{"page_id":1851920,"book_id":1857,"shamela_page_id":1,"part":null,"page_num":1,"sequence_num":1,"body":"كتاب الأفضليات\rرسالة العفو\rبسم الله الرحمن الرحيم قال الشيخ أبو القاسم علي بن منجب بن سليمان الكاتب: هذه الرسائل التي صنفتها منذ الأيام الأفضلية، فأولها رسالة العفو التي ترجمتها استنزال ... مما خدم به المجلس العالي الملكي الأفضلي مملوكه فلان، الحمد لله راحم خلقه وإن عظمت ذنوبهم، وكاشف ضرهم فيما يطرقهم وينوبهم والمتفضل عليهم بنعمة وهم غافلون، والقائل في محكم كتابه: (وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون) وصلى الله على سيدنا محمد نبيه الذي شرفه بالقرآن الكريم، ووصفه بالخلق العظيم، وفضله على كافة الأنبياء الذين بعثهم وأرسلهم، وأمره في أصحابه بقوله - عز من قائل -: (فاعف عنهم واستغفر لهم) وعلى أخيه وابن عمه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الذي أجاب إلى الإيمان مسارعاً مبادراً، وصفح عن عدوه وكان عليه قادراً، وأعربت شيمه عن الشرف الصريح، ومنعه كرمه أن يجهز على جريح، وعلى آلهما الطاهرين الذين طهر بهم من الأدناس صلاة دائمة الاتصال، مستمرة في الغدو والآصال، وسلم وكرم ومجد وعظم. أجمعت البرية على اختلاف ألسنتها وألوانها، وتغاير عصورها وأزمانها، وتباين عقولها وآرائها، وتفاوت أغراضها وأهوائها أن أفضل ما اكتسبه المرء في وجوده، وأشرف ما منحه من كرم الله تعالى وجوده ما يوفق له من إصلاح أخلاق النفس وتهذيبها، وتبليغها غاية تجود الخواطر فيها وتهذي بها، وإن من أدرك ذلك فقد نال الرتبة العلية، وحاز السعادة الحقيقية؛ لأنه حصل على فضيلة الذات، ووصل بها إلى أعظم اللذات، وهذه قضية لا تنتقض، ومقدمة لا يخالف أحد فيها ولا يعترض. فأما النتيجة عنها فهي فعل الحسن والمثابرة عليه، والتنزه عن القبيح وإن دعت المكافأة إليه وأفضل الحسن ما بقي ذكر المرء بعده، وجعله بالوصف قريباً وإن أطالت الأيام عهده، إذ كان بقاء ذكر الإنسان عمراً يستجده، وكنزاً يذخره لوارثه ويعده. ومن أمثالهم: (البشر أحد الجودين، والذكر أحد الخلودين، والبيان أحد السحرين، والثناء أحمد العمرين) وما أحسن قول أبي الطيب:\rكفل الثناء له برد حياته ... لما انطوى فكأنه منشور\rوقد سبقه إلى هذا المعنى غيره. قال التيمي:\rردت صنائعه على حياته ... فكأنه في طيه منشور\rوقال آخر:\rطوته المنايا والثناء كفيله ... برد حياة ليس يخلقها الدهر\rوبعد أبي الطيب قال مهيار:\rأفنى الثراء على الثناء لعلمه ... أن الفناء مع الثناء خلود","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1851921,"book_id":1857,"shamela_page_id":2,"part":null,"page_num":2,"sequence_num":2,"body":"وإذا تؤملت المناقب التي تخلد حسن الذكر، وتمثلت صوراً تستشف في مرآة الفكر؛ وجد أحسنها منظراً، وأشفها جوهراً ما كانت النعمة فيه تتعدى، والآمال تتعرض نحوه وتتصدى، فلذلك عظم رب المنائح والصلات، وفضل المتنفل بالصدقة على المتنفل بالصلاة؛ وذلك (أن) المصلي لا تتجاوزه مثوبة ما صنع، والمتصدق فقد نفع غيره وهو لا محالة قد انتفع. وهذا أمر قائم الدليل، واضح برهان التفضيل. ثم إن هذه النعمة المشتركة بين منعم عليه بها، ومنعم يثاب بسببها، تنقسم في قسمين أيضاً: أحدهما البر المعهود والصدقة المعروفة، والآخر العفو عن الجرائم التي تأبى احتمالها الطباع العزوفة. وتفضيل من يعفو على من يتصدق فرض واجب، وترجيحه عليه أمر متعين وحق لازب؛ لأن المتصدق لا يتجاوز حالاً مختلة يسد خصاصتها وفاقتها، والعافي عن الذنوب فقد يحقن دماء يوجب العدل سفكها وإراقتها. فالأول يولي جميلاً ويحسن صنيعاً، والثاني يحيي نفيساً (ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً) فبينهما هذا التفاوت الذي لا يخفى قدره، والتباين الذي لا يستتر على ذي تصور أمره، فقد استقر بهذه السياقة أن العفو أكرم الخصال، وأعلى منازل الكمال، وأحمد الأفعال عاقبة في العاجلة والمآل. ومن لطائف الله تعالى بأهل هذا العصر، ومواهبه التي تتعدى مدى الإحصاء والحصر؛ أن جعل هذه الفضيلة التي قام بها البرهان على أنها الأولى في العدد، وارتفع الخلاف في كونها الأولى بتعظيم كل أحد، أغلب الخلال على خلائق مولانا الملك السيّد الأجل الأفضل أمير الجيوش، سيف الإسلام، ناصر الإمام، كافل قضاة المسلمين، وهادي دعاة المؤمنين، عضد الله ملكه بالتخليد، وشد ببقائه أزر الإيمان والتوحيد، الذي ملأ جماله العيون، وصدق إحسانه الظنون، ووضحت الدلائل على أن مثله لم يكن قط ولن يكون:\rهيهات قامت معجزات العلا ... فيه وماتت آية الانفراد\rجل عن الناس فما عابه ... شيء سوى تشبيهه بالعباد\rثم إنه بسط الله اقتداره، وأعز أولياءه وأنصاره لم يعرض من الصفح بما ألف، ولم يقنع من العفو بما عرف مما يجود منه على الجاني ببقاء روحه، ويحول به بين المجرم وبين سكنى ضريحه، حتى أبان من التذاذه بالغفران، وإحسانه إلى من قابل نعمته بالكفران ما جعل المذنبين يتقربون إليه بالجرائر، والمسيئين يتوسلون عنده بالكبائر، فحمدوا خطأهم وما عهدنا الخطأ مع غير كرمه يحمد، وجحدوا براءتهم وما عرفنا البراءة لولا فيض فضله تنكر وتجحد، وصارت إساءتهم من مواتهم إليه وشوافعهم، وجنايتهم من حرماتهم لديه وذرائعهم. فما أصدق ما قال أحد شعراء مجلسه العالي شيد الله مبانيه، وبلغ كلاً من مماليكه آماله وأمانيه:\rوسعت مراحمك الجناة بأسرهم ... وأقلت كلاً منهم عثراته\rوجزيت مرتكب الكبيرة منهم ال ... حسنى فأصبح شاكراً زلاته\rوهذا المعنى وإن كان مجيدو الشعراء قد ألموا به، وأبدعوا فيه، وسلكوا منه مذهبا لا يسلكه غيرهم ولا يقتفيه، كقول مهيار - وهو من المستحسن المختار -:\rوإذا الإباء المر قال لك: انتقم ... قالت خلائقك الكرام: بل احلم\rشرع من العفو انفردت بدينه ... وفضيلة لسواك لم تتقدم\rحتى لقد ود البريء بأنه ... أدلى إليك بفضل جاه المجرم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1851922,"book_id":1857,"shamela_page_id":3,"part":null,"page_num":3,"sequence_num":3,"body":"فإنه في أوصاف مولانا - أدام الله ملكه - صدق وحق، وفي مدائح غيره من الملوك زور ومذق، ولسنا نطلق هذا الحكم خالياً من شاهد يصححه، ولا عاطلاً من قياس يبينه ويوضحه. فنقول: إن كل خلة شريفة، وكل فضيلة لملك أو خليقة، مما يتداول بالروايات، ويتناقل بالأخبار والحكايات، مثل ما اشتهر من عدل كسرى أنوشروان، وانتشر من ورع عمر بن عبد العزيز بن مروان، ومثل ما ذكر من حزامة الجعدي، وشكر من سماحة المهدي، ووصف من صبر المعتمد، وعرف من سياسة المعتضد، إلى غير ذلك من الفضائل التي شهدت لهم بحسن الأثر، وتضمنها ما ثبت من أخبارهم في التواريخ والسير، ولم نعلم أحداً اشتهر بالعفو اشتهار المأمون حتى كأن هذه المنقبة عليه موقوفة، وكأن الأمة مدفوعة عنها مصروفة. وأبهر ما حوته من آياته، وأكثر ما تضمنته من معجزاته، عفوه عن إبراهيم بن المهدي عمه، وتكرمه في تجرع غيظه منه وكظمه، وقد شاع ذلك عنه وذاع، وملأ ذكره ووصفه الأسماع، وإنما هو شخص مفرد، ورجل واحد، وصنو لأبيه. وكل عم أب ووالد. وقد كان استشار فيه من ثبت عنده عقله وفهمه، فقال: يا أمير المؤمنين، أكره أن يقال يوماً: أخوه، ويوماً: عمه. وهذا كلام يرفع القلب له حجابه، ويعلم سامعه صحته وصوابه. فلم انتقم منه لظاهر بالقساوة والعقوق، ولو شفى غيظه لجاهر بالإضاعة للحقوق، وأيضاً فإنه وصل إلى بغداد عقيب استخفاء إبراهيم واستتاره، واستقر بها بعد خمول ذكره وخمود ناره، فما ظفر به حتى انكسرت مغائظه، وتناقصت حقوده وحفائظه، وتمكن له من السلطان ما ترفع معه أن يأتي الانتقام، وحصل له من الاقتدار ما رغبه في ثناء إذا تقضت الأيام ثبت وأقام، ومع ذلك فما كان يقين إبراهيم بعفو المأمون حسناً، ولا اعتقاده في صفحة قوياً من قلبه ولا متمكناً، ومن دلائل ذلك أنه كان عند وثوبه اقترض مالاً كثيراً من التجار، وكان فيه لعبد الملك الزيات والد محمد عشرة آلاف دينار، فلما لم يتم أمره لواهم أموالهم، فعمل محمد بن عبد الملك الزيات قصيدة يخاطب بها المأمون، وقال فيها عند ذكر إبراهيم بن المهدي:\rووالله ما من توبة نزعت به ... إليك ولا حب نواه ولا ود\rفلا تتركن للناس موضع شبهة ... فإنك مجزي بحسب الذي تسدي\rفكم غلط للناس في نصب مثله ... بمن ليس للمنصور بابن ولا المهدي\rفكيف بمن قد بايع الناس فالتقت ... ببيعته الركبان غورا إلى نجد\rومن صك تسليم الخلافة سمعه ... ينادى به بين السماطين من بعد\rوأي امرئ سمى بها قط نفسه ... ففارقها حتى يغيب في اللحد\rفإن قلت قد رام الخلافة غيره ... فلم يؤت فيما كان حاول من جد\rفلم أجزه ... إذ خيب الله سعيه\r\rعلى خطأ قد كان منه ولا عمد\rولم أرض بعد العفو حتى رفدته ... وللعم أولى بالتغمد والرفد\rفليس سواء خارجي رمى به ... إليك سفاه الرأي والرأي قد يردي\rوآخر في بيت الخلافة تلتقي ... به وبك الآباء في ذروة المجد\rوعرضها على إبراهيم، ولم يكن محمد حينئذ من أهل النباهة، ولا من أرباب الوجاهة، فسأله إبراهيم كتمانها، واستحلفه على ذلك، وأدى مال أبيه دون مال جميع التجار. فلو كان واثقاً بعفو المأمون لما التفت إلى هذا الإغراء، ولا عرج على هذا الافتراء، وكيف يثق به وهو لم يخل في أيامه من الترويع، ولا سلم من مخاوف التعنيف والتقريع؟! لا جرم أنه ما أمن حتى قضى المأمون نحبه، ولا اطمأن إلى أن مضى ورضوه ... حتى قال أحدهم في بعض ما خدم به من القصائد:\rفإن تعف عنهم فانفهم عن ديارهم ... وإن تنتقم فاضرب مناط القلائد\rفخالف - خلد الله ملكه - من أتى بهذا القول مشيراً، وشملهم من العفو بما بدل ناعيهم بشيراً. على أنا ما علمنا ملكاً حرض على محرم فعف، ولا خليفة حمل على مكروه مسيء فتأخر عنه ولا كف. هذا سديف بن ميمون دخل على أبي العباس السفاح وعنده سليمان بن هشام فأنشده:\rلا يغرنك ما ترى من أناس ... إن بين الضلوع داء دويا\rفضع السيف وارفع السوط حتى ... لا ترى فوقها ظهرها (أمويا)","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1851923,"book_id":1857,"shamela_page_id":4,"part":null,"page_num":4,"sequence_num":4,"body":"فقال سليمان قتلتني يا شيخ، قتلك الله، ونهض أبو العباس فوضع المنديل في عنق سليمان، وقتل من ساعته. ودخل شبل بن عبد الله على عبد الله بن علي فأنشده محرضاً على بني أمية وعنده منهم ثمانون رجلاً:\rأصبح الملك ثابت الأساس ... بالبهاليل من بني العباس\rمنها:\rلا تقيلن عبد شمسٍ عثارا ... واقطعن كل رقلة وأواسي\rذلها أظهر التودد منها ... وبها منكم كحز المواسي\rولقد غاظني وغاظ سوائي ... قربها من نمارق وكراسي\rأنزلوها بحيث أنزلها الل ... هـ بدار الهوان والإتعاس\rواذكروا مصرع الحسين وزيد ... وقتيلا بجانب المهراس\rوالقتيل الذي بحران أمسى ... ثاوياً بين غربة وتناس\rنعم شبل الهراش مولاك شبل ... لو نجا من حبائل الإفلاس\rفلما سمع؛ تنكر؛ وأمر بهم فقتلوا، وألقى عليهم البسط، وجلس للغداء، وإن أحدهم ليسمع أنينه لم يمت بعد. وقد قيل: إن المخاطب بهذه الأبيات أبو العباس السفاح، ويروى أنه قال لشبل: لولا أنك خلطت كلامك بالمسألة لأغنمتك جميع أموالهم، ولعقدت لك على جميع موالي بني هاشم. وقال العبدي الشاعر: دخلت على عبد الله بن علي السفاح، وعنده من بني أمية اثنان وثمانون رجلاً، والغمر بن يزيد بن عبد الملك جالس معه على مصلاه، فاستنشدني، فأنشدته قصيدتي الرائية:\rوقف المتيم في رسوم ديار\rوهو مطرق حتى انتهيت إلى قولي:\rأما الدعاة إلى الجنان فهاشم ... وبنو أمية من دعاة النار\rأأمي مالك من قرار فالحقي ... بالجن صاغرة بأرض وبار\rولئن رحلت لترحلن ذميمة ... وكذا المقام بذلة وصغار\rقال: فرفع الغمر رأسه إلي وقال: يا بن الفاعلة، ما دعاك إلى هذا؟ فضرب عبد الله بقلنسوته الأرض، وكانت العلامة بينه وبين أهل خراسان، فوضعوا عليهم العمد حتى ماتوا، وأمر بالغمر فقتل صبراً.\rوكان ابن حزم أميراً على المدينة، فتحامل على الأحوص الشاعر تحاملاً شديداً، فشخص إلى الوليد بن عبد الملك، فأنشده قصيدة رائية أيضاً يمتدحه فيها، فلما بلغ منها إلى قوله الذي يشتكي ابن حزم ويظلمه:\rلا ترثين لحزمي ظفرت به ... يوماً ولو ألقي الحزمي في النار\rالناخسين بمروان بذي خشب ... والداخلين على عثمان في الدار\rفقال له الوليد: صدقت، والله غفلنا عن حزم وآل حزم. ثم كتب عهد عثمان بن حيان المري على المدينة، وعزل ابن حزم، وأمر باستصفاء أمواله وأموال آهل، وإسقاط جميعهم من الديوان.\rوهذه الحكايات والأخبار فلها أشباه كثيرة وأنظار لو توضع فيها لطال بابها ولم يضمن مع ذلك استغراقها واستيعابها.\rوبعد فكل ملك إذا أخذ أهبة مملكته تكبر، وإذا انتصب في مقر عظمته طغى وتجبر، ومولانا - خلد الله ملكه - إذا علا دسته ورقي سريره رأى الناس أفضل الملوك سيرة، وأحسنهم مع الله سريرة، لا يعجل بالعقاب، ولا يؤجل الثواب، ولا يتجاوز في حكمه الصواب، ولا يمنع أحداً يستقي الحجة ويستوفي الخطاب هذا على انبساط قدرته، واعتلاء شأنه وانتشار هيبته، واتساع سلطانه، وإنه إذا استقر في منصبه، وحف الأكابر والعظماء به، وحضر رسل الملوك وسفراؤهم لديه، ووقف الأماثل سماطين بين يديه، وأذن لمن ببابه من أعيان الوفود، وغصت الأماكن الفسيحة بالعساكر والجنود، وتعرض الخدم لامتثال المراسم، واشتكت إليه الأرض من وقع المياسم؛ رأيت شرف الدنيا وعز الأبد، وسلطاناً عظيماً قوي المدد، وملكاً كثيراً لا ينبغي لأحد، ونظرت الأنوار قد سطعت وأشرقت، والأبصار قد خضعت وأطرقت، وشاهدت مقاماً مهيباًن ومنظراً هائلاً، وألفيت كل لسان معقولاً بالمخافة وقد كان جائلاً قائلاً، وتمثلت ضرورة بقول الله تعالى في محكم الكتاب: (هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب) فالله تعالى يجعل مملكته مخلدة، وسعوده أبداً مجددة، وقلوب الأداني والأقاصي جنوداً في طاعته مجندة بفضله وقدرته وجوده ومشيئته.\rوإذ قد قام الدليل على شرف العفو وفضله، وتعين بالواجب تعظيم من كان من أهله؛ فلا بدّ في هذه الرسالة من ذكر شيء مما جاء فيه، وإيراد طرف في الاستعطاف والاسترحام؛ إذ كانا من أسباب ودواعيه.\r\rفصل مما جاء في العفو\rقال الله عز من قائل: (فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1851924,"book_id":1857,"shamela_page_id":5,"part":null,"page_num":5,"sequence_num":5,"body":"وقال: (وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم وقال: (فمن عفا وأصلح فأجره على الله) وجاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا كان يوم القيامة ينادي مناد ألا فليقم من كان أجره على الله، فلا يقوم إلا من عفا) وعنه ﷺ أنه قال: (لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون ثم يستغفرون فيغفر لهم) وما أحسن قول بعض الزهاد: إن الله ﷿ أمر بالعفو، وهو لا يكون عن البريء، وإنما يكون عن المذنب المسيء. ألم تسمع إلى قول الله تعالى: (وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم) فو الله ما قال: على إحسانهم، ولا على عدلهم.\rالحسن بن هانئ وهو آخر شعر قاله:\rيا رب إن عظمت ذنوبي كثرة ... فلقد علمت بأن عفوك أعظم\rإن كان لا يرجوك إلا محسن ... فمن الذي يرجو ويدعو المجرم؟\rأدعوك رب كما أمرت تضرعاً ... فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم؟\rما لي إليك وسيلة إلا الرجا ... وعظيم عفوك ثم أني مسلم\rحكي عن بعض ملوك العجم أنه أتى بأسير عظيم الجرم، فقال له: لو كان هواي في العفو عنك لخالفته إلى قتلك ولكن لما كان هواي في قتلك خالفته إلى العفو عنك. وعفا عنه. فمن بركة العفو أنه صرف هذا الملك عن موافقة هواه، وعدل به إلى متابعة هداه وتقواه.\rذكر أن أحد خدم الملوك قال له يوماً: إني لأتعمد الخطأ في خدمتك، وليس ذاك جهلاً بشرف طاعتك، (فقال: وما يحملك على ذاك؟ فقال رأيتك شديد السرور) إذا عفوت، فقصدت ما يؤدي إلى مسرتك. ومن ها هنا أخذ ابن القمي قوله:\rوعبدك إن يأت الذنوب فإنما ... تعمد أن يهفو لأن تتغمدا\rوكان أبو محمد الخازن قد بعد عن الصاحب وفارق خدمته، ثم عاد إليه، فتلقاه بالترحيب، وجعل إقالته العثرة سالمة من اللوم والتثريب، فكتب إلى أبي بكر الخوارزمي كتاباً منه: ولقد كنت أحسب العفو عني حلماً ولا أقدر ما جنيت يعقب حلما، فكأني ما خطوت إلا في التماس قربة، ولا أخطأت إلا لتأثيل إيثار ومحبة.\rولما وصل الفتكين الشرابي غلام معز الدولة أبي الحسين أحمد بن بويه إلى الشام في خلافة العزيز بالله ﵇، وسيرت العساكر إليه تقرر الصلح بينه وبني القائد جوهر على أن ينادي بشعار الدولة ثم نقض ذلك، ولم يزل يقرره ثم ينقضه، حتى خرج العزيز بالله ﵇ إليه، وتولى قتاله بنفسه بعد أن أبى ما أعطاه من الأمان، وبذل له من الإحسان. فلما ظفر به ضرب له فازة، وأمر بأن تحمل إليه أنفس الفرش والألات، ورد إليه كل ما عرفه من المنهوب له، وكان جماعة قد أشاروا بأن يشهر على الفيل، وبأن يجعل في قفص، فأبت خلائقه إلا عفوا، وموارد كرمه إلا صفوا. ويقال إنه أنفق في توبته إلى أن حصل في قبضته ألفي ألف دينار.\rوحكى بعض البغداديين قال: كنت ببغداد في سنة ثمان وستين وثلاث مئة حين ورد كتاب أحد التجار بما فعله العزيز بالفتكين، فوقعت ضجة، واجتمع خلق لا تحصى، ورفعوا أصواتهم بالدعاء له، وخرجوا إلى مسجد براثا يدعون، وأظهر الشيعة ما في نفوسهم من الولاء فما أمكن الملك فناخسرو إنكار ذلك لكثرة الناس. قال أبو الفتح بن المقدر المتكلم: استدعى الصاحب أبو القاسم في بعض الأيام شراب السكر، فأحضر قدح منه، فلما أراد أن يشربه قال له أحد خواصه: لا تشربه، فإنه مسموم. وكان الغلام الذي ناوله إياه واقفاً، فقال للرجل المحذر له منه: وما الشاهد على صحة قولك؟ قال: أن تجربه على من أعطاكه، فقال: لا أستحسن ذاك ولا أستحله. قال: فعلى دجاجة. قال: إن التمثيل بالحيوان لا يجوز. ورد القدح، وأمر بأن يقلب ما فيه، وقال للغلام: انصرف عني، ولا تدخل داري. وأمر بإقرار جاريه وجرايته عليه، وقال: لا يدفع اليقين بالشك، ولا تحسن العقوبة بقطع الرزق.\rابن حيوس:\rلعمري لقد بذَّ الملوك جميعهم ... بأربعة في غيره لن تألفا\rبأمن لم يخشى، وقهر لمن طغى ... وسبق لمن جارى، وعفو لمن هفا\rملي بأن يأتي الجميل خليقة ... إذا ما أتاه المحسنون تكلفا\rإبراهيم بن المهدي:\rلغفوت عما لم يكن عن مثله ... عفو ولم يشفع إليك بشافع\rإلا العلو عن العقوبة بعدما ... ظفرت يداك بمستكين خاضع\rورحمت أطفالاً كأفراخ القطا ... وحنين وآلهة كقوس النازع\rأبو سعيد الرستمي:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1851925,"book_id":1857,"shamela_page_id":6,"part":null,"page_num":6,"sequence_num":6,"body":"يا بن الذين إذا بنوا شادوا وإن ... أسدوا يدا عادوا، وإن يعدوا يفوا\rإن حاربوا لم يحجموا، أو قارنوا ... لم يندموا، أو عاقبوا لم يشتفوا\rومتى استجيروا أسعفوا، ومتى استني ... لوا أسرفوا، ومتى استفيدوا أضعفوا\rمهيار:\rوكم آبقٍ من رق ملكك غامطٍ ... لنعماك لم ينهض بما قد تحملا\rعفوت مراراً عن تمادي ذنوبه ... وأبطرته بالعفو حتى توغلا\rفصل في الشفاعة والاستعطاف\rلما قتل الحارث بن أبي شمر الغساني المنذر بن ماء السماء - وهو المنذر الأكبر، وماء السماء أمه - أسر جماعة من أصحابه، وكان فيمن أسر شأس بن عبدة في تسعين رجلاً من بني تميم، وبلغ ذلك أخاه علقمة بن عبدة الشاعر فقصد الحارث ممتدحاً بقصيدته المشهورة التي أولها:\rطحا بك قلب في الحسان طروف ... بعيد الشباب عصر حان مشيب\rفأنشده إياها حتى بلغ إلى قوله:\rإلى الحارث الوهاب أعملت ناقتي ... لكلكلها والقصريين وجيب\rإليك ... أبيت اللعن\rكان وجيفها\rلمشتبهات هو لهن مهيب\rهداني إليك الفرقدان ولا حب ... له فوق أعلام المتان علوب\rفلا تحرمني نائلاً عن جناية ... فإني امرؤ وسط القباب غريب\rوفي كل حي قد خبطت بنعمة ... وحق لشأس من نداك ذنوب\rفقال الحارث: نعم، وأذنبة، وأطلق له شأسا أخاه وجماعة أسرى بني تميم، ومن سأل فيه من غيرهم.\rومن الشفاعات التي تضاعف الانتفاع بها لتصحيف اتفق فيها، وقلما ينتفع بالتصحيف، ما حكاه أبو عبد الله حمزة بن الحسين الأصبهاني قال: ورد على الفرزدق البصرة مولى له من البادية، فأخبره أنه خلف بسفوان امرأة قد عاذت بقبر أبيه غالب، فرد الفرزدق مولاه من فوره إلى سفوان ...\rعلي بن الجهم:\rلئن جل ذنب ولم أعتمد: ... لأنت أجل وأعلى يدا\rأقلني أقالك من لم يزل ... يقيك ويصرف عنك الردى\rسعيد بن حميد:\rاغتفر زلتي لتحرز فضل ال ... عفو عني ولا يفوتك أجري\rلا تكلني إلى التوسل بالعذ ... ر لعلي أن لا أقوم بعذري\rكاتب بكر:\rولو أن فرعون لما طغى ... وقال على الله إفكا وزورا\rأناب إلى الله مستغفرا ... لما وجد الله إلا غفورا\rالشهزروري:\rيستوجب العفو الفتى إذا اعترف ... بما جناه وانتهى عما اقترف\rبقوله: (قل للذين كفروا ... إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف)\rمهيار:\rأعيذك بالمجد المحسد أن يرى ... جنابك عني ضيقاً وهو واسع\rوأعجب ما حدثته حفظك العلا ... وعبدك في أيام ملكك ضائع\rأبو إسحق الصابي:\rأمولاي مولاك الذي أنت ربه ... إليك على جور النوائب يستعدي\rوهذي يدي مدت إليك بقصة ... أعيذك فيها من إباء ومن رد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1851926,"book_id":1857,"shamela_page_id":7,"part":null,"page_num":7,"sequence_num":7,"body":"وللملوك مقرر هذه الرسالة خدمة كان رفعها إلى المجلس العالي المالكي - خلد الله سلطانه وشيد أركانه - وهي: (وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر) لو كان للمراحم عن الشيم الشريفة الأفضلية معدل، أو للعواطف عنها مرجع أو موئل؛ لما منع ذلك ذوي العقول من قصد الجناب الكريم المالكي الأفضلي وقوفاً بآمالهم في رحيب ساحاته، وتخييماً برجائهم في مصون عرصاته؛ إذ كان كل مملوك فإلى مالكه معاذه ومفزعه، ولسلطان عصره ملاذه وإليه مرجعه، فكيف وأنواع الرأفة إلى مولانا - خلد الله ملكه - منسوبة، وأقسام العواطف من سمائه مستنزلة مطلوبة، والجرائم عنده - وإن عظمت - مسموح بها مرهوبة على أن سطوته بالإجماع مخوفة، وهيبته مرهوبة. لا جرم أن الله تعالى خصه من الرحمة بما هو معدود من صفاته، وأفرده من الخصائص ببدائع الفضل ومعجزاته. والله أحكم بتدبير خلقه، وأعلم حيث يجعل رسالاته. والمملوك يقبل الأرض بالمقام الكريم، وينهي ما هو عليه من ضر قد قصر عنه جلده، وضاق فيه بروحه جسده، وأصار راحمه من كان يحسده، وقد تهكته العطلة والبطالة، أطال الزمان دفاعه عن الحظ ومطاله، وله حرمة من نشأ في ظل دولته القاهرة، وفاضت عليه سحائب مكارمه الغامرة وربي في دواوين مملكته السعيدة، وتميز بالمسير تحت ركابه في الأسفار القريبة والبعيدة، وما نعرف ذنباً أتاه كفر به نعمته وإحسانه، ولا أنه خرج في الإخلاص له والعبودية عما هو عليه الله سبحانه، لكنه يعلم أن أحداً من المماليك لا يكون في أمر يكرهه ويسوؤه إلا لذنب متقدم أحصاه الله ونسوه، فلذلك يعترف بين يدي مولاه ومالكه بمثل ما اعترف به أول مخلوق إلى بارئه وخالقه، فيقول: (ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين) . ومعلوم أن كل كبيرة تغرق في بحار رحمته، وكل عظيمة تضيع في واسع مغفرته، فبموضع الله من قلبه إلا رحم منه ذليلاً ضعيفا بين الميت والحي، وعبدا مملوكا لا يقدر على شيء، ومسكينا يقول في استرحامه ومناجاته مثل ما قاله الأعرابي في استغفاره ومناداته: اللهم اغفر لي؛ فإنك تجد من تحاربه غير، ولا أجد من يغفر لي غيرك. وقد تحرم بصدق الرجاء في نجح طلبه، واستشفع بمن لا يخيب من استشفع به:\rشفيعي إليك الله لا شيء غيره ... وليس إلى در الشفيع سبيل\rوقد ختم المملوك رسالته بهذه الخدمة تجديداً لشكوى حاله، وطلباً للرحمة الشاملة لأمثاله، فقد والله اشتد ضره وزاد، وبلغ به الدثور أو كاد:\rومن كان في أيام ملكك خاملا ... ففي أي ملك يستريش ويستعلي؟\rبقيت بلا بعد يرجى انتظاره ... كما أنت إن عد الملوك بلا قبل\rآمين آمين آمين (وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين) وصلى الله على سيد المرسلين محمد نبيه وعلى آله الطاهرين، وسلم تسليما. الله حسب المملوك ونعم الوكيل.\r\rرسالة رد المظالم\rرسالة سماها رد المظالم\rالحمد لله العادل في أحكامه، الشامل بإنعامه، الجاعل مملكة أرضه فيمن يستكمله ويرتضيه، والمستخلف في تدبير خلقه من توجبه الحكمة وتقتضيه، والكافل بالخيرة لعباده وإن كان منها ما يباين إرادتهم، والفاعل فيها ما يشاء من تفاوت رتبهم وتباعد درجاتهم، والقائل في كتابه الكريم حجة للمفوضين، ورداً على المعترضين (نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخرياً ورحمة ربك خير مما يجمعون) .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1851927,"book_id":1857,"shamela_page_id":8,"part":null,"page_num":8,"sequence_num":8,"body":"لا إله إلا هو، له الحمد في الأولى والآخرة، وله الحكم وإليه يرجعون. وصلى الله على سيدنا محمد رسوله الذي شرفه واجتباه، وأظهره على من خالف دينه وأباه، وفضله على من سبقه من الأنبياء وتقدمه، ومكنه ممن عصاه وأباح بحد سيفه دمه، وعلى آله الأئمة الطاهرين الذين أوجب لهم على عباده إيثاراً وحباً، وقال -عز من قائل -: (قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى) وسلم عليهم أجمعين سلاما متصل الدوام، باقيا ببقاء الليالي والأيام. قد اتفق أولو الدراية والعقل، وأجمع ذوو الرواية والنقل، على أن أحوال الأزمنة معلومة من سير ملوكها، وأن هذا المعتقد طريقة لا ضلال في سلوكها، وذلك في تفاضل الأيام هو السبب والعلة، والحجة التي قامت على صحتها البراهين والأدلة. وهذا أصل قوي يعبد طريق الإفصاح عما قصدناه، ومعنى جلي يمهد سبيل الإيضاح لما أردناه، فنقول: قد ثبت بالعيان والسماع، وعرف بالوفاق والإجماع شرف هذا الزمن الذي عمت فيه السعة، وعظمت به المنفعة، وأمن فيه ما يخشى ويتوقى، وأخذت مطالب أهليه تسمو وتترقى، ولم يبق إلا من غدت أمانيه متحكمة على زمانه، وآماله متأكدة الثقة بكفالة الحز وضمانه. وهذا بحسن سيرة مولانا الملك السيّد الأجل الأفضل، أمير الجيوش سيف الإسلام، ناصر الإمام، كافل قضاة المسلمين، وهادي دعاة المؤمنين، الذي خضعت لدولته جبابرة الملوك، وتنزه اليقين بذلك عن اعتراض الشكوك، وارتفعت صفاته عن استطاعة مخلوق وقدرته، وثبتت معجزاته فقامت بعذر المقصر في تقريظها وحجته، فإذا طالعت الأبصار نور بهائه ارتدت عنه وكلت، وإذا سلكت القلوب نهج علائه حارث فيه وضلت؛ لأن مناقبه أعلى من أن يسمو إليها المدح والصفة، ومفاخره أعظم من أن يحيط بها الإدراك والمعرفة.\r\rهذي مناقب قد أغناه أيسرها ... عن الذي شرعت آباؤه الأول\rقد جاوزت مطلع الجوزاء وارتفعت ... بحيث ينحط عنها الحوت والحمل\rومن أوضح براهينه لمن تمسك بالحق وتعلق بأسبابه، وأقوى الدلائل على سر الله الكريم وعنايته تعالى به؛ أن المجتهد في وصفه لا يخشى من يناقضه، ولا يخاف من يعارضه، ولا يتقي من يحمله على المبالغة والغلو، ولا يعلم أحداً ينسبه إلى الظلم والعلو، بل لا يعدم من إذا سمعه استقصر وندى، وإذا استنزر ما أتى به نكص ولم يجد وزراً، هذا إن اعتقد أنه وفى الامتداح حقه، وعفى مذاهب الانتقاد وطرقه، وتيقن تأديته الفريضة مكملة، وقضاءه إياها مرضية متقبلة. فأما إذا سلك المحجة القويمة، وتنكب السبيل المكروهة الذميمة، واستعذب قول الحق فأقر بعجزه، واعتمد على تصريحه دون إشارته ورمزه؛ فقد نافى ذوي التهمة والظن، وأجر ألسنة أولي العيب والطعن. وهذه حالنا فيما نورده من أوصافه، وقضيتنا في شكر الله سبحانه على تمليكه علينا واستخلافه. ونحن الآن نذكر المراد بهذا الجزء الذي جعلنا الخدمة به قربانا، ورجونا بما نحونا فيه سعادة أولانا وأخرانا.\r\rفصل\rاعلم أن النظر يقتاد كل عاقل مميز، ويضطر كل منتسب إلى العلم متحيز، إلى الإقرار بأنه أشرف الملوك وأكملهم، وأعمهم بضروب الرحمة وأشملهم. وبرهان ذلك أنه إذا تأمل الموجودات متيقظ، ورتبها في مراتبها ... زمن الأهواء متحفظ، فأشرفها بلا مخالفة في ذلك الحيوان، ثم المخصوص بالنطق منه وهو الإنسان، ثم مدبرو المدن الذين عضدتهم القوى الملكوتية، وفاضت عليهم الأنوار الإلهية، ثم الأقرب منهم فالأقرب، والأمثل فالأمثل، ثم الجامع لذلك وهو مولانا الملك السيّد الأجل الأفضل. وهذا ما لا خفاء به، ولا لبس فيه، ولا ريب يبعده عن محض الحقيقة وينفيه، فهو سيد أهل الأرض مذ فخرت البسيطة بظهوره، وسلطان هذا الخلق مذ استقر في دسته، واستوى على سريره، وظل الله الممدود على كافة المقرين بكلمة التوحيد، وصفوته الثابت علمها من جهة الاستدلال لا من جهة التقليد. فلا سبيل لعاقل أن ينكر ذلك ويجحده، بل الواجب على كل ناطق أن يقول بين يديه وينشده:\rمن شك أنك مخلوق لتملكه ... كمثل من شك أن الله خلاق\rعلى أن مقامه الشريف يجعل كل بليغ لكنا، ويعيده حصرا، وقد كان فصيحا لسنا:\rهو موقف تغضي العيون مهابة ... فيه ويعثر بالكلام المنطق","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1851928,"book_id":1857,"shamela_page_id":9,"part":null,"page_num":9,"sequence_num":9,"body":"وقد ازدحمت بفنائه ضروب الأمم، وتواصلت إليه ملوك العرب والعجم، وهاجروا نحو بابه راجين مهطعين، وأموا ظله لاجئين إليه منقطعين ولقد ورد منهم اثنان متباعدا الأفقين، متباينا المنطقين وهما ملكا غانة وفرغانة، فأزال من قلب كل منهما أحقاده على الدهر وأضغانه، فاعتبروا يا أولي الأبصار كيف أحسن حتى إلى الدهر فأصلح القلوب له، وجعل ذلك من شكر الله على ما قمصه إياه وسربله. وهذا إشارة إلى القدرة التي خص بها، والعظمة التي استقر في أشرف منصبها. وإذا تأملنا ما سفر فيه البيان وتبرج، وأسفر به صبح الإبداع وتبلج، وأخرجت منه الضمائر جواهر كانت مستترة، ونظمت به الخواطر عقوداً ما زالت منتثرة؛ وجدنا ضروباً من الأقوال متسعة، وأصنافا من المدح متشعبة متنوعة، تدعو الناظر المحرر، والمتأمل المتصور، والعامل بفريضة العدل تعرضا لجزائه، والمناضل عن الحق رغبة في انتسابه إليه واعتزائه، إلى القول إن كل لسان انطلق في أيامه بخدمة ملوكية فما قصد غير مدحه، وكل بيان انبعث في أوصاف حقيقة فما أراد سوى تفصيل ذلك وشرحه، فلله در أبي نواس إذ يقول:\rوإن جرت الألفاظ يوماً بمدحه ... لغيرك إنسانا فأنت (الذي نعني)\rوما أحسن قول ابن الرومي:\rإن أسرق الشعراء شعرهم ... فجزاء ما سرقوا من المجد\rسرقوك مجدك وهو مدخر ... من قبل أن تلقى إلى المهد\rوكسوه قوماً لا يليق بهم ... من ماجد وسط ومن وغد\rفرددت حقك غير معتذر ... منهم إلى حر ولا عبد\rفعمدنا إلى هذا الباب ذاكرين منه أنموذجاً لنظائره، واقتصرنا عليه إذ لا طمع لنا في ذكر سائره، واعتمدنا على ما لم يبتذله الاشتهار، وقصدنا ما لم يكن للألسن به استهتار، واجتهدنا في إيراد ما لم تخلق الأسماع جدته، وخدمنا بما لم تسلب الرواية رواءه وهجته. وقد يأتي في تضاعيفه ما ليس من شرطه حسب ما يوجبه تفرع التصنيف، ويقضي به تشعب التأليف. وسمينا ذلك رد المظالم لأنه حق لمولانا.\rوقد حليت على غير أكفائه عروسه، وأديرت على غير شربه كؤوسه، فافتضت أسماعهم أبكاره، وشربت أفهامهم عقاره. وهذا ظلم من ناظمه وقائله، وتعد من سامعه وقابله.\rومن أقسام سيرته الشريفة العدل في إعادة الحقوق إلى أربابها، واستخلاصها من دار ذلها واغترابها. فاستعملنا بعض سيرته في وصفه، ورجونا الله بذلك في دفع المكروه عنا وصرفه، والله يسعدها ويوفقنا وعليه توكلنا ومعتمدنا.\rوهذه بداية الكتاب: قال محمد بن عيسى:\rملك الورى والندى والبأس أنصله ... هندية وعطاياه هنيدات\rوبدر سبع وسبع تستنير به الس ... بع الأقاليم والسبع السماوات\rومن قصد بهذين البيتين وما يجاريهما صفة مولانا فكأنه لقول الحق إنما تلا قرآناً، وهما على الحقيقة كغيرهما من المدائح الشريفة لأنهما لما كان مآلهما إلى العرض بالمقام الأعظم - ثبت الله سلطانه - وكانا يشتملان على بعض صفاته صارا كلتاهما من خدم شعراء المجلس العالي وعفاته. وهذا حكم باب المآل، ونهاية التصانيف للأقوال. قال الله ﷿: (إني أراني أعصر خمرا) والخمر لا يعصر، وإنما يعصر العنب، لكنه لما كان المآل إلى الخمر سمي المعصور خمرا.\rومثله قوله تعالى: (فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا) وإنما التقطوه ليكون لهم سرورا وولدا، لكنه لما كان مآله إلى العداوة جعل علمه للالتقاط.\rقال عبد الله بن محمد بن سنان بن سعيد الخفاجي الحلبي:\rلا يدعي الفصحاء فيك غريبة ... والبيض تنثر والأسنة تنظم\rإن أحسنوا حنك الثناء فإنها ... نطقت بمدحك قبل أن يتكلموا\rعجبا لوجهك كيف بارق بشره ... تهمي سحائبه ولا يتغيم\r=ومن العجائب أن بيض سيوفه=تبكي دما وكأنها تتبسم فأما الأول فمن مليح التورية وقد أتى بها في قوله:\rوصفوا بياض يد الكليم بمعجز ... فيه وكم لك من يد بيضاء\rواستطرفوا إحياء عيسى ميتا ... فردا وجودك باعث الفقراء\rوقال:\rمن القوم صال الدهر إلا عليهم ... وصالوا ببيض الهند حتى على الدهر\rأشد احتقاراً بالردى من حسامه ... وأدنى إلى سر الأعادي على الذعر\rله خلق في المحل غيث وفي الصبا ... نسيم وفي جنح الدجى غرة البدر\rوقد استعمل تركيب هذا البيت في موضع آخر فقال:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1851929,"book_id":1857,"shamela_page_id":10,"part":null,"page_num":10,"sequence_num":10,"body":"ما هزه طرب العقار وإنما ... أعطته نشوة كأسها الأخلاق\rهي في الهوى وعد الوصال وفي الكرى ... طيف الخيال وفي الوداع عناق\rوهو مأخوذ من قول ابن نباتة:\rإنها في السحاب وبل وفي الرْ ... رِيح نسيم ونشوة في الشراب\rفأما قوله: أشد احتقارا بالردى من حسامه فهذا الصدر يصلح أن يعجز بقول أبي الطيب:\rوأقدم بين الجحفلين من النبل\rعلى أن صدر بيت أبي الطيب مناسب للعجز المذكور؛ لأنه قال:\rأقل بلاء بالرزايا من القنا\rفبصير هذا العجز مع صدرين.\rقال محمد بن عباد بن عمرو:\rسميدع يهب الآلاف مبتدئا ... ويستقل عطاياه ويعتذر\rله يد كل جبار يقبلها ... لولا نداها لقلنا: إنها الحجر\rولو أمكنه أن يقول الحجر الأسود لكشف المراد وبينه، وأظهر المعنى وحسنه. وقد اتفق ذلك لمحمود بن القاضي الموفق أحد مماليك مولانا، و (كاتب) إنشاء دولته في قوله يصف كتابا ورده، ويذكر أن الفاتك والناسك يلقياه بالتبجيل، وقابلاه بالتقبيل كأنما قد حل فيه اللمى، أو ذاب فيه الحجر الأسود. على أن ابن مكنسة ذكر الحجر غير موصوف، فلم يشكل المراد فيه. وسبب ذلك ما قرنه به، وضمه إليه، فقال من قصيدة أولها: لمثل ذا اليوم كان السعد ينتظر منها:\rكأنك البيت قد طاف الحجيج به ... وفي ركابيك حل الركن والحجر\rفأما قصيدة محمد المقدم ذكره فإن لعبد الله بن سنان قصيدة على وزنها وفي معناها على تقارب العصرين وتباعد المستقرين، منها ما هو من شرط هذا الكتاب. قال منها:\rملك له سيرة في العدل معجزة ... لولا الشريعة قلنا إنها سور\rقوم إذا طلب الأعداء عيبهم ... فما يقولون إلا أنهم بشر\rتسمو البلاد إذا عدت وقائعهم ... فيها وتبتسم الدنيا إذا ذكروا\rإن الخلافة ما زالت منابرها ... إلى سيوفهم في الروع تفتقر\rفهم صوارمها والبيض نابية ... وشهبها وظلام الخطب معتكر\rقال أحمد بن عبد الله:\rترى الدهر إن يبطش فمنكم يمينه ... وإن تضحك الدنيا فأنتم لها ثغر\rعطاء ولا من وحكم ولا هوى ... وحلم ولا عجز وملك ولا كبر\rطريقتكم مثلى وهديكم رضى ... ومذهبكم قصد ونائلكم غمر\rوهذا ضد قول العباس بن الأحنف:\rوصالكم هجر وحبكم قلى ... وقربكم بعد وسلمكم حرب\rومن مليح التقسيم قول ابن حيوس:\rلعمري لقد بذ الملوك جميعهم ... بأربعة في غيره لن تألفا\rبأمن لمن يخشى وقهر لمن طغى ... وسبق لمن جارى وعفو لمن هفا\rوقوله أيضاً:\rقصر السابقون دون مداها ... وتملكتها بست خصال\rمكرمات مع اعتذار، وعفو ... باقتدار، وعفة في جمال\rوقوله أيضاً:\rثمانية لم تفترق مذ جمعتها ... فلا افترقت ما ذب عن ناظر شفر\rومن مليح ما في هذا البيت ما تضمنه من ذكر الجواب قوله:\rوبعد بيت رسول الله ما فخرت ... بمثل بيتك لا عجم ولا عرب\rإن ناضلوا نضلوا، أو فضلوا ... أو حاربوا حربوا، أو خاطبوا خطبوا\rوقد أحسن أحمد المقدم ذكره فيما أتى به من ذلك في الغزل فقال:\rيا بائعا حظه مني ولو بذلت ... لي الحياة بحظي منه لم أبع\rته احتمل، واستطل اصبر، وعز أهن ... وول أقبل، وقل أسمع، ومر أطع\rوهو كثير.\rولأحمد بن عبد الله أيضاً:\rيا خير من ركب الجوا ... د وسار في ظل اللواء\rلا زلت للدنيا فأن ... ت دواؤها من كل داء\rوورثت أعمار العدا ... وقسمتها في الأولياء\rوبقيت مفديا بنا ... إن نحن جزنا في الفدا\rومثل هذا لحسن بن عبد الصمد، وقد كانا في عصرن وإن لم يجتمعا في مصر، فلا أدري هل تسارقا أم توافقا:\rلا زلت مخفوض العدا ... ما عشت مرفوع البنا\rتفدى بنا إن كان ير ... ضى المجد أن تفدى بنا\rومن أجود ما في هذه القصيدة:\rما أحسن المال إذا ... صاحب ذكرا حسنا\rومنها:\rلنا الثناء خالصا ... منه وما يحوي لنا\rشاد الذي بنى له ... آباؤه ومكنا\rعممت بالإحسان من ... ك مضرا واليمنا\rينقاد صعب اللفظ لي ... سهل القياد مذعنا\rكأن في خواطري ... لكل معنى رسنا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1851930,"book_id":1857,"shamela_page_id":11,"part":null,"page_num":11,"sequence_num":11,"body":"ومن هؤلاء الشعراء من يحسن في كثير مما يتصرف فيه، ويتناول المعنى فيجيده ويستوفيه؛ فمن محاسن أحمد هذا ما كتب به مع تفاح أهداه إلى ابن عباد:\rيا من تزينت الريا ... سة حين ألبس ثوبها\rجاءتك جامدة المدا ... مِ فخذ عليها ذوبها\rوهذا من قول الخليع:\rالراح تفاح جرى ذائبا ... كذلك التفاح راح جمد\rفاشرب على جامده ذوبه ... ولا تدع لذة يوم لغد\rوقال السري:\rوقد أضاءت نجوم مجلسنا ... حتى اكتسى غرة وأوضاحا\rلو جمدت راحنا اغتدت ذهبا ... أو ذاب تفاحنا اغتدى راحا\rوالأصل في ذلك ما يحكى من قول كسرى: لست أدري: هل التفاح خمر جامد، أم الخمر تفاح ذائب؟.\rوقد أكثر الشعراء من وصفها بذوب الجامد، فمنهم من يجعلها ذوب الذهب كقول الصنوبري:\rرأيته والكأس في فيه قد ... صوبها كالكوكب الصائب\rوجسمها من ذهب جامد ... وروحها من ذهب ذائب\rوقول محمد بن عباد:\rأبدى لنا من لطيف حكمته ... في جامد الماء ذائب الذهب\rومنهم من جعلها ذوب الورد كقوله:\rلاح وفاحت روائح الند ... مختصر الخصر أهيف القد\rوكم سقاني والليل معتكر ... في جامد الماء ذائب الورد\rوقول الصنوبري:\rمن ينس لا أنس اتصال زماننا ... ويد السعود على الزمان مساعده\rإذ نخبتي راح كورد ذائب ... وتحيتي ورد كراح جامده\rوكل هذا تصرف في قول ابن المعتز:\rوزنا لها ذهبا جامدا ... فكالت لنا ذهبا سائلا\rوعلى ذكر الذهب وذوبه فحدثني إبراهيم بن شغب أنه ليم فيما أنفقه على جارية له، فقال:\rما الذهب الصامت مستكثرا ... إذ هابه في الذهب الناطق\rقال أبو بكر محمد بن عمار:\rملوك مناخ العز في عرصاتهم ... ومثوى المعالي بين تلك المعالم\rإذا قصر الروع الخطى نهضت بهم ... طوال العوالي في طوال المعاصم\rوأيد أبت من أن تؤوب ولم تفز ... بجز النواصي أو بجز الغلاصم\rإذا ركبوا فانظروا أول طاعن ... وإن نزلوا فارصده آخر طاعم\rوهذه قطعة اتسع فيها، وأحسن التصرف في معانيها، فقال في صفة الفرس:\rخذوا بين إن لم تهدروا كل سابح ... لريح الصبا في إثره أنف راغم\rمن العابسات الدهم إلا التفاتة ... إلى غيره أهدت له ثغر باسم\rطوى بي عرض البيد فوق قوائم ... توهمته منهن فوق قوادم\rومن جيد ما فيها:\rوليل لنا بالسدتين معاطف ... من النهر ينساب انسياب الأراقم\rبحيث اتخذنا الروض جارا تزورنا ... هداياه في أيدي الرياح النواسم\rوبتنا ولا واش يحس كأننا ... حللنا مكان السر من صدر كاتم\rولأبي بكر هذا:\rملك إذا ازدحم الملوك بمورد ... ونحاه لا يردون حتى يصدرا\rقداح زند المجد لا ينفك من ... نار الوغى إلا إلى نار القرى\rأيقنت أني من ذراه بجنة ... لما سقاني من نداه الكوثرا\rوقال أيضاً:\rجنيت ثمار النصر طيبة الجنى ... ولا شجر غير المثقفة الملد\rببدر ولكن من مطالعه الوغى ... وليث ولكن من براثنه الهندي\rورب ظلام سرت فيه إلى العدا ... ولا نجم إلا ما تطلع من غمد\rومنها في ذكر بلدة افتتحها وأحرقها:\rفأرملتها بالسيف ثم أعرتها ... من النار أثواب الحداد على الفقد\rفيا حسن ذاك السيف في راحة الهدى ... ويا برد تلك النار في كبد المجد\rفقوله أرملتها بالسيف، وألبستها حدادا بالنار، من أحسن تركيب وأبدع تشبيه. ولقد ذكر عبد الله بن محمد مثل ذلك، وهو وأبو بكر متقاربا الزمن، متباينا الوطن؛ فهذا بالعدوة الدنيا وهذا بالعدوة القصوى. فقال وأحسن ما شاء:\rغادرتها دمنا على أطلاعها ... يبكى الخليط وتذكر الأشواق\rوشرعت دين قراك في عرصاتها ... فالنار تضرم والدماء تراق\rوعلى هذا البيت من البهجة، وحسن الديباجة، ما لا أعلم لأحد مثله. ولقد ذكرت بالنار قول الآخر في حريق جامع دمشق:\rفأتته النيران طولا وعرضا ... عن يمين من قتره ويسار\rثم مرت على حدائق نخل ... فإذا الجمر موضع الجمار\rومن قول أبي بكر:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1851931,"book_id":1857,"shamela_page_id":12,"part":null,"page_num":12,"sequence_num":12,"body":"كم من شجاع قدته نحو الردى ... بدم من الأوداج كأرسان\rروى ليضرب فابتدهت بطعنه ... إن الرماح بداية الفرسان\rوقال:\rوفيت لربك فيمن غدر ... وأنصفت دينك ممن كفر\rولم تتقدم بجيش الرجا ... ل حتى تقدم جيش الفكر\rفعاقر سيفك حتى انحنى ... وعربد رمحك حتى انكسر\rوكم نبت في حربهم عن علي ... وناب عن النهروان النهر\rوأبو بكر هذا من الأعيان المشهورين، والمجيدين المذكورين، والمحسين في خطاب الملوك، والمطلعين باستعطافهم شمسا آمنة من الدلوك. فمن ذلك ما كتب به إلى أحد السلاطين وهو مزمع على السفر لخوف لحقه منه:\rأصدق ظني أم أصيخ إلى صحبي ... وأمضي عزيمي أم أعوج عن الركب\rأخافك للحق الذي لك في دمي ... وأرجوك للحب الذي لك في قلبي\rوهذا وإن كان مأخوذاً من قول مهيار في القصيدة التي أولها:\rسل الركب إن أعطاك حاجتك الركب ... من الكاعب الحسناء تمنعها كعب\rأحبك ودا من يخافك طاعة ... وأعجب شيء خيفة معها حب\rفإنه ألذ مسموعا، وأحسن مصوغا. وقد أحسن الآخر في قوله:\rتمر سفيهات الرياح بأرضه ... فترصن إجلالاً له وتوقر\rوتشتاق عينيه الكرى وتخافه=فيأتي إلى الأجفان وهو مغرر ومن مليح الوصف بالخوف:\rمخوف والصوارم لم تجرد ... ولا أخلت مرابطها الخيول\rويكسو الصبح من نقع خضابا ... كليل والنصول به نصول\rوكتب إليه أبو بكر أيضاً:\rإني لممن إن دعاه لنصرة ... يوما بساطا حجة وجلاد\rأذكيت دونك للعدى حدق القنا ... وصمت عنك بألسن الأعماد\rوهذا من أجزل عبارة، وأجود استعارة. ولله مهيار حيث يقول:\rوهل تخفى المقاتل وهي بيض ... على مقل الذوابل وهي زرق\rوقد أكثر الناس من الكناية عن السيوف، ومن مليح ما جاء في ذلك قول أبي تمام يصف سحابة:\rسيقت ببرق ضرم الزناد ... كأنه ضمائر الأغماد\rوهذا مما جعل منه الفرع أصلا؛ لأن المعتاد أن تشبه السيوف بالبروق، فتكون البروق أصلاً لأنها مشبه بها، وتكون السيوف فرعا لأنها مشبهة، فقلب مبالغة. وقال أبو الطيب: وأترك الغيث في غمدي وأنتجع فأما الأعشى النحوي فجعله جدولاً فقال:\rملك إذا ادرع الدلاص حسبته ... لبس الغدير وسل منه جدولا\rومثله قول محمد بن البين:\rوجلوا ظلام الليل بالصبح الذي ... قسموه بين جيادهم أوضاحا\rوأتوا بغدران المياه جوامدا ... قد فصلوها ملبسا وسلاحا\rوقول محمد بن عثمان:\rأنى يهاب ضرابهم وطعانهم ... صبا بألحاظ العيون طعين\rفكأنما بيض الصفاح جداول ... وكأنما سمر الرماح غصون\rوقد سماه قوم سليل الصاعقة، وسماه آخرون طبيب النفاق. وما أحسن قول الكموني:\rلما التقى أسد العرين وشادن ... تحت الإزار وصارم بتار\rقالت: أرى بيني وبينك ثالثا ... ولقد عهدتك بالدخيل تغار\rأأمنت نشر حديثنا؟ فأجبتها ... هذا الذي تطوى به الأسرار\rومن غريب التصرف في وصفه، قول الآخر:\rعقرت في سهك التراب خدودهم ... حتى ظننا أنها تتشيع\rوتركت في عفر التراب رؤوسهم ... في الأرض تسجد عن سيوف تركع\rوقوله أيضاً:\rجعلت رؤوس القوم عرس سيوفنا ... تعصفر من أوداجهم وتطيب\rإذا وعدتها البيض صادق وعدها ... بعثت لها البيض الرقاق تكذب\rومن قوله:\rإذا سلبته عزمة منك غمدة ... كسته نجيعا فهو يكسى ويسلب\rوإنما أخذه من قول السري:\rيكسوه من دمه ثوبا ويسلبه ... ثيابه فهو كاسيه وسالبه\rوأخذه السري من قول البحتري:\rسلبوا وأشرقت الدماء عليهم ... محمرة فكأنهم لم يسلبوا\rوقد جعلها ابن حيوس صوالج، فقال:\rلك اليوم الذي شابت قرون ... به من بعد أن فنيت قرون\rبحيث بنيت مرهفة المواضي ... صوالج والرؤوس لها كرين\rوكرين: جمع كرة؛ لأنه يقال في جمعها كرات وكرين، ولهذا أخذ على القائل في وصف النارنج:\rكأن السماء همت بالنضار ... فصاغت لنا الأرض منه أكر\rوعلى أبي نواس قبله في قوله في أرجوزته:\rيحدو بحقب كالأكر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1851932,"book_id":1857,"shamela_page_id":13,"part":null,"page_num":13,"sequence_num":13,"body":"قال ابن جني: قد أخطأ في جمع كرة على أكر، فإن كان أراد جمع أكرة وهي الحفرة، فشبه الأتن في استدارتها بالحفر المدورة؛ فقد أحال المعنى. ومن البديع قول ابن حيوس:\rقدت الجحافل لم يقد معشارها ... كسرى الملوك ولا رآها تبع\rقوم إذا راموا ممالك غيرهم ... حصدوا ببيض الهند ما لم يزرعوا\rوقول ابن المحترق:\rصيغ من الماء وصيغت له ... من لهب النيران خدان\rوهذا نقل بيت ابن نباتة في وصف سكين:\rما أبصر الراؤون من قبلها ... ماء ونارا جمعا في مكان\rعلى أن المملك قد فعل ما فعله ابن المحترق، فقال في وصف سيف مرصع: سيف تقام الحدود بحده، ويجتمع الماء والنار في غمده، ويتنازع ذوو الوصف في جوهري ترصيعه وفرنده. وقد أخذه حسن بن عبد الصمد، فقال:\rفلم أر ماء قبله مترقرقا ... يخالطه ذاك اللظى المتلهب\rإلا أن حسنا استعمله في الغزل وهو يصلح صفة للسيف.\rومن الشعر ما يحتمل معنيين، ولم يقصد الشاعر إلا أحدهما، كقول والبة بن الحباب في صفة الورد:\rمثل الشموس طلعن في الإصان\rويصلح أن يدخل في باب الغزل.\rوقول السري في شبكة صياد:\rوهل يفات لحظها أو يسبق ... وكلها نواظر لا تطرق\rوهذا يصلح أن يوصف به فهد، وقد نقله ابن السراج إلى وصفه فقال:\rتنافس الليل فيه والنهار معا ... فقمصاه بجلباب من المقل\rومن محاسن هذه القصيدة:\rيقصر الغيث عن آثار جودكم ... فحمرة البرق في قطريه كالخجل\rوقد استعمل غيره هذا المعنى فقال:\rيجود بالماء غيث الأفق منقطعا ... وغيث كفك بالأموال متصل\rجارى نداك فلم يظفر ببغيته ... فذلك البرق في حافاته خجل\rثم أتى بزيادة على ذلك فقال من أخرى:\rمنعت مكارمه رويته ... فنداه طول الدهر مرتجل\rجارت نداه السحب فارتجعت ... عنه ووابل ودقها وشل\rفالرعد في أثنائها ضجر ... والبرق في أرجائها خجل\rوقال:\rقد قلت إذ قالوا: يداه سحابة ... سحبت ذيول مجلجل هطال\rلا تضربوا مثلا له في جوده ... فحقيقة الأمثال للأمثال\rوأبلغ من هذا قول الآخر:\rضربوا لك الأمثال في أشعارهم ... لكنني بك أضرب الأمثالا\rفأما ما تقدم من وصف السيف بالماء والنار فقد نقل وبولغ فيه.\rأنشدني ابن مكنسة قوله في الخمر من أبيات:\rأيام عودك مطلول بوابلها ... والدهر في عقله من مسها خبل\rتنزو إذا قرعتها كف مازجها ... كأنما نارها بالماء تشتعل\rوقوله في وصف كأس:\rوخضيبة بالراح يج ... لوها عليك خضيب راح\rما زال يقدح نارها ... في الكأس بالماء القراح\rوقوله من أبيات:\rكلما سلط المزا ... ج على نارها اشتعل\rوهو من قول الآخر:\rكم جوى مثله رسم مثل ... ودم قد طل أثناء طلل\rوأدرنا لهبا في ذهب ... كلما أخمد بالماء اشتعل\rوكأن مأخوذ من قول البحتري:\rكل جون إذا التقى البرق فيه ... لمعت للعيون بالماء ناره\rوقال محمد بن عيسى يصف أبياتا بعث بها بعض الملوك إليه:\rبعثت بها يا واحد الدهر قطعة ... هي الماء إلا أنها تتلهب\rفجئت بها في الحسن ورقاء أيكة ... ولكنها في العدم عنقاء مغرب\rومن مليح ما وصف به الشعر قول الآخر:\rوقواف ليست تفارق مغنا ... ك على أنها تجوب البلادا\rوقبيح أن أدعى الفضل فيها ... بعد أن أنطقت علا الجمادا\rوكتب إليه أبو بكر في يوم غيم وقد احتجب:\rتجهم وجه الأفق واعتلت النفس ... بأن لم يلح للعين أنت ولا الشمس\rفإن كان هذا منكما عن توافق ... وضمكما أنس فيهنيكما العرس\rوقال ابن خلصة:\rملك تملك حر الحمد، لا يده ... نالت بظلم ولا مالت إلى بخل\rلم تدر قبلك عين أنها بصرت ... بالغيث والليث والرئبال في رجل\rيغرهم بك ... والآمال كاذبة\r\rما جمعوا لك من خيل ومن خول\rفأما قوله: لا يده نالت بظلم؛ فقد زاد الآخر فيه زيادة حسنة:\rإذا هو ذاد الظلم عنا بعدله ... غدا ماله في كفه متظلما\rيرى الذنب أن تسطو يداه بمذنب ... ويعتد جرما أن يعاقب مجرما\rوقوله أيضاً:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1851933,"book_id":1857,"shamela_page_id":14,"part":null,"page_num":14,"sequence_num":14,"body":"تظلم ما تحويه فيك فلم يغث ... وقد جعلت في راحتيك المظالم\rومن عجب أن تظلم المال وحده ... ولم يبق في أيامك الغر ظالم\rوقوله أيضاً:\rيا عادلا في كل ما هو فاعل ... ما بال كفك في اللهى لا تعدل؟\rتبقى أحاديث القتيل بسيفه ... فكأنما يحيي به من يقتل\rوهذا البيت من قول ابن نباتة:\rتبقى بهم أخبار من غلبوا ... فكأنهم أحيوا وقد قتلوا\rوقال أبو الطيب:\rوأن دما أجريته بك فاخر ... وأن فؤادا رعته لك حامد\rوقال مهيار:\rويستطيل القرن لاقى الردى ... بهم وما في الموت من طائل\rويشرف السيف بما شامه ... ويفخر المقتول بالقاتل\rومن باب ظلم المال قول الآخر وذكر الخيل:\rما أوردوها قط إلا أصدرت ... جرحى الصدور سليمة الأكفال\rوإذا انجلت عنهم دياجير الوغى ... عدلوا بفتكهم إلى الأموال\rووصفه الخيل من قول الرضي: (فُجعت بمنصلت) يعرف للقنا=أعناقها ويحصن الأكفالا وهو مأخوذ من قول الببغاء:\rيلقى الطعان بصدر منه ليس له ... ظهر وهادي جواد ماله كفل\rوقال محمد بن عثمان في وصف قصر، وهو بصفات مباني مولانا أليق، وأرجه في أرجائها أعطر وأعبق:\rهو جنة الدنيا تبوأ نزلها ... ملك جبلته التقى والدين\rراسٍ بحيث النون إلا أنه ... سام فقبته بحيث النون\rفكأنما الرحمن عجله له ... ليرى بما قد كان ما سيكون\rوكأن بانيه سنمار فما ... يعدوه تحسين ولا تحصين\rوجزاؤه فيه خلاف جزائه ... شتان ما الإحياء والتحيين\rومحمد بن عثمان من المكثرين المبدعين، والمتصرفين التوسعين، ومن مليح تشبيهاته:\rوالسمر من قلب القلوب مواتح ... وكأنها موصولة الأشطان\rوالنبل في حلق الدلاص كأنها ... وبل الحيا في مائج الغدران\rوقوله أيضاً:\rوفويق ذاك الماء من شهب القنا ... حبب ومن خضر الصوارم عرمض\rأهواهم وإن استمر قلاهم ... ومن العجائب أن يحب المبغض\rوقوله في وصف هام المصلين:\rوقد تلم بها الغربان واقعة ... كأنها فوق مخلوقاتها لم\rوقال:\rتكاد تغنى إذا شاهدت معتركا ... عن أن يسل حسام أو يراق دم\rوما اجتدى الموت نفساً (من نفوسهم) ... إلا وسيفك كعب الجود أو هرم\rوهذا من القول المعجب، والنظم المطرب، والبيت الأول قول مهيار:\rألق السلاح فقد غنيت سعادة ... عن حمله واضرب بجدك واطعن\rوإذا أردت بأن تفل كتيبة ... لاقيتها فتسم فيها واكتن\rوقال الآخر:\rأدل بجمعه فكفاك جد ... يفل سعوده الجيش اللهاما\rضربناه بذكرك وهو لفظ ... فكان القلب واليد والحساما\rوقال:\rوما خيلاء الخيل فيها سجية ... ولكنها لما امتطيت توائه\rفنصرك أيا ما سلكت مساير ... وفتحك أيا ما اتجهت مواجه\rوقال في وصف هذه القصيدة:\rففي أنفس الحساد منها هزاهز ... وفي ألسن النقاد منها زهازه\rوهذا من العكس الذي يطرب له السامع، وتقل فيه المطالع، ومن بديعه قول ابن جاخ:\rوتحت البراقع مقلوبها ... تدب على ورد خد ند\rتسالم من وطئت خده ... وتلسع قلب الشجي الأبعد\rوللنيلي أحد شعراء اليتيمة:\rإذا دهاك الوداع فاصبر ... ولا يروعنك البعاد\rوانتظر العود عن قريب ... فإن قلب الوداع عادوا\rوقد أخذه ابن أبي وهب فقال:\rقالوا تدانيت من وداعهم ... ولم نر الصبر عنك مغلوبا\rفقلت للعلم إنني بغد ... أسمع لفظ الوداع مقلوبا\rومن ضروب العكس قول البحتري:\rولم ير يوما قادرا غير صافح ... ولا صافحا عن زلة غير قادر\rوقول الآخر - وهو على دولاب -:\rعبدك يا عبدون في نعمة ... صافية أذيالها ضافية\rنديمتي جارية ساقية ... ونزهتي ساقية جارية\rوعلى ذكر الدولاب فلم أسمع فيه أحسن من قول السلامي\rوكأنما الدولاب ضل طريقه ... فتراه ليس يزول وهو يطوف\rوقال أبو الطيب سالكاً مذهب البحتري:\rفلا مجد في الدنيا لمن قل ماله ... ولا مال في الدنيا لمن قل مجده\rوقال ابن حيوس:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1851934,"book_id":1857,"shamela_page_id":15,"part":null,"page_num":15,"sequence_num":15,"body":"إذا طلب العلياء لم يهنه الكرى ... وإن طلب الأعداء لم ينهه الزجر\rثغور العدا إن رمتموهن كالفلا ... وكل فلاة رمتم منعها ثغر\rومن بديع القلب، ونوعه الغريب الصعب أن يقرأ الكلام من آخره كما يقرأ من أوله، كقوله ﷿: (كل في فلك) وكقولهم: سر فلا كبا بك الفرس. وقد جاء ذلك منظوما قال:\rبلغت بلاغتنا مدى ... دم أنت غالب تغلب\rومثله قول الآخر:\rأراهن ناد منه ليس لهو ... وهل ليلهن مدان نهارا\rوقول الآخر:\rقال بكر للمرادي ... دارم للركب لاق\rوذكر أبو محمد القاسم بن علي الحريري البصري من هذا الباب: لم أخامل. كبر رجاء أجر ربك. سكت كل من نم لك تكس.\rومن المنظوم:\rأس أرملا إذا عرا ... وارع إذا المرء أسا\rأسند أخا نباهة ... ابن إخاء دنسا\rاسل جناب غاشم ... مشاغب إن جلسا\rوقال محمد يصف سماطا:\rسمت السوام به الحمام كأنما ... أخذت بشأن من ذوي الشنآن\rوتبعتها ذات الجناح كأنما ... فعلت جناحا قبل في الطيران\rحتى غدا حمل السماء ونسرها ... حذرين مما حل بالحملان\rنار بأرجاء المدينة سقطها ... مزر ببيت النار في أرجان\rفلو المجوس تجوس حول ديارنا ... أمت لديك عبادة النيران\rوقال:\rفلا دولة إلا إليك نزاعها ... وما زال يطوى عن سواك لها كشح\rإذا خيف أن تشتد شوكة مارق ... فلا رأي إلا ما رأى السيف والرمح\rوقال حسان بن المصيصي:\rملك يظل ثرانا عنده قبلا ... فذو الغواية منا مثل عابدنا\rنسقى ونسجد إجلالا لهيبته ... فنحن نشرب خسرا في مساجدنا\rوقال:\rمليك إن دعته الحرب يوما ... لما تعنو لهيبته الأسود\rقسا قلبا وسن عليه درعا ... فباطنه وظاهره حديد\rوقال مسعود بن محسن:\rمليك تحلم الآمال فيما ... حواه من الطريف أو التلاد\rوتزدحم المطامع في نداه ... لأن عليه أرزاق العباد\rوقد أحسن الآخر في قوله:\rإن غاض صوب الحيا فاضت أنامله ... جودا وروضت الدنيا مكارمه\rيصرف الأمر في الآفاق خاتمه ... ويصبح الدهر طوعا وهو خادمه\rوقال مسعود أيضاً:\rوإنا إذا الأرواح ذابت مخافة ... متحنا بأشطان الرماح وكاياها\rمتى ما أردنا أن يذاق حديدنا ... خلقنا بحد المشرفية أفواها\rوهذا من باب قول ابن نباتة:\rخلقنا بأطراف القنا لظهورهم ... عيوناً لها وقع السيوف حواجب\rومسعود هذا مقل في شعره، محسن مطرب بغزله مفتن فمن ذلك قوله:\rغزال يكون الفهد طوع يمينه ... ولم نر ظبيا قط مستخدما فهدا\rومن أعجب الأشياء أن بات آمنا ... من الثأر فينا وهو يقتلنا عمدا\rوقوله:\rحوراء تقتل من رمته بطرفها ... فكأن سهم لحاظها مسموم\rوتصيب أسهمها وليس يرى دم ... فالقتل منها ظاهر مكتوم\rوتكاد تسكر بالحديث لأنه ... عصرت بحيث يمر فيه كروم\rوقال محمد بن عيسى:\rوضحت به العليا فمنهج قصدها ... منه إلى ظهر المجرة مهيع\rيندى عليك وأنت منه خائف ... وكذاك لج البحر مغن مفزع\rوهذا من قول الآخر: هو البحر فيه الغنى والغرق على أن محمد بن عيسى قد ذكر هذا المعنى في موضع آخر، واحتاط للمدوح، فقال وأحسن:\rبراحته بحر محيط مسخر ... يفاد الغنى فيه ولا يذعر الركب\rوالذي دعاه إلى البيت العيني قوله بعده:\rفأشد ما تلقاه عند ليانه ... وكذا الأرق من الحسام الأقطع\rوقال:\rتخللت حتى غابة الأسد الورد ... وأنزلت حتى ساكن الأبلق الفرد\rوجردت دون الدين سيفك فانثنى ... من النصر في حلي من الدين في غمد\rلقد ضم أمر الملك حتى كأنه ... نطاق بخصر أو سوار على زند\rيغيثك في محل يغيثك في ردى ... يروعك في روع، يروقك في برد\rجمال وإجمال وسبق وصولة ... كشمس الضحى، كالمزن، كالبرق، كالرعد\rومثل هذا التركيب، وعلى حكمه في الترتيب، قول محمد بن أبي سعيد:\rجاور عليا ولا تحفل بحادثة ... إذا ادرعت فلا تسأل عن الأسل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1851935,"book_id":1857,"shamela_page_id":16,"part":null,"page_num":16,"sequence_num":16,"body":"سل عنه وانطق به وانظر إليه تجد ... ملء المسامع والأفواه والمقل\rوقال محمد بن عيسى أيضاً:\rملك غدا الرزق مبعوثا ... وظل يجري على أحكامه القدر\rيا من قضى الله أن الأرض يملكها ... عجل ففي كل قطر أنت منتظر\rوقال:\rيهوى قناتك قلب من لم تهوه ... فيكاد فوق سنانها يتقلب\rأنت النهار فليس دونك نجعة ... والليل أنت فليس دونك مهرب\rوفي هذا بيت النابغة وزيادة لأنه قال:\rفإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع\rوقد أجاد ابن أبي الفرات في قوله:\rكأن فجاج الأرض كفاك إن يسر ... بها مجرم ضمت عليه الأناملا\rفأين يفر المرء عنك بجرمه ... إذا كان يطوي في يديك المراحلا؟\rوقال:\rيجري النهار إلى رضاك وليله ... وكلاهما متعاقب لا يسأم\rفكأنما الإصباح تحتك أشقر ... وكأنما الإظلام تحت أدهم\rوالخيل كانت تستريح من السرى ... لو لم يكن فوق البسيطة مجرم\rتهوى قناك الطير فهي وراءها ... تهوي لتبصر حيث تطعن تطعم\rبلغت إلى السمع الأصم صفاتهم ... وأبان فيهن اللسان الأعجم\rقوله: تهوى قناك الطير هو المعنى الذي سبق الأفوه الأودي إليه، واتبع جماعة من الشعراء تمثيله فيه واحتذوا عليه. ومن المشهور في ذلك ما جاء للنابغة، ومسلم، وأبي نواس، وأبي تمام وغيرهم، ومن مليح ما أعرفه فيه قول مروان بن أبي الجنوب:\rلا تشبع الطير إلا في وقائعه ... فأينما سار سارت خلقه زمرا\rعوارفا أنه في كل معترك ... لا يغمد السيف حتى يكثر الجزرا\rوقول الآخر:\rولست ترى الطير الحوائم وقعا ... من الأرض إلا حيث كان مواقعا\rوقول عبيد الله بن قيس:\rوالطير إن سار سارت خلف موكبه ... عوارفا أنه يسطو فيقريها\rوقول ابن نباتة:\rإذا حومت فوق الجموع عقابه ... تباشر عقبان بها ونسور\rحواجل أو ربد الظهور قشاعم ... قوانصها للدارعين قبور\rوقول الآخر:\rكأن النسور نافست فيهم الثرى ... فقد حصلت أجسامهم في الحواصل\rوقوله:\rوتطايرت في الجوار رزق أجادل ... طلبت مطاعمها وزرق نصال\rوقول الآخر:\rعتادهم خطية قد تكفلت ... برزق نسور حوم وخوامع\rوقوله أيضاً:\rفإن تك أسرى عفت البيض عنهم ... فمن بعد أن عافت ضباع وأنسر\rوالبديع كل البديع قول أبي الطيب:\rيطمع الطير فيهم طول أكلهم ... حتى تكاد على أحيائهم تقع\rوقال:\rسألت أخاه البحر عنه فقال لي ... شقيقي إلا أنه الساكن العذب\rلنا ديمتا ماء ومال فديمتي ... تماسك أحياناً وديمته سكب\rإذا نشأت مالية فله الندى ... وإن نشأت مائية فلي السحب\rأقلوا عليه من سماع صفاته ... فإني لأخشى أن يداخله عجب\rغفرت ذنوب الدهر لما لقيته ... ودهر به ألقاه ليس له ذنب\rوأبلغ من هذا قول مهيار:\rوما ذممت زماني في معاتبة ... وحجتي بك إلا وهو يخصمني\rوقال محمد بن عبادة، فاستعمل أسلوباً غريبا، وركب تركيبا غريبا عجيبا، لأنه خلط بمديحه غزلا وتشبيها:\rنفى الحب عن مقلتي الكرى ... كما قد نفى عن يدي العدم\rفقد قرَّ حبك في خاطري ... كما قرَّ في راحتيه الكرم\rوفر سلوك عن فكرتي ... كما فر عن عريضه كل ذم\rفحبي ومفخره باقيان ... فلا يذهبان بطول القدم\rوقد شاب قولي بذكري له ... مديح أجل ملوك الأمم\rوقال ابن مطرف:\rيرى العواقب في أثناء فكرته ... كأن أفكاره بالغيب كهان\rلا طرفة منه إلا تحتها عمل ... كالدهر لا دورة إلا لها شان\rوقال عبد الحميد بن عبد الحميد:\rأرح متن المهند والجواد ... فقد تعبا بجدك في الجهاد\rقضيت بعزمة حق العوالي ... فقض براحة حق الجياد\rوقال جعفر بن محمد:\rوعصرك مثل زمان الربي ... ع لا تهجر الشمس فيه الحمل\rتسامت علاك سمو النجوم ... وسارت أياديك سير المثل\rوقال آخر:\rلعزك ذلت ملوك البشر ... وعفرت تيجانهم في العفر\rوأنت ملوك إذا شاجروا ... أظلتهم من قناهم شجر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1851936,"book_id":1857,"shamela_page_id":17,"part":null,"page_num":17,"sequence_num":17,"body":"بدور تجرد سيف الندى ... وتغمده في رؤوس البدر\rوقال مصعب بن محمد:\rمليك يجر الجيش جما عديده ... لأرض الأعادي زائر متعبد\rيزعزع أقطار البلاد كأنما ... تحم به الأرض الفضاء فترعد\rوقال:\rإلى ملك لو لم أحل قلائدي ... به لم أكن من جوهر الفضل حاليا\rألا إنني لما عددتك أولا ... ختمت وما استثنيت بعدك ثانيا\rوهذا المقدار دال على استنباط أمثاله من هذا الأسلوب، ومسهل استخراج أنظاره من هذا الغرض المطلوب، وهاد إلى ما يجب قصده في المدح واعتماده، وباعث على ما يلزم إضماره في الوصف واعتقاده. وقد أوردنا في هذا الجزء أنموذجاً لما يجاريه من بابه، واقتصرنا عليه لتعذر استقصائه واستيعابه. والله تعالى يديم على الأمة ظل مولانا ودولته، ويثبت سلطانه ومملكته، ويجعل تراب أرضه رثما في الشفاه، وغررا في الجباه، ولا زال عفوه كعبة الخائف الجاني، وجوده غاية تسمو إليها همم الأماني، وأيامه المشرقة الزاهرة موسماً للبشائر والتهاني، ويرحم الله عبداً قال آمينا إن شاء الله ﷿.\rالحمد لله وصلى الله على سيد المرسلين محمد، وعلى آله الطاهرين، وسلم. الله حسب المملوك ونعم الوكيل.\r\rرسالة لمح الملح\rرسالة سماها لمح الملح\rالحمد لله الذي كتب على نفسه الرحمة لأهل طاعته، وفرض الزلفة لمن أنضى فيها مطايا استطاعته، ووسع طرق الأعمال فيما يجازي عليه بالحسنى، ووفق المخلصين لما ينالون به شرف الحظ الأسنى، وأيدهم بروح منه، فوجب لهم الأجر الكريم، ووعدهم خلود جنات لهم فيها نعيم مقيم، (فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم) . وصلى الله على سيدنا محمد نبيه الذي أيده بعزيز نصره واختصه من الفضل بما يعجز ذوو العقول عن حصره، وأبان باصطفائه إياه عن رفيع منزلته وشريف قدره، وجعله رحيماً بالمؤمنين، رؤوفاً بالمستضعفين، وناهياً عن القنوط للجانين على أنفسهم والمسرفين، فقال تعالى على ما نطق به كتابه الكريم: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم) وعلى أخيه وابن عمه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب المشهور بالشرف الخالص، والمحبو بالمآثر والخصائص. والمجموع فيه ما تفرق في غيره من الفضائل الجمة، والمنصوص على علمه بما جاء في الحديث من كونه أقضى هذه الأمة. وعلى آلهما الأئمة الأطهار الذين تجلت بأضوائهم ظلم الشكوك، ووضحت حجتهم بهم حجة كفاتهم من العظماء والملوك، وسلم ومجد، وأجرى على أفضل ما عود. والحمد لله الذي أطلع من ملوك الأرض شموسا لا تتم المصلحة إلا بهم، وحفظ أسلافهم مذ تنقلوا أنوارا في ظهورهم، وأصلابهم، وأرشد بهم من الضلالة، وجعل آيتهم مبصرة، وأوضح المعذرة لمن كانت قوته في صفاتهم مقصرة، وحض على طاعتهم شعوب الأمم وفرقهم، وفضلهم على كافة بريته ولذلك خلقهم، وجعل هذا العصر مخصوصاً بأرفعهم لديه رتبة، وأوجبهم عنده قربة، وأكثرهم عادة في المراحم ودربة، والمجتبى لحياطة الأمة، فكم كشف غمة، وفرج كربة! مولانا الملك السيّد الأجل الأفضل أمير الجيوش سيف الإسلام، كافل قضاة المسلمين، وهادي دعاة المؤمنين، عضد الله به الدين، وأمتع بطول بقائه أمير المؤمنين، وأدام قدرته، وأعلى كلمته، الذي ظهرت آياته فبهرت، واستفاضت أوصافه واشتهرت، وطمت بحار كرمه الغامر وزخرت، وتاهت به البسيطة وباهت وفخرت، وتشوقت إلى استيلائه على جميع بلاده، وألقت إليه من مهاجرة ملوكها أفلاذ أكباده؛ فازدحموا على بابه ازدحام الحسنات في أفعاله، ونال كل منهم من شرف الحباء ما لم يخطر قط على باله، فعادوا شاكرين لدهرهم، راضين عن زمانهم، وصاروا متفقين في ولائه مع اختلاف ألسنتهم وألوانهم، وما عرف الدهر محمودا إلا في جنابه المريع وظله الوارف، ولا علم اتفاق بنيه إلا في أيامه التي شملت بضروب العوارف فعلت بذلك أطواد الخلافة العلوية وسمت، وانقطعت عنها مواد الطغاة ببركته وانحسمت، وتهللت الملة الحنيفية بيمن كفالته العزيزة وابتسمت، وتشعبت الخواطر في صفات مناقبه وتوزعت وتقسمت. فلله هو من ملك أحيا من الآمال رفاتا رميما، وأبرأ من الأحوال عليلا سقيما:\rوبدا الزمان به أغر محجلا ... ولقد عهدناه أغر بهيما","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1851937,"book_id":1857,"shamela_page_id":18,"part":null,"page_num":18,"sequence_num":18,"body":"وأتى يحيط بجلاله وصف وقد عم عدله الآفاق، فساوى بين البعيد والقريب، وتأرجت الأرض بالثناء عليه فكاد النسيم يتضرع بالطيب، وحاز العزة الباذخة التي استحقها وراثة وإلهاماً، واستولى على الرتبة الشامخة التي يتعاظمها كل ملك ويتحامى:\rفعلت فما يسمو إليها مرتق ... وغلت فلست ترى لها مبتاعا\rفمهابته مقابلة العظمة بالخشوع والسجود، ومخافته محرمة على الأجفان لذيذ الهجوع والهجود، وفواضله الوسيعة قد طبقت جميع الأرض من السهول والنجود، وخلائقه الشريفة مزرية بالجوهر الفاخر والروض الممطور المجود، فلا سبيل إلى استيعاب أوصافه الباهرة واستقصائها، كما لا مطمع في عد كواكب السماء وإحصائها. على أن مفاخره أعلى من النجوم محلا، وأكثر منها عددا، ومكارمه أوسع من البحار الزاخرة مدى، وأغزر منها مددا، ولا اختلاف بين ذوي الفهم والتصور، ولا ارتياب عند أولي التأمل والتدبر أن الله تعالى اصطفاه ليملكه الأرض وحده، وأن ذلك مما لا يستطيع أحد إنكاره ولا جحده، لما أوتيه من القوى اللاهوتية، ومنحه من الخصائص الملكوتية. والله ﷿ يقضي بدوام سلطانه القاهر وخلوده، ويملأ آفاق الدنيا بجيوشه المنصورة وجنوده، حتى لا تبقى أمة من الأمم إلا وقد ذلت منه لمسترقها ومالكها، لا بقعة من الأرض إلا وقد وسمت بحوافر خيوله وسنابكها؛ ليستهم النعمة به كافة الخلق وجميع البرية، ويعلم الكافة من شريف سيرته ما لا عهد لهم بمثله في الطباع البشرية، وهو بكرمه يرفع هذا الدعاء الذي يصعد إليه ويترقى، ويجعل هذا الابتهال مستقبلا بالإجابة متلقي، ويسهل بذلك نفاذ الأقضية والأقدار، ويعجل المصلحة بتيسيره لأهل هذه الدار. بفضله وطوله وقدرته وحوله.\rولما كانت خدمة مقامه الأكرم من أنواع العبادة وأسباب الطاعة، والتوفر عليها كفريضة الحج الواجبة على ذوي القدرة والاستطاعة؛ تعين على كل مملوك أن يعتمد ذلك على حسب إمكانه، ويحرص على أدائه بقلبه ويده ولسانه، واثقاً أن المواقف الشريفة تقبل جهد المقل في خدمتها، والمقامات الكريمة ترضى قدرة المستطيع وإن قلت في مقابلة عظمتها:\rألم ترنا نهدي إلى الله ماله ... وإن كان عنه ذا غنى فهو قابله\rفلذلك خدم المملوك بلمعة من الأدب الذي نفقت في أيام مولانا سوقه، وضحت للمتوسلين به سبيله وطريقه، وجعل خدمته مشتملة على أشياء قد عهد فيما يماثلها أن يمال إليه ويصغى، وألف فيما يجانسها أن يحافظ عليه ولا يلغى، وكان اعتماده على البدائع التي ظهرت في دولته كوامنها، وبرزت في مملكته مخبآتها ودفائنها، فإن أورد قديما فلما هو عليه من بديع المعنى وحسن السبك، وأنه مما لم يبتذله الاشتهار كما ابتذلت الرواية: قفا نبك. أو لأن فيما أورده لمحدث شبها له ومثلا، فقصد بذكره أن ينظم للمحاسن عقدا، ويجمع لها شملا، أو لأن المملوك أو من يماثله من المحدثين أغربوا فيما انتقدوه فيه، وتنبهوا منه على ما لم يسبقوا إليه، ولولا ذلك لما عرض له، ولا ألم به؛ إذ كانت خزائن مولانا قد اشتملت عليه عن معاد ذلك ومنقوله والله ﷿ يوفق المملوك لما يحظيه ويزلفه، ويسعده بارتضاء ما يخدم به ويؤلفه بمنه وكرمه.\r\rمن المحاسن العصرية في المملكة المصرية\rقد خدم مجلس مولانا الملك بغرائب من المدح كان البيان بها ضنينا، وأنتج الدهر له من بدائع القول ما لم يزل ف حشاه جنينا، مما استقرت الخدم به عند حفظتها، وحصلت مصونة تحت أيدي خزنتها، من منثور يتناقل في الآفاق ويتهادى، ويحدث لسامعه طربا لم يكن لمثله معتادا:\rوقواف ليست تفارق معنا ... هـ على أنها تجوب البلادا\rولولا ذلك لقصر المملوك هذا الفصل منها على الجوهر الشفاف، وأورد من الصفات الشريفة ما ينسب المفرق فيه إلى التقصير إذا نسب غيره إلى الإسراف. فهو يذكر غرراً لا يتحيز إلى فن مفرد، ويورد متخيرا يعرب عن حسن المطلب وجودة المقصد، ويفتتح ذلك بأحق الأشياء بالتقديم، وأولاها بالتشريف والتعظيم.\rقال محمود بن القاضي الموفق في مولانا الملك ثبت الله دولته:\rمليك تذل الحادثات لعزه ... يعيد ويبدي والليالي رواغم\rفكم كربة يوم النزال تكشفت ... بحملاته وهي الغواشي الغواشم\rتداركنا والمكرمات دواثر ... يصم صداها والمعالي معالم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1851938,"book_id":1857,"shamela_page_id":19,"part":null,"page_num":19,"sequence_num":19,"body":"تشيد بناء الحمد والمجد بيضه ... وهن لأساس الهوادي هوادم\rإذا صدرت عن مورد الموت خلتها ... بأغمادها وهي العواري العوارم\rرقاق الظبى تجري بأرزاق ذا الورى ... وآجالهم فهي القواسي القواسم\rوكان أبو طاهر الأطفيجي العابد اقترح عليه أن يقفه على شيء من منظومه. فعمل هذه القصيدة في مدح مولانا - خلد الله ملكه - وقال فيها مخاطبا للعابد:\rصحائف أعداها الشباب بصبغة ... فهل أنت ماح ما تخط المآثم\rإذا قائم السيف انثنى في ملمة ... ولم يغن أغنى وحده وهو قائم\rولا يعلم المملوك شابا مدح شيخا متعبدا، وحدثا اجتدى ناسكا متزهدا بأحسن من هذا. وإذا كان الناس قد أجلبوا بقول حبيب:\rيمدون من أيدٍ عواص عواصمٍ ... تصول بأسيافٍ قواضٍ قواضب\rوهو بيت واحد؛ فما الظن بعدة أبيات سالمة من الضعف، بريئة من التسمج في الوصف؛ ألا إن ذلك بسعادة من خدم بها مقامه الأشرف، وإقبال من اتسعت مناقبه فغدا الخاطر يجري في ذكرها ولا يتوقف. وهذا النوع يسمى: التجنيس المركب. وقوم يسمونه: الناقص؛ لأن الحروف الأصلية في إحدى لفظتي التجنيس تنقص عن الأخرى، وقد أراد قوم جمع أقسامه فلم يحيطوا علما بها، وودوا حصر أنواعه لو أمنوا من تفرعها وتشعبها:\rولكنها صوب العقول إذا انجلت ... سحائب منها أعقبت بسحائب\rلأن أدباء كل وقت يحدثون من ذلك ما يقترحون له ألقابا، وعلماء كل عصر يولدون فيه ما يقصدون به تعاطيا وإغرابا. فمن مستحسن ما أتوا به تجنيس التنوين، كقوله:\rأنا الذي لا ذو هوى ... ولا شجى ولا شجن\rلاقى الذي لاقيت من ... محبتي فتى فتن\rوفي هذا مناسبة لقول الميكالي:\rليت أجفاني به سعدت ... فترى الطرف الذي فترا\rوقول الصقلي:\rنهاك أهلك عني ... من أجل أهلِكِ أهلِك\rوقول مجبر أحد شعراء المجلس العالي المالكي ثبت الله سلطانه:\rغاروا فغار لحيني فيهم قمر ... هويته أفلا أبكي وقد أفلا\rوالمتقدمون يسمون هذا: تجنيس المماثلة، وقوم يعبرون عنه بتجنيس اللفظ والخط، ويجعلون قول أبى نواس في آل الربيع من أحسنه وهو:\rعباس عباسٌ إذا حضر الوغى ... والفضل فضل والربيع ربيع\rويروى: إذا احتدم الوغى، أي اشتد حره.\rوالمملوك يقول: إن الأمدح أن يكون إذا اشتد الوغى بساما لا عباسا، فإن قصد بعباس رجلا مشهورا بالشجاعة فهو وجه جيد، ويكون من باب قول الآخر:\rحتى كأنك يا عليُّ علي\rومن الشجعان المشهورين: عباس بن مرداس السلمي، ورآه عمر بن معدي كرب فقال: أهذا عباس بن مرداس؟ لقد كنا نفرق به صبياننا في الجاهلية. اللهم إلا أن يكون أبو نواس أراد ما جاء في الحديث من قوله ﵇: (ألقوا الكفار بوجوه مكفهرة) أي غلاظ، فهو وجه، فأما قول الأعشى:\rإن تسد الحوص فلم تعدهم ... وعامر ساد بني عامر\rفمن علماء الشعر من يجعله مجانسة؛ لأن أحدها رجل والآخر قبيلة، ومنهم من يقول بل معناهما واحد؛ لأنه قال: بني عامر، فأضاف البنين إليه، ولو قال: ساد عامرا، يعني القبيلة؛ لكان تجانسا غير مدفوع. وقد سلم ابن سعيد الحلبي من هذا التأويل في قوله:\rآل غني ما لناديكم ... قد فقد الطارق والسامرا\rوما لهذا البيت من عامر ... لم يبق بيتا للندى عامرا\rومما ولده المحدثون تجنيس التورية، كقول مهيار:\rومدير سيان عيناه والإب ... ريق فتكا وريقه والرحيق\rوالإبريق هاهنا السيف، وهو من أسمائه. قال أهل اللغة: إذا كان في السيف بريق فهو إبريق. ووجه التورية أنه لما قال: ومدير، ثم ذكر الإبريق حسن أن يعتقد فيه أنه آلة الخمر، ولما كان المعنى على السيف صار موريا عن غرضه بهذه اللفظة المشتركة. وهذا غرور في التجنيس ومثله قوله أيضاً:\rفتى لا يريد المجد إلا لنفسه ... ولا المال إلا قسمة ومنائحا\rينازع أزمات الزمان بأنمل ... جوابر للأحوال تسمى جوارحا\rفورّى بجوارح ضد جوابر عن الجوارح التي هي الأعضاء، وقصد ههنا الأيدي.\rوقول عبد الله بن سعيد:\rإذا سكنتم فقلبي زائد القلق ... وإن رقدتم فطرفي دائم الأرق\rسرقت بالنوم وصلا من خيالكم ... فصار نومي مقطوعا على السرق","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1851939,"book_id":1857,"shamela_page_id":20,"part":null,"page_num":20,"sequence_num":20,"body":"فورّى بقوله: مقطوعا الذي هو حكم السارق عن انقطاع نومه الذي هو ذهابه وعدمه.\rوقول مجبر بن محمد:\rفسقى محل الجزع من محل به ... غيث تدور على الربى كاساته\rسفح سفحت عليه دمعي في ثرى ... كالمسك ضاع من القناة فتاته\rفقد ورّى بضاع من الضياع عن ضاع من التضوع. كما قال ابن حيوس:\rبمدح إذا ما ضاع في القوم نشره ... فما الند أهل أن يكون له ند\rومن مليح التورية قول عمر بن أبي ربيعة:\rأيها المنكح الثريا سهيلا ... عمرك الله كيف يلتقيان\rهي شامية إذا ما استقلت ... وسهيل إذا استقل يمان\rيعني الثريا بنت علي بن عبد لاه بن الحارث بن أمية الأصغر، وكانت نهاية في الحسن والجمال، وسهيل بن عبد الله بن عوف، وكان غاية في القبح والدمامة فمثلها بسمييهما، وأراد بعدهما وتفاوت محليهما. وكل هذا من أبيات المعاني.\r\rفي الإشارة إلى مدائح مولانا وفضائله وما ازدانت به الأرض من قصوره ومنازله\rلما كان مولانا الملك - خلد الله ملكه - آية الله التي أبداها لعباده وأظهرها، ورحمته التي بعثها على بلاده ونشرها، ومعجزته الموضحة مستور الحكمة ومكنونها، وسريرته المستودعة من غامض علمه ما جعل كل آية دونها؛ فكأن البسيطة ما سطحت إلا لتجول فيها عساكره، وكأن البرية ما خلقت إلا لتنفذ فيها أوامره؛ وجب أن لا تخلو الدنيا من آثاره التي تمجيدها حتم، وتعظيمها فرض، وأن يدوم على هذه الخليقة بهاء المباهاة بها ما دامت السموات والأرض. وهذه الآثار التي انبعث شعاعها من فلك مملكته، وانبسطت أنوارها في آفاق دولته تنقسم إلى قسمين: أحدهما ما يتميز السمع بشريف ذكره، ويتشنف بنفيس جوهره وثمين دره، وهو الإخبار عن غامر عدله، والإبانة عن شامل فضله، والوصف لمواقفه التي كشفت الأعداء فيها وثباته، الذكر لسيرته التي بهر البشر تماديه عليها وثباته. وجميع هذه المناقب قد ثبت في اللوح المحفوظ، وتداولته الألسن فكله من الملفوظ غير الملفوظ، فما تترقى همة الإخلال إلى دراسته وتلاوته، ولا تتسلط السآمة على عذوبته في الأفواه وحلاوته، فقد أمن راويه من تطرق النسيان عليه والسهو، ونال من فضيلة إيراده ما أقام عذره في الخيلاء والزهو. والقسم الثاني ما وقع على حسنه الإجماع، وتنافست الأبصار فيه والأسماع، واكتست به الدنيا أفخر زينة، واستخف الافتتان ببهجته الألباب الرزينة، من المباني التي غدت على صدر الأرض وشاحاً، وأظهرت في محياها غرراً وأوضاحاً، وألبست جيدها عقداً، ومفرقها تاجاً، واستوقفت الأبصار على بدائعها فلم تستطع عنها معاجا. وهذه موهبة قد جمعت بين فضيلتي ملوك العرب والعجم، واختص مولانا من شرفها بما لم ينله أحد في سالف الأمم، وذلك أن المحافظة على بقاء الذكر أمر قسمه الله بين أنبيائه الذين بعثهم وأرسلهم، وبين ملوك أرضه الذين اصطفاهم تعالى وفضلهم. أما الأنبياء فذكرهم باق ببقاء مللهم، وأما الملوك فبما اقتضته أحوالهم في ممالكهم ودولهم. فملوك العرب يعتمدون على تدوين مآثرهم بالفصاحة والبيان، وملوك العجم يعولون على إتقان العمارة وتشييد البنيان. وكل يعتقد أنه قد احتاط للذكر بما يضمن بقاءه سرمدا، ويجعل تناقله أمرا دائما لا ينتهي إلى مدى. ومولانا - خلد الله ملكه - فقد حاز ما لم يحرزه أحد من النوعين، وجمع منهما ما يبقى على الأبد لذة للسمع وقرة للعين؛ لأنه قد خدم من النظم والنثر بما لم يفز بمثله مخلوق، واستكثر من سمة الأرض بمنازله التي لكل منها من أنواره عيوق. وقد اشتملت بغير شك على المحاسن الملوكية، والصور الأرضية والفلكية، وحوت الغرائب من اجتماع الحيوان المتضاد من غير عدوى، والتسوية بينه في أهب الذهب تبرعا بالعطاء والجدوى، وأنى يكون اعتداء في أعمال مملكته فضلا عن قصوره، أو اجتراء لأحد بحضرته؟ والمهابة تقضي بعجزه عن ذلك وقصوره، وقد وصفها شعراء مجلسه العالي فيما صنعوه، وتنوعوا في ذكر ما خدموا به من ذلك ورفعوه، وعمل منه ما لم يشمله شرف العرض بالمقام العالي، ثبت الله سلطانه. فمما يرويه المملوك من ذلك قول محمود القاضي الموفق، ووصف التاج:\rإن البسيطة قد أعدت شبابها ... حتى بدت وكأنها لم تهرم\rلما غدت بك معصراً ألبستها ... تاجا ترصعه سعود الأنجم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1851940,"book_id":1857,"shamela_page_id":21,"part":null,"page_num":21,"sequence_num":21,"body":"وتماثلت شرفاته وصحونه ... في الحسن بين مخرم ومرخم\rوأول هذه الأبيات:\rهذه منازل من هويت فيمم ... وارتع وسح بربعها ديم الدم\rعجنا فمن صب بصب دموعه ... ذربٍ ومن متعملٍ متعلم\rغراء يجحد لحظها بسقامه ... قتلى فتخبر عن دمي بالعندم\rشعل الهوى طرفي وقلبي إذ بدت ... يوم النوى بتأمل وتألم\rمنها:\rمن كل طلق الوجه إن شهد الوغى ... لقي العدى بتهجم وتجهم\rولمجبر أحد شعراء مجلس مولانا - خلد الله سلطانه _في وصف فوارة في المباني الشريفة على ما أوجبه تخيله، واقتضاه توهمه وتمثله؛ لأنه أدركها بنظره، ولا أجال فيها حاسة بصره:\rوفوارة يستمد السحا ... ب من فضل أخلافها المحتلب\rرأت جمرة القيظ محمرة ... لها شرر كرجوم الشهب\rفظلت بها الأرض تسقي السما ... ء خوفا على الجو أن يلتهب\rوهذا من قول الآخر في وصفها: أمطرت الأرض بها السماء ومن المستحسن في ذلك ما أتى به علي بن الجهم في قوله:\rوفوارة ثأرها في السماء ... فليست تقصر عن ثارها\rترد على المزن ما أسبلت ... على الأرض من صوب مدرارها\rوالذي صنعه الشعراء في هذا الباب هو مستقر في الخزائن المعمورة مغن عن التوسع فيه؛ لاسيما وهذه الخدمة لمحة، والذي أورد فيها على وجه الإشارة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1851941,"book_id":1857,"shamela_page_id":22,"part":null,"page_num":22,"sequence_num":22,"body":"ومن غير ذلك من الحكايات التي يتناقلها الناس ويتداولونها، ويستكثرون بلاغتها ويستعظمونها على أنها مطلع يقتضي ما يجيء بعده، وابتداء لا عذر للإعجاب أن يكتفي به فيقف عنده ما تضمنه كتاب الوزراء والكتاب لابن عبدوس من أن فتى قدم على عمرو بن مسعدة متوسلا إليه بالبلاغة، وأن عمروا امتحنه فرمى إليه كتاب صاحب البريد في بعض النواحي يخبر أن بقرة ولدت غلاما، وقال له: اكتب في هذا المعنى، فكتب: الحمد لله خالق الأنام في بطون الأنعام. فلما رأى عمرو ذلك جذب ما كتبه من يده، وأحسن إليه، وأعاده إلى بلده. وما علم المملوك أحدا تمم هذه البداية المستحسنة، ولا تعرض لتكميلها في مدة ثلاث مئة سنة، فاستيقظ لاستدراك ما تركه المتقدمون وأغفلوه، وتنبه على استئناف ما أخلوا به وأهملوه، إذ كانت أيام مولانا مكملة كل ناقص من جميع الفنون، ومخصوصة من الفضائل بما يوفي على الأوهام والظنون. وأنشأ في ذلك ما العادة جارية أن يقرأ مثله على الناس وهو: الحمد لله خالق الأنام في بطون الأنعام، ومصورهم بحكمته فيما يشاء من الأرحام، ومخرج الناطق من الصامت مع اختلاف الأشكال، وتباين الأجسام، إبانة عن باهر آيته فيما ابتدع وإظهارا لما استحال في العادات وامتنع؛ ليدل على أن قدرته أبعد غاية مما يتخيله الفكر ويتوهمه، وأن مصنوعاته شواهد وحدانيته لمن يتبين معجزها ويتفهمه. ويحمده أمير المؤمنين على ما اختص به أيامه من بدائع مخلوقاته، ويشكره على غرائب صنعه التي أضحت من دلائل فضله وعلاماته؛ إذ كان - جل وعلا - قد جعل آياته موقوفة على أزمنة أصفيائه، ومعجزاته مقصورة على عصور أنبيائه وأوليائه، على أن لديه من خليله وفتاه، وصفيه الذي أوجه السعد نحوه وأتاه، السيّد الأجل الأفضل أمير الجيوش سيف الإسلام، ناصر الإمام، كافل قضاة المسلمين، وهادي دعاة المؤمنين، عضد الله به الدين، وأمتع بطول بقائه أمير المؤمنين، وأدام قدرته، وأعلى كلمته، الذي اكتسى الدين بنصرته ثوب الشباب والبهجة، واقترنت المبالغة في صفاته بقول الحق وصدق اللهجة؛ ملكا غدا الزمان جذلا بدولته مغتبطا، وسيدا ارتفع أن يأتي بالمكارم إلا مخترعاً لها مستنبطاً، وسلطاناً يفعل الحسنة عذراء، ويتنزه أن يفعلها عوانا، وهماماً يتأنس في العزمات بنفسه، فلا يستنجد أنصارا لها ولا أعوانا. لا جرم أن أمير المؤمنين يرفل من تدبيره في ملابس العز الفاخرة، ويتحقق أن النعمة به في الدنيا برهان ما أعد له في الدار الآخرة، ويرغب إليه في الصلاة على جده محمد سيد ولد آدم، وأشرف من كل من سلف وقته وتقادم، والمبعوث بشيرا ونذيرا إلى كافة البشر، والمخصوص تسبيح الحصى، وحنين الجذع، وانشقاق القمر، صلّى الله عليه وعلى أخيه وابن عمه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، مستودع سره، ومنتهى علمه ومقره، ومن قاتل الجن فسقوا بعضبه كأس المنون، وردت له الشمس كما ردت من قبله ليوشع بن نون، وعلى آلهما الهداة الأئمة الذين زالت بإرشادهم كل شبهة وغمة، ونسخت بأنوارهم ظلم الشكوك المدلهمة، وتنقلت فيهم سيادة هذا العالم، وسيادة هذه الأمة، وسلم عليهم أجمعين تسليما، وزادهم تشريفا وتكريما وتعظيما. وإن أمير المؤمنين إذا تأمل ما ينشئه الله تعالى ويبدعه، وتدبر ما يبدئه سبحانه ويخترعه؛ وجد من غرائب الفعل، وغوامض القدرة، وعجائب الصنع، وسرائر الفطرة؛ ما يبعث على الضراعة له والخشوع، ويدعو إلى الاستكانة لعظمته والخضوع، ويقتاد كل ذي لب وتصور، ويضطر كل ذي عقل وتفكر إلى صحة العلم بأنه الله الذي لا إله إلا هو، الواحد لا من حساب عاد والقاهر بلا مدافع لأمره ولا راد، والرازق المنشئ المقدر، والخالق البارئ المصور، مخرج العالم من العدم إلى الوجود، وفاطر النسم على غير المثال المعهود، والدال على حكمته بإتقان ذلك وإحسان تركيبه، ومصرف الأقدار فيما تحدثه قدرته النافذة وتأتي به. وهذا برهان أمير المؤمنين فيما هو لهج به من الذكر والتوحيد، وحجته فيما هو متوفر عليه من مواصلة التحميد والتمجيد، والله ﷿ يضاعف له ثواب المجتهدين، وينيله الزلفة بما يعينه عليه من إعزاز الدين. وإنه عرض بحضرة أمير المؤمنين كتاب متولي البريد، يتضمن أمراً أبان عن العظمة القاهرة، وأعرب عن المعجزة الباهرة، يتضمن أمرا أبان عن العظمة القاهرة، وأعرب عن المعجزة الباهرة وأوضح","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1851942,"book_id":1857,"shamela_page_id":23,"part":null,"page_num":23,"sequence_num":23,"body":"المعذرة لمن يعتقده من شرائط الساهرة. وذلك أنه أنهى ن بقرة جرت حالها على غير القياس، فنتجت حيوانا على هيئة الناس، وفي هذا مخالفة المنتوج جنس الناتج، وذلك مما يضلل الفهم ويستوقفه؛ إذ كان مما تنكره العقول ولا تعرفه. وهذا من الإنذارات المنبهة الموقظة، والإبداعات التي تضمنت بالغ الموعظة، وفيها تحذير لمن تمادى على الآثام والمعاصي، وتذكير ليوم يؤخذ المجرمون فيه بالأقدام والنواصي. فتأملوا معشر المسلمين - رحمكم الله - هذه الحادثة وما اشتملت عليه من الوعيد، وتدبروا ما خطب به لسان التخويف فيها مسمعا للقريب والبعيد، (إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد) وبادروا - وفقكم الله - إلى الدعاء والابتهال، واعملوا بما ندبتم إليه من صالح الأعمال، وأقلعوا عما كنتم تمسون عليه من الخطايا وتصبحون، وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون، وتوسلوا عنده بتعميركم مظان الخير ومواطنه، وانتهوا إلى ما أمركم به في قوله: (وذروا ظاهر الإثم وباطنه) واعتقدوا الإخلاص في جميع ذلك وأضمروه، واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه. فهذا إذا عكفتم عليه، واجتهدتم فيه، واعتمدتم منه ما يذهب عنكم رجز الشيطان وغيه؛ حزتم من الثواب جزيلا جسيما، ونلتم في العاجلة حظا عظيما، وكنتم في الآجلة ممن قال الله فيهم تبيينا لصادق وعده وتفهما: (تحيتهم يوم يلقونه سلام وأعد لهم أجرا كريما) وقد دعاكم إيثار أمير المؤمنين إلى ما يحييكم، ونصح الله ﵎ ولرسوله فيكم، فسارعوا إلى أمره ترشدوا، وتمسكوا بهدايته توفقوا وتسعدوا. فاعلموا هذا، واعملوا به، وانتهوا إليه انتهاء من الطاعة غاية مطلوبة إن شاء الله.\rمن غريب الاتفاق أن أديبا أنشد المملوك بيتا لعبد الله السمطي وهو:\rحار طرف تأملك ... ملك أنت أم ملك؟\rفقال المملوك: هذا يليق بصفة مولانا وينبغي أن يكون ثانية:\rبل تعاليت رتبة ... فلك الأرض والفلك\rوكان أحد شعراء المجلس العالي - ثبت الله أيامه - ابتدأ قصيدة في ذل الوقت لما رفعت العرب رؤوسها، وسفهت نفوسها، وبطرت نعمتها، وأساءت سيرتها، فقال:\rظنوا جهادك في أعدائك الروم ... يلهيك بالشام عن قوص وإخميم\rوما دروا أنك الشمس المنيرة في الس ... بع السموات والسبع الأقاليم\rفاستعظم المملوك تفاوت الخاطرين في الوصف؛ واتفاقهما في الوقت. وذكر المملوك بالإجازة ما روي من أن بعض الخلفاء سأل يوما عمن ببابه من الشعراء فذكروا له، فأمر بإحضارهم، فلما صاروا بين يديه قال: قد قلت بعض بيت فهل فيكم من يكمله؟ قالوا: وما هو يا أمير المؤمنين؟ فقال: الملك لله وحده فقال أحدهم ارتجالاً: وللخليفة بعده فقال: أحسنت، فهل من زيادة؟ فقال: وللمحب إذا ما=حبيبه بات عنده فأمر له بصلة سنية.\rوحكي أن أبا نواس، والعباس بن الأحنف، والحسين بن الضحاك الخليع، ومسلم بن الوليد، ويحيى بن معلى؛ خرجوا في متنزه لهم، وأدركت صلاة المغرب، فقام يحيى يصلي بهم، فنسي (الحمد) وارتج عليه في: (قل هو الله أحد) فقال أحدهم:\rأكثر يحيى غلطا ... في: قل هو الله أحد\rفقال الآخر:\rقام يصلي ساهيا ... حتى إذا أعيا سجد\rفقال الآخر:\rيزحر في محرابه ... زحير حبلى بولد\rفقال الآخر:\rكأنما لسانه ... شد بحبل من مسد\rفقال بعض المتأخرين ما جرته الحكاية، وأغفله الجماعة:\rونسي (الحمد) فما ... مرت له على خلد\rفصل\rبعض العصريين:\rوقد كان هذا البحر ليس يجوزه ... سوى خائف من ذنبه ومخاطر\rفأضحى بمن ينتاب جودك عامرا ... كأن عليه محكمات القناطر\rوفيه ملامحة لقول دعبل:\rوقال أناس إذ رأوا فضل مدحتي ... لعمران والنائي المكارم يمدح\rأتطمع في عمران والبحر دونه؟ ... فقلت: نوال البحر يحسن يسبح\rوهما يلتقيان من وجه، ويفترقان من آخر. فوجه التقائهما: أن البحر صراط بين ممدوحيهما، ووجه افتراقهما: أن أحدهما يسعى إلى النوال، والآخر يسعى النوال إليه، إلا أن قوله: محكمات القناطر، مما ملح فيه.\r\rفصل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1851943,"book_id":1857,"shamela_page_id":24,"part":null,"page_num":24,"sequence_num":24,"body":"من المحدثين المجيدين محمد بن شرف، وذكر في بعض تصانيفه أنه كتب يشرح حال حاج أصابه في الطريق حر شديد، فنزل بئرا ليشرب، فسقطت فيها صاعقة، فسلم منها، ثم ركب وسار، فنزل برد أصابت رأسه منه واحدة فقتلته. وكتابه في ذلك مشهور وقد كتب المملوك في هذا المعنى: إن من نوادر العبر، وبوادر الغير؛ ما اتفق لفلان عند توجهه من الطائف، وتركه استصحاب الماء توكلا على اللطائف، فإنه لقي يوما متلهب الأوار، متضرم النار، قد فقد نعيمه، وعدم نسيمه، واستعير من لفح جهنم حره وسمومه، فاستند إلى صبره، وأوى إلى جلده، ظاناً سرعة ذاك على ما وقع في خلده، فلما اشتد القيظ، وخيف على النفوس الفيظ، وتزايد به الأوام، وتشخص له الموت الزؤام؛ جعل يتماسك ويسير، وقد تيقن أن باقي عمره قليل يسير. فبينا هو على تلك الحال، يغور تارة وينجد، وقد أعوزه من يعين وأعجزه من ينجد؛ إذا هو ببئر ساقته إليها مهلة الأجل وهدته، وقادته نحوها فسحة المدة وأدته، فلعدم الرشاء وتعذره، وإعجال الأمر له عن تثبته وتصبره؛ نزلها كارعا في مائها، وناعشا بها نفسا لم يبق غير دمائها. وإنه لكذلك إذ وقعت عليه صاعقة حبيها يصعق، ومسها يهلك ويوبق، فلقيت البئر حدتها دونه، وحالت للمشيئة بين مضرتها وبينه، ثم صعد منها بعد أن نقع غلته، وبلغ أمنيته، فسما بطرفه، واستولى على طرفه، وأعجب بحظه، وتوهم أن القدر لا يغفل عن حفظه، وتحقق أن قصود المنايا له مخطئة، وضروب الرزايا عن الوصول إليه مبطئة، وسار جذلا غير جزع ولا وجل، واثقا بالسلامة وكم من واثق خجل! فما مضت ساعة حتى نشأت غمامة جر اليوم منها ستارته، ونسخ بها ذلك التوهج ومحا آيته، وجعل جامد السماء يذوب، وماء المزن يهطل ويصوب، وأخذت الأقضية تحلل من الديم العقد، وتفوق إلى مقاتل المقتول سهام البرد، فلم يزل يأتيه أرسالاً، ويتناثر عليه يمينا وشمالا، إلى أن أصابت إحداهن منه الهامة، فأذهبت نفسه وعجلت له القيامة. فسبحان من قرب له المسافة بين منهل الاغترار ومصرع الاعتبار، ومن نجاه مما الهلكة بمثله معتادة، وأهلكه بما يحيي به أرضه ويرحم عباده. وهو المسؤول أن يسبغ علينا فضله، ولا يجعلنا بين عباده مثلة، إنه جواد يجيب داعيه، ولا يخيب راجيه.\rوابن شرف من أعيان الشعراء، وأماثل البلغاء، وله أبيات يجيد فيا، ويحسن في معانيها. فمن بديع شعره قوله:\rخلق كماء المزن طيب مذاقه ... والروضة الغناء طيب نسيم\rكالسيف لكن فيه حلم واسع ... عمن جنى، والسيف غير حليم\rكالليث إلا أنه متبرقع ... بوسامة، والليث غير وسيم\rكالغيث إلا أن وابل جوده ... أبدا، وجود الغيث غير مقيم\rكالدهر إلا أنه ذو رحمة، ... والدهر قاسي القلب غير رحيم\rوقوله:\rجفاني فواصلت الصبابة والأسى ... وبان فلم أعدم سهادا ولا دمعا\rأأسر ولا أفدى، وقتل ولا أدى ... وسقم ولا أشفى، وموت ولا أنعى\rوقوله:\rإن تلقك الغربة في معشر ... تضافروا فيك على بغضهم\rفدارهم ما دمت في دارهم ... وأرضهم ما دمت في أرضهم\rوقوله في مثله:\rيا ثاويا في معشر ... قد اصطلى بنارهم\rفما حييت جارهم ... ففي هواهم جارهم\rوأرضهم في أرضهم ... ودارهم في دارهم\rوقوله في عود قينة:\rسقى الله أرضا أنبتت عودك الذي ... زكت منه أغصان وطابت مغارس\rتغنى عليها الطير وهي رطيبة ... وغنى عليها الناس والعود يابس\rوقوله في مثله:\rيا عود من أية الأشجار أنت فلا ... جفا ثراها ولا أغصانها الماء\rغنى القيان عليها وهي يابسة ... بعد الحمام زمانا وهي خضراء\rوقوله:\rخليل النفس لا تخل الزجاجا ... إذا بحر الدجى في الجو ماجا\rوجاهر في المدامة من ترائي ... فما فوق البسيطة من يداجى\rإذا مريخها اتقد احمرار ... صببنا المشتري فيها مزاجا\rوالناس مختلفون في المزج. فمنهم من يراه فيأمر به، ومنهم من يكرهه فينهى عنه. وأحسن ما سمعه المملوك في الاعتذار عن المزج قول ابن رشيق:\rما سجها الساقي لسوء خلقها ... كيف ومن تعليمها حسن الخلق\rوإنما ظن سناها لهبا ... فشجعها بالماء كيلا تحترق\rوهو مما أخذه من قول عبد المحسن:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1851944,"book_id":1857,"shamela_page_id":25,"part":null,"page_num":25,"sequence_num":25,"body":"أتاني بها كالنار من قبل مزجها ... ومن بعده كالشمس عند غروبها\rلهيب قلوب الشرب تطفا بشربها ... ويخشى على أيديهم من لهيبها\rوفي كل من المقطوعين ما ليس في الآخر، فقول عبد المحسن: إن لهيب النار يطفأ بما يخشى على الأيدي لهيبه معنى لم يستوفه ابن رشيق، وقول ابن رشيق: إنه شجها تحرزا من الاحتراق زيادة على عبد المحسن.\rوقد أحسن ابن رشيق أيضاً في وصف المزج بقوله:\rتزأر في الكأس وهي مزبدة ... كأن حبس السقاة أغضبها\rشجت مرارا كأن شاربها ... لم يستطع قتلها فعذبها\rومن غريب ما في هذه الأبيات:\rوقام بالكأس بيننا قمر ... يدير ذات اليمين كوكبها\rفقلت: خذها وهاتها عجلا ... فقال: لا تكثر التعتب ها\rويحتاج منشد هذا البيت عند ذكر القافية إلى إشارة المناولة، فبذلك يتم المعنى.\rفأما النهي عنه فمن أحسن ما جاء فيه لمتأخر:\rقدر المدامة فوق قدر الماء ... فارغب بكأسك عن سوى الأكفاء\rولفرط ما قل الخليط رفعتها ... عما يكون لها من الخلطاء\rوالمليح كل المليح قول مسلم:\rإذا شئتما أن تسقياني مدامة ... فلا تقتلوها كل ميت محرم\rخلطنا دما من كرمة بدمائنا ... فأظهر في الألوان منا الدم الدم\rولعمري إن أسرارها في الألوان فاشية، وحمرة الخدود مخبرة واشية.\rولقد أحسن الآخر في قوله:\rومقتول سكر عاش لما دعوته ... فبادر مسرورا يرى غيه رشدا\rوقام تثنيه بقايا خماره ... وقد قطفت عيناه من خده وردا\rلأنه جمع بين الاستعارة والتشبيه مع حسن اللفظ. وعلى ذكر العين والخد فقد أبدع ابن مكنسة في قوله:\rلم أر قبل شعره ووجهه ... ليلا على صبح نهار عسعسا\rوالسكر في وجنته وطرفه ... يفتح وردا ويغض نرجسا\rعلى أن من تشبيهاته التي ابتكرها قوله من أبيات في الخمر:\rما لاح وجهك يجتلى في مجلس ... إلا وجلى عنه وجها أربدا\rبكر إذا افترعت أخذت شعاعها ... بيدي وقلت لأهلها هذا الردى\rومن مليح ما وصف به فعلها قول ابن وكيع:\rإذا ملكت رق الحجى ساء ملكها ... له فهو منها مدة الدهر آبق\rويحكى أن رجلا ترك النبيذ، فقيل له: لم تركته وهو رسول السرور؟ فقال: إلا أنه بئس الرسول؛ يبعث إلى القلب، فيمضي إلى الرأس.\rوقال آخر:\rكأس إذا جليت علينا في الدجى ... ولم تبق منها غير صدغ أسود\rوتظنها دارت عليك وإنما ... دارت على نوب الزمان بمرقد\rولابن شرف:\rولقد نعمت بليلة جمد الحيا ... بالأرض فيها والسماء تذوب\rوالكأس كاسية القميص كأنها ... لونا وقدا معصم مخضوب\rمشروبة، للب شاربة، وما ... شيء سواها شارب مشروب\rوقد تصرف في معنى قوله: شارب مشروب، ونقله إلى معنى آخر فقال:\rوطلبت منه تكرما وظلمته ... فتعجبوا من ظالم متظلم\rمثل الصلاة أردتها من حائض ... أو كالزكاة طلبتها من معدم\rوهذان في أبيات منها:\rلولاك ما لبس الضنى جسدي ولا ... عبس الزمان إلي بعد تبسم\rغيري جَنَى وأنا المعاقب فيكم ... فكأنني سبابة المتندم\rوقد أخذ معنى هذا البيت أحد شعراء العصر فقال:\rفإن كان ذا غيظ فإني بنانه ... يسيل دما من عضة المتتابع\rولابن حيوس في تركيب شارب مشروب، وظالم متظلم:\rفلك الفريد وقد وجدت نظامه ... ولي النظام وقد وجدت فريدا\rحمد الورى لي ذا الثناء ومذهبي ... فيه فكنت الحامد المحمودا\rوالاختلاف في الصرف والممزوج كالاختلاف في الصبوح والغبوق، وقد أكثر الناس من الكلام فيهما، والتفضيل بينهما. ومن أحسن ما سمعه المملوك في تفضيل الغبوق على الصبوح قول بعض المتأخرين الذين اشتهروا بالعكوف على لذاتهم، وأطاعوا سلطان أغراضهم وشهواتهم؛ فإنه ذم الصبوح وكان يدمنه، واعتذر عن ذلك بما يستطيعه ويمكنه فقال: لا عذر في الصبوح لغير ملك، أو خليع منهمك؛ فالملك لا يقاس عليه لعظمته، والخليع لا يلتفت إليه لضعته، وإن كنت في هذا من الشعراء أقول ما لا أفعل، لكن فضلت أحسن القولين، ولم أجمع بين الخطأ من وجهين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1851945,"book_id":1857,"shamela_page_id":26,"part":null,"page_num":26,"sequence_num":26,"body":"وقال آخر ممن جعل النهار لرقدته، والظلام لعودته: لما فني عمر الأمس، وطفئ سراج الشمس؛ لاحت بروق الثغور اللوامع، وجلجلت رعود الأوتار في المسامع، وبعث مخارق وابن جامع، فلم يزل ذلك دأبنا ما أقلع سحابنا، ولا يبس ترابنا، حتى متنا بالهجعة، وكلنا يقول بالرجعة.\rوقال آخر: لما ظهرت في الأرض الزهرة، وفي السماء الزهرة، شربنا على الما، والمقبل الألمى، وأجرينا شقر الراح، حتى رأينا أشقر الصباح فكمنا في خمر النوم، عمر اليوم، ثم خلعنا عهدة الرجعة، وأعدناها جذعة.\rوقال من يخالف هذا المذهب ممن يمدح الصبوح يعاتب صديقاً أتاه في الغبوق: جعلت أول أمرنا أوان سكرنا، وأدرت خمرنا وقت خمارنا، فاغرم لنا بليلك ما أتلفت من نهارنا.\rوقال آخر: نمنا بنية الإصطباح، فهببنا قبل الصباح، والأصوات خشنة، والحركات زمنة، وبدر الإنس هاجع، وكوكب الأنس راجع، ثم نشط الكسلان، وانتبه الوسنان، وبرهن الأعشى وأبو نواس، على مداواة الكاس بالكاس. فكم صرع من قرن، وما طلع للشمس قرن. ومن أعجب ما وقع الاختلاف فيه ما كان الناس مجمعين على مدحه أو ذمه، فيأتي من الفصحاء من يحسن ببلاغته مخالفتهم، ويزين بعبارته مفارقتهم، كالوعد الذي جبلت النفوس على مقته، وطبعت على الاستبطاء الأوان إنجازه ووقته. كما قال الشاعر:\rأتى زائرا من غير وعد وقال لي ... أجلك عن تعذيب قلبك بالوعد\rفجاء من قال:\rأحسنت في تأخيرها منة ... لو لم تؤخر لم تكن كامله\rوكيف لا يحسن تأخيرها ... بعد يقيني أنها حاصله\rوجنة الفردوس يدعى بها ... آجلة للمرء لا عاجله\rفي الأبيات التي تقتضي قافية لا يكاد الخاطر يتخطاها فيأتي قائلها بأخرى لا يتعرض لها الفكر ولا يتعداها، من ذلك قول علية بنت المهدي:\rومغترب بالمرج يبكي لشجوه ... وقد بان عنه المسعدون على الحب\rإذا ما أتاه الركب من نحو أرضه ... تنسم يستشفي برائحة القرب\rقال السابق المعري: فأنزلت (الركب) عن هذه القافية وقد كان لها موضع، ولكن (القرب) أحق به. وقول ابن نباتة:\rرمته بها أهل الجبال فما دروا ... أخيل رمتها بالعدا أم سلالم\rوالمملوك يقول: إن الذي يمر إليه الخاطر تقفية هذا البيت بالقشاعم، فلما ارتفع إلى السلالم زاد المعنى بهجة.\r\rفي القوافي التي يتحدى بها؛ فتتعذر على ملتمسيها وطلابها\rمن ذلك قول ابن نيقيا البغدادي أحد شعراء الوقت:\rلله أي مواقف رقت لنا ... فيها الرسائل والقلوب غلاظ\rعهدي بظلك والشباب نزيله ... أيام ربعك للحسان عكاظ\rفأغرب فيما اهتدى إليه من هذه القافية وجدد بها رسم سوق جاهلية عافية، وأبان بذلك عن فكر دقيق، ومغاص بعيد عميق.\rوقول محمد بن عباد:\rمولاي أشكو إليك داء ... أصبح قلبي به قريحا\rسخطك قد زادني سقاما ... فابعث إلي الرضى مسيحا\rفقوله: مسيحا، مما يضل الفكر في طلبه، ويقف الخاطر دون حفظ السياقة به. وكان بعض إخوان المملوك قد سأله كتب رقعة إلى صديق يوم غطاس يستهديه نبيذا، فكتب: جرت العادة في الغطاء بإعمال الكاس والطاس، وهذه الآلة إذا فقدت الراح، بمنزلة أجسام عدمت الأرواح، فداو بإحيائها قلبا لي جريحا، وإذا كانت عازر فكن لها مسيحا.\rوقول المطوعي في الميكالي:\rوطئت بي الوجناء وجنة مهمه ... متقاذف الأكناف والأرجاء\rكيما ألاحظ منه في أفق العلا ... فلكا يدير كواكب العلياء\rقرم يداه وقلبه ما منهما ... في النظم والإعطاء طائي\rفأسكن حاتما وحبيبا في بيت، واستخرج تورية بذلك صفة الحي من الميت.\rوقد أحسن المتنبي غاية الإحسان في قوله:\rوتملك أنفس الثقلين طرا ... فكيف تحوز أنفسها كلاب\rطلبتهم على الأمواه حتى ... تحوف أن تفتشه السحاب\rوالمتنبي - وإن كان مشهور الإحسان في النظم - فقد كانت له معان يجيدها في النثر. روي أنه مرض بمصر، وكان بعض أصدقائه يزوره في مرضه، فلما توجهت صحته؛ تأخر عنه، فكتب إليه: واصلتني معتلا، وقطعتني مبتلا، فإن رأيت ألا تنكد الصحة علي، ولا تحبب العلة إلي. فعلت إن شاء الله. وذكر الإقليلي أن المتنبي أنشد سيف الدولة في الميدان قصيدته التي أولها:\rلكل امرئ من دهره ما تعودا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1851946,"book_id":1857,"shamela_page_id":27,"part":null,"page_num":27,"sequence_num":27,"body":"فلما عاد سيف الدولة إلى داره استعاده إياها، فأنشدها، وكثر الناس فقال قائل منهم يريد كيد أبي الطيب: لو أنشد قائما لأسمع، فأكثر الناس لا يسمعون، فقال أبو الطيب: أما سمعت أولها: لكل امرئ من دهره ما تعودا وهذا من مستحن الأجوبة ولو أدرك المتنبي عصر مولانا لكانت خدمته واقفا من أبهر آياته، ومثوله بين السماطين قائما من أشرف عاداته؛ إذ كان الملوك وأبناؤهم لا تسمو هممهم إلى غير الوقوف لديه، ولا يتعدى أملهم الخضوع له والانتصاب بين يديه. ولقد سعد بما يرويه مولانا من شعره سعادة لا يجهل أحد فضلها؛ فنال بعد وفاته رتبة لا تدلك الأفكار شأوها، ولا تبلغ الأوهام محلها:\rتنبأ عجبا بالقريض ولو درى ... بأنك ترويه إذن لتألها\rومن القوافي التي لا يكاد يهتدي إليها قول ابن المعتز في وصف الطيور الهدى:\rلقد عرفن البرج بالآيات ... يلوح للناظر من هيهات\rوهيهات غاية البعد. قال الله تعالى: (هيهات هيهات لما توعدون) وقد استعملها بحيث لا تفطن القرائح لها.\rوقوله في وصف فرسين يتباريان في الجري:\rوكم قد غدوت على سابق ... جواد المحثة وثابها\rتباريه جرداء خيفانة ... إذا كان يسبق كدنا بها\rفقوله كدنا بها، من أغمض تتميم وأصعبه، وأغرب لفظ فقي هذا البيت به.\rوقول محمد بن أحمد الأصبهاني:\rوالجو مخضر الحواشي أملس ... يبسم فيه في البرق وهو يعبس\rوفيه سرج نارها لا تقبس ... بت أراعيها كأني هرمس\rفقد دلت هذه القافية على بديع الصنعة، وقضت لهرمس بالمعاد والرجعة.\rوعلى ذكر القوافي فروي أن هشاما الأحول قال: كنا عند الأصمعي، فأخذ في شعر عبيد الله بن قيس الرقيات، فجعل ينشد حتى قال:\rعاد له من كثيرة الطرب ... فعينه بالدموع تنسجم\rوإنما هي تنسكب. وقال يا فتيان أمروها على الميم. قال: فأمرها ونحن معه، يقول ونقول على الميم حتى بلغنا إلى قوله:\rما نقموا من بني أمية إل ... لا أنهم يحلمون إن غضبوا\rفأراد قافية على الميم، فلم يقدر عليها.\rوالمملوك يقول: إن من أعجب الأشياء توقف الأصمعي خاصة في تقفية هذا البيت على الميم مع ما يروى عنه من قوله: إن الحشمة في كلام العرب بمعنى الغضب، وحكايته عنهم أن ذلك لممَّا يحشم بني فلان، أي يغضبهم، فكان يلزمه أن يقول: حشموا. على أن أحسن ما قفي به هذا البيت على الميم ما اقتضاه صدره فيقال:\rما نقموا من بني أمية إل ... لا أنهم يحلمون إن نقموا\rويقال في البيت الثاني:\rوأنهم معدن الملوك فما ... تصلح إلا عليهم الأمم\rويجعل الأمم عوضا عن العرب.\rوذكر ابن أبي طاهر أنه عرضت على المنصور جارية، وقيل: إنها راوية للشعر، فاستنشدها، فأنشدته شعر ابن قيس الرقيات: عاد له من كثيرة الطرب فلما بلغت إلى قوله:\rما نقموا من بني أمية إلا ...\rعلمت أنها قد أخطأت، فقالت: أنهم يسفهون إن غضبوا.\rثم قالت:\rوأنهم أرذل الملوك فما ... تفسد إلا عليهم العرب\rفقال لها: أهكذا رويت هذا الشعر؟ قالت: لا والله يا أمير المؤمنين، ولكني لما ألقي على لساني، وعلمت أني قد وحصلت غيرته إجلالا لك وصدقا في القول، فأعجبه ما رأى من فهمها، وأمر بأن تشترى.\r\rفي القوافي المتمكنة التي يصلح أن تتلو هذا الباب\rمن ذلك قول ابن مطرف:\rيرى العواقب في أثناء فكرته ... كأن أكفاره بالغيب كهان\rلا طرفة منه إلا تحتها عمل ... كالدهر لا دورة إلا لها شان\rوالبيت الأول - وهو المراد - من قول ابن حيوس:\rوإذا امتطى سيف الخلافة عزمه ... فلدولة يبني وأخرى يهدم\rوإذا نظرت إلى عواقب رأيه ... أيقنت أن ظنونه تتنجم\rكما أن تركيب قول مهيار، والمراد الثاني:\rصحا القلب لكن صبوة وحنين ... وأقصر إلا أن يخف قطين\rوقالوا: يكون البين والمرء رابط ... حشاه بفضل الحزم؟ قلت: يكون\rمن قول عروة بن أذينة:\rمنعت تحيتها فقلت لصاحبي ... ما كان أكثرها لنا وأقلها\rفدنا وقال: لعلها معذورة ... في بضع رقبتها، فقلت: لعلها\rمما يتجاذبه ضدان\rقالت ليلى الأخيلية:\rومخرق عنه القميص تخاله ... بين البيوت من الحياء سقيما","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1851947,"book_id":1857,"shamela_page_id":28,"part":null,"page_num":28,"sequence_num":28,"body":"وعلماء الشعر يجعلونه من أعلى المدح، ويفسرونه بأنها أرادت أن يجذب ويتعلق به في الحاجات لجوده وسؤدده وكثرة الناس حوله.\rوالمملوك يقول إنه يحتمل أن يكون هجاء لو بدل على أنه مهتضم قليل العشيرة، فإذا مزقت ثيابه لم يقدر على الانتصار لذله، فيخلد إلى الحشمة والحياء، فيخال سقيما. فهذا من المدح الذي أحاله النقد إلى الذم.\rومثله قول زهير:\rعلى مكثريهم حق من يعتريه ... وعند المقلين السماحة والبذل\rوهذا مما اتفق المتقدمون على تفضيله، وأجمعوا على استحسانه وتقديمه، وقد خالفهم أحد المتأخرين، فقال: إنه - وإن قصد مدح سادة من الناس - فقد ذمهم بأنواع الذم. فأول ذلك إخباره أن فيهم مكثرين ومقلين، فلو كان مكثروهم كرماء لبذلوا لمقلهم الأموال حتى يستووا في الحال ويشبهوا الذي قال فيهم حسان:\rالملحقين فقيرهم بغنيهم ... والمشفقين على الفقير المرمل\rثم فيه أن المكثرين ضيعوا القريب، ورعوا حق الغريب، وصلة الرحم أولى ما بدئ به. ومنها أن المكثرين ليس يسمحون بأكثر من الاستحقاق في قوله: من يعتريهم، ومن أعطى الحق فإنما أنصف ولم يتفضل بما وراء الإنصاف، والزيادة على الإنصاف أمدح. ثم أخبر أن المقلين - على قصور أيديهم - أكرم طباعا من مكثريهم على قدرتهم في قوله:\rوعند المقلين السماحة والبذل\rفالبذل مع الإقلال مدح عظيم وإيثار، والسماحة إعطاء غير اللازم، فمدح بشعره هذا من لا يحظى منه بطائل، وذم الذين يرجو منهم جزيل النائل، فأبان عن الغلط في الاختيار فقد أخرجه النقد من المدح إلى الذم.\rوهذا لا يجوز التمثل به في أيام مولانا - خلد الله ملكه - لأن مكارمه لم تجعل للفقير على الأنام معاجا، وفواضله لم تغادر في لازمان مقلا ولا محتاجا. وضد ذلك مما أخرجه التأول من الذم إلى المدح قول المتنبي:\rأيقنت أن سعيدا طالب بدمي ... لما بصرت به بالرمح معتقلا\rوهو مما لم يتعرض لتفسيره ابن جني، وقد جعله قوم من سقطاته؛ لأنه تمنى أن يشفع الممدوح له بقوله قبل هذا البيت:\rعلى الأمير يرى ذلي فيشفع لي ... إلى التي تركتني في الهوى مثلا\rوقالوا: والشفاعة سؤال ورغبة، فإن أجيب إلى مساعدة أبي الطيب وإلا رجع إلى القهر. والمملوك يقول: إنه جعل الممدح على غاية الجمال لاسيما إذا اعتقل رمحا؛ إذ من الناس من يتضاعف حسنه في زيٍّ مخصوص، فيقول: إن هذه المعشوقة قد سفكت دمي بامتناعها علي مع غرامي بها، وإنني لما رأيت الممدوح على هذه الهيئة التي زاد بها جماله؛ أيقنت أنها تهواه، ويمتنع عليها لعفافه، فتلقى منه مثل ما لقيت منها، فيكون ذلك كأنه طلب بدمي وأخذ بثأري. ولا خلاف أن الإنسان قد يحسن على هيئة ما. فأما المعجزة التي خص الله بها مولانا فنحن نذكرها شكرا على ما منحنا من حسن نظره وأولانا؛ وذاك أنه في كل الهيئات على القضية التي ترتفع عن قضايا البشر، ويتقيد عندها مطلق اللحظة وحاسة البصر، فإن استوى على دست العظمة، واستقر على سرير المملكة رأيت الشمس والمشتري قد امتزجا واتحدا، وشاهدت ما افرده الله تعالى به مما لم يعطه أحدا، فحظه من الشمس عموم نورها واتساعه، ومن المشتري أفعاله الجميلة وطباعه، ومن مجموعهما معنى أحدثه التركيب، تتفرع شعوبه ولا تنحصر أنواعه، وإن شرع في تدبير عبيده ورعيته، ونظر في أمر سلطانه ومصالح دولته، فقد أوفى على البدر ليلة كماله وتمه، وزرى على عطارد بفضله الباهر وعلمه، وجعل الحق مضمونا في قضائه العادل وحكمه وإن تجلى في آلة الحرب، وظهر للذب، وتفريج الكرب؛ لم ترتب باجتماع الزهرة والمريخ متباريين في خدمته، ولم تشك أنهما متنافسان على ما يحظى بحضرته؛ لأن أحدهما تقرب إليه بحسن صورته وهيئته، والآخر توسل عنده بنفاذه ومضائه وهيبته. وهذه منقبة يشهد بها ما حازه من الآيات وحواه، ومعجزة لم ينلها سلطان غيره ولا خص بها ملك سواه.\rمما مدح به مهيار وهو إذا أنشد مفردا احتمل الهجاء:\rكأن ما قد حل من ماله ... وطاب، محظور عليه حرام\rفإذا أنشد الذي قبله خلص للمدح وهو:\rوجاد حتى لم يدع فضلة ... تليه للبحر ولا للغمام\rفما قول الآخر:\rكأني إذ دعوت بني حنيف ... دعوت بدعوتي لهم الجبالا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1851948,"book_id":1857,"shamela_page_id":29,"part":null,"page_num":29,"sequence_num":29,"body":"فمن قصد المدح أراد سرعة الإجابة كالصدى، ومن قصد الذم نسبهم إلى الثقل مثل الجبال.\rومن النوادر العجيبة ما حكي عن زيد الأعور الخياط من أنه خاط لسلم الخاسر قباء، وقال: قد خطته ل خياطة لا تبالي معها إذا لبسته مقلوبا كان أم مستويا من جودة عمله ودقة دروزه، فقال سلم: وأنا أقول فيك قولا لا تدع أمدح هو أم هجاء؟ وقال:\rجاء من زيد قباء ... ليت عينيه سواء\rفأحاجي الناس طرا ... أمديح أم هجاء؟\rوهذا من قول المتنبي:\rفيا بن كروس يا نصف أعمى ... وإن تفخر فيا نصف البصير\rكان الشعراء قد نالوا بر الحسن بن سهل في عرس بوران ابنته إلا أبا الينبغي، فقال لأقولن ما لا يعلم أمدح هو أم هجاء؟ وقال:\rبارك الله للحسن ... ولبوران في الختن\rيا إمام الهدى ظفر ... ت ولكن ببنت من؟\rومن الشعر الذي يحتمل معنيين ولم يقصد الشاعر إلا أحدهما قول حبيب في وصف عمورية:\rبكر فما افترعتهما كف حادثة ... ولا ترقت إليها همة النوب\rمن عهد إسكندر أو قبل ذلك قد ... شابت نواصي الليالي وهي لم تشب\rوهذا مما يصلح أن توصف به الخمر. وأبلغ ما قيل في عتقها:\rتحسب من طول الحقب ... مخلوقة قبل العنب\rعلى أن فيه إحالة بذكره المعلول قبل العلة، وقد أصلح المعنى شيئا بقوله: تحسب. وهو من الإفراط في الغلو. وقال السلامي في وصف فرس أدهم:\rخاض الدماء وتحلى بالزبد ... كأنه إنسان عين في رمد\rوالثاني يصلح صفة لخال في خد. وقد أحسن الآخر في قوله:\rوكأن خالا في صفيحة خده ... أثر الشرارة في قميص أحمر\rوهو من بارع التشبيه. ولأحمد بن الشقاق:\rتتنفس الصهباء في لهواته ... كتنفس الريحان في الآصال\rوكأنما الخيلان في وجناته ... ساعات هجر في زمان وصال\rوقال عبد المحسن في الحمام:\rومنزل أقوام إذا نزلوا به ... تشابه فيه وغده ورئيسه\rوهذا مما يصلح أن يوصف به قبر. وتمام الأبيات من مستحسن ما وصف به الحمام، وهو:\rيخفف كربي أن تزيد كروبه ... ويؤنس قلبي أن يقل أنيسه\rإذا ما أعرت الجو طرفا تكاثرت ... عليك به أقماره وشموسه\rولبعض العصريين فيه:\rأهلا بذا الحمام من منزل ... شيد لأبرار وفجار\rتدخله ملتمسي لذة ... فندخل الجنة في النار\rومن الشعر الذي يتضمن نوعين من التجنيس قول ابن حيوس:\rفي ظل أروع إن تسأله منفسة ... يهب وإن باشر الهيجاء لم يهب\rففيه تجنيس اللفظ والخط: بيهب. وتجنيس التورية بها أيضا لأنه مدح بإيجاب وبنفي وأتى بالنفي على صيغة الموجب، وإنما ورّى به عن معنى آخر.\r\rمما جمع المدح بالشيء وضده، وهو من ضروب التوجيه\rمن ذلك ما قيل في وصف عزة مولانا - خلد الله ملكه - وكرمه، ومدحه بحماية الشيء الذي على يده إراقة دمه، وهو مذهب الشعراء في امتداح ملوك العرب؛ لأنه يصفونهم بدفعهم عن النعم وذبهم، وإباحة حماها للوافدين عليهم والنازلين بهم، على أن عظمته تأبى إلا عقر البدر تنزها عن عقر البدن، كما أنه لا يقنع في القرى بدون إقطاع القرى وتسويغ المدن. والذي قيل:\rيمنع السرح من تعدي الأعادي ... بطوال القنا وبتر السيوف\rفهي في الخوف أمنها من مغير ... وهي في الأمن حتفها للضيوف\rوهذا معنى قول ابن حيوس:\rتبيت حداد البيض أوفى حتوفها ... وتضحي حجازاً دونها في المراتع\rوقوله:\rتتوقع الأذواد منه عاقرا ... ما زال يحمي سرحها ويذود\rوقوله:\rوتمنع ما تحوي لتعطيه ندى ... وغيرك لا ينفك يعطي ليمنعا\rفأراد أنك تمنع إباء وعزة ما تعطيه كرما ومنحة، وغيرك يعيط ذلة ومهنة ليصون ذخيرةً وقنيةً. والأصل في هذا قوله:\rلنا إبل غر يضيق بها الفضا ... ويفتر عنها أرضها وسماؤها\rفمن دونها أن تستباح دماؤنا ... ومن دوننا أن تستذم دماؤها\rحمى وقرى فالموت دون مرامها ... وأهون خطب يوم حق فناؤها\rوكرر ابن حيوس هذا المعنى، فقال وأحسن:\rتضحي سيوفك للبلاد مفاتحا ... فإذا فتحت جعلتها أقفالا\rعلى أنه مأخوذ من نصف بيت لأبي تمام، وهو قوله: أصبحت مفتاح الثغور وقفلها","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1851949,"book_id":1857,"shamela_page_id":30,"part":null,"page_num":30,"sequence_num":30,"body":"وهذا عكس ما اتفق لأبي تمام مع الكميت، لأنه أخذ معنى نصف بيت من شعره، فأورده في بيتين. قال أبو تمام:\rوطول مقام المرء في الحي مخلق ... لديباجتيه فاغترب تتجدد\rفإني رأيت الشمس زيدت محبة ... إلى الناس إذ ليست عليهم بسرمد\rوالذي للكميت:\rولو لم تغب شمس النهار لملت\rوللمعري:\rالسمهرية ليس يشرف قدرها ... حتى يسافر لدنها عن غابه\rوالعضب لا يشفي امرأ من ثأره ... إلا بفقد نجاده وقرابه\rولابن حيوس: كالمسك يزداد قدرا حين يغترب فأما قول مهيار:\rما اجتزن بالآذان كن مفاتحا ... وعلى قلوب عداكم أقفالا\rفكل من بيتي حبيب وابن حيوس أصنع منه؛ وذلك أنهما جعلا الأقفال للشيء الذي كانت عليه مفاتيح، ومهيار جعل المفاتيح والأقفال لغيرين. ووصف ابن حيوس السيوف بأنها مفاتح البلاد أوقع موصف مهيار الأبيات بأنها مفاتح الآذان. وقد ذكر أبو تمام المفتاح في غير موضع من شعره، فمن ذلك قوله:\rللجود باب في الأنام ولم تزل ... مذ كنت مفتاحا لذاك الباب\rوقد قال بعض المعترضين عليه: أتى إلى ممدوحه نجعله مفتاحاً، فهلا قال كما قال ابن الرومي:\rقبِّل أنامله فلسن أناملاً ... لكنهن مفاتح الأرزاق\rفقيل له: لا تعجبن من هذا؛ فقد جعل ربه كذلك بقوله:\rوالله مفتاح باب المقفل الأشب\rوعلى ذكر الأقفال وفتحها فقد أحسن الناشئ في قوله يصف اليويو:\rمملك لنفوس الطير ينسفها ... نسفا فيقبض أجساما وأرواحا\rكأنما أقفلت بالأهب أنفسها ... فكان بالكف للأقفال فتاحا\rوقال ابن حيوس متصرفا في المعنى المقدم ذكره:\rوبهم زلزلت بمن قارعوا الأر ... ض وهم أمنها من الزلزال\rوكرره فقال:\rتتزلزل الدنيا إذا غضبوا فإن ... بلغوا الرضى أمنت من الزلزال\rوقال فيما يقارب هذا المعنى:\rثغور العدى إن رمتموهن كالفلا ... وكل فلاة رمتم منعها ثغر\rوقال:\rأخفت الآمنين سطى فلما ... عفوت غدوت أمن الخائفينا\rولأبي نصر المنازي:\rلقد عرض الحمام لنا بسجع ... إذا أصغى له ركب تلاحى\rشجى قلب الخلي فقال: غنى ... وبرح بالشجي فقال: ناحا\rومن مليح ما في هذه الأبيات:\rضعيف الصبر فيك وإن تقاوى ... وسكران الفؤاد وإن تصاحى\rكذاك بنو الهوى سكرى صحاة ... كأحداق المها مرضى صحاحا\rفأما قول ابن الرومي:\rعيني لعينك حين تنظر مقتل ... لكن عينك سهم حتف مرسل\rومن العجائب أن شيئا واحدا ... هو منك سهم وهو مني مقتل\rفليس من هذا الباب إلا أن فيه نوعا من مجانسته، وضربا من مناسبته، وهو من بديع ما ابتكره، وغريب ما اخترعه.\rوكذلك قوله في وصف القوس:\rتوددت حتى لم أجد متوددا ... وأمللت أقلامي عتابا مرددا\rكأني استدني بك ابن حنيةٍ ... إذا النزع أدناه من الصدر أبعدا\rوقوله أيضاً فيها:\rتشكي المحب وتلقى الدهر شاكية ... كالقوس تصمي الرمايا وهي مرنان\rوقد أحسن ابن حيوس في قوله:\rأرى كل معوج المودة يصطفى ... لديكم ويلقى حتفه من تقوما\rحتى الناس من قبل القسي لتقتنى ... وثقف منآد القنا ليحطما\rعلى أن صدر البيت الثاني مأخوذ من قول كشاجم في وصفها: قد قومت للرمي بالتعويج إلا أنه أحكم الأخذ والتركيب، وتصرف التصرف البديع الغريب، وقد اقتضت الأبيات في القوس ذكر الحكاية العجيبة في إتقان الصناعة في الرماية عنها، وهي أن راميين عرض لهما أسد، فقال أحدهما للآخر: اكفني عينه اليمنى أكفك اليسرى، فرمياه عن يد، فأعمياه وسلما.\rولبعض الأندلسيين:\rتقوس بعد طول العمر ظهري ... وداستني الليالي أي دوس\rفأمشي والعصا تمشي أمامي ... كأن قوامها وتر لقوسي\rوعلى ذكر التشبيه فمن غريبه قول الآخر:\rوألزمته ألحاظ طرف يحبه ... فليس بمرتد ولا بمغمض\rإلى أن ثنت عيني الشمول كأنني ... ألاحظه سكرا بأجفان مبغض\rمن المدح الذي قلت أمثاله، وعزت أشباهه، وعدمت له النظائر، وعقمت عنه الخواطر قول حسن بن عبد الصمد:\rسبقت مكارمه مواعده فلم ... يوسم بإنجاز ولا بمطال\rوقاله:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1851950,"book_id":1857,"shamela_page_id":31,"part":null,"page_num":31,"sequence_num":31,"body":"ضنت أكفهم علا وسخت ... مالا فما كرموا ولا بخلوا\rوقول الجرجاني:\rما قال لاقط مذ حلت تمائمه ... بخلا بها فوجدنا الجود في البخل\rوالتوصل إلى المدح بالبخل من أغرب ما نتجه خاطر.\r\rمن الأشعار الدالة على النظر في العلوم الشرعيات\rعبد الله بن سعيد:\rوأمست صباه تبث الحديث ... وتسند عن بانة الأجرع\rوتقسم أني أهواكم ... وليس اليمين على المدعي\rوهذا قول أحمد بن سلمة:\rلقد جئت بابن أبي تبع ... بأم الأوابد في المجمع\rحلفت بأنك من حمير ... وليس اليمين على المدعي\rوقال آخر:\rيا غريرا غرني ما ... ذا ترجي بصلاتك؟\rأرى نسكك هذا ... خجلا من فتكاتك\rكيف تجزيك صلاة ... ودمي في وجناتك\rوعلى ذكر الدماء في الوجنتين فقد أجاد ابن شرف في قوله:\rهمت عذاراه بتقبيله ... فجردت عيناه سيفين\rوقامت الحرب على ساقها ... بين أميرين قتولين\rفهذه الحمرة في خده ... دماء ما بين الفريقين\rوقال أيضا:\rحجت إلى وجهك أبصارنا ... طائعة يا كعبة الحسن\rتلثم خالا منك في وجنة ... كالحجر الأسود في الركن\rوهذا من قول كشاجم:\rفلم يزل خدها ركنا أطوف به ... والخال في خدها يغني عن الحجر\rولأبي نصر محمد بن الحسن:\rملكت قلبي مسترقا له ... وكان حرا غير مستعبد\rسكنت فردا فيه حتى لقد ... خلتك تشكو وحشة المفرد\rفلو تنازعنا إلى حاكم ... قضى لك استحقاقه باليد\rولمحمد بن عمار في مغن يكنى أبا الفضل:\rغنى أبو الفضل فقلنا له: ... سبحان مخليك من الفضل\rغناؤه حد على شربها ... فاشرب فأنت اليوم في حل\rالخوارزمي:\rمقابل بين أقلام وألوية ... مردد بين إيوان وديوان\rيا ترجمان الليالي عن مقادرها ... وحجة الزمن الباقي على الفاني\rطلقت بعدك مدح الناس كلهم ... فإن أراجع فإني محصن زان\rوللصابي في سابور لما أعيد إلى الوزارة:\rقد كنت طلقت الوزارة بعدما ... زلت بها قدم وساء صنيعها\rفغدت بغيرك تستحل ضرورة ... كيما يحل إلى ذراك رجوعها\rفالآن عادت ثم آلت حلفة ... ألا يبيت سواك وهو ضجيعها\rأبيات الأنساب\rابن الرومي:\rوكم أب قد علا بابن ذرا شرف ... كما علا برسول الله عدنان\rوتخصيصه عدنان دون غره من أجداد رسول الله ﷺ عمل بما جاء في الحديث من قوله ﵇: (لا تجاوزوا عدنان كذب النسابون) وقد كان المملوك ضمن معنى بيت ابن الرومي منشورا كتبه أوان تصرفه، وفي حين تريث الزمان عن الإساءة إليه وتوقفه، لمولاتنا السيدة الملكة والدة مولانا الإمام المستعلي بالله صلّى الله عليه لما أضيف إلى ديوانها بعض الإقطاعات الجارية الآن فيه، فقال في تشبيه: إن أولى من ارتفع محله عن متعارف المنح، وجل خطره عن متعالم المدح من ظهرت بأمير المؤمنين آيات شرفه ومجده، وعى ذروة الشرف به كما علاها عدنان بجده. وهذا من باب مدح السلف بالخلف، وضده قول مهيار؛ فإنه مدح الخلف بالسلف، ورجح المعلول على العلة، فقال:\r\rوسيد قومه من سودوه ... بلا عصبية وبلا تحاب\rوإن كان الفتى لأبيه فرعا ... فإن الغيث فخر للسحاب\rومثله قوله:\rومن بني عبد الرحيم قمر ... كل لياليه تمام سعد\rكانوا الخيار وفرعت زائدا ... والنار تعلو وأبوها الزند\rوقد أكثر أبو الطيب من استعمال هذا المعنى. نحو قوله:\rفإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال\rوقوله: فإن في الخمر معنى ليس في العنب وقوله: فإنك ماء الورد إن ذهب الورد وقوله: ولكن معدن الذهب الرغام وقوله:\rلو كان سكناي فيك منقصة ... لم يكن الدر ساكن الصدف\rفأما الجمع في المدح بين ذكر الآباء والأبناء فمن مليح ما جاء في ذلك قول مهيار:\rوفيت لآباء تكلفت عنهم ... مناسك ما سنوا فخارا وسيروا\rوجئت بمعنى زائد فكأنهم ...\rوما قصروا عن غاية المجد\rقصروا\rوقوله:\rمن النفر الذين إذا استغيثوا ... رأيت بهم وساع الأرض ضيقا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1851951,"book_id":1857,"shamela_page_id":32,"part":null,"page_num":32,"sequence_num":32,"body":"ترى الأب بالشهادة في بنيه ... قريبا وهو قد أمسى سحيقا\rوقوله:\rولهم سيوف الخلفاء التي ... تعلم الضرب يد الضارب\rغادوا نجوما ووفت في ابنهم ... شهادة الطالع للغارب\rوقوله:\rسارت بهم أيام سؤددهم ... سير الحديث بمعجز الرسل\rوأتى الوزير فكان بينة ... شهدت لهم بسلامة النقل\rالإخباريات\rوهي كثيرة جداً، ومن بديع ما فيها قول جعفر بن إبراهيم:\rأبا جعفر مات فيك الجمال ... فأظهر خدك لبس الحداد\rوقد كان ينبت زهر الربيع ... فقد صار ينبت شوك القتاد\rفهل كنت في الملك من عبد شمس ... فأخنى عليك ظهور السواد؟\rومن مليح ما في هذا المعنى قول الآخر:\rعابوه لما التحى فقلنا: ... عبتم وغبتم عن الجمال\rهذا غزال وهل عجيب ... تولد المسك في الغزال\rالنحويات\rابن الحداد من قصيدة أولها:\rعج بالحمى حيث الغياض الغين ... فعسى تغن لنا مهاه العين\rيقول:\rلا تألف الأحكام حيفا عنده ... فكأنها الأفعال والتنوين\rولآخر في رجل تزوج، فظهر أنه عنين:\rكم ذكر في الورى وأنثى ... أولى من اثنين باثنتين\rأرى الليالي أتت بلحن ... إذ جمعت بين ساكنين\rالطبيات\rمن ذلك قول الزاهي:\rرثى طبيبي لسقامي ومن ... أسقمني هجرانه ما رثى\rوقال: هذا مرض معضل ... وربما أشفقت أن يلبثا\rوهذه الصفراء قتالة ... فليته ذكر ما أنثا\rوحدثني من كان معه عند عمله هذه الأبيات وأن السبب فيه إنشاد بعض الحاضرين لابن المغربي:\rقال الطبيب وقد تأمل علتي ... هذا الفتى أودت به الصفراء\rفعجبت منه إذ أصاب وما درى ... لفظا ومعنى ما أراد خطاء\rوهذا من قول الصابي وذكر الطبيب:\rفقال: شفاؤه الرمان مما ... تضمنه حشاه من العسير\rفقلت لهم: أصاب بغير عمد ... ولكن ذاك رمان الصدور\rوقال جعفر بن شرف:\rصنم من الكافور بات معانقي ... في حجبتين: تعففٍ وتكرم\rفكرت ليلة وصله في صده ... فجرت بقايا أدمعي كالعندم\rفطفقت أمسح مقلتي بصدره ... إذ عادة الكافور إمساك الدم\rالهندسيات\rهشام بن أحمد:\rقد بينت فيه الطبيعة أنها ... ببديع أعمال المهندس ماهره\rعنيت بمبسمه فخطت فوقه ... بالمسك قوسا من محيط الدائرة\rالفلسفيات\rمجبر بن محمد يمدح مولانا، خلد الله ملكه:\rشعر أرق من النسيم حواشيا ... لم ترو حوشي الكلام رواته\rنظمت لشاهنشاه منه قصائد ... قصدت مدائحه بها وصفاته\rفأتى بديعا في بديع أطمعت ... ألفاظه وتمنعت طرقاته\rكالروح يدرك بالحقيقة فعله ... وتغيب عن أهل البصائر ذاته\rوحدثني ابن مكنسة، قال: حضرت جنازة ابن الطائي المقرئ، فرأيت من إعظام الناس له - وهو محمول على نعشه - ما لم يكن له منهم في حياته، فقلت بديها:\rأرى ولد الطائي أصبح يومه ... يعظمه الأقوام أكثر من أمس\rوقد أكرموه في الممات، تراهم ... يظنون أن الجسم أزكى من النفس؟\rعلي بن محمد الإيادي:\rليهنك أن الله أعطاك رتبة ... من الفضل ركناها التقى والتواضع\rمضمنة حمل المكارم والعلا ... كما ضمنت حمل الحياة الطبائع\rوله:\rألقى زماما إليه الدهر واجتمعت ... على فضيلته الشبان والشبب\rملك هو الصورة الأولى التي اصطفيت ... من قبل أن يلحق المبسوط تركيب\rمن جيد الطريقة التي استعملها المحدثون قول عبد الله بن العابد من قصيدة:\rوما خصصت ولكن عم نائله ... فاستعبد الثقلين: الجن والبشرا\rعدل تمد رواق الفضل سيرته ... فتشمل المواطنين البدو والحضرا\rوتكشف الظلم والإظلام غرته ... فتخجل النيرين: الشمس والقمرا\rويستوي ذكره حسنا ومنظره ... فيشغل الممتعين: السمع والبصرا\rسرح مناك إلى ساحات أنعمه ... وضمن الصادقين: الخبر والخبرا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1851952,"book_id":1857,"shamela_page_id":33,"part":null,"page_num":33,"sequence_num":33,"body":"هذه الخدمة مشتملة من الأدب على لمعة، وشاهدة بقوة في البلاغة وصنعة. وقد جعل المملوك ما اعتمده من تقريرها، وقصده من ترتيبها وتحريرها سفيرا بين مقاصده وبين النجح، وسبيلا إلى رغبة الأيام إليه في السلم والصلح؛ إذ كان السعد مضمونا للذين لاذوا برجاء مولانا وتحرموا، والحظ محتوما للذين تبسطوا على تأميله وتحكموا:\rكل الورى داع وكل دعائمهم ... أن لا يزيل الله ظلك عنهم\rأغنى نوالك بعضهم عن بعضهم ... كيلا يرى في الأرض غيرك منعم\rفلذاك ألسنهم لسان واحد ... يثني بما خولت والدنيا فم\rلا زالت الأقدار بإرادة المقام الأشرف - خلد الله ملكه - جارية، والأقضية في خدمته متنافسة متبارية، ما اتصلت الأيام والليالي، وتزين الدهر من مناقبه بفاخر اللآلي، إن شاء الله ﷿.\rالحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيد المرسلين محمد خاتم النبيين،، وعلى آله الطاهرين وسلم تسليما. الله حسب المملوك ونعم الوكيل.\rوعند عرض هذه الرسالة رضي عنه، وأعاده إلى ديوان الإنشاء.\r\rرسالة منائح القرائح\rرسالة سماها منائح القرائح\rأولى ما تقرب به إلى الله تعالى الإكثار من تحميده، والإقرار بربوبيته وتوحيده، والصلاة على نبيه محمد الذي عضده بتأييده، وخصه من الشرف بما لا سبيل إلى تحديده، وعلى آله الممنوحين من الفضل ما يعجز الوصف عن تعديده، ثم التوسل إلى ملوك كل وقت بشكر نعمهم ومواصلة خدمهم، ونشر خصائصهم التي امتازوا بها عن العباد، وذكر مناقبهم التي سارت في الأقطار ونقبت في البلاد، والاجتهاد فيما نفقت بشريف مقاماتهم سوقه، والاعتماد على ما ظهر سموقه في البلاغة وبسوقه. ولا خلاف أن سلطان هذا العصر، والمخصوص من الفضائل بما لا يدخل تحت الحصر؛ مولانا الملك السيّد الأجل الأفضل، أمير الجيوش، سيف الإسلام، ناصر الإمام، كافل قضاة المسلمين، وهادي دعاة المؤمنين، عضد الله به الدين، وأمتع بطول بقائه أمير المؤمنين، وأدام قدرته، وأعلى كلمته؛ سيد من ملك الأرض، ولم يكتف بالدنيا دون الآخرة ولم يرض، وخير من زخرت بحار مكارمه الفائضة وطمت ووهت أركان الشرك بعزماته الماضية وتحطمت، وأفضل من دبر البرية من الأكابر العظماء، واستقر الثناء عليه في الأرض لما استقر عليه في السماء، وتمت بيمن نظره محاسن الدنيا وتكاملت، وفخرت أيامه على الأزمنة المتقدمة وتطاولت، لا جرم أن الآفاق قد غدت طامعة باستيلائه عليها راجية وأصبحت ملوكها وافدة إلى بابه العزيز لاجية، فعادت آمالهم متخلصة من يد الإخفاق ناجية، وأضحت أيامهم مشرقة وقد كانت من قبل داجية، وصارت أحوالهم بمكارمه حالية نامية زاجية، فقد زهيت به المملكة وأظهرت بهجتها وجمالها، واختالت في ملابس فخره فسحبت على السحب أذيالها:\rولم تك تصلح إلا له ... ولم يك يصلح إلا لها\rفيجب على من صفت فكرته، وصحت فطرته، وأمكنه استنباط معنى غامض، واستدل على المحاسن ببرقها الوامض، وعرف موضع الفضيلة فيما يصنعه من تصنيف، وعلم موقع الوسيلة به إلى كل مقام شريف أن يظهر كامن قوته، ويعمل مطايا رويته فيما يخدم مجلسه العالي به مما يطرب مورده ومسموعه، ويعجب مؤلفه ومجموعه، ويستحسن موضوعه ومصنوعه، ويذكر من ذلك ما يؤدي إليه أقصى حرصه وجهده، ويعتمد منه ما يتعين لكل مولى على مملوكه وعبده، بعد شكر الله الذي لطف بأمة جعله مالكها، وأوضح به إلى الخيرات ممالكها، وأولى منه منة أقر بالعجز عن فرضها من يحاوله، واسبغ نعمة تطامن لها من الشكر متطاوله، وأحيا به ملة نسخت ما تقدمها من الممل، وحسم في اعتقاد عبوديته جميع الموانع والعلل، فالقلوب إلى الاجتهاد في طاعته مسرعة مرجفة، والملوك في الانقياد لعظمته لا متوقفة ولا متخلفة، فأبقى الله على الدهر بهجة سلطانه وملكه، وجعل من كفر نعمته صريع بطشه وفتكه، وحكم مواضيه وعواليه في إراقة دمه وسفكه بفضله وقدرته وعدله ومشيئته.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1851953,"book_id":1857,"shamela_page_id":34,"part":null,"page_num":34,"sequence_num":34,"body":"ولذلك خدم المملوك بهذا الجزء الذي ألفه وجمعه، وأودعه مختار ما سمعه، وأضاف إليه ما استنبطه وابتدعه مما لم يعلم أحدا سبقه إلى ما عمله منه وصنعه، وقصد في هذه الجملة أن يوجز ويختصر، إذ كان الواجب أن يعتمد على اليسير ويقتصر، لأن هيبة المقام الأعظم تمنع ما يستطال وإن كان يستطاب، على أن المثول بين يديه يبيح استيفاء الحجة وإن اتسع الخطاب، والله ﷿ يهديه في خدمة مالكه أقوم جدد، ويريه من نعمه السابغة ما لا يحصيه عدد، فله القوة والحول، وبيده القدرة والطول.\r\rفي الشكر الذي يصون النعم من الانتقال ويلزم تقديمه أمام كل مقال\rإن الله تعالى جعل الشكر فريضة لا رخصة فيها، وطريقة لا يضل مقتفيها، وكان لمن حافظ عليها وحالفها المزيد، ولمن عدل عنها وخالفها التهديد والوعيد. قال الله - عز من قائل -: (وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد) فواجب أن تقابل النعم من الشكر بما يؤنس وحشيها، وتواصل من الحمد بما يعطف أبيها، فإحسان مجاورتها مقرب لقصيها، وإجمال مصاحبتها ملين لعصيها، والتضرع لموليها في حراستها يؤكدها ويجددها، والتوسل إلى مسبغها في إدامتها يقيدها ويخلدها، ولازم لكل ذي عقل أن لا يجهل معرفة قدرها، ولا يشتغل بسكرها عن شكرها، ولقد أحسن أبو إسحاق الصابي في قوله: موقع الشكر من النعمة موقع القرى من الضيف؛ إن وجده لم يرم، وإن فقده لم يقم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1851954,"book_id":1857,"shamela_page_id":35,"part":null,"page_num":35,"sequence_num":35,"body":"وإذا عددت نعم الله التي أضفاها، ومننه التي أولاها ووالاها، ومواهبه التي منحها كرما وتفضلا، وعوارفه التي جازى المعترف بها رضى وتقبلا، كانت منقسمة إلى العموم والخصوص، ومستوجبة من الشكر ما ثبت في العقول والنصوص، فالنعمة التي تخص ما تعلق بالمرء في ذاته ونفسه، والنعمة التي تعم ما كان شاملا لنوعه، شائعا في جنسه، وهذا لا يكون إلا بالملوك الذين هم أولياء النعم، وزعماء الأمم، وقد أدرهم الله جل وعز على ما يعمون به دواعي الشكر ونصبهم ﵎ للأمر بالعرف والنهي عن النكر، ويتباينون في التعمير والتدمير، فمن عدل منهم وأقسط، وأرضى في ذات الله وأسخط؛ فقد أنال المتفيئ بظله أقصى أربه، ووجب على كل مكلف شكره وشكر النعمة به. ومن أبى الحق وصرفه، ودفع الواجب وصدفه؛ فلا مجال له هاهنا ولا مسرح، ولا سمو لناظهر في هذا الأفق ولا مطمح، والإجماع واقع من الحاضر بالدراية ومن الغائب بصحة الرواية أن سيد ملوك الأرض بلا مدافعة، وأشرف سلاطين العالم بغير ممانعة، وأكمل من كل من تقدم لما علم بالنقل، وأفضل من كل من يأتي بمقتضى القياس والعقل مولانا الملك السيّد الأجل الأفضل أمير الجيوش، سيف الإسلام، ناصر الإمام، كافل قضاة المسلمين، وهادي دعاة المؤمنين، عضد الله به الدين، وأمتع بطول بقائه أمير المؤمنين، وأدام قدرته، وأعلى كلمته، الذي حكم فأنصف وعدل، وسلك جادة الحق فما نكب ولا عدل ووضحت له طرق الشبه فانحرف عنها وجار، وقضى بين البرية فما ظلم ولا جار، وتيقن برق الثواب مومضا فتمثله وشامه، وتحقق التناصف بهيبته فما انتضى سيفه ولا شامه، ولذلك سما بفخره ناظر الدين الحنيف وقره، وانزعج بذكره مضجع أول الكفر فما ثبت ولا قرّ، وغدا كل ملك يكتفي بأيسر رضاه ويقنع، وكل مشمول بأنزر مواهبه لا يطلب ولا يقنع، فإن يسأل عطاء يمنح الرغائب ويهب، وإن يباشر هيجاء لم يرع لما التهب من ضرامها ولم يهب، هذا إلى ما له من المناقب التي آمنت الديار، وأرخصت الأسعار، وحسنت الآثار، وأدرك الإسلام بها الثار، وانحسمت فيها مواد الكفرة والأعداء، وبرئت الأحوال بطبها من المرض والداء وأمنت المطالب معها من الخيبة والإكداء، فلا ثناء ينهض بواجب جزائها، ولا تقريظ يستقل بأول أجزائها. فمن الواضح البين، واللازم المتعين، لنعمتي الخصوص والعموم، وإن كان الشكر عليهما من المفروض المحتوم أن يقع التوفر على حق الموهبة التي عمت وشملت، ويبالغ في ذلك طلبا للجزاء يوم (توفى كل نفس ما عملت) فقد نتجت هذه المقدمة وجوب الإجماع على حمد مالكها وشكره وبعثت على تعمير المحافل بنشر إحسانه وذكره، وقضت بأن يعطر بوصفه نسيم الشمال والقبول، ودعت إلى مواصلة الدعاء له في مظان الإجابة والقبول، وفرضت بذل الاستطاعة في ذلك توخيا للصواب، وجعل اعتقاده أفضل ذخيرة تورث للذراري والأعقاب، فأوزع الله الكافة شكر النعمة على ما أصلح به من دنياهم، وألهمهم القيام بما يلزم قوما أدركوا من السعادة ما لم يبلغه مناهم، ووفقهم لما يجب عليهم من فرض أكرم كفيل منه للشريعة ونصير، وأنهضهم من الاجتهاد لما يقيم عذرهم في العجز والتقصير، وأعان كلا منهم على مواصلته إلى حين المنقلب والمصير، إنه السميع البصير، اللطيف الخبير، وهو - بعزته - على ما يشاء قدير.\r\rمن المعاني التي استنبطها المملوك وابتدعها واستخرجها فكره واخترعها\rفمن أنشأ فيها شيئا من أدباء الوقت، وشعراء العصر؛ فإنما انتهج قصد المملوك متبعا لدليله، واقتفى أثره محتذيا على تمثيله، وكل من تعرض لذلك - وإن أحسن وأجاد، ورجح وأوفى وزاد - فللملوك مزية البداية، وحرمة الهداية، وماتة الابتكار، وفضيلة يأمن فيها من الدفع والإنكار.\rوقد وقع الإجماع على فضل واصل بن عطاء، وكشفه في البلاغة كل حجاب وغطاء، ودل كلامه على القدرة في الفصاحة وبعد الغور واشتهر من أجل لثغته بحذف الراء من لفظه، وهي حرف كثير الدور.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1851955,"book_id":1857,"shamela_page_id":36,"part":null,"page_num":36,"sequence_num":36,"body":"ومن المحكي عنه قوله - وذكر بشاراً وكان يرمى بالزندقة ولهذا قتله المهدي -: أما لهذا الأعمى المكتني بأبي معاذ من يقتله! والله لولا أن الغيلة خلق من أخلاق الغالية لبعثت إليه من يبعج بطنه على مضجعه! فقال: الأعمى، ولم يقل: الضرير، وقال: المكتني بأبي معاذ، ولم يقل: بشاراً ولا ابن برد، وقال: من أخلاق الغالية، ولم يقل: المغيرية ولا المنصورية، وقال: لبعثت إليه، ولم يقل: لأرسلت (إليه) ، وقال: على مضجعه، ولم يقل على فراشه! ومما قيل فيه:\rويجعل البر قمحا في تصرفه ... وخالف الراء حتى احتال للشعر\rولم يطق مطرا والقول يعجله ... فعاد بالغيث إشفاقا من المطر\rومن اللغز الذي تضمن خبيا وسرا، وأحسن قائله إذ عمى فيه وورى، إلا أن إيراده هاهنا يجعل خافيه ظاهرا، ومبرقعه سافرا قول الشاعر:\rولما رأيت الشيب راء بعارضي ... تيقنت أن الوصل لي منك واصل\rفخص الراء لحفظه المعنى الذي قصده وإحرازه، وأحسن التوصل بواصل إلى تجنيسه وإلغازه.\rوللرستمي في الصاحب:\rنعم! تجنب: لا يوم العطاء كما ... تجنب ابن عطاء لثغة الراء\rولما أكثر الناس من تقريظ هذا الفن ووصفه، وادعى قوم أن المتعرض له إنما يخبر عن عجزه وضعفه؛ اعتمد المملوك تأمله وتدبره، واستنجد، فيما يعرب به، رويته وتفكره، فلم ير أن يكون لهذه السبيل مقتفيا، ولم ترض له الخدمة الشريفة أن يلفى في هذا الباب مصليا، فعمل في مولانا شعرا لم تجتنب فيه الراء، وإذا قرأه الألثغ أفاد معنى يزول في استحسانه المراء، وكان في ذلك من الإعجاز أن الصريح والمستعجم، والفصيح والمتلعثم إذا أخذوا ي ذكر أوصاف مولانا لم يشكل اللفظ الذي يوردونه، ولم يستبهم المعنى الذي يؤدونه، ولم يعتذر بأن اللثغة أفسدت المراد ولا حالت دونه، وتساوت في روايتها الآلة الصحيحة والسقيمة، وتماثلت في تلاوتها الألسنة المعوجة والمستقيمة، وأجرى المملوك ذكر هذه الجملة مع محمود ابن القاضي الموفق، إذ كان الإغراب في الصفات الشريفة من مذهبه، والإبداع فيها من بغيته وأربه، فلما رأى هذه الطريقة من أسلوبه وشرطه؛ بالغ في استحسانها وعمل لوقته:\rوذات وجهين أتت بدعة ... غايتها في الحسن لا تبلغ\rقافية رائية فيك لا ... يعاب في إنشادها الألثغ\rوشفعه بأن قال:\rيا ملكا فائض إحسانه ... في كل آفاق الدنى سائر\rوصفك عندي ذهب خالص ... نظمي له حيث انتهى صائر\rوالذي عمله المملوك:\rمن شاء جمع معال قد خصصت بها ... وجاوزت كل حد لم ينل ( ... )\rوكيف تستطيع أن تحصي فضائلها ... وزندك الغر مهما تقتدحه (وري)\rثم رأى المملوك أن لا يخلي النثر من هذا النوع الذي تتعب الأفكار في طلبه، وأن يورد فصلا يتوخى فيه ذكر الشيء على ما هو به، فعمل في وصف مالكه ثبت الله قدرته، وأدام سلطانه ودولته: ملك أبان الله إعلاء رايته فازدانت بأوصافها المحافل، وتاه الزمن بمحاسنه فهو عن الإساءة لاه رافل، قد سارت بالألسنة والأفواه مدائحه، وصارت حلى المجامع والأندية منائحه، وأصبح الكافة من ظله في رياض أنيقة، ورامت السماء إحياء للأرض فخدمته بذاك على الحقيقة.\rولما انتهى إلى هذا الحد أمل خاطره عليه من غير روية، ونظم - عفوا - ما يشهد بصحة هذه القضية:\rلما غدوت مليك الأرض أفضل من ... جلت مفاخره (عن كل إطراء)\rتغايرت أدوات النطق فيك على ... ما يصنع الناس من (نظم وإنشاء)\rثم اقتضت فكرته، وأوجبت خدمته أن يجعل هذه القافية على وجوه من الروي، عملا بما رآه منسوبا إلى ابن نباتة والشريف الرضي، لتشترك الحروف في حظ من الشرف واف، وتتبين فضيلة مجيئها متناوبة في قواف. والمنسوب إلى الشريف وابن نباتة:\rلا يبلغ الغاية القصوى بهمته ... إلا المقسم بين الخيل والإبل\rيطوي حشاه إذا ما الليل عانقه ... على وشيج من الخطي معتدل\rوالتعبير الأول:\rلا يبلغ الغاية القصوى بهمته ... إلا المقسم بين الجرد والكوم\rيطوي حشاه إذا ما الليل عانقه ... على وشيج من الخطي محطوم\rوالثاني:\rلا يبلغ الغاية القصوى بهمته ... إلا أخو الحرب والجرد السلاهيب","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1851956,"book_id":1857,"shamela_page_id":37,"part":null,"page_num":37,"sequence_num":37,"body":"يطوي حشاه إذا ما الليل عانقه ... على وشيج من الخطي مخضوب\rوالثالث:\rلا يبلغ الغاية القصوى بهمته ... إلا المقسم بين السرج والكور\rيطوي حشاه إذا ما الليل عانقه ... على وشيج من الخطي مكسور\rوالرابع:\rلا يبلغ الغاية القصوى بهمته ... إلا المصيخ وإن لم يدعه الداعي\rيطوي حشاه إذا ما الليل عانقه ... على شويج من الخطي زعزاع\rوالخامس:\rلا يبلغ الغاية القصوى بهمته ... إلا المقسم بين الجرد والقود\rيطوي حشاه إذا ما الليل عانقه ... على وشج من الخطي ( ... )\rوالسادس:\rلا يبلغ الغاية القصوى بهمته ... إلا المقسم بين الجرد والنوى\rيطوي حشاه إذا ما الليل عانقه ... على وشيج من الخطي مدقوق\rفهذه ستة تغيرات.\rوالذي صنعه الملوك في البيتين اللذين أوردهما على قافية الهمزة يستوعب الروي فيهما جميع حروف المعجم الثمانية والعشرين، وقوم يجعلونها تسعة وعشرين، فيضيفون إليها الحرف المركب من اللام والألف، ولا يجوز دخول المركب في البسيط، وهي - على مذهب جماعة من المحققين - ثمانية وعشرون حملا على عدة منازل القمر، ولذلك قالوا: إن لام التعريف إنما صارت تدغم في نصف الحروف فتظهر عند نصفها؛ لأن نصف منازل القمر ظاهر أبدا فوق الأرض، ونصفها خاف أبدا عن ظاهر الأرض. وقد بين المملوك ما عمله وهو - قد تقدم ذكر الهمزة -: الباء:\rلما غدوت مليك الأرض أفضل من ... حلت مفاخره في النظم والخطب\rتغايرت أدوات النطق فيك على ... ما يصنع الناس من مستغرب الأدب\rالتاء:\rلما غدوت مليك الأرض أفضل من ... ساس البرية في الماضي وفي الآتي\rتغايرت أدوات النطق فيك على ... ما يرفع الناس أعقاب المناجاة\rالثاء:\rلما غدوت مليك الأرض أفضل من ... غدا الدعاء له في الأرض مبثوثا\rتغايرت أدوات النطق فيك على ال ... ثناء مكتسيا منه وموروثا\rالجيم:\rلما غدوت مليك الأرض أفضل من ... جلت مواهبه عن مطلب الراجي\rتغايرت أدوات النطق فيك على ... وصف يريك ظلام الحندس الداجي\rالحاء:\rلما غدوت مليك الأرض أفضل من ... سعت عطاياه عما اعتيد من منح\rتغايرت أدوات النطق فيك على ... ما يصنع الناس من وصف ومن مدح\rالخاء:\rلما غدوت مليك الأرض أفضل من ... تطرزت بمعاليه التواريخ\rتغايرت أدوات النطق فيك على ... وصف به كل ما يعدو منسوخ\rالدال:\rلما غدوت مليك الأرض أفضل من ... جلت أياديه عن وصف وتعديد\rتغايرت أدوات النطق فيك على ... شكر يضاهي الأيادي غير محدود\rالذال:\rلما غدوت مليك الأرض أفضل من ... أرضى العوامل إمضاء وإنفاذا\rتغايرت أدوات النطق في مدح ... عادت بها أكبد الأعداء أفلاذا\rالراء:\rلما غدوت مليك الأرض أفضل من ... أفنى أعاديه لا زال منصورا\rتغايرت أدوات النطق فيك على ... ما يصنع الناس منظوما ومنثورا\rالزاي:\rلما غدوت مليك الأرض أفضل من ... قامت معاذير من في وصفه عجزا\rتغايرت أدوات النطق في مدح ... ما حال من دونها عي ولا حجزا\rالسين:\rلما غدوت مليك الأرض أفضل من ... أزال أطماع باغي شأوه الياس\rتغايرت أدوات النطق فيك على ... وصف تنوع في إحسانه الناس\rالشين:\rلما غدوت مليك الأرض أفضل من ... ساس الأنام فما حابى ولا حاشا\rتغايرت أدوات النطق فيك على ... وصف يواصله الإنسان ما عاشا\rالصاد:\rلما غدوت مليك الأرض أفضل من ... غالي الثناء بما يأتيه مرتخص\rتغايرت أدوات النطق فيك على ... وصف له في محل المشتري حصص\rالضاد:\rلما غدوت مليك الأرض أفضل من ... لا يبلغ المدح في استحقاقه غرضا\rتغايرت أدوات النطق فيك على ... ما يصنع الناس مندوبا ومفترضا\rالطاء:\rلما غدوت مليك الأرض أفضل من ... يبغي بأفعاله تقوى الإله فقط\rتغايرت أدوات النطق فيك على ... ما يصنع الناس مما ليس فيه سقط\rالظاء:\rلما غدوت مليك الأرض أجمعها ... بالحق إذ كان من يعدوك محظوظا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1851957,"book_id":1857,"shamela_page_id":38,"part":null,"page_num":38,"sequence_num":38,"body":"تغايرت أدوات النطق فيك على ... غر المغاني بلفظ ليس ملفوظا\rالعين:\rلما غدوت مليك الأرض أفضل من ... غدا الملوك له جندا وأتباعا\rتغايرت أدوات النطق فيك على ... ما يصنع الناس إعرابا وإبداعا\rالغين:\rلما غدوت مليك الأرض أجمعها ... ونلت ما لم ينل ملك ولا بلغا\rتغايرت أدوات النطق فيك على ... وصف تنافس في إحكامه البلغا\rالفاء:\rلما غدوت مليك الأرض أفضل من ... أعطى، فقال العدا: قد زاد في السرف\rتغايرت أدوات النطق فيك على ... صفات ما حزت من فخر ومن شرف\rالقاف:\rلما غدوت مليك الأرض أجمعها ... وحزت ما جزت فيه كل مخلوق\rتغايرت أدوات النطق فيك على ... وصف صنيع بديع غير ملحوق\rالكاف:\rلما غدوت مليك الأرض أفضل من ... جلت مفاخره لما غدا ملكا\rتغايرت أدوات النطق في مدح ... وفي دعاء ملأن الأرض والفكا\rاللام:\rلما غدوت مليك الأرض أفضل من ... جلت مفاخره في القول والعمل\rتغايرت أدوات النطق فيك على ... وصف يقصر عنه منتهى الأمل\rالميم:\rلما غدوت مليك الأرض أفضل من ... غدا به العدل بين الخلق مقسوما\rتغايرت أدوات النطق فيك على ... ما يصنع الناس منثورا ومنظوما\rالنون:\rلما غدوت مليك الأرض أفضل من ... جلت مفاخره في السر والعلن\rتغايرت أدوات النطق فيك على ... وصف بليغ يحلي عاطل الزمن\rالهاء:\rلما غدوت مليك الأرض أفضل من ... ركن الأعادي بماضي عزمه واه\rتغايرت أدوات النطق واتفقت ... مع التغاير في ذكرى شهنشاه\rالواو:\rلما غدوت مليك الأرض أفضل من ... يزهى به الخلق فيما عاينوا ورووا\rتغايرت أدوات النطق فيك على ... ما يصنع الناس فيما أظهروا ونووا\rالياء:\rلما غدوت مليك الأرض أفضل من ... غدا بمعروفه ميت الرجا حيا\rتغايرت أدوات النطق فيك على ... مناقب ليس يخشى نشرها طيا\rفقد جمع ذلك غاية ما تبلغه عدة التغيير، وعفو ما يقتضيه هذا المغزى من التبيين والتعبير، وهو، وإن كان بعضه يتميز عن بعض، فإنه عاجل اجتهاد المملوك في أداء اللازم الفرض. على أن هذا الغرض المقصود كثير الشعب، والوصول إليه من العزيز العسير الصعب فإن أتى غير معجب فلوعورة مطلبه، وإن أبى إلا جودة فلسعادة من خدم به.\rومن ضروب التعبير التي دعت الاستحسان فلباها، وفخر بها مبدعها وباهى، ما ينشد مرفوعا ومنصوبا كقوله:\rإذا طال النهار علي يوما ... دعوت له فقصره رياد\rحديث يعجب الحكماء منه ... ويونق حين يسمعه الفؤاد\rفصل في ذكر خيمة الفرج\rلما خرجت أوامر مولانا - ثبت الله دولته - بإنشاء خيمة للنظر، وعمل فازة تتكفل بمصالح البدو والحضر؛ امتثلت مراسمه السامية في إنشائها ووقعت المسارعة إلى انتهاج تمثيلاته واحتذائها، فجاءت توفي في الجلالة على إيوان كسرى، وظلت الأبصار في أرجائها الفسيحة خاسئة حسرى، إذ كانت مناسبة لأمثالها من المنازل الشريفة في الاتساع، ومجانسة لأنظارها من المقامات الكريمة في السمو والارتفاع، وتضمنت من صور ناطق الحيوان وصامته ما أحاط بالحسن واستولى على غايته، تخالها حومة وغى لما اجتمع فيها من المقانب والجيوش، أو بيداء لا محيص عنها لأنواع السباع والوحوش، قد حوت آفاقها متضاد الحيوان بلا أذى ولا ضير، فكأنه فيها سليمان وقد حشر له جنوده من الجن والإنس والطير، وفي يوم إظهارها ونصبها، واستقرار جلوسه الأشرف الأسنى بها، وهب الأموال الجمة، وعم بالإحسان الأمة، ونشر الرأفة والرحمة، وسامح بالكبائر والعظائم، وصفح عن الجرائر والجرائم، وأنعم بما لم ينعم به أحد من ملوك الدهر، واستخلص الضمائر بالدعاء له في السر والجهر، فتضوعت بالأرض من الثناء عليه بأعطر أرج، ووقع الاتفاق على تسميتها بخيمة الفرج، ووصفها الشعراء وصفا أجادوه وأحكموه، وأحسنوا فيما صنعوه منه ونظموه.\rفمن ذلك قول ابن الحواري:\rوبنى للمجد فوق السبعة الأفلاك فازه\rلو رأى كسرى سناها ... صاح إعجابا بها: زه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1851958,"book_id":1857,"shamela_page_id":39,"part":null,"page_num":39,"sequence_num":39,"body":"ومن تأمل هذا الشعر البديع، وتدبر هذا التركيب الصنيع، وجد فيه ما لا يأبى استحسانه طبع سامع، وعلم أنه مما لا يظفر به كل طامع.\rوقد استحسنوا هذه اللفظة - أعني: زه - في قول الأول - وهو مما يتغنى به:\rفي مثل هذا يحسن البلوى ... ليس على عاشق ذا عدوى\rوكل من أبصره قال لي ... زه يا فتى تحسن أن تهوى\rفإذا كانت مع ضعفها في الحشو مستجادة مستحسنة، فما الظن بها وقد أتت قافية قوية متمكنة؟ وعلة فضيلة التقفية أنها أقصى ما يحصره الوزن، وآخر ما يلقاه السمع، وبهذا احتج مفضل المقاطع على المطالع؛ فإذا كانت القافية مدى الشعر، ومنتهى حده، وغاية ما يبلغه مما لا مطلب من بعده؛ فلا غرو أن تكون مدح مولانا إذا تؤملت قوافيها مشتملة على الألفاظ التي لا تحسن في شيء حسنها فيها؛ إذ كان آخر ملوك الدنيا وقتا وزمانا، وإن كان أولهم شرفا ومجدا وسلطانا:\rنسقوا لنا نسق الحساب مقدما ... وأتى\rفذلك\rإذ أتى متأخرا\rولهذا فضل البيت الذي يكون المستحسن في آخر أجزائه، على البيت الذي يتضمنه حشوا في تضاعيفه وأنحائه. على أن من الحشو ما لا تخفى بهجته، ولا تجحد فضيلته.\rحضر المملوك يوما بين يدي الشيخ الأجل أبي الحسن بن أبي أسامة فجرى ذكر الحشو في الشعر فأنشد لأبي الشيص:\rحلي عقال مطيتي ... لا عن قلى\r\rوامضي فإني\rيا أميمة\rماض\rوقال: قوله: لا عن قلى، فضلة لا يفتقر المعنى إليها فلهذا سميت حشوا، وقد جاءت في الحسن على ما ترى.\rولم يكن المملوك تنبه على ذلك من البيت وإن كان من حفظه فاعتده من فوائد مجلسه، وأضافه إلى ما أخذه عنه من نظائره، وأنشده المملوك قول ابن حيوس:\rوجاد بنفس لا يجود بمثلها ... مع العلم بالعقبى نبي مقرب\rإذ كان قوله: مع العلم بالعقبى، من أحسن ما جاء في هذا الباب.\rولم يذكر ما جاء من الحشو: بحاشا، وما تصرف منها نحو قول المتنبي:\rويحتقر الدنيا احتقار مجرب ... يرى كل ما فيها\rوحاشاك\rفانيا\rوقول الآخر:\rمواهب شتى لو عدتني ... وحوشيت\r\rكفاني ما أحرزته متسلقا\rوقوله:\rولو أن ياجوج استعانوك مرشدا ... وحوشيت من إرشادهم خرقوا ( ... )\rلأن ذلك مما أكثر الناس فيه، فلا لذة في المحاضرة به.\rومن مليح الحشو قول نصيب:\rفكدت ... ولم أخلق من الطير\rأنني\rأعار جناحي طائر فأطير\rفقوله: ولم أخلق من الطير، من مستحسن ما أتى من هذا النوع.\rوقول عوف بن محلم لعبد الله بن طاهر:\rإن الثمانين ... وبلغتها\r\rقد أحوجت سمعي إلى ترجمان\rعلى أن قوله: وبلغتها، معدود في الالتفات عند قوم، وفي التتميم عند آخرين.\rوقول ابن المعتز يصف خيلا:\rصببنا عليها ... ظالمين\rسياطنا\rفطارت بها أيد سراع وأرجل\rفقوله: ظالمين، من بديع الحشو.\rوقول مهيار:\rوكم ... ثم\rمن مسترزق حلفت له\rلهاك\rوبرت\rأنه لا يخيب\rفقوله: وبرت، لفظة يتم المعنى دونها إلا أنه تبرع بها، فتضاعف المدح بسببها.\rوقوله:\rلو أن الورى أهلي لكنت وأنت لي ... أقوم بهم مستظهرا وأمو (ن)\rفإحسانه بقوله: مستظهرا، مما لا يستطيع أحد جحده، ولا يسد غيره مسده.\rوقوله:\rعزي بنفسي ولكن زادني شرفا ... أني إليكم إذا باهلت أنتسب\rفأبدع بقوله: إذا باهلت، لأنها أفضل ما ورد مع النسب.\rوقول ابن أبي الشخباء:\rيصرف الأمر في الآفاق خاتمه ... ويصبح الدهر طوعا وهو خادمه\rفقوله طوعا، مما تطوع به فأغرب، وأتى منه بما أعجب به وأطرب. ونظائره كثيرة.\rومن مليح ما قيل في الخيمة المنصورة قول ابن زيد الأنصاري:\rأخيمة ما نصبت اليوم أم فلك ... ويقظة ما نراه منك أو حلم\rما كان يخطر في الأفكار قبلك أن ... تسمو علوا على أفق السها الخيم\rحتى أتيت بها شماء شاهقة ... في مارن الدهر من تيه بها شمم\rإن الدليل على تكوينها فلكا ... أن احتوتك وأنت الناس كلهم\rوالطير قد لزمت فيها مواضعها ... لما تحققن منها أنها حرم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1851959,"book_id":1857,"shamela_page_id":40,"part":null,"page_num":40,"sequence_num":40,"body":"تغدو القماري والبازي يحفظها ... كأنما بينهم في جوها رخم\rكأنها جنة فالقاطنون بها ... لا يستطيل على أعمارهم هرم\rإن أنبتت أرضها زهرا فلا عجب ... وقد همت فوقها من كفك الديم\rوقول الآخر:\rعزت على الشعراء مدحة خيمة ... فوق النجوم أساسها أشطان\rلما مثلت بها ظننت بأنها ... دار الخلود أباحها رضوان\rمما عارض المملوك فيه من سبقه، وبعثه على إيراده رضى من استجاده واستوقفه.\rقد بالغ الناس في استحسان قول ابن سورين فيما كتب به عن الإمام الحاكم بأمر الله ﵇ إلى عامل القدس في إخراب قمامة وهو: صر إلى قمامة؛ فاجعل طولها عرضا، وسماءها أرضا. واتفق للملوك لما سمع هذا الفصل أن استحسنه، واستجاده على حسب ما أمكنه، فلم يقنع مورده بما وصفه به وقرظه، فاعتمد في تكثير المدح ما أثقل السمع وبهظه، فقال المملوك: لو قال صر إلى قمامة فأزل باطلها، واجعل عاليها سافلها.\rأو قال: فعفها بالمحو والطمس واجعلها حصيدا لم تغن بالأمس، لكان أشرف لترصيعه اللفظ بالقرآن، وترتيبه المعنى في أعلى طبقات البيان.\rفقال راوي فصل ابن سورين: فضيلة هذا الفصل قلة حروفه، وفرط إيجازه، وإن من تحدي به على حقيقة تعذره وإعجازه.\rفقال المملوك: أنا أذكر هذا المعنى بلفظ أصنع وأقصر، ومعنى أجمع وأحصر، فطولب أن يوفي الضمان، وقيل له: من نقض مان، فقال ما لا موضع فيه لحذف ولا سبيل إلى تحقيقه بحركة ولا حرف، مع استيفاء المعنى، وأن أحداً لا يجد فيه طعنا. وهو: صر إلى قمامة، فعجل لها القيامة.\rففضل هذا الفصل على الأول أضعافا، وبولغ في وصفه إلى أن تفادى المملوك وتعافى؛ وعلة ذلك أن هذه الأيام الشريفة التي فخرت بمالكها على غيرها من العصور، وخرجت فضائلها عن المحدود والمحصور، قد فاضت أنوارها على كل عالم ومتعلم، وسرى شعاع سعدها إلى كل ناطق ومتكلم، ولما اتفق كون هذا الفصل في التعفية على متعبد أهل الشرك، وتدمير ما يصنعونه فيه من الضلال والإفك؛ اختصره مملوك مولانا كما اختصرت مشرفيه أعمارهم وآجالهم، وضيق فيه على مقتفيه كما ضيقت هيبته منفسحهم ومجالهم، عملا بالهذيبات المالكة (على ما اقتضته الشيمة الفاضلة) ، وتأدبا بالتثقيفات الأفضلية بحسب ما وصلت إليه آلته القابلة، والله يمد ظلها فهو أفضل موجبات هذه الدنيا وأسباب وجودها، وموزع الكافة شكر النعمة فيما غمرهم من كرمها الفائض وجودها، بفضله وقدرته وطوله ومشيئته.\r\rفصل من نادر ما جاء في بابه وأقوى دليل على إبداع قائله وإغرابه\rقال أبو عبد الله التميمي اللغوي المعروف بالقزاز لبعض تلاميذه:\rأحاجيك عياد كزينب في الورى ... ولم تؤت إلا من صديق وصاحب\rفأجابه:\rسأكتم حتى ما تحس مدامعي ... بما انهل منها من دموعي السواكب\rفكان تصحيف: عياد كزينب، بعد عكسه: سرك ذائع، وقال الآخر: سأكتم، فأجاب على الظاهر إجابة حسنة، وتصحيف: سأكتم، بعد عكسه: منك أتيت، وفيه مقابلة لقوله: ولم تؤت إلا من صديق وصاحب والمملوك يقول: معجز هذه الحكاية أن المجيب ذكر كلمة كل من مستقيمها وتصحيف معكوسها جواب لما حوجي به.\rوتسمية هذا النوع المحاجاة لدلالة الحجى عليه.\rوعلى ذكر التصحيف فمن بديعه: نصحت فضيعت، وهو تصحيف صعب. وقولهم فيما يصحف بعد عكسه: أذناه جرح يسيل.\rوهذا: ليس يحرجه أبدا.\r\rفصول تشتمل على ضروب أبدع البلغاء فيها وأحسنوا، وتنوعوا في أصنافها وتفننوا في خدع البيان وتمويه الفصاحة\rحكى حسن بن محمد البسامي قال: رأيت علي بن با منصور الديلمي، وكان من مفاخر الديار، وله شعر يدل على غزارة أدبه، وحسن طريقته في النظم ومذهبه كقوله:\rترى في ابيضاض الكأس حمرة خده ... فتحسبها ملأى ولا شيء في الكأس\rقال البسامي: وكانت رؤيتي إياه بحمص جالسا على بعض الدكاكين، وكان أعور، فاستثقلت شخصه، وقيل لي: إنه شاعر فأردت العبث به فقلت: أيها الشاعر، عملت في عورك هذا شيئا؟، وانتظرت أن ينقطع ويخجل، فقال: نعم، وأنشدني:\rلست آسى لفقد إنسان عيني ... وجميع الجمال في معتاضه\rوحبيبي من مقلتي أخذ الخا ... ل وأعطى سوادها من بياضه\rفاقشعر بدني منه، وعلمت أنه من الصيد الذي لا يحل أكله!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1851960,"book_id":1857,"shamela_page_id":41,"part":null,"page_num":41,"sequence_num":41,"body":"وحكي عنه أنه تعشق صبيا أعور فقال فيه:\rله عين أصابت كل عين ... وعين قد أصابتها العيون\rقال بعض الفضلاء: أظنه قال هذا الشعر لما اعتن معناه في نفسه، ثم طلب أعور يعشقه ليجعله معرضا لقوله، فقد هون بفصاحته المستكره، وحسن ببلاغته المستقبح.\rومن أحسن ما جاء في ذلك ما ذكره التميمي في سيرة الحجاج من أن عبد الملك بن مروان أمر بعمل باب في بيت المقدس يكتب عليه اسمه، فسأله، الحجاج أن يأذن له في عمل باب أيضا، فأذن له، واتفق أن وقعت صاعقة احترق فيها باب عبد الملك، وسلم باب الحجاج، فعظم ذلك على عبد الملك فكتب الحجاج إليه: بلغني أن نارا نزلت من السماء فأحرقت باب أمير المؤمنين، ولم تحرق باب الحجاج، وما مثلنا في ذلك إلا كمثل ابني آدم إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر! فسري عنه لما وقف على الكتاب.\rوكان طاهر بن الحسين وهو في قتال المخلوع قد جعل دراهم للصدقة في كمه، ونسيها، فأسبله، فتبددت الدراهم - وهو لا يعلم - فلما ذكرها تطير من ذلك، فأنشده أحد الشعراء:\rهذا تبدد جمعهم لا غيره ... وذهابها عنكم ذهاب الغم\rشيء يكون الهم نصف حروفه ... لا خير في إماكه في الكم!\rوذكر المملوك بالبيت الثاني قول محمد بن أبي سعيد؛ أحد المحدثين:\rألا رب شيء فيه من أحرف اسمه ... نواه لنا عنه وزجز وإنذار\rفتنا بدينار وهمنا بدرهم ... وآخر ذا هم، وآخر ذا نار\rوكان خالد بن يزيد بن مزيد تقلد الموصل في أيام المأمون، فلما دخلها مر بأول درب منها اندق اللواء، فاغتم لذلك، وعظم عليه، فقال مروان بن محمد المعروف بأبي الشمقمق بديها:\rما كان مندق اللواء لريبة ... تخشى، ولا صرف يكون معجلا\rلكن هذا الرمح ضعف متنه ... صغر الولاية فاستقل الموصلا!\rفكتب صاحب البريد يخبره إلى المأمون، فزاده المأمون ديار ربيعة، وكتب إليه: هذا لتضعيف الموصل متن لوائك، فأعطى خالد أبا الشمقمق عشرة آلاف منهم وشخص إلى ديار ربيعة.\rفقوة البراعة حكمت بالاقتدار على مدح ما عادته أن يذم، وجودة العبارة ختمت باستحسان ذم ما عادته أن يمدح، كما قال عبد الله بن التوأم يذم النخلة التي طاب جناها، وزاد نفعها وتناهى: إنها صعبة المرتقى، مهولة المجتنى، بعيدة المهوى، حسنة المس، قليلة الظل.\rوكما حكي عن سهل بن هرون من أنه عمل كتابا يمدح فيه البخل، ويذم الجود، ليري بلاغته، وطول لسانه، وأهداه إلى الحسن بن سهل. إلا أن الحسن وقع عليه: لقد مدحت ما ذمه الله، وحسنت ما قبحه الله، وما يقوم صلاح لفظك بفساد معناك، وقد جعلنا ثوابك عليه قبول قوله فيه. ولم يعطه شيئا.\rوقد اعتمد جماعة من البلغاء مدح الشيء وذمه إظهارا لاقتدارهم، وإبانة عن محلهم ومقدارهم، وعملا بقول القائل: ما من شيء إلا وله وجهان؛ فالمادح يذكر أحسنهما، والذام يذكر أقبحهما.\rوقد روي عن عيسى ﵇ أنه مر هو وأصحابه على كلب ميت فقال بعضهم: ما أنتن ريحه، فقال عيسى ﵇: ما أشد بياض أسنانه. فسلم لعائبه ما ادعاه من مساوئه، وذكر من محاسنه ما لم ينازعه فيه.\rوالمملوك يقول: إن من أبدع الكلام قول الحكيم: لا عشت ليوم أمدح فيه ما ذممته، ولا أذم فيه ما مدحته؛ ذلك يوم ظفر الهوى بالرأي.\r\rومما يلحق بهذا الباب\rأن يأتي ذم لا تكون المبالغة فيه إلا باللفظ الذي يكون مدحا لغيره، كقوله:\rشاهين موسى وإن أرضتك عفته ... أبر منه وأتقى باز عمران\rوباز مالان لا تنجو طريدته ... ولو أتت بأمان من سليمان\rفالعفة والتقى مبالغة في ذم الجوارح، وهما من أفضل ما يمدح به غيرها.\r\rفي تناوب الأعضاء\rوهو مما يدل على تجويد الشاعر وقوة تصرفه، ومضاء خاطره وقلة توقفه، ومن أحسن ما جاء في ذلك قول أبي الطيب:\rوجحفل ستر العيون غباره ... فكأنما يبصرن بالآذان\rوقوله:\rكأن الهمام في الهيجا عيون ... وقد طبعت سيوفك من رقاد\rوحكى ابن رشيق قال: جلست يوما إلى ابن حديدة الشاعر وأنا سكران، فسألني عن حال المكان الذي خرجت منه، فوصفته، وأفضى بي الحديث إلى ذكر غلام كان ساقيا، فقلت في درج الكلام:\rفشربتها من راحتي ... هـ كأنها من جنتيه\rوقلت: أجز، فقال:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1851961,"book_id":1857,"shamela_page_id":42,"part":null,"page_num":42,"sequence_num":42,"body":"وشممت وردة خده ... نظرا ونرجس مقلتيه\rفقلت: أحسنت، وجودت شمك بالنظر، كسماع أبي الطيب بالبصر حيث يقول:\rخلفت صفاتك في العيون كلامه ... كالخط يملأ مسمعي من أبصرا\rوهذا - وإن لم يكن من هذا الباب من كل جهة - فهو من أولى ما أورد معه.\rوكذلك قول مهيار:\rخان بكاء العين أجفانه ... فناح، والنوح بكاء الفم\rلأن النوح والبكاء ليسا عضوين.\rولابن رشيق في جواب كتاب:\rأسمعت عيني ما اشتهت ... بلسان هاتيك اليراعة\rوقول الشريف الرضي:\rعزني أن أرى الديار بعيني ... فلعلي أرى الديار بسمعي\rوكان المملوك يوما مع صديق له وهما سائران في الطريق، فلقيهما ضرير، فلما سمع وقع حوافر الدواب؛ جعل يتوقف ويتحسس، وأخذ يتنصت ويتجسس، فقال المملوك لرفيقه: تأمل هذا الضرير كيف يتبصر بسمعه ولم يكن شيء من هذا الباب حينئذ على ذكره، فاستجاد العبارة، واستحسن الاستعارة.\rولأبي الطيب:\rخير أعضائنا الرؤوس ولكن ... فضلتها لقصدك الأقدام\rولحسن بن عبد الصمد:\rتعطي وسمعك بالملام مشنف ... فكأن راحتك الكريمة تسمع\rولابن حيوس:\rقواف هي الخمر الحلال وكأسها ... لساني ولكن بالمسامع تشرب\rوقد أجاد ابن القمي وزاد بقوله:\rولي سنة لم أدر ما سنة الكرى ... كأن جفوني مسمعي والكرى العذل\rونظائره كثيرة.\rقد قدم المملوك في صدر هذا الجزء اعتذاره في ذكر القليل وإيراده، واحتجاجه على توخي اليسير واعتماده، لما خص به المقام الأعظم - ثبت الله سلطانه - من المهابة التي تحجز عن الإطالة، وتمنع من دواعي السآمة والملالة، ولولا ذلك لتوسع فيما يجمعه، واستكثر مما يصنعه، تقربا إلى مالكه باجتهاده، وحرصا على تطلب الحظ وارتياده، والله تعالى يقضي له بارتضاء خدمه وإن كانت مختصرة لطيفة، ويجعل السعود - أبدا - محدقة بمجلس مالكه مطيفة، ويوزعه شكر النعمة فيما ناله من إحسانه وشمله، ويبلغه في الخدمة الشريفة بغيته ورجاءه وأمله، بمنه وطوله وقدرته وحوله إن شاء الله ﷿.\r\rرسالة مناجاة شهر رمضان\rمناجاة شهر رمضان\rأيام المواسم مكرمة مفضلة، وأوقاتها مرفوعة أعمالها متقبلة، بدليل فضل شهر رمضان عند من علمه وعرفه، وحصول الإجماع على ما شرف الله تعالى به يوم عرفة، فالصائم إذا نادى لباه الله - سبحانه - وأجابه، والمؤمن إذا ناجى حرم الله رده ومنع حجابه، لأنه كتب على نفسه قبول ما كان له - جل وعلا - فيه رضى، وجعل فاعل ذلك لا يخاف مخالفا فيه ولا معترضا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1851962,"book_id":1857,"shamela_page_id":43,"part":null,"page_num":43,"sequence_num":43,"body":"ولما أهل شهر رمضان على المقام العالي المالكي السيدي الأجلي الأفضلي الجيوشي، سيف الإسلام، ناصر الإمام، كافل قضاة المسلمين، وهادي دعاة المؤمنين، عضد الله به الدين، وأمتع بطول بقائه أمير المؤمنين، وأدام الله قدرته، وأعلى كلمته، مؤذنا باتساع قدرة تخدمها الأفلاك، ومبشرا بانفساح مدة تخضع لها الأملاك، وكانت الحضرة العالية المالكة - ثبت الله دولتها، ونصر ألويتها - مخصوصة بالتوفر على الخير والبر، حريصة على الطاعات في الجهر والسر، متحققة أنها الأفعال التي يتقرب بها إلى الله تعالى ويتوصل، والذرائع التي يتحرم بها عنده ويتوسل، والدواعي إلى الثواب الجزيل في العاجلة والعقبى، والمساعي التي من لزمها كان الله حزبا وللشيطان حربا، وقد علمت - خلد الله ملكها، وأدام في أعداء الدين فتكها - أن المجتهدين في الأدعية اثنان: إما سالك في ابتهاله مسلك الطالب الراغب، أو معدد في مناجاته ما لله عنده من المنائح والمواهب، ولا خلاف أن من عدد الإنعام أفضل ممن طلبه، ومن اعترف بالإحسان أشرف ممن رامه وخطبه، وأنه لا حجة لها على الله ﷿ لأنه استخلفها على البسيطة لما كانت أفضل الخلق، وارتضاها لتدبير الخليقة لما هي عليه من العمل بالعدل، والحكم بالحق، وانتضاها محامية عن دينه الحنيف وتوحيده، وشرف اعترافها عن عدول الجاحد ومحيده، فأولى ما ناجته به وصف نعمه التي لا تحصى بعدد، وشرح منحه التي يلزمها ذكرها دون كل أحد، لأنها محظورة على كافة أهل الأرض؛ والناطقين فيها، ومحرمة أن يتفوه بها بشر إلا أن يكون إيرادها من شريف فيها. فلذلك خدم المملوك بهذه المناجاة التي عظم بها القدر عند الله تعالى والجاه، وجعلها مشتملة على تعديد النعمة، واستمطار الكرم والرحمة، والله تعالى يمد عليه ظل مالكه، وينهضه بخدمته، ويديم على الدنيا والدين عز سلطانه، وبهجة دولته، بفضله، وطوله، وحوله، وقدرته.\r\rوهذا ابتداء المناجاة\rرب! قد آتيتني من الملك.\rاللهم إنك قد فضلتني على بريتك، ونصبتني لتدبير خليقتك، وارتضيتني محاميا عن كلمة توحيدك، وعرضتني بذلك لمضاعفتك النعمة عندي ومزيدك، وخصصتني بما لم ينله ملك في قديم الإسلام ولا حديثه، وجعلتني ممن يتفق كل ناطق في وصفه - جل قوله - وحديثه، وعصمتني أن أجحد نعمك وأكفرها، وألهمتني أن أهب الجرائم وأغفرها، ما لم يكن ذلك حائلا عن إقامة الحدود، أو حاجزا عن الانتقام من أهل الشقاق والمردود.\rاللهم إنك قد حفظت بي من الدين القيم ما أضاعه ملوك الوقت، وجعلت ذلك قاضيا لي بالمحبة وحاكما عليهم بالمقت، وحبوتني من الكافة بصفاء الضمائر وخلوصها، وساويت بين سرائرهم في عموم مشايعتي وخصوصها.\rاللهم إنه قد أشرف هذا الشهر الشريف الذي فضلته على جميع الشهور، وميزته في متقادم الأزمنة والدهور، وعظمته بما أنزلته في ذكره ووصفه؛ فقلت في كتابك الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان) .\rوجعلت فيه ليلة القدر التي لم تزل أعمال من أحياها إليك صاعدة، والمخصوصة بنزول القرآن إلى سماء الدنيا فيها جملة واحدة.\rاللهم فأعين على صيامه وقنوته، وأنهضني بما يجب له في أحيان ذلك ومواقيته، ووفقني لما يرضيك من عمل نهاره وليله، وأذهب عني رجز الشيطان الذي يجلب على المؤمن برجله وخيله، واجعل نصيبي من ثوابه كمنزلتي من اصطفائك، وحظي من أجره أجزل حظ مننت به على عبيدك وأوليائك.\rاللهم إنك أعلم بمصالحي مني، وإن أيسر جزء من إحسانك يتجاوز غاية التمني، فبحرمة ما تعلمه من باطني وسريرتي، وما تطلع عليه من صحة عقيدتي وطهارة نيتي، وما ألهمتني إياه من بث العدل في الرعية، والعمل بمرضاتك في هذه البرية؛ إلا مددت في عمري وأصحبتني التأييد في جميع أمري، وجمعت لي الحُسنيين في القول والعمل، وبلغتني في طاعتك غاية المطلوب والأمل.\rاللهم واقض لي أن يكون هذا الشرع الشريف محروس النظام بي، واجعل حمايته في عقبي كما كانت من قبل من أبي.\rاللهم وامددني من الحظوظ الملكوتية والسعود اللاهوتية بما أمددت به أنبياءك الذين حكمت بعزتهم، وحتمت بقوتهم، وقضيت بانتشار دعوتهم، وتأذنت بظهورهم وإعلاء كلمتهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1851963,"book_id":1857,"shamela_page_id":44,"part":null,"page_num":44,"sequence_num":44,"body":"اللهم وألن في طاعتي القلوب القاسية، ومكن قواعد مملكتي لتكون راسخة راسية، واجعل الألسنة بصالح الأدعية لي لا غافلة ولا ناسية.\rاللهم وأعني على ما استرعيتني ووفقني فيما استصلحتني له وارتضيتني، وأيدني بروح منك لتصلح شؤوني، ويصح تدبيري، وأرشدني إلى ما يحظى لديك عند مآلي إليك ومصيري، يا من لا يرد من أخلص في دعائه، ولا يحرم من وثق بعطائه، ولا يخيب من استمسك بالعروة الوثقى من تأميله ورجائه. إنك اللطيف الخبير، وأنت على كل شيء قدير.\r(وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين) وصلى الله على سيد المرسلين، محمد خاتم النبيين وعلى آله الطاهرين وسلم تسليما، (وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل) .\r\rرسالة سماها عقائل الفضائل\rأفضل الكلام أصدقه وأنفعه، وأشرف البيان أسبقه إلى الفهم وأسرعه، ولقد حكي عن المأمون أنه قال: أريت في المنام رجلا على الهيئة التي يوصف الحكماء بها، خيل إلي أنه أرسطاليس، فتقدمت إليه، وسلمت عليه، وقلت له: أيها الحكيم، ما خير الكلام؟ فقال: ما يستقيم في الرأي، قلت: ثم ماذا؟ فقال: ما يدل قليله على كثيره، قلت: ثم ماذا؟ فقال: ما لا تخشى عاقبته، قلت: ثم ماذا؟ فقال: لا ثم! فإذا كان غاية الوصف الذي ختم به مقاله أن يكون المتكلم كفافا لا عليه ولا له؛ فالكلام الذي يوجب أجراً أوفى رتبة وأعلى، والمقال الذي يذهب وزرا أسنى قيمة وأغلى، وذلك لا يجود إلا في تعظيم الله وحمده، ومواصلة شكره الذي به استنجاز وعده. والصلاة على سيد المرسلين محمد نبيه وعبده، وعلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، أول من آمن به وتمسك بعهده، وعلى الأئمة من ذريته، العامل كل منهم في سياسة الأمة بغاية جهده، ثم الثناء على كل ملك وقع الاتفاق على فضله، وتساوت رعاياه في إنصافه وعدله، وحاز الشكر بلسان الإجماع، وألقت شيمه التنافس بين الأبصار والأسماع.\rولما كان مولانا الملك أفضل ملوك هذه الدار، وأعدل من أعين بمساعدة الأقدار، وأشرف من خدمه التوفيق في الإيراد والإصدار، ومن أبى في أحكام الأمة سوى مساواتها، وملك القلوب فكان أحق بها من سويداواتها، وأولى من النعم ما أوفى على السؤال والأرب، وبنى للعجم من الشرف مثل ما بناه رسول الله للعرب، ولم يرض عند الله تعالى بدون المنزلة العظمى والدرجة العليا، فاشترى الدار الآخرة بحسن سيرته وأفعاله في هذه الدار الدنيا.\rكان أوفى ما استعمله الناطق، وأولى ما استكثر من الإخبار به الصادق؛ أن يورد من خصائصه وصفاته، ويذكر من أفعاله وحسناته ما يتوخى فيه قول الحق والصواب، وينال به عند الله جزيل الأجر والثواب. وحين عزم المملوك على ذلك رأى أن الكلام يشرف بمن ينسب إليه ويعزى، وجلالة الموصوف تكسب الواصف افتخارا وعزا، وقد قيل: إن القول يعظمه قائله، ولو قلت عقائله، فكيف إذا جمع المعنيين، ولم يكتف بإحدى الحُسنيين؟! وقد وصف مولانا الملك من الأئمة الخلفاء - صلوات الله عليهم - بما لا يحصيه عدد، ونال من ذلك ما لم ينله قبله أحد. والمملوك يقتصر من هذا الباب على فصول من جملة ما أنشأه عن الحضرة الطاهرة الآمرية - صلى الله عليها - مما ثبت في السجلات، وصدر إلى الأعمال والجهات، فتوج فروق المنابر، وبين عن الشرف الذي ورثه مولانا الملك كابرا عن كابر، واستوطأ مهادا من قبل كل سامع، وتضوع أرج ذكره في المحافل والمجامع، فهو - ثبت الله سلطانه - مستقر في دار مملكته السعيدة، وأحاديث فضله تجول في البلاد القصية والأماكن البعيدة.\r\rفصل اتفق في أسجاعه اللفظ والخط دون المعنى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1851964,"book_id":1857,"shamela_page_id":45,"part":null,"page_num":45,"sequence_num":45,"body":"ولقد انتضى الله ﷿ لإعزاز الدين، وارتضى لتدبير الدنيا من يضاعف جزاءه يوم الدين؛ الملك السيّد الأجل الأفضل، أمير الجيوش، سيف الإسلام، ناصر الإمام، كافل قضاة المسلمين، وهادي دعاة المؤمنين، الذي استظهرت المملكة بعزماته على كل مخالف ومعاد، وأبت مفاخره كل مكرر من الصفات ومعاد، وحفظ معاقد الملة من أن تختل أو تحل، وصان محظورات الشريعة من أن تباح أو تحل، وساس أمور الكافة ببأسه الشديد ورأيه الصليب، وصرف عالي همته إلى إعزاز التوحيد وإذلال الصليب، وأمضى في حياطة الإيمان مرهفا ماضي الغرار، وأسهر جفنه في مصالح الأمة فما يطعم من الكرى غير الغرار، فالإجماع واقع على أنه أشرف من رفع للمجد علما وراية، والاتفاق حاصل في كونه أفضل من وقف على الخيرات نظره ورأيه، ولهذا نجح قصد راجيه وسائله، وأصبح لديه تأميل مؤمله من أعظم وسائله، فلا زال باب اعتزامه في فل الخطوب غير مرتج، وزند عطائه غير كاب بعنان ولا مرتج.\r\rفصل\rفتدبيره أبرز الدولة الفاطمية في أجمل المعارض، وجعل آيات مجدها متلوة بلسان المخالف والمعارض، لأنه شيد مبانيها باصطفاء الأنجاد، وحمى الدين وقد قعد الملوك عن النصرة له والإنجاد، وانتصب لصالح الأمة يستمد أسبابها ويجتلبها، واجتهد في منافع الكافة يستدر أخلافها ويحتلبها، فالأفهام متواطئة على أن هدايته أرشدت الألباب الحائرة، والأحوال ناطقة بأن معدلته أذهبت الأحكام الجائرة، فالله يخلد نظره ما تتابع ليلة ويوم، ويشيد مجده ما تعاقب على الأجفان يقظة ونوم.\r\rفصل\rإن الله عضد الخلافة منه بكفيل تكفلت بحياطة الملة صرائمه، وخليل تجردت لإيالة الإسلام صوارمه، وحفيظ وضحت مفاخره وضوح ضياء الشمس، وحسيب اجتمع له فضيلتا كرم الأصل وشرف النفس، ومليك أوجبت خلاله تشوف الغد، وقضت بتلهف الأمس، ولذاك آتاه الله من الخصائص التي فاضل بها عظماء الأرض طرا، وحباه بالمآثر التي طال بها ملوك العصر شما كريمة وأفعالا غرا.\r\rفصل\rوكيف يبلغ الحمد مدى هممه، أو يؤدي القول فحوى شيمه، وقد بدد جموع الضلال ذباب قواضبه القاضية، وسرد أسود الأقيال تغالب أسنته الضارية، وأورد دماء الأعداء حوائم سهامه الظامية، واستنطق عصره مفتخرا على الأيام الخالية، بأيامه الحالية، فبكفالته اغتباط الدولة وابتهاجها، وإلى مكارمه معرج الآمال ومعاجها، وبتدبيراته الميمونة ظهر برهان الدولة الآمرية وثبت احتجاجها، ولا خلاف أن أعطاف مجده لائقة بها ملابس التعظيم، وأن ملوك الأرض قد أقرت له بفضيلة التقديم، وأنه قد حاز تالد الفخر وطارفه، فلم يحتج قديمه إلى حديث، ولم يفتقر حديثه إلى قديم.\r\rفصل مما كتب به عند مقامه بالفرما لتقرير أمر الجهاد وتدبيره، والعمل بما يؤدي إلى هلاك العدو وتدميره\rوأمير المؤمنين يقول مخبرا، ويورد مقتصدا مقتصرا. إن المنة به أكبر من أن يوفى حقها باعتداد، وأعظم من أن يؤدى فرضها بمبالغة في الشكر واجتهاد، وأسنى من أن يحيط بها وصف أو شرح، وأعلى من أن يناهضها تقريظ أو مدح، إلا أن البلغة من أوصاف مفاخره واللمعة من فضائله الباهرة ومآثره؛ أنه ملك يؤمن الخائف، ويقهر الحائف، ويبالغ في شكر العطاء والجود، ولا يتعدى الحد في إقامة الحدود، فحلال الدماء مطلول بشفار مشرفيته، وحرامها مصون بدينه الخالص وتقيته، يعمل بما يقضي بجذل الإسلام وابتهاجه، ويضمن الطمأنينة والسكون في حركته وانزعاجه، وينهض لنصرة الدين وقد صاحبته الميامن والسعود، ويفارق وطأته فراق السيف غمده يجلي ظلم الحوادث ويعود، ولذاك أعمل ركابه لتجهيز العساكر المؤيدة، والأساطيل المظفرة، واستسهل البعد عن مقر أمير المؤمنين في جنب ما يرجوه من إبادة أعدائه الكفرة، لأن عملهم ينهوضه جيش ينفذ من الرعب، ولأن بعده الآن مؤذن - بمشيئة الله - بدوام الدنو والقرب، فكم استخرجت عزمته الدعة من النصب، وكم استنتجت همته الراحة من التعب، فلا زالت أقطار المملكة محصنة بقواضي قواضبه، والخطوب مخاطبة عن حوزتها بألسنة كتائبه.\rفإذا كان هذا جزءا من ثناء أمير المؤمنين، ويسيرا مما تداوله الخلفاء على متقادم السنين؛ فأين يقع منه اجتهاد مماليكه في إحسان ذكره؟ وكيف يطمع أحد منهم بواجب حمد الله على تمليكه عليهم وشكره؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1851965,"book_id":1857,"shamela_page_id":46,"part":null,"page_num":46,"sequence_num":46,"body":"عذرا إليه فإننا من عجزنا ... وقصورنا عن مدحه نستغفر\rوهذه الفصول أنموذج في وصف مناقبه كاف، وسبيل إلى نشر فضائله غير عاف ولا خاف، والمملوك يقف عند هذا الحد، ويقنع بما أورده مما قد أمن فيه من الرد، ويشفع ذلك من الملح بما يسنح، ويتبعه بما يميل القلب إلى مثله ويجنح، وهو وإن أورد منه ما نزر وقل، فقد نبه به على نظائره ودل، والله يعينه من الخدمة الشريفة على ما تضمره نفسه وتنويه، ويقضي له من الحظ بما يكسبه جزءا من إشادة وتنويه، بجوده، ومجده، وكرمه وفضله.\r\rمن فضائل الملوك التي ذكرت إيماء لكثرتها واتساع فنونها، ولأن التخفيف والاختصار من شروط هذه الخدمة وقوانينها\rوذلك نوع إذا استشفت ضروبه، وتؤملت أساليبه؛ كان سهم مولانا الملك منها السهم المعلى، وألفي كل مدح في حقه مستنزرا مستقلا، ولو لم يكن له من المناقب التي فضل بها وفاق، وملأ ذكرها ووصفها الآفاق، إلا أنه قوم الزمان لما مال وانحرف، وفعل في تعديله ما أقر به الجاحد واعترف، فوفق بين سنة الشمس وسنة القمر، وأبان عن صحة الفكر ودقة النظر، وكانت مسافة بعدهما منافرة للعادة، ومدة تفاوتهما ثلاث سنين وهي إلى الزيادة، فدبر ذلك على حسب سيرته العادلة، وسنته الحسنة، وجعل مقدار هذا التباين مأمونا فيهما إلى مائة سنة، وأمر - أعلى الله أمره - بما أنشئ في هذا المعنى مما تولى - خلد الله ملكه - تهذيبه، وقصد إيصاله إلى الأفهام وتقريبه، وقرئ على جميع منابر المملكة، فعلم الكافة ما فيه من عموم النفع وشمول البركة، وذلك مما عجز عنه الوزراء الذين هذا الفن صناعتهم، والتصرف في الكتابة عمدتهم وبضاعتهم، فما يتنافسون إلا في طلابها، ولا يتوسلون إلى الرئاسة إلا بها. وهو - ثبت الله دولته - فهي أيسر حسناته، وأقل آلاته وأدواته، وفضيلته فيها فضلة على ما هو أعلى منها وأشرف، وعلومه شاهدة أنه أنفذ من مدرسيها وأعرف.\rولقد حكى الزعيم أبو العلاء (ثقة الملك) صاعد بن مفرج أن أماثل متولي الدواوين اجتمعوا عند بعض الوزراء في سنة نيف وثلاثين، وتفاوضوا في نقل السنة الخراجية إلى الهلالية، وقصدوا ما رفع اللبس وأزاله، ووسعوا القول رغبة في إيضاح المعنى له، فقال: ما أوثر أن يجري هذا في أيامي ولا نظري، فو الله ما وصل إلى فهمي، ولا علق بتصوري، وهذا يكون على يد غيري، ويخبأ لمن يأتي بعدي. فأمسكوا عنه، وخرجوا من عنده وبقي ذلك مهملا إلى سنة خمس مائة لأن الله تعالى ذخر الفضيلة فيه لمولانا الملك الذي أسبغ النعم العميمة، وأولى المنح الجسيمة، ولم يكتف بالإحسان إلى كافة البرية حتى لاءم بين السنة الشمسية والسنة القمرية.\rفالله تعالى يديم بهجة الدنيا بامتداد ظله، ويلهم أهلها ما يستوجبون به سبوغ عدله، ويجعل القلوب على طاعته متفقة، كما تألفت عنده الفضائل التي غدت في الناس مفترقة.\r\rلا غرو إن كان فيه الفضل مجتمعا ... والفضل مفترق في (سائر الأمم)\rفأحرف الخط يحوى الطرس جملتها ... وقد تفرع منها سائر الكلم\rولا زالت الأمة في شكره قاضية دين، وإحسانه متجددا أبدا على الجديدين. فأما إرشاده للمستخدمين، وإيفاؤه على ملوك الأرض المتأخرين والمتقدمين؛ فيكفي من ذلك ما شاع واشتهر، ويقنع منه ما بهر مذ ظهر، ولا خلاف أنه يهدي الحكام في المشكلات إذا نزلت، ويشجعهم في القضاء إذا ضعفت القوى وانخزلت، ويرسم للكتاب ما يعتمدونه في المستبهمات إذا عرت، ويوضح لهم طرق المعالي إذا صعبت وتوعرت، فأدام الله ظله على هذا الخلق، وأجاب فيه دعاء أهل الغرب والشرق، بكرمه وفضله وجوده، ومجده.\rيحكى أن الصاحب أنشد عضد الدولة فناخسروا قصيدته المعروفة باللاكنية لكثرة ما كرر فيها (لكن) وأولها:\rأشبب لكن بالمعالي أشبب ... وأنسب لكن بالمفاخر أنسب\rولي صبوة لكن إلى حضرة العلا ... وبي ظمأ لكن من العز أشرب\rفلما انتهى إلى قوله:\rضممت على أبناء تغلب ثأيها ... فتغلب\rماكر الجديدان\rتغلب\rقال عضد الدولة: يكفي الله كراهية لقوله: تغلب! والصاحب لم يتيقظ لهذا النقد مع أنه لا يصح في هذه اللفظة إلا بتغييرين: ضمة التاء، وفتح اللام، وإنما ذكر أحدهما.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1851966,"book_id":1857,"shamela_page_id":47,"part":null,"page_num":47,"sequence_num":47,"body":"وقد سلم ابن حيوس مما لزم الصاحب، لما كان مادحا لبني تغلب، وغير محتاج إلى بناء الفعل لما لم يسم فاعله في قوله:\rإذا البيض كلت يوم حرب فإنها مواض قواض أن تغلب تغلب\rومولانا؛ فقد صان الله مواقفه المعظمة، ومقاماته المكرمة عن أن تكون الخدم بها إلا منقحة، والمدح لها إلا مهذبة مصححة، وحماها مما لم يزل سامعوه ينتقدونه فيحتاج قائلوه إلى الاعتذار عنه بما يتأولونه.\rكان أبو المناقب الشاعر قد خدم المقام العالي المالكي الأفضلي - ثبت الله سلطانه - بعيدية أولها: نهنيك، كلا! بل يهنى بك الدهر فقيل له: إن لفظة (كلا) هاهنا غير مستحسنة، فوافق على ذلك وغيرها فقال: نهنيك والأولى نهني بك الدهر وهذا دليل على أن الأقدار بخدمة مولانا متطوعة، والأفكار إلى ما يرتضي غرضه بعالي مجلسه متوثبة متسرعة.\rويروى أن سيف الدولة علي بن حمدان قال لابن خالويه: لم يأت على تصريف: رحم، فهو راحم، ورحيم، ورحمان؛ إلا قولهم: سلم فهو سالم، وسليم، وسلمان، وندم فهو نادم، ونديم، وندمان. فقال ابن خالويه: أعرف رابعا في نسب الأمير، قال: وما هو؟ قال: حمد فهو حامد، وحميد، وحمدان.\rوهذه الرواية وإن شهدت بفضيلة سيف الدولة وأدبه، فقد أعربت عن إغفاله تقصي النظر في نسبه.\rوقد تقدم من وصف مولانا ما يدل على معجزاته، وعلم معه أن الاستدراك لا مجال له في معلوماته، ولو أودع هذا الباب ذكر خصائصه لأتى من توسيع القول وبسطه ما يقضي بتوفر حظ الإطناب وتضاعف قسطه.\rيقال: إن رجلا سأل شرف الدولة مسلم بن قريش حاجة، وسار في موكبه إلى أن وصل إلى حضرته، فقال له: أيها الأمير لا تنس حاجتي، فقال له شرف الدولة: إذا قضيتها نسيتها! وهذا من الأجوبة الدالة على شرف القدر، واستيجاب الصدر، وهو جل البيت الثاني من قول ابن قابوس عمر بن مسلم في يحيى بن خالد البرمكي:\rرأيت يحيى أتم الله نعمته ... عليه يأتي الذي لم يأته أحد\rينسى الذي كان من معروفه أبدا ... إلى الرجال، ولا ينسى الذي يعد\rومن أعلى رتب البلاغة نثر المنظوم ونظم المنثور، وقل من يجيد فيهما إلا من أعانته دربته، وساعده طبعه وفطرته.\rوقد كان أبو سعد علي بن خلف صنف لبهاء الدولة أبي نصر بن عضد الدولة كتابا في حل المنظوم، ولقبه بالمنثور البهائي واعتمد فيه على الحماسة، للألف لها، والأنس بها، كما فعل أبو علي الفارسي في كتاب الإيضاح الذي عمله لأبيه عضد الدولة فناخسروا؛ فإنه استشهد في باب (كان) بقول أبي تمام:\rمن كان مرعى عزمه وهمومه ... روض الأماني لم يزل مهزولا\rقال علي بن عيسى الربعي: قال لي أبو علي مرات: ما أفرق بين شعر الطائي والبحتري، وبين حجرين ملقيين في الطريق أتجنب أن أعثر بهما فأعدل! ثم اعتذر إلي من هذا البيت الذي ذكره في الإيضاح، فقال: يا أبا الحسن، لا تظن أني تغير رأي في الطائي، أو ناقضت لذكري هذا البيت، وإنما جرى في مجلس الأمير فعملته لأنه من حفظه لا أني جعلته شاهدا! ولعمري إن أبا تمام وغيره من المحدثين لا يستشهد بأشعارهم في النحو ولا اللغة؛ لأن الشواهد على ذلك إما لجاهلي، وإما لمخضرم: بفتح الراء وكسرها. قال الأخفش: يقال: ماء خضرم إذا تناهى في الكثرة والسعة، فمنه سمي الرجل الذي شهد الجاهلية والإسلام مخضرما؛ كأنه استوفى الأمرين.\rقال: ويقال: أذن مخضرمة، إذا كانت مقطوعة، فكأنه قطع عن الجاهلية إلى الإسلام.\rوإما لإسلامي كرؤبة، وذي الرمة، وجرير، والفرزدق.\rعلى أن ابن جني قال في شرح منهوكة أبي نواس: وبلدة فيها زور.\rقال بعض أهل علم العرب: لولا ما كان أبو نواس يخلط به شعره من الخلاعة لاحتج به في كتاب الله ﷿ _، وفي حديث رسول الله ﷺ.\rرجع المملوك إلى حل المنظوم: فمن فصول المنثور البهائي المقدم ذكره:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1851967,"book_id":1857,"shamela_page_id":48,"part":null,"page_num":48,"sequence_num":48,"body":"ومتى استنهضتنا لخطب، أو استنجدتنا في حرب؛ أنجدك منا رجال بأيديهم آجال، إذا أبدى البأس ناجذيه طاروا جماعات ووحدانا إليه، وإن صرح الشر لهم، وهو عريان، عدوا عليه عدوة الليث وهو غضبان، يرون بالقتل حياة، وفي الشر نجاة، لا يصدون عن الحرب الزبون فرارا، ولا يزدادون عليها إلا إصرارا، ولا تبلى بسالتهم وإن صلوا بها أطوارا، إذا أحلبت عليهم العدو المباسل اقتسمته الأسنة والسلاسل، وإن سما لهم الجاهل المتطاول، فما العمر منه بباق ولا المدى متطاول.\rوهذا الفصل جل أوائل الحماسة: فأما نظم المنثور فلم ير المملوك تصنيفا فيه إلا الحاتمية. وهو يمثله بشيء مما حاضر به، واتفق له.\rقال يوما لأمية بن عبد العزيز المعروف بأبي الصلت في مذاكره بينهما: ما أحسن قولهم: الأماني أحلام المستيقظ، فوافق على استحسانه، ونظمه فقال:\rكم ضيعت منك المنى حاصلا ... كان من الواجب أن يحفظا\rفإن تعللت بأطماعها ... فإنما تحلم مستيقظا\rمن الشعر المستحسن قول سيف الدولة صدقة بن مزيد يصف ناقة:\rوحطا رحال الميس عنها فإنها ... أنيخت هلالا بعدما ثورت بدرا\rويحكى أنه لم يقل قط إلا هذا البيت، واقتصاره عليه دليل على أنه لم يستكره طبعه ولا تعسف فكره.\rوهذه قضية قد اتفقت لجماعة من الفضلاء في أنهم يقولون البيت المفرد، ولا يعملون له ثانيا. فمنهم وقد - رقي المنبر يوم عيد فأرتج عليه، فنزل وهو يقول:\rفإلا أكن فيكم خطيبا فإنني ... بسيفي إذا جد الوغى لخطيب\rفقيل له: لو قلت هذا على المنبر كنت أخطب الناس! ومنهم هشام بن عبد الملك، فإنه كان يكثر التمثل ببيت قاله، ولم يقل غيره، وهو:\rإذا أنت لم تعض الهوى قادك الهوى ... إلى بعض ما فيه عليك مقال\rومنهم إبراهيم بن موسى بن جعفر في قوله لذي الرئاستين معزيا بابنه العباس:\rخير من العباس أجرك بعده ... والله خير منك للعباس\rومنهم عمرو بن مسعدة - ووقع به -:\rأعزز علي بأمر أنت طالبه ... لم يمكن النجح فيه وانقضى أمده\rوقال ابن عبدوس في كتاب: الوزراء والكتاب إنه لم يقل قط غيره.\rومنهم إبراهيم بن العباس الصولي في قوله:\rأناة فإن لم تغن أعقب بعدها ... وعيدا، فإن لم يغن أغنت صوارمه\rولم يقل أولا ولا ثانيا.\rوقد قيل: إنه بدأ به على أنه كلام منثور، فجاء موزونا، فأقره على ما هو به.\rولا يعلم المملوك شعرا في مكاتبة سلطانية إلا هذا البيت.\rومما مدح الفضل بن يحيى به مفردا:\rما لقينا من جود فضل بن يحيى ... يترك الناس كلهم شعراء\rفاستجيد هذا البيت، وعيب بأنه مفرد، فقال أبو العذافر:\rعلم المفحمين أن ينطقوا الأش ... عار منا والباخلين السخاء\rويروى أن ابن دارة واصل هجاء رجل من العرب فلقيه المهجو يوما وحده، فقتله، وقال: محا السيف ما قال ابن دارة أجمعا.\rومنهم الشريف البياضي، وكتبه على مروحة:\rوا رحمتا لي أن حللت بمجلس ... أن لحنوا فيه يكون كسادي\rوهذا من أحسن ما هجي به غناء.\rولبعض شعراء المجلس العالي - ثبت الله سلطانه - في ملك غانة، لما وصل مصر يريد الحج، وقد شاهد أهل مملكة مولانا ما ناله من الحباء الذي سهل حجه، والعطاء الموضح له سبيل مراده ونهجه:\rكذا يجيب دعاء الله من عرفه ... من غانة غاية الدنيا إلى عرفه\rولما اجتمع المملوك به طالبه بعلم ثان فذكر قصور قدرته عنه.\r\rمما أهمله المتقدمون وتركوه، فتيقظ له أدباء هذا الوقت واستدركوه\rتضمن كتاب البلاغتين للعسكري نقدا على الفرزدق وابن هرمة، وهو: قال الفرزدق:\rوإنك إذ تهجو تميما وترتشي ... سرابيل قيس أو سحوق العمائم\rكمهريق ماء بالفلاة وغره ... سراب أذاعته رياح السمائم\rوقال ابن هرمة:\rوإني وتركي ندى الأكرمين ... وقدحي بكفي زندا شحاحا\rكتاركة بيضها بالعراء ... وملبسة بيض أخرى جناحا\rوالمنتقد أن ثاني بيت الفرزدق يصلح ثانيا لبيت ابن هرمة، وثاني بيت ابن هرمة يصلح ثانيا لبيت الفرزدق. ولم يزل إصلاح ذلك مهملا إلى أن فاوض المملوك بعض الأدباء فيه، فقال: ينبغي أن يكون قول الفرزدق:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1851968,"book_id":1857,"shamela_page_id":49,"part":null,"page_num":49,"sequence_num":49,"body":"وإنك إذ تهجو تميما وترتشي ... سرابيل قيس أو سحوق العمائم\rكورقاء تعري للسفاهة بيضها ... وتستر بيضا غيره بالقوادم\rوقول ابن هرمة:\rوإني وتركي ندى الأكرمين ... وقدحي بكفي زندا شحاحا\rكمثل الذي يهريق السقاء ... إذا ما السراب لعينيه لاحا\rوهذا مما قنع المتقدمون بانتقاده، وأهملوا إصلاحه وتقويم منآده، حتى هذبه أدباء هذه الأيام الزاهرة، وحرره أنشاء هذه المملكة القاهرة، وذلك لما فاض عليهم من أنوار مالكها فاسترشدوا به في طريق الصناعة ومسالكها.\rذكر الشريف المرتضى في كتاب: طيف الخيال قول البحتري:\rهجرتنا يقظى، وكادت على عا ... دتها، في الصدود تهجر وسنى\rوحكى كلام الآمدي عليه، وتغليطه للبحتري مع حسن رأيه فيه، ووافقه الشريف على ما ذهب إليه، مما مضمونه أنه يقظى ووسنى حالان من ضميرها، وأنها لا تكون موصالة في وسنها، حتى يقول: كادت تهجر في هذه الحال! وهذا البيت صحيح المعنى، وهو من إحسان البحتري، وذلك أن يقظى جمع يقظان، وهو حال من ضمير المتكلمين، لا من ضميرها، ووسنى جمع وسنان، وهو مفعول تهجر، وتقريبه: هجرتنا في حال يقظتنا، وكادت تهجر قوما ذوي وسن.\rفالتأويل الأول يجعل البيت من إساءات البحتري ومعايبه.\rوالتأويل الثاني يجعله من حسناته وغرائبه.\r\rمن النقد\rسمع المملوك من ينشد:\rلا تعلمن مؤالفا ومخالفا ... حاليك في السراء والضراء\rفلرحمة المتوجعين مضاضة ... في القلب مثل شماتة الأعداء\rفقال: يتوجه النقد في البيت الأول لكونه أجرى المؤالف مجرى المخالف في النهي عن إعلام حاليه، وإنما الواجب أن يعلما حاله في السراء؛ لما في ذلك من مسرة المؤالف، وغيظ المخالف، وأن لا يعلماها في الضراء إشفاقا من حزن المؤالف، وشماتة المخالف. والوجه أن يكون البيت:\rلا تعلمن مؤالفا ومخالفا ... بنوازل البأساء والضراء\rوالدليل على ذلك تعليله إياه في البيت الثاني.\rكان المملوك يوما مع إخوان له، وهم يتذاكرون أشياء من الأدب، فأنشد بعضهم قول ابن سعيد الحلبي:\rإذا أخذ المرآة ينظر وجهه ... حسبتهما شمسين بينهما بدر\rفأنشد آخر في التشبيه بالمرآة:\rوالنجم وجه مقبل ... والبدر مرآة صدية\rفقال المملوك: هذا البيت مما جمع تشبيهين بغير أداة، وفيه نقد لا يدرك لمجرد الأدب؛ وذلك أن هذا التشبيه لا يكون إلا في وقت مخصوص، وهو إذا صار القمر بدرا في الثور، وكان ذاهبا إلى مقاربة الثريا، أو منصرفا عنها، لأن النجم - على مذهب العرب - الثريا. ألا تراه شبهها بالوجه، ثم ذلك لا يكون والشمس في الثور، إذ كانت الثريا من كواكبه، وكل كوكب لا يظهر إذا كانت الشمس في برجه؛ لأنه يكون تحت شعاعها.\rومن مليح ما قيل في المرآة:\rقوراء تحويك وتحتويها\rحاملة أشخاص حامليها\rأعجب بها! تريك ما تريها\rمظهرة منك بها شبيها\rوالحسن والقبح جميعا فيها!\rوعلى ذكر التشبيه، فقد أحسن بعض الشاميين في قوله - وكتب به إلى صديق له يدعوه على عجة -:\rوعندي عجة تزهى بحسن ... تناهى فاستمالت كل نفس\rولم أر قبل صائغها حكيما ... يصوغ من الكواكب عين شمس\rومن مليح اللغز فيها قول الآخر في أبيات: حروفها تقرأ مقلوبة: ومراده: اسمها، لا قلب حروفها.\rوهذا يدخل في باب المحاضرة بقول الصقلي:\rقد جاء بالنسرين يمسح خده ويشوفه\rزهر ألذ بقربه ... ويسرني تصحيفه\rومراده أن (هذه الكلمة التي هي) يسرني، تصحيف نسرين.\rوقوله أيضاً في كرسي:\rوا وحشتا لمفارق ... قد كان عيشي أنسه\rفاعذر أخاك فإنه ... شيء يسرك عكسه\rومراده: عكس يسرك.\rومن فضلاء الشاميين السابق المعري، وله رسالة وسمها بتحية الندمان. قال: ولهذا اللقب معنيان: أحدهما، رضيع المدامة، والآخر، فعلان، من الندامة.\rفمن محاسنها قوله: صرت إلى حلب، والزمن موشي الجلباب، مقتبل الشباب، قد تم عذاره، ونم بمحاسن وجهه آذاره.\rوذكر المملوك بهذا الفصل قول محمد القيرواني - وقد كتب إجابة لمن سأل عما آل إليه حال الجدب -:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1851969,"book_id":1857,"shamela_page_id":50,"part":null,"page_num":50,"sequence_num":50,"body":"وأما ما انعجم عليك من حال حولنا فقد برئ - بحمد الله - عليل برانا، وأثرى فقير ثرانا، بطالع وسمي دنا فأسف، وتابع ولي وكف فما كف ثرثارا قطره، محجوبا شمسه وبدره، حتى إذا ركب بالطام، وخيف منه انحطام الأطام، مزق عن الرقعاء صحيح إهابها، واختزن در البر في أصداف ترابها.\rوللملوك رسالة في مضاهاة هذه الإجابة منها: وأما استقراؤك حال سنتنا التي وصفتها بالمجدبة، وهي المجدية، ووسمتها بالمهلكة وهي المحيية؛ فقد كانت البلاد مغبرة مقشعرة فيها، وجاء - من كرم الله - ما يذهب عنها الشدائد وينفيها، فأتت جيوش النعم متوافرة مقتحمة، ودنت ضروب المنح مكاثرة مزدحمة. فتأمل الألطاف كيف تستبق ولا يخاف من فوتها، وانظر إلى أثر رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها وذلك أن السحاب أنجم ثم أثجم، والغيث ارتفع ثم اندفع، بهطل لا يخشى ضيمه، في يوم ستارته غيمه، تخال مزنه للشمس عاشقا، وتظنه بها مغرما ولها وامقا، فكلما جعلت تحتجب ظل لعدمها يبكي وينتحب، فعاد نسيم وقتنا عليلا مريضا، وغدا أديم أرضنا صحيحاً أريضاً، قد أحيا انهلال القطر بجرعاتها مواتا، واستحفظت من الحب سرا فوشت به نباتا.\rرجع المملوك إلى تحية الندمان.\rفمن فصولها: ولقد نشطت يوما للنزهة في جماعة من الغرباء وطنا وفطنا، فمر لنا يوم خنث الشمائل، غنج الضحى والأصائل، فلما قبض المغيب روح الشمس، وصارت من الظلام في رمس، حثثنا الصغير بالكبير، وحدنا عن شرب القليل إلى الكثير.\rوالمملوك يقول: إن قوله: وطنا وفطنا، من تركيب قول البديع: فما أجرنا حزنا حتى هبطنا بطنا.\rوقد أحسن البحتري في قوله:\rجلن في يابس التراب فما رم ... ن طعانا حتى وطئن الطينا\rفأما وصفه الشمس في مغيبها، وما استعاره لها عند غروبها؛ فهو مما أغرب فيه، وأتى بإحسان لا يقدر الحاسد يكتمه ولا يخفيه.\rوقد أحسن الآخر في وصفها عند أفولها بقوله: فجليت عروس الشمس في الإصفرار، وأخذ الليل يدنس ثوب النهار.\rوذكره هاهنا تدنيس الثوب مع جلاء العروس من المعاني التي تبتهج بها القلوب، وتنشرح لها النفوس.\r\rفصل في محاسن أهل الوقت\rفمن ذلك: قول قاسم بن علي معارضة لأبي عبادة البحتري.\rقال البحتري من قصيدة أولها:\rبات نديما لي حتى الصباح ... أغيد مجدول مكان الوشاح\rمشبها للثغر:\rكأنما يبسم عن لؤلؤ ... منظم أو برد أو أقاح\rوقال القاسم بن علي (الحريري) :\rنفسي الفداء لثغر راق مبسمه ... وزانه شنب ناهيك من شنب\rيفتر عن لؤلؤ رطب وعن برد ... وعن أقاح وعن طلع وعن حبب\rفالبحتري شبه الثغر بثلاثة، والقاسم شبهه بخمسة وهذا أكثر ما يمكن في بيت.\rوإذا استحسن قول الوأواء:\rوأسبلت لؤلؤا من نرجس فسقت ... وردا وعضت على العناب بالبرد\rوفيه خمسة تشبيهات بخمسة مشبهات فأن تستحسن هذه العدة لمشبه واحد أجدر.\rوالقاسم هذا باهر الفضل، فائق الطبع، غزير الأدب، كثير الملح فمما أعرب فيه عن براعته، وأبان عن بديع صناعته، أنه يمدح الشيء فيحسن في مدحه، ثم يذمه فيكشف عن قبحه، كقوله يمدح الدينار:\rأكرم به أصفر راقت صفرته\rوحببت إلى الأنام غرته\rكم آمر به استتبت إمرته\rوجيش هم هزمته كرته\rوحق مولى أبدعته فطرته\rلولا التقى لقلت: جلت قدرته!\rوقوله يذمه:\rتبا له من خادع مماذق\rأصفر ذي وجهين كالمنافق\rوحبه عند ذوي الحقائق\rيدعو إلى ارتكاب سخط الخالق\rوشر ما فيه من الخلائق\rأن ليس يغني عنك في المضائق\rإلا إذا فر فرار الآبق\rواها لمن تقذفه من حالق\rومن إذا ناجاه نجوى الوامق\rقال له قول المحق الصادق\rولا رأي في وصلك لي، ففارق\rوقد جعل هذا الشعر على وجه اللغز، وهو كثير الاستعمال لهذه الطريقة. ومن مليحها ما صنعه على لسان السروجي وولده وقاض تقدما إليه، فالذي نسبه إلى السروجي:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1851970,"book_id":1857,"shamela_page_id":51,"part":null,"page_num":51,"sequence_num":51,"body":"أيد الله القاضي، إنه كانت لي مملوكة رشيقة القد، أسيلة الخد، صبورة على الكد، تخب أحيانا كالنهد، وترقد أطوارا في المهد، ذات كف ببنان، وفم بلا أسنا، مطبوعة على المنفعة، مطواعة في الضيق والسعة، وطالما خدمتك فحملت، ولربما جنت عليك فآلمت وململت، وإن هذا الفتى استخدمنيها لغرض، فأخدمته إياها بلا عوض، على أن يجتني نفعها، ولا يكلفها إلا وسعها، فأولج فيها متاعه، وأطال بها استمتاعه، ثم أعادها وقد أفضاها، وبذل عنها قيمة لا أرضاها.\rوالذي نسبه إلى الولد: أما الشيخ فأصدق من القطا، وأما الإفضاء ففرط عن خطا، وقد رهنته على أرش ما أوهنته مملوكا لي متناسب الطرفين منتسبا إلى القين، نقيا من الدرن والشين، يقارن محله سواد العين، يغذي الإنسان، ويتحامى اللسان، إن سود جاد، وإن وسم أجاد، وإذا زود وهب الزاد، ومتى استزيد زاد، لا يستقر بمغنى، وقلما ينكح إلا مثنى، يسخو بموجوده، ويسمو عند جوده، وينقاد مع قرينته، وإن لم تكن من طينته.\rوالذي نسبه إلى القاضي: إما أن تبينا، وإلا فبينا! فقال الولد:\rأعارني إبرة لأرفأ أط ... مارا عفاها البلى وسودها\rفانخرمت في يدي على خطأ ... مني لما جذبت مقودها\rفاعتاق ميلي رهنا لديه ونا ... هيك بها سبة تزودها\rفالعين مرهى لرهنه ويدي ... تقصر عن أن تفك مرودها\rوقال الشيخ:\rأقسمت بالمشعر الحرام ومن ... ضم من الناسكين خيف منى\rلو ساعفتني الأيام لم ترني ... مرتهنا ميله الذي رهنا\rولا تصديت أبتغي بدلا ... من إبرة غالها ولا ثمنا\rلكن قوس الخطوب ترشقني ... بمصميات من هاهنا وهنا\rوخبر حالي كخبر حالته ... ضرا وبؤسا وغربة وضنا\rقد عدل الدهر بيننا فأنا ... نظيره في الشقاء وهو أنا\rلا هو يستطيع فك مروده ... لما غدا في يدي مرتهنا\rولا مجالي لضيق ذات يدي ... فيه اتساع للعفو حين جنى\rفهذه قصتي وقصته ... فانظر إلينا وبيننا ولنا!\rوقال في وصف كرم الخلق: أنا أراعي الجار ولو جار، وأبذل الوصال لمن صال، وأستقل الجزيل للنزيل، وأغمر الزميل بالجميل، وأودع معارفي عوارفي، وأولي مرافقي مرافقي، وألين مقالي للقالي، وأديم تسآلي عن السالي، وأقنع من الجزاء، بأقل الأجزاء، ولا أتظلم حين أظلم، ولا أنقم ولو لدغني الأرقم.\rوقال في عكس ذلك: أنا لا آتي غير المواتي، ولا أصافي من يأبى إنصافي، ولا أواخي من يلغي الأواخي، ولا أمالي من يخيب آمالي، ولا أداري من جهل مقداري، ولا أبذل ودادي لأضدادي، ولا أدع إبعادي للأعادي، وإلا فلم أعلك وتعلني؟ وأقلك وتستقلني؟ وأجرح لك وتجرحني؟ ومتى أصحب ود بعسف؟ وأي حر رضي بخطة خسف؟\rقد كلت للخل كما كال لي ... على وفاء الكيل أو بخسه\rولست بالموجب حقا لمن ... لا يوجب الحق على نفسه\rومن مليح شعره قوله:\rلقد أصبحت موقودا ... بأوجاع وأوجال\rوخوان من الإخوا ... ن قال لي لإقلالي\rفكم أخطر في بال ... ولا أخطر في بال\rفمحرابي أحرى بي ... وأسمالي أسمى لي\rفهل حر يرى تخفيف أثقالي بمثقالي\rوقوله:\rإني امرؤ أبدع بي ... بعد الوجا والتعب\rفزفرتي في صعد ... وعبرتي في صبب\rوأنتم منتجع الراجي ... ومرمى الطلب\rلهاكم منهلةٌ ... ولا انهلال السحب\rوجاركم في حرم ... ووفركم في حرب\rما لاذ مرتاع بكم ... فخاف ناب النوب\rولا تستدر آمل ... حباءكم فما حبي!\rفأما قوله:\rفزفرتي في صعد ... وعبرتي في صبب\rفمن المعاني التي تصرف فيها الشعراء وتفننوا، وتوسعوا توسعا أجادوا فيه وأحسنوا، فمن ذلك قول ابن أبي سعيد:\rشتان في الحالين ما بيننا ... وبيننا في المنظرين اشتباه\rيا عجبا من حرقات الهوى ... تصعد نيرانا وتجري مياه\rوهذا أصنع من بيت القاسم بن علي، لأن القاسم جعل الزفرة غير العبرة، فهذا في ارتفاع والتهاب، وهذه في انحدار وانصباب، وابن أبي سعيد جعلهما شيئا واحدا إذا صعد كان نارا، وإذا جرى كان ماء، فالنار علة الماء؛ لأن صعودها يجريه.\rوقد عكسه الآخر في قوله:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1851971,"book_id":1857,"shamela_page_id":52,"part":null,"page_num":52,"sequence_num":52,"body":"ولم أر مثل الدمع ماء إذا جرى ... تلهب منه في الأصابع نار\rفجعل الماء علة النار، وأن جريانه سبب لتلهبها.\rوقد أحسن الصاحب غاية الإحسان في قوله:\rلا تحسبن دموعي البض غير دمي ... وإنما نفسي نار تصعد ( ... )\rولابن عباد أحد سلاطين الأندلس:\rنار وماء صميم القلب أصلهما ... متى حوى القلب نيرانا وطو (فانا)\rضدان ألف هذا الدهر بينهما ... لقد تلون في الدهر ألوا (نا)\rوأما قول القاسم:\rوجاركم في حرم ... ووفركم في حرب\rفمعنى متداول أيضا. ومن مليح ما قيل فيه:\rلك العرض المباح لمن بغاه ... من العافين والعرض المصون\rوجارك ضد مالك منذ أما ... محلك، ذا يعز، وذا يهين\rوعلى ذكر قاسم، فللقاضي الرشيد محمد بن قاسم - وكتب به إلى صديق له كانت جاريته تزور داره، فجاءت على عادتها، وسألها أهله أن تقيم عندهم - فاستزار مولاها بقوله:\rسيدة الروم رام عترتها ... مقامها عندهم إلى العتمه\rفكن صلاة العشاء زائرنا ... والنون للجمع ليس للعظمه\rولقد ملح ابن قاسم وتظرف، كما تنوع قاسم وتصرف.\rالغزالي:\rحلت عقارب صدغه في خده ... قمرا فجل بها عن التشبيه\rقد كنت أعهده يحل ببرجها ... فمن العجائب: كيف حلت فيه؟!\rولما أنشد المملوك هذين البيتين ابن مكنسة عمل بديها:\rقلت ... إذ ذرفن الدلا\rل على خده الشعر\rهذه آية بها ... ظهر الحسن واشتهر\rما رئي قبل صدغه ... عقرب حلت القمر\rوعلى ذكر القمر والعقرب فقد أحسن ابن المغربي في قوله - وقد لسبت العقرب جارية كان يهواها -:\rكم تستحم العين فيك بمائها ... حتى كأن بها جنون المذهب\rإن كان نالك مؤلم من عقرب ... فالبدر ممتحن ببرج العقرب\rوبرج العقرب: هبوط القمر. وقد جاء في الحديث أن رسول الله ﷺ نهى عن السفر إذا كان القمر في برج العقرب.\rولمحمود بن القاضي الموفق:\rلام العواذل مغرما ... في حب ملهية وقينه\rولو أنهن رأين تأ ... ثير الغرام به وقينه\rوهذا تجنيس لفظي خطي تركيب، فأما الخط واللفظ فواضحان، وأما التركيب فالكلمتان في عدته متساويتا، وذلك أن الواو في الأولى عاطفة، وهي في الثانية من أصل الكلمة، والنون في الأولى من أصل الكلمة، وفي الثانية ضمير جماعة المؤنث، فأما الهاء فهي في الأولى تاء التأنيث المبدلة هاء في الخط والوقف، وفي الثانية ضمير المفعول الذي هو المغرم.\rوهو يكثر من استعمال هذه الطريقة، وهي من أحسن ضروب التجنيس، فمن ذلك قوله:\rوقد كان رأيك ركني الذي ... عليه اعتمادي وها قد وهى\rومن هذه الأبيات:\rترى الشمس يسمو بها أوجها ... إذا قابلت منهم أوجها\rوالمملوك يختم هذا الجزء ببعض ما لهذا المملوك محمود من الخدم الشريفة، تحريا للصدق الذي لا يشوبه إفك، وعملا بقول الله - عز من قائل -: (ختامه مسك) فمن ذلك قوله من قصيدة:\rلي مهجة جفناك قد فتناها ... وبغى العدو أذاتها فتناهى\rما كان أفتاها بوصلي رحمة ... فمن الذي بقطيعتي أفتاها؟\rآها لما صنع الهوى بل واها ... فيه تلذ نفوسنا بلواها\rندية الأردان يفعم نشرها ... فكأنه أوصاف شاهنشاها\rهادي الدعاة الأفضل الملك الذي ... فخر الزمان بما أتاه وتاها\rقد كان عدم العدل أقنط أنفسا ... فجعلتها تقوى على تقواها\rوقوله من قصيدة أخرى:\rإني لأشكر بدر الخدر حين بدا ... وقد تقارب حيانا فحيانا\rيرضي الهوى والتقى والعاذلات فما ... ينفك يجمع إحصانا وإحسانا\rإن طالما أوضعت في الغي راحلتي ... فقد حمانيه وصف الأفضل الآنا\rسيف الإمام الذي فخر الملوك بأن ... غدت تعفر في ناديه تيجانا\rيقري العيون جمالا والعفاة جدى ... ملء الأماني والجانين غفرانا\rأغليت قيمة هذا النظم فارتفعت ... وكان كلا على الأذهان إذ هانا\rفما يجوز زمان أنت مالكه ... ولا يروعنا ما دمت ترعانا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1851972,"book_id":1857,"shamela_page_id":53,"part":null,"page_num":53,"sequence_num":53,"body":"قد أورد المملوك في رسالته ومختصره ما يدل على عجزه عن مفترط الخدمة الشريفة وحصره، ولا غرو أن يكون اجتهاده متأخرا عما يلزم ويجب، إذ كان المقام الأعظم مما يخفق كل قلب لمهابته ويجب، والله - سبحانه - يحرس عليه رأي مالكه وسلطانه، ويقره من خدمته فيما يليق بمساكن مثله وأوطانه، بجوده السابغ وإحسانه، وفضله الغامر وامتنانه، إن شاء الله ﷿.\r\rرسالة التدلي على التسلي\rرسالة سماها التدلي على التسلي\rمن دلائل تفرد الله بتدبير بريته، وشواهد جري الأمور على إرادته ومشيئته، وحجج وحدانيته التي من جحدها أبان جهلا وعنتا، وبراهين ما أخبر به في قوله: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) أنه سبحانه يحمد على ما يسلبه كما يحمد على ما يهبه، ويشكر على ما يزعج ويضر كما يشكر على ما يبهج ويسر، فجئ القلوب ما يحدث فيها انصداعا، ودهم العقول ما يكاد يطيرها شعاعا، لم يلفتها الجزع عن حمده - جل وعز وعلا - ولم يمنعها الوله من الرضى بقضائه، وإن تحملت منه باهظا مثقلا. فالحمد لله الذي لا يحمد على المكروه سواه، ولا يخرج شيء من مصنوعاته عن الشهادة له بأنه إله، وصلى الله على سيدنا محمد نبيه الذي حباه الشرف الباهر، وآتاه الفضائل الجمة والمفاخر، وأحسن العزاء لأمته في قوله: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر) . وعلى أخيه وابن عمه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الذي تولى من رسول الله - صلّى الله عليه - ما أبان به عن حسن صبره، واعتزل أمور الدنيا جانبا إلى أن واراه ﵇ في قبره، مع ما تداخل النفوس يومئذ من الحسرات، وفجعت به من الطوارق المستنكرات، حتى غدا ذوو الجلد في قبضة الهلع موثقين أسارى، وظلوا كما قال الله - عز من قائل -: (وترى الناس سكارى وما هم بسكارى) وعلى آلهما الأئمة الأبرار، الذي اهتضموا حيث حلوا من الأرض وكانوا، وظلموا فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا، إلى أن استثمروا من الصبر استعادة حقهم، وضيقوا على أعدائهم مسالك طرقهم، وسلم عليهم أجمعين تسليما، وزادهم تشريفا وتكريما وتعظيما.\rوإن من حكمة الله - تعالى - وقدرته، وخفي علمه في تدبير خليقته، أن جعل أهل الدنيا فيها متفاضلين، وعند فراقها متساوين متماثلين، إذا نزل بهم حدث الموت لم يتميز فيه قوي من ضعيف، وإذا تجرعوا كأسه لم يختص بمر مذاقها مشروف دون شريف، وذلك يقين لا مجال للشك فيه، وحق لا يطور الباطل بناحية من نواحيه، وقد أخلدت النفوس إلى صحته وركنت، واطمأنت القلوب إلى حقيقته وسكنت، لأنه أمر حتم قد علم بالفطرة، وغامض من غوامض الحكمة، وسر من أسرار القدرة، وفي الصبر على ألمه الموجع، وترك الجزع الذي هو غير نافع ولا منجع، إيضاح للتذلل والخشوع، وإظهار للتضرع والخضوع، وإبانة عن الإخبات لله - جل وعز - فيما شاءه، ودلالة على رضى المخلوق بحكم خالقه فيما سره وساءه، وذلك موصل إلى السلوة بأقوى الأسباب وداع إلى نيلها مع إحراز الأجر الجزيل والثواب. ومن أبى في الرزء إلا الأسى كان بكاه منتهى جهده. وما أحسن قول الحسن البصري: (الحمد لله الذي كلفنا ما لو كلفنا غيره لصرنا فيه إلى معصيته، وآجرنا على ما لا بدّ لنا منه) .\rيقول: كلفنا الصبر، وأكلفنا الجزع، لم يمكنا أن نقيم عليه وأجرنا على الصبر ولا بدّ من الرجوع إليه.\rثم إن التأسي يسهل المصاعب، ويهون المصائب، فلله ابن دريد في قوله: وفي خطوب الناس للناس أسى وإن كانت الخنساء قد غلبت على هذا الباب في المشهور من قولها:\rولولا كثرة الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي\rوما يبكون مثل أخي ولكن ... أعزي النفس عنه بالتأسي\rوقد جعلت الغدر في تركها قتل نفسها كثرة الباكين حولها. وأين هذا من قول الآخر:\rولقد هممت بقتل نفسي بعده ... أسفا عليه فخفت ألا نلتقي\rفذكر أن علة ما هم به من قتل نفسه الأسف على من فقده، على أن ذلك في قوة قول الخنساء. وإن علة الامتناع ما جاء في الحديث من أن قاتل نفسه في النار. وقد وثق بحصول من فقده في الجنة، وطمع بها إذا لحقه غير قاتل نفسه. وهذا العذر أشرف من عذر الخنساء؛ لأنه للمخافة من عدم اللقاء في المآل، وعذر الخنساء إنما هو للتأسي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1851973,"book_id":1857,"shamela_page_id":54,"part":null,"page_num":54,"sequence_num":54,"body":"فأما قول ابن الرومي مناقضا لهذا الباب، وذاكرا أن التأسي غير مخفف للمصاب:\rوما راحة المرزوء في رزء غيره ... أيحمل عنه بعض ما يتحمل\rوضرب من الظلم الخفي مكانه ... تعزيك بالمرزوء حين تأمل\rلأنك يأسوك الذي هو كلمه ... بلا سبب لو أن رأيك يعدل\rوقوله:\rومعز عن الشباب مؤس ... بمشيب اللدات والأصحاب\rقلت ... لما انتحى يعد أساه\rمن مصاب شبابه فمصاب\rليس تأسو كلوم غيري كلومي ... ما به ما به، وما بي ما بي\rوقول الآخر:\rرأيت التأسي مما يهيج ... على المرء ساكن أوصابه\rوما نال ذو أسوة سلوة ... ولكن أتى الحزن من بابه\rتذكر في مثله أو رآه ... فأذكره ما به ما به\rفذاك من تمويه الفصيح وخدعه، وتصرف البليغ وتنوعه، وإلا فالأول هو الصحيح الذي جاء في الكتاب والسنة. قال الله - تعالى -: (قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه) وقال: (لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة) .\rولولا أن الاجتماع يخفف كل ما ينوء، والاشتراك يهون صعب ما يسوء، لما قال الله تعالى: (ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون) لأنه نفى عنهم الانتفاع بالاشتراك في العذاب تغليظا عليهم لما قدموه من الظلم.\rوقال رسول الله ﷺ: (تأسوا في مصائبكم بي) .\rوذلك في كلام البلغاء، ونظم الشعراء أكثر من أن يحاط به.\rمعلوم أن مالكنا الملك السيّد الأجل الأفضل، ونعوته والدعاء له ( ... ) سيد ملوك الزمن، ومن فاز بجزيل ثواب الله في حالتي المسرة والحزن. أما المسرة؛ فلأنه يشمل بها جميع عبيده ورعيته، ويستخلص دعاء كل منهم بكريم فعله وجميل نيته، وأما في الحزن؛ فإنه يستعمل حسن الصبر في الأمور التي لا حيلة في دفعها، ويدل بذلك على استحقاقه ما خصه الله به من إعلاء المنزلة عنده ورفعها، لا يرى في العظائم إلا صابرا مسترجعا، ولا ينفك وجهه إلا مسفرا وإن كان متوجعا متفجعا، إذا نازله هم لقيه من الرضى والتسليم بالجيش اللجب المجر، وإذا سما إليه خطب عرف شرف ما يناله في الصبر عليه من جزيل الأجر، على أن محله أعلى وأعظم من أن يكون من الأقدار إلا مخدوما، ومكانه من الله - جل وعز - يكاد يجعله من الأمور الحتمية موقى معصوما. ولما طرق - خلد الله ملكه - بالحادث الجلل، ودهم بالرزء الذي لولاه لرمي عرش المملكة بالثلل، من وفاة أخيه من جهة نسبته، وولده لكفالته إياه وتربيته:\rومن كان يستعفي الإله إذا اشتكى ... من الأجر في الشكوى وإن عظم الأجر\rالأجل المظفر، سيف الإمام، جلال الإسلام، شرف الأنام، ناصر الدين، خليل أمير المؤمنين، الذي حلت وفاته من كل عين عقد وكائها، وأجرى فقده سواد النواظر في نجيع بكائها، وبغت القضاء فيه بأجور حكمه، وأنكر فعله، وشوهد من يومه الأنكد الشنيع ما لم تتمخض المنون بمثله:\rما إن سمعنا بطود قبله طفقت ... أنامل تتهاداه وراحات\rتنافست أعين الباكين حين بكوا ... كأنما أعين الباكين ضرات\rولقد عفت منيته سبيل التماسك والجلد، وأتت غبطته بما لم يجر في الخاطر ولا جال في الخلد، لأنه - قدس الله روحه - صار إلى رحمة الله ورضوانه، وانتقل إلى جواره وسكنى جنانه، وهو في ريعان عمره وأوله، وشرخ شبابه ومستقبله، مع حسن تركيبه وبنيته، والحكماء في خدمته وتدبير صحته:\rبنفسي مولى أسلمته عبيده ... ومرتحل لم ينتظر أن يودعا\rلقد راضه الموت الكريه مذاقه ... ولو لم يرض لم يرض بالأرض مضجعا\rولا اتخذ الغبراء دار إقامة ... وقد كان مثواه من النجم أرفعا\rفلست ترى إلا مختنقا بعبرته، متنفسا عن نار حسرته، عادما لسكونه وصبره، باكيا على انقطاع أمله، وانفصام ظهره:\rوالناس مأتمهم عليه واحد ... في كل دار رنة وزفير\rفما يغتبط بدنياه من تأمل هذا الحين، ولا يأمن فيظ النفس إلا من طمع بالصبر وأين وأين؟\rوكل أسى لا تذهب النفس بعده ... فما هو إلا من قبيل التصنع\rولئن مضى إلى جوار الله الكريم، وانتقل إلى ما أعد له من النعيم المقيم؛ فللكافة ما مالكها - ثبت الله دولته - من دوام ظله مسل عن كل موال، وبقاؤه محسن الخلف عن كل من مضى وسلف:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1851974,"book_id":1857,"shamela_page_id":55,"part":null,"page_num":55,"sequence_num":55,"body":"لم يستحق الدهر كونكما معا ... فيه فعوض قاطنا بمودع\rوالله يجعل كل الأعمار زيادة في مدته وعمره، ويجيب فيه ما يرفعه الحريص في سره وجهره. بكرمه، وطوله، وقدرته وفضله.\rولما كانت خدمة مجلسه العالي - ثبت الله سلطانه - فرضا على عبيد مملكته، وحقا لا عذر في التخلف عن تأديته، وقد صنع شعراء المقام الأشرف - ضاعف الله سعوده، ونصر أحزابه وجنوده - في هذا الباب ما أربوا فيه على من سبقهم، وآيسوا غيرهم من أن يلحقهم؛ بادر المملوك بهذه الخدمة، وأنشأ ما يأتي ذكره في هذه الحادثة الملمة على ما هو عليه من الحال التي ضلت معها العقول، وحجزت الأحزان فيها بين القائل والمقول.\rوالذي صنعه المملوك: إن كان الدهر قد فجئ بفادح المصيبة، ورمى بسهامه المصمية المصيبة، وبالغ في الفجيعة الفظيعة، وسعى بين الأرواح والأجسام بالفراق والقطيعة، وطرق من المصاب بالأجل المظفر - كرم الله مثواه - بما منع الطرف وسنه، وفتح من الصبر مستحسنه؛ فما حكم مداه إلا في مفاصله، ولا مكن ظباه إلا من مقاتله، ولا سطا إلا على قمره المنير فأخفاه، ولا عدا إلا على رونقه المونق فطمسه وعفاه:\rإن خان فيه الدهر عندي إنما ... في نقصه وعلى محاسنه سعى\rفي كل يوم عثرة من صرفه ... لا تستقال بأن يقال لها: لعا\rفيا لله! ما أعجب فعله، وأبين جهله، وأقبح إساءته إلى نفسه، وأشنع سواد يومه بعد بياض أمسه:\rيوم أظل بغمة لا يشتفي ... فيها الهدى وبغمة لا تنجلي\rوأعجب من ذلك انطلاق الأيدي بعده - شرف الله ضريحه - بتحقيق خبر فقده، والإقدام على التعزية عنه وقد عدمت العقول من بعده، فوا لهفاه على مضيه وذهابه! ووا أسفاه على ما فعله الدهر، ودهى به! ووا حسرتاه! ما أمر العيش لما مر! ووا حرباه! لقد أساء القدر فيه بعدما سر:\rلئن حسنت فيه المراثي وذكرها ... لقد حسنت\rمن قبل\rفيه المدائح\rولله مطيع بن إياس في قوله:\rيا أهل، بكوا لقلبي القرح ... وللدموع الهوامل السفح\rيا خير من يحسن البكاء له ال ... يوم وإن كان أمس للمدح\rومع هذه الحال فليس إلا التسليم والرضى، والتقبل لما حكم الله به وقضى، والتصبر وإن كان عمن لا تجد النفوس منه عوضا. على أن النعمة بالمقام الأعظم المالكي - ثبت الله سلطانه - قد ألانت قلوبا على الدهر قاسية، والموهبة في امتداد ظله قد غدت مصلحة لهذا الكلم آسية:\rصبرنا على حكم الزمان الذي سطا ... على أنه لولاك لم يمكن الصبر\rعرانا ببؤسى لا يماثلها الأسى ... وإنك نعم لا يقوم بها الشكر\rفأوجبت الأولى الملام فلم يلم ... وأنى له لوم وأنت له عذر!\rفالحمد لله الذي جعل المقام المالكي الأفضلي مستقيما للذماء، مجددا ملابس النعماء، مستقرة به الرأفة في الأرض كما استقرت الأدعية في السماء، وضاعف الله للأمة بتخليد ملكه ضروب المنن، وجعله من حوادث الدهر في أمنع المعاقل وأحصن الجنن. بمنه، وطوله، وقدرته، وحوله.\rوالمملوك يتبع ذلك بلمعة من أحسن ما يرويه للمتأخرين في باب التعازي نظما ونثرا. على أن منها ما يلهب في الضلوع نارا، ثم يستخرجها من العيون أدمعا غزارا:\rيا عجبا من حرقات الجوى ... تصعد نيرانا وتجري مياه!\rوالناس - وإن رغبوا في التسلي، وحثوا على حسن التعزي؛ عالمون أن في إفاضة الكئيب لدمعته ما يذهب من لوعته، وفي إرساله لعبرته ما يعينه على سلوته.\rيروى عن سليمان بن عبد الملك أنه قال - عند موت ابنه أيوب - لعمر بن عبد العزيز ورجاء بن حيوة: إني لأجد في كبدي جمرة لا تطفئها إلا عبرة، فقال عمر: اذكر الله يا أمير المؤمنين، وعليك بالصبر. فنظر إلى رجاء بن حيوة - كالمستريح إلى مشورته - فقال رجاء: أفضها يا أمير المؤمنين فما بذاك من بأس؛ فقد دمعت عينا رسول الله ﷺ على ابنه إبراهيم، وقال: تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب، وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون. فأرسل سليمان عينه فبكى حتى قضى أربا، ثم أقبل عليهما، فقال: لو لم أنزف هذه العبرة لانصدعت كبدي. ثم لم يبك بعدها، لكنه لما دفنه، وحثا عليه التراب قال: يا غلام، دابتي، ثم التفت إلى قبره، فقال متمثلا:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1851975,"book_id":1857,"shamela_page_id":56,"part":null,"page_num":56,"sequence_num":56,"body":"وقفت على قبر مقيم بقفرة ... مناخ قليل من حبيب مفارق\rفمن مليح هذا الباب قول الشريف الرضي:\rخبر تمخض بالأجنة ذكره ... قتل النفوس وأسلف البلبا (لا)\rالشك أبرد للحشى في مثله ... يا ليت شكي دام فيه وطا (لا)\rينظر إلى هذا المعنى قول مهيار:\rكم قد تعللت المنى بك تارة ... أمن، وطورا خيفة وحذار\rوتخالفت فيك الرواة فسرني ... وتلونت بحديثك الأخبار\rولقد ظننت بها وراء لثامها ... خيرا، فكشف قبحها الإسفار\rما كنت أول كوكب نزل الدنا ... وسما إلى نظرائه فتعالى\rلا رزء أعظم من مصابك إنه ... وصل الدموع وقطع الأوصالا\rألا أقالتك الليالي عثرة ... يا من إذا عثر لازمان أقالا\rلمن الصوارم عريت أمطاؤها ... حول الخيام تنازع الأطوالا\rبدلن من لبس الشكيم مقاودا ... مربوطة ومن السروج جلالا\rفجعت بمنصلت يعرض للقنا ... أعناقها، ويحصن الأكفالا\r*** وهذا من قول أبي الفرج الببغاء:\rيلقى الطعان بصدر منه ليس له ... ظهر وهادي جواد ما له كفل\r***\rإن طوح الفعال دهر ظالم ... فلقد أقام وخلد الأفعالا\rطلبوا التراث فلم يروا من بعده ... إلا على وفضائلا وجلالا\rهيهات فاتهم تراث مخاطر ... حفظ الثناء وضيع الأموالا\rقد كان أعرف بالزمان وصرفه ... من أن يثمر أو يجمع مالا\rوأرى الكمال جنى عليه لأنه ... غرض النوائب من أعير كمالا\rصلى الإله عليك من متوسد ... بعد المهاد جنادلا ورمالا\rطرح الرجال لك العمائم حسرة ... لما رأوك تسير، أو إجلالا\rيريد: حسرة وإجلالا، وأو هاهنا بمعنى الواو؛ قال الله - تعالى -: (ولا تطع منهم آثما أو كفورا) ، وقال الشاعر:\rأتى الخلافة أو كانت له قدرا ... كما أتى ربه موسى على قدر\rوقال آخر:\rوقد زعمت ليلى بأني أحبها ... لنفسي تقاها أو عليها فجورها\rوقال مهيار:\rكنت خبيئاً ترقب الأيام في ... ظهوره الميقات أو تراصد\rولا يصح الوزن بالواو؛ لأن الكف لا يجوز في الرجز.\r\rقالوا ... وقد فجئوا بنعشك سائرا\r\rمن ميل الجبل العظيم فمالا\rوهو يكثر من هذا المعنى كقوله:\rأتنظر كيف تسفع بالنواصي ... ليالبنا وتعثر بالجبال\rوقوله:\rجبل هوى لو خر في البحر اغتدى ... من وقعه متتابع الإزباد\rما كنت أحسب قبل حطك في الثرى ... أن الثرى يعلو على الأطواد\rوقوله:\rإن كان ذا الطود خ ... ر فبعدما استعلى طويلا\rوقوله دعاء لمريض:\rلا زعزعتك الخطوب يا جبل.\rوقوله:\rأي طود لك من أي جبال ... لقحت أرض به بعد حيال\rما رأى حيا نزار قبله ... جبلا سار على أيدي الرجال\rومن مليح ما في هذه القطعة:\rعجبا أصبحت للضيم وما ... نثر الطعن أنابيب العوالي\rلا أرى الدمع كفاء للجوى ... ليس أن الدمع من بعدك غالي\rوبرغمي أن كسوناك الثرى ... وفرشناك زرابي الرمال\rوهجرناك على ضن الهوى ... رب هجران على غير تقال\rكل مأسور يرجى فكه ... غير من أصبح في قد الليالي\rلا تقل تلك قبور إنما ... هي أصداف على غر لآلي\rوقوله أيضا:\rأرواحنا دين وما أنفاسنا ... إلا قضاء والزمان غريمها\rلم يشفع الدهر الخؤون لمهجة ... في العمر إلا عاد وهو خصيمها\rيا دهر كم أسهرت لي من ليلة ... قد كنت قبل؛ أنامها وأنيمها\rإن كان رزؤك ذا جسيما فالذي ... ينمي إليك من الأمور جسيمها\rفتعز، إن من العزاء شجاعة ... وأجل ما عزى نفوسا خيمها\rوقوله أيضا:\rإن المنايا معدات لأنفسنا ... وإن أمدت بأعوام وأعوام\rنسعى بأقدامنا عنها فتدركنا ... سبق الجياد وما تسعى بأقدام\rما لي بطي الليالي غير مكترث ... وما ورائي منها كان قدامي؟!\rإن الحياة وإن عزت مخائلها ... ظل، وإن المنى أضغاث أحلام\rنامي البقاء إلى الذاوي تراجعه ... كلا، وما يرجع الذاوي إلى النامي\rوقوله:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1851976,"book_id":1857,"shamela_page_id":57,"part":null,"page_num":57,"sequence_num":57,"body":"نغالب ثم تغلبنا الليالي ... وكم يبقى الرمي على النبال\rونطمع أن يمل من التقاضي ... غريم ليس يضجر بالمطال\rيحط السيل ذروة كل طود ... ويهون بالجنادل والرمال\rهي الأيام جائرة القضايا ... وملحقة الأواخر بالأوالي\rولأبي الفرج الببغاء:\rخلف المدائح بعدك التأبين ... عن أي حادثة يعزى الدين\rما كان في الدنيا كيومك مشهد ... بهر العقول، ولا أراه يكون\rلم يبق محذورا فكل مصيبة ... جلل لديه، وكل خطب دون\rقرت عيون المشركين وطالما ... قرت به للمسلمين عيون\rولابن معلى الأندلسي:\rأمعتنق الصعيد وكان يغدو ... عليه وهو معتقل الصعاد\rأرى لبس الحداد عليك مما ... يشق على المهندة الحداد\rومن كلام الوزير أبي القاسم بن المغربي: ولقد سمعت نبأ من هذا الحادث الرائع، وذروا من هذا الخبر المكروه الطلائع، فكنت كالظبي أفزعه القناص، وكالهارب لاحت له الأشخاص، فدافعت بتصديقه، وتصاممت عن تحقيقه، فلما صرح مخض الاستخبار عن محض الحذار؛ فقدت الحس فلا أدعي ألما، وذقت سكون الموت فما أشتكي سقما، وغرقت في أمواج الوساوس، وضعت بين أجبال الهواجس، فلقد كنت يومئذ - وكل يوم يومئذ - عجبا لمعتبر، ومثلا لمفتكر.\rفأما قوله: دافعت بتصديقه، وتصاممت عن تحقيقه؛ فهو من قول أبي الطيب:\rطوى الجزيرة حتى جائني خبر ... فزعت فيه بآمالي إلى الكذب\rوقد أخذه ابن سعيد الحلبي، فقال، وأحسن:\rأتاني وعرض البيد بيني وبينه ... حديث لأسرار الدموع مذيع\rتصاممت عن راويه حتى أربته ... وإني على ما غالني لسميع\rولما سمع ابن مكنسة إذاعة سر الدموق قال:\rدعوها تفض بعد دمع نجيعا ... نهاها النهى فأبت أن تطيعا\rوسر تبدد في عبرة ... وكنت جمعت عليه الضلوعا\rومن قطعة ابن سعيد:\rفلهفي على الآمال فيك فإنها ... ثوابت لم يقدر لهن شروع\rوعز على ساري الدجى أن يجوبه ... وما لك من بين النجوم طلوع\rألوم عليك الوجد وهو مبرح ... وأعتب فيك الدمع وهو نجيع\rوأعلم أني ما منحتك طائلا ... وهل هي إلا زفرة ودموع\rوقول الوزير: فلقد كنت يومئذ _وكل يوم يومئذ - فالأصل فيه قول الأضبط بن قريع - وكان سيد بني سعد، وكانوا يؤذونه، فلما انتقل عنهم رأى غيرهم يفعل فعلهم، فقال-: بكل واد بنو سعيد. فذهبت مثلا.\rوأخذ هذا المعنى متمم بن نويرة، فقال يرثى أخاه مالكا:\rوقالوا: أتبكي كل قبر رأيته ... لقبر ثوى بين اللوى فالدكادك\rفقلت لهم: إن الأسى تبعث الأسى ... دعوني؛ فهذا كله قبر مالك\rوقال الحجاج في خطبة له: يا أيها الرجل - وكلكم ذلك الرجل_ ...\rولأبي تمام في هذا المعنى:\rفلا تحسبن هنداً لها الغدر وحدها ... سجية نفس كل غانية هند\rوللبحتري:\rبلوتهم واحدا واحدا ... فكلهم ذلك الواحد\rومن أحسن ما خوطب به المعزى قول أحمد بن سليمان:\rجاءك هذا الصبر مستجديا ... أجرك في الصبر فلا تجده\rسلم إلى الله فكل الذي ... ساءك أو سرك من عنده\rإن الذي الوحشة في داره تؤنسه الرحمة في لحده\rولمهيار:\rكلح الصباح بموته عن ليلة ... نفضت على وجه الصباح ظلامها\rفلئن مضى بعلاه دهر صانها ... فلقد أتى برداه يوم ضامها\rوتصرف في معنى البيت الأول، فقال:\rصبغت وفاتك فيه أبيض فجره ... يا للعيون من الصباح الأسود\rثم قال:\rولئن غمزت من الزمان بلين ... عن عجم مثلك أو عضضت بأدرد\rفالسيف يأخذ حكمه من مغفر ... وطلى، ويأخذ منه سن المبرد\rوأخذ هذا المعنى الخفاجي فقال:\rلتطل ليالي الدهر بعدك إنه ... سيان بين صباحه وظلامه\rسودته في ناظري كأنما ... خلعت لياليه على أيامه\rوقال:\rأشكو فراقك ثم أعلم عنده ... أن السبيل إلى لحاقك مهيع\rوألوم طول الليل أرقب فجره ... أو ما ظلام الليل بعدك أسفع\rوقال:\rقد سألنا أطلالكم فأجابت ... ومن الصمت واعظ ونذير\rيا سواد الهموم صرت على الأي ... ام لما ضاقت عليك الصدور","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1851977,"book_id":1857,"shamela_page_id":58,"part":null,"page_num":58,"sequence_num":58,"body":"ولمهيار مما لا يجوز أن يتمثل بثانيه إلا شاعر:\rأبكيك لا ما تستحق وجهد ما ... تسع الصبابة أن تسيل محاجري\rوأشارك النواح فيك بأنني ... أبكيك، والتأبين نوح الشاعر\rوهذا المعنى أيضا مما تصرف فيه فقال:\rخان بكاء العين أجفانه ... فناح، والنوح بكاء الفم\rوقال:\rخان بكاء العين أجفانه ... فناح، والنوح بكاء الفم\rوقال:\rإن أنفدت عيني عليك دموعها ... فليبكينك بالقوافي مقولي\rوما أحسن قوله في هذه القصيدة:\rما كنت أحسب ... والزمان مقاتلي\rيرمي ويخطئ\rأن يومك مقتلي\rوقال:\rأمر بفي عليك الزلال ... وآلم جلدي وقع الشفوف\rأتحمل فقدك ذاك العظيم ... جوارح جسمي هذا الضعيف؟!\rوهذا ينشد مطلقا ومقيدا؛ فإذا أطلق كان من الأول من المتقارب، وإذا قيد كان من الثاني منه.\rوقال:\rنعم! هذه يا دهر أم المصائب ... فلا توعدني بعدها بالنوائب\rهتك بها ستر المجامل بيننا ... ولم تلتفت فيها لقينا المراقب\rسددت طريق الفضل من كل وجهة ... وملت على العلياء من كل جانب\rأمن بعده يا دهر أحظى براجع ... من العيش أو آسى على إثر ذاهب؟\rتنافث عن جمر الغضا ناد باته ... كأن فؤادي في حلوق النوادب\rبكت أدمعا بيضا ودمت جباهها ... فتحسبها تبكي دما بالحواجب\rمتى دنس الحزن السلو غسلته ... فعاد جديدا بالدموع السواكب\rوهذا تصرف في معنى قول ابن المعتز: إذا دنس الليل أثوابها=غدت في ثياب صباح جديد وقال:\rذهب الذي كانت تجاملني له الدْ ... دُنيا وتسقط دوني الأخطار\rعجبا، يكون الجو بعدك ساكنا ... واليوم أبيض ما عليه غبار\rوكأن كفك لم تبن في ظهرها ... قبل الملوك وتشهد الآثار\rويخف بين بنانها إن حملت ... ضبط الحسام ويثقل الدينار\rوقال:\rبكر النعي فسك فيه مسامعي ... وأعاد صبحي جنح ليل أليل\rالغاية في هذا المعنى قول أبي تمام: أصم بك الناعي وإن كان أسمعا\rرحل الحمام بها غنيمة فائز ... ما ثار قط بمثلها عن منزل\rكانت يد الدين الحنيف وسيفه ... فلأبكين على الأشل الأعزل\rولابن حيوس:\rوليس يعلو قرى الغبراء من أحد ... ولا يكون لأضياف المنون قرى\rحوادث لم تميز في تصرفها ... من ضيع الحزم ممن أكثر الحذرا\rقضى وما إن قضى من لذة وطرا ... وكم قضت منه آمال الورى وطرا\rومن كلام حسن بن عبد الصمد المعروف بابن أبي الخشباء: غي بدع من الزمان أن تنتكث حباله، وتصرد نباله، وتفهق بالغدر فجاجه، ويجدح بالسم أجاكه، وتراش في قصد الكرام سهامه، ويثار في قبض النفوس عجامه، ولذلك عرفت النفوس مواقع نكره، وأنست بغرائب غدره ومكره، واطمأنت الضلوع وقد أصمت صوائبه، وهجعت العيون وقد استيقظت نوائبه، ولما طرق الحادث بمن لا أسميه تفاديا من تحقيق الخبر بمصرعه، وصونا له عن مورد الحمام ومشرعه؛ رأيت المحامد ذات نور خامد، والمآثر ذات عقد متناثر، والقمر وقد سئم هالته، والصبح وقد خلع الليل عليه غلالته. وشاهدت الفضل وقد أسودت سحنته، واشتدت على الزمان إحنته؛ إذ طرق بما يتجاوز القدر ويوحش الأضالع من صحبة الصدر. هذا - والله - هو المصاب الذي تستعذب فيه الحلوم هفواتها، وتفارق له القلوب سويداواتها، وتستخف النوفس فيه حمل الأوزار، وتأنف العيون من لقائه بغير الدموع الغزار، حتى تجعل ذلك دابها، وتخضب بالنجيع أهدابها، إلا أنه نزل بمن لا يصبح الجزع مالكه، ولا تخطب الخطوب تهالكه، فلذلك ساغ للعبيد أن يخلوا الخدم من الإرشاد إلى مواقف التسليم، والحض على الصبر على الحادث الأليم، ويقتصروا على الرغبة إلى الله ي أن يهب له عقبى الدار، ويغفل عنه جوامح الأقدار، ويسعد بني الدنيا بسعادة حده، ويصون عن درجة الكسوف شموس مجده:\rإذا صفحت عنك الليالي وأعربت ... بحفظك فينا هان كل مضيع\rولابن سنان:\rوكيف يفوز الغيث فيك بمنة ... إذا كنت لا أرضى سحائب أدمعي\rوليس بكاء العين إلا خيانة ... ولا اللؤم إلا أنها بقيت معي\rوأين وفائي! لا مدى الدمع بالغ ... رضاي ولا جهد الصبابة مقنعي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1851978,"book_id":1857,"shamela_page_id":59,"part":null,"page_num":59,"sequence_num":59,"body":"تصاممت عن ناعيك حتى أربته ... ودافعت فيك القول من كل مدفع\rولما أبى إلا يقينا حديثه ... فزعت إلى جفن من الدمع مترع\rفأي حسام حالت الأرض دونه ... وكان متى يضرب به الخطب يقطع\rوهذا الحد فالمملوك يقف عنده، ثم يعطش قلمه بعده، لما يلزم في باب المصاب إذا رمته الليالي وراء ظهرها، وأبعدت الأيام عهده بمرها، من الاكتفاء من القول بيسيره، والاستغناء عن كثيره بقليله، كراهية لتجديد الحزن وتطريته، وإشفاقا من تشييد ما يجب الحرص على تعفيته ولاسيما هذا الفادح الذي نبه خامل الثرى. ومنع الجفون من مصافحة الكرى، وأحزن مليك الأرض وسلطان الورى:\rوتر الردى من لو تناول سيفه ... يوما لنال من الردى ما شاء\rوهذا الخطب وإن رمى العقول بالخبل، وعم بالغم أهل السهل والجبل، ولم يسلم أحد فيه من رزء، ولا خلا من الأخذ منه بأوفر جزء؛ فالذي يسهل صعبه، وينفس كربه، ويسيغ صابه، ويخفف أوصابه، أن مالكنا - خلد الله دولته - مكفوف بالحماية، مشمول بالوقاية، محفوظ بعناية الله وكفايته، مخصوص بإطالة العمر وإطابته، جار على عادته في تدبير مملكته، وكلاءة رعيته، وإعزاز دين الله - تعالى - ونصرته. والله - تعالى - يجعل منتقص المدد زيادة في مدته، ولا يخلي البسيطة من رواء سلطانه وبهجته. بفضله وطوله، وحوله، وقدرته.\rقال الشيخ أبو القاسم المصنف: كنت أنفذت نسخة هذه الرسالة إلى بعض الرؤساء الكبراء ممن كان يؤثر الوقوف على ما أعمله، فبلغني أن كاتبه قال لما رأى ترجمة هذه الرسالة قبل الوقوف عليها: هلا قال: الغلوة في السلوة وأنكر التدلي، فكتبت إليه: بلغ عبد الحضرة ما انتقد عليه في ترجمة ما خدم به. وما استبعد من التدلي العائد بدنو النائي وتقربه، وقد كان يجب أن يبقى على من عمل عجلا، وترجم مرتجلا، ولم تكن له مهلة لتنقيح ألفاظه وتهذيبها، وإبرازها في معارض تستحسنها النقدة وتهذي بها، وإن بعض من انتقد عليه قال: هلا كانت الترجمة: الغلوة في السلوة؟ وعبدها يقول: أما الغلوة فهي: المرماة، والمغلاة: السهم، فالغلوة: غايته، وهذا ضد مراده؛ وذلك أن التدلي إنما هو التوصل؛ تدليت على الشيء إذا توصلت إليه. ومنه أدلى فلان بحجته إذا توصل بما أتى به إلى بغيته، ومن ذلك قوله تعالى: (ثم دنا فتدلى) وهذه الآية من باب قوله سبحانه: (ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة) . وهو من المقلوب. أي: تنوء بها العصبة أولو القوة و: ثم تدلى فدنا.\rوقد قال الشاعر:\rلا تقلواها وادلواها دلوا ... إن مع اليوم أخاه غ (دوا)\rوتقلواها: تبعداها، وادلواها: قرباها والدلو من هذا؛ لأنها تقرب الماء بعد بعده.\rفقول عبدها: التدلي على التسلي إنما معناه: التوصل إلى السلوة بأسبابها من التاسي، وطلب الثواب، وغير ذلك.\rوقول من قال: الغلوة في السلوة، إنما هو الوصول إلى غايته، والفرق بين من قصد التوصل، وبين من بلغ الغاية لا يخفى عن أحد، فقد بان تضاد الترجمتين، وتنافي الغرضين، وما ضر من انتقد لو صبر إلى أن يقف على الرسالة، ثم يقول ما يختار، ولا يعجل بأن يضع مني ما صدر عني، فالله المستعان وصبر جميل.\rقال الشيخ أبو القاسم: كانت وفاة الأجل المظفر ﵁ يوم الخميس تاسع جمادى الأولى من سنة أربع عشرة وخمس مائة، وكانت ولادته في سنة تسع وسبعين وأربع مائة.\rالحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله الطاهرين، وسلم تسليما، حسبنا الله ونعم الوكيل.\r١ ١","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}