يؤتون، قال: فأخبرنى، قال: إنهم إذا حمل عليهم صبروا، وإذا حملوا لم يكذبوا،","footnotes":"(١) انظر: تاريخ فتوح الشام (١٤٨- ١٤٩) .\r(٢) انظر: تاريخ فتوح الشام (١٤٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084313,"book_id":3509,"shamela_page_id":876,"part":"2","page_num":247,"sequence_num":876,"body":"ونحن نحمل فنكذب ويحمل علينا فلا نصبر. قال: وما بالكم كما تصفون، وهم كما تزعمون؟ قال الشيخ: ما أرانى إلا قد علمت من أين هذا. قال له: ومن أين هذا؟ قال:\rمن أجل أن القوم يقومون الليل ويصومون النهار ويوفون بالعهد ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وإنا نشرب الخمر، ونرتكب المحارم، وننقض العهد ونأمر بما يسخط الله وننهى عما يرضيه ونفسد فى الأرض. قال: صدقتنى، لأخرجن من هذه القرية، ولأدعن هذه البلدة، وما لى فى صحبتكم من خير وأنتم هكذا. قال: نشدتك الله أيها الملك أن تفعل، تدع سورية جنة الدنيا للعرب وتخرج منها ولما تقاتل وتجهد؟ قال: قد قاتلتموهم غير مرة بأجنادين، وفحل، ودمشق، والأردن، وفلسطين، وحمص، وفى غير موطن، كل ذلك تنهزمون وتفرون وتغلبون. قال الشيخ: حولك من الروم عدد الحصى والثرى والذر، لم يلقهم منهم إنسان، ثم تريد أن تخرج منها وترجع بهؤلاء جميعا من قبل أن يقاتلوا؟ «١» .\rفإن هذا الشيخ ليكلمه إذ قدم عليه وفد قيسارية وإيلياء، وسيأتى خبرهم بعد إن شاء الله.\rوذكر الطبرى «٢» عن سيف: أن هرقل لما بلغه الخبر بمقتل أهل المرج أمر أمير حمص بالمضى إليها، وقال له: إنه بلغنى يعنى عن المسلمين، أن طعامهم لحوم الإبل، وشرابهم ألبانها، وهذا الشتاء، فلا تقاتلوهم إلا فى كل يوم بارد، فإنه لا يبقى إلى الصيف منهم أحد هذا جل طعامه، وشرابه، وارتحل فى عسكره ذلك حتى أتى الرها.\rوأقبل أبو عبيدة حتى نزل على حمص، وأقبل خالد بعده حتى ينزل عليها، فكان أهلها يغادون المسلمين ويراوحونهم فى كل يوم بارد، ولقى المسلمون بها بردا شديدا والروم حصارا طويلا. فأما المسلمون فصبروا ورابطوا، وأفرغ الله عليهم الصبر وأعقبهم النصر، حتى انصرم الشتاء، وإنما تمسك الروم بالمدينة رجاء أن يهلكهم الشتاء. فكانوا يتواصون فيما بينهم ويقولون: تمسكوا فإنهم جفاة، فإذا أصابهم البرد تقطعت أقدامهم مع ما يأكلون ويشربون، فكانت الروم ترجع وقد سقطت أقدام بعضهم فى خفافهم، وإن المسلمين لفى النعال ما أصيب إصبع أحد منهم، حتى إذا انخمس الشتاء، قام فيهم شيخ لهم يدعوهم إلى مصالحة المسلمين، قالوا: كيف والملك فى عزه وملكه ليس بيننا وبينهم شىء؟ فتركهم، وقام فيهم آخر وقال: ذهب الشتاء وانقطع الرجاء فما تنتظرون؟","footnotes":"(١) انظر: تاريخ فتوح الشام (١٤٩- ١٥١) .\r(٢) انظر: تاريخ الطبرى (٣/ ٥٩٩- ٦٠٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084314,"book_id":3509,"shamela_page_id":877,"part":"2","page_num":248,"sequence_num":877,"body":"قالوا: البرسام، فإنما يسكن فى الشتاء ويثور فى الصيف، قال: إن هؤلاء قوم يعانون ولأن تأتوهم بعهد وميثاق خير من أن تؤخذوا عنوة، أجيبونى محمودين قبل أن تجيبونى مذمومين. فقالوا: شيخ خرف ولا علم له بالحرب. وأثاب الله المسلمين على صبرهم أيام حمص. فيما حكى عن بعض أشياخ من غسان وبلقين «١» : أن زلزل بأهل حمص، وذلك أن المسلمين ناهدوهم، فكبروا تكبيرة زلزلت معها الروم فى المدينة، وتصدعت الحيطان، ففزعوا إلى رؤسائهم وذوى رأيهم ممن كان يدعوهم إلى المسالمة فلم يجيبوهم وأذلوهم بذلك، ثم كبروا الثانية فتهافتت دور كثيرة وحيطان، وفزعوا إلى رؤسائهم وذوى رأيهم، فقالوا: ألا ترون إلى عذاب الله؟ فأجابوهم: لا يطلب الصلح غيركم، فأشرفوا ينادوى، الصلح الصلح، ولا يشعر المسلمون بما حدث فيهم، فأجابوهم وقبلوا منهم على أنصاف دورهم، وعلى أن يترك المسلمون أموال ملوك الروم وبنيانهم لا ينزلونه عليهم، فتركوه لهم، فصالح بعضهم على صلح دمشق على دينار وطعام على كل جريب أبدا أيسروا أو أعسروا، وصالح بعضهم على قدر طاقته إن زاد ماله زيد عليه وإن نقص نقص، وعلى هذين الوجهين كان صلح دمشق والأردن، وولوا معاملة ما جلا ملوكهم عنه.\rحديث حمص آخر\rقالوا: وغزى هرقل أهل حمص فى البحر، واستمد أهل الجزيرة، واستثار أهل حمص، فأرسلوا إليه: بأنا قد عاهدنا، فنخاف أن لا ننصر.\rواستمد أبو عبيدة خالدا، فأمده بمن معه جميعا، لم يخلف أحدا، فكفر أهل قنسرين بعده وتابعوا هرقل، وكان أكثر من هنالك تنوخ الحاضر.\rودنا هرقل من حمص وعسكر وبعث البعوث إلى حمص، فأجمع المسلمون على الخندقة والكتاب إلى عمر، إلا ما كان من خالد، فإن المناجزة كانت رأيه، فخندقوا على حمص، وكتبوا إلى عمر واستصرخوه.\rوجاء الروم ومن أمدهم حتى نزلوا عليهم فحصروهم، وبلغت أمداد الجزيرة ثلاثين ألفا سوى أمداد قنسرين من تنوخ وغيرهم، فبلغوا من المسلمين كل مبلغ.\rوجاء الكتاب إلى عمر وهو موجه إلى مكة للحج، فمضى لحجه، وكتب إلى سعد بن","footnotes":"(١) انظر: تاريخ الطبرى (٣/ ٦٠٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084315,"book_id":3509,"shamela_page_id":878,"part":"2","page_num":249,"sequence_num":878,"body":"أبى وقاص: إن أبا عبيدة قد أحيط به ولزم حصنه، فبث المسلمين بالجزيرة، واشغلهم بالخيول عن أهل حمص، وأمد أبا عبيدة بالقعقاع بن عمرو.\rفخرج القعقاع ممدا لأبى عبيدة، وخرجت الخيول نحو الرقة ونصيبين وحران، فلما وصلوا الجزيرة وبلغ ذلك الروم الذين كانوا منها وهم بحمص تقوضوا إلى مدائنهم، وبادروا المسلمين إليها، فتحصنوا، ونزل عليهم المسلمون فيها، ولما دنا القعقاع من حمص راسلت طائفة من تنوخ خالدا ودلوه وأخبروه بما عندهم من الخبر، فأرسل إليهم خالد:\rوالله لولا أنى فى سلطان غيرى ما باليت قللتم أم كثرتم أو أقمتم أو ذهبتم، فإن كنتم صادقين فانفشوا كما انفش أهل الجزيرة، فساموا تنوخ ذلك، فأجابوهم، وراسلوا خالدا: إن ذلك إليك، فإن شئت فعلنا، وإن شئت أن تخرج علينا فننهزم بالروم، وأوثقوا له، فقال: بل أقيموا، فإذا خرجنا فانهزموا بهم.\rفقال المسلمون لأبى عبيدة: قد أنفش أهل الجزيرة، وقد ندم أهل قنسرين وواعدوا من أنفسهم، وهم العرب، فاخرج بنا وخالد ساكت، فقال: يا خالد، ما لك لا تتكلم؟\rفقال: قد عرفت الذى كان من رأيى فلم تسمع من كلامى. قال: فتكلم فإنى أسمع منك وأطيعك، قال: فاخرج بالمسلمين، فإن الله تعالى قد نقص من عدتهم، وبالعدد يقاتلون، ونحن إنما نقاتل منذ أسلمنا بالنصر، فلا تجفلك كثرتهم.\rقالوا: فجمع أبو عبيدة الناس، فحمد الله وأثنى عليه، وقال:\rأيها الناس، إن هذا يوم له ما بعده، أما من حكى منكم فإنه يصفو له ملكه وقراره، وأما من مات منكم فإنها الشهادة، فأحسنوا بالله الظن ولا يكرهن إليكم الموت أمر اقترفه أحدكم دون الشرك، توبوا إلى الله وتعرضوا للشهادة، فإنى أشهد وليس أوان الكذب، أنى سمعت رسول الله ﷺ يقول: من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة.\rفكأنما كانت بالناس عقل تنشطت، فخرج بهم وخالد على الميمنة، وقيس على الميسرة، وأبو عبيدة فى القلب وعلى باب المدينة معاذ بن جبل، فاجتلدوا بها، فإنهم كذلك إذ قدم القعقاع متعجلا فى مائة، فانهزم أهل قنسرين بالروم، فاجتمع القلب والميمنة على قلبهم وقد انكسر أحد جناحيه، فما أفلت منهم مخبر، وذهبت الميسرة على وجهها، وآخر من أصيب منهم بمرج الديباج انتهوا إليه فكسروا سلاحهم وألقوا بلامهم تخففا، فأصيبوا وتغنموا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084316,"book_id":3509,"shamela_page_id":879,"part":"2","page_num":250,"sequence_num":879,"body":"ولما ظفر المسلمون جمعهم أبو عبيدة فخطبهم، وقال لهم: لا تتكلوا ولا تزهدوا فى الدرجات.\rفتح قنسرين»\rوبعث بعد فتح حمص خالد بن الوليد إلى قنسرين، فلما نزل بالحاضر زحف إليه الروم وعليهم ميناس، وهو رأس الروم وأعظمهم فيهم بعد هرقل، فالتقوا بالحاضر، فقتل ميناس ومن معه مقتلة عظيمة لم يقتلوا مثلها. فأما الروم فماتوا على دمه حتى لم يبق منهم أحد، وأما أهل الحاضر فأرسلوا إلى خالد أنهم عرب، وأنهم إنما حشدوا ولم يكن من رأيهم حربه، فقبل منهم وتركهم.\rولما بلغ ذلك عمر بن الخطاب رضى الله عنه، قال: أمر خالد نفسه، يرحم الله أبا بكر هو كان أعلم بالرجال منى، وكان قد عزله والمثنى بن حارثة عند قيامه، بالأمر، وقال: إنى لم أعزلهما عن ريبة، ولكن الناس عظموهما، فخشيت أن يوكلوا إليهما.\rويروى أنه قال حين ولى: والله لأعزلن خالد بن الوليد والمثنى بن حارثة ليعلما أن الله إنما ينصر دينه لا إياهما. فلما كان من أمر خالد فى قنسرين ما كان، رجع عن رأيه.\rوسار خالد حتى نزل على قنسرين، فتحصنوا منه، فقال: إنكم لو كنتم فى السحاب لحملنا الله إليكم أو لأنزلنكم إلينا. فنظروا فى أمرهم، وذكروا ما لقى أهل حمص وقنسرين، فسألوه الصلح على مثل صلحها، فأبى إلا على إخراب المدينة، فأخربها.\rواتطأت حمص وقنسرين، فعند ذلك خنس هرقل وخرج نحو القسطنطينية. وأفلت رجل من الروم كان أسيرا فى أيدى المسلمين فلحق بهرقل، فقال له: أخبرنى عن هؤلاء القوم. فقال: أحدثك كأنك تنظر إليهم، فرسان بالنهار، ورهبان بالليل، ما يأكلون فى ذمتهم إلا بثمن، ولا يدخلون إلا بسلام، يقفون على من حاربهم حتى يأتوا عليه. فقال:\rلئن كنت صدقتنى ليرثن ما تحت قدمى هاتين «٢» .\rوكان هرقل كلما حج بيت المقدس فخلف سورية، وظعن فى أرض الروم التفت فقال: السلام عليك يا سورية، تسليم مودع لم يقض منك وطره، وهو عائد. فلما توجه","footnotes":"(١) راجع: المنتظم لابن الجوزى (٤/ ١٩١) ، تاريخ الطبرى (٣/ ٦٠١) .\r(٢) انظر: تاريخ الطبرى (٣/ ٦٠٢- ٦٠٣) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084317,"book_id":3509,"shamela_page_id":880,"part":"2","page_num":251,"sequence_num":880,"body":"المسلمون نحو حمص عبر الماء فنزل الرها، فلم يزل بها حتى إذا فتحت قنسرين، وقتل ميناس خنس عند ذلك إلى سميساط «١» حتى إذا فصل منها نحو أرض الروم على شرف، فالتفت نحو سورية وقال: عليك السلام يا سورية، سلاما لا اجتماع بعده، ولا يعود إليك رومى أبدا إلا خائفا، حتى يولد المولود المشئوم، ويا ليته لا يولد، ما أحلى فعله، وما أمر عاقبته على الروم. ثم مضى حتى نزل قسطنطينية.\rوهذا مقتضب من أحاديث متفرقة ذكرها سيف فى كتابه.\rجمع الروم للمسلمين\rثم نعود إلى صلة ما قطعنا قبل من الحديث عن وفد أهل إيلياء وقيسارية القادم على هرقل، إذ قد وعدنا بذكره حسب ما ذكره من ذلك أصحاب فتوح الشام فى كتبهم.\rوذلك أن أهل قيسارية وأهل إيلياء تواطأوا بعد يوم فحل وتآمروا، أن يبعثوا وفدا منهم إلى هرقل بأنطاكية، فيخبروه بتمسكهم بأمره وإقامتهم على طاعته وخلافهم العرب، ويسألونه المدد والنصر. فلما جاءه وفدهم هذا رأى أن يبعث الجنود ويقيم هو بأنطاكية، فأرسل إلى رومية والقسطنطينية، وإلى من كان من جنوده وعلى دينه من أهل الجزيرة وأرمينية، وكتب إلى عماله أن يحشروا إليه كل من أدرك الحلم من أهل مملكته فما فوق ذلك إلى الشيخ الفانى، فأقبلوا إليه، وجاء منهم ما لا تحمله الأرض، وجاءه جرجير صاحب أرمينية فى ثلاثين ألفا، وآتاه أهل الجزيرة، ونزع إليه أهل دينه وجميع من كان فى طاعته، فدعا باهان، وكان من عظمائهم وأشرافهم، فعقد له على مائة ألف، ودعا ابن قماطر فعقد له على مائة ألف فيهم جرجير ومن معه من أهل أرمينية، ودعا الدرنجار فعقد له على مائة ألف، ثم أعطى الأمراء مائة ألف، مائة ألف، وأعطى باهان مائتى ألف، وقال لهم: إذا اجتمعتم فأميركم باهان، ثم قال: يا معشر الروم، إن العرب قد ظهروا على سورية، ولم يرضوا بها حتى تعاطوا أقصى بلادكم، وهم لا يرضون بالبلاد والمدائن والبر والشعير والذهب والفضة حتى يسبوا الأمهات والبنات والأخوات والأزواج، ويتخذوا الأحرار وأبناء الملوك عبيدا، فامنعوا حرمتكم وسلطانكم ودار ملككم «٢» .","footnotes":"(١) سميساط: بلد من بلد العجم، منها السميساطى رجل من العجم كان موصوفا بالورع والزهد. انظر الروض المعطار (٣٢٣) .\r(٢) انظر هذا الخبر وما بعده فى: تاريخ فتوح الشام (١٥١- ١٥٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084318,"book_id":3509,"shamela_page_id":881,"part":"2","page_num":252,"sequence_num":881,"body":"قال عبد الله بن قرط، والحديث له: ثم وجههم إلينا، فقدمت عيوننا من قبلهم، فخبرونا بمقالة ملكهم وبمسيرهم إلينا وجمعهم لنا، ومن أجلب معهم من غيرهم علينا ممن كان على دينهم وفى طاعتهم.\rفلما جاء أبا عبيدة الخبر عن عددهم وكثرتهم، رأى أن لا يكتم ذلك المسلمين، وأن يستشيرهم فيه لينظر ما يؤول إليه رأى جماعتهم، فدعا رؤس المسلمين وأهل الصلاح منهم، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد. فإن الله ﷿، قد أبلاكم أيها المؤمنون فأحسن البلاء، وصدقكم الوعد، وأعزكم بالنصر، وأراكم فى كل موطن ما تسرون به، وقد سار إليكم عدوكم من المشركين بعدد كثير، ونفروا إليكم فيما حدثنى عيونى نفير الروم الأعظم، فجاؤكم برا وبحرا حتى خرجوا إلى صاحبهم بأنطاكية، ثم قد وجه إليكم ثلاثة عساكر فى كل عسكر منها ما لا يحصيه إلا الله من البشر، وقد أحببت أن لا أغركم من أنفسكم، ولا أطوى عنكم خبر عدوكم، ثم تشيرون علىّ برأيكم، وأشير عليكم برأيى، فإنما أنا كأحدكم.\rفقام يزيد بن أبى سفيان، فقال: نعم ما رأيت رحمك الله، إذ لم تكتم عنا ما أتاك من عدونا، وأنا مشير عليكم، فإن كان صوابا فذاك ما نويت، وإن يكن الرأى غير ما أشير به، فإنى لا أتعمد غير ما يصلح المسلمين. أرى أن نعسكر على باب مدينة حمص بجماعة المسلمين، وندخل النساء والأبناء داخل المدينة، ثم نجعل المدينة فى ظهورنا، ثم نبعث إلى خالد فيقدم عليك من دمشق، وإلى عمرو بن العاص فيقدم عليك من الأردن، فتلقاهم بجماعة من معك من المسلمين.\rوقام شرحبيل بن حسنة فقال: إن هذا مقام لا بد فيه من النصيحة للمسلمين وإن خالف الرجل منا أخاه، وإنما على كل رجل منا أن يجتهد رأيه، وأنا الآن فقد رأيت غير ما رأى يزيد، وهو والله عندى من الناصحين لجماعة المسلمين، ولكن لا أجد بدا من أن أشير عليكم بما أظنه خيرا للمسلمين.\rإنى لا أرى أن ندخل ذرارى المسلمين مع أهل حمص وهم على دين عدونا هذا الذى قد أقبل إلينا، ولا آمن إن وقع بيننا وبينهم من الحرب ما نتشاغل به أن ينقضوا عهدنا وأن يثبوا على ذرارينا فيتقربوا بهم إلى عدونا.\rفقال له أبو عبيدة: إن الله قد أذلهم لكم، وسلطانكم أحب إليهم من سلطان عدوكم، وأما إذ ذكرت ما ذكرت، وخوفتنا ما خوفت، فإنى أخرج أهل المدينة منها","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084319,"book_id":3509,"shamela_page_id":882,"part":"2","page_num":253,"sequence_num":882,"body":"وأنزلها عيالنا، وأدخل رجالا من المسلمين يقومون على سورها وأبوابها، ونقيم نحن بمكاننا هذا حتى يقدم علينا إخواننا.\rفقال له شرحبيل: إنه ليس لك ولا لنا معك أن نخرجهم من ديارهم وقد صالحناهم على ألا نخرجهم منها.\rفأقبل أبو عبيدة على جماعة من عنده فقال: ماذا ترون، رحمكم الله؟ فقالوا: نرى أن نقيم، ونكتب إلى أمير المؤمنين فنعلمه نفير الروم إلينا، وتبعث إلى من بالشام من إخوانك المسلمين فيقدموا عليك.\rفقال أبو عبيدة: إن الأمر أجل وأعظم مما تحسبون، ولا أحسب القوم إلا سيعاجلونكم قبل وصول خبركم إلى أمير المؤمنين.\rفقام إليه ميسرة بن مسروق، فقال: أصلحك الله، إنا لسنا بأصحاب القلاع ولا الحصون ولا المدائن، وإنما نحن أصحاب البر والبلد القفر، فأخرجنا من بلاد الروم ومدائنها إلى بلادنا أو إلى بلاد من بلادهم تشبه بلادنا إن كانوا قد جاشوا علينا كما ذكرت، ثم اضمم إليك قواصيك، وابعث إلى أمير المؤمنين فليمددك.\rفقال كل من حضر ذلك المجلس: الرأى ما رأى ميسرة، فقال لهم أبو عبيدة: فتهيأوا وتيسروا حتى أرى من رأى، وكان رأى أبى عبيدة أن يقيموا ولا يبرحوا، ولكنه كره خلافهم، ورجا أن يكون فى اجتماع رأيهم الخير والبركة.\rثم بعث إلى حبيب بن مسلمة، وكان استعمله على الخراج، فقال: انظر ما كنت جبيت من حمص فاحتفظ به حتى آمرك فيه، ولا تجبين أحدا ممن بقى حتى أحدث إليك فى ذلك، ففعل، فلما أراد أبو عبيدة أن يشخص دعا حبيبا فقال له: اردد على القوم الذين كنا صالحناهم من أهل البلد ما كنا أخذنا منهم، وقل لهم: نحن على ما كان بيننا وبينكم من الصلح، لا نرجع عنه إلا أن ترجعوا، وإنما رددنا عليكم أموالكم كراهية أن نأخذها ولا نمنع بلادكم، ولكنا نتنحى إلى بعض الأرض ونبعث إلى إخواننا فيقدموا علينا، ثم نلقى عدونا، فإن أظفرنا الله بهم وفينا لكم بعهدكم، إلا ألا تطلبوا ذلك.\rثم أخذ الناس فى الرحيل إلى دمشق، ورد حبيب بن مسلمة إلى أهل البلد ما كان أخذ منهم، وأخبرهم بما قال أبو عبيدة، فقالوا: ردكم الله إلينا، ولعن الله الذين كانوا يملكوننا من الروم، لكنهم والله لو كانوا هم ما ردوا علينا، بل غصبونا وأخذوا مع هذا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084320,"book_id":3509,"shamela_page_id":883,"part":"2","page_num":254,"sequence_num":883,"body":"ما قدروا عليه من أموالنا. وأعلم أبو عبيدة عمر بن الخطاب بكل ما قبله.\rقال سفيان بن عوف بن معقل: بعثنى أبو عبيدة ليلة غدا من حمص إلى دمشق، فقال:\rائت أمير المؤمنين فأبلغه منى السلام وأخبره بما قد رأيت وعاينت، وبما جاءتنا به العيون، وبما استقر من كثرة العدو، وبالذى رأى المسلمون من التنحى عنهم. وكتب إليه معه:\rأما بعد، فإن عيونى قدمت علىّ من أرض قنسرين ومن القرية التى فيها ملك الروم، فحدثونى بأن الروم قد توجهوا إلينا وجمعوا لنا من الجموع ما لم يجمعوه قط لأمه كانت قبلنا، وقد دعوت المسلمين فأخبرتهم الخبر واستشرتهم فى الرأى، فاجتمع رأيهم على أن يتنحوا عنهم حتى يأتينا رأيك، وقد بعثت إليك رجلا عنده علم ما قبلنا، فاسأله عما بدا لك، فإنه بذلك عليم، وهو عندنا أمين، ونستعين الله العزيز الحكيم، وهو حسبنا ونعم الوكيل. والسلام عليك.\rقال سفيان: فلما قدمت على أمير المؤمنين سلمت عليه، فقال: أخبرنى عن الناس، فأخبرته بصلاحهم، ودفاع الله عنهم، ثم أخذ الكتاب فقرأه، فقال لى: ويحك ما فعل المسلمون؟ فقلت: أصلحك الله، خرجت من عندهم ليلا من حمص وتركتهم يقولون:\rنصلى الغداة ثم نرحل إلى دمشق. قال: فكأنه كرهه حتى عرفت الكراهة فى وجهه، ثم قال: لله أبوك، ما رجوعهم عن عدوهم وقد أظفرهم الله بهم فى غير موطن؟ وما تركهم أرضا قد فتحها الله عليهم وصارت فى أيديهم؟ إنى لأخاف أن يكونوا قد أساؤا الرأى وجاؤا بالعجز وجرأوا عدوهم عليهم. فقلت: أصلحك الله، إن الشاهد يرى ما لا يرى الغائب، إن صاحب الروم قد جمع لنا جموعا لم يجمعها هو ولا أحد كان قبله لأحد كان قبلنا، ولقد أخبرنا بعض عيوننا أن عسكرا واحدا من عساكرهم أمر بالعسكرة فى أصل جبل، فهبطوا من الثنية نصف النهار إلى معسكرهم فما تكاملوا فيه حتى أمسوا، ثم ما تكاملوا فيه إلى نصف الليل، فهذا عسكر واحد من عساكرهم، فما ظنك أصلحك الله بما بقى؟.\rفقال: لولا أنى ربما كرهت الشىء من أمرهم يضيعونه، فأرى الله تعالى، يخير لهم فى عواقبه لكان هذا رأيا أنا له كاره. أخبرنى: اجتمع رأى جميعهم على التحول؟ قلت:\rنعم. قال: فالحمد لله، إنى لأرجو إن شاء الله أن لا يكون جمع الله رأيهم إلا على ما هو خير لهم. فقلت: يا أمير المؤمنين، اشدد أعضاد المسلمين بمدد يأتيهم من قبلك قبل الوقعة، فإن هذه الوقعة هى الفيصل فيما بيننا وبينهم. فقال لى: أبشر بما يسرك ويسر المسلمين، واحمل كتابى هذا إلى أبى عبيدة وإلى المسلمين، وأعلمهم أن سعيد بن عامر بن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084321,"book_id":3509,"shamela_page_id":884,"part":"2","page_num":255,"sequence_num":884,"body":"حذيم قادم عليهم بالمدد، وكتب: بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى أبى عبيدة بن الجراح وإلى الذين معه من المهاجرين والأنصار، والتابعين بإحسان، والمجاهدين فى سبيل الله، سلام عليكم، فإنى أحمد إليكم الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد فإنه قد بلغنى توجهكم من أرض حمص إلى أرض دمشق، وترككم بلادا فتحها الله عليكم، وخليتموها لعدوكم وخرجتم منها طائعين، فكرهت هذا من رأيكم وفعلكم، ثم إنى سألت رسولكم عن رأى من جميعكم كان ذلك، فزعم أن ذلك كان رأيا من أماثلكم وأولى النهى منكم، فعلمت أن الله لم يكن يجمع رأيكم إلا على توفيق وصواب ورشد فى العاجلة والعاقبة، فهون ذلك علىّ ما كان داخلنى من الكراهية قبل ذلك لتحولكم، وقد سألنى رسولكم المدد، وأنا ممدكم، لن يقرأ عليكم كتابى حتى يشخص إليكم المدد من قبلى إن شاء الله، واعلموا أنه ليس بالجمع الكثير تهزم الجموع وينزل الله النصر، ولربما خذل الله الجموع الكثيرة فوهنت وقلت وفشلت، ولم تغن عنهم فئتهم شيئا، ولربما نصر الله العصابة القليل عددها على الكثير عددها من أعداء الله، فأنزل الله عليكم نصره، وبعدو المسلمين بأسه ورجزه، والسلام عليكم.\rفجاء سفيان بالكتاب إلى أبى عبيدة فقرأه على الناس وسروا به.\rوعن عبد الله بن قرط، فى حديثه المتقدم عما اجتمع عليه رأى المسلمين مع أبى عبيدة من الرحيل عن حمص، قال: فلما صلينا صلاة الغداة بحمص خرجنا مع أبى عبيدة نسير حتى قدمنا دمشق وبها خالد بن الوليد، وتركنا أرض حمص ليس فيها منا ديار بعدما كنا قد افتتحناها، وأمنا أهلها، وصالحناهم عليها، وخلا أبو عبيدة بخالد بن الوليد فأخبره الخبر، وذكر له مشورة الناس عليه بالرحلة، ومقالة العبسى فى ذلك، فقال له خالد: أما أنه لم يكن الرأى إلا الإقامة بحمص حتى نناجزهم، فأما إذا اجتمع رأيكم على أمر واحد، فو الله إنى لأرجو أن لا يكون الله قد جمع رأيكم إلا على ما هو خير «١» .\rفأقام أبو عبيدة بدمشق يومين، وأمر سويد بن كلثوم أن يرد على أهل دمشق الذين كانوا أمنوا وصولحوا ما كان جبى منهم، ففعل، وقال لهم المسلمون: نحن على العهد الذي كان بيننا وبينكم. ثم إن أبا عبيدة جمع أصحابه، فقال لهم: ماذا ترون؟ أشيروا علىّ.\rفقال يزيد بن أبى سفيان: أرى أن تخرج حتى تنزل الجابية، ثم تبعث إلى عمرو بن","footnotes":"(١) انظر الخبر فى: تاريخ فتوح الشام (١٦٠- ١٦٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084322,"book_id":3509,"shamela_page_id":885,"part":"2","page_num":256,"sequence_num":885,"body":"العاص فيقدم عليك بمن معه من المسلمين، ثم نقيم للقوم حتى يقدموا علينا، فنقاتلهم ونستعين الله عليهم.\rفقال شرحبيل بن حسنة: لكنى أرى إذ خلينا لهم ما خلينا من أرضهم أن ندعها كلها فى أيديهم وننزل التخوم بين أرضنا وأرضهم فندنوا من خليفتنا ومن مددنا، فإذا أتانا من المدد ما نرجو أن نكون لهم به مقرنين قاتلناهم إن أتونا، وإلا أقدمنا عليهم إن هم أقاموا عنا. فقال رجل من المسلمين لأبى عبيدة: هذا أصلحك الله رأى حسن، فاقبله واعمل به.\rفقال معاذ بن جبل: وهل يلتمس هؤلاء القوم من عدوهم أمرا أضر لهم ولا أشد عليهم مما تريدون أنتم بأنفسكم، تخلون لهم عن أرض قد فتحها الله عليكم وقتل فيها صناديدهم وأهلك جنودهم، فإذا خرج المسلمون منها وتركوها لهم فكانوا فيها على مثل حالهم الأول، فما أشد على المسلمين دخولها بعد الخروج منها، وهل يصلح لكم أن تدعوها وتدعوا البلقاء والأردن وقد جبيتم خراجهم لتدفعوا عنهم؟ أما والله لئن أردتم دخولها بعد الخروج منها لتكابدن من ذلك مشقة.\rفقال أبو عبيدة: صدق والله وبر، ما ينبغى أن نترك قوما قد جبينا خراجهم وعقدنا العهد لهم حتى نعذر إلى الله فى الدفع عنهم، فإن شئتم نزلنا الجابية وبعثنا إلى عمرو بن العاص يقدم علينا، ثم أقمنا للقوم حتى نلقاهم بها.\rفقال له خالد: كأنك إذا كنت بالجابية كنت على أكثر مما أنت عليه فى مكانك الذى أنت فيه. فإنهم لكذلك يجيلون الرأى إذ قدم على أبى عبيدة عبد الله بن عمرو بن العاص بكتاب من أبيه يقول فيه: أما بعد، فإن أهل إيلياء وكثيرا ممن كنا صالحناهم من أهل الأردن قد نقضوا العهد فيما بيننا وبينهم، وذكروا أن الروم قد أقبلت إلى الشام بقضها وقضيضها، وأنكم قد خليتم لهم عن الأرض وأقبلتم منصرفين عنها، وقد جرأهم ذلك علىّ وعلى من قبلى من المسلمين، وقد تراسلوا وتواثقوا وتعاهدوا ليسيرون إلىّ.\rفاكتب إلىّ برأيك، فإن كنت تريد القدوم علىّ أقمت لك حتى تقدم علىّ، وإن كنت تريد أن تنزل منزلا من الشام أو من غيرها وأن أقدم عليك فأعلمنى برأيك، أوافك فيه، فإنى صائر إليك أينما كنت، وإلا فابعث إلىّ مددا أقوى به على عدوى وعلى ضبط ما قبلى، فإنهم قد أرجفوا بنا واغتمزوا فينا واستعدوا لنا، ولو يجدون فينا ضعفا أو يرون فينا فرصة ما ناظرونا، والسلام عليك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084323,"book_id":3509,"shamela_page_id":886,"part":"2","page_num":257,"sequence_num":886,"body":"فكتب إليه أبو عبيدة: أما بعد، فقد قدم علينا عبد الله بن عمرو بكتابك تذكر فيه إرجاف المرجفين واستعدادهم لك، وجرأتهم عليك للذى بلغهم من انصرافنا عن الروم وما خلينا لهم من الأرض، وأن ذلك والحمد لله لم يكن من المسلمين عن ضعف من بصائرهم، ولا وهن عن عدوهم، ولكنه كان رأيا من جماعتهم كادوا به عدوهم ليخرجوهم من مدائنهم وحصونهم وقلاعهم وليجتمع بعض المسلمين إلى بعض وينتظروا قدوم أمدادهم، ثم يناهضونهم إن شاء الله، وقد اجتمعت خيلهم وتتامت فرسانهم، فعند ذلك فارتقب نصر الله أولياءه، وإنجاز موعوده، وإعزاز دينه، وإذلاله المشركين حتى لا يمنع أحد منهم أمه ولا حليلته ولا نفسه، حتى يتوقلوا فى شعف الجبال، ويعجزوا عن منع الحصون ويجنحوا للسلم، ويلتمسوا الصلح، سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا [الأحزاب: ٦٢] .\rثم أعلم من قبلك من المسلمين أنى قادم عليهم بجماعة أهل الإسلام إن شاء الله، فليحسنوا بالله الظن ولا يجدن عدوكم فيكم ضعفا ولا وهنا، ولا تؤبسوا منكم رعبا فيطمعوا فيكم ويجترئوا عليكم، أعزنا الله وإياكم بنصره، وعمنا بعافيته وعفوه، والسلام عليك.\rوقال لعبد الله بن عمرو: اقرأ على أبيك السلام، وأخبره أنى فى أثرك، وأعلم بذلك المسلمين وكن يا عبد الله بن عمرو ممن يشد الله به ظهور المسلمين ويستأنسون به، فإنك رجل من الصحابة، وقد جعل الله للصحابة فضلا على غيرهم من المسلمين، بصحبتهم رسول الله ﷺ ولا تتكل على أبيك، وكن أنت فى جانب تحرض المسلمين وتمنيهم النصر، وتأمرهم بالصبر، ويكون أبوك يفعل ذلك فى جانب آخر.\rفقال: إنى أرجو أن يبلغك عنى إن شاء الله من ذلك ما تسر به، ثم خرج حتى قدم على أبيه بكتاب أبى عبيدة، فقرأه أبوه على الناس، ثم قال: أما بعد، فقد برئت ذمة الله من رجل من أهل عهدنا من أهل الأردن ثقف رجلا «١» من أهل إيلياء «٢» فلم يأتنا به، ألا ولا يبقين رجل من أهل عهدنا إلا تهيأ واستعد ليسير معى إلى أهل إيلياء، فإنى أريد السير إليهم والنزول بساحتهم، ثم لا أزايلهم حتى أقتل مقالتهم وأسبى ذراريهم، أو يؤدوا الجزية عن يد وهم صاغرون.","footnotes":"(١) ثقف رجل: أى صفر به.\r(٢) إيلياء: ويقال أيليا بفتح الهمزة، مدينة بالشام وهى بيت المقدس، وهى مدينة قديمة جليلة على جبل يصعد إليها من كل جانب. انظر: الروض المعطار (٦٨) ، نزهة المشتاق (٢١٦) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084324,"book_id":3509,"shamela_page_id":887,"part":"2","page_num":258,"sequence_num":887,"body":"ثم نادى فى المسلمين: أن ارتحلوا إلى إيلياء، فسار نحوا من ميلين قبل أرض إيلياء، ثم نزل وعسكر، وقال لأهل الأردن: أخرجوا إلينا الأسواق، ونادى مناديه: برئت الذمة من رجل من أهل الصلح لم يخرج بسلاحه حتى يحضر معنا معسكرنا وينتظر ما نأمر به من أمرنا، فاجتمع أهل الصلح كلهم إليه، وخرجوا بعدتهم وسلاحهم، فقدمهم مع ابنه عبد الله فى خمسمائة من المسلمين، وأمره أن يعسكر بهم، ففعل.\rوإنما أراد أن يشغل أهل الأردن عن الإرجاف، وأن يبلغ أهل إيلياء أنه يريد المسير إليهم والنزول بهم، فيرعب قلوبهم ويشغلهم فى أنفسهم وحصونهم عن الغارة عليهم.\rفخرج التجار من أهل الأردن ومن كان فيها من أهل إيلياء عند حميم أو ذوى قرابة فلحقوا بإيلياء فقالوا لهم: هذا عمرو بن العاص قد أقبل نحوكم بالناس، فاجتمعوا من كل مكان، وتراسلوا، وجعلوا لا يجيئهم أحد من قبل الأردن إلا أخبرهم بمعسكره، فأيقنوا أنه يريدهم، فكانوا من ذلك فى هول شديد، وزادهم خوفا ووجلا كتاب كتبه إليهم عمرو بن العاص مضمنه: بسم الله الرحمن الرحيم، من عمرو بن العاص إلى بطارقة أهل إيلياء، سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله الذى لا إله إلا هو، وبنبوة محمد ﷺ أما بعد: فإنا نثنى على ربنا خيرا، ونحمده حمدا كثيرا، كما رحمنا بنبيه وشرفنا برسالته وأكرمنا بدينه، وأعزنا بطاعته، وأيدنا بتوحيده، فلسنا والحمد لله نجعل له ندا ولا نتخذ من دونه إلها، لقد قلنا إذا شططا، والحمد لله الذى جعلكم شيعا وجعلكم فى دينكم أحزابا، كل حزب بما لديهم فرحون، فمنكم من يزعم أن لله ولدا، ومنكم من يزعم أن الله ثانى اثنين، ومنكم من يزعم أن الله ثالث ثلاثة، فبعدا لمن أشرك بالله وسحقا، وتعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، والحمد لله الذى قتل بطارقتكم، وسلب عزكم، وطرد من هذه البلاد ملوككم، وأورثنا أرضكم ودياركم وأموالكم، وأذلكم بكفركم بالله وشرككم به وترككم ما دعوناكم إليه من الإيمان بالله وبرسوله، فأعقبكم الله لباس الخوف والجوع ونقصا فى الأموال والأنفس، وما الله بظلام للعبيد.\rفإذا بلغكم كتابى هذا، فأسلموا تسلموا، وإلا فأقبلوا إلىّ حتى أكتب لكم أمانا على دمائكم وأموالكم، وأعقد لكم عقدا على أن تؤدوا إلىّ الجزية عن يد وأنتم صاغرون، وإلا فو الله الذى لا إله إلا هو لأرمينكم بالخيل بعد الخيل وبالرجال بعد الرجال، ثم لا أقلع عنكم حتى أقتل المقاتلة وأسبى الذرية، وحتى تكونوا كأمة كانت فأصبحت كأنها لم تكن.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084325,"book_id":3509,"shamela_page_id":888,"part":"2","page_num":259,"sequence_num":888,"body":"وأرسل بالكتاب إليهم مع فيج، نصرانى على دينهم، وقال له: عجل علىّ، فإنى إنما أنتظرك، فلما قدم عليهم قالوا له: ويحك، ما وراءك؟ قال: لا أدرى إلا أن هذا الرجل بعثنى إليكم بهذا الكتاب، وقد وجه عسكره نحوكم، وقال لى: ما يمنعنى من المسير إليهم إلا انتظار رجوعك، فقالوا: انتظرنا ساعة من النهار، فإنا ننتظر عينا لنا يقدم علينا من قبل أمير العرب الذى بدمشق، ومن قبل جند الملك الذى أقبل إلينا، فننظر ما يأتينا به، فإن ظننا أن لنا بالعرب قوة لم نصالحهم، وإن خشينا ألا نقوى عليهم صنعنا ما صنع أهل الأردن وغيرهم، فما نحن إلا كغيرنا من أهل الشام، فأقام العلج حتى أمسى، ثم إن رسول أهل إيلياء الذى بعثوه عينا لهم أتاهم فأخبرهم أن باهان قد أقبل من عند ملك الروم فى ثلاثة عساكر، فى كل عسكر منها أكثر من مائة ألف مقاتل، وأن العرب لما بلغهم ما سار إليهم من تلك الجموع علموا أنه لا قبل لهم بما جاءهم، فانصرفوا راجعين، وقد كان أوائل العرب دخلوا أرض قنسرين «١» فأخرجوهم منها، ثم أتوا أرض دمشق فأخرجوهم منها، ثم أقبلت العرب الآن نحو الأردن، نحو صاحبهم هذا الذى كتب إليكم، والروم يسوقونهم سوقا عنيفا، فتباشروا بذلك وسروا به، ودعوا العلج الذى بعث به إليهم عمرو بن العاص، وقالوا: اذهب بكتابنا هذا إلى صاحبك، وكتبوا معه: أما بعد، فإنك كتبت إلينا تزكى نفسك وتعيبنا، وقول الباطل لا ينفع قائله نفسه ولا يضر عدوه، وقد فهمنا ما دعوتنا إليه، وهؤلاء ملوكنا وأهل ديننا قد جاؤكم، فإن أظهرهم الله عليكم فذلك بلاؤه عندنا فى القديم، وإن ابتلانا بظهوركم، فلعمرى لنقرن، لكم بالصغار، وما نحن إلا كمن ظهرتم عليه من إخواننا، ثم دانوا لكم وأعطوكم ما سألتم.\rفقدم الرسول بهذا الكتاب على عمرو، فقال له: ما حبسك؟ فأخبره الخبر، فلم يكن إلا يومه ذلك حتى قدم خالد بن الوليد فى مقدمة أبى عبيدة، فجاء حتى نزل اليرموك، وأقبل عمرو حتى نزل معه.\rوقعة اليرموك «٢» على نحو ما حكاه أصحاب كتب فتوح الشام\rقالوا «٣» : ولما اجتمع جمع المسلمين باليرموك استشار أبو عبيدة أهل الرأى من","footnotes":"(١) قنسرين: مدينة بالشام، وهى الجابية، بينها وبين حلب اثنا عشر ميلا. انظر: الروض المعطار (٤٧٣) .\r(٢) راجع: المنتظم لابن الجوزى (٤/ ١١٨- ١٢٣) ، تاريخ الطبرى (٣/ ٣٩٦) .\r(٣) انظر: تاريخ فتوح الشام (١٦٩- ١٧١) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084326,"book_id":3509,"shamela_page_id":889,"part":"2","page_num":260,"sequence_num":889,"body":"المسلمين: أين ترون أن نعسكر حتى يقدم مددنا؟ فقال يزيد بن أبى سفيان: أرى أن نسير بمن معنا إلى أيلة، فنقيم بها حتى يقدم علينا المدد. فقال عمرو: ما أيلة إلا كبعض الشام، ولكن سر بنا حتى ننزل الحجر فننتظر المدد، فقال قيس بن هبيرة: لا ردنا الله إذا إليها إن خرجنا لهم عن الشام أكثر مما خرجنا لهم عنه، أتدعون هذه العيون المتفجرة، والأنهار المطردة، والزروع والأعناب، والذهب والفضة والحرير، وترجعون إلى أكل الضباء وليس العباء والبؤس والشقاء وأنتم تعلمون أن من قتل منكم صار إلى الجنة وأصاب نعيما لا يشاكله نعيم، فأين تدعون الجنة وتهربون منها؟ وتزهدون فيها وتأتون الحجر. لا صحب الله من سار إلى الحجر ولا حفظه. فقال له خالد بن الوليد: جزاك الله خيرا يا قيس، فإن رأيك موافق لرأيى.\rوفى حديث عن أبى معشر: أن الروم حين جاشت على المسلمين ودنوا منهم دعا أبو عبيدة رؤس المسلمين واستشارهم، فذكر من مشورة يزيد بن أبى سفيان عليه، وعمرو ابن العاص نحوا مما تقدم. قال: وخالد بن الوليد ساكت يسمع ما يقولون، وكان يرحمه الله إذا كانت شدة فإليه وإلى رأيه يفزعون، إذ كان لا يهوله من أمر الروم شىء، ولا يزداد بما يبلغه عنهم إلا جرأة عليهم، فقال له أبو عبيدة: ماذا ترى يا خالد؟ فقال: أرى والله أنا إن كنا إنما نقاتل بالكثرة والقوة فهم أكثر منا وأقوى علينا، وإن كنا إنما نقاتلهم بالله ولله فما أرى أن جماعتهم ولو كانوا أهل الأرض جميعا تغنى عنهم شيئا، ثم غضب، فقال لأبى عبيدة: أتطيعنى أنت فيما آمرك به؟ قال: نعم. قال: فولنى ما وراء بابك، وخلنى والقوم، فإنى والله لأرجو أن ينصرنا الله عليهم، قال: قد فعلت، فولاه ذلك، فكان خالد من أعظم الناس بلاء، وأحسنه غناء وأعظمه بركة، وأيمنه نقيبة، وكانوا أهون عليه من الكلاب.\rوعن مالك بن قسامة بن زهير، عن رجل من الروم يدعى جرجة، كان قد أسلم فحسن إسلامه، قال: كنت فى ذلك الجيش الذى بعث قيصر من أنطاكية مع باهان، فأقبلنا ونحن لا يحصى عددنا إلا الله، ولا نرى أن لنا غالبا من الناس، فأخرجنا أوائل العرب من أرض قنسرين ثم أقبلنا فى آثارهم حتى أخرجناهم من حمص، ثم أقبلنا فى آثارهم حتى أخرجناهم من دمشق. قال: ولحق بنا كل من كان على ديننا من النصارى، حتى إن كان الراهب لينزل عن صومعته وقد كان فيها دهرا طويلا من دهره، فيتركها وينزل إلينا ليقاتل معنا غضبا لدينه ومحاماة عليه، وكان من كان من العرب بالشام ممن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084327,"book_id":3509,"shamela_page_id":890,"part":"2","page_num":261,"sequence_num":890,"body":"كان على طاعة قيصر ثلاثة أصناف، فأما صنف فكانوا على دين العرب، وكانوا معهم، وأما صنف فكانوا نصارى، وكانت لهم فى النصرانية نية، فكانوا معنا، وأما صنف فكانوا نصارى ليس لهم فى النصرانية تلك النية، فقالوا: نكره أن نقاتل أهل ديننا ونكره أن ننصر العجم على قومنا، وأقبلت الروم تتبع أهل الإسلام وقد كانوا هائبين لهم مرعوبين منهم، ولكنهم لما رأوهم قد خلوا لهم البلاد وتركوا لهم ما كانوا افتتحوا جرأهم ذلك عليهم مع عددهم الذى لم يجتمع قط لأحد من قبلهم.\rوعن عبد الله بن قرط قال: لما أقبلت الروم من عند ملكهم أخذوا لا يمرون بأرض قد كنا افتتحناها ثم أجلينا لهم عنها إلا أوقعوا بهم ولاموهم وشتموهم وخوفوهم، فيقولون لهم: أنتم أولى باللائمة منا، أنتم وهنتم وعجزتم وتركتمونا وذهبتم، وأتانا قوم لم تكن لنا بهم طاقة، فكانوا يعرفون صدقهم فيكفون عنهم، وأقبلوا يتبعون آثار المسلمين حتى نزلوا بمكان من اليرموك يدعى دير الجبل مما يلى المسلمين، والمسلمون قد جعلوا نساءهم وأولادهم على جبل خلف ظهورهم، فمر قيس بن هبيرة بنسوة من نساء المسلمين مجتمعات، فلما رأينه قامت إليه أميمة بنت أبى بشر بن زيد بن الأطول الأزدية، وكانت تحت عبد الله بن قرط، وكان أشبه خلق الله به فى الحرب، فرسه يشبه فرسه، وباده يشبه باده، وكل شىء منه كذلك، فظنت أنه زوجها، فقالت له: اسمع بنفسى أنت، فعلم قيس أنها شبهته بزوجها، فقال: أظنك شبهتنى بزوجك. فقالت: واسوأتاه وانصرفت، فأقبل قيس عليها، وعلى من كان معها من النساء، فقال لهن: قبح الله امرأة منكن تضطجع لزوجها وهذا عدوه قد نزل بساحته إن لم يقاتل عنها، وإذا أراد ذلك منها فلتتمنع عليه ولتحث فى وجهه التراب، ثم لتقل له: أخرج قاتل عنى، فلست لك بامرأة حتى تمنعنى، فلعمرى ما تقرب النساء على مثل هذه الحال إلا أهل الفسولة والنذالة، ثم مضى. فقالت المرأة: واسوأتاه منه، وإنما ظننت أنه ابن قرط، فإنه لم يتعش البارحة إلا عشاء خفيفا، آثر بعشائه رجلين من إخوانه تعشيا عنده، فكنت هيأت له غداءه، فأردت أن ينزل فيتغذى «١» .\rقال ابن قرط: ولما نزل الروم منزلهم الذى نزلوا فيه، دسسنا إليهم رجالا من أهل البلد كانوا نصارى قد أسلموا، فأمرناهم أن يدخلوا عسكرهم فيكتموا إسلامهم ويأتونا بأخبارهم، فكانوا يفعلون ذلك، قال: فلبثوا أياما مقابلينا ثلاثا أو أربعا لا يسألوننا عن شىء ولا نسألهم، ولا يتعرضون لنا ولا نتعرض لهم، فبينا نحن كذلك إذ سمعنا جلبة","footnotes":"(١) انظر: تاريخ فتوح الشام (١٧٢- ١٧٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084328,"book_id":3509,"shamela_page_id":891,"part":"2","page_num":262,"sequence_num":891,"body":"شديدة وأصواتا عالية، فظننا أن القوم يريدون النهوض إلينا، فتهيأنا وتيسرنا، ثم دسسنا إليهم عيونا ليأتونا بالخبر، فما لبثنا إلا قليلا حتى رجعوا إلينا فأخبرونا أن بريدا جاءهم من قبل ملك الروم فبشرهم بمال يقسم بينهم وبمدد يأتيهم، ففرحوا بذلك ورفعوا له أصواتهم، واجتمعوا إلى باهان النائب فيهم عن ملكهم، فقام فيهم فقال: إن الله لم يزل لدينكم هذا معزا وناصرا، وقد جاءكم قوم يريدون أن يفسدوا عليكم دينكم ويغلبوكم على دنياكم، وأنتم عدد الحصى والثرى والذر، والله إن فى هذا الوادى منكم لنحوا من أربعمائة ألف مقاتل سوى أتباعكم وأعوانكم، ومن اجتمع إليكم من سكان بلادكم وممن هو معكم على دينكم، فلا يهولنكم أمر هؤلاء القوم، فإن عددهم قليل، وهم أهل الشقاء والبؤس وجلهم حاسر جائع، وأنتم الملوك، وأهل الحصون والقلاع والعدة والقوة، فلا تبرحوا العرصة حتى تهلكوهم أو تهلكوا أنتم. فقام إليه بطارقتهم فقالوا له:\rمرنا بأمرك، ثم انظر ما نصنع. قال: فتيسروا حتى آمركم «١» .\rوعن أبى بشر، رجل من تنوخ كان مع باهان، قال: كنت نصرانيا، فنصرت النصارى على العرب، فأقبلت مع الروم، فإذا من نمر به من أهل البلد أحسن شىء ثناء على العرب فى سيرتهم وفى كل شىء من أمرهم، وأقبلت الروم فجعلوا يفسدون فى الأرض ويسيئون السيرة، ويعصون الأمراء، حتى ضج منهم الناس، وشكاهم أهل القرى، فلا تزال جماعة تجىء معها بالجارية قد افتضت، وجماعة يشكون أن أغنامهم ذبحت، وآخرون أنهم خربوا وسلبوا، فلما رأى ذلك باهان، قام فيهم خطيبا فقال: يا معشر أهل هذا الدين، إن حجة الله عليكم عظيمة، إذ بعث إليكم رسولا، وأنزل عليه كتابا، وكان رسولكم لا يريد الدنيا، ويزهدكم فيها، وأمركم أن لا تظلموا أحدا، فإن الله لا يحب الظالمين، وأنتم الآن تظلمون، فما عذركم غدا عند خالقكم وقد تركتم أمره وأمر نبيكم وما أتاكم به من كتاب ربكم؟ وهذا عدوكم قد نزل بكم، يقتل مقاتليكم، ويسبى ذراريكم، وأنتم تعملون بالمعاصى، ولا ترعون منها خشية العقاب، فإن نزع الله سلطانكم من أيديكم وأظهر عليكم عدوكم فمن الظالم إلا أنتم، فاتقوا الله وانزعوا عن ظلم الناس «٢» .\rفقام إليه رجل من أهل البلد من أهل الذمة يشكو مظلمة، فتكلم بلسانهم، وأنا أفقه كلامهم، فقال: أيها الملك، عشت الدهر ووقيناك بأنفسنا مكروه الأحداث، إنى امرؤ","footnotes":"(١) انظر: تاريخ فتوح الشام (١٧٤- ١٧٥) .\r(٢) انظر: تاريخ فتوح الشام (١٧٥- ١٧٧) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084329,"book_id":3509,"shamela_page_id":892,"part":"2","page_num":263,"sequence_num":892,"body":"من أهل البلد من أهل الذمة وكانت لى غنم أظنها مائة شاة تنقص قليلا، وكان فيها ابن لى يرعاها، فمر به عظيم من عظماء أصحابك، فضرب بناءه إلى جنبها وأخذ حاجته منها، وانتهب بقيتها أصحابه، فجاءته امرأتى تشكو إليه انتهاب أصحابه غنمى، وتقول له: أما ما أخذت أنت لنفسك فهو لك، ولكن ابعث إلى أصحابك يردوا علينا غنمنا، فلما رآها أمر بها فأدخلت بناءه، وطال مكثها عنده، فلما رأى ذلك ابنها دنا من باب البناء فاطلع فيه، فإذا هو بصاحبكم ينكح أمه وهى تبكى، فصاح الغلام، فأمر به فقتل، فأخبرونى ذلك، فأقبلت إلى ابنى، فأمر بعض أصحابه فشد علىّ بالسيف ليضربنى، فاتقيته بيدى فقطعها.\rفقال له باهان: فهل تعرفه؟ قال: نعم، قال: وأين هو؟ قال: هو ذا، لعظيم حاضر عنده من عظمائهم، قال: فغضب ذلك العظيم، وغضب له ناس من أصحابه، وكان فيهم ذا شارة وشرف، فأقبل ناس من أصحابه أكثر من مائة، فشدوا على المستعدى فضربوه بأسيافهم حتى مات، ثم رجعوا، وباهان ينظر إلى ما صنعوا، فقال بلسانه: العجب كل العجب، كيف لا تنهد الجبال، وتنفجر البحار، وتتزلزل الأرض، وترعد السماء لهذه الخطيئة التى عملتموها وأنا أنظر، ولأعمالكم العظام التى تعملونها وأنا أرى وأسمع، إن كنتم تؤمنون أن لهؤلاء المستضعفين المظلومين إلها ينصف المظلوم من الظالم فأيقنوا بالقصاص، ومن الآن يعجل لكم الهلاك، وإن كنتم لا تؤمنون بذلك، فأنتم والله عندى شر من الكلاب، والحمر، ولعمرى إنكم لتعملون أعمال قوم لا يؤمنون، ولقد سخط الله أعمالكم، وليكلنكم إلى أنفسكم، فأما أنا فأشهد الله أنى برىء من أعمالكم، وسترون عاقبة الظلم إلى ما تؤديكم، وإلى أى مصير تصيركم. ثم نزل.\rقال التنوخى «١» : وكنا نزلنا بالمسلمين ونحن لهم هائبون، وقد كان بلغنا أن نبيهم ﷺ قال لهم: إنكم ستظهرون على الروم، وقد كانوا واقعوا غير مرة، كل ذلك يكون لهم الظفر علينا، غير أنا إذا نظرنا إلى عددنا وجموعنا طابت أنفسنا وظننا أن مثل جمعنا لا يفل، فأقام باهان أياما يراسل من حوله من الروم ويأمرهم أن يحملوا إلى أصحابه الأسواق، فكانوا يفعلون، ولم يكن ذلك يضر المسلمين، لأن الأردن فى أيديهم، فهم مخصبون بخير، فلما رأى باهان أن ذلك لا يضرهم، وأنهم مكتفون بالأردن بعث خيلا عظيمة لتأتيهم من وراءهم وعليها بطريق من بطارقتهم، يريد أن يكبتهم بجنوده من كل جانب، فعلم المسلمون ما يريد، فدعا أبو عبيدة خالد بن الوليد، فبعثه فى ألفى فارس","footnotes":"(١) انظر: تاريخ فتوح الشام (١٧٨- ١٧٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084330,"book_id":3509,"shamela_page_id":893,"part":"2","page_num":264,"sequence_num":893,"body":"وألفى راجل، فخرج حتى اعترض العلج، فلما استقبله نزل خالد فى الرجالة، وبعث قيس بن هبيرة فى الخيل، فحمل عليهم قيس، فاقتتلوا قتالا شديدا حتى هزمهم الله، ومشى خالد فى الرجالة حتى إذا دنا شد برايته، وشد معه المسلمون، فضاربوهم بالسيوف حتى تبددوا، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة.\rوقال قيس لرجل من بنى نمير، وقد مر به البطريق يركض: يا أخا بنى نمير، لا يفوتنك البطريق، فإنى والله لقد كددت فرسى على هذا العدو اليوم حتى ما عنده جرى، فحمل عليه النميرى فركض فى أثره ساعة ثم أدركه فلما رآه البطريق قد غشيه وأحرجه عطف عليه، فاضطربا بسيفيهما، فلم يصنع السيفان شيئا، واعتنق كل واحد منهما صاحبه، فوقعا إلى الأرض، فاعتركا ساعة، ثم صرعه النميرى، فوقع على صدر البطريق، فى ساقيه، فضمه البطريق إليه، وكان مثل الأسد، فلم يستطع النميرى يتحرك، وجاء قيس حتى وقف عليهما، فقال: يا أخا بنى نمير، قتلت الرجل إن شاء الله، قال: لا والله، ما أستطيع أن أتحرك ولا أضربه بشىء، ولقد ضمنى بفخذيه، وأمسك يدى بيديه، فنزل إليه قيس فضربه، فقطع إحدى يديه، ثم تركه وانطلق، وقال للنميرى: شأنك به، وقام النميرى فضربه بسيفه حتى قتله، ومر به خالد بن الوليد، فقال: من قتل هذا؟ فقال له قيس: هذا النميرى قتله، ولم يخبره هو بما صنع.\rوفى حديث عبد الله بن قرط: أن معاذ بن جبل ورجالا معه من المسلمين قالوا لأبى عبيدة حين سار من دمشق إلى اليرموك: ألا تكتب إلى أمير المؤمنين تعلمه علم هذه الجيوش التى جاءتنا وتسأله المدد؟ قال: بلى، فكتب إليه:\rأما بعد، فإن الروم نفرت إلينا برا وبحرا، ولم يخلفوا وراءهم أحدا يطيق حمل السلاح إلا جاشوا به علينا، وخرجوا معهم بالقسيسين والأساقفة ونزلت إليهم الرهبان من الصوامع فاستجاشوا أهل أرمينية والجزيرة وجاؤنا وهم نحو من أربعمائة ألف رجل، وإنه لما بلغنى ذلك من أمرهم كرهت أن أغر المسلمين من أنفسهم، فكشفت لهم عن الخبر، وصرحت لهم عن الأمر، وسألتهم عن الرأى، فرأى المسلمون أن يتنحوا إلى جانب من أرض الشام، ثم نضم إلينا قواصينا وننتظر المدد، فالعجل العجل علينا يا أمير المؤمنين بالمدد بعد المدد، والرجال بعد الرجال، وإلا فاحتسب نفوس المسلمين إن هم أقاموا، أو دينهم إن هم هربوا، فقد جاءهم ما لا قبل لهم به، إلا أن يمدهم الله بملائكة أو يأتيهم بغياث من عنده، والسلام عليك «١» .","footnotes":"(١) انظر: تاريخ فتوح الشام (١٨٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084331,"book_id":3509,"shamela_page_id":894,"part":"2","page_num":265,"sequence_num":894,"body":"قال عبد الله بن قرط «١» : وبعثنى بكتابه، فلما قدمت على عمر دعا المهاجرين والأنصار فقرأ عليهم كتاب أبى عبيدة، فبكى المسلمون بكاء شديدا، ورفعوا أيديهم ورغبتهم إلى الله ﷿، أن ينصرهم، وأن يعافيهم ويدفع عنهم، واشتدت شفقتهم عليهم، وقالوا: يا أمير المؤمنين، ابعثنا إلى إخواننا، وأمر علينا أميرا ترضاه لنا، أو سر أنت بنا إليهم، فو الله إن أصيبوا فما فى العيش خير بعدهم، قال: ولم أر منهم أحدا كان أظهر جزعا ولا أكثر شفقا من عبد الرحمن بن عوف، ولا أكثر قولا لعمر: سر بنا يا أمير المؤمنين، فإنك لو قدمت الشام شد الله قلوب المسلمين، ورعب قلوب الكافرين.\rقال: واجتمع رأى أصحاب رسول الله ﷺ على أن يقيم عمر ويبعث المدد، ويكون ردآ للمسلمين. قال: فقال لى عمر ﵀: كم كان بين الروم وبين المسلمين يوم خرج؟\rفقلت: نحو من ثلاث ليال. فقال عمر: هيهات متى يأتى هؤلاء غياثنا.\rثم كتب معى إلى أبى عبيدة: أما بعد، فقد قدم علينا أخو ثمالة بكتابك، تخبر فيه بنفير الروم إلى المسلمين برا وبحرا، وبما جاشوا به عليكم من أساقفتهم ورهبانهم، وأن ربنا المحمود ذا الصنع العظيم والمن الدائم قد رأى مكان هؤلاء الأساقفة والرهبان حين بعث محمدا ﷺ بالحق فنصره بالرعب وأعزه بالنصر، وقال وهو لا يخلف الميعاد: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [الصف: ٩] ، فلا يهولنك كثرة من جاءك منهم فإن الله منهم برىء، ومن برئ الله منه كان قمنا أن لا تنفعه كثرته، وأن يكله الله إلى نفسه ويخذله، ولا يوحشنك قلة المسلمين فى المشركين، فإن الله معك، وليس قليلا من كان الله معه، فأقم بمكانك الذى أنت فيه حتى تلقى عدوك وتناجزهم إن شاء الله، وستظهر بالله عليهم، وكفى بالله ظهيرا ووليا وناصرا.\rوقد فهمت مقالتك: احتسب أنفس المسلمين إن أقاموا، أو دينهم إن هم هربوا، فقد جاءهم ما لا قبل لهم به إلا أن يمدهم الله بملائكته أو يأتيهم بغياث من قبله. وايم الله، لولا استثناؤك هذا لقد كنت أسأت لعمرى، لئن أقام المسلمون وصبروا فأصيبوا، لما عند الله خير للأبرار، ولقد قال الله تعالى فيهم: فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا [الأحزاب: ٢٣] ، فطوبى للشهداء ولمن عقل عن الله ممن معك من المسلمين أسوة بالمصرعين حول رسول الله ﷺ فى مواطنه، فما عجز الذين قاتلوا فى سبيل الله ولا هابوا لقاء الموت فى جنب الله ولا وهن الذين بقوا من بعدهم ولا","footnotes":"(١) انظر: تاريخ فتوح دمشق (١٨١- ١٨٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084332,"book_id":3509,"shamela_page_id":895,"part":"2","page_num":266,"sequence_num":895,"body":"استكانوا لمصيبتهم، ولكن تأسوا بهم وجاهدوا فى سبيل الله من خالفهم وفارق دينهم، ولقد أثنى الله على قوم بصبرهم، فقال: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران: ١٤٦] ، فأما ثواب الدنيا فالفتح والغنيمة، وأما ثواب الآخرة، فالمغفرة والجنة.\rواقرأ كتابى هذا على الناس، ومرهم فليقاتلوا فى سبيل الله وليصبروا كيما يؤتيهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة.\rوأما قولك: إنه قد جاءهم ما لا قبل لهم به، فإلا يكن لهم به قبل، فإن لله تعالى بهم قبلا، ولم يزل ربنا عليهم مقتدرا، ولو كنا إنما نقاتل عدونا بحولنا وقوتنا وكثرتنا لهيهات ما قد بدنا وهلكنا، ولكنا نتوكل على الله ربنا، ونفوض إليه أمرنا، ونبرأ إليه من الحول والقوة، ونسأله النصر والرحمة، وإنكم منصورون إن شاء الله على كل حال، فأخلصوا لله نياتكم، وارفعوا إليه رغبتكم، واصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون، والسلام.\rقال عبد الله بن قرط: فدفع إلىّ عمر الكتاب وأمرنى أن أعجل السير، وقال لى: إذا قدمت على المسلمين فسر فى صفهم، وقف على كل صاحب راية منهم، وأخبرهم أنك رسولى إليهم، وقل لهم: إن عمر يقرئكم السلام ويقول: يا أهل الإسلام، اصدقوا وشدوا على أعدائكم شد الليوث، وأعضوا هامهم السيوف، وليكونوا أهون عليكم من الذر، لا تهلكم كثرتهم ولا تستوحشوا لمن لم يلحق بكم منكم.\rقال: فركبت راحلتى وأقبلت مسرعا، أتخوف ألا آتى الناس حتى تكون الوقعة، فانتهيت إلى أبى عبيدة يوم قدم عليه سعيد بن عامر بن حذيم الجمحى فى ألف رجل مددا من قبل عمر رضى الله عنه، فسر بمقدمه المسلمون، وشجعهم ذلك على عدوهم، ودفعت إلى أبى عبيدة كتاب عمر، فقرأه على الناس، فاشتد سرورهم برأيه لهم، وبما أمرهم به من الصبر، وما رجا لهم فى ذلك من الأجر.\rوكان أبو عبيدة بعث سفيان بن عوف من حمص إلى عمر يستمده حين بلغه أن الروم قد جاشوا واختلفوا فى الاجتماع للمسلمين، فعند ذلك بعث عمر ﵀، سعيد بن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084333,"book_id":3509,"shamela_page_id":896,"part":"2","page_num":267,"sequence_num":896,"body":"عامر بالمدد، وقد كان أبو بكر رضى الله عنه، وجه سعيدا هذا إلى الشام فى جيش، فكان مع أبى عبيدة حتى شهد معه وقعة فحل، ثم أرسله أبو عبيدة إلى عمر بالفتح، فقدم به عليه، ثم حج بعد ورجع إلى المدينة، فلم يزل مقيما بها حتى بعثه عمر بهذا المدد.\rقال حسان بن عطية «١» : لما عقد له عمر على من وجهه معه، قال له: يا سعيد، إنى قد وليتك على هذا الجيش، ولست بخير رجل منهم إلا أن تكون أتقى لله منه، فلا تشتم أعراضهم، ولا تضرب أبشارهم، ولا تحقر ضعيفهم، ولا تؤثر قويهم، وكن للحق تابعا، ولا تتبع هواك سادرا، فإنه إن بلغنى عنك ما أحب لم يعدمك منى ما تحب! فقال له سعيد: يا أمير المؤمنين، إنك قد أوصيتنى، فاستمعت منك، فاستمع منى أوصك. قال:\rهات، فقد آتاك الله علما يا سعيد، قال: يا أمير المؤمنين، خف الله فى الناس، ولا تخف الناس فى الله، واحبب لقريب الناس وبعيدهم ما تحب لنفسك وأهل بيتك، واكره لهم ما تكره لنفسك وأهل بيتك، والزم الأمر ذا الحجة يكفك الله ما أهمك ويعنك على ما أمرك وما ولك، ولا تقضين فى أمر واحد بقضائين فيختلف قولك وفعلك، ويلتبس الحق بالباطل، ويشتبه عليك الأمر، فتزيغ عن الحق، وخض الغمرات إلى الحق حيث علمته، ولا يأخذك فى الله لومة لائم.\rقال: فأكب عمر طويلا وفى يده عصا له وهو واضع جبهته عليها، ثم رفع رأسه ودموعه تسيل، فقال: لله أبوك يا سعيد، ومن يستطيع هذا الذى تذكر؟ قال: من طوق ما طوقت، وحمل ما حملت من هذا الأمر، وإنما عليك أن تأمر فتطاع، أو تعصى فتبوء بالحجة، ويبوء بالمعصية.\rوعن الحارث بن عبد الله الأزدى، قال «٢» : لما نزل أبو عبيدة اليرموك وضم إليه قواصيه وجاءتنا جموع الروم يجرون الشوك والشجر، ومعهم القسيسون والرهبان والأساقفة، يقصون عليهم ويحرضونهم، خافهم المسلمون، فما كان شىء أحب إليهم من أن يخرجوا لهم ويتنحوا عن بلادهم حتى يأتيهم مدد، يرون أنهم يقوون به على من جاءهم من الروم، فاستشار أبو عبيدة الناس، فكلهم أشار عليه بالخروج من الشام، إلا خالد بن الوليد، فإنه أشار عليه بالمقام، وقال له: خلنى والناس ودعنى والأمر وولنى ما وراء بابك فأنا أكفيك بإذن الله أمر هذا العدو، فقال له أبو عبيدة: شأنك بالناس،","footnotes":"(١) انظر: تاريخ فتوح الشام (١٨٦- ١٨٧) .\r(٢) انظر: تاريخ فتوح الشام (١٨٧- ١٩٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084334,"book_id":3509,"shamela_page_id":897,"part":"2","page_num":268,"sequence_num":897,"body":"فخلاه وإياهم، قال: وكان قيس بن هبيرة على مثل رأى خالد، ولم يكن فى المسلمين أحد يعدلهما فى الحرب وشدة البأس. قال: فخرج خالد فى الناس وهم أحسن شىء دعة ورعة وهيئة، وأشدهم فى لقاء عدوهم بصيرة، وأطيبهم أنفسا، فصفهم خالد ثلاثة صفوف، وجعل ميمنة وميسرة، ثم أتى أبا عبيدة. قال: من كنت تجعل على ميمنتك؟\rقال: معاذ بن جبل، قال: أهل ذلك هو الرضى الثقة، فولها إياه، فأمر أبو عبيدة معاذا فوقف فى الميمنة، ثم قال: من كنت تول الميسرة؟ قال: غير واحد، قال: فولها إن رأيت قباث بن أشيم، فأمره أبو عبيدة فوقف فى الميسرة، وكان فيها كنانة وقيس، وكان قباث كنانيا، وكان شجاعا بئسا. قال خالد: وأنا على الخيل، وول على الرجالة من شئت، قال: أوليها إن شاء الله من لا يخاف نكوله ولا صدوده عند البأس، أوليها هاشم بن عتبة ابن أبى وقاص، قال: أصبت ووفقت ورشدت. قال أبو عبيدة: انزل يا هاشم، فأنت على الرجالة وأنا معك، وقال خالد لأبى عبيدة: أرسل إلى أهل كل راية فمرهم أن يطيعونى، فدعا أبو عبيدة الضحاك بن قيس، فأمره بذلك، فخرج الضحاك يسير فى الناس ويقول لهم: إن أميركم أبا عبيدة يأمركم بطاعة خالد بن الوليد فيما أمركم به.\rفقال الناس: سمعنا وأطعنا، وقال ذلك أيضا معاذ بن جبل لما أنهى إليه الضحاك أمر أبى عبيدة، ثم نظر معاذ إلى الناس فقال: أما إنكم إن أطعتموه لتطيعن مبارك الأمر ميمون النقيبة عظيم الغناء حسن الحسبة والنية، قال الضحاك: فحدثت خالدا بذلك، فقال:\rرحم الله أخى معاذا، أما والله إن أحبنى إنى لأحبه فى الله، لقد سبقت له ولأصحابه بسوابق لا ندركها فهنيئا ما خصهم الله به من ذلك. قال الضحاك: فأخبرت معاذا بما رد علىّ خالد، فقال: إنى لأرجو أن يكون الله قد أعطاه بصيرة على جهاد المشركين، وشدة عليهم مع بصيرته وحسن نيته فى إعزاز دينه أحسن الثواب، وأن يكون من أفضلنا بذلك عملا، فقال خالد، وقد لقيته بذلك: ما شىء على الله بعزيز.\rقال: ثم إن خالدا سار فى الصفوف، يقف على أهل كل راية، ويقول: يا أهل الإسلام، إن الصبر عز وإن الفشل عجز، وإن مع الصبر تنصرون، والصابرون هم الأعلون، وما زال يقف على أهل كل راية يعظهم ويحضهم، ويرغبهم حتى مر بجماعة الناس، ثم إنه جمع إليه خيل المسلمين، ودعا قيس بن هبيرة، وكان يساعده ويوافقه ويشبهه فى جلده وشدته وشجاعته وإقدامه على المشركين، فقال له خالد: أنت فارس العرب، ولقل من حضر اليوم يعدلك عندى، فاخرج معى فى هذه الخيل، وبعث إلى ميسرة بن مسروق العبسى، وكان من أشراف العرب وفرسانهم، وإلى عمرو بن الطفيل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084335,"book_id":3509,"shamela_page_id":898,"part":"2","page_num":269,"sequence_num":898,"body":"ذى النور بن عمرو الدوسى، فخرجوا معه، ثم قسموا الخيل أرباعا، فبعث كل رجل منهم على ربع، وخرج خالد فى ربع منها حتى دنوا من عسكر الروم الأعظم الذى فيه باهان، فلما رأتهم الروم فزعوا لمجيئهم، وقد كانوا أخبروا أن العرب تريد الانصراف عن أرض الشام ويخلونهم وإياها، فكان ذلك قد وقع فى نفوسهم وطمعوا به، ورجوا أن لا يكون بينهم قتال، وصدق ذلك عندهم خروجهم من بين أيديهم يسوقونهم، وهم يدعون لهم الأرض والمدائن التى كانوا قد غلبوا عليها، فلما رأوا خالدا قد أقبل إليهم فى الخيل فزعهم ذلك وخرجوا على راياتهم بصلبهم، والقسيسون والرهبان والبطارقة معهم، فصفوا عشرين صفا لا ترى أطرافها، ثم أخرجوا إلى المسلمين خيلا عظيمة تكون أضعاف المسلمين مضاعفة، فلما دنت خيلهم من خيل المسلمين خرج بطريق من بطارقتهم يسأل المبارزة، ويتعرض لخيل المسلمين، فقال خالد: أما لهذا رجل يخرج إليه، ليخرجن إليه بعضكم أو لأخرجن إليه، فنفلت إليه عدة من المسلمين ليخرجوا إليه، وأراد ميسرة بن مسروق ذلك، فقال له خالد: أنت شيخ كبير وهذا الرومى شاب ولا أحب أن تخرج إليه، فإنه لا يكاد الشيخ الكبير يقوى على الشاب الحديث السن، فقف لنا يرحمك الله فى كتيبتك، فإنك ما علمت حسن البلاء عظيم الغناء، وأراد عمرو بن الطفيل الخروج إليه، فقال له خالد: يا ابن أخى أنت غلام حدث، وأخاف أن لا تقوى عليه، قال الحارث بن عبد الله: وكنت فى خيل خالد التى خرجت معه، فقلت: أنا أخرج إليه، فقال: ما شئت، قال:، فلما ذهبت لأخرج قال لى: هل بارزت رجلا قط قبله؟ قلت: لا، قال: فلا تخرج إليه، فقال قيس بن هبيرة: كأنك يا خالد علىّ تحوم؟\rقال: أجل، وإنى أرجو إن خرجت إليه أن تقتله، وإن أنت لم تخرج إليه لأخرجن إليه أنا، قال قيس: بل أنا أخرج إليه، فخرج وهو يقول:\rسائل نساء الحى فى حجلاتها ... ألست يوم الحرب من أبطالها\rومقعص «١» الأقران من رجالها\rفخرج إليه، فلما دنا منه ضرب فرسه، ثم حمل عليه فما هلل أن ضربه بالسيف على هامته فقطع ما عليها من السلاح، وفلق هامته، فإذا الرومى بين يدى فرسه قتيلا، وكبر المسلمون فقال خالد: ما بعد ما ترون إلا الفتح، احمل عليهم يا قيس، ثم أقبل خالد على أصحابه فقال: احملوا عليهم، فو الله لا يفلحون وأولهم فارسا متغفرا فى التراب، قال:\rفحملنا عليهم وعلى من يلينا منهم ومن خيلهم، وهى مستقدمة أمام صفوفهم وصفوفهم","footnotes":"(١) مقعص: القعص هو القتل المعجل، وضربه فأقعصه: أماته مكانه. انظر: اللسان (٣٦٩٣) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084336,"book_id":3509,"shamela_page_id":899,"part":"2","page_num":270,"sequence_num":899,"body":"كأنها أعراض الجبال، فكشفنا خيلهم حتى لحقت بالصفوف، وحمل خالد وأصحابه على من يليه منهم، فكشفوهم حتى ألحقوهم بالصفوف، وحمل عمرو بن الطفيل وميسرة بن مسروق فى أصحابهما حتى ألحقوهم بالصفوف، ثم إن خالدا أمر خيله فانصرفت عنهم ثم أقبل بها حتى لحق بجماعة المسلمين وقد أراهم الله السرور فى المشركين.\rقال: وتلاومت بطارقة الروم، وقال بعضهم لبعض: جاءتكم خيل لعدوكم ليست بالكثيرة فكشفت خيولكم من كل جانب، فأقبلت منهم كتائب فى أثر كتائب، فطيفوا الأرض مثل الليل والسيل، كأنها الجراد السود، وظن المسلمون أنهم يخالطونهم، والمسلمون جراء عليهم سراع إليهم، فأقبلوا حتى إذا دنوا من جماعة المسلمين وقفوا ساعة وقد هابوا المسلمين وامتلأت صدورهم خوفا منهم، فقال خالد للناس: قد رجعنا عنهم ولنا الظفر عليهم، فاثبتوا لهم ساعة، فإن أقدموا علينا قاتلناهم، وإن رجعوا عنا كان لنا الظفر والفضل عليهم، فأخذوا يقتربون ثم يرجعون، والمسلمون فى مصافهم وتحت راياتهم سكوت لا يتكلم رجل منهم كلمة إلا أن يدعو الله فى نفسه ويستنصره على عدوه، فلما نظرت الروم إلى خيل المسلمين ورجالتهم ومصافهم وحدهم وجدهم وصبرهم وسكونهم ألقى الله ﷿، الرعب فى قلوبهم منهم، فواقفوهم ساعة ثم انصرفوا راجعين عنهم إلى عسكرهم، فاجتمعت بطارقتهم وعظماؤهم إلى باهان وهو أصبر جماعتهم.\rفقال لهم باهان: إنى قد رأيت رأيا وأنا ذاكره لكم، إن هؤلاء القوم قد نزلوا بلادكم وركبوا من مراكبكم وطعموا من طعامكم ولبسوا من ثيابكم، فعدل الموت عندهم أن يفارقوا ما تطعموه من عيشكم الرفيع ودنياكم التى لم يروا مثلها قط، وقد رأيت أن أسألهم إن رأيتم ذلك أن يبعثوا إلينا رجلا منهم له عقل فنناطقه ونشافهه ونطمعهم فى شىء يرجعون به إلى أهاليهم، لعل ذلك يسخى بأنفسهم عن بلادنا، فإن هم فعلوا ذلك كان الذى يريدون منا قليلا فيما نخاف وندفع به خطر الوقعة التى لا ندرى أعلينا تكون أم لنا، فقالوا له: قد أصبت وأحسنت النظر لجماعتنا، فاعمل برأيك.\rفبعث رجلا من خيارهم وعظمائهم يقال له جرجة إلى أبى عبيدة، فقال له: إنى رسول باهان عامل ملك الروم على الشام، وعلى هذه الجنود، وهو يقول لك: أرسل إلىّ الرجل الذى كان قبلك أميرا فإنه ذكر لى أنه رجل ذو عقل وله فيكم حسب، وقد سمعنا أن عقول ذوى الأحساب أفضل من عقول غيرهم، فنخبره بما نريد ونسأله عما تريدون، فإن وقع فيما بيننا وبينكم أمر لنا ولكم فيه صلاح أو رضى أخذنا به وحمدنا الله عليه، وإن لم يتفق ذلك كان القتال من ورائنا هنالك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084337,"book_id":3509,"shamela_page_id":900,"part":"2","page_num":271,"sequence_num":900,"body":"فدعا أبو عبيدة خالدا فأخبره بالذى جاء فيه الرومى، وقال لخالد: القهم فادعهم إلى الإسلام، فإن قبلوا فهو حظهم، وكانوا قوما لهم ما لنا وعليهم ما علينا، وإن أبوا فاعرض عليهم الجزية، أن يؤدوها عن يد وهم صاغرون، فإن أبوا فأعلمهم أنا نناجزهم ونستعين الله عليهم، حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين.\rقال: وجاء رسولهم هذا الرومى، عند غروب الشمس فلم يمكث إلا يسيرا حتى حضرت الصلاة فقام المسلمون يصلون صلاتهم، فلما قضوها قال ذلك الرومى: هذا الليل قد غشينا، ولكن إذا أصبحت غدوت إلى صاحبنا إن شاء الله، وجعل ينظر إلى رجال من المسلمين يصلون وهم يدعون الله ويتضرعون إليه، وجعل ما يفيق وما يصرف بصره عنهم، فقال عمرو: إن رسولكم الذى أرسل إليكم لمجنون، فقال أبو عبيدة: كلا والله، إنى لأرجو أن يكون الله قد قذف فى قلبه الإيمان وحببه إليه، وعرفه فضله، أو ما تنظر إلى نظره إلى المصلين؟ ولبث الرومى بذلك قليلا ثم أقبل على أبى عبيدة، فقال: أيها الرجل، أخبرنى متى دخلتم فى هذا الدين؟ ومتى دعوتم الناس إليه؟.\rفقال أبو عبيدة: دعينا إليه منذ بضع وعشرين سنة، فمنا من أسلم حين أتاه الرسول، ومنا من أسلم بعد ذلك، فقال: هل كان رسولكم أخبركم أنه يأتى من بعده رسول؟\rقال: لا، ولكنه أخبرنا أنه لا نبىّ بعده، وأخبرنا أن عيسى ابن مريم قد بشر به قومه، قال الرومى: وأنا على ذلك من الشاهدين، إن عيسى ابن مريم قد بشرنا براكب الجمل، وما أظنه إلا صاحبكم. ثم قال: أخبرنى عن قول صاحبكم فى عيسى، فقال له أبو عبيدة: قول صاحبنا فيه قول الله تعالى فيه، وهو أصدق القائلين وأبرهم، قال الله تعالى:\rإِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران: ٥٩] ، وقال تعالى: يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ إلى قوله: نْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ\r[النساء:\r١٧١، ١٧٢] .\rفلما فسر له الترجمان ذلك وبلغ هذا المكان قال: أشهد أن هذه صفة عيسى، وأشهد أن نبيكم صادق، وأنه الذى بشر به عيسى، وأنكم قوم صدق، وقال لأبى عبيدة: ادع لى رجلين من أول أصحابك إسلاما، وهما فيما ترى أفضل من معك، فدعا أبو عبيدة، معاذ بن جبل وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، فقال له: هذان من أفضل المسلمين فضلا، ومن أولهم إسلاما، فقال لهما الرومى ولأبى عبيدة: أتضمنون لى الجنة إن أنا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084338,"book_id":3509,"shamela_page_id":901,"part":"2","page_num":272,"sequence_num":901,"body":"أسلمت وجاهدت معكم؟ فقالوا له: نعم، إن أنت أسلمت واستقمت ولم تغير حتى تموت وأنت على ذلك فإنك من أهل الجنة، قال: فإنى أشهدكم أنى من المسلمين، فأسلم وفرح المسلمون بإسلامه، وصافحوه ودعوا له بخير، وقالوا له: إنا إن أرسلنا رسولنا إلى صاحبكم وأنت عندنا ظنوا أنا حبسناك عنهم، فنتخوف أن يحبسوا صاحبنا، فإن شئت أن تأتيهم الليلة وتكتم إسلامك حتى نبعث إليهم رسولنا غدا وننظر علام ينصرم الأمر بيننا وبينهم، فإذا رجع رسولنا إلينا أتيتنا عند ذلك، فما أعزك علينا وأرغبنا فيك وأكرمك علينا، وما أنت الآن عند كل امرئ منا إلا بمنزلة أخيه لأبيه وأمه. قال: فإنكم نعم ما رأيتم، فخرج فبات فى أصحابه، وقال لباهان: غدا يجيئكم رسول القوم الذى سألتم، وانصرف إلى المسلمين لما رجع إليهم خالد، فأسلم وحسن إسلامه.\rولما أصبح المسلمون من تلك الليلة بعث خالد بن الوليد بقية له حمراء من أدم كان اشتراها بثلاثمائة دينار، فضربت له فى عسكر الروم، ثم خرج حتى أتاها، فأقام فيها ساعة، وكان خالد رجلا طويلا جميلا جليدا مهيبا لا ينظر إليه رجل إلا ملأ صدره وعرف أنه من جلداء الرجال وشجعانهم، وأشدائهم، وبعث باهان إلى خالد وهو فى قبته: أن القنى، وصف له فى طريقه عشرة صفوف عن يمينه، وعشرة صفوف عن شماله، مقنعين فى الحديد، عليهم الدروع والبيض والسواعد والجواشن والسيوف، لا يرى منهم إلا الحدق، وصف من وراء تلك الصفوف خيلا عظيمة، وإنما أراد أن يريه عدد الروم وعدتهم ليرعبه بذلك، وليكون أسرع له إلى ما يريد أن يعرض عليه، فأقبل خالد غير مكترث لما رأى من هيئاتهم وجماعتهم، ولكانوا أهون عليه من الكلاب، فلما دنا من باهان رحب به، ثم قال بلسانه: هاهنا عندى، اجلس معى فإنك من ذوى أحساب العرب فيما ذكر لى، ومن شجعانهم، ونحن نحب الشجاع ذا الحسب، وقد ذكر لى أن لك عقلا ووفاء، والعاقل ينفعك كلامه، والوفى يصدق قوله ويوثق بعهده، وأجلس فيما بينه وبين خالد ترجمانا له يفسر لخالد ما يقول، وخالد جالس إلى جنبه.\rقال الحارث بن عبد الله الأزدى: قال لى خالد يوم غدا إلى عسكر الروم: اخرج معى، وكنت صديقا له قل ما أفارقه وكان يستشيرنى فى الأمر إذا نزل به، فكنت أشير عليه بمبلغ رأيى، فكان يقول لى: إنك ما علمت لميمون الرأى ولقل ما أشرت علىّ بمشورة إلا وجدت عاقبتها تؤدى إلى سلامة، فخرجت يومئذ معه، حتى إذا دخلنا عسكرهم وضربت قبته وبعث إليه باهان ليلقاه قال لى: انطلق معى، فقلت له: إن القوم إنما أرادوك ولا أراهم يدعوننى أدنو إليهم معك، فقال لى: امضه، فمضيت معه، فلما","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084339,"book_id":3509,"shamela_page_id":902,"part":"2","page_num":273,"sequence_num":902,"body":"دنونا من باهان وعلى رأسه ألوف رجال بعضهم خلف بعض وحوله، لا يرى منهم إلا أعينهم، وفى أيديهم العمد، جاءنا الترجمان فقال: أيكما خالد؟ فقال خالد: أنا، فقال:\rأقبل أنت وليرجع هذا، فقام خالد وقال: هذا رجل من أصحابى ولست استغنى عن رأيه، فرجع إلى باهان فأخبره، فقال: دعوه فليأت معه، فأقبلنا نحوه، فلم يمش إلا خطا خمسا أو ستا حتى جاء نحو من عشرة، فقالوا لى: ضع سيفك، ولم يقولوا لخالد شيئا، فنظرت ما يقول لى خالد، فقال لهم: ما كان ليضع عزه من عنقه أبدا، وقد بعثتم إلينا فأتيناكم، فإن تكرمونا جلسنا إليكم وسمعنا منكم، وإن أبيتم فخلوا سبيلنا فننصرف عنكم، فرجع الترجمان إلى باهان فأخبره، فقال: دعوهما، فأقبلنا إليه، فرحب بخالد وأجلسه معه، وجلست أنا على نمارق مطروحة للناس قريبا منهما، وحيث أسمع كلامهما، فقال باهان لخالد: إنك من ذوى أحساب العرب، فيما ذكر لى، ومن شجعانهم، وقد ذكر لى أن لك عقلا ووفاء، والعاقل ينفعك كلامه، والوفى يصدق قوله يوثق بعهده.\rفلما فسر له الترجمان ذلك قال خالد: إن نبينا ﷺ قال لنا: إن حسب المرء دينه، ومن لم يكن له دين فلا حسب له، وقال لنا: إن أفضل الشجاعة وخيرها فى العاجلة والعاقبة ما كان منها فى طاعة الله، وأما ما ذكرت أنى أوتيت عقلا ووفاء، فإن أكن أوتيت ذلك فلله المن والفضل علينا، وهو المحمود عندنا، وقد قال لنا نبينا ﷺ: إن الله لما خلق العقل وفرغ من خلقه، قال له: أقبل، فأقبل، ثم قال له: أدبر، فأدبر، ثم قال له: وعزتى ما خلقت من خلقى شيئا هو أحب إلىّ منك، بك أحمد، وبك أعبد، وبك أعرف، وبك تنال طاعتى، وبك تدخل جنتى، ثم قال خالد: والوفاء لا يكون إلا من العقل، فمن لم يكن له عقل فلا وفاء له، ومن لا وفاء له لا عقل له. فقال له باهان: أنت أعقل أهل الأرض، ما يتكلم بكلامك ولا يبصره ولا يفطن له إلا الفائق من الرجال، ثم قال لخالد:\rأخبرنى عنك، وأنت هكذا تحتاج إلى مشورة هذا الرجل؟ فقال له خالد: وأعجب من ذلك أن فى عسكرنا أكثر من ألف رجل كلهم لا يستغنى عن رأيه ولا عن مشورته، فقال باهان: ما كنا نظن ذلك عندكم، ولا نراكم به، فقال له خالد: ما كل ما تظنون ونظن يكون صوابا، فقال باهان: صدقت، ثم قال له: إن أول ما أكلمك به أنى أدعوك إلى خلتى ومصافاتى، فقال له خالد: كيف لى ولك أن يتم هذا فيما بينى وبينك وقد جمعتنى وإياك بلدة لا أريد أنا ولا تريد أنت أن نفترق حتى تصير البلدة لأحدنا، فقال له باهان: فلعل الله أن يصلح بيننا وبينك فلا يهراق دم ولا يقتل قتيل، قال خالد: إن شاء","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084340,"book_id":3509,"shamela_page_id":903,"part":"2","page_num":274,"sequence_num":903,"body":"الله فعل، قال باهان: فإنى أريد أن ألقى الحشمة فيما بينى وبينك وأكلمك كلام الأخ أخاه، إن قبتك هذه الحمراء قد أعجبتنى فأنا أحب أن تهبها لى، فإنى لم أر قبة من القباب أحسن منها، فخذ ما بدا لك فيها وسلنى ما أحببت فهو فى يدك، فقال له خالد:\rخذها فهى لك، ولست أريد من متاعك شيئا، قال: والله ما ظننته سألها إلا لينظر إليها، فإذا هو قد أخذها، ثم قال لخالد: إن شئت بدأتك فتكلمت، وإن شئت أنت فتكلم، فقال له خالد: ما أبالى أى ذلك كان، أما أنا فلا أخالك إلا وقد بلغك وعلمت ما أسأل وأطلب، وما أدعو إليه، وقد جاءك بذلك أصحابك ومن لقينا منهم بأجنادين ومرج الصفر وفحل ومدائنكم وحصونكم، وأما أنت فلست أدرى ما تريد أن تقول، فإن شئت فتكلم، وإن شئت بدأتك فتكلمت، فقال باهان:\rالحمد لله الذى جعل نبينا أفضل الأنبياء، وملكنا أفضل الملوك، وأمتنا أفضل الأمم، فلما بلغ هذا المكان، قال خالد وقطع على باهان منطقه: والحمد لله الذى جعلنا نؤمن بنبينا ونبيكم، وبجميع الأنبياء، وجعل الأمير الذى وليناه أمورنا رجلا كبعضنا، فلو زعم أنه ملك علينا لعزلناه عنا، ولسنا نرى أن له على رجل من المسلمين فضلا إلا أن يكون أتقى منه عند الله، وأبر، والحمد لله الذى جعل أمتنا تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتقر بالذنب وتستغفر منه، وتعبد الله وحده لا تشرك به شيئا، قل الآن ما بدا لك.\rفاصفر وجه باهان وسكت قليلا، ثم قال: الحمد لله الذى أبلانا فأحسن البلاء عندنا فأغنانا من الفقر، ونصرنا على الأمم، وأعزنا فلا نذل، ومنعنا من الضيم فلا تباح حرمتنا، ولسنا فيما أعزنا الله به وأعطانا من ديننا ببطرين ولا مرحين، ولا باغين على الناس، وقد كانت لنا منكم يا معشر العرب جيران كنا نحسن جوارهم، ونعظم رفدهم، ونفضل عليهم، ونفى لهم بالعهد، وخيرناهم بلادنا، ينزلون منها حيث شاؤا، فينزلون آمنين، ويرحلون آمنين، وكنا نرى أن جميع العرب ممن لا يجاورنا سيشكرون لنا ذلك الذى آتينا إلى إخوانهم، وما اصطنعنا عندهم فلم يرعنا منهم إلا وقد فاجأتمونا بالخيل والرجال، تقاتلوننا على حصوننا، وتريدون أن تغلبونا على بلادنا، وقد طلب هذا منا قبلكم من كان أكثر منكم عددا وأعظم مكيدة وأقوى جدا، فلم يرجعوا عنا إلا وهم بين أسير وقتيل، وأرادت ذلك منا فارس، فقد بلغكم كيف صنع الله بهم، وأراد ذلك منا الترك فلقيناهم بأشد مما لقينا به فارس، وأرادنا غيرهم من أهل المشرق والمغرب، من ذوى المنعة والعز والجنود العظيمة، فكلهم أظفرنا الله بهم، وصنع لنا عليهم، ولم تكن أمة من الأمم بأدق عندنا منكم شأنا ولا أصغر أخطارا، إنما جلكم رعاء الشاء والإبل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084341,"book_id":3509,"shamela_page_id":904,"part":"2","page_num":275,"sequence_num":904,"body":"وأهل الصحراء والحجر والبؤس والشقاء، أفأنتم تطمعون أن نتخلى لكم عن بلادنا، بئس ما طمعتم فيه منا، وقد ظننا أنه لم يأت بكم إلى بلادنا ونحن ننفى كل من حولنا من الأمم العظيمة الشأن الكثيرة العدد إلا جهد نزل بكم من جدوبة الأرض وقحط المطر، فعثتم فى بلادنا وأفسدتم كل الفساد، وقد ركبتم مراكبنا، وليست كمراكبكم، ولبستم ثيابنا، وليست كثيابكم، وطعمتم من طعامنا وليس كطعامكم، وأصبتم منا وملأتم أيديكم من الذهب الأحمر والفضة البيضاء، والمتاع الفاخر، ولقد لقيناكم الآن وذلك كله لنا، وهو فى أيديكم، فنحن نسلمه لكم، فاخرجوا به وانصرفوا عن بلادنا، فإن أبت أنفسكم إلا أن تخرجوا وتشرهوا وأردتم أن نزيدكم من بيوت أموالنا ما نقوى به الضعيف منكم، ويرى الغائب أن قد رجع إلى أهله بخير فعلنا، ونأمر للأمير منكم بعشرة آلاف دينار ونأمر لك بمثلها، ونأمر لرؤسائكم بألف دينار ألف دينار، ونأمر لجميع أصحابك لكل واحد منهم بمائة دينار، على أن تحلفوا لنا بالأيمان المغلظة أن لا تعودا إلى بلادنا، ثم سكت.\rفقال خالد: الحمد لله الذى لا إله إلا هو، فلما فسر ذلك الترجمان، رفع باهان يديه إلى السماء، ثم أشار إليه بيده، وقال لخالد: نعم ما قلت، قال خالد: وأشهد أن محمدا رسول الله، فلما فسرها الترجمان قال باهان: الله أعلم، ما أدرى لعله كما تقول، ثم قال خالد: أما بعد، فإن كل ما ذكرت به قومك من الغنى والعز ومنع الحريم والظفر على الأعداء والتمكن فى البلاد نحن به عارفون، وكل ما ذكرت من إنعامكم على جيرانكم منا فقد عرفناه، وذلك لأمر كنتم تصلحون به دنياكم زيادة فى ملككم وعزا لكم ألا ترون أن ثلثيهم أو شطرهم قد دخلوا فى دينكم وهم يقاتلوننا معكم، وأما ما ذكرتنا به من رعى الإبل والغنم، فما أقل ما رأيت واحدا منا يكرهه، وما لمن يكرهه منا فضل على من يفعله، وأما قولك: إنا أهل الصحراء والحجر والبؤس والشقاء، فحالنا والله كما وصفته وما ننتفى من ذلك ولا نتبرأ منه، وكنا على أسوأ وأشد مما ذكرت، وسأقص عليك قصتنا وأعرض عليك أمرنا وأدعوك إلى حظك إن قبلت، ألا إنا كنا معشر العرب أمة من هذه الأمم، أنزلنا الله وله الحمد منزلا من الأرض ليست به أنهار جارية ولا يكون فيه من الزرع إلا القليل، وجل أرضنا المهامة والقفار، وكنا أهل الحجر ومدر وشاة وبعير وعيش شديد وبلاء دائم لازم، نقطع أرحامنا، ونقتل خشية الإملاق أولادنا، ويأكل قوينا ضعيفنا، وكثيرنا قليلنا، ولا تأمن قبيلة منا قبيلة إلا أربعة أشهر من السنة، نعبد من دون الله أوثانا وأصناما ننحتها بأيدينا من الحجارة التى نختارها على أعيننا،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084342,"book_id":3509,"shamela_page_id":905,"part":"2","page_num":276,"sequence_num":905,"body":"وهى لا تضر ولا تنفع، ونحن عليها مكبون، فبينا نحن كذلك على شفا حفرة من النار، من مات منا مات مشركا وسار إلى النار، ومن بقى منا بقى مشركا كافرا بربه قاطعا لرحمه، إذ بعث الله فينا رسولا من صميمنا وخيارنا دعانا إلى الله وحده أن نعبده ولا نشرك به شيئا، وأن نخلع الأنداد التى يعبدها المشركون.\rوقال لنا: لا تتخذوا من دون ربكم إلها، ولا وليا، ولا نصيرا، ولا تجعلوا معه صاحبة ولا ولدا، ولا تعبدوا من دونه نارا ولا حجرا ولا شمسا ولا قمرا، واكتفوا به ربا وإلها من كل شىء دونه، وكونوا أولياءه، وإليه فارغبوا، وإياه فادعوا، وقال لنا: قاتلوا من اتخذ مع الله آلهة أخرى، وكل من زعم أن لله ولدا، وأنه ثانى اثنين أو ثالث ثلاثة حتى يقولوا: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ويدخلوا فى الإسلام، فإن فعلوا حرمت عليكم دماؤهم وأموالهم وأعراضهم إلا بحقها، وهم إخوانكم فى الدين، لهم ما لكم وعليهم ما عليكم، فإن هم أبوا أن يدخلوا فى دينكم وأقاموا على دينهم فاعرضوا عليهم الجزية أن يؤدوها عن يد وهم صاغرون، فإن فعلوا فاقبلوا منهم وكفوا عنهم، فإن أبوا فقاتلوهم، فإنه من قتل منكم كان شهيدا حيا عند الله، مرزوقا، وأدخله الله الجنة، ومن قتل من عدوكم قتل كافرا وصار إلى النار مخلدا فيها أبدا.\rثم قال خالد: وهذا والله الذى لا إله إلا هو هو الذى أمر الله به نبيه ﷺ فعلمناه، وأمرنا به، وأمرنا أن ندعو الناس إليه، ونحن ندعوكم إلى الإسلام وإلى أن تشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وإلى أن تقيموا الصلاة وتؤتوا الزكاة وتقروا بما جاء به من عند الله، فإن فعلتم فأنتم إخواننا فى الدين، لكم ما لنا وعليكم ما علينا، فإن أبيتم فإنا نعرض عليكم أن تعطوا الجزية عن يد وأنتم صاغرون، فإن فعلتم قبلنا منكم وكففنا عنكم، وإن أبيتم أن تفعلوا فقد والله جاءكم قوم هم أحرص على الموت منكم على الحياة، فاخرجوا بنا على اسم الله حتى نحاكمكم إلى الله، فإنما الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين، ثم سكت خالد، فقال باهان: أما أن ندخل فى دينكم فما أبعد من ترى من الناس أن يترك دينه ويدخل فى دينكم، وإما أن نؤدى الجزية، ثم تنفس الصعداء، وثقلت عليه وعظمت عنده، فسيموت من ترى جميعا قبل أن يؤدوا الجزية إلى أحد من الناس، وهم يأخذون الجزية ولا يعطونها، وأما قولك: فاخرجوا حتى يحكم الله بيننا، فلعمرى ما جاءك هؤلاء القوم وهذه الجموع إلا ليحاكموك إلى الله، وأما قولك: إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، فصدقت والله، ما كانت هذه الأرض التى نقاتلكم عليها وتقاتلوننا إلا لأمة من","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084343,"book_id":3509,"shamela_page_id":906,"part":"2","page_num":277,"sequence_num":906,"body":"الأمم كانوا قبلنا فيها، فقاتلناهم عليها فأخرجناهم منها، وقد كانت قبل ذلك لقوم آخرين فأخرجهم منها هؤلاء الذين كنا قاتلناهم عليها، فابرزوا على اسم الله، فإنا خارجون إليكم.\rقال الحارث: فلما فرغ باهان من كلامه وثب خالد فقام، وقمت معه، فمر بقبته فتركها، وبعث معنا صاحب الروم رجالا حتى أخرجونا من عسكرهم وأمنا، فرجعنا إلى أبى عبيدة، فقص عليهم خالد الخبر، وأخبرهم بأن القتال سيقع بينهم، وقال للناس:\rاستعدوا أيها الناس استعداد قوم يرون أنهم عن ساعة مقاتلون.\rوحدث «١» أبو جهضم الأزدى، عن رجل من الروم كان مع باهان فى عسكرهم ذلك وأسلم بعد فحسن إسلامه، قال: كتب باهان إلى قيصر كتابا يخبره فيه بخالد وحال أصحابه وحال المسلمين، وكان قد جمع أصحابه يوم انصرف عنهم خالد، فقال: أشيروا علىّ برأيكم فى أمر هؤلاء القوم فإنى قد هيبتهم فما أراهم يهابون، وأطمعتهم فليس يطمعون، وأردتهم على الرجوع والخروج عن بلادنا بكل وجه فليسوا براجعين، والقوم ليس يريدون إلا هلاككم واستئصالكم وسلب سلطانكم، وأكل بلادكم، وسبى أولادكم ونسائكم، وأخذ أموالكم، فإن كنتم أحرارا فقاتلوا عن سلطانكم، وامنعوا حريمكم ونساءكم وأموالكم وبلادكم وأولادكم، فقامت البطارقة رجلا بعد رجل فكلهم يخبره أنه طيب النفس بالموت دون بلاده وسلطانه، وقالوا له: إذا شئت فانهض بنا فقال لهم: فكيف ترون، نقاتلهم فإنا أكثر من عشرة أضعافهم، نحن نحو من أربعمائة ألف، وهم نحو من ثلاثين ألفا أو أقل أو أكثر.\rفقال بعضهم: أخرج إليهم فى كل يوم مائة ألف يقاتلونهم وتستريح البقية، وتسرح عيالنا وأثقالنا إلى البحر، فلا يكون معنا شىء يهمنا ولا يشغلنا، ويقاتلهم كل يوم منا مائة ألف، فهم فى كل يوم فى قتل وجراحة وعناء ومشقة وشدة، ونحن لا نقاتل إلا فى كل أربعة أيام يوما فإن هم هزموا منا فى كل يوم مائة ألف بقى لهم أكثر من مائتى ألف لم ينهزموا، فقال آخرون: لا، ولكنا نرى إذا هم خرجوا إلينا أن نبعث إلى كل رجل منهم عشرة من أصحابك، فلا والله لا يجتمع عشرة على واحد إلا غلبوه، فقال باهان: هذا ما لا يكون، وكيف أقدر على عددهم حتى أبعث إلى كل رجل منهم عشرة من أصحابى، وكيف أقدر أن ينفرد الرجل منهم عن صاحبه حتى أبعث إليه عشرة من قبلى، هذا ما لا يكون.","footnotes":"(١) انظر: تاريخ فتوح الشام (٢٠٧) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084344,"book_id":3509,"shamela_page_id":907,"part":"2","page_num":278,"sequence_num":907,"body":"قال: فأجمعوا رأيهم جميعا على أن يخرجوا بأجمعهم خرجة واحدة فيناجزوهم فيها ولا يرجعوا عنهم حتى يحكم الله بينهم.\rوكتب باهان إلى قيصر: أما بعد، نسأل الله لك أيها الملك ولجندك وأهل مملكتك النصر ولدينك وسلطانك العز، فإنك بعثتنى فيما لا يحصيه من العدد إلا الله، فقدمت على القوم، فأرسلت إليهم فهيبتهم فلم يهابوا، وأطمعتهم فلم يطمعوا، وخوفتهم فلم يخافوا، وسألتهم الصلح فلم يقبلوا، وجعلت لهم الجعل على أن ينصرفوا فلم يفعلوا، وقد ذعر منهم جند الملك ذعرا شديدا، وخشيت أن يكون الفشل قد عمهم، والرعب قد دخل قلوبهم، إلا أن منهم رجالا قد عرفتهم ليسوا بفرارين عن عدوهم، ولا شكاك فى دينهم، ولو قد لقوهم لم يفروا حتى يظهروا أو يقتلوا، وقد جمعت أهل الرأى من أصحابى، وأهل النصيحة لملكنا وديننا، فاجتمع رأيهم على النهوض إليهم جميعا، فى يوم واحد، ولا نزايلهم حتى يحكم الله بيننا وبينهم.\rقال: وكان باهان قد رأى رؤيا، فذكرها لملك الروم فى كتابه هذا، فقال له: وقد أتانى آت فى منامى، فقال لى: لا تقاتل هؤلاء القوم، فإنهم يهلكونك ويهزمونك، فلما انتبهت عبرت أنه من الشيطان، أراد أن يحزننى، فخسأته «١» ، فإن يكن الشيطان فقد خسأته، وإن لم يكن فقد بين لى الأمر، فابعث أنت أيها الملك بثقلك وحرمك ومالك فألحقهم بأقصى بلادك، وانتظر وقعتنا هذه، فإن أظهرنا الله عليهم حمدت الله الذى أعز دينك ومنع سلطانك، وإن هم ظفروا علينا، فارض بقضاء الله، واعلم أن الدنيا زائلة عنك كما زالت عمن كان قبلك، فلا تأسف منها على ما فاتك ولا تغتبط منها بشىء مما فى يديك، والحق بمعاقلك ودار مملكتك، وأحسن إلى رعيتك وإلى الناس يحسن الله إليك، وارحم الضعفاء والمساكين ترحم، وتواضع لله يرفعك، فإن الله لا يحب المتكبرين، والسلام.\rقال: ثم إن باهان خرج إلى المسلمين فى يوم ذى ضباب ورذاذ، وصف لهم عشرين صفا لا ترى أطرافها، ثم جعل على ميمنته ابن قماطر، ومعه جرجير فى أهل أرمينية، وجعل الدرنجار فى ميسرته، وكان من خيارهم ونساكهم، فأقبلوا نحو المسلمين كأنهم أعراض الجبال وقد ملأوا الأرض، فلما نظر إليهم المسلمون وقد أقبلوا كلهم، نهضوا إلى راياتهم، وجاء خالد بن الوليد ويزيد بن أبى سفيان وعمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة، وهم الأمراء الذين كان أبو بكر رضى الله عنه، أمرهم إلى أبى عبيدة بن الجراح،","footnotes":"(١) خسأ: طرد وأبعد ودحر. انظر: اللسان (١١٥٥) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084345,"book_id":3509,"shamela_page_id":908,"part":"2","page_num":279,"sequence_num":908,"body":"ومعه معاذ بن جبل لا يفارقه، فقالوا له: إن هؤلاء قد زحفوا لنا هذا اليوم المطير، وإنا لا نرى أن نخرج إليهم فيه حتى يطلوا «١» بعسكرنا ويضطرونا إلى ذلك، قال: أصبتم، ثم خرج هو ومعاذ فصفوا الناس وهيئوهم ووقفوهم على مراكزهم، وأقبلت الروم فى المطر، فوقفوا ساعة وتصبروا عليه، فلما رأوا أن المطر لا يقلع انصرفوا إلى عسكرهم، ودعا الدرنجار رجلا من العرب ممن كان على دين النصرانية فقال له: ادخل فى عسكر هؤلاء القوم فانظر ما حالهم وما هديهم، وما يصنعون، وكيف سيرتهم، ثم القنى بها، فخرج ذلك الرجل حتى دخل عسكر المسلمين فلم يستنكروه لأنه كان رجلا من العرب لسانه ووجهه، فمكث فى عسكرهم ليلة حتى أصبح، فوجد المسلمين يصلون الليل كله كأنهم فى النهار، ثم أصبح فأقام عامة يومه، ثم خرج إليه، فقال: جئتك من عند قوم يصومون النهار، ويقومون الليل، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، رهبان بالليل، وأسد بالنهار، لو سرق ملكهم فيهم لقطعوه، ولو زنى لرجموه، لا يثأرهم الحق واتباعهم إياه على الهوى، فقال: لئن كان هؤلاء القوم هكذا لبطن الأرض خير من ظهرها لمن يريد قتالهم.\rفلما كان من الغد خرجوا أيضا، فى يوم ذى ضباب، وأتى المسلمين رجال من العرب كانوا نصارى فأسلموا، فقال لهم أبو عبيدة وخالد: ادخلوا فى عسكر الروم واكتموهم إسلامكم والقونا بأخبارهم، فإن لكم فى هذا أجرا، والله حاسبه لكم جهادا، فإنكم تدفعون بذلك عن حرمة الإسلام وتدلون على عورة أهل الشرك، فانطلقوا فدخلوا عسكر الروم، ثم جاؤا بعد ما مضى من الليل نصفه، فأتوا أبا عبيدة فقالوا له: إن القوم قد أوقدوا النيران، وهم يتبعون لكم ويتهيأون للقائكم، وهم مصبحوكم بالغداة، فما كنتم صانعين فاصنعوه الآن، فخرج أبو عبيدة ومعاذ بن جبل وخالد بن الوليد ويزيد بن أبى سفيان وعمرو بن العاص، فعبأوا الناس وصفوهم، فلم يزالوا فى ذلك حتى أصبحوا.\rوعن راشد بن عبد الرحمن الأزدى، قال «٢» : صلى بنا أبو عبيدة يومئذ صلاة الغداة فى عسكره فى الغداة التى لقينا فيها الروم باليرموك، فقرأ فى أول ركعة بالفجر وليال عشر، فلما مر بقول الله تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ إِنَّ رَبَّكَ","footnotes":"(١) يلطوا: لط الشىء يلطه لطا: ألزقه ولزمه. انظر: اللسان (٤٠٣٤) .\r(٢) انظر: تاريخ فتوح الشام (٢١٢) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084346,"book_id":3509,"shamela_page_id":909,"part":"2","page_num":280,"sequence_num":909,"body":"لَبِالْمِرْصادِ [الفجر: ٤، ١٤] قلت فى نفسى: ظهرنا والله على القوم للذى أجرى الله على لسانه، وسررت بذلك سرورا شديدا، وقلت: عدونا هذا والله نظير لهذه الأمم، فى الكفر والكثرة والمعاصى، قال: ثم قرأ فى الركعة الثانية: وَالشَّمْسِ وَضُحاها، فلما مر بقول الله تعالى: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها إلى آخر السورة، قلت فى نفسى:\rهذه والله أخرى، إن صدق الفأل ليصبن الله عليهم سوط عذاب، وليدمدمن الله عليهم كما دمدم على هذه القرون من قبلهم، فلما قضى أبو عبيدة صلاته، أقبل على الناس بوجهه، وقال:\rأيها الناس أبشروا، فإنى رأيت فى ليلتى هذه فيما يرى النائم كأن رجالا أتونى فحفوا بى وعليهم ثياب بيض، ثم دعوا إلىّ رجالا منكم أعرفهم، ثم قالوا لنا: أقدموا على عدوكم ولا تهابوهم، فإنكم الأعلون، وكأنا مضينا إلى عسكر عدونا، فلما رأونا قاصدين إليهم انفرجوا لنا، وجئنا حتى دخلنا عسكرهم، وولوا مدبرين.\rفقال له الناس: أصلحك الله، نامت عينك، هذه بشرى من الله، بشرك الله بخير.\rوقال أبو مرثد الخولانى: وأنا أصلحك الله قد رأيت رؤيا، إنها لبشرى من الله، رأيت فى هذه الليلة كأنا خرجنا إلى عدونا، فلما تواقعنا صب الله عليهم من السماء طيرا بيضا عظاما لها مخالب كمخالب الأسد، وهى تنقض من السماء انقضاض العقبان، فإذا حاذت بالرجل من المشركين ضربته ضربة يخر منها متقطعا.\rوكان الناس يقولون: أبشروا معاشر المسلمين، فقد أيدكم الله عليهم بالملائكة. قال:\rفتباشر الناس بهذه الرؤيا وسروا بها، فقال أبو عبيدة: وهذه والله بشرى من الله، فحدثوا بهذه الرؤيا الناس، فإن مثلها من الرؤيا ما يشجع المسلم ويحسن ظنه وينشطه للقاء عدوه.\rقال: وانتشرت هذه الرؤيا ورؤيا أبى عبيدة فى المسلمين، واستبشروا بهما.\rوعن أبى جهضم أيضا «١» : أن رجلا من الروم حدثه فى خلافة عبد الملك بن مروان أن رجلا من عظمائهم أتى باهان فى صبيحة الليلة التى خرج إلى المسلمين باليرموك، فقال له: إنى رأيت رؤيا أريد أن أحدثك بها، قال: هاتها، قال: رأيت كأن رجالا نزلوا من السماء طول أحدهم أبعد من مد بصره، فنزعوا سيوفنا من أغمادها وأسنة رماحنا من أطرافها، ثم لم يدعوا منا رجلا إلا كتفوه، ثم قالوا لنا: اهربوا وأكثركم هالك،","footnotes":"(١) انظر: تاريخ فتوح الشام (٢١٤- ٢١٦) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084347,"book_id":3509,"shamela_page_id":910,"part":"2","page_num":281,"sequence_num":910,"body":"فأخذنا نهرب، فمنا من يسقط على وجهه ومنا من يتبلد لا يستطيع أن يبرح من مكانه، ومنا من يحل كتافه ثم يسعى حتى لا نراه.\rفقال له باهان: أما من رأيت يسقط على وجهه، ومن رأيته يتبلد لا يطيق أن يسعى ولا يتنحى من مكانه فهم الذى يهلكون، وأما الذين رأيت يحلون كتافهم ويسعون حتى لا نراهم، فأولئك الذين ينجون، ثم قال له باهان: أما أنت فو الله لا تسلم منى أبدا، فوجهك الذى بشر بالشر وقنط من الخير، ألست الذى كنت أشد الناس علىّ فى أمر الرجل الذى قتل رجلا من أهل الذمة، فأردت أن أقتله، فكنت أنت من أشد الناس علىّ فى أمره حتى عطلت حدا من حدود الله وتركته، وكان علىّ من الحق أن أقيمه، فحلت بينى وبينه فى جماعة من السفهاء، وتركته كراهية أن أفرق جماعتكم أو أن يضرب بعضكم بعضا، فأما الآن، فقد حدثت نفسى بالموت، وإنما ألقى القوم عن ساعة، فإن شئتم الآن فتفرقوا، وإن شئتم فاجتمعوا وأنا أتوب إلى الله من ترك ذلك الحد يومئذ، فإنه لم يك يسعنى ولا ينبغى لى إلا قتله، ولو قتلتمونى معه، ثم أمر به فضربت عنقه. قال:\rوطلب الرومى الذى كان قتل الذمى فهرب منه فلم يقدر عليه، وقد تقدمت قصة هذا الرومى المقتول تعديا فيما أخرجناه قبل من الحديث عن أبى بشر التنوخى، فأغنى ذلك عن إعادتها.\rوعن راشد بن عبد الرحمن الأزدى «١» : أن باهان زحف يوم اليرموك إلى المسلمين فى عشرين صفا تضم نحوا من أربعمائة ألف مقاتل، وأصبح المسلمون طيبة أنفسهم لقتال المشركين، قد شرح الله صدورهم وشجع قلوبهم على لقاء عدوهم، فأخرجهم أبو عبيدة وجعل على ميمنته معاذ بن جبل، وعلى ميسرته قباث بن أشيم، وعلى الرجالة هاشم بن عتبة، وعلى الخيل خالد بن الوليد، وخرج الناس على راياتهم وفيهم أشراف العرب وفرسانهم من رجالهم وقبائلهم، وفيهم الأزد وهم ثلث الناس، وحمير، وهم عظم الناس، وفيهم همدان وخولان ومذحج وخثعم وقضاعة ولخم وجذام وعاملة وغسان وكندة وحضرموت، ومعهم جماعة من كنانة، ولكن عظم الناس أهل اليمن، ولم يحضرها يومئذ أسد ولا تميم ولا ربيعة، ولم تكن دارهم هنالك، إنما كانت دارهم عراقية، فقاتلوا أهل فارس بالعراق، فلما برز المسلمون إلى عدوهم، سار أبو عبيدة فيهم، ثم قال: يا عباد الله، انصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم فإن وعد الله حق، يا معشر المسلمين، اصبروا فإن الصبر منجاة من الكفر ومرضاة للرب ومدحضة للعار، فلا تبرحوا","footnotes":"(١) انظر: تاريخ فتوح الشام (٢١٧) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084348,"book_id":3509,"shamela_page_id":911,"part":"2","page_num":282,"sequence_num":911,"body":"مصافكم ولا تخطوا إليهم بخطوة ولا تبدأوهم بقتال، واشرعوا الرماح واستتروا بالدرق، والزموا الصمت إلا من ذكر الله حتى آمركم إن شاء الله.\rوخرج معاذ يقص على الناس، ويقول: يا قراء القرآن ومستحفظى الكتاب وأنصار الهدى وأولياء الحق، إن رحمة الله لا تنال بالتوانى، وجنته لا تدخل بالأمانى، ولا يؤتى الله المغفرة والرحمة الواسعة إلا الصادقين المصدقين بما وعدهم الله، ألم تسمعوا لقول الله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً [النور: ٥٥] إلى رأس الآية، أنتم إن شاء الله منصورون، فأطيعوا الله ورسوله: وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [الأنفال: ٤٦] ، واستحيوا من ربكم أن يراكم فرارا من عدوكم، وأنتم فى قبضته ورحمته، وليس لأحد منكم ملجأ ولا منجى من دونه، ولا متعزز بغير الله، وجعل يمشى فى الصفوف يحرضهم ويقص عليهم، ثم انصرف إلى موضعه.\rقال سهل بن سعد «١» : ومر عمرو بن العاص يومئذ على الناس، فجعل يعظهم ويحرضهم ويقول: أيها الناس، غضوا أبصاركم، واجثوا على الركب، وأشرعوا الرماح، والزموا مراكزكم ومصافكم، فإذا حمل عليكم عدوكم فأمهلوهم حتى إذا ركبوا أطراف الأسنة فثبوا فى وجوههم وثوب الأسد فو الذى يرضى الصدق ويثيب عليه، ويمقت الكذب ويعاقب عليه، ويجزى الإحسان، لقد بلغنى أن المسلمين سيفتحونها كفرا كفرا وقصرا قصرا، فلا يهولنكم جموعهم ولا عددهم، فلو قد صدقتموهم الشدة لقد ابذعروا ابذعرار أولاد الحجل.\rقال: وكان أبو سفيان بن حرب استأذن عمر بن الخطاب فى جهاد الروم بالشام، فقال له: إنى أحب أن تأذن لى فأخرج إلى الشام متطوعا بمالى فأنصر المسلمين، وأقاتل المشركين وأحض جماعة من هناك من المسلمين، فلا آلوهم نصيحة ولا خيرا، فقال له عمر: قد أذنت لك يا أبا سفيان، تقبل الله جهادك وبارك لك فى رأيك، وأعظم أجرك فيما نويت من ذلك، فتجهز أبو سفيان بأحسن الجهاز، وفى أحسن هيئة، ثم خرج وصحبته أناس من المسلمين كثير، خرجوا متطوعين، فأحسن أبو سفيان صحبتهم حتى قدموا على جماعة المسلمين، ولما خرج المسلمون إلى عدوهم باليرموك كان أبو سفيان يومئذ يسير فى الناس، ويقف على أهل كل راية، وعلى كل جماعة فيحض الناس","footnotes":"(١) انظر: تاريخ فتوح الشام (٢١٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084349,"book_id":3509,"shamela_page_id":912,"part":"2","page_num":283,"sequence_num":912,"body":"ويعظهم ويقول: إنكم يا معشر المسلمين أصبحتم فى دار العجم منقطعين عن الأهل، نائين عن أمير المؤمنين، وأمداد المسلمين، وقد والله أصبحتم بإزاء عدو كثير عددهم شديد عليكم حنقهم، وقد وترتموهم فى أنفسهم ونسائهم وأولادهم وبلادهم وأموالهم، فلا والله لا ينجيكم منهم اليوم ولا تبلغون رضوان الله إلا بصدق اللقاء والصبر فى مواطن المكروه، فتقربوا إلى خالقكم، وامتنعوا بسيوفكم، ولتكن هى الحصون التى إليها تلجون، وبها تمتنعون.\rوقاتل أبو سفيان يومئذ، قتالا شديدا، وأبلى بلاء حسنا.\rقال: وزحف الروم إلى المسلمين وهم يزفون زفا، ومعهم الصلبان، وأقبلوا بالأساقفة والقسيسين والرهبان والبطارقة والفرسان، ولهم دوى كدوى الرعد، وقد تبايع عظمهم على الموت، ودخل منهم ثلاثون ألفا فى السلاسل، كل عشرة فى سلسلة لئلا يفروا، فلما نظر إليهم خالد بن الوليد مقبلين، أقبل على نساء المسلمين وهن على تل مرتفع فى العسكر، فقال: يا نساء المسلمين، أيما رجل أدركتنه منهزما فاقتلنه، فأخذن العناهر، وهى عمد البيوت، ثم أقبلن نحو المسلمين فقلن: لستم بعولتنا إن لم تمنعونا اليوم، وأقبل خالد إلى أبى عبيدة، فقال: إن هؤلاء قد أقبلوا فى عدد وحد وجد، وإن لهم لشدة لا يردها شىء، وليست خيل المسلمين بكثيرة، ولا والله لأقامت خيلى لشدة حملتهم وخيلهم ورجالهم أبدا، وخيل خالد يومئذ أمام صفوف المسلمين، والمسلمون ثلاثة صفوف.\rقال خالد: فقد رأيت أن أفرق خيلى، فأكون أنا فى إحدى الخيلين، ويكون قيس بن هبيرة فى الخيل الأخرى، ثم تقف خيلنا من وراء الميمنة والميسرة، فإذا حملوا على الناس فإن ثبت المسلمون فالله ثبتهم وثبت أقدامهم، وإن كانت الأخرى حملت عليهم خيولنا وهى جامة على ميمنتهم وميسرتهم، وقد انتهت شدة خيلهم وقوتها، وتفرقت جماعتهم ونقضوا صفوفهم، وصاروا نشرا «١» ، ثم تحمل عليهم وهى بتلك الحال، فأرجو عندها أن يظفر الله بهم ويجعل دائرة السوء عليهم، وقال لأبى عبيدة: قد رأيت لك أن توقف سعيد بن زيد موقفك هذا وتقف أنت بحذائه من ورائه فى جماعة حسنة، فتكون ردآ للمسلمين، فقبل أبو عبيدة مشورته، وقال: أفعل ما أراك الله وأنا فاعل ما ذكرت، فأمر أبو عبيدة سعيد بن زيد فوقف فى مكانه، وركب هو فسار فى الناس فحرضهم وأوصاهم بتقوى الله والصبر، ثم انصرف فوقف من وراء الناس ردآ لهم، وأقبلت الروم كقطع الليل حتى إذا حاذوا الميمنة نادى معاذ بن جبل الناس فقال: يا عباد الله المسلمين،","footnotes":"(١) صاروا نشرا: أى منتشرين متفرقين متطايرين.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084350,"book_id":3509,"shamela_page_id":913,"part":"2","page_num":284,"sequence_num":913,"body":"إن هؤلاء قد تيسروا للشدة عليكم، ولا والله لا يردهم إلا صدق اللقاء والصبر فى البأساء، ثم نزل عن فرسه وقال: من أراد أن يأخذ فرسى ويقاتل عليه فليأخذه، فوثب إليه ابنه عبد الرحمن بن معاذ، وهو غلام حين احتلم، فقال: يا أبة، إنى لأرجو أن أكون فارسا أعظم غناء عن المسلمين منى راجلا، وأنت يا أبة راجلا أعظم غناء منك فارسا، وعظم المسلمين رجالة، وإذا رأوك صابرا محتسبا صبروا إن شاء الله وحافظوا، فقال له معاذ: وفقنى الله وإياك يا بنى لما يحب ويرضى، فقاتل معاذ وابنه قتالا شديدا ما قاتل مثله كثير من المسلمين، ثم إن الروم تحاضوا وتداعوا وقصت عليهم الأساقفة والرهبان وقد دنوا من المسلمين، فإذا سمع ذلك معاذ منهم قال: اللهم زلزل أقدامهم وأرعب قلوبهم وأنزل علينا السكينة وألزمنا كلمة التقوى وحبب إلينا اللقاء ورضنا بالقضاء.\rقال: وخرج باهان صاحب الروم فجال فى أصحابه وأمرهم بالصبر والقتال دون ذراريهم وأموالهم وسلطانهم وبلادهم، ثم بعث إلى صاحب الميسرة: أن احمل عليهم، وكان على الميسرة الدرنجار، وكان متنسكا، فقال البطارقة والروم الذين معه: قد أمركم أميركم أن تحملوا، وتهيأت البطارقة ثم شدوا على الميمنة وفيها الأزد ومذحج وحمير وحضرموت وخولان، فثبتوا حين صدموا واقتتلوا قتالا شديدا، ثم ركبهم من الروم أمثال الجبال، فأزالوا المسلمين عن الميمنة إلى ناحية القلب، وانكشفت طائفة من المسلمين إلى العسكر، وثبت عظم الناس فلم يزولوا، وقاتلوا تحت راياتهم فلم ينكشفوا، ولم تنكشف زبيد يومئذ، وهى فى الميمنة، وفيهم الحجاج بن عبد يغوث، والد عمرو بن الحجاج، فنادى: يا خيفان يا خيفان، فاجتمعوا إليه، ثم شدوا على الروم وهم فى نحو خمسمائة رجل شدة، فلم يتنهنهوا «١» حتى خالطوا الروم، فقاتلوهم قتالا شديدا، وشغلوهم عن اتباع من انكشف من المسلمين، وشدت عليهم حضرموت وحمير وخولان بعد ما كانوا زالوا، ثم رجعوا إلى مواقفهم حتى وقفوا فى الصف حيث كانوا، واستقبل النساء منهزمة المسلمين بالعناهر يضربن بها وجوههم، وثبتت الأزد وقاتلت قتالا لم يقاتل مثله أحد من تلك القبائل، وقتل منهم مقتلة لم يقتل مثلها من قبيلة من القبائل، وقتل يومئذ عمرو بن الطفيل، ذو النور، وهو يقول: يا معشر الأزد، لا يؤتين المسلمون من قبلكم، وقاتل قتالا شديدا، قتل من أشدائهم تسعة، ثم قتل هو، يرحمه الله.\rوقال جندب بن عمرو بن حممة ورفع رايته: يا معشر الأزد، إنه لا يبقى منكم ولا ينجو من الإثم والعار إلا من قاتل، ألا وإن المقتول شهيد، والخائب من هرب اليوم،","footnotes":"(١) النهنهة: الكف، تقول: نهنهت فلانا فتنهنه، أى كففته فكف.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084351,"book_id":3509,"shamela_page_id":914,"part":"2","page_num":285,"sequence_num":914,"body":"وقاتل حتى قتل ﵀، ونادى أبو هريرة: يا مبرور يا مبرور، فأطافت به الأزد، قال عبد الله بن سراقة: انتهيت إلى أبى هريرة يومئذ، وهو يقول: تزينوا للحور العين وارغبوا فى جوار ربكم، فى جنات النعيم، فما أنتم فى موطن من مواطن الخير أحب فيه منكم فى هذا الموطن، ألا وإن للصابرين فضلهم. قال: فأطافت به الأزد، ثم اضطربوا هم والروم، فو الذى لا إله إلا هو لرأيت وإنها لتدور بهم الأرض وهم فى مجال واحد كما تدور الرحاء، وما برحوا يعنى المسلمين، ولا زالوا وركبهم من الروم أمثال الجبال، فما رأيت موطنا قط أكثر قحفا ساقطا ومعصما نادرا وكفا طائحة من ذلك الموطن، وقد والله أوحلناهم شرا وأوحلونا.\rوكان جل القتال فى الميمنة، وأن القلب ليلقون مثل ما نلقى، ولكن حمة القوم وجدهم وحردهم وحنقهم علينا، وكنا فى آخر الميمنة، فلقد لقينا من قتالهم ما لم يلق أحد مثله، فو الله إنا لكذلك نقاتلهم وقد دخل عسكرنا منهم نحو من عشرين ألفا من ورائنا، فعصمنا الله من أن نزول، حمل عليهم خالد بن الوليد فقصف بعضهم على بعض، وشدخ منهم فى العسكر نحوا من عشرة آلاف، ودخل سائرهم بيوت المسلمين فى العسكر مجرحين وغير مجرحين، ثم خرج خالد يكرد ويقتل كل من كان قريبا منا من الروم حتى إذا حاذانا ألف خيله بعضها إلى بعض، ثم قال: يا أهل الإسلام، إنه لم يبق عند القوم من الجد والقتال إلا ما قد رأيتم، فالشدة، فو الذى نفسى بيده ليعطينكم الله الظفر الساعة عليهم، فجعل لا يسمع هذا القول من خالد أحد من المسلمين إلا شجعه عليهم، ثم إن خالدا اعترض الروم وإلى جنبه منهم أكثر من مائة ألف، فحمل عليهم، وما هو إلا فى نحو من ألف فارس، فو الله ما بلغتهم الحملة حتى فض الله جمعهم.\rقال: وشددنا على من يلينا من رجالتهم، فانكشفوا واتبعناهم نقتلهم كيف شئنا، ما يمتنعون من قتل ميمنتنا لميسرتهم، قال: ثم إن خالدا انتهى إلى الدرنجار وقد قال لأصحابه: لفونى بالثياب، فليت أنى لم أقاتل هؤلاء القوم اليوم، فلفوه بالثياب، وقال:\rلوددت أن الله عافانى من حرب هؤلاء القوم فلم أرهم ولم يرونى، ولم أنصر عليهم ولم ينصروا علىّ، وهذا يوم سوء، فما شعر حتى غشيه المسلمون فقتلوه.\rوقال ابن قماطر وهو فى ميمنة الروم لجرجير، صاحب أرمينية: احمل عليهم، فقال له: أنت تأمرنى أن أحمل عليهم وأنا أمير مثلك؟ فقال له ابن قماطر: أنت أمير وأنا أمير فوقك، وقد أمرت بطاعتى، فاختلفا، ثم إن ابن قماطر حمل على المسلمين حملة شديدة على الميسرة وفيها كنانة وقيس ولخم وجذام وعاملة وغسان وخثعم وقضاعة، فانكشف","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084352,"book_id":3509,"shamela_page_id":915,"part":"2","page_num":286,"sequence_num":915,"body":"المسلمون وزالت الميسرة عن مصافها، وثبت أهل الرايات وأهل الحفاظ، فقاتلوا قتالا شديدا، وركبت الروم أكتاف من انهزم من المسلمين حتى دخلوا معهم العسكر، فاستقبلهم نساء المسلمين بالعناهر يضربن بها وجوههم.\rوعن حنظلة بن جويه قال «١» : والله إنى لفى الميسرة إذ مر بنا رجال من الروم على خيل من خيل العرب لا يشبهون الروم وهم أشبه شىء بنا، فلا أنسى قول قائل منهم: يا معشر العرب، الحقوا بوادى القرى ويثرب، وهو يقول:\rفى كل يوم خيلنا تغير ... نحن لنا البلقاء والسدير\rهيهات يأبى ذلك الأمير ... والملك المتوج المحبور\rقال: فحملت عليه وحمل علىّ، فاضطربنا بسيفينا فلم يغنينا شيئا ثم اعتنقنا، فخررنا جميعا فاعتركنا ساعة، ثم إننا تحاجزنا، فنظرت إلى عنقه وقد بدا منها مثل شراك النعل، فمشيت إليه فاعتمدت ذلك الموضع بسيفى، فو الله ما أخطأته، فقطعته فصرع، فضربته حتى قتلته، وأقبلت إلى فرسى وقد كان عار، وإذا فرسى قد حبسوه علىّ، فأقبلت حتى ركبته، قال: وقاتل قباث بن أشيم يومئذ، قتالا شديدا، وأخذ يقول:\rإن تفقدونى تفقدوا خير فارس ... لدى الغمرات والرئيس المحاميا\rوذا فخر لا يملأ الهول صدره ... ضروبا بنصل السيف أروع ماضيا\rوكسر فى الروم يومئذ ثلاثة أرماح، وقطع سيفين، ويقول كلما قطع سيفا أو كسر رمحا: من يعين بسيف أو برمح فى سبيل الله رجلا قد حبس نفسه مع أولياء الله وقد عاهد الله ألا يفر ولا يبرح يقاتل المشركين حتى يظهر المسلمون أو يموت. وكان من أحسن الناس بلاء يومئذ.\rونزل أبو الأعور السلمى، فقال: يا معشر قريش، خذوا بحظكم من الصبر والأجر، فإن الصبر فى الدنيا عز ومكرمة، وفى الآخرة رحمة وفضيلة، فاصبروا وصابروا.\rوعن حبيب بن مسلمة قال «٢» : اضطررنا يوم اليرموك إلى سعيد بن زيد، فلله سعيد ما سعيد يومئذ إلا مثل الأسد، جثا والله على ركبتيه حتى إذا دنوا وثب فى وجوههم مثل الليث، فطعن برايته أول رجل من القوم فقتله، وأخذ والله يقاتل راجلا، فقاتل الرجل البئيس الشجاع فارسا، قال: وكان يزيد بن أبى سفيان من أعظم الناس غناء","footnotes":"(١) انظر: تاريخ فتوح الشام (٢٢٧) .\r(٢) انظر: تاريخ فتوح الشام (٢٢٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084353,"book_id":3509,"shamela_page_id":916,"part":"2","page_num":287,"sequence_num":916,"body":"وأحسنه بلاء هو وأبوه جميعا، وقد كان أبوه مر به وهو يحرض الناس ويعظمهم، فقال:\rيا بنى، إنك تلى من أمر المسلمين طرفا، ويزيد يومئذ على ربع الناس، وإنه ليس بهذا الوادى رجل من المسلمين إلا وهو محقوق بالقتال، فكيف بأشباهك الذين ولوا أمور المسلمين، أولئك أحق الناس بالجهاد والصبر والنصيحة، فاتق الله يا بنى، واكرم فى أمرك، ولا يكونن أحد من أصحابك أرغب فى الآخرة ولا فى الصبر فى الحرب ولا أشد نكاية فى المشركين، ولا أجهد على عدو الإسلام ولا أحسن بلاء منك. فقال يزيد:\rأفعل والله يا أبة، فقاتل فى الجانب الذى كان فيه قتالا شديدا.\rقال: وشد على عمرو بن العاص جماعة من الروم فانكشف عنه أصحابه وثبت عمرو فجالدهم طويلا، وقاتل شديدا، ثم تراجع إليه أصحابه، قال: فسمعت أم حبيبة بنت العاص تقول: قبح الله رجلا يفر عن حليلته، وقبح الله رجلا يفر عن كريمته، وسمعت نسوة من المسلمين يقلن: قاتلوا أيها المسلمون فلستم بعولتنا إن لم تمنعونا، وأخذن العناهر، فكلما مر بهن منهزم من المسلمين حملن عليه حتى يضربن وجهه ويرددنه إلى جماعة المسلمين.\rوقاتل شرحبيل بن حسنة فى ربعه الذى كان فيه قتالا شديدا، وكان إلى جنبه سعيد ابن زيد، وسطا من الناس، وجعل ينادى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ إلى آخر الآية [التوبة: ١١١] ثم جعل يقول: أين الشارون أنفسهم من الله بابتغاء مرضات الله؟ أين المشاؤن إلى جوار الله غدا فى داره، فاجتمع إليه ناس كثير وبقى القلب لم ينكشف، وفيه أهله الذين كانوا مع سعيد بن زيد، وكان أبو عبيدة من وراء ظهور المسلمين ردآ لهم.\rفلما رأى قيس بن هبيرة أن خيل المسلمين مما يلى الميسرة قد شد عليهم الروم اعترض الروم بخيله وهى الشطر من خيل خالد، فقصف بعضهم على بعض، وحمل خالد من ميمنة المسلمين على ما يليه من الروم حتى اضطرهم إلى صفوفهم، فقصف بعضهم على بعض، وزحف إليه المسلمون جماعتهم رويدا رويدا حتى إذا دنوا منهم حملوا عليهم، فجعلت الروم ينقضون صفوفهم وينهزمون، وبعث أبو عبيدة إلى سعيد بن زيد: أن احمل عليهم، فحمل عليهم، وشد المسلمون بأجمعهم، فضرب الله وجوه الروم، ومنح المسلمين أكتافهم، يقتلونهم كيف شاؤا، لا يمتنعون من أحد من المسلمين، وانتهى خالد بن الوليد إلى الدرنجار، وكان كارها لقتال المسلمين، لما كان يجد من صفتهم فى الكتب،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084354,"book_id":3509,"shamela_page_id":917,"part":"2","page_num":288,"sequence_num":917,"body":"وكان يقرأها، فقال خالد: إن كنت لأحب أن أراه، فضربه المسلمون حتى قتلوه، وإنه لملفف رأسه بكساء، واتبعهم المسلمون يقتلونهم كل قتلة، وركب بعضهم بعضا حتى انتهوا إلى مكان مشرف على أهوية تحتهم، فجعلوا يتساقطون فيها ولا يبصرون، وهو يوم ذو ضباب، وهم يرتكسون فيها، لا يعلم آخرهم ما يلقى أولهم، حتى سقط فيها نحو من مائة ألف رجل، ما أحصوا إلا بالقصب.\rوبعث أبو عبيدة شداد بن أوس بن ثابت فعدهم بها من الغد، فوجد من سقط أكثر من ثمانين ألفا، فسميت تلك الأهوية الواقوصة حتى اليوم، لأنهم وقصوا فيها وما فطنوا لتساقطهم حتى انكشف الضباب فأخذوا فى وجه آخر، وقتل المسلمون منهم فى المعركة بعد ما أدبروا نحوا من خمسين ألفا.\rواتبعهم خالد فى الخيل، فلم يزل يقتلهم فى كل واد وكل شعب وفى كل جبل، حتى انتهى إلى دمشق، فخرج إليه أهلها، وقالوا له: نحن على عهدنا الذى كان بيننا وبينكم، فقال لهم خالد: نعم، ومضى فى اتباعهم يقتلهم فى القرى والأودية والجبال حتى انتهى إلى حمص، فخرج إليه أهلها، فقالوا له مثل ما قال أهل دمشق فى العهد، فقال لهم: نعم.\rوأقبل أبو عبيدة على قتلى المسلمين، ﵏ وجزاهم عن الإسلام وأهله خيرا، فدفنهم، فلما فرغ من ذلك جاءه النعمان بن محمية ذو الأنف الخثعمى يسأله أن يعقد له على قومه، فعقد له عليهم، وكانت خثعم قد رأست رجلا آخر منهم من بنى عمرو يدعى ابن ذى السهم، فاختصم هو وذو الأنف إلى أبى عبيدة فى الرياسة قبل الوقعة، فأخرهم أبو عبيدة إلى أن يفرغوا من حربهم ويناجزوا عدوهم، ثم ينظر فى أمرهم، فلما التقى الناس استشهد هنالك ابن ذى السهم الخثعمى، فعقد أبو عبيدة للنعمان ذى الأنف على خثعم.\rقال: وجاء الأشتر مالك بن الحارث النخعى، فقال لأبى عبيدة: اعقد لى على قومى، فعقد له، وكانت قصته مثل قصة الخثعمى، وذلك أنه أتى قومه وعليهم رجل منهم فخاصمهم الأشتر فى الرياسة إلى أبى عبيدة، فدعا أبو عبيدة النخع، فقال: أى هذين أرضى فيكم وأعجب إليكم أن يرأس عليكم؟ فقالوا: كلاهما شريف وفينا رضى وعندنا ثقة، فقال أبو عبيدة: كيف أصنع بكما؟ ثم قال للأشتر: أين كنت حين عقدت لهذا الراية؟ قال: كنت عند أمير المدينة، ثم أقبلت إليكم، قال: فقدمت على هذا وهو رأس","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084355,"book_id":3509,"shamela_page_id":918,"part":"2","page_num":289,"sequence_num":918,"body":"أصحابك؟ قال: نعم، قال: فإنه لا ينبغى لك أن تخاصم ابن عمك وقد رضيت به جماعة قومك قبل قدومك عليهم، قال الأشتر: فإنه رضى شريف وأهل ذلك هو، وأنا أهل الرياسة، فلتعقبنى من رياسة قومى فأليهم كما وليهم هذا، فقال أبو عبيدة: تأخروا ذلك حتى تكون هذه الوقعة، فإن استشهدتما جميعا فما عند الله خير لكما، وإن هلك أحدكما وبقى الآخر كان الباقى منكما الرأس على قومه، وإن تبقيا جميعا أعقبناك منه إن شاء الله، قال الأشتر: فقد رضيت، فلما كانت الواقعة استشهد فيها رأس النخع الأول، فعقد أبو عبيدة للأشتر عند ذلك.\rوفى حديث آخر أن الأشتر كان من جلداء الرجال وأشدائهم وأهل القوة والنجدة منهم، وأنه قتل يوم اليرموك، قبل أن ينهزموا أحد عشر رجلا من بطارقتهم، وقتل منهم ثلاثة مبارزة وتوجه مع خالد فى طلب الروم حين انهزموا، فلما بلغوا ثنية العقاب من أرض دمشق وعليها جماعة من الروم عظيمة، أقبلوا يرمون المسلمين من فوقهم بالصخر، فتقدم إليهم الأشتر فى رجال من المسلمين، وإذا أمام الروم رجل جسيم من عظمائهم وأشدائهم، فوثب إليه الأشتر لما دنا منه، فاستويا على صخرة مستوية، فاضطربا بسيفيهما، فضرب الأشتر كتف الرومى فأطارها، وضربه الرومى بسيفه فلم يضره شيئا، واعتنق كل واحد منهما صاحبه، ثم دفعه الأشتر من فوق الصخرة فوقعا منها، ثم تدحرجا، والأشتر يقول وهما يتدحرجان: إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام: ١٦٢، ١٦٣] ، فلم يزل يقول هذا وهو فى ذلك ملازم العلج لا يتركه، حتى انتهيا إلى موضع مستو من الجبل، فلما استقرا فيه وثب الأشتر على الرومى فقتله، ثم صاح فى الناس: أن جوزوا، فلما رأت الروم أن صاحبهم قد قتله الأشتر خلوا سبيل العقبة للناس، ثم انهزموا.\rوأقبل أبو عبيدة فى أثر خالد حتى انتهى إلى حمص، فأمر خالدا أن يتقدم إلى قنسرين، ولما انتهت الهزيمة إلى ملك الروم وهو بأنطاكية، قال: قد كنت أعلم أنهم سيهزمونكم، فقال له بعض جلسائه: ومن أين علمت ذلك أيها الملك، قال من حيث أنهم تحبون الموت كما نحبون أنتم الحياة، ويرغبون فى الآخرة أشد من رغبتكم فى الدنيا، ولا يزالون ظاهرين ما كانوا هكذا، وليغيرن كما غيرتم، ولينقضن كما نقضتم.\rوفى حديث عن عبد الله بن قرط «١» : أن أول من جاء ملكهم بالهزيمة رجل منهم، فقال له: ما وراءك؟ قال: خير، أيها الملك، هزمهم الله وأهلكهم، يعنى المسلمين، قال:","footnotes":"(١) انظر: تاريخ فتوح الشام (٢٣٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084356,"book_id":3509,"shamela_page_id":919,"part":"2","page_num":290,"sequence_num":919,"body":"ففرح بذلك من حوله وسروا ورفعوا أصواتهم، فقال لهم ملكهم: ويحكم، هذا كاذب، وهل ترون هيئة هذا إلا هيئة منهزم، سلوه ما جاء به، فلعمرى ما هو ببريد، ولو لم يكن هذا منهزما ما كان ينبغى له أن يكون إلا مع أميره مقيما، فما كان بأسرع من أن جاء آخر، فقال له: ويحك، ما وراءك؟ فقال: هزم الله العدو وأهلكهم، قال له هرقل: فإن كان الله أهلكهم فما جاء بك؟.\rوفرح أصحابه وقالوا: صدقك أيها الملك، فقال لهم: ويحكم، أتخادعون أنفسكم، إن هؤلاء والله لو كانوا ظهروا أو ظفروا ما جاؤكم على متون خيولهم يركضون، ولسبقهم البريد والبشرى، قال: فإنهم لكذلك إذ طلع عليهم رجل من العرب من تنوخ على فرس له عربية، يقال له حذيفة بن عمرو، وكان نصرانيا، فقال قيصر: ما أظن خبر السؤال إلا عند هذا، فلما دنا منه قال له: ما عندك؟ قال: الشر، قال: وجهك الذى بشرنا بالشر، ثم نظر إلى أصحابه، فقال: خبر سوء جاء به رجل سوء من قوم سوء، فإنهم لكذلك إذ جاءه رجل من عظماء الروم، فقال له الملك: ما وراءك؟ قال: الشر، هزمنا. قال: فما فعل أميركم باهان؟ قال: قتل، قال: فما فعل فلان وفلان، يسمى له عددا من أمرائه وبطارقته وفرسانه، فقال: قتلوا، فقال له: لكنك والله أنت أخبث وألأم وأكفر من أن تذب عن دين أو تقاتل على دنيا.\rثم قال لشرطه: أنزلوه، فأنزلوه، فجاؤا به، فقال له: ألست كنت أشد الناس علىّ فى أمر محمد نبى العرب حين جاءنى كتابه ورسوله، وكنت قد أردت أن أجيبه إلى ما دعانى إليه وأدخل فى دينه، فكنت أنت من أشد الناس علىّ حتى تركت ما أردت من ذلك؟ فهلا قاتلت الآن قوم محمد وأصحابه دون سلطانى، وعلى قدر ما كنت لقيت منك إذ منعتنى من الدخول فى دينه؟ اضربوا عنقه، فقدموه فضربوا عنقه، ثم نادى فى أصحابه بالرحيل راجعا إلى القسطنطينية، فلما خرج من الشام وأشرف على أرض الروم استقبل الشام، فقال: السلام عليك يا سورية، سلام مودع لا يرى أنه يرجع إليك أبدا، ثم قال: ويحك أرضا، ما أنفعك لعدوك، لكثرة ما فيك من العشب والخصب والخير.\rوعن عمرو بن عبد الرحمن «١» : أن هرقل حين خرج من أنطاكية، أقبل حتى نزل الرها، ثم منها كان خروجه إلى القسطنطينية، وأقبل خالد فى طلب الروم حتى دخل أرض قنسرين، فلما انتهى إلى حلب تحصن منه أهلها، وجاء أبو عبيدة حتى نزل عليهم، فطلبوا الصلح والأمان، فقبل منهم أبو عبيدة فصالحهم، وكتب لهم أمانا.","footnotes":"(١) انظر: تاريخ فتوح الشام (٢٣٧) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084357,"book_id":3509,"shamela_page_id":920,"part":"2","page_num":291,"sequence_num":920,"body":"وعن الحسن بن عبد الله»\r: أن الأشتر قال لأبى عبيدة: ابعث معى خيلا أتبع آثار القوم، فإن عندى جزاء وغناء، فقال له أبو عبيدة: والله إنك لخليق بكل خير، فبعثه فى ثلاثمائة فارس، وقال له: لا تتباعد فى الطلب، وكن منى قريبا، فكان يغير على مسيرة اليوم منه واليومين، ونحو ذلك.\rثم إن أبا عبيدة دعا ميسرة بن مسروق فسرحه فى ألفى فارس، فمضى فى آثار الروم حتى قطع الدروب، وبلغ ذلك الأشتر، فمضى حتى لحقه، فإذا ميسرة مواقف جمعا من الروم أكثر من ثلاثين ألفا، وكان ميسرة قد أشفق على من معه، وخاف على نفسه وعلى أصحابه، فإنهم لكذلك إذ طلع عليه الأشتر فى ثلاثمائة فارس من النخع، فلما رآهم أصحاب ميسرة كبروا وكبر الأشتر وأصحابه، وحمل عليهم من مكانه ذلك، وحمل ميسرة فهزموهم، وركبوا رؤسهم، واتبعتهم خيل المسلمين يقتلونهم، حتى انتهوا إلى موضع مرتفع من الأرض، فعلوا فوقه، وأقبل عظيم من عظمائهم معه رجالة كثيرة من رجالتهم، فجعلوا يرمون خيل المسلمين من مكانهم المشرف، فإن خيل المسلمين لمواقفتهم إذ نزل رجل من الروم أحمر عظيم جسيم، فتعرض للمسلمين ليخرج إليه أحدهم، قال: فو الله ما خرج إليه رجل منهم، فقال لهم الأشتر: أما منكم من أحد يخرج لهذا العلج؟ فلم يتكلم أحد.\rقال: فنزل الأشتر، ثم خرج إليه، فمشى كل واحد منهما إلى صاحبه وعلى الأشتر الدرع والمغفر، وعلى الرومى مثل ذلك، فلما دنا كل واحد منهما من صاحبه شد الأشتر عليه فاضطربا بسيفيهما، فوقع سيف الرومى على هامة الأشتر، فقطع المغفر وأسرع السيف فى رأسه، حتى كاد ينشب فى العظم، ووقعت ضربة الأشتر على عاتق الرومى، فلم تقطع شيئا من الرومى، إلا أنه ضربه ضربة شديدة أو هنت الرومى وأثقلت عاتقه، ثم تحاجزا.\rفلما رأى الأشتر أن سيفه لم يصنع شيئا، انصرف فمشى على هيئته حتى أتى الصف، وقد سال الدم على لحيته ووجهه، فقال: أخزى الله هذا سيفا، وجاءه أصحابه، فقال: علىّ بشىء من حناء، فأتوه به من ساعته، فوضعه على جرحه، ثم عصبه بالخرق، ثم حرك لحيته وضرب أضراسه بعضها ببعض، ثم قال: ما أشد لحيتى ورأسى وأضراسى، وقال لابن عم له: امسك سيفى هذا وأعطنى سيفك، فقال: دع لى سيفى، رحمك الله، فإنى لا أدرى لعلى احتاج إليه، فقال: أعطنيه ولك أم النعمان يعنى ابنته، فأعطاه إياه،","footnotes":"(١) انظر: تاريخ فتوح الشام (٢٣٧، ٢٣٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084358,"book_id":3509,"shamela_page_id":921,"part":"2","page_num":292,"sequence_num":921,"body":"فذهب ليعود إلى الرومى، فقال له قومه، ننشدك الله ألا تتعرض لهذا العلج، فقال: والله لأخرجن إليه فليقتلنى أو لأقتلنه، فتركوه، فخرج إليه.\rفلما دنا منه شد عليه وهو شديد الحنق، فاضطربا بسيفيهما، فضربه الأشتر على عاتقه، فقطع ما عليه حتى خالط السيف رئته، ووقعت ضربة الرومى على عاتق الأشتر، فقطعت الدرع ثم انتهت ولم تضره شيئا، ووقع الرومى ميتا، وكبر المسلمون، ثم حملوا على صف رجالة الروم، فجعلوا يتنقضون ويرمون المسلمين وهم من فوق، فما زالوا كذلك حتى أمسوا وحال بينهم الليل، وباتوا ليلتهم يتحارسون.\rفلما أصبحوا أصبحت الأرض من الروم بلاقع، فارتحل الأشتر منصرفا بأصحابه، ومضى ميسرة فى أثر القوم حتى بلغ مرج القبائل بناحية أنطاكية، والمصيصة، ثم انصرف راجعا، وكان أبو عبيدة حين بلغه أنهم قد أدبروا أشفق عليهم وجزع وندم على إرساله إياهم، قال: فإنه لجالس فى أصحابه مستبطئا لقدومهم متأسفا على تسريحهم، إذ أتى فبشر بقدوم الأشتر، وجاء فحدثه بما كان من أمرهم ولقائهم ذلك الجيش، وهزيمتهم إياه، وما صنع الله لهم، ولم يذكر مبارزة الرومى وقتله إياه حتى أخبره غيره، وسأله عن ميسرة وأصحابه، فأخبروه بالوجه الذى توجه فيه، وأخبره أنه لم يمنعه من التوجه إلا الشفقة على أصحابه، وألا يصابوا بعد ما ظفروا، فقال: قد أحسنت، وما أحب الآن أنك معهم، ولوددت أنهم كانوا معكم.\rقال: فدعا ناسا من أهل حلب، فقال: اطلبوا إلىّ إنسانا دليلا عالما بالطريق أجعل له جعلا عن أن يتبع آثار هذه الخيل التى بعثتها فى طلب الروم حتى يلحقها، ثم يأمرها بالانصراف إلىّ ساعة يلقاها، فجاؤه بثلاثة رجال، فقالوا: هؤلاء علماء بالطريق جراء عليها أدلاء بها، وهم يخرجون فى آثار خيلك حتى يأتوها بأمرك، فكتب أبو عبيدة إلى ميسرة:\rأما بعد، فإذا أتاك رسولى هذا فأقبل إلىّ حين تنظر فى كتابى، ولا تعرجن على شىء، فإن سلامة رجل واحد من المسلمين أحب إلىّ من جميع أموال المشركين، والسلام عليك.\rفأخذوا كتابه، ثم خرجوا به، فاستقبلوا ميسرة حين هبط من الدروب راجعا، وقد عافاه الله وأصحابه وغنمهم وسلمهم، فدفعوا إليه كتاب أبى عبيدة، فلما قرأه قال:\rجزاه الله من وال على المسلمين خيرا، ما أشفقه وأنصحه، ثم أقبل الرسل فبشروا أبا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084359,"book_id":3509,"shamela_page_id":922,"part":"2","page_num":293,"sequence_num":922,"body":"عبيدة بسلامتهم وانصرافهم، فحمد الله على ذلك، وأقام حتى قدم عليه ميسرة، وكتب أمانا على الناس من أهل قنسرين، ثم أمر مناديه بالرحيل إلى إيلياء، وقدم خالدا على مقدمته بين يديه، وبعث على حمص حين انتهى إليها حبيب بن سلمة، وأرض قنسرين إذ ذاك مجموعة إلى صاحب حمص، وإنما فتحت قنسرين بعد ذلك فى خلافة يزيد بن معاوية، ثم خرج من حمص ومر بدمشق، فولاها سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، ثم خرج حتى مر بالأردن، فنزلها، فعسكر بها، وبعث الرسل إلى أهل إيلياء، وقال:\rاخرجوا إلىّ أكتب لكم أمانا على أنفسكم وأموالكم، ونفى لكم كما وفينا لغيركم، فتثاقلوا وأبوا، فكتب إليهم:\rبسم الله الرحمن الرحيم، من أبى عبيدة بن الجراح إلى بطارقة أهل إيلياء وسكانها، سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله العظيم ورسله، أما بعد، فإنا ندعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من فى القبور، فإذا شهدتم بذلك حرمت علينا دماؤكم وأموالكم وكنتم إخواننا فى ديننا، وإن أبيتم فأقروا لنا بإعطاء الجزية وأنتم صاغرون، فإن أبيتم سرت إليكم بقوم، هم أشد للموت حبا منكم لشرب الخمر وأكل لحم الخنزير، ثم لا أرجع عنكم إن شاء الله حتى أقتل مقاتلتكم وأسبى ذراريكم.\rقال: وكتب إلى عمر بن الخطاب حين أظهره الله على أهل اليرموك وخرج يطلبهم:\rبسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله عمر أمير المؤمنين من أبى عبيدة بن الجراح، سلام عليك، أما بعد، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، والحمد لله الذى أهلك المشركين، ونصر المسلمين، وقديما تولى الله نصرهم، وأظهر فلجهم، وأعز دعوتهم، فتبارك الله رب العالمين.\rأخبر أمير المؤمنين أكرمه الله، أنا لقينا الروم فى جموع لم تلق العرب جموعا قط مثلها، فأتوا وهم يرون أن لا غالب لهم من الناس، فقاتلوا المسلمين قتالا شديدا، ما قوتل المسلمون مثله فى موطن قط، ورزق الله المؤمنين الصبر، وأنزل عليهم النصر، فقتلوهم فى كل قرية وكل شعب وواد وسهل وجبل، وغنم المسلمون عسكرهم، وما كان فيه من أموالهم، ومتاعهم، ثم إنى اتبعتهم بالمسلمين حتى بلغنا أقصى بلادهم، وقد بعثت إلى أهل الشام عمالا، وبعثت إلى أهل إيلياء أدعوهم إلى الإسلام، فإن قبلوا وإلا فليؤدوا الجزية عن يد وهم صاغرون، فإن أبوا سيرت إليهم حتى أنزل بهم، ثم لا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084360,"book_id":3509,"shamela_page_id":923,"part":"2","page_num":294,"sequence_num":923,"body":"أزايلهم حتى يفتح الله على المسلمين إن شاء الله، والسلام عليك.\rفكتب إليه عمر رضى الله عنه: من عبد الله بن عمر أمير المؤمنين، إلى أبى عبيدة بن الجراح، سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد، فقد أتانى كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه من إهلاك الله المشركين ونصره المؤمنين، وما صنع لأوليائه وأهل طاعته، فالحمد لله على صنيعه إلينا، ونستتم من الله ذلك بشكره، ثم اعلموا أنكم لم تنصروا على عدوكم بعدد ولا عدة ولا حول ولا قوة، ولكنه بعون الله ونصره ومنه تعالى وفضله، فلله المن والطول والفضل العظيم، فتبارك الله أحسن الخالقين، والحمد لله رب العالمين.\rفهذه الأحاديث التى أوردها أصحاب فتوح الشام فى كتبهم عن وقعة اليرموك، وقد أوردها غيرهم على صفة تخالف أكثر ما تقدم مساقا وتاريخا، حسب ما يظهر لمن يقف على جميعها، واختلاف الأخبار من جهة النقل أمر مألوف، وإعادة أمثال هذه الآثار التى هى كيف ما وقعت من آيات الإسلام شىء غير مملول. ونحن نذكر من ذلك ما يحسن فى هذا المجموع ذكره، ويليق بالمقصود إيراده إن شاء الله تعالى.\rفمن ذلك أن ابن إسحاق ذكر أن التقاء المسلمين مع الروم باليرموك كان فى رجب سنة خمس عشرة، وأن الذى لقيهم من الروم هو الصقلار خصى لهرقل، بعثه فى مائة ألف مقاتل أكثرهم من الروم، وسائرهم من أهل أرمينية، ومن المستعربة من غسان وقضاعة، والمسلمون مع أبى عبيدة أربعة وعشرون ألفا، فاقتتل الناس اقتتالا شديدا حتى دخل عسكر المسلمين، وقاتل نساء من قريش بالسيوف حين دخل العسكر حتى سابقن الرجال، وقد كان انضم إلى المسلمين ناس من لخم وجذام، فلما رأوا جد القتال فروا وخذلوا المسلمين، فقال قائل من المسلمين حين رأى ذلك منهم:\rالقوم لخم وجذام فى الهرب ... ونحن والروم بمرج نضطرب\rوإن يعودوا بعدها لا نصطحب\rثم إن الله أنزل نصره، فهزمت الروم وجموع هرقل التى جمع، فأصيب منهم سبعون ألفا، وقتل الله الصقلار وباهان، وكان هرقل قدمه مع الصقلار حين لحق به.\rوفيما حكاه الطبرى «١» بسنده عن سيف عن شيوخه قالوا: أوعب القواد بالناس نحو الشام، وعكرمة ردء لهم، وبلغ الروم ذلك فكتبوا إلى هرقل، فخرج حتى نزل بحمص،","footnotes":"(١) انظر: تاريخ الطبرى (٣/ ٣٩٢- ٣٩٣) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084361,"book_id":3509,"shamela_page_id":924,"part":"2","page_num":295,"sequence_num":924,"body":"فأعد لهم الجنود وعبأ العسكر، وأراد أن يشغل بعضهم ببعض لكثرة جنده وفضول رجاله، فأرسل أخاه تذارق إلى عمرو بن العاص فى تسعين ألفا، وبعث جرجة بن توذورا نحو يزيد بن أبى سفيان فعسكر بإزائه، وبعث الدراقص، فاستقبل شرحبيل بن حسنة، وبعث القيقار بن نسطوس فى ستين ألفا نحو أبى عبيدة، فهابهم المسلمون، وجميع فرق المسلمين أحد وعشرون ألفا، سوى ستة آلاف مع عكرمة، ففزعوا جميعا بالكتب والرسل إلى عمر بن الخطاب، يستدعون رأيه، فراسلهم أن الرأى الاجتماع، وذلك أن مثلنا إذا اجتمع لم يغلب من قلة، وإذا نحن تفرقنا لم يكن الرجل منا فى عدد يقرن به لأحد ممن استقبله، فاتعدوا اليرموك ليجتمعوا فيه، وقد كتبوا إلى أبى بكر بمثل ما كاتبوا به عمر، فطلع عليهم كتابه بمثل ما كاتبهم به عمر سواء، بأن اجتمعوا والقوا زحوف المشركين بزحف المسلمين، فإنكم أعوان الله، والله ناصر من نصره وخاذل من كفره، ولن يؤتى مثلكم من قلة، وإنما يؤتى العشرة آلاف والزيادة عليها، إذا أتوا من قبل الذنوب، فاحترسوا من الذنوب، واجتمعوا باليرموك متساندين، وليتصل كل رجل منكم بأصحابه.\rوبلغ ذلك هرقل، فكتب إلى بطارقته، أن اجتمعوا لهم وانزلوا بالروم منزلا واسع العطن، واسع المطرد، ضيق المهرب، وعلى الناس التذارق، وعلى المقدمة جرجة، وعلى مجنبتيه باهان والدراقص، وعلى الحرب القيقار، وأبشروا فإن باهان فى الأثر مدد لكم، ففعلوا، فنزلوا الواقوصة، وهى على ضفة اليرموك، وصار الوادى خندقا لهم، وهو لهب «١» لا يدرك، وإنما أراد باهان أن يستبقى الروم ويأنسوا بالمسلمين، وترجع إليهم أفئدتهم، وانتقل المسلمون من معسكرهم الذى اجتمعوا به، فنزلوا عليهم بحذائهم على طريقهم، وليس للروم طريق إلا عليهم. فقال عمرو: أيها الناس، ألا أبشروا، حصرت والله الروم، وقل ما جاء محصور بخير، فأقاموا بإزائهم، وعلى طريقهم ومخرجهم، لا يقدرون من الروم على شىء، ولا يخلصون إليهم اللهب، وهو الواقوصة من ورائهم، والخندق من أمامهم، ولا يخرجون خرجة إلا أذيل المسلمون منهم، وقد استمدوا أبا بكر ﵀، وأعلموه الشأن فى صفر، يريد من سنة ثلاث عشرة.\rوفى حديث آخر لسيف عن أشياخه «٢» : أنهم لما استمدوه، قال أبو بكر: خالد لها، وبعث إليه وهو بالعراق فعزم عليه واستحثه فى السير، فنفذ خالد لذلك، وطلع عليهم","footnotes":"(١) لهب: اللهب بالكسر، هو الفرجة بين الجبلين.\r(٢) انظر: تاريخ الطبرى (٣/ ٣٩٣- ٣٩٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084362,"book_id":3509,"shamela_page_id":925,"part":"2","page_num":296,"sequence_num":925,"body":"ففرح به المسلمون، وطلع باهان على الروم فتيمنوا به، ووافق قدوم أحدهما قدوم الآخر، فولى خالد قتاله، وقاتل الأمراء من بإزائهم، فهزم خالد باهان، وتتابع الروم على الهزيمة، فاقتحموا خندقهم. وقال راجز من المسلمين فى ذلك:\rدعوا هرقلا ودعونا الرحمن ... والله قد أخزى جنود باهان\rبخالد اللج أبى سلميان\rوحرد المسلمون وحرد المشركون وهم أربعون ومائتا ألف، منهم ثمانون ألف مقيد، ومنهم أربعون ألفا مسلسلون للموت، وأربعون ألفا مربوطون بالعمائم، وثمانون ألف فارس، والمسلمون سبعة وعشرون ألفا ممن كان مقيما إلى أن قدم عليهم خالد فى تسعة آلاف، فصاروا ستة وثلاثين ألفا، وكان قتالهم على تساند كل جند وأميره، لا يجمعهم أحد، حتى قدم عليهم خالد بن الوليد من العراق.\rوكان عسكر أبى عبيدة باليرموك مجاورا لعسكر عمرو بن العاص، وعسكر شرحبيل ابن حسنة مجاوزا لعسكر يزيد بن أبى سفيان، فكان أبو عبيدة ربما صلى مع عمرو، وشرحبيل مع يزيد، وأما عمرو ويزيد فكانا لا يصليان مع أبى عبيدة وشرحبيل، وقدم خالد بن الوليد وهم على حالهم هذه، فعسكر على حدة، فصلى بأهل العراق.\rووافق خالد بن الوليد المسلمين وهم متضايقون بمدد الروم، وعليهم باهان، ووافق الروم وفيهم نشاط بمددهم، فالتقوا فهزمهم الله حتى ألجأهم وأمدادهم إلى الخندق والواقوصة أحد حدوده، فلزموا خندقهم عامة شهر، يحضضهم القسيسون والشمامسة والرهبان، وينعون لهم النصرانية، حتى استنصروا، فخرجوا للقتال الذى لم يكن بعده قتال، فلما أحس المسلمون خروجهم، وأرادوا الخروج متساندين، سار فيهم خالد بن الوليد، فحمد الله وأثنى عليه، وقال:\rإن هذا يوم من أيام الله، لا ينبغى فيه العجز ولا البغى. أخلصوا جهادكم، وأريدوا بعملكم الله، فإن هذا يوم له ما بعده، ولا تقاتلوا قوما على نظام وتعبئة وأنتم على تساند «١» وانتشار، فإن ذلك لا يحل ولا ينبغى، وإن من ورائكم لو يعلم علمكم حال بينكم وبين هذا، فاعملوا فيما لم تؤمروا به بالذى ترون أنه يوافق رأى واليكم. قالوا:\rفما الرأى؟ قال: إن أبا بكر لم يبعثنا إلا وهو يرى أنا سنتياسر، ولو علم بالذى كان ويكون، لقد جمعكم. إن الذى أنتم فيه أشد على المسلمين مما غشيهم، وأنفع للمشركين","footnotes":"(١) على تساند: أى على رايات شتى متعاونين كأن كل واحد منهم يسند على الآخر ويستعين به.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084363,"book_id":3509,"shamela_page_id":926,"part":"2","page_num":297,"sequence_num":926,"body":"من أمدادهم، ولقد علمت أن الدنيا فرقت بينكم، فالله الله، قد أفرد كل رجل منكم ببلد من البلدان، لا ينقصه منه أن دان لأحد من أمراء الجنود، ولا يزيده عليه أن دانوا له، وأن تأمير بعضكم لا ينقصكم عند الله ولا عند خليفة رسول الله، تهيأوا فإن هؤلاء قوم قد تهيأوا، وهذا يوم له ما بعده، فإن رددناهم إلى خندقهم اليوم لم نزل نردهم، وإن هزمونا لم نفلح بعدها، فهلموا فلنتعاور الإمارة، فليكن عليها بعضنا اليوم والآخر غدا والآخر بعد غد، حتى يتأمر كلكم، ودعونى أليكم اليوم.\rفأمروه، وهم يرون أنها كخرجاتهم، وأن الأمر أطول مما ساروا إليه، فخرجت الروم فى تعبئة لم ير الراؤون مثلها قط، وخرج خالد فى تعبئة لم تعبها العرب قبل ذلك، خرج فى نحو ستة وثلاثين كردوسا، وقال: إن عدوكم قد كثر وطغى وليس من التعبئة أكثر فى رأى العين من الكراديس، فجعل القلب كراديس وأقام فيه أبا عبيدة، وجعل الميمنة كراديس، وعليها عمرو بن العاص، وفيها شرحبيل بن حسنة، وجعل الميسرة كراديس وعليها يزيد بن أبى سفيان، وكان خالد على كردوس، والقعقاع بن عمرو ومذعور بن عدى وعياض بن غنم وهاشم بن عتبة وزياد بن حنظلة وعكرمة بن أبى جهل وسهيل بن عمرو وعبد الرحمن بن خالد وهو يومئذ ابن ثمان عشرة سنة، وحبيب ابن مسلمة، وآخرون غيرهم من جلة الصحابة وأشراف الناس وفرسان العرب، كل واحد منهم على كردوس كردوس.\rوفى حديث آخر «١» أنه شهد اليرموك ألف رجل من أصحاب رسول الله ﷺ فيهم نحو من مائة رجل من أهل بدر، وكان أبو سفيان يسير فيقف على الكراديس، فيقول:\rالله الله، إنكم ذادة العرب وأنصار الإسلام، وإنهم ذادة الروم وأنصار المشركين، اللهم إن هذا يوم من أيامك، اللهم أنزل نصرك على عبادك.\rوعن عبد الرحمن بن غنم، وكان شهدها، قال: كان أبو سفيان وأشياخ المسلمين محامية لا يجولون ولا يقاتلون، يفىء إليهم الناس، فإذا كانت على الروم قال، وقالوا:\rهلك بنو الأصفر، اللهم اجعله وجههم، وإذا كانت على المسلمين قال وقالوا: يا بنى الإخوان، أين أين اللهم اردد لهم الكرة. فإذا كروا قالوا: إيه يا بنى الإخوان، وإذا حملوا قالوا: اللهم أعنهم وانصرهم.\rوفى غير حديث عبد الرحمن «٢» : أن رجلا قال يومئذ لخالد: ما أكثر الروم وأقل","footnotes":"(١) انظر: تاريخ الطبرى (٣/ ٣٩٧) .\r(٢) انظر: تاريخ الطبرى (٣/ ٣٩٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084364,"book_id":3509,"shamela_page_id":927,"part":"2","page_num":298,"sequence_num":927,"body":"المسلمين فقال خالد: ما أقل الروم وأكثر المسلمين، إنما تكثر الجنود بالنصر، وتقل بالخذلان لا بعدد الرجال، والله لوددت أن الأشقر برىء من توجيه، وإنهم أضعفوا فى العدد، وكان فرسه قد حفى فى مسيره، وجعل خالد يوم اليرموك على الطلائع قباث بن أشيم، وكان القارئ يومذاك المقداد.\rقالوا: ومن السنة التى سن رسول الله ﷺ بعد بدر أن تقرأ سورة الجهاد عند اللقاء، وهى سورة الأنفال، ولم يزل الناس بعد على ذلك.\rولما فرغ خالد من تعبئتهم وزحف إليه المشركون، أمر عكرمة والقعقاع وكانا على مجنبتى القلب، فأنشبا القتال، فنشب، والتحم الناس، وتطارد الفرسان، فإنهم لعلى ذلك إذ قدم البريد من المدينة، وهو محمية بن زنيم، فأخذته الخيول وسألوه الخبر، فلم يخبرهم إلا بسلامه، وأخبرهم عن أمداد تأتيهم، وإنما جاء بموت أبى بكر وتأمير أبى عبيدة، فأبلغوا خالدا، فأسر إليه الخبر، وأخبره بما قال للجند، فقال له: أحسنت، فقف، وأخذ الكتاب فجعله فى كنانته، وخاف إن هو أظهر ذلك أن ينتشر أمر الجند، فوقف الرسول مع خالد، وخرج جرجة أحد أمراء الروم يومئذ، حتى إذا كان بين الصفين نادى:\rليخرج إلى خالد، فخرج إليه خالد وأقام أبا عبيدة مكانه، فواقفه بين الصفين حتى اختلفت أعناق دابتيهما، وقد أمن أحدهما صاحبه، فقال له جرجة: يا خالد، اصدقنى ولا تكذبنى، فإن الحر لا يكذب، ولا تخادعنى فإن الكريم لا يخادع، بالله هل أنزل الله على نبيكم سيفا من السماء فأعطاكه فلا تسله على أحد إلا هزمته؟ قال: لا، قال: فبم سميت سيف الله؟ قال: إن الله بعث فينا نبيه ﷺ فدعانا، فنفرنا منه ونأينا عنه جميعا، ثم إن بعضنا صدقه وتابعه وبعضنا باعده وكذبه، فكنت فيمن كذبه وباعده، وقاتله، ثم أخذ الله تعالى بقلوبنا ونواصينا فهدانا به وتابعناه، فقال: أنت سيف من سيوف الله سله الله على المشركين، ودعا لىّ بالنصر، فسميت سيف الله بذلك، فأنا من أشد الناس على المشركين، قال: صدقتنى.\rثم أعاد عليه جرجة: يا خالد، أخبرنى إلام تدعون؟ قال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، والإقرار بما جاء به من عند الله، قال: فمن لم يجبكم؟ قال:\rالجزية، ونمنعهم قال: فإن لم يعطها؟ قال: نؤذنه بحرب، ثم نقاتله، قال: فما منزلة الذى يدخل فى دينكم ويجيبكم إلى هذا الأمر اليوم؟ قال: منزلتنا واحدة فيما افترض الله علينا شريفنا ووضيعنا، وأولنا وآخرنا، ثم أعاد عليه جرجة: هل لمن دخل فيكم اليوم يا خالد، مثل ما لكم من الأجر والذخر؟ قال: نعم، وأفضل. قال: وكيف يساويكم وقد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084365,"book_id":3509,"shamela_page_id":928,"part":"2","page_num":299,"sequence_num":928,"body":"سبقتموه؟ قال: إنا دخلنا فى هذا الأمر وتابعنا نبينا ﷺ وهو حى بين أظهرنا، تأتيه أخبار السماء ويخبرنا بالغيب ويرينا الآيات، وحق لمن رأى ما رأينا وسمع ما سمعنا أن يسلم ويتابع، وإنكم أنتم لم تروا ما رأينا، ولم تسمعوا ما سمعنا من العجائب والحجج، فمن دخل فى هذا الأمر منكم بحقيقة ونية كان أفضل منا، قال جرجة: صدقتنى بالله ولم تخادعنى ولم تألنى، قال: بالله لقد صدقتك وما لى إليك ولا إلى أحد منكم حاجة، وإن الله لولى ما سألت عنه، قال: صدقتنى، وقلب الترس، ومال مع خالد، وقال: علمنى الإسلام، فمال به خالد إلى فسطاطه، فشن عليه قربة ثم صلى به ركعتين، وحملت الروم مع انقلابه إلى خالد وهم يرون أنها حيلة، فأزالوا المسلمين عن مواقفهم، فركب خالد ومعه جرجة، والروم خلال المسلمين، فتنادى المسلمون، فثابوا، وتزاحفت الروم إلى مواقفهم فزحف بهم خالد حتى تصافحوا بالسيوف، فضرب فيهم خالد وجرجة من لدن ارتفاع النهار إلى جنوح الشمس للغروب، ثم أصيب جرجة، ولم يصل صلاة يسجد فيها إلا الركعتين اللتين أسلم عليهما، وصلى مع الناس: الأولى والعصر إيماء، وتضعضع الروم، ونهد خالد بالقلب، حتى كان بين خيلهم ورجلهم، وكان مقاتلهم واسع المطرد، ضيق المهب، فلما وجدت خيلهم مذهبا ذهبت وتركوا رحلهم فى مصافهم، وخرجت خيلهم تشتد بهم فى الصحراء وأخر الناس الصلاة حتى صلوا بعد الفتح.\rولما رأى المسلمون خيل الروم توجهت للهرب، أفرجوا لها ولم يحرجوها، فذهبت فتفرقت فى البلاد، وأقبل خالد والمسلمون على الرحل فقضوهم، فكأنما هدم بهم حائط، فاقتحموا فى خندقهم، فاقتحموه عليهم، فعمدوا إلى الواقوصة، فهوى فيها المقترنون وغيرهم، ومن صبر من المقترنين هوى به من جشأت نفسه، فهوى الواحد بالعشرة لا يطيقونه، كلما هوى اثنان كان البقية أضعف، حتى تهافت فى الواقوصة عشرون ومائة ألف: من المقترنين ثمانون ألفا، ومن المطلقين أربعون ألفا، سوى من قتل فى المعركة من الخيل والرجل، وتجلل القيقار وأشراف من أشراف الروم برانسهم، ثم جلسوا وقالوا: لا نحب أن نرى يوم السوء إذ لم نستطع أن نرى يوم السرور، وإذ لم نستطع أن نمنع النصرانية، فأصيبوا فى تزملهم.\rولما دخل خالد الخندق، نزله وأحاطت به خيله، وقاتل الناس حتى أصبحوا، قال بعضهم: وأصبح خالد من تلك الليلة وهو فى رواق تذارق.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084366,"book_id":3509,"shamela_page_id":929,"part":"2","page_num":300,"sequence_num":929,"body":"وقال عكرمة بن أبى جهل يومئذ «١» : قاتلت رسول الله ﷺ فى كل موطن، وأفر منكم اليوم، ثم نادى: من يبايع على الموت؟ فبايعه الحارث بن هشام، وضرار بن الأزور فى أربعمائة من وجوه المسلمين وفرسانهم، فقاتلوا قدام فسطاط خالد حتى أثبتوا جميعا جراحا وماتوا، إلا من برأ، منهم ضرار بن الأزور، وأتى خالد بعد ما أصبحوا بعكرمة جريحا، فوضع رأسه على فخذه، وبعمرو بن عكرمة، فوضع رأسه على ساقيه، وجعل يمسح عن وجوههما ويقطر الماء فى حلوقهما، ويقول: كلا، زعم ابن حنتمة أنا لا نستشهد.\rوأصيبت يومئذ عين أبى سفيان بن حرب، وكان الأشتر قد شهد اليرموك ولم يشهد القادسية، فخرج يومئذ، رجل من الروم، فقال: من يبارز، فخرج إليه الأشتر، فاختلفا ضربتين، فقال للرومى: خذها وأنا الغلام النخعى، فقال الرومى: أكثر الله فى قومى مثلك، أما والله لولا أنك من قومى لذدت عن الروم، فأما الآن فلا أعينهم.\rوفى حديث عبد الرحمن بن غنم، وذكر قتال المسلمين تلك الليلة، قال: حتى إذا فتح الله على المسلمين من آخر الليل، وقتلوهم حتى الصباح، أصبحوا فاقتسموا الغنائم، ودفنوا قتلى المسلمين، وبلغوا ثلاثة آلاف، وصلى كل أمير على قتلى أصحابه، ودفع خالد بن الوليد العهد إلى أبى عبيدة بعد ما فرغ من القسم، ودفن الشهداء، وتراجع الطلب، فولى أبو عبيدة، ﵀ النفل من الأخماس، فنفل وأكثر. وكتب بالفتح.\rقالوا «٢» : وكان فى الثلاثة آلاف الذين أصيبوا: عكرمة وابنه عمرو، وسلمة بن هشام، وعمرو بن سعيد، وأثبت خالد بن سعيد، فلا يدرى أين مات بعد، وقد تقدم ذكر موت خالد فى غير هذه الوقعة، وهذا مما يقع بين الناقلين من الاختلاف الذى تقدم التنبيه عليه، فالله تعالى أعلم.\rوعن عمرو بن ميمون وغيره، ذكروا: أن هرقل كان حج بيت المقدس، قال: فبينا هو يقيم به أتاه الخبر بقرب الجنود منه، فجمع الروم وقال: أرى من الرأى أن لا تقاتلوا هؤلاء القوم وأن تصالحوهم، فو الله لئن تعطوهم نصف ما أخرجت الشام وتأخذوا نصفا وتقر لكم جبال الروم خير لكم من أن يغلبوكم على الشام ويشاركوكم فى جبال الروم، فنخر أخوه وختنه، وتصدع عنه من كان حوله، فلما رآهم يعصونه ويردون عليه","footnotes":"(١) انظر: تاريخ الطبرى (٣/ ٤٠١) .\r(٢) انظر: تاريخ الطبرى (٣/ ٤٠٢) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084367,"book_id":3509,"shamela_page_id":930,"part":"2","page_num":301,"sequence_num":930,"body":"بعث أخاه، وأمر الأمراء، ووجه إلى كل حيز جندا، فلما اجتمع المسلمون أمرهم، يعنى الروم، بمنزل جامع حصين، فنزلوا الواقوصة، وخرج هو فنزل حمص، فلما بلغه أن خالدا قد طلع على سوى وانتسف أهله وأموالهم وعمد إلى بصرى وافتتحها، قال لجلسائه: ألم أقل لكم لا تقاتلوهم، فإنه لا يقوم لهم أحد، فقالوا: قاتل عن دينك واقض الذى عليك ولا تجبن الناس، قال: وأى شىء أطلب إلا توقير دينكم.\rولما نزلت جنود المسلمين اليرموك، بعثوا إلى الروم: إنا نريد كلام أميركم وملاقاته، فدعونا نأته ونكلمه، فأبلغوه، فأذن لهم. فأتاه أبو عبيدة ويزيد بن أبى سفيان كالرسل، والحارث بن هشام، وضرار بن الأزور، وأبو جندل بن سهيل، ومع أخى هرقل يومئذ ثلاثون سرادقا كلها من ديباج، فلما انتهوا إليها أبوا أن يدخلوا عليه فيها، وقالوا: لا نستحل الحرير، فابرز لنا، فبرز إلى فرش ممهدة، وبلغ ذلك هرقل، فقال: ألم أقل لكم، هذا أول الذل، أما الشام فلا شام، ويل للروم من الولد المشئوم، ولم يتأت بينهم وبين المسلمين صلح، فرجع أبو عبيدة وأصحابه، واتعدوا، فكان القتال حتى جاء الفتح «١» .\rقصة صلح إيلياء وقدوم عمر رضى الله عنه الشام\rوكان أبو عبيدة ﵀، بعد انقضاء اليرموك، على ما وقع فى كتب فتوح الشام من ذلك «٢» ، قد بعث الرسل إلى أهل إيلياء يطلبهم بالخروج إليه ليكتب لهم أمانا على أنفسهم وأموالهم، فتثاقلوا عليه، فكتب إليهم يعرض عليهم الإسلام أو الجزية، أو ينزل بهم حتى يحكم الله له عليهم، وقد أوردنا هذا الكتاب بنصه قبل، فلما أبوا أن يأتوه وأن يصالحوه، أقبل إليهم حتى نزل بهم، فحاصرهم حصارا شديدا، وضيق عليهم من كل جانب، فخرجوا إليه ذات يوم، فقاتلوهم ساعة، ثم شد عليهم المسلمون فانهزموا ودخلوا حصنهم، وكان الذى ولى قتالهم خالد بن الوليد ويزيد بن أبى سفيان، كل واحد منهما فى جانب فبلغ ذلك سعيد بن زيد وهو على دمشق، فكتب إلى أبى عبيدة:\rأما بعد، فإنى لعمرى ما كنت لأوثرك وأصحابك بالجهاد فى سبيل الله على نفسى، وعلى ما يقربنى من مرضاة ربى، فإذا أتاك كتابى هذا فابعث إلى عملك من هو أرغب فيه منى، فليعمل لك عليه ما بدا لك، فإنى قادم عليك وشيكا إن شاء الله، والسلام عليك.","footnotes":"(١) انظر: تاريخ الطبرى (٣/ ٤٠٣) .\r(٢) انظر: تاريخ فتوح الشام (٢٤٢- ٢٥٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084368,"book_id":3509,"shamela_page_id":931,"part":"2","page_num":302,"sequence_num":931,"body":"فلما وصل كتابه إلى أبى عبيدة، قال: أشهد ليفعلنها، فقال ليزيد بن أبى سفيان:\rاكفنى دمشق، فسار إليها يزيد فوليها.\rوكان فى المسلمين رجل من بنى نمير يقال له مخيمس بن حابس بن معاوية، وكان شجاعا، وكان الناس يذكرون منه صلاحا، فقده أصحابه أياما، فكانوا يطلبونه ويسألون عنه فلا يخبرون عنه بشىء، فلما يئسوا منه ظنوا أن قد هلك، وأنه اغتيل، فبينا هم جلوس ذات يوم إذ طلع عليهم مقبلا فى يده ورقتان لم ينظر الناس إلى مثلهما قط أنضر، ولا أعرض عرضا، ولا أطول طولا، ولا أحسن منظرا، ولا أطيب رائحة، ففرح به أصحابه فرحا شديدا، وقالوا له: أين كنت؟ قال: وقعت فى جب فمضيت فيه حتى انتهيت إلى جنة معروشة، فيها من كل شىء، ولم تر عينى مثل ما فيها قط فى مكان، ولم أظن أن الله خلق مثلها، فلبثت فيها هذه الأيام التى فقدتمونى، فى نعيم ليس مثله نعيم، وفى منظر ليس مثله منظر، وفى رائحة لم يجد أحد من الناس قط، أطيب منها، فبينا أنا كذلك، أتانى آت فأخذ بيدى فأخرجنى منها إليكم، وقد كنت أخذت هاتين الورقتين من شجرة كنت تحتها جالسا، فبقيتا فى يدى، فأخذ الناس يشمونهما فيجدون لهما ريحا لم يجدوا لشىء قط أطيب منها، فأهل الشام يزعمون أنه أدخل الجنة وأن تينك الورقتين من ورقها، ويقولون: إن الخلفاء رفعتهما فى الخزانة.\rولما رأى أهل إيلياء أن أبا عبيدة غير مقلع عنهم، وظنوا أن لا طاقة لهم بحربه، قالوا:\rنحن نصالحك، قال: فإنى أقبل منكم الصلح، قالوا: فأرسل إلى خليفتكم عمر، فيكون هو الذى يعطينا العهد، ويكتب لنا الأمان، فقبل ذلك أبو عبيدة، وهم بالكتاب، وكان لا يقطع أمرا دون رأى معاذ، وكان معاذ لا يكاد يفارقه، لرغبته فى الجهاد، فأرسل إليه أبو عبيدة، وكان بعثه إلى الأردن، فلما قدم عليه أخبره، فقال له معاذ: تكتب إلى أمير المؤمنين فتسأله القدوم عليك، فلعله أن يستقدم، ثم يأبى هؤلاء الصلح فيكون سيره عناء وفضلا، فلا تكتب إليه حتى تستحلفهم بأيمانهم المغلظة: لئن: أنت سألته القدوم فقدم عليهم فأعطاهم الأمان وكتب لهم الصلح ليقبلن ذلك وليصالحن عليه، فأخذ عليهم أبو عبيدة الأيمان المغلظة لئن عمر قدم فأعطاهم الأمان على أنفسهم وأموالهم وكتب لهم على ذلك كتابا ليقبلن وليؤدن الجزية وليدخلن فيما دخل فيه أهل الشام، فلما فعلوا ذلك كتب إليه أبو عبيدة:\rبسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله عمر أمير المؤمنين، من أبى عبيدة بن الجراح، سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد: فإنا أقمنا على إيلياء، وظنوا أن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084369,"book_id":3509,"shamela_page_id":932,"part":"2","page_num":303,"sequence_num":932,"body":"لهم فى المطاولة فرجا ورجاء، فلم يزدهم الله بها إلا ضيقا ونقصا وهزلا وأزلا، فلما رأوا ذلك سألونا أن نعطيهم ما كانوا قبل منه ممتنعين، وله كارهين، وسألونا الصلح على أن يقدم عليهم أمير المؤمنين، فيكون هو المؤمن لهم والكاتب لهم كتابا، وإنا خشينا أن يقدم أمير المؤمنين ثم يغدر القوم ويرجعوا، فيكون مسيرك، أصلحك الله، عناء وفضلا، فأخذنا عليهم المواثيق المغلظة بأيمانهم، لئن أنت قدمت عليهم فامنتهم على أنفسهم وأموالهم ليقبلن ذلك وليؤدن الجزية، وليدخلن فيما دخل فيه أهل الذمة، ففعلوا، فإن رأيت يا أمير المؤمنين أن تقدم علينا فافعل، فإن فى مسيرك أجرا وصلاحا وعافية للمسلمين، آتاك الله رشدك، ويسر أمرك، والسلام عليك.\rفلما أتى عمر ﵀، كتاب أبى عبيدة، جمع رؤس المسلمين، فقرأه عليهم واستشارهم فقال له عثمان: إن الله قد أذلهم وحصرهم وضيق عليهم، وأراهم ما صنع بجموعهم وملوكهم، وما قتل من صناديدهم، وفتح على المسلمين من بلادهم، فهم فى كل يوم يزدادون هزلا وأزلا وذلا ونقصا وضيقا ورغما، فإن أنت أقمت ولم تسر إليهم علموا أنك بأمرهم مستخف، ولشأنهم محتقر، فلم يلبثوا إلا يسيرا حتى ينزلوا على الحكم، ويعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وإلا حاصرهم المسلمون وضيقوا عليهم حتى يعطوا بأيديهم. فقال عمر: ماذا ترون؟ هل عند أحد منكم غير هذا الرأى؟. فقال على بن أبى طالب: نعم، يا أمير المؤمنين، عندى غير هذا. فقال: ما هو؟.\rقال: إنهم يا أمير المؤمنين قد سألوك المنزلة التى لهم فيها الذل والصغار، وهى على المسلمين فتح ولهم عز، وهم يعطونكها الآن عاجلا فى عافية، ليس بينك وبين ذلك إلا أن تقدم عليهم، ولك يا أمير المؤمنين فى القدوم عليهم الأجر فى كل ظمأ وكل مخمصة وفى قطع كل واد وفى كل فج وشعب وفى كل نفقة تنفقها حتى تقدم عليهم، فإن قدمت عليهم كان فى قدومك عليهم الأمن والعافية والصلح، والفتح، ولست آمن لو أنهم يئسوا من قبولك الصلح ومن قدومك عليهم أن يتمسكوا بحصنهم، ولعلهم أن يأتيهم من عدونا مدد لهم فيدخلوا معهم فى حصنهم، فيدخل على المسلمين من حربهم وجهادهم بلاء ومشقة، ويطول بهم الحصار، ويقيم المسلمون عليهم، فيصيب المسلمين من الجهد والجوع نحو ما يصيبهم، ولعل المسلمين يدنون من حصنهم فيرمونهم بالنشاب ويقذفونهم بالحجارة، فإن قتل رجل من المسلمين تمنيتم أنكم فديتموه بمسيركم إلى منقطع الترب، ولكان المسلم بذلك من إخوانه أهلا.\rفقال عمر: قد أحسن عثمان فى مكيدة العدو، وقد أحسن على النظر لأهل الإسلام.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084370,"book_id":3509,"shamela_page_id":933,"part":"2","page_num":304,"sequence_num":933,"body":"ثم قال: سيروا على اسم الله، فإنى معسكر وسائر. ثم خرج ومعه أشراف الناس وبيوتات العرب والمهاجرون والأنصار، وأخرج معه العباس بن عبد المطلب.\rوعن أبى سعيد المقبرى «١» أن عمر ﵀، كان فى مسيره ذلك يجلس لأصحابه إذا صلى الغداة، فيقبل عليهم بوجهه، ثم يقول: الحمد لله الذى أعزنا بالإسلام والإيمان، وأكرمنا بمحمد ﷺ فهدانا به من الضلالة، وجمعنا من الفرقة، وألف بين قلوبنا، ونصرنا به على الأعداء، ومكن لنا فى البلاد، وجعلنا به إخوانا متحابين، فاحمدوا الله على هذه النعم وسلوه المزيد فيها، والشكر عليها، وتمام ما أصبحتم تتقلبون فيه منها، فإن الله ﷿، يريد الرغبة إليه، ويتم نعمته على الشاكرين.\rقال: فكان عمر رضى الله عنه، لا يدع هذا القول كل غداة، فى مبتدئه ومرجعه.\rوعن أبى سعيد الخدرى أن عمر ﵀، مضى فى وجهه ذلك حتى انتهى إلى الجابية، فقام فى الناس فقال:\rالحمد لله الحميد، المستحمد الدفاع المجيد، الغفور الودود، الذى من أراد أن يهديه من عباده اهتدى، مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً [الكهف: ١٧] .\rقال: وإذا رجل من القسيسين من النصارى عندهم، وعليه جبة صوف، فلما قال عمر رضى الله عنه: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ قال النصرانى: وأنا أشهد، فقال عمر:\rوَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً، فنفض النصرانى جبته عن صدره، ثم قال:\rمعاذ الله، لا يضل الله أحدا يريد الهدى، فقال عمر: ماذا يقول عدوه الله، هذا النصرانى؟ فأخبروه، فرفع عمر صوته، وعاد فى خطبته بمثل مقالته الأولى، ففعل النصرانى كفعله الأول، فغضب عمر رضى الله عنه، وقال: والله لئن أعادها لأضربن عنقه، ففهمها العلج فسكت، إذ عاد عمر فى خطبته وقال: من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، ثم قال: أما بعد، فإنى سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن خيار أمتى الذين يلونكم، ثم الذين تلونهم، ثم يفشو الكذب حتى يشهد الرجل على الشهادة ولم يستشهد عليها، وحتى يحلف على اليمين ولم يسألها، فمن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، ولا يبالى بشذوذ من شذ، وذكر بقية الحديث «٢» .","footnotes":"(١) انظر: تاريخ فتوح الشام (٢٥٠- ٢٥١) .\r(٢) انظر: تاريخ فتوح الشام (١٥١) وما بعدها.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084371,"book_id":3509,"shamela_page_id":934,"part":"2","page_num":305,"sequence_num":934,"body":"قال: ثم خرج عمر ﵀، من الجابية إلى إيلياء، فخرج إليه المسلمون يستقبلونه، وخرج أبو عبيدة بالناس أجمعين، وأقبل هو على جمل له، وعليه رحله، وعليه صفة من جلد كبش حولى، فانتهى إلى مخاضة، فأقبلوا يبتدرونه، فقال للمسلمين: مكانكم، ثم نزل عن بعيره، فأخذ بزمانه وهو من ليف، ثم دخل الماء بين يدى جمله، حتى جاز الماء إلى أصحاب أبى عبيدة، فإذا معهم برذون يجنبونه، فقال له: يا أمير المؤمنين، اركب هذا البرذون، فإنه أجمل بك وأهون عليك فى ركوبك، ولا نحب أن يراك أهل الذمة فى مثل هذه الهيئة التى نراك فيها، واستقبلوه بثياب بيض، فنزل عمر عن جمله وركب البرذون، وترك الثياب، فلما هملج به البرذون، نزل عنه، وقال: خذوا هذا عنى، فإنه شيطان، وأخاف أن يغير على قلبى، فقالوا: يا أمير المؤمنين، لو لبست هذه الثياب البيض، وركبت هذا البرذون لكان أجمل فى المروءة وأحسن فى الذكر وخيرا فى الجهاد. فقال عمر رضى الله عنه: ويحكم، لا تعتزوا بغير ما أعزكم الله به فتذلوا، ثم مضى ومضى المسلمون معه حتى أتى إيلياء، فنزل بها، فأتاه رجال من المسلمين فيهم أبو الأعور السلمى، وقد لبسوا لباس الروم، وتشبهوا بهم فى هيئتهم، فقال عمر: احثوا فى وجوههم التراب، حتى يرجعوا إلى هيئتنا وسنتنا ولباسنا، وكانوا قد أظهروا شيئا من الديباج، فأمر بهم فحرق عليهم.\rوفى غير هذا الحديث مما ذكره سيف «١» : أن خالد بن الوليد لقى عمر عند مقدمة الجابية فى الخيل، عليهم الديباج والحرير، فنزل، وأخذ الحجارة فرماهم بها، وقال:\rسرعان ما لفتم عن رأيكم، إياى تستقبلون فى هذا الزى، وإنما شبعتم منذ سنتين، سرعان ما نزت بكم البطنة، وتالله لو فعلتموها على رأس المائتين لاستبدلت بكم غيركم، فقالوا: يا أمير المؤمنين، إنها يلامقة، وإن علينا السلاح، قال: فنعم إذا.\rوفى حديث أبى سعيد الخدرى «٢» ، فقال يزيد بن أبى سفيان: يا أمير المؤمنين، إن الثياب والدواب عندنا كثيرة، والعيش عندنا رفيع، والسعر رخيص، وحال المسلمين كما تحب، فلو أنك لبست من هذه الثياب البيض وركبت من هذه الدواب الفره، وأطعمت المسلمين من هذا الطعام الكثير، كان أبعد الصوت، وأزين لك فى هذا الأمر، وأعظم لك فى الأعاجم. فقال له: يا يزيد لا والله لا أدع الهيئة التى فارقت عليها صاحبى، ولا أتزين للناس بما أخاف أن يشيننى عند ربى، ولا أريد أن يعظم أمرى عند الناس ويصغر عند الله.","footnotes":"(١) انظر: تاريخ الطبرى (٣/ ٦٠٧) .\r(٢) انظر: تاريخ فتوح الشام (٢٥٣) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084372,"book_id":3509,"shamela_page_id":935,"part":"2","page_num":306,"sequence_num":935,"body":"فلم يزل عمر ﵀، على الأمر الأول الذى كان عليه فى حياة رسول الله ﷺ، وحياة أبى بكر، رضى الله عنه، حتى خرج من الدنيا.\rقال: فلما نزل عمر بإيلياء واطمأن الناس، بعث أبو عبيدة إلى أهل إيلياء، أن انزلوا إلى أمير المؤمنين، واستوثقوا لأنفسكم، فنزل إليه ابن الجعيد فى ناس من عظمائهم، فكتب لهم عمر كتاب الأمان والصلح، فلما قبضوا كتابهم وأمنوا، دخل الناس بعضهم فى بعض، ولم يبق أمير من أمراء الأجناد إلا استزار عمر، فيصنع له ويسأله أن يزوره فى رحله، فيفعل ذلك عمر، إكراما لهم، غير أبى عبيدة، فإنه لم يستزره، فقال له عمر: إنه لم يبق أمير من أمراء الأجناد إلا استزارنى غيرك، فقال: أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين، إنى أخاف إن استزرتك أن تعصر عينيك، فأتاه عمر فى بيته، فإذا ليس فى بيته إلا لبد فرسه، وإذا هو فراشه وسرجه وإذا هو وسادته، وإذا كسر يابسة فى كوة بيته، فجاء بها، فوضعها على الأرض بين يديه، وأتى بملح جريش، وكوز خزف فيه ماء.\rفلما نظر عمر إلى ذلك بكى، ثم التزمه وقال: أنت أخى، وما من أحد من أصحابى إلا وقد نال من الدنيا ونالت منه، غيرك؟ فقال له أبو عبيدة: ألم أخبرك أنك ستعصر فى بيتى عينيك.\rقال: ثم إن عمر قام فى الناس، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، وصلى على النبى ﷺ ثم قال: يا أهل الإسلام، إن الله قد صدقكم الوعد، ونصركم على الأعداء، وأورثكم البلاد، ومكن لكم فى الأرض، فلا يكن جزاء ربكم إلا الشكر، وإياكم والعمل بالمعاصى، فإن العمل بالمعاصى كفر للنعم، وقل ما كفر قوم بما أنعم الله عليهم، ثم لم يفزعوا إلى التوبة إلا سلبوا عزهم وسلط عليهم عدوهم.\rثم نزل، وحضرت الصلاة، فقال عمر رضى الله عنه: يا بلال، ألا تؤذن لنا رحمك الله، فقال بلال: يا أمير المؤمنين، أما والله ما أردت أن أؤذن لأحد بعد رسول الله ﷺ ولكن سأطيعك اليوم إذ أمرتنى فى هذه الصلاة وحدها. فلما أذن بلال وسمعت الصحابة صوته، ذكروا نبيهم ﷺ فبكوا بكاء شديدا، ولم يكن يومئذ أحد أطول بكاء من أبى عبيدة ومعاذ بن جبل، حتى قال لهما عمر: حسبكما رحمكما الله، فلما قضى عمر صلاته، قام إليه بلال فقال: يا أمير المؤمنين، إن أمراء أجنادك بالشام والله ما يأكلون إلا لحوم الطير، والخبز النقى، وما يجد ذلك عامة المسلمين.\rفقال لهم عمر: ما يقول بلال؟ فقال يزيد بن أبى سفيان: يا أمير المؤمنين، إن سعر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084373,"book_id":3509,"shamela_page_id":936,"part":"2","page_num":307,"sequence_num":936,"body":"بلادنا رخيص، وإنا نصيب هذا الذى ذكر بلال هاهنا بمثل ما كنا نقوت به عيالنا بالحجاز، فقال عمر: والله لا أبرح العرصة أبدا حتى تضمنوا لى أرزاق المسلمين فى كل شهر، ثم قال: انظروا، كم يكفى الرجل ويسعه فى كل يوم، فقالوا: كذا وكذا، فقال:\rكم يكون ذلك فى الشهر، قالوا: جريبين من قمح مع ما يصلحه من الزيت والخل عند رأس كل هلال، فضمنوا له ذلك، ثم قال: يا معشر المسلمين، هذا لكم سوى أعطياتكم، فإن وفا لكم أمراؤكم بهذا الذى فرضته لكم وأعطوكموه فى كل شهر، فذلك ما أحب، وإن هم لم يفعلوا، فأعلمونى حتى أعزلهم عنكم، وأولى أمركم غيرهم، فلم يزل ذلك جاريا دهرا حتى قطع بعد ذلك.\rوعن شهر بن حوشب «١» : أن إسلام كعب الحبر وهو من اليمن من حمير، كان فى قدوم عمر الشام، وأن كعبا أخبره بأمره، وكيف كان ذلك.\rقال: وكان أبوه من مؤمنى أهل التوراة برسول الله ﷺ وكان من عظمائهم وخيارهم.\rقال كعب: وكان من أعلم الناس بما أنزل الله على موسى من التوراة، وبكتب الأنبياء، ولم يكن يدخر عنى شيئا مما كان يعلم، فلما حضرته الوفاة دعانى فقال: يا بنى قد علمت أنى لم أكن أدخر عنك شيئا مما كنت أعلم، إلا أنى حبست عنك ورقتين فيهما ذكر نبى يبعث، وقد أظل زمانه، فكرهت أن أخبرك بذلك، فلا آمن عليك بعد وفاتى أن يخرج بعض هؤلاء الكذابين فتتبعه، وقد قطعتهما من كتابك وجعلتهما فى هذه الكوة التى ترى، وطينت عليهما، فلا تتعرضن لهما ولا تنظر فيهما زمانك هذا، وأقرهما فى موضعهما حتى يخرج ذلك النبى، فإذا خرج فاتبعه، وانظر فيهما، فإن الله يزيدك بذلك خيرا.\rفلما مات والدى لم يكن شىء أحب إلىّ من أن ينقضى المأتم حتى أنظر فى الورقتين، فلما انقضى المأتم فتحت الكوة، ثم استخرجت الورقتين، فإذا فيهما: محمد رسول الله، خاتم النبيين، لا نبى بعده، مولده بمكة، ومهاجره بطيبة، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب فى الأسواق، ولا يجزى بالسيئة السيئة، ولكن يجزى بالسيئة الحسنة، ويعفو ويغفر ويصفح، أمته الحمادون، الذين يحمدون الله على كل شرف وعلى كل حال، وتذلل ألسنتهم بالتكبير، وينصر الله نبيهم على كل من ناوأه، يغسلون فروجهم بالماء،","footnotes":"(١) انظر: تاريخ فتوح الشام (٢٥٩- ٢٦٢) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084374,"book_id":3509,"shamela_page_id":937,"part":"2","page_num":308,"sequence_num":937,"body":"ويأتزرون على أوساطهم، وأناجيلهم فى صدورهم، ويأكلون قربانهم فى بطونهم، ويؤخرون عليها، وتراحمهم بينهم تراحم بنى الأم والأب، وهم أول من يدخل الجنة يوم القيامة من الأمم، وهم السابقون المقربون المشفعون المشفع لهم، فلما قرأت هذا قلت فى نفسى: والله ما علمنى أبى شيئا هو خير لى من هذا، فمكثت بذلك ما شاء الله، حتى بعث النبى ﷺ وبينى وبينه بلاد بعيدة، منقطعة، لا أقدر على إتيانه، وبلغنى أنه خرج فى مكة، وهو يظهر مرة ويستخفى مرة، فقلت: هو هذا، وتخوفت ما كان والدى حذرنى وخوفنى من الكذابين، وجعلت أحب أتبين وأتثبت، فلم أزل بذلك حتى بلغنى أنه قد أتى المدينة، فقلت فى نفسى: إنى لأرجو أن يكون إياه، وجعلت ألتمس السبيل إليه، فلم يقدر لى حتى بلغنى أنه قد توفى صلوات الله عليه وسلامه.\rفقلت فى نفسى: لعله لم يكن الذى كنت أظن، ثم بلغنى أن خليفته قام مقامه، ثم لم ألبث إلا قليلا حتى جاءتنا جنوده، فقلت فى نفسى: لا أدخل فى هذا الدين حتى أعلم أهم الذين كنت أرجو وأنتظر وأنظر كيف سيرتهم وأعمالهم وإلى ما تكون عاقبتهم، فلم أزل أدفع ذلك وأؤخر لأتبين وأتثبت حتى قدم علينا عمر بن الخطاب، فلما رأيت صلاة المسلمين وصيامهم وبرهم ووفاءهم بالعهد، وما صنع الله لهم على الأعداء، علمت أنهم هم الذين كنت أنتظر، فحدثت نفسى بالدخول فى الإسلام، فو الله إنى ذات ليلة فوق سطح لى، إذا رجل من المسلمين يتلو كتاب الله تعالى، حتى أتى على هذه الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا [النساء: ٤٧] .\rقال: فلما سمعت هذه الآية خشيت والله ألا أصبح حتى يحول وجهى فى قفاى، فما كان شىء أحب إلىّ من الصباح، فغدوت على عمر، فأسلمت حين أصبحت.\rوقال كعب لعمر عند انصرافه عن الشام: يا أمير المؤمنين، إنه مكتوب فى كتاب الله: إن هذه البلاد التى كان فيها بنو إسرائيل، وكانوا أهلها، مفتوحة على رجل من الصالحين، رحيم بالمؤمنين، شديد على الكافرين، سره مثل علانيته، وعلانيته مثل سره، وقوله لا يخالف فعله، والقريب والبعيد عنده فى الحق سواء، وأتباعه رهبان بالليل وأسد بالنهار، متراحمون متواصلون متباذلون.\rفقال له عمر: ثكلتك أمك، أحق ما تقول؟ قال: أى والذى أنزل التوراة على موسى، والذى يسمع ما نقول، إنه لحق.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084375,"book_id":3509,"shamela_page_id":938,"part":"2","page_num":309,"sequence_num":938,"body":"فقال عمر رضى الله عنه: فالحمد لله الذى أعزنا وشرفنا وأكرمنا فرحمنا بمحمد ﷺ، وبرحمته التى وسعت كل شىء.\rومن حديث زيد بن أسلم عن أبيه، وهو عندنا بالإسناد: أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه، خرج زمان الجاهلية مع أناس من قريش فى تجارة إلى الشام، قال: فإنى لفى سوق من أسواقها، إذا ببطريق قد قبض على عنقى، فذهبت أنازعه، فقيل لى: لا تفعل، فإنه لا نصف لك منه، فأدخلنى كنيسة، فإذا تراب عظيم ملقى، فجاءنى بزنبيل ومجرفة، فقال: انقل ما هاهنا، فجعلت أنظر كيف أصنع، فلما كان فى الهاجرة وافانى وعليه ثوب أرى سائر جسده منه، فقال: أئنك على ما أرى ما نقلت شيئا، ثم جمع يديه فضرب بهما دماغى، فقلت: واثكل أمك يا عمر، أبلغت ما أرى، ثم وثبت إلى المجرفة، فضربت بها هامته، فنثرت دماغه، ثم واريته فى التراب، وخرجت على وجهى، لا أدرى أين أسير، فسرت بقية يومى وليلتى ومن الغد إلى الهاجرة، فانتهيت إلى دير، فاستظللت بفنائه، فخرج إلىّ منه رجل، فقال لى: يا عبد الله، ما يقعدك هنا؟ فقلت:\rأضللت أصحابى، فقال لى: ما أنت على طريق، وإنك لتنظر بعينى خائف، فادخل وأصب من الطعام، واسترح، فدخلت فأتانى بطعام وشراب، وألطفنى، ثم صعد فى النظر وصوبه، فقال: قد علم أهل الكتاب أو الكتب أنه ما على الأرض أعلم بالكتاب أو الكتب منى، وإنى لأرى صفتك، الصفة التى تخرجنا من هذا الدير، وتغلبنا عليه، فقلت له: يا هذا، لقد ذهبت فى غير مذهب. فقال لى: ما اسمك؟ فقلت: عمر بن الخطاب، قال: أنت والله صاحبنا، فاكتب لى على ديرى هذا وما فيه، فقلت: يا هذا، إنك قد صنعت إلىّ صنيعة فلا تكدرها، فقال: إنما هو كتاب فى رق، فإن كنت صاحبنا فذاك، وإلا لم يضرك شىء، فكتبت له على ديره وما فيه، فأتانى بثياب ودراهم، فدفعها إلىّ، ثم أوكف أتانا، فقال: أتراها؟ قلت: نعم، قال: سر عليها، فإنك لا تمر بقوم إلا سقوها وعلفوها وأضافوك، فإذا بلغت مأمنك فاضرب وجهها مدبرة، فإنهم يفعلون بها كذلك حتى ترجع إلىّ، قال: فركبتها، فكان كما قال، حتى لحقت أصحابى وهم متوجهون إلى الحجاز، فضربتها مدبرة وانطلقت معهم، فلما وافى عمر الشام فى خلافته، جاءه ذلك الراهب بالكتاب، وهو صاحب دير العدس، فلما رآه عرفه، ثم قال: قد جاء ما لا مذهب لعمر عنه، ثم أقبل على أصحابه فحدثهم بحديثه، فلما فرغ منه، أقبل على الراهب، فقال: هل عندكم من نفع للمسلمين؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، فوفى له عمر رضى الله عنه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084376,"book_id":3509,"shamela_page_id":939,"part":"2","page_num":310,"sequence_num":939,"body":"وعن سيف يرفعه إلى سالم بن عبد الله «١» ، قال: لما دخل عمر الشام تلقاه رجل من يهود دمشق، فقال: السلام عليك يا فاروق، أنت صاحب إيلياء، والله لا ترجع حتى يفتح الله إيلياء.\rوعند سيف فى أمر إيلياء أحاديث ربما خالفت بعض ما تقدم، ونحن نورد منها ما يطيل الإمتاع مضموما إلى ذلك ما ذكره من أمر قيسارية وغيره.\rفمن ذلك «٢» : أن عمر ﵀، كتب إلى يزيد بن أبى سفيان بعد مصالحة أهل الأردن، واجتماع عسكر الروم بأجنادين وبيسان وغزة: أن يسرح معاوية إلى قيسارية.\rوكتب عمر إلى معاوية: أما بعد، فإنى قد وليتك قيسارية، فسر إليها واستنصر الله عليهم، وأكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله، الله ربنا وثقتنا ورجاؤنا ومولانا، نعم المولى ونعم النصير.\rفسار معاوية فى جنده حتى نزل على أهل قيسارية، فهزمهم وحصرهم، ثم إنهم جعلوا يزاحفونه فلا يزاحفونه فى مرة إلا هزمهم وردهم إلى حصنهم، ثم زاحفوه آخر ذلك وخرجوا من صياصيهم، فاقتتلوا فى حفيظة واستماتة، فبلغ قتلاهم فى المعركة ثمانين ألفا، وكملها فى هزيمتهم مائة ألف، وبعث بالفتح مع رجلين من بنى الضبيب، ثم خاف منهما الضعف، فبعث آخرين بعدهما، فلحقاهما، فطوياهما وهما نائمان، وانتهى بريد معاوية إلى عمر بالخبر ليلا، فجمع الناس وأباتهم على الفرح، وجعل معاوية قبل الفتح وبعده يجلس الأسرى عنده ويقول: ما صنعوا بأسرانا صنعنا بأسراهم مثله، فمنع بذلك من العبث بأسرى المسلمين، حتى افتتح قيسارية.\rوكان عمر لما أمر معاوية بالتوجه إلى قيسارية، أمر عمرو بن العاص بصدم الأرطبون وكان على جمع الروم بأجنادين، وأمر علقمة بن مجزز بصدم القيقار، وكان على الروم بغزة، فلما توجه معاوية إلى قيسارية صدم عمرو بن العاص، إلى الأرطبون ومن بإزائه، وخرج معه شرحبيل بن حسنة على مقدمته، وولى مجنبتيه ابنه عبد الله بن عمرو وجنادة ابن تميم من بنى مالك بن كنانة، واستخلف أبا الأعور على الأردن، وخرج حتى نزل على الروم بأجنادين، وهم فى حصونهم وخنادقهم، وعليهم الأرطبون، وكان أدهى الروم، وأبعدها غورا وأنكاها فعلا، وكان وضع بالرملة جندا عظيما، وبإيلياء جندا","footnotes":"(١) انظر: تاريخ الطبرى (٣/ ٦٠٨) .\r(٢) انظر: تاريخ الطبرى (٣/ ٦٠٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084377,"book_id":3509,"shamela_page_id":940,"part":"2","page_num":311,"sequence_num":940,"body":"عظيما، وكتب عمرو بالخبر إلى عمر، فلما جاءه كتابه قال: قد رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب، فانظروا عم تنفرج.\rوأقام عمرو على أجنادين، لا يقدر من الأرطبون على سقطة ولا تشفيه الرسل، فولى ذلك بنفسه، وتوجه فدخل عليه، كأنه رسول، فأبلغه ما يريد، وسمع كلامه حتى عرف ما أراد، وتأمل حصونه، فقال أرطبون فى نفسه: والله إن هذا لعمرو، أو إنه للذى يأخذ عمرو برأيه، وما كنت لأصيب القوم بأمر أعظم عليهم من قتله، ثم دعا حرسيا فساره، فقال: اخرج فقم بمكان كذا فإذا مر بك فاقتله، وفطن له عمرو، فقال له: قد سمعت منى وسمعت منك، وقد وقع ما قلت منى موقعا، وأنا واحد من عشرة بعثنا عمر بن الخطاب مع هذا الوالى لنكانفه ويشهدنا أموره، فأرجع فآتيك بهم الآن، فإن رأوا مثل الذى أرى فقد رآه أهل العسكر ورآه الأمير، وإن لم يروه رددتهم إلى مأمنهم، وكنت على رأس أمرك. قال: نعم، ودعا فلانا فساره، وقال: اذهب إلى فلان، يعنى ذلك الحرسى، فرده إلىّ، فرجع إليه الرجل، وقال لعمرو: انطلق فجئ بأصحابك، فخرج عمرو ورأى أن لا يعود لمثلها، وعلم الرومى أنه خدعه فقال: هذا أدهى الخلق، وبلغت عمر فقال: غلبه عمرو «١» .\rثم ناهده عمرو وقد عرف مأخذه، فالتقوا بأجنادين، فاقتتلوا قتالا شديدا كقتال اليرموك، حتى كثرت القتلى بينهم، ثم انهزم أرطبون فى الناس، فأوى إلى إيلياء، ونزل عمرو أجنادين وانطلق علقمة بن مجزز فحصر القيقار بغزة، وجعل يراسله فلم يشفه أحد مما يريد، فأتاه كأنه رسول علقمة، فأمر القيقار رجلا أن يقعد له بالطريق، فإذا مر قتله، ففطن علقمة، فقال: إن معى نفرا شركائى فى الرأى، فأنطلق فآتيك بهم، فبعث إلى ذلك الرجل أن لا يعرض لعلقمة، فخرج من عنده ولم يعد، كما فعل عمرو بالأرطبون.\rولما أتى أرطبون إيلياء، أفرج له المسلمون حتى دخلها، ثم أزالهم إلى أجنادين، وكتب إلى عمرو: بأنك صديقى ونظيرى، أنت فى قومك مثلى فى قومى، والله لا تفتتح من فلسطين شيئا بعد أجنادين، فارجع فلا تغر فتلقى ما لقى الذين قبلك من الهزيمة، فدعا عمرو رجلا يتكلم بالرومية، فأرسله إلى أرطبون، وأمره أن يتنكر ويقرب ويستمع ما يقول، حتى يخبره به إذا رجع، وكتب إلى أرطبون:\rجاءنى كتابك، وأنت نظيرى، ومثلى فى قومك، لو أخطأتك خصلة تجاهلت","footnotes":"(١) انظر: تاريخ الطبرى (٣/ ٦٠٤- ٦٠٦) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084378,"book_id":3509,"shamela_page_id":941,"part":"2","page_num":312,"sequence_num":941,"body":"فضيلتى، وقد علمت أنى صاحب فتح هذه البلاد، وأستعدى عليك فلانا وفلانا وفلانا لوزرائه، فأقرئهم كتابى، ولينظروا فيما بينى وبينك.\rفخرج الرسول على ما أمره به حتى أتى أرطبون، فدفع إليه الكتاب، بمشهد من أولئك النفر، فاقترأه، فضحكوا وتعجبوا، وأقبلوا على أرطبون، فقالوا: من أين علمت أنه ليس بصاحبها؟ قال: صاحبها رجل اسمه عمر، ثلاثة أحرف، فرجع الرسول إلى عمرو فعرف أنه عمر. وكتب إلى عمر يستمده، ويقول: إنى أعالج حربا كئودا، وبلادا ادخرت لك، فرأيك. فلما جاء عمر الكتاب، علم أن عمرا لم يقل إلا بعلم، فنادى فى الناس، ثم خرج بهم حتى نزل الجابية.\rوعن عدى بن سهل قال «١» : لما استمد أهل الشام عمر على أهل فلسطين، استخلف عليا، وخرج ممدا لهم، فقال على: أين تخرج بنفسك؟ إنك تريد عدوا كلبا، فقال: إنى أبادر بجهاد العدو موت العباس، إنكم لو فقدتم العباس لانتقض لكم الشر انتقاض الجبل.\rقالوا: وجميع ما خرج عمر إلى الشام أربع مرات، أما الأولى فعلى فرس، وأما الثانية فعلى بعير، وأما الثالثة فقصر به عنها استعار الطاعون، وأما الرابعة فدخلها على حمار، فاستخلف عليها وخرج، وفتحت إيلياء وأرضها كلها فى ربيع الآخر سنة ست عشرة على يدى عمر بن الخطاب ما خلا أجنادين، على يدى عمرو، وقيسارية على يدى معاوية.\rوعن سالم بن عبد الله: أن أهل إيلياء أشجوا عمر وأشجاهم، ولم يقدر عليها ولا على الرملة، قال: فبينا عمر معسكرا بالجابية، فزع الناس إلى السلاح، فقال: ما شأنكم؟\rفقالوا: ألا ترى الخيل والسيوف؟ فنظر، فإذا كردوس يلمعون بالسيوف، فقال عمر:\rمستأمنة فلا تراعوا وأمنوهم، وإذا هم أهل إيلياء، فصالحوه على الجزية، وفتحوا له إيلياء، واكتتبوا منه عليها، وعلى حيزها، والرملة وحيزها فصارت فلسطين نصفين، نصفا مع أهل إيلياء ونصفا مع أهل الرملة، وفلسطين تعدل الشام كله، وهى عشر كور من غير هذا الحديث المتقدم.\rوهو مما ذكره سيف أيضا «٢» أن عمر رضى الله عنه، فرق فلسطين على رجلين فجعل علقمة بن حكيم على نصفها وأنزله الرملة، وعلقمة بن مجزز على نصفها وأنزله إيلياء،","footnotes":"(١) انظر: تاريخ الطبرى (٣/ ٦٠٨) .\r(٢) انظر: تاريخ الطبرى (٣/ ٦١٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084379,"book_id":3509,"shamela_page_id":942,"part":"2","page_num":313,"sequence_num":942,"body":"ونزل كل واحد منهما فى عمله فى الجنود التى كانت معه، وكان سالم بن عبد الله فى الجنود التى كانت مع عمرو، وضم عمرا وشرحبيل إليه بالجابية، فلما انتهيا إليها وافقا عمر رضى الله عنه، راكبا، فقبلا ركبته، وضم عمر كل واحد منهما واحتضنه.\rوعن غير سالم «١» : أن عمر رضى الله عنه، لما بعث بأمان أهل إيلياء، وأسكنها الجند شخص إلى بيت المقدس من الجابية فرأى فرسه يتوجى فنزل عنه وأتى ببرذون فركبه فهزه، فنزل فضرب وجهه بردائه، ثم قال: قبح الله من علمك هذا، ثم دعا بفرسه بعد ما أجمه أياما يوقحه، فركب، ثم سار حتى انتهى إلى بيت المقدس، وفى رواية أنه قال للبرذون: لا علم الله من علمك هذا من الخيلاء، ولم يركب برذونا قبله ولا بعده.\rوعن أبى مريم مولى سلامة قال: شهدت فتح إيلياء مع عمر رضى الله عنه، فسار من الجابية فاصلا حتى يقدم إيلياء، ثم مضى حتى يدخل المسجد، ثم مضى نحو محراب داود، ونحن معه، فدخله، ثم قرأ سجدة داود فسجد وسجدنا معه.\rوقال يزيد بن حنظلة يذكر بعض ما تقدم «٢» :\rتذكرت حرب الروم لما تطاولت ... وإذ نحن فى عام كثير نوازله\rوإذ نحن فى أرض الحجاز وبيننا ... مسيرة شهر بينهن بلابله\rوإذ أرطبون الروم يحمى بلاده ... يحاوله قرم هناك يساجله\rفلما رأى الفاروق أزمان فتحها ... سما بجنود الله كيما يصاوله\rفلما أحسوه وخافوا صياله ... أتوه وقالوا أنت ممن نواصله\rوألقت إليه الشأم أفلاذ بطنها ... وعيشا خصيبا ما تعد مآكله\rأباح لنا ما بين شرق ومغرب ... مواريث أعقاب بنتها قرامله\rوكم مثقل لم يضطلع باحتماله ... تحمل عبئا حين شالت شوائله\rوقال أيضا:\rوقد عضلت بالشأم أرض بأهلها ... تريد من الأقوام ما كان ألحدا\rسما عمر لما أتته رسائل ... كأصيد يحمى صرمة الحى أغيدا\rفلما أتاه ما أتاه أجابهم ... بجيش ترى منه السنابك سجدا\rوأقبلت الشام العريضة بالذى ... أراد أبو حفص وأزكى وأزيدا","footnotes":"(١) انظر: تاريخ الطبرى (٣/ ٦١٠) .\r(٢) انظر: تاريخ الطبرى (٣/ ٦١٢) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084380,"book_id":3509,"shamela_page_id":943,"part":"2","page_num":314,"sequence_num":943,"body":"فقسط فيما بينهم كل جزية ... وكل رفاد كان أهنى وأحمد\rقال صاحب فتوح الشام «١» : ثم إن عمر رضى الله عنه، خرج من الشام مقبلا إلى المدينة، فلما دنا منها استقبله الناس يهنئونه بالنصر والفتح، فجاء حتى دخل مسجد رسول الله ﷺ فصلى ركعتين عند المنبر، ثم صعد المنبر، واجتمع الناس إليه، فقام، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبى محمد ﷺ وقال: يا أيها الناس، إن الله قد اصطنع عند هذه الأمة أن يحمدوه ويشكروه، وقد أعز دعوتها وجمع كلمتها، وأظهر فلجها، ونصرها على الأعداء، وشرفها ومكن لها فى الأرض، وأورثها بلاد المشركين وديارهم وأموالهم، فأحدثوا لله ﷿ شكرا يزدكم، واحمدوه على نعمه عليكم يدمها لكم، جعلنا الله وإياكم من الشاكرين. ثم نزل.\rقال: فمكث المسلمون بالشام عليها أبو عبيدة بن الجراح، ومكث فيها بعد خروج عمر منها ثلاث سنين، ثم توفى ﵀، فى طاعون عمواس، وكان طاعونا عم أهل الشام، ومات فيه بشر كثير، وكانت وفاة أبى عبيدة بالأردن، وبها قبره، ولما طعن ﵀، دعا المسلمين، فدخلوا عليه، فقال لهم: إنى موصيكم بوصية، فإن قبلتموها لم تزالوا بخير ما بقيتم، وبعد ما تهلكون: أقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وصوموا، وتصدقوا، وحجوا واعتمروا، وتواصلوا وتحابوا، واصدقوا أمراءكم، ولا تغشوهم، ولا تلهكم الدنيا، فإن امرأ لو عمر ألف حول ما كان له بد من أن يصير إلى مثل مصرعى هذا الذى ترون، إن الله قد كتب الموت على بنى آدم، فهم ميتون، فأكيسهم أطوعهم لربه، وأعملهم ليوم معاده.\rثم قال لمعاذ بن جبل: يا معاذ، صل بالناس، فصلى معاذ بهم، ومات أبو عبيدة، رحمة الله عليه ومغفرته ورضوانه، فقام معاذ فى الناس فقال: يا أيها الناس، توبوا إلى الله توبة نصوحا، فإن عبدا إن يلق الله تائبا من ذنبه كان حقا على الله أن يغفر له ذنوبه، ومن كان عليه دين فليقضه، فإن العبد مرتهن بدينه، ومن أصبح منكم مصارما مسلما فليلقه فيصالحه، إذا لقيه، وليصافحه، فإنه لا ينبغى لمسلم أن يهجر أخاه المسلم فوق ثلاثة أيام، والذنب فى ذلك عظيم عند الله، وإنكم أيها المسلمون قد فجعتم برجل، والله ما أزعم أنى رأيت منكم عبدا من عباد الله قط أقل غمرا، ولا أبرأ صدرا، ولا أبعد من الغائلة، ولا أنصح للعامة، ولا أشد عليهم تحننا وشفقة منه، فترحموا عليه، ثم احضروا الصلاة عليه، غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، والله لا يلى عليكم مثله أبدا.","footnotes":"(١) انظر: تاريخ فتوح الشام (٢٦٦- ٢٦٧) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084381,"book_id":3509,"shamela_page_id":944,"part":"2","page_num":315,"sequence_num":944,"body":"فاجتمع الناس، وأخرج أبو عبيدة، فتقدم معاذ فصلى عليه، حتى إذا أتى به قبره، دخل قبره معاذ وعمرو بن العاص والضحاك بن قيس، فلما سفوا عليه التراب، قال معاذ: رحمك الله أبا عبيدة، فو الله لأثنين عليه بما علمت، والله لا أقولها باطلا، وأخاف أن يلحقنى من الله مقت، كنت والله ما علمت من الذاكرين الله كثيرا، ومن الذين يمشون على الأرض هونا، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما، ومن الذين يبيتون لربهم سجدا وقياما، ومن الذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما، وكنت والله ما علمت من المخبتين المتواضعين، ومن الذين يرحمون اليتيم والمسكين، ويبغضون الجفاة المتكبرين.\rولم يكن أحد من الناس أشد جزعا على فقد أبى عبيدة من معاذ، ولا أطول حزنا عليه من معاذ.\rقال: ثم صلى معاذ بالناس أياما، واشتد الطاعون، وكثر الموت فى الناس، فلما رأى ذلك عمرو بن العاص قال: يا أيها الناس، إن هذا الطاعون هو الرجز الذى عذب الله به بنى إسرائيل مع الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، وأمر الناس بالفرار منه.\rفأخبر معاذ بقول عمرو، فقال: ما أراد إلى أن يقول ما لا علم له به، ثم جاء معاذ حتى صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، وصلى على النبى ﷺ ثم ذكر الوباء، فقال: ليس كما قال عمرو، ولكنه رحمة ربكم، ودعوة نبيكم، وموت الصالحين قبلكم، اللهم أعط معاذا وآل معاذ منه النصيب الأوفر، ثم صلى ورجع إلى منزله، فإذا هو بابنه عبد الرحمن قد طعن، فلما رآه قال: يا أبت، الحق من ربك فلا تكونن من الممترين، قال: يا بنى، ستجدنى إن شاء الله من الصابرين، فلم يلبث إلا قليلا حتى مات يرحمه الله، وصلى عليه معاذ، ودفنه.\rفلما رجع معاذ إلى منزله طعن، فاشتد به وجعه، وجعل أصحابه يختلفون إليه فإذا أتوه أقبل عليهم فقال لهم: اعملوا وأنتم فى مهلة وحياة وفى بقية من آجالكم، من قبل أن تمنوا العمل فلا تجدوا إليه سبيلا، وأنفقوا مما عندكم من قبل أن تهلكوا وتدعوا ذلك ميراثا لمن بعدكم، واعلموا أنه ليس لكم من أموالكم إلا ما أكلتم وشربتم ولبستم وأنفقتم فأعطيتم فأمضيتم، وما سوى ذلك فللوارثين، فلما اشتد به وجعه جعل يقول:\rرب اخنقنى خنقك، فأشهد أنك تعلم أنى أحبك.\rقال: وأتاه رجل فى مرضه، فقال له: يا معاذ، علمنى شيئا، ينفعنى الله به قبل أن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084382,"book_id":3509,"shamela_page_id":945,"part":"2","page_num":316,"sequence_num":945,"body":"أفارقك، فلا أراك ولا ترانى، ولا أجد منك خلفا، ثم لعلى أحتاج إلى سؤال الناس عما ينفعنى بعدك فلا أجد فيهم مثلك، فقال له معاذ: كلا، إن صالحاء المسلمين والحمد لله كثير، ولن يضيع الله أهل هذا الدين، ثم قال له: خذ عنى ما آمرك به، كن من الصائمين بالنهار، ومن المصلين فى جوف الليل، ومن المستغفرين بالأسحار، ومن الذاكرين الله كثيرا على كل حال، ولا تشرب الخمر، ولا تزنى، ولا تعق والديك، ولا تأكل مال اليتيم ولا تفر من الزحف، ولا تأكل الربا، ولا تدع الصلاة المكتوبة، ولا تضيع الزكاة المفروضة، وصل رحمك، وكن بالمؤمنين رحيما، ولا تظلم مسلما، وحج واعتمر، وجاهد، ثم أنا لك زعيم بالجنة.\rولما حضر معاذا الموت قال لجاريته: ويحك، انظرى، هل أصبحنا؟ فنظرت، فقالت:\rلا، ثم تركها ساعة، ثم قال لها: انظرى، فنظرت فقالت: نعم، فقال: أعوذ بالله من ليلة صباحها إلى النار، ثم قال: مرحبا بالموت، مرحبا بزائر جاء على فاقة لا أفلح من ندم، اللهم إنك تعلم أنى لم أكن أحب البقاء فى الدنيا لجرى الأنهار، ولا لغرس الأشجار، ولكننى كنت أحب البقاء لمكابدة الليل الطويل، وطول الساعات فى النهار، ولظمأ الهواجر، فى الحر الشديد، ولمزاحمة العلماء بالركب فى حلق الذكر.\rفلما اقترب أمره جاء عبد الله بن الديلمى، فقال له: يرحمك الله يا معاذ، لعلنا لا نلتقى نحن ولا أنت أبدا، فقال معاذ: أجلسونى، فأجلسوه، وجلس رجل خلف ظهره، ووضع معاذ ظهره فى صدر الرجل، ثم قال: بئس ساعة الكذب هذه، حدثنى رسول الله ﷺ حديثا، فكنت أكتمكموه مخافة أن تتكلوا، فأما الآن فإنى لا أكتمكموه، سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنه لا يموت عبد من عباد الله وهو يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من القبور، ويؤمن بالرسل وما جاءت به أنه حق، ويؤمن بالجنة والنار، إلا أدخله الله الجنة وحرمه على النار.\rثم مات معاذ من ساعته يرحمه الله، واستخلف عمرو بن العاص، فصلى عليه عمرو، ودخل قبره، فوضعه فى لحده، ودخل معه رجال من المسلمين، فلما خرج عمرو من قبره، قال: رحمك الله يا معاذ، فقد كنت ما علمناك من نصحاء المسلمين ومن خيارهم، وكنت مؤدبا للجاهل، شديدا على الفاجر، رحيما بالمؤمنين، وايم الله لا يستخلف من بعدك مثلك، عمرو بن العاص.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084383,"book_id":3509,"shamela_page_id":946,"part":"2","page_num":317,"sequence_num":946,"body":"وكان مهلكه ومهلك أبى عبيدة رحمهما الله، سنة ثمان عشرة، وقد كان معاذ لما هلك أبو عبيدة كتب إلى عمر ينعاه: أما بعد، فاحتسب امرأ كان لله أمينا، وكان الله فى نفسه عظيما، وكان علينا وعليك يا أمير المؤمنين عزيزا، أبا عبيدة بن الجراح، غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وعند الله نحتسبه، وبالله نثق له، كتبت إليك وقد فشا الموت، وهذا الوباء فى الناس، ولن يخطئ أحد أجله، ومن لم يمت فسيموت، جعل الله ما عنده خيرا لنا من الدنيا وإن أبقانا أو هلكنا فجزاك الله عن جماعة المسلمين وعن خاصتنا وعامتنا رحمته ومغفرته ورضوانه وجنته، والسلام عليك ورحمة الله.\rقال: فو الله ما هو إلا أن أتى عمر الكتاب فقرأه حتى بكى بكاء شديدا، ونعى أبا عبيدة إلى جلسائه، فما رأيت جماعة المسلمين جزعوا على رجل منهم جزعهم على أبى عبيدة، ثم ما مضى لذلك إلا أيام حتى جاء كتاب عمرو بن العاص ينعى فيه معاذ بن جبل يرحمه الله، فلما أتت عمر وفاة هذا على أثر أبى عبيدة جزع عليه جزعا شديدا، وبكى عمر والمسلمون، وحزنوا عليه حزنا عظيما، وقال عمر رضى الله عنه: رحم الله معاذا، والله لقد رفع الله بهلاكه من هذه الأمة علما جما، ولرب مشورة له صالحة قد قبلناها منه، ورأيناها أدت إلى خير وبركة، ورب علم أفادناه، وخير دلنا عليه، جزاه الله جزاء الصالحين.\rوفرق عمر عند ذلك كور الشام، فبعث عبد الله بن قرط الثمالى على حمص، وعزل عنها حبيب بن مسلمة، واستعمل على دمشق أبا الدرداء الأنصارى، واستعمل يزيد بن أبى سفيان على الجنود التى كانت بالشام، ثم وجد عمر على عبد الله بن قرط بعد أن عمل له على حمص سنة فعزله عنها، وبعث حين عزله عبادة بن الصامت أميرا عليها، وقد كان بدريا عقبيا نقيبا، ثم رضى بعد ذلك عن عبد الله بن قرط، فرده على حمص.\rولما قدم عبادة بن الصامت على أهل حمص، قام فى الناس خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبى ﷺ ثم قال: أما بعد، ألا إن الدنيا عرض حاضر، يأكل منه البر والفاجر، ألا وإن الآخرة وعد صادق، يحكم فيها ملك قادر، ألا وإنكم معروضون على أعمالكم، فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة:\r٧] ، ألا وإن للدنيا بنين، وإن للآخرة بنين، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن كل أم يتبعها بنوها يوم القيامة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084384,"book_id":3509,"shamela_page_id":947,"part":"2","page_num":318,"sequence_num":947,"body":"ثم قال لشداد بن أوس: قم يا شداد، فعظ الناس، وكان شداد مفوها قد أعطى لسانا وحكمة وفضلا وبيانا، فقام شداد، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، أيها الناس، راجعوا كتاب الله وإن تركه كثير من الناس، فإنكم لم تروا من الخير إلا أسبابه، ولا من الشر إلا أسبابه، وإن الله جمع الخير كله بحذافيره، فجعله فى الجنة، وجمع الشر كله بحذافيره، فجعله فى النار، ألا وإن الجنة حفت بالكره والصبر، ألا وإن النار حفت بالهوى والشهوة، ألا فمن كشف حجاب الكره والصبر أشفى على الجنة، ومن أشفى على الجنة كان من أهلها، ألا ومن كشف حجاب الهوى والشهوة أشفى على النار، ومن أفى على النار كان من أهلها، ألا فاعملوا بالحق تنزلوا منازل أهل الحق، يوم لا يقضى إلا بالحق.\rوقام أبو الدرداء فى أهل دمشق خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على نبيه ﷺ ثم قال: أما بعد، يا أهل دمشق، فاسمعوا مقالة أخ لكم ناصح، ما بالكم تجمعون ما لا تأكلون، وتبنون ما لا تسكنون، وتأملون ما لا تدركون، وقد كان من قبلكم جمعوا كثيرا، وبنوا مشيدا، وأملوا بعيدا، وماتوا قريبا، فأصبحت أموالهم بورا، ومساكنهم قبورا وآمالهم غرورا، ألا وإن عادا وثمود وقد كانوا ملأوا ما بين بصرى وعدن أموالا وأولادا ونعما، فمن يشترى منى ما تركوا بدرهمين.\rذكر ما وعدنا به قبل من سياقة فتح قيسارية حيث ذكرها أصحاب فتوح الشام خلافا لما أوردناه قبل ذلك عن سيف بن عمر، مما لا يوافق هذا مساقا ولا زمانا، حسب ما يوقف عليه فى الموضعين إن شاء الله تعالى\rذكروا «١» أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه، كتب إلى يزيد بن أبى سفيان بعد مهلك أبى عبيدة ومعاذ بن جبل رحمهما الله:\rأما بعد، فقد وليتك أجناد الشام كله، وكتبت إليهم أن يسمعوا لك ويطيعوا، وأن لا يخالفوا لك أمرا، فاخرج، فعسكر بالمسلمين، ثم سر بهم إلى قيسارية، فانزل عليها، ثم لا تفارقها حتى يفتحها الله عليك، فإنه لا ينفعنى افتتاح ما افتتحتم من أرض الشام مع","footnotes":"(١) انظر: تاريخ فتوح الشام (٢٧٦- ٢٨٣) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084385,"book_id":3509,"shamela_page_id":948,"part":"2","page_num":319,"sequence_num":948,"body":"مقام أهل قيسارية فيها، وهم عدو لكم، إلى جانبكم، وإنه لا يزال قيصر طامعا فى الشام ما بقى فيها أحد من أهل طاعته ممتنعا، ولو قد افتتحتموها قطع الله رجاءه من جميع الشام، والله فاعل ذلك وصانع به للمسلمين، إن شاء الله تعالى.\rفخرج يزيد، فعسكر بالمسلمين، وجاءه كتاب من عمر بنسخة واحدة إلى أمراء الأجناد:\rأما بعد، فقد وليت يزيد بن أبى سفيان أجناد الشام كله، وأمرته أن يسير إلى قيسارية، فلا تعصوا له أمرا، ولا تخالفوا له رأيا، والسلام.\rوكتب يزيد إلى أمراء الأجناد نسخة واحدة: أما بعد، فإنى قد ضربت على الناس بعثا، أريد أن أسير بهم إلى قيسارية، فاخرجوا من كل ثلاثة رجلا، وعجلوا إشخاصهم إلى إن شاء الله، والسلام.\rفلم يمكث إلا قليلا حتى توافت عنده عساكر الأجناد كلها، فلما اجتمعوا عنده قام يزيد، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:\rأما بعد، فإن كتاب أمير المؤمنين عمر المبارك الفاروق، أتانى يحثنى على المسير إلى قيسارية، وأن أدعوهم إلى الإسلام، أو يدخلوا فيما دخل فيه أهل الكور من أهل الشام، فيؤدوا الجزية عن يد وهم صاغرون، فإن أبوا نزلت عليهم، فلم أزايلهم حتى أقتل مقاتلتهم، وأسبى ذراريهم، فسيروا رحمكم الله إليهم، فإنى أرجو أن يجمع الله لكم الغنيمة فى الدنيا والأجر فى الآخرة.\rثم قال للناس: ارتحلوا، ووجه إلى حبيب بن مسلمة أن سر فى المقدمة، فقد جعلتك عليها، ثم امض حتى تنزل بأهل قيسارية، فإنى أسرع شىء فى أثرك لحاقا بك.\rفمضى حبيب فى جماعة عظيمة من المسلمين إلى قيسارية، وبها جموع من بطارقة الروم وفرسانهم وأشدائهم، وكل من كان كره الدخول فى دين الإسلام من النصارى، ومن كان كره الجزية، ومن بقى من أهل تلك المواطن التى كانوا يقاتلون المسلمين من الروم، فكانت بها جموع كثيرة، وحد وجد شديد، فلما أقبل حبيب فى المقدمة ودنا من الحصن، خرج إليه من قيسارية فرسان ورجال، فنضحوهم بالنشاب، وحملت خيلهم على المسلمين، فانحاز حبيب وخيله، حتى انتهى إلى يزيد، فنزل يزيد وجعل على ميمنته عبادة بن الصامت، وعلى الميسرة الضحاك بن قيس، ورد حبيبا على الخيل، ومشى يزيد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084386,"book_id":3509,"shamela_page_id":949,"part":"2","page_num":320,"sequence_num":949,"body":"فى الرجال، فحمل عليهم، فاقتتلوا طويلا قتالا شديدا، ثم بعث إلى الضحاك: أن احمل على ميمنتهم، فحمل عليهم، فهزمهم، وقتل منهم مقتلة عظيمة، وبعث إلى عبادة بن الصامت، أن أحمل على ميسرتهم، فحمل عليهم، فثبتوا له، فقاتلهم طويلا، وقتل منهم مقتلة عظيمة، ثم تحاجزوا، وانصرف عبادة إلى موقفه، فحرض أصحابه ووعظهم، ثم قال: يا أهل الإسلام، إنى كنت أحدث النقباء سنا، وأبعدهم أجلا، وقد قضى الله أن أبقانى حتى قاتلت هذا العدو معكم، وإنى أسأل الله أن يرينى وإياكم أحسن ثواب المجاهدين، والله الذى نفسى بيده ما حملت قط فى عصابة من المؤمنين على جماعة من المشركين إلا خلوا لنا العرصة، وأعطانا الله عليهم الظفر غيركم، فما بالكم حملتم على هؤلاء فلم تزيلوهم.\rوإن عمر لما بلغه شدة قتال أهل اليرموك لكم قال: سبحان الله، أو قد واقفوهم، ما أظن المسلمين إلا قد غلوا، ولو لم يغلوا ما واقفوهم، ولظفروا بغير مئونة، والله إنى خائف عليكم خصلتين: أن تكونوا قد غللتم، أو لم تناصحوا الله فى حملتكم عليهم، فشدوا عليهم يرحمكم الله معى إذا شددت، فلا والله لا أرجع إلى موقفى هذا إن شاء الله ولا أزايلهم حتى يهزمهم الله أو أموت دونهم، ثم حمل عليهم، وحملت معه الميمنة على ميسرة الروم، فصبروا لهم حتى تطاعنوا بالرماح، واضطربوا بالسيوف، واختلفت أعناق الخيل، فلما رأى ذلك عبادة ترجل، ثم نادى عمير بن سعد الأنصارى فى المسلمين: يا أهل الإسلام إن عبادة بن الصامت سيد المسلمين، وصاحب راية رسول الله ﷺ قد نزل وترجل، فالكرة الكرة إلى رحمة الله والجنة، واتقوا عواقب الفرار، فإنها تقود إلى النار.\rوأقبل المسلمون إلى عبادة وهو يجالدهم، وقد كانوا أحاطوا به، فحمل عليهم، فقصف بعضهم على بعض، فأزالوهم عن موقفهم، ثم شدوا عليهم، وحمل حبيب بن مسلمة على من يليه منهم، ثم حمل يزيد بن أبى سفيان بجماعة المسلمين عليهم، فانهزموا انهزاما شديدا، ووضع المسلمون سلاحهم وسيوفهم حيث أحبوا منهم، وأتبعوهم يقتلونهم كيف شاؤا، حتى حجزوهم فى حصنهم، وقد قتلوا من رؤسائهم وبطارقتهم وفرسانهم مقتلة عظيمة، ثم أقاموا عليهم فحصروهم وقطعوا عنهم المادة، وضيقوا عليهم، وحاصروهم أشد الحصار، فلما طال عليهم البلاء تلاوموا، وقال بعضهم لبعض:\rاخرجوا بنا إليهم نقاتلهم حتى نظفر بهم أو نموت كراما، فاستعدوا فى مدينتهم، وخرجوا على تعبئتهم، والمسلمون غارون لا يشعرون ولا يعلمون أنه يخرجون إليهم،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084387,"book_id":3509,"shamela_page_id":950,"part":"2","page_num":321,"sequence_num":950,"body":"وقد كانوا أذلوهم وأجحروهم وضيقوا عليهم حتى جهدوا، وظنوا أنهم أوهن أمرا، وأضعف من أن يخرجوا عليهم، فما راع المسلمين إلا وأهل قيسارية يضاربونهم بالسيوف بأجمعهم إلى جانب عسكرهم، فجال المسلمون جولة منكرة.\rثم إن يزيد خرج مسرعا يمشى اليهم، حتى إذا دنا منهم جالدهم طويلا، وتتامت إليه خيل المسلمين ورجالتهم، وخرج المسلمون على راياتهم وصفوفهم، فلما كثروا عنده أمر الخيل فحملت عليهم، ونهض بالرجال فى وجوههم، ثم حمل هو عليهم فانهزموا انهزاما قبيحا شديدا، وقتلهم المسلمون قتلا ذريعا، وركب بعضهم بعضا، فبعض دخل المدينة، وبعض ذهبوا على وجوههم فلم يدخلوها، وقتل الله منهم فى المعركة نحوا من خمسة آلاف، فلما رأى يزيد ما أنزل الله بهم من الخزى والقتل، وما صيرهم إليهم من الذل، قال لمعاوية: أقم عليها حتى يفتحها الله، وانصرف يزيد عنها.\rفلم يلبث معاوية عليها إلا يسيرا حتى فتحها الله على يديه، وذلك سنة تسع عشرة، وكانت هى وجلولاء فى سنة واحدة، وفرح المسلمون بذلك فرحا شديدا، لأنه لم يبق بالشام فى أقصاها وأدناها عدو حينئذ، وقد نفى الله المشركين عنها، وصار الشام كله فى أيدى المسلمين.\rوكتب يزيد إلى عمر: أما بعد، فإن رأى أمير المؤمنين لأهل الشام كان رأيا أرشده الله وأرشد به من أخذ به، وبارك له ولأهل طاعته فيه، وإنى أخبر أمير المؤمنين أنا التقينا نحن وأهل قيسارية غير مرة، وكل ذلك يجعل الله جدهم الأسفل، وكدهم الأخسر، ويجعل لنا عليهم الظفر، فلما رأوا أن الله قد أذهب ريحهم، وأذلهم وأنزل عليهم الصغار والهوان، وقتل صناديدهم وفرسانهم وملوكهم لزموا حصنهم، وانحجزوا فى مدينتهم، فأطلنا حصارهم، وقطعنا موادهم، وميرتهم، وضيقنا أشد التضييق عليهم، فلما جهدوا هزلا وأزلا، فتحها الله علينا، والحمد لله رب العالمين.\rفكتب إليه عمر، ﵀: أما بعد، فقد أتانى كتابك، وسمعت ما ذكرت فيه من الفتح على المسلمين، والحمد لله رب العالمين، فاشكروا الله يزدكم ويتم نعمته عليكم، وإن الله قد كفاكم مؤنة عدوكم، وبسط لكم فى الرزق، ومكن لكم فى البلاد، وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ، والسلام عليك.\rفلما أتى يزيد هذا الكتاب، قرأه على المسلمين، فحمدوا الله على ما أنعم عليهم،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084388,"book_id":3509,"shamela_page_id":951,"part":"2","page_num":322,"sequence_num":951,"body":"واصطنع عندهم، وأقبل يزيد حتى نزل دمشق، فلم يلبث إلا سنة حتى هلك رضى الله عنه، وذلك فى سنة تسع عشرة، والشام كله مستقيم أمره، ليس به عدو للمسلمين.\rوكان يزيد ﵀، شريفا فاضلا حليما عاقلا رقيقا، حسن السيرة، محببا فى المسلمين، ولما ثقل ﵀ وأشرف على الموت استخلف أخاه معاوية على الشام، وكتب إلى عمر، رضى الله عنه: أما بعد، فإنى كتبت إليك كتابى هذا وإنى أظن أنى فى أول يوم من الآخرة، وآخر يوم من الدنيا، فجزاك الله عنا، وعن جميع المسلمين خيرا، وجعل جناته لنا ولك مآبا ومصيرا، فابعث إلى عملك بالشام من أحببت، فأما أنا فقد استخلفت عليهم معاوية بن أبى سفيان.\rفلما أتى عمر كتابه مع خبر موته، جزع عليه جزعا شديدا، وكتب إلى معاوية بولايته على الشام، ويقال: إنه لما ورد البريد بموت يزيد على عمر كان أبوه أبو سفيان عنده، فقال له عمر لما قرأ الكتاب بموت يزيد: أحسن الله عزاءك فى يزيد، ورحمه، فقال له أبو سفيان: من وليت مكانه يا أمير المؤمنين؟ قال: أخاه معاوية، قال: وصلتك رحم يا أمير المؤمنين.\rفأقام معاوية على الشام أربع سنين، بقية خلافة عمر، ثم أقره عليها عثمان اثنتى عشرة سنة، مدة خلافته، ثم كان منه بعد وفاة عثمان رضى الله عنه، ما هو معلوم «١» .\rذكر فتح مصر\r«٢» ذكر ابن عبد الحكم «٣» عمن سمى من شيوخه أنه لما قدم عمر، رضى الله عنه، الجابية «٤» خلا به عمرو بن العاص، فاستأذنه فى المسير إلى مصر، وكان عمرو قد دخلها فى الجاهلية وعرف طرقها ورأى كثرة من فيها.\rوكان سبب دخوله إياها أنه كان قدم بيت المقدس لتجارة فى نفر من قريش، وكانت رعية إبلهم نوبا بينهم، فبينا عمرو يرعاها فى نوبته إذ مر به شماس من شمامسة","footnotes":"(١) انظر: تاريخ فتوح الشام (٢٧٦- ٢٨٣) .\r(٢) انظر: تاريخ الطبرى (٤/ ١٠٤- ١١٢) ، البداية والنهاية (٧/ ١٠٧- ١١٠) ، الكامل (٢/ ٤٠٥- ٤٠٨) .\r(٣) انظر: فتوح مصر وأخبارها لابن عبد الحكم (ص ٥٣- ١٩٢) .\r(٤) كان ذلك سنة ثمانى عشرة من الهجرة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084389,"book_id":3509,"shamela_page_id":952,"part":"2","page_num":323,"sequence_num":952,"body":"الروم، من أهل الإسكندرية، كان قدم للصلاة فى بيت المقدس وللسياحة فى جبالها، فوقف على عمرو فاستسقاه وقد أصابه عطش شديد فى يوم شديد الحر، فسقاه عمرو من قربة له، فشرب حتى روى، ونام الشماس مكانه، وكانت إلى جنبه حيث نام حفرة، فخرجت منها حية عظيمة، فبصر بها عمرو، فنزع لها بسهم فقتلها، فلما استيقظ الشماس ونظر إلى الحية سأل عمرا عنها، فأخبره أنه رماها فقتلها، فأقبل الشماس فقبل رأسه، وقال: قد أحيانى الله بك مرتين، مرة من شدة العطش، ومرة من هذه الحية، فما أقدمك هذه البلاد؟ قال: قدمت مع أصحاب لى نطلب الفضل فى تجارتنا، فقال له الشماس: وكم تراك ترجو أن تصيب فى تجارتك؟ قال: رجائى أن أصيب ما اشترى به بعيرا، فإنى لا أملك إلا بعيرين، فأملى أن أصيب بعيرا ثالثا، فقال له الشماس: كم الدية فيكم؟ قال: مائة من الإبل، قال الشماس لسنا أصحاب إبل، إنما نحن أصحاب دنانير.\rقال: تكون ألف دينار، فقال له الشماس: إنى رجل غريب فى هذه البلاد، وإنما قدمت أصلى فى كنيسة بيت المقدس، وأسيح فى هذه الجبال شهرا، جعلت ذلك نذرا على نفسى، وقد قضيت ذلك، وأنا أريد الرجوع إلى بلادى، فهل لك أن تتبعنى إلى بلادى، ولك عهد الله وميثاقه أن أعطيك ديتين لأن الله ﷿، أحيانى بك مرتين؟\rفقال له عمرو: وأين بلادك؟ قال: مصر، فى مدينة يقال لها: الإسكندرية، فقال له عمرو: لا أعرفها، ولم أدخلها قط، فقال له الشماس: لو دخلتها لعلمت أنك لم تدخل قط مثلها، فقال عمرو: وتفى لى بما تقول؟ فقال له الشماس: نعم، لك علىّ العهد والميثاق أن أفى لك، وأن أردك إلى أصحابك، فقال عمرو: كم يكون مكثى فى ذلك؟\rقال: شهرا تنطلق معى ذاهبا عشرا، وتقيم عندنا عشرا وترجع فى عشر، ولك علىّ أن أحفظك ذاهبا، وأن أبعث معك من يحفظك راجعا، فقال له عمرو: أنظرنى حتى أشاور أصحابى.\rفانطلق عمرو إلى أصحابه، فأخبرهم بما عاهده عليه الشماس، وقال لهم: أقيموا علىّ حتى أرجع إليكم ولكم علىّ العهد أن أعطيكم شطر ذلك، على أن يصحبنى رجل منكم آنس به، فقالوا: نعم، وبعثوا معه رجلا منهم.\rفانطلق عمرو وصاحبه مع الشماس إلى مصر، حتى انتهى إلى الإسكندرية، فرأى عمرو من عمارتها وكثرة أهلها وما بها من الأموال ما أعجبه، ونظر إلى الإسكندرية وعمارتها وجودة بنائها، وكثرة أهلها، وما بها من الأموال، فازداد عجبا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084390,"book_id":3509,"shamela_page_id":953,"part":"2","page_num":324,"sequence_num":953,"body":"ووافق دخول الإسكندرية عيدا فيها عظيما، يجتمع فيه ملوكهم وأشرافهم، ولهم أكرة من ذهب مكللة يترامى بها ملوكهم ويتلقونها بأكمامهم، وفيما اختبروا منها على ما وضعها من مضى منهم أنه من وقعت فى كمه واستقرت فيه لم يمت حتى يملكهم.\rوأكرم الشماس عمرا الإكرام كله، وكساه ثوب ديباج ألبسه إياه، وجلس معه فى ذلك المجلس مع الناس حيث يترامون بالأكرة وهم يتلقونها بأكمامهم، فرمى بها رجل منهم، فأقبلت تهوى حتى وقعت فى كم عمرو، فعجبوا من ذلك، وقالوا: ما كذبتنا هذه الأكرة قط إلا هذه المرة، أترى هذا الأعرابى يملكنا؟ هذا ما لا يكون أبدا.\rوإن ذلك الشماس مشى فى أهل الإسكندرية، وأعلمهم بأن عمرا أحياه مرتين، وأنه ضمن له ألفى دينار، وسألهم أن يجمعوا ذلك له فيما بينهم، ففعلوا ودفعوها إلى عمرو، فانطلق هو وصاحبه، وبعث معهما الشماس دليلا ورسولا، وزودهما وأكرمهما، حتى رجعا إلى أصحابهما، فدفع إليهم عمرو فيما بينهم ألف دينار، وأمسك لنفسه ألفا.\rقال: فكان أول مال اعتقدته وتأثلته.\rفبذلك ما عرف عمرو مدخل مصر ومخرجها، ورأى فيها ما علم به أنها أفضل البلاد وأكثره مالا.\rفلما قدم عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، الجابية خلا به عمرو، وقال: يا أمير المؤمنين إيذن لى فأسير إلى أرض مصر، فإنك إن فتحتها كانت قوة للمسلمين وعونا لهم، وهى أكثر الأرضين أموالا، وأعجزه عن القتال، فتخوف عمر وكره ذلك، فلم يزل عمرو بن العاص يعظم أمرها فى نفسه ويخبره بحالها، ويهون عليه فتحها، حتى ركن لذلك عمر، فعقد له على أربعة آلاف رجل، كلهم من عك، وقال: سيروا وأنا مستخير الله فى مسيرك، وسيأتيك كتابى سريعا، فإن لحقك كتابى آمرك فيه بالانصراف فانصرف، وإن دخلتها قبل أن يأتيك كتابى ثم جاءك فامض لوجهتك، واستعن بالله فاستنصره.\rفمضى عمرو من جوف الليل، ولم يشعر به أحد من الناس، واستخار عمر ربه، فكأنه تخوف على المسلمين فى وجههم ذلك، فكتب إلى عمرو بن العاص: أن انصرف بمن معك من المسلمين إن أدركك كتابى قبل أن تدخل مصر، فأدرك الكتاب عمرا وهو برفح، فتخوف إن هو أخذه فقرأه أن يجد فيه الانصراف كما عهد إليه عمر، فلم يأخذ الكتاب من الرسول، وسار كما هو حتى مر بقرية صغيرة فيما بين رفح والعريش، فسأل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084391,"book_id":3509,"shamela_page_id":954,"part":"2","page_num":325,"sequence_num":954,"body":"عنها، فقيل: إنها من مصر، فدعا بالكتاب فقرأه، فإذا فيه: أن انصرف بمن معك من المسلمين، فقال لمن حوله: ألستم تعلمون أن هذه من مصر؟ قالوا: بلى، قال: فإن أمير المؤمنين عهد إلىّ وأمرنى إن لحقنى كتابه ولم أدخل أرض مصر أن أرجع، ولم يلحقنى كتابه حتى دخلت أرض مصر، فسيروا على بركة الله.\rويقال: بل كان عمرو بن العاص بفلسطين، فتقدم فى أصحابه إلى مصر بغير إذن، فكتب إليه عمر ينكر ذلك عليه، فجاءه كتابه وهو دون العريش، عريش مصر، فلم يقرأ الكتاب حتى بلغ العريش فقرأه، فإذا فيه:\rمن عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص، أما بعد، فإنك سرت إلى مصر بمن معك، وبها جموع الروم، وإنما معك نفر يسير، ولعمرى لو كانوا ثكل أمك ما سرت بهم، فإن لم تكن بلغت مصر فارجع.\rفقال عمرو: الحمد لله، أية أرض هذه؟ قالوا: من مصر، فتقدم كما هو.\rويقال: بل كان عمرو فى جنده على قيسارية مع كل من كان بها من أجناد المسلمين، وعمر بن الخطاب إذ ذاك بالجابية، فكتب سرا واستأذن إلى مصر، وأمر أصحابه فتنحوا كالقوم الذين يريدون أن يتجولوا من منزل إلى منزل قريب، ثم سار بهم ليلا، فلما فقده أمراء الأجناد استنكروا الذى فعل، ورأوا أنه قد غرر، فرفعوا ذلك إلى عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، فكتب إليه عمر:\r«أما بعد، فإنك قد غررت بمن معك، فإن أدركك كتابى ولم تدخل مصر فارجع، وإن أدركك كتابى وقد دخلت فامض، واعلم أنى ممدك» .\rويقال: إن عمر كتب إلى عمرو بعد ما فتح الشام: أن اندب الناس إلى المسير معك إلى مصر، فمن خف معك فسر به. وبعث به مع شريك بن عبدة، فندبهم عمرو، فأسرعوا إلى الخروج معه، ثم إن عثمان بن عفان دخل على عمر، فذكر له عمر ما كتب به إلى عمرو، فقال عثمان: يا أمير المؤمنين، إن عمرا له جرأة، وفيه إقدام وحب للإمارة، فأخشى أن يخرج فى غير ثقة ولا جماعة، فيعرض المسلمين للهلكة، رجاء فرصة لا يدرى أتكون أم لا. فندم عمر على كتابه إشفاقا مما قال عثمان، فكتب إلى عمرو يأمره بنحو ما تقدم من الرجوع إن لم يكن دخل مصر، والمضى لوجهه إن كان دخلها.\rفسار عمرو فى طريقه قاصدا مصر، فلما بلغ المقوقس ذلك توجه نحو الفسطاط يجهز","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084392,"book_id":3509,"shamela_page_id":955,"part":"2","page_num":326,"sequence_num":955,"body":"الجيوش على عمرو، فأقبل عمرو حتى إذا كان بجبال الحلال نفرت معه راشدة وقبائل من لخم، وأدركه النحر وهو بالعريش، فضحى يومئذ عن أصحابه بكبش.\rوكان رجل ممن خرج معه قد أصيب بجمله، فأتاه الرجل يستحمله، فقال له عمرو:\rتحمل مع أصحابك حتى نبلغ أوائل العامر، فلما بلغوا العريش جاءه، فأمر له بجملين، ثم قال: لن تزالوا بخير ما رحمتكم أئمتكم، فإذا لم يرحموكم هلكتم وهلكوا.\rفتقدم عمرو، فكان أول موضع قوتل فيه الفرما، قاتلته الروم قتالا شديدا، نحوا من شهر، ثم فتح الله على يديه.\rوكان بالإسكندرية أسقف للقبط يقال له: «أبو ميامين» ، فلما بلغه قدوم عمرو بن العاص إلى مصر كتب إلى القبط يعلمهم أنه لا تكون للروم دولة، وأن ملكهم قد انقطع، ويأمرهم بتلقى عمرو، فيقال: إن القبط الذين كانوا بالفرما كانوا يومئذ لعمرو أعوانا.\rثم توجه عمرو لا يدافع إلا بالأمر الخفيف حتى نزل القواصر، ثم تقدم لا يدافع إلا بالأمر الخفيف حتى أتى بلبيس، فقاتلوه بها نحوا من شهر حتى فتح الله عليه، ثم مضى لا يدافع إلا بالأمر الخفيف، حتى أتى أم دنين فقاتلوه بها قتالا شديدا، وأبطأ عليه الفتح، فكتب إلى عمر يستمده، فأمده بأربعة آلاف تمام ثمانية آلاف، فقاتلهم.\rوجاء رجل من لخم إلى عمرو بن العاص فقال: اندب معى خيلا حتى آتى من ورائهم عند القتال، فأخرج معه خمسمائة فارس، فساروا من وراء الجبل حتى دخلوا مغار بنى وائل قبل الصبح.\rويقال: كان على هذا البعث خارجة بن حذافة «١» ، فلما كان فى وجه الصبح نهض القوم، فصلوا الصبح، ثم ركبوا خيلهم، وغدا عمرو بن العاص على القتال، فقاتلوهم من وجههم، وحملت الخيل التى كان وجه من ورائهم واقتحمت عليهم فانهزموا. وكانوا قد خندقوا حول الحصن، وجعلوا للخندق أبوابا، فسار عمرو بمن معه حتى نزل على","footnotes":"(١) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (٢١٣٧) ، أسد الغابة ترجمة رقم (١٣٢٧) ، الثقات (٣/ ١١١) ، تلقيح فهوم أهل الأثر (٣٧٤) ، تجريد أسماء الصحابة (١/ ١٤٦) ، الكاشف (١/ ٢٦٥) ، تهذيب التهذيب (٣/ ٧٤) ، تقريب التهذيب (١/ ٢١٠) ، التحفة اللطيفة (١/ ٤٩) ، النجوم الزاهرة (١/ ٢٠) ، أزمنة التاريخ الإسلامى (١/ ٦٠٠) ، الطبقات (٢٣/ ٢٩١) ، التاريخ الكبير (٣/ ٢٠٣) ، التاريخ الصغير (١/ ٩٣) ، الإكمال (٦/ ١٨٢) ، تراجم الأخبار (١/ ٣٩٠) ، الكامل (٣/ ٩٢٠) ، مشاهير علماء الأمصار (٣٨٣) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084393,"book_id":3509,"shamela_page_id":956,"part":"2","page_num":327,"sequence_num":956,"body":"الحصن، فحاصرهم حتى سألوه أن يسير منهم بضعة عشر أهل بيت ويفتحوا له الحصن، ففعل ذلك، وفرض عليهم لكل رجل من أصحابه دينارا وجبة وبرنسا وعمامة وخفين.\rفجاء النفر من القبط يستأذنونه إلى قراهم وأهليهم، وقد كان نفر منهم تحدثوا قبل ذلك ورجل من لخم يسمعهم، فقال بعضهم لبعض: ألا تعجبوا من هؤلاء القوم، يعنون المسلمين، يقدمون على جموع الروم، وإنما هم فى قلة من الناس. فجاءهم رجل منهم، فقال: إن هؤلاء القوم لا يتوجهون إلى أحد إلا ظهروا عليه، حتى يقتلوا خيرهم. فأنكر عليه اللخمى قوله وأراد حمله إلى عمرو، فرغب إليه أصحابه وغيرهم حتى خلصوه، فلما استأذن أولئك النفر عمرا قال لهم: كيف رأيتم أمرنا؟ قالوا: لم نر إلا حسنا. فقال ذلك الرجل لعمرو مثل مقالته تلك: إنكم لن تزالوا تظهرون على كل من لقيتم حتى تقتلوا خيركم رجلا. فغضب عمرو وأمر به، فطلب إليه أصحابه وأخبروه أنه لا يدرى ما يقول، حتى خلصوه، فلما بلغ عمرا عمر بن الخطاب عجب من قول ذلك القبطى، وأرسل فى طلبه، فوجدوه قد هلك.\rوفى حديث غيره: قال عمرو بن العاص: فلما طعن عمر بن الخطاب قلت: هو ما قال القبطى، فلما حدثت أنه إنما قتله رجل نصرانى «١» قلت: لم يعن هذا، إنما عنى من قتله المسلمون، فلما قتل عثمان، رضى الله عنه، عرفت أن ما قال الرجل حق.\rقال ابن عبد الحكم: وقد سمعت فى فتح القصر وجها غير هذا، ثم ذكر عن نفر سمى منهم قال: وبعضهم يزيد على بعض فى الحديث أن عمرو بن العاص حصرهم فى القصر الذى يقال له: باب اليون حينا، وقاتلهم قتالا شديدا، يصبحهم ويمسيهم، فلما أبطأ عليه الفتح كتب إلى عمر بن الخطاب يستمده، فأمده عمر بأربعة آلاف رجل، على كل ألف منهم رجل يقوم مقام ألف: الزبير بن العوام «٢» ، والمقداد بن عمرو»\r، وعبادة","footnotes":"(١) هو: أبو لؤلؤة، غلام المغيرة بن شعبة. راجع مقتل عمر بن الخطاب، ﵀، من هذا الجزء.\r(٢) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (٢٧٩٤) ، أسد الغابة ترجمة رقم (١٧٣١) .\r(٣) انظر ترجمته فى: طبقات ابن سعد (٣/ ١/ ١٤٤) ، طبقات خليفة (٦١، ٦٧، ١٦٨) ، التاريخ الكبير (٨/ ٥٤) ، التاريخ الصغير (٦٠، ٦١) ، المعارف (٢٦٣) ، الجرح والتعديل (٨/ ٤٢٦) ، حلية الأولياء (١/ ١٧٢، ١٧٦) ، ابن عساكر (١٧، ٦٦، ١) ، تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١١١، ١١٢) ، معالم الإيمان (١/ ٧١، ٧٦) ، دول الإسلام (١/ ٩٢٧، العقد الثمين (٧/ ٢٦٨) ، تهذيب التهذيب (١٠/ ٢٨٥) ، شذرات الذهب (١/ ٣٩) ، الإصابة ترجمة رقم (٨٢٠١) ، أسد الغابة ترجمة رقم (٥٠٧٦) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084394,"book_id":3509,"shamela_page_id":957,"part":"2","page_num":328,"sequence_num":957,"body":"ابن الصامت «١» ، ومسلمة بن مخلد «٢» . وقيل: بل خارجة بن حذافة مكان مسلمة. وقال عمر بن الخطاب: «اعلم أن معك اثنى عشر ألفا، ولا يغلب اثنا عشر ألفا من قلة» .\rوذكر الليث عن يزيد بن أبى حبيب: أن عمر، ﵀، إنما أمد عمرا حين استمده بالزبير بن العوام، وبالمقداد بن عمرو، وبخارجة بن حذافة.\rقال الليث بن سعد: وبلغنى عن كسرى أنه كان له رجال إذا بعث أحدهم فى جيش وضع من عدة الجيش الذى كان سمى ألفا مكانه، وإذا احتاج إلى أحدهم وكان فى جيش فجيشه زادهم ألف رجل، فأنزلت الذى صنع عمر بن الخطاب حين أمد عمرا بالزبير والمقداد وخارجة نحو الذى صنع كسرى.\rوقيل: إن عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، أشفق على عمرو حين بعثه، فأرسل الزبير فى أثره فى اثنى عشر ألفا، فشهد معه الفتح. وكان عمرو قدم من الشام فى عدة قليلة، وكانت الروم قد خندقوا حول حصنهم، وجعلوا للخندق أبوابا، ورموا فى أفنيتها حسك الحديد، فكان عمرو يفرق أصحابه ليرى العدو أنهم أكثر مما هم، فلما انتهى إلى الخندق نادوه: أن قد رأينا ما صنعت، وإنما معك من أصحابك كذا وكذا، فلم يخطئوا برجل واحد. فبينا هو على ذلك إذ جاءه خبر الزبير، فلما قدم المدد مع الزبير على عمرو ابن العاص ألح على القصر ووضع عليه المنجنيق. وقد كان عمرو دخل إلى صاحب القصر فتناظرا فى شىء مما هم فيه، فقال له عمرو: أخرج وأستشير أصحابى، فدس صاحب الحصن الوصية إلى الذى على الباب إذا مر به عمرو أن يلقى عليه صخرة فيقتله.\rفأشعر بذلك عمرا رجل من العرب وهو يريد الخروج، فرجع عمرو إلى صاحب الحصن،","footnotes":"(١) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (٤٥١٥) ، أسد الغابة ترجمة رقم (٢٧٩١) .\r(٢) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (٨٠٠٧) ، أسد الغابة ترجمة رقم (٤٩٤٣) ، تاريخ اليعقوبى (٢/ ١٤٨) ، تاريخ خليفة (١٩٥) ، فتوح البلدان (٢٧٠) ، أنساب الأشراف (١/ ١٤٦) ، المعرفة والتاريخ (٢/ ٤٩٤) ، تاريخ الطبرى (٤/ ٤٣٠) ، أخبار القضاة (٣/ ٢٢٣) ، تاريخ أبى زرعة (١/ ١٨٩) ، مروج الذهب (١٦٢١) ، فتوح مصر (٦٧) ، جمهرة أنساب العرب (٣٦٦) ، وفيات الأعيان (٧/ ٢١٥) ، المراسيل (١٩٧) ، الجرح والتعديل (٨/ ٢٦٥) ، مشاهير علماء الأمصار (٥٦) ، الكامل فى التاريخ (٣/ ١٩١) ، تهذيب الكمال (٣/ ١٣٣٠) ، مختصر التاريخ (٨٢) ، تجريد أسماء الصحابة (٢/ ٧٧) ، سير أعلام النبلاء (٣/ ٤٢٤) ، العبر (١/ ٦٦) ، الكاشف (٣/ ١٢٨) ، المعين فى طبقات المحدثين (٢٦) ، تقريب التهذيب (٢/ ٢٤٩) ، النجوم الزاهرة (١/ ١٣٢) ، خلاصة تذهيب التهذيب (٣٧٧) ، الولاة والقضاء (١٥) ، تاريخ الإسلام (٢/ ٢٤٢) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084395,"book_id":3509,"shamela_page_id":958,"part":"2","page_num":329,"sequence_num":958,"body":"فقال له: إنى أريد أن آتيك بنفر من أصحابى حتى يسمعوا منك مثل الذى سمعت، فقال العلج فى نفسه: قتل جماعة أحب إلىّ من قتل واحد، فأرسل إلى الذى كان على الباب يأمره بالكف عن عمرو رجاء أن يأتيه بأصحابه فيقتلهم، فخرج عمرو ولم يعد.\rوفى حصار المسلمين هذا الحصن كان عبادة بن الصامت يوما فى ناحية يصلى وفرسه عنده، فرآه قوم من الروم، فخرجوا إليه وعليهم حلية وبزة، فلما دنوا منه سلم من صلاته، ووثب على فرسه، ثم حمل عليهم، فلما رأوه غير مكذب عنهم ولوا راجعين، واتبعهم، فجعلوا يلقون مناطقهم ومتاعهم ليشغلوه بذلك عن طلبهم، ولا يلتفت إليه حتى دخلوا الحصن، ورمى عبادة من فوق الحصن بالحجارة، فرجع ولم يعرض لشىء مما كانوا طرحوا من متاعهم، حتى أتى موضعه الذى كان به، فاستقبل الصلاة، وخرج الروم إلى متاعهم يجمعونه.\rولما أبطأ الفتح على عمرو بن العاص قال الزبير: إنى أهب نفسى لله وأرجو أن يفتح الله بذلك على المسلمين، فوضع سلما إلى جانب الحصن ثم صعد، وأمرهم إذا سمعوا تكبيره أن يجيبوه جميعا، فما شعروا إلا والزبير على رأس الحصن يكبر معه السيف، وتحامل الناس على السلم حتى نهاهم عمرو خوفا من أن ينكسر. ولما اقتحم الزبير وتبعه من تبعه وكبر، وكبر من معه وأجابهم المسلمون من خارج، لم يشك أهل الحصن أن العرب قد اقتحموه جميعا، فهربوا، وعمد الزبير وأصحابه إلى باب الحصن ففتحوه، واقتحمه المسلمون، فلما خاف المقوقس على نفسه ومن معه سأل عمرو بن العاص الصلح ودعاه إليه، على أن يفرض للعرب على القبط دينارين دينارين على كل رجل منهم، فأجابه عمرو إلى ذلك.\rوكان مكثهم على باب القصر حتى فتحوه سبعة أشهر فيما روى عن الليث.\rقال ابن عبد الحكم: وقد سمعت فى فتح القصر وجها آخر مخالفا للحديثين المتقدمين، فالله أعلم.\rثم أورد بإسناد يرفعه إلى جماعة من التابعين، يزيد بعضهم على بعض، أن المسلمين لما حاصروا باب اليون وكان به جماعة من الروم وأكابر القبط ورؤسائهم وعليهم المقوقس فقاتلوهم بها شهرا، فلما رأى القوم الجد منهم على فتحه والحرص ورأوا من صبرهم على القتال ورغبتهم فيه خافوا أن يظهروا عليهم، فتنحى المقوقس وجماعة من أكابر القبط، وخرجوا من باب القصر القبلى ودونهم جماعة يقاتلون العرب، فلحقوا بالجزيرة، موضع الصناعة اليوم، وأمروا بقطع الجسر، وذلك فى جرى النيل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084396,"book_id":3509,"shamela_page_id":959,"part":"2","page_num":330,"sequence_num":959,"body":"وزعم بعض مشايخ أهل مصر أن الأعيرج تخلف فى الحصن بعد المقوقس، وهو رجل من الروم كان واليا على الحصن تحت يدى المقوقس، وكانت سفنهم ملصقة بالحصن، فلما خاف الأعيرج فتح الحصن ركبها هو وأهل القوة والشرف ثم لحقوا بالمقوقس بالجزيرة.\rقال أصحاب الحديث من التابعين: فأرسل المقوقس إلى عمرو: إنكم قوم قد ولجتم فى بلادنا وألححتم على قتالنا، وطال مكثكم فى أرضنا، وإنما أنتم عصبة يسيرة وقد أظلتكم الروم معهم العدة والسلاح، وأحاط بكم هذا النيل، وإنما أنتم أسارى فى أيدينا، فابعثوا إلينا رجالا منكم نسمع من كلامهم، فلعله أن يأتى الأمر فيما بيننا وبينكم على ما تحبون ونحب، وينقطع عنا وعنكم هذا القتال قبل أن تغشاكم جموع الروم فلا ينفعنا الكلام ولا نقدر عليه، ولعلكم أن تندموا إن كان الأمر مخالفا لطلبتكم ورجائكم.\rفلما أتت عمرو بن العاص رسل المقوقس بهذا حبسهم عنده يومين وليلتين حتى خاف عليهم المقوقس، فقال لأصحابه: أترون أنهم يقتلون الرسل ويحبسونهم ويستحلون ذلك فى دينهم؟ وإنما أراد عمرو أن يروا حال المسلمين، ثم رد عمرو إلى المقوقس رسله، وقال لهم: إنه ليس بينى وبينكم إلا إحدى ثلاث خصال: إما دخلتم فى الإسلام فكنتم إخواننا، وكان لكم ما لنا، وإما أبيتم فأعطيتم الجزية عن يد وأنتم صاغرون، وإما جاهدناكم بالصبر والقتال حتى يحكم الله بيننا وبينكم وهو خير الحاكمين.\rفلما جاؤا إلى المقوقس قال لهم: كيف رأيتم؟ قالوا: رأينا قوما الموت أحب إلى أحدهم من الحياة، والتواضع أحب إليه من الرفعة، ليس لأحدهم فى الدنيا رغبة ولا نهمة، إنما جلوسهم على التراب، وأكلهم على ركبهم، وأميرهم كواحد منهم، ما يعرف رفيعهم من وضيعهم ولا السيد فيهم من العبد، وإذا حضرت الصلاة لم يتخلف عنها أحد منهم، يغسلون بالماء أطرافهم، ويخشعون فى صلاتهم.\rفقال عند ذلك المقوقس: والذى يحلف به لو أن هؤلاء استقبلوا الجبال لأزالوها وما يقوى على قتال هؤلاء أحد، ولئن لم نغتنم صلحهم اليوم وهم محصورون بهذا النيل لم يجيبونا بعد اليوم إذا أمكنتهم الأرض وقووا على الخروج من موضعهم.\rفرد إليهم المقوقس رسله: أن ابعثوا إلينا رسلا منكم نعاملهم ونتداعى نحن وهم إلى ما عساه أن يكون فيه صلاح لنا ولكم.\rفبعث عمرو بن العاص عشرة نفر أحدهم عبادة بن الصامت، وأمره عمرو أن يكون","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084397,"book_id":3509,"shamela_page_id":960,"part":"2","page_num":331,"sequence_num":960,"body":"مكلم القوم وأن لا يجيبهم إلى شىء دعوه إليه إلا إلى إحدى هذه الخصال الثلاث.\rوكان عبادة أسود طويلا، يقول ابن غفير: أدرك الإسلام من العرب عشرة، طول كل رجل منهم عشرة أشبار، أحدهم عبادة بن الصامت. فلما ركبوا السفن إلى المقوقس ودخلوا عليه تقدم عبادة فهابه المقوقس لسوداه، فقال: نحّوا عنى هذا الأسود، وقدموا غيره يكلمنى. فقالوا جميعا: إن هذا الأسود أفضلنا رأيا وعلما، وهو سيدنا وخيرنا والمقدم علينا، وإنما نرجع جميعا إلى قوله ورأيه، وقد أمره الأمير دوننا بما أمره به، وأمرنا أن لا نخالفه.\rقال: وكيف رضيتم أن يكون هذا الأسود أفضلكم، وإنما ينبغى أن يكون دونكم؟.\rقالوا: كلا، إنه وإن كان أسود كما ترى، فإنه من أفضلنا موضعا، وأفضلنا سابقة وعقلا ورأيا، وليس ينكر السواد فينا.\rفقال له المقوقس: تقدم يا أسود وكلمنى برفق فإنى أهاب سوادك، وإن اشتد كلامك علىّ ازددت لذلك هيبة.\rفتقدم إليه عبادة فقال: قد سمعت مقالتك، وإن فيمن خلفت من أصحابى ألف رجل كلهم أشد سوادا منى وأفظع منظرا، ولو رأيتهم لكنت أهيب لهم منك لى، وأنا قد وليت وأدبر شبابى، وإنى مع ذلك، بحمد الله، ما أهاب مائة رجل من عدوى ولو استقبلونى جميعا، وكذلك أصحابى، وذلك أنا إنما رغبتنا وهمتنا الجهاد فى الله واتباع رضوانه، وليس غزونا عدونا ممن حارب الله لرغبة فى دنيا، ولا طلبا للاستكثار منها، إلا أن الله، ﷿، قد أحل لنا ذلك، وجعل ما غنمنا منه حلالا، وما يبالى أحدنا أكان له قنطار من الذهب أم كان لا يملك إلا درهما؛ لأن غاية أحدنا من الدنيا أكلة يأكلها يسد بها جوعته لليله ونهاره، وشملة يلتحفها، فإن كان أحدنا لا يملك إلا ذلك كفاه، وإن كان له قنطار من ذهب أنفقه فى طاعة الله تعالى واقتصر على هذا الذى يتبلغ به ما كان فى الدنيا؛ لأن نعيم الدنيا ليس بنعيم ورخاءها ليس برخاء، إنما النعيم والرخاء فى الآخرة، وبذلك أمرنا ربنا، وأمرنا به نبينا، وعهد إلينا أن لا تكون همة أحدنا من الدنيا إلا ما يمسك جوعته، ويستر عورته، وتكون همته وشغله فى رضى ربه وجهاده عدوه.\rفلما سمع المقوقس كلامه قال لمن حوله: هل سمعتم مثل كلام هذا الرجل قط؟ لقد هبت منظره، وإن قوله لأهيب عندى من منظره، وإن هذا وأصحابه أخرجهم الله لخراب الأرض، ما أظن ملكهم إلا سيغلب على الأرض كلها. ثم أقبل على عبادة فقال: أيها","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084398,"book_id":3509,"shamela_page_id":961,"part":"2","page_num":332,"sequence_num":961,"body":"الرجل قد سمعت مقالتك وما ذكرت عنك وعن أصحابك، ولعمرى ما بلغتم إلا بما ذكرت، وما ظهرتم على من ظهرتم عليه إلا بحبهم الدنيا ورغبتهم فيها، وقد توجه إلينا لقتالكم من جمع الروم ما لا يحصى عدده، قوم يعرفون بالنجدة والشدة، لا يبالى أحدهم من لقى ولا من قاتل، وإنا لنعلم أنكم لن تقووا عليهم، ولن تطيقونهم لضعفكم وقلتكم وقد أقمتم بين أظهرنا أشهرا وأنتم فى ضيق وشدة من معاشكم وحالكم، ونحن نرق عليكم لضعفكم وقلتكم وقلة ما بأيديكم، ونحن تطيب أنفسنا أن نصالحكم على أن نفرض لكل رجل منكم دينارين دينارين، ولأميركم مائة دينار، ولخليفتكم ألف دينار، فتقبضوها وتنصرفوا إلى بلادكم، قبل أن يغشاكم ما لا قبل لكم به.\rفقال عبادة بن الصامت: يا هذا لا تغرن نفسك ولا أصحابك، أما ما تخوفنا به من جمع الروم وعددهم وكثرتهم، وأنا لا نقوى عليهم، فلعمرى ما هذا بالذى يخوفنا، ولا بالذى يكسرنا عما نحن فيه، إن كان ما قلتم حقا فذلك والله أرغب ما يكون فى قتالكم، وأشد لحرصنا عليكم؛ لأن ذلك أعذر لنا عند ربنا إذا قدمنا عليه، وإن قتلنا من آخرنا كان أمكن لنا فى رضوانه وجنته، وما من شىء أقر لأعيننا ولا أحب إلينا من ذلك، وإنا منكم حينئذ على إحدى الحسنيين: إما أن تعظم لنا بذلك غنيمة الدنيا إن ظفرنا بكم، أو غنيمة الآخرة إن ظفرتم بنا، وإنها لأحب الخصلتين إلينا بعد الاجتهاد منا، وإن الله ﷿ قال لنا فى كتابه: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة: ٢٤٩] ، وما منا من رجل إلا وهو يدعو ربه صباحا ومساء أن يرزقه الله الشهادة وألا يرده إلى بلاده ولا إلى أرضه ولا إلى أهله وولده، وليس لأحد منا همّ فيما خلفه، وقد استودع كل واحد منا ربه فى أهله وولده، وإنما همنا ما أمامنا، وأما قولك: إنا فى ضيق وشدة من معاشنا وحالنا، فنحن فى أوسع السعة، لو كانت الدنيا كلها لنا ما أردنا منها لأنفسنا أكثر مما نحن عليه، فانظر الذى تريد فبينه لنا، فليس بيننا وبينك خصلة نقبلها منك ولا نجيبك إليها إلا خصلة من ثلاث، فاختر أيها شئت ولا تطمع نفسك بالباطل، بذلك أمرنى الأمير، وبه أمره أمير المؤمنين، وهو عهد رسول الله ﷺ من قبل إلينا: إما أجبتم إلى الإسلام الذى هو الدين الذى لا يقبل الله غيره، وهو دين أنبيائه ورسله وملائكته، أمرنا أن نقاتل من خالفه ورغب عنه حتى يدخل فيه، فإن فعل كان له ما لنا وعليه ما علينا، وكان أخانا فى دين الله، فإن قبلت ذلك أنت وأصحابك فقد سعدتم فى الدنيا والآخرة، ورجعنا عن قتالكم، ولم نستحل أذاكم ولا التعرض لكم، وإن أبيتم إلا الجزية فأدوا إلينا الجزية عن يد وأنتم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084399,"book_id":3509,"shamela_page_id":962,"part":"2","page_num":333,"sequence_num":962,"body":"صاغرون، نعاملكم على شىء نرضى به نحن وأنتم فى كل عام أبدا ما بقينا وبقيتم، ونقاتل عنكم من ناوأكم وعرض لكم فى شىء من أرضكم ودمائكم وأموالكم، ونقوم بذلك عنكم إذ كنتم فى ذمتنا، وكان لكم به عهد علينا، وإن أبيتم فليس بيننا وبينكم إلا المحاكمة بالسيف حتى نموت من آخرنا أو نصيب ما نريد منكم. هذا ديننا الذى ندين الله تعالى به، ولا يجوز لنا فيما بيننا وبينكم غيره، فانظروا لأنفسكم.\rفقال له المقوقس: هذا ما لا يكون أبدا، ما تريدون إلا أن تتخذونا عبيدا ما كانت الدنيا!.\rفقال له عبادة: هو ذلك فاختر ما شئت!.\rفقال له المقوقس: أفلا تجيبوننا إلى خصلة غير هذه الخصال الثلاث؟.\rفرفع عبادة يديه فقال: لا ورب هذه السماء، ورب هذه الأرض، وربنا، ورب كل شىء، ما لكم عندنا خصلة غيرها، فاختاروا لأنفسكم.\rفالتفت المقوقس عند ذلك إلى أصحابه، فقال: قد فرغ القوم، فماذا ترون؟.\rفقالوا: أو يرضى أحد بهذا الذل؟ أما ما أرادوا من دخولنا فى دينهم فهذا ما لا يكون أبدا، أن نترك دين المسيح ابن مريم وندخل فى دين غيره لا نعرفه، وأما ما أرادوا أن يسبونا ويجعلونا عبيدا فالموت أيسر من ذلك، لو رضوا منا أن نضعف لهم ما أعطيناهم مرارا كان أهون علينا.\rفقال المقوقس لعبادة: قد أتى القوم «١» فما ترى؟ فراجع أصحابك «٢» على أن نعطيكم فى مرتكم هذه ما تمنيتم وتنصرفوا.\rفقام عبادة وأصحابه، فقال المقوقس عند ذلك لمن حوله: أطيعونى وأجيبوا القوم إلى خصلة من هذه الثلاث، فو الله ما لكم بهم طاقة، ولئن لم تجيبوا إليها طائعين لتجيبنهم إلى ما هو أعظم كارهين.\rفقالوا: وأى خصلة نجيبهم إليها؟.\rقال: أنا أخبركم، أما دخولكم فى غير دينكم فلا آمركم به، وأما قتالكم فأنا أعلم أنكم لن تقووا عليهم، ولن تصبروا صبرهم، ولا بد من الثالثة.","footnotes":"(١) فى ابن عبد الحكم: قد أبى القوم.\r(٢) فى ابن عبد الحكم: صاحبك.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084400,"book_id":3509,"shamela_page_id":963,"part":"2","page_num":334,"sequence_num":963,"body":"قالوا: فنكون لهم عبيدا أبدا؟.\rقال: نعم، أن تكونوا عبيدا منبسطين «١» فى بلادكم، آمنين على أنفسكم وأموالكم وذراريكم، خير لكم من أن تموتوا من آخركم، أو تكونوا عبيدا تباعون وتمزقون فى البلاد مستعبدين أبدا أنتم وأهلكم وذراريكم.\rقالوا: فالموت أهون علينا، وأمروا بقطع الجسر من الفسطاط والجزيرة، وبالقصر من القبط والروم جمع كثير.\rفألح المسلمون عند ذلك بالقتال على من فى القصر، حتى ظفروا بهم وأمكن الله منهم، فقتل منهم خلق كثير، وأسر من أسر، وانحازت السفن كلها إلى الجزيرة، وصار المسلمون قد أحدق بهم الماء من كل جهة لا يقدرون على أن يتقدموا نحو الصعيد ولا إلى غير ذلك من المدائن والقرى، والمقوقس يقول لأصحابه: ألم أعلمكم هذا وأخفه عليكم؟ ما تنتظرون، فو الله لتجيبن إلى ما أرادوا طوعا أو لتجيبنهم إلى ما هو أعظم كرها، فأطيعونى من قبل أن تندموا.\rفلما رأوا منهم ما رأوا، وقال لهم المقوقس ما قال، أذعنوا بالجزية، ورضوا بها على صلح يكون بينهم يعرفونه.\rفأرسل المقوقس إلى عمرو بن العاص: أنى لم أزل حريصا على إجابتك إلى خصلة من الخصال التى أرسلت إلىّ بها فأبى ذلك علىّ من حضرنى من الروم والقبط، فلم يكن لى أن أفتات عليهم فى أموالهم، وقد عرفوا نصحى لهم وحبى صلاحهم فرجعوا إلى قولى، فأعطنى أمانا أجتمع أنا وأنت، أنا فى نفر من أصحابى، وأنت فى نفر من أصحابك، فإن استقام الأمر بيننا تم ذلك لنا جميعا، وإن لم يتم رجعنا إلى ما كنا عليه.\rفاستشار عمرو أصحابه فى ذلك، فقالوا: لا نجيبهم إلى شىء من الصلح ولا الجزية حتى يفتح الله علينا، وتصير كلها لنا فيئا وغنيمة كما صار لنا القصر وما فيه.\rفقال عمرو: قد علمتم ما عهد إلىّ أمير المؤمنين فى عهده، فإن أجابوا إلى خصلة من الخصال الثلاث التى عهد إلىّ فيها أجبتم إليها وقبلت منهم، مع ما قد حال هذا الماء بيننا وبين ما نريد من قتالهم.\rفاجتمعوا على عهد بينهم، واصطلحوا على أن يفرض على جميع من بمصر أعلاها","footnotes":"(١) فى ابن عبد الحكم: مسلطين.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084401,"book_id":3509,"shamela_page_id":964,"part":"2","page_num":335,"sequence_num":964,"body":"وأسفلها من القبط دينارين دينارين، على كل نفس، شريفهم ووضيعهم، ومن بلغ الحلم منهم، وليس على الشيخ الفانى، ولا على الصغير الذى لم يبلغ الحلم، ولا على النساء شىء. وعلى أن للمسلمين عليهم النزل بجماعتهم حيث نزلوا، ومن نزل عليه ضيف واحد من المسلمين أو أكثر من ذلك كانت لهم ضيافة ثلاثة أيام مفترضة عليهم، وأن لهم أرضهم وأموالهم لا يعرض لهم فى شىء منها، فشرط هذا كله على القبط خاصة.\rوأحصوا عدد القبط من بلغ منهم الجزية ومن فرض عليهم الديناران. رفع ذلك عرفاؤهم بالأيمان المؤكدة، فكان جميع من أحصى يومئذ بمصر أعلاها وأسفلها من جميع القبط أكثر من ستة آلاف ألف نفس، فكانت فريضتهم يومئذ اثنى عشر ألف ألف دينار فى كل سنة.\rوعن يحيى بن ميمون الحضرمى قال: لما فتح عمرو بن العاص مصر صالح عن جميع ما فيها من رجال القبط، ممن راهق الحلم إلى ما فوق ذلك، ليس فيهم امرأة ولا شيخ ولا صبى، فأحصوا بذلك على دينارين دينارين، فبلغت عدتهم ثمانية آلاف ألف.\rوفى الحديث المتقدم الطويل: أن المقوقس شرط للروم أن يخيروا، فمن أحب منهم أن يقيم على مثل هذا أقام لازما له ذلك مفترضا عليه، مما أقام بالإسكندرية وما حولها من أرض مصر كلها، ومن أراد الخروج منها إلى أرض الروم خرج، وعلى أن للمقوقس الخيار فى الروم خاصة حتى يكتب إلى ملك الروم يعلمه ما فعل، فإن قبل ذلك ورضيه جاز عليهم وإلا كانوا جميعا على ما كانوا عليه.\rوكتب المقوقس إلى ملك الروم يعلمه بالأمر على وجهه، فكتب إليه ملك الروم يقبح رأيه ويعجزه، ويرد عليه ما فعل ويقول فى كتابه:\rإنما أتاك من العرب اثنا عشر ألفا، وبمصر من عدد القبط ما لا يحصى، فإن كان القبط كرهوا القتال وأحبوا أداء الجزية إلى العرب واختاروهم علينا فإن عندك بمصر من الروم وبالإسكندرية ومن معك أكثر من مائة ألف، معهم العدة والقوة، والعرب وحالهم وضعفهم على ما قد رأيت، فعجزت عن قتالهم، ورضيت أن تكون أنت ومن معك من الروم أذلاء فى حال القبط، ألا قاتلتهم أنت ومن معك من الروم حتى تموت أو تظفر عليهم، فإنهم فيكم على قدر كثرتكم وقوتكم وعلى قدر قلتهم وضعفهم كأكلة، فناهضهم القتال ولا يكن لك رأى غير ذلك.\rوكتب ملك الروم بمثل ذلك كتابا إلى جماعة الروم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084402,"book_id":3509,"shamela_page_id":965,"part":"2","page_num":336,"sequence_num":965,"body":"فقال المقوقس لما أتاه كتابه: والله إنهم على قلتهم وضعفهم أقوى وأشد منا على كثرتنا وقوتنا، إن الرجل الواحد منهم ليعدل مائة رجل منا، وذلك أنهم قوم الموت أحب إليهم من الحياة، يقاتل الرجل منهم وهو مستقتل، يتمنى أن لا يرجع إلى أهله ولا بلده، ولا ولده، ويرون أن لهم أجرا عظيما فيمن قتلوا منا، ويقولون إنهم إن قتلوا دخلوا الجنة، وليس لهم رغبة فى الدنيا ولا لذة إلا قدر بلغة العيش من الطعام واللباس، ونحن قوم نكره الموت ونحب الحياة ولذتها، فكيف نستقيم نحن وهؤلاء، وكيف صبرنا معهم، واعلموا معشر الروم أنى والله لا أخرج مما دخلت فيه وصالحت العرب عليه، وأنى لأعلم أنكم سترجعون غدا إلى قولى ورأيى، وتتمنون أن لو كنتم أطعمتونى، وذلك أنى قد عانيت ورأيت وعرفت ما لم يعاين الملك ولم يره ولم يعرفه، ويحكم أما يرضى أحدكم أن يكون آمنا فى دهره على نفسه وماله وولده بدينارين فى السنة؟.\rثم أقبل المقوقس إلى عمرو بن العاص فقال له: إن الملك قد كره ما فعلت وعجزنى، وكتب إلىّ وإلى جماعة الروم أن لا نرضى بمصالحتك، أمرهم بقتالك حتى يظفروا بك أو تظفر بهم، ولم أكن لأخرج مما دخلت فيه وعاقدتك عليه، وإنما سلطانى على نفسى ومن أطاعنى، وقد تم صلح القبط فيما بينك وبينهم، ولم يأت من قبلهم نقض وأنا متم لك على نفسى، والقبط متمون لك على الصلح الذى صالحتهم عليه وعاهدتهم، وأما الروم فأنا منهم برىء، وأنا أطلب إليك أن تعطينى ثلاث خصال.\rقال عمرو: وما هن؟.\rقال: لا تنقض بالقبط، وأدخلنى معهم وألزمنى ما لزمهم، فقد اجتمعت كلمتى وكلمتهم على ما عاهدتك عليه وهم متمون لك على ما تحب. وأما الثانية: إن سألك الروم بعد اليوم أن تصالحهم فلا تصالحهم حتى تجعلهم فيئا وعبيدا، فإنهم أهل لذلك؛ لأنى نصحتهم فاستغشونى، ونظرت لهم فاتهمونى. وأما الثالثة: أطلب إليك أن إذا مت أن تأمرهم يدفنونى فى أبى يحنس بالإسكندرية.\rفأنعم له عمرو بن العاص بذلك وأجابه إلى ما طلب، على أن يضمنوا له الجسرين جميعا، ويقيموا لهم الأنزال والضيافة والأسواق والجسور ما بين الفسطاط إلى الإسكندرية، ففعلوا.\rويقال: إن المقوقس إنما صالح عمرو بن العاص على الروم وهو محاصر الإسكندرية، وبعد أن حصر أهلها ثلاثة أشهر وألح عليهم وخافوه، فسأله المقوقس الصلح عنهم، كما","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084403,"book_id":3509,"shamela_page_id":966,"part":"2","page_num":337,"sequence_num":966,"body":"صالحه على القبط، على أن يستنظر رأى الملك وعلى أن يسير من الروم من أراد المسير، ويقر من أراد الإقامة، فأنكر ذلك هرقل لما بلغه أشد الإنكار، وتسخط أشد التسخط، وبعث الجيوش، فأغلقوا الإسكندرية وآذنوا عمرو بن العاص بالحرب، فخرج إليه المقوقس فقال: أسألك ثلاثا، وذكر نحو ما تقدم، وزاد أن عمرا قال فى الثالثة التى هى أن يدفن فى أبى يحنس: هذه أهونهن علينا.\rثم رجع إلى الحديث الأول، قال: فخرج عمرو بن العاص بالمسلمين حين أمكنهم الخروج، وخرج معه جماعة من رؤساء القبط قد أصلحوا لهم الطريق وأقاموا لهم الجسور والأسواق، وصارت لهم القبط أعوانا على ما أرادوا من قتال الروم، وسمعت بذلك الروم فاستعدت واستجاشت، وقدمت عليهم مراكب كثيرة من أرض الروم، فيها جمع من الروم كثير بالعدة والسلاح، فخرج إليهم عمرو بن العاص من الفسطاط متوجها نحو الإسكندرية، فلم يلق منهم أحدا حتى بلغ ترنوط «١» ، فلقى فيها طائفة من الروم فقاتلوه قتالا خفيفا فهزمهم الله، ومضى عمرو بمن معه حتى لقى جمع الروم بكوم شريك، فاقتتلوا به ثلاثة أيام ثم فتح الله للمسلمين وولى الروم أكتافهم.\rويقال: بل أرسل عمرو بن العاص، شريك بن سمى فى آثارهم، فأدركهم عند الكوم الذى يقال له كوم شريك، فقاتلهم شريك فهزمهم.\rويقال: بل لقيهم فألجأوه إلى الكوم فاعتصم به، وأحاطت به الروم، فلما رأى ذلك شريك أمر أبا ناعمة الصدفى «٢» ، وهو صاحب الفرس الأشقر الذى يقال له: أشقر صدف، وكان لا يجارى، فانحط عليهم من الكوم، وطلبته الروم فلم تدركه، حتى أتى عمرا فأخبره، فأقبل عمرو نحوه. وسمعت به الروم فانصرفت، وبهذا الفرس سميت خوخة الأشقر التى بمصر، وذلك أنه نفق فدفنه صاحبه هناك، فسمى المكان به.\rقال: ثم التقوا بسلطيس «٣» فاقتتلوا بها قتالا شديدا، فهزمهم الله، ثم التقوا بالكريون «٤» فاقتتلوا بها بضعة عشر يوما.","footnotes":"(١) ترنوط: قرية كانت بين مصر والإسكندرية، أشار ياقوت إلى أنها قرية كبيرة جامعة على النيل، فيها أسواق ومعاصر للسكر وبساتين، وأكثر فواكه الإسكندرية منها. انظر: معجم البلدان (٢/ ٢٧) .\r(٢) هو: أبو ناعمة مالك بن ناعمة الصدفى.\r(٣) سلطيس: قرية من قرى مصر القديمة، كان أهلها أعانوا على عمرو بن العاص فسباهم. انظر: معجم البلدان (٣/ ٢٣٦) .\r(٤) كريون: موضع قرب الإسكندرية. انظر: معجم البلدان (٤/ ٤٥٨، ٤٥٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084404,"book_id":3509,"shamela_page_id":967,"part":"2","page_num":338,"sequence_num":967,"body":"وكان عبد الله بن عمرو على المقدمة، وحامل اللواء يومئذ وردان مولى عمرو، فأصابت عبد الله بن عمرو جراحات كثيرة، فقال: يا وردان لو تقهقرت قليلا لنصيب الروح. فقال وردان: الروح أمامك وليس هو خلفك. فتقدم عبد الله، وجاء رسول أبيه يسأله عن جراحه، فأنشأ يقول:\rأقول إذا ما النفس جاشت ألا أصبرى ... عليك قليلا تحمدى أو تلامى\rفرجع الرسول فأخبره بما قال. فقال عمرو: هو ابنى حقا.\rوصلى يومئذ عمرو صلاة الخوف، فحدث شيخ صلاها معه بالإسكندرية: أنه صلى بكل طائفة ركعة وسجدتين.\rقال: ثم فتح الله على المسلمين، وقتلوا من الروم مقتلة عظيمة، واتبعوهم حتى بلغوا الإسكندرية فتحصنوا بها، وكانت عليهم حصون لا ترام، حصن دون حصن، فنزل المسلمون ما بين حلوة إلى قصر فارس إلى ما وراء ذلك، ومعهم رؤساء القبط يمدونهم بما احتاجوا إليه من الأطعمة والعلوفة، ورسل ملك الروم تختلف إلى الإسكندرية فى المراكب بمادة الروم.\rويروى أن عمرا أقام بحلوة شهرين ثم تحول إلى المقس، فخرجت عليه الخيل من ناحية البحيرة حيث كانت مستترة بالحصن فواقعوه، فقتل من المسلمين يومئذ بكنيسة الذهب اثنا عشر رجلا، ولم يكن للروم كنائس أعظم من كنائس الإسكندرية، وإنما كان عيد الروم حين غلبت العرب على الشام بالإسكندرية، فكان ملك الروم يعظم ظهور العرب عليها ويقول: لئن غلبوا على الإسكندرية لقد هلكت الروم، وانقطع ملكها، وتجهز للخروج إليها ليباشر قتالها بنفسه إعظاما لها، وأمر أن لا يتخلف عنه أحد من الروم، وقال: ما بقاء الروم بعد الإسكندرية؟ فلما فرغ من جهازه صرعه الله فأماته وكفى المسلمين مؤنته. وكان موته فى سنة تسع عشرة، وقيل: سنة عشرين، فكسر الله بموته شوكة الروم.\rورجع جمع كبير ممن كان قد توجه إلى الإسكندرية، واستأسدت العرب عند ذلك وألحت بالقتال على أهل الإسكندرية، فقاتلوهم قتالا شديدا، وخرج طرف من الروم من باب حصنها فحملوا على الناس وقتلوا رجلا من مهرة فاحتزوا رأسه وانطلقوا به، فجعل المهريون يتغضبون ويقولون: لا ندفنه أبدا إلا برأسه. فقال عمرو بن العاص: تتغضبون كأنكم تتغضبون على من يبالى بغضبكم، احملوا على القوم إذا خرجوا فاقتلوا رجلا منهم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084405,"book_id":3509,"shamela_page_id":968,"part":"2","page_num":339,"sequence_num":968,"body":"وارموا برأسه يرموا برأس صاحبكم، فخرجت الروم عليهم فاقتتلوا، فقتل رجل من بطارقة الروم، فاحتزوا رأسه، فرموا به إلى الروم، فرمت الروم برأس المهرى إليهم، فقال:\rدونكم الآن فادفنوا صاحبكم.\rوكان عمرو بن العاص يقول: ثلاث قبائل فى مصر: أما مهرة فقوم يقتلون ولا يقتلون، وأما غافق فقوم يقتلون ولا يقتلون، وأما بلى فأكثرها رجلا صحب رسول الله ﷺ وأفضلها فارسا.\rوقاتل عمر بن العاص الروم بالإسكندرية يوما من الأيام قتالا شديدا، فلما استحر القتال بارز رجل من الروم مسلمة بن مخلد فصرعه الرومى، وألقاه عن فرسه، وأهوى إليه بسيفه ليقتله حتى حماه رجل من أصحابه. وكان مسلمة لا يقام بسبيله ولكنها مقادير، ففرحت بذلك الروم وشق ذلك على المسلمين، وغضب عمرو بن العاص فقال:\rوكان مسلمة كثير اللحم ثقيل البدن: ما بال الرجل المسبّه «١» الذى يشبه النساء يتعرض فيداخل الرجال ويتشبه بهم؟ فغضب مسلمة ولم يراجعه، ثم اشتد القتال حتى اقتحموا حصن الإسكندرية فقاتلهم العرب فى الحصن، ثم جاشت عليهم الروم حتى أخرجوهم جميعا من الحصن إلا أربعة نفر فيهم عمرو بن العاص ومسلمة بن مخلد، أغلق الروم عليهم باب الحصن وحالوا بينهم وبين أصحابهم ولا يدرون من هم.\rفلما رأى ذلك عمرو وأصحابه لجأوا إلى ديماس من حماماتهم فتحرزوا به فأمرت الروم روميا فكلمهم بالعربية فقال لهم: إنكم قد صرتم بأيدينا أسارى فاستأسروا ولا تقتلوا أنفسكم فامتنعوا ثم قال لهم: إن فى أيدى أصحابكم منا رجالا أسروهم ونحن نعطيكم العهود أن نفادى بكم أصحابنا ولا نقتلكم، فأبوا عليهم.\rفلما رأى الرومى ذلك منهم قال لهم: هل لكم إلى خصلة وهى نصف فيما بيننا وبينكم: أن تعطونا العهد ونعطيكم مثله على أن يبرز منكم رجل ومنا رجل، فإن غلب صاحبنا صاحبكم استأسرتم لنا، وأمكنتمونا من أنفسكم، وإن غلب صاحبكم صاحبنا خلينا سبيلكم إلى أصحابكم. فرضوا بذلك وتعاهدوا عليه، فبرز رجل من الروم قد وثقت الروم بنجدته وشدته، وقالوا لعمرو وأصحابه وهم فى الديماس ليبرز رجل منكم لصاحبنا فأراد عمرو أن يبرز فمنعه مسلمة وقال: يا هذا تخطئ مرتين، تشذ من","footnotes":"(١) السبه: محركه، ذهاب العقل من الهرم. انظر: القاموس المحيط للفيروزابادى (٤/ ٢٨٤) . لسان العرب لابن منظور (٣/ ١٩٣٢) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084406,"book_id":3509,"shamela_page_id":969,"part":"2","page_num":340,"sequence_num":969,"body":"أصحابك وأنت أميرهم وإنما قوامهم بك وقلوبهم معلقة نحوك لا يدرون ما أمرك، ثم لا ترضى حتى تبارز وتتعرض للقتل، فإن قتلت كان ذلك بلاء على أصحابك؟ مكانك وأنا أكفيك إن شاء الله! قال عمرو: دونك فربما فرجها الله بك، فبرز مسلمة والرومى فتجاولا ساعة ثم أعانه الله عليه فقتله، فكبر مسلمة وأصحابه، ووفى لهم الروم بما عاهدوهم عليه، ففتحوا لهم باب الحصن فخرجوا ولا تدرى الروم أن أمير القوم فيهم، حتى بلغهم ذلك فأسفوا وأكلوا أيديهم تغيظا على ما فاتهم، فلما خرجوا استحيى عمرو مما كان قال لمسلمة حين غضب، وسأله أن يستغفر له، ففعل مسلمة وقال عمرو: والله ما أفحشت قط إلا ثلاث مرات، مرتين فى الجاهلية وهذه الثالثة، وما منها مرة إلا وقد ندمت واستحييت وما استحييت من واحدة منهن أشد مما استحييت مما قلت لك والله إنى لأرجو أن لا أعود إلى الرابعة ما بقيت.\rقال ابن لهيعة: وأخبرنى بعض أشياخنا أن عبد العزيز بن مروان لما قدم الإسكندرية سنة ثمانين سأل: هل بقى بالإسكندرية أحد ممن أدرك فتحها؟ فأتوه بشيخ من الروم من أكابر أهل الإسكندرية يومئذ فأعلموه أنه أدرك فتحها وهو رجل، فسأله عن أعجب ما رأى يومئذ من المسلمين. فقال: أخبرك أيها الأمير أنه كان لى صديق من أبناء بطارقة الروم يومئذ منقطع إلىّ، وأنه أتانى فسألنى أن أركب معه حتى ننظر إلى المسلمين وإلى حالهم وهيئتهم، وهم إذ ذاك محاصرون الإسكندرية، فخرجت معه وهو على برذون له كثير اللحم وأنا على برذون خفيف، فلما خرجنا من الحصن الثالث وقفنا على كوم مشرف ننظر إلى العرب، وإذا هم فى خيام لهم وعلى باب كل خيمة فرس واقف ورمح مركوز، ورأينا قوما ضعفاء فعجبنا من ضعفهم، وقلنا: كيف بلغ هؤلاء القوم ما بلغوا؟\rفبينا نحن وقوف ننظر إليهم ونعجب إذ خرج رجل منهم من بعض تلك الخيام، فلما نظر إلينا اختلع رمحه ووثب على ظهر فرسه ثم أقبل نحونا، فقلت لصاحبى: والله إنه ليريدنا! فلما رأيناه مقبلا إلينا لا يريد غيرنا ولينا هاربين، فما كان بأوشك من أن أدرك صاحبى فطعنه بالرمح فصرعه، ثم تركه صريعا وأقبل فى إثرى وأنا خائف أن لا أفلت منه حتى دخلت الحصن الأول فنجوت منه، ثم صعدت الحصن لأبصر ما يفعل، فرجع وهو يتكلم بكلام يرفع به صوته، فظننت أنه يقرأ، ثم مضى حتى اعترض برذون صاحبى فأخذه ورجع إلى صاحبى وهو صريع فأخذ سيفه وترك سلبه فلم يأخذه تهاونا به، وكانت ثيابه ديباجا كلها، فلم يأخذها ولم ينزعها عنه.\rفقال عبد العزيز بن مروان للشيخ الرومى: صف لى ذلك الرجل وشبهه ببعض من","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084407,"book_id":3509,"shamela_page_id":970,"part":"2","page_num":341,"sequence_num":970,"body":"عندى. فأشار إلى رجل مخفف كوسج «١» فقال: هو يشبه هذا. قال عبد العزيز: نخبرك أنه يمان «٢» .\rوأقام عمرو يحاصر الإسكندرية أشهرا، فقال عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، لما بلغه ذلك: ما أبطأوا بفتحها إلا لما أحدثوا.\rوقال أسلم مولى عمر: لما أبطأ على عمر فتح مصر كتب إلى عمرو بن العاص:\rأما بعد، فقد عجبت لإبطائكم عن فتح مصر، أنكم تقاتلونها منذ سنين، وما ذاك إلا لما أحدثتم وأحببتم من الدنيا ما أحب عدوكم، وإن الله، ﵎، لا ينصر قوما إلا بصدق نياتهم، وقد كنت وجهت إليك أربعة نفر، وأعلمتك أن الرجل منهم مقام ألف رجل على ما كنت أعرف، إلا أن يكونوا غيرهم ما غير غيرهم، فإذا أتاك كتابى هذا فاخطب الناس وحضهم على قتال عدوهم، ورغبهم فى الصبر والنية، وقدم أولئك النفر الأربعة فى صدور الناس، ومر الناس جميعا أن تكون لهم صدمة كصدمة رجل واحد، وليكن ذلك عند الزوال يوم الجمعة، فإنها ساعة تنزل الرحمة ووقت الإجابة، وليضج الناس إلى الله ويسألوه النصر على عدوهم.\rفلما أتى عمرا الكتاب جمع الناس وقرأه عليهم، ثم دعا أولئك النفر فقدمهم أمام الناس، وأمر الناس أن يتطهروا ويصلوا ركعتين، ثم يرغبوا إلى الله ويسألوه النصر، ففعلوا، ففتح الله عليهم.\rويقال إن عمرو بن العاص استشار مسلمة بن مخلد فقال له: أشر علىّ فى قتال هؤلاء. فقال له مسلمة: أرى أن تنظر إلى رجل له معرفة وتجارب من أصحاب رسول الله ﷺ فتعقد له على الناس، فيكون هو الذى يباشر القتال ويكفيكه. قال عمرو: ومن ذلك؟ قال: عبادة بن الصامت. فدعا عمرو عبادة، فأتاه وهو راكب على فرسه، فلما دنا منه أراد النزول، فقال له عمرو: عزمت عليك أن لا تنزل، ناولنى سنام رمحك، فناوله إياه، فنزع عمرو عمامته عن رأسه وعقد له وولاه القتال، فتقدم عبادة مكانه فصاف الروم وقاتلهم، ففتح الله على يديه الإسكندرية فى يومه ذلك.\rويروى أن عمرو بن العاص قال وقد أبطأ عليه الفتح، فاستلقى على ظهره ثم جلس","footnotes":"(١) الكوسج: أى الناقص الأسنان، والبطىء من البراذين. انظر: القاموس المحيط للفيروزابادى (١/ ٢٠٤) .\r(٢) فى ابن عبد الحكم: « ... قال عبد العزيز عند ذلك: إنه ليصف صفة رجل يمانى» .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084408,"book_id":3509,"shamela_page_id":971,"part":"2","page_num":342,"sequence_num":971,"body":"فقال: إنى فكرت فى هذا الأمر فإذا هو لا يصلح آخره إلا من أصلح أوله، يريد الأنصار، فدعا عبادة بن الصامت فعقد له، ففتح الله الإسكندرية على يديه من يومه ذلك.\rوقال جنادة بن أبى أمية «١» : دعانى عبادة بن الصامت يوم الإسكندرية وكان على قتالها، فأغار العدو على طائفة من الناس ولم يأذن بقتالهم، فبعثنى أحجز بينهم، فأتيتهم فحجزت بينهم ثم رجعت إليه، فقال: أقتل أحد من الناس؟ قلت: لا. قال: الحمد لله الذى لم يقتل أحد منهم عاصيا.\rقالوا: وكان فتح الإسكندرية يوم الجمعة مستهل شهر المحرم من سنة عشرين.\rولما هزم الله الروم وفتحت الإسكندرية وهرب الروم فى البحر والبر، خلف عمرو ابن العاص بالإسكندرية من أصحابه ألف رجل، ومضى فى طلب من هرب فى البر من الروم، فرجع من كان هرب منهم فى البحر إلى الإسكندرية فقتلوا من كان فيها من المسلمين إلا من هرب.\rوبلغ ذلك عمرو بن العاص فكر راجعا ففتحها، وأقام بها، وكتب إلى عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، أن الله قد فتح علينا الإسكندرية عنوة بغير عقد ولا عهد، فكتب إليه عمر يقبح رأيه ويأمره ألا يجاوزها.\rقال ابن لهيعة: وهذا هو فتح الإسكندرية الثانى، وكان سبب فتحها أن بوابا يقال له: ابن بسامة سأل عمرا الأمان على نفسه وأرضه وأهل بيته ويفتح له الباب، فأجابه عمرو إلى ذلك وفتح له ابن بسامة الباب، فدخل عمرو من ناحية قنطرة سليمان، وكان مدخله الأول من الباب الذى من ناحية كنيسة الذهب.\rوقد روى ابن لهيعة، أيضا، عن يزيد بن أبى حبيب أن فتحها الأول كان سنة إحدى وعشرين ثم انتقضوا سنة خمس وعشرين.\rوجاءت الروم عليهم منويل الخصى، بعثه هرقل فى المراكب حتى أرسوا بالإسكندرية","footnotes":"(١) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (١٢٠٤) ، أسد الغابة ترجمة رقم (٧٨٩) ، طبقات ابن سعد (٧/ ٤٣٩) ، طبقات خليفة ترجمة رقم (٢٩٠٥) ، تاريخ البخارى (٢/ ١٣٢) ، تاريخ خليفة (١٨٠) ، مقدمة مسند بقى بن مخلد (١١٢) ، التاريخ الكبير (٢/ ٢٣٢) ، التاريخ الصغير (٧٢) ، الجرح والتعديل (٢/ ٥١٥) ، فتوح البلدان (٢٧٨) ، تاريخ الثقات للعجلى (٩٩) ، الثقات لابن حبان (٤/ ١٠٣) ، مشتبه النسبة لعبد الغنى بن سعيد (٢٠٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084409,"book_id":3509,"shamela_page_id":972,"part":"2","page_num":343,"sequence_num":972,"body":"فأجابهم من بها من الروم، فخرج إليهم عمرو بن العاص فى البر والبحر، فقاتلهم قتالا شديدا، فهزمهم الله وقتل منويل، ولم يكن المقوقس تحرك ولا نكث.\rويقال: أن هذا انتقاض ثان للإسكندرية بعد انتقاضها الذى ذكره ابن لهيعة أولا وكان ذلك فى زمان عمر، وهذا الذى ذكر يزيد بن أبى حبيب فى خلافة عثمان، رضى الله عنهما، وسيأتى ذكره فى موضعه مستوفى إن شاء الله.\rوقيل: إن جميع من قتل من المسلمين من حين كان من أمر الإسكندرية ما كان إلى أن فتحت اثنان وعشرون رجلا.\rوبعث عمرو بن العاص، معاوية بن حديج «١» وافدا إلى عمر بن الخطاب يبشره بالفتح، فقال له معاوية: ألا تكتب معى؟ فقال له عمرو: ما أصنع بالكتاب، ألست رجلا عربيا تبلغ الرسالة وما رأيت وحضرته؟.\rفلما قدم على عمر أخبره بفتح الإسكندرية، فخر عمر ساجدا وقال: الحمد لله.\rويروى عن معاوية بن حديج أنه قال: قدمت المدينة فى الظهيرة فأنخت راحلتى بباب المسجد، ثم دخلت المسجد، فبينا أنا قاعد فيه إذ خرجت جارية من منزل عمر بن الخطاب فرأتنى شاحبا علىّ ثياب السفر، فأتتنى فقالت: من أنت؟ فقلت: أنا معاوية بن حديج رسول عمرو بن العاص. فانصرفت عنى، ثم أقبلت تشتد، فقالت: قم فأجب أمير المؤمنين. فتبعتها، فلما دخلت إذا بعمر بن الخطاب يتناول رداءه فقال: ما عندك؟ فقلت:\rخير يا أمير المؤمنين، فتح الله الإسكندرية، فخرج معى إلى المسجد فقال للمؤذن: أذن فى الناس الصلاة جامعة، فاجتمع الناس ثم قال لى: قم فأخبر أصحابك. فقمت فأخبرتهم، ثم صلى ودخل منزله واستقبل القبلة فدعا بدعوات ثم جلس فقال: يا جارية، هل من طعام؟ فأتت بخبز وزيت، فقال: كل، فأكلت على حياء، ثم قال: كل فإن المسافر يحب الطعام، فلو كنت آكلا لأكلت معك. فأصبت على حياء، ثم قال: يا جارية، هل من تمر؟ فأتت بتمر فى طبق، فقال: كل، فأكلت على حياء، ثم قال: ماذا قلت يا معاوية حين أتيت المسجد؟ قال: قلت: أمير المؤمنين قائل «٢» . قال: بئس ما قلت، أو بئس ما ظننت. لئن نمت بالنهار لأضيعن الرعية، ولئن نمت الليل لأضيعن نفسى، فكيف بالنوم مع هذين يا معاوية؟.","footnotes":"(١) انظر ترجمته فى: أسد الغابة ترجمة رقم (٤٩٨٠) .\r(٢) القائل: هو النائم فى وسط النهار. انظر: القاموس المحيط للفيروزابادى (٤/ ٤٢) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084410,"book_id":3509,"shamela_page_id":973,"part":"2","page_num":344,"sequence_num":973,"body":"ثم كتب عمرو بن العاص بعد ذلك إلى عمر بن الخطاب، رضى الله عنه: أما بعد، فإنى فتحت مدينة لا أصف ما فيها، غير أنى أصبت فيها أربعة آلاف منية بأربعة آلاف حمام، وأربعين ألف يهودى عليهم الجزية، وأربعمائة ملهى للملوك.\rوعن أبى قبيل أن عمرو بن العاص لما فتح الإسكندرية وجد فيها اثنى عشر ألف بقال يبيعون البقل الأخضر.\rوعن غيره «١» أنه كان فيما أحصى من الحمامات اثنا عشر ديماسا أصغر ديماس منها يسع ألف مجلس، كل مجلس منها يسع جماعة نفر.\rقال: وترحل من الإسكندرية فى الليلة التى دخلها عمرو بن العاص أو الليلة التى خافوا دخوله سبعون ألف يهودى، وكان عدة من بالإسكندرية من الروم مائتى ألف من الرجال، فلحق بأرض الروم أهل القوة وركبوا السفن، وكان بها مائة مركب من المراكب الكبار يحمل فيها ثلاثون ألف بما قدروا عليه من المال والمتاع والأهل، وبقى من بقى ممن يؤدى الخراج، فأحصوا يومئذ ستمائة ألف سوى النساء والصبيان.\rواختلف الناس على عمرو فى قسمهم، وكان أكثرهم يريدون القسم، فقال عمرو:\rلا أقدر على ذلك حتى أكتب إلى أمير المؤمنين، فكتب إليه فى ذلك، فكتب إليه عمر، رضى الله عنه: لا تقسمها، وذرهم يكون خراجهم فيئا للمسلمين وقوة لهم على جهاد عدوهم.\rفأقرها عمرو وأحصى أهلها وفرض عليهم الخراج، فكانت مصر صالحا كلها بفريضة دينارين دينارين على كل رجل، لا يزاد على أحد منهم فى جزية رأسه على دينارين، غير أنه يلزم بقدر ما يتوسع فيه من الأرض والزرع، إلا الإسكندرية فإنهم كانوا يؤدون الخراج والجزية على قدر ما يرى من وليهم؛ لأن الإسكندرية فتحت عنوة لغير عهد ولا عقد، ولم يكن لهم صلح ولا ذمة.\rويقال: إن مصر كلها فتحت عنوة بغير عهد ولا عقد.\rقال سفيان بن وهب الخولانى «٢» : لما فتحنا مصر بغير عهد قام الزبير بن العوام فقال:\rاقسمها يا عمرو. فقال: لا أقسمها. فقال الزبير: والله لتقسمنها كما قسم رسول الله","footnotes":"(١) هو: حسين بن شفى بن عبيد.\r(٢) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (٣٣٤٣) ، أسد الغابة ترجمة رقم (٢١٢٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084411,"book_id":3509,"shamela_page_id":974,"part":"2","page_num":345,"sequence_num":974,"body":"صلى الله عليه وسلم خيبر. فقال عمرو: والله لا أقسمها حتى أكتب إلى أمير المؤمنين. فكتب إليه فأجابه:\rأقرها حتى يغدو «١» منها حبل الحبلة.\rوفى حديث آخر: أن الزبير صولح على شىء أرضى به.\rوحدث أبو قنان «٢» ، عن أبيه أنه سمع عمرو بن العاص يقول، يعنى بمصر: لقد قعدت مقعدى هذا وما لأحد من قبط مصر علىّ عهد ولا عقد، إن شئت قتلت، وإن شئت حبست، وإن شئت بعت.\rويروى عن ربيعة نحو ما تقدم من فتح مصر بغير عهد، وأن عمر بن الخطاب حبس درها وصرها أن يخرج منه شىء نظيرا للإسلام وأهله.\rوقال زيد بن أسلم «٣» : كان لعمر بن الخطاب، رضى الله عنه، تابوت فيه كل عهد كان بينه وبين أحد ممن عاهده، فلم يوجد فيه لأهل مصر عهد.\rويروى أن عمرو بن العاص لما فتح مصر قال للقبط: إن من كتمنى كنزا عنده فقدرت عليه قتلته. فذكر لعمرو أن قبطيا «٤» من أهل الصعيد يقال له: بطرس عنده كنز، فأرسل إليه فسأله، فأنكر، فحبسه عمرو، وسأل: هل تسمعونه يسأل عن أحد؟ فقالوا:\rسمعناه يسأل عن راهب بالطور، فأخذ خاتم بطرس وكتب على لسانه بالرومية إلى ذلك الراهب: أن ابعث إلىّ بما عندك، وختم بخاتمه، فجاء الرسول من عند الراهب بقلة شامية مختومة بالرصاص، فوجد فيها صحيفة مكتوب فيها: يا بنى، إن أردتم ما لكم فافتحوا تحت الفسقية الكبيرة. فأرسل عمرو إلى الفسقية فحبس عنها الماء، وقلع البلاط الذى تحتها، فوجد فيها اثنين وخمسين أردبا ذهبا مضروبة، فضرب عمرو رأس القبطى عند باب المسجد، فأخرج القبط كنوزهم خشية أن يقتلوا.\rوروى يزيد بن أبى حبيب أن عمرو بن العاص استحل مال قبطى كان يظهر الروم على عورات المسلمين ويكتب إليهم بذلك، فاستخرج منه بضعة وخمسين أردبا دنانير.\rوقال ابن شهاب: كان فتح مصر بعضها بعهد وذمة وبعضها عنوة. فجعل عمر بن","footnotes":"(١) فى ابن عبد الحكم: يغزو.\r(٢) هو: أيوب بن أبى العالية.\r(٣) انظر ترجمته فى: الجرح والتعديل (٣/ ٢٥٠٩) ، الإصابة ترجمة رقم (٢٨٨٣) ، أسد الغابة ترجمة رقم (١٨٢١) .\r(٤) فى ابن عبد الحكم: نبطيا.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084412,"book_id":3509,"shamela_page_id":975,"part":"2","page_num":346,"sequence_num":975,"body":"الخطاب جميعها ذمة، وحملهم على ذلك، فجرى ذلك فيهم إلى اليوم.\rوفى كتاب سيف عمن سمى من أشياخه «١» فى فتح مصر مساق آخر غير ما تقدم، وذلك أن عمرو بن العاص خرج إلى مصر بعد ما رجع عمر إلى المدينة، يعنى رجوعه من الشام، فانتهى عمرو إلى باب مصر، وأتبعه الزبير فاجتمعا، فلقيهم هناك أبو مريم جاثليق «٢» مصر ومعه الأسقف فى أهل النيات، بعثهم المقوقس لمنع بلادهم.\rفلما نزل بهم عمرو قاتلوه، فأرسل إليهم عمرو: لا تعجلونا لنعذر إليكم، وتروا رأيكم بعد، فكفوا أصحابهم، فأرسل إليهم عمرو: إنى بارز فليبرز لى أبو مريم وأبو مريام، فأجابوه إلى ذلك وآمن بعضهم بعضا. فقال لهما عمرو: أنتما راهبا أهل هذه البلدة فاسمعا: إن الله بعث محمدا بالحق وأمره به، وأمرنا به محمد، وأدى إلينا كل الذى أمر به، ثم مضى، صلوات الله عليه، وقد قضى الذى عليه وتركنا على الواضحة، وكان مما أمرنا به الإعذار إلى الناس، فنحن ندعوكم إلى الإسلام، فمن أجابنا إليه قبلنا منه وكان مثلنا، ومن لم يجبنا إليه عرضنا عليه الجزية، وبذلنا له المنعة، وقد أعلمنا أنا مفتتحوكم، وأوصانا بكم حفظا لرحمنا فيكم، وإن لكم إن أجبتمونا إلى ذلك ذمة إلى ذمة، ومما عهد إلينا أميرنا: استوصوا بالقبطيين خيرا، فإن رسول الله ﷺ أوصى بالقبطيين خيرا؛ لأن لهم رحما وذمة، يعنى بالرحم أن هاجر أم إسماعيل بن إبراهيم ﵉ منهم، فقالا: قرابة بعيدة لا يصل مثلها إلا الأنبياء وأتباع الأنبياء، وذكرا أن هاجر معروفة عندهم شريفة.\rقالا: كانت ابنة ملكنا، وكان من أهل منف والملك فيهم، فأذيل عليهم أهل عين شمس فقتلوهم وسلبوا ملكهم واغتربوا، فلذلك صارت إلى إبراهيم ﵇. مرحبا بكم وأهلا أمنا حتى نرجع إليك.\rفقال عمرو: إن مثلى لا يخدع ولكننى أأجلكما ثلاثا ولتناظرا قومكما، وإلا ناجرناكم.\rقالا: زدنا، فزادهم يوما، فقالا: زدنا، فزادهم يوما، فرجعوا إلى المقوقس، فهم، يعنى بالإنابة إلى الجزية، فأبى أرطبون أن يجيبهما، وأمر بمناهدتهم، فقالا لأهل مصر: أما نحن فسنجهد أن ندفع عنكم، لا نرجع إليهم وقد بقيت أربعة أيام، فلا تصابون فيها بشىء","footnotes":"(١) انظر: تاريخ الرسل والملوك للطبرى (٤/ ١٠٧، ١٠٨) .\r(٢) الجائليق: رئيس النصارى فى ديار الإسلام.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084413,"book_id":3509,"shamela_page_id":976,"part":"2","page_num":347,"sequence_num":976,"body":"إلا رجونا أن يكون له أمان، فلم يفجأ عمرا والزبير إلا البيات من فرقب، وعمرو والزبير بعين شمس وبها جمعهم. وبعث إلى الفرما أبرهة بن الصباح، فنزل عليها، وبعث عوف ابن مالك إلى الإسكندرية فنزل عليها، فقال كل واحد منهما لأهل مدينته: إن شئتم أن تنزلوا فلكم الأمان. فقالوا: نعم، فراسلوها، وتربصوا بهم أهل عين شمس، وسبى المسلمون من بين ذلك.\rوقال عوف بن مالك «١» : ما أحسن مدينتكم يا أهل الإسكندرية فقالوا: إن الإسكندر قال: إنى أبنى مدينة إلى الله فقيرة، وعن الناس غنية، فبقيت بهجتها.\rوقال أبرهة لأهل الفرما: ما أخلق مدينتكم يا أهل الفرما؟ قالوا: إن الفرما قال: إنى أبنى مدينة عن الله غنية، وإلى الناس فقيرة، فذهبت بهجتها.\rقال الكلبى: كان الإسكندر والفرما أخوين، ثم حدث بمثل ذلك، قال: فنسبتا إليهما، فالفرما يتهدم كل يوم فيها شىء، وأخلقت مرآتها، وبقيت جدة الإسكندرية.\rقالوا: ولما نزل عمرو على القوم بعين شمس، وكان الملك بين القبط والنوب، ونزل معه الزبير عليها قال أهل مصر لملكهم: ما تريد إلى قوم فلوا كسرى وقيصر وغلبوهم على بلادهم، صالح القوم واعتقد منهم، ولا تعرضنا لهم، وذلك فى اليوم الرابع، فأبى، وناهدوهم فقاتلوهم، وارتقى الزبير سورها، فلما أحسوه فتحوا الباب لعمرو، وخرجوا إليه مصالحين، فقبل منهم، ونزل الزبير عليهم عنوة، حتى خرج على عمرو من الباب معهم، فاعتقدوا بعد ما أشرفوا على الهلكة فأجروا ما أخذوا عنوة مجرى ما صالحوا عليه، فصاروا ذمة:\rوكان صلحهم:\rبسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أعطى عمرو بن العاص أهل مصر من الأمان على أنفسهم، وملتهم، وأموالهم، وكنائسهم، وصلبهم، وبحرهم، وبرهم، لا يدخل عليهم فى شىء من ذلك، ولا ينتقض، ولا يساكنهم النوب. وعلى أهل مصر أن يعطوا الجزية إذا اجتمعوا على هذا الصلح، وانتهت زيادة نهرهم خمسين ألف ألف. وعليهم ما جنى لصوصهم، فإن أبى أحد أن يجيب رفع عنهم من الجزى بقدرهم، وذمتنا من أبى بريئة.","footnotes":"(١) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (٦١١٦) ، أسد الغابة ترجمة رقم (٤١٣٠) ، المعارف (٣١٥) ، الجرح والتعديل (٧/ ١٣، ١٤) ، العبر (١/ ٨١) ، تهذيب التهذيب (٨/ ١٦٨) ، شذرات الذهب (١/ ٧٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084414,"book_id":3509,"shamela_page_id":977,"part":"2","page_num":348,"sequence_num":977,"body":"وإن نقص نهرهم من عادته إذا انتهى رفع عنهم بقدر ذلك، ومن دخل فى صلحهم من الروم والنوب فله مثل ما لهم، وعليه مثل ما عليهم، ومن أبى فاختار الذهاب فهو آمن حتى يبلغ مأمنه، أو يخرج من سلطاننا، عليهم ما عليهم أثلاثا فى كل ثلث، يريد من السنة، جباية ثلث ما عليهم، لهم على ما فى هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله ﷺ وذمة الخليفة أمير المؤمنين وذمم المؤمنين.\rوعلى النوبة الذين استجابوا أن يعينوا بكذا وكذا رأسا، وكذا وكذا فرسا معونة، على أن لا يغزوا ولا يمنعوا من تجارة صادرة ولا واردة.\rشهد الزبير، وعبد الله ومحمد ابنا عمرو، وكتب وردان، وحضر فدخل فى ذلك أهل مصر كلهم، وقبلوا الصلح «١» .\rفمصر عمرو الفسطاط، ونزله المسلمون، وظهر أبو مريم وأبو مريام، فكلموا عمرا فى السبايا التى أصيبت بعد المعركة، فقال عمرو: أولهم عهد وعقد؟ ألم نخالفكما ويغر علينا من يومكما؟ فطردهما، فرجعا وهما يقولان: كل شىء أصبتموه إلى أن نرجع إليكم ففى ذمة. فقال لهما عمرو: يغيرون علينا وهم فى ذمة؟ قالا: نعم. وقسم عمرو ذلك السبى على الناس، وتوزعوه ووقع فى بلاد العرب، وقدم البشير إلى عمر بعد بالأخماس، وقدم الوفود، فسألهم عمر، فما زالوا يخبرونه حتى مروا بحديث الجاثليق وصاحبه، فقال عمر: ألا أراهما يبصران وأنتم تجاهلون ولا تبصرون من قاتلكم فلا أمان له، ومن لم يقاتلكم وأصابه منكم سبى من أهل القرى فى الأيام الخمسة فله الأمان، وكتب بذلك إلى عمرو بن العاص، فجعل يجاء بهم من اليمن ومكة حتى ردوا.\rوعن عمرو بن شعيب «٢» قال: لما التقى عمرو والمقوقس بعين شمس، واقتتلت خيلاهما، جعل المسلمون يجولون بعد البعد، فزمرهم عمرو، فقال رجل من أهل اليمن:\rإنا لم نخلق من حجارة ولا حديد. فأسكته عمرو، ثم لما تمادى ذلك نادى عمرو: أين أصحاب رسول الله ﷺ؟ فحضر من شهدها منهم، فقال: تقدموا فبكم ينصر المسلمون.\rفتقدموا وفيهم يومئذ أبو بردة وأبو برزة، وناهدهم الناس يتبعون الصحابة، ففتح الله على المسلمين، وظفروا أحسن الظفر، وافتتحت مصر، وقام فيها ملك الإسلام على رجل، وجعل يفيض على الأمم والملوك.","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٤/ ١٠٩) .\r(٢) انظر: الطبرى (٤/ ١١١) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084415,"book_id":3509,"shamela_page_id":978,"part":"2","page_num":349,"sequence_num":978,"body":"وعن محمد بن إسحاق «١» عن رجل من أهل مصر اسمه القاسم بن قزمان: أن زياد ابن جزء الزبيدى حدثه وكان فى جند عمرو بن العاص، قال: افتتحنا الإسكندرية فى خلافة عمر، فلما افتتحنا باب اليون تدنينا قرى الريف فيما بيننا وبين الإسكندرية قرية قرية، حتى انتهينا إلى بلهيب وقد بلغت سبايانا مكة والمدينة واليمن، فلما انتهينا إلى بلهيب «٢» أرسل صاحب الإسكندرية إلى عمرو بن العاص: إنى قد كنت أخرج الجزية إلى من هو أبغض إلىّ منكم يا معشر العرب، لفارس والروم، فإن أحببت أن أعطيك الجزية على أن ترد علىّ ما أصبتم من سبايا أرضى فعلت، فبعث إليه عمرو: إن ورائى أميرا لا أستطيع أن أصنع أمرا دونه، فإن شئت أن أمسك عنك وتمسك عنى حتى أكتب إليه بالذى عرضت علىّ، فإن قبل ذلك منك قبلت، وإن أمرنى بغير ذلك مضيت لأمره.\rقال: فقال: نعم. فكتب عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب يذكر له الذى عرض عليه صاحب الإسكندرية. قال: وكانوا لا يخفون علينا كتابا كتبوا به، ثم وقفنا ببلهيب وفى أيدينا بقايا من سبيهم، وأقمنا ننتظر كتاب عمر حتى جاءه، وقرأه علينا عمرو وفيه:\r«أما بعد: فإنه جاء فى كتابك تذكر أن صاحب الإسكندرية عرض عليك أن يعطيك الجزية على أن ترد عليه ما أصبت من سبايا أرضه، ولعمرى لجزية قائمة تكون لنا ولمن بعدنا من المسلمين أحب إلىّ من فىء يقسم، ثم كأنه لم يكن، فاعرض على صاحب الإسكندرية أن يعطيك الجزية، على أن تخيروا من فى أيديكم من سبيهم بين الإسلام وبين دين قومه، فمن اختار منهم الإسلام فهو من المسلمين، له ما لهم وعليه ما عليهم، ومن اختار دين قومه وضع عليه من الجزية ما يوضع على أهل ذمته، فأما من تفرق من سبيهم بأرض العرب وبلغ مكة والمدينة واليمن فإنّا لا نقدر على ردهم، ولا نحب أن نصالحه على أمر لا نفى له به» .\rقال: فبعث عمرو بن العاص إلى صاحب الإسكندرية يعلمه الذى كتب به أمير المؤمنين، فقال: قد فعلت، فجمعنا ما فى أيدينا من السبايا، واجتمعت النصارى، فجعلنا نأتى بالرجل ممن فى أيدينا، ثم نخيره بين الإسلام وبين النصراينية، فإذا اختار الإسلام كبرنا تكبيرة لهى أشد من تكبيرتنا حين تقتحم القرية، ثم نجوزه إلينا، وإذا اختار النصرانية نخرت النصارى وحازوه إليهم، ووضعنا عليه الجزية، وجزعنا من ذلك جزعا","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٤/ ١٠٥، ١٠٦) .\r(٢) بلهيب: قرية من قرى الريف، يقال لها: الريش. انظر: الطبرى (٤/ ١٠٥) ، معجم البلدان (١/ ٤٩٢) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084416,"book_id":3509,"shamela_page_id":979,"part":"2","page_num":350,"sequence_num":979,"body":"شديدا، حتى كأنه رجل خرج منا إليهم، فكان ذلك الدأب حتى فرغنا منهم.\rوفيمن أتينا به أبو مريم عبد الله بن عبد الرحمن، قال القاسم: وقد أدركته وهو عريف بنى زبيد، قال ابن جزء الزبيدى: فعرضنا عليه الإسلام والنصرانية، وأبوه وأمه وإخوته فى النصارى، فاختار الإسلام، فحزناه إلينا، ووثب عليه أبوه وأمه وإخوته يجاذبوننا عليه، حتى شققوا ثيابه، ثم هو اليوم عريفنا كما ترى.\rثم فتحت لنا الإسكندرية فدخلناها، فمن زعم غير ذلك أن الإسكندرية وما حولها من القرى لم تكن لها جزية ولا لأهلها عهد فقد كذب.\rقال القاسم: وإنما أهاج هذا الحديث أن ملوك بنى أمية كانوا يكتبون إلى أمراء مصر أنها إنما دخلت عنوة، وإنما هم عبيدنا نزيد عليهم كيف شئنا، ونضع ما شئنا، وقد تقدم بعض ما وقع فى هذا المعنى من الاختلاف.\rوكذلك اختلفوا فى وقت فتح مصر، فذكر ابن إسحاق أنها فتحت سنة عشرين، وكذلك قال أبو معشر والواقدى.\rوقد روى عن أبى معشر أن الإسكندرية فتحت سنة خمس وعشرين، ولعل ذلك فتحها الأخير، إذ قد تقدم ذكر انتقاضها مرتين.\rوأما سيف «١» فزعم أن مصر والإسكندرية فتحتا فى سنة ست عشرة. قال: ولما كان ذو القعدة من سنة ست عشرة وضع عمر، ﵀، مسالح مصر على السواحل وغيرها.\rوقال سعيد بن عفير وغيره «٢» : لما تم الفتح للمسلمين بعث عمرو بن العاص جرائد الخيل إلى القرى التى حول الفسطاط، فأقامت الفيوم سنة لم يعلم المسلمون مكانها، حتى أتاهم رجل فذكرها لهم، فأرسل عمرو معه ربيعة بن حبيش بن عرفطة الصدفى، فلما سلكوا فى المجابة لم يروا شيئا، فهموا بالانصراف، فقالوا: لا تعجلوا، سيروا فإن كان كذبا فما أقدركم على ما أردتم. فلم يسيروا إلا قليلا حتى طلع لهم سواد الفيوم فهجموا عليها، فلم يكن عندهم قتال وألقوا بأيديهم.\rقال: ويقال: بل خرج مالك بن ناعمة الصدفى، وهو صاحب الأشقر، ينفض المجابة","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٤/ ١١١، ١١٢) .\r(٢) انظر: فتوح مصر وأخبارها لابن عبد الحكم (ص ١٦٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084417,"book_id":3509,"shamela_page_id":980,"part":"2","page_num":351,"sequence_num":980,"body":"على فرسه، ولا علم له بما خلفها من الفيوم، فهجم على الفيوم فلما رأى سوادها رجع إلى عمرو فأخبره.\rوقيل غير ذلك فى وجه الانتهاء إلى الفيوم مما لا كبير فائدة فى ذكره، والله تعالى أعلم «١» .\rوعن يزيد بن أبى حبيب أن عمرو بن العاص لما فتح الإسكندرية ورأى بيوتها وبناءها مفروغا منها همّ بسكناها، وقال: مساكن قد كفينا بناءها، فكتب إلى عمر بن الخطاب يستأذنه فى ذلك، فسأل عمر الرسول: هل يحول بينى وبين المسلمين ماء؟ قال:\rنعم، إذا جرى النيل. فكتب إلى عمرو:\rإنى لا أحب أن ينزل المسلمون منزلا يحول الماء بينى وبينهم لا فى شتاء ولا فى صيف.\rفتحول عمرو من الإسكندرية إلى الفسطاط. وإن ناسا من المسلمين حين افتتحوا مصر مع عمرو بن العاص اختطوا بالجيزة وسكنوا بها، فكتب عمرو بذلك إلى عمر، فكتب إليه عمر يقول: ما كنت أحب أن ينزلوا منزلا يكون الماء دونهم، فإذا فعلوا فابن عليهم حصنا. فبنى الحصن الذى خلف الجسرين.\rوبنى عمرو بن العاص المسجد، وكان ما حوله حدائق وأعنابا، فنصبوا الحبال حتى استقام لهم، ووضعوا أيديهم، فلم يزل عمرو قائما حتى وضعوا القبلة، وضعها هو ومن حضر معه من أصحاب رسول الله ﷺ واتخذ فيه منبرا. فكتب إليه عمر بن الخطاب:\r«أما بعد. فإنه بلغنى أنك اتخذت منبرا ترقى به على رقاب المسلمين، أو ما بحسبك أن تقوم قائما والمسلمون تحت عقبيك، فعزمت عليك لما كسرته» .\rولما اختط الناس المنازل بالفسطاط كتب عمرو بن العاص إلى عمر، رضى الله عنه:\rإنا قد اختططنا لك دارا عند المسجد الجامع.\rفكتب إليه عمر: أنى لرجل بالحجاز تكون له دار بمصر؟ وأمره أن يجعلها سوقا للمسلمين.\rوذكر الطبرى»\rأن القبط حضروا باب عمرو، فبلغه أنهم يقولون: ما أرثّ العرب","footnotes":"(١) انظر: فتوح مصر وأخبارها لابن عبد الحكم (ص ٩١) .\r(٢) انظر: تاريخ الرسل والملوك للطبرى (٤/ ١١٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084418,"book_id":3509,"shamela_page_id":981,"part":"2","page_num":352,"sequence_num":981,"body":"وأهون أنفسهم وما رأينا مثلنا دان لهم فخاف أن يستثيرهم ذلك، فأمر بجزر فنحرت، فبطحت فى الماء والملح، وأمر أمراء الأجناد أن يحضروا هم وأصحابهم، وجلس وأذن لأهل مصر، وجىء باللحم والمرق فطافوا به على المسلمين، فأكلوا أكلا عربيا، انتشلوا وحسوا وهم فى العباء ولا سلاح، فافترق أهل مصر وقد ازدادوا طمعا وجرأة، وتقدم إلى أمراء الأجناد فى الحضور بأصحابهم من الغد، وأمرهم أن يجيئوا فى ثياب أهل مصر وأحذيتهم، وأمرهم أن يأخذوا أصحابهم بذلك، ففعلوا، وأذن لأهل مصر، فرأوا غير ما رأوا بالأمس، وقام عليهم القوم بألوان مصر، فأكلوا أكل أهل مصر، ونحوا نحوهم، فافترقوا وقد ارتابوا.\rوبعث إليهم: أن يتسلحوا غدا للعرض، وغدا على العرض، وأذن لأهل مصر فعرضهم عليهم، ثم قال: إنى قد علمت أنكم رأيتم فى أنفسكم أنكم فى شىء حين رأيتم اقتصاد العرب وهون تزجيتهم، فخشيت أن تهلكوا، فأحببت أن أريكم حالهم، كيف كانت فى أرضهم، ثم حالهم فى أرضكم، ثم حالهم فى الحرب فظفروا بكم، وذلك عيشهم، وقد كلبوا على بلادكم قبل أن ينالوا منها ما رأيتم فى اليوم الثانى، فأحببت أن تعلموا أن من رأيتم فى اليوم الثالث غير تارك عيش اليوم الثانى وراجع إلى عيش اليوم الأول.\rفتفرقوا وهم يقولون: لقد رمتكم العرب برجلهم.\rوبلغ عمر، ﵀، ذلك، فقال لجلسائه، يعنى عمرا: والله إن حربه للينة ما لها سطوة ولا سورة كسورات الحروب من غيره، إن عمرا لعض، ثم أمّره عليها وأقام بها.\rوذكر ابن عبد الحكم أن عمر، رضى الله عنه، كتب أن يختم فى رقاب أهل الذمة بالرصاص، ويظهروا مناطقهم، ويجزوا نواصيهم، ويركبوا على الأكف عرضا، ولا يضربوا الجزية إلا على من جرت عليه الموسى، ولا يضربوا على النساء، ولا على الولدان، ولا يدعوهم يتشبهون «١» بالمسلمين فى لبوسهم «٢» .\rقال: ثم إن عمر بن الخطاب أمر أمراء الأجناد أن يتقدموا إلى الرعية بأن عطاءهم قائم، وأرزاق عيالهم جارية، فلا يزرعون، يعنى الأجناد، ولا يزارعون.\rفأتى شريك بن سمى الغطيفى إلى عمرو بن العاص فقال: إنكم لا تعطوننا ما يحبسنا أفتأذن لى بالزرع؟ فقال له عمرو: ما أقدر على ذلك، فزرع شريك بغير إذنه، فكتب","footnotes":"(١) انظر: فتوح مصر وأخبارها لابن عبد الحكم (ص ١٥١) .\r(٢) انظر: فتوح مصر وأخبارها لابن عبد الحكم (ص ١٦٢) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084419,"book_id":3509,"shamela_page_id":982,"part":"2","page_num":353,"sequence_num":982,"body":"عمرو بذلك إلى عمر بن الخطاب، فأمره أن يبعث إليه شريكا، فأقرأ عمرو شريكا الكتاب، فقال له شريك: قتلتنى يا عمرو قال: ما أنا قتلتك قال: أنت صنعت هذا بنفسك قال: فإذا كان هذا من رأيك فأذن لى فى الخروج إليه من غير كتاب، ولك علىّ عهد الله أن أجعل يدى فى يده، فأذن له، فلما وقف على عمر قال: تؤمننى يا أمير المؤمنين؟ قال: ومن أى الأجناد أنت؟ قال: من جند مصر، قال: فلعلك شريك بن سمى الغطيفى؟ قال: نعم، يا أمير المؤمنين، قال: لأجعلنك نكالا لمن خلفك، قال: أو تقبل منى ما قبل الله من العباد؟ قال: وتفعل؟ قال: نعم، فكتب إلى عمرو بن العاص: إن شريك ابن سمى جاءنى تائبا فقبلت منه.\rوعن الليث بن سعد «١» قال: سأل المقوقس عمرو بن العاص أن يبيعه سفح المقطم بسبعين ألف دينار، فعجب عمرو من ذلك وقال: أكتب فى ذلك إلى أمير المؤمنين، فأجابه عمر عن كتابه إليه فى ذلك: سله لم أعطاك به ما أعطاك، وهى لا تزدرع ولا يستنبط بها ماء ولا ينتفع بها. فسأله عمرو، فقال: إنا لنجد صفتها فى الكتب أن فيها غراس الجنة، فكتب بذلك إلى عمر، فأجابه: إنا لا نعلم غراس الجنة إلا المؤمنين، فأقبر فيها من مات قبلك من المسلمين ولا تبعه بشىء. فكان أول من دفن فيها رجل من المعافر يقال له: عامر، فقيل: عمرت.\rقالوا «٢» : ولما استقامت البلاد وفتح الله على المسلمين، فرض عمرو بن العاص لرباط الإسكندرية ربع الناس، يقيمون ستة أشهر ثم يعقب بعدهم ربعا آخر ستة أشهر، وربعا فى السواحل، والنصف الثانى مقيمون معه.\rوقيل: كان عمر بن الخطاب يبعث كل سنة غازية من أهل المدينة ترابط بالإسكندرية وكانت الولاة لا تغفلها، ويكثفون رابطتها، ولا يأمنون الروم عليها.\rوكتب عثمان بن عفان، رضى الله عنه، وهو خليفة إلى عبد الله بن سعد بن أبى سرح بعد أن استعمله على مصر:\rقد علمت كيف كان هم أمير المؤمنين بالإسكندرية، وقد نقضت مرتين، فألزم الإسكندرية رابطتها، وأجر عليهم أرزاقهم، وأعقب بينهم فى كل ستة أشهر.\rوكان عمرو بن العاص يقول: ولاية مصر جامعة تعدل الخلافة، وقال: نيل مصر سيد","footnotes":"(١) انظر: فتوح مصر وأخبارها لابن عبد الحكم (ص ١٥٧) .\r(٢) انظر: فتوح مصر وأخبارها لابن عبد الحكم (ص ١٩٢) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084420,"book_id":3509,"shamela_page_id":983,"part":"2","page_num":354,"sequence_num":983,"body":"الأنهار، سخر الله له كل نهر من المشرق والمغرب، فإذا أراد الله أن يجريه أمر الأنهار فأمدته بمائها، وفجر له الأرض عيونا، فإذا انتهت جريته إلى ما أراد سبحانه أوحى إلى كل ماء أن يرجع إلى عنصره.\rولما فتح عمرو مصر أتاه أهلها حين دخل بؤنة من أشهر العجم، فقالوا له: أيها الأمير، إن لنيلنا هذا سنة لا يجرى إلا بها. فقال: وما ذاك؟ قالوا: إنه إذا كان لاثنتى عشرة ليلة تخلو من هذا الشهر عهدنا إلى جارية بكر بين أبويها، فأرضينا أبويها، وجعلنا عليها من الحلى والثياب أفضل ما يكون، ثم ألقيناها فى هذا النهر. فقال لهم عمرو: إن هذا لا يكون فى الإسلام، وإن الإسلام يهدم ما قبله. فأقاموا ذلك الشهر والشهرين اللذين بعده لا يجرى قليلا ولا كثيرا حتى هموا بالجلاء، فلما رأى ذلك عمرو كتب به إلى عمر بن الخطاب، فكتب إليه عمر، رضى الله عنه:\rقد أصبت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وقد بعثت إليك ببطاقة فألقها فى داخل النيل.\rفلما قدم الكتاب على عمرو وفتح البطاقة فإذا فيها:\rمن عبد الله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين إلى نيل مصر: أما بعد، فإن كنت تجرى من قبلك فلا تجر، وإن كان الله الواحد القهار هو الذى يجريك فنسأل الله الواحد القهار أن يجريك.\rفألقى عمرو البطاقة فى النيل قبل يوم الصليب بيوم، وقد تهيأ أهل مصر للجلاء والخروج منها؛ لأنه لا يقوم بمصلحتهم فيها إلا النيل، فأصبحوا يوم الصليب وقد أجراه الله، ﷿، ستة عشر ذراعا فى ليلة. وقطع تلك السنة السوء عن أهل مصر.\rذكر فتح أنطابلس\rقال ابن عبد الحكم «١» : كان البربر بفلسطين، يعنى فى زمان داود ﵇، فخرجوا منها متوجهين إلى الغرب حتى انتهوا إلى لوبية ومراقية، وهما كورتان من كور مصر الغربية، مما يشرب من ماء السماء ولا ينالهما النيل، فتفرقوا هنالك، فتقدمت زناتة ومغيلة إلى الغرب وسكنوا الجبال وتقدمت لواتة فسكنت أرض أنطابلس وهى برقة، وتفرقت فى هذا الغرب وانتشروا فيه حتى بلغوا السوس، ونزلت هوارة مدينة لبدة،","footnotes":"(١) انظر: فتوح مصر وأخبارها لابن عبد الحكم (ص ١٧٠، ١٧١) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084421,"book_id":3509,"shamela_page_id":984,"part":"2","page_num":355,"sequence_num":984,"body":"ونزلت نفوسة مدينة صبرة، وجلا من كان فيها من الروم من أجل ذلك، وأقام الأفارق وكانوا خدما للروم على صلح يؤدونه إلى من غلب على بلادهم، وهم بنو أفارق بن قيصر بن حام.\rفسار عمرو بن العاص فى الخيل حتى قدم برقة، فصالح أهلها على ثلاثة عشر ألف دينار يؤدونها إليه جزية، على أن يبيعوا من أبنائهم فى جزيتهم، ولم يكن يدخل برقة يومئذ جابى خراج، وإنما كانوا يبعثون بالجزية إذا جاء وقتها.\rووجه عمرو بن العاص عقبة بن نافع حتى بلغ زويلة. قال الطبرى: فافتتحها بصلح، وصار ما بين برقة وزويلة سلما للمسلمين. وقال أبو العالية الحضرمى: سمعت عمرو بن العاص على المنبر يقول: لأهل أنطابلس عهد يوفى لهم به.\rفتح أطرابلس\rقال ابن عبد الحكم «١» : ثم سار عمرو حتى نزل أطرابلس فى سنة اثنتين وعشرين، فنزل القبة التى على الشرف من شرقيها، فحاصرها شهرا لا يقدر منهم على شىء، فخرج رجل من بنى مدلج ذات يوم من عسكر عمرو متصيدا فى سبعة نفر، فمضوا غربى المدينة حتى أمنعوا عن العسكر، ثم رجعوا فأصابهم الحر، فأخذوا على ضفة البحر، وكان البحر لاصقا بسور المدينة، ولم يكن فيما بين المدينة والبحر سور، وكانت سفن الروم شارعة فى مرساها إلى بيوتهم، فنظر المدلجى وأصحابه، فإذا البحر قد غاض من ناحية المدينة، ووجدوا مسلكا إليها من الموضع الذى حسر عنه البحر، فدخلوا منه حتى أتوا من ناحية الكنيسة وكبروا، فلم يكن للروم مفزع إلا سفنهم، وأبصر عمرو وأصحابه السلمة فى جوف المدينة، فأقبل بجيشه حتى دخل عليهم، فلم يفلت الروم إلا بما خف لهم من مراكبهم، وغنم عمرو ما كان فى المدينة.\rوكان من بصبرة متحصنين، وهى المدينة العظمى وسوقها السوق القديم، فلما بلغهم محاصرة عمرو مدينة أطرابلس، وأنه لم يصنع فيهم شيئا ولا طاقة له بهم أمنوا.\rفلما ظفر عمرو بمدينة أطرابلس جرد خيلا كثيفة من ليلته، وأمرهم بسرعة السير، فصبحت خيله مدينة صبرة وهم غافلون وقد فتحوا أبوابها لتسرح ماشيتهم، فدخلوها فلم ينج منهم أحد، واحتوى أصحاب عمرو على ما فيها ورجعوا إلى عمرو.","footnotes":"(١) انظر: فتوح مصر وأخبارها لابن عبد الحكم (ص ١٧١- ١٧٣) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084422,"book_id":3509,"shamela_page_id":985,"part":"2","page_num":356,"sequence_num":985,"body":"قال: ثم أراد عمرو أن يوجه إلى المغرب، فكتب إلى عمر بن الخطاب: إن الله، ﷿، قد فتح علينا أطرابلس، وليس بينها وبين أفريقية إلا تسعة أيام، فإن رأى أمير المؤمنين أن نغزوها ويفتحها الله على يديه فعل.\rفكتب إليه عمر: لا، إنها ليست بأفريقية، ولكنها المفرقة، غادرة مغدور بها، لا يغزوها أحد ما بقيت.\rقال: وأتى عمرو بن العاص كتاب المقوقس، يذكر له أن الروم يريدون نكث العهد ونقض ما كان بينهم وبينه، وكان عمرو قد عاهد المقوقس على أن لا يكتمه أمرا يحدث، فانصرف عمرو راجعا مبادرا لما أتاه.\rقال: وقد كان عمرو يبعث الجريدة من الخيل فيصيبون الغنائم ثم يرجعون، يعنى من أطراف أفريقية.\rذكر انتقاض الإسكندرية فى خلافة عثمان رضى الله عنه\r«١» قال عبد الرحمن بن عبد الحكم: وفى سنة خمس وعشرين عزل عثمان بن عفان عمرو ابن العاص عن مصر، وولى عبد الله بن سعد «٢» . وقد كانت الإسكندرية انتقضت، وجاءت الروم عليهم منويل الخصى فى المراكب حتى أرسوا بالإسكندرية، فأجابهم من بها من الروم، ولم يكن المقوقس تحرك ولا نكث، فلما نزلت الروم بالإسكندرية سأل أهل مصر عثمان، رضى الله عنه، أن يقر عمرا حتى يفرغ من قتال الروم، فإن له معرفة فى الحرب وهيبة فى العدو، ففعل.\rفخرج إليهم عمرو فى البر والبحر، وضوى إلى المقوقس من أطاعه من القبط. فأما الروم فلم يطعه منهم أحد. فقال خارجة بن حذافة لعمرو: ناهضهم قبل أن يكثر مددهم ولا آمن أن تنتقض مصر كلها. قال عمرو: لا، ولكن دعهم حتى يسيروا إلىّ، فإنهم يصيبون من مروا به فيجزى الله بعضهم ببعض، فخرجوا من الإسكندرية ومعهم من نقض من أهل القرى، فجعلوا ينزلون القرية فيشربون خمورها، ويأكلون أطعمتها،","footnotes":"(١) الخبر منقول عن ابن عبد الحكم فى فتوح مصر وأخبارها (ص ١٧٤- ١٩١) .\r(٢) هو: عبد الله بن سعد العامرى. انظر ترجمته فى: الثقات (٣/ ٢١٣) ، التاريخ الصغير (١/ ٨٤) ، البداية والنهاية (٥/ ٣٥٠) ، الإصابة ترجمة رقم (٤٧٢٩) ، أسد الغابة ترجمة رقم (٢٩٧٦) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084423,"book_id":3509,"shamela_page_id":986,"part":"2","page_num":357,"sequence_num":986,"body":"وينتهبون ما مروا به، فلم يعرض لهم عمرو حتى بلغوا نقيوس «١» ، فلقوهم فى البر والبحر، فبدأت الروم والقبط فرموا بالنشاب فى الماء رميا شديدا، حتى أصاب النشاب يومئذ فرس عمرو فى لبته وهو فى البر، فعقر فنزل عنه، ثم خرجوا من البحر، فاجتمعوا هم والذين فى البر فنصحوا المسلمين بالنشاب، فاستأخر المسلمون عنهم شيئا، وحملوا حملة ولى المسلمون منها، وانهزم شريك بن سمى فى خيله.\rوكانت الروم قد جعلت صفوفا خلف صفوف، وبرز يومئذ بطريق ممن جاء من أرض الروم على فرس له عليه سلاح مذهب، فدعا إلى البراز، فبرز إليه رجل من زبيد يقال له: حومل ويكنى أبا مذحج، فاقتتلا طويلا برمحين يتطاردان، ثم ألقى البطريق الرمح وأخذ السيف، وألقى حومل رمحه وأخذ سيفه وكان يعرف بالنجدة، وجعل عمرو يصيح: أبا مذحج فيجيبه: لبيك، والناس على شاطئ النيل فى البر على تعبئتهم وصفوفهم، فتجاولا ساعة بالسيفين، ثم حمل عليه البطريق فاحتمله وكان نحيفا، ويخترط حومل خنجرا كان فى منطقته أو فى ذراعه فيضرب به نحر العلج أو ترقوته، فأثبته ووقع عليه فأخذ سلبه، ثم مات حومل بعد ذلك بأيام، رحمة الله عليه، فرئى عمرو يحمل سريره بين عمودى نعشه حتى دفنه بالمقطم.\rقال: ثم شد المسلمون عليهم فكانت هزيمتهم، وطلبهم المسلمون حتى ألحقوهم بالإسكندرية، ففتح الله عليهم وقتل منويل الخصى.\rقال الهيثم بن زياد: وقتلهم عمرو بن العاص حتى أمعن فى مدينتهم، فكلم فى ذلك فأمر برفع السيف عنهم، وبنى فى ذلك الموضع مسجد، وهو الذى يقال له بالإسكندرية مسجد الرحمة، سمى بذلك لرفع عمرو السيف هنالك.\rوكان عمرو حلف: لئن أظفره الله عليهم ليهدمن سورها حتى تكون مثل بيت الزانية يؤتى من كل مكان، فلما أظفره الله هدم سورها كله.\rوجمع عمرو ما أصاب منهم، فجاءه من أهل تلك القرى من لم يكن نقض، فقالوا:\rقد كنا على صلحنا، ومرّ علينا هؤلاء اللصوص فأخذوا متاعنا ودوابنا وهو قائم فى يديك، فرد عليهم عمرو ما كان لهم من متاع عرفوه وأقاموا عليه البينة.\rوقال بعضهم لعمرو: ما حل لك ما صنعت بنا، وكان لنا عليك أن تقاتل عنا لأنا فى ذمتك ولم ننقض، فأما من نقض فأبعده الله. فندم عمرو وقال: يا لتنى كنت لقيتهم حين خرجوا من الإسكندرية.","footnotes":"(١) نقيوس: قرية كانت بين الفسطاط والإسكندرية. انظر: معجم البلدان (٥/ ٣٠٣) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084424,"book_id":3509,"shamela_page_id":987,"part":"2","page_num":358,"sequence_num":987,"body":"وكان سبب نقض الإسكندرية، فيما ذكر ابن عبد الحكم، أن صاحب أخناء قدم على عمرو بن العاص فقال: أخبرنا ما علينا من الجزية فنصبر لها، فقال له عمرو وهو يشير إلى ركن كنيسة: لو أعطيتنى من الركن إلى السقف ما أخبرتك، إنما أنتم خزانة لنا، إن كثر علينا كثرنا عليكم وإن خفف عنا خففنا عنكم، فغضب صاحب أخناء، فخرج إلى الروم فقدم بهم، فهزمهم الله،، وأسر ذلك النبطى، فأتى به إلى عمرو، فقال له الناس: اقتله، فقال: لا، بل انطلق فجئنا بجيش آخر.\rوقيل: إنه لما أتى به سوره وتوجه وكساه برنسين أرجوان، وقال له: ايتنا بمثل هؤلاء، فرضى بأداء الجزية.\rفقيل له: لو أتيت ملك الروم؟ فقال: لو أتيته لقتلنى وقال: قتلت أصحابى.\rوذكر ابن عبد الحكم، أيضا، أن الروم مشت إلى قسطنطين بن هرقل فى سنة خمس وثلاثين فقالوا: تترك الإسكندرية فى أيدى العرب وهى مدينتنا الكبرى؟ فقال: ما أصنع بكم وما تقدرون أن تتماسكوا ساعة إذا لقيتم العرب؟ قالوا: فاخرج على أن نموت، فتبايعوا على ذلك، وخرج فى ألف مركب يريد الإسكندرية، فبعث الله عليهم ريحا عاتية فأغرقتهم، إلا قسطنطين نجا بمركبه فألقته الريح بصقلية، فسألوه عن أمره فأخبرهم، فقالوا: شأمت النصرانية وأفنيت رجالها، فلو دخل العرب علينا لم نجد من يردهم، ثم صنعوا له الحمام ودخلوا عليه ليقتلوه، فقال: ويلكم تذهب رجالكم وتقتلون ملككم؟\rقالوا: كأنه غرق معهم، ثم قتلوه وخلوا من كان معه فى المركب.\rذكر غزو أفريقية وفتحها\r«١» قال ابن عبد الحكم «٢» : ولما عزل عثمان، عمرو بن العاص عن مصر وأمّر عبد الله بن سعد بن أبى سرح، كان يبعث المسلمين فى جرائد الخيل كما كانوا يفعلون فى إمرة عمرو بن العاص، فيصيبون من أطراف أفريقية ويغنمون، فكتب عبد الله بن سعد فى ذلك إلى عثمان، وأخبره بقربها من حوز المسلمين، واستأذنه فى غزوها، فندب عثمان الناس إلى ذلك بعد المشورة فيه، فلما اجتمع الناس أمّر عليهم الحارث بن الحكم إلى أن يقدموا مصر على عبد الله بن سعد، فيكون إليه الأمر، فخرج عبد الله إليها، وكان","footnotes":"(١) انظر: المنتظم لابن الجوزى (٤/ ٣٤٣- ٣٤٥) .\r(٢) انظر: فتوح مصر وأخبارها لابن عبد الحكم (ص ١٨٣) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084425,"book_id":3509,"shamela_page_id":988,"part":"2","page_num":359,"sequence_num":988,"body":"عليها ملك يقال له: جرجير، كان هرقل استخلفه فخلعه، وكان سلطانه ما بين أطرابلس إلى طنجة، ومستقر سلطانه يومئذ بمدينة يقال لها قرطاجنة، فلقى عبد الله جرجير، فقاتله فقتله الله، وولى قتله عبد الله بن الزبير، فيما يزعمون، وهرب جيش جرجير، فبعث عبد الله السرايا وفرقها، فأصابوا غنائم كثيرة، فلما رأى ذلك رؤساء أهل أفريقية سألوه أن يأخذ منهم مالا على أن يخرج من بلادهم، فقبل منهم ذلك ورجع إلى مصر، ولم يول على أفريقية أحدا، ولا اتخذ بها قيروانا.\rويروى أن جرجيرا لما نازله المسلمون القتال أبرز ابنته وكانت من أجمل النساء، فقال: من يقتل عبد الله بن سعد وله نصف ملكى وأزوجه ابنتى؟ فبلغ ذلك عبد الله فقال: أنا أصدق من العلج، وأوفى بالعهد! من يقتل جرجيرا فله ابنته، فقتله عبد الله بن الزبير، فدفع إليه عبد الله ابنته.\rوذكر ابن عبد الحكم «١» ، عن أبيه وابن عفير: أن ابنة جرجير صارت لرجل من الأنصار فى سهمه، فأقبل بها منصرفا قد حملها على بعير له، فجعل يرتجز:\rيا ابنة جرجير تمشى عقبتك ... إن عليك بالحجاز ربّتك\rلتحملنّ من قباء قربتك\rفقالت: ما تقول؟ وسبته فأخبرت بذلك، فألقت بنفسها عن البعير الذى كانت عليه، فاندقت عنقها فماتت. فالله أعلم أى ذلك كان.\rوكانت غنائم المسلمين يومئذ أنه بلغ سهم الفارس بعد إخراج الخمس ثلاثة آلاف دينار: للفرس ألفا دينار، ولفارسه ألف دينار، وللراجل ألف، وقسم لرجل من الجيش توفى بذات الحمام، فدفع إلى أهله بعد موته ألف دينار.\rوكان جيش عبد الله بن سعد ذلك الذى وقع له القسم عشرين ألفا.\rوبعث عبد الله بالفتح إلى عثمان، رضى الله عنه، عقبة بن نافع، ويقال: بل عبد الله ابن الزبير، وهو أصح.\rوسار، زعموا، عبد الله بن الزبير على راحلته من أفريقية إلى المدينة عشرين ليلة، ولما دخل على عثمان أخبره بلقائهم العدو، وبما كان فى تلك الغزوة، فأعجب عثمان فقال له: هل تستطيع أن تخبر الناس بهذا؟ قال: نعم، فأخذ بيده حتى انتهى به إلى المنبر ثم","footnotes":"(١) انظر: فتوح مصر وأخبارها لابن عبد الحكم (ص ١٨٤، ١٨٥) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084426,"book_id":3509,"shamela_page_id":989,"part":"2","page_num":360,"sequence_num":989,"body":"قال: اقصص عليهم ما أخبرتنى به، فتلكأ عبد الله بدأ، ثم تكلم بكلام أعجبهم.\rويروى عن ابن شهاب «١» أن عثمان لما قال لابن الزبير أتكلم الناس بهذا؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، أنا أهيب لك منى لهم، فأمر عثمان فجمع الناس، ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وكان أكره شىء إليه الخطب، وأحب الأشياء إليه ما كفى، ثم قال:\rأيها الناس، إن الله قد فتح عليكم أفريقية، وهذا عبد الله بن الزبير يخبركم بخبرها إن شاء الله، ثم جلس على المنبر.\rوقام ابن الزبير إلى جانب المنبر، وكان أول من قام إلى جانبه، فقال: الحمد لله الذى ألف بيننا بعد الفرقة، وجعلنا متحابين بعد البغضة، والحمد لله الذى لا تجحد نعماؤه، ولا يزول ملكه، له الحمد كما حمد نفسه، وكما هو أهله. ابتعث محمدا ﷺ فاختاره بعلمه، وائتمنه على وحيه، فاختار له من الناس أعوانا قذف فى قلوبهم تصديقه، فآمنوا به وعزروه ووقروه ونصروه، وجاهدوا فى الله حق جهاده، فاستشهد الله منهم من استشهد على المنهاج الواضح والبيع الرابح، وبقى منهم من بقى، لا يأخذهم فى الله لومة لائم.\rأيها الناس، رحمكم الله، إنا خرجنا للوجه الذى قد علمتم، فكنا مع خير وال ولى فحمد، وقسم فعدل، لم يفقد من بر أمير المؤمنين شيئا، كان يسير بنا البردين يخفض بنا فى الظهائر، ويتخذ الليل حملا، يعجل الترحل من المنزل الفقير، ويطيل اللباث فى المنزل المخصب الرحب، فلم نزل على أحسن حالة يتعرفها قوم من ربهم، حتى انتهى إلى أفريقية، فنزل منها بحيث يسمع صهيل الخيل ورغاء الإبل وقعقعة السلاح، فأقام أياما يجم كراعه، ويصلح سلاحه، ثم دعاهم إلى الإسلام والدخول فيه فبعدوا منه، وسألهم الجزية عن صغار والصلح فكانت هذه أبعد، فأقام فيها ثلاث عشرة ليلة يتأتى بهم وتختلف رسله إليهم، فلما يئس منهم قام خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر النبى ﷺ وأكثر الصلاة عليه، ثم ذكر فضل الجهاد، وما لصاحبه إذا صبر واحتسب، ثم نهد لعدوه فقاتلهم أشد القتال يومه ذلك، وصبر الفريقان جميعا، وكانت بيننا وبينهم قتلى كثيرة، واستشهد الله رجلا من المسلمين فبتنا وباتوا، للمسلمين بالقرآن دوى كدوى النحل، وبات المشركون فى ملاهيهم وخمورهم.\rفلما أصبحنا أخذنا مصافنا التى كنا عليها بالأمس، وزحف بعضنا إلى بعض، فأفرغ","footnotes":"(١) هو: محمد بن مسلم بن عبد الله الزهرى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084427,"book_id":3509,"shamela_page_id":990,"part":"2","page_num":361,"sequence_num":990,"body":"الله علينا الصبر، ثم أنزل علينا النصر، ففتحناها من آخر النهار، فأصبنا غنائم كثيرة، فبلغ فيها الخمس خمسمائة ألف دينار، وتركت المسلمين قد قرت أعينهم، وقد أغناهم النفل، ووسعهم الحق، وأنا رسولهم إلى أمير المؤمنين وإلى المسلمين، أبشره وإياهم بما فتح الله من البلاد وأذل من المشركين. فأحمد الله على آلائه، وما أحل بأعدائه من بأسه الذى لا يرد عن القوم المجرمين «١» .\rثم صمت، ونهض إليه الزبير فقبل بين عينيه وقال: يا بنى، إذا نكحت المرأة فانكحها على شبه أبيها أو أخيها تأتك بأحدهما، والله ما زلت تنطق بلسان أبى بكر الصديق حتى صمت.\rويروى عن الزبير لما أمر عثمان، ﵀، ابنه عبد الله بالقيام ليخبر الناس بما شهد من فتح أفريقية أنه قال: وجدت فى نفسى على عثمان وقلت: يقيم غلاما من الغلمان لا يبلغ الذى يحق عليه والذى يجمل به! فقام فتكلم فأبلغ وأصاب، فما فرغ حتى ملأهم عجبا.\rوفى كتاب سيف «٢» : أن عثمان لما وجه عبد الله بن سعد إلى أفريقية قال له: إن فتح الله عليك أفريقية فلك مما أفاء الله عليك خمس الخمس، فلما انتهى إلى أفريقية فيمن معه لقيهم صاحبها، فقاتلهم فقتله الله، قتله عبد الله بن سعد، وفتح الله أفريقية سهلها وجبلها، واجتمعوا على الإسلام وحسنت طاعتهم، وقسم عبد الله على الجند ما أفاء الله عليهم بعد أن أخرج الخمس، فعزل منه لنفسه خمسه، وبعث بأربعة أخماسه إلى عثمان، وضرب فسطاطا فى موضع القيروان.\rووفد وفد إلى عثمان فشكوه فيما أخذ من الخمس، فقال عثمان: أنا نفلته، وإنما النفل تبصرة وتدريب للرجال. ثم كتب إلى عبد الله بن سعد باستصلاحهم.\rقال: وكان عثمان قد أرسل معه عبد الله بن نافع بن عبد القيس، وعبد الله بن نافع ابن الحصين الفهريين، وأمرهما بالمسير إلى الأندلس فيمن ندبه معهما من الرجال، وأمرهما بالاجتماع مع عبد الله بن سعد على صاحب أفريقية، وبعد ذلك يسيران إلى الأندلس، فلما كان الاستيلاء على صاحب أفريقية سارا من فورهما إلى الأندلس، وأتياها من قبل البحر.","footnotes":"(١) انظر: تاريخ دمشق لابن عساكر (٤٢٠، ٤٢١) .\r(٢) انظر: تاريخ الرسل والملوك للطبرى (٤/ ٢٥٤، ٢٥٥) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084428,"book_id":3509,"shamela_page_id":991,"part":"2","page_num":362,"sequence_num":991,"body":"وكان عثمان، ﵀ قد كتب إلى من انتدب إلى الأندلس: «أما بعد: فإن القسطنطينية إنما تفتح من قبل الأندلس، وإنكم إن لم تفتحوها كنتم شركاء من يفتحها فى الأجر، والسلام» .\rوقال كعب: يعبر البحر إلى الأندلس أقوام يفتحونها، يعرفون بنورهم يوم القيامة.\rذكر صلح النوبة\r«١» قال ابن عبد الحكم «٢» : ثم غزا عبد الله بن سعد بن أبى سرح الأساود وهم النوبة سنة إحدى وثلاثين، فقاتلته النوبة قتالا شديدا، وأصيبت يومئذ عين معاوية بن حديج، وأبى شمر بن أبرهة، وحيويل بن ناشرة، فيومئذ سموا رماة الحدق، فهادنهم عبد الله بن سعد إذ لم يطقهم. وفى ذلك اليوم يقول بعض من حضره:\rلم تر عينى مثل يوم دمقله ... والخيل تغدو بالدروع مثقله\rقال: وكان الذى صولح عليه النوبة، فيما ذكر بعض المشايخ المصريين، ثلاثمائة رأس وستين رأسا فى كل سنة. ويقال: بل على أربعمائة فى كل سنة، منها لفىء المسلمين ثلاثمائة وستون، ولوالى البلد أربعون، منها، فيما زعم بعض المشايخ، سبعة عشر مرضعا. ثم انصرف عبد الله بن سعد عنهم.\rقال: وذكر بعض المتقدمين أنه وقف بالفسطاط فى بعض الدواوين، يعنى على عهد لهم قرأه قبل أن يحرق، فإذا هو يحفظ منه:\rإنا عاهدناكم وعاقدناكم أو توفونا فى كل سنة ثلاثمائة رأس وستين رأسا، وتدخلون بلادنا مجتازين غير مقيمين، وكذلك ندخل بلادكم، على أنكم إن قتلتم من المسلمين قتيلا فقد برئت منكم الهدنة، وإن آويتم للمسلمين عبدا فقد برئت منكم الهدنة، وعليكم رد أباق المسلمين ومن لجأ إليكم من أهل الذمة.\rوقال يزيد بن أبى حبيب: وليس بينهم وبين أهل مصر عهد ولا ميثاق، وإنما هى هدنة أمان بعضنا من بعض.\rقال ابن لهيعة: وأبو حبيب والد يزيد واسمه سويد منهم.","footnotes":"(١) انظر: مراصد الاطلاع (٢/ ٥٣٤) ، تهذيب التهذيب لابن حجر (١٠/ ٢٠٣) .\r(٢) انظر: فتوح مصر وأخبارها لابن عبد الحكم (ص ١٨٨، ١٨٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084429,"book_id":3509,"shamela_page_id":992,"part":"2","page_num":363,"sequence_num":992,"body":"وقال الليث بن سعد وذكر له قول مالك بن أنس: لا يشترى رقيق النوبة ولا يباعون.\rفقال الليث: لا علم لمالك بهذا، نحن أعلم به منه، إنما صولحوا على أن نكف عنهم حربنا فقط، وعلى أنهم يعطونا منهم رقيقا فى كل سنة، وعلى أنا لا نمنع غزو غيرنا، فبذلك نشتريهم، إنما علينا الوفاء بأن لا نحاربهم فقط.\rقال ابن عبد الحكم: ولم أر أحدا من أصحاب مالك يقول بقوله فى النوبة، وكلهم كان يشتريهم.\rقال: واجتمعت لعبد الله بن سعد البجة فى انصرافه من بلاد النوبة على شاطئ النيل، فسأل عنهم، فأخبر بشأنهم، فهان عليه أمرهم، فنفذ وتركهم، ولم يكن لهم عقد ولا صلح، وأول من صالحهم عبيد الله بن أبى الحبحاب.\rذكر البحر والغزو فيه\rذكر الطبرى «١» عن سيف عن أشياخه قالوا: ألح معاوية على عمر بن الخطاب فى غزو البحر وقرب الروم من حمص، وقال: إن قرية من قرى حمص ليسمع أهلها نباح كلابهم وصياح دجاجهم، حتى إذا كاد ذلك يأخذ بقلب عمر أحب أن يزود عنه، فكتب إلى عمرو بن العاص: صف لى البحر وراكبه، فإن نفسى تنازعنى إليه، وإنى أشتهى خلافها، فكتب إليه عمرو بن العاص: إنى رأيت خلقا كبيرا يركبه خلق صغير، إن سكن خوف القلوب وإن تحرك راع العقول، يزداد فيه اليقين قلة، والشك كثرة، هم فيه كدود على عود، إن مال غرق وإن نحا فرق.\rفلما جاءه كتاب عمرو كتب إلى معاوية: لا والذى بعث محمدا بالحق بشيرا ونذيرا لا أحمل فيه مسلما أبدا.\rوفى رواية أنه كتب إليه:\rإنا قد سمعنا أن بحر الشام يشرف على أطول شىء فى الأرض، يستأذن الله فى كل يوم وليلة أن يفيض على الأرض فيغرقها، فكيف أحمل الجنود فى هذا البحر الكافر المستصعب؟ والله لمسلم واحد أحب إلىّ مما حوت الروم فإياك أن تتعرض لى، وقد تقدمت إليك.","footnotes":"(١) انظر: تاريخ الرسل والملوك للطبرى (٤/ ٢٥٨- ٢٦١) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084430,"book_id":3509,"shamela_page_id":993,"part":"2","page_num":364,"sequence_num":993,"body":"فلما ولى عثمان بن عفان لم يزل به معاوية، حتى عزم على ذلك، وقال له: لا تنتخب الناس، ولا تقرع بينهم، خيرهم، فمن اختار الغزو طائعا فاحمله وأعنه.\rففعل ذلك معاوية، واستعمل على البحر عبد الله بن قيس الجاسى حليف بنى فزارة، فغزا خمسين غزاة من بين صائفة وشاتية فى البر والبحر، ولم يغرق معه أحد فى البحر ولا نكب، وكان يدعو الله أن يرزقه العافية فى جنده، ولا يبتليه بمصاب أحد منهم، ففعل الله ذلك له، حتى إذا أراد الله أن يصيبه وحده، خرج فى قارب طليعة، فانتهى إلى البر من أرض الروم، وعليه سؤال يعبرون ذلك المكان، فتصدق عليهم، فرجعت امرأة من السؤال إلى قريتها، فقالت للرجال: هل لكم فى عبد الله بن قيس؟ قالوا: وأين هو؟\rقالت: فى المرفأ، قالوا: أى عدوة الله، ومن أين تعرفين عبد الله بن قيس؟ فوبختهم، وقالت: أنتم أعجز منى! أو يخفى عبد الله على أحد؟ فبادروا فهجموا عليه، فقاتلوه وقاتلهم، فأصيب وحده، وأفلت الملاح حتى أتى أصحابه، فجاؤا حتى أرفوا، والخليفة فيهم سفيان بن عوف الأودى، فخرج فقاتلهم، فضجر وجعل يعبث بأصحابه ويشتمهم، فقالت جارية عبد الله: واعبد الله، ما هكذا كان يقول حين تقاتل! فقال سفيان: وكيف كان يقول؟ قالت: «الغمرات ثم ينجلين» ؛ فجعل سفيان يقول ذلك وترك ما كان يقول، وأصيب فى المسلمين يومئذ. وقيل لتلك المرأة: بأى شىء عرفته؟\rفقالت: بصدقته، أعطى كما يعطى الملوك، ولم يقبض قبض التجار.\rغزو معاوية بن أبى سفيان قبرس\rوغزا معاوية بن أبى سفيان قبرس سنة ثمان وعشرين فيما ذكر الواقدى.\rقال: وهو أول من غزا الروم، وغزاها أهل مصر وعليهم عبد الله بن سعد بن أبى سرح، حتى لقوا معاوية فكان على الناس.\rقال ابن عفير: ومع معاوية امرأته فاختة بنت قرظة، وكان معه، أيضا، فى غزاته أبو الدرداء، وشداد بن أوس، وأبو ذر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، فى عدة من أصحاب رسول الله ﷺ وأم حرام الأنصارية فتوفيت هناك، فقبرها يستسقى به أهل قبرس ويسمونه قبر المرأة الصالحة.\rوأم حرام «١» هذه هى خالة أنس بن مالك، رضى الله، وحديثها مشهور فى نوم النبى","footnotes":"(١) انظر ترجمتها فى: الإصابة ترجمة رقم (١١٩٧١) ، الثقات (٣/ ٤٦٢) ، تجريد أسماء الصحابة (٢/ ٣١٦) ، تقريب التهذيب (١٢/ ٦٢٠) ، تهذيب التهذيب (١٢/ ٤٦٢) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084431,"book_id":3509,"shamela_page_id":994,"part":"2","page_num":365,"sequence_num":994,"body":"صلى الله عليه وسلم فى بيتها ثم استيقظ وهو يضحك، فسألته: ما يضحكه؟ فقال: «ناس من أمتى عرضوا علىّ غزاة فى سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر ملوكا على الأسرة أو مثل الملوك على الأسرة» ، فقالت: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلنى منهم! فدعا لها، ثم وضع رأسه فنام ثم استيقظ يضحك، فسألته فقال: «ناس من أمتى عرضوا علىّ» «١» ، مثل مقالته الأولى. فقالت: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلنى منهم. قال: «أنت من الأولين» «٢» ، فكانت هذه الغزوة هى التى عرضت على رسول الله ﷺ أولا. وخرجت أم حرام فيها، فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر فهلكت.\rقال ابن عمير: وذلك العام بالشام عام قبرس الأول.\rوقيل: إن معاوية توجه إليها من حصن عكا فى مائتى مركب، قال: وظفر معاوية فى هذه الغزاة، وأخذ من الأموال والحلى ما لا يحصى.\rوقال جبير بن نفير «٣» : لما سبيناهم، يعنى أهل قبرس، نظرت إلى أبى الدرداء يبكى، فقلت: ما يبكيك فى يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله، وأذل الكفر وأهله؟ فضرب بيده على منكبى، وقال: ثكلتك أمك يا جبير، ما أهون الخلق على الله إذا تركوا أمره! بينا هى أمة ظاهرة قاهرة للناس لهم الملك، إذ تركوا أمر الله فصاروا إلى ما ترى، فسلط عليهم السباء، وإذا سلط السباء على قوم فليس لله، ﷿، بهم حاجة.\rوذكر الطبرى «٤» أن معاوية لما غزا قبرس صالح أهلها على جزية سبعة آلاف دينار، يؤدونها إلى المسلمين فى كل سنة، ويؤدون إلى الروم مثلها، ليس للمسلمين أن يحولوا بينهم وبين ذلك، على أن لا يغزوهم المسلمون، ولا يقاتلوا هم من غزا من خلفهم يريد","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: سنن الترمذى (١٦٤٥) ، سنن ابن ماجه (٢٧٧٦) ، التمهيد لابن عبد البر (١/ ٢٢٥) ، الترغيب والترهيب للمنذرى (٢/ ٣٠٥) ، موطأ مالك (٤٦٤) ، فتح البارى لابن حجر (١١/ ٧١، ١٢/ ٣٩١) ، الأذكار النووية (١٨٥) .\r(٢) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (٤/ ١٩، ٢٢، ٤٠، ٤٤، ٨/ ٧٨، ٩/ ٤٤) ، صحيح مسلم فى كتاب الإمارة (١٦٠، ١٦١) ، سنن النسائى فى كتاب الجهاد، باب (٣٧) ، سنن أبى داود فى كتاب الجهاد، باب (١٠) ، سنن ابن ماجه (٢٧٧٦) ، مسند الإمام أحمد (٦/ ٣٦١- ٤٢٣) ، فتح البارى لابن حجر (١١/ ٧١) ، إتحاف السادة المتقين للزبيدى (٧/ ١٨٤) ، موطأ مالك (٤٦٥) ، التمهيد لابن عبد البر (١/ ٢٢٥، ٢٤١) .\r(٣) انظر: تاريخ الرسل والملوك للطبرى (٤/ ٢٦٢، ٢٦٣) .\r(٤) انظر: تاريخ الرسل والملوك للطبرى (٤/ ٢٦٢) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084432,"book_id":3509,"shamela_page_id":995,"part":"2","page_num":366,"sequence_num":995,"body":"الخروج إلى أرض المسلمين، وعليهم أن يؤذنوا المسلمين بمسير عدوهم من الروم إليهم، وعلى أن يبطرق إمام المسلمين عليهم منهم.\rوذكر الواقدى «١» ، أيضا، مصالحة معاوية أهل قبرس فى ولاية عثمان، ﵀، وأن فى العهد الذى بيننا وبينهم ألا يتزوجوا فى عدونا من الروم إلا بإذننا.\rقال: وفى هذه السنة، يعنى سنة ثمان وعشرين، غزا حبيب بن مسلمة سورية من أرض الروم.\rغزوة ذات الصوارى\r«٢» ذكر الواقدى «٣» أن أهل الشام خرجوا، وعليهم معاوية بن أبى سفيان، وعلى أهل البحر عبد الله بن سعد بن أبى سرح، وخرج عامئذ قسطنطين بن هرقل لما أصاب المسلمون منهم بأفريقية، فخرجوا فى جمع لم ير الروم مثله قط منذ كان الإسلام، فخرجوا فى خمسمائة مركب، فالتقوا هم وعبد الله بن سعد، فأمن بعضهم بعضا حتى قرنوا بين سفن المسلمين وأهل الشرك.\rقال مالك بن أوس بن الحدثان «٤» : كنت معهم، فالتقينا فى البحر، فنظرنا إلى مراكب ما رأينا مثلها قط، وكانت الريح علينا، فأرسينا ساعة، وأرسوا قريبا منا وسكنت الريح عنا، فقلنا: الأمن بيننا وبينكم. قالوا: ذلك لكم منا ولنا منكم. قلنا: إن أحببتم فالساحل حتى يموت الأعجل، وإن شئتم فالبحر، فنخروا نخرة واحدة، وقالوا: الماء فدنونا منهم، فربطنا السفن بعضها ببعض، حتى كنا بحيث يضرب بعضنا بعضا، فقاتلنا أشد القتال، ووثب الرجال على الرجال يضطربون بالسيوف ويتواجئون بالخناجر، حتى رجعت الدماء إلى الساحل تضربها الأمواج، وطرحت الأمواج جثث الرجال ركاما.\rوقال بعض من حضر ذلك اليوم، أيضا: رأيت الساحل وإن عليه لمثل الظرب العظيم من جثث الرجال، وإن الدم للغالب على الماء.","footnotes":"(١) انظر: تاريخ الرسل والملوك للطبرى (٤/ ٢٦٣) .\r(٢) انظر: تاريخ الطبرى (٤/ ٢٨٨) ، المنتظم لابن الجوزى (٥/ ١٢) .\r(٣) انظر: تاريخ الرسل والملوك للطبرى (٤/ ٢٩٠) .\r(٤) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (٧٦١١) ، أسد الغابة ترجمة رقم (٤٥٦٥) ، طبقات ابن سعد (٥/ ٥٦) ، المعارف (٤٢٧) ، الجرح والتعديل (٤/ ٢٠٣) ، تاريخ ابن عساكر (٨٤١٦) ، تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢/ ٧٩) ، تهذيب التهذيب (١٠/ ١٠) ، شذرات الذهب (١/ ٩٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084433,"book_id":3509,"shamela_page_id":996,"part":"2","page_num":367,"sequence_num":996,"body":"ولقد قتل يومئذ من المسلمين بشر كثير، وقتل من الكفار ما لا يحصى، وصبروا يومئذ صبرا لم يصبروا فى موطن قط مثله، ثم أنزل الله نصره على أهل الإسلام، وانهزم القسطنطين مدبرا، وأصابته يومئذ جراحات مكث فيها حينا جريحا.\rوعن حنش الصنعانى «١» قال «٢» : ركب الناس البحر سنة إحدى وثلاثين مع عبد الله ابن سعد، فلما بلغوا ذات الصوارى «٣» لقوا جموع الروم فى خمسمائة مركب أو ستمائة، فيها القسطنطين بن هرقل، فقال: أشيروا علىّ، قالوا: انتظر الليلة فباتوا يضربون بالنواقيس، وبات المسلمون يصلون ويدعون الله، ثم أصبحوا وقد أجمع القسطنطين فقربوا سفنهم، وقرب المسلمون فربطوا بعضها إلى بعض، وصف عبد الله المسلمين على نواحى السفن، وأمرهم بقراءة القرآن وبالصبر، ووثبت الروم فى سفن المسلمين على صفوفهم حتى نقضوها، واقتتلوا على غير صفوف قتالا شديدا، ثم إن الله نصر المؤمنين، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة لم ينج من الروم إلا الشريد، وأقام عبد الله بذات الصوارى أياما بعد هزيمة القوم، ثم أقبل راجعا.\rوذكر ابن عبد الحكم «٤» أن عبد الله بن سعد لما نزل ذات الصوارى أنزل نصف الناس مع بسر بن أبى أرطأة سرية فى البر، فلما مضوا أتى آت إلى عبد الله فقال: ما كنت فاعلا حين ينزل بك ابن هرقل فى ألف مركب فافعله الساعة.\rقال: وإنما مراكب المسلمين مائتا مركب ونيف. فقام فقال: أشيروا علىّ، فما كلمه رجل من المسلمين، فجلس قليلا لترجع إليهم أفئدتهم، ثم استشارهم فما كلمه أحد ثم قال الثالثة: إنه لم يبق شىء فأشيروا علىّ، فقال رجل من أهل المدينة كان متطوعا: أيها الأمير، إن الله تعالى يقول: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة: ٢٤٩] ، فقال عبد الله: اركبوا باسم الله، فركبوا، وإنما فى كل مركب نصف شحنته، قد خرج النصف الآخر مع بسر فى البر، فلقوهم فاقتتلوا بالنبل والنشاب، وتأخر ابن هرقل لئلا تصيبه الهزيمة، وجعل تختلف القوارب إليه بالأخبار.\rفقال: ما فعلوا؟.","footnotes":"(١) هو: حنش بن عبد الله الصنعانى.\r(٢) انظر: تاريخ الرسل والملوك للطبرى (٤/ ٢٩٢) .\r(٣) الصوارى: جمع صار، وهو الخشبة المعترضة وسط السفينة. انظر: القاموس المحيط للفيروزابادى (٤/ ٣٥٢) .\r(٤) انظر: فتوح مصر وأخبارها لابن عبد الحكم (١٩٠، ١٩١) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084434,"book_id":3509,"shamela_page_id":997,"part":"2","page_num":368,"sequence_num":997,"body":"قالوا: اقتتلوا بالنبل والنشاب، قال: غلبت الروم. ثم أتوه فقال: ما فعلوا؟ قالوا: قد نفدت النبل والنشاب فهم يرتمون بالحجارة، قال: غلبت الروم: ثم أتوه فقال: ما فعلوا؟\rقالوا: نفدت الحجارة وربطوا المراكب بعضها ببعض يقتتلون بالسيوف. قال: غلبت الروم.\rقال يزيد بن أبى حبيب: وكانت السفن إذ ذاك تقرن بالسلاسل عند القتال، فقرن مركب عبد الله يومئذ وهو الأمير بمركب من مراكب العدو، فكاد مركب العدو يجر مركب عبد الله إليهم، فقام علقمة بن يزيد العطيفى وكان فى المركب مع عبد الله فضرب السلسلة بسيفه فقطعها، فسأل عبد الله بعد ذلك امرأته بسيسة ابنة جمرة بن ليشرح بن عبد كلال، وكانت معه يومئذ، وكان الناس فيما خلا يغزون بنسائهم: من رأيت أشد الناس قتالا؟ قالت علقمة صاحب السلسلة. وكان عبد الله حين خطبها إلى أبيها قال: إن علقمة قد خطبها وله علىّ فيها رأى فإن يتركها أفعل. فكلم عبد الله علقمة فتركها، فتزوجها عبد الله ثم هلك عنها، فتزوجها بعده علقمة، ثم هلك عنها، فتزوجها كريب بن أبرهة.\rوقال محمد بن الربيع: إنما سميت غزوة ذات الصوارى لكثرة المراكب التى اجتمعت فيها: ابن هرقل فى ألف مركب، والمسلمون فى مائتى مركب ونيف فكثرت الصوارى فى البحر فسميت ذات الصوارى.\rوفى بعض ما تقدم من الأخبار ما يقتضى أن ذات الصوارى موضع يسمى هكذا، فالله تعالى أعلم.\rذكر فتح العراق وما والاه على ما ذكره سيف بن عمر وأورده أبو جعفر محمد بن جرير الطبرى عنه وعن غيره\rذكروا عن على بن أبى طالب وعبد الله بن عباس، رضى الله عنهما، قالا: حض الله المسلمين على عهد نبيه ﷺ على الاستقامة على الدين وندبهم إلى فارس، ووعدهم، فتقدم إليهم فى ذلك من قبل غزوهم، ليحثهم وليدربهم، فبدأ بالردة فقال: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084435,"book_id":3509,"shamela_page_id":998,"part":"2","page_num":369,"sequence_num":998,"body":"يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [آل عمران: ١٤٤] ، فسمى من ثبت على دينه بعد موت رسول الله ﷺ الشاكرين. ثم عاد فى وصف من ناهض منهم أهل الردة، والمنافقون حشر فى المؤمنين، وإنما يكلم الله ﷿، المؤمنين بما يعنى به المنافقين، فقال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ [المائدة:\r٥٤] ، فسماهم أحباء وأثابهم، حيث كانوا أذلة أرقة على المؤمنين، أعزة على الكافرين، يجاهدون، يعنى جهادا بعد جهادهم أهل الردة، يقاتلون من بعدهم أهل فارس، ولا يخافون تخويف من يخوفهم، هذا فضل الله يخص به من يشاء، وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ عالم بهذا، فهم الشاكرون، وهم الفاضلون، وهم المقربون، وهم أحباء الله.\rوعن على وابن عباس، رضى الله عنهما، فى قوله ﷿: وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ الآيتين إلى قوله: وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً [الفتح: ٢٠، ٢١] ، «مغانم» فتوحا من لدن خيبر، تلونها وتضمون ما فيها «فعجل لكم هذه» أى عجل لكم من ذلك خيبر «وكف أيدى الناس عنكم» أيدى قريش بالصلح يوم الحديبية «ولتكون آية للمؤمنين» شاهدا على ما بعدها ودليلا على إنجازها «وأخرى لم تقدروا عليها» أى على علم وقتها، أفيئها عليكم: فارس والروم «قد أحاط الله بها» قضى الله بها أنها لكم، منها: الأيام، والقوادس، والواقوصة، والمدائن الحمر بالشام، ومصر، والضواحى، فاجتمعت هذه الصفات فيمن قاتل فارس والروم وسائر الأعاجم ذلك الزمان.\rذكر سيف قال: كان أول ملوك فارس قاتله المسلمون شيرى بن كسرى، وذلك أن أبا بكر الصديق، رضى الله عنه، حيث فرغ من أهل الردة، وأقامت جنود المسلمين فى بلدان من ارتد، كتب إلى خالد بن الوليد وهو باليمامة: أن ائذن للمسلمين فى القفل إلا من أحب المقام معك، ولا تكرهن أحدا على القيام، ولا تستعن فى شىء من حربك بمتكاره، وادع من يليك من تميم وقيس وبكر إلى موتان اليمامة، فإن موات ما أفاء الله على رسوله لله ولرسوله، فمن أحيا شيئا من ذلك فهو له، لا يدخل ذلك فى شىء من موات كل بلد أسلم عليه أهله.\rففعل خالد، فأنزل اليمامة من هؤلاء الأحياء من أقرن ببنى حنيفة، ولما أذن خالد فى القفل قفل الناس، أهل المدينة ومن حولها، وسائر من كان معه من أهل القبائل، وبقى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084436,"book_id":3509,"shamela_page_id":999,"part":"2","page_num":370,"sequence_num":999,"body":"خالد فى ألفين من القبائل التى حول المدينة، من مزينة، وجهينة، وأسلم، وغفار، وضمرة، وأناس من غوث طيئ، ونبذ من عبد القيس.\rولما قفل من قفل، وجه المثنى بن حارثة الشيبانى، ومذعور بن عدى العجلى، وحرملة ابن مريطة، وسلمى بن القين الحنظليين وهما من المهاجرين، والمثنى ومذعور ممن وفد على النبى ﷺ فقدموا على أبى بكر، ﵀، فقال له حرملة وسلمى: إنا معاشر بنى تميم وبكر بن وائل قد دربنا بقتال فارس، وأشجيناهم حتى اتخذوا الخنادق، وغبقوا المياه، واتخذوا المسالح فى القصور المشيدة وتحصنوا بها، فأذن لنا فى حربهم، فأذن لهما فولاهما على من تابعهما، واستعملهما على ما غلبا عليه، وكانا أول من قدم أرض فارس لقتال أهل فارس، وكانا من المهاجرين ومن صالحى الصحابة، فنزلا أطد»\rونعمان والجعرانة فى أربعة آلاف من تميم والرباب، وكان بإزائهما النوشجان والفيرمان بالوركاء «٢» فزحفوا إليهما فغلبوهما على الوركاء، وغلبا على هرمزجرد إلى فرات بادقلى «٣» .\rوذكر سيف من طريق آخر أن المثنى ومذعورا لما قدما على أبى بكر استأذناه فى غزو أهل فارس وقالا: إنا وإخواننا من بنى تميم قد دربنا بقتالهم، وأخذنا النصف من أحد وثنى كل موسم، فأذن لهما، وولاهما على من تابعهما، واستعملهما على ما غلبا عليه، فجمعا جموعهما ثم سارا بهم حتى قدما بلاد فارس، وكانا أول من قدمها لقتالهم هما وحرملة وسلمى، وقدم المثنى ومذعور فى أربعة آلاف من بكر بن وائل وعنزة وضبيعة، فنزل أحدهما بخفان «٤» ، ونزل الآخر بالمهارق، وعلى فرج الفرس مما يليهما شهربراز بن بندا، فنفياه وغلبا على فرات بادقلى إلى السيلحين «٥» واتصل ما غلبا عليه وما غلب عليه سلمى وحرملة، وفى ذلك يقول مذعور بن عدى:\rغلبنا على خفان بندا وشيحة ... إلى النخلات السحق فوق المهارق\rوإنا لنرجو أن تجول خيولنا ... بشاطى الفرات بالسيوف البوارق\rوقال المثنى فى ذلك:","footnotes":"(١) أطد: أرض قرب الكوفة من جهة البر. انظر: معجم البلدان (١/ ٢١٦) .\r(٢) انظر: معجم البلدان (٥/ ٣٧٢، ٣٧٣) .\r(٣) الخبر عن سيف بن عمر فى معجم البلدان (٥/ ٣٧٢، ٣٧٣) .\r(٤) خفان: موضع قرب الكوفة. انظر: معجم البلدان (٢/ ٣٧٩) .\r(٥) موضع بين الكوفة والقادسية. انظر: معجم البلدان (٣/ ٢٩٨، ٢٩٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084437,"book_id":3509,"shamela_page_id":1000,"part":"2","page_num":371,"sequence_num":1000,"body":"ألا أبلغا شهرا وشهر مهاجر ... بأنا سنلقاه على الحدثان\rفنحن سللنا شيحة يوم بارق ... إلى شرّ دار تنتوى ومكان\rويروى أن أبا بكر، ﵀، لما بلغه ما كان من فتح حرملة وسلمى ومثنى ومذعور ما بين السيلحين إلى أسفل الفرات تمثل بقول الآخر:\rومتى تسلف فى قبيل خطة ... تلق المنال مضاعفا أو موعبا\rوإذا عقدت بحبل قوم مرة ... ذربوا عليك فلم تجد لك مقضبا\rحيان لا خطما بحبل هضيمة ... أنفا الزمام فلم يقرا مركبا\rوحكى عمر بن شبة عن شيوخه من أهل الأخبار: أن المثنى بن حارثة كان يغير على أهل فارس بالسواد، فبلغ أبا بكر والمسلمين خبره، فقال عمر: من هذا الذى تأتينا وقائعه قبل معرفة نسبه، فقال له قيس بن عاصم: أما إنه غير خامل الذكر، ولا مجهول النسب، ولا قليل العدد، ولا ذليل العمارة، ذلك المثنى بن حارثة الشيبانى «١» .\rثم إن المثنى قدم على أبى بكر فقال له: يا خليفة رسول الله، ابعثنى فى قومى، فإن فيهم إسلاما، أقاتل بهم أهل فارس، وأكفك أهل ناحيتى من العدو. ففعل ذلك أبو بكر، فقدم المثنى العراق، فقاتل وأغار على أهل فارس ونواحى السواد حولا مجرّما، ثم بعث أخاه مسعود بن حارثة إلى أبى بكر يسأله المدد، ويقول: إنك إن أمددتنى وسمعت بذلك العرب أسرعوا إلىّ وأذل الله المشركين، مع أنى أخبرك يا خليفة رسول الله، أن الأعاجم تخافنا وتتقينا. فقال له عمر: يا خليفة رسول الله أبعث خالد بن الوليد مددا للمثنى بن حارثة، يكون قريبا من أهل الشام، فإن استغنى عنه أهل الشام ألح على أهل العراق حتى يفتح الله عليه. قال: فهذا الذى هاج أبا بكر، ﵀، على أن يبعث خالد بن الوليد إلى العراق «٢» .\rوفى حديث آخر: أنه ولاه حرب العراق لما قضى ما أراد قضاءه من اليمامة، وكتب إلى المثنى ومذعور وسلمى وحرملة بأن يسمعوا له ويطيعوا.","footnotes":"(١) انظر: الفتوح لابن أعثم الكوفى (١/ ٨٩) ، الاستيعاب لابن عبد البر (ص ١٤٥٧) ، نهاية الأرب للنويرى (١٩/ ١٠٦) .\r(٢) انظر: تاريخ فتوح الشام للأزدى (ص ٥٣، ٥٤) ، الاستيعاب لابن عبد البر (ص ١٤٥٧) ، نهاية الأرب للنويرى (١٩/ ١٠٦، ١٠٧) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084438,"book_id":3509,"shamela_page_id":1001,"part":"2","page_num":372,"sequence_num":1001,"body":"أخبار الأيام فى زمان خالد بن الوليد رضى الله عنه «١»\rوكانت لمن وليها الفضيلة والسابقة والقدمة؛ لأنهم شركوا أهل القادسية والبويب وفضلوهم بولايتهم هذه.\rوهذا كما اجتمعت للمهاجرين النصرة مع الهجرة، وفضلوا الأنصار بالهجرة، فروى الشعبى وهشام بن عروة قالا: لما فرغ خالد بن الوليد من اليمامة كتب إليه أبو بكر: إنى قد وليتك حرب العراق، فاحشد من ثبت على الإسلام، وقاتل أهل الردة ممن بينك وبين العراق، من تميم وقيس وأسد وبكر بن وائل وعبد القيس، ثم سر نحو فارس، واستنصر الله ﷿، وادخل العراق من أسفل العراق، فابدأ بفرج الهند، وهو يومئذ الأبلة «٢» ، وكان صاحبها يساجل أهل الهند والسند فى البحر، ويساجل العرب فى البر.\rوقال له: تألف أهل فارس، ومن كان فى مملكتهم من الأمم، وأنصفوا من أنفسكم فإنكم كنتم خير أمة أخرجت للناس. نسأل الله أن يجعل من ألحقه بنا وصيره منا خير متبع بإحسان. وإن فتح الله عليك فعارق حتى تلقى عياضا.\rوكتب إلى عياض بن غنم وهو بين الحجاز والنباج «٣» : أن سر حتى تأتى المصيخ فاحشد من بينك وبينها على إسلامه، وقاتل أهل الردة فابدأ بهم، ثم ادخل العراق من أعلاها فعارق حتى تلقى خالدا.\rفاستمد خالد أبا بكر قبل خروجه من اليمامة، فأمده بالقعقاع بن عمرو التميمى، واستمده عياض قبل تحركه، فأمده أبو بكر بعبد بن عوف الحميرى، وقيل لأبى بكر:\rأتمد خالدا برجل قد أرفض عنه الناس؟ فقال: لا يهزم جيش فيه مثل القعقاع، وسيحشر من بينه وبين أهل العراق.\rوكتب خالد إلى حرملة وسلمى والمثنى ومذعور ليلحقوا به، وأمرهم أن يغزوا جنودهم الأبلة ليوم سماه، ثم حشد من بينه وبين العراق، فحشد ثمانية آلاف من مصر","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٣/ ٣٤٣- ٣٥٠) ، الكامل لابن الأثير (٢/ ٢٦١، ٢٦٣) ، البداية والنهاية لابن كثير (٦/ ٣٤٢، ٣٤٣) ، تاريخ ابن خلدون (٢/ ٧٨) .\r(٢) الأبلة: بلدة على شاطىء دجلة فى زاوية الخليج الذى يدخل إلى مدينة البصرة. انظر: معجم البلدان (١/ ٧٧) .\r(٣) النباح: موضع بين البصرة ومكة. انظر: معجم البلدان: (٥/ ٢٥٥، ٢٥٦) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084439,"book_id":3509,"shamela_page_id":1002,"part":"2","page_num":373,"sequence_num":1002,"body":"وربيعة إلى ألفين كانا معه، فقدم فى عشرة آلاف إلى ثمانية آلاف ممن كان مع الأمراء الأربعة، فلقى هرمز فى ثمانية عشر ألفا.\rوفيما ذكره سيف من مسير خالد وعياض إلى العراق: أن أبا بكر أمرهما أن يستبقا إلى الحيرة، فأيهما سبق إليها فهو أمير على صاحبه. وقال: فإذا اجتمعتما بالحيرة، وفضضتما مسالح فارس، وأمنتما أن يؤتى المسلمون من خلفهم، فليكن أحد كما ردآ لصاحبه وللمسلمين بالحيرة، وليقتحم الآخر على عدو الله وعدوكم من أهل فارس دارهم ومستقر عزهم بالمدائن.\rوكتب إليهما: استعينوا بالله واتقوه، وآثروا أمر الآخرة على الدنيا، يجمع الله لكم بطاعته الدنيا إلى الآخرة، ولا تؤثروا الدنيا فتعجزكم، ويسلبكم الله بمعصيته الدنيا والآخرة، فما أهون العباد على الله إذا عصوه.\rقال: ولما عزم خالد على المسير من اليمامة إلى العراق سأل عن الأدلة، فأتى بنفر، فسأل عن أسمائهم، فتفاءل منهم إلى ثلاثة بأسمائهم: ظفر بن عمرو السعدى ورافع بن عميرة الطائى، ومالك بن عباد الأسدى.\rوجدد خالد التعبئة، فعبأ الناس تعبئة مستأنفة غير التى دخل بها اليمامة، ونصب لجنده أعلاما غير الذين كانوا أعلامهم، وذلك أن أعلامهم الذين دخل بهم اليمامة قفلوا. فوضع رجالا مكانهم، وتوخى الصحابة، ثم توخى منهم الكماة، فاستعمل على مضر القعقاع بن عمرو «١» ، وعلى ربيعة فرات بن حيان «٢» ، وعلى قضاعة وضم إليهم أهل اليمن جرير بن عبد الله الحميرى أخا الأقرع بن عبد الله رسول رسول الله ﷺ إلى اليمن، وجعل على القبائل دون ذلك، على نصف خندق، فارس أطلال بكير بن عبد الله الليثى، وعلى النصف الآخر معقل بن مقرن المزنى، وعلى قيس عيلان وعلى غطفان ومن يلاقيهم إلى سعد بن قيس، سعد بن عمارة التغلبى، وعلى هوازن ومن يلاقيهم إلى خصفة أبا حنش بن ذى اللحية العامرى، وضم جديلة إليهم، وهم عمرو بن قيس بن عيلان وعلى اللهازم من بكر بن وائل عتيبة بن النهاس، واللهازم عجل، وتيم اللات، وقيس بن ثعلبة، وعنزة، وعلى الدعائم وهم: شيبان بن ثعلبة، وذهل بن ثعلبة، وضبيعة","footnotes":"(١) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (٧١٤٢) ، أسد الغابة ترجمة رقم (٤٣١٥) .\r(٢) انظر ترجمته فى: الثقات (٣/ ٣٣٣) ، تقريب التهذيب (٢/ ١٠٧) ، الكاشف (٢/ ٣٧٩) ، الجرح والتعديل (٧/ ٤٤٩، ٤٥٠) ، تهذيب التهذيب (٨/ ٢٥٩) ، الطبقات (٦٥، ١٣٢) ، الإصابة ترجمة رقم (٦٩٨٩) ، أسد الغابة ترجمة رقم (٤٢١٣) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084440,"book_id":3509,"shamela_page_id":1003,"part":"2","page_num":374,"sequence_num":1003,"body":"ابن ربيعة، ويشكر بن ربيعة، يشكر بن بكر بن مطر بن عامر الشيبانى، وعلى قضاعة الحارث بن مرة الجهنى، وعلى اليمن مالك بن مرة الرهاوى، وابن زيد الخيل بن مهلهل، وهؤلاء تحت أيدى أولئك الثلاثة.\rواستعمل على المقدمات: المثنى بن حارثة، وعلى المجنبات: عدى بن حاتم وعاصم ابن عمرو أخا القعقاع، وعلى الساقة: بسر بن أبى رهم الجهنى صاحب جبانة بسر، واستخلف على اليمامة وهوافى قيس وتميم سبرة بن عمرو العنزى، وكل من أمر له صحبة وقدمة. وخرج قاصدا الهرمز والأبلة.\rوقال المغيرة بن عتبة قاضى الكوفة: فرق خالد مخرجه من اليمامة جنده ثلاث فرق، ولم يحملهم على طريقة واحدة، فسرح المثنى قبله بيومين ودليله ظفر، وسرح عديا وعاصما ودليلاهما مالك بن عباد وسالم بن نصر، أحدهما قبل صاحبه بيوم، وخرج خالد ودليله رافع، فواعدهم جميعا الحفير ليجتمعوا فيه وليصادموا به عدوهم.\rوكان فرج الهند أعظم فروج فارس شأنا وأشده شوكة، وكان صاحبه يحارب العرب فى البر والهند فى البحر.\rوعن الشعبى قال: كتب خالد إلى هرمز قبل خروجه، وهرمز صاحب الثغر يومئذ:\rأما بعد، أسلم تسلم، أو اعقد لنفسك وقومك الذمة وأقر بالجزية، وإلا فلا تلومن إلا نفسك، فقد جئتك بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة.\rولما قدم كتاب خالد على هرمز كتب بالخبر إلى شيرى بن كسرى، وإلى أزدشير بن شيرى، وجمع جموعه ثم تعجل إلى الكواظم فى سرعان أصحابه ليتلقى خالدا، وسبق حلبته فلم يجد طريق خالد، وبلغه أنهم تواعدوا الحفير، فاعج يبادر خالدا إليه، فنزله فعبأ به، وجعل على مجنبتيه أخوين يلاقيان أزدشير وشيرى آل أزدشير الأكبر، يقال لهما:\rقباذ وأنو شجان، فاقترنوا فى السلاسل، فقال من لم ير ذلك لمن رآه: قيدتم أنفسكم لعدوكم، فلا تفعلوا فإن هذا طائر سوء. فأجابوهم: أما أنتم فتحدثوننا أنكم تريدون الهرب. فلما أتى الخبر خالدا بمنزل هرمز أمال الناس إلى كاظمة، وبلغ ذلك هرمز، فبادره إليها فنزلها وهو حسير.\rوكان من أسوء أمراء ذلك الفرج جوارا للعرب، فكل العرب عليه مغيظ، وقد كانوا يضربونه مثلا فى الخبث والمكر حتى قالوا: «أخبث من هرمز، وأمكر من هرمز» . وتعبأ هو وأصحابه والماء فى أيديهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084441,"book_id":3509,"shamela_page_id":1004,"part":"2","page_num":375,"sequence_num":1004,"body":"وقدم خالد فنزل على غير ماء، فقالوا له فى ذلك، فأمر مناديه فنادى: ألا انزلوا وحطوا أثقالكم، ثم جالدوهم على الماء، فلعمرى ليصيرن الماء لأصبر الفريقين وأكرم الجندين. فحطت الأثقال والخيل وقوف، وتقدم الرجل ثم زحف إليهم حتى لاقاهم، فاقتتلوا، وأرسل الله سبحانه سحابة فأغدرت ماء وراء صف المسلمين فقواهم بها، وما ارتفع النهار وفى الغائط مقترن.\rوأرسل هرمز أصحابه ليغدروا بخالد، ثم خرج فنادى رجل: أين خالد؟ وقد عهد إلى فرسانه عهده. فلما برز خالد نزل هرمز ودعاه إلى البراز، فبرز خالد يمشى إليه، فالتقيا فاختلفا ضربتين واحتضنه خالد، وحملت حامية هرمز وغدرت، فاستلحموا خالدا فما شغله ذلك عن قتله.\rوحمل القعقاع بن عمرو، واستلحم حماة هرمز، فأتاهم وخالد يماصعهم، فانهزم أهل فارس، وركب المسلمون أكتافهم إلى الليل، وجمع خالد الرثاث والسلاسل، فكان وقر بعير، ألف رطل، فسميت ذات السلاسل.\rقال: وكان أهل فارس يجعلون قلانسهم على قدر أحسابهم فى عشائرهم، فمن تم شرفه فقيمة قلنسوته مائة ألف، وتمام شرف أحدهم أن يكون من البيوتات السبعة، فكان هرمز ممن تم شرفه، فكانت قيمة قلنسوته مائة ألف، فنفلها أبو بكر، ﵀، خالدا، وكانت مفصلة بالجوهر.\rوقال حنظلة بن زياد بن حنظلة: فلما تراجع الطلب من ذلك اليوم، نادى منادى خالد بالرحيل، وسار بالناس، واتبعته الأثقال حتى نزل موضع الجسر الأعظم من البصرة اليوم، وقد أفلت قباذ وأنوشجان، وبعث خالد بالفتح وما بقى من الأخماس وبالفيل، وقرئ الفتح على الناس، فلما قرئ فيه: «خرجت من اليمامة فى ألفين، وحشرت من ربيعة ومضر ثمانية آلاف، فقدمت فى عشرة آلاف على ثمانية آلاف مع الأمراء الأربعة: المثنى ومذعور وحرملة وسلمى» تمثل أبو بكر، رضى الله عنه:\rتمنانا ليلقانا بقوم ... تخال بياض لامهم السرابا\rفقد لاقيتنا فأريت يوما ... عماسا يمنع الشيخ الشرابا\rتبدل علقما منا بحلو ... ينسيك الغنيمة والإيابا\rإذا خرجت سوالفهن زورا ... كأن على حواركهن غابا\rعليها كل متصل بمجد ... من الجهتين يلتهب التهابا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084442,"book_id":3509,"shamela_page_id":1005,"part":"2","page_num":376,"sequence_num":1005,"body":"ولما قدم زر بن كليب بالفيل مع الأخماس فطيف به فى المدينة ليراه الناس، جعلت ضعيفات النساء يقلن: أمن خلق الله ما نرى؟ ورأينه مصنوعا، فرده أبو بكر، رضى الله عنه، مع زر.\rوعن زياد بن حنظلة قال: إنى لبالمدينة وقد قدمتها وافدا من البحرين، إذ أرسل إلىّ أبو بكر وقد قدم عليه الخبر بوقعة ذات السلاسل، فقال لى: ألم تعلم أنه كان من الشأن ذيت وذيت، وأن خالدا ألقى هرمز فاستلحم، وأن القعقاع استلحم فقتلهم وتنفل؟.\rقال زياد: فأقبلت على نفسى أحدثها فقلت: الخليفة وفراسته، وذكرت قوله:\r«ولا يهزم جيش فيهم مثل هذا» ، فما راعنى إلا وأبو بكر يقول: أين أنت يا زياد؟ أما إن خالدا سيتغير له ويتنكر، ثم يراجع ويعرف الحق. فاستنكره القعقاع بعد ذلك، ووقع بينهما ما يقع بين الناس حتى قال القعقاع يعاتبه ولم يكن إلا ذلك:\rمنعتك من قرنى قباذ وليتنى ... تركتك فاستذكت عليك المعاتب\rعطفت عليك المهر حتى تفرجت ... وملت من الطعن الدراك الرواجب\rأجالدهم والخيل تنحط فى القنا ... وأنت وحيد قد حوتك الكتائب\rوكائن هزمنا من كتيبة قاهر ... وكم عجمتنا فى الحروب العجائب\rولما نزل خالد موضع الجسر الأعظم اليوم بالبصرة بعث المثنى بن حارثة فى آثار القوم، فمضى حتى انتهى إلى نهر المرأة وإلى الحصن الذى فيه المرأة، فخلف المثنى بن حارثة عليها من حاصرها فى قصرها، ومضى المثنى، وأسلمت فتزوجها المثنى، ولم يحرك خالد وأمراؤه الفلاحين فى شىء من فتوحهم لتقدم أبى بكر فيهم، وسبى أولاد المقاتلة الذين كانوا يقومون بأمور الأعاجم، وأقر من لم ينهض من الفلاحين وجعل لهم الذمة.\rوبلغ سهم الفارس يوم ذات السلاسل والثنى ألف درهم، والراجل على الثلث من ذلك.\rحديث الثّنى والمذار «١»\rوكانت وقعة المذار فى صفر سنة اثنتى عشرة، ويومئذ قال الناس: صفر الأصفار، فيه يقتل كل جبار، على مجمع الأنهار.","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٣/ ٣٥١، ٣٥٢) ، الكامل لابن الأثير (٢/ ٢٦٣) ، نهاية الأرب للنويرى (١٩/ ١٠٨، ١٠٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084443,"book_id":3509,"shamela_page_id":1006,"part":"2","page_num":377,"sequence_num":1006,"body":"ولما كتب هرمز إلى ملكهم بكتاب خالد إليه بمسيره من اليمامة نحوه، أمده بقارن بن قربانس، فخرج من المدائن ممدّا لهرمز؛ حتى إذا انتهى إلى المذار بلغته الهزيمة؛ وانتهى إليه الفلال فتذامروا، وقال فلال الأهواز وفارس لفلال السواد والجبل: إن افترقتم لم تجتمعوا بعدها أبدا؛ فاجتمعوا على العدو مرة واحدة، فهذا مدد الملك وهذا قارن، لعل الله يديلنا ويشفينا من عدونا وندرك بعض ما أصابوا منّا. ففعلوا وعسكروا بالمذار، واستعمل قارن على مجنبتيه قباذ وأنوشجان، فأرسل المثنى إلى خالد بالخبر؛ فعند ذلك قسم خالد الفىء على من أفاء الله عليه، ونفل من الخمس ما شاء الله، وبعث مع الوليد ابن عقبة ببقيته، وبالفتح إلى أبى بكر، وبالخبر عن القوم، وباجتماع المغيث منهم والمغاث إلى الثنى، وهو النهر، وخرج خالدا سائرا إليهم حتى ينزل المذار، فالتقوا وخالد على تعبئته، فاقتتلوا على حنق وحفيظة، وخرج قارن يدعو للبراز، فبرز له خالد وأبيض الركبان معقل بن الأعشى بن النباش، فابتدراه، فسبقه إليه معقل فقتله، وقتل عاصم أنو شجان، وقتل عدى قباذ. وكان شرف قارن قد انتهى؛ ثم لم يقاتل المسلمون بعده أحدا انتهى شرفه فى الأعاجم.\rوقتلت فارس مقتلة عظيمة؛ فضموا السفن ومنعت المياه المسلمين من طلبهم. وأقام خالد بالمذار، وسلم الأسلاب لمن سلبها بالغة ما بلغت وقسم الفىء ونفل من الأخماس ما نفل فى أهل البلاء، وبعث ببقيتها إلى أبى بكر، رضى الله عنه.\rوعن الشعبى قال: دفع خالد إلى أبيض الركبان سلب قارن وقيمته مائة ألف، وإلى عاصم وعدى سلب أنوشجان وقباذ، وقيمة سلب كل واحد منهما ثلاثة أرباع الشرف.\rوعن أبى عثمان قال: قتل ليلة المذار ثلاثون ألفا سوى من غرق، ولولا المياه لأتى على آخرهم، ولم يفلت منهم من أفلت إلا عراة أو أشباه العراة.\rقال الشعبى: لم يلق خالد أحدا بعد هرمز إلا كانت الوقعة الآخرة أعظم من التى قبلها.\rوأقام خالد بالثنى يسبى عيالات المقاتلة ومن أعانهم، وأقر الفلاحين ومن أجاب إلى الخراج من جميع الناس بعد ما دعوا، وكل ذلك أخذ عنوة، ولكن دعوا إلى الجزاء فأجابوا وتراجعوا، وصاروا ذمة، وصارت أرضهم خراجا؛ وكذلك جرى ما لم يقسم، فإذا اقتسم فلا، ومن ذلك السبى كان حبيب أبو الحسن البصرى، وكان نصرانيا.\rوقال عزيز بن مكنف: لم يدع خالد بعد هرمز أحدا من الأعاجم حتى هلك أزدشير","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084444,"book_id":3509,"shamela_page_id":1007,"part":"2","page_num":378,"sequence_num":1007,"body":"إلا أن يدعو قوما بعد ما يغلبهم على أرضهم ويجليهم عنها إلى الجزاء والذمة فيرد عليهم أرضهم فيصيروا ذمة ما لم تقتسم، وبذلك جرت السنة.\rوأمر خالد على الجزاء سويد بن مقرن المزنى، وأمره بنزول الحفير، وأمره ببث عماله، ووضع يديه فى الجباية، وأقام لعدوه يتحسس الأخبار.\rوقال عاصم بن عمرو فى ذلك من أبيات:\rفلم أر مثل يوم السيب حتى ... رأيت الثنى تخضبه الدماء\rوألوت خيلنا لما التقينا ... بقارن والأمور لها انتهاء\rحديث الولجة «١» وهى مما يلى كسكر من البر\rوكانت فى صفر سنة اثنتى عشرة.\rقالوا: لما وقع الخبر إلى أردشير بمصاب قارن وأهل المذار، أرسل الأنذرزعر، وكان فارسيا من مولدى السواد وتنائهم؛ ولم يكن ممن ولد فى المدائن ولا نشأ بها، وأرسل بهمن جاذويه فى أثره، وكان رافد فارس فى يوم من أيام شهرهم، وذلك أنهم بنوا شهورهم كل شهر على ثلاثين يوما؛ فكان لأهل فارس فى كل يوم رافد نصب لذلك يرفدهم عند الملك؛ فكان بهمن أحدهم، فخرج الأنذرزعر سائرا من المدائن حتى أتى كسكر «٢» ، ثم جازها إلى الوالجة «٣» ، وخرج بهمن جاذويه فى أثره، فأخذ غير طريقه فسلك أوسط السواد، وقد حشد الأنذرزعر من بين الحيرة وكسكر من عرب الضاحية والدهاقين فعسكروا إلى جنب عسكره بالولجة؛ فلما اجتمع له ما أراد واستتم له أعجبه ما هو فيه، وأجمع السير إلى خالد.\rولما بلغ خالدا خبره ونزوله الولجة، نادى بالرحيل، وخلف سويد بن مقرن، وأمره بلزوم الحفير، وتقدم إلى من خلف بأسفل دجلة، وأمرهم بالحذر وقلة الغفلة، وترك","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٣/ ٣٥٣، ٣٥٤) ، الكامل لابن الأثير (٢٦٣، ٢٦٤) ، البداية والنهاية لابن كثير (٦/ ٣٤٥) ، نهاية الأرب للنويرى (١٩/ ١٠٩) .\r(٢) كسكر: أى عامل الزرع، وهو بلد بالعراق بين الكوفة والبصرة. انظر: معجم البلدان (٤/ ٤٦١) .\r(٣) الولجة والوالج: موضع يلى كسكر من البر. انظر: تاريخ الرسل والملوك للطبرى (٣/ ٣٥٣) ، معجم البلدان (٥/ ٣٨٣) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084445,"book_id":3509,"shamela_page_id":1008,"part":"2","page_num":379,"sequence_num":1008,"body":"الاغترار، وخرج سائرا فى الجنود نحو الولجة، حتى نزل على الأنذرزعر وجنوده ومن تأشب إليه، فاقتتلوا قتالا شديدا؛ هو أعظم من قتال الثنى، حتى ظن الفريقان أن الصبر قد فرغ، واستبطأ خالد كمينه؛ وكان قد وضع لهم كمينا فى ناحيتين، عليهم بسر بن أبى رهم وسعيد بن مرة العجلى، فخرج الكمين من وجهين، فانهزمت صفوف العاجم وولوا؛ وأخذهم خالد من بين أيديهم والكمين من خلفهم، فلم ير رجل منهم مقتل صاحبه؛ ومضى الأنذرزعر فى هزيمته، فمات عطشا. وقام خالد فى الناس خطيبا يرغبهم فى بلاد العجم، ويزهدهم فى بلاد العرب، وقال: ألا ترون إلى الطعام كالتراب، والله لو لم يلزمنا الجهاد فى الله، والدعاء إليه، ولم يكن إلا المعاش لكان الرأى أن نقارع على هذا الريف حتى نكون أولى به، ونولى الجوع والإقلال من تولاه ممن تثاقل عما أنتم عليه.\rوسار خالد فى الفلاحين سيرته فلم يقتلهم، وسبى ذرارى المقاتلة ومن أعانهم، ودعا أهل الأرض إلى الجزاء والذمة فتراجعوا.\rوبارز خالد يوم الولجة رجلا من أهل فارس يعدل بألف رجل فقتله، فلما فرغ اتكأ عليه، ودعا بغذائه.\rوقال خالد يذكر ذلك اليوم:\rنهكناهم بها حتى استجاروا ... ولولا الله لم يرزوا قبالا\rفولوا الله نعمته وقولوا ... ألا بالله نحتضر القتالا\rوقال القعقاع فى ذلك وأثنى على المسلمين:\rولم أر قوما مثل قوم رأيتهم ... على ولجات البر أحمى وأنجبا\rوأقتل للرواس فى كل مجمع ... إذا صعصع الدهر الجموع وكبكبا\rفنحن حبسنا بالزمازم بعد ما ... أقاموا لنا فى عرصة الدار ترقبا\rقتلناهم ما بين قلع مطلق ... إلى القيعة الغبراء يوما مطنبا\rحديث ألّيس، وهى على صلب الفرات «١»\rولما أصاب خالد من أصاب يوم الولجة من بكر بن وائل من نصاراهم الذين أعانوا","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٣/ ٣٥٥- ٣٥٨) ، الروض المعطار (ص ٢٩، ٣٠) ، الكامل لابن الأثير (٢/ ٢٦٤، ٢٦٥) ، نهاية الأرب للنويرى (١٩/ ١٠٩، ١١٠) ، البداية والنهاية لابن كثير (ص ٣٤٦، ٣٤٧) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084446,"book_id":3509,"shamela_page_id":1009,"part":"2","page_num":380,"sequence_num":1009,"body":"أهل فارس غضب لهم نصارى قومهم؛ فكاتبوا الأعاجم وكاتبتهم الأعاجم؛ فاجتمعوا إلى أليس، وعليهم عبد الأسود العجلى، وكان أشد الناس على أولئك النصارى مسلموا بنى عجل عتيبة بن النهاس وسعيد بن مرة وفرات بن حيان والمثنى بن لاحق ومذعور بن عدى.\rوكتب أردشير إلى بهمن جاذويه: أن سر حتى تقدم أليس بجيشك إلى من اجتمع بها من فارس ونصارى العرب. فقدم بهمن أمامه جابان وأمره بالحث وقال له: كفكف نفسك وجندك عن قتال القوم حتى ألحق بك إلا أن يعجلوك. فسار جابان نحو أليس، وانطلق بهمهن إلى أردشير ليحدث به عهدا، ويستأمره فيما يريد أن يشير به، فوجده مريضا؛ فعرج عليه، وأخلى جابان بذلك الوجه، ومضى جابان حتى انتهى إلى أليس فنزل بها، واجتمعت إليه المسالح التى كانت بإزاء العرب، وعبد الأسود فى نصارى بنى عجل وتيم اللات وضبيعة وعرب الضاحية من أهل الحيرة، وكان أبجر بن بجير نصرانيا فساند عبد الأسود؛ وكان خالد بلغه بجمع عبد الأسود وأبجر وزهير فيمن تأشب إليهم، فنهد إليهم ولا يشعر بدنو جابان، وليست لخالد همة إلا من تجمع له من عرب الضاحية ونصاراهم.\rولما طلع خالد على أليس قالت الأعاجم لجابان: أنعاجلهم أو نغدى الناس ولا نريهم أنا نحفل بهم، ثم نقاتلهم بعد الفراغ؟ فقال جابان: إن تركوكم والتهاون بهم فتهاونوا، ولكن ظنى أن سيعاجلوكم ويعجلوكم عن طعامكم، فعصوه وبسطوا البسط ووضعوا الأطعمة، وتداعوا إليها، وتوافوا عليها.\rفلما انتهى خالد إليهم أمر بحط الأثقال، فلما وضعت توجه إليهم، ووكل خالد بنفسه حوامى يحمون ظهره، ثم برز أمام الصف فنادى: أين أبجر؟ أين مالك بن قيس؟\rرجل من خدرة، فنكلوا عنه جميعا إلا مالكا، فبرز له، فقال له خالد: يا ابن الخبيثة، ما جرأك علىّ من بينهم، وليس فيك وفاء!.\rوقال:\rأنا ابن ذات الحسب الممذوق ... إنك فى ضيق أشد الضيق\rوضربه فقتله، وأجهض الأعاجم عن طعامهم قبل أن يأكلوه، فقال لهم جابان: ألم أقل لكم يا قوم؟ لا والله ما دخلتنى من رئيس وحشة قط حتى كان اليوم، فقالوا: تجلدا، حيث لم يقدروا على الأكل: ندعها حتى نفرغ منهم؛ ثم نعود إليها. فقال جابان:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084447,"book_id":3509,"shamela_page_id":1010,"part":"2","page_num":381,"sequence_num":1010,"body":"وأيضا أظنكم والله لهم وضعتموها وأنتم لا تشعرون، فالآن فأطيعونى وسموها؛ فإن كانت لنا فأهون هالك، وإن كانت علينا كنا قد صنعنا شيئا، وأبلينا عذرا. فقالوا: لا، إلا اقتدارا عليهم.\rوجعل جابان على مجنبتيه عبد الأسود وأبجر، وخالد على تعبئته فى الأيام التى قبلها، فاقتتلوا قتالا شديدا، والمشركون يزيدهم كلبا وشدة ما يتوقعون من قدوم بهمن، فصابروا المسلمين للذى كان فى علم الله أن يصيرهم إليه، وحرب المسلمون عليهم، وقال خالد: اللهم لك علىّ إن منحتنا أكتافهم أن لا استبقى منهم أحدا قدرنا عليه حتى أجرى نهرهم بدمائهم! ثم إن الله، ﷿، كشفهم للمسلمين، ومنحهم أكتافهم، فأمر خالد مناديه، فنادى فى الناس: الأسر الأسر! لا تقتلوا إلا من امتنع، فأقبلت الخيول بهم أفواجا مستأسرين يساقون سوقا، وقد وكل بهم رجالا يضربون أعناقهم فى النهر، ففعل ذلك بهم يوما وليلة وطلبوهم الغد وبعد الغد؛ حتى انتهوا إلى النهرين، ومقدار ذلك من كل جوانب أليس. فضرب أعناقهم، وكانت على النهر أرحاء فطحنت بالماء وهو أحمر قوت العسكر ثلاثة أيام وهم ثمانية عشر ألفا أو يزيدون.\rولما رجع المسلمون من طلبهم، ودخلوا عسكرهم، وقف خالد على الطعام الذى كان المشركون قدموه لغدائهم فأعجلوا عنه، فقال للمسلمين: قد نفلتكموه فهو لكم، وقد كان رسول الله ﷺ إذا أتى على طعام مصنوع نفله، فقعد الناس على ذلك لعشائهم بالليل، وجعل من لا يرد الأرياف ولا يعرف الرقاق يقول: ما هذه الرقاع البيض! وجعل من قد عرفها يجيبهم، ويقول لهم مازحا: هل سمعتم برقيق العيش؟ فيقولون: نعم، فيقول: هو هذا؛ فسمى الرقاق.\rوعن خالد بن الوليد أن رسول الله ﷺ نفل الناس يوم خيبر الخبز والطبيخ والشواء وما أكلوا غير ذلك فى بطونهم غير متأثليه.\rوبعث خالد بالخبر مع رجل يدعى جندلا من بنى عجل، وكان دليلا صارما، فقدم على أبى بكر، رضى الله عنه، بالخبر، وبفتح أليس، وبقدر الفىء، وبعدة السبى، وبما حصل من الأخماس، وبأهل البلاء من الناس، فلما رأى أبو بكر صرامته وثبات خبره، قال: ما اسمك؟ قال: جندل. فقال أبو بكر: ويها جندل:\rنفس عصام سودت عصاما ... وعلمته الكرّ والإقداما\rوأمر له بجارية من السبى فولدت له.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084448,"book_id":3509,"shamela_page_id":1011,"part":"2","page_num":382,"sequence_num":1011,"body":"وكان خالد وجنده هم جند المسلمين، وكتيبة الإسلام، بهم فض الله أهل فارس ورعبهم، وما زالت بعدها مرعوبة منتشرة لم يأتوا فى وقعة بمثل ذلك الجد والصبر إلى أن فارقهم خالد إلى الشام.\rوبلغت قتلاهم يوم أليس سبعين ألفا جلهم من أمغيشيا، وفى ذلك يقول الأسود بن قطبة:\rقتلنا منهم سبعين ألفا ... بقية خربهم غبّ الإسار\rسوى من ليس يحصى من قتيل ... ومن قد غال جولان الغبار\rوقال خالد بن الوليد لما افتتح الحيرة: لقد قاتلت يوم مؤتة فانقطع فى يدى تسعة أسياف، وما لقيت قوما كقوم لقيتهم من أهل فارس، وما لقيت من أهل فارس قوما كأهل أليس.\rحديث أمغيشيا وكيف أفاءها الله بغير قتال «١»\rولما فرغ خالد من وقعة أليس، نهض فأتى على أمغيشيا وقد أعجلهم عما فيها، وقد جلا أهلها، وتفرقوا فى السواد، فأمر خالد بهدمها وهدم كل شىء كان فى حيزها وكانت مصرا كالحيرة؛ وكان فرات بادقلى ينتهى إليها، وكان أليس من مسالحها، فأصابوا فيها ما لم يصيبوا قط قبله مثله.\rوبلغ سهم الفارس ألفا وخمسمائة، سوى الأنفال التى نفلها أهل البلاء.\rولما بلغ ذلك أبا بكر قال: يا معشر قريش، عدا أسدكم على الأسد فغلبه على خراذيله، أعجز النساء أن ينسأن بمثل خالد.\rحديث يوم المقر وفم فرات بادقلى مع ما يتصل به من حديث الحيرة «٢»\rذكر أن الآزادبه كان مرزبان الحيرة من زمان كسرى إلى ذلك اليوم، وكانوا لا يمد","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٣/ ٣٥٨، ٣٥٩) ، الروض المعطار (ص ٣١) .\r(٢) انظر: الطبرى (٣/ ٣٥٩- ٣٧٣) ، الكامل لابن الأثير (٣/ ٢٦٥- ٢٦٨) ، نهاية الأرب للنويرى (١٩/ ١١١، ١١٢) ، البداية والنهاية لابن كثير (٦/ ٣٤٧، ٣٤٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084449,"book_id":3509,"shamela_page_id":1012,"part":"2","page_num":383,"sequence_num":1012,"body":"بعضهم بعضا إلا بإذن الملك، فلما أخرب خالد أمغيشيا علم أنه غير متروك، فتهيأ لحرب خالد، وقدم ابنه، ثم خرج فى أثره، فعسكر خارجا من الحيرة، وأمر ابنه بسد الفرات.\rولما استقبل خالد من أمر أمغيشيا وحمل الرجل فى السفن مع الأثقال والأنفال، لم يفجأ خالدا إلا والسفن جوانح فارتاعوا لذلك، فقال الملاحون: إن أهل فارس فجروا النهار، فسلك الماء على غير طريقه، فلا يأتينا الماء إلا بسد الأنهار، فتعجل خالد فى خيل نحو الآزادبه، فلقى على فم العتيق خيلا من خيلهم، فجأهم وهم آمنون غارته تلك الساعة، فأنامهم بالمقر، ثم سار من فوره، وسبق الأخبار إلى ابن الآزادبه حتى يلقاه وجنوده بفم فرات بادقلى، فاقتتلوا، فأنامهم خالد، وفجر الفرات وسد الأنهار فسلك الماء سبيله.\rثم قصد خالد للحيرة، واستلحق أصحابه، وسار حتى ينزل بين الخورنق والنجف، فقدم خالد الخورنق، وقد قطع الآزادبه الفرات هربا من غير قتال، وإنما جرأه على الهرب أن الخبر وقع إليه بموت أردشير وبمصاب ابنه، وكان عسكره بين الغربين والقصر الأبيض. ولما تتام أصحاب خالد إليه بالخورنق خرج منه حتى يعسكر فى موضع عسكر الآزادبه بين الغربين والقصر الأبيض، وأهل الحيرة متحصنون، فأدخل خالد الحيرة الخيل من عسكره، وأمر بكل قصر رجلا من قواده يحاصر أهله ويقاتلهم، فكان ضرار بن الأزور محاصرا للقصر الأبيض، وفيه إياس بن قبيصة الطائى، وكان ضرار بن الخطاب محاصرا قصر الغربين وفيه عدى بن عدى المقتول، وكان ضرار بن مقرن المزنى، عاشر عشرة إخوة له، محاصرا قصر بنى مازن وفيه ابن أكال، وكان المثنى محاصرا قصر بنى بقيلة وفيه عمرو بن عبد المسيح، فدعوهم جميعا، وأجلوهم يوما، فأبى أهل الحيرة ولجوا، فناوشهم المسلمون.\rوعهد خالد إلى أمرائه أن يبدؤا بالدعاء، فإن قبلوا قبلوا منهم، وإن أبوا أجلوهم يوما، وقال: لا تمكنوا عدوكم من آذانكم فيتربصوا بكم الدوائر، ولكن ناجزوهم ولا ترددوا المسلمين عن قتال عدوهم.\rفكان أول القواد أنشب القتال بعد يوم أجلوهم فيه ضرار بن الأزور، وكان على قتال القصر الأبيض، فأصبحوا وهم مشرفون، فدعاهم إلى إحدى ثلاث: الإسلام، أو الجزاء، أو المنابذة، فاختاروا المنابذة، فقال ضرار: ارشقوهم، فدنوا منهم فرشقوهم بالنبل، فأعروا رؤس الحيطان، ثم بثوا غارتهم فيمن يليهم، وصبح أمير كل قوم أصحابه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084450,"book_id":3509,"shamela_page_id":1013,"part":"2","page_num":384,"sequence_num":1013,"body":"بمثل ذلك، فافتتحوا الدور والديران، وأكثروا القتل، فنادى القسيسون والرهبان: يا أهل القصور، ما يقتلنا غيركم. فنادى أهل القصور: يا معشر العرب، قد قبلنا واحدة من ثلاث فدعونا وكفوا عنا حتى تبلغونا خالدا.\rوكان أول من طلب الصلح عمرو بن عبد المسيح بن قيس بن حيان بن الحارث وهو بقيلة، وإنما سمى بقيلة لأنه خرج على قومه فى بردين أخضرين، فقالوا له: يا حار ما أنت إلا بقيلة خضراء، ثم تتابعوا على ذلك. فخرج وجوه كل قصر إلى من كان عليه من أمراء خالد، فأرسلوهم إليه مع كل رجل منهم ثقة من قبل مرسله، فخلا خالد بأهل كل قصر منهم دون الآخرين، وبدأ بأصحاب عدى بن عدى وقال: ويحكم ما أنتم؟\rأعرب؟ فما تنقمون من العرب؟ أو عجم؟ فما تنقمون من الإنصاف والعدل؟ فقال له عدى: بل عرب عاربة وأخرى متعربة، فقال: لو كنتم كما تقولون لم تحادونا وتكرهوا أمرنا؟! فقال له عدى: ليدلك على ما تقول أنه ليس لنا لسان إلا بالعربية، فقال:\rصدقت. اختاروا واحدة من ثلاث: إما أن تدخلوا فى ديننا فلكم ما لنا وعليكم ما علينا إن نهضتم وهاجرتم أو أقمتم فى دياركم، أو الجزية، أو المنابذة والمناجزة، فقد والله أتيتكم بقوم هم أحرى على الموت منكم على الحياة. فقال: بل نعطيكم الجزية، فقال خالد: تبا لكم، ويحكم إن الكفر فلاة مضلة، فأحمق العرب من سلكها فلقيه دليلان:\rأحدهما عربى فتركه واستدل الأعجمى. فصالحوه على مائة ألف وتسعين ألفا، وتتابعوا على ذلك، وأهدوا له الهدايا، وبعث بالفتح والهدايا إلى أبى بكر الصديق، فقبلها أبو بكر، رضى الله عنه، من الجزاء، وكتب إلى خالد: أن احسب لهم هديتهم من الجزاء، إلا أن تكون من الجزاء وخذ بقية ما عليهم فقو بها أصحابك.\rوفى حديث مثله أو نحوه عن رجل من كنانة وغيره: أن أهل الحيرة لما انتهوا إلى خالد كانوا يختلفون إليه ويقدمون فى حوائجهم عمرو بن عبد المسيح، فقال له خالد:\rكم أتت عليك؟ قال: مئوسنين، قال: فما أعجب ما رأيت؟ قال: رأيت القرى منظومة ما بين دمشق والحيرة، وتخرج المرأة من الحيرة فلا تزود إلا رغيفا، فتبسم خالد، قال:\rهل لك من شيخك إلا عقله ... خرفت والله يا عمرو\rثم أقبل على أهل الحيرة وقال: ألم يبلغنى أنكم خبثة خدعة مكرة؟ فما لكم تتناولون حوائجكم بخرف لا يدرى من أين جاء؟ فتجاهل له عمرو، وأحب أن يريه من نفسه ما يعرف به عقله، ويستدل به على صحة ما حدثه به، فقال: وحقك أيها الأمير، إنى لأعرف من أين جئت؟ قال: فمن أين جئت؟ قال: أقرب أم أباعد؟ قال: ما شئت، قال:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084451,"book_id":3509,"shamela_page_id":1014,"part":"2","page_num":385,"sequence_num":1014,"body":"من بطن أمى، قال: فأين تريد؟ قال: ما أمامى، قال: وما هو؟ قال: الآخرة. قال: فمن أين أقصى أثرك؟ قال: صلب أبى، قال: ففيم أنت؟ قال: فى ثيابى، فقال خالد: إنه ليعقل! قال: أى والله وأفيد، فوجده حين فره عضا وكان أهل قريته أعلم به.\rوقال خالد: قتلت أرض جاهلها، وقتل أرضا عالمها، القوم أعلم بما فيهم! فقال عمرو: والنملة أعلم بما فى بيتها من الجمل بما فى بيت النملة!.\rقالوا: وكان مع ابن بقيلة منصف له متعلقا كيسا فى حقوه، فتناول خالد الكيس ونثر ما فيه فى راحته، وقال: ما هذا يا عمرو؟ قال: هذا وأمنة الله سمّ ساعة، قال: ولم تحتقبه؟ قال: خشيت أن تكونوا على غير ما رأيت، وقد أتيت على أجلى، والموت أحب إلىّ من مكروه أدخله على قومى. فقال خالد: إنه لن تموت نفس حتى تأتى على أجلها، وقال: بسم الله خير الأسماء، ورب الأرض والسماء، الذى ليس يضر مع اسمه داء، فأهووا إليه ليمنعوه، فبادرهم وابتلع السم، فقال عمرو: والله يا معشر العرب لتملكن ما أردتم ما دام منكم أحد أيها القرن.\rوأقبل على أهل الحيرة، وقال: لم أر كاليوم أمرا أوضح إقبالا.\rوكان رسول الله ﷺ قد ذكر الحيرة وأنه أريها ورفعت له، وكأن شرف قصورها أضراس الكلاب، وأنها ستفتح على المسلمين. فسأله رجل يقال له: شويل، كرامة بنت عبد المسيح، فقال له: «هى لك إذا فتحت عنوة» ، يعنى الحيرة، فلما راوض أهل الحيرة خالدا على الصلح وأداء الجزية قام إليه شويل فذكر له ذلك وشهد له به، فأبى خالد أن يكاتبهم إلا على إسلام كرامة إلى شويل، فثقل ذلك عليهم، فقالت: هونوا عليكم وأسلمونى، فإنى سأفتدى، ففعلوا، وكتب خالد بينه وبينهم كتابا:\r«بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عاهد عليه خالد بن الوليد عديا وعمرا ابنى عدى، وعمرو بن عبد المسيح، وإياس بن قبيصة، وحيرى بن أكال، وهم نقباء أهل الحيرة، ورضى بذلك أهل الحيرة وأمروهم به، وعاهدوهم على تسعين ومائة ألف درهم، تقبل فى كل سنة جزاء عن أيديهم فى الدنيا، رهبانهم وقسيسيهم، وجماعتهم، إلا من كان غير ذى يد، حبيسا عن الدنيا، تاركا لها، وسائحا تاركا للدنيا، وعلى المنعة، فإن لم يمنعهم فلا شىء عليهم حتى يمنعهم، وإن غدروا بقول أو فعل فالذمة منهم بريئة. وكتب فى شهر ربيع الأول سنة اثنتى عشرة» .\rفاستخف أهل الحيرة بهذا الكتاب وضيعوه، فلما نقض أهل السواد بعد موت أبى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084452,"book_id":3509,"shamela_page_id":1015,"part":"2","page_num":386,"sequence_num":1015,"body":"بكر وكفروا فيمن كفر، وغلب عليهم أهل فارس، ثم افتتحها المثنى بن حارثة ثانية، أدلوا بمقتضى ذلك الكتاب، فلم يجبهم إليه، ودعا بشرط آخر، فلما غلب المثنى على البلاد كفروا فيمن كفر، وأعانوا، واستخفوا وأضاعوا الكتاب، فلما افتتحها سعد، أدلوا بذلك فسألهم واحدا من الشرطين، فلم يجيبوا به، فوضع عليهم وتحرى ما يرى أنهم يطيقون، فوضع عليهم أربعمائة ألف سوى الخزرة، وهو رسم كان عليهم لكسرى فى كل سنة أربعة دراهم على كل رأس.\rوفيما حكاه ابن الكلبى من حديث الحيرة أن الذى خرج منهم إلى خالد هو عبد المسيح بن عمرو بن بقيلة وهانئ بن قبيصة الطائى، مع من خرج إليه من أشرافهم، وأن خالدا سأل عبد المسيح فذكر نحوا مما تقدم عن عمرو بن عبد المسيح إلى أن قال له:\rويحك تعقل قال: نعم، وأفيد. قال خالد: وأنا أسألك، قال عبد المسيح: وأنا أجيبك.\rقال: أسلم أنت أم حرب؟ قال: بل سلم. قال: فما هذه الحصون التى أرى؟ قال: بنيناها للسفيه تمنعه حتى يأتى الحليم فينهاه. ثم ذكر من مصالحته إياهم على الجزية نحوا مما تقدم.\rقال: فكانت أول جزية حملت إلى المدينة، من العراق، ثم نزل على بانقيا فصالحهم بصهير بن صلوبا على ألف درهم وطيلسان، وكتب لهم كتابا.\rوعن ابن إسحاق أن أول شىء صالح عليه خالد حين سار يريد العراق قريات من السواد، يقال لها: بانقيا، وباروسما، وأليس، نزل عليها خالد فصالحه عليها ابن صلوبا، فقبل منهم خالد الجزية، وكتب لهم كتابا.\rقال: ثم أقبل خالد بمن معه حتى نزل الحيرة فجعل ابن إسحاق شأن تلك القريات مقدما على أمر الحيرة، والأكثرون يقولون إنها كانت بعدها، وإن أهلها وسائر دهاقين الملطاطين إنما كانوا يتربصون وينظرون ما يصنع أهل الحيرة. فلما استقام ما بين أهل الحيرة وبين خالد على الصلح طلب جميعهم الصلح وسمحوا بالجزية واكتتبوا بها من خالد كتبا.\rوبين الرواة خلاف كثير فى أسماء الرجال والأماكن ومقادير الجزاء، فرأيت اختصار ذلك أولى.\rوعن الشعبى فى حديث كرامة بنت عبد المسيح لما اشتد على قومها دفعها إلى شويل وأعظم الخطر، قالت لهم: لا تخطروه، ولكن اصبروا، ما تخافون على امرأة بلغت ثمانين","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084453,"book_id":3509,"shamela_page_id":1016,"part":"2","page_num":387,"sequence_num":1016,"body":"سنة؟ إنما هذا رجل أحمق رآنى فى شبيبتى فظن أن الشباب يدوم. فدفعوها إلى خالد، فدفعها خالد إليه، فقالت: ما أربك إلى عجوز كما قد ترى؟ فأدنى قال: لا، إلا على حكمى، قالت: فلك حكمك مرسلا، فقال: لست لأم شويل إن نقصتك من ألف درهم! فاستكثرت ذلك لتخدعه، ثم أتته بها. فرجعت إلى أهلها، فتسامع الناس بذلك، فعنفوه، فقال: ما كنت أرى أن عددا يزيد على ألف، وخاصمهم إلى خالد، وقال:\rكانت نيتى غاية العدد، وقد ذكروا أن العدد يزيد على ألف، فقال خالد: أردت أمرا وأراد الله غيره، ونأخذ بما ظهر وندعك ونيتك، كاذبا كنت أو صادقا.\rومما يروى من شعر ابن بقيلة:\rأبعد المنذرين أرى سواما ... تروح بالخورنق والسدير\rوبعد فوارس النعمان أرعى ... قلوصا بين مرة والحفير\rفصرنا بعد ملك أبى قبيس ... كجرب المعز فى اليوم المطير\rتقسمنا القبائل من معد ... علانية كأيسار الجزور\rوكنا لا يرام لنا حريم ... فنحن كضرة الضرع الفجور\rنودى الخرج بعد خراج كسرى ... وخرج من قريظة والنضير\rكذاك الدهر دولته سجال ... فيوم فى مساءة أو سرور\rوقال القعقاع بن عمرو فى أيام الحيرة «١» :\rسقى الله قتلى بالفرات مقيمة ... وأخرى بأثباج النجاف الكوانف\rفنحن وطئنا بالكواظم هرمزا ... وبالثنى قرنى قارن بالجوارف\rويوم أحطنا بالقصور تتابعت ... على الحيرة الروحاء إحدى المصارف\rحططناهم منها وقد كاد عرشهم ... يميل به فعل الجبان المخالف\rمننا عليهم بالقبول وقد رأوا ... عيون المنايا حول تلك المحارف\rصبيحة قالوا نحن قوم تنزلوا ... إلى الريف من أرض العريب النفانف\rوقال أخوه عاصم بن عمرو فى ذلك:\rصبحنا الحيرة الروحاء خيلا ... ورجلا فوق أثباج الركاب\rحصرنا فى نواحيها قصورا ... مشرفة كأضراس الكلاب\rفبادوا بالعريب ولم يحاموا ... فقلنا دونكم فعل العراب","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٣/ ٣٦٥) ، البداية والنهاية لابن كثير (٦/ ٣٤٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084454,"book_id":3509,"shamela_page_id":1017,"part":"2","page_num":388,"sequence_num":1017,"body":"فقالوا بل نؤدى الخرج حتى ... تزل الراسيات من الضراب\rصدفنا عنهم لما اتقونا ... وأبنا حيث أبنا بالنهاب\rوبعث خالد بن الوليد عماله ومسالحه، لجباية الخراج وحماية البلاد، وأمر أمراءه على الثغور بالغارة والإلحاح، فنزلوا على السيب فى عرض سلطانه، وهناك كانت الثغور فى زمانه، فمهدوا له ما وراء ذلك إلى شاطئ دجلة، وليس لأهل فارس فيما بين الحيرة ودجلة أمر، وليس لأحدهم ذمة إلا الذين كاتبوا خالدا واكتتبوا منه، وسائر أهل السواد جلاء ومتحصنون ومحاربون، وجنى الخراج إلى خالد فى خمسين ليلة، وكان الذين ضمنوه رؤس الرساتيق رهنا فى يديه، فأعطى ذلك كله المسلمين، فقووا به على أمرهم.\rوقال أبو مفزر الأسود بن قطبة فيما فتح بعد الحيرة:\rألا أبلغا عنا الخليفة أننا ... غلبنا على نصف السواد الأكاسرا\rغلبنا على ماء الفرات وأرضه ... عشية حزنا بالسيوف الأكابرا\rفدرت علينا جزية القوم بعد ما ... ضربناهم ضربا يقط البواترا\rولما غلب خالد على أحد جانبى السواد، دعا برجلين، أحدهما حيرى والآخر نبطى، وكتب معهما كتابين إلى أهل فارس، أحدهما إلى الخاصة والآخر إلى العامة. وهذا أحدهما:\r«بسم الله الرحمن الرحيم، من خالد بن الوليد إلى ملوك فارس، أما بعد، فالحمد لله الذى حل نظامكم، ووهن كيدكم، وفرق كلمتكم، ولو لم يفعل ذلك بكم لكان شرا لكم، فادخلوا فى أمرنا ندعكم وأرضكم، ونجزكم إلى غيركم، وإلا كان ذلك على غلب وأنتم كارهون، على أيدى قوم يحبون الموت كحبكم الحياة» .\rوالكتاب الآخر:\r«بسم الله الرحمن الرحيم، من خالد بن الوليد إلى مرازبة فارس، أما بعد، فالحمد لله الذى فض حرمتكم، وفرق كلمتكم، وفل حدكم، وكسر شوكتكم، فأسلموا تسلموا، وإلا فاعتقدوا منى الذمة، وأدوا الجزية، وإلا فقد جئتكم بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة» .\rودعا خالد الرجل الحيرى فقال له: ما اسمك؟ قال: مرة. قال: خذ الكتاب، لأحد الكتابين، فأت به أهل فارس لعل الله يمر عليهم عيشهم، أو يسلموا، وينيبوا. وقال للنبطى: ما اسمك؟ قال: هزقيل. قال: خذ الكتاب، اللهم ازهق نفوسهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084455,"book_id":3509,"shamela_page_id":1018,"part":"2","page_num":389,"sequence_num":1018,"body":"وكان أهل فارس إذ ذاك لموت أردشير مختلفين فى الملك مجتمعين على قتال خالد متساندين، إلا أنهم قد أنزلوا بهمن جاذويه ببهرسير، ومعه الآزادبه، فى أشباه له.\rولما وقعت كتب خالد إلى أهل المدائن تكلم نساء آل كسرى، فولى الفراخزاد بن البندوان إلى أن يجتمع آل كسرى على رجل إن وجدوه، وأقام خالد فى عمله سنة ومنزله الحيرة، يصعد ويصوب قبل خروجه إلى الشام، وأهل فارس يخلعون ويملكون، ليس إلا للدفع عن بهرسير، وكان شيرى بن كسرى قد قتل كل من يناسب إلى كسرى ابن قباذ، ووثب أهل فارس بعده وبعد أردشير ابنه، وقتلوا كل من بين كسرى بن قباذ وبين بهرام جور، فبقوا لا يقدرون على من يملكونه ممن يجتمعون عليه.\rوعن الشعبى قال: أقام خالد فيما بين فتح الحيرة إلى خروجه إلى الشام أكثر من سنة، يعالج عمل عياض الذى سمى له، فقال خالد للمسلمين: لولا ما عهد إلى الخليفة ما كان دون فتح فارس شىء، وكان عهد إليه وإلى عياض إذ وجههما أن يستبقا إلى الحيرة فأيهما سبق إليها فهو أمير على صاحبه، وقال: فإذا اجتمعتما بالحيرة وفضضتما مسالح فارس، وأمنتما أن يؤتى المسلمون من خلفهم فليكن أحدكما ردآ للمسلمين ولصاحبه بالحيرة وليقتحم الآخر على عدو الله وعدوكم من أهل فارس دارهم ومستقر عزهم المدائن، حسب ما تقدم من كتاب أبى بكر إليهما بذلك قبل هذا.\rفكان خالد لا يستطيع أن يفارق مكانه للاقتحام على فارس ولا لإغاثة عياض وكان بدومة قد شجى وأشجى؟، لأجل ما عهد إليه أبو بكر أن لا يقتحم عليهم، وخلفه نظام لهم. وكان بالعين عسكر لفارس وبالأنبار آخر وبالفراض آخر، ثم إن خالدا لما استقام له ما بين الفلاليج إلى أسفل السواد فرق سواد الحيرة على رجال ممن كان معه، وفعل فى سواد الأبلة مثل ذلك، وأقر أمر المسالح على ثغورهم، واستخلف على الحيرة القعقاع بن عمرو. وخرج خالد فى عمل عياض ليقضى ما بينه وبينه ولإغاثته، فسار حتى نزل بكربلاء، وأقام عليها أياما، وشكا إليه عبد الله بن وثيمة الذباب، فقال له: اصبر فإنى إنما أريد أن أستفرغ المسالح التى أمر بها عياض فتسكنها العرب، فتأمن جنود المسلمين أن يؤتوا من خلفهم، وتجيئنا العرب آمنة وغير متعتعة، وبذلك أمرنا الخليفة، ورأيه يعدل نجدة الأمة.\rوقال رجل من أشجع فى مثل ما شكاه ابن وثيمة النضرى من أمر الذباب:\rلقد حبست بكربلاء مطيتى ... وبالعين حتى عاد غثّا سمينها","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084456,"book_id":3509,"shamela_page_id":1019,"part":"2","page_num":390,"sequence_num":1019,"body":"إذا رحلت من منزل رجعت له ... لعمر أبيها إننى لا أهينها\rويمنعها من ماء كل شريعة ... رفاق من الذبان زرق عيونها\rحديث الأنبار «١» وهى ذات العيون «٢»\rوخرج خالد فى تعبيته التى خرج فيها من الحيرة، على مقدمته الأقرع بن حابس.\rفلما نزل الأقرع المنزل الذى يسلمه إلى الأنبار نتج قوم من المسلمين إبلهم، فلم يستطيعوا العرجة، ولم يجدوا بدا من الإقدام، ومعهم بنات مخاض تتبعهم. فلما نودى بالرحيل صروا الأمهات، واحتقبوا المنتوجات؛ لأنها لم تطق السير، فانتهوا ركبانا إلى الأنبار، وقد تحصن أهلها، وخندقوا عليها، فأشرفوا من حصنهم، وعلى الجنود التى قبلهم شيرزاد صاحب ساباط «٣» ، وكان أعقل أعجمى يومئذ وأسوده، فتصايح عرب الأنبار وقالوا:\rصبح الأنبار شر، جمل يحمل جميلة وجمل تربه عوذ. فقال شيرزاد، وقد سأل عن ما يقولون، فأخبر به: أما هؤلاء فقد قضوا على أنفسهم، والله لئن لم يكن خالد مجتازا لأصالحنه، فبينما هم كذلك قدم خالد على المقدمة، فأطاف بالخندق، وأنشب القتال، وكان قليل الصبر عنه إذا رآه أو سمع به، وتقدم إلى رماته، فأوصاهم وقال: إنى أرى أقواما لا علم لهم بالحرب، فارموا عيونهم ولا توخوا غيرها، فرموا رشقا واحدا، ففقئت ألف عين يومئذ، فسميت تلك الوقعة ذات العيون، وتصايح القوم: عيون أهل الأنبار فراسل شيرزاد خالدا فى الصلح على أمر لم يرضه خالد، فرد رسله، وأتى خالد أضيق مكان فى الخندق فنحر رذايا الجيش ثم رمى فيه فأفعمه، ثم اقتحموا الخندق والرذايا جسورهم، فاجتمع المسلمون والمشركون فى الخندق، وأرز القوم إلى حصنهم، وراسل شيرزاد فى الصلح على مراد خالد، فقبل منه خالد على أن يخليه ويلحقه بمأمنه فى جريدة خيل، ليس معهم من المتاع والمال شىء، فخرج شيرزاد، فلما قدم على بهمهن جاذويه وأخبره الخبر لامه، فقال له شيرزاد: إنى كنت فى قوم ليست لهم عقول، وأصلهم من العرب، فسمعتهم مقدمهم علينا يقضون على أنفسهم، وقلما قضى قوم على أنفسهم قضاء إلا وجب عليهم. ثم قاتلهم الجند، ففقئوا فيهم وفى أهل الأرض ألف عين، فعرفت أن المسألة أسلم، وأن قرة العين لهم، وأن العيون لا تقر منهم بشىء.","footnotes":"(١) الأنبار: مدينة بالقرب من بلخ. انظر: معجم البلدان (١/ ٢٥٧، ٢٥٨) .\r(٢) انظر: الطبرى (٣/ ٣٧٣- ٣٧٥) ، الكامل لابن الأثير (٢/ ٢٦٩) ، نهاية الأرب للنويرى (١٩/ ١١٢، ١١٣) ، البداية والنهاية لابن كثير (٦/ ٣٤٩) ، تاريخ ابن خلدون (٢/ ٨١) .\r(٣) سابط: هى سابط كسرى، موضع بالمدائن. انظر: معجم البلدان (٣/ ١٦٦، ١٦٧) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084457,"book_id":3509,"shamela_page_id":1020,"part":"2","page_num":391,"sequence_num":1020,"body":"ولما اطمأن خالد بالأنبار والمسلمون، وأمن أهل الأنبار وظهروا، رآهم يكتبون بالعربية ويتعلمونها، فسألهم: ما أنتم؟ فقالوا: قوم من العرب، نزلنا إلى قوم من العرب كانت أوئلهم نزلوا أيام بختنصر حين أباح العرب، فلم نزل عنها. فقال: ممن تعلمتم الكتابة؟ فقالوا: تعلمنا الخط من إياد، وأنشدوا قول الشاعر:\rقوم إياد لو أنهم أمم ... أو لو أقاموا فتهزل النعم\rقوم لهم باحة العراق إذا ... ساروا جميعا والخط والقلم\r«١» فصالح خالد من حولهم، وبدأ بأهل البوازيج، فبعث إليه أهل كلواذة «٢» ليعقد لهم، وكاتبهم عيبته من وراء دجلة.\rثم إن الأنبار وما حولها نقضوا فيما كان يكون بين المسلمين والمشركين الدول ما خلا أهل البوازيج فإنهم ثبتوا كما ثبت أهل بانقيا.\rحديث عين التمر «٣»\rولما فرغ خالد من الأنبار، واستحكمت له، استخلف عليها الزبرقان بن بدر، وقصد لعين التمر، وبها يومئذ مهران بن سوسن فى جمع عظيم من العجم، وعقة بن أبى عقة فى جمع عظيم من العرب من النمر وتغلب وإياد ومن لاقاهم. فلما سمعوا بخالد قال عقة لمهران: إن العرب أعلم بقتال العرب، فدعنا وخالدا. قال: صدقت، لعمرى لأنتم أعلم بقتال العرب، وإنكم لمثلنا فى قتال العجم. فخدعه واتقى به، وقال: دونكموهم وإن احتجتم إلينا جئناكم.\rفلما مضى عقة نحو خالد قالت الأعاجم لمهران: ما حملك على أن تقول هذا القول لهذا الكلب فقال: دعونى فإنى لم أرد إلا ما هو خير لكم وشر له، إنه قد جاءكم من قتل ملوككم، وفل حدكم، ما اتقيته بهم، فإن كانت لهم على خالد فهى لكم، وإن كانت الأخرى لم يبلغوا منهم حتى يهنوا فنقاتلهم ونحن أقوياء وهم ضعفاء، فاعترفوا له بفضل الرأى، فلزم مهران العين ونزل عقة لخالد على الطريق، وبينه وبين مهران روحة أو غدوة، فقدم عليه خالد وهو فى تعبئة جنده، فعبأ خالد جنده وقال لمجنبتيه: اكفونا ما","footnotes":"(١) انظر الأبيات فى: الطبرى (٣/ ٣٧٥) ، البداية والنهاية لابن كثير (٦/ ٣٤٩) .\r(٢) كلواذة: موضع بين الكوفة وواسط. انظر معجم البلدان (٤/ ٤٧٧) .\r(٣) انظر: الطبرى (٣/ ٣٧٦، ٣٧٧) ، الأخبار الطوال للدينورى (ص ١١٢) ، الكامل لابن الأثير (٢/ ٢٦٩، ٢٧٠) ، البداية والنهاية لابن كثير (٦/ ٣٤٩، ٣٥٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084458,"book_id":3509,"shamela_page_id":1021,"part":"2","page_num":392,"sequence_num":1021,"body":"عندكم فإنى حامل، ووكل بنفسه حوامى، ثم حمل وعقة يقيم صفوفه، فاحتضنه فأخذه أسيرا، وانهزم صفه من غير قتال، فاتبعهم المسلمون وأكثروا فيهم القتل والأسر.\rولما جاء الخبر مهران هرب فى جنده، وتركوا الحصن. فلما انتهى فلال عقة من العرب والعجم إلى الحصن اقتحموه واعتصموا به، وأقبل خالد فى الناس حتى نزل عليه ومعه عقة أسيرا وعمرو بن الصعق، وهم يرجون أن يكون خالد كمن كان يغير عليهم من العرب، فلما رأوه يحاولهم سألوه الأمان. فأبى إلا حكمه، فسكنوا إليه.\rفلما فتحوا دفعهم إلى المسلمين أسارى، وأمر بعقة فضربت عنقه ليوئس الأسرى من الحياة، فلما رأوه مطروحا على الجسر يئسوا ثم دعا بعمرو بن الصعق فضربت عنقه، وضرب أعناق أهل الحصن أجمعين، وسبى كل من حوى حصنهم، وغنم ما فيه، ووجد فى بيعتهم أربعين غلاما يتعلمون الإنجيل، عليهم باب مغلق، فكسره عنهم، وقال: ما أنتم؟ قالوا: رهن، فقسمهم فى أهل البلاء، فمن أولئك الغلمان أبو زياد مولى ثقيف، وحمران مولى عثمان، ونصير أبو موسى بن نصير، وسيرين والد محمد بن سيرين، وأبو عمرة جد عبد الله بن عبد الأعلى الشاعر.\rوقال عاصم بن عمرو فى ذلك يعير عقة:\rألا أبلغا الوركاء أن عميدها ... رهينة جيش من جيوش الزعافر\rفبهلا لمن غرت كفالة عتقه ... بنى عامر أخرى الليالى الغوابر\rأتيح له ضرغامة لا يفله ... قراع الكماة والليوث المساعر\rأتيحت له نار تسيح وتلتوى ... وترمى بأمثال النجوم العناهر\rحديث دومة الجندل وما بعدها من الأيام بحصيد والخنافس ومصيخ والبشر والفراض «١»\rقالوا: ولما قدم الوليد بن عقبة من عند خالد إلى أبى بكر، رضى الله عنه، بما بعثه به إليه من الأخماس، وجهه أبو بكر إلى عياض وأمده به، فقدم عليه الوليد وهو يحاصر أهل دومة، وهم محاصروه، وقد أخذوا عليه الطريق، فقال له الوليد: الرأى فى بعض الحالات","footnotes":"(١) انظر: المغازى للواقدى (١/ ٤٠٢) ، الطبقات الكبرى لابن سعد (٢/ ٦٢، ٦٣) ، معجم البلدان (٢/ ٤٨٧) ، الطبرى (٣/ ٣٧٨- ٣٨٥) ، الكامل لابن الأثير (٢/ ٢٧٠- ٢٧٥) ، البداية والنهاية لابن كثير (٦/ ٣٥٠- ٣٥٢) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084459,"book_id":3509,"shamela_page_id":1022,"part":"2","page_num":393,"sequence_num":1022,"body":"خير من جند كثيف، ابعث إلى خالد واستمده، ففعل، فقدم رسوله على خالد غب وقعة العين مستغيثا، فعجل به خالد إلى عياض وكتب إليه معه: إياك أريد.\rلبث قليلا تأتك الجلائب ... يحملن آسادا عليها القاشب\rكتائب يتبعها كتائب\rولما فرغ خالد من عين التمر خلف فيها عويمر بن الكاهل الأسلمى، وخرج فى تعبئته التى دخل فيها العين يريد عياضا، ولما بلغ أهل دومة مسير خالد إليهم بعثوا إلى أحزابهم من بهراء وكلب وغسان وتنوخ والضجاعم، وقبل ما أتتهم منهم طوائف فيهم وديعة الكلبى، وابن الأيهم التنوخى، وابن الحدرجان، فأشجوا عياضا وأشجوا به، فلما بلغهم دنو خالد وهم على رئيسين: أكيدر بن عبد الملك، والجودى بن ربيعة، اختلفوا، فقال أكيدر: أنا أعلم الناس بخالد، لا أحد أيمن طائرا منه، ولا أحد فى حرب، ولا يرى وجه خالد قوم قلوا أو كثروا إلا انهزموا عنه، فأطيعونى وصالحوا القوم، فأبوا عليه، فقال: لن أمالئكم على حرب خالد، فشأنكم.\rفخرج لطيته، وبلغ ذلك خالدا فبعث عاصم بن عمرو معارضا له، فأخذه وقال: إنما تلقيت الأمير خالدا، فلما أتى به خالدا أمر به فضربت عنقه، وأخذ ما كان معه من شىء، ومضى خالد حتى ينزل على أهل دومة، وعليهم الجودى بن ربيعة، فجعل خالد دموة بين عسكره وعسكر عياض، وكان النصارى الذين أمدوا أهل دومة من العرب محيطين بحصن دومة لم يحملهم الحصن، فلما اطمأن خالد خرج الجودى فنهض بوديعة فزحفا لخالد، وخرج ابن الحدرجان وابن الأيهم إلى عياض، فاقتتلوا فهزم الله الجودى ووديعة على يدى خالد، وهزم عياض من يليه، وركبهم المسلمون، فأما خالد فإنه أخذ الجودى أخذا، وأخذ الأقرع بن حابس وديعة، وأرز بقية الناس إلى الحصن، فلم يحملهم، فلما امتلأ الحصن، أغلق من فى الحصن الحصن دون أصحابهم، فبقوا حوله، وقال عاصم ابن عمرو: يا بنى تميم، حلفاؤكم كلب آسوهم وأجيروهم، فإنكم لا تقدرون لهم على مثلها، ففعلوا، وكان سبب نجاتهم يومئذ وصية عاصم بهم، وأقبل خالد إلى الذين أرزوا إلى الحصن فقتلهم حتى سد بهم باب الحصن، ودعا بالجودى فضرب عنقه، وضرب أعناق الأسرى إلا أسير كلب، فإن عاصما والأقرع وبنى تميم قالوا: قد أمناهم، فأطلقهم لهم خالد، وقال: ما لى ولكم أتحوطون أمر الجاهلية وتضيعون أمر الإسلام؟ فقال له عاصم: لا تحسدهم العافية، ولا تحرزهم الشيطان. ثم أطاف خالد بباب الحصن، فلم يزل عنه حتى اقتلعه، واقتحموا عليهم، فقتلوا المقاتلة وسبوا الشرخ فأقاموهم فيمن يزيد،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084460,"book_id":3509,"shamela_page_id":1023,"part":"2","page_num":394,"sequence_num":1023,"body":"فاشترى خالد ابنة الجودى، وكانت موصوفة بالجمال، ثم إن خالدا رد الأقرع إلى الأنبار، وثبت بدومة قليلا، ثم ارتحل منها إلى الحيرة، فلما كان قريبا منها حيث يصحبها أخذ القعقاع أهلها بالتغليس فخرجوا يتلقونه وهم مغلسون، وجعل بعضهم يقول لبعض:\rمروا بنا فهذا فرج الشر.\rقالوا: وقد كان خالد عند ما أقام بدومة كاتب عرب الجزيرة الأعاجم غضبا لعقة، فخرج زرمهر من بغداد ومعه روزبه يريدان الأنبار، واتعدا حصيدا والخنافس، فكتب بذلك الزبرقان وهو على الأنبار إلى القعقاع بن عمرو وهو يومئذ خليفة خالد على الحيرة، فبعث القعقاع أبا ليلى بن فدكى السعدى وأمره بحصيد، وبعث عروة بن الجعد البارقى وأمره بالخنافس، وقال لهما: إن رأيتما مقدما فأقدما. فخرجا فحالا بينهما وبين الريف، وانتظر روزبه وزرمهر بالمسلمين اجتماع من كاتبهما من ربيعة، وقد كانوا تكاتبوا واتعدوا.\rفلما رجع خالد من دومة إلى الحيرة على الظهر وبلغه ذلك وقد عزم على مصادمة أهل المدائن كره خلاف أبى بكر، وأن يتعلق عليه بشىء، فعجل القعقاع وابن عمرو، وأبا ليلى بن فدكى إلى روزبه وزرمهر، فسبقاه إلى عين التمر، وقدم على خالد كتاب امرئ القيس الكلبى، أن الهذيل بن عمران قد عسكر بالمصيخ، ونزل ربيعة بن بجير بالثنى فى عسكر غضبا لعقة، يريدان زرمهر وروزبه. فخرج خالد وعلى مقدمته الأقرع ابن حابس، واستخلف على الحيرة عياض بن غنم، وأخذ خالد طريق القعقاع وأبى ليلى حتى قدم عليهما بالعين، فبعث القعقاع إلى حصيد، وأمره على الناس، وبعث أبا ليلى إلى الخنافس، وأمره على الناس، وقال: زجياهم ليجتمعوا ومن استشارهم، وإلا فواقعاهم، فأبى روزبه وزرمهر إلا المقام.\rفلما رآهما القعقاع لا يتحركان سار نحو حصيد، وعلى من به من العرب والعجم روزبه. ولما رأى روزبه أن القعقاع قد قصد له استمد زرمهر، فأمده بنفسه، واستخلف على عسكره المهبوذان، فالتقوا حينئذ فاقتتلوا، فقتل الله العجم مقتلة عظيمة، وقتل القعقاع زرمهر وقتل، أيضا، روزبه، قتله عصمة بن عبد الله، أحد بنى الحارث بن طريف، من بنى ضبة، وكان عصمة من البررة، وكل فخذ هاجرت بأسرها تدعى البررة، وكل قوم هاجروا من بطن يدعون الخيرة، فكان المسلمون خيرة بررة، وغنم المسلمون يوم حصيد غنائم كثيرة، وأرز فلّال حصيد إلى الخنافس فاجتمعوا بها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084461,"book_id":3509,"shamela_page_id":1024,"part":"2","page_num":395,"sequence_num":1024,"body":"وقال القعقاع فى ذلك اليوم:\rألم ينه عنا غى فارس أننا ... منعناهم من ريفهم بالصوارم\rوأنا أناس قد تعود خيلنا ... لقاء العادى بالحتوف القواصم\rوروزا قتلنا حيث أرهف حده ... وكل رئيس زاريا بالعظائم\rتركنا حصيدا لا أنيس بجوه ... وقد شقيت أربابه بالأعاجم\rوإنى لراج أن تلاقى جموعهم ... غديّا بإحدى المنكرات الصوادم\rألا أبلغا أسماء أن خليلها ... قضى وطرا من روزمهر الأعاجم\rوسار أبو ليلى ابن فدكى بمن معه ومن قدم عليه نحو الخنافس وبها المهبوذان، فلما أحس بهم هرب هو ومن معه إلى المصيخ «١» وبه الهذيل بن عمران، فلما انتهى الخبر إلى خالد بمصاب أهل الحصيد «٢» وهرب أهل الخنافس كتب إلى القعقاع وأبى ليلى وعروة وواعدهم ليلة وساعة يجتمعون فيها على المصيخ، وهو بين حوران والقلت، وخرج خالد من العين قاصدا للمصيخ على الإبل يجنب الخيل، فلما كان فى تلك الساعة من ليلة الموعد اتفقوا جميعا معه بالمصيخ، فأغاروا على الهذيل ومن معه ومن أوى إليهم، وهم نائمون، أتوهم بالغارة من ثلاثة أوجه، فقتلوهم، وامتلأ الفضاء قتلى، فما شبهوا إلا غنما مصرعة، وأفلت الهذيل فى أناس قليل، وقد كان حرقوص بن النعمان بن النمر بن قاسط محضهم النصح، وأجاد الرأى، فلم ينتفعوا بتحذيره، وذلك أن حرقوصا قال قبل الغارة:\rألا فاسقيانى قبل خيل أبى بكر ... لعل منايانا قريب ولا ندرى\rألا فاسقيانى بالزجاج وكررا ... علينا كميت اللون صافية تجرى\rأظن خيول المسلمين وخالدا ... ستطرقكم عند الصباح إلى البشر\rفهل لكم فى السير قبل قتالهم ... وقبل خروج المعصرات من الخدر\rأرينى سلاحى يا أميمة إننى ... أخاف بيات القوم مطلع الفجر «٣»\rوكان حرقوص معرسا بامرأة من بنى هلال تدعى أم تغلب، فقتلت تلك الليلة، وقد تقدم من حديث عدى بن حاتم فيما مضى من هذا الكتاب، قال: أغرنا على المصيخ، وإذا رجل يدعى حرقوص بن النعمان بن النمر، وإذا حوله بنوه وامرأته، وبينهم جفنة من","footnotes":"(١) المصيخ: موضع بين حوران والقلت. انظر: معجم البلدان (٢/ ٣٩١) .\r(٢) حصيد: واد بين الكوفة والشام. انظر: معجم البلدان (٢/ ٢٢٦) .\r(٣) انظر الأبيات فى: الطبرى (٣/ ٤١٦، ٤١٧) ، الكامل لابن الأثير (٢/ ٢٨٠) ، معجم البلدان لياقوت (١/ ٤٢٧، ٥/ ١٤٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084462,"book_id":3509,"shamela_page_id":1025,"part":"2","page_num":396,"sequence_num":1025,"body":"خمر، وهم عليها عكوف، فقال: اشربوا شرب وداع، فما أرى أن تشربوا خمرا بعدها، خالد بالعين وجنوده بحصيد، وقد بلغه جمعنا وليس بتاركنا.\rألا فاشربوا من قبل قاصمة الظهر ... بعيد انتفاخ القوم بالعكر الدثر\rوقبل منايانا المصيبة بالقدر ... لحين لعمرى لا يزيد ولا يحرى\rفسبق إليه وهو فى ذلك بعض الخيل، فضرب رأسه، فإذا هو فى جفنته، وأخذنا بناته وقتلنا بنيه.\rوأصاب جرير بن عبد الله بالمصيخ عبد العزى بن أبى رهم من النمر، وإنما حضر جرير مما كان بالعراق ما كان بعد الحيرة، وذلك أنه كان ممن خرج مع خالد بن سعيد ابن العاص إلى الشام، فاستأذن جرير فى القدوم على أبى بكر ليكلمه فى قومه بجيلة، وكانوا أوزاعا فى العرب، ليجمعهم ويتخلصهم، فأذن له، فقدم على أبى بكر فذكر له عدة من النبى ﷺ وأتاه عليها بشهود، وسأله إنجازها، فغضب أبو بكر وقال: ترى شغلنا وما نحن فيه، من بعوث المسلمين لمن بإزائهم من الأشدين: فارس والروم ثم أنت تكلفنى التشاغل بما لا يغنى عنى عما هو أرضى لله ولرسوله، دعنى وسر نحو خالد بن الوليد حتى أنظر ما يحكم الله فى هذين الوجهين. فسار جرير حتى قدم على خالد وهو بالحيرة، فشهد معه ما كان بعدها من الأيام، وأصاب يوم المصيخ، كما ذكرنا، عبد العزى بن أبى رهم، وكان معه ومع رجل آخر من قومه يقال له لبيد بن جرير كتاب من أبى بكر، رضى الله عنه، بإسلامهم، وسمى عبد العزى عبد الله، وبلغ أبا بكر مع ذلك أن عبد العزى قال ليلة الغارة:\rوأقول إذ طرق الصباح بغارة ... سبحانك اللهم رب محمد\rسبحان ربى لا إله غيره ... رب العباد ورب من يتودد\rفوداه أبو بكر لما بلغه هذا، وودى لبيدا، وقال: أما إن ذلك ليس على إذ نازلا أهل حرب. وأوصى بأولادهما.\rوكان عمر، رضى الله عنه، يعتد على خالد بقتلهما إلى قتل مالك بن نويرة، فيقول أبو بكر، رضى الله عنه: كذلك يلقى من ساكن أهل الحرب فى ديارهم.\rوقد كان ربيعة بن بجير التغلبى نزل الثنى والبشر غضبا لعقة، وواعد لذلك روزبه وزرمهر والهذيل قبل أن يصيبهم ما أصابهم بالمصيخ، فلما أصاب خالد أهل المصيخ بما أصابهم به، تقدم إلى القعقاع وإلى أبى ليلى، بأن يرتحلا أمامه، وواعدهما ليلة ليفترقوا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084463,"book_id":3509,"shamela_page_id":1026,"part":"2","page_num":397,"sequence_num":1026,"body":"فيها للغارة على ربيعة ومن معه من ثلاثة أوجه، كما فعل بأهل المصيخ، ثم خرج خالد من المصيخ فنزل حوران «١» ، ثم الرنق، ثم الحماة «٢» ، ثم الزميل»\r، وهو البشر «٤» والثنى معه، وهما شرقى الرصافة، فبدأ بالثنى، واجتمع هو وأصحابه، فبيت من ثلاثة أوجه ربيعة بن بجير ومن اجتمع له وإليه، ومن ناشب لذلك من الشبان لذلك من الشبان، فجرد خالد فيهم السيوف بياتا، فلم يفلت من ذلك الجيش مخبر، واستبقى الشيوخ، وبعث بخمس الله، ﷿، إلى أبى بكر، رضى الله عنه، مع النعمان بن عوف الشيبانى، وقسم النهب والسبايا، فاشترى على بن أبى طالب، رضى الله، من ذلك السبى ابنة ربيعة التغلبى، فاتخذها، فولدت له عمر ورقية.\rوقال أبو مقرز فى ذلك:\rلعمر بنى بجير حيث صاروا ... ومن آذاهم يوم الثنى\rلقد لاقت سراتهم فضاحا ... وفينا بالنساء على المطى\rوكان الهذيل حيث نجا من المصيخ أوى إلى الزميل، إلى عتاب بن فلان، وهو بالبشر فى عسكر ضخم، فبيتهم خالد بمثلها غارة شعواء من ثلاثة أوجه، سبقت إليهم الخبر عن ربيعة، وكانت على خالد يمين: ليبغتن تغلب فى دارها، فقتل فيهم مقتلة لم يقتلوا قبلها مثلها، وأصابوا منهم ما شاؤا، وقسم خالد فى الناس فيئهم، وبعث الأخماس إلى أبى بكر، رضى الله عنه، مع الصباح بن فلان المزنى، ثم عطف خالد من البشر إلى الرضاب «٥» وبها هلال بن عقة وقد أرفض عنه أصحابه حين سمعوا بدنو خالد، فانقشع عنها هلال ولم يلق كيدا، ثم قصد خالد بعدها إلى الفراض، والفراض تخوم الشام والعراق والجزيرة، فأفطر فيها فى رمضان فى تلك السفرة التى اتصلت له فيها هذه الغزوات والأيام، ونظمن نظما إلى ما كان قبل ذلك منه.","footnotes":"(١) حوران: كانت كورة واسعة من أعمال دمشق من جهة القبلة ومزارع وحرار. انظر: معجم البلدان (٢/ ٣١٧) .\r(٢) من المدن المشهورة بالشام، كانت مدينة عظيمة وكبيرة. انظر: معجم البلدان (٢/ ٣١٧، ٣١٨) .\r(٣) الزميل: موضع شرقى الرصافة. انظر معجم البلدان (٣/ ١٥١) .\r(٤) البشر: اسم جبل يمتد من عرض إلى الفرات من أرض الشام من جهة البادية. انظر: معجم البلدان (١/ ٤٢٦- ٤٢٨) .\r(٥) الرضاب: موضع الرصافة قبل بناء هاشم إياه. انظر: معجم البلدان (٣/ ٥٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084464,"book_id":3509,"shamela_page_id":1027,"part":"2","page_num":398,"sequence_num":1027,"body":"قالوا: ولما اجتمع المسلمون بالفراض حميت الروم واغتاظت، واستعانوا بمن يليهم من مسالح أهل فارس، وقد حموا واغتاظوا واستمدوا تغلب وإياد والنمر، فأمدوهم بأجمعهم، واجتمعوا كلهم على كلمة واحدة، ثم ناهدوا خالدا حتى إذا صار الفرات بينه وبينهم قالوا: إما أن تعبروا إلينا، وإما أن نعبر إليكم قال خالد: اعبروا إلينا، قالوا: فتنحوا حتى نعبر، قال خالد: لا نفعل، ولكن اعبروا أسفل منا. فقال الروم وفارس بعضهم لبعض:\rاحتسبوا ملككم، هذا رجل يقاتل عن دين، وله عقل وعلم، وو الله لينصرن ولتخذلن، ثم لم ينتفعوا بذلك، فعبروا أسفل من خالد، فلما تتاموا قالت الروم: امتازوا حتى يعرف اليوم ما كان من حسن أو قبح، من أينا يجىء ففعلوا، ثم اقتتلوا قتالا شديدا طويلا، ثم هزمهم الله تعالى.\rوقال خالد للمسلمين: ألحوا عليهم، فجعل صاحب الخيل يحشر منهم الزمرة برماح أصحابه، فإذا جمعوهم قتلوهم، فقتل يوم الفراض فى المعركة وفى الطلب مائة ألف، وأقام خالد على الفراض بعد الوقعة عشرا، ثم أذن فى القفل إلى الحيرة، وأمر عاصم بن عمرو أن يسير بهم، وأمر شجرة بن الأعز أن يسوقهم.\rوأظهر خالد أنه فى الساقة، وخرج من الفراض حاجا لخمس بقين من ذى القعدة مكتتما بحجه، ومعه عدة من أصحابه، يعتسف البلاد حتى أتى مكة بالسمت، فقضى حجه، ثم أتى الحيرة، فوافاه بها كتاب أبى بكر، رضى الله عنه، يأمره فيه بالمسير إلى الشام ويعاتبه على ما فعل، إذ لم يعلم أبو بكر بحجته هذه إلا بعد انصرافه إلى الحيرة.\rوقد تقدم هذا كله فيما رسم قبل من فتوح الشام مستوفى فى بيانه، وكيف كان مسيره إلى الشام وتركه المثنى بن حارثة بعده على العراق، ومشاطرته إياه فى الناس، كل ذلك بأمر أبى بكر، رضى الله عنه، حسب ما تقدم ذكره.\rحديث المثنى بعد خالد «١»\rولما انفصل خالد، ﵀، إلى الشام شيعه المثنى إلى قراقر، ورجع من تشييعه إلى الحيرة، فأقام بها فى سلطانه، ووضع فى المسلحة التى كان فيها على السيب أخاه، وسد أماكن كل من خرج مع خالد من الأمراء برجال أمثالهم من أهل الغناء، ووضع مذعور ابن عدى فى بعض تلك الأماكن.","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٣/ ٤١١- ٤١٥) ، الكامل لابن الأثير (٢/ ٢٨٤- ٢٨٦) ، تاريخ ابن خلدون (٢/ ٨٧- ٩١) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084465,"book_id":3509,"shamela_page_id":1028,"part":"2","page_num":399,"sequence_num":1028,"body":"واستقام أهل فارس على رأس سنة من مقدم خالد على الحيرة، بعد خروجه إلى الشام بقليل، وذلك سنة ثلاث عشرة، على شهربراز بن أردشير بن شهريار ممن يناسب إلى كسرى، ثم إلى سابور. فوجه إلى المثنى جندا عظيما عليهم هرمز جاذويه فى عشرة آلاف، ومعه فيل، وكتبت المسالح إلى المثنى بإقباله، فخرج المثنى من الحيرة نحوه، وضم إليه أصحاب المسالح، وجعل على مجنبتيه أخويه: المعنّى ومسعودا، وأقام له ببابل، وأقبل هرمز جاذويه، وقد كتب شهر براز إلى المثنى بن حارثة: «من شهربراز إلى المثنى: إنى قد بعثت إليك جندا من وخش أهل فارس، إنما رعاة الدجاج والخنازير، ولست أقاتلك إلا بهم» .\rفكتب إليه المثنى: «من المثنى إلى شهربراز، إنما أنت أحد رجلين. إما صادق، فذلك شر لك وخير لنا، وإما كاذب، فأعظم الكذابين عقوبة وفضيحة عند الله وفى الناس الملوك، وأما الذى يدلنا عليه الرأى، فإنكم إنما اضطرتم إليهم، فالحمد لله الذى رد كيدكم إلى رعاة الدجاج والخنازير» .\rفجزع أهل فارس من كتابه، وقالوا: إنما أتى شهربراز من شؤم مولده ولؤم منشئه، وكان يسكن ميسان «١» ، وأن بعض البلدان شين على من يسكنه. وقالوا له: جرأت عدونا بالذى كتبت إليهم، فإذا كاتبت أحدا فاستشر. ثم التقوا ببابل، فاقتتلوا بعدوة الصراة الدنيا، على الطريق الأول، قتالا شديدا.\rثم إن المثنى وفرسان من المسلمين اعتمدوا الفيل، وكان يفرق بين الصفوف والكراديس، فأصابوا مقتله، فقتلوه وهزموا أهل فارس، واتبعهم المسلمون يقتلونهم، حتى جازوا بهم مسالحهم، فأقاموا فيها، وتتبع الطلب الفالة، حتى انتهوا إلى المدائن، ومات شهربراز منهزم هرمز جاذويه، واختلف أهل فارس، وبقى ما دون دجلة وبرس من السواد فى يد المثنى وأيدى المسلمين.\rثم إن أهل فارس اجتمعوا بعد شهربراز على دخت زنان ابنة كسرى، فلم ينفذ لها أمر، وخلعت، وملك سابور بن شهربراز، وقام بأمره الفرخزاد بن البندوان، فقاتلا جميعا، وملكت آرز ميدخت، وتشاغلوا بذلك، وأبطأ خبر أبى بكر، رضى الله عنه، على المسلمين، فخلف المثنى على المسلمين بشير بن الخصاصية، ووضع مكانه فى المسالح سعيد بن مرة العجلى، وخرج المثنى نحو أبى بكر ليخبره خبر المسلمين والمشركين،","footnotes":"(١) ميسان: كورة واسعة كثيرة القرى والنخيل بين البصرة وواسط. انظر: معجم البلدان (٥/ ٢٤٢) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084466,"book_id":3509,"shamela_page_id":1029,"part":"2","page_num":400,"sequence_num":1029,"body":"ولكى يستأذنه فى الاستعانة بمن قد ظهرت توبته من أهل الردة ممن يستطعمه الغزو، وليخبره أنه لم يخلف أحدا أنشط إلى قتال فارس وحربها ومعونة المهاجرين منهم، إذ كان أبو بكر، رضى الله عنه، قد منع من الاستعانة بهم رأسا، وقال لأمرائه: لا تستعينوا فى حربكم بأحد ممن ارتد، فإنى لم أكن لأستنصر بجيش فيهم أحد ممن ارتد، وبالجزاء إن فعلت أن لا تنصروا.\rوقال عروة بن الزبير: أمران يعرف بهما حال من شهد الفتوح، من ذكر أن أبا بكر، رضى الله عنه، استعان فى حربه بأحد ممن ارتد فقد كذب، وذكر من قول أبى بكر فى ذلك ما بدأنا به.\rقال: ومن زعم أن عمر، رضى الله عنه، حين أذن لمن ارتد فى الجهاد أمر أحدا منهم فقد كذب، وإنما تألف من تألف بالإمارة منهم عثمان بن عفان، رضى الله عنه، رجاء ما رجاه منهم عمر حين استعان بهم، فمن قبلهم ابتدأت الفتنة، وعلق عثمان، رضى الله عنه، عند الذى بدا منهم يتمثل بقول الأول:\rوكنت وعمرا كالمسمّن كلبه ... فخدشه أنيابه وأظافره\rفقدم المثنى بن حارثة المدينة، وأبو بكر مريض مرضه الذى توفاه الله تعالى، منه، وذلك بعد مخرج خالد إلى الشام، وقد تقدم ذكر وفاة أبى بكر واستخلافه عمر، رضى الله عنهما، فى أول موضع احتيج إلى ذكر ذلك فيه من فتح الشام، وتوفى أبو بكر وأحد شقى السواد فى سلطانه، والجمهور من جند أهل العراق بالحيرة، والمسالح بالسيب، والغارات تنتهى بهم إلى شاطئ دجلة، ودجلة حجاز بين العرب والعجم.\rفهذا حديث العراق فى خلافة أبى بكر، رضى الله عنه، من مبتدئه إلى منتهاه.\rذكر ما كان من خبر العراق فى خلافة عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وما كان من أمر المثنى بن حارثة معه، وذكر أبى عبيد بن مسعود، على ما فى ذلك كله من الاختلاف بين رواة الآثار «١»\rذكر سيف عن شيوخه قالوا: أول ما عمل به عمر، ﵀، أن ندب الناس مع","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٣/ ٤٤٤- ٤٥٤) ، الأخبار الطوال للدينورى (ص ١١٣) ، الكامل لابن الأثير (٢/ ٢٩٧- ٣٠١) ، كنز الدرر للدوادارى (٣/ ١٩٣، ١٩٤) ، البداية والنهاية لابن كثير (٧/ ٢٦، ٢٧) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084467,"book_id":3509,"shamela_page_id":1030,"part":"2","page_num":401,"sequence_num":1030,"body":"المثنى بن حارثة الشيبانى إلى أهل فارس قبل صلاة الصبح، من الليلة التى مات فيها أبو بكر، رضى الله عنه، ثم أصبح فبايع الناس، وعاد فندب الناس إلى فارس، وتتابع الناس على البيعة ففزعوا فى ثلاث، كل يوم يندبهم فلا ينتدب أحد، وكان وجه فارس من أكره الوجوه إليهم، وأثقلها عليهم، لشدة سلطانهم وشوكتهم وعزهم وقهرهم الأمم.\rقالوا: فلما كان فى اليوم الرابع عاد ينتدب الناس إلى العراق، فكان أول منتدب أبو عبيد بن مسعود، وسعد بن عبيد القارى، حليف الأنصار، وتتابع الناس.\rقال القاسم بن محمد: وتكلم المثنى بن حارثة، فقال: يا أيها الناس، لا يعظمن عليكم هذا الوجه، فإنا قد تبجحنا ريف فارس، وغلبناهم على خير شقى السواد، وشاطرناهم ونلنا منهم، واجترأ من قبلنا عليهم، ولها إن شاء الله ما بعدها.\rوقام عمر، رضى الله عنه، فى الناس، وقال: إن الحجاز ليس لكم بدار إلا على النجعة، ولا يقوى عليه أهله إلا بذلك، أين المهاجرين عن موعود الله، ﷿، سيروا فى الأرض التى وعدكم الله فى كتاب بأن يورثكموها، فإنه قال: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، والله مظهر دينه، ومعز ناصره، ومولى أهله مواريث الأمم. أين عابد الله الصالحون!.\rفلما اجتمع ذلك البعث، وكان أولهم، كما تقدم أبو عبيد، ثم ثنى سعد بن عبيد أو سليط بن قيس، قيل لعمر، ﵀: أمر عليهم رجلا من السابقين من المهاجرين والأنصار. فقال: لا والله لا أفعل، إن الله تعالى إنما رفعكم بسبقكم وسرعتكم إلى العدو، فإذا جبنتم وكرهتم اللقاء، فأولوا الرياسة منكم من سبق إلى الدفع وأجاب الدعاء، لا والله لا أؤمر عليهم إلا أولهم انتدابا.\rثم دعا أبا عبيد، ودعا سليطا وسعدا، فقال لهما: أما إنكما لو سبقتماه لوليتكما ولأدركتكما بها إلى ما لكما من القدمة. فأمر أبا عبيد على الجيش، وقال له: اسمع من أصحاب النبى ﷺ، وأشركهم فى الأمر، ولا تجيبن مسرعا حتى تتبين، فإنها الحرب، لا يصلحها إلا الرجل المكيث الذى يعرف الفرصة والكف، ثم قال له: إنه لم يمنعنى أن أؤمر سليطا إلا تسرعه إلى الحرب، وفى التسرع إليها إلا عن بيان ضياع، والله لولا ذلك لأمرته، ولكن الحرب لا يصلحها إلا المكيث.\rويروى أن عمر انتخب من أهل المدينة ومن حولها ألف رجل، أمر عليهم أبا عبيد، فقيل له: استعمل من أصحاب رسول الله ﷺ فقال: لا ها الله ذا يا أصحاب النبى، لا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084468,"book_id":3509,"shamela_page_id":1031,"part":"2","page_num":402,"sequence_num":1031,"body":"أندبكم فتبطئون، وينتدب غيركم فأؤمركم عليهم إنما فضلتم بتسرعكم، فإن نكلتم فضلوكم.\rوعجل عمر، رضى الله عنه، المثنى، وقال: النجاء حتى يقدم عليك أصحابك. فخرج المثنى، وقدم الحيرة فى عشر، ولحقه أبو عبيد بعد شهر.\rوفى كتاب المدائنى أن تحرك عمر لهذا البعث إنما كان بكتاب المثنى إليه، يستمده ويحرضه على أرض فارس، فذكر بإسناد له إلى جماعة من أهل العلم يزيد بعضهم على بعض: أن عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، قال حين ولى: والله لأعزلن خالد بن الوليد والمثنى بن حارثة ليعلما أن الله إنما ينصر دينه وليس ينصر إياهما، فكتب إليه المثنى وهو بالحيرة: أنا بأرض فارس، وقد عرفناهم وغازيناهم وغلبناهم على بعض ما فى أيديهم، ومعى رجال من قومى لهم صلاح ونجدة وصدق بلاء عند الناس وجرأة على البلاد، فإن رميتنا بجماعة من قبلك رجوت أن يفتح الله عليهم، قالوا: ولم تكن لعمر، ﵀، همة حين قام بأمر المسلمين إلا الروم وفارس، فلما أتاه كتاب المثنى بن حارثة خطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه، وحثهم على الجهاد، ورغبهم فيه، وأنبأهم بما أعد الله للمجاهدين فى سبيله، وقال: أنتم بين فتح عاجل وذخر آجل، وقد أصبحتم بالحجاز بغير دار مقام، وقد وعدكم الله كنوز كسرى وقيصر، وأنزل على نبيه ﷺ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [الفتح: ٢٨] ، وقال: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [التوبة: ٣٣] ، فانهضوا لجهاد عدوكم من أهل فارس، فإن لكم بها إخوانا ليسوا مثلكم فى السابقة، وقد لقوهم وقاتلوهم فاستعدوا للمسير إليهم رحمكم الله وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال:\r٦٠] ، ولا تركنوا إلى الدنيا، واستعينوا بالله واصبروا.\rفتثاقل الناس حين ذكر فارس. فقال عمر: ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ [التوبة: ٣٨] ، فقام أبو عبيد بن مسعود بن عمرو بن عمير بن عوف بن عقدة بن غيرة الثقفى، فقال: أنا أول من انتدب، ثم قام سليط بن قيس بن عمرو فقال: يا أمير المؤمنين، أنا ثان، ثم قام رهط من الأنصار، فسمى منهم نفرا. قال:\rثم تتابع الناس وكثروا وقالوا: يا أمير المؤمنين، أمر علينا رجلا، فقال: أؤمر عليكم أول من انتدب، فاستعمل عليهم أبا عبيد، وقال: لم يمنعنى من استعمال سليط بن قيس، وهو من أهل بدر إلا عجلة فيه، فخشيت أن يلقى المسلمين ملقى يهلكون فيه، وكان فيمن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084469,"book_id":3509,"shamela_page_id":1032,"part":"2","page_num":403,"sequence_num":1032,"body":"انتدب سعد بن عبيد القارى، ففر يوم الجسر، فكان بعد ذلك يقول: إن الله اعتد علىّ بغرة فى أرض فارس، فعسى أن يعيد لى فيها كرة.\rوفى حديث غير المدائنى: فكانت الوجوه تعرض عليه بعد ذلك فيأبى إلا العراق، ويقول: إن الله اعتد علىّ فيها بغرة، وذكر نحو ما تقدم.\rواختلف ما ذكره سيف فيمن كان إليه أمر فارس عند قدوم أبى عبيد بحسب اختلاف أهل الأخبار عليه فى ذلك.\rفمما ذكره أن بوران بنت كسرى كانت، كلما اختلف الناس بالمدائن، عدلا بينهم حتى يصطلحوا، فلما قتل الفرخزاد وقدم رستم فقتل أرزميدخت، كانت بوران عدلا إلى أن استخرجوا يزدجرد.\rقال: فقدم أبو عبيد والعدل بوران، وصاحب الحرب رستم.\rوذكر من طريق آخر: أن بوران هى التى استحثت رستم فى السير، وكان على فرج خراسان، لما قتل الفرخزاد، فأقبل رستم فى الناس حتى نزل المدائن، لا يلقى جيشا لأرزميدخت إلا هزمه، واقتتلوا بالمدائن، فهزمهم سياوخش وهو قاتل الفرخزاد، وحصر أرزميدخت ثم افتتح المدائن، فقتل سياوخش، وفقأ عين أرزميدخت، ونصب بوران، فدعته إلى القيام بأمر فارس، وشكت إليه تضعضعهم وإدبار أمرهم، على أن تملكه عشر حجج، ثم يكون الملك فى آل كسرى إن وجدوا من غلمانهم أحدا، وإلا ففى نسائهم.\rفقال رستم: أما أنا فسامع مطيع، غير طالب عوضا ولا ثوابا، فإن شرفتمونى وصنعتم إلىّ شيئا فأنتم أولياء ما صنعتم، إنما أنا سهمكم وطوع أيديكم. فقالت بوران: اغد علىّ، فغدا عليها، ودعت مرازبة فارس، فكتبت له: بأنك على حرب فارس، ليس عليك إلا الله عن رضا منا وتسليم لحكمك، وحكمك جائز فيهم ما كان حكمك فى منع أرضهم وجمعهم عن فرقتهم، وتوجته وأمرت أهل فارس أن يسمعوا له ويطيعوا، ودانت له فارس بعد قدوم أبى عبيد.\rفهذا ما ذكره سيف فى شأن مملكة فارس إذ ذاك.\rقال: وكتب رستم إلى دهاقنة السواد أن يثوروا بالمسلمين، ودس إلى كل رستاق رجلا ليثور بأهله، فبعث جابان إلى البهقباذ الأسفل، وبعث نرسى إلى كسكر، وبعث المصادمة إلى المثنى، وبلغ المثنى ذلك، فضم إليه مسالحه وحذر، وعجل جابان فنزل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084470,"book_id":3509,"shamela_page_id":1033,"part":"2","page_num":404,"sequence_num":1033,"body":"النمارق، وتوالوا على الخروج، فخرج نرسى، فنزل زندورد، وثار أهل الرساتيق من أعلى الفرات إلى أسفله، وخرج المثنى بن حارثة فى جماعة حتى ينزل خفان، لئلا يؤتى من خلفه بشىء يكرهه، فأقام حتى قدم عليه أبو عبيد.\rوأما المدائنى فلم يعرض لما عرض له سيف فى شأن مملكة فارس، بل بنى على أن يزدجرد هو كان الملك عليهم حينئذ، فإنه قال بعقب ما نسب إليه قبل: وبلغ يزدجرد أن ملك العرب يسير إليه، فشاور أهل بيته ومرازبته، فقالوا له: وجه إلى أطرافك فحصنها وأخرج من فيها من العرب، فوجه جالينوس ورستم وليس بالأزدى ومردان شاه ونرسى ابن خال أبرويز، وكل واحد فى خمسة آلاف، وأمرهم أن ينزلوا متفرقين، ويكون بعضهم قريبا من بعض كل رجل فى أصحابه، ويمد بعضهم بعضا إن احتاجوا إلى ذلك، وأمرهم أن يقتلوا من قدروا عليه من العرب، فخرجوا والمثنى بالحيرة، فبلغه مسيرهم، فخرج لينزل على البلاد، فلقى على قنطرة النهرين خرزاذبه فقتله.\rومضى المثنى فنزل من وراء أليس، ونزل العجم متفرقين، فنزل نرسى كسكر، ونزل مردان شاه فيما بين سورا وقبين، ونزل رستم بابل، ونزل جالينوس بارسمى، ووجه جالينوس جابان فى ألف إلى أليس، ووجه أزاذبه إلى الحيرة فى ألف، وفصل أبو عبيد بن مسعود من المدينة فى ألف وثمانمائة من المهاجرين والأنصار وغيرهم، فيهم من ثقيف أربعمائة معهم أبو محجن، كان مع خالد بن الوليد بالشام فلما.\rأتتهم وفاة أبى بكر رجع إلى المدينة، فخرج مع أبى عبيد، وانضم إلى أبى عبيد فى الطريق مائة من بنى أسد، ومائتان من طيئ، ومائة من بنى ذبيان بن بغيض، ومائة من بنى عبس، معهم خمسة وعشرون فرسا، وخرج المثنى بن حارثة فى ثلاثمائة وسبعين من بكر بن وائل، وثلاثمائة من بنى تميم حنظلة وعمرو وسعد والرباب، فتلقى أبا عبيد ثم أقبل معه حتى نزل عسكره الذى كان فيه، ووضع عيونا على المسلحة التى بأليس فأتوه فأعلموه فأخبر أبا عبيد، فقال له: إن أذنت لى سرت إليهم، فأذن له وضم إليه ابنه جبر بن أبى عبيد، وقال لابنه جبر: لا تخالفه، فسار المثنى فصبح أليس وهم آمنون فلم يكن بينهم كبير قتال حتى انهزموا، فأصاب المسلمون سلاحا ومتاعا ليس بالكثير، ورجع إلى أبى عبيد، ونزل جابان فيما بين الحيرة والقادسية، وكتب أبو عبيد إلى عمر، رضى الله عنه، بخبر أليس، فسر المسلمون ونشطوا، وخرج قوم من المدينة إلى أبى عبيد، وتقدم أبو عبيد فلقى جابان فيما بين الحيرة والقادسية، وجابان فى ألفين معه ازاذبه، فلم يطل القتال بينهم حتى انهزم المشركون.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084471,"book_id":3509,"shamela_page_id":1034,"part":"2","page_num":405,"sequence_num":1034,"body":"وفيما ذكره سيف من الأحاديث أن أبا عبيد لما نزل خفان مع المثنى أقام بها أياما ليستجم أصحابه، وقد اجتمع إلى جابان بشر كثير، وخرج أبو عبيد بعد ما جم الناس وطهرهم، وجعل المثنى على الخيل، فنزلوا على جابان بالنمارق فاقتتلوا قتالا شديدا، فهزم الله أهل فارس، وأسر جابان، أسره مطر بن فضة أحد بنى تيم الله، وأسر مردان شاه، أسره أكتل بن شماخ العكلى، فأما أكتل فإنه ضرب عنق مردان شاه، وذلك أنه سأله: ما اسمك؟، فيما ذكره المدائنى، فقال له: مردان شاه. قال: وما مردان شاه؟ قال:\rملك الرجال. قال: لا جرم والله لأقتلنك، فقتله. وأما مطر بن فضة فإن جابان خدعه وهو لا يعرفه، وكان جابان شيخا كبيرا، فقال لمطر: إنكم معشر العرب أهل وفاء، فهل لك أن تؤمننى وأعطيك غلامين أمردين خفيفين فى عملك وكذا وكذا، قال: نعم، قال:\rفأدخلنى على ملككم حتى يكون ذلك بمشهد منه، فأدخله على أبى عبيد، فتم له على ذلك وأجاز ذلك أبو عبيد، فعرفه ناس فقالوا لأبى عبيد: هذا الملك جابان، وهو الذى لقينا بهذا الجمع، فقال أبو عبيد: فما تأمروننى، أيؤمنه صاحبكم وأقتله أنا، معاذ الله من ذلك.\rوفى رواية: إنى أخاف الله إن قتلته، وقد أمنه رجل من المسلمين فى الذمة والتود والتناصر كالجسد، ما لزم بعضهم لزم كلهم. فقالوا: إنه الملك، قال: وإن كان لا أعذر به، فتركه، وقال له: اذهب حيث شئت.\rوهرب أصحاب جابان حين أسر إلى كسكر ونرسى بأسفلها. وكانت كسكر قطيعة له، وكان النرسيان له، يحميه لا يأكله بشر، إلا ملك فارس، أو من أكرموه فيه بشىء، ولا يغرسه غيرهم، فكان ذلك مذكورا من فعلهم فى الناس، وأن ثمرهم هذا حمى، فقال رستم وبوران لنرسى: أشخص إلىّ قطيعتك فأحمها من عدوك وعدونا وكونن رجلا، فلما انهزم الناس يوم النمارق، ووجهت الفالة نحو نرسى، ونرسى فى عسكره، نادى أبو عبيد بالرحيل، وقال للمجردة: اتبعوهم حتى تدخلوهم عسكر نرسى، أو تبيدوهم فيما بين النمارق إلى بارق درونى «١» .\rومضى أبو عبيد حين ارتحل من النمارق حتى ينزل على نرسى بكسكر، والمثنى فى تعبئته التى قاتل فيها جابان، وقد أتى الخبر رستم وبوران بهزيمة جابان، فبعثوا إليه الجالينوس، وبلغ ذلك نرسى وأهل كسكر وباروسما ونهر جوبر والزوابى، فرجوا أن يلحق قبل الوقعة، وعالجهم أبو عبيد، فالتقوا أسفل من كسكر بمكان يدعى السقاطية،","footnotes":"(١) بارق: ماء بالعراق من أعمال الكوفة. انظر: معجم البلدان (١/ ٣١٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084472,"book_id":3509,"shamela_page_id":1035,"part":"2","page_num":406,"sequence_num":1035,"body":"فاقتتلوا فى صحار ملس هناك قتالا شديدا، ثم إن الله، ﷿، هزم فارس، وهرب نرسى، وغلب المسلمون على عسكره وأرضه، وأخذ أبو عبيد ما حوى معسكرهم، وجمع الغنائم، فرأى من الأطعمة شيئا عظيما، فبعث فيمن يليه من العرب فانتفلوا ما شاؤا، لا يؤثرون فيه، وأخذت خزائن نرسى، فلم يكونوا بشىء مما خزن أفرح منهم بالنرسيان؛ لأنه كان يحميه ويمالئه عليه ملوكهم، فاقتسمه المسلمون، فجعلوا يطعمونه الفلاحين.\rقال المدائنى: وسار أبو عبيد إلى الجالينوس فلقيه بباروسما فهزمه، فلحق بالمدائن، وبلغ الذين كانوا ببابل هزيمة نرسى وجالينوس، فرجعوا إلى المدائن، ودخل أبو عبيد باروسما، فصالحه ابن الأنذرزعر عن كل رأس بأربعة دراهم، وهيئوا له طعاما فأتوه به، فقال: لا آكل إلا ما يأكل مثله المسلمون. فقالوا: كل، فكل أصحابك يأكل مثل ما تؤتون به، فأكل، فلما راح المسلمون سألهم عن طعامهم فأخبروه، فإذا الذى أكلوا مثل طعامه.\rوفى بعض ما أورده سيف من الأخبار أن ابن الأنذرزعر لما أعلم أبا عبيد بالطعام الذى صنعوا له، وأتوا به قال لهم: هل أكرمتم الجند بمثله وقريتموهم؟ قالوا: لا، قال:\rفردوه فلا حاجة لنا فيه، بئس المرء أبو عبيد إن صحب قوما من بلادهم اهراقوا دماءهم دونه، أو لم يهريقوها فاستأثر عليهم بشىء يصيبه! لا والله لا يأكل مما أفاء الله عليهم إلا مثل ما يأكل أوساطهم!.\rقال المدائنى: وبعث أبو عبيد من باروسما المثنى بن حارثة إلى زندورد، وعاصم بن عمرو الأسدى إلى نهر جوير، وعروة بن زيد الخيل إلى الزوابى، فأما المثنى فإن أهل زندورد حاربوه فظفر بهم فقتل وسبى، وأما أهل الزوابى ونهر جوبر فصالحوا على صلح باروسما، فبعث أبو عبيد بخمس ما أصاب من أليس وخفان وكسكر وزندورد، وما صالح عليه إلى عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، ونزل أبو عبيد والمسلمون الحيرة.\rوذكر سيف، أيضا، أنهم بعثوا بخمس ما أصابوا من النرسيان إلى عمر، ﵀، وكتبوا إليه: إن الله، ﷿، أطعمنا مطاعم كانت الأكاسرة يحمونها الناس، فأحبننا أن تروها لتذكروا أنعم الله وأفضاله.\rوقال فى ذلك عاصم بن عمرو:\rضربنا حماة النرسيان بكسكر ... غداة لقيناهم ببيض بواتر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084473,"book_id":3509,"shamela_page_id":1036,"part":"2","page_num":407,"sequence_num":1036,"body":"وفزنا على الأيام والحرب لاقح ... بجرد حسان أو برود غرائر\rوظلت فلال النرسيان وتمره ... مباحا لمن بين الدبا والأصافر\rأبحنا حمى قوم وكان حماهم ... حراما على من رامه بالعساكر\rوقال، أيضا، يذكر ملتقى القوم بالنمارق:\rلعمرى وما عمرى علىّ بهين ... لقد صبحت بالخزى أهل النمارق\rنجوسهم ما بين أليس غدوة ... وبين قديس فى طريق البرارق\rبأيدى رجال هاجروا نحو ربهم ... يجوسونهم ما بين درتا وبارق\rوبين الرواة فيما تقدم من الأخبار اختلاف فى أسماء الأعاجم والأماكن، وفى التقديم والتأخير لم أر لذكر أكثر ذلك وجها إلا ما كان منه زائدا فى الإمتاع ومحسنا انتظام الحديث.\rومما ذكروا أن عمرا، رضى الله عنه، تقدم به إلى أبى عبيد حين بعثه فى هذا الوجه وأوصاه بجنده، أن قال له: إنك تقدم على أرض المكر والخديعة والخيانة والجبرية، وتقدم على قوم جرؤا على الشر فعلموه، وتناسوا الخير فجهلوه، فانظر كيف تكون! واخزن لسانك، ولا يفشون لك سر؛ فإن صاحب السر ما ضبطه متحصن لا يؤتى من وجه يكرهه، وإذا ضيعه كان بمضيعة.\rحديث وقعة الجسر «١»\rويقال لها: وقعة القس، قس الناطف، ويقال لها: المروحة.\rوقد جمعت الذى أوردت هنا من الحديث عن هذه الوقعة من أحاديث متفرقة أوردها الخطيب أبو القاسم، ﵀، فى كتابه عن سيف بن عمر وغيره، يزيد بعضها على بعض ومما وقع إلىّ، أيضا، عن أبى الحسن المدائنى فى فتوح العراق، وحديثه أطول افتضاضا وأشد اتصالا، وقد جعلت هذه الأحاديث كلها على اختلافها حديثا واحدا، إلا أن يعرض فيها ما يتناقض، فإما أن أسقط، حينئذ، أحد النقيضين بعد الاجتهاد فيه وفى الذى أوثر إثباته منهما، وإما أن أذكرهما معا وأبين ذلك، وأنسبه إلى من وقع ذكره فى حديثه، وكثيرا ما مضى عملى فى هذا الكتاب على هذا النحو، وعليه يستمر، إن","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٣/ ٤٥٤- ٤٥٩) ، الكامل لابن الأثير (٢/ ٣٠١- ٣٠٣) ، البداية والنهاية لابن كثير (٧/ ٢٧- ٢٩) ، نهاية الأرب للنويرى (١٩/ ١٨٢- ١٨٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084474,"book_id":3509,"shamela_page_id":1037,"part":"2","page_num":408,"sequence_num":1037,"body":"شاء الله، قصدا للتهذيب وحرصا على الجمع بين الإمتاع والإيجاز بحول الله سبحانه.\rوأفتتح بما افتتح به المدائنى هذه القصة للذى ذكرته من حسن اتصال حديثه.\rقال: ولما فتح أبو عبيد ما فتح، وهزم تلك الجنود، ونزل الحيرة، ورجعت المرازبة إلى يزدجرد منهزمين، شمتهم، وأقصاهم، ودعا بهمن ذا الحاجب فعقد له على اثنى عشر ألفا، وقال له: قدم هؤلاء الذين انهزموا، فإن انهزموا فاضرب أعناقهم، ودفع إليه درفش كايبان، راية كانت لكسرى فكانوا يتيمنون بها، وكانت من جلود النمور، عرضها ثمانية أذرع فى طول اثنى عشر ذراعا، وأعطاه سلاحا كثيرا، وحمل معه من أداة القتال وآله الحرب أوقارا من الإبل، ودفع إليه الفيل الأبيض، فخرج فى عدة لم ير مثلها.\rوفى كتاب سيف أن رستم هو صاحب ذلك، وأنه الذى رجع إليه الجالينوس ومن أفلت من جنده بناء على ما قدمنا من الاختلاف فى ملك فارس إلى من كان حينئذ.\rقال: فقال رستم: أى العجم أشد على العرب فيما ترون؟ قالوا: بهمن جاذويه، وهو ذو الحاجب، فوجهه ومعه الفيلة، ورد جالينوس معه. وذكر بعض ما تقدم.\rوبلغ المسلمون مسيرهم، فقال المثنى لأبى عبيد: إنك لم تلق مثل هذا الجمع ولا مثل هذه العدة، ولمثل ما أتوك به روعة لا تثبت لها القلوب، فارتحل من منزلك هذا حتى نعبر الفرات ونقطع الجسر وتصير الفرات بينك وبينهم فتراهم، فإن عبروا إليك قاتلتهم، واستعنت الله، قال: إنى لأرى هذا وهنا، ثم أخذ برأى المثنى فعبر الفرات ونزل المروحة وقطع الجسر، وأقبل بهمن فنزل قس الناطف، بينه وبين أبى عبيد الفرات، وأرسل إلى أبى عبيد: إما أن تعبر إلينا، وإما أن نعبر إليك. فقال أبو عبيد: نعبر إليكم. فقال المثنى أذكرك الله والإسلام أن لا تعبر إليهم، فحلف ليعبرن إليهم، ودعا ابن صلوبا فعقد له الجسر فقال سليط بن قيس الأنصارى: يا أبا عبيد أذكرك الله ألا تركت للمسلمين مجالا، فإن العرب من شأنها أن تفر ثم تكر، فاقطع هذا الجسر وتحول عن منزلك وانزل أدنى منزل من البر وتكتب إلى أمير المؤمنين فتعلمه ما قد أجلبوا به علينا، ونقيم فإذا كثر عددنا وجاء مددنا رجعنا إليهم وبنا قوة، وأرجو أن يظهرنا الله عليهم. قال: جبنت والله يا سليط. قال: والله إنى لأشد منك بأسا، وأشجع منك قلبا، ثم تقدم فعبر، فقال المثنى لأبى عبيد: والله ما جبن، ولكن أشار بالرأى، وأنا أعلم بقتال هؤلاء منك، لئن عبرت إليهم فى ضيق هذا المطرد ليجزرن المسلمين هذا العدو. وقال: والله لأعبرن إليهم، وكان رسول بهمن قد قال: إن أهل فارس قد عيروهم، يعنى المسلمين، بالجبن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084475,"book_id":3509,"shamela_page_id":1038,"part":"2","page_num":409,"sequence_num":1038,"body":"عن العبور إليهم، فازداد أبو عبيد محكا، فقال المثنى للناس: اجعلوا جبنها بى ولا تعبروا فقالوا: كيف نصنع وقد عبر أميرنا وسليط فى الأنصار وعبر الناس فقال المثنى: إنى لأرى ما تصنعون ولولا أن خذلانكم يقبح ولا أراه يحل ما صحبتكم، ثم عبر، فالتقى الناس فى موضع ضيق المطرد.\rقال: وكانت دومة امرأة أبى عبيد رأت وهى بالطائف كأن رجلا نزل من السماء معه إناء فيه شراب، فشرب منه أبو عبيد ورجال من أهل بيته يأتى ذكرهم، فقصتها على أبى عبيد، فقال: هذه الشهادة إن شاء الله.\rفلما التقوا قال أبو عبيد: إن قتلت فأميركم عبد الله بن مسعود بن عمرو، يعنى أخاه، فإن قتل فأميركم جبر بن أبى عبيد، يعنى ولده، فإن قتل فأميركم حبيب بن ربيعة ابن عمرو بن عمير، فإن قتل فأميركم أبو الحكم بن حبيب بن ربيعة بن عمرو بن عمير، فإن قتل فأميركم أبو قيس بن حبيب، وهؤلاء الإخوة الثلاثة بنو عمه، حتى عدّ كل من شرب الإناء، ثم قال: فإن قتل فأميركم المثنى بن حارثة، وسير على ميمنته سليط بن قيس، وعلى ميسرته المثنى.\rوقدم ذو الحاجب جالينوس معه الفيل الأبيض وراية كسرى وقد أطافت به حماة المشركين، معلمين أمامهم رجال يمشون على العمد، فكانت بين الناس مشاولة، يخرج العشرة والعشرون فيقتتلون مليا من النهار، ثم حمل المشركون على المسلمين فنضحوهم بالنبل، وجثت رجالهم فاستقبلوا بالرماح، ولم يقدروا من المسلمين على شىء فانصرفوا عنهم، ثم حملوا عليهم الثانية ففعلوا مثلها، ثم انصرفوا، وحملوا عليهم الثالثة فصبروا، فلما رأوا أنهم لا يقدرون على ما يريدون من المسلمين جاؤا بالنشاب فوضعوه كأنه آكام وتفرقوا ثلاث فرق، فقصدت فرقة لأبى عبيد فى القلب، وفرقة لسليط فى الميمنة، وفرقة للمثنى فى الميسرة، ثم صاروا كراديس، فجعل الكردوس يمر بهم معرضا بالمسلمين ويرميهم حتى كثرت الجراحات فيهم، وعضلت الأرض بأهلها.\rوأقبلت الفيلة عليها النخل، والخيول عليها التجافيف، والفرسان عليهم الشعر، فلما نظرت إلى ذلك خيول المسلمين رأت شيئا منكرا لم تكن ترى مثله، فجعل المسلمون إذا حملوا عليهم لم تقدم خيولهم، وإذا حملوا على المسلمين بالفيلة والجلاجل فرقت بين كراديسهم، لا تقوى لهم الخيل إلا على نفار، وخزقهم الفرس بالنشاب، وعض المسلمين الألم، وجعلوا لا يصلون إليهم، فنادى سليط بن قيس: يا أبا عبيد أرأيى أم رأيك أما","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084476,"book_id":3509,"shamela_page_id":1039,"part":"2","page_num":410,"sequence_num":1039,"body":"والله لتعلمن أنك قد أضررت برأيك نفسك والمسلمين، ثم قال: يا معشر المسلمين علام نستهدف لهؤلاء المشركين من أراد الجنة فليحمل معى، فحمل فى جماعة أكثرهم من الأنصار، فقتل وقتلوا، وترجل أبو عبيد وترجل الناس ومشوا إليهم، فتكافحوا وصافحوهم بالسيوف وحمى البأس حتى كثرت القتلى من الطائفتين جميعا، وجعلت الفيلة لا تحمل على جماعة إلا دفعتهم، فنادى أبو عبيد: احتوشوا الفيلة فقطعوا بطنها واقلبوا عنها أهلها؛ وواثب هو الفيل الأبيض، فتعلق ببطانه فقطعه، ووقع الذين عليه، وفعل القوم مثل ذلك؛ فما تركوا فيلا إلا حطوا رحله وقتلوا أصحابه، وقال أبو عبيد: ما لهذه الدابة من مقتل؟ قالوا: بلى، مشفرها إن قطع، فضرب مشفره فقطعه وبرك عليه فاستدبره أبو محجن فضرب عرقوبيه فاستدار وسقط لجنبه، وتعاور أبا عبيد المشركون فقتلوه، وقيل: بل اتقاه الفيل بيده لم نفح مشفره بالسيف فأصابه بيده فوقع فخبطه الفيل وقام عليه.\rفلما بصر الناس بأبى عبيد تحت الفيل خشعت أنفس بعضهم، وأخذ اللواء الذى كان أمره من بعده فقاتل الفيل حتى تنحى عن أبى عبيد فاجتره إلى المسلمين وأخذوا شلوه، ثم تجرثم الفيل فاتقاه الفيل بيده دأب أبى عبيد، وخبطه الفيل، وقام عليه، وتتابع أمراء أبى عبيد الذين عهد إليهم بأخذ اللواء، فيقاتل حتى يموت، وصبر الناس حتى قتلوا، وصارت الراية إلى المثنى بن حارثة، فجاش بها ساعة ثم انهزم الناس وركبهم المشركون واقتطعوا زر بن خطم أو ابن حصن بن جوين الطائى فجماعة من المسلمين، فنادى زر:\rيا معشر المسلمين، أنا زر، إنه ليس بعار أن يقتل الرجل وهو مقبل على عدوه معه سيف يضرب به سبالهم وأنفهم، وإنما العار أن يقتل الرجل وهو غير مقبل على عدوه، فاثبتوا فرب قوم قد فروا ثم كروا ففتح الله عليهم، فثاب إليه ناس من أهل الحفاظ حتى صاروا نحوا من ثلاثمائة، وأحاط بهم المشركون حتى خافوا الهلاك، ونظر إليهم المثنى بن حارثة، فقال لناس من بكر بن وائل: أى إخوانكم قد أحسنوا القتال وصبروا لعدوهم، فإن أمسكتم عنهم هلكوا، وإن كررتم رجوت أن تفرجوا عنهم وأن يكشف الله لهم السبيل إلى الجسر، فحمل على المشركين فى سبعين من بكر بن وائل أصحاب خيل مقدحة، كان يعدها للطلب والغارة فى بلاد العدو فقاتلهم حتى ارتفع عنهم المشركون وانضموا إلى إخوانهم من المسلمين.\rونظر عروة بن زيد الخيل وقد أحيط به وهو فى عشرين فرسا، إلى خيل المسلمين تطارد المشركين فقال لمن معه: أرى فى المسلمين بقية، فاحملوا على من بيننا وبين","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084477,"book_id":3509,"shamela_page_id":1040,"part":"2","page_num":411,"sequence_num":1040,"body":"أصحابنا، فحملوا وأفرجوا لهم حتى وصلوا إلى المسلمين، وكان عروة يومئذ على فرس كميت أغر الذنوب، فأبلى أحسن بلاء، كان يشد عليه المنسر من مناسر العجم وهو وحده فإذا غشوه كر عليهم فيتصدعون حتى عرف مكانه، وتعجب الناس يومئذ من عروة لما رأوا من بلائه، فقال المثنى: إن البأس ليس له بمستنكر، ومضى الناس نحو الجسر، وحماهم المثنى وعروة بن زيد الخيل والكلح الضبى وعاصم بن عمرو الأسدى وعامر بن الصلت السلمى ونادى المثنى: أيها الناس، أنا دونكم فاعبروا على هيئتكم ولا تدهشوا فإنا لن نزول حتى نراكم من ذلك الجانب، ولا تفرقوا أنفسكم. فانتهى الناس إلى الجسر وقد سبق إليه عبد الله بن مرثد الثقفى أو غيره فقطعه وقال: قاتلوا عن دينكم، فخشع الناس واقتحموا الفرات فغرق من لم يصبروا، وأسرع المشركون فيمن صبروا، وأتاهم المثنى بن حارثة فأمر بالسفينة التى قطعت فوصلت بالجسر وعبر الناس، وقال المثنى للرجل الذى قطع الجسر: ما حملك على ما صنعت؟ قال: أردت أن يصبر الناس، ويقال إن سليط بن قيس كان من آخر من قتل عند الجسر.\rوأصيب يومئذ من المسلمين ألف وثمانمائة منهم ثلاثمائة من ثقيف فيهم ثمانون خاضبا، واستحر القتل يومئذ ببنى عوف بن عقدة رهط أبى عبيد فابيد منهم: أبو عبيد وأمراؤه الذين أمر، وغيرهم. ويقال: قتل يومئذ معه اثنان وعشرون رجلا ممن هاجر، وقتل من المشركين ألفان.\rوقتل أكثر من ذلك فيما ذكره سيف، قال: خبط الفيل أبا عبيد، وقد أسرعت السيوف فى أهل فارس، وأصيب منهم ستة آلاف فى المعركة، ولم يبق إلا الهزيمة، فلما خبط أبو عبيد، وقام عليه الفيل جال المسلمون جولة، ثم تموا عليها، وركبهم أهل فارس.\rوقال عثمان النهدى: هلك يومئذ، يعنى من المسلمين، أربعة آلاف بين قتيل وغريق، وهرب ألفان، وبقى ثلاثة آلاف.\rولما فرغ الناس بالعبور عبر المثنى وحمى جانبه، واضطرب عسكره ورماهم ذو الحاجب فلم يقدر عليهم، وقطع المسلمون الجسر بعد عبورهم، فعبره المشركون.\rقالوا «١» : وخرج جابان، ومردانشاه فى ألف من الأساورة منتخبين ليسبقوا المسلمين إلى الطريق، وبلغ ذلك المثنى، فاستخلف على الناس عاصم بن عمرو، وخرج يريدهما","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٣/ ٤٥٨، ٤٥٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084478,"book_id":3509,"shamela_page_id":1041,"part":"2","page_num":412,"sequence_num":1041,"body":"فى جريدة خيل، فاعترضاه يظنانه هاربا، فأخذهما أسيرين فضرب أعناقهما، وقال: أنتما كذبتما أميرنا واستفززتماه.\rوخرج أهل أليس على أصحابها، فأخذوهم فجاؤا بهم إلى المثنى، فضرب أعناقهم، وعقد بذلك لأهل أليس ذمة ثم رجع إلى عسكره.\rوقيل: بل لقيهم المثنى فقتل مردانشاه فى المعركة وأسر جابان فضرب المثنى رقبته، وقد تقدم فى ذكر ملتقى أبى عبيد بجابان بين الحيرة والقادسية أن أكتل بن شماخ العكلى أسر مردانشاه ثم ضرب عنقه، وأسر مطر بن فضة جابان فخدعه وافتدى منه، وأحد الأمرين هو الصحيح فى قتل مردانشاه، فالله أعلم.\rوانهزم المشركون، ومضى المثنى إلى أليس، وتفرق بنو تميم إلى بواديهم، ومضى أهل المدينة وأسد غطفان فنزلوا الثعلبية. وكان لعروة بن زيد الخيل من حسن الغناء فى يوم الجسر ما تقدم ذكره، فقال له المثنى: يا عروة، أما والله لو أن معى مثلك ألف فارس من العرب ما تهيبت أن أصبح ابن كسرى فى مدائنه وما كنت أكره أن ألقى مثل هذا الجمع الذى فل المسلمين مصحرا ولرجوت أن يظفرنى الله بهم، فهل لك فى المقام معى لا أوثر عليك نفسى ولا أحدا من قومى؟ قال: لا، إنى كنت مع هذا الرجل، يعنى أبا عبيد، وقد أصيب، فأرجع إلى عمر فيرى رأيه.\rفلما نزل الناس التعلبية سألوا عروة أن يأتى عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، بكتابهم، فكتبوا إليه: إنا لقينا عدو الإسلام من أهل فارس بمكان يقال له قس الناطف فقتل أميرنا أبو عبيد وأمراء أمرهم أبو عبيد، وسليط بن قيس ورجال من المسلمين منهم من تعرف، ومنهم من تنكر، وتولى أمر الناس المثنى بن حارثة أخو بنى شيبان فحماهم فى فوارس، جزاهم الله عن الإسلام خيرا، فكتبنا إليك وقد نزلنا الثعلبية فرارا من الزحف لا نرى إلا إنّا قد هلكنا، وقد بعثنا إليك فارس المسلمين عروة يخبرك عنا ويأتينا بأمرك.\rفلما قرأ عمر الكتاب فانتهى إلى قوله: منهم من تعرف ومنهم من تنكر بكى وقال:\rما ضر قوما عرفهم الله أن ينكرهم عمر، لكن الله لا يخفى عليه من عباده المحسنون، يا عروة ارجع إليهم فأعلمهم أنهم ليسوا بفرار، وإنما انحازوا إلىّ، وأنا لهم فئة، وسيفتح الله عليهم تلك البلاد إن شاء الله، يرحم الله أبا عبيد لو انحاز إلينا واعتصم بالحيف لكنا له فئة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084479,"book_id":3509,"shamela_page_id":1042,"part":"2","page_num":413,"sequence_num":1042,"body":"وكتب عمر مع عروة إلى المثنى بن حارثة: أما بعد، فإن الله كتب القتل على قوم فلم يكن مماتهم ليكون إلا قتلا، وكتب على قوم الموت فهم يموتون موتا، فطوبى لمن قتل فى سبيل الله محتسبا نفسه صابرا، وقد بلغنى عنك ما كنت أحب أن تكون عليه، فالزم مكانك الذى أنت به، وادع من حولك من العرب، ولا تعجل إلى قتال إلا أن تقاتل، أو ترى فرصة حتى تأتيك أمداد المسلمين، وكأن قد أتتك على الصعبة والذلول.\rفقدم عروة بن زيد على المثنى بكتاب عمر، ورجع أهل الحجاز وأسد وغطفان إلى بلادهم، وأقام المثنى حتى قدمت الأمداد.\rويقال: إن أول خبر تحدث به عن أهل الجسر بالمدينة أن رجلا قدمها من الطائف فجلس إلى حذاء فقال: ما لى لا أسمع أهل المدينة يبكون قتلاهم؟ فقال له الحذاء: ومن قتل؟ قال:\rقتل أبو عبيد بن مسعود، وسليط بن قيس، فأخذ الحذاء بتلابيبه حتى أتى به عمر فأخبره بما قال، فقال له عمر: ما تقول ويلك! قال: يا أمير المؤمنين إنّا منذ ليال بفناء من أفنية الطائف إذ سمعنا أصوات نساء من ناحية باب شهار يقلن: يا أبا عبيداه، ويا سليطاه، وسمعنا قائلا يقول:\rإن بالجسر فتية سعداء ... صبرا صادقين يوم اللقاء\rكم تقى مجاهد كان فيهم ... خاشع القلب مستجاب الدعاء\rيجأر الليل كله بعويل ... ونجيب وزفرة وبكاء\rقال: فما انقضى حديثه حتى قدم عبد الله بن زيد الخطمى، وكان أول من قدم بخبر الجسر ممن شهده فمر بباب حجر عائشة، ويقال: أتى عمر وهو على المنبر فلما دخل المسجد ورآه عمر قال: ما عندك يا ابن زيد؟ قال: أتاك الخبر يا أمير المؤمنين، ثم صعد إليه فأخبره، فقالت عائشة: ما رأينا رجلا حضر أمرا فحدث عنه كان أثبت حديثا من عبد الله بن زيد ولا أخفى فزعا.\rولما قدم أهل المدينة المدينة وأخبروا عمن سار منهم إلى البادية استحياء من الهزيمة، اشتد ذلك على عمر، ﵀، فرق للناس ورحمهم، وقال: اللهم إن كل مسلم فى حل منى، أنا فئة كل مسلم، من لقى العدو ففزع بشىء من أمره فأنا له فئة؛ يرحم الله أبا عبيد، لو كان انحاز إلىّ لكنت له فئة.\rوكان معاذ القارئ ممن شهدها وفر يومئذ، وكان يصلى بالناس فى شهر رمضان على","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084480,"book_id":3509,"shamela_page_id":1043,"part":"2","page_num":414,"sequence_num":1043,"body":"عهد عمر، فكان بعد إذا قرأ: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ [الأنفال: ١٦] ، خنقته العبرة وبكى، فكان عمر يقول: أنا لكم فئة.\rوكان عمر، رضى الله عنه، قد رأى فى النوم أن أبا عبيد وأصحابه انتهوا إلى ضرس من الحيرة فتحيروا ولم يجدوا مخرجا، فرجعوا فلم يجدوا طريقا، فرفعوا إلى السماء، فقال عمر: هذه شهادة، فليت شعرى ما فعل عدوهم؟ فكان يتوقع الخبر حتى قدم عبد الله بن زيد الخطمى فأخبره، فبكى وقال: ما وجهت أحدا وجها أكره إلىّ من الوجه الذى توجه إليه أبو عبيد.\rوقال أبو محجن بن حبيب بن عمرو بن عبيد يرثى أبا عبيد ومن أصيب معه، وهو ابن عم أبى عبيد وأخو بنى حبيب الثلاثة المقتولين معه من أمرائه:\rأنى تهدت نحونا أم يوسف ... ومن دون مسراها فياف مجاهل\rإلى فتية بالطف نيلت سراتهم ... وغرى أفراس بها ورواحل\rوأضحى بنو عمرو لدى الجسر منهم ... إلى جانب الأبيات حزم ونابل\rوأضحى أبو جبر خلا ببيوته ... بما كان تعدوه الضعاف الأرامل\rألا قد علت قلب الهموم الشواغل ... وراجعت النفس الأمور القواتل\rسيعلم أهل الغىّ كيف عزيمتى ... ويعلم ودادى الذين أواكل\rغناى وأخذى بالذى أنا أهله ... إذا نزلت بى المعضلات العضائل\rفما رمت حتى خرقوا برماحهم ... ثيابى وجادت بالدماء الأباجل\rوما رمت حتى كنت آخر راجع ... وصرع حولى الصالحون الأماثل\rوقد غادرونى فى مكر جيادهم ... كأنى غادتنى من الراح شامل\rوأمسى على سيفى نزيف ومهرتى ... لدى الفيل تدمى نحرها والشواكل\rفما لمت نفسى فيهم غير أنها ... إلى أجل لم يأتها وهو عاجل\rمررت على الأنصار وسط رحالهم ... فقلت لهم هل منكم اليوم قافل\rألا لعن الله الذين يسرهم ... رداى وما يدرون ما الله فاعل\rوقال أبو محجن أيضا:\rيا عين جودى على جبر ووالده ... إذا تحطمت الرايات والحلق\rيوم بيوم أتى جبر وإخوته ... والنفس نفسان منها الهول والشفق","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084481,"book_id":3509,"shamela_page_id":1044,"part":"2","page_num":415,"sequence_num":1044,"body":"يا خل سل المنايا ما تركن لنا ... عزا ننوء به ما هدهد الورق\rوقال حسان بن ثابت يرثى سليط بن قيس ومن أصيب من قومه:\rلقد عظمت فينا الرزية أننا ... جلاد على ريب الحوادث والدهر\rلدى الجسر يوم الجسر لهفى عليهم ... غداة إذا ما قد لقينا على الجسر\rيقول رجال ما لحسان باكيا ... وحق لى التبكاء بالنحب والغزر\rأبعد أبى قيس سليط تلومنى ... سفاها أبى الأيتام فى العسر واليسر\rفقل للألى أمسوا أسروا شماتة ... به كنتم يوم النزال على بدر\rوقالت امرأة من ثقيف:\rأضحت منازل آل عمرو قفرة ... بعد الجزيل ونائل مبذول\rوكأنما كانوا لموقف ساعة ... قردا زفته الريح كل سبيل\rحديث البويب ووقعة مهران «١»\rولما بلغ عمر، رضى الله عنه، أمر الجسر، وأتاه كتاب المسلمين بالخبر استخلف على المدينة على بن أبى طالب وخرج فنزل بصرار يريد أرض فارس، وقدم طلحة بن عبيد الله فنزل الأعوص، فدخل عليه العباس بن عبد المطلب وعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف فأشاروا عليه بالمقام، وقالوا: شاور الناس، فكتب إلى على وطلحة فقدما عليه، فجمع الناس فقال: إنى نزلت منزلى هذا وأنا أريد العراق فصرفنى عن ذلك قوم من ذوى الرأى منكم، وقد أحضرت هذا الأمر من خلفت ومن قدمت، فأشيرووا علىّ، فقال على بن أبى طالب، رضى الله عنه، أرى أن ترجع إلى المدينة وتكتب إلى من هناك من المسلمين أن يدعوا من حولهم ويحذروا على أنفسهم، وقد قدم قوم من العرب يريدون الهجرة فوجههم إليهم فتكون دار هجرة حتى إذا كثروا وليت أمرهم رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ من أهل السابقة والقدم فى الإسلام، فانصرف عمر إلى المدينة وكتب إلى المثنى بأن يدعو من حوله ولا يقاتل أحدا حتى يأتيه المدد، وقدم من الأسد وبارق وغامد وكنانة سبعمائة أهل بيت، فقال لهم عمر: أين تريدون؟ فقالوا: سلفنا بالشام. قال: أو غير ذلك، أرضا تبتذونها إن شاء الله ويغنمكم الله كنوزها، أخوار فارس. فقال مخنف بن سليم الغامدى: مرنا بأحب الوجهين إليك. قال: العراق. قال:","footnotes":"(١) انظر: فتوح البلدان للبلاذرى (ص ٣١٠- ٣١٢) ، الكامل فى التاريخ لابن الأثير (٢/ ٣٠٣- ٣٠٦) ، الطبرى (٣/ ٤٦٠- ٤٧٢) ، البداية والنهاية لابن كثير (٧/ ٢٩، ٣٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084482,"book_id":3509,"shamela_page_id":1045,"part":"2","page_num":416,"sequence_num":1045,"body":"فامضوا على بركة الله، فأمر عمر على الأزد رجلا منهم، وعلى كنانة غالب بن عبد الله الليثى فشخصوا إلى أرض الكوفة، فقدموا على المثنى بن حارثة، فأقبل بهم حتى نزلوا العذيب.\rوفيما ذكره سيف «١» أن الأزد وكنانة لما سألوا الشام قال لهم عمر: ذلك وجه قد كفيتموه، العراق العراق إذروا بلدة قد فل الله شوكتها وعدوها، واستقبلوا جهاد قوم قد حووا فنون العيش، لعل الله أن يرث بكم قسطكم من ذلك فتعيشوا مع من عاش من الناس، فقال غالب الليثى وعرفطة البارقى، كل واحد منهما لقومه: يا عشيرتاه أجيبوا أمير المؤمنين إلى ما أراد، فقال كل فريق لصاحبهم: إنا قد أطعناك وأجبنا أمير المؤمنين إلى ما أراد، فدعا لهم عمر بخير، وأمر على كنانة غالبا وسرحه فيهم، وأمر على الأزد عرفجة بن هرثمة البارقى وعامتهم من بارق، وفرحوا برجوع عرفجة إليهم. فخرج هذا فى قومه وهذا فى قومه حتى قدما على المثنى، وكان عرفجة هذا حليفا فى بجيلة لأمر عرض له فى قومه أخرجه عنهم، ومن قدمته هذه رجع إلى قومه ونسبه حسب ما يذكر بعد إن شاء الله تعالى.\rوقدم بعدهم أربعمائة أهل بيت من كندة والسكون، فيهم الأشعث بن قيس ومعاوية بن حديج وشرحبيل بن السمط، فقالوا: يا أمير المؤمنين قدمنا نريد سلفنا بالشام، فنظر إليهم وعليهم الحلل فأعرض عنهم، فكلموه، أيضا، فلم يأمرهم بشىء، فقيل له: ما يمنعك؟ قال: إنى لمتردد فيهم منقبض عنهم، لا ينزل هؤلاء بلدا إلا فتنوا أهله، وما قدم أحد المدينة أكره إلىّ منهم، فأمضى نصفهم إلى الشام، عليهم معاوية بن حديج، ونصفهم إلى العراق عليهم شرحبيل بن السمط.\rوقدم من مذحج المدينة ألف بيت فيهم ثلاثمائة أهل بيت من النخع، فقال عمر:\rسيروا إلى أرض فارس، قالوا: لا، ولكنا نسير إلى الشام، فقال يزيد بن كعب النخعى:\rأنا أخرج فيمن أطاعنى، فخرج فى ثلاثمائة أهل بيت من النخع، وقال هند الجملى: أنا أخرج فيمن أطاعنى، فخرج فى خمسمائة أهل بيت من مراد، فكان عمر يقول بعد ذلك: سيد أهل الكوفة سمى المرأة هند الجملى.\rثم قدم المدينة أهل ألف بيت من همدان، فقالوا لعمر: خر لنا. قال: أرض العراق.\rقالوا: بل الشام، قال: بل العراق، فصرفوا ركابهم إلى العراق.","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٣/ ٤٦٣) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084483,"book_id":3509,"shamela_page_id":1046,"part":"2","page_num":417,"sequence_num":1046,"body":"وقد كانت قدمت بجيلة فيهم جرير بن عبد الله، وسيدهم عرفجة بن هرثمة البارقى، حليف لهم، فقال عمر: اخرجوا إلى العراق، وأمر عليهم عرفجة، فقال جرير لبجيلة:\rأخبروا عمر أنه ولى عليكم رجلا ليس منكم، وكانت بجيلة قد غضبت على عرفجة فى أمر عرض بينهم وبينه، فكلموا عمر فى ذلك واستعفوه منه، فقال: لا أعفيكم من أقدمكم هجرة وإسلاما، وأعظمكم بلاء وإحسانا، فلما أعلموه أنه ليس منهم، قال لعرفجة: إن هؤلاء استعفونى منك، وزعموا أنك لست منهم، فما عندك؟ قال: صدقوا، لست منهم وما يسرنى أننى منهم، أنا امرؤ من الأزد من بارق فى كثف لا يحصى عدده، وحسب غير مؤتشب. فقال عمر: نعم الحى الأزد، يأخذون نصيبهم من الخير والشر.\rوقال عرفجة: إنه كان من شأنى أن الشر تفاقم فينا، ودارنا واحدة، وأصبنا الدماء، ووتر بعضنا بعضا فاعتزلتهم لما خفتهم، فكنت فى هؤلاء أسودهم وأقودهم، فحفظوا علىّ لأمر دار بينى وبين دهاقنتهم، فحسدونى وكفرونى، فقال: لا يضرك فاعتزلهم إذ كرهوك.\rوقيل: إن عمر قال: اثبت على منزلتك ودافعهم، قال: لست فاعلا، ولا سائرا، فأمر عليهم جرير بن عبد الله، وقيل: إن جريرا كان إليه من بجيلة بعضها، فجمعها إليه عمر، وقال له جرير: يا أمير المؤمنين إن قومى متفرقون فى العرب، فأخرجهم وأنا أغزو بهم أرض فارس، وكانوا متفرقين فى هوزان وغطفان وتميم وفى أزد شنوءة والطائف وجرش، فكتب عمر إلى القبائل التى فيها بجيلة: أى نسب تواصل عليه الناس قبل الإسلام فهو النسب ليس لأحد أن يدعه، وليس له أن ينتقل إلى غير ما كان يعرف به، فمن كان من بجيلة لم ينتسب إلى غيرهم حتى جاء الإسلام فلا تحولوا بينهم وبين الرجوع إلى قومهم، فخرج قيس كبة وشحمة وعرينة من هوازن وغيرها من القبائل، وخرج العتيل والفتيان من بنى الحارث وخرج على وذبيان من الأزد بالسراة، ولما أعطى عمر، رضى الله عنه، جريرا حاجته فى استخراج بجيلة من الناس فأخرجهم، أمرهم بالموعد بين مكة والمدينة، ولما تتاموا قال لجرير: اخرج حتى تلحق بالمثنى، فكره ذلك جرير ومال إلى الشام، فقال له عمر: قد علمتم ما لقى إخوانكم بأرض فارس، فاخرجوا فإنى أرجو أن يورثكم الله أرضهم وديارهم، ولك الربع من كل شىء بعد الخمس، وقيل: بل جعل له ولقومه ربع الخمس مما أفاء الله عليه فى غزاتهم هذه، له ولمن اجتمع إليه ومن أخرج له من القبائل، استصلحهم عمر، رضى الله عنه، بذلك، إذ كان هواهم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084484,"book_id":3509,"shamela_page_id":1047,"part":"2","page_num":418,"sequence_num":1047,"body":"الشام، فأبى هو عليهم إلا العراق، وقال لهم: اتخذونا طريقا، فقدموا المدينة وهم أربعة آلاف، وقيل: ألفان، ثم فصلوا منها إلى العراق ممدين للمثنى، فقال عمر: لو ضممت إلى هؤلاء من الجبين من ابنى نزار، يعنى تميما وبكرا فوجه معهم قوما منهم، ثم تتابعت الأمداد.\rوكان أول من نزل العذيب بالعيال من قبائل اليمن والحجاز الأزد ثم حضرموت وكندة ثم النخع ومراد ثم همدان ثم بجيلة، ثم جاءت قبائل الحجاز وأهل البوادى من تميم وبكر، وجاءت طيئ عليها عدى بن حاتم، وجاءت أسد، وجاءت قيس عليهم عبد الله بن المعتم العبسى، وجاءت الرباب وعلى تيم وعدى هلال بن علفة، وعلى ضبة المنذر بن حسان، وجاءت حنظلة وعمرو، وطوائف من سعد، وجاءت النمر بن قاسط عليهم أنس بن هلال بن عقة، وبعث عمر أيضا، عصمة بن عبد الله الضبى فيمن تبعه من بنى ضبة، وكان قد كتب إلى أهل الردة يأذن لهم فى الجهاد ويستنفرهم إليه، فلم يوافقه أحد منهم إلا رمى به المثنى.\rوذكر المدائنى أن يزدجرد وجه مهران بعد وقعة الجسر وأمره أن يبث المسالح إلى أدانى أرض العرب، ويقتل كل عربى قدر عليه.\rوفيما ذكره الطبرى عن سيف أن رستم والفيرزان هما اللذان رأيا إنفاذ مهران بعد أن طالعا برأيهما فى ذلك بوران ابنة كسرى، وذلك عند ما علما بتوافى أمداد العرب إلى المثنى، فخرج مهران فى الخيول وجاء يريد الحيرة، وبلغ المثنى الخبر وهو معسكر بمرج السباخ، ما بين القادسية وخفان، فاستبطن فرات بادقلى، وأرسل إلى جرير ومن معه: أنه جاءنا أمر لن نستطيع معه المقام حتى تقدموا علينا، فعجلوا اللحاق بنا، وموعدكم البويب.\rوكتب إلى عصمة وإلى كل قائد أظله بمثل ذلك، وقال: خذوا على الجوف، فسلكوا القادسية وسلك المثنى وسط السواد، فطلع على النهرين ثم على الخورنق، وطلع عصمة ومن سلك معه طريقه على النجف، وطلع جرير ومن سلك معه على الجوف، فانتهوا إلى المثنى وهو البويب، ومهران من وراء الفرات بإزائه، فاجتمع عسكر المسلمين على البويب مما يلى موضع الكوفة اليوم، وعليهم المثنى، وهم بإزاء مهران وعسكره، فقال المثنى لرجل من أهل السواد: ما يقال لهذه الرقعة التى فيها مهران وعسكره؟ فقال:\rبسوسا، فقال: أكدى مهران وهلك، ونزل منزلا هو البسوس، وأقام بمكانه حتى كاتبه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084485,"book_id":3509,"shamela_page_id":1048,"part":"2","page_num":419,"sequence_num":1048,"body":"مهران: إما أن تعبروا إلينا، وإما أن نعبر إليكم، فقال المثنى: اعبروا فعبر مهران، فنزل على شاطئ الفرات معهم فى الملطاط، فقال المثنى لذلك السوادى: ما يقال لهذه الرقعة التى نزلها مهران وعسكره؟ فقال: شوميا، وذلك فى رمضان، فنادى المثنى فى الناس:\rانهدوا لعدوكم، فتناهدوا، ومهران فى ثلاثة عشر ألفا معه ثلاثة فيلة، فقدموا فيلتهم واستعدوا للحرب، فأقبلوا إلى المسلمين فى ثلاثة صفوف، مع كل صف فيل، ورجلهم أما فيلهم، وجاؤا ولهم زجل. فقال المثنى للمسلمين: إن الذى تسمعون فشل، فالزموا الصمت وائتمروا همسا، والمسلمون أربعة آلاف، ألفان وثمانمائة من اليمن، وألف ومائتان من سائر الناس، ويقال: كانوا ستة آلاف، وألف ومائتان من تميم وقيس وبكر، وسائرهم من اليمن.\rوتنازع جرير والمثنى الإمارة يومئذ، فقال له المثنى: إنما بعثك أمير المؤمنين مددا لى، وقال جرير: بل استعملنى، فقيل: صار الأمر بينهما إلى ما قال المثنى، فكان هو الأمير، وقيل: صار جرير أميرا على من قدم معه والمثنى أميرا على من قدم قبل ذلك، ومن قال هذا زعم أن المثنى قال لجرير عند ما نهدوا للعدو: خلنى وتعبئة الناس، ففعل جرير وعبأ المثنى الجيش فصير مضر وربيعة فى القلب، وصير اليمن ميمنة، وميسرة، وقال المثنى: يا معشر المسلمين، إنى قد قاتلت العرب والعجم، فمائة من العرب كانوا أشد علىّ من ألف من العجم، ويقال: إنه قال لهم: قاتلت العرب والعجم فى الجاهلية والإسلام والله لمائة من العجم فى الجاهلية كانوا أشد علىّ من ألف من العرب، ولمائة من العرب اليوم أشد علىّ من ألف من العجم، إن الله قد أذهب مصدوقتهم، ووهن كيدهم، فلا يهولنكم سوادهم، إن للعجم قسيّا لجا، وسهاما طوالا هى أغنى سلاحهم عندهم فلو قد لقوكم رموكم بها، وإذا أعجلوا عنها أو فقدوها، فهم كالبهائم أينما وجهتموها توجهت، فتترسوا والزموا مصافكم واصبروا لشدة أو شدتين، ثم أنتم الظاهرون إن شاء الله تعالى.\rوركب يومئذ فرسا ذنوبا أدهم يدعى الشموس للين عريكته وطهارته، وكان لا يركبه إلا لقتال ويدعه ما لم يكن قتال، ومر على الرايات يحض القبائل، فقال له شرحبيل بن السمط: ما أنصفتنا يا مثنى، جعلت معدك وسطا وجعلتنا ميمنة وميسرة، قال: إذا أنصفكم، الله ما أريد لهم شيئا من الخير إلا وأنا أريد لكم مثله، وما عهدى بمعد يدرى بالناس من البأس، ثم صير تميما مع الأزد فى الميمنة، وصير ربيعة مع كندة فى الميسرة، وصفوا صفوفهم، وقال: الزموا الصمت فإنى مكبر ثلاث تكبيرات، فإذا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084486,"book_id":3509,"shamela_page_id":1049,"part":"2","page_num":420,"sequence_num":1049,"body":"كبرت الثالثة فاحملوا، فنظر إلى سعد بن عبيد الأنصارى قد نصل من الصف، فقال: من أنت؟ قال: سعد بن عبيد، فررت يوم الجسر من الزحف، فأردت أن أجعل توبتى من فرتى أن أشرى نفسى لله. فقال له: إن خيرا مما تريد أن تقف مع المسلمين فتناضل عن دينك.\rوقال جرير: يا معشر بجيلة، إن لكم فى هذه البلاد إن فتحها الله لكم حظا ليس لغيركم، فاصبروا التماس إحدى الحسنيين: الشهادة فثوابها الجنة أو النصر ففيه الغنى من العيلة، ولا تقاتلوا رياء ولا سمعة، بحسب امرئ من خساسته حظا أن يريد بجهاده وعدوه حمد أحد من الخلق.\rومر المثنى على الرايات راية راية يحرضهم ويهزهم بأحسن ما فيهم، ولكلهم يقول:\rإنى لأرجو أن لا تؤتى العرب اليوم من قبلكم، والله، ما يسرنى اليوم لنفسى شىء إلا وهو يسرنى لعامتكم، فيجيبونه بمثل ذلك، وأنصفهم المثنى فى القول والفعل، وخالط الناس فى المكروه والمحبوب، فلم يستطع أحد منهم أن يعيب له قولا ولا عملا، ووقف على أهل الميمنة فنظر إلى رجل من العنبر على فرس عتيق رائع، فقال: يا أخا بنى العنبر، إنك لمن قوم صدق فى اللقاء، أما والله يا بنى تميم إنكم لميامين فى الحرب، صبر عند البأس، إنى لأرجو أن يعز الله بكم دينه.\rوقال للأزد: اللهم صبحهم برضوانك، وادفع عنهم عين الحاسد، أنتم والله الأنجاد الأمجاد الحسان الوجوه، وإنى لأرجو أن يأتى العرب اليوم منكم ما تقر به أعينهم، ونظر إلى فوارس من قيس فى القلب فقال: نعم فتيان الصباح أنتم، اللهم جللهم عافيتك وافرغ عليهم الصبر، يوما كبعض أيامكم، ونظر إلى ناس من طيئ فى القلب، فقال:\rجزاكم الله خيرا، فنعم الحى أنتم فى اللقاء وعند العطاء، فإنه ليحضهم إذ شدت كتيبة من العجم على الميسرة وفيها بكر وكندة فصبروا لهم، ثم شدت عليهم الثانية فانكشفت بكر وكندة، فقال المثنى: إن الخيل تنكشف ثم تكر، يا معشر طيئ الزموا مصافكم وأغنوا ما يليكم، واعترض الكتيبة التى كشفتهم بخيل كانت معه فمنعهم من اتباعهم وقاتلهم، فثارت عجاجة بينهم ورجع أهل الميسرة، وأقبلت الميمنة نحو المثنى وقد انكشف العدو عنه، وسيفه بيده وقد جرح جراحات وهو يقول: اللهم عليك تمام النصر، هذا منك، فلك الحمد، فقال له مخنف بن سليم الغامدى: الحمد لله الذى عافاك، فقد كنت أشفقت عليك. قال: كم من كربة قد فرجها الله، هل منعم عليه يكافئ ربه بنعمة من نعمه!!.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084487,"book_id":3509,"shamela_page_id":1050,"part":"2","page_num":421,"sequence_num":1050,"body":"وكانت هزيمة المشركون، فاتبعهم المسلمون حتى انتهوا إلى نهر بنى سليم، ثم كروا على المسلمين وركدت الحرب بينهم مليا، فلا يسمع إلا هرير الرجال، وقد كان أنس بن هلال النمرى قدم ممدا للمثنى فى أناس من النمر نصارى، وابن مردى الفهرى الثعلبى فى ناس من قومه كذلك، وقالوا حين رأو نزول العجم بالعرب: نقاتل مع قومنا، فلما طال القتال يومئذ واشتد عمد المثنى إلى أنس بن هلال، فقال: يا أنس، إنك امرؤ عربى، وإن لم تكن على ديننا، فإذا رأيتنى قد حملت على مهران فاحمل معى، وقال لابن مردى الفهرى مثل ذلك، فأجاباه، فحمل المثنى على مهران فأزاله حتى دخل فى ميمنته، ثم خالطوهم، واجتمع القلبان، وارتفع الغبار والمجنبات تقتتل، لا يستطيعون أن يفزعوا لنصر أميرهم، لا المسلمون ولا المشركون، وقد كان المثنى قال لهم: إذا رأيتمونا أصبنا فلا تدعوا ما أنتم فيه، فإن الجيش ينكشف ثم ينصرف، فالزموا مصافكم وأغنوا عنا من يليكم، وأوجع قلب المسلمين قلب المشركون، ووقف المثنى حتى أسفر الغبار وقد فنى قلب المشركين، والمجنبات قد هز بعضها بعضا، فلما رآه المسلمون وقد أزال القلب وأفنى أهله قويت مجنبات المسلمين على المشركين وجعلوا يردون الأعاجم على أدبارهم، وجعل المسلمون والمثنى فى القلب يدعون لهم بالنصر، ويرسل إليهم من يذمرهم ويقول لهم: إن المثنى يقول لكم عادتكم فى أمثالهم، انصروا الله ينصركم، حتى هزم القوم.\rوكانت راية الأزد مع عبد الله بن سليم، فجعل بتقدم بها، فقال له رجل: لو تأخرت قليلا، فقال:\rأقسمت بالرحمن أن لا أبرحا ... أو يصنع الله لنا فيفتحا\rوقاتل حتى قتل، وتقدم أبو أمية عبد الله بن كعب الأزدى وهو يقول: اللهم إليك أسعى لترضى، وإياك أرجو فاغفر ذنبى، ثم تقدم فقاتل حتى قتل، ﵀، فحمل أبو رملة بن عبد الله بن سليم، وكانت عنده الرباب ابنة عبد الله بن كعب، فقتل قاتل عبد الله بن كعب واحتز رأسه، فأتى به ابنه، وهو غلام مراهق، فقال: دونك رأس قاتل أبيك، فعض الفتى بأنفه، ومر به رجل من بكر بن وائل يقال له عجل، فقال: يا فتى ما أشجعك على الأموات فحمى الفتى واعترض العدو، فاتبعه عمه جندب وهو يقول: يا عجل، قتلت ابن أخى، فلحقه وقد قتل رجلا، فرده، وقتل حصين بن القعقاع بن معبد ابن زرارة، فأخذ الراية مولى لهم أو مولى للأزد يقال له خصفة، فقاتل حتى قتل، ودارت بينهم رحى الحرب، وأخذت جرير الرماح فنادى: وا قوماه، أنا جرير، فقاتلت عنه جماعة من قيس ليس معهم غيرهم حتى خلص، وشدت جماعة على مسعود بن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084488,"book_id":3509,"shamela_page_id":1051,"part":"2","page_num":422,"sequence_num":1051,"body":"حارثة وهو معلم بعصابة خضراء وهو يفرى فريا، فطعن رجلا فقتله، وطعن آخر فانكسر رمحه فاختلفا بسيفيهما ضربتين فقتل كل واحد منهما صاحبه، فوقف عليه أخوه المثنى فقال: هكذا مصارع خياركم، وقيل: إنه ارتث يومئذ فمات بعد فى إناس من الجرحى من أعلام المسلمين ماتوا كذلك، منهم خالد بن هلال، فصلى عليهم المثنى وقدمهم على الأسنان والقرآن، وقال: والله إنه ليهون علىّ وجدى أن شهدوا البويب، أقدموا وصبروا، ولم يجزعوا ولم يتكلموا، وإن كان فى الشهادة لكفارة لبحور الذنوب، ولما ارتث مسعود بن حارثة يومئذ فتضعضع من معه رأى ذلك وهو دنف فقال: يا معشر كعب بن وائل، ارفعوا رايتكم رفعكم الله، لا يهولنكم مصرعى، وقتل جرير وغالب بن عبد الله الليثى وحنظلة بن ربيعة الأسدى وعروة بن زيد الخيل كل واحد منهم عشرة.\rوقال ربعى بن عامر، وشهدها يومئذ مع أبيه: احصى مائة رجل من المسلمين قتل كل واحد منهم عشرة فى المعركة. وذكر أن غالبا وعروة وعرفجة فى الأزد كانوا من أصحاب التسعة، فالله أعلم.\rوقال يومئذ لعروة رجل من قومه، ورآه يقدم: أهلكت قومك يا عروة، فقال:\rيا قوم لا تعنفونى قومى ... لا تكثروا عدلى ولا من لومى\rلا تعدونى النصر بعد اليوم\rوسمع رجل يومئذ من مهران يرتجز وهو يقول:\rإن تسألوا عنى فإنى مهران ... أنا لمن أنكرنى ابن باذان\rفعجب من أن يتكلم بالعربية، فقيل له: إنه ولد باليمن، ويقال: إنه عربى نشأ مع أبيه باليمن، وكان أبوه عاملا لكسرى.\rوأبصر جرير بن عبد الله، مهران يقاتل، فحمل عليه جرير والمنذر بن حسان فقاتلاه، طعنه المنذر فأداره عن دابته وقد وقذه فنزل إليه جرير فاحتز رأسه وتنازعا سلبه ثم أخذ جرير سلاحه، وأخذ المنذر حليته وثيابه وبرذونه، وقيل فى قتله غير هذا، وهو مما حدثت به أم ولد لزيد بن صوحان أن زيدا أخرجها معه إلى العسكر حتى لقوا مهران صاحب كسرى، فجعل الناس يحيدون عن مهران، فقال زيد: ما شأن الناس يحيدون عن هذا؟\rقيل: كرهوه، فنزل زيد فمشى إليه فاختلفا ضربتين، فأطن مهران يده، فرجع فأخذ عمامتى فشقها ثم لفها على يده ثم عاوده فنسف ساقيه بالسيف فقتله، فابتدر المسلمون","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084489,"book_id":3509,"shamela_page_id":1052,"part":"2","page_num":423,"sequence_num":1052,"body":"سلبه، فلم يأخذ زيد من سلبه إلا السيف، نفله إياه الأمير، فكان زيد يقول: من يشترى سيفا وهذا أثره، ويخرج يده الجذماء فيريها، وقد قيل إن غلاما نصرانيا من بنى تغلب هو الذى قتل مهران، فالله أعلم.\rوهزم المشركون فأتوا الفرات، واتبعهم المسلمون، فانتهوا إلى الجسر، وقد عبرت طائفة من المشركين الجسر، فحالوا بين الباقين وبينه، فأخذوا يمينا وشمالا، فقاتلهم المسلمون حتى أمسوا، واقتحم طائفة الفرات فغرق بعضهم ونجا بعض، ورجع المسلمون عنهم حين أمسوا، فعبر من بقى منهم الجسر، ثم قطعوه فأصبح المسلمون فعقدوه واتبعوهم حتى بلغوا بيوت ساباط، ثم انصرفوا وصلبوا مهران على الجسر.\rويقال: إن المثنى قطع الجسر أولا ليمنع أهل فارس العبور، ثم ندم على ذلك وقال:\rلقد عجزت عجزة وقى الله شرها بمسابقتى إياهم إلى الجسر وقطعه حتى أحرجتهم، فإنى غير عائد فلا تعودوا ولا تعتدوا بى أيها الناس، فإنما كانت زلة، لا ينبغى إخراج أحد إلا من لا يقوى على الامتناع.\rولما افترق الأعاجم على شاطئ الفرات مصعدين ومصوبين واعتورتهم خيول المسلمين أكثروا القتل فيهم حتى جعلوهم جثاء، فما كانت بين العرب والعجم وقعة كانت أقوى رمة منها.\rحدث أبو روق قال: والله إن كنا لنأتى البويب، يعنى بعد ذلك بزمان، فنرى ما بين السكون وبنى سليم عظاما بيضاء تلولا تلوح من هامهم وأوصالهم نعتبر بها. قال:\rوحدثنى بعض من شهدها أنهم كانوا يحرزونها مائة ألف.\rواقتسم المسلمون ما أفاء الله عليهم، ونفلت بجيلة وجرير ما جعل لهم عمر بن الخطاب وحمل الخمس أو باقى الخمس، وجلس المثنى للناس يحدثهم ويحدثونه لما فرغوا، وكلما جاء رجل فتحدث قال له المثنى: أخبرنى عنك، فقال قرط بن جماح العبدرى:\rقتلت رجلا فوجدت منه رائحة المسك فقلت: مهران، ورجوت أن يكون إياه، فإذا هو شهريرار صاحب الخيل فو الله ما رأيته إذ لم يكن مهران شيئا. وكان قرط قد قاتل يومئذ حتى دق قنى وقطع أسيافا.\rوقال ربعى وهو يحدث المثنى: لما رأيت ركود الحرب واحتدامها قلت: تترسوا بالمجان فإنهم شادّون عليكم فاصبروا لشدتين وأنا زعيم لكم بالظفر فى الثالثة، فأجابونى فولى الله كفالتى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084490,"book_id":3509,"shamela_page_id":1053,"part":"2","page_num":424,"sequence_num":1053,"body":"وقال ابن ذى السهمين محدثا: قلت لأصحابى إنى سمعت الأمير يقرأ ويذكر فى قراءته الزحف، فما ذكره إلا لفضل فيه، فاقتدوا برايتكم ولتحمى خيلكم رجلكم، وازحفوا فما لقول الله من خلف، فأنجز الله لهم وعده كما رجوت.\rوقال عرفجة محدثا: حزنا كتيبة منهم إلى الفرات، ورجوت أن يكون الله قد أذن فى غرقهم وأن يسلينا بها عن مصيبة الجسر، فلما حصلوا فى حد الإحراج كروا علينا فقتلناهم قتالا شديدا حتى قال بعض قومى: لو أخذت رايتك، فقلت علىّ إقدامها، وحملت بها على حاميتهم فقتلته فولوا نحو الفرات فما بلغوه ومنهم أحد فيه الروح.\rوقد كان المثنى قال يومئذ: من يتبع آثار المنهزمة حتى يبلغ السيب؟ فقام جرير فى قومه فقال: يا معشر بجيلة إنكم وجميع المسلمين ممن شهد هذا اليوم فى السابقة والفضيلة سواء، وليس لأحد منهم فى هذا الخمس غدا من النفل مثل الذى لكم منه، نفلا من أمير المؤمنين، فلا يكونن أحد أسرع إلى هذا العدو ولا أشد عليه منكم للذى لكم منه إلى ما ترجون، فإنما تنتظرون إحدى الحسنيين الشهادة والجنة أو الظفر والغنيمة والجنة.\rومال المثنى على الذين أرادوا أن يستنثلوا بالأمس من منهزمة يوم الجسر فقال: أين المستنثل بالأمس وأصحابه؟ انتدبوا فى آثار هؤلاء القوم إلى السيب وأبلغوا من عدوكم ما تغيظونهم به فهو خير لكم وأعظم أجرا، واستغفروا الله إن الله غفور رحيم.\rوكان هذا المستنثل، أو هو إن شاء الله سعد بن عبيد الأنصارى، قد أراد الخروج بالأمس من صف المسلمين إلى العدو، فقيل للمثنى: ألا ترى إلى هذا الرجل الذى يريد أن يستنثل، فركض إليه، فقال: يا أبا عبد الله، ما تريد أن تصنع؟ قال: فررت يوم أبى عبيد، فأردت أن تكون توبتى وانتصارى أن أمشى إليهم فأقاتل حتى أقتل، قال: إذن لا تضر عدوك ولا تنفع وليك، ولكن أدلك على ما هو خير لك، تثبت على صفك وتجزى قرنك وتواسى أخاك بنفسك وتنصره وينصرك فتكون قد نفعت المسلم وضررت العدو، فأطاعه وثبت مكانه، فكان يومئذ أول منتدب.\rفأمر المثنى أن يعقد لهم الجسر ثم أخرجهم فى أثر القوم، واتبعتهم بجيلة وخيول المسلمين بعد من كل فارس، ولم يبق فى العسكر جسرى إلا خرج فى الخيل، فانطلقوا فى طلب العدو حتى بلغوا السيب، فأصابوا من البقر والسبى وسائر الغنائم شيئا كثيرا فقسمه المثنى عليهم، وفضل أهل البلاء من جميع القبائل، ونفل بجيلة يومئذ ربع الخمس بينهم بالسوية وبعث بثلاثة أرباعه إلى عمر، رضى الله عنه، وألقى الله الرعب فى قلوب","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084491,"book_id":3509,"shamela_page_id":1054,"part":"2","page_num":425,"sequence_num":1054,"body":"أهل فارس، وكتب القواد الذين قادوا الناس فى الطلب إلى المثنى، وكتب إليه عاصم وعصمة وجرير: إن الله قد كفى رستم ووجه لنا ما رأيت، وليس دون القوم شىء، فأذن لنا فى الإقدام، فأذن لهم فأغاروا حتى بلغوا ساباط، وتحصن أهلها منهم، واستباحوا القريات دونها وراماهم أهل الحصن عن حصنهم بساباط ثم انطفئوا راجعين إلى المثنى.\rقالوا: وكان المثنى وعصمة وجرير أصابوا فى أيام البويب على الظهر نزل مهران غنما ودقيقا وبقرا، فبعثوا بها إلى عيالات من قدم من المدينة وقد خلفوهن بالقوادس، وإلى عيالات أهل الأيام قبلهم وهن بالحيرة، وكان دليل الذين ذهبوا بنصيب العيالات اللواتى بالقوادس عمرو بن عبد المسيح بن بقيلة، فلما رفعوا للنسوة فرأين الخيل تصايحن وحسبنها غارة فقمن دون الصبيان بالحجارة والعمد، فقال عمرو: هكذا ينبغى لنساء هذا الجيش، وبشروهن بالفتح.\rولما أهلك الله، ﷿، مهران استكمن المسلمون من الغارة على السواد فيما بينهم وبين دجلة، فمخروها لا يخافون كيدا ولا يلقون فيها مانعا، وانتفضت مسالح العجم فرجعت إليهم واعتصموا بالساباط، وسرهم أن يتركوا ما وراء دجلة، ونزل جرير والمثنى الحيرة وبثا المسالح فيما بين الأنبار وعين التمر إلى الطف، فمن كان أقام على صلحه قبلوا ذلك منه، ومن نقض أغاروا عليه، فكان أهل الحيرة وبانيقيا وغيرهم على صلحهم.\rوكانت وقعة البويب فى رمضان من سنة ثلاث عشرة.\rوتنازع، أيضا، المثنى وجرير الإمارة، وكان المثنى أحب إلى نزار، وجرير أحب إلى اليمانية، فكتب إلى عمر، ﵀، فى ذلك، فكان من مشورته فيه وعمله ما سيأتى بعد ذكره.\rوشخص المثنى عند ذلك فنزل أليس، ويقال شراف، وهو وجع من جراحات به، وارتحل معه عامة النزارية، فلما رأى ذلك جرير تحول فنزل العذيب مع العيال، ومعه أخلاط الناس وهو الأمير عليهم فى قول بعضهم، وفى هذه الإمارات كلها اضطراب من نقلة الأخبار واختلاف بين القبائل، فبنو شيبان تقول: كان جرير الأمير يوم قتل مهران المثنى، وبجيلة تقول: كان الأمير يوم ذلك وقبل وبعد، والأظهر مما تقدم من الأخبار أن المثنى كان الأمير فى تلك الحرب، إلا أن يكون جرير على من معه كما قد قيل، فالله تعالى أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084492,"book_id":3509,"shamela_page_id":1055,"part":"2","page_num":426,"sequence_num":1055,"body":"وقد قال الأعور الشنى فلم يذكر لغير المثنى يومئذ إمارة:\rهاجت عليك ديار الحرب أحزانا ... واستبدلت بعد عبد القيس همذانا\rوقد أرانا بها والشمل مجتمع ... أدنى النخيلة قتلى جند مهرانا\rكأن الأمير المثنى يوم راجفة ... مهران أشجع من ليث بخفانا\rأزمان سار المثنى بالخيول لهم ... فقتل الزحف من رجلى وركبانا\rسما لمهران والجيش الذى معه ... حتى أبادهم مثنى ووحدانا\rإذ لا أمير أراه بالعراق لنا ... مثل المثنى الذى من آل شيبانا\rحديث غارة المثنى على سوقى الخنافس وبغداد «١»\rذكر سيف عن شيوخه أن المثنى لما نزل أليس، قرية من قرى الأنبار، وهذه الغزاة تدعى غزاة الأنبار الآخرة، وغزاة أليس الآخرة، وقد مخر السواد وخلف بالحيرة بشير بن الخصاصية، وأرسل جريرا إلى ميسان، وهلال بن علقمة إلى دست ميسان وأذكى المسالح بعصمة بن فلان الضبى، وبالكلح الضبى، وبعرفجة البارقى وأمثالهم من قواد المسلمين، ألزّ به رجلان: أحدهما أنبارى والآخر حيرى، يدله كل واحد منهما على سوق، فأما الأنبارى فدله على سوق الخنافس، وأما الحيرى فدله على بغداد. فقال المثنى:\rأيتهما قبل صاحبتهما؟ فقالوا: بينهما أيام، فقال: أيهما أعجل؟ قالوا: سوق الخنافس يتوافى إليها الناس، ويجتمع إليها ربيعة وقضاعة يخفرونهم. فاستعد لها المثنى، حتى إذا ظن أنه يوافيهم يوم سوقها ركب نحوهم، فأغار على الخنافس يوم سوقها، وبها خيلان من ربيعة وقضاعة وهم الخفراء، فانتسف السوق وما فيها، وسلب الخفراء، ثم رجع عوده على دبئه حتى تطرق دهاقين الأنبار طروقا فى أول يومه فتحصنوا منه، فلما عرفوه نزلوا إليه فأتوه بالأعلاف والزاد، وأتوا بالأدلاء على بغداد، وكان وجهه إلى سوق بغداد فصبحهم.\rوقال المثنى فى غارته على خنافس:\rصبحنا فى الخنافس جمع بكر ... وحيا من قضاعة غير ميل\rبفتيان الوغى من كل حى ... تبارى فى الحوادث كل جيل\rنسفنا سوقهم والخيل زور ... من التطواف والشد البجيل","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٣/ ٤٧٢- ٤٧٦) ، تاريخ بغداد للخطيب البغدادى (١/ ٢٥- ٢٧) ، الكامل فى التاريخ لابن الأثير (٢/ ٣٠٦، ٣٠٧) ، نهاية الأرب للنويرى (١٩/ ١٨٧- ١٨٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084493,"book_id":3509,"shamela_page_id":1056,"part":"2","page_num":427,"sequence_num":1056,"body":"وذكر الخطيب أبو بكر بن ثابت البغدادى فى تاريخه «١» أن بغداد كانت فى أيام مملكة العجم قرية يجتمع فيها رأس كل سنة التجار، ويقوم بها للفرس سوق عظيمة، فلما توجه المسلمون إلى العراق وفتحوا أول السواد، ذكر للمثنى بن حارثة أمر سوق بغداد، ثم أورد بإسناد له عن ابن إسحاق أن أهل الحيرة قالوا للمثنى، وذكره سيف من طريق آخر أن رجلا من أهل الحيرة قال للمثنى، واللفظ فى الحديثين متقارب، وقد دخل حديث أحدهما فى حديث الآخر، قالوا: ألا ندلك على قرية يأتيها تجار مدائن كسرى وتجار السواد ويجتمع بها فى كل سنة من الناس مثل خراج العراق، وهذه أيام سوقهم التى يجتمعون فيها، فإن أنت قدرت على أن تعبر إليهم وهم لا يشعرون أصبت بها مالا يكون غناء للمسلمين وقوة على عدوهم، وبينها وبين مدائن كسرى عامة يوم، فقال لهم: فكيف لى بها؟ قالوا: إن أردتها فخذ طريق البر، حتى تنتهى إلى الأنبار، ثم تأخذ رؤس الدهاقين، فيبعثون معك الأدلاء، فتسير سواد ليلة من الأنبار حتى تأتيهم ضحى.\rقال: فخرج من النخيلة ومعه أدلاء الحيرة، حتى دخل الأنبار، فنزل بصاحبها فتحصن منه، فأرسل إليه: ما يمنعك من النزول؟ فأرسل إليه: إنى أخاف، فأرسل إليه: انزل فإنك آمن على دمك وقريتك، وترجع سالما إلى حصنك، فتوثق عليه ثم نزل، فأطعمه المثنى، وخوفه واستكتمه، وقال: إنى أريد أن أعبر فابعث معى الأدلاء إلى بغداد، حتى أغير منها إلى المدائن، قال: أنا أجىء معك، قال المثنى: لا أريد أن تجىء معى، ولكن ابعث معى من يعرف الطريق، ففعل وأمر لهم بزاد وطعام وعلف، وبعث معهم دليلا، فأقبل حتى إذا بلغ المنصف قال له المثنى: كم بيننا وبين هذه القرية؟ قال: أربعة فراسخ أو خمسة، وقد بقى عليك ليل، فقال لأصحابه: من ينتدب للحرس، فانتدب له قوم، فقال لهم: اذكروا حرسكم، ثم نزل وقال للناس: أنزلوا فاقضوا واطمعوا وتوضأوا وتهيأوا وابعثوا الطلائع فلا يلقون أحدا إلا حبسوه، ثم سار بهم فصبحهم فى أسواقهم، فوضع فيهم السيف، فقتل وأخذ الأموال، وقال لأصحابه: لا تأخذوا إلا الذهب والفضة، ومن المتاع ما يقدر الرجل منكم على حمله على دابته، وهرب الناس، وتركوا أمتعتهم وأموالهم، وملأ المسلمون أيديهم من الصفراء والبيضاء والحرّ من كل شىء.\rثم كر راجعا، ثم نزل بنهر السيلحيين من الأنبار، فقال للمسلمين: احمدوا الله الذى سلمكم وغنمكم، وانزلوا فاعلفوا خيلكم من هذا القصب، وعلقوا عليها، وأصيبوا من","footnotes":"(١) انظر: تاريخ بغداد (١/ ٢٥- ٢٧) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084494,"book_id":3509,"shamela_page_id":1057,"part":"2","page_num":428,"sequence_num":1057,"body":"أزوادكم، فسمع القوم يهمس بعضهم إلى بعض أن القوم سراع الآن فى طلبنا، فقال:\rتناجوا بالبر والتقوى ولا تتناجوا بالإثم والعدوان، قبح الله من يتناجون به، انظروا فى الأمور وقدروها ثم تكلموا، تحسبونهم الآن فى طلبكم، فو الله لو كان الصريخ قد بلغهم الآن إنه لكبير، ولو كان الصريخ عندهم لبلغهم من رعب غارتنا عليهم إلى جنب مدائنهم ما يشغلهم عن طلبنا حتى نلحق معسكرنا وجماعتنا، إن للغارات روعات تنتشر عليها يوما إلى الليل، ولو كان بهم من القوة ما يحملهم على طلبنا ثم جهدوا وجهدهم ما أدركونا، نحن على الجياد العراب وهم على المقارف البطاء، ولو أنهم طلبونا فأدركونا لم نقاتلهم إلا التماس الثواب ورجاء النصر، فثقوا بالله وأحسنوا به الظن، فقد نصركم الله عليهم وهم أكثر منكم وأعز، وسأخبركم عنى وعن انكماشى والذى أريد من ذلك، إن خليفة رسول الله ﷺ، أبا بكر أوصانا أن نقل العرجة ونسرع الكرة فى الغارات، ونسرع فى غير ذلك الأوبة، فأقبلوا ومعهم دليلهم حتى انتهوا إلى الأنبار، فاستقبلهم صاحبها بالكرامة، فوعده المثنى بالإحسان إليه لو استقام أمرهم، ورجع المثنى إلى عسكره.\rحديث السرايا من الأنبار «١»\rقالوا: لما رجع المثنى من بغداد إلى الأنبار، سرح المضارب العجلى وزيدا إلى الكباث، ثم خرج فى أثرهم، فقدم الرجلان الكباث، وقد ارفض عنه أهله وأخلوه، وكانوا كلهم من بنى تغلب، وكان عليهم فارس العناب التغلبى يحميهم، فركب المسلمون آثارهم يتبعونهم، فأدركوا أخرياتهم، فحماهم فارس العناب ساعة ثم هرب، وقتلوا فى أخرياتهم فأكثروا، ورجع المثنى إلى عسكره بالأنبار، فسرح فرات بن حيان، وكان خلفه فى عسكره، وسرح معه عتبة بن النهاس، وأمرهما بالغارة على أحياء من تغلب والنمر بصفين، ثم اتبعهما وخلف على الناس عمرو بن أبى سلمى الهجيمى.\rفلما دنوا من صفين، فر أهلها فعبروا الفرات إلى الجزيرة وتحصنوا، وفارق المثنى فراتا وعتبة، فأرمل المثنى وأصحابه من الزاد، حتى نحروا رحلهم إلا ما لا بد لهم منه فأكلوها حتى أخفافها وعظامها وجلودها، ثم أدركوا عيرا من أهل دياف وحوران، فقتلوا العلوج وأصابوا ثلاثة نفر من بنى تغلب خفراء، فأخذوا العير، وكان ظهرا فاضلا، وقال","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٣/ ٤٧٥، ٤٧٦) ، الكامل لابن الأثير (٢/ ٣٠٧) ، نهاية الأرب للنويرى (١٩/ ١٨٨، ١٨٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084495,"book_id":3509,"shamela_page_id":1058,"part":"2","page_num":429,"sequence_num":1058,"body":"لهم: دلونى، فقال له أحدهم: أمنونى على أهلى ومالى، وأدلكم على حى من بنى تغلب غدوت من عندهم اليوم، فآمنه المثنى وسار معه يومه، حتى إذا كان العشى هجم عليهم، فإذا النعم صادرة عن الماء، والقوم جلوس بأفنية البيوت، فبعث غارته فقتلوا المقاتلة، وسبوا الذرية، وانتسفوا الأموال، وإذا هم بنو ذى الرويحلة، فاشترى من كان من ربيعة السبايا بنصيبهم من الفىء، فأعتقوا سبيهم، وكانت ربيعة لا تسبى، إذا العرب يتسابون فى جاهليتهم.\rوأخبر المثنى أن جمهور من سلك البلاد قد انتجعوا شاطئ دجلة، فسرح فى آثارهم حذيفة بن محصن، وكان على مقدمته فى غزواته كلها بعد البويب، ثم اتبعه فأدركوهم دون تكريت يخوضون الماء، فأصابوا ما شاؤا من النعم، حتى أصاب الرجل خمسا من السبى وخمسا من النعم، وجاء المثنى بذلك حتى نزل على الناس بالأنبار، ومضى فرات وعتيبة فى وجههما، حتى أغارا على صفين وبها النمر وتغلب متساندين، فأغاروا عليهم ونقبوهم، فرموا بطائفة فى الماء، فناشدوهم وجعلوا ينادون: الغرق الغرق، فلم يقلعوا عنهم، وجعل عتيبة والفرات يذمرون الناس وينادونهم: تغريق بتحريق، يذكرونهم يوما من أيام الجاهلية أحرقوا فيه قوما من بكر بن وائل فى غيضة من الغياض، ثم انطلق المسلمون راجعين إلى المثنى وقد غرقوهم.\rفلما تراجع الناس إلى عسكرهم بالأنبار وتوافت بها البعوث والسرايا، انحدر بهم المثنى إلى الحيرة فنزل بها، وكانت لعمر، ﵀، فى كل جيش عيون يتعرفون الأخبار من قبلهم، فكتب إليه بما كان فى تلك الغزاة، وأبلغ الذى قال عتيبة والفرات، يوم بنى تغلب والماء، فبعث إليهما فسألهما، فأخبراه أنهما قالا ذلك على وجه المثل، وأنهما لم يفعلا ذلك على وجه طلب بذحل فى الجاهلية، فاستحلفهما، فحلفا ما أرادا بذلك إلا المثل، وإعزاز الإسلام، فصدقهم وردهما إلى المثنى.\rذكر ما هيج حرب القادسية على ما ذكره سيف عن أشياخه «١»\rقالوا: قال أهل فارس لرستم والفيزران، وهما عميدا أهل فارس: أين يذهب بكما لم يبرح بكما الاختلاف حتى وهنتما أهل فارس، وأطمعتما فيهم عدوهم وإن لم يبلغ من خطركما أن تقركما فارس على هذا الرأى، وأن تعرضاها للهلكة، ما تنتظرون، والله ما","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٣/ ٤٧٧- ٤٧٩) ، الكامل لابن الأثير (٢/ ٣٠٨، ٣٠٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084496,"book_id":3509,"shamela_page_id":1059,"part":"2","page_num":430,"sequence_num":1059,"body":"تنتظرون إلا أن ينزل بنا ونهلك، ما بعد ساباط وبغداد وتكريت إلا المدائن، والله ما جرأ علينا هذا غيركم، ولولا أن فى قتلكم هلاكنا لعجلنا لكم القتل الساعة، ولئن لم تنتهوا لنهلكنكم ثم نهلك وقد اشتفينا منكم.\rقالوا: فقال الفيرزان ورستم لبوران ابنة كسرى: اكتبى لنا نساء كسرى وسراريه ونساء آل كسرى وسراريهم، ففعلت، وأخرجت ذلك إليهم فى كتاب، فأرسلوا فى طلبهن فلم تبق امرأة منهن إلا أتوا بها، فوضعوا عليهن العذاب يستدلونهن على ذكر من آل كسرى، فلم يوجد عند واحدة منهن أحد منهم، وقلن، أو من قال منهن:\rلم يبق منهم إلا غلام يدعى يزدجرد من ولد شهريار بن كسرى، وأمه من أهل داريا، فأرسلوا إليها فأخذوها به، فدلتهم عليه، وكانت قد دفعته إلى أخواله فى أيام شيرى حين جمعهن فى القصر الأبيض، فقتل الذكور، واعدتهم ثم دلته إليهم فى زبيل، فأرسلوا إليه، فجاؤا به وهو ابن إحدى وعشرين سنة فملكوه، واجتمعوا عليه، واطمأنت فارس واستوثقوا، وتبارى الرؤساء فى طاعته ومناصحته، فسمى الجنود لكل مسلحة كانت لكسرى، أو موضع ثغر، وبلغ ذلك من أمرهم واجتماعهم على يزدجرد المثنى والمسلمين، فكتبوا بذلك إلى عمر، ﵀، بما ينتظرون ممن بين ظهرانيهم، فلم يصل الكتاب إلى عمر حتى كفر أهل السواد، من كان له منهم عهد ومن لم يكن له، فخرج المثنى على حاميته حتى ينزل بذى قار، وينزل الناس بذى الطف فى عسكر واحد، فكتب إليهم عمر:\rأما بعد، فاخرجوا من بين ظهرانى الأعاجم، وتفرقوا فى المياه التى تليهم على حدود أرضكم وأرضهم، ولا تدعوا فى ربيعة ومضر أحدا من أهل النجدات، ولا فارسا إلا أجلبتموه، فإن جاء طائعا وإلا حشدتموه، احملوا العرب على الجد إذا جد العجم، لتلقوا جدهم بجدكم.\rفنزل المثنى بذى قار، ونزل الناس بالجل وشراف إلى غضى، وغضى جبال البصرة، وكان جرير بن عبد الله بغضى وسبرة بن عمرو العنبرى ومن أخذ أخذهم فيمن معهم إلى سلمى، فكنوا فى أمواه العراق من أولها إلى آخرها مسالح ينظر بعضهم إلى بعض، ويغيث بعضهم بعضا إن كان كون، وذلك فى ذى القعدة سنة ثلاث عشرة.\rوعادت مسالح كسرى وثغوره وهم فى ملك فارس هائبون مشفقون، والمسلمون يتدفقون قد ضروا بهم كالأسد يثأر عن فريسته، ثم يعاود الكر وأمراؤهم يكفكفونهم؛","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084497,"book_id":3509,"shamela_page_id":1060,"part":"2","page_num":431,"sequence_num":1060,"body":"لأن عمر، ﵀، كان أمرهم أن لا يقاتلوا إلا أن يقاتلوا حتى يأتيهم أمره وتصلهم أمداد المسلمين.\rتأمير عمر، رضى الله عنه، سعد بن أبى وقاص على العراق وذكر الخبر عن حرب القادسية «١»\rذكر المدائنى بإسناده إلى رجال من أهل العلم يزيد بعضهم على بعض أن عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، كان يخير من قدم عليه من العرب بين الشام وبين العراق، فكانت مضر تختار العراق وتختار أهل اليمن الشام، فقال عمر: اليمن أشد تعاطفا يحنون إلى سلفهم، ونزار كلهم سلف نفسه، ومضر لا تحن إلا سلفها، ولم يكن أحد من العرب أشد إقداما على أرض فارس من ربيعة، فبلغ عمر اختلاف المثنى بن حارثة وجرير ابن عبد الله فى الإمارة، فاستشار الناس، فقال المغيرة بن شعبة: يا أمير المؤمنين، تداركهم برجل من المهاجرين واجعله بدريا، فقال: أشيروا علىّ برجل، فقال عبد الرحمن ابن عوف: قد وجدته، قال: من هو؟ قال: سعد بن أبى وقاص، قال: هو لها، فكتب عمر إلى المثنى: لم أكن لأستعملك على رجل من أصحاب رسول الله ﷺ، وكتب إلى جرير والمثنى: إنى موجه سعدا إليكما، فاسمعا له وأطيعا.\rوذكر الطبرى وغيره فى هذا الموضع من تحرك عمر، رضى الله عنه، للخروج إلى العراق بنفسه واستدعائه وجوه المهاجرين والأنصار للمشورة عليه فيه، بعد أن خرج بذلك الرسم فنزل صرارا، وقدم بين يديه طلحة بن عبيد الله فنزل الأعوص، وخلف بالمدينة على بن أبى طالب واليا عليها، وإشارة أولى الرأى عليه بالرجوع إلى المدينة، والاستخلاف على ذلك الوجه، واستنفار العرب له، ما قد فرغنا من ذكره فى صدر وقعة البويب من خبر الجسر، حيث ذكره المدائنى، ولعل ذلك الموضع أولى به، فإن يكن كذلك فقد ذكرناه حيث ينبغى، وإن يكن موضعه هذا، فقد نبهنا عليه ليعرف ما وقع من الاختلاف بين المؤلفين فى هذا الشأن بحسب ما تأذى إليهم من جهة النقل، والأمر فى ذلك قريب، والاختلاف فى المنقولات غير مستنكر، والله تعالى أعلم.\rوقد كان أبو بكر الصديق، رضى الله عنه، استعمل سعد بن أبى وقاص على","footnotes":"(١) انظر: فتوح البلدان (ص ٣٠٣- ٣٢٠) ، الكامل فى التاريخ لابن الأثير (٢/ ٣٠٩- ٣٣٨) ، البداية والنهاية لابن كثير (٧/ ٣٧- ٤٧) ، تاريخ ابن خلدون (٣/ ٣١٣- ٣٢١) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084498,"book_id":3509,"shamela_page_id":1061,"part":"2","page_num":432,"sequence_num":1061,"body":"صدقات هوازن بنجد، فأقره عمر عليها، فلما أتاه اجتماع فارس، وقيام يزدجرد فى قول من جعل قيامه بعد وقعة البويب، خلافا لما ذكره المدائنى وآخرون معه، من قيامه قبل ذلك حسب ما قدمناه، كتب عمر إلى المسلمين بما عملوا به قبل انتهاء كتابه إليهم من الوقوف على حدود أرضهم، وأن يستخرجوا كل ذى سلاح وفرس ممن له رأى ونجدة فيضموه إليهم حتى يأتيهم أمره، وكتب إلى عمال العرب على الكور والقبائل، وذلك فى ذى الحجة سنة ثلاث عشرة مخرجه إلى الحج يأمرهم أيضا بانتخاب الناس أولى الخيل والسلاح والنجدة والرأى، ويستعجلهم فى توجيههم إليه، وكتب بمثل ذلك إلى سعد بن أبى وقاص، فجاءه كتاب سعد:\rإنى قد انتخبت لك ألف فارس مرد، كلهم له نجدة ورأى، يحوط حريم قومه، ويمنع زمارهم، إليهم انتهت أحسابهم وآراؤهم، فشأنك بهم.\rفوافق وصول كتاب سعد بهذا مشاورة عمر الناس فى رجل يوجهه إلى العراق، فقالوا: قد وجدته، قال: من؟ قالوا: الأسد عاديا، سعد بن مالك، فانتهى إلى رأيهم، وأرسل إليه، فقدم عليه، فأمّره على حرب العراق وأوصاه، فقال: يا سعد، سعد بنى وهيب، عليك بتقوى الله، فإن الله لا يمحو السيئ بالسيئ، ولكن يمحو السيئ بالحسن، ولا يغرنك أن يقال: صاحب رسول الله ﷺ، وخال رسول الله ﷺ، فإن الله ﷿ ليس بينه وبين أحد سبب إلا طاعته، فالناس شريفهم ووضيعهم فى ذات الله سواء، الله ربهم وهم عباده، يتفاضلون بالعاقبة، ويدركون ما عنده بالطاعة، ألم تسمع لقول الله ﵎: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها [القصص: ٨٤] ، و: مَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ [النمل: ٩٠] ، وقد رأيت رسول الله ﷺ مذ بعثه الله حتى قبض إليه، فالزم ما رأيته عليه، وإنى موجهك إلى أرض فارس، فسر على بركة الله، فقد استعملتك على من مررت به من القبائل ممن سقط إليكم من العرب، فاندبهم إلى الجهاد ورغبهم فيه، وأعلمهم ما أعد الله لأهله، فمن تبعك منهم فأحسن إليه وارفق بهم، واجعل كل قبيلة على منزلها، ومن لم يبلغ أن تستنفره بمن معه من قبيلة، فاجعله مع من أحب، وانزل فيدا حتى يأتيك أمرى.\rوفى رواية أنه قال لما أراد أن يسرحه:\rإنى قد وليتك حرب العراق فاحفظ وصيتى، فإنك تقدم على أمر شديد كريه لا يخلص منه إلا الحق، فعود نفسك ومن معك الخير، واستفتح به، واعلم أن لكل عادة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084499,"book_id":3509,"shamela_page_id":1062,"part":"2","page_num":433,"sequence_num":1062,"body":"عتادا، وعتاد الخير الصبر، فالصبر الصبر تجتمع لك به خشية الله، واعلم أن خشية الله تجتمع لك فى أمرين: فى طاعته واجتناب معصيته، وإنما أطاعه من أطاعه بحب الآخرة وبغض الدنيا، وعصاه من عصاه بحب الدنيا وبغض الآخرة، وللقلوب حقائق ينشئها الله ﷿ إنشاء، منها السر والعلانية، فأما العلانية فأن يكون حامده وذامه فى الحق سواء، وأما السر فيعرف بظهور الحكمة من قبله على لسانه، وبمحبة الناس إليه، فلا تزهد فى التحبب فإن النبيين قد سألوا محبتهم، وإن الله تعالى إذا أحب عبدا حببه إلى خلقه، وإذا أبغض عبدا بغضه إليهم، فاعتبر منزلتك عند الله ﷿ بمنزلتك عند الناس، ممن يسرع معك فى أمرك.\rوذكر المدائنى أن عمر، رضى الله عنه، كتب لسعد مع ما أوصاه به عهدا يقول له فيه:\rأوصيك بتقوى الله والرغبة فيما عنده، فادع الناس إلى الله، فمن أجابك فهو أولى بماله وأهله وولده، وليس لك منه إلا زاد بلاغ إن احتجت، وعظ نفسك وأصحابك ولا تكثر عليهم فيملوا، واجعلهم رفقاء إخوانا، وألن لهم جناحك، وحطهم بنفسك كنفسك، واعلم أن المسلمين فى جوار الله، وأن المسلم أعظم الخلق عند الله حرمة، ولا يطلبنك الله بخفرته فى أحد منهم، واحذر عليهم واحفظ قاصيتهم، وعد مريضهم، وانصف مظلومهم، وخذ لضعيفهم من قويهم، واصلح بينهم، وألزمهم القرآن وخوفهم بالله، وامنعهم من ذكر الجاهلية وما كان فيها، فإنها تورث الضغينة وتذكرهم الذحول، واعلم أن الله قد توكل من هذا الأمر بما لا خلف فيه، فاحذر أن يصرف الله ذلك عنك بذنب ويستبدل بكم غيركم، واحذر من الله ما حذركم من نفسه، فإنك تجد ما قدمت يداك من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا.\rثم سرحه فيمن اجتمع إليه بالمدينة من نفير المسلمين، فخرج سعد بن أبى وقاص من المدينة قاصدا للعراق فى أربعة آلاف، ثلاثة آلاف من أهل اليمن والسراة، وألف من سائر الناس.\rقالوا: وشيعهم عمر، ﵀، من صرار إلى الأعواص، ثم قام فى الناس خطيبا، فقال:\rإن الله تعالى إنما ضرب لكم الأمثال، وصرف لكم القول ليحيى بذلك القلوب، فإن القلوب ميتة فى صدورها حتى يحييها الله تعالى، من علم شيئا فلينتفع به، وإن للعدل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084500,"book_id":3509,"shamela_page_id":1063,"part":"2","page_num":434,"sequence_num":1063,"body":"أمارات وتباشير، فأما الأمارات: فالحياء والسخاء والهين واللين، وأما التباشير: فالرحمة، وقد جعل الله لكل أمر بابا، ويسر لكل باب مفتاحا، فباب العدل الاعتبار ومفتاحه الزهد، والاعتبار ذكر الموت بتذكر الأموات، والاستعداد له بتقديم الأعمال، والزهد أخذ الحق إلى كل أحد له حق، ولا يصانع فى ذلك أحدا، ويكتفى بما يكفيه من الكفاف، فإن لم يكفه الكفاف لم يغنه شىء، إنى بينكم وبين الله، وليس بينى وبين الله أحد، وإن الله ﷿ قد ألزمنى دفع الدعاء عنه، فأنهوا شكاتكم إلينا، فمن لم يستطع فإلى من يبلغناها نأخذ له الحق غير متعتع.\rفسار سعد فى عام غيداق خصيب، حتى نزل فيدا فأقام بها أشهرا، وجعل عمر لا يأتيه أحد من العرب إلا وجهه إليه، ثم كتب إليه أن يرتفع بالناس إلى زرود، فأتاها وأقام بها، وأتاه من حولها من بنى تميم من حنظلة، وأتته سعد والرباب وعمرو، فكان ممن أتاه عطارد ولبيد بن عطارد والزبرقان بن بدر وحنظلة بن ربيعة الأسدى وربعى الرياحى وهلال بن علقمة التميمى والمنذر بن حسان الضبى، فقالت رؤساء حنظلة: يا بنى تميم، قد نزل بكم الناس، وهم قبائل الحجاز واليمن وأهل العالية، وقد لزمكم قراهم، فشاطروهم الرسل، ففعلوا، فمن كان له منحتان قصر إحداهما عليهم، ومن كان له أكثر، فعلى حساب ذلك، فقروهم شتوة بزرود.\rوكان عمر أمد سعدا بعد خروجه، فيما ذكر سيف، عن أشياخه، بألفى يمانى وألفى نجدى مرد من غطفان وسائر الناس، فنزلوا معه زرود فى أول الشتاء، وتفرقوا فيما حولها، وأقام سعد ينتظر اجتماع الناس وأمر عمر، وانتخب من بنى تميم والرباب أربعة آلاف، منهم ألف من الرباب، وانتخب من بنى أسد ثلاثة آلاف، وأمرهم أن ينزلوا على حد أرضهم بين الحزن والبسيطة، فأقاموا هنالك بين سعد بن أبى وقاص وبين المثنى بن حارثة، والمثنى بذى قار، ويقال: بأليس، وقال بعضهم: بشراف، وجرير ومن معه من أخلاط الناس متفرقون فيما بين العذيب إلى خصى، ويقال: غضى.\rوكان المثنى فى ثمانية آلاف من ربيعة، منهم ستة آلاف من بكر بن وائل، وألفان من سائر ربيعة، منهم أربعة آلاف ممن كان المثنى انتخبه بعد فصول خالد عنه إلى الشام، وأربعة آلاف كانوا معه ممن بقى يوم الجسر، وكان معه من أهل اليمن ألفان من بجيلة، وألفان من قضاعة وطيئ ممن انتخب إلى ما كان قبل ذلك، على طيئ عدى بن حاتم، وعلى قضاعة عمرو بن وبرة، وعلى بجيلة جرير بن عبد الله، فبينا الناس كذلك، سعد يرجو أن يقدم عليه المثنى، والمثنى أن يقدم عليه سعد، انتقضت بالمثنى جراحاته","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084501,"book_id":3509,"shamela_page_id":1064,"part":"2","page_num":435,"sequence_num":1064,"body":"التى كان أصيب بها يوم الجسر، فمات ﵀، ولما أحس بالموت استخلف على الناس بشير بن الخصاصية، وكتب إلى سعد:\rكتبت إليك وأنا لا أرانى إلا لما بى، فإن أهلك أو أسلم فإنى أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ﷺ، وأن الجنة مأوى المتقين، وأن النار مثوى الكافرين، ولا أخال العجم إلا سيجمعون على حربك، فهم لاقوك بجمع لم يلقونا بمثله، وقد أرانى الله إن كان قضى بينك وبينهم حربا أن تقاتلهم على أدنى حجر من بلادك، على حد أرضهم، فإن ظفرتم فلكم ما وراءهم، وإن كانت الأخرى، ولا أراها الله المسلمين، كنتم أعلم بسبيلكم وأجرأ على طريقكم وأجرأ على أرضكم، وانحزتم إلى فئتكم إلى أن يرد الله لكم الكرة عليهم.\rوكان مع بشير بن الخصاصية عند ما استخلفه المثنى وجوه أهل العراق، ومع سعد وجوه أهل العراق الذين قدموا على عمر، ﵀، فيهم فرات بن حيان العجلى وعتيبة ابن النهاس، فردهم مع سعد.\rفمن أجل ذلك اختلف الناس فى عدد أهل القادسية، فمن قال: هم أربعة آلاف، فلمخرجهم مع سعد من المدينة، ومن قال: ثمانية آلاف، فلاجتماعهم بزرود، ومن قال:\rتسعة آلاف، فللحاق القيسيين، ومن قال: اثنا عشر ألفا، فلدفوف بنى أسد من فروع الحزن بثلاثة آلاف، وقدم عليه بعد ذاك ناس كثير مع الأشعث بن قيس وغيره.\rقالوا: فجميع من شهد القادسية بضعة وثلاثون ألفا.\rوكتب سعد إلى عمر، ﵀، بموت المثنى، فكتب إليه: أن سر حتى تنزل بشراف، واحذر على من معك من المسلمين، وعليك بالإصلاح ما استطعت.\rفارتحل سعد عن زرود ومعه تميم وقيس واليمن وغيرهم، وفيهم رجالة فحمل بنو تميم ضعفاءهم حتى قدموا شراف فنزلها، فأتاهم بشير بن الخصاصية وجرير ومن كان معه بفروع الحزن، وقدم عليه المعنى بن حارثة، أخو المثنى، وقدمت معه زوج المثنى، سلمى بنت خصفة من بنى تميم اللات بوصيته إلى سعد، وكان قد أوصى بها وأمرهم أن يعجلوها عليه بزرود، فلم يفرغوا لذلك، وشغلهم عنه قابوس بن قابوس بن المنذر إلى أن انقضى ذلك، كما نذكره بعد ذكر مقتل قابوس على ما ذكره المدائنى، فقدم حينئذ المعنى وسلمى على سعد بوصية المثنى ورأيه، فترحم عليه سعد عند ما انتهى ذلك إليه، وأمّر أخاه المعنى على عمله، وأوصى بأهل بيته خيرا، وخطب سلمى فتزوجها وبنى بها،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084502,"book_id":3509,"shamela_page_id":1065,"part":"2","page_num":436,"sequence_num":1065,"body":"وبنى مسجدا بشراف، فقال بعض التميميين يذكر نفيرهم إلى سعد وقراهم له وحملانهم:\rفنفرنا إليهم باحتساب ... لم نعرج ولم نذق تغميضا\rوقريناهم ربيعا من الرسل ... حقينا مثملا وغريضا\rوحملنا رجالهم من زرود ... إذ تعايوا فلم يطيقوا النهوضا\rوكتب سعد إلى عمر حين نزل شراف يخبره بمكانه، فقال: لأرمين فارس وأبناءها بالمهاجرين وأبناء المهاجرين، فوجه ألفا ومائة منهم ممن شهد بدرا نيف وأربعون رجلا وسائرهم ممن شهد بيعة الرضوان إلى الفتح، وحضهم عمر، ﵀، فقال: إن أحب عباد الله إلى الله وأعظمهم عنده منزلة أتقاهم له وأشدهم منه رجلا، فعليكم بتقوى الله والإصلاح ما استطعتم، وما التوفيق إلا بالله، الزموا الطاعة يجمع الله لكم ما تحبون من دينكم ودنياكم، وأوفوا بالعهد لمن عاهدتم، وإياكم والغدر والغلول، فإنه من يغلل يأت بما غل يوم القيامة، ومن غدر أدال الله منه عدوه، ووهن كيده، فافهموا ما توعظون به، واعقلوا على الله أمره، ولا تكونوا كالجفاة الجاهلية.\rوعن سيف «١» : أن عمر، ﵀، قال: والله لأضربن ملوك العجم بملوك العرب، فلم يدع رئيسا، ولا ذا رأى، ولا ذا شرف، ولا ذا سلطة، ولا خطيبا ولا شاعرا إلا رماهم به، فرماهم بوجوه الناس وغررهم.\rوكتب عمر، رضى الله عنه، إلى عبيدة وهو بالشام أن يمد سعدا بمن كان عنده من أهل العراق، وكانوا ستة آلاف، ومن اشتهى أن يلحق بهم، وكتب إلى المغيرة بن شعبة أن يسير إلى سعد من البصرة، وكتب إلى سعد بمثل رأى المثنى الذى أشار به على سعد:\rأما بعد، فسر من شراف نحو فارس بمن معك من المسلمين، وتوكل على الله، واستعن به على أمرك كله، واعلم أنك تقدم على أمة عددهم كثير، وعدتهم فاضلة، وبأسهم شديد، وعلى بلد وإن كان سهلا كؤود لبحوره وفيوضه ودآدئه، فإذا لقيتم القوم أو أحدا منهم فابدؤهم الضرب والشد، وإياكم والمناظرة لجموعهم، ولا يخدعنكم، فإنهم خدعة مكرة، أمركم غير أمرهم، إلا أن تجادوهم، فإذا انتهيت إلى القادسية، والقادسية باب فارس فى الجاهلية، وهى أجمع تلك الأبواب لما تريد ويريدون، وهو منزل رحيب خصيب حصين دونه قناطر وأنهار ممتنعة، فتكون مسالحك على","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٣/ ٤٨٧) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084503,"book_id":3509,"shamela_page_id":1066,"part":"2","page_num":437,"sequence_num":1066,"body":"أنقابها، ويكون الناس بين الحجر والمدر على أقصى حجر من أرض العرب، وأدنى مدرة من أرض العجم، ثم الزم مكانك فلا تبرحه، فإنهم إذا أحسوك أنقضتهم ورموك بجمعهم الذى يأتى على خيلهم ورجلهم وحدهم وجدهم، فإن أنتم صبرتم لعدوكم واحتسبتم بقتالهم، رجوت أن تنصروا عليهم، ثم لا يجمع لكم مثلهم أبدا إلا أن يجتمعوا، وليست معهم قلوبهم، وأن تكن الأخرى كان الحجر فى أدباركم، فانصرفتم من أدنى مدرة من أرضهم إلى أدنى حجر من أرضكم، ثم كنتم عليها أجرأ وبها أعلم، وكانوا عنها أجبن وبها أجهل، حتى يأتيكم الله بالفتح، ويرد لكم الكرة، وليكن منزلك الذى تنزله رحيبا خصيبا، وإذا نزلت منزلا فلا تستأخر عنه، فإن ذلك وهن عليك وجرأة لعدوك، وأذك العيون واتبع الغرض ولا تأمنن قريبا ولا بعيدا، وصف لى منزلك الذى تنزله، وكم بينك وبين أول عدوك وآخره، وكيف مأتاهم، وسم لى المنزل، فإنه ألقى فى روعى أنكم ستفتحون فارس، وأنكم الأعلون.\rوفى رواية أنه كتب إليه باليوم الذى يرتحل فيه من شراف، وأين ينزل بالناس فيما بين عذيب والهجانات، وعذيب والقوادس، وأن يشرف بالناس ويغرب بهم. فارتحل سعد عن شراف يريد أن ينزل منزلا على ما كتب به إليه عمر، فانتهى إلى المغيثة، فأقام وبنى مسجدا بين الفرعاء والمغيثة، وقدم بين يديه زهرة بن عبد الله بن قتادة بن الجوية يرتاد له منزلا، فأقبل زهرة حتى انتهى إلى العذيب، وكتب إلى سعد فأقبل فى أثره، فنزل المسلمون ما بين العذيب إلى القادسية، وهى أحساء، فقال فى ذلك النعمان بن مقرن المزنى، وتروى لغيره:\rنزلنا بأحساء العذيب ولم تكن ... لنا همة إلا اختيار المنازل\rلنحوى أرضا أو نناهب غارة ... يضج لها ما بين بصرى وبابل\rونزل زهرة القادسية بين العتيق والخندق بحيال القنطرة وقديس، وهى يومئذ أسفل منها بميل، وكتب سعد إلى عمر: إنا نزلنا من القادسية والعذيب منزلا خصيبا رحيبا على أقصى حجر من أرضنا وأدنى مدرة من أرض عدونا، فأما عن يسار القادسية فبحر أخضر لاج إلى الحيرة بين طرفين، أما أحدهما فعلى الظهر، وأما الآخر فعلى شاطئ نهر يطلع بمن سلكه على ما بين الخورنق والحيرة، وأما عن يمين القادسية ففيض من فيوض مياههم، وبيننا وبين أدنى عدونا منا خمسة عشر ميلا، ولم يبلغنى من الذى أسندوا إليه أمرهم إلى أن كتبت إليك، ومتى يبلغنى ذلك أكتب به إليك إن شاء الله، ونحن متوكلون على الله راجعون له.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084504,"book_id":3509,"shamela_page_id":1067,"part":"2","page_num":438,"sequence_num":1067,"body":"ولما بلغ أهل فارس اجتماع العرب لهم، وكثرة من انثال على سعد من رؤسائهم ووجوههم، عظم ذلك عليهم، ورعبهم وزادهم نزولهم القادسية رعبا وضيقا، فعج أهل السواد إلى يزدجرد بن شهريار، وأرسلوا إليه: إن العرب قد نزلوا القادسية بأمر ليس يشبه إلا الحرب، وأن فعلهم منذ نزلوها لا يبقى عليه شىء، وقد أخربوا ما بينهم وبين الفرات، فليس هنالك أنيس إلا فى الحصون، وقد ذهبت الدواب وكل شىء لم تحمله الحصون من الأطعمة، ولم يبق إلا أن يستنزلونا، فإن أبطأ عنا الغياث أعطيناهم بأيدنا.\rوكتب إليه بذلك الملوك الذين لهم الضياع بالطّفّ، وأعانوهم عليه.\rولما كثرت الاستغاثة من أهل السواد على يزدجرد، خشعت نفسه واتقى الحرب برستم فأرسل إليه، فدخل عليه، فقال: إنى أريد أن أوجهك فى هذا الوجه، وإنما يعد للأمور على قدرها، وأنت رجل أهل فارس اليوم، وأنت لها، وقد ترى ما جاء أهل فارس من أمر لم يأتهم منذ ولى آل أردشير.\rفأراه رستم أن قد قبل منه وأثنى عليه، فقال له الملك: قد أحببت أن أنظر فيما لديك لأعلم ما عندك، فصف لى العرب وفعلهم، وصف لى العجم وما يلقون منهم، فقال رستم: صفة ذئاب صادفت غرة من رعاء فأفسدت، فقال: ليس كذلك، إنما سألتك رجاء أن تعرف صفتهم فأقويك لتعمل على قدر ذلك فلم تصب، فافهم عنى، إنما مثلهم ومثل أهل فارس كمثل عقاب أوفت على مرقب عند جبل تأوى فى ذراة الطير تبيت فى أوكارها، فإذا أصبحت الطير تجلت، فأبصرت العقاب ترقبها، فخافتها فلم تنهض، وطمعت العقاب، فلم ترم، وجعلت كلما شذ منها طائر انقضت عليه فاختطفتها حتى أفنتها، فلو نهضت بأجمعها نهضة واحدة لنجت، وأشد شىء يكون فى ذلك أن تنجو كلها إلا واحدا، فهذا مثلهم ومثل الأعاجم، فاعمل على قدر ذلك، فإنى أريد أن أوجه إلى هؤلاء القوم جمعا أستأصلهم به.\rفسجد له رستم، وقال: الملك أفضل رأيا، وأيمن أمرا، وأسعد جدا، وإن أذن لى تكلمت.\rقال: قل، قال: هزيمة جيش بعد جيش أمثل وأبقى من هزيمة الجماعة التى ليس بعدها مثلها، فأبى عليه يزدجرد إلا أن يجمع له الناس ويوجهه بهم إلى العرب، فقال له رستم:\rأيها الملك، دعنى فإن العرب لا تزال تهاب العجم ما لم تضربهم بى، ولعل دولة تكون فيكون الله قد كفى، ونكون قد أصبنا المكيدة ورأى الحرب، فإن الرأى فيها والمكيدة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084505,"book_id":3509,"shamela_page_id":1068,"part":"2","page_num":439,"sequence_num":1068,"body":"أنفع من بعض الظفر، فألح يزدجرد وترك الرأى، وكان ضيقا لجوجا، وقال لرستم:\rامض حتى يأتيك أمرى، فخرج حتى ضرب عسكره بساباط ووجه إليه الملك المرازبة والقواد والأساورة واستحثه فى المسير، فأعاد عليه رستم كلامه، وقال: أيها الملك، إن هزيمتى لهم دونها ما بعدها وعليكم دونها ما بعدها، ولقد اضطرنى تضييع الرأى إلى إعظام نفسى وتزكيتها، ولو أجد من ذلك بدا لم أتكلم به، فأنشدك الله فى أهلك ونفسك وملكك، دعنى أقم بعسكرى وأسرج الجالينوس، فإن تكن لنا فذاك، وإلا فأنا على رجل وأبعث غيره، حتى إذا لم نجد بدا ولا حيلة صبرنا لهم، وقد وهناهم وحسرناهم ونحن جامون، موفورون، فأبى إلا أن يسير.\rولما نزل رستم بساباط وجمع أداة الحرب وآلاتها، بعث على مقدمته الجالينوس فى أربعين ألفا، وخرج هو فى ستين ألفا، وساقته فى عشرين ألفا، وعليها الفيرزان، وعلى ميمنته الهرمزان، وعلى الميسرة مهران بن بهرام الرازى، وقال رستم: ليشجع الملك إن فتح الله علينا هؤلاء القوم فهو وجهنا إلى ملكهم فى داره حتى نشغلهم فى أهلهم وبلادهم، إلا أن يقبلوا المسالمة ويرضوا بما كانوا يرضون به.\rوقال سيف عن أشياخه «١» : خرج رستم فى عشرين ومائة ألف كلهم متبوع، فكانوا بأتباعهم أكثر من مائتى ألف، ثم إن رستم رأى رؤيا فكرهها، وأحس لها الشر، وكره لها الخروج ولقاء القوم، واختلف عليه رأيه واضطرب، وسأل الملك أن يمضى الجالينوس، ويقيم حتى ينظر ما يصنعون، وقال: إن غناء الجالينوس كغنائى، وإن كان اسمى أشد عليهم من اسمه، فإن ظفر فهو الذى نريد، وإن تكن الأخرى وجهنا مثله، ودافعنا هؤلاء القوم إلى يوم ما، فإنى لا أزال مرجوا فى أهل فارس ما لم أهزم، ولا أزال مهيبا فى صدور العرب، ولا يزالون يهابون الإقدام ما لم أباشرهم، وإن باشرتهم اجترؤا آخر دهرهم، وانكسر أهل فارس آخر دهرهم.\rقالوا: ولما أبى الملك إلا مسير رستم، كتب رستم إلى أخيه وإلى رؤس بلاده: من رستم بن البندوان إلى مرزبان الباب وسهم أهل فارس، الذى كان يعد لكل عظيمة، فيفض الله به الجموع، ويفتح به الحصون، ومن قبله من عظماء أهل فارس والمرازبة والأساورة، فرموا حصونكم، وأعدوا واستعدوا، فكأنكم بالعرب هذه الأمة الذليلة كانت عندكم الخسيسة المنزلة الضيقة المعيشة قد وردوا بلادكم، وقارعوكم على","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٣/ ٥٠٥) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084506,"book_id":3509,"shamela_page_id":1069,"part":"2","page_num":440,"sequence_num":1069,"body":"أرضكم وأبنائكم، وانتزعوا ما فى أيديكم، وكان من رأيى مدافعتهم ومطاولتهم حتى تعود نجومنا فأبى الملك.\rويقال: إن رستم عند ما أمر يزدجرد بالنهوض إلى ساباط كتب إلى أخيه بنحو الكتاب الأول، وزاد فيه: أن السمكة قد كدرت الماء، وأن النعائم قد حبست، وحسنت الزهرة، واعتدل الميزان، وذهب بهرام، ولا أرى هؤلاء القوم إلا سيظهرون علينا، ويستولون على ما قبلنا، وإن أشد ما رأيت أن الملك قال: لتسيرن إليهم أو لأسيرن إليهم بنفسى، وأنا سائر إليهم.\rوكان الذى جرأ يزدجرد على إرسال رستم غلام جابان منجم كسرى، وكان من أهل فرات بادقلى، فأرسل إليه وقال: ما ترى فى مسير رستم وحرب العرب اليوم؟\rفخافه على الصدق فكذبه، وكان رستم يعلم نحوا من عمله، فثقل عليه مسيره لأجل ذلك، وخف على الملك لما غره منه، وقال الملك للغلام: إنى أحب أن تخبرنى بشىء أراه أطمئن به إلى قولك، فقال الغلام لزرنا الهندى: أخبره، فقال: سلنى، فسأله، فقال: أيها الملك، يقبل طائر فيقع على إيوانك، فيقع منه شىء فى فيه هاهنا، وخط دائرة، فقال الغلام: صدق، والطائر غراب، والذى فى فيه درهم، فيقع منه على هذا المكان.\rوبلغ جابان أن الملك طلبه، فأقبل حتى دخل عليه، فسأله عما قال غلامه، فحسب، فقال: صدق ولم يصب، إنما الطائر عقعق، والذى فى فيه درهم، فيقع منه على هذا المكان، وكذب زرنا، يندر الدرهم من هاهنا فيستقر هاهنا، ودور دائرة أخرى، فما قاموا حتى وقع على الشرفات عقعق، فسقط منه درهم فى الخط الأول، فنزا فسقط فى الخط الآخر، ونافر الهندى جابان حيث خطأه، فأتيا ببقرة نتوج، فقال الهندى: سخلتها غراء سوداء، فقال جابان: كذبت، بل سوداء صبغاء، فنحرت البقرة فاستخرخت سخلتها، فإذا ذنبها أبيض، وهو بين عينيها، فقال جابان: من هاهنا أتى، وشجعاه على إخراج رستم، فأمضاه.\rولما فصل رستم من ساباط، لقيه جابان على القنطرة، فشكا إليه، وقال: ألا ترى ما أرى؟ فقال رستم: أما أنا فأقاد بخشاش وزمام، ولا بد من الانقياد وأمر الجالينوس بالتقدم إلى الحيرة، فمضى نحوها حتى اضطرب عسكره بالنجف، وخرج رستم بعده حيث ينزل بكوثى، وأمر الجالينوس عند ما قدمه أن يصيب له رجلا من العرب من جند سعد، فخرج هو والآزاذمرد، مرزبان الحيرة، فى سرية حتى انتهيا إلى القادسية فأصابا دون قنطرتها","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084507,"book_id":3509,"shamela_page_id":1070,"part":"2","page_num":441,"sequence_num":1070,"body":"رجلا، فاختطفاه، ونفر الناس فأعجزوهم إلا ما أصاب المسلمون فى أخرياتهم، فلما انتهيا إلى النجف سرحا به إلى رستم، وهو بكوثى، فقال له رستم: ما جاء بكم؟ وماذا تطلبون؟ قال: جئنا نطلب موعود الله ﷿، قال: وما موعود الله ﷿؟ قال:\rأرضكم وأبناؤكم ودماؤكم إن أنتم أبيتم أن تسلموا، قال رستم: فإن قتلتم قبل ذلك؟\rقال: فى موعود الله ﷿ من قتل منا قبل ذلك أدخله الله الجنة، وأنجز لمن بقى منا ما قلت لك، فنحن من ذلك على اليقين، فقال له رستم: قد وضعنا إذا فى أيديكم، فقال: ويحك يا رستم، إن أعمالكم وضعتكم فأسلمكم الله بها، فلا يغرنك ما ترى حولك، فإنك لست تحاول الإنس، إنما تحاول القضاء والقدر، فاستشاط، فأمر به فضربت عنقه، ﵀.\rوارتحل رستم من كوثى وكأنه يقاد بزمام، حتى إذا كان ببرس أفسد أصحابه وغصبوا الناس أموالهم ووقعوا على نسائهم، فضج العلوج إلى رستم، وشكوا إليه ما يلقون من أصحابه، فجمع المرازبة والرؤساء فقام فيهم، فقال: يا معشر أهل فارس، والله لقد صدق العربى، والله ما أسلمتنا إلا أعمالنا، والله للعرب فى هؤلاء وهم لهم ولنا حرب أحسن سيرة منكم، إن الله ﷿ إنما كان ينصركم على العدو، ويمكن لكم فى البلاد بالعدل وحسن السيرة، فأما إذ تحولتم عن ذلك، فأظهرتم البغى، وسارعتم فى الفساد، فلا أرى الله ﷿ إلا مغيرا ما بكم، وما أنا بآمن أن ينزع الله سلطانه منكم، فإنه لم يفعل هذا قوم إلا نزع عنهم النصر، وسلط عليهم العدو.\rثم بعث الرجال، فلقطوا بعض الذين شكوا، فضربت أعناقهم، ثم نادى فى الناس بالرحيل، فسار حتى نزل بجبال دير الأعور، ودعا أهل الحيرة وسرادقه إلى جنب الدير، فأوعدهم وهم بهم، وقال: يا أعداء الله، فرحتم بدخول العرب علينا بلادنا، وكنتم عيونا لهم علينا، وأعنتموهم بالأموال فاتقوا بابن بقيلة، وقالوا له: كن أنت الذى تكلمه، فتقدم إليه ابن بقيلة، فقال له: لا تجمع علينا أمرين: العجز عن نصرنا واللائمة لنا فى الدفع عن أنفسنا وبلادنا، أما قولك: أنا فرحنا بمجيئهم، وبأى ذلك من أمرهم نفرح؟\rإنهم يزعمون أنا عبيد لهم، وما هم على ديننا، وأنهم ليشهدون علينا أنا من أهل النار، وأما قولك: أنا كنا لهم عيونا فما احتاجوا إلى العيون، لقد ترك أصحابك لهم البلاد حتى كانت خيولهم تذهب حيث شاءت، وأما إعانتهم بالأموال، فإنا صانعناهم بها إذ لم تمنعونا مخافة أن نسبى ونخرب، وتقتل مقاتلتنا وقد عجز عنهم من لقيهم منكم، فكنا نحن أعجز منهم، ولعمرى لأنتم أحب إلينا منهم، فامنعونا نكن لكم، فإنا نحن بمنزلة علج","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084508,"book_id":3509,"shamela_page_id":1071,"part":"2","page_num":442,"sequence_num":1071,"body":"السواد، عبيد من غلبنا، فقال لهم رستم: صدقكم الرجل. قال الرفيل: ورأى رستم بالدير أن ملكا هبط من السماء حتى دخل عسكر فارس، فأخذ سلاحهم فختم عليها، ثم رفعها، فأصبح كئيبا، وقد أيقن أن ملكهم قد ذهب، ثم ارتحل حتى نزل النجف فعادت عليه الرؤيا، فرأى ذلك الملك ومعه النبى ﷺ وعمر بن الخطاب، رضى الله عنه، فأخذ الملك سلاح أهل فارس فختمه، ثم دفعه إلى النبى ﷺ، فدفعه النبى ﷺ إلى عمر، فأصبح رستم وقد ازداد جزعا، فلما رأى الرفيل ذلك رغبه فى الإسلام فأسلم، وما كان داعيته إليه إلا ذلك.\rوكان رستم قد أرسل إلى قابوس بن المنذر، وقال بعضهم: ابن النعمان بن المنذر:\rاكفنا ما كانت آباؤك تكفينا من العرب، وعقد له على أربعة آلاف وقدمه إلى العذيب، فلما قدم سعد بن أبى وقاص بين يديه زهرة بن الجوية يرتاد له منزلا، قدم زهرة أمامه بكر بن عبد الله الكنانى، وقال بعضهم: عبد الله بن بكير، فانتهى إلى العذيب، ووافاه زهرة هنالك، فطرقوا قابوس بياتا فى حصن العذيب فقتلوه وتفرق أصحابه منهزمين، حتى وصلوا إلى رستم، هكذا ذكر المدائنى.\rوفى كتاب سيف «١» : أن الآزاذمرد بن الأزاذبة هو الذى بعث قابوس إلى القادسية، وقال له: ادع العرب، فأنت على من أجابك، وكن كما كان آباؤك، فلما نزل القادسية كاتب بكر بن وائل بمثل ما كان النعمان يكاتبهم به مقاربة ووعدا، فلما انتهى خبره إلى المعنى بن حارثة أسرى من ذى قار حتى بيته فأنامه ومن معه، ثم رجع، فخرج إلى سعد ابن أبى وقاص بزوجة المثنى ووصيته، وهذا الوجه الذى خرج إليه هو الذى شغله عن تعجيل القدوم على سعد بوصية أخيه، حسب ما ذكرناه قبل.\rوعن كريب بن أبى كرب العكلى، وكان فى المقدمات أيام القادسية، قال: قدمنا سعد من شراف، فنزلنا فى عذيب الهجانات ثم ارتحل، فلما نزل علينا، وذلك فى وجه الصبح، خرج زهرة بن الجوية فى المقدمات، فلما رفع لنا العذيب، وكانت من مسالحهم، استبنا على بروجه ناسا، فما نشاء أن نرى على برج من بروجه رجلا أو بين شرفتين إلا رأيناه، وكنا فى سرعان الخيل، فأمسكنا حتى تلاحق بنا كثف، ونحن نرى أن فيها خيلا، ثم أقدمنا على العذيب، فلما دنونا منه، خرج منه رجل يركض نحو القادسية، فانتهينا إليه، فدخلنا فإذا ليس فيه أحد، وإذا ذلك الرجل هو الذى تراءى لنا على البروج وبين الشرف مكيدة، ثم انطلق بخبرنا، فطلبناه فأعجزنا، وسمع بذلك زهرة","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٣/ ٤٨٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084509,"book_id":3509,"shamela_page_id":1072,"part":"2","page_num":443,"sequence_num":1072,"body":"فلحق فجد له فيه، وكان أهل القادسية يعجبون من شجاعة ذلك الرجل، وعلمه بالحرب، ولم تر عين قط أثبت منه ولا أربط جأشا لولا بعد غايته لم يلحق به زهرة، ووجد المسلمون رماحا ونشابا وأسفاطا من جلود وغيرها، انتفع المسلمون بها.\rولما أمسى زهرة بن الجوية بعث سرية فى جوف الليل، وأمر عليهم بكير بن عبد الله الليثى، وكانوا ثلاثين معروفين بالنجدة والبأس وفيهم الشماخ القيسى الشاعر، وأمرهم بالغارة على الحيرة، فساروا حتى جازوا السيلحين، وقطعوا جسرها يريدون الحيرة، فسمعوا جلبة، فأحجموا عن الإقدام، وأقاموا كمينا حتى يتبينوا، فما زالوا كذلك حتى جازت بهم خيول، تقدم تلك الغوغاء، فتركوها فنفذت لطريق الصين، وإذا هم لم يشعروا بهم، وإنما ينتظرون ذلك العين الذى قتله زهرة، وإذا أخت الآزاذمرد، مرزبان الحيرة، تزف إلى صاحب الصين، وكان من أشراف العجم، وتلك الخيل تبلغها مخافة ما هو دون الذى لقوا، فلما انقطعت الخيل عن الزواف، والمسلمون كمين فى النخل وحاذت بهم الأثقال، حمل بكير على شيراز بن الأزاذبة أخى الآزاذمرد، وهو بين أخته وبين الخيل، فقصم بكير صلبه، وطارت الخيل على وجوهها، وأخذوا الأثقال وابنة الآزاذبة فى ثلاثين امرأة من الدهاقين ومائة امرأة من التوابع، ومعهم ما لا يدرى قيمته، ثم عاج واستاق ذلك كله، فصبح سعدا بعذيب الهجانات بما أفاء الله، ﷿، على المسلمين، فكبروا تكبيرة شديدة. فقال سعد: أقسم بالله لقد كبروا تكبيرة عرفت فيها العز، فقسم ذلك سعد على المسلمين، ونفل من الخمس، وأعطى المجاهدين بقيته، فوقع منهم موقعا، ووضع سعد بالعذيب خيلا تحوط الحريم، وانضم إليها حاطة كل حريم، وأمر عليهم غالب بن عبد الله الليثى، ونزل سعد القادسية، وكتب سعد إلى عمر، ﵀، يعلمه بقتل الآزاذبة على يدى بكير بن عبد الله، وقال فيما كتب به إليه: وأنا مقيم بالقادسية على أمرك، ومنزلنا خصيب الجناب، ونحن ننتصف فيه من عدوان نزل بنا فى الخصب ننال من ذلك أفضل الذى نريد، وهو يوم كتبت لك مباح لنا لا يدفعوننا عنه إلا بالاعتصام بمعاقلهم، ولن يزال عندك منا كتاب بما يحدث إن شاء الله.\rفأقام سعد شهرا، ثم كتب بمثلها إلى عمر، رحمهما الله: نحن وعدونا على ما كتبت إليك، لم يوجهوا إلينا أحدا، ولا أسندوا حربا إلى أحد علمناه، ومتى يبلغنا ذلك نكتب به، فاستنصروا الله لنا، فإنا بمنحاة دنيا عريضة، دونها بأس شديد، وقد تقدم الله إلينا فى الدعاء إليهم، فقال تعالى: سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ [الفتح: ١٦] .\rفكتب إليه عمر: أما بعد، فإن أبا بكر، ﵀، كان رشيدا موفقا، محفوظا معانا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084510,"book_id":3509,"shamela_page_id":1073,"part":"2","page_num":444,"sequence_num":1073,"body":"أكرمه الله وأعانه حتى قبضه إليه راضيا مرضيا عنه، وقد ابتلينا بالذى ولينا مما لا طاقة لنا بحفظه والقيام عليه إلا بتحنن القوى ذى العزة والعظمة، وقد علمت أن فارس ستقبل إليك بمرازبتها وبأسها وعددها، فإياك والمناظرة لجموعهم، والقادسية على ما وصفت لى منزل جامع، والجد الجد على الذى أنت عليه، واكتب إلىّ بجمعهم الذى زحفوا إليك به، ومن رأسهم الذى يسندون إليه أمرهم، وكم بين أدنى عدوك منك وبين ملكهم، واجعلنى من أمرهم على الجلية، فإنك بحمد الله على أمر وليه وناصره، والله ناصر من نصره، وقد توكل لهذا الأمر بما لا خلف له، والله متم أمره، ومن يرد الله به صلاحا يلهمه رشده فيما أعطاه، ويبصره الشكر لنعمته، والعمل بطاعته، والعرفان لأداء حقوقه، ومن يكن بتلك المنزلة يعنه الله على حسن نيته، ويعطه أفضل رغبته، وإنما يستوجب كرامة الله بتمام ننعمته من عصم له دينه، وإنما يصلح الله النية لمن رغب فيما عنده وأذعن لطاعة ربه، وإن منازل عباد الله عنده على نياتهم، فأكثر ذكر الله، وكن منه على الذى رغبك إليه وفيه، فإن فى ذلك رواحا للمستريح ونجاحا تجد فيه غدا نفع ما قدمت، فإنك ممن أرغب له فى الخير ويعنينى أمره للمكان الذى أنت فيه من عدو الإسلام، نسأل الله لنا ولك إيمانا صادقا، وعملا زاكيا.\rفكتب إليه سعد وقد علم بأن رستم هو الذى تعين لحرب العرب وقود جيوش فارس، وأنه قد زحف إلى المسلمين ودنا منهم، إذ كان سعد وجه عيونا إلى الحيرة فرجعوا إليه بالخبر. فكتب به فيما أجاب به عمر، رضى الله عنهما:\rأتانى كتابك بما ذكرت من أبى بكر، رحمة الله عليه، ولم يكن أحد يذكر من أبى بكر شيئا إلا وقد كان أفضل من ذلك، فبوأه الله غرف الجنة، وعرف بيننا وبينه، وإنك عامل من عمال الله، فاستعن بالله وشمر، وليس شىء أهم عندى ولا أنا أكثر ذكرا لما نحب أن نكون عليه من الذى أمرتنا به، والله ولى العون على ذلك، وقد قدم علينا عظيم من عظمائهم يقال له رستم بالخيل والفيول والعدد والعدة والقوة، فيما يرى الناس، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وبيننا وبينه خمسة عشر ميلا، وبينه وبين ابن كسرى بأبيض المدائن نيف على ثلاثين فرسخا، ولنا من عدونا النصف إن شاء الله، ولن يزال منا عندك كتاب يخبرنا إن شاء الله، فاستنصروا الله لنا بالدعاء والتضرع خفية وجهرا، فإن الله يعطى من سعة ويأخذ بقدرة ويفعل ما يشاء.\rوكان عمر، ﵀، قد أمر بموالاة الكتب إليه بكل شىء، فكان سعد يكتب إليه فى كل يوم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084511,"book_id":3509,"shamela_page_id":1074,"part":"2","page_num":445,"sequence_num":1074,"body":"وكتب إليه عمر: أتانى كتابك تذكر مكان عدوك ونزولك حيث نزلت، ومسافة ما بينك وبين ابن كسرى، وأنه من يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام، فأرسل إلى ابن كسرى من يدعوه إلى الإيمان أو إعطاء الجزية أو الحرب، فإن أسلم فله ما لكم وعليه ما عليكم، وإن اختار إعطاء الجزية ولم يسلم فله ما كسب وعليه ما اكتسب وقد حقن دمه وأحرز أرضه، ولا سبيل عليه إلا فى حق عليه، فإن أبى الإسلام وإعطاء الجزية فلا يعظم عندك حربه ولا يكربنك ما يأتيك عنهم، ولا ما يأتوك به، فاستعن بالله واستنصره وتوكل عليه، وإذا لقيت عدوك فقدم أهل البأس والنجدة فى غير إهانة لهم ولا تغرير بهم، وعليكم بالصبر فإنه ينزل النصر، فإذا ظهرت فأكثر القتل فى دبر المشركين، واقتل المقاتلة، واستبق النساء والصبيان، ثم لا تتركن أحدا من العدو وراءك، وإن أعطوك الصلح فلا تصالح إلا على الجلاء، إلا أن تترك فيها من لا كيد له ولا نكاية، وأحط بأمرى، وخذ بعهدى.\rوفى رواية أنه قال له، فيما كتب به إليه: وابعث إليهم رجالا من أهل المنظر والرأى والجلد يدعونهم، فإن الله ﷿ جاعل دعاءهم توهينا لهم، وفلجا عليهم.\rولما انتهى إلى سعد أمر عمر، رضى الله عنه، بالتوجه إلى يزدجرد، جمع نفرا لهم نجار، ولهم آراء، ونفرا لهم منظر وعليهم مهابة.\rفأما الذين لهم نجار ولهم آراء واجتهاد: فالنعمان بن مقرن، وبسر بن أبى رهم، وجبلة بن جوية الكنانى، وحنظلة بن الربيع الأسدى، وفرات بن حيان العجلى، وعدى ابن سهيل، والمغيرة بن زرارة بن النباش بن حبيب.\rوأما الذين لهم منظر لأجسامهم، وعليهم مهابة، ولهم آراء: فعطارد بن حاجب، والأشعث بن قيس، والحارث بن حسان، وعاصم بن عمرو، وعمرو بن معدى كرب، وغيرهم ممن سماه سيف فى كتابه.\rوخالفه المدائنى فى بعضهم، فلم يذكرهم، وذكر معهم ممن لم يذكره سيف: طليحة ابن خويلد، وزهرة بن جوية، ولبيد بن عطارد، وشرحبيل بن السمط.\rقال المدائنى: فأتوا الحيرة، فأرسل إليهم رستم: أين تريدون؟ قالوا: نريد ابن كسرى.\rفأرسل معهم أساورة فجوزوهم إلى المدائن، فوقفوا ببابه.\rوقال سيف: إنهم طووا رستم، حتى انتهوا إلى باب يزدجرد، فوقفوا على خيول","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084512,"book_id":3509,"shamela_page_id":1075,"part":"2","page_num":446,"sequence_num":1075,"body":"عراب معهم جنائب، وكلها صهال، فاستأذنوا فحبسوا، وبعث يزدجرد إلى وزرائه ووجوه أرضه ليستشيرهم فيما يصنع بهم، ويقول لهم، وسمع بهم الناس فحضروهم ينظرون إليهم، وعليهم المقطعات والبرود، وفى أيديهم سياط رقاق، وفى أرجلهم النعال. فلما اجتمع رأيهم أذن لهم فدخلوا عليه.\rقال بعض من حضر هذا اليوم ممن سبى فى القادسية ثم حسن إسلامه: لما كان هذا اليوم الذى قدم فيه وفود العرب على يزدجرد ثاب إليهم الناس ينظرون إليهم، فلم أر عشرة قط يعدلون فى الهيئة بألف غيرهم، وخيلهم تخبط ويوغر بعضها بعضا. وجعل أهل فارس يسؤهم ما يرون من حالهم وحال خيلهم، فلما دخلوا على يزدجرد أمرهم بالجلوس، وكان سيئ الأدب، فكان أول شىء دار بينه وبينهم أن قال لترجمانه: سلهم ما يسمون هذه الأردية؟ فسأل النعمان بن مقرن، وكان على الوفد: ما تسمى رداءك؟ قال:\rالبرد. قال: فتطير لموافقة هذا الاسم اسم شىء متطير به عندهم، وتغيرت ألوان فارس، وشق ذلك عليهم. ثم قال: سلهم عن أحذيتهم، فسأله. فقال: النعال، فتطير، أيضا، لمثل ذلك، ثم سأله عن الذى فى يده، فقال: سوط، والسوط بالفارسية الحريق، فقال:\rأحرقوا فارس أحرقهم الله، وكان تطيره على أهل فارس، ثم قال لترجمانه: سلهم ما جاء بكم، وما دعاكم إلى غزونا والولوغ ببلادنا؟ أمن أجل أنا أجممناكم، وتشاغلنا عنكم، اجترأتم علينا؟ فقال لهم النعمان بن مقرن: إن شئتم أجبت عنكم، ومن شاء آثرته.\rقالوا: بل تكلم، وقالوا للملك: كلام هذا الرجل كلامنا. فتكلم النعمان. فقال إن الله رحمنا فأرسل إلينا رسولا يدلنا على الخير ويأمرنا به، ويعرفنا الشر وينهانا عنه، ووعدنا على إجابته خير الدنيا والآخرة، فلم يدع لذلك قبيلة إلا صاروا فرقتين: فرقة تقاربه، وفرقة تباعده، ولا يدخل معه فى دينه إلا الخواص. فمكث بذلك ما شاء الله أن يمكث، ثم أمر أن ينبذ إلى من خالفه من العرب، ويبدأ بهم ففعل، فدخلوا معه جميعا على وجهين: مكره عليه فاغتبط، وطائع أتاه فازداد، فعرفنا جميعا فضل ما جاءنا به على ما كنا عليه من العداوة والضيق، ثم أمرنا أن نبدأ بمن يلينا من الأمم فندعوهم إلى الإنصاف، فنحن ندعوهم إلى ديننا، وهو دين حسن الحسن وقبح القبيح، فإن أبيتم فأمر من الشر هو أهون ما آخر شر منه الجزاء، فإن أبيتم فالمناجزة، فإن أجبتم إلى ديننا خلفنا فيكم كتاب الله، وأقمناكم عليه، وعلى أن تحكموا بأحكامه، ونرجع عنكم وشأنكم وبلادكم، فإن اتقيتمونا بالجزاء قبلنا منكم ومنعناكم، وإلا قاتلناكم.\rقال: فتكلم يزدجرد، فقال: إنى لا أعلم فى الأرض أمة كانت أشقى ولا أقل عددا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084513,"book_id":3509,"shamela_page_id":1076,"part":"2","page_num":447,"sequence_num":1076,"body":"ولا أسوأ ذات بين منكم، قد كنا نوكل بكم قرى الضواحى فيكفونناكم لا نغزوكم فارس ولا تطمعون أن تقوموا لهم، فإن كان عدد لحق فلا يغرنكم منا، وإن كان الجهد دعاكم فرضنا لكم قوتا وأكرمنا وجوهكم وكسوناكم، وملكنا عليكم ملكا يرفق بكم.\rفأسكت القوم.\rفقام المغيرة بن زرارة النباش الأسدى، فقال: أيها الملك، إن هؤلاء رؤس العرب ووجوههم، وهم أشراف يستحيون من الأشراف، وإنما يكرم الأشراف الأشراف، ويعظم حقوق الأشراف الأشراف، وتفخم الأشراف الأشراف، وليس كل ما أرسلوا به جمعوه لك، ولا كل ما تكلمت به أجابوك عليه، وقد أحسنوا ولا يحسن بمثلهم إلا ذلك، فجاوبنى لأكون الذى أبلغك، ويشهدون على ذلك، أنك قد وصفتنا، فأما ما ذكرت من سوء الحال، فما كان أحد أسوأ حالا منا، وأما جوعنا فلم يكن يشبه الجوع، كنا نأكل الخنافس والجعلان والعقارب والحيات، فنرى ذلك طعاما. وأما المنازل فإنما هى ظهر الأرض، ولا نلبس إلا ما غزلنا من أوبار الإبل وأشعار الغنم، ديننا أن يقتل بعضنا بعضا، ويغير بعضنا على بعض، فإن كان أحدنا ليدفن ابنته وهى حية كراهية أن تأكل من طعامنا، فكانت حالتنا قبل اليوم على ما ذكرت لك، وبعث الله إلينا رجلا معروفا، نعرف نسبه، ونعرف وجهه ومولده، فأرضه خير أرضنا، وحسبه خير أحسابنا، وبيته أعظم بيوتنا، وقبيلته خير قبائلنا، وهو بنفسه كان خيرنا فى الحال التى كان فيها أصدقنا وأجملنا، فدعانا إلى أمر فلم يجبه أحد، أول من ترب له كان الخليفة من بعده، فقال وقلنا، وصدق وكذبنا، وزاد ونقصنا، فلم يقل شيئا إلا كان، فقذف الله فى قلوبنا اتباعه والتصديق له، فصار فيما بيننا وبين رب العالمين، فما قال لنا فهو قول الله، وما أمرنا به فهو أمر الله، فقال لنا: إن ربكم يقول: إنى أنا الله وحدى لا شريك لى، فكنت إذ لم يكن شىء وكل شىء هالك إلا وجهى، وأنا خلقت كل شىء وإلىّ مصير كل شىء، وأن رحمتى أدركتكم فبعثت إليكم هذا الرجل لأدلكم على السبيل التى بها أنجيكم بعد الموت من عذابى، ولأحلكم دارى، دار السلام، فنشهد عليه أنه جاء بالحق من عند الله، وقال: من تابعكم على هذا فله ما لكم وعليه ما عليكم، ومن أبى فاعرضوا عليه الجزية، ثم أمنعوهم مما تمنعون منه أنفسكم، ومن أبى فقاتلوه، فأنا الحكم بينكم. فمن قتل منكم أدخلته الجنة، ومن بقى منكم أعقبته النصر على من ناوأه، فاختر إن شئت الجزية عن يد وأنت صاغر، وإن شئت فالسيف، أو تسلم فتنجو بنفسك. فقال: أتستقبلنى بمثل هذا؟\rفقال: ما استقبلت إلا من كلمنى، ولو كلمنى غيرك لم أستقبلك به. فقال: لولا أن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084514,"book_id":3509,"shamela_page_id":1077,"part":"2","page_num":448,"sequence_num":1077,"body":"الرسل لا تقتل لقتلتكم، لا شىء لكم عندى، وقال: ائتونى بوقر من تراب، واحملوه على أشرف هؤلاء، ثم سوقوه حتى يخرج من أبيات المدائن، ارجعوا إلى صاحبكم وأعلموه أنى مرسل إليهم رستم حتى يدفنه وجنده فى خندق القادسية، ومنكل به وبكم من بعده، ثم أورده بلادكم، حتى أشغلكم فى أنفسكم بأشد مما نالكم من سابور.\rثم قال: من شد فكم؟ فسكت القوم، فقال: عاصم بن عمرو: أراد لنأخذ التراب، أنا أشرفهم، أنا سيد هؤلاء فحملنيه، قال: أكذلك؟ قالوا: نعم، فحمله على عنقه، فخرج به من الإيوان والدار حتى أتى راحلته فحمله عليها، فقال له أصحابه: حملت ترابا؟ قال:\rنعم، الفأل، قد أمكنكم الله من أرضهم، فلم يزل معه حتى قدم به على سعد فأخبره الخبر. فقال سعد: أبشروا، فقد والله أعطانا الله أقاليد ملكهم، وجعل المسلمون يزدادون فى كل يوم قوة، ويزداد عدوهم فى كل يوم وهنا، واشتد على جلساء الملك ما صنع، وما صنع المسلمون من قبول التراب، وراح رستم من ساباط إلى الملك يسأله عما كان من أمره وأمرهم، وكيف رآهم، فقال الملك: ما كنت أرى أن فى العرب مثل رجال رأيتهم دخلوا علىّ، والله ما أنتم بأعقل منهم، ولا أحسن جوابا، وأخبره بكلام متكلمهم، وقال: لقد صدقنى القوم، لقد وعدوا أمرا ليدركنه أو ليموتن عليه، على أنى وجدت أفضلهم أحمقهم، لما ذكروا الجزية أعطيته ترابا يحمله على رأسه فخرج به، ولو شاء اتقى بغيره، وأنا لا أعلم.\rقال: أيها الملك، أخذ التراب أعقلهم، وما أخذه إلا تطيرا، وأبصرها دون أصحابه وخرج رستم من عنده كئيبا غضبان، فبعث فى أثر الوفد، وقال لبعثه: إن أدركتموهم تلافينا أرضنا، وإن أعجزوكم سلبكم الله أرضكم، فرجع إليه من كان وجه أثرهم من الحيرة فأعلمه بفواتهم، فقال: ذهب القوم بأرضكم غير ذى شك، ما كان من شأن ابن الحجامة الملك ذهب القوم بمفاتيح أرضنا، فكان ذلك مما زاد الله به فارس غيظا، وأغار بعد ما خرج الوفد إلى يزدجرد إلى أن جاؤا صيادين قد اصطادوا سمكا، وسار سواد بن مالك التميمى إلى النجاد والفراض إلى جنبها، فاستتاق ثلاثمائة دابة من بين بغل وحمار وثور، فأوقروها سمكا، واستاقوها، فصبحوا بها العسكر، فقسم سعد السمك بين الناس، وقسم الدواب، ونفل الخمس إلا ما رد منه على المجاهدين، وأسهم على السبى، وهذا يوم الحيتان، وكان الآزاذمرد الآزاذبة قد خرج فى الطلب، فعطف عليه سواد وفوارس معه، فقاتلهم على قنظرة السيلحين، حتى عرفوا أن قد نجت الغنيمة، ثم اتبعوها حتى أبلغوها المسلمين، وكانوا إنما يقرمون إلى اللحم، وأما الحنطة والشعير والتمر،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084515,"book_id":3509,"shamela_page_id":1078,"part":"2","page_num":449,"sequence_num":1078,"body":"فكانوا قد اكتسبوا منه ما اكتفوا به لو أقاموا زمانا، فكانت السرايا إنما تسرى للحوم، ويسمون أيامها بها، كيوم الأباقر ويوم الحيتان. وخرج، أيضا، مالك بن ربيعة بن خالد، من تيم الرباب، ومعه المسافر بن النعمان التميمى فى سرية أخرى، فأغاروا على الفيوم فأصابوا إبلا لبنى تغلب والنمر فشلوها ومن فيها، فغدوا بها على سعد، فنحرت الإبل فى الناس، وأخصبوا.\rولما كتب سعد إلى عمر، ﵀، يخبره بأمر ابن كسرى، وإعداده للمصادمة، وأن من كان صالح المسلمين من أهل السواد قد صاروا إلبا عليهم لأهل فارس، قال: وأمر الله بعد ماض، وقضاؤه مسلم إلى ما قدر لنا وعلينا، فنسأل الله خير القضاء، وخير القدر فى عافية. كتب إليه عند ذلك عمر، ﵀:\rقد جاءنى كتابك وفهمته، فأقم مكانك حتى ينغض الله لك عدوك، واعلم أن لها ما بعدها، فإن منحك الله أدبارهم فلا تنزع عنهم حتى تقتحم عليهم المدائن، فإنه خرابها إن شاء الله.\rوجعل عمر يدعو لسعد خاصة، وللمسلمين عامة، ويدعون له معهم.\rوفيما ذكر سيف عن رجاله «١» قالوا: كان بين خروج رستم من المدائن وعسكرته بساباط وزحفه عنها إلى أن لقى سعدا أربعة أشهر، لا يقدم ولا يقاتل، رجاء أن يضجروا بمكانهم، وأن يجهدوا فينصرفوا، وكان يكره القتال مخافة أن يلقى ما لقى من قبله، ويحب المطاولة له لولا أن الملك جعل يستعجله وينهضه ويقدمه حتى أقحمه.\rوكتب عمر، رضى الله عنه، إلى سعد:\rإنه قد ألقى فى روعى أنكم إذا لقيتم العدو وهزمتموهم، فاطرحوا الشك، وآثروا عليه اليقين، فمن لاحن منكم أحدا من العجم بأمان بإشارة أو بلسان ولا يدرى الأعجمى ما كلمتموه به، وكان عندهم أمانا، فأجروا ذلك مجرى الأمان، وآثروا اليقين والنية على الشك، وإياكم والمحك، وعليكم بالوفاء، فإن الخطأ مع الوفاء له بقية، والخطأ بالغدر هلكة، وفيها وهنكم وقوة عدوكم وذهاب ريحكم وإقبال ريحهم، وإياكم أن تكونوا شينا على المسلمين، وسببا لتوهينهم.\rوكتب إليه سعد يستمده، فكتب إليه عمر:","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٣/ ٥٠٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084516,"book_id":3509,"shamela_page_id":1079,"part":"2","page_num":450,"sequence_num":1079,"body":"أتستمدنى وأنت فى عشرة آلاف، ومعك مالك بن عوف وحنظلة بن ربيعة وطليحة ابن خويلد وعمرو بن معدى كرب فى أمثالهم من فرسان العرب، ومن معك من أهل الحسبة والرغبة فى الجهاد، فتوكل على الله واستعنه وناهض عدوك، ولا تهيب الناس، واستفتحوا بحسن النية والحسبة والزهد فى الدنيا والإنصاف، والصبر الصبر، والصدق الصدق، فإن النصر ينزل مع الصبر، والأجر على قدر الحسبة، واحذر على المسلمين، وتحرز من البيات، وأكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله، واندب الناس إلى القتال، ونفل أهل البلاء، ومن قتل قتيلا فنفله سلبه، ونكل على المعصية. واجعل الناس أسباعا، واستعمل على كل سبع رجلا، وقال بعضهم: أعشارا، وقد كتبت إلى المغيرة بن شعبة أن يشخص إليك فى طائفة ممن قبله بالبصرة، وكتبت إلى أبى عبيدة أن يمدك بجمع من الشام، فإذا قدموا عليك فناهض عدوك، وإن رأيت فرصة قبل ذلك فاغتنمها، ولا تؤخر ذلك إن شاء الله، ولا تستوحشن لقلة من معك، ولا تهن لكثرة عدوك، فكثيرا ما ينصر القليل ويخذل الكثير، وقبلك طليحة بن خويلد، وعمرو بن معدى كرب، وحنظلة بن ربيعة، وأوس بن معدان، وابن زيد الخيل، فلا تؤمرن أحدا منهم على أكثر من مائة، وشاور عمرا وطليحة فى الحرب، ولا تولهما جمعا.\rفانتهى سعد، ﵀، إلى كل ما أمره به عمر، رضى الله عنه، من تهيئة الناس أسباعا أو أعشارا، وقدم عليهم المغيرة فى ثمانمائة، ويقال فى ألف وخمسمائة، والمسلمون فى ضيق، فقال المغيرة، ﵀: من آسى إخوانه بطعامه وزاد هو بناقته وجمله، فنحروا لهم وأخرجوا أطعماتهم فأصابوا منها ووقوا، وأشار المغيرة على سعد أن يوجه السرايا فيصيبوا الطعام والعلف، فقبل سعد مشورته، وبث السرايا، فأصابوا من الأطعمة ما كانوا يكتفون به زمانا.\rوقد روى عن الشعبى أن عمر، ﵀، كتب إلى سعد مرتحله من زرود: أن ابعث إلى فرج الهند رجلا ترضاه يكون بحياله، ردآ لك من شىء إن أتاك من تلك التخوم، فبعث إليه المغيرة بن شعبة فى خمسمائة، فكان بحيال الأبلة من أرض العرب، فأتى غضبا، ونزل على جرير، وهو يومئذ هنالك، فلما ننزل سعد بشراف كتب إلى عمر بمنزله ومنزل الناس، فكتب إليه عمر:\rإذا جاءك كتابى هذا فعشر الناس وعرف عليهم، وأمر على أجنادهم، وعبئهم، ومر رؤساء المسلمين أن يشهدوا، وقدرهم وهم شهود، ثم وجههم إلى أصحابهم، وواعدهم القادسية، واضمم إليك المغيرة فى خيله، واكتب إلىّ بالذى يستقر عليه أمرهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084517,"book_id":3509,"shamela_page_id":1080,"part":"2","page_num":451,"sequence_num":1080,"body":"فبعث سعد إلى المغيرة، فانضم إليه وإلى رؤساء القبائل، فأتوه، فقدر الناس، وعبأهم بشراف، فأمر أمراء الأجناد، وعرف العرفاء، على كل عشرة رجلا، كما كانت العرافات أزمان النبى ﷺ، وكذلك كانت إلى أن فرض العطاء، وأمر على الرايات رجالا من أهل النباهة، وأمر على الأعشار رجالا من الناس لهم وسائل فى الإسلام، وولى الحرب رجالا، فولى على مقدماتها ومجنباتها وساقتها ومجرداتها وركبانها وطلائعها، فلم يخرج من شراف إلا عن تعبئة، ولا فصل منها إلا بكتاب عمر وإذنه.\rقالوا فيما ذكر سيف عن رجاله: وبعث عمر، ﵀، الأطبة، وبعث على قضاء الناس عبد الرحمن بن ربيعة الباهلى، وجعل إليه الأقباض وقسمة الفىء، وجعل داعيهم ورائدهم سلمان الفارسى. فكان أمراء التعبئة يلون الأمير والذين يلون أمراء التعبئة أمراء الأعشار، والذين يلون أمراء الأعشار أصحاب الرايات، والذين يلون أصحاب الرايات والقواد رؤساء القبائل، فلما فرغ سعد من تعبئته وأعد لكل شىء من أمره جماعات ورؤساء كتب بذلك إلى عمر، ﵀، ولا خفاء بما بين مقتضى هذا الحديث وبين ما قبله من الاختلاف بالتأخر أو التقدم، والله تعالى أعلم.\rوبعث سعد فى مقامه بالقادسية إلى أسفل الفرات عاصم بن عمرو فسار حتى أتى ميسان، فطلب بقرا وغنما فلم يقدر عليها، وتحصنوا منه فى الأفدان، وأوغلوا فى الآجام، فضرب حتى أصاب رجلا على طف أجمة، فسأله واستدله على البقر والغنم، فحلف له، وقال: ما أعلم، وإذا هو راعى ما فى تلك الأجمة، فصاح منها ثور: كذب والله وها نحن أولاء، فدخل فاستاق الثيران وأتى بها العسكر، فقسم ذلك سعد على الناس، فأخصبوا أياما، وهذا اليوم هو يوم الأباقر.\rوذكر المدائنى أن حنظلة بن الربيع الأسيدى هو صاحب هذه الغارة، وأنه أتى أسفل الفرات فلم يصب مغنما ولم يلق كيدا، فرجع، فلقوا رجلا، فقالوا له: هل تعلم مكان أحد من عدونا بحضرتك؟ قال: لا، قد رغبتموهم فخلوا عن مساكنهم، قالوا: فتعلم مكان طعام، أو شاء، أو بقر؟ قال: لا، وسمعوا خوار ثور من غيضة، فدخلوها، فأصابوا بقرا وغنما.\rقال: وقال الحجاج لرجل من بنى أسد: أشهدت القادسية؟ قال: نعم، قرمنا إلى اللحم فخرجت فى رجال من المسلمين نلتمس اللحم، فأخفقنا، فلما انصرفنا إذا بصوت عن أيماننا: ادخلوا الغيضة فإن فيها غنيمة وأجرا، فدخلنا غيضة قريبا منا فإذا عشرة من","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084518,"book_id":3509,"shamela_page_id":1081,"part":"2","page_num":452,"sequence_num":1081,"body":"الأعاجم، وإذا طعام وبقر وغنم، فقاتلونا عما فى أيديهم، فاستشهد منا رجلان، وقتلنا منهم ثمانية، وأسرنا رجلين فقتلناهما صبرا، وحملنا الطعام، واستقنا الشاء والبقر، فقسم سعد ذلك بين المسلمين، ونفل كل رجل منا قتل رجلا سلبه. فقال الحجاج: هذه بشرى من الله لأوليائه، لا يكون ذلك حتى يكون الجمع برّا تقيا. فكيف كانوا؟ قال: لا تسأل عن صدق قول، ووفاء بالعهد، وأداء للأمانة، وصبر عند البأس، والله أعلم ما يسرون، فأما الظاهر فإنا لم نر قوما قط أزهد فى دنيا ولا أشد لها بغضا، ما اعتد على رجل منهم فى يوم بواحدة من ثلاث: لا بجبن، ولا بغدر، ولا بغلول، أشداء على الكفار، رحماء بينهم، قال الحجاج: هذه صفة الأبرار.\rوكتب عمر إلى سعد، رضى الله عنهما: أخبرنى عن الناس وبلائهم، أتفاضلت القبائل فيه، أو أخرجوا على السواء؟ فكتب إليه: إن القبائل لم تزل إلى أن كتبت إليك متساوية فى كل غارة، ومناهبة فى جميع ما أعدوا، وقسم ما ناهبوا، ولم يفترقوا إلا فى ثلاث، لما نزلنا بلاد القوم وعسكرنا بالقادسية، قرمت العرب إلى طعامهم، وعاموا إلى شرابهم، فانتدب لهم من مضر عاصم بن عمرو، وسواد بن مالك، ومالك بن ربيعة، والمساور بن النعمان، وغالب بن عبد الله، وعبيد الله بن وهب، وعبيد الله بن عمير الأشجعى، وعمرو بن الهذيل الأسدى، وعمرو بن ربيعة، والحارث بن ذى البردين، فألحموا الناس وألبنوهم حتى تفرغوا لحربهم، وانتدب من ربيعة: عبد الله بن عامر بن حجية، وأبجر بن جابر، وخالد بن المعمر، وعائذ بن أبى مرضية، ويزيد بن مسهر، وسمى آخرين، فأنكحوا الناس وأخدموهم بنات فارس، وبنيهم، فرغبوا فى حربهم.\rوانتدب من أهل اليمن: خولى بن عمرو، والحارث بن الحارث، وعمرو بن خوثعة، والقاسم بن عقيل، وخميصة بن النعمان، وسمى غيرهم، فحملوا الناس على خيول وبغال وحمير، ودعوا الخيل العراب.\rوأقام سعد بالمسلمين فى منزله من القادسية، ورستم بالحيرة، وكف رستم عن القتال، وطمع أن يضجر المسلمون بمكانهم، وكف سعد عنهم والمسلمون، وصبروا رجاء أن يصالحوا عن بلادهم ويعطوا الجزية ويسلموا.\rوكان عمرا، ﵀، قد عرف أن القوم سيطاولونهم فلذلك ما عهد إلى سعد والمسلمين أن ينزلوا على حدود أرضهم وأن يطاولوهم أبدا حتى ينقضوهم، فحينئذ نزلوا القادسية وقد وطنوا أنفسهم على الصبر، وأبى الله إلا أن يتم نوره، وإذا أراد الله أمرا أصابه، فأقاموا واطمأنوا، فكانوا يغيرون على السواد، فانتسفوا ما يليهم فحووه، وأعدوا للمطاولة، أو يفتح عليهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084519,"book_id":3509,"shamela_page_id":1082,"part":"2","page_num":453,"sequence_num":1082,"body":"وكان عمر، رضى الله عنه، يمدهم بالأسواق إلى ما يصيبون، فلما رأى ذلك يزدجرد من أمرهم، وعلم أنهم غير منتهين، وأنه إن أقام لم يتركوه، وشكا إليه عظماء أهل فارس من نزولهم القادسية، وإخرابهم البلاد بالغارات، ورستم كاف عنهم، مقيم بإزائهم، أمر رستم بالشخوص لمناجزتهم، ورأى رستم أن ينزل بينهم وبين العتيق، ثم يطاولهم مع المنازلة، ورأى أن ذلك أمثل ما هم عاملون، حتى يصيبوا من الإحجام حاجتهم وتدور لهم سعود.\rوعن سيف «١» عن رجاله، قالوا: وجعلت السرايا تطوف، ورستم بالنجف، والجالينوس بين النجف والسيلحين، وذو الحاجب بين رستم والجالينوس، وقال الناس لسعد: قد ضاق بنا المكان فأقدم، فزجر من كلمه بذلك، وقال: إذا كفيتم الرأى فلا تكلفوا، فإنا لن نقدم إلا على رأى ذوى الرأى، فاسكتوا ما سكتنا عنكم.\rوعن أبى عثمان النهدى «٢» أن سعدا، ﵀، لما نزل رستم النجف بعث الطلائع، وأمرهم أن يصيبوا رجلا ليسأله عن أهل فارس، فأخرج طليحة فى خمسة، وعمرو بن معدى كرب فى خمسة، وذلك صبيحة قدم رستم الجالينوس وذا الحاجب وهم لا يشعرون بفصولهم من النجف، فلم يسيروا إلا فرسخا وبعض آخر حتى رأوا مسالحهم وسرحهم على الصفوف قد ملؤها، فقال بعضهم: ارجعوا إلى أميركم فإنه سرحكم وهو يرى أن القوم بالنجف فأخبروه الخبر، وقال بعضهم: ارجعوا لا ينذر بكم عدوكم. فقال عمر لأصحابه: صدقتم، وقال طليحة لأصحابه: كذبتم، ما بعثتم لتخبروا عن السرح، أو ما بعثتم إلا للخبر، قالوا: فما تريد؟ قال: أريد أن أخالط عسكر القوم أو أهلك، قالوا:\rأنت رجل فى نفسك غرر، ولن تفلح بعد قتل عكاشة بن محصن، فارجع معنا، فأبى.\rوأتى سعد الخبر برحيل فارس، فبعث قيس بن هبيرة، وأمره على مائة، وعليهم أن لقيهم، فانتهى إليهم وقد افترقوا، وفارقهم طليحة، فرجع بهم قيس فأخبروا سعدا بقرب القوم، ومضى طليحة حتى دخل عسكر رستم، وبات فيه يجوسه وينظر ويتوسم.\rفلما أدبر الليل أتى أفضل من توسم فى ناحية العسكر، فإذا فرس لم ير فى خيل القوم مثله، وفسطاط أبيض لم ير مثله، فانتضى سيفه، فقطع مقود الفرس، ثم ضمه إلى مقود فرسه، وحرك فرسه فخرج يعدو به، ونذر به القوم، فتنادوا وركبوا الصعبة والذلول، فخرجوا فى طلبه، فلحقه وقد أصبح فارس من الجند، فلما غشية وبوّأ له الرمح","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٣/ ٥١٠) .\r(٢) انظر: الطبرى (٣/ ٥١٢- ٥١٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084520,"book_id":3509,"shamela_page_id":1083,"part":"2","page_num":454,"sequence_num":1083,"body":"ليطعنه عدل طليحة فرسه، فبدر الفارسى بين يديه، فكر عليه طليحة فقسم ظهره بالرمح، ثم لحق به آخر ففعل به مثل ذلك، ولحق به آخر وقد رأى مصرع صاحبيه، وهما ابنا عمه، فازداد حنقا ففعل معه طليحة كما فعل معهما، ثم كر عليه ودعاه إلى الإسار، فعرف الفارسى، أنه قاتله، فاستأسر، وأمره طليحة أن يركض بين يديه، ففعل، ولحق الناس، فرأوا فارسى الجند قد قتلا وأسر الثالث، وقد شارف طليحة عسكر المسلمين، فأحجموا ونكصوا.\rوأقبل طليحة حتى غشى العسكر، وهم على تعبئة، فأفزع الناس، وجوزوه إلى سعد، فلما انتهى إليه قال: ويحك ما وراءك قال: دخلت عساكرهم وجستها، وقد أخذت أفضلهم توسما، وما أدرى أصبت أو أخطأت وها هو ذا فاستخبره. فأقيم الترجمان بين سعد وبين الفارسى، فقال الفارسى: أتؤمننى على دمى إن صدقتك؟ قال: نعم، والصدق فى الحرب أحب إلينا من الكذب، قال: أخبركم عن صاحبكم هذا قبل أن أخبركم عمن قبلى، باشرت الحرب وغشيتها، وسمعت بالأبطال ولقيتها مذ أنا غلام إلى أن بلغت ما ترى، فلم أر ولم أسمع بمثل هذا، أن رجلا قطع عسكرين لا يجترئ عليهما الأبطال إلى عسكر فيه سبعون ألفا يخدم الرجل منهم الخمسة والعشرة إلى ما هو دون ذلك، فلم يرض أن يخرج كما دخل حتى سلب فارس الجند وهتك أطناب بيته، وطلبناه فأدركه الأول وهو فارس الناس، يعدل بألف فارس، فقتله، ثم أدركه الثانى، وهو نظيره فقتله، ثم أدركته ولا أظننى خلفت بعدى من يعدلنى، وأنا الثائر بالقتيلين، وهما ابنا عمى، فرأيت الموت فاستأسرت ثم أخبره عن أهل فارس، أن الجند عشرون ومائة ألف، وأن الأتباع مثلهم خدام لهم. وأسلم الرجل وسماه سعد مسلما، وعاد إلى طليحة فقال:\rلا والله ما تهزمون ما دمتم على ما أرى من الوفاء والصدق والإصلاح والمواساة، لا حاجة لى فى صحبة فارس، فكان من أهل البلاء يومئذ.\rوعن موسى بن طريف «١» أن سعدا بعث طليحة وعمرو بن معدى كرب، فأمر طليحة بعسكر رستم، وأمر عمرا بعسكر الجالينوس، فخرج فى عدة، وخرج طليحة وحده، فبعث قيس بن هبيرة فى آثارهما، وقال: إن لقيت قتالا فأنت عليهم، فخرج حتى تلقى عمرا، فسأله عن طليحة، فقال: لا علم لى به، فلما انتهيا إلى النجف قال له قيس: ما تريد؟ قال: أن أغير على أدنى عسكرهم، قال: فى هؤلاء قال: نعم، قال: لا أدعك والله وذاك أتعرض المسلمين لما لا يطيقون قال: وما أنت وذاك قال: إنى أمرت","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٣/ ٥١١) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084521,"book_id":3509,"shamela_page_id":1084,"part":"2","page_num":455,"sequence_num":1084,"body":"عليك، ولو لم أكن أميرا لم أدعك. فقال عمرو بعد أن شهد لقيس نفر باستعمال سعد إياه عليه وعلى طليحة: والله يا قيس، إن زمانا تكون علىّ فيه أميرا لزمان سوء؛ لأن أرجع عن دينكم هذا إلى دينى الذى كنت عليه وأقاتل عليه حتى أموت أحب إلىّ أن تؤمر علىّ ثانية، ولئن عاد صاحبك الذى بعثك لمثلها لنفارقنه، قال: ذلك إليك بعد مرتك هذه، فرده، فرجع إلى سعد بالخبر وبأعلاج وأفراس، وشكا كل واحد منهما لصاحبه، أما قيس فشكا عصيان عمرو، وأما عمرو فشكا طاعة قيس، فقال سعد: يا عمرو، الخير وسلامة مائة أحب إلىّ من مصاب مائة تقتل ألفا، أتعمد إلى حلبة فارس فتصادمهم بمائة؟ إن كنت لأراك أعلم بالحرب مما أرى. فقال له عمرو: إن الأمر لكما.\rقلت: وخرج طليحة حتى أتى النجف فدخل عسكر رستم فى ليلة مقمرة، فتوسم فيه، فهتك أطناب بيت رجل عليه واقتاد فرسه، ثم خرج حتى مر بعسكر ذى الحاجب، فهتك على آخر بيته وحل فرسه، ثم خرج حتى أتى الخرار واتبعه هؤلاء، فكان أولهم لحاقا به الجالينوس ثم الحاجبى ثم النخعى، فأصاب الأولين وأسر الآخر، وأتى به سعدا فأخبره، وأسلم فسماه سعد مسلما، ولزم طليحة فكان معه فى تلك المغازى كلها.\rوعن موسى بن طريف، أيضا، قال: قال سعد لقيس بن هبيرة: أخرج يا عاقل، فإنه ليس وراءك من الدنيا شىء تحنو عليه حتى تأتينى بخبر القوم، فخرج، وسرح معه عمرو ابن معدى كرب وطليحة، فلما جاز القنطرة لم يسر إلا يسيرا حتى انتهى إلى خيل عظيمة منهم بحيالها ترد عن عسكرهم، وإذا رستم قد ارتحل من النجف فنزل منزل ذى الحاجب، وارتحل الجالينوس فنزل ذو الحاجب منزله، ونزل الجالينوس بطيزناباذ «١» ، وقدم تلك الخيل، فقال قيس: قاتلوا عدوكم يا معشر المسلمين. فأنشب القتال، وطاردهم ساعة، ثم حمل عليهم، فكانت هزيمتهم، وأصاب منهم اثنى عشر رجلا، وأسر ثلاثة، وأصاب أسلاب، فأتوا سعدا بالغنيمة وأخبروه الخبر، فقال: هذه بشرى إن شاء الله، إذا لقيتم جمعهم الأعظم وحدهم، فلهم أمثالها، ودعا عمرا وطليحة، فقال: كيف رأيتما قيسا؟ فقال طليحة: رأيناه أكيس منا، وقال عمرو: الأمير أعلم بالرجال منا، فقال سعد:\rإن الله أحيا بالإسلام قلوبا كانت ميتة، وأمات به قلوبا كانت حية، وإنى أحذركما أن تؤثرا أمر الجاهلية على أمر الإسلام، فتموت قلوبكما وأنتما حيان، الزموا السمع والطاعة والاعتراف بالحقوق، فما رأى الناس كأقوام أعزهم الله بالإسلام.","footnotes":"(١) طيزناباذ: موضع بين الكوفة والقادسية على حافة الطريق، بينها وبين القادسية ميل. انظر: معجم البلدان (٤/ ٥٤، ٥٥) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084522,"book_id":3509,"shamela_page_id":1085,"part":"2","page_num":456,"sequence_num":1085,"body":"قالوا: ولما انتهى رستم إلى العتيق، وقف عليه بحيال عسكر سعد، ونزل الناس، فما زالوا يتلاحقون وينزلهم فينزلون، حتى أعتموا من كثرتهم.\rوقال المدائنى: مكثوا ليلتهم كلها يتحدرون، ومن غد إلى قريب من نصف النهار بعده تجب منها القلوب.\rوقال قيس بن أبى حازم، وكان شهد القادسية: كان مع رستم ثمانية عشر فيلا، ومع الجالينوس خمسة عشر فيلا.\rوقال غيره: كان فى جملتها فيل سابور الأبيض، وكانت الفيلة تألفه، وكان أعظمها وأقدمها.\rوقال الرفيل: كانت ثلاثة وثلاثون، فى القلب ثمانية عشر، وفى المجنبتين خمسة عشر.\rقال: ولما نزل رستم العتيق وبات به، أصبح غاديا على التصفح والتحرز، فساير العتيق نحو خفان، حتى أتى على مقطع عسكر المسلمين، ثم صعد حتى انتهى إلى القنطرة، فتأمل القوم، حتى أتى على تل يشرف عليهم، فلما وقف على القنطرة أرسل زهرة بن جوية، وكان هناك مسلحة لسعد، فخرج إليه حتى واقفه، فأراده على أن يصالحهم، ويجعل له جعلا على أن ينصرفوا عنه، وجعل يقول إنكم جيراننا وقد كانت طائفة منكم فى سلطاننا، فكنا نحسن جواركم، ونكف الأذى عنكم، ونوليهم المرافق الكثيرة، ونحفظهم فى أهل باديتهم، فنرعيهم مراعينا، ونميرهم من بلادنا ولا نمنعهم التجارة فى شىء من أرضنا، فقد كان لهم فى ذلك معاش، يعرض له بالصلح ولا يصرح، فقال له زهرة: صدقت، قد كان ما تذكر، وليس أمرنا أمر أولئك ولا طلبتنا طلبتهم. إنا لم نأتكم لطلب الدنيا، إنما طلبتنا وهمتنا الآخرة، كما ذكرت، يدين لكم من قدم عليكم منا، ويضرع إليكم يطلب ما فى أيديكم، ثم بعث الله، ﷿، إلينا رسولا، فدعانا إلى دينه فأجبناه، فقال لنبيه ﷺ: إنى قد سلطت هذه الطائفة على من لم يدن بدينى، فأنا منتقم بهم منه، وأجعل لهم الغلبة ما داموا مقرين به وهو دين الحق، لا يرغب عنه أحد إلا ذل، ولا يعتصم به أحد إلا عز.\rقال رستم: وما هو؟ قال: أما عموده الذى لا يصلح منه شىء إلا به، فشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، والإقرار بما جاء به من عند الله تعالى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084523,"book_id":3509,"shamela_page_id":1086,"part":"2","page_num":457,"sequence_num":1086,"body":"قال: ما أحسن هذا وأى شىء أيضا؟.\rقال: وإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله تعالى.\rقال: حسن، وأى شىء أيضا؟.\rقال: والناس بنو آدم وحواء، إخوة لأب وأم.\rفقال: ما أحسن هذا ثم قال له رستم: أرأيت لو أنى رضيت هذا الأمر وأجبتكم إليه ومعى قومى كيف يكون أمركم أترجعون؟.\rقال: إى والله، ثم لا نقرب بلادكم إلا فى تجارة أو حاجة.\rقال: صدقتنى والله، أما أن أهل فارس منذ ولى أردشير لم يدعوا أحدا يخرج من عمله من السفلة، كانوا يقولون إذا خرجوا من أعمالهم: تعدوا طورهم، وعادوا أشرافهم.\rفقال له زهرة: نحن خير الناس للناس، ولا نستطيع أن نكون كما تقولون، نطيع الله فى السفلة، ولا يضرنا من عصى الله فينا.\rفانصرف عنه، ودعا رجال فارس فذاكرهم هذا فحموا منه، وأنفوا، فقال: أبعدكم الله وأسحقكم أخزى الله أجزعنا وأجبننا.\rوعن سيف «١» عن رجاله، قالوا: أرسل سعد إلى المغيرة وبسر بن أبى رهم وعرفجة ابن هرثمة وحذيفة بن محسن وربعى بن عامر وقرفة بن أبى زاهر التيمى الوائلى ومذعور ابن عدى العجلى والمضارب بن يزيد وسعيد بن مرة، وهما من بنى عجل، أيضا، وكان سعيد من دهاة العرب، فقال لهم سعد: إنى مرسلكم إلى هؤلاء، فما عندكم؟.\rقالوا: نتبع ما تأمرنا به، وننتهى إليه، فإذا جاء أمر لم يكن منك فيه شىء نظرنا أمثل ما ينبغى وأنفعه للناس، فكلمناهم به.\rقال سعد: هذا فعل الحزمة، اذهبوا فتهيئوا.\rفقال ربعى بن عامر: إن الأعاجم لهم آراء وأدب، ومتى نأتهم جميعا يرون أنا قد احتفلنا لهم فلا تزدهم على رجل، فمالئوه جميعا على ذلك، فقال: فسرحنى، فسرحه، فخرج ربعى بن عامر ليدخل على رستم عسكره، فاحتبسه الذى على القنطرة، وأرسل","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٣/ ٥١٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084524,"book_id":3509,"shamela_page_id":1087,"part":"2","page_num":458,"sequence_num":1087,"body":"إلى رستم بمجيئه، فاستشار عظماء أهل فارس، فقال: ما ترون؟ أنباهى أم نتهاون؟\rفاجتمع ملؤهم على المباهاة، فأظهروا الزبرج، وبسطوا البسط والنمارق، ولم يتركوا شيئا، ووضعوا لرستم سرير الذهب، وألبس زينته، من الأنماط والوسائد المنسوجة بالذهب. وأقبل ربعى يسير على فرس له زباء قصيرة، معه سيف له مشوف وغمده لفافة ثوب خلق، ورمحه معلوب بقد، معه حجفة من جلود البقر، على وجهها أديم أحمر مثل الرغيف، ومعه فرسه ونبله.\rفلما انتهى إلى أدنى البسط، قيل له: انزل، فحمل فرسه عليها، فلما استوت على البسط نزل عنها وربطها بوسادتين فشقهما، ثم أدخل الحبل فيهما، فلم يستطيعوا أن ينهوه، وإنما أروه التهاون، وعرف ما أرادوا، فأراد استحراجهم، وعليه درع له كأنه أضاة، ويلمقة عباءة بعيره، قد جابها وتدرعها، وشدها على وسطه بسلب، ولأسه أربع ضفائر، قد قمن قياما، كأنهن قرون الوعول، وكان أكثر العرب شعرة. فقالوا له: ضع سلاحك، فقال: إنى لم آتكم فأضع سلاحى بأمركم، أنتم دعوتمونى، فإن أحببتم أن آتيكم كما أريد وإلا رجعت. فأخبروا رستما، فقال: ائذنوا له، هل هو إلا رجل فأقبل يتوكأ على رمحه، وزجه نصل يقارب الخطو، ويزج النمارق والبسط، فما ترك لهم نمرقة ولا بساطا إلا أفسده وتركها متهتكة مخرقة.\rفلما دنا من رستم تعلق به الحرس، وجلس على الأرض، وركز رمحه فى البساط، فقالوا: ما حملك على هذا؟ قال: إنا لا نستحب القعود على زينتكم. فقال له رستم: ما جاء بكم؟ فقال: الله ابتعثنا، وجاء بنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله تعالى، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قبله قبلنا ذلك منه، ورجعنا عنه وتركناه وأرضه يليها دوننا، ومن أبى قاتلناه أبدا، حتى نفضى إلى موعود الله. قال: وما موعود الله؟ قال:\rالجنة لمن مات على قتال من أبى، والظفر لمن بقى. قال رستم: قد سمعنا مقالتكم، فهل لكم أن تؤخروا هذا الأمر حتى ننظر فيه وتنظروا قال: نعم، كم أحب إليك؟ أيوم أم يومان؟ قال: لا، بل حتى نكاتب أهل رأينا ورؤساء قومنا. فقال: إن مما سن لنا رسول الله ﷺ، وعمل به أئمتنا، ألا نمكن الأعداء من بداتنا، ولا نؤجلهم عند الالتقاء أكثر من ثلاث، فنحن مترددون عنكم ثلاثا، فانظر فى أمرك واختر واحدة من ثلاث بعد الأجل، اختر الإسلام وندعك وأرضك، أو الجزاء فنقبل ونكف عنك، وإن كنت عن نصرنا غنيا تركناك منه، وإن كنت إليه محتاجا منعناك، أو المنابذة فى اليوم الرابع، ولسنا نبدؤك فيما","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084525,"book_id":3509,"shamela_page_id":1088,"part":"2","page_num":459,"sequence_num":1088,"body":"بيننا وبين اليوم الرابع إلا أن تبدأنا، أنا كفيل لك بذلك على جميع من ترى. قال:\rأسيدهم أنت؟ قال: لا، ولكن المسلمين فيما بينهم كالجسد بعضهم من بعض، يجير أدناهم على أعلاهم. فخلص رستم برؤساء أهل فارس، فقال: ما ترون؟ هل سمعتم كلاما قط أوضح نصرا ولا أعز من كلام هذا الرجل؟ قالوا: معاذ الله أن تميل إلى شىء من هذا وتدع دينك لهذا الكلب، أما ترى إلى ثيابه فقال: ويحكم لا تنظروا إلى الثياب، ولكن انظروا إلى الرأى والكلام والسيرة، إن العرب تستخف باللباس والمأكل ويصونون الأحساب، ليسوا مثلكم فى اللباس، ولا يرون فيه ما ترون. وأقبلوا إليه يتناولون سلاحه ويزهدونه فيه، فقال لهم: هل لكم أن ترونى فأريكم؟ فأخرج سيفه من خرقة كأنه شعلة نار. ثم رمى ترسا ورموا حجفته، فخرق ترسهم وسلمت حجفته. فقال: يا أهل فارس، إنكم عظمتم الطعام والشراب، وأنا صغرناهما، ثم رجع إلى أن ينظروا إلى الأجل.\rفلما كان الغد بعثوا: أن ابعث إلينا ذلك الرجل، فبعث إليهم سعد حذيفة بن محصن، فأقبل فى نحو ذلك الزى، حتى إذا كان على أدنى البساط، قيل له: أنزل، قال: ذلك لو جئتكم فى حاجتى، فقولوا لملككم: أله حاجة أم لى؟ فإن قال لى فقد كذب، ورجعت عنه، وتركتكم، وإن قال له، لم آته إلا على ما أحب. فقال: دعوه، فجاء حتى وقف عليه ورستم على سريره، فقال له: انزل، قال: لا أفعل، فلما أبى سأله: ما بالك جئت ولم يجئ صاحبنا بالأمس؟ قال: إن أميرنا يحب أن يعدل بيننا فى الشدة والرخاء، فهذه نوبتى. قال: ما جاء بكم؟ قال: الله ﷿ منّ علينا بدينه، وأرانا آياته حتى عرفناه وكنا له منكرين. ثم أمرنا بدعاء الناس إلى واحدة من ثلاث، فأيها أجابوا إليه قبلناه:\rالإسلام وننصرف عنكم، أو الجزاء ونمنعكم إن احتجتم إلى ذلك، أو المنابذة. فقال: أو الموادعة إلى يوم. فقال: نعم، ثلاثا من أمس.\rفلما لم يجد عنده إلا ذلك رده، وأقبل على أصحابه فقال: وليكم ألا ترون ما أرى؟\rجاءنا الأول بالأمس فغلبنا على أرضنا، وحقر ما نعظم، وأقام فرسه على زبرجنا وربطه به، فهو فى يمن الطائر، ذهب بأرضنا وما فيها إليهم، مع فضل عقله. وجاءنا هذا اليوم فوقف علينا، فهو فى يمن الطائر سيقوم على أرضنا دوننا، فراده أصحابه الكلام حتى أغضبوه وأغضبهم.\rفلما كان من الغد أرسل: أبعثوا إلينا رجلا، فبعثوا إليه المغيرة بن شعبة. قالوا: فلما جاء إلى القنطرة يعبرها إلى أهل فارس حبسوه واستأذنوا رستما فى إجازته، فأذن فى ذلك، فأقبل المغيرة والقوم فى زيهم فى الأمس، لم يغيروا شيئا من شارتهم، تقوية","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084526,"book_id":3509,"shamela_page_id":1089,"part":"2","page_num":460,"sequence_num":1089,"body":"لتهاونهم، عليهم التيجان والثياب المنسوجة بالذهب، وبسطهم على غلوة لا يصل إلى صاحبهم حتى يمشى عليها غلوة، وجاء المغيرة وله أربع ضفائر يمشى، حتى جلس معه على سريره وشارته، فوثبوا إليه فنتروه وأنزلوه ومغثوه، فقال: إنه كانت تبلغنا عنكم أحلام، ولا أرى قوما أسفه منكم، إنا معشر العرب سواء، لا يستعبد بعضنا بعضا إلا أن يكون محاربا لصاحبه، فظننت أنكم تواسون قومكم كما نتواسى، وكان أحسن من الذى صنعتم أن تخبرونى أن بعضكم أرباب بعض، وأن هذا الأمر لا يستقيم فيكم فلا نصنعه، ولم آتكم ولكنكم دعوتمونى، زاد المدائنى: وليس ينبغى لكم إذا أرسلتم إلىّ أن تمنعونى من الجلوس حيث أردت، وما أكلمكم إلا وأنا جالس معه، اليوم علمت أنكم مغلوبون، وأن ملكا لا يقوم على هذه السيرة، ولا على هذه العقول.\rفقالت السفلة: صدق والله العربى، وقالت الدهاقين: والله لقد رمى بكلام لا يزال خولنا والضعفاء منا ينزعون إليه، قاتل الله أولينا، ما كان أحمقهم حين يصغرون أمر هذه الأمة فمازحه رستم ليمحو ما صنع به، فقال له: يا عربى، إن الحاشية قد تصنع ما لا يوافق الملك، فيتراخى عنها مخافة أن يكسرها عما ينبغى من ذلك، والأمر على ما تحب من الوفاء وقبول الحق، وليس ما صنعوا بضائرك ولا ناقصك عندنا، فاجلس حيث شئت، فأجلسه معه، ثم قال: ما هذه المغازل التى معك؟، يعنى السهام، قال: ما ضر الجمرة أن لا تكون طويلة ثم راماهم، ثم قال له رستم: تكلم أو أتكلم؟ فقال المغيرة:\rأنت الذى بعثت إلينا، فتكلم، فأقام الترجمان بينهما، وتكلم رستم، فحمد قومه، وعظم الملك والمملكة، وقال: لم نزل متمكنين فى البلاد، ظاهرين على الأعداء، أشرافا فى الأمم، ليس لأحد من الملوك مثل عزنا وشرفنا وسلطاننا، ننصر على الناس ولا ينصرون علينا إلا اليوم أو اليومين أو الشهر أو الشهرين، لأجل الذنوب، فإذا انتقم الله منا فرضى رد إلينا عزنا، ثم إنه لم تكن فى الناس أمة أصغر عندنا أمرا منكم، كنتم أهل قشف ومعيشة سيئة، لا نراكم شيئا ولا نعدكم، وكنتم إذا قحطت أرضكم وأصابتكم السنة استعنتم بناحية أرضنا فنأمر لكم بشىء من التمر والشعير ثم نردكم، وقد علمت أنه لم يحملكم على ما صنعتم إلا ما أصابكم من الجهد فى بلادكم، فأنا آمر لأميركم بكسوة وبغل وألف درهم، وآمر لكل واحد منكم بوقر من تمر وبثوبين، وتنصرفون عنا، فإنى لست أشتهى أن أقتلكم، ولا آسركم.\rفتكلم المغيرة، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن الله سبحانه خالق كل شىء ورازقه، يرفع من يشاء ويضع من يشاء، فمن صنع شيئا فإن الله، تبارك اسمه وتعالى،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084527,"book_id":3509,"shamela_page_id":1090,"part":"2","page_num":461,"sequence_num":1090,"body":"هو يصنعه والذى صنعه. وأما الذى ذكرت به نفسك وأهل بلادك من الظهور على الأعداء والتمكين فى البلاد وعظم السلطان فى الدنيا، فنحن نعرفه ولا ننكره، والله صنعه لكم، ووضعه فيكم، وهو له دونكم، وأما ما ذكرت فينا من سوء الحال، وضيق المعيشة، واختلاف القلوب، فنحن نعرفه، والله ابتلانا بذلك، وصيرنا إليه، والدنيا دول، ولم يزل أهل شدائدها يتوقعون الرخاء حتى يصيروا إليه، وأهل رخائها يتوقعون الشدة حتى تنزل بهم، ويصيروا إليها، ولو كنتم فيما آتاكم الله دوننا أهل شكر، لكان شكركم يقصر عما أوتيتم، ولأسلمكم ضعف الشكر إلى تغير الحال، ولو كنا فيما ابتلينا به أهل كفر، كان عظيم ما تتابع علينا مستجلبا من الله رحمة يرفه بها عنا، ولكن الشأن غير ما تذهبون إليه، إن الله تعالى بعث فينا رسولا، فكذبه مكذبون وصدقه منا آخرون، وأظهر الله دعوته، وأعز دينه على كره ممن كذبه وحاده، حتى دخلوا فى الإسلام طوعا وكرها، فأمرنا أن ندعو من خالفنا إلى ديننا، فمن أباه قاتلناه.\rوذكر نحو ما تقدم من الكلام فى الأحاديث المتقدمة من دعائه إلى الإسلام، وقال له:\rفإن أبيت فكن لنا عبدا تؤدى الجزية عن يد وأنت صاغر، وإلا السيف إن أبيت.\rفنخر رستم عند ذلك نخرة واستشاط غضبا، ثم حلف بالشمس لا يرتفع لكم الضحى غدا حتى أقتلكم أجمعين.\rفانصرف المغيرة، وخلص رستم بأشراف فارس، فقال: أين هؤلاء منكم؟ ما بعد هذا؟ ألم يأتكم الأولان فجسراكم واستخرجاكم، ثم جاءكم هذا فلم يختلفوا، وسلكوا طريقا واحدا، ولزموا أمرا واحدا، هؤلاء والله الرجال، صادقين أو كاذبين، والله لئن كان بلغ من رأيهم وصونهم أمرهم أن لا يختلفوا، ما قوم أبلغ فيما أرادوا منهم، وإن كانوا صادقين ما يقوم لهؤلاء شىء فلجوا وتجلدوا، فقال: والله إنى لأعلم أنكم تصغون إلى ما أقول لكم، وإن هذا منكم رياء، فازدادوا لجاجا.\rوفى بعض الروايات أن مما قال المغيرة لرستم وقد توعد المسلمين بأنهم مقتولون، قال: هو الذى نتمنى، أن المقتول منا صائر فى الجنة، والهارب فى النار، وللباقى الصابر الظفر بحديث صادق ووعد لا خلف له، وقد أصبنا فى بلادكم حبة كأنها قطع الأوتار، فأكلنا منها وأطعمنا أهلينا، فقالوا: لا صبر لنا حتى تنزلونا هذه البلاد.\rقال رستم: أما لنقرننكم فى الجبال.\rقال المغيرة: أما وبنا حياة فلا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084528,"book_id":3509,"shamela_page_id":1091,"part":"2","page_num":462,"sequence_num":1091,"body":"قال رستم: ارجع إلى أصحابك واستعدوا للحرب، فليس بيننا وبينكم صلح، ولنفقأن عينك غدا.\rفقال المغيرة: وأنت ستقتل غدا إن شاء الله، وإن ما قلت لى ليسرنى، لولا أن أجاهدكم بعد اليوم لسرنى أن تذهبا جميعا.\rورجع المغيرة فتعجبوا من قوله. فقال رستم: ما أظن هذا الملك إلا قد انقضى، وأن أجمل بنا ألا يكون هؤلاء أصبر منا، ولقد وعدوا وعدا ليموتن أو ليدركنه، ولقد حذروا وخوفوا من الفرار خوفا لا يأتونه، وقد رأيت ليلتى هذه كأن القوس التى فى السماء خرت، وكأن الحيتان خرجن من البحر، وأن هؤلاء القوم سيظهرون عليكم، فهل لكم أن تقبلوا بعض ما عرضوا عليكم؟ قالوا: لا.\rقال: فأنا رجل منكم، وكتب إلى يزدجرد بما كلمه به المغيرة، فقال شاهين الأزدى:\rلو لم يكن إلا ساسة دوابنا لأخذناهم بهم. فكتب إليه أمره بقتالهم، وقال: إذا لقيتهم فضع الرجال فيما بينى وبينك، على كل ربوة رجلا، فكلما حدث أمر نادى به بعضهم بعضا حتى يفضى الخبر إلىّ.\rوحدث سيف «١» عن رجاله، قالوا: أرسل إليهم سعد بقية ذوى الرأى جميعا، وحبس الثلاثة، فخرجوا حتى أتوه، فقالوا له: إن أميرنا يقول لك: إن الحرب تحفظ الولاة، وإنى أدعوك إلى ما هو خير لنا ولك، وهى العاقبة بأن تقبل منا ما دعاك الله، ﷿، إليه، ونرجع إلى أرضنا، وترجع إلى أرضك وبعضنا من بعض، إلا أن داركم لكم، وأمركم فيكم، وما أصبتم مما وراءكم كان زيادة لكم دوننا، وكنا لكم عونا على أحد إن أرادكم أو قوى عليكم. واتق الله يا رستم، ولا يكونن هلاك قومك على يديك، فإنه ليس بينك وبين أن تغتبط إلا أن تدخل فيه وتطرد به الشيطان عنك.\rفقال رستم: إنى قد كلمت منكم نفرا، ولو أنهم فهموا عنى رجوت أن تكونوا قد فهمتم، وإن الأمثال أوضح من كثير من الكلام، وسأضرب لكم مثلكم. إنكم كنتم أهل جهد فى المعيشة، وقشف فى الهيئة، لا تمتنعون ولا تنتصفون، فلم نسئ جواركم، ولم ندع مواساتكم، تقتحمون المرة بعد المرة، فنميركم ثم نردكم، وتأتوننا أجراء وتجارا فنحسن إليكم، فلما تطعمتم طعامنا، وشربتم شرابنا، وأظلكم ظلنا، وصفتم ذلك لقومكم، ثم دعوتموهم فأتيتمونا بهم، وإنما مثلكم فى ذلك ومثلنا كمثل رجل كان له","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٣/ ٥٢٥- ٥٢٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084529,"book_id":3509,"shamela_page_id":1092,"part":"2","page_num":463,"sequence_num":1092,"body":"كرم، فرأى فيه ثعلبا، فقال: وما ثعلب فانطلق الثعلب، فدعا الثعالب إلى ذلك الكرم، فلما اجتمعت عليه سد عليها صاحب الكرم مدخلها فقتلها، وقد علمت أن الذى حملكم على هذا الحرص والطمع مع الجهد، فارجعوا عنا عامكم هذا، وامتاروا حاجتكم، ولكم العود كلما احتجتم، فإنى لا أشتهى أن أقتلكم، وقد أصاب أناس كثير منكم ما أرادوا من أرضنا، ثم كان مصيرهم القتل والمهرب، ومن سن هذا لكم خير منكم وأقوى، وقد رأيتم أنتم كلما أصابوا شيئا أصيب بعضهم ونجا بعضهم، وخرج مما كان أصاب، ومن أمثالكم فيما تصنعون مثل جرذان ألفت جرة فيها حب، وفى الجرة ثقب، فدخل الأول فأقام فيها، وجعلت الأخر ينقلن منها ويرجعون ويكلمنه فى الرجوع، فيأبى، فانتهى سمن الذى فى الجرة، فاشتاق إلى أهله ليريهم حسن حاله، فضاق عليه الجحر، ولم يطق الخروج، فشكى القلق إلى أصحابه، وسألهم المخرج، فقالوا: ما أنت بخارج منها حتى تعود كما كنت قبل أن تدخل، فكف وجوع نفسه، وبقى فى الجرة، حتى إذا عاد كما كان أتى عليه صاحب الجرة فقتله، فاخرجوا أو ليكونن هذا لكم مثلا.\rوقال لهم، أيضا، فيما قال: لم يخلق الله خلقا أولع من ذباب، ما خلاكم يا معشر العرب، ترون الهلاك ويدليكم فيه الطمع، ومثلكم فى هذا مثل الذباب إذا رأى العسل طار، وقال: من يوصلنى إليه وله درهمان حتى يدخله؟ لا ينهاه أحد إلا عصاه، فإذا دخله غرق ونشب، وقال: من يخرجنى وله أربعة دراهم؟ وضرب للقوم أمثالا غير هذه نحوا منها.\rقالوا: فتكلم القوم، فقالوا: أما ما ذكرت من سوء حالنا فيما مضى، وانتشار أمرنا، فلم نبلغ كنهه يموت الميت منا إلى النار، ويبقى الباقى منا فى بؤس، فبينا نحن فى أسواء ذلك، فبعث الله، ﷿، فينا رسولا من أنفسنا إلى الإنس والجن، رحمة رحم بها من أراد رحمته، ونقمة ينتقم بها ممن رد كرامته، فبدأ بنا قبيلة قبيلة، فلم يكن أحد أشد عليه ولا أشد إنكارا لما جاء به، ولا أجهد على قتله ورد ما جاء به من قومه، ثم الذين يلونهم، حتى طابقناه على ذلك كلنا، فنصبنا له جميعا، وهو وحده فرد ليس معه إلا الله تعالى فأعطى الظفر علينا، فدخل بعضنا طوعا وبعضنا كرها، ثم عرفنا جميعا الحق والصدق لما أتى به من الآيات المعجزة، وكان مما أتى به من عند ربنا، ﷿، جهاد الأدنى فالأدنى، فصرنا فى ذلك فيما بيننا، نرى أن الذى قال لنا ووعدنا لا نخرج عنه ولا ننقص منه، حتى اجتمعت العرب على هذا، وكانوا من الاختلاف فيما لا يطيق","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084530,"book_id":3509,"shamela_page_id":1093,"part":"2","page_num":464,"sequence_num":1093,"body":"الخلائق بالتفهم معه، ثم أتيناكم بأمر ربنا، نجاهد فى سبيله، وننفذ لأمره، ونستنجز موعوده، وندعوكم إلى الإسلام وأحكامه، فإن أجبتمونا تركناكم ورجعنا، وخلفنا فيكم كتاب الله، ﷿، وإن أبيتم لم يحل لنا إلا أن نعاطيكم القتال أو تفتدوا بالجزاء، فإن فعلتم وإلا فإن الله، ﷿، قد أورثنا أرضكم وأبناءكم وأموالكم. فاقبلوا نصيحتنا، فو الله لإسلامكم أحب إلينا من غنائمكم، ولقتالكم بعد أحب إلينا من صلحكم، وأما ما ذكرت من رثاثتنا وقلتنا فإن إرادتنا الطاعة، وقتالنا الصبر وأما ما ضربتم لنا من الأمثال، فإنكم ضربتم للرجال وللأمور الجسام وللجد الهزل، ولكنا سنضرب لكم مثلا، وإن مثلكم مثل رجل غرس أرضا، واختار لها الشجر والحب، وأجرى لها الأنهار، وزينها بالقصور، وأقام فيها فلاحين يسكنون قصورها، ويقومون على جناتها، فخلفه الفلاحون فى القصور بما لا يحب، وفى الجنان بمثل ذلك، فأطال نظرتهم، فلما لم يستحيوا من تلقاء أنفسهم، استعتبهم فكابروه، فدعا إليهم غيرهم، فأخرجهم منها، فإن ذهبوا عنها تخطفهم الناس، وإن أقاموا صاروا خولا لهم يملكونهم ويسومونهم الخسف أبدا، والله لو لم يكن ما نقول لكم حقا، ولم تكن إلا الدنيا، لما كان لنا عما ضربنا به من لذيذ عيشكم، ورأينا من زبرجكم من صبر، ولقارعناكم أو نغلبكم عليه.\rفقال رستم: أتعبرون إلينا أو نعبر إليكم؟ فقالوا: بل اعبروا إلينا، فخرجوا من عنده عشيا، فأرسل سعد إلى الناس أن يقفوا مواقفهم، وأرسل إليهم: شأنكم والعبور، فأرادوا القنطرة، فأرسل إليهم: لا ولا كرامة أما شىء قد غلبناكم عليه فلن نرده عليكم، تكلفوا معبرا غير القناطر، فباتوا يسكرون العتيق حتى الصباح بأمتعتهم.\rوذكر المدائنى أن رستم وجه الجالينوس ليعبر القنطرة، فوقف بحيال زهرة بن جوية، وكان عليها، وقال: ليخرجن إلىّ الموكل بهذا الموضع، فخرج زهرة على فرس كميت أغر ذنوب، معه رمح معلوب، وسيف رث الجفن، فقال له الفارسى: إنك لم توضع هذا الموضع إلا وأنت ركن من أركان أصحابك، وأرى سيفك رث الجفن، قال: إن يكن رث المنظر فإنه حديد الضربة، وقرب إليه الفارسى بالصلح ولم يصرح، ومناه، وقال:\rنحسن جواركم ونرفقكم فى معايشكم. فقال زهرة: إنا لم نأتكم نطلب الدنيا بغير آخرة، إنما أتيناكم ندعوكم إلى ديننا، فإن أبيتموه فدنياكم التى تعرضون علينا لنا إن شاء الله، فقال له الفارسى: فخلوا لنا الطريق فنعبر إليكم فنناجزكم، قال: لا، قال: ولم وأنتم تمنون لقاءنا قال: نكره أن نرد عليكم شيئا قد غلبناكم عليه، فرجع إلى رستم فأخبره، فأعظم ذلك، فانصرف الجالينوس، فجلس رستم يفكر فيما أخبره، وغلبته عيناه فنام","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084531,"book_id":3509,"shamela_page_id":1094,"part":"2","page_num":465,"sequence_num":1094,"body":"فانتبه ويده فى كتف جارية قاعدة بين يدى فراشه، فقال: ما لك؟ قالت: مالت يدك فرفعتها، فقال: أشفقت أن سقطت من فراش ديباج على بساط ديباج؟ فكيف بها غدا إذا انعفرت فى التراب ووطئتها الخيل؟ قالت: وما يضطرك إلى ذلك؟ وقد أعطوك ما لك فيه نصف ونجاة: إما أن تدخل فى دينهم فتكون مثلهم، وإما أن تفتدى منهم بشىء تعطيهم ويبقى لك أمرك، وإما أن تذهب إلى مأمنك من الأرض؟ فقال: إن فى عنقى حبلا أقاد به إلى مصرعى، لا أقدر على الامتناع.\rوبات العاجم ليلتهم يسكرون العتيق بالقصب والتراب والبراذع حتى جعلوه طريقا، واستتم بعد ما ارتفع النهار من الغد.\rقالوا: ورأى رستم من الليل أن ملكا نزل من السماء فأخذ قسى أصحابه فختم عليها، ثم صعد بها إلى السماء، فاستيقظ مهموما حزينا، فدعا خاصته وقصها عليهم، وقال: إن الله، ﷿، ليعظنا، لو أن فارس تركونى أتعظ، أما ترى النصر قد رفع عنا وترى الريح مع عدونا وأنا لا نقوم لهم فى فعل ولا منطق؟.\rيوم أرماث\rولما تم السكر عبروا بأثقالهم حتى نزلوا على ضفة العتيق، ولما عبر أهل فارس أخذوا مصافهم، وجلس رستم على سريره، وضربت عليه طيارة، وعبأ فى القلب ثمانية عشر فيلا، عليها الصناديق والرجال، وفى المجنبتين ثمانية وسبعة عليها الصناديق والرجال، وأقام الجالينوس بينه وبين ميمنته والبيزران بينه وبين ميسرته، وبقيت القنطرة بين خيلين من خيول المسلمين والمشركين.\rوأخذ المسلمون، أيضا، مصافهم، وكانت التعبئة التى تقدم بها سعد قبل انفصاله عن شراف بإذن عمر، رضى الله عنه، أن جعل على المقدمة زهرة بن الجوية، وعلى الميمنة عبد الله بن المعتم، وكان من أصحاب النبى ﷺ، وأحد التسعة الذين قاموا عليه فتممهم طلحة بن عبيد الله عشرة فى العرافة، وعلى الميسرة شرحبيل بن السمط الكندى، وكان شابا قد قاتل أهل الردة على الردة، ووفى الله ﷿، فعرف ذلك له، وعلى الساقة عاصم بن عمرو السعدى، وعلى الطلائع سواد بن مالك التميمى، وعلى المجردة سلمان بن ربيعة الباهلى، وعلى الرجال حمال بن مالك الأسدى، وعلى الركبان عبد الله بن ذى السهمين الخثعمى، فلما تصافوا يومئذ جعل سعد زهرة وعاصما بين عبد الله بن المعتم،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084532,"book_id":3509,"shamela_page_id":1095,"part":"2","page_num":466,"sequence_num":1095,"body":"وبين شرحبيل بن السمط، ووكل صاحب الطلائع بالطرد، وخلط بين الناس فى القلب والمجنبات، ونادى مناديه: ألا إن الحسد لا يحل إلا على الاجتهاد فى أمر الله تعالى يا أيها الناس، فتحاسدوا وتغايروا على الاجتهاد.\rوذكر المدائنى أنه كان على الميمنة يوم القادسية شرحبيل بن السمط، وعلى الميسرة هاشم بن عتبة، وعلى الخيل قيس بن مكشوح، وعلى الرجل المغيرة بن شعبة، فالله تعالى أعلم.\rوكان سعد يومئذ لا يستطيع أن يركب ولا يجلس، كان به عرق النسا ودماميل، وإنما هو على وجهه وفى صدره وسادة، وهو مكب عليها، مشرف على الناس من القصر، يرمى بالرقاع فيها أمره ونهيه إلى خالد بن عرفطة، وهو أسفل منه، وكان الصف إلى جانب القصر، وكان خالد كالخليفة لسعد لو لم يكن سعد شاهدا مشرفا.\rوقيل: بل استخلفه على الناس لأجل شكواه، فاختلف عليه الناس، فقال سعد:\rاحملونى، فأشرفوا به على الناس، فارتقوا به، فأكب مطلعا عليهم، والصف فى أصل حائط قديس، حيث كان سعد يأمر خالدا فيأمر خالد الناس، وكان ممن شغب عليه وجوه من وجوه الناس، فهم بهم سعد وشتمهم، وقال: أما والله لولا أن عدوكم بحضرتكم لجعلكم نكالا لغيركم فحبسهم فى القصر وقيدهم، منهم أبو محجن الثقفى.\rوقال جرير يومئذ: أما أنى بايعت رسول الله ﷺ، على أن أسمع وأطيع لمن ولى الأمر وإن كان عبدا حبشيا.\rوقال سعد: والله لا يعود أحد بعدها يحبس المسلمين عن عدوهم ويساغبهم وهم بإزائهم إلا سننت فيه سنة يؤخذ بها من بعدى.\rوذكر المدائنى أنه أتى رستما رجل من أهل الحيرة ليلا، فقال له: أمير المسلمين وجع، وهو فى قصر العذيب مع العيال، ولو طرقته خيل لقتل لا يشعر به أصحابه، فانتخب رستم خمسمائة فارس، فوجههم، إليه، فترفعوا عن العسكرين وقطعوا الوادى، وأخذوا فى خفض من الأرض، وجاء رجل من العجم إلى المسلمين مستأمنا، فأخبرهم، فانتدب حنظلة بن الربيع الأسيدى فى خمسمائة من تحت الليل، فسار إلى العذيب، وقال لأصحابه: إنه ليطيب نفسى أن عبد الله بن سبرة عند سعد، فانتهى إلى سعد عند طلوع الفجر ولم تصل إليهم الفرس، فأنذروه وأصبحوا فإذا الأساورة متحدرون من ناحية وادى السباع، فتلقاهم عبد الله بن سبرة الواقفى، أحد بنى حرملة بن سعد بن مالك بن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084533,"book_id":3509,"shamela_page_id":1096,"part":"2","page_num":467,"sequence_num":1096,"body":"ضبيعة بن قيس بن ثعلبة، فى سرعان الناس، معه عشرة فوارس وغلام له روى يقال له يزيد، كان أصابه يوم اليرموك، واتبعهم حنظلة فى أصحابه، فقتل عبد الله بن سبرة قبل أن تتام إليه الخيل أسوارين.\rوقال مرة الهمدانى، وكان مع حنظلة: لما دنونا من معتركهم سمعنا صوتا منكرا شديدا، فقال حنظلة: صوت ابن الكندية ورب الكعبة، بعض هنات أبى قيس، فانتهينا إليهم فإذا عبد الله بن سبرة يذمر أصحابه وهو يقول لغلامه: يا يزيد ثكلتك أمك إن فاتك أحد، وقد انكسر رمحه، وهو يضربهم بعمود ما يضرب به رجلا إلا قتله، ولا دابة إلا عقرها، وإن غلامه ليذودهم عليه بالرمح، فلما غشيهم حنظلة وأصحابه انهزموا، فما تشاء أن تجد الخمسة والستة من المسلمين يخفقون أسوارا بأسيافهم إلا وجدته، فقتل منهم ثلاثون، ويقال مائة، وأفلت الآخرون أكثرهم جريح، فرجعوا إلى رستم، فطلب الحيرى ليقتله وظن أنه عين دس له فلم يقدر عليه، وتحول سعد فنزل مع جماعة الناس.\rوفيما حكاه سيف عن رجاله «١» : أن سعدا، ﵀، بعد ما تهدم على الذين اعترضوا على خالد بن عرفطة خطب من يليه يومئذ فحمد الله وأثنى عليه. وقال: إن الله وهو الحق، وقوله الحق، لا شريك له فى الملك، وليس لقوله خلف، قال: وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء: ١٠٥] ، إن هذا ميراثكم وهو موعد ربكم، وقد أباحها لكم منذ ثلاث حجج، وأنتم تطعمون منها وتأكلون، وتقتلون أهلها، وتجبونهم وتسبونهم إلى هذا اليوم، بما نال منه أصحاب الأيام منكم، وقد جاءكم منهم هذا الجمع، وأنتم وجوه العرب، وأعيانهم، وخيار كل قبيلة، وعز من وراءكم، فإن تزهدوا فى الدنيا وترغبوا فى الآخرة يجمع الله لكم الدنيا والآخرة، ولا يقرب ذلك أحدا إلى أجله، وأن تفشلوا وتهنوا وتضعفوا تذهب ريحكم وتوبقوا آخرتكم.\rوكتب سعد إلى أهل الرايات: إنى قد استخلفت عليكم خالد بن عرفطة، وليس يمنعنى أن أكون مكانه إلا وجعى الذى كان يعودنى، وما بى من جبون، وإنى مكب على وجهى وشخصى لكم باد، فاسمعوا له وأطيعوا، فإنه إنما يأمركم بأمرى، ويعمل برأيى. فقرئ على الناس فزادهم خيرا، فانتهوا إلى رأيه، وقبلوا منه، وتحاثوا على السمع والطاعة، وأجمعوا على عذر سعد والرضا بما صنع.","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٣/ ٥٣١، ٥٣٢) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084534,"book_id":3509,"shamela_page_id":1097,"part":"2","page_num":468,"sequence_num":1097,"body":"قالوا: وأرسل سعد للذين انتهى إليهم رأى الناس، والذين انتهت إليهم نجدتهم، وأصناف الفضل منهم إلى الناس، فقال: انطلقوا فقوموا فى الناس بما يحق عليكم وعليهم عند مواطن البأس، فإنكم من العرب بالمكان الذى أنتم به، وأنتم شعراء العرب وخطباؤهم وذوو رأيهم ونجدتهم وسادتهم، فسيروا فيهم، وحرضوهم على القتال.\rفساروا فيهم.\rفقال قيس بن هبيرة: أيها الناس، احمدوا الله على ما هداكم له وأبلاكم يزدكم، واذكروا آلاء الله، وارغبوا إليه فى عادته، فإن الجنة والغنيمة أمامكم، وإنه ليس وراء هذا القصر إلا العراء، والأرض القفر، والظراب الخشن، والفلوات التى لا تقطعها الأدلة.\rوقال غالب بن عبد الله الليثى: أيها الناس، احمدوا الله على ما أبلاكم، وسلوه يزدكم، وادعوه يجبكم، يا معشر معد، ما علتكم اليوم وأنتم فى حصونكم، يعنى الخيل، ومن لا يعصيكم معكم، يعنى السيوف؟ فاذكروا حديث الناس فى غد، فإنه بكم غدا يبدأ، وبمن بعدكم يثنى.\rوقال ابن الهذيل الأسدى: يا معشر معد، اجعلوا حصونكم السيوف، وكروا عليهم كأسود الجم، وتربدوا إليهم تربد النمور، وادرعوا العجاج، وثقوا بالله تعالى وغضوا الأبصار، فإذا كلت السيوف فإنها يؤذن لها فيما لا يؤذن للحديد فيه.\rوقال بسر بن أبى رهم: احمدوا الله، وصدقوا قولكم بفعل، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، انصروا الله ينصركم، ولا يكونن شىء بأهون عليكم من الدنيا، فإنها تأتى من تهاون بها، ولا تميلوا إليها فتهرب منكم.\rوقال عاصم بن عمرو: يا معشر العرب، إنكم أعيان العرب، وقد صمدتم لأعيان العجم، إنما تخاطرون بالجنة، ويخاطرون بالدنيا، فلا يكونن على دنياهم أحوط منكم على آخرتكم. لا تحدثن اليوم أمرا تكونون به شينا على العرب غدا.\rوقال ربيع السعدى: يا معشر العرب، قاتلوا للدين والدنيا، سارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران: ١٣٣] ، فإن عظم الشيطان عليكم الأمر، فاذكروا الأخبار عنكم بالمواسم ما دام للأخبار أهل.\rوتقدم كل واحد من أولئك الذين بعثهم سعد من وجوه الناس بمثل هذا الكلام، وتواثق الناس، وتعاهدوا، واهتاجوا لكل ما ينبغى لهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084535,"book_id":3509,"shamela_page_id":1098,"part":"2","page_num":469,"sequence_num":1098,"body":"وفعل أهل فارس، فيما بينهم، مثل ذلك، وتعاهدوا وتواصوا، واقترنوا بالسلاسل، وكان المقترنون ثلاثين ألفا.\rوقال سعد للناس: الزموا مواقفكم، لا تحركوا شيئا حتى نصلى الظهر، فإذا صليتم الظهر فإنى مكبر تكبيرة فكبروا واستعدوا، واعلموا أن التكبير لم يعطه أحد قبلكم، وإنما أعطيتموه تأييدا، فإذا سمعتم الثانية فكبروا، ولتستتموا عدتكم، فإذا كبرت الثالثة فكبروا، ولينشط فرسانكم الناس ليبرزوا ويطاردوا، فإذا كبرت الرابعة فازحفوا جميعا حتى تخالطوا عدوكم، وقولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.\rويروى أنه لما نادى منادى سعد بالظهر، نادى رستم: أكل عمر كبدى أحرق الله كبده علم هؤلاء حتى علموا.\rوقيل: إن رستم قال نحوا من هذا عند ما نزل بين الحصن والعتيق، وقد أذن مؤذن سعد الغداة، وراى الناس يتخشخشون، فنادى فى أهل فارس: أن اركبوا، فقيل له: ولم؟\rقال: أما ترون إلى عدوكم قد نودى فيهم فتخشخشوا لكم؟ فقال له رجل قد كان رستم بعثه قبل ذلك عينا إلى عسكر المسلمين فانغمس فيهم وعرف حالهم، وانصرف إليه: فأخبره أن ذلك تخشخشهم للصلاة. فقال رستم بالفارسية ما تفسيره: أتانى صوت عند الغداة، وإنما هو عمر الذى يعلم الكلاب العقل، فلما سمع الأذان بالصلاة قال: أكل عمر كبدى.\rقالوا: ولما صلى سعد الظهر أمر غلاما كان عمر، ﵀، ألزمه إياه، وكان من القراء، بقراءة سورة الجهاد، وكان المسلمون كلهم إذ ذاك يتعلمونها، فقرأها على الكتيبة التى تليه، وقرئت فى كل كتيبة، فهشت قلوب الناس وعرفوا السكينة مع قراءتها.\rقال مصعب بن سعد: وكانت قراءتها سنة، يقرأها رسول الله ﷺ، عند الزحف، ويستقرئها، فعمل الناس بذلك.\rقالوا: ولما فرغ القراء، كبر سعد فكبر الذين يلونه، وكبر بعض الناس بتكبير بعض، فتخشخش الناس، ثم ثنى فاستتم الناس، ثم ثلث فبرز أهل النجدات فأنشبوا القتال، وخرج أمثالهم من فارس، فاعتوروا الطعن والضرب، وخرج غالب بن عبد الله الليثى وهو يقول:\rقد علمت واردة المسالح ... ذات البنان واللبان الواضح","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084536,"book_id":3509,"shamela_page_id":1099,"part":"2","page_num":470,"sequence_num":1099,"body":"أنى سمام البطل المشايح ... وفارج الأمر المهم الفادح\rفخرج إليه هرمز، وكان من ملوك الباب، وكان متوجا، فأسره غالب أسرا، فجاء به فأدخل إلى سعد، وانصرف غالب للمطاردة.\rوذكر المدائنى أن رستم أمر هرمز فتقدم فى كتيبة، فشد عليه غالب وزهرة بن جوية، فسبق إليه غالب فى خيل فقتله.\rقالوا: وخرج عاصم بن عمرو وهو يقول:\rقد علمت صفراء بيضاء اللبب ... مثل اللجين يتغشاه الذهب\rأنى أمر إمرار السبب ... مثلى على مثلك يعديه الكثب\rفطارد رجلا من أهل فارس، فهرب منه واتبعه، حتى إذا خالط صفهم والتقى بفارس معه بغل، فترك الفارس البغل، واعتصم بأصحابه فحموه، واستاق عاصم البغل والرحل، حتى آوى إلى الصف، وإذا الفارس خباز الملك، وإذا الذى كان معه لطف الملك:\rالأخبصة والعسل المعقد، فنفل ذلك سعد أهل موقف عاصم، وبعث إليهم ليأكلوه وهم فى موقفهم.\rوجال عمرو بن معدى كرب بين الصفين يحرض الناس، ويقول: إن الرجل من هذه الأعاجم إذا ألقى من فرسه فإنما هو تيس.\rقال قيس بن أبى حازم: فبينا هو كذلك يحرضنا إذ خرج إليه رجل من الأعاجم، فوقف بين الصفين فرماه بنشابة فما أخطأت سية قوسه وهو متنكبها، فالتفت إليه ثم حمل عليه، فاعتنقه، ثم أخذ بمنطقته فاحتمله فوضعه بين يديه، فجاء به حتى إذا دنا منا كسر عنقه، ثم وضع سيفه على حلقه فذبحه، ثم ألقاه. وقال: هكذا فافعلوا بهم. فقلنا:\rمن يستطيع يا أبا ثور أن يصنع كما تصنع؟.\rوقال بعضهم: وأخذ سواريه ومنطقته ويلمق ديباج كانت عليه. ثم كتبت الكتائب من هؤلاء وهؤلاء.\rوذكر المدائنى أن رستم ظاهر يومئذ بين درعين، وقرب له فرس فنزا عليه، ولم يمسه بيده، وقال: اليوم ندق العرب دقا. فقال له رجل: قل إن شاء الله. قال: إن شاء وإن لم يشأ، وقدم كتيبة عليها الدروع والمغافر والأداة الكاملة، فدفعوا إلى جعفى، وهم حديثو عهد بالشرك، فنازلوهم فلم تحك سيوفهم فى جنبهم، فظنوا أن الحديد لا يحك فيهم،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084537,"book_id":3509,"shamela_page_id":1100,"part":"2","page_num":471,"sequence_num":1100,"body":"حتى حمل رجل منهم على أسوار فطعنه فقتله، ونادى: يا آل جعفى، السلاح تنفد فيهم فشأنكم بهم، ونحو هذا قول عمرو بن معدى كرب فى ذلك اليوم، وقد رماه رجل من أهل العجم بنشابة، فوقعت فى كتفه، وعليه درع حصينة، فلم تنفد، وحمل هو على الرجل فعانقه ثم صرعه قفتله، وقال:\rأنا أبو ثور وسيفى ذو النون ... أضربهم ضرب غلام مجنون\rيا زيد إنهم يموتون\rولم يكن عمرو ولا قومه يجهلون أن القوم يموتون، ولكنه الشعر تحسن فيه هذه المآخذ، ويملح بهذه المقاصد.\rومثله قول الآخر:\rالقوم أمثالكم لهم شعر ... فى الرأس لا ينشرون إن قتلوا\rويفوق هذا كله قول الله سبحانه، ولكتابه المثل الأعلى: وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً [النساء: ١٠٤] . وقد بعدنا عما كنا بسبيله، فلنعد إليه.\rقالوا: لما كتبت الكتائب بعد الطراد، وتزاحف الناس، صرفت الأعاجم فيولها نحو المسلمين، فوجهت إلى الوجه الذى فيه بجيلة ثلاثة عشر فيلا، وصفوا على سائر الناس سبعة عشر، ولما حمل أصحاب الفيلة تفرقت الكتائب، وابذعوت الخيل، وكادت بجيلة تؤكل، فرت خيلها نفارا، فأرسل سعد إلى بنى أسد: يا بنى أسد ذببوا على بجيلة ومن لافها من الناس، فخرج طليحة بن خويلد، وحمال بن مالك الأسدى وغالب بن عبد الله والرفيل بن عمرو فى كتائبهم فباشروا الفيلة، حتى عزلها ركبانها، وإن على كل فيل يومئذ عشرين رجلا.\rوقال موسى بن طريف: قام طليحة فى قومه حين استصرخهم سعد، فقال: يا عشيرتاه، إن المنوه باسمه، الموثوق به، أنتم، وإن هذا، يعنى سعدا، لو علم أن أحدا أحق بإغاثة هؤلاء منكم لاستغاثهم، ابدؤهم الشدة، وأقدموا عليهم إقدام الليوث الحربة، فإنما سميتم أسدا لتفعلوا فعلهم، شدوا ولا تصدوا، وكروا ولا تفروا، لله در ربيعة أى فرى يفرون وأى قرن يغنون هل يوصل إلى مواقفهم فأغنوا عن مواقفكم أعانكم الله، شدوا عليهم باسم الله. فقام المعرور بن سويد وشقيق، فشدوا والله عليهم فما زالوا يضربونهم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084538,"book_id":3509,"shamela_page_id":1101,"part":"2","page_num":472,"sequence_num":1101,"body":"ويطعنونهم حتى حبسنا الفيلة عنهم، وخرج إلى طليحة عظيم منهم فبارزه، فما ألبثه طليحة أن قتله.\rقالوا: وقام الأشعث بن قيس، فقال: يا معشر كندة، لله در بنى أسد أى فرى يفرون وأى هذ يهذون عن موقفهم منذ اليوم أغنى كل قوم ما يليهم، وأنتم تنظرون من يكفيكم البأس، أشهد ما أحسنتم أسوة إخوانكم من العرب، وأنهم ليقتلون ويقتلون، وأنتم جثاة على الركب، فوثب إليه منهم عشرة، فقالوا: عثر جدك إنك لتؤبسنا يا هذا، نحن أحسن الناس موقفا! فمن أين خذلنا قومنا العرب وأسأنا أسوتهم؟ فها نحن معك، فنهد ونهدوا، فأزالوا الذين بإزائهم.\rولما رأى أهل فارس ما تلقى من كتيبة بنى أسد رموهم بحدهم؛ وبدر المسلمون الشدة عليهم، وهم ينتظرون التكبيرة الرابعة من سعد، فاجتمعت حلبة فارس، فيهم ذو الحاجب والجالينوس، على بنى أسد ومعهم تلك الفيلة، وقد ثبتوا لهم، وكبر سعد التكبيرة الرابعة، فزحف إليهم المسلمون ورحى الحرب تدور على بنى أسد، وحملت الفيول فى الميمنة والميسرة على الخيول، فكانت الخيول تحجم عنها وتحيد، وألح فرسانهم على الرجل، وجد المقاتلة مع الفيلة، فقال بعض الأسديين: والله لأموتن أو لأطعنن عينى بعض هذه الفيلة، فقصد لأعظمها فيلا فقاتل حتى وصل إليه، وعلى كل فيل قوم يقاتلون، فطعن فى عين ذلك الفيل بسيفه، وضربه سائس الفيل بعمود فهشم وجهه، وأدبر الفيل فخبط من حوله، واشتد القتال عند فيل منها، فقال حبيش الأسدى لبشر بن أبى العوجاء الطائى: أرى القتال قد اشتد عند هذا الفيل، فتبايعنى على الموت فنحمل على حماته فنكشفهم أو نقتل دونه. قال: نعم، فحملا فضرب حبيش رجلا من الفرس من حماة الفيل فقتله، ودنوا من الفيل، فضرب حبيش مشفره فرمى به وضرب الطائى ساقه فبرك الفيل، وانطوت الفرس على بنى أسد، فقتل حبيش.\rوأرسل سعد إلى عاصم بن عمرو، فقال: يا معشر بنى تميم، ألستم أصحاب الإبل والخيل؟ أما عندكم لهذه الفيلة من حيلة، قالوا: بلى والله، ثم نادى عاصم فى رجال من قومه رماة وأخر أهل ثقافة، فقال: يا معشر الرماة، ذبوا ركبان الفيلة عنا، ويا معشر أهل الثقافة، استدبروا الفيلة فقطعوا وضنها، وخرج يحميهم والرحى دائرة على بنى أسد، وقد جالت الميمنة والميسرة غير بعيد، وأقدم أصحاب عاصم على الفيلة، فأخذوا بأذنابها وذباب توابيتها فقطعوا وضنها، فما بقى لهم يومئذ فيل إلا أعرى، وقتل أصحابها، وتقاتل الناس ونفس عن بنى أسد، وردوا عنهم الفرس إلى مواقفهم، فاقتتلوا حتى غربت","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084539,"book_id":3509,"shamela_page_id":1102,"part":"2","page_num":473,"sequence_num":1102,"body":"الشمس. ثم حتى ذهبت هدأة من الليل، ثم رجع هؤلاء وهؤلاء، وأصيب من بنى أسد تلك العشية خمسمائة، وكانوا ردآ للناس، وكان عاصم عادية الناس وحاميتهم، فهذا يوم القادسية الأول، وهو يوم أرماث.\rوقال عاصم بن عمرو التميمى فى ذلك:\rألم يأتيك والأنباء تسرى ... بما لاقيت فى يوم النزال\rولما أن تزايل مقرفوهم ... عصينا القوم بالأسل الطوال\rوعريت الفيول من التوابى ... وعطلت الخيول من الرجال\rولولا ذبنا عمن يلينا ... للج الجمع فى فعل الضلال\rحمينا يوم أرماث حمانا ... وبعض القوم أولى بالحمال\rوقال عمرو بن ساس الأسدى:\rفلا وأبيك لا ينفك فينا ... من السادات حظ ما بقينا\rألسنا المانحين لدى قديس ... جموع الفرس مرداة طحونا\rولسنا مثل من لا طرق فيه ... ولكن غثنا يلفى سمينا\rونحن إذا يريح الليل أمرا ... يهم الناس عصمة من يلينا\rومرقصة منعناها إذا ما ... رأت دون المحافظة التقينا\rنذكرها إذا ولهت بنيها ... ونحميها إذا نحمى بنينا\rإذا افترش النواحى بالنواحى ... وكان القوم فى الأبدان جونا\rإذا ثار الغبار كأن فيه ... إذا اصطفت عجاجته طحينا\rوقد علمت بنو أسد بأنا ... نضارب بالسيوف إذا غشينا\rونحن فوارس الهيجا إذا ما ... رأيت الخيل مسندة عرينا\rوذكر المدائنى خبر هذا اليوم، وقد أورد كثيرا مما أورده، فى تضاعيف الأخبار المتقدمة وفى بعض ما ذكره أن المسلمين هم الذين عبروا إلى الفرس، خلافا لما تقدم ذكره: أنه لما عزم الفريقان على اللقاء أرسل سعد إلى جرير والمغيرة وحنظلة، فقال:\rإنكم قد أصبحتم فى دار قد أذل الله لكم أهلها، فأنتم تطئونهم منذ سنين، وقد أتوكم فى جمع لا أظنهم يريدون أن يزايلوكم حتى يفصل بينكم، ولستم وهم سواء فى دنيا تقاتلون عنها، وقد خلفوا مثلها، فإن فروا فروا إلى مثلها وأنتم تقاتلون عن دينكم، فإن فررتم فررتم عنه إلى فيافى لا خير فيها، وأنتم غرر قومكم، إنكم إن ظهرتم عليهم كان لكم أبناؤهم ونساؤهم، وإن تواكلتم لم يبقوا منكم باقية مخافة أن تعودوا عليهم،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084540,"book_id":3509,"shamela_page_id":1103,"part":"2","page_num":474,"sequence_num":1103,"body":"والأرض من وراءكم قفر بسابس، ليس لكم فيها معقل ولا ملجأ، فاتقوا الله واصبروا، وحضوا المسلمين وواسوهم وتنجزوا موعود الله، فإنه قال: وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء: ١٠٥] ، وقد وليت الحرب خالد بن عرفطة، فالزموا السمع والطاعة، ولا تهنوا ولا تفشلوا فتذهب ريحكم، فخرجوا من عند سعد وقد استعد المشركون لقتالهم، وهم وقوف يهابون العبور والإقدام، فأرسل سعد إلى الناس: لا تعبروا حتى آذن لكم، وقد أخذ الناس العدة للقتال، فوقفوا ينتظرون الإذن من سعد، وحض رؤساء القبائل عشائرهم، فلما طال وقوفهم ولم يأتهم إذن سعد، قال جرير بن عبد الله: أيها الناس، ما تنتظرون، أما تريدون أن تقاتلوهم إن لم يقاتلوكم، وعبر النهر فى بجيلة، فقال قيس بن مكشوح: يا معشر مذحج، قد تقدمكم إخوانكم فسابقوهم، فو الله لا يسبق أحد اليوم إلا أعطاه الله غدا على قدر سبقه فى الدنيا، وعبر قيس، وعبر بعده عمرو بن معدى كرب، وقال زهرة بن جوية: يا بنى تميم، ما تنتظرون وقد مضى إخوانكم، وعبروا، واتبع الناس بعضهم بعضا. فقال سعد: اللهم إنهم عبروا ولم يستأمرونى فاقض لهم بالنصر، فصف المسلمون، على ميمنتهم شرحبيل بن السمط، وعلى ميسرتهم هاشم بن عتبة، وعلى الخيل قيس بن مكشوح، وعلى الرجالة المغيرة بن شعبة، والمسلمون عشرة آلاف، ويقال ما بين السبعة الآف إلى الثمانية، عامة جثهم براذع الرحال، قد عرضوا فيها الجريد يتسترون بها، وعلى رؤسهم أنساع الرجال، يطوى الرجل نسعة رحله على رأسه، والمشركون ستون ألفا، وقيل أكثر.\rوظاهر رستم بين درعين، وقدم كتيبة عليهم الدروع والمغافر والأداة الكاملة، فدفعوا إلى جعفى، وقد تقدم خبرهم، وأخرج رستم بعد ذلك كتيبة فيها الجالينوس، فتقدم وقد اعتصب بعصابة ديباج، معه ترس مذهب، فتلقاه طليحة، واختلفا ضربتين، فوقعت ضربة الجالينوس فى جحفة طليحة، ووقع سيف طليحة فى رأس الجالينوس، فهشم البيضة وندرت عن رأسه وقد جرحه، فولوا منهزمين إلى رستم، فعظموا أمر العرب ليعذرهم، وأخذ طليحة البيضة فنفلها، فكانت قيمتها أربعمائة مثقال، وأقبل قيس بن مكشوح، يومئذ، فوقف على المغيرة فقال: ما رأيت كاليوم عديدا ولا حديدا، فقال المغيرة: إن هذا زبد من زبد الشيطان، والله جاعل بعضه على بعض، وحض المغيرة الناس وقال: إن الكلام عند القتال فشل، فالزموا الصمت، ولا يزولن أحد منكم عن مركزه، فإذا حركت رايتى فاحملوا، فقال له رجل: ما تنتظر؟ قال: اجلس، فقال رجل من بنى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084541,"book_id":3509,"shamela_page_id":1104,"part":"2","page_num":475,"sequence_num":1104,"body":"مجاشع: الله أكبر، إنى لأرى الأرض من خلل صفهم، فكبروا واحملوا، فقال له المغيرة:\rاجلس، وأقبل المغيرة على قيس بن مكشوح فقال: احمل يا قيس فإنى حامل، ونكبنى خيلك، لا أعرفنك إذا غلبت رجالى فيهم إن تجاوزها خيلك، فإذا عضك السلاح رددتها على أعقابها فى وجوه رجالى، فيكون أشد عليهم من عدوهم، وهز المغيرة رايته، وحمل، واتبعه قيس، فما وصلوا كتيبته حتى رجع فيهم طعنتين، فقال طليحة: يا بنى أسد، ما تستحيون، الناس يقاتلون وأنتم وقوف، فحمل فقالت امرأة من بنى أسد لبنيها وهم أربعة: يا بنى، والله ما نبت بكم دار ولا أفحمتكم سنة، ولقد أسلمتم طائعين، وهاجرتم راغبين، وجئتم بأمكم عجوزا كبيرة فوضعتموها بين يديى أهل فارس، فقاتلوا عن دينكم وأمكم، فو الله إنكم لبنو رجل واحد، كما أنكم بنو امرأة واحدة، فاشهدوا أشد القتال، فحملوا، فقالت: اللهم احفظ فىّ بنى.\rوروى الشعبى أن هذه المرأة كانت من النخع، وذكر حديثها بنحو ما تقدم إلى قولها: كما أنكم بنو امرأة واحدة، وزاد هاهنا: ما خنت أباكم، ولا فضحت خالكم، انطلقوا فاشهدوا أول القتال وآخره، فأقبلوا يشتدون، فلما غابوا عنها رفعت يديها إلى السماء وهى تقول: اللهم ادفع عن بنى، فرجعوا إليها وقد أحسنوا القتال، فما كلم رجل منهم كلما.\rقال الشعبى: فرأيتهم بعد ذلك يأخذون ألفين ألفين من العطاء، فيأتون أمهم فيلقونه فى حجرها، فترده عليهم، وتقسمه فيهم على ما يصلحهم.\rوقد ذكر الزبير بن بكار نحو هذا عن الخنساء بنت عمرو بن الشريد السلمية فى بنين لها أربعة شهدت معهم حرب القادسية، فقالت لهم من أول الليل: يا بنى، إنكم أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين، وذكرت من صونها لنسبهم نحو ما ذكر قبل، ثم قالت لهم:\rوقد تعلمون ما أعد الله للمسلمين من الثواب الجزيل فى حرب الكافرين، واعلموا أن الدار الباقية خير من الدار الفانية، فإذا أصبحتم غدا إن شاء الله سالمين فاغدوا إلى قتال عدوكم مستبصرين، وبالله على أعدائه مستنصرين، فإذا رأيتم الحرب قد شمرت عن ساقها واضطرمت لظاها على سباقها وجللت نارا على أرواقها، فتيمموا وطيسها، وجالدوا رئيسها عند احتدام حميسها «١» ، تظفروا بالغنم والكرامة فى دار الخلد والمقامة، فخرج بنوها قابلين لنصحها، فلما أضاء لهم الصبح باكروا مراكزهم، وأنشأ أولهم يقول:","footnotes":"(١) الحميس: أى التنور.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084542,"book_id":3509,"shamela_page_id":1105,"part":"2","page_num":476,"sequence_num":1105,"body":"يا إخوتى إن العجوز الناصحه ... قد نصحتنا إذ دعتنا البارحه\rمقالة ذات بيان واضحه ... فباكروا الحرب الضروس الكالحه\rوإنما تلقون عند الصالحه ... من آل ساسان كلابا نابحه\rقد أيقنوا منكم بوقع الجائحه ... وأنتم بين حياة صالحه\rأو موتة تورث غنما رابحه\rوتقدم فقاتل حتى قتل، ﵀، ثم حمل الثانى وهو يقول:\rإن العجوز ذات حزم وجلد ... والنظر الأوفق والرأى السدد\rقد أمرتنا بالسداد والرشد ... نصيحة منها وبرا بالولد\rفباكروا الحرب حماة فى العدد ... إما لفوز بارد على الكبد\rأو ميتة تورثكم عز الأبد ... فى جنة الفردوس والعيش الرغد\rفقاتل حتى استشهد، ﵀، ثم حمل الثالث وهو يقول:\rوالله لا نعصى العجوز حرفا ... قد أمرتنا حدبا وعطفا\rنصحا وبرا صادقا ولطفا ... فبادروا الحرب الضروس زحفا\rحتى تلفوا آل كسرى لفّا ... وتكشفوهم عن حمالكم كشفا\rفقاتل حتى استشهد، ﵀، وحمل الرابع وهو يقول:\rلست لخنساء ولا لاخزم ... ولا لعمر وذى السناء الأقدم\rإن لم أرد فى الجيش جيش العجم ... ماض على الهول خضم خضرم\rإما لفوز عاجل ومغنم ... أو لوفاة فى السبيل الأكرم\rفقاتل حتى قتل، رحمة الله عليه وعلى إخوته، فبلغ الخبر أمهم، فقالت: الحمد لله الذى شرفنى بقتلهم، وأرجو من ربى أن يجمعنى بهم فى مستقر رحمته، فكان عمر، رضى الله عنه، يعطى الخنساء بعد ذلك أرزاق أولادها الأربعة، لكل واحد مائتى درهم، حتى قبض، ﵀.\rفهذا ما ذكره الزبير بن بكار، والذى قبله ذكره المدائنى، رحمهما الله، ولعل الخبرين صحيحان، والله أعلم أى ذلك كان. ثم ذكر المدائنى، بعد، من حسن بلاء بنى أسد وانطواء الفرس عليهم فى مجال الفيلة ما قد ذكرناه قبل فى موضعه.\rوذكر، أيضا، أن الأشعث بن قيس قال عند ما اشتد قتالهم: لله در بنى أسد، أى فرى يفرون، وأنتم تنظرون، يا معشر كندة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084543,"book_id":3509,"shamela_page_id":1106,"part":"2","page_num":477,"sequence_num":1106,"body":"وقال زهرة بن جوية: يا بنى تميم، قد صبر إخوانكم من بنى أسد، وأحسنوا فذودوا عنهم الفيلة وحماتها، فحمل زهرة فى بنى تميم، وجرير فى بجيلة، فكشفوا المشركين عن بنى أسد، وقد استشهد منهم خمسون رجلا، وتحاجزوا قريبا من العصر، فجمعوا بين الصلاتين ثم عاودوا القتال مطاردة ومشاولة حتى غابت الشمس.\rوالتقى حنظلة بن الربيع الأسيدى ذو الحاجب فاختلفا طعنتين، فصارا جميعا إلى الأرض، فضرب حنظلة ذا الحاجب على رأسه فصرعه، فحامت عنه الأساورة، حتى ركب، وحامى عن حنظلة القعقاع بن عمرو، أحد بنى يربوع، وذريح، أحد بنى تيم اللات، حتى ركب، فقال ذريح:\rلما رأيت الخيل شك نحورها ... رماح ونشاب صبرت جناحا\rعلى الموت حتى أنزل الله نصره ... وود جناح لو قضى فأراحا\rكأن سيوف الهند حول لبانه ... بوارق غيث من تهامة لاحا\rقال: وأصيبت يومئذ عين المغيرة بن شعبة، وتحاجزوا حين أمسوا، فرجع المسلمون إلى عسكرهم، ورجع رستم إلى عسكره. هذا ما ذكره المدائنى.\rويقال: إن القعقاع لم يشهد يوم أرماث هذا، وإنما قدم من الشام بعد انقضائه، فشهد سائر الأيام وأبلى فيها، وسيأتى ذكر ذلك إن شاء الله.\rوذكر سيف عن بعض رجاله أن سعدا كان قد تزوج سلمى بنت خصيفة، امرأة المثنى بن حارثة، كما تقدم، فنزل بها القادسية، فلما كان يوم أرماث، وجال الناس، جعل سعد يتململ ويجول فوق القصر، وكان لا يطيق جلوسا إلا على بطنه، فلما رأت سلمى ما يصنع أهل فارس قالت: وامثنياه ولا مثنى للخيل اليوم، وهى عند رجل قد أضجر ما يرى من أصحابه ومن نفسه، فلطم وجهها، وقال: أين المثنى من هذه الكتيبة التى تدور عليها الرحى!، يعنى أسدا، وعاصما، فقالت: أغيرة وجبنا؟ قال: والله لا يعذرنى أحد اليوم إذا أنت لم تعذرينى وأنت ترين ما بى، فالناس أحق ألا يعذرونى!.\rفلما ظهر المسلمون لم يبق شاعر إلا اعتد بها عليه، وكان غير جبان ولا ملوم، رضى الله عنه.\rوكانت القادسية فى شوال سنة خمس عشرة، وابتداء أيامها يوم الاثنين لثلاث ليال خلون من شوال أو لأيام بقين منه، وقيل كانت فى المحرم سنة أربع عشرة، والأول أصح وأولى بالصواب إن شاء الله تعالى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084544,"book_id":3509,"shamela_page_id":1107,"part":"2","page_num":478,"sequence_num":1107,"body":"ذكر اليوم الثانى من أيام القادسية، وهو يوم أغواث\rقالوا «١» : ولما أصبح الناس من الغد، يعنون الغد من يوم أرماث، أصبحوا على تعبئة، وقد وكل سعد رجالا بنقل الشهداء إلى العذيب ونقل الرثيث. فأما الرثيث فأسلموا إلى النساء يقمن عليهم حتى يقضى الله فيهم قضاءه، وأما الشهداء فليدفنوهم هنالك على مشرق، واد بين العذيب وبين عين شمس فى عدوتيه جميعا، وفى ذلك يقول سعد، ﵀:\rجزى الله أقواما بجنب مشرق ... غداة دعا الرحمن من كان داعيا\rجنانا من الفردوس والمنزل الذى ... يحل به ذو الخير ما كان باقيا\rوانتظر الناس بالقتال حمل الرثيث والأموال، فلما استقلت بهم الإبل موجهة نحو العذيب طلعت عليهم نواصى الخيل من نحو الشأم، وكان عمر، رضى الله عنه، قد أمر أبا عبيدة بن الجراح لما انقضى شأن اليرموك وفتح دمشق بصرف أهل العراق أصحاب خالد الذين قدم بهم عليه إلى العراق، ولم يذكر له عمر خالدا، فضن أبو عبيدة بخالد فحبسه، وقد قيل إن عمر أمر بحبسه، فأمسكه وسرح الجيش وهم ستة آلاف، ألف من أبناء العرب من أهل الحجاز، وسائرهم من ربيعة ومضر، وأمر عليهم هاشم بن عتبة بن أبى وقاص «٢» ، وعلى مقدمته القعقاع بن عمرو، أى التميمى، فجعله أمامه، وجعل على إحدى مجنبتيه قيس بن مكشوح المرادى «٣» ، ولم يكن شهد الأيام، وإنما أتاهم وهم باليرموك حين صرف أهل العراق فصرف معهم، وعلى المجنبة الأخرى الهزهاز بن عدى العجلى، فطوى القعقاع وتعجل، فقدم على الناس صبيحة يوم أغواث، وقد عهد إلى أصحابه أن ينقطعوا أعشارا، وهم ألف، فكلما بلغ عشرة مد البصر سرح فى آثارهم عشرة، وتقدم هو فى عشرة، فأتى الناس فسلم عليهم، وبشرهم بالجنود، وقال: يا أيها الناس، إنى قد جئتكم فى قوم، والله لو كانوا بمكانكم، ثم أحسوكم لحسدوكم حظوتها، وحاولوا أن يطيروا بها دونكم، فاصنعوا كما أصنع، فتقدم ثم نادى: من يبارز؟ فسكن الناس إليه، وقالوا لقول أبى بكر الصديق، رضى الله عنه: لا يهزم جيش","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٣/ ٥٤٢) .\r(٢) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (٨٩٣٤) ، أسد الغابة ترجمة رقم (٥٣٢٨) ، العبر (١/ ٣٩) ، طبقات خليفة (٨٣١) ، مروج الذهب (٣/ ١٣٠) ، تاريخ بغداد (١/ ١٩٦) ، مرآة الجنان (١/ ١٠١) ، العقد الثمين (٧/ ٣٥٩) ، شذرات الذهب (١/ ٤٦) .\r(٣) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (٧٣٢٩) ، طبقات ابن سعد (٥/ ٥٢٥) ، المحبر (٢٦١) ، معجم الشعراء (١٩٨) ، تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٦٤) ، شذرات الذهب (١/ ٤٦) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084545,"book_id":3509,"shamela_page_id":1108,"part":"2","page_num":479,"sequence_num":1108,"body":"فيهم مثل القعقاع، فخرج إليه ذو الحاجب، فقال له القعقاع: من أنت؟ فقال: أنا بهمن جاذويه، فنادى: يا لتارات أبى عبيد وسليط وأصحاب يوم الجسر. فاجلتدا، فقتله القعقاع، وجعلت خيله ترد قطعا، وما زالت ترد إلى الليل وتنشط الناس، وكأن لم تكن بالناس مصيبة، كأنما استقبلوا قتالهم بقتل الحاجبى وبلحاق القطع، وانكسرت الأعاجم لذلك.\rوكان أول القتال قبل أن يقدم القعقاع المطاردة، فلما قدم قال: أيها الناس اصنعوا كما أصنع، فنادى: من يبارز؟ فبرز له ذو الحاجب فقتله، وآخر فقتله، وخرج الناس من كل ناحية، وبدأ الضرب والطعان، ونادى القعقاع، أيضا: من يبارز؟ فخرج إليه رجلان، أحدهما البيزران والآخر البندوان، فانضم إلى القعقاع الحارث بن ظبيان، أحد بنى تيم اللات، فبارز القعقاع البيزران، فضربه فأذرى رأسه، وبارز ابن ظبيان البندوان، فضربه فأذرى رأسه، وحمل بنو عم القعقاع، يومئذ، عشرة عشرة من الرجال، على إبل قد ألبسوها، فهى مجللة مبرقعة، وأطافت بهم خيولهم، وأمروا أن تحمل تلك الإبل على خيل الفرس يشبهون بالفيلة التى أرسلت عليهم الفرس بالأمس، فجعلت تلك الإبل لا تصمد لقليل ولا لكثير إلا نفرت بهم خيلهم، وركبتهم خيول المسلمين. فاستنوا بهم، فلقى أهل فارس من الإبل يوم أغواث أعظم مما لقى المسلمون من الفيلة يوم أرماث.\rولم يقاتلوا فى هذا اليوم على فيل، كانت توابيتها قد تكسرت بالأمس، واستأنفوا علاجها حين أصبحوا فلم ترتفع حتى كان من الغد، ولم ير أهل فارس فى هذا اليوم شيئا يعجبهم، وأكثر المسلمون فيهم القتل.\rوقالوا: قتل القعقاع يوم أغواث ثلاثين جملة، كلما حمل حملة قتل فيها، وآزر القعقاع، يومئذ، ثلاثة من بنى يربوع، وجعل القعقاع كلما طلعت قطعة كبر وكبر المسلمون ويحمل ويحملون، وقدم ذلك اليوم رسول لعمر، رضى الله عنه، بأربعة أفراس، وأربعة أسياف ليقسمها سعد فيمن انتهى إليه البلاء، إن كان لقى حربا، فدعا حمال بن مالك والرفيل بن عمرو بن ربيعة الوالبيين وطليحة بن خويلد الفقعسى «١» ، وكلهم من بنى أسد، وعاصم بن عمرو التميمى»\r، فأعطاهم الأسياف، ودعا القعقاع بن عمرو","footnotes":"(١) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (٤٣٠٩) ، تاريخ خليفة (١٠٢، ١٠٣، ١٠٤) ، أسد الغابة ترجمة رقم (٢٦٤١) ، تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٥٤، ٢٥٥) ، دول الإسلام (١/ ١٧) ، تاريخ الإسلام (٢/ ٤١) ، العبر (١/ ٢٦) ، شذرات الذهب (١/ ٣٢) .\r(٢) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (٤٣٧٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084546,"book_id":3509,"shamela_page_id":1109,"part":"2","page_num":480,"sequence_num":1109,"body":"التميمى واليربوعيين وهم: نعيم بن عمرو بن عتبان وعتاب بن نعيم بن عتاب، وعمرو ابن شبيب بن زنباع، أحد بنى زيد، فحملهم على الأفراس، فأصاب ثلاثة من بنى يربوع ثلاثة أرباعها، وأصاب ثلاثة من بنى أسد ثلاثة أرباع السيوف، فقال الرفيل فى قطعة يذكر السيوف:\rلقد علم الأقوام أنى أحقهم ... إذا حصلوا بالمرهفات البواتر\rوقال القعقاع فى شأن الخيل:\rولم تعرف الخيل العرب سواءنا ... عشية أغواث بجنب القوادس\rوذكر المدائنى حرب هذا اليوم فخالف بعض ما تقدم، وقال: إن الناس لما أصبحوا غداة الثلاثاء عبر رستم إلى المسلمين بجنوده وفيلته من حين طلعت الشمس إلى قريب من نصف النهار، وأخذوا عدة الحرب، وصافهم المسلمون، وعلى الميمنة عبد الله بن المعتم، وعلى الميسرة هاشم بن عتبة، وعلى الخيل المغيرة بن شعبة، وعلى الرجالة سلمة بن حديم، فقال سعد بن عبيد الأنصارى: يا أيها الناس، إن الدنيا دار زوال وفتنة، وأنتم منقلبون إلى دار الجزاء، فلا يكونن شىء أحب إليكم من فراقها، فإن ما عند الله خير للأبرار، وتقدم أمام الناس، فبرز له شهريار السجستانى، فقتل كل واحد منهما صاحبه، ثم طاردت الفرسان واقتتلوا حتى زالت الشمس، وتحاجزوا، وصلى المسلمون ثم عادوا إلى مصافهم، فنصل من عسكر المشركين رجل يسأل المبارزة، فبرز له زهرة بن جوية فقتله، وحمل فوارس من المشركين على زهرة فعقروا به، وندر سيفه من يده، فقاتلهم راجلا يحثو فى وجوههم التراب حتى توافت إليه خيل المسلمين، فكشفوهم عنه، وقد ذهبوا بسيفه، فقال:\rفإن تأخذوا سيفى فإنى محرب ... خروج من الغماء محتضر النصر\rوإنى لحام من وراء عشيرتى ... أطاعن فيهم بالمثقفة السمر\rوقد روى غير المدائنى هذا الشعر والخبر للأعرف بن الأعلم العقلى فى هذا اليوم.\rوقال عمرو بن معدى كرب لقومه: يا بنى زبيد، إنى مخالط الجمع، فانظرونى قدر نحر جزور وتعسيرها، ثم اطلبونى، فإنكم تجدونى وسيفى فى يدى أقاتل به قدما لا أزول، وفى رواية: فإن تأخرتم عنى فقد فقدتم أبا ثور، وأين لكم مثل أبى ثور، وحمل حتى خالطهم، فستره الغبار، فقال بعض الزبيديين: أيا بنى زبيد، علام تدعون صاحبكم وقد توسط جمع المشركين، والله ما أرى أن تدركوه حيا، وإن فقدتموه فقد المسلمون","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084547,"book_id":3509,"shamela_page_id":1110,"part":"2","page_num":481,"sequence_num":1110,"body":"فارسهم، فحملوا وحمل الناس حملة واحدة فانتهوا إليه وقد رمى فرسه بنشابة فسب فصرعه وعار، وأخر عمرا عنه المشركون، وذلك بعد ما طعنوه، وإن سيفه لفى يده يضاربهم به.\rفلما رأى أصحابه أخذ برجل فرس أسوار فاحتبسه، وإن الفارسى ليضرب فرسه فما يتحرك، فلما غشيه الجمع رمى بنفسه وخلا فرسه فركبه عمرو، وقال: أنا أبو ثور كدتم تفقدوننى، وثبت عمرو يقاتل فارسا وراجلا، إذا قاتل راجلا شد مقود فرسه فى وسطه وقاتل.\rوتزاحف الناس فقال رجل من المسلمين لرجل من الأنصار: أعرنى ترسك، قال: ما بى عنه غنى، ولكن أى أتراس العجم تريد أتيتك به إن شاء الله، فأشار له إلى ترس مذهب، فحمل فلم يزل يقاتل حتى خلص إلى صاحب الترس فقتله واستلب ترسه، فأتى به صاحبه، فقال: دونك.\rوصار الناس إلى السيوف، فقاتلوا حتى أعتموا وتحاجزوا عند العتمة عن قتلى وجرحى كثير فى الفريقين، وقتل يومئذ رجل من طيئ يكنى أبا كعب رجلا من المشركين، وأخذ قلنسوته فلبسها، وأقبل يعدو به فرسه وهو يقاتل، فنظر إليه رجل من بجيلة يقال له مضرس، وهو يقاتل، فظن أنه من الفرس فطعنه، فقال: بسم الله، قتلتنى، فقال مضرس: إنا لله وعانقه، فقال: غفر الله لك يا أخى، فبكى مضرس واحتمل أبو كعب، فقال سعد: الشهادة لا تقاد، ولا كل ميتة مظنون غيرها، ولكن من أحب أخذ الدية، فكان مضرس يأتيه يعوده فيبكى حتى تبل دموعه لحيته، ويقول أبو كعب: غفر الله لك يا أخى.\rوقال أبو كعب:\rلعمرى لقد ثارت رماح مضرس ... بعلج هوى فى الصف من آل فارس\rثم مات أبو كعب بعد أيام من تلك الطعنة، وصفح وليه عن الدية.\rويروى أنه عرض مثل هذا بعينه لرجل آخر من طيئ، أيضا، يقال له: بجير بن عميرة، وكان أحمر شبيها بالعجم، فاستلب رجلا من أهل فارس رايته فأقبل بها، فبصر به رجل من كندة يدعى فروة، فحمل عليه فطعنه، فأصاب مقتله، فنادى بجير: بسم الله، فاعتنقه فروة، فأتيا سعدا فقال لهما: إن الشهادة لا ثواب لها فى الدنيا، ولكن كفوا العجلات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084548,"book_id":3509,"shamela_page_id":1111,"part":"2","page_num":482,"sequence_num":1111,"body":"وخرج يومئذ رجل من أهل فارس ينادى: من يبارز، فبرز له علباء بن جحش العجلى، فبعجه علباء، فأصاب سحره، وبعج الفارسى علباء فخرق أمعاءه، وخرا جميعا، فأما الفارسى فمات من ساعته، وأما الآخر فانتثرت أمعاؤه، فلم يستطع القيام، فعالج ادخالها فلم يتأت له حتى مر به رجل من المسلمين فقال له: يا هذا أعنى على بطنى، فأدخله له، فأخذ بصفاقيه ثم زحف نحو صف فارس ما يلتفت إلى المسلمين، فأدركه الموت على رأس ثلاثين ذراعا من مصرعه إلى صف فارس. فقال:\rأرجو بها من ربنا الثوابا ... قد كنت ممن يحسن الضرابا\rقالوا «١» : وقاتلت الفرسان يوم الكتائب فيما بين أن أصبحوا إلى انتصاف الليل، فكانت ليلة أرماث تدعى ليلة الهدأة، وليلة أغواث تدعى ليلة السواد، والنصف الأول يدعى السواد، ثم لم يزل المسلمون يرون فى يوم أغواث الظفر على فارس، وقتلوا فيه عامة أعلامهم، وجالت فيه خيل القلب، وثبت رجلهم، فلولا أن خيلهم كرت أخذ رستم أخذا، فلما ذهب السواد تفايأ الناس وباتوا على مثل ما بات القوم عليه ليلة أرماث، ولم يزل المسلمون ينتمون لدن أمسوا إلى أن تفايأوا.\rفلما أمسى سعد وسمع ذلك نام، وقال لبعض من عنده: إن تم الناس على الانتماء فلا توقظونى، فإنهم أقوياء على عدوهم، وإن سكتوا ولم ينتم الآخرون فلا توقظونى، فإنهم على التساوى، فإن سمعتم ينتمون فأيقظنى، فإنما انتماؤهم من السوء.\rقالوا «٢» : ولما اشتد القتال بالسواد، وكان أبو محجن قد حبس وقيد، فهو فى القصر، صعد حين أمسى إلى سعد يستعفيه ويستقيله، فزبره سعد ورده فنزل، وأتى سلمى بنت خصفة، فقال لها: يا بنت خصفة، هل لك إلى خير؟ قالت: وما ذاك؟ قال: تخلين عنى وتعيرننى البلقاء، فالله علىّ إن سلمنى الله أن أرجع إليك حتى أضع رجلى فى قيدى، وإن أصبت وخشيت هذا فما أكثر من يفلت ويجرب صاحبه. فقالت: وما أنا وذاك فرجع يرسف فى قيوده ويقول:\rكفى حزنا أن تردى الخيل بالقنا ... وأترك مشدودا علىّ وثاقيا\rإذا قمت عنانى الحديد وأغلقت ... مصاريع من دونى تصم المناديا\rوقد كنت ذا مال كثير وإخوة ... فقد تركونى واحدا لا أخا ليا","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٣/ ٥٤٦، ٥٤٧) .\r(٢) انظر: الطبرى (٣/ ٥٤٨- ٥٥٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084549,"book_id":3509,"shamela_page_id":1112,"part":"2","page_num":483,"sequence_num":1112,"body":"ولله عهد لا أخيس بعهده ... لئن فرجت أن لا أزور الحوانيا «١»\rفقالت سلمى: إنى استخرت الله ورضيت بعهدك، فأطلقته، وقالت: أما الفرس فلا أعيرها، ورجعت إلى بيتها، فاقتاد أبو محجن الفرس فأخرجها من باب القصر الذى يلى الخندق فركبها، قيل بسرجها، وقيل: عريا، ثم ذبب عليها حتى إذا كان بحيال الميمنة كبر، ثم حمل على ميسرة القوم يلعب برمحه وسلاحه بين الصفين، ثم رجع من خلف المسلمين إلى الميسرة، فكبر وحمل على ميمنة القوم، يلعب بين الصفين برمحه وسلاحه، ثم رجع من خلف المسلمين إلى القلب فبرز أمام الناس، فحمل على القوم يلعب بين الصفين برمحه وسلاحه، وكان يقصف الناس ليلتئذ قصفا منكرا ويعجب الناس منه وهم لا يعرفونه ولم يروه من النهار، فقال بعضهم: أوائل أصحاب هاشم بن عتبة أو هاشم نفسه.\rوجعل سعد يقول وهو مشرف على الناس مكب من فوق القصر: والله لولا محبس أبى محجن الثقفى لقلت: إن هذا أبو محجن وهذه البلقاء. وقال بعض الناس: إن كان الخضر يشهد الحروب فنظن أن صاحب البلقاء الخضر، وقال آخرون: والله لولا أن الملائكة لا تباشر القتال لقلنا: ملك بيننا، ولا يذكر الناس أبا محجن ولا يأبهون له، لمبيته فى محبسه، فلما انتصف الليل حاجز أهل فارس وتراجع المسلمون، وأقبل أبو محجن حتى دخل من حيث خرج، فوضع عن نفسه وعن دابته، وأعاد رجله فى قيده، وقال:\rلقد علمت ثقيف غير فخر ... بأنا نحن أكثرهم سيوفا\rوأكثرهم دروعا سابغات ... وأصبرهم إذا كرهوا الوقوفا\rوأنا وفدهم فى كل يوم ... فإن عيوا فسل بهم عروفا\rوليلة قادس لم يشعروا بى ... ولم أشعر بمخرجى الزحوفا\rفإن أحبس فذلكم بلائى ... وإن ترك أذيقهم الحتوفا\rفقالت له سلمى: فى أى شىء حبسك هذا الرجل؟ قال: أما والله ما حبسنى لحرام أكلته ولا شربته، ولكنى كنت صاحب شراب فى الجاهلية، وأنا امرؤ شاعر يدب الشعر فى لسانى، وينبعث على شفتى، فيساء لذلك ثنائى، فعلى ذلك حبسنى. قلت:\rإذا مت فادفنى إلى جنب كرمة ... تروى عظامى بعد موتى عروقها\rولا تدفنى بالفلاة فإننى ... أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها","footnotes":"(١) انظر الأبيات فى: الأغانى للأصفهانى (٢١/ ١٣٩، ١٤٠) ، مروج الذهب للمسعودى (١/ ٥٢٨- ٥٣٠) ، الكامل فى التاريخ لابن الأثير (٢/ ٣٣٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084550,"book_id":3509,"shamela_page_id":1113,"part":"2","page_num":484,"sequence_num":1113,"body":"ولم تزل سلمى مغاضبة لسعد عشية أرماث، وليلة السواد، حتى إذا أصبحت أتته فصالحته وأخبرته خبرها وخبر أبى محجن، فدعا به فأطلقته، وقال: اذهب فما أنا بمؤاخذك بشىء تقوله حتى تفعله، قال: لا جرم، والله لا أجيب لسانى إلى صفة قبيح أبدا.\rحديث يوم عماس، وهو اليوم الثالث من أيام القادسية\rقالوا «١» : وأصبح المسلمون من اليوم الثالث، وهم على مواقفهم، وأصبحت الأعاجم كذلك، وبين هؤلاء وهؤلاء قدر ميل فى عرض ما بين الصفين، وقد قتل من المسلمين ألفان بين رثيث وميت، ومن المشركين عشرة آلاف. وقال سعد: من شاء غسل الشهيد الميت والرثيث، ومن شاء فليدفنهم بدمائهم، وجعلهم المسلمون وراء ظهورهم، وأقبل الذين يحملونهم إلى القبور، يتبعون القتلى ويبلغون الرثيث إلى النساء، وكان النساء والصبيان يحفرون المقابر فى اليومين: يوم أرماث ويوم أغواث، بعدوتى مشرق، وكان فى الطريق أصل نخلة بين القادسية والعذيب، ليس بينهما يومئذ نخلة غيرها، فكان الرثيث إذا انتهى بهم إليها وأحدهم يعقل سألهم أن يقفوا به تحتها يستروح إلى ظلها، فمر حاجب بن يزيد، وكان على الشهداء بتلك النخلة مع بعض الشهداء بتلك النخلة مع بعض الشهداء وولاتهم، ورجل من الجرحى من طيئ يدعى يقول وهو مستظل بظلها:\rألا يا اسلمى يا نخلة بين قادس ... وبين العذيب لا يجاورك النخل\rوآخر من بنى ضبة أو من بنى ثور يدعى غيلان، وهو يقول:\rألا يا اسلمى يا نخلة فوق جرعة ... يجاورك الجمان والرمث والرغل\rقالوا «٢» : وبات القعقاع ليلته كلها يسرب أصحابه إلى المكان الذى فارقهم فيه بالأمس، ثم قال: إذا طلعت لكم الشمس، فأقبلوا مائة مائة، وكلما توارت عنكم مائة فليتبعها مائة، فإن جاء هاشم فذاك وإلا جددتم للناس رجاء وجدا، ففعلوا، ولا يشعر بذلك أحد، وكان مكانهم مما صنع الله للمسلمين، فلما ذر قرن الشمس والقعقاع يلاحظ الخيل، طلعت نواصيها، فكبر وكبر الناس، وقالوا: جاء المدد.","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٣/ ٥٥٠) .\r(٢) انظر: الطبرى (٣/ ٥٥١، ٥٥٢) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084551,"book_id":3509,"shamela_page_id":1114,"part":"2","page_num":485,"sequence_num":1114,"body":"وقد كان عاصم بن عمرو أمر أن يصنع مثلها، فجاؤا من قبل خفان، فتقدم الفرسان وتكتبت الكتائب، فاختلف الطعن والضرب، ومدد المسلمين متتابع، فما جاء آخر أصحاب القعقاع حتى انتهى إليهم هاشم، وقد طوى فى سبعمائة، فأخبروه برأى القعقاع وما صنع فى يومه، فعبأ أصحابه سبعين سبعين، فلما نجز آخر أصحاب القعقاع خرج هاشم فى سبعين معه، فيهم قيس بن هبيرة المرادى، وهو ابن المكشوح، فأقبل هاشم حتى إذا خالط القلب، كبر وكبر المسلمون، وقد أخذوا مصافهم، وقال هاشم:\rأول القتال المطاردة ثم المراماة، فأخذ قوسه، فوضع سهما ثم نزع فرفعت فرسه رأسها، فخل أذنيها، فضحك وقال: وا سوأتاه من رمية رجل ينتظره كل من رآه، أين ترون سهمى كان بالغا؟ فقيل: العتيق. فنزقها وقد نزع السهم عن أذنيها، ثم ضربها حتى وقفت على العتيق، ثم ضربها فأقبلت تخرقهم حتى عاد إلى موقفه، وقيل: إنه نزل عن فرسه وفعل ذلك راجلا، فالله أعلم.\rوما زالت مقانبه تطلع وقد بات المشركون فى علاج توابيتهم حتى أعادوها على الفيلة، فأصبحوا على موافقهم، وأقبلت الفيلة معها الرجالة يحمونها أن تقطع وضنها، ومع الرجالة فرسان يحمونهم، إذا أرادوا كتيبة دلفوا إليها بفيل وأتباعه، لينفروا بهم خيلهم، فلم يكن ذلك منهم كما كان بالأمس؛ لأن الفيل إذا كان وحده ليس معه أحد كان أوحش، وإذا طافوا به كان آنس، فكان الفيل كذلك حتى عدل النهار.\rولما قدم قيس بن المكشوح مع هاشم، قام فيمن يليه فقال: يا معشر العرب، إن الله، ﷿، قد من عليكم بالإسلام، وأكرمكم بمحمد ﷺ، فأصبحتم بنعمته إخوانا، دعوتكم واحدة وأمركم واحد، بعد إذ أنتم يعدو بعضكم على بعض عدو الأسد، ويختطف بعضكم بعضا اختطاف الذئاب، فانصروا الله ينصركم، وتنجزوا من الله تعالى فتح فارس، فإن إخوتكم من أهل الشام قد أنجز الله تعالى لهم فتح الشام، وانتثال القصور الحمر والحصون الحمر.\rوخرج يوم عماس رجل من العجم حتى إذا كان بين الصفين هدر وشقشق ونادى:\rمن يبارز؟ فخرج إليه رجل من المسلمين يقال له: شبر بن علقمة، وكان قصيرا دميما، فقال: يا معشر المسلمين، قد أنصفكم الرجل، فلم يجبه أحد، ولم يخرج إليه أحد، فقال:\rأما والله لولا أن تزدرونى لخرجت إليه، فلما رأى أنه لا يمنع أخذ سيفه وجحفته، ثم تقدم، فلما رآه الفارسى هدر، ثم نزل إليه فاحتمله، فألقاه ثم جلس على صدره ثم أخذ سيفه ليذبحه، ومقود فرسه مشدود بمنطقته، فلما استل السيف حاص الفرس حيصة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084552,"book_id":3509,"shamela_page_id":1115,"part":"2","page_num":486,"sequence_num":1115,"body":"فجذبه المقود فقلبه عنه، فقام إليه وهو يسحب فافترسه، فجعل أصحابه المسلمون يصيحون به، فقال: صيحوا ما بدا لكم، فو الله لا أفارقه حتى أقتله ثم أسلبه، فذبحه وسلبه، ثم أتى سعدا بالسلب فنفله إياه، فباعه باثنى عشر ألفا.\rقالوا «١» : ولما رأى سعد الفيلة تفرق الناس، وعادت لفعلها يوم أرماث، سأل: هل لها مقاتل؟ فقيل له: نعم، المشافر والعيون لا تنتفع بها بعدها، فأرسل إلى القعقاع وأخيه عاصم: أن اكفيانى الفيل الأبيض، وكان بإزائهما، فأخذ القعقاع وعاصم رمحين أصمين لينين ودنوا فى خيل ورجل، وقالا: اكتنفوه لتحيروه، وفعل الآخران مثل ذلك، فلما اكتنف الفيلان نظر كل واحد منهما يمنة ويسرة وهما يريدان أن يتخبطا، فحمل القعقاع وعاصم والفيل البيض متشاغل بمن حوله فوضعا رمحيهما معا فى عينيه، وقبع ونفض رأسه فطرح سائسه ودلى مشفره، فنفخه القعقاع ورمى به ووقع لجنبه، وقتلوا كل من كان عليه، وقال حمال لصاحبه وقد قصدا إلى الفيل الأجرب: إما أن تضرب المشفر وأطعن فى عينه، أو تطعن فى عينه وأضرب مشفره، فاختار صاحبه الضرب، فحمل عليه حمال وهو متشاغل بملاحظة من اكتنفه، لا يخاف سائسه إلا على بطانه فطعنه فى عينه، فأقعى، ثم استوى فنفخه الآخر، فأبان مشفره، وبصر به السائس ففقر أنفه وجبينه بفأسه.\rويروى أن الفيلين صاحا عند ذلك صياح الخنزير، ثم ولى الأجرب الذى عور فوثب فى العتيق، فاتبعته الفيلة فخرقت صف الأعاجم، فعبرت العتيق فى أثره فبيتت المدائن فى توابيتها وهلك من فيها.\rوقيل: إنه بقى منها الفيل الأبيض، لم يبق فى المعركة غيره، وإن الناس رشقوا مشافر الفيلة، فعند ذلك انبعث الفيل الآخر فلم تنته عن المدائن، وكانت تفعل بالناس الأفاعيل فاستقام للناس بعدها وجه القتال، وخلصوا بأهل فارس، فاجتلدوا على جرد بالسيوف حتى أمسوا وهم فى ذلك على السواء.\rفكان يوم عماس من أوله إلى آخره شديدا، العرب والعجم فيه على السواء، ولا يكون بينهم لفظة إلا تقاولها الرجال بالأصوات حتى تبلغ يزدجرد بالمدائن، إذ كان قد أمر رستم بأن يرتب الرجال على الطريق بينهما ليبلغه بالتنادى ما يطرأ فى العسكر من حينه، فيرسل إليهم أهل النجدات ممن بقى عنده فيتقوون بهم، وأصبحت عنده للذى","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٣/ ٥٥٥، ٥٥٦) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084553,"book_id":3509,"shamela_page_id":1116,"part":"2","page_num":487,"sequence_num":1116,"body":"لقى بالأمس الأمداد على البرد، فلولا الذى صنع الله للمسلمين فى الذى ألهم إليه القعقاع فى اليومين، وما أتاح لهم بهاشم لكسر ذلك المسلمين.\rوأصيب يومئذ مؤذن سعد بن أبى وقاص فتشاح الناس على الأذان، حتى كادوا يجتلدون بالسيوف، فأقرع بينهم سعد.\rقالوا «١» : ولما أمسى الناس من يومهم ذلك، وأطعنوا إلى الليل، واشتد القتال فصبر الفريقان، فخرجا على السواء فلم يسمع إلا الغمائم من هؤلاء وهؤلاء، فسميت ليلة الهرير، ولم يكن بعدها قتال بليل فى القادسية.\rوجدد المشركون فى تلك الليلة تعبئة، وأخذوا فى أمر لم يكونوا عليه فى الأيام الثلاثة، وبقى المسلمون على تعبئتهم، فخرج مسعود بن مالك الأسدى، وقيس بن هبيرة المرادى، وهو ابن المكشوح، وأشباههم فطاردوا القوم وحركوهم للقتال، فإذا هم فيه أمة لا يشهدون ولا يريدون إلا الزحف، فقال قيس بن مكشوح لمن يليه، ولم يشهد شيئا من لياليها إلا تلك الليلة: إن عدوكم قد أبى إلا المزاحفة، والرأى رأى الأمير، وليس بأن تحمل الخيل ليس معها الرجال، فإن القوم إذا زحفوا وطاردهم عدوهم على الخيل لا رجال معهم عقروا بهم، ولم يطيقوا أن يقدموا عليهم، فتيسروا للحملة.\rوقال دريد بن كعب النخعى، وكان معه لواء النخع: إن المسلمين قد تهيئوا للمزاحفة، فاسبقوا المؤمنين الليلة إلى الله والجهاد، فإنه لا يسبق الليلة أحد إلا كان ثوابه على قدر سبقه، فنافسوهم فى الشهادة، وطيبوا بالموت أنفسا، فإنه لا نجاء من الموت إن كنتم تريدون الحياة، وإلا فالآخرة ما أردتم.\rوقال الأشعث بن قيس: يا معشر العرب، إنه لا ينبغى أن يكون هؤلاء أجرأ على الموت ولا أسخى أنفسا عن الدنيا منكم، تنافسوا ولا تجزعوا من القتل فإنه أمانى الكرام، ومنايا الشهداء، وترجل.\rوقال حنظلة بن الربيع «٢» وأمراء الأعشار: ترجلوا أيها الناس، وافعلوا كما نفعل، ولا","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٣/ ٥٥٧) .\r(٢) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (١٨٦٤) ، أسد الغابة ترجمة رقم (١٢٨٠) ، تجريد أسماء الصحابة (١/ ١٤٢) ، الطبقات (١/ ٤٣، ١٢٩) ، تهذيب الكمال (١/ ٣٤٣) ، الإكمال (١/ ٧٣) ، تقريب التهذيب (١/ ٢١٦) ، الجرح والتعديل (٣/ ١٠٥٩) ، تهذيب التهذيب (٣/ ٦٠، ٦٣) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084554,"book_id":3509,"shamela_page_id":1117,"part":"2","page_num":488,"sequence_num":1117,"body":"تجزعوا مما لا بد منه، فالصبر أنجى من الجزع. وفعل طليحة وغالب أهل النجدات من جميع القبائل مثل ذلك.\rوقال أنس بن الجليس: شهدت ليلة الهرير، فكان صليل الحديد فيها كضرب القيون ليلتهم حتى الصباح، أفرغ عليهم الصبر إفراغا.\rوبات سعد بليلة لم يبت بمثلها، ورأى العرب والعجم أمرا لم يروا مثله قط، وانقطعت الأصوات والأخبار عن سعد ورستم، فبعث سعد فى تلك الليلة نجادا، وهو غلام، إلى الصف، إذ لم يجد رسولا، فقال: انظر ماذا ترى من حالهم، فرجع إليه فقال:\rما رأيت يا بنى؟ فقال: رأيتهم يلعبون، فقال: أو يجدون. فأقبل سعد على الدعاء، حتى إذا كان فى وجه الصبح، انتمى الناس فاستدل سعد بذلك على أنهم الأعلون، وأن الغلبة لهم.\rقال بعضهم: أول شىء سمعه سعد ليلتئذ مما يستدل به على الفتح فى نصف الليل الباقى صوت القعقاع بن عمرو وهو يقول:\rنحن قتلنا معشرا وزائدا ... أربعة وخمسة وواحدا\rتحسب فوق البلد الأساودا ... حتى إذا ماتوا دعوت واحدا\rالله ربى واحترزت جاهدا\rفاستدل سعد بهذا، وبما سمع معه من غير القعقاع من الانتماء، واتسع له الرجاء، فسمع عمرو بن معدى كرب يقول: أنا ابن أسلة، وطليحة يقول: أنا ابن ليلى، وسعد بن عمارة يقول: أنا ابن أروى، ثم سمع الانتساب من كل ناحية: خذها وأنا الغلام الجرمى من النخع، خذها وأنا الغلام المالكى من بنى أسد، خذها وأنا الغلام الأسعدى من عجل، فأصبحوا والناس على مواقفهم متحاجزين، فصلى المسلمون الغداة وفضوا من شأنهم.\rخبر اليوم الرابع من أيام القادسية\rوهذا أهو آخر أيامها، ويسمى من بينها: يوم القادسية، وفيه قتل الله رستم، وأتم الفتح للمسلمين.\rقالوا «١» : وأصبح الناس ذلك اليوم حسرى، لم يغمضوا ليلتهم كلها، فسار القعقاع","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٣/ ٥٦٣) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084555,"book_id":3509,"shamela_page_id":1118,"part":"2","page_num":489,"sequence_num":1118,"body":"فى الناس، فقال: إن الدبرة بعد ساعة لمن بدأ اليوم، فاصبروا واحملوا، فإن النصر مع الصبر. فاجتمع إليه هلال بن علفة، ومالك بن ربيعة، والكلح الضبى، وضرار بن الخطاب، وابن الهذيل، وغالب، وطليحة، وعاصم بن عمرو بن ذى البردين، وأمثالهم ممن اختصر ذكره، ومعهم عشائرهم. ثم صمدوا لرستم حتى خالطوا الذين دونه مع الصبح.\rولما رأت ذلك القبائل قام فيهم رجال منهم، فقالوا: لا يكونن هؤلاء أجد فى أمر الله تعالى، منكم، ولا أسخى نفسا عن الدنيا، تنافسوها. فحملوا مما يليهم حتى خالطوا الذين بإزائهم.\rوقام فى ربيعة عتيبة بن النهاس، وفرات بن حيان، والمعنى بن حارثة، وسعيد بن مرة، فى أمثالهم، فقالوا: أنتم أعلم الناس بفارس وأجرؤهم عليهم فيما مضى، فما يمنعكم اليوم أن تكونوا أجرأ مما كنتم.\rواقتتل الناس إلى أن انفرج قلب المشركين حين قام قائم الظهيرة، وقد ركد عليهم النقع، واشتد الحر، وسقفتهم الشمس، فهبت ريح عاصف، فقلعت طيارة رستم عن سريره، فهوت فى العتيق، فانتهى القعقاع وأصحابه إلى السرير فعثروا به، وقد قام رستم عنه حين طارت الريح بالطيارة إلى بغال قدمت عليه يومئذ بمال فهى واقفة، فاستظل فى ظل بغل منها وحمله، وضرب هلال بن علفة العدل الذى على البغل الذى رستم تحته، فقطع حباله، فوقع عليه أحد العدلين، ولا يراه هلال ولا يشعر به، فأزال من ظهره فقارا، ويضربه ضربة فنفحت مسكا، ومضى رستم نحو العتيق فرمى بنفسه فيه، فاقتحمه عليه هلال، فتناوله وقد عام، فأخرجه ثم ضرب جبينه بالسيف حتى قتله، ثم جاء به فرمى به بين أرجل البغال، وصعد السرير، ثم نادى: قتلت رستما ورب الكعبة، إلىّ إلىّ، فأطافوا به ما يحسون السرير وما يرونه، وكبروا وتنادوا، وانبت قلب المشركون عندها وانهزموا، وقام الجالينوس على الردم، ونادى أهل فارس إلى العبور، وانسفى الغبار، فأما المقترنون فإنهم خشعوا فتهافتوا فى العتيق، فوخزهم المسلمون برماحهم فما أفلت منهم مخبر، وهم ثلاثون ألفا.\rوأخذ ضرار بن الخطاب «درفش كابيان» ، راية كسرى، فعوض عنها ثلاثين ألفا، وكانت قيمتها ألف ألف ومائتى ألف، وقتلوا فى المعركة من الليل، يعنى ليلة الهرير، عشرة آلاف سوى من قتلوا فى تلك الثلاثة الأيام.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084556,"book_id":3509,"shamela_page_id":1119,"part":"2","page_num":490,"sequence_num":1119,"body":"وأكب المسلمون على من ثبت لهم وعلى من سفل منهم عن الردم ومن ارتفع عنه فقتلوا منهم ستين ألفا، فقتلوا يوم القادسية مائة ألف سوى من قتلوا فى الأيام قبله.\rقالوا: فلما انكشف أهل فارس، فلم يبق منهم بين الخندق والعتيق أحد، وطبقت القتلى ما بين قديس والعتيق أمر سعد زهرة بن جوية باتباعهم، فنادى زهرة فى المقدمات وساروا، وأمر سعد القعقاع بمن سفل، وشرحبيل بمن علا، وأمر خالد بن عرفطة بسلب القتلى وبدفن الشهداء ليلة الهرير ويوم القادسية، ألفين وخمسمائة، وقيل: ثلاثة آلاف، من وراء العتيق بحيال مشرق، ودفن شهداء الأيام الثلاثة قبل ذلك على مشرق، ويقال:\rكانوا ألفين وخمسمائة، وجمعت الأسلاب والأموال، فجمع منها شىء لم يجمع قبله ولا بعده، وأرسل سعد إلى هلال بن علفة فدعا له، فقال: أين صاحبك؟ يعنى رستما. قال:\rرميت به تحت بغل، فقال: اذهب فجئ به، فذهب فجاء به. فقال له سعد: جرده إلا ما شئت، فخذ سلبه، فلم يدع عليه شيئا، ويقال: إنه باع الذى سلبه بسبعين ألفا، وكان قد تخفف حين وقع فى الماء، ولم توجد قلنسوته، وكانت قيمتها مائة ألف.\rوجاء نفر من العباد حتى دخلوا على سعد، فرأوا رستما ببابه مطروحا، فقالوا: أيها الأمير، رأينا جسد رستم على باب قصرك وعليه رأس غيره، وكأن الضرب قد شوهه، فضحك سعد، وخرج زهرة فى آثار أهل فارس، فانتهى إلى الردم وقد تبعوه ليمنعوهم به من الطلب، فقال زهرة لبكير بن عبد الله الليثى، وهو الذى يقال له فارس أطلال، وهو اسم فرس له كان يعرف بها: يا بكير، أقدم، وكان يقاتل على الإناث، فضرب فرسه، وقال: ثبى أطلال، فتجمعت وقالت: وثبا وسورة البقرة ثم وثبت ووثب زهرة، وكان على حصان، وتتابع ذلك ثلاثمائة فارس، فلحق زهرة بالقوم والجالينوس فى آخرهم يحميهم، فشاوله زهرة، فاختلفا ضربتين، فقتله زهرة، وأخذ سلبه، وقتل أولئك الفرار ما بين الخرارة إلى السيلحين إلى النجف، ورجع زهرة فى أصحابه حين أمسوا، فباتوا بالقادسية، ولما رجع القعقاع وشرحبيل إلى سعد، قال لشرحبيل: اغد فى طلب القعقاع، وقال للقعقاع: اغد فى طلب شرحبيل فعلا هذا، وسفل هذا، حتى بلغا مقدار الخرارة من القادسية.\rقال الشعبى: خرج القعقاع وأخوه وشرحبيل فى طلب من ارتفع وسفل، فقتلوهم فى كل قرية وأجمة وشاطئ نهر، ورجعوا، فوافوا صلاة الظهر، وهنأ الناس أميرهم، وأثنى على كل حى خيرا، وذكره منهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084557,"book_id":3509,"shamela_page_id":1120,"part":"2","page_num":491,"sequence_num":1120,"body":"وقال فى ذلك هلال بن علفة:\rجدعت أنوف العجم يوم لقيتهم ... برستم والجمعان فى أشغل الشغل\rفضضت به رض الصفوف فقوضت ... صفوفهم والحرب جاحمة تغلى\rوقال الشماخ فى قصيدة يرثى بكير بن عبد الله، فارس أطلال، ويذكر ما كان من فرسه فى وثبتها المذكورة قبل:\rوغيب عن خيل بموقان أسلمت ... بكير بنى الشدّاخ فارس أطلال\rغداة اقتحام القوم من بعد نطقها ... وحلفتها عرض العتيق بإدلال\rولما قتل زهرة الجالينوس وأخذ سلبه، جاء به إلى سعد، فعرفه الأسارى الذين كانوا عند سعد، وقالوا: هذا سلب الجالينوس، وكان سيدا من ساداتهم، وعظيما من عظمائهم، فقال سعد لزهرة: هل أعانك عليه أحد؟ قال: نعم. قال: من؟ قال: الله ﷿. فنفله إياه.\rوقيل: إنما جاء بالسلب وقد لبسه، فانتزعه منه سعد، وقال: ألا انتظرت إذنى، وكتب فيه إلى عمر، رضى الله عنه، فكتب إليه عمر: أن يمضى لزهرة ذلك السلب، وعاتب سعدا فى كتابه، وقال له: تعمد إلى مثل زهرة وقد صلى بما صلى به وبقى عليك ما بقى من حربك، تكسر قرنه وتفسد قلبه.\rويروى أن سعدا استكثر له السلب، فكتب فيه إلى عمر، فكتب إليه: إنى قد نفلت من قتل رجلا سلبه، فدفعه إليه سعد، فباعه بسبعين ألفا.\rوقال زهرة فى قتل الجالينوس:\rتبعنا جيوش الجالينوس وقد رأى ... بعينيه أمرا ذا إياس منكرا\rلحقنا به نرمى الكرانيف سادرا ... ويعجب إذ خلى الجموح وشمرا\rفوليته لما التقينا مصمما ... أراه محيا الموت أحمر أصفرا\rوقال سيف «١» عن رجاله: ثبت بعد الهزيمة بضع وثلاثون كتيبة، استحيوا من الفرار، فصمد لهم بضعة وثلاثون من رؤساء المسلمين، لكل كتيبة منها رأس من رؤساء المسلمين فأباد الله تلك الكتائب يومئذ.","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٣/ ٥٦٩، ٥٧٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084558,"book_id":3509,"shamela_page_id":1121,"part":"2","page_num":492,"sequence_num":1121,"body":"وقال سعيد بن المرزبان «١» : أصاب أهل فارس يومئذ بعد ما انهزموا ما أصاب الناس قبلهم، قتلوا حتى إن كان الرجل من المسلمين ليدعو الرجل منهم فيأتيه حتى يقوم بين يديه فيضرب عنقه، وحتى إنه ليأخذ سلاحه فيقتله به، وحتى إنه ليأمر أحد الرجلين منهم بقتل صاحبه.\rوقال بعض من شهدها: أبصر سلمان بن ربيعة الباهلى أناسا من الأعاجم تحت راية لهم قد حفروا لها وجلسوا تحتها، وقالوا: لا نبرح حتى نموت، فحمل عليهم فقتلهم وسلبهم، وكان سلمان فارس الناس يوم القادسية، وأحد الذين مالوا بعد الهزيمة على من ثبت، وكذلك أخوه عبد الرحمن بن ربيعة، ذو النور، مال على آخرين قد تكتبوا ونصبوا للمسلمين، فطحنهم بخيله.\rوقال الشعبى: كان يقال لسلمان أبصر بالمفاصل من الجازر بمفاصل الجزور.\rوقال بعض بنى معرض: ما رأينا مثل أهل القادسية، هزمناهم فاتبعناهم وهم على خيولهم كأنها فى طين، ونحن على أرجلنا كأنا ظباء، ولقد أدركنا رجلا يعدو به فرسه فصحنا به، فلم يتحرك، فأخذناه أسيرا.\rقال أبو وائل، وشهدها: لقد سمعت الفرس يقولون ما تقطع سيوفنا الشعر، ولقد نزع منا النصر.\rوقال الأسود النخعى «٢» : شهدت القادسية، فلقد رأيت غلاما منا من النخع يسوق ستين أو ثمانين رجلا من أبناء الأحرار، وأتى رجل سعدا فقال: تجعل لى ثلث ما أجيئك به؟ قال: نعم. فأتاه بأساورة قد أسرهم، فقال له سعد: كيف أخذت هؤلاء وحدك؟\rقال: صحت بهم وهم منهزمون فوقفوا لم يمتنع منهم أحد، فجعل سعد يتعجب.\rوكان سعد أجرأ الناس وأشجعهم، إنه نزل قصرا غير حصين يشرف منه على الناس ويرى قتالهم، وصف المسلمين إلى أصل حائط القصر، ولو أعراه الصف فواق ناقة أخذوا برمته. فو الله ما كربه هول تلك الأيام، ولا أغلقه. ودخل إليه فى اليوم الرابع رجل من بجيلة فقال: أبا إسحاق إن الناس قد جبنوك وقالوا: لم يمنعك من الخروج الوجع، قال: ما أخاف ذلك على نفسى، أو ما ترى ما بى، وسأخرج، وكان به حبون ودماميل لا يستطيع أن يقر لها إلا مكبا على صدره، فركب فرسا فانتهى إلى باب القصر","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٣/ ٥٦٩) .\r(٢) انظر: الطبرى (٣/ ٥٧٦) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084559,"book_id":3509,"shamela_page_id":1122,"part":"2","page_num":493,"sequence_num":1122,"body":"وقد تبوأ فيه حمام، فطرن فنفر الفرس فشب، فانفجر ما كان من قروحه وخرج، فوقف وحض المسلمون وقال: لا تكون هذه الأعاجم أصبر على المقارعة منكم، واعلموا أن القوم ملوا إن كنتم مللتم، فنشط الناس.\rوفى حديث غير هذا أن جريرا البجلى قال فى ذلك اليوم:\rأنا جرير كنيتى أبو عمرو ... قد نصر الله وسعد فى القصر\rوقال رجل من المسلمين، أيضا:\rنقاتل حتى أنزل الله نصره ... وسعد بباب القادسية معصم\rفأبنا وقد أمت نساء كثيرة ... ونسوة سعد ليس فيهم أيم\rفلما بلغ ذلك من قولهما سعدا خرج إلى الناس فاعتذر إليهم وأراهم ما به من القروح فى فخذيه، فعذره الناس، وقال سعد يجيب جريرا من أبيات:\rوما أرجو بجيلة غير أنى ... أؤمل أجرهم يوم الحساب\rوفى حديث يروى عن قيس بن أبى حازم «١» ، وكان شهد تلك الحرب أن الفرس لما انهزموا لحقوا بدير قرة وما وراءه، ونهض سعد بالمسلمين حين نزل بدير قرة على من هناك من الفرس، وقدم عليه بالدير عياض بن غنم فى ألف رجل من الشام مددا لهم، فأسهم لهم سعد مع المسلمين فيما أصابوا بالقادسية، ثم إن الفرس هربت من دير قرة إلى المدائن يريدون نهاوند، واحتملوا معهم الذهب والفضة والديباج والفرند والحرير والسلاح وثياب كسرى، وخلوا ما سوى ذلك، وأتبعهم سعد الطلب، فبعث خالد بن عرفطة ووجه معه عياض بن غنم فى أصحابه، وجعل على مقدمة الناس هاشم بن عتبة، وعلى ميمنتهم جرير بن عبد الله وعلى الميسرة زهرة بن جوية، وتخلف سعد لما به من الوجع.\rفلما أفاق من وجعه أتبع الناس بمن بقى معه من المسلمين حتى أدركهم دون دجلة، فلما وضعوا على دلجة العسكر والأثقال طلبوا المخاضة فلم يهتدوا لها، حتى أتى سعدا علج من أهل المدائن فقال: أدلكم على طريق تدركونهم قبل أن يمنعوا، فخرج بهم على مخاضة بقطربل، فكان أول من خاضها هاشم، وأتبعه خيله، ثم جاز خالد بن عرفطة بخيله وتتابع الناس فخاضوا حتى جتاوزوا، فزعموا أنه لم يتهد لتلك المخاضة بعد، ثم ساروا حتى انتهوا إلى مظلم ساباط، فأشفق الناس أن يكون به كمين للعدو، فتردد الناس","footnotes":"(١) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (٧١٦٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084560,"book_id":3509,"shamela_page_id":1123,"part":"2","page_num":494,"sequence_num":1123,"body":"وجبنوا عنه، فكان أول من دخله بجيشه هاشم، فلما جاز ألاح للناس بسيفه، فعرف الناس أن ليس به شىء يخافونه، فأجاز بهم خالد بن عرفطة، ثم لحق سعد بالناس حين انتهوا إلى جلولاء وبها جماعة من الفرس، فكانت وقعة جلولاء بها، فهزم الله الفرس وأصاب المسلمون بها أفضل مما أصابوا بالقادسية، وأصيبت ابنة لكسرى، يقال لها:\rمنجانة، ويقال: ابنة ابنه، وقال شاعر من المسلمين:\rيا رب مهر حسن مطهم ... يحمل أثقال الغلام المسلم\rينجو إلى الرحمن من جهنم ... يوم جلولاء ويوم رستم\rويوم زحف الكوفة المقدم ... ويوم لا فى حتفة مهزم\rوخر دين الكافرين للفم\rوفى كتاب المدائنى عن أبى وائل قال: هزمناهم، يعنى يوم القادسية، حتى انتهوا إلى الفرات فقاتلونا عليه، فهزمناهم حتى انتهوا إلى الصراة فقاتلونا عليها، فهزمناهم حتى انتهوا إلى المدائن فدخلوها ونزل المسلمون دير السباع، فجعلنا نغاديهم فنقاتلهم، فقال المسلمون: هؤلاء فى البيوت ونحن فى الصحراء، اعبروا إليهم فعبرنا إليهم فحصرناهم فى الجانب الشرقى حتى أكلوا الكلاب والسنانير، فخرجوا على حامية معهم الأثقال والعيال حتى نزلوا جلولاء الوقيعة، وتبعناهم فقاتلوا بها قتالا شديدا عن العيال والذرارى، فجال المسلمون جولة فناداهم سعد: يا معشر المسلمين، أين أين أما رأيتم ما خلفكم؟ أتأتون عمر منهزمين فعطفوا، وهزم الله المشركين، وسميت جلولاء الوقيعة فتح الفتوح، وسيأتى ذكر فتح جلولاء والمدائن على التمام بعد انقضاء بقايا الأخبار عن شأن القادسية ومغانمها إن شاء الله تعالى.\rقال الشعبى: بلغ الفىء بالقادسية ستمائة ألف ألف، وكان خمسها عشرين ومائة ألف ألف، وكان الملك يزدجرد بن كسرى قد حمل نصف الأموال إلى أهل فارس بالقادسية ليتوردوا بها بلاد العرب، وليغزوا عمر، رضى الله عنه، فى داره وقراره، فعل مقتدر مغرور، وأمر الجنود أن يحضروا الحرب بأموالهم، وأن يختلفوا ليكون أجد لهم فى الامتناع والمخاطرة لدنياهم، فاجتمعت معهم من الأموال والزين والشارات على قدر أحسابهم ما لا يحصى، وكان سبب ذلك ما قضى الله ﷿، للمسلمين، فساقه إليهم، وكان يزدجرد قد استبقى النصف من الأموال وأقره فى بيت المال على حاله، فأفاءه الله على المسلمين يوم المدائن.\rوذكر المدائنى أن المسور بن مخرمة أصاب يوم القادسية أبريق ذهب عليه ياقوت،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084561,"book_id":3509,"shamela_page_id":1124,"part":"2","page_num":495,"sequence_num":1124,"body":"فقال له بعض الفرس: آخذه منك بعشرة آلاف، فأبى وأتى به سعدا، فباعه بمائة ألف.\rوقال مخنف بن سليم: إنى لفى طلب المشركين يومئذ إذ لحقت رجلين أحدهما على فرس والآخر على بغل، ثم ذكر حديثا انتهى فيه إلى أن فاته صاحب الفرس ولحق بصاحب البغل فأخذه، قال: وأنا أريد أن آتى به سعدا وما من رأى أن أنظر إليه، فجاء مولى لى وأنا أصلى فحط الثقل واستخرج سفطا فنظر إليه وقال لى: أتدرى ما معك؟\rقلت: لا، قال: بعض كنوز كسرى، فنظرت فإذا ناقة ذهب عليها رجل ذهب وبطان ذهب وزمام ذهب، وإذا ذلك كله مكلل بالجوهر عليه مثال رجل من فضة، فأتيت بها سعدا، فقال: أبشر لأفضل منه من ثواب الله، وولانى مغانم القادسية، ومعى غيرى، فجاء رجل بسفط آخر فألقاه فى المغانم، وقال: أما والله لولا خوف الله ما أديته، فإذا الذى جئت به لا يقارب ما جاء به الرجل، فقلت: من أنت؟ قال: والله ما أخبرك لتحمدنى أنت ولا أحد من الناس، وأصاب الناس رثة ومتاعا كبيرا.\rوقال طلحة بن مصرف: أمروا مما جدوا من الطيب للنساء ببعضه، فأصاب كل امرأة مع الناس ثلاثة وثلاثون مثقالا من عنبر، ومثلها من مسك، وأشرك صبيان الذين استشهدوا فى ذلك، فأما الكافور فلم يعبأوا به شيئا، وبعضهم استبدل منه بالملح كيلا بكيل، وأصاب الرجل من المسلمين خمسة آلاف ونيف من سهمه، وصير الله، ﷿، العدة والأداة إلى المسلمين، فلم يبق أحد إلا أردى، وركب، وفضل عنهم حتى جنبوا الجنائب.\rوذكر سيف عن رجاله قالوا: وقسم سعد الفىء بالقادسية على تسعة وثلاثين ألفا أو يزيدون، وكان من شهدها أكثر من تسعة وثلاثين ألفا وأقل من الأربعين، فأصيب منهم خمسة آلاف ومائتان، وقيل وخمسمائة، ثم لحق فى الأيام الثلاثة بعد الوقعة عدد من استشهد فقسم الفىء على تلك العدة التى هى أقل من أربعين ألفا. قالوا: وأعطى الناس المتاع بالقيمة فى سهم الرجل.\rقال إبراهيم بن يزيد: كانوا ليقومون الشىء الثمين بالشىء اليسير.\rوقال الشعبى: لم يقسم يومئذ لأكثر من فرسين، ولا يقسم لأكثر منهما، قالوا: فبلغ سهم الفرسين وصاحبهما سبعة وعشرين ألفا، للرجل خمس ذلك وللفرسين سائر ذلك، وللفرس الواحد بحساب ذلك عشرة آلاف ونيف، وسهم الرجل الواحد خمسة آلاف ونيف، وسهم الرجل الفارس ذى الفرس الواحد خمسة عشر ألفا ونيف، وكان القاسم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084562,"book_id":3509,"shamela_page_id":1125,"part":"2","page_num":496,"sequence_num":1125,"body":"بين الناس والمميز للخيل والذى يلى الأقباض سلمان بن ربيعة الباهلى.\rقال المدائنى: فجاء عمرو بن معدى كرب بفرسين يقودهما، فقال سلمان لأحد الفرسين: هذا هجين، فقال عمرو: الهجين يعرف الهجين، فأغلظ له سعد عند ذلك وهدده. فقال عمرو:\rإذا قتلنا ولا يبكى لنا أحد ... قالت قريش ألا تلك المقادير\rنعطى السوية من طعن له نهل ... ولا سوية إذ تعطى الدنانير\rونح فى الصف قد تدمى حواجبنا ... نعطى السوية مما أخلص الكير\rقالوا «١» : وكتب سعد بالفتح إلى عمر، ﵀، وبعدة من أصيب من المسلمين جملة، وسمى له منهم من كان عمر يعرفه، وكان كتابه إليه:\rأما بعد، فإن الله، ﷿، نصرنا على أهل فارس، ومنحهم سنن من كان قبلهم من أهل دينهم، بعد قتال طويل وزلزال شديد، وقد لقوا المسلمين بعدة لم ير الراؤن مثل زهوها فلم ينفعهم الله بذلك، بل سلبهموه ونفله عنهم إلى المسلمين، واتبعهم المسلمون يقتلونهم على الأنهار وعلى صفوف الآجام وفى الفجاج، وأصيب من المسلمين سعد بن عبيد القارئ، وفلان وفلان، ورجال من المسلمين لا تعلمهم، الله بهم عالم، كانوا إذا جن عليهم الليل يدوون بالقرآن دوى النحل، وهم آساد من الناس لا تشبههم الأسود، ولم يفضل من مضى منهم على من بقى إلا بفضل الشهادة، إذ لم تكتب لهم.\rولما أتى عمر الكتاب بالفتح قام فى الناس فقرأه عليهم، وكان رضى الله عنه، لما أتاه الخبر بنزول رستم القادسية يستخبر الركبان عن أهل القادسية من حين يصبح إلى انتصاف النهار، ثم يرجع إلى بيته، فلما لقيه البشير سأله من أين جاء، فأخبره، فقال: يا عبد الله، حدثنى، قال: هزم الله العدو، وعمر، رضى الله عنه، يخب معه ويستخبره، والآخر يسير على ناقته وهو لا يعرفه حتى دخل المدينة، فإذا الناس يسلمون عليه بإمرة المؤمنين، فقال الرجل: فهلا أخبرتنى، رحمك الله، أنك أمير المؤمنين وجعل عمر يقول له: لا عليك يا أخى.\rوقال عمر للناس عندما قرئ عليهم الفتح: إنى حريص على أن لا أدع حاجة إلا سددتها ما اتسع بعضنا لبعض، فإذا عجز ذلك عنا تأسينا حتى نستوى فى الكفاف، إنى","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٣/ ٥٨٣) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084563,"book_id":3509,"shamela_page_id":1126,"part":"2","page_num":497,"sequence_num":1126,"body":"والله ما أنا بملك فأستعبدكم، ولكنى عبد الله عرض علىّ الأمانة، فإن أبيتها ورددتها عليكم وأتبعتكم حتى تشبعوا وترووا فى بيوتكم سعدت، وإن أنا حملتها واستتبعتكم إلى بيتى شقيت، ففرحت قليلا وحزنت طويلا، وبقيت لا أقال ولا أرد فأستعتب.\rوكتب سعد، أيضا، إلى عمر فى ثلاثة أصناف من المسلمين اجتمعوا إليه يسأله عنهم، عمن أسلم بعد ما فتح الله تعالى، عليهم ممن كان له عهد ومعونة، وعمن أعتق الجند من رقيقهم بعد الفتح، وعمن جاء بعد ما فتح الله عليهم وأخبره أنه ممسك عن القسم حتى تأتيه رأيه.\rقالوا: وكانت طائفة من الديلم ورؤساء أهل المسالح قد استجابوا للمسلمين واختاروا عهودهم على عهد فارس، وقاتلوا مع المسلمين على غير الإسلام، وكانوا حشوة فيمن أسلم منهم، فلما فتح الله تعالى على المسلمين قال أولئك الذين لم يكونوا أسلموا:\rإخواننا الذين سبقونا دخلوا فى هذا الأمر من أول الشأن خير وأصوب رأيا، والله لا يفلح أهل فارس بعد رستم إلا من دخل فى هذا الأمر منهم، فأسلموا، فهم الصنف الأول من الذين سأل عنهم سعد عمر، رضى الله عنهما، قالوا: وتتابع أهل العراق من أصحاب الأيام الذين شهدوا اليرموك ودمشق ورجعوا ممدين لأهل القادسية، فتوافوا بها من الغد ومن بعد الغد جاء أولهم يوم أغواث وآخرهم من بعد الغد من يوم الفتح، وقدمت أمداد فيها وهمدان ومن أبناء الناس، فهذا الصنف الثانى ممن كتب فيهم سعد.\rوأقام المسلمون فى انتظار أمر عمر، رضى الله عنه، يقومون أقباضهم، ويحزرون جندهم ويرمون أمورهم ويجددون حربهم، حتى جاءهم جواب عمر:\rأما بعد، فالغنيمة لمن شهد الوقعة، والمواساة لمن أغاث فى ثلاث بعد الوقعة، فأشركوهم ومن أعانكم فى حربكم من أهل عهدكم، ثم أسلم بعد الحرب فى ثلاث، ومن شهد حربكم من مملوك ثم عتق فى ثلاث بعدها فأشركوا هؤلاء الأصناف الثلاثة فيما أفاء الله عليكم.\rوكانوا كتبوا إليه، أيضا، يسألونه عمن احتلم بعد الوقعة ممن شهدها، فأجابهم عن ذلك:\rأما بعد فمن أدرك الحلم ممن شهد الوقعة فى ثلاث بعدها فأشركوهم وألحقوهم، وأقسموا لهم ولمن لحق فى ثلاث أو أسلم فى ثلاث، فإن الله لن يزيدكم بذلك إلا فضلا، وليست فى الفيوء أسوة بعد الخمس إلا لهؤلاء الطبقات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084564,"book_id":3509,"shamela_page_id":1127,"part":"2","page_num":498,"sequence_num":1127,"body":"وكتبوا إلى عمر، أيضا، أن أقواما من أهل السواد ادعوا عهودا، ولم يقم على عهد الأيام لنا ولم يف به أحد علمناه إلا أهل بانقيا وبسما وأهل أليس الأخيرة، وادعة سائر أهل السواد أن فارس أكرهوهم وحشروهم، فلم يخالفوا إلينا، ولم يذهبوا فى الأرض.\rوكتبوا إليه، أيضا، فى كتاب آخر: أن أهل السواد جلوا، فجاءنا من تمسك بعهده ولم يجلب علينا، فتممنا لهم على ما كان بين المسلمين وبينهم قبلنا، وزعموا أن أهل الأرض قد لحقوا بالمدائن، فأحدث إلينا فيمن أقام وفيمن جلا وفيمن ادعى أنه استكره وحشر فهرب ولم يقاتل، أو استسلم، فإنا بأرض رغيبة، والأرض خلاء من أهلها، وعددنا قليل، وقد كثر أهل صلحنا، وإن أعمر لها وأوهن لعدونا تألفهم.\rفلما انتهى ما كتبوا به إلى عمر، رضى الله عنه، قام فى الناس فقال: إنه من يعمل بالهوى والمعصية يسقط حظه ولا يضر إلا نفسه، ومن يتبع السنة وينته إلى الشرائع ويلزم السبيل النهج ابتغاء ما عند الله لأهل طاعته أصاب أمره وظفر بحظه، وذلك أن الله ﷿ يقول: وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً [الكهف: ٤٩] ، وقد ظهر الأيام والقوادس بما يليهم، وجلا أهله، وأتاهم من أقام على عهدهم، فما رأيكم فيمن زعم أنه استكره وحشر، وفيمن لم يدع ذلك ولم يقم وجلا، وفيمن أقام ولم يدع شيئا، ولم يجل، وفيمن استسلم.\rفأجمعوا على أن الوفاء لمن أقام وكف، وأن من ادعى وصدق بمنزلتهم، ومن كذب نبذ إليهم وأعادوا صلحهم، وأن يجعل أمر من جلا إلى المسلمين، فإن شاؤا وادعوهم وكانوا لهم ذمة، وإن شاؤا أتموا على منعهم من أرضهم، ولم يعطوهم إلا القتال، وأن يخيروا من أقام واستسلم بين الجزاء والجلاء، وكذلك الفلاح.\rفكتب عند ذلك عمر، رضى الله عنه، جوابا عما كتبوا إليه فى ذلك.\rأما بعد، فإن الله ﷿ أنزل فى كل شىء رخصة فى بعض الحالات إلا فى أمرين: العدل فى السيرة، والذكر. فأما الذكر فلا رخصة فيه فى حالة، ولم يرض منه إلا بالكثير، وأما العدل فلا رخصة فيه فى قريب ولا بعيد، ولا فى شدة ولا رخاء، والعدل وإن رئى لنا، فهو أقوى وأطفأ للجور، وأقمع للباطل من الجور، وإن رئى شديدا فهو أنكس للكفر، فمن تم على عهده من أهل السواد ولم يعن عليكم بشىء فله الذمة وعليهم الجزية، وأما من ادعى أنه استكره ممن لم يخالفهم أو يذهب فى الأرض فلا تصدقوهم بما ادعوا من ذلك إلا أن تشاؤا، وإن لم تشاؤا فانبذوا إليهم، وأبلغوهم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084565,"book_id":3509,"shamela_page_id":1128,"part":"2","page_num":499,"sequence_num":1128,"body":"مأمنهم، ومن أقام ولم يجل وليس له عهد فلهم ما لأهل الذمة بمقامهم لكم وكفهم عنكم إجابة، والفلاحون إذا فعلوا ذلك، وكل من ادعى شيئا فصدق فلهم الذمة. وإن كذبوا نبذ إليهم، وأما من أعان وجلا فذلك أمر جعله الله إليكم، فإن شئتم فادعوهم إلى أن يقوموا لكم فى أرضكم، ولهم الذمة وعليهم الجزية، فإن كرهوا ذلك فاقتسموا ما أفاء الله عليكم منهم.\rفلما قدمت كتب عمر على سعد بن مالك والمسلمين عرضوا على من يليهم ممن جلا وتنحى من أهل السواد أن يتراجعوا، ولهم الذمة وعليهم الجزية، وتراجعوا وصاروا ذمة كمن تم ولزم عهده إلا أن خراجهم أثقل، وأنزلوا من ادعى الاستكراه وهرب منزلتهم، وعقدوا لهم، وأنزلوا من أقام منزلة ذى العهد، وكذلك الفلاحون، ولم يدخل فى الصلح ما كان لآل كسرى، ولا ما كان لمن خرج معهم، ولم يجب إلى الإسلام ولا إلى الجزية.\rفصارت فيئا لمن أفاء الله عليه كالصوافى فى الأول، وسائر السواد لهم ذمة، وأخذوهم بخراج كسرى، وكان على رؤس الرجال وما بأيديهم من الحصة والأموال، وكان مما أفاء الله عليهم ما كان لآل كسرى ومن صوب معهم وعيالهم وعيال من قاتل معهم وماله، وما كان لبيوت النيران والآجام ومستنقع المياه، وما كان للسكك، فلم يتأت قسم ذلك الفىء الذى كان لآل كسرى ومن صوب معهم؛ لأنه كان متفرقا فى كل السواد، فكان يليه لأهل الفىء من وثقوا به وتراضوا عليه.\rقالوا: وأدلى جرير وبجيلة يوم القادسية بمثل ما كان عمر جعل لهم من ربع الخمس مما أفاء الله يوم البويب، فكتب سعد إلى عمر بذلك، فاجابه: قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين، إنى إنما كنت جعلت لهم ربع الخمس مما أفاء الله على المثنى حين أمددته بهم فى وجههم ذلك إلى البويب نفلا، فقد أخذوه أيام البويب، ثم لم يمضوا ولكن رجعوا إلى أرض العرب، فعنفهم بما ادعوا مما ليس لهم ولا لى وقل لهم: والله ولولا أنى قاسم مسئول لبلغت منكم.\rفلما بلغ الكتاب سعدا أمر جريرا بجمع بجيلة، فجمعهم له، فقرأ عليهم سعد الكتاب، فقال جرير: صدق والله عمر وأسأنا، وتتابع على ذلك قومه إلا امرأة يقال لها: أم كرز، فإنها قالت: كذبت والله يا جرير، وجعل جرير يقول لها: حلا يا أم كرز، فتعود له بالتكذيب، فلا يزيد على أن يقول: حلا يا أم كرز.\rوخالف المدائنى ما ذكره سيف فى قصة جرير وقومه، وقال: إن سعدا لما جمع الغنائم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084566,"book_id":3509,"shamela_page_id":1129,"part":"2","page_num":500,"sequence_num":1129,"body":"وعزل الخمس، وأراد قسمة الباقى، قال له جرير: إن أمير المؤمنين جعل لنا الربع، وقال بعضهم: الثلث بعد الخمس من كل شىء، فبعث سعد بالخمس إلى عمر، وكتب إليه بقول جرير، فقال عمر: صدق جرير، قد جعلت له ولقومه ما قال من السواد، فخيروهم، فإن شاؤا أعطوا وكان قتالهم للجعالة، وإن شاؤا فلهم سهم المسلمين وقتالهم، فخيرهم سعد فاختاروا سهام المسلمين. فالله أعلم أى ذلك كان.\rوذكر المدائنى، أيضا، أنه كان فيمن قدم على عمر مع الخمس الأسدى الذى طعن الفيل فضربه سائسه على وجهه فهشم وجهه، فقال له عمر: من أنت؟ وما هذه؟ يعنى الضربة التى فى وجهه، قال: أصابنى قدر من قدر الله، فأخبر القوم عمر خبره، فعانقه عمر وقال: أبشر فهى نور لك يوم القيامة، فهل لك من حاجة؟ قال: تكتب إلى سعد يعطينى محتلما وفرسى، فكتب إلى سعد: أعطه محتلمين، ففعل ذلك سعد.\rقال الشعبى: وأمر عمر، رضى الله عنه، فى الأعشار بخمسمائة فرس نفلا من خيل فارس لتقسم فى أهل البلاء، فأصاب كل عشر خمسون فرسا، فأصاب النخع عشرون، وقيل: خمسة وعشرون، وأصاب سائرها، سائر مذحج.\rقالوا: وكتب عمر، ﵀، إلى سعد: أنبئنى أى فارس كان يوم القادسية أفرس، وأى راجل كان أرجل، وأى راكب كان أثبت. فكتب إليه: إنى لم أر فارسا مثل القعقاع بن عمرو حمل فى يوم ثلاثين حملة، فقتل فى كل حملة كميا، ولم أر راجلا مثل يعفور بن حسان الذهلى إنه جاء فى اليوم بخمسة فوارس، يختل الفارس منهم حتى يردفه، ثم يغلبه على عنانه حتى يأتى به سلما، ولم أر راكبا مثل الحارث بن قرم البهزى، إنه جاء ببعيره يرفعه، ثم ركب الكراديس ففرق بينها، فإذا نفر بالفارس انحط عنه فعانقه، ثم قتله، ثم يثب على بعيره من قيام.\rوكتب عمر إلى سعد، أيضا: أنبئنى من وجدت أصبر ليلة الهرير؟ فكتب إليه: إن الحس سكن عنى، حتى إذا كان فى وجه الصبح سمعت انتماء فى مضر وانتماء فى ربيعة ثم انتسابا فى اليمن، فوجدت المنتمين من تميم وأسد وقيس والمنتمين من بكر وحلفاؤها والمنتسبين فى أهل اليمن من مذحج وكندة.\rوفى كتاب المدائنى أن عمر كتب إلى سعد يسأله: أى الناس كان أصبر بالقادسية؟\rفكتب إليه سعد: إن الحرب ركدت ليلة، فلم أسمع إلا هماهم الرجال، وهريرهم، ووقع الحديد، فلما كان قبيل الفجر سمعت الانتماء من كل: أنا ابن معدى كرب، أنا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084567,"book_id":3509,"shamela_page_id":1130,"part":"2","page_num":501,"sequence_num":1130,"body":"الجذامى، أنا المالكى من أسد، أنا الأشعرى، ثم صار الانتماء قصره فى جذيمة، فلما انجلت الحرب رأيت جماعة قتلى فى ربضة، فقلت: من هؤلاء؟ قالوا: من جذيمة النخع، أصيبوا من آخر الليل وهم ينتمون، فنفلهم عمر خمسة وعشرين فرسا، يعنى بنى جذيمة.\rوحكى المدائنى عن الشعبى قال: كان السبى بالقادسية وجلولاء مائة ألف رأس، وقد قيل: أقل من هذا، وقول الشعبى أكثر وأشهر.\rويروى أنه لما كان العطاء فضل من أهل البلاء بالقادسية بخمسمائة خمسمائة فى أعطياتهم خمسة وعشرون رجلا، منهم زهرة بن الجوية وعصمة الضبى والكلح الضبى، وأما أهل البلاء قبلهم ففرض لهم العطاء على ثلاثة آلاف، فضلوا على أهل القادسية.\rوذكر سيف بن عمر عن رجاله، قالوا: كانت العرب توقع وقعة العرب وأهل فارس فى القادسية يرون أن ثبات ملكهم وزواله بها، وكانت فى كل بلدة مصيخة إليها، تنظر ما يكون من أمرها، حتى أن كان الرجل ليريد الأمر فيقول: لا أنظر فيه حتى أرى ما يكون من أمر القادسية، فلما كانت وقعتها سارت بها الجن إلى ناس من الإنس فسبقت أخبار الإنس إليهم، قالوا: فبرزت امرأة ليلا على جبل بصنعاء، لا يدرى من هى، وهى تقول:\rحييت عنا عكرم ابنة خالد ... وما خير زاد بالقليل المصرد\rوحيتك عنى الشمس عند طلوعها ... وحياك عنى كل ناج مفرد\rوحيتك عنى عصبة حنفية ... حسان الوجوه آمنوا بمحمد\rأقاموا لكسرى يضربون جنوده ... بكل رقيق الشفرتين مهند\rوسمع أهل اليمامة مجتازا يغنى بهذه الأبيات:\rوجدنا الأكثرين بنى تميم ... غداة الروع أصبرهم رجالا\rهم ساروا بأرعن مكفهر ... إلى لجب يوازنهم رعالا\rبحور للأكاسر من رجال ... كأسد الغاب تحسبهم جبالا\rهم تركوا بقادس عز فخر ... وبالنجفين أياما طوالا\rمقطعة أكفهم وسوق ... بمردى حيث قابلت الجبالا\rوسمع أهل البحرين راكبا يقول:\rألا حييا أفناء بكر بن وائل ... فقد تركوا جمع الأعاجم واجما\rهم صدقوا يوم القوادس فارسا ... بأسيافهم ضربا يبل القوائما","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084568,"book_id":3509,"shamela_page_id":1131,"part":"2","page_num":502,"sequence_num":1131,"body":"أناخوا لهم فى عرصة الدار وانتموا ... إلى باذخ يعلو الذرى والجماجما\rوسمع سامع بعمان قائلا:\rألا إن عبد القيس كانوا بأسرهم ... غداة قديس كالأسود الشداقم\rوإذا هم من تغلب ابنة وائل ... كتائب تردى بالقنا والقوائم\rهم فرقوا جمع الأعاجم وابتنوا ... قرارهم بالمقربات السواهم\rفقولا لعبد الله أهلا ومرحبا ... وتغلب إذ فضوا هوادى الأعاجم\rوأشقوا رؤس العجم بالبيض وانتموا ... لأكرم أنساب العريب الأكارم\rوذكر الرواة أنهم سمعوا نحو هذا بالمدينة ومكة ونجران، وأنشدوا ما سمع فى كل موضع منها، تركت ذكر ذلك اختصارا.\rومما قيل أيضا فى فتح القادسية من الشعر الذى لم يزل العلماء قديما يروونه، قول بشر بن ربيعة الخثعمى:\rتذكر هداك الله وقع سيوفنا ... بباب قديس والمكر ضرير\rعشية ود القوم لو أن بعضهم ... يعار جناحى طائر فيطير\rإذا ما فرغنا من قراع كتيبة ... برزنا لأخرى كالجبال تسير\rترى القوم منها واجمين كأنهم ... جمال بأحمال لهن زفير\rوعند أبى حفص عطاء لراحل ... وعند المعنى فضة وحرير\rوقال القعقاع بن عمرو يذكر شدة ذلك اليوم وما لقيت الفيول فيه وتأثيره فيها:\rحضض قومى مضر حى بن يعمر ... فلله قومى حين هزوا العواليا\rوما خام عنها يوم سادت جموعنا ... لأهل قديس يمنعون المواليا\rفإن كنت قاتلت العدو بنية ... فإنى لألقى فى الحروب الدواهيا\rفيولا أراها كالليوث مغيرة ... أسمل أعيانا لها ومآقيا\rوقال حمال الأسدى فى مثل ذلك:\rألا هل أتاها يوم أعماس أننى ... أمارس آسادا لها وفيولا\rأمارس فيلا مثل كعبة أبهر ... ترى دونه رجراجة وخيولا\rطعنت برمحى عينه فرددته ... يرشح بولا خشية وجفولا\rوقال الشماخ بن ضرار:\rويوم بجو القادسية إذ سموا ... فعجت بقصاب من الهند نافح","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084569,"book_id":3509,"shamela_page_id":1132,"part":"2","page_num":503,"sequence_num":1132,"body":"أجالدهم والحى حولى كأنهم ... رجال تلاقوا بينهم بالسوافح\rوإنى لمن قوم على أن ذممتهم ... إذا أولموا لم يولموا بالأنافح\rوأنك من قوم تحن نساؤهم ... إلى الجانب الأقصى حنين المنائح\rوقال أيضا:\rفليت أبا حفص رآنا ووقعنا ... بباب قديس بعد ما عدل الصف\rحملنا على الآساد آساد فارس ... كحملة هرماس يحربه الصرف\rوقال عاصم بن عمرو:\rشاب المفارق والأعراض فالتمعت ... من وقعة بقديس جرها العجم\rجاب الكتائب والأوزاع وانشمرت ... من صكة ديانها الحكم\rبينا بجيلة قد كدت سراتهم ... سالت عليهم بأيدى الناصر العصم\rسرنا إليهم كأنا عارض برد ... تزجى تواليه الأرواح والديم\rكان العتيق لهم مثوى ومعركة ... فيها الفرائض والأوصال واللمم\rوقال أبو بجيد، نافع بن الأسود يمدح قوموه، ويذكرهم أثرهم فى الجاهلية والإسلام:\rوقال القضاة من معد وغيرها ... تميمك أكفاء الملوك الأعاظم\rهم أهل عز ثابت وأرومة ... وهم من معد فى الذرى والغلاصم\rوهم يضمنون المال للجار ما ثوى ... وهم يطعمون الدهر ضربة لازم\rسديف الذرى من كل كوماء بازل ... مقيما لمن يعفوهم غير جارم\rفكيف تناحيها الأعاجم بعد ما ... علوا لجسيم المجد أهل المواسم\rوبذل الندى للسائلين إذا اعتفوا ... وكب المتالى فى السنين الأوازم\rومدهم الأيدى إلى غاية العلى ... إذا أقصرت عنها أكف الألائم\rوإرسالهم فى النائبات تلادهم ... لفك العناة أو لكشف المغارم\rوقودهم الخيل العتاق إلى العدى ... ضوارى تردى فى لجاج المخارم\rمجنبة تشكو النسور من الوجى ... يعاندن أعناق المطى الرواسم\rلتنفض وترا أو لتحوى مغنما ... كذلك قدماهم حماة المغانم\rوكائن أصابوا من غنيمة قاهر ... حدائق من نخل بقران ناعم\rوكان لهذا الحى منهم غنيمة ... كما أحرزوا المرباع عند المقاسم\rكذلك كان الله شرف قومنا ... بها فى الزمان الأول المتقادم\rوحين أتى الإسلام كانوا أئمة ... وقادوا معدّا كلها بالخزائم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084570,"book_id":3509,"shamela_page_id":1133,"part":"2","page_num":504,"sequence_num":1133,"body":"إلى هجرة كانت سناء ورفعة ... لباقيهم فيهم وخير مراغم\rإذا الريف لم ينزل عريف بصحبه ... وإذ هو تكفيه ملوك الأعاجم\rفجاءت تميم فى الكتائب نصرة ... يسيرون صفا كالليوث الضراغم\rعلى كل جرداء السراة وملهب ... بعيد مدى التقريب عبل القوائم\rعليهم من الماذى زعف مضاعف ... له حبك من شكة المتلازم\rفقيل لكم مجد الحياة فجاهدوا ... فأنتم حماة الناس عند العظائم\rفصفوا لأهل الشرك ثم تكبكبوا ... وطاروا عليهم بالسيوف الصوارم\rفما برحوا يعصونهم بسيوفهم ... على الهام منهم والأنوف الرواغم\rلدن غدوة حتى تولوا تسوقهم ... رجال تميم ذحلها غير نائم\rمن الراكبين الخيل شعثا إلى الوغى ... بصم القنا والمرهفات القواصم\rفتلك مساعى الأكرمين ذوى الندى ... تميمك لا مسعاة أهل الألائم\rذكر فتح المدائن «١» وما نشأ بينه وبين القادسية من الأمور\rوالمدائن على مسافة بعض يوم من بغداد، ويشتمل مجموعها على مدائن متصلة مبنية على جانبى دجلة شرقا وغربا، ودجلة تشق بينها، ولذلك سميت المدائن. فالمدينة الغربية منها تسمى بهرسير، والمدينة الشرقية تسمى العتيقة، وفيها القصر الأبيض الذى لا يدرى من بناه، ويتصل بهذه المدينة العتيقة المدينة الأخرى التى كانت الملوك تنزلها وفيها الإيوان، إيوان كسرى العجيب الشأن، الشاهد بضخامة ملك بنى ساسان، ويقال: إن سابور ذا الأكتاف منهم هو الذى بناه، وهو من أكابر ملوكهم، وقد بنى ببلاد فارس وخراسان مدنا كثيرة ذكرها أبو بكر بن ثابت الخطيب فى صدر كتابه فى تاريخ بغداد «٢» .\rقال: وكان الإسكندر أجل ملوك الأرض، وقيل: إنه ذو القرنين الذى ذكره الله فى كتابه، فقال: إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً فَأَتْبَعَ سَبَباً","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٣/ ٦١٩) ، الكامل فى التاريخ لابن الأثير (٢/ ٣٥٢- ٣٦١) ، البداية والنهاية لابن كثير (٧/ ٦١، ٦٤- ٦٩) ، الروض المعطار للحميرى (ص ٥٢٦- ٥٢٩) ، معجم البلدان لياقوت (٥/ ٧٥) .\r(٢) انظر: تاريخ بغداد للخطيب البغدادى (١/ ١٢٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084571,"book_id":3509,"shamela_page_id":1134,"part":"2","page_num":505,"sequence_num":1134,"body":"[الكهف: ٨٤، ٨٥] ، حتى بلغ مشارق الأرض ومغاربها، وله فى كل إقليم أثر، فبنى بالمغرب الإسكندرية، وبخراسان العليا على ما يقال سمرقند، ومدينة الصغد، وبخراسان السفلى مرو وهراة، وبناحية الجبل جى ومدينة أصبهان، وبنى مدنا أخرى كثيرة فى نواحى الأرض وأطرافها، وجال الدنيا كلها ووطئها، فلم يختر منها منزلا سوى المدائن فنزلها، وبنى بها مدينة عظيمة، وجعل عليها سورا أثره باق، وهى المدينة التى تسمى الرومية فى جانب دجلة الشرقى، وأقام بالإسكندرية راغبا عن بقاع الأرض كلها وعن بلاده ووطنه.\rوذكر بعض أهل العلم أنها لم تزل مستقرة منذ نزلها حتى مات بها، وحمل منها فدفن بالإسكندرية لمكان والدته، فإنها كانت إذ ذاك باقية هناك.\rوقد كان ملوك الفرس لهم حسن التدبير والسياسة والنظر فى الممالك واختيار المنازل، فكلهم اختار المدائن وما جاورها لصحة تربتها وطيب هوائها واجتماع مصب دجلة والفرات بها.\rويذكر عن الحكماء أنهم كانوا يقولون: إذا أقام الغريب على دجلة من بلاد الموصل تبين فى بدنه قوة، وإذا أقام بين دجلة والفرات بأرض بابل تبين فى عقله زيادة وفى فطنته ذكاء وحدة، وذلك الذى أورث أهل بغداد الاختصاص بحسن الأخلاق والتفرد بجميل الأوصاف، وقل ما اجتمع اثنان متشاكلان، وكان أحدهما بغداديا إلا كان هو المقدم فى لطف الفطنة، وحسن الحيلة، وحلاوة القول، وسهولة البذل، ووجد ألينهما جانبا، وأجملهما معاشرة.\rوكان حكم المدائن إذ كانت عامرة آهلة هذا الحكم، ولم تزل دار مملكة الأكاسرة، ومحل كبار الأساورة، ولهم بها آثار عظيمة، وأبنية قديمة، منها الإيوان الذى لم ير فى معناه أحسن منه صنعة، ولا أعجب عملا، وقد أحسن فى وصفه أبو عبادة الوليد بن عبيد البحترى فى قصيدة له على روى السين يقال إنه ليس للعرب سينية مثلها، ووصف أيضا معه القصر الأبيض، وما كان مصورا فيه من الصور العجيبة والتماثيل البديعة والصنائع الغريبة فأبدع فى وصف ذلك وأحسن ما شاء، فقال:\rحضرت رحلى الهموم فوجه ... ت إلى أبيض المدائن عنس\rأتسلى عن الحظوظ وآسى ... لمحل من آل ساسان درس\rأذكر تنيهم الخطوب التوالى ... ولقد تذكر الخطوب وتنس","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084572,"book_id":3509,"shamela_page_id":1135,"part":"2","page_num":506,"sequence_num":1135,"body":"وهم خافضون فى ظل عال ... مشرف يحسر العيون ويخس\rحلل لم تكن كأطلال سعدى ... فى قفار من البسابس ملس\rومساع لولا المحاباة منى ... لم تطقها مسعاة عنس وعبس\rلو تراه علمت أن الليالى ... جعلت فيه مأتما بعد عرس\rوهو ينبيك عن عجائب قوم ... لا يشاب البيان فيهم بلبس\rوإذا ما رأيت صورة أنطاكي ... ة ارتعت بين روم وفرس\rوالمنايا مواثل وأنو شر ... وان يزجى الصفوف تحت الدرفس\rفى اخضرار من اللباس على أص ... فر يختال فى صبيغة ورس\rوعراك الرجال بين يديه ... فى خفوت منهم وإغماض جرس\rمن مشيح يهوى بعامل رمح ... ومليح من السنان بترس\rتصف العين أنهم جد أحيا ... ء لهم بينهم إشارة خرس\rيغتلى فيهم ارتيابى حتى ... تتقراهم يداى بلمس\rحلم مطبق على الشك عينى ... أم أمان غيرن ظنى وحدس\rوكأن الإيوان من عجب الصن ... عة جوب فى جنب أرعن جلس\rيتظنى من الكآبة إذا يب ... دو لعينى مصبح أو ممس\rمزعجا بالفراق عن أنس إلف ... عز أو مرهقا بتطليق عرس\rعكست حظه الليالى وبات ال ... مشترى فيه وهو كوكب نحس\rفهو يبدى تجلدا وعليه ... كلكل من كلاكل الدهر مرس\rلم يعبه أن بز من بسط الديب ... اج واستل من ستور الدمقس\rمشمخر تعلو له شرفات ... رفعت فى رؤس رضوى وقدس\rلابسات من البياض فما تب ... صر منها إلا جلائل برس\rلست تدرى أصنع إنس لجن ... صنعوه أم صنع جن لإنس\rغير أنى أراه يشهد أن لم ... يك بانيه فى الملوك بنكس\rولا أعلم أحدا من الشعراء وصف القصر الأبيض وهذا الإيوان بأبدع من هذا الوصف ولا أشجى ولا أوقع.\rويروى أن أبا جعفر المنصور، ﵀، لما أفضت إليه الخلافة هم بنقض هذا الإيوان، واستشار فى ذلك جلساءه وذوى الرأى عنده من رجاله، فكلهم وافقه على رأيه وأشار عليه بما يطابق هواه إلا خالد بن برمك، فإنه قال له: لا تفعل يا أمير المؤمنين","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084573,"book_id":3509,"shamela_page_id":1136,"part":"2","page_num":507,"sequence_num":1136,"body":"فإنه آية الإسلام، وإذا رآه من يأتى فى مستقبل الزمان علم أن أصحاب مملكته لم يغلبوا عليه إلا بأمر من عند الله وبتأييد أمد به المسلمين الذين قهروهم، وبقاؤه فخر لكم وذكر، ومع هذا فالمؤونة فى هدمه أكثر من العائد عليه، فاستغشه المنصور فى ذلك، وقال له: يا خالد، أبيت إلا ميلا مع العجمية، ثم أمر بنقض الإيوان، فبلغت النفقة فى نقض الشىء اليسير منه مبلغا عظيما، فكتب إليه بذلك فعزم على تركه، وقال لخالد بن برمك: قد صرنا إلى رأيك، فقال له خالد: إن رأيى الآن أن تبلغوا به الماء، فقال له المنصور: وكيف ذلك؟ قال: لأنى آنف لكم أن يكون أولئك بنوا بناء تعجزون أنتم عن هدمه والهدم أسهل من البناء. ففكر المنصور فى قوله فعلم أنه قد صدق، ثم نظر فإذا هدمه يتلف الأموال فأمر بالإمساك عنه. وكان بعد يقول: لقد حبب إلىّ هذا البناء أن لا أبنى إلا بناء جليلا يصعب هدمه.\rوقد بشر رسول الله ﷺ أصحابه بالاستيلاء على مملكة فارس ووعدهم بافتتاح المدائن، فضرب يوم الخندق بمعول أخذه صخرة عظيمة اعتاصت عليهم فى الخندق، فكسر ثلثها بضربة، وقال: «الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، والله إنى لأبصر قصورها الحمر الساعة» ، ثم ضرب الثانية فكسر ثلثها الثانى وقال: «الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس، والله إنى لأبصر قصر المدائن الأبيض» ، ثم ضرب الثالثة فكسر بقية الحجر وقال:\r«الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، والله إنى لأرى أبواب صنعاء من مكانى هذا الساعة» فصدق الله وعده وأنجز لمحمد ﷺ ما بشرهم به واستأصل بهم مملكة فارس، وفتح عليهم المدائن فى زمان عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، على ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rذكر سيف بن عمر عمن سماه من رجاله «١» وربما زدت فى تضاعيفه من حديث غيره، قالوا: عهد عمر، رضى الله عنه، إلى سعد حين أمره بالمسير إلى المدائن أن يخلف النساء والعيال بالعتيق، ويجعل معهم كثفا من الجند ففعل، وعهد إليه أن يشركهم فى كل مغنم ما داموا يخلفون المسلمين فى عيالاتهم قالوا: وكان مقام سعد بالقادسية بعد الفتح شهرين فى مكاتبة عمر، رضى الله عنه، فى العمل بما ينبغى، فقدم سعد زهرة بن جوية نحو اللسان، وهو لسان البحر الذى أدلعه فى الريف، وعليه الكوفة اليوم، وكانت عليه قبل اليوم الحيرة، وكان النخيرجان معسكرا به فأرفض ولم يثبت حين سمع بمسيرهم إليه، ولحق بأصحابه. ثم أمر سعد عبد الله بن المعتم أن يتبع زهرة وأمر شرحبيل بن السمط أن يتبع عبد الله ثم أتبعهم هاشم بن عتبة وولاه خلافته التى كان","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٣/ ٦١٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084574,"book_id":3509,"shamela_page_id":1137,"part":"2","page_num":508,"sequence_num":1137,"body":"عليها قبل خالد بن عرفطة، وجعل خالدا على الساقة، ثم ارتحل سعد يتبعهم بعد فراغه من أمر القادسية كله، وكل المسلمين فارس مؤد قد نقل الله، ﷿، إليهم ما كان فى عسكر فارس من سلاح وكراع ومال، فسار زهرة حتى ينزل الكوفة، والكوفة كلها حصباء ورملة حمراء مختلطين، ثم نزل عليه عبد الله وشرحبيل، فارتحل زهرة عند ذلك نحو المدائن.\rفلما انتهى إلى برس لقيه بها بصبهرى فى جمع فناوشهم زهرة فهزمهم، وهربوا إلى بابل وبها فالة القادسية وبقايا رؤسائهم، وكان زهرة قد طعن بصبهرى يوم برس فمات من طعنته بعد ما لحق ببابل، وأقبل عند ذلك بسطام دهقان برس فاعتقد من زهرة وعقد له الجسور، وأتاه بخبر الذين اجتمعوا ببابل. وقدموا على أنفسهم الفيرزان، فكتب بذلك زهرة إلى سعد فأتاه الخبر وقد نزل بالكوفة على من بها مع هاشم بن عتبة، فقدمهم ثم أتبعهم حتى نزل برس فقدم منها زهرة وأتبعه الآخرين، ثم أتبعهم حتى نزلوا على الفيرزان ببابل فاقتتلوا فهزموا المشركين فى أسرع من لفت الرداء فانطلقوا على وجهين، ولم تكن لهم همة إلا الافتراق، فخرج الهرمزان نحو الأهواز، وخرج الفيرزان معه حتى طلع على نهاوند، وبها كنوز كسرى، فأخذها وأكل الماهين، وصمد النخيرجان ومهران الرازى للمدائن، حتى عبرا بهرسير إلى جانب دجلة الآخر، ثم قطعا الجسر وخلفا شهريار دهقانا من دهاقين الباب فى جمع بكوثى، فقدم سعد، زهرة بن جوية ثم أتبعه الجنود، فساروا إليه.\rفلما التقى بأطراف كوثى جيش شهريار وأوائل خيل المسلمين، خرج شهريار فنادى: ألا رجل، ألا فارس منكم شديد عظيم يخرج إلىّ حتى أنكلكم به، فقال زهرة وكايده: لقد أردت أن أبارزك، فأما إذ سمعت قولك، فإنى لا أخرج إليك إلا عبدا، فإن أقمت له قتلك وإن فررت منه فإنما فررت من عبد، ثم أمر أبا نباتة نائلا الأعوجى وكان من شجعان بنى تميم، فخرج إليه، مع كل واحد منهما الرمح، وكلاهما وثيق الخلق، إلا أن شهريار مثل الجمل، فلما رأى نائلا ألقى الرمح ليعتنقه، وألقى نائل الرمح ليعتنقه، وانتضيا سيفيهما فاجتلدا، ثم اعتنقا فخرا عن دابتيهما، فوقع شهريار على نائل كأنه بيت، فضعضعه بفخذه، وأخذ الخنجر وأراد حل أزرار درعه ليذبحه، فوقعت إبهامه فى فم نائل، فممضغها فحطم عظمها وأحس منه فتورا، فثاوره فجلد به الأرض، ثم قعد على صدره، وأخذ خنجره فكشف درعه عن بطنه، فطعن فى بطنه وجنبه حتى مات، فأخذ فرسه وسواريه وسلبه، وانكشف أصحابه، فذهبوا فى البلاد، وأقام زهرة بكوثى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084575,"book_id":3509,"shamela_page_id":1138,"part":"2","page_num":509,"sequence_num":1138,"body":"حتى قدم عليه سعد، فغنم سعد نائلا ذلك السلب كله، وقال له: عزمت عليك يا نائل إلا لبست سواريه وقباءه ودرعه وركبت دابته، فانطلق فتدرع سلبه ثم أتاه فى سلاحه على دابته، فقال له سعد: اخلع سواريك إلا أن ترى حربا فالبسهما، وكان أول رجل من المسلمين سور بالعراق.\rقالوا: فأقام سعد بكوثى أياما وأتى المكان الذى حبس فيه إبراهيم، ﵇، بكوثى، والبيت الذى كان فيه محبوسا فنظر إليه وصلى على رسول الله وعلى إبراهيم وعلى أنبياء الله، صلوات الله على جميعهم، وقرأ: وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ [آل عمران: ١٤٠] ، ثم إن سعدا قدم زهرة إلى بهرسير فمضى من كوثى فى المقدمات وتبعته المجنبات، وخرج هاشم، وخرج سعد فى أثره، وقد فل زهرة كتيبة كسرى التى كانت تدعى بوران حول المظلم، مظلم ساباط، وكان رجالها يحلفون كل يوم بالله لا يزول ملك فارس ما عشنا.\rولما انتهى هاشم إلى مظلم ساباط وقف لسعد حتى لحق به، فلما نزل قاله: أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ [إبراهيم: ٤٤] ، ووافق ذلك رجوع المقرط، أسد كان كسرى قد ألفه وتخيره من أسود المظلم، فبادر المقرط الناس حتى انتهى إليهم سعد، فنزل إليه هاشم فقتله، فقبل سعد رأسه، وقبل هاشم قدميه.\rوقال المدائنى: فنظر هاشم إلى الناس وقد أحجموا ووقفوا فقال: ما لهم؟ فقيل له:\rأسد قد منعهم، ففرج هاشم الناس وقصد له فثاوره الأسد وضربه هاشم فقطع موصله كأنما اجتلم به غصنا، ووقعت الضربة فى خاصرته، وقال بعضهم: على هامته، فقتله.\rقالوا: وقدم سعد هاشما إلى بهرسير ثم ارتحل سعد فنزل على البأس بها وجعل المسلمون المتقدمون إليها كلما قدمت عليهم خيل وقفوا ثم كبروا حتى نجز آخر من كان مع سعد، ولما نزل سعد على بهرسير بث الخيول، فأغار على ما بين دجلة إلى من له عهد من أهل الفرات، فأصابوا مائة ألف فلاح، فقال شيرزاذ، دهقان ساباط، وكان قد تلقى زهرة فى طريقه بالصلح وتأدية الجزية، فقال لسعد عند ما أتى بالفلاحين فخندق لهم: إنك لا تصنع بهؤلاء شيئا، إنما هؤلاء علوج لأهل فارس فدعهم إلىّ حتى يفرق لك الرأى فيهم، فكتب عليه بأسمائهم، ودفعهم إليه، فقال لهم شيرزاذ: انصرفوا إلى قراكم.\rوكتب سعد إلى عمر رحمهما الله: إنا وردنا بهرسير بعد الذى لقينا بين القادسية وبهرسير، فلم يأتنا أحد لقتال، فبثثت الخيول فجمعت الفلاحين من القرى والآجام،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084576,"book_id":3509,"shamela_page_id":1139,"part":"2","page_num":510,"sequence_num":1139,"body":"فرأيك. فأجابه عمر: إن من أتاكم من الفلاحين إذا كانوا مقيمين لم يعينوا عليكم فهو أمانهم، ومن لم يأتكم ولم يهرب فهو أمانهم، ومن هرب فأدركتموه فشأنكم به.\rفلما جاء سعدا الكتاب خلى عنهم. وراسله الدهاقين، فدعاهم إلى الإسلام أو الجزاء ولهم الذمة والمنعة، فرضوا بالجزية والمنعة، ولم يبق فى غربى دجلة إلى أرض العرب سوادى إلا أمن واغتبط بملك الإسلام واستقبلوا الخراج.\rوأقام سعد بالناس على بهرسير يرمونهم بالمجانيق ويدبون إليهم بالدبابات، ويقاتلونهم بكل عدة.\rقال بعضهم: وكان سعد عند ما نزلها وعليها خنادقها وحرسها وعدة الحرب استصنع شيرزاذ المجانيق فنصب على أهلها عشرين منجنيقا فشغلهم بها، وكان الأعاجم والعرب مطيفين بهم، وربما خرجوا يمشون على المسنيات المشرفة على دجلة فى جماعتهم وعدتهم لقتال المسلمين، فلا يقومون لهم، فكان آخر ما خرجوا فى رجالة وناشبة، وتجردوا للحرب، وتتابعوا على الصبر، فقاتلهم المسلمون فكذبوا وتوالوا، وكانت على زهرة بن الجوية يومئذ درع مفصومة، فقيل له: لو أمرت بهذا الفصم فسرد فقال: ولم؟ فقالوا: إنا نخاف عليك منه، فقال: إنى لكريم على الله، أن ترك سهم فارس الجند كلهم ثم أتانى من هذا الفصم حتى يثبت فىّ، فكان أول رجل من المسلمين أصيب يومئذ بنشابة، فثبتت فيه من ذلك الفصم، فقال بعضهم: انزعوها عنه، فقال: دعونى، فإن نفسى معى ما دامت فىّ، لعلى أن أصيب فيهم بطعنة أو بضربة أو خطوة، فمضى نحو العدو، فضرب بسيفه شهربراز من أهل اصطخر، فقتله، وأحيط به فقتل وانكشفوا.\rوسيأتى بعد من أخبار زهرة بن الجوية وآثاره فى الوقائع التى لا شك فى كونها بعد هذه ما يوهن خبر قتله المذكور آنفا، والأولى بحسب هذا إن شاء الله أن يكون غير زهرة هو صاحب هذه القصة؛ إذ قد ذكر المدائنى أن هاشم بن عتبة قال لزهير بن سليم الأزدى، قال: ويقال لغيره، ورأى فى درعه فصما، إنى لا آمن أن تصيبك نشابة فى هذا الموضع، فلو سردته قال: لئن تركت نشابة الفارسى جسدى كله إلا هذا الموضع إنى إذا لسعيد، ثم ذكر نحو ما تقدم، فالله أعلم.\rوقال أنيس بن الحليس «١» : بينا نحن محاصرون بهرسير بعد زحفهم وهزيمتهم، أشرف علينا رسول فقال: إن الملك يقول لكم: هل لكم إلى المصالحة على أن لنا ما يلينا من","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٤/ ٧) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084577,"book_id":3509,"shamela_page_id":1140,"part":"2","page_num":511,"sequence_num":1140,"body":"دجلة وجبلها، ولكم ما يليكم من دجلة إلى جبلكم؟ أما شبعتم لا أشبع الله بطونكم؟\rفبدر الناس أبو مفرز الأسود بن قطبة، وقد أنطقه الله، ﷿، بما لا يدرى ما هو ولا نحن، فأجابه بالفارسية ولا يعرف منها شيئا هو ولا نحن، فرجع الرجل ورأيناهم يقطعون إلى المدائن، فقلنا: يا أبا مفرز ما قلت له؟ قال: لا والذى بعث محمدا بالحق ما أدرى ما هو، وإلا أنى علتنى سكينة، وأرجو أن أكون أنطقت بالذى هو خير، وانتاب الناس يسألونه حتى سمع بذلك سعد، فجاءنا فقال: يا أبا مفرز ما قلت له؟ فو الله إنهم لهراب، فحدثه بمثل حديثه إيانا، فنادى فى الناس، ثم نهد بهم، فما ظهر على المدينة أحد ولا خرج إلينا إلا رجل نادى بالأمان فأمناه، فقال: ما بقى أحد فيها فما يمنعكم، فتسورها الرجال، وافتتحناها، فما وجدنا فيها شيئا ولا أحدا، إلا أسارى أسرناهم خارجا منها، فسألناهم وذلك الرجل: لأى شىء هربوا؟ فقال: بعث إليكم الملك يعرض عليكم الصلح، فأجبتموه أنه لا يكون بيننا وبينكم صلح أبدا حتى نأكل عسل أفريذون بأترج كوثى، فقال الملك: وا ويلة ألا أرى الملائكة تكلم على ألسنتهم، ترد علينا وتجيبنا عن العرب، وو الله لئن لم يكن كذلك، ما هو إلا شىء ألقى علىّ فى هذا الرجل لننتهى، فأرزوا إلى المدينة القصوى.\rقالوا: ولما دخل سعد والمسلمون بهرسير أمر بها فثلمت وتحول العسكر إليها ولاح لهم وذلك فى جوف الليل القصر الأبيض، فقال ضرار بن الخطاب: الله أكبر، أبيض كسرى هذا ما وعد الله ورسوله، وتابعوا التكبير حتى أصبحوا.\rوقال القعقاع بن عمرو:\rألم يأتيك والأخبار تنمى ... وتصعد فى الملمعة الفياف\rتوافينا ومنزلنا جميعا ... أمام الخيل بالسمر الثقاف\rقسمنا أرضهم قسمين حتى ... نزلنا مثل منزلهم كفاف\rدعاء ما دعونا آل كسرى ... وقد هم المرازب بانصراف\rوما أن طبهم جبن ولكن ... رميناهم بداعية ذعاف\rفتحنا بهرسير بقول حق ... أتانا ليس من سجع القوافى\rوقد طارت قلوب القوم منا ... وملوا الضرب بالبيض الخفاف\rولما نزل سعد بهرسير، وهى المدينة الدنيا من المدائن، طلب السفن ليعبر بالناس إلى المدينة القصوى منها، فلم يقدر على شىء، ووجدهم قد ضموا السفن، فأقاموا أياما يريدونه على العبور فيمنعه الإبقاء على المسلمين، ودجلة قد طما ماؤها يتدفق جانباها،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084578,"book_id":3509,"shamela_page_id":1141,"part":"2","page_num":512,"sequence_num":1141,"body":"فيروى أنه بينا سعد والمسلمون كذلك إذ سمعوا ليلا قائلا يقول: يا معشر المسلمين، هذه المدائن قد غلقت أبوابها وغيبت السفن وقطعت الجسور فما تنتظرون، فربكم الذى يحملكم فى البر هو الذى يحملكم فى البحر، فندب سعد الناس إلى العبور، فأتاه قوم من العجم ممن قد اعتقد منه ذمة فقالوا: ندلك على موضع أقل غمرا من هذا، فدلوه على ديلمايا «١» .\rوقيل «٢» : إن سعدا رأى رؤيا كأن خيول المسلمين اقتحمت دجلة فعبرتها، وقد أقبلت من المد بأمر عظيم، فعزم على تأويل رؤياه على العبور، وفى سنة جود صيبها متتابع، فجمع الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن عدوكم قد اعتصم منكم بهذا البحر فلا تخلصون إليهم معه، وهم يخلصون إليكم إذا شاؤا، فيناوشونكم فى سفنهم، وليس وراءكم شىء تخافون أن تؤتوا منه، فقد كفاكموهم أهل الأيام، وأعطوا ثغورهم، وأفنوا ذادتهم، وقد رأيت من الرأى أن تبادروا جهاد العدو بنياتكم قبل أن تحصدكم الدنيا: ألا إنى قد عزمت على قطع هذا البحر إليهم، فقالوا جميعا: عزم الله لنا ولك على الرشد فافعل، فقال: من يبدأ ويحمى لنا الفراض حتى يتلاحق به الناس لكيلا يمنعوهم الخروج؟\rفانتدب له عاصم بن عمرو أول الناس، وانتدب معه ستمائة من أهل النجدات، واستعمل عليهم عاصما، فسار فيهم حتى وقف على شاطئ دجلة فقال: من ينتدب معى لنمنع الفراض من عدوكم حتى تعبروا؟ فانتدب له ستون فجعلهم نصفين على خيول إناث وذكور، ليكون أسلس لعوم الخيل، ثم اقتحموا دجلة واقتحم بقية الستمائة على أثرهم وقد شدوا على خيولهم حزمها وألبابها وقرطوها أعنتها وشدوا عليهم أسلحتهم، فلما رأتهم الأعاجم وما صنعوا أعدوا للخيل التى تقدمت خيلا مثلها، فاقتحموا إليهم دجلة، فلقوا عاصما فى السرعان، وقد دنا من الفراض، فقال: الرماح الرماح أشرعوها وتوخوا العيون، فالتقوا، فاطعنوا فى الماء، وتوخى المسلمون عيونهم، فتولوا نحو البر والمسلمون يشمسون بهم خيلهم حتى ما يملكون منها شيئا، فلحقوا بهم فى البر فقتلوا عامتهم، ونجا باقيهم عورانا. ونزلت بالمسلمين خيولهم حتى انتقضت على الفراض، وتلاحق باقى الستمائة بأوائلهم الستين غير متعتعين.\rويروى أن أولئك الستين خرجوا يومئذ من دجلة منقطعين زمرا، الزمرة الأولى تسعة فيهم عاصم، والثانية ثمانية عشر، والثالثة ثلاثة وثلاثون، ويومئذ سميت كتيبة عاصم هذه كتيبة الأهوال، لما رأى منهم فى الماء والفراض.","footnotes":"(١) ديلمايا: موضع بالعراق على دجلة. انظر الخبر والتعريف فى: الروض المعطار (ص ٢٤٩) .\r(٢) انظر: الطبرى (٤/ ٩، ١٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084579,"book_id":3509,"shamela_page_id":1142,"part":"2","page_num":513,"sequence_num":1142,"body":"ولما رأى سعد عاصما على الفراض وقد منعها، أذن للناس فى الاقتحام، وقال: قولوا نستعين بالله، ونتوكل على الله، حسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، وتلاحق عظم الجند فركبوا اللجة، واعترضوا دجلة وإنها لمسودة تزخر، لها حدب يقذف بالزبد، فكان أول من اقتحم سعد بن أبى وقاص، ثم اقتحم الناس، وقد قرنوا أنثى بكل حصان يتحدثون على ظهورها كما يتحدثون على الأرض، وطبقوا دجلة خيلا ودواب ورجالا حتى ما يرى الماء من الشاطئ أحد، وسلمان الفارسى يساير سعدا يحدثه، والماء يطفو بهم، والخيل تعوم، فإذا أعيا فرس استوى قائما يستريح كأنه على الأرض، فقال قيس بن أبى حازم: إنى لأسير فى دجلة فى أكثر مائها إذ نظرت إلى فارس وفرسه كأنه واقف ما يبلغ الماء حزامه.\rوقال بعضهم: لم يكن بالمدائن أمر أعجب من ذلك، فقال سعد: ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [فصلت: ١٤] .\rوفى رواية أنه قال لسلمان وهو يسايره فى الماء: والله لينصرن الله وليه، وليظهرن الله دينه، وليهزمن عدوه، إن لم يكن فى الجيش بغى أو ذنوب تغلب الحسنات، فقال سلمان: يا أبا إسحاق، الإسلام جديد، ذلل الله لكم البحر كما فرقه وذلله لبنى إسرائيل، والذى نفس سلمان بيده، لتخرجن منه أفواجا كما دخلتموه أفواجا، فخرجوا منه كما قال سلمان، لم يفقدوا شيئا، ولم يغرق فيه أحد.\rقال أبو عثمان النهدى «١» : إلا رجلا من بارق يدعى غرقدة، زل عن ظهر فرس له شقراء، كأنى أنظر إليها عريا تنفض عرفها، والغريق طاف، فثنى القعقاع بن عمرو عنان فرسه إليه، فجره حتى عبر، فقال البارقى: وكان من أشد الناس: أعجزت الأخوات أن يلدن مثلك يا قعقاع وكانت للقعقاع فيهم خؤولة.\rوقال بعض رجال سيف بن عمر «٢» : إنه لم يذهب للمسلمين يومئذ فى الماء شىء إلا قدح كانت علاقته رثة، فانقطعت، فذهب به الماء، فقال الرجل: الذى كان يعاوم صاحب القدح «٣» معيرا له: أصابه القدر فطاح، فقال: إنى لأرجو والله أن لا يسلبنى الله قدحى من بين أهل العسكر، وإذا رجل من المسلمين ممن تقدم ليحمى الفراض قد سفل","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٤/ ١٠) .\r(٢) انظر: الطبرى (٤/ ١٢) .\r(٣) هو: مالك بن عامر، حليف لقريش من عنزة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084580,"book_id":3509,"shamela_page_id":1143,"part":"2","page_num":514,"sequence_num":1143,"body":"حتى طلعت عليه أوائل الناس، وقد ضربت الرياح والأمواج القدح حتى وقع إلى شاطئ، فتناوله برمحه، فجاء به إلى العسكر فعرّفه، فعرفه صاحبه فأخذه، وقال لصاحبه الذى كان يعاومه: ألم أقل لك؟ فيروى أن عمر، ﵀، بلغه ما كان قال له صاحبه أولا، فأنكره وأرسل إليه: أنت القائل أصابه القدر فطاح؟ تفجع مسلما!.\rوقال الأسود بن قطبة أبو مفزر يرتجز يومئذ:\rيا دجل إن الله قد أشجاك ... هذى جنود الله فى قراك\rفلتشكرى الذى بنا حباك ... ولا تروعى مسلما أتاك\rوقال عاصم بن عمرو فى ذلك:\rألا هل أتاها أن دجلة ذللت ... على ساعة فيها القلوب تقلب\rترانا عليها حين عبّ عبابها ... تبارى إذا جاشت بموج تصوب\rنفينا بها كسرى عن الدار فانتوى ... لأبعد ما ينوى الركيك الموقب\rقال: وفجأ المسلمون أهل فارس من هذا العبور بأمر لم يكن فى حسبانهم، فأجهضوكم وأعجلوهم عن حمل أموالهم، وخرجوا هرابا، وقد كان يزدجرد خرج قبلهم إلى حلوان فنزلها بعد أن قدم إليها عياله حين أخذت بهرسير وخرجوا معهم بما قدروا عليه من حر متاعهم وخفيفه، وبالنساء والذرارى وما قدروا عليه من بيت المال، وتركوا فى الخوائن من الثياب والمتاع والآنية والألطاف والأدهان ما لا يدرى ما قيمته، وخلفوا ما كانوا أعدوا للحصار من البقر والغنم وكل الأطعمة والأشربة، فدخل المسلمون المدائن واستولوا على ذلك كله فكان أول من دخلها كتيبة الأهوال، ثم تبعتها الخرساء، كتيبة سعد، فأخذوا فى سككها لا يلقون أحدا ولا يحسونه إلا ما كان فى القصر الأبيض، فأحاطوا بهم ودعوهم فاستجابوا لسعد على الجزاء والذمة، ويرجع إليها أهل المدائن على مثل عهدهم، ليس فى ذلك ما كان لآل كسرى ومن خرج معهم.\rونزل سعد القصر الأبيض وسرح زهرة فى آثار القوم إلى النهروان فانتهى إليها، وسرح مقدار ذلك فى طلبهم من كل وجه.\rوقال حبيب بن صبهان «١» : لما عبر المسلمون دجلة، جعل أهل فارس وهم ينظرون إليهم يعبرون يقول بعضهم لبعض بالفارسية ما تفسيره بالعربية: إنكم والله ما تقاتلون الإنس وإنما تقاتلون الجن.","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٤/ ١٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084581,"book_id":3509,"shamela_page_id":1144,"part":"2","page_num":515,"sequence_num":1144,"body":"قالوا: وما زالت حماة أهل فارس يقاتلون على ماء الفراض يمنعون المسلمين من العبور، حتى ناداهم مناد: علام تقتلون أنفسكم؟ فو الله ما فى المدائن من أحد، فانهزموا واقتحمتها الخيول عليهم، ولما دخلها سعد فرأى خلوتها وانتهى إلى إيوان كسرى أقبل يقرأ كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ [الدخان: ٢٥، ٢٨] ، وصلى فيه صلاة الفتح، ولا تصلى جماعة، فصلى ثمانى ركعات لا يفصل بينهن، واتخذ الإيوان مسجدا، وفيه تماثيل الجص رجال وخيل، فلم يمتنع هو ولا المسلمون، يعنى من الصلاة فيه، لأجلها، وتركوها على حالها، وأتم سعد الصلاة يوم دخلها لأنه أراد المقام بها. وبالمدائن كانت أول جمعة جمعت بالعراق فى صفر سنة ست عشرة. ووكل سعد بالأقباض من يجمعها «١» ، وأمره بجمع ما فى القصر والإيوان ومنازل كسرى وسائر الدور، وإحصاء ما يأتيه به الطلب، وقد كان أهل المدائن تأهبوا عند المدائن للغارة، ثم طاروا فى كل وجه، فما أفلت أحد منهم بشىء ولا بخيط، ألح عليهم الطلب فتنفذوا ما فى أيديهم، ورجعوا بما أصابوا من الأقباض، فضموها إلى ما قد جمع.\rوقال حبيب بن صبهان: دخلنا المدائن، فأتينا على قباب تركية مملوءة سلالا مختمة بالرصاص، فما حسبناها إلا طعاما، فإذا هى آنية الذهب والفضة وقسمت بعد بين الناس.\rقال: ولقد رأيت الرجل يطوف ويقول: من معه بيضاء بصفراء؟ وأتينا على كافور كثير فما حسبناه إلا ملحا، فجعلنا نعجن به حتى وجدنا مرارته فى الخبز.\rوعن الرفيل بن ميسور «٢» قال: خرج زهرة، يعنى ابن الجوية، فى المقدمة يتبعهم حتى انتهى إلى جسر النهروان وهم عليه، فازدحموا فوقع بغل فى الماء وعجلوا عنه ثم كلبوا عليه، فقال زهرة: أقسم بالله إن لهذا البغل لشأنا، ما كلب القوم عليه ولا صبروا للسيوف بهذا الموقف الضنك بعد ما أرادوا تركه إلا لشىء، فترجل حتى إذا أزاحهم أمر أصحابه فاحتملوا البغل بما عليه حتى أدوه إلى الأقباض ما يدرون ما عليه، وإذا الذى عليه حلية كسرى، ثيابه وخرزاته ووشاحه ودرعه التى كان فيها الجوهر، وكان يجلس فيها للمباهاة.","footnotes":"(١) هو: عمرو بن عمرو بن مقرن.\r(٢) انظر: الطبرى (٤/ ١٧) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084582,"book_id":3509,"shamela_page_id":1145,"part":"2","page_num":516,"sequence_num":1145,"body":"وقال الكلج الضبى: كنت فيمن خرج للطلب، فإذا أنا ببغالين قد ذبا الخيل عنهما بالنشاب، فما بقى معهما غير نشابتين، فالتظظت بهما، فاجتمعا، وقال أحدهما لصاحبه: ارمه وأحميك، أو أرميه وتحمينى، فحمى كل واحد منهما صاحبه حتى رميا بهما. ثم إنى حملت عليهما فقتلتهما، وجئت بالبغلين ما أدرى ما عليهما، حتى بلغتهما صاحب الأقباض، فإذا هو يكتب ما يأتيه به الرجال وما كان فى الخزائن والدور، فقال:\rعلى رسلك حتى ننظر ما معك فحططت عنهما، فإذا سفطان على أحد البغلين فيهما تاج كسرى مفسخا، وكان لا تحمله إلا أسطوانتان، وفيهما الجوهر، وعلى الآخر سفطان فيهما ثياب كسرى التى كان يلبس من الديباج المنسوج بالذهب المنظوم بالجوهر وغير الديباج منسوجا منظوما.\rقالوا «١» : وخرج القعقاع يومئذ فى الطلب، فلحق بفارسى يحمى الناس، فاقتتلا فقتله القعقاع، وإذا معه جنبية عليها عيبتان وغلافان فى أحدهما خمسة أسياف وفى الآخر ستة، وفى العيبتين أدراع، درع كسرى ومغافره وساقاه وساعداه، ودرع هرقل، ودرع النعمان، ودرع داهر، ودرع سياوخش، ودرع بهرام شوبين، وكانوا استلبوا ما لم يرثوا منها، مما استلبوا أيام غواتهم خاقان وهرقل وداهر، وأما النعمان وبهرام فحين هربا وخالفا كسرى. وفى أحد الغلافين سيف كسرى وهرمز وكسوتى قباذ وفيروز، وفى الآخر سيوف سائر من نسبت إليه دروع من تلك الدروع، فجاء القعقاع بذلك كله إلى سعد، فقال له: اختر أحد هذه الأسياف، فاختار سيف هرقل، وأعطاه إياه معه درع بهرام، ونفل سعد سائر ذلك فى الخرساء، كتيبته، إلا سيف كسرى والنعمان، فإنه بعث بهما إلى عمر فى الأخماس مع حلى كسرى وتاجه وثيابه، ليرى ذلك المسلمون، ولتسمع به العرب، لمعرفتهم بها.\rوقال عصمة الضبى «٢» : خرجت فيمن خرج يطلب، فأخذت طريقا مسلوكا فإذا عليه حمّار، فلما رآنى حث حماره فلحق آخر قدامه، فمالا، وحثا حماريهما، فانتهينا إلى جدول قد كسر جسره، فثبتا حتى أتيتهما، ثم تفرقا، ورمانى أحدهما فألظظت به حتى قتلته، وأفلت الآخر، فرجعت إلى الحمارين، فأتيت بهما صاحب الأقباض، فنظر فيما على أحدهما، فإذا سفطان فى أحدهما فرس من ذهب مسروج بسرج من فضة على ثغره ولببه الزمرد والياقوت منظومين على الفضة، ولجام كذلك، وفارس من فضة مكلل","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٤/ ١٨) .\r(٢) انظر: الطبرى (٤/ ١٨، ١٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084583,"book_id":3509,"shamela_page_id":1146,"part":"2","page_num":517,"sequence_num":1146,"body":"بالجوهر، وإذا فى الآخر ناقة من فضة عليها شليل من ذهب، وبطان من ذهب وزمام من ذهب، وكل ذلك منظوم بالياقوت، وإذا عليها رجل من ذهب مكلل بالجوهر، كان كسرى يضعهما إلى أسطوانتى التاج.\rوعن أبى عبيدة العنبرى «١» قال: لما هبط المسلمون بالمدائن، وجمعوا الأقباض، أقبل رجل بحق فدفعه إلى صاحب الأقباض، فقال هو والذين معه، لما نظروا إلى ما فيه: ما رأينا مثل هذا قط، ثم قالوا له: هل أخذت منه شيئا؟ فقال: لا والله لا أخبركم لتحمدونى، ولا غيركم ليقرظونى، ولكنى أحمد لله وأرضى بثوابه. فأتبعوه رجلا حتى أتى إلى أصحابه، فسأل عنه، فإذا هو عامر بن عبد قيس.\rويروى أن سعدا، ﵀، قال حين رأى ما رأى من ورع الناس وكونهم لم يتعلق على أحد منهم بغلول فيما جمعوا من الغنائم: والله إن هذا الجيش لأهل أمانة، ولولا ما سبق لأهل بدر ما فضلتهم عليهم، ولقد نالت الدنيا من رجال من أهل بدر حين أصابوها.\rوقال جابر بن عبد الله: والله الذى لا إله إلا هو، ما اطلعنا على أحد من أهل القادسية يريد الدنيا مع الآخرة.\rقال بعضهم: ولقد كانوا يخافون قيس بن مكشوح، وعمرو بن معدى كرب، وطليحة بن خويلد، وأشباههم على الغلول، فما تعلق على أحد منه بشىء يكرهونه ولا أرادوا الدنيا.\rولما قدم على عمر، ﵀، بسيف كسرى ومنطقته وزبرجه، قال: إن أقواما أدوا هذا لذووا أمانة. فقال على، رضى الله عنه: إنك عففت فعفت الرعية.\rقالوا: ولما اجتمعت الغنائم، وتراجع الطلب قسم سعد بين الناس فيئهم بعد ما خمسه، فأصاب الفارس اثنا عشر ألفا، وكلهم كان فارسا ليس فيهم راجل، وكانت الجنائب فى المدائن كثيرة، ويقال: كانوا بين أهل الأيام وأهل القادسية الذين لم يشهدوا الأيام، وبين من لحق بهم فى ثلاث من غير أهل الأيام بالقادسية، وبين أهل الروادف ستين ألفا، وقسم سعد دور المدائن بين الناس، وأوطنوها، وكان الذى ولى القبض عمرو بن عمرو المزنى، والذى ولى القسم سلمان بن ربيعة.","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٤/ ١٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084584,"book_id":3509,"shamela_page_id":1147,"part":"2","page_num":518,"sequence_num":1147,"body":"وقال الشعبى «١» : بعث سعد إلى العيالات فأنزلهم الدور لما قسمها وفيها المرافق، فأقاموا بالمدائن حتى فرغوا من جلولاء وحلوان وتكريت والموصل، ثم تحولوا إلى الكوفة بعد.\rقالوا: وجمع سعد الخمس، وأدخل فيه كل شىء أراد أن يعجب به عمر، من ثياب كسرى وحليه وسيفه ونحو ذلك، ونفل من الأخماس فى أهل البلاء، ولم يجهدها، وفضل بعد القسم بين الناس، وإخراج الخمس، القطف فلم يعتدل، فقال للمسلمين: هل لكم فى أن تطيب أنفسنا عن أربعة أخماسه، ونبعث به إلى عمر فيضعه حيث يرى، فإنا لا نراه يتفق: وهو بيننا قليل، وهو يقع من أهل المدينة موقعا؟ فقالوا: نعم، فبعث به على ذلك الوجه، والقطف هو بهار كسرى ثقل عليهم أن يذهبوا به، فتركوه بالمدائن، فأصابه المسلمون، وكان بساطا واحدا ستين ذراعا فى ستين ذراعا فيه طرز كالسور وفصوص كالأنهار، وفى خلال ذلك كالدير، فى حافاته كالأرض المزروعة والأرض المبقلة بالنبات فى الربيع من الحرير على قضبان الذهب ونواره بالذهب والفضة وأشباه ذلك. وكانوا يعدونه للشتاء إذا ذهبت الرياحين، فكان إذا أرادوا الشراب شربوا عليه، فكأنهم فى رياض، وكانت العرب تسميه القطف، فبعث به سعد مع الأخماس إلى عمر، رضى الله عنه، مع بشير بن الخصاصية، فلما قدم عليه نفل من الخمس أناسا، وقال: إن الأخماس ينفل منها من شهدها ومن غلب من أهل البلاء فيما بين الخمسين، ولا أرى القوم جهدوا الخمس، ثم قسم الخمس فى مواضعه، ثم قال: أشيروا علىّ فى هذا القطف. فأجمع ملؤهم على أن قالوا: قد جعلوا ذلك لك، فراء رأيك، إلا ما كان من على، رضى الله عنه، فإنه قال: يا أمير المؤمنين، الأمر كما قالوا: ولم يبق إلا التروية، إنك إن تقبله اليوم على هذا لم تعدم فى غد من يستحق به ما ليس له، قال: صدقتنى ونصحتنى.\rوفى رواية أن عمر، رضى الله عنه، استشارهم فيه، فمن بين مشير بقبضه، وآخر مفوض إليه، وآخر مرفق، فقام على، رضى الله عنه، حين رأى عمر تأنى حتى انتهى إليه، فقال: لم تجعل علمك جهلا، ويقينك شكّا إنه ليس لك من الدنيا إلا ما أعطيت فامضيت، أو لبست فأبليت، أو أكلت فأفنيت. قال: صدقتنى، فقطعه فقسمه بين الناس، فأصاب عليا قطعة منه، فباعها بعشرين ألفا، وما هى بأجود تلك القطع.\rوذكر المدائنى أن عمر حين قال له على: إن بلته لم تعدم بعدك من يستحق مأثما","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٤/ ٢١) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084585,"book_id":3509,"shamela_page_id":1148,"part":"2","page_num":519,"sequence_num":1148,"body":"بك، صرفه إلى سعد، وكتب إليه: أن بعه واقسم ثمنه على من أفاءه الله عليهم.\rقال رجال سيف «١» : ولما أتى عمر بحلى كسرى وزيه فى المباهاة، وفى غير ذلك، وكانت له عدة أزياء لكل حالة زى، قال: علىّ بمحلم، وكان أجسم عربى يومئذ بأرض المدينة، فألبس تاج كسرى على عمودين من خشب، وصب عليه أوشحته وقلائده وثيابه، وأجلس للناس، فنظر إليه عمر، ونظر إليه الناس، فرأوا أمرا عظيما من أمر الدنيا وفتنتها، ثم قام عن ذلك، فألبس زيه الذى كان يلبسه، فنظروا إلى مثل ذلك فى غير نوع، حتى أتى على الأزياء كلها، ثم ألبسه سلاحه، وقلده سيفه، فنظروا إليه فى ذلك، ثم وضعه ثم قال: والله إن أقواما أدوا هذا لذووا أمانة، ونفل سيف كسرى محلما، هكذا وقع ذكر محلم فى هذا الحديث، ولا أعرف ولا أعلم فى ذلك الصدر من اسمه محلم إلا محلم بن جثامة، ويقال: إنه توفى على عهد رسول الله ﷺ، وقصته فى الدم الذى أصابه، والعفو عند وجوب القود، ودعاء النبى ﷺ لما مثل بين يديه، قصة مشهورة.\rوقد قيل: إنه عاش بعد النبى ﷺ فالله أعلم.\rوكذلك قيل: إن الذى ألبسه عمر سوارى كسرى هو سراقة بن مالك المدلجى.\rوروى سفيان بن عيينة عن أبى موسى، عن الحسن أن رسول الله ﷺ قال لسراقة بن مالك»\r: «كيف بك إذا لبست سوارى كسرى؟» «٣» قال: فلما أتى عمر بسوارى كسرى ومنطقته وتاجه دعا سراقة فألبسه إياهما، وكان سراقة رجلا أزب كثير شعر الساعدين، وقال له: ارفع يديك فقل: الحمد لله، الله أكبر، الحمد لله الذى سلبهما كسرى بن هرمز الذى كان يقول: أنا رب الناس، وألبسهما سراقة بن مالك بن جعشم أعرابيا من بنى مدلج، ورفع بها عمر صوته.\rوذكر أبو الحسن المدائنى فى فتوح العراق خبر المدائن، فخالف فيه كثيرا مما تتقدم وزاد ونقص، وسأذكر من ذلك ما يحسن ذكره على سبيل الاختصار والتوخى لحذف ما يكون ذكره تكرارا إلا ما يعتاض فضله من الحديث للحاجة إليه.","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٢٢، ٢٣) .\r(٢) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (٣١٢٢) ، أسد الغابة ترجمة رقم (١٩٥٥) ، الثقات (٣/ ١٨٠) ، تجريد أسماء الصحابة (١/ ٢١٠) ، تقريب التهذيب (١/ ٢٨٤) ، تهذيب التهذيب (٣/ ٤٥٦) ، تهذيب الكمال (١/ ٤٦٦) ، الجرح والتعديل (٤/ ١٣٤٢) ، شذرات الذهب (١/ ٣٥) ، العبر (١/ ٢٧) ، العقد الثمين (٤/ ٥٢٣) .\r(٣) انظر الحديث فى: إتحاف السادة المتقين للزبيدى (٧/ ١٨) ، الشفاء للقاضى عياض (١/ ٦٧٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084586,"book_id":3509,"shamela_page_id":1149,"part":"2","page_num":520,"sequence_num":1149,"body":"فمن ذلك أن يزدجرد لما غلب سعد على مدينة نهرسير واعتقد أهل غربى دجلة منه الذمة نقل خزائنه وأمواله ودواوينه إلى حلوان، وأقام فى الإيوان فى مقاتلته، وسعد والمسلمون فى دير المنازل، فبينما هم به ودجلة قد طماها ماؤها يتدفق جانباها، إذ سمعوا ليلا قائلا يقول: يا معشر المسلمين، هذه المدائن غلقت أبوابها، وغيبت السفن، وقطعت الجسور، فما تنتظرون، فربكم الذى يحملكم فى البر يحملكم فى البحر؟ فندب سعد الناس إلى العبور، ثم ساق الحديث فى ركوبهم دجلة على ظهور خيلهم نحوا مما تقدم، ثم قال: ونظر ضرار بن الخطاب والمسلمون فرأوا بناء أبيض، فقال ضرار: الله أكبر، أبيض المدائن ورب الكعبة، وهرب أهل المسالح حين عبر المسلمون، واعروها وقالوا: هؤلاء من السماء، وخرج أهل الرومية ومن كان فيها من الأساورة معهم الفيلة فقاتلهم المسلمون، فكانت الفيلة تهم فى وجوه الخيل، والمسلمون قليل ليست لهم رجالة تقاتل عن خيلهم، فكانت الخيل تنفر، فأتى رجل سعدا فقال: تؤمننى على نفسى وأهلى ومالى وأدلك على ما ترد به الفيلة؟ قال: نعم. قال: الخنازير. قال: وأنى لى بها؟ قال: أنا أجيئك بها، فجاءه بخنازير فضربت فجعلت تقيع فى وجوه الفيلة، فولت وانهزم المشركون. فوقف رجل يحميهم واعترض الطريق فلما دنا منه المسلمون ضرب فرسه ليقدم عليهم، فاعتاص وضربه ليهرب، فاعتاص فطعنه رجل من المسلمين فقتله، ودخل الآخرون الرومية، ومضى الأساورة إلى يزدجرد بالإيوان، فهرب هو وأساورته ومقاتلته، وسمعوا صوتا من ورائهم علام تقتلون أنفسكم وقد ذهبت مدة ملككم.\rومضى سعد إلى المدينة العتيقة، فمر المسلمون بمجلس لكسرى كان يسمى بهشت إيوان، فوقفوا ينظرون إليه وقد تقدم سعد فانطوى عليه، فظن أنهم اقتطعوا، فسأل عنهم، فأخبر، فقال لبعض من معه من العجم: ما هذا المجلس؟ قالوا: بهشت إيوان.\rقال: وما تفسيره؟ قالوا: الجنة. فأرسل سعد قوما فأحرقوه، وخرج أهل المدائن إلى سعد فتلقوه بجامات الذهب والفضة مملوءة دنانير ودراهم يسألونه الأمان على أن يعطوا الجزية، فقبل ذلك منهم، ونزل القصر الأبيض، وأمر أهل المدائن فعقدوا الجسر، فعبر المسلمون جميعا وأثقالهم وإبلهم، وتحول سعد فعسكر فى مكانين على الناقوس وعلى نهر أبغش، بين العسكرين ميل، وكان أكثر العسكرين أهلا الذين على نهر أبغش، واتخذ سعد مسجدا على الناقوس فهو إلى اليوم يسمى مسجد العسكر، وصلى فيه على بن أبى طالب حين قدم المدائن وهو يريد صفين.\rولم يأخذ سعد من المدينة ومن أهلها إلا ما كان للملك وأهل بيته ولمن هرب،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084587,"book_id":3509,"shamela_page_id":1150,"part":"2","page_num":521,"sequence_num":1150,"body":"وأصابوا فى خزائنهم ما عجزوا عن حمله من المتاع وصنوف الأطعمة ما لا يوصف كثرة، فأمر سعد بجمع ذلك، فجمع وولاه النعمان بن مقرن ثم تلا:\rأَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ [إبراهيم: ٤٤، ٤٥] .\rوكتب سعد إلى عمر بفتح المدائن وبهرب ابن كسرى، فكتب إليه عمر:\rأوصيك بتقوى الله الذى بتقواه سعد من سعد وبترك تقواه شقى من شقى، وقد عرفت بلاء الله عندنا أيها الرهط أنه استنقذنا من الشرك وأهله، وأخرجنا من عبادة أوثانهم، وهدانا من ضلالتهم، وعرفت مخرجنا من عندهم، كيف خرجنا، وأن الرهط على بعير عليه أنفسهم وزادهم يتعاور اللحاف الواحد العدة منا من بلغ مأمنه منا بلغ مجهودا، ومن أقام فى أرضه أقام مفتونا فى دينه معذبا فى بدنه، أشد أهله عليه أقربهم منه، ورسول الله ﷺ يقسم بالله لتأخذن كنوز كسرى وقيصر، يعجب من ذلك من سمعه، فأبقاك الله حتى وليت ذلك بنفسك، فأعرض عن زهرة ما أنت فيه، حتى تلقى الخماص الذين ذهبوا فى شمالهم، لاصقة بطونهم بظهورهم، ليس بينهم وبين الله حجاب، لم تفتنهم الدنيا، ولم يغتروا بها، فاقتدوا بهديهم، ولا تضللن أنفسكم، وكونوا الأمة الممدوحة المباركة التى قال الله ﵎: وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ [الأنبياء:\r٧٣] .\rقال: وحصر سعد الرومية تسعة أشهر حتى أكل السنانير والكلاب بعضهم، فأتى سعدا رجل مستأمن، فسأله الأمان لنفسه وأهله، على أن يدله على عورة المدينة، فأمنه فدله على مجرى الماء إلى المدينة، وكان يأتيهم الماء فى قناة من دجلة، فغورها المسلمون فارتحل أهل الرومية حين انقطع الماء عنهم من ليلتهم، وحملوا ما خف من أموالهم، وخرجوا على حامية معهم أثقالهم، فأخذوا طريق خراسان، فأتت امرأة منهم سعدا فسألته الأمان فأمنها، فقالت لم يبق فى المدينة أحد من المقاتلة ولا عيالاتهم، بقى قوم ضعفاء، فدخلها سعد، فأصابوا متاعا كثيرا وسلاحا وسبيا قليلا، فبعث بخمس ما أصاب من الرومية، وما صالح عليه أهل المدائن إلى عمر مع بشير بن الخصاصية.\rوذكر من حديث البساط الذى مر ذكره نحوا مما تقدم.\rوذكر، أيضا، عن حرملة بن صدقة بإسناده إليه قال: غزوت خراسان فرأيت رجلا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084588,"book_id":3509,"shamela_page_id":1151,"part":"2","page_num":522,"sequence_num":1151,"body":"من العجم يشبه الروم فسألنى عن مسكنى، فقلت: المدائن، قال: أيها؟ قلت: الرومية.\rقال: فأين منزلك منها؟ فوصفته له، قال: هذه دارى، إنى أحدث أصحابى عنها وعن حالى، وما كنت فيه فيكذبوننى، ولقد دفنت حين حصرنا العرب فى الدكان التى على باب الدار عشرة آلاف درهم وآنية ذهب وفضة كثيرة، فأغضيت على ما قال، واستأذنت أميرى فى القفل، فأذن لى، فقدمت فاحتفرت ذلك الموضع فأصبت ما قال على ما قال، فأحرزته ورجعت إلى مركزى.\rقال المدائنى: واقتسم المسلمون الرومية أرباعا فنزلوها، ونسبت الأرباع إلى قبائل، ومعهم فيها غيرهم، غير أنه قيل: ربع عبد القيس وربع بجيلة وأسد وربع خزاعة وربع بقى على ما كان يسمى فى الجاهلية، طسوج هندوان.\rوكان كسرى أنزله قوما من الزط فهو يسمى بذلك الاسم إلى اليوم، واتخذ آل صوخان مسجدا بالرومية، واختطت القبائل فيما حول الإيوان، ونزلوا المدينة العتيقة، ولم ينزلوا إلا ما كان للملك ولأهل بيته ولمن هرب مما لم يصالح عليه، فاختط حول الإيوان والرومية تميم وسليم وعبس وبكر ومزينة وجهينة وهمدان وثقيف والأنصار ومراد، ونزل بنو أسد الفارقين، ونزل المسلمون الإيوانات وبيوت النيران والمرابط والسكك ودور الضرب والدواوين، وصار بستان الملك الذى كان يدخله إذا فرغ من الزمزمة مقابر للمسلمين، ونزل حذيفة مربط يزدجرد، ونزل سعد القصر الأبيض والمسجد الذى يجتمعون فيه مسجد العسكر على الناقوس، فلم يزل المسلمون بالمدائن وما حولها حتى تحولوا إلى الكوفة، فتركوا خططهم على حالها تعرف بهم، وأقام قوم اتخذوا الضياع بالسواد، فلم يتحولوا، وكان مقامهم بعد الحرب سنتين.\rوذكر أيضا أن سعد بن أبى وقاص كان حين سار إلى المدائن خلف قوما بأرض الكوفة، فقسم لهم مع من شهد المدائن حين فتحها، فقام إليه رجل من هذيل فقال له:\rعمدت إلى فيئنا فأعطيته من لم يشهد، وركب إلى عمر فشكا سعدا، فأرسل عمر، عمار بن ياسر وعبد الله بن مسعود، فقال: إن وجدتماه بالكوفة فلا تبيتن بها، وإن وجدتماه خارجا عن الكوفة فلا تدعاه يدخلها وخذا الخاتم من يده، فلقياه بفيين فأخذ أحدهما الخاتم من يده، فنظر إلى الآخر، فقال: أمر بذلك، فقال سعد:\rخذينى فجرينى ضباع وأبشرى ... بلحم امرئ لم يحضر اليوم ناصره\rقال: دعونى أدخل الكوفة، قالا: لا، فقطعا به الفرات من دير الأعور، فلما قدم على","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084589,"book_id":3509,"shamela_page_id":1152,"part":"2","page_num":523,"sequence_num":1152,"body":"عمر قال: أين الهذلى؟ فقام، فقال: ما يقول هذا؟ قال سعد: صدق، قال: ارجع فخذه منهم ثم أقسمه.\rوذكر عن عبد الله بن سليم وغيره، قالوا: اجتمع الأساورة بحلوان عند يزدجرد، فذكروا العرب ورثاثة سلاحهم وسوء عدتهم وظهورهم عليهم، فتلاوموا وقالوا: أسلمنا ملكنا وما كنا فيه إلى عصابة لم تكن فى الأرض أمة أصغر أمرا عندنا منهم، فقال بعضهم: لا تعجبوا من هذا، فإنها دولة جاءت قوما، ومدة انقضت عنكم، وهذا أمر أراده الله، والله لا يغلب. فقال رجل منهم: ارفعوا لى كرة، فرفعوها فرماها بنشابات فلم يخطئها، قال: هذا ما ترون من رمى، ولقد رأيتنى مرة فى بستان أرمى الزنانير بجلاهق فما أخطأت بواحدة، فقدم العرب فهربت واتبعنى رجل فرميته بخمس نشابات فما أصبته، ودعا رجل بقوسه فرمى بنشابة فى حائط لبن فغيبها إلى قريب من الريش، ثم اعترض ساقا من شجرة بسيف فاجتمه، ثم قال: ترون رمى وضربى؟ قالوا: نعم، قال:\rفإنى رميت رجلا، يعنى من المسلمين، ليس عليه سلاح ولا ثوب يقيه، فأصبت بطنه فما خدشه، ولقد ضربت رجلا حاسرا أصلع بسيفى هذا، فخرج من رأسه شبه الدقيق، وحدث بعض العجم قال: كنت فيمن انهزم عن العرب، فإنى لأسير فى عشرة من الأساورة إذ انتهينا إلى نهر ورجل من العرب يسقى فرسه، فلما رآنا شد حزام فرسه وألجمه وركبه وحمل علينا فولينا، وانفردت من أصحابى دهشا وطمع فىّ فاتبعنى حتى صرت فى مؤخر النهر وفرسى أقوى من فرسه، فزجرت فرسى، فطغى بى النهر، ووقف ينظر إلىّ لا يقدر على العبور، فالتفت إليه، فقال: أولى لك، فلم أدر ما قال لى حتى سألت بعد وعلمت، فما خرج رعب تلك الكلمة من قلبى.\rوذكر بإسناد له إلى عبد الله بن معقل بن مقرن المزنى قال: اصطفى عمر من مال العجم أصنافا، مال من هرب ومن قتل، وكل مال لكسرى أو لأحد من أهل بيته، وكل مسيل ماء، وكل دير يريد، فكان خراج ما اصطفى سبعة آلاف ألف حتى كان يوم دير الجماجم أحرق الديوان، فأخذ كل قوم ما يليهم.\rقال المدائنى: وكان المغنم بالمدائن والرومية قريبا من مغنم القادسية.\rومما قيل فى ذلك من الشعر قول أبى بجيد، نافع بن الأسود التميمى يفخر بقومه:\rبنو تميم عتاد الحرب قد علموا ... والناهضون إذا فرسانها ركبوا\rوالحاملون إذا ما أزمة أزمت ... ثقل العشائر إن جمعوا وإن ندبوا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084590,"book_id":3509,"shamela_page_id":1153,"part":"2","page_num":524,"sequence_num":1153,"body":"والفاصلون إذا ما خطة جهلت ... عند الجموع وفيهم تفصل الخطب\rوالمانعون من الأعداء دارهم ... عند الهياج إذا ما اهتزت الطنب\rوالواردون على كسرى مدائنه ... قسرا ومن دونها بحر له لجب\rنحوى نهابهم والخيل مشعلة ... وسط الديار ومنها حولهم عصب\rشعث عليها ليوث ما يهجهجها ... عند الصياح بها عجم ولا عرب\rشمس بأيدهم سمر مثقفة ... وكل عضب له فى متنه شطب\rإذا جلوها على الأعداء فى فزع ... لاحت كأن فوق أيديهم بها شهب\rوقال أيضا:\rونحن صبحنا يوم دجلة أهلها ... سيوفا وأرماحا وجيشا عرمرما\rنراوح بالبيض الرقاق رؤسهم ... إذ الرمى أغرى بيننا فتضرما\rأذقناهم يوم المدائن بأسنا ... صراحا وأسعطنا الألائم علقما\rسقيناهم لما تولوا إلى الردى ... كئوسا ملأناهن صابا وشبرما\rأبيتم علينا السلم ثم رجعتمو ... إلى السلم لما أصبح السلم محرما\rويوم يطير القلب من نعراته ... ربطنا له جأشا وهجنا به دما\rدعونا إليه من تميم معاشرا ... يجيبون داعيهم وإن كان مجرما\rيحلون فى اليوم الشديد قيامه ... عن الشمس والآفاق أغبر مظلما\rألا أيها ذا السائل عن عشيرتى ... ستخبر عنهم إن سألت لتعلما\rفمهما عقدنا جاز فى الناس حكمنا ... وننقضه منهم وإن كان محكما\rوقال أيضا:\rأىّ يوم لنا كيوم قديس ... قد تركنا به القنا مرفوضا\rكم سبينا من تاج ملك وأسوا ... ر ترى فى نطاقه تفضيضا\rوقربنا خير الجيوش شتاء ... وربيعا مجملا وغريضا\rونفرنا فى مثلهم عن تراض ... لم نعرض ولم نذق تغميضا\rثم سرنا من فورنا نحو كسرى ... ففضضنا جموعه تفضيضا\rوأملنا على المدائن خيلا ... بحرها مثل برهن أريضا\rوانتثلنا خزائن المرء كسرى ... يوم ولى وحاص منا جريضا\rوقال النابغة الجعدى من كلمة يذكر أيامهم تلك مع كسرى وغيره:\rفمضت كتائبنا إليه عنوة ... حتى حللنا حيث ينخرق الصبا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084591,"book_id":3509,"shamela_page_id":1154,"part":"2","page_num":525,"sequence_num":1154,"body":"نرمى مدينته ونحطم جمعه ... ونصك رأس عموده حتى انشطا\rولقيصر أخرى رمينا رمية ... قطعت قرينته كما انقطع السدا\rوالخيل تخفق بين دجلة عنوة ... بالسفح من أقر إلى وادى القرى\rلا قيصر أبدا ولا كسرى بها ... قضى الحديث وكان شيئا فانقضى\rحديث «١» وقعة جلولاء «٢»\rذكر سيف «٣» عن قيس بن أبى حازم قال: أقمنا بالمدائن حين هبطنا واقتسمنا ما فيها، فأتانا الخبر بأن مهران قد عسكر بجلولاء، وخندق عليه، وأن أهل الموصل قد عسكروا بتكريت، فكتب سعد بذلك إلى عمر، فأجابه: أن سرح هاشم بن عتبة إلى جلولاء فى اثنى عشر ألفا، واجعل على مقدمته القعقاع بن عمرو.\rوروى من سماه سيف من رجاله: أن عمر كتب، أيضا، إلى سعد: لئن هزم الله الجندين: جند مهران وجند الأنطاق، فقدم القعقاع حتى يكون على حد سوادكم، بين السواد والجبل.\rقالوا: وكان من حديث جلولاء أن الأعاجم لما انتهوا إليها بعد الهرب من المدائن، وتفرقت الطرق بأهل أذربيجان والباب وبأهل الجبال وفارس تذامروا وقالوا: إن افترقتم لم تجتمعوا أبدا، وهذا مكان يفرق بيننا، فهلموا فلنجتمع به للعرب ولنقاتلهم، فإن كان لنا فهو الذى نريد، وإن كانت الأخرى كنا قد قضينا ما علينا، وأبلينا عذرا. فاحتفروا الخندق، واجتمعوا فيه على مهران، ونفذ يزدجرد إلى حلوان فنزل بها، ورماهم بالرجال، وخلف فيهم الأموال، فأقاموا فى خندقهم، وقد أحاطوا به الحسك من الخشب إلا طرقهم. ففصل هاشم بالناس من المدائن فى اثنى عشر ألفا، فيهم وجوه المهاجرين والأنصار وأعلام العرب، فسار إلى جلولاء أربعا، حتى قدم عليهم، فحاصرهم وأحاط بهم، فطاولهم أهل فارس، وجعلوا لا يخرجون عليهم إلا إذا أرادوا، وزاحفهم المسلمون ثمانين زحفا، كل ذلك يعطيهم الله الظفر على المشركين، وغلبوهم على حسك الخشب، فاتخذوا حسك الحديد.","footnotes":"(١) انظر الخبر فى: الطبرى (٤/ ٢٤- ٣٥) ، الكامل لابن الأثير (٢/ ٣٦١- ٣٦٤) ، البداية والنهاية لابن كثير (٧/ ٦٩- ٧١) ، تاريخ ابن خلدون (٢/ ١٠٢، ١٠٣) .\r(٢) أشار صاحب الروض المعطار إلى أن جلولاء بالعراق فى أول الجبل، وهى مدينة صغيرة عامرة بها نخل وزرع، ومنها إلى خانقين سبعة وعشرون ميلا (ص ١٦٧) .\r(٣) انظر: الطبرى (٤/ ٢٤، ٢٥) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084592,"book_id":3509,"shamela_page_id":1155,"part":"2","page_num":526,"sequence_num":1155,"body":"وعن بعض الرواة أن هاشما لما نزل على مهران بجلولاء جعل يقوم فى الناس، ويقول:\rإن هذا منزل له ما بعده، وجعل سعد يمده بالفرسان حتى إذا كانوا أخيرا قال بعضهم لبعض: أبلوا الله بلاء حسنا يتم لكم عليه الأجر والمغنم، واعملوا لله فإنكم ردء المسلمين، فالتقوا فاقتتلوا، وبعث الله عليهم ريحا أظلت عليهم البلاد، ولم يستطيعوا إلا المحاجزة، فتهافتت فرسانهم فى الخندق، فلم يجدوا بدا من أن يجعلوا فرضا مما يليهم، تصعد منه خيلهم، فأفسدوا حصنهم، وبلغ ذلك المسلمين، فنظروا إليه، فقالوا: ننهد إليهم ثانية فندخله عليهم أو نموت دونه، فلما نهدوا الثانية خرج القوم، فرموا حول الخندق مما يلى المسلمين بحسك الحديد لكيلا تقدم عليهم الخيول، وتركوا للمجال وجها، فخرجوا منه على المسلمين، فاقتتلوا قتالا شديدا لم يقتتلوا مثله ولا ليلة الهرير إلا أنه كان أكمش وأعجل، وانتهى القعقاع فى الوجه الذى زحف منه إلى باب خندقهم، فأخذ به، وأمر مناديا فنادى: يا معشر المسلمين، هذا أميركم قد دخل خندق القوم فأقبلوا إليه، ولا يمنعكم من بينكم وبينه من دخوله. وإنما فعل القعقاع ذلك ليقوى المسلمين، فحملوا حملة لم يقم لها شىء، حتى انتهوا إلى باب الخندق، ولا يشكون أن هاشما به، فإذا هو بالقعقاع قد أخذ به، وأخذ المشركون فى الهزيمة يمنة ويسرة عن المجال الذى بحيال خندقهم، فهلكوا فيما أعدوا للمسلمين فعقرت دوابهم، وعادوا رجالة، واتبعهم المسلمون، فلم يفلت منهم إلا من لا يعد، وقتل الله منهم يومئذ مائة ألف، فجللت القتلى المجال وما بين يديه وما خلفه، فسميت جلولاء لما جللها من قتلاهم، فهى جلولاء الوقيعة.\rوقال بعضهم: كان أشقى أهل فارس بجلولاء أهل الرى، كانوا بها حماة أهل فارس، ففنى أهل الرى يوم جلولاء.\rوفى حديث عن محفز بن ثعلبة، وكان شهدها: أن أهل فارس لما رأوا أمداد المسلمين بادروا بقتالهم فى عددهم، ثم وصف من شدة قتالهم. قال: حتى أنفذوا النبل، وقصفوا الرماح حتى صاروا إلى السيوف والطبرزينات وكانوا بذلك صدر نهارهم إلى الظهيرة، ولما حضرت الصلاة صلى الناس إيماء، حتى إذا كان بين الصلاتين خنست كتيبة من كتائب المشركين وجاءت أخرى فوقفت مكانها، فأقبل القعقاع على الناس، فقال:\rأهالتكم هذه؟ قالوا: نعم، نحن مكلون وهم مريحون، والكال يخاف العجز إلا أن يعقب، فقال: إنا حاملون حملة عليهم ومجادوهم وغير كافين عنهم ولا مقلعين عنهم حتى يحكم الله بيننا، فاحملوا حملة رجل واحد حتى تخالطوهم، ولا يكذبن أحد منكم. فحمل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084593,"book_id":3509,"shamela_page_id":1156,"part":"2","page_num":527,"sequence_num":1156,"body":"فانفرجوا فما نهنه أحد عن باب الخندق، وألبسهم الليل رواقه، فأخذوا يمنة ويسرة، ونادى منادى القعقاع: أين تحاجزون وأميركم فى الخندق فحمل المسلمون، فأدخل الخندق، فأتى فسطاطا فيه مرافق وثياب، وإذا ترس على إنسان فأنبشه، فإذا امرأة كالغزال فى حسن الشمس، فأخذها وثيابها، فاديت الثياب، وطلبت الجارية حتى صارت إلىّ فاتخذتها أم ولد.\rقالوا «١» : وأمر هاشم القعقاع بالطلب، فطلبهم حتى بلغ خانقين، وأدرك بها مهران فقتله، وأدرك الفيرزان فنزل، فتوقل فى الظراب وخلى فرسه، وأصاب القعقاع سبايا، فبعث بهن إلى هاشم، فكن مما اقتسم، واتخذن، فولدن فى المسلمين، فذلك السبى ينسب إلى جلولاء، ومنه كانت أم الشعبى، ويقال من القادسية.\rويروى أن عمر، رضى الله عنه، قال وقد بلغه ما أصيب من هؤلاء السبايا: اللهم إنى أعوذ بك من أبناء الجلوليات.\rقالوا: ولما بلغت الهزيمة يزدجرد سار من حلوان نحو الجبل، فنزل القعقاع بحلوان فى جند فلم يزل إلى أن تحول سعد بالناس من المدائن إلى الكوفة، فلحق به.\rقالوا: وكتبوا إلى عمر بفتح جلولاء وبنزول القعقاع حلوان، واستأذنوه فى اتباعهم، فأبى، وقال: لوددت أن بين السواد والجبل سدا لا يخلصون إلينا ولا نخلص إليهم، حسبنا من الريف السواد، إنى آثرت سلامة المسلمين على الأنفال.\rوساق المدائنى خبر جلولاء مساقا بينه وبين ما تقدم بعض اختلاف وأسنده عن جماعة سمى منهم، قال: وبعضهم يزيد على بعض، فسقت حديثهم: أن يزدجرد هرب إلى حلوان، فلما فتح سعد الرومية كتب إلى عمر يستأذنه فى البعثة إلى ابن كسرى، فكتب إليه: «الحمد لله الذى أذل ابن كسرى وشرده، فأقم بمكانك واحذر على من معك من المسلمين» فأقام سعد بالمدائن سنتين لم يوجه أحدا، وكتب ابن كسرى إلى الجبال فجمع المقاتلة فوجههم إلى جلولاء، وأمر الأساورة والجنود فنزلوها، فاجتمع بها جمع عظيم عليهم خرزادين خرمهر، فكتب سعد إلى عمر بجمعهم، فكتب إليه: أقم بمكانك ووجه إليهم جيشا، فإن الله ناصرك ومتم وعده الذى وعد نبيه ﷺ فعقد سعد لهاشم بن عتبة وندب الناس، فانتدب معه أربعة آلاف فيهم طليحة بن خويلد، وعمرو ابن معدى كرب وفرسان المسلمين، فسار.","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٤/ ٢٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084594,"book_id":3509,"shamela_page_id":1157,"part":"2","page_num":528,"sequence_num":1157,"body":"فلما كان بمهروذ أتاه دهقانها فصالحه على أن يفرش له جريبا دراهم، فقبل منه ومضى إلى جلولاء، فقدم على قوم قد أعدوا عدة عظيمة، وتحرزوا بالخنادق، فقاتلوهم قتالا شديدا عن العيال والذرارى، وكتب هاشم إلى سعد يستمده، وأتى المشركون أهل أذربيجان مددا فعاجلوهم القتال، وكثروهم، فجال المسلمون وانكشفوا، فناداهم هاشم:\rيا معشر المسلمين أين؟ أما رأيتم ما خلفتم؟ أتاتون عمر منهزمين؟ فعطف الناس، وعلى الميمنة حجر بن عدى، وعلى الميسرة عمرو بن معدى كرب، وعلى الخيل زهرة بن جوية، وعلى الرجال طليحة بن خويلد، فاشتد القتال بينهم حتى مضى وقت الظهر فصلى المسلمون يومئون إيماء، وألح المشركون عليهم، وطلعت كتيبة للمشركين حامية فجازت الخندق، ثم طلعت أخرى، فقال طليحة وعمرو بن معدى كرب: يا معشر الفرسان، الأرض واقرنوا خيولكم، ففعلوا وجثوا وأشرعوا الرماح فرجعت الخيل عنهم، ورموهم بالنشاب، فتترسوا، فمكثوا بذلك مليا، وأشفق المسلمون فحضهم طليحة وزهرة وعمرو، فبينا هم على ذلك إذ سمعوا تكبيرا للمسلمين وراءهم، فإذا قيس بن مكشوح قد جاءهم فى ألف وأربعمائة فارس وستمائة راجل، فانهزم المشركون قبل أن يصل إليهم، وهاجت ريح شديدة أظلمت لها الأرض، فتهافت المشركون فى الخندق، واتبعهم المسلمون فانتهوا إلى خنادقهم وقد انجلت عنهم الظلمة فركبوا أكتافهم، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة وحووا عسكرهم، فأصابوا شيئا لم يصيبوا مثله من الأموال والسلاح والمتاع والسبايا والدواب، فجمع ذلك كله إلى هاشم، فجاء رجل من آل خارجة بن الصلت بتمثال ناقة من ذهب موشحة بالدر وألقاها فى المغنم، وجاء مجفر بن ثعلبة بجارية، وجاء كل رجل بما صار فى يديه، فحمل هاشم ذلك كله إلى سعد، فكتب سعد إلى عمر بالفتح وبما أصاب من السبايا واستأذنه فى اتباع العجم والمسير إلى الجبال، فكتب إليه عمر، ﵀: أقم مكانك عامك هذا حتى ننظر، واحذر على المسلمين، واترك أهل الجبال ما تركوك، فوددت أن بيننا وبين الجبال سدا من نار لا يخلصون إلينا ولا نخلص إليهم، حسبنا من الريف السواد، فأقم ولا تطلب ما سوى ذلك عامك هذا إلا أن ينزل عدو بقربك، واقسم بين المسلمين ما أفاء الله عليهم.\rوكانت الغنائم ثمانية عشر ألف ألف، فبلغت السهام ثلاثة آلاف، للفرس سهمان وللراجل سهم، وقال قوم: كانت الغنائم ستة وثلاثين ألف ألف، وكانت السهام ستة آلاف وثمانية من الدواب، للفرس سهمان وللراجل سهم، فحمل سعد الخمس مع زياد ابن أبى سفيان.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084595,"book_id":3509,"shamela_page_id":1158,"part":"2","page_num":529,"sequence_num":1158,"body":"وفى كتاب سيف «١» عمن سمى من رجاله قالوا: ونفل سعد من أخماس جلولاء من أعظم البلاء ممن شهدها، ومن أعظمه ممن كان ثابتا بالمدائن، وبعث بالأخماس مع قضاعى بن عمرو الدؤلى من الذهب والورق والآنية والثياب، وبعث بالسبى مع أبى مفزر الأسود بن قطبة. قال بعضهم: وبعث بالحساب مع زياد بن أبى سفيان، وكان الذى يكتبه للناس ويدونهم، فلما قدموا على عمر كلم زياد عمر فيما جاء به ووصف له، فقال له عمر: هل تستطيع أن تقوم فى الناس بمثل الذى كلمتنى به؟ فقال: والله ما على الأرض شخص أهيب فى صدرى منك، فكيف لا أقوى على هذا فى غيرك؟ فقام فى الناس بما أصابوا وبما صنعوا، وبما يستأذنون فيه من الانسياح فى البلاد، فقال عمر، رضى الله عنه: هذا الخطيب المصقع، فقال زياد: إن جندنا أطلقوا بأفعالهم لسانى.\rوعن أبى سلمة قال «٢» : لما قدم على عمر، ﵀، بالأخماس من جلولاء، قال عمر: والله لا يجنه سقف بيت حتى أقسمه. فبات عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن أرقم يحرسانه فى صحن المسجد، فلما أصبح جاء فى الناس وكشف عنه جلابيبه، وهى الأنطاع، فلما نظر إلى ياقوته وزبرجده وجوهره بكى، فقال له عبد الرحمن: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ فو الله إن هذا إلا موطن شكر. فقال عمر: والله ما ذاك يبكينى، وتالله ما أعطى الله هذا قوما إلا تحاسدوا وتباغضوا، ولا تحاسدوا إلا ألقى باسهم بينهم. ثم دعا الحسن فيما ذكر المدائنى فحثا له، ثم دعا الحسين فحثا له، ثم قال: ما ترى؟ أنحثى لهم حثيا أم نكيل بالصاع. قال: بل احث لهم، ففعل، ثم دون الدواوين وفرض وقسم.\rوذكر المدائنى، أيضا، أن سعدا كتب إلى عمر، ﵀، مع زياد يستأذنه فى اتباع المشركين ويصغر أمرهم عنده، فكتب إليه عمر: جاءنى كتابك تستأذننى فى اتباع المشركين، وسيأتى فيهم أمرى، وذلك من حق إمامك عليك، وإنما حق المسلم على المسلم بحق الله، وإن أعظم أهل الإسلام حقا عليهم إمامهم، وذلك أنه لا تجد أحدا من الناس صلاح أهل الأرض فى صلاحه إلا نبى أو خليفة، فالأمر إليك فى اتباعهم تغرير بالمسلمين، وانظر ما أجلب الناس به عليك فى العساكر من مال أو كراع أو سلاح أو متاع، فاقسمه بين من حضر، واترك الأرضين والأنهار فتكون فى أعطية المسلمين، فإنك إن قسمتها بين من حضرك لم يكن لمن بعدهم شىء ولا توطن ولدا من والده، ولا تمسن أنثى من السبى حتى يطيب رحمها، ولا تتخذن مشركا أمينا على المسلمين، فإنهم","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٤/ ٢٩) .\r(٢) انظر: الطبرى (٤/ ٣٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084596,"book_id":3509,"shamela_page_id":1159,"part":"2","page_num":530,"sequence_num":1159,"body":"يأخذون الرشوة فى دينهم ولا رشوة فى دين الله، وادع الناس فمن استجاب لك وأسلم قبل القتال فهو رجل من المسلمين وله سهم فى الإسلام، ومن أسلم بعد القتال وبعد الهزيمة فهو رجل من المسلمين وماله لأهل الإسلام، والأسير إذا أسلم فى أيدى المسلمين فقد أمن على دمه، وهو فىء للمسلمين، وأقر الفلاحين على حالهم إلا من حاربك أو هرب أو ترك أرضه وخلاها، فهى لكم فإن رجع فقبلتم منه الجزية فهو ذمة.\rوذكر سيف «١» عن رجاله قالوا: كان صلح عمر الذى صالح عليه أهل الذمة، أنهم إن غشوا المسلمين لعدوهم برئت منهم الذمة، وإن سبوا مسلما أن ينهكوا عقوبة، وإن قاتلوا مسلما أن يقتلوا، وعلى عمر منعهم، وبرئ عمر إلى كل ذى عهد من معرة الجيش.\rقال بعضهم: فكان الفلاحون للطرق والجسور والأسواق والحرث، والدلالة مع الجزى عن أيديهم على قدر طاقتهم، وكانت الدهاقين للجزية عن أيديهم والعمارة، وعلى كلهم الإرشاد وضيافة ابن السبيل من المهاجرين.\rقال المدائنى: وشهد عبد الله بن عمر جلولاء، واشترى من المغنم متاعا بأربعين ألفا، فلما قدم المدينة أتاه عمر فى منزله، فقال لامرأته: يا صفية احتفظى بما جاء به عبد الله ولا يصلن منه إلى شىء، ثم قال لعبد الله: يا عبد الله اشتريت من غنائم المسلمين؟\rفقالوا: ابن عمر وصاحب رسول الله ﷺ فلأن يرخصوا عليك بمائة أحب إليهم من أن يغلوا عليك بدرهم، لك فيما اشتريت ربحا لدرهم درهم، فدعا عمر التجار فعرضه عليهم وقال: اشتروا فإنه للمسلمين، فتزايدوا حتى بلغ مائة ألف، فباعه، وأعطى عبد الله ثمانين ألفا، وبعث بالباقى إلى سعد، وكتب إليه: اقسمه فيمن شهد سنة تسع عشرة.\rوعن رجال سيف «٢» قالوا: ولما رجع أهل جلولاء إلى المدائن نزلوا قطائعهم، وصار السواد ذمة لهم إلى ما أصفاهم الله به من مال الكاسرة، ومن لج معهم.\rوقال القعقاع بن عمرو يذكر نزوله بجلولاء:\rمن مبلغ عنى القبائل مالكا ... وقد أحسنت عند الهياج القبائل\rفلله جاهدنا وفى الفرس بغية ... ونحن على الثغر المخوف نساجل\rوأنتم عتاد إن ألمت ملمة ... وجلت علينا فى الثغور الجلائل","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٤/ ٣٢) .\r(٢) انظر: الطبرى (٤/ ٣٣) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084597,"book_id":3509,"shamela_page_id":1160,"part":"2","page_num":531,"sequence_num":1160,"body":"وهل تذكرونا إن نزلنا وأنتم ... منازل كسرى والأمور حوائل\rفصرنا لكم ردآ بحلوان بعد ما ... نزلنا جميعا والجموع نوازل\rفنحن الأولى فزنا بحلوان بعد ما ... أرنت على كسرى الإما والحلائل\rوقال أبو بجيد فى ذلك:\rويوم جلولاء الوقيعة أصبحت ... كتائبنا تردى بأسد عوابس\rفضضت جموع الفرس ثم أنمتهم ... فتبا لأجساد المجوس النجائس\rوأفلتهن الفيرزان بجرعة ... ومهران أردت يوم حز القوانس\rأقاموا بدار للمنية موعد ... وللترب تحثوها خجوج الروامس\r«١»\rحديث يوم تكريت «٢»\rوكان سعد، ﵀، لما كتب إلى عمر، رضى الله عنه، بأمر جلولاء، وأجابه بما ذكر قبل، كتب إليه أيضا باجتماع أهل الموصل إلى الأنطاق وإقباله بهم إلى تكريت حتى نزل بها، وخندق عليه ليحمى أرضه، فأمر عمر سعدا أن يسرح عبد الله بن المعتم إلى الأنطاق، وعين لمقدمته وميمنته وميسرته وساقته رجالا سماهم له، ففصل على ذلك عبد الله من المدائن فى خمسة آلاف، فسار إلى تكريت حتى ينزل على الأنطاق، ومعه الروم وإياد وتغلب والنمر، وقد خندقوا، فحصرهم أربعين يوما وتزاحفوا أربعة وعشرين زحفا، فى كلها هزم المشركون ولا يخرجون خرجة إلا كانت عليهم.\rفلما رأت الروم ذلك تركوا أمراءهم، ونقلوا متاعهم إلى السفن، وقد كان عبد الله ابن المعتم وكل بالعرب ليدعوهم إليه وإلى نصرته على الروم رجالا من تغلب وإياد والنمر، فكانوا لا يخفون عليه شيئا، فأقبلت إليه العيون منهم بما فعلت الروم وسألوه للعرب السلم وأخبروه أنهم قد استجابوا، فأرسل إليهم: إن كنتم صادقين فاشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأقروا بما جاء به من عند الله، ثم اعملوا بما نأمركم، فردوا إليه رسلهم بالإسلام، فأرسل إليهم: إذا سمعتم تكبيرنا فاعلموا أنا قد نهدنا إلى الأبواب التى تلينا لندخل عليهم منها، فخذوا بالأبواب التى تلى دجلة، وكبروا وقاتلوا واقتلوا من قدرتم عليه.","footnotes":"(١) انظر الأبيات فى: الطبرى (٤/ ٣٤) ، البداية والنهاية لابن كثير (٧/ ٧١) .\r(٢) انظر الخبر فى: الطبرى (٤/ ٣٥- ٣٧) ، الكامل لابن الأثير (٢/ ٣٦٤- ٣٦٦) ، البداية والنهاية لابن كثير (٧/ ٧١، ٧٢) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084598,"book_id":3509,"shamela_page_id":1161,"part":"2","page_num":532,"sequence_num":1161,"body":"فانطلقوا حتى واطؤوهم على ذلك، ونهد عبد الله والمسلمون لما يليهم وكبروا وكبرت تغلب وإياد والنمر، وقد أخذوا بالأبواب، فحسب القوم أن المسلمين قد أتوهم من خلفهم، فابتدروا الأبواب التى أمامهم، فأخذتهم سيوف المسلمين مستقبلتهم، وسيوف الربعيين الذين أسلموا ليلتئذ من خلفهم، فلم يفلت من أهل الخندق إلا من أسلم من تغلب وإياد والنمر.\rقال سيف «١» : وكان عمر، رضى الله عنه، قد عهد إلى سعد، إن هزم أهل تكريت أن يأمر عبد الله بن المعتم بتسريح ربعى بن الأفكل العنزى إلى الحصنين، وربعى هو الذى كان عمر رسم أن يكون على مقدمة عبد الله فى هذا الوجه، فسرحه عبد الله إلى الحصنين، وقال له: اسبق الخبر، وسر ما دون القيل، وأحى الليل، وسرح معه تغلب وإياد والنمر، فقدمهم وعليهم عتبة بن الوعل، أحد بنى سعد بن جشم وذو القرط وأبو وداعة ابن أبى كرب وابن ذى السنينة قتيل الكلاب وابن الحجير الأيادى وبشر بن أبى حوط متساندين، فساروا يسبقون إلى الحصنين خبر الهزيمة ليغزوا أهلها.\rفلما كانوا قريبا منها، قدموا عتبة بن الوعل فادعى الظفر والنفل والقفل، ثم الرجال المسلمون آنفا واحدا بعد آخر، كلما وصل واحد منهم ذكر مثل ما ذكر عتبة، فوقفوا بالأبواب وقد أخذوا بها، وأقبلت سرعان الخيل مع ربعى بن الأفكل، حتى اقتحمت الحصنين على أهلهما، فكانت إياها، فنادوا بالإجابة إلى الصلح، فأقام من استجاب، وهرب من لم يستجب، إلى أن أتاهم عبد الله بن المعتم، فدعا من لج وهرب، ووفى لمن أقام، فتراجع الهارب واغتبط مع المقيم، وصارت لهم جميعا الذمة والمنعة، واقتسم المسلمون بتكريت ما أفاء الله عليهم على أن لكل سهم ألف درهم للفارس ثلاثة آلاف وللراجل ألف، وبعثوا بالأخماس مع فرات بن حيان «٢» ، وبالفتح مع الحارث بن حسان «٣» ، وولى حرب الموصل ربعى بن الأفكل، والخراج عرفجة بن هرثمة.","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٤/ ٣٦) .\r(٢) انظر ترجمته فى: الثقات (٣/ ٣٣٣) ، الإكمال (٢/ ٣٢٥) ، الطبقات الكبرى (٦/ ٤٠) ، تهذيب الكمال (٢/ ١٠٩٢) ، الجرح والتعديل (٧/ ٤٤٩، ٤٥٠) ، الإصابة ترجمة رقم (٦٩٨٠) ، أسد الغابة ترجمة رقم (٤٢٠٥) .\r(٣) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (١٤٠٠) ، أسد الغابة ترجمة رقم (٨٦٩) ، الثقات (٣/ ٧٥) ، تقريب التهذيب (١/ ١٤٠) ، الجرح والتعديل (٣/ ٣٢٥) ، تهذيب التهذيب (٢/ ١٣٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084599,"book_id":3509,"shamela_page_id":1162,"part":"2","page_num":533,"sequence_num":1162,"body":"ذكر يوم ماسبذان «١» ويوم قرقيسيا «٢»\rذكروا «٣» أنه لما رجع هاشم من جلولاء إلى المدائن، بلغ سعدا أن آذين بن الهرمزان جمع جمعا، فخرج بهم إلى السهل، وأن أهل الجزيرة بعثوا جندا إلى هيت، فكتب سعد بذلك إلى عمر، فكتب إليه أن يبعث ضرار بن الخطاب فى جند إلى ابن الهرمزان، ويبعث عمر بن مالك بن عتبة بن نوفل بن عبد مناف فى جند إلى هيت، ورسم لكلا الجندين صاحب مقدمتيه ومجنبتين وساقة وسماهم، فخرج ضرار فى الجند، وقدم صاحب مقدمته حتى انتهى إلى سهل ماسبذان، فالتقوا بمكان يدعى بهندف، فاقتتلوا به، فأسرع المسلمون فى المشركين، وأخذ ضرار آذين بن الهرمزان سلما، فأسره فانهزم عنه جيشه، فقدمه فضرب عنقه، ثم خرج فى الطلب حتى انتهى إلى السيروان، فأخذ ماسبذان عنوة، فتطاير أهلها فى الجبال، فدعاهم فاستجابوا له، وأقام بها حتى تحول سعد من المدائن فأرسل إليه، فنزل الكوفة واستخلف على ماسبذان، وكانت إحدى فروج الكوفة.\rوخرج عمر بن مالك فى جنده سائرا نحو هيت «٤» ، وقدم الحارث بن يزيد العامرى، وهو المعين لمقدمته، حتى نزل بهيت وقد خندقوا عليهم، فلما رأى عمر بن مالك امتناع القوم بخندقهم استطال أمرهم، فترك الأخبية على حالها وخلف عليهم الحارث بن يزيد يحاصرهم، وخرج فى نصف الناس يعارض الطريق حتى جاء قرقيسيا فى عرة، فأخذها عنوة، فأجاب أهلها إلى الجزاء، وكتب إلى الحارث فى أهل هيت: إن هم استجابوا فخل عنهم وإلا فخندق على خندقهم خندقا أبوابه مما يليك حتى أرى من رأيى، فسمحوا بالاستجابة، وانضم الجند إلى عمر بن مالك والأعاجم إلى أهل بلدهم.\rوقال ضرار بن الخطاب يذكر ملتقاهم بهندف:\rولما لقينا فى بهندف جمعهم ... تنادوا وقالوا يا صبر وايال فارس\rفقلنا جميعا نحن أصبر منكم ... وأكرم فى يوم الوغى والتمارس","footnotes":"(١) ماسبذان: أحد فروج الشام بالقرب من هيت. انظر: الروض المعطار (ص ٥١٩) .\r(٢) قرقيسيا: كورة من كور ديار ربيعة، كانت فى الجانب الشرقى من الفرات. انظر: الروض المعطار (ص ٤٥٥) .\r(٣) انظر الخبر فى: الطبرى (٤/ ٣٧، ٣٨) ، الكامل لابن الأثير (٢/ ٣٦٦، ٣٦٧) ، البداية والنهاية لابن كثير (٧/ ٧٢، ٧٣) .\r(٤) هيت: مدينة بين الرحبة وبغداد، وهى على شاطئ الفرات. انظر: الروض المعطار (ص ٥٩٧) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084600,"book_id":3509,"shamela_page_id":1163,"part":"2","page_num":534,"sequence_num":1163,"body":"ضربناهم بالبيض حتى إذا انثنت ... أقمنا لها ميلا بضرب القوانس\rفولوا سراعا نحو دار أبيهم ... وقد خومروا يوم الوغا بالوساوس\rفما برحت خيلى تقص طريقهم ... وتقتلهم بين اشتباك الخنادس\rذكر الحديث عن تمصير الكوفة والبصرة وتحول سعد بن أبى وقاص عن المدائن إلى الكوفة وما يندرج مع ذكر البصرة من فتح الأبلة «١»\rذكروا «٢» أنه جاء عمر، رضى الله عنه، فتح جلولاء، وما ذكر بعدها، ونزول المسلمين حيث ذكر قبل نزولهم منها، ولما قدمت الوفود بذلك عليه، أنكرهم حين رآهم، وقال: والله ما هيئتكم بالهيئة التى بدوتم بها، ولقد قدمت وفود القادسية والمدائن وإنهم لكما بدوا، فما غيركم؟ قالوا: وخومة البلاد، فنظر فى حوائجهم، وعجل سراحهم، وكتب إلى سعد: أنبئنى ما الذى غير ألوان العرب ولحومهم؟.\rفكتب إليه: إن العرب خددهم وغير ألوانهم وخومة المدائن ودجلة، فكتب إليه عمر:\rإن العرب لا يوافقها إلا ما وافق إبلها من البلدان، فابعث سلمان رائدا وحذيفة، وكانا رائدى الجيش، فليرتادا منزلا بريا بحريا، ليس بينى وبينكم فيه بحر ولا جسر، ولم يكن بقى من أمر الجيش شىء إلا وقد أسنده عمر إلى رجل، فبعث سعد حذيفة وسلمان.\rفخرج سلمان حتى أتى الأنبار، فسار فى غربى الفرات لا يرى شيئا، حتى أتى الكوفة، وخرج حذيفة فى شرقى الفرات لا يرضى شيئا، حتى أتى الكوفة، فأتيا عليها وفيها ديارات ثلاث: دير حرقة، ودير أم عمرو، ودير سلسلة، وأخصاص خلال ذلك، فأعجبتهما البقعة، فنزلا فصليا، وقال كل واحد منهما: اللهم رب السماوات وما أظلت، ورب الأرضين وما أقلت، ورب الريح وما أذرت، والنجوم وما هوت، والبحار وما جرت، والشياطين وما أضلت، والخصاص وما أجنت، بارك لنا فى هذه الكوفة، واجعله منزل ثبات، فرجعا إلى سعد بالخبر.\rوذكر المدائنى أن الناس اجتووا المدائن بعد أن رجعوا من جلولاء، فشكوا ذلك إلى","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٤/ ٤٠) / فتوح البلدان للبلاذرى (ص ٣٣٨- ٣٥٤، ٤٢٥- ٤٥٨) ، الكامل فى التاريخ لابن الأثير (٢/ ٣٦٧- ٣٧١) .\r(٢) انظر: الطبرى (٤/ ٤٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084601,"book_id":3509,"shamela_page_id":1164,"part":"2","page_num":535,"sequence_num":1164,"body":"عمر، فقال عمر: هل تصبر بها الإبل؟ قالوا: لا؛ لأن بها بعوضا، قال: فإن العرب لا تصبر ببلاد لا تصبر بها الإبل، اخرجوا فارتادوا منزلا.\rقال أبو وائل: فخرجنا فأردنا أن ننزل الحيرة، فقال رجل من أهلها: يا معشر المعذبين، ألا أدلكم على ما ارتفعت عن البعوضة وتطأطأت عن الثلجة وطعنت فى البرية وخالطت الريف؟ قلنا: بلى، فدلنا على الكوفة، فاختط الناس ونزلوا الكوفة، فكتب إلى عمر بذلك.\rوذكر سيف «١» عمن سماه من رجاله قالوا: مصر المسلمون المدائن وأوطنوها، حتى إذا فرغوا من جلولاء وتكريت وأخذوا الحصنين، كتب عمر إلى سعد أن ابعث عتبة بن غزوان «٢» إلى فرج الهند فليرتد منزلا يمصره، وابعث معه سبعين رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ، وابعث بعده عرفجة بن هرثمة، واجعل مكانه الحارث بن حسان، وابعث عاصم بن عمرو، وحذيفة بن محصن، ومجزأة بن ثور، والحصين بن القعقاع، فخرج عتبة فى سبعمائة من المدائن واتبعه عرفجة فى سبعمائة، ثم عاصم ثم حذيفة ثم مجزأة ثم الحصين، كل واحد منهم فى سبعمائة، ثم سعد بن سلمى فى سبعمائة، فساروا حتى أتوا على البصرة اليوم فنزلوها وثبتوا بها، والبصرة كل أرض حجارتها جص.\rقالوا «٣» : ولما نزل أهل الكوفة الكوفة، واستقرت بأهل البصرة الدار، عرف القوم أنفسهم، وثاب إليهم ما كانوا فقدوا، ثم إن أهل المصرين استأذنوا فى بنيان القصب، فقال عمر، رضى الله عنه: العسكرة أجد لحربكم وأذكى لكم، وما أحب أن أخالفكم، وما القصب؟ قالوا: العكرش إذا روى قصب فصار قصبا، قال: فشأنكم، فابنوا بالقصب، ثم وقع الحريق فى المصرين، وكانت الكوفة أشدهما حريقا، فاحترق ثمانون عرشا، ولم يبق فيها قصبة، فبعث سعد نفرا منهم إلى عمر يستأذنونه فى البنيان باللبن، ويخبرونه عن الحريق وما بلغ منهم، وكانوا لا يدعون شيئا ولا يأتونه إلا أمروه فيه، فقال: ابنوا، ولا يزدن أحد على ثلاثة أبيات، ولا تطاولوا فى البنيان، والزموا السنة تلزمكم الدولة، فرجع القوم بذلك إلى الكوفة.","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٤/ ٤٣) .\r(٢) انظر ترجمته فى: طبقات ابن سعد (٣/ ١/ ٦٩) ، التاريخ الكبير (٦/ ٥٢٠، ٥٢١) ، المعارف (٢٧٥) ، الجرح والتعديل (٦/ ٣٧٣) ، تاريخ بغداد (١/ ١٥٥- ١٥٧) ، تهذيب التهذيب (٧/ ١٠٠) ، شذرات الذهب (١/ ٢٧) ، الإصابة ترجمة رقم (٥٤٢٧) ، أسد الغابة ترجمة رقم (٣٥٥٦) .\r(٣) انظر: الطبرى (٤/ ٤٣) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084602,"book_id":3509,"shamela_page_id":1165,"part":"2","page_num":536,"sequence_num":1165,"body":"وكتب عمر إلى عتبة وأهل البصرة بمثل ذلك، وعهد عمر إلى الوفد، وتقدم إلى الناس ألا يرفعوا بنيانا فوق القدر، قالوا: وما القدر؟ قال: ما لا يقربكم من السرف، ولا يخرجكم من القصد.\rفأول شىء خط بالكوفة، وبنى حين عزموا على البناء المسجد، فاختط ثم قام رجل شديد النزع، فرمى عن يمينه ومن بين يديه ومن خلفه وعن شماله، وأمر من شاء أن يا بنى وراء مواقع تلك السهام، وبنوا لسعد دارا بحياله، بينهما الطريق، وجعل فيها بيوت الأموال، وهى قصر الكوفة اليوم، وبنى سعد فى الذى خطوا للقصر قصرا بحيال محراب مسجد الكوفة اليوم، وجعل فيه بيت المال، وسكن ناحيته، ثم إن بيت المال نقب عليه منه، فأخذ منه المال.\rوكتب سعد بذلك إلى عمر، ووصف له موضع الدار وبيوت المال من الصحن، فكتب إليه عمر: أن انقل المسجد حتى تضعه إلى جانب الدار، واجعل الدار قبالته، فإن للمسجد أهلا بالنهار وبالليل، وفيهم حصن لمالهم، فنقل المسجد وأراع بنيانه، فقال له دهقان من أهل همذان، يقال له روزبة بن بزرجمهر: أنا أبنيه لك، وأبنى لك قصرا وأصلهما، ويكون بنيانا واحدا، فخط قصر الكوفة على ما خط عليه، ثم أنشأه من بعض آجر قصر كان للأكاسرة فى ضواحى الحيرة على مساحته اليوم، ووضع المسجد بحيال بيوت الأموال، وكان بنيانه على أساطين من رخام، كانت لكنائس لكسرى بغير مجنبات، فلم يزل على ذلك حتى بنى زمن معاوية بنيانه اليوم على يدى زياد.\rولما أراد زياد بناءه دعا بنائين من بنائى الجاهلية، فوصف لهم موضع المسجد وقدره وما يزيد من طوله فى السماء، وقال: أشتهى من ذلك شيئا لا أقع على صفته، فقال له بناء قد كان بنى لكسرى: لا يجىء هذا إلا بأساطين من جبال الأهواز، تنقر ثم تثقب، وتحشى بالرصاص وبسفافيد الحديد، فترفعه ثلاثين ذراعا فى السماء ثم تسقفه، ثم تجعل له مجنبات ومواخر، فيكون أثبت له، فقال: هذه الصفة التى كانت نفسى تنازعنى إليها ولم تعبرها.\rقال عطاء مولى إسحاق بن طلحة: كنت أجلس فى المسجد الأعظم من قبل أن يبنيه زياد، وليست له مجنبات ولا مواخر، فأرى منه دير هند وباب الجسر.\rوذكر الطبرى «١» عن المدائنى أن عمر بن الخطاب وجه عتبة بن غزوان إلى البصرة","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٣/ ٥٩٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084603,"book_id":3509,"shamela_page_id":1166,"part":"2","page_num":537,"sequence_num":1166,"body":"سنة أربع عشرة، وذكر عن الشعبى قال: قتل مهران فى صفر سنة أربع عشرة، فقال عمر لعتبة: قد فتح الله على إخوانكم الحيرة وما حولها، وقتل عظيم من عظمائها، ولست آمن أن يمدهم إخوانهم من أهل فارس، فأنا أريد أن أوجهك إلى أرض الهند، والبصرة يومئذ تدعى أرض الهند، لتمنع أهل ذلك الحيز من إمداد إخوانهم على إخوانكم وتقاتلهم، لعل الله أن يفتح عليكم، فسر على بركة الله، واتق الله ما استطعت، واحكم بالعدل، وصل الصلاة لوقتها، وأكثر ذكر الله.\rفأقبل عتبة فى ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، وضوى إليه قوم من الأعراب وأهل البوادى، فقدم البصرة فى خمسمائة، يزيدون قليلا أو ينقصون قليلا.\rوذكر من طريق آخر «١» أنه دقمها فى ثلاثمائة، فملا رأى منبت القصب، وسمع نقيق الضفادع قال: إن أمير المؤمنين أمرنى أن أنزل أقصى البر من أرض العرب، وأدنى أرض الريف من أرض العجم، فهذا حيث وجب علينا طاعة إمامنا، فنزل الخريبة.\rوفى حديث الشعبى «٢» : وليس بها، يعنى بالبصرة، يومئذ إلا سبع دساكر، فكتب إلى عمر، ووصف له منزله، فكتب إليه عمر: أجمع الناس موضعا واحدا ولا تفرقهم، وأقام عتبة أشهرا لا يغزو ولا يلقى أحدا.\rوفى حديث آخر «٣» : أن عتبة أقبل بمن كان معه حتى إذا كانوا بالمربد وجدوا هذا الكذان، قالوا: هذه البصرة، فساروا حتى بلغوا حيال الجسر الصغير، فإذا حلفاء وقصب نابتة، فقالوا: هاهنا أمرتم، فنزلوا دون صاحب الفرات، فأتى فقيل له: إن هاهنا قوما معهم راية، وهم يريدونك، فأقبل فى أربعة آلاف أسوار، فقال: ما هم إلا ما أرى، اجعلوا فى أعناقهم الحبال، وأتونى بهم، فجعل عتبة يوجل ويقول: إنى شهدت القتال مع رسول الله ﷺ، يعنى فكان لا يقاتل حتى تزول الشمس وتهب الرياح وينزل النصر، حتى إذا زالت الشمس، قال عتبة لأصحابه: احملوا، فحملوا عليهم فقتلوهم أجمعين، إلا صاحب الفرات، أخذوه أسيرا، فقال عتبة: ابغوا لنا منزلا هو أنزه من هذا، وكان يوم عكاك، فرفعوا له منبرا، فقام يخطب، فقال: إن الدنيا قد آذنت بصرم وولت حذاء، ولم يبق منها إلا صبابة الإناء، ألا وأنكم منتقلون منها إلى دار القرار، فانتقلوا بخير ما","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٣/ ٥٩٤) .\r(٢) انظر: الطبرى (٣/ ٥٩١) .\r(٣) انظر: الطبرى (٣/ ٥٩١، ٥٩٢) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084604,"book_id":3509,"shamela_page_id":1167,"part":"2","page_num":538,"sequence_num":1167,"body":"بحضرتكم، ولقد ذكر لى: أن صخرة ألقيت من شفير جهنم هوت سبعين خريفا، ولتملأنه، أفعجبتم! ولقد ذكر لى أن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة مسيرة أربعين عاما، وليأتين عليه يوم وله كظيظ من الرخام، ولقد رأيتنى وإنى لسابع سبعة مع رسول الله ﷺ ما لنا طعام إلا ورق السمر، حتى تقرحت أشداقنا، والتقطت بردة فشققتها بينى وبين سعد، فما منا من أولئك السبعة من أحد إلا وهو أمير مصر من الأمصار، وستجربون الأمراء بعدنا.\rوفى بعض ما ذكره الطبرى «١» من الأحاديث عن مقدم عتبة البصرة، وأنه نزل الخريبة، قال: وبالأبلة خمسمائة من الأساورة يحمونها، وكان مرفأ السفن من الصين وما دونها، فسار عتبة، فنزل دار الإجانة، فأقام نحوا من شهر، ثم خرج إليه أهل الأبلة فناهضهم عتبة، وجعل قطبة بن قتادة السدوسى، وقسامة بن زهير المازنى فى عشرة فوارس، وقال لهما: كونا فى ظهورنا، فتردا المنهزم، وتمنعا من أرادنا من ورائنا، ثم التقوا فما اقتتلوا مقدار جزر جزور وقسمها، حتى منحهم الله أكتافهم، وولوا منهزمين، حتى دخلوا المدينة، ورجع عتبة إلى عسكره فأقاموا أياما وألقى الله فى قلوبهم الرعب فخرجوا عن المدينة، وحملوا ما خف لهم، وعبروا إلى الفرات، وخلوا المدينة، فدخلها المسلمون فأصابوا متاعا وسلاحا وسبيا وعينا، فاقتسموا العين، فأصاب كل رجل منهم درهمان، وولى نافع بن الحارث أقباض الأبلة، فأخرج خمسه ثم قسم الباقى بين من أفاء الله عليه، وكتب بذلك مع نافع بن الحارث.\rوقال داود بن أبى هند: أصاب المسلمون بالأبلة من الدراهم ستمائة درهم، فأخذ كل رجل درهمين، ففرض عمر لأصحاب الدرهمين فى ألفين من العطاء.\rوقال الشعبى «٢» : شهد فتح الأبلة مائتان وسبعون، فيهم أبو بكرة، نفيع بن الحارث، وشبل بن معبد، والمغيرة بن شعبة، ومجاشع بن مسعود، وأبو مريم البلوى.\rوفى حديث يروى عن عمرة ابنة قيس «٣» : أنه لما خرج الناس لقتال أهل الأبلة، وكانوا حيالها، قالوا للعدو: نعبر إليكم أو تعبرون إلينا؟ قال: اعبروا إلينا، فأخذوا خشب العشر فأوثقوه، وعبروا، فقال المشركون: لا تأخذوا أولهم حتى يعبر آخرهم،","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٣/ ٥٩٤) .\r(٢) انظر: الطبرى (٣/ ٥٩٥) .\r(٣) انظر: الطبرى (٣/ ٥٩٧) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084605,"book_id":3509,"shamela_page_id":1168,"part":"2","page_num":539,"sequence_num":1168,"body":"فلما صاروا على الأرض كبروا تكبيرة، ثم كبروا الثانية، فقامت دوابهم على أرجلها، ثم كبروا الثالثة، فجعلت الدابة تضرب بصاحبها الأرض، وجعلنا ننظر إلى رؤس تندر، ما نرى من يضربها، وفتح الله على أيديهم المدينة.\rوقال سلمة بن المحبق «١» : شهدت فتح الأبلة، فوقع فى سهمى قدر نحاس، فلما نظرت إذا هى ذهب فيها ثمانون ألف مثقال، وكتب فى ذلك إلى عمر، فكتب: أن تصبر يمين سلمة بالله لقد أخذها يوم أخذها وهى عنده نحاس، فإن حلف سلمت إليه، وإلا قسمت بين المسلمين. قال: فحلفت فسلمت لى.\rقال المثنى بن موسى بن سلمة: فأصول أموالنا اليوم منها.\rوقال عباية بن عبد عمرو»\r: شهدت فتح الأبلة مع عتبة، فبعث نافعا إلى عمر، وجمع لنا أهل دست ميسان، فقال عتبة: أرى أن نسير إليهم، فسرنا فلقينا مرزبان دست ميسان، فقاتلناه، فانهزم أصحابه وأخذ أسيرا، فأخذ قباؤه ومنطقته فبعث بها عتبة مع أنس بن حجية اليشكرى.\rقال أبو المليح الهذلى: فسأله عمر: كيف المسلمون؟ قال: انثالت عليهم الدنيا، فهم يهيلون الذهب والفضة، فرغب الناس فى البصرة فأتوها.\rوعن على بن زيد قال: لما فرغ عتبة من الأبلة جمع له مرزبان دست ميسان، فسار إليه عتبة من الأبلة فقتله، ثم سرح مجاشع بن مسعود إلى الفرات وبها مدينة، ووفد عتبة إلى عمر، وأمر المغيرة بن شعبة أن يصلى بالناس حتى يقدم مجاشع من الفرات، فإذا قدم فهو الأمير، فظفر مجاشع بأهل الفرات، ورجع إلى البصرة، وجمع الميلكان، عظيم من عظماء الأعاجم، للمسلمين، فخرج إليه المغيرة، فلقيه بالمرغاب «٣» ، فظفر به، فكتب إلى عمر بالفتح، فقال عمر لعتبة: من استعملت على البصرة؟ فقال: مجاشع بن مسعود، قال:\rتستعمل رجلا من أهل الوبر على أهل المدر؟ تدرى ما حدث؟ قال: لا، فأخبره بما كان من أمر المغيرة، وأمره أن يرجع إلى عمله، فمات عتبة فى الطريق، واستعمل عمر المغيرة.\rوفى رواية أن أهل ميسان هم الذين جمعوا، فلقيهم المغيرة، وظهر عليهم قبل قدوم مجاشع من الفرات، وبعد أن شخص عتبة إلى عمر أثر ما قتل مرزبان دست ميسان.","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٣/ ٥٩٦) .\r(٢) انظر: الطبرى (٣/ ٥٩٥) .\r(٣) المرغاب: موضع نهر بالبصرة. انظر: معجم البلدان (٥/ ١٠٧) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084606,"book_id":3509,"shamela_page_id":1169,"part":"2","page_num":540,"sequence_num":1169,"body":"وذكر الطبرى بسنده عن قتادة قال: جمع أهل ميسان للمسلمين، فسار إليهم المغيرة، وخلف الأثقال، فلقيهم دون دجلة، فقالت أردة بنت الحارث بن كلدة: لو لحقنا بالمسلمين فكنا معهم، فاعتقدت لواء من خمارها، واتخذ النساء من خمرهن رايات، وخرجن يردن المسلمين، فانتهين إليهم، والمشركون يقاتلونهم، فلما رأى المشركون الرايات مقبلة، ظنوا أن مددا أتى المسلمين فانكشفوا، واتبعهم المسلمون، فقتلوا منهم عدة.\rأردة بنت الحارث بن كلدة: هذه كانت تحت شبل بن معبد البجلى، وكانت أختها صفية عند عتبة بن غزوان، فلما ولى عتبة البصرة، انحدر معه أصهاره، أبو بكرة ونافع وشبل، وانحدر معهم زياد، فلما فتحوا الأبلة لم يجدوا قاسما يقسم بينهم، فكان زياد قاسمهم، وهو ابن أربع عشرة سنة، له ذؤابة، فأجروا عليه كل يوم درهمين.\rقال الطبرى: وكان ممن سبى من ميسان يسار أبو الحسن البصرى، وأرطبان جد عبد الله بن عون بن أرطبان.\rوالأخبار فى شأن هذين المصرين يوهم ظاهرها الاختلاف المتباين فى وقت عمارة المسلمين لهما، فأكثرها على أن ذلك كان بعد المدائن، وبعد جلولاء، وقد ذكرنا ما ذكر الطبرى فى بعض ما أورده، أن عمر وجه الناس مع عتبة إلى البصرة فى سنة أربع عشرة، وهذا يقتضى أنه قبل القادسية، فضلا عن المدائن، وكذلك ذكر المدائنى من حديث حميد بن هلال، أن خالد بن عمير العدوى حدثه قال: لما كان أيام القادسية، كتب إلينا أهل الكوفة يستمدوننا، فأمدهم أهل البصرة بألف وخمسمائة راكب، كنت فيهم، فقدمنا على سعد بالقادسية وهو مريض، وذكر بقية الحديث.\rولعل نزول المسلمين بهذين الموضعين كان متقدما على تمصيرهما وبنيانهما بزمان، ومع ذلك فلا يرتفع الخلاف فى ذلك بين الأخبار كل الارتفاع، والله تعالى أعلم.\rوكان عمر، رضى الله عنه، قد أمر سعدا بعد ما وجهه إلى العراق أن يجعل الناس أعشارا، فلما كان بعد ذلك رجح الأعشار بعضهم بعضا رجحانا كثيرا، فكتب سعد إلى عمر فى تعديلهم، فكتب إليه: أن عدلهم، فأرسل سعد إلى قوم من نساب العرب وعقلائهم وذوى الرأى منهم، كسعيد بن نمران، ومشعلة بن نعيم، فعدلوهم أسابعا، فلم يزالوا كذلك عامة إمارة معاوية حتى ولى زياد فربعهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084607,"book_id":3509,"shamela_page_id":1170,"part":"2","page_num":541,"sequence_num":1170,"body":"ذكر الجزيرة، وذكر السبب الذى دعا عمر إلى الأمر بقصدها «١»\rوذلك أن هرقل أغزى حمص فى البحر بعد أن غلب عليها المسلمون، واستمد أهل الجزيرة على أبى عبيدة ومن فيها من المسلمين، فأجابوه، وبلغت أمداد الجزيرة ثلاثين ألفا، سوى أمداد قنسرين من تنوخ وغيرهم، فبلغوا من المسلمين كل مبلغ، فضم أبو عبيدة مسالحه، وعسكروا بفناء مدينة حمص، وخندقوا عليها، وكتبوا إلى عمر واستصرخوه، وكان عمر، رضى الله عنه، قد اتخذ فى كل مصر على قدرها خيولا من فضول أموال المسلمين، عدة لما يعرض، فكان من ذلك بالكوفة أربعة آلاف فرس يشتيها فى قبلة قصر الكوفة وميسرته، بمكان يسمى لأجل ذلك الآرى، ويربعها فيما بين الفرات والأبيات من الكوفة، مما يلى العاقول، فسمته الأعاجم: آخر الشاهجان، يعنون معلف الأمراء.\rوكان قيمه عليها سلمان بن ربيعة الباهلى فى نفر من أهل الكوفة، يصنع سوابقها، ويجريها فى كل يوم، وبالبصرة نحو منها، وقيمه عليها جزء بن معاوية، وفى كل مصر من الأمصار على قدره، فلما وقع إلى عمر كتاب أبى عبيدة يستصرخه، كتب إلى سعد بن أبى وقاص: أن اندب الناس مع القعقاع بن عمرو، وسرحهم من يومهم الذى يأتيك فيه كتابى إلى حمص، فإن أبا عبيدة قد أحيط به، وتقدم إليهم فى الجد والحث.\rوكتب إليه أيضا: أن سرح سهيل بن عدى إلى الجزيرة فى الجند، وليأت الرقة فإن أهل الجزيرة هم الذين استثاروا الروم على أهل حمص، وإن أهل قرقيسيا لهم سلف، وسرح عبد الله بن عتبان إلى نصيبين، ثم لينفضا حران والرها، وسرح الوليد بن عقبة على عرب الجزيرة من ربيعة وتنوخ، وسرح عياض بن غنم، فإن كان قتال فقد جعلت أمرهم جميعا إلى عياض، فمضى القعقاع فى أربعة آلاف من يومهم الذى أتاهم فيه الكتاب نحو حمص، وحديثهم مذكور فى أمر حمص من فتح الشام، وإنما أعيد منه هنا هذا القدر تطريقا لحديث الجزيرة وتمهيدا له.\rوخرج عياض بن غنم، وأمراء الجزيرة، فسلكوا طريق الجزيرة على الفراض وغيرها، فتوجه كل أمير إلى الكورة التى أمّر عليها، ولما بلغ أهل الجزيرة الذين أعانوا الروم على أهل حمص أن الجنود قد خرجت من الكوفة، ولم يدروا، الجزيرة يريدون أم حمص؟","footnotes":"(١) انظر الخبر فى: الطبرى (٤/ ٥٠) ، البداية والنهاية لابن كثير (٧/ ٧٦) ، الكامل لابن الأثير (٢/ ٣٧٢- ٣٧٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084608,"book_id":3509,"shamela_page_id":1171,"part":"2","page_num":542,"sequence_num":1171,"body":"تفرقوا إلى بلدانهم خوفا عليها، وخلوا الروم، فأتى سهيل بن عدى حتى انتهى إلى الرقة، وقد حصر فيها أهلها الذين ارفضوا عن حمص، فنزل عليهم، وأقام محاصرهم حتى صالحوه، وذلك أن قالوا فيما بينهم: إنكم بين أهل العراق وأهل الشام، فما بقاؤكم على حرب هؤلاء وهؤلاء؟ فبعثوا إلى عياض، وهو فى منزل واسط بالجزيرة، فقبل منهم وعقد لهم عن أمرة سهيل بن عدى.\rوخرج عبد الله بن عبد الله بن عتبان، فسلك على دجلة حتى انتهى إلى الموصل، عبر إلى بلد ثم أتى نصيبين، فلقوا بالصلح، وصنعوا كما صنع أهل الرقة، وخافوا مثل الذى خافوا، فعقد لهم عبد الله عن أمر عياض، وأجروا ما أخذوه عنوة من الرقة ونصيبين، ثم أجابوا مجرى أهل الذمة، ولما أعطى أهل الرقة ونصيبين الطاعة، ضم عياض سهيلا وعبد الله إليه، فسار بالناس إلى حران، فأخذ ما دونها، فلما انتهى إليهم اتقوه بالإجابة إلى الجزية، فقبل منهم، وأجرى من أجاب بعد غلبته مجرى أهل الذمة، ثم سرح سهيلا وعبد الله إلى الرها، فاتقوهما بالإجابة إلى الجزية، فقبل ذلك عياض منهم، وأجرى من دونهم مجراهم، فكانت الجزيرة أسهل البلدان أمرا وأيسره فتحا.\rوقال سهيل بن عدى فى ذلك:\rوصادمنا الفرات غداة سرنا ... إلى أهل الجزيرة بالعوالى\rولم نثن الأعنة حين سرنا ... بجرد الخيل والأسل النهال\rفأجهضنا الأولى قادوا لحمص ... وقد منوا أمانى الضلال\rأخذنا الرقة البيضاء لما ... رأينا الشهر لوح بالهلال\rوأزعجت الجزيرة بعد خفض ... وقد كانت تخوف بالزوال\rوصار الخرج صافية إلينا ... بأكناف الجزيرة عن تغال\rوقال فى ذلك عبد الله بن عتبان:\rألا من مبلغ عنى بجيرا ... فما بينى وبينك من بعاد\rفإن تقبل تلاق العدل فينا ... وتنسى ما عهدت من الجهاد\rوإن تدبر فما لك من نصيب ... نصيبى فيلحق بالعباد\rوقد ألقت نصيبين إلينا ... سواد البطن بالخرج السداد\rلقد لقيت نصيبين الدواهى ... بدهم الخيل والجرد الوراد\rونفست الجياد عن أهل حمص ... جنود الروم أصحاب الفساد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084609,"book_id":3509,"shamela_page_id":1172,"part":"2","page_num":543,"sequence_num":1172,"body":"وعاين عامر منهم عديدا ... ودهما مثل سائمة الجراد\rوخرج الوليد بن عقبة «١» حتى قدم على بنى تغلب وعرب الجزيرة، فنهض معه مسلمهم وكافرهم إلا أياد بن نزار، فإنهم ارتحلوا بكليتهم، فاقتحموا أرض الروم، فكتب الوليد بذلك إلى عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، فكتب إلى ملك الروم: إنه بلغنى أن حيا من أحياء العرب ترك دارنا وأتى دارك، فو الله لتخرجنه أو لننبذن إلى النصارى، ثم لنخرجنهم إليك. فأخرجهم ملك الروم، فتم منهم على الخروج أربعة آلاف، وخنس بقيتهم، فتفرقوا مما يلى الشام والجزيرة من بلاد الروم، فكل أيادى فى أرض العرب من أولئك الأربعة آلاف، وأبى الوليد أن يقبل من بنى تغلب إلا الإسلام، وكتب فيهم إلى عمر، فأجابه: إنما ذلك لجزيرة العرب لا يقبل منهم فيها إلا الإسلام، فدعهم على أن لا ينصروا وليدا، وأقبل منهم إذا أسلموا، فقبل منهم على أن لا ينصروا وليدا، ولا يمنعوا أحدا منهم من الإسلام، وأبى بعضهم إلا الجزاء، ورضى منهم بما رضى به من العباد وتنوخ.\rوفى حديث عن أبى سيف التغلبى «٢» : أن رسول الله ﷺ كان عاهد وفد بنى تغلب على أن لا ينصروا وليدا، فكان ذلك الشرط على الوفد وعلى من وفدهم، ولم يكن على غيرهم، فلما كان زمان عمر قال مسلموهم: لا تنفروهم بالخراج فيذهبوا، ولكن أضعفوا عليهم الصدقة التى تأخذونها من أموالهم، فإنهم يغضبون من ذلك الجزاء على أن لا ينصروا وليدا إذا أسلم آباؤهم، فخرج وفدهم فى ذلك إلى عمر، ﵀.\rولما بعث الوليد إليه برؤس النصارى وبديانيهم، فأمرهم عمر بأداء الجزية، قالوا له:\rأبلغنا مأمننا، فو الله لئن وضعت علينا الجزاء لندخلن أرض الروم، وو الله لتفضحنا من بين العرب، فقال لهم: أنتم فضحتم أنفسكم، وخالفتم أمتكم، والله لتؤدنها وأنتم صغرة قمأة، ولئن هربتم إلى الروم لأكتبن فيكم، ثم لأسبينكم. قالوا: فخذ منا شيئا ولا تسميه جزاء، فقال: أما نحن فنسميه الجزاء، وسموه أنتم ما شئتم. فقال له على بن أبى طالب وأصغى إليه عمر: يا أمير المؤمنين، ألم يضعف عليهم سعد بن مالك الصدقة؟ قال: بلى،","footnotes":"(١) انظر ترجمته فى: طبقات ابن سعد (٦/ ٢٤) ، الجرح والتعديل (٩/ ٨) ، تاريخ ابن عساكر (١٧/ ٤٣٤) ، تذهيب التهذيب (٤/ ١٣٨) ، البداية والنهاية (٨/ ٢١٤) ، العقد الثمين (٧/ ٣٩٨) ، تهذيب التهذيب (١١/ ١٤٢) ، أسد الغابة ترجمة رقم (٥٤٧٥) ، الإصابة ترجمة رقم (٩١٦٧) .\r(٢) انظر: الطبرى (٤/ ٥٦) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084610,"book_id":3509,"shamela_page_id":1173,"part":"2","page_num":544,"sequence_num":1173,"body":"قال: فرضى به منهم جزاء ورضى القوم بذلك، فبنو تغلب تسمى جزيتهم صدقة، وأما تنوخ فلم تبال أى ذلك كان، فهم يسمونها الجزية، وكان فى بنى تغلب عز وامتناع، فلا يزالون ينازعون الوليد فيهم بهم ويقول:\rإذا ما عصبت الرأس منى بمشوذ ... فغيك منى تغلب ابنة وائل\rوبلغت عمر، ﵀، فخاف أن يخرجوه وأن يضعف صبره فيسطو عليهم، فعزله وأمر عليهم فرات بن حيان وهند بن عمرو الجملى.\rذكر فتح سوق الأهواز ومناذر ونهرتير «١»\rذكر سيف عن شيوخه، قالوا «٢» : لما انهزم الهرمزان بالقادسية، جعل وجهه إلى أمته، فملكهم وقاتل بهم من أرادهم، فكان يغير على ميسان ودست ميسان من وجهين، من مناذر ونهرتير، فاستمد عتبة بن غزوان سعدا، فأمده بنعيم بن مقرن ونعيم بن مسعود، وأمرهما أن يكونا بين أهل ميسان ودست ميسان وبين نهرتير، ووجه عتبة، سلمى بن القين وحرملة بن مريطة الحنظليين، فنزلا على حدود أرض ميسان ودست ميسان، بينهم وبين مناذر، ودعوا بنى العم بن مالك، فخرج إليهم غالب الوائلى وكليب بن وائل الكلبى، فتركا نعيما ونعيما، وأتيا سلمى وحرملة، وقالا: أنتما من العشيرة، وليس لكما منزل، فإذا كان يوم كذا فانهدوا للهرمزان، فإن أحدنا يثور بمناذر، والآخر بنهرتير، فنقتل المقاتلة، ثم يكون وجهنا إليكم، فليس دون الهرمزان شىء إن شاء الله.\rفلما «٣» كانت ليلة الموعد، خرج سلمى وحرملة صبيحتها فى تعبئة، وأنهضا نعيما، ونعيم وسلمى على أهل البصرة، ونعيم بن مقرن على أهل الكوفة، فالتقوا هم والهرمزان بين دلث ونهرتير فاقتتلوا، فبينا هم فى ذلك أقبل المدد من قبل غالب وكليب، وأتى الهرمزان الخبر بأخذ مناذر ونهرتير، فكسر الله فى ذرعه وذرع جنده، وهزمه وإياهم، فقتل المسلمون منهم ما شاؤا وأصابوا ما شاؤا، واتبعوهم حتى وقفوا على شاطئ دجيل، وأخذوا ما دونه، وعسكروا بحيال سوق الأهواز، وقد عبر الهرمزان جسر سوق الأهواز، وأقام بها، وصار دجيل بينه وبين المسلمين، ورأى الهرمزان ما لا طاقة له به،","footnotes":"(١) انظر الخبر فى: الطبرى (٤/ ٧٢- ٧٧) ، البداية والنهاية لابن كثير (٧/ ٨٢، ٨٣) .\r(٢) انظر: الطبرى (٤/ ٧٢، ٧٣) .\r(٣) انظر: الطبرى (٤/ ٧٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084611,"book_id":3509,"shamela_page_id":1174,"part":"2","page_num":545,"sequence_num":1174,"body":"فطلب الصلح وكتبوا إلى عتبة يستأمرونه فيه، وكاتبه الهرمزان، فأجاب عتبة إلى ذلك على الأهواز كلها ومهرجان قذق، ما خلا نهرتير ومناذر، وما غلبوا عليه من سوق الأهواز، فإنا لا نرد عليهم ما تنقذنا.\rوجعل عتبة على مناذر سلمى بن القين مسلحة وأمرها إلى غالب، وحرملة على نهرتير، وأمرها إلى كليب، فكانا على مسالح البصرة، وهاجرت طوائف بنى العم، فنزلوا البصرة، وجعلوا يتبايعون على ذلك، وكتب عتبة بذلك إلى عمر، ﵀، ووفد وفدا منهم سلمى وحرملة، وأمرهما أن يستخلفهما على عمليهما وغالب وكليب، ووفد يومئذ من البصرة وفودا، فأمرهم عمر أن يرفعوا حوائجهم، فكلهم قال: أما العامة فأنت صاحبها، فلم يبق إلا خواص أنفسنا، فطلبوا لأنفسهم، إلا ما كان من الأحنف بن قيس، فإنه قال: يا أمير المؤمنين، إنه لكما ذكروا، ولقد يغرب عنك ما يحق علينا إنهاؤه إليك مما فيه صلاح العامة، وإنما ينظر الوالى فيما غاب عنه بأعين أهل الخير، ويسمع بآذانهم، وإنا لم نزل ننزل منزلا بعد منزل حتى أرزنا إلى البر، وإن إخواننا من أهل الكوفة نزلوا فى مثل حدقة البعير الغاسقة، من العيون العذاب، والجنان الخصاب، فتأتيهم ثمارهم غضة، لم تخضد، وإنا معاشر أهل البصرة نزلنا بسبخة هشاشة زعقة نشاشة، طرف لها فى الفلاة، وطرف لها فى البحر الأجاج، يجر إليها ما جر فى مثل مرىء النعامة، دارنا مفعمة، ووظيفتنا ضيقة، وعددنا كثير، وأشرافنا قليل، وأهل البلاء فينا كثير، ودرهمنا كبير، وفقيرنا صغير، وقد وسع الله علينا، وزادنا فى أرضنا، فوسع علينا يا أمير المؤمنين، وزدنا وظيفة، تطوف علينا، ونعيش بها.\rفنظر عمر إلى منازلهم التى كانوا بها، إلى أن صاروا إلى الحجر، فنفلهموها، وأقطعهم إياها، وكان ذلك مما كان لآل كسرى، فصار فيئا فيما بين دجلة والحجر، فاقتسموه، وكان سائر ما كان آل كسرى فى أرض البصرة على حال ما كان فى أرض الكوفة ينزلونه من أحبوا، ويقتسمونه بينهم، لا يستأثرون به على بدء ولا ثنى، بعد ما يرفعون خمسه إلى الوالى. فكانت قطائع أهل البصرة نصفين، نصفها مقسوم، ونصفها متروك للعسكر وللاجتماع، وكان أصحاب الألفين ممن شهد القادسية ثم أتى البصرة مع عتبة خمسة آلاف، وكانوا بالكوفة ثلاثين ألفا، فألحق عمر أعدادهم بأهل البصرة، حتى ساواهم بهم، ألحق جميع من شهد الأهواز، ثم قال: هذا الغلام سيد أهل البصرة، يعنى الأحنف، وكتب إلى عتبة أن يسمع منه، ورد سلمى وحرملة وغالبا وكليبا إلى مناذر ونهرتير، فكانوا عدة فيها لما يعرض.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084612,"book_id":3509,"shamela_page_id":1175,"part":"2","page_num":546,"sequence_num":1175,"body":"حديث فتح الأهواز ومدينة سرق\rواتصل ما بين أهل البصرة وبين أهل ذمتهم، على ما ذكر، إلى أن وقع بين الهرمزان وبين غالب وكليب فى حدود الأرضين اختلاف، فحضر سلمى وحرملة لينظرا فيما بينهم، فوجدا غالبا وكليبا محقين، والهرمزان مبطلا، فحالا بينه وبينهما، فكفر الهرمزان، ومنع ما قبله، واستعان بالأكراد، فكثف جنده، وكتبوا ببغيه وكفره إلى عتبة، فكتب بذلك إلى عمر، فأمدهم عمر بحرقوص بن زهير السعدى، وكانت له صحبة، وأمره على القتال، وعلى ما غلب عليه. فنهدوا معه، ونهد الهرمزان بمن معه حتى إذا انتهوا إلى جسر سوق الأهواز عبر الهرمزان فوق الجسر، بعد أن خيرهم، فقالوا له: اعبر، فاقتتلوا هنالك، فهزم الله الهرمزان، ووجه نحو رامهرمز، وافتتح حرقوص سوق الأهواز، فأقام بها، ونزل الجبل، واتسقت له بلاد سوق الأهواز إلى تستر، ووضع الجزية، وكتب بالفتح والأخماس إلى عمر، فحمد الله، ودعا له بالثبات والزيادة.\rوكان عمر، رضى الله عنه، قد عهد إلى حرقوص: إن فتح الله عليهم أن يبعث جزء بن معاوية فى أثر الهرمزان، وهو متوجه إلى رامهرمز، فما زال يقاتلهم حتى انتهى إلى قرية الشغر، وأعجزهم بها الهرمزان، فمال منها جزء إلى دورق، ومدينة سرق فيها قوم لا يطيقون منعها، فأخذها صافية، ودعا من هرب إلى الجزاء والمنعة، فأجابوه، وكتب بذلك كله إلى عمر وإلى عتبة، فكتب عمر، ﵀، إلى جزء وإلى حرقوص بلزوم ما غلبا عليه، والمقام حتى يأتيهما أمره، ففعلا، واستأذنه جزء فى عمران ما دثر، فأذن له، فشق الأنهار، وعمر الموات.\rولما نزل الهرمزان رامهمرمز وضاقت عليه الأهواز بالمسلمين، طلب الصلح وراسل فيه حرقوصا وجزآ، فكتب فيه حرقوص إلى عمر، فكتب إليه وإلى عتبة، يأمر بقبول صلح الهرمزان على ما لم يفتتحوا من البلاد، على رامهرمز وتستر والسوس وجندى سابور والبنيان ومهرجان نقذق، فقبل ذلك الهرمزان، وأجابهم إليه، فأقام أمراء الأهواز على ما أسند إليهم عمر، وأقام الهرمزان على صلحه يجبى إليهم ويمنعونه، وإن غاوره أكراد فارس أعانوه وذبوا عنه.\rوكتب عمر إلى عتبة أن يوفد عليه عشرة من صالحاء جند البصرة، فوفد إليه منهم عشرة، فيهم الأحنف بن قيس، فلما قدموا عليه، قال للأحنف: إنك عندى مصدق، وقد رأيتك رجلا، فأخبرنى: أظلمت الذمة، ألمظلمة نفروا، أم لغير ذلك؟ فقال: بل لغير مظلمة، والناس على ما تحب، قال: فنعم إذا انصرفوا إلى رحالكم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084613,"book_id":3509,"shamela_page_id":1176,"part":"2","page_num":547,"sequence_num":1176,"body":"وكتب عمر إلى عتبة: أن اصرف الناس عن الظلم، واتقوا الله، واحذروا أن يدال عليكم لغدر يكون منكم أو بغى، فإنكم إنما أدركتم بالله ما أدركتم على عهد عاهدكم عليه، وقد تقدم إليكم فيما أخذ عليكم، فأوفوا بعهد الله، وقوموا على أمره يكن لكم عونا وناصرا.\rوبلغ عمر، ﵀، أن حرقوصا نزل جبل الأهواز والناس يختلفون إليه، والجبل كئود يشق على من رامه، فكتب إليه: بلغنى أنك نزلت منزلا كئودا لا تؤتى فيه إلا على مشقة، فأسهل ولا تشقن به على مسلم ولا معاهد، وقم فى أمرك على رجل تدرك الآخرة وتصف لك الدنيا، ولا تدركنك فترة ولا عجلة، فتكدر دنياك وتذهب آخرتك.\rذكر غزو المسلمين أرض فارس «١»\rقالوا «٢» : وكان المسلمون بالبصرة وأرضها يومئذ سوادها، والأهواز على ما هم عليه، ما غلبوا عليه منها ففى أيديهم، وما صلحوا عليه ففى أيدى أهله يؤدون الخراج، ولا يدخل عليهم، ولهم الذمة والمنعة، وعميد الصلح الهرمزان. وقد قال عمر، ﵀:\rحسبنا أهل البصرة سوادهم والأهواز، وددت أن بيننا وبين فارس جبلا من نار لا نصل إليهم منه ولا يصلون إلينا، كما قال لأهل الكوفة: وددت أن بينهم وبين الجبل جبلا من نار لا يصلون إلينا منه ولا نصل إليهم.\rوكان العلاء بن الحضرمى على البحرين، رده إليها عمر بعد أن عزله عنها بقدامة بن مظعون، وكان العلاء يناوئ سعد بن أبى وقاص لصدع صدعه القضاء بينهما، فطار العلاء على سعد فى الردة بالفضل، فلما ظفر سعد بالقادسية، وأزاح الأكاسرة، واستعلى بأعظم مما كان جاء به العلاء، أسر العلاء أن يصنع شيئا فى الأعاجم، ورجاء أن يدال كما قد كان أديل، ولم يقدر العلاء، ولم ينظر فيما بين فضل الطاعة وفضل المعصية وعواقبها، فندب أهل البحرين إلى أهل فارس، فتسرعوا إلى ذلك، ففرقهم أجنادا، على أحدها الجارود بن المعلى، وعلى الآخر السوار بن همام، وعلى الآخر خليد بن المنذر بن ساوى، وهو مع ذلك على جماعة الناس، فحملهم فى البحر إلى فارس بغير إذن عمر،","footnotes":"(١) انظر الخبر فى: الطبرى (٤/ ٧٩- ٨٣) ، الكامل فى التاريخ لابن الأثير (٢/ ٣٧٦- ٢٧٩) .\r(٢) انظر: الطبرى (٤/ ٧٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084614,"book_id":3509,"shamela_page_id":1177,"part":"2","page_num":548,"sequence_num":1177,"body":"وكان عمر، ﵀، لا يأذن لأحد فى ركوبه غازيا، يكره التغرير بجنده استنانا بالنبى ﷺ وبأبى بكر، إذ لم يغزيا فيه أحدا.\rفعبرت تلك الجنود من البحرين إلى فارس، فخرجوا فى اصطخر، وبإزائهم أهل فارس، قد اجتمعوا على الهربذ، فحالوا بين المسلمين وبين سفنهم، فقام خليد فى الناس، فقال: إن الله إذا قضى لأحد أمرا جرت به المقادير حتى يصيبه، وإن هؤلاء القوم لم يزيدوا بما صنعوا على أن دعوكم لحربهم، وإنما جئتم لمحاربتهم، والسفن والأرض لمن غلب، وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ [البقرة: ٤٥] .\rفأجابوه، فصلوا الظهر ثم ناهدوهم فاقتتلوا قتالا شديدا فى موضع يدعى طاووس، وجعل السوار يحض ويذكر قومه عبد القيس حتى قتل، وقتل الجارود، ويومئذ ولى عبد الله بن المسور والمنذر بن الجارود حياتهما إلى أن ماتا. وجعل خليد بن المنذر يقول للمسلمين: انزلوا، فنزلوا فقاتلوا القوم فقتل أهل فارس مقتلة عظيمة لم يقتلوا مثلها، ثم خرج المسلمون يريدون البصرة إذ غرقت سفنهم، ولم يجدوا إلى الرجوع فى البحر سبيلا، فوجدوا شهرك قد أخذ عليهم الطرق فعسكروا وامتنعوا.\rولما بلغ عمر، ﵀، ما صنع العلاء من بعثه ذلك الجيش فى البحر، يعنى قبل أن يبلغه ما عرض لهم، ألقى فى روعه نحو من الذى كان، فاشتد غضبه على العلاء وكتب إليه بعزله وتوعده وأمره بأثقل الأشياء عليه، وأبغض الوجوه عليه، بتأمر سعد عليه، وقال:\rالحق بسعد بن أبى وقاص فيمن قبلك، فخرج نحوه بمن معه.\rوكتب عمر إلى عتبة بن غزوان: أن العلاء بن الحضرمى حمل جندا من المسلمين، فأقطعهم أهل فارس، وعصانى، وأظنه لم يرد الله بذلك، فخشيت عليهم ألا ينصروا وأن يغلبوا وينشبوا، فاندب الناس إليهم، واضممهم إليك من قبل أن يجتاحوا، فندب عتبة الناس، وأخبرهم بكتاب عمر، فانتدب عاصم بن عمرو وعرفجة بن هرثمة وحذيفة بن محصن ومجزأة بن ثور والأحنف بن قيس وصعصعة بن معاوية وآخرون من رؤس المسلمين وفرسانهم، فخرجوا فى اثنى عشر ألفا على البغال يجنبون الخيل، وعليهم أبو سبرة بن أبى رهم، أحد بنى مالك بن حسل بن عامر بن لؤى، والمسالح على حالها بالأهواز والذمة، وهم ردء الغازى والمقيم، فسار أبو سبرة بالناس، وساحل لا يلقاه أحد، ولا يعرض له حتى التقى بخليد وأصحابه بحيث أخذ عليهم الطريق.\rوكان أهل اصطخر حيث أخذوا عليهم الطريق وأنشبوهم، استصرخوا عليهم أهل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084615,"book_id":3509,"shamela_page_id":1178,"part":"2","page_num":549,"sequence_num":1178,"body":"فارس كلهم، فضربوا إليهم من كل وجه وكورة، فالتقوا هم وأبو سبرة، وقد توافت إلى المسلمين أمدادهم وإلى المشركين أمدادهم، وعلى المشركين شهرك، وهو الذى كان أخذ عليهم الطريق غب وقعة القوم بطاووس، فاقتتلوا، ففتح الله على المسلمين، وقتل المشركون وأصاب المسلمون منهم ما شاؤا، وهى الغزاة التى شرفت بها نابتة البصرة، فكانوا أفضل المصرين نابتة، ثم انكفأوا بما أصابوا، وقد عهد إليهم عتبة وكاتبهم بالحث وقلة العرجة، فانضموا إليه بالبصرة، فرجع أهلها إلى منازلهم منها، وتفرق الذين تنقذوا من أهل هجر إلى قبائلهم، والذين تنقذوا من عبد القيس فى موضع سوق البحرين.\rولما أحرز عتبة الأهواز وأوطأ فارس، استأذن عمر فى الحج، فأذن له، فلما قضى حجه استعفاه، فأبى أن يعفيه، وعزم عليه ليرجعن إلى عمله، فدعا الله ثم انصرف، فمات فى بطن نخلة، فدفن بها، ومر به عمر زائرا لقبره، فقال: أنا قتلتك، لولا أنه أجل معلوم وكتاب مرقوم، وأثنى عليه بالفضل. ومات عتبة وقد استخلف على الناس أبا سبرة بن أبى رهم وعماله على حالهم، ومسالحه على نهرتير ومناذر وسوق الأهواز وسرق. وأمّر عمر أبا سبرة على البصرة بقية السنة التى مات فيها عتبة، ثم عزله، واستخلف عبد الرحمن بن سهل، ثم استعمل المغيرة بن شعبة، فعمل عليها بقية تلك السنة التى ولاه فيها والسنة التى تليها، لم ينتقض عليه أحد فى عمله، وكان مرزوق السلامة.\rذكر فتح رامهرمز والسوس وتستر وأسر الهرمزان «١»\rذكر سيف «٢» عن أصحابه قالوا: لم يزل يزدجرد يثير أهل فارس أسفا على ما خرج عنهم، فكتب إليهم وهو بمرو، يذكرهم الأحقاد ويؤنبهم، أن قد رضيتم يا أهل فارس أن غلبتكم العرب على السواد وما والاه، وعلى الأهواز، ثم لم يرضوا بذلك حتى يوردوكم فى بلادكم وعقر داركم، فخرجوا وتكاتبوا هم وأهل الأهواز، وتعاهدوا وتواثقوا على النصرة، وجاءت الأخبار حرقوص بن زهير وجزآ وسلمى وحرملة عن خبر غالب وكليب، فكتبوا إلى عمر وإلى المسلمين بالبصرة، فكتب عمر إلى سعد: أن ابعث إلى الأهواز بعثا كثيفا مع النعمان بن مقرن وعجل، وابعث سويد بن مقرن، وعبد","footnotes":"(١) انظر الخبر فى: الطبرى (٤/ ٨٣) ، الكامل فى التاريخ لابن الأثير (٢/ ١٨٧، ١٨٨) ، البداية والنهاية لابن كثير (٧/ ٨٥- ٨٩) .\r(٢) انظر: الطبرى (٤/ ٨٣، ٨٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084616,"book_id":3509,"shamela_page_id":1179,"part":"2","page_num":550,"sequence_num":1179,"body":"الله بن ذى السهمين، وجرير بن عبد الله الحميرى، وجرير بن عبد الله البجلى، فلينزلوا بإزاء الهرمزان حتى يتيقنوا أمره.\rوكتب إلى أبى موسى، وهو على البصرة: أن ابعث إلى الأهواز جندا كثيفا، وأمر عليهم سهيل بن عدى، وابعث معه البراء بن مالك، وعاصم بن عمرو، ومجزأة بن ثور، وكعب بن سور، وعرفجة بن هرثمة، وحذيفة بن محصن، وعبد الرحمن بن سهل، والحصين بن معبد، وعلى أهل الكوفة والبصرة جميعا أبو سبرة بن أبى رهم، وكل من أتاه فمدد له.\rوخرج النعمان بن مقرن فى أهل الكوفة، فأخذ وسط السواد حتى قطع دجلة بحيال ميسان، ثم أخذ البر إلى الأهواز على البغال يجنبون الخيل، وانتهى إلى نهرتير فجازها، وجاز مناذر، ثم شق الأهواز، وخلف حرقوصا وسلمى وحرملة، ثم سار نحو الهرمزان، وهو برامهرمز، فلما سمع الهرمزان بمسير النعمان إليه بادره، ورجا أن يقتطعه، وقد طمع فى نصر أهل فارس، وقد أقبلوا نحوه، ونزلت أوائل أمدادهم بتستر، فالتقى النعمان والهرمزان بأزبك، فاقتتلوا قتالا شديدا، ثم إن الله هزم الهرمزان، وأخلى رامهرمز ولحق بتستر، وسار النعمان بن أزبك حتى نزل برامهرمز، ثم صعد لا يذج، فصالحه عليها تيرويه، فقبل منه وتركها، ورجع إلى رامهرمز، فأقام بها.\rوجاء سهل فى أهل البصرة حتى نزلوا سوق الأهواز، فأتاهم بها خبر الوقعة التى أوقعها النعمان بالهرمزان حتى لحق بتستر، فمالوا نحوه من سوق الأهواز، فكان وجههم منها إلى تستر، ومال النعمان إليها من رامهرمز، وخرج سلمى وحرملة وحرقوص وجزء، فنزلوا جميعا على تستر، وبها الهرمزان وجنوده من أهل فارس وأهل الجبال وأهل الأهواز فى الخنادق، فكتبوا بذلك إلى عمر، ﵀، واستمده أبو سبرة فأمده بأبى موسى، فساجلوهم، وعلى أهل الكوفة النعمان، وعلى أهل البصرة أبو موسى، وعلى الفريقين أبو سبرة، فحاصروهم أشهرا، وأكثروا فيهم القتل.\rوقتل البراء بن مالك فيما بين أول ذلك الحصار إلى أن فتح الله على المسلمين مبارزة مائة، سوى من قتل فى غير المبارزة، وقتل مجزأة بن ثور مثل ذلك، وقتل كعب بن سور وأبو تميمة كل واحد منهما مثل ذلك، وهؤلاء فى عدة من أهل البصرة، وفعل مثل ذلك من الكوفيين رجال، منهم حبيب بن قرة، وربعى بن عامر، وعارم بن عبد الأسد، وكان من الرؤساء، فى ذلك، ما ازدادوا به إلى ما كان منهم، وزاحفهم المشركون فى أيام","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084617,"book_id":3509,"shamela_page_id":1180,"part":"2","page_num":551,"sequence_num":1180,"body":"تستر ثمانين زحفا تكون عليهم مرة ولهم أخرى، حتى إذا كان فى آخر زحف منها واشتد القتال، قال المسلمون: يا براء، أقسم على ربك ليهزمنهم لنا، فقال البراء بن مالك: اللهم اهزمهم لنا واستشهدنى، فهزمهم حتى أدخلوهم خنادقهم ثم اقتحموها عليهم، فأرزوا إلى مدينتهم، فأحاط المسلمون بها.\rفبينا هم على ذلك وقد ضاقت المدينة بهم، وطالت حربهم، خرج رجل إلى النعمان فاستأمنه على أن يدله على مدخل يوصل منه إلى المدينة، ويكون منه فتحها، فأمنه النعمان، فقال: انهدوا من قبل مخرج الماء، ورمى رجل آخر غير ذلك الرجل فى ناحية أبى موسى بسهم يستأمنهم فيه على أن يدلهم على ذلك، فأمنوه فى نشابة، فرمى إليهم بأخرى، ودلهم على مخرج الماء، فندب الأميران أصحابهما، فانتدب لأبى موسى كعب ابن سور ومجزأة بن ثور وبشر كثير.\rوانتدب للنعمان أيضا بشر كثير، منهم: سويد بن المثعبة، وعبد الله بن بشر الهلالى، فنهدوا، فالتقوا هم وأهل البصرة على ذلك المخرج، وقد تسرب سويد وعبد الله، فاتبعهم الفريقان، حتى إذا اجتمعوا فيها، والناس على رجل من خارج، كبروا فيها، وكبر المسلمون من خارج، وفتحت الأبواب، فاجتلدوا فيها، فأناموا كل مقاتل، وأرز الهرمزان إلى القلعة فأطاف به الذين دخلوا من مخرج الماء، فلما عاينوه وأقبلوا قبله، قال لهم: ما شئتم، قد ترون ضيق ما أنا فيه وأنتم، وإن معى فى جعبتى مائة نشابة، وو الله لا تصلون إلىّ، ما دامت معى نشابة، وما يقع لى سهم إلا فى رجل، وما خير أسارى إذا أصبت منكم مائة بين قتيل وجريح، قالوا: فتريد ماذا؟ قال: أن أضع يدى فى أيديكم على حكم عمر يصنع بى ما شاء، قالوا: فذلك لك.\rفرمى بقوسه، وأمكنهم من نفسه، فشدوه وثاقا، واقتسموا ما أفاء الله عليهم، فكان سهم الفارس ثلاثة آلاف، والراجل ألفا. وجاء الرجل الذى خرج بنفسه إلى النعمان، والآخر الذى رمى بالسهم فى ناحية أبى موسى، فقالا للمسلمين: من لنا بالأمان الذى طلبنا علينا وعلى من مال علينا؟ قالوا: ومن مال معكم؟ قالوا: من أغلق عليه بابه مدخلكم، فأجازوا ذلك لهم، وقتل ليلتئذ من المسلمين ناس كثير، منهم مجزأة بن ثور، والبراء بن مالك، قتلهما الهرمزان.\rوخرج أبو سبرة من تستر فى أثر الفل، وقد قصد السوس، وأخرج معه النعمان وأبا موسى الهرمزان، حتى نزلوا على السوس، وكتبوا بذلك إلى عمر، فكتب إلى أبى موسى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084618,"book_id":3509,"shamela_page_id":1181,"part":"2","page_num":552,"sequence_num":1181,"body":"برده على البصرة، فانصرف عليها، وأمر عمر على جند البصرة المقترب، وهو الأسود بن ربيعة، وكتب إلى زر بن عبد الله بن كليب الفقيمى أن يسير إلى جندى سابور، فسار حتى نزل عليها، وكان الأسود وزر من أصحاب رسول الله ﷺ من المهاجرين إليه، الوافدين عليه، فقال له الأسود لما وفد عليه: جئت لأقترب إلى الله بصحبتك، فسماه المقترب، وقال له زر: يا رسول الله، فنى بطنى، وكثر إخوتنا، فادع الله لنا، فقال:\r«اللهم أوف لزر عمارته» ، فتحول إليهم العدد.\rووفد أبو سبرة وفدا، فيهم أنس بن مالك، والأحنف بن قيس، وأرسل الهرمزان معهم، فقدموا مع أبى موسى البصرة، ثم خرجوا نحو المدينة، حتى إذا دخلوها هيئوا الهرمزان فى هيئته، فألبسوه كسوته من الديباج، ووضعوا على رأسه تاجا مكللا بالياقوت، كيما يراه عمر والمسلمون فى هيئته، ثم خرجوا به على الناس يريدون عمر فى منزله فلم يجدوه، فسألوا عنه، فقيل لهم: جلس فى المسجد لوفد قدموا عليه من الكوفة، فانطلقوا يطلبونه فى المسجد فلم يروه.\rفلما انصرفوا مروا بغلمان يلعبون، فقالوا لهم: ما تلددكم تريدون أمير المؤمنين؟ فإنه نائم فى ميمنة المسجد، متوسد برنسه، وكان عمر، ﵀، قد جلس لوفد الكوفة فى برنس، فلما فرغ من كلامهم وارتفعوا عنه، وأخلوه نزع برنسه ثم توسده فنام، فانطلقوا ومعهم النظارة، حتى إذا رأوه جلسوا دونه، وليس فى المسجد نائم ولا يقظان غيره، والدرة فى يده، فقال الهرمزان: أين عمر؟ قالوا: هو ذا، وجعل الوفد يشيرون إلى الناس أن اسكتوا عنه، فقال لهم الهرمزان: أين حرسه وحجابه؟ فقالوا: ليس له حارس ولا حاجب، ولا كاتب ولا ديوان، فقال: ينبغى له أن يكون نبيا، قالوا: بل يعمل عمل الأنبياء، وكثر الناس، فاستيقظ عمر، ﵀، بالجلبة، فاستوى جالسا، ثم نظر إلى الهرمزان، فقال: الهرمزان؟ قالوا: نعم، فتأمله وتأمل ما عليه، وقال: أعوذ بالله من النار، وأستعين بالله، ثم قال: الحمد لله الذى أذل بالإسلام هذا وأشباهه، يا معشر المسلمين، تمسكوا بهذا الدين، واهتدوا بهدى نبيكم، ولا تبطرنكم الدنيا فإنها غرارة.\rفقال الوفد: هذا ملك الأهواز فكلمه، فقال: لا، حتى لا يبقى عليه من حليته شىء، فرمى عنه بكل شىء كان عليه إلا شيئا يستره، وألبسوه ثوبا صفيقا، فقال عمر: هى يا هرمزان، كيف رأيت وبال الغدر وعاقبة أمر الله؟ فقال: يا عمر، إنا وإياكم فى الجاهلية كان الله قد خلى بيننا وبينكم، فغلبناكم إذ لم يكن معنا ولا معكم، فلما كان معكم غلبتمونا، فقال عمر: إنما غلبتمونا فى الجاهلية باجتماعكم وتفرقنا، ثم قال عمر: ما","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084619,"book_id":3509,"shamela_page_id":1182,"part":"2","page_num":553,"sequence_num":1182,"body":"عذرك وما حجتك فى انتقاضك مرة بعد مرة؟ فقال: أخاف أن تقتلنى قبل أن أخبرك، قال: لا تخف ذلك. واستسقى ماء، فأتى به فى قدح غليظ، فقال: لو مت عطشا لم أستطع أن أشرب فى مثل هذا، فأتى به فى إناء يرضاه، فجعلت يده ترعد، وقال: إنى أخاف أن أقتل وأنا أشرب، فقال عمر: لا بأس عليك حتى تشربه، فأكفأه.\rفقال عمر: أعيدوا عليه، ولا تجمعوا عليه القتل والعطش، فقال: لا حاجة لى فى الماء، إنما أردت أن أستأمن به، فقال عمر: إنى قاتلك، فقال: قد أمنتنى، قال: كذبت، قال أنس: صدق يا أمير المؤمنين، قد أمنته، قال: ويحك يا أنس، أنا أؤمن قاتل مجزأة والبراء ابن مالك، والله لتأتين بمخرج وإلا عاقبتك. قال: قلت له: لا بأس عليك حتى تخبرنى، وقلت له: لا بأس عليك حتى تشربه، وقال له من حوله مثل ذلك، فأقبل الهرمزان، وقال: خدعتنى، والله لا أنخدع إلا أن تسلم، فأسلم ففرض له على ألفين وأنزله المدينة.\rويروى أن المغيرة بن شعبة كان الترجمان يومئذ بين عمر وبين الهرمزان إلى أن جاء المترجم، وكان المغيرة يفقه من الفارسية شيئا، فقال له عمر: ما أراك بها حاذقا، ما أحسنها أحد منكم إلا خب، ولا خب إلا دق، إياكم وإياها، فإنها تنقص الإعراب.\rذكر فتح السوس\rوالأخبار التى نذكرها بعد ذلك شديدة الخلاف لبعض ما تقدم، وكذلك قال أبو جعفر الطبرى «١» : إن أهل السير اختلفوا فى أمرها. قال: فأما المدائنى فإنه قال: لما انتهى فل جلولاء إلى يزدجرد وهو بحلوان، دعا بخاصته وبالموبذ، فقال: إن القوم لا يلقون جمعا إلا فلوه، فما ترون؟ قال الموبذ: نرى أن نخرج فننزل اصطخر، فإنها بيت المملكة، وتضم إليك خزائنك، وتوجه الجنود، فأخذ برأيه، وسار إلى أصبهان ودعا سياه، فوجه ثلاثمائة فيهم سبعون من عظمائهم، وأمره أن ينتخب من كل بلدة يمر بها من أحب، فمضى سياه واتبعه يزدجرد، حتى نزلوا اصطخر وأبو موسى محاصر سوس، فوجه سياه إلى السوس، والهرمزان إلى تستر، فنزل سياه منزلا تحول عنه حين سار أبو موسى إلى تستر.\rفنزل سياه بينها وبين رامهرمز، ودعا الرؤساء الذين كانوا خرجوا معه من أصبهان، وقد عظم أمر المسلمين عنده، فقال: قد علمتم أنا كنا نتحدث أن هؤلاء القوم أهل","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٤/ ٨٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084620,"book_id":3509,"shamela_page_id":1183,"part":"2","page_num":554,"sequence_num":1183,"body":"الشقاء والبؤس سيغلبون على هذه المملكة، وتروث دوابهم فى إيوانات اصطخر ومصانع الملوك، ويشدون خيولهم بشجرها، وقد غلبوا على ما رأيتم، وليس يلقون جندا إلا فلوه، ولا ينزلون بحصن إلا فتحوه، فانظروا لأنفسكم. قالوا: رأينا رأيك، قال: فليكفنى كل رجل منكم حشمه والمنقطعين إليه، فإنى أرى أن ندخل فى دينهم.\rفوجهوا شيرويه فى عشرة من الأساورة إلى أبى موسى، فقدم عليه، فقال: إنا قد رغبنا فى دينكم، فنسلم على أن نقاتل العجم معكم، وإن قاتلنا أحد من العرب منعتمونا منهم، وننزل حيث شئنا، ونكون فيمن شئنا منكم، وتلحقونا بأشرف العطاء، ويعقد لنا بذلك الأمير الذى هو فوقك، فقال أبو موسى: بل لكم ما لنا، وعليكم ما علينا، فقال:\rلا نرضى.\rوكتب أبو موسى إلى عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، بأمرهم، فأجابه: أعطهم ما سألوك، فكتب لهم أبو موسى، فأسلموا، وشهدوا معه حصار تستر، فلم يكن أبو موسى يرى منهم جدا ولا نكاية، فقال لسياه: يا أعور، ما أنت وأصحابك كما كنا نرى، قال: لسنا مثلكم فى هذا الدين، ولا بصائرنا كبصائركم، وليس لنا فيكم حرم نحامى عنهم، ولم تلحقونا بأشرف العطاء ولنا سلاح وكراع وأنتم حسر. فكتب أبو موسى إلى عمر فى ذلك، فكتب إليه: أن ألحقهم على قدر البلاء فى أفضل العطاء وأكثر شىء أخذه أحد من العرب. ففرض لمائة منهم فى ألفين ألفين، ولستة منهم فى ألفين وخمسمائة، لسياه وخسرو وابنه مقلاص وشهريار وشهرويه وأفريذون، وإياهم عنى الشاعر بقوله:\rولما رأى الفاروق حسن بلائهم ... وكان بما يأتى من الأمر أبصرا\rفسن لهم ألفين فرضا وقد رأى ... ثلاثمئين فرض عك وحميرا\rقال: فحاصروا حصنا بفارس، فمشى سياه فى آخر الليل فى زى العجم حتى رمى بنفسه إلى جانب الحصن، ونضح ثيابه بالدم، وأصبح أهل الحصن، فرأوا رجلا فى زيهم صريعا، فظنوا أنه رجل منهم أصيبوا به، ففتحوا باب الحصن ليدخلوه، وثار فقاتلهم حتى دخلوا عن باب الحصن وهربوا، ففتح الحصن وحده ودخله المسلمون، وقوم يقولون: فعل هذا الفعل سياه بتستر، وحاصروا حصنا آخر، فمشى خسرو إلى الحصن، فأشرف عليه رجل منهم فكلمه، فرماه خسرو بنشابة فقتله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084621,"book_id":3509,"shamela_page_id":1184,"part":"2","page_num":555,"sequence_num":1184,"body":"أما سيف «١» ، فإنه ذكر بإسناد له قال: لما نزل أبو سبرة فى الناس على السوس، وأحاط المسلمون بها، وعليهم شهريار أخو الهرمزان، ناوشهم مرات، كل ذلك يصيب أهل السوس من المسلمين، فأشرف عليهم الرهبان والقسيسون، فقالوا: يا معشر العرب، إن مما عهد إلينا علماؤنا وأوائلنا، أنه لا يفتح السوس إلا الدجال، أو قوم فيهم الدجال، فإن كان الدجال فيكم فستفتحونها، وإن لم يكن معكم فلا تعنوا بحصارنا، وجاء صرف أبى موسى إلى البصرة، وعمل مكانه على جندها الذين بالسوس المقترب، والنعمان على أهل الكوفة، فحاصر السوس مع أبى سبرة.\rفجاء كتاب عمر بصرف النعمان إلى أهل نهاوند لاجتماع الأعاجم بها، فتهيأ للمسير، ثم استقبل فى تعبئته، فناوش أهل السوس قبل مضيه، فعاد الرهبان والقسيسون، وأشرفوا على المسلمين، وغاظوهم، وصاف ابن صياد يومئذ مع النعمان فى خيله، فأتى باب السوس غضبان فدقه برجله، وقال: انفتح، فتقطعت السلاسل، وتكسرت الأغلاق، وتفحت الأبواب، ودخل المسلمون، فألقى المشركون بأيديهم، ونادوا: الصلح الصلح، فأجابهم المسلمون إلى ذلك، بعد ما دخلوها عنوة، واقتسموا ما أصابوا قبل الصلح، ثم افترقوا.\rفتح جندى سابور\rقالوا «٢» : ولما فرغ أبو سبرة من السوس خرج فى جنده حتى ينزل على جندى سابور، وزر بن عبد الله محاصرهم، فأقاموا عليها يغادونهم ويراوحنهم القتال، فلم يفجأ المسلمين يوما إلا وأبوابها تفتح، ثم خرج السرح، وخرجت الأسواق، وانبث أهلها، فأرسل إليهم المسلمون: أن ما لكم؟ قالوا: رميتم لنا بالأمان فقبلناه، وأقررنا لكم الجزاء، على أن تمنعونا، فقال المسلمون: ما فعلنا، فقال أهل جندى سابور: ما كذبنا، فسأل المسلمون فيما بينهم، فإذا عبد يدعى مكنفا كان أصله منها، هو الذى كتب لهم أمانا، فرمى به إليهم من عسكر المسلمين، فقالوا: إنما هو عبد، فقال المشركون: إنا لا نعرف حركم من عبدكم، وقد جاءنا أمان، فنحن عليه قد قبلناه، ولم نبدل، فإن شئتم فاغدروا، فأمسكوا عنهم، وكتبوا بذلك إلى عمر، فأجابهم: إن الله عظيم الوفاء، فلا","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٤/ ٩١، ٩٢) .\r(٢) انظر الخبر فى: الطبرى (٤/ ٩٣، ٩٤) ، البداية والنهاية لابن كثير (٧/ ٨٩) ، الكامل فى التاريخ لابن الأثير (٢/ ٣٨٧) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084622,"book_id":3509,"shamela_page_id":1185,"part":"2","page_num":556,"sequence_num":1185,"body":"تكونون أوفياء حتى توفوا، ما دمتم فى شك أجيزوهم، وفوا لهم، ففعلوا وانصرفوا عنهم.\rوقال عاصم بن عمرو فى ذلك:\rلعمرى لقد كانت قرابة مكنف ... قرابة صدق ليس فيها تقاطع\rأجارهم من بعد ذل وقلة ... وخوف شديد والبلاء بلاقع\rفجاز جواز العبد بعد اختلافنا ... ورد أمورا كان فيها تنازع\rإلى الركن والوالى المصيب حكومة ... فقال بحق ليس فيه تخادع\rفلله جندى ساهبور لقد نجت ... غداة منتها بالبلاء اللوامع\rحديث وقعة نهاوند «١»\rوالاختلاف فيها بين أهل الأخبار كثير، ولكن الذى ذكره أبو الحسن المدائنى من حديثها أحسن ما وقفت عليه من الأحاديث منساقا، وأطوله اقتصاصا، فلذلك آثرت الابتداء به، وربما أدرجات فى تضاعيفه من حديث غيره ما يحسن إدراجه فيه، ثم أذكر بعد انقضائه ما اختار ذكره من الأخبار التى أوردها سواه عن هذه الوقعة إن شاء الله.\rذكر المدائنى «٢» عن رجال من أهل العلم، يزيد بعضهم على بعض: أن عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، شاور الهرمزان، فقال له: أما إذا فتنى بنفسك فأشر علىّ، أبفارس أبدأ أم بالجبال: أذربيجان وأصبهان؟ قال: فارس الرأس والجبال جناحان، فاقطع الجناحين فلا يتحرك الرأس، قال عمر: بل أقطع الرأس فلا يقوم جسد ولا جناح. فكتب عمر إلى عثمان بن أبى العاص وهو بتوج: أن سر إلى اصطخر، وقدم عليه أبو موسى، فأمره أن يرجع إلى البصرة، ويسير إلى ابن كسرى مع عثمان بن أبى العاص، وقال: كل واحد منكم أمير على جنده، فقدم أبو موسى البصرة، فسار إلى يزدجرد باصطخر، وسار إليه عثمان من توج.\rفلما ألحوا على يزدجرد كتب إلى أهل الرى وأهل الجبال: أصبهان وهمدان وقومس،","footnotes":"(١) انظر الخبر فى: الطبرى (٤/ ١٢٢) ، فتوح البلدان للبلاذرى (ص ٣٧١- ٣٧٦) ، معجم البلدان لياقوت (٥/ ٣١٣، ٣١٤) ، العبر للذهبى (١/ ٢٥) ، البداية والنهاية لابن كثير (٧/ ١٠٥) ، مرآة الجنان لليافعى (١/ ٧٧) .\r(٢) انظر الرواية فى: الطبرى (٤/ ٥٣٤- ٥٣٦) ، الأخبار الطوال للدينورى (ص ١٣٣- ١٣٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084623,"book_id":3509,"shamela_page_id":1186,"part":"2","page_num":557,"sequence_num":1186,"body":"أن العرب قد ألحوا علىّ فاشغلوهم عنى، وردوهم إلى بلادهم، فكتب بعضهم إلى بعض:\rأن صاحب العرب الذى جاء بدينهم وأظهر أمرهم هلك، وملك بعده رجل لم يلبث إلا قليلا حتى هلك، وإن صاحبهم هذا عمر وطال سلطانه، وأغزى جنوده بلادكم، فليس بمنته حتى تخرجوه من بلادكم وتغزوه فى بلاده، فأجمعوا على ذلك وتمالوا عليه وتعاقدوا، وأنفذوا أن يجتمعوا بنهاوند، وبلغ ذلك أهل الكوفة، فكتبوا به إلى عمر، فخرج يمشى حتى قام على المنبر، فقال: أين المسلمون؟ أين المهاجرون والأنصار؟\rفاجتمع الناس، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: إن عظماء أهل الرى وأهل أصبهان وأهل همذان وأهل نهاوند وأهل قومس وأهل حلوان، أمم مختلفة ألوانها وألسنتها وأديانها ومللها، وقد تعاهدوا أن يخرجوا إخوانكم من بلادهم وأن يغزوكم فى بلادكم، فأشيروا علىّ وأوجزوا ولا تطنبوا، فتفشع بكم الأمور.\rفقام طلحة، وكان من خطباء قريش وذوى رأيهم ومن علية أصحاب رسول الله ﷺ، فقال: يا أمير المؤمنين، قد حنكتك الأمور، وجربتك الدهور، وعجمتك البلايا، وأحكمتك التجارب، فأنت ولى ما وليت، لا ينبثر فى يديك، ولا يحل عليك، فمرنا نطع، واحملنا نركب، وقدنا ننقد، فإنك مبارك الأمر، ميمون النقيبة، وقد أخبرت وخبرت وجربت، فلم ينكشف شىء من عواقب قضاء الله لك إلا عن خيار.\rقال: تكلموا، فقال عثمان: اكتب إلى أهل الشام أن يسيروا من شامهم، وإلى أهل اليمن فليسيروا من يمنهم، وسر نفسك فى أهل الحرمين إلى أهل المصرين، فتلقى جمع المشركين بجمع المسلمين، فيتعال فى عينك ما قد كثر عندك، وتكون أعز منهم، إنك لن تستبقى من نفسك باقية بعد العرب، ولن تمتنع من الدنيا بعزيز، ولا تلوذ منها بحريز، وهذا يوم له ما بعده، فاحضرهم برأيك، واشهدهم بمقدرتك.\rقال: تكلموا، فقال على بن أبى طالب: يا أمير المؤمنين، إن كتبت إلى أهل الشام فساروا من شامهم أغارت الروم على بلادهم، وإن سار أهل اليمن من يمنهم خلفتهم الحبش فى عيالاتهم، وإن سرت بأهل الحرمين انتقضت الأرض عليك من أقطارها، حتى يكون ما تخلفه من العورات فى العيالات أهم إليك مما بين يديك، وأما ما ذكرت من مسيرهم فالله لمسيرهم أكره، وهو أقدر على تغيير ما كره، وأما كثرتهم فإنا لم نكن نلق عدونا بالكثرة، ولكنا كنا نلقاهم بالصبر، إنك إن نظر إليك الأعاجم قالوا: هذا أمير العرب، فكان أشد لحربهم وكلبهم، ولكن اكتب إلى أهل البصرة فليتفرقوا على ثلاث فرق، فلتقم فرقة فى ديارهم، وفرقة فى أهل عهدهم، وتسير فرقة إلى إخوانهم بالكوفة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084624,"book_id":3509,"shamela_page_id":1187,"part":"2","page_num":558,"sequence_num":1187,"body":"قال: هذا رأى، وقد كنت أحب أن أتابع عليه، لعمرى لئن سرت بأهل الحرمين ونظر إلىّ الأعاجم لتنقضن الأرض وليمدنهم من لم يمدهم، وليقولن: أمير العرب إن قطعناه قطعنا أصل العرب، فأشيروا علىّ برجل أوليه واجعلوه عراقيا، قالوا: أنت أفضل رأيا وأعلم بأهل العراق، وهم عمالك وقد وفدوا عليك وعرفتهم، قال: لأولينها رجلا يكون لأول أسنة يلقاها، النعمان بن مقرن. وكان النعمان بكسكر قد كتب إلى عمر: يا أمير المؤمنين، إنما مثلى ومثل كسكر مثل شاب عند مومسة تلون له كل يوم وتعطر، وإنى أذكرك الله إلا بعثتنى فى جيش إلى ثغر غازيا، ولا تبعثنى جابيا.\rفندب عمر أهل المدينة، فانتدب منهم جمع، فوجههم إلى الكوفة، وكتب إلى عمار بن ياسر أن يستنفر ثلث أهل الكوفة، وأن يسيروا إلى العجم بنهاوند، فقد وليت عليهم النعمان بن مقرن المزنى، وكتب إلى أهل الكوفة بذلك، وكتب إلى أبى موسى أن يستنفر ثلث أهل البصرة إلى نهاوند، وكتب إلى النعمان: إنى وجهت جيشا من أهل المدينة وأهل الكوفة وأهل البصرة إلى نهاوند، فأنت على الناس ومعك فى الجيش طليحة بن خويلد وعمرو بن معدى كرب، فأحضرهما الناس وشاورهما فى الحرب، فإن حدث بك حدث، فأمير الناس حذيفة، فإن قتل فجرير بن عبد الله، فإن قتل فالمغيرة بن شعبة، فإن قتل فالأشعث بن قيس، وذكر الأشعث فى هذا غريب، فإن المعروف من عمر، رضى الله عنه، أنه لم يستعمل أحدا ممن ارتد، ولكن هذا وقع فى هذا الحديث، والله أعلم.\rوبعث عمر بالكتاب مع السائب بن الأقرع بن عوف، وقال له: إن سلم الله ذلك الجند فقد وليتك مغانمهم ومقاسمهم، فلا ترفعن إلىّ باطلا ولا تمنعن أحدا حقه، وإن هلك ذلك الجند فاذهب فلا أرينك أبدا، فقدم السائب الكوفة فيمن نفر من أهل المدينة، وبعث بكتاب أهل البصرة مع عمرو بن معدى كرب فاستنفرهم أبو موسى فنفر ثلثهم، وخرجوا إلى الكوفة عليهم مجاشع بن مسعود، وعلى أهل الكوفة حذيفة بن اليمان، ثم ساروا جميعا مع من قدم من أهل المدينة إلى نهاوند، وسار النعمان بن مقرن فتوافوا بنهاوند، والأعاجم بها ستون ألفا عليهم ذو الفروة، وهو ذو الحاجب، وهم بمكان يقال له: الاستفيذهان بقرية يقال لها: فيديسجان، دون مدينة نهاوند بفرسخين، وقد خندق الأعاجم وهالوا فى الخندق ترابا قد نخلوه، فبعث النعمان طليحة بن خويلد وبكير بن الشداخ، فارس أطلال، ليعلما علم القوم.\rفأما بكير فانصرف، فقيل له: ما ردك؟ قال: أرض العجم، ولم يكن لى بها علم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084625,"book_id":3509,"shamela_page_id":1188,"part":"2","page_num":559,"sequence_num":1188,"body":"فخفت أن يأخذ علىّ مضيق أو بعض جبالها، ومضى طليحة فأبطأ حتى ساء ظن الناس به، فعلم علمهم ثم رجع فلم يمر بجماعة إلا كبروا، فأنكر ذلك منهم، وقال: ما لكم تكبرون إذا رأيتمونى؟ قالوا: ظننا أنك فعلت كفعلتك. قال: لو لم يكن دين لحميت أن أجزر العرب هذه الأعاجم الطماطم، وأخبر الناس بعدة القوم وكثرتهم، فقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل.\rوأقام النعمان أياما حتى استجم الناس أنفسهم وظهرهم، فلما كان يوم الأربعاء من بعض تلك الأيام دنا من عسكر المشركين، وقال: إن أمير المؤمنين كتب إلىّ أن لا أقاتلهم حتى أدعوهم، فمن رجل يأتيهم بكتابه؟ ومعه فى عسكره ممن قدم من المدينة عبد الله ابن الزبير وعبد الله بن عمر أو الزبير وابنه عبد الله، فتواكل الناس، فقام المغيرة بن شعبة يتذيل فى مشيته، وكان آدم طويلا ذا ضفيرتين أعور، فأخذ الكتاب فأتاهم، فقال: القوا إلىّ شيئا، فألقوا له ترسا فجلس عليه، فقال الترجمان: ما أقدمكم؟ فذكر ما كانوا فيه من ضيق المعيشة، وقال: كنا أهل جهد وجفاء بين شوك وحجر، ومدر وحية وعقرب، يغير بعضنا على بعض، فأتينا بلادكم فأصبنا مطعما طيبا وشرابا عذبا ولبوسا لينا وطلا باردا، فلسنا براجعين إلى ما كنا فيه حتى نصيب حاجتنا أو نموت.\rفنظر بعضهم إلى بعض وقالوا: صدق، فقالوا: إنكم معشر العرب أرجاس أنجاس، وإنما غركم مناخر نبذ جوى الأهواز، وعوران المدائن الذين لقوكم، وإنه ليس ممن ترى إلا فارسى محض أسوار، ولولا فساد الأرض لقتلناكم، فما حاجتكم التى تريدون أن تصيبوها؟ فقرأ عليهم المغيرة كتاب عمر: إنا ندعوكم إلى ما دعاكم الله إليه ورسوله، أن تدخلوا فى السلم كافة، فإن فعلتم فأنتم إخواننا، لكم ما لنا وعليكم ما علينا، فإن أبيتم الإسلام فالجزية، فإن أبيتم الجزية استنصرنا الله عليكم.\rقالوا: الآن حين نقرنكم فى الجبال، فرجع المغيرة، فقال للنعمان: حبست الناس حتى طمحت أبصارهم، أما والله إن لو كنت صاحبها؟ قال: ربما كنت، فلم يخزك الله ولم تخب. ونهض المسلمون للحرب، فأقبل ذو الحاجب على برذون أمام العجم، فقالوا:\rانزلوا بالطائر الصالح الذى نصرتم به على الأمم، وتهزمون به العرب، فبرز له رجل من المسلمين فقتله ذو الحاجب، وتهايجوا واقتتلوا حتى كثرت بينهم القتلى والجرحى، ثم تحاجزوا، وغدا المشركون غداة الخميس من غد يجرون الحديد ويسحبون الدروع، وغدا المسلمون على راياتهم فتقدم رجل من العجم قد أعلم بعصابة فيها جواهر أمام أصحابه، فحمل عليه أوفى بن سبرة القشيرى فقتله وسلبه، فنفله النعمان سلبه، وحمل المشركون","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084626,"book_id":3509,"shamela_page_id":1189,"part":"2","page_num":560,"sequence_num":1189,"body":"فتلقاهم المسلمون فاقتتلوا حتى صبغت الدماء ثنن الخيل وتحاجزوا عند السماء، فبات المسلمون يوقدون النيران، ويعصبون بالخرق، لهم أنين من الجراح، ودوى بالقرآن كدوى النحل، وبات المشركون فى المعازف والخمور وبهم من الجراح مثل ما بالمسلمين.\rوأصبحوا يوم الجمعة، فأقبل النعمان معلما ببياض، على برذون قصير، عليه قباء أبيض مصقول وقلنسوة بيضاء مصقولة، فوقف على الرايات فحضهم، وقال: يا معشر المسلمين، إن هؤلاء قد أخطروا لكم أخطارا وأخطرتم لهم أخطارا، أخطروا لكم دنيا، وأخطرتم لهم الإسلام، فالله الله فى الإسلام أن تخذلوه، فإنكم أصبحتم بابا بين المسلمين والمشركين، فإن كسر الباب دخل على الإسلام ليشغل كل امرئ منكم قربه ولا يخلفه على صاحبه، فإنه لوم وخذلان ووهن وفشل، إنى هاز الراية فإذا هززتها فليأخذ الرجال همايينها فى أحقيتها وشسوعها فى نعالها، وليتعهد أصحاب الخيل أعنتها وحزمها، فإذا هززتها الثانية فليعرف كل امرئ منكم مصوب رمحه وموضع سلاحه ووجه مقاتله، فإذا هززتها الثالثة وكبرت فكبروا واستنصروا الله واذكروه، فإذا حملت فاحملوا.\rفقال رجل من أهل العراق: قد سمعنا مقالتك أيها الأمير، فنحن واقفون عند قولك، منتهون إلى رأيك، فأى النهار أحب إليك؟ أوله أم آخره؟ قال: آخره حين تهب الرياح، وتحل الصلاة وينزل النصر لمواقيت الصلاة، فأمهل الناس حتى إذا زالت الشمس، هز الراية فقضى الناس حوائجهم وشدت الرجال مناطقها، ونزع أصحاب الخيل المخالى عن خيلهم وقرطوها أعنتها وشدوا حزمها وتأهبوا للحرب، ثم أمهل حتى إذا كان فى آخر الوقت هزها فصلى الناس ركعتين وجال أصحاب الخيل فى متونها وصوبوا رماحهم فوضعوها بين آذان خيولهم، وأقبلت الأعاجم على براذينهم عليهم الرايات المدبجة، والمناطق المذهبة، ووقف ذو الحاجب على بغلة، فلقد رأى الأعاجم وهم فى عدتهم وإن لأقدامهم فى ركبهم لزلزلة، وإن الأسوار ليأخذ النشابة فما يسدد الفوق للوتر وما يتمالك أن يضعها على قوسه.\rفقال النعمان: يا معشر المسلمين، إنى هاز الراية وحامل فاحملوا، ولا يلوى أحد على أحد، وإن قيل قتل النعمان، فلا يلوين علىّ أحد، وأنا داع بدعوة فعزمت على كل رجل منكم إلا أمن، ثم قال: اللهم اعط النعمان اليوم الشهادة فى نصر المسلمين، وافتح عليهم، ثم نثل درعه، وهز الراية وكبر، فكبر الأدنى فالأدنى ممن حوله حتى غشيهم التكبير من السماء، وصوب رايته كأنها جناح طائر، وحمل وحمل الناس، فكان أول","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084627,"book_id":3509,"shamela_page_id":1190,"part":"2","page_num":561,"sequence_num":1190,"body":"صريع ﵀، ومر به معقل بن يسار فذكر عزمته: ألا يلوى أحد علىّ، فجعل علما عنده، ومر أخوه سويد بن مقرن أو نعيم، فألقى عليه ثوبا لكى لا يعرف، ونصب الراية وهى تقطر دما، قد قتل بها قبل أن يصرع، وسقط ذو الحاجب عن بغلته فانشق بطنه، وانهزم المشركون، فاتبعوهم يقتلونهم كيف شاؤا.\rفقال بعض من حضر ذلك اليوم: إنى لفى الثقل فثارت بيننا وبين القوم عجاجة قسطلانية، فجعلت أسمع وقع السيوف على الهام، ثم كشفت، فإذا المسلمون يتبعونهم كالذباب يتبع الغنم، فاتبعتهم طائفة من المسلمين حتى دخلوا مدينتهم، ثم رجعوا، وحوى المسلمون عسكرهم، ورجع معقل بن يسار إلى النعمان بعد انهزام المشركين ومعه أدواة فيها ماء فغسل التراب عن وجهه، فقال: من أنت؟ قال: معقل بن يسار، قال: ما فعل الناس؟ قال: فتح الله عليهم، قال: الحمد لله، اكتبوا بذلك إلى عمر.\rوفاضت نفسه، فاجتمع الناس وفيهم ابن الزبير وابن عمر، فأرسلوا إلى أم ولده، فقالوا:\rأعهد إليك عهدا؟ فقالت: هاهنا سفط فيه كتاب، فأخذوه فإذا كتاب عمر إلى النعمان:\rإن حدث بك حدث فالأمير حذيفة، فإن قتل ففلان، فإن قتل ففلان.\rفتولى أمر الناس حذيفة، فأمر بالغنائم فجمعت، ثم سار إلى مدينة نهاوند وقد حملت الغنائم إلى عسكرهم، وحصر أهل المدينة وقاتلوهم، فبيناهم يطاردونهم إذ لحق سماك بن عبيد عظيما من عظمائهم يقال له: دينار، فسأله الأمان، فأمنه وأدخله على حذيفة، فصالحه عن البلد على ثمانمائة ألف وشىء من العسل والسمن، وقال: إن لكم لوفاء بالعهد، وأخاف عليكم خمسة أشياء: الخب والبخل والغدر والخيلاء والفجور، وأخاف أن يأتيكم الخب من قبل النبط، والخيلاء من قبل الروم، والبخل من قبل فارس، والفجور والغدر من قبل أهل الأهواز، وأتى السائب بن الأقرع دهقان وقد جمعت الغنائم، فقال له: أتؤمننى على دمى ودماء قرابتى وأدلك على كنز النخيرجان؟ ثم تجلبوا عليه فى الحرب فيقسم وتجرى عليه السهام، ولم يحرزوه بجزية أقاموا عليها، وإنما هو دفين دفنوه وفروا عنه، فتأخذه لصاحبكم، يعنى عمر رضى الله عنه، تخصه به.\rقال: أنت آمن إن كنت صادقا، قال: فانهض معى، فنهض معه فانتهى به إلى قلعة، فرفع صخرة ودخل غارا فاستخرج سفطين، فإذا قلائد منظومة بالدرر والياقوت وقرطة وخواتم وتيجان مكللة بالجوهر، فأمنه ثم أتى به حذيفة فأخبره، فقال: اكتمه، فكتمه حتى قسم الغنائم بين الناس وعزل الخمس، ثم خرج السائب مسرعا فقدم على عمر، فقال له عمر: ما وراءك؟ فو الله ما نمت هذه الليلة إلا تغررا، وما أتت علىّ ليلة بعد الليلة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084628,"book_id":3509,"shamela_page_id":1191,"part":"2","page_num":562,"sequence_num":1191,"body":"التى أصبح فيها رسول الله ﷺ ميتا أعظم من هذه الليلة، قال: أبشر بفتح الله وحسن قضائه لك فى جنودك، ثم اقتص الخبر حتى انتهى إلى قتل النعمان، فقال: إنا لله، يرحم الله النعمان، ثم مه، قال: ثم والله ما أصيب بعده رجل يعرف وجهه، قال: لا أم لك ولا أب، قتل الضعفاء الذين لا يعرفهم عمر ابن أم عمر، وأكب طويلا وبكى، ثم قال:\rأصيبوا بمضيعة؟ قال: لا، ولكن أكرمهم الله بالشهادة، وساقها إليهم، فقال: ويحك، أغلبتم على أجساد إخوانكم أم دفنتموهم؟ قال: دفناهم، قال: فأعطيت الناس حقوقهم؟\rقال: نعم.\rقال: فنهض عمر فأخذ السائب بثوبه وقال: حاجة، قال: ما حاجتك إذ أعطيت الناس حقوقهم؟ قال: حاجة لك وإليك، فجلس، فجر السائب الغرارة فأخرج السفطين ففتحهما ونظر إلى ما فيهما كأنه النيران يشب بعضها بعضا، فقال عمر: ما هذا؟\rفأخبره، فدعا عليا وعبد الله بن أرقم وغيرهما، فختموا على السفطين وقال له: اختم معهم، فختمه، وقال لعبد الله بن أرقم: ارفعه، ورجع السائب، فرأى عمر ليالى كالحيات يردن نهشه، فسرح رجلا، وكتب إلى السائب: إن صادفك رسولى فى الطريق فلا تصلن إلى أهلك حتى تأتينى، وإن وصلت إلى أهلك فعزمة منى إليك إذا قرأت كتابى أن تشد على راحلتك وتقبل إلىّ، وكتب إلى عمار: لا تضعن كتابى حتى ترحل إلىّ السائب، وأمر الرسول أن يعجله، فقدم الرسول، فقال له السائب: أبلغه عنى شىء أم به علىّ سخطة؟ قال: ما رأيت ذلك ولا أعلمه، بلغه عنك خير ولا شر.\rوركب فقدم على عمر، فقال له: يا ابن أم مليكة، يا ابن الحميرية، ما لى ولك أم ما لك ولى، ثكلتك أمك، ما الذى جئتنى به؟ فلقد بت مما جئتنى به مروعا أظن الحيات تنهشنى، أخبرنى عن السفطين، فقال: والله لئن أعدت عليك الحديث فزدت حرفا أو نقصت حرفا لأكذبن، قال: إنك لما انصرفت فأخذت مضجعى لمنامى أتتنى الملائكة، فأوقدوا علىّ سفطيك جمرا ودفعوهما فى نحرى وأنا أنكص وأعاهدهم أن أردهما فأقسمهما على من أفاءهما الله عليه، فكاد ابن الخطاب يحترق، ثم لم أزل مروعا أظن الحيات تنهشنى، فأردد هذين السفطين فبعهما بعطاء الذرية والمقاتلة أو بنصف ذلك، وأقسم ثمنها على من أفاءهما الله عليه.\rوقال بعضهم: قال له: بعهما واجعل ثمنهما فى أعطية المسلمين بالبصرة والكوفة، فإن خرج كفافا فذاك، وإن فضل فاجعله فى بيت مال المسلمين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084629,"book_id":3509,"shamela_page_id":1192,"part":"2","page_num":563,"sequence_num":1192,"body":"فقدم السائب بهما فاشتراهما عمرو بن حريث بعطاء الذرية والمقاتلة. وقال بعضهم:\rاشتراهما بأعطية أهل المصرين، فباع أحدهما من أهل الحيرة بما أخذهما به، واستفضل الآخر. وقال بعضهم: استفضل مائة ألف دينار، فكان أول مال اعتقده.\rقال: وكان النخيرجان تحصن فى قلعة من قلاع نهاوند ومعه مائة امرأة من نساء الأساورة ومعه حلية كثيرة من كنز كسرى، فصالحه حذيفة على ما كان معه، وافتتح حذيفة رساتيق مما يلى أصبهان.\rوكان أهل نهاوند قد حفروا خندقا وهالوا فيه ترابا متحولا، فلما انهزموا جعلوا يسقطون فى ذلك الخندق ويغرقون فى ذلك التراب.\rوكان يقال لفتح نهاوند: فتح الفتوح.\rوذكر المدائنى أيضا، عن موسى بن عبيدة، عن أخيه، قال: قدمت البصرة فرأيت بها شيخا أصم، فقلت: ما أصابك؟ قال: أنا من أهل نهاوند، فنزل المسلمون، يعنى عند ما نزلوا عليها، فكبروا تكبيرة ذهب سمعى منها.\rوذكر الطبرى «١» فيما ذكره من الأخبار المختلفة فى هذه الوقعة، عن سيف، عن أبى بكر الهذلى نحوا من هذا الحديث، وزاد فيه أشياء وخالفه فى أماكن منه، منها أن النعمان بن مقرن عند ما أمّره عمر، رضى الله عنه، على هذه الحرب فى هذا الوجه كان يومئذ بالبصرة ومعه قواد من قواد أهل الكوفة قد أمدّ بهم عمر، ﵀، أهل البصرة عند انتقاض الهرمزان، فافتتحوا رامهرمز وايذج، وأعانوهم على تستر وجندى سابور والسوس، فكتب إليه عمر: إنى قد وليتك حربهم، يعنى الأعاجم الذين اجتمعوا بنهاوند، فسر من وجهك هذا حتى تأتى ماه، فإنى قد كتبت إلى أهل الكوفة أن يوافوك بها، فإذا اجتمع إليك جندك فسر إلى الفيرزان ومن تجمع إليه من الأعاجم من أهل فارس وغيرهم، واستنصر الله، وأكثر من لا حول ولا قوة إلا بالله، وإن حدث بك حدث فعلى الناس نعيم بن مقرن.\rوفى حديثه: أنه لما استحث أهل الكوفة كان أسرعهم إلى ذلك الوجه الروادف ليبلوا فى الدين وليدركوا حظا، وأن حذيفة بن اليمان خرج بأهل الكوفة أميرا عليهم بأمر عمر حتى ينتهى إلى النعمان، وخرج معه نعيم بن مقرن حتى قدموا على النعمان بالطرز، وجعلوا بمرج القلعة خيلا عليها النسيسر، وكتب عمر، ﵀، إلى سلمى بن القين","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٤/ ١٢٦) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084630,"book_id":3509,"shamela_page_id":1193,"part":"2","page_num":564,"sequence_num":1193,"body":"وحرملة بن مريطة، وزر بن كليب والمقترب بن ربيعة، والقواد الذين كانوا بين فارس والأهواز أن اشغلوا فارس عن إخوانكم، وحوطوا بذلك أمتكم وأرضكم، وأقيموا على حدود ما بين فارس والأهواز حتى يأتيكم أمرى، وبعث مجاشع بن مسعود إلى الأهواز، وقال له: أفصل منها على ماه، ففعلوا ما أمرهم به، وقطعوا بذلك على أهل نهاوند أمداد فارس.\rوفيه «١» أن النعمان لما أتاه طليحة بخبر نهاوند وأعلمه أنه ليس بينه وبينها أحد ولا شىء يكرهه، وقد توافى إليه أمداد المدينة، نادى عند ذلك بالرحيل، وبعث إلى مجاشع أن يسوق الناس، وسار النعمان على تعبئته، وعلى مقدمته أخوه نعيم، وعلى مجنبتيه أخوه سويد وحذيفة بن اليمان، وعلى المجردة القعقاع، وعلى الساقة مجاشع، فانتهوا إلى الأسبيذهان والفرس به وقوف على تعبئتهم وأميرهم الفيرزان، وقد توافى إليه نهاوند كل من غاب عن القادسية والأيام من أهل الثغور وأمرائها وأعلام من أعلامهم ليسوا بدون من شهد الأيام والقوادس.\rفلما رآهم النعمان كبر ثلاثا وكبر الناس معه، فزلزلت الأعاجم، وأمر النعمان وهو واقف بحط الأثقال، وبضرب الفسطاط، فضرب وهو واقف، وابتدره أشراف أهل الكوفة وأعيانهم، فسبق إليه عدة منهم سابقوا أكفاءهم فسبقوهم، وهم أربعة عشر رجلا: حذيفة بن اليمان، وعقبة بن عمرو، والمغيرة بن شعبة، وبشير بن الخصاصية، وحنظلة بن الربيع الكاتب، وابن الهدير، وربعى بن عامر، وعامر بن مطر، وجرير بن عبد الله الحميرى، وجرير البجلى، والأشعث بن قيس، والأقرع بن عبد الله الحميرى، وسعيد بن قيس الهمدانى، ووائل بن حجر، فلم ير بناة فسطاط بالعراق كهؤلاء.\rوأنشب النعمان القتال، فاقتتلوا يوم الأربعاء ويوم الخميس، والحرب بينهم فى ذلك سجال، ثم انحجزوا فى خنادقهم يوم الجمعة، وحصرهم المسلمون، فأقاموا عليهم ما شاء الله والأعاجم بالخيار، لا يخرجون إلا إذا أرادوا الخروج، فاشتد ذلك على المسلمين وخافوا أن يطول أمرهم، وأحبوا المناجزة، فتجمع أهل الرأى من المسلمين، وأتوا النعمان فى ذلك فوافقوه وتروى فى الذى رووا فيه، فقال: على رسلكم، لا تبرحوا، ثم بعث إلى من بقى ممن لم يأته من أهل النجدات والرأى فى الحرب، فتوافوا إليه، فتكلم النعمان، فقال: قد ترون المشركين واعتصامهم بالحصون من الخنادق والمدائن، وأنهم لا يخرجون إلا إذا شاؤا، ولا يقدر المسلمون على إنغاضهم وانبعاثهم قبل مشيئتهم، وهم","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٤/ ١٢٨) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084631,"book_id":3509,"shamela_page_id":1194,"part":"2","page_num":565,"sequence_num":1194,"body":"يرون ما المسلمون فيه من التضايق، فما الرأى الذى به نحمشهم ونستخرجهم إلى المناجزة؟.\rفقال بعض المسلمين: التحصن عليهم أشد من المطاولة عليكم، فدعهم وطاولهم وقاتل من أتاك منهم.\rفردوا جميعا عليه رأيه، وقالوا: إنا لعلى يقين من إنجاز ربنا موعده، فما لنا وللمطاولة حتى لا نجد منها بدا؟.\rوتكلم «١» عمرو بن معدى كرب، يومئذ، فلم يوافقهم قوله الذى قال، وردوه عليه.\rوقال طليحة: أما أنا فأرى أن نبعث خيلا مؤدية، فيحدقوا بهم، ثم يراموهم ليحمشوهم وينشبوا القتال، فإذا استحمشوا واختلطوا بهم أرزت إلينا خيلنا تلك استطرادا، فإنا لم نستطرد لهم فى طول ما قاتلناهم، وإنا إذا فعلنا ورأوا ذلك منا طمعوا فى هزيمتنا ولم يشكوا فيها، فخرجوا فجادونا وجاددناهم، حتى يقضى الله فينا وفيهم ما أحب.\rفأمر «٢» النعمان القعقاع، صاحب المجردة، بذلك ففعل، وأنشب القتال، فأنغضهم فلما خرجوا نكص، ثم نكص، ثم نكص، فاغتنمتها الأعاجم، ففعلوا كما ظن طليحة وخرجوا، فلم يبق أحد إلا من يقوم لهم على الأبواب، وجعلوا يركبون القعقاع حتى أرزا إلى الناس، وانقطع القوم من حصنهم بعض الانقطاع، والنعمان والمسلمون على تعبئتهم فى يوم الجمعة وفى صدر النهار، وقد عهد النعمان إلى الناس عهده، وأمرهم أن يلزموا الأرض ولا يقاتلوهم حتى يأذن لهم، ففعلوا واستتروا بالحجف من الرمى، وأقبل المشركون عليهم يثفنونهم حتى أفشوا فيهم الجراحات، وشكا الناس ذلك بعضهم إلى بعض، ثم قالوا للنعمان: ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما لقى الناس؟ فما تنتظر بهم؟\rائذن للناس فى قتالهم، فقال النعمان: رويدا رويدا، تروا أمركم، فقال المغيرة: لو أن هذا الأمر إلىّ علمت ما أصنع، فقال النعمان: رويدا ترى أمرك، فقد كنت تلى الأمر فتحسن، ولا يخذلنا الله وإياك، ونحن نرجو فى المكث مثل الذى ترجو فى الحث.\rوجعل النعمان ينتظر بالكتائب أحب الساعات كانت إلى رسول الله ﷺ فى القتال أن يلقى فيها العدو، وذلك عند الزوال وتفيؤ الأفياء ومهب الأرواح. فلما كان قريبا من","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٤/ ١٣٠) .\r(٢) انظر: الطبرى (٤/ ١٣٠، ١٣١) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084632,"book_id":3509,"shamela_page_id":1195,"part":"2","page_num":566,"sequence_num":1195,"body":"تلك الساعة تحشحش النعمان وسار فى الناس على برذون أحوى قريب من الأرض، فجعل يقف على كل راية فيحمد الله ﷿ ويثنى عليه ويقول: قد علمتم ما أعزكم الله به من هذا الدين وما وعدكم من الظهور، وقد أنجز لكم هوادى ما وعدكم وصدوره، وإنما بقيت أعجازه وأكارعه، والله منجز وعده، ومتبع آخر ذلك أوله، واذكروا ما مضى إذ أنتم أذلة، وما استقبلتم من هذا الأمر وأنتم اليوم عباد الله حقا وأولياؤه، وقد علمتم انقطاعكم من إخوانكم من أهل الكوفة، والذى لهم فى ظفركم وعزكم، والذى عليهم فى هزيمتكم وذلكم، وقد ترون ما أنتم بإزائه من عدوكم، وما أخطرتم وما أخطروا لكم، فأما ما أخطروا لكم فهذه الزينة وما ترون من هذا السواد، وأما ما أخطرتم لهم فدينكم وبيضتكم، ولا سواء ما أخطرتم وأخطروا، فلا يكونن على دنياهم أحمى منكم على دينكم، وأتقى الله عبد صدق الله وأبلى نفسه فأحسن البلاء، فإنكم بين خيرين تنتظرون إحدى الحسنيين، من بين شهيد حى مرزوق، أو فتح قريب وظفر يسير، فكفى كل رجل ما يليه ولم يكل قرنه إلى أخيه، فإذا قضيت أمرى فاستعدوا، فإنى مكبر ثلاثا، فإذا كبرت الأولى فليتهيأ من لم يكن تهيأ، فإذا كبرت الثانية فليجمع عليه رداءه، وليشد عليه سلاحه وليتأهب للنهوض، فإذا كبرت الثالثة فإنى حامل إن شاء الله، فاحملوا معا، اللهم أعز دينك، وانصر عبادك، واجعل النعمان أول شهيد اليوم على إعزاز دينك ونصر عبادك.\rوفى رواية «١» إنه قال: اللهم إنى أسألك أن تقر عينى بفتح يكون فيه عز الإسلام وذل يذل به الكفار، ثم اقبضنى بعد ذلك على الشهادة، أمنوا يرحمكم الله، فأمنا وبكينا.\rفلما فرغ النعمان من التقدم إلى أهل المواقف رجع إلى موقفه، فكبر الأولى والثانية والثالثة، والناس سامعون مطيعون مستعدون للمناهضة ينحى بعضهم بعضا عن سننه، وحمل النعمان وحمل الناس، وراية النعمان تنقض نحوهم انقضاض العقاب، فالتقوا بالسيوف فاقتتلوا قتالا شديدا لم يسمع السامعون بوقعة يوم قط كانت أشد منها قتالا، فقتلوا فيها من أهل فارس فيما بين الزوال والإعتام ما طبق أرض المعركة دما، يزلق الناس والدواب، وأصيب فرسان من فرسان المسلمين فى الزلق فى الدماء، منهم النعمان أميرهم، زلق فرسه فى الدماء فصرعه، فأصيب عند ذلك، ﵀، وتناول الراية منه قبل أن تقع أخوه نعيم بن مقرن، وسجى النعمان بثوب، وأتى حذيفة بالراية فدفعها إليه، وكان اللواء مع حذيفة.","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٤/ ١٣٢) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084633,"book_id":3509,"shamela_page_id":1196,"part":"2","page_num":567,"sequence_num":1196,"body":"وقال المغيرة: اكتموا مصاب أميركم حتى ننظر ما يصنع الله فينا وفيهم؛ لئلا يهن الناس، فاقتتلوا حتى إذا أظلم الليل عليهم انكشف المشركون وذهبوا، والمسلمون ملظون بهم، فعمى على المشركين قصدهم، فتركوه وأخذوا نحو اللهب وهو الخندق الذى كانوا آنزلوا دونه، فوقعوا فيه، فمات فيه منهم مائة ألف أو يزيدون، سوى من قتل منهم فى المعركة، وهم أعداد الذين هووا، ولم يفلت إلا الشريد، ونجا الفيرزان من بين الصرعى فى المعركة، فهرب نحو همدان فى ذلك الشريد، فتبعهم نعيم بن مقرن، وقدم القعقاع فأدركه حين انتهى إلى ثنية همدان، والثنية مشحونة من بغال وحمير موقورة عسلا، فحبسه على أجله، فقتله على الثنية بعد ما امتنع، لم يزل يتوقل فى الجبل لما غشيه إذ لم يجد مساغا، وتوقل القعقاع فى أثره حتى أخذه، واستاق العسل وما خالطه من سائر الأحمال، فأقبل به، وسميت تلك الثنية بذلك: ثنية العسل. وقال القعقاع فى ذلك:\rقولا لأصرام بأكناف الجبل ... بأن لله جنودا من عسل\rتقتل أحيانا بأسياف الأجل\rومضى الفلال حتى انتهوا إلى مدينة همدان فدخلوها والخيل فى آثارهم، فنزلوا عليها وحووا ما حولها، فلما رأى ذلك خسروشنوم استأمنهم على أن يضمن لهم همدان ودستى، وأن لا يؤتى المسلمون منهم، فقبل المسلمون ذلك وأجابوا إليه، وآمنوهم فأقبل كل من كان هرب، ولما بلغ الخبر أهل الماهين بأن همدان قد أخذت، ونزلها نعيم بن مقرن والقعقاع بن عمرو اقتدوا بخسروشنوم، فراسلوا حذيفة فأجابهم إلى ما طلبوا، فأجمعوا على إتيانه، فخدعهم دينار، وكان ملكا إلا أنه كان دون أولئك الملوك، وأتى إلى المسلمين فى الديباج والحلى، فأعطاهم حاجتهم واحتمل لهم ما أرادوا، فعاقدوه عليهم، ولم يجد الآخرون بدا من متابعته والدخول فى أمره، فقيل لأجل ذلك: ماه دينار، فنسبت إليه، وذهب حذيفة بها، وكان النعمان بن مقرن قد عاهد بهراذان على مثل ذلك، فقيل: ماه بهراذان، فنسبت إليه لأجل ذلك، ووكل النسير بن ثور بقلعة قد كان لجأ إليها قوم فحاصرها فافتتحها، فنسبت إلى النسير.\rوفى غير هذا الحديث «١» أن أهل نهاوند خرجوا ذات يوم على المسلمين فلم يلبثهم المسلمون أن هزموهم، وتبع سماك بن عبيد العنسى رجلا منهم معه نفر ثمانية على أفراس لهم، فبارزهم فلم يبرز له أحد منهم إلا قتله حتى أتى عليهم، ثم حمل الفارسى الذى كانوا معه فأسره سماك وأخذ سلاحه، ووكل به رجلا، فقال: اذهبوا بى إلى","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٤/ ١٣٥، ١٣٦) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084634,"book_id":3509,"shamela_page_id":1197,"part":"2","page_num":568,"sequence_num":1197,"body":"أميركم حتى أصالحه على هذه الأرض وأؤدى إليه الجزية، واسألنى أنت عن أسارك ما شئت، وقد مننت علىّ إذ لم تقتلنى، وإنما أنا عبدك الآن، وإن أدخلتنى على الملك فأصلحت ما بينى وبينه وجدت لى شكرا، وكنت لى أخا، فخلى سبيله وآمنه، وقال:\rمن أنت؟ قال: أنا دينار، والبيت يومئذ فى آل قارن، فأتى به حذيفة فحدثه دينار عن نجدة سماك وما قتل، وصالحه على الخراج، فنسبت إليه ماه، فكان بعد يواصل سماكا ويهدى له، ويوافى الكوفة، فقدمها فى إمارة معاوية مرة، فقال للناس: يا معشر أهل الكوفة، إنكم أول ما مررتم بنا كنتم خيار الناس، فعمرتم بذلك زمان عمر وعثمان، ثم تغيرتم وفشت فيكم خصال أربع: بخل وخب وغدر وضيق، ولم تكن فيكم واحدة منهن، فرمقتكم، فإذا ذلك فى مولديكم، فعلمت من أين أتى ذلك، وإذ الخب من قبل النبط، والبخل من قبل فارس، والغدر من قبل خراسان، والضيق من قبل الأهواز.\rوقسم حذيفة لمن خلفوا بمرج القلعة وغيره، ولأهل المسالح جميعا من فىء نهاوند مثل الذى قسم لأهل المعركة؛ لأنهم كانوا ردآ للمسلمين، وكان سهم الفارس يوم نهاوند ستة آلاف، وسهم الراجل ألفين، ونفل حذيفة من الأخماس من شاء من أهل البلاء، ودفع ما بقى منها إلى السائب، فخرج بها إلى عمر، وتململ عمر، رضى الله عنه، تلك الليلة التى كان قدر لملاقاتهم، وجعل يخرج ويلتمس الخبر، فبينا رجل من المسلمين قد خرج فى بعض حوائجه، فرجع إلى المدينة ليلا، لحق به راكب فى الليلة الثالثة من يوم نهاوند يريد المدينة، فقال له الرجل: يا عبد الله، من أين أقبلت؟ فقال: من نهاوند، فقال: الخبر؟ قال: فتح الله على النعمان واستشهد، واقتسم المسلمون فىء نهاوند، فأصاب الفارس منه ستة آلاف، وطواه الراكب حتى انغمس فى المدينة، فلما أصبح الرجل تحدث بحديثه، ونمى الخبر حتى بلغ عمر، ﵀، وهو فيما هو فيه، فأرسل إليه، فسأله فأخبره، فقال: صدق وصدقت، هذا غيثم بريد الجن، وقد رأى بريد الإنس، فقدم بعد ذلك عليه بالفتح طريف بن سهم، أخو ربيعة بن مالك، وقدم السائب على أثره بالأخماس.\rوذكر من حديث السفطين قريبا مما تقدم فى الحديث الآخر، إلا أنه ذكر فيه أنه صرف معه السفطين من فوره وقال له: النجاء النجاء، عودك على بدئك حتى تأتى حذيفة فيقسمهما على من أفاءهما الله عليه، وأنه أصاب الفارس منهما لما باعهما حذيفة وقسم ثمنهما أربعة آلاف.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084635,"book_id":3509,"shamela_page_id":1198,"part":"2","page_num":569,"sequence_num":1198,"body":"وفى بعض ما ذكره الطبرى «١» عن سيف عن شيوخه أن انبعاث الأعاجم للاجتماع بنهاوند كان بدؤه فى زمان سعد بن أبى وقاص بالكوفة، وإليه بلغ الخبر فأعلم به عمر، ثم انبرى لسعد قوم تشكوا منه ظالمين له إلى عمر، أحدهم الجراح بن سنان الأسدى، فاستقدمه عمر مع محمد بن مسلمة، بعد أن وجه محمدا لسؤال أهل الكوفة عنه، والطواف به على مساجدها، فكلهم يقول إذا سئل: لا نعلم إلا خيرا، ولا نشتهى به بدلا، إلا الجراح وأصحابه فإنهم كانوا يسكتون، يتعمدون ترك الثناء، ولا يسوغ لهم قول الشر، حتى انتهوا إلى بنى عبس، فقال محمد: أنشد الله رجلا علم حقا إلا قاله.\rفقال أسامة بن قتادة: اللهم إذ نشدتنا فإنه لا يقسم بالسوية، ولا يعدل فى الرعية، ولا يغزو فى السرية. فقال سعد: اللهم إن كان قالها كاذبا رياء وسمعة فأعم بصره، وأكثر عياله، وعرضه لمضلات الفتن. فعمى، واجتمع عنده عشر بنات، وكان يسمع بخبر المرأة فيأتيها حتى يجسها، فإذا غير عليه يقول: دعوة سعد الرجل المبارك.\rثم أقبل سعد يدعو على أولئك النفر الذين انبروا له وخرجوا إلى عمر متشكين به، فقال: اللهم إن كانوا خرجوا أشرا وبطرا وكذبا فأجهد بلاءهم، ففعل الله ذلك بهم، فقطع جراح بالسيوف يوم ثاور الحسن بن على ليغتاله بساباط، وشدخ قبيصة بالحجارة، وقتل أربد بالوجء وبنعال السيوف. وقال سعد: والله إنى لأول رجل هراق دما فى المشركين، ولقد جمع لى رسول الله ﷺ أبويه، وما جمعهما لأحد قبلى، ولقد رأيتنى خمس الإسلام، وبنو أسد تزعم أنى لا أحسن أصلى وأن الصيد يلهينى. وخرج محمد بن مسلمة به وبهم حتى قدموا على عمر، فقال: يا سعد، ويحك! كيف تصلى؟ فقال: أطيل الأوليين، وأحذف الأخريين، فقال: هكذا الظن بك، ثم قال: لولا الاحتياط لكان سبيلهم بيننا، ثم قال: من خليفتك يا سعد على الكوفة؟ فقال: عبد الله بن عبد الله بن عتبان، فأقره عمر واستعمله.\rقال «٢» : فكان سبب نهاوند وبدء مشورتها وبعوثها فى زمان سعد، وأما الوقعة ففى زمان عبد الله.\rوكان من حديثهم أنهم نفروا لكتاب يزدجرد، فتوافوا إلى نهاوند مائة وخمسين ألف مقاتل، واجتمعوا على الفيرزان، وإليه كانوا توافوا، ثم قالوا: إن محمدا الذى جاء العرب بالدين لم يغرض غرضا، يريدون النبى ﷺ، قالوا: ثم ملكهم أبو بكر من بعده فلم يغرض","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٤/ ١٢٠) .\r(٢) انظر: الطبرى (٤/ ١٢٢) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084636,"book_id":3509,"shamela_page_id":1199,"part":"2","page_num":570,"sequence_num":1199,"body":"غرض فارس، إلا فى غارة تعرض لهم فيها، وإلا فيما يلى بلادهم من السواد، ثم ملك عمر فطال ملكه وغرض، حتى تناولكم وانتقضكم السواد والأهواز وأوطأها، ثم لم يرض حتى أتى أهل فارس فى عقر دارهم، وهو آتيكم إن لم تأتوه، وقد أخذ بيت مملكتكم فاقتحم بلاد ملككم، وليس بمنته حتى تخرجوا من فى بلادكم من جنوده وتقلعوا هذين المصرين، ثم تشغلوه فى بلاده وقراره، فتعاهدوا على ذلك وتعاقدوا، وكتبوا بينهم به كتابا.\rوبلغ الخبر سعدا، فكتب به إلى عمر، ثم لقيه بالخبر مشافهة لما شخص إليه، وقال:\rإن أهل الكوفة يستأذنونك فى الانسياح إليهم ومبادرتهم الشدة، وكان عمر منعهم من الانسياح فى الجبل، ثم كتب إليه عبد الله بن عبد الله بمن اجتمع منهم، وقال: إن جاؤنا قبل أن نبادرهم الشدة ازدادوا جرأة وقوة، وإن نحن عاجلناهم كان لنا ذلك عليهم، وبعث بكتابه مع قريب بن ظفر العبدى.\rفلما قرأ عمر الكتاب قال للرسول: ما اسمك؟ قال: قريب، قال: ابن من؟ قال: ابن ظفر، فتفاءل إلى ذلك، وقال: ظفر قريب إن شاء الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ونودى فى الناس: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس، وحينئذ وافاه سعد، فتفاءل أيضا إلى سعد بن مالك، وقام عمر على المنبر خطيبا، فأخبر الناس الخبر، واستشارهم، وقال: هذا يوم له ما بعده من الأيام، ألا وإنى قد هممت بأمر وإنى عارضه عليكم، فاسمعوه ثم أجيبونى وأوجزوا ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم، ولا تكثروا ولا تطلبوا، فتفشع بكم الأمور، ويلتوى عليكم الرأى، أفمن الرأى أن أسير فيمن قبلى ومن قدرت عليه حتى أنزل منزلا واسطا بين المصرين، فأستنفرهم ثم أكون لهم ردآ حتى يفتح الله عليهم ويقضى ما أحب؟.\rفقام عثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف فى رجال من أهل الرأى من أصحاب رسول الله ﷺ، فقالوا: لا نرى ذلك، ولكن لا يغيبن عنهم رأيك وأمرك، وبإزائهم وجوه العرب وفرسانهم وأعلامهم ومن قد فض جموعهم وقتل ملوكهم وباشر من حروبهم ما هو أعظم من هذا، وإنما استأذنوك ولم يستصرخوك، فأذن لهم، واندب إليهم، وادع لهم، فقام على بن أبى طالب، رضى الله عنه، فقال: أصاب القوم يا أمير المؤمنين الرأى، وفهموا ما كتب به إليك، وإن هذا الأمر لم يبن نصره ولا خذلانه لكثرة ولا لقلة هو دينه الذى أظهر، وجنده الذى أعز وأمده بالملائكة حتى بلغ ما بلغ، ونحن على موعود من الله سبحانه، والله منجز وعده، وناصر جنده، ومكانك منهم مكان","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084637,"book_id":3509,"shamela_page_id":1200,"part":"2","page_num":571,"sequence_num":1200,"body":"النظام من الخرز يجمعه ويمسكه، فإن انحل تفرق ما فيه وذهب، ثم لم تجتمع بحذافيره أبدا، والعرب اليوم وإن كانوا قليلا فهم كثير عزيز بالإسلام، فأقم واكتب إلى أهل الكوفة، فهم أعلام العرب ورؤساؤهم، ومن لم يحفل بمن هو أجمع من هؤلاء وأحد وأجد فليأتهم الثلثان وليقم الثلث، واكتب إلى أهل البصرة أن يمدوهم ببعض من عندهم.\rفسر عمر، ﵀، بحسن رأيهم، وأعجبه ذلك منهم. وقام سعد فقال: خفض عليك يا أمير المؤمنين، فإنهم إنما جمعوا لنقمة نازلة بهم.\rوبالوقوف على ما أثبتناه من الأخبار عن هذه الوقعة يعرف ما اتفقت عليه وما اختلفت فيه، وقد حذفنا منها ما قدرنا الاستغناء عن إيراده مما لعل فى بعضه زيادة فى الخلاف.\rوذكر المدائنى أن وقعة نهاوند كانت فى سنة إحدى وعشرين، وذكر الطبرى «١» أنها كانت فى أول سنة تسع عشرة لست سنين من إمارة عمر، رضى الله عنه.\rوذكر أيضا عن سيف «٢» عن شيوخه ما كتب به النعمان بن مقرن من الأمان لأهل ماه بهراذان، وحذيفة لأهل ماه دينار، وكلا الكتابين موافق للآخر لفظا ومعنى، وكتاب النعمان:\rبسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى نعمان بن مقرن أهل ماه بهراذان، أعطاهم الأمان على أنفسهم وأموالهم وأراضيهم، لا يغيرون على ملتهم، ولا يحال بينهم وبين شرائعهم، ولهم المنعة ما أدوا الجزية فى كل سنة إلى من وليهم، على كل حالم فى ماله ونفسه على قدر طاقته، وما أرشدوا ابن السبيل، وأصلحوا الطرق، وقروا جنود المسلمين ممن مر بهم فأوى إليهم يوما وليلة، ووفوا ونصحوا، فإن غشوا وبدلوا، فذمتنا منهم بريئة. شهد عبد الله بن ذى السهمين، والقعقاع بن عمرو، وجرير بن عبد الله، وكتب فى المحرم سنة تسع عشرة.\rقالوا: وألحق عمر، رضى الله عنه، من شهد نهاوند من الروادف فأبلى بلاء حسنا فاضلا فى ألفين، ألحقهم بأهل القادسية.\rوقال القعقاع بن عمرو فى ذلك:","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٤/ ١١٤) .\r(٢) انظر: الطبرى (٤/ ١٣٦، ١٣٧) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084638,"book_id":3509,"shamela_page_id":1201,"part":"2","page_num":572,"sequence_num":1201,"body":"جذعت على الماهات آناف فارس ... لكل فتى من صلب فارس حادر\rهتكت بيوت الفرس لما لقيتهم ... وما كل من يلقى الحروب بثائر\rحبست ركاب الفيرزان وجمعه ... على قتر من حرها غير فاتر\rهدمت به الماهات والدرب بغتة ... إلى غاية أخرى الليالى الغوابر\rوقال أبو بجيد فى ذلك:\rلو أن قومى فى الحروب أذلة ... لأخنث عليهم فارس فى الملاحم\rولكن قومى أحرزتهم سيوفهم ... فآبوا وقد عادوا حواة المكارم\rأبينا فلم نعط الظلامة فارسا ... ولكن قبلنا عفو سلم المسالم\rونحن حبسنا فى نهاوند خيلنا ... لشر ليال أنتجت للأعاجم\rنتجن لهم فينا وعضل سخلها ... غداة نهاوند لإحدى العظائم\rملأنا شعابا فى نهاوند منهم ... رجالا وخيلا أضرمت فى الضرائم\rوأركضهن الفيرزان على الصفا ... فلم ينجه منا انفساح المخارم\rذكر الانسياح فى بلاد فارس، وعمل المسلمين به بإذن عمر رضى الله عنه، فيه بعد منعه إياهم، وما تبع ذلك من الفتوح فى بقية خلافته وقتال الترك والديلم وغيرهم «١»\rولم يزل عمر، رضى الله عنه، ينهى المسلمين عن الانسياح فى بلاد فارس، ويأمرهم بالاقتصار على ما فى أيديهم، والجد فى قتال من قاتلهم، نظرا للإسلام واحتياطا على أهله وإشفاقا، ولا يزال أهل فارس يجهدون بعد كل نيل منهم وهزيمة تأتى على جموعهم فى انبعاث جموع أخر، رجاء الاستدراك لما قد أذن الله فى إقامته، والإبقاء من أمرهم لما سبقت المشيئة بزواله واستيلاء الإسلام عليه وعلى سواه، تتميما لنوره، وإنجازا لموعود رسوله الذى أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون.\rوكان بعض أهل الذمة الذين قهرهم الإسلام على الصلح وأقرهم على الجزية ينتقضون عند تحرك أهل فارس، فسأل عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، وفد أهل البصرة عن ذلك، وهل يفضى المسلمون إلى أهل الذمة بأذى أو بأمور لها ينتقضون؟ فقالوا: لا نعلم إلا وفاء وحسن ملكة، قال: كيف هذا؟ فلم يجد عند أحد منهم شيئا يشفيه ويبصر","footnotes":"(١) انظر الخبر فى: الطبرى (٤/ ٩٤- ١٣٨) ، فتوح البلدان للبلاذرى (ص ٤٧٦) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084639,"book_id":3509,"shamela_page_id":1202,"part":"2","page_num":573,"sequence_num":1202,"body":"به ما يقولون، إلا ما كان من الأحنف بن قيس، فإنه قال: يا أمير المؤمنين، أخبرك أنك نهيتنا عن الانسياح فى البلاد، وأمرتنا بالاقتصار على ما كان فى أيدينا، وأن ملك فارس حى بين أظهرهم، وأنهم لا يزالون يساجلوننا ما دام ملكهم فيهم، ولم يجتمع ملكان فاتفقا حتى يخرج أحدهما صاحبه، وقد رأيت أنا لم نأخذ شيئا بعد شىء إلا بانبعاثهم، وأن ملكهم هو الذى يبعثهم، ولا يزال هذا دأبهم حتى تأذن لنا فنسيح فى بلادهم حتى نزيله عن فارس ونخرجه من مملكته وعن أمته، فهنالك ينقطع رجاء أهل فارس.\rفقال: صدقتنى والله وشرحت لى الأمر عن حقه، وأذن عمر عند ذلك فى الانسياح، وانتهى إلى رأى الأحنف، وعرف فضله وصدقه، ورأى أن يزدجرد يبعث عليه فى كل عام حربا إن لم يأذن للناس فى الانسياح فى أرض العجم، ورأى أن يزدجرد على ما كان فى يدى كسرى، فوجه عمر، رضى الله عنه، الأمراء من أهل البصرة ومن أهل الكوفة، وأمر على كلا المصرين أمراء، أمرهم بأمره، وأذن لهم فى الانسياح، فانساحوا وبعث بألوية من ولى مع سهيل بن عدى حليف بنى عبد الأشهل، فقدم سهيل البصرة بالألوية، فدفع لواء خراسان إلى الأحنف بن قيس، ولواء أردشير خره وسابور إلى مجاشع ابن مسعود السلمى، ولواء اصطخر إلى عثمان بن أبى العاص، ولواء فسا ودرابجرد إلى سارية بن زنيم الكنانى، ولواء كرمان مع سهيل بن عدى، ولواء سجستان إلى عاصم بن عمرو، ولواء مكران إلى الحكم بن عمرو التغلبى، فعسكروا ليخرجوا إلى هذه الكور، وذلك فى سنة سبع عشرة فى بعض ما ذكره الطبرى عن سيف عن شيوخه. قالوا: فلم يستتب مسيرهم حتى دخلت سنة ثمان عشرة.\rوذكر الطبرى أيضا، عن سيف أن إذن عمر فى الانسياح إنما كان بعد فتح نهاوند، وهذا لا يكون إلا فى سنة تسع عشرة أو بعدها، على ما ذكرنا من الاختلاف فى فتح نهاوند.\rوذكر أيضا أنه قدمت الألوية من عند عمر، ﵀، إلى نفر بالكوفة، فقدم لواء منها على نعيم بن مقرن، وأمره بالمسير نحو همدان، وكان أهلها كفروا بعد الصلح الذى تقدم ذكره بعد هزيمة فارس بنهاوند، وقال له: إن فتح الله عليك فما وراءك لك، فى وجهك كذلك إلى خراسان، وبعث عقبة بن فرقد وبكير بن عبد الله، وعقد لهما على أذربيجان وفرقها بينهما، وأمر أحدهما أن يأخذ إليها من حلوان على ميمنتها، والآخر أن يأخذ إليها من الموصل على ميسرتها، فتيامن هذا عن صاحبه، وتياسر هذا، وبعث إلى عبد الله بن عبد الله بن عتبان بلواء، وأمره أن يسير إلى أصبهان، وكان شجاعا بطلا،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084640,"book_id":3509,"shamela_page_id":1203,"part":"2","page_num":574,"sequence_num":1203,"body":"من أشراف الصحابة، ومن وجوه الأنصار، وأمده بأبى موسى من البصرة، وأمّر مكانه على البصرة عمر بن سراقة، وكان عبد الله خليفة سعد على الكوفة عند ما توجه إلى عمر، فأقره عمر مستعملا عليها، ثم صرفه عنها بزياد بن حنظلة، وكتب إليه عند ما أراد توجيهه إلى أصبهان أن سر من الكوفة حتى تنزل المدائن، فاندبهم ولا تنتخبهم، ثم اكتب إلىّ بذلك، فلما أتى عمر انبعاث عبد الله، بعث حينئذ زياد بن حنظلة على الكوفة، فلما أتاه انبعاث الجنود وانسياحهم، أمّر عمار بن ياسر على الكوفة، وقرأ قول الله تعالى: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ [القصص: ٥] .\rويروى أن زيادا ألح على عمر فى الاستعفاء بعد أن عمل قليلا فأعفاه وولى عمارا، وكان زياد من المهاجرين.\rولما بعث عمر، رضى الله عنه، عمارا على الكوفة بعث عبد الله بن مسعود ليعلم الناس، وكتب إلى أهل الكوفة: إنى بعثت إليكم عمار بن ياسر أميرا، وجعلت عبد الله ابن مسعود معلما ووزيرا، وهما من النجباء من أصحاب محمد ﷺ.\rوفى رواية: ووليت حذيفة بن اليمان ما سقت دجلة وما وراءها، ووليت عثمان بن حنيف الفرات وما سقى.\rوسنذكر إن شاء الله الجهات والكور التى عقد عليها عمر، رضى الله عنه، الألوية لمن ذكر قبل من أمرائه جهة جهة وبلدا بلدا، غير متقلدين فى ذلك تاريخا ولا متبرئين فيه من عهدة الخطأ فى تقديم مؤخر أو تأخير مقدم، لكثرة ما بين أهل الأخبار فى ذلك من الاختلاف الذى لا يتحصل معه حقيقة سوى المقصود من صنع الله لأوليائه فى إظهار كلمة الإسلام ونصره إياهم على كل من ناوأهم من الأمم تتميما لأمره وإنجازا لموعوده وتصديقا فى كل زمان ومكان لقوله: وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [التوبة: ٤٠] .\rذكر الخبر عن أصبهان «١»\rفأما أصبهان، فإن عبد الله بن عبد الله بن عتبان خرج إليها بأمر عمر، رضى الله عنه، وعلى مقدمته عبد الله بن ورقاء الرياحى، وعلى مجنبتيه عبد الله بن بديل بن ورقاء","footnotes":"(١) انظر الخبر فى: الطبرى (٤/ ١٣٩- ١٤١) ، الكامل فى التاريخ لابن الأثير (٣/ ٨، ٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084641,"book_id":3509,"shamela_page_id":1204,"part":"2","page_num":575,"sequence_num":1204,"body":"الأسدى، وليس الخزاعى، وعصمة بن عبد الله، وسار عبد الله فى الناس نحو جىّ وقد اجتمع أهل أصبهان عليهم الأستندار، وعلى مقدمته شهربراز جاذويه، شيخ كبير فى جمع عظيم، فالتقى المسلمون ومقدمة المشركين برستاق من رساتيق أصبهان، فاقتتلوا قتالا شديدا، ودعا الشيخ إلى البراز، فبرز له عبد الله بن ورقاء، فقتله وانهزم أهل أصبهان، وسمى المسلمون ذلك الرستاق رستاق الشيخ، فما زال ذلك اسمه بعد.\rودعى عبد الله من يليه فسارع الأستندار إلى الصلح، فصالحه عبد الله، ثم سار من رستاق الشيخ نحو جىّ فانتهى إليها، وبها يومئذ ملك أصبهان الفاذوسفان فى جمعه، فحاصرهم عبد الله، وخرجوا إليه، فلما التقوا، قال له ملكهم: لا تقتل أصحابى ولا أقتل أصحابك، ولكن ابرز إلىّ، فإن قتلتك رجع أصحابك، وإن قتلتنى سالمك أصحابى، وإن كان أصحابى لا تقع لهم نشابة إلا فى رجل، فبرز له عبد الله، وقال: إما أن تحمل علىّ، وإما أن أحمل عليك، فقال: أحمل عليك، فوقف له عبد الله، فحمل عليه الفاذوسفان، فطعنه، فأصاب قربوس السرج فكسره، وقطع اللبد والحزام، وزال اللبد والسرج، فوقع عبد الله قائما، ثم استوى على الفرس عريا، وقال له: اثبت، فحاجزه وقال: ما أحب أن أقاتلك، فإنى قد رأيتك رجلا كاملا، ولكن ارجع معك إلى عسكرك فأصالحك وأدفع المدينة إليك على أن من شاء أقام وأدى الجزية وقام على ماله، وعلى أن تجرى مجراهم من أخذتم ماله عنوة ويتراجعون، ومن أبى أن يدخل فيما دخلنا فيه ذهب حيث شاء ولكم أرضه.\rفقال له عبد الله: لكم ذلك، فرجع القوم إلى جىّ، إلا ثلاثين رجلا من أصبهان خالفوا قومهم، فخرجوا فلحقوا بكرمان، ودخل عبد الله وأبو موسى حيا، مدينة أصبهان، وإنما وصل إليه أبو موسى من ناحية الأهواز بعد الصلح، واغتبط من أقام، وندم من شخص.\rوكتب عبد الله بالفتح إلى عمر، فأمره أن يلحق بسهيل بن عدى فيجتمع معه على قتال من بكرمان، وأن يستخلف على أصبهان السائب بن الأقرع، ففعل عبد الله ما أمره به، وخرج فى جريدة خيل فلحق بسهيل قبل أن يصل إلى كرمان، وسيأتى ذكر فتحها بعد إن شاء الله.\rوالكتاب الذى كتبه عبد الله لأهل أصبهان:\rبسم الله الرحمن الرحيم، كتاب من عبد الله للفاذوسفان وأهل أصبهان وما حواليها،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084642,"book_id":3509,"shamela_page_id":1205,"part":"2","page_num":576,"sequence_num":1205,"body":"إنكم آمنون ما أديتم الجزية، وعليكم من الجزية على قدر طاقتكم كل سنة تؤدونها إلى الذى يلى بلادكم عن كل حالم، ودلالة المسلم وإصلاح طريقه وقراه يوما وليلة، وحملان الراجل إلى مرحلة، ولا تسلطوا على مسلم، وللمسلمين نصحكم وأداء ما عليكم، ولكم الأمان ما فعلتم، فإذا غيرتم شيئا أو غيره مغير منكم ولم تسلموه فلا أمان لكم، ومن سب مسلما بلغ منه، فإن ضربه قتلناه. وكتب وشهد عبد الله بن قيس، وعبد الله بن ورقاء، وعصمة بن عبد الله.\rذكر فتح همذان ثانية وقتال الديلم «١»\rوقد كان حذيفة اتبع فالة نهاوند نعيم بن مقرن والقعقاع بن عمرو، فبلغا همذان فصالحهم خشروشنوم على همذان ودستبى، فرجعوا عنه، ثم إن أهل همذان كفروا بعد ونقضوا ذلك الصلح، فكتب عمر، ﵀، إلى نعيم بن مقرن: أن سر حتى تأتى همذان، وابعث على مقدمتك سويد بن مقرن، وعلى مجنبتيك ربعى بن عامر ومهلهل بن زيد، هذا طائى، وذاك تميمى، فخرج نعيم فى تعبئته فسار حتى نزل مدينة همذان وقد تحصنوا، فحاصرهم وأخذ ما بينها وبين جرميذان، واستولى على بلاد همذان كلها.\rفلما رأى ذلك أهل المدينة سألوا الصلح، على أن يجريهم ومن استجاب له مجرى واحدا، ففعل، وقبل منهم الجزاء على المنعة، وفرق دستبى بين النفر من أهل الكوفة، بين عصمة بن عبد الله الضبى، ومهلهل بن زيد الطائى، وسماك بن عبيد العبسى، وسماك ابن مخرمة الأسدى، وسماك بن خرشة الأنصارى، فكان هؤلاء أول من ولى مسالح دستبى وقاتل الديلم.\rفبينا نعيم فى مدينة همذان فى توطئتها فى اثنى عشر ألفا من الجند تكاتب الديلم وأهل الرى وأهل أذربيجان، ثم خرج موثا فى الديلم حتى ينزل بواج الروذ، وأقبل أبو الفرخان فى أهل الرى، حتى انضم إليه، وأقبل أخو رستم فى أهل أذربيجان حتى انضم إليه، وتحصن أمراء مسلح دستبى وبعثوا إلى نعيم بالخبر، فاستخلف يزيد بن قيس، وخرج إليهم فى الناس حتى نزل عليهم بواج الروذ، فاقتتلوا بها قتالا شديدا، وقتل القوم مقتلة عظيمة لم تكن دون وقعة نهاوند، ولا قصرت ملحمتهم عن الملاحم الكبار، وقد","footnotes":"(١) انظر الخبر فى: الطبرى (٤/ ١٤٦- ١٤٩) ، الكامل لابن الأثير (٣/ ٧، ٨) ، البداية والنهاية لابن كثير (٧/ ١٢٠- ١٢٢) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084643,"book_id":3509,"shamela_page_id":1206,"part":"2","page_num":577,"sequence_num":1206,"body":"كانوا كتبوا إلى عمر، ﵀، باجتماعهم، ففزع عمر واهتم لحربهم، وتوقع ما يأتيه عنهم، فلم يفجأه إلا البريد بالبشارة، فقال: أبشير؟ فقال: بل عروة، فلما ثنى عليه:\rأبشير؟ فهم عنه ما أراد، فقال: بشير، فقال عمر: رسول نعيم؟ قال: رسول نعيم، قال:\rالخبر؟ قال: البشرى بالفتح والنصر، وأخبره الخبر، فحمد الله، وأمر بالكتاب فقرئ على الناس، فحمد الله تعالى، ثم قدم عليه بالأخماس سماك بن مخرمة، وسماك بن عبيد، وسماك بن خرشة فى نفر من أهل الكوفة، فنسبهم، فانتسبوا له، فقال: بارك الله فيكم، اللهم أسمك بهم الإسلام وأيدهم بالإسلام، ثم كتب إلى نعيم:\rأما بعد، فاستخلف على همذان وآمد بكير بن عبد الله بن سماك بن خرشة، وسر حتى تقدم الرى فتلقى جمعهم، ثم أقم بها، فإنها أوسط تلك البلاد وأجمعها لما تريد.\rفأقر نعيم يزيد بن قيس على همذان، وسار بالناس من واج الروذ إلى الرى.\rوقال نعيم يذكر قتالهم فى واج الروذ من أبيات:\rصدمناهم فى واج روذ بجمعنا ... غداة رميناهم بإحدى القواصم\rفما صبروا فى حومة الموت ساعة ... لجد الرماح والسيوف الصوارم\rأصبنا بها موثا ومن لف جمعه ... وفيها نهاب قسمها غير عاتم\rتبعناهم حتى أووا فى شعابهم ... نقتلهم قتل الكلاب الحوائم\rكأنهم عند انثياب جموعهم ... جدار تشظى لبنه للهوادم\rوقال سماك بن مخرمة الأسدى بعد تلك الأيام «١» :\rبرزت لأهل القادسية معلما ... وما كل من يلقى الكريهة يعلم\rوقومى بنو عمرو بن نصر كأنهم ... أسود بتوج حين شبوا وأسلموا\rويوم بأكناف النخيلة قبلها ... لججت فلم أبرح أدمى وأكلم\rوأقعص منهم فارسا بعد فارس ... وما كل من يغشى الكريهة يسلم\rفنجانى الله الأجل وجرأتى ... وسيف لأطراف المآرب مخذم\rوحولى بنو ذودان لا يبرحوننى ... إذا سرحت صاحوا بهم ثم صمموا\rوأيقنت يوم الديلميين أنه ... متى ينصرف قومى عن الناس يهزم\rمحافظة إنى امرؤ ذو حفيظة ... إذا لم أجد مستأخرا أتقدم","footnotes":"(١) انظر الأبيات فى: الطبرى (٤/ ١٤٩) ، البداية والنهاية لابن كثير (٧/ ١٢١) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084644,"book_id":3509,"shamela_page_id":1207,"part":"2","page_num":578,"sequence_num":1207,"body":"فتح الرى «١»\rوخرج نعيم بن مقرن إلى الرى فلقيه أبو الفرخان مسالما، ومخلفا بالرى يومئذ سياوخش بن مهران بن بهرام، وكان سياوخش قد استمد أهل دنباوند وطبرستان وقرمس وجرجان، وقال: قد علمتم أن هؤلاء إن حلوا بالرى، إنه لا مقام لكم، فاحتشدوا له، فناهد بهم المسلمين، فالتقوا بسفح جبل الرى الذى إلى جانب مدينتها فاقتتلوا به.\rوقد كان أبو الفرخان قال لنعيم: إن القوم كثير وأنتم فى قلة، فابعث معى خيلا أدخل مدينتهم من مدخل لا يشعرون به، وناهدهم أنت، فإنهم إذا خرجوا عليهم لم يثبتوا لك. فبعث معه نعيم من الليل خيلا عليها ابن أخيه المنذر بن عمرو، فأدخلهم المدينة، ولا يشعر القوم، وبيتهم نعيم بياتا فشغلهم عن مدينتهم، فاقتتلوا وصبروا حتى سمعوا التكبير من ورائهم، فانهزموا، فقتلوا مقتلة عدوا فيها بالقصب، وأفاء الله على المسلمين بالرى نحوا من فىء المدائن، وصالح أبو الفرخان نعيما على أهل الرى، فلم يزل بعد شرف الرى فى آله، وسقط آل بهرام، وأخرب نعيم مدينة الرى، وهى التى يقال لها العتيقة، وأمر أبا الفرخان فبنى مدينة الرى الحدثاء، وكتب لهم نعيم كتابا أعطاهم فيه الأمان لهم ولمن كان معهم من غيرهم، على أن على كل حالم من الجزية طاقته فى كل سنة، وعلى أن ينصحوا ولا يغلوا ولا يسلوا، ويدلوا المسلم ويقروه يوما وليلة، ويفخموه، فمن سب مسلما أو استخف به نهك عقوبة، ومن ضربه قتل، ومن بدل منهم فلم يسلم برمته فقد غير جماعته.\rوراسل عند ذلك نعيما مردانشاه مصمعان نهاوند فى الصلح على شىء يفتدى به من غير أن يسأله النصر والمعونة، ففعل ذلك نعيم، وكتب له به ولأهل موضعه كتابا على أن يتقى من ولى الفرج بمائتى ألف درهم فى كل سنة.\rوقال أبو بجيد فى يوم الرى:\rألا هل أتاها أن بالرى معشرا ... شفوا سقما لما استجاشوا وقتلوا\rلها موطنان عاينوا الهلك فيهما ... بأيد طوال لم يخنهن مفصل\rوخيل تعادى لا هوادة عندها ... وزاد وكمت تمتطى ومحجل","footnotes":"(١) انظر الخبر فى: الطبرى (٤/ ١٥٠، ١٥١) ، البداية والنهاية لابن كثير (٧/ ١٢١، ١٢٢) ، نهاية الأرب للنويرى (١٩/ ٢٦٤- ٢٦٥) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084645,"book_id":3509,"shamela_page_id":1208,"part":"2","page_num":579,"sequence_num":1208,"body":"ودهم وشقر تنشر البلق بينها ... إذا ناهبت قوما تولوا وأوهلوا\rقتلناهم بالسفح مثنى وموحدا ... وصار لنا فيها مداد ومأكل\rقتلنا سيا وخشا ومن مال ميله ... ولم ينج منهم بالسفوح مؤمل\rجزى الله خيرا معشر عصبوهم ... وأعطاهم خير العطاء الذى ولوا\rوقال أيضا:\rوبالرى إن سألت بنا أم جعفر ... فمنا صدور الخيل والخيل تنفر\rإذا حذر الأقرام منهن قارح ... تفخمه فى الموت أغيد أزهر\rأخو الهيج والروعات إن زفرت به ... أناخ إليها صابرا حين يزفر\rفتسفر عنها الحرب بعد انصبابها ... وفينا البقايا والفعال المسهر\rقتلنا بنى بهرام لما تتابعوا ... على أمر غاويهم وغاب المسور\rوبالسفح موتى لا تطير نسورها ... لها فى سواء السفح مثوى ومغبر\rولولا اتقاء القوم بالسلم أقفرت ... بلادهم أو يهربون فيعذروا\rخلفناهم بالرى والرى منزل ... له جانب صعب هناك معور\rذكر فتح قومس وجرجان\rفأما قومس، فإن عمر، ﵀، كان كتب إلى نعيم بن مقرن حين أعلمه بفتح الرى: أن قدم سويد بن مقرن إلى قومس، ففصل إليها سويد من الرى فى تعبئته، فلم يقم له أحد، فأخذها سلما، وعسكر بها، وكاتب الذين لجأوا إلى طبرستان منهم، والذين أخذوا المفاوز يدعوهم إلى الصلح والجزاء، وكتب لهم بذلك كتابا» .\rوأما جرجان، فإن سويدا سار إليها فكاتبه ملكها، وبدأه بالصلح على أن يؤدى له الجزاء ويكفيه حرب جرجان، فإن غلب أعانه، فقبل سويد ذلك منه، ثم تلقاه قبل أن يدخل جرجان، فدخلها معه، وعسكر سويد بها حتى جبى إليه خراجها، وسمى فروجها، فسدها بترك دهستان، ورفع الجزاء عمن أقام بمنعها، وأخذ الخراج من سائر أهلها، وكتب سويد بذلك كتابا لملكها رزبان صول وأهل دهستان وسائر أهل جرجان «٢» .","footnotes":"(١) انظر الخبر فى: الطبرى (٤/ ١٥١، ١٥٢) ، الروض المعطار (ص ٤٨٥) .\r(٢) انظر الخبر فى: الطبرى (٤/ ١٥٢، ١٥٢) ، تاريخ جرجان (ص ٤٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084646,"book_id":3509,"shamela_page_id":1209,"part":"2","page_num":580,"sequence_num":1209,"body":"ذكر فتح طبرستان\rوراسل الأصبهبذ سويدا فى الصلح على أن يتوادعا، ويجعل له شيئا على غير نصرة ولا معونة على أحد، فقبل ذلك منه، وكتب له:\rبسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من سويد بن مقرن للفرخان اصبهبذ خراسان على طبرستان وجبل جيلان، إنك آمن بأمان الله على أن تكف نصرتك وأهل حواشى أرضك، ولا تؤوى لنا بغية وتتقى من ولى فرج أرضك بخمسمائة ألف درهم من دراهم أرضك، فإذا فعلت ذلك فليس لأحد منا أن يغير عليك، ولا أن يتطوف أرضك، ولا يدخل عليك إلا بإذنك، سبيلنا عليكم بالإذن آمنة، وكذلك سبيلكم، ولا تسألون لنا إلى عدو ولا تغلون، فإن فعلتم فلا عهد بيننا وبينكم «١» .\rفتح أذربيجان\rولما «٢» افتتح نعيم همذان ثانية، وسار إلى الرى كتب إلى عمر: أن يبعث سماك بن خرشة الأنصارى، وليس بأبى دجانة، ممدا لبكير بن عبد الله بأذربيجان، وكان عمر قد فرق أذربيجان بين بكير وبين عتبة بن فرقد، وأمر كل واحد منهما بطريق غير طريق صاحبه، فسار بكير حين بعث إليها حتى إذا طلع بحيال جرميذان، طلع عليه اسفندياذ بن الفرخزاد مهزوما من واج روز، فكان أول قتال لقيه بكير بأذربيجان، فاقتتلوا، فهزم الله جند اسفندياذ وأخذه بكير أسيرا، فقال له: الصلح أحب إليك أم الحرب؟ فقال بكير:\rبل الصلح، قال: فأمسكنى عندك، فإن أهل أذربيجان إن لم أصالح عليهم وأراضى لم يقيموا لك، وجلوا إلى الجبال التى حولها من القبج والروم ومن كان فى حصن تحصن إلى يوم ما، فأمسكه عنده، وصارت البلاد إليه إلا ما كان من حصن، وقدم سماك على بكير واسفندياذ فى إساره، وقد افتتح ما يليه، وافتتح عتبة بن فرقد ما يليه.\rوتشوفت نفس بكير إلى المضى قدما، فقال لسماك: إن شئت كنت معى، وإن شئت أتيت عتبة، فإنى لا أرانى إلا تارككما وطالبا وجها هو أكره من هذا. فاستأذن عمر، فكتب إليه بالإذن على أن يتقدم نحو الباب، وأمره أن يستخلف على عمله، فاستخلف","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٤/ ١٥٣) .\r(٢) انظر الخبر فى: الطبرى (٤/ ١٥٣- ١٥٥) ، البداية والنهاية لابن كثير (٧/ ١٢٢) ، تاريخ ابن خلدون (٢/ ١١٩، ١٢٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084647,"book_id":3509,"shamela_page_id":1210,"part":"2","page_num":581,"sequence_num":1210,"body":"عتبة على ما افتتح منه، ودفع إليه اسفندياذ، فأمر عتبة سماكا على ما استخلفه عليه بكير، وجمع عمر، ﵀، أذربيجان كلها لعتبة بن فرقد، وكان بهرام بن الفرخزاذ قد أخذ بطريق عتبة، وأقام له فى عسكره حتى لحق عتبة فاقتتلوا، فهزمهم عتبة، وهرب بهرام، فلما بلغ الخبر اسفندياذ وهو بعد فى إسار بكير قال: الآن تم الصلح، وطفئت الحرب، فصالح بكير، وأجاب إلى ذلك جميعهم، وعادت أذربيجان سلما، وكتب عتبة بينه وبين أهلها كتابا إذ جمع له عمل بكير إلى عمله:\rبسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما أعطى عتبة بن فرقد، عامل عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، أهل أذربيجان، سهلها وجبلها، وحواشيها وشعاريها، وأهل ملكها كلهم من الأمان على أنفسهم وأموالهم وملتهم وشرائعهم، على أن يؤدوا الجزية على قدر طاقتهم، ليس ذلك على صبى ولا على امرأة ولا زمن ليس فى يده من الدنيا شىء، ولا متعبد متخل ليس فى يديه من الدنيا شىء، لهم ذلك ولمن سكن معهم، وعليهم قرى المسلم من جنود المسلمين يوما وليلة ودلالته، ومن حشر منهم فى سنة رفع عنه جزاء تلك السنة، ومن أقام فله مثل ما لمن أقام من ذلك، ومن خرج فله الأمان حتى يلجأ إلى حرزه.\rحديث فتح الباب «١»\rوبعث عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، سراقة بن عمرو إلى الباب بعد أن رد أبا موسى مكانه إلى البصرة، وكان سراقة يدعى ذا النور، وجعل عمر على مقدمته عبد الرحمن بن ربيعة، وكان أيضا يدعى ذا النور، وجعل على إحدى مجنبتيه حذيفة بن أسيد الغفارى، وسمى للأخرى بكير بن عبد الله الليثى، وكان بإزاء الباب قبل قدوم سراقة عليه، وكتب إليه: أن يلحق به، وجعل على المقاسم سلمان بن ربيعة، فقدم سراقة عبد الرحمن، وخرج فى الأثر، حتى إذا خرج من أذربيجان نحو الباب، قدم عليه بكير فى أدنى الباب، فاستدفأ ببكير، ودخل بلاد الباب على ما عباه عمر، ﵀، وكان ملك الباب يومئذ شهربراز، رجل من آل شهربراز الملك الذى أفسد بنى إسرائيل وأعرى منهم الشام.","footnotes":"(١) انظر الخبر فى: الطبرى (٤/ ١٥٥- ١٦٠) ، الكامل فى التاريخ لابن الأثير (٣/ ١٤) ، البداية والنهاية لابن كثير (٧/ ١٢٢، ١٢٣) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084648,"book_id":3509,"shamela_page_id":1211,"part":"2","page_num":582,"sequence_num":1211,"body":"فلما أطل عليه عبد الرحمن بن ربيعة بالباب كاتبه شهربراز واستأمنه على أن يأتيه، فأمنه عبد الرحمن على ذلك، فأتاه فقال: إنى بإزاء عدو كلب وأمم مختلفة، لا ينسبون إلى أحساب، وليس ينبغى لذى العقل والحسب أن يعين أمثال هؤلاء ولا يستعين بهم على ذوى الأحساب والأصول، وذو الحسب قريب ذى الحسب حيث كان، ولست من الفتح فى شىء ولا من الأرض، وإنكم قد غلبتم على بلادى وأمتى، فأنا اليوم منكم يدى مع أيديكم، وصبرى معكم، فمرحبا بكم، وبارك الله لنا ولكم، وجزيتنا إليكم، ولكم النصر والقيام بما تحبون، ولا تذلونا بالجزية فتوهنونا لعدوكم.\rفقال عبد الرحمن: فوقى رجل قد أظلك فسر إليه، فجوزه، فسار إلى سراقة، فلقيه بمثل ذلك، فقال له سراقة: قد قبلت ذلك فيمن كان معك على هذا ما دام عليه، ولا بد من الجزاء على من يقيم ولا ينهض، فقبل ذلك شهربراز، وصارت سنة فيمن كان يحارب العدو من المشركين، وفيمن يستنفر من أهل الجزية، فتوضع عنه جزية تلك السنة التى استنفر فيها.\rوكتب سراقة إلى عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، بذلك، فأجازه وحسنه، وليس فى تلك البلاد التى فى ساحة الجبال نبك لم يقم الأرمن بها إلا على أوفاز، وإنما بها سكان ممن حولها ومن الطراء استأصلت الغارات نبكها من أهل القرار، وأرز أهل الجبال منهم إلى جبالهم، وجلوا عن قرار أرضهم، فكان لا يقيم بها إلا الجنود ومن أعانهم أو تجر إليهم.\rواكتتبوا من سراقة بن عمرو كتابا بالأمان لشهربراز وسكان أرمينية والأرمن، على أنفسهم وأموالهم وملتهم، لا يضارون ولا ينتقضون، وعلى أهل أرمينية والأبواب، الطراء منهم والتناء ومن حولهم، فدخل معهم أن ينفروا لكل غارة، وينفروا لكل أمر رآه الوالى صلاحا، ناب أو لم ينب، على أن توضع على من أجاب إلى ذلك الجزاء، ومن استغنى منهم فقعد فعليه مثل ما على أهل أذربيجان من الجزاء والدلالة والنزول يوما كاملا، فإن حشروا وضع ذلك عنهم، وإن تركوا أخذوا به.\rثم إن سراقة بن عمرو وجه بعد ذلك بكير بن عبد الله وحبيب بن مسلمة، وكان عمر أمد به سراقة، وحذيفة بن أسيد وسلمان بن ربيعة إلى أهل تلك الجبال المحيطة بأرمينية، فوجه بكيرا إلى موقان، وحبيبا إلى تفليس، وحذيفة إلى من بجبال اللان، وسلمان إلى وجه آخر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084649,"book_id":3509,"shamela_page_id":1212,"part":"2","page_num":583,"sequence_num":1212,"body":"وكتب سراقة بالفتح وبالذى وجه فيه هؤلاء إلى عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، فأتى عمر أمر لم يكن يرى أنه يستتم له على ما خرج عليه سريعا بغير مؤنة، وكان فرجا عظيما به جند عظيم، إنما ينتظر أهل فارس صنيعهم، ثم يضعون الحرب أو يبعثونها.\rفلما استوثقوا واستحلوا عدل الإسلام مات سراقة، ﵀، واستخلف عبد الرحمن بن ربعة، وقد مضى أولئك القواد الذين بعثهم سراقة، فلم يفتح أحد منهم ما وجه له إلا بكيرا فإنه فض موقان، ثم تراجع أهلها على الجزية، فقبل منهم وكتب لهم بها وبأمانهم عليها.\rولما بلغ عمر، ﵀، موت سراقة واستخلافه عبد الرحمن أقره عمر وأمره بغزو الترك، فخرج بالناس حتى قطع الباب، فقال له شهربراز: ما تريد أن تصنع؟ قال: أريد بلنجر، فقال شهربراز: إنا لنرضى منهم أن يدعونا من وراء الباب، فقال عبد الرحمن:\rلكنا لا نرضى منهم بذلك حتى نأتيهم فى ديارهم، وبالله إن معنا لأقواما لو يأذن لنا أميرنا فى الإمعان لبلغت بهم الردم، قال: وما هم؟ قال: أقوام صحبوا رسول الله ﷺ ودخلوا فى هذا الأمر بنية، وكانوا أصحاب حياء وتكرم فى الجاهلية، فازداد حياؤهم وتكرمهم ولا يزال هذا الأمر دائما لهم، والنصر معهم حتى يغيرهم من يغلبهم، وحتى ينقلوا عن حالهم.\rفغزا عبد الرحمن بلنجر غزاة فى زمان عمر، رضى الله عنه، لم تئم فيها امرأة ولم ييتم صبى، وبلغت خيله فى غزاته البيضاء على رأس مائتى فرسخ من بلنجر، ثم غزا فسلم، ثم غزا غزوات فى زمان عثمان، رضى الله عنه، ثم أصيب عبد الرحمن حين تبدل أهل الكوفة فى إمارة عثمان لاستعماله من كان ارتد استصلاحا لهم، فلم يصلحهم ذلك وزادهم فسادا، أن سادهم من طلب الدنيا، وعضلوا بعثمان، رضى الله عنه ورحمه، حتى جعل يتمثل:\rوكنت وعمرا كالمسمن كلبه ... فخدشه أنيابه وأظافره\rوقال سلمان بن ربيعة «١» : لما دخل عبد الرحمن بن ربيعة عليهم، يعنى على الترك، حال الله بينهم وبين الخروج عليه، وقالوا: ما اجترأ علينا هذا الرجل إلا ومعهم الملائكة تمنعهم من الموت، فتحصنوا منه، فرجع بالغنم والظفر، وذلك فى إمارة عمر، ثم لما","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٤/ ١٥٨، ١٥٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084650,"book_id":3509,"shamela_page_id":1213,"part":"2","page_num":584,"sequence_num":1213,"body":"غزاهم غزوات فى زمان عثمان ظفر بهم كما كان يظفر، حتى إذا تبدل أهل الكوفة، وذكر بعض ما تقدم من استعمال من ارتد، وغزاهم بعد ذلك تذمرت الترك وقالوا:\rانظروا، وكانوا يقولون إنهم لا يموتون. قال: فاختفوا لهم فى الغياض، فرمى رجل منهم رجلا من المسلمين على غرة فقتله، وهرب عنه أصحابه، فخرجوا عليه عند ذلك، فاقتتلوا فاشتد قتالهم، ونادى مناد من الجو: صبرا آل عبد الرحمن موعدكم الجنة فقاتل حتى قتل عبد الرحمن وانكشف المسلمون، وأخذ سلمان بن ربيعة الراية، فقاتل بها، ونادى مناد من الجو: صبرا آل سلمان، فقال سلمان: أو ترى جزعا؟ ثم خرج بالناس وخرج سلمان الفارسى وأبو هريرة الدوسى على جيلان، فقطعوها إلى جرجان، واجترأ الترك بعدها ولم يمنعهم ذلك من اتخاذ جسد عبد الرحمن، فما زالوا بعد يستسقون به.\rوجعل عثمان، ﵀، يغزيها مع حبيب بن مسلمة.\rوحدث مطر بن ثلج التيمى قال: دخلت على عبد الرحمن بن ربيعة بالباب وشهربراز عنده، فأقبل رجل عليه شحوب حتى جلس إلى شهربراز، فتساءلا، ثم إن شهربراز قال لعبد الرحمن: أيها الأمير، أتدرى من أين جاء هذا الرجل؟ إنى بعثته منذ سنتين نحو السند لينظر لى ما حاله ومن دونه، وزودته مالا عظيما، وكتبت له إلى من يلينى، وأهديت له، وسألته أن يكتب إلى من وراءه، وزودته لكل ملك هدية، ففعل ذلك بكل ملك بينى وبينه، حين انتهى إليه، حتى انتهى إلى الملك الذى السد فى ظهر أرضه، فكتب له إلى عامله على ذلك البلد، فأتاه فبعث معه بازياره ومعه عقابه. فذكر أنه أحسن إلى البازيار وقال: فتكشر لى البازيار.\rفلما انتهينا إذا جبلان بينهما سد مسدود، حتى ارتفع على الجبلين بعد ما استوى بهما، وإذا دون السد خندق أشد سوادا من الليل لبعده، فنظرت إلى ذلك وتفرست فيه، ثم ذهبت لأنصرف، فقال لى البازيار: على رسلك، أكافئك، إنه لا يلى ملك بعد ملك إلا تقرب إلى الله بأفضل ما عنده من الدنيا، فيرمى به فى هذا اللهب، فشرح بضعة لحم معه، فألقاها فى ذلك الهوى، وانقضت عليها العقاب، وقال: إن أدركتها قبل أن تقع فلا شىء، وإن لم تدركها حتى تقع فذلك شىء، فخرجت علينا العقبان باللحم فى مخالبها، وإذا فيها ياقوتة، فأعطانيها، وهى هذه. فتناولها منه شهربراز وهى حمراء فناولها عبد الرحمن، فنظر إليها ثم ردها إليه، فقال شهربراز: لهذه خير من هذه البلد، يعنى الباب، وايم الله لأنتم أحب إلىّ ملكة من آل كسرى، ولو كنت فى سلطانهم ثم بلغهم خبرها لانتزعوها منى، وايم الله لا يقوم لكم شىء ما وفيتم أو وفى ملككم الأكبر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084651,"book_id":3509,"shamela_page_id":1214,"part":"2","page_num":585,"sequence_num":1214,"body":"فأقبل عبد الرحمن على الرسول وقال: ما حال الردم وما شبهه؟ فقال: هذا الثوب الذى على هذا الرجل، وأشار إلى مطر بن ثلج، وكان عليه قباء برود يمنية أرضة حمراء ووشيه أسود أو وشيه أحمر وأرضه سوداء، فقال مطر: صدق والله الرجل، لقد نفذ ورأى، قال عبد الرحمن: أجل، ووصف صفة الحديد والصفر وقرأ: آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ إلى آخر الآية [الكهف: ٩٦] ، وقال عبد الرحمن لشهربراز: كم كانت هديتك؟\rقال: قيمة مائة ألف فى بلادى هذه، وثلاثة آلاف ألف وأكثر فى تلك البلدان.\rذكر مسير يزدجرد إلى خراسان ودخول الأحنف إليها غازيا «١»\rذكروا أن يزدجرد لما انهزم أهل جلولاء خرج يريد الرى، وقد جعل له محمل يطيق ظهر بعيره، وكان إذا سار نام ولم يعرس بالقوم، فانتهى به إلى مخاضة وهو نائم فى محمله، فأنبهوه ليعلم، ولئلا يفزع إن هو استيقظ إذا خاض البعير به، فعنفهم على إنباهه وقال: بئس ما صنعتم، والله لو تركتمونى لعلمت ما مدة هذه الأمة، إنى رأيت أنى ومحمدا، يعنى النبى ﷺ، تناجينا عند الله تعالى فقال له: أملككم مائة سنة، فقال: زدنى، فقال: عشرا ومائة، فقال: زدنى، فقال: عشرين ومائة سنة، فقال: زدنى، فقال: لك.\rوأنبهتمونى، ولو تركتمونى لعلمت.\rفلما انتهى إلى الرى، وثب عليه آبان جاذويه، وكان على الرى، حينئذ، فأخذه، فقال له يزدجرد: يا آبان جاذويه، تغدر بى! فقال: لا ولكن قد تركت ملكك وصار فى يدى غيرك، فأحببت أن أكتتب على ما كان لى من شىء، وما أردته من غير ذلك، وأخذ خاتم يزدجرد ووصل الأدم، واكتتب الصكاك وسجل السجلات بكل ما أعجبه، ثم ختم عليها ورد الخاتم، ثم أتى بعد سعدا فرد عليه كل شىء فى كتابه.\rولما صنع آبان جاذويه بيزدجرد ما صنع خرج يزدجرد من الرى إلى أصبهان وكره جوار آبان ولم يأمنه، ثم عزم على كرمان، فأتاها ومعه النار، فأراد أن يضعها فى كرمان، ثم عزم على خراسان، فأتى مرو فنزلها وقد نقل النار، فبنى لها بيتا واتخذ بستانا، وبنى أزجا فرسخين من مرو إلى البستان، فاطمأن فى نفسه وأمن أن يؤتى، وكاتب من مرو من بقى من الأعاجم حيث لم يفتتحه المسلمون، فدانوا له، حتى إذا ثار","footnotes":"(١) انظر الخبر فى: الطبرى (٤/ ١٦٦- ١٧٣) ، تاريخ ابن خلدون (٢/ ١٢٠- ١٢٢) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084652,"book_id":3509,"shamela_page_id":1215,"part":"2","page_num":586,"sequence_num":1215,"body":"أهل فارس والفيرزان فنكثوا، وثار أهل الجبال والفيزران فنكثوا، وصار ذلك داعية إلى إذن عمر، رضى الله عنه، فى الانسياح، فانساح أهل البصرة وأهل الكوفة حتى أثخنوا فى الأرض، فخرج الأحنف إلى خراسان، فأخذ على مهرجان نقذف، ثم خرج على أصبهان، وأهل الكوفة محاصرو جى، فدخل خراسان من الطبسين، فافتتح هراة عنوة، واستخلف عليها صحار بن فلان العبدى، ثم سار نحو مرو الشاهجان، وأرسل إلى نيسابور، وليس دونها قتال، مطرف بن عبد الله بن الشخير، وإلى سرخس الحارث بن حسان.\rفلما دنا الأحنف من مرو الشاهجان خرج منها يزدجرد نحو مرو الروذ حتى نزولها، ونزل الأحنف مرو الشاهجان، وكتب يزدجرد إلى خاقان وملك الصغد وصاحب الصين يستمدهم ويستعين بهم، وخرج الأحنف من مرو الشاهجان، واستخلف عليها حارثة ابن النعمان الباهلى بعد ما لحقت به أمداد الكوفة، على أربعة أمراء: علقمة بن النضر النضرى، وربعى بن عامر التميمى، وعبد الله بن أبى عقيل الثقفى، وابن أم غزال الهمدانى، وبلغ يزدجرد خروج الأحنف سائرا نحوه فخرج إلى بلخ، ونزل الأحنف مرو الروذ، وقدم أهل الكوفة فساروا إلى بلخ، واتبعهم الأحنف، والتقى أهل الكوفة ويزدجرد ببلخ، فهزمه الله بهم، وتوجه فى أهل فارس إلى النهر فعبروا، ولحق الأحنف بأهل الكوفة وقد فتح الله عليهم، وتتابع أهل خراسان ممن شذ وتحصن على الصلح فيما بين نيسابور إلى طخارستان، وعاد الأحنف إلى مرو الروذ فنزلها، واستخلف على طخارستان ربعى بن عامر، وهو الذى يقول له النجاشى ونسبه إلى أمه، وكان من أشراف العرب:\rألا رب من تدعو فتى ليس بالفتى ... ألا إن ربعى بن كأس هو الفتى\rطويل قعود القوم فى قعر بيته ... إذا شبعوا من ثقل جفنته سقى\rوكتب الأحنف بفتح خراسان إلى عمر، ﵀، فقال: لوددت أنى لم أكن بعثت إليها جندا، ولوددت أنه كان بيننا وبينها بحر من نار، فقال على، رضى الله عنه: ولم يا أمير المؤمنين؟ قال: لأن أهلها سينقضون ثلاث مرات، فيجتاحون فى الثالثة، فكان أن يكون ذلك بأهلها أحب إلىّ من أن يكون بالمسلمين.\rوكتب عمر إلى الأحنف: أما بعد، فلا تجوزن النهر واقتصر على ما دونه، وقد عرفتم بأى شىء دخلتم خراسان، فدوموا على الذى دخلتم به يدم لكم النصر، وإياكم وإياكم أن تغيروا فتنقضوا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084653,"book_id":3509,"shamela_page_id":1216,"part":"2","page_num":587,"sequence_num":1216,"body":"ولما بلغ رسول يزدجرد إلى خاقان لم يستتب له إنجاده حتى عبر إليه النهر مهزوما، وقد استتب له ذلك، والملوك ترى على أنفسها إنجاد الملوك، فأقبل فى الترك، وحشر أهل فرغانة والصغد، ثم خرج بهم، وخرج يزدجرد راجعا إلى خراسان حتى عبر النهر إلى بلخ، وعبر معه خاقان، فأرز أهل فارس إلى الأحنف بمرو الروذ، وجاء المشركون حتى نزلوا بها عليه، وكان حين بلغه عبورهم قاصدين له، خرج ليلا فى عسكره يتسمع فى ليلة مظلمة هل يسمع برأى ينتفع به؟ فمر برجلين ينقبان علفا، إما تبنا وإما شعيرا، وأحدهما يقول لصاحبه: لو أن الأمير أسندنا إلى هذا الجبل فكان النهر بيننا وبين عدونا خندقا، والجبل فى ظهورنا لئلا يأتونا من خلفنا، وكان قتالنا من وجه واحد رجوت أن ينصرنا الله ﷿. فرجع الأحنف واجتزأ بها.\rفلما أصبح جمع الناس وقال: إنكم قليل وإن عدوكم كثير، فلا يهولنكم، فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والله مع الصابرين، ارتحلوا من مكانكم هذا فأسندوا إلى هذا الجبل، فاجعلوه فى ظهوركم، واجعلوا النهر بينكم وبين عدوكم، وقاتلوهم من وجه واحد، ففعلوا، وقد أعدوا ما يصلحهم، والأحنف فى عشرة آلاف من أهل البصرة، وأهل الكوفة نحو منهم، وأقبلت الترك ومن اجتلبت حتى نزلوا بهم، فكانوا يغادونهم ويراوحونهم، ويتنحون عنهم بالليل ما شاء الله.\rوطلب الأحنف علم مكانهم بالليل حتى علم علمهم، ثم خرج ليلة طليعة لأصحابه حتى كان قريبا من عسكر خاقان فوقف، فلما كان فى وجه الصبح خرج فارس الترك بطوقه وضرب طبله، ثم وقف من العسكر موقفا مثله، فحمل عليه الأحنف، فاختلفا طعنتين، فطعنه الأحنف فقتله، وهو يرتجز:\rإن على كل رئيس حقا ... أن يخضب الصعدة أو تندقا\rإن لها شيخا بها ملقا ... سيف أبى حفص الذى تبقى\rثم وقف موقف التركى وأخذ طوقه، ثم خرج آخر من الترك، ففعل فعل صاحبه، ثم وقف دونه، فحمل عليه الأحنف، فاختلفا طعنتين فطعنه الأحنف فقتله وهو يرتجز:\rإن الرئيس يرتبى ويطلع ... ويمنع الخلاء إذا ما أرتعوا\rثم وقف موقف التركى الثانى، وأخذ طوقه، ثم خرج ثالث من الترك، ففعل فعل صاحبه، ووقف دون الثانى منهما، فحمل عليه الأحنف فاختلفا طعنتين، فطعنه الأحنف فقتله وهو يرتجز:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084654,"book_id":3509,"shamela_page_id":1217,"part":"2","page_num":588,"sequence_num":1217,"body":"جرى الشموس ناجزا بناجز ... محتفلا فى جريه مشارز\rثم انصرف الأحنف إلى عسكره، ولا يعلم بذلك أحد منهم حتى دخله واستعد.\rوكان من شيمة الترك أنهم لا يخرجون حتى يخرج ثلاثة من فرسانهم كهؤلاء، كلهم يضرب بطلبه ثم يخرجوا بعد خروج الثالث، فخرجت الترك ليلتئذ بعد الثالث، فأتوا على فرسانهم مقتلين، فتشاءم خاقان وتطير، وقال: قد طال مقامنا، وقد أصيب هؤلاء بمكان لم يصب بمثله قط أحد منا، فما لنا فى قتال هؤلاء القوم من خير، فانصرفوا بنا، فكان وجههم راجعين، وارتفع النهار للمسلمين ولا يرون شيئا، فأتاهم الخبر بانصراف خاقان إلى بلخ، فقال المسلمون للأحنف: ما ترى فى اتباعهم؟ فقال: أقيموا بمكانكم ودعوهم.\rوكان يزدجرد لما نزل بمرو الروذ خرج إلى مرو الشاهجان فتحصن منه حارثة بن النعمان ومن معه، فحاصرهم واستخرج خزائنه من مواضعها، وخاقان ببلخ مقيم له، فلما جمع يزدجرد ما كان فى يديه مما وضع بمرو، فأعجل عنه وأراد أن يستقل منها، إذا أمر عظيم من خزائن أهل فارس، فقال له أهل فارس: أى شىء تريد أن تصنع؟ فقال:\rأريد اللحاق بخاقان، فأكون معه أو بالصين، فقالوا له: مهلا، فإن هذا رأى سوء، إنك إنما تأتى قوما فى مملكتهم وتدع أرضك وقومك، ولكن ارجع إلى هؤلاء القوم، يعنون المسلمين، فنصالحهم، فإنهم أوفياء وأهل دين، وهم يلون بلادنا، وإن عدوا يلينا فى بلادنا أحب إلينا ملكه من عدو يلينا فى بلاده لا دين لهم ولا ندرى ما وفاؤهم، فأبى عليهم وأبوا عليه، فقالوا: فدع خزائننا نردها إلى بلادنا ومن يليها، ولا تخرجها من بلادنا إلى غيرها، فأبى، فقالوا: إنا لا ندعك.\rفاعتزلوه وتركوه فى حاشيته، فاقتتلوا، فهزموه وأخذوا الخزائن واستولوا عليها، وكتبوا إلى الأحنف بالخبر، فاعترضهم المسلمون والمشركون يثفنونه، فقاتلوه، وأصابوا فى آخر القوم، وأعجلوه عن الأثقال، ومضى مزايلا حتى يقطع النهر إلى فرغانة والترك، فلم يزل مقيما بقية زمان عمر، رضى الله عنه، يكاتبهم ويكاتبونه، أو من شاء الله منهم، إلى أن كان زمن عثمان، رضى الله عنه، فكفر أهل خراسان، فأقبل حتى نزل مرو، فكان من أمره إلى حين مقتله ما نذكره بعد فى موضعه إن شاء الله.\rوأقبل أهل فارس على الأحنف فصالحوه، ودفعوا إليه تلك الخزائن والأموال، وتراجعوا إلى بلدانهم وأموالهم على أفضل ما كانوا فى زمان الأكاسرة، فكانوا كأنهم فى ملكهم، إلا أن المسلمين أوفى لهم وأعدل عليهم، فاغتبطوا، وأصاب الفارس يوم يزدجرد كسهم الفارس يوم القادسية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084655,"book_id":3509,"shamela_page_id":1218,"part":"2","page_num":589,"sequence_num":1218,"body":"ولما سمع خاقان وهو والترك ببلخ ما لقى يزدجرد، وأن الأحنف خرج مع المسلمين من مرو الروذ نحوه، ترك بلخ وعبر النهر، وأقبل الأحنف حتى نزل بلخ، ونزل أهل الكوفة فى كورها الأربع، ثم رجع إلى مرو الروذ فنزل بها، وكتب بالفتح الذى صنع الله فى خاقان ويزدجرد إلى عمر، ﵀، وبعث إليه بالأخماس، ووفد الوفود.\rولما عبر خاقان النهر، وعبرت معه حاشية آل كسرى، أو من أخذ نحو بلخ منهم مع يزدجرد، لقوا رسول يزدجرد الذى كان بعثه إلى ملك الصين، وأهدى إليه معه، ومعه جواب كتاب يزدجرد من ملك الصين، فسألوه عما وراءه، فقال: لما قدمت عليه بالكتاب والهدايا كافأنا بما ترون، وأراهم هديته، وأجاب يزدجرد بهذا الكتاب بعد أن كان قال لى: قد عرفت أن حقا على الملوك إنجاد الملوك على من غلبهم، فصف لى صفة هؤلاء القوم الذين أخرجوكم من بلادكم، فإنى أراك تذكر منهم قلة وكثرة منكم، ولا يبلغ أمثال هؤلاء القليل الذى تصف منكم فيما أسمع من كثرتكم إلا لخير عندهم وشر فيكم، فقلت: اسألنى عما أحببت، فقال: أيوفون بالعهد؟ قلت: نعم، قال: وما يقولون لكم قبل أن يقاتلوكم؟ قلت: يدعوننا إلى واحدة من ثلاث: إما دينهم فإن أجبناهم أجرونا مجراهم، أو الجزية والمنعة، أو المنابذة.\rقال: فكيف طاعتهم أمراءهم؟ قلت: أطوع قوم لمرشدهم، قال: فما يحلون وما يحرمون؟ فأخبرته، فقال: أيحرمون ما حلل لهم، أو يحلون ما حرم عليهم؟ قلت: لا، قال:\rفإن هؤلاء القوم لا يهلكون أبدا حتى يحلوا حرامهم ويحرموا حلالهم، ثم قال: أخبرنى عن لباسهم، فأخبرته، وعن مطاياهم، فقلت: الخيل العراب، ووصفتها، فقال: نعمت الحصون هذه، ووصفت له الإبل، بركها وانبعاثها بحملها، فقال: هذه صفة دواب طوال الأعناق.\rوكتب معه إلى يزدجرد: إنه لم يمنعنى أن أبعث إليك بجيش أوله بمرو وآخره بالصين الجهالة بما يحق علىّ، ولكن هؤلاء القوم الذين وصف لى رسولك لو يحاولون الجبال لهدوها، ولو خلى سربهم أزالونى ما داموا على ما وصف، فسالمهم وأرض منهم بالسلامة، ولا تهيجهم ما لم يهيجوك.\rفأقام يزدجرد وآل كسرى بفرغانة على عهد من خاقان، ولما وقع الرسول بالفتح والوفد بالخبر ومعهم الغنائم لعمر بن الخطاب، رضى الله عنه، من قبل الأحنف، جمع الناس وخطبهم، وأمر بكتاب الفتح فقرئ عليهم، وقال فى خطبته: إن الله تبارك وتعالى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084656,"book_id":3509,"shamela_page_id":1219,"part":"2","page_num":590,"sequence_num":1219,"body":"ذكر رسوله وما بعثه به من الهدى، ووعد على اتباعه من عاجل الثواب وآجله خير الدنيا والآخرة، فقال ﷿: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [التوبة: ٣٣] ، فالحمد لله الذى أنجز وعده، ونصر جنده، ألا وإن الله قد أورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأبناءهم، لينظر كيف تعملون، ألا وإن المصرين اليوم من مسالحها كأنتم والمصرين فيما مضى من البعد وقد وغلوا فى البلاد، والله بالغ أمره، ومنجز وعده، ومتبع آخر ذلك وأوله، فقوموا فى أمره على رجل يوف لكم بعهده ويؤتكم وعده، ولا تغيروا فيستبدل الله بكم قوما غيركم، فإنى لا أخاف على هذه الأمة أن يؤتوا إلا من قبلكم.\rوسيأتى بعد إن شاء الله ما كان من انتقاض خراسان وغيرها فى خلافة عثمان، رضى الله عنه.\rونذكر الآن بقية فتوح أهل البصرة الذين عقد لهم عمر، رضى الله عنه، عند الإذن لهم فى الانسياح على ما تقدم.\rفتح توج\rقالوا «١» : وخرج أهل البصرة الذين وجهوا أمراء على فارس، ومعهم سارية بن زنيم ومن بعث معهم إلى ما وراء ذلك، وأهل فارس مجتمعون بتوج، فلم يصمدوا بجمعهم، ولكن قصد كل أمير منهم قصد إمارته وكورته التى أمر بها، وبلغ ذلك أهل فارس، فتفرقوا إلى بلدانهم ليمنعوها كما تفرق المسلمون فى القصد إليها، فكانت تلك هزيمة أهل فارس، تشتت أمورهم وتفرقت جموعهم، فتطيروا من ذلك كأنما ينظرون إلى ما صاروا إليه، فقصد مجاشع بن مسعود فيمن معه من المسلمين لسابور وأردشير خره، فالتقوا بتوج مع أهل فارس، فاقتتلوا ما شاء الله ﷿، ثم إن الله ﷿ سلط المسلمين على أهل توج فهزموهم وقتلوهم كل قتلة، وبلغوا منهم ما شاؤا، وغنمهم ما فى عسكرهم فحووه.\rوهذه توج الآخرة، لم يكن لها بعدها شوكة، والأولى التى تنقذ فيها جنود العلاء بن الحضرمى أيام طاووس، والوقعتان متساجلتان.\rثم دعوا بعد هزيمتهم هذه الآخرة إلى الجزية والذمة، فتراجعوا وأقروا وخمس مجاشع","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٤/ ١٧٤، ١٧٥) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084657,"book_id":3509,"shamela_page_id":1220,"part":"2","page_num":591,"sequence_num":1220,"body":"الغنائم، وبعث بخمسها، ووفد وفدا، وقد كانت البشرى والوفود يجازون وتقضى لهم حوائجهم، لسنة جرت بذلك من رسول الله ﷺ.\rوحدث عاصم بن كليب، عن أبيه قال: خرجنا مع مجاشع غازين توج، فحاصرناها وقاتلناهم ما شاء الله، فلما افتتحناها حوينا نهبا كثيرا، وقتلنا قتلى عظيمة، فكان علىّ قميص قد تخرق، فأخذت إبرة وسلكا، فجعلت أخيط قميصى بها، ثم إنى نظرت إلى رجل من القتلى عليه قميص فنزعته، فأتيت به الماء، فجعلت أضربه بين حجرين حتى ذهب ما فيه، فلبسته، فلما جمعت الرثة، قام مجاشع خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس لا تغلوا، فإنه من غل جاء بما غل يوم القيامة، ردوا ولو المخيط، فلما سمعت ذلك نزعت القميص فألقيته فى الأخماس.\rوفى ذلك يقول مجاشع «١» :\rونحن ولينا مرة بعد مرة ... بتوج أبناء الملوك الأكابر\rلقينا جنود الماهيان بسحرة ... على ساعة تلوى بأيدى الخطائر\rفما فتئت خيلى تكر عليهم ... ويلحق منها لاحق غير جائر\rلدن غدوة حتى أتى الليل دونهم ... وقد عولجوا بالمرهفات البواتر\rوكان كذاك الدأب فى كل كورة ... أجابت لإحدى المنكرات الكبائر\rحديث اصطخر\rقالوا «٢» : وقصد عثمان بن أبى العاص لاصطخر، فالتقى هو وأهلها بجور فاقتتلوا ما شاء الله، ثم فتح الله على المسلمين جور واصطخر، فقتلوا ما شاء الله، وتفرق من تفرق، ثم إن عثمان دعا الناس إلى الجزاء والذمة، فراسلوه وراسلهم، فأجابه الهربذ وكل من هرب أو تنحى، فتراجعوا وباحوا بالجزاء، وجمع عثمان حين هزمهم ما أفاء الله عليهم فخمسه وبعث بالخمس إلى عمر، ﵀، وقسم الباقى فى الناس، وعف الجند عن النهاب، وأدوا الأمانة، واستدقوا الدنيا، فجمعهم عثمان ثم قام فيهم، وقال: إن هذا الأمر لا يزال مقبلا وأهله معافون مما يكرهون ما لم يغلوا، فإذا غلوا رأوا ما ينكرون ولم يسد الكثير مسد القليل اليوم.","footnotes":"(١) انظر الأبيات فى: الروض المعطار (ص ١٤٣) .\r(٢) انظر الخبر فى: الطبرى (٤/ ١٧٥- ١٧٧) ، الكامل فى التاريخ لابن الأثير (٣/ ٢٠، ٢١) ، تاريخ ابن خلدون (٢/ ١٢٢، ١٢٣) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084658,"book_id":3509,"shamela_page_id":1221,"part":"2","page_num":592,"sequence_num":1221,"body":"وعن الحسن قال: قال عثمان بن أبى العاص يوم اصطخر: إن الله ﷿ إذا أراد بقوم خيرا كفهم ووفر أمانتهم، فاحفظوها، فإن أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، فإذا فقدتموها جدد لكم فى كل يوم فقدان شىء من أموركم.\rثم إن شهرك خلع فى آخر إمارة عمر أو أول إمارة عثمان، رحمهما الله، ونشط فارس ودعاهم إلى النقض، فوجه إليه عثمان بن أبى العاص ثانية، وبعث معه جنودا أمد بهم عليهم عبيد الله بن معمر، وشبل بن معبد، فالتقوا بفارس، فقال شهرك لابنه وهو فى المعركة، وبينهم وبين قرية لهم تدعى ريشهر ثلاثة فراسخ، وكان بينهم وبين قرارهم اثنا عشر فرسخا: يا بنى، أين ترى أن يكون غداؤنا هنا أو بريشهر؟ فقال: يا أبت، إن تركونا فلا يكون غداؤنا هنا ولا بريشهر، ولا يكون إلا فى المنزل، ولكن والله ما أراهم يتركوننا. فما فرغا من كلامهما حتى أنشب المسلمون القتال، فاقتتلوا قتالا شديدا فقتل فيه شهرك وابنه وقتل من المشركين مقتلة عظيمة، وولى قتل شهرك الحكم بن أبى العاص أخو عثمان بن أبى العاص.\rوذكر الطبرى عن أبى معشر: أن اصطخر الآخرة كانت سنة ثمان وعشرين، وذلك فى وسط إمارة عثمان بن عفان، رضى الله عنه.\rوذكر أيضا بسنده إلى عبيد الله بن سليمان قال: كان عثمان بن أبى العاص أرسل إلى البحرين، فأرسل أخاه الحكم فى ألفين إلى توج، وكان كسرى قد فر عن المدائن، ولحق بجور من أرض فارس.\rقال الحكم: فقصد إلى شهرك، وكان كسرى أرسله، فهبطوا من عقبة، عليهم الحديد، فخشيت أن تغشى أبصار الناس، فأمرت مناديا فنادى: أن من كانت له عمامة فليلقها على عينه، ومن لم يكن له عمامة فليغمض بصره، وناديت: أن حطوا عن دوابكم. فلما رأى شهرك ذلك حط أيضا، ثم ناديت: أن اركبوا، وصففنا لهم، وركبوا، فجعلت الجارود العبدى على الميمنة، وأبا صفرة، يعنى أبا المهلب، على الميسرة، فحملوا على المسلمين فهزموهم حتى ما أسمع لهم صوتا، فقال لى الجارود: أيها الأمير، الجند! فقلت: إنك سترى أمرك، فما لبثنا أن رجعت خيلهم، ليس عليهم فرسانهم، والمسلمون يتبعونهم يقتلونهم، فنثرت الرؤس بين يدى، وأتيت برأس ضخم، وكان معى بعض ملوكهم فارق كسرى ولحق بى، فقال: هذا رأس الأزدهاق، يعنون شهرك، فحوصروا فى مدينة سابور، فصالحهم الحكم، وكان ملكهم آذربيجان، فاستعان به الحكم على قتال أهل اصطخر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084659,"book_id":3509,"shamela_page_id":1222,"part":"2","page_num":593,"sequence_num":1222,"body":"وقال يزيد بن الحكم بن أبى العاص يذكر اصطخر الآخرة:\rأنا ابن عظيم القريتين كليهما ... نمتنى إلى العليا الفروع الفوارع\rلنا مجد بطحاوى ثقيف وغالب ... إذا عد بطحاواهما والد سائع\rلنا الحسب العود الذى لا تناله ... عيون العدى والحاسدات الدواسع\rأبى سلب الجبار بيضة ملكه ... فخر وأطراف الرماح شوارع\rبمعترك ضنك به قصد القنى ... وهام وأيد تختليها القواطع\rبأيدى سراة كلهم باع نفسه ... فأوفوا بما باعوا وأوفى المبايع\rهم المؤمنون الواردو الموت فى الوغى ... كما ترد الماء العطاش النوائع\rنجاهد فى نصر لخير شريعة ... إذا ذكرت يوم الحساب الشرائع\rسمونا لزحف المشركين بوقعة ... بها رد مال الجزية المتتابع\rتركنا من القتلى نثارا تعودها ... نسور تراماها الضباع الجوامع\rجثى من عظام المشركين كأنها ... تلوح من الرأى البعيد صوامع\rتركنا سباع الأرض والطير منهم ... شباعا وما فيها إلى الحول جائع\rحديث فسا ودارابجرد «١»\rقالوا «٢» : وقصد سارية بن زنيم لفسا ودارابجرد حتى أفضى إلى عسكرهم، فنزل عليهم وحاصرهم ما شاء الله، ثم إنهم استمدوا، فتجمعوا وتجمعت إليهم أكراد فارس، فدهم المسلمين أمر عظيم وجمع كثير، فرأى عمر، رضى الله عنه، فى تلك الليلة معركتهم وعددهم فى ساعة من النهار، فنادى من الغد، الصلاة جامعة، حتى إذا كان فى الساعة التى رأى فيها ما رأى خرج إليهم، وكان أريهم والمسلمين بصحراء، وإن أقاموا فيها أحيط بهم وإن أرزوا إلى جبل من خلفهم لم يؤتوا إلا من وجه واحد، ثم قام فقال: أيها الناس، إنى رأيت هذين الجمعين، وأخبر بحالهما، ثم قال: يا سارية، الجبل الجبل، ثم أقبل عليهم، فقال: إن لله ﷿ جنودا، ولعل بعضها أن يبلغهم، ولما كان تلك الساعة من ذلك اليوم أجمع سارية والمسلمون على الإسناد إلى الجبل، ففعلوا وقاتلوا القوم من وجه واحد، فهزمهم الله لهم، وكتبوا بذلك إلى عمر، ﵀، وباستيلائهم على البلد ودعاء أهله وتسكينهم.","footnotes":"(١) انظر الخبر فى: الطبرى (٤/ ١٧٨، ١٧٩) ، البداية والنهاية لابن كثير (٧/ ١٣٠- ١٣٢) ، الكامل فى التاريخ لابن الأثير (٣/ ٢١، ٢٢) .\r(٢) انظر: الطبرى (٤/ ١٧٨، ١٧٩) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084660,"book_id":3509,"shamela_page_id":1223,"part":"2","page_num":594,"sequence_num":1223,"body":"وعن رجل من بنى مازن قال: كان عمر، ﵀، قد بعث سارية بن زنيم الدؤلى إلى فسا ودارابجرد فحاصرهم، ثم إنهم تداعوا فأصحروا له، وكثروه وأتوه من كل جانب، فقال عمر، رضى الله عنه، وهو يخطب فى يوم جمعة: يا سارية بن زنيم، الجبل الجبل.\rوفى غير هذا الحديث: ثم عاد عمر فى خطبته فعجب الناس لندائه سارية على بعده، فقضى الله سبحانه أن كان سارية وأصحابه فى ذلك الوقت موافقين للمشركين، وقد ضايقهم المشركون من كل جانب، وإلى جانب المسلمين جبل، إن لجأوا إليه لم يؤتوا إلا من وجه واحد، فسمعوا صوتا يقول: يا سارية بن زنيم، الجبل الجبل، كما قال عمر، رضى الله عنه، وفى ذلك الوقت بعينه، فلجأوا إلى الجبل، فنجوا وهزموا عدوهم وأصابوا مغانم كثيرة.\rقال المازنى فى حديثه: إن سارية أصاب فى المغانم سفطا فيه جوهر، فاستوهبه المسلمون لعمر، فوهبوه له، فبعث به وبالفتح رجلا، وقال له: استقرض ما تبلغ به وما تخلفه فى أهلك على جائزتك، وكان الرسل والوفد يجازون، فقدم الرجل البصرة ففعل، ثم خرج فقدم على عمر، ﵀، فوجده يطعم الناس، ومعه عصاه التى يزجر بها بعيره، فقصده، فأقبل عليه بها، فقال: اجلس، فجلس حتى إذا أكل انصرف عمر، وقام الرجل فاتبعه، فظن عمر أنه رجل لم يشبع، فقال حين انتهى إلى باب داره: ادخل، فلما جلس فى البيت أتى بغذائه، خبز وزيت وملح وجريش، فوضع له، ثم قال للرجل: ادن فكل، فأكلا.\rحتى إذا فرغ قال له الرجل: رسول سارية بن زنيم يا أمير المؤمنين، فقال: مرحبا وأهلا، ثم أدناه حتى مست ركبته ركبته، ثم سأله عن المسلمين، ثم سأله عن سارية، فأخبره، ثم أخبره بقصة الدرج، فنظر إليه ثم صاح به وقال: لا ولا كرامة حتى تقدم على ذلك الجيش فتقسمه بينهم، وطرده، فقال: يا أمير المؤمنين، إنى قد أنضبت إبلى واستقرضت على جائزتى، فأعطنى ما أتبلغ به، فما زال عنه حتى أبدله بعيرا ببعيره من إبل الصدقة، وأخذ بعيره فأدخله فى إبل الصدقة، ورجع الرجل مغضوبا عليه محروما حتى قدم البصرة، فنفذ لما أمره به عمر، ﵀، وقد كان أهل المدينة سألوه عن سارية وعن الفتح، وهل سمعوا شيئا يوم الوقعة؟ فقال: نعم سمعنا: يا سارية، الجبل الجبل. وقد كدنا نهلك، فلجأنا إليه ففتح الله علينا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084661,"book_id":3509,"shamela_page_id":1224,"part":"2","page_num":595,"sequence_num":1224,"body":"حديث فتح كرمان\rقالوا «١» : وقصد سهيل بن عدى إلى كرمان، ولحقه عبد الله بن عبد الله بن عتبان، وعلى مقدمته سهيل بن عدى النسير بن عمرو العجلى، وقد حشد له أهل كرمان، واستعانوا بالقفس، فاقتتلوا فى أدنى أرضهم، ففضهم الله تعالى، فأخذوا عليهم بالطريق، وقتل النسير مرزبانها، ودخل سهيل من قبل طريق القرى إلى جيرفت، وعبد الله بن عبد الله من مفازة شير، فأصابوا ما شاؤا من بعير أو شاة، فقدموا الإبل والغنم فتحاصوها وأخروا البخت لعظم البخت على العرب، وكرهوا أن يزيدوا. وكتبوا إلى عمر، فأجابهم: إن البعير العربى إنما قوم ببعير اللحم، وذلك مثله، فإذا رأيتم أن للبخت فضلا فزيدوا.\rوذكر المدائنى أن الذى فتح كرمان عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعى فى خلافة عمر بن الخطاب، ثم أتى الطبسين من كرمان، ثم قدم على عمر، رضى الله عنه، فقال:\rيا أمير المؤمنين، إنى افتتحت الطبسين فاقطعنيهما، فأراد أن يفعل، فقيل لعمر: إنهما رستاقان عظيمان، فلم يقطعه إياهما، وهما بابا خراسان.\rفتح سجستان\rقالوا «٢» : وقصد عاصم بن عمرو لسجستان، ولحقه عبد الله بن عمير، فالتقوا هم وأهل سجستان فى أدنى أرضهم، فهزموهم ثم اتبعوهم، حتى حصروهم بزرنج ومخر المسلمون أرض سجستان ما شاء الله، ثم إنهم طلبوا الصلح على زرنج وما احتازوا من الأرضين، فأعطاهم ذلك المسلمون، وكان فيما اشترطوا من صلحهم أن فدافدها حمى، فكان المسلمون إذا خرجوا تناذروها خشية أن يصيبوا منها فيخفروا. فتم أهل سجستان على الخراج، فكانت سجستان أعظم من خراسان شأنا، وأبعد فروجا، يقاتلون القندهار والترك وأمما كثيرة، وكانت فيما بين السند إلى نهر بلخ.\rفلم تزل أعظم البلدين وأصعب الفرجين، وأكثرها عددا وجندا حتى كان زمن معاوية، فهرب الشاه من أخيه، رتبيل، إلى بلد فيها يدعى آمل، ودانوا لسلم بن زياد وهو يومئذ على سجستان، ففرح بذلك وعقد لهم، وأنزلهم تلك البلاد، وكتب إلى","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٤/ ١٨٠) .\r(٢) انظر الخبر فى: (٤/ ١٨٠، ١٨١) ، الروض المعطار (ص ٣٠٥) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084662,"book_id":3509,"shamela_page_id":1225,"part":"2","page_num":596,"sequence_num":1225,"body":"معاوية بذلك يرى أنه قد فتح عليه، فقال معاوية: إن ابن أخى ليفرح بأمر إنه ليحزننى وينبغى له أن يحزنه، قالوا: ولم يا أمير المؤمنين؟ قال: لأن آمل بلدة بينها وبين زرنج صعوبة وتضايق، وهؤلاء قوم غدر نكر، فيضطرب الجبل غدا، فأهون ما يجىء منهم أن يغلبوا على بلاد آمل بأسرها.\rوتم لهم على عهد ابن زياد، فلما وقعت الفتنة بعد معاوية كفر الشاه، وخلت آمل، وخافه أخوه فاعتصم منه بمكانه الذى هو به، ولم يرضه ذلك حين تشاغل الناس عنه حتى طمع فى زرنج فغزاها، فحصرهم حتى أتتهم الأمداد من البصرة.\rقالوا: وسار رتبيل والذين جاؤا معه فنزلوا تلك البلاد شجا لم ينتزع إلى اليوم، وقد كانت البلاد مذللة إلى أن مات معاوية، ﵀.\rفتح مكران\rقالوا «١» : وقصد الحكم بن عمرو التغلبى لمكران، حتى انتهى إليها، ولحق به شهاب بن مخارق بن شهاب، فانضم إليه، وأمده سهيل بن عدى، وعبد الله بن عتبان بأنفسهما، فانتهوا إلى دوين النهر، وقد انفض أهل كرمان إليه حتى نزلوا على شاطئه، فعسكروا، وعبر إليهم راسل ملكهم، ملك السند، فازدلف بهم يستقبل المسلمين، فالتقوا فاقتتلوا بمكان من مكران من النهر على أيام، فهزم الله راسلا وسلبه، وأباح المسلمين عسكره، وقتلوا فى المعركة من المشركين مقتلة عظيمة، واتبعوهم يقتلونهم أياما، حتى انتهوا إلى النهر.\rثم رجعوا فأقاموا بمكران، وكتب الحكم إلى عمر بالفتح، وبعث بالأخماس مع صحار العبدى، واستأمره فى الفيلة، فقدم صحار على عمر، ﵀، فسأله عن مكران، وكان لا يأتيه أحد إلا سأله عن الوجه الذى يجىء منه، فقال: يا أمير المؤمنين، أرض سهلها جبل، وماؤها وشل، وتمرها دقل، وعدوها بطل، وخيرها قليل، وشرها طويل، والكثير بها قليل، والقليل بها ضائع، وما وراءها شر منها، فقال عمر، ﵀:\rأسجاع أنت أم مخبر؟ فقال: بل مخبر، فقال: لا والله، لا يغزوها لى جيش ما أطعت، وكتب إلى الحكم وإلى سهيل: أن لا يجوزن مكران أحد من جنودكما، واقتصر على ما دون النهر، وأمره ببيع الفيلة بأرض الإسلام وقسم أثمانها على من أفاءها الله عليه.","footnotes":"(١) انظر الخبر فى: الطبرى (٤/ ١٨١، ١٨٢) ، الروض المعطار (ص ٥٤٣، ٥٤٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084663,"book_id":3509,"shamela_page_id":1226,"part":"2","page_num":597,"sequence_num":1226,"body":"حديث بيروذ\rقالوا «١» : ولما فصلت الجنود إلى الكور اجتمع ببيروذ جمع عظيم من الأكراد وغيرهم، وكان عمر، ﵀، قد عهد إلى أبى موسى حين سارت الجنود إلى الكور أن يسير حتى ينتهى إلى حد ذمة البصرة، كى لا يؤتى المسلمون من خلفهم، وخشى أن يستلحم بعض جنوده أو ينقطع منهم طرف أو يخلف فى أعقابهم، فكان الذى حذر من اجتماع أهل بيروذ وقد أبطأ أبو موسى حتى تجمعوا، فخرج أبو موسى حتى ينزل ببيروذ على الجمع الذى تجمع بها، وذلك فى رمضان، فنزل على جمع لهم منعة، فالتقوا بين نهرى تيرى ومناذر، وقد توافى إليها أهل النجدات من أهل فارس والأكراد ليكيدوا المسلمين، أو ليصيبوا منهم عورة، ولم يشكوا فى واحدة من اثنتين.\rفقام المهاجر بن زياد وقد تحنط واستقل فقال لأبى موسى: أقسم على كل صائم إلا رجع فأفطر، فرجع أخوه فيمن رجع لإبرار القسم، وذلك الذى أراد المهاجر أن يرجع أخوه لئلا يمنعه من الاستقتال، وتقدم فقاتل حتى قتل، ﵀، وفرق الله ﷿ المشركين حتى تحصنوا فى قلة وذلة، وأقبل الربيع بن زياد، أخو المهاجر، فاشتد حزنه عليه، ورق له أبو موسى للذى رآه دخله من مصاب أخيه، فخلفه عليهم، وخرج أبو موسى حتى بلغ أصبهان، فلقى بها جنود أهل الكوفة محاصرين جىّ، ثم انصرف إلى البصرة وقد فتح الله على الربيع بن زياد أهل بيروذ من نهرتيرى، فهزمهم وجمع السبى والأموال، فتنقى أبو موسى ستين غلاما من أبناء الدهاقين وعزلهم، وبعث بالفتح إلى عمر، ﵀، ووفد وفدا، فجاءه رجل من عنزة يقال له: ضبة بن محصن، فقال:\rاكتبنى فى الوفد، فقال: قد كتبنا من هو أحق منك، فانطلق مغاضبا مراغما، وكتب أبو موسى إلى عمر بقصة الرجل.\rفلما قدم الكتاب بالفتح والوفد على عمر قدم العنزى فأتى عمر فسلم عليه، فقال:\rمن أنت؟ فأخبره، فقال: لا مرحبا ولا أهلا، فقال: أما المرحب فمن الله، وأما الأهل فلا أهل، فاختلف إليه ثلاثا، يقول هذا ويرد عليه هذا، حتى إذا كان اليوم الرابع فدخل عليه، فقال له: ما نقمت على أميرك؟ فقال: تنقى ستين غلاما من أبناء الدهاقين لنفسه، وله جارية تدعى عقيلة، تغذى جفنة وتعشى جفنة، وليس منا رجل يقدر على ذلك، وله قفيزان، وله خانان، وفوض إلى زياد، وكان زياد هو ابن أبى سفيان، يلى أمور البصرة، وأجاز الحطيئة بألف.","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٤/ ١٨٣- ١٨٥) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084664,"book_id":3509,"shamela_page_id":1227,"part":"2","page_num":598,"sequence_num":1227,"body":"فكتب عمر، ﵀، كل ما قال، وبعث إلى أبى موسى، فلما قدم حجبه أياما، ثم دعا به، ودعا ضبة بن محصن، ودفع إليه الكتاب، فقال: اقرأ ما كتبت، فقرأ: أخذ ستين غلاما لنفسه، فقال أبو موسى: دللت عليهم، وكان لهم فداء ففديتهم، فأخذته فقسمته بين المسلمين، فقال ضبة: والله ما كذب ولا كذبت، وقرأ: له قفيزان، فقال أبو موسى:\rقفيز لأهلى أقوتهم به، وقفيز فى أيديهم للمسلمين، يأخذون به أرزاقهم، فقال ضبة:\rوالله ما كذب ولا كذبت، فلما ذكر عقيلة سكت أبو موسى ولم يعتذر، وعلم أن ضبة قد صدقه.\rقال: وزياد يلى أمور الناس ولا يعرف هذا ما يلى، قال أبو موسى: وجدت له نبلا ورأيا، فأسندت إليه عملى. قال: وأجاز الحطيئة بألف. قال: سددت فمه بمالى أن يشتمنى، فقال: قد فعلت ما فعلت، فرده عمر، ﵀، وقال: إذا قدمت فأرسل إلىّ زيادا وعقيلة، ففعل، فقدمت عقيلة قبل زياد، وقدم زياد فأقام بالباب، فخرج عمر وزياد بالباب قائم وعليه ثياب بيض كتان، فقال: ما هذه الثياب؟ فأخبره، فقال: كم أثمانها؟\rفأخبره بشىء يسير، وصدقه، فقال له: كم عطاؤك؟ قال: ألفان، قال: ما صنعت بأول عطاء خرج لك؟ فقال: اشتريت به والدتى فأعتقتها، واشتريت فى الثانى ربيبى عبيدا فأعتقته، فقال: وفقت، وسأله عن الفرائض والسنن والقرآن، فوجده فقيها، فرده، وأمر أمراء البصرة أن يستعينوا برأيه، وحبس عقيلة بالمدينة.\rوقال عمر، رضى الله عنه: ألا إن ضبة بن محصن غضب على أبى موسى فى الحق أن أصابه، وفارقه مراغما أن فاته أمر من أمور الدنيا، فصدق عليه وكذب، فأفسد كذبه صدقه، فإياكم والكذب، فإن الكذب يهدى إلى النار.\rوكان الحطيئة قد لقيه فى غزاة بيروذ، وكان أبو موسى ابتدأها فحاصرهم حتى فلهم ثم جازاهم ووكل بهم الربيع، ثم رجع إليهم بعد الفتح فولى القسم.\rومن مدح الحطيئة فى أبى موسى:\rوغارة كشعاع الشمس مشعلة ... تهوى بكل صبيح الوجه بسام\rقب البطون من التعداء قد علمت ... أن كل عام عليها عام الجام\rمستحقبات رواياها جحافلها ... يسمو بها أشعرى طرفه سامى\rلا يزجر الطير إن مرت به سنحا ... ولا ياض له قسم بأزلام\rجمعت من عامر فيها ومن أسد ... ومن تميم وذبيان ومن حام","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084665,"book_id":3509,"shamela_page_id":1228,"part":"2","page_num":599,"sequence_num":1228,"body":"وما رضيت لهم حتى رفدتهم ... من وائل رهط بسطام بإصرام\rفى متلف طائعا لله محتسبا ... يرجو ثواب كريم العفو رحام\rغزوة سلمة بن قيس الأشجعى الأكراد\rذكر الطبرى «١» من طريقين، كلاهما ينمى إلى سليمان بن بريدة، واللفظ فى الحديثين متقارب، وربما كان فى أحدهما زيادة على الآخر، وأحدهما عن سيف بن عمر، وفيه: أن سليمان بن بريدة قال: لقيت رسول سلمة بن قيس الأشجعى، فقال:\rكان عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، إذا اجتمع له جيش من العرب، بعث عليهم رجلا من أهل العلم والفقه، فاجتمع إليه جيش، فبعث سلمة بن قيس، فقال: سر باسم الله، قاتل فى سبيل الله من كفر بالله، فإذا لقيتم عدوكم من المشركين فادعوهم إلى ثلاث خصال: ادعوهم إلى الإسلام، فإن أسلموا واختاروا دارهم فعليهم فى أموالهم الزكاة، وليس لهم فى فىء المسلمين نصيب، وإن اختاروا أن يكونوا معكم فلهم مثل الذى لكم وعليهم مثل الذى عليكم، وإن أبوا فسلوهم الخراج، فإن أعطوكموه فقاتلوا عدوكم من ورائهم، وفرغوهم لخراجهم، ولا تكلفوهم فوق طاقتهم، فإن أبوا فقاتلوهم، فإن الله ناصركم عليهم، وإن تحصنوا منكم فى حصن فسألوكم أن ينزلوا على حكم الله ورسوله فلا تعطوهم على حكم الله ورسوله، فإنكم لا تدرون ما حكم الله ورسوله فيهم، وإن سألوكم أن ينزلوا على ذمة الله ورسوله فلا تعطوهم ذمة الله وذمة رسوله، وأعطوهم ذمم أنفسكم، فإن قاتلوكم فلا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا.\rقال: فلقينا عدونا من المشركين من الأكراد، فدعوناهم إلى ما أمر به أمير المؤمنين من الإسلام، فأبوا، فدعوناهم إلى الخراج فأبوا، فقاتلناهم، فنصرنا عليهم، فقتلنا المقاتلة وسبينا الذرية وجمعنا الرثة، فوجد فيها سلمة حقى جوهر، فجعلهما فى سقط، ثم قال:\rإن هذا لا يبلغ فيكم شيئا، فإن طابت أنفسكم به لأمير المؤمنين بعثت به إليه، فإن له بردا ومؤونة، فقالوا: نعم، قد طابت أنفسنا، فبعثنى سلمة، يعنى بالخبر والسفط، إلى أمير المؤمنين.\rقال: فدفعت إليه ضحى والناس يتغدون وهو متكئ على عصا كهيئة الراعى فى غنمه يطوف فى تلك القصاع يقول: يا يرفاء، زد هؤلاء لحما، زد هؤلاء خبزا، زد هؤلاء","footnotes":"(١) انظر الخبر فى: الطبرى (٤/ ١٨٦- ١٩٠) ، البداية والنهاية لابن كثير (٧/ ١٣٢، ١٣٣) ، الكامل فى التاريخ لابن الأثير (٣/ ٢٥) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084666,"book_id":3509,"shamela_page_id":1229,"part":"2","page_num":600,"sequence_num":1229,"body":"مرقة، فلما دفعت إليه قال: اجلس، فجلست فى أدانى الناس، فإذا طعام فيه خشونة وغلظ، طعامى الذى معى أطيب منه، فلما فرغ الناس قال: يا يرفاء، ارتفع قصاعك، ثم أدبر واتبعته، فدخل داره ثم دخل حجرته، فاستأذنت وسلمت، فأذن لى، فإذا هو جالس على مسح متكئ على وسادتين من أدم محشوتين ليفا، فنبذ إلىّ إحداهما، فجلست عليها، فقال: يا أم كلثوم، غداءنا، فجاؤا إليه بقصعة فيها خبز وزيت فى عرضها ملح لم يدق، فقال لى: كل، فأكلت قليلا، وأكل حتى فرغ، ما رأيت رجلا أحسن أكلا منه، ما يتليس طعامه بيده ولا فمه، ثم قال: اسقونا، فجاؤا بغس، فقال: اشرب، فشربت قليلا، شرابى الذى معى أطيب منه، فأخذه فشربه حتى قرع القدح جبهته، وقال: إنك لضعيف الأكل والشرب، ثم قال: الحمد لله الذى أطعمنا فأشبعنا، وسقانا فأروانا.\rقال: قلت: قد أكل أمير المؤمنين فشبع، وشرب فروى، حاجتى يا أمير المؤمنين، قال:\rوما حاجتك؟ قلت: أنا رسول سلمة بن قيس، فقال: مرحبا بسلمة وبرسوله، وكأنما خرجت من صلبه، قال: حدثنى عن المهاجرين، كيف هم؟ قلت: كما تحب من السلامة والظفر على العدو، قال: كيف أسعارهم؟ قلت: أرخص أسعار، قال: كيف اللحم فيهم؟ فإنه شجرة العرب ولا تصلح العرب إلا بشجرتها، قلت: البقرة بكذا، والشاة بكذا، ثم قلت: يا أمير المؤمنين، سرنا حتى لقينا عدونا من المشركين، فدعوناهم إلى ما أمرتنا به من الإسلام فأبوا، فدعوناهم إلى الخراج فأبوا، فقاتلناهم فنصرنا الله عليهم، فقتلنا المقاتلة وسبينا الذرية، وجمعنا الرثة، وخرج له عن الحديث كله حتى انتهى إلى السقط وأخرجه إليه.\rقال: فلما نظر إلى تلك الفصوص من بين أحمر وأصفر وأخضر، وثب وجعل يديه فى خاصرتيه، وقال: لا أشبع الله إذا بطن عمر! وظن النساء أنى قد اغتلته، فكشفن الستر، فقال: يا يرفاء، جأ عنقه، فوجأ عنقى وأنا أصيح، فقال: النجاء، وأظنك ستبطئ، أما والذى لا إله غيره لئن تفرق الناس إلى مشاتيهم قبل أن يقسم هذا فيهم لأفعلن بك وبصاحبك فاقرة، قلت: يا أمير المؤمنين، ابدع بى فاحملنى، قال: يا برفاء، اعطه راحلتين من الصدقة، فإذا لقيت أفقر إليهما منك فادفعهما إليه، قلت: نعم، وارتحلت حتى أتيت سلمة، فقلت: ما بارك الله لى فيما اختصصتنى به، اقسم هذا فى الناس قبل أن أفضح والله وتفضح. قال: فقسمه فيهم قبل التفرق إلى مشاتيهم، والفص يباع بخمسة دراهم وستة دراهم، وهو خير من عشرين ألفا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084667,"book_id":3509,"shamela_page_id":1230,"part":"2","page_num":601,"sequence_num":1230,"body":"وقد تقدم قبل فى فتح فسا ودرابجرد خبر لرسول سارية بن زنيم شبيه بهذا الخبر، فالله تعالى أعلم.\rوذكر الطبرى غزوة سلمة بن قيس هذه فى سنة ثلاث وعشرين، وهى السنة التى قتل عمر، رضى الله عنه، فى آخرها، على ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rذكر الخبر عن إحرام عمر بن الخطاب، رضى الله عنه إلى حين مقتله\rلم يزل عمر، رضى الله عنه، قائما على أمر الله، مجتهدا فيه، مجاهدا لأعدائه متعرفا منه سبحانه، من المعونة والتأييد وجميل الكفاية والعناية والصنع ما وطأ له البلاد ودوخ الممالك، وألقى إليه مقاليد الأمم من الفرس والروم والترك والأكراد وغيرهم من الأمم والأجيال الذين تقدم ذكرهم، وأنجز الله فى مدة خلافته معظم ما وعد به رسوله ﷺ من الفتوح، وجمع إليه أكثر ما زواه له من الأرض، وتغلغلت جنوده فى الآفاق عند ما أذن لها فى الانسياح، حتى أمرهم آخر إمارته بالإقصار، والكف احتياطا على المسلمين ونظرا للإسلام، وأقبل عند ما أذن لهم فى ذلك على الدعاء، وتتبع آثار العمال بالعيون والنصحاء فى السر والعلانية، وتفقد الناس فى الشرق والغرب، إلى أن أتته منيته المحتومة، بالشهادة المقدرة له فى مصلاه، على ما يأتى الذكر له إن شاء الله تعالى.\rوقد ورد فى غير موضع من الآثار ذكر رسول الله ﷺ لاستشهاده مخبرا وداعيا، وهو الداعى المجاب، والصادق المصدوق، صلوات الله وبركاته عليه.\rوروى عن عوف بن مالك الأشجعى أنه رأى فى المنام على عهد أبى بكر، رحمه الله تعالى، كأن الناس جمعوا، فإذا فيهم رجل قد علاهم، فهو فوقهم بثلاثة أذرع، قال:\rفقلت: من هذا؟ قالوا: عمر، قلت: ولم؟ قالوا: لأن فيه ثلاث خصال: لا يخاف فى الله لومة لائم، وإنه خليفة مستخلف، وشهيد مستشهد، قال: فأتى أبا بكر فقصها عليه، فأرسل أبو بكر إلى عمر ليبشره، قال: فجاء، فقال لى أبو بكر: اقصص رؤياك، فلما بلغت: خليفة مستخلف، زبرنى عمر وانتهرنى، وقال: اسكت، تقول هذا وأبو بكر حى.\rقال: فلما كان بعد وولى عمر، مررت بالشام وهو على المنبر، فدعانى فقال: اقصص","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084668,"book_id":3509,"shamela_page_id":1231,"part":"2","page_num":602,"sequence_num":1231,"body":"رؤياك، فقصصتها، فلما قلت: إنه لا يخاف فى الله لومة لائم، قال: إنى لأرجو أن يجعلنى الله منهم، فلما قلت: خليفة مستخلف، قال: قد استخلفنى، فأسأله أن يعيننى على ما ولانى، فلما ذكرت: شهيد مستشهد، قال: أنّى لى الشهادة وأنا بين أظهركم تغزون ولا أغزو؟ ثم قال: بلى، يأتى الله بها أنّى شاء، يأتى الله بها أنّى شاء.\rوكان عمر، ﵀، ملازما للحج فى سنى خلافته كلها، وكان من سيرته أن يأخذ عماله بموافاته كل سنة فى موسم الحج ليحجزهم بذلك عن الرعية، ويحجر عليهم الظلم، ويتعرف أحوالهم فى قرب، وليكون للرعية وقت معلوم ينهون إليه شكاويهم فيه. فلما كانت السنة التى قتل منسلخها، رضى الله عنه، خرج إلى الحج على عادته، وأذن لأزواج النبى ﷺ فخرجن معه، فلما وقف عمر، ﵀، يرمى الجمرة أتاه حجر فوقع على صلعته فأدماه، وثم رجل من بنى لهب، قبيلة من الأزد، تعرف فيها العيافة والزجر، وإياها عنى القائل:\rتيممت لهبا أبتغى العلم عندهم ... وقد رد علم العالمين إلى لهب\rفقال اللهبى عند ما أدمى عمر، ﵀: أشعر أمير المؤمنين لا يحج بعدها.\rويروى عن عائشة، رضى الله عنها، وحجت مع عمر تلك الحجة: أنه لما ارتحل من الحصبة أقبل رجل متلثم، قالت: فقال وأنا أسمع: أين كان منزل أمير المؤمنين؟ فقال قائل: هذا كان منزله، فأناخ فى منزل عمر، ثم رفع عقيرته يتغنى:\rعليك السلام من أمير وباركت ... يد الله فى ذلك الأديم الممزق\rفمن يسع أو يركب جناحى نعامة ... ليدرك ما قدمت بالأمس يسبق\rقضيت أمورا ثم غادرت بعدها ... بوائق فى أكمامها لم تفتق\rقالت عائشة: فقلت لبعض أهلى: اعلموا لى من هذا الرجل، فذهبوا، فلم يجدوا فى مناخه أحدا، قالت عائشة: فو الله إنى لأحسبه من الجن، فلما قتل عمر نحل الناس هذه الأبيات للشماخ بن ضرار أو لأخيه مزرد.\rوقال سعيد بن المسيب: لما صدر عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، من منى أناخ بالأبطح، ثم كوم كومة بطحاء، ثم طرح عليها رداءه واستلقى، ثم مد يديه إلى السماء، فقال: اللهم كبرت سنى، وضعفت قوتى، وانتشرت رعيتى، فاقبضنى إليك غير مضيع ولا مفرط، ثم قدم المدينة، فخطب الناس فقال: أيها الناس، قد سنت لكم السنن، وفرضت لكم الفرائض، وتركتم على الواضحة، إلا أن تضلوا بالناس يمينا وشمالا، وضرب بإحدى يديه على الأخرى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084669,"book_id":3509,"shamela_page_id":1232,"part":"2","page_num":603,"sequence_num":1232,"body":"قال سعيد: فما انسلخ ذو الحجة حتى قتل، ﵀.\rوروى عن عمر، ﵀، أنه لما انصرف من حجته هذه التى لم يحج بعدها وانتهى إلى ضجنان، وقف فقال: الحمد لله ولا إله إلا الله، يعطى من يشاء ما يشاء، لقد كنت بهذا الوادى أرعى إبلا للخطاب، وكان فظا غليظا يتعبنى إذا عملت، ويضربنى إذا قصرت، وقد أصبحت وأمسيت وليس بينى وبين الله أحد أخشاه، ثم تمثل:\rلا شىء مما ترى تبقى بشاشته ... يبقى الإله ويودى المال والولد\rلم تغن عن هرمز يوما خزائنه ... والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا\rولا سليمان إذ تجرى الرياح له ... والإنس والجن فيما بينها برد\rأين الملوك التى كانت نوافلها ... من كل أوب إليها وافد يفد\rحوض هنالك مورود بلا كذب ... لا بد من ورده يوما كما وردوا\rثم إن عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، بعد أن قدم المدينة من حجه خرج يوما يطوف بالسوق، فلقيه أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة، وكان نصرانيا، فقال: يا أمير المؤمنين، أعدنى على المغيرة، فإن علىّ خراجا كثيرا، قال: وكم خراجك؟ قال: درهمان فى كل يوم، قال: وإيش صناعتك؟ قال: نجار، نقاش، حداد، قال: فما أرى خراجك كثيرا على ما تصنع من الأعمال، قال: وبلغنى أنك تقول: لو أردت أن أعمل رحا تطحن بالريح لفعلت، قال: نعم، قال: فاعمل لى رحا، قال: لئن سلمت لأعملن لك رحا يتحدث بها من بالمشرق والمغرب، ثم انصرف عنه، فقال عمر: لقد توعدنى العلج آنفا، ثم انصرف عمر إلى منزله.\rفلما كان من الغد جاءه كعب الأحبار، فقال: يا أمير المؤمنين، اعهد، فإنك ميت فى ثلاثة أيام، قال: وما يدريك؟ قال: أجده فى كتاب الله، التوراة، فقال عمر: آلله إنك لتجد عمر بن الخطاب فى التوراة؟ قال: اللهم لا، ولكن أجد صفتك وحليتك، بأنه قد فنى أجلك، وعمر لا يحس وجعا ولا ألما، فلما كان من الغد جاءه كعب فقال: يا أمير المؤمنين، ذهب يوم وبقى يومان، ثم جاء من بعد الغد فقال: ذهب يومان وبقى يوم وليلة، وهى لك إلى صبحها، فلما كان الصبح خرج عمر إلى الصلاة، وكان يوكل بالصفوف رجالا، فإذا استوت أخبروه فكبر، ودخل أبو لؤلؤة فى الناس فى يده خنجر له رأسان نصابه فى وسطه، فضرب به عمر ست ضربات، إحداهن تحت سرته، هى التى قتلته، فلما وجد عمر حر السلاح سقط، وقال: دونكم الكلب فإنه قتلنى، وماج الناس وأسرعوا إليه، فجرح منهم ثلاثة عشر رجلا، حتى جاء رجل منهم فاحتضنه من خلفه،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084670,"book_id":3509,"shamela_page_id":1233,"part":"2","page_num":604,"sequence_num":1233,"body":"وقيل: ألقى عليه برنسا، فقيل: إنه لما أخذ قتل نفسه. وقال عمر، رضى الله عنه، عندما سقط: أفى الناس عبد الرحمن بن عوف؟ قالوا: نعم يا أمير المؤمنين، هو ذا، قال: تقدم فصل بالناس. قال: فصلى عبد الرحمن بن عوف، وحمل عمر إلى منزله، فدعا عبد الرحمن بن عوف، فقال: إنى أريد أن أعهد إليك، قال: أنشدك الله يا أمير المؤمنين، أتشير علىّ بذلك؟ قال: اللهم لا، قال: والله لا أدخل فيه أبدا، قال: فهبنى صمتا حتى أعهد إلى النفر الذين توفى رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، ادع لى عليا وعثمان والزبير وسعدا، قال: وانتظروا أخاكم طلحة ثلاثا، فإن جاء وإلا فاقضوا أمركم، أنشدك الله يا على إن وليت من أمر الناس شيئا أن تحمل بنى هاشم على رقاب الناس، وأنشدك يا عثمان إن وليت من أمور الناس شيئا أن تحمل بنى أبى معيط على رقاب الناس، وأنشدك يا سعد إن وليت من أمور الناس شيئا أن تحمل أقاربك على رقاب الناس، قوموا فتشاوروا، ثم اقضوا أمركم، وليصل بالناس صهيب، وأمرهم أن يحضر معهم عبد الله بن عمر على أن لا يكون له فى الأمر شىء.\rثم دعا أبا طلحة الأنصارى، فقال: قم على بابهم لا تدع أحدا يدخل إليهم، وأوصى الخليفة من بعدى بالأنصار الذين تبوؤا الدار والإيمان، أن يحسن إلى محسنهم، وأن يتجاوز عن مسيئهم، وأوصى الخليفة من بعدى بالعرب، فإنها مادة الإسلام، أن تؤخذ صدقات أغنيائهم فتوضع فى فقرائهم، وأوصى الخليفة من بعدى بذمة رسول الله ﷺ أن يوفى لهم بعهدهم، اللهم هل بلغت، تركت الخليفة من بعدى على أنقى من الراحة، يا عبد الله بن عمر، اخرج فانظر من قتلنى، فقال: يا أمير المؤمنين، قتلك أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة، قال: الحمد لله الذى لم يجعل منيتى بيد رجل سجد لله سجدة واحدة، يحاجنى بلا إله إلا الله، يا عبد الله، إن اختلف القوم فكن مع الأكثر، وإن كانوا ثلاثة وثلاثة فاتبع الحرب الذى فيه عبد الرحمن بن عوف، يا عبد الله، ائذن للناس، فجعل يدخل عليه المهاجرون والأنصار فيسلمون عليه، ويقول لهم: أعن ملأ منكم كان هذا؟\rفيقولون: معاذ الله، ودخل فى الناس كعب، فلما نظر إليه عمر أنشأ يقول:\rوأوعدنى كعب ثلاثا أعدها ... ولا شك أن القول ما قاله كعب\rوما بى حذار الموت إنى لميت ... ولكن حذار الذنب يتبعه الذنب\rفقيل له: لو دعوت الطبيب، فدعى له طبيب من بنى الحارث بن كعب، فسقاه نبيذا فخرج مشكلا، فقال: اسقوه لبنا، فخرج اللبن أبيض، فقال له الطبيب: لا أرى أن تمسى، فما كنت فاعلا فافعل. وفى رواية أنه قيل له عند ذلك: يا أمير المؤمنين، اعهد،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084671,"book_id":3509,"shamela_page_id":1234,"part":"2","page_num":605,"sequence_num":1234,"body":"قال: قد فرغت، وقال لعبد الله ابنه: يا عبد الله، اذهب إلى عائشة، فاسألها أن تأذن لى أن أدفع مع النبى ﷺ وأبى بكر. وفى رواية أنه قال له: اذهب إلى عائشة فقل لها: إن عمر يستأذن أن يدفن مع صاحبيه، ولا تقل أمير المؤمنين، فإنى لست اليوم بأمير المؤمنين، فذهب إليها عبد الله فوجدها تبكى، فذكر لها ذلك، فقالت: نعم، قد كنت أردته لنفسى ولأوثرنه اليوم على نفسى، فرجع إليه عبد الله وهو متطلع إليه، فقال: ما قالت لك؟ قال: أذنت، قال: الحمد لله، ما كان علىّ أمر أهم من هذا، فإذا أنا مت فاغسلنى، ثم احملنى، وأعد عليها الاستئذان، فإذا أذنت وإلا فاصرفنى إلى مقابر المسلمين.\rفلما توفى، ﵀ ورضى عنه، خرجوا به، فصلى عليه صهيب، ودفن فى بيت عائشة، رضى الله عنه وعنها.\rويروى أنه لما احتضر قال ورأسه فى حجر ابنه عبد الله، رضى الله عنهما:\rظلوم لنفسى غير أنى مسلم ... أصلى الصلاة كلها وأصوم\rوكان مقتله لأربع بقين من ذى الحجة من سنة ثلاث وعشرين، وقيل: لثلاث بقين منه، وقيل: إن وفاته كانت غرة المحرم من سنة أربع وعشرين.\rونزل فى قبره عثمان وعلى وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد بن أبى وقاص، وقيل: صهيب وابنه عبد الله بن عمر عوضا من الزبير وسعد.\rواختلف فى مبلغ سنه يوم توفى، وأشهر ما فى ذلك أنه توفى ابن ثلاث وستين سنة، وأنه استوفى عدة خلافته سن رسول الله ﷺ التى توفى لها، وسن أبى بكر الصديق، رضى الله عنهما.\rويروى عن عامر الشعبى أنه لما طعن عمر، رضى الله عنه، دخل عليه عبد الله بن عباس، فقال: يا أمير المؤمنين، أبشر بالجنة، فقال: ما تقول؟ قال: اللهم نعم، أسلمت حين كفر الناس، وقاتلت مع رسول الله ﷺ حين خذله الناس، ومات نبى الله ﷺ وهو عنك راض، ولم يختلف فى خلافتك رجلان، ثم قتلت شهيدا، فقال عمر: والله إن من تغرونه لمغرور، والله لو أن لى ما طلعت عليه الشمس من صفراء وبيضاء لافتديت به من هول المطلع.\rوعن ابن عباس أيضا قال: لما وضع عمر فى أكفانه، اكتنفه الناس يصلون عليه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084672,"book_id":3509,"shamela_page_id":1235,"part":"2","page_num":606,"sequence_num":1235,"body":"ويدعون، فإذا أنا برجل قد زحمنى من خلفى، فنظرت، فإذا على بن أبى طالب، رضى الله عنه، فقام فدعا له وترحم عليه، ثم قال: والله ما أصبح أحد أحب إلىّ من أن ألقى الله بمثل صحيفته منك، وإنى لأرجو أن يجعلك الله مع صاحبيك؛ لأنى كثيرا ما سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خرجت أنا وأبو بكر وعمر» ، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وفعلت أنا وأبو بكر وعمر» «١» ، فإنى أرجوا أن يجعلك الله مع صاحبيك.\rوذكر عبد الله بن مسعود يوما عمر، رضى الله عنه، فهملت عيناه وهو قائم حتى بل الحصى، ثم قال: إن عمر كان حائطا كثيفا يدخله المسلمون ولا يخرجون منه، فلما مات عمر انثلم الحائط فهم يخرجون ولا يدخلون، وما من أهل بيت من المسلمين لم تدخل عليهم مصيبة من موت عمر إلا أهل بيت سوء، فإذا ذكر الصالحون فحىّ هلا بعمر.\rوروى أنس، عن أبى طلحة أنه قال: والله ما أهل بيت من المسلمين إلا وقد دخل عليهم لموت عمر، رضى الله عنه، نقص فى دينهم وفى دنياهم.\rوعن أبى وائل قال: خرج حذيفة إلى المدائن وهم يذكرون الدجال، فأخبرنا مسروق أنه سأله عن ذلك، فقال: نجب تجىء من هاهنا تنعى عمر.\rوعن حذيفة أيضا قال: كان الإسلام كالرجل المقبل لا يزداد إلا قربا، فلما قتل عمر، رضى الله عنه، كان كالرجل المدبر، لا يزداد إلا بعدا.\rوقالت عاتكة ابنة زيد بن عمرو بن نفيل، امرأة عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، ترثيه:\rوفجعنى فيروز لا در دره ... بأبيض تال للكتاب منيب\rرؤف على الأدنى غليظ على العدا ... أخى ثقة فى النائبات نجيب\rمتى ما يقل لا يكذب القول فعله ... سريع إلى الخيرات غير قطوب\rومما ينسب إلى الشماخ بن ضرار، وإلى أخيه مزرد بن ضرار أنه قال فى عرم بن الخطاب، ويروى عن عائشة أن الجن بكت به على عمر، ﵀، قبل أن يقتل بثلاث، وقد تقدم ذكر بعض هذا الشعر:\rأبعد قتيل بالمدينة أظلمت ... له الأرض تهتز العضاة بأسوق\rجزى الله خيرا من إمام وباركت ... يد الله فى ذاك الأديم الممزق","footnotes":"(١) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (٥/ ١٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084673,"book_id":3509,"shamela_page_id":1236,"part":"2","page_num":607,"sequence_num":1236,"body":"وما كنت أخشى أن تكون وفاته ... بكفى سبنتى أزرق العين مطرق\rوقبل هذا البيت بيتان قد تقدما قبل، فلذلك حذفناهما الآن هنا اختصارا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084674,"book_id":3509,"shamela_page_id":1237,"part":"2","page_num":608,"sequence_num":1237,"body":"ذكر خلافة ذى النورين أبى عمرو عثمان بن عفان أمير المؤمنين، رضى الله عنه ومبايعة أهل الشورى له بعد وفاة عمر، رضى الله عنه\rولما مضى عمر، ﵀، لسبيله، تفاوض أهل الشورى فيما بينهم ثلاثا بعد وفاته، وانصرف أمر جميعهم إلى عبد الرحمن بن عوف، رضى الله عنه، فباثع لعثمان، ﵀، فبايعه بقية أهل الشورى، وكافة الصحابة، رضى الله عن جميعهم، وذلك يوم السبت غرة المحرم من سنة أربع وعشرين.\rوذكر سيف «١» بإسناد له، أنه لما بايع أهل الشورى عثمان، ﵀، خرج وهو أشدهم كآبة، فأتى منبر النبى ﷺ فخطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على نبيه ﷺ، ثم قال: إنكم فى دار قلعة، وفى بقية أعمار، فبادروا آجالكم بخير ما تقدرون عليه، فلقد أتيتم صبحتم أو مسيتم، ألا وإن الدنيا طويت على الغرور، فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ [لقمان: ٣٣] ، اعتبروا بمن مضى، ثم جدوا ولا تغفلوا، فإنه لا يغفل عنكم، أين أبناء الدنيا وإخوانها الذين آيروها وعمروها ومتعوا بها طويلا، ألم تلفظهم؟ ارموا بالدنيا حيث رمى الله بها، واطلبوا الآخرة، فإن الله ضرب لها مثلها، والذى هو خير، فقال: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلًا [الكهف: ٤٤، ٤٥] .\rوذكر سيف «٢» أن أول كتاب كتبه عثمان، رضى الله عنه، إلى عماله:\rأما بعد، فإن الله ﷿ أمر الأئمة أن يكونوا رعاة، ولم يتقدم إليهم فى أن يكونوا جباة، وإن صدر هذه الأمة خلقوا رعاة، ولم يخلقوا جباة، وليوشكن أئمتكم أن يصيروا جباة ولا يكونوا رعاة، فإذا عادوا كذلك انقطع الحياء والأمانة والوفاء، ألا وإن أعدل السيرة أن تنظروا فى أمور الناس وفيما عليهم، فتعطوهم ما لهم، وتأخذوهم بما عليهم،","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٤/ ٢٤٣) .\r(٢) انظر: الطبرى (٤/ ٢٤٤، ٢٤٥) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084675,"book_id":3509,"shamela_page_id":1238,"part":"2","page_num":609,"sequence_num":1238,"body":"ثم تثنوا بالذمة، فتعطوهم الذى لهم، وتأخذوهم بالذى عليهم، ثم العدو الذى تنتابون، فاستفتحوا عليهم بالوفاء.\rقال «١» : وأول كتاب كتبه إلى أمراء الجنود فى الفروج:\rأما بعد، فإنكم حماة المسلمين وذادتهم، وقد وضع لكم عمر، ﵀، ما لم يغب عنا، بل كان عن ملأ منا، فلا يبلغنى عن أحد منكم تغيير ولا تبديل فيغير الله بكم ويستبدل بكم غيركم، فانظروا كيف تكونون؟ فإنى أنظر فيما ألزمنى الله النظر فيه والقيام عليه.\rوكتب، ﵀، إلى عمال الخراج:\rأما بعد، فإن الله تعالى خلق الخلق بالحق، ولا يقبل إلا الحق، خذوا الحق وأعطوا الحق به، والأمانة الأمانة، قوموا عليها، ولا تكونوا أول من سلبها، فتكونوا شركاء من بعدكم إلى ما اكتسبتم، والوفاء الوفاء، لا تظلموا اليتيم ولا المعاهد، فإن الله ورسوله خصم لمن ظلمهم.\rوكان كتابه إلى العامة:\rأما بعد، فإنكم إنما بلغتم ما بلغتم بالإقتداء والإتباع، فلا تلفتنكم الدنيا عن أمركم، فإن أمر هذه الأمة صائر إلى الابتداع بعد اجتماع ثلاث فيكم: تكامل النعم، وبلوغ أولادكم من السبايا، وقراءة الأعراب والأعاجم القرآن، فإن رسول الله ﷺ قال: «الكفر فى العجمة، فإذا استعجم عليهم أمر تكلفوا وابتدعوا» .\rوزاد عثمان، رضى الله عنه، الناس فى أعطياتهم مائة مائة، وهو أول خليفة زاد الناس فى العطاء، وكان عمر، ﵀، يجعل لكل نفس منفوسة من أهل الفىء فى رمضان درهما فى كل يوم، وفرض لأزواج النبى ﷺ درهمين درهمين، فقيل له: لو وضعت لهم طعاما فجمعتهم عليه، فقال: أشبع الناس فى بيوتهم، فأقر عثمان الذى صنع عمر، وزاد فوضع طعام رمضان للمتعبد الذى يبيت فى المسجد ولابن السبيل وللمثوبين بالناس فى رمضان.\rوكان فى مدة خلافته، ﵀، فتوح عظام فى البر والبحر، وهو أول من أغزى فيه، وقد تقدم ذكر كثير من ذلك كأفريقية وغزوة ذات الصوارى فى البحر على يدى","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٤/ ٢٤٥) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084676,"book_id":3509,"shamela_page_id":1239,"part":"2","page_num":610,"sequence_num":1239,"body":"عبد الله بن سعد، وغزوة قبرس على يدى معاوية بن أبى سفيان، وغير ذلك مما سلف فى هذا الكتاب.\rونذكر الآن من ذلك ما تيسر ذكره إن شاء الله تعالى مما لم نذكر قبل، وأكثر من ذلك مما كان قد افتتح على عهد عمر، ﵀، وانتقض بعد وفاته، فوجه إليه عثمان، ﵀، فاستردده، حتى استوثق الأمر، وانتظمت الفتوح.\rذكر غزوة الوليد بن عقبة أذربيجان وأرمينية لمنع أهلها ما صالحوا عليه أهل الإسلام أيام عمر بن الخطاب «١»\rويقال: إنها كانت فى السنة التى بويع فيها عثمان، وقيل: فى سنة خمس وعشرين بعدها، وقيل: فى سنة ست، ذكر ذلك كله الطبرى.\rوحكى «٢» أيضا عن أبى مخنف، عن قرة بن لقيط الأزدى ثم العامرى: أن مغازى أهل الكوفة كانت الرى وأذربيجان، وكان بالبحرين عشرة آلاف مقاتل من أهل الكوفة، ستة آلاف بأذربيجان، وأربعة آلاف بالرى، وكان بالكوفة إذ ذاك أربعون ألف مقاتل، وكان يغزو هذين المصرين منهم عشرة آلاف كل سنة، فكان الرجل تصيبه فى كل أربع سنين غزوة، فغزا الوليد بن عقبة فى أزمانه على الكوفة فى سلطانه عثمان أذربيجان وأرمينية، فدعا سلمان بن ربيعة الباهلى، فبعثه أمامه مقدمة له، وخرج الوليد فى جماعة الناس يريد أن يمعن فى أرض أرمينية، فمضى حتى دخل أذربيجان، فبعث عبد الله بن شبل بن عوف الأحمسى فى أربعة آلاف، فأغار على أهل موقان والببر والطيلسان، فأصاب من أموالهم وغنم، وسبى سبيا يسيرا، وتحرز القوم منه، فأقبل بذلك إلى الوليد.\rثم إن الوليد صالح أهل أذربيجان على ثمانمائة ألف درهم، وذلك هو الصلح الذى كانوا صالحوا عليه حذيفة بن اليمان أيام عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، ثم حبسوها بعد وفاته، فلما وطئهم الوليد بالجيش، انقادوا وطلبوا إليه أن يتم لهم على ذلك صلح ففعل، وقبض منهم المال، وبث الغارات فيمن حولهم من أعداء الإسلام، فبعث سلمان ابن ربيعة إلى أرمينية فى إنثى عشر ألفا، فسار فى أرضها، فقتل وسبى، وغنم وانصرف","footnotes":"(١) انظر الخبر فى: الطبرى (٤/ ٢٤٦، ٢٤٧) ، البداية والنهاية لابن كثير (٧/ ١٤٩، ١٥٠) ، الكامل فى التاريخ لابن الأثير (٢/ ٤٣، ٤٤) .\r(٢) انظر: الطبرى (٤/ ٢٤٦) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084677,"book_id":3509,"shamela_page_id":1240,"part":"2","page_num":611,"sequence_num":1240,"body":"مملوء اليدين إلى الوليد، فانصرف الوليد وقد ظفر وأصاب حاجته. فلما دخل الموصل راجعا أتاه كتاب من عثمان، ﵀:\rأما بعد، فإن معاوية بن أبى سفيان كتب إلىّ يخبرنى أن الروم قد أجلبت على المسلمين بجموع كثيرة عظيمة، وقد رأيت أن يمدهم إخوانهم من أهل الكوفة، فإذا أتاك كتابى هذا فابعث رجلا ممن ترضى نجدته وبأسه وشجاعته وسخاءه وإسلامه فى ثمانية آلاف أو تسعة آلاف أو عشرة آلاف إليهم من المكان الذى يأتيك فيه رسولى، والسلام.\rفقام الوليد فى الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، أيها الناس، فإن الله قد أبلى المسلمين فى هذا الوجه بلاء حسنا، فرد عليهم بلادهم التى كفرت، وفتح بلادا لم تكن افتتحت، وردهم سالمين غانمين مأجورين، والحمد لله رب العالمين. وقد كتب إلىّ أمير المؤمنين أن أندب منكم ما بين العشرة الآلاف إلى ثمانية آلاف، تمدون إخوانكم من أهل الشام، فإنهم قد جاشت عليهم الروم، وفى ذلك الأجر العظيم، والفضل المبين، فانتدبوا رحمكم الله مع سلمان بن ربيعة، فانتدب الناس، فلم يمض ثلاثة أيام حتى خرج فى ثمانية آلاف من أهل الكوفة، فمضوا حتى دخلوا مع أهل الشام إلى أرض الروم، فشنوا عليهم الغارات، وأصابوا ما شاؤا من سبى، وملأوا أيديهم من المغانم، وافتتحوا بها حصونا كثيرة.\rوكان على أهل الشام حبيب بن مسلمة، وسلمان على أهل الكوفة، وزعم الواقدى أن سعيد بن العاص هو الذى أمد حبيبا بسلمان، وأن سبب ذلك أن عثمان، رضى الله عنه، أمر معاوية بإغزاء حبيب فى أهل الشام وأرمينية، فوجهه إليها معاوية، فبلغ حبيبا أن الموريان الرومى قد توجه نحوه فى ثمانين ألفا من الروم والترك، فأعلم بذلك معاوية فكتب معاوية إلى عثمان، فكتب عثمان إلى سعيد بإمداد حبيب، فأمده بسلمان فى ستة آلاف، وكان حبيب صاحب كيد، فأجمع على أن يبيت الموريان، فسمعته امرأته، أم عبد الله بنت يزيد الكلبية، يذكر ذلك، فقالت له: فأين موعدك؟ قال: سرادق الموريان أو الجنة، ثم بيتهم، فقتل من اشرأب له، وأتى السرادق فوجد امرأته قد سبقت، فكانت أول امرأة من العرب ضرب عليها سرادق، ثم مات عنها حبيب، فخلف عليها الضحاك ابن قيس الفهرى، فهى أم ولد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084678,"book_id":3509,"shamela_page_id":1241,"part":"2","page_num":612,"sequence_num":1241,"body":"ذكر انتقاض فارس، ومسير عبد الله بن عامر إليها وفتحه إياها «١»\rولما ولى عثمان، ﵀، أقر أبا موسى الأشعرى على البصرة ثلاث سنين، وعزله فى الرابعة، وأمر على خراسان عمير بن عثمان بن سعد، وعلى سجستان عبيد الله بن عمير الليثى من بنى ثعلبة، فأثخن فيها إلى كابل، وأثخن عمير فى خراسان حتى بلغ فرغانة، فلم يدع دونها كورة إلا أصلحها، وبعث إلى مكران عبيد الله بن معمر التيمى، فأثخن فيها حتى بلغ النهر، وبعث على كرمان عبيد الله بن عنبس، وبعث إلى فارس والأهواز نفرا، وأبو موسى فى كل ذلك على البصرة.\rفلما كان فى السنة الثالثة كفر أهل ايذج والأكراد، فنادى أبو موسى فى الناس، وحضهم، وذكر من فضل الجهاد فى الرجلة، حتى حمل نفر على دوابهم، وأجمعوا على ألا يخرجوا إلا رجالة، ثم نشأ بينه وبين أهل البصرة فى هذا الاستنفار ما نفرهم عنه، وطلبوا إلى عثمان أن يديلهم عنه، فدعا عثمان عند ذلك عبد الله بن عامر، فأمره على البصرة وصرف عبيد الله بن معمر إلى فارس، واستعمل مكانه عمير بن عثمان بن سعد، واستعمل على خراسان أمين بن أحمر اليشكرى، وعلى سجستان عمران بن الفضل البرجمى، وعلى كرمان عاصم بن عمرو، فمات بها.\rفجاشت فارس فانتفضت بعبيد الله بن معمر، واجتمعوا له باصطخر، فالتقوا على بابها، فقتل عبيد الله، وبلغ الخبر عبد الله بن عامر، فاستنفر أهل البصرة إليهم، وخرج فى الناس وعلى مقدمته عثمان بن أبى العاص، فالتقى هو وأهل فارس باصطخر، فقتل منهم مقتلة عظيمة لم يزالوا منها فى ذل، وكتب بذلك إلى عثمان بن عفان، فكتب إليه يأمره أن يولى على كور فارس نفرا سماهم له، وفرق خراسان بين ستة نفر، منهم الأحنف بن قيس على المروين.\rذكر انتقاض خراسان، وخروج سعيد بن العاص وعبد الله بن عامر إليها وذكر طبرستان واستيلاء سعيد عليها\rذكر الطبرى أن أدانى أهل خراسان وأقاصيهم اعترضوا زمان عثمان، رضى الله عنه،","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٤/ ٢٦٤- ٢٦٦) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084679,"book_id":3509,"shamela_page_id":1242,"part":"2","page_num":613,"sequence_num":1242,"body":"لسنتين خلتا من إمارته، فبدأ بنو كنارى وهم أخوال كسرى، فأنثروا وألجأوا عبد الرحمن ابن سمرة وعماله إلى مرو الروذ، وثنى أهل مرو الشاهجان، وثلث بنيزل فاستولى على بلخ، وأرز من بها إلى مرو الروذ وعليها ابن سمرة، فكتب إلى عثمان بخلع أهل خراسان، فأرسل إلى ابن عامر أن يسير فى جند البصرة، فخرج ابن عامر فى الجنود حتى يدخل خراسان على الطبسين من قبل يزدجرد، وبث الجنود فى كورها وأمرهم أن يطأوا فيهم، ووطأ هو فى أهل هراة بعد ما وهنهم الجزاء، وصالحوه، ثم ثنى بنيسابور ففعلت فعل هراة، ولقيت الكور من الجنود مثل ذلك، فذلوا لهم، واكتتب منهم أهل مرو الشاهجان وسائر خراسان، وسار ابن عامر إلى نيزل فقتل تركه قتل الكلاب، ولحق هو بترك بلاد الشام، وسيأتى بعد هذه المجملات مفصلة بعد.\rوذكر الطبرى «١» بإسناد له قال: غزا سعيد بن العاص، وهو على الكوفة سنة ثلاثين يريد خراسان، ومعه حذيفة بن اليمان وناس من أصحاب رسول الله ﷺ ومعه الحسن والحسين وعبد الله بن عباس وابن عمر وعبد الله بن عمرو وابن الزبير، وخرج عبد الله ابن عامر من البصرة يريد خراسان، فسبق سعيدا ونزل ابرشهر، وبلغ ذلك سعيدا، فنزل قرمس، وهى صلح، صالحهم حذيفة بعد نهاوند، فأتى جرجان، فصالحوه على مائتى ألف، ثم أتى طميسة، وهى كلها من طبرستان متاخمة لجرجان، وهى مدينة على ساحل البحر، فقاتله أهلها حتى صلى يومئذ صلاة الخوف، وهم يقتتلون، بعد أن سأل حذيفة فأخبره كيف صلاة رسول الله ﷺ وضرب يومئذ سعيد رجلا من المشركين على حيل عاتقه، فخرج السيف من مرفقه، وحاصرهم، فطلبوا الأمان، فأعطاهم على أن لا يقتل منهم رجلا واحدا، ففتحوا الحصن، فقتلهم جميعا إلا رجلا واحدا، وحوى ما كان فى الحصن.\rوذكر الطبرى «٢» من طريق آخر أن سعيد بن العاص صالح أهل جرجان، ثم امتنعوا وكفروا، فلم يأت جرجان بعد سعيد أحد، ومنعوا ذلك الطريق، فلم يكن يسلك طريق خراسان من ناحية قومس إلا على وجل وخوف من أهل جرجان، وكان الطريق إلى خراسان من فارس إلى كرمان، فأول من صير الطريق من قومس قتيبة بن مسلم حين ولى خراسان.\rوعن بشر بن حنظلة العمى أن سعيد بن العاص صالح أهل جرجان، فكانوا يجبون","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٤/ ٢٦٩، ٢٧٠) .\r(٢) انظر: الطبرى (٤/ ٢٧١) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084680,"book_id":3509,"shamela_page_id":1243,"part":"2","page_num":614,"sequence_num":1243,"body":"أحيانا مائة ألف، ويقولون: صلحنا، وأحيانا مائتى ألف، وأحيانا ثلاثمائة ألف، وكانوا ربما أعطوا ذلك، وربما منعوه، ثم امتنعوا وكثروا، فلم يعطوا خراجا حتى أتاهم يزيد بن المهلب، فلما صالح صولا وفتح البحيرة ودهستان صالح أهل جرجان على صلح سعيد ابن العاص.\rذكر مقتل يزدجرد «١»\rقال الطبرى «٢» : اختلف فى سبب قتله، كيف كان؟ فذكر عن ابن إسحاق أن يزدجرد هرب من كرمان فى جماعة ليسير إلى مرو، فسأل مرزبانها مالا فمنعه، فخافوا على أنفسهم، فأرسلوا إلى الترك يستنصرون بهم عليه، فأتوه فبيتوه، وقتلوا أصحابه، وقيل: بل أهل مرو هم الذين بيتوه لما خافوه، ولم يستجيشوا عليه الترك، فقتلوا أصحابه، وخرج هاربا على رجليه، معه منطقته وسيفه وتاجه، حتى أتى إلى منزل نقار على شط المرغاب، فلما غفل يزدجرد، وقيل: لما نام، قتله النقار وأخذ متاعه، وألقى جسده فى المرغاب، فأصبح أهل مرو فاتبعوا أثره، حتى خفى عليهم عند منزل النقار، فأخذوه لهم بقتله، وأخرج متاعه، فقتلوا النقار وأهل بيته، وأخذ متاعه ومتاع يزدجرد وأخرجوه من المرغاب فجعلوه فى تابوت خشب، فزعم بعضهم أنه حمل إلى اصطخر فدفن بها فى أول سنة إحدى وثلاثين.\rوكان يزدجرد قد وطئ امرأة بمرو، فولدت منه بعد مقتله غلاما ذاهب الشق، فسمى المخدج، وعاش حتى ولد له أولاد بخراسان، فوجد قتيبة حين افتتح الصغد أو غيرها جاريتين فقيل له: إنهما من ولد المخدج، فبعث بهما أو بإحداهما إلى الحجاج بن يوسف فبعث بها إلى الوليد بن عبد الملك، فولدت له يزيد بن الوليد بن عبد الملك الناقص.\rوذكر عن المدائنى أن يزدجرد أتى خراسان، ومعه خرزادمهر أخو رستم، فقال لمرزبان مرو واسمه ماهويه: إنى قد أسلمت إليك الملك، ثم أقام بمرو وهم بعزل ماهويه، فكتب ماهويه إلى الترك يخبرهم بمكانه وعاهدهم على المؤازرة عليه وخلى لهم الطريق،","footnotes":"(١) انظر الخبر فى: الطبرى (٤/ ٢٩٣- ٣٠٠) ، البداية والنهاية لابن كثير (٧/ ١٥٨، ١٥٩) ، الكامل فى التاريخ لابن الأثير (٣/ ٥٩- ٦١) .\r(٢) انظر: الطبرى (٤/ ٢٩٣، ٢٩٤) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084681,"book_id":3509,"shamela_page_id":1244,"part":"2","page_num":615,"sequence_num":1244,"body":"فأقبلوا إلى مرو وخرج إليهم يزدجرد فى أصحابه، فقاتلهم ومعه ماهويه فى أساورة مرو، فأثخن فى الترك حتى خشى ماهويه أن ينهزموا، فتحول إليهم فى أساورة مرو، فانهزم جند يزدجرد وقتلوا، وعقر عند المساء فرس يزدجرد، فمضى ماشيا هاربا حتى انتهى إلى بيت فيه رحى على شط المرغاب، فمكث فيه ليلتين، فطلبه ماهويه فلم يقدر عليه إلى أن دخل صاحب الرحى بيته فى اليوم الثانى، فرأى يزدجرد، فقال: ما أنت؟ إنسى أم جنى؟ قال: إنسى، فهل عندك طعام؟ قال: نعم، فأتاه به، فقال: إنى مزموم، فأتنى بما أزمزم به.\rفذهب الطحان إلى بعض الأساورة، فطلب منه ما يزمزم به، قال: وما تصنع به؟\rفقال: عندى رجل لم أر مثله قط، وقد طلب هذا منى، فجاء الأسوار بالطحان إلى ماهويه، فأخبره فقال: هذا يزدجرد، اذهبوا فجيئونى برأسه، فقال له الموبذ: ليس ذلك إليك، قد علمت أن الدين والملك مقترنان، لا يستقيم أحدهما إلا بالآخر، ومتى فعلت انتهكت الحرمة العظيمة، وتكلم الناس فأعظموا ذلك، فشتمهم ماهويه وقال للأساورة:\rمن تكلم فاقتلوه، وأمر عدة فذهبوا مع الطحان ليقتلوا يزدجرد، فانطلقوا، فلما رأوه كرهوا قتله، وتدافعوا ذلك، وقالوا للطحان: ادخل فاقتله، فدخل عليه وهو نائم ومعه حجر فشدخ به رأسه، ثم اجتزه فدفعه إليهم، وألقى جسده فى المرغاب، فخرج قوم من أهل مرو فقتلوا الطحان وهدموا أرحاءه.\rوذكر الطبرى «١» حديثين مختلفين مطولين، وأحدهما أطول من الآخر يتضمن ضروبا من الاضطرابات تقلب فيها، وأنواعا من الدوائر دارت عليه، حتى كانت منيته آخرها، وفيه أن رجال ماهويه الذين وجههم لطلب يزدجرد وأمرهم بقتله لما انتهوا إلى الطحان، فسألوه عنه، فأنكره، فضربوه ليدل عليه فلم يفعل، فلما أرادوا الانصراف قال أحدهم:\rإنى أجد ريح المسك، ونظر إلى طرف ثوب من ديباج فى الماء، فاجتذبه، فإذا هو يزدجرد، فسأله ألا يقتله ولا يدل عليه، وجعل له سواره وخاتمه ومنطقته، فأبى عليه إلا أن يعطيه دراهم ويخلى عنه، ولم يكن ذلك عند يزدجرد، فقال: قد كنت أخبر أنى سأحتاج إلى أربعة دراهم، وقال للرجل: ويحك، خاتمى لك، وثمنه لا يحصى، فأبى وأنذر أصحابه، فأتوه، فطلب إليهم يزدجرد ألا يقتلوه، وقال: ويحكم، إنا نجد فى كتبنا أن من اجترأ على قتل الملوك عاقبه الله بالحريق فى الدنيا، مع ما هو قادم عليه، فلا تقتلونى وائتوا بى إلى الدهقان، أو سرحونى إلى العرب، فإنهم يستحيون مثلى من","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٤/ ٢٩٨) ، الأخبار الطوال (ص ١٣٩، ١٤٠) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084682,"book_id":3509,"shamela_page_id":1245,"part":"2","page_num":616,"sequence_num":1245,"body":"الملوك، فأخذوا ما كان عليه من الحلى، فجعلوه فى جراب وختموا عليه، ثم خنقوه بوتر، وطرحوه فى نهر مرو.\rوفى آخر الحديث «١» : أنه لما بلغ مقتله رجلا من أهل الأهواز كان مطرانا على مرو، جمع من كان قبله من النصارى، وقال لهم: إن ملك الفرس قد قتل، وهو ابن شهريار بن كسرى، ولهذا الملك عنصر فى النصرانية، وإنما شهريار ولد شيرين التى قد عرفتم حقها وإحسانها إلى أهل ملتها فى غير وجه، مع ما نال النصارى فى مملكة جده كسرى من الشرف، وقبل ذلك فى مملكة ملوك من أسلافه، حتى بنى لهم بعضهم البيع، وسدد لهم بعضهم، يعنى للنصارى، ملتهم فينبغى لنا أن نحزن لقتل هذا الملك ونظهر من كرامته بقدر ما كان من إحسان سلفه وجدته إلى النصارى، وقد رأيت أن أبنى له ناووسا، وأحمل جثته فى كرامة حتى أواريها.\rفقال له النصارى: أمرنا لأمرك تبع، ونحن لك على رأيك هذا مواطئون، فأمر المطران ببناء ناووس فى جرف بستان المطارنة بمرو، ومضى بنفسه ومعه نصارى مرو حتى استخرج جثة يزدجرد من النهر وكفنها وجعلها فى تابوت وحملها هو وأولئك النصارى على عواتقهم حتى أتوا به الناووس الذى بنى له وواروه فيه، وردموا بابه، فكان ملك يزدجرد عشرين سنة، منها أربع سنين فى دعة وست عشرة فى تعب من محاربة العرب إياه.\rوكان آخر ملك من آل أردشير بن بابك، وصفا الملك بعده للعرب، فسبحان ذى العظمة والملكوت، الملك الحق الدائم الذى لا يموت، لا إله إلا هو، كل شىء هالك إلا وجهه، له الحكم وإليه ترجعون.\rذكر فتح أبرشهر، وطوس، وبيورد، ونسا، وسرخس، وصلح مرو\rذكر الطبرى «٢» أن ابن عامر لما فتح فارس قام إليه أوس بن حبيب التميمى، فقال:\rأصلح الله الأمير إن الأرض بين يديك، ولم تفتح من ذلك إلا القليل، فسر فإن الله ناصرك، قال: أو لم نأمرك بالمسير؟ وكره أن يظهر له أنه قبل رأيه.\rوذكر فى بعض ما ذكره عن المدائنى أن ابن عامر لما فتح فارس رجع إلى البصرة","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٤/ ٣٠٠) .\r(٢) انظر: تاريخ الملوك والرسل للطبرى (٣/ ٣٠٠- ٣٠٣) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084683,"book_id":3509,"shamela_page_id":1246,"part":"2","page_num":617,"sequence_num":1246,"body":"واستعمل على اصطخر شريك بن الأعور الحارثى، فدخل على ابن عامر رجل من بنى تميم يقال له: الأحنف، وقيل غيره، فقال له: إن عدوك منك هارب، ولك هائب، والبلاد واسعة، فسر فإن الله ناصرك ومعز دينه.\rفتجهز ابن عامر وأمر الناس بالتجهيز للمسير، واستخلف على البصرة زيادا، وسار إلى كرمان، ثم أخذ إلى خراسان.\rقال: وأشياخ كرمان يذكرون أنه نزل العسكر بالسيرجان، وسار إلى خراسان، واستعمل على كرمان مجاشع بن مسعود، وأخذ ابن عامر على مفازة رابر، وهى ثمانون فرسخا، ثم سار إلى الطبسين يريد أبرشهر، وهى مدينة نيسابور، وعلى مقدمته الأحنف ابن قيس، فأخذ إلى قهستان، وخرج إلى أبرشهر فلقيته الهياطلة فقاتلهم الأحنف فهزمهم، ثم أتى ابن عامر نيسابور، وافتتح ابن عامر مدينة أبرشهر، قيل: صالحا، وقيل:\rعنوة، وفتح ما حولها: طوس وبيورد ونسا وحمران وسرخس.\rويقال: إنه بعث إلى سرخس عبد الله بن خازم ففتحها، وأصاب جاريتين من آل كسرى.\rويروى أن أهل أبرشهر لما فتحها ابن عامر صالحا فى قول من قال ذلك، أعطوه جاريتين من آل كسرى.\rوعن أشياخ من أهل خراسان: أن ابن عامر سرح الأسود بن كلثوم، من عدى الرباب، إلى بيهق، وهى من أبرشهر، بينهما ستة عشر فرسخا، ففتحها، وقتل الأسود، وكان فاضلا فى دينه ومن أصحاب عامر بن عبد قيس، وكان عامر يقول بعد ما خرج من البصرة: ما آسى من العراق على شىء إلا على ظماء الهواجر وتجاوب المؤنين، وإخوان مثل الأسود بن كلثوم.\rويروى أن ابن عامر لما غلب على من بنيسابور أرسل إله أهل مرو يطلبون الصلح، فبعث إليهم حاتم بن النعمان، فصالح مرزبان مرو على ألفى ألف ومائتى ألف.\rوقال مقاتل بن حيان: على ستة آلاف ألف ومائتى ألف.\rقال الطبرى «١» : وفى سنة اثنتين وثلاثين كانت غزوة معاوية بن أبى سفيان مضيق القسطنطينية، ومعه زوجته عاتكة بنت قرظة بن عبد عمرو بن نوفل بن عبد مناف،","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٣/ ٣٠٤، ٣٠٥) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084684,"book_id":3509,"shamela_page_id":1247,"part":"2","page_num":618,"sequence_num":1247,"body":"وقيل: فاختة. واستعمل سعيد بن العاص، سلمان بن ربيعة على فرج بلنجر، وأمد الجيش الذى كان به مقيما مع حذيفة بأهل الشام، عليهم حبيب بن مسلمة.\rوكان عثمان، ﵀، قد أمر سعيدا بإغزاء سلمان، فيما ذكره سيف عن بعض رجاله، وكتب إلى عبد الرحمن بن ربيعة، الذى يقال له: ذو النور، وهو على الباب: أن الرعية قد أبطر كثيرا منها البطنة، فقصر ولا تقتحم بالمسلمين، فإنى خاش أن يبتلوا، فلم يزجر ذلك عبد الرحمن عن غايته، فغزا فى السنة التاسعة من إمارة عثمان حتى إذا بلغ بلنجر حصرها ونصب عليها المجانيق والعرادات، فجعل لا يدنو منها أحد إلا أعنتوه أو قتلوه، وأسرعوا فى الناس.\rثم إن الترك اتعدوا يوما، فخرج أهل بلنجر، وتوافى إليهم الترك فاقتتلوا فأصيب عبد الرحمن، ذو النور، فانهزم المسلمون وتفرقوا.\rوقد تقدم ذكر مقتله قبل، وأن المشركين احتازوه إليهم فجعلوه فى سفط، فكانوا يستسقون به بعد ويستنصرون به.\rوذكر سيف من بعض طرقه»\r: أنه لما تتابعت الغزوات على الخزر تذامروا وتعايروا وقالوا: كنا أمة لا يقوم لها أحد حتى جاءت هذه الأمة القليلة فصرنا لا نقوم لها، فقال بعضهم: إنهم لا يموتون، ولو كانوا يموتون لما افتتحوا علينا. ثم كمنوا فى الغياض ليجربوا، فرموا بعض من مر بهم فى ذلك الكمين من جند المسلمين فقتلوهم، فعند ذلك تداعوا إلى الحرب وتواعدوا يوما، فاقتتلوا فقتل عبد الرحمن وتفرق الناس فرقتين، فرقة نحو الباب فحماهم سلمان الفارسى حتى أخرجهم، وفرقة نحو الخزر، فطلعوا على جيلان وجرجان، فيهم سلمان الفارسى وأبو هريرة.\rوقال بعضهم: غزا أهل الكوفة ثمان سنين من إمارة عثمان، رضى الله عنه، لم تئم فيهن امرأة، ولم ييتم فيهن صبى من قتل حتى كان، يعنى فى السنة التاسعة، فكان ما ذكر من قتل عبد الرحمن بن ربيعة ومن أصيب معه.\rذكر فتح مرو الروذ والطالقان والفارياب والجوزجان وطخارستان\rذكر الطبرى «٢» بإسناده عن ابن سيرين قال: بعث ابن عامر، الأحنف بن قيس إلى","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٣/ ٣٠٥، ٣٠٦) .\r(٢) انظر: الطبرى (٤/ ٣١٠- ٣١٣) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084685,"book_id":3509,"shamela_page_id":1248,"part":"2","page_num":619,"sequence_num":1248,"body":"مرو الروذ، فحصر أهلها، فخرجوا إليهم فقاتلوهم، فهزمهم المسلمون حتى اضطروهم إلى حصونهم، فأشرفوا عليهم، فقالوا: يا معشر العرب، ما كنتم عندنا كما نرى، لو علمنا أنكم كما نرى لكاتب لنا ولكم حال غير هذه، فأمهلونا ننظر فى يومنا، وارجعوا إلى عسكركم، فرجع الأحنف.\rفلما أصبح غاداهم وقد أعدوا له، فخرج من المدينة رجل من العجم معه كتاب، فقال: إنى رسول فأمنونى، فأمنوه، فإذا هو ابن أخى مرزبان مرو ومعه كتابه إلى الأحنف، وإذا فيه: إلى أمير الجيش، إنا نحمد الله الذى بيده الدول، يغير ما شاء من الملك، ويرفع من شاء بعد الذلة، ويضع من شاء بعد الرفعة، إنى دعانى إلى مصالحتك وموادعتك ما كان من إسلام جدى، وما كان رأى من صاحبكم من الكرامة والمنزلة، فمرحبا بكم فأبشروا، وأنا أدعوكم إلى الصلح على أن أؤدى إليكم خراجنا ستين ألف درهم، وأن تقروا بيدى ما كان ملك الملوك كسرى أقطع جد أبى حيث قتل الحية التى أكلت الناس وقطعت السبيل من الأرض والقرى بما فيها من الرجال، ولا تأخذوا من أحد من أهل بيتى شيئا من الخراج، ولا تخرجوا المرزبة من أهل بيتى إلى غيرهم، فإن جعلت ذلك لى خرجت إليك، وقد بعثت إليك ابن أخى ماهك ليستوثق منك بما سألت.\rفكتب إليه الأحنف:\rبسم الله الرحمن الرحيم، من صخر بن قيس أمير الجيش إلى باذان مرزبان مرو الروذ ومن معه من الأساورة والأعاجم، سلام على من اتبع الهدى وآمن واتقى، أما بعد، فإن ابن أخيك ماهك قدم علىّ، فنصح لك جهده، وأبلغ عنك، وقد عرضت ذلك على من معى من المسلمين، وأنا وهم فيما عليك سواء، وقد أجبناك إلى ما سألت، وعرضت علىّ أن تؤدى عن كورتك وفلاحيك والأرضين ستين ألف درهم إلىّ وإلى الوالى بعدى من أمراء المسلمين، إلا ما كان من الأرضين التى ذكرت أن كسرى الظالم لنفسه أقطعها جد أبيك، والأرض لله يورثها من يشاء من عباده، وإن عليك نصرة المسلمين وقتال عدوهم بمن معك من الأساورة إن أحب المسلمون ذلك، وإن لك على ذلك نصر المسلمين على من يقاتل من ورائك من أهل ملتك، جار لك بذلك منى كتاب يكون لك بعدى، ولا خراج عليك ولا على أحد من أهل بيتك من ذوى الأرحام، وإن أنت أسلمت واتبعت الرسول كان لك ما للمسلمين من العطاء والمنزلة والرزق وأنت أخوهم، ولك بذلك ذمتى وذمة أبى وذمة المسلمين وذمم آبائهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084686,"book_id":3509,"shamela_page_id":1249,"part":"2","page_num":620,"sequence_num":1249,"body":"وعن مقاتل بن حيان: أن ابن عامر صالح أهل مرو، وبعث الأحنف فى أربعة آلاف إلى طخارستان، فأقبل حتى نزل موضع قصر الأحنف من مرو الروذ، وجمع له أهل طخارستان، وأهل الجوزجان، والطالقان، والفارياب، وكانوا ثلاثة زحوف، ثلاثين ألفا، وأتى الأحنف خبرهم، فاستشار الناس فاختلفوا، فمن قائل: نرجع إلى مرو، وقائل:\rنرجع إلى أبرشهر، وقائل: نقيم ونستمد، وقائل: نلقاهم فنناجزهم.\rقال: فلما أمسى الأحنف خرج يمشى فى العسكر، ويسمع حديث الناس، فمر بأهل خباء ورجل يوقد تحت خزيرة أو يعجن، وهم يتحدثون ويذكرون العدو، فقال بعضهم:\rالرأى للأمير إذا أصبح أن يسير حتى يلقى القوم حيث لقيناهم، فإنه أرعب لهم، فنناجزهم، فقال صاحب الخزيرة أو العجين: إن فعل ذلك فقد أخطأ، أتأمرونه أن يلقى حد العدو مصحرا فى بلاده، فيلقى جميعا كثيرا بعدد قليل، فإن جالوا جولة اصطلموا؟\rولكن الرأى له أن ينزل بين المرغاب والجبل، فيجعل المرغاب عن يمينه والجبل عن يساره فلا يلقاه من عدوه وإن كثروا إلا عدد أصحابه، فرجع الأحنف وقد اعتقد ما قال، فضرب عسكره، وأقام فأرسل إليه أهل مرو يعرضون عليه أن يقاتلوا معه، فقال: إنى أكره أن أستنصر بالمشركين، فأقيموا على ما أعطيناكم، فإن ظفرنا فنحن على ما جعلنا لكم، وإن ظفروا بنا وقاتلوكم فقاتلوا عن أنفسكم.\rقال: فوافوا المسلمين صلاة العصر، فعاجلهم المشركون، فناهضوهم وقاتلوهم فصبر الفريقان حتى أمسوا، والأحنف يتمثل:\rأحق من لم يكره المنية ... حزور ليست له ذرية\rوفى غير حديث مقاتل أن الأحنف لقيهم فى المسلمين ليلا فقاتلوهم حتى ذهب عامة الليل، ثم هزمهم الله، فقتلهم المسلمون حتى انتهوا إلى رسكن، وهى على أثنى عشر فرسخا من قصر الأحنف، وكان مرزبان مرو الروذ قد تربص بحمل ما كان صالح عليه، لينظر ما يكون من أمرهم، فلما ظفر الأحنف سرح رجلين إلى المرزبان، وأمرهما أن لا يكلماه حتى يقبضاه ففعلا، فعلم أنهما لم يصنعا ذلك به إلا وقد ظفروا، فحمل ما كان عليه.\rوبعث الأحنف إلى الجوزجان الأقرع بن حابس فى جريدة خيل إلى بقية كانت بقيت من الزحوف التى هزمهم الأحنف، فقاتلهم الأقرع بخيله، فجال المسلمون جولة، فقتل بعض فرسانهم، ثم أظفر الله المسلمين بهم فهزموهم وقتلوهم، وأولئك القتلى من فرسان","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084687,"book_id":3509,"shamela_page_id":1250,"part":"2","page_num":621,"sequence_num":1250,"body":"المسلمين عنى أبو كثير النهشلى إذ قال:\rسقى مزن السحاب إذا استهلت ... مصارع فتية بالجوزجان\rإلى القصرين من رستاق خوط ... أقادهم هناك الأقرعان\rوهى طويلة.\rذكر جرى الصلح بين الأحنف وبين أهل بلخ «١»\rقال المدائنى بإسناده عن إياس بن المهلب: سار الأحنف من مرو الروز إلى بلخ، فحاصرهم، فصالحه أهلها على أربعمائة ألف، فرضى بذلك منهم، واستعمل ابن عمه أسيد بن المتشمس على أخذها منهم، ومضى إلى خوارزم، فأقام حتى هجم عليه الشتاء، فقال لأصحابه: ما ترون؟ فقال له حصين: قد قال عمرو بن معدى كرب:\rإذا لم تستطع شيئا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع\rفأمر الأحنف بالرحيل، ثم انصرف إلى بلخ، وقد قبض ابن عمه ما صالحهم عليه، ووافق مهرجانهم وهو يجيبهم، فأهدوا إليه هدايا من آنية الذهب والفضة ودنانير ودراهم ومتاع ودواب، فقال أسيد: هذا لم نصالحكم عليه، قالوا: لا، ولكن هذا شىء نصنعه فى هذا اليوم لمن ولينا، نستعطفه به، قال: ما أدرى ما هذا؟ وإنى لأكره أن أرده، ولعله من حقى، ولكنى أقبضه وأعزله حتى أنظر، وقدم الأحنف، فأخبره، فسألهم عنه، فقالوا مثل ما قالوا له، فقال الأحنف: آتى به الأمير، فحمله إلى ابن عامر وأخبره عنه، فقال:\rاقبضه يا أبجر، فهو لك، قال: لا حاجة لى فيه، فقال ابن عامر: ضمه إليك يا مسمار، قال: فضمه القرشى، وكان مضما.\rوذكر المدائنى بإسناد آخر: أن ابن عامر حين صالح أهل مرو، وصالح الأحنف أهل بلخ بعث خليد بن عبد الله الحنفى إلى هراة وإلى باذغيس، فافتتحهما، ثم كفر العدو بعد ذلك فكان مع قارن.\rوقال: ولما رجع الأحنف قال الناس لابن عامر: ما فتح على أحد ما فتح عليك، فارس، وكرمان، وسجستان، وعامة خراسان، فقال: لا جرم، لأجعلن شكرى لله على ذلك أن أخرج معتمرا من موقفى، فأحرم بعمرة من نيسابور، فلما قدم على عثمان، رضى الله عنه، لامه على إحرامه من خراسان، وقال له: ليتك تضبط الميقات الذى يحرم","footnotes":"(١) انظر: الطبرى (٤/ ٣١٣، ٣١٦) .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084688,"book_id":3509,"shamela_page_id":1251,"part":"2","page_num":622,"sequence_num":1251,"body":"منه الناس. قال: استخلف ابن عامر على خراسان حين خرج منها سنة اثنتين وثلاثين قيس بن الهيثم، فجمع قارن جمعا كثيرا من ناحية الطبسين وأهل باذغيس وهراة وقهستان، فأقبل فى أربعين ألفا، فقال قيس لعبد الله بن حازم: ما ترى؟ قال: أرى أن تخلى البلاد فإنى أميرها، ومعى عهد من ابن عامر، إذا كانت حرب بخراسان فأنا أميرها، وأخرج كتابا قد افتعله، فكره قيس مشاغبته، فخلاه والبلاد، وأقبل إلى ابن عامر، فلامه ابن عامر، وقال: تركت البلاد حربا وأقبلت؟ قال: جاءنى بعهد منك.\rقال: وسار ابن خازم إلى قارن فى أربعة آلاف، وأمر الناس فحملوا الودك، فلما قرب من عسكره أمر الناس أن يدرج كل واحد منهم على زج رمحه ما كان من خرقة أو قطن أو صوف، ثم يوسعوه ودكا من سمن أو زيت أو دهن أو إهالة. وقدم مقدمته ستمائة، ثم أتبعهم، وأمر الناس فأشعلوا النيران فى أطراف الرماح، وجعل بعضهم يقتبس من بعض، وانتهت مقدمته إلى عسكر قارن نصف الليل، ولهم حرس، فناوشوهم، وهاج المشركون على دهش، وكانوا آمنين على أنفسهم من البيات، ودنا ابن خازم منهم، فرأوا النيران يمنة ويسرة، وتتقدم وتتأخر، وتنخفض وترتفع، ولا يرون أحدا فهالهم ذلك، ثم غشيهم ابن خازم بالمسلمين، ومقدمته تقاتلهم، فقتل قارن وانهزم العدو، فاتبعوهم يقتلونهم كيف شاؤا، وأصابوا سبيا كثيرا، وأخذ ابن خازم عسكر قارن بما كان فيه، وكتب بالفتح إلى ابن عامر، فرضى وأقره على خراسان، فلبث عليها حتى انقضى أمر الجمل.\rوقد روى أنه لما جمع قارن هذا الجمع للمسلمين، ضاق المسلمون بأمرهم، واستشار قيس، عبد الله بن خازم فى ذلك، فقال له: إنك لا تطيق كثرة من أتانا، فاخرج بنفسك إلى ابن عامر فتخبره بكثرة من جمعوا لنا، ونقيم نحن فى هذه الحصون نطاولهم حتى تقدم ويأتينا مددكم، فخرج قيس، فلما أمعن أظهر ابن خازم عهدا، وقال: قد ولانى ابن عامر على خراسان، فسار إلى قارن وظفر به، وكتب بالفتح إلى ابن عامر، فأقره على خراسان، فلم يزل أهل البصرة يغزون من لم يكن صالح من أهل خراسان، فإذا رجعوا خلفوا أربعة آلاف للعقبة، فكانوا كذلك حتى كانت الفتنة، فالله أعلم أى ذلك كان.\rفتح عمورية وانتقاضها\rوعن سعيد بن عبد العزيز: أن عثمان رضى الله عنه إئتم بأبى بكر وعمر رضى الله","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084689,"book_id":3509,"shamela_page_id":1252,"part":"2","page_num":623,"sequence_num":1252,"body":"عنهما فى أثرة المجاهدين وتقويتهم بالأموال، ولقد زاد عثمان أهل العطاء مائة مائة، وتابع إغزاءهم أرض الروم، حتى ذلت عمورية وما دونها من مدائن ضاحية الروم على أداء الجزية، وعلى إنزال جماعة من المسلمين مدينة عمورية يقاتلون من خلفها، فلم يزل المسلمون بها حتى بلغ أهل عمورية قتل عثمان رضى الله عنه قبل أن يبلغ ذلك من كان بها من المسلمين، فقتلوهم على فرشهم، وانتقض ذلك الصلح.\rوتمت الفتوح بعثمان رضى الله عنه ورحمه فلم تفتح بعده بلدة إلا صالحا، كان كفر أهلها، أو أرض مما افتتح، عيال على ما افتتح عمر، لا يقوى عليها الجنود إلا بالفىء الذى أفاء الله ﷿ على عمر رضى الله عنه.\rمقتل عثمان رضى الله عنه\rوقتل عثمان رضى الله عنه بالمدينة فى الثامن عشر لذى الحجة سنة خمس وثلاثين، وقيل فى وسط أيام التشريق، وقيل يوم التروية، وقيل غير ذلك، ولا خلاف بينهم فى أنه قتل فى ذى الحجة، وإنما الخلاف فى أى يوم منه قتل، وكانت خلافته إحدى عشرة سنة وأحد عشر شهرا وأياما، وسنه يوم قتل مختلف فيها أيضا على ما قيل فى ذلك أنه كان ابن تسعين سنة، وقيل: ابن ثمان وثمانين سنة، وقيل: ابن ست وثمانين سنة، وقيل: ابن اثنتين وثمانين، وقيل، ابن ثمانين.\rوقتل ﵀ ورضى عنه ظلما وتعديا، بمقدمات فتن نشأت على عهده، وقد كان رسول الله ﷺ أنذر بها، وأخبر ان الحق مع عثمان ﵀ ورضى عنه فيها.\rوروى مرة البهزى أن رسول الله ﷺ قال: «إنها ستكون فتن كأنها صياصى بقمر» ، فمر علينا رجل متقنع فقال: هذا وأصحابه على الحق، فذهبت فنظرت إليه، فإذا هو عثمان بن عفان رضى الله عنه.\rوحديث عائشة رضى الله عنها أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول له: «إن الله ملبسك قميصا تريدك أمتى على خلعه فلا تخلعه» ، قال: فلم أدر ما هو حتى رأيت عثمان قد أعطى كل شىء سئله إلا الخلع، فعلمت أنه على عهد رسول الله ﷺ الذى سمع منه.\rوفى حديث آخر عنها: أنها رأت رسول الله ﷺ يسار عثمان، ولون عثمان يتغير،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084690,"book_id":3509,"shamela_page_id":1253,"part":"2","page_num":624,"sequence_num":1253,"body":"فلما حصر قيل له، ألا تقاتل؟ قال: لا إن رسول الله ﷺ عهد إلى عهدا فأنا صابر نفسى عليه.\rوضايق الناس عثمان رضى الله عنه وانبسطوا عليه، وآذوه، وهو صابر على عهد رسول الله ﷺ راض بقضاء الله فيه، آمر بكف الأسلحة والأيدى، كل من انبعث لنصره، واق للمؤمنين بنفسه.\rحدث عبد الله بن ربيعة أنهم كانوا معه فى الدار، فلما سمع أنهم يريدون قتله قال:\rما أعلم أنه يحل دم المؤمن إلا الكفر بعد الإيمان، والزنا بعد الإحصان، أو قتل نفس بغير حق، وأيم الله، ما زنيت فى جاهلية ولا إسلام، وما ازددت للإسلام إلا حبا، ولا قتلت نفسا بغير حق، فعلام تقتلوننى؟ ثم عزم علينا أن نكف أيدينا وأسلحتنا، وقال: إن أعظمكم غناء أكفكم ليده وسلاحه.\rوقال أبو هريرة لأهل الدار وهو معهم فيها: أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول:\r«تكون بعدى فتن وأمور» ، قلنا: فأين الملتجأ منها يا رسول الله؟ قال: «إلى الأمين وحزبه» ، وأشار إلى عثمان. فقام الناس فقالوا: قد أمكنتنا البصائر، فإذن لنا فى الجهاد، فقال عثمان: أعزم على من كانت لى عليه طاعة أن لا يقاتل.\rومما ينسب إلى كعب بن مالك يذكر هذه الحال من عثمان بعد قتله رضى الله عنه وقال مصعب: هى لحسان، وقال ابن أبى شبة: هى للوليد بن عقبة:\rفكف يديه ثم أغلق بأبه ... وأيقن أن الله ليس بغافل\rوقال لأهل الدار لا تقتلونهم ... عفا الله عن ذنب امرئ لم يقاتل\rفكيف رأيت الله ألقى عليهم ال ... عداوة والبغضاء بعد التواصل\rوكيف رأيت الخير أدبر بعده ... عن الناس إدبار السحاب الحوامل\rوقال ابن عمر لبعض من وقع عنده فى عثمان: أما والله ما تعلم عثمان قتل نفسا بغير حق، ولا جاء من الكبائر شيئا، ولكن هو هذا المال إن أعطاكموه رضيتم، وإن أعطاه ذوى قرابته سخطتم، إنما تريدون أن تكونوا كفارس والروم، ولا يتركون أميرا إلا قتلوه، وفاضت عيناه من الدمع، وقال: اللهم إنا لا نريد ذلك.\rوحسب عثمان، رضى الله عنه، من الفضل العظيم، والحظ الجسيم، إلى ما له فى الإسلام من الآثار الكرام والنفقات التى بيضت وجه النبى ﵇ قوله صلوات الله عليه: أنت وليى فى الدنيا والآخرة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084691,"book_id":3509,"shamela_page_id":1254,"part":"2","page_num":625,"sequence_num":1254,"body":"ويروى أنه لما قتل سقطت من دمه قطرات على المصحف فصادفت قول الله تعالى:\rفَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ [البقرة: ١٣٧] ، ويقال: إن الذى تولى قتله من الذين دخلوا عليه رجل من أهل مصر يقال له جبلة بن الأيهم، وكذلك كان جمهور الداخلين عليه من أهل مصر. فيروى عن يزيد بن أبى حبيب، وهو من جملة المصريين أنه قال: بلغنى أن عامة النفر الذين ساروا إلى عثمان بن عفان جنوا.\rوعن أبى قلابة قال: كنت فى فندق بالشام، فسمعت مناديا ينادى: يا ويلة، النار النار، فقمت فإذا أنا برجل مقطوع اليدين من المنكبين، مقطوع الرجلين من الحقوين، أعمى، منكب لوجهه ينادى: يا ويلة، النار النار، فقلت: ما لك؟ قال: كنت فيمن دخل على عثمان يوم الدار، وكنت فى سرعان الناس، أو من أول الناس وصل إليه، فلما دنوت منه صاحت امرأته فلطمتها، فنظر إلى عثمان فتغرغرت عيناه بالدموع، وقال: ما لك سلب الله يدك ورجليك وأعمى بصرك وأدخلك جهنم، قال: فأخذتنى رعدة شديدة، ولا والله ما أحدثت شيئا غير هذا.\rفخرجت وركبت راحلتى، حتى إذا صرت بموضعى هذا ليلا أتانى آت، واله ما أدرى إنسى هو أم جنى، ففعل بى الذى ترى، وقد استجاب الله دعوته فى يدى ورجلى وبصرى، فو الله إن بقى إلا النار. قال أبو قلابة: فهممت أن أطاء برجلى، ثم قلت: بعدا وسحقا.\rوكان مع عثمان ﵀ ورضى عنه فى الدار جماعة من الصحابة وأناء الصحابة، يدرؤن عنه، وقاتلوا عنه يوم الدار حتى أخرج منهم يومئذ أربعة من شباب قريش محمولين مضرجين بالدم، وهم الحسن بن على، وعبد الله بن الزبير، ومحمد بن حاطب، ومروان بن الحكم، ولما أخبر على بقتله قال للذين أخبروه: تبا لكم آخر الدهر، وسمع يومئذ ضجة، فسأل عنها، فقيل: عائشة تلعن قتلة عثمان، والناس يؤمنون، فقال على:\rاللهم العن قتلة عثمان، اللهم العن قتلة عثمان.\rوقال سعيد بن زيد: لو أن أحدا انقض لما فعل بعثمان لكان حقيقا أن ينقض.\rوقال ابن العباس: لو اجتمع الناس على قتل عثمان لرموا بالحجارة كما رمى قوم لوط.\rوقال عبد الله بن سلام: لقد فتح الناس على أنفسهم بقتل عثمان باب فتنة لا ينغلق عنهم إلى يوم القيامة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084692,"book_id":3509,"shamela_page_id":1255,"part":"2","page_num":626,"sequence_num":1255,"body":"وفى ذلك يقول بعضهم:\rلعمر أبيك ولا تكذبين ... لقد ذهب الخير إلا قليلا\rلقد سفه الناس فى دينهم ... وخلى ابن عفان شرا طويلا\rوذكرت عائشة رضى الله عنها قتله وقتلته فقالت: اقتحم عليه النفر الثلاثة حرمة البلد الحرام والشهر الحرام وحرمة الخلافة، ولقد قتلوه وإنه لمن أوصلهم للرحم وأتقاهم لربه.\rوقال أيمن بن خريم:\rضحوا بعثمان فى الشهر الحرام ضحى ... فأى ذبح حرام ويلهم ذبحوا\rوأى سنة كفر من أولهم ... وباب شر على سلطانهم فتحوا\rماذا أرادوا أضل الله سعيهم ... بسفك ذاك الدام الذاكى الذى سفحوا\rوقال على بن حاتم: سمعت يوم قتل عثمان صوتا يقول:\rأبشر يا ابن عفان بروح وريحان ... أبشر يا ابن عفان برب غير غضبان\rأبشر يا ابن عفان بغفران ورضوان\rقال: فالتفت فلم أر أحدا.\rوالأخبار والأشعار فى هذه المعنى كثيرة، أعجلتنا عن الإكثار منها محاولة الخاتمة، فنسأل الله أن يجعلها جميلة، ويتقبلها قربة إليه وإلى رسوله ووسيلة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084693,"book_id":3509,"shamela_page_id":1256,"part":"2","page_num":627,"sequence_num":1256,"body":"الخاتمة\rوقد انتهى والحمد لله ما عملنا عليه فى هذا الكتاب، من قصد الاستيفاء لمغازى رسول الله ﷺ ومغازى الثلاثة الخلفاء، ولم يقع فى خلافة رابعهم فى تقلدها المحتوم بأيام محتوم أمدها، أبى الحسن على بن أبى طالب، رضى الله عنه وعنهم، من أمثال هذه الفتوح ما نثبته معها، ونجرى فى إيراده على الطريقة التى سلكنا مهيعها، لاستقباله بخلافته، رضى الله عنه، من مكابدة الفتن المارجة، ومحاربة الفئة الباغية، والفرقة الخارجة، ما أشتهر عند أهل الإسلام، وأغنى العلم به عن الإعلام، ولو كان لاغتنمنا به زيادة الإمتاع، وإفادة القلوب والأسماع، لأن هؤلاء الخلفاء الأربعة، رضى الله عنهم، هم بعد نبيهم، صلوات الله عليه، خير الأمة، والراشدون من الأئمة، وأولى من صرف إلى تقييد أخبارهم وتخليد آثارهم عنان الهمة، وأحق من اعتلق من حبهم، والإيواء إلى شعبهم، والثناء عليهم، والانضواء إلى حزبهم بأوثق أسباب العصمة وأمتن ذرائع الحرمة والرحمة، وكل صحابة المصطفى أهل منا لذلك، والموفق من سلك فى حبهم هذه المسالك.\rوما فضل أصحاب النبى وقومه ... لمن رام إحصاء له بمحسب\rولكنه أجر وزخر أعده ... وأجعله أمنى وحصنى ومهربى\rسأقطع عمرى بالصلاة عليهم ... وأداب فى حبى لهم كل مدأب\rإليك رسول الله منها وسيلة ... تناجيك عن قلب بحبك مشرب\rيزورك عن شحط الديار مسلما ... ويلقاك بالإخلاص لم يتنكب\rتم كتاب الاكتفاء من مغازى سيدنا رسول الله ﷺ ومغازى الثلاثة الخلفاء، رضى الله عنهم، وحشرنا معهم، وربنا المحمود لا إله غيره، ولا مرجو إلا بركته وخيره. برسم الفقير إلى الله تعالى جمال الدين محمد بن ناصر الدين محمد بن السابق الحنفى الحموى، لطف الله تعالى به، على يد الفقير لعفو ربه القدير محمد بن خليل بن إبراهيم الحنفى، عامله الله بلطفه الخفى، وفرغ من كتابته فى اليوم المبارك نهار الأربعاء السادس من صفر سنة ستين وثمانمائة، أحسن الله عقبتها، آمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084694,"book_id":3509,"shamela_page_id":1257,"part":"2","page_num":629,"sequence_num":1257,"body":"فهرس محتويات الجزء الثانى\rذكر بعث رسول الله ﷺ إلى الملوك، وكتابه إليهم يدعوهم إلى الله وإلى الإسلام ٣ ذكر كتاب النبى ﷺ إلى قيصر، وما كان من خبر دحية معه ٤ ذكر توجه عبد الله بن حذافة إلى كسرى بكتاب النبى ﷺ وما كان من خبره معه ١٠ ذكر إسلام النجاشى، وكتاب رسول الله ﷺ إليه مع عمرو بن أمية الضمرى ١٢ كتاب رسول الله ﷺ إلى المقوقس صاحب الإسكندرية مع حاطب بن أبى بلتعة ١٣ ذكر كتاب رسول الله ﷺ إلى المنذر بن ساوى العبدى مع العلاء بن الحضرمى بعد انصرافه من الحديبية ١٥ ذكر كتاب النبى ﷺ إلى جيفر وعبد ابنى الجلندى الأزديين، ملكى عمان، مع عمرو بن العاص ١٧ كتاب رسول الله ﷺ إلى هوذة بن على مع سليط بن عمرو العامرى، وما كان من خبره معه ١٩ ذكر كتاب النبى ﷺ إلى الحارث بن أبى شمر الغسانى مع شجاع بن وهب ٢٢ ذكر كتاب النبى ﷺ إلى فروة بن عمرو الجذامى ثم النفاتى، وما كان من تبرعه بالإسلام هداية من الله ﷿ له ٢٦\rذكر حجة الوداع وتسمى أيضا حجة التمام، وحجة البلاغ ٣٠ ذكر مصيبة الأولين والآخرين من المسلمين بوفاة رسول الله ﷺ وعلى آله أجمعين ٣٦ بيعة أبى بكر رضى الله عنه وما كان من تحيز الأنصار إلى سعد بن عبادة فى سقيفة بنى ساعدة ومنتهى أمر المهاجرين معهم ٥٠ ذكر غسل رسول الله ﷺ ودفنه، وما يتصل بذلك من أمره صلوات الله عليه وسلامه ورحمته وبركاته ٥٨ ذكر خلافة أبى بكر الصديق رضى الله عنه وما حفظ عن رسول الله ﷺ من الإيماء إليها والإشارات الدالة عليها مع ما كان من تقدمه ﷺ إلى الإنذار بالفتن الكائنة بعده وما صدر عنه من الأقاويل المنذرة بالردة ٨٥ ذكر بدء الردة بعد وفاة رسول الله ﷺ وما كان من تأييد الله لخليفة رسوله ﵇ فيها ٨٨ وصية أبى بكر الصديق رضى الله عنه، خالد بن الوليد حين بعثه فى هذا الوجه ٩٧ ذكر مسير خالد بن الوليد رضى الله عنه، إلى بزاخة وغيرها ١٠١ ذكر رجوع بنى عامر وغيرهم إلى الإسلام ١٠٥","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084695,"book_id":3509,"shamela_page_id":1258,"part":"2","page_num":630,"sequence_num":1258,"body":"قصة مسيلمة الكذاب وردة أهل اليمامة ١١٢\rذكر تقديم خالد بن الوليد الطلائع أمامه من البطاح ١١٩\rذكر ردة بنى سليم ١٤٤\rردة البحرين ١٤٨\rذكر ردة أهل دبا وأزد عمان ١٥٤\rذكر ردة صنعاء ١٥٦\rذكر ردة كندة وحضرموت ١٥٩\rذكر بدء الغزو إلى الشام وما وقع فى نفس أبى بكر الصديق رضى الله عنه، من ذلك وما قوى عزمه عليه ١٦٦\rوقعة أجنادين ٢٠١\rوقعة مرج الصفر ٢٠٦\rذكر الخبر عن وفاة أبى بكر الصديق رضى الله عنه، وما كان من عهده إلى عمر بن الخطاب، جزاهما الله عن دينه الحق أفضل الجزاء ٢٠٨\rاستخلاف عمر بن الخطاب ٢١٢\rذكر الخبر عما صار إليه أمر دمشق من الفتح والصلح بعد طول الحصار فى خلافة عمر بن الخطاب، على نحو ما ذكره من ذلك أصحاب فتوح الشام ٢١٨\rذكر بيسان ٢٢٣\rذكر طبرية ٢٢٣\rحديث مرج الروم من رواية سيف أيضا ٢٢٤\rوقعة فحل حسبما فى كتب فتوح الشام ٢٢٦\rفتح حمص فيما حكاه أصحاب فتوح الشام ٢٤٣\rحديث حمص آخر ٢٤٨\rفتح قنسرين ٢٥٠\rجمع الروم للمسلمين ٢٥١\rوقعة اليرموك على نحو ما حكاه أصحاب كتب فتوح الشام ٢٥٩\rقصة صلح إيلياء وقدوم عمر رضى الله عنه الشام ٣٠١\rذكر ما وعدنا به قبل من سياقة فتح قيسارية حيث ذكرها أصحاب فتوح الشام خلافا لما أوردناه قبل ذلك عن سيف بن عمر، مما لا يوافق هذا مساقا ولا زمانا، حسب ما يوقف عليه فى الموضعين إن شاء الله تعالى ٣١٨\rذكر فتح مصر ٣٢٢\rذكر فتح أنطابلس ٣٥٤\rفتح أطرابلس ٣٥٥\rذكر انتقاض الإسكندرية فى خلافة عثمان رضى الله عنه ٣٥٦\rذكر غزو أفريقية وفتحها ٣٥٨\rذكر صلح النوبة ٣٦٢\rذكر البحر والغزو فيه ٣٦٣\rغزو معاوية بن أبى سفيان قبرس ٣٦٤\rغزوة ذات الصوارى ٣٦٦\rذكر فتح العراق وما والاه على ما ذكره سيف بن عمر وأورده أبو جعفر محمد بن جرير الطبرى عنه وعن غيره ٣٦٨\rأخبار الأيام فى زمان خالد بن الوليد رضى الله عنه ٣٧٢\rحديث الثّنى والمذار ٣٧٦\rحديث الولجة وهى مما يلى كسكر من","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084696,"book_id":3509,"shamela_page_id":1259,"part":"2","page_num":631,"sequence_num":1259,"body":"البر ٣٧٨\rحديث ألّيس، وهى على صلب الفرات ٣٧٩\rحديث أمغيشيا وكيف أفاءها الله بغير قتال ٣٨٢\rحديث يوم المقر وفم فرات بادقلى مع ما يتصل به من حديث الحيرة ٣٨٢\rحديث الأنبار وهى ذات العيون ٣٩٠\rحديث عين التمر ٣٩١\rحديث دومة الجندل وما بعدها من الأيام بحصيد والخنافس ومصيخ والبشر والفراض ٣٩٢\rحديث المثنى بعد خالد ٣٩٨\rذكر ما كان من خبر العراق فى خلافة عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وما كان من أمر المثنى بن حارثة معه، وذكر أبى عبيد بن مسعود، على ما فى ذلك كله من الاختلاف بين رواة الآثار ٤٠٠\rحديث وقعة الجسر ٤٠٧\rحديث البويب ووقعة مهران ٤١٥\rحديث غارة المثنى على سوقى الخنافس وبغداد ٤٢٦\rحديث السرايا من الأنبار ٤٢٨\rذكر ما هيج حرب القادسية على ما ذكره سيف عن أشياخه ٤٢٩\rتأمير عمر، رضى الله عنه، سعد بن أبى وقاص على العراق وذكر الخبر عن حرب القادسية ٤٣١\rيوم أرماث ٤٦٥\rذكر اليوم الثانى من أيام القادسية، وهو يوم أغواث ٤٧٨\rحديث يوم عماس، وهو اليوم الثالث من أيام القادسية ٤٨٤\rخبر اليوم الرابع من أيام القادسية ٤٨٨\rذكر فتح المدائن وما نشأ بينه وبين القادسية من الأمور ٥٠٤\rحديث وقعة جلولاء ٥٢٥\rحديث يوم تكريت ٥٣١\rذكر يوم ماسبذان ويوم قرقيسيا ٥٣٣\rذكر الحديث عن تمصير الكوفة والبصرة وتحول سعد بن أبى وقاص عن المدائن إلى الكوفة وما يندرج مع ذكر البصرة من فتح الأبلة ٥٣٤\rذكر الجزيرة، وذكر السبب الذى دعا عمر إلى الأمر بقصدها ٥٤١\rذكر فتح سوق الأهواز ومناذر ونهرتير ٥٤٤\rحديث فتح الأهواز ومدينة سرق ٥٤٦\rذكر غزو المسلمين أرض فارس ٥٤٧\rذكر فتح رامهرمز والسوس وتستر وأسر الهرمزان ٥٤٩\rذكر فتح السوس ٥٥٣\rفتح جندى سابور ٥٥٥\rحديث وقعة نهاوند ٥٥٦\rذكر الانسياح فى بلاد فارس، وعمل المسلمين به بإذن عمر رضى الله عنه، فيه بعد منعه إياهم، وما تبع ذلك من الفتوح فى بقية خلافته وقتال الترك والديلم وغيرهم ٥٧٢\rذكر الخبر عن أصبهان ٥٧٤","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3084697,"book_id":3509,"shamela_page_id":1260,"part":"2","page_num":632,"sequence_num":1260,"body":"ذكر فتح همذان ثانية وقتال الديلم ٥٧٦\rفتح الرى ٥٧٨\rذكر فتح قومس وجرجان ٥٧٩\rذكر فتح طبرستان ٥٨٠\rفتح أذربيجان ٥٨٠\rحديث فتح الباب ٥٨١\rذكر مسير يزدجرد إلى خراسان ودخول الأحنف إليها غازيا ٥٨٥\rفتح توج ٥٩٠\rحديث اصطخر ٥٩١\rحديث فسا ودارابجرد ٥٩٣\rحديث فتح كرمان ٥٩٥\rفتح سجستان ٥٩٥\rفتح مكران ٥٩٦\rحديث بيروذ ٥٩٧\rغزوة سلمة بين قيس الأشجعى الأكراد ٥٩٩\rذكر الخبر عن إحرام عمر بن الخطاب، رضى الله عنه إلى حين مقتله ٦٠١ ذكر خلافة ذى النورين أبى عمرو عثمان بن عفان أمير المؤمنين، رضى الله عنه ومبايعة أهل الشورى له بعد وفاة عمر، رضى الله عنه ٦٠٨\rذكر غزوة الوليد بن عقبة أذربيجان وأرمينية لمنع أهلها ما صالحوا عليه أهل الإسلام أيام عمر بن الخطاب ٦١٠\rذكر انتقاض فارس، ومسير عبد الله بن عامر إليها وفتحه إياها ٦١٢\rذكر انتقاض خراسان، وخروج سعيد بن العاص وعبد الله بن عامر إليها وذكر طبرستان واستيلاء سعيد عليها ٦١٢\rذكر مقتل يزدجرد ٦١٤\rذكر فتح أبرشهر، وطوس، وبيورد، ونسا، وسرخس، وصلح مرو ٦١٦\rذكر فتح مرو الروذ والطالقان والفارياب والجوزجان وطخارستان ٦١٨\rذكر جرى الصلح بين الأحنف وبين أهل بلخ ٦٢١\rفتح عمورية وانتقاضها ٦٢٢\rمقتل عثمان رضى الله عنه ٦٢٣\rالخاتمة ٦٢٧\rالفهرس ٦٢٨","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}