{"page_id":1855725,"book_id":1864,"shamela_page_id":1,"part":null,"page_num":1,"sequence_num":1,"body":"امرؤ القيس الشاعر الجاهلي المتوفي عام ٥٦٠م - ٨٠ ق. هـ\rترجمة الشاعر\r- ١ - هو امرؤ القيس بن حجر بن الحارث بن عمرو بن حجر بن عمرو بن معاوية بن الحارث الأكبر. وهو من قبيلة كندة. وكندة قبيلة يمنية، كانت تسكن قبل الإسلام غربي حضرموت؛ وكانت على اتصال بالحميريين. وفي عهد حسان بن تبع ملك حمير كان حجر بن عمرو سيد كندة في حاشية حسان. وقد فتح حسان فتوحاً كثيرة في جزيرة العرب، فولى حجراً بعض قبائلها ودانت كلها لحجر الكندي؛ كما دان حجر بالولاء لحمير، ونزل حجر نجداً؛ وكان اللخميون ملوك الحيرة قد بسطوا نفوذهم على تلك البلاد؛ وخاصة بلاد بكر بن وائل؛ فحارب حجر اللخميين وأزال نفوذهم.\rوفي عهد الحارث بن عمرو بن حجر اتسع سلطان كندة؛ واتصل الحارث بقباذ ملك الفرس فولاه الحيرة مكان اللخميين؛ ونشر نفوذه - وسط الجزيرة - على كثير من قبائل العرب؛ وفرق الملك في أبنائه الأربعة: فولى ابنه حجراً (أبا امرئ القيس) بني أسد؛ وابنه شرحبيل بكر بن وائل؛ وابنه معد يكرب قبيلة قيس وكنانة وابنه سلمة قبيلتي تغلب والنمر بن قاسط.\rولكن هذا النفوذ لم يدم طويلاً؛ فقد عاد اللخميون إلى نفوذهم في الحيرة وقربهم من ملك فارس؛ ودسوا الدسائس لأولاد الحارث فقتل سلمة وشرحبيل وتنكر بنو أسد لحجر؛ ونبذوا طاعته؛ وأمسكوا عن دفع الأتاوة له. واستعان حجر بجند من ربيعة وأعمل في بني أسد السيف؛ واستباح أموالهم؛ وحبس أسرافهم؛ ومنهم عبيد بن الأبرص الشاعر؛ ثم رق لهم وأطلق سراحهم فحقدوا عليه واغتالوه.\rوفي أخبار الرومان أن حجراً وأخاه معد يكرب قاما ببعض غزوات على حدود المملكة البيزنطية من أواخر القرن الخامس الميلادي.\rوبموت حجر تضعضعت سلطة كندة.\r- ٢ - نشأ امرؤ القيس في بيت ملك واسع الجاه، وكان من صباح ذكياً متوقد الذهن فلما ترعرع أخذ يقول الشعر ويصور به عواطفه وأحلامه. نشأ نشأت ترف؛ يحب اللهو ويشبب بالنساء ويقول في ذلك الشعر الماجن. فطرده أبوه وآلى ألا يقيم معه فكان يسير في أحياء العرب، ومعه طائفة من شباب القبائل الأخرى؛ كطيئ وكلب، وبكر بن وائل، يجتمعون على الشراب والغناء عند روضة أو غدير، ويخرج هو للصيد فيصيد ويطعمهم من صيده. وظل كذلك حتى جاءه نعي أبيه وهو بدمون (قرية بالشام وقيل في اليمن) ، فرووا أنه قال: \"ضيعني أبي صغيرا، وحملني دمه كبيرا، لا صحو اليوم، ولا سكر غدا، اليوم خمر، وغداً أمر\".\rرحل امرؤ القيس يستنصر القبائل للأخذ بثأر أبيه من بني أسد فاستنجد بقبيلتي بكر وتغلب فأعانوه وأوقعوا ببني أسد؛ وقتلوا منهم، واكتفت بكر وتغلب بذلك وقالوا له قد أصبت ثأرك وتركوه. ولكن امرؤ القيس كان يريد التنكيل ببني أسد ويحاول أن يعيد لنفسه ملك أبيه، فلم يقنعه ما فعلت بكر وتغلب، فذهب إلى أهله باليمن يستنصرهم، فأعانوه بجنود ذهب بهم إلى بني أسد، ولكن ملك الحيرة أخذ يؤلب عليه ويدس الدسائس له حتى فشل.. وظل شريداً يتنقل بين أمراء العرب حتى نزل أخيراً على السموءل بتيماء فأجاره. وطلب إليه امرؤ القيس أن يكتب إلى الحارث - أمير الغساسنة بالشام - ليوصله إلى قيصر ملك الرومان ويمهد لامرئ القيس السبيل للسفر إلى القسطنطينية؛ يطلب المعونة منه ليعيد ملكه فأجاب السموءل طلبه فأودعه امرؤ القيس امرأته ودروعاً له كان يتوارثها ملوك كندة، ورحل إلى قيصر. وكان ذلك في عهد القيصر (يوستنيانوس) .\rويرى أن القيصر أحسن وفادته، وكان السبب في ذلك - على ما يظهر - أن امرأ القيس كان طريد اللخميين في الحيرة، وأمراء الحيرة في كنف الفرس. والفرس أعداء الروم. فلعل (يوستنيانوس) أراد أن يعينه ويجعل منه ومن أعوانه جيشاً ينتقم بهم من أمراء الحيرة، ويصطنعه كما اصطنع غساسنة الشام.\rوقد ذكر بعض مؤرخي الرومان خبر رحلته إلى القسطنطينية، وسموه \"قيساً\" لا امرأ القيس، وذكروا أن القيصر وعده بإعادة ملكه ثم ولاه فلسطين، ولكن هذا لم يرض امرأ القيس فقفل راجعاً.\rولكن مؤرخي العرب يروون أن القيصر قبل وفادته وضم إليه جيشاً وفيهم جماعة من أبناء الملك؛ وأن قوماً من أصحاب قيصر قالوا له: \"إن العرب قوم غدر ولا تأمن أن يظفر بما يريد ثم يغزوك بمن بعثت معه\".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855726,"book_id":1864,"shamela_page_id":2,"part":null,"page_num":2,"sequence_num":2,"body":"وآخرون يروون أن بعض العرب ممن كان مع امرئ القيس ذكروا للقيصر أن امرأ القيس قال لقومه إنه كان يراسل ابنتك ويواصلها، فأرسل قيصر إليه حلة مسمومة فلما لبسها أسرع فيه السم وسقط جلده؛ ومن أجل هذا سمي \"ذا القروح\" ومات بأنقرة وهو عائد من القسطنطينية. والظاهر أن امرأ القيس أصيب أثناء عودته بمرض جلدي سبب له قروحاً.\rكان دين امرئ القيس الوثنية وكان غير مخلص لها. فقد روي أنه لما خرج للأخذ بثأر أبيه مر بصنم للعرب تعظمه يقال له ذو خلصة. فاستقسم بقداحه وهي ثلاثة: الآمر والناهي والمتربص. فأجالها فخرج الناهي. فعل ذلك ثلاثاً فجمعها وكسرها. وضرب بها وجه الصنم. وقال: \"لو كان أبوك قتل ما عقتني\".\rوكان امرؤ القيس يلقب بالملك الضليل؛ وبذي القروح؛ لما أصيب به في مرضه على ما ذكرناه.\r- ٣ -\rألوان من حياة امرئ القيس\rكان حجر في بني أسد، وكانت له عليهم إتاوة في كل سنة مؤقتة فغبر ذلك دهراً، ثم بعث إليهم جابيه الذي كان يجيبهم؛ فمنعوه ذلك - وحجر يومئذ بتهامة - وضربوا رسله؛ وضرجوهم ضرجاً شديداً قبيحاً.\rفبلغ ذلك حجراً، فسار إليهم بجند من ربيعة وقبس وكنانة. فأتاهم وأخذ سراتهم. فجعل يقتلهم بالعصا. وأباح الأموال؛ وصيرهم إلى تهامة؛ وآلى بالله ألا يساكنوهم في بلد أبداً؛ وحبس منهم عمرو بن مسعود الأسدي، وكان سيداً؛ وعبيد بن الأبرص الشاعر؛ فسارت بنو أسد ثلاثاً.\rثم إن عبيد بن الأبرص قام فقال: أيها الملك اسمع مقالتي:\rيا عين فابكي من بني ... أسد فهم أهل الندامة\rأهل القباب الحمر والن ... عم المؤبل والمدامة\rوذوي الجياد الجرد والأ ... سل المثقفة المقامة\rحلا أبيت اللعن حلا ... إن فيما قلت آمة\rفي كل واد بين يث ... رب فالقصور إلى اليمامة\rتطريب عان أو صيا ... ح محرق أو صوت هامة\rومنعتهم نجداً فقد ... حلو على وجل تهامة\rبرمت بنو أسد كما ... برمت ببيضتها الحمامة\rجعلت لها عودين من ... نشم وآخر من ثمامة\rإما تركت عف ... واً أو قتلت فلا ملامة\rأنت المليك عليهم ... وهم العبيد إلى القيامة\rذلوا لسوطك مثل ما ... ذل الأشيقر ذو الخزامة\rفرق لهم حجر حين سمع قوله، فبعث في أثرهم فأقبلوا، حتى إذا كانوا على مسيرة يوم من تهامة تكهن كاهنهم فقال لبني أسد: من الملك الأصهب، الغلاب غير المغلب، في الإبل كأنها الربرب، لا يعلق رأسه الصخب؟ هذا دمه ينثعب وهذا غداً أول من يسلب.\rقالوا: من هو؟ قال: لولا أن تجيش نفس جاشية؛ لأخبرتكم أنه حجر ضاحية.\rفركبوا كل صعب وذلول، فما أشرق لهم النهار حتى أتوا على عسكر حجر فهجموا على قبته، وهزموا أصحابه وأسروه فحبسوه، وتشاور القوم على قتله، فقال لهم كاهن من كهنتهم بعد أن حبسوه ليروا رأيهم فيه: أي قوم! لا تعجلوا بقتل الرجل حتى أزجر لكم.\rفانصرف عن القوم لينظر لهم في قتله، فلما رأى ذلك علباء بن الحارث الكاهلي خشي أن يتواكلوا في قتله، فدعا غلاماً من بني كاهل - وكان ابن أخته - فقال: يا بني، أعندك خير فتثأر بأبيك، وتنال شرف الدهر، وإن قومك لن يقتلوك؟!.\rفلم يزل بالغلام حتى حربه، ودفع إليه حديدة وقد شحذها وقال: ادخل عليه مع قومك، ثم اطعنه في مقتله.\rفعمد الغلام إلى الحديدة فخبأها، ثم دخل على حجر في قبته التي حبس فيها.\rفلما رأى الغلام غفلة وثب عليه فقتله؛ فوثب القوم على الغلام فقالت بنو كاهل: ثأرنا وفي أيدينا!.\rفقال الغلام: إنما ثأرت بأبي، فخلوا عنه.\rوأقبل كاهنهم المزدجر فقال: أي قوم! قتلتموه! ملك شهر، وذل دهر، أما والله لا تحظون عند الملوك بعده أبدا.\rولما طعن الغلام حجراً ولم يجهز عليه، أوصى ودفع كتابه إلى رجل وقال له: انطلق إلى ابني نافع. وكان أكبر ولده - فإن بكى وجزع فاله عنه؛ واستقرهم واحداً واحداً؛ حتى تأتي امرأ القيس - وكان أصغرهم - فأيهم لم يجزع؛ فادفع إليه سلاحي وخيلي وقدوري ووصيتي، وبين في وصيته من قتله؛ وكيف كان خبره.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855727,"book_id":1864,"shamela_page_id":3,"part":null,"page_num":3,"sequence_num":3,"body":"فانطلق الرجل بوصيته إلى نافع ابنه، فأخذ التراب فوضعه على رأسه؛ ثم استقراهم واحداً واحداً، فكلهم فعل ذلك؛ حتى أتى امرأ القيس فوجده مع نديم له يشرب الخمر ويلاعبه بالنرد؛ فقال له: قتل حجر، فلم يلتفت إلى قوله، وأمسك نديمه. فقال له امرؤ القيس، اضرب فضرب، حتى إذا فزع قال: ما كنت لأسد عليك دستك.\rثم سأل الرسول عن أمر أبيه كله، فأخبره؛ فقال الخمر علي والنساء حرام، حتى أقل من بني أسد مائة وأجز نواصي مائة.\rوكان امرؤ القيس قد طرده أبو حجر، وآلى ألا يقيم معه أنفة من قوله الشعر - وكانت الملوك تأنف من ذلك - فكان يسير في أحياء العرب ومعه أخلاط من شذاذ العرب: من طيئ وكلب وبكر بن وائل، فإذا صادف غديراً أو روضة أو موضع صيد أقام فذبح لمن معه في كل يوم؛ وخرج للصيد فتصيد فأكل وأكلوا معه. وشرب الخمر وسقاهم. وغنته قيانه.\rولا يزال كذلك حتى ينفذ ماء ذلك الغدير. ثم ينتقل عنه إلى غيره. فأتاه خبر أبيه ومقتله وهو بدمون من أرض اليمن. فقال:\rتطاول الليل على دمون ... دمون إنا معشر يمانون\rوإننا لأهلنا محبون\rثم قال: ضيعني صغيراً، وحملني دمه كبيراً. لا صحو اليوم؛ ولا سكر غداً، \"اليوم خمر، وغداً أمر\". ثم قال:\rخليلي لا في اليوم مصحى لشارب ... ولا في غد إذ ذاك ما كان يشرب.\rوقدم على امرئ القيس بن حجر الكندي بعد مقتل أبيه رجالات من بني أسد، فيهم المهاجر بن خداش؛ وعبيد بن الأبرص، وقبيصة بن نعيم - وكان رجلاً مقيماً في بني أسد ذا بصيرة بمواقع الأمور ورداً وإصداراً، يعرف ذلك له من كان محيطاً بأكناف بلده من العرب.\rفلما علم امرؤ القيس بمكانهم أمر بإنزالهم، وتقدم في إكرامهم والإفضال عليهم. واحتجب عنهم ثلاثا.\rفقالوا لمن ببابه من رجال كندة: ما بال الرجل لا يخرج إلينا؟ فقيل لهم: هو في شغل بإخراج ما في خزائن حجر من العدة والسلاح! فقالوا: اللهم غفرا! إنما قدمنا في أمر نتناسى به ذكر ما سلف. ونستدرك به ما فرط. فليبلغ ذلك عنا.\rفخرج إليهم بعد ثلاث في قباء وخف غمامة سوداء - وكانت العرب لا تعتم بالسواد إلا في التراث - فلما رأوه نهضوا له. وبدر إليه قبيصة فقال: إنك في المحل والقدر والمعرفة بتصرف الدهر. وما تحدثه أيامه وتتنقل به أحواله، بحيث لا تحتاج إلى تبصير واعظ. ولا تذكرة مجرب. ولك من سؤدد منصبك، وشرف أعراقك، وكرم أصلك في العرب محتمل يحتمل ما حمل عليه من إقالة العثرة، والرجوع عن الهفوة ولا تتجاوز الهمم إلى غاية إلا رجعت إليك فوجدت عندك من فضيلة الرأي وبصيرة الفهم وكرم الصفح ما يطول رغباتها ويستغرق طلباتها.\rوقد كان الذي كان من الخطب الجليل، الذي عمت رزيته نزاراً واليمن. ولم تخصص به كندة دوننا للشرف البارع الذي كان لحجر، ولولا كان يفدى هالك بالأنفس الباقية بعده لما بخلت كرائمنا على مثله ببذل ذلك، ولفديناه منه. ولكن مضى به سبيل لا يرجع أولاه على أخراه ولا يلحق أقصاه أدناه.\rفأحمد الحالات في ذلك: أن تعرف الواجب عليك في إحدى خلال ثلاث إما أن اخترت من بني أسد أشرفها بيتاً وأعلاها في بناء المكرمات صوتاً فقدناه إليك بنسعة تذهب مع شفرات حسامك بباقي قصرته. فيقال: رجل امتحن بهلك عزيز عليه. فلم تستل سخيمته إلا بتمكينه من الانتقام أو فداء بما يروح على بني أسد من نعمها فهي ألوف تجاوز الحسبة وكان ذلك فداء ترجع به القضب إلى أجفانها لم يردده تسليط الإحن على البراء وإما أن توادعنا حتى تضع الحوامل فتسدل الأزر وتعقد الخمر فوق الرايات.\rفبكى امرؤ القيس ساعة ثم رفع طرفه إليهم فقال قد علمت العرب أن لا كفء لحجر في دم وأني لن أعتاض به ناقة أو جملاً فأكتسب بذلك سبة الأبد وفت العضد وأما النظرة فقد أوجبتها الأجنة في بطون أمهاتها وإني لن أكون لعطبها سبيا وستعرفون طلائع كندة من بعد ذلك تحمل في القلوب حنقا وفوق الأسنة علقا.\r\rإذا جالت الخيل في مأزق ... تصافح فيه المنايا النفوسا\rأتقيمون أم تنصرفون؟ قالوا بل ننصرف بأسوأ الاختيار لحرب وبلية، ومكروه وأذية. ثم نهضوا عنه وقبيصة يقول متمثلا:\rلعلك أن تستوخم الموت إن غدت ... كتائبنا في مأزق الموت تمطر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855728,"book_id":1864,"shamela_page_id":4,"part":null,"page_num":4,"sequence_num":4,"body":"فقال امرؤ القيس لا والله لا أستوخمه ولكن أستعذبه فرويداً ينكشف لك دجاها عن فرسان كندة وكتائب حمير. ولقد كان ذكر غير هذا أولى بي، إذ كنت نازلاً بربعي، ومتحرماً بذمامي، ولكنك قلت فأجبت.\rقال قبيصة: إن ما نتوقع فوق قدر المعاتبة والإعتاب. قال امرؤ القيس: هو ذاك!.\rثم شرب امرؤ القيس سبعا، فلما صحا آلى ألا يأكل لحما، ولا يشرب خمرا، ولا يدهن بدهن، ولا يصب امرأة حتى يدرك بثأره، فلما جنه الليل رأى برقاً فقال:\rأرقت لبرق بليل أهل ... يضيء سناه بأعلى الجبل\rأتاني حديث فكذبته ... بأمر تزعزع منه القلل\rبقتل بني أسد ربهم ... ألا كل شيء سواه جلل\rفأين ربيعة عن ربها ... وأين تميم وأين الخول\rألا يحضرون لدى بابه ... كما يحضرون إذا ما أكل\rوارتحل امرؤ القيس حتى نزل بكراً وتغلب، فسألهم النصر، وبعث العيون على بني أسد، فلما كان الليل قال لهم علباء: يا معشر بني أسد، تعلمون والله أن عيون امرئ القيس قد أتتكم، ورجعت إليه بخبركم، فارحلوا بليل، ولا تعلموا بني كنانة، ففعلوا.\rوأقبل امرؤ القيس بمن معه من بكر وتغلب، حتى انتهى إلى بني كنانة، وهو يحسبهم بني أسد، فوضع السلاح فيهم، وقال: يا لثارات الملك! يا لثارات الهمام. فخرجت إليه عجوز من بني كنانة فقالت: أبيت اللعن! لسنا لك بثأر، ونحن من كنانة فدونك ثأرك فاطلبهم؛ فإن القوم ساروا بالأمس.\rفتبع بني أسد ففاتوه ليلتهم تلك؛ فقال:\rألا يا لهف هند إثر قوم ... هم كانوا الشفاء فلم يصابوا\rوقاهم جدهم ببني أبيهم ... وبالأشقين ما كان العقاب\rوأفلتهن علباء جريضا ... ولو أدركنه صفر الوطاب\rوأدركهم ظهراً، وقد تقطعت خيله، وقطع أعناقهم العطش، وبنو أسد جامون على الماء؛ فنهد إليهم فقالتهم حتى كثرت الجرحى والقتلى فيهم وحجز الليل بينهم وهربت بنو أسد.\rفلما أصبحت بكر وتغلب أبوا أن يتبعوهم؛ وقالوا له: لقد أصبت ثأرك. قال: والله ما فعلت ولا أصبت من بني كاهل ولا من غيرهم من بني أسد أحداً. قالوا: بلى، ولكنك رجل مشؤوم، وكرهوا قتالهم، وانصرفوا عنه، فمضى هارباً لوجهه حتى لحق بحمير.\rفاستأجر من قبائل العرب رجالاً، فسار بهم إلى بني أسد، ومر بتبالة وبها صنم للعرب تعظمه، فاستقسم عنده بقداحة، وهي ثلاثة: الآمر، والناهي، والمتربص. فأجالها فخرج الناهي، ثم أجالها فخرج الناهي، فجمعها فكسرها وضرب بها وجه الصنم وقال: لو أبوك قتل ما عقني، ثم خرج فظفر ببني أسد.\rوألح المنذر في طلب امرئ القيس، ووجه الجيوش في طلبه من إياد وبهراء وتنوخ، وأمده أنو شروان بجيش من الأساورة فسرحهم في طلبه، فلم يكن لامرئ القيس بهم طاقة؛ وتفرقت حمير ومن كان معه عنه، فنجا في عصبه من بني آكل المرار؛ ونزل ببعض رؤساء القبائل يستجير بهم وصار يتحول عنهم إلى غيرهم؛ حتى نزل برجل من بني فزارة يقال له عمرو بن جابر بن مازن، فطلب منه الجوار، حتى يرى ذات عيبه.\rفقال له الفزاري: يابن حجر؛ إني أراك في خلل من قومك؛ وأنا أنفس بمثلك من أجل الشرف؛ وقد كدت بالأمس تؤكل في دار طيئ؛ وأهل البادية أهل وبر؛ لا أهل حصون تمنعهم، وبينك وبين أهل اليمن ذؤبان من قيس، أفلا أدلك على بلد! فقد جئت قيصر، وجئت النعمان، فلم أر لضيف نازل ولا لمجتد مثله ولا مثل صاحبه.\rقال: من هو؟ وأين منزله؟ قال: السموءل بتيماء، هو يمنع ضعفك حتى ترى عيبك، وهو في حصن حصين وحسب كبير.\rفقال له امرؤ القيس: وكيف لي به؟ قال أو صلك إلى من يوصلك إليه.\rفصحبه إلى رجل من بني فزارة يقال له الربيع بن ضبع الفزاري ممن يأتي السموءل فيحمله ويعطيه.\rفلما صار إليه قال له الفزاري: إن السموءل يعجبه الشعر؛ فتعال نتناشد له أشعاراً؛ فقال امرؤ القيس: قل حتى أقول. فقال الربيع:\rقل للمنية أي حين نلتقي ... بفناء بيتك في الحضيض المزلق\rولقد أتيت بني المصاص مفاخراً ... وإلى السموءل زرته بالأبلق\rفأتيت أفضل من تحمل حاجة ... إن جئته في غارم أو مرهق\rعرفت له الأقوام كل فضيلة ... وحوى المكارم سابقاً لم يسبق\rفقال امرؤ القيس:\rطرقتك هند بعد طول تجنب ... وهنا ولم تك قبل ذلك تطرق","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855729,"book_id":1864,"shamela_page_id":5,"part":null,"page_num":5,"sequence_num":5,"body":"ثم مضى القوم حتى قدموا إلى السموءل فأنشدوه الشعر؛ وعرف لهم حقهم؛ ثم إنه طلب إليه أن يكتب له إلى الحارث بن أبي شمر الغساني ليوصله إلى قيصر. ومضى حتى انتهى إلى قيصر؛ فقبله وأكرمه؛ وكانت له عنده منزلة.\rثم إن قير ضم إليه جيشاً كثيفاً؛ فيه جماعة من أبناء الملوك، فلما فصل قال لقيصر قوم من أصحابه: إن العرب قوم غدر، ولا تأمن أن يظفر بما يريد؛ ثم يغزوك بمن بعثت معه.\rفبعث إليه حينئذ بحلة وشى مسمومة منسوجة بالذهب، وقال له إني أرسلت إليك بحلتي كنت ألبسها تكرمة لك؛ فإذا وصلت إليك فالبسها باليمن والبركة، واكتب إلي بخبرك من منزل إلى منزل.\rفلما وصلت إليه لبسها، واشتد سروره بها، فأسرع فيه السم وسقط جلده، فقال:\rلقد طمح الطماح من بعد أرضه ... ليلبسني مما يلبس أبؤسا\rفلو أنها نفس تموت سوية ... ولكنها نفس تساقط أنفسا\rويروى أن امرأ القيس آلى بألية ألا يتزوج امرأة حتى يسألها عن ثمانية وأربعة واثنتين؛ فجعل يخطب النساء، فإذا سألهن عن هذا قلن: أربعة عشر.\rفبينا هو يسير في جوف الليل إذ هو برجل يحمل ابنة له صغيرة كائنها البدر ليلة تمامه، فأعجبته؛ فقال لها: يا جارية! ما ثمانية وأربعة واثنتان؟ فقالت: أما ثمانية فأطباء الكلبة؛ وأما أربعه فأخلاف الناقة، وأما اثنتان فثديا المرأة.\rفخطبها إلى أبيها، فزوجه إياها وشرطت عليه أن تسأله ليلة بنائها عن ثلاث خصال، فجعل لها ذلك، وأن يسوق إليها مائة من الإبل وعشرة أعبد وعشر وصائف وثلاثة أفراس، ففعل ذلك.\rثم إنه بعث عبداً له إلى المرأة، وأهدى إليها نحيا من سمن ونحيا من عسل وحلة من عصب، فنزل العبد ببعض المياه فنشر الحلة ولبسها فتعلقت بعشرة فانشقت؛ وفتح النحيين فطعم أهل الماء منهما فنقصا.\rثم قدم على حي المرأة وهم خلوف فسألها عن أبيها وأمها وأخيها ودفع إليها هديتها، فقالت له: أعلم مولاك أن أبي ذهب يقرب بعيداً ويبعد قريباً، وأن أمي ذهبت تشق النفس نفسين، وأن أخي يرعى الشمس؛ وأن سماءكم انشقت، وأن وعاءيكم نضبا.\rفقدم الغلام على مولاه فأخبره. فقال: أما قولها: إن أبي ذهب يقرب بعيداً ويبعد قريباً، فإن أباها ذهب يحالف قوماً على قومه. وأما قولها: ذهبت أمي تشق النفس نفسين، فإن أمها ذهبت تقبل امرأة نفساء. وأما قولها: إن أخي يرعى الشمس، فإن أخاها في سرح له يرعاه فهو ينتظر وجوب الشمس ليروح به. وأما قولها: إن سماءكم انشقت؛ فإن البرد الذي بعثت به انشق. وأما قولها: إن وعاءيكم نضبا؛ فإن النحيين الذين بعثت بهما نقصا فاصدقني!.\rفقال: يا مولاي، إني نزلت بماء من مياه العرب، فسألوني من نسبي فأخبرتهم أني ابن عمك، ونشرت الحلة فانشقت، وفتحت النحيين فأطعمت منها أهل الماء. فقال: أولى لك!. ثم ساق مائة من الإبل وخرج نحوها ومعه الغلام، فنزلا منزلاً، فخرج الغلام يسقي الإبل فعجز، فأعانه امرؤ القيس، فرمى به الغلام في البئر، وخرج حتى أتى أهل المرأة بالإبل وأخبرهم أنه زوجها، فقيل لها: قد جاء زوجك، فقالت: والله ما أدري أزوجي هو أم لا! ولكن انحروا له جزوراً وأطعموه من كرشها وذنبها، ففعلوا فأكل ما أطعموه، فقالت: اسقوه لبناً حازراً، فسقوه فشرب. فقالت: افرشوا له عند الفرث والدم، ففرشوا له فنام.\rفلما أصبحت أرسلت إليه: إني أريد أن أسألك، فقال: سلي عما شئت، فسألته فلم يعجبها جوابه، فقالت: عليكم العبد فشدوا أيديكم به؛ ففعلوا.\rقال: ومر قوم فاستخرجوا امرأ القيس من البئر، فرجع إلى حيه، فاستاق مائة من الإبل وأقبل إلى امرأته، فقال لها: قد جاء زوجك! فقالت: والله ما أدري أهو زوجي أم لا، ولكن انحروا له جزوراً فأطعموه من كرشها وذنبها ففعلوا. فلما أتوه بذلك قال: وأين الكبد والسنام والملحاء! وأبى أن يأكل. فقالت: اسقوه لبناً حازراً؛ فأبى أن يشربه وقال: فأين الصريف والرثئة؟ فقالت: افرشوا له عند الفرث والدم، فأبى أن ينام وقال: افرشوا لي فوق التلعة الحمراء، واضربوا عليها خباء.. ثم أرسلت إليه: هلم شريطتي عليك في المسائل الثلاثة فأرسل إليها أن سلي عما شئت. فسألته، فأعجبها جوابه فقالت: هذا زوجي لعمركم؛ عليكم به، واقتلوا العبد، فقتلوه ودخل امرؤ القيس بالجارية.\r- ٤ -\rشعر امرئ القيس","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855730,"book_id":1864,"shamela_page_id":6,"part":null,"page_num":6,"sequence_num":6,"body":"امرؤ القيس أسبق شعراء العربية إلى ابتداع المعاني والتعبير عنها، افتتح أبواباً من الشعر ووفق إلى تشبيهات وطوق موضوعات لم يسبق إليها. ففتح باب الغزل وأطال الوصف، وأمعن فيه، وأبدع تصويره هذا إلى لفظ جزل موجز. وسبك محكم يتخلله مثل مرسل، وحكمة بالغة.\rوكان شعره مرآة لحياته، وتاريخ قومه. فقد ذكرنا أنه كان لاهياً مولعاً بالشراب. فكذلك كان شعره في شبابه صورة لحياته.\rيمثل شعره حياته وترفه في بدء شبابه. فقد كان يخرج إلى الصيد بالطهاة يطهون له ولصحبه ما يصيد:\rوظل طهاة اللحم ما بين منضج ... صفيف شواه أو قدير معجل\rحتى إذا انتهت حياة اللهو والترف وحمل عبء أبيه كان شعره صورة لآماله:\rفلو أن ما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني، ولم أطلب، قليل من المال\rولكنما أسعى لمجد مؤثل ... وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي\rوهو يصف حزنه على أبيه. وتهديده لقتلته بني أسد:\rتطاول ليلك بالأثمد ... ونام الخلى ولم ترقد\rوبات وباتت له ليلة ... كليلة ذي العائر الأرمد\rوذلك من نبأ جاءني ... وخبرته عن أبي الأسود\rولو عن نثا غيره جاءني ... وجرح اللسان كجرح اليد\rلقلت من القول ما لايزا ... ل يؤثر عني يد المسند\rفإن تدفنوا الداء لا نخفه ... وإن تبعثوا الحرب لا تقعد\rوإن تقتلونا نقتلكمو ... وإن تقصدوا لدم نقصد\rوأعددت للحرب وثابة ... جواد المحثة والمرود\rوهو يتردد في القبائل يتصرخها، يمدح من نصره، ويذم من خذله، فيمدح سعد بن ضباب الإيادي. وكان قد نزل به فأنجده:\rسأشكرك الذي دافعت عني ... وما يجزيك مني غير شكري\rفما جاء بأوثق منك جاراً ... ونصرك للفريد أعز نصر\rويهجو سبيع بن عوف:\rأبلغ سبيعاً إن عرضت رسالة ... إني كظنك إن عشوت أمامي\rأقصر إليك من الوغيد فإنني ... مما ألاقي لا أشد حزامي\rثم هو يذهب إلى قيصر فيصف ذلك في شعره:\rبكى صاحبي لما رأى الدرب دونه ... وأيقن أنا لاحقان بقيصرا\rفقلت له لا تبك عينك إنما ... نحاول ملكاً أو نموت فنعذرا\rوهكذا كان شعره صورة لما روي من حياته.\rوأشهر شعره معلقته، ومطلعها:\rقفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل\rوتقع في واحد وثمانين بيتاً. وقد نظمها في أيام شبابه ولهوه وموضوعها الغزل في بنت عمه عنيزة.\rوله مطولات أخرى ذكرت في ديوانه وهو على كل حال قد امتاز بجودة الوصف، ولاسيما النساء والفرس والصيد. كما امتاز بكثرة متشبيه المبكر فشبه النساء بالظباء والبيض وشبه الخيل بالعقبان والعصي إلى كثير من أمثال ذلك. وقل أن ترى له أبياتاً خلت من التشبيه. وكان لرحلاته الكثيرة إلى الشام واليمن وغيرهما أثر في سعة خياله وحسن تصويره واستعماله ألفاظاً جديدة، فشبه في معلقته إشراق محبوبته بسراج الراهب، وحسن تصويره، وشبه ترائبها (وهي موضع القلادة منها) بالسجنجل (وهي كلمة رومية معناها المرآة) ، وهكذا.\rوأورث امرؤ القيس الأدب العربي أبياناً كثيرة يتمثل بها كقوله: (وحسبك من غنى شبع ورى) ، وقوله:\rوقد طوفت في الآفاق حتى ... رضيت من الغنيمة بالإياب\rوقوله:\rبنو أسد قتلوا ربهم ... ألا كل شيء سواه الجلل\rوقوله:\rوإنك لم يفخر عليك كفاخر ... ضعيف ولم يغلبك مثل مغلب\rوقوله:\rكذلك جدى لا أصاحب صاحباً ... من الناس إلا خانني وتغيرا\rوديوان امرئ القيس مشروح عدة شروح وطبع في باريس ومصر. وجمع أشعار امرئ القيس عدة من العلماء، وطبع ديوانه العلامة دي ستان في باريس سنة ١٨٢٨ مع ترجمة لاتينية. وجمع الأب لويس شيخو اليسوعي أهم أخبار وأشعار امرئ القيس من كتب عديدة وسردها في كتابه المعروف بشعراء النصرانية المطبوع في بيروت سنة ١٨٩٠.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855731,"book_id":1864,"shamela_page_id":7,"part":null,"page_num":7,"sequence_num":7,"body":"ويعد امرؤ القيس أفحل شعراء الجاهلية وإمامهم ويقولون إنه كان أول من ابتدأ في شعره بذكر طلول محبوبته وباليقين في الأوصاف حتى إنه بلغ في ذلك مبلغاً عظيماً وانه طبع في كل قصيدة من قصائده صوراً كثيرة من حياة البدو أنشدها على نسق واحد بديع مقبول فإن تشبيهات واستعاراته حسنة جداً ولم يصل أحد إلى ما وصل إليه امرؤ القيس في المديح والهجو وأحسن صنعة في شعره هو وصفه جواده، فليس له في ذلك مثيل، ولذلك ضرب المثل بامرئ القيس إذا ركب والنابغة إذا رهب وزهير إذا رغب وهو أحد الأربعة الذين وقع الاتفاق على أنهم أشعر شعراء العرب: امرؤ القيس والنابغة وزهير والأعشى واختلفوا في أيهم أشعر وأحسن ديباجة شعر والأكثرون على أنه امرؤ القيس.\rقال لبيد: أشعر الناس ذو القروح. وقال الفرزدق: كان الشعر جملاً فنحر فجاء امرؤ القيس فأخذ رأسه. وقال جرير: اتخذ الخبيث الشعر نعلين.\rوقال رسول الله ﷺ في امرئ القيس: إنه يقدم بلواء الشعر إلى النار. وقال علي بن أبي طالب: رأيت امرأ القيس أحسن الشعراء نادرة وأسبقهم بادرة وأنه لم يقل لرغبة ولا لرهبة.\rوقد أجاد امرؤ القيس في الغزل والوصف ووصف الخيل والصيد وتشبيه النساء بالظباء والمها إلى غير ذلك مما ابتكره من معان واهتدى إليه من أغراض. وله أبيات وقصائد غير صحيحة النسبة إليه وينكر بعض الرواة أبياته في معلقته:\rوقربة قوم قد جعلت عصامها ... على كاهل مني ذلول مرحل\rإلى آخر هذه الأبيات.\r\rآراء النقاد في شعره\rأقبل قوم من أهل اليمن يريدون النبي ﷺ فضلوا الطريق ووقعوا على غيرهما ومكثوا ثلاثاً لا يجدون الماء، ثم أقبل راكب فسمع بعضهم ينشد:\rولما رأت أن الشريعة همها ... وأن البياض من فرائصها دامي\rتيممت العين التي عند ضارج ... يفيء عليها الظل عرمضها طامي\rفقال: من يقول هذا؟ قيل امرؤ القيس. قال: والله ما كذب هذا عارض عندكم. وأشار لهم إليه فوصلوه فإذا ماء عذب وإذا عليه العرمض والظل يفيء عليه فشربوا منه وحملوا ولما أتوا النبي قالوا يا رسول الله أحيانا الله ﷿ ببيتين من شعر امرئ القيس وأنشدوهما. فقال ﷺ: \"ذلك رجل مذكور في الدنيا شريف فيها متسي في الآخرة خامل فيها يجيء يوم القيامة معه لواء الشعر إلى النار\".\rوسأل العباس بن عبد المطلب عمر بن الخطاب عن الشعراء، فقال امرؤ القيس سابقهم خسف لهم عين الشعر فافتقر من معان عور أصح بصر.\rوقال علي بن أبي طالب: \"رأيت امرأ القيس أحسن الشعراء نادرة وأسبقهم بادرة وأنه لم يقل لرغبة ولا رهبة\".\rومر لبيد بالكوفة على مجلس وهو يتوكأ على محجن له فسألوه عن أشعر العرب فقال: الملك الضليل ذو القروح.\rوسئل جرير رأيه في امرئ القيس فقال: \"اتخذ الخبيث الشعر نعلين\"، وهذا رأي يمثل اقتدار امرئ القيس على الشعر وشدة تمكنه منه.\rوقيل للفرزدق من أشعر الناس يا أبا فراس؟ فقال: ذو القروح. قيل حين يقول ماذا؟ قال: حين يقول:\rوقاهم جدهم ببني أبيهم ... وبالأشقين ما كان العقاب\rوقال ابن يحيى: سمعت من لا أحصى من الرواة يقولون: \"أحسن الناس ابتداء في الجاهلية امرؤ القيس حيث يقول: \"ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي\"؛ وحيث يقول: \"قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل\"؛ وفي الإسلام القطامى حيث يقول: \"إنا محيوك فاسلم أيها الطلل\"؛ ومن المحدثين بشار حيث يقول:\rأبى طلل بالجزع أن يتكلما ... وماذا عليه لو أجاب متيما\rوقال بشار: لم أزل منذ سمعت قول امرئ القيس في تشبيهه بشيئين في بيت واحد حيث يقول:\rكأن قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العناب والحشف البالي\rأعمل نفسي في تشبيه شيئين بشيئين في بيت واحد حتى قلت:\rكأن مثار النقع فوق رؤوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه\rوكان أبو عبيد الله بن محمد بن صفوان الجمحي يقول: أنسب بيت قالته العرب قول امرئ القيس:\rوما ذرفت عيناك إلا لتضربي ... بسهميك في أعشار قلب مقتل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855732,"book_id":1864,"shamela_page_id":8,"part":null,"page_num":8,"sequence_num":8,"body":"وقال حماد بن إسحق قال لي أبو ربيعة لو لم تكن هذه القصيدة \"بزينب ألمم\" لنصيب؛ شعر من كانت تشبه؟ قلت: شعر امرئ القيس \"لأنها جزلة الكلام جيدة. فقال: سبحان الله قلت: ما شأنك؟ قال: سألت أباك عن هذا فقال لي مثل ما قلت\" فعجبت من اتفاقكما.\rوفي أسطورة أدبية رواها صاحب الجمهرة سئل جني من أشعر العرب؟ فقال:\rذهب ابن حجر بالقريض وقوله ... ولقد أجاب فما يعاب زياد\rويقول الآمدي: \"وفضل امرؤ القيس لأن الذي في شعره من دقيق المعاني وبديع الوصف ولطيف التشبيه وبديع الحكمة؛ فوق ما استعار سائر الشعراء منه في الجاهلية والإسلام. ولولا لطيف المعاني واجتهاد امرئ القيس فيها وإقباله عليها لما تقدم على غيره ولكان كسائر شعراء أهل زمانه. ألا ترى أن العلماء بالشعر إنما احتجوا في تقديمه بأن قالوا هو أول من شبه الخيل بالعصا وذكر الوحش والطير وأول من قال قيد الأوابد الخ. فهل هذا التقديم إلا لأجل معانيه.\rومن آثار شعر الطبيعة عند امرئ القيس وصفه الجميل الرائع لليل وطوله:\rوليل كموج البحر أرخى سدوله ... علي بأنواع الهموم ليبتلي\rفقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازاً وناء بكلكل\rألا أيها الليل الطويل ألا انحلي ... بصبح وما الأصباح منك بأمثل\rفيا لك من ليل كأن نجومه ... بكل مغار الفتل شدت بيذبل\rوالقارئ يقف أمام هذه القطعة الفنية الجميلة متأملاً معجباً مشدوهاً من روعة البيان وجمال التصوير ورقة التعبير وقوة التأثير ومن هذه الشخصية الفنية الكاملة التي تبرز من هذه الأبيات في وضوح وقوة وجمال.\rالليل رهيب، ظلماته كالموج، اللجى؛ وقد أقبل على الشاعر، فأثار في نفسه الذكريات، وهاج كوامن الأحزان وبعث الهموم من مرقدها، وترك النفس موزعة حيرى مفزعة.\rواستمرت صور الماضي وأحداث الحاضر تتراءى أمام عينيه يتذكرها ويذكرها، يتذكر حياته اللاهية العابثة في صباح، وهذه الآمال والآلام التي تعتلج في صدره وذكريات الحب والأحباب المؤثرة الباقية.\rوطال الليل على الشاعر وطال، وامتد وامتد، فرسم لطوله هذه الصورة البارعة التي تجدها في البيت الثاني، فكأنه يتمطى بصلبة، وكأن أعجازه وأواخره يردف بعضها بعضاً، وكأنه يقع بصدره على المهمومين والمحزونين ليوسعهم ألماً وشقاء.\rويتمنى الشاعر أن يذهب الليل بظلمته ورهبته؛ وأن يشرق الصبح بضوئه وجماله ولكنه يعود فيتذكر أن أحزانه كامنة في نفسه فلن يسري عنها إشراق الصباح ولا ضجيج الحياة في أول النهار.\rوتستمر الصور والذكريات تطوف بخيال الشاعر وأمام عينيه اليقظتين والليل كما هو لم يذهب ولم يطلع الصباح الجميل، وكأنه لا يريد أن يذهب بل كأنه مشدود بحبال قوية شدت بصخرة من صخور هذا الجبل الغليظ.\rصور جميلة لا يعدل جمالها جمال، وخيال يقظ مشبوب لا يماثله في استنباط دقائق التصوير خيال.\rوهكذا كان امرؤ القيس وبحق ما كان زعيم الشعراء في الجاهلية.\rويرى الأصمعي أن أحسن الناس تشبيهاً امرؤ القيس في قوله:\rكأن قلوب الطير رطباً ويابسا ... لدى وكرها العناب والحشف البالي\rوفي قوله:\rكأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب\rوفي قوله:\rولو عن نثا غيره جاءني ... وجرح اللسان كجرح اليد\rوفي قوله:\rسموت إليها بعدما نام أهلها ... سمو حباب الماء حالاً على حال\rوأن أبدع تشبيهاته قوله يصف فرساً:\rكأن تشوفه بالضحى ... تشوف أزرق ذي مخلب\rإذا قرعته جلال له ... تقول سلبت ولم تسلب\rفقال الرشيد للأصمعي: هذا حسن؛ وأحسن منه قوله:\rفرحنا بكابن الماء يجنب وسطنا ... تصوب فيه العين طوراً وترتقي\rواجتمع عبيد الأبرص وامرؤ القيس يوماً فقال عبيد: كيف معرفتك بالأوابد؟ فقال قل ما شئت تجدني كما أحببت. فقال عبيد:\rما حية ميتة قامت بميتتها ... درداء ما أنبتت ناباً وأضراسا\rفقال امرؤ القيس:\rتلك الشعير تسقى في سنابها ... قد أخرجت بعد طول المكث أكداسا\rفقال عبيد:\rما السرد والبيض والأسماء واحدة ... لا يستطيع لهن الناس تمساسا\rفقال امرؤ القيس:\rتلك السحائب والرحمن أنشأها ... روى بها من محول الأبيض أبياسا\rفقال عبيد:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855733,"book_id":1864,"shamela_page_id":9,"part":null,"page_num":9,"sequence_num":9,"body":"ما مرتجات على هول مراكبها ... يقطعن بعد المدى سيراً وأمراسا\rفقال امرؤ القيس:\rتلك النجوم إذا حانت مطالعها ... شبهتها في سواد الليل أقباسا\rفقال عبيد:\rما القاطعات لأرض لا أنيس بها ... تأتي سراعاً وما يرجعن أنكاسا\rفقال امرؤ القيس:\rتلك الرياح إذا هبت عواصفها ... كفى بأذيالها للترب كناسا\rفقال عبيد:\rما الفاجعات جهاراً في علانية ... أشد من فيلق ملمومة باسا\rفقال امرؤ القيس:\rتلك المنايا فما يبقين من أحد ... يأخذن حمقاً وما يبقين أكياسا\rفقال عبيد:\rما السابقات سراع الطير في مهل ... لا يشتكين ولو طال المدى باسا\rفقال امرؤ القيس:\rتلك الجياد عليها القوم مذ نتجت ... كانوا لهن غداة الروع أحلاسا\rفقال عبيد:\rما القاطعات لأرض الجو في طلق ... قبل الصباح وما يسوين قرطاسا\rفقال امرؤ القيس:\rتلك الأماني يتركن الفتى ملكا ... دون السماء ولم ترفع له راسا\rفقال عبيد:\rما الحاكمون بلا سمع ولا بصر ... ولا لسان فصيح يعجب الناسا\rفقال امرؤ القيس\rتلك الموازين والرحمن أرسلها ... رب البرية بين الناس مقياسا\rومما يتصل بشعر امرئ القيس ما يروى من أنه وصل إلى حضرة سيف الدولة رجل من أهل بغداد، وكان ينقر العلماء والشعراء بما لم يدفعه الخصم ولا ينكره الوهم. فتلقاه سيف الدولة باليمن، وأعجب به إعجاباً شديداً، فقال يوماً: أخطأ امرؤ القيس في قوله:\rكأني لم أركب جواد اللذة ... ولم أتبطن كاعباً ذات خلخال\rولم أسبأ الزق الروى ولم أقل ... لخيلي كرى كرة بعد إجفال\rوهذا معدول عن وجهه ولاشك فيه.\rفقيل: وكيف ذلك؟ قال إنما سبيله أن يقول:\rكأني لم أركب جواداً ولم أقل ... لخيلي كرى كرة بعد إجفال\rولم أسبأ الزق الروى للذة ... ولم أتبطن كاعباً ذات خلخال\rفيقترن ذكر الخيل بما يشاكلها في البيت كله، ويقترن ذكر الشراب واللهو بالنساء؛ ويكون قوله \"للذة\" في الشرب أطبع منه في الركوب! فبهت الحاضرون، واهتز سيف الدولة، وقال: هذا النهدي وحق أبي!. فقال له بعض الحاضرين من العلماء: أنت أخطأت وطعنت في القرآن إن كنت تعمدت!.\rفقال سيف الدولة: وكيف ذلك؟ فقال: قال الله تعالى: إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى، وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى\"، وعلى قياسه يجب أن يكون: إن لك أن تجوع فيها ولا تظمأ ولا تعرى فيها ولا تضحى! وإنما عطفه امرؤ القيس بالواو التي لا توجب تعقيباً، ولا ترتب.. فخجل وانقطع!.\r\rشرح المختار من شعر امرئ القيس\r- ١ - قال امرؤ القيس بن حجر بن الحارث الكندي من معلقته المشهورة:\rقفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل\rلتوضح فالمقراة لم يعف رسمها ... لما نسجتها من جنوب وشمال\rترى بعر الآرام في عرصاتها ... وقيعانها كأنه حب فلفل\rكأني غداة البين يوم تحملوا ... لدى سمرات الحي ناقف حنظل\rوقوفاً بها صحبي علي مطيهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجمل\rوإن شفائي عبرة مهراقة ... فهل عند رسم دارس من معول\rكدأبك من أم الحريثرث قبلها ... وجارتها أم الرباب بمأسل\rففاضت دموع العين مني صبابة ... على النحر حتى بل دمعي مخملي\rألا رب يوم لك منهن صالح ... ولاسيما يوم بدارة جلجل\rويوم عقرت للعذارى مطيتي ... فيا عجبا من كورها المتحمل\rفظل العذارى يرتمين بلحمها ... وشحم كهداب الدمقس المفتل\rويوم دخلت الخدر خدر عنيزة ... فقالت لك الويلات إنك مرجلي\rتقول وقد مال الغبيط بنا معاً ... عقرت بعيري ياامرأ القيس فانزل\rفقلت لها سيري وأرخى زمامه ... ولا تبعديني من جناك المعلل\rفمثلك حبلى قد طرقت ومرضع ... فألهيتها عن ذي تمائم مخول\rإذا ما بكى من خلفها انصرفت له ... بشق وشقى تحتها لم يحول\rويوماً على ظهر الكثيب تعذرت ... علي وآلت حلفة لم تحلل\rأفاطم مهلاً بعض هذا التدلل ... وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي\rوإن تك قد ساءتك مني خليقة ... فسلي ثيابي من ثيابك تنسل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855734,"book_id":1864,"shamela_page_id":10,"part":null,"page_num":10,"sequence_num":10,"body":"أغرك مني أن حبك قاتلي ... وأنك مهما تأمري القلب يفعل\rوما ذرفت عيناك إلا لتضربي ... بسهميك في أعشار قلب مقتل\rوبيضة خدر لا يرام خباؤها ... تمتعت من لهو بها غير معجل\rتجاوزت أحراساً إليها ومعشراً ... علي حراصاً لو يسرون مقتلي\rإذا ما الثريا في السماء تعرضت ... تعرض أثناء الوشاح المفصل\rفجئت وقد فضت لنوم ثيابها ... لدى الستر إلا لبسة المتفضل\rفقالت يمين الله مالك حيلة ... وما إن أرى عنك الغواية تنجلي\rخرجت بها نمشي نجر وراءها ... على أثرينا ذيل مرط مرحل\rفلما أجزنا ساحة الحي وانتحى ... بنا بطن خبت ذي حقاف عقنقل\rهصرت بفودي رأسها فتمايلت ... علي هضيم الكشح ريا المخلخل\rإذا التفتت نحوي تضوع ريحها ... نسيم الصبا جاءت بريا القرنفل\rمهفهفة بيضاء غير مفاضة ... ترائبها مصقولة كالسجنجل\rكبكر مقاناة البياض بصفرة ... غذاها نمير الماء غير المحلل\rتصد وتبدي عن أسيل وتتقي ... بناظرة من وحش وجرة مطفل\rوجيد كجيد الرئم ليس بفاحش ... إذا هي نصته ولا بمعطل\rوفرع يغشى المتن أسود فاحم ... أثيث كقنو النخلة المتعثكل\rغدائره مستشزرات إلى العلى ... تضل المذارى في مثنى ومرسل\rوكشح لطيف كالجديل مخصر ... وساق كأنبوب السقي المذلل\rوتغطو برخص غير شثن كأنه ... أساريع ظبي أو مساويك إسحل\rتضيء الظلام بالعشاء كأنها ... منارة ممسى راهب متبتل\rوتضحى فتيت المسك فوق فراشها ... نئوم الضحى لم تنطق عن تفضل\rإلى مثلها يرنو الحليم صبابة ... إذا مااسبكرت بين درع ومجول\rتسلت عمايات الرجال عن الصبا ... وليس صباي عن هواها بمنسل\rألا رب خصم فيك ألوى رددته ... نصيح على تعذاله غير مؤتل\rوليل كموج البحر أرخى سدوله ... علي بأنواع الهموم ليبتلي\rفقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازاً وناء بكلكل\rألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل\rفيا لك من ليل كأن نجومه ... بكل مغار القتل شدت بيذبل\rكأن الثريا علقت في مصامها ... بأمراس كنان إلى صم جندل\rوقد اغتدى والطير في وكنانها ... بمنجرد قيد الأوابد هيكل\rمكر مفر مقبل مدبر معاً ... كجلمود صخر حطه السيل من عل\rكميت يزل اللبد عن حال متنه ... كما زلت الصفواء بالمتنزل\rمسح إذا ما السابحات على الونى ... أثرن غباراً بالكديد المركل\rعلى العقب جياش كأن اهتزامه ... إذا جاش فيه حميه غلا مرجل\rيطير الغلام الخف عن صهواته ... ويلوى بأثواب العنيف المتبل\rدرير كخذروف الوليد أغره ... تقلب كفيه بخيط موصل\rله أيطلا ظبي وساقا نعامة ... وإرخاء سرحان وتقريب تتفل\rكأن على الكتفين منه إذا انتحى ... مداك عروس أو صلاية حنظل\rوبات عليه سرجه ولجامه ... وبات بعيني قائماً غير مرسل\rفعن لنا سرب كأن نعاجه ... عذارى دوار في الملاء المذيل\rفأدبرن كالجرع المفصل بينه ... بجيد معم في العشيرة مخول\rفألحقنا بالهاديات ودونه ... جواجرها في صرة لم تزيل\rفعادى عداء بين ثور ونعجة ... دراكاً ولم ينضح بماء فيغسل\rوظل طهاة اللحم ما بين منضج ... صفيف شواء أو قدير معجل\rورحنا وراح الطرف ينفض رأسه ... متى ما ترق العين فيه تسفل\rكأن دماء الهاديات بنحره ... عصارة حناء بشيب مرجل\rوأنت إذا استدبرته سد فرجه ... بضاف فويق الأرض ليس بأعزل\rأحار ترى برقاً أريك وميضه ... كلمع اليدين في حبي مكلل\rيضيء سناه أو مصابيح راهب ... أهان السليط في الدبا والمفتل\rقعدت له وصخبتي بين حامر ... وبين إكام بعد ما متأمل\rوأضحى يسج الماء عن كل فيقة ... يكب على الأذقان دوح الكنهبل\rوتيماء لم يترك بها جذع نخلة ... ولا أطماً إلا مشيداً بجندل\rكأن ذرى رأس المجيمر غدوة ... من السيل والغثاء قلكة مغزل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855735,"book_id":1864,"shamela_page_id":11,"part":null,"page_num":11,"sequence_num":11,"body":"كأن أبانا في أفانين ودقه ... كبير أناس في بجاد مزمل\rوألقى بصحراء الغبيط بعاعه ... نزول اليماني ذي العياب المخول\rكأن سباعاً فيه غرقى غدية ... بأرجائه القصوى أنابيش عنصل\rعلى قطن بالبشيم أيمن صوته ... وأيسره على الستار فيذبل\rوألقى ببسيان مع الليل بركه ... فأنزل منه الغضم من كل منزل\rتحليل القصيدة\rقفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسيط الورى بين الدخول فحومل مطلع معلقة امرئ القيس الرائعة الشهرة، والتي تدل على شخصية صاحبها المرحة وروحه الموهوب، مجوته المأثور، وأسلوب القصيدة أسلوب جزل فيه أسر وقوة في عذوبة حيناً مع الجمال والصدق والتنقل في الخيال ومع سحر المطلع وفخامته.\rومعانيها قريبة لا تعقيد فيها تنكئ على الحسن والمشاهدات، فهو حين يتحدث عن الحب يصف جمال المرأة ومحاسنها، وحين يصف الفرس يتحدث عن ساقه ومتنه وشعره وحين يتحدث عن المطر يصف كثرته وأنه ألقى مياهه على جبل كذا وكذا ففزعت العصم وهدمت البيوت وسقطت جذوع النخل، دون أن يتحدث الشاعر عما وراء هذه الأوصاف الحسية في الخيل والمطر أو عن عواطفه الإنسانية في حبه وغزله.\rوتمتاز المعلقة بأنها مظهر للبلاغة العربية، وبما فيها من أساليب البيان، ومناهج الأداء وصور التعبير، وألوان الرسم والخيال والتفكير، فيها تشبيهات بليغة عذبة كثيرة واستعارات جميلة بالغة، وكنايات أنيقة ساحرة، وسوى ذلك من أدوات التعبير والبيان. ولتفصيل ذلك كله نقول: للمعلقة مطلعها الساحر القوي وأسلوبها الجزل، وخيالها البدوي الموهوب وتشبيهاتها الحسية الساذجة المكرورة أحياناً، وفيها فوق ذلك وبرغم الكثير من ألفاظها البدوية الجافة ورقة النسيب ودقة الوصف وتنوع الأغراض وبراعة التصوير والبيان، وفيها جل ما ابتكره امرؤ القيس من المعاني الشعرية التي فضل بها على غيره من الشعراء وعدبها أميرهم وقائدهم، ففيها بكاء للديار واستيقاف للصحب وتجويد في النسيب وتصوير لاستهتاره ومجونه، وقص لذكرياته وأيامه، وإبداع في وصف الليل وطوله \"والفرس ومحاسنه، والبرق، والمطر وآثاره\".\rوفي المعلقة الكثير من التشبيهات الجميلة، كتشبيه موقفه حين رحيل أحبابه بموقف الحنظل، وغزارة ما ينهمر منهما من دموع، وكتشبيه عبق الرائحة من حبيبه بعبق رائة النسيم، قد جاء بريا القرنفل. وتشبيه شحم ناقته بهداب الدمقس المفتل، والثغر بالأقحوان المنور، وتعرض الثريا في السماء بتعرض أثناء الوشاح المفصل، وتشبيه ترائب المرأة بالمرآة المجلوة، وجيدها بجيد الظباء، وبنانها بأساريع الظبي، وجمالها المشرق بمنارة الراهب المتبتل، وتشبيه الليل بموج البحر واهتزام الفرس بغلي المرجل. فقد أخذ الحسن من جميع الحيوانات، أخذ من الظبي خاصرته، ومن النعامة ساقها، ومن الذئب والثعيلب مشيهما، فهو جواد ويا له من جواد ضافي الذيل مستقيم العسيب، لماع الظهر كما تلمع صلاية الحنظل مما يعلق بها من الدهن اللامع، أو صلاية عروس تدق فيها العطر والطيب، وكأن دماء هوادي فرائسه في نحره المخضوب عصارة حناء في شيب مسرح.\rوتمتاز المعلقة بكناياتها الساحرة، كنؤوم الضحى في وصف المرأة بالترف والنعمة وقوله \"لم تنتطق عن تفضل\" في وصفها بأنها عزيزة منعمة لم تعز بعد ذل ولم تنعم بعد شقاء، وقوله \"إذا ما اسبكرت بين درع ومجول\" يريد إذا بلغت سن الشباب لأنه الدرع هو قميص المرأة والمجول ثوب تلبسه الفتاة وتجول فيه قبل أن تخدر، وقوله \"قيد الأوابد\" في وصف الفرس بسرعة العدو، وقوله: ولم ينضح بماء فيغسل في وصفه بالنشاط. ومنها كثير من المجازات الجميلة والاستعارات المبدعة كقوله \"فسلي ثيابي من ثيابك تنسلي\" يريد بالثياب القلب أو الصداقة. وقوله \"وبيضة خدر\" يريد امرأة كريمة مخدرة. وقوله في وصف الليل بالطول \"فقلت له لما تمطى بصلبه\" وقوله \"وتتقي بناظرة من وحش وجرة\" وكذلك قوله \"له أيطلا ظبي وساقا نعامة\" من أساليب التجريد أو التشبيه الجميلة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855736,"book_id":1864,"shamela_page_id":12,"part":null,"page_num":12,"sequence_num":12,"body":"وقد تجد في المعلقة تنقلاً في الخيال وفي رسم الصور الشعرية، ولكن لا ضير في ذلك، لأن الشعر فن والفنون تأبى أن تخضع لقيود المنطق والفلسفة وحريتها في التعبير والتصوير هو سر جمالها وخلودها وفق ذلك فإن الشعر صورة للحياة العربية في سذاجتها وبساطتها فضلاً عن أثر الارتجال والبديهة في نظم الشعر وإنشاده وخاصة في العصر الجاهلي.\rوفي المعلقة وصف لما يحبه العربي من مظاهر الجمال في المرأة وفي الفرس وفيها بيان مفصل لزينة المرأة وترفها وفيها نواة للقصص الشعري وخاصة في الغزل، مما نهج نهجه عمر بن أبي ربيعة ثم بشار وأبو نواس. وليس فيها أثر للمدح لأن شخصية امرئ القيس العظيمة أرفع من المدح، ولأن المعلقة لم تنظم إلا لوصف ذكرياته ولهوه وترفه ومجونه، مما يرجع أنها نظمت في أيام صبواته وشبابه قبل أن يحمل عبء الأخذ بثأر والده، حيث تجدها خالية من ذكر الأحداث التي طافت به بعد ذلك. وتعدد الأعراض والفنون في القصيدة يتفق ونهج العرب والشعراء الجاهليين في صياغة قصائدهم؛ حيث كانوا يروحون عن أنفسهم وسامعيهم بهذا الاستطراد الجميل وبتعدد نواحي القصيدة ومراميها حتى تكون أشد أثراً وسحراً.\rوروح الشاعرية في المعلقة متحدة متناسقة إلا في أبيات يضيفها بعض الرواة إليها وهي:\rوقربة أقوام جعلت عصامها ... على كاهلي مني ذلول مرحل\rوما بعده من أبيات، مما تخالف روحها روح المعلقة. والصحيح أن هذه الأبيات لتأبط شراً وأنكرها الكثير من الرواة، وقيل هي لامرئ القيس في عصر مشيبه وكهولته وأضيفت إلى المعلقة إضافة، فهي لا تمثل روحه في فترة شبابه اللاهية الماجنة التي نراها في معلقته.\rوتمثل هذه المعلقة الحياة العربية في كثير من نواحيها المختلفة، كما تصور حياة امرئ القيس وترفه وروحه اللاهي المسرف في العبث والمجون أتم التصوير، فهي صورة جميلة واضحة لحياة الشاعر وقومه، وأثر أدبي كبير نستطيع أن نفهم منه الكثير من عادات العرب وأخلاقهم.\rنشأ امرؤ القيس في بيت سؤدد ومجد ونعمة، فخب في سبل اللهو وذاق أفاويق الجمال والحب وقضى أيام شبابه في مغازلة الغيد الحسان؛ فكانت له معهن أيام وذكريات قص الكثير منها في هذه المعلقة، وما برح في لهوه ومجونه حتى ضاق به والده ذرعاً فأبعده عنه، فأقام مع أمثاله من أهل البطالة واللهو حتى قتل أبوه فذهبت سكرته وطالت حسرته، وهب للأخذ بثأره حتى قضى عليه أخيراً إسرافه في الانتقام.\rذلك هو امرؤ القيس قائد الشعراء في الجاهلية، وحامل لواء الشعر في ذلك العصر البعيد، والمفتن في أبواب الشعر وأغراضه، والمجلى في بيان أسرار الجمال واللهو وفي رقة الأسلوب وسحره، وفي جزالة اللفظ وأسره، وفي روائع التشبيه وبدائع الخيال، وفي ابتداع الكثير من المعاني الشعرية الطريفة التي قلده فيها سواء من الشعراء وتتناول المعلقة كثيراً من فنون الشعر، وتحوي الكثير من الأفكار المنوعة، ففيها بكاء لديار أحبابه في ثلاثة أبيات وتصوير لحيرته وذهوله يوم رحيلهن واستيقاف لأصحابه ليحملوا معه عبء الحزن والشجى في بيتين وفيها شرح للهوه وعبثه وقص لذكرياته وأشجانه مع محبوباته ووصف للجمال العربي وزينة المرأة في الجاهلية ولأثر الجمال وسحره في النفوس وذلك في عشرين بيتاً، وفيها مناجاة الليل وذكر لطوله وآلامه فيه في خمسة أبيات ووصف دقيق لفرسه في ثمانية عشر بيتاً، وللبرق والمطر ونشوة الطبيعة في عشرة أبيات فأبياتها تبلغ الستين أو تزيد وهي كلها في درجة عالية من الإحسان.\rويقول الزوزني في سبب إنشاد هذه القصة: \"السبب في إنشادها هو قصة غدير دارة جلجل حيث كان امرؤ القيس يحب ابنة عمه عنيزة فتركها تستحم في هذا الغدير مع أتراب لها وجمع ملابسهن ثم لم يعطها لهن إلا بعد مرورهن أمامه عاريات، ثم ذبح لهن ناقته وقسم متاعه عليهن يحملنه وركب مع عنيزة في هودجها\".\rوقد بدأها ببكاء الديار بمطلع جميل ساحر ثم يستمر في وصف الديار وآثارها حتى يقول: وقوفاً بها صحبي على مطيهم.\rثم يصف ذكريات لهوه وعبثه وغزله. ثم يصف الليل وطوله، وطوله والفرس وقوته ويذكر الصيد الذي صاده وطهى الطهاة له وسط الصحراء ويصف البرق والمطر في عذوبة وسحر وجمال.\r- ٢ - وقال أيضاً:\rألا عم صباحاً أيها الطلل البالي ... وهل يعمن من كان في العصر الخالي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855737,"book_id":1864,"shamela_page_id":13,"part":null,"page_num":13,"sequence_num":13,"body":"وهل يعمن إلا سعيد مخلد ... قليل الهموم ما يبيت بأوجال\rوهل يعمن من كان أحدث عهده ... ثلاثين شهراً في ثلاثة أحوال\rديار لسلمى عافيات بذي خال ... ألح عليها كل أسحم هطال\rوتحسب سلمى لا تزال ترى طلا ... من الوحش أو بيضاً بميثاء شملال\rوتحسب سلمى لا تزال كعهدنا ... بواد الخزامى أو على رس أو عال\rليالي سلمى إذ تريك منصباً ... وجيداً كجيد الرئم ليس بمعطال\rألا زعمت بسباسة اليوم أنني ... كبرت وأن لا يحسن اللهو أمثالي\rكذبت لقد أصبى على المرء عرسه ... وأمنع عرسي أن يزن بها الخالي\rويا رب يوم قد لهوت وليلة ... بآنسة كأنها خط تمثال\rيضيء الفراش وجهها لضجيعها ... كمصباح زيت في قناديل ذبال\rكأن على لباتها جمر مصطل ... أصاب غضى جزلا وكف بأجذال\rوهبت له ريح بمختلف الصوا ... صباً وشمال في منازل قفال\rومثلك بيضاء العوارض طفلة ... لعوب تنسيني إذا قمت سربالي\rإذا ما الضجيع ابتزها من ثيابها ... تميل عليه هونة غير مجبال\rكحقف النقا يمشي الوليدان فوقه ... بما احتسبا من لين مس وتسهال\rلطيفة طي الكشح غير مفاضة ... إذا انفلتت مرتجة غير متفال\rتنورتها من أذرعات وأهلها ... بيثرب أدنى دارها نظر عال\rنظرت إليها والنجوم كأنها ... مصابيح رهبان تشب لفقال\rسموت إليها بعد ما نام أهلها ... سمو حباب الماء حالا على حال\rفقالت سباك الله، إنك فاضحي ... ألست ترى السماء والناس أحوالي\rفقلت يمين الله أبرح قاعداً ... ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي\rحلفت لها بالله حلفة فاجر ... لناموا فما إن من حديث ولا صال\rفلما تنازعنا الحديث وأسمحت ... هصرت بغصن ذي شماريخ ميال\rوصرنا إلى الحسنى ورق كلامنا ... ورضت فذلت صعبة أي إذلال\rفأبحت معشوقاً وأصبح بعلها ... عليه القتام سيئ الظن والبال\rيغط غطيط البكر شد خناقه ... ليقتلني والمرء ليس بقتال\rأيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أعوال\rوليس بذي رمح فيطعنني به ... وليس بذي سيف وليس بنبال\rأيقتلني وقد شغفت فؤادها ... كما شغف المهنوءة الرجل الطالي\rوقد علمت سلمى وإن كان بعلها ... بأن الفتى يهذي وليس بفعال\rوماذا عليه أن ذكرت أوانسا ... كغزلان رمل في محاريب أقيال\rوبيت عذارى يوم دحن ولجته ... يطفن بحباء المرافق مكسال\rسباط البنان والعرانين والقنا ... لطاف الخصور في تمام وإكمال\rنواعم يتبعن الهوى سبل الردى ... يقلن لأهل الحلم ضل بتضلال\rصرفت الهوى عنهن من خشية الردى ... ولست بمقلي الخلال ولا قال\rكأني لم أركب جواداً للذة ... ولم أتبطن كاعباً ذات خلخال\rولم أسبإ الزرق الروى ولم أقل ... لخليلي كري كرة بعد إجفال\rولم أشهد الخيل المغيرة بالضحى ... على هيكل عبل الجزارة جوال\rسليم الشظى عبل الشوى شنج النسا ... لع حجبات مشرفات على الفال\rوصم صلاب ما يقين من الوحي ... كأن مكان الردف منه على رال\rوقد أغتدي والطير في وكناتها ... لغيث من الوسمي رائده خال\rتحاماه أطراف الرماح تحامياً ... وجاد عليه كل أسحم هطال\rبعجلزة قد أترز الجري لحمها ... كميت كأنها هراوة منوال\rذعرت بها سرباً نقياً جلوده ... وأكرعه وشي البرود من الخال\rكأن الصوار إذ تجهد عدوه ... على جمزى خيل تجول بأجلال\rفجال الصوار واتقين بقرهب ... طويل الفرا والروق أخنس ذيال\rفعادى عداء بين ثور ونعجة ... وكان عداء الوحش مني على بال\rكأني بفتحاء الجناحين لقوة ... صيود من العقبان طأطأت شملالي\rتخطف خزان الشربة بالضحى ... وقد حجرت منها ثعالب أورال\rكأن قلوب الطير رطباً ويابساً ... لدي وكرها العناب والحشف البالي\rفلو أن ما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني ولم أطلب قليل من المال\rولكنما أسعى لمجد مؤثل ... وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855738,"book_id":1864,"shamela_page_id":14,"part":null,"page_num":14,"sequence_num":14,"body":"وطر المرء مادامت حشاشة نفسه ... بمدرك أطراف الخطوب ولا آلي\r- ٣ - وقال امرؤ القيس أيضاً:\rخليلي مرا بي على أم جندب ... نقض لبانات الفؤاد المعذب\rفإنكما إن تنظراني ساعة ... من الدهر تنفعني لدى أم جندب\rألم ترياني كلما جئت طارقاً ... وجدت بها طيباً وإن لم تطيب\rعقيلة أتراب لها لا دميمة ... ولا ذات خلق إن تأملت جأنب\rألا ليست شعري كيف حادث وصلها ... وكيف تراعى وصلة للتغيب\rأقامت على ما بيننا من مودة ... أميمة أم صارت لقول المخبب\rفإن تنأ عنها حقبة لا تلاقها ... فإنك مما أحدثت بالمجرب\rوقالت متى يبخل عليك ويعتلل ... يسؤك وإن يكشف غرامك تدرب\rتبصر خليلي هل ترى من ظعائن ... سوالك نقبا بين حزمى شعبعب\rعلون بأنطاكية فوق عقمة ... كجرمة نخل أو كجنة يثرب\rولله عيناً من رأى من تفرق ... أشت وأنأى من فراق المحصب\rفريقان منهم جازع بطن نخلة ... وآخر منهم قاطع بحد كبكب\rفعيناك غرباً جدول في مفاضة ... كمر الخليج في صفيح مصوب\rوإنك لم يفخر عليك كفاخر ... ضعيف ولم يغلبك مثل مغلب\rوإنك لم تقطع لبانة عاشق ... بمثل غدو أو رواح مؤوب\rبأدماء حرجوج كأن قتودها ... على أبلق الكشحين ليس بمغرب\rيغرد بالأسحار في كل سدفة ... تغرد مياح الندامى المطرب\rأقب رباع من حمير عماية ... يمج لعاع البقل في كل مشرب\rبمحنية قد آزر الضال نبتها ... مجر جيوش الغانمين وخيب\rوقد أغتدي والطير في وكناتها ... وماء الندى يجري على كل مذنب\rبمنجرد قيد الأوابد لاحه ... طراد الهوادي كل شأو مغرب\rعلى الأين جياش كان سراته ... على الضمر والتعداء سرحة مرقب\rيباري الخنوف المستاقل زماعه ... ترى شخصه كأنه عود مشحب\rله أيطلا ظبي وساقا نعامة ... وصهوة عير قائم فوق مرقب\rويخطو على ضم صلاب كأنها ... حجارة غيل وارسات بطحلب\rله كفل كالدعص لبده الندى ... إلى حارك مثل الغبيط المذأب\rوعين كمرآة الصناع تديرها ... لمحجرها من النصيف المنقب\rله أذنان تعرف العتق فيهما ... كسامعتي مذعورة وسط ربرب\rومستفلك الذفرى كأن عنانه ... ومثناته في رأس جذع مشذب\rوأسحم ريان العسيب كأنه ... عثاكيل قنو من سميحة مرطب\rإذا ما جرى شأوين وابتل عطفه ... تقول هزير الريح مرت بأثأب\rيدير قطاة كالمحالة أشرفت ... إلى سند مثل الغبيط المذأب\rويخضد في الاري حتى كأنما ... به غرة من طائف غير معقب\rفيوماً على سرب نقي جلوده ... ويوماً على بيدانة أم تولب\rفبينا نعاج يرتعين خميلة ... كمشي العذارى في الملاء المهدب\rفكان تنادينا وعقد عذاره ... وقال صحابي قد شأونك فاطلب\rفلأياً بلأي ما حملنا غلامنا ... على ظهر محبوك السراة محنب\rوولى كشؤبوب العشي بوابل ... ويخرجن من جعد ثراه منصب\rفللساق ألهوب وللسوط درة ... وللزجر منه وقع أهوج منعب\rفأدرك لم تجهد ولم يثن شأوه ... يمر كخذروف الوليد المثقب\rترى الفأر في مستنقع القاع لاجباً ... على جدد الصحراء من شد ملهب\rخفاهن من أنفاقهن كأنما ... خفاهن ودق من عشي مجلب\rفعادى عداءً بين ثور ونعجة ... وبين شبوب كالقضيمة قرهب\rوظل لثيران الصريم غماغم ... يداعسها بالسمهري المعلب\rفكاب على حر الجبين ومتق ... بمذرية كأنها ذاق مشعب\rوقلنا لفتيان كرام ألا انزلوا ... فعالوا علينا فضل ثوب مطنب\rوأوتاده ماذية وعماده ... ردينية فيها أسنة قعضب\rوأطنابه أشطان خوض نجائب ... وصهوته من أتحمى مشرعب\rفلما دخلناه أضفنا ظهورنا ... إلى كل حاري جديد مشطب\rكأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب\rنمش بأعراف الجياد أكفنا ... إذا نحن قمنا عن شواء مضهب\rورحنا كأنا من جؤائي عشية ... نعالى النعاج بين عدل ومحقب","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855739,"book_id":1864,"shamela_page_id":15,"part":null,"page_num":15,"sequence_num":15,"body":"وراح كتيس الربل ينفض رأسه ... أذاة به من صائك متحلب\rكأن دماء الهاديات بنحره ... عصارة حناء بشيب مخضب\rوأنت إذا استدبرته سد فرجه ... بضاف فويق الأرض ليس بأصهب\r- ٤ - وقال أيضاً حين توجه إلى قيصر:\rسما لك شوق بعدما كان أقصرا ... وحلت سليمى بطن قو فعرعرا\rكنانية بانت وفي الصدر ودها ... مجاورة غسان والحي يغمرا\rبعيني ظعن الحي لما تحملوا ... لدى جانب الأفلاج من جنب تيمرى\rفشبهتهم في الآل لما تكمشوا ... حدائق دوم أو سفيناً مقيرا\rأو المكرعات من نخيل ابن يامن ... دوين الصفا اللآلئ يلين المشقرا\rسوامق جبار أثيث فروعه ... وعالين قنواناً من البسر أحمرا\rحمته بنو الربداء من آل يامن ... بأسيافهم حتى أقو وأوقرا\rوأرضى بني الربداء واعتم زهوه ... وأكمامه حتى إذا ما تهصرا\rأطافت به جيلان عند قطاعه ... تردد فيه العين حتى تحيرا\rكأن دمى شغف على ظهر مرمر ... كسا مزبد الساجوم وشياً مصورا\rغرائر في كن وصون ونعمة ... يحلين ياقوتاً وشذراً مفقرا\rوريح سناً في حقه حميرية ... تخص بمفروك من المسك أذفرا\rوبانا وألويا من الهند ذاكيا ... ورندا ولبنى والكباء المقترا\rغلقن برهن من حبيب به ادعت ... سليمى فأمسى حبلها قد تبترا\rوكان لها في سالف الدهر خله ... يسارق بالطرف الخباء المسترا\rإذ نال منها نظرة ريع قلبه ... كما ذعرت كأس الصبوح المخمرا\rنزيف إذا قامت لوجه تمايلت ... تراشى الفؤاد الرخص ألا تخترا\rأأسماء أمسى ودها قد تغيرا ... سنبدل إن أبدلت بالود آخرا\rتذكرت أهلي الصالحين وقد أتت ... على خملي خوص الركاب وأوجرا\rفلما بدا حوران والآل دونه ... نظرت فلم تنظر بعينيك منظرا\rتقطع أسباب اللبانة والهوى ... عشية جاوزنا حماة وشيزرا\rبسير يضج العود منه يمنه ... أخو الجهد لا يلوى على من تعذرا\rولم ينسى ما قد لقيت ظعائنا ... وخملا لها كالقر يوما مخدرا\rكأثل من الأعراض من دون بيثشة ... ودون الغمير عامدات لغضورا\rفدع ذا وسل اللهم عنك بجسرة ... ذمول إذا صام النهار وهجرا\rتقطع غيطاناً كأن متونها ... إذا أظهرت تكسى ملاء منشرا\rبعيدة بين المنكبين كأنما ... ترى عند مجرى الضفر هراً مشجرا\rتطاير ظران الحصى بمناسم ... صلاب العجى ملثومها غير أمعرا\rكأن الحصى من خلفها وأمامها ... إذا نجلته رجلها حذف أعسرا\rكأن صليل المروحين تشده ... صليل زيوف ينتقدن بعبقرا\rعليها فتى لم تحمل الأرض مثله ... أبر بميثاق وأوفى وأصبرا\rهو المنزل الآلاف من جونا عطٍ ... بني أسد حزناً من الأرض أوعرا\rولو شاء كان الغزو من أرض حمير ... ولكنه عمداً إلى الروم أنفرا\rبكى صاحبي لما رأى الدرب دونه ... وأيقن أنا لاحقان بقيصرا\rفقلت له لا تبك عينك إنما ... نحاول ملكا أو نموت فنعذرا\rوإني زعيم إن رجعت مملكا ... بسير ترى منه الفرانق أزورا\rعلى لاحبٍ لا يهتدى بمناره ... إذا سافه العود النباطي جرجرا\rعلى كل مقصوص الذنابي معاود ... يريد السرى بالليل من خيل بربرا\rأقب كسرحان الغضى متمطر ... ترى الماء من أعطافه قد تحدرا\rإذا زعته من جانبيه كليهما ... مشى الهيدبى في دفه ثم فرفرا\rإذا قلت زوحنا أرن فرانق ... على جلعد واهي الأباجل أبترا\rلقد أنكرتني بعلبك وأهلها ... ولابن جريج في قرى حمص أنكرا\rنشيم يروق المزن أين مصابه ... ولا شيء يشفي منك يا ابنة عفزرا\rمن القاصرات الطرف لو دب مخول ... من الذر فوق الإتب منها لأثرا\rله الويل إن أمسى ولا أم هاشم ... قريب ولا البسباسة ابنة يشكرا\rأرى أم عمرو دمعها قد تحدرا ... بكاء على عمرو وما كان أصبرا\rإذا نحن سرنا خمس عشرة ليلة ... وراء الحساء من مدافع قيصرا\rإذا قلت هذا صاحب قد رضيته ... وقرت به العينان بدلت آخرا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855740,"book_id":1864,"shamela_page_id":16,"part":null,"page_num":16,"sequence_num":16,"body":"كذلك جدي ما أصاحب صاحباً ... من الناس إلا خانني وتغيرا\rوكنا أناساً قبل غزوة قرمل ... ورثنا الغنى والمجد أكبر أكبرا\rوما جبنت خيلي ولكن تذكرت ... مرابطها في بربعيص وميسرا\rألا رب يوم صالح قد شهدته ... بتادف ذات التل من فوق طرطرا\rولا مثل يوم في قداران ظلته ... كأني وأصحابي على قرن أعفرا\rونشرب حتى نحسب الخيل حولنا ... نقاداً وحتى نحسب الجون أشقرا\r- ٥ - قال أيضاً:\rأعني على برق أراه وميض ... يضيء حبياً في شماريخ بيض\rويهدأ تارات سناه وتارة ... ينوء كتعتاب الكسير المهيض\rوتخرج منه لامعات كأنها ... أكف تلقى الفوز عند المفيض\rقعدت له وصحبتي بين ضارج ... وبين تلاع يثلث فالعريض\rأصاب قطاتين فسال لواهما ... فوادي البدي فانتحى للأريض\rبلاد عريضة وأرض أريضة ... مدافع غيث في فضاء عريض\rفأضحى يسح الماء عن كل فيقة ... يحوز الضباب في صفاصف بيض\rفأسقى به أختي ضعيقة إذ نأت ... وإذ بعد المزار غير القريض\rومرقبة كالزج أشرفت فوقها ... أقلب طرفي في فضاء عريض\rفظلت وظل الجون عندي بلبده ... كأني أعدي عن جناح مهيض\rفلما أجن الشمس عني غيارها ... نزلت إليه قائماً بالحضيض\rيباري شباة الرمح خد مذلق ... كصفح السنان الصلبي النحيض\rأخفضه بالنقر لما علوته ... ويرفع عزفاً غير جاف غضيض\rوقد أعتدي والطير في وكناتها ... بمنجرد عبل اليدين قبيض\rله قصريا عير وساقا نعامة ... كفحل الهجان ينتجى للعضيض\rيجم على الساقين بعد كلاله ... جموم عيون الحسى بعد المخيض\rذعرت بها سرباً نقياً جلودها ... كما ذعر السرحان جنب الربيض\rووالى ثلاثاً واثنتين وأربعاً ... وغادر أخرى في قناة الرفيض\rفآب إياباً غير نكد مواكل ... وأخلف ماء بعد ماء فضيض\rوسن كسنيق سناء وسنما ... ذعرت بمدلاج الهجير نهوض\rأرى المرء ذا الأذواد يصبح محرضا ... كإحراض بكر في الديار مريض\rكأن الفتى لم يغن في الناس ساعة ... إذا اختلف اللحيان عند الجريض\r- ٦ - وقال أيضاً:\rغشيت ديار الحي بالبكرات ... فعارمة فبرقة العيرات\rفغول فحليت فنفى فمنعج ... إلى عاقل فالجب ذي الأمرات\rظللت ردائي فوق رأسي قاعداً ... أعد الحصى ما تنقضي عبراتي\rأعني على التهمام والذكرات ... يبتن على ذي الهم معتكرات\rبليل التمام أو وصلن بمثله ... مقايسة أيامها نكرات\rكأني وردفي والقراب ونمرقي ... على ظهر عير وارد الخبرات\rأرن على عقب حيال طروقة ... كذود الأجير الأربع الأشرات\rعنيف بتجميع الضرائر فاحش ... شتيم كدلق الزج ذي ذمرات\rويأكلن بهمى جعدة حبشية ... ويشربن برد الماء في السبرات\rفأوردها ماء قليلاً أنيسه ... يحاذرن عمراً صاحب القترات\rتلت الحصى لتاً بسمر رزينة ... موازن لا كزم ولا معرات\rويرخين أذناباً كأن فروعها ... عرا خلل مشهورة ضفرات\rوعنس كألواح الإران فسألتها ... على لاحب كالبرد ذي الخبرات\rفغادرتها من بعد بدن ردية ... تغالى على عوج لها عود لها كدنات\rوأبيض كالمخراق بليت حده ... وهبته في الساق والقصرات\r- ٧ - وقال أيضاً يمدح غوير بن شجنة بن عطارد من بني تميم، وبني عوف رهطه:\rألا إن قوماً كنتم أمس دونهم ... هم منعوا جاراتكم آل غدران\rعوير ومن مثل العوير ورهطه ... وأسعد في ليل البلايل صفوان\rثياب بني عوف طهارى نقية ... وأوجههم عند المشاهد غران\rهم أبلغوا الحي المضلل أهلهم ... وساروا بهم بين العراق ونجوان\rفقد أصبحوا والله أصفاهم به ... أبر بميثاق وأوفى بجيران\r- ٨ - وقال أيضاً:\rلمن طلل أبصرته فشجاني ... كخط زبور في عصيب بمان\rديار لهند والرباب وفرتني ... ليالينا بالنعف من بدلان\rليالي يدعوني الهوى فأجيبه ... وأعين من أهوى إلي رواني","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855741,"book_id":1864,"shamela_page_id":17,"part":null,"page_num":17,"sequence_num":17,"body":"فإن أمس مكروباً فيا رب بهمة ... كشفت إذا ما اسود وجه الجبان\rوإن أمس مكروباً فيا رب قينة ... منعمة أعملتها بكران\rلها مزهر يعلو الخميس بصوته ... أجش إذا ما حركته اليدان\rوإن أمس مكروباً فيا رب غارة ... شهدت على أقب رخو اللبان\rعلى ربذ يزداد عفواً إذا جرى ... مسح حثيث الركض والذألان\rويخدى على صم صلاب ملاطس ... شديدات عقد لينات المثاني\rوغيث من الوسمي حو تلاعه ... تبطنته بشيظم صلتان\rمكر مفر مقبل مدبر معاً ... كتيس ظباء الحلب الغذوان\rإذا ما جنبناه تأود متنه ... كعرق الرخامى اهتز في الهجلان\rتمتع من الدنيا فإنك فاني ... من النشوات والنساء الحسان\rمن البيض كالآرام والأدم كالدمى ... حواصنها والمبرقات الرواني\rأمن ذكر نبهانية حل أهلها ... بجزع الملا عيناك تبتدران\rفدمعهما سكب وسح وديمة ... ورش وتوكاف وتنهملان\rكأنهما مزادتا متعجن ... فريان لما تسلقا بدهان\r- ٩ - وقال أيضاً:\rقفا نبك من ذكرى حبيب وعرفان ... ورسم عفت آياته منذ أزمان\rأتت حجج بعدي عليها فأصبحت ... كخط زبور في مصاحف رهبان\rذكرت بها الحي الجميع فهيجت ... عقابيل سقم من ضمير وأشجان\rفسحت دموعي في الرداء كأنها ... ثكلى من شعيب ذات سح وتهتان\rإذا المرء لم يحزن عليه لسانه ... فليس على شيء سواه بخزان\rفإما تريني في رحالة جابر ... على حرج كالقر تخفق أكفاني\rفيا رب مكروب كررت وراءه ... وعان فككت الغل عنه ففداني\rوفتيان صدق قد بعثت بسخرة ... فقاموا جميعاً بين عاث ونشوان\rوخرق بعيد قد قطعت نياطه ... على ذات لوث سهوة المشي مذعان\rوغيث كألوان الفنا قد هبطته ... تعاون فيه كل أوطف حنان\rعلى هيكل يعطيك قبل سؤاله ... أفانين جرى غير كز ولا وان\rكتيس الظباء الأعفر انضرجت له ... عقاب تدلت من شماريخ ثهلان\rوخرق كجوف العير قفر مضلة ... قطعت بسام ساهم الوجه حسان\rيدافع أعطاف المطايا بركنه ... كما مال غصن ناعم فوق أغصان\rومجر كغلان الأنيعم بالغ ... ديار العدو ذي زهار وأركان\rمطوت بهم حتى تكل مطيهم ... وحتى الجياد ما يقدن بأرسان\rوحتى ترى الجون الذي كان بادنا ... عليه عواف من نسور وعقبان\r- ١٠ - وقال أيضاً يمدح جارية بن مر أبا حنبل، ويذم خالد بن سدوس بن أصمع النبهاني:\rدع عنك نهباً صبح في حجراته ... ولكن حديثاً ما حديث الرواحل\rكأن دثاراً حلقت بلبونه ... عقاب تنوفي لا عقاب القواعل\rتلعب باعث بذمة خالد ... وأودى عصام في الخطوب الأوائل\rوأعجبني مشي الحزقة خالد ... كمشي أتان حلئت بالمناهل\rأبت أجأ أن تسلم العام جارها ... فمن شاء فلينهض لها من مقاتل\rتبيت لبوني بالقرية أمنا ... وأسرحها غباً بأكناف خائل\rبنو ثعل جيرانها وحماتها ... وتمنع من رماة سعد ونائل\rتلاعب أولاد الوعول رباعها ... دوين السماء في رؤوس المجادل\rمكللة حمراء ذات أسرة ... لها حبك كأنها من وصائل\r- ١١ - وقال أيضاً:\rأرانا موضعين لأمر غيب ... ونسحر بالطعام وبالشراب\rعصافير وذبان ودود ... وأجرأ من مجلحة الذئاب\rفبعض اللوم عاذلني فإني ... ستكفيني التجارب وانتسابي\rإلى عرق الثرى وشجت عروقي ... وهذا الموت يسلبني شبابي\rونفسي سوف يسلبها وجرمي ... فيلحقني وسيكا بالتراب\rألم أفض المطي بكل خرق ... أمق الطول لماع السراب\rوأركب في اللهام المجر حتى ... أنال مآكل القحم الرغاب\rوكل مكارم الأخلاق صارت ... إليه همتي وربه اكتسابي\rوقد طوفت في الآفاق حتى ... رضيت من الغنيمة بالإياب\rأبعد الحارث الملك ابن عمرو ... وبعد الخير حجر ذي القباب\rأرجي من صروف الدهر ليناً ... ولم تغفل عن الصم الهضاب\rوأعلم أنني عما قريب ... سأنشب في شبا ظفر وناب","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855742,"book_id":1864,"shamela_page_id":18,"part":null,"page_num":18,"sequence_num":18,"body":"كما لاقى أبي حجر وجدي ... ولا أنسى قتيلا بالكلاب\r- ١٢ - وقال:\rأماوي هل لي عندكم من معرس ... أم الصرم تختارين بالوصل نيأس\rأبيني لنا إن الصريمة راحة ... من الشك ذي المخلوجة المتلبس\rكأني ورحلي فوق أحقب قارح ... بشربة أوطاف بعرنان موجس\rتعشى قليلاً ثم أنحى ظلوفه ... يشير التراب عن مبيت ومكنس\rيهيل ويذري تربها ويثيره ... إثارة نباث الهواجر مخمس\rفبات على خد أحم ومنكب ... وضجعته مثل الأسير المكردس\rوبات إلى أرطأة حقف كأنها ... إذا التقتها غبية بيت معرس\rفصبحه عند الشروق غدية ... كلاب ابن مر أو كلاب ابن سنبس\rمغرثة زرقا كأن عيونها ... من الذمر والإيحاء نوار عضرس\rفأدبر يكسوها الرغام كأنها ... على الصمد والآكام جذوة مقبس\rوأيقن إن لاقينه أن يومه ... بذي الرمث إن ماوتنه يوم أنفس\rفأدركنه يأخذن بالساق والنسا ... كما شبرق الولدان ثوب المقدس\rوغورن في ظل الغضى وتركنه ... كقرم الهجان القادر المتشمس\r- ١٣ - وقال:\rألما على الربع القديم بعسعسا ... كأني أنادي أو أكلم أخرسا\rفلو أن أهل الدار فيها كعهدنا ... وجدت مقيلاً عندهم ومعرسا\rفلا تنكروني إنني أنا ذاكم ... ليالي حل الحي غولاً فألعسا\rفإما تريثي لا أغمض ساعة ... من الليل إلا أن أكب فأنعسا\rتأوبي دائي القديم فغلسا ... أحاذر أن يرتد دائي فأنكسا\rفيا رب مكروب كررت وراءه ... وطاعنت عنه الخيل حتى تنفسا\rويا رب يوم قد أروح مرجلا ... حبيباً إلى البيض الكواعب أملسا\rيرعن إلى صوتي إذا ما سمعنه ... كما ترعوي عيط إلى صوت أعيسا\rأراهن لا يحببن من قل ماله ... ولا من رأين الشيب فيه وقوسا\rوما خفت تبريح الحياة كما أرى ... تضيق ذراعي أن أقوم فألبسا\rفلو أنها نفس تموت جميعة ... ولكنها نفس تساقط أنفسا\rوبدلت قرحاً دامياً بعد صحة ... فيا لك من نعمى تحولن أبؤسا\rلقد طمح الطماح من بعد أرضه ... ليلبسني من دائه ما تلبسا\rألا إن بعد العدم للمرء قنوة ... وبعد المشيب طول عمر وملبسا\r- ١٤ - وقال:\rلعمرك ما قلبي إلى أهله بحر ... ولا مقصر يوماً فيأتيني بقر\rألا إنما الدهر ليال وأعصر ... وليس على شيء قويم بمستمر\rليال بذات الطلح عند محجر ... أحب إلينا من ليال على أقر\rأعادي الصبوح عند هر وفرتني ... وليداً وهل أفنى شبابي غير هر\rإذا ذقت فاه قلت طعم مدامة ... معتقة مما تجيء به التجر\rهما نعجتان من نعاج تبالة ... لذي جؤذرين أو كبعض دمى هكر\rإذا قامتا تضوع المسك منهما ... نسيم الصبا جاءت بريح من القطر\rكأن التجار أصعدوا بسبيئة ... من الخص حتى أنزلوها على يسر\rفلما استطابا صب في الصحن نصفه ... وشجت بماء غير طرق ولا كدر\rبماء سحاب زل عن متن صخرة ... إلى بطن أخرى طيب ماؤها خصر\rلعمرك ما إن ضرني وسط حمير ... وأقوالها إلا المخيلة والشكر\rوغير الشقاء المستبين فليتني ... أجر لساني يوم ذلكم مجر\rلعمرك ما سعد بخلة آثم ... ولا نأنإ يوم الحفاظ ولا حصر\rلعمري لقوم قد نرى أمس فيهم ... مرابط للأمهار والعكر الدثر\rأحب إلينا من أناس بقنة ... يروح على آثار شأنهم النمر\rيفاكهنا سعد ويغدو لجمعنا ... بمثنى الزقاق المترعات وبالجزر\rلعمري لسعد حيث حلت دياره ... أحب إلينا منك فافرس حمر\rوتعرف فيه من أبيه شمائلاً ... ومن خاله ومن يزيد ومن حجر\rسماحة ذا وبر ذا ووفاء ذا ... ونائل ذا إذا صحا وإذا سكر\r- ١٥ - وقال يجيب سبيع بن عوف بن مالك:\rلمن الديار غشيتها بسحام ... فعمايتين فهضب ذي أقدام\rفصفا الأطيط فصاحتين فغاضر ... تمشي النعاج بها مع الآرام!\rدار لهند والرباب وفرتني ... وبليس قبل حوادث الأيام\rعوجا على الطلل المحيل لاننا ... نبكي الديار كما بكى ابن خذام","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855743,"book_id":1864,"shamela_page_id":19,"part":null,"page_num":19,"sequence_num":19,"body":"أو ما ترى أظعانهن بواكراً ... كالنخل من شوكان حين صرام\rحور تعلل بالعبير جلودها ... بيض الوجوه نواعم الأجسام\rفظلت في دمن الديار كأنني ... نشوان باكره صبوح مدام\rأنف كلون دم الغزال معتق ... من خمر عانة أو كروم شبام\rوكأن شاربها أصاب لسانه ... موم يخالط جسمه بسقام\rومجدة نسأتها فتكمشت ... رتك النعامة في طريق حام\rتخدى على العلات سام رأسها ... روعاء منسمها رثيم دام\rجالت لتصرعني فقلت لها اقصري ... إني امرؤ صرعي عليك حرام\rفجزيت خير جزاء ناقة واحد ... ورجعت سالمة القرا بسلام\rوكأنما بدر وصيل كتيفة ... وكأنما من عاقل أرمام\rأبلغ سبيعاً إن عرضت رسالة ... إني كهمك إن عشوت أمامي\rأقصر إليك من الوعيد فإنني ... مما ألاقي لا أشد حزامي\rوأنا المنبه بعد ما قد نوموا ... وأنا المعالن صفحة النوام\rوأنا الذي عرفت معد فضله ... ونشدت عن حجر ابن أم قطام\rوأنازل البطل الكريه نزاله ... وإذا أناضل لا تطيش سهامي\rخالي ابن كبشة قد علمت مكانه ... وأبو يزيد ورهطه أعمامي\rوإذا أذيت ببلدة ودعتها ... ولا أقيم بغير دار مقام\r- ١٦ - وقال:\rيا دار ماوية بالحائل ... فالسهب فالخبتين من عاقل\rصم صداها وعفا رسمها ... واستعجمت عن منطق السائل\rقولا لدودان عبيد العصا ... ما غركم بالأسد الباسل\rقد قرت العينان من مالك ... ومن بني عمرو ومن كاهل\rومن بني غنم بن دودان إذ ... نقذف أعلاهم على السافل\rنطعنهم سلكي ومخلوجة ... لفتك لأمين على نابل\rإذ هن أقساط كرجل الدبى ... أو كقطا كاظمة الناهل\rحتى تركناهم لدى معرك ... أرجلهم كالخشب الشائل\rحلت لي الخمر وكنت امرأ ... عن شربها في شغل شاغل\rفاليوم أسقى غير مستحقب ... إثماً من الله ولا واغل\r- ١٧ - وقال:\rرب رام من بني ثعل ... مثلج كفيه في قتره\rعارض زوراء من نشم ... غير باناة على وتره\rقد أتته الوحش واردة ... فتنحى النزع في يسره\rفرماها في فرائصها ... بإزاء الحوض أو عقره\rبرهيش من كنانته ... كتلظي الجمر في شرره\rراشه من ريش ناهضة ... ثم أمهاه على حجره\rفهو لا تنمى رميته ... ماله لا عد من نفره\rمطعم للصيد ليس له ... غيرها كسب على كبره\rوخليل قد أفارقه ... ثم لا أبكي على أثره\rوابن عم قد تركت له ... صفو ماء الحوض عن كدره\rوحديث الركب يوم هنا ... وحديث ما على قصره\r- ١٨ - وقال:\rيا هند لا تنكحي بوهة ... عليه عقيقته أحسبا\rمرسعة بين أرساغه ... به عسم يبتغي أرنبا\rليجعل في رجله كعبها ... حذار المنية أن يعطبا\rولست بخزرافة في القعود ... ولست بطياخة أحدبا\rولست بذي رثية إفر ... إذا قيد مستكرهاً أصحبا\rوقالت بنفسي شباب له ... ولمته قبل أن يشجبا\rوإذ هي سوداء مثل الفحيم ... تغشى المطانب والمنكبا\r- ١٩ - وقال في قتل شرحبيل بن عمرو بن حجر عمه ويهجو البراجم من بني تميم ويربوعاً ودارما:\rألا قبح الله البراجم كلها ... وجدع يربوعاً وعفر دارما\rوآثر بالملحاة آل مجاشع ... رقاب إماء يقتنين المفارما\rفما قاتلوا عن ربهم وربيبهم ... ولا آذنوا جاراً فيظفر سالما\rوما فعلوا فعل العوير بجاره ... لدى باب هند إذ تجرد قائما\r- ٢٠ - وقال يمدح العوير بن شجنة وقؤمة بني عوف:\rإن بني عوف ابتنوا حسبا ... ضيعه الدخللون إذ غدروا\rإدوا إلى جارهم خفارته ... ولم يضع بالمغيب من نصروا\rلم يفعلوا فعل آل حنظلة ... إنهم جير بئس ما ائتمروا\rلا حميري وفي ولا عدس ... ولا أست عير يحكها النفر\rلكن عوير وفي بذمته ... لا عور شانه ولا قصر\r- ٢١ - وقال حين بلغه أن بني أسد قتلت أباه:\rتالله لا يذهب سيخي باطلا\rحتى أبير مالكاً وكاهلا\rالقاتلين الملك الحلاحلا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855744,"book_id":1864,"shamela_page_id":20,"part":null,"page_num":20,"sequence_num":20,"body":"خير معد حسباً ونائلا\rيا لهف هند إذ خطئن كاهلا\rنحن جلبنا القرح القوافلا\rيحملننا والأسل النواهلا\rمستفرمات بالحصى جوافلا\rتستنفر الأواخر الأوائلا\r- ٢٢ - وقال لما ذهبت إبله:\rألا إلا تكن إبل فمعزى ... كأن قرون جلتها العصي\rوجاد لها الربيع بواقصات ... فآرام وجاد لها الولي\rإذا مشت حوالبها أرنت ... كأن الحي صبحهم نعي\rتروح كأنها مما أصابت ... معلقة بأحقبها الدلي\rفتوسع أهلها أقطاً وسمناً ... وحسبك من غنى شبع وري\r- ٢٣ - وقال حين غزا بني أسد فأخطأهم وأوقع ببني كنانة وهو لا يدري:\rألا يا لهف هند إثر قوم ... هم كانوا الشفاء فلم يصابوا\rوقاهم جدهم ببني أبيهم ... وبالأشقين ما كان العقاب\rوأفلتهن علباء جريصاً ... ولو أدركنه صفر الوطاب\r- ٢٤ - وقال يمدح المعلى أحد بني تميم ب- ٢٤ -ن ثعلبة من جديلة طيئ وكان أجاره والمنذر بن ماء السماء يطلبه فمنعه ووفى له:\rكأني إذ نزلت على المعلى ... نزلت على البواذخ من شمام\rفما ملك العراق على المعلى ... بمقتدر ولا ملك الشآم\rأشد نشاص ذي القرنين حتى ... تولى عارض الملك الهمام\rأقر حشا امرئ القيس بن حجر ... بنو تيم مصابيح الظلام\r- ٢٥ - وقال يمدح طريف بن مالك:\rلنعم الفتى تعشو إلى ضوء ناره ... طريف بن مال ليلة الجوع والخصر\rإذا البازل الكوماء راحت عشية ... تلاوذ من صوت المبسين بالشجر\r- ٢٦ - وقال يصف تقلب الزمان ودورانه:\rأبعد الحارث الملك بن عمرو ... له ملك العراق إلى عمان\rمجاورة بن شمحى بن جرم ... هوانا ما أتيح من الهوان\rويمنعها بنو شمحى بن جرم ... معيزهم خانك ذا الحنان\r- ٢٧ - وقال يصف الغيث\rديمة هطلاء فيها وطف ... طبق الأرض تحرى وتدر\rتخرج الود إذا ما أشجدت ... وتواريه إذا ما تشتكر\rوترى الضب خفيفاً ماهراً ... ثانياً برثنه ما ينعفر\rوترى الشجراء في ربقه ... كروس قطعت فيها الخمر\rساعة ثم انتحاها وابل ... ساقط الأكناف واه منهمر\rراح تمريه الصبا ثم انتحى ... فيه شؤبوب جنوب منفجر\rثج حتى ضاق عن آذيه ... عرض خيم فجفاف فيسر\rقد غدا يحملني في أنفه ... لاحق الإطلين محبوك ممر\r- ٢٨ - وقال ينازع الحارث التوءم اليشكري قال امرؤ القيس: أحار ترى بريقاً حب وهناً فقال الحارث بن التوءم: كنار مجوس تستعر استعارا ثم قال امرؤ القيس: أرقت له ونام أبو شريح فقال الحارث: إذا ما قلت قد هدأ استطارا فقال امرؤ القيس: كان هزيزه بوراء غيب فقال الحارث: عشار وله لاقت عشارا فقال امرؤ القيس: فلما أن دنا لقفا أضاخ فقال الحارث: وهت أعجاز ريقه فحارا فقال امرؤ القيس: فلم يترك بذات السر ظبيا فقال الحارث: ولم يترك بجلهتها حمارا - ٢٩ - وقال:\rأحار بن عمر وكأني خمر ... ويعدوا على المرء ما يأتمر\rلا وأبيك ابنة العامر ... ي لا يدعي القوم أني أفر\rتميم بن مر وأشياعها ... وكندة حولي جميعاً صبر\rإذا ركبوا الخيل واستلأموا ... تحرقت الأرض واليوم قر\rتروح من الحي أم تبتكر ... وماذا عليك بأن تنتظر\rأمرخ خيامهم أم عشر ... أم القلب في إثرهم منحدر\rوفيمن أقام عن الحي هر ... أم الظاعنون بها في الشطر\rوهر تصيد قلوب الرجال ... وأفلت منها ابن عمرو حجر\rرمتني بسهم أصاب الفؤاد ... غداة الرحيل فلم أنتصر\rفأسبل دمعي كفض الجمان ... أو الدر رقراقه المنحدر\rوإذ هي تمشي كمشي النزي ... ف يصرعه بالكثيب البهر\rبرهرهة رؤدة رخصة ... كخرعوبة البانة المنفطر\rفتور القيام قطيع الكلا ... م تفتر عن ذي غروب خصر\rكأن المدام وصوب الغمام ... وريح الخزامى ونشر القطر\rيعل به برد أنيابها ... إذا طرب الطائر المستحر\rفبت أكابد ليل التما ... م والقلب من خشية مقتشعر\rفلما دنوت تسديتها ... فثوباً نسيت وثوباً أجر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855745,"book_id":1864,"shamela_page_id":21,"part":null,"page_num":21,"sequence_num":21,"body":"ولم يرنا كالئ كاشح ... ولم يفش منا لدى البيت سر\rوقد رابني قولها يا هنا ... هـ ويحك ألحقت شراً بشر\rوقد اغتدى معي القانصان ... وكل بمربأة مقتفر\rفيدركنا فغم داجن ... سميع بصير طلوب نكر\rألص الضروس حتى الضلوع ... تبوع طلوب نشيط آشر\rفأنشب أظفاره في النسا ... فقلت هبلت ألا تنتصر\rفكر إليه بمبراته ... كما خل ظهر اللسان المجر\rفظل يرنح في غيطل ... كما يستدير الحمار النعر\rوأركب في الروع خيفانة ... كسا وجهها سعف منتشر\rلها حافز مثل قعب الولي ... د ركب فيه وظيف عجر\rلها ثنن كخوافي العقا ... ب سود يفئن إذا تزبئر\rوساقان كعباهما أصمعا ... ن لحم حماتيهما منبتر\rلها عجز كصفاة المسي ... ل أبرز عنها جحاف مضر\rلها ذنب مثل ذيل العروس ... تسد بها فرجها من دبر\rلها متنتان خظاتاكما ... أكب على ساعديه النمر\rلها عذر كقرون النسا ... ء ركبن في يوم ريح وصر\rوسالفة كسحوق الليا ... ن أضرم فيها الغوى السعر\rلها جبهة كسراة المج ... ن حذفه الصانع المقتدر\rلها منخر كوجار الضباع ... فمنه تريح إذا تنبهر\rوعين لها حذرة بدرة ... وشقت مآقيها من أخر\rإذا أقبلت قلت دباءة ... من الخضر مغموسة في الغدر\rوإن أدبرت قلت أثفية ... ململمة ليس فيها أثر\rوإن أعرضت قلت سرعوفة ... لها ذنب خلفها مسبطر\rوللسوط فيها مجال كما ... تنزل ذو برد منهمر\rلها وثبات كصوب السحاب ... فواد خطاء وواد مطر\rوتعدو كعدو نجاة الظبا ... ء أخطأها الحاذف المقتدر\r- ٣٠ - وقال:\rألا انعم صباحاً أيها الربع وانطق ... وحدث حديث الركب إن شئت واصدق\rوحدث بأن زالت بليل حمولهم ... كنخل من الأعراض غير منبق\rجعلن حوايا واقتعدن قعائدا ... وخففن من حوك العراق المنمق\rوفوق الحوايا غزلة وجآذر ... تضمخن من مسك ذكي وزنبق\rفأتبعتهم طرفي وقد حال دونهم ... غوارب رمل ذي ألاء وشبرق\rعلى إثر حي عامدين لنية ... فحلوا العقيق أو ثنية مطرق\rفعزيت نفسي حين بانوا بجسرة ... أمون كبنيان اليهودي خيفق\rإذا زجرت ألفيتها مشمعلة ... تنيف بعذق من غرس ابن معنق\rتروح إذا راحت رواح جهامة ... بإثر جهام رائح متفرق\rكأن بها هراً جنيباً تجره ... بكل طريق صادفته ومأزق\rكأني ورحلي والقراب وتمرقي ... يرفئ ذي زوائد نقنق\rتروح من أرض لأرض نطية ... لذكرة قيض حول بيض مفلق\rيجول بآفاق البلاد مغربا ... وتسحقه ريح الصبا كل مسحق\rوبيت يفوح المسك في حجراته ... بعيد من الآفات غير مروق\rدخلت على بيضاء جم عظامها ... تعفى بذيل الدرع إذ جئت مودقي\rوقد ركدت وسط السماء نجومها ... ركود نوادي الربرب المتورق\rوقد أغتدي قبل العطاس بهيكل ... شديد مشك الجنب فعم المنطق\rبعشا ربيئاً قبل ذاك مخملاً ... كذئب الغضى يمشي الضراء ويتقي\rفظل كمثل الخشف يرفع رأسه ... وسائره مثل التراب المدقق\rوجاء خفياً يسفن الأرض بطنه ... ترى الترب منه لاصقاً كل ملصق\rوقال ألا هذا صوار وعانة ... وخيط نعام.. يرتعي متفرق\rفقمنا بأشلاء اللجام ولم نقد ... إلى غصن بان ناضر لم يحرق\rنزاوله حتى حملنا غلامنا ... على ظهر ساط كالصليف المعرق\rكأن غلامي إذ علا حال متنه ... على ظهر باز في السماء محلق\rرأى أرنباً فانقض يهوى أمامه ... إليها وجلاها بطرف ملقلق\rفقلت له صوب ولا تجهدنه ... فيدرك من أعلى القطاه فتنزلق\rفأدبرن كالجزع المفصل بينه ... بجيد الغلام ذي القميص المطوق\rوأدركهن ثانياً من عنانه ... كغيث العشي الأقهب المتودق\rفصاد لنا عيراً وثوراً وخاضباً ... عداء ولم ينضح بماء فيعرق\rوظل غلامي يضجع الرمح حوله ... لكل مهاة أو لأحقب سهوق\rوقام طوال الشخص إذ يخضبونه ... قيام العزيز الفارسي المنطق","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855746,"book_id":1864,"shamela_page_id":22,"part":null,"page_num":22,"sequence_num":22,"body":"فقلنا ألا قد كان صيد لقانص ... فخبوا علينا كل ثوب مزرق\rوظل صحابي يشتوون بنعمة ... يصفون غارا باللكيك الموشق\rورحنا كأنا من جؤاثى عشية ... نعالي النعاج بين عدل ومشنق\rورحنا بكابن الماء يجنب وسطنا ... تصوب فيه العين طوراً وترتقي\rوأصبح زهلولاً يزل غلامنا ... كقدح النضي باليدين المفوق\rكأن دماء الهاديات بنحره ... عصارة حناء بشيب مفرق\r- ٣١ - وقال:\rأمن ذكر سلمى إذ نأتك تنوص ... فتقصر عنها خطوة وتبوص\rوكم دونها من مهمة ومفازة ... وكم أرض جدب دونها ولصوص\rتراءت لنا يوماً بجنب عنيزة ... وقد حان منها رحلة فقلوص\rبأسود ملتف الغدائر وارد ... وذي أشر تشوفة وتشوص\rمنابته مثل السدوس ولونه ... كشوك السيال فهو عذب يفيض\rفهل تسلين الهم عنك شملة ... مداخلة صم العظام أصوص\rتظاهر فيها الني لا هي بكرة ... ولا ذات ضغن في الزمام قموص\rأؤوب نعوب لا يواكل نهزها ... إذا قيل سير المدلجين نصيص\rكأني ورحلي والقراب وغرقي ... إذا شب للمرو والصغار وبيص\rعلى نقنق هيق له ولعرسه ... بمنعرج الوعساء بيض رصيص\rإذا راح للأدحي أوباً يفنها ... تحاذر من إدراكه وتحيص\rأذلك أم جون يطارد آتناً ... فأربى حملهن دروص\rطواء اضطمار الشد فالبطن شارب ... معالي إلى المتنين فهو خميص\rبحاجبه كدح من الضرب جالب ... وحاركه من الكدام حصيص\rكأن سرته وجدة ظهره ... كنائن يجري بينهن دليص\rويأكلن من قو لعاعاً وربة ... تجبر بعد الأكل فهو نميص\rتطير عفاء من نسيل كأنه ... مسدس أطارته الرياح وخوص\rتصيفها حتى إذا لم يسغ لها ... حلي بأعلى حائل وقصيص\rتغالبن فيه الجزء لولا هواجر ... جنادبها صرعى لهن فصيص\rأرن عليها قارباً وانتحت له ... طوالة أرساغ اليدين نحوص\rفأوردها من آخر الليل مشرباً ... بلائق خضراً ماؤهن قليص\rفيشربن أنفاساً وهن خوائف ... وترعد منهن الكلى والفريص\rفأصدرها تعلو النجاد عشية ... أقب كمقلاء الوليد خميص\rفجحش على أدبارهن مخلف ... وجحش لدى مكرهن وقيص\rوأصدرها بادي النواجذ قارح ... أقب كسكر الأندري محيص\r- ٣٢ - وقال:\rتطاول ليلك بالأثمد ... نام الخلي ولم ترقد\rوبات وباتت له ليلة ... كليلة ذي العائر الأرمد\rوذلك من نبأ جاءني ... وحبرته عن أبي الأسود\rولو عن نثا غيره جاءني ... وجرح اللسان كجرح اليد\rلقلت من القول ما لايزا ... ل يؤثر عني يد المسند\rبأي علاقتنا ترغبون ... أعن دم عمرو على مرثد\rفإن تدفنوا الداء لا تخفه ... وإن تبعثوا الحرب لا نقعد\rفإن تقتلونا نقتلكم ... وإن تقصدوا لدم نقصد\rمتى عهدنا بطعان الكما ... ة والحمد والمجد والسؤدد\rوبني القباب وملء الجفا ... ن والنار والحطب المفاد\rوأعددت للحرب وثابة ... جواد المحثة والمرود\rسبوحاً جموحاً وإحضارها ... كمعمعة السعف الموقد\rومشدودة السك موضونة ... تضاءل في الطي كالمبرد\rتفيض على المرء أردانها ... كفيض الأتي على الجدجد\rومطرداً كرشاء الجرو ... ر من خلب النخلة الأحرد\rوذا شطب غامضاً كلمه ... إذا صاب بالعظم لم ينأد\r- ٣٣ - وقال:\rحي الحمول بجانب العزل ... إذ لا يلائم شكلها شكلي\rماذا يشق عليك من ظعن ... إلا صباك وقلة العقل\rمنيتنا بغد وبعد غد ... حتى بخلت كأسوأ البخل\rيا رب غانية لهوت بها ... ومشيت متئداً على رسلي\rلا استقيد لمن دعا لصبا ... قسراً ولا أصطاد بالختل\rوتنوفة جرداء مهلكة ... جاوزتها بنجائب فتل\rفيبتن ينهشن الجبوب بها ... وأبيت مرتفقاً على رحلي\rمتوسداً عضباً مضاربه ... في متنه كمدبة النمل\rيدعى صقيلاً وهو ليس له ... عهد بتمويه ولا صقل\rعفت الديار فما بها أهلي ... ولوت شموس بشاشة البذل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855747,"book_id":1864,"shamela_page_id":23,"part":null,"page_num":23,"sequence_num":23,"body":"نظرت إليك بعين جازئة ... حوراء حانية على طفل\rفلها مقلدها ومقتلها ... ولها عليه سراوة الفضل\rأقبلت مقتصداً وراجعني ... حلمي وسدد للتقى فعلي\rالله أنجدح ما طلبت به ... والبر خير حقيبة الرحل\rومن الطريقة جائر وهدى ... قصد السبيل ومنه ذو دخل\rإني لأصرم من يصارمني ... وأجد وصل من ابتغى وصلي\rوأخي إخاء ذي محافظة ... سهل الخليقة ماجد الأصل\rحلو إذا ما جئت قال ألا ... في الرحب أنت ومنزل السهل\rنازعته كأس الصبوح ولم ... أجهل مجدة عذرة الرجل\rإني بحبلك واصل حبلي ... وبريش نبلك رائش نبلي\rما لم أجدك على هدى أثر ... يقرو مقصك قائف قبلي\rوشمالي ما قد علمت وما ... نبحت كلابك طارقاً مثلي\r- ٣٤ - وقال:\rجزعت ولم أجزع من البين مجزعا ... وعزيت قلباً بالكواعب مولعا\rوأصبحت ودعت الصبا غير أنني ... أراقب خلات من العيش أربعا\rفمنهن قولي للندامى ترفقوا ... يداجون نشاجاً من الخمر مترعا\rومنهن ركض الخيل ترجم بالقنا ... يبادرن سرباً آمناً أن يفزعا\rومنهن نص العيس والليل شامل ... تيمم مجهولاً من الأرض بلقعا\rخوارج من برية نحو قرية ... يجددن وصلاً أو يقربن مطمعا\rومنهن سوفي الخود قد بلها الندى ... تراقب منظوم التمائم مرضعا\rتعز عليها ريبتي ويسوءها ... بكاه فتثنى الجيد أن يتضوعا\rبعثت إليها والنجوم طوالع ... حذاراً عليها أن تقوما فتسمعا\rفجاءت قطوف المشي هيابة السرى ... يدافع ركناها كواعب أربعا\rيزجينها مشي النزيف وقد جرى ... صباب الكرى في مخها فتقطعا\rتقول وقد جردتها من ثيابها ... كما رعت مكحول المدامع أتلعا\rوجدك لو شيء أتانا رسوله ... سواك ولكن لم نجد لك مدفعا\rفبتنا تسد الوحش عنا كأننا ... قتيلان لم يعلم لنا الناس مضرعا\rتجافى عن الماثور بيني وبينها ... وتدنى على السايري المضلعا\rإذا أخذتها هزة الروع أمسكت ... بمنكب مقدام على الهول أروعا\rعلقمة الفحل الشاعر الجاهلي\rترجمة الشاعر\rهو علقمة بن عبدة، بن النعمان التميمي، من نجد وسادات تميم وشعرائهم المشهورين المتوفي عام ٥٦١ م.\rشب وترعرع في بادية نجد وكان للبيئة أثرها في الشاعر فأرهفت حسه وصقلت خياله وجلت قريحته، وألهمته الشعر الرصين الرائع الديباجة، الفخم الأسلوب الذي يمتلك المشاعر ويستلب الحواس الحقيق بأن يلقب صاحبه بالفحل.\rوسبب تلقيبه بهذا اللقب كما يقال -أنه ابن امرأ القيس وخلفه على زوجته بعد تحاكمهما إليها. وتفصيل الخبر أن علقمة ضاف امرأ القيس - وصديقاً له - فتذاكرا القريض، وادعاه كل منهما على صاحبه، ولج في ذلك فقالت لهما \"أم جندب\" وكانت سليمة الذوق: قولا شعراً تصفان فيه الخيل وتذكران الصيد على قافية واحدة وروى واحد، لأنظر أيكما أشعر فرضيا بحكمها وأنشداها على البديهة قصيدتين كبيرتين وأول قصيدة امرئ القيس:\rخليلي مرابي على أم جندب ... لنقضي لبانات الفؤاد المعذب\rوأول قصيدة علقمة:\rذهب من الهجران في غير مذهب ... ولم يك حقاً كل هذا التجنب\rولما فرغا من إنشادهما قالت أم جندب لبعلها علقمة أشعر منك. فقال وهو يكاد يتميز من الغيظ: وكيف ذاك؟ قالت لأنك قلت:\rفللسوط ألهوب وللساق ذرة ... وللزجر منه وقع أهوج منعب\rفزجرت فرسك وجهدته بسوطك ومريته بساقك، وقال علقمة:\rفأدركهن ثانياً من عنانه ... يمر كمر الرائح المتحلب\rفأدرك الطريدة وهو ثان من عنان فرسه. لم يضربه بسوط ولا مراه بساق، ولا زجره فتزبد وجهه. وقال لها ما هو بأشعر مني ولكنك له وامق وطلقها فخلفه عليها علقمة وسمي لذلك الفحل. ويروى أن علقمة لقب بالفحل تمييزاً له عن سمي من قومه هو علقمة بن سهل أحد بني ربيعة بن مالك التميمي، وكان شاعراً مثله، ومن شعره:\rيقول رجال من صديق وصاحب ... أراك أبا الوضاح أصبحت ثاويا\rفلن يعدم الباقون قبراً لجثتي ... ولن يعدم الميراث من المواليا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855748,"book_id":1864,"shamela_page_id":24,"part":null,"page_num":24,"sequence_num":24,"body":"وخفت عيون الباكيات وأقبلوا ... إلى ما لهم قد بنت عنه بماليا\rحراصاً على ما كنت أجمع قبلهم ... هنيئاً لهم جمعي وما كنت واليا\rوقد وفد علقمة على الحارث الوهاب سيد بني غسان ملك الشام ومدحه بقصيدته\rطحا بك قلب في الحسان طروب ... يعيد الشباب عصر حان مشيب\rوكان أخو علقمة شاس أسيراً عند الحارث مع عدة رجال من بني تميم فطلب علقمة إطلاقهم وكان سبب أسرهم على ما يروى أن الحارث الغساني خطب إلى المنذر ابنته هنداً فوعده بها وكانت هند لا تريد الرجال فصنعت بجلدها شبه البرص فندم المنذر على تزويجها وأمسكها عن ملك غسان فنشبت الحرب بسبب ذلك وأسر خلق كثير من أصحاب المنذر منهم شاس بن عبدة أخو علقمة فلما مدح علقمة الحارث بقصيدته المذكورة وطلب منه فك أسر أخيه لبى الملك دعاءه وأطلق له أخاه وكل الأسرى من قبيلته. ومن شعر علقمة الجيد قصيدة مطلعها:\rهل ما علمت وما استودعت مكتوب ... أم حبلها إذ نأتك اليوم مصروم\rأم هل كبير بكى لم يقض عبرته ... أثر الأحبة يوم البين مشكوم\rوالنقاد يعجبون بشعر علقمة إعجاباً شديداً.\rاجتمع الزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم والمخبل السعدي وعلقمة الفحل قبل أن يسلموا وبعد مبعث النبي ﷺ، فنحروا جزوراً واشتروا خمراً ببعير، وجلسوا يشوون ويأكلون، فقال أحدهم وقد لعبت برأسه سورة الحميا: لو أن قوماً طاروا من جودة أشعارهم لطرنا. وقال كل منهم لصاحبه أنا أشعر منك، ثم تحاكموا إلى أول من يطلع عليهم. ومن غرائب المصادفات أن يكون أول طالع حكم العرب وقاضيها الحصيف الرأي ربيعة بن حذار الأسدي. ولما طلع رحبوا به وقالوا له: أخبرنا أينا أشعر؟ قال أخاف أن تغضبوا. فأمنوه من ذلك. فقال: أما أنت يا زبرقان فإن شعرك كلحم لا أنضج فيؤكل؛ ولا ترك نيئاً فينتفع به. وأما أنت يا عمرو فإن شعرك كبرد حبرة يتلألأ فيه البصر فكلما أعدته نقص. وأما أنت يا مخبل فشعرك شهب من نار الله يلقيها على من يشاء. وأما أنت يا علقمة فإن شعرك كمزادة قد أحكم خرزها فليس يقطر منها شيء. وقال ابن الأعرابي (١٥٠-٢٤٠ هـ) لم يصف أحد قط الخيل إلا احتاج إلى أبي دؤاد، ولا وصف الخمر إلا احتاج إلى أوس بن حجر ولا وصف أحد النعامة إلا احتاج إلى علقمة بن عبدة ولا اعتذر أحد في شعره إلا احتاج إلى النابغة الذبياني.\rوقال أبو عبد الله بن سلام الجمحي المتوفي عام ٢٣١ هـ في كتابه طبقات الشعراء لابن عبدة ثلاث روائع جياد لا يفوقهن شعر: الأولى \"طحا بك قلب في الحسان طروب\" والثانية \"ذهبت من الهجران غير مذهب\"، والثالثة \"هل ما علمت وما استودعت مكتوم\". وقد شارك ابن سلام في رأيه هذا ابن رشيق القيرواني في كتابه \"العمدة\" وقد ذكره ابن سلام في الطبقة الرابعة من شعراء الجاهلية.\rوقال ابن سعيد المغربي (٦١٠-٦٩٣ هـ) في كتابه \"عنوان المرقصات والمطربات\" \"معاني الغوص في شعر علقمة معدومة، وأقرب ما وقع له قوله:\rأوردتها وصدور العبس مسنفة ... والصبح بالكوكب الدري منحور\rيشير إلى أن كوكب الصبح مثل سنان الحربة طعن به فسال منه دم الشفق وإذا تبين هذا المعنى كان من المرقصات.. وقوله:\rيحملن أترجة نضح العبير بها ... كأن تطيابها في الأنف مشموم\rيشير إلى أن ما نال هذه المرأة من مضض السير واصفرار لونها كالأترجة وأنها كلما تحركت تزيد طيباً! ومنه أخذ ابن الرمى وغيره تشبيه المرأة بالروضة لطيب ثغرها\".\rوقال أبو عمرو بن العلاء (٦٨-١٥٤ هـ) أعلم الناس بالنساء علقمة بن عبدة حيث يقول:\rفإن تسألوني بالنساء فإنني ... بصير بأدواء النساء طبيب\rإذا شاب رأس المرء أو قل ماله ... فليس له من ودهن نصيب\rيردن ثراء المال حيث علمنه ... وشرخ الشباب عندهن عجيب\rوكانت العرب - كما يقول حماد الراوية - تعرض أشعارها على قريش، فما قبلوا منها كان مقبولاً، وما ردوا منها كان مردوداً، فقدم علقمة بن عبدة فأنشدهم قصيدته التي أولها:\rهل ما علمت وما استودعت مكتوم؟ ... أم حبلها إذ نأتك اليوم مصروم\rفقالوا: هذا سمط الدهر.. ثم عاد إليهم في العام المقبل فأنشدهم درته التي مطلعها \"طحابك\" فقالوا: هاتان سمطا الدهر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855749,"book_id":1864,"shamela_page_id":25,"part":null,"page_num":25,"sequence_num":25,"body":"وقد عمر علقمة طويلاً، وتوفي عام ٥٦١، ويروي بعض الباحثين أنه عمر بعد ذلك طويلاً وتوفي ٢٦٥؛ وله أبناء شعراء منهم خالد، وعلي، ولعلي ابن شاعر اسمه عبد الرحمن.\r\rشرح المختار من شعر علقمة\r- ١ - قال علقمة بن عبدة يمدح الحارث بن أبي شمر الغساني:\rطحا بك قلب في الحسان طروب ... بعيد الشباب عصر حان مشيب\rيكلفني ليلي وقد شط وليها ... وعادت عواد بيننا وخطوب\rمنعمة لا يستطاع كلامها ... على بابها من أن تزار رقيب\rإذا غاب عنها البعل لم تفش سره ... وترضى إياب البعل حين يؤوب\rفلا تعدلي بيني وبين مغمر ... سقتك روايا المزن حيث تصوب\rسقاك يمان ذو حي وعارض ... تروح به جنح العشي جنوب\rوما أنت أم ما ذكرها ربعية ... يخط لها من ثرمداء قليب\rفإن تسألوني بالنساء فإنني ... بصير بأدواء النساء طبيب\rإذا شاب رأس المرء أو قل ماله ... فليس له من ودهن نصيب\rيردن ثراء المال حيث علمنه ... وشرخ الشباب عندهن عجيب\rفدعها وسل الهم عنك بحسرة ... كهمك فيها بالرداف خبيب\rوناجية أفنى ركيب ضلوعها ... وحاركها تهجر فدؤوب\rوتصبح عن غب السرى وكأنها ... مولعة تخشى القنيص شبوب\rتعفق بالأرطى لها وأرادها ... رجال فبذت نبلهم وكيب\rإلى الحارث الوهاب أعملت ناقتي ... لكلكلها والقصر بين وجيب\rلتبلغني دار امرئ كان نائياً ... فقد قربتني من نداك قروب\rإليك \"أبيت اللعن\" كان وجيفها ... بمشتبهات هو لهن مهيب\rتتبع أفياء الظلال عشية ... على طرق كأنهن سبوب\rهداني إليك الفرقدان ولاحب ... له فوق أصراء المتان علوب\rبها جيف الحسرى فأما عظامها ... فبيض، وأما جلدها فصليب\rفأوردتها ماء كأن جمامه ... من الأجن حناء معاً وصبيب\rتراد على دمن الحياض فإن تعف ... فإن المندى رحلة فركوب\rوأنت امرؤ أفضت إليك أمانتي ... وقبلك ربتني فضعت ربوب\rفأدت بنو كعب بن عوف ربيبها ... وغودر في بعض الجنود ربيب\rفوالله لولا فارس الجون منهم ... لآبوا خزايا والإياب حبيب\rتقدمه حتى تغيب حجوله ... وأنت لبيض الدارعين ضروب\rمظاهر سربالي حديد عليهما ... عقيلاً سيوف مخذم ورسوب\rفجالدتهم حتى اتقوك بكبشهم ... وقد حان من شمس النهار غروب\rتجود بنفس لا يجاد بمثلها ... وأنت بها يوم اللقاء تطيب\rقاتل من غسان أهل حفاظها ... وهنب وقاس جالدت وشبيب\rتخشخش أبدان الحديد عليهم ... كما خشخشت يبس الحصاد جنوب\rكأن رحال الأوس تحت لبانه ... وما جمعت جل معاً وعنيب\rرغا فويهم سقب السماء فداحض ... بشكته لم يستلب وسليب\rكأنهم صابت عليهم سحابة ... صواعقها لطيرهن دبيب\rفلم تنج إلا شطبة بلجامها ... وإلا طمر كالقناة نجيب\rوإلا كمي ذو حفاظ كأنه ... بما ابتل من حد الظبات خضيب\rوفي كل حي قد خبطت بنعمة ... فحق لشأس من نداك ذنوب\rوما مثله في الناس إلا قبيله ... مساو ولا دان لذاك قريب\rفلا تحرمني نائلاً عن جنابة ... فإني امرؤ وسط القباب غريب\rفلست لإنسي ولكن لملاك ... تنزل من جو السماء يصوب\r- ٢ - وقال علقمة أيضاً:\rهل ما علمت وما استودعت مكتوم ... أم حبلها إذ نأتك اليوم مصروم\rأم هل كبير بكى لم يقض عبرته ... إثر الأحبة يوم البين مشكوم\rلم أدر بالبين حتى أزمعوا طعناً ... كل الجمال قبيل الصبح مزموم\rرد الإماء جمال الحي فاحتملوا ... فكلها بالتزيديات معكوم\rعقلاً ورقماً تظل الطير تتبعه ... كأنه من دم الأجواف مدموم\rيحملن أترجة نضج العبير بها ... كأن تطيابها في الأنف مشموم\rكأن فارة مسك في مفارقها ... للباسط المتعاطي وهو مزكوم\rفالعين مني كأن غرب تحط به ... دعماء حاركها بالقنب محزوم\rقد عريت حقبة حتى استطف لها ... كتر كحافة كير القين ملموم\rكأن غسلة خطمي بمشفرها ... في الخد منها وفي اللحيين تلغيم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855750,"book_id":1864,"shamela_page_id":26,"part":null,"page_num":26,"sequence_num":26,"body":"قد أدبر العر عنها وهي شاملها ... من ناصع القطران الصرف ترسيم\rتسقي مذانب قد زالت عصيفتها ... حدورها من أتي الماء مطموم\rمن ذكر سلمى وما ذكرى الأوان لها ... إلا السفاه وظن الغيب ترجيم\rصفر الوشاحين ملء الدرع خرعبة ... كأنها رشأ في البيت ملزوم\rهل تلحقي بأولي القوم إذ شحطوا ... جلذية كأتان الضحل علكوم\rتلاحظ السوط شزراً وهي ضامرة ... كما توجس طاوي الكشح موشوم\rكأنها خاضب زعر قوائمه ... أجنى له باللوى شرى وتنوم\rيظل في الحنظل الخطبان ينقفه ... وما استطف من التنوم مخدوم\rفوه كشق العصا لأياً تبينه ... أسك ما يسمع الأصوات مصلوم\rحتى تذكر بيضات وهيجه ... يوم رذاذ عليه الريح مغيوم\rفلا تزيده في مشيه نفق ... ولا الزفيف دوين الشد مسؤوم\rيكاد منسمه يختل مقلته ... كأنه حاذر للنحس مشهوم\rيأوي إلى خرق زعر قرادتها ... كأنهن إذا بركن جرثوم\rوضاعة كعصي الشرع جؤجؤه ... كأنه يتناهى الروض علجوم\rحتى تلافى وقرن الشمس مرتفع ... أدحي عرسين فيه البيض مركوم\rيوجي إليها بإنقاض ونقنقة ... كما تراطن في أفدانها الروم\rصعل كأن جناحيه وجؤجؤه ... بيت أطافت به خرقاء مهجوم\rتحفه هقلة سطعاء خاضعة ... تجيبه بزمار فيه ترنيم\rبل كل قوم وإن عزوا وإن كثروا ... عريفهم بأثافي الشر مرجوم\rوالجود نافية للمال مهلكة ... والبخل مبق لأهليه ومذموم\rوالمال صوف قرار يلعبون به ... على نقادته واف ومجلوم\rوالحمد لا يشترى إلا له ثمن ... مما تضن به النفوس معلوم\rوالجهل ذو عرض لا يستراد له ... والحلم آونة في الناس معدوم\rومطعم الغنم يوم الغنم مطعمه ... أنى توجه والمحروم محروم\rومن تعرض للغربان يزجرها ... على سلامته لابد مشؤوم\rوكل بيت وإن طالت إقامته ... على دعائمه لابد مهدوم\rقد أشهد الشرب فيهم مزهور رنم ... والقوم تصرعهم صهباء خرطوم\rكاس عزيز من الأعناب عتقها ... الغض أربابها حانية حوم\rتشفى الصداع ولا يؤذيك صالبها ... ولا يخالطها في الرأس تدويم\rعانية قرقف لم تطلع سنة ... يجنها مدمج بالطين مختوم\rظلت ترقرق في الناجود يصفقها ... وليد أعجم بالكتان مفدوم\rكأن إبريقهم ظبي على شرف ... مقدم بسبا الكتان ملثوم\rأبيض أبرزه للضح راقبه ... مقلد قضب الريحان مفعوم\rوقد غدوت على قرني يشيعني ... ماض أخو ثقة بالخير موسوم\rوقد علوت قتود الرحل يسفعني ... يوم تجيء به الجوزاء مسموم\rحام كأن أوار النار شامله ... دون الثياب ورأس المرء معموم\rوقد أقود أمام الحي سلهبة ... يهدي بها نسب في الحي مغلوم\rلا في شظاها ولا أرساغها عتب ... ولا السنابك أفناهن تقليم\rسلاءة كعصا النهدي غل بها ... ذو فيئة من نوى قران معجوم\rتتبع جوناً إذا ما هيجت زجلت ... كأن دفا على علياء مهزوم\rيهدي بها أكلف الخدين مختبر ... من الجمال كثير اللحم عبثوم\rإذا ترغم من حافاتها ربع ... حنت شغاميم في حافاتها كوم\rوقد أصاحب فتياناً طعامهم ... خضر المزاد ولحم فيه تنشيم\rوقد يسرت إذا ما الجوع كلفه ... معقب من قداح النبع مقروم\rلو ييسرون بخيل قد يسرت بها ... وكل ما يسر الأقوام مغروم\r- ٣ - وقال علقمة أيضاً يعارض امرأ القيس:\rذهبتَ من الهجران في غير مذهب ... ولم يك حقاً كل هذا التجنب\rليالي لا تبلى النصيحة بيننا ... ليالي حلوا بالستار فغرب\rمبتلة كأن أنضاء حليها ... على شادن من صاحة متربب\rمحال كأحواز الجراد ولؤلؤ ... من القلقى والكبيس الملوب\rإذا ألحم الواشون للشر بيننا ... تبلغ رس الحب غير المكذب\rوما أنت أم ما ذكرها ربعة ... تحل بأير أو بأكناف شربب\rأطعت الوشاة والمشاة بصرمها ... فقد أنهجت حبالها للتقضب\rوقد وعدتك موعداً لو وفت به ... كموعود عرقوب أخاه بيثرب","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855751,"book_id":1864,"shamela_page_id":27,"part":null,"page_num":27,"sequence_num":27,"body":"وقالت متى تبخل عليك بعثلل ... تشك وإن يكشف غرامك تدرب\rفقلت لها فيئ فما تستفزني ... ذوات العيون والبنان المخضب\rففاءت كما فاءت من الآدم مغزل ... بيشة ترعى في أراك وحلب\rفعشنا بها من الشباب ملاوة ... فأنجح آيات الرسول المخبب\rفإنك لم تقطع لبانة عاشق ... بمثل بكور أو رواح مؤوب\rبمجفرة الجنبين حرف شملة ... كهمك مرقال على الأين دغلب\rإذا ما ضربت الدف أوصلت صولة ... ترقب مني غير أدنى ترقب\rبعين كمرآة الصناع تديرها ... لمحجرها من النصيف المنقب\rكأن بحادتها إذ ما تشذرت ... عثاكيل عذق من سميحة مرطب\rتذب به طوراً وطوراً تمره ... كذب البشير بالرداء الهذب\rوقد أغتدي والطير في وكناتها ... وماء الندى يجري على كل مذنب\rبمنجرد قيد الأوابد لاحه ... طراد الهوادي كل شأن معرب\rبغوج لبانيه ثم بريمه ... على نفث راق خشية العين مجلب\rكميت كلون الأرجوان نشأته ... لمع الرداء في الصوان المكعب\rممر كعقد الأندري يزينه ... مع العتق خلق مفعم غير جأنب\rله حرتان تعرف العتق فيهما ... كسامعتي مذعورة وسط ربرب\rوجوف هواء تحت متن كأنه ... من الهضبة الخلقاء زحلوف ملعب\rقطاة تكردس المحالة شرفت ... إلى سند مثل الغيط الم١اب\rوغلب كأعناق الضباع مصيغها ... سلام النظى يغشى بها كل مركب\rوسمر يفلقن الظراب كأنها ... حجارة غيل وارسات بطحلب\rإذا ما افتصنا لم نخاتل بجنه ... ولكن نادى من بعبد ألا اركب\rأحاتفة لا يلعن الحي شخصه ... صبوراً على العلات غير مسبب\rإذا انفدوا زاداً فإن عنانه ... وأكرعه مستعملا حير مكسب\rرأينا شياهاً ترتعين خميلة ... كمشي العذارى في الملاء المهدب\rفينا تمارينا وعقد عذاره ... خرجن علينا كالجمار المثقب\rفأتبع أدبار الشياه بصادق ... حثيث كغيث الرائح المتحلب\rترى الفأر عن مسترغب القدر لائحاً ... على جدد الصحراء من شد ملهب\rخفى الفأر من أنفاقه فكأنما ... تجلله شؤوب غيث منقب\rفظل لنيران الصريم غماغم ... يداعسهن بالنضي المعلب\rفهاو على حر الجبين ومتق ... بمدراته كأنها ذلق مشعب\rوعادى عداء بين ثور ونعجة ... وتيس شبوب كالهشيمة قرهب\rفقلنا ألا قد كان صند لقانص ... فخبوا علينا فضل برد مطنب\rفظل الأكف يختلفن بحاند ... إلى جؤجؤ مثل المداك المخضب\rكأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب\rورحنا كأنامن جؤاثى عشية ... نعالي النعاج بين عدل ومحقب\rوراح كشاة الربل ينغض رأسه ... أذاة به من صائك متحلب\rوراح يباري في الجناب قلوصنا ... عزيزاً علينا كالجباب المسبب\rقال الأعلم: كمل جميع ما رواه الأصمعي من شعر علقمة، ونذكر قطعاً من شعره مما رواه أبو علي إسماعيل بن القاسم البغدادي (القالي) عن الطوسي وابن الأعرابي وغيرهما.\r- ٤ - وقال في فكه أخاء شأسا:\rدافعته عنه بشعري إذ ... كان لقومي في الفداء جحد\rفكان فيه ما أتاك وفي ... تسعين أسرى مقرنين صفد\rدافع قومي في الكتيبة إذ ... طار لأطراف الطبات وقد\rفأصبحوا عند ابن جفنة في ال ... أغلال منهم والحديد عقد\rإذ مخنب في المخنبين وفي الن ... هكة غي بادئ ورشد\r- ٤ - وقال علقمة أيضاً:\rتراءت وأستار من البيت دونها ... إلينا وحانت غيلة المتفقد\rبعيني مهاة يخدر الدمع منهما ... بريمين شتى من دموع وإثمد\rوجيد غزال شارد فردت له ... من الحلي سمطى لؤلؤ وزبرجد\r- ٦ - وقال علقمة أيضاً أو علي بن علقمة في يوم الكلاب الثاني:\rود نفير للمكاور أنهم ... بنجدران في شاء الحجار الموقر\rأسعيا إلى نجران في شهرناجر ... حفاة وأعيا كل أعيس مسفر\rوقرت لهم عيني بيوم حذنة ... كأنهم تذبيح شاء معتر\rعمدتم إلى شلو تنوذر قبلكم ... كثير عظام الرأس ضخم المذمر\r- ٧ - وقال علقمة أيضاً:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855752,"book_id":1864,"shamela_page_id":28,"part":null,"page_num":28,"sequence_num":28,"body":"وأخي محافظة طليق وجهه ... هش جررت له الشواء بمسعر\rمن بازل ضربت بأبيض باتر ... بيدي أغر يجر فضل المئزر\rورفعت راحلة كأن ضلوعها ... من نص راكبها سفائف عرعر\rحرجاً إذا هاج السراب على الصوى ... واستن في أفق السماء الأغبر\r- ٨ - وقال في مولى له، وينسب هذا الشعر لابنه خالد:\rومولى كمولى الزبرقان دملته ... كما دملت ساق تهاض بها وقر\rإذا ما أحالت والجبائر فوقها ... أتى الحول لا برء جبير ولا كسر\rتراه كأن الله يجدع أنفسه ... وعينيه إن مولاه ثاب له وفر\rترى الشر قد أفنى دوائر وجهه ... كضب الكدى أفنى أنامله الجفر\r- ٩ - وقال علقمة وينسب هذا الشعر لحفيده عبد الرحمن بن علي بن علقمة:\rوشامت بي لا تخفي عداوته ... إذا حمامى ساقته المقادير\rإذا تضمنني بيت برابية ... آبوا سراعاً وأمسى وهو مهجور\rفلا يغرنك جري الثوب معتجراً ... إني امرؤ في عند الجد تشمير\rكأنني لم أقل يوماً لعادية ... شدوا ولا فتية في موكب سيروا\rساروا جميعاً وقد طال الوجيف بهم ... حتى بدا واضح الأقراب مشهور\rولم أصبح جمام الماء طاوية ... بالقوم وردهم للخمس تبكير\rأوردتها وصدور العيس مسنفة ... والصبح بالكوكب الدري منحور\rتباشروا بعد ما طال الوجيف بهم ... بالصبح لما بدت منه تباشير\rبدت سوابق من أولاه نعرفها ... وكبره في سواء الليل مستور\rكمل المختار من شعر علقمة بن عبدة التميمي.\r\rالنابعة الذبياني ٥٣٥ - ٦٠٤ م\r- ١ - هو زيادة بن معاوية من غيظ بن مرة من ذبيان من قيس من مضر؛ وكنيته أبو أمامة، ولقب بالنابغة لنبوغه في الشعر وهو كبير دفعة واحدة بعد أن أحكمته التجارب ومشى به السن وهو أحد الأشراف الذين غض الشعر منهم، ويعد من شعراء الطبقة الأولى مع امرئ القيس، وكانت تضرب له قبل بسوق عكاظ فتأتيه الشعراء تعرض عليه أشعارها فيفاضل بينهم.\rوكان النابغة من أشراف قومه، ومع تكسبه بالشعر فإنه كان يعتز بنفسه، لا كما صنع الأعشى. وكان يقصد الملوك ويمدحهم في غير صنعة فيجزلون له العطاء. اتصل بالنعمان بن المنذر أبي قابوس ملك الحيرة الذي تولى الملك من عام ٥٨٠ - ٦٠٢ م، ومدحه بقصائد رائعة كثيرة، فقربه النعمان إليه، وصار أثيراً عنده ومن ندمائه، وغمره بعطائه الجزل، حتى صار النابغة يأكل في صحاف الذهب والفضة، ثم غضب عليه.. وتختلف الروايات في سبب ذلك.\rقيل إن النابغة رأى زوجة النعمان \"المتجردة\" يوماً في حين غفلة فسقط نصيفها عن وجهها فاستترت بيدها وذراعها، فقال فيها قصيدته:\rأمن آل أمية رائح أو مغتدي ... عجلان ذا زاد وغير مزود\rفامتلأ النعمان غضباً وأوعد النابغة فهرب.. وقيل إن غضب النعمان عليه لأن أحد خصوم النابغة وهو عبد القيس التميمي ومرة بن سعد السعدي نظما هجاء في النعمان على لسان النابغة وأنشد النعمان أبياتاً منها:\rقبح الله ثم ثنى بلعن ... وارث الصائغ الجبان الجهولا\rمن يضر الأدنى ويعجز عن ض ... ر الأقاصي ومن يخون الخليلا\rيجمع الجيش ذا الألوف ويغزو ... ثم لا يرزأ العدو فتيلا\rوكانت أم النعمان بنت صائغ من فدك - بلدة قريبة من المدينة - فنبر النابغة من ذلك الشعر، ولكنه خاف على نفسه فهرب إلى الشام.\rوقيل ان سبب وعد النعمان للنابغة أنه كان هو والمنخل اليشكري جالسين في مجلس النعمان ومعهم زوجته المتجردة، فقال النعمان للنابغة: صفها في شعرك. فقال قصيدته:\rأمن آل مية رائح أو مغتدي ... عجلان ذا زاد وغير مزود","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855753,"book_id":1864,"shamela_page_id":29,"part":null,"page_num":29,"sequence_num":29,"body":"فلحقت المنخل غيرة، فقال للنعمان: ما يستطيع أن يقول هذا الشعر إلا من عرف. فحقد النعمان على النابغة وعلم بذلك فخافه وهرب. وقيل إن النابغة وصف امرأة بقصيدته \"يا دار مية بالعلياء فالسند\" فوشى للنعمان أنه يعني زوجته المتجردة.. وأياً ما كان فقد كان لوشايات خصوم النابغة أثرها في تغير قلب النعمان وسخطه عليه، فهرب وأتى قومه، ثم شخص إلى ملوك غسان بالشام، وكانوا أعداء لملوك الحيرة، فاتصل النابغة بعمرو بن الحارث الأصغر ملك غسان ومدحه ومدح أخاه النعمان وظل لديه حتى مات، وملك أخوه النعمان، فأقام عنده أثيراً لديه. ولكنه كان يحن إلى بلاط النعمان بن المنذر ملك الحيرة، ويرسل إلى الملك قصائد من اعتذارياته الرائعة يتبرأ فيها مما رمى به ويعتذر مما كان. وتوالت اعتذاراته على النعمان فعفا عنه فعاد إليه وعاشره في الحيرة.. ويقال أن النابغة استجار ببعض المقربين لدى النعمان فكلموه في شأنه، حتى أمنه وأمر له بمائة بعير. ويقال أن النابغة علم بمرضه فلم يملك صبره وسار إليه فألفاه في مرضه فمدحه. ثم عوفي النعمان فأمنه وأقام عنده، وظل النابغة عظيماً شريفاً مكرماً عند الملوك والأمراء، وتوفي عام ٦٠٤ م.\r- ٢ - وفي الأغاني ترجمة طويلة له، وكذلك في الشعر والشعراء لابن قتيبة كما عرض له ابن سلام في طبقات الشعراء، وكذلك شعراء النصرانية، وكذلك صاحب كتاب تاريخ الأدب في العصر الجاهلي، وأخرج الأستاذ عمر الدسوقي كتاباً عنه، كما نشر عدد عنه في سلسلة \"الروائع\".. وعرض له صاحب الجمهرة، والمرزباني في الموشح، وكثير من العلماء، كما كتب عنه الزيات وجورجي زيدان وأصحاب الوسيط والمفصل، وسواهم.\rوشعر النابغة لطيف رقيق إذا تملكته عاطفة قوية من إشفاق أو حماسة أو رهبة كما ترى في أهاجيه ومدائحه واعتذارياته، وقيل عنه أشعر الناس إذا رهب وهو في اعتذارياته حزين عميق الحزن قلق مضطرب يداخله التشاؤم واليأس الشديد ذلك كله لأن خيال الشاعر دقيق واسع، يسمو إلى درجة عالية في إكمال الصورة وإيضاح المشابهات، يتوسع بالتشبيه، ويفسح له خياله المجال في التصوير، كما في وصفه للفرات أو لغيره.\rوتمتاز معانيه بالدقة والانسجام والتآلف والصدق والقرب من العقل والبعد عن التعقيد والغموض، مع مراعاة المخاطبين، ومع البصر بمواقع الكلام.\rوقد أجاد النابغة في المدح والاعتذار والعزل والفخر إجازة بالغة كما أجاد في الوصف والرثاء والحكمة إجادة دون ذلك.\rوأسباب إجادته في المدح معروفة منها حب المال، وخصب الخيال، وقوة الذكاء، وميله إلى التجويد والتنقيح، والتهذيب إلى غير ذلك من الأسباب.\rوإجادته في الاعتذار كذلك كان الباعث عليها الرهبة والخوف مع الرغبة والأمل. أما الوصف فقد أجاد في بعض دون البعض الآخر، فأجاد في وصف الثور والوحش والفرات وما إلى ذلك.\rوقال الأصمعي: لم يكن النابغة وزهير وأوس يحسنون صفة الخيل، ولكن طفيل الغنوي أحسن في صفة الخيل غاية الإحسان.\r- ٣ - ويمتاز شعر النابغة ببلوغه غاية الحسن والجودة ونقاوته من العيوب وجودة مطالع قصائده وأواخرها. وكان البدو من أهل الحجاز يحفظون شعره ويفاخرون به لحسن ديباجته وجمال رونقه وجزالة لفظه وقلة تكلفه وليس له نظير في وصف الإحساسات النفسية كالخوف وما شابه ذلك.\rأجاد في المدح كما بلغ الغاية في الاعتذار واعتذارياته إلى النعمان من عيون الشعر العربي وهي فن جديد من فنون الشعر الجاهلي. وتبلغ غاية الجودة والإحسان ومنها قوله:\rنبئت أن أبا قابوس أوعدني ... ولا قرار على زأر من الأسد\rمهلاً فداء لك الأقوام كلهم ... وما أثمر من مال ومن ولد\rوقوله:\rأتاني أبيت اللعن أنك لمتني ... وتلك التي تستك منها المسامع\rمقالة أن قد قلت سوف أناله ... وذلك من تلقاء مثلك رائع\rفإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع\rوأنت ربيع ينعش الناس سيبه ... وسيف أعيرته المنية قاطع\rأبى الله إلا عدله ووفاءه ... فلا النكر معروف ولا العرف ضائع\rوقوله:\rأتاني أبيت اللعن أنك لمتني ... وتلك التي أهتم منها وأنصب\rفبت كأن العائدات فرشنني ... هراساً به يعلى فراشي ويقشب","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855754,"book_id":1864,"shamela_page_id":30,"part":null,"page_num":30,"sequence_num":30,"body":"حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب\rألم تر أن الله أعطاك سورة ... ترى كل ملك دونها يتذبذب\rفإنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب\rوقد عده بعض العلماء من شعراء المعلقات ومطلع معلقته:\rيا دار مية بالعلياء فالسند ... أقوت وطال عليها سالف الأمد\rوتقع في واحد وخمسين بيتاً. وهي من قصائده الاعتذاريات، بدأها ببكاء الاطلاق كالمألوف من أشعار الجاهلية، ثم انتقل من ذلك إلى وصف ناقته:\rفقد عما ترى إذ لا ارتجاع له ... وانم القتود على عيرانة أجد\rوشبهها بوحش وجرة، ثم أفاض كعادته في وصف وحش وجرة، والكلاب الصائدة، ودخل من ذلك إلى النعمان:\rفتلك تبلغني النعمان إن له ... فضلاً على الناس في الأدنى وفي البعد\rولا أرى فاعلاً في الناس يشبهه ... وما أحاشي من الأقوام من أحد\rثم طلب إليه أن يكون حكيماً في أمره، لا يقبل سعاية الساعين، ونفى عن نفسه ما اتهم به\rما إن أتيت بشيء أنت تكرهه ... إذا فلا رفعت سوطي إلى يدي\rهذا لأبرأ من قول قذفت به ... كانت نوافذه حراً على الكبد\rثم مدحه بالكرم، وأنه يشبه نهر الفرات، واسترسل في وصف الفرات كعادته أيضاً.. وختمها بقوله:\rها إن تاعذرة إلا تكن نفعت ... فإن صاحبها قد تاه في البلد\rويظهر من شعره التدين والتزام مكارم الأخلاق، فهو يقول:\rقالت أراك أخاً رحل وراحلة ... تغشى متالف لن ينظرنك الهرما\rحياك ربي فأنا لا يحل لنا ... لهو النساء وإن الدين قد عزما\rمشمرين على خوص مزممة ... نرجو الإله ونرجو البر والطعما\rوقوله:\rتعدو الذئاب على من لا كلاب له ... وتتقي حومة المستأسد الحامي\rوقوله:\rنفس عصام سودت عصاما ... وعلمته الكر والإقداما\rوصيرته ملكاً هماماً ... من علا وجاوز الأقواما\rوقدم عمر بن الخطاب النابغة على جميع الشعراء في غير موضع، وفضله على جميع شعراء غطفان في موضع آخر، ويروى عن حسان قصة تدل على مكان النابغة عند النعمان وفضله لديه على جميع الشعراء، وحسان منهم. وحضر النابغة سوق عكاظ مرة فأنشده الأعشى ثم حسان ثم شعراء آخرون ثم الخنساء فقال لها: لولا أن أبا بصير أنشدني لقلت إنك أشعر الجن والإنس، فقال له حسان: أنا أشعر منك ومن أبيك. فقال له النابغة: يابن أخي إنك لا تحسن أن تقول:\rفإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك أواسع\rومن روائع شعره قصيدته:\rكليني لهم يا أميمة ناصب ... وليل أقاسيه بطيء الكواكب\rومن معانيه المبتدعة قوله:\rنبئت أن أبا قانوس أوعدني ... ولا قرار على زأر من الأسد\rوقوله:\rفلو كفى اليمين بغتك خونا ... لا فردت اليمين عن الشمال\rوأخذه عن المثقب العبدي فقال:\rولو أني تخالفني شمالي ... بنصر لم تصاحبها يميني\rوقوله:\rفحملتني ذنب امرئ تركته ... كذي العري يكوي غيره وهو رائع\rوقد أخذت الكميت فقال:\rولا أكوى الصحاح براتعات ... بهن العر قبلي ما كوينا\rوقوله وهو أحسن ما قيل في العفة:\rرقاق النعال طيب حجزاتهم ... يحيون بالريحان يوم السباسب\rوما يتمثل به من شعره:\rومن عصاك فعاقبه معاقبة ... تنهى الظلوم ولا تقعد على ضمد\rوقوله:\rواستبق ودك للصديق ولا تكن ... فتبا يعض بغارب ملحاحا\rأخذه ابن ميادة فقال:\rما إن ألح على الإخوان أسألهم ... كما يلح بعض الغارب القتب\rومما يمثل به من شعره قوله:\rلونها عرضت الأشمط راهب ... عبد الإله ضرورة متعبد\rلرنا لبهجتها وحسن حديثها ... ولخاله رشدا وإن لم يرشد\rأخذه ربيعة بن مقروم فقال:\rلو أنها عرضت لأشمط راهب ... في رأس مشرفة الذرى يتبتل\rلرنا لبهجتها وحسن حديثها ... ولهم من ناموسه يتنزل\rومن أمثالها ثم أصدق من قطاة - قال النابغة\rتدعو القطاويها تدعى إذا نسبت ... يا حسنها حين تدعوها فتنسب\rأخذه ابو نواس فقال أصدق من قوة قطاة قطا. ومن حكمه:\rولست بمستبق أخاً لا تلمه ... على شعث، أي الرجال المهذب؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855755,"book_id":1864,"shamela_page_id":31,"part":null,"page_num":31,"sequence_num":31,"body":"ومما سبق إليه قوله:\rنظرت إليك بحاجة لم تقضها ... نظر السقيم إلى وجوه العود\rوقد أخذه أبو نواس فقال:\rضعيفة كر الطرف تحسب أنها ... قريبة عهد بالأفاقة من سقم\rومما يستحسن من قوله:\rحسب الخليلين نأي لأرض بينهما ... هذا عليها وهذا تحتها بالي\rوقوله:\rالمرء يأمل أن يعي ... ش وطول عيش قد يضره\rتفنى بشاشته ويب ... قى بعد حلو العيش مره\rوتخونه الأيام ح ... تى لا يرى شيئاً يسره\rكم شامت بي إن هلك ... ت وقائل: لله دره\rومما سبق إليه ولم يحسن تشبيهه قوله:\rمن وحش وجرة موشى أكارعه ... طاوي المصير كسيف الصيقل الفرد\rفشبه الثور في بياضه والتماعه بالسيف المجرد من الغمد، ولم تسمع كلمة \"الفرد\" إلا في هذا الشعر؛ وللطرماح في المعنى نفسه:\rيبدو وتضمره البلاد كأنه ... سيف على شرف يسل ويغمد\rوهذا أكمل في التشبيه لدلالته على الاختفاء، والظهور المأخوذ من حركة هذا الثور الوحشي.\rوفضل ناقد أمام الأصمعي قول النابغة:\rنظرت إليك بحاجة لم تقضها ... نظر السقيم إلى وجوه العود\rوقوله:\rفإنك كالليل الذي هو مدكي ... وإن خلت أن المنتأى عنك أوسع\rوقوله:\rمن وحش وجرة موشى أكارعه ... طاوي المصير كسيف الصيقل الفرد\rفقال الأصمعي: أما تشبيهه مرض الطرف فحسن، إلا أنه هجنه بذكره العلة وتشبيهه المرأة بالعليل، وأحسن منه قول عدي بن الرقاع العاملي:\rوكأنها بين النساء أعارها ... عينيه أحور من جآذر جاسم\rوسنان أقصدة النعاس فرنقت ... في عينه سنة وليس بنائم\rوأما تشبيه الإدراك بالليل فقد تساوى الليل والنهار فيما يدركانه، وإنما كان سبيله أن يأتي بما ليس له سيم؛ حتى يأتي بمعنى ينفرد به ولو قال قائل: إن قول \"النمري\" في هذا أحسن لو وجد مساغاً إلى ذلك، حيث يقول:\rفلو كنت بالعنقاء أو بسنامها ... لخلتك إلا أن تصد تراني\rوأما قوله: \"طاوي المصير كسيف الصيقل الفرد\" فالطرماح أحق بهذا المعنى؛ لأنه أخذه فجوره، وزاد عليه، وإن كان النابغة اخترعه، وقول الطرماح هو:\rيبدو وتضمره البلاد كأنه ... سيف على شرف يسل ويغمد\rفقد جمع في هذا البيت استعارة لطيفة بقوله \"وتضمره البلاد\" وتشبيهه اثنين بقوله \"يبدو وتضمر، ويسل ويغمد\"؛ وجمع حسن التقسيم، وصحة المقابلة.\rوقال جعفر أمام الأصمعي في مجلس الرشيد: لست أفص على شاعر واحد أنه أحسن الناس في بيت تشبيها، ولكن قول امرئ القيس:\rكائن غلامي إذ علا حال متنه ... على ظهر باز في السماء محلق\rوقول عدي بن الرقاع:\rيتعاوران من الغبار ملاءة ... غبراء محكمة هما نسجاها\rتطوى إذا وردا مكاناً خاسئاً ... وإذا السنابك أسهلت نشراها\rوقول النابغة:\rبأنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلت لم يبد منهن كوكب\rقال الأصمعي: قلت هذا حسن كله بارع، وغيره أحسن منه؛ وإنما يجب أن يقع التعيين على ما اخترعه قائله، ولم يتعرض له أحد، أو تعرض له شاعر فوقه دونه. فأما قول امرئ القيس: \"على ظهر باز في السماء محلق\". فمن قول أبي داود.\r\rإذا شاء راكبه ضمه ... كما ضم بازي السماء الجناحا\rوأما قول عدي: \"يتعاوران من الغبار ملاءة\" فمن قول الخنساء:\rجارى أباه فأقبلا وهما ... يتعاوران ملاءة الحضر\rوأول من نطق به جاهلي من بني عقيل، قال:\rألا يا دار الحي بالبرهان ... عفت حجج بعدي لهن ثماني\rفلم يبق منها غير نؤدى مهدم ... وغيره أثاف كالركى دفان\rوآثار هاب أورق اللون سافرت ... به الريح والأمطار كل مكان\rقفار مريرات يحاز بها القطار ... ويضحى بها الجنان يعتركان\rيثيران من نسج الغبار عليهما ... قميص أسمالا ويرتديان\rوشارك عدياً أبو النجم، وأورده في أحسن لفظ، قال يصف عيراً وأتاناً، وما أثاراه من الغبار بعدوهما:\rألقى بجنب القاع من حبالها ... سرباله وانشام في سربالها\rوأما قول النابغة: \"بأنك شمس والملوك كواكب\" فقد تقدمه فيه شاعر قديم من شعراء كندة يمدح عمرو بن هند، وهو أحق به من النابغة إذ كان أبا عذرته، فقال:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855756,"book_id":1864,"shamela_page_id":32,"part":null,"page_num":32,"sequence_num":32,"body":"وكادت تميد الأرض بالناس إذ رأوا ... لعمرو بن هند غضبة وهو عاتب\rهو الشمس وافت يوم سعد فأفضلت ... عل كل ضوء والملوك كواكب\rقال الأصمعي: فكأني والله ألقمت جعفراً حجراً فاهتز الرشيد فوق سريره وكاد يطير عجباً وطرباً. وقال: والله لله درك يا أصمعي اسمع الآن ما كان عليه اختياري ليقل أمير المؤمنين فقال عينت على ثلاثة أشعار أقسم بالله أني أملك السبق بأحدها ثم قال الرشيد أتعرف يا أصمعي تشبيهاً أفخر أو أعظم في أحقر مشبه وأصغره في أحسن معرض من قول عنترة الذي لم يسبقه إليه سابق ولا نازعه منازع ولا طمع في مجاراته طامع حين شبه ذباب الروض العازب في قوله:\rوخلا الذباب بها فليس مبارح ... غردا كفعل الشارب المترنم\rهزجا يحك ذراعه بذراعه ... فعل المكب على الزناد الأجذم\rثم قال: يا أصمعي هذا من التشبيهات العقم التي لا تنتج، فقلت كذلك هو يا أمير المؤمنين وبمجدك آليت ما سمعت قط أحداً يصف شعره بأحسن من هذه الصفة ولا استطاع بلوغ هذه الغاية فقال مهلاً لا تعجل.. أتعرف أحسن من قول الحطيئة يصف لغام ناقته أو تعلم أحداً قبله أو بعده شبه تشبيهه، حيث يقول:\rترى بين لحييها إذا ما ترغمت ... لغاماً كنسج العنكبوت الممدد\rفقلت والله ما علمت أحداً تقدمه إلى هذا التشبيه، أو أشار إليه بعده ولا قبله قال أتعرف بيتاً أبدع وأوقع من تشبيه الشماخ لنعامة سقط ريشها وبقي أثره في قوله:\rكأنما منثنى أقماع ما مرطت ... من العفاء بليتيها الثآليل\rفقلت ولا والله يا أمير المؤمنين، فالتفت إلى يحيى، فقال أوجب؟ فقال وجب، ويؤخذ على النابغة بعض مبالغات في معانيه كقوله:\rإذا ارتعثت خاف الجبان رعاثها ... ومن يتعلق حيث علق يفرق\rوكقوله: تقد السلوقى المضاعف نسجه=وتوقد بالصفاح نار الحباحب فقد ذهب إلى أن سيفه يقطع الدرع المضاعف والفارس والفرس ثم يذهب في الحجارة فيقدح فيها الشرر. ويؤخذ عليه قوله:\rوكنت امرأ لا أمدح الدهر سوقه ... فلست على خير أتاك بجاحد\rفتراه يمتن على ممدوحه بمدحه إياه، وجعله خيراً أتاه ولا يحسد عليه، وإنما يحسن الثناء إذا كان خالصاً من كل وجه.\rوأخذوا عليه الخنونة في بعض معانيه، كقوله:\rسقط النصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتقتنا باليد\r- ١ - قال النابغة الذبياني يمدح النعمان ويعتذر إليه:\rيا دار مية بالعلياء فالسند ... أفوت وطال عليها سالف الأبد\rوقفت فيها أصيلانا أسائلها ... عيت جواباً وما بالربع من أحد\rإلا الأوارى لأياً ما أبينها ... والنؤى كالحوض بالمظلومة الجلد\rردت عليه أقاصيه ولبده ... ضرب الوليدة بالمسحاة في الثأد\rخلت سبيل أني كان يحبسه ... ورفعته إلى السجفين فالنضد\rأمست خلاء وأمسى أهلها احتملوا ... أحنى عليها الذي أحنى على لبد\rفعد عما ترى إذ لا ارتجاع له ... وانم القتود على عيرانة أجد\rمقذوفة بدخيس النحض بازلها ... له صريف صريف القعو بالمسد\rكأن رحلي وقد زال النهار بنا ... يوم الجليل على مستأنس وحد\rمن وحش وجرة موشى أكارعه ... طاوي المصير كسيف الصيقل الفرد\rفظل يعجم أعلى الروق منقبضاً ... في حالك اللون صدق غير ذي أود\rلما رأى واشق إقعاص صاحبه ... ولا سبيل إلى عقل ولا قود\rقالت له النفس إني لا أرى طمعاً ... وإن مولاك لم يسلم ولم يصد\rفتلك تبلغني النعمان إن له ... فضلاً على الناس في الأدنى وفي البعد\rأسرت عليه من الجوزاء سارية ... تزجى الشمال عليه جامد البرد\rفارتاع من صوت كلاب فبات له ... طوع الشوامت من خوف ومن صرد\rفبثهن عليه واستمر به ... صمع الكعوب بريات من الحرد\rوكان ضمران منه حيث يوزعه ... طعن المعارك عند المحجر النجد\rشك الفريصة بالمدرى فأنفذها ... طعن المبيطر إذ يشفى من العضد\rكأنه خارجاً من جنب صفحته ... سفود شرب نسوه عند مفتأد\rولا أرى فاعلاً في الناس يشبهه ... ولا أحاشى من الأقوام من أحد\rإلا سليمان إذ قال الإله له ... قم في البرية فاحددها عن الفند","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855757,"book_id":1864,"shamela_page_id":33,"part":null,"page_num":33,"sequence_num":33,"body":"وخيس الجن إني قد أذنت لهم ... يبنون تدمر بالصفاح والعمد\rفمن أطاعك فانفعه بطاعته ... كما أطاعك وادلله على الرشد\rومن عصاك فعاقبه معاقبة ... تنهي الظلوم ولا تقعد على ضمد\rإلا لمثلك أو من أنت سابقه ... سبق الجواد إذا استولى على الأمد\rأعطى لفارهة حلو توابعها ... من المواهب لا تعطى على نكد\rالواهب المئة المعكاء زينها ... سعدان توضح في أوبارها اللبد\rوالأدم قد حيست فثلاً مرافقها ... مشدودة برحال الحيرة الجدد\rوالراكضات ذيول الريط فانقها ... برد الهواجر كالغزلان بالجرد\rوالخيل تمزع غرباً في أعنتها ... كالطير تنجو من الشؤوب ذي البرد\rاحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت ... إلى حمام شراع وارد الثمد\rيحفه جانباً نيق وتتبعه ... مثل الزجاجة لم تكحل من الرمد\rقالت ألا ليتما هذا الحمام لنا ... إلى حمامتنا ونصفه فقد\rفحسبوه فألفوه كما حسبت ... تسعاً وتسعين لم تنقص ولم تزد\rفكملت مئة فيها حمامتها ... وأسرعت حبسة في ذلك العدد\rفلا لعمر الذي مسحت كعبته ... وما هريق على الأنصاب من جسد\rوالمؤمن العائذات الطير تمسحها ... ركبان مكة بين الغيل والسعد\rما قلت من سيء مما أتيت به ... إذن فلا رفعت سوطي إلى يدي\rإلا مقالة أقوام شقيت بها ... كانت مقالتهم قرعاً على الكبد\rإذن فعاقبني ربي معاقبة ... قرت بها عين من يأتيك بالفند\rأنبئت أن أبا قوس أوعدني ... ولا قرار على زأر من الأسد\rمهلاً فداء لك الأقوام كلهم ... وما أثمر من مال ومن ولد\rلا تقذفني بركن لا كفاء له ... وإن تأنفك الأعداء بالرفد\rفما الفرات إذا هب الرياح له ... ترمى غواربه العبرين بالزبد\rيمده كل واد مترع لجب ... فيه ركام من الينبوت والخضد\rيظل من خوفه الملاح معتصماً ... بالخيزرانة بعد الأين والنجد\rيوماً بأجود منه سيب نافلة ... ولا يحول عطاء اليوم دون غد\rهذا الثناء فإن تسمع به حسناً ... فلم أعرض أبيت اللعن بالصفد\rها إن ذي عذرة إلا تكن نفعت ... فإن صاحبها مشارك النكد\r- ٢ - وقال يعتذر إلى النعمان بن المنذر:\rعفا ذو حساً فرتني بالفوارع ... فجنباً أريك فالتلاع الدوافع\rفتجمع الأشراج غير رسمها ... مصايف مرت بعدنا ومرابع\rتوهمت آيات لها فعرفتها ... لستة أعوام وذا العام سابع\rرماد ككحل العين لأيا أبينه ... ونؤى كجذم الحوض أثأم خاشع\rكأن مجر الراميات ذيولها ... عليه حصير نمقته الصوانع\rعلى ظهر مبناة جديد سيورها ... يطوف بها وسط اللطيمة بائع\rفكفكفت مني عبرة فرددتها ... على النحر منها مستهل ودامع\rعلى حين عاتبت المشيب على الصبا ... وقلت ألما أصح والشيب وازع\rوقد حال هم دون ذلك شاغل ... مكان الشغاف تبتغيه الأصابع\rوعيد أبو قابوس في غير كنهه ... أتاني ودوني راكس فالضواجع\rفبت كأني ساورتني ضئيلة ... من الرقش في أنيابها السم ناقع\rيسهد من ليل التمام سليمها ... لحلي النساء في يديه قعاقع\rتناذرها الراقون من سوء سمها ... تطلقه طوراً وطوراً تراجع\rأتاني أبيت اللعن أنك لمتني ... وتلك التي تستك منها المسامع\rمقالة أن قد قلت سوف أناله ... وذلك من تلقاء مثلك رائع\rلعمري وما عمري علي بهين ... لقد نطقت بطلاً على الأقارع\rأقارع عوف لا أحاول غيرها ... وجوه قرود تبتغي من تجادع\rأتاك امرؤ مستبطن لي بغضة ... له من عدو مثل ذلك شائع\rأتاك بقول هلهل النسج كاذب ... ولم يأت بالحق الذي هو ناصع\rأتاك بقول لم أكن لأقوله ... ولو كبت في ساعدي الجوامع\rحلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وهل يأتمن ذو أمة وهو طائع\rبمصطحبات من لصاف وثبرة ... يزرن إلالاً سيرهن التدافع\rسماماً تبارى الريح خوصاً عيونها ... لهن رذايا بالطريق ودائع\rعليهن شعث عامدون لحجهم ... فهن بأطراف الحي خواضع","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855758,"book_id":1864,"shamela_page_id":34,"part":null,"page_num":34,"sequence_num":34,"body":"لكلفتني ذنب امرئ وتركته ... كذي العر يكوي غيره وهو راتع\rفإن كنت لاذ والضعن عني مكذب ... ولا حلفي على البراءة نافع\rولا أنا مأمون بشيء أقوله ... وأنت بأمر لا محالة واقع\rفإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع\rخطاطيف حجن في حبال متينة ... تمد بها أيد إليك نوازع\rأتوعد عبداً لم يخنك أمانة ... وتترك عبداً ظالماً وهو ضالع\rوأنت ربيع ينعش الناس سيله ... وسيف أعيرته المنية قاطع\rأبى الله إلا عدله ووفاءه ... فلا النكر معروف ولا العرف ضائع\rوتسقى إذا ما شبت غير مصرد ... بزوراء في حافاتها المسك كانع\r- ٣ - وقال أيضاً:\rكليني لهم يا أميمة ناصب ... وليل أقاسيه بطيء الكواكب\rتطاول حتى قلت ليس بمنقض ... وليس الذي يرعى النجوم بآئب\rوصدر أراح الليل عازب همه ... تضاعف فيه الحزن من كل جانب\rعلي لعمر ونعمة بعد نعمة ... لوالده ليست بذات عقارب\rحلفت يميناً غير ذي مثنوية ... ولا علم إلا حسن ظن بصاحب\rلئن كان للقبرين قبر بجلق ... وقبر بصيداء الذي عند حارب\rوللحارث الجفني سيد قومه ... ليلتمسن بالجيش دار المحارب\rوثقت له بالنصر إذ قيل قذ غزت ... كتائب من غسان غير أشائب\rبنو عمه دنيا وعمرو بن عامر ... أولئك قوم بأسهم غير كاذب\rإذا ما غزوا في الجيش حلق فوقهم ... عصائب طير تهتدي بعصائب\rيصاحبنهم حتى يغرن مغارهم ... من الضاريات بالدماء الدوارب\rتراهن خلف القوم خزراً عيونها ... جلوس الشيوخ في ثياب المرانب\rجوانح قد أيقن أن قبيله ... إذا ما التقى الجمعان أول غالب\rلهن عليهم عادة قد عرفنها ... إذا عرض الخطي فوق الكواثب\rعلى عارفات للطعان عوابس ... بهن كلوم بين دام وجالب\rإذا استنزلوا عنهن للطعن أرقلوا ... إلى الموت إرقال الجمال المصاعب\rفهم يتساقون المنية بينهم ... بأيديهم بيض رقاق المضارب\rيطير فضاضاً بينها كل قونس ... ويتبعها منهم فراش الحواجب\rولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب\rتورثن من أزمان يوم حليمة ... إلى اليوم قد جربن كل التجارب\rتقد السلوقي المضاعف نسجه ... وتوقد بالصفاح نار الحباحب\rبضرب يزيل الهام عن سكناته ... وطعن كإبزاغ المخاض الضوارب\rلهم شيمة لم يعطها الله غيرهم ... من الجود والأحلام غير عوازب\rمحلتهم ذات الإله ودينهم ... قويم فما يرجون غير العواقب\rرقاق النعال طيب حجزاتهم ... يحيون بالريحان يوم السباسب\rنحييهم بيض الولائد بينهم ... وأكسية الإضريج فوق المشاحب\rيصونون أجساداً قديماً نعيمها ... بخالصة الأردان خضر المناكب\rولا يحسبون الخير لا شر بعده ... ولا يحسبون الشر ضربة لازب\rحبوت بها غسان إذ كنت لاحقاً ... بقومي، وإذ أعيت علي مذاهبي\r- ٤ - وقال أيضاً:\rإني كأني لدى النعمان خبره ... بعض الأود حديثاً غير مكذوب\rبأن حصناً وحياً من بني أسد ... قاموا فقالوا حمانا غير مقروب\rضلت حلومهم عنهم وغرهم ... سن المعيدي في رعي وتعزيب\rقاد الجياد من الجولان قائظة ... من بين منعلة تزجى ومجنوب\rحتى استغاثت بأهل الملح ما طمعت ... في منزل طعم نوم غير تأويب\rينضحن نضح المزاد الوفر أتأفها ... شد الرواة بماء غير مشروب\rقب الأياطل تردى في أعنتها ... كالخاضبات من الزعر الظنابيب\rشعث عليها مساعير لحربهم ... شم العرانين من مرد ومن شيب\rوما بحصن نعاس إذ تؤرقه ... أصوات حي الأمرار محروب\rظلت أقاطيع أنعام مؤبلة ... لدى صليب على الزوراء منصوب\rفإذ وقيت بحمد الله شرتها ... فانجى فزار إلى الأطواد فاللوب\rولا تلاقى كما لاقت بنو أسد ... فقد أصابتهم منها بشؤبوب\rلم يبق غير طريد غير منفلت ... وموثق في حبال القد مسلوب","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855759,"book_id":1864,"shamela_page_id":35,"part":null,"page_num":35,"sequence_num":35,"body":"أو حرة كمهاة الرمل قد كبلت ... فوق المعاصم منها والعراقيب\rتدعو قعيناً وقد عض الحديد بها ... عض الثقاف على صم الأنابيب\rمستشعرين قد الفوا في ديارهم ... دعاء سوع ودعمي وأيوب\r- ٥ - وقال يهجو زرعة بن عمرو:\rنبئت زرعة والسفاهة كاسمها ... يهدي إلى غرائب الأشعار\rفحلفت يا زرع بن عمر وأنني ... بما يشق على العدو ضراري\rأرأيت يوم عكاظ حين لقيتني ... تحت العجاج فما شققت غباري\rإذا اقتسمنا خطتينا بيننا ... فحملت برة واحتملت فجار\rفلتأتينك قصائد وليدفعن ... جيش إليك قوادم الأكوار\rرهط بن كوز محقي أدراعهم ... فيهم ورهط ربيعة بن حذار\rولرهط حراب وقد سورة ... في المجد ليس غرابهم بمطار\rوبنو قعين لا محالة أنهم ... آتوك غير مقلمي الأظفار\rسهكين من صدأ الحديد كأنهم ... تحت السنور جنة البقار\rوبنو سواءة زائرك بوفدهم ... جيشاً يقودهم أبو المظفار\rوبنو جذيمة حتى صدق سادة ... غلبوا على خبت إلى تعشار\rمتكنفي جني عكاظ كليهما ... يدعو بها ولدائهم عرعار\rقوم إذا كثر الصياح رأيتهم ... وقرا غداة الروع والإنفار\rوالغاضريون الذين تحملوا ... بلوائهم سيراً لدار قرار\rتمشي بهم أدم كأن رحالها ... علق هريق على متون صوار\rشعب العلاقيات بين فروجهم ... والمحصنات عوازب الأطهار\rبرز الأكف من الخدام خوارج ... من فرج كل وصيلة وإزار\rشمس موانع كل ليلة حرة ... يخلفن ظن الفاحش المغيار\rجمعاً يظل به الفضاء معضلاً ... يدع الإكام كأنهن صحارى\rلم يحرموا حسن الغذاء وأمهم ... طفحت عليك بناتق مذكار\rحولي بنو دودان لا يعصونني ... وبنو بغيض كلهم أنصاري\rزيد بن زيد حاضر بعراعر ... وعلى كنيب مالك بن حمار\rوعلى الرميثة من سكين حاضر ... وعلى الذثيمة من بني سيار\rفيهم بنات المسجدي ولا حق ... ورقا مراقلها من المضمار\rيتجلب اليعضيد من أشداقها ... صفراً مناخرها من الجرجار\rتشلى توابعها إلى ألاقها ... خبب السباع الوله الأبكار\rإن الرميث مانع أرماحنا ... ما كان من سخم بها وصفار\rفأصبن أبكاراً وهن بإمة ... أعجلنهن مظنة الإعذار\r- ٦ - وقال أيضاً:\rكانت سعاد وأمسى حبلها انجذما ... واحتلت الشرع فالأجزاع من اضما\rإحدى بلي وما هام الفؤاد بها ... إلا السفاه وإلا ذكرةً حلما\rليست من السود أعقاباً إذا انصرفت ... ولا تبيع بجنبي نخلة البرما\rغراء أكمل من يمشي على قدم ... حسناً وأملح من حاورته الكلما\rقالت أراك أخاً رحل وراحلة ... تغشى متالف لن ينظرنك الهرما\rحياك ربي فإنا لا يحل لنا ... لهو النساء وإن الدين قد عزما\rمشمرين على خوص مزممة ... نرجو الإله ونرجو البر والطعما\rهلا سألت بني ذبيان ما حسى ... إذا الدخان تغشى الأشمط البرما\rوهبت الريح من تلقاء ذي أرل ... تزجى مع الليل من صرادها صرما\rصهب الظلال أتين التين عن عرض ... بزحين غيماً قليلاً ماؤه شبما\rينبئك ذو عرضهم عني وعالمهم ... وليس جاهل شيء مثل من علما\rإني أتمم أيساري، وأمنحهم ... مثنى الأيادي، وأكسوا الجفنة الأدما\rوأقطع الخرق بالخرقاء قد جعلت ... بعد الكلال تشكى الأين والسأما\rكادت تساقطني رحلي وميثرتي ... بذي المجاز ولم تحسن به نعما\rمن قول حرمية قالت وقد ظعنوا ... هل في مخفيكم من يشتري أدما\rقلت لها وهي تسعى تحت لبتها ... لا تحطمنك إن البيع قد زرما\rباتت ثلاث ليال ثم واحدة ... بذي المجاز تراعى منزلاً زيما\rفانشق عنها عمود الصبح حافلة ... عدو النحوص تخاف القانص اللجما\rتحيد عن أستن سود أسافله ... مشى الإماء الغوادي محمل الحزما\rأو ذي رشوم بحوضي بات منكرساً ... في ليلة من جمادى أحضلت ديما\rبات بحقف من البقار يحفزه ... إذا استكف قليلاً تربه انهدما","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855760,"book_id":1864,"shamela_page_id":36,"part":null,"page_num":36,"sequence_num":36,"body":"مولى الريح روقيه وجبهته ... كالهبرقي تنخى ينفخ الفحما\rحتى غدا مثل نصل السيف منصلتاً ... يقرو الأماعز من لبنان والأكما\r- ٧ - وقال يعتذر إلى النعمان ويمدحه:\rكتمتك ليلاً بالجمومين ساهرا ... وهمين هماً مستكنا وظاهرا\rأحاديث نفسي تشتكي ما يريبها ... وورد هموم لن يحدن مصادرا\rتكلفني أن يفعل الدهر همها ... وهل وجدت قبلي على الدهر قادرا\rألم تر خير الناس أصبح نعشه ... على فتية قد حاوز الحي سائرا\rونحن لديه نسأل الله خلده ... يرد لنا ملكاً وللأرض عامرا\rونحن نرجي الخلد إن فاز قدحنا ... ونرهب قدح الموت إن جاء قامرا\rلك الخير إن وارت بك الأرض واحدا ... وأصبح جد الناس يطلع عاثرا\rوردت مطايا الراغبين وعريت ... جيادك لا يخفى لها الدهر حافرا\rرأيتك ترعاني بعين بصيرة ... وتبعث حراساً علي وناظرا\rوذلك من قول أتاك أقوله ... ومن دس أعدائي إليك المآبرا\rفآليت لا آتيك إن جئت مجرما ... ولا أبتغي جاراً سواك مجاورا\rفأهلي فداء لامرئ إن أتيته ... تقبل معروفي وسد المفاقرا\rسأكعم كلبي أن يريبك نبحه ... وإن كنت أرعى مسحلان فحامرا\rوحلت بيوتي في يفاع ممنع ... يخال به راعي الحمولة طائرا\rتزل الوعول العصم عن قذفاته ... وتضحى ذراه بالسحاب كوافرا\rحذاراً على ألا تنال مقادتي ... ولا نسوتي حتى يمتن حرائرا\rأقول وإن شطت بي الدار عنكم ... إذا ما لقينا من معد مسافرا\rألكنني إلى النعمان حيث لقيته ... فأهدى له الله الغياث البواكرا\rوصبحه فلج ولا زال كعبه ... على كل من عادى من الناس ظاهرا\rورب عليه الله أحسن صنعه ... وكان له على البرية ناصرا\rفألفيته يوماً يمير عدوه ... وبحر عطء يستخف المعابرا\r- ٨ - وقال يعتذر إلى النعمان بن المنذر، ويمدحه:\rأتاني أبيت اللعن أنك لمتني ... وتلك التي أهتم منها وأنصب\rفبت كأن العائدات فرشنني ... هراساً به يعلى فراشي ويقشب\rحلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب\rلئن كنت قد بلغت عني خيانة ... لمبلغك الواشي أغش وأكذب\rولكنني كنت امرأ لي جانب ... من الأرض فيه مستراد ومذهب\rملوك وإخوان إذا ما أتيتهم ... أحكم في أموالهم وأقرب\rكفعلك في قوم أراك اصطنعتهم ... فلم ترهم في شكر ذلك أذنبوا\rفإنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب\rفلا تتركني بالوعيد كأنني ... إلى الناس مطلي به القار أجرب\rألم تر أن الله أعطاك سورة ... ترى كل ملك دونها يتذبذب\rولست بمستبق أخاً لا تلمه ... على شعث أي الرجال المهذب؟\rفإن أك مظلوماً فعبد ظلمته ... وإن تك ذا عتبى فمثلك يعتب\r- ٩ - وقال أيضاً:\rلقد نهيت بني ذبيان عن أقر ... وعن تربهم في كل أصفار\rوقلت يا قوم إن الليث منقبض ... على براثنه لوثبة الضاري\rلا أعرفن ربرجاً حوراً مدامعها ... كأن أبكارها نعاج دوار\rينظرن شرراً إلى من جاء عن عرض ... بأوجه منكرات الرق أحرار\rخلف العضاريط لا يرقين فاحشة ... مستمسكات بأقتاب وأكوار\rيذرين دمعاً على الأشفار منحدراً ... يأملن رحلة حصن وابن سيار\rإما عصيت فإني غير منفلت ... مني اللصاب فجنبا حرة النار\rأو أضع البيت في سوداء مظلمة ... تقيد الغير لا يسري بها الساري\rتدافع الناس عنا حين تركبها ... من المظالم تدعى أم صبار\rساق الرفيدات من جوش ومن عظم ... وماش من رهط ربعي وحجار\rقرمى قضاعة حلا حول حجرته ... مدا عليه بسلاف وأنفار\rحتى استقل بجمع لا كفاء له ... ينفي الوحوش عن الصحراء جرار\rلا يخفض الرز عن أرض ألم بها ... ولا يضل عن مصباحه الساري\rوعيرتني بنو ذبيان خشيته ... وهل علي بأن أخشاك من عار\r- ١٠ -","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855761,"book_id":1864,"shamela_page_id":37,"part":null,"page_num":37,"sequence_num":37,"body":"وقال النابغة يرد على بدر بن حذار ويذكر حزيما وزبان ابني سيار بن عمرو بن جابر لأنه بلغه أنهما أعانا بدراً ورويا شعره فيه:\rألا من مبلغ عني حريماً ... وزبان الذي لم يرع صهري\rفإياكم وعوراً داميات ... كأن صلاءهن صلاء جمر\rفإني قد أتاني ما صنعتم ... وما وشحتم من شعر بدر\rفلم يك نولكم أن تشقذوني ... ودوني عازب وبلاد حجر\rفإن جوابها في كل يوم ... ألم بأنفس منكم ووفر\rومن يتربص الحدثان تنزل ... بمرلاه عوان غير بكر\r- ١١ - وقال أيضاً:\rقالت بنو عامر خالوا بنو أسد ... يا بؤس للجهل ضراراً لأقوام\rيأبى البلاء فلا نبغي بهم بدلاً ... ولا نريد خلاء بعد إحكام\rفصالحونا جميعاً إن بدا لكم ... ولا تقولوا لنا أمثالها عام\rإني لأخشى عليكم أن يكون لكم ... من أجل بغضائهم يوم كأيام\rتبدو كواكبه والشمس طالعة ... لا النور نور ولا الإظلام إظلام\rأو تزجروا مكفهراً لا كفاء له ... كالليل يخلط أصراماً بأصرام\rمستحقبي خلق المادي يقدمهم ... شم العرانين ضرابون للهام\rلهم لواء بكفي ماجد بطل ... لا يقطع الخرق إلا طرفه سام\rيهدي كتائب خضراً ليس يعصمها ... إلا ابتدار إلى موت بإلجام\rكم غادرت خيلنا منكم بمعترك ... للخامعات أكفاً بعد أقدام\rيا رب ذات خليل قد فجعن به ... وموتمين وكانوا غير أيتام\rوالخيل تعلم أنا في تجاولها ... عند الكعان أولو بؤسي وإنعام\rولوا وكبشهم يكبو لجهته ... عند الكماة صريعاً جوفه دام\r- ١٢ - وقال في أمر بني عامر:\rليهنئ بني ذبيان أن بلادهم ... خلت لهم من كل مولى وتابع\rسوى أسد يحمونها كل شارق ... بألفي كمي ذي سلاح ودارع\rقعوداً على آل الوجيه ولاحق ... يقيمون حولياتها بالمقارع\rيهزون أرماحاً طوالاً متونها ... بأيد طوال عاريات الأشاجع\rفدع عنك قوماً لا عتاب عليهم ... هم ألحقوا عبساً بأرض القعاقع\rوقد عسرت من دونهم بأكفهم ... بنو عامر عسر المخاض الموانع\rفما أنا في سهم ولا نصر مالك ... ومولاهم عبد بن سعد بطامع\rإذا نزلوا ذا ضرغد وعتائداً ... يغنيهم فيها نقيق الضفادع\rقعوداً لدى أبياتهم يثمدونها ... رمى الله في تلك الأنوف الكوانع\r- ١٣ - وقال يصف المتجردة زوج النعمان بن المنذر:\rأمن آل مية رائح أو مغتد ... عجلان ذا زاد وغير مزود\rأفد الترحل غير أن ركابنا ... لما تزل برحالنا وكأن قد\rزعم البوارح أن رحلتنا غداً ... وبذاك خبرنا الغداف الأسود\rلا مرحباً بغد ولا أهلاً به ... إن كان تفريق الأحبة في غد\rحان الرحيل ولم تودع مهدداً ... والصبح والإمساء منها موعدي\rفي إثر غانية رمتك بسهمها ... فأصاب قلبك غير أن لم تقصد\rغنيت بذلك إذ هم لك جبرة ... منها بعطف رسالة وتردد\rولقد أصابت قلبه من حبها ... عن ظهر مرنان بسهم مصرد\rوالنظم في سلك يزين نحرها ... ذهب توقد كالشهاب الموقد\rصفراء كالسيراء أكمل خلقها ... كالغصن في غلوائه المتأود\rوالبطن ذو عكن لطيف طيه ... والإتب تنفجه بثدي مقعد\rمحطوطة المتنين غير مفاضة ... رياً الروادف بضة المتجرد\rقامت تراءى بين سجفي كلة ... كالشمس يوم طلوعها بالأسعد\rأو درة صدفية غواصها ... بهج متى يرها يهل ويسجد\rأو دمية من مرمر مرفوعة ... بنيت بآجر تشاد بقرمد\rسقط النصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتقتنا باليد\rبمخضب رخص كأن بنانه ... عدم يكاد من اللطافة يعقد\rنظرت إليك بحاجة لم تقضها ... نظر السقيم إلى وجوه العود\rنجلو بقادمتي حمامة أيكة ... برداً أسف لثاته بالإثمد\rكالأقحوان غداة غب سمائه ... جفت أعاليه وأسفله ندى\rزعم الهمام بأن فاها بارد ... عذب مقبله شهي المورد\rزعم الهمام \"ولم أذقه\" أنه ... عذب إذا ما ذقته قلت ازدد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855762,"book_id":1864,"shamela_page_id":38,"part":null,"page_num":38,"sequence_num":38,"body":"زعم الهمام \"ولم أذقه\" أنه ... يشفى بريا ريقها العطش الصدى\rأخذ العذارى عقده فظمنه ... من لؤلؤ متتابع متسرد\rلو أنها عرشت لأشمط راهب ... عبد الإله صرورة متعبد\rلرنا لبهجتها وحسن حديثها ... ولخاله رشداً وإن لم يرشد\rبتكلم لو تستطيع سماعه ... لدنت له أروى الهضاب الصخد\rوبفاحم رجل أثيث نيته ... كالكرم مال على الدعام المسند\rفإذا لمست لمست أخثم جاثماً ... متحيزاً بمكانه ملء اليد\rوإذا طعنت طعنت في مستهدف ... رابي المجسة بالعبير مقرمد\rوإذا نزعت نزعت عن مستحصف ... نزع الحزور بالرشاء المحصد\rلا وارد منها يحور لمصدر ... عنها، ولا صدر يحور لمورد\rوإذا يعض تشده أعضاؤه ... عض الكبير من الرجال الأدرد\rويكاد ينزع جلد من يصلى به ... بلوافح مثل السعير الموقد\r- ١٤ - وقال يمدح بني عذرة:\rلقد قلت للنعمان يوم لقيته ... يريد بني حن ببرقة صادر\rتجنب بني حن فإن لقاءهم ... كريه وإن لم تلق إلا بصابر\rعظام اللهى أولاد عذرة إنهم ... لهاميم يستلهونها بالحناجر\rوهم منعوا وادي القرى من عدوهم ... بجمع مبير للعدو المكاثر\rمن الواردات الماء بالقاع تستقى ... بأعجازها قبل استقاء الحناجر\rبزاخية ألوت بليف كأنه ... عفاء قلاص طار عنها تواجر\rصغار النوى مكنوزة ليس قشرها ... إذا طار قشر التمر عنها بطائر\rهم طردوا عنها بليا فأصبحت ... بلي بواد من تهامة غائر\rوهم منعوها من قضاعة كلها ... ومن مضر الحمراء عند التغاور\rوهم قتلوا الطائي بالحجر عنوة ... أبا جابر واستنكحوا أم جابر\r- ١٥ - وقال يمدح غسان حين ارتحل من عندهم راجعاً:\rلا يبعد الله جيراناً تركتهم ... مثل المصابيح تجلو ليلة الظلم\rلا يبرمون إذا ما الأفق جلله ... برد الشتاء من الأمحال كالأدم\rهم الملوك وأبناء الملوك لهم ... فضل على الناس في اللأواء والنعم\rأحلام عاد وأجساد مطهرة ... من المعقة والآفات والإثم\r- ١٦ - وقال أيضاً:\rجمع محاشك يا زيد فإنني ... أعددت يربوعاً لكم وتميما\rولحقت بالنسب الذي عبرتني ... وتركت أصلك يا يزيد ذميما\rعيرتني نسب الكرام وإنما ... فخر المفاخر أن يعد كريما\rحدبت على بطون ضنة كلها ... إن ظالماً فيهم وإن مظلوما\rلولا بنو عوف بن بهثة أصبحت ... بالنغف أم بني أبيك عقيما\r- ١٧ - وقال أيضاً:\rأبلغ بني ذبيان أن لا أخالهم ... بعبس إذا حلوا الدماخ فأظلما\rبجمع كلون الأعبل الجون لونه ... ترى في نواحيه ذهيراً وحذيما\rهم يردون الموت عند لقائه ... إذا كان ورد الموت لابد أكراما\r- ١٨ - وقال لعضام بن شهبرة الجرمي حاجب النعمان بن المنذر:\rألم أقسم عليك لتخبرني ... أمحمول على النعش الهمام\rفإني لا ألام على دخول ... ولكن ما وراءك يا عصام\rفإن يهلك أبو قابوس يهلك ... ربيع الناس والشهر الحرام\rونمسك بعده بذناب عيش ... أجب الظهر ليس له سنام\r- ١٩ - وقال أيضاً يمدح النعمان بن الحارث الأصغر وكان قد خرج إلى بعض متنزعاته:\rإن يرجع النعمان نفرح ونبتهج ... ويأت معدا ملكها وربيعها\rويرجع إلى غسان ملك وسؤدد ... وتلك المنى لو أننا نستطيعها\rوإن يهلك النعمان تغر مطيه ... ويلق إلى جنب الفناء قطوعها\rوتنحط حصان آخر الليل نحطه ... تقضقض منها أو تكاد ضلوعها\rعلى إثر خير الناس إن كان هالكاً ... وإن كان في جنب الفراش ضجيعها\r- ٢٠ - وقال أيضاً:\rفإن يك عامر قد قال جهلاً ... فإن مظنة الجهل الشباب\rفكن كأبيك أو كأبي براء ... توافقك الحكومة والصواب\rولا تذهب بحلمك طاميات ... من الخيلاء ليس لهن باب\rفإنك سوف تحلم أو تناهى ... إذا ما شبت أو شاب الغراب\rفإن تكن الفوارس يوم حسى ... أصابوا من لقائك ما أصابوا\rفما إن كان من نسب بعيد ... ولكن أدركوك وهم غضاب","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855763,"book_id":1864,"shamela_page_id":39,"part":null,"page_num":39,"sequence_num":39,"body":"فوارس من منولة غير ميل ... ومرة، فوق جمعهم العقاب\r- ٢١ - وقال يهجو يزيد بن عمرو بن الصعف الكلابي:\rلعمرك ما خشيت على يزيد ... من العحر المضلل ما أتاني\rكأن التاج معصوباً عليه ... لأذواد أصبن بذي أبان\rفحسبك أن تهاض بمحكمات ... تمر بها الروى على لساني\rفقبلك ما شتمت وقاذعوني ... فما نزر الكلام ولا شجاني\rيصد الشاعر الثنيان عني ... صدود البكر عن قرم هجان\rأثرت الغي ثم نزعت عنه ... كما حاد الأزب عن الطعان\rفإن يقدر عليك أبو قبيس ... تمط بك المعيشة في هوان\rوتخضب لحية غدرت وخانت ... بأحمر من نجيع الجوف آني\rوكنت أمينه لو لم تخنه ... ولكن لا أمانة لليمان\r- ٢٢ - وقال يرثي النعمان بن الحارث بن أبي شمر الغساني:\rدعاك الهوى واستجهلتك المنازل ... وكيف تصابى المرء والشيب شامل\rوقفت بربع الدار قد غير البلى ... معارفها والساريات الهواطل\rأسائل عن سعدى وقد مر بعدنا ... على عرصات الدار سبع كوامل\rفسليت ما عندي بروحة عرمس ... تخب برحلي تارة وتناقل\rموثقة الأنساء مضبورة القرا ... نعوب إذا كل العتاق المراسل\rكأني شددت الرحل حين تشذرت ... على قارح مما تضمن عاقل\rأقب كعقد الأندي مسحج ... حزابية قد كدمته المساحل\rأضر بجرداء النسالة سمحج ... يقلبها إذ أعوزته الحلائل\rإذا جاهدته الشد جد وإن ونت ... تساقط لا وان ولا متخاذل\rوإن هبطا سهلاً أثار عجاجة ... وإن علوا حزناً تشظت جنادل\rورب بني البر شاء ذهل وقيسها ... وشيبان حيث استبهلتها المنازل\rلقد عالني ما سرها وتقطعت ... لروعاتها مني القوى والوسائل\rفلا يهنئ الأعداء يصرح ملكهم ... وما عتقت منه تميم ووائل\rوكانت لهم ربعية يحذرونها ... إذا خضخضت ماء السماء القبائل\rيسير بها النعمان تغلي قدوره ... تجيش بأسباب المنايا المراحل\rتحث الحداة جالزاً بردائه ... بقي حاجبيه ما يثير القنابل\rيقول رجال ينكرون خليقتي ... لعل زياداً \"لا ابا لك\" غافل\rأبي غفلتي أني إذا ما ذكرته ... تحرك داء في فؤادي داخل\rوإن تلادى إن ذكرت وشكتي ... ومهري وما ضمت لدي الأنامل\rحباؤك والعيس العتاق كأنها ... هجان المها تحدى عليها الرحائل\rفإن تك قد ودعت غير مذمم ... أواسي ملك ثبتتها الأوائل\rفلا تبعدن إن المنية موعد ... وكل امرئ يوماً به الحال زائل\rفما كان بين الخير لو جاء سالماً ... أبو حجر إلا ليال فلائل\rفإن تحي لا أملل حياتي وإن تمت ... فما في حياتي بعد موتك طائل\rفآب مصلوه بعين جلية ... وغودر بالجولان حزم ونائل\rسقى الغيث قبراً بين بصرى وجاسم ... بغيث من الوسمي قطر ووابل\rولا زال ريحان ومسك عنبر ... على منتهاه ديمة ثم هاطل\rونبت حوذاناً وعوف منورا ... سأتبعه من خير ما قال قائل\rبكى حارث الجولان من فقد ربه ... وحوران منه موحش متضائل\rقعوداً له غسان يرجون أوبه ... وترك ورهط الأعجمين وكابل\rقال الأعلم الشنتمري في شرحه للديوان: كمل جميع ما رواه الأصمعي من شعر النابغة نصل به قصائد متخيرة مما رواه غير الأصمعي إن شاء الله تعالى.\r- ٢٣ - وقال:\rغشيت منازلاً بعريتنات ... فأعلى الجزع للحي المبن\rتعاورهن صرف الدهر حتى ... عفون؛ وكل منهمر مرن\rوقفت بها القلوص على اكتئاب ... وذاك تفارط الشوق المعني\rأسائلها وقد سفحت دموعي ... كأن مفيضهن غروب شن\rبكاء حمامة تدعو عديلاً ... مفجعة على فنن تغني\rألكي يا عيين إليك قولاً ... سأهديه إليك: إليك عني\rقوافي كالسلام إذا استمرت ... فليس يرد مذهبها التظني\rبهن أدين من يبغي أذاتي ... مداينة المداين فليدني\rأتخذل ناصري وتعز عبساً ... أيربوع بن غيظ للمعن\rكأنك من جمال بني أقيش ... يقعقع خلف رجليه بشن\rتكون نعامة طوراً وطوراً ... هوى الريح تنسج كل فن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855764,"book_id":1864,"shamela_page_id":40,"part":null,"page_num":40,"sequence_num":40,"body":"تمن بعادهم واستبق منهم ... فإنك سوف تترك والتمني\rلدى جرعاء ليس بها أنيس ... وليس بها الدليل بمطمئن\rإذا حاولت في أسد فجوراً ... فإني لست منك ولست مني\rفهم درعي التي استلامت فيها ... إلى يوم النسار، وهم مجني\rوهم وردوا الجفار على تميم ... وهم أصحاب يوم عكاظ إني\rشهدت لهم مواطن صادقات ... أتيتهم بود الصدر مني\rوهم ساروا لحجر في خميس ... وكانوا يوم ذلك عند ظني\rوهم زحفوا لغسان بزحف ... رحيب السرب أرعن مرجحن\rبكل مجرب كالليث يسمو ... على أوصال ذيال رفن\rوضمر كالمداح مسومات ... عليها معشر أشباه جن\rغداة تعاورته ثم بيض ... دفعن إليه في الرهج المكن\rولو أني أطعتك في أمور ... قرعت ندامة من ذاك سني\r- ٢٤ - وقال أيضاً:\rأتاركة تدللها قطام ... وضناً بالتحية والكلام\rفإن كان الدلال فلا تلجي ... وإن كان الوداع فبالسلام\rفلو كانت غداة البين منت ... وقد رفعوا الخدور على الخيام\rصفحت بنظرة فرأيت منها ... تحيت الخدر واضعة القرام\rترائب يستضيء الحلي فيها ... كجمر النار بدر بالظلام\rكأن الشذر والياقوت منها ... على جيداء فاترة البغام\rخلت بغزالها ودنا عليها ... أراك الجزع أسفل من سنام\rتسف بريره وترود فيه ... إلى دبر النهار من البشام\rكان مشعشعاً من خمر بصرى ... نمته البخت مشدود الختام\rتمين قلاله من بيت رأس ... إلى لقمان في سوق مقام\rإذا فضت خواتمه علاه ... يبيس القمحان من المدام\rعلى أنيابها بغريض مزن ... تقبله الجباة من الغمام\rفأضحت في مداهن باردات ... بمنطلق الجنوب على الجهام\rتلذ لطعمه وتخال فيه ... إذا نبهتها بعد المنام\rفدعها عنك إذا شطت نواها ... ولجت من بعادك في غرام\rولكن ما أتاك عن ابن هند ... من الجزم المبين والتمام؟\rفداء ما تقل النعل مني ... إلى أعلى الذؤابة للهمام\rومغراه قبائل غائظات ... على الذهيوط في لجب لهام\rيقدن مع امرئ يدع الهوينى ... ويعمد للمهمات العظام\rأعين على العدو بكل طرف ... وسلهبة تجلل في السمام\rوأسمر مارنٍ يلتاح فيه ... سنان مثل نبراس النهام\rوأنباه المنبئ أن حيا ... حلولاً من حزام أو جذام\rوأن القوم نصرهم جميع ... فئام مجلبون إلى فئام\rفأوردهن بطن الأتم شعثاً ... يصن المشي كالحداء التؤام\rعلى إثر الأدلة والبغايا ... وخفق الياجيات من الشآم\rفباتوا ساكنين وبات يسرى ... يقربهم له ليل التمام\rفصيحهم بها صهباء صرفاً ... كأن رؤوسهم بيض النعام\rفذاق الموت من بركت عليه ... وبالناجين أظفار دوامي\rوهن كأنهن نعاج رمل ... يسوين الذيول على الخدام\rيوصين الرواة إذا ألموا ... شعث مكرهين على الفطام\rوأضحى ساطعاً بحبال حسمي ... دقاق الترب محتزم القتام\rفهم الصالبون ليدركوه ... وما راموا بذلك من مرام\rإلى صعب المقادة ذي شريس ... نماه في قروع المجد نامي\rأبوه قبله وأبو أبيه ... بنوا مجد الحياة على إمام\rفدوحت العراق فكل قصر ... يجلل خندق منه وحام\rوما تنفك محلولاً عراها ... على متناذر الأكلاء طام\r- ٢٥ - وقال يمدح النعمان بن وائل بن الجلاح الكلبي:\rأهاجك من سعدك مغنى المعاهد ... بروضة نعمي فذات الأساود\rتعاورها الأرواح ينسفن تربها ... وكل ملث ذي أهاضيب راعد\rبها كل ذيال وخنساء ترعوي ... إلى كل رجاف من الرمل فارد\rعهدت بها سعدى وسعدى غريرة ... عروب تهادى في جوار خرائد\rلعمري النعم الحي صبح سر بنا ... وأبياتنا يوماً بذات المراود\rيقودهم النعمان منه بمحصف ... وكيد يغم الخارجي مناجد\rوشيمة لا وان ولا واهن القوى ... وجد إذا خاب المفيدون صاعد\rفآب بأبكار وعون عقائل ... أوانس يحميها امرؤ غير زاهد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855765,"book_id":1864,"shamela_page_id":41,"part":null,"page_num":41,"sequence_num":41,"body":"يخططن بالعيدان في كل مقعد ... ويخبأن رمان الثدي النواهد\rويضربن بالأيدي وراء براغز ... حسان الوجوه كالظباء العواقد\rغرائر لم يلقين بأساء قبلها ... لدى ابن الجلاح ما يثقن بوافد\rأصاب بني غيظ فأصحوا عباده ... وحللها نعمى على غير واحد\rفلابد من عوجاء تهوى براكب ... إلى ابن الجلاح سيرها الليل قاصد\rتخب إلى النعمان حتى تناله ... فدى لك من رب طريفي وتالدي\rفسكنت نفسي بعدما طار روحها ... وألبستني نعمى ولست بشاهد\rوكنت امرأ لا أمدح الدهر سوقة ... فلست على خير أتاك بحاسد\rسبقت الرجال الباهشين إلى العلا ... كسبق الجواد اصطاد قبل الطوارد\rعلوت معداً نائلاً ونكاية ... فأنت لغيث الحمد أول رائد\r- ٢٦ - وقال في وقعة عمرو بن الحارث الأصغر الغساني ببني مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان:\rأهاجك من أسماء رسم المنازل ... بروضة نعمي فذات الأجاول\rأربت بها الأرواح حتى كأنما ... تهادين أعلى تربها بالمناخل\rوكل ملث مكفهر سحابه ... كميش التوالي مرثعن الأسافل\rإذا رجفت فيه رحى مرجحنة ... تبعق ثجاج غزير الحوافل\rعهدت بها حياً كراماً فبدلت ... حناطيل آجال النعام الجوافل\rترى كل ذيال يعارض ربرباً ... على كل رجاف من الرمل هائل\rيثرن الحصى حتى يباشرن برده ... إذا الشمس مجت ريقها بالكلاكل\rوناجية عديت في متن لاحب ... كسحل اليماني قاصد للمناهل\rله خلج تهوى فرادى وترعوي ... إلى كل ذي نيرين بادي الشواكل\rوإني عداني عن لقائك حادث ... وهم أتى من دون همك شاغلي\rنصحت بني عوف فلم يتقبلوا ... وصاتي ولم تنجح لديهم وسائلي\rفقلت لهم لا أعرفن عقائلاً ... رعابيب من جنبي أريك وعاقل\rضوارب بالأيدي وراء براغز ... حسان كآرام الصريم الخواذل\rخلال المطايا يتصلن وقد أتت ... قنان أبير دونها والكواثل\rوخلوا له بين الجناب وعالج ... فراق الخليط ذي الأذاة المزايل\rولا أعرفني بعد ما قد نهيتكم ... أجادل يوماً في شوي وجامل\rوبيض غريرات تفيض دموعها ... بمستكره يذرينه بالأنامل\rوقد خفت حتى ما تزيد مخافتي ... على وعل في ذي المطارة عاقل\rمخافة عمرو أن تكون جياده ... يقدن إلينا بين حاف وناعل\rإذا استعجلوها عن سجية مشيها ... تتلع في أعناقها بالجحافل\rشوازب كالأجلام قد آل رمها ... سماحيق صفراً في تليل وفائل\rويقذفن بالأولاد في كل منزل ... تشحط في أسلائها كالوصائل\rترى عافيات الطير قد وثقت لها ... بشبع من السخل العتاق الأكائل\rبرى وقع الصوان حد نسورها ... فهن لطاف كالصعاد الذوابل\rمقرنة بالعيس والأدم كالقنا ... عليها الحبور محقبات المراجل\rوكل صموت نثلة تبعية ... ونسج سليم كل قضاء ذائل\rعلين بكديون وأبطن كرة ... فهن وضاء صافيات العلائل\rعتاد امرئ لا ينقض البعد همه ... طلوب الأعادي واضح غير خامل\rتحين بكفيه المنايا وتارة ... تسحان سحا من عطاء ونائل\rإذا حل بالأرض البرية أصبحت ... كئيبة وجه غبها غير طائل\rيؤم بربعي كأن زهاءه ... إذا هبط الصحراء حرة راجل\r- ٢٧ - وقال يمدح النعمان بن المنذر:\rأمن ظلامة الدمن البوالي ... بمرفض الحي إلى وعال\rفأمواه الدنا فعويرضات ... دوارس بعد أحياء حلال\rتأبد لا ترى إلا صواراً ... بمرقوم عليه العهد خال\rتعاورها السواري والغوادي ... وما تذرى الرياح من الرمال\rأثيت نبته جعد ثراه ... به عوذ المطافل والمتالي\rيكشفن الألاء مزينات ... بغاب ردينة السحم الطوال\rكأن كشوحهن مبطنات ... إلى فوق الكعوب برود خال\rفلما أن رأيت الدار قفرا ... وخالف بال أهل الدار بالي\rنهضت إلى عذافرة صموت ... مذكرة تجل عن الكلال\rفداء لامرئ سارت إليه ... بعذرة ربها عمي وخالي\rومن يغرف من النعمان سجلاً ... فليس كمن يتيه في الضلال","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855766,"book_id":1864,"shamela_page_id":42,"part":null,"page_num":42,"sequence_num":42,"body":"فإن كنت امرأ قد سؤت ظناً ... بعبدك والخطوب إلى تبال\rفأرسل إلى بني ذبيان فاسأل ... ولا تعجل إلي عن السؤال\rفلا عمر الذي أثنى عليه ... وما رفع الحجيج إلى إلال\rلما أغفلت شكرك فانتصحني ... وكيف ومن عطائك جل مالي\rولو كفي اليمين بغتك خوناً ... لأفردت اليمين من الشمال\rولكن لا تخان الدهر عندي ... وعند الله تجزية الرجال\rله بحر يقمص بالعدولي ... وبالخلج المحملة الثقال\rمضر بالقصور تذود عنها ... قراقير النبيط إلى التلال\rوهوب للمخيسة النواجي ... عليها القانئات من الرحال\r- ٢٨ - وقال أيضاً:\rألا أبلغا ذبيان عني رسالة ... فقد أصبحت عن منهج الحق جائره\rأجدكم لن تزجروا عن ظلامة ... سفيهاً ولن ترعوا لذي الود آصره\rفلو شهدت سهم وأبناء مالك ... فتعذرني من مرة المتناصره\rلجاءوا بجمع لم ير الناس مثله ... تضاءل منه بالعشي قصائره\rليهنئ لكم أن قد نفيتم بيوتنا ... مندى عبيدان المحلئ باقره\rوإني لألقى من ذوي الضعن منهم ... وما أصبحت تشكو من الوجد ساهره\rكما لقيت ذات الصفا من حليفها ... وما انفكت الأمثال في الناس سائره\rفقالت له أدعوك للعقل وافيا ... ولا تغشيني منك بالظلم بادره\rفوثقها بالله حين تراضيا ... فكانت تديه المال غبا وظاهره\rفلما توفي العقل إلا أقله ... وجارت به نفس عن الحق جائره\rتذكر أني يجعل الله جنة ... فبصبح ذا مال ويقتل واتره\rفلما رأى أن ثمر الله ماله ... وأثل موجوداً وسد مفاقره\rأكب على فأس يحد غرابها ... مذكرة من المعاول باتره\rفقام لها من فوق جحر مشيد ... ليقتلها أو تخطئ الكف بادره\rفلما وقاها الله ضربة فأسه ... وللبر عين لا تغمض ناظره\rفقال تعالى نجعل الله بيننا ... على مالنا أو تنجزي لي آخره\rفقالت يمين الله أفعل أنني ... رأيتك مسحوراً يمينك فاجره\rأبى لي قبر لا يزال مقابلي ... وضربة فأس فوق رأسي فاقره\r- ٢٩ - وقال أيضاً:\rودع أمامة والتوديع تعذير ... وما وداعك من قفت به العير\rوما رأيتك إلا نظرة عرضت ... يوم النمارة والمأمور مأمور\rإن إلى الفول حي وإن بعدوا ... أمسوا ودونهم ثهلان فالنير\rهل تبلغينهم حرف مصرمة ... أجد القفار وإدلاج وتهجير\rقد عريت نصف حول أشهر جددا ... يسفى على رحلها بالحيرة المور\rوفارقت وهي لم تجرب وباع لها ... من الفصافص بالنمي سفسير\rليست ترى حولها إلفاً وراكبها ... نشوان في جوة الباغوث مخمور\rتلقى الإوزين في أكناف دارتها ... بيضاً وبين يديها التين منشور\rلولا الهمام الذي ترجى نوافله ... لقال راكبها في عصبة سيروا\rكأنها خاضب أظلافه لهق ... قهد الإهاب تربته الزنانير\rأصاخ من نبأة أصغى لها أذناً ... صماخها بدخيس الروق مستور\rمن حس أطلس تسعى تحته شرع ... كأن أحناكها السفلى مآشير\rيقول راكبها الجني مرتفقاً ... هذا لكن ولحم الشاة محجور\rتمت القصائد المختارة من شعر النابغة.\r\rزهير بن أبي سلمى\rترجمة الشاعر\r- ١ - هو زهير بن ربيعة الملقب بأبي سلمى، من قبيلة مزينة من مضر.\rكان يقيم هو وقومه في بلاد غطفان وأسرته أسرة شاعرة فكان أبوه شاعراً وخال أبيه - واسمه بشامة بن الغدير - شاعراً؛ جمع إلى الشعر الحكمة وجودة الرأي، وكانت غطفان إذا أرادوا الغزو أتوه فاستشاروه وصدروا عن رأيه، فإذا رجعوا من الحرب قسموا له مثل ما يقسمون لأفضلهم، وقد لازمه زهير وأخذ عنه الشعر وجودة الرأي. وكان زوج أمه أوس بن حجر - شاعراً. وكان أبو شاعراً وأخته سلمى شاعرة، وابناه - كعب ويجير - شاعرين، وابن ابنه المضرب بن كعب بن زهير كان كذلك شاعراً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855767,"book_id":1864,"shamela_page_id":43,"part":null,"page_num":43,"sequence_num":43,"body":"وكانت بلاد غطفان ساحة للعداء الشديد والحرب المستعرة بين قبيلتين من قبائلهما وهما عبس وذبيان، وكانت هذه الحروب وهذا العداء سبباً في ثروة أدبية كبيرة من شعر ملئ بالفخر والهجاء والتحريض على القتال والأخذ بالثأر، ومن قصص تدور وقائعها على ما كان بين الفريقين. فكثير من شعر عنترة العبسي مثلاً يصف الأطوار الأخيرة لحرب داحس والغبراء الطاحنة، وكان كثير من شعر زهير يدور حول السلم بين القبيلتين والدعوة إليه وإظهار نتائجه، والإعجاب برجلين من رؤساء ذبيان، وهما هرم بن سنان والحارث بن عوف، سعيا في الصلح بين عبس وذبيان واحتملا ديات القتلى ونشرا السلام في غطفان، فكان هذا داعياً لزهير ليصور حبه للسلام واستفظاعه للحرب وأهوالها، وليمدح هذين العظيمين على ما قاما به من جهود لتوطيد دعائم السلم في هذه الجزيرة العربية المتنافرة المتخاصمة.\rوقد مدح هرم بن سنان بمدائح كثيرة، وأجزل هرم له العطاء وله نحو العشرين قصيدة، يمدحه هو والحارث بن عوف بها؛ لسعيه في الصلح بين عبس وذبيان. ومات قبل البعثة بقليل.\rوكان سنان أبو هرم سيد غطفان وماتت أمه وهي حامل به. وقالت: إذا أنا مت فشقوا بطني. فإن سيد غطفان فيه، فلما ماتت شقوا بطنها فاستخرجوا منه سنانا. وفي بني سنان يقول زهير:\rقوم أبوهم سنان حين تنسبهم ... طابوا وطاب من الأولاد ما ولدوا\rلو كان يقعد فوق الشمس من كرم ... قدم بأولهم أو مجدهم قعدوا\rجن إذا فزعوا أنس إذا أمنوا ... مرزؤون بهاليل إذا قصدوا\rمحسدون على ما كان من نعم ... لا ينزع الله منهم ماله حسدوا\rوقال زهير في هرم بن سنان:\rوأبيض فياض يداه غمامة ... على معتفيه ما تغب فواصله\rتراه إذا ما جئته متهللا ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله\rأخو ثقة لا تتلف الخمر ماله ... ولكنه قد يتلف المال نائله\rوقال زهير أيضاً في هرم بن سنان وأهل بيته:\rمن أهل بيت يرى ذو العرش فضلهم ... يبني لهم في جنان الخلد مرتفق\rالمطعمين إذا ما أزمة أزمت ... والطيبين ثياباً كلما عرقوا\rكأن آخرهم في الجود أولهم ... إن الشمائل والأخلاق تتفق\rإن قامروا قمروا أو فاخروا فخروا ... أو ناضلوا نضلوا أو سابقوا سبقوا\rتنافس الأرض موتاهم إذا دفنوا ... كما تنافس عند الباعة الورق\rقال الميداني في مجمع أمثاله عند قولهم أجود من هرم: هو هرم بن سنان بن أبي حارثة المري وقد سار بذكر جوده المثل، وقال زهير بن أبي سلمى فيه:\rإن البخيل ملوم حيث كان ... ولكن الجواد على علاته هرم\rهو الجواد الذي يعطيك نائله ... عفواً ويظلم أحياناً فيظلم\rووفدت ابنة هرم على عمر، فقال لها: ما كان الذي أعطى أبوك زهيراً حتى قابله من المديح بما قد سار فيه، فقالت: أعطاه خيلاً تنضى، وإبلاً تتوى وثيابا تبلى ومالاً يفنى. فقال عمر: لكن ما أعطاكم زهير لا يبليه الدهر، ولا يفنيه العصر.. ويروى أنها قالت: ما أعطى هرم زهيراً قد نسي. قال: لكن ما أعطاكم زهير لا ينسى.\r- ٢ - وزهير من شعراء الطبقة الأولى من شعراء الجاهلية، وفضله كثير ممن لهم معرفة بنقد الشعر على امرئ القيس والنابغة وأضرابهما، وقال أناس: هو أشعر العرب وعده عمر أشعر الشعراء لأنه لا يعاظل بين الكلام ولا يتتبع حواشيه ولا يمدح أحد بغير ما فيه. وذكره الأصمعي قال: كفاك من الشعراء أربعة: \"زهير إذا طرب والنابغة إذا رهب والأعشى إذا غضب وعنترة إذا كلب\".\rوكان زهير يتأله ويتعفف في شعره، ويدل شعره على إيمانه بالبعث كقوله:\rيؤخر فيوضع في كتاب فيدخر ... ليوم الحساب أو يعجل فينتقم\rوكان عمر بن الخطاب يعجب بقوله:\rفإن الحق مقطعه ثلاث ... يمين أو نفار أو جلاء\rيعني يميناً أو مناقرة إلى الحاكم أو برهان. ومما جرى من شعره مجرى المثل قوله:\rوهل ينبت الخطى إلا وشيجه ... وتغرس إلا في منابتها النخل\rأسباب شاعرية زهير","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855768,"book_id":1864,"shamela_page_id":44,"part":null,"page_num":44,"sequence_num":44,"body":"كان زهير شاعراً مجيداً معدوداً من فحول الشعراء في الجاهلية، وكان النقاد يضعونه مع امرئ القيس والنابغة والأعشى في طبقة واحدة، هي الطبقة الأولى من شعراء الجاهلية. وكان الذي بلغ به إلى هذه المنزلة الكبيرة في الشعر، ووثق أسباب شاعريته عدة أسباب كثيرة منها: أولاً - هذه البيئة العربية البدوية الشاعرة.\rثانياً - تلك النهضة الأدبية في الشعر التي كانت تموج بها نجد والقرى العربية في عصر زهير.\rثالثاً - وراثته الشعر عن أسرته. فقد كان خاله بشامة بن الغدير شاعراً وكانت أسرة زهير من ذريته من المجيدين في الشعر قالوا: \"لم يتصل الشعر في أهل بيت من العرب كما اتصل في بيت زهير\" فأبوه وأبناؤه وأحفاده وأخته الخنساء كلهم من الشعراء المجيدين.\rرابعاً - اشترك زهير في الملاحم الحربية في الجزيرة العربية. وفي حرب داحس والغبراء، والحروب تثير الشاعرية، وتهيج الخيال، وتحرك الشعور، وتبعث على الكلام.\rخامساً - المنافسات الأدبية بين زهير والشعراء المعاصرين له، كانت سبباً أيضاً من أسباب نضوج شعره وشاعريته.\rسادساً - قصد زهير بشعره إلى المدح كان يدفعه إلى الإجادة والتهذيب في شعره، مما رفع من مكانته، وقوى أسباب الرغبة في نفسه وشاعريته.\r\rأثر حياة زهير في شعره\rأولاً - نشأته في أسرة شاعرة جعلته يجود من شعره ويهذب من شاعريته.\rثانياً - اتصاله بهرم وتوالي أيادي هرم عليه جعله يجود في المدح.\rثالثاً - مشاهدته حرب داحس والغبراء الطاحنة، ومآسيها الدامية، دفعه إلى نظم الشعراء في التنفير من الحرب والدعوة إلى السلام.\rرابعاً - تجارب زهير وخبرته بالحياة أنضجت شعر الحكمة عنده.\rخامساً - التنافس الأدبي بينه وبين الشعراء، وتلمذته على أوس بن حجر، دفعاه إلى تجويد شعره والعناية بتهذيبه.\r- ٣ -\rخصائص شعره\rأولاً - من حيث الألفاظ: كان زهير يختار ألفاظه اختيار، ويبالغ في اختيارها بذوقه وفطرته الأدبية، وقد يسرف في الغرابة حيناً، ولكن لا يخلو أغلب شعره من سهولة في اللفظ حيناً، وجزالة وقوة غالبتين عليه أحياناً.\rثانياً - من حيث الأسلوب: وأسلوب زهير من أساليب الشعراء المجددين المصنعين في شعرهم، وأنتم تعلمون مذهب زهير في الروية وتهذيب الشعر وتنقيحه للوصول به إلى منزلة الكمال الفني في النظم وإدراكاً للمنزلة السامية بين الشعراء. ومذهب الروية في شعر زهير واضح كل الوضوح في جميع قصائده، ويتجلى في عدة مظاهر في أسلوب زهير، من إمعان في تنقيح الأسلوب ونفي كل ما يعاب به، وإسقاط كل ما يؤخذ عليه، ومن إدخال الرونق والبهاء والجمال على كل بيت من أبيات قصيدته، ومن قصد للسهولة والوضوح والإمتاع واللذة الفنية التي تبعث على الإعجاب والروعة والتأثر.\rويغلب على شعر زهير ألوان كثيرة من الصنعة، يدخلها فيه من استعارة وتشبيه وكناية وطباق، ولكن هذه الألوان الفنية تجيء في شعره عفو القريحة، من غير قصد إليها وتعمل لها وتكلف فيها وغلو في طلبها، وإنما تنبعث من ذوق الشاعر وموهبته وروحه الصناع الموهوب وهذه الخصائص التي امتاز بها أسلوب زهير كانت هي السبب الأهم في تقديم كثير من النقاد له، ويجمع أغلبهم على وصف أسلوبه بالخلو من التعقيد والتكلف، وبالمساوقة للطبع وبالسهولة والوضوح في قوة وجزالة.. وعلى أي حال، فأسلوب زهير ذوب شاعريته وملكاته في الشعور، ومذهبه في الصنعة الذي شهر به، والذي أخذه عنه تلاميذه من أمثال الحطيئة، وكعب ابن شاعرنا زهير.\rثالثاً - من حيث المعاني: ومعاني زهير كما قلت تنبع من نفسه وتصدر عن حسه، وتتصل بمظاهر البيئة في حياته لا يمعن فيها في طلب المحال، ولكنه يعمد إلى الصدق فإذا بالغ في أداء المعنى اختار طريق المبالغة المقبولة فقال مثلاً:\rفلو كان حمد يخلد الناس أخلدوا ... ولكن حمد الناس ليس بمخلد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855769,"book_id":1864,"shamela_page_id":45,"part":null,"page_num":45,"sequence_num":45,"body":"وإذا أراد أن يجود في المدح اختار ما هو أليق به وأقرب إلى ذوق الناس في عصره من وصف ممدوحه بالبطولة والشجاعة والعفة والنائل الكثير، والتهلل عند ورود العفاة ولكنه لا يزعم أبداً أن ممدوحه فعل المعجزات وصنع المستحيلات ونالت قدرته السموات، كما يزعم المحدثون من الشعراء. وتشيع في معاني زهير الحكمة الصادقة، والتجربة الصحيحة، والخبرة الواعية بالحياة وأحداثها ومشكلاتها. ومن ثم عد من شعراء الحكمة في الشعر الجاهلي.\rرابعاً - من حيث الخيال: ومعاني زهير لا يسوقها سوق الحس والمشاهدة فحسب، ولكنه يتكئ فيها على خياله، ليبرزها في ألوان مجنحة من صنعة الخيال المتصرف في ملكات النفس والشعور وهذا الخيال عند زهير من صنعته أن يقرب البعيد، ويسهل الصعب من المعاني ويوضح الغامض، وأجنحة هذا الخيال في مبالغة مقبولة أو استعارة صادقة، أو كناية قريبة، أو تشبيه مستطرف في ثنايا شعره.\rخامساً - من حيث الأغراض: أجاد زهير إجادة عالية في الحكمة والمدح والغزل، وقارب من الإجادة في الوصف والفخر والعتاب، وكان متوسطاً في الهجاء والرثاء والاعتذار.. وقد مضت نماذج لهذه الفنون من شعره، ولكن الذي نريد أن نتحدث عنه هو أسباب تجويده في المدح.. وهذه الأسباب من أهمها: أولاً: حرص زهير على تسجيل بعض مآثر سادات العرب الذين كان لهم مكان مرموق في الحياة الجاهلية، وأثر واضح في فض مشكلات الحرب بين قبائلها.\rثانياً: الوفاء الذي طبعت عليه نفس زهير وشدة تأثر بأيدي ممدوحيه عليه.\rثالثاً: اعتزازه بمفاخر القبيلة، ومجدها ومآثرها، مما كان يدفعه إلى مدح قومه.\rرابعاً: اتصاله بهرم وتوالي أيادي هرم عليه.. كل هذه الأسباب جعلته جيد المدح. ولذلك قالوا: \"كان أشعر الناس امرئ القيس إذا ركب، وزهير إذا رغب، والنابغة إذا رهب، والأعشى إذا طرب\". ويقصدون من ذلك أن أجود شعر امرئ القيس كان في وصف الخيل والصيد، وأجود شعر زهير كان في المدح، وأجود شعر النابغة كان في الاعتذار، وأجود شعر الأعشى كان في وصف الخمر.\r- ٤ - وكان زهير ينقح شعره مدة طويلة فتسمى كبار قصائده \"الحوليات\"، وعد من عبيد الشعر.. ولذلك كان زهير \"أبعد الشعراء عن سخف، وأجمعهم لكثير من المعنى في قليل من اللفظ، وأكثرهم أمثالاً في شعره\".. وكان لا يتتبع حوشي الكلام ولا يمدح الرجل إلا بما يكون فيه.\rوالظاهر أن طول تهذيبه لشعره إنما كان في طوال قصائده.. وهي أربع: أحداها مطلعها:\rقف بالديار التي لم يعفها القدم ... بلى وغيرها الأرواح والديم\rوالثانية:\rإن الخليط أجد البين فانفرقا ... وعلق القلب من أسماء ما علقا\rوالثالثة:\rبأن الخليط ولم يأووا لمن تركوا ... وذودوك اشتياقا أية سلكوا\rوالرابعة:\rلمن طلل برامة لا يريم ... عفا وخلا له حقب قديم\rتظهر هذه الروية في شعره كل الظهور، فهو هادئ رزين في تفكيره، يتخير المعاني التي تناسب موضوعه، ويتخير لهذه المعاني خير الألفاظ، يرفق مواضع الرفق، ويشتد في مواضع الشدة.\rكذلك عرف بالميل إلى الحكمة، جرب الدهر وحلب أشطره وخبر الناس وعرف نفوسهم فعمد إلى صياغة ذلك كله في شعره -وكان ملهما - فأتى بما لم يسبق إليه وقد أعجب المسلمون في الصدر الأول بحكمه، وفضله بعضهم من أجلها على سائر الشعراء، لما فيها من صدق القول، وحسن النظر، ولما فيها من نظرات تتفق ومبادئ الإسلام كقوله:\rفلا تكتمن الله ما في نفوسكم ... ليخفى ومهما يكتم الله يعلم\rيؤخر فوضع في كتاب فيدحر ... ليوم حساب أو يعجل فينقم\rوخير شعره هو في مدح هرم بن سنان، كقوله:\rقد جعل المبتعون الخير في هرم ... والسائلون إلى أبوابه طرقا\rمن يلق يوماً على علاقة هرما ... يلق السماحة منه والندى خلقا\rليث بعثر يصطاد الليوث إذا ... ما الليث كذب عن أقرانه صدقا\rيطعنهم ما ارتموا حتى إذا طعنوا ... ضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا\rلو نال حي من الدنيا بمكرمة ... أفق السماء لنالت كفه الأفقا\rوقوله:\rدع ذا وعد القول في هرم ... خير البداة وسيد الحضر\rلو كنت من شيء سوى بشر ... كنت المنور ليلة البدر\rولأنت أوصل من سمعت به ... لشوابك الأرحام والصهر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855770,"book_id":1864,"shamela_page_id":46,"part":null,"page_num":46,"sequence_num":46,"body":"ولنعم حشو الدرع أنت إذا ... دعيت نزال ولج في الذعر\rوأراك تفري ما خلقت وبع ... ض القوم يخلق ثم لا يفري\rأثنى عليك بما علمت وما ... سلفت في النجدات من ذكر\rوالستر دون الفاحشات ولا ... يلقاك دون الخير من ستر\rولما مات هرم رثاه زهير بقصيدته:\rإن الرزية لا رزية مثلها ... ما تبتغي غطفان يوم أضلت\rإن الركاب لتبتغي ذا مرة ... بجنوب نخل إذا الشهور أحلت\rينعين خير الناس عند شديدة ... عظمت مصيبته هناك وجلت\rولنعم حشو الدرع كان إذا سطا ... نهلت من العلق الرماح وعلت\rوأولى قصائده معلقته التي مطلعها:\rأمن أم أو في دمنة لم تكلم ... بحومانة الدراج فالمتثلم\rوهي في تسعة وخمسين بيتاً وموضوعها إطراء الصلح بين عبس وذبيان ومدح هرم والحارث بن عوف لقيامهما بهذا العمل الجليل.\r- ٥ - وقد ظهر منذ حين شرح لديوان زهير بن أبي سلمى، ويهو يقع في نحو ٤٦٠ صفحة من القطع الكبير، وطبع بمطبعة دار الكتب المصرية - وللديوان قصة فإنه منذ سنوات أتيح للمستشرق المعروف الأستاذ أوجست فيشر الاطلاع على مخطوط قديم بمكتبة الجمعية الألمانية الشرقية بمدينة هلة، شرح فيه مصنفه ديوان الشاعر الجاهلي الكبير زهير بن أبي سلمى المزني وديوان ولده كعب. ويمتاز هذا المخطوط بأنه نسخة ديوان زهير فيه أقدم نسخه المعروفة جميعاً، إذ يرجع تاريخها إلى سنة ٥٣٣ هجرية، كما أن ديوان كعب فريد لا يعرف له نسخة ثانية. ويقول الأستاذ فيشر في وصفه إنه مخطوط بقلم لغوي يدير، يندر أن تفوته غلطة، كتبه بخط واضح كامل الشكل، ومما يذكر أن هذا المخطوط كان قد عثر عليه الأستاذ ألبرت سوتسن في زيارة له لدمشق ١٧٨٣، وآلت ملكيته إلى الجمعية الألمانية بعد وفاته وليس زهير في حاجة إلى تعرف، فهو أحد ثلاثة كانوا أقطاب الشعر في الجاهلية والمقدمين على سائر الشعراء. وكان يسمي قصائده المطولة \"الحوليات\" لكثرة ما يعود إليها بالنظر والتروية والتنقيح، حتى كان الأصمعي يقول \"زهير والحطيئة وأشباههما من الشعراء عبيد الشعر لأنهم نقحوه ولم يذهب فيه مذهب المطبوعين\".\rورغم مكانة زهير هذه، فإن ديوانه لم يطبع غير مرة واحدة منذ قرابة نصف قرن، وكانت الحاجة ماسة لذلك، إلى إعادة نشره من جديد على طريقة التحقيق العلمي الحديث.. وهذلت ما تكفلت به الطبعة التي بين أيدينها.\rورواية زهير وشارحه في هذه الطبعة هو الإمام أبو العباس أحمد بن يحيى بن زيد الشيباني المعروف بثعلب اللغوي الكوفي الحجة. وقد كان كما يقول عنه القطربلي \"من الحفظ والعلم وصدق اللهجة والمعرفة بالغيب ورواية الشعر القديم ومعرفة النحو على مذهب الكوفيين على ما ليس عليه أحد\" ووصفه المبرد بأنه \"أعلم الكوفيين\" على رغم ما كان بينهما من تنافس ونزاع. وذكر له ابن النديم اثنين وعشرين كتاباً في النحو والأدب واللغة، من أشهرها كتاب الفصيح المعروف باسمه. وله شرح على ديوان الأعشى نشره المستشرق رودلف جيد، وشرح ديوان زهير الذي نحن بصدده، وقد تواتر الإجماع بروايته له في سائر نسخ الديوان المعروفة بغير شك أو خلاف. أما شرح ديوان كعب فالمحقق الأوجه لنسبته لثعلب. ويقطع الأستاذ فيشر بأنه للسكري اللغوي البصري (المتوفي سنة ٢٧٥هـ) .. ويرجح ذلك عنده ما ورد في نهاية المخطوط حيث ذكر ناسخه بعد الفراغ من شعر كعب: \"تم شعر كعب في رواية السكري\"، ثم ما ورد في رواية بعض القصائد مما يغلب أن يكون رواية من غير أهل الكوفة.\r\rالمختار من شعر زهير\r- ١ - قال زهير بن أبي سلمى:\rأمن أم أوفى دمنة لم تكلم ... بحومانة الدراج فالمتثلم\rودار لها بالرقمتين كأنها ... مراجيع وشم في نواشر معصم\rبها العين والآرام يمشين خلفة ... وأطلاؤها ينهضن من كل محثم\rوقفت بها من بعد عشرين حجة ... فلأياً عرفت الدار بعد توهم\rأثافي سفعاً في معرس مرجل ... ونؤياً كجذم الحوض لم يتثلم\rفلما عرفت الدار قلت لربعها ... ألا انعم صباحاً أيها الربع واسلم\rتبصر خليلي هل ترى من ظعائن ... تحملن بالعلياء من فوق جرثم\rعلون بأنماط عتاق وكلة ... وراد حواشيها مشاكهة الدم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855771,"book_id":1864,"shamela_page_id":47,"part":null,"page_num":47,"sequence_num":47,"body":"ووركن في السوبان يعلون متنه ... عليهن دل الناعم المتنعم\rوفيهن ملهى للصديق ومنظر ... أنيق لعين الناظر المتوسم\rبكرن بكوراً واستحرن بسحرة ... فهن لوادي الرس كاليد للفم\rجعلن القنان عن يمين وحزنه ... ومن بالقنان من محل ومحرم\rظهرن من السوبان ثم جزعنه ... على كل قيني قشيب مفأم\rكأن فتات العهن في كل منزل ... نزلن به حب الفنا لم يحطم\rفلما وردن الماء زرقاً جمامه ... وضعن عصي الحاضر المتخيم\rسعى ساعياً غيط ابن مرة بعدما ... تبزل ما بين العشيرة بالدم\rفأقسمت بالبيت الذي طاف حوله ... رجال بنوه من قريش وجرهم\rيميناً لنعم السيدان وجدتما ... على كل حل من سحيل ومرم\rتدار كتما عبساً وذبيان بعدما ... تفانوا ودقوا بينهم عطر منشم\rوقد قلتما إن ندرك السلم واسعاً ... بمال ومعروف من الأمر نسلم\rفأصبحتما منها على خير موطن ... بعيدين فيها من عقوق ومأتم\rعظيمين في عليا معد وغيرها ... ومن يستبح كنزاً من المجد يعظم\rفأصبح يجري فيهم من تلادكم ... مغانم شتى من إقال المزنم\rتعفى الكلوم بالمئين فأصبحت ... ينجمها من ليس فيها بمجرم\rينجمها قوم لقوم غرامة ... ولم يهريقوا بينهم ملء محجم\rفمن مبلغ الأحلاف عني رسالة ... وذبيان هل أقسمتم كل مقسم\rفلا تكتمن الله ما في نفوسكم ... ليخفى ومهما يكتم الله يعلم\rيؤخر فيوضع في كتاب فيدخر ... ليوم الحساب أو يعجل فينقم\rوما الحرب إلا ما علمتم وذقتم ... وما هو عنها بالحديث المرجم\rمتى تبعثوها تبعثوها ذميمة ... وتضر إذا أضربتموها فتضرم\rفنعرككم عرك الرحى بثقالها ... وتلقح كشافاً ثم تحمل فتتئم\rفنتج لكم غلمان أشأم كلهم ... كأحمر عاد ثم ترضع فتفطم\rفتعلل لكم مالا تغل لأهلها ... قرى بالعراق من قفير ودرهم\rلعمري لنعم الحي حر عليهم ... بما لا يواتيهم حصين بن ضمضم\rوكان طوى كشحاً على مستكة ... فلا هو أبداها ولم يتجمجم\rوقال سأقضي حاجتي ثم أتقي ... عدوي بألف من ورائي ملجم\rفشد ولم تفزع بيوت كثيرة ... لدى حيث ألقت رحلها أم قشعم\rلدى أسد شاكي السلاح مقذف ... له لبد أظفاره لم تقلم\rجريء متى يظلم يعاقب بظلمه ... سريعاً، وإلا يبد الظلم بظلم\rرعوا ما رغوا من ظمئهم ثم أوردوا ... غماراً تسيل بالرماح وبالدم\rفقضوا منايا بينهم ثم أصدروا ... إلى كلأ مستوبل متوخم\rلعمرك ما جرت عليهم رماحهم ... دم ابن نهيك أو قتيل المثلم\rولا شاركوا في القوم في دم نوفل ... ولا وهب منهم ولا ابن المحزم\rفكلأ أراهم أصبحوا يعقلونهم ... علالة ألف بعد ألف مصتم\rتساق إلى قوم لقوم غرامة ... صحيحات مال طالعات بمخرم\rلحي حلال يعصم الناس أمرهم ... إذا طلعت إحدى الليالي بمعظم\rكرام فلاذوا لوتر يدرك وتره ... لديهم ولا الجاني عليهم بمسلم\rسئمت تكاليف الحياة ومن يعش ... ثمانين حولاً لا أبالك يسأم\rرأيت المنايا خبط عشواء من تصب ... تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم\rوأعلم علم اليوم والأمس قبله ... ولكنني عن علم ما في غد عم\rومن لا يصانع في أمور كثيرة ... يضرس بأنياب ويوطأ بمنسم\rومن يجعل المعروف من دون عرضه ... يفره ومن لا يتق الشتم يشتم\rومن يك ذا فضل فيبخل بفضله ... على قومه يستغن عنه ويذمم\rومن لا يذد عن حوضه بسلاحه ... يهدم ومن لا يظلم اليأس يظلم\rومن هاب أسباب المنية يلقها ... ولو رام أسباب السماء بسلم\rومن يعص أطراف الزجاج فإنه ... يطيع العوالي ركبت كل لهدم\rومن يوف لا يذمم ومن يفض قلبه ... إلى مطمئن البر لا يتجمجم\rومن يغترب يحسب عدواً صديقه ... ومن لا يكرم نفسه لا يكرم\rومهما تكن عند امرئ من خليقة ... ولو خالها تخفى على الناس تعلم\rومن لا يزل يستحمل الناس نفسه ... ولا يغنها يوماً من الدهر يسأم\rتحليل لمعلقة زهير","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855772,"book_id":1864,"shamela_page_id":48,"part":null,"page_num":48,"sequence_num":48,"body":"هذه المعلقة هي أثر آخر من آثار البلاغة العربية القديمة، يقع في تسعة وخمسين بيتاً، وصاحبها هو زهير بن أبي سلمى ربيعة بن رباح المزني. نشأ في أقاربه بني غطفان وتخرج في الشعر على خال أبيه بشامة بن الغدير، وكان يروي لأوس بن حجر أيضاً وكان أوس زوج أمه، فكان شاعراً فحلاً، كما كان صائب الرأي عاقلاً حازماً حكيماً وكان يتأله ويتعفف في شعره.. ويدل شعره على إيمان بالبعث:\rيؤخر فيوضع في كتاب فيدخر ... ليوم حساب أو يعجل فينقم\rوفضله عمر بن الخطاب على الشعراء، لأنه كان لا يعاظل بين القول ولا يتبع حوشي الكلام ولا يمدح الرجل إلا بما هو فيه.\rوكان زهير أحكمهم شعراً، وأبعدهم من سخف وأجمعهم لكثير من المعنى في قليل من المنطق وأشدهم مبالغة في المدح.\rكانت حرب داحس والغبراء بين عبس وبيان تؤرق زهيراً وتضنيه، وتثير شاعريته. ولما سعى هرم بن سنان والحارث بن عوف المريان في الصلح وحقن الدماء وتحملا ديات القتلى أنطلقت تلك المأثرة زهيراً، فنظم معلقته هذه يمدح هذين السيدين، وينوه بعملهما الجليل ويدعو إلى السلم وينفر من الحرب ويصف مآسيها وآلامها، وهي قصيدة رائعة، تمتاز بحكمها الكثيرة، وكان زهير ذا حكمة في شعره.. وقد بدأ زهير معلقته بذكر الديار وزيارته لها ووقوفه فيها عشرين عاماً طوالاً يتذكر ذكريات حبه ووفائه، قال:\rأمن أم أوفى دمنه لم تكلم ... بحوماته الدراج فالمتثلم\rوقفت بها من بعد عشرين حجة ... فلأياً عرفت الدار بعد توهم\rفلما عرفت الدار قلت لربعها ... ألا أنعم صباحاً أيها الربع واسلم\rثم أخذ يصف النساء اللاتي ارتحلن عنها، فيتبعن ببصره كئيباً حزيناً، ويصف الطريق التي سلكنها، والهوادج التي كن فيها، والمياه التي نزلنها، في عذوبة وسهولة وجمال، إلى أن يقول:\rفلما وردن الماء زرقا جمامه ... وضعن عصى الحاضر المتخيم\rتذكرني الأحلام ليلى ومن تطف ... عليه خيالات الأحبة يحلم\rثم ينتقل إلى مدح هرم الحارث والإشادة بمنقبتهما الكريمة في إنقاذ السلام وإطفاء الحرب بين عبس وذبيان وتحملهما ديات القتلى من ما لهما، وقد بلغت ثلاثة آلاف بعير. قال:\rسعى ساعياً \"غيظ بن مرة\" بعدما ... تبزل ما بين العشيرة بالدم\rفأقسمت بالبيت الذي طاف حوله ... رجال بنوه من قريش وجرهم\rيميناً لنعم السيدان وجدتما ... على كل حال من سحيل ومبرم\rتداركتما عبساً وذبيان بعدما ... تفانوا ودقوا بينهم عطر منشم\rوقد قلتما إن ندرك السلم واسعاً ... بمال ومعروف من الأمر نسلم\rفأصبحتما منها على خير موطن ... بعيدين فيها من عقوق ومآثم\rثم ندد بالحرب ووصف فظائعها؛ ودعا إلى السلم وأكده وأوجبه على المتحاربين، قال:\rوما الحرب إلا ما علمتم وذقتم ... وما هو عنها بالحديث المرجم\rمتى تبعثوها تبعثوها ذميمة ... وتضر إذا ضربتموها فتضرم\rثم ينصح قومه بأن يبقوا على السلم، ويندد بالحصين بن ضمضم وبآثار عمله في تهييج الشر وإعادة نار المحرب، وكان الحصين حين اجتمع القوم للصلح قد حمل على رجل له عنده ثأر في الحرب فقتله، ويعيد التنويه بالرجلين اللذين احتملا ديات القتلى واحداً واحداً على غير جريرة كانت منهما.\rثم ينتقل من هذا المجال الرهيب مجال النصح والتوجيه وتأكيد السلام، إلى مجال الحكمة الإنسانية العامة، حكمة الرجل المجرب للحياة الذي ذاقها وخبرها، وعاش في خضمها، ثم امتد به العمر فزهدها وانصرف عنها.. قال:\rومن يك ذا فضل فيبخل بفضله ... على قومه يستغن عند ويذمهم\rإلى أن قال:\rسئمت تكاليف الحياة ومن يعش ... ثمانين حولاً لا أبالك يسأم\rوأعلم ما في اليوم والأمس قبله ... ولكنني عن علم ما في غد عم\rرأيت المنايا خبط عشواء من تصب ... تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم\rويختمها بتأكيد معروف السيدين الممدوحين عليه فيقول:\rسألنا فأعطيتم وعدنا فعدتم ... ومن يكثر التسآل يوماً سيحرم\r- ٢ - وقال أيضاً يمدح سنان بن أبي حارثة المري:\rصحا القلب عن سلمى وقد كاد لا يسلو ... وأقفر من سلمى التعانيق فالثقل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855773,"book_id":1864,"shamela_page_id":49,"part":null,"page_num":49,"sequence_num":49,"body":"وقد كنت من سلمى سبين ثمانيا ... على صبر أمر ما يمر وما يحلو\rوكنت إذا ما جئت يوماً لحاجة ... مضت وأجمت، حاجة الغد ما تخلو\rوكل محب أحدث النأي عنده ... سلو فؤاد غير حبك ما يسلو\rتأوبني ذكر الأحبة بعده ما ... هجعت ودوني قلة الحزن فالرمل\rفأقسمت جهداً بالمنازل من منى ... وما سحقت فيها المقادم والقمل\rلأرتحلن بالفجر ثم لأدأبن ... إلى الليل إلا أن يعرجني طفل\rإلى معشر لم يورث اللؤم جدهم ... أصاغرهم وكل فحل له نجل\rتربص فإن تقو المروراة منهم ... وداراتها لا تقو منهم إذن نخل\rفإن تقويا منهم فإن محجراً ... وجزع الحسا منهم إذن قلما يخلو\rبلاد بها ندمتهم وألفتهم ... فإن تقويا منهم فإنهما بسل\rإذا فزعوا طاروا إلى مستغيثهم ... طوال الرماح لا ضعاف ولا عزل\rبخيل عليها جنة عبقرية ... جديرون يوماً أن ينالوا فيستعلوا\rوإن يقتلوا فيشتفى بدمائهم ... وكانوا قديماً من مناياهم القتل\rعليها أسود ضاريات لبوسهم ... سوابغ بيض لا تخرقها النبل\rإذا لقحت حرب عوان مضرة ... ضروس تهر الناس أنيابها عصل\rقضاعية أو أختها مضرية ... يحرق في حافاتها الخطب الجزل\rتجدهم على ما خيلت هم إزاءها ... وإن أفسد المال الجماعات والأزل\rيحشونها بالمشرفيات والقنا ... وفتيان صدق لا ضعاف ولا نكل\rتهامون نجديون كيداً ونجعة ... لكل أناس من وقائعهم سجل\rهم ضربوا عن فرجها بكتيبة ... كبيضاء حرس في طوائفها الرجل\rمتى يشتجر قوم تفل سرارتهم ... هم بيننا فهم رضا وهم عدل\rهم جددوا أحكام كل مضلة ... من العقم لا يلقى لأمثالها فصل\rبعزمة مأمور مطيع وآمر ... مطاع فلا يلقى لحزمهم مثل\rولست بلاق بالحجاز مجاورا ... ولا سفراً إلا له منهم حبل\rبلاد بها عزوا معدا وغيرها ... مشاربها عذب وأعلامها ثمل\rهم خير حي من معد علمتهم ... لهم نائب في قومهم ولهم فضل\rفرحت بما خبرت عن سيديكم ... وكانا امرأين كل أرهما يعلو\rرأى الله بالإحسان ما فعلا بكم ... فأبلاهما خير البلاء الذي يبلو\rتداركتما الأحلاف قد ثل عرشهم ... وذبيان قد زلت بأقدامها النعل\rفأصبحتما منها على خير موطن ... سبيلكما فيه وإن أحرثوا سهل\rإذا السنة الشهباء بالناس أجحفت ... ونال كرام المال في الحجرة الأكل\rرأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم ... قطيناً بها حتى إذا نبت البقل\rهنالك إن يستخبلوا المال يخبلوا ... وإن يسألوا يعطوا وإن يسروا يغلوا\rوفيهم مقامات حسان وجوههم ... وأندية ينتابها القول والفعل\rعلى مكتريهم رزق من يعتريهم ... وعند المقلين السماحة والبذل\rوإن جئتهم ألفيت حول بيوتهم ... مجالس قد يشفى بأحلامها الجهل\rوإن قام فيهم حامل قال قاعد ... رشدت، فلا غرم عليك ولا خذل\rسعى بعدهم قوم لكي يدركوهم ... فلم يفعلوا، ولم يليموا، ولم يألوا\rفما يك من خير أتوه فإنما ... توارثه آباء آبائهم قبل\rوهل ينبت الخطي إلا وشيجه ... وتغرس إلا في مناتها النخل\r- ٣ - وقال يمدح خصن بن حذيفة بن بدر:\rصحا القلب عن سلمى وأقصر باطله ... وعرى أفراس الصبا ورواحله\rوأقصرت عما تعلمين وسددت ... علي سوى قصد السبيل معادله\rوقال العذارى إنما أنت عمنا ... وكان الشباب كالخليط زايله\rفأصبحت ما يعرفن إلا خليفتي ... وإلا سواد الرأس والشيب شامله\rلمن طلل كالوحي عاف منازله ... عفا الرس منه فالرسيس فعاقله\rفرقد فصارات فأكناف منعج ... فشرقي سلمى: حوضه فأجاوله\rفوادي البدي فالطوي فنادق ... فوادي القنان: جزعه فأفاكله\rوغيث من الوسمي حو تلاعه ... أجابت روابيه النجا وهواطله\rهبطت بممسود النواشر سابح ... ممر أسيل الخد نهد مراكله\rتميم فلوناه فأكمل صنعه ... فتم وعزته يداه وكاهله\rأمين شظاه لم يخرق صفاقة ... بمنقبة ولم تقطع أباجله","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855774,"book_id":1864,"shamela_page_id":50,"part":null,"page_num":50,"sequence_num":50,"body":"إذا ما غدونا نبتغي الصيد مرة ... متى نره فإننا لا نخاتله\rفبينا نبغي الصيد جاء غلامنا ... يدب ويخفى شخصه ويضائله\rفقال شياه راتعات بقفرة ... بمستأسد القريان حو مسائله\rثلاث كأقواس السراء مسحل ... قد اخضر من لس الغمير جحافله\rوقد خرم الطراد عنه جحاشه ... فلم تبق إلا نفسه وحلائله\rفقال: أميري ما ترى رأي ما نرى ... أنختله عن نفسه أم نصاوله\rفبتنا عراة عند رأس جوادنا ... يزاولنا عمن نفسه ونزاوله\rونضربه حتى اطمأن قذاله ... ولم يطمئن قلبه وخصائله\rوملجمنا ما إن ينال قذاله ... ولا قدماه الأرض إلا أنامله\rفلأياً بلأي ما حملنا وليدنا ... على ظهر محبوك ظماء مفاصله\rفقلت له سدد وأبصر طريقه ... وما هو فيه عن وصاتي شاغله\rوقلت: تعلم أن للصيد غرة ... وإلا تضبعها فإنك قاتله\rفتمع آثار الشياه وليدنا ... كشؤبوب غيث يحفش الأكم وابله\rنظرت إليه نظرة فرأيته ... على كل حال مرة هو حامله\rيثرن الحصى في وجهه وهو لاحق ... سراع تواليه صياب أوائله\rفرد علينا العير من دن إلفه ... على رغمه يدمى نساه وفائله\rورحنا به ينضو الجياد عشية ... مخضبة أرساغه وعوامله\rبذي ميعة لا موضع الرمح مسلم ... لبطء ولا ما خلف ذلك خاذله\rوأبيض فياض يداه غمامة ... على معئفيه ما تغب فواضله\rبكرت عليه غدوة فرأيته ... قعوداً لديه بالصريم عواذله\rيفدينه طوراً وطوراً يلمنه ... وأعيا فما يدرين أين مخاتله\rفأقصرن منه عن كريم مرزأ ... عزم على الأمر الذي هو فاعله\rأخي ثقة لا تتلف الخمر ماله ... ولكنه قد يهلك المال نائله\rتراه إذا ما جئته متهللاً ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله\rوذي نسب ناء بعيد وصلته ... بمال وما يدري بأنك واصله\rوذي نعمة تممتها وشكرتها ... وخصم يكاد يغلب الحق باطله\rدفعت بمعروف من القول صائب ... إذا ما أضل الناطقين مفاصله\rوذي خطل في القول يحسب أنه ... مصيب فما يلمم به فهو قائله\rعبأت له حلماً وأكرمت غيره ... وأعرضت عنه وهو باد مقاتله\rحذيفة ينميه وبدر كلاهما ... إلى باذخ يعلو على من يطاوله\rومن مثل حصن في الحروب، ومثله ... لإنكار ضيم، أو لأمر يحاوله؟\rأبي الضيم والنعمان يخرق نابه ... عليه فأفضى والسيوف معاقله\rعزيز إذا حل الخليفان حوله ... بذي لجب لجاته وصواهله\rيهد له ما دون رملة عالج ... ومن أهله بالغور زالت زلازله\rوأهل خباء صالح ذات بينهم ... قد احتربوا في عاجل أنا آجله\rفأقبلت في الساعين أسأل عنهم ... سؤالك بالشيء الذي أنت جاهله\r- ٤ - وقال يمدح هرم بن سنان وأباه وإخوته:\rإن الخليط أجد البين فانفرقا ... وعلق القلب من أسماء ما علقا\rوفارقتك برهن لا فكاك له ... يوم الوداع وأمسى الرهن قد غلقا\rوأحلفتك ابنة البكري ما وعدت ... فأصبح الحبل واهناً خلقا\rقامت تراءى بذي ضال لتحزنني ... ولا محالة أن يشتاق من عشقا\rبجيد مغزلة أدماء خازلة ... من الظباء تراعى شادناً خرقا\rكأن ريقتها بعد الكرى اغتبقت ... من طيب الراح لما يعد أن عتقا\rشج لسقاة على ناجودها شبما ... من ماء لينة لا طرقاً ولا زنقا\rمازلت أرمقهم حتى إذا هبطت ... أيدي الركاب بهم من راكس فلقا\rدانية لشروري أو قفا أدم ... يسعى الحداة على آثارهم حزقا\rكأن عيني في غربي مقتلة ... من النواضح تسقى جنة سحقا\rتمطو الرشاء فتجري في ثنايتها ... من المحالة ثقباً رائداً قلقا\rلها متاع وأعوان غدون به ... قتب وغرب إذا ما أفرغ انسحقا\rوخلفها سائق يحذو إذا خشيت ... منه اللحاق تمد الصلب والعنقا\rوقابل يتغنى كلما قدرت ... على العراقي يداه قائماً دفقا\rيحيل في جدول تخبو ضفادعه ... حبو الجواري ترى في مائه نطقا\rيخرجن من شربات ماؤها طحل ... على الجذوع يخفن الغم والغرقا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855775,"book_id":1864,"shamela_page_id":51,"part":null,"page_num":51,"sequence_num":51,"body":"بل اذكرن خير قبس كلها حسباً ... وخيرها نائلاً وخيرها خلقا\rالقائد الخيل منكوباً دوابرها ... قد أحكمت حكمات القد والأبقا\rغزت سماناً فآبت ضمرا خدجا ... من بعد ما جنبوها بدناً عققا\rحتى يئوب بها عوجاً معطلة ... تشكو الدوابر والأنساء والصفقا\rيطلب شأو امرأين قدما حسنا ... نالا الملوك وبذا هذه السوقا\rهو الجواد فإن يلحق بشأوهما ... على تكاليفه فمثله لحقا\rأو يسبقاه على ما كان من مهل ... فمثل ما قدما من صالح سبقا\rأغر أبيض فياض يفكك عن ... أيدي العناة وعن أعناقها الربقا\rوذاك أحزمهم رأياً إذا نب ... أمن الحوادث عادى الناس أو طرقا\rفضل الجياد على الخيل البطاء فلا ... يعطى بذلك ممنوناً لا نزقا\rقد جعل المبتغون الخير في هرم ... والسائلون إلى أبوابه طرقا\rوليس مانع ذي قربى وذي رحم ... يوماً ولا معدما من خابط ورقا\rإن تلق يوماً على علاته هرما ... تلق السماحة منه والندى خلقا\rليث بعثر يصطاد الرجال إذا ... ما كدب الليث عن أقرانه صدقا\rيطعنهم ما ارتموا حتى إذا طعنوا ... ضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا\rهذا وليس كمن يعيا بخطته ... وسط الندى إذا ما ناطق نطقا\rلو نال حي من الدنيا بمنزلة ... أفق السماء لنالت كفه الأفقا\r- ٥ - وقال أيضاً:\rبان الخليط ولم يأووا لمن تركوا ... وزودك اشتياقاً أية سلكوا\rرد القيان جمال الحي فاحتملوا ... إلى الظهيرة أمر بينهم لبك\rما إن يكاد يخليهم لوجهتهم ... تخالج الأمر إن الأمر مشترك\rضحوا قليلاً قفا كتبان أسنمة ... ومنهم بالقسوميات معترك\rثم استمروا وقالوا إن مشربكم ... ماء بشرقي سلمى قيد أوركك\rيغشى الحداة بهم وعث الكثيب كما ... يغشى السفائن موج اللجة العرك\rهل تبلغني أذني دراهم قلص ... يزحى أوائلها التبغيل والرتك\rمقورة تتبارى لا شوار لها ... إلا القطوع على الأنساع والورك\rمثل النعام إذا هيجتها ارتفعت ... على الواجب بيض بينها الشرك\rوقد أروح أمام الحي مقتنصاً ... قمراً مراتعها القيعان والنبك\rوصاحبي وردة نهد مراكلها ... جرداء لا فحج فيها ولا صكك\rمرا كفاتاً إذا ما الماء أسهلها ... حتى إذا ضربت بالسوط تبترك\rكأنها من قطا الأجباب حلأها ... ورد وأفرد عنها أختها الشرك\rجونية كحصاة القسم مرتعها ... بالسي ما تنبت القفعاء والحسك\rأهوى لها أسفع الخدين مطرق ... ريش القوادم لم ينصب له السبك\rلا شيء أسرع منها وهي طيبة ... نفساً بما سوف ينجيها وتترك\rدون السماء وفرق الأرض قدرهما ... عند الذنابى، فلا فوت ولا درك\rعند الذنابي لها صوت وأزملة ... يكاد يخطفها طوراً وتهتلك\rحتى إذا هوت كف الغلام لها ... طارت وفي كفه من ريشها بتك\rثم استمرت إلى الوادي فألجأها ... منه وقد طمع الأظفار والحنك\rحتى استغاثت بماء لا رشاء له ... من الأباطح في حافاته البرك\rمكلل بأصول النبت تنسجه ... ريح خريق لضاحي مائه حبك\rكما استغاث بسيء فز غيطلة ... خاف العيون فلم ينظر به الحشك\rفزل عنها وأوفى رأس مرقبة ... كمنصب العتر دمى رأسه النسك\rهلا سألت بني الصيداء كلهم ... بأي حبل جوار كنت أمتسك\rفلن يقولوا بحبل واهن خلق ... لو كان قومك في أسبابه هلكوا\rيا حار لا أرمين منكم بداهية ... لم يلقها سوقة قبلي ولا ملك\rفاردد يساراً لا تعف علي ولا ... تمعك بعرضك إن الغادر المعك\rولا تكونن كأقوام علمتهم ... يلوون ما عندهم حتى إذا نهكوا\rطابت نفوسهم عن حق خصمهم ... مخافة الشر فارتدوا لما تركوا\rتعلمن ها \"لعمر الله\" ذا قسما ... فاقدر بذرعك وانظر أين تنسلك\rلئن حللت بجو في بني أسد ... في دين غمرو وحالت بيننا فدك\rليأتينك مني منطق قذع ... باق كما دنس القبطية الودك\r- ٦ - وقال أيضاً:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855776,"book_id":1864,"shamela_page_id":52,"part":null,"page_num":52,"sequence_num":52,"body":"تعلم أن شر الناس حي ... ينادي في شعارهم يسار\rولولا عسبه لرددتموه ... وشر منيحة عسب معار\rإذا جمحت نساؤكم إليه ... أشظ كأنه مسد مغار\rيبربر حين يغدو من بعيد ... إليها وهو قبقاب قطار\rكطفل ظل يهدج من بعيد ... ضئيل الجسم يعلوه انبهار\rإذا أبزت به يوماً أهلت ... كما تبزى الصفائد والعشار\rفأبلغ إن عرضت لهم رسولا ... بني الصيداء إن نفع الجوار\rفإن الشعر ليس له مرد ... إذا ورد المياه به التجار\r- ٧ - وقال أيضاً:\rأبلف بني نوفل عني وقد بلغوا ... مني الحفيظة لما جاءني الخبر\rالقائلين يساراً لا تناظره ... غشاً لسيدهم في الأمر إذا أمروا\rإن ابن ورقاء لا تخشى غوائله ... لكن وقائعه في الحرب تنتظر\rلولا ابن ورقاء والمجد التليد له ... كانوا قليلاً فما عزوا ولا كثروا\rالمجد في غيرهم لولا مآثره ... وصبره نفسه والحرب تستعر\rأولى لهم ثم أولى أن تصيبهم ... مني بواقر لا تبقي ولا تذر\rوأن يعلل ركبان المطي بهم ... بكل قافية شنعاء تشتهر\r- ٨ - وقال أيضاً يمدح الحارث:\rأبلغ لديك بني الصيداء كلهم ... أن يساراً أتانا غير مغلول\rولا مهان ولكن عند ذي كرم ... وفي حبال وفي غير مجهول\rيعطي الجزيل ويسمو وهو متئد ... بالخيل والقوم في الرجراجة الجول\rوبالفوارس من ورقاء قد علموا ... فرسان صدق على جرد أبابيل\rفي حومة الموت إذ ثابت حلائبهم ... لا مقرفين، ولا عزل، ولا ميل\rفي ساطع من غيابات ومن رهج ... وعثير من دقاق الترب منخول\rأصحاب زند وأيام لهم سلفت ... من حاروا أعذبوا عنه بتنكيل\rأو صالحوا فله أمن ومنتفذ ... وعقد أهل وفاء غير مخذول\r- ٩ - وقال يمدح هرم بن سنان المري:\rقف بالديار التي لم يعفها القدم ... بلى وغيرها الأرواح والديم\rلا الدار غيرها بعدي الأنيس ولا ... بالدار لو كلمت ذا حاجة صمم\rدار لأسماء بالغمريز ماثلة ... كالوحي ليس بها من أهلها أرم\rوقد أراها حديثاً غير مقوية ... السر منها فوادي الجفر فالهدم\rفلا لكان إلى وادي الغمار، ولا ... شرقي سلمى، ولا قيد، ولا رهم\rشطت بهم قرقرى: برك بأيمنهم ... والعاليات، وعن أيسارهم خيم\rعوم السفين، فلما حال دونهم ... فند الفريات فالعتكان فالكرم\rكان عيني وقد سال السليل بهم ... وعبرة ما هم لو أنهم أمم!\rغرب على بكرة أو لؤلؤ قلق ... في السلك خان به رباته النظم\rعهدي بهم يوم باب القريتين ... زال الهماليج بالفرسان واللجم\rفاستبدلت بعدنا داراً يمانية ... ترعى الخريف فأدنى دارها ظلم\rإن البخيل ملوم حيث كان ول ... كن الجواد على علاته هرم\rهو الجواد الذي يعطيك نائله ... عفواً ويظلم أحياناً فيظلم\rوإن أتاه خليل يوم مسئلة ... يقول لا غاثب مالي ولا حرم\rالقائد الخيل منكوباً دوابرها ... منها الشنون ومنها الزاهق الزهم\rقد عوليت فهي مرفوع جواشنها ... على قوائم عوج لحمها زيم\rتنبذ أفلاءها في كل منزلة ... تفتح أعينها العقبان والرخم\rفهي تتلع بالأعناق يتبعها ... خلج الأجرة في أشداقها ضجم\rتخطو على ربذات غير فائرة ... تحذى وتعقد في أرساغها الخدم\rقد أبدأت قطفاً في المشي منشرة ال ... أكتاف تنكبها الحزان والأكم\rيهوى بها ماجد سمح خلائقه ... حتى إذا ما أناخ القوم فاحتزموا\rصدت صدوداً عن الأشوال واشترفت ... فبلا تقلقل في أعناقها الجذم\rكانوا فريقين يصغون الزجاج على ... قعس الكواهل في أكتافها شمم\rوآخرين ترى الماذي عدتهم ... من نسج داود أو ما أورثت إرم\rهم يضربون حبيك البيض إذ لحقوا ... لا ينكصون إذا ما استلحموا وحموا\rينظر فرسانهم أمر الرئيس وقد ... شد السروج على أثباجها الحزم\rيمرونها ساعة مرياً بأسوقهم ... حتى إذا ما بدا للغارة النعم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855777,"book_id":1864,"shamela_page_id":53,"part":null,"page_num":53,"sequence_num":53,"body":"شدوا جميعاً وكانت كلها نهزاً ... تحشك درتها الأرسان والجذم\rينزعن إمة أقوام لذي كرم ... بحر يفيض على العافين إذ عدموا\rحتى تآوى إلى لا فاحش برم ... ولا شحيح إذا أصحابه غنموا\rيقسم ثم يسوي القسم بينهم ... معتدل الحكم لا هار ولا هشم\rفضله فرق أقوام ومجده ... مالم ينالوا وإن جادوا وإن كرموا\rقود الجياد وإصهار الملوك وصبر ... في مواطن لو كانوا بها سئموا\rينزع إمة أقوام ذوي حسب ... مما ييسر أحياناً له الطعم\rومن ضريبته التقوى ويعصمه ... من سيئ العثرات الله والرحم\rمورث المجد لا يغتال همته ... عن الرياسة لا عجز ولا سأم\rكالهندواني لا يحزنك مشهده ... وسط السيوف إذا ما تضرب البهم\r- ١٠ - وقال زهير أيضاً يمدح هرما:\rلمن الديار بقنة الحجر ... أقوين من حجج ومن شهر؟\rلعب الزمان بها وغيرها ... بعدى سوافي المور والقطر\rقفراً بمندفع النحائت من ... ضفوى أولات الضال والسدر\rدع ذا وعد القول في هرم ... حير البداة وسيد الحضر\rتالله قد علمت سراة بني ... ذبيان عام الحبس والأصر\rأن نعم معترك الجياع إذا ... خب السفير وسابي الخمر\rولنعم حشو الدرع أنت إذا ... دعيت نزال ولج في الذعر\rحامي الذمار على محافظة ال ... جلى أمين مغيب الصدر\rحدب على المولى الضريك إذا ... نابت عليه نوائب الدهر\rومرهق النيران يحمد في ال ... لأواء غير معلن القدر\rويقيك ما وفى الأكارم من ... حوب تسب به ومن غدر\rوإذا برزت به برزت إلى ... صافي الخليقة طيب الخبر\rمتصرف للمجد معترف ... للنائبات يراح للذكر\rجلد يحث على الجميع إذا ... كره الظنون جوامع الأمر\rفلأنت تفرى ما خلقت وبع ... ض القوم يخلق ثم لا يفرى\rولانت أشجع حين تتجه ال ... أبطال من ليث أبي أجر\rورد عراض الساعدين حدي ... د الناب بين ضراغم غثر\rيصطاد أحدان الرجال فما ... تنفك أجريه على ذحر\rوالستر دون الفاحشات وما ... يلقاك دون الخير من ستر\rأثنى عليك بما علمت وما ... سلفت في النجدات والذكر\rلو كنت من شيء سوى بشر ... كنت المنور ليلة البدر\r- ١١ - وقال أيضاً:\rعفا من آل فاطمة الجواء ... فيمن فالقوادم الحساء\rفذو هاش فميث عريينات ... عفتها الريح بعدك والسماء\rفذروة فالجناب كأن خنس النعاج ... الطاويات بها الملاء\rيشمن بروقه ويرش أرى ال ... جنوب على حواجبها العماء\rفلما أن تحمل آل ليلى ... جرت بيني وبينهم ظباء\rجرت سنحاً فقلت لها أجيزي ... نوى مشمولة فمتى البقاء؟\rتحمل أهلها منها فبانوا ... على آثر من ذهب العفاء\rكأن أوابد الثيران فيها ... هجائن في مغابنها الطلاء\rلقد طالبتها ولكل شيء ... وإن طالت لجاجته انتهاء\rتنازعها المها شبهاً ودر الن ... حور وشاكهت فيها الظباء\rفأما ما فويق العقد منها ... فمن أدماء مرتعها الخلاء\rوأما المقلتان فمن مهاة ... وللدر الملاحة والصفاء\rفصرم حبلها إذ صرمته ... وعادى أن تلاقيها العداء\rبآرزة الفقارة لم يخنها ... قطاف في الركاب ولا خلاء\rكأن الرحل منها فوق صعل ... من الظلمان جؤجؤه هواء\rأصك مصلم الأذنين أجنى ... له بالسي تنوم وآء\rأذلك أم شتيم الوجه جأب ... عليه من عقيقته عفاء\rتربع صارة حتى إذا ما ... فنى الدحلان عنه والإضاء\rترفع للقنان وكل فج ... طباه الرعي منه والخلاء\rفأوردها حياض صنيبعات ... فألفاهن ليس بهن ماء\rفشج بها الأماعز فهي تهوى ... هوي الدلو أسلمها الرشاء\rفليس لحاقه كلحاق إلف ... ولا كنجائها منه نجاء\rوإن مالا لوعث خازمته ... بألواح مفاصلها ظماء\rيخر نبيذها عن حاجبيه ... فليس لوجهه منه غطاء\rيغرد بين خرم مفضيات ... صواف لم يكدرها الدلاء","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855778,"book_id":1864,"shamela_page_id":54,"part":null,"page_num":54,"sequence_num":54,"body":"يفضله إذا اجتهدا عليه ... تمام السن منه والذكاء\rكأن سحيله في كل فجر ... على أحساء يمئود دعاء\rفآض كأنه رجل سليب ... على علياء ليس له رداء\rكأن بريقه برقان سحل ... جلا عن متنه حرض وماء\rفليس بغافل عنها مضيع ... رعيته إذ غفل الرعاء\rوقد أغدو على ثبة كرام ... نشاوى واجدين لما نشاء\rلهم راح وراووق ومسك ... تعل به جلودهم وماء\rيجرون البرود قد تمشت ... حميا الكأس فيهم والغناء\rتمشى بين قتلى قد أصيبت ... نفوسهم ولم تغرق دماء\rوما أدرى وسوف إخال أدرى ... أقوم آل حصن أم نساء\rفإن قالوا: النساء مخبئات ... فحق لكل محصنة هداء\rوإما أن يقول بنو مصاد ... إليكم إننا قوم براء\rوإما أن يقولوا قد وفينا ... بذمتنا فعادتنا الوفاء\rوإما أن يقولوا قد أبينا ... فشر مواطن الحسب الإباء\rوإن الحق مقطعه ثلاث ... يمين أو نفار أو حلاء\rفذلكم مقاطع كل حق ... ثلاث كلهن شفاء\rفلا مستكرهون لما منعتم ... ولا تعطون إلا أن تشاءوا\rجوار شاهد عدل عليكم ... وسيان الكفالة والتلاء\rبأي الجيرتين أجرتموه ... فلم يصلح لكم إلا الأداء\rوجار شار معتمداً إليكم ... أجاءته المخافة والرجاء\rفجاور مكرماً حتى إذا ما ... دعاه الصف وانقطع الشتاء\rضمنتم ماله وغدا جميعاً ... عليكم نقصه وله النماء\rولولا أن ينال أبا طريف ... إسار من مليك أو لحاء\rلقد زارت بيوت عليم ... من الكلمات آنية ملاء\rفتجمع أيمن منا ومنكم ... بقسمة تمور بها الدماء\rسيأتي آل حصن حيث كانوا ... من المثلات باقية ثناء\rفلم أر معشراً أسروا هدياً ... ولم أر جاء بيت يستباء\rوجار البيت والرجل المنادي ... أمام الحي عقدهما سواء\rأبى الشهداء عندك من معد ... فليس لما تدب له خفاء\rتلجلج مضغة فيها أنيض ... أصلت فهي تحت الكشح داء\rغصصت بنيئها فبشمت منها ... وعندك لو أردت لها دواء\rوإني لو لقيتك فاجتمعنا ... لكان لكل مندية لقاء\rفأبرئ موضحات الرأس منه ... وقد يشفى من الجرب الهناء\rفمهلاً آل عبد الله عدوا ... مخازي لا يدب لها الضراء\rأرونا سنة لا عيب فيها ... يسوى بيننا فيها السواء\rفإن تدعوا السواء فليس بيني ... وبينكم بني حصن بقاء\rويبقى بيننا قدع وتلفوا ... إذن قوماً بأنفسهم أساءوا\rوتوقد ناركم شرراً ويرفع ... لكم في كل مجمعة لواء\r- ١٢ - وقال زهير أيضاً يمدح هرما:\rلمن طلل برامة لا يريم ... عفا وخلا له حقب قديم\rتحمل أهله منه فبانوا ... وفي عرصاته منهم رسوم\rيلحن كأنه يدا فتاة ... ترجع في معاصمها الوشوم\rعفا عن آل ليلى بطن ساق ... فأكثبة العجالز فالقصيم\rتطالعنا خيالات لسلمى ... كما يتطلع الدين الغريم\rلعمر أبيك ما هرم بن سلمى ... بملحي إذا اللؤماء ليموا\rولا ساهى الفؤاد ولاعبي ال ... لمسان إذا تشاجرت الخصوم\rوهو غبث لنا في كل عام ... يلوذ به المخول والعديم\rوعود قومه هرم عليه ... ومن عاداته الخلق الكريم\rكما قد كان عودهم أبوه ... إذا أزمتهم يوماً أزوم\rكبيرة مغرم أن يحملوها ... تهم الناس أو أمر عظيم\rلينجو من سلامتها وكانوا ... إذا شهدوا العظائم لم يليموا\rكذلك خيمهم ولكل قوم ... إذا مستهم الضراء خيم\rوإن سدت به لهوات ثغر ... يشار إليه جانبه سقيم\rمخوف بأسه يكلاك منه ... عتيق لا ألف ولا سئوم\rله في الذاهبين أروم صدق ... وكان لكل ذي حسب أروم\r- ١٣ - وقال أيضاً:\rألا أبلغ لديك بني تميم ... وقد تأتيك بالخبر الظنون\rبأن بيوتنا بمحل حجر ... بكل قرارة منها نكون\rإلى قلهى تكون الدار منا ... إلى أكتاف دومة فالجحون\rبأودية أسافلهن روض ... وأعلاها إذا خفنا حصون\rنحل بسهلها فإذا فزعنا ... جرى منهن بالأصلاء عون","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855779,"book_id":1864,"shamela_page_id":55,"part":null,"page_num":55,"sequence_num":55,"body":"وكل طوالة وأقب نهد ... مراً كلها من النعداء جون\rتصمر بالأصائل كل يوم ... تسن على سنابكها القرون\rوكانت تشتكي الأضغان منها ال ... لجون الخب واللحج الحرون\rوخرجها صوارخ كل يوم ... فقد جعلت عرائكها تلين\rوعزتها كواهلها وكلت ... سنابكها وقدحت العيون\rإذا رفع السياط لها تمطت ... وذلك من علالتها متين\rومرجعها إذا نحن انقلبنا ... نسيف البقل واللبن الحقين\rفقري في بلادك إن قوماً ... متى يدعوا بلادهم يهونوا\rأو انتجعي سناناً حيث أمسى ... فإن الغيث منتجع معين\rمتى تأتيه تأتي لج بحر ... تقاذف في غواربه السفين\rله لقب لباغي الخير سهل ... وكيد حين تبلوه متين\r- ١٤ - وقال أيضاً:\rرأيت بني آل امرئ القيس أصفقوا ... علينا وقالوا: إننا نحن أكثر\rسليم بن منصور وأفناه عامر ... وسعد بن بكر والنصور وأعصر\rخذوا حظكم يا آل عكرم واذكروا ... أواصرنا والرحم بالغيب تذكر\rخذوا حظكم من ودنا إن قربنا ... إذا ضرستنا الحرب نار تسعر\rوإنا وإياكم إلى ما تسومكم ... لمثلان أو أنتم إلى الصلح أفقر\rإذا ما سمعنا صارخاً معجت بنا ... إلى صوته ورق المراكل ضمر\rوإن شل ريعان الجميع مخافة ... نقول جهاراً ويلكم لا تنفروا\rعلى رسلكم إنا سنعدي وراءكم ... فتمنعكم أرماحنا أو سنعذر\rوإلا فإنا بالشر به فاللوى ... نعقر أمات الرباع ونيسر\r- ١٥ - وقال أيضاً:\rلعمرك والخطوب مغيرات ... وفي طول المعاشرة التقالي\rلقد باليت مظعن أم أوفى ... ولكن أم أوفى لا تبالي\r- ١٦ - وقال أيضاً:\rإن الرزية لا رزية مثلها ... ما تبتغي غطفان يوم أضلت\rإن الركاب لتبتغي ذا مرة ... بجنوب نخل إذا الشهور أحلت\rينعون خير الناس عند كريهة ... عظمت رزيتهم هناك وجلت\rولنعم حشو الدرع كان إذا سطا ... نهلت من العلق الرماح وعلت\r- ١٧ - وقال زهير أيضاً:\rألا ليت شعري هل ترى الناس ما أرى ... من الأمر أو يبدو لهم ما بدا ليا\rبدا لي أن الله حق فزادني ... إلى الحق تقوى الله ما كان باديا\rبدا لي أن الناس تفنى نفوسهم ... وأموالهم ولا أرى الدهر فانيا\rوإني متى أهبط من الأرض تلعة ... أجد أثراً قبلي جديداً وعافيا\rأراني إذا ما بت بت على هوى ... وأني إذا أصبحت أصبحت غاديا\rإلى حفرة أهدى إليها مقيمة ... يحث إليها سائق من ورائيا\rكأني وقد خلفت تسعين حجة ... خلعت بها عن منكبي ردائيا\rبدا لي أني لست مدرك ما مضى ... ولا سابقي شيء إذا كان جاثيا\rأراني إذا ما شئت لاقيت آية ... تذكرني بعض الذي كنت ناسيا\rوما إن أرى نفسي تقيها كريهتي ... وما إن تقي نفسي كرائم ماليا\rألا لا أرى على الحوادث باقيا ... ولا خالداً إلا الجبال الرواسيا\rوإلا السماء والبلاد وربنا ... وأيامنا معدودة واللياليا\rألم تر أن الله أهلك تبعاً ... وأهلك لقمان بن عاد وعاديا\rوأهلك ذا القرنين من قبل ما ترى ... وفرعون جباراً طغى والنجاشيا\rألا لا أرى ذا أمة أصبحت به ... فتتركه الأيام وهي كما هيا\rألم تر للعمان كان بنجوة ... من الشر لو أن امرأ كان ناجيا\rفغير منه ملك عشرين حجة ... من الدهر يوم واحد كان غاويا\rلم أر مسلوباً له مثل ملكه ... أقل صديقاً باذلاً أو مؤاسيا\rفأين الذين كان يغطى جياده ... بأرسائهن والحسان الغواليا\rوأين الذين كان يعطيهم القرى ... بغلاتهن والمئين الغواديا\rوأين الذين يحضرون جفانه ... إذا قدمت ألقوا عليها المراسيا\rرأيتهم لم يشركوا بنفوسهم ... منيته لما رأوا أنها هيا\rخلا أن حياً من رواحة حافظوا ... وكانوا أناساً يتقون المخازيا\rفساروا له حتى أناخوا ببابه ... كرام المطايا والهجان المتاليا\rفقال لهم خيراً وأثنى عليهم ... وودعهم وداع أن لا تلاقيا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855780,"book_id":1864,"shamela_page_id":56,"part":null,"page_num":56,"sequence_num":56,"body":"وأجمع أمراً كان ما بعده له ... وكان إذا ما اخلولج الأمر ماضيا\r- ١٨ - وقال زهير أيضاً لأم ولده كعب:\rقالت أم كعب لا تزرني ... فلا والله مالك من مزار\rرأيتك عبتني وصددت عني ... فكيف عليك صبري واصطباري\rفلم أفسد بنبك ولم أقرب ... إليك من الملمات الكبار\rأقيمي أم كعب واطمئني ... فإنك ما أقمت بخير دار\r- ١٩ - وقال زهير يمدح هرم بن سنان أيضاً عن أبي عمرو المفضل:\rخشيت دياراً بالبقيع فثهمد ... دوارس قد أقوين من أم معبد\rأربت بها الأرواح كل عشية ... فلم يبق إلا آل خيم منضد\rوغير ثلاث كالحمام خوالد ... وهاب محيل هامد متلبد\rفلما رأيت أنها لا تجيبني ... نهضت إلى وجناء كالفحل جلعد\rجمالية لم يبق سيري ورحلتي ... على ظهرها من نيها غير محفد\rمتى ما تكلفها مآبة منهل ... فتستعف أو تنهك إليه فتجهد\rبرده ولما يخرج السوط شأوها ... مروحاً جنوح الليل ناجية الغد\rكهمك إن تجهد تجدها نجيحة ... صبوراً وإن تسترخ عنها تزيد\rوتنضح ذفراها بجون كأنه ... عصيم كحيل في المراجل معقد\rوتلوى بربان العسيب تمره ... على فرج محروم الشراب مجدد\rتبادر أغوال العشي وتاتقي ... علالة ملوي من القد مخصد\rكخنساء سفعاء الملاطم حرة ... مسافرة مزؤودة أم فرقد\rغدت بسلاح مثله يتقى به ... ويؤمن جأش الخائف المتوحد\rوسامعتين تعرف العتق فيهما ... إلى جذر مدلوك الكعوب محدد\rوناظرتين تطرحان قذاهما ... كأنهما مكحولتان بإثمد\rطباها ضحاء أو خلاء فحالفت ... إلي السباع في كناس ومرقد\rأضاعت فلم تغفر لها خلونها ... فلاقت بياناً عند آخر معهد\rدماً عند شلو تخجل الطير حوله ... وبضع لحام في إهاب مقدد\rوتنفض عنها غيب كل خميلة ... ونخشى رماة الغوث من كل مرصد\rفجالت على وحشيها وكأنها ... مسربلة في رزاقى معضد\rولم تدر وشك البين حتى رأتهم ... وقد قعدوا أنفاقها كل مقعد\rوثاروا بها من جانبيها كليهما ... وحالت وإن تجشمنها الشد تجهد\rتبذ الألى يأتينها من ورائها ... وإن تتقدمها السوابق تصطد\rفأنقذها من غمرة الموت أنها ... رأت أنها إن تنظر النبل تقصد\rنجاء مجد ليس فيه وتيرة ... وتذيبها عنها بأسحم مذود\rوجدت فألقت بينهن وبينها ... غباراً كما فارت دواخن غرقد\rبملتئمات كالخذاريف قوبلت ... إلى جوشن خاطى الطريقة مسند\rإلى هرم تهجيرها ووسيجها ... تروح من الليل التمام وتغتدي\rإلى هرم سارت ثلاثاً من اللوى ... فنعم مسير الواثق المتعمد\rسواء عليه أي حين أتيته ... أساعة نحس يتقي أم بأسعد\rأليس بضراب الكماة بسيفه ... وفكاك أغلال الأسير المقيد\rكليث أبي شبلين يحمي عرينه ... إذا هو لاقى نجدة لم يعرد\rومدره حرب حميها يتقى به ... شديد الرجام باللسان وباليد\rوثقل على الأعداء لا يضونه ... وحمال أثقال ومأوى المطرد\rأليس بفياض يداه عمامة ... ثمال اليتامى في السنين محمد\rإذا ابتدرت قيس بن عيلان غاية ... من المجد من يسبق إليها يسود\rسبقت إليها كل طلق مبرز ... سبوق إلى الغايات غير مجلد\rكفضل جواد الخيل يسبق عفوه ال ... راع وإن يجهدن يجهد ويبعد\rتقي نقي لم يكثر غنيمة ... بنهكة ذي القربى ولا بحقلد\rسوى ربع لم يأت فيه مخونة ... ولا رهقاً من عائذ متهود\rيطيب له أو افتراض بسيفه ... على دهش في عارض متوقد\rفلو كان حمد يخلد الناس لم تمت ... ولكن حمد الناس ليس بمخلد\rولكن منه باقيات وراثة ... فأورث بنيك بعضها وتزود\rتزود إلى يوم الممات فإنه ... ولو كرهته النفس آخر موعد\r- ٢٠ - وقال يمدح سنان بن أبي حارثة:\rأمن آل ليلى عرفت الطلولا ... بذي حرض ماثلات مثولا\rبلين وتحسب آياته ... ن عن فرط حولين رقاً محيلا\rإليك سنان الغداة الرحي ... ل أعصى النهاة وأمضى الفئولا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855781,"book_id":1864,"shamela_page_id":57,"part":null,"page_num":57,"sequence_num":57,"body":"فلا تأمني غزو أفراسه ... بني وائل وازهبيه جديلا\rوكيف اتقاء امرئ لا يئو ... ب بالقوم في الغزو حتى يطيلا\rبشعث معطلة كالقسي ... غزون مخاضاً وأدين حولا\rنواشز أطباق أعناقها ... وضمرها قافلات قفولا\rوإذا أدلجوا لحوال الغوا ... ر لم تلف في القوم نكساً ضئيلا\rولكن جلداً جميع السلا ... ح ليلة ذلك عضاً بسيلا\rفلما تبلج ما فوقه ... أناخ فشن عليه الشليلا\rوضاعف من فوقها نثرة ... يرد القواضب عنها فلولا\rمضاعفة كأضاة المسي ... ل تغشى على قدميه فضولا\rفنهنهها ساعة ثم قا ... ل للوازعين خلوا السبيلا\rفأتبعهم فيلقاً كالسراب ... جأواء تتبع شخباً ثعولا\rعناجيج في كل رهو ترى ... رعالاً سراعاً تبارى رعيلا\rجوانح يخلجن الظبا ... ء يركضن ميلاً وينزعن ميلا\rفظل قصيراً على صحبه ... وظل على القوم يوماً طويلا\r@طرفة بن العبد\rترجمته والمختار من شعره\rطرفة الشاعر الشاب ٥٤٠ - ٥٦٥ م\rترجمة الشاعر\rتمهيد\rطرفة شاعر صاحب شخصية واضحة في شعره، وصاحب مذهب واضح في حياته، وداعية من دعاة اللهو واللذة والعبث، وشاب جمع إلى فتوة الشاب وطيشه حكمة الشيوخ وتفكيرهم، ويعجب النقاد والمستشرقون به وبشخصيته وشعره إعجاباً شديداً؛ وشعره صورة واضحة لحياته كل الوضوح، بما كان فيها من مطامح وآمال وآلام وأحداث.\r\rأسرة الشاعر وبيئته\r١ - وطرفة شاعر فحل من أعلام الشعر الجاهلي، وهو من ربيعة من بكر بن وائل إحدى قبيلتيها العظيمتين المشهورتين - وهما بكر وتغلب - فهو بكري ربعي.\rوربيعة أخت مضر في الشرف والسيادة وضخامة الحسب والقوة والعدد. وبكر أخت تغلب في المجد والجاه والعزة والأنفة، وهما جميعاً من ربيعة. ومن شعراء بكر: الحارث بن حلزة الشاعر الجاهلي المشهور والمعدود من أصحاب المعلقات، وتوفي أواخر القرن السادس الميلادي، ومنهم المرقش الأكبر والمرقش الأصغر.\rذلك هو نسب الشاعر بين العرب وحسبه، أما أسرته القريبة فهي سعد بن مالك من بني قيس. إذ هو طرفة بن العبد بن سفيان بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة من بكر بن وائل من ربيعة بن نزار من عدنان الجد الأعلى للعرب الحجازيين العدنانيين كما علمت.. واسم طرفة عمرو، وكنيته أبو عمرو.\r٢ - كان قومه في عزة ومنعة بعددهم وحسبهم وشرفهم ومكانتهم بين العرب وكان جده سفيان موصوفاً بالشرف والرئاسة، وكان أبو شاباً قوياً ظاهر الفتوة والجرأة والإقدام، مات وطرفة طفل صغير. وترك غير طرفة ابناً آخر اسمه معبد ورد ذكره في معلقة طرفة:\rإذا مت فانعيني بما أنا أهله ... وشقي على الجيب يا ابنة معبد\rوأم طرفة اسمها وردة، وورد ذكرها في شعره، قال:\rما تنظرون بحق وردة فيكمو ... صغر البنون ورهط وردة غيب\rولا نعلم من أمر وردة هذه شيئاً آخر غير هذا البيت، ولكننا نعرف أن المتلمس الشاعر خال طرفة، فهو غالباً أخو وردة لأمه وأبيه، وتكون هي بنت عبد المسيح من بني ضبيعة من بكر من ربيعة من عدنان، فصلة القرابة واضحة بين أسرتي والدته وأبيه.\r٣ - كان طرفة وقومه يعيشون في البحرين، وهي واقعة في شرق الجزيرة العربية وتمتد من عمان إلى حدود العراق، ومن أشهر مدنها هجر التي ضرب المثل بكثرة تمرها، فقالوا: \"كناقل التمر إلى هجر\"، ومن مدنها كذلك \"قطر\" كان يسكن البحرين قبائل كثيرة من العرب، وجوها جميل معتدل نوعاً لقربها من البحر، وهي قريبة من الحيرة وكانت تخضع لنفوذها.. والقبائل التي تعيش فيها والشعراء الذين نشأوا في أرضها لهم صلات واضحة بملوك الحيرة الذين يخضعون لنفوذ أكاسرة الفرس وسلطانهم.\rوهذه البقعة من أرض الجزيرة العربية قريبة من العراق وإيران، يمر بها الكثير من المسافرين بين هذه البلاد، وهي خاضعة للحيرة، والحيرة ملتقى الأفكار والديانات والمذاهب المختلفة، وتعيش في ظلال قسط من الحضارة، والنصرانية منتشرة فيها، فلابد أن يكون لكل هذه العوامل الظاهرة أثرها في عقلية أبنائها وتفكيرهم في الحياة، وفي عقلية وتفكير شاعرنا طرفة بوجه خاص.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855782,"book_id":1864,"shamela_page_id":58,"part":null,"page_num":58,"sequence_num":58,"body":"٤ - ولا يفوتنا أن نذكر أن المرقش الأصغر والمرقش الأكبر من أسرة طرفة الشاعر. فالمرقش الأصغر ٥٦٠ م عم طرفة. والمرقش الأكبر ٥٥٢ م عم المرقش الأصغر.\rومن أقارب طرفة خاله المتلمس ٥٨٠ م. ويعد من الطبقة الثانية عند بعض النقاد، وله قصيدة سينية في الجمهرة وقد نظمها بعد قتل ابن أخته طرفة يوقظ فيها بكراً ويدعوها إلى الانتقام من عمرو بن هند ملك الحيرة، ويقول فيها:\rيا آل بكر ألا لله أمكمو ... طال الثواء وثوب العجز ملبوس\rأغنيت شاتي فأغنوا اليوم تيسكمو ... واستحمقوا في مراس الحرب أو كيسوا\rوتتصل حياة المتلمس بحياة طرفة اتصالاً وثيقاً، كما سترى فيما نقصه عليك في القريب. وترجم له ابن قتيبة.\rويقول صاحب الأغاني عنه: \"وهو من شعراء الجاهلية المغلين المفلسين ويرى صاحب \"الأدب الجاهلي\" على مذهبه من إنكار الشعر الجاهلي أن شعر المتلمس \"مخترع منحول\"، وأنه قد يكون المتلمس نفسه أيضاً شخصاً روائياً مخترعاً وهو رأي غريب.\r\rنشأة الشاعر وحياته\r١ - لا ندري متى ولد طرفة على وجه التحديد. وإن كان قد أدرك عهد عمرو بن هند ملك الحيرة، وأمر عمرو بقتله في أوائل حكمه، وقد حقق بعض المؤرخين والمستشرقين أن عمرو بن المنذر الثالث المشهور بابن هند تولى ملك الحيرة عام ٥٦٢ م، فإذا كان طرفة قد قتل في مطلع حكمه، فيكون تاريخ موته نحو عام ٥٦٥ م، وإن كان جورجي زيدان يذكر أن وفاته سنة ٥٥٠ م.\rوقد قتل طرفة وهو شاب صغير في العشرين أو الخامسة والعشرين أو السادسة والعشرين من عمره على اختلاف الروايات، إذ تقول أخته الخرنق تبكيه:\rعددنا له ستاً وعشرين حجة ... فلما وتوفاها استوى سيدا ضخما\rفجعنا به لما رجونا إبابه ... على خير حال، لا وليدا ولا قحما\rفيكون ميلاد طرفة نحو عام ٥٤٠ ميلادية وتكون حياته على الراجح من سنة ٥٤٠ إلى ٥٦٥ م. ويجعل باحث آخر ميلاده عام ٥٣٨ م، والرأيان متقاربان.\r٢ - نشأ طرفة في هذه البيئة العامة من بلاده، وتلك البيئة الخاصة من أسرته وحسنها، يجول ببصره في هذه الفيافي المترامية القبح ومشاهدها، ويصعد بفكره في هذه الحياة البدوية، وما خالطها من أفكار وأديان ومبادئ ليفهمها ويتمثلها، وأخذ يعيش بين حسب كريم وعدد كثير وحمية ظاهرة. ولكنه فوجئ وهو طفل صغير بوفاة والده، فكان لذلك أثره البليغ في نفسه وحياته، فكفله أعمامه وقاموا بواجب تربيته.\rوبعثت بيئته وحياته ووراثته مواهب الشاعرية في نفسه، فنظم الشعر وهو صغير، يصف فيه مناظر الصحراء وألوان حياته فيها، ولذاته منها، وما يجده من قومه من تقصير في حق رعايته، ويشيد فيه بمجد قومه وأحسابهم، ويذود عن شرفهم وحياضهم ويهجو خصومه وخصومهم.\rوكان ليتمه أثره الواضح فيه منذ حداثته فشب متوقد الذهن، مضطرم الشعور، حاد العاطفة سريع التأثر والغضب قوي الفطرة، صادق النظر يفزع إلى هجاء من يشعر منه بتقصير نحوه كما كان لحسبه ومجد قومه أثره في اعتزازه بنفسه، وتمجيده لشخصيته، وحبه الظهور بمظهر البطل الشجاع والشاب المقدام.\rوأول شعر قاله هو هذه الأبيات التي أنشدها حين وجد أعمامه يظلمونه ويغتصبون حقاً لوردة أمه إذ أبوا أن يقسموا مال أبيه، ومنعوا حق أمه منه فثارت نفسه واشتعلت شاعريته، وقال:\rما تنظرون بحق وردة فيكم ... صغر البنون ورهط وردة غيب\rقد يبعث الأمر العظيم صغيره ... حتى تظل له الدماء تصبب\rوالظلم فرق بين حي وائل ... بكر تساقبها المنايا تغلب\rإلى أن قال:\rأدوا الحقوق تفر لكم أعراضكم ... إن الكريم إذا يحرب يغضب\r٤ - وأخذ الشعر يميل إلى اللهو ويسرف فيه ويعتنق البطالة والدعة والعبث ويهجو قومه وسواهم، ويسير وفق رغبات نفسه ونوازعها. ويذهب إلى حوانيت الخمر ويشربها مع نداماه وأصدقاء لهوه. فأخذ أهله يلومونه وينصحونه ويعاتبونه، حتى ضاق بعتابهم، فاقتاد راحلته يسير متنقلاً بين القبائل والأحياء.\rسار إلى اليمامة وأناخ راحلته بفناء قتادة بن سلمة الحنفي فمدحه بقصيدة، ذكر فيها طرفة إسراف ابن عمه عبد عمرو في تنقصه وشتمه، ثم افتخر بنفسه، وخلص إلى مدح قتادة، وذكر ما كان من صنيعه مع قومه حين أتوه في قحط أصابهم فأكرم وفادتهم وبذل لهم من ماله وأكرم مثواهم ورفدهم، قال:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855783,"book_id":1864,"shamela_page_id":59,"part":null,"page_num":59,"sequence_num":59,"body":"إن امرأ سرف الفؤاد يرى ... عسلاً بماء سحابة شتمي\rوأنا امرؤ ألوي من القص ... ر البادي وأغشى الدهم بالدهم\rوأصيب شاكله الرمية إن ... صدت بصفحتها عن السهم\rإلى أن قال:\rأبلغ قتادة غير سائله ... من الثواب وعاجل الشكم\rإني حمدتك للعشيرة إذ ... جاءت إليك مرقتة العظم\rففتحت بابك للمكارم حين ... تواصت الأبواب بالأزم\rفسقى بلادك غير مفسدها ... صوب الربيع وديمه تهمي\rوتعيره حبيبته لسيره في البلاد وتنقله فيها بعيداً عن أهله وبلاده فيقول:\rتعير سيري في البلاد ورحلتي ... ألا رب دار لي سوى حر دارك\rوليس امرؤ أفنى الشباب مجاورا ... سوى حبه إلا كآخر هالك\rألا رب يوم لو سقمت لعادني ... نساء كرام من حي ومالك\rوطال تنقله في البلاد فذهب إلى اليمن، ثم رحل منها إلى النجاشي في الحبشة، وقال في اطراده إلى النجاشي قصيدته: لخولة بالأجزاع من إضم طلل.\rولم فزعته الغربة وحرق قلبه الحنين إلى أهله وبلده، عاد إلى الموطن الذي هجره، فأمده أخوه \"معبد\" بمال من ماله، ولكنه أتلفه في لذاته ولهوه وعبثه.\r٤ - ثم قصد أملاً في إصلاح حاله ملك الحيرة عمرو بن المنذر الثالث الذي يلقب باسم أمه حتى اشتهر بعمرو بن هند، وتولى ملك الحيرة عام ٥٥٤ م كما يقول البعض، أو عام ٥٦٢، أو ٥٦٣ كما يرجح آخرون. وكان الشعراء يرحلون إليه وينشدونه قصائدهم في مدحه فيجزل لهم العطاء. فوفد عليه طرفة مع خاله المتلمس فأحسن وفادتهما وجعلهما في حاشية أخيه قابوس بن المنذر وكان مرشحاً للملك بعده، وكان شاباً يميل إلى اللهو والترف، ويخرج إلى الصيد، فكان يخرج معه طرفة إذا خرج وينادمه على الشراب، وهكذا اطمأن به الحال، واستقرت حياته بعض الاستقرار. ولكن طرفة الشاعر لم يرضه أن يكون تابعاً لأحد، أو أن يشعر بأنه أقل شرفاً ومجداً من إنسان.\r٥ - طرفة وابن عمه عبد عمرو: كان عبد عمرو بن بشر بن مرثد بن سعد بن مالك زوجاً للخرنق أخت طرفة، وكان عبد عمرو سيداً كريماً شجاعاً مطاعاً في قومه، ظاهر الثراء والقوة والفتوة، وكان من أجمل العرب، كما كان أثيراً رفيع المنزلة عند عمرو بن هند يداعيه وينادمه، وسيد أهل زمانه كما يقولون.\rفجاءت أخت طرفة تشكو إليه شيئاً من أمر زوجها، فغضب الشاعر وهجاه بعد ذلك بقصيدته:\rأيا عجبا من عبد عمرو وبغيه ... لقد رام ظلمي عبد عمرو فأنعما\rولا خير فيه غير أن له عني ... وأن له كشحا إذا قام أهضما\rيظل نساء الحي يعكفن حوله ... يقلن: عسيب من سرارة ملهما\rوبدأت الخصمة والشحناء بين الشاعر وابن عمه، وفيه أيضاً يقول من قصيدة له:\rألا أبلغ عبد الضلال رسالة ... وقد يبلغ الأنباء عنك رسول\rدببت بسري بعد ما قد علمته ... وأنت بأسرار الكرام نسول\rوكيف تضل القصد والحق واضح ... وللحق بين الصالحين سبيل\rومنها:\rوأعلم علماً ليس بالظن أنه ... إذا ذل مولى المرء فهو ذليل\rوإن لسان المرء ما لم تكن له ... حصاة على عوارته لدليل\rقتل طرفة: ١ - كان ملك الحيرة عمرو بن هند جباراً عنيداً متكبراً، لا يرى في الناس من يدانيه شرفاً ومجداً، وكان له يوم بؤس ويوم نعيم كل سنة، يركب يوم بؤسه فيقتل أول من يلقاه، وفي يوم نعيمه يقف الناس ببابه فإن اشتهى حديث رجل أذن له فأصاب مجداً ومالاً وملك ثلاثاً وخمسين سنة، وكان العرب تهابه هيبة شديدة، وكان أخوه قابوس ولي عهده جباراً متكبراً مستبداً كذلك. ولم يرض طرفة الشاعر عن طغيانهما واستبدادهما وكبريائهما، فنظم قصيدة يهجوهما بها، وهي طويلة.. ومنها:\rفليت لنا مكان الملك عمرو ... رغوثا حول قبتنا تخور\rلعمرك إن قابوس بن هند ... ليخلط ملكه نوك كثير\rومنها:\rولما أن أنخت إلى مليك ... مساكنه الخورنق والسدير\rلينجزني مواعد كاذبات ... بطي صحيفة فيها غرور\rفأوعدني فأخلف ثم ظني ... وبئس خليقة الملك الفجور\rوتمادى طرفة في هجاء عمرو بن هند وأسرته. ومما هجاه به قوله:\rولا خير فيه غير أن له غنى ... وأن له كشحا إذا قام أهضمها","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855784,"book_id":1864,"shamela_page_id":60,"part":null,"page_num":60,"sequence_num":60,"body":"تظل نساء الحي يعكفن حوله ... يقلن عسيب من سرارة ملهما\r٢ - وبلغ ذلك عمرو بن هند فامتلأ حقداً وغضباً على طرفة وأضمر له الشر.\rقالوا: إن الذي نقل إليه أهاجي طرفة فيه هو عبد عمرو ابن عمر الشاعر، فثارت حفيظة الملك عليه، ولكنه كره العجلة عليه لمكان قومه فتظاهر بالرضا عن طرفة والتنويه به وبشعره، حتى أمن الشاعر ولم يخفه على نفسه وظن أنه قد رضي، فقدم طرفة والمتلمس على عمرو بن هند يتعرضان لفضله ومعروفه وكان المتلمس أيضاً قد هجا عمرو بن هند الملك في قصيدة من شعره، وكان في نفس الملك موجدة عليه يكتمها عنه كذلك.\rأظهر عمرو بن هند الاحتفاء بالشاعرين، وتلطف معهما تلطفاً جميلاً وكتب لكل منهما كتابا إلى عامله بالبحرين وأوهمهما أنه أمر لهما بعطاء كثير سيدفعه إليهما هذا العامل عندما يتوجهان إليه بهجر، وقال لهما: انطلقا إليه فخذا جوائزكما منه، وكان قد أعطاهما هدية من عنده وحملهما.\rولعل إيثاره لهذا الأسلوب في الانتقام من الشاعرين لخوفه من قبيلتهما - بكر - حتى لا يرمى الملك بقتلهما، أو بمثابة الرد على قول طرفة في هجائه:\rلينجزني مواعد كاذبات ... بطي صحيفة فيها غرور\rكان مكتوباً في صحيفة المتلمس: \"باسمك اللهم، من عمرو بن هند إلى المكعبر: إذا جاءك كتابي هذا مع المتلمس فاقطع يديه ورجليه وادفنه حياً\"، وكذلك كانت صحيفة طرفة.\rوخرج الشاعران من بلاط الملك، فلما وصلا النجف قال المتلمس: يا طرفة إنك غلام حديث السن، والملك من عرفت حقده وغدره، وكلانا قد هجاه فلست آمنا أن يكون قد أمر بشر، فهلم فلننظر في كتبنا هذه، فإن يكن قد أمر لنا بخير مضينا فيه، وإن تكن الأخرى لم نهلك أنفسنا، فأبى طرفة أن يفك خاتم الملك، وعدل المتلمس إلى غلام من غلمان الحيرة عبادي، فأعطاه الصحيفة ليقرأها، والغلام لا يعرف المتلمس ولا من كتب الصحيفة، فقرأها فقال: ثكلت المتلمس أمه، فانتزع المتلمس الصحيفة من يده، واتبع طرفة فلم يلحقه.\r٣ - ألقى المتلمس الصحيفة في نهر الحيرة، وسار هارباً إلى الشام وهو يقول:\rوألقيتها بالشنى من جنب كافر ... كذلك أقنو كل قط مضلل\rرضيت لها بالماء لما رأيتها ... يجول بها التيار في كل جدول\rوأخيراً استقر به المقام عند بني غسان فأكرموا وفادته، وأخذ الشاعر يهجو ملوك الحيرة وبني المنذر، فشق ذلك على عمرو بن هند، وكان بنو غسان قد قتلوا أباه يوم \"أباغ\" فحلف ألا يدخل المتلمس العراق ولا يطعم بها حتى يموت، وكتب إلى عماله بنواحي الريف يأمرهم أن يأخذوا المتلمس إن قدروا عليه وهو يمتار طعاماً أو يدخل الريف، وفي ذلك يقول المتلمس يحرض قومه بعد قتل طرفة:\rيا آل بكر ألا لله دركمو ... طال الثواء وثوب العجز ملبوس\rومنها:\rآليت حب العراق الدهر أطعمه ... والحب يأكله في القرية السوس\rوقال:\rأيها السائلي فإني غريب ... نازح عن محلتي وصميمي\rوقال:\rإن العراق وأهله كانوا الهوى ... فإذا نآنا ودهم فليبعدوا\rومات ببصرى بأرض الشام نحو عام ٥٨٠ م.\r٤ - وأما طرفة فقد سار حتى قدم على عامل البحرين ربيعة بن الحرث العبدي على الأرجح بهجر، فدفع إليه كتاب عمرو بن هند فقرأه فقال: هل تعلم يا طرفة ما أمرت به؟ قال: نعم، أمرت أن تجيرني وتحسن إلي. فقال: يا طرفة بيني وبينك خؤولة أنا لها راع حافظ فاهرب في ليلتك هذه فإني قد أمرت بقتلك، فاخرج قبل أن تصبح ويعلم بك الناس. فقال طرفة: اشتدت عليك جائزتي فأردت أن أهرب؟ فسكت ربيعة، وأصبح الصباح فأمر بحبسه ولم يقتله، وكتب إلى عمرو بن هند ابعث إلى عملك من تريد فإني غير قاتله، فبعث عمرو بن هند رجلاً من تغلب فاستعمله على البحرين وأمره بقتل طرفة وربيعة بن الحارث العبدي، فاجتمعت بكر تريد الفتك بالعامل الجديد، ولكنها لم تستطع، وجيء بطرفة إليه فقال له: إني قاتلك لا محالة فاختر لنفسك ميتة تهواها. فقال: إن كان ولابد فاسقني الخمر وافصدني. ففعل به ذلك، فما زال ينزف دمه حتى مات.\rقال صاحب الجمهرة ٢١٥ هـ وقبر طرفة اليوم معروف بهجر بأرض لبنى قيس بن ثعلبة، ويروى أنه قال قبل صلبه:\rفمن مبلغ أحياء بكر بن وائل ... بأن ابن عبد راكب غير راجل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855785,"book_id":1864,"shamela_page_id":61,"part":null,"page_num":61,"sequence_num":61,"body":"على ناقة لم يركب الفحل ظهرها ... مدببة أطرافها بالمناجل\rوقال أيضاً:\rلعمرك ما تدري الطوارق بالحا ... ولا زاجرات الطير ما الله فاعل\rوهكذا انتهت حياة هذا الشاعر الشاب طرفة، وودع الدنيا وداع الناقم عليها، الساخط من ظلمها وآلامها، وكان قتله نحو عام ٥٦٥ م.\r٦ - ورثت الخرنق أخاها طرفة وبكته بكاء شديدا، وهجت عبد عمرو الذي وشى به إلى الملك عمرو بن هند فقالت:\rألا ثكلتك أمك عبد عمرو ... أبا الخزيات وأخيت الملوكا\rفيومك عند زانية هلوك ... تظل لرجع مزهرها ضحوكا\rوقال المتلمس يحرض قوم طرفة:\rأبني \"قلابة\" لم تكن عاداتكم ... خذ لدنية قبل خطة معضد\rوقال:\rمن مبلغ الشعراء عن أخويهم ... خبرا فتصدقهم بذاك الأنفس\rأودى الذي علق الصحيفة منهم ... ونجا حذار حبائه المتلمس\rالق الصحيفة لا أبا لك إنه ... يخشى عليك من الحباء النقرس\rشعر طرفة\rأهم الدراسات عن طرفة وشعره\rوالدراسات عن طرفة كثيرة، ولكنها لا تزال غامضة.\r١ - ذكره ابن سلام ٢٣١هـ في كتابه \"طبقات الشعراء\".\r٢ - وترجم له ابن قتيبة ٢٧٦ هـ في الشعر والشعراء ترجمة صغيرة جداً.\r٣ - وذكر بعض أخباره أبو زيد الأنصاري ٢١٥ هـ في كتابه جمهرة أشعار العرب.\r٤ - وذكر أبو الفرج بعض أخباره في الأغاني في ترجمته للمتلمس وفي مواضع أخرى.\r٥ - وشرح الزوزني معلقته في كتابه \"شرح المعلقات السبع\" كما شرحها النعساني في كتابه \"نهاية الأرب في شرح معلقات العرب\" وقد ذكر كل منهما تصديراً للمعلقة ضمنه بعض أخباره، ورواها صاحب الجمهرة. وقد طبعها العلامة \"وليرس\" في مدينة بونا ١٨٢٩ م.\r٦ - وطبع شعره مع شعر خمسة من شعراء الجاهلية هم امرؤ القيس والنابغة وزهير وعلقمة وعنترة في مجموعة تسمى \"العقد الثمين\" والذي جمعها هو والمستشرق الألماني وليم بن الورد البروسي، وطبع شعره أيضاً مع شعر امرؤ القيس وزهير في مجموعة أخرى مختصرة من الأولى سميت: العقد الثمين أيضاً، وهي منقولة عن النسخة المطبوعة في لندرة عام ١٨٧٠، وطبعت هذه المجموعة في المطبعة اللبنانية ببيروت سنة ١٨٨٦.\rوشرح ديوان يعقوب بن السكيت ٢٤٤ هـ، وشرحه أيضاً الأعلم الشنتمري، وقد نشر شرحه مع ترجمة فرنسية للمستشرق \"مكس سلغسون\" الذي كتب رسالة عن حياة طرفة ونال بها درجة علمية في التاريخ واللغات من جامعة باريس عام ١٨٩٢ م، وطبع هذا المستشرق أشعار طرفة بشالون بفرنسا سنة ١٩٠٠.\r٧ - وعده صاحب كتاب \"شعراء النصرانية\" من شعراء النصارى وأرخ له (٢٩٨ - ٣٢٠ ج١) .\r٨ - وترجم له البغدادي في خزانة الأدب ترجمة موجزة (٤١٤ - ١) وكذلك ترجم جورجي زيدان (١١٦-١) .\r٩ - كما ترجم له الزيات وأصحابه الوسيط والمفصل والأستاذ هاشم في كتاب \"الأدب العربي وتاريخه في العصر الجاهلي\" والدكتور طه حسين في الأدب الجاهلي وسواهم من الباحثين والمؤلفين.\rوذكره اسكندر ابكاريوس السوري في كتابه \"روضة الأدب في طبقات شعراء العرب\" وله ترجمة في حياة الحيوان للدميري وفي المجلة الآسيوية الفرنسية عام ١٨٤١ مقال عنه وعن المتلمس.\r\rطبقته وآراء النقاد فيه\r١ - جعله ابن سلام الجمحي ٢٣١ هـ في الطبقة الرابعة من طبقات شعراء الجاهلية، وعد معه: عبيد بن الأبرص وعلقمة بن عبدة وعدي بن زبده. وقال عنه: وهو أشعر الناس واحدة.\rوجعله أبو عبيدة ٢٠٩ هـ في الطبقة الثانية مع الأغشى ولبيد، أما الطبقة الأولى عنده فهي: امرؤ القيس والنابغة وزهير. ووافقه على ذلك أبو زيد ٢١٥ في الجمهرة.\r٢ - ويقول ابن مقبل في طرفة: هو أشعر الناس وكذلك يروى عن النضر بن شمبل أما أبو عمرو بن العلاء ١٥٤هـ فكان يقول: أشعر الناس أربعة: امرؤ القيس والنابغة وطرفة ومهلهل. ويقول قتيبة بن مسلم: أشعر الجاهلية امرؤ القيس وأضربهم مثلاً طرفة. ويقول لبيد بن ربيعة الشاعر الجاهلي المشهور: أشعر الناس الملك الضليل ثم الشاب القتيل ثم الشيخ أبو عقيل. وأشاد به وبشاعريته جرير والأخطل. كما ذكره المرزباني في كتابه الموشح والثعالبي في كتابه خاص الخاص.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855786,"book_id":1864,"shamela_page_id":62,"part":null,"page_num":62,"sequence_num":62,"body":"٣ - ويقول ابن قتيبة فيه ما قاله ابن سلام: فهو أجودهم طويلة وهو صاحب المعلقة \"لخولة أطلال\" وليس عند الرواة من شعره وشعر عبيد بن الأبرص القليل.\rويقول فيه صاحب الجمهرة: هو أشعرهم إذ بلغ بحداثة سنه ما بلغ القوم في طوال أعمارهم فجب وركض معهم.\rوسئل حسان من أشعر الناس فقال قبيلة أم قصيدة. قيل كلاهما قال أما أشعرهم قبيلة فهذيل، وأما أشعرهم قصيدة فطرفة.\rوسئل جرير من أشعر الناس؟ قال الذي يقول: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا - البيت.\rوقال القالي في أماليه حدثنا أبو بكر بن الأنباري، نبأنا أبو حاتم، نبأنا عمارة بن عقيل، نبأنا أبي: يعني عقيل بن بلال، سمعت أبي يعني بلال بن جرير يقول عن أبيه جرير دخلت على بعض خلفاء بني أمية، فقال ألا تحدثني عن الشعراء؟ فقلت بلى قال: فمن أشعر الناس؟ قلت ابن العشرين، يعني طرفة. قال فما تقول في ابن أبي سلمى والنابغة؟ قلت كانا ينيران الشعر ويسديانه. قال فما تقول في امرئ القيس بن حجر؟ قلت: اتخذ الخبيث الشعر نعلين يطؤهما كيف يشاء. قال: فما تقول في ذي الرمة؟ قلت: قدر من الشعر على ما لم يقدر عليه أحد. قال فما تقول في الأخطل؟ قلت: ما باح بما في صدره من الشعر حتى مات. قال: فما تقول في الفرزدق؟ قلت: بيده نبعة الشعر قابضاً عليها. قال: فما أبقيت لنفسك شيئاً. قلت: بلى، والله يا أمير المؤمنين، أنا مدينة الشعر، التي يخرج منها ويعود إليها.\rويقول السيوطي ٩١١ في المزهر: طرفة من المقلين وفضل الناس بواحدة وهي معلقته \"لخولة أطلال\"، وله سواها يسير لأنه قتل صغيراً حول العشرين فيما روي.\rويقول فيه صاحب الأدب الجاهلي على مذهبه في إنكار الشعر الجاهلي وانتحاله: \"معلقة طرفة تبدو فيها شخصية قوية ومذهب في الحياة واضح هو مذهب اللهو واللذة، وهذه الشخصية ظاهرة البداوة والإلحاد، وهذا الشعر واضح لا تكلف فيه ولا انتحال، وفي المعلقة شعر وصفي صنعه علماء اللغة وشعر صدر عن الشاعر حقاً وهو الذي سجل عواطف الشاعر وآراءه في الحياة.\r\rطرفة والشعراء الجاهليون\rوالشعراء الجاهليون باعتبار أزمنتهم ثلاث طبقات: ١ - الطبقة الأولى، ومن شعرائها المهلهل ٥٣٠ م والشنفري ٥١٠، وتأبط شراً ٥٣٠م، وسواهم من الشعراء.\r٢ - الثانية، ومن شعرائها: امرؤ القيس ٥٦٠ م، والسموأل ٥٦٠ م، وعلقمة الفحل ٥٦١ م والمرقش الأصغر نحو عام ٥٦٠ م، والمرقش الأكبر ٥٥٢ م، وعبيد ٥٥٥ م، والمتلمس ٥٨٠ م والحارث ابن حلزة ٥٨٠ م، والمثقب العبدي ٥٨٧ م، والأفوه الأودي ٥٧٠ م ومنها طرفة ٥٦٥ م، ولقد عاش طرفة إبان هذه النهضة الشعرية التي حمل لواءها امرؤ القيس ومن عاصره أو جاء بعده من الشعراء.\r٣ - الطبقة الثالثة، ومن شعرائها: النابغة ٦٠٤ م، وعمرو بن كلثوم ٦٠٠ م، وحاتم ٦٠٥ م، وعروة بن الورد ٥٩٦ م، وعنترة ٦٥١ م، والأعشى ٦٢٩ م، وزهير ٦٣٠ م، ولبيد ٦٦٢ م، وسواهم.\r\rأسباب شاعريته\rكانت كل الظروف تعمل عملها في خلق شاعرية طرفة وتكوينها: ١ - فالصحراء تغذي الخيال وتثير العاطفة والشعور وتلهم الناس بآيات الشاعرية وموهبتها. فضلاً عن مشاهدها المنوعة التي تستثير المشاعر والملكات.\r٢ - وأسرة الشاعر بما كان فيها من أعلام في الشعر جعلته يرث هذه المواهب ومن أسرته المرقش الأكبر، وخاله هو المتلمس، وكانت أخته الخرنق شاعرة، كما كان من شعراء بكر قومه: الحارث بن حلزة، وسواه.\r٣ - ومجد طرفة وحسبه أنطقاه وألهماه القول والبيان، وكما يقول الشاعر:\rفلو أن قومي أنطقتني رماحهم ... نطقت ولكن الرماح أجرت\r٤ - ويتمه أليس هو الذي أثار فيه بواعث الشعر وأسبابه الأولى وأمده بهذه العاطفة المتأججة المشتعلة، وتلك الملكة القوية الحادة؟.\r٥ - ورحلة الشاعر في البلاد ما بين اليمامة واليمن والحبشة إلى الحيرة وبعض أرجاء البلاد العربية أمدته بمدد لا ينفذ وبثروة فنية وفكرية واسعة مما ظهر في شعر الشاعر وأفكاره وآرائه وحكمته.\r٦ - والخصومات العنيفة بين قومه وخصومهم من تغلب وسواها، وبين الشاعر والعاصرية، كابن عمه عبد عمرو، وكعمرو بن هند ملك الحيرة وسواهما هذه الخصومات هي التي أججت شاعريته وأحكمت فنه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855787,"book_id":1864,"shamela_page_id":63,"part":null,"page_num":63,"sequence_num":63,"body":"٧ - يضاف إلى ذلك فطرة الشاعر وخلقه وصفاته من حدة الذهن واضطرام الشعور وثوران العواطف والتهاب المشاعر، إلى ما سوى ذلك من أسباب الشعر وبواعثه في نفس الشاعر.\rولا عجب ذلك، فقد كانت ملكات البلاغة والشعر قوية في نفس طرفة حتى في طفولته، ولقد روي أن المتلمس شاعر ربيعة في زمانه وخال طرفة وقف على مجلس لقومه من بني قيس بن ثعلبة فاستنشدوه، فأنشدهم شعراً، جاء فيه:\rوقد أتناسى الهم عند احتضاره ... بناج عليه الصيعرية مكدم\rوالصيعرية: سمة تكون للإناث خاصة فقال له طرفة وهو غلام - وطرفة لا يعرفه -: استنوق الجمل، أي وصفت الجمل بوصف الناقة وخلطت، فذهبت كلمته مثلاً، وضحك القوم وغضب المتلمس، ونظر إلى لسان طرفة وقال: ويل لهذا مني. يعني رأسه من لسانه. ويروى أن تلك القصة كانت مع عمرو بن كلثوم لا مع المتلمس (٤٠ و ٤١ جمهرة أشعار العرب) .\r\rخصائص شاعريته\rأولاً، من حيث الألفاظ: يجمع طرفة بين العذوبة الجميلة السلسة والوحشية الغريبة المعقدة في ألفاظه. فإذا وصف رأيت ألفاظاً بعيدة غريبة قوية ضخمة مسرفة في حوشيتها وغرابتها، وإذا فخر أو هجا رأيته يقرب من السهولة والوضوح في لفظه، وإذا أرسل الحكمة رأيت جمالاً وسلاسة وسهولة.\rوالظاهر أن مرجع ذلك هو حياة الشاعر الشعرية، فقد بدأ في صغره ينظم الشعر، يصف به مشاهد الطبيعة وروائعها الماثلة أمام بصره، وكانت شاعريته في بدء أمرها قوية خشنة قوة البداوة وخشونة الصحراء، فقوي في ألفاظه وأغرب، ثم أخذت شاعريته تنضج وبدأ يكثر من قصائده في الفخر بأحسابه وهجاء خصومه فأخذت ألفاظه تلين وتسهل، ثم خبر الحياة وطاف في الأرجاء وشاهد ألواناً من التفكير والمذاهب والآراء، فكانت شاعريته قد كمل نضجها. فبدأت ألفاظه تسلس وتسهل وتقرب من ذوق البدوي المتحضر الذي يبعد عن حياة الخشونة ومظاهر الإغراب في البداوة.\rثانياً، من حيث الأسلوب: وأسلوب طرفة قوي جزل رصين، يمتاز بالمتانة، وأسر اللفظ وفخامة الأسلوب وقوة القافية مع سهولتها.\rتجد فيه جزالة وقوة في كثير من شعره، ورقة وسهولة في بعض غزله وفي حكمته وفي عتابه وفي وصف مطامحه وآماله وآلامه.\rوالجزالة والرقة تختلف موضعها باختلاف المقام ومواطن الكلام وفنونه والمناسبات التي تسنح للشاعر فتجعل نفسه مرحة فرحة أو تجعلها مكتئبة كزة نافرة.\rوفي أسلوبه معاظلة في التركيب وتعقيد في الكلام حيناً، وفي غالب الأحايين نجد وضوحاً ودقة تصوير وجمال تعبير وقرب مأخذ وسهولة عرض ورشاقة بيان.\rثالثاً، من حيث المعاني والأخيلة: معاني طرفة تتصل بنفسه وحياته وقبيلته وبالصحراء والبادية التي عاش فيها وبتاريخ قومه وأحسابهم وبالحياة العربية عامة اتصالاً وثيقا.\rوطرفة في معانيه قريب، واضح أحياناً، وخفي معقد حيناً، يقتصر على بيان الحقيقة، قليلة الغلو والمبالغة، يصور الحقائق والواقع تصويراً قوياً.\rوخياله خيال يقظ مشبوب حاد. يحلق قريباً من الحياة والواقع، يظهر في أسلوب الاستعارة والتشبيه أحياناً، ويجنح إلى القصد والاعتدال والصدق. وفي معانيه معان مكرورة، متقاربة الخيال. وطرفة على أي حال من المقلين في الشعر، ومعلقته سبب شهرته وتمتاز بوفرة معانيها وتنوع أغراضها وقوة قافيتها وصدق تصويرها.\rرابعاً، من حيث أغراض الشعر وفنونه: ولقد نظم طرفة الشعر في أغراض كثيرة وأجاد فيها إجادة بليغة. ومن أهم هذه الأغراض: ١ - الهجاء: فقد كان طرفة هجاء. هجا عمرو بن هند الملك، كما هجا ابن عمه عبد عمرو. وهجا قومه كما هجا أعداءهم، وتنبأ له المتلمس منذ طفولته بالقتل بسبب نشأته وفطرته على الهجاء.\rترجع أسباب ميله إلى الهجاء إلى توقد عاطفته وحدة شعوره واضطرام حسه وإلى قوة اعتزازه بنفسه وشدة تأثره مما يشعر به من تقصير في حقه من قومه وسواهم وإلى يتمه الذي جعله يتوهم العداوة من الصديق والضر حتى من القريب.\rيقول في قومه:\rأدوا الحقوق تفر لكم أعراضكم ... إن الكريم إذا يحرب يغضب\rويقول في ابن عمه:\rولا خير فيه غير أن له غنى ... وأن له كشحا إذا قام أهضما\rويقول في عمرو بن هند:\rفليت لنا مكان الملك عمرو ... رغوثا حول قبتنا تخور","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855788,"book_id":1864,"shamela_page_id":64,"part":null,"page_num":64,"sequence_num":64,"body":"٢ - الفخر: ولقد كان طرفة يشعر بحسب قومه ومجدهم بين العرب وكثرة عددهم وقوتهم وشوكتهم، ويعتز بذلك اعتزازاً كبيراً، وينظم شرف قومه في قصائده، فيمدحهم بحماية الجار، وقرى الضيف والغناء في الحرب وجلال المجلس ووقاره، ويسوي ذلك من مظاهر الفخر وألوانه.\r(أ) قال في قومه من قصيدة في الفخر:\rيزعون الجهل من مجلسهم ... وهم أنطارى ذي الحلم الصمد\rسماء الفقر أجواد الغنى ... سادة الشيب، مخاريق المرد\r(ب) وقصيدته:\rأصحوت اليوم أم شاقتك هر ... ومن الحب جنون مستعمر\rوقف على الفخر بقومه وأحسابهم ومجدهم.. وهي إحدى قصائده الجياد وأشاد بها ابن سلام وسواه من النقاد، بدأها بالنسيب والتغزل في محبوبته \"هر\" في أبيات طويلة، ثم ذكر الناقة في بيتين، ثم التفت إلى نفسه وقومه فافتخر ببأسهم وكرمهم وبطولتهم ومكانتهم بين العرب واعتزازهم بالخيل للحرب والنضال، فخراً قوياً كثيراً، جاء فيه قوله:\rوهم ما هم إذا ما لبسوا ... نسج داود لبأس محتضر\rولقد تعلم بكر أننا ... آفة الجزر مساميح يسر\rولقد تعلم بكر أننا ... فاضلو الرأي وفي الروغ وقر\rثم ختمها بالرضاء على قومه وذكر ما آل إليه من رشد:\rولقد كنت عليكم عاتبا ... فعقبتم بذنوب غير مر\rكنت فيكم كالمغطى رأسه ... فانجلى اليوم قناعي وخمر\rسادراً أحسب غي رشداً ... فتناهيت وقد صابت بقر\rويبدو من هذه الأبيات أنه نظمها بعد عودته إثر تنقله بين الأحياء والبلاد، وأن قومه أعانوه بمالهم وعطفهم، وأنه رضي بعد سخط، واطمأن فيهم بعد قلق، ورشد بعد غي.\r(ج) ويقول طرفة من قصيدة في الفخر؛ ختمها بحكمته:\rإنا لنكسوهم وإن كرهوا ... ضربا يطير خلاله شرره\rوالمجد ننميه ونتلده ... والحمد في الاكفاح ندخره\r(د) ويقول يفتخر بقومه وأبيه من قصيدة طويلة بدأها بالحديث عن نفسه وغربته وتنقله بين القبائل:\rوأنمي إلى مجد تليد وسورة ... تكون تراثاً عند حي لهالك\rأبي أنزل الجبار عامل رمحه ... عن السرج حتى خر بين السنابك\r_هـ) ويفتخر بقومه وبطولتهم وما سجلوه في أمسهم البعيد من مجد تليد وبطولة نادرة في حروبهم يوم التحاليق، وهو يوم من أيام حرب البسوس وكان لبكر على تغلب، وذلك في قصيدة مطلعها:\rسائلوا عنا الذي يعرفنا ... بقوانا يوم تحلاق اللمم\rوهي وقف على الفخر ويقول فيها:\rنزع الجاهل في مجلسنا ... فترى المجلس فينا كالحرم\rوتفرعنا من ابني وائل ... هامة المجد وخرطوم الكرم\rنمسك الخيل على مكروهها ... حين لا يمسك إلا ذو كرم\r(و) ويفتخر بنفسه في قصيدته في مدح قتادة الحنفي وقد مضت الإشارة إليها، وكذلك قصيدته:\rأشجاك الربع أم قدمه ... أم رماد دارس حممه\rقد ذكر فيها شيئاً من تاريخ قومه إبان حرب البسوس، وسعى الغلاق\" أحد قواد ملك الحيرة بين تغلب وقومه بكر من أجل الصلح، وكان الغلاق يميل إلى تغلب، وهدد طرفة فيها تغلباً بالعودة إلى الحرب باللسان وبالسيوف جميعاً، وعلى الجملة، فقد كان طرفة مجيداً في فخره، كما كان لاذعاً في هجائه.\r٣ - الغزل: ويتغزل طرفة في شعره بخولة:\rلخولة أطلال ببرقة ثهمد ... تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد\rوينسبها إلى قومها الحنظليين فيقول من قصيدة بدأها بذكر خوله:\rفقل لخيال الحنظلية ينقلب ... إليها فإني واصل حبل من وصل\rويذكرها في معلقته بالمالكية ولعل ذلك نسبة إلى مالك بن ضبيعة من عمومة الشاعر. ويتغزل بهر \"أصحوت اليوم أم شاقتك هر\" كما يتغزل بهند \"لهند بحزان الشديف طلول\"، وبسلمى:\rديار سليمى إذ تصيدك بالمنى ... وإذ حبل سلمى منك دان تواصله\rوهو في غزله يذكر الديار ويقف عليها ويبكيها كما في معلقته، ويذكر خيال الحبيب وسراه إليه، ويصف جمال حبيبته وتقاطيع جسمها كما في قصيدته \"أصحوت اليوم\"، ويدعو لدارها بالمطر كما في قصيدته \"لخولة بالأجزاع من إضم طلل\".\rوله قصيدة مفردة في الغزل قصرها عليه، ومطلعها:\rأتعرف رسم الدار قفراً منازله ... كجفن اليماني زخرف الوشي ماثله\rوهي في محبوبته سليمى أو سلمى، بدأها بذكر ديارها، ثم قال:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855789,"book_id":1864,"shamela_page_id":65,"part":null,"page_num":65,"sequence_num":65,"body":"ديار سليمى إذ تصيدك بالمنى ... وإذ حبل سلمى منك دان تواصله\rوإذ هي مثل الرئم صيد غزالها ... لها نظر ساج إليك تواغله\rغنينا وما نخشى التفرق حقبة ... كلانا غرير ناعم العيش باجله\rليالي أقتاد الصبا ويقودني ... يجول بنا ربعانه ونجاوله\rثم يصف خيالها الذي سرى إليه من مكان بعيد ويتعجب لاهتدائه إليه، ثم يقول:\rوقد ذهبت سلمى بعقلك كله ... فهل غير صيد أحرزته حبائله\rكما أحرزت أسماء مرقش ... بحب كلمع البرق لاحت مخايله\rثم يذكر قصة المرقش مع محبوبته أسماء، ويختمها بقوله:\rفوجدي بسلمى مثل وجد مرقش ... بأسماء إذ لا تستفيق عواذله\rقضى نحبه وجدا عليها مرقش ... وعلقت من سلمى خبالا أماطله\rوبعد، فمعاني طرفة في غزله قليلة بدائية وشتان بينه وبين امرئ القيس في هذا الباب والنقاد يقولون إن طرفة لا يحسن العشق، أليس هو الذي يقول:\rوإذا تلسنني ألسنها ... أنني لست بموهون قفر\rأي إذا افتخرت عليه افتخر عليها لأنه ليس بضعيف ولا دنيء. وهو الذي يقول:\rفقل لخيال الحنظلية ينقلب ... إليها فإني واصل حبل من وصل\rوأين هذا من قول امرئ القيس:\rأغرك مني أن حبك قائلي ... وأنك مهما تأمري القلب يفعل\r٤ - الوصف: وهو كثير في شعر طرفة، ويمتاز بغرابة اللفظ وقوة الأسلوب وصدق الوصف وصحة التصوير والرسم، ويبدو فيه أثر بيئته واضحاً، فوصفه للسفينة في معلقته يرجع إلى كثرة ما شاهد من سفن تسير في البحر في البحرين وسواها. ووصف الصحراء كما وصف الناقة والفرس ومجالس الشراب، والغيث والرعد، وسوى ذلك من مشاهد الصحراء ومناظرها، ولاشك أن شعره يتصل بالصحراء اتصالاً وثيقاً لأنه صورة منها ورسم لمناظرها وألوان الحياة والطبيعة فيها، ونماذج وصفة في معلقته فارجع إليها.\r٥ - الحكمة: وهي كثيرة في شعر طرفة، عميقة رائعة تدل على صدق النظر وقوة الفراسة وعلى ثقوب الذهن وحدة الفكر، وهي مبكرة في طرفة الشباب، ولعل أسفاره ورحلاته وبيئته وقربه من ألوان الحياة والتفكير في الحيرة قد نمتها فيه رغم صغر سنه، ومعلقته فيها الكثير من الحكم.. ومن حكمه قوله:\rوالأثم داء ليس يرجى برؤه ... والبر برء ليس فيه معطب\rوالصدق يألفه اللبيب المرتجى ... والكذب يألفه الدني الأخيب\rويقول:\rوليس امرؤ أفنى الشباب مجاورا ... سوى حيه إلا كآخر هالك\rويقول:\rللفتى عقل يعيش به ... حيث تهدى ساقه قدمه\rوسوى ذلك من صادق حكمه وبعيد فراسته وتفكيره للأمور وحكمه عليها.\r\rشعر طرفة في ميزان النقد\r١ - قال الأصمعي: لم يكن طرفة يحسن أن يتعشق. قال في قصيدته:\rأصحوت اليوم أم شاقتك هر ... ومن الحب جنون مستعر\rأرق العين خيال لم يقر ... طاف والركب بصحراء بسر\rأي زار في مكان لا يزار فيه، فتراه يقول هذا القول، أنه لم ينم ولم يهج من حبها، ثم يقول:\rوإذا تلسنني ألسنها ... إنني لست بموهون غمر\r٢ - وقال المبرد: عاب الناس قول طرفة:\rأسد غيل فإذا ما شربوا ... وهبوا أمون وطمر\rفقيل إنما يهبون عند هذه الآفة التي تدخل على عقولهم، وفضلوا قول عنترة:\rوإذا شربت فإنني مستهلك ... مالي وعرضي وافر لم يكلم\rوإذا صحوت فأقصر عن ندى ... وكما علمت شمائلي وتكرمي\rفخبر عنترة أن جوده باق لأنه لا يبلغ من الشراب ما يثلم عرضه. قالوا: وقول عنترة حسن جميل إلا أنه أتى به في بيتين، هلا قال كما قال امرؤ القيس:\rسماحة ذا، وبر ذا، ووفاء ذا ... ونائل ذا، إذا صحا وإذا سكر\rقال الصولي: وقد تبغ حسان طرفة، فقال وهو أعيب من الأول:\rونشربها فتتركنا ملوكا ... وأسدا ما ينهنهنا اللقاء\rفقول طرفة خير من هذا، لأنه قال \"أسد غيل فإذا ما شربوا\" فجعل الشجاعة لهم قبل الشرب، وحساب قال نشرب فنشجع ونهب كأنا ملوك إذا شربنا، فلهذا كان قول طرفة أجود، وقول عنترة أحسن، لأنه احترس من عيب الإعطاء على السكر وأن السكر زائد في سخائه، فقال: \"وإذا شربت فإنني مستهلك - البيتين\".\rوقال زهير:\rأخي ثقة لا تهلك الخمر ماله ... ولكنه قد يهلك المال نائله","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855790,"book_id":1864,"shamela_page_id":66,"part":null,"page_num":66,"sequence_num":66,"body":"فهذا من أحسن الكلام، يريد أنه لا يشرب بماله الخمر، ولكنه يبذله للحمد. وقال البحتري:\rتكرمت من قبل الكؤوس عليهم ... فما اسطعن أن يحدثن فيك تكرما\r٣ - وكان النبي ﷺ يتمثل بقول طرفة، ولا يقيم وزنه:\rستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود\rوكان ابن عباس يقول إنه كلام نبي يجمع الحكمة والمثل.\r٤ - ويقال إن أمير شعره قوله:\rقد يبعث الأمر الكبير صغيره ... حتى تظل له الدماء تصيب\r٥ - ويمتثل من شعره قوله:\rبحسام سيفك أو لسانك وال ... كلم الأصيل كأرغب الكلم\r٦ - وقال ناقد أمام الأصمعي إن طرفة أحسن الناس تشبيهاً في قوله:\rووجه كأن الشمس ألقت رداءها ... عليه نقي اللون لم يتخدد\rوفي قوله:\rيشق حباب الماء حيزومها بها ... كما قسم الترب المفايل باليد\rقال الأصمعي: فقلت هذا حسن، وغيره حسن منه، وقد شركه في هذا المعنى جماعة من الشعراء، وبعد فطرفة صاحب واحد لا يقطع بقوله مع التجوز، وإنما يعد أصحاب الواحدة.\rقال: ومن أصحاب الواحدة؟ قلت الحرث بن حلزة في قوله:\rآذنتنا ببينها أسماء ... رب ثاو يمل منه الثواء\rوالأسعر الجعفي في قوله:\rهل دان قلبك من سليمى فاشتفى ... ولقد عنيت بحبها فيما مضى\rوالأفوه والأودي في قوله:\rإن ترى رأسي فيها نزع ... وشواتى خلة فيها دوار\rوعلقمة في قوله:\rطحابك قلب في الحسان طروب ... بعيد الشباب عصر حان مشبب\rوسويد بن أبي كاهل في قوله:\rبسطت رابعة الحبل لنا ... فوصلنا الحبل منها فاتسع\rوعمرو بن كلثوم في قوله:\rألا هبي بصحنك فأصبحينا ... ولا تبقى خمور الأندرينا\rوعمرو بن معد يكرب في قوله:\rأمن ريحانة الداعي السميع ... يؤرقني وأصحابي هجوع\r٧ - وقال طرفة:\rيشق حباب الماء حيزومها بها ... كما قسم الترب المفايل باليد\rأخذه لبيد فقال يصف ثورا:\rتشق خمائل الدهنا يداه ... كما لعب المقامر بالفيال\r٨ - وقال طرفة:\rوبلاد زعل ظلمانها ... كرجال الحبش تمشى بالعمد\rقد تبطنت وتحتي جسرة ... غير أسفار كمخراق وحد\rأخذه لبيد فقال:\rوبلاد زعل ظلمانها ... كحزيق الحبشيين الزجل\rقد تبطنت وتحتي جسرة ... حرج في مرفقيها كالقتل\r٩ - ولطرفة أبيات مشهورة منها:\rكلهم أروغ من ثعلب ... ما أشبه الليلة بالبارحة\rومنها:\rقد يبعث الأمر العظيم صغره ... حتى تظل له الدماء تصبب\rوقوله:\rوظلم ذوي القربى أشد مضاضة ... على المرء من وقع الحسام المهند\rوقوله:\rستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود\rوقوله:\rثم راحوا عبق المسك بهم ... يلحفون الأرض هداب الأزر\rوقوله:\rنحن في المشتاة ندعو الجفلى ... لا ترى الأدب فينا ينتقر\rوقوله:\rتذكرون زعل نقاتلكم إذا لا يضير معدما عدمه\rوقوله:\rللفتى عقل يعيش به ... حيث تهدى ساقه قدمه\r١٠ - وينسب إليه شعر منحول، ومنه قصيدته:\rأبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك، بعض الشر أهون من بعض\r١١ - ويقول امرؤ القيس في ديار محبوبته:\rوقوفا بها صحبي على مطيهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجمل\rأخذه طرفة بنفسه فقال:\rوقوفا بها صحبي على مطيهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجلد\r١٢ - ويقول طرفة في الفخر بنفسه:\rإذا القوم قالوا: من فتى؟ خلت أنني ... عنيت فلم أكسل ولم أتبلد\rأخذه النهشلي فقال في الفخر بقومه:\rلو كان في الألف منا واحد فدعوا ... من فارس؟ خالهم إياه يعنونا\rفالمعنى واحد. ولكن طرفة: أ - أسلوبه بدوي مطبوع جزل عن أسلوب النهشلي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855791,"book_id":1864,"shamela_page_id":67,"part":null,"page_num":67,"sequence_num":67,"body":"ب - ومعناه أتم، فقال قال: \"القوم\" وهو يشمل القليل والكثير مهما تجاوز العدد. وقال النهشلي \"الألف\" فقصر بهذا التسديد. وقال طرفة \"من فتى\" وقال النهشلي \"من فارس\"، فشمل كلام طرفة تميزه عليهم بالشجاعة والجود وكرم الخلق وسمو النفس وجلال المحتد وسواها، من حيث قصر النهشلي فخره على الشجاعة. وقال طرفة \"فلم أكسد ولم أتبلد\" وهي زيادة لا نظير لها في بيت النهشلي.\r\rشرح المختار من شعر طرفة\r- ١ - قال طرفة بن العبد البكري:\rلخولة أطلال ببرقة تهمد ... تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد\rوقوفا بها صحبي علي مطيهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجلد\rكأن حدوج المالكية غدوة ... خلايا سفين بالنواصف من دد\rعدولية أو من سفين ابن يامن ... يجور بها الملاح طوراً ويهتدي\rيشق حباب الماء حيزومها بها ... كما قسم التراب المفايل باليد\rوفي الحي أحوى بنفض المرد شادن ... مظاهر سمطي لؤلؤ وزبرجد\rخذول تراعى ربرباً بخميلة ... تناول أطراف البرير وترتدي\rوتبسم عن ألمى كان منوراً ... تخلل حر الرمل دعص له ندي\rسقته إياة الشمس إلا لثاته ... أسف، ولم تكدم عليه، بإثمد\rووجه كأن الشمس ألقت رداءها ... عليه نقي اللون لم يتحدد\rوإني لأمضي لهم عند احتضاره ... بعوجاء مرقال تروح وتغتدي\rأمون كألواح الإران نصأتها ... على لاحب كأنه ظهر برجد\rحمالية وجناء تردى كأنها ... سفنجة تبرى لأزعر أربد\rتبارى عتاقا ناجيات وأتبعت ... وظيفاً وطيفاً فوق مور معبد\rتربعت القفين في الشول ترتعي ... حدائق مولى الأسرة أغيد\rتريع إلى صوت المهيب وتتقي ... بذي خصل روعات أكلفت ملبد\rكان جناحي مضرحي تكنفا ... حفافية شكا في العسيب بمسرد\rفطوراً به خلف الزميل وتارة ... على حشف كالشن ذار مجدد\rلها فخذان أكمل النحض فيهما ... كأنهما بابا منيف ممرد\rوطي محال كالحنى خلوفه ... وأجرنة لزت بدأي منضد\rكأن كناسي ضالة يكنفانها ... وأطر قسي تحت صلب مؤبد\rلها مرفقان أفتلان كأنما ... تمر بسلمى دالج متشدد\rكقنطرة الرومي أقسم ربها ... لتكتنفن حتى تشاد بقرمد\rصهابية العثنون مؤجدة القرا ... بعيدة وخد الرجل موارة اليد\rأمرت يداها فتل شزر وأجنحت ... لها عضداها في سقيف مسند\rجنوح دفاق عندل ثم أفرعت ... لها ستفاها في معالي مصعد\rكأن علوب النسغ في دأياتها ... موارد من خلقاء في ظهر قردد\rتلافى وأحياناً تبين كأنها ... بنائق غر في قميص مقدد\rوأتلع نهاض إذا صعدت به ... كسكان بوصي بدجلة مصعد\rوجمجمة مثل العلاة كأنما ... رعى الملتقى منها إلى حرف مبرد\rوخد كقرطاس الشآمي ومشفر ... كسبت اليماني قده لم يجرد\rوعينان كالماء بتين استكنتا ... بكهفي حجاجي صخرة قلت مورد\rطحوران عوار القذى فتراهما ... كمكحولتي مذعورة أم فرقد\rوصادقتا سمع التوجس للسرى ... لهجس خفي أو لصوت مندد\rمؤللتان تعرف العتق فيهما ... كسامعتي شاة بحومل مفرد\rوأروع نباض أحذ ململم ... كمرداة صخو من صفيح مصمد\rوإن شئت سامي واسط الكور رأسها ... وعامت بضبعيها نجاء الخفيدد\rوإن شئت لم ترقل وإن شئت أرقلت ... مخافة ملوي من القد محصد\rوأعلم مخزوت من الأنف مارن ... عتيق متى ترجم به الأرض تزدد\rعلى مثلها أمضى إذا قال صاحبي ... ألا ليتني أفريك منها وأفتدي\rوجاشت إليه النفس خوفاً وخاله ... مصاباً لو أمسى على غير مرصد\rإذا القوم قالوا من فتى خلت أنني ... عنيت فلم أكسل ولم أتبلد\rأحلت عليها بالقطيع فأجذمت ... وقد خب آل الأمعز المتوقد\rفذالت كما ذالت وليدة مجلس ... ترى ربها أذيال سحل ممدد\rولست بحلال التلاع مخافة ... ولكن متى يسترفد القوم أرفد\rوإن تبغني في حلقه القوم تلقني ... وإن تلتمسني في الحوانيت تصطد\rمتى تأتني أصبحك كأساً روية ... وإن كنت عنها ذا غنى وازدد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855792,"book_id":1864,"shamela_page_id":68,"part":null,"page_num":68,"sequence_num":68,"body":"وإن يلتق الحي الجميع تلاقني ... إلى ذروة البيت الشريف المصمد\rنداماي بيض كالنجوم وقينة ... تروح علينا بين برد ومجسد\rرحيب قطاب الجيب منها رفيقة ... بحس الندامى بضة المتجرد\rإذا نحن قلنا أسمعينا انبرت لنا ... على رسلها مطروفة لم تشدد\rإذا رجعت في صوتها خلت صوتها ... تجاوب أظآر على ربع ردي\rوما زال تشرابي الخمور ولذتي ... وبيعي وإنفاقي طريقي ومتلدي\rإلى أن تحامتني العشيرة كلها ... وأفردت إفراد البعير المعبد\rرأيت بني غبراء لا ينكرونني ... ولا أهل هذاك الطراف الممدد\rألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى ... وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي\rفإن كنت لا تستطيع منع منيتي ... فدعني أبادرها بما ملكت يدي\rفلولا ثلاث هن من عيشة الفتى ... وجدك لم أحفل متى قام عودي\rفنهن سبق العاذلات بشربة ... كميت متى ما نعل الماء تزبد\rوكرى إذا نادى المضاف محنباً ... كسيد الغضى نبهته المتورد\rوتقصير يوم الدجن والدجن معجب ... ببهكنة تحت الخباء المعمد\rكأن البرين والدماليج علقت ... على عشر أو خروع لم يعضد\rفذرني أرةي هامتي في حياتها ... مخافة شرب في الممات مصرد\rكريم يروي نفسه في حياته ... ستعلم إن متنا غداً أبنا الصدى\rأرى قبر نحام بخيل بماله ... كقبر غوي في البطالة مفسد\rترى جثوتين من تراب عليهما ... صفائح صم من صفيح منضد\rأرى الموت يعتام الكرام ويصطفى ... عقيلة مال الفاحش المتشدد\rأرى العيش كنزاً ناقصاً كل ليلة ... وما تنقص الأيام والدهر ينفد\rلعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى ... لكالطول المرخى وثنياه باليد\rمتى ما يشأ يوماً يفده لحتفه ... ومن يك في حبل المنية ينقد\rفمالي أراني وابن عمي مالكاً ... متى أدن منه ينأ عني ويبعد\rيلوم وما أدري علام يلومني ... كما لامني في الحي قرط بن أعيد\rوأيأسني من كل خير طلبته ... كأنا وضعناه إلى رمس ملحد\rعلى غير شيء قلته غير أنني ... نشدت ولم أغفل حمولة معبد\rوقربت بالقربى وجدك إنه ... متى يك عهد للنكيثة أشهد\rوإن أدع للجلى أكن من حماتها ... وإن يأتك الأعداء بالجهد أجهد\rوإن يقذفوا بالقذع عرضك أسقهم ... بشرب حياض الموت قبل التهدد\rبلا حدث أحدثته وكمحدث ... هجائي وقذفي بالشكاة ومطردي\rفلو كان مولاي امرأ هو غيره ... لفرج كربى أو لأنظرني غدي\rولكن مولاي امرؤ هو خانقي ... على الشكر والتسآل أو أنا مفتد\rوظلم ذوي القربى أشد مضاضة ... على المرء من وقع الحسام المهند\rفذرني وخلقي إنني لك شاكر ... ولو حل بيني نائياً عند ضرغد\rفلو شاء ربي كنت قيس بن خالد ... ولو شاء ربي كنت قيس بن مرثد\rفأصبحت ذا مال كثير وزارني ... بنون كرام سادة لمسود\rأنا الرجل الضرب الذي تعرفونه ... خشاش كرأس الحية المتوقد\rفآليت لا ينفك كشحي بطانة ... لعضب رقيق الشفرتين مهند\rحسام إذا ما قمت منتصراً به ... كفى العود منه البدء ليس بمعضد\rأخي ثقه لا ينثني عن ضريبة ... إذا قيل مهلاً قال حاجزه قدي\rإذا ابتدر القوم السلاح وجدتني ... منيعاً إذا بلت بقائمه يدي\rوبرك هجود قد أثارت مخافتي ... بواديها أمشي بعضب مجرد\rفموت كهاة ذات خيف جلالة ... عقيلة شيخ كالوبيل يلندد\rيقول وقد تر الوظيف وساقها ... ألست ترى أن قد أتيت بمؤيد\rوقال ألا ماذا ترون بشارب ... شديداً علينا بغيه متعمد\rوقال ذروه إنما نفعها له ... وإلا تكفوا قاصي البرك يزدد\rفظل الإماء يمتللن حوارها ... ويسعى علينا بالسديف المسرهد\rفإن مت فأنعيني بما أنا أهله ... وشقي علي الجيب ياابنة معبد\rولا تجعليني كامرئ ليس همه ... كهمي ولا يغنى غنائي ومشهدي\rبطيء عن الجلى سريع إلى الخنا ... ذليل باجماع الرجال ملهد\rفلو كنت وغلاً في الرجال لضرني ... عداوة ذي الأصحاب والمتوحد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855793,"book_id":1864,"shamela_page_id":69,"part":null,"page_num":69,"sequence_num":69,"body":"ولكن نفى عني الرجال جراءتي ... عليهم وإقدامي وصدقي ومحتدي\rلعمرك ما الأيام إلا معارة ... فما اسطعت من معروفها فتزود\rعن المرء لا تسأل وأبصر قرينه ... فإن القرين بالمقارن مقتدي\rلعمرك ما أمري علي بغمة ... نهاري ولا ليلي علي بسرمد\rويوم حبست النفس عند عراكه ... حفاظاً على عوراته والتهدد\rعلى موطن يخشى الفتى عنده الردى ... متى تعترك فيه الفرائص ترعد\rوأصفر مضبوح نظرت جواره ... على النار واستودعته كف مجمد\rأرى الموت أعداد النفوس ولا أرى ... بعيداً غداً ما أقرب اليوم من غد\rستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ... ويأتيك بالأحبار من لم تزود\rويأتيك بالأخبار من لم تبع له ... بتاتاً ولم تضرب له وقت موعد\rوما لام نفسي مثلها لي لائم ... ولا سد فقري مثل ما ملكت يدي\rتحليل القصيدة: ١ - طرفة بن العبد البكري شاعر جاهلي مشهور، نشأ يتيماً في كفالة أعمامه، يؤثر اللهو والدعة والبطالة ويدمن الخمر ويهجو الناس، حتى الملك عمرو بن هند الذي أضمر له الشر وأرسله لعامله بالبحرين فقتله ولم يتجاوز السادسة والعشرين. وتقول أخته الخرنق في رثائه:\rعددنا له ستا وعشرين حجة ... فلما توفاها استوى سيدا فخما\rوكان طرفة ملتهب المشاعر والعواطف حاد التفكير واللسان متأجج الشاعرية نظم الشعر يصور فيه حياته وآماله وبطالته يصف فيجيد الوصف ويأتي بالحكمة العالية والفكرة الرائعة \"وهو أجود الجاهليين طويلة كما يقول ابن قتيلة وشعره قليل بأيدي الرواة.\r٢ - ومطلع هذه المعلقة الرائعة:\rلخولة أطلال ببرقة ثهمد ... تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد\rوقد عد بها الشاعر من فحول الشعراء الجاهليين ومشهوريهم، واستحق من أجلها أن يضعه أبو عبيدة في الطبقة الثانية منه وابن سلام في الطبقة الرابعة وأن يذهب بعض الشعراء والنقاد إلى أنه أشعر الجاهليين. وهي أطول المعلقات، أبياتها خمسة أو عشرة ومائة بيت، وتمتاز بكثرة معانيها وجزالة أسلوبها نظمها طرفة بعد عودته إلى أرض قومه إثر تنقله في الأحياء حين كان مغاضباً لقومه وعشيرته وقبل أن يتصل بملوك الحيرة وينادمهم.\rويبدو من روح المعلقة ولهجتها أن الشاعر نظمها عتاباً لابن عمه، ويبدو أيضاً أن السبب في عتابه له أن أخاه \"معبدا\" كان له إبل يرعاها هو وأخوه طرفة فأغبها طرفة في المرعى حتى دخلت مرعى ابن عمه فحجزها، فلام معبد أخاه وألقى عليه عبء طلبها واستردادها من ابن عمه فذهب طرفة إليه فلم يجد كلامه معه فعاد ثائراً غاضباً، ونظم قصيدته يعاتب فيها عبد عمرو عتاباً شديداً قاسياً مما نقرؤه في المعلقة، في قوله:\rفمالي أراني وابن عمي مالكا ... متى أدن منه ينأ عني ويبعد\rوأيأسني من كل خير طلبته ... كأنا وضعناه على رمس ملحد\rعلى غير شيء قلته غير أنني ... نشدت فلم أغفل حمولة معبد\rوإن أدع للجلى أكن من حماتها ... وإن تأتك الأعداء بالجهد أجهد\rفلو كان مولاي امرأ هو غيره ... لفرج كربي أو لأنظرني غدي\rولكن مولاي امرؤ هو خانقي ... على الشكر والتسآل أو أنا مفتدي\rوظلم ذوي القربى أشد مضاضة ... على المرء من وقع الحسام المهند\rفلو شاء ربي كنت قيس بن خالد ... ولو شاء ربي كنت عمرو بن مرثد\rفأصبحت ذا مال كثير وعادني ... بنون كرام سادة لمسود\rولما سمع عبد عمرو بن مرثد معلقة طرفة أرسل إليه، فقال له أما الولد فالله يعطيكه وأما المال فلا تبرح حتى تكون من أوسطنا فيه وأمر سبعة من أبنائه وثلاثة من بني أبنائه أن يعطوه عشرا عشرا من الإبل ففعلوا.\r٤ - ويذكر بعض الباحثين من المستشرقين أن المعلقة لم توضع مرة واحدة، كقوله:\rإذا مت فانعيني بما أنا أهله ... وشقي على الجيب ياابنة معبد\rوما يليه من أبيات قالها وهو في سجن البحرين قبيل موته وهذا خطأ في البحث فلم يقل طرفة هذه الأبيات وهو في سجن البحرين بل نظمها ونظم القصيدة كلها مرة واحدة وهو صحيح مقيم في أرض قومه والقصيدة قطعة واحدة من الشعر الحي والتصوير الرائع والديباجة الساحرة والوصف الصادق.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855794,"book_id":1864,"shamela_page_id":70,"part":null,"page_num":70,"sequence_num":70,"body":"٤ - وتمتاز المعلقة بوفرة معانيها وتنوع أغراضها وجمعها بين السهولة والغرابة في اللفظ وبين الرقة والمتانة في الأسلوب وبين الحكمة واللهو والجد والهزل في النهج والحياة.\rوتصور الشاعر وحياته وأمانيه ومطامحه ولذاته ولهوه وبيئته والحياة فيها تصويراً جميلاً رائعاً حد الدقة والإحكام والجمال.\r٥ - وحدة القصيدة وفنونها: ونحن نقف أمامها معجبين بجمالها وانسجامها وقوة شاعريتها وتأجج عواطف الشاعر فيها، وهذه الوحدة التامة الظاهرة على أغراضها وفنون القول فيها.\r(أ) بدأها الشاعر بالغزل فذكر أطلال خولة محبوبته ووقف عليها وبكاها:\rلخولة أطلال ببرقة ثهمد ... تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد\rوقوفاً بها صحبي على مطيهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجلد\rثم يذكر قباب خولة وهي ظاعنة ويشبهها بالسفينة تشبيهاً جميلاً قوياً، فيقول:\rكأن حدوج المالكية غدوة ... خلايا سفين بالنواصف من دد\rعدولية أو من سفين ابن يامنيجور بها الملاح طورا ويهتدي\rيشق حباب الماء حيزومها بها ... كما قسم الترب المفايل باليد\rوهو في هذا الوصف يرسم صورة جميلة للسفن الكبيرة التي كان يراها ويشاهدها تسير في الماء على شواطئ البحرين وسواها.\rثم يصف جمال محبوبته وينعتها نعتاً جميلاً قوياً مؤثراً عذباً، يدل على امتلاء نفسه بالحب، وعلى خضوعه لأسر الجمال:\rوفي الحي أحوى ينفض المرد شادن ... مظاهر شمطي لؤلؤ وزبرجد\rوتبسم عن ألمي كأن منوراً ... تخلل حر الرمل دعص له ندى\rووجه كأن الشمس حلت رداءها ... عليه، نقي اللون لم يتخدد\r(ب) ثم يأخذ الشاعر في وصف ناقته التي يسير عليها ليسلي عن نفسه الهموم والأحزان، ووصفه لها طويل في خمسة وثلاثين بيتاً، ويجيء به في لفظ غامض غريب، لا تكاد تفهمه إلا بصعوبة وعسر ومشقة ومراجعة وطول عناء.\rقال طرفة فيما قال في وصف ناقته:\rوإني لأمضي الهم عند احتضاره ... بهوجاء مرفال تروح وتغتدي\rأمون كألواح الأران نسأتها ... على لاحب كأنه ظهر برجد\rإلى أن يقول:\rوإن شئت لم ترقل وإن شئت أرقلت ... مخافة ملوى من القد محصد\rعلى مثلها أمضى إذا قال صاحبي ... ألا ليتني أفديك منها وأفتدي\rوجاشت إليه النفس خوفاً وخاله ... مصاباً ولو أمسى على غير مرصد\r(ج) ثم يفتخر الشاعر بنفسه ويفرغ لها. ويصف فتوته وكرمه ولذاته ومجده، ولهوه بشرب الراح، في وضوح وسهولة فيقول:\rإذا القوم قالوا: من فتى خلت أنني ... عنيت، فلم أكسل ولم أتبلد\rولست بحلال التلاع مخافة ... ولكن متى يسترفد القوم أرفد\rوإن تأتني في حلقة القوم تلقني ... وإن تقتنصني في الحوانيت تصطد\rوإن يلتق الحي الجميع تلاقني ... إلى ذروة البيت الرفيع المصمد\rراماي بيض كالنجوم وقينة ... تروح علينا بين برد ويحسد\rثم يذكر أثر لهوه وشربه الخمر في حياته وبين قبيلته، ويتحدث عن لذاته في الحياة ويصفها، ويلوم من يعذله في اللهو والإسراف، ويفند رأيهم ويقول: إن الكريم المسرف والبخيل المقتر مآلهما واحد إلى القبر:\rومازال تشرابي الخمور ولذتي ... وبيعي وإنفاقي طريقي ومتلدي\rإلى أن تحامتني العشيرة كلها ... وأفردت إفراد البعير المعبد\rرأيت بني غبراء لا ينكرونني ... ولا أهل هذاك الطراف الممدد\rألا أيهذا اللائمي أحضر الوغى ... وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي\rفإن كنت لا تستطيع دفع منيتي ... فدعني أبادرها بما ملكت يدي\rويعتد بلذاته اعتداداً كبيراً وبذكرها:\rفلولا ثلاث هن من عيشة الفتى ... وجدك لم أحفل متى قام عودي\rفمنهن سبقي العاذلات بشربة ... كميت متى ما تعل بالماء تزيد\rوكرى إذا نادى المضاف مجنبا ... كسيد الغضا نبهته المتورد\rوتقصير يوم الدجن والدجن معجب ... ببهكنة تحت الطراف الممدد\rأي شرب الراح وركوب الخيل، واللهو مع امرأة جميلة:\rأرى قبر نحام بخيل بماله ... كقبر غوى في البطالة مفسد\rأرى الموت يعنام الكرام ويصطفى ... عقيلة مال الفاحش المتشدد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855795,"book_id":1864,"shamela_page_id":71,"part":null,"page_num":71,"sequence_num":71,"body":"أرى الدهر كنزاً ناقصاً كل ليلة ... وما تنقص الأيام والدهر ينفد\rلعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى ... لكالطول المرخى وثنياه باليد\r(د) ثم ينتقل إلى عتاب ابن عمه مالك وقد سبق أن ذكرناه في أول المعلقة.\r(هـ) ثم يعود إلى التحدث عن نفسه ووصفها بالذكاء والشجاعة، ويتنبأ بموته ويطلب من ابنة أخيه معبد أن تبكيه إذا مات:\rإذا مت فانعيني بما أنا أهله ... وشقي على الجيب يا ابنة معبد\rولا تجعليني كامرئ ليس همه ... كهمي، ولا يغنى عنائي ومشهدي\rوهو في هذا البيت يعرض بابن عمه.\r(و) ثم ينتقل إلى الحكمة فيأتي منها بحكم رائعة وأمثال بليغة رويت على مر الزمان:\rستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود\rلعمرك ما الأيام إلا معارة ... فما اسطعت من معروفها فتزود\rعن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدى\rلعمرك ما أدرى وأتى لواجل ... أفي اليوم أقدام المنية أو غد\rإذا أنت لم تنفع بودك أهله ... ولم تنك بالبؤس عدوك فابعد\r- ٢ - وقال يصف أحواله وتنقله في البلاد ولهوه:\rأصحوت اليوم أم شاقتك هر ... ومن الحب جنون مستمر\rلا يكن حبك داء قاتلا ... ليس هذا منك ماوي بحر\rكيف أرجو حبها من بعد ما ... علق القلب بنصب مستسر\rأرق العين خيال لم يقر ... طاف والركب بصحراء يسر\rجازت البيد إلى أرحلنا ... آخر الليل بيعفور خدر\rثم زارتني وصحبي هجج ... في خليط بين برد ونمر\rتخلس الطرف بعيني برغز ... وبخدي رشاء آدم غر\rولها كشحاً مهاة مطفل ... تقترى بالرمل أفنان الزهر\rوعلى المتنين منها وارد ... حسن النبت أثيث مسبكر\rجأبة المدرى لها ذو جدة ... تنفض الضال وأفنان السمر\rبين أكتاف خفاف فاللوى ... مخرف تحنو لرخص الظلف حر\rتحسب الطرف عليها بحدة ... يا لقومي للشباب المسبكر\rحيثما قاظوا بنجد وشتوا ... حول ذات الحاذ من ثني وقر\rفله منها على أحيانها ... صفوة الراح بملذوذ خصر\rإن تنوله فقد تمنعه ... وتريه النجم يجري بالظهر\rظل في عسكرة من حبها ... ونأت شحط مزار المدرر\rفلئن شطت نواها مرة ... لعلي عهد حبيب معتكر\rبادن تجلو إذا ما ابتسمت ... عن شتيت كأقاح الرمل غر\rبدلته الشمس من منبته ... برداً أبيض مصقول الأشر\rوإذا تضحك تبدي حبباً ... كرضاب المسك بالماء الخصر\rصادفته حرجف في تلعة ... فسجا وسط بلاط مسبطر\rوإذا قامت تداعى قاصف ... مال من أعلى كثيب منقعر\rتطرد القر بحر صادق ... وعكيك القيظ، إن جاء، بقر\rلا تلمني إنها من نسوة ... رقد الصيف مقالبت نزر\rكبنات المخر يمأذن كما ... أنبت الصيف عساليج الخضر\rفجعوني يوم زموا عيرهم ... برخيم الصوت ملثوم عطر\rوإذا تلسنني ألسنها ... إنني لست بموهون فقر\rلا كبير دالف من هرم ... أرهب الليل ولا كل الظفر\rوبلاد زعل ظلمانها ... كالمخاض الجرب واليوم الخدر\rقد تبطنت وتحتي جسرة ... تتقى الأرض بملثوم معز\rفترى المرو إذا ما هجرت ... عن يديها كالفراش المشفتر\rذاك عصر وعداني أنني ... نابى العام خطوب غير سر\rمن أمور حدثت أمثالها ... تبتري عود القوي المستمر\rوتشكى النفس ما صاب بها ... فاصبري إنك من قوم صبر\rإن تصادف منفساً لا تلفنا ... فرح الخير ولا نكبوا لضر\rأسد غيل فإذا ما فزعوا ... غير أنكاس ولا هوج هذر\rولي الأصل الذي في مثله ... يصلح الآبر زرع المؤتبر\rطيبوا الباءة، سهل ولهم ... سبل إن شئت في وحش وعر\rوهم ما هم إذا ما لبسوا ... نسج داود لبأس محتضر\rوتساقى القوم كأساً مرة ... وعلا الخيل دماء كالشقر\rثم زادوا أنهم في قومهم ... غفر ذنبهم غير فخر\rلا تعز الخمر إن طافوا بها ... بسباء الثول والكوم البكر\rفإذا ما شربوها وانتشوا ... وهبوا كل أمون وطمر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855796,"book_id":1864,"shamela_page_id":72,"part":null,"page_num":72,"sequence_num":72,"body":"ثم راحوا عبق المسك بهم ... يلحفون الأرض هداب الأزر\rورثوا السؤدد عن آبائهم ... ثم سادوا سؤدداً غير زمر\rنحن في المشتاة ندعو الجفلى ... لا ترى الأدب فينا يفتقر\rحين قال الناس في مجلسهم ... أقتار ذاك أم ريح قطر\rبجفان تعترى نادينا ... من سديف حين هاج الصنبر\rكالجوابي لا تني مترعة ... لقرى الأضياف أو للمحتضر\rثم لا يخزن فينا لحمها ... إنما يخزن لحم المدخر\rولقد تعلم بكر أننا ... آفة الجزر مساميح يسر\rولقد تعلم بكر أننا ... واضحوا الأوجه في الأزمة غر\rولقد تعلم بكر أننا ... فاضلو الرأي وفي الروع وقر\rولقد تعلم بكر أننا ... صادقو البأس وفي المحفل غر\rيكشفون الضر عن ذي ضرهم ... ويبرون على الآبي المبر\rفضل أحلامهم عن جارهم ... رحب الأذرع بالخبر أمر\rدلق في غارة مسفوحة ... ولدى البأس حماة ما نفر\rتمسك الخيل على مكروهها ... حين لا يمسكها إلا الصبر\rحين نادى الحي لما فزعوا ... ودعا الداعي وقد لج الذعر\rأيها الفتيان في مجلسنا ... حردوا منها ورادا وشقر\rأعوجيات طوالاً شرباً ... دوخل الصنعة فيها والضمر\rمن يعابيب ذكور وقح ... وهضبات إذا ابتل العذر\rجافلات فوق عوج عجل ... ركبت فيها ملاطيس سمر\rوأنافت بهواد تلع ... كجذوع شذبت عنها القشر\rعلت الأيدي بأجواز لها ... رحب الأجواف ما إن تنبهر\rفهي تردى فإذا ما ألهبت ... طار من إحمائها شد الأزر\rكائرات وتراها تنتحي ... مسلحبات إذا جد الحضر\rدلق الغارة في إفزاعهم ... كرعال الطير أسراباً تمر\rتذر الأبطال صرعى بينها ... ما يني منهم كمي منعفر\rففداء لبني قيس على ... ما أصاب الناس من سر وضر\rخالتي والنفس قدما إنهم ... نعم الساعون في القوم الشطر\rوهم أيسار لقمان إذا ... أغلت الشتوة أبداء الجزر\rلا يلحون على غارمهم ... وعلى الأيسار تيسير العسر\rكنت فيكم كالمغطى رأسه ... فانجلى اليوم قناعي وخمر\rولقد كنت عليكم عاتباً ... فعقبتم بذنوب غير مر\rسادراً أحسب غيي رشداً ... فتناهيت وقد صابت بقر\r- ٣ - وقال طرفة أيضاً\rأشجاك الربع أم قدمه ... أم رماد دارس حممه\rكسطور الرق رقشه ... بالضحى مرقش يشمه\rلعبت بعدي السيول به ... وجرى في ريق رهمه\rفالكثيب معشب أنف ... فتناهيه فمرتكمه\rجعلته حم كلكلها ... لربيع ديمة تثمه\rحابسي رسم وقفت به ... لو أطيع النفس لم أرمه\rلا أرى إلا النعام به ... كالإماء أشرفت حزمه\rتذكرون إذ نقاتلكم ... لا يضر معدماً عدمه\rأنتم نخل نظيف به ... فإذا جز نصطرمه\rوعذاريكم مقلصة ... في دعاع النخل تجترمه\rعجز شمط معالكم ... تصطلي نيرانه خدمه\rخير ما ترعون من شجر ... يابس الطحماء أو سحمه\rفسعى الغلاق بينهم ... سعي خب كاذب شيمه\rأخذ الأزلام مقتسماً ... فأتى أغواهما زلمه\rوالقرار بطنه غدق ... زينت جلهاته أكمه\rففعلنا ذلكم زمناً ... ثم دانى بيننا حكمه\rإن تعيدوها نعدلكم ... من هجاء سائر كلمه\rوقتال لا يغبكم ... في جميع جحفل لهمه\rرزه قدم وهب وهلا ... ذي زهار جمة بهمه\rيتركون القاع تحتهم ... كمراغ ساطع قتمه\rلا ترى إلا أخا رجل ... آخذاً قرناً كملتزمه\rفالهبيت لا فؤاد له ... والتثبيت ثبته فهمه\rللفتى عقل يعيش به ... حيث تهدى ساقه قدمه\r- ٤ - وقال في عبد عمرو بن بشر بن مرثد:\rهند بحزان الشريف طلول ... تلوح وأدنى عهدهن محيل\rوبالسفح آيات كأن رسومها ... يمان وشته ريدة وسحلول\rأربت بها نتاجة تزدهي الحصى ... وأسحم وكاف العشي هطول\rفغيرن آيات الديار مع البلى ... وليس على ريب الزمان كفيل\rبما قد أرى الحي الجميع بغبطة ... إذا الحي حي والحلول حلول","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855797,"book_id":1864,"shamela_page_id":73,"part":null,"page_num":73,"sequence_num":73,"body":"ألا أبلغا عبد الضلال رسالة ... وقد يبلغ الأنباء عنك رسول\rدببت بسري بعدما قد علمته ... وأنت بأسرار الكرام نسول\rوكيف نضل المصد والحق واضح ... وللحق بين الصالحين سبيل\rوفرق عن بيتيك سعد بن مالك ... وعوفاً وعمراً ما تشي وتقول\rفأنت على الأدنى شمال عرية ... شآمية تزوى الوجوه بليل\rوأنت على الأقصى صباً غير قرة ... تذاءب، منها مرزغ ومسيل\rفأصبحت فقعاً نابتاً بقرارة ... تصوح عنه والذليل ذليل\rوأعلم علماً ليس بالظن أنه ... إذا ذل مولى المرء فهو ذليل\rوإن لسان المرء ما لم تكن له ... حصاة على عوراته لدليل\rوإن امرأ لم يعف يوماً فكاهة ... لمن لم يرد سوءاً بها لجهول\rتعارف أرواح الرجال إذا التقوا ... فمنهم عدو يتقى وخليل\r- ٥ - وقال حين أطرد فصار في غير قومه:\rقفي ودعينا اليوم يا ابنة مالك ... وعوجي علينا من صدور جمالك\rقفي لا يكن هذا تعلة وصلنا ... لبين، ولا ذا حظنا من نوالك\rأخبرك أن الحي فوق بينهم ... نوى غربة ضرارة لي كذلك\rولم ينسني قد لقيت وشفني ... من الوجد أني غير ناس لقاءك\rوما دونها إلا ثلاث مآوب ... قدرن لعيس مسنفات الحورك\rولا غرو إلا جارتي وسؤالها ... ألا هل لنا أهل؟ سئلت كذلك\rتعير سيري البلاد ورحلتي ... ألا رب دار سوى حرداك\rوليس امرؤ أفنى الشباب مجاوراً ... سوى حيه إلا كآخر هالك\rألا رب يوم لو سقمت لعادني ... نساء كرام من حي ومالك\rظللت بذي الأرطى فويق مثقب ... ببيئة سوء هالكاً أو كهالك\rترد عليها الريح ثوبى قاعداً ... إلى صدفي كالحنية بارك\rرأيت سعوداً من شعوب كثيرة ... فلم تزعيني مثل سعد بن مالك\rأبر وأوفى ذمة يعقدونها ... وخيراً إذا ساوى الدرا بالحوارك\rوأنمى إلى مجد تليد وسورة ... تكون تراثاً عند حي لهالك\rأبى أنزل الجبار عامل رمحه ... على السرج حتى قر بين السنابك\rوسيفي حسام أختلي بذبابه ... قوانس بيض الدار عين الدوارك\r- ٦ - وقال أيضاً في اطراده إلى النجاشي:\rلخلوة بالأجزاع من إضم طلل ... وبالسفح من قو مقام ومحتمل\rتربعه مرباعها ومصيفها ... مياه من الأشراف يرمى بها الحجل\rفلا زال غيث ربيع وصيف ... على دارها حيث استقرت له زجل\rمرته الجنوب ثم هبت له الصبا ... إذا مس منها مسكناً عد ملاً نزل\rكأن الخلايا فيه ضلت رباعها ... وعوذاً إذا ما هزه رعده اجتفل\rلها كبد ملساء ذات أسرة ... وكشحان لم ينقض طواءهما الحبل\rإذا قلت هل يسلو اللبانة عاشق ... تمر شؤون الحب من خولة الأول\rوما زادك الشكوى إلى متنكر ... تظل به تبكي وليس به مظل\rمتى تر يوماً عرصة من ديارها ... ولو فرط خول تسجم العين أو تهل\rفقل لخيال الحنظلية ينقلب ... إليها فإني واصل حبل من وصل\rألا إنما أبكي ليوم لقيته ... بجرثم قاس كل ما بعده جلل\rإذا جاء مالا بد منه فمرحبا ... به حين يأتي لا كذاب ولا علل\rألا إنني شربت أسود حالكاً ... ألا بجلى من الشراب ألا بجل\rفلا أعرفي إن نشذتك ذمي ... كداعي هديل لا يجاب ولا يمل\r- ٧ - وقال يهدد المسيب بن علس، ويمدح قتادة بن مسلمة الحنفي وأصاب قومه سنة، فبذل لهم:\rإن امرأ سرف الفؤاد يرى ... عسلا بماء سحابة شتمي\rوأنا امرؤ أكوى من القصر ال ... بادي وأغشى الدهم بالدهم\rوأصيب شاكلة الرمية إذ ... صدت بصفحتها عن السهم\rوأحر ذا الكفل القداة على ... أنسائه فيظل يستدمي\rوتصد عنك مخيلة الرجل ال ... عريض موضحة عن العظم\rبحسام سيفك أو لسانك وال ... كلم الأصيل كأرغب الكلم\rأبلغ قتادة غير سائله ... منه الثواب وعاجل الشكم\rأني حمدتك للعشيرة إذ ... جاءت إليك مرقة العظم\rألقوا إليك بكل أرملة ... شعثاء تحمل منقع البرم\rففتحت بابك للمكارم ح ... ين تواصت الأبواب بالأزم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855798,"book_id":1864,"shamela_page_id":74,"part":null,"page_num":74,"sequence_num":74,"body":"وأهنت إذ قدموا التلاد لهم ... وكذاك يفعل مبتنى النعم\rفسقى بلادك ... غير مفسدها\r\rصوب الغمام وديمة تهمى\r- ٨ - وقال طرفة يهجو عبد عمرو بن بشر وكان وقع بينهما شر:\rيا عجباً من عبد عمرو وبغيه ... لقد رام ظلمي عبد عمر فانعما\rولا خير فيه غير أن له غنى ... وأن له كشحا إذا قام أهضما\rيظل نساء الحي يعكفن حوله ... يقلن عسيب من سرارة ملهما\rله شربتان بالنهار وأربع ... من الليل حتى آض سخداً مورما\rويشرب حتى يغمر المحض قلبه ... وإن أعطه أترك لقلبي مجثما\rكان السلاح فوق شعبة بانة ... ترى نفخاً ورد الأسرة أسحما\r- ٩ - وقال طرفة أيضاً يهجو عمرو بن هند وأخاه قابوس بن هند:\rفليت لنا مكان الملك عمرو ... رغوثاً حول قبتنا تخور\rمن الزمرات أسبل قادماها ... وضرتها مركنة درور\rيشاركنا لها رخلان فيها ... وتعلوها الكباش فما تنور\rلعمرك إن قابوس بن هند ... ليخلط ملكه نوك كثير\rقسمت الدهر في زمن رخي ... كذاك الحكم يقصد أو يجور\rلنا يوم وللكروان يوم ... تطاردهن البائسات ولا نطير\rفأما يومهن فيوم نحس ... تطاردهن بالحدب الصقور\rوأما يومنا فنظل ركباً ... وقوفاً ما نحل وما نسير\r- ١٠ - وقال يعتذر إلى عمر بن هند حين بلغه أنه هجاه فتوعده:\rإني وجدك ما هجوتك وال ... أنصاب يسفح بينهن دم\rولقد هممت بذاك إذ حبست ... وأمر دون عبيدة الوذم\rأخشى عقابك إن قدرت ولم ... أغدر فيؤثر بيننا الكلم\r- ١١ - قال طرفة في حق لأمه ظلمته:\rما تنظرون بحق وردة فيكم ... صغر البنون ورهط وردة غيب\rقد يبعث الأمر العظيم صغيره ... حتى تظل له الدماء تصبب\rوالظلم فرق حيي وائل ... بكر تساقيها المنايا تغلب\rقد يورد الظلم المبين آجناً ... ملحاً يخالط بالذعاف ويقشب\rوقراف من لا يستفيق دعارة ... يعدى كما يعدى الصحيح الأجرب\rوالإثم داء ليس يرجى برؤه ... والبر برء ليس فيه معطب\rوالصدق يألفه الكريم المرتجى ... والكذب يألفه الدنيء الأخيب\rولقد بدا لي أنه سيغولني ... ما غال عاداً والقرون فأشعبوا\rأدوا الحقوق نفر لكم أعراضكم ... إن الكريم إذا يحرب يغضب\r- ١٢ - وقال يذكر يوم قضة:\rسائلوا عنا الذي يعرفنا ... بقوانا يوم تخلاق اللمم\rيوم تبدى البيض عن أسؤقها ... وتلف الخيل أعراج النعم\rأجدر الناس برأس صلدم ... حازم الأمر شجاع في الوغم\rكامل يحمل آلاء الفتى ... نبه سيد سادات خضم\rخير حي من معد علموا ... لكفي والجار وابن عم\rيجبر المحروب فينا ماله ... ببناء وسوام وخدم\rنقل للشحم في مشتاتنا ... عقر للنيب طراد القرم\rنزع الجاهل في مجلسنا ... فنرى المجلس فينا كالحرم\rوتفرعنا من ابني وائل ... هامة العز وخرطوم الكرم\rمن بني بكر إذا ما نسبوا ... وبني تغلب ضرابي البهم\rحين يحمى الناس نحمي سربنا ... واضحي الأوجه معروفي الكرم\rبحسامات تراها رسباً ... في الضريبات مترات العصم\rوفحول هيكلات وقح ... أعوجيات على الثأو أزم\rوقناً جرد وخيل ضمر ... شرب من طول تغلاك اللجم\rأدت الصنعة في أمتنها ... فهي من تحت مشيحات الحزم\rتتقي الأرض برح وقح ... ورق يقعرن أنباك الأكم\rوتفرى اللحم من تغدائها ... والتغالي فهي قب كالعجم\rخلج الشد ملحات إذا ... شالت الأيدي عليها بالجذم\rقدما تنضو إلى الداعي إذا ... خلل الداعي بدعوى ثم عم\rبشباب وكهول نهد ... كليوث بين عريس الأجم\rنمسك الخيل على مكروهها ... حين لا يمسك إلا ذو كرم\rنذر الأبطال صرعى بينها ... تعكف العقبان فيها والرخم\r- ١٣ - وقال طرفة أيضاً يهجو بني المنذر بن عمرو:\rمن الشر والتبريح أولاد معشر ... كثير ولا يعطون في حادث بكرا\rهم حرمل أعيا على كل آكل ... مبير ولو أمسى سوامهم دثرا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855799,"book_id":1864,"shamela_page_id":75,"part":null,"page_num":75,"sequence_num":75,"body":"جماد بها البسباس نرهض مغزها ... بنات اللبون والسلاقمة الحمرا\rفما ذنبنا في أن أداءت خصاكم ... وأن كنتم في قومكم معشرا أدرا\rإذا جلسوا خيلت تحت ثيابهم ... خرانق توفى بالضغيب لها نذرا\rأبا كرب أبلغ لديك رسالتي ... أبا جابر عني ولا تدعن عمرا\rهم سودوا رهواً تزود في استه ... من الماء خال الطير واردة عمرا\r- ١٤ - وقال طرفة أيضاً لعمر بن هند يلوم أصحابه في خذلانهم:\rأسلمى قومي ولم يغضبوا ... لسوءة حلت بهم فادحه\rكل خليل كنت خاللته ... لا ترك الله له واضحه\rكلهم اروغ من ثعلب ... ما أشبه الليلة بالبارحه\r- ١٥ - وقال طرفة أيضاً:\rأعرف رسم الدار قفراً منازله ... كجفن اليماني زخرف الوشي ماثله\rبتثليث أو نجران أو حيث تلتقي ... من النجد في قيعان جاش مسابله\rديار لسلمى إذ تصيدك بالمنى ... وإذ حبل سلمى منك دان تواصله\rوإذ هي مثل الرئم صيد غزالها ... لها نظر ساج إليك تواغله\rغنينا وما نخشى التفرق حقبة ... كلانا غرير ناعم العيش باجله\rليالي أقتاد الصبا ويقودني ... يجول بنا ريعانه ونجاوله\rسمالك من سلمى خيال ودونها ... سواد كثيب عرضه فأمايله\rفذو النير فالأعلام من جانب الحمى ... وقف كظهر الترس تجرى أساجله\rوأنى اهتدت سلمى وسائل بيننا ... بشاشة حب باشر القلب داخله\rوكم دون سلمى من عدو وبلدة ... يجار بها الهادي الخفيف ذلاذله\rيظل بها غير الفلاة كأنه ... رقيب يخافى شخصه ويضائله\rوما خلت سلمى قبلها ذات رجلة ... إذا قسوري الليل جيبت سرابله\rوقد ذهبت سلمى بعقلك كله ... فهل غير صيد أحرزته حبائله\rكما أحرزت أسماء قلب مرقش ... بحب كلمع البرق لاحت مخايله\rوأنكح أسماء المراذي يبتغي ... بذلك عوف أن تصاب مقاتله\rفلما رأى أن لا قرار يقره ... وأن هوى أسماء لابد قاتله\rترحل من أرض العراق مرقش ... على طرب تهوى سراعا رواحله\rإلى السرو أرض ساقه نحوها الهوى ... ولم يدر أن الموت بالسرو عائله\rفغودر بالفردين: أرض نطية ... مسيرة شهر دائب لا يواكله\rفيا لك من ذي حاجة حيل دونها ... وما كل ما يهوى امرؤ هو نائله\rلعمري لموت لا عقوبة بعده ... لذي البث أشقى من هوى لا يزايله\rفوجدي بسلمى مثل وجد مرقش ... بأسماء إذ لا تستفيق عواذله\rقضى نحبه وجداً عليها مرقش ... وعلقت من سلمى خيالاً أماطله\r- ١٦ - وقال طرفة أيضاً:\rإني من القوم الذين إذا ... أزم الشتاء ودوخلت حجره\rيوماً ودونيت البيوت له ... فثنى قبيل ربيعهم قرره\rرفعوا المنيح وكان رزقهم ... في المنقيات يقيمه يسره\rشرطاً قويماً ليس يحبسه ... لما تتابع وجهة عسره\rتلقى الجفان بكل صادقة ... ثمت تردد بينهم حيره\rوترى الجفان لدى مجالسنا ... متحيرات بينهم سؤره\rفكأنها عقرى لدى قلب ... يصفر من أغرابها صقره\rإنا لنعلم أن سيدركنا ... غيث يصيب سوامنا مطره\rوإذا المغيرة للهياج غدت ... بسعار موت ظاهر ذعره\rولو وأعطونا الذي سئلوا ... من بعد موت ساقط أزره\rإنا لنكسوهم وإن كرهوا ... ضرباً يطير خلاله شرره\rوالمجد ننميه ونتلده ... والحمد في الأكفاء ندخره\rنعفو كما تعفو الجياد على ال ... علات والمخذول لا ندره\rإن غاب عنه الأقربون ولم ... يصبح بريق مائه شجره\rإن التبالي في الحياة ولا ... يغنى نوائب ماجد عذره\rكل امرئ فيما ألم به ... يوماً يبين من الغنى فقره\r- ١٧ - وقال طرفة أيضاً:\rإنا إذا ما الغيم أمسى كأنه ... سما حبق ثرب وهي حمراء حرجف\rوجاءت بصراد كأن صقيعه ... خلال البيوت والمنازل كرسف\rوجاء قريع الشول يرقص قبلها ... من الدفء والراعي لها متحرف\rترد العشار المنقيات شظيها ... إلى الحي حتى يمرح المتصيف\rتبيت إماء الحي تطهى قدورنا ... ويأوي إلينا الأشعث المتجرف","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855800,"book_id":1864,"shamela_page_id":76,"part":null,"page_num":76,"sequence_num":76,"body":"ونحن إذا الخيل زايل بينها ... من الطعن نشاج مخل ومزعف\rوجالت عذارى الحي شتى كأنها ... توالى صوان والأسنة ترعف\rولم يحم فرج الحي إلا ابن حرة ... وهم الدعاء المرهق المتلهف\rففئنا غداة الغب كل نقيذة ... ومنا الكمي الصابر المتعرف\rوكارهة قد طلقتها رماحنا ... وأنقذنها والعين بالماء تذرف\rنرد النجيب في حيازيم غصة ... على بطل غادرنه وهو مزعف\r- ١٨ - وقال أيضاً:\rوركوب تعزف الجن به ... قبل هذا الجيل من عهد أبد\rوضباب سفر الماء بها ... غرقت أولاجها غير السدد\rفهي موتى لعب الماء بها ... في غثاء ساقه السيل عدد\rقد تبطنت بطرف هيكل ... غير مرباء ولا جأب مكد\rقائداً قدام حي سلفوا ... غير أنكاس ولا وغل رفد\rنبلاء السعي من جرثومة ... تترك الدنيا وتنمى للبعد\rيزعون الجهل في مجلسهم ... وهم أنصار ذي الحلم الصمد\rحبس في المحل حتى يفسحوا ... لابتغاء المجد أو ترك الفند\rسمحاء القفر، أجواد الغنى ... سادة الشيب، مخاربق المرد\rعنترة العبسي\rترجمة الشاعر\r- ١ - عنترة بن شداد العبسي أحد شعراء العرب وفرسانهم وأبطالهم ومن أصحاب المعلقات.\rأمه كانت أمة حبشية يقال لها زبيبة، وكان لعنترة أخوة من أمه عبيد وكان هو عبداً أيضاً لأن العرب كانت لا تعترف ببني الإماء إلا إذا امتازوا على أكفائهم ببطولة أو شاعرية أو سوى ذلك.\rولكن عنترة سرعان ما اعترف أبوه به لبسالته وشجاعته، وكان السبب في ذلك أن بعض أحياء العرب أغاروا على بني عبس فأصابوا منهم فتبعهم العبسيون فلحقوهم فقاتلوهم وفيهم عنترة، فقال له أبوه: كر يا عنترة. فقال له: العبد لا يحسن الكر إنما يحسن الحلاب والصر. فقال: كر وأنت حر. فكر وقاتل يومئذ فأبلى واستنقذ ما في أيدي القوم من الغنيمة، فادعاه أبوه بعد ذلك.\rوعنترة أحد أغربة العرب، وهم ثلاثة: عنترة وأمه سوداء، وخفاف بن ندبة السلمى وأبوه عمير وأمه سوداء وإليها نسب، والسليك بن السلطة السعدي.\rوكان عنترة من أشجع الفرسان وأجود العرب بما ملكت يداه وكان لا يقول من الشعر إلا البيتين والثلاثة حتى سابه رجل فذكر سواده وسواد أمه وأنه لا يقول الشعر. فقال عنترة: والله إن الناس ليترافدون الطعمة فما حضرت أنت ولا أبوك ولا جدك مرفد الناس وإن الناس ليدعون في الغارات فيعرفون بتسويمهم فما رأيتك في خيل مغيرة في أوائل الناس قط، وإن اللبس ليكون بيننا فما حضرت أنت ولا أبوك ولا جدك خطة فصل، وإني لأحضر اللبس وأوفي المغنم وأعف عند المسألة وأجود بما ملكت يدي وأفصل الخطة الصماء وأما الشعر فستعلم، فكان أول ماقاله معلقته المشهورة:\rهل غادر الشعراء من متردم ... أم هل عرفت الدار بعد توهم؟\rوحضر عنترة حرب داحس والغبراء وحسن فيها بلاؤه وحمدت مشاهده وعاش طويلاً حتى كبر ومات نحو سنة ٦١٥ م.\rوقد عشق عنترة في شبابه بنت عمه عبلة وكان ذلك قبل أن يحرره أبوه ويدعيه فأبى عمه أن يزوجه ابنته وهو عبد فحفزه ذلك للمعال وعظائم الأمور وهاج ذلك من شاعريته فاجتمع له الشعر السلس القوي والشجاعة النادرة والمروءة المأثورة.\rوكان عنترة ينوه عن نسبه في شعره، من ذلك قوله:\rإني امرؤ من خير عبس منصبا ... شطري واحمي سائري بالمنصل\rوإذا الكتيبة أحجمت وتلاحظت ... ألفيت خيراً من معمم مخول\rوقضى عنترة كل عمره في الحروب والقتال وقول الشعر فصارت العرب تعده من فحول أبطالها وأخذت تروى عند النوادر والأحاديث ومازالت الرواية بذلك تنتقل من جيل إلى آخر ويزداد فيها حتى صارت مع الزمان رواية كبيرة كتبت أخيراً وتعرف الآن بقصة عنترة بن شداد العبسي ويلتذ بقراءتها إلى الآن كثيرون من أهالي الشام ومصر.\r- ٢ - ويمتاز شعر عنترة بعذوبة الأسلوب وسهولة اللفظ ورقة المعنى ومعلقته من أجمل المعلقات وأكثرها انسجاماً وأبدعها وصفا وأشدها حماسة وفخراً وله حلاوة الغزل ومتانة الفخر، وديوانه مطبوع ولكن أكثره منحول عليه..\rومما سبق إليه ولم ينازع فيه قوله:\rإني امرؤ من خير عبس منصبا ... شطري وأحمي سائري بالمنصل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855801,"book_id":1864,"shamela_page_id":77,"part":null,"page_num":77,"sequence_num":77,"body":"وإذا الكتيبة أحجمت وتلاحظت ... ألفيت خيراً من معمم مخول\rومن إقراطه قوله:\rوأنا المنية في المواطن كلها ... والطعن مني سابق الآجال\rوكثيراً ما يتغنى في شعره بمكارم الأخلاق كقوله:\rولقد أبيت على الطوى وأظله ... حتى أنال به كريم المأكل\rوقوله:\rوأغض طرفي ما بدت لي جارتي ... حتى توارى جارتي مأواها\rومن محاسن شعره قوله:\rولقد أبيت على الطوى وأظله ... حتى أنال به كريم المأكل\rوأنشد رسول الله ﷺ هذا البيت، فقال: \"ما وصف لي أعرابي قط فأحببت أن أراه إلا عنترة\".\rوعده صاحب الجمهرة ثاني أصحاب المجمهرات. قال: \"وقد أدركنا أكثر أهل العلم يقولون إن بعدهن (السموط وهي المعلقات) سبعاً ما هن بدونهن ولقد تلا أصحابهم أصحاب الأوائل فما قصروا وهن المجمهرات لعبيد بن الأبرص، وعنترة بن عمرو وعدي بن زيد ونشر بن أبي خازم وأمية بن أبي الصلت وخداش بن زهير والنمر بن تولب.\rوذكره أبو عبيدة في الطبقة الثالثة من الشعراء.\rويقول ابن قتيبة وكان لا يقول من الشعراء إلا البيت والبيتين والثلاثة حتى سابه رجل من قومه فذكر سواده وسواد أمه وغيره ذلك، وأنه لا يقول الشعر فقال عنترة والله إن الناس ليترافدون الطعمة فما حضرت أنت ولا أبوك ولا جدك مرفد الناس قط وإن الناس ليدعون في الغارات فيعرفون بتسويمهم فما رأيتك في خيل مغيرة في أوائل الناس قط وإن اللبس ليكون بيننا فما حضرت أنت ولا أبوك ولا جدك حطة فصل وإنما أنت فقع بقرقر وإني لأحتضر البأس وأوفى المغنم وأعف عن المسألة وأجود بما ملكت يدي وأفضل الخطة الصماء وأما الشعر فستعلم.\rفكان أول ما قال: هل غادر الشعراء من متردم وكانت العرب تسميها المذهبة.\r\rالمختار من شعر عنترة العبسي\r- ١ - قال عنترة العبسي:\rهل غادر الشعراء من متردم ... أم هل عرفت الدار بعد توهم\rأعياك رسم الدار لم يتكلم ... حتى تكلم الأصم الأعجم\rولقد حبست بها طويلاً ناقتي ... أشكو إلى سفع رواكد جم\rيا دار عبلة بالجواء تكلمي ... وعمي صباحاً دار عبلة واسلمي\rدار لآنسة غضيص طرفها ... طوع العناق لذيذة المتبسم\rفوقفت فيها ناقتي وكلها ... فدن، لأقضي حاجة المتلوم\rوتحل عبلة بالجواء وأهلنا ... بالحزن فالصمان فالمتثلم\rحييت من طلل تقادم عهده ... أقوى وأقفر بعد أم الهيثم\rحلت بأرض الزائرين فأصبحت ... عسراً علي طلابك ابنة مخوم\rعلقتها عرضاً وأقتل قومها ... زعماً لعمر أبيك ليس بمزعم\rولقد نزلت فلا تظني غيره ... مني بمنزلة المحب المكرم\rكيف المزار وقد تربع أهلها ... بعنيزتين وأهلنا بالغيلم\rإن كنت أزمعت الفراق فإنما ... زمت ركابكم بليل مظلم\rما راعني إلا حمولة أهلها ... وسط الديار تسف حب الخمخم\rفيها اثنتان وأربعون حلوبة ... سوداً كخافية الغراب الأسحم\rإذ تستبيك بأصلتي ناعم ... عذب مقبله لذيذ المطعم\rوكأنما نظرت بعيني شادن ... رشإ من الغزلان ليس بتوءم\rوكأن فارة تاجر بقسيمة ... سبقت عوارضها إليك من الفم\rأو روضة أنفاً تضمن نبتها ... غيث قليل الدمن ليس بمعلم\rجادت عليها كل عين ثرة ... فتركن كل حديقة كالدرهم\rسحا وبسكاباً فكل عشية ... يجري عليها الماء لم يتصرم\rفترى الذباب بها يغني وحده ... هزجاً كفعل الشارب المترنم\rغرداً يسن ذراعه بذراعه ... فعل المكب على الزناد الأجذم\rتمسي ويصبح فوق ظهر حشية ... وأبيت فوق سراة أدهم ملجم\rوجشيتي سرج على عبل الشوى ... نهد مراكله نبيل المحزم\rهل تبلغني دارها شدنية ... لعنت بمحروم الشراب مصرم\rخطارة غب السرى زيافة ... تطس الإكام بكل خف مثيم\rوكأنما أقص الإكام عشية ... بقريب بين المنسمين مصلم\rيأوي إلى حزق النعام كما أوت ... حزق يمانية لأعجم طمطم\rيتبعن قلة رأسه وكأنه ... زوج على حرج لهن مخيم\rصعل يعود بذي العشيرة بيضه ... كالعبد ذي الفرو الطويل الأصلم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855802,"book_id":1864,"shamela_page_id":78,"part":null,"page_num":78,"sequence_num":78,"body":"شربت بماء الدحرضين فأصبحت ... زوراء تنفر عن حياض الديلم\rوكأنما تنأى بجانب دفها ال ... وحشي من هزج العشي مؤوم\rهر جنيب كلما عطفت له ... غضبى اتقاها باليدين وبالفم\rأبقى لها طول السفار مقرمدا ... سنداً ومثل دعائم المتخيم\rبركت على ماء الرداع كأنما ... بركت على قصب أجش مهضم\rوكأن ربا أو كحيلا معقداً ... حش القيان به جوانب قمقم\rينباع من ذفرى غضوب جسرة ... زيافة مثل الفنيق المقرم\rإن تغد في دوني القناع فإنني ... طب بأخذ الفارس المستلم\rأثنى علي بما علمت فإنني ... سمح مخالقتي إذا لم أظلم\rفإذا ظلمت فإن ظلمي باسل ... مر مذاقته كطعم العلقم\rولقد شربت من المدامة بعدما ... ركد الهواجر بالمشوف المعلم\rبزجاجة صفراء ذات أسرة ... قرنت بأزهر في الشمال مقدم\rفإذا شربت فإنني مستهلك ... مالي، وعرضي وافر لم يكلم\rوإذا صحوت فما أقصر عن ندى ... وكما علمت شمائلي وتكرمي\rوحليل غانية تركت مجدلا ... تمكو فريصته بشدق الأعلم\rعجلت يداي له بمارق طعنة ... ورشاش نافذة كلون العندم\rهلا سألت القوم يا ابنة مالك ... إن كنت جاهلة بما لم تعلمي\rإذ لا أزال على رحالة سابح ... نهد تعاوره الكماة مكلم\rطوراً يعرض للطعان وتارة ... يأوي إلى حصد القسي عرمرم\rيخبرك من شهد الوقائع أنني ... أغشى الوغى وأعف عند المغنم\rفأرى مغانم لو أشاء حويتها ... ويصدني عنها الحيا وتكرمي\rومدجج كره الكماة نزاله ... لا ممعن هرباً ولا مستسلم\rجادت يداي له بعاجل طعنة ... بمثقف صدق الكعوب مقوم\rبرحيبه الفرغين يهدي جرسها ... بالليل معتس السباع الضرم\rكمشت بالرمح الطويل ثيابه ... ليس الكريم على القنا بمحرم\rوتركته جزر السباع ينشنه ... ما بين قلة رأسه والمعصم\rومشك سابغة هتكت فروجها ... بالسيف عن حامي الحقيقة معلم\rربذ يداه بالقداح إذا شتا ... هتاك غايات التجار ملوم\rبطل كأن ثيابه في سرحة ... يحذى نعال السبت ليس بتوءم\rلما رآني قد قصدت أريده ... أبدى نواجذه لغير تبسم\rفطعنته بالرمح ثم علوته ... بمهند صافي الحديدة مخذم\rعهدي به شد النهار كأنما ... خضب اللبان ورأسه بالعظلم\rيا شاة ما قنص لمن حلت له ... حرمت علي وليتها لم تحرم\rفبعثت جاريتي فقلت لها اذهبي ... فتحسسي أخبارها لي واعلي\rقالت رأيت من الأعادي غرة ... والشاة ممكنة لمن هو مرتم\rوكأنما التفتت بجيد جداية ... رشاء من الغزلان حر أرثم\rنبئت عمراً غير شاكر نعمتي ... والكفر مخبثة لنفس المنعم\rولقد حفظت وصاة عمي بالضحا ... إذ تقلص الشفتان عن وضح الفم\rفي حومة الموت التي لا تشتكي ... غمراتها الأبطال غير تغمغم\rإذ يتقون بي الأسنة لم أخم ... عنها ولم أني تضايق مقدمي\rلما رأيت القوم أقبل جمعهم ... يتذامرون كررت غير مذمم\rيدعون عنتر والرماح كأنها ... أشطان بئر في لبنان الأدهم\rمازلت أرميهم بثغرة نحره ... ولبانه، حتى تسربل بالدم\rفازور من وقع القنا بلبانه ... وشكا إلي بعبرة وتحمحم\rلو كان يدري ما المحاورة أشتكي ... أو كان يدري ما جواب تكلمي\rوالخيل تقتحم الخيار عوابسا ... ما بين شيظمة وأجرد شيظم\rولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها ... قيل الفوارس ويك عنتر أقدم\rذلل جمالي حيث شئت مشايعي ... قلبي، وأحفزه برأي مبرم\rإني عداني أن أزورك فاعلمي ... ما قد علمت وبعض مالم تعلمي\rحالت رماح أنني بغيض دونكم ... وزرت جواني الحرب من لم يجرم\rولقد كررت المهر يدمى نحره ... حتى اتقتني الخيل يا بني حذيم\rولقد خشيت بأن أموت ولم تدر ... للحرب دائرة على ابني ضمضم\rالشاتمي عرضي ولم أشتمهما ... والناذرين إذا لم ألقهما دمي\rإن يفعلا فلقد تركت أباهما ... جزراً لخامعة ونسر قشعم\rتحليل القصيدة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855803,"book_id":1864,"shamela_page_id":79,"part":null,"page_num":79,"sequence_num":79,"body":"أ - عنترة بن عمرو بن شداد العبسي ٦١٥ م أحد فرسان العرب وأبطالها وشعرائها، كان عبداً أسود. وكان لا يقول من الشعر إلا البيتين أو الثلاثة، فخاصمه رجل وعيره بسواده وسواد أمه وسوى ذلك وأنه لا يقول الشعر. فقال عنترة: والله إن الناس ليترافدون الطعام فما حضرت أنت ولا أبوك ولا جدك مرفد الناس قط، وإن الناس ليدعون في الغارات فيعرفون بتسويمهم فما رأيتك في خيل مغيرة في أوائل الناس قط، وإن اللبس ليكون بيننا فما حضرت أنت ولا أبوك ولا جدك خطة فصل. وإني لأحضر البأس وأوفى المغنم، وأعف عن المسألة، وأجود بما ملكت يدي، وأفصل الخطة الصماء، وأما الشعر فستعلم. فغاب حيناً وعاد إليه فأنشده معلقته:\rهل غادر الشعر من متردم ... أم هل عرفت الدار بعد توهم\rوهي أجود شعره. وكان العرب تسميها الذهبية.\rوشجاعة عنترة وبسالته دفعت أباه إلى أن يستلحقه بنسبه، وإلى أن يزوجه عمه ابنته عبلة، وكان فارس داحس والغبراء، كما كان فارس عبس، وأحد أغربة العرب المشهورين.\rب - تحليل ونقد للمعلقة: ١ - هي إحدى المعلقات السبع، ومن روائع الشعر العربي القديم مطلعها:\rهل غادر الشعراء من متردم ... أم هل عرفت الدار بعد توهم\r٢ - وتمتاز بالسهولة واللين الباديين فيها، والذين قلما يوجدان في الشعر النجدي القديم، والذين لا يخلوان من فخامة وجزالة واضحة جلية، سهلة اللفظ، قريبة المعنى، ليس بينها وبين النفس حجاب من هذه الجزالة التي تكاد تبلغ الغرابة، وإنما تسير في سهولة ويسر، وترتفع عن الإسفاف والابتداء دون تورط في الغلظة والإغراب، وعنترة فيها رقيق في غزله والإشادة ببطولته، بل هو رقيق في حديثه عن أعدائه. أليس هو الذي يقول:\rفشككت بالرمح الأصم ثيابه ... ليس الكريم على القنا بمحرم\rبل هو رقيق على فرسه، يألم لألمه، ويشقى لشقائه، ويرى بكاءه، ويسمع توجعه حين تعبث به رماح الأعداء:\rفازور من وقع القنا بلبانه ... وشكا إلى بعبرة وتحمحم\rلو كان يدري ما المحاورة اشتكى ... ولكان لو علم الكلام مكلمي\rوعنترة لا تنتهي به الرقة إلى الضعف، كما لا تنتهي به الشدة إلى العنف، وكما لا ينتهي به السكر إلى ما يفسد الأخلاق والمروءة، أو الصحو إلى التقصير والعيب والبخل، وهو مقدم إذا كانت الحرب عفيف إذا قسمت الغنائم، يحاول أن يصف من أخلاقه ما يشرف به الرجل العربي الكريم، مما يستغنى عن الإبانة عنه، فيقول هذه الكلمة الرائعة: \"وكما علمت شمائلي وتكرمي\".\rالمعلقة تصوير واضح لنفسية الشاعر ومشاعره وحياته وعواطفه وبطولته وقوته وبأسه ونضاله للأعداء، ولا عجب فهي تنبع من نفسه وحياته وتصورهما تمام التصوير.\rولو لم نعرف عنترة أو نسمع بأخباره وحياته، لعرفناه من معلقته بطلا مقداما، وشجاعا فارسا، وعربياً كريم الخلق، رقيق العاطفة، حار الشعور، يضع روحه في كفه، ويبذلها مضحيا في سبيل كرامته وشرفه وبطولته.\r٣ - وقد سار فيها على نهج غيره من الشعراء فذكر الديار كما ذكروها، ووصف الناقة كما وصفوها، وافتخر بالكرم والنجدة والبطولة.\rوفيها معان قلما انتهى إلى مثلها غير عنترة من الشعراء ولم يخطئ ابن سلام حين قال إن هذه القصيدة نادرة فهي نادرة حقاً، وكأنها طائفة من الأنغام الموسيقية الكثيرة المختلفة فيما بينها أشد الاختلاف، وفيها نغمة واحدة متصلة منذ بدء القصيدة إلى نهايتها تظهر واضحة حيناً، وتحسها النفس وإن لم تسمعها الأذن حيناً آخر. وهذه النغمة التي تكون وحدة هذه القصيدة كما كونت الوحدة في معلقة لبيد هي حديث الشاعر إلى صاحبته واستحضار صورتها في الفسة منذ بدء القصيدة. ولكن بين هذه النغمة في قصيدة عنترة وقصيدة لبيد فرقاً واضحاً جداً، فهي في قصيدة عنترة حلوة رقيقة تمازج النفس فتمتزج بها لأن عنترة فيما يظهر كان حلو النفس، رقيق القلب، قوي العاطفة، جاءه ذلك من أنه عز بعد ذلة، وتحرر بعد رق، فهو قد شقي في صباح وطفولته، واحتمل الأذى في شبابه والذل الذي يمتزج بالنفس فيصفي عواطفها ويلطف حدتها. على حين نجد هذه النغمة عند لبيد غليظة خشنة، لبيد يتحدث عن صاحبته في أول القصيدة ويذكرها أثناءها ولكنه ليس متهالكاً عليها ولا متحرجاً من الصد عنها، فهو يبادل القطيعة بالقطيعة والهجر بالهجر. أما عنترة فيقول:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855804,"book_id":1864,"shamela_page_id":80,"part":null,"page_num":80,"sequence_num":80,"body":"ولقد نزلت تلافظني غيره ... مني بمنزلة المحب المكرم\r٤ - وفيها عدة تشبيهات رائقة، كتشبيه الظليم وقد تبعته النعام بالعبد الأسود وقد ثابت إليه الإبل:\rتأوي له قلص النعام كما أوت ... حزق بجانبه لأعجم طمطم\rومثل هذا التشبيه الرائع الذي يعجب به النقاد من القدماء ويحبونه، في الأبيات التي وصف فيها ثغر صاحبته بالجمال وطيب النشر فذكر فأرة المسك وذكر الروضة الأنف التي ألح عليها الغيث حتى زكا نبتها وكثر فيها الذباب مبتهجاً نشوان مترنماً:\rوكأن فأرة تاجر بقسيمة ... سبقت عوارضها إليك من الفم\rأو روضة أنفا تضمن نبتها ... غيت قليل الدمن ليس بمعلم\rجادت عليه كل بكر حرة ... فتركن كل قرارة كالدرهم\rسحا وتسكابا فكل عشية ... يجري عليها الماء لم يتصرم\rوخلا الذباب فيها فليس ببارح ... غردا كفعل الشارب المترنم\rهزجا يحك ذراعه بذراعه ... قدح المكب على الزناد الأجذم\r٥ - وكثير جداً من أبيات هذه المعلقة قد ظفر بحظ كبير من الإيجاز والامتلاء والبراءة من اللغو والفضول، حتى جرى مجرى الأمثال، فأي الناس لا يتمثل قوله:\rوإذا شربت فإنني مستهلك ... مالي وعرضي وافر لم يكلم\rوإذا صحوت فما أقصر عن ندى ... وكما علمت شمائلي وتكرمي\rأو قوله:\rينبئك من شهد الوقيعة أنني ... أغشى الوغى وأعف عند المغنم\rأو قوله:\rولقد خشيت بأن أموت ولم تدر ... للحرب دائرة على ابني ضمضم\rالشاتمي عرضي ولم أشتمهما ... والناذرين إذا لقيتهما دمي\rمما احتذاه جميل فقال:\rوليت رجالاً فيك قد نذر وأدمى ... وهموا بقتلي يا بثين لقوني\rأو قوله:\rإن يفعلا فلقد تركت أباهما ... جزر السباع وكل نسر قشعم\rوجل هذه القصيدة يجري مجرى المثل وينشد على اختلاف العصور والبيئات والظروف. فلا يمل إنشاده ولا تحس النفس نوا عنه، أو نفورا منه، وإنما تحس كأنها تجري فيه أو كأن هذا الشعور مرآة صافية صادقة لكل نفس كريمة ولكل قلب ذكي، ولكل خلق نقي.\rذلك لأن عنترة بحياته وشخصيته ومشاعره وعواطفه وآماله وآلامه كان كأنما يتحدث عن النفوس ويصف حياة الناس، ويأخذ من تجاربه وخبرته ومن فراسته وذكائه أساليبه وصوره ويستمد من إلمامه بالحياة ومعرفته ببيئته مادة بيانه وشعوره وشعره.\rفعنترة في معلقته شاعر يتحدث عن البطولة في البداية وعن المجتمع الذي كان يعيش فيه وعن الحياة التي كان يتأثر بها وعن عواطف الشاعر وعن دخائل نفسه حديث المصور الماهر والشاعر العبقري.\rوبعد، فكل ما في المعلقة جيد وكل أبياتها خليق أن نطيل الوقوف عنده ونفكر فيه والإعجاب به، كما يقول الدكتور طه حسين.\r(ج) وفنون المعلقة كثيرة.\r١ - بدأها عنترة بالغزل في ابنة عمه عبلة ومخاطبة دارها ذات الذكريات الجميلة، قال:\rهل غادر الشعراء من متردم ... أم هل عرفت الدار بعد توهم\rيا دار عبلة بالجواء تكلمي ... وعمي صباحاً دار عبلة واسلمي\rوتحل عبلة بالجواء وأهلنا ... بالحزن فالصمان فالمتثلم\rحبيت من طلل تقادم عهده ... أقوى وأقفر بعد أم الهيثم\r٢ - واسنطرد إلى وصف الروضة:\rأو روضة أنقا تضمن نبتها ... غيث قلل الدمن ليس بمعلم\rجادت عليه كل بكر حرة ... فتركن كل قرارة كالدرهم\rوخلا الذباب بها فليس ببارح ... غردا كفعل الشارب المترنم\rهزجا يحك ذراعه بذراعه ... قدح لمكب على الزناد الأجذم\r٣ - ثم يصف ناقته في أبيات كأبيات طرفة تمتاز بالغرابة:\rهل تبلغني دارها شدنية ... لعنت بمحروم الشراب مصرم\r٤ - ثم يفتخر بنفسه وشجاعته:\rأثنى علي بما علمت فإنني ... سهل مخالطتي إذا لم أظلم\rفإذا ظلمت فإن ظلمي باسل ... مر مذاقته كطعم العلقم\rوإذا شربت فإنني مستهلك ... مالي، وعرضي وافر لم يكلم\rوإذا صحوت فما أقصر عن ندى ... وكما علمت شمائلي وتكرمي\rويستمر في التنويه بشجاعته إلى أن يقول:\rولقد ذكرتك والرماح نواهل ... مني وبيض الهند تقطر من دمي\rفوددت تقبيل السيوف لأنها ... لمعت كبارق ثغرك المتبسم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855805,"book_id":1864,"shamela_page_id":81,"part":null,"page_num":81,"sequence_num":81,"body":"لما رأيت القوم أقبل جمعهم ... يتذامرون كررت غير مذمم\rيدعون عنتر والرماح كأنها ... أشطان بئر في لبان الأدهم\rمازلت أرميهم بثغرة نحرة ... ولبانه حتى تسربل بالدم\rفازور من وقع القنا بلبانه ... وشكا إلى بعيرة وتحمحم\rلو كان يدري ما المحاورة اشتكى ... ولكان لو علم الكلام مكلمي\rولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها ... قيل الفوارس: ويك عنتر أقدم\r٥ - ثم يختمها بتهديد ابني ضمضم، وكانا قد نذرا دمه وتربصا له لأنه قتل أباهما في الحرب. قال:\rولقد خشيت بأن أموت ولم تدر ... للحرب دائرة على ابني ضمضم\rالشاتمي عرضي ولم أشتمهما ... والناذرين إذا لم ألقهما دمي\rإن يفعلا فلقد تركت أباهما ... جزر السباع وكل نسر قشعم\r- ٢ - وقال عنترة يذكر يوم الفروق:\rألا قاتل الله الطلول البواليا ... وقاتل ذكراك السنين الخواليا\rوقولك للشيء الذي لا تناله ... إذا ما هو احلولى ألا ليت ذاليا\rونحن منعنا بالفروق نساءنا ... نطرف عنها مشعلات غواشيا\rحلفنا لهم والخيل تردى بنا معاً ... نزايلكم حتى تهزوا العواليا\rعوالي زرقا من رماح ردينة ... هرير الكلاب ينقين الأفاعيا\rتفاديتم أستاه نيب تجمعت ... على رمة من العظام تفاديا\rألم تعلموا أن الأسنة أحرزت ... بقيتنا لو أن للدهر باقيا\rأبينا أن تضب لثاتكم ... على مرشقات كالظباء عواطيا\rوقلت لمن أحضر الموت نفسه ... ألا من لأمر حازم قد بدا ليا\rوقلت لهم ردوا المغيرة عن هوى ... سوابقها وأقبلوها النواصيا\rفما وجدونا بالفروق أشابة ... ولا كشفاً ولا دعينا مواليا\rوإنا نقود الخيل حتى رؤوسها ... رؤوس نساء لا يجدن فواليا\rتعالوا إلى ما تعلمون فإنني ... أرى الدهر لا ينجي من الموت ناجيا\r- ٣ - وقال عنترة أيضاً في يوم عراعر:\rألا هل أتاها أن يوم عراعر ... شفى سقما لو كانت النفس تشتفي\rفجئنا على عمياء ما جمعوا لنا ... بأرعن لا خل ولا متكشف\rتماروا بنا إذ يمدرون حياضهم ... على ظهر مقضي من الأمر محصف\rوما نذروا حتى غشينا بيوتهم ... بغية موت مسبل الودق مزعف\rفظلنا نكر المشرفية فيهم ... وخرصان لدن السمهري المثقف\rعلالتنا في كل يوم كريهة ... بأسيافنا والقرح لم يتقرف\rأبينا فلا نعطى السواء عدونا ... قياماً بأعضاد السراء المعطف\rبكل هتوف عجسها رضوبة ... وسهم كسير الحميري المؤنف\rفإن يك عز في قضاعة ثابت ... فإن لنا برحرحان وأسقف\rكتائب شهباً فوق كل كتيبة ... لواء كظل الطائر المتصرف\rوغادرن مسعوداً كأن بنحره ... شقيقة برد من يمان مفوف\r- ٤ - وقال عنترة أيضاً يهجو عمارة بن زياد:\rأحولي تنفض استك مذرويها ... لتقتلني، فهأنذا عمار\rومتى ما تلقني فردين ترجف ... روانف إليتيك وتستطارا\rوسيفي صارم قبضت عليه ... أشاجع لا ترى فيها انتشارا\rوسيفي كالعقيقة وهو كمعي ... سلاحي لا أفل ولا فطارا\rوكالورق الخفاف وذات غرب ... ترى فيها عن الشرع ازورارا\rومطرد الكعوب أحض صدق ... تخال سنانه بالليل نارا\rستعلم أينا للموت أدنى ... إذا دانيت بي الأسل الحرارا\rومنجوب له منهن صرع ... يميل إذا عدلت به الشوارا\rأقل عليك ضراً من قريح ... إذا أصحابه ذمروه سارا\rوخيل قد زحفت لها بخيل ... عليها الأسد تهتصر اهتصارا\r- ٥ - وقال عنترة أيضاً:\rنأتك رقاش إلا عن لمام ... وأمسى حبلها خلق الرمام\rوما ذكرى رقاش إذا استقرت ... لدى الطرفاء عند ابني شمام\rومسكن أهلها من بطن جزع ... تبيض به مصاييف الحمام\rووقفت وصحبتي بأرينبات ... على أقتاد عوج كالسمام\rفقلت تبينوا ظعنا أراها ... تحل شواحطا جنح الظلام\rوقد كذبتك نفسك فاكذبنها ... لما منتك تغريراً قطام\rومرقصة رددت الخيل عنها ... وقد همت بإلقاء الزمام","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855806,"book_id":1864,"shamela_page_id":82,"part":null,"page_num":82,"sequence_num":82,"body":"فقلت لها اقصري منه وسيرى ... وقد قرع الرجائز بالخدام\rأكر عليهم مهري كليماً ... قلائده سبائب كالقرام\rكأن دفوف مرجع مرفقيه ... توارثها منازيع السهام\rتقعس وهو مضطمر مضر ... بقارحه على فأس اللجام\rيقدمه فتى من خير عبس ... أبوه وأمه من آل حام\r- ٦ - وقال عنترة:\rطال الثواء على رسوم المنزل ... بين اللكيك وبين ذات الحرمل\rفوقفت في عرصاتها متحيراً ... أسل الديار كفعل من لم يذهل\rلعبت بها الأنواء بعد أنيسها ... والرامسات وكل جون مسبل\rأفمن بكاء حمامة في أيكة ... ذرفت دموعك فوق ظهر المحمل\rكالدر أو فضض الجمان تقطعت ... منه عقائد سلكه لم توصل\rلما سمعت دعاء مرة إذ دعا ... ودعاء عبس في الوغى ومحلل\rناديت عبساً فاستجابوا بالقنا ... وبكل أبيض صارم لم ينحل\rحتى استباحوا آل عوف عنوة ... بالمشرفي وبالوشيج الذبل\rإني امرؤ من خير عبس منصباً ... شطري، وأحمي سائري بالمنصل\rإن يلحقوا أكرر، وإن يستلحموا ... أشدد، وإن يلفوا بضنك أنزل\rحين النزول يكون غاية مثلنا ... ويفر كل مضلل مستوهل\rولقد أبيت على الطوى وأظله ... حتى أنال به كريم المأكل\rوإذا الكتيبة أحجمت وتلاحظت ... ألفيت خيراً من معم مخول\rوالخيل تعلم والفوارس أنني ... فرقت جمعهم بطعنة فيصل\rإذ لا أبادر في المضيق فوارسي ... ولا أركل بالرعيل الأول\rولقد غدوت أمام راية غالب ... يوم الهياج وما غدوت بأعزل\rبكرت تخوفني الحتوف كأنني ... أصبحت عن غرض الحتوف بمعزل\rفأجبتها إن المنية منهل ... لابد أن أسقى بكاس المنهل\rفاقني حياءك لا أبالك واعلمي ... أني امرؤ سأموت إن لم أقتل\rإن المنية لو تمثل مثلت ... مثلي إذا نزلوا بضنك المنزل\rوالخيل ساهمة الوجوه كأنما ... تسقى فوارسها نقيع الحنظل\rوإذا حملت على الكريهة لم أقل ... بعد الكريهة ليتني لم أفعل\rعجبت عبيلة من فتى متهذل ... عاري الأشاجع شاحب كالمنصل\rشعث المفارق منهج سرباله ... لم يدهن حولاً ولم يترجل\rلا يكتسي إلا الحديد إذا اكتسى ... وكذاك كل مغاور مستبسل\rقد طال مالبس الحديد فإنما ... صدأ الحديد بجلده لم يغسل\rفتضاحكت عجباً وقالت قولة ... لا خير فيك كأنها لم تحفل\rفعجبت منها كيف زلت عينها ... عن ماجد طلق اليدين شمردل\rلا تصرميني يا عبيل وراجعي ... في البصيرة نظرة المتأمل\rفلرب أملح منك دلا فاعلمي ... وأقر في الدنيا لعين المجتلي\rوصلت حبالي بالذي أنا أهله ... من ودها وأنا رخي المطول\rيا عبل كم من غمرة باشرتها ... بالنفس ماكادت لعمرك تتجلى\rفيها لوامع لو رأيت ذهاءها ... لسلوت بعد تخضب وتكحل\rإما تريني قد نحلت ومن يكن ... غرضاً لأطراف الأسنة ينحل\rفلرب أبلج مثل بعلك بادن ... ضخم على ظهر الجواد مهبل\rغادرته متعفراً أرصاله ... والقوم بين مجرح ومجدل\rفيهم أخو ثقة يضارب نازلاً ... بالمشرفي وفارس لم ينزل\rورماحنا تكف النجيع صدورها ... وسيوفنا تخلى الرقاب فتختلي\rوالهام تندر بالصعيد كأنها ... تلقى السيوف بها رؤوس الحنظل\rولقد لقيت الموت يوم لقيته ... متسربلاً والسيف لم يتسربل\rفرأيتنا ما بيننا من حاجز ... إلا المجن ونصل أبيض مفصل\rذكر أشق به الجماجم في الوغى ... وأقول لا تقطع يمين الصيقل\rولرب مشعلة وزعت رعالها ... بمقلص نهد المراكل هيكل\rسلس المعذر لاحق أقرابه ... متقلب عبثاً بفأس المسحل\rنهد القطاة كأنها من صخرة ... ملساء يغشاها المسيل بمحفل\rوكأن هاديه إذا استقبلته ... جذع أذل وكان غير مذلل\rوكأن مخرج روحه في وجهه ... سربان كانا مولجين لجيئل\rوكأن متنيه إذا جردته ... ونزعت عنه الجل متنا ايل\rوله حوافر موثق تركيبها ... صم النسور كأنها من جندل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855807,"book_id":1864,"shamela_page_id":83,"part":null,"page_num":83,"sequence_num":83,"body":"وله عسيب ذو سبيب سابغ ... مثل الرداء على الغني المفضل\rسلس العنان إلى القتال فعينه ... قبلاء شاخصة كعين الأحول\rوكأن مشيته إذا نهنهته ... بالنكل مشية شارب مستعجل\rفعليه أقتحم الهياج تقحماً ... فيها وأنقض انقضاض الأجدل\r- ٧ - وقال عنترة:\rظعن الذين فراقهم أتوقع ... وجرى بينهم الغراب الأبقع\rخرق الجناح كأن لحي رأسه ... جلمان، بالأحبار هش مولع\rفزجرته ألا يفرخ عشه ... أبداً، ويصبح واحداً يتفجع\rإن الذين نعبت لي بفراقهم ... قد أسهروا ليلى التمام فأوجعوا\rومغيرة شعواء ذات أشلة ... فيها الفوارس حاسر ومقنع\rفزجرتها عن نسوة من عامر ... أفخاذهن كلهن الخروع\rوعرفت أن منيتي إن تأتني ... لا ينجني منها الفرار الأسرع\rفصبرت عارفة لذلك حرة ... ترسو إذا نفس الجبان تطلع\r- ٨ - قال عنترة أيضاً:\rألا يا دار عبلة بالطوى ... كرجع الوشم في رسغ الهدي\rكوحي صحائف من عهد كسرى ... فأهداها لأعجم طمطمي\rأمن رو الحوادث يوم تسمو ... بنو جرم لحرب بني عدي\rإذا اضطربوا سمعت الصوت فيهم ... خفياً غير صوت المشرفي\rوغير نوافذ يخرجن منهم ... بطعن مثل أشطان الركي\rوقد خذلتهم ثعل بن عمرو ... سلاميوهم والجرولي\r- ٩ - وقال عنترة أيضاً:\rأمن سهية دمع العين مذروف ... لو أن ذا منك قبل اليوم معروف\rكأنها يوم صدت ما تكلمني ... ظبي بعسفان ساجي الطرف مطروف\rتجللتني إذ أهوى العصا قبلي ... كأنها صم يعتاد معكوف\rالمال مالكم والعبد عبدكم ... فهل عذابك عني اليوم مصروف\rتنسى بلائي إذا ما غارة لفحت ... تخرج منها الطوالات السراعيف\rيخرجن منها وقد بلت رحائلها ... بالماء تركضها المرد الغطاريف\rقد أطعن الطعنة النجلاء عن عروض ... تصفر كف أخيها وهو منزوف\rلاشك للمرء أن الدهر ذو خلف ... فيه تفرق ذو إلف ومألوف\r- ١٠ - وقال عنترة أيضاً:\rلا تذكري مهري وما أطعمته ... فيكون جلدك مثل جلد الأجرب\rإن الغبوق له وأنت مسوءة ... فتأوهي ماشئت ثم تحوبي\rكذب العتيق وماء شن بارد ... إن كنت سائلتي غبوقا فاذهبي\rإن الرجال لهم إليك وسيلة ... إن يأخذوك، تكحلي، وتخضبي\rويكون مركبك القعود وزحله ... وابن النعامة عند ذلك مركبي\rوأنا امرؤ إن يأخذوني عنوة ... أقرن إلى شر الركاب وأجنب\rإني أحاذر أن تقول ظعيني ... هذا غبار ساطع فتلبب\r- ١١ - وقال عنترة أيضاً:\rوفوارس لي قد علمتهم ... صبر على التكرار والكلم\rيمشون والماذي فوقهم ... يتوقدون توقد الفحم\rكم من فتى فيهم أخي ثقة ... حر أغر كقوة الرئم\rليسوا كأقوام علمتهم ... سود الوجوه كمعدن البرم\rعجلت بنو شيبان مدتهم ... والبقع أستاها بنو لأم\rكنا إذا نفر المطي بنا ... وبدا لنا أحواض ذي الرضم\rنعدى فنطعن في أنوفهم ... نختار بين القتل والغنم\rإنا كذلك يا سهى إذا ... غدر الحليف نمور بالخطم\rوبكل مرهقة لنا نفذ ... بين الضلوع كطرة القدم\r- ١٢ - وقال عنترة أيضاً:\rكأن السرايا بين قو وقارة ... عصائب طير ينتحين لمشرب\rوقد كنت أخشى أن أموت ولم تقم ... قرائب عمرو وسط نوح مسلب\rشفى النفس مني أو دنا من شفائها ... ترديهم من حالق متصوب\rتصيح الردينيات في حجباتهم ... صياح العوالي في الثقاف المثقب\rكتائب تزحى فوق كل كتيبة ... لواء كظل الطائر المتقلب\r- ١٣ - وقال عنترة أيضاً:\rهديكم خير أباً من أبيكم ... أعف وأوفى بالجوار وأحمد\rوأطعن في الهيجا إذا الخيل صدها ... غداة الصياح السمهري المقصد\rفهلا وفي الغوغاء عمرو بن جابر ... بذمته وابن اللقيطة عصيد\rسيأتيكم عني وإن كنت نائياً ... دخان العلندي دون بيتي مذود\rقصائد من قبل امرئ يحتديكم ... بني العشراء فارتدوا وتقلدوا\r- ١٤ - وقال أيضاً:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855808,"book_id":1864,"shamela_page_id":84,"part":null,"page_num":84,"sequence_num":84,"body":"تركت جرية العمري فيه ... شديد العير معتدل سديد\rجعلت بني الهجيم له دواراً ... إذا تمضى جماعتهم تعود\rإذا تقع الرماح بجانبيه ... تولى قابعاً فيه صدود\rفإن يبرأ فلم أنفث عليه ... وإن يفقد فحق له الفقود\rوهل يدري جرية أن نبلى ... يكون جفيرها البطل النجيد\rكأن رماحهم أشطان بئر ... لها في كل مدلجة خدود\r- ١٥ - وقال عنترة أيضاً:\rخذوا ما أسأرت منها قداحي ... ورفد الضيف والأنس الجميع\rفلو لاقيتني وعلي درعي ... علمت علام تحتمل الدروع\rتركت جبيلة بن أبي عدي ... ببل ثيابه علق نجيع\rوآخر منهم أجررت رمحي ... وفي البجلي معبلة وقيع\r- ١٦ - وقال عنترة أيضاً:\rقد أرعدوني بأرماح معلبة ... سود لقطن من الجومان أخلاق\rلم يسلبوها ولم يعطوا بها ثمناً ... أيدي النعام فلا أسقاهم الساقي\rعمرو بن أسود فازباء قاربة ... ماء الكلاب عليها الظبي معناق\r- ١٧ - وقال أيضاً في قتل قرواش وقتل عبد الله بن الصمة أخي دريد:\rنجا فارس الشهباء والخيل جنح ... على فارس بين الأسنة مقصد\rولولا يد نالته منا لأصبحت ... سباع تهادى شلوه غير مسند\rفلا تكفر النعمى وأثن بفضلها ... ولا تأمنن ما يحدث الله في غد\rفإن يك عبد الله لاقى فوارسا ... يردون خال العارض المتوقد\rفقد أمكنت منك الأسنة عانية ... فلم نجز إذ تسعى فتيلا بمعبد\r- ١٨ - وقال عنترة وتروى للربيع بن زياد العبسي:\rإن تك حربكم أمست عواناً ... فإني لم أكن ممن جناها\rولكن ولد سودة أرثوها ... وشبوا نارها لمن اصطلاها\rفإني لست خاذلكم ولكن ... سأسعى الآن إذ بلغت إناها\r- ١٩ - وقال عنترة أيضاً:\rإذا لاقيت جمع بني أبان ... فإني لائم للجعد لاحي\rكأن مؤشر العضدين جحلا ... هدرجا بين أقلبة ملاح\rتضمن نعمتي فعدا عليها ... بكوراً أو تعجل في الرواح\rألم تعلم لحاك الله أني ... أجم إذا لقيت ذوي الرماح\rكسوت الجعد جعد بني أبان ... سلاحي بعد عري وافتضاح\r- ٢٠ - وقال أيضاً:\rسائل عميرة حيث حلت جمعها ... عند الحروب بأي حي تلحق\rأبحق قيس أم بعذرة بعدما ... رفع اللواء لها وبئس الملحق\rواسأل حذيفة حين أرث بيننا ... حرباً ذوائبها بموت تخفق\rفلتعلمن إذا التقت فرساننا ... بلوى النجيزة أن غنك أحمق\r- ٢١ - وقال في قتل ورد بن حابس نضلة الأسدي:\rغادرن نضلة في معرك ... يجر الأسنة كالمحتطب\rفمن يك عن شأنه سائلاً ... فإن أبا نوفل قد شجب\rتذاءب ورد على أثره ... وأدركه وقع مرد خشب\rتدارك لا يتقي نفسه ... بأبيض كالقبس الملتهب\r- ٢٢ - وقال أيضاً:\rومكروب كشفت الكرب عنه ... بضربة فيصل لما دعاني\rدعاني دعوة والخيل تردى ... فما أدرى أباسمي أم كناني\rفلم أمسك بسمعي إذ دعاني ... ولكن قد أبان له لساني\rفكان إجابتي إياه أني ... عطفت عليه خوار العنان\rبأسمر من رماح الخط لدن ... وأبيض صارم ذكر يمان\rوقرن قد تركت لدى مكر ... عليه سبائب كالأرجوان\rتركت الطير عاكفة عليه ... كما تردى إلى العرس البوانيٍ\rويمنعهن أن يأكلن منه ... حياة يد ورجل تركضان\rفما أوهى مراس الحرب ركني ... ولكن ما تقادم من زماني\rوقد علمت بنو عبس بأني ... أهش إذا دعيت إلى الطعان\rوأن الموت طوع يدي إذا ما ... وصلت بنانها بالهندواني\rونعم فوارس الهيجاء إذا ما ... علقوا الأعنة بالبنان\rهم قتلوا لقيطاً وابن حجر ... وأردوا حاجباً وابني أبان\r- ٢٣ - وقال أيضاً:\rطربت وهاجتك الظباء السوانح ... غدت منها سنيح وبارح\rفمالت بي الأهواء حتى كأنما ... بزندين في جوفي من الوجد قادح\rتعزيت عن ذكرى سهية حقبة ... فبح عنك منها بالذي أنت بائح\rلعمري لقد أعذرت لو تعذريني ... وخشنت صدراً غيبة لك ناصح","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855809,"book_id":1864,"shamela_page_id":85,"part":null,"page_num":85,"sequence_num":85,"body":"أعادل كم من يوم حرب شهدته ... له منظر بادي النواجذ كالح\rفلم أر حياً صابروا مثل صبرنا ... ولا كافحوا مثل الذين نكافح\rإذا شئت لاقاني كمي مدجج ... على أعوجي بالطعان مسامح\rنزاحف زحفاً أو نلاقي كتيبة ... تطاعننا أو يذعر السرح صائح\rفلما التقيننا بالجفار تضعضعوا ... وردت على أعقابهن المسالح\rوسارت رجال نحو أخرى عليهم ال ... حديد كما تمشى الجمال الدوالح\rإذا ما مشوا في السابغات حسبتهم ... سيولاً وقد جاشت بهن الأباطح\rفأشرع رايات وتحت ظلالها ... من القوم أبناء الحروب المراجح\rودرنا كما دارت على قطبها الرحى ... ودارت على هام الرجال الصفائح\rبهاجرة حتى تغيب نورها ... وأقبل ليل يقبض الطرف سائح\rتداعى بنو عبس بكل مهند ... حسام يزيل الهام والصف جانح\rوكل رديني كأن سنانه ... شهاب بدا في ظلمة الليل واضح\rفخلوا لنا عوذ النساء وخببوا ... عباديد منها مستقيم وجامح\rوكل كعاب خدلة الساق فخمة ... لها منيت في آل ضبة طامح\rتركنا ضراراً بين عان مكبل ... وبين قتيل غاب عنه النوائح\rوغمراً وحيانا تركنا بقفرة ... تعودهما فيها الضباع الكوالح\rيجرون هاما فلقتها سيوفنا ... تزيل منهن اللحى والمسائح\r- ٢٤ - وقال أيضاً:\rوكتيبة لبستها بكتيبة ... شهباء باسلة يخاف رداها\rخرساء ظاهرة الأداء كأنها ... نار يثب وقودها بلظاها\rفيها الكماة بنو الكماة كأنهم ... والخيل تعشر في الوغى بقناها\rشهب بأيدي القابسين إذا بدت ... بأكفهم بهر الظلام سناها\rصبر أعدوا كل أجرد سابح ... ونجية ذبلت وخف حشاها\rيغدون بالمستلثمين عوابساً ... قوداً تشكى أينها ووجاها\rيحملن فتياناً مداعس بالقنا ... وقراً إذا ما الحرب خف لواها\rمن كل أروع ماجد ذي صولة ... مرس إذا لحقت خصي بكلاها\rوصحابة شم الأنوف بعثتهم ... ليلاً وقد مال الكرى بطلاها\rوسريت في وعث الظلام أقودهم ... حتى رأيت الشمس زال ضحاها\rولقيت في قبل الهجير كتيبة ... طعنت أول فارس أولاها\rوضربت قربى كبشها فتجدلا ... وحملت مهري وسطها فمضاها\rحتى رأيت الخيل بعد سودها ... حمر الوجوه خضن من جرحاها\rيعثرن في نقع النجيع جوافلا ... ويطأن من حمى الوغى صرعاها\rفرجعت محموداً برأس عظيمها ... وتركتها جزراً لمن ناءاها\rما استمت أنثى نفسها في موطن ... حتى أوفى مهرها مولاها\rولما رزأت أخا حفاظ سلعاً ... إلا له عندي بها متلاها\rأغشى فتاة الحي عند خليلها ... وإذا غزا في الحرب لا أغشاها\rوأغض طرفي ما بدت لي جارتي ... حتى يوارى جارتي مأواها\rإني امرؤ سمح الخليقة ماجد ... لا أتبع النفس اللجوج هواها\rولئن سألت بذاك عبلة أخبرت ... لا أريد من النساء سواها\rوأجيبها إما دعت لعظيمة ... وأعينها وأكف عما ساها\r- ٢٥ - وقال عنترة أيضاً في قتل قراوش العبسي:\rومن يك سائلاً عني فإني ... وجروة لا ترود ولا تعار\rمقربة الشتاء ولا تراها ... وراء الحي يتبعها المهار\rلها بالصيف أصبرة وجل ... ونيب من رائمها غزار\rألا أبلغ بني العشراء عني ... علانية فقد ذهب السرار\rقتلت سراتكم وخسلت منكم ... خسيلاً مثلما خسل الوبار\rولم نقتلكم سراً ولكن ... علانية وقد سطع الغبار\rفلم يك حقكم أن تشتمونا ... بني العشراء إذ جد الفخار\r- ٢٦ - وقال يرثي مالك بن زهير العبسي وتولى قتله بنو بدر:\rلله عينا من رأى مثل مالك ... عقيرة قوم أن حرى فرسان\rفليتهما لم يجريا نصف غلوة ... وليتهما لم يرسلا لرهان\rوليتهما ماتا جميعاً ببلدة ... وأخطأهما قيس فلا يريان\rلقد جلبا حيناً وحرباً عظيمة ... تبيد سراة القوم من غطفان\rوكان فتى الهيجا ويحمى ذمارها ... ويضرب عند الكرب كل بنان\rدراسات لبعض الشعراء الجاهليين\rعمر بن كلثوم ٥٠٠ - ٦٠٠ م","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855810,"book_id":1864,"shamela_page_id":86,"part":null,"page_num":86,"sequence_num":86,"body":"- ١ -\rحياته\rتمهيد\rهو عمرو بن كلثوم، أحد شعراء الجاهلية وفرسانهم وأشرافهم، ومن أصحاب المعلقات، ومكانته في الشعر الجاهلي تضارع مكانة كثير من الشعراء وإن كان ليس له ديوان شعر معروف.\r\rنسبه\rهو أبو الأسد عمرو بن كلثوم بن مالك بن عتاب بن ربيعة بن زهير التغلبي، من تغلب بن وائل، وتغلب هم من الأهم في الشرف والسيادة والمجد وضخامة العدد وجلال المحتد والأرومة. وأسرته سادات تغلب ورؤساؤها وفرسانها حتى قيل: لو أبطأ الإسلام لأكلت تغلب الناس.. كان أبوه كلثوم سيد قومه وأمه ليلى بنت المهلهل أخي كليب المشهور، واشتهرت أمه ليلى بالأنفة وعظم النفس، كما كانت لجلالة محتدها من فضليات السيدات العربيات قبل الإسلام.\r\rبيئته وموطنه\rولد ونشأ عمرو بن كلثوم في أرض قومه التغلبيين، وكانوا يسكنون الجزيرة الفراتية وما حولها، وتخضع قبيلته لنفوذ ملوك الحيرة مع استقلالهم التام في شؤونهم الخاصة والعامة، والحيرة كما نعلم إمارة عربية أقامها الفرس على حدود الجزيرة العربية، وحموها بالسلاح والجنود.\r\rنشأته وحياته\rولد عمر بين مجد وحسب وجاه وسلطان، فنشأ شجاعاً هماماً خطيباً جامعاً لخصال الخير والسؤدد والشرف، وبعد قليل ساد قومه وأخذ مكان أبيه وله من العمر خمس عشرة سنة، وقال الشعر وأجاد فيه وإن كان من المقلين.\rقاد عمر الجيوش وحارب أعداء قومه وكان مظفراً في كثير من أيامهم وحروبهم، وأكثر ما كانت فتن تغلب وحروبها مع أختها بكر بن وائل بسبب الحرب المشهورة \"البسوس\"، وفي آخر الأمر أصلح بينهما المنذر ملك الحيرة وأخذ من كل منهما رهينة من الغلمان مائة غلام من أشرافهم حتى لا يعودوا إلى القتال، ولما تولى الحيرة عمرو بن هند عام ٥٦٢ م حذا حذو أبيه، فحدث أن عمرو بن هند وجه قوماً من بكر وتغلب إلى جبل طيء في أمر من أموره، فنزلوا على ماء لبني شيبان وهم من بكر، فأبعدوا التغلبيين عن الماء حتى ماتوا عطشاً، وقيل بل أصابتهم شموم في بعض مسيرهم فهلكوا وسلم البكريون، فطلب التغلبيون دينهم من بكر، واختصما وتحاكما إلى عمرو بن هند، وكان سيد تغلب هو عمرو بن كلثوم، وشاعر بكر هو الحارث بن حلزة، فتفاخرت القبيلتان بين يديه، وفي هذا الموقف قال الحارث بن حلزة معلقته يفتخر فيها ببكر وقال عمرو بن كلثوم بعض معلقته يفتخر فيها بتغلب، وأثرت قصيدة الحارث بن حلزة على عمرو بن هند، فقضى لبكر حقداً على تغلب وحسداً لعمرو، لإدلاله بشرفه وحسبه ومجده.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855811,"book_id":1864,"shamela_page_id":87,"part":null,"page_num":87,"sequence_num":87,"body":"ويقال إن عمرو بن هند الملك - وكان جباراً متكبراً مستبداً - كان يريد إذلال عمرو وإهانته ويضمر ذلك في نفسه، وأنه كان جالساً يوماً مع ندمائه، فقال لهم: \"هل تعلمون أحداً من العرب تأنف أمه من خدمة أمي هند؟ فقالوا نعم، أم عمرو وبن كلثوم. قال: ولم؟ قالوا لأن أباها مهلهل بن ربيعة وعمها كليب بن وائل أعز العرب، وبعلها كلثوم بن مالك أفرس العرب وابنها عمرو وهو سيد قومه، وكانت هند عمة امرئ القيس بن حجر الشاعر المشهور وكانت أم ليلى بنت مهلهل هي بنت أخي فاطمة بنت ربيعة التي هي أم امرئ القيس وبينهما هذا النسب، فأرسل عمرو بن هند إلى عمرو بن كلثوم يستزيره ويسأله أن يزير أمه، فأقبل عمرو بن كلثوم من الجزيرة إلى الحيرة في جماعة من بني تغلب، وأقبلت ليلى بنت مهلهل في ظعن من بني تغلب، وأمر عمرو بن هند برواقه فضرب فيما بين الحيرة والفرات وأرسل إلى وجوه أهل مملكته فحضروا في وجوه بني تغلب، فدخل عمرو بن كلثوم على عمرو بن هند في رواقه. ودخلت ليلى وهند في قبة من جانب الرواق، وكان عمرو بن هند أمر أمه أن تنحي الخدم إذا دعا بالطرف وتستخدم ليلى، فدعا عمرو بمائدة ثم دعا بطرف، فقالت هند: ناوليني يا ليلى ذلك الطبق، فقالت ليلى: لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها فأعادت عليها فصاحت ليلى: \"واذلاه، يا لتغلب! \" فسمعها عمرو بن كلثوم فثار الدم في وجهه ونظر إليه عمرو بن هند فعرف الشرفي وجهه فوثب عمرو بن كلثوم إلى سيف لعمرو بن هند معلق بالرواق ليس هناك سيف غيره فضرب به رأس ابن هند وقتله وكان ذلك نحو سنة ٥٦٩م ونادى عمرو في بني تغلب فانتبهوا مافي الرواق وساقوا نجائبه وساروا نحو الجزيرة وجاشت نفس ابن كلثوم وحمى غضبه وأخذته الأنفة والنخوة فنظم بعض معلقته في هذه الحادثة، يصف فيها حدثه مع ابن هند ويفتخر بأيام قومه وغاراتهم المشهورة.\rوهكذا عاش عمرو عظيماً من عظماء الجاهلية وأشرافهم وفرسانهم، عزيز النفس مرهوب الجانب، شاعراً مطبوعاً على الشعر.. وعمر طويلاً حتى مات نحو سنة ٦٠٠ م.\rولعمرو ابن اسم عتاب بن عمرو بن كلثوم، كان كأبيه شجاعاً فارساً وهو الذي قتل بشر بن عمرو بن عدس، كما أن مرة بن كلثوم أخا عمرو بن كلثوم هو الذي قتل المنذر بن النعمان بن المنذر ملك الحيرة، ولذلك يقول الأخطل التغلبي مفتخراً:\rابني كليب إن عمى اللذا ... قتلا الملوك وفككا الأغلالا\rماضر تغلب وائل: أهجوتها ... أم بلت حيث تناطح البحران\rقومي همو قتلوا ابن هند عنوة ... عمرا، وهم قسطوا على النعمان\r- ٢ -\rشعر عمرو بن كلثوم\rأهم الدراسات عنه\rكتب عن عمرو بن كلثوم من الأدباء والباحثين: أ - منهم من المحدثين: جورجي زيدان، وأصحاب الوسيط والمفصل، والزيات وصاحب شعراء النصرانية.\rب - ومن القدماء: أبو زيد الأنصاري في الجمهرة، وابن سلام في طبقات الشعراء، وأبو الفرج في الأغاني، وابن قتيبة في الشعر والشعراء.\rج - وشرح معلقته ورواها: الزوزني في كتابه \"شرح المعلقات السبع\"، والنعساني الحلبي في كتابه نهاية الأدب في شرح معلقات العرب، ورواها صاحب الجمهرة، وهي سبعة ومائة بيت. وقد طبعت المعلقة في مدينة بونا سنة ١٨١٩ مع ترجمتها اللاتينية بقلم كوزغارتن.\r\rمعلقة الشاعر\r١ - عمرو بن كلثوم جاهلي قديم، قتل عمر بن هند الملك، أمه ليلى بنت مهلهل بن ربيعة وعمها كليب أعز العرب، ووالده كلثوم بن عتاب فارس العرب، وكان عمرو سيداً في قومه من بني تغلب، وتوفي في أواخر القرن السادس الميلادي.\rوعمرو شاعر قوي الشاعرية مجيد، ومعلقته \"ألا هي بصحنك فاصبحينا\" مشهورة، وهي من جيد شعر العرب وإحدى السبع المعلقات، وكان قام بها خطيباً فيما كان بينه وبين عمرو بن هند.\rيمتاز عمر في شعره بالبديهة والارتجال، وبأسلوبه الرائق، وأغراضه العالية. وهو مقل لم ينظم في فنون الشعر جميعها، وكل ما روي عنه معلقته وبعض مقطوعات لا تخرج من موضوعها. أجاد في الفخر إجادة منقطعة النظير.\r٢ - والمعلقة مشهورة بالرقة والسلاسة والسهولة، وفيها تكرير في بعض معانيها وألفاظها، ومبالغة واضحة شديدة في الفخر مما لم يؤلف نظيرها في الشعر الجاهلي، مثل:\rإذا بلغ الرضيع لنا فطاما ... تخر له الجبابر ساجدينا\rومثل:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855812,"book_id":1864,"shamela_page_id":88,"part":null,"page_num":88,"sequence_num":88,"body":"لنا الدنيا ومن أضحى عليها ... ونبطش حين نبطش قادرينا\r١ - بدأها عمر بن كلثوم بوصف الخمر، وهذه المعلقة فريدة في هذه الناحية، فلم تبدأ معلقة أو قصيدة بوصف الخمر في الجاهلية إلا هذه القصيدة، ولعل سر ذلك أن تغلب كانت النصرانية موجودة في بعض ربوعها، وأن الخمر كانت شائعة في هذه الربوع، قال:\rألا هبي بصحنك فاصبحينا ... ولا تبقى خمور الأندرينا\rمشعشعة كأن الحصى فيها ... إذا ما الماء خالطها سخينا\rصددت الكأس عنا أم عمرو ... وكان الكأس مجراها اليمينا\rوما شر الثلاثة أم عمرو ... بصاحبك الذي لا تصبحينا\rوكأس قد شربت ببعلبك ... وأخرى في دمشق وقاصرينا\rإذا صمدت حمياها أريبا ... من الفتيان خلت به جنونا\rب - ثم يأخذ في الغزل ووصف محبوبته وجمالها:\rقفي قبل التفرق يا ظعينا ... نخبرك اليقين وتخبرينا\rقفي نسألك هل أحدثت صرما ... لوشك البين أم خنت الأمينا\rأفي ليلى يعاتبني أبوها ... وإخوتها وهم لي ظالمونا\rج - ثم ينتقل إلى الفخر بقومه ومجدهم وعزتهم، ويهدد الملك عمرو بن هند وينذره ويتوعده في أسلوب قوي جزل مع عذوبة وجمال، والظاهر أن ذلك كان أيام التحاكم أمام عمر بن هند والمفاخرة بين تغلب وبكر:\rأبا هند فلا تعجل علينا ... وأنظرنا نخبرك اليقينا\rبأنا نورد الرايات بيضا ... ونصدرهن حمراً قد روينا\rوأيام لنا غر طوال ... عصينا الملك فيها أن ندينا\rورثنا المجد قد علمت معد ... نطاعن دونه حتى يبينا\rوالجزء التالي من المعلقة يبدو أنه نظم بعد قتل عمرو بن هند، وهو:\rبأي مشيئة عمر بن هند ... تطيع بنا الوشاة وتزدرينا\rتهددنا وتوعدنا رويدا ... متى كنا لأمك مقتوينا\rوأن قناتنا يا عمر أعيت ... على الأعداء تملك أن تلينا\rثم ينتقل إلى ذكر وقائع قومه مفتخراً بها على بكر، ومنها يوم خزاز، ثم يختمها بفخر قوي، منه:\rوأنا الحاكمون بما أردنا ... وأنا النازلون بحيث شينا\rوأنا النازلون بكل ثغر ... يخاف النازلون به المنونا\rإذا ما الملك سام الناس خسفا ... أبينا أن نقر الخسف فينا\rألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا\rملأنا البر حتى ضاق عنا ... وموج البحر نملؤه سفينا\rإذا بلغ الفطام لنا رضيع ... تخر له الجبابر ساجدينا\rلنا الدنيا ومن أمسى عليها ... ونبطش حين نبطش قادرينا\rوبعد، فالمعلقة من روائع الفخر، ويقال إنها كانت تزيد على الألف بيت، وإنما وصل إلينا بعضها مما حفظه الناس منها.\rوالغالب - كما ذكرنا - أن الشاعر نظمها على مرتين: في مفاخرته ليكون عند عمرو بن هند، وفي حادثة أمه، ولذلك رأينا فيها إشارة إلى كلتيهما وقد وقف عمر بن كلثوم بهذه المعلقة في سوق عكاظ فأنشدها في موسم الحج وكان بنو تغلب يعظمونها ويرويها صغارهم وكبارهم، لما حوته من الفخر والحماسة مع جزالتها وسهولة حفظها.\rوقد أثرت هذه القصيدة في نفوس قبيلة تغلب وفخروا بها، واتخذوها أنشودتهم، حتى قال فيها بعض البكريين:\rإلهي بني تغلب عن جل أمرهم ... قصيدة قالها عمرو بن كلثوم\rيفاخرون بها مذ كان أولهم ... يا للرجال لشعر غير مسؤوم\rوالميزة الواضحة فيها السهولة والقوة، والاعتداد بالنفس والقبيلة، المبالغة في الفخر، وأنها شعر صدر عن سيد قومه يعترف فيه بسيادته وسيادة قبيلته ومجدها وأيامها وبطولة أبطالها وانتصاراتهم.\rوبدؤها بالخمر يرجع إلى انتشار النصرانية في تغلب وانتشار الخمر بينهم. وتكاد تكون هي القصيدة الوحيدة في بدئها بالخمر على غير عادة الشعراء الجاهليين.\rويعجب النقاد بمعلقة عمرو إعجاباً شديداً، قال ابن قتيبة: وهي من جيد شعر العرب وإحدى السبع المعلقات. وقدمه بها النقاد وقال مطرف عن عيسى بن عمرو: لو وضعت أشعار العرب في كفة وقصيدة عمرو بن كلثوم في كفة لمالت بأكثرها.\r\rآثار من شعر عمرو\r١ - روى صاحب ديوان الحماسة لعمرو بن كلثوم أبياتاً له من خير الأبيات يمتدح فيها بقومه، هي:\rمعاذ الإله أن تنوح نساؤنا ... على هالك، أو أن نضج من القتل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855813,"book_id":1864,"shamela_page_id":89,"part":null,"page_num":89,"sequence_num":89,"body":"قراع السيوف بالسيوف حلنا ... بأرض براح ذي أراك وذي أثل\rفما أبقت الأيام ملمال عندنا ... سوى جذم أذواد محذفة النسل\rثلاثة أثلاث، فأثمان خيلتنا ... وأقواتنا وما نسوق إلى القتل\r٢ - وله يتوعد عمرو بن أبي حجر الغساني:\rألا فاعلم أبيت اللعن أنا ... على عمد سنأتي ما نريد\rتعلم أن محملنا ثقيل ... وأن زياد كبتنا ديد\rوأنا ليس حي من معد ... يوزننا إذا لبس الحديد\r٣ - ومعلقته مشهورة ومطلعها:\rألا هبي بصحنك فاصبحينا ... ولا تبقي خمور الأندرينا\rيبدؤها بوصف الخمر، وينتقل منها إلى الغزل إذ يقول:\rقفي قبل التفرق يا ظعينا ... نخبرك اليقين وتخبرينا\rثم ينتقل إلى موضوع المعلقة، ويظهر أن هذا الموضوع مقسم إلى قسمين عملاً في زمنين مختلفين، أولهما عمل أيام التحاكم أمام عمر بن هند والمفاخر بين تغلب وبكر ويبتدئ من قوله:\rأبا هند فلا تعجل علينا ... وأنظرنا نخبرك اليقينا\rبأنا نورد الرايات بيضا ... ونصدرهن حمرا قد روينا\rويفخر فيه بنفسه وقومه:\rورثنا المجد قد علمت معد ... نطاعن دونه حتى يبينا\rوالثاني عمل بعد قتله عمرو بن هند، وأوله:\rبأي مشيئة عمرو بن هند ... نطيع بنا الوشاة وتزدرينا؟\rبأي مشيئة عمرو بن هند ... نكون لقيلكم فيها قطينا؟\rتهددنا وتوعدنا!! رويدا ... متى كنا لأمك مقتوينا\rفإن قناتنا يا عمرو أعيت ... على الأعداء قبلك أن تلينا\rآراء النقاد في شعره\r١ - قال الكميت: عمر بن كلثوم أشعر الناس، وذكره في المزهر مع أصحاب الواحدة وأولهم طرفة، ومنهم عنترة، والحارث بن حلزة، وشاعرنا عمرو بن كلثوم.\r٢ - وجعله ابن سلام في الطبقة السادسة من شعراء الجاهلية، وهم أربعة رهط لكل واحد منهم واحدة، وأولهم عمرو بن كلثوم، ثم الحارث بن حلزة وعنترة، وسويد بن أبي كاهل اليشكري.\r٣ - وقد قدمه بعض النقاد وقالوا: هو من قدماء الشعراء وأعزهم نفساً وأكبرهم امتناعاً وأجودهم واحدة، وقال عيسى بن عمر: لله در عمر أي حلس شعر ووعاء علم، لو أنه رغب فيما رغب فيه أصحابه، من الشعراء.. وإن واحدته لأجود سبعهم - يعني السبع المعلقات -. وذكر أبو عمرو بن العلاء أن عمرو بن كلثوم لم يقل غير واحدته - معلقته - ولولا أنه افتخر فيها وذكر مآثر قومه ما قالها. وجعله صاحب شعراء النصرانية من شعراء الطبقة الأولى.\r٤ - وقيل إنه كان ينشد عمرو بن هند وهو المحرق الثاني من ملوك الحيرة، فبينما هو ينشده في صفة جمل إذ حالت الصفة إلى صفة ناقة، فقال طرفة \"استنوق الجمل\"، والبيت الذي قاله عمرو:\rوإني لأمضي الهم عند احتضاره ... بناج عليه الصيعرية مكدم\rفقال عمرو: وما يدريك يا صبي؟ فتشاتما. فقال عمرو بن المنذر: سبه يا طرفة، فقال قصيدته:\rأشجاك الربع أم قدمه ... أم سواد دارس حممه\rحتى بلغ قومه:\rفإذا أنتم وجمعكمو ... حطب للنار نضطرمه\rفقال عمرو بن كلثوم يتوعد عمرو بن هند:\rألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا\rبأي مشيئة عمرو بن هند ... تطيع بنا الوشاة وتزدرينا؟\rويروى أن هذه القصة كانت بين طرفة والمتلمس، وأنه ما كان ليجترئ على عمرو بن كلثوم بمثل هذا لشدته في قومه.\rويروى لعمرو ذي الطوق.\r\rصددت الكأس عنا أم عمرو ... وكان الكأس مجراها اليمينا\rوما شر الثلاثة أم عمرو ... بصاحبك الذي لا تصحبينا\rفاستلحقهما عمرو بن كلثوم في معلقته. والاستلحاق أخذ الشاعر بيتاً مما سبقه على الجهل المثل (٢١٦-٢ العمدة) .\rويرى الدكتور طه حسين في كتابه الأدب الجاهلي أن عمرو بن كلثوم قد أحيط بطائفة من الأساطير، وأن معلقته لا يمكن أن تكون هي أو أكثرها جاهلية، وأن والرواة شكوا في بعضها، وأن معلقة الحارث أمتن وأرصن من معلقة ابن كلثوم.. وذكر أخيراً أنه يرجح أن المعلقتان منتحلتان.\r\rخصائص شعر عمرو","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855814,"book_id":1864,"shamela_page_id":90,"part":null,"page_num":90,"sequence_num":90,"body":"أ - وعمرو بن كلثوم شاعر غمر البديهة رائق الأسلوب، نبيه الغرض وإن كان مقلاً، لم يتقلب في فنون الشعر ولم يرخ العنان لسليقته، شغلته الرياسة وخوض الحروب وتكسب الشعراء بالشعر عن أن يفيض في الشعر ويطرق أكثر أبوابه، ولذلك لم يشتهر إلا بمعلقته التي قامت له مقام الشعر الوفير، لحسن لفظها وانسجام عبارتها ووضوح معناها ورشاقة أسلوبها وعلو فخرها ونباهة مقصدها، ورويت له مقطعات، لم يخرج فيها عن أغراض معلقته.. ولعل شهرته بالخطابة لا تقل عن شهرته بالشعر.\rب - وأسباب شاعريته ترجع إلى: ١ - أسرة الشاعر وكثرة الشعراء منها ومن قبيلته.\r٢ - بيئته في الجزيرة الفراتية واتصالها بثقافات كثيرة منها ثقافة النصرانية التي انتشرت فيها، ومنها الثقافة الفارسية التي لابد أن تكون قد أحدثت آثارها في هذه النواحي الخاضعة لنفوذ الحيرة وملوكها.\r٣ - مجد الشاعر وحسبه فقد أنطقاه بهذا الشعر الرائع والفخر القوي البليغ.\r٤ - كثرة الخصومات والحروب بين تغلب وبكر، وقد شاهدها الشاعر وأججت ثورة الشاعرية في نفسه.\r٥ - الخصومات الأدبية بينه وبين خصمه شاعر بكر الحارث بن حلزة، إلى غير ذلك من بواعث شاعريته.\rج - وأهم أغراض الشعر عند عمرو هو الفخر، ومن أولى من عمرو بن كلثوم بأن يفتخر بمجده ومجد قومه وحسبهم وشرفهم ومحتدهم الرفيع وفخره في معلقته صفحة من تاريخ قومه الحربي والسياسي.\rد - ومهما كان فأسلوب عمرو يمتاز بقوته وسلاسته وحلاوته، وتمتاز معانيه بالوضوح وكثرة المبالغة وبالصراحة وروح الصحراء البادية فيه.\r\rنثر الشاعر\r١ - قال عمرو من خطبة له: أما بعد، فإنه لا يخبر عن فضل المرء أصدق من تركه تزكية نفسه، ولا يعبر عنه في تزكية أصحابه أصدق من اعتماده إياهم برغبته وائتمانه إياهم على حرمته.\r٢ - وأوصى عمرو بن كلثوم التغلبي بنيه، فقال من وصية له: \"زوجوا بنات العم بني العم، فإن تعديم بهن إلى الغرباء، فلا تألوا بهن الأكفاء، وأبعدوا بيوت النساء من بيوت الرجال، فإنه أغض للبصر، وأعف للبشر، ومتى كانت المعاينة واللقاء، ففي ذلك داء من الأدواء، ولا خير فيمن لا يغار لغيره، كما يغار لنفسه. وقل من انتهك حرمة لغيره، إلا انتهكت حرمته، وإذا حدثتم فعوا، وإذا حدثتم فأوجزوا، وموت عاجل خير من ضنى آجل وما بكيت من زمان، إلا دهاني بعده زمان وربما شجاني، من لم يكن أمره عناني، وما عجبت من أحدوثة إلا رأيت بعدها أعجوبة، واعلموا أن أشجع القوم العطوف وخير الموت تحت ظلال السيوف الخ\". (والوصية بتمامها في بلوغ الأرب ج٣) .\r\rالحارث بن حلزة\rحياته\rمن يشكر بن وائل، فارس مقدام وشاعر مجيد، وسيد من سادات بكر، كما كان عمرو بن كلثوم سيد تغلب وشاعرها، وهو أحد شعراء المعلقات، ومطلع معلقته:\rآذنتنا ببينها أسماء ... رب ثاو يمل منه الثواء\rوكان سبب إنشاده هذه القصيدة أن عمرو بن هند ملك الحيرة - وكان جباراً عظيم السلطان - جمع بين بكر وتغلب وأصلح بينهم، وأخذ من الحيين رهنا من كل حي مائة غلام. فكف بعضهم عن بعض، وكان أولئك الرهن يكونون معه في سيره يغزون معه، فأصابتهم سموم في بعض مسيرهم فهلك عامة التغلبيين وسلم البكريون، فقالت تغلب لبكر بن وائل: أعطونا دية غلماننا، فأبت بكر ذلك فاجتمعت تغلب إلى عمرو بن كلثوم واجتمعت بكر إلى النعمان بن هرم اليشكري، واجتمع الجمع عند الملك عمرو بن هند، وتلاحى عمرو بن كلثوم والنعمان بن هرم أمام الملك فغضب عمرو بن هند، وكان يؤثر بني تغلب على بكر، واشتد غضبه على بكر والنعمان صاحبهم فقام الحارث بن حلزة وارتجل قصيدته ارتجالاً وهو متوكئ على قوسه، وكان الملك يسمع قصيدة الحارث من وراء حجاب لأنه كان لا يحب رؤية أحد فيه سوء، وكان الحرث به وضح فلما أنشد القصيدة أدناه حتى خلص إليه.. ويقال إن الحارث عندئذ كان طاعنا في السن وكان فوق المائة، وترى أثر السن ونضوجها وحكمتها وحلمها ووقارها في القصيدة واضحاً جليا حيث رد على تغلب في أناة وهدوء وحملها تبعة الحرب واستدرج عمرو بن هند إلى أن يكون في جانب قومه فمدحه ومدح قومه، وبها قضى عمرو لبكر على تغلب، وأطلق رهنهم وكانوا عدة فتيان من أشراف بكر. وقد بدأها بالغزل ووصف الناقة، ثم وصل إلى غرضه من الخصومة بين بكر وتغلب:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855815,"book_id":1864,"shamela_page_id":91,"part":null,"page_num":91,"sequence_num":91,"body":"وأتانا عن الأراقم أنبا ... ء، وخطب نعنى به ونساء\rويرد على عمرو بن كلثوم بقوله:\rأيها الناطق المرقش عنا ... عند عمرو، وهل لذاك بقاء؟\rثم يأخذ في مدح عمرو بن هند:\rفملكنا بذلك الناس حتى ... ملك المنذر بن ماء السماء\rملك أضلع البرية لا يو ... جد فيها لما لديه كفاء؟\rوفي المعلقة بعد ذلك أبيات لها قيمة كبيرة في شرح أحداث تاريخية وسياسية، من صلح كان بين تغلب:\rواذكروا حلف ذي المجاز وما قد ... م فيه العهود والكنفلاء\rوأيام كانت بين تغلب أخرى غلبت فيها تغلب: أعلينا جناح كندة: أن يغنم غازيهم، ومنا الجزاء؟ وعداء قديم كان بين المنذر ملك الحيرة والتغلبيين لما امتنوا به من نصرته وعلى العكس من ذلك ولاء البكريين لملوك الحيرة. وينتقل من ذلك إلى مدح عمرو بن هند وآبائه:\rأيها الناطق المبلغ عنا ... عند عمرو، وهل لذاك انتهاء؟\rملك مقسط وأفضل من يم ... شي، ومن دون ما لديه الثناء؟\rوطبعت المعلقة في أوربا لأول مرة عام ١٨٢٧ م.\rوعلى الجملة، فقد كان عمرو بن كلثوم في قوله أعز نفساً وأعلى قدراً، وضع نفسه وقومه موضع الند لعمرو بن هند وقومه.. وكان الحارث أحكم وأعقل.\rوضع الحارث أمام نفسه غرضاً تحايل على الوصول إليه، في دهاء وإيماء وملق، حتى وصل إليه فحكم له ولقومه.\r\rشعره\rيمتاز الحارث بالبديهة والارتجال وقوة الشاعرية، وبتعدد فنون الشعر في معلقته وكثرة غريبها وإحكام نظمها على طولها، واشتمالها على كثير من أيام العرب ووقائعها، حتى قال أبو عمرو الشيباني: \"لو قالها في حول لم يلم\".\rومن شعره في غير المعلقة:\rمن حاكم بيني وبين ... الدهر مال على عمدا\rأودى بسادتنا وقد ... تركوا لنا حلقا وجردا\rخيلي وفارسها ورب ... أبيك كان أعز فقدا\rفلو أن ما يأوي إلى ... أصاب من ثهلان هدا\rفضعي قناعك إن ريب ... الدهر قد أفنى معدا\rفلكم رأيت معاشرا ... قد جمعوا مالا وولدا\rفعش بجد ولا يضر ... ك النوك ما لاقيت جدا\rوالعيش خير في ظلا ... ل النوك ممن عاش كدا\rمعلقة الحارث بن حلزة\r١ - الحارث بن حلزة اليشكري من بكر، كان سيداً في قومه، وشاعراً مجيداً، ارتجل معلقته ارتجالاً في مجلس عمرو بن هند، يستدني بها عطفه، ويستجلب رضاءه ويذود بها عن قومه، وكان هوى عمرو بن هند مع تغلب، فتحول إلى العطف على البكريين بسبب هذه القصيدة الرائعة. وليس للحارث إلا آثار قليلة من الشعر مع معلقته هذه.\r٢ - وتمتاز هذه المعلقة بإحكام نسجها وتنوع أغراضها، وبأنها أثر من آثار البديهة والارتجال.\rأ = بدأها بالغزل في محبوبته أسماء:\rآذنتنا بينها أسماء ... رب ثاو يمل منه الثواء\rبعد عهد لنا ببرقة شما ... ء فأدنى ديارها الخلصاء\rلا أرى من عهدت فيها فأب ... كي اليوم دلها وما يحير البكاء\rب - ثم انتقل إلى وصف ناقته، وكما يقول:\rأتلهى بها الهواجر إذ كل ... ابن هم بلية عمياء\rج - ثم يعاتب إخوانه من بني تغلب لصلفهم على قومه:\rإن إخواننا الأراقم يغلو ... ن علينا في قيلهم إحفاء\rيخلطون البريء منا بذي الذن ... ب ولا ينفع الخلي الخلاء\rأجمعوا أمرهم عشاء، فلما ... أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء\rمن مناد، ومن مجيب، ومن تص ... هال خيل خلال ذاك رغاء\rأيها الناطق المرقش عنا ... عند عمرو وهل لذاك بقاء؟\rفبقينا على غراتك إنما ... قبل ما قد وشى بنا الأعداء\rفبقينا على الشناءة تنمي ... نا حصون وعزة قعساء\rثم يمدح الملك عمرو بن هند حينا، ويستمر في عتاب إخوانه من تغلب حيناً آخر:\rملك مقسط، وأفضل من يم ... شي ومن دون ما لديه الثناء\rأيما خطة أردتم فأدو ... ها الينا تمشي بها الأملاء\rويسير على هذا النهج من المدح والعتاب.\rد - ثم يفتخر بقومه ومجدهم وأيامهم في صدق وجمال وقوة عاطفة:\rهل علمتم أيام ينتهب النا ... س غوارا لكل حي عواء","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855816,"book_id":1864,"shamela_page_id":92,"part":null,"page_num":92,"sequence_num":92,"body":"إلى آخر هذه القصيدة الرائعة، التي يصح لنا أن نعدها ملحمة شعرية مصغرة، تنطق بمجد بكر ومفاخرها في الحرب والسلم في الجاهلية.\rمختارات من المعلقة:\rوأتانا من الحوادث والأن ... باء خطب نعنى به ونساء\rأن إخواننا الأراقم يغلو ... ن علينا في قيلهم إحفاء\rيخلطون البريء منا بذي الذن ... ب، ولا ينفع الخلي الخلاء\rزعموا أن كل من ضرب العي ... ر موال لنا، وأنا الولاء\rأجمعوا أمرهم عشاء فلما ... أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء\rمن مناد، ومن مجيب، ومن تص ... هال خيل، خلال ذاك رغاء\rأيها الناطق المرقش عنا ... عند عمرو، وهل لذاك بقاء\rلا تخلنا على غراتك، إنا ... قبل ما قد وشى بنا الأعداء\rفبقينا على الشناءة تنمي ... نا حصون، وعزة قعساء\rقبل ما اليوم بيضت بعيون ... الناس فيها تعيط وإباء\rوكأن المنون تردى بنا أر ... عن جوناً ينجاب عنه العماء\rمكفهرا على الحوادث لا تر ... توه للدهر مؤيد صماء\rأيما خطة أردتم فأدو ... ها إلينا تمشي بها الأملاء\rإن نبشتم ما بين ملحة فالصا ... قب فيه الأموات والأحياء\rأو نقشتم، فالنقش يحشمه النا ... س، وفيه الصلاح والإبراء\rأو سكتم عنا، فكنا كمن أغ ... مض عيناً في جفنها أقذاء\rأمية بن أبي الصلت ٥٥٠ - ٦٢٤ م\r- ١ -\rحياة الشاعر\rنسبه وأسرته\rهو أمية بن عبد الله أبي الصلت بن أبي ربيعة بن عوف بن أمية الثقفي شاعر ثقيف، وأحد المتلمسين للدين في الجاهلية، ومن أشراف قبيلته ورؤسائها.\rأبوه أبو الصلت من سادات ثقيف، وأمه رقية بنت عبد شمس بن مناف. وكان والده شاعراً، وله قصائد يمدح فيها سيف بن ذي يزن ٥٧٩ م ويشيد بالفرس الذين ساعدوه على تحرير اليمن من نير الحبشة واحتلالها، ومنها هذه القصيدة التي نظمت عام ٥٧٣ م، والرسول ابن عامين.\r\rلا يطلب الوتر إلا كابن ذي يزن ... في البحر لجج للاعذام أحوالا\rويروى: خير أي أقام.\rومنها في الفرس:\rلله درهم من عصبة خرجوا ... ما إن ترى لهم في الناس أمثالا\rبيضا مرازبه غراً جحاجحه ... أسدا تربب في الغيضات أشبالا\rلا يرمضون إذا حرت مغافرهم ... ولا ترى منهم في الطعن ميالا\rمن مثل كسرى وسابور الجنود له ... أو مثل وهرز يوم الحبش إذ صالا\rفاشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا ... في رأس غمدان دارا منك محلالا\rتلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا\rوتنسب القصيدة لأمية نفسه لا لأبيه في بعض المصادر.\r\rبيئته ومولده\rولد أمية في أواسط القرن السادس الميلادي، ونشأ بالطائف، وهي مصيف أهل مكة ومتنزههم، وروضة خصبة وسط الصحراء القاحلة، وأطيب البلاد العربية هواء وأجملها مناخا وأكثرها بساتين وكروما وزرعا وفاكهة وعيونا وهي في الجنوب الشرقي لمكة وبينهما خمسة وسبعون ميلا. ويقول الشاعر:\rتشتو بمكة نعمة ... ومصيفها بالطائف\rوكانت الفترة التي عاش فيها أمية فترة عجيبة في تاريخ العرب، فالاحتلال الحبشي لليمن قد انتهى وصحبه امتداد نفوذ الفرس على هذه البلاد واختلاط العقليات العربية والفارسية وتجاورها وتبادل التفكير والثقافات الطارئة وقد وعى العرب لهذه الألوان الطريفة من القصص والأساطير والأخبار والعقائد والمحاورات التي هي جزء من ثقافة الفارسي الأصيلة أو المستمدة من ثقافات الهند وعلومها.\rأما بيئة الطائف الأدبية فإنها على أي حال لم تصل نهضة الشعر فيها إلى ما وصلت إليه في نجد، كان فيها شعراء وليس شعرهم بالكثير، والسبب في ذلك كما يرى ابن سلام هو قلة الحروب والخصومات بين أهل الطائف، وأنه إنما يكثر الشعر بالحروب التي تكون بين الأحياء، وهذا هو السبب أيضاً في قلة شعر قريش وأهل عمان، ولم ينبع في الطائف سوى أبي الصلت، وابنه أمية وهو أشعرهم، وغيلان بن سلمة وكنانة بن عبد يا ليل.\r\rنشأته وحياته\rنشأ أمية في هذه البيئة، وشب شاعراً يرث من أبيه مواهب الشعر وملكاته، وأخذ يمارس التجارة وظل يمارسها طول عمره، فتارة إلى الشام وتارة إلى اليمن.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855817,"book_id":1864,"shamela_page_id":93,"part":null,"page_num":93,"sequence_num":93,"body":"واتصل بالفرس في اليمن وسمع محاوراتهم وقصصهم، كما اتصل بالكهان والأحبار والقسس في الشام وسمع عظاتهم، وشاهد مظاهر القلق الروحي البادية في تفكير بعض العرب المتعبدين أمثال: زيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل، ويبدو أنه كان عالماً بغير العربية على ما يظهر فاطلع على كتب القدماء وخصوصاً التوراة والإنجيل.\rوهكذا نشأ أمية مفطوراً على التدين، موهوباً ملكات الشاعرية القوية الجياشة.\rوسافر إلى الشام في رحلات تجارية كما سافر إلى اليمن فلقي في رحلته بعض المتدينين هناك وسمع أخبارهم وعظاتهم، فرغب عن عبادة الأوثان وزهد في الدنيا، واستزاد النظر في الأديان وطلبها من أهل الكتاب، وروى الكثير من أخبار اليهود والنصارى وأقاصيص الشيوخ في الجاهلية من الذين يعبدون الله على دين إبراهيم وإسماعيل، وخاض في التوحيد وأمر الآخرة وتعبد ولبس المسوح وحرم الخمر والزنا والقمار على نفسه، ورأى في الكتب الدينية ما يبشر ببعثة نبي من العرب فطمع في أن يكون هو النبي المنتظر، وأخذ يدعو الناس إلى الحيفية دين إبراهيم وإسماعيل ويظهر التأله طمعاً في نزول الوحي عليه، ومع ميله إلى الحنيفية ملة إبراهيم السمحاء فقد كان لا يقلع عن التردد على الأديار، يجافس الرهبان ويختلف إلى الكنائس، يحاور القسس ويخبر الناس أن نبياً يخرج قد أطل زمانه.\rولما بعث محمد رسول الله صلوات الله عليه وقام بالدعوة، أدرك أمية الحسد وكفر به، وقال: \"إنما كنت أرجو أن أكونه\"، فنزل قوله تعالى: \"واتل عليهم نبأ الذي أتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين\"، ثم أخذ يحرض على الرسول ويرثي قتل أعدائه في موقعة بدر، فنهى عن رواية شعره في ذلك، وكان الرسول ﷺ إذا سمع شعره في التوحيد يقول \"آمن لسانه وكفر قلبه\"، ويقول \"كاد ليسلم\" كما روى الإمام مسلم في صحيحه: ولم يطق أمية - بعد أن شاهد ذيوع الدعوة وانتشار الإسلام - أن يقيم على مقربة منه، فذهب بابنيه إلى أقصى اليمن ولكنه عاد إلى الطائف ثانياً بعد هجرة رسول الله إلى المدينة. وبقي بها إلى أن توفي في السنة التاسعة من الهجرة عام ٦٢٤م، ويروون أنه لما مرض مرضته التي مات فيها جعل يقول \"قد دنا أجلي وهذه المرضة منيتي وأنا أعلم أن الحيفية حق ولكن الشك يداخلني\"، وأنه لما دنت وفاته أغمي عليه قليلاً ثم أفاق وهو يقول:\rلبيكما لبيكما ... هأنذا لديكما\rلا مال يفيدني ... ولا عشيرة تنجيني.\rوأغمي عليه ثم أفاق وهو يقول ذلك البيت ويصله بقوله: \"لا برئ فاعتذر ولا قوي فانتصر\" وأغمي عليه ثالثة ثم أفاق وهو ينشد البيت المذكور ويصله ببيت آخر بعده هو:\rإن تغفر اللهم تعفر جما ... وأي عبد لك لا ألما\rوأقبل على القوم فقال: قد جاءني وقتي فكووا في أهبتي. واستمر يحدثهم حتى كان آخر قوله هذه الأبيات:\rكل عيش وإن تطاول دهرا ... منتهى أمره إلى أن يزولا\rليتني كنت قبل ما قد بدا لي ... في رؤوس الجبال أرعى الوعولا\rفاجعل الموت نصب عينيك واحذر ... غولة الدهر، إن للدهر غولا\rوقد تكون هذه القصة من أساطير الرواة.\rوبذلك انتهت حياة أمية، ومات ولم يؤمن بدين الإسلام والتوحيد، بعد أن كان داعية الطهر والتوحيد، وتوفي عام ٩ هـ وفي كتاب شعراء النصرانية أن وفاته كانت في السنة الثانية من الهجرة.\r\rألوان من حياته\r١ - كان لأمية ابن عاق فأنشد فيه قصيدته:\rغذوتك مولوداً وعلتك يافعاً ... تعل بما أحنى عليك وتنهل\rإذا ليلة نابتك بالشكو لم أبت ... لشكواك إلا ساهراً أتململ\rكأني أنا المطروق دونك بالذي ... طرقت به دوني فعيناي تهمل\rتخاف الردى نفسي عليك وإنها ... لتعلم أن الموت وقت مؤجل\rفلما بلغت السن والغاية التي ... إليها مدى ما كنت فيك أؤمل\rجعلت جزائي منك هجرا وغلظة ... كأنك أنت المنعم المتفضل\rوسميتني باسم المفند رأيه ... وفي رأيك التفنيد لو كنت تعقل\rفليتك إذ لم ترع حق أبوتي ... فعلت كما الجار المجاور يفعل\rوهي نمط جميل من الشعر العالي، وتصوير لما لقي أمية من ابن من أبنائه من جفاء وعقوق.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855818,"book_id":1864,"shamela_page_id":94,"part":null,"page_num":94,"sequence_num":94,"body":"٢ - واتصل أمية أكثر ما اتصل بعبد الله بن جدعان التيمي وهو سيد من سادات قريش، وكان جواداً مضيافاً، وكان أمية كثير المدح له، وكان ابن جدعان يعطيه عطاء جزلا، كما كان يفعل هرم بن زهير.\rومن شعره فيه:\rأأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إن شيمتك الحياء\rوعلمك بالحقوق وأنت فرع ... لك الحسب المهذب والسناء\rكريم لا يغيره صباح ... عن الخلق الجميل ولا مساء\rتبارى الريح مكرمة ومجدا ... إذا ما الكلب أحجره الشتاء\rإذا أثنى عليك المرء يوما ... كفاه من تعرضه الثناء\rفأرضك كل مكرمة بناها ... بنو تيم وأنت لها سماء\rفهل تخفى السماء على بصير ... وهل بالشمس طالعة خفاء؟\rويقول فيه أيضاً:\rعطاؤك زين لامرئ إن حبوته ... يبذل وما كل العطاء يزين\rوليس بشين لامرئ بذل وجهه ... إليك كما بعض السؤال يشين\rويقول فيه أيضاً حين صنع ابن جدعان الفالوذ ووضع موائده بالأبطح إلى باب المسجد، ونادى الناس فحضروا وكان هذا أول أكلهم له وحضر أمية فقال:\rومالي لا أحييه وعندي ... مواهب يطلعن من النجاد\rله داع بمكة مشمعل ... وآخر فوق دارته ينادي\rإلى ردح من الشيزى ملاء ... لباب البر يلبك بالشهاد\rإلى آخر هذه الأبيات الطرفة التي تنسب أيضاً إلى أبي الصلت.\rهذا وابن جدعان هو عبد الله بن جدعان التيمي. وقد كان من مشاهير الأجواد، وممن سارت بجوده الأمثال في الأقطار والبلاد. وكان يسمى بحاسي الذهب لأنه كان يشرب في إناء من الذهب. وقالوا في المثل أقرى من حاسي الذهب. وكان من قريش، وفيه قال أبو الصلت الثقفي أو ابنه أمية:\rله داع بمكة مشمعل وآخر فوق دارته ينادي\rإلى ردح من الشيزري ملاء لباب البر يلبك بالشهاد\rوكان في ابتداء أمره على ما يروى صعلوكا ترب اليدين، وكان مع ذلك شريرا فاتكأ لا يزال يجني الجنايات فيعقل عنه أبوه وقومه حتى أبغضه عشيرته ونفاه أبوه وحلف لا يؤويه أبداً، فخرج في شعار مكة حائراً ثائراً يتمنى الموت أن ينزل به فرأى شقا في جبل فظن أن فيه حية فتعرض للشق يريد أن يكون فيه ما بقتله فيستريح فلم ير شيئاً فدخل فيه، فإذا فيه ثعبان عظيم له عينان تقدحان كالسراجين، وإذا هو مصنوع من ذهب وعيناه ياقوتتان، فكسره وأخذ عينيه ودخل البيت، فإذا جثث طوال على سرر لم ير مثلهم طولا وعظما، وعند رؤوسهم لوح من فضة تاريخهم وإذا هم رجال من ملوك جرهم وآخرهم موتا الحرث بن مضاض، وإذا عليهم ثياب من وشى لا يمس منها شيء إلا انتثر كالهباء من طول الزمان مكتوب في اللوح عظات. وإذا في وسط البيت كوم عظيم من الياقوت واللؤلؤ والذهب والفضة والزبرجد فأخذ منه ما أخذتم علم على الشق بعلامة، وأغلق بابه بالحجارة وأرسل إلى أبيه بالمال الذي خرج منه يسترضيه ويستعطفه ووصل عشيرته كلهم فسادهم وجعل ينفق من ذلك الكنز، ويطعم الناس ويفعل المعروف وفي القاموس، وربما كان يحضر النبي ﷺ طعامه. وكانت له جفنة يأكل منها القائم والراكب لعظمها، بل كانت جفنته يأكل منها الراكب على البعير، وسقط فيها صبي فغرق ومات. وعبد الله بن جدعان تيمي يكنى أبا زهير، وهو ابن عم عائشة رضي الله تعالى عنها. ولذلك قالت يا رسول الله إن ابن جدعان كان يطعم الطعام ويقري الضيف ويفعل المعروف، فهل ينفعه ذلك يوم القيامة؟ فقال ﷺ: لا إنه لم يقل يوماً رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين. وكان ابن جدعان ممن حرم الخمر في الجاهلية بعد أن كان بها مغرى وذلك أنه سكر ليلة فصار يمد يديه ويقبض على ضوء القمر ليأخذه، فضحك منه جلساؤه فأخبر بذلك حين صحا فحلف أن لا يشربها أبدا. فلما كبر وهرم أراد بنو تميم أن يمنعوه من تبذير ماله ولاموه في العطاء فكان يدعو الرجل فإذا دنى منه لطمه لطمة خفيفة ثم يقول له: قم فأنشد لطمتك واطلب ديتك فإذا فعل ذلك أعطته بنو تميم من مال ابن جدعان.\r- ٢ -\rشعر أمية\rأهم الدراسات عن أمية وشعره\r١ - كتب عن أمية ابن سلام في طبقات الشعر وابن قتيبة الشعر والشعراء وذكره الأغاني والمرزباني والدميري وصاحب خزانة الأدب، وابن رشيق في العمدة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855819,"book_id":1864,"shamela_page_id":95,"part":null,"page_num":95,"sequence_num":95,"body":"وترجم له صاحب شعراء النصرانية وجورجي زيدان، وصاحب كتاب الأدب العربي وتاريخه في العصر الجاهلي، وترجم له السباعي بيومي، والزيات، وأصحاب الوسيط.\rوعده صاحب الجمهرة من أصحاب المجمهرات - وهي سبع قصائد تلي المعلقات في المنزلة الأدبية - وروى مجمهرته:\rعرفت الدار قد أقوت سنينا ... لزينب إذ تحل بها قطينا\rوألف أحد أساتذة كلية اللغة العربية رسالة فيه وفي حياته وشعره وهي مخطوطة بمكتبة الكلية.\rوطبع ديوانه المستشرق الألماني \"فريدرك شولتهيس\" عام ١٩١١ معتمداً على عدة مصادر، منها شرح محمد ابن حبيب العالم الرواية م ٢٤٥ هـ.\rوطبع لأمية ديوان في بيروت عام ١٩٤٣، إلى غير ذلك من شتى الدراسات عن أمية. ويلاحظ أن بعض الباحثين يعدون أمية جاهلياً لأنه قد توفي بعد ظهور الإسلام بقليل ولأن أكثر آثاره الشعرية نظم قبل الإسلام، ولبيد جاهلي مع أنه توفي عام ٤١ هـ لأنه لم ينظم في الإسلام شيئاً.\rوبعضهم يجعله من المخضرمين، لأنه توفي بعد الهجرة ورثى من قتل في بدر من المشركين.\r- ٣ -\rمكانته في الشعر وآراء النقاد فيه\r١ - قال أبو عبيدة: اتفقت العرب على أن أشعر أهل المدن أهل يثرب، ثم عبد القيس (سكان البحرين) ، ثم ثقيف والطائف وان أشعر ثقيف أمية.\rوذكره ابن سلام في شعراء الطائف حين تكلم على شعراء القرى، وقال: وأمية أشعر أهل الطائف.\rوكان الكميت يقول: أمية أشعر الناس، قال كما قلنا ولم نقل كما قال.\rوقال الأصمعي كما في الأغاني: ذهب أمية بعامة ذكر الآخرة، وذهب عنترة بعامة ذكر الحروب وذهب عمر بعامة ذكر الشباب، وكان أبو عبيدة والأصمعي يقولان، عدي في الشعراء بمنزلة سهيل في النجوم يعارضها ولا يجري معها وكذلك أمية.\rوجعله صاحب كتاب شعراء النصرانية من شعراء الطبقة الثانية وذكر ما نصه. وقيل انه من الطبقة الأولى، وهذا مبالغة شديدة منه.\r- ٤ -\rأسباب شاعريته\rهناك أسباب كثيرة كونت شاعرية أمية وأثرت فيها.. منها: ١ - عصره وبيئته: فقد كان العصر الجاهلي وكانت البيئة العربية عامة والطائف خاصة من بيئات الشعر والأدب والبلاغة والبيان، وجو الطائف وجمالها وكثرة خيراتها ومزارعها واستقرار الحياة فيها، كل ذلك كان له أثره في شاعرية الشاعر ولا ريب.\r٢ - وراثته الشعر عن أسرته: فقد كان أمية من أسرة شاعرة، واشتهر أبوه بالشعر، وامتدت تلك المواهب الفنية فتوارثها أبناء أمية، وكان ابنه القاسم شاعراً وينسب إليه وإلى أبيه.\r\rقوم إذا نزل الغريب بدارهم ... ردوه رب صواهل وقيان\rوإذا دعوتهم لكل ملمة ... سدوا شعاع الشمس بالفرسان\rإلى آخر هذه الأبيات.\r٣ - ثقافته ورحلاته: فقد ألم أمية بثقافات واسعة واختلط بالحياة والناس والعناصر في رحلاته التجارية إلى اليمن والشام، مما كان له أثره في شعره وشاعريته.\r٤ - فطرته على حب التدين: فقد دفعه ذلك إلى مخالطة رجال الأديان والتحدث إليهم والتأثر بعظاتهم، مما جعل قلبه رقيق العاطفة والشعور، وهما أساس الأدب والشعر، ومما جعله يلون شعره بهذا الروح الديني القوي الغلاب.\r٥ - اختلاطه بالحياة الأدبية وبالشعراء في الطائف ومكة وسائر بلاد الجزيرة العربية شاباً ورجلاً وكهلاً، مما جعل الشعر أقرب إلى قلبه وروحه من أي شيء سواه.\rإلى غير ذلك من بواعث الشعر وأسبابه في نفس أمية.\rإن شعر أمية جدير بأوفر عناية وأدق درس لأنه وقد ذكر ما ذكر من أنباء الرسل وأمور الآخرة لا يعدو واحدة من اثنتين إما أن يكون قد قيل قبل نزول القرآن أو بعد بدء نزوله وفي أثنائه، فإن كانت الأولى فهو وثيقة فريدة في الدلالة على ما عرف بعض العرب لذلك العهد من تلك الشؤون، وإن كانت الثانية فقد أراد به صاحبه لا محالة معارضة القرآن فانقطع وتخلف ولم يستطع الكفار أن يشغبوا به.\rوهذه أبيات من شعره تدل على طريقته، والأرجح أن نسبتها إليه صحيحة فإنها من قصيدة استشهد سيبويه ببيت منها وعنى بروايتها شراح كتابه، وقل أن يجوز عليهم غير صحيح.\rقال أمية يذكر إرسال موسى وهارون إلى فرعون وفي الأبيات روح التأثر بالقرآن:\rوأنت الذي فضل من سيب ونعمة ... بعثت إلى موسى رسولا مناديا\rفقال أعني بابن أمي فانتي ... كثير به، يارب صل لي جناحيا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855820,"book_id":1864,"shamela_page_id":96,"part":null,"page_num":96,"sequence_num":96,"body":"وقلت لهارون اذهبا فتظاهرا ... على المرء فرعون الذي كان طاغيا\rوقولا له هل أنت سويت هذه ... بلا وتد حتى اطمأنت كما هيا\rوقولا له هل أنت رفعت هذه ... بلا عمد أرفق إذن بك بانيا\rوقولا له هل أنت سويت وسطها ... منيرا إذا ما جنه الليل ساريا\rوقولا من أخرج الشمس بكرة ... فأصبح ما مست من الأرض ضاحيا\rوقولا له من أنبت الحب في الثرى ... فأصبح منه البقل يهتز رابيا\rفأصبح منه حبه في رؤوسه ... ففي ذاك آيات لمن كان واعيا\r- ٥ -\rخصائص شعره\rأولاً، من حيث الأسلوب والألفاظ\rيعد أمية من أكبر شعراء القرى العربية على قلة الشعر فيهم، غير أن الذي أزرى بشعره في نظر بعض النقاد حتى أسقطوا الاحتجاج به كثرة استعماله للتدخيل من العبرية والسريانية في شعره، كما أنكروا عليه حق التعريب لشدة مخالطته للأعاجم وإن كان عربياً صريحاً، كما أنكروه على عدي لإدخاله الكثير من ألفاظ الفرس في شعره. قال ابن قتيبة: \"واني بألفاظ كثيرة لا تعرفها العرب وكان يأخذها من الكتب، منها قوله: وخان أمانة الديك الغراب. ومنها قوله: قمر وساهور يسيل ويغمد\". وزعم أهل الكتاب أن الساهور غلاف القمر يدخل فيه إذا انكسف. وعلماؤنا لا يرون شعره حجة.. وكان أمية يسمي الله في بعض أشعاره \"السلطيط\" وفي بعضها \"التغرور\"، وربما اقتبسهما من الحبشية أو صاغهما على صيغ تلك اللغة، فالأحباش يسمون الله في اللغة الأمحرية \"أغزابهم\" فلعلها كانت قبلا أقرب إلى \"التغرور\".\rومهما كان فإن في أساليب أمية بل وفي معانيه أشياء لم تكن العرب تعرفها، ولاشك أنه قرأها في بعض الكتب فأدخلها في شعره، وكان أمية يسمي السماء صاقورة وحاقورة. وكان قلق اللفظ سخيف النسج نابي القافية. كل هذا إنما كان في شعر أمية الديني. أما شعره الغير الديني فأرى عليه طلاقة الأسلوب وسهولة اللفظ وعذوبة العبارة وحلاوتها ورقتها وطلاوة البيان. كما في مدائحه لابن جدعان وقصيدته في ابنه وسواهما.\r\rثانياً، من حيث المعاني والأخيلة\rانصرفت قريحة أمية إلى المعاني الدينية فاشتهر بها أمره، واصطبغ بها شعره، فوصف الله ﷿ وذكر الحشر والحساب والجنة والنار والملائكة كما ذكر خلق الأرض والسموات. قال ابن سلام: \"وكان أمية كثير العجائب في شعره، يذكر فيه خلق السموات والأرض، ويذكر الملائكة، ويذكر من ذلك ما لم يذكره أحد من الشعراء.\rونظم حوادث التوراة كخراب سدوهم وقصة إسحاق وإبراهيم، وأدخل في الشعر معاني لم يألفها الشعراء، ولم يعرفها العرب، فكان مذهب أمية في شعره غير معهود في عصره، وكان سبباً في أن ينحله العلماء ما جاء على شاكلة تلك المعاني من الشعر ولم يعرفوا قائله، مما كان له أثره في عدم عناية الأدباء والرواة والنقاد بشعره، وإهمالهم له. ويقول الحجاج: \"ذهب قوم يعرفون شعر أمية وكذلك اندراس الكلام\".\rوذكر كثيراً من العجائب والقصص الخيالية والأساطير الخرافية وخلق العالم وفنائه وأحوال الآخرة وصفات الخالق والخشوع له. مما يتخلله شيء من الحكم والأمثال.\rولا شك أن شعر أمية الذي لم يصطبغ بصبغته الدينية يخلو من هذه السمات ويسير الشاعر فيه على نهج الشعراء الجاهليين، من صدق المعنى وبساطته وسذاجته، مع تلون الثقافة فيه إلى حد ما، لثقافة أمية الواسعة. ومع البعد عن الخيال الكاذب والمبالغة المفرطة فيه.\rويأخذ في شعره الكوني والديني من أساليب ومعاني وروح القرآن الكريم كما في قوله من قصيدة:\rعند ذي العرش يعرضون عليه ... يعلم الجهل والكلام الخفيا\rيوم نأتيه وهو رب رحيم ... إنه كان وعده مأتيا\rيوم نأتيه مثل ما قال فردا ... لم يذر فيه راشدا وغويا\rأسعيد سعادة أنا أرجو ... أم مهان بما كسبت شقيا\rرب كلا حتمته وارد النا ... ر كتابا حتمته مقضيا\rإذ لا يتأتى أن يحمل ذلك على المصادفة والاتفاق، ولا على أنه أخذه مما قرأ من الكتب.\rولا شك أن ثقافة أمية الواسعة جعلته يستمد معانيه وأفكاره وأخيلته من كثير من الثقافات والمصادر.\r\rثالثاً، من حيث أغراض الشعر وفنونه\rويمكننا أن نقسم شعر أمية إلى قسمين:\r(أ) شعره في غير الدين","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855821,"book_id":1864,"shamela_page_id":97,"part":null,"page_num":97,"sequence_num":97,"body":"وقد نحا أمية فيه منحى الشعراء في الأغراض والمعاني والأسلوب: ١ - فنظمه في المديح، كما في مدائحه السابقة لابن جدعان التي يظهر عليها روح الشاعرية ومواهبها العالية القوية الأخاذة المندفقة.\r٢ - ونظمه في الرثاء، ومن ذلك قصائد له كثيرة، منها قوله يرثي زمعة بن الأسود وأخاه عقيلا من بني أسد:\rعين بكى بالمسبلات أبا الحا ... رث لا تذخري على زمعة\rوعقيل بن أسود أسد البأ ... س ليوم الهياج والدقعة\rفعلى مثل هلكهم حوت الجو ... زاء لا خانة ولا خدعة\rوهم الأسرة الوسيطة من كع ... ب وفيهم كذروة القمعة\rأنبتوا من معار سعر الرأ ... س وهم ألحقوهم المنعة\rفبنو عمهم إذا حضر البأ ... س عليهم أكبادهم وجعة\rوهم المطعمون إذا أقحط القط ... ر، وحالت فلا ترى قزعة\rوقال يرثي قتلى بدر وفيهم عتبة وشيبة ابنا خاله:\rألا بكيت على الكرا ... م بني الكرام أولى الممادح\rكبكا الحمام على فرو ... ع الأيك في الغصن الجوانح\rيبكين حرى مستكي ... نات يرحن مع الروائح\rمثالهن الباكيا ... ت المعولات من النوائح\rمن يبكهم يبكي على ... حزن ويصدق كل مادح\rأولا ترون لما أرى ... ولقد أبان لكل لامح\rأن قد تغير بطن مك ... ة فهي موحشة الأباطح\rمن كل بطريق لبط ... ريق نفى اللون واضح\rومن السراطمة الخلا ... جمة الملاوثة المناجح\rالقائلين الفاعل ... ين الآمرين بكل صالح\rالمطعمين الشحم فو ... ق الخبز شحما كالأنافح\rلكرامهم فوق الكرا ... م مزية وزن الرواجح\rكتثاقل الأرطال بال ... قسطاس في الأيدي النوافح\rخذلتهم فئة وهم ... يحمون عورات الفضائح\rولقد عناني صوتهم ... من بين مستسق وصائح\rلله در بني علي ... أيم منهم وناكح\rإن لم تغيروا غارة ... شعواء تجحر كل نابح\rبالمقربات المبعدا ... ت الطامحات مع الطوامح\r٢ - الفخر: كانت مادة الفخر أمام أمية كثيرة لمجد بيت أبيه من ثقيف وبيت أمه من عبد شمس، وكان قوله فيه فائقا بالغا وإن كان مقلا، ولعل إقلاله في هذا الباب ناشئ كما يقول السباعي بيومي من ميله إلى الناحية الدينية التي تزهد الإنسان في مفاخر هذه الحياة، ولذا يغلب أن تكون مجمهرته في الفخر قد قيلت قبل أن يتوغل في الورع والتدين، وهي حافلة بماله ولقومه من مكانة وعلاء. وقد جاءت متفقة مع معلقة ابن كلثوم وزناً ورويا ومتحدة معها في كثير من المعاني والأساليب لما فيه طبع أمية من ميل إلى السهل النازع إليه عمرو دون غيره من رجال المعلقات، ومنها:\rفإما تسألي عني لبيني ... وعن نسبي أخبرك اليقينا\rثقي أني النبيه أبا وأما ... وأجداد سموا في الأقدمينا\rورثنا المجد عن كبرى نزار ... فأورثنا مآثرنا البنينا\rوأرصدنا لريب الدهر جردا ... تكون متونها حصنا حصينا\rوسيأتي تحليل لها.\r٤ - ونظم الشعر في الوصف المعنوي لا الحسي، كما في قصيدته في عقوق ابنه، وهو بذلك يخالف جميع شعراء الجاهلية الذين عنوا بمظاهر الصحراء الحسية ووصفها، أما الوصف الحسي فليس له وجود في شعر أمية الذي نظمه في غير الكونيات وشؤون الدين ولكنه كثير جداً في شعره الديني وإن كان هذا الوصف الحسي لا يتناول الصحراء ومشاهدها وإنما يتناول الكون والسماء والأرض ووصف الحياة نفسها.\r\r(ب) شعره الديني\rوهو كثير ويغلب على شعر أمية وقد نظمه في أغراض كثيرة منها: ١ - القصص كما في وصفه لسفينة نوح وأسطورة تطويق الحمامة التي دلت أصحاب السفينة على الأرض اليابسة فأعطوها هذا الطوق وكما في قصيدته في ذكر إبراهيم ونذره ولده لله وما كان من حديث الذبح وكما في ذكره لقصة مريم وذكره لخراب سدوم وهي مدينة لوط وما وقع له مع قومه. وكما في قصيدته في غارة الأحباش على الكعبة وإشارته إلى قصة الفيل، وكما في كلامه عن قنزعة الهدهد وخرافة الديك والغراب وصداقتهما القديمة وقصة ثمود ورسالة موسى وهرون، إلى غير ذلك من قصصه وأساطيره.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855822,"book_id":1864,"shamela_page_id":98,"part":null,"page_num":98,"sequence_num":98,"body":"٢ - شعره في الكونيات وهو كثير كوصفه للكون وخلقه، وللجنة والنار والملائكة، وسوى ذلك من نواحي هذا الفن.\r٣ - شعره في توحيد الله وهو كثير جداً في شعره.\rويظهر في شعر أمية الديني الضعف الفني، لصعوبة الكلام في أمور الدين ولأنه كان يعارض القرآن في بعض معانيه فعجز وضعف وخذي.\r- ٦ -\rنماذج من شعر أمية\r١ - قال في سفينة نوح وخرافة تطويق الحمامة إذ دلت من فيها على اليابسة:\rوأرسلت الحمامة بعد سبع ... نزل على المهالك لا تهاب\rفجاءت بعدما ركضت بقطف ... عليه الثأط والطين الكثاب\rفلما فتشوا الآيات صاغوا ... لها طوقا كما عقد السخاب\rإذا ماتت تورثه بنيها ... وإن تقتل فليس له استلاب\rجزى الله الأجل المرء نوحا ... جزاء البر ليس له كذاب\rبما حملت سفينته وأنجت ... غداة أتاهم الموت الغلاب\rوفيها من أرومته عيال ... لديه لا الظماء ولا السغاب\r٢ - وقال في نذر إبراهيم ولده وإرسال الله بالفداء حين هم بالذبح واستسلم الذبيح:\rولإبراهيم الموفى بالنذر ... احتسابا وحامل الأجزال\rبكره لم يكن ليصبر عنه ... أو يراه في معشر أقتال\rابني إني نذرتك لله ... شحيطا فاصبر فدى لك خالي\rفأجاب الغلام أن قال فيه ... كل شيء لله غير انتحال\rأبتي إنني جزيتك بالله ... تقيا به على كل حال\rفاقض ما قد نذرته لك واكفف ... عن دمي أن يمسه سربالي\rواشدد الصفد أن أحيد عن ال ... سكين حيد الأسير ذي الاغلال\rبينما يخلع السرابيل عنه ... فكه ربه بكبش جلال\rقال خذه وأرسل ابنك إني ... للذي فعلتم غير قالي\rربما تجرع النفوس من الأم ... ر له فرجة كحل العقال\r٣ - وقال في خراب سدوم مدينة قوم لوط:\rثم لوط أخو سدوم أتاها ... إذ أتاها برشدها وهداها\rراودوه عن ضيفه ثم قالوا ... قد نهيناك أن تقيم قراها\rعرض الشيخ عن ذاك بنات ... كظاء بأجرع مرعاها\rغضب القوم عند ذاك وقالوا: ... أيها الشيخ خطبة تأباها\rأجمع القوم أمرهم وعجوز ... خيب الله سعيها ورجاها\rأرسل الله عند ذاك عذابا ... جعل الأرض سفلها أعلاها\rورماها بحاصب ثم طين ... ذي حروف مسمم إذ رماها\rويروى مسوم أي معلم.\r٤ - وقال في قصة مريم:\rوفي دينكم من رب مريم آية ... منبئة بالعبد عيسى بن مريم\rتدل عليها بعدما نام أهلها ... رسول فلم يحصر ولم يترمرم\rفقال ألا لا تجزعي وتكذبي ... ملائكة من رب عاد وجرهم\rأنيبي وأعطي ما سئلت فإنني ... رسول من الرحمن يأتيك بابنم\rفقالت له أنى يكون ولم أكن ... بغيا ولا حبلى ولا ذاب قيم\rفسبح ثم اغترها فالتقت به ... غلاما سوى الخلق ليس بتوأم\rفقال لها إني من الله آية ... وعلمني والله خير معلم\rوأرسلت لم أرسل غويا ولم أكن ... شقيا ولم أبعث بفحش ومأثم\r٥ - وقال في حادثة الفيل وأن الدين الحق هو حنيفية إبراهيم بعد ذكر شيء من آيات الله:\rإن آيات ربنا باقيات ... ما يمارى فيهن إلا الكفور\rخلق الليل والنهار فكل ... مستبين حسابه مقدور\rثم يجلو النهار رب كريم ... بمهاة شعاعها منشور\rحبس الفيل بالمغمس حتى ... ظل يحبو كأنه معقور\rلازما حلقة الجران كما قطر ... رمن صخر كبكب محدور\rحوله من ملوك كندة أبطا ... ل ملاويث في الحروب صقور\rخلفوه ثم انذعروا جميعا ... كلهم عظم ساقه مكسور\rكل دين يوم القيامة عن ... د الله إلا دين الحنيفة زور\r٦ - وقال في إرسال الله إلى فرعون موسى وهارون:\rوأنت الذي من فضل من ورحمة ... بعثت إلى موسى رسولا مناديا\rفقلت له فاذهب وهارون فادعوا ... إلى الله فرعون الذي كان طاغيا\rوقولا له هل أنت سويت هذه ... بلا وتد حتى اطمأنت كما هي\rوقولا له هل أنت رفعت هذه ... بلا عمد؟ أرفق إذن بك بانيا\rوقولا له هل أنت سويت وسطها ... منيراً إذا ماجنه الليل هاديا؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855823,"book_id":1864,"shamela_page_id":99,"part":null,"page_num":99,"sequence_num":99,"body":"وقولا له من يرسل الشمس غدوة ... فيصبح ما مست من الأرض ضاحيا\rوقولا له من ينبت الحب في الثرى ... فيصبح منه البقل يهتز رابيا؟\rوقد مضت برواية أخرى.\r٧ - وقال في قنزعة الهدهد وأنها مكان حمله أمه في قفاه:\rغيم وظلماء وغيث سحابة ... أيام كفن واستراد الهدهد\rيبغي الفرار بأمه ليجنها ... فبنى عليها في قفاه بمهد\rمهدا وطبا فاستقل بحمله ... في الطير يحملها ولا يتأود\rفتراه يدلج ماشيا بجنازة ... منها وما اختلف الجديد المسند\rإلى غير ذلك من قصصه وأساطيره.\r٨ - وقال في التوحيد:\rالحمد لله ممسانا ومصبحنا ... بالخير صبحنا ربى ومسانا\rرب الحنيفة لم تنفد خزائنه ... مملوءة، طبق الآفاق سلطانا\rألا نبي لنا منا فيخبرنا ... ما بعد غايتنا من رأس محيانا؟\rبينا يرببنا آباؤنا هلكوا ... وبينا نقتني الأولاد أفنانا\rوقد علمنا لو أن العلم ينفعنا ... أن سوف يلحق أخرانا بأولانا\r٩ - وقال في خلق الكون وفناء الخلق وعاقبة الناس مجرمين ومتقين:\rإله العالمين وكل أرض ... ورب الراسيات مني الجبال\rبناها وابنتي سبعا شدادا ... بلا عمد يرين ولا حبال\rوسواها وزينها بنور ... من الشمس المضيئة والهلال\rومن شهب تلألأ في دجاها ... مراميها أشد من النضال\rوشق الأرض فانبجست عيونا ... وأنهارا من العذب الزلال\rوبارك في نواحيها وزكي ... بها ما كان من حرث ومال\rفكل معمر لابد يوما ... وذي دنيا يصبر إلى زوال\rويفنى بعد جدته ويبلى ... سوى الباقي المقدس ذي الجلال\rوسبق المجرمون وهم عراة ... إلى ذات المقامع والنكال\rفنادوا ويلنا ويلا طويلا ... وعجوا في سلاسلها الطوال\rفليسوا ميتين فيستريحوا ... وكلهم بحر النار صالي\rوحل المتقون بدار صدق ... وعيش ناعم تحت الظلال\rلهم ما يشتهون وما تمنوا ... من الأفراح فيها والكمال\r- ٧ -\rبعض المنحول من شعره\rهذا وقد نخل لأمية شعر كثير، وينفي الأصمعي عنه القصيدة المنسوبة إليه التي منها:\rمن لم يمت غبطة يمت هرما ... الموت كأس فالمرء ذائقها\rوينسبها لرجل من الخوارج، ونقد قوله \"الموت كأس\".\rوينسب هذه القصيدة لأمية: الزبير بن بكار عن شيوخه وعن الحسن البصري أيضاً.\r- ٨ - كلمة أخيرة: وبعد، فهذا هو تحليلنا لشعر أمية، ومنه يبدو أنه عبقري في بابه، ونسيج وحده في أغراضه الدينية والكونية على الرغم مما فيها من ضعف في الأسلوب والتركيب لغرابة المعاني التي نظمها.\rأما أمية في شعره البعيد عن الدين فيكاد يكون قريباً من زهير، وشبيهاً بالحطيئة وسواه من الشعراء المجيدين.\r- ٩ - مجمهرة أمية وتحليلها: ١ - وهي قصيدة غير طويلة نظمها أمية في الفخر بقومه وأحسابهم. وتشبه في شاعريتها وموضوعها وروحها ووزنها وقافيتها وخيالها وكثير من معانيها وأساليبها قصيدة عمرو بن كلثوم أو معلقته:\rألا هبي بصحنك فاصبحينا ... ولا تبقى خمور الأندرينا\r٢ - ومطلع المجمهرة:\rعرفت الدار قد أقوت سنينا ... لزينب إذ تحل بها قطينا\r٣ - وبعد أبيات في الغزل وذكر الطلول يقول مفتخراً:\rفإما تسألي عن لبينى ... وعن نسبي أخبرك اليقينا\rثقي أني النبيه أبا وأما ... وأجدادا سموا في الأقدمينا\rورثنا المجد عن كبرى نزار ... فأور لنا مآثرنا البنينا\rوكنا حيثما علمت معد ... أقمنا حيث ساروا هاربينا\rوتخبرك القبائل من معد ... إذا عدوا سعاية أولينا\rبأنا النازلون بكل ثغر ... وأنا الضاربون إذا لقينا\rوإنا المانعون إذ أردنا ... وإنا المقبلون إذا دعينا\rوإنا الرافعون على معد ... أكفا في المكارم ما بقينا\rنشرد بالمخافة من أتانا ... ويعطينا المقاده من يلينا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855824,"book_id":1864,"shamela_page_id":100,"part":null,"page_num":100,"sequence_num":100,"body":"٤ - والقصيدة خلو من الروح الديني وقد يكون نظمها في بدء حياته الشعرية وقبل أن يقف نفسه وحياته وشعره على شؤون الدين وذلك يوضح لنا أسباب احتذائه لعمرو بن كلثوم، فالشاعر في أول حياته في الشعر كثيراً ما يقلد النابغين من الشعراء ويحتذيهم، وبين القصيدتين موازنة أدبية طويلة في كتابي موقف النقاد من الشعر الجاهلي.\rوأصحاب المجمهرات هم عبيد وعنترة وأمية وعدي وبشر بن أبي خازم وخداش بن زهير والنمر بن تولب.\rبعض ما أخذ عليه: ١ - أخذ عليه قوله:\rوالشمس تطلع كل آخر ليلة ... حمراء مطلع لونها متورد\rتأبى فلا تبدو لنا في رسلها ... إلا معذبة وإلا تجلد\rفما شأن الشمس تجلد.\r٢ - وأخذ عليه قوله:\rله ما رأت عين البصير وفوقه ... سماء الإله فوق سبع سمائيا\rفقد خرج عن الاستعمال الفصيح لجمعه سماء على فعائل والقياس جمعها على فول ولأنه أقر الهمزة العارضة في الجمع، مع أن اللام معتلة، وهذا غير معروف، ألا ترى أنهم يقولون خطيئة وخطايا لا خطائي، ولأنه أجرى ياء \"سمائي\" مجرى الباء في ضوارب ففتحها في موضع الجر، والمعروف أن تقول هؤلاء جوار ومررت بجوار فتحذف الياء والنون، وهذه الأوجه ذكرها صاحب الخزانة.\rدين أمية: لم يكن أمية وثنياً، وجعله البعض نصرانياً ومنهم المسعودي، وروى صاحب الإصابة أنه مات مسلماً ونسبوا إليه شعراً في مدح الرسول، والذي يراه أنه كان متحنفاً، ويقول:\rكل دين يوم القيامة عند ... الله إلا دين الحنفية زور\rمصادر ثقافته الدينية: ١ - حنيفية وما كانت تمده به من آراء في الحياة والإله والكون.\r٢ - كتب أهل الكتب الدينية التي اطلع عليها أمية كما يبدو ذلك بوضوح شعره، ومنها التوراة والإنجيل.\r٣ - الأساطير والقصص والذي كان ذائعاً في العصر الجاهلي، وما تلقفه من أفواه الأحبار والكهان، وما سمه من أساطير فارسياً.\r٤ - آراؤه الخاصة في الدين والوجود.\r٥ - القرآن الكريم، وهو أهم مصادر ثقافته الدينية.\r\rآراء المستشرقين في أمية\rوقد أعمى التعصب الديني بعض المستشرقين (أ) فذهب المستشرق الفرنسي كليمان هيوار (١٨٥٤ - ١٩٢٧) إلى أن شعر أمية كان من مصادر القرآن، وأن الرسول ألف القرآن متأثراً فيما تأثر به بثقافات أمية الدينية في شعره، وهو رأي باعثه التعصب الممقوت.\r(ب) وذهب المستشرق الألماني (شولتهيس) إلى أن الأمية منهجاً مستقلاً، ومن ثم أخذ يوازن بين القرآن وشعر أمية وذهب في خطأ جسيم إلى أن أمية كان أدق في كثير من الأحيان في النقل عن الكتب القديمة وأنه كان أعلم وأبعد مدى في الثقافة من محمد وأن المصدر الذي نقل عنه كل منهما واحد، وينكر رأي هيوار في أي شعر أمية كان من مصادر القرآن، ويرى أن القرآن كتاب محمد.\rوجاء في دائرة المعارف الإسلامية: أن القصائد والمقطوعات التي وصلت إلينا منسوبة إلى أمية، يمكن قسمتها بحسب موضوعها قسمين كبيرين، أصغرهما يتكون من قصائد وأبيات قيلت في مدح أشخاص وبخاصة في مدح رجل من أغنياء مكة هو عبد الله بن جدعان، وهي لا تختلف في جوهرها عن نظائرها عند غيره من شعراء العرب القدماء، أما القسم الأكبر الذي يبدأ بالقصيدة الثالثة والعشرين، فبدل دلالة كاملة على النزعة التي يمكن تسميتها بالحنيفية، وأساسها القول بإله واحد هو رب العباد، ونرى فيها صوراً شبيهة بالوحي عن مقام الله وملائكته، وحكايات عن الخلق وآراء تتعلق بيوم القيامة والجنة والنار، وفيها دعوة إلى عمل الخير، وإشارات إلى عبر أخذ بعضها من أخبار العرب من عاد وثمود، وبعضها من قصص التوراة عن الطوفان وإبراهيم ولوط وفرعون. وابن أبي الصلت مولع إلى جانب هذا بقص الحكايات على ألسنة الحيوان. ونلاحظ في شعره أيضاً ذكراً للأعمال السحرية.. ومن قصته عن إبراهيم:\rولإبراهيم الموفى بالنذر ... احتسابا وحامل الأجزال\rيكره لم يكن ليصبر عنه ... أو يراه في معشر أقتال\rومن يقرأ هذه القصة وما شابهها في القرآن الكريم يعلم صحة ما نقول من أن أمية في هذا الباب متكلف متصنع، محاك لم يحكم المحاكاة، بل إنه نظام وليس بشاعر، وهذا لا يخليه من بعض أبيات كان له فيها بعض الإجادة في هذا الباب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855825,"book_id":1864,"shamela_page_id":101,"part":null,"page_num":101,"sequence_num":101,"body":"وقال ابن سلام فيه: وكان أمية كثير العجائب، يذكر في شعره خلق السموات والأرض ويذكر الملائكة، ويذكر من ذلك ما لم يذكره أحد من الشعراء. وقال أبو عبيدة: \"اتفقت العرب على أن أشعر أهل المدن أهل يثرب، ثم عبد القيس، ثم ثقيف، وأن أشعر ثقيف أمية بن أبي الصلت\". وقال الكميت: \"أمية أشعر الناس، كما قلنا ولم نقل كما قال\". وقال الأصمعي: \"ذهب أمية بعامة ذكر الآخرة وذهب عنترة بعامة ذكر الحرب، وذهب عمر بن أبي ربيعة بعامة ذكر الشباب\".\rونقول: تلك آراء العلماء في شعر أمية، ولكن ما بين أيدينا من شعره لا ينزله هذه المنزلة، فلعل كثيراً من شعره الجيد قد ذهب مع الزمان.\rوقال أبو الفرج في أغانيه: \"كان أمية بن أبي الصلت في نظر في الكتب وقرأها، ولبس المسوح تعبدا، وكان ممن ذكر إبراهيم وإسماعيل والحنفية وحرم الخمر، وشك في الأوثان، وكان محققا. والتمس الدين، وطمع في النبوة، لأنه قرأ في الكتب أن نبيا يبعث من العرب فكان يرجو أن يكون هو، فلما بعث النبي ﷺ قيل له: هذا الذي كنت تستريث وتقول فيه فحسده عدو الله وقال إنما كنت أرجو أن أكونه فأنزل الله ﷿ \"واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها\".\rوهو الذي يقول:\rكل دين يوم القيامة عند الل ... هـ إلا دين الحنيفة زور\rفأنت ترى من هذا أنه كان متألهاً يعبد الله على دين إبراهيم، ويتوقع أن يكون هو صاحب الرسالة الذي بشرت به الكتب التي عكف عليها بالدرس. فلما لم يكن ما خط في سجل القدر موافقا لما وقر في نفسه، غلب جهله على حلمه، وسيطر حسده على فكره، فلم يؤمن بالنبي ﵇، ولم ينهل من حياض شريعته. قال ابن عتيبة في طبقات الشعراء: \"وكان أمية يخبر أن نبيا يخرج قد أظل زمانه، وكان يؤمل أن يكون ذلك النبي، فلما بلغه خروج النبي ﷺ كفر به جسدا\". ولما بلغه خبر وقعة بدر والذين قتلوا بها من ذوي قرابته قال قصيدته التي يرثي فيها من قتل من قريش ويحرضهم على أخذ الثأر:\rألا بكيت على الكرا ... م بني الكرام أولى الممادح\rكبكا الحمام على فرو ... ع الأيك في الغصن الجوانح\rثم أخذ يفيض في وصف قتلى بدر حتى لم يدع مكرمة إلا ألصقها بهم إلى أن قال:\rخذلتهم فئة وهم ... يحمون عورات الفضائح\rالضاربين التقدمية ... بالمهندة الصفائح\rقال ابن هشام بعد رواية هذه القصيدة: \"تركنا منها بيتين نال فيهما من أصحاب الرسول\". وجاء في دائرة المعارف الإسلامية: \"والأخبار مختلفة في موقفه بالنسبة للنبي وللإسلام، ولعل الأرجدح أنه لم يلق النبي وأبى أن يصدق بدعوته، يؤيد هذا ما يتجلى في قصيدته المذكورة من عطف على قريش.. وأياً ما كان من شأن هذه الروايات فقد اتفقت جميعاً على أنه مات كافراً ولم يؤمن بالنبي ﵇، روى صاحب الأغاني بسنده قال: \"لما أنشد النبي ﷺ قول أمية:\rالحمد لله ممسانا ومصبحنا ... بالخير صبحنا ربى ومسانا\rرب الحنيفة لم تنفد خزائنه ... مملوءة بطبق الآفاق سلطانا\rألاني لنا منا فيخبرنا ... ما بعد غايتنا من رأس مجرانا\rإلى أن قال:\rيا رب لا تجعلني كافر أبدا ... واجعل سريرة قلبي الدهر إيمانا\rواخلط به بنيتي واخلط به بشري ... واللحم والدم ما عمرت إنسانا\rفقال ﷺ \"آمن شعره وكفر قلبه\". ولولا ما نعرف من غلبة الكذب على كثير من الشعراء لقلنا إن هذه الأبيات منحولة على أمية كما نحل الكثير غيرها ولكنا قد تعودنا من الشعراء غير ذلك، فلا بعد في أن تكون من شعره. ولقائل أن يقول إن هذه القصيدة قيلت قبل مبعث النبي ﵇، وقد اتفق الرواة كما قدمنا على أنه كان موحدا حنيفياً، فلم نشك في نسبتها إليه؟.\r\rالشنفرى الأزدي\rمن شعراء العرب وفتاكهم، ومن أشهر العدائين فيهم هو والسليك وعمرو بن براق وتأبط شراً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855826,"book_id":1864,"shamela_page_id":102,"part":null,"page_num":102,"sequence_num":102,"body":"ويروى أنه حلف مرة ليقتلن من بني سلامان مائة رجل فقتل منهم تسعة وتسعين، فاحتالوا عليه فأمسكوه وكان الذي أمسكه أسير بن جابر أحد العدائين المشهورين، رصده حتى نزل في مضيق ليشرب الماء فوقف له فأمسكه ليلاثم قتله، فمر رجل منهم بجمجمته فضربها برجله، فدخلت شظية من الجمجمة في عينيه فمات منها، فتمت القتلى مئة.\rومن أحسن شعره قصيدته \"لامية العرب\":\rأقيموا بني أمي صدور مطيعكم ... فإني إلى قوم سواكم لأميل\rوعليها شروح كثيرة، وقد طبعها العلامة سلوستر دي ساسي في كتابه \"الأنيس المفيد\" ترجمت للفرنسية بقلم العلامة فرستال، كما ترجمت إلى اللغة النمساوية مراراً.\rنماذج من شعر الشنفرى: - ١ -\rأقيموا بن أمي صدور مطيكم ... فإني إلى قوم سواكم لأميل\rفقد حمت الحاجات والليل مقمر ... وشد لطيات مطايا وأرحل\rوفي الأرض منأى للكريم عن الأذى ... وفيها لمن خاف القلى متعزل\rولي دونكم أهلون: سيد عملس ... وأرقط ذهلول وعرفاء حيأل\rهم الأهل لا مستودع السر ذائع ... لديهم ولا الجاني بما جر يخذل\rوكل أبي باسل غير أنني ... إذا عارضت أولى الطرائد أبسل\rوإن مدة الأيدي إلى الزاد لم أكن ... بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل\rوما ذاك إلا بسطة عن تفضل ... عليهم وكان الأفضل المتفضل\rوأني كفاني فقد من ليس جازيا ... بحسنى ولا في قربه متعلل\rثلاثة أصحاب: فؤاد مشيع ... وأبيض إصليت وصفراء عيطل\rهتوف من الملمس المتون يزينها ... رصائع قد نيطت إليها ومحمل\rإذا زل عنها السهم حنت كأنها ... مرزأة عجلى ترن وتعول\rويصف الشنفرى الذئاب الجائعة في لاميته فيقول:\rوأعدو على القوت الزهيد كما غدا ... أزل تهاداه النتائف أطحل\rغدا طاويا يعارض الريح هافيا ... نجوت بأذناب الشعاب وبعسل\rفلما لواه القوت من حبت أمه ... دعا فأجابته نظائر نحل\rمهللة شيب الوجوه كأنها ... قداح بكفي ياسر تنقلقل\rأو الخشرم المبعوب حثحث دبره ... محابيض أرادهن سام معسل\rمهرته فوه كأن شدوقها ... شقوق العصى كالحالات وبسل\rفضج وضجت بالبراج كأنها ... وإياه نوح فوق علياء ثكل\rوأغضى وأغضت وأقسى وأقست به ... مراميل عزاها وعزته مرمل\rشكا وشكت ثم ارعوى بعد وارعوت ... وللصبر إن لم ينفع الشكو أجمل\rلقيط بن يعمر\rهو شاعر جاهلي قديم مقل، ذكر ابن الشجري أنه كان كاتباً في ديوان كسرى، ولم يكن بيد الناس من شعره في زمن صاحب الأغاني إلا قصيدة كتب بها إلى قومه يحذرهم ما اعتزمه كسرى من غزوهم وقتالهم، وقطع أخرى لطاف متفرقة، فإذا صحب رواية ابن الشجري - وفي ما قاله أبو الفرج ما يقويها وإن لم يصرح وكان لقيط قد خدم الأكاسرة وكتب لهم - فهو أقدم من بلغنا خبره ممن أتقن الفارسية من العرب وأجدرهم بأن يتأثر بها شعره.\rوليس من المستطاع اليوم وقد ضاع شعر لقيط تعيين ما كان لعلمه بالفارسية واتصاله بخدمة الملوك من أثر فيه، ولكن القصيدة التي بقيت له وانتهت إلينا تتميز من شعر ذلك العهد بأنها نسق واحد لا خلة فيه ولا وثبة، وأنها لا تبدأ معنى حتى تتمه وتستوفيه، ولا تنتقل عنه إلى آخر حتى يكون هو الذي أدى إليه واقتضاه. ولعل خير ما يدل على مذهب الشاعر ويكشف عن طريقته إثبات أبيات منها تجمع إلى وضوح الدلالة كثيراً من الفائدة.\rقال لقيط يحذر قومه عاقبة أمرهم إذا قهرهم الفرس، ويذكرهم بما يحل بهم إذا دارت عليهم الدائرة وغلبهم الأجنبي على سلطانهم، ويوصيهم باجتماع الكلمة والتشمير للحرب وتقليد زمامهم من توفرت فيه خلالها وتمت له أداتها:\rهيهات لا مال من زرع ولا إبل ... يرجى لغابركم إن أنفسكم جدعا\rلا تلهكم إبل ليست لكم إبلا ... إن العدو بعظم منكم قرعا\rلا تثمروا المال للأعداء إنهم ... إن يظفروا يحتووكم والتلاد معا\rيا قوم إن لكم من إرث أولكم ... إن ضاع آخره أو ذل واتضعا\rماذا يرد عليكم عن أولكم ... مجداً قد أشفقت أن يفنى وينقطعا\rفلا تغرنكم دنيا ولا طمع ... أن تنعشوا بزماع ذلك الطمعا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855827,"book_id":1864,"shamela_page_id":103,"part":null,"page_num":103,"sequence_num":103,"body":"يا قوم لا تأمنوا إن كنتم غيرا ... على نسائكم كسرى وما جمعا\rيا قوم بيضتكم لا تفجعن بها ... إني أخاف عليها الأزلم الجذعا\rهو العناء الذي تبقى مذلته ... إن طار طائركم يوما وإن وقعا\rهو القتاد الذي يجتث أصلكم ... فمن رأى مثل ذا رأيا ومن سمعا\rقوموا قياما على أمشاط أرجلكم ... ثم افزعوا، قد ينال الأمن من فزعا\rوقلدوا أمركم لله دركم ... رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا\rلا مترفا إن رخاء العيش ساعده ... ولا إذا عض مكروه به خشعا\rلا يطعم النوم إلا ريث يبعثه ... هم تكاد حشاه تحطم الضلعا\rمسهد النوم تعنيه أموركم ... تروم منها إلى الأعداء مطلعا\rما انفك يحلب در الدهر أشطره ... يكون متبعا طوراً ومتبعا\rوليس بشغله مال يثمره ... عنكم ولا ولد يبغي له الرفعا\rقد استمر على شرر مريرنه ... مستحكم السن لا قحما ولا ضرعا\rأبو دؤاد الأيادي\rشاعر قديم كان على خيل المنذر بن النعمان من ملوك الحيرة، أكثر من وصف الخيل في شعره، وأجاد وبرع حتى قال أبو عبيدة أنه أوصف الناس للفرس في الجاهلية والإسلام، وقال ابن الأعرابي: لم يصف أحد قط الخيل إلا احتاج إلى أبي دؤاد وقدمه: الخطيئة وأبو الأسود الدؤلي على جميع الشعراء ومع ذلك كانت الرواة - على ما قال الأصمعي - لا تروي شعره ولا شعر عدي بن زيد، لمخالفتهما مذهب الشعراء.\r\rعدي بن زيد ٤٨٠ - ٥٨٧ م\rبيت عدي\rهو عدي بن زيد بن حماد، ينتهي نسبه إلى مضر، وكان من بيت مشهور بالكتابة والأدب.\rهاجر أجداده من اليمامة إلى الحيرة، ونزلوا على أبناء خؤولتهم فيها، ثم استقروا بها واتصلوا بملوك الحيرة ونالوا جوائزهم.\rوتعلم جده حماد الكتابة ونبغ فيها وكان أول من تعلمها من أسرته، وصار كاتب النعمان الأكبر.\rونشأ والده زيد في رعاية أمه الطائية وأبيه حماد ولما توفي حماد كفله صديق له من كبار تجار الفرس وقوادهم.. فتعلم زيد العربية، وأجاد الكتابة وحذق الفارسية وتولى وظيفة في دولة كسرى حيث كان يحمله على البريد في حوائجه وصار من المقربين في دولته كما كان أثيراً لدى المنذر بن ماء السماء الذي ولي عرش الحيرة بعد موت النعمان (٥٠٥-٥٥٤ م) .\r\rمولده ونشأته\rوولد عدي ونشأ في هذا المجد والجاه وفي ظلال والده ونفوذه، وتعلم العربية والكتابة بها في الكتاب بالحيرة كما تعلم الفارسية والكتابة بها في ديوان كسرى حتى خرج من أفهم الناس وأفصحهم بالعربية ونظم الشعر وتعلم الفروسية ووصف لكسرى بأنه أفصح الناس وأكتبهم بالعربية والفارسية مع الجمال الفائق والذكاء العجيب والبديهة الحاضرة، فأثبته كسرى في ديوانه وكان أول من كتب بالعربية فيه.\r\rبيئته\rفي هذه البيئة العامة، وفي الحيرة عاصمة إمارة المناذرة ولد ونشأ عدي.\rوكانت الحيرة إمارة عربية على حدود الجزيرة العربية ومملكة كسرى، وكان أمراؤها خاضعين للنفوذ الفارسي.\rوكانت الحيرة كذلك ملتقى للثقافة الفارسية والعربية ومنتدى واسعاً للأدب والشعر، يظللها ألوان من الحضارة والتقاليد الفارسية وكانت النصرانية سائدة فيها كما كان أئمة الشعراء يفدون إليها لينعموا بجوائز المناذرة وصلاتهم السنية وكان ممن قصد إليها النابغة والأعشى وعلقمة وحسان وسواهم.\rكما كان تنقل عدي بين البلاد الفارسية سبباً في تنوع ثقافته، وسعة معارفه، وتعدد مشاهده، وكثرة تجاربه، وتباين البيئات التي عاش فيها.\r\rحياته\rانتقل عدي من الحيرة إلى المدائن حيث كان يعمل كما ذكرنا في ديوان كسرى، يؤذن له عليه في الخاصة، وهو معجب به، قريب منه، كما أصبح له نفوذه عند أمراء الحيرة، فعلا له بذاك صيت عظيم، وذكر كريم.\rوكانت إقامته الغالبة في المدائن عاصمة كسرى فإذا أراد المقام بالحيرة في منزله مع أهله استأذن كسرى فأقام فيهم الشهر والشهرين وكثيراً ما كان ينزل البادية قريباً من الحيرة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855828,"book_id":1864,"shamela_page_id":104,"part":null,"page_num":104,"sequence_num":104,"body":"وأرسله كسرى رسولاً له إلى إمبراطور الدولة الرومانية الشرقية بالقسطنطينية وأكرمه القيصر وطاف به في أرجاء مملكته الواسعة، وكان من البلاد التي زارها في هذه الرحلة دمشق ويؤثر له فيها قصيدة قالها وكانت فيما يروى أول شعر نظمه. ومن هذه القصيدة:\rرب دار بأسفل الجزع من دو ... مة أشهى إلى من جيرون\rوندامى لا يفرحون بما نا ... لوا ولا يرهبون صرف المنون\rوقدم عدي المدائن على كسرى بهدية قيصر، وبلغة خبر موت والده أثناء رحلته فاستأذن كسرى في زيارة أهله بالحيرة فتلقاه ملكها في وجوه الناس يعزونه.\rوتزوج عدي هنداً بنت النعمان بن المنذر، وكانت من أجمل نساء أهلها وزمانها، وكان لعدي فضل في تولي النعمان عرش الحيرة بعد المنذر، فعظمت منزلة عدي في دولة المناذرة، وخاصة أن النعمان ربي على يد أستاذه عدي، ثم وشى الوشاة به إلى النعمان فحبسه حتى مات في حبسه.\r\rشخصيته وأخلاقه\rكان عدي من أجمل الناس، وأشدهم ظرفاً، وأكثرهم أدباً، وكان واسع الحيلة كثير الدهاء والذكاء كبير المعرفة والتجربة والخبرة بالحياة والناس، وكان لطيف المعاشرة، قوي الألفة والوفاء لأصدقائه.\rوكان حسن الكلام رائع البيان، ساحر الحديث، بادي الفصاحة واللسن.\rأما ديانته فيقول مؤلف كتاب \"شعراء النصرانية\": إنه كان نصرانياً، وكذلك كان أبوه وأمه وأهله. ويروى أن النعمان ملك الحيرة كان يعبد الأوثان، وأنه خرج يتنزه بظهر الحيرة ومعه عدي بن زيد فمرا على مقابرها فقال له عدي: أبيت اللعن، أتدري ما تقول هذه المقابر؟ قال: لا. قال: إنها تقول:\rأيها الركب المخبون ... على الأرض المجدون\rفكما أنتم كنا ... وكما نحن تكونون\rفدخلت قلب النعمان الرقة وحب التدين، فرجع وتنصر.\rولست أجد مظهراً لنصرانية عدي في شعره، فليس فيه ما يوجد في شعر أمية بن أبي الصلت مثلاً من أساطير دينية وقصص الأنبياء، وما إلى ذلك، وأما الحكمة في شعره فلا تدل على نصرانيته، بل قد تدل على أنه كان متحنفاً.\rويروى أنه كان له كتاب في تاريخ الروم، أخذ عنه المسعودي، وهذا بعيد.\r\rشاعريته\r- ١ - كان لوراثات عدي العربية الأصيلة المطبوعة على البلاغة والبيان والشعر أثر في تنشئته الشعرية، كما كان لفطرته واستعداده الشخصي وثقافته وميله إلى التدين آثار في تنمية ملكاته وإرهاف مشاعره وذوقه وعاطفته ووجدانه، مما يساعد على تكوين ملكات الشعر ومواهبه.\rوكانت بيئته الحيرة المتحضرة ومشاهدها، وكثرة رحلاته في البلاد، واتصاله بالملوك وخبرته الواسعة، وذكاؤه العجيب، باعثاً على تقوية خياله وكثرة معانيه، وسهولة أساليبه في الشعر.\rولقد سمع عدي وهو صغير الشعراء في الحيرة، ينشدون ملوكها الشعر الجيد، والمدائح العالية والقصائد المحبرة كالنابغة، وحسان، وعلقمة، والأعشى، والمتلمس، وطرفة، وسواهم. فغذى ذلك الجو الأدبي شاعريته وأيقظ فطرته الأدبية، ونشأه على الشعر ونظمه.\rوكانت المنافسات الأدبية، ورغبته الحافزة في الفوق على أقرانه وفي استدامة نفوذه وجاهه الذين كانا له، مما يدفعه إلى قوله الشعر والإجادة فيه، إلى غير ذلك من بواعث شاعريته وأسبابها.\r- ٢ - ويمتاز شعر عدي بكثرة المعاني وتنوعها ودقتها مع الوضوح والصدق، ولعل هذه الكثرة راجعة إلى أثر حياته وبيئته وثقافته في شعره.. والحكمة والتجربة الصادقة تشيعان في معانيه.\rوخياله خيال غذي بالحضارة، فقلت صور البادية وأثرها فيه وفي شعره وتكثر فيه الصور العقلية وتقل الصور المادية في شعره، ومن ثم اتكأ خياله على العقل والفطنة لا على المحسات والمشاهدات المادية، وهو مقتصد في تشبيهاته ومجازاته.\rويمتاز أسلوبه بشيوع الرقة والسهولة، وعدم ظهور الجزالة ووضوحها فيه، ويرجع ذلك إلى بيئته الحضرية التي عاش فيها وهي بيئة الحيرة، وإلى كثرة إقامته بالمدائن، ورحلاته إلى بلاد الشام وسواها، مما أشاع في شعره السهولة، ولذلك كثر الغناء به، وقد كانت هذه السهولة مدعاة إلى اللين، مما عابه النقاد عليه، حتى قال ابن سلام فيه:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855829,"book_id":1864,"shamela_page_id":105,"part":null,"page_num":105,"sequence_num":105,"body":"\"وعدي كان يسكن الحيرة ويراكز الريف، فلان لسانه، وسهل منطقه فحمل عليه شيء كثير، وتخليصه شديد، واضطرب فيه خلف، وخلط فيه المفضل فأكثر\". وقال ابن قتيبة: \"كان عدي يسكن بالحيرة ويدخل الأرياف، فثقل لسانه، واحتمل عنه شيء كثير جداً، وعلماؤنا لا يرون شعره حجة\".\rوقد عدد صاحب الأغاني بعض الألحان التي صنعت في شعره. ونحن لا نوافق النقاد على مؤاخذة عدي بهذه الرقة، وبتلك السهولة، مادام الشعر غير متكلف ولا مصنوع. ولقد انقضى عصر البداوة في الأسلوب، وأصبحنا الآن نعيش في حياة جديدة لا تخالف حياة أجدادنا الأولين، وهذه الحياة وتلك الحضارة لا ترى في السهولة ما يستحق النقد والعيب.\r\rالتاريخ الأدبي لعدي\rسجل أبو الفرج صاحب الأغاني حياة عدي وشعره في الجزء الثاني من كتابه، كما جمع الكثير من أخباره وشعره مؤلف كتاب \"شعراء النصرانية\" في القسم الرابع من الكتاب. وذكره ابن سلام في طبقات الشعراء، وابن قتيبة في الشعر والشعراء، والمرزباني في الموشح. وأخرج بعض المعاصرين بحثاً عنوانه \"زعامة الشعر الجاهلي بين امرئ القيس وعدي بن زيد\".\rوقد جمع أبو سعيد السكري وجماعة أخرى شعر عدي في القرن الثالث الهجري - كما ذكر ابن النديم - في الفهرست - وذلك رواية عن هشام الكلبي وابن الأعرابي والضبي وسواهم.\r\rألوان من حياة عدي بن زيد وشعره\rكان نصرانياً وكذلك أبوه وأمه وأهله، وكان أبوه ممن حذق الفارسية وأجادها وتوصل إلى كسرى، فجعله على البريد ولم يكونوا يفعلون ذلك إلا بأولاد المرازية، ولما ولد له عدي وتحرك وأيفع طرحه في الكتاب حتى حذق العربية. ثم أسلمه أبوه إلى صديق له من مرازبة الفرس فجعله مع ابنه في كتاب الفارسية فاختلف إليه زمنا، حتى خرج من أفهم الناس بها وأفصحهم بالعربية وقال الشعر وتعلم الرمي بالنشاب ولعب لعب العجم على الخيل بالصوالجة وغيرها، ووفد المرزبان على كسرى فذكره له وقال إن عندي غلاماً من العرب وهو أفصح الناس وأكتبهم بالعربية والفارسية والملك محتاج إلى مثله فرغب فيه وجعله في كتاب الديوان وأوفده إلى قيصر فأكرمه وحمله إلى عماله على البريد ليريه بسطة سلطانه وعظيم شأنه وأقام عدي بالمدائن يؤذن له على كسرى في الخاصة وهو معجب به قريب منه فإذا أراد المقام بالحيرة في منزله ومع أهله استأذنه فأقام فيهم الشهر والشهرين وأكثر وأقل. وقد أثر كل هذا في شعر عدي فلان لسانه وسهل منطقه كما قال ابن سلام، وذهب مذهبا خالف فيه الشعراء كما قال الأصمعي، وكان لمكان الدين منه يتلطف في دعوة النعمان إلى النصرانية حتى نقله من الوثنية إليها، ويتوسل لذلك بالشعر فيضع من الأبيات ما يجعله حديثاً عن المقابر أو غيرها، فإذا خرج للنزهة أو الصيد ومرا بها قال أتدري ما تقول هذه المقابر قال لا قال فإنها تقول:\rمن رآنا فليحدث نفسه ... أنه موف على قرن زوال\rوصروف الدهر لا يبقى لها ... ولما تأتى به صم الجبال\rرب ركب قد أناخوا عندنا ... يشربون الخمر بالماء الزلال\rوالأباريق عليها فدم ... وجياد الخيل تردى في الجلال\rعمروا دهرا بعيش حسن ... آمني دهرهم غير عجال\rثم أضحوا عصف الدهر بهم ... وكذاك الدهر يودي بالرجال\rوكذاك الدهر يودي بالفتى ... في طلاب العيش حالا بعد حال\rوقد ظلت هذه المعاني وأشباهها مما يتصل بالدين تعتلج في صدره وتهجس في نفسه وتصطبغ بها خواطره حتى نفئها في غرر شعره وعيون قصائده التي كتب بها من حنسه إلى النعمان:\rلم أر مثل الفتيان في غ ... ين الأيام ينسون ما عواقبها\rينسون إخوانهم ومصرعهم ... وكيف تعتاقهم مخالبها\rماذا ترجى النفوس من طلب ال ... خير وحب الحياة كاربها\rتظن أن ليس يصيبها عنت الد ... هر، وريب المنون صائبها\rويقول عدي:\rليس شيء على المنون بباق ... غير وجه المسيح الخلاق\rفبرئ صدري من الظلم للرب ... وحنث بمعقد الميثاق\rوشاهد ذلك حاضر في مصارع من غبر من الأمم وسلف من الملوك:\rأيها الشامت المعير بالد ... هر: أأنت المبرأ الموفور\rأم لديك العهد الوثيق من الأ ... يام، بل أنت جاهل مغرور","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855830,"book_id":1864,"shamela_page_id":106,"part":null,"page_num":106,"sequence_num":106,"body":"من رأيت المنون خلدن أم من ... ذا عليه من أن يضام خفير\rأين كسرى كسرى الملوك أنوشر ... وان أم أين قبله سابور\rوبنو الأصفر الكرام ملوك ... الروم لم يبق منهم مذكور\rوأخو الحضر إذ بناء وإذ دج ... لة تجبى إليه والخابور\rشاده مرمرا وجلله كلسا ... فللطير في ذراه وكور\rلم يهبه ريب المنون فباد ال ... ملك عنه فبابه مهجور\rوتذكر رب الخورنق إذا أق ... بل يوما وللهدى تفكير\rسره ماله وكثرة ما يم ... لك والبحر معرضا والسدير\rفارعوى قلبه فقال: وما غب ... طة حي إلى الممات يصير\rشعراء النسيب في العصر الجاهلي\rوهم كثيرون ومنهم: المرقش الأكبر ٥٥٢ م، وعبد الله بن العجلان ٥٦٦ م، ومالك، وعنترة، ومسعود بن خراشة التميمي وقد أدرك الإسلام، ومنظور بن زبان الفزاري.\rولهم شعر رائع وقصائد كثيرة قصروها على الغزل وحده كما في قصيدة المرقش الأكبر: سرى ليلا خيال سليمى.\rوقد يبدو أن نسيب فن إسلامي بدأه عمر بن أبي ربيعة وجميل وكثير وطبقتهم، والحقيقة أن هؤلاء كانوا يحتذون مثالاً لمن تقدمهم، وما أظن أحداً بلغ من صفة النساء ما بلغ النابغة حين سأله النعمان أن يصف امرأته المتجردة، أو ما بلغ المنخل اليشكري والمرار العدوي وسويد بن أبي كاهل وشعر المرقشين الأكبر والأصغر وعبد الله بن العجلان النهدي وقيس بن الحدادية، ممن صدقوا الحب ونسبوا في لفظ عفيف ومعنى نزيه مشهور معروف.. قال المرقش الأكبر:\rسرى ليلا خيال من سليمى ... فأرقني أصحاب هجود\rفبت أدير أمري كل حال ... وأرقب أهلها وهم بعيد\rعلى أن قد سما طرفي لنار ... يشب لها بذي الآرطي وقود\rحواليها مهاجم التراقي ... وآرام وغزلان رقود\rنواعم لا تعالج بؤس العيش ... أوانس لا تروح ولا ترود\rيرحن معاً بطاء المشي بدا ... عليهن المحاسد والبرود\rسكن ببلدة وسكنت أخرى ... وقطعت المواثق والعهود\rفما بالي أفي ويخان عهدي ... وما بالي أصاد ولا أصيد\rورب أسيلة الخدين بكر ... منعمة لها فرع وجيد\rوذو أشر شتيت النبت عذب ... نقي اللون براق برود\rلهوت بها زماناً من شبابي ... وزارتها النجائب والقصيد\rأناس كلما أخلقت وصلا ... عناني منهم وصل جديد\rوقال:\rنواعم أبكار سرائر بدن ... حسان الوجوه لينات السوالف\rيهدلن في الآذان كل مذهب ... له زبد يعيان به كل واصف\rقصرن شقيا لا يبالين غيه ... يعوجن من أعناقها بالمواقف\rنشرن حديثاً آنساً فوضعته ... خفيضا فلا يلغى به كل طائف\rولعبد الله بن العجلان:\rألا أبلغا هند أسلامي فإن نأت ... فقلبي مذ شطت بها الدار مدنف\rولم أر هنداً بعد موقف ساعة ... بأنعم في أهل الديار تطوف\rأنت بين أتراب تمايس إذ مشت ... دبيب القطا أو هن منهن أقطف\rأشارت إلينا في خفاء وراعها ... سراة الضحى مني على الحي موقف\rوقالت تباعد يا ابن عمي فإنني ... منيت بذي صول يغار ويعتف\rوقال:\rخليلي زورا قبل شحط النوى هندا ... ولا تأمنا من دار ذي لطف بعدا\rولا تعجلا لم يدر صاحب حاجة ... أغيا يلاقى في التعجل أم رشدا\rومرا عليها بارك الله فيكما ... وإن لم تكن هند لوجهيكما قصدا\rوقولا لها ليس الضلال أجارنا ... ولكننا جرنا لنلقاكم عمدا\rوقال قيش بن الحدادية من قصيدة طويلة:\rأجدك أن نعم نأت أنت جازع ... قد اقتربت لو أن ذلك نافع\rقد اقتربت لو أن في قرب دارها ... نوالا ولكن كل من ضن مانع\rوقد جاورتنا في شهور كثيرة ... فما نولت والله راء وسامع\rوظني بها حفظ لغيبي ورعية ... لما استرعيت والظن بالغيب واسع\rفقالت لقاء بعد حول وحجة ... وشحط النوى إلا لذي العهد قاطع\rوقد يلتقي بعد الشتاء أولو النوى ... ويسترجع الحي السحاب اللوامع\rومنها:\rكأن فؤادي بين شقين من عصا ... حذار وقوع البين والبين واقع\rيحث بهم حاد سريع نجاؤه ... ومعرى عن الساقين واللوب واسع","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855831,"book_id":1864,"shamela_page_id":107,"part":null,"page_num":107,"sequence_num":107,"body":"فقلت لها يا نعم حلى محلنا ... فإن الهوى يا نعم والعيش جامع\rفقالت وعيناها تفيضان عبرة ... بأهلي بين لي متى أنت راجع\rفقلت لها تالله يدري مسافر ... إذا أضمرته الأرض ما الله صانع\rفشدت على فيها اللثام وأعرضت ... وأمعن بالكحل السحيق المدامع\rوإني لعهد الود راع وإنني ... بوصلك مالم يطوني الموت طامع\rفنصيب هذا العصر من النسيب كما رأيت أوفر وأجود مما توهم الأدباء، وهو أصل ينتمي إليه بارع النسيب الإسلامي من قريب.\r\rلبيد بن ربيعة\rحياته وشعره\rلبيد بن ربيعة من بني عامر بن صعصعة، وهي قبيلة مضرية، وأمه من بني عبس. كان في الجاهلية شريفاً جواداً شجاعاً شاعراً وقد أدرك الإسلام وأسلم، وعمر طويلاً حتى مات في خلافة معاوية عام ٤١هـ. وأكثر شعره قاله قبل الإسلام، فلما أسلم لم يقل إلا قليلا.\rوهو شاعر بدوي يصف في شعره حياة بدوية صحراوية ولاسيما في معلقته التي مطلعها:\rعفت الديار محلها فمقامها ... بمن تأبد غولها فرجامها\rويظهر أنه قالها في شبابه وهي تمثل الشعر البدوي في متانته وقوته.\rوفي شعره بعد ذلك - وهو الذي عمله في الكهولة والشيخوخة على مايظهر - أثر الحكمة وقوة الشعور الديني كزهير، مثل قوله:\rوما المرء إلا كالشهاب وضوئه ... يحور رمادا بعدما هو ساطع\rوما المال والأهلون إلا ودائع ... ولابد يوماً أن ترد الودائع\rوما الناس إلا عاملان: فعامل ... يتبر ما يبنى، وآخر رافع\rوقصيدته التي مطلعها:\rألا كل شيء ما خلا الله باطل ... وكل نفيم لا محالة زائل\rوكل أناس سوف تدخل بينهم ... دويهية تصفر منها الأنامل\rوقصيدته:\rإن تقوى ربنا خير نفل ... وبإذن الله ريثي والعجل\rأحمد الله ولا ند له ... بيديه الخير ماشاء فعل\rمن هداه سبل الخير اهتدى ... ناعم البال ومن شاء أضل\rوكان لبيد أحدث أصحاب المعلقات عصرا وآخرهم موتا.\rوشعر لبيد مثال للفخامة والقوة والمتانة والبداوة فتراه فخم العبارة قوي اللفظ قليل الحشو مزدانا بالحكمة العالية والموعظة الحسنة.\rولبيد من أحسن الجاهليين تصرفا في الرثاء وفخره قوي ينم عن شرفه وعزته ومجده وحسبه العريق. وقال فيه رسول الله ﷺ: أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد \"ألا كل شيء ما خلا الله باطل\".\rوقد نظم لبيد الشعر في جاهليته وجرى به على سنن الأشراف والفرسان كعنترة وعمرو بن كلثوم فلم يتكسب بشعره ولذلك ترى فيه ولاسيما معلقته قوة الفخر والتحدث بالفتوة والنجدة والكرم وإيواء الجار وعزة القبيلة، ولم ينظم شعراً بعد أن أسلم.\rهذا ويقدم لبيد بعض النقاد محتجين بأنه أفضلهم في الجاهلية والإسلام وأقلهم لغواً في شعره، وقالت عائشة ﵂: رحم الله لبيدا ما أشعره في قوله:\rذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب\rلا ينفعون ولا يرجى خيرهم ... ويعاب قائلهم وإن لم يشغب\rوكان لبيد جواداً شريفاً في الجاهلية والإسلام وقصص جودة كثيرة.\r\rديوان لبيد\rشرحه السكري والشيباني والأصمعي وابن السكيت والطوسي. ولم يصل إلينا من ذلك كله إلا نصف شرح الطوسي في مخطوطة طبعها في فيينا يوسف ضياء الدين الخالدي المقدسي سنة ١٨٨٠ وفيها عشرون قصيدة هي الجزء الثاني من الديوان وقد صدرت بمقدمة عن الديوان والشاعر.\rوكذلك عنى بالديوان المستشرق هوبر الذي طبعه في ليدن سنة ١٩٨١ ووضع مقدمة له في حياة لبيد، وأخرجه بإشراف بروكلمان.\rولمعلقة لبيد شروح، وقد نشرها دي ساسي وقد ترجمها إلى الفرنسية أيضاً.\r\rمصادر حياة لبيد\rترجم له صاحب الأغاني في الجزء الرابع عشر، وابن قتيبة في الشعر والشعراء وذكره ابن سلام في طلبقات الشعراء والمرزباني في الموشح.\rوترجم له صاحب كتاب \"تاريخ الأدب العربي في العصر الجاهلي\"، والزيات في كتابه تاريخ الأدب العربي، وأصحاب الوسيط والمفصل وسواهم. وترجم له أيضاً في سلسلة الروائع.\r\rمعلقة لبيد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855832,"book_id":1864,"shamela_page_id":108,"part":null,"page_num":108,"sequence_num":108,"body":"لبيد بن ربيعة العامري من سادة العامريين القيسيين وأشرافهم وكان يقال لأبيه ربيعة المعتربن وعمه ملاعب الأسنة عامر بن مالك أخذ أربعين مرباعا في الجاهلية.\rكان لبيد من شعراء الجاهلية وفرسانهم وقال الشعر في الجاهلية في كل غرض، وأجرك الإسلام وأسلم وهجر الشعر وأقام بالكوفة إلى أن مات عام ٤١هـ مائة وسبع وخمسين سنة.\rوسئل لبيد من أشعر الناس؟ فقال: الملك الضليل، ثم الشاب القتيل، ثم الشيخ أبو عقيل يعني نفسه. وهو من أصحاب المعلقات، وكان نظم لبيد الجاهلية فجم العبارة منضد اللفظ قليل الحشو مزداناً، فالحكمة العالية ثعات، وهو أحسن الجاهليين تصرفاً في الرثاء، وأكثرهم قدرة على تصوير عواطف المفجوع الحزين بلفظ رائق وألوب مؤثر، وقدمه بعض النقاد \"لأنه أفضل الشعراء في الجاهلية والإسلام، وأقلهم لغواً في شعره\".\rومعلقته لبيد تمتاز بقوة اللفظ ومتانة الأسلوب، وبما فيها من تصوير للبادية والحياة والأخلاق فيها.\rأ - بدأها لبيد بذكر الديار وخلوها من أصحابها وتعرضها للرياح والأمطار تعبث بها ويمحو معالمها. قال:\rعفت الديار محلها فمقامها ... بمعنى تأبد غولها فرجامها\rوجلا السيول عن الطول كأنها ... زبر تجد متونها أقلامها\rفوقفت أسألها، وكيف سؤالنا ... صما خوالد ما يبين كلامها\rثم يصف رحيل أحبابه عنها، حتى يقول:\rبل ما نذكر من \"نوار\" وقد نأت ... وتقطعت أسبابها ورمامها\rمرية، حلت بفيد، وجاورت ... أهل الحجاز، فابن منك مرامها\rوأخيراً، يرى لا أن يتسلى ويتعزى حتى يصل إلى رجائه وأمله، ولكن أن يقطع أمله منها ويترك رجاءه فيها ويقطع صلته بها مادامت نوار قد تغير وصلها:\rفاقطع لبانة من تعرص وصله ... ولشر واصل خلة صرامها\rب - ثم يأخذ في وصف ناقته في لفظ غريب وتعبير بدوي متين، ويطيل في هذا الوصف ويشبهها بالأتان الوحشية وبالظبية الرؤوم المفجوعة إلى أن يقول:\rفبتلك إذ رقص اللوامع بالضحى ... واجتاب أرجية السراب كامها\rأقضي اللبانة لا أفرط ريبة ... أو أن يلوم بحاجة لوامها\rأولم تكن تدري نوار بأنني ... وصال عقد حبائل جذامها\rتراك أمكنة إذا لم أرضها ... أو يرتبط بعض النفوس حمامها\rج - ثم يتحدث عن نفسه وعزتها، ولذات الراح التي شارك فيها، وشجاعته وبطولته في مواقف النزال والنضال، وكرامه وسخائه، ونواله للجار الفقير والضيف النازل والجار الغريب وللبائسين والمساكين:\rوجزور أيسار دعوت لحتفها ... بمغالق متشابه أعلامها\rفالضيف والجار الغريب كأنما ... هبطا تبالة مخصبا أهضامها\rتأوي إلى الأطناب كل رزية ... مثل البلية قالص أهدامها\rد - ثم يفتخر بقومه ومآثرهم ورفهم ومجدهم فيقول:\rمن معشر سنت لهم آباؤهم ... ولكل قوم سنة وإمامها\rفبنوا لنا بيتاً رفيعاً سمكه ... فسما إليه كهلها وغلامها\rفاقنع بما قسم المليك فإنما ... قسم الخلائق بيننا علامها\rوإذا الأمانة قسمت في معشر ... أوفى بأعظم حظنا قسامها\rفهم السعاة إذا العشيرة أفظعت ... وهم فوارسها وهم حكامها\rوهم ربيع للمجاور فيهم ... والمرملات إذا تطاول عامها\rأعشى قيس ٥٣٥ - ٦٢٩م\rحياته\r١ - صناجة العرب أعشى قيس المعروف بالأعشى الأكبر، وهو أبو بصير ميمون بن جندل بن شراحبيل بن عوف بن سعد من قيس بن ثعلبة من بكر بن وائل من ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان.\rوقيس بن ثعلبة من أشهر القبائل شاعرية وأكثرهم شعراء، والأعشى هو أحد الأعلام من شعراء الجاهلية وفحولهم، وكانت العرب تتغنى بشعره وتسميه صناجة العرب.\rولقب بالأعشى لضعف في بصره.\r٢ - والده قيس بن جندل يسمى قتيل الجوع، قال جهنام البكري:\rأبوك قتيل الجوع قيس بن جندل ... وخالك عبد من خماعة راضع\rروي أنه دخل غاراً يستظل به من لفح الحر فوقعت صخرة فسدت الغار فمات جوعاً.\rوأمه أخت المسيب بن علس الشاعر ٥٨٠م من بني خماعة من بني ضبيعة وتزوج امرأة من بني عنزة من هزان ثم طلقها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855833,"book_id":1864,"shamela_page_id":109,"part":null,"page_num":109,"sequence_num":109,"body":"٣ - ولد الأعشى بقرية من قرى اليمامة يقال لها منفوحة ونشأ راوية لخاله المسيب وتتلمذ عليه في الشعر وبدأ حياته شاباً فقيراً ماجناً يلعب القمار ويشرب الخمر، ثم سكن الحيرة وتردد على النصارى فيها يأتيهم ويشرب الخمر معهم، ثم جاب الجزيرة العربية من أقصاها إلى أقصاها يمدح ملوكها وأمراءها:\rقد جبت مابين بانقيا إلى عدن ... وطال في العجم تردادي وتسياري\rويقول:\rوطوفت للمال آفاقه ... عمان فحمص فأورشليم\rأتيت النجاشي في داره ... وأرض النبيط وأرض العجم\rوكان تطوافه سبباً في كثرة معارفه وسعة ثقافته.\rاتصل بنصارى نجران وبأهل الحيرة وبشريح بن السموءل اليهودي صاحب تيماء بحصنه \"الأبلق\" وعده بعض الباحثين من النصارى، والظاهر أنه لم يؤمن بدين وأن مسحة العقيدة النصرانية التي قد تبدو على شعره إنما كان منشؤها كثرة تردده على الحيرة ومعاشرته لأهلها.\rوكان يوافي سوق عكاظ وينشد فيه شعره فيحفظ عنه ويغني به ولذلك كانت العرب تضيفه وتهاديه ليمدحها ويطير ذكرها.\rقيل إن عبد العزى المحلق الكلابي كان أبوه من أشراف العرب فمات، وقد أتلف ماله وبقي المحلق وثلاث أخوات له لم يترك لهم إلا ناقة واحدة وحلتي برود جيدة فأقبل الأعشى في بعض أسفاره يريد منزله باليمامة، فنزل الماء الذي به المحلق فقراه أهل الماء فأحسنوا قراه فأقبلت عمة المحلق فقالت يا ابن أخي هذا الأعشى نزل بمائنا وقد قراه أهل الماء والعرب تزعم أنه لم يمدح قوماً إلا رفعهم ولم يهج قوماً إلا وضعهم، فاحتل في زق خمر من عند بعض التجار فأرسل إليه بهذه الناقة والزق وبردى أبيك، فوالله لئن اعتلج الكبد والسنام والخمر في جوفه ونظر إلى عطفيه في البرد ليقولن فيك شعراً يرفعك به. قال: ما أملك غير هذه الناقة وأنا أتوقع رسلها، فأخذت عمته تحضه، ثم دخل عليها وقال قد ارتحل الرجل. قالت الآن والله أحسن ما كان القرى تتبعه ذلك مع غلام أبيك فحيثما أدركه أخبره عنك أنك كنت غائباً عند نزوله الماء وأنك لما وردت فعلمت أنه كان به كرهت أن يفوتك قراه، فإن هذا أحسن لموقعه عنده. فمازالت به حتى فعل ذلك فخرج مولاه يتبع الأعشى، فكلما مر بماء قيل له: قد ارتحل أمس عنه، حتى صار إلى منزله بمنفوحة، فوجد عنده جماعة من الفتيان قد غداهم بغير لحم وسقاهم، فقرع الباب فقال لهم: انظروا من هذا. فدخلوا عليه وقالوا: رسول المحلق الكلابي أتاك بكيت وكيت، ومازالوا به حتى أذن له، فدخل وأدى الرسالة فقال له: أقرئه السلام وقل: وصلتك رحم سيأتيك ثناؤها. وقام الفتيان فنحروا الجزور وأخذوا يشوون ويأكلون ويشربون من الخمر، فلما شبع الأعشى قال:\rأرقت وما هذا السهاد المؤرق ... وما بي من سقم وما بي تعشق\rفسارت القصيدة وشاعت في العرب، فما أتى على المحلق سنة حتى زوج إخوته الثلاث كل واحدة على مائة ناقة، فأيسر وشرف.\rويروى أن امرأة كسدت عليها بناتها فأتت الأعشى وسألته أن يشبب بواحدة فواحدة منهن وبعثت له هدايا فما زال يشيب بواحدة منهن واحدة حتى زوجن جميعا.\r٤ - وفد الأعشى على كسرى، وقصد النعمان بن المنذر وأنشده:\rإليك ... أبيت اللعن\rكان كلالها\rتروح مع الليل الطويل وتغتدي\rثم أنشده قصيدته:\rأأزمعت من آل ليلى ابتكارا ... وشطت على ذي هوان تزارا\rويقال: إن الأعشى أول من سأل بشعره وانتجع به أقاصي البلاد ورحل به إلى الملوك والأمراء وكان يغنى بشعره، فكانت العرب تسميه صناجة العرب، وكان بين علقمة بن علاثة وعامر بن الطفيل مفاخرة، وكان الأعشى يمدح عامر بن الطفيل ويهجو علقمة، ومما قال فيه:\rعلقم ما أنت إلى عامر ... الناقض الأوتار والواتر\rفلما بلغ ذلك علقمة نذر دمه وجعل له على كل طريق رصدا، فخرج الأعشى يوماً يريد وجهاً فأخطأ به الدليل فألقاه في ديار عامر، فأخذه رهط علقمة فأتوه به فقال:\rعلقم قد صيرتني الأمور ... إليك وما أنت لي منقص\rفهب لي نفسي فدتك النفوس ... ولازلت تنمو ولا تنقص","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855834,"book_id":1864,"shamela_page_id":110,"part":null,"page_num":110,"sequence_num":110,"body":"فهم علقمة بقتله، ثم دخل إلى أمه، فقال لها: قد أمكنني الله من هذا الأعمى الخبيث. قالت: فما تراك فاعلاً به؟ قال سأقتله شر قتله. فقالت: يا بني قد كنت أرجوك لقومك عامة وإني اليوم لأرجوك لنفسك خاصة وإنما الرأي أن تكسوه وتحمله وتسيره إلى بلاده، فإنه لا يمحو عنك ماقاله إلا هو. ففعل ما أمرته به وأحسن صلته، فقال الأعشى:\rعلقم يا خير بني عامر ... للضيف والصاحب والزائر\rوالضاحك السن على همه ... والغافر العثرة للعائر\rومدح شريح بن السموءل والأسود بن الهنذر أخا النعمان لأمه وكان من تيم الرباب وهي قبائل من الياس بن مضر وكان أخوه ولاه عليهم وقد كان عنده أسرى من بني سعد بن ضبيعة، فأتاه الأعشى ومدحه بقصيدته:\rما بكاء الكبير بالأطلال ... وسؤالي وما ترد سؤالي\rوسأله أن يطلقهم ففعل. وهذه القصيدة عند بعض العلماء معدودة من المعلقات وبعضهم يذكر أن معلقته هي قصيدته:\rودع هريرة إن الركب مرتحل ... وهل تطيق وداعاً أيها الرجل\rوبعضهم يجعل معلقته هي مدحته للرسول:\rألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا ... وبت كما بات السليم مسهدا\rوهي قصيدة رائعة.\rومدح قيس بن معد يكرب الكندي، وسواه.\rوقال الأعشى يمدح السموءل، ويستجير بابنه شريح بن السموءل من رجل كلبي كان الأعشى هجاه ثم أغار على قوم كان الأعشى نازلاً فيهم، فأسره وهو لا يعرفه، ثم سار حتى نزل بشريح بن السموءل فأحسن ضيافته، ومر بالأسرى فناداه الأعشى:\rسريح، لا تسلمني بعد ما علقت ... حبالك اليوم بعد القد أظفاري\rقد سرت ما بين بلقاء إلى عدن ... وطال في العجم تكراري وتسياري\rفكان أكرمهم عهداً وأوثقهم ... عقداً أبوك بعرف غير إنكار\rكالغيث مااستمطروه جاد وابله ... وفي الشدائد كالمستأسد الضاري\rكن كالسموءل إذ طاف الهمام به ... في جحفل كسواد الليل جرار\rإذ سامه خطتي خسف فقال له ... قل ما تشاء فإني سامع حار\rفقال: غدر وثكل أنت بينهما ... فاختر. وما فيهما حظ لمختار\rفشك غير طويل ثم قال له: ... اقتل أسيرك، إني مانع جاري\rهذا له خلف إن كنت قاتله ... وإن قتلت كريما غير خوار\rوسوف يعقبنيه إن ظفرت به ... رب كريم وقوم أهل اطهار\rفاختار أدراعه كي لا يسب به ... ولم يكن وعده فيها بخنار\rفجاء شريح الكلبي فقال: \"هذا الأسير المنصور\" فقال \"هو لك\" فأطلقه وقال له الأعشى \"إن تمام إحسانك إلى أن تعطيني ناقة ناجية وتخليني الساعة\" فأعطاه ناقة ناجية، فركبها ومضى من ساعته. وبلغ الكلبي أن الذي وهب لشريح هو الأعشى، فأرسل إلى شريح: \"ابعث إلي الأسير الذي وهبت لك حتى أحبوه وأعطيه\" فقال: \"قد مضى\" فأرسل الكلبي في أثره فلم يلحقه.\rولما وفد الأعشلا إلى النبي ﷺ، مدحه بقصيدته التي أولها:\rألم تغمض عيناك ليلة أرمدا ... وعاك ما عاد السليم المسهد\rوما ذاك من عشق النساء وإنما ... تناسيت قبل اليوم خلة مهددا\rوفيها يقول لناقته:\rفأليت لا أرثي لها من كلالة ... ولا من حفا حتى تزور محمدا\rنبي يرى مالا ترون وذكره ... أغار لعمري في البلاد وأنجدا\rمتى ما تناخى عند باب ابن هاشم ... تراحى وتلقى من فواضله يدا\rفبلغ خبره قريشاً قط، فرصدوه على طريقه وقالوا: هذا صناجة العرب ما مدح أحداً قط إلا رفع قدره.\rفلما ورد عليهم قالوا له: أين أردت يا أبا بصير؟ قال: أردت صاحبكم هذا لأسلم. قالوا: إنه ينهاك عن خلال ويحرمها عليك. قال: وما هي؟ فقال أبو سفيان بن حرب: الزنا. قال: لقد تركني الزنا وتركته، ثم ماذا؟ قالوا: القمار. قال لعلي إن لقيته أن أصيب منه عوضاً من القمار، ثم ماذا؟ قالوا: الربا. قال: ما دنت ولا أدنت، ثم ماذا؟ قالوا: الخمر. قال أوه! أرجع إلى صبابة قد بقيت في المهراس فأشربها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855835,"book_id":1864,"shamela_page_id":111,"part":null,"page_num":111,"sequence_num":111,"body":"قال له أبو سفيان: هل لك في خير مما هممت به؟ قال: وما هو؟ قال: نحن وهو الآن في هدنة، فتأخذ مائة من الإبل، وترجع إلى بلدك سنتك هذه، وتنظر ما يصير إليه أمرنا، فإن ظهرنا عليه كنت قد أخذت خلفا، وإن ظهر علينا أتيته. فقال: ما أكره ذلك. قال أبو سفيان: يا معشر قريش، هذا الأعشى! والله لئن أتى محمداً وأتبعه ليضر من عليكم نيران العرب بشعره. فاجمعوا له مائة من الإبل. ففعلوا، فأخذها وانطلق إلى بلده، فلما كان بقاع منفوحة رمى به بعيره فقتله.\r\rشعر الأعشى\r١ - للأعشى ديوان شعر كبير طبع مراراً، وقد قدمه كثير من النقاد محتجين بكثرة طواله الجياد وتصرفه في المديح والهجاء وسائر فنون الشعر، وقيل إنه أمدحهم للملوك وأوصفهم للخمر وأغزرهم شعراً وأحسنهم قريضا. وقال عبد الملك بن مروان لمؤدب أولاده: أدبهم برواية شعر الأعشى فإن لكلامه عذوبة، قاتله الله ما كان أعذب بحره وأصلب صخره فمن زعم أن أحداً من الشعراء أشعر من الأعشى فليس يعرف الشعر.\rومهما كان فهو أحد الأربعة الذين وقع الاتفاق على تقديمهم على من عداهم وهم: امرؤ القيس والنابغة وزهير والأعشى، فهو من الطبقة الأولى عند كثير من النقاد ويروى أشعر الناس امرؤ القيس إذا ركب والنابغة إذا رهب وزهير إذا رغب والأعشى إذا طرب.\r٢ - ويمتاز شعره بمعارفه الواسعة، وقد أدخل فيه ألفاظاً فارسية لإقامته في الحيرة، ووصف سيل العرم والقصر الأبلق.\rوأكثر الأعشى من وصف الخمر وما إليها من نديم وساقي وقينة وعود وأطال في ذلك حتى عد إمام الأخطل وأبي نواس.\r٣ - وعلى أي حال، فعلى شعره رونق الحسن وطلاوة الأسلوب والبراعة في وصف الخمر والإجادة مع الطول.\rولقوة طبعه وجلبة شعره سمي صناجة العرب حتى ليخيل إليك إذا أنشدت شعره أن آخر ينشده معك. ولجلالة شعر الأعشى وأثره بين العرب كان يرفع الوضيع الخامل وتضع الخامل الشريف.\rومن شعره قصيدته التي مدح بها الرسول ﷺ، ويعدها بعضهم من المعلقات، ومطلعها:\rألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا ... وبت كما بات السليم مسهدا\rوما ذاك من عشق النساء وإنما ... تناسيت قبل اليوم حلة مهددا\rولكن أرى الدهر الذي هو خائن ... إذا أصلحت كفاي عاد فأفسدا\rشباب وشيب وافتقار وثروة ... فلله هذا الدهر كيف ترددا\rفآليت لا أرثي لها من كلالة ... ولا من حفي حتى تلاقي محمدا\rمتى ما تناخى عند باب ابن هاشم ... تراحى وتلقى من فواضله ندى\rنبي يرى مالا يرون وذكره ... أغار لعمري في البلاد وأنجدا\rله صدقات ما تغب ونائل ... وليس عطاء اليوم يمنعه غدا\rومن شعر الأعشى قصيدته اللامية المعروفة التي يقول منها:\rصدت هريرة عنا ما تكلمنا ... جهلاً بأم خليد حبل من تصل؟\rأئن رأت رجلاً أعشى أضربه ... ريب المنون ودهر مفند خبل\rقالت هريرة لما جئت زائرها: ... ويلي عليك وويلي منك يا رجل\rإما ترينا حفاة، لا نعال لنا ... إنا كذلك ما نحفى وننتعل\rوقد أقود الصبا يوما، فيتبعني ... وقد يصاحبني ذو الشرة الغزل\rوقد غدوت إلى الحانوت يتبعني ... شاو مشل شلوب شلشل شول\rفي فتية كسيوف الهند قد علموا ... أن هالك كل من يحفى وينتعل\rنازعتهم قضب الريحان متكئا ... وقهوة مزة رواوقها خضل\rلا يستفيقون منها، وهي راهنة ... إلا بهات وإن علوا وإن نهلوا\rيسعى بها ذو زجاجات له نطف ... قلص أسفل السربال معتمل\rومستجيب تخال الصنج يسمعه ... إذا ترجع فيه القينة الفضل\rوالساحبات ذيول الربط آونة ... والرافلات على أعجازها العجل\rمن كل ذلك يوم قد لهوت به ... وفي التجارب طول اللهو والغزل\rأبلغ يزيد بني شيبان مألكة ... أبا ثبيت أما تنفك تأتكل\rألست منتهياً عن نحت أثلتنا ... ولست ضائرها ما أطت لأبل\rكناطع صخرة يوماً ليوهنها ... فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل\rتغرى بنا رهط مسعود وإخوته ... يوم اللقاء، فتردى، ثم تعنزل\rلا أعرفنك إن جدت عداوتنا ... والتمس النصر منكم عوض تحتمل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855836,"book_id":1864,"shamela_page_id":112,"part":null,"page_num":112,"sequence_num":112,"body":"نلحم أبناء ذي الجدين إن غضبوا ... أرماحنا، ثم تلقاهم، وتعتزل\rلا تقعدون، وقد أكلتها حطبا ... تعوذ من شرها يوماً وتبتهل\rسائل بني أسد عنا، فقد علموا ... أن سوف يأتيك من أنبائنا شكل\rواسأل قشيرا وعبد الله كلهم ... واسأل ربيعة عنا كيف نفتعل\rإنا نقاتلهم حتى نقتلهم ... عند اللقاء، وإن جاروا وإن جهلوا\rقد كان في آل كهف إن هم احتربوا ... والجاشرية من يسعى وينتضل\rإني لعمر الذي خطت مناسمها ... تخدى، وسيق إليه الباقر الغيل\rلئن قتلتم عميدا لم يكن صددا ... لنقتلن مثله منكم، فنمتثل\rلئن منيت بنا عن غب معركة ... لا تلفنا عن دماء القوم ننفتل\rلا تنتهون، ولن ينهى ذوي شطط ... كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل\rالسموأل بن عاديا\rكان السموءل يهودياً مشهوراً بالوفاء وهو صاحب الحصن المعروف بالأبلق، كانت العرب تنزل فيه فيضيفها، وبالسموءل يضرب المثل في الوفاء. يقال أوفى من السموءل، لأنه فضل قتل ابنه على التفريط في أمانة أودعها عنده امرؤ القيس لما سار إلى الشام يريد قيصر، وكانت الأمانة أدرعا وفي ذلك يقول السموءل:\rوفيت بأدرع الكندي إني ... إذا ما خان أقوام وفيت\rوأوصى عاديا يوما بأن لا ... تهدم يا سموءل ما بنيت\rبني لي عاديا حصنا حصينا ... وماء كلما شئت استقيت\rومن أشعاره المعروفة قصيدة يمدح بها قومه، أوردها أبو تمام في كتاب الحماسة، مطلعها:\rإذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه ... فكل رداء يرتديه جميل\rوإن هو لم يحمل على النفس ضيمها ... فليس إلى حسن الثناء سبيل\rوكان للسموءل أخ شاعر أيضاً وابن يدعى شريحا مدحه الأعشى في شعره.. وعلى ما يقول المحققون: إن السموءل عاش في أواخر الجيل السادس ومات في أوائل الجيل السابع وكان معاصراً للأعشى، ويقال إنه توفي سنة ٥٦٠م.\r\rحاتم الطائي\r- ١ - اشتهر بالجود والكرم حتى جرى ذكره مجرى الأمثال فيقال \"أجود من حاتم الطي\" وقد وصل إلينا من شعره قليل جاء في ديوان الحماسة وكتاب الأغاني وغيرهما من كتب الأدب، وله ديوان معروف باسمه وتوفي حاتم سنة ٦٠٥م، وقبره بعوارض، وهو جبل لبني طي، ويحكى عن جوده الحكايات الكثيرة، ومن غريبها أن نفراً من بني أسد مروا بقبر حاتم فقالوا: نزلنا بحاتم فلم يقرنا، وجعلوا ينادون: يا حاتم ألا تقرى أضيافك؟ ثم ناموا جميعاً وكان رئيس القوم رجلاً يقال له أبو الخيبري فنام أيضاً، حتى إذا كان السحر وثب وجعل يصيح: وا رحلتاه. فقال له أصحابه: مالك! قال: خرج والله حاتم بالسيف وأنا أنظر إليه حتى عقر ناقتي. قالوا: كذبت. فنظروا إلى راحلته فإذا هي منخزلة لا تنبعث. قالوا والله قراك. فظلوا يأكلون من لحمها ثم أردفوه فانطلقوا فساروا، وإذا راكب يلحقهم فنظروا فإذا هو عدي بن حاتم راكباً قارناً جملاً أسود فلحقهم وقال أيكم أبو الخبيرى فدلوه عليه فقال جاءني أبي في النوم فذكر لي شتمك له وأنه قرى راحلتك لأصحابك وقد قال في ذلك أبياتاً ورددها حتى حفظتها وهي:\rأبا الخيبرى وأنت امرؤ ... حسود العشيرة شتامها\rفماذا أردت إلى رمة ... بداوية صخب هامها\rتبغي أذاها وإعسارها ... وحولك غوث وانعامها\rوإنا لنطعم أضيافنا من ال ... كرم بالسيف نعتامها\rوقد أمرني أن أحملك على جمل فدونكه فأخذوه وركبه وذهبوا.\rولم يبلغ أحد في الجود ما بلغ حاتم، وهو من بني الحشرج من طي وأحد شعراء الجاهلية.. ويكنى أبا عدي وأبا سفانة.. وأدرك ابنه الإسلام وأسلم.\rقال عدي قلت يا رسول الله: إن أبي كان يصل الرحم ويفعل كذا وكذا، قال: إن أباك أراد أمراً فأدركه يعني الذكر. وكانت سفانة بنته أتى بها إلى رسول الله ﷺ فقالت، يا محمد هلك الولد، وغاب الرافد فإن رأيت أن تتخلى عني ولا تشمت بي أحياء العرب فإن أبي سيد قومه، وكان يفك العاني ويحمي الذمار ويفرج عن المكروب، ويطعم الطعام، ويفشى السلام، ولم يطلب إليه طالب قط حاجة فرده، أنا ابنة حاتم طي.. فقال النبي ﷺ: يا جارية هذه صفة المؤمن لو كان أبوك إسلامياً لترحمنا عليه، خلوا عنها فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855837,"book_id":1864,"shamela_page_id":113,"part":null,"page_num":113,"sequence_num":113,"body":"قال ابن الأعرابي كان حاتم من شعراء الجاهلية، وكان جواداً يشبه جوده شعره، ويصدق قوله فعله، وكان حيثما نزل عرف منزله، وكان مظفراً إذا قاتل غلب، وإذا غنم أنهب، وإذا ضرب بالقداح فاز، وإذا سابق سبق، وإذا أسر أطلق. وكان إذا أهل رجب نحر في كل يوم عشرة من الإبل وأطعم الناس واجتمعوا عليه، وكان أول ما ظهر من جوده أن أباه خلفه في إبله وهو غلام، فمر به جماعة من الشعراء، فيهم عبيد بن الأبرص، وبشر بن أبي خازم، والنابغة الذبياني، يريدون النعمان بن المنذر، فقالوا هل من قرى؟ ولم يعرفهم. فقال أتسألوني القرى وقد رأيتم الإبل والغنم، انزلوا فنزلوا فنحر لكل واحد منهم، وسألهم عن أسمائهم، فأخبروه ففرق فيهم الإبل والغنم، وجاء أبوه فقال: ما فعلت؟ قال طوقتك مجد الدهر طةق الحمامة وعرفه القضية، فقال أبوه إذا لا أساكنك بعدها أبدا ولا آويك. فقال حاتم: إذا لا أبالي.\rومن حديثه، أنه خرج في الشهر الحرام يطلب حاجة، فلما كان بأرض عنزة ناداه أسير لهم: يا أبا سفانة أكلني الاسار والقمل. فقال: ويحك ما أنا في بلاد قومي وما معي شيء، وقد أسأت بي إذ نوهت باسمي ومالك مترك، ثم ساوم به العنزيين واشتراه منهم فخلاه وأقام مكانه في قيده حتى أتى بفدائه فأداه إليهم.\rوحدثت ماوية امرأة حاتم أن الناس أصابتهم سنة فأذهبت الخف والظلف فبتنا ذات ليلة بأشد الجوع فأخذ حاتم عديا وأخذت سفانة فعللناهما حتى ناما، ثم أخذ يعللني بالحديث لأنام، فرققت لما بعد من الجهد فأمسكت عن كلامه لينام ويظن أني نائمه، فقال لي أنمت مراراً فلم أحبه، فسكت ونظر من وراء الخباء فإذا شيء قد أقبل فرفع رأسه، فإذا امرأة تقول: يا أبا سفانة قد أتيتك من عند صبية جياع. فقال أحضريني صبيانك فوالله فأشبعنهم. قالت: فقمت سريعاً فقلت بماذا يا حاتم فوالله ما نام صبيانك من الجوع إلا بالتعليل، فقام إلى فرسه فذبحه ثم أجج ناراً وقال اشتوى وكلي وأطعمي ولدك. وقال لي أيقظي صبيتك فأيقظتهم، ثم قال والله إن هذا للؤم أن تأكلوا وأهل الصرم حالهم كحالكم فجعل يأتي الصرم بيتاً بيتاً ويقول: عليكم النار فاجتمعوا وأكلوا وتقنع بكسائه وقعد ناحية حتى لم يوجد من الفرس على الأرض قليل ولا كثير ولم يذق منه شيئا.\r- ٢ - ولحاتم الطائي شعر كثير وهو من البلاغة بمكان، والمذكور في ديوانه بعض منه ومن شعره يخاطب امرأته ماوية بنت عبد الله:\rأيا ابنة عبد الله وابنة مالك ... ويا ابنة ذي البردين والفرس الورد\rإذا ما صنعت الزاد فالتمس له ... اكيلا فإني لست آكله وحدي\rأخا طارقا أو جار بيت فإنني ... أخاف مذ مات الأحاديث من بعدي\rوإني لعبد الضيف مادام ثاويا ... وما في إلا تلك من شيمة العبد\rعني بذي البردين عامر بن أحيمر بن بهدلة. وكان من حديث البردين حين لقب به أن الوفود اجتمعت عند المنذر بن ماء السماء وهو المنذر بن امرئ القيس، وماء السماء قيل أمه، نسب إليها لشرفها، وقيل لقبت بماء السماء لصفاء نسبها ويقال لنقاء لونها، ويراد أنها كماء السماء لم يحتمل كدورة. وأخرج المنذر بردين يوما يبلو الوفود، وقال ليقم أعز العرب قبيلة فليأخذهما، فقام عامر بن أحيمر فأخذهما وائتزر بأحدهما وارتدى بالآخر. فقال له المنذر: أأنت أعز العرب قبيلة؟ قال العز والعدد في معد، ثم في نزار ثم في مضر، ثم في خندف ثم في تميم، ثم في سعد ثم في كعب، ثم في عوف، ثم في بهدلة، فمن أنكر هذا فلينافرني. فسكت الناس، فقال المنذر هذه عشيرتك كما تزعم فكيف أنت في أهل بيتك وفي نفسك؟ فقال أنا أبو عشرة وأخو عشرة وخال عشرة، وعم عشرة، وأما أنا في نفسي فشاهد العز شاهدي ثم وضع قدمه على الأرض فقال: من أزالها عن مكانها فله مائة من الإبل؟ فلم يقم إليه أحد من الحاضرين، ففاز بالبردين.\rومن شعر حاتم أيضاً قوله:\rوعاذلة قامت علي تلومني ... كأني إذا أعطيت مالي أضيمها\rأعاذل أن الجود ليس بمهلكي ... ولا مخلد النفس الشحيحة لومها\rوتذكر أخلاق الفتى وعظامه ... مغيبة في اللحد بال رميمها\rومن يبتدع ما ليس من خيم نفسه ... يدعه ويغلبه على النفس خيمها\rومن ذلك قوله أيضاً:\rأكف يدي عن أن ينال التماسها ... أكف أصحابي حين حاجتنا معا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855838,"book_id":1864,"shamela_page_id":114,"part":null,"page_num":114,"sequence_num":114,"body":"أبيت هضيم الكشح مضطمر الحشا ... من الجوع أخشى الذم أن أتضلعا\rوإني لأستحيي رفيقي أن يرى ... مكان يدي من جانب الزاد أقرعا\rوانك مهما تعط بطنك سؤله ... وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا\rوقال أيضاً:\rأما والذي لا يعلم السر غيره ... ويحيي العظام البيض وهيم رميم\rلقد كنت أختار القرى طاوي الحشا ... محافظة من أن يقال لئيم\rوإني لأستحيي يميني وبينها ... وبين فمي داجي الظلام بهيم\rوقال أيضاً:\rولما رأيت الناس هرت كلابهم ... ضربت بسيفي ساق أفعى فخرت\rوقلت لأصباء صغار ونسوة ... بشهباء من ليل الثمانين قرت\rعليكم من الشطين كل ورية ... إذا النار مست جانبيها أرمعلت\rوقال أيضاً:\rلا تشتري قدري إذا ما طبختها ... على إذا ما تطبخين حرام\rولكن بهذاك اليفاع فأوقدي ... بجزل إذا أوقدت لا بضرام\rوقال أيضاً:\rوقائلة أهلكت بالجود مالنا ... ونفسك حتى ضربت نفسك جودها\rفقلت دعيني إنما تلك عادتي ... لكل كريم عادة يستعيدها\rوهو القاتل لغلامه يسار، وكان إذا اشتد البرد وكلب الشتاء أمر غلامه فأوقد ناراً في بقاع من الأرض، لينظر إليها من أضل الطريق ليلا فيصمد نحوه:\rأوقد فإن الليل ليل قر ... والريح يا واقد ريح صر\rعل يرى نارك من يمر ... إن جلبت ضيفا فأنت حر\rوقال أيضاً:\rأماوي قد طال التجنب والهجر ... وقد عذرتنا في طلابكم العذر\rأماوي إن المال غاد ورائح ... ويبقى من المال الأحاديث والذكر\rأماوي إما مانع فمبين ... وإما عطاء لا ينهنهه الزجر\rأماوي إني لا أقول لسائل ... إذا جاء يوماً حل في مالي النذر\rأماوي لا يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر\rأماوي إن يصبح صداي بقفرة ... من الأرض لا ماء لدي ولا خمر\rترى إن ما أنفقت لم يك ضرتي ... وأن يدي مما بخلت به صفر\rإذا أنا دلاني الذين بلونني ... بمظلمة لج جوانبها غبر\rوراحوا سراعا ينفضون أكفهم ... يقولون قد أدمى أظافرنا الحفر\rأماوي إن المال مال بذلته ... فأوله شكر وآخره ذكر\rوقد يعلم الأقوام لو أن حاتما ... أراد ثراء المال كان له وفر\rولا أظلم ابن العم إن كان إخوتي ... شهودا وقد أودى باخوته الدهر\rغنينا زمانا بالتقصد والغنى ... وكل سقانا وهو كاسينا الدهر\rفما زادنا مأوى على ذي قرابة ... غنانا ولا أزرى بأحلامنا الفقر\rوله قصيدة طويلة تتعلق بالكرم ومكارم الأخلاق، وهي مسطورة في الخماسة البصرية وغيرها.. وهي هذه:\rوعاذلتين هبتا بعد هجعة ... تلومان متلافا مفيدا ملوما\rتلومان لما غور النجم ضلة ... فتى لا يرى الإنفاق في الحمد مغرما\rفقلت وقد طال العتاب عليهما ... وأوعدني تماني أن تبينا وتصرما\rألا لا تلوماني على ما تقدما ... كفى بصروف الدهر للمرء محكما\rفإنكما لا ما مضى تدركانه ... ولست على ما فاتني متندما\rفنفسك أكرمها فإنك إن تهن ... عليك فلن تلقى مدى الدهر مكرما\rأهن للذي تهوى البلاد فإنه ... إذا مت كان المال نهبا مقسما\rولا تشقين فيه فيسد وارث ... به حين تغشى أغبر الجوف مظلما\rيقسمه غنما ويشرى كرامة ... وقد صرت في خط من الأرض أعظما\rقليلا به ما يحمدنك وارث ... إذا نال مما كنت تجمع مغنما\rتحلم عن الأدنين واستبق ودهم ... ولن تستطيع الحلم حتى تحلما\rوعوراء قد أعرضت عنها فلم تضر ... وذمي أود قومته فتقوما\rوأغفر عوراء الكريم ادخاره ... وأعرض عن شتم اللئيم تكرما\rولا أخذل المولى وإن كان خاذلا ... ولا أشتم ابن العم إن كان مفحما\rولا زادني عنه منأى تباعدا ... وإن كان ذا نقص من المال مصرما\rوليل بهيم قد تسربلت هوله ... إذا الليل بالنكس الدنيء تجهما\rولن يكسب الصعلوك حمداً ولا غنى ... إذا هو لم يركب من الأمر معظما\rلحا الله صعلوكا مناه وهمه ... من العيش أن يلقى لبوساً ومغنما","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855839,"book_id":1864,"shamela_page_id":115,"part":null,"page_num":115,"sequence_num":115,"body":"ينام الضحى حتى إذا نومه استوى ... تنبه مثلوج الفؤاد مورما\rمقيم مع المثرين ليس ببارح ... إذا نال وجدي من الطعام ومجثما\rولله صعلوك يساور همه ... وتمضي على الأحداث والدهر مقدما\rفتى طلبات لا يرى الخمص ترحة ... ولا شبعة إن نالها عد مغنما\rإذا ما رأى يوماً مكارم أعرضت ... تيمم كبراهن ثمت صمما\rويغشى إذا ما كان يوم كريهة ... صدور العوالي فهو مختضب دما\rيرى رمحه ونبله ومجنه ... وذا شطب عضب الضريبة مخذما\rوأحناء سرج قاتر ولجامه ... عتاد فتى هيجا وطرفا مسموما\rفذلك إن يهلك فحسنى ثناؤه ... وإن عاش لم يقعد ضعيفاً مذمما\rوعلى الجملة فشعر حاتم صوره لنفسه وأخلاقه وجوده، ولذلك قال ابن الأعرابي: جوده يشبه شعره.\rوهو غزير البحر، فياض بالأمثال والحكم والمعاني المتصلة بالجود واللوم عليه وما يتصل به من جمال الذكر وحسن الأحدوثة.\rوقد ترى بعض التفاوت في شعره، وذلك إنما يرجع إلى كثرة المدسوس عليه، وجمع شعره في ديوان طبع بلندن وبيروت. وتوفي حاتم نحو سنة ٤٥ ق. هـ.\r- ٣ - ويقول فيه الشريشي في شرح المقامات: أبو عدي فارس شاعر جاهلي أحد الأجواد الذين يضرب بهم المثل بل هو أشهر منهم، وهم كعب بن أمامة وهرم بن سنان وحاتم، وكان إذا قاتل غلب وإذا غنم أنهب وإذا سئل وهب وإذا قامر سبق وإذا أسر أطلق وإذا أثر أنفق ويقال إنه لا يعرف ميت قرى أضيافه إلا هو وذلك أن ركباً من العرب نزلوا بموضع قبره وقد نفذ زادهم وفيهم رجل يكنى أبا خيبرى فجعل يقول: أبا سفانة أما تقرى أضيافك أبا سفانة إن أضيافك جياع، ويعيدها، فلما نام ثار من نومه وهو يقول: وا راحلتاه عقرت والله ناقتي، فقال له أصحاب: وكيف؟ قال رأيت أبا سفانة قد انشق عنه قبره فاستوى قائماً ينشدني:\rأبا خيبرى لأنت امرؤ ... ظلوم العشيرة لوامها\rوماذا تريد إلى رمة ... بداوية صخب هامها\rأتبغي أذاهم وأسعارها ... ودونك طي وأنعامها\rثم عمد إلى سيفي فانتضاه من غمده وعقر ناقتي وقال: دونكم فما أيقظني إلا رغاؤها، وإذا الناقة ترغو ما تنبعث، فقالوا قد والله قراك حاتم. فنحروها وأكلوا وتزودوا واقتسموا متاع أبي خيبرى واستمروا لوجهتهم فلما صاروا في الظهيرة وضح لهم راكب يجنب بعيرا يؤم سمتهم حتى التقوا فقال لهم أفيكم أبو خيبرى؟ قالوا نعم، فقال فإن عدي بن حاتم رأى أباه البارحة وهو يقول إن أبا خيبرى وأصحابه استقروني فقريتهم ناقته فعوضه منها وزده بكرا يحمل عليه متاعه وهذه الناقة وهذا البكر فارتحل أبو خيبرى الناقة وتخفف هو وأصحابه من أزوادهم على البكر ومضوا بأتم قرى.. وأدرك عدي ابنه النبي ﷺ، وروى عنه، وكان يحدث أصحابه بهذا الحديث بعد إسلامه.. وقال الشاعر في عدي:\rأبوك أبو سفانة الخير لم يزل ... لدن شاب حتى مات في الخير راغبا\rقرى قبره الأضياف إذ نزلوا به ... ولم يقر قبر قبله الدهر راكبا\rوكانت سفانة بنته من أجود نساء العرب وكان أبوها يعطيها الصرمة من إبله فتهبها وتعطيها للناس، فقال لها أبوها: يا بنية إن الغويين إذا اجتمعا في المال أتلفاه فإما أن أعطي وتمسكي وإما أن أمسك وتعطي فإنه لا يبقى على هذا شيء. فقالت والله لا أمسك أبدا. قال وأنا لا أمسك أبدا، قالت فلا نتجاور، فقاسمها ماله وتباينا.. وحكي أن أمه كانت من أسخى الناس وأقراهم للضيف وكانت لا تحبس شيئاً تملكه، وهي عتبة بنت عفيف بن عمرو بن عبد القيس، فلما رأى إخوتها إتلافها حجروا عليها ومنعوها مالها حتى إذا ظنوا أنها قد وجدت ألم ذلك أعطوها سرمة من إبلها، فجاءتها امرأة من هوازن تسألها، فقالت دونك الصرمة فخذيها فوالله لقد عضني من الجوع مالا أمنع بعده سائلا أبدا.. ثم أنشأت تقول:\rلعمري لقد ما عضني الجوع عضة ... فآليت أن لا أمنع الدهر جائعا\rفقولا لهذا اللائم اليوم أعفني ... فإن أنت لم تفعل فعض الأصابعا\rفماذا عسيتم أن تقولوا لأختكم ... سوى عذلكم أو عذل من كان معانا\rوهل ما ترون اليوم إلا طبيعة ... وكيف بتركي ياابن أم الطبائعا؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855840,"book_id":1864,"shamela_page_id":116,"part":null,"page_num":116,"sequence_num":116,"body":"فقد اكتنفه الجود من أمه وأبيه.. وقالت امرأته النوار: أصابتنا سنة اقشعرت لها الأرض واغبر أفق السماء وضنت المراضع عن أولادها فما تبض بقطرة فأيقنا بالهلاك، فوالله إني لفي ليلة صبيرة بعيدة الطرفين إذ تضاعى صبيتنا جوعا، عبد الله وعدي وسفانة، فقام إلى الصبيين وقمت إلى الصبية فوالله ما سكتوا إلا بعد هدأة من الليل وأقبل يعللني بالحديث فعرفت ما يريد فتناومت، فلما تغورت النجوم إذا شيء قد رفع كسر البيت فقال من هذا فقالت جاريتك فلانة أتيتك من عند صبية يتعاوون من الجوع عواء الذئب فما وجدت معلولا إلا عليك أبا عدي، فقال اعجليهم فقد أشبعك الله وإياهم فأقبلت تحمل اثنين ويمشي إلى جانبها أربعة كأنها نعامة حولها رثالها، فقام إلى فرسه فوجا لبتها بمدية فخرت ثم كشط الجلد ودفع المدية إلى المرأة وقال: شأنك. فاجتمعنا على اللحم نشوي ونأكل، ثم جعل يأتيهم بيتاً بيتاً ويقول هبوا أيها القوم عليكم بالنار فاجتمعوا، والتف في ثوبه ناحية ينظر إلينا والله إن ذاق منها مزعة، وإنه لأحوج إليها منا فأصبحنا وما على الأرض منها إلا عظم وحافر فأنشأ يقول:\rمهلا نوار أقلي اللوم والعذلا ... ولا تقول لشيء فات ما فعلا\rولا تقولي لشيء كنت مهلكه ... مهلا وإن كنت معطي العنس والجملا\rيرى البخيل سبيل الماء واحدة ... إن الجواد يرى في ماله سبلا\rولم يكن يمسك شيئاً ما عدا فرسه وسلاحه فإنه كان لا يجود بهما.. وذكر الحريري أن عقيلا تمثل بقول حاتم: شنشنة أعرفها من أخزم.\r- ٤ - ويروى أن الحكم بن أبي العاص خرج ومعه عطر يريد الحيرة، وكان بالحيرة سوق يجتمع إليها الناس كل سنة، فمر في طريقه بحاتم بن عبد الله الطائي، فسأله الجوار في أرض طيء حتى يصير إلى الحيرة، فأجاره، ثم أمر حاتم بجزور فنحرت وطبخت، ثم دعاهم إلى الطعام فأكلوا ولما فرغوا من الطعام طيبهم الحكم من طيبه.\rوكان النعمان بن المنذر قد جعل لبني لام ربع الطريق طعمة لهم، لأن بنت سعد بن حارثة بن لأم كانت عنده ومر سعد بن حارثة بحاتم ومعه قومه من بني لام، فوضع حاتم سفرته وقال: اطعموا حياكم الله! فقالوا: من هؤلاء الذين معك يا حاتم؟ قال هؤلاء جيراني. قال له سعد: فأنت تجير علينا في بلادنا! قال له: أنا ابن عمكم وأحق من لم تخفروا ذمته. فقالوا: لست هناك! وأرادوا أن يفضحوه، ووثبوا إليه وتناول سعد حاتماً، فأهوى له حاتم بالسيف، وأطار أرنبة أنفه، ووقع الشر حتى تحاجزوا ثم قالت بنو لام لحاتم: بيننا وبينك سوق الحيرة فنماجدك، ثم وضعوا تسعة أفراس رهناً ووضع حاتم فرسه رهناً عند رجل من كلب وخرجوا حتى انتهوا إلى الحيرة. وسمع بذلك إياس بن قبيصة الطائي فخاف أن يعينهم النعمان بن المنذر ويقويهم بماله وسلطانه للصهر الذي بينهم وبينه فجمع رهطه من بني حية، وقال: يا بني حية إن هؤلاء القوم قد أرادوا أن يفضحوا ابن عمكم في مماجدته، فقال رجل منهم: عندي ناقة سوداء ومائة ناقة حمراء أدماء، وقام آخر فقال: عندي عشرة حصن على كل حصان منها فارس مدجج لا يرى منه إلا عيناه، وقال حسان بن جبلة الخير: قد علمتم أن أبي قد مات وترك خيراً كثيراً، فعلى كل خمر ولحم أو طعام ما أقاموا في سوق الحيرة، ثم قام إياس فقال: على مثل جميع ما أعطيتم كلكم - وحاتم لا يعلم بشيء مما فعلوا.\rوذهب حاتم إلى ابن عمه وهم بن عمرو، وكان مصارماً له لا يكلمه فقالت له امرأته: أي وهم، هذا والله أبو سفانة حاتم قد طلع. فقال: ما لنا ولحاتم! أثبتي النظر. فقالت: ها هو. قال: ويحك! هو لا يكلمني، فما جاء به إلي؟ ثم نزل حتى سلم عليه فرد سلامه وحياه ثم قال له: ما جاء بك يا حاتم؟ قال: خاطرت على حسبك وحسبي. قال في الرحب والسعة، هذا مالي وعدته تسعمائة بعير فخذها مائة مائة حتى تذهب الإبل أو تصيب ما تريد.\rثم إن إياس بن قبيصة قال لقومه: احملوني إلى الملك، وكان به نقرس، فحمل حتى أدخل عليه فقال: أنعم صباحاً أبيت اللعن! فقال النعمان: وحياك إليهك. فقال إياس: أنمد أختانك بالمال والخيل وجعلت بني ثعل في قعر الكنانة! أظن أختانك أن يصنعوا بحاتم كما صنعوا بعامر بن جوين لم يشعروا أن بني حية بالبلد؟ فإن شئت والله ناجزناك حتى يسفح الوادي دماً فليحضروا مجادهم غداً بمجمع العرب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855841,"book_id":1864,"shamela_page_id":117,"part":null,"page_num":117,"sequence_num":117,"body":"فعرف النعمان الغضب في وجهه وكلامه فقال له: يا أحلمنا لا تغضب فإني سأكفيك. وأرسل النعمان إلى سعد بن حارثة وإلى أصحابه فقال: انظروا ابن عمكم حاتماً فأرضوه، فوالله ما أنا بالذي أعطيكم مالي تبذرونه وما أطيق بني حية.\rفخرج بنو لام إلى حاتم وقالوا له: أعرض عن هذا المجاد ندع أرش أنف ابن عمنا. قال: لا والله لا أفعل حتى تتركوا أفراسكم ويغلب مجادكم، فتركوا أرش أنف صاحبهم وأفراسهم وقالوا: قبحها الله وأبعدها! فعمد إليها حاتم فعقرها وأطعمها الناس.\r- ٥ - ولما وجه رسول الله ﷺ إلى طيء فريقاً من جنده، يقدمهم على ﵇، فزع عدي بن حاتم الطائي - وكان من أشد الناس عداء لرسول الله - إلى الشام فصبح على القوم، واستاق خيلهم ونعمهم ورجالهم ونساءهم إلى رسول الله.\rفلما عرض عليه الأسرى نهضت من بين القوم سفانة بنت حاتم، فقالت: يا محمد، هلك الوالد، وغاب المرافد. فإن رأيت أن تخلي عني، ولا تشمت بي أحياء العرب! فإن أبي كان سيد قومه، يفك العاني، ويقتل الجاني، ويحفظ الجار، ويحمي الذمار، ويفرج عن المكروب، ويطعم الطعام ويفشي السلام، ويحمل الكل، ويعين على نوائب الدهر، وما أتاه أحد في حاجة فرده خائباً، أنا بنت حاتم الطائي!.\rفقال النبي ﷺ: يا جارية، هذه صفات المؤمنين حقاً، لو كان أبوك مسلماً لترحمنا عليه. خلوا عنها، فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق. ثم قال: \"ارحموا عزيزاً ذل، وغنياً افتقر، وعالماً ضاع بين جهال\". وامتن عليها بقومها فأطلقهم تكريماً لها.\rفاستأذنته في الدعاء له، فأذن لها. وقال لأصحابه: اسمعوا وعوا. فقالت: أصاب الله ببرك مواقعه، ولا جعل لك إلا لئيم حاجة، ولا سلب نعمة عن كريم قوم إلا جعلك سبباً في ردها عليه.\rفلما أطلقها رجعت إلى أخيها عدي وهو بدومة الجندل، فقالت له: يا أخي إيت هذا الرجل قبل أن تعلقك حبائله. فإني قد رأيت هديا ورأيا سيغلب أهل الغلبة. ورأيت خصالا تعجبني، رأيته يحب الفقير، ويفك الأسير، ويرحم الصغير، ويعرف قدر الكبير، وما رأيت أجود ولا أكرم منه، فإن يكن نبياً فللسابق فضله، وإن يكن ملكاً فلن تزال في عز ملكه، فقدم عدي إلى رسول الله فأسلم، وأسلمت سفانة!.\r- ٦ - ويروى أن عبد قيس بن خفاف البرجمي أتى حاتم طيء في دماء حملها عن قومه، فأسلموه فيها، وعجز عنها، فقال: والله لآتين من يحملها عني. وكان شريفاً شاعراً شجاعاً.\rفلما قدم عليه قال: إنه وقعت بيني وبين قومي دماء فتواكلوها، وإني حملتها في مالي وأهلي، فقدمت مالي وأخرت أهلي، وكنت أملي، فإن تحملتها فرب حق قد قضيته، وهم قد كفيته، وإن حال دون ذلك حائم لم أذمم يومك، ولم أيأس من غدك، ثم أنشأ يقول:\rحملت دماء للبراجم جمة ... فجئتك لما أسلمني البراجم\rوقالوا سفاهاً: لم حملت دماءنا ... فعلت لهم: يكفي الحمالة حاتم\rمتى آته فيها يقل لي مرحباً ... وأهلا وسهلا أخطأتك الأشائم\rفيحملها عني، وإن شئت زادني ... زيادة من جلت عليه المكارم\rيعيش الندى ما عاش حاتم طيء ... فإن مات قامت للسخاء مآتم\rينادين: مات الجود معك فلا ترى ... مجيبا له ما حام في الجو حائم\rوقال رجال: أنهب العام ماله ... فقلت لهم: إني بذلك عالم\rولكنه يعطى من أموال طيء ... إذا جلف المال الحقوق اللوازم\rفيعطى التي فيها الغنى وكأنه ... لتصغيره تلك المطية جارم\rبذلك أوصاه عدي وحشرج ... وسعد وعبد الله تلك القماقم\rفقال له حاتم: إني كنت لأحبن مثلك من قومك، هذا مرباعي من مغارة على بني تميم خذه وافرا، فإن وفى بالحمالة، وإلا كملتها لك، وهو مائنا بعير سوى نيبها وفصالها، مع أني لا أحب أن تؤبس قومك بأموالهم.\rفضحك أبو جبيل، وقال: أي بعير دفعته إلي، وليس ذنبه في يد صاحبه فأنت منه بريء، فدفعها إليه وزاده مائة بعير فأخذها وانصرف راجعاً إلى قومه، فقال حاتم في ذلك:\rأتاني البرجمي أبو جبيل ... لهم في حمالته طويل\rفقلت له: خذ المرباع منها ... فإني لست أرضى بالقليل\rعلى حال ولا عودت نفسي ... على علاتها علل البخيل\rفخذها إنها مائنا بمير ... سوى الناب الرذية والفصيل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855842,"book_id":1864,"shamela_page_id":118,"part":null,"page_num":118,"sequence_num":118,"body":"فلا من عليك بها، فإني ... رأيت المن يزرى بالجميل\rفآب البرجمي وما عليه ... من أعباء الحمالة من فنيل\rيجر الذيل ينفض مذرويه ... خفيف الظهر من حمل ثقيل!\r- ٧ - وقالت ماوية امرأة حاتم: أصابتنا سنة اقشعرت لها الأرض، واغبر أفق السماء وراحت الإبل حدبا حدابير، وضنت المراضع على أولادها، فما تبض بقطرة، وحلقت ألسنة المال، وأبقنا بالهلاك. فوالله أنا لفي ليلة صنبر، بعيدة مابين الطرفين، إذ تضاغى صبيتنا جوعاً: عبد الله وعدي وسفانة، فقام حاتم إلى الصبيين، وقمت أنا إلى الصبية، وأقبل يعللني بالحديث، فعرفت ما يريد، فتناومت.\rفلما تهورت النجوم، إذا شيء قد رفع كسر البيت ثم عاد. فقال حاتم: من هذا؟ قالت: جارتك فلانة، أتيتك من عند صبية يتعاوون عواء الذئاب، فما وجدت معلولا إلا عليك يا أبا عدي. فقال: أعجليهم فقد أشبعك الله!.\rفأقبلت المرأة تحمل اثنين ويمشي بجانبها أربعة، كأنها نعامة حولها رثالها، فقام حاتم إلى فرسه فوجأ لبته بمدية فخر. ثم كشطه ودفع المدية إلى المرأة، فقال لها: شأنك! فاجتمعنا على اللحم نشوي ونأكل. ثم جعل يمشي الحي يأتيهم بيتاً بيتاً فيقول: هبوا أيها القوم، عليكم بالنار، فاجتمعوا والتفع وجلس في ناحية ينظر إلينا. فوالله إن ذاق منه مزعة وانه لأحوج إليه منا، فأصبحنا وما على ظهر الأرض من الفرس إلا عظم وحافر، فأنشأ حاتم يقول:\rمهلا نوار أقلي اللوم والعذلا ... ولا تقولي لشيء فات ما فعلا\rولا تقولي لمال كنت مهلكه ... مهلا وإن كنت أعطي السهل والجبلا\rيرى البخيل المال واحدة ... إن الجواد يرى في ماله سبلا\r- ٨ - ولما تزوج حاتم ماوية، وكانت من أحسن النساء، لبثت عنده زمناً ثم إن ابن عم له يقال له مالك قال لماوية: ما تصنعين بحاتم؟ فوالله لئن وجد شيئاً ليتلفنه، ولئن لم يجد ليتكلفن، ولئن مات ليتركن ولده عيالا على قومه، طلقي حاتماً وأنا أتزوج بك، فأنا خير لك منه وأكثر مالاً، وأنا أمسك عليك وعلى ولدك. فقالت ماوية: صدقت إنه لكذلك فلم يزل بها حتى طلقت حاتماً.\rوكانت النساء أو بعضهن يطلقن الرجال في الجاهلية. وكان طلاقهن أنهن يحولن أبواب بيوتهن إن كان الباب إلى المشرق جعلنه إلى المغرب، وإن كان الباب قبل اليمن جعلنه قبل الشام، فإذا رأى ذلك الرجل علم أنها قد طلقته فلم يأتها.\rفأتى حاتم فوجدها قد حولت باب الخباء فقال لابنه: يا عدي ما ترى أمك؟ ما عدا عليها! قال: لا أدري غير أنها غيرت باب الخباء، وكأنه لم يلحن لما قال. فدعاه فهبط به بطن واد.\rوجاء قوم فنزلوا على باب الخباء، كما كانوا ينزلون فتوافى خمسون رجلاً فضاقت بهم ماوية ذرعاً، فقالت لجاريتها: اذهبي إلى مالك فقولي له إن أضيافاً لحاتم قد نزلوا بنا وهم خمسون رجلاً فأرسل إلينا بنات نقرهم ولبن نعبقهم.\rوقالت لجاريتها: انظري إلى جبينه وفمه فإن شافهك بالمعروف فاقبلي منه وإن ضرب بلحييه على زوره فارجعي ودعيه.\rفلما أتت مالكاً وجدته متوسداً وطبا من لبن، فأيقظته وأبلغته الرسالة وقالت، إنما هي الليلة حتى يعلم الناس مكانه، فأدخل يده في رأسه وضرب بلحييه على زوره، فقال لها: أقرئي ﵍، وقولي لها هذا الذي أمرتك أن تطلقي حاتماً من أجله. فما عندي من كبيرة، قد تركت العمل، وما كنت لأنحر صفية غزيرة بشحم كلاها، وما عندي لبن يكفي أضياف حاتم.\rفرجعت الجارية فأخبرتها بما رأت منه، وأعلمتها بمقالته، فقالت لها: ويلك ائتي حاتماً فقولي له: إن أضيافك قد نزلوا الليلة بنا، ولم يعلموا بمكانك، فأرسل إلينا بنات ننحرها ونقرهم، وبلبن نسقهم، فإنما هي الليلة حتى يعرفوا مكانك.\rفأتت الجارية حاتماً فصرخت به، فقال حاتم لبيك، قريباً دعوت، فقالت: إن ماوية تقرأ عليك السلام، وتقول لك: إن أضيافك قد نزلوا بنا الليلة، فأرسل إليهم بناب ننحرها لهم ولبن نسقهم. فقال: نعم وأبي! ثم قام إلى الإبل فأطلق اثنتين من عقاليهما، ثم صاح بهما حتى أتى الخباء، فضرب عراقيبهما، فطفقت ماوية تصيح وتقول: هذا الذي طلقتك فيه، تترك ولدك وليس لهم شيء.\r- ٩ -","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855843,"book_id":1864,"shamela_page_id":119,"part":null,"page_num":119,"sequence_num":119,"body":"وكانت امرأة من العرب من بنات ملوك اليمن ذات جمال وكمال، وحسب ومال، فآلت ألا تزوج نفسها إلا من كريم، ولئن خطبها لئيم لتجد عن أنفه، فتحاماها الناس حتى انتدب إليها زيد الخيل، وحاتم بن عبد الله، وأوس بن حارثة الطائيون، فاتحلوا إليها.\rفلما دخلوا عليها قالت مرحبا بكم، ما كنتم زوارا، فما الذي جاء بكم؟ قالوا: جئنا زوارا خطابا، قالت أكفاء كرام، ثم أنزلتهم وفرقت بينهم وأسبغت لهم القرى، وزادت فيه.\rفلما كان اليوم الثاني بعثت بعض جواريها متنكرة في زي سائلة تتعرض لهم، فرفع إليها زيد وأوس شطر ما حمل إلى كل واحد منهما، فلما صارت إ لى رحل حاتم دفع إليها جميع ما كان من نفقته، وحمل إليها جميع ما حمل إليه.\rفلما كان اليوم الثالث دخلوا عليها، فقالت ليصف كل واحد منكم نفسه في شعره، فابتدر زيد وأنشأ يقول:\rهلا سألت بني ذبيان ما حسبي ... عند الطعان إذا ما احمرت الحدق\rوجاءت الخيل محمرا بوادرها ... بالماء يسفح من لباتها العلق\rوالجار يعلم أني لست خاذلة ... إن ناب دهر لعظم الجار معترق\rهذا الثناء، فإن ترضى فراضية ... أو تسخطي فإلى من تعطف العنق؟\rوقال أوس بن حارثة: إنك لتعلمين أنا أكرم أحسابا، وأشهر أفعالا من أن نصف أنفسنا لك، أنا الذي يقول فيه الشاعر:\rإلى أوس بن حارثة بن لأم ... ليقضي حاجتي ولقد قضاها\rفما وطئ الحصا مثل ابن سعدى ... ولا لبس النعال ولا احتذاها\rوأنا الذي عقت عقيقته، وأعتقت عن كل شعرة فيها عنه نسمة، ثم أنشأ يقول:\rفإن تنكحي ماوية الخير حاتما ... فما مثله فينا ولا في الأعاجم\rفتى لا يزال الدهر أكبر همه ... فكاك أسير أو معونة غارم\rوإن تنكحي زيدا ففارس قومه ... إذا الحرب يوماً أقعدت كل قائم\rوإن تنكحيني تنكحي غير فاجر ... ولا جارف جرف العشيرة هادم\rولا متق يوماً إذا الحرب شمرت ... بأنفسها نفسي كفعل الأشائم\rوإن طارق الأضياف لاذ برحله ... وجدت ابن سعدى للقرى غير عائم\rفأي فتى أهدى لك الله فاقبلي ... فإنا كرام من رؤوس أكارم\rوأنشأ حاتم يقول:\rأماوي قد طال التجنب والهجر ... وقد عذرتني في طلابكم عذر\rأماوي إن المال غاد ورائح ... ويبقى من المال الأحاديث والذكر\rأماوي إني لا أقول لسائل ... إذا جاء يوماً: حل في مالنا النزر\rأماوي إما مانع فمبين ... وإما عطاء لا ينهنهه الزجر\rأماوي ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر\rأماوي إن يصبح صداي بقفرة ... من الأرض لا ماء لدي ولا خمر\rترى إن ما أنفقت لم يك ضائري ... وأن يدي مما بخلت به صفر\rأماوي إني رب واحد أمه ... أخذت فلا قتل عليه ولا أسر\rوقد علم الأقوام لو أن حاتماً ... أراد ثراء المال كان له وفر\rأماوي إن المال مال بذلته ... فأوله شكر وآخره ذكر\rوإني لا آلو بمالي صنيعة ... فأوله زاد وآخره ذخر\rيفك به العاني ويؤكل طيبا ... وما إن يعريه القداح ولا القمر\rولا أظلم ابن العم إن كان إخوتي ... شهوداً وقد أودى بإخوته الدهر\rغنينا زمانا بالتصعلك والغنى ... وكلا سقاناه بكأسيهما الدهر\rفما زادنا بأواً على ذي قرابة ... غنانا، ولا أزرى بأحسابنا الفقر\rوما ضر جاراً ياابنة القوم فاعلمي ... يجاورني ألا يكون له ستر\rبعيني عن جارات قومي غفلة ... وفي السمع مني عن أحاديثها وقر\rفقالت أما أنت يا زيد فقد وترت العرب، وبقاؤك مع الحرة قليل، وأما أنت يا أوس فرجل ذو ضرائر، والدخول عليهن شديد، وأما أنت يا حاتم فمرضي الأخلاق، محمود الشيم، كريم النفس، وقد زوّجتك نفسي.\r\rشعراء النسيب في العصر الجاهلي\rوهم كثيرون ومنهم: المرقش الأكبر ٥٥٢ م، وعبد الله بن العجلان ٥٦٦ م، ومالك، وعنترة، ومسعود بن خراشة التميمي وقد أدرك الإسلام، ومنظور بن زبان الفزاري.\rولهم شعر رائع وقصائد كثيرة قصروها على الغزل وحده كما في قصيدة المرقش الأكبر: سرى ليلا خيال سليمى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855844,"book_id":1864,"shamela_page_id":120,"part":null,"page_num":120,"sequence_num":120,"body":"وقد يبدو أن نسيب فن إسلامي بدأه عمر بن أبي ربيعة وجميل وكثير وطبقتهم، والحقيقة أن هؤلاء كانوا يحتذون مثالاً لمن تقدمهم، وما أظن أحداً بلغ من صفة النساء ما بلغ النابغة حين سأله النعمان أن يصف امرأته المتجردة، أو ما بلغ المنخل اليشكري والمرار العدوي وسويد بن أبي كاهل وشعر المرقشين الأكبر والأصغر وعبد الله بن العجلان النهدي وقيس بن الحدادية، ممن صدقوا الحب ونسبوا في لفظ عفيف ومعنى نزيه مشهور معروف.. قال المرقش الأكبر:\rسرى ليلا خيال من سليمى ... فأرقني أصحاب هجود\rفبت أدير أمري كل حال ... وأرقب أهلها وهم بعيد\rعلى أن قد سما طرفي لنار ... يشب لها بذي الآرطي وقود\rحواليها مهاجم التراقي ... وآرام وغزلان رقود\rنواعم لا تعالج بؤس العيش ... أوانس لا تروح ولا ترود\rيرحن معاً بطاء المشي بدا ... عليهن المحاسد والبرود\rسكن ببلدة وسكنت أخرى ... وقطعت المواثق والعهود\rفما بالي أفي ويخان عهدي ... وما بالي أصاد ولا أصيد\rورب أسيلة الخدين بكر ... منعمة لها فرع وجيد\rوذو أشر شتيت النبت عذب ... نقي اللون براق برود\rلهوت بها زماناً من شبابي ... وزارتها النجائب والقصيد\rأناس كلما أخلقت وصلا ... عناني منهم وصل جديد\rوقال:\rنواعم أبكار سرائر بدن ... حسان الوجوه لينات السوالف\rيهدلن في الآذان كل مذهب ... له زبد يعيان به كل واصف\rقصرن شقيا لا يبالين غيه ... يعوجن من أعناقها بالمواقف\rنشرن حديثاً آنساً فوضعته ... خفيضا فلا يلغى به كل طائف\rولعبد الله بن العجلان:\rألا أبلغا هند أسلامي فإن نأت ... فقلبي مذ شطت بها الدار مدنف\rولم أر هنداً بعد موقف ساعة ... بأنعم في أهل الديار تطوف\rأنت بين أتراب تمايس إذ مشت ... دبيب القطا أو هن منهن أقطف\rأشارت إلينا في خفاء وراعها ... سراة الضحى مني على الحي موقف\rوقالت تباعد يا ابن عمي فإنني ... منيت بذي صول يغار ويعتف\rوقال:\rخليلي زورا قبل شحط النوى هندا ... ولا تأمنا من دار ذي لطف بعدا\rولا تعجلا لم يدر صاحب حاجة ... أغيا يلاقى في التعجل أم رشدا\rومرا عليها بارك الله فيكما ... وإن لم تكن هند لوجهيكما قصدا\rوقولا لها ليس الضلال أجارنا ... ولكننا جرنا لنلقاكم عمدا\rوقال قيش بن الحدادية من قصيدة طويلة:\rأجدك أن نعم نأت أنت جازع ... قد اقتربت لو أن ذلك نافع\rقد اقتربت لو أن في قرب دارها ... نوالا ولكن كل من ضن مانع\rوقد جاورتنا في شهور كثيرة ... فما نولت والله راء وسامع\rوظني بها حفظ لغيبي ورعية ... لما استرعيت والظن بالغيب واسع\rفقالت لقاء بعد حول وحجة ... وشحط النوى إلا لذي العهد قاطع\rوقد يلتقي بعد الشتاء أولو النوى ... ويسترجع الحي السحاب اللوامع\rومنها:\rكأن فؤادي بين شقين من عصا ... حذار وقوع البين والبين واقع\rيحث بهم حاد سريع نجاؤه ... ومعرى عن الساقين واللوب واسع\rفقلت لها يا نعم حلى محلنا ... فإن الهوى يا نعم والعيش جامع\rفقالت وعيناها تفيضان عبرة ... بأهلي بين لي متى أنت راجع\rفقلت لها تالله يدري مسافر ... إذا أضمرته الأرض ما الله صانع\rفشدت على فيها اللثام وأعرضت ... وأمعن بالكحل السحيق المدامع\rوإني لعهد الود راع وإنني ... بوصلك ما لم يطوني الموت طامع\rفنصيب هذا العصر من النسيب كما رأيت أوفر وأجود مما توهم الأدباء، وهو أصل ينتمي إليه بارع النسيب الإسلامي من قريب.\r\rلبيد بن ربيعة\rحياته وشعره\rلبيد بن ربيعة من بني عامر بن صعصعة، وهي قبيلة مضرية، وأمه من بني عبس. كان في الجاهلية شريفاً جواداً شجاعاً شاعراً وقد أدرك الإسلام وأسلم، وعمر طويلاً حتى مات في خلافة معاوية عام ٤١هـ. وأكثر شعره قاله قبل الإسلام، فلما أسلم لم يقل إلا قليلا.\rوهو شاعر بدوي يصف في شعره حياة بدوية صحراوية ولاسيما في معلقته التي مطلعها:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855845,"book_id":1864,"shamela_page_id":121,"part":null,"page_num":121,"sequence_num":121,"body":"عفت الديار محلها فمقامها ... بمن تأبد غولها فرجامها\rويظهر أنه قالها في شبابه وهي تمثل الشعر البدوي في متانته وقوته.\rوفي شعره بعد ذلك - وهو الذي عمله في الكهولة والشيخوخة على ما يظهر - أثر الحكمة وقوة الشعور الديني كزهير، مثل قوله:\rوما المرء إلا كالشهاب وضوئه ... يحور رمادا بعدما هو ساطع\rوما المال والأهلون إلا ودائع ... ولابد يوماً أن ترد الودائع\rوما الناس إلا عاملان: فعامل ... يتبر ما يبنى، وآخر رافع\rوقصيدته التي مطلعها:\rألا كل شيء ما خلا الله باطل ... وكل نفيم لا محالة زائل\rوكل أناس سوف تدخل بينهم ... دويهية تصفر منها الأنامل\rوقصيدته:\rإن تقوى ربنا خير نفل ... وبإذن الله ريثي والعجل\rأحمد الله ولا ند له ... بيديه الخير ما شاء فعل\rمن هداه سبل الخير اهتدى ... ناعم البال ومن شاء أضل\rوكان لبيد أحدث أصحاب المعلقات عصرا وآخرهم موتا.\rوشعر لبيد مثال للفخامة والقوة والمتانة والبداوة فتراه فخم العبارة قوي اللفظ قليل الحشو مزدانا بالحكمة العالية والموعظة الحسنة.\rولبيد من أحسن الجاهليين تصرفا في الرثاء وفخره قوي ينم عن شرفه وعزته ومجده وحسبه العريق. وقال فيه رسول الله ﷺ: أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد \"ألا كل شيء ما خلا الله باطل\".\rوقد نظم لبيد الشعر في جاهليته وجرى به على سنن الأشراف والفرسان كعنترة وعمرو بن كلثوم فلم يتكسب بشعره ولذلك ترى فيه ولاسيما معلقته قوة الفخر والتحدث بالفتوة والنجدة والكرم وإيواء الجار وعزة القبيلة، ولم ينظم شعراً بعد أن أسلم.\rهذا ويقدم لبيد بعض النقاد محتجين بأنه أفضلهم في الجاهلية والإسلام وأقلهم لغواً في شعره، وقالت عائشة ﵂: رحم الله لبيدا ما أشعره في قوله:\rذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب\rلا ينفعون ولا يرجى خيرهم ... ويعاب قائلهم وإن لم يشغب\rوكان لبيد جواداً شريفاً في الجاهلية والإسلام وقصص جودة كثيرة.\r\rديوان لبيد\rشرحه السكري والشيباني والأصمعي وابن السكيت والطوسي. ولم يصل إلينا من ذلك كله إلا نصف شرح الطوسي في مخطوطة طبعها في فيينا يوسف ضياء الدين الخالدي المقدسي سنة ١٨٨٠ وفيها عشرون قصيدة هي الجزء الثاني من الديوان وقد صدرت بمقدمة عن الديوان والشاعر.\rوكذلك عنى بالديوان المستشرق هوبر الذي طبعه في ليدن سنة ١٩٨١ ووضع مقدمة له في حياة لبيد، وأخرجه بإشراف بروكلمان.\rولمعلقة لبيد شروح، وقد نشرها دي ساسي وقد ترجمها إلى الفرنسية أيضاً.\r\rمصادر حياة لبيد\rترجم له صاحب الأغاني في الجزء الرابع عشر، وابن قتيبة في الشعر والشعراء وذكره ابن سلام في طلبقات الشعراء والمرزباني في الموشح.\rوترجم له صاحب كتاب \"تاريخ الأدب العربي في العصر الجاهلي\"، والزيات في كتابه تاريخ الأدب العربي، وأصحاب الوسيط والمفصل وسواهم. وترجم له أيضاً في سلسلة الروائع.\r\rمعلقة لبيد\rلبيد بن ربيعة العامري من سادة العامريين القيسيين وأشرافهم وكان يقال لأبيه ربيعة المعتربن وعمه ملاعب الأسنة عامر بن مالك أخذ أربعين مرباعا في الجاهلية.\rكان لبيد من شعراء الجاهلية وفرسانهم وقال الشعر في الجاهلية في كل غرض، وأجرك الإسلام وأسلم وهجر الشعر وأقام بالكوفة إلى أن مات عام ٤١هـ مائة وسبع وخمسين سنة.\rوسئل لبيد من أشعر الناس؟ فقال: الملك الضليل، ثم الشاب القتيل، ثم الشيخ أبو عقيل يعني نفسه. وهو من أصحاب المعلقات، وكان نظم لبيد الجاهلية فجم العبارة منضد اللفظ قليل الحشو مزداناً، فالحكمة العالية ثعات، وهو أحسن الجاهليين تصرفاً في الرثاء، وأكثرهم قدرة على تصوير عواطف المفجوع الحزين بلفظ رائق وألوب مؤثر، وقدمه بعض النقاد \"لأنه أفضل الشعراء في الجاهلية والإسلام، وأقلهم لغواً في شعره\".\rومعلقته لبيد تمتاز بقوة اللفظ ومتانة الأسلوب، وبما فيها من تصوير للبادية والحياة والأخلاق فيها.\rأ - بدأها لبيد بذكر الديار وخلوها من أصحابها وتعرضها للرياح والأمطار تعبث بها ويمحو معالمها. قال:\rعفت الديار محلها فمقامها ... بمعنى تأبد غولها فرجامها","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855846,"book_id":1864,"shamela_page_id":122,"part":null,"page_num":122,"sequence_num":122,"body":"وجلا السيول عن الطول كأنها ... زبر تجد متونها أقلامها\rفوقفت أسألها، وكيف سؤالنا ... صما خوالد ما يبين كلامها\rثم يصف رحيل أحبابه عنها، حتى يقول:\rبل ما نذكر من \"نوار\" وقد نأت ... وتقطعت أسبابها ورمامها\rمرية، حلت بفيد، وجاورت ... أهل الحجاز، فابن منك مرامها\rوأخيراً، يرى لا أن يتسلى ويتعزى حتى يصل إلى رجائه وأمله، ولكن أن يقطع أمله منها ويترك رجاءه فيها ويقطع صلته بها مادامت نوار قد تغير وصلها:\rفاقطع لبانة من تعرص وصله ... ولشر واصل خلة صرامها\rب - ثم يأخذ في وصف ناقته في لفظ غريب وتعبير بدوي متين، ويطيل في هذا الوصف ويشبهها بالأتان الوحشية وبالظبية الرؤوم المفجوعة إلى أن يقول:\rفبتلك إذ رقص اللوامع بالضحى ... واجتاب أرجية السراب كامها\rأقضي اللبانة لا أفرط ريبة ... أو أن يلوم بحاجة لوامها\rأولم تكن تدري نوار بأنني ... وصال عقد حبائل جذامها\rتراك أمكنة إذا لم أرضها ... أو يرتبط بعض النفوس حمامها\rج - ثم يتحدث عن نفسه وعزتها، ولذات الراح التي شارك فيها، وشجاعته وبطولته في مواقف النزال والنضال، وكرامه وسخائه، ونواله للجار الفقير والضيف النازل والجار الغريب وللبائسين والمساكين:\rوجزور أيسار دعوت لحتفها ... بمغالق متشابه أعلامها\rفالضيف والجار الغريب كأنما ... هبطا تبالة مخصبا أهضامها\rتأوي إلى الأطناب كل رزية ... مثل البلية قالص أهدامها\rد - ثم يفتخر بقومه ومآثرهم ورفهم ومجدهم فيقول:\rمن معشر سنت لهم آباؤهم ... ولكل قوم سنة وإمامها\rفبنوا لنا بيتاً رفيعاً سمكه ... فسما إليه كهلها وغلامها\rفاقنع بما قسم المليك فإنما ... قسم الخلائق بيننا علامها\rوإذا الأمانة قسمت في معشر ... أوفى بأعظم حظنا قسامها\rفهم السعاة إذا العشيرة أفظعت ... وهم فوارسها وهم حكامها\rوهم ربيع للمجاور فيهم ... والمرملات إذا تطاول عامها\rأعشى قيس ٥٣٥ - ٦٢٩م\rحياته\r١ - صناجة العرب أعشى قيس المعروف بالأعشى الأكبر، وهو أبو بصير ميمون بن جندل بن شراحبيل بن عوف بن سعد من قيس بن ثعلبة من بكر بن وائل من ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان.\rوقيس بن ثعلبة من أشهر القبائل شاعرية وأكثرهم شعراء، والأعشى هو أحد الأعلام من شعراء الجاهلية وفحولهم، وكانت العرب تتغنى بشعره وتسميه صناجة العرب.\rولقب بالأعشى لضعف في بصره.\r٢ - والده قيس بن جندل يسمى قتيل الجوع، قال جهنام البكري:\rأبوك قتيل الجوع قيس بن جندل ... وخالك عبد من خماعة راضع\rروي أنه دخل غاراً يستظل به من لفح الحر فوقعت صخرة فسدت الغار فمات جوعاً.\rوأمه أخت المسيب بن علس الشاعر ٥٨٠م من بني خماعة من بني ضبيعة وتزوج امرأة من بني عنزة من هزان ثم طلقها.\r٣ - ولد الأعشى بقرية من قرى اليمامة يقال لها منفوحة ونشأ راوية لخاله المسيب وتتلمذ عليه في الشعر وبدأ حياته شاباً فقيراً ماجناً يلعب القمار ويشرب الخمر، ثم سكن الحيرة وتردد على النصارى فيها يأتيهم ويشرب الخمر معهم، ثم جاب الجزيرة العربية من أقصاها إلى أقصاها يمدح ملوكها وأمراءها:\rقد جبت مابين بانقيا إلى عدن ... وطال في العجم تردادي وتسياري\rويقول:\rوطوفت للمال آفاقه ... عمان فحمص فأورشليم\rأتيت النجاشي في داره ... وأرض النبيط وأرض العجم\rوكان تطوافه سبباً في كثرة معارفه وسعة ثقافته.\rاتصل بنصارى نجران وبأهل الحيرة وبشريح بن السموءل اليهودي صاحب تيماء بحصنه \"الأبلق\" وعده بعض الباحثين من النصارى، والظاهر أنه لم يؤمن بدين وأن مسحة العقيدة النصرانية التي قد تبدو على شعره إنما كان منشؤها كثرة تردده على الحيرة ومعاشرته لأهلها.\rوكان يوافي سوق عكاظ وينشد فيه شعره فيحفظ عنه ويغني به ولذلك كانت العرب تضيفه وتهاديه ليمدحها ويطير ذكرها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855847,"book_id":1864,"shamela_page_id":123,"part":null,"page_num":123,"sequence_num":123,"body":"قيل إن عبد العزى المحلق الكلابي كان أبوه من أشراف العرب فمات، وقد أتلف ماله وبقي المحلق وثلاث أخوات له لم يترك لهم إلا ناقة واحدة وحلتي برود جيدة فأقبل الأعشى في بعض أسفاره يريد منزله باليمامة، فنزل الماء الذي به المحلق فقراه أهل الماء فأحسنوا قراه فأقبلت عمة المحلق فقالت يا ابن أخي هذا الأعشى نزل بمائنا وقد قراه أهل الماء والعرب تزعم أنه لم يمدح قوماً إلا رفعهم ولم يهج قوماً إلا وضعهم، فاحتل في زق خمر من عند بعض التجار فأرسل إليه بهذه الناقة والزق وبردى أبيك، فوالله لئن اعتلج الكبد والسنام والخمر في جوفه ونظر إلى عطفيه في البرد ليقولن فيك شعراً يرفعك به. قال: ما أملك غير هذه الناقة وأنا أتوقع رسلها، فأخذت عمته تحضه، ثم دخل عليها وقال قد ارتحل الرجل. قالت الآن والله أحسن ما كان القرى تتبعه ذلك مع غلام أبيك فحيثما أدركه أخبره عنك أنك كنت غائباً عند نزوله الماء وأنك لما وردت فعلمت أنه كان به كرهت أن يفوتك قراه، فإن هذا أحسن لموقعه عنده. فمازالت به حتى فعل ذلك فخرج مولاه يتبع الأعشى، فكلما مر بماء قيل له: قد ارتحل أمس عنه، حتى صار إلى منزله بمنفوحة، فوجد عنده جماعة من الفتيان قد غداهم بغير لحم وسقاهم، فقرع الباب فقال لهم: انظروا من هذا. فدخلوا عليه وقالوا: رسول المحلق الكلابي أتاك بكيت وكيت، ومازالوا به حتى أذن له، فدخل وأدى الرسالة فقال له: أقرئه السلام وقل: وصلتك رحم سيأتيك ثناؤها. وقام الفتيان فنحروا الجزور وأخذوا يشوون ويأكلون ويشربون من الخمر، فلما شبع الأعشى قال:\rأرقت وما هذا السهاد المؤرق ... وما بي من سقم وما بي تعشق\rفسارت القصيدة وشاعت في العرب، فما أتى على المحلق سنة حتى زوج إخوته الثلاث كل واحدة على مائة ناقة، فأيسر وشرف.\rويروى أن امرأة كسدت عليها بناتها فأتت الأعشى وسألته أن يشبب بواحدة فواحدة منهن وبعثت له هدايا فما زال يشيب بواحدة منهن واحدة حتى زوجن جميعا.\r٤ - وفد الأعشى على كسرى، وقصد النعمان بن المنذر وأنشده:\rإليك ... أبيت اللعن\rكان كلالها\rتروح مع الليل الطويل وتغتدي\rثم أنشده قصيدته:\rأأزمعت من آل ليلى ابتكارا ... وشطت على ذي هوان تزارا\rويقال: إن الأعشى أول من سأل بشعره وانتجع به أقاصي البلاد ورحل به إلى الملوك والأمراء وكان يغنى بشعره، فكانت العرب تسميه صناجة العرب، وكان بين علقمة بن علاثة وعامر بن الطفيل مفاخرة، وكان الأعشى يمدح عامر بن الطفيل ويهجو علقمة، ومما قال فيه:\rعلقم ما أنت إلى عامر ... الناقض الأوتار والواتر\rفلما بلغ ذلك علقمة نذر دمه وجعل له على كل طريق رصدا، فخرج الأعشى يوماً يريد وجهاً فأخطأ به الدليل فألقاه في ديار عامر، فأخذه رهط علقمة فأتوه به فقال:\rعلقم قد صيرتني الأمور ... إليك وما أنت لي منقص\rفهب لي نفسي فدتك النفوس ... ولازلت تنمو ولا تنقص\rفهم علقمة بقتله، ثم دخل إلى أمه، فقال لها: قد أمكنني الله من هذا الأعمى الخبيث. قالت: فما تراك فاعلاً به؟ قال سأقتله شر قتله. فقالت: يا بني قد كنت أرجوك لقومك عامة وإني اليوم لأرجوك لنفسك خاصة وإنما الرأي أن تكسوه وتحمله وتسيره إلى بلاده، فإنه لا يمحو عنك ما قاله إلا هو. ففعل ما أمرته به وأحسن صلته، فقال الأعشى:\rعلقم يا خير بني عامر ... للضيف والصاحب والزائر\rوالضاحك السن على همه ... والغافر العثرة للعائر\rومدح شريح بن السموءل والأسود بن الهنذر أخا النعمان لأمه وكان من تيم الرباب وهي قبائل من الياس بن مضر وكان أخوه ولاه عليهم وقد كان عنده أسرى من بني سعد بن ضبيعة، فأتاه الأعشى ومدحه بقصيدته:\rما بكاء الكبير بالأطلال ... وسؤالي وما ترد سؤالي\rوسأله أن يطلقهم ففعل. وهذه القصيدة عند بعض العلماء معدودة من المعلقات وبعضهم يذكر أن معلقته هي قصيدته:\rودع هريرة إن الركب مرتحل ... وهل تطيق وداعاً أيها الرجل\rوبعضهم يجعل معلقته هي مدحته للرسول:\rألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا ... وبت كما بات السليم مسهدا\rوهي قصيدة رائعة.\rومدح قيس بن معد يكرب الكندي، وسواه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855848,"book_id":1864,"shamela_page_id":124,"part":null,"page_num":124,"sequence_num":124,"body":"وقال الأعشى يمدح السموءل، ويستجير بابنه شريح بن السموءل من رجل كلبي كان الأعشى هجاه ثم أغار على قوم كان الأعشى نازلاً فيهم، فأسره وهو لا يعرفه، ثم سار حتى نزل بشريح بن السموءل فأحسن ضيافته، ومر بالأسرى فناداه الأعشى:\rسريح، لا تسلمني بعد ما علقت ... حبالك اليوم بعد القد أظفاري\rقد سرت ما بين بلقاء إلى عدن ... وطال في العجم تكراري وتسياري\rفكان أكرمهم عهداً وأوثقهم ... عقداً أبوك بعرف غير إنكار\rكالغيث مااستمطروه جاد وابله ... وفي الشدائد كالمستأسد الضاري\rكن كالسموءل إذ طاف الهمام به ... في جحفل كسواد الليل جرار\rإذ سامه خطتي خسف فقال له ... قل ما تشاء فإني سامع حار\rفقال: غدر وثكل أنت بينهما ... فاختر. وما فيهما حظ لمختار\rفشك غير طويل ثم قال له: ... اقتل أسيرك، إني مانع جاري\rهذا له خلف إن كنت قاتله ... وإن قتلت كريما غير خوار\rوسوف يعقبنيه إن ظفرت به ... رب كريم وقوم أهل اطهار\rفاختار أدراعه كي لا يسب به ... ولم يكن وعده فيها بخنار\rفجاء شريح الكلبي فقال: \"هذا الأسير المنصور\" فقال \"هو لك\" فأطلقه وقال له الأعشى \"إن تمام إحسانك إلى أن تعطيني ناقة ناجية وتخليني الساعة\" فأعطاه ناقة ناجية، فركبها ومضى من ساعته. وبلغ الكلبي أن الذي وهب لشريح هو الأعشى، فأرسل إلى شريح: \"ابعث إلي الأسير الذي وهبت لك حتى أحبوه وأعطيه\" فقال: \"قد مضى\" فأرسل الكلبي في أثره فلم يلحقه.\rولما وفد الأعشلا إلى النبي ﷺ، مدحه بقصيدته التي أولها:\rألم تغمض عيناك ليلة أرمدا ... وعاك ما عاد السليم المسهد\rوما ذاك من عشق النساء وإنما ... تناسيت قبل اليوم خلة مهددا\rوفيها يقول لناقته:\rفأليت لا أرثي لها من كلالة ... ولا من حفا حتى تزور محمدا\rنبي يرى مالا ترون وذكره ... أغار لعمري في البلاد وأنجدا\rمتى ما تناخى عند باب ابن هاشم ... تراحى وتلقى من فواضله يدا\rفبلغ خبره قريشاً قط، فرصدوه على طريقه وقالوا: هذا صناجة العرب ما مدح أحداً قط إلا رفع قدره.\rفلما ورد عليهم قالوا له: أين أردت يا أبا بصير؟ قال: أردت صاحبكم هذا لأسلم. قالوا: إنه ينهاك عن خلال ويحرمها عليك. قال: وما هي؟ فقال أبو سفيان بن حرب: الزنا. قال: لقد تركني الزنا وتركته، ثم ماذا؟ قالوا: القمار. قال لعلي إن لقيته أن أصيب منه عوضاً من القمار، ثم ماذا؟ قالوا: الربا. قال: ما دنت ولا أدنت، ثم ماذا؟ قالوا: الخمر. قال أوه! أرجع إلى صبابة قد بقيت في المهراس فأشربها.\rقال له أبو سفيان: هل لك في خير مما هممت به؟ قال: وما هو؟ قال: نحن وهو الآن في هدنة، فتأخذ مائة من الإبل، وترجع إلى بلدك سنتك هذه، وتنظر ما يصير إليه أمرنا، فإن ظهرنا عليه كنت قد أخذت خلفا، وإن ظهر علينا أتيته. فقال: ما أكره ذلك. قال أبو سفيان: يا معشر قريش، هذا الأعشى! والله لئن أتى محمداً وأتبعه ليضر من عليكم نيران العرب بشعره. فاجمعوا له مائة من الإبل. ففعلوا، فأخذها وانطلق إلى بلده، فلما كان بقاع منفوحة رمى به بعيره فقتله.\r\rشعر الأعشى\r١ - للأعشى ديوان شعر كبير طبع مراراً، وقد قدمه كثير من النقاد محتجين بكثرة طواله الجياد وتصرفه في المديح والهجاء وسائر فنون الشعر، وقيل إنه أمدحهم للملوك وأوصفهم للخمر وأغزرهم شعراً وأحسنهم قريضا. وقال عبد الملك بن مروان لمؤدب أولاده: أدبهم برواية شعر الأعشى فإن لكلامه عذوبة، قاتله الله ما كان أعذب بحره وأصلب صخره فمن زعم أن أحداً من الشعراء أشعر من الأعشى فليس يعرف الشعر.\rومهما كان فهو أحد الأربعة الذين وقع الاتفاق على تقديمهم على من عداهم وهم: امرؤ القيس والنابغة وزهير والأعشى، فهو من الطبقة الأولى عند كثير من النقاد ويروى أشعر الناس امرؤ القيس إذا ركب والنابغة إذا رهب وزهير إذا رغب والأعشى إذا طرب.\r٢ - ويمتاز شعره بمعارفه الواسعة، وقد أدخل فيه ألفاظاً فارسية لإقامته في الحيرة، ووصف سيل العرم والقصر الأبلق.\rوأكثر الأعشى من وصف الخمر وما إليها من نديم وساقي وقينة وعود وأطال في ذلك حتى عد إمام الأخطل وأبي نواس.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855849,"book_id":1864,"shamela_page_id":125,"part":null,"page_num":125,"sequence_num":125,"body":"٣ - وعلى أي حال، فعلى شعره رونق الحسن وطلاوة الأسلوب والبراعة في وصف الخمر والإجادة مع الطول.\rولقوة طبعه وجلبة شعره سمي صناجة العرب حتى ليخيل إليك إذا أنشدت شعره أن آخر ينشده معك. ولجلالة شعر الأعشى وأثره بين العرب كان يرفع الوضيع الخامل وتضع الخامل الشريف.\rومن شعره قصيدته التي مدح بها الرسول ﷺ، ويعدها بعضهم من المعلقات، ومطلعها:\rألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا ... وبت كما بات السليم مسهدا\rوما ذاك من عشق النساء وإنما ... تناسيت قبل اليوم حلة مهددا\rولكن أرى الدهر الذي هو خائن ... إذا أصلحت كفاي عاد فأفسدا\rشباب وشيب وافتقار وثروة ... فلله هذا الدهر كيف ترددا\rفآليت لا أرثي لها من كلالة ... ولا من حفي حتى تلاقي محمدا\rمتى ما تناخى عند باب ابن هاشم ... تراحى وتلقى من فواضله ندى\rنبي يرى مالا يرون وذكره ... أغار لعمري في البلاد وأنجدا\rله صدقات ما تغب ونائل ... وليس عطاء اليوم يمنعه غدا\rومن شعر الأعشى قصيدته اللامية المعروفة التي يقول منها:\rصدت هريرة عنا ما تكلمنا ... جهلاً بأم خليد حبل من تصل؟\rأئن رأت رجلاً أعشى أضربه ... ريب المنون ودهر مفند خبل\rقالت هريرة لما جئت زائرها: ... ويلي عليك وويلي منك يا رجل\rإما ترينا حفاة، لا نعال لنا ... إنا كذلك ما نحفى وننتعل\rوقد أقود الصبا يوما، فيتبعني ... وقد يصاحبني ذو الشرة الغزل\rوقد غدوت إلى الحانوت يتبعني ... شاو مشل شلوب شلشل شول\rفي فتية كسيوف الهند قد علموا ... أن هالك كل من يحفى وينتعل\rنازعتهم قضب الريحان متكئا ... وقهوة مزة رواوقها خضل\rلا يستفيقون منها، وهي راهنة ... إلا بهات وإن علوا وإن نهلوا\rيسعى بها ذو زجاجات له نطف ... قلص أسفل السربال معتمل\rومستجيب تخال الصنج يسمعه ... إذا ترجع فيه القينة الفضل\rوالساحبات ذيول الربط آونة ... والرافلات على أعجازها العجل\rمن كل ذلك يوم قد لهوت به ... وفي التجارب طول اللهو والغزل\rأبلغ يزيد بني شيبان مألكة ... أبا ثبيت أما تنفك تأتكل\rألست منتهياً عن نحت أثلتنا ... ولست ضائرها ما أطت لأبل\rكناطع صخرة يوماً ليوهنها ... فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل\rتغرى بنا رهط مسعود وإخوته ... يوم اللقاء، فتردى، ثم تعنزل\rلا أعرفنك إن جدت عداوتنا ... والتمس النصر منكم عوض تحتمل\rنلحم أبناء ذي الجدين إن غضبوا ... أرماحنا، ثم تلقاهم، وتعتزل\rلا تقعدون، وقد أكلتها حطبا ... تعوذ من شرها يوماً وتبتهل\rسائل بني أسد عنا، فقد علموا ... أن سوف يأتيك من أنبائنا شكل\rواسأل قشيرا وعبد الله كلهم ... واسأل ربيعة عنا كيف نفتعل\rإنا نقاتلهم حتى نقتلهم ... عند اللقاء، وإن جاروا وإن جهلوا\rقد كان في آل كهف إن هم احتربوا ... والجاشرية من يسعى وينتضل\rإني لعمر الذي خطت مناسمها ... تخدى، وسيق إليه الباقر الغيل\rلئن قتلتم عميدا لم يكن صددا ... لنقتلن مثله منكم، فنمتثل\rلئن منيت بنا عن غب معركة ... لا تلفنا عن دماء القوم ننفتل\rلا تنتهون، ولن ينهى ذوي شطط ... كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل\rالسموأل بن عاديا\rكان السموءل يهودياً مشهوراً بالوفاء وهو صاحب الحصن المعروف بالأبلق، كانت العرب تنزل فيه فيضيفها، وبالسموءل يضرب المثل في الوفاء. يقال أوفى من السموءل، لأنه فضل قتل ابنه على التفريط في أمانة أودعها عنده امرؤ القيس لما سار إلى الشام يريد قيصر، وكانت الأمانة أدرعا وفي ذلك يقول السموءل:\rوفيت بأدرع الكندي إني ... إذا ما خان أقوام وفيت\rوأوصى عاديا يوما بأن لا ... تهدم يا سموءل ما بنيت\rبني لي عاديا حصنا حصينا ... وماء كلما شئت استقيت\rومن أشعاره المعروفة قصيدة يمدح بها قومه، أوردها أبو تمام في كتاب الحماسة، مطلعها:\rإذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه ... فكل رداء يرتديه جميل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855850,"book_id":1864,"shamela_page_id":126,"part":null,"page_num":126,"sequence_num":126,"body":"وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها ... فليس إلى حسن الثناء سبيل\rوكان للسموءل أخ شاعر أيضاً وابن يدعى شريحا مدحه الأعشى في شعره.. وعلى ما يقول المحققون: إن السموءل عاش في أواخر الجيل السادس ومات في أوائل الجيل السابع وكان معاصراً للأعشى، ويقال إنه توفي سنة ٥٦٠م.\r\rحاتم الطائي\r- ١ - اشتهر بالجود والكرم حتى جرى ذكره مجرى الأمثال فيقال \"أجود من حاتم الطي\" وقد وصل إلينا من شعره قليل جاء في ديوان الحماسة وكتاب الأغاني وغيرهما من كتب الأدب، وله ديوان معروف باسمه وتوفي حاتم سنة ٦٠٥م، وقبره بعوارض، وهو جبل لبني طي، ويحكى عن جوده الحكايات الكثيرة، ومن غريبها أن نفراً من بني أسد مروا بقبر حاتم فقالوا: نزلنا بحاتم فلم يقرنا، وجعلوا ينادون: يا حاتم ألا تقرى أضيافك؟ ثم ناموا جميعاً وكان رئيس القوم رجلاً يقال له أبو الخيبري فنام أيضاً، حتى إذا كان السحر وثب وجعل يصيح: وا رحلتاه. فقال له أصحابه: مالك! قال: خرج والله حاتم بالسيف وأنا أنظر إليه حتى عقر ناقتي. قالوا: كذبت. فنظروا إلى راحلته فإذا هي منخزلة لا تنبعث. قالوا والله قراك. فظلوا يأكلون من لحمها ثم أردفوه فانطلقوا فساروا، وإذا راكب يلحقهم فنظروا فإذا هو عدي بن حاتم راكباً قارناً جملاً أسود فلحقهم وقال أيكم أبو الخبيري فدلوه عليه فقال جاءني أبي في النوم فذكر لي شتمك له وأنه قرى راحلتك لأصحابك وقد قال في ذلك أبياتاً ورددها حتى حفظتها وهي:\rأبا الخيبرى وأنت امرؤ ... حسود العشيرة شتامها\rفماذا أردت إلى رمة ... بداوية صخب هامها\rتبغي أذاها وإعسارها ... وحولك غوث وانعامها\rوإنا لنطعم أضيافنا من ال ... كرم بالسيف نعتامها\rوقد أمرني أن أحملك على جمل فدونكه فأخذوه وركبه وذهبوا.\rولم يبلغ أحد في الجود ما بلغ حاتم، وهو من بني الحشرج من طي وأحد شعراء الجاهلية.. ويكنى أبا عدي وأبا سفانة.. وأدرك ابنه الإسلام وأسلم.\rقال عدي قلت يا رسول الله: إن أبي كان يصل الرحم ويفعل كذا وكذا، قال: إن أباك أراد أمراً فأدركه يعني الذكر. وكانت سفانة بنته أتى بها إلى رسول الله ﷺ فقالت، يا محمد هلك الولد، وغاب الرافد فإن رأيت أن تتخلى عني ولا تشمت بي أحياء العرب فإن أبي سيد قومه، وكان يفك العاني ويحمي الذمار ويفرج عن المكروب، ويطعم الطعام، ويفشى السلام، ولم يطلب إليه طالب قط حاجة فرده، أنا ابنة حاتم طي.. فقال النبي ﷺ: يا جارية هذه صفة المؤمن لو كان أبوك إسلامياً لترحمنا عليه، خلوا عنها فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق.\rقال ابن الأعرابي كان حاتم من شعراء الجاهلية، وكان جواداً يشبه جوده شعره، ويصدق قوله فعله، وكان حيثما نزل عرف منزله، وكان مظفراً إذا قاتل غلب، وإذا غنم أنهب، وإذا ضرب بالقداح فاز، وإذا سابق سبق، وإذا أسر أطلق. وكان إذا أهل رجب نحر في كل يوم عشرة من الإبل وأطعم الناس واجتمعوا عليه، وكان أول ما ظهر من جوده أن أباه خلفه في إبله وهو غلام، فمر به جماعة من الشعراء، فيهم عبيد بن الأبرص، وبشر بن أبي خازم، والنابغة الذبياني، يريدون النعمان بن المنذر، فقالوا هل من قرى؟ ولم يعرفهم. فقال أتسألوني القرى وقد رأيتم الإبل والغنم، انزلوا فنزلوا فنحر لكل واحد منهم، وسألهم عن أسمائهم، فأخبروه ففرق فيهم الإبل والغنم، وجاء أبوه فقال: ما فعلت؟ قال طوقتك مجد الدهر طةق الحمامة وعرفه القضية، فقال أبوه إذا لا أساكنك بعدها أبدا ولا آويك. فقال حاتم: إذا لا أبالي.\rومن حديثه، أنه خرج في الشهر الحرام يطلب حاجة، فلما كان بأرض عنزة ناداه أسير لهم: يا أبا سفانة أكلني الاسار والقمل. فقال: ويحك ما أنا في بلاد قومي وما معي شيء، وقد أسأت بي إذ نوهت باسمي ومالك مترك، ثم ساوم به العنزيين واشتراه منهم فخلاه وأقام مكانه في قيده حتى أتى بفدائه فأداه إليهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855851,"book_id":1864,"shamela_page_id":127,"part":null,"page_num":127,"sequence_num":127,"body":"وحدثت ماوية امرأة حاتم أن الناس أصابتهم سنة فأذهبت الخف والظلف فبتنا ذات ليلة بأشد الجوع فأخذ حاتم عديا وأخذت سفانة فعللناهما حتى ناما، ثم أخذ يعللني بالحديث لأنام، فرققت لما بعد من الجهد فأمسكت عن كلامه لينام ويظن أني نائمة، فقال لي أنمت مراراً فلم أحبه، فسكت ونظر من وراء الخباء فإذا شيء قد أقبل فرفع رأسه، فإذا امرأة تقول: يا أبا سفانة قد أتيتك من عند صبية جياع. فقال أحضريني صبيانك فوالله فأشبعنهم. قالت: فقمت سريعاً فقلت بماذا يا حاتم فوالله ما نام صبيانك من الجوع إلا بالتعليل، فقام إلى فرسه فذبحه ثم أجج ناراً وقال اشتوى وكلي وأطعمي ولدك. وقال لي أيقظي صبيتك فأيقظتهم، ثم قال والله إن هذا للؤم أن تأكلوا وأهل الصرم حالهم كحالكم فجعل يأتي الصرم بيتاً بيتاً ويقول: عليكم النار فاجتمعوا وأكلوا وتقنع بكسائه وقعد ناحية حتى لم يوجد من الفرس على الأرض قليل ولا كثير ولم يذق منه شيئا.\r- ٢ - ولحاتم الطائي شعر كثير وهو من البلاغة بمكان، والمذكور في ديوانه بعض منه ومن شعره يخاطب امرأته ماوية بنت عبد الله:\rأيا ابنة عبد الله وابنة مالك ... ويا ابنة ذي البردين والفرس الورد\rإذا ما صنعت الزاد فالتمس له ... أكيلا فإني لست آكله وحدي\rأخا طارقا أو جار بيت فإنني ... أخاف مذ مات الأحاديث من بعدي\rوإني لعبد الضيف مادام ثاويا ... وما في إلا تلك من شيمة العبد\rعني بذي البردين عامر بن أحيمر بن بهدلة. وكان من حديث البردين حين لقب به أن الوفود اجتمعت عند المنذر بن ماء السماء وهو المنذر بن امرئ القيس، وماء السماء قيل أمه، نسب إليها لشرفها، وقيل لقبت بماء السماء لصفاء نسبها ويقال لنقاء لونها، ويراد أنها كماء السماء لم يحتمل كدورة. وأخرج المنذر بردين يوما يبلو الوفود، وقال ليقم أعز العرب قبيلة فليأخذهما، فقام عامر بن أحيمر فأخذهما وائتزر بأحدهما وارتدى بالآخر. فقال له المنذر: أأنت أعز العرب قبيلة؟ قال العز والعدد في معد، ثم في نزار ثم في مضر، ثم في خندف ثم في تميم، ثم في سعد ثم في كعب، ثم في عوف، ثم في بهدلة، فمن أنكر هذا فلينافرني. فسكت الناس، فقال المنذر هذه عشيرتك كما تزعم فكيف أنت في أهل بيتك وفي نفسك؟ فقال أنا أبو عشرة وأخو عشرة وخال عشرة، وعم عشرة، وأما أنا في نفسي فشاهد العز شاهدي ثم وضع قدمه على الأرض فقال: من أزالها عن مكانها فله مائة من الإبل؟ فلم يقم إليه أحد من الحاضرين، ففاز بالبردين.\rومن شعر حاتم أيضاً قوله:\rوعاذلة قامت علي تلومني ... كأني إذا أعطيت مالي أضيمها\rأعاذل أن الجود ليس بمهلكي ... ولا مخلد النفس الشحيحة لومها\rوتذكر أخلاق الفتى وعظامه ... مغيبة في اللحد بال رميمها\rومن يبتدع ما ليس من خيم نفسه ... يدعه ويغلبه على النفس خيمها\rومن ذلك قوله أيضاً:\rأكف يدي عن أن ينال التماسها ... أكف أصحابي حين حاجتنا معا\rأبيت هضيم الكشح مضطمر الحشا ... من الجوع أخشى الذم أن أتضلعا\rوإني لأستحيي رفيقي أن يرى ... مكان يدي من جانب الزاد أقرعا\rوانك مهما تعط بطنك سؤله ... وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا\rوقال أيضاً:\rأما والذي لا يعلم السر غيره ... ويحيي العظام البيض وهيم رميم\rلقد كنت أختار القرى طاوي الحشا ... محافظة من أن يقال لئيم\rوإني لأستحيي يميني وبينها ... وبين فمي داجي الظلام بهيم\rوقال أيضاً:\rولما رأيت الناس هرت كلابهم ... ضربت بسيفي ساق أفعى فخرت\rوقلت لأصباء صغار ونسوة ... بشهباء من ليل الثمانين قرت\rعليكم من الشطين كل ورية ... إذا النار مست جانبيها أرمعلت\rوقال أيضاً:\rلا تشتري قدري إذا ما طبختها ... على إذا ما تطبخين حرام\rولكن بهذاك اليفاع فأوقدي ... بجزل إذا أوقدت لا بضرام\rوقال أيضاً:\rوقائلة أهلكت بالجود مالنا ... ونفسك حتى ضربت نفسك جودها\rفقلت دعيني إنما تلك عادتي ... لكل كريم عادة يستعيدها","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855852,"book_id":1864,"shamela_page_id":128,"part":null,"page_num":128,"sequence_num":128,"body":"وهو القاتل لغلامه يسار، وكان إذا اشتد البرد وكلب الشتاء أمر غلامه فأوقد ناراً في بقاع من الأرض، لينظر إليها من أضل الطريق ليلا فيصمد نحوه:\rأوقد فإن الليل ليل قر ... والريح يا واقد ريح صر\rعل يرى نارك من يمر ... إن جلبت ضيفا فأنت حر\rوقال أيضاً:\rأماوي قد طال التجنب والهجر ... وقد عذرتنا في طلابكم العذر\rأماوي إن المال غاد ورائح ... ويبقى من المال الأحاديث والذكر\rأماوي إما مانع فمبين ... وإما عطاء لا ينهنهه الزجر\rأماوي إني لا أقول لسائل ... إذا جاء يوماً حل في مالي النذر\rأماوي لا يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر\rأماوي إن يصبح صداي بقفرة ... من الأرض لا ماء لدي ولا خمر\rترى إن ما أنفقت لم يك ضرتي ... وأن يدي مما بخلت به صفر\rإذا أنا دلاني الذين بلونني ... بمظلمة لج جوانبها غبر\rوراحوا سراعا ينفضون أكفهم ... يقولون قد أدمى أظافرنا الحفر\rأماوي إن المال مال بذلته ... فأوله شكر وآخره ذكر\rوقد يعلم الأقوام لو أن حاتما ... أراد ثراء المال كان له وفر\rولا أظلم ابن العم إن كان إخوتي ... شهودا وقد أودى باخوته الدهر\rغنينا زمانا بالتقصد والغنى ... وكل سقانا وهو كاسينا الدهر\rفما زادنا مأوى على ذي قرابة ... غنانا ولا أزرى بأحلامنا الفقر\rوله قصيدة طويلة تتعلق بالكرم ومكارم الأخلاق، وهي مسطورة في الخماسة البصرية وغيرها.. وهي هذه:\rوعاذلتين هبتا بعد هجعة ... تلومان متلافا مفيدا ملوما\rتلومان لما غور النجم ضلة ... فتى لا يرى الإنفاق في الحمد مغرما\rفقلت وقد طال العتاب عليهما ... وأوعدني تماني أن تبينا وتصرما\rألا لا تلوماني على ما تقدما ... كفى بصروف الدهر للمرء محكما\rفإنكما لا ما مضى تدركانه ... ولست على ما فاتني متندما\rفنفسك أكرمها فإنك إن تهن ... عليك فلن تلقى مدى الدهر مكرما\rأهن للذي تهوى البلاد فإنه ... إذا مت كان المال نهبا مقسما\rولا تشقين فيه فيسد وارث ... به حين تغشى أغبر الجوف مظلما\rيقسمه غنما ويشرى كرامة ... وقد صرت في خط من الأرض أعظما\rقليلا به ما يحمدنك وارث ... إذا نال مما كنت تجمع مغنما\rتحلم عن الأدنين واستبق ودهم ... ولن تستطيع الحلم حتى تحلما\rوعوراء قد أعرضت عنها فلم تضر ... وذمي أود قومته فتقوما\rوأغفر عوراء الكريم ادخاره ... وأعرض عن شتم اللئيم تكرما\rولا أخذل المولى وإن كان خاذلا ... ولا أشتم ابن العم إن كان مفحما\rولا زادني عنه منأى تباعدا ... وإن كان ذا نقص من المال مصرما\rوليل بهيم قد تسربلت هوله ... إذا الليل بالنكس الدنيء تجهما\rولن يكسب الصعلوك حمداً ولا غنى ... إذا هو لم يركب من الأمر معظما\rلحا الله صعلوكا مناه وهمه ... من العيش أن يلقى لبوساً ومغنما\rينام الضحى حتى إذا نومه استوى ... تنبه مثلوج الفؤاد مورما\rمقيم مع المثرين ليس ببارح ... إذا نال وجدي من الطعام ومجثما\rولله صعلوك يساور همه ... وتمضي على الأحداث والدهر مقدما\rفتى طلبات لا يرى الخمص ترحة ... ولا شبعة إن نالها عد مغنما\rإذا ما رأى يوماً مكارم أعرضت ... تيمم كبراهن ثمت صمما\rويغشى إذا ما كان يوم كريهة ... صدور العوالي فهو مختضب دما\rيرى رمحه ونبله ومجنه ... وذا شطب عضب الضريبة مخذما\rوأحناء سرج قاتر ولجامه ... عتاد فتى هيجا وطرفا مسموما\rفذلك إن يهلك فحسنى ثناؤه ... وإن عاش لم يقعد ضعيفاً مذمما\rوعلى الجملة فشعر حاتم صوره لنفسه وأخلاقه وجوده، ولذلك قال ابن الأعرابي: جوده يشبه شعره.\rوهو غزير البحر، فياض بالأمثال والحكم والمعاني المتصلة بالجود واللوم عليه وما يتصل به من جمال الذكر وحسن الأحدوثة.\rوقد ترى بعض التفاوت في شعره، وذلك إنما يرجع إلى كثرة المدسوس عليه، وجمع شعره في ديوان طبع بلندن وبيروت. وتوفي حاتم نحو سنة ٤٥ ق. هـ.\r- ٣ -","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855853,"book_id":1864,"shamela_page_id":129,"part":null,"page_num":129,"sequence_num":129,"body":"ويقول فيه الشريشي في شرح المقامات: أبو عدي فارس شاعر جاهلي أحد الأجواد الذين يضرب بهم المثل بل هو أشهر منهم، وهم كعب بن أمامة وهرم بن سنان وحاتم، وكان إذا قاتل غلب وإذا غنم أنهب وإذا سئل وهب وإذا قامر سبق وإذا أسر أطلق وإذا أثر أنفق ويقال إنه لا يعرف ميت قرى أضيافه إلا هو وذلك أن ركباً من العرب نزلوا بموضع قبره وقد نفذ زادهم وفيهم رجل يكنى أبا خيبري فجعل يقول: أبا سفانة أما تقرى أضيافك أبا سفانة إن أضيافك جياع، ويعيدها، فلما نام ثار من نومه وهو يقول: وا راحلتاه عقرت والله ناقتي، فقال له أصحاب: وكيف؟ قال رأيت أبا سفانة قد انشق عنه قبره فاستوى قائماً ينشدني:\rأبا خيبري لأنت امرؤ ... ظلوم العشيرة لوامها\rوماذا تريد إلى رمة ... بداوية صخب هامها\rأتبغي أذاهم وأسعارها ... ودونك طي وأنعامها\rثم عمد إلى سيفي فانتضاه من غمده وعقر ناقتي وقال: دونكم فما أيقظني إلا رغاؤها، وإذا الناقة ترغو ما تنبعث، فقالوا قد والله قراك حاتم. فنحروها وأكلوا وتزودوا واقتسموا متاع أبي خيبري واستمروا لوجهتهم فلما صاروا في الظهيرة وضح لهم راكب يجنب بعيرا يؤم سمتهم حتى التقوا فقال لهم أفيكم أبو خيبري؟ قالوا نعم، فقال فإن عدي بن حاتم رأى أباه البارحة وهو يقول إن أبا خيبري وأصحابه استقروني فقريتهم ناقته فعوضه منها وزده بكرا يحمل عليه متاعه وهذه الناقة وهذا البكر فارتحل أبو خيبري الناقة وتخفف هو وأصحابه من أزوادهم على البكر ومضوا بأتم قرى.. وأدرك عدي ابنه النبي ﷺ، وروى عنه، وكان يحدث أصحابه بهذا الحديث بعد إسلامه.. وقال الشاعر في عدي:\rأبوك أبو سفانة الخير لم يزل ... لدن شاب حتى مات في الخير راغبا\rقرى قبره الأضياف إذ نزلوا به ... ولم يقر قبر قبله الدهر راكبا\rوكانت سفانة بنته من أجود نساء العرب وكان أبوها يعطيها الصرمة من إبله فتهبها وتعطيها للناس، فقال لها أبوها: يا بنية إن الغويين إذا اجتمعا في المال أتلفاه فإما أن أعطي وتمسكي وإما أن أمسك وتعطي فإنه لا يبقى على هذا شيء. فقالت والله لا أمسك أبدا. قال وأنا لا أمسك أبدا، قالت فلا نتجاور، فقاسمها ماله وتباينا.. وحكي أن أمه كانت من أسخى الناس وأقراهم للضيف وكانت لا تحبس شيئاً تملكه، وهي عتبة بنت عفيف بن عمرو بن عبد القيس، فلما رأى إخوتها إتلافها حجروا عليها ومنعوها مالها حتى إذا ظنوا أنها قد وجدت ألم ذلك أعطوها سرمة من إبلها، فجاءتها امرأة من هوازن تسألها، فقالت دونك الصرمة فخذيها فوالله لقد عضني من الجوع مالا أمنع بعده سائلا أبدا.. ثم أنشأت تقول:\rلعمري لقد ما عضني الجوع عضة ... فآليت أن لا أمنع الدهر جائعا\rفقولا لهذا اللائم اليوم أعفني ... فإن أنت لم تفعل فعض الأصابعا\rفماذا عسيتم أن تقولوا لأختكم ... سوى عذلكم أو عذل من كان معانا\rوهل ما ترون اليوم إلا طبيعة ... وكيف بتركي ياابن أم الطبائعا؟\rفقد اكتنفه الجود من أمه وأبيه.. وقالت امرأته النوار: أصابتنا سنة اقشعرت لها الأرض واغبر أفق السماء وضنت المراضع عن أولادها فما تبض بقطرة فأيقنا بالهلاك، فوالله إني لفي ليلة صبيرة بعيدة الطرفين إذ تضاعى صبيتنا جوعا، عبد الله وعدي وسفانة، فقام إلى الصبيين وقمت إلى الصبية فوالله ما سكتوا إلا بعد هدأة من الليل وأقبل يعللني بالحديث فعرفت ما يريد فتناومت، فلما تغورت النجوم إذا شيء قد رفع كسر البيت فقال من هذا فقالت جاريتك فلانة أتيتك من عند صبية يتعاوون من الجوع عواء الذئب فما وجدت معلولا إلا عليك أبا عدي، فقال أعجليهم فقد أشبعك الله وإياهم فأقبلت تحمل اثنين ويمشي إلى جانبها أربعة كأنها نعامة حولها رثالها، فقام إلى فرسه فوجا لبتها بمدية فخرت ثم كشط الجلد ودفع المدية إلى المرأة وقال: شأنك. فاجتمعنا على اللحم نشوي ونأكل، ثم جعل يأتيهم بيتاً بيتاً ويقول هبوا أيها القوم عليكم بالنار فاجتمعوا، والتف في ثوبه ناحية ينظر إلينا والله إن ذاق منها مزعة، وإنه لأحوج إليها منا فأصبحنا وما على الأرض منها إلا عظم وحافر فأنشأ يقول:\rمهلا نوار أقلي اللوم والعذلا ... ولا تقول لشيء فات ما فعلا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855854,"book_id":1864,"shamela_page_id":130,"part":null,"page_num":130,"sequence_num":130,"body":"ولا تقولي لشيء كنت مهلكه ... مهلا وإن كنت معطي العنس والجملا\rيرى البخيل سبيل الماء واحدة ... إن الجواد يرى في ماله سبلا\rولم يكن يمسك شيئاً ما عدا فرسه وسلاحه فإنه كان لا يجود بهما.. وذكر الحريري أن عقيلا تمثل بقول حاتم: شنشنة أعرفها من أخزم.\r- ٤ - ويروى أن الحكم بن أبي العاص خرج ومعه عطر يريد الحيرة، وكان بالحيرة سوق يجتمع إليها الناس كل سنة، فمر في طريقه بحاتم بن عبد الله الطائي، فسأله الجوار في أرض طيء حتى يصير إلى الحيرة، فأجاره، ثم أمر حاتم بجزور فنحرت وطبخت، ثم دعاهم إلى الطعام فأكلوا ولما فرغوا من الطعام طيبهم الحكم من طيبه.\rوكان النعمان بن المنذر قد جعل لبني لام ربع الطريق طعمة لهم، لأن بنت سعد بن حارثة بن لأم كانت عنده ومر سعد بن حارثة بحاتم ومعه قومه من بني لام، فوضع حاتم سفرته وقال: اطعموا حياكم الله! فقالوا: من هؤلاء الذين معك يا حاتم؟ قال هؤلاء جيراني. قال له سعد: فأنت تجير علينا في بلادنا! قال له: أنا ابن عمكم وأحق من لم تخفروا ذمته. فقالوا: لست هناك! وأرادوا أن يفضحوه، ووثبوا إليه وتناول سعد حاتماً، فأهوى له حاتم بالسيف، وأطار أرنبة أنفه، ووقع الشر حتى تحاجزوا ثم قالت بنو لام لحاتم: بيننا وبينك سوق الحيرة فنماجدك، ثم وضعوا تسعة أفراس رهناً ووضع حاتم فرسه رهناً عند رجل من كلب وخرجوا حتى انتهوا إلى الحيرة. وسمع بذلك إياس بن قبيصة الطائي فخاف أن يعينهم النعمان بن المنذر ويقويهم بماله وسلطانه للصهر الذي بينهم وبينه فجمع رهطه من بني حية، وقال: يا بني حية إن هؤلاء القوم قد أرادوا أن يفضحوا ابن عمكم في مماجدته، فقال رجل منهم: عندي ناقة سوداء ومائة ناقة حمراء أدماء، وقام آخر فقال: عندي عشرة حصن على كل حصان منها فارس مدجج لا يرى منه إلا عيناه، وقال حسان بن جبلة الخير: قد علمتم أن أبي قد مات وترك خيراً كثيراً، فعلى كل خمر ولحم أو طعام ما أقاموا في سوق الحيرة، ثم قام إياس فقال: على مثل جميع ما أعطيتم كلكم - وحاتم لا يعلم بشيء مما فعلوا.\rوذهب حاتم إلى ابن عمه وهم بن عمرو، وكان مصارماً له لا يكلمه فقالت له امرأته: أي وهم، هذا والله أبو سفانة حاتم قد طلع. فقال: ما لنا ولحاتم! أثبتي النظر. فقالت: ها هو. قال: ويحك! هو لا يكلمني، فما جاء به إلي؟ ثم نزل حتى سلم عليه فرد سلامه وحياه ثم قال له: ما جاء بك يا حاتم؟ قال: خاطرت على حسبك وحسبي. قال في الرحب والسعة، هذا مالي وعدته تسعمائة بعير فخذها مائة مائة حتى تذهب الإبل أو تصيب ما تريد.\rثم إن إياس بن قبيصة قال لقومه: احملوني إلى الملك، وكان به نقرس، فحمل حتى أدخل عليه فقال: أنعم صباحاً أبيت اللعن! فقال النعمان: وحياك إليهك. فقال إياس: أنمد أختانك بالمال والخيل وجعلت بني ثعل في قعر الكنانة! أظن أختانك أن يصنعوا بحاتم كما صنعوا بعامر بن جوين لم يشعروا أن بني حية بالبلد؟ فإن شئت والله ناجزناك حتى يسفح الوادي دماً فليحضروا مجادهم غداً بمجمع العرب.\rفعرف النعمان الغضب في وجهه وكلامه فقال له: يا أحلمنا لا تغضب فإني سأكفيك. وأرسل النعمان إلى سعد بن حارثة وإلى أصحابه فقال: انظروا ابن عمكم حاتماً فأرضوه، فوالله ما أنا بالذي أعطيكم مالي تبذرونه وما أطيق بني حية.\rفخرج بنو لام إلى حاتم وقالوا له: أعرض عن هذا المجاد ندع أرش أنف ابن عمنا. قال: لا والله لا أفعل حتى تتركوا أفراسكم ويغلب مجادكم، فتركوا أرش أنف صاحبهم وأفراسهم وقالوا: قبحها الله وأبعدها! فعمد إليها حاتم فعقرها وأطعمها الناس.\r- ٥ - ولما وجه رسول الله ﷺ إلى طيء فريقاً من جنده، يقدمهم على ﵇، فزع عدي بن حاتم الطائي - وكان من أشد الناس عداء لرسول الله - إلى الشام فصبح على القوم، واستاق خيلهم ونعمهم ورجالهم ونساءهم إلى رسول الله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855855,"book_id":1864,"shamela_page_id":131,"part":null,"page_num":131,"sequence_num":131,"body":"فلما عرض عليه الأسرى نهضت من بين القوم سفانة بنت حاتم، فقالت: يا محمد، هلك الوالد، وغاب المرافد. فإن رأيت أن تخلي عني، ولا تشمت بي أحياء العرب! فإن أبي كان سيد قومه، يفك العاني، ويقتل الجاني، ويحفظ الجار، ويحمي الذمار، ويفرج عن المكروب، ويطعم الطعام ويفشي السلام، ويحمل الكل، ويعين على نوائب الدهر، وما أتاه أحد في حاجة فرده خائباً، أنا بنت حاتم الطائي!.\rفقال النبي ﷺ: يا جارية، هذه صفات المؤمنين حقاً، لو كان أبوك مسلماً لترحمنا عليه. خلوا عنها، فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق. ثم قال: \"ارحموا عزيزاً ذل، وغنياً افتقر، وعالماً ضاع بين جهال\". وامتن عليها بقومها فأطلقهم تكريماً لها.\rفاستأذنته في الدعاء له، فأذن لها. وقال لأصحابه: اسمعوا وعوا. فقالت: أصاب الله ببرك مواقعه، ولا جعل لك إلا لئيم حاجة، ولا سلب نعمة عن كريم قوم إلا جعلك سبباً في ردها عليه.\rفلما أطلقها رجعت إلى أخيها عدي وهو بدومة الجندل، فقالت له: يا أخي إيت هذا الرجل قبل أن تعلقك حبائله. فإني قد رأيت هديا ورأيا سيغلب أهل الغلبة. ورأيت خصالا تعجبني، رأيته يحب الفقير، ويفك الأسير، ويرحم الصغير، ويعرف قدر الكبير، وما رأيت أجود ولا أكرم منه، فإن يكن نبياً فللسابق فضله، وإن يكن ملكاً فلن تزال في عز ملكه، فقدم عدي إلى رسول الله فأسلم، وأسلمت سفانة!.\r- ٦ - ويروى أن عبد قيس بن خفاف البرجمي أتى حاتم طيء في دماء حملها عن قومه، فأسلموه فيها، وعجز عنها، فقال: والله لآتين من يحملها عني. وكان شريفاً شاعراً شجاعاً.\rفلما قدم عليه قال: إنه وقعت بيني وبين قومي دماء فتواكلوها، وإني حملتها في مالي وأهلي، فقدمت مالي وأخرت أهلي، وكنت أملي، فإن تحملتها فرب حق قد قضيته، وهم قد كفيته، وإن حال دون ذلك حائم لم أذمم يومك، ولم أيأس من غدك، ثم أنشأ يقول:\rحملت دماء للبراجم جمة ... فجئتك لما أسلمني البراجم\rوقالوا سفاهاً: لم حملت دماءنا ... فعلت لهم: يكفي الحمالة حاتم\rمتى آته فيها يقل لي مرحباً ... وأهلا وسهلا أخطأتك الأشائم\rفيحملها عني، وإن شئت زادني ... زيادة من جلت عليه المكارم\rيعيش الندى ما عاش حاتم طيء ... فإن مات قامت للسخاء مآتم\rينادين: مات الجود معك فلا ترى ... مجيبا له ما حام في الجو حائم\rوقال رجال: أنهب العام ماله ... فقلت لهم: إني بذلك عالم\rولكنه يعطى من أموال طيء ... إذا جلف المال الحقوق اللوازم\rفيعطى التي فيها الغنى وكأنه ... لتصغيره تلك المطية جارم\rبذلك أوصاه عدي وحشرج ... وسعد وعبد الله تلك القماقم\rفقال له حاتم: إني كنت لأحب ن مثلك من قومك، هذا مرباعي من مغارة على بني تميم خذه وافرا، فإن وفى بالحمالة، وإلا كملتها لك، وهو مائنا بعير سوى نيبها وفصالها، مع أني لا أحب أن تؤبس قومك بأموالهم.\rفضحك أبو جبيل، وقال: أي بعير دفعته إلي، وليس ذنبه في يد صاحبه فأنت منه بريء، فدفعها إليه وزاده مائة بعير فأخذها وانصرف راجعاً إلى قومه، فقال حاتم في ذلك:\rأتاني البرجمي أبو جبيل ... لهم في حمالته طويل\rفقلت له: خذ المرباع منها ... فإني لست أرضى بالقليل\rعلى حال ولا عودت نفسي ... على علاتها علل البخيل\rفخذها إنها مائنا بمير ... سوى الناب الرذية والفصيل\rفلا من عليك بها، فإني ... رأيت المن يزرى بالجميل\rفآب البرجمي وما عليه ... من أعباء الحمالة من فنيل\rيجر الذيل ينفض مذرويه ... خفيف الظهر من حمل ثقيل!\r- ٧ - وقالت ماوية امرأة حاتم: أصابتنا سنة اقشعرت لها الأرض، واغبر أفق السماء وراحت الإبل حدبا حدابير، وضنت المراضع على أولادها، فما تبض بقطرة، وحلقت ألسنة المال، وأبقنا بالهلاك. فوالله أنا لفي ليلة صنبر، بعيدة مابين الطرفين، إذ تضاغى صبيتنا جوعاً: عبد الله وعدي وسفانة، فقام حاتم إلى الصبيين، وقمت أنا إلى الصبية، وأقبل يعللني بالحديث، فعرفت ما يريد، فتناومت.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855856,"book_id":1864,"shamela_page_id":132,"part":null,"page_num":132,"sequence_num":132,"body":"فلما تهورت النجوم، إذا شيء قد رفع كسر البيت ثم عاد. فقال حاتم: من هذا؟ قالت: جارتك فلانة، أتيتك من عند صبية يتعاوون عواء الذئاب، فما وجدت معلولا إلا عليك يا أبا عدي. فقال: أعجليهم فقد أشبعك الله!.\rفأقبلت المرأة تحمل اثنين ويمشي بجانبها أربعة، كأنها نعامة حولها رثالها، فقام حاتم إلى فرسه فوجأ لبته بمدية فخر. ثم كشطه ودفع المدية إلى المرأة، فقال لها: شأنك! فاجتمعنا على اللحم نشوي ونأكل. ثم جعل يمشي الحي يأتيهم بيتاً بيتاً فيقول: هبوا أيها القوم، عليكم بالنار، فاجتمعوا والتفع وجلس في ناحية ينظر إلينا. فوالله إن ذاق منه مزعة وانه لأحوج إليه منا، فأصبحنا وما على ظهر الأرض من الفرس إلا عظم وحافر، فأنشأ حاتم يقول:\rمهلا نوار أقلي اللوم والعذلا ... ولا تقولي لشيء فات ما فعلا\rولا تقولي لمال كنت مهلكه ... مهلا وإن كنت أعطي السهل والجبلا\rيرى البخيل المال واحدة ... إن الجواد يرى في ماله سبلا\r- ٨ - ولما تزوج حاتم ماوية، وكانت من أحسن النساء، لبثت عنده زمناً ثم إن ابن عم له يقال له مالك قال لماوية: ما تصنعين بحاتم؟ فوالله لئن وجد شيئاً ليتلفنه، ولئن لم يجد ليتكلفن، ولئن مات ليتركن ولده عيالا على قومه، طلقي حاتماً وأنا أتزوج بك، فأنا خير لك منه وأكثر مالاً، وأنا أمسك عليك وعلى ولدك. فقالت ماوية: صدقت إنه لكذلك فلم يزل بها حتى طلقت حاتماً.\rوكانت النساء أو بعضهن يطلقن الرجال في الجاهلية. وكان طلاقهن أنهن يحولن أبواب بيوتهن إن كان الباب إلى المشرق جعلنه إلى المغرب، وإن كان الباب قبل اليمن جعلنه قبل الشام، فإذا رأى ذلك الرجل علم أنها قد طلقته فلم يأتها.\rفأتى حاتم فوجدها قد حولت باب الخباء فقال لابنه: يا عدي ما ترى أمك؟ ما عدا عليها! قال: لا أدري غير أنها غيرت باب الخباء، وكأنه لم يلحن لما قال. فدعاه فهبط به بطن واد.\rوجاء قوم فنزلوا على باب الخباء، كما كانوا ينزلون فتوافى خمسون رجلاً فضاقت بهم ماوية ذرعاً، فقالت لجاريتها: اذهبي إلى مالك فقولي له إن أضيافاً لحاتم قد نزلوا بنا وهم خمسون رجلاً فأرسل إلينا بنات نقرهم ولبن نعبقهم.\rوقالت لجاريتها: انظري إلى جبينه وفمه فإن شافهك بالمعروف فاقبلي منه وإن ضرب بلحييه على زوره فارجعي ودعيه.\rفلما أتت مالكاً وجدته متوسداً وطبا من لبن، فأيقظته وأبلغته الرسالة وقالت، إنما هي الليلة حتى يعلم الناس مكانه، فأدخل يده في رأسه وضرب بلحييه على زوره، فقال لها: أقرئي ﵍، وقولي لها هذا الذي أمرتك أن تطلقي حاتماً من أجله. فما عندي من كبيرة، قد تركت العمل، وما كنت لأنحر صفية غزيرة بشحم كلاها، وما عندي لبن يكفي أضياف حاتم.\rفرجعت الجارية فأخبرتها بما رأت منه، وأعلمتها بمقالته، فقالت لها: ويلك ائتي حاتماً فقولي له: إن أضيافك قد نزلوا الليلة بنا، ولم يعلموا بمكانك، فأرسل إلينا بنات ننحرها ونقرهم، وبلبن نسقهم، فإنما هي الليلة حتى يعرفوا مكانك.\rفأتت الجارية حاتماً فصرخت به، فقال حاتم لبيك، قريباً دعوت، فقالت: إن ماوية تقرأ عليك السلام، وتقول لك: إن أضيافك قد نزلوا بنا الليلة، فأرسل إليهم بناب ننحرها لهم ولبن نسقهم. فقال: نعم وأبي! ثم قام إلى الإبل فأطلق اثنتين من عقاليهما، ثم صاح بهما حتى أتى الخباء، فضرب عراقيبهما، فطفقت ماوية تصيح وتقول: هذا الذي طلقتك فيه، تترك ولدك وليس لهم شيء.\r- ٩ - وكانت امرأة من العرب من بنات ملوك اليمن ذات جمال وكمال، وحسب ومال، فآلت ألا تزوج نفسها إلا من كريم، ولئن خطبها لئيم لتجد عن أنفه، فتحاماها الناس حتى انتدب إليها زيد الخيل، وحاتم بن عبد الله، وأوس بن حارثة الطائيون، فاتحلوا إليها.\rفلما دخلوا عليها قالت مرحبا بكم، ما كنتم زوارا، فما الذي جاء بكم؟ قالوا: جئنا زوارا خطابا، قالت أكفاء كرام، ثم أنزلتهم وفرقت بينهم وأسبغت لهم القرى، وزادت فيه.\rفلما كان اليوم الثاني بعثت بعض جواريها متنكرة في زي سائلة تتعرض لهم، فرفع إليها زيد وأوس شطر ما حمل إلى كل واحد منهما، فلما صارت إلى رحل حاتم دفع إليها جميع ما كان من نفقته، وحمل إليها جميع ما حمل إليه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855857,"book_id":1864,"shamela_page_id":133,"part":null,"page_num":133,"sequence_num":133,"body":"فلما كان اليوم الثالث دخلوا عليها، فقالت ليصف كل واحد منكم نفسه في شعره، فابتدر زيد وأنشأ يقول:\rهلا سألت بني ذبيان ما حسبي ... عند الطعان إذا ما احمرت الحدق\rوجاءت الخيل محمرا بوادرها ... بالماء يسفح من لباتها العلق\rوالجار يعلم أني لست خاذلة ... إن ناب دهر لعظم الجار معترق\rهذا الثناء، فإن ترضى فراضية ... أو تسخطي فإلى من تعطف العنق؟\rوقال أوس بن حارثة: إنك لتعلمين أنا أكرم أحسابا، وأشهر أفعالا من أن نصف أنفسنا لك، أنا الذي يقول فيه الشاعر:\rإلى أوس بن حارثة بن لأم ... ليقضي حاجتي ولقد قضاها\rفما وطئ الحصا مثل ابن سعدى ... ولا لبس النعال ولا احتذاها\rوأنا الذي عقت عقيقته، وأعتقت عن كل شعرة فيها عنه نسمة، ثم أنشأ يقول:\rفإن تنكحي ماوية الخير حاتما ... فما مثله فينا ولا في الأعاجم\rفتى لا يزال الدهر أكبر همه ... فكاك أسير أو معونة غارم\rوإن تنكحي زيدا ففارس قومه ... إذا الحرب يوماً أقعدت كل قائم\rوإن تنكحيني تنكحي غير فاجر ... ولا جارف جرف العشيرة هادم\rولا متق يوماً إذا الحرب شمرت ... بأنفسها نفسي كفعل الأشائم\rوإن طارق الأضياف لاذ برحله ... وجدت ابن سعدى للقرى غير عائم\rفأي فتى أهدى لك الله فاقبلي ... فإنا كرام من رؤوس أكارم\rوأنشأ حاتم يقول:\rأماوي قد طال التجنب والهجر ... وقد عذرتني في طلابكم عذر\rأماوي إن المال غاد ورائح ... ويبقى من المال الأحاديث والذكر\rأماوي إني لا أقول لسائل ... إذا جاء يوماً: حل في مالنا النزر\rأماوي إما مانع فمبين ... وإما عطاء لا ينهنهه الزجر\rأماوي ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر\rأماوي إن يصبح صداي بقفرة ... من الأرض لا ماء لدي ولا خمر\rترى إن ما أنفقت لم يك ضائري ... وأن يدي مما بخلت به صفر\rأماوي إني رب واحد أمه ... أخذت فلا قتل عليه ولا أسر\rوقد علم الأقوام لو أن حاتماً ... أراد ثراء المال كان له وفر\rأماوي إن المال مال بذلته ... فأوله شكر وآخره ذكر\rوإني لا آلو بمالي صنيعة ... فأوله زاد وآخره ذخر\rيفك به العاني ويؤكل طيبا ... وما إن يعريه القداح ولا القمر\rولا أظلم ابن العم إن كان إخوتي ... شهوداً وقد أودى بإخوته الدهر\rغنينا زمانا بالتصعلك والغنى ... وكلا سقاناه بكأسيهما الدهر\rفما زادنا بأواً على ذي قرابة ... غنانا، ولا أزرى بأحسابنا الفقر\rوما ضر جاراً يا ابنة القوم فاعلمي ... يجاورني ألا يكون له ستر\rبعيني عن جارات قومي غفلة ... وفي السمع مني عن أحاديثها وقر\rفقالت أما أنت يا زيد فقد وترت العرب، وبقاؤك مع الحرة قليل، وأما أنت يا أوس فرجل ذو ضرائر، والدخول عليهن شديد، وأما أنت يا حاتم فمرضي الأخلاق، محمود الشيم، كريم النفس، وقد زوّجتك نفسي.\r\rأعشى قيس ٥٣٥ - ٦٢٩م\rحياته\r١ - صناجة العرب أعشى قيس المعروف بالأعشى الأكبر، وهو أبو بصير ميمون بن جندل بن شراحبيل بن عوف بن سعد من قيس بن ثعلبة من بكر بن وائل من ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان.\rوقيس بن ثعلبة من أشهر القبائل شاعرية وأكثرهم شعراء، والأعشى هو أحد الأعلام من شعراء الجاهلية وفحولهم، وكانت العرب تتغنى بشعره وتسميه صناجة العرب.\rولقب بالأعشى لضعف في بصره.\r٢ - والده قيس بن جندل يسمى قتيل الجوع، قال جهنام البكري:\rأبوك قتيل الجوع قيس بن جندل ... وخالك عبد من خماعة راضع\rروي أنه دخل غاراً يستظل به من لفح الحر فوقعت صخرة فسدت الغار فمات جوعاً.\rوأمه أخت المسيب بن علس الشاعر ٥٨٠م من بني خماعة من بني ضبيعة وتزوج امرأة من بني عنزة من هزان ثم طلقها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855858,"book_id":1864,"shamela_page_id":134,"part":null,"page_num":134,"sequence_num":134,"body":"٣ - ولد الأعشى بقرية من قرى اليمامة يقال لها منفوحة ونشأ راوية لخاله المسيب وتتلمذ عليه في الشعر وبدأ حياته شاباً فقيراً ماجناً يلعب القمار ويشرب الخمر، ثم سكن الحيرة وتردد على النصارى فيها يأتيهم ويشرب الخمر معهم، ثم جاب الجزيرة العربية من أقصاها إلى أقصاها يمدح ملوكها وأمراءها:\rقد جبت مابين بانقيا إلى عدن ... وطال في العجم تردادي وتسياري\rويقول:\rوطوفت للمال آفاقه ... عمان فحمص فأورشليم\rأتيت النجاشي في داره ... وأرض النبيط وأرض العجم\rوكان تطوافه سبباً في كثرة معارفه وسعة ثقافته.\rاتصل بنصارى نجران وبأهل الحيرة وبشريح بن السموءل اليهودي صاحب تيماء بحصنه \"الأبلق\" وعده بعض الباحثين من النصارى، والظاهر أنه لم يؤمن بدين وأن مسحة العقيدة النصرانية التي قد تبدو على شعره إنما كان منشؤها كثرة تردده على الحيرة ومعاشرته لأهلها.\rوكان يوافي سوق عكاظ وينشد فيه شعره فيحفظ عنه ويغني به ولذلك كانت العرب تضيفه وتهاديه ليمدحها ويطير ذكرها.\rقيل إن عبد العزى المحلق الكلابي كان أبوه من أشراف العرب فمات، وقد أتلف ماله وبقي المحلق وثلاث أخوات له لم يترك لهم إلا ناقة واحدة وحلتي برود جيدة فأقبل الأعشى في بعض أسفاره يريد منزله باليمامة، فنزل الماء الذي به المحلق فقراه أهل الماء فأحسنوا قراه فأقبلت عمة المحلق فقالت يا ابن أخي هذا الأعشى نزل بمائنا وقد قراه أهل الماء والعرب تزعم أنه لم يمدح قوماً إلا رفعهم ولم يهج قوماً إلا وضعهم، فاحتل في زق خمر من عند بعض التجار فأرسل إليه بهذه الناقة والزق وبردى أبيك، فوالله لئن اعتلج الكبد والسنام والخمر في جوفه ونظر إلى عطفيه في البرد ليقولن فيك شعراً يرفعك به. قال: ما أملك غير هذه الناقة وأنا أتوقع رسلها، فأخذت عمته تحضه، ثم دخل عليها وقال قد ارتحل الرجل. قالت الآن والله أحسن ما كان القرى تتبعه ذلك مع غلام أبيك فحيثما أدركه أخبره عنك أنك كنت غائباً عند نزوله الماء وأنك لما وردت فعلمت أنه كان به كرهت أن يفوتك قراه، فإن هذا أحسن لموقعه عنده. فمازالت به حتى فعل ذلك فخرج مولاه يتبع الأعشى، فكلما مر بماء قيل له: قد ارتحل أمس عنه، حتى صار إلى منزله بمنفوحة، فوجد عنده جماعة من الفتيان قد غداهم بغير لحم وسقاهم، فقرع الباب فقال لهم: انظروا من هذا. فدخلوا عليه وقالوا: رسول المحلق الكلابي أتاك بكيت وكيت، ومازالوا به حتى أذن له، فدخل وأدى الرسالة فقال له: أقرئه السلام وقل: وصلتك رحم سيأتيك ثناؤها. وقام الفتيان فنحروا الجزور وأخذوا يشوون ويأكلون ويشربون من الخمر، فلما شبع الأعشى قال:\rأرقت وما هذا السهاد المؤرق ... وما بي من سقم وما بي تعشق\rفسارت القصيدة وشاعت في العرب، فما أتى على المحلق سنة حتى زوج إخوته الثلاث كل واحدة على مائة ناقة، فأيسر وشرف.\rويروى أن امرأة كسدت عليها بناتها فأتت الأعشى وسألته أن يشبب بواحدة فواحدة منهن وبعثت له هدايا فما زال يشيب بواحدة منهن واحدة حتى زوجن جميعا.\r٤ - وفد الأعشى على كسرى، وقصد النعمان بن المنذر وأنشده:\rإليك ... أبيت اللعن\rكان كلالها\rتروح مع الليل الطويل وتغتدي\rثم أنشده قصيدته:\rأأزمعت من آل ليلى ابتكارا ... وشطت على ذي هوان تزارا\rويقال: إن الأعشى أول من سأل بشعره وانتجع به أقاصي البلاد ورحل به إلى الملوك والأمراء وكان يغنى بشعره، فكانت العرب تسميه صناجة العرب، وكان بين علقمة بن علاثة وعامر بن الطفيل مفاخرة، وكان الأعشى يمدح عامر بن الطفيل ويهجو علقمة، ومما قال فيه:\rعلقم ما أنت إلى عامر ... الناقض الأوتار والواتر\rفلما بلغ ذلك علقمة نذر دمه وجعل له على كل طريق رصدا، فخرج الأعشى يوماً يريد وجهاً فأخطأ به الدليل فألقاه في ديار عامر، فأخذه رهط علقمة فأتوه به فقال:\rعلقم قد صيرتني الأمور ... إليك وما أنت لي منقص\rفهب لي نفسي فدتك النفوس ... ولازلت تنمو ولا تنقص","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855859,"book_id":1864,"shamela_page_id":135,"part":null,"page_num":135,"sequence_num":135,"body":"فهم علقمة بقتله، ثم دخل إلى أمه، فقال لها: قد أمكنني الله من هذا الأعمى الخبيث. قالت: فما تراك فاعلاً به؟ قال سأقتله شر قتله. فقالت: يا بني قد كنت أرجوك لقومك عامة وإني اليوم لأرجوك لنفسك خاصة وإنما الرأي أن تكسوه وتحمله وتسيره إلى بلاده، فإنه لا يمحو عنك ما قاله إلا هو. ففعل ما أمرته به وأحسن صلته، فقال الأعشى:\rعلقم يا خير بني عامر ... للضيف والصاحب والزائر\rوالضاحك السن على همه ... والغافر العثرة للعائر\rومدح شريح بن السموءل والأسود بن الهنذر أخا النعمان لأمه وكان من تيم الرباب وهي قبائل من الياس بن مضر وكان أخوه ولاه عليهم وقد كان عنده أسرى من بني سعد بن ضبيعة، فأتاه الأعشى ومدحه بقصيدته:\rما بكاء الكبير بالأطلال ... وسؤالي وما ترد سؤالي\rوسأله أن يطلقهم ففعل. وهذه القصيدة عند بعض العلماء معدودة من المعلقات وبعضهم يذكر أن معلقته هي قصيدته:\rودع هريرة إن الركب مرتحل ... وهل تطيق وداعاً أيها الرجل\rوبعضهم يجعل معلقته هي مدحته للرسول:\rألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا ... وبت كما بات السليم مسهدا\rوهي قصيدة رائعة.\rومدح قيس بن معد يكرب الكندي، وسواه.\rوقال الأعشى يمدح السموءل، ويستجير بابنه شريح بن السموءل من رجل كلبي كان الأعشى هجاه ثم أغار على قوم كان الأعشى نازلاً فيهم، فأسره وهو لا يعرفه، ثم سار حتى نزل بشريح بن السموءل فأحسن ضيافته، ومر بالأسرى فناداه الأعشى:\rسريح، لا تسلمني بعد ما علقت ... حبالك اليوم بعد القد أظفاري\rقد سرت ما بين بلقاء إلى عدن ... وطال في العجم تكراري وتسياري\rفكان أكرمهم عهداً وأوثقهم ... عقداً أبوك بعرف غير إنكار\rكالغيث مااستمطروه جاد وابله ... وفي الشدائد كالمستأسد الضاري\rكن كالسموءل إذ طاف الهمام به ... في جحفل كسواد الليل جرار\rإذ سامه خطتي خسف فقال له ... قل ما تشاء فإني سامع حار\rفقال: غدر وثكل أنت بينهما ... فاختر. وما فيهما حظ لمختار\rفشك غير طويل ثم قال له: ... اقتل أسيرك، إني مانع جاري\rهذا له خلف إن كنت قاتله ... وإن قتلت كريما غير خوار\rوسوف يعقبنيه إن ظفرت به ... رب كريم وقوم أهل اطهار\rفاختار أدراعه كي لا يسب به ... ولم يكن وعده فيها بخنار\rفجاء شريح الكلبي فقال: \"هذا الأسير المنصور\" فقال \"هو لك\" فأطلقه وقال له الأعشى \"إن تمام إحسانك إلى أن تعطيني ناقة ناجية وتخليني الساعة\" فأعطاه ناقة ناجية، فركبها ومضى من ساعته. وبلغ الكلبي أن الذي وهب لشريح هو الأعشى، فأرسل إلى شريح: \"ابعث إلي الأسير الذي وهبت لك حتى أحبوه وأعطيه\" فقال: \"قد مضى\" فأرسل الكلبي في أثره فلم يلحقه.\rولما وفد الأعشلا إلى النبي ﷺ، مدحه بقصيدته التي أولها:\rألم تغمض عيناك ليلة أرمدا ... وعاك ما عاد السليم المسهد\rوما ذاك من عشق النساء وإنما ... تناسيت قبل اليوم خلة مهددا\rوفيها يقول لناقته:\rفأليت لا أرثي لها من كلالة ... ولا من حفا حتى تزور محمدا\rنبي يرى مالا ترون وذكره ... أغار لعمري في البلاد وأنجدا\rمتى ما تناخى عند باب ابن هاشم ... تراحى وتلقى من فواضله يدا\rفبلغ خبره قريشاً قط، فرصدوه على طريقه وقالوا: هذا صناجة العرب ما مدح أحداً قط إلا رفع قدره.\rفلما ورد عليهم قالوا له: أين أردت يا أبا بصير؟ قال: أردت صاحبكم هذا لأسلم. قالوا: إنه ينهاك عن خلال ويحرمها عليك. قال: وما هي؟ فقال أبو سفيان بن حرب: الزنا. قال: لقد تركني الزنا وتركته، ثم ماذا؟ قالوا: القمار. قال لعلي إن لقيته أن أصيب منه عوضاً من القمار، ثم ماذا؟ قالوا: الربا. قال: ما دنت ولا أدنت، ثم ماذا؟ قالوا: الخمر. قال أوه! أرجع إلى صبابة قد بقيت في المهراس فأشربها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855860,"book_id":1864,"shamela_page_id":136,"part":null,"page_num":136,"sequence_num":136,"body":"قال له أبو سفيان: هل لك في خير مما هممت به؟ قال: وما هو؟ قال: نحن وهو الآن في هدنة، فتأخذ مائة من الإبل، وترجع إلى بلدك سنتك هذه، وتنظر ما يصير إليه أمرنا، فإن ظهرنا عليه كنت قد أخذت خلفا، وإن ظهر علينا أتيته. فقال: ما أكره ذلك. قال أبو سفيان: يا معشر قريش، هذا الأعشى! والله لئن أتى محمداً وأتبعه ليضر من عليكم نيران العرب بشعره. فاجمعوا له مائة من الإبل. ففعلوا، فأخذها وانطلق إلى بلده، فلما كان بقاع منفوحة رمى به بعيره فقتله.\r\rشعر الأعشى\r١ - للأعشى ديوان شعر كبير طبع مراراً، وقد قدمه كثير من النقاد محتجين بكثرة طواله الجياد وتصرفه في المديح والهجاء وسائر فنون الشعر، وقيل إنه أمدحهم للملوك وأوصفهم للخمر وأغزرهم شعراً وأحسنهم قريضا. وقال عبد الملك بن مروان لمؤدب أولاده: أدبهم برواية شعر الأعشى فإن لكلامه عذوبة، قاتله الله ما كان أعذب بحره وأصلب صخره فمن زعم أن أحداً من الشعراء أشعر من الأعشى فليس يعرف الشعر.\rومهما كان فهو أحد الأربعة الذين وقع الاتفاق على تقديمهم على من عداهم وهم: امرؤ القيس والنابغة وزهير والأعشى، فهو من الطبقة الأولى عند كثير من النقاد ويروى أشعر الناس امرؤ القيس إذا ركب والنابغة إذا رهب وزهير إذا رغب والأعشى إذا طرب.\r٢ - ويمتاز شعره بمعارفه الواسعة، وقد أدخل فيه ألفاظاً فارسية لإقامته في الحيرة، ووصف سيل العرم والقصر الأبلق.\rوأكثر الأعشى من وصف الخمر وما إليها من نديم وساقي وقينة وعود وأطال في ذلك حتى عد إمام الأخطل وأبي نواس.\r٣ - وعلى أي حال، فعلى شعره رونق الحسن وطلاوة الأسلوب والبراعة في وصف الخمر والإجادة مع الطول.\rولقوة طبعه وجلبة شعره سمي صناجة العرب حتى ليخيل إليك إذا أنشدت شعره أن آخر ينشده معك. ولجلالة شعر الأعشى وأثره بين العرب كان يرفع الوضيع الخامل وتضع الخامل الشريف.\rومن شعره قصيدته التي مدح بها الرسول ﷺ، ويعدها بعضهم من المعلقات، ومطلعها:\rألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا ... وبت كما بات السليم مسهدا\rوما ذاك من عشق النساء وإنما ... تناسيت قبل اليوم حلة مهددا\rولكن أرى الدهر الذي هو خائن ... إذا أصلحت كفاي عاد فأفسدا\rشباب وشيب وافتقار وثروة ... فلله هذا الدهر كيف ترددا\rفآليت لا أرثي لها من كلالة ... ولا من حفي حتى تلاقي محمدا\rمتى ما تناخى عند باب ابن هاشم ... تراحى وتلقى من فواضله ندى\rنبي يرى مالا يرون وذكره ... أغار لعمري في البلاد وأنجدا\rله صدقات ما تغب ونائل ... وليس عطاء اليوم يمنعه غدا\rومن شعر الأعشى قصيدته اللامية المعروفة التي يقول منها:\rصدت هريرة عنا ما تكلمنا ... جهلاً بأم خليد حبل من تصل؟\rأئن رأت رجلاً أعشى أضربه ... ريب المنون ودهر مفند خبل\rقالت هريرة لما جئت زائرها: ... ويلي عليك وويلي منك يا رجل\rإما ترينا حفاة، لا نعال لنا ... إنا كذلك ما نحفى وننتعل\rوقد أقود الصبا يوما، فيتبعني ... وقد يصاحبني ذو الشرة الغزل\rوقد غدوت إلى الحانوت يتبعني ... شاو مشل شلوب شلشل شول\rفي فتية كسيوف الهند قد علموا ... أن هالك كل من يحفى وينتعل\rنازعتهم قضب الريحان متكئا ... وقهوة مزة رواوقها خضل\rلا يستفيقون منها، وهي راهنة ... إلا بهات وإن علوا وإن نهلوا\rيسعى بها ذو زجاجات له نطف ... قلص أسفل السربال معتمل\rومستجيب تخال الصنج يسمعه ... إذا ترجع فيه القينة الفضل\rوالساحبات ذيول الربط آونة ... والرافلات على أعجازها العجل\rمن كل ذلك يوم قد لهوت به ... وفي التجارب طول اللهو والغزل\rأبلغ يزيد بني شيبان مألكة ... أبا ثبيت أما تنفك تأتكل\rألست منتهياً عن نحت أثلتنا ... ولست ضائرها ما أطت لأبل\rكناطع صخرة يوماً ليوهنها ... فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل\rتغرى بنا رهط مسعود وإخوته ... يوم اللقاء، فتردى، ثم تعنزل\rلا أعرفنك إن جدت عداوتنا ... والتمس النصر منكم عوض تحتمل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855861,"book_id":1864,"shamela_page_id":137,"part":null,"page_num":137,"sequence_num":137,"body":"نلحم أبناء ذي الجدين إن غضبوا ... أرماحنا، ثم تلقاهم، وتعتزل\rلا تقعدون، وقد أكلتها حطبا ... تعوذ من شرها يوماً وتبتهل\rسائل بني أسد عنا، فقد علموا ... أن سوف يأتيك من أنبائنا شكل\rواسأل قشيرا وعبد الله كلهم ... واسأل ربيعة عنا كيف نفتعل\rإنا نقاتلهم حتى نقتلهم ... عند اللقاء، وإن جاروا وإن جهلوا\rقد كان في آل كهف إن هم احتربوا ... والجاشرية من يسعى وينتضل\rإني لعمر الذي خطت مناسمها ... تخدى، وسيق إليه الباقر الغيل\rلئن قتلتم عميدا لم يكن صددا ... لنقتلن مثله منكم، فنمتثل\rلئن منيت بنا عن غب معركة ... لا تلفنا عن دماء القوم ننفتل\rلا تنتهون، ولن ينهى ذوي شطط ... كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل\rالسموأل بن عاديا\rكان السموءل يهودياً مشهوراً بالوفاء وهو صاحب الحصن المعروف بالأبلق، كانت العرب تنزل فيه فيضيفها، وبالسموءل يضرب المثل في الوفاء. يقال أوفى من السموءل، لأنه فضل قتل ابنه على التفريط في أمانة أودعها عنده امرؤ القيس لما سار إلى الشام يريد قيصر، وكانت الأمانة أدرعا وفي ذلك يقول السموءل:\rوفيت بأدرع الكندي إني ... إذا ما خان أقوام وفيت\rوأوصى عاديا يوما بأن لا ... تهدم يا سموءل ما بنيت\rبني لي عاديا حصنا حصينا ... وماء كلما شئت استقيت\rومن أشعاره المعروفة قصيدة يمدح بها قومه، أوردها أبو تمام في كتاب الحماسة، مطلعها:\rإذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه ... فكل رداء يرتديه جميل\rوإن هو لم يحمل على النفس ضيمها ... فليس إلى حسن الثناء سبيل\rوكان للسموءل أخ شاعر أيضاً وابن يدعى شريحا مدحه الأعشى في شعره.. وعلى ما يقول المحققون: إن السموءل عاش في أواخر الجيل السادس ومات في أوائل الجيل السابع وكان معاصراً للأعشى، ويقال إنه توفي سنة ٥٦٠م.\r\rحاتم الطائي\r- ١ - اشتهر بالجود والكرم حتى جرى ذكره مجرى الأمثال فيقال \"أجود من حاتم الطي\" وقد وصل إلينا من شعره قليل جاء في ديوان الحماسة وكتاب الأغاني وغيرهما من كتب الأدب، وله ديوان معروف باسمه وتوفي حاتم سنة ٦٠٥م، وقبره بعوارض، وهو جبل لبني طي، ويحكى عن جوده الحكايات الكثيرة، ومن غريبها أن نفراً من بني أسد مروا بقبر حاتم فقالوا: نزلنا بحاتم فلم يقرنا، وجعلوا ينادون: يا حاتم ألا تقرى أضيافك؟ ثم ناموا جميعاً وكان رئيس القوم رجلاً يقال له أبو الخيبري فنام أيضاً، حتى إذا كان السحر وثب وجعل يصيح: وا رحلتاه. فقال له أصحابه: مالك! قال: خرج والله حاتم بالسيف وأنا أنظر إليه حتى عقر ناقتي. قالوا: كذبت. فنظروا إلى راحلته فإذا هي منخزلة لا تنبعث. قالوا والله قراك. فظلوا يأكلون من لحمها ثم أردفوه فانطلقوا فساروا، وإذا راكب يلحقهم فنظروا فإذا هو عدي بن حاتم راكباً قارناً جملاً أسود فلحقهم وقال أيكم أبو الخبيري فدلوه عليه فقال جاءني أبي في النوم فذكر لي شتمك له وأنه قرى راحلتك لأصحابك وقد قال في ذلك أبياتاً ورددها حتى حفظتها وهي:\rأبا الخيبرى وأنت امرؤ ... حسود العشيرة شتامها\rفماذا أردت إلى رمة ... بداوية صخب هامها\rتبغي أذاها وإعسارها ... وحولك غوث وانعامها\rوإنا لنطعم أضيافنا من ال ... كرم بالسيف نعتامها\rوقد أمرني أن أحملك على جمل فدونكه فأخذوه وركبه وذهبوا.\rولم يبلغ أحد في الجود ما بلغ حاتم، وهو من بني الحشرج من طي وأحد شعراء الجاهلية.. ويكنى أبا عدي وأبا سفانة.. وأدرك ابنه الإسلام وأسلم.\rقال عدي قلت يا رسول الله: إن أبي كان يصل الرحم ويفعل كذا وكذا، قال: إن أباك أراد أمراً فأدركه يعني الذكر. وكانت سفانة بنته أتى بها إلى رسول الله ﷺ فقالت، يا محمد هلك الولد، وغاب الرافد فإن رأيت أن تتخلى عني ولا تشمت بي أحياء العرب فإن أبي سيد قومه، وكان يفك العاني ويحمي الذمار ويفرج عن المكروب، ويطعم الطعام، ويفشى السلام، ولم يطلب إليه طالب قط حاجة فرده، أنا ابنة حاتم طي.. فقال النبي ﷺ: يا جارية هذه صفة المؤمن لو كان أبوك إسلامياً لترحمنا عليه، خلوا عنها فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855862,"book_id":1864,"shamela_page_id":138,"part":null,"page_num":138,"sequence_num":138,"body":"قال ابن الأعرابي كان حاتم من شعراء الجاهلية، وكان جواداً يشبه جوده شعره، ويصدق قوله فعله، وكان حيثما نزل عرف منزله، وكان مظفراً إذا قاتل غلب، وإذا غنم أنهب، وإذا ضرب بالقداح فاز، وإذا سابق سبق، وإذا أسر أطلق. وكان إذا أهل رجب نحر في كل يوم عشرة من الإبل وأطعم الناس واجتمعوا عليه، وكان أول ما ظهر من جوده أن أباه خلفه في إبله وهو غلام، فمر به جماعة من الشعراء، فيهم عبيد بن الأبرص، وبشر بن أبي خازم، والنابغة الذبياني، يريدون النعمان بن المنذر، فقالوا هل من قرى؟ ولم يعرفهم. فقال أتسألوني القرى وقد رأيتم الإبل والغنم، انزلوا فنزلوا فنحر لكل واحد منهم، وسألهم عن أسمائهم، فأخبروه ففرق فيهم الإبل والغنم، وجاء أبوه فقال: ما فعلت؟ قال طوقتك مجد الدهر طةق الحمامة وعرفه القضية، فقال أبوه إذا لا أساكنك بعدها أبدا ولا آويك. فقال حاتم: إذا لا أبالي.\rومن حديثه، أنه خرج في الشهر الحرام يطلب حاجة، فلما كان بأرض عنزة ناداه أسير لهم: يا أبا سفانة أكلني الاسار والقمل. فقال: ويحك ما أنا في بلاد قومي وما معي شيء، وقد أسأت بي إذ نوهت باسمي ومالك مترك، ثم ساوم به العنزيين واشتراه منهم فخلاه وأقام مكانه في قيده حتى أتى بفدائه فأداه إليهم.\rوحدثت ماوية امرأة حاتم أن الناس أصابتهم سنة فأذهبت الخف والظلف فبتنا ذات ليلة بأشد الجوع فأخذ حاتم عديا وأخذت سفانة فعللناهما حتى ناما، ثم أخذ يعللني بالحديث لأنام، فرققت لما بعد من الجهد فأمسكت عن كلامه لينام ويظن أني نائمة، فقال لي أنمت مراراً فلم أحبه، فسكت ونظر من وراء الخباء فإذا شيء قد أقبل فرفع رأسه، فإذا امرأة تقول: يا أبا سفانة قد أتيتك من عند صبية جياع. فقال أحضريني صبيانك فوالله فأشبعنهم. قالت: فقمت سريعاً فقلت بماذا يا حاتم فوالله ما نام صبيانك من الجوع إلا بالتعليل، فقام إلى فرسه فذبحه ثم أجج ناراً وقال اشتوى وكلي وأطعمي ولدك. وقال لي أيقظي صبيتك فأيقظتهم، ثم قال والله إن هذا للؤم أن تأكلوا وأهل الصرم حالهم كحالكم فجعل يأتي الصرم بيتاً بيتاً ويقول: عليكم النار فاجتمعوا وأكلوا وتقنع بكسائه وقعد ناحية حتى لم يوجد من الفرس على الأرض قليل ولا كثير ولم يذق منه شيئا.\r- ٢ - ولحاتم الطائي شعر كثير وهو من البلاغة بمكان، والمذكور في ديوانه بعض منه ومن شعره يخاطب امرأته ماوية بنت عبد الله:\rأيا ابنة عبد الله وابنة مالك ... ويا ابنة ذي البردين والفرس الورد\rإذا ما صنعت الزاد فالتمس له ... أكيلا فإني لست آكله وحدي\rأخا طارقا أو جار بيت فإنني ... أخاف مذ مات الأحاديث من بعدي\rوإني لعبد الضيف مادام ثاويا ... وما في إلا تلك من شيمة العبد\rعني بذي البردين عامر بن أحيمر بن بهدلة. وكان من حديث البردين حين لقب به أن الوفود اجتمعت عند المنذر بن ماء السماء وهو المنذر بن امرئ القيس، وماء السماء قيل أمه، نسب إليها لشرفها، وقيل لقبت بماء السماء لصفاء نسبها ويقال لنقاء لونها، ويراد أنها كماء السماء لم يحتمل كدورة. وأخرج المنذر بردين يوما يبلو الوفود، وقال ليقم أعز العرب قبيلة فليأخذهما، فقام عامر بن أحيمر فأخذهما وائتزر بأحدهما وارتدى بالآخر. فقال له المنذر: أأنت أعز العرب قبيلة؟ قال العز والعدد في معد، ثم في نزار ثم في مضر، ثم في خندف ثم في تميم، ثم في سعد ثم في كعب، ثم في عوف، ثم في بهدلة، فمن أنكر هذا فلينافرني. فسكت الناس، فقال المنذر هذه عشيرتك كما تزعم فكيف أنت في أهل بيتك وفي نفسك؟ فقال أنا أبو عشرة وأخو عشرة وخال عشرة، وعم عشرة، وأما أنا في نفسي فشاهد العز شاهدي ثم وضع قدمه على الأرض فقال: من أزالها عن مكانها فله مائة من الإبل؟ فلم يقم إليه أحد من الحاضرين، ففاز بالبردين.\rومن شعر حاتم أيضاً قوله:\rوعاذلة قامت علي تلومني ... كأني إذا أعطيت مالي أضيمها\rأعاذل أن الجود ليس بمهلكي ... ولا مخلد النفس الشحيحة لومها\rوتذكر أخلاق الفتى وعظامه ... مغيبة في اللحد بال رميمها\rومن يبتدع ما ليس من خيم نفسه ... يدعه ويغلبه على النفس خيمها\rومن ذلك قوله أيضاً:\rأكف يدي عن أن ينال التماسها ... أكف أصحابي حين حاجتنا معا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855863,"book_id":1864,"shamela_page_id":139,"part":null,"page_num":139,"sequence_num":139,"body":"أبيت هضيم الكشح مضطمر الحشا ... من الجوع أخشى الذم أن أتضلعا\rوإني لأستحيي رفيقي أن يرى ... مكان يدي من جانب الزاد أقرعا\rوانك مهما تعط بطنك سؤله ... وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا\rوقال أيضاً:\rأما والذي لا يعلم السر غيره ... ويحيي العظام البيض وهيم رميم\rلقد كنت أختار القرى طاوي الحشا ... محافظة من أن يقال لئيم\rوإني لأستحيي يميني وبينها ... وبين فمي داجي الظلام بهيم\rوقال أيضاً:\rولما رأيت الناس هرت كلابهم ... ضربت بسيفي ساق أفعى فخرت\rوقلت لأصباء صغار ونسوة ... بشهباء من ليل الثمانين قرت\rعليكم من الشطين كل ورية ... إذا النار مست جانبيها أرمعلت\rوقال أيضاً:\rلا تشتري قدري إذا ما طبختها ... على إذا ما تطبخين حرام\rولكن بهذاك اليفاع فأوقدي ... بجزل إذا أوقدت لا بضرام\rوقال أيضاً:\rوقائلة أهلكت بالجود مالنا ... ونفسك حتى ضربت نفسك جودها\rفقلت دعيني إنما تلك عادتي ... لكل كريم عادة يستعيدها\rوهو القاتل لغلامه يسار، وكان إذا اشتد البرد وكلب الشتاء أمر غلامه فأوقد ناراً في بقاع من الأرض، لينظر إليها من أضل الطريق ليلا فيصمد نحوه:\rأوقد فإن الليل ليل قر ... والريح يا واقد ريح صر\rعل يرى نارك من يمر ... إن جلبت ضيفا فأنت حر\rوقال أيضاً:\rأماوي قد طال التجنب والهجر ... وقد عذرتنا في طلابكم العذر\rأماوي إن المال غاد ورائح ... ويبقى من المال الأحاديث والذكر\rأماوي إما مانع فمبين ... وإما عطاء لا ينهنهه الزجر\rأماوي إني لا أقول لسائل ... إذا جاء يوماً حل في مالي النذر\rأماوي لا يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر\rأماوي إن يصبح صداي بقفرة ... من الأرض لا ماء لدي ولا خمر\rترى إن ما أنفقت لم يك ضرتي ... وأن يدي مما بخلت به صفر\rإذا أنا دلاني الذين بلونني ... بمظلمة لج جوانبها غبر\rوراحوا سراعا ينفضون أكفهم ... يقولون قد أدمى أظافرنا الحفر\rأماوي إن المال مال بذلته ... فأوله شكر وآخره ذكر\rوقد يعلم الأقوام لو أن حاتما ... أراد ثراء المال كان له وفر\rولا أظلم ابن العم إن كان إخوتي ... شهودا وقد أودى باخوته الدهر\rغنينا زمانا بالتقصد والغنى ... وكل سقانا وهو كاسينا الدهر\rفما زادنا مأوى على ذي قرابة ... غنانا ولا أزرى بأحلامنا الفقر\rوله قصيدة طويلة تتعلق بالكرم ومكارم الأخلاق، وهي مسطورة في الخماسة البصرية وغيرها.. وهي هذه:\rوعاذلتين هبتا بعد هجعة ... تلومان متلافا مفيدا ملوما\rتلومان لما غور النجم ضلة ... فتى لا يرى الإنفاق في الحمد مغرما\rفقلت وقد طال العتاب عليهما ... وأوعدني تماني أن تبينا وتصرما\rألا لا تلوماني على ما تقدما ... كفى بصروف الدهر للمرء محكما\rفإنكما لا ما مضى تدركانه ... ولست على ما فاتني متندما\rفنفسك أكرمها فإنك إن تهن ... عليك فلن تلقى مدى الدهر مكرما\rأهن للذي تهوى البلاد فإنه ... إذا مت كان المال نهبا مقسما\rولا تشقين فيه فيسد وارث ... به حين تغشى أغبر الجوف مظلما\rيقسمه غنما ويشرى كرامة ... وقد صرت في خط من الأرض أعظما\rقليلا به ما يحمدنك وارث ... إذا نال مما كنت تجمع مغنما\rتحلم عن الأدنين واستبق ودهم ... ولن تستطيع الحلم حتى تحلما\rوعوراء قد أعرضت عنها فلم تضر ... وذمي أود قومته فتقوما\rوأغفر عوراء الكريم ادخاره ... وأعرض عن شتم اللئيم تكرما\rولا أخذل المولى وإن كان خاذلا ... ولا أشتم ابن العم إن كان مفحما\rولا زادني عنه منأى تباعدا ... وإن كان ذا نقص من المال مصرما\rوليل بهيم قد تسربلت هوله ... إذا الليل بالنكس الدنيء تجهما\rولن يكسب الصعلوك حمداً ولا غنى ... إذا هو لم يركب من الأمر معظما\rلحا الله صعلوكا مناه وهمه ... من العيش أن يلقى لبوساً ومغنما","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855864,"book_id":1864,"shamela_page_id":140,"part":null,"page_num":140,"sequence_num":140,"body":"ينام الضحى حتى إذا نومه استوى ... تنبه مثلوج الفؤاد مورما\rمقيم مع المثرين ليس ببارح ... إذا نال وجدي من الطعام ومجثما\rولله صعلوك يساور همه ... وتمضي على الأحداث والدهر مقدما\rفتى طلبات لا يرى الخمص ترحة ... ولا شبعة إن نالها عد مغنما\rإذا ما رأى يوماً مكارم أعرضت ... تيمم كبراهن ثمت صمما\rويغشى إذا ما كان يوم كريهة ... صدور العوالي فهو مختضب دما\rيرى رمحه ونبله ومجنه ... وذا شطب عضب الضريبة مخذما\rوأحناء سرج قاتر ولجامه ... عتاد فتى هيجا وطرفا مسموما\rفذلك إن يهلك فحسنى ثناؤه ... وإن عاش لم يقعد ضعيفاً مذمما\rوعلى الجملة فشعر حاتم صوره لنفسه وأخلاقه وجوده، ولذلك قال ابن الأعرابي: جوده يشبه شعره.\rوهو غزير البحر، فياض بالأمثال والحكم والمعاني المتصلة بالجود واللوم عليه وما يتصل به من جمال الذكر وحسن الأحدوثة.\rوقد ترى بعض التفاوت في شعره، وذلك إنما يرجع إلى كثرة المدسوس عليه، وجمع شعره في ديوان طبع بلندن وبيروت. وتوفي حاتم نحو سنة ٤٥ ق. هـ.\r- ٣ - ويقول فيه الشريشي في شرح المقامات: أبو عدي فارس شاعر جاهلي أحد الأجواد الذين يضرب بهم المثل بل هو أشهر منهم، وهم كعب بن أمامة وهرم بن سنان وحاتم، وكان إذا قاتل غلب وإذا غنم أنهب وإذا سئل وهب وإذا قامر سبق وإذا أسر أطلق وإذا أثر أنفق ويقال إنه لا يعرف ميت قرى أضيافه إلا هو وذلك أن ركباً من العرب نزلوا بموضع قبره وقد نفذ زادهم وفيهم رجل يكنى أبا خيبري فجعل يقول: أبا سفانة أما تقرى أضيافك أبا سفانة إن أضيافك جياع، ويعيدها، فلما نام ثار من نومه وهو يقول: وا راحلتاه عقرت والله ناقتي، فقال له أصحاب: وكيف؟ قال رأيت أبا سفانة قد انشق عنه قبره فاستوى قائماً ينشدني:\rأبا خيبري لأنت امرؤ ... ظلوم العشيرة لوامها\rوماذا تريد إلى رمة ... بداوية صخب هامها\rأتبغي أذاهم وأسعارها ... ودونك طي وأنعامها\rثم عمد إلى سيفي فانتضاه من غمده وعقر ناقتي وقال: دونكم فما أيقظني إلا رغاؤها، وإذا الناقة ترغو ما تنبعث، فقالوا قد والله قراك حاتم. فنحروها وأكلوا وتزودوا واقتسموا متاع أبي خيبري واستمروا لوجهتهم فلما صاروا في الظهيرة وضح لهم راكب يجنب بعيرا يؤم سمتهم حتى التقوا فقال لهم أفيكم أبو خيبري؟ قالوا نعم، فقال فإن عدي بن حاتم رأى أباه البارحة وهو يقول إن أبا خيبري وأصحابه استقروني فقريتهم ناقته فعوضه منها وزده بكرا يحمل عليه متاعه وهذه الناقة وهذا البكر فارتحل أبو خيبري الناقة وتخفف هو وأصحابه من أزوادهم على البكر ومضوا بأتم قرى.. وأدرك عدي ابنه النبي ﷺ، وروى عنه، وكان يحدث أصحابه بهذا الحديث بعد إسلامه.. وقال الشاعر في عدي:\rأبوك أبو سفانة الخير لم يزل ... لدن شاب حتى مات في الخير راغبا\rقرى قبره الأضياف إذ نزلوا به ... ولم يقر قبر قبله الدهر راكبا\rوكانت سفانة بنته من أجود نساء العرب وكان أبوها يعطيها الصرمة من إبله فتهبها وتعطيها للناس، فقال لها أبوها: يا بنية إن الغويين إذا اجتمعا في المال أتلفاه فإما أن أعطي وتمسكي وإما أن أمسك وتعطي فإنه لا يبقى على هذا شيء. فقالت والله لا أمسك أبدا. قال وأنا لا أمسك أبدا، قالت فلا نتجاور، فقاسمها ماله وتباينا.. وحكي أن أمه كانت من أسخى الناس وأقراهم للضيف وكانت لا تحبس شيئاً تملكه، وهي عتبة بنت عفيف بن عمرو بن عبد القيس، فلما رأى إخوتها إتلافها حجروا عليها ومنعوها مالها حتى إذا ظنوا أنها قد وجدت ألم ذلك أعطوها سرمة من إبلها، فجاءتها امرأة من هوازن تسألها، فقالت دونك الصرمة فخذيها فوالله لقد عضني من الجوع مالا أمنع بعده سائلا أبدا.. ثم أنشأت تقول:\rلعمري لقد ما عضني الجوع عضة ... فآليت أن لا أمنع الدهر جائعا\rفقولا لهذا اللائم اليوم أعفني ... فإن أنت لم تفعل فعض الأصابعا\rفماذا عسيتم أن تقولوا لأختكم ... سوى عذلكم أو عذل من كان معانا\rوهل ما ترون اليوم إلا طبيعة ... وكيف بتركي ياابن أم الطبائعا؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855865,"book_id":1864,"shamela_page_id":141,"part":null,"page_num":141,"sequence_num":141,"body":"فقد اكتنفه الجود من أمه وأبيه.. وقالت امرأته النوار: أصابتنا سنة اقشعرت لها الأرض واغبر أفق السماء وضنت المراضع عن أولادها فما تبض بقطرة فأيقنا بالهلاك، فوالله إني لفي ليلة صبيرة بعيدة الطرفين إذ تضاعى صبيتنا جوعا، عبد الله وعدي وسفانة، فقام إلى الصبيين وقمت إلى الصبية فوالله ما سكتوا إلا بعد هدأة من الليل وأقبل يعللني بالحديث فعرفت ما يريد فتناومت، فلما تغورت النجوم إذا شيء قد رفع كسر البيت فقال من هذا فقالت جاريتك فلانة أتيتك من عند صبية يتعاوون من الجوع عواء الذئب فما وجدت معلولا إلا عليك أبا عدي، فقال أعجليهم فقد أشبعك الله وإياهم فأقبلت تحمل اثنين ويمشي إلى جانبها أربعة كأنها نعامة حولها رثالها، فقام إلى فرسه فوجا لبتها بمدية فخرت ثم كشط الجلد ودفع المدية إلى المرأة وقال: شأنك. فاجتمعنا على اللحم نشوي ونأكل، ثم جعل يأتيهم بيتاً بيتاً ويقول هبوا أيها القوم عليكم بالنار فاجتمعوا، والتف في ثوبه ناحية ينظر إلينا والله إن ذاق منها مزعة، وإنه لأحوج إليها منا فأصبحنا وما على الأرض منها إلا عظم وحافر فأنشأ يقول:\rمهلا نوار أقلي اللوم والعذلا ... ولا تقول لشيء فات ما فعلا\rولا تقولي لشيء كنت مهلكه ... مهلا وإن كنت معطي العنس والجملا\rيرى البخيل سبيل الماء واحدة ... إن الجواد يرى في ماله سبلا\rولم يكن يمسك شيئاً ما عدا فرسه وسلاحه فإنه كان لا يجود بهما.. وذكر الحريري أن عقيلا تمثل بقول حاتم: شنشنة أعرفها من أخزم.\r- ٤ - ويروى أن الحكم بن أبي العاص خرج ومعه عطر يريد الحيرة، وكان بالحيرة سوق يجتمع إليها الناس كل سنة، فمر في طريقه بحاتم بن عبد الله الطائي، فسأله الجوار في أرض طيء حتى يصير إلى الحيرة، فأجاره، ثم أمر حاتم بجزور فنحرت وطبخت، ثم دعاهم إلى الطعام فأكلوا ولما فرغوا من الطعام طيبهم الحكم من طيبه.\rوكان النعمان بن المنذر قد جعل لبني لام ربع الطريق طعمة لهم، لأن بنت سعد بن حارثة بن لأم كانت عنده ومر سعد بن حارثة بحاتم ومعه قومه من بني لام، فوضع حاتم سفرته وقال: اطعموا حياكم الله! فقالوا: من هؤلاء الذين معك يا حاتم؟ قال هؤلاء جيراني. قال له سعد: فأنت تجير علينا في بلادنا! قال له: أنا ابن عمكم وأحق من لم تخفروا ذمته. فقالوا: لست هناك! وأرادوا أن يفضحوه، ووثبوا إليه وتناول سعد حاتماً، فأهوى له حاتم بالسيف، وأطار أرنبة أنفه، ووقع الشر حتى تحاجزوا ثم قالت بنو لام لحاتم: بيننا وبينك سوق الحيرة فنماجدك، ثم وضعوا تسعة أفراس رهناً ووضع حاتم فرسه رهناً عند رجل من كلب وخرجوا حتى انتهوا إلى الحيرة. وسمع بذلك إياس بن قبيصة الطائي فخاف أن يعينهم النعمان بن المنذر ويقويهم بماله وسلطانه للصهر الذي بينهم وبينه فجمع رهطه من بني حية، وقال: يا بني حية إن هؤلاء القوم قد أرادوا أن يفضحوا ابن عمكم في مماجدته، فقال رجل منهم: عندي ناقة سوداء ومائة ناقة حمراء أدماء، وقام آخر فقال: عندي عشرة حصن على كل حصان منها فارس مدجج لا يرى منه إلا عيناه، وقال حسان بن جبلة الخير: قد علمتم أن أبي قد مات وترك خيراً كثيراً، فعلى كل خمر ولحم أو طعام ما أقاموا في سوق الحيرة، ثم قام إياس فقال: على مثل جميع ما أعطيتم كلكم - وحاتم لا يعلم بشيء مما فعلوا.\rوذهب حاتم إلى ابن عمه وهم بن عمرو، وكان مصارماً له لا يكلمه فقالت له امرأته: أي وهم، هذا والله أبو سفانة حاتم قد طلع. فقال: ما لنا ولحاتم! أثبتي النظر. فقالت: ها هو. قال: ويحك! هو لا يكلمني، فما جاء به إلي؟ ثم نزل حتى سلم عليه فرد سلامه وحياه ثم قال له: ما جاء بك يا حاتم؟ قال: خاطرت على حسبك وحسبي. قال في الرحب والسعة، هذا مالي وعدته تسعمائة بعير فخذها مائة مائة حتى تذهب الإبل أو تصيب ما تريد.\rثم إن إياس بن قبيصة قال لقومه: احملوني إلى الملك، وكان به نقرس، فحمل حتى أدخل عليه فقال: أنعم صباحاً أبيت اللعن! فقال النعمان: وحياك إليهك. فقال إياس: أنمد أختانك بالمال والخيل وجعلت بني ثعل في قعر الكنانة! أظن أختانك أن يصنعوا بحاتم كما صنعوا بعامر بن جوين لم يشعروا أن بني حية بالبلد؟ فإن شئت والله ناجزناك حتى يسفح الوادي دماً فليحضروا مجادهم غداً بمجمع العرب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855866,"book_id":1864,"shamela_page_id":142,"part":null,"page_num":142,"sequence_num":142,"body":"فعرف النعمان الغضب في وجهه وكلامه فقال له: يا أحلمنا لا تغضب فإني سأكفيك. وأرسل النعمان إلى سعد بن حارثة وإلى أصحابه فقال: انظروا ابن عمكم حاتماً فأرضوه، فوالله ما أنا بالذي أعطيكم مالي تبذرونه وما أطيق بني حية.\rفخرج بنو لام إلى حاتم وقالوا له: أعرض عن هذا المجاد ندع أرش أنف ابن عمنا. قال: لا والله لا أفعل حتى تتركوا أفراسكم ويغلب مجادكم، فتركوا أرش أنف صاحبهم وأفراسهم وقالوا: قبحها الله وأبعدها! فعمد إليها حاتم فعقرها وأطعمها الناس.\r- ٥ - ولما وجه رسول الله ﷺ إلى طيء فريقاً من جنده، يقدمهم على ﵇، فزع عدي بن حاتم الطائي - وكان من أشد الناس عداء لرسول الله - إلى الشام فصبح على القوم، واستاق خيلهم ونعمهم ورجالهم ونساءهم إلى رسول الله.\rفلما عرض عليه الأسرى نهضت من بين القوم سفانة بنت حاتم، فقالت: يا محمد، هلك الوالد، وغاب المرافد. فإن رأيت أن تخلي عني، ولا تشمت بي أحياء العرب! فإن أبي كان سيد قومه، يفك العاني، ويقتل الجاني، ويحفظ الجار، ويحمي الذمار، ويفرج عن المكروب، ويطعم الطعام ويفشي السلام، ويحمل الكل، ويعين على نوائب الدهر، وما أتاه أحد في حاجة فرده خائباً، أنا بنت حاتم الطائي!.\rفقال النبي ﷺ: يا جارية، هذه صفات المؤمنين حقاً، لو كان أبوك مسلماً لترحمنا عليه. خلوا عنها، فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق. ثم قال: \"ارحموا عزيزاً ذل، وغنياً افتقر، وعالماً ضاع بين جهال\". وامتن عليها بقومها فأطلقهم تكريماً لها.\rفاستأذنته في الدعاء له، فأذن لها. وقال لأصحابه: اسمعوا وعوا. فقالت: أصاب الله ببرك مواقعه، ولا جعل لك إلا لئيم حاجة، ولا سلب نعمة عن كريم قوم إلا جعلك سبباً في ردها عليه.\rفلما أطلقها رجعت إلى أخيها عدي وهو بدومة الجندل، فقالت له: يا أخي إيت هذا الرجل قبل أن تعلقك حبائله. فإني قد رأيت هديا ورأيا سيغلب أهل الغلبة. ورأيت خصالا تعجبني، رأيته يحب الفقير، ويفك الأسير، ويرحم الصغير، ويعرف قدر الكبير، وما رأيت أجود ولا أكرم منه، فإن يكن نبياً فللسابق فضله، وإن يكن ملكاً فلن تزال في عز ملكه، فقدم عدي إلى رسول الله فأسلم، وأسلمت سفانة!.\r- ٦ - ويروى أن عبد قيس بن خفاف البرجمي أتى حاتم طيء في دماء حملها عن قومه، فأسلموه فيها، وعجز عنها، فقال: والله لآتين من يحملها عني. وكان شريفاً شاعراً شجاعاً.\rفلما قدم عليه قال: إنه وقعت بيني وبين قومي دماء فتواكلوها، وإني حملتها في مالي وأهلي، فقدمت مالي وأخرت أهلي، وكنت أملي، فإن تحملتها فرب حق قد قضيته، وهم قد كفيته، وإن حال دون ذلك حائم لم أذمم يومك، ولم أيأس من غدك، ثم أنشأ يقول:\rحملت دماء للبراجم جمة ... فجئتك لما أسلمني البراجم\rوقالوا سفاهاً: لم حملت دماءنا ... فعلت لهم: يكفي الحمالة حاتم\rمتى آته فيها يقل لي مرحباً ... وأهلا وسهلا أخطأتك الأشائم\rفيحملها عني، وإن شئت زادني ... زيادة من جلت عليه المكارم\rيعيش الندى ما عاش حاتم طيء ... فإن مات قامت للسخاء مآتم\rينادين: مات الجود معك فلا ترى ... مجيبا له ما حام في الجو حائم\rوقال رجال: أنهب العام ماله ... فقلت لهم: إني بذلك عالم\rولكنه يعطى من أموال طيء ... إذا جلف المال الحقوق اللوازم\rفيعطى التي فيها الغنى وكأنه ... لتصغيره تلك المطية جارم\rبذلك أوصاه عدي وحشرج ... وسعد وعبد الله تلك القماقم\rفقال له حاتم: إني كنت لأحب ن مثلك من قومك، هذا مرباعي من مغارة على بني تميم خذه وافرا، فإن وفى بالحمالة، وإلا كملتها لك، وهو مائنا بعير سوى نيبها وفصالها، مع أني لا أحب أن تؤبس قومك بأموالهم.\rفضحك أبو جبيل، وقال: أي بعير دفعته إلي، وليس ذنبه في يد صاحبه فأنت منه بريء، فدفعها إليه وزاده مائة بعير فأخذها وانصرف راجعاً إلى قومه، فقال حاتم في ذلك:\rأتاني البرجمي أبو جبيل ... لهم في حمالته طويل\rفقلت له: خذ المرباع منها ... فإني لست أرضى بالقليل\rعلى حال ولا عودت نفسي ... على علاتها علل البخيل\rفخذها إنها مائنا بمير ... سوى الناب الرذية والفصيل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855867,"book_id":1864,"shamela_page_id":143,"part":null,"page_num":143,"sequence_num":143,"body":"فلا من عليك بها، فإني ... رأيت المن يزرى بالجميل\rفآب البرجمي وما عليه ... من أعباء الحمالة من فنيل\rيجر الذيل ينفض مذرويه ... خفيف الظهر من حمل ثقيل!\r- ٧ - وقالت ماوية امرأة حاتم: أصابتنا سنة اقشعرت لها الأرض، واغبر أفق السماء وراحت الإبل حدبا حدابير، وضنت المراضع على أولادها، فما تبض بقطرة، وحلقت ألسنة المال، وأبقنا بالهلاك. فوالله أنا لفي ليلة صنبر، بعيدة مابين الطرفين، إذ تضاغى صبيتنا جوعاً: عبد الله وعدي وسفانة، فقام حاتم إلى الصبيين، وقمت أنا إلى الصبية، وأقبل يعللني بالحديث، فعرفت ما يريد، فتناومت.\rفلما تهورت النجوم، إذا شيء قد رفع كسر البيت ثم عاد. فقال حاتم: من هذا؟ قالت: جارتك فلانة، أتيتك من عند صبية يتعاوون عواء الذئاب، فما وجدت معلولا إلا عليك يا أبا عدي. فقال: أعجليهم فقد أشبعك الله!.\rفأقبلت المرأة تحمل اثنين ويمشي بجانبها أربعة، كأنها نعامة حولها رثالها، فقام حاتم إلى فرسه فوجأ لبته بمدية فخر. ثم كشطه ودفع المدية إلى المرأة، فقال لها: شأنك! فاجتمعنا على اللحم نشوي ونأكل. ثم جعل يمشي الحي يأتيهم بيتاً بيتاً فيقول: هبوا أيها القوم، عليكم بالنار، فاجتمعوا والتفع وجلس في ناحية ينظر إلينا. فوالله إن ذاق منه مزعة وانه لأحوج إليه منا، فأصبحنا وما على ظهر الأرض من الفرس إلا عظم وحافر، فأنشأ حاتم يقول:\rمهلا نوار أقلي اللوم والعذلا ... ولا تقولي لشيء فات ما فعلا\rولا تقولي لمال كنت مهلكه ... مهلا وإن كنت أعطي السهل والجبلا\rيرى البخيل المال واحدة ... إن الجواد يرى في ماله سبلا\r- ٨ - ولما تزوج حاتم ماوية، وكانت من أحسن النساء، لبثت عنده زمناً ثم إن ابن عم له يقال له مالك قال لماوية: ما تصنعين بحاتم؟ فوالله لئن وجد شيئاً ليتلفنه، ولئن لم يجد ليتكلفن، ولئن مات ليتركن ولده عيالا على قومه، طلقي حاتماً وأنا أتزوج بك، فأنا خير لك منه وأكثر مالاً، وأنا أمسك عليك وعلى ولدك. فقالت ماوية: صدقت إنه لكذلك فلم يزل بها حتى طلقت حاتماً.\rوكانت النساء أو بعضهن يطلقن الرجال في الجاهلية. وكان طلاقهن أنهن يحولن أبواب بيوتهن إن كان الباب إلى المشرق جعلنه إلى المغرب، وإن كان الباب قبل اليمن جعلنه قبل الشام، فإذا رأى ذلك الرجل علم أنها قد طلقته فلم يأتها.\rفأتى حاتم فوجدها قد حولت باب الخباء فقال لابنه: يا عدي ما ترى أمك؟ ما عدا عليها! قال: لا أدري غير أنها غيرت باب الخباء، وكأنه لم يلحن لما قال. فدعاه فهبط به بطن واد.\rوجاء قوم فنزلوا على باب الخباء، كما كانوا ينزلون فتوافى خمسون رجلاً فضاقت بهم ماوية ذرعاً، فقالت لجاريتها: اذهبي إلى مالك فقولي له إن أضيافاً لحاتم قد نزلوا بنا وهم خمسون رجلاً فأرسل إلينا بنات نقرهم ولبن نعبقهم.\rوقالت لجاريتها: انظري إلى جبينه وفمه فإن شافهك بالمعروف فاقبلي منه وإن ضرب بلحييه على زوره فارجعي ودعيه.\rفلما أتت مالكاً وجدته متوسداً وطبا من لبن، فأيقظته وأبلغته الرسالة وقالت، إنما هي الليلة حتى يعلم الناس مكانه، فأدخل يده في رأسه وضرب بلحييه على زوره، فقال لها: أقرئي ﵍، وقولي لها هذا الذي أمرتك أن تطلقي حاتماً من أجله. فما عندي من كبيرة، قد تركت العمل، وما كنت لأنحر صفية غزيرة بشحم كلاها، وما عندي لبن يكفي أضياف حاتم.\rفرجعت الجارية فأخبرتها بما رأت منه، وأعلمتها بمقالته، فقالت لها: ويلك ائتي حاتماً فقولي له: إن أضيافك قد نزلوا الليلة بنا، ولم يعلموا بمكانك، فأرسل إلينا بنات ننحرها ونقرهم، وبلبن نسقهم، فإنما هي الليلة حتى يعرفوا مكانك.\rفأتت الجارية حاتماً فصرخت به، فقال حاتم لبيك، قريباً دعوت، فقالت: إن ماوية تقرأ عليك السلام، وتقول لك: إن أضيافك قد نزلوا بنا الليلة، فأرسل إليهم بناب ننحرها لهم ولبن نسقهم. فقال: نعم وأبي! ثم قام إلى الإبل فأطلق اثنتين من عقاليهما، ثم صاح بهما حتى أتى الخباء، فضرب عراقيبهما، فطفقت ماوية تصيح وتقول: هذا الذي طلقتك فيه، تترك ولدك وليس لهم شيء.\r- ٩ -","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":1855868,"book_id":1864,"shamela_page_id":144,"part":null,"page_num":144,"sequence_num":144,"body":"وكانت امرأة من العرب من بنات ملوك اليمن ذات جمال وكمال، وحسب ومال، فآلت ألا تزوج نفسها إلا من كريم، ولئن خطبها لئيم لتجد عن أنفه، فتحاماها الناس حتى انتدب إليها زيد الخيل، وحاتم بن عبد الله، وأوس بن حارثة الطائيون، فاتحلوا إليها.\rفلما دخلوا عليها قالت مرحبا بكم، ما كنتم زوارا، فما الذي جاء بكم؟ قالوا: جئنا زوارا خطابا، قالت أكفاء كرام، ثم أنزلتهم وفرقت بينهم وأسبغت لهم القرى، وزادت فيه.\rفلما كان اليوم الثاني بعثت بعض جواريها متنكرة في زي سائلة تتعرض لهم، فرفع إليها زيد وأوس شطر ما حمل إلى كل واحد منهما، فلما صارت إلى رحل حاتم دفع إليها جميع ما كان من نفقته، وحمل إليها جميع ما حمل إليه.\rفلما كان اليوم الثالث دخلوا عليها، فقالت ليصف كل واحد منكم نفسه في شعره، فابتدر زيد وأنشأ يقول:\rهلا سألت بني ذبيان ما حسبي ... عند الطعان إذا ما احمرت الحدق\rوجاءت الخيل محمرا بوادرها ... بالماء يسفح من لباتها العلق\rوالجار يعلم أني لست خاذلة ... إن ناب دهر لعظم الجار معترق\rهذا الثناء، فإن ترضى فراضية ... أو تسخطي فإلى من تعطف العنق؟\rوقال أوس بن حارثة: إنك لتعلمين أنا أكرم أحسابا، وأشهر أفعالا من أن نصف أنفسنا لك، أنا الذي يقول فيه الشاعر:\rإلى أوس بن حارثة بن لأم ... ليقضي حاجتي ولقد قضاها\rفما وطئ الحصا مثل ابن سعدى ... ولا لبس النعال ولا احتذاها\rوأنا الذي عقت عقيقته، وأعتقت عن كل شعرة فيها عنه نسمة، ثم أنشأ يقول:\rفإن تنكحي ماوية الخير حاتما ... فما مثله فينا ولا في الأعاجم\rفتى لا يزال الدهر أكبر همه ... فكاك أسير أو معونة غارم\rوإن تنكحي زيدا ففارس قومه ... إذا الحرب يوماً أقعدت كل قائم\rوإن تنكحيني تنكحي غير فاجر ... ولا جارف جرف العشيرة هادم\rولا متق يوماً إذا الحرب شمرت ... بأنفسها نفسي كفعل الأشائم\rوإن طارق الأضياف لاذ برحله ... وجدت ابن سعدى للقرى غير عائم\rفأي فتى أهدى لك الله فاقبلي ... فإنا كرام من رؤوس أكارم\rوأنشأ حاتم يقول:\rأماوي قد طال التجنب والهجر ... وقد عذرتني في طلابكم عذر\rأماوي إن المال غاد ورائح ... ويبقى من المال الأحاديث والذكر\rأماوي إني لا أقول لسائل ... إذا جاء يوماً: حل في مالنا النزر\rأماوي إما مانع فمبين ... وإما عطاء لا ينهنهه الزجر\rأماوي ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر\rأماوي إن يصبح صداي بقفرة ... من الأرض لا ماء لدي ولا خمر\rترى إن ما أنفقت لم يك ضائري ... وأن يدي مما بخلت به صفر\rأماوي إني رب واحد أمه ... أخذت فلا قتل عليه ولا أسر\rوقد علم الأقوام لو أن حاتماً ... أراد ثراء المال كان له وفر\rأماوي إن المال مال بذلته ... فأوله شكر وآخره ذكر\rوإني لا آلو بمالي صنيعة ... فأوله زاد وآخره ذخر\rيفك به العاني ويؤكل طيبا ... وما إن يعريه القداح ولا القمر\rولا أظلم ابن العم إن كان إخوتي ... شهوداً وقد أودى بإخوته الدهر\rغنينا زمانا بالتصعلك والغنى ... وكلا سقاناه بكأسيهما الدهر\rفما زادنا بأواً على ذي قرابة ... غنانا، ولا أزرى بأحسابنا الفقر\rوما ضر جاراً يا ابنة القوم فاعلمي ... يجاورني ألا يكون له ستر\rبعيني عن جارات قومي غفلة ... وفي السمع مني عن أحاديثها وقر\rفقالت أما أنت يا زيد فقد وترت العرب، وبقاؤك مع الحرة قليل، وأما أنت يا أوس فرجل ذو ضرائر، والدخول عليهن شديد، وأما أنت يا حاتم فمرضي الأخلاق، محمود الشيم، كريم النفس، وقد زوّجتك نفسي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}