{"page_id":3358127,"book_id":3862,"shamela_page_id":1,"part":"1","page_num":3,"sequence_num":1,"body":"المجلد الأول\rالمقدمات\rتصدير\r...\rالمقدمات:\r﷽\rتصدير:\rهذا كتاب \"المثل السائر\" الذي ألفه ضياء الدين بن الأثير في أدب الكاتب والشاعر، نقدمه اليوم إلى الباحثين عن الفكرة العربية في مظانتها التي يعد \"المثل السائر\" في طليعة تلك المظان الأصيلة، بما حوى من الآراء والفكر التي تدور حول فنّ الأدب، والتي تتعمَّق إلى أصوله في عصر ابن الأثير، وفي العصور التي سبقته، وهي التي زخرت بكثير من أصول تلك الصناعة التي اهتدى إليها العلماء وكبار الأدباء والنقاد الذين يعرفهم تاريخ الأدب والنقد عند هذه الأمة العربية التي تعمل اليوم في جد ودأب لبناء قوميتها، وتبحث في إصرار عن المقومات الأصيلة لهذه القومية في السياسة والعلم والتفكير والأخلاق والفنون، لتبعثها من جديد مجارية ركب التقدم، ولتعيد إليها سالف مجدها في بناء الحضارة الإنسانية.\rوعلى الرغم مما يمتاز به هذا الكتاب من الآراء المستنيرة التي أثرت عن أعلام التفكير الفني، والتي يعد هذا الكتاب سجلًا حافلًا لها، فإن فيه من معالم الأصالة وآثار الشخصية التي تميز صاحبها من غيره من الباحثين شيئًا كثيرًا.\rوقد كان لنا من إخراج هذا الأثر وإعادة نشره غايات ثلاث:\rأولاها: تقديم نسخة صحيحة من هذا الكتاب يستطيع الباحثون والدارسون الاعتماد عليها، بعد أن عزَّ على كثير من الطالبين اقتناء نسخة منه، بسبب تقادم العهد بينهم وبين عهود نشره، ونفاد هذا السفر الجليل من المكتبات العربية، مع الإحساس بالحاجة إليها، ليقوم بدوره بجانب ما بعث من آثار التراث العربي في الناحية التي يتصدى لها هذا الكتاب.\rوالثانية: إحياء ناحية لها أهميتها من نواحي التفكير الفنيّ عند العرب في هذا العهد الذي يمتاز ببعث نفائس التراث العربي، وإحياء مصادر الثقافة العربية ونشرها، تمهيدًا لدرسها، واستخراج كل صالح مفيد من الأفكار التي اشتملت عليها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358128,"book_id":3862,"shamela_page_id":2,"part":"1","page_num":4,"sequence_num":2,"body":"والثالثة: وصل تلك الآراء التي اشتمل عليها المثل السائر بغيرها من الآراء التي توافقها أو تخالفها. والغاية من ذلك الوقوف على أصالة مباحث هذا الكتاب ومداها فيما عرضت له من الدراسات، وكذلك معرفة حظ ابن الأثير من تلك الأصالة.\rوهذه الغاية الأخيرة وحدها جديرة بأن يفرد لها بحث، بل بحوث مستقلة، ولذلك اكتفينا بالإشارة في هامش هذه الطبعة إلى الآراء التي توارد عليها ابن الأثير وغيره من الذين بحثوا في مثل ما بحث، والآراء التي نقلها عن غيره ناسبًا إياها إلى صاحبها الأصلي، أو التي ادعاها لنفسه، مما وجدنا ثمرة الإفادة منه واضحة، وأثر الاقتفاء بارزًا. ولم يخرج ذلك عن طبيعة ما وضع الهامش من أجله, بما لا يخرج عن حد الإشارة أو اللمحة الدالة.\rأما ضروب الأصالة, ومنابع العقلية التي استقى منها هذا الكتاب، فإنا ذاكروها في هذه المقدمة، بما لا يخرج أيضًا عن طبيعة المقدمات.\rوإذا كان لكل مؤلف في فن من فنون التأليف لون خاصٌّ من ألوان المعرفة يمتاز به عما سواه، وناحية يظهر تفوقه فيها، ويظهر تقصيره في غيرها، فإن ابن الأثير قد حلَّق في آفاق كثيرة من آفاق المعرفة، تجد صداها واضحًا في هذا السفر النفيس.\rفأنت ترى فيه الكثير من الإشارات التاريخية التي لا يعرفها إلا الواقفون على أحداث الزمان، والعارفون بتقلباته وسير أبطاله وأعلامه.\rوتقرأ فيه آثار معرفة واسعة بعلوم العربية لا يعرفها إلا المختصون بدراسة أصولها، والمتبحرون في فقه لغتها، والعاكفون على معرفة نحوها وصرفها، وأساليب التعبير بها.\rوتطالع في المثل السائر آثار معرفة بكتاب الله، وحفظ لآياته، وقدرة عجيبة على استحضارها، والتمثل بها في كل موضع يريد أن يتمثل فيه بما يوافق آراءه في وسائل الإجادة، وأسباب الإتقان. وتجد فيه كثيرًا من أحاديث النبي ﷺ وفقه سنته، والوقوف على سيرته وأخبار صحابته.\rكل ذلك إلى جانب ما وشيت به صفحات المثل السائر من حكم العرب وأمثالها، ومن مأثور منظومها، وجيد منثورها، مما يروقك الاطلاع عليه, ويأخذ بلبك ما ترى من القدرة على استحضارها، وإجادة التمثل به.\rبهذه الألوان الكثيرة من المعرفة، وبهذه الثقافات المتنوعة كمَّل ابن الأثير لنفسه، حتى يحسن إعداد نفسه لما عرض له من علاج الأدب الذي كانوا يعرفون أنه الأخذ من كل فن بطرف.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358129,"book_id":3862,"shamela_page_id":3,"part":"1","page_num":5,"sequence_num":3,"body":"ولقد كان ابن الأثير أديبًا من كبار أدباء العرب، وكاتبًا من كتابهم المعدودين, والكاتب -كما يرى ابن الأثير- ينبغي أن يتعلق بكل علم، وفي رأيه أن كل ذي علم يسوغ له أن ينسب نفسه إليه، فيقال: فلان النحوي, وفلان الفقيه، وفلان المتكلم. ولا يسوغ له أن ينسب إلى الكتابة، فيقال: فلان الكاتب، وذلك لما يفتقر إليه الكاتب من الحوض في كل فن.\rوبمثل هذه النظرة إلى الأديب الكاتب وما ينبغي له، نظر ابن الأثير إلى البلاغي أو صاحب البيان، وذهب إلى أنه لا ينبغي له أن يقدِّم على هذا العلم إلّا إذا اكتملت لديه ألوان ثمانية من المعارف، وهي:\r١- معرفة علم العربية من النحو والتصريف.\r٢- معرفة ما يحتاج إليه من اللغو، وهو المتداول المألوف استعماله في فصيح الكلام غير الوحشي الغريب، ولا المستكره المعيب.\r٣- معرفة أمثال العرب وأيامهم، ومعرفة الوقائع التي جاءت في حوادث خاصة بأقوام، فإن ذلك جرى مجرى الأمثال أيضًا.\r٤- الاطلاع على كلام المتقدمين من المنظوم والمنثور. فإن في ذلك فوائد جمة؛ لأنه يعلم منه أغراض الناس ونتائج أفكارهم, ويعرف به مقاصد كل فريق منهم، وإلى أين ترامت به صنعته في ذلك، فإن هذه الأشياء مما تشحذ القريحة، وتذكي الفطنة، وإذا كان صاحب الصناعة عارفًا بها تصير المعاني التي ذكرت، وتعب في استخراجها، كالشيء الملقى بين يديه يأخذ منه ما أراد، ويترك ما أراد، وإذا كان مطلعًا على المعاني المسبوق إليها فإنه قد يتهيأ له من بينها معنًى غريب لم يسبق إليه.\r٥- معرفة الأحكام السلطانية من الإمامة والإمارة والقضاء والحسبة وغير ذلك، لما يحتاج إليه الكاتب عارفًا بالحكم في الحوادث واختلاف أقوال العلماء فيها، وما هو رخصة في ذلك، وما ليس برخصة، فإنه لا يستطيع أن يكتب كتابًا ينتفع به.\r٦- حفظ القرآن الكريم، فإن صاحب هذه الصناعة ينبغي له أن يكون عارفًا به؛ لأن فيه فوائد كثيرة؛ منها أن يضمِّن كلامه بالآيات في أمكانها اللائقة بها، واستعمالها في مواضعها المناسبة لها، ولا شبهة فيما يصير للكلام بذلك من الفخامة والجزالة والرونق","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358130,"book_id":3862,"shamela_page_id":4,"part":"1","page_num":6,"sequence_num":4,"body":"وإذا عرف مواقع البلاغة وأسرار الفصاحة المودعة في تأليف القرآن اتخذه بحرًا يستخرج منه الدرر والجواهر، ويودعها مطاوي كلامه.\r٧- حفظ الأخبار النبوية، مما يحتاج إلى استعماله، فإن الأمر في ذلك يجري مجرى القرآن الكريم.\r٨- ما يختص بالناظم دون الناثر، وذلك معرفة العروض، وما يجوز فيه من الزحاف، وما لا يجوز، فإن الشاعر محتاج إليه، وإن كان النظم مبنيًّا على الذوق، ولكن الذوق قد ينبو عن الزحافات. ويكون ذلك جائزًا في العروض، وقد ورد للعرب مثله، فإذا كان الشاعر غير عالم به، لم يفرق بين ما يجوز من ذلك وما لا يجوز.\rوكذلك يحتاج الشاعر أيضًا إلى معرفة علم القوافي، ليعلم الروي والردف، وما يصح من ذلك وما لا يصح.\rوقد اشترط ابن الأثير قبل تحصل تلك المعارف جميعها أن يكون الله تعالى قد ركَّب في الأديب طبعًا قابلًا لهذا الفن، ورأى أن صاحب هذه الصناعة يحتاج إلى التشبث بكل فنٍّ من الفنون، حتى إنه يحتاج إلى معرفة ما تقوله النادبة بين النساء، والماشطة عند جلوة العروس, وإلى ما يقوله المنادي على السلعة في السوق، والسبب في ذلك أنه مؤهَّل لأن يهيم في كل واد، فيحتاج أن يتعلق بكل فن؛ لأن الحكمة ضالة المؤمن، وقد يستفيدها أهلها من غير أهلها.\rوهكذا يغالي ابن الأثير في ثقافة الأديب، ويرى أنها لا حصر لمواردها، ويذهب إلى أن البيان كالجمال، لا نهاية لكل منهما.\rولقد كان ضياء الدين على حظٍّ عظيم من تلك الثقافات، كما يشهد لذلك هذا الكتاب، وما أودع من فنونها الكثيرة التي حصلها بجده، والطبع الأصيل الذي منحه الله إياه، وكل ركن من الأركان التي ذكرها، وكل آلة من الآلات التي أوجب أن تكون طوع يمين الكاتب، فقد عني نفسه في البحث عنها في مظانِّها.\rوالواقع أن أكثر ما ذكر ضياء الدين من أصول فن الأدب، وما يسمو به وما ينحط","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358131,"book_id":3862,"shamela_page_id":5,"part":"1","page_num":7,"sequence_num":5,"body":"لم يكن من أثر النظر وضروب التخيُّل لمثل الفن الأدبي، كما كان ذلك شأن أكثر الآراء التي أثرت عن الذين قننوا لهذا الفن، ووضعوا قواعده، وقد كان جهد أكثرهم أهمية، وأجدرهم بالاعتبار، الموازنة بين الأعمال الأدبية، واستخلاص مظاهر القوة والجمال التي تمتاز بها بعض تلك الأعمال على بعض، وكان أكثر تلك الأعمال من صنع غيرهم، على حين أن ابن الأثير كانت صفته الأساسية البارزة اشتغاله بالأدب، واحترافه فنّ الكتابة الذي عد علمًا من أعلامه، وارتقى به هذا الفن حتى وصل به إلى مرتبة الوزارة، وتصريف شئون المملكة، بصرف النظر عن مدى توفيقه في ذلك المنصب الخطير، وسوء تدبيره للأمور، مما كانت عاقبته نكالًا عليه وعلى من ولاه.\rلذلك كانت آراؤه في الأدب والنقد صادرة عن الفن الذي أعدَّ نفسه له، وعن التجربة التي عاش فيها حياته. ولذلك قرأ ضياء الدين آثار الكُتَّاب الذين ذاع صيتهم وحلَّق نجمهم في سماء صناعة الكتابة، ليقف على مناهجهم فيها، وينقد منها ما لا يراه جاريًا وفق مقاييسه التي يرتضيها, وهي المقاييس التي رأى أنها أكثر دلالة على إتقان الصنعة، ولم يقف في سبيل ذلك عند آثار القدماء من فحول هذه الصناعة، بل إنه نقد معاصريه منهم، وهم الذين كان يشار إليهم في عصره في هذه الصناعة بالبنان.\rوكان ابن الأثير لا يقنع بما يوجهه إلى أولئك الأعلام من النقد لآثارهم، ولكنه كان يتبع هذا النقد بنماذج من آثاره، ويوقف على الفرق بين أسلوبه وأسلوب غيره، حتى يستدرج قارئه إلى الإذعان لنبوغه، والتسليم بتفوقه، ثم يثني على نفسه وفنه بما استطاع. والأدلة على ذلك كثيرة منها:\r١- نقده للقاضي الفاضل في قوله١: \"وعرض عليّ كتاب كتبه عبد الرحيم بن علي البيساني ﵀ عن الملك صلاح الدين يوسف بن أيوب ﵀ إلى ديوان الخلافة ببغداد في ستة إحدى وسبعين وخمسمائة، وضمَّنه ما أبلاه في خدمة الدولة من فتح الديار المصرية، ومحو الدولة العلوية، وإقامة الدعوة العباسية، وشرح فيه ما قاساه في الفتح من الأهوال\".","footnotes":"١ انظر صفحة ٥٤ وما بعدها من هذه الطبعة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358132,"book_id":3862,"shamela_page_id":6,"part":"1","page_num":8,"sequence_num":6,"body":"قال: ولما تأملته وجدته كتابًا حسنًا قد وفَّى فيه الخطابة حقَّها، إلا أنه أخلَّ بشيء واحد، وهو أن مصر لم تفتح إلّا بعد أن قصدت من الشام ثلاث مرات، وكان الفتح في المرة الثالثة، وهذا له نظير في فتح النبي ﷺ مكة, فإنه قصدها عام الحديبية، ثم سار إليها في عمرة القضاء، ثم سار إليها عام الفتح، ففتحها.\rثم يقول: وقد سألني بعض الإخوان أن أنشئ في ذلك كتابًا إلى ديوان الخلافة معارضًا للكتاب الذي أنشأه عبد الرحيم بن علي ﵀, فأجبته إلى سؤاله، وعدَّدت مساعي صلاح الدين يوسف بن أيوب ﵀ فقلت ... إلخ.\rإلى أن يقول: وعجب من عبد الرحيم بن علي البيساني، مع تقدُّمه في فن الكتابة، كيف فاته أن يأتي به في الكتاب الذي كتبه!؟\r٢- قوله في ابن زياد الكاتب البغدادي: \"وجدت لابن زياد البغدادي كتابًا كتبه إلى الملك الناصر صلاح الدين يوسف المقدَّم ذكره في سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة, وضمَّنه فصولًا تشتمل على أمور أنكرت عليه من ديوان الخلافة، فمن تلك الأمور التي أنكرت عليه أنه تلقَّب بالملك الناصر، وذلك اللقب هو لأمير المؤمنين خاصة، فإنه الإمام الناصر لدين الله. فلمَّا وقفت على ذلك الكتاب وجدته كتابًا حسنًا، قد أجاد فيه كل الإجادة، ولم أجد فيه مغمزًا إلّا في هذا الفصل الذي يتضمَّن حديث اللقب، فإنه لم يأت بكلام يناسب باقي الفصول المذكورة، بل أتى بكلام فيه غثاثة كقوله: \"ما يستصلحه المولى فهو على عبده حرام\", وشيئًا من هذا النسق، وكان الأليق والأحسن أن يحتج بحجة فيها روح، ويذكر كلامًا فيه ذلاقة ورشاقة\".\rقال: وحضر عندي في بعض الأيام بعض إخواني، وجرى حديث ذلك، فسألني عمَّا كان ينبغي أن يكتب في هذا الفصل، فذكرت ما عندي، وهو: ... إلخ.\rإلى أن يقول منبهًا القارئ إلى ما وفِّق إليه، وموازنًا بين نفسه وابن زياد: \"فانظر أيها المتأمِّل كيف جئت بالخبر النبوي، وجعلته شاهدًا على هذا الموضع، ولا يمكن أن يحتج في مثل ذلك إلّا بمثل هذا الاحتجاج، وما أعلم كيف شذَّ عن ابن زياد أن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358133,"book_id":3862,"shamela_page_id":7,"part":"1","page_num":9,"sequence_num":7,"body":"يأتي به، مع أنه كان كاتبًا مفلقًا ارتضى كتابته، ولم أجد في متأخري العراقيين من يماثله في هذا الفن\"١.\r٣- وقد نقد أبا إسحاق الصابيّ في كثير من المواضع، وأورد له الرسائل الطويلة، والنتف اليسيرة، وأتبعها بكتابته، ليرى الفرق بين الكتابتين؛ فمن ذلك ما أورده من قول الصابيّ في صفة النبي ﷺ: \"لم ير للكفر أثرًا إلّا طمسه ومحاه, ولا رسمًا إلّا أزاله وعفاه\"، وقد عابه ابن الأثير بأنه لا فرق بين مرور العصور وكرور الدهور، وكذلك لا فرق بين محو الأثر وعفاء الرسم.\rوأورد للصابي أيضًا قوله في بعض كتبه \"وقد علمت أن الدولة العباسية لم تزل على سالف الأيام، ومتعاقب الأعوام، تعتلّ تارة، وتصح أطوارًا، وتلتاث مرة، وتستقل مرارًا، من حيث أصلها راسخ لا يتزعزع، وبنياتها ثابت لا يتضعضع\", وعابه ابن الأثير بأن هذه الأسجاع كلها متساوية المعاني, فإن الاعتلال والالتباث، والطور والمرة، والرسوخ والثبات، كل ذلك سواء, وساق على هذا النحو من النثر الصابي أمثله أخرى.\r٤- وعاب على الصاحب بن عبَّاد ما كتبه في وصف مهزومين \"طاروا واقين بظهورهم صدورهم، وبأصلابهم نحورهم\" بقوله: إن كلا المعنيين سواء..\rوكذلك نقد قول الصاحب في وصف ضيق مجال الحرب \"مكان ضنك على الفارس والراجل، ضيق على الرامح والنابل\", وقوله في كتابه \"لا تتوجّه همته إلى أعظم مرقوب إلا طاع ودان، ولا تمتد عزيمته إلى أفخم مطلوب إلّا كان واستكان\"، فإن كل هذا الذي ذكره الصاحب في نظر ابن الأثير شيء واحد؛ لأنها ألفاظ متعددة تؤدي معاني واحدة.\rوقول الصاحب من كتاب \"وصل كتابه جامعًا من الفوائد, أشدها للشكر استحقاقًا, وأتمها للحمد استغراقًا، وتعرفّت من إحسان الله فيما وفر من سلامته، وهنأه من كرامته، أنفس موهوب ومطلوب، وأحمد مرقوب ومخطوب\" نقده ابن الأثير بأنَّ هذا كله متماثل المعاني متشابه الألفاظ٢.","footnotes":"١ انظر صفحة ٥٧ وما بعدها من هذه الطبعة.\r٢ انظر صفحة ٢١٤ وما بعدها من هذه الطبعة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358134,"book_id":3862,"shamela_page_id":8,"part":"1","page_num":10,"sequence_num":8,"body":"وقد أراد ابن الأثير أن ينفي عن نفسه مظنَّة التحامل على هذين الكاتبين الكبيرين والتعصب عليهما، فيما قدمه من الأمثلة المسجوعة للصابيّ والصاحب ابن عبَّاد، فقد يذهب بعض الناس إلى أن المآخذ فيها يسيرة لأنها جمل قصيرة، قد يقال: إنه التقطها التقاطًا من جملة رسائلهما الطويلة.\rوقد حاول أن يخرج نفسه من هذه التهمة، بأنه وجد للصابيّ تقليدًا بنقابة الأشراف العلويين ببغداد، وكان ابن الأثير قد أنشأ تقليدًا بنقابة الأشراف العلويين بالموصل، وقد أورد التقليدين في كتابه١، ليتأملهما الناظر، ويحكم بينهما إن كان عارفًا، أو يسأل عنهما العارف إن كان مقلدًا.\rوعلى الرغم من أن كلام ابن الأثير هنا غاية الوضوح؛ إذ أنه يحاول أن يقود القارئ إلى الحكم الذي يريد، وهو الحكم بتفوقه، أو تفوق كتابته على الصابي أو كتابته، فإنه يحاول أن يستر ما أظهر من انتقاصه، ولا يجد سبيلًا إلى ذلك إلّا أن يورد تقليد الصابي أولًا، لأنه كما يقول: \"المقدَّم زمانًا وفضلًا! \".\rومعنى ذلك أنه يريد أن يقول: إنه إذا كان قد بَذَّ المقدَّم زمانًا وفضلًا في نظر الناس, فهو أحق بالفضل والتقدمة، وإن تأخَّر به زمانه!\rوحين يرى وضوح الغاية من كلامه، يحاول أن يسترها بأنه لم يقصد بما أورد من كتابة الصابي وكتابته الوضع من منزلة الرجل: أو التهوين من خطر فنه.\rوقد يكون ذلك حقًّا، وقد يكون الوضع من شأن الصابي في حد ذاته لم يكن هدف ابن الأثير من هذه الكلمات وتلك الموازنات, وإنما كان القصد الحقيقيّ هو إثبات تفوقه عليه، وتمكُّنه من صناعة الكتابة في على درجة لم يستطع أن يصل إليها الصابي، أو غيره من أعلام الكُتَّاب، الذين اعترف لهم الناس بالإجادة والسبق.\rولذلك تراه يعترف بمنزلة الصابي، وبأن علم الكتابة قد رفعه، وأنه إمام هذا الفن، والواحد فيه، وأنه أجاد في السلطانيات كل الإجادة، وأحسن كل الإحسان، ولكنه في الإخوانيات مقصِّر، وكذلك في كتب التعازي، مع أن","footnotes":"١ تقليد الصابي في صفحة ٢٨٧-٢٥٩, وتقليد ابن الأثير في صفحة ٢٩٥-٣٠١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358135,"book_id":3862,"shamela_page_id":9,"part":"1","page_num":11,"sequence_num":9,"body":"التقليدين الذين سجلهما ابن الأثير، ووزانهما بتقليديه، إنما يدخلان في باب السلطانيات، ولا علاقة لهما بالرسائل الإخوانية أو بكتب التعازي!\rوهذا من أهم مظاهر اضطراب ابن الأثير، في تقدير الصابي بين الغاية والوسيلة، ففي هذا الكلام مدح جاري به المشهور الذي لا ينكره أحد، وذم أشبع به ما في نفسه من الزهو والغرور, فوصف الرجل بأن عقله في كتابته زائد على فصاحته وبلاغته، وزيادة العلم على المنطق هجنة، وزيادة المنطق على العلم خدعة!\rوقد يكون ابن الأثير على حقٍّ في كل ما قال، أو في أكثر ما قال مما نقد به أولئك الكُتَّاب من الناحية الفنية، وقد لا يكون كذلك، وإنما الغاية من سوق هذه الشواهد أن ابن الأثير قد عاش في جو الكتابة والكُتَّاب كاتبًا يقرأ كثيرًا، ويتعمَّق فيما يقرأ، ويبحث عن أسباب القوة وأسباب الضعف، ثم يعرض ذلك على ذهنه وبصيرته الفنية الواعية، ثم يكتب ما شاء أن يكتب مجردًا كتابته من أسباب الضعف، ومضيفًا إليها من أسباب القوة ما رآه يزيد في قدره، ويرفع من شأن كتابته، ومحققًا المثل التي تصورها لفن الكتابة.\rوكذلك كان ابن الأثير شاعرًا، وإن غلبت صناعة الكتابة على فنه الأدبي، ولذلك كان ما رُوِيَ له من الشعر قليلًا، وإنما ذكرنا ذلك لندلَّ على أن ابن الأثير كان يعبِّر عن تجربته شعرًا، كما عبَّر عنها نثرًا، وأنه فيما كتب في المثل السائر كان يستوحي طبيعته الفنية، قبل أن يتخيل الرسوم والقواعد التي تخيلها من قبله علماء البلاغة والنقد.\rوقد أقدم ابن الأثير على صناعة الأدب بعامَّة، وصناعة الكتابة بخاصة، بعد أن زود نفسه بآلاتها، وثقفها بألوان الثقافات التي عددها، وقد أحسَّ بالحاجة إليها كلَّما أوغل فيها، وأحسَّ أن خطورة هذا الفن، وبعد أثره لا تقلّ عن خطورة المناصب الرفيعة التي يتولاها صاحبه في قربه من الحكام، وفي تصريفه لأمور الدولة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358136,"book_id":3862,"shamela_page_id":10,"part":"1","page_num":12,"sequence_num":10,"body":"وما رأيك في رجل كان يحفظ القرآن، والحديث النبوي، ودواوين الشعراء، ويعرف من اللغة شاردها وواردها, ومن النحو أصوله وفروعه، ومن الصرف دقائقه، ومن الأخبار والأمثال ما يعيا بوعيه المختصون في كل لون من تلك الألوان، وهذه صورة من تلك الجهود المضنية التي بذلها في تكميل نفسه, يقول عن نفسه: وكنت جردت من الأخبار النبوية كتابًا يشتمل على ثلاثة آلاف خبر، كلها تدخل في الاستعمال، وما زلت أواظب على مطالعته مدة تزيد على عشر سنين، فكنت أنهي مطالعته في كل أسبوع مرة، حتى دار على ناظري وخاطري ما يزيد على خمسمائة مرة، وصار محفوظًا لا يشذَّ عني منه شيء.. \"ص١٥٠\".\rويقول في موضع آخر: واعلم أن المتصدي لحل معاني القرآن يحتاج إلى كثرة الدرس، فإنه كلما ديم على درسه ظهر من معانيه مالم يظهر من قبل، وهذا شيء جرَّبته وخَبَرْتُه، فإني كنت آخذ سورة من السور وأتلوها، وكلما مرَّ بي معنًى أثبته في ورقة مفردة، حتى أنتهي إلى آخرها، ثم آخذ في حل تلك المعاني التي أثبتها واحدًا بعد واحد، ولا أقنع بذلك حتى أعاود تلاوة تلك السورة، وأفعل ما فعلته أولًا، وكلما صقلتها التلاوة مرةً بعد مرةٍ ظهر في كل مرة من المعاني ما لم يظهر في التي قبلها.. \"ص١٣٥\".\rوأما معرفة ابن الأثير بالشعراء وحفظه الشعر فحدّث عنهما ما شئت، ولقد برزت آثار تلك المعرفة وذلك الحفظ واضحة في المثل السائر وغيره من آثار ضياء الدين، يقول في المثل: \"إني وقفت على أشعار الشعراء قديمها وحديثها، حتى لم أترك ديوانًا لشاعر مفلق يثبت شعره على المحك إلا وعرضته على نظري\", ويقول: \"ولقد وقفت من الشعر على كل ديوان ومجموع، وأنفدت شطرًا من العمر في المحفوظ منه والمسموع، فألفيته بحرًا لا يوقف على ساحله، وكيف ينتهي إلى إحصاء قول لم تحص أسماء قائله\". ثم يقول: \"ولقد مارست من الشعر كل أول وأخير, ولم أقل ما أقول فيه إلّا عن تنقيب وتنقير، فمن حفظ شعر الرجل، وكشف عن غامضه، وراض فكره برائضه، أطاعته أعنَّة الكلام، وكان قوله في البلاغة ما قالت حذام\".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358137,"book_id":3862,"shamela_page_id":11,"part":"1","page_num":13,"sequence_num":11,"body":"وبعد أن حصل ضياء الدين هذه الثروة الضخمة من فنِّ المنظوم، اقتصر منها على ما تكثر فوائده، وتتشعّب مقاصده، ويقول عن نفسه: \"لم أجد أجمع من ديوان أبي تمام وأبي الطيب للمعاني الدقيقة، ولا أكثر استخراجًا منهما للطيف الأغراض والمقاصد، ولم أجد أحسن تهذيبًا للألفاظ من أبي عبادة، ولا أنقش ديباجة، ولا أبهج سبكًا، فاخترت حينئذ دواوينهم، لاشتمالها على محاسن الطرفين من المعاني والألفاظ، ولما حفظتها ألغيت ما سواها، مع ما بقي على خاطري من غيرها.\rثم يؤكد هذا القول، وبفصل أسباب إيثاره لشعر أولئك الثلاثة الفحول، فيقول: \"ولم أكن ممن أخذ بالتقليد والتسليم في اتِّباع من قصر نظره على الشعر القديم؛ إذ المراد من الشعر إنما هو إيداع المعنى الشريف في اللفظ الجزل واللطيف، فمتى وجد ذلك فكل مكان خيمت فهو بابل. وقد اكتفيت في هذا بشعر أبي تمام حبيب بن أوس، وأبي عبادة الوليد، وأبي الطيب المتنبي, وهؤلاء الثلاثة هم لات الشعر وعزاه ومناته، الذين ظهرت على أيديهم حسناته ومستحسناته، وقد حوت أشعارهم غرابة المحدثين إلى فصاحة القدماء، وجمعت بين الأمثال السائرة وحكمة الحكماء:\rأما أبو تمام, فإنه رب معان، وصيقل ألباب وأذهان، وقد شهد له بكل معنى مبتكر، لم يمش فيه على أثر، فهو غير مدافع عن مقام الإغراب، الذي برز فيه على الأضراب.\rوأما أبو عبادة البحتري فإنه أحسن في سبك الألفاظ على المعنى، وأراد أن يشعر فغنى، ولقد حاز طرفي الرقة والجزالة على الإطلاق، فبينا هو في شظف نجد؛ إذ تشبَّث بريف العراق. وسئل أبو الطيب المتنبي عنه وعن أبي تمام وعن نفسه، فقال: \"أنا وأبو تمام حكيمان, والشاعر البحتري\" ولعمري إنه أنصف في حكمه، وأغرب بقوله هذا عن متانة علمه، فإن أبا عبادة أتى في شعره بالمعنى المقدود من الصخرة الصماء، في اللفظ المصوغ من سلاسة الماء، فأدرك بذلك بعد المرام، مع قربه إلى الأفهام، وما أقول إلا أنه أتى في معانيه بأخلاطه الغالية، ورقي في ديباجة لفظه إلى الدرجة العالية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358138,"book_id":3862,"shamela_page_id":12,"part":"1","page_num":14,"sequence_num":12,"body":"وأما أبو الطيب المتنبي فإنه أراد أن يسلك مسلك أبي تمام، فقصرت عنه خطاه، ولم يعطه الشعر من قياده ما أعطاه، لكنه حظي في شعره بالحكم والأمثال، واختص بالإبداع في وصف مواقف القتال، وأنا أقول قولًا لست فيه متأثمًَا، ولا منه متلثمًا، وذاك أنه إذا خاض في وصف معركة كان لسانه أمضى من نصالها، وأشجع من أبطالها، وقامت أقواله للسامع مقام أفعالها، حتى تظن الفريقين قد تقابلا, والسلاحين قد تواصلا، فطريقه في ذلك تضل بسالكه، وتقوم بعذر تاركه، ولا شك أنه كان يشهد الحروب مع سيف الدولة بن حمدان، فيصف لسانه ما أدّى إليه عيانه\".\rولا شكّ في أن ضياء الدين كان صادقًا في كل وصف من تلك الأوصاف، التي آثر بها كل شاعر من أولئك الفحول، ولا يكاد يشك ناقد من النقاد في صحة ما ذكر من نعوت الشعر عند كل واحد منهم، ولكن مجال القول إنما هو في سعة اطلاع ابن الأثير على الشعر العربي قديمه ومحدثه، وإيثاره دواوين أولئك الثلاثة بالحفظ والاستظهار.\rولقد كان اطلاع ابن الأثير على هذا الشعر الكثير، وحفظه ما استطاع من نصوصه سببًا من أهم الأسباب في توسيع مجال دراسته البيانية، وكثرة ما اهتدى إليه من أحكام، أكثرها سديد مصيب, تظهر فيه شخصية الواثق بعلمه، المطمئن إلى حسن رأيه.\rوتطالعنا في ثنايا المثل السائر أسماء كثير من الكتب التي قرأها ابن الأثير، وفقه ما فيها، فأعانته على ما تعرض له من دراسة الأدب في فنونه المشهورة, وفي كل جزئية من جزئيات العمل الأدبي.\rفأنت تقرأ في هذا الكتاب كلامًا في النحو العربي، وفي علم التصريف, وفي فقه اللغة، فلا يسعك إلا أن تستجيد ما تقرأ، وإلّا أن تعترف بأنك أمام عالم من صفوة العلماء الثقات المختصين في كل فنِّ من تلك الفنون.\rوتقرأ كلامًا في التأويل وفي التفسير وفي الحديث النبوي، فيأخذك ما ترى من كثرة الاطلاع وسعة الباع في الفهم والتحصيل، وكأنك أمام عَلَمٍ من أعلام المفسرين والمحدثين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358139,"book_id":3862,"shamela_page_id":13,"part":"1","page_num":15,"sequence_num":13,"body":"وتقرأ أمثالًا وأخبارًا وشعرًا ونثرًا، فتعجب من هذا المحصول الذي عني ابن الأثير نفسه في تحصيله، وتعترف أنك أمام ثقافة لا تكاد تقف عند حد، أو تتوقف عند غاية من الغايات.\rوقد اعتمد ابن الأثير نفسه على كثر من أمهات، الكتب في كل فنٍّ من الفنون التي تعرَّض لها، وقد أشار إلى هذه المراجع في أثناء دراسته.\r١- فقد ذكر أن مما قرأ في التفسير تفسير البلاذري، وتفسير النقاش المسمَّى \"شفاء الصدور\".\r٢- وقرأ في الحديث النبوي كتاب \"الشهاب\"، وصحيح البخاري، وصحيح مسلم، والموطأ، والترمذي؛ وسنن أبي داود، وسنن النسائي، وغيرها من كتب الحديث.\r٣- وقرأ في الدين وأصوله \"إحياء علوم الدين\" وكتاب \"الأربعين\" للإمام أبي حامد الغزالي.\r٤- وقرأ في اللغة والتصريف كتاب \"الخصائص\" لأبي الفتح بن جني، وكتاب \"التصريف\" لأبي عثمان المازني، وكتاب \"الفصيح\" للإمام ثعلب، وكتاب \"إصلاح ما تغلط فيه العامة\" لأبي منصور الجواليقي، و\"مجمع الأمثال\" للميداني.\r٥- وكان مما قرأ من كتب الأدب وموسوعاته ودواوين الشعراء وشروحها: كتاب \"الأغاني\" لأبي الفرج الأصفهاني، وكتاب \"الروضة\" لمحمد بن يزيد المبرد، الذي وصفه بأنه كتاب جمعه، واختار فيه أشعار شعراء، بدأ فيه بأبي نواس، ثم بمن كان في زمانه، وانحسب على ذيله.\rكما قرأ كتاب \"العقد الفريد\" لابن عبد ربه، و\"ديوان الحماسة\" لأبي تمام، و\"البيان والتبيين\" لأبي عثمان الجاحظ، وقرأ \"مقامات الحريري\", ورسائل أبي إسحاق الصابي، ورسائل الصاحب بن عبَّاد، وشرح ديوان المتنبي لأبي الفتح ابن جني، و\"لزوم ما لا يلزم\" لأبي العلاء المعري، ومعجز أحمد له، وكما قرأ كتاب \"النقائض\"، وديوان الفرزدق، وأبي تمام، والمتنبي، وأبو نواس،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358140,"book_id":3862,"shamela_page_id":14,"part":"1","page_num":16,"sequence_num":14,"body":"والبحتري، وابن الرومي، وكشاجم، وديك الجن، وأبي العتاهية، والعباس بن الأحنف ... إلخ.\r٦- أما كتب البلاغة والبيان فقد قرأ أمهاتها، وأفاد منها، ونقدها، قال في خطبة المثل السائر: وقد ألف الناس فيه -علم البيان- كتبًا، وجلبوا ذهبًا، وحطبوا حطبًا، وما من تأليف إلّا وقد تصفحت شينه وسينه, وعلمت غثَّه وسمينه، فلم أجد ما ينتفع به في ذلك إلّا كتاب \"الموازنة\" لأبي القاسم الحسن بن بشر الآمدي، وكتاب \"سر الفصاحة\" لأبي محمد عبد الله بن سنان الخفاجي١.\rوقال في خطبة: \"الجامع الكبير\" بعد كلامه في أهمية علم البيان، وصعوبة مرامه: \"فشرعت عند ذلك في تطلبه، والبحث عن تصانيفه وكتبه، فلم أترك في تحصيله سبيلًا إلّا نهجته، ولا غادرت في إدراكه بابًا إلا ولجته، حتى اتَّضح عندي باديه وخافيه، وانكشفت لي أقوال الأئمة المشهورين فيه، كأبي الحسن علي بن عيسى الرماني، وأبي القاسم بن بشر الآمدي, وأبي عثمان الجاحظ، وقدامة بن جعفر الكاتب، وأبي هلال العسكري، وأبي العلاء محمد بن غانم المعروف بالغانميّ، وأبي محمد عبد الله بن سنان الخفاجي، وغيرهم ممن له كتاب يشار إليه، وقول تعقد الخناصر عليه٢.\rوأشهر كتب هؤلاء الأعلام التي تَتَّصل بهذا الفن هي النكت في إعجاز القرآن للرماني، والموازنة بين أبي تمام والبحتري للآمدي, والبيان والتبيين للجاحظ، وكتاب نقد الشعر، وكتاب الخراج وصناعة الكتابة، وكتاب جواهر الألفاظ، ثلاثتها لقدامة بن جعفر، وكتاب الصناعتين لأبي هلال العسكري، وكتاب صناعة الشعر للغانميّ، وكتاب سر الفصاحة لابن سنان الخفاجي.\rكما قرأ وأفاد من كتاب البديع الذي ألَّفه عبد الله بن المعتز، وكتاب الوساطة بين المتنبي وخصومه للقاضي أبي الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني، وكتاب حلية المحاضرة للحاتميّ، وكتاب دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة لعبد القاهر الجرجاني،","footnotes":"١ انظر صفحة \"٣٢\" من هذه الطبعة.\r٢ الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور, تحقيق الدكتور مصطفى جواد والدكتور جميل سعيد: ص٢, مطبعة المجمع العلمي العراقي, بغداد ١٣٧٥هـ.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358141,"book_id":3862,"shamela_page_id":15,"part":"1","page_num":17,"sequence_num":15,"body":"ومقدمة ابن أفلح البغدادي التي ذكر ابن الأثير أنه قصرها على تفصيل أقسام علم الفصاحة والبلاغة.\rبهذه الثقافة بل بتلك الثقافات التي حصلها، والعقول التي سبر أغوارها، اقتحم ابن الأثير ميدان البحث البلاغي، فكان كتابه مجموعة من الأفكار المأثورة عن أولئك العلماء الأعلام مزجها بأفكاره، وبدت شخصيته واضحة مستقلة بين سمات تلك الشخصيات، ولم يكتف بأن يكون جامعًا أو ناقلًا، بل أراد أن يكون مؤلفًا في البلاغة، ورائدًا من روَّاد علم البيان، بما أضاف وصحَّحَ، وعاب ونقد.\rومن هنا كان المثل السائر لونًا متميزًا من ألوان التأليف في البيان العربي، واستطاع على الرغم من كثرة الآثار فيه، ووفرة الدراسات المتباينة في هذا الكتاب أن يكون مرجعًا من مراجع البلاغة العربية، ولا يستغني عنه باحث من الباحثين فيها.\rوقد تأثَّر ابن الأثير في تلك الدراسة الخصبة التي نجدها في المثل السائر بعاملين مهمين؛ هما: العصر الذي عاش فيه، والفن الذي اشتغل به، ووصل به ما كان يشتهي من المنصب والجاه.\r١- فقد وصل ابن الأثير إلى قمة مجده, وذروة نضجه, أخريات القرن السادس الهجري وشطرًا كبيرًا من القرن السابع، فجاء بعد ازدهار البحوث البيانية ونضجها، واختلاف مناهج البحث، وتعدد الآراء في البيان، من رأى ينادي بتحكيم الذوق، إلى آخر يدعو إلى التقليد في النظر إلى الأدب, والحكم عليه إلى رأي ينادي بالموضوعية والمنهج العلمي، ويعنى بالتعريف والتنظيم وحصر الأقسام، إلى ذلك الأسلوب النقدي التحليلي النفسي الذي نراه في كتابي عبد القاهر: دلائل الإعجاز, وأسرار البلاغة، وما تميزا به من فكرة النظم التي تبناها عبد القاهر، وأرسى قواعدها في النقد والنظر إلى البيان, وما نادى به من النظرة الكلية للأدب والانتصار للمعنى.\rبل رأينا ما هو أكثر من ذلك: رأينا الصورة النهائية للبلاغة العربية قد تَمَّ وضعها","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358142,"book_id":3862,"shamela_page_id":16,"part":"1","page_num":18,"sequence_num":16,"body":"على يد السكاكي في كتابه المشهور، مفتاح العلوم، الذي نظَّم دراسة البلاغة، وقنَّنَ لها، وقسمها إلى علومها، وحدَّد مباحث كل فنٍّ منها.\r٢- وكذلك كان ابن الأثير كاتبًا من كتاب الدواوين، كتب للقاضي الفاضل في دولة صلاح الدين، كما كتب لأولاد صلاح الدين من بعده، والذي يعرف أساليب الكتابة في ذلك العصر الذي عمل فيه ابن الأثير يعرف أنها كانت تمتاز امتيازًا ظاهرًا بلزوم السجع واستعمال الجناس وبعض أنواع البديع واستخدام معاني الشعر وألفاظه في كتابه الرسائل، بحلِّ الأبيات السائرة والحكم المأثورة، حتى كادت الرسائل تكون شعرًا منثورًا، والاقتباس من كلام البلغاء، وتضمين الأفذاذ من أبيات الشعراء، ولما نبَّه شأن القاضي الفاضل أراد أن يحاكي كتاب المشارقة في البديع، فزاد عليهم وأربى، وجاراهم في التزام السجع والجناس والطباق، وزاد عليهم أن استعمل في رسالة كل أنواع البديع التي كانت فاشية وقتئذ في الشعر، كالتورية والاستخدام والتلميح وغيرها، وأكثر من حل المنظوم، والاقتباس من الآيات، وتضمين الأمثال ومشهور الأقوال، وأمعن في التشبيه والاستعارة حتى جاءت معاني رسائله منقادة لألفاظها وأساليبها.\rوقد كانت هاتان الناحيتان عظيمتا الأثر في ابن الأثير، وفي إدركه لمعنى البيان، كما تصوره في المثل السائر.\rتكلم ابن الأثير في خطبة كتابه عن أهمية علم البيان، وذكر أن منزلته في تأليف النَّظْمِ والنثر بمنزلة أصول الفقه للأحكام وأدلة الأحكام.\rويبدو من أول كلامه أنه رجل كثير الاعتداد بنفسه، والتباهي بعلمه، وكثيرًا ما جرَّه هذا الاعتداد إلى انتقاص غيره من الباحثين فيما بحث فيه, فقد ذكر أن الذين ألفوا في البيان من قبله ألفوا كتبًا، وجلبوا ذهبًا، وحطبوا حطبًا، وما من تأليف إلّا وقد تصفَّحه، وعلم غثَّه وسمينه، ثم لم يجد ما ينتفع به في ذلك إلا كتاب \"الموازنة\" للآمدي, وكتاب \"سر الفصاحة\" للخفاجي، والكتاب الأول هو الذي حظي بإعجابه، لأنه -كما يقول: أجمع أصولًا وأجدى محصولًا، مع أن المناسبة بين","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358143,"book_id":3862,"shamela_page_id":17,"part":"1","page_num":19,"sequence_num":17,"body":"الكتابين بعيدة، لأن كتاب الآمدي يعرض للشاعرين أبي تمام والبحتري، ويعرض شعرهما، ويوازن بينهما، ويعرض أقوال الأنصار والخصوم فيهما.\rأما كتاب الخفاجيّ فإنه يبحث بحثًا عامًّا في أصول الفصاحة والبلاغة والبيان, بما بحث عن أسرارها ودرس من فنونها.\rوقد عاب ابن الأثير كتاب سر الفصاحة بأن صاحبه أكثر مما قلَّ به مقدار كتابه من ذكر الأصوات والحروف والكلام عليها، ومن الكلام على اللفظة المقررة, وصفاتها مما لا حاجة إلى ذكره.\rولا يقنع من ذلك إلّا بأن يعود فيعيب الكتابين معًا، فيصفهما بأنهما قد أهملا من علم البيان أبوابًا، وربما ذكرا في بعض المواضع قشورًا أو تركا لبابًا!\rوشبيه بهذا الانتقاص وصفه لمقدمة ابن أفلح البغدادي في قوله: ووقعت على كتاب يقال له: \"مقدمة ابن أفلح البغدادي\" قد قصرها على تفصيل أقسام علم الفصاحة والبلاغة، وللعراقيين بها عناية، وهم واصفون لها، ومكبول عليها، ولما تأمَّلتها وجدتها قشورًا لا لبَّ تحتها؛ لأن غاية ما عند الرجل أن يقول: وأما الفصاحة فإنها كقول النابغة مثلًا، أو كقول الأعشى، أو غيرهما, ثم يذكر بيتًا من الشعر أو أبياتًا، وما بهذا نعرف حقيقة الفصاحة، حتى إذا وردت في كلام عرفنا أنه فصيح، بما عرفنا من حقيقتها الموجودة فيه، وكذلك يقول في غير الفصاحة.\rويذكر في موضع آخر أنه عثر على ضروب كثيرة من البيان في القرآن الكريم، وأنه لم يجد أحد تقدمه تعرض لذكر شيء منها، وهي إن عدت كانت في علم البيان بمقدار شطره، وإذا نظر إلى فوائد وجدت محتوية عليه بأسره، وأن الله هداه لابتداع أشياء لم تكن من قبله مبتدعة، ومنحه درجة الاجتهاد التي لا تكون أقوالها تابعة، وإنما هي متبعة.\rوأمثال هذا كثير في ثنايا المثل السائر الذي زيَّف فيه كثيرًا من آراء العلماء والبلاغيين والنقاد، وقد سبقت إشارات إلى حملاته على الأدباء والكُتَّاب ليبني على هذا الانتقاص إعجابه بنفسه، وزهوه بفنه، وإن كان في هذا الزهو شيء من الصدق، إلّا أن أخلاق العلماء وما اختصوا به من فضيلة التواضع يأبى إقراره على كل ما ذهب إليه في هذا الموضع وغيره.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358144,"book_id":3862,"shamela_page_id":18,"part":"1","page_num":20,"sequence_num":18,"body":"ولقد عرف كتاب \"المثل السائر\" في بيئات الثقافة العربية على أنه كتاب أدب، وعُرِفَ كذلك على أنه كتاب في أصول البلاغة العربية أحيانًا، وعلى أنه كتاب في النقد الأدبي أيضًا.\rوكان الذين عدَّوا المثل السائر كتاب أدب على حقٍّ، لأنهم وجدوا أنفسهم أمام دراسة خصبة في صناعة الأدب، وفي أشهر فنونه، وهي فنّ الشعر وفن الكتابة، ووجدوا فيه أصول للأدب تجمع صفاته، وتعرف بأركانه، وإشارات إلى عدد كبير من الأدباء الذين عرفهم تاريخ الأمة العربية، ونصوصًا من المنظوم والمنثور تمثل عصوره المختلفة، واتجاهاته المتباينة.\rوكان الذين عدوا هذا الكتاب من كتب النقد على حق أيضًا؛ لأنهم رأوه يفيض بكثير من الفكر والآراء الحرة في الأدب والأدباء، ولم يسلم من نقد ابن الأثير كثير من فحول الشعراء الذين يعرفهم تاريخ الأدب العربي بالإجلال والإكبار، كامرئ القيس، وتأبط شرًّا، والفرزدق، وأبي نواس وأبي تمام، وأبي الطيب المتنبي، وغيرهم من كبار شعراء العربية.\rوفي كثير من الأحيان نجد نقدًا موضوعيًّا، وفي كثير من الأحيان أيضًا نرى ابن الأثير لا يكتفي في النقد الأدبي بحكم المعرفة المستنيرة، بل يكبر من حكم الذوق السليم الذي يرى أنه أكبر من حكم القاعدة الموضوعية والمعرفة المحدودة، ويشجِّع على تربية هذا الذوق بكثرة القراءة ومداومة الاطلاع، فتراه يقول بالرغم من اعتداده بنفسه، والزهو بتأليفه: اعلم أيها الناظر في كتابي أن مدار علم البيان على حكم الذوق السليم الذي هو أنفع من ذوق التعليم، وهذا الكتاب إن كان فيما يلقيه إليك أستاذًا، وإذا سألت عمَّا ينتفع به في فنه قيل لك هذا! فإن الدربة والإدمان أجدى عليك نفعًا، وأهدى بصرًا وسمعًا، وهما يريانك الخبر عيانًا، ويجعلان عسرك من القول إمكانًا، وكل جارحة منك قلبًا ولسانًا، فخد من هذا الكتاب ما أعطاك، واستنبط بإدمانك ما أخطاك، وما مثلي فيما مهدته لك من هذا الطريق إلا كمن طبع سيفًا، ووضعه في يمينك لتقاتل به، وليس عليه أن يخلق لك قلبًا، فإن حمل النصال غير مباشرة القتال!.\rثم إن هذا الكتاب معدود من أمهات الكتب في البلاغة العربية، ومرجعًا من أهم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358145,"book_id":3862,"shamela_page_id":19,"part":"1","page_num":21,"sequence_num":19,"body":"مراجعها، بما حوى من فنونها الكثيرة المنثورة في بطون الكتب المختلفة في موضوعاتها، المتباينة في مناهجها.\rويمتاز كتاب ابن الأثير من بين أكثر كتب البلاغة بأنه درس تلك الفنون دراستين:\rإحداهما: دراسة قاعدية، عني فيها بالحدود والتعاريف وحصر الأقسام، وجمع فيها كل ما استطاع جمعه من معالمها التي اهتدى إليها الذين سبقوه إلى البحث البلاغي، وهو في كثير من المواضع يصحح أخطاءهم، ويضيف إلى تحديداتهم ما جعلها جامعة مانعة على الوجه الذي يهتدي إليه، وبالنظر الذي يهتدى به.\rوالأخرى: دراسة نقدية، وفيها ألمَّ بكثير من العيوب التي يقع فيها مستعملو تلك الفنون في أشعارهم أو خطبهم أو كتاباتهم.\rولذلك كان من الممكن أن يقال: إن ابن الأثير قد جمع في المثل السائر كثيرًا من أصول البلاغة العربية والنقد الأدبي، وأنه وحَّد هذين الفنين الجمالين، ومزجهما، وأعادهما إلى طبيعتها التي تنفر من الأسلوب القاعدي الجاف، وخلطهما بنصوص من الأدب وآراء فيه أكثرها جيد مصيب.\rومن جيد ما وفِّقَ إليه من النظرات الصائبة في هذا الكتاب محاولته التفريق بين مهمة البياني، ومهمة كل من النحوي واللغوي، ويقول في ذلك: إن موضوع علم البيان هو الفصاحة والبلاغة، ويسأل صاحب هذا العلم عن أحوالها اللفظية والمعنوية، ويشترك هو والنحوي أو اللغوي في أن الثاني ينظر في دلالته على المعاني من جهة الوضع اللغوي، وتلك دلالة عامة.\rأما صاحب البيان فإن له نظرةً فوق هذه النظرة؛ لأنه ينظر في فضيلة تلك الدلالة، التي هي دلالة خاصة، والمراد بها أن يكون الكلام على هيئة مخصوصة من الحسن، وذلك أمر وراء اللغة والنحو والإعراب، ألا ترى أن النحو يفهم معنى الكلام المنظور والمنثور، ويعلم مواقع إعرابه، ومع ذلك فإنه لا يفهم ما فيه من أسرار الفصاحة والبلاغة؟ وهذا هو السر في خطأ مفسري الأشعار؛ لأنهم اقتصروا على شرح","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358146,"book_id":3862,"shamela_page_id":20,"part":"1","page_num":22,"sequence_num":20,"body":"معناها، وما فيها من الكلمات اللغوية، وتبيين مواضع الإعراب منها، دون العناية بشرح ما تضمنته من أسرار الفصاحة والبلاغة.\rوهذا كلام جيد؛ لأن ابن الأثير يفرِّق فيه بين أمرين هامين، ينبغي أن يكون التفريق بينهما أساسًا لفهم مهمة اللغوي أو النحوي، ومهمة الناقد أو صاحب البيان.\rذلك أن هناك علومًا تتخصَّص في البحث عن صحة العبارة، من حيث صحة مفرداتها، وصحة دلالتها على معانيها، وصحة التركيب الذي توضع فيه وضعًا صحيحًا على حسب ما يقتضي المعنى وفقًا لقواعد النحو والإعراب، وتلك مهمة علماء اللغة الذين يبحثون في بنية الكلمة، وفي دلالتها على معناها، طبقًا للوضع اللغوي، وفهم أصحاب اللغة لتلك الدلالة، وهي مهمة علماء النحو والإعراب الذين يبحثون في صحة ضبط كل لفظ في الجملة على حسب موقعه من العبارة ضبطًا يوافق ما جرى عليه العرب في ذلك الضبط، وما بنيت عليه قواعد النحو والإعراب التي استنبطها أولئك العلماء بالقياس على نهج العرب في كلامهم.\rثم إن هنالك علومًا أخرى لا تقف عند تلك المسائل التقليدية المعروفة, ولكنها تعالج النواحي الجمالية في الأعمال الأدبية على حسب التقاليد الفنية المعروفة التي استنَّها كبار الأدباء، والقواعد المستقاة من مظاهر الحسن التي توافرت للفن الأدبي المأثور عن أولئك الأدباء، نتيجة لطول المدارسة والموازنة بين نصٍّ ونصٍّ، وبين أديبٍ وأديبٍ, وتلك مهمة النقاد أو البلاغين، أو علماء البيان.\rوالنظرة الأولى من هاتين النظرتين عامة، تتناول العبارة المقولة، والعبارة المكتوبة بكل أنواعها، سواء أكانت تلك العبارة عبارة علمية تخاطب العقل، أم كانت عبارة أدبية تخاطب المشاعر، وتثير العاطفة والوجدان, وسواء أكانت في أعلى درجات السموِّ، أم كانت هابطة إلى مستوى لغة التفاهم التي تجري بين الناس، ولا تسموا عن العامية إلّا بصحة كلماتها، وسلامة تركيبها.\rأما النظرة الأولى فإنها تختص بالعبارة الأدبية، أو الأسلوب الفني، الذي يعتمد عليه الشعر والخطابة، وسائر أساليب الكتابة الفنية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358147,"book_id":3862,"shamela_page_id":21,"part":"1","page_num":23,"sequence_num":21,"body":"ومن تلك المسائل أيضًا، مما انفرد به ابن الأثير برأي، أنه في سبيل بحثه عن فصاحة اللفظة المفردة عرض للحوشي من الألفاظ الذي أنكره النقاد، وأجمعوا على إخلاله بالفصاحة، ولكن ضياء الدين يرى أن هذا الوحشي خفي على جماعة من المنتمين إلى صناعة النظم والنثر، وظنُّوه المستقبَح من الألفاظ، وليس كذلك، وذلك أن الوحشي منسوب إلى اسم الوحش الذي يسكن القفار، وليس بأنيس. وكذلك الألفاظ التي لم تكن مأنوسة الاستعمال، وليس من شرط الوحش أن يكون مستقبحًا، بل أن يكون نافرًا، فتارة يكون حسنًا، وتارة يكون قبيحًا.\rويبنى على هذا أن الوحشي ينقسم إلى قسمين:\rأحدها الوحشي الذي جاءت إليه هذه الصفة من غرابته، وهو يختلف باختلاف النسب والإضافات.\rوأما القسم الآخر من الوحشي فقبيح، والناس في استقباحه سواء، ولا يختلف فيه عربي باد، ولا قروي متحضر.\rوعلى هذا يكون اللفظ عند ابن الأثير أنواعًا:\r١- ما تداول استعماله الأول والآخر من الزمن القديم إلى زماننا هذا، ولا ينعت بالوحشية أو الحوشية، وهذا هو الحسن من الألفاظ.\r٢- وما تداول استعماله الأول دون الآخر، ويختلف في استعماله بالنسبة إلى الزمن وأهله، وهذا هو الذي لا يعاب استعماله عند العرب؛ لأنه لم يكن عندهم وحشيًّا، وهو عندنا وحشي.\r٣- الوحشي الغليظ، ويسمَّى أيضًا المتوعِّر، وليس وراءه في القبح درجة أخرى، ولا يستعمله إلّا أجهل الناس، ممن لم يخطر بباله شيء من معرفة هذا الفن, وإذا ورد كرهه السمع، وثقل على اللسان النطق به.\rوإذا كان معنى الحوشي عند ابن الأثير هو الغريب، فإن العرب لا تلام على استعمال الغريب الحسن، وإنما تلام على استعمال الغريب القبيح.\rوأما الحضري فإنه يلام على استعمال القسمين معًا، وهو في أحدهما أحق بالملاءمة من الآخر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358148,"book_id":3862,"shamela_page_id":22,"part":"1","page_num":24,"sequence_num":22,"body":"وفي هذا الكتاب أدلى ابن الأثير بكثير من الآراء النقدية التي لها اعتبارها في موازين النقد الأدبي، وتراه في كثير من الأحيان لا يرضى بآراء الغير, بل يبسط الرأي الذي يراه، والذي يتمشَّى مع ذوقه، والذي يساير -في أكثر الأحيان- الفكرة النقدية السليمة، التي لا يسع القارئ إلّا الإقرار بها والإذعان لها، والشهادة لابن الأثير بالذوق السليم, ومن ذلك هذا العيب الذي سماه أبو هلال العسكري \"التضمين\" وسماه قدامة بن جعفر \"المبتور\", وهو أن يطول المعنى عن أن يحتمل العروض تمامه في بيت واحد، فيقطعه بالقافية، ويتمِّمُه في البيت الثاني.\rوعند أبي هلال العسكري أن التضمين هو أن يكون الفصل الأول مفتقرًا إلى الفصل الثاني، والبيت الأول محتاجًا إلى الأخير.\rومرجع هذا العيب في نظرهم أن نقَّاد الشعر العربي قد درجوا على أن وحدة الشعر هي البيت لا القصيدة، ولهذا عدّوا احتياج البيت إلى ما بعده, ليتمم معناه عيبًا من العيوب التي يجب على الشاعر المجيد أن يتجنبها، وهم لا يقصرون هذا العيب على الشعر، بل يجملونه على النثر أيضًا، إذا كانت الفقرة التي تليها.\rوهذا الاعتبار لا يخفى فساده؛ لأن القصيدة ينبغي أن تكون وحدة متماسكة، والحكم على الشعر أو الشاعر ببيت واحد لا يخلو من ظلم وتعسف، واحتجاجهم بأن خير الشعر ما كان البيت فيه قائمًا بنفسه، مستقلًّا عمَّا قبله وعمَّا بعده، حتى يكون كالمثل يصلح للاقتباس، ويصلح للاستشهاد، فيه خروج عن طبيعة الشعر الذي لا يتحرَّى الحكمة وإن كانت فيه, وإنما القصيدة من الشعر أو الفصل من النثر يحدث تأثيره بمجموعه الكلي، حين يحس القارئ أو السامع بالنشوة أو الطرب أو الانفعال، حين يتم قراءة القصيدة من الشعر، أو الفصل من النثر، وإلا فقد جوزنا للشاعر -حين نقصر النظر على البيت الواحد- أن يرضينا في بيت، وأن يسخطنا في تاليه، ويكون الأول في غاية الجودة، ويكون الثاني كذلك، من غير نظر إلى تتابع الأفكار وتناسق الصور، ولا بأس حينئذ بالتعارض أو التناقض على رأيهم.\rنعم! قد يكون ذلك عيبًا إذا لم تتمّ الكلمة في البيت, وأتَمَّها الشاعر في البيت الثاني، كتلك الأبيات التي نقلها الخفاجي في سر الفصاحة، ووصفها بأنها قبيحة ظاهرة التكلف، أما احتياج بعض الكلام إلى بعض فلا عيب فيه، بل هو دليل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358149,"book_id":3862,"shamela_page_id":23,"part":"1","page_num":25,"sequence_num":23,"body":"التماسك والترابط بين أجزاء النص الأدبي، وهذا هو المحمود الذي يكون به بعض جزاء الكلام آخذًا برقاب بعض.\rولا يقرّ ابن الأثير أولئك النقاد فيما ذهبوا إليه، فيقول: إن المعيب عند قوم \"تضمين الإسناد\", وذلك يقع في بيتين من الشعر أو فصلين من الكلام المنثور، على أن يكون الأول منهما مسندًا إلى الثاني، فلا يقوم الأول ولا يتمّ معناه إلّا بالثاني، وهذا هو المعدود من عيوب الشعر، وهو عندي غير معيب؛ لأنه إن كان سبب عيبه أن يعلق البيت الأول على الثاني, فليس ذلك بسبب يوجب عيبًا؛ إذ لا فرق بين البيتين من الشعر في تعلق أحدهما بالآخر، وبين الفقرتين من الكلام المنثور في تعلق إحداهما بالأخرى؛ لأن الشعر هو كل لفظ موزون مقفَّى دلَّ على معنى.\rوالكلام المسجوع هو كل لفظ مقفَّى دل على معنى، فالفرق بينهما يقع في الوزن لا غير، والفقر المسجوعة التي يرتبط بعضها ببعض قد وردت في القرآن الكريم في مواضع منه، فمن ذلك قوله ﷿ في سورة الصافات: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ، قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ، يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ، أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ . فهذه الفقر الثلاث الأخيرة مرتبط بعضها ببعض، فلا تفهم كل واحد منهن إلّا بالتي تليها، وهذا كالأبيات الشعرية في ارتباط بعضها ببعض، ولو كان ذلك عيبًا لما ورد في كتاب الله ﷿. وكذلك ورد قوله تعالى في سورة الصافات أيضًا: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ، مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ، إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ ، فالآيتان الأوليان لا تفهم إحداهما إلا بالأخرى، وهكذا ورد قوله ﷿ في سورة الشعراء: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ، ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ، مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ .\rفهذه ثلاث آيات لا تفهم الأولى ولا الثانية إلا بالثالثة، ألا ترى أن الأولى والثانية في معرض استفهام يفتقر إلى جواب، والجواب هو في الثالثة, وقد استعمله العرب كثيرًا، وورد في شعر فحول شعرائهم، فمن ذلك قول الشاعر:\rومن البلوى التي ليس ... لها في الناس كنه\rأن من يعرف شيئًا ... يدَّعي أكثر منه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358150,"book_id":3862,"shamela_page_id":24,"part":"1","page_num":26,"sequence_num":24,"body":"ألا ترى أن البيت الأول لم يقم بنفسه، ولا تَمَّ معناه إلّا بالبيت الثاني؟ ومنه أيضًا قول امرئ القيس:\rفقلت له لما تمطَّى بصلبه ... وأردف أعجازًا وناء بكلكل\rألا أيها الليل الطويل ألا أنجل ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل\rوكذلك ورد قول الفرزدق:\rوما أحدٌ من الأقوام عدوا ... عروف الأكرمين إلى التراب\rبمحتفظين إن فضلتمونا ... عليهم في القديم ولا غضاب\rوكذلك قول الشاعر:\rلعمري لرهط المرء خير نقية ... عليه وإن عالوا به كل مركب\rمن الجانب الأقصى وإن كان ذا غنى ... جزيل ولم يخبرك مثل مجرب\rوبهذه الحافظة الواعية يؤيد ابن الأثير قوله، جاعلًا أمامه الكتاب الكريم، وهو المثل الأعلى للبيان والبلاغة، وشعر الفحول من السابقين \"كلامه يوافق الرأي الذي يجب أن يحتذى، وإن لم يذكر له من أسباب التأييد والتعليل سوى ورود أمثاله في غرر الكلام، وأما العلة الأدبية فتلتمس في مثل ما قدمناه.\rويعد ابن الأثير من أعظم نقاد العرب الذين درسوا السرقات الشعرية وفصَّلوا القول في ضروبها، ويعد المثل السائر من أعظم الكتب التي درس فيها هذا الموضوع دراسة خصبة مجدية، يرجع إليها الباحثون في هذا الموضع الذي يشتمل في كثير من أصول النقد عند العرب.\rتلك بعض لمحات مما اشتمل عليه هذا الأثر النفيس الذي احتلَّ منزلته بحق بين أصول البلاغة والنقد الفني عند العرب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358151,"book_id":3862,"shamela_page_id":25,"part":"1","page_num":27,"sequence_num":25,"body":"ترجمة ابن الأثير ١:\rهو أبو الفتح نصر الله بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني، المعروف بابن الأثير الجزري، الملقب ضياء الدين.\rكان مولده بجزيرة ابن عمر ونشأ بها، وانتقل مع والده إلى الموصل، وبها اشتغل، وحصل العلوم، وحفظ كتاب الله الكريم، وكثيرًا من الأحاديث النبوية، وطرفًا صالحًا من النحو واللغة وعلم البيان، وشيئًا كثيرًا من الأشعار.\rولما كملت لضياء الدين المذكور الأدوات قصد جناب الملك الناصر صلاح الدين -تغمَّده الله برحمته- في شهر ربيع الأول سنة سبع وثمانين وخمسمائة، فوصله القاضي الفاضل بخدمة صلاح الدين في جمادى الآخرة من تلك السنة، وأقام عنده إلى شوال من السنة.\rثم طلبه ولده الملك الأفضل نور الدين من والده، فخيَّره صلاح الدين بين الإقامة في خدمته، والانتقال إلى ولده، ويبقى المعلوم الذي قرره له باقيًا عليه، فاختار ولده، فمضى إليه، وكان يومئذ شابًّا، فاستوزره ولده الملك الأفضل نور الدين على المقدَّم ذكره -رحمه الله تعالى، وحسنت حاله عنده.\rولما توفي السلطان صلاح الدين، واستقلَّ ولده الملك الأفضل بمملكة دمشق، استقلَّ ضياء الدين المذكور بالوزارة، وردت أمور الناس إليه، وصار الاعتماد في جميع الأحوال عليه.\rولما أخذت دمشق من الملك الأفضل، وانتقل إلى صرخد، وكان ضياء الدين قد أساء العشرة من أهلها، فهموا بقتله، فأخرجه الحاجب محاسن بن عجم","footnotes":"١ مختصرة من وفيات الأعيان لابن خلكان ٢/ ٢٠٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358152,"book_id":3862,"shamela_page_id":26,"part":"1","page_num":28,"sequence_num":26,"body":"مستخفيًا في صندوق مقفل عليه، ثم سار إليه، وصحبه إلى مصر لما استدعي لنيابة ابن أخيه الملك المنصور.\rولما قصد الملك العادل الديار المصرية، وأخذها من ابن أخيه، وتعوض الملك الأفضل البلاد الشرقية، وخرج من مصر، لم يخرج ضياء الدين في خدمته؛ لأنه خاف على نفسه من جماعة كانوا يقصدونه، فخرج منها مستترًا.\rوغاب عن مخدومه الملك الأفضل مُدَيْدَة, ولما استقرَّ الأفضل في سميساط عاد إلى خدمته، وأقام عنده مدة، ثم فارقه في ذي القعدة سنة ٦٠٧هـ واتصل بخدمة أخيه الملك الظاهر غازي صاحب حلب, فلم يطل مقامه عنده ولا انتظم أمره، وخرج مغاضبًا، وعاد إلى الموصل، فلم يستقم حاله، فورد إربل، فلم يستقم حاله, فسافر إلى سنجار، ثم عاد إلى الموصل، واتخذها دار إقامته، واستقرَّ وكتب الإنشاء لصاحبها ناصر الدين محمود بن الملك القاهر عز الدين مسعود بن نور الدين أرسلان شاه، وأتابك يومئذ بدر الدين أبو الفضائل النوري، وذلك في سنة ٦١٨هـ.\rقال ابن خلكان: ولقد ترددت إلى الموصل من إربل أكثر من عشر مرات وهو مقيم بها، وكنت أود الاجتماع به لآخذ عنه شيئًا، ولما كان بينه وبين الوالد -رحمه الله تعالى- من المودة الأكيدة، فلم يتفق ذلك، ثم فارقت بلاد المشرق، وانتقلت إلى الشام، وأقمت به مقدار عشر سنين، ثم انتقلت إلى الديار المصرية، وهو في قيد الحياة، ثم بلغني بعد ذلك خبر وفاته وأنا بالقاهرة.\rولضياء الدين من التصانيف، الدالة على غزارة فضله، وتحقيق نبله كتابه الذي سماه \"المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر\" وهو في مجلدين جمع فيه فأوعى، ولم يترك شيئًا يتعلق بفنِّ الكتابة إلا ذكره، ولما فرغ من تصنيفه كتبه الناس عنه، فوصل إلى بغداد منه نسخة.\rوله كتاب \"الواشي المرقوم في حل المنظوم\" وهو مع وجازته في غاية الحسن والإفادة.\rوله كتاب المعاني المخترعة في صناعة الإنشاء، وهو أيضًا نهاية في بابه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358153,"book_id":3862,"shamela_page_id":27,"part":"1","page_num":29,"sequence_num":27,"body":"وله مجموع اختار فيه شعر أبي تمام، والبحتري وديك الجن والمتنبي، وهو في مجلد واحد كبير، وحفظه مفيد.\rوله أيضًا ديوان ترسل في عدة مجلدات، والمختار منه في مجلد واحد.\rوذكر أبو البركات بن المستوفى في تاريخ إربل، وبالغ في الثناء عليه, وقال: ورد إربل في شهر ربيع الأول سنة ٦١١هـ, وكانت ولادته بجزيرة ابن عمر في يوم الخميس العشرين من شعبان سنة ٥٥٨هـ, وتوفي في إحدى الجماديين سنة ٦٣٧هـ ببغداد, وقد توجه إليها رسولًا من جهة صاحب الموصل، وصُلِّيَ عليه من الغد بجامع القصر، ودفن بمقابر قريش في الجانب الغربي بمشهد موسى بن جعفر ﵄.\rقال أبو عبد الله محمد بن النجار البغدادي في تاريخ بغداد, توفي يوم الاثنين التاسع والعشرين من شهر ربيع الآخر من السنة، وهو أخبر؛ لأنه صاحب هذا الفن، وقد مات عندهم.\rولضياء الدين أخوان نابهان, مجد الدين أبو السعادات المبارك، وأبو الحسن علي الملقب عز الدين، وكان الإخوة الثلاثة فضلاء نجباء رؤساء، لكل واحد منهم تصانيف نافعة -رحمهم الله تعالى.\rوكان لضياء الدين المذكور ولد نبيه له النظم والنثر الحسن، وصنَّف عدة تصانيف نافعة، من مجاميع وغيرها، ورأيت له مجموعًا جمعه الملك الأشرف ابن الملك العادل بن أيوب، وأحسَّ فيه، وذكر فيه جملة من نظمه ونثره ورسائل أبيه، ومولده بالموصل في شهر رمضان سنة ٥٨٥هـ، وتوفي بكرة نهار الاثنين ثاني جمادى سنة ٦٢٢, واسمه محمد، ولقبه الشرف -رحمه الله تعالى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358154,"book_id":3862,"shamela_page_id":28,"part":"1","page_num":33,"sequence_num":28,"body":"خطبة الكتاب:\r﷽\rنسأل الله ربنا أن يبلغ بنا من الحمد ما هو أهله، وأن يعلمنا من البيان ما يقصر عنه مزية الفضل وأصله، وحكمة الخطاب وفضله، ونرغب إليه أن يوفقنا للصلاة على نبينا ومولانا محمد رسوله, الذي هو أفصح من نطق بالضاد, ونسخ هديه شريعة كل هاد, وعلى آله وصحبه الذي منهم من سبق وبدر، ومنهم من صابر وصبر، ومنهم من آوى ونصر.\rوبعد؛ فإن علم البيان لتأليف النظم والنثر بمنزلة أصول الفقه١ للأحكام وأدلة الأحكام، وقد ألَّف الناس فيه كتبًا، وجلبوا ذهبًا وحطبًا, وما من تأليف إلّا وقد تصفَّحت شِينَه وسِينَه٢، وعلمت غَثَّه٣ وسَمِينَه، فلم أجد ما ينتفع يه في ذلك إلّا كتاب \"الموازنة\" لأبي القاسم الحسن بن بشر الآمدي٤، وكتاب \"سر الفصاحة\" لأبي","footnotes":"١ أصول الفقه: هي القواعد التي يتوصَّل بها المجتهد إلى استنباط الأحكام الشرعية الفرعية من الأدلة التفصيلية.\r٢ يريد أنه تصفَّحه كله, حاليه وعاطله, ومعجمه ومهمله.\r٣ الغثّ: المهزول.\r٤ أبو القاسم الحسن بن بشر الآمدي، صاحب كتاب الموازنة بين الطائيين، كان حسن الفهم جيد الدراية والرواية، سريع الإدراك، وهو معدود من أئمة البيان والنقد الأدبي، وصفه صاحب الفهرست بأنه مليح التصنيف جيد التأليف, يتعاطى مذهب الجاحظ فيما يعمله من الكتب، وله من الكتب: كتاب المختلف والمؤتلف في أسماء الشعراء، وكتاب معاني شعر البحتري، وكتاب نثر المنظوم، وكتاب الرد على ابن عمَّار فيما خطَّأ فيه أبا تمام، وكتاب في أنّ الشاعرين لا تتفق خواطراهما، وكتاب ما في معيار الشعر لابن طباطبا من الخطأ، وكتاب فرق ما بين الخاص والمشترك من معاني الشعر، وكتاب تفصيل شعر امرئ القيس على الجاهيلين، وكتاب في شدة حاجة الإنسان أن يعرف نفسه، وكتاب نقد الشعر، وكتاب فعلت وأفعلت، وكتاب الحروف، وديوان شعره.\rونقل ياقوت عن القاضي أبي القاسم التنوخي أن مولد أبي القاسم الحسن بن بشر الآمدي بالبصرة, وأنه قدم بغداد يحمل عن الأخفش والخفاجي والزجاج وابن دريد وابن السراج وغيرهم اللغة والنحو. وروى الأخبار في آخر عمره بالبصرة، وكان يكتب بمدينة السلام لأبي جعفر هارون بن محمد الضبي ولغيره، وكتب بالبصرة لآل عبد الواحد وغيرهم ... وكان كثير الشعر حسن الطبع، جيد الصنعة، مشتهرًا بالتشبيهات، قال: ولأبي القاسم تصانيف كثيرة جيدة مرغوب فيها، منها كتاب الموازنة بين البحتري وأبي تمام، وهو كتاب حسن، وإن كان قد عيب عليه في مواضع منه، ونسب إلى الميل مع البحتري فيما أورده, والتعصب على أبي تمام فيما ذكره. توفي الآمدي سنة ٣٧٠هـ, وقد طبع كتاب الموازنة عدة طبعات كلها ناقصة، وبين أيدينا نسخة كاملة من هذا الكتاب -نسأل الله أن يعين على نشرها وتحقيقها- إن لم يقم بهذا الواجب غيرنا.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358155,"book_id":3862,"shamela_page_id":29,"part":"1","page_num":34,"sequence_num":29,"body":"محمد عبد الله بن سنان الخفاجي١، غير أن كتاب الموازنة أجمع أصولًا، وأجدى محصولًا، وكتاب سر الفصاحة وإن نبَّه فيه على نكتٍ منيرة, فإنه قد أكثر مما قلَّ به مقدرًا كتابه، من ذكر الأصوات والحروف والكلام عليها, ومن الكلام على اللفظة المفردة وصفاتها, مما لا حاجة إلى أكثره٢، ومن الكلام في مواضع شذَّ عنه الصواب فيها، وسيرد بيان ذلك كله في مواضع من هذا الكتاب -إن شاء الله تعالى, على أن كلا الكتابين قد أهملا من هذا العلم أبوابًا، ولربما ذكرا في بعض المواضع قشورًا, وتركا لبابًا.\rوكنت عثرت على ضروب كثيرة منه٣ في غضون القرآن الكريم، ولم أجد أحدًا ممن تقدمني تعرض لذكر شيء منها، وهي إذا عُدَّتْ كانت في هذا العلم بمقدار شطره، وإذا نظر إلى فوائدها وجدت محتوية عليه بأسره، وقد أوردتها ههنا، وشفعتها بضروب أخر مدونة في الكتب المتقدمة، بعد أن حذفت منها ما حذفته، وأضفت إليها ما أضفته، وهداني الله لابتداع أشياء لم تكن من قبلي مبتدعة، ومنحني درجة الاجتهاد التي لا تكون أقوالها تابعة وإنما هي متَّبعة، وكل ذلك يظهر عند الوقوف على كتابي هذا وعلى غيره من الكتب، وقد بنيته على مقدمة ومقالتين:","footnotes":"١ أبو محمد عبد الله بن محمد بن سعيد بن سنان الخفاجي، من بني خفاجة الذين كانوا ينزلون بأعمال حلب، وكان أبوه من أشرافها، وقد أخذ العلم والأدب عن علماء عصره، ثم اتَّصل بأبي العلاء أحمد بن سليمان المعري, فأخذ عنه العلم والأدب، وكان يرى رأي الشيعة، وتولَّى بعض أعمال الدولة، حتى ثار على ولاته، ومات مسمومًا سنة ٤٦٦هـ، وكتابه \"سر الفصاحة\" من أنفس كتب البلاغة، سار فيه بالبلاغة والنقد سيرًا مزودجًا فيه التعريف والتحديد، وإلى جانبه النص والمثال، وإلى جانبهما الرأي في الإصابة أو سوء الاستعمال، مما يدل على تمرُّسه بفن الأدب، وتمتُّعه بالذوق المستنير، وقد طبع في مصر طبعتين جيدتين.\r٢ لا عبرة بهذا النقد؛ لأن الخفاجي في كلامه على الأصوات وعلى الحروف ذكر منها ما يؤلف وما لا يؤلف، ولذلك من بعد الأثر في وقع الكلام على السمع والذوق, وتقديره عند أهل صناعة البيان ما لا يخفى، وكلام الخفاجي على اللفظة المفردة من أمتع الدراسات النقدية, وهو أصل لما كتب البلاغيون في فصاحة الكلمة وفصاحة الكلام في مقدمات كتب البلاغة, بل إن ابن الأثير نفسه قد درس الكلمة المفردة وصفاتها في هذا الكتاب، وأفاد كما أفاد غيره من تلك الدراسة المنظَّمة التي مهد سبيلها الخفاجي.\r٣ الضمير في \"منه\" عائد إلى \"علم البيان\" الذي ذكر من قبل.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358156,"book_id":3862,"shamela_page_id":30,"part":"1","page_num":35,"sequence_num":30,"body":"فالمقدمة تشتمل على أصول علم البيان، والمقالتان تشتملان على فروعه، فالأولى: في الصناعة اللفظية، والثانية: في الصناعة المعنوية.\rولا أدعي فيما ألفته من ذلك فضيلة الإحسان، ولا السلامة من سبق١ اللسان، فإن الفاضل من تُعَدُّ سقطاته، وتحصى غلطاته، ويسيء بالإحسان ظنًّا، لا كمن هو بابنه وبشعره مفتون. وإذا تركت الهوى قلت: إن هذا الكتاب بديع في إغرابه، وليس له صاحب في الكتب, فيقال: مفرد بين أصحابه، إنه من أخدانه، أو من أترابه٢.\rومع هذا فإني أتيت بظاهر هذا العلم دون خافيه، وحمت حول حماه ولم أقع فيه؛ إذ الغرض إنما هو الحصول على تعليم الكلم التي بها تنظم العقود وترصَّع، وتخلب العقول فتخدَع، وذلك شيء تحيل عليه الخواطر، لا تنطق به الدفاتر.\rواعلم أيها الناظر في كتابي أن مدار علم البيان على حاكم الذوق السليم، الذي هو أنفع من ذوق التعليم، وهذا الكتاب وإن كان فيما يلقيه إليك أستاذًا، وإذا سألت عمَّا ينتفع به في فنه قيل لك هذا! فإن الدربة والإدمان أجدى عليك نفعًا، وأهدى بصرًا وسمعًا، وهما يريانك الخبر عيانًا، ويجعلان عسرك من القول إمكانًا، وكل جارحة منك قلبًا ولسانًا، فخذ من هذا الكتاب ما أعطاك, واستنبط بإدمانك ما أخطاك، وما مثلي فيما مهدته لك من هذه الطريق إلّا كمن طبع٣ سيفًا، ووضعه في يمينك لتقاتل به، وليس عليه أن يخلق لك قلبًا، فإن حمل النصال، غير مباشرة القتال,\rوإنما يبلغ الإنسان غايته ... ما كل ماشية بالرحل شملال٤","footnotes":"١ في الأصل \"سلق\" باللام، وهو تحريف.\r٢ في الأصل \"فيقال: إنه من أخدانه أو من أترابه مفرد بين أصحابه\", وهي عبارة مضطربة ولذلك قدمنا العبارة الأخيرة، ليستقيم المعنى.\r٣ يقال: طبع السيف والدرهم والجرة: عملها.\r٤ البيت لأبي الطيب المتنبي: الديوان ٣/ ٢٨٧ وروايته هكذا:\rوإنما يبلغ الإنسان طاقته ... ما كل ماشية بالرجل شملال\rوالشملال: الناقة القوية السريعة. يقول: كل أحد يجري في السيادة على قدر طاقته, وليس كل من يمشي على رجله شملالًا، يقدر على السرعة، والمعنى: ليس كل كريم يبلغ غاية الكرم، ولا كل شريف يبلغ غاية الشرف، وليس كل من سعى من الرؤساء يبلغ ممدوحه الذي لا يعادل في فضله، ولا يماثل في جلالة قدره.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358157,"book_id":3862,"shamela_page_id":31,"part":"1","page_num":37,"sequence_num":31,"body":"مقدمة الكتاب\rالفصل الأول: في موضوع علم البيان\r...\rمقدمة الكتاب:\rولنرجع إلى ما نحن بصدده فنقول: أما مقدمة الكتاب، فإنها تشتمل على عشرة فصول:\rالقصل الأول: في موضوع علم البيان\rموضوع كل علم هو الشيء الذي يسأل فيه عن أحواله التي تعرض لذاته.\rفموضوع الفقه هو أفعال المكلفين، والفقيه يسأل عن أحوالها التي تعرض لها من الفرض والنفل والحلال والحرام والندب والمباح، وغير ذلك.\rوموضوع الطب هو بدن الإنسان، والطبيب يسأل عن أحواله التي تعرض له من صحته وسقمه.\rوموضوع الحساب هو الأعداد، والحاسب يسأل عن أحوالها التي تعرض لها من الضرب والقسمة والنسبة، وغير ذلك.\rوموضوع النحو هو الألفاظ والمعاني، والنحوي يسأل عن أحوالهما في الدلالة من جهة الأوضاع اللغوية.\rوكذلك يجري الحكم في كل علم من العلوم, وبهذا الضابط انفرد كل علم برأسه, ولم يختلط بغيره.\rوعلى هذا فموضوع علم البيان هو الفصاحة والبلاغة, وصاحبه يسأل عن أحوالهما اللفظية والمعنوية. وهو والنحوي يشتركان في أن النحوي ينظر في دلالة الألفاظ على المعاني من الوضع اللغوي، وتلك دلالة عامة، وصاحب علم البيان ينظر في فضيلة تلك الدلالة، وهي دلالة خاصة، والمراد بها أن يكون على هيئة مخصوصة من الحسن، وذلك أمر وراء النحو والإعراب، ألا ترى أن النحوي يفهم معنى الكلام المنظوم والمنثور, ويعلم مواقع إعرابه، ومع ذلك فإنه لا يفهم ما فيه من الفصاحة والبلاغة.\rومن ههنا غلط مفسِّرُو الأشعار في اقتصارهم على شرح المعنى، وما فيها١ من الكلمات اللغوية، وتبيين مواضع الإعراب منها، دون شرح ما تضمَّنه من أسرار الفصاحة والبلاغة.","footnotes":"١ الضمير عائد على الأشعار.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358158,"book_id":3862,"shamela_page_id":32,"part":"1","page_num":38,"sequence_num":32,"body":"الفصل الثاني: في آلات علم البيان وأدواته\rمدخل\r...\rالفصل الثاني: في آلات علم البيان وأدواته\rاعلم أن صناعة تأليف الكلام من المنظوم والمنثور تفتقر إلى آلات كثيرة, وقد قيل: ينبغي للكاتب أن يتعلّق بكل علم، حتى قيل: كل ذي علم يسوغ له أن ينسب نفسه إليه, فيقال٢: فلان النحوي، وفلان الفقيه، وفلان المتكلِّم، ولايسوغ له أن ينسب نفسه إلى الكتابة فيقال١: فلان الكاتب، وذلك لما يفتقر إليه من الخوض في كل فنّ, وملاك هذا كله الطبع، فإنه إذا لم يكن ثَمَّ طبع فإنه لا تغني تلك الآلات شيئًا؛ ومثال ذلك كمثل النار الكامنة في الزناد, والحديدة التي يُقْدَح بها؛ ألا ترى أنه إذا لم يكن في الزناد نار لا تفيد تلك الحديدة شيئًا? وكثيرًا ما رأينا وسمعنا من غرائب الطباع في تعلُّم العلوم، حتى إن بعض الناس يكون له نفاذ في تعلُّم علم مشكَل المسلك, صعب المأخذ، فإذا كلف تعلُّم ما هو دونه من سهل العلوم نكص على عقبيه٢، ولم يكن فيه نفاذ. وأغرب من ذلك أن صاحب الطبع في المنظوم يجيد في المديح دون الهجاء، أو في الهجاء دون المديح، أو يجيد في المراثي دون التهاني، أو في التهاني دون المراثي، وكذلك صاحب الطبع في المنثور؛ هذا ابن الحريري٣ صاحب المقامات؛ قد كان على ما ظهر عنه من تنميق","footnotes":"١ في الأصل \"فيقول\" والصواب عن الفلك الدائر ٧.\r٢ يقال: نكص عن الأمر نكصًا ونكوصًا أحجم عنه، ونكص على عقبيه: رجع عمَّا كان عليه، والعقبان مثنى العقب -ككتف- مؤخر القدم.\r٣ هو أبو محمد القاسم بن علي بن محمد بن عثمان الحريري البصري، كان أحمد أئمة عصره, رزق الحظوة التامة في عمله المقامات، وقد اشتملت على كثير من بلاغات العرب في لغاتها وأمثالها, ورموز أسرار كلامها، ومن عرفها حق معرفتها استدلَّ بها على فضل هذا الرجل وكثرة اطلاعه وغزارة مادته، وللحريري تآليف حسان؛ منها: درة الغواص في أوهام الخواص، ومنها: ملحة الإعراب المنظمة في النحو، وله أيضًا شرحها، وله ديوان رسائل وشعر كثير, غير شعره الذي في المقامات، وكانت ولادة الحريري سنة ٤٤٦هـ, وتوفي سنة عشر, وقيل خمس أو ست عشرة وخمسمائة بالبصرة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358159,"book_id":3862,"shamela_page_id":33,"part":"1","page_num":39,"sequence_num":33,"body":"المقامات واحدًا في فنه، فلما حضر ببغداد ووقف على مقاماته، قيل: هذا يستصلح لكتابة الإنشاء في ديوان الخلافة، ويحسن أثره فيه، فأحضر، وكلِّف كتابة كتاب، فأفحم، ولم يجر لسانه في طويلة ولا قصيرة، فقال فيه بعضهم١:\rشيخٌ لنا من ربيعة الفرس٢ ... ينتف عثنونه٣ من الهوس\rأنطقه الله بالمشان٤ وقد ... ألجمه في بغداد بالخرس\rوهذا مما يعجب منه. وسئلت عن ذلك فقلت: لا عجب؛ لأن المقامات مدراها جميعها على حكاية تخرج إلى مخلص.\rوأمَّا المكاتبات فإنها بحر لا ساحل له؛ لأن المعاني تتجدَّد فيها بتجدد حوادث الأيام، وهي متجددة على عدد الأنفاس، ألا ترى أنه إذا خطب الكاتب المفلق٥ عن دولة من الدول الواسعة التي يكون لسلطانها سيف مشهور، وسعي مذكور، ومكث على ذلك برهة يسيرة لا تبلغ عشر سنين، فإنه يدون عنه من المكاتبات ما يزيد على عشرة أجزاء، كل جزء منها أكبر من مقامات الحريري حجمًا؛ لأنه إذا كتب في كل يوم كتابًا واحدًا اجتمع من كتبه أكثر من هذه العدة المشار إليها, وإذا نخلت وغربلت واختير الأجود منها، إذ تكون كلها جيدة -فيخلص","footnotes":"١ قيل: إن الذي عمل هذين البيتين هو أبو القاسم علي بن أفلح الشاعر.\r٢ ربيعة الفرس: هو ابن نزار بن معد بن عدنان، أبو قبيلة، سمي بذلك؛ لأنه أعطى الخيل من ميراث ابنه، على حين أن أخاه مضرًا أعطى الذهب، فقيل مضر الحمراء، وأعطى أخوه أنمار الشاء، فقيل أنمار الشاة وكان الحرير يزعم أنه من ربيعة الفرس.\r٣ العثنون: اللحية أو ما فضل منها بعد العارضين، أو ما نبت على الذقن وتحته سفلًا، وكان الحريري مولعًا ينتف لحيته عند الفكرة.\r٤ المشان -بفتح الميم والشين- وبعد الألف نون: بليدة بعد البصرة كثيرة النخل, موصوفة بشدة الوخم، وكان أهل الحريري منها، ويقال: إنه كان له بها ثمانية عشر ألف نخلة, وأنه كان من ذوي اليسار، ويروى البيت الثاني هكذا:\rأنطقه الله بالمشان كما ... رماه وسط الديوان بالخرس\r٥ يقال: أفلق الشاعر إذا أتى بالعجيب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358160,"book_id":3862,"shamela_page_id":34,"part":"1","page_num":40,"sequence_num":34,"body":"منها النصف، وهو خمسة أجزاء، والله يعلم ما اشتملت عليه من الغرائب والعجائب، وما حصل في ضِمْنِها من المعاني المبتدعة.\rعلى أن الحريري قد كتب في أثناء مقاماته رقاعًا في مواضع عدة، فجاء بها منحطَّة عن كلامه في حكاية المقامات، لا، بل جاء بالغثِّ البارد الذي لا نسبة له إلى باقي كلامه فيها, وله أيضًا كتابة أشياء خارجة عن المقامات، وإذا وقف عليها أقسم أن قائل هذه ليس قائل هذه، لما بينهما من التفاوت البعيد.\rوبلغني عن الشيخ أبي محمد [عبد الله بن١] أحمد بن الخشاب النحوي٢ ﵀, أنه كان يقول: ابن الحريري رجل مقامات، أي: إنه لم يحسن من الكلام المنثور سواها، وإن أتى بغيرها لا يقول شيئًا.\rفانظر أيها المتأمل إلى هذا التفاوت في الصناعة الواحدة من الكلام المنثور، ومن أجل ذلك قيل: شيئان لا نهاية لهما: البيان، والجمال. وعلى هذا فإذا ركَّب الله تعالى في الإنسان طبعًا قابلًا لهذا الفن فيفتقر حينئذ إلى ثمانية أنواع من الآلات.\rالنوع الأول: معرفة علم العربية من النحو والتصريف.\rالنوع الثاني: معرفة ما يحتاج إليه من اللغة، وهو المتداول المألوف استعماله في فصيح الكلام غير الوحشي الغريب ولا المستكره المعيب.\rالنوع الثالث: معرفة أمثال العرب وأيامهم، ومعرفة الوقائع التي جاءت في حوادث خاصة بأقوام، فإن ذلك جرى مجرى الأمثال أيضًا.\rالنوع الرابع: الاطّلاع على تأليفات من تقدَّمه من أرباب هذه الصناعة المنظومة منه والمنثورة، والتحفظ للكثير منه.\rالنوع الخامس: معرفة الأحكام السلطانية الإمامة، والإمارة والقضاء، والحسبة٣ وغير ذلك.\rالنوع السادس: حفظ القرآن الكريم والتدرب باستعماله وإدراجه في مطاوي كلامه.\rالنوع السابع: حفظ ما يحتاج إليه من الأخبار الواردة عن النبي ﷺ، والسلوك بها مسلك القرآن الكريم في الاستعمال.\rالنوع الثامن: وهو مختص بالناظم دون الناثر، وذلك علم العروض والقوافي الذي يقام به ميزان الشعر.\rولنذكر بعد ذلك فائدة كل نوع من هذه الأنواع، ليعلم أن معرفته مما تمس الحاجة إليه فنقول:","footnotes":"١ زيادة ليست في الأصل صححنا بها الاسم.\r٢ هو الشيخ الإمام أبو محمد عبد الله بن أحمد بن أحمد بن عبد الله بن نصر بن الخشاب, كان أعلم أهل زمانه بالنحو، حتى يقال: إنه كان في درجة الفارسي، وكانت له معرفة بالتفسير والحديث واللغة والمنطق والفلسفة والحساب والهندسة، وما من علم من العلوم إلّا كانت له فيه يد حسنة، وله كتب كثيرة منها رسالة كتبها في الرد على الحريري في مقاماته، توفي سنة ٥٦٧هـ, ووقف كتبه على أهل العلم.\r٣ الحسبة -بالكسر: الأجر، واسم من الاحتساب، وهو حسن الحسبة حسن التدبير.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358161,"book_id":3862,"shamela_page_id":35,"part":"1","page_num":41,"sequence_num":35,"body":"النوع الأول: معرفة علم العربية من النحو والتصريف\rأمَّا علم النحو فإنه في علم البيان من المنظوم والمنثور بمنزلة أبجد في تعليم الخط, وهو أول ما ينبغي إتقان معرفته لكل أحد ينطق باللسان العربي، ليأمن معرَّة اللحن، ومع هذا فإنه وإن احتيج إليه في بعض الكلام دون بعض لضرورة الإفهام، فإن الواضع لم يخص منه شيئًا بالوضع، بل جعل الوضع عامًّا، وإلا فإذا نظرنا إلى ضرورته وأقسامه المدونة وجدنا أكثرها غير محتاج إليه في إفهام المعاني، ألا ترى أنك لو أمرت رجلًا بالقيام فقلت له: \"قوم\" بإثبات الواو ولم تجزم لما اختل من فهم ذلك شيء، وكذلك الشرط لو قلت: \"إن تقوم أقوم\" ولم تجزم لكان المعنى مفهومًا. والفضلات كلها تجري هذا المجرى، كالحال والتمييز والاستثناء، فإذا قلت: \"جاء زيد راكب\"، و\"ما في السماء قدر راحة سحاب\"، و\"قام القوم إلا زيد\"، فلزمت السكون في ذلك كله، ولم تبيِّن إعرابًا، لما توقف الفهم على نصب الراكب والسحاب، ولا على نصب زيد، وهكذا يقال في المجرورات، وفي المفعول فيه، والمفعول له، والمفعول معه، وفي المبتدأ والخبر، وغير ذلك من أقسام أخر لا حاجة إلى ذكرها.\rلكن قد خرج عن هذه الأمثلة ما لا يفهم إلا بقيود تقيده، وإنما يقع ذلك في الذي تدل صيغته الواحدة على معانٍ مختلفة، ولنضرب لذلك مثالًا يوضحه فنقول: اعلم أن من أقسام الفاعل والمفعول ما لا يفهم إلّا بعلامة كتقديم المفعول على الفاعل, فإنه إذا لم يكن ثَمَّ علامة تبيِّن أحدهما من الآخر وإلّا أشكل الأمر٣","footnotes":"١ هكذا في الأصل، والظاهر يقتضي حذف \"إلا\" أو تقدير جواب للشرط.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358162,"book_id":3862,"shamela_page_id":36,"part":"1","page_num":42,"sequence_num":36,"body":"كقولك: \"ضرب زيد عمرو\" [بالوقف عليها١] ويكون زيد هو المضروب، فإنك إذا لم تنصب زيدًا وترفع عمرًا، وإلّا لا يفهم ما أردت، وعلى هذا ورد قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ ٢ وكذلك لو قال قائل: ما أحسن زيد، ولم يبيِّن الإعراب في ذلك، لما علمنا غرضه منه، إذ يحتمل أن يريد به التعجب من حسنه، أو يريد به الاستفهام عن أي شيء منه أحسن، ويحتمل أن يريد به الإخبار بنفي الإحسان عنه، ولو بيِّن الإعراب في ذلك فقال: ما أحسن زيدًا, وما أحسن زيدٍ، وما أحسن زيدٌ٣، علمنا غرضه وفهمنا مغزى كلامه؛ لانفراد كل قسم من هذه الأقسام الثلاثة بما يعرف به من الإعراب، فوجب حينئذ بذلك معرفة النحو، إذ كان ضابطًا لمعاني الكلام، حافظًا لها من الاختلاف.\rوأول من تكلَّم في النحو أبو الأسود الدؤلي٤، وسبب ذلك أنه دخل على ابنة له بالبصرة فقالت له: \"يا أبت ما أشدُّ الحرّ\"، متعجبة، ورفعت \"أشد\"، فظنها مستفهمة, فقال: شهر ناجر٥، فقالت: يا أبت إنما أخبرتك ولم أسألك, فأتى علي بن أبي طالب ﵁ فقال: \"يا أمير المؤمنين ذهبت لغة العرب، ويوشك إن تطاول عليها زمان أن تضمحل\" فقال له: وما ذاك? فأخبره","footnotes":"١ زيادة عن الفلك الدائر ٨.\r٢ سورة فاطر، آية ٢٨.\r٣ ما في المثال الأول للتعجب، وفي الثاني للاستفهام، وفي الثالث للنفي.\r٤ قال ابن الجمحي: أول من أسس العربية وفتح بابها وأنهج سبيلها ووضع قياسها أبو الأسود الدؤلي، وهو ظالم بن عمرو بن سفيان بن جندل ... وكان رجل أهل البصرة، وكان علوي الرأي.\rوقيل لأبي الأسود: من أين لك هذا العلم؟ -يعنون النحو- قال: لقنت حدوده من علي بن أبي طالب ﵁, وكان أبو الأسود أحد سادات التابعين والمحدثين والفقهاء والشعراء والفرسان والأمراء والأشراف والدهاة, والحاضري الجواب, والصلع الأشراف, والبخر الأشراف, ومن مشاهير البخلاء، وهو من القراء، قرأ على أمير المؤمنين علي ﵁ وشهد معه صفين، وقدم على معاوية فأكرمه وأعظم جائزته، وولي قضاء البصرة, وهو أول من نقط المصحف، وله شعر كثير. مات أبو الأسود بالبصرة سنة ٦٩، وهو ابن خمس وثمانين سنة.\r٥ ناجر: قال في القاموس \"ناجر رجب أو صفر, وكل شهر من شهور الصيف\"، قلنا: إن شهري رجب وصفر وكل الشهور القمرية يتغيِّر موقعها سنة بعد سنة، ولا بُدَّ أن يكون شهرًا بعينه من شهور الصيف، وفي وضع أبو الأسود النحو أقوال كثيرة غير ما رواه ابن الأثير. انظر إنباه الرواة على أنباء النحاة ١/ ١٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358163,"book_id":3862,"shamela_page_id":37,"part":"1","page_num":43,"sequence_num":37,"body":"خبر ابنته، فقال: هلمَّ صحيفة، ثم أملى عليه: \"الكلام لا يخرج عن اسم وفعل وحرف جاء لمعنى\"، ثم رسم له رسومًا فنقلها النحويون في كتبهم, وقيل: إن أبا الأسود دخل على زياد ابن أبيه١ بالبصرة فقال: إني أرى العرب قد خالطت العجم، وتغيَّرت ألسنتها، أفتأذن لي أن أصنع ما يقيمون به كلامهم? فقال: لا، فقام من عنده، ودخل عليه رجل فقال: أيها الأمير، مات أبانا، وخلَّف بنون، فقال زياد: مات أبانا وخلَّف بنون، مه, ردوا علي أبا الأسود. فردوه، فقال له: اصنع ما كنت نهيتك عنه، فوضع شيئًا٢. ثم جاء بعده ميمون الأقرن٣ فزاد عليه، ثم جاء بعده عنبسة بن معدان المهري٤، فزاد عليه, ثم جاء بعده عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي٥، وأبو عمرو بن العلاء٦ فزادا","footnotes":"١ هو زياد بن أبي سفيان، استلحفه معاوية بأبيه، وأمه سمية جارية الحارث بن كلدة, ولد عام الهجرة وقيل: يوم بدر، واستعمله عمر بن الخطاب على بعض أعمال البصرة، واستعمله علي على بعض بلاد فارس, ولم يزل معه حتى قتل, وسلم الحسن الأمر إلى معاوية، فاستلحفه بأبيه، وجعله أخًا له، واستعمله على البصرة، ثم أضاف إليه الكوفة، وبقي عليها إلى أن مات سنة ٥٣هـ.\r٢ قال أبو حرب بن أبي الأسود: أول باب رسم أبي من النحو باب التعجب, وقيل: أول باب رسم باب الفاعل والمفعول، والمضاف، وحروف الرفع والنصب والجر والجزم.\r٣ هو الإمام المقدَّم في العربية بعد أبي الأسود وعنه أخذ، وأخذ عنه عنبسة بن معدان الفيل في أصح الروايتين، وزاد على أبي الأسود في حدود العربية.\r٤ هو عنبسة بن معدان الفيل الميساني, أخذ النحو عن أبي الأسود، قالوا: ولم يكن فيمن أخذ عنه النحو أبرع منه، وروى الأشعار وظرف وفصح، وروى شعر جرير والفرزدق.\r٥ هو أبو بحر عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي، كان قيمًا بالعربية والقراءة إمامًا فيهما، وكان شديد التجريد للقياس، وكان عبد الله بن أبي إسحاق يطعن على العرب، وكان يرد كثيرًا على الفرزدق ويكلمه في شعره, فقال فيه الفرزدق:\rفلو كان عبد الله مولى هجوته ... ولكن عبد الله مولى مواليا\rوتوفي بالبصرة سنة سبع عشرة ومائة, في أيام هشام بن عبد الملك.\r٦ هو العلم المشهور في علم القراءة واللغة العربية، واسمه كنيته، وقيل: إن اسمه زبان، أخذ النحو عن نصر بن عاصم الليثي، وأخذ عنه يونس بن حبيب البصري, والخليل بن أحمد, وعلي بن المبارك، وكان يونس بن حبيب يقول: لو كان أحد ينبغي أن يؤخذ بقوله في كل شيء كان ينبغي أن يؤخذ بقول أبي عمرو بن العلاء كله في العربية، ولكن ليس من أحد إلّا وأنت آخذ من قوله وتارك إلّا النبي ﷺ، وتوفي أبو عمرو بن العلاء في سنة ١٥٤هـ في خلافة المنصور.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358164,"book_id":3862,"shamela_page_id":38,"part":"1","page_num":44,"sequence_num":38,"body":"عليه، ثم جاء بعدهما الخليل بن أحمد الأزدي١، وتتابع الناس واختلف البصريون والكوفيون في بعض ذلك. فهذا ما بلغني من أمر النحو في أول وضعه، وكذلك العلوم كلها: يوضع منها في مبادئ أمرها شيء يسير، ثم يزاد بالتدريج إلى أن يستكمل آخرًا.\rفإن قيل: أما علم النحو فمُسَلَّمٌ إليك أنه تجب معرفته، لكنَّ التصريف لا حاجة إليه؛ لأن التصريف إنما هو معرفة أصل الكلمة وزيادتها وحذفها وإبدالها، وهذا لا يضر جهله، ولا تنفع معرفته، ولنضرب لذلك مثالًا كيف اتفق، فنقول: إذا قال القائل: \"رأيت سرداحًا٢\"، لا يلزمه أن يعرف الألف في هذه الكلمة زائدة هي أم أصلية؛ لأن العرب لم تنطق بها إلّا كذلك، ولو قالت: \"سردحًا\"، بغير ألف لما جاز لأحد أن يزيد الألف فيها من عنده فيقول: \"سرداحًا\"، فعلم بهذا أنه إنما ينطق الألفاظ كما سمعت عن العرب، من غير زيادة فيها ولا نقص، وليس يلزم بعد ذلك أن يعلم أصلها ولا زيادتها؛ لأن ذلك أمر خارج [لا٣] تقتضيه صناعة تأليف الكلام.\rفالجواب عن ذلك أنا نقول: اعلم أنَّا لم نجعل معرفة التصريف كمعرفة النحو؛ لأن الكاتب أو الشاعر إذا كان عارفًا بالمعاني، مختارًا لها, قادرًا على الألفاظ، مجيدًا فيها، ولم يكن عارفًا بعلم النحو، فإنه يفسد ما يصوغه من الكلام, ويختل عليه ما يقصده من المعاني، كما أريناك في ذلك المثال المتقدم.\rوأما التصريف فإنه إذا لم يكن عارفًا به لم تفسد عليه معاني كلامه، وإنما تفسد عليه الأوضاع، وإن كانت المعاني صحيحة، وسيأتي بيان ذلك في تحرير الجواب، فنقول: أما قولك: إن التصريف لا حاجة إليه، واستدلالك بما ذكرته من المثال","footnotes":"١ هو أبو عبد الرحمن بن أحمد البصري الفرهودي الأزدي، سيد أهل الأدب قاطبة في علمه وزهده، والغاية في تصحيح القياس واستخراج مسائل النحو وتعليله، وأخذ عنه سيبويه، وعامَّة الحكاية في كتاب سيبويه عن الخليل، وكل ما قاله سيبويه \"سألته\" أو قال: \"قال\" من غير أن يذكر قائله فهو الخليل، وأخذ عنه أيضًا النضر بن شميل، ومؤرج السدوسي، وعلي بن نصر الجهضمي وغيرهم, وهو أول من استخرج علم العروض وضبط اللغة، وأملى كتاب العين على الليث بن المظفر، وكان أول من حصر أشعار العرب، توفي سنة ستين ومائة.\r٢ السرداح: الناقة الطويلة أو الكريمة أو العظيمة أو السمينة أو القوية الشديدة التامة.\r٣ زيادة يقتضيها السياق.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358165,"book_id":3862,"shamela_page_id":39,"part":"1","page_num":45,"sequence_num":39,"body":"المضروب، فإن ذلك لا يستمر لك الكلام فيه، ألا ترى أنك مثَّلت كلامك في لفظة سرداح، وقلت: إنه لا يحتاج إلى معرفة الألف زائدة هي أم أصلية؛ لأنها إنما نقلت عن العرب على ما هي عليه من غير زيادة ولا نقص، وهذا لا يطرد إلّا فيما هذا سبيله من نقل الألفاظ على هيئتها من غير تصرف فيها بحال، فأما إذا أريد تصغيرها أو جمعها والنسبة إليها فإنه إذا لم يعرف الأصل في حروف الكلمة وزيادتها وحذفها وإبدالها يضلّ حينئذ عن السبيل، وينشأ من ذلك مجال للعائب والطاعن، ألا ترى أنه إذا قيل للنحوي -وكان جاهلًا بعلم التصريف- كيف تصغير لفظة اضطراب, فإنه يقول: ضطيرب، ولا يلام على جهله بذلك؛ لأن الذي تقتضيه صناعة النحو قد أتي به, وذلك أن النحاة يقولون: إذا كانت الكلمة على خمسة أحرف وفيها حرف زائد أو لم يكن حذفته, نحو قولهم في \"منطلق\": \"مطيلق\"، وفي \"جحمرش\"١ \"جحيمر\"، فلفظة منطلق على خمسة أحرف، وفيها حرفان زائدان هما الميم والنون, إلا أن الميم زيدت فيها لمعنى، فلذلك لم تحذف وحذفت النون، وأما لفظة \"جحمرش\" فخماسية لا زيادة فيها, وحذف منها حرف أيضًا، ولم يعلم النحوي أن علماء النحو إنما قالوا ذلك مهملًا اتكالًا منهم على تحقيقه من علم الصرف؛ لأنه لا يلزمهم أن يقولوا في كتب النحو أكثر مما قالوا، وليس عليهم أن يذكروا في باب من أبواب النحو شيئًا من التصريف؛ لأن كلًّا من النحو والتصريف علم منفرد برأسه، غير أن أحدهما مرتبط بالآخر ومحتاج إليه.\rوإنما قلت: إن النحوي إذا سُئِلَ عن تصغير لفظة \"اضطراب\" يقول: \"ضُطَيْرِب\"، لأنه لا يخلو إما أن يحذف من لفظة \"اضطراب\" الألف أو الضاد أو الطاء أو الراء أو الباء، وهذه الحروف المذكورة -غير الألف- ليست من حروف الزيادة، فلا تحذف، بل الأولى أن يحذف الحرف الزائد ويترك الحرف الذي ليس بزائد، فلذلك قلنا: إن النحوي يصغِّر لفظة \"اضطراب\" على \"ضُطَيْرِب\"، فيحذف الألف التي هي حرف زائد، دون غيرهما مما ليس من حروف الزيادة، وأما أن يعلم أن الطاء في اضطراب مبدلة من تاء، وأنه إذا أريد تصغيرها تعاد إلى الأصل الذي كانت عليه، وهو التاء، فيقال: \"ضتيرب\"، فإن هذا لا يعلمه إلا","footnotes":"١ الجحمرش: العجوز الكبيرة, والمرأة السمجة, والأرنب المرضع, والخشناء من الأفاعي.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358166,"book_id":3862,"shamela_page_id":40,"part":"1","page_num":46,"sequence_num":40,"body":"التصريفيّ، وتكليف النحوي الجاهل بعلم التصريف معرفة ذلك كتكليفه علم ما لا يعلمه، فثبت بما ذكرناه أنه يحتاج إلى علم التصريف، لئلَّا يغلط في مثل هذا.\rومن العجب أن يقال: إنه لا يحتاج إلى معرفة التصريف، ألم تعلم أن نافع بن أبي نعيم١، -وهو من أكبر القراء السبعة قدرًا، وأفخمهم شأنًا- قال في \"معايش٢\" \"معائش\"، بالهمز؟ ولم يعلم الأصل في ذلك، فأوخذ عليه، وعيب من أجله ومن جملة ما عابه أبو عثمان المازني٣، فقال في كتابه في التصريف: إن نافعًا لم يدر ما العربية، وكثيرًا ما يقع أولو العلم في مثل هذه المواضع، فكيف الجهال الذين لا معرفة لهم بها ولا اطلاع لهم عليها? وإذا علم حقيقة الأمر في ذلك لم يغلط فيما يوجب قدحًا ولا طعنًا، وهذه لفظة \"معايش\" لا يجوز همزها بإجماعٍ من علماء العربية؛ لأن الياء فيها ليست مبدلة من همزة، وإنما الياء التي تبدل من الهمزة في هذا الموضع تكون بعد ألف الجمع المانع من الصرف، ويكون بعدها حرف واحد، ولا تكون عينًا، نحو: \"سفائن\"، وفي هذا الموضع غلط نافع -رحمة الله عليه؛ لأنه لا شك اعتقد أن \"معيشة\" بوزن فعيلة, وجمع فعيلة هو على فعائل، ولم ينظر إلى أن الأصل في \"معيشة\" \"مَعْيِشَة\" على وزن مَفْعِلَة، وذلك لأنَّ أصل هذه الكلمة من \"عاش\" التي أصلها \"عيش\" على وزن فعل، ويلزم مضارع فعل المعتل العين \"يَفْعِلُ\" لتصح الياء، نحو: \"يَعْيَش\"، ثم تنقل حركة العين إلى الفاء فتصير \"يعيش\"، ثم يبنى من يعيش مفعول, فيقال: \"معيوش به\"، كما يقال: \"مسيور به\"، ثم يخفف ذلك بحذف الواو، فيقال: \"معيش به\" كما يقال مسير به، ثم تؤنث هذه اللفظة فتصير \"معيشة\".","footnotes":"١ نافع بن أبي نعيم أحد القراء السبعة، وهو نافع بن عبد الرحمن، وهو مولى جعونة بن شعوب الشجعي، كان أسود شديد السواد، وأصله من أصبهان، توفي سنة ١٦٩هـ بالمدينة.\r٢ في سورة الأعراف ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ آية ١٠ وفي سورة الحجر ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ آية ٢٠.\r٣ أبو عثمان المازني هو بكر بن محمد بن بقية، قيل: ابن عدي بن حبيب، نزل في بني مازن فنسب إليهم, وهو بصري. روى عن أبي عبيدة والأصمعي وأبي زيد, وعنه المبرد والفضل بن محمد اليزيدي وغيرهم. وكان إماما في العربية متسعًا في الرواية. وكان لا يناظره أحد إلّا قطعه لقدرته على الكلام. وقال المبرد: لم يكن بعد سيبويه أعلم بالنحو من أبي عثمان, وله تصانيف كثيرة في النحو واللغة والتصريف والعروض والقوافي. توفي سنة ٢٤٧هـ.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358167,"book_id":3862,"shamela_page_id":41,"part":"1","page_num":47,"sequence_num":41,"body":"ومع هذا فلا ينبغي لصاحب هذه الصناعة من النظم والنثر أن يهمل من علم العربية ما يخفى عليه بإهماله اللحن الخفي، فإن اللحن الظاهر قد كثرت مفاوضات الناس فيه حتى صار يعلمه غير النحوي، ولا شك أن قلة المبالاة بالأمر, واستشعار القدرة عليه, توقع صاحبه فيما لا يشعر أنه وقع فيه، فيجهل بما يكون عالمًا به. ألا ترى أن أبا نواس١ كان معدودًا في طبقات العلماء مع تقدمه في طبقات الشعراء، وقد غلط فيما لا يغلط مثله فيه، فقال في صفة الخمر:\rكأن صَغرَى وكُبَرى من فواقعها ... حصباء درٍّ على أرض من الذهب٢\rوهذا لا يخفى على مثل أبي نواس، فإنه من ظواهر علم العربية، وليس من غوامضه في شيء؛ لأنه أمر نقلي يحمل ناقله فيه على النقل من غير تصرف، وقول أبي نواس \"صغرى\" \"وكبرى\" غير جائز، فإن فعلى أفعل لا يجوز حذف الألف واللام منها، وإنما يجوز حذفها من فعلى التي لا أفعل لها، نحو: \"حبْلَى\"، إلّا أن تكون فُعْلَى أَفْعَلَ مضافة، وههنا قد عريت عن الإضافة وعن الألف واللام، فانظر كيف وقع أبو نواس في مثل هذا الموضع مع قربه وسهولته.\rوقد غلط أبو تمام٣ في قوله:","footnotes":"١ أبو نواس هو الحسن بن هانئ بن عبد الأول بن الصباح الحكمي، ولد سنة ١٤١هـ في كورة خوزستان، واشتغل في صباه عند عطار حتى تعرَّف إلى والبة بن الحباب, فأعجب به وصحبه إلى الكوفة ثم بغداد، وهناك صحب الشعراء, ودرس على العلماء حتى أصبح من أشعر أهل عصره وأغزرهم علمًا، وطار ذكره في الآفاق، واتَّصل بالرشيد والأمين ومدحهما, ونال منهما الجوائز السنية، وتوفي أبو نواس في الثامنة والخمسين من عمره سنة ١٩٩هـ.\r٢ ديوان أبي نواس: ص٢٤٣ \"فواقعها\" بالواو كما هنا، وأكثر الرواة على أنها \"فقاقعها\" بالقاف، وهي النفاخات التي تعلو الماء أو الخمر. ومحل الخطأ قوله \"صغرى وكبرى\" حيث جاء بأفعل التفضيل مؤنثًا، مع كونه مجردًا من أل ومن الإضافة، وكان حقه أن يأتي به مفردًا مذكرًا, فيقول: \"أصغر وأكبر\". وقد اعتذر بعض العلماء عنه بأنه لم يرد التفضيل، وإنما أراد معنى الوصف المجرد عن الزيادة.\r٣ أبو تمام هو حبيب بن أوس الطائي؛ قال الآمدي في الموازنة: والذي عند أكثر الناس في نسب أبي تمام أن أباه كان نصرانيًّا من أهل جاسم -قرية من قرى دمشق- يقال له: تدوس العطار, فجعلوه أوسًا، ولفقت له نسبة إلى طيء, وكان واحد عصره في ديباجة لفظه ونصاعة شعره وحسن أسلوبه، وله كتاب الحماسة الذي دلَّ على غزارة فضله وإتقان معرفته بحسن الاختيار، وله مجموع آخر سماه: \"فحول الشعراء\", جمع فيه بين طائفة كثيرة من شعراء الجاهلية والمخضرمين والإسلاميين، وله كتاب \"الاختيارات من شعر الشعراء\", وكان له من المحفوظات ما لا يلحقه فيه غيره, وقيل: إنه كان يحفظ أربعة عشر ألف أرجوزة للعرب غير القصائد والمقاطيع. ومدح الخلفاء وأخذ جوائزهم، وجاب البلاد، وتوفي بالموصل سنة ٢٣١هـ.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358168,"book_id":3862,"shamela_page_id":42,"part":"1","page_num":48,"sequence_num":42,"body":"بالقائم الثامن المستخلف اطأدت١ ... قواعد الملك ممتدًّا لها الطول\rألا ترى أنه قال: \"اطَّأدَتْ\"، والصواب \"اتَّطدت\"؛ لأن التاء تبدل من الواو في موضعين: أحدهما مقيس عليه كهذا الموضع؛ لأنك إذا بنيت افتعل من الوعد قلت: \"اتعد\"، ومثله ما ورد في هذا البيت، فإنه من وطد يطد، كما يقال: وعد يعد، فإذا بني منه افتعل قيل: \"اتَّطَدَ\"، ولا يقال: \"اطَّأَدَ\"، وأما غير المقيس فقولهم في وجاه: تجاه، وقالوا: \"تكلان\"٢، وأصله الواو؛ لأنه من وكل يكل، فأبدلت الواو تاء للاستحسان، فهذه الأمثلة قد أشرت إليها ليعلم مكان الفائدة في أمثالها وتُتَوَقَّى. على أني لم أجد أحدًا من الشعراء المُفْلِقِين سلم من مثل ذلك, فإما أن يكون لحن لحنًا يدل على جهله مواقع الإعراب, وإما أن يكون أخطأ في تصريف الكلمة، ولا أعني بالشعراء من هو قريب عهد بزماننا، بل أعني بالشعراء من تقدَّم زمانه، كالمتنبي٣ ومن كان قبله، كالبحتري٤، ومن تقدَّمه، كأبي تمام ومن سبقه، كأبي نواس، والمعصوم من عصمه الله تعالى.\rعلى أن المخطئ في التصريف أندر وقوعًا من المخطئ في النحو؛ لأنه قلَّمَا يقع له كلمة يحتاج في استعمالها إلى الإبدال والنقل في حروفها، وأما النحو فإنه يقع الخطأ فيه كثيرًا حتى إنه ليشذَّ في ظاهره في بعض الأحوال، فكيف خافيه? كقول أبي نواس في الأمين محمد ﵀:","footnotes":"١ فعله المجرَّد وطد, يقال: وطد الشيء يطده بالتخفيف كوعد يعد، فهو وطيد وموطود, أثبته وثقله كوطَّده فتوطد بالتشديد, ورواية الديوان \"اعتدلت\" موضع \"اطأدت\" ص٢٢٧.\r٢ تجاه ووجاه مثلثتين تلقاء الوجه. أراد أن كلمة تجاه فيها تاء ليست في الأصل والتكلان: الاسم من التوكل.\r٣ المتنبي هو أبو الطيب أحمد بن الحسين الشاعر المشهور، من أهل الكوفة، وقدم الشام في صباه, وجال في أقطاره, واشتغل بفنون الأدب ومهر فيها، وكان من المكثرين من نقل اللغة, والمطلعين على غريبها وحوشيها، ولا يسأل عن شيء إلّا استشهد فيه بكلام العرب، وإنما قيل له المتنبي؛ لأنه ادَّعى النبوة في بادية السماوة, وتبعه خلق كثير من بني كلب وغيرهم، فخرج إليه لؤلؤ أمير حمص نائب الإخشيدية فأسَرَه وتفرَّق أصحابه، وحبسه طويلًا, ثم استنابه وأطلقه, ثم التحق بسيف الدولة بن حمدان في سنة ٣٣٧هـ، ثم فارقه إلى مصر سنة ٣٤٦هـ، ومدح كافورًا الإخشيدي، ولما لم يرضه هجاه، وفارقه ليلة النحر سنة ٣٥٠هـ، ومات مقتولًا سنة ٣٥٤هـ.\r٤ البحتري هو أبو عبادة الوليد بن عبيد الطائي ولد بناحية منبج سنة ٢٠٦هـ، وتنقَّل في قبائل طيء وغيرها من البدو الضاريين في شواطئ الفرات, فغلبت عليه فصاحة العرب، واتَّصل بالمتوكل والفتح بن خاقان حتى قتلا، ويمتاز شعره برقة الأسلوب وحسن الخيال وإجادة الوصف والرثاء والعتاب والغزل والمديح، توفي البحتري سنة ٢٨٤هـ.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358169,"book_id":3862,"shamela_page_id":43,"part":"1","page_num":49,"sequence_num":43,"body":"يا خير مَنْ كان ومن يكون ... إلا النبيُّ الطاهر الميمون١\rفرفع في الاستثناء من الموجب، وهذا من ظواهر النحو, وليس من خافيه في شيء.\rوكذلك قال أبو الطيب المتنبي٢:\rأرأيت هِمَّةَ ناقتي في ناقةٍ ... نقلت يدًا سُرُحًا وخفًّا مجمَرَا٣\rتركت دُخَان الرمث في أوطانها ... طلبًا لقومٍ يوقدون العنبرا٤\rوتكرَّمت ركباتها عن مبركٍ ... تقعان فيه وليس مسكًا أذْفَرَا٥\rفجمع في حال التثنية، لأن الناقة ليس لها إلا ركبتان، فقال: ركبات، وهذا من أظهر ظواهر النحو وقد خفي على مثل المتنبي.\rومع هذا فينبغي لك أن تعلم أن الجهل بالنحو لا يقدح في فصاحة ولا بلاغة، ولكنه يقدح في الجاهل به نفسه؛ لأنه رسوم قوم تواضعوا عليه، وهم الناطقون باللغة، فوجب اتباعهم.\rوالدليل على ذلك أن الشاعر لم ينظم شعره وغرضه منه رفع الفاعل ونصب المفعول, أو ما جرى مجراهما، وإنما غرضه إيراد المعنى الحسن في اللفظ الحسن المتَّصفين بصفة الفصاحة والبلاغة، ولهذا لم يكن اللحن قادحًا في حسن الكلام، لأنه إذا قيل: \"جاء زيد راكب\"، إن لم يكن حسنًا إلّا بأن يقال: \"جاء راكبًا\"، بالنصب لكان النحو شرطًا في حسن الكلام، وليس كذلك.\rفتبين بهذا أنه ليس الغرض من نظم الشعر إقامة إعراب كلماته، وإنما الغرض أمر وراء ذلك، وهكذا يجري الحكم في الخطب والرسائل من الكلام المنثور.\rوأما الإدغام فلا حاجة إليه لكاتب، لكنَّ الشاعر ربما احتاج إليه؛ لأنه قد يضطر في بعض الأحوال إلى إدغام حرف، وإلى فك إدغام، من أجل إقامة الميزان الشعري.","footnotes":"١ ديوان أبي نواس ص١١٧، وقد أبقينا لفظ \"النبي\" مرفوعًا لأن مبنى النقد على ذلك، ويمكن أن يكون منصوبًا ولا خطأ فيه، ويرفع ما بعده على أنه نعت مقطوع.\r٢ من قصيدة يمدح بها أبا الفضل محمد بن العميد، ومطلعها:\rباد هواك صبرت أم لم تصيرا ... وبكاك إن لم يجر دمعك أو جرى\r٣ الديوان: ٢/ ١٦٨ والسرح: السهلة السير، والخف المجمر: الشديد الصلب، أو هو الخفيف السريع من قولهم: \"أجمرت الناقة\" إذا أسرعت. يخبر عن علوِّ همته؛ لأنه يحمل ناقته على السير.\r٤ الرمث: نبت يوقد به، وهو من مراعي الإبل، يقول: تركت الأعراب ووقودهم هذا الرمث، وأتيت قومًا وقودهم من العنبر.\r٥ ركباتها: جمع ركبة، وإنما عني الاثنين، وهو كقوله -جل وعلا: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ وذلك أن أقل الجمع اثنان، فجاز أن يعبر عنهما بالجمع، ودلَّ على أنه أراد التثنية أنه أخبر عنهما بالتثنية فقال: \"تقعان\"، والأذفر: الشديد الرائحة. يقول: تكرمت ناقتي عن البروك إلّا على المسك الأذفر، لأن العنبر يوقد بحضرة الممدوح، والمسك ممتهن عنده، بحيث تبرك عليه ناقتي.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358170,"book_id":3862,"shamela_page_id":44,"part":"1","page_num":50,"sequence_num":44,"body":"النوع الثاني: معرفة ما يحتاج اليه من اللغة\rوهو قولنا١: إنه يحتاج إلى معرفة اللغة مما تداول استعماله، فسيرد بيانه عند ذكر اللفظة الواحدة، والكلام على جيدها ورديئها في المقالة المختصة بالصناعة اللفظية.\rويفتقر أيضًا مؤلف الكلام إلى معرفة عدة أسماء لما يقع استعماله في النظم والنثر، ليجد -إذا ضاق به موضع في كلامه بإيراد بعض الألفاظ سعة فيه- العدول عنه إلى غيره مما هو في معناه، وهذه الأسماء تسمَّى \"المترادفة\"، وهي اتحاد المسمَّى واختلاف أسمائه، كقولنا: الخمر، والراح, والمدام، فإن المسمَّى بهذه الأسماء شيء واحد وأسماؤه كثيرة.\rوكذلك يحتاج إلى معرفة الأسماء \"المشتركة\" ليستعين بها على استعمال \"التجنيس\" في كلامه، وهي اتحاد الاسم واختلاف المسمَّيات، كالعين، فإنها تطلق على العين الناظرة، وعلى ينبوع الماء, وعلى المطر، وغيره, إلّا أن المشتركة تفتقر في الاستعمال إلى قرينة تخصصها، كي لا تكون مبهمة؛ لأنا إذا قلنا: \"عين\"، ثم سكتنا، وقع ذلك على محتملات كثيرة من العين الناظرة والعين النابعة والمطر وغيره مما هو موضوع بإزاء هذا الاسم، وإذا قرنَّا إليه قرينة تخصّه زال ذلك الإبهام، بأن نقول: عين حسناء، أو عين نضاخة٢، أو مُلِثَّة٣، أو غير ذلك.","footnotes":"١ ذكر من قبل في صفحة ٤٠، أن البليغ يحتاج إلى معرفة ثمانية أنواع، الأول: معرفة علم العربية من النحو التصريف, وهذا هو النوع الثاني.\r٢ عين نضاخة: يبثق منها الماء في قوة.\r٣ ملثة: دائمة المطر.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358171,"book_id":3862,"shamela_page_id":45,"part":"1","page_num":51,"sequence_num":45,"body":"وهذا موضع للعلماء فيه مجاذبات جدلية, فمنهم من ينكر أن يكون اللفظ المشترك حقيقة في المعنيين جميعًا ويقول: إن ذلك يخل بفائدة وضع اللغة؛ لأن اللغة إنما هي وضع الألفاظ في دلالتها على المعاني, أي: وضع الأسماء على المسمَّيات لتكون منبئة عنها عند إطلاق اللفظ، والاشتراك لا بيان فيه، وإنما هو ضد البيان، لكن طريق البيان أن يجعل أحد المعنيين في اللفظ المشترك حقيقة والآخر مجازًا.\rفإذا قلنا: \"هذه كلمة\" وأطلقنا القول، فهم منه اللفظة الواحدة، وإذا قيَّدنا اللفظ فقلنا: هذه كلمة شاعرة، فُهِمَ منه القصيدة المقصَّدة من الشعر، وهي مجموع كلمات كثيرة، ولو أطلقنا من غير تقييد وأردنا القصيدة من الشعر لما فهم مرادنا البتة.\rهذا خلاصة ما ذهب إليه من ينكر وقوع اللفظ المشترك في المعنيين حقيقة، وفي ذلك ما فيه، وسأبيِّن ما يدخله من الخلل، فأقول في الجواب عن ذلك ما استخرجته بفكري، ولم يكن لأحد فيه قول قبلي, وهو: أما قولك: إن فائدة وضع اللغة إنما هو البيان عند إطلاق اللفظ, واللفظ المشترك يخل بهذه الفائدة، فهذا غير مسلَّم، بل فائدة وضع اللغة هو البيان والتحسين.\rأما البيان فقد وفَّى به الأسماء المتباينة التي هي كل اسم واحد دلَّ على مسمَّى واحد، فإذا أطلق اللفظ في هذه الأسماء كان بينًا مفهومًا لا يحتاج إلى قرينة، ولو لم يضع الواضع من الأسماء شيئًا غيرها لكان كافيًا في البيان.\rوأما التحسين: فإن الواضع لهذه اللغة العربية التي هي أحسن اللغات, نظر إلى ما يحتاج إليه أرباب الفصاحة والبلاغة فيما يصوغونه من نظم ونثر، ورأى أنَّ من مهمات ذلك \"التجنيس\"، ولا يقوم به إلّا الأسماء المشتركة التي هي كل اسم واحد دلَّ على مسميين فصاعدًا، فوضعها من أجل ذلك، وهذا الموضع يتجاذبه جانبان يترجَّح أحدهما على الآخر.\rوبيانه أن التحسين يقضي بوضع الأسماء المشتركة، ووضعها يذهب بفائدة البيان عند إطلاق اللفظ، وعلى هذا, فإن وَضَعَها الواضعُ ذهب بفائدة البيان، وإن لم يضع ذهب بفائدة التحسين، لكنه إن وضع استدرك ما ذهب من فائدة البيان بالقرينة، وإن لم يضع لم يستدرك ما ذهب من فائدة التحسين، فترجَّح حينئذ جانب الوضع فوضع.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358172,"book_id":3862,"shamela_page_id":46,"part":"1","page_num":52,"sequence_num":46,"body":"فإن قيل: فلم لا تنسب الأسماء المشتركة إلى اختلاف القبائل, لا إلى واضع واحد?\rقلت في الجواب: هذا تعسُّف لا حاجة إليه، وهو مدفوع من وجهين: أحدهما: ما قدمت القول فيه من الترجيح الذي سوَّغ للواضع أن يضع، الآخر: أنَّا نرى أنه قد ورد من الجموع ما يقع على مسميين اثنين، كقولهم: \"كعاب\"، جمع \"كعب\" الذي هو كعب الرجل، وجمع \"كعبة\" وهي البنية١ المعروفة، وإذا أطلقنا اللفظ فقلنا: \"كعاب\" من غير قرينة, لا يُدْرَى ما المراد بذلك: أكعب الرجل أم البنية المعروفة? وكذلك ورد واحد وجمع على وزن واحد، كقولهم: \"راح\"، اسم للخمر، وراح جمع راحة وهي الكف، وكقولهم: \"عقاب\"، وهو الجزاء على الذنب، وجمع \"عَقَبَة\" أيضًا.\rوفي اللغة من هذا شيء كثير، وهو بالإجماع من علماء العربية أنه لم يجر فيه خلاف بين القبائل، فاتضح بهذا أن الأسماء المشتركة من واضع واحد.\rفإن قلت: إن الواضع إنما وضع المفرد من الألفاظ والجمع وضعه غيره.\rقلت في الجواب: إن الذي وضع المفرد هو الذي وضع الجمع؛ لأن من قواعد وضع اللغة أن يوضع المفرد والجمع، والمذكر والمؤنث، والمصغر والمكبر، والمصادر، وأسماء الفاعلين، وما جرى هذا المجرى، وإذا أخلَّ بشيء من ذلك كان قد أخلَّ بقاعدة من قواعد وضع اللغة.\rثم لو سلَّمتُ إليك أن واضع الجمع غير واضع المفرد لكان ذلك قدحًا في الواضع الثاني؛ إذ جاء بالإبهام عند إطلاق اللفظ؛ لأنه جمع كعبة -التي هي البنية وكعب الرجل- على \"كعاب\"، وهذا لفظ مشترك مبهم عند الإطلاق، ولا فرق بين أن يضعه الواضع الأول أو واضع ثان, فإن الإبهام حاصل منه.\rوكان فَاوَضَنِي بعض الفقهاء في قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ ٢ وقال: إن لون البقرة كان أسود، والأصفر هو الأسود،","footnotes":"١ قال صاحب القاموس: والبنية كغنية الكعبة لشرفها.\r٢ سورة البقرة: آية ٦٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358173,"book_id":3862,"shamela_page_id":47,"part":"1","page_num":53,"sequence_num":47,"body":"فأنكرت عليه هذا القول، فأخذ يجادل مجادلة غير عارف، ويعزو ذلك إلى تفسير النقاش١، وتفسير البلاذري٢.\rفقلت له: اعلم أن هذا الاسم الذي هو \"الأصفر\" لا يخلو في دلالته على الأسود من وجهين: إما أنه من الأسماء المتباينة التي يدلّ كل اسم منها على مسمَّى واحد كالإنسان والأسد والفرس وغير ذلك، وإما أنه من الأسماء المشتركة التي يدل الاسم منها على مسميين فصاعدًا.\rولا يجوز أن يكون من الأسماء المتباينة؛ لأنَّا نراه متجاذبًا بين لونين: أحدهما: هذا اللون الزعفراني الشكل، والآخر: اللون المظلم الشكل، وعلى هذا, فإنه يكون من الأسماء المشتركة، وإذا كان من الأسماء المشتركة فلا بُدَّ له من قرينة تخصصه باللون الزعفراني دون اللون المظلم؛ لأن الله تعالى قال: ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ والفاقع من صفات اللون الزعفراني خاصة؛ لأنه قد ورد للألوان صفات متعددة لكل لون منها صفة، فقيل: أبيض يقق٣، وأسود حالك، وأحمر قان، وأصفر فاقع، ولم يقل: أسود فاقع، ولا أصفر حالك، فعلم حينئذ أن لون البقرة لم يكن أسود, وإنما كان أصفر.\rفلمَّا تحقق عند ذلك الفقيه ما أشرت إليه أذعن بالتسليم.","footnotes":"١ النقاش: هو أبو بكر محمد بن الحسن بن محمد بن زياد بن هارون المقرئ النقاش الموصلي, بغدادي المولد والمنشأ، كان عالمًا بحروف القرآن, حافظًا للتفسير، صنَّف فيه كتابًا سماه: \"شفاء الصدور\", وله تصانيف في القراءة وغيرها من العلوم، ذكره طلحة بن محمد بن جعفر فقال: كان يكذب في الحديث والغالب عليه القصص. وسئل أبو بكر البرقاني عنه فقال: كان حديثه منكرًا، وقال البرقاني -وذكر تفسير النقاش- فقال: ليس فيه حديث صحيح، وُلِدَ النقاش سنة ٢٦٦هـ, وكانت وفاته سنة ٣٤١هـ.\r٢ البلاذري: أبو الحسن, وقيل أبو بكر أحمد بن يحيى بن جابر, وُلِدَ في أواخر القرن الثاني للهجرة، ونشأ ببغداد، وتقرَّب من المتوكل والمستعين والمعتز. وقد عهد إليه المعتز يتثقيف ابنه عبد الله، ومن تآليفه: فتوح البلدان، والقرابة, وتاريخ الأشراف، وكان يجيد الفارسية, وقد ترجم عنها عهد أردشير، وقد جنَّ في آخر أيامه، وتوفي سنة ٢٧٩هـ.\r٣ أبيض يقق -بفتحتين- وككتف: شديد البياض.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358174,"book_id":3862,"shamela_page_id":48,"part":"1","page_num":54,"sequence_num":48,"body":"النوع الثالث: معرفة أمثال العرب وأيامهم:\rوأما النوع الثالث فهو معرفة أمثال العرب وأيامهم، ومعرفة الوقائع التي وردت في حوادث خاصة بأقوام.\rوقولي هذا لا يقتضي كل الأمثال الواردة عنهم، فإن منها ما لا يحسن استعماله، كما أن من ألفاظهم أيضًا ما لا يحسن استعماله.\rوكنت جرَّدت من كتاب الأمثال للميداني١ أوراقًا خفيفة تشتمل على الحسن من الأمثال الذي يدخل في باب الاستعمال، وسبيل المتصدِّي لهذا الفن أن يسلك ما سلكته، وليعلم أن الحاجة إليها شديدة، وذلك أن العرب لم تضع الأمثال إلّا لأسباب أوجبتها، وحوادث اقتضتها، فصار المثل المضروب لأمر من الأمور عندهم كالعلامة التي يعرف بها الشيء، وليس في كلامهم أوجز منها، ولا أشدَّ اختصارًا.\rوسبب ذلك ما أذكره لك, لتكون من معرفته على يقين، فأقول: قد جاء عن العرب من جملة أمثاله: \"إن يبغ عليك قومك لا يبغ عليك القمر٢\" وهو مثل يضرب للأمر الظاهر المشهور، والأصل فيه -كما قال المفضل بن محمد: أنه بلغنا أن بني ثعلبة بن سعد بن ضبَّة في الجاهلية تراهنوا على الشمس والقمر ليلة أربع عشرة من الشهر، فقالت طائفة: تطلع الشمس والقمر يرى، وقالت طائفة: يغيب القمر قبل أن تطلع الشمس، فتراضوا برجل جعلوه حكمًا٣، فقال واحد٤ منهم: إن قومي يبغون عليّ، فقال الحكم٥: \"إن يبغ عليك قومك لا يبغ عليك القمر\", فذهبت مثلًا.\rومن المعلوم أن قول القائل: \"إن يبغ عليك قومك لا يبغ عليك القمر\" إذا أُخِذَ على حقيقته من غير نظر إلى القرائن المنوطة به, والأسباب التي قيل من أجلها, لا يعطي المعنى ما قد أعطاه المثل، وذلك أن المثل له مقدمات وأسباب قد عرفت، وصارت مشهورة بين الناس معلومة عندهم، وحيث كان الأمر كذلك جاز إيراد هذه اللفظات في التعبير عن المعنى المراد،","footnotes":"١ الميداني: هو أبو الفضل أحمد بن محمد بن أحمد بن إبراهيم الميداني النيسابوري، كان أديبًا فاضلًا، عارفًا باللغة، اختَّص بصحبة أبي الحسن الواحديّ صاحب التفسير، ثم قرأ على غيره, وأتقن فن العربية خصوصًا اللغة وأمثال العرب، وله فيها التصانيف المفيدة، منها كتاب مجمع الأمثال، ولم يعلم مثله في بابه، وكتاب السامي في الأسامي. المتوفَّى سنة ٥١٨هـ بنيسابور، والميداني نسبة إلى \"ميدان\", وهي محلة في نيسابور.\r٢ مجمع الأمثال للميداني ١/ ٣٠.\r٣ رواية مجمع الأمثال \"فتراضوا برجل جعلوه بينهم\".\r٤ رواية مجمع الأمثال \"فقال رجل منهم\".\r٥ رواية مجمع الأمثال \"فقال العدل\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358175,"book_id":3862,"shamela_page_id":49,"part":"1","page_num":55,"sequence_num":49,"body":"ولولا تلك المقدمات المعلومة والأسباب المعروفة، لما فهم من قول القائل: \"إن يبغ عليك قومك لا يبغ عليك القمر\" ما ذكرناه من المعنى المقصود، بل كان يفهم من هذا القول معنى مفيد؛ لأن البغي هو الظلم، والقمر ليس من شأنه أن يظلم أحدًا، فكان يصير معنى المثل: إن كان يظلمك قومك لا يظلمك القمر، وهذا كلام مختلّ المعنى, ليس بمستقيم.\rفلمَّا كانت الأمثال كالرموز والإشارات التي يلوح بها على المعاني تلويحًا, صارت من أوجز الكلام وأكثره اختصارًا.\rومن أجل ذلك قيل في حد المثل: إنه القول الوجيز المرسَل ليعمل عليه، وحيث هي بهذه المثابة, فلا ينبغي الإخلال بمعرفتها.\rوأما أيام العرب فإنها تتنوع وتتشعب، فمنها أيام فخار، ومنها أيام محاربة، ومنها أيام منافرة، ومنها غير ذلك.\rولا يخلو الناظم والناثر من الانتصاب لوصف يوم يمر به في بعض الأحوال شبيها بيوم من تلك الأيام، ومماثلًا له، فإذا جاء بذكر بعض تلك الأيام المناسبة لمراده الموافقة له، وقاس عليه يومه، فإنه يكون في غاية الحسن والرونق، هذا لا خفاء به.\rوأما الوقائع التي وردت في حوادث خاصَّة بأقوام، فإنها كالأمثال في الاستشهاد بها، وسأبيِّن لك نبذة منها حتى تعلم مقدار الفائدة بها: فمن ذلك أنه ورد عن النبي ﷺ حديث بيعة الحديبية١ تحت الشجرة، وكان أرسل عثمان ﵁ إلى مكة في حاجة عرضت له، ولم يحضر البيعة، فضرب رسول الله ﷺ بيده الشمال على اليمين وقال: \"هذه عن عثمان وشمالي خير من يمينه\".","footnotes":"١ خرج النبي ﷺ في آخر سنة ست معتمرًا لا يريد حربًا, واستنفر العرب ليخرجوا معه وهو يخشى من قريش أن يعرضوا له بحربٍ أو يصدوه عن البيت، وساق معه الهدي وأحرم بالعمرة ليأمن القرشيون حربه، لكن قريشًا لما علمت بمقدمه خرجت للقائه، وبعثت مندوبين عنها, فأخبرهم الرسول بأنه قدم زائرًا للبيت، وعاد المندوبون إلى قريش فاتهمتهم وسفَّهتهم، فأراد النبي أن يبعث عمر بن الخطاب موفدًا عنه إلى قريش ليؤكد لهم أن المهاجرين والأنصار إنما قدموا زوَّارًا لا محاربين، فاعتذر عمر؛ لأنه خشي على نفسه من عدوان قريش عليه؛ إذ ليس بمكة من بني عدي أحد يحميه، وأشار على النبي أن يرسل عثمان بن عفان، فأرسله النبي, فاحتبسته قريش عندها، وعلم النبي بذلك فقال: لا نبرح حتى نناجز القوم، ودعا الناس إلى البيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة على الموت، وعلى ألّا يفروا, ثم جاء الخبر إلى النبي أن الذي ذكر من أمر عثمان باطل.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358176,"book_id":3862,"shamela_page_id":50,"part":"1","page_num":56,"sequence_num":50,"body":"وقد استعلمت أنا هذا في جملة كتاب فقلت: ولا يعد البرُّ برًّا حتى يلحق الغيث بالحصور١، ويصل من لم يصله بجزاء ولا شكور، فزنة الغائب بالشاهد من كرم الإحسان، ولهذا نابت شمال رسول الله ﷺ عن يمين عثمان. ومن ذلك أنه ورد عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه استدعى أبا موسى الأشعري ومَنْ يليه مِن العمال، وكان منهم الربيع بن زياد الحارثيّ، فمضى إلى يرفأ مولى عمر، وسأله عمَّا يروج عنده، وينفق عليه، فأشار إلى خشونة العيش، فمضى ولبس جبة صوف، وعمامة دسماء٢، وخفًّا مطابقًا، وحضر بين يديه في جملة العمَّال، فصوَّب عمر نظره وصعَّده، فلم يقع إلّا عليه، فأدناه وسأله عن حاله، ثم أوصى أبا موسى الأشعري به.\rوقد استعملت أنا هذا في جملة تقليد لبعض الملوك من ديوان الخلافة، فقلت: \"وإذا استعنت بأحد على عملك فاضرب عليه بالأرصاد، ولا ترض بما عرفته من مبدأ حاله، فإن الأحوال تنتقل تنقُّل الأجساد، وإياك أن تخدع بصلاح الظاهر كما خدع عمر بن الخطاب بالربيع بن زياد\".\rفانظر كيف فعلت في هاتين القصَّتين? وكيف أوردتهما في الغرض الذي قصدته? وامض أنت على هذا النهج، فإنه من محاسن هذه الصنعة.\rوعُرِضَ عليّ كتاب كتبه عبد الرحيم بن علي البيساني ﵀, عن الملك صلاح الدين يوسف بن أيوب ﵀, إلى ديوان الخلافة ببغداد, في سنة إحدى وسبعين وخمسمائة, وضمنه ما أبلاه في خدمة الدولة من فتح الديار المصرية، ومحو الدولة العلوية٣، وإقامة الدعوى العباسية، وشرح فيه ما قاساه في الفتح من الأهوال.\rولمَّا تأمَّلته وجدته كتابًا حسنًا قد وفَّى فيه الخطابة حقها، إلّا أنه أخلَّ بشيء واحد، وهو أن مصر لم تفتح إلّا بعد أن قصدت من الشام ثلاث مرات، وكان الفتح في المرة الثالثة، وهذا له نظير في فتح النبي ﷺ مكة، فإنه قصدها عام","footnotes":"١ الحصور من معانيه: الهيوب المحجم عن الشيء, والمراد: أن هذا الممدوح يشمل بعطاياه من لم يطلبوا منه شيئًا.\r٢ ملونة بالدسم.\r٣ الدولة العلوية هي الفاطمية، النسبة الأولى إلى الإمام عليّ بن أبي طالب، والنسبة الثانية إلى السيدة فاطمة ابنته.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358177,"book_id":3862,"shamela_page_id":51,"part":"1","page_num":57,"sequence_num":51,"body":"الحديبية، ثم سار إليها في عمرة القضاء، ثم سار إليها عام الفتح ففتحها.\rوقد سألني بعض الإخوان أن أنشئ في ذلك كتابًا إلى ديوان الخلافة معارضًا للكتاب الذي أنشأه عبد الرحيم بن علي ﵀، فأجبته إلى سؤاله، وعددت مساعي صلاح الدين يوسف بن أيوب ﵀ فقلت: \"ومن جملتها ما فعله الخادم في الدولة المصرية, وقد قام بها منبر وسرير, وقالت: منَّا أمير ومنكم أمير، فردَّ الدعوة العباسية إلى معادها, وأذكر المنابر ما نسيته بها من زَهْوِ أعوادها، وكانت أخرجت منها إخراج النبي ﷺ من قريته، وقذف الشيطان على حقها بباطله, وعلى صدقها بغويته، ثم طوتها الليالي طي السجل١ للكتاب، وكثر عليها مرور الدهر حتى نسي لها عدد السنين والحساب، ولم يعدها إلى وطنها حتى تغرَّبت الأرواح عن أوطانها، وسهرت لها أجفان السيوف سهر العيون عن أجفانها، وتطاردت الآراء في تسهيل أمرها قبل مطاردة أقرانها، وحتى تقدمتها غربات٣ ثلاث كلها ذوات غروب٤، وكل خطب من خطوبها ذو خطوب، إلى أن تمخَّض ليلها عن صبحه، وأصبحت في الإسلام كعام حديبيته, وعمرة قضائه, وعام فتحه، وفي ذكر أخبارها ما يطبع الأسنة في رءوس الأقلام٥، ويرهب سامعها، ولم ينله شيء من مكروهها سوى الكلام، ويومها للدولة هو اليوم الذي أرَّخ فيه معاد نصرها، وميعاد بشرها، فإذا عدت لياليها السالفة كانت كسائر الليالي, وهذه ليلة قدرها\".\rفهذا فصل من فصول الكتاب، فانظر كيف ماثلت بين الفتح المصري وفتح مكة? وذكرت أيضًا حديث الحباب بن المنذر الأنصاري حيث قال بعد وفاة النبي ﷺ: منا أمير ومنكم أمير، وذلك لما حضر أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح ﵃ في سقيفة بني ساعدة، والقصة مشهورة، فقال الحباب بن","footnotes":"١ السجل: الكاتب.\r٢ أجفان السيوف: أغمادها, والأجفان: أغطية العيون من أعلى وأسفل.\r٣ غربات ثلاث: ثلاث سفرات ورحلات.\r٤ غروب: جمع غرب, والمراد هنا حد السيف، أي: إن المرات الثلاث، فيها قتال.\r٥ المراد من طبع الأسنة في رءوس الأقلام أنَّ الأقلام التي تذكر أخبار هذا الفتح تصوِّر معارك رهيبة فكأنَّ في رءوس الأقلام أسنة رماح.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358178,"book_id":3862,"shamela_page_id":52,"part":"1","page_num":58,"sequence_num":52,"body":"المنذر: منَّا أمير ومنكم أمير، فقال أبو بكر ﵁: \"بل نحن الأمراء وأنتم الوزراء\"، وهذا الذي ذكرته هو نكتة هذا الفتح التي عليها المعول، ومركزه الذي عليه يدور.\rوعجبت من عبد الرحيم بن عليّ البيساني مع تقدُّمه في فنِّ الكتابة كيف فاته أن يأتي به في الكتاب الذي كتبه؟\rوكذلك وجدت لابن زياد البغدادي كتابًا كتبه إلى الملك الناصر صلاح الدين يوسف المقدَّم ذكره في سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، وضمَّنه فصولًا تشتمل على أمور أنكرت عليه من ديوان الخلافة، فمن تلك الأمور التي أنكرت عليه أنه تلقَّب بالملك الناصر، وذلك اللقب هو لأمير المؤمنين خاصة، فإنه الإمام الناصر لدين الله، فلمَّا وقفت على ذلك الكتاب وجدته كتابًا حسنًا قد أجاد فيه كل الإجادة، ولم أجد فيه مغمزًا إلّا في هذا الفصل الذي يتضمَّن حديث اللقب، فإنه لم يأت بكلام يناسب باقي الفصول المذكورة، بل أتى فيه بكلام فيه غثاثة، كقوله: \"ما يستصلحه المولى فهو على عبده حرام\"، وشيئًا من هذا النسق, وكان الأليق والأحسن أن يحتجَّ بحجة فيها روح، ويذكر كلامًا فيه ذلاقة ورشاقة.\rوحضر عندي في بعض الأيام بعض إخواني، وجرى حديث ذلك فسألني عمَّا كان ينبغي أن يكتب في هذا الفصل، فذكرت ما عندي، وهو: \"قد علم أن للأنبياء والخلفاء خصائص يختصون بها على حكم الانفراد، وليس لأحد من الناس أن يشاركهم فيها مشاركة الأنداد، وقد أجرى رسول الله ﷺ ذلك في أشياء نصَّ عليها بحكمه، ومن جملتها أنه نهى غيره أن يجتمع بين كنيته وبين اسمه، وهذا مسوِّغ لأمير المؤمنين أن يختَّص بأمر يكون به مشهورًا، وعلى غيره محظورًا، وقد وسم نفسه بسمة نزلت عليه من السماء، وتميَّزت به من بين المسميات والأسماء، ثم استمرَّت عليها الأيام حتى خوطب بها من الحاضر والباد، ورفعها الخطباء على المنابر في أيام الجمع ومواسم الأعياد، وقد شاركته أنت فيها غير مراقب لمزية التعظيم، ولا فارق بين فسحة التحليل وحرج التحريم، والشرع والأدب يحكمان عليك بأن تلقي ما فرط منك بالمتاب، ولا تُحْوِجَ فيه إلى التقريع الذي هو أشد العتاب، ومثلك من عرف الحق فأمسكه بيده، ونسخ إغفال أمسِهِ باستئناف التيقظ في غده، والله قد رفع المؤاخذة عمَّن أتى الشيء خطًأ لا عمدًا، وقَبِلَ التوبة ممن أخذ على نفسه الإخلاص عهدًا\".\rفانظر أيها المتأمل كيف جئت بالخبر النبوي، وجعلته شاهدًا على هذا الموضع? ولا يمكن أن يحتجّ في مثل ذلك إلّا بمثل هذا الاحتجاج، وما أعلم كيف شذَّ عن ابن زياد أن يأتي به, مع أنه كان كاتبًا مغلقًا أرتضي كتابته، ولم أجد في متأخري العراقيين من يماثله في هذا الفن؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358179,"book_id":3862,"shamela_page_id":53,"part":"1","page_num":59,"sequence_num":53,"body":"النوع الرابع: الاطلاع على المنظوم والمنثور\r...\rالنوع الرابع: الاطلاع على من المنظوم والمنثور\rوأما النوع الرابع: وهو الاطلاع على كلام المتقدمين من المنظوم والمنثور, فإن في ذلك فوائد جمة؛ لأنه يعلم منه أغراض الناس، ونتائج أفكارهم، ويعرف به مقاصد كل فريق منهم، وإلى أين ترامت به صنعته في ذلك، فإن هذه الأشياء مما تشحذ القريحة، وتُذْكِي الفطنة، وإذا كان صاحب هذه الصناعة عارفًا بها تصير المعاني التي ذكرت, وتعب في استخراجها, كالشيء الملقى بين يديه, يأخذ منه ما أراد ويترك ما أراد.\rوأيضًا, فإنه إذا كان مُطَّلِعًا على المعاني المسبوق إليها قد ينقدح له من بينها معنى غريب لم يسبق إليه.\rومن المعلوم أن خواطر الناس وإن كانت متفاوتة في الجودة والرداءة, فإن بعضها لا يكون عاليًا على بعض, أو منحطًّا عنه إلّا بشيء يسير، وكثيرًا ما تتساوى القرائح والأفكار في الإتيان بالمعاني، حتى إن بعض الناس قد يأتي بمعنى موضوع بلفظ، ثم يأتي الآخر بعده بذلك المعنى واللفظ بعينهما من غير علم منه بما جاء به الأول, وهذا الذي يسميه أرباب هذه الصناعة وقوع الحافر على الحافر، وسيأتي لذلك باب مفرد في آخر كتابنا هذا إن شاء الله تعالى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358180,"book_id":3862,"shamela_page_id":54,"part":"1","page_num":60,"sequence_num":54,"body":"النوع الخامس: معرفة الأحكام السلطانية\rوأما النوع الخامس: وهو معرفة الأحكام السلطانية من الإمامة والإمارة والقضاء والحسبة وغير ذلك، فإنما أوجبنا معرفتها والإحاطة بها لما يحتاج إليه الكاتب في تقليدات الملوك والأمراء والقضاة والمحتسبين, ومن يجري مجراهم، وأيضًا فإنه قد يحدث في الإمامة حادث في بعض الأوقات: بأن يموت الإمام القائم بأمر المسلمين، ثم يتولَّى من بعده من لم تكمل فيه شرائط الإمامة، أو يكون كامل الشرائط غير أن الإمام الذي كان قبله عهد بها إلى آخر غيره, وهو ناقص الشرائط، أو يكون قد تنازع الإمامة اثنان، أو يكون أرباب الحل والعقد قد اختاروا إمامًا وهم غير كاملي الشرائط التي تجب أن توجد فيهم، أو يكون أمر غير ما ذكرناه، فتختلف الأطراف في ذلك، وينتصب ملك من الملوك له عناية بالإمام الذي قد قام للمسلمين، فيأمر كاتبه أن يكتب كتابًا في أمره إلى الأطراف المخالفة له.\rوإذا لم يكن الكاتب عند ذلك عارفًا بالحكم في هذه الحوادث واختلاف أقوال العلماء فيها، وما هو رخصة في ذلك, وما ليس برخصة، لا يكتب كتابًا ينتفع به.\rولسنا نعني بهذا القول أن يكون الكتاب مقصورًا على فقه محضٍ فقط، لأنَّا لو أردنا ذلك لما كنا نحتاج فيه إلى كتب كتاب بلاغي، بل كنَّا نقتصر على إرسال مصنَّف من مصنَّفات الفقه عوضًا عن الكتاب، وإنما قصدنا أن يكون الكتاب الذي يُكْتَبُ في هذا المعنى مشتملًا على الترغيب والترهيب، والمسامحة في موضع, والمحاقة في موضع، مشحونًا ذلك بالنَّكت الشرعية المبرزة في قوالب البلاغة والفصاحة، كما فعل الكاتب الصَّابي١ في الكتاب الذي كتبه عن عز الدولة بختيار بن معز الدولة بن بويه, إلى الإمام الطائع لمَّا خلع المطيع، فإنه من محاسن الكتب التي تكتب في هذا الفن.","footnotes":"١ هو أبو إسحاق بن هلال الصابي, صاحب الرسائل المشهورة والنظم البديع, كان كاتب الإنشاء عن الخليفة, وعن عز الدولة بختيار الديلمي، وتقلَّد ديوان الرسائل سنة ٣٤٩هـ، وكان متشددًا في دينه، وجهد عليه عز الدولة أن يسلم فلم يفعل، وكان يصوم شهر رمضان مع المسلمين، ويحفظ القرآن الكريم أحسن حفظ, وكان يستعمله في رسائله, توفي الصابيّ سنة ٣٨٤هـ ببغداد، ورثاه الشريف الرضي بقصيدة مشهورة، وعاتبه في ذلك لكونه شريفًا يرثي صابئًا، فقال: إنما رثيت فضله.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358181,"book_id":3862,"shamela_page_id":55,"part":"1","page_num":61,"sequence_num":55,"body":"النوع السادس: حفظ القرآن الكريم\rوأما النوع السادس: وهو حفظ القرآن الكريم, فإن صاحب هذه الصناعة ينبغي له أن يكون عارفًا بذلك؛ لأن فيه فوائد كثيرة، منها أنه يضمِّن كلامه بالآيات في أماكنها اللائقة بها, ومواضعها المناسبة لها، ولا شبهة فيما يصير للكلام بذلك من الفخامة والجزالة والرونق.\rومنها أنه إذا عرف مواقع البلاغة وأسرار الفصاحة المودَعَة في تأليف القرآن اتخذه بحرًا يستخرج منه الدرر والجواهر, ويودعها مطاوي كلامه، كما فعلتُه أنا فيما أنشأته من المكاتبات، وكفى بالقرآن الكريم وحده آلة وأداة في استعمال أفانين الكلام.\rفعليك أيها المتوشِّح لهذه الصناعة بحفظه, والفحص عن سره, وغامض رموزه وإشاراته، فإنه تجارة لن تبور، ومنبع لا يغور، وكنز يرجع إليه، وذخر يعول عليه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358182,"book_id":3862,"shamela_page_id":56,"part":"1","page_num":61,"sequence_num":56,"body":"النوع السابع: حفظ الأخبار النبوية\rوأما النوع السابع وهو حفظ الأخبار النبوية مما يحتاج إلى استعماله, فإنّ الأمر في ذلك يجري مجرى القرآن الكريم، وقد تقدَّم القول عليه فاعرفه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358183,"book_id":3862,"shamela_page_id":57,"part":"1","page_num":61,"sequence_num":57,"body":"النوع الثامن: معرفة علمي العروض والقوافي\rوأما النوع الثامن: وهو ما يختص بالناظم دون الناثر، وذلك معرفة العروض وما يجوز فيه من الزحاف١ وما لا يجوز، فإن الشاعر محتاج إليه.\rولسنا نوجب عليه المعرفة بذلك لينظم بعلمه، فإن النَّظم مبنيٌّ على الذوق، ولو نظم بتقطيع الأفاعيل٢ لجاء شعره متكلفًا غير مرضي، وإنما أريد للشاعر معرفة العروض؛ لأن الذوق قد ينبو عن بعض الزحافات ويكون ذلك جائزًا في العروض، وقد ورد للعرب مثله.\rفإذا كان الشاعر غير عالم به، لم يفرق بين ما يجوز من ذلك وما لا يجوز،","footnotes":"١ الزحاف على وزن كتاب في الشعر أن يسقط بين الحرفين فيزحف أحدهما إلى الآخر، وهو تغيير مختص بثواني الأسباب، جمع سبب، وهو عند العروضيين متحرك بعده ساكن، ويسمُّونه السبب الخفيف نحو: قَدْ، ومتحركان نحو: بِكَ، ويسمونه السبب الثقيل.\r٢ المعروف أنها \"تفاعيل\" بالتاء جمع لتفعيلة، وهي الألفاظ التي يوزن بها أيّ بحر من بحور الشعر.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358184,"book_id":3862,"shamela_page_id":58,"part":"1","page_num":62,"sequence_num":58,"body":"وكذلك أيضًا يحتاج الشاعر إلى العلم بالقوافي والحركات، ليعلم الرويّ١ والردف٢، وما يصح من ذلك وما لا يصح.\rفإذا أكمل صاحب هذه الصناعة معرفة هذه الآلات, وكان ذا طبع مجيب وقريحة مواتية، فعليه بالنظر في كتابنا هذا، والتصفُّح لما أودعناه من حقائق علم البيان، ونبهنا عليه من أصول ذلك وفروعه، على أن الذي ذكرناه من هذه الآلات الثمان هو كالأصل لما يحتاج إليه الخطيب والشاعر, ومعرفته ضرورية لا بُدَّ منها.\rوههنا أشياء هي كالتوابع والروادف، وبالجملة فإن صاحب هذه الصناعة يحتاج إلى التشبث بكل فن من الفنون، حتى إنه يحتاج إلى معرفة ما تقوله النادبة بين النساء، والماشطة عند جلوة العروس، وإلى ما يقوله المنادي في السوق على السلعة، فما ظنك بما فوق هذا؟\rوالسبب في ذلك أنه مؤهل؛ لأن يهيم في كل وادٍ، فيحتاج أن يتعلق بكل فن.","footnotes":"١ الروي من القافية، وهو الحرف الذي تُبْنَى عليه القصيدة.\r٢ الردف من حروف القافية، وهو حرف مدّ قبل حرف الروي.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358185,"book_id":3862,"shamela_page_id":59,"part":"1","page_num":62,"sequence_num":59,"body":"الفصل الثالث: في الحكم على المعاني\rوفائدة هذا الفصل الإحاطة بأساليب المعاني على اختلافها وتباينها.\rوصاحب هذه الصناعة مفتقر إلى هذا الفصل والذي يليه، بخلاف غيرهما من هذه الفصول المذكورة، لا سيما مفسري الأشعار، فإنهم به أعنى.\rواعلم أن الأصل في المعنى أن يحمل على ظاهر لفظه، ومن يذهب إلى التأويل يفتقر إلى دليل، كقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ ١ فالظاهر من لفظ \"الثياب\" هو ما يلبس، ومن تأوّل ذهب إلى أن المراد هو القلب، لا الملبوس، وهذا لا بُدَّ له من دليل، لأنه عدول عن ظاهر اللفظ.","footnotes":"١ سورة المدثر، آية ٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358186,"book_id":3862,"shamela_page_id":60,"part":"1","page_num":63,"sequence_num":60,"body":"وكذلك ورد عن عيسى بن مريم ﵇ أنه قال: \"إذا أردت أن تصلي فادخل بيتك وأغلق بابك\" فالظاهر من هذا هو البيت والباب، ومن تأوَّل ذهب إلى أنه أراد أنك تجمع عليك همَّ قلبك, وتمنع أن يخطر به سوى أمر الصلاة، فعبَّر عن القلب بالبيت, وعن منع الخواطر التي تخطر له بإغلاق الباب، وهذا يحتاج إلى دليل؛ لأنه عدول عن ظاهر اللفظ.\rفالمعنى المحمول على ظاهره لا يقع في تفسيره خلاف، والمعنى المعدول عن ظاهره إلى التأويل يقع فيه الخلاف؛ إذ باب التأويل غير محصور، والعلماء متفاوتون في هذا, فإنه قد يأخذ بعضهم وجهًا ضعيفًا من التأويل, فيكسوه بعبارته قوةً تميزه على غيره من الوجوه القوية، فإن السيف بضاربه:\rإن السيوف مع الذين قلوبهم ... كقلوبهنَّ إذا التقى الجمعان\rتلقى الحسام على جراءة حده ... مثل الجبان بكف كل جبان١\rوذهب بعضهم في الفرق بين \"التفسير\" و\"التأويل\" إلى شيء غير مرضي، فقال: التفسير بيان وضع اللفظ حقيقةً، كتفسير الصراط بالطريق، والتأويل: إظهار باطن اللفظ، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ ٢ فتفسيره من الرصد، يقال: رصدته، إذا رقبته، وتأويله: تحذير العابد من تعدِّي حدود الله ومخالفة أوامره.\rوالذي عندي في ذلك أنه أصاب في الآخر، ولم يصب في الأول، لأن قوله: \"التفسير بيان وضع اللفظ حقيقة\" لا مستند لجوازه، بل \"التفسير\" يطلق على بيان وضع اللفظ حقيقة ومجازًا؛ لأنه من \"الفَسْر\"، وهو الكشف، كتفسير الرصد في الآية المشار إليها بالرِّقْبَة, وتفسيره بالتحذير من تعدِّي حدود الله ومخالفة أوامره.\rوأما \"التأويل\" فإنه أحد قسمي التفسير، وذاك أنه رجوع عن ظاهر اللفظ، وهو مشتَقٌّ من الأول، وهو الرجوع، يقال: آل يؤل، إذا رجع.\rوعلى هذا, فإن التأويل خاصّ, والتفسير عام، فكل تأويل تفسير, وليس كل تفسير تأويلًا، ولهذا يقال: تفسير القرآن، ومن تفسيره ظاهر وباطن.","footnotes":"١ البيتان للمتنبي؛ الديوان ٤/ ١٨٤، والمعنى: إنما يغني السيف إذا كان مع الشجاع.\r٢ سورة الفجر؛ آية ١٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358187,"book_id":3862,"shamela_page_id":61,"part":"1","page_num":64,"sequence_num":61,"body":"وهذا الفصل الذي نحن بصدد ذكره ههنا يرجع أكثره إلى التأويل؛ لأنه أدق.\rولا يخلو تأويل المعنى من ثلاثة أقسام: إما أن يفهم منه شيء واحد لا يحتمل غيره، وإما أن يفهم منه الشيء وغيره، وتلك الغيرية: إمَّا أن تكون ضدًّا، أو لا تكون ضدًّا، وليس لنا قسم رابع.\rفالأول: يقع عليه أكثر الأشعار، ولا يجري في الدقة واللطافة مجرى القسمين الآخرين.\rوأما القسم الثاني: فإنه قليل الوقوع جدًّا، وهو من أظرف التأويلات المعنوية؛ لأن دلالة اللفظ على المعنى وضدَّه أغرب من دلالته على المعنى وغيره مما ليس بضده، فمِمَّا جاء منه قول النبي ﷺ:$\"صلاةٌ في مسجدي هذا خيرٌ من ألف صلاةٍ في غيره من المساجد إلّا المسجد الحرام\" فهذا الحديث يستخرج منه معنيان ضدان:\rأحدهما: أن المسجد الحرام أفضل من مسجد رسول الله ﷺ.\rوالآخر: أن مسجد رسول الله ﷺ أفضل من المسجد الحرام, أي: إن صلاة واحدة فيه لا تفضل ألف صلاة في المسجد الحرام، بل تفضل ما دونها، بخلاف المساجد الباقية, فإن ألف صلاة فيها تقصر عن صلاة واحدة فيه.\rوكذلك جاء قول النبي ﷺ أيضًا من كلام النبوة: \"الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت\" , وهذا يشتمل على معنيين ضدين:\rأحدهما: أن المراد به إذا لم تفعل فعلًا تستحي منه فافعل ما شئت. والآخر: أن المراد به إذا لم يكن لك حياء يزعك عن فعل ما يُسْتَحَى منه فافعل ما شئت، وهذان معنيان ضدَّان، أحدهما مدح، والآخر ذم.\rومثله ورد في الحديث النبوي أيضًا، وذلك أنه ذكر شريح الحضرمي عند النبي ﷺ فقال: \"لا يتوسَّد القرآن\" وهذا يحتمل مدحًا وذمًّا، أمَّا المدح فالمراد به أنه لا ينام الليل عن القرآن, فيكون القرآن متوسِّدًا معه لم يتهجد به، وأمَّا الذم فالمراد به أنه لا يحفظ من القرآن شيئًا، فإذا نام لم يتوسَّد معه القرآن، وهذان التأويلان من الأضداد. وكثيرًا ما يرد أمثال ذلك في الأحاديث النبوية.\rويجري على هذا النهج من الشعر قول أبي الطيب في قصيدة يمدح بها كافورًا:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358188,"book_id":3862,"shamela_page_id":62,"part":"1","page_num":65,"sequence_num":62,"body":"وأظلم أهل الظلم من بات حاسدًا ... ومن بات في نعمائه يتقلَّب١\rوهذا البيت يستخرج منه معنيان ضدان, أحدهما: أن المنعَم عليه يحسد المنعِم، والآخر: أن المنعِم يحسد المنعَم عليه, وكذلك ورد قوله أيضًا من قصيدة يمدحه:\rفإن نلت ما أمَّلت منك فربما ... شربت بماءٍ يعجز الطّير ورده٢\rفإن هذا البيت يحتمل مدحًا وذمًّا، وإذا أُخِذَ بمفرده من غير نظر إلى ما قبله فإنه يكون بالذمِّ أولى منه بالمدح؛ لأنه يتضمَّن وصف نواله بالبعد والشذوذ, وصدر البيت مفتتح بإن الشرطية، وقد أجيب بلفظة \"رُبَّ\" التي معناها التقليل, أي: لست من نوالك على يقين، فإن نلته فربما وصلت إلى مورد لا يصل إليه الطير لبعده، وإذا نظر إلى ما قبل هذا البيت دلَّ على المدح خاصة، لارتباطه بالمعنى الذي قبله, وكثيرًا ما كان يقصد المتنبي هذا القسم في شعره، كقوله من قصيدة أولها:\rعدوُّك مذمومٌ بكلِّ لسان ... ولو كان من أعدائك القمران\rولله سرٌّ في علاك وإنما ... كلام العدا ضربٌ من الهذيان٣\rثم قال:\rفما لك تُعْنَى بالأسنَّة والقنا ... وَجَدَك طعَّان بغير سنان٧\rفإن هذا بالذمِّ أشبه منه بالمدح؛ لأنه يقول: لم تبلغ ما بلغته بسعيك واهتمامك، بل بجدٍّ وسعادةٍ، وهذا لا فضل فيه؛ لأن السعادة تنال الخامل والجاهد ومن لا يستحقها، وأكثر ما كان المتنبي يستعمل هذا القسم في قصائده الكافوريات.\rوحكى أبو الفتح بن جِنِّي، قال: قرأت على أبي الطيب ديوانه، إلى أن وصلت إلى قصيدته التي أولها:","footnotes":"١ ديوان المتنبي ١/ ١٨٥.\r٢ ديوان المتنبي ٢/ ٢٨.\r٣ ديوان المتنبي ٤/ ٢٤٢.\r٤ ديوان المتنبي ٤/ ٢٤٧ والرواية فيه \"وما تعنى ... البيت\" وقبل هذا البيت:\rفما لك تختار القسى وإنما ... عن السعد يرمي دونك الثقلان","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358189,"book_id":3862,"shamela_page_id":63,"part":"1","page_num":66,"sequence_num":63,"body":"أغالب فيك الشوق والشوق أغلب١\rفأتيت منها على هذا البيت وهو:\rوما طربي لما رأيتك بدعةٌ ... لقد كنت أرجو أن أراك فأطْرَبُ٢\rفقلت له: يا أبا الطيب، لم تزد على أن جعلته أبا زنَّة٣، فضحك لقولي! وهذا القسم من الكلام يسمَّى \"الموجَّه\" أي: له وجهان٤، وهو مما يدل على براعة الشاعر وحسن تَأَتِّيه.\rوأمَّا القسم الثالث: فإنه يكون أكثر وقوعًا من القسم الثاني، وهو واسطة بين طرفين؛ لأن القسم الأول كثير الوقوع، والقسم الثاني قليل الوقوع، وهذا القسم الثالث وسط بينهما.\rفمِمَّا جاء منه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ ٥ فإن هذا له وجهان من التأويل, أحدهما: القتل الحقيقي الذي هو معروف، والآخر: هو القتل المجازي، وهو الإكباب على المعاصي، فإن الإنسان إذا أكبَّ على المعاصي قتل نفسه في الآخرة.\rومن ذلك ما ورد في قصة إبراهيم وذبح ولده ﵉، فقال الله تعالى حكاية عنه: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ، رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ، فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ، فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ، فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ، وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ، قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا","footnotes":"١ ديوان المتنبي ١/ ١٧٦ وشطره الآخر:\rوأعجب من ذا الهجر والوصل أعجب\r٢ ديوان المتنبي ١/ ١٨٦.\r٣ الأصل \"أبارنة\" بالراء، وهو تصحيف، وأبو زنة كنية القرد.\r٤ التوجيه عند البلاغيين أن يحتمل الكلام وجهين من المعنى احتمالًا مطلقًا من غير تقييد بمدح أو غيره، واستهشدوا على التوجيه بقول الشاعر في الحسن بن سهل عندما زوَّج ابنته بوران بالخليفة:\rبارك الله للحسن ... ولبوران في الحنستين\rيا إمام الهدى ظفر ... ت ولكن ببنت من؟\rفلم يعلم ما أراد بقوله \"بينت من\" في الرفعة أو في الحقارة.\r٥ سورة النساء: آية ٢٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358190,"book_id":3862,"shamela_page_id":64,"part":"1","page_num":67,"sequence_num":64,"body":"كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ، وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ، وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ، سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ، وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ١ فقوله تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ قد يكون بشارة بنبوته بعد البشارة بميلاده، وقد يكون استئنافًا بذكره بعد ذكر إسماعيل ﵇ وذبحه، والتأويل متجاذب بين هذين الأمرين، ولا دليل على الاختصاص بأحدهما، ولم يرد في القرآن ما يدل على أن الذبيح إسماعيل ولا إسحاق ﵉، وكذلك لم يرد في الأخبار التي صحَّت عن رسول الله ﷺ: وأمَّا ما يروى عنه أنه قال: \"أنا ابن الذبيحين\" فخارج عن الأخبار الصحيحة، وفي التوراة أن إسحاق ﵇ هو الذبيح.\rومن ذلك قول النبي ﷺ لأزواجه: \"أطولكن يدًا، أسرعكن لحوقًا بي\" فلمَّا مات -صلوات الله عليه- جعلن يطاولن بين أيديهن حتى ينظرن أيتهن أطول يدًا، ثم كانت زينب أسرعهن لحوقًا به، وكانت كثيرة الصدقة، فعلمن حينئذ أنه لم يرد الجارحة، وإنما أراد الصدقة، فهذا القول يدل على المعنيين المشار إليهما.\rومن ذلك ما روي عن أنس بن مالك ﵄ أنه قال: خدمت رسول الله عشر سنين، فلم يقل لشيءٍ فعلته لم فعلته, ولا لشيءٍ لم أفعله لم لا فعلته، وهذا القول يحتمل وجهين من التأويل: أحدهما وصف رسول الله ﷺ بالصبر على خلق من يصحبه، والآخر أنه وصف نفسه بالفطنة والذكاء فيما يقصده من الأعمال، كأنه متفطِّن لما في نفس رسول الله ﷺ، فيفعله من غير حاجة إلى استئذانه.\rومن ذلك ما ورد في الأدعية النبوية، فإنه ﷺ دعا على رجل من المشركين فقال: \"اللهم اقطع أثره\" , وهذا يحتمل ثلاثة أوجه من التأويل, الأول: أنه دعا عليه بالزمانة٢، لأنه إذا زمن لا يستطيع أن يمشي على الأرض، فينقطع حينئذ أثره، الوجه الثاني: أنه دعا عليه بأن لا يكون له نسل من بعده ولا عقب. الوجه","footnotes":"١ سورة الصافات: الآيات من ٩٩ إلى ١١٢.\r٢ من معاني الزمانة: العاهة؛ والمرض يدوم طويلًا.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358191,"book_id":3862,"shamela_page_id":65,"part":"1","page_num":68,"sequence_num":65,"body":"الثالث: أنه دعا عليه بألَّا يكون له أثر من الآثار مطلقًا, وهو ألَّا يفعل فعلًا يبقى أثره من بعده كائنًا ما كان من عقب, أو بناء, أو غراس, أو غير ذلك.\rوظفرت الحروريّة١ برجل، فقالوا له: ابرأ من علي وعثمان، فقال: أنا من علي ومن عثمان أبرأ، فهذا يدل على معنيين, أحدهما: أنه بريء من عثمان وحده، والآخر: أنه بريء منهما جميعًا، والرجل لم يرد إلّا الوجه الأول.\rومن ذلك ما يحكى عن عبد المسيح بن بُقَيْلة لما نزل بهم خالد بن الوليد على الحيرة، وذاك أنه خرج إليه عبد المسيح بن بُقَيْلة٢، فلمَّا مَثُلَ بين يديه قال: انعم صباحًا أيها الملك، فقال له خالد: قد أغنانا الله عن تحيتك هذه بـ\"سلام عليكم\"، ثم قال له: من أين أقصى أثرك? قال: من ظهر أبي، قال: فمن أين خرجت? قالت من بطن أمي، قال: فعلام أنت? قال: على الأرض، قال: ففيم أنت? قال: في ثيابي، قال: ابن كم أنت? قال: ابن رجل واحد، قال خالد: ما رأيت كاليوم قط، أنا أسأله عن الشيء وهو ينحو في غيره، وهذا من توجيه الكلام على نمط حسن، وهو يصلح أن يكون جوابًا لخالد عمَّا سأل، ويصلح أن يكون جوابًا لغيره مما ذكره عبد المسيح بن بقيلة.\rوقد ورد في التوراة ألَّا يؤكل الجدي بلبن أمه، وهذا يحتمل التحريم في وجهين, أحدهما: ما دلَّ عليه ظاهر لفظه، وهو تحريم لحم الجدي بلبن أمه خاصة، وإذا أُكِلَ بلبن غير لبن أمه جاز ذلك، ولم يكن حرامًا، وهذا لا يؤخذ به أحد من اليهود، والوجه الآخر وهو الذي يأخذ به عند اليهود جميعهم أن أكل اللحم باللبن حرام، كائنًا ما كان من اللحوم، إلّا طائفة منهم يسمون \"القرَّائين\"، فإنهم تأوَّلوا فأكلوا لحم الطير باللبن، وقالوا: إنما حُرِّم اللحم باللبن من اللحوم ذوات الألبان، والطير من ذوات البيض لا من ذوات الألبان.","footnotes":"١ الحرورية؛ وقد يسمون \"الوعيدية\", وأصلهم أنهم تسلَّقوا جبال حروراء بقتال علي؛ ولذلك يوضعون ضمن الخوارج في بعض التقاسيم؛ يتغالون في إثبات الوعيد والخوف على المؤمنين لإمكان الخلود في النار مع الإيمان؛ فمقترفوا الكبائر مشركون، وهو يكفرون الخوارج.\r٢ هو عبد المسيح بن عمرو بن قيس بن حيان بن بقيلة الغساني؛ وهو من المعمِّرين، وقد أورد الجاحظ الحديث كله في البيان والتبيين ٢/ ١٤٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358192,"book_id":3862,"shamela_page_id":66,"part":"1","page_num":69,"sequence_num":66,"body":"ومما يجري على هذا النهج ما يُحْكى عن \"أفلاطون\" أنه قال: ترك الدواء دواء، فذهب بعض الأطباء أنه أراد أنَّ لُطْفَ المزاج انتهى١ إلى غاية لا يحتمل الدواء، فتركه حينئذ والإضراب عنه دواء، وذهب آخرون إلى أنه أراد بالترك الوضع, أي: وضع الدواء على الداء دواء، يشير بذلك إلى حذق الطبيب في أوقات علاجه.\rومثله في الشعر قول الفرزدق:\rإذا جعفر مرَّت على هضبة الحمى ... فقد أخزت الأحياء منها قبورها٢\rوهذا يدل على معنيين: أحدهما: ذم الأحياء، والآخر: ذم الأموات، أما ذم الأحياء فهو أنهم خذلوا الأموات، يريد أنهم تلاقوا في قتالهم وقومًا آخرين, ففر الأحياء عنهم وأسلموهم، أو أنهم استنجدوهم فلم ينجدوهم، وأمَّا ذم الأموات فهو أن لهم مخازي وفضائح توجب عارًا وشنارًا، فهم يعيرون بها الأحياء ويلصقونها بهم. وعلى هذا ورد قول أبي تمام:\rبالشعر طولٌ إذا اصطكَّت قصائده ... في معشرٍ، وبه عن معشرٍ قصر٣\rفهذا البيت يحتمل تأويلين: أحدهما أن الشعر يتَّسع مجاله بمدحك, ويضيق بمدح غيرك، يريد بذلك أن مآثره كثيرة، ومآثر غيره قليلة، والآخر: أن الشعر يكون ذا فخر ونباهة بمدحك، وذا خمول بمدح غيرك، فلفظة \"الطول\" يفهم منها ضد القِصَر، ويفهم منها الفخر، من قولنا: \" طال فلان على فلان\" أي: فخر عليه. ومما ينتظم بهذا السلك قول أبي كبير الهذلي:\rعجبت لسعي الدهر بيني وبينها ... فلمَّا انقضى ما بيننا سكن الدهر\rوهذا يحتمل وجهين من التأويل: أحدهما أنه أراد بسعي الدهر سرعة تقضِّي الأوقات مدة الوصال، فلما انقضى الوصل عاد الدهر إلى حالته في السكون","footnotes":"١ في الأصل \"وانتهى\".\r٢ في الأصل \"أخذت\" وهو تحريف، ورواية الديوان \"ص٤٦١\":\rإذا جعفر مرَّت على هضبة الحمى ... تقنع إذ صاحت إليها قبورها\rوالبيت من قصيدة للفرزدق يهجو بها بني جعفر بن كلاب بن ربيعة بن صعصعة.\r٣ ديوان أبي تمام ١٥١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358193,"book_id":3862,"shamela_page_id":67,"part":"1","page_num":70,"sequence_num":67,"body":"والبطء. الآخر: أنه أراد بسعي الدهر سعي أهل الدهر بالنمائم والوشايات، فلمَّا انقضى ما كان بينهما من الوصل سكنوا وتركوا السعاية، وهذا من باب وضع المضاف إليه مكان المضاف، كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ ١ أي: أهل القرية.\rومن الدقيق المعني في هذا الباب قول أبي الطيب المتنبي في عضد الدولة من جملة قصيدته التي أولها:\rأوه بديلٌ من قولتي واها٢\rفقال:\rلو فَطِنَتْ خيله لنائله ... لم يرضها أن تراه يرضاها٣\rوهذا يستنبط منه معنيان غيران: أحدهما أن خيله لو علمت مقدار عطاياه النفيسة لما رضيت بأن تكون من جملة عطاياه؛ لأن عطاياه أنفس منها، والآخر: أن خيله لو علمت أنه يهبها من جملة عطاياه لما رضيت بذلك، إذ تكره خروجها عن ملكه، وهذان الوجهان أنا ذكرتهما, وإنما المذكور منهما أحدهما.\rوهذا الذي أشرت إليه من الكلام على المعاني وتأويلاتها كافٍ لمن عنده ذوق, وله قوة على حملها على أشباهها ونظائرها.","footnotes":"١ سورة يوسف: آية ٨٢.\r٢ ديوان المتنبي ٤/ ٢٦٩ وعجز البيت:\rلمن نأت والبديل ذكراها\r٣ ديوان المتنبي ٤/ ٢٧٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358194,"book_id":3862,"shamela_page_id":68,"part":"1","page_num":71,"sequence_num":68,"body":"الفصل الرابع: في الترجيح بين المعاني\rوهذا الفصل هو ميزان الخواطر الذي يوزن به نقد درهمها ودينارها، بل المحك الذي يعلم منه مقدار عيارها، ولا يزن به إلّا ذو فكرة متَّقِدَة، ولمحة منتقدة، فليس كل من حمل ميزانًا سُمِّيَ صرَّافًا، ولا كل من وزن به سُمِّيَ عرَّافًا.\rوالفرق بين هذا الترجيح والترجيح الفقهي أن هناك يرجَّح بين دليلي الخصمين في حكم شرعي، وههنا يرجَّح بين جانبي فصاحة وبلاغة في ألفاظ ومعانٍ خطابية.\rوبيان ذلك أنَّ صاحب الترجيح الفقهي يرجع بين خبر التواتر مثلًا وبين خبر الآحاد، أو بين المسند١ والمرسل٢، أو ما جرى هذا المجرى، وهذا لا يعرض إليه صاحب علم البيان؛ لأنه ليس من شأنه، ولكن الذي هو من شأنه أن يرجِّح بين حقيقة ومجاز، أو بين حقيقتين، أو بين مجازين، ويكون ناظرًا في ذلك كله إلى الصناعة الخطابية، ولربما اتفق هو وصاحب الترجيح الفقهي في بعض المواضع، كالترجيح بين عام وخاص، أو ما شابه ذلك.\rوكنا قد قدَّمنا القول في الحكم على المعاني وانقسامها، ولنبيِّنَ في هذا الفصل مواضع الترجيح بين وجوه تأويلاتها فنقول:\rأما القسم الأول من المعاني فلا تَعَلُّقَ للترجيح به، إذا ما دلَّ عليه ظاهر لفظه, ولا يحتمل إلَّا وجهًا واحدًا, فليس من هذا الباب في شيء.\rوالترجيح إنما يقع بين معنيين، يدل عليهما لفظ واحد، ولا يخلو الترجيح بينهما من ثلاثة أقسام: إما أن يكون اللفظ حقيقة في أحدهما مجازًا في الآخر، أو حقيقة فيهما جميعًا، أو مجازًا فيهما جميعًا، وليس لنا قسم رابع.\rوالترجيح بين الحقيقتين، أو بين المجازين يحتاج إلى نظر، وأما الترجيح بين الحقيقة والمجاز، فإنه يعلم ببديهة النظر، لمكان الاختلاف بينهما، والشيئان المختلفان يظهر الفرق بينهما، بخلاف ما يظهر بين الشيئين المشبَّهين, فمثال الحقيقة والمجاز قوله تعالى:","footnotes":"١ الحديث المسند: ما ذكر سنده، وهو سلسلة الرجال الذين رووا الحديث، غير أن بعضهم يخص هذا الاسم بالحديث المتَّصل المرفوع إلى النبي ﷺ، وهذا هو المشهور، فإذا سقط واحد من الرواة، أولم يرفع إلى النبي ﷺ لا يقال له مسند.\r٢ الحديث المرسل: ما حذف من سنده من يكون فوق التابعين، وهو الصاحبي، وذلك كان يقول أحد التابعين: قال رسول الله ﷺ كذا؛ أو فعل كذا, أو فعل بحضرته كذا.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358195,"book_id":3862,"shamela_page_id":69,"part":"1","page_num":72,"sequence_num":69,"body":"﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ، حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١ فالجلود ههنا تُفَسَّرُ حقيقة ومجازًا, أما الحقيقة فيراد بها الجلود مطلقًا، وأما المجاز فيراد بها الفروج خاصة، وهذا هو الجانب البلاغي، الذي يرجح جانب المجاز على الحقيقة، لما فيه من لطف الكناية عن المكنّى عنه، وقد يسأل ههنا في الترجيح بين الحقيقة والمجاز من غير الجانب البلاغيِّ، ويقال: ما بيان هذا الترجيح? فيقال: طريقه لفظ الجلود عامّ, فلا يخلو إمَّا أن يراد به الجلود مطلقًا, أو يراد به الجوارح التي هي أدوات الأعمال الخاصة، ولا يجوز أن يراد به الجلود على الإطلاق؛ لأن شهادة غير الجوارح التي هي الفاعلة شهادة باطلة؛ إذ هي شهادة غير شاهد، والشهادة هنا يراد بها الإقرار، فتقول اليد: أنا فعلت كذا وكذا، وتقول الرجل: أنا مشيت إلى كذا وكذا، وكذلك الجوارح الباقية تنطق مقرَّةً بأعمالها، فترجَّح بهذا أن يكون المراد به شهادة الجوارح، وإذا أريد به الجوارح فلا يخلو إمَّا أن يراد به الكل أو البعض، فإن أريد به الكل دخل تحته السمع والبصر، ولم يكن لتخصيصهما بالذكر فائدة، وإن أريد به البعض فهو بالفرج أخصّ منه بغيره من الجوارح، لأمرين؛ أحدهما: إن الجوارح كلها قد ذكرت في القرآن الكريم شاهدة على صاحبها بالمعصية ما عدا الفرج، فكان حمل الجلد عليه أولى، ليستكمل ذكر الجميع، الآخر: إنه ليس في الجوارح ما يكره التصريح بذكره إلّا الفرج، فكنِّي عنه بالجلد؛ لأنه موضع يكره التصريح فيه بالمسمَّى على حقيقته.\rفإن قيل: إن تخصيص السمع والبصر بالذكر من باب التفصيل، كقوله تعالى: ﴿فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ ٢ والنخل والرمان من الفاكهة..\rقلت في الجواب: هذا القول عليك لا لك؛ لأن النخل والرمان إنما ذكر التفضيل لهما في الشكل أو في الطعم، والفضيلة ههنا في ذكر الشهادة إنما هي تعظيم لأمر المعصية، وغير السمع والبصر أعظم في المعصية؛ لأن معصية السمع إنما تكون في سماع غيبة، أو في سماع صوت مزمار أو وتر، أو ما جرى هذا المجرى.","footnotes":"١ سورة فصلت، الآيتان: ١٩، ٢٠.\r٢ سورة الرحمن: آية ٦٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358196,"book_id":3862,"shamela_page_id":70,"part":"1","page_num":73,"sequence_num":70,"body":"ومعصية البصر إنما تكون في النظر إلى مُحَرَّم، وكلتا المعصيتين لا حدَّ فيهما، وأما المعاصي التي توجد من غير السمع والبصر فأعظم؛ لأن معصية اليد توجب القطع، ومعصية الفرج توجب جلد مائة أو الرجم، وهذا أعظم، فكان ينبغي أن تخص بالذكر دون السمع والبصر، وإذا ثبت فساد ما ذهبت إليه فلم يكن المراد بالجلود إلّا الفروج خاصة.\rوأما مثال المعنيين إذا كانا حقيقيَّيْن فقول النبي ﷺ: \"التمسوا الرزق في خبايا الأرض\" والخبايا جمع خبية، وهو كل ما يُخْبَأ كائنًا ما كان، وهذا يدل على معنيين حقيقيِّين: أحدهما الكنوز المخبوءة في بطون الأرض، والآخر: الحرث والغراس، وجانب الحرث والغراس أرجح؛ لأن مواضع الكنوز لا تعلم حتى تلتمس، والنبي ﷺ لا يأمر بذلك؛ لأنه شيء مجهول غير معلوم، فبقي المراد بخبايا الأرض ما يحرث ويغرس.\rوكذلك ورد قوله ﷺ: \"إذا ابتلَّت النعال فالصلاة في الرحال\" , وهذا الحديث مرخِّصٌ في ترك صلاة الجماعة بسبب المطر، وله تأويلان: أحدهما: إنه أراد نعال الأرض، وهو ما غلظ منها، والآخر: إنه أراد الأحذية، والوجه هو الثاني، لظهوره في الدلالة على المعنى، وأكثر العلماء عليه، ولو كان المراد به غلظ من الأرض لخرج عن هذا الحكم كل بلد تكون أرضه سهلة لا غلظ فيها.\rوأما أمثال المعنيين المجازيين فقول أبي تمام١:\rقد بلونا أبا سعيدٍ حديثًا ... وبلونا أبا سعيدٍ قديما\rووردناه ساحلًا وقليبًا ... ورعيناه بارضًا وجميما٢\rفعلمنا أن ليس إلّا بشق النـ ... ـفس صار الكريم يدعى كريما٣\rفالساحل والقليب يستخرج منهما تأويلان مجازيَّان: أحدهما: إنه أراد بهما الكثير والقليل بالنسبة إلى الساحل والقليب، والآخر: إنه أراد بهما السبب، وغير السبب،","footnotes":"١ ديوان أبي تمام ٢٩٢ من قصيدته التي مطلعها:\rإن عهدًا لو تعلمان ذميمًا ... أن تناما عن ليلتي أوتنيما\r٢ رواية الديوان \"ووردناه سائحًا وقلبيا\" والسائح: الماء الجاري، والقليب: البئر، والبارض: أول النبات، والجميم: النبات الطويل المنتشر، وهو في الأصل \"حميما\" بالحاء وهو تصحيف.\r٣ في الأصل \"إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ\" وفيه اختلال في الوزن، والصواب عن الديوان ٢٩٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358197,"book_id":3862,"shamela_page_id":71,"part":"1","page_num":74,"sequence_num":71,"body":"فإن الساحل لا يحتاج في ورده إلى سبب، والقليب يحتاج في ورده إلى سبب، وكلا هذين المعنيين مجاز، فإن حقيقة الساحل والقليب غيرهما، والوجه هو الثاني؛ لأنه أدلُّ على بلاغة القائل ومدح المقول فيه.\rأما بلاغة القائل: فالسلامة من هجنة التكرير بالمخالفة بين صدر البيت وعجزه، فإن عجزه يدل على القليل والكثير؛ لأن البارض هو أول النبت حين يبدو، فإذا كثر وتكاثف سمي جميمًا١، فكأنه قال: أخذنا منه تبرُّعًا ومسألة، وقليلًا وكثيرًا، وأما المدح المقول فيه فلتعداد حالاته الأربع في تبرعه وسؤاله وإكثاره وإقلاله، وما في معاناة هذه الأحوال من المشاق. فهذا ما يتعلق بالترجيح البلاغي بين الحقيقة والحقيقة, وبين المجاز والمجاز، وبين الحقيقة والمجاز.\rوههنا ترجيح آخر لا يتعلق بما أشرنا إليه؛ إذ هو خارج عَمَّا تقتضيه المعاني الخطابية من جهة الفصاحة أو البلاغة، وذلك أن يرجَّح بين معنيين: أحدهما تام، والآخر مقدَّر، أو يكون أحدهما مناسبًا لمعنى تقدمه أو تأخَّر عنه، والآخر غير مناسب، أو بأن ينظر في الترجيح بينهما إلى شيء خارج عن اللفظ.\rفمثال المعنيين المشار إليهما أن المعنى التام هو الذي يدل عليه لفظه ولا يتعداه، وأما المقدَّر فهو الذي لا يدل عليه لفظه, بل يستدل عليه بقرينة أخرى، وتلك القرينة قد تكون من توابعه وقد لا تكون. فمما جاء من ذلك قول النبي ﷺ: \"في سائمة الغنم زكاة\" فهذا اللفظ يستخرج منه معنيان: أحدهما تام، والآخر مقدَّر، فالتام دلالته على وجوب الزكاة في السائمة لا غير، والمقدَّر دلالته على سقوط الزكاة عن المعلوفة، إلّا أنه ليس مفهومًا من نفس اللفظ، بل من قرينة أخرى هي كالتابعة له، وهي أنه لما خصت السائمة بالذكر دون المعلوفة عُلِمَ من مفهوم ذلك أن المعلوفة لا زكاة فيها، وللفقهاء في ذلك مجاذبات جدلية يطول الكلام فيها، وليس هذا موضعها، والذي يترجَّح عندي هو القول بفحوى المعنى المقدَّر، وهو الذي يسميه الفقهاء: \"مفهوم الخطاب\"، وله في الشعر أشباه ونظائر, فمما ورد من ذلك شعرًا قول","footnotes":"١ في الأصل \"حميمًا\" بالحاء المهملة، وهو تصحيف.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358198,"book_id":3862,"shamela_page_id":72,"part":"1","page_num":75,"sequence_num":72,"body":"جزء بن كليب الفقعسي١، من شعراء الحماسة، وقد خطب إليه ابن كوز ابنته فرده:\rتبغَّي ابن كوزٍ والسفاهة كاسمها ... ليستاد منَّا أن سنونا لياليا٢\rفلا تطلبنَّها يا ابن كوزٍ فإنه ... غذا الناس مذ قام النبي الجواريا٣\rوهذا البيت الثاني يشتمل على المعنيين التامِّ والمقدَّرِ، أما التام: فإن ابن كوز سأل أبا هذه الجارية أن يزوجه إياها في سنة، والسنة: الجدب، فردَّه وقال: قد غذاْ الناس البنات مذ قام النبي ﷺ، وأنا أيضًا أغذو هذه، ولولا ذلك لوأدتها كما كانت الجاهلية تفعل، وفيه وجه آخر، وهو أنهم كانوا يئدون البنات قبل الإسلام, فلمَّا جاء النبي ﷺ نهى عن ذلك، فقوله: \"غذاْ الناس مذ قام النبي الجواريا\" أي: في النساء كثرة، فتزوَّج بعضهن وخل ابنتي، وهذان المعنيان هما اللذان دلَّ عليهما ظاهر اللفظ.\rوأما المعنى المقدَّر الذي يعلم من مفهوم الكلام، فإنه يقول: إن النبي ﷺ أمر بإحياء البنات، ونهى عن الوأد، ولو أنكحتكها لكنت قد وأدتها؛ إذ لا فرق بين إنكاحك إياها وبين وأدها، وهذا ذم للمخاطب، وهو معنى دقيق.\rومجيء المعاني المستخرجة من المفهومة قليل من الشعر.\rوأمَّا ما يستدل عليه بقرينة ليست من توابعه, فإن ذلك أدق من الأول، وألطف مأخذًا.\rفمِمَّا ورد منه قول النبي ﷺ:$\"من جعل قاضيًا بين الناس فقد ذبح بغير سكين\" فهذا يستخرج منه المعنيان المشار إليهما، فالتامّ منهما يدل على أنه من جعل","footnotes":"١ في الأصل \"جري بن كلب\" والتصويب عن ديوان الحماسة ١/ ٨٨، وقال التبريزي: قال ابن الأعرابي: وهو جرير لا جزء، ولم أقف لها على ترجمة.\r٢ رواية الحماسة \"شتونا\" بالشين والتاء، ومعنى \"يستاد منا\" أي: يتزوج في ساداتنا، وقوله: \"أن شتونا\" أي: دخلنا في الشتاء والجدب، والمعنى: طلب منا الزواج في هذا الوقت، ولو كنا في غيره لما أمكنه أن يجترئ علينا بذلك.\r٣ غذاه: قام بغذائه، وهذا كناية عن إبطال وأد البنات من الفقر أو خشيته، والجواري: جمع جارية وهي البنت، والمعنى: لا تطلب التزوج بالمرأة التي خطبتها, فلك في سائر النساء مندوحة عنها، فإن النساء كثرن منذ منع الإسلام وأد البنات.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358199,"book_id":3862,"shamela_page_id":73,"part":"1","page_num":76,"sequence_num":73,"body":"قاضيًا فقد عرَّض نفسه لخطر عظيم كالذبح بغير سكين، وأمَّا المقدَّر فإنه يدل على أنه من جعل قاضيًا فقد أُمِرَ بمفارقة هواه، وهذا لا يدل عليه اللفظ بنفسه، بل يستدلَّ عليه بقرينة أخرى، ولكنها ليست من توابعه، ووجه ذلك أن لفظ الحديث عامّ يشمل القضاة على الإطلاق، ولا يخلو إما أن يراد به عذاب الآخرة أو عذاب الدنيا، ولا يجوز أن يكون المراد به عذاب الآخرة، لأنَّه ليس كل قاضٍ معذَّبًا في الآخرة, بل المعذَّب منهم قضاة السوء, فوضح بهذا أن المراد بالحديث عذاب الدنيا، وعلى هذا فلا يخلو إمَّا أن يكون العذاب صورةً أو معنًى، ولا يجوز أن يكون صورة؛ لأنَّا نرى الإنسان إذا جعل قاضيًا لا يذبح ولا يناله شيءٌ من ذلك، فبقي أن يكون المراد به عذابًا معنويًّا، وهو الذبح المجازي غير الحقيقي, وفحوى ذلك أن نفس الإنسان مركَّبة على حب هواها, فإذا جعل قاضيًا فقد أمر بترك ما جبل على حبه من الامتناع عن الرشوة، والحكم لصديقه على عدوِّه، ورفع الحجاب بينه وبين الناس، والجلوس للحكم في أوقات راحته، وغير ذلك من الأشياء المكروهة التي تشق على النفس وتجدد لها ألمًا مبرِّحًا, والذبح هو قطع الحلقوم، والألم الحاصل به، وهو كالذبح الحقيقي، بل أشد منه؛ لأنَّ ألم الذبح الحقيقي يكون لحظة واحدة ثم ينقضي ويزول، وألم قطع النفس عن هواها يدوم ولا ينقضي، وهو أشد العذاب. قال الله تعالى في عذاب أهل النار: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ ١ وقال في نعيم أهل الجنة: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ ٢, وكثيرًا ما رأينا وسمعنا من حمله حب الشيء على إتلاف نفسه في طلبه، وركوب الأهوال من أجله، فإذا امتنع عنه مع حبه إياه فقد ذبح نفسه, أي: قطعها عنه كما يقطع الذابح حلق الذبيحة، ولهذا قال النبي ﷺ: \"انتقلنا عن الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر\" فسمَّى جهاد الكفار \"الجهاد الأصغر\", وجهاد النفس الجهاد الأكبر.\rفكما أن مجاهدة النفس عن هواها قتال بغير سيف، فكذلك قطعها عن هواها ذبح بغير سكين، وهذا موضع غامض، والترجيح فيه مختَص بالوجه الآخر؛ لاشتماله على المعنى المقصود وهو المراد من القضاة على الإطلاق.","footnotes":"١ سورة سبأ: آية ٥٤.\r٢ سورة الزخرف: آية ٧١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358200,"book_id":3862,"shamela_page_id":74,"part":"1","page_num":77,"sequence_num":74,"body":"وأما مثال المعنيين إذا كان أحدهما مناسبًا لمعنى تقدَّمه أو لمعنى تأخَّر عنه, والآخر غير مناسب:\rفالأول: هو ما كان مناسبًا لمعنى تقدَّمه كقوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ ١ فالدعاء ههنا يدل على معنيين: أحدهما: النهي أن يُدْعَى الرسول باسمه، فيقال: يا محمد، كما يدعو بعضهم بعضًا بأسمائهم، وإنما يقال له: يا رسول الله، أو يا نبي الله. الآخر: النهي أن يجعلوا حضورهم عنده إذا دعاهم لأمر من الأمور كحضور بعضهم عند بعض، بل يتأدَّبون معه، بأن لا يفارقوا مجلسه إلّا بإذنه، وهذا الوجه هو المراد، لمناسبة معنى الآية التي قبله، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ ٢.\rأما الثاني: وهو ما كان مناسبًا لمعنى تأخَّر عنه كقوله تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ، وَطُورِ سِينِينَ﴾ ٣ فالتين والزيتون هما هذا الشجر المعروف، وهما اسما جبلين أيضًا، وتأويلهما بالجبلين أولى، للمناسبة بينهما وبين ما أتى بعدهما من ذكر الجبل الذي هو الطور.\rوعلى هذا ورد قول الشاعر٤ في أبيات الحماسة:\rولو كنت مولى قيس عيلان لم تجد ... عليَّ لإنسانٍ من الناس درهما\rولكنني مولى قضاعة كلها ... فلست أبالي أن أدين وتغزما٥\rفإذا نظرنا إلى البيت الأول وجدناه يحتمل مدحًا وذمًّا، أي: إنهم كانوا يغنونه بعطائهم أن يدين، أو أنه كان يخاف الدَّيْن حذر ألَّا يقوموا عنه بوفائه، لكن البيت الثاني حقق أن الأول ذمَّ وليس بمدح، فهذا المعنى لا يتحقق فهمه إلَّا بآخره","footnotes":"١ سورة النور: آية ٦٣.\r٢ سورة النور: آية ٦٢.\r٣ سورة التين: الآيتان ١، ٢.\r٤ هو شقران مولى بني سلامان بن سعد هديم، وهو شاعر إسلامي من شعراء الدولتين أمية وبني العباس.\r٥ البيتان في ديوان الحماسة ٢/ ٢٦٠، ومعنى البيتين: لو كان ولائي في قيس عيلان لم أقترض درهمًا من أحد لأنفقه في سبيل الخير مخافة ألّا يؤدوه عني، ولكن ولائي في قضاعة فلا أبالي أن أقترض ما أنفقه في وجوه البر؛ لأنهم يؤدونه عني، والمراد من هذا الكلام تفضيل قضاعة لجودهم وكرمهم على قيس عيلان لبخلهم وإمساكهم.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358201,"book_id":3862,"shamela_page_id":75,"part":"1","page_num":78,"sequence_num":75,"body":"وأما الذي يكون الترجيح فيه بسبب شيء خارج عن مفهوم اللفظ فقوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ فهذا مستنبط منه معنيان: أحدهما أن الله يعلم السر والجهر في السماوات والأرض، وفي ذلك تقديم وتأخير, أي: يعلم سركم وجهركم في السماوات وفي الأرض، والآخر أنه في السماوات، وأنه يعلم السر والجهر في الأرض من بني آدم؛ لأن الوقف يكون على السماوات, ثم يستأنف الكلام فيقول: يعلم سركم وجهركم في الأرض، إلّا أنَّ هذا يمنع اعتقاد التجسيم، وذلك شيء خارج عن مفهوم اللفظ.","footnotes":"١ سورة الأنعام: آية ٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358202,"book_id":3862,"shamela_page_id":76,"part":"1","page_num":78,"sequence_num":76,"body":"الفصل الخامس: في جوامع الكلم\rقال النبي ﷺ: \"أوتيت جوامع الكلم\" فالكلم: جمع كلمة، والجوامع: جمع جامعة، والجامعة: اسم فاعلة من جمعت فهي جامعة، كما يقال في المذكر: \"جمع\" فهو \"جامع\". والمراد بذلك أنه ﷺ أوتي الكلم الجوامع للمعاني.\rوهو عندي ينقسم قسمين:\rالقسم الأول منهما: هو ما استخرجته ونبَّهت عليه، ولم يكن لأحد فيه قول سابق، وهو أن لنا ألفاظًا تتضمَّن من المعنى ما لا تتضمن أخواتها مما يجوز أن يستعمل مكانها, فمن ذلك ما يأتي على حكم المجاز، ومنه ما يأتي على حكم الحقيقة.\rأمَّا ما يأتي على حكم المجاز فقوله ﷺ يوم حنين: \"الآن حمي الوطيس\" وهذا لم يسمع من أحد قبل رسول الله ﷺ, ولو أتينا بمجاز غير ذلك في معناه فقلنا: \"استعرت الحرب\" لما كان مؤديًا من المعنى ما يؤديه \"حمي الوطيس\", والفرق بينهما أن الوطيس هو التنور، وهو موطن الوقود ومجتمع النار، وذلك يخيّل إلى السامع أن هناك صورة شبيهة بصورته في حميها وتوقدها، وهذا لا يوجد في قولنا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358203,"book_id":3862,"shamela_page_id":77,"part":"1","page_num":79,"sequence_num":77,"body":"\"استعرت الحرب\" أو ما جرى مجراه. وكذلك قال ﷺ: \"بعثت في نفس الساعة\" فقوله: \"نفس الساعة\" من العبارة العجيبة التي لا يقوم غيرها مقامها؛ لأن المراد بذلك أنه بُعِثَ والساعة قريبة منه، لكن قربها منه لا يدل على ما دلَّ عليه النفس، وذاك أن النفس يدل على أن الساعة منه بحيث يحس بها كما يحسّ الإنسان بنفس من هو إلى جانبه، وقد قال ﷺ في موضع آخر: \"بعثت أنا والساعة كهاتين\" وجمع بين إصبعيه السبابة والوسطى، ولو قال: بعثت على قرب من الساعة, أو والساعة قريبة مني, لما دلَّ ذلك على ما دلَّ عليه نفس الساعة، وهذا لا يحتاج إلى الإطالة في بيانه، لأنه بَيِّنٌ واضح.\rوقد ورد شيء من ذلك في أقوال الشعراء المفْلِقين, ولقد تصفَّحت الأشعار قديمها وحديثها, وحفظت ما حفظت منها، وكنت إذا مررت بنظري في ديوان من الدواوين ويلوح لي فيه مثل هذه الألفاظ أجد لها نشوةً كنشوة الخمر، وطربًا كطرب الألحان، وكثير من الناظمين والناثرين يمر على ذلك ولا يتفطن له، سوى أنه يستحسنه من غير نظر فيما نظرت أنا فيه، ويظنه كغيره من الألفاظ المستحسنة.\rفمما جاء من ذلك قول أبي تمام١:\rكم صارمٍ عضبٍ أناف على قفًا ... منهم لأعباء الوعى حمَّال\rسبق المشيب إليه حتى ابتزه ... وطن النُّهَى من مفرقٍ وقذال٢\rفقوله: \"وطن النهى\" من الكلمات الجامعة، وهي عبارة عن الرأس، ولا يجاء بمثلها في معناها مما يسد مسدها. وكذلك ورد قول البحتري:\rقلبٌ يطلُّ على أفكاره ويدٌ ... تمضي الأمور، ونفسٌ لهوها التعب٣\rفقوله: \"قلبٌ يطل على أفكاره\" من الكلمات الجوامع، ومراده بذلك أن قلبه لا تملوه الأفكار، ولا تحيط به، وإنما هو عالٍ عليها، يصف بذلك عدم احتفاله بالقوادح، وقلَّة مبالاته بالخطوب التي تحدث أفكارًا تستغرق القلوب، وهذه عبارة عجيبة لا يؤمن بمثلها مما يسد مسدها.","footnotes":"١ ديوان أبي تمام ٢٣٦.\r٢ ابتزه: سلبه، وطن النهي: الرأي، المفرق: وسط الرأس، القذال: مؤخره.\r٣ ديوان البحتري ٢٠٤، ورواية الديوان \"يطل على أقطاره\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358204,"book_id":3862,"shamela_page_id":78,"part":"1","page_num":80,"sequence_num":78,"body":"وأما ما يأتي على حكم الحقيقة فكقول ابن الرومي١:\rسقى الله أوطارًا لنا ومآربًا ... تقطَّع من أقرابها ما تقطَّعا\rليالٍ تنسِّيني الليالي حسابها ... بُلهْنيَة أقضي بها الحول أجمعا\rسوى عِزَّة لا أعرف اليوم باسمه ... وأعمل فيه اللهو مرأى ومسمعا\rفقوله: \"لا أعرف اليوم باسمه\" من الكلمات الجامعة، أي: إني قد شغلت باللذات عن معرفة الليالي والأيام، ولو وصف اشتغاله باللذات مهما وصف لم يأت بمثل قوله: \"لا أعرف اليوم باسمه\".\rوأما القسم الثاني من جوامع الكلم، فالمراد به الإيجاز الذي يدل به بالألفاظ القليلة على المعاني الكثيرة: أي: إن ألفاظه -صلوات الله عليه- جامعة للمعاني المقصودة على إيجازها واختصارها، وجلّ كلامه جارٍ هذا المجرى، فلا يحتاج إلى ضرب الأمثلة به، وسيأتي في باب الإيجاز منه ما فيه كفاية ومقنع.\rفإن قيل: فما الفرق بين هذين القسمين اللذين ذكرتهما، فإنهما في النظر سواء? قلت في الجواب: إن الإيجاز هو أن يؤتى بألفاظ دالَّة على معنى من غير أن تزيد على ذلك المعنى، ولا يشترط في تلك الألفاظ أنها لا نظير لها، فإنها تكون قد اتصفت بوصف آخر خارج عن وصف الإيجاز، وحينئذ يكون إيجازًا وزيادة. وأمَّا هذا القسم الآخر فإنه ألفاظ أفراد في حسنها لا نظير لها، فتارة تكون موجزة، وتارة لا تكون موجزة، وليس الغرض منها الإيجاز، وإنما الغرض مكانها من الحسن الذي لا نظير لها فيه، ألا ترى إلى قول أبي تمام \"وطن النهي\"؟ فإن ذلك عبارة عن الرأس، ولا شكَّ أن الرأس أوجز، لأن الرأس لفظة واحدة، و\"وطن النهي\" لفظتان، إلّا أن \"وطن النهي\" أحسن في التعبير عن الرأس من الرأس, فبان بهذا أن أحد هذين القسمين غير الآخر.","footnotes":"١ ديوان ابن الرومي ٢٩٩, وروي صدر البيت الثالث في الديوان هكذا:\rسدى غرة لا أعرف اليوم بأسه","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358205,"book_id":3862,"shamela_page_id":79,"part":"1","page_num":81,"sequence_num":79,"body":"الفصل السادس: في الحكمة التي هي ضالة المؤمن\rقال النبي ﷺ: \"الحكمة ضالَّة المؤمن فهو أحق بها إذا وجدها\" والمراد بذلك أن الحكمة قد يستفيدها أهلها من غير أهلها، كما يقال: \"رب رمية من غير رام\"، وهذا لا يخص علمًا واحدًا من العلوم، بل يقع في كل علم، والمطلوب منه ههنا هو ما يخص علم البيان من الفصاحة والبلاغة، دون غيره.\rومذ سمعت هذا الخبر النبوي جعلت كَدِّي في تتبُّع أقوال الناس في مفاوضاتهم ومحاوراتهم، فإنه قد تصدر الأقوال البليغة والحكم والأمثال ممن لا يعلم ما يقوله، فاستفدت بذلك فوائد كثيرة لا أحصرها عددًا، وأنا أذكر منها طرفًا يستدل به على أشباهه ونظائره.\rفمن ذلك أنِّي سرت في بعض الطرق وفي صحبتي رجل بدوي من الأنباط١ لا يعتدُّ بقوله، فكان يقول: \"غدًا ندخل البلد وتشتغل عني\"، وكان الأمر كما قال، فدخلت مدينة حلب وشغلت عنه أيامًا، ثم لقيني فقال لي: \"مَنْ تَرَوَّى فَتُرَتْ عِظَامُه\"، وهذا القول من الأقوال البليغة, وهي من الحكمة التي هي الضالة المطلوبة عند مؤمني الفصاحة والبلاغة.\rثم إني سمعت منه بعد ذلك شيئًا يناسب قوله الأول، فإني سفرت له إلى صاحب في حلب في شيء أخذته منه، فاستقلَّه، وقال: \"الماء أروى لشدوق النيب\". وهذا أيضًا من الحكمة في بابها.\rوسافرت مرة أخرى على طريق المناظرة، وكان في صحبتي رجل بدوي، فسألته عن مسافة ما بين تدمر٢ وأراك٣، فقال: إذا \"خرج سرحاهما تلاقيا\"، فعبَّر عن قرب المسافة بينهما بأوجز عبارة وأبلغها.","footnotes":"١ النبط والنبيط والأنباط جيل ينزلون بالبطائح بين العراقين \"القاموس ٢/ ٣٨٧\".\r٢ تدمر مدينة مشهورة في بربة الشام، بينها وبين حلب خمسة أيام، وهي قريبة من حمص.\r٣ أراك: وادي الأراك قرب مكة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358206,"book_id":3862,"shamela_page_id":80,"part":"1","page_num":82,"sequence_num":80,"body":"ثم سألته ليلة من الليالي عن الصبح لنرتحل من موضعنا، فقال: \"قد ظهر الصبح إلّا أنه لم يملك الإنسان بصره\"، وهذا القول من الحكمة أيضًا.\rوكان تزوَّج غلام من غلماني دمشق، فوقعت المرأة منه بموقع، وشغِفَ بها ثَمَّ سافرت عن دمشق لمهَمٍّ عرض لي، وسافر ذلك الغلام في صحبتي، فلما عدنا من السفر شغل بامرأته والمقام عندها، فسألته عن حاله فقال: إنها قد طالت وحسنت، وهي كذا وكذا، وأخذ يصفها، فقال أخ له كان حاضرًا: يا مولاي، هي تلك لم تزد شيئًا، وإنما هي في عينه جبَّارٌ من الجبابرة!\rوهذا القول قد ورد في بعض أبيات الحماسة وهي معدود من أبيات المعاني:\rأهابك إجلالًا وما بك قدرةٌ ... علي ولكن ملء عينٍ حبيبها١\rفكثيرًا ما يصدر مثل هذه الأقوال عن ألسنة الجهال.\rوسمعت ما يجري هذا المجرى من بعض العبيد الأحابش الذين لا يستطيعون تقويم صيغ الألفاظ، فضلًا عمَّا وراء ذلك، وذاك أنه رأى صبيًّا في يده طاقة ريحان، فقال: \"هذه طاقة آسٍ تحمل طاقة ريحان\". فلمَّا سمعت ذلك منه أخذتني هزة التعجب، وذكرت شعر أبي نواس الذي تواصفه الناس في هذا المعنى، وهو قوله:\rووردةٍ بها شادنٌ ... في كفه اليمنى فحيَّانا\rسَبَّحْتُ ربي حين أبصرتها ... ريحانة تحمل ريحانَا\rوحضر عندي في بعض الأيام رجل نصراني موسوم بالطب، وكان لا يحسن أن يقول كلمة واحدة، وهو أقلف اللسان، يسيء العبارة, فسألته عن زيارة شخص وهل يتردد إليه أم لا، فقال: \"ظلام الليل يهديني إلى باب من أوده، وضوء النهار يضل به عن باب من لا أوده\"، وهذا من ألطف المعاني وأحسنها وهو من الحكمة المطلوبة.\rوكنت قصدت زيارة بعض الإخوان من الأجناد وهو من الأغتام٢ الأعجام، فسألته عن حاله، وكان توالت عليه نكبات طالت أيامها، وعظمت","footnotes":"١ ديوان الحماسة ٢/ ١٣١.\r٢ جمع أغنم، وهو من لا يفصح شيئًا.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358207,"book_id":3862,"shamela_page_id":81,"part":"1","page_num":83,"sequence_num":81,"body":"آلامها، فقال لي في الجواب ما معناه: إنه لم يبق عندي ارتياع لوقوع نائبة من النوائب, وهذا معنى لو أتى به شاعر مُفْلِقٌ، أو كاتب بليغ, لاستحسن منه غاية الاستحسان.\rوكنت في سنة ثمان وثمانين وخمسمائة بأرض فلسطين في الجيش الذي كان قبالة العدو الكافر من الفرنج -لعنهم الله، وتقابل الفريقان على مدينة يافا، وكان إلى جانبي ثلاثة فرسان من المسلمين، فتعاقدوا على الحملة إلى نحو العدو، فلمَّا حملوا صدق منهم اثنان وتلكأ واحد، فقيل له في ذلك، فقال: \"الموت طعام لا تجشه١ المعدة\". فلمَّا سمعت هذه الكلمة استحسنتها، وإذا هي صادرة عن رجل من أهل \"بصرى\" قدم٢ من الأقدام.\rولو أخذت في ذكر ما سمعته من هذا لأطلت، وإنما دللت بيسير ما ذكرته على المراد، وهو أنه يجب على المتصدي للشعر والخطابة أن يتتبَّع أقوال الناس في محاوراتهم, فإنه لا يعدم مما يسمعه منهم حكمًا كثيرة، ولو أراد استخراج ذلك بفكره لأعجزه.\rويحكى عن أبي تمام أنه لما نظم قصيدته البائية التي أولها:\rعلى مثلها من أربعٍ وملاعب٣\rانتهى منها إلى قوله:\rيرى أقبح الأشياء أوبة آملٍ ... كسته يد المأمول حلّة خائب\rثم قال:\rوأحسن من نورٍ يفتِّحه الصِّبَا\rووقف عند صدر هذا البيت يردِّدُه، وإذا سائل يسأل على الباب، وهو يقول: \"من بياض عطاياكم في سواد مطالبنا\" فقال أبو تمام:\rبياض العطايا في سواد المطالب\rفأتمَّ صدر البيت الذي كان يردده من كلام السائل.","footnotes":"١ يقال: جشه أي: دقة وكسره.\r٢ القدم العيي عن الكلام في ثقل ورخاوة وقلة فهم، والغليظ الأحمق الجافي.\r٣ ديوانه ٤٠، وعجز البيت:\rأذيلت مصونات الدموع السواكب\rوهو مطلع قصيدة يمدح بها أبا دلف القاسم بن عيسى العجلي، وهي من عيون قصائده","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358208,"book_id":3862,"shamela_page_id":82,"part":"1","page_num":84,"sequence_num":82,"body":"وسمعت امرأة قد توفي لها ولد، وهو بكرها الذي هو أوّل أولادها فقالت: كيف لا أحزن لذهابه وهو أول درهمٍ وقع في الكيس؟ فأخذت أنا هذا المعنى وأودعته كتابًا من كتبي في التعازي، وهو كتاب كتبته إلى بعض الإخوان, وقد توفِّي بكره من الأولاد فقلت: \"وهو أول درهمٍ ادخرته في كيس الادخار، وأعددته لحوادث الليل والنهار\".\rوبلغني عن الشيخ أبي محمد [عبد الله بن١] أحمد بن أحمد المعروف بابن الخشاب البغدادي، وكان إمامًا في علم العربية وغيره، فقيل: إنه كان كثيرًا ما يقف على حلق القُصَّاصِ والمشَعْبِذين، فإذا أتاه طلبة العلم لا يجدونه في أكثر أوقاته إلّا هناك، فَلِيمَ على ذلك، وقيل له: أنت إمام الناس في العلم، وما الذي يبعثك على الوقوف بهذه المواقف الرذيلة، فقال: \"لو علمتم ما أعلم لما لمتم! ولطالما استفدت من هؤلاء الجهال فوائد كثيرة, فإنه يجري في ضمن هذيانهم معانٍ غريبة لطيفة، ولو أردت أنا وغيري أن نأتي بمثلها لما استطعنا ذلك\", ولا شك أن هذا الرجل رأى ما رأيته ونظر إلى ما نظرت إليه.","footnotes":"١ زيادة ليست في الأصل صححنا بها الاسم، وقد سبقت ترجمته في صفحة ٤٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358209,"book_id":3862,"shamela_page_id":83,"part":"1","page_num":84,"sequence_num":83,"body":"الفصل السابع: في الحقيقة والمجاز\rوهذا الفصل مهمٌّ كبير من مهمات علم البيان، لا بل هو علم البيان بأجمعه، فإن في تصريف العبارات على الأسلوب المجازي فوائد كثيرة، وسيرد بيانها في مواضعها من هذا الكتاب -إن شاء الله تعالى، وقد نبهنا في هذا الموضع على جملتها دون تفصيلها.\rفأمَّا \"الحقيقة\" فهي: اللفظ الدالّ على موضوعه الأصلي.\rوأما \"المجاز\" فهو: ما أريد به غير المعنى الموضوع له في أصل اللغة, وهو مأخوذ من جاز من هذا الموضع إلى هذا الموضع، إذا تخطَّاه إليه.\rفالمجاز إذًا اسم للمكان الذي يجاز فيه كالمعاج والمزار وأشباههما، وحقيقته","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358210,"book_id":3862,"shamela_page_id":84,"part":"1","page_num":85,"sequence_num":84,"body":"هي الانتقال من مكان إلى مكان، فجعل ذلك لنقل الألفاظ من محل إلى محل، كقولنا: زيدٌ أسدٌ، فإن زيدًا إنسان، والأسد هو هذا الحيوان المعروف، وقد جزنا من الإنسانية إلى الأسدية، أي: عبرنا من هذه إلى هذه لوصلة بينهما، وتلك الوصلة هي صفة الشجاعة.\rوقد يكون العبور لغير وصلة، وذلك هو \"الاتِّساع\"، كقولهم في كتاب \"كليلة ودمنة\" قال الأسد، وقال الثعلب، فإن القول لا وصلة بينه وبين هذين بحالٍ من الأحوال، وإنما أُجْرِيَ عليها اتساعًا محضًا لا غير.\rولهذا مثال في المجاز الحقيقيِّ الذي هو المكان المجاز فيه، فإنه لا يخلو إمَّا أن يجاز من سهل إلى سهل، أو من وعر إلى وعر كقولنا: زيد أسد، فالمشابهة الحاصلة في ذات بينهما كالمشابهة الحاصلة في المكان، والجواز من سهل إلى وعر كقولهم: قال الأسد، وقال الثعلب، فكما أنه لا مشابهة بين القول وبين هذين، فكذلك لا مشابهة بين السهل والوعر، وسيأتي كشف الغطاء عن ذلك, وإشباع القول في تحقيقه في باب \"الاستعارة\" فليؤخذ من هناك.\rوقد ذهب قوم إلى أن الكلام كلَّه حقيقة لا مجاز فيه، وذهب آخرون إلى أنه كله مجاز لا حقيقة فيه، وكلا هذين المذهبين فاسد عندي.\rوسأجيب الخصم عمَّا ادعاه فيهما، فأقول: محل النزاع هو أن اللغة كلها حقيقة أو أنها كلها مجاز، ولا فرق عندي بين قولك: إنها كلها حقيقة, أو إنها كلها مجاز، فإن كلا الطرفين عندي سواء؛ لأن منكرهما غير مُسَلِّمٍ لهما، وأنا بصدد أن أبين أن في اللغة حقيقة ومجازًا.\rو\"الحقيقة اللغوية\"، هي حقيقة الألفاظ في دلالتها على المعاني، وليست بالحقيقة التي هي ذات الشيء, أي: نفسه وعينه، فالحقيقة اللفظية إذًا هي دلالة اللفظ على المعنى الموضوع له في أصل اللغة، والمجاز هو نقل المعنى عن اللفظ الموضوع له إلى لفظ آخر غيره.\rوتقرير ذلك بأن أقول: المخلوقات كلها تفتقر إلى أسماء يستدلّّ بها عليها، ليعرف كل منها باسمه، من أجل التفاهم بين الناس، وهذا يقع ضرورة لا بُدَّ منها، فالاسم الموضوع بإزاء المسمَّى هو حقيقة له، فإذا نقل إلى غيره صار مجازًا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358211,"book_id":3862,"shamela_page_id":85,"part":"1","page_num":86,"sequence_num":85,"body":"ومثال ذلك: أنَّا إذا قلنا: \"شمس\" أردنا به الكوكب العظيم الكثير الضوء، وهذا الاسم له حقيقة؛ لأنه وضع بإزائه، وذلك إذا قلنا: \"بحر\" أردنا به هذا الماء العظيم المجتمع الذي طعمه ملح، وهذا الاسم له حقيقة؛ لأنه وضع بإزائه.\rفإذا نقلنا \"الشمس\" إلى \"الوجه المليح\" استعارةً, كان ذلك له مجازًا لا حقيقة، وكذلك إذا نقلنا \"البحر\" إلى \"الرجل الجواد\" استعارةً, كان ذلك له مجازًا لا حقيقة.\rفإن قيل: إن \"الوجه المليح\" يقال له: \"شمس\"، وهو حقيقة فيه، وكذلك البحر يقال للرجل الجواد، وهو حقيقة فيه. فالجواب عن ذلك من وجهين: أحدهما نظري، والآخر: وضعي.\rأما النظري: فهو أن الألفاظ إنما جعلت أدلة على إفهام المعاني، ولو كان ما ذهبت إليه صحيحًا لكان \"البحر\" يطلق على هذا الماء العظيم الملح، وعلى الرجل الجواد، بالاشتراك، وكذلك الشمس أيضًا، فإنها كانت تطلق على هذا الكوكب العظيم الكثير الضوء، وعلى الوجه المليح، بالاشتراك، وحينئذ فإذا ورد أحد هذين اللفظين مطلقًا بغير قرينة تخصصه, فلا يفهم المراد به ما هو من أحد المعنيين المشتركين المندرجين تحته، ونحن نرى الأمر بخلاف ذلك، فإنَّا إذا قلنا: \"شمس\" أو \"بحر\", وأطلقنا القول, لا يفهم من ذلك وجه مليح ولا رجل جواد، وإنما يفهم منه ذلك الكوكب المعلوم وذلك الماء المعلوم لا غير، فبطل إذًا ما ذهبت إليه بما بيناه وأوضحناه.\rفإن قلت: إن العرف يخالف ما ذهبت إليه، فإن من الألفاظ ما إذا أطلق لم يذهب الفهم منه إلّا إلى المجاز دون الحقيقة، كقولهم: \"الغائط\" فإن العرب خصص ذلك بقضاء الحاجة دون غيره من المطمئن من الأرض.\rقلت في الجواب: هذا شيء ذهب إليه الفقهاء، وليس الأمر كما ذهبوا إليه؛ لأنه إن كان إطلاق اللفظ فيه بين عامَّة الناس من إسكاف وحداد ونجار وخباز ومن جرى مجراهم, فهؤلاء لا يفهمون من \"الغائط\" إلّا قضاء الحاجة؛ لأنهم لم يعلموا أصل وضع هذه الكلمة, وأنها مطمئن من الأرض. وأما خاصة الناس الذين يعلمون أصل الوضع فإنهم لا يفهمون عند إطلاق اللفظ إلّا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358212,"book_id":3862,"shamela_page_id":86,"part":"1","page_num":87,"sequence_num":86,"body":"الحقيقة لا غير، ألا ترى أن هذه اللفظة لمَّا وردت في القرآن الكريم وأريد بها قضاء الحاجة قرنت بألفاظ تدل على ذلك، كقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ ١ فإن قوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ دليل على أنه أراد قضاء الحاجة دون المطمئن من الأرض، فالكلام في هذا وأمثاله إنما هو مع علم أصل الوضع حقيقةً والنقل عنه مجازًا، وأما الجهَّال فلا اعتبار بهم، ولا اعتداد بأقوالهم, والعجب عندي من الفقهاء الذين دوَّنوا ذلك على ما دوَّنوه، وذهبوا إلى ما ذهبوا إليه.\rوأما الوجه الوصفيّ: فهو أنَّ المرجع في هذا وما يجري مجراه إلى أصل اللغة، التي هي وضع الأسماء على المسميات، ولم يوجد فيها أن الوجه المليح يسمَّى شمسًا، ولا أن الرجل الجواد يسمَّى بحرًا، وإنما أهل الخطابة والشعر توسَّعوا في الأساليب المعنوية فنقلوا الحقيقة إلى المجاز، ولم يكن ذلك من واضع اللغة في أصل الوضع، ولهذا اختص كل منهم بشيء اخترعه في التوسعات المجازية.\rهذا امرؤ القيس قد اخترع شيئًا لم يكن قبله، فمن ذلك أنه أوَّل من عبَّر عن الفرس بقوله: \"قيد الأوابد\"٢ ولم يسمع ذلك لأحد من قبله.\rوقد رُوي عن النبي ﷺ أنه قال يوم حنين: \"الآن حمي الوطيس\" , وأراد بذلك شدة الحرب، فإن الوطيس في أصل الوضع التنور, فنقل إلى الحرب استعارة، ولم يسمع هذا اللفظ على هذا الوجه من غير النبي ﷺ، وواضع اللغة ما ذكر شيئًا من ذلك.\rفعلمنا حينئذ أن من اللغة حقيقة بوضعه، ومجازًا بتوسعات أهل الخطابة والشعر. وفي زماننا هذا قد يخترعون أشياء من المجاز على حكم الاستعارة لم تكن من قبل، ولو كان هذا موقوفًا من جهة واضع اللغة لما اخترعه أحد من بعده، ولا زيد فيه، ولا نقص منه.","footnotes":"١ سورة المائدة: آية ٦.\r٢ من بيته المشهور في معلقته:\rوقد اغتدى والطير في وكناتها ... بمنجرد قيد الأوابد هيكل\rوالأوابد: جمع آبدة الوحش، قال أبو هلال: والحقيقة مانع الأوابد من الذهاب والإفلات، والاستعارة أبلغ؛ لأن القيد من أعلى مراتب تمنع عن التصرف، لأنك تشاهد ما في القيد من المنع، فلست تشك فيه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358213,"book_id":3862,"shamela_page_id":87,"part":"1","page_num":88,"sequence_num":87,"body":"وأمَّا الفرق بينه وبين الحقيقة, فهو أنَّ الحقيقة جارية على العموم في نظائر، ألا ترى أنَّا إذا قلنا: \"فلان عالم\" صدق على كل ذي علم، بخلاف ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ ١؛ لأنه لا يصح إلّا في بعض الجمادات دون بعض؛ إذ المراد أهل القرية؛ لأنهم ممن يصح السؤال لهم، ولا يجوز أن يقال: واسأل الحجر والتراب، وقد يحسن أن يقال: واسأل الربع والطلل.\rواعلم أنَّ كلَّ مجاز فله حقيقة؛ لأنه لم يصح أن يطلق عليه اسم المجاز إلّا لنقله عن حقيقة موضوعة له، إذ المجاز هو اسم للموضع الذي يتنقل فيه من مكان إلى مكان، فجعل ذلك لنقل الألفاظ من الحقيقة إلى غيرها.\rوإذا كان كل مجازٍ لا بُدَّ له من حقيقة نقل عنها إلى حالته المجازية, فكذلك ليس من ضرورة كل حقيقة أن يكون لها مجاز، فإن من الأسماء ما لا مجاز له، كأسماء الأعلام؛ لأنها وضعت للفرق بين الذوات لا للفرق بين الصفات.\rوكذلك فاعلم أن المجاز أولى بالاستعمال من الحقيقة في باب الفصاحة والبلاغة٢؛ لأنه لو لم يكن كذلك لكانت الحقيقة التي هي الأصل أولى منه؛ حيث هو فرع عليها، وليس الأمر كذلك؛ لأنه قد ثبت وتحقَّقَ أن فائدة الكلام الخطابي هو إثبات الغرض المقصود في نفس السامع بالتخييل والتصوير حتى يكاد ينظر إليه عيانًا.\rألا ترى أن حقيقة قولنا: \"زيد أسد\" هي قولنا: \"زيد شجاع\", لكن فرق بين القولين في التصوير والتخييل، وإثبات الغرض المقصود في نفس السماع؛ لأن","footnotes":"١ سورة يوسف: آية ٨٢.\r٢ هذا رأي من الآراء الشائعة، وليس على إطلاقه؛ لأنه إذا كانت البلاغة مطابقة الكلام لمقتضى الحال، كانت البلاغة في المجاز كما تكون في الحقيقة، والتحقيق أنه لو لم يؤد المجاز غرضًا من الأغراض البلاغية لا تؤديه الحقيقة, لكانت الحقيقة أولى منه بالاستعمال، وقد ذكر المؤلف نفسه فيما يلي بعض الأغراض التي يفضل بها المجاز، وعاد إلى الرأي الذي قلناه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358214,"book_id":3862,"shamela_page_id":88,"part":"1","page_num":89,"sequence_num":88,"body":"قولنا: \"زيد شجاع\" لا يتخيّل منه السامع سوى أنه رجل جريء مقدام، فإذا قلنا: \"زيد أسد\" يخيل عند ذلك صورة الأسد وهيئته، وما عنده من البطش والقوة، ودق الفرائس, وهذا لا نزاع فيه. وأعجب ما في العبارة المجازية أنها تنقل السامع عن خلقه الطبيعي في بعض الأحوال، حتى إنها ليسمح بها البخيل، ويشجع بها الجبان، ويحكم بها الطائش المتسرِّع، ويجد المخاطب بها عند سماعها نشوة كنشوة الخمر، حتى إذا قطع عنه ذلك الكلام أفاق وندم على ما كان منه من بذل مال, أو ترك عقوبة, أو إقدام على أمر مهول، وهذا هو فحوى السحر الحلال، المستغني عن إلقاء العصا والحبال.\rواعلم أنه إذا ورد عليك كلام يجوز أن يُحْمَل معناه على طريق الحقيقة وعلى طريق المجاز باختلاف لفظه، فانظر: فإن كان لا مزية لمعناه في حمله على طريق المجاز فلا ينبغي أن يحمل إلّا على طريق الحقيقة؛ لأنها هي الأصل, والمجاز هو الفرع، ولا يعدل عن الأصل إلى الفرع إلّا لفائدة. مثال ذلك قول البحتري:\rمهيبٌ كحد السيف لو ضربت به ... ذرا أجإٍ ظلت وأعلامها وُهْدُ١\rويروى أيضًا \"لو ضربت به طلى أجإ\" جمع طلية، وهي العنق، فهذا البيت لا يجوز حمله على المجاز؛ لأن الحقيقة أولى به، ألا ترى أن \"الذرا\" جمع \"ذروة\"، وهو أعلى الشيء، يقال: ذروة الجبل، أعلاه، والطلى: جمع طلية، وهي العنق، والعنق: أعلى الجسد، ولا فرق بينهما في صفة العلوِّ هنا, فلا يعدل إذًا إلى المجاز إذ لا مزية له على الحقيقة.\rوهكذا كل ما يجيء من الكلام الجاري هذا المجرى، فإنه إن لم يكن في المجاز زيادة فائدة على الحقيقة لا يعدل إليه ...","footnotes":"١ ديوان البحتري ١/ ١١٠ وأجأ أحد جبلي طيء أجأ وسلمى، والوهد: الأرض المنخفصة والهوة في الأرض، والبيت من قصيدته التي يصف فيها الذئب حين لقيه، ورواية الديوان:\rمهيبًا كنصل السيف لو ضربت به ... ذرا أجأ ضلت وأعلامها وهد\rوقبله:\rبني ناهل مهلًا فإن بن أختكم ... له عزمات هزل آرائها جد\rمن هجتموه لا تهيجوا سوى الردى ... وإن كان خرقًا ما يحل له عقد","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358215,"book_id":3862,"shamela_page_id":89,"part":"1","page_num":90,"sequence_num":89,"body":"الفصل الثامن: في الفصاحة والبلاغة\rاعلم أن هذا باب متعذر على الوالج، ومسلك متوعر على الناهج، ولم يزل العلماء من قديم الوقت وحديثه يكثرون القول فيه, والبحث عنه، ولم أجد من ذلك ما يعوَّل عليه إلّا القليل.\rوغاية ما يقال في هذا الباب أن \"الفصاحة\" هي الظهور والبيان في أصل الوضع اللغوي، يقال: \"أفصح الصبح\"، إذا ظهر، ثم إنهم يقفون عند ذلك، ولا يكشفون عن السر فيه.\rوبهذا القول لا تتبيِّن حقيقة الفصاحة؛ لأنه يُعْتَرَضُ عليه بوجوه من الاعتراضات:\rأحدهما: إنه إذا لم يكن ظاهرًا بيِّنًا لم يكن فصيحًا، ثم إذا ظهر وتبيَّن صار فصيحًا.\rالوجه الآخر: إنه إذا كان اللفظ الفصيح هو الظاهر البيِّن، فقد صار ذلك بالنسب والإضافات إلى الأشخاص، فإن اللفظ قد يكون ظاهرًا لزيد، ولا يكون ظاهرًا لعمرو, فهو إذًا فصيح عند هذا وغير فصيح عند هذا، وليس كذلك، بل الفصيح هو فصيح عند الجميع، لا خلاف فيه بحالٍ من الأحوال؛ لأنه إذا تحقَّق حَدُّ الفصاحة, وعُرِفَ ما هي, لم يبق في اللفظ الذي يختص به خلاف.\rالوجه الثالث: إنه إذا جيء بلفظ قبيح ينبو عنه السمع، وهو مع ذلك ظاهر بين، ينبغي أن يكون فصيحًا وليس كذلك؛ لأن الفصاحة وصف حسن اللفظ، ولا وصف قبح.\rفهذه الاعتراضات الثلاثة واردة على قول القائل: إن اللفظ الفصيح هو الظاهر البيِّن، من غير تفصيل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358216,"book_id":3862,"shamela_page_id":90,"part":"1","page_num":91,"sequence_num":90,"body":"ولمَّا وقفت على أقوال الناس في هذا الباب ملكتني الحيرة فيها، ولم يثبت عندي منها ما أعول عليه، ولكثرة ملابستي هذا الفن ومعاركتي إياه, انكشف لي السر فيه، وسأوضحه في كتابي هذا, وأحقق القول فيه، فأقول:\rإن الكلام الفصيح هو الظاهر البين، وأعني الظاهر البين: أن تكون ألفاظه مفهومة لا يحتاج في فهمها إلى استخراج من كتاب لغة، وإنما كانت بهذه الصفة لأنها تكون مألوفة الاستعمال بين أرباب النظم والنثر دائرةً في كلامهم.\rوإنما كانت مألوفة الاستعمال دائرة في الكلام دون غيرها من الألفاظ لمكان حسنها، وذلك أن أرباب النظم والنثر غربلوا اللغة باعتبار ألفاظها، وسبروا وقسموا، فاختاروا الحسن من الألفاظ فاستعملوه، ونفووا القبيح منها فلم يستعملوه، فحسن الألفاظ١ سبب استعمالها دون غيرها، واستعمالها دون غيرها سبب ظهورها وبيانها، فالفصيح إذًا من الألفاظ هو الحسن.\rفإن قيل: من أيِّ وجه علم أرباب النظم والنثر الحسن من الألفاظ حتى استعملوه، وعلموا أن القبيح منها حتى نفوه ولم يستعملوه?\rقلت في الجواب: إنَّ هذا من الأمور المحسوسة التي شاهدها من نفسها؛ لأن الألفاظ داخلة في حيز الأصوات، فالذي يستلذه السمع منها ويميل إليه هو الحسن، والذي يكرهه وينفر عنه هو القبيح.\rألا ترى أن السمع يستلذّ صوت البلبل من الطير, وصوت الشحرور، ويميل إليهما، ويكره صوت الغراب، وينفر عنه، وكذلك يكره نهيق الحمار، ولا يجد ذلك في صهيل الفرس، والألفاظ جارية هذا المجرى، فإنه لا خلاف في أن لفظة \"المزنة\" و\"الديمة\" حسنةٌ يستلذها السمع، وأن لفظة \"البعاق\" قبيحة يكرهها السمع، وهذه اللفظات الثلاثة من صفة المطر، وهي تدل على معنى واحد، ومع هذا فإنك ترى لفظتي \"المزنة\" و\"الديمة\" وما جرى مجراهما مألوفة الاستعمال، وترى لفظ \"البعاق\" وما جرى مجراه متروكًا لا يستعمل، وإن استعمل، فإنما","footnotes":"١ في الأصل \"وحسن الاستعمال\" وهو تكرار يختل به المعنى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358217,"book_id":3862,"shamela_page_id":91,"part":"1","page_num":92,"sequence_num":91,"body":"يستعمله جاهل بحقيقة الفصاحة, أو من ذوقه غير ذوق سليم، لا جرم أنه ذمّ وقدح فيه, ولم يلتفت إليه، وإن كان عربيًا محضًا من الجاهلية الأقدمين، فإن حقيقة الشيء إذا علمت وجب الوقوف عندها، ولم يعرج على ما خرج عنها.\rوإذن ثبت أنَّ الفصيح من الألفاظ هو الظاهر البيِّن، وإنما كان ظاهرًا بينًا لأنه مألوف الاستعمال، وإنما كان مألوف الاستعمال لمكان حسنه، وحسنه مدرك بالسمع, والذي يدرك بالسمع إنما هو اللفظ، لأنه صوت يأتلف عن مخارج الحروف، فما استلذه السمع منه فهو الحسن، وما كرهه فهو القبيح، والحسن هو الموصوف بالفصاحة، والقبيح غير موصوف بفصاحة؛ لأنه ضدها لمكان قبحه، وقد مثَّلْتُ ذلك في المثال المتقدم بلفظ \"المزنة\" و\"الديمة\" ولفظة \"البعاق\".\rولو كانت الفصاحة لأمر يرجع إلى المعنى لكانت هذه الألفاظ في الدلالة عليه سواء: ليس منها حسن ومنها قبيح، ولما لم يكن كذلك علمنا أنها تخص اللفظ دون المعنى.\rوليس لقائل ههنا أن يقول: لا لفظ إلّا بمعنى، فكيف فصلت أنت بين اللفظ والمعنى? فإني لم أفصل بينهما، وإنما خصصت اللفظ بصفة هي له، والمعنى يجيء فيه ضمنًا وتبعًا.\rالوجه الثاني: إن وزن \"فعيل\" هو اسم فاعل من \"فعل\" بفتح الفاء وضم العين نحو كرم فهو كريم، وشرف فهو شريف، ولطف فهو لطيف، وهذا مطرد في بابه، وعلى هذا فإن اللفظ الفصيح هو اسم فاعل من فصح فهو فصيح، واللفظ هو الفاعل للإبانة عن المعنى، فكانت الفصاحة مختصة به.\rفإن قيل: إنك قلت: إن الفصيح من الألفاظ هو الظاهر البين، أي: المفهوم، ونرى من آيات القرآن الكريم ما لا يفهم ما تضمَّنَه من المعنى إلّا باستنباط وتفسير، وتلك الآيات فصيحة لا محالة، وهذا بخلاف ما ذكرته.\rقلت: لأنَّ الآيات التي تستنبط وتحتاج إلى تفسير ليس شيء منها إلّا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358218,"book_id":3862,"shamela_page_id":92,"part":"1","page_num":93,"sequence_num":92,"body":"ومفردات ألفاظه كلها ظاهرة واضحة، وإنما التفسير يقع في غموض المعنى من جهة التركيب، لا من جهة ألفاظه المفردة؛ لأن معنى المفردة يتداخل بالتركيب، ويصير له هيئة تخصه، وهذا ليس قدحًا في فصاحة تلك الألفاظ؛ لأنها إذا اعتبرت لفظةً لفظةً, وجدت كلها فصيحة, أي: ظاهرة واضحة, وأعجب ما في ذلك أن تكون الألفاظ المفردة التي تركَّبت منها المركبة واضحة كلها، وإذا نظر إليها مع التركيب احتاجت إلى استنباط وتفسير، وهذا لا يختص به القرآن وحده، بل في الأخبار النبوية والأشعار والخطب والمكاتبات كثير من ذلك. وسأورد ههنا منه شيئًا، فأقول: قد ورد عن النبي ﷺ أنه قال: \"صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون\" وهذا الكلام مفهومةٌ مفردات ألفاظه؛ لأن الصوم والفطر والأضحى مفهوم كله، وإذا سمع هذا الخبر من غير فكرة قيل: علمنا أن صومنا يوم نصوم، وفطرنا يوم نفطر، وأضحانا يوم نضحي، فما الذي أعلمنا به مما لم نعلمه?\rوإذا أمعن الناظر نظره فيه علم أن معناه يحتاج إلى استنباط، والمراد به أنه إذا اجتمع الناس على أن أول شهر رمضان يوم كذا، ولم يكن ذلك اليوم أوله، فإن الصوم صحيح، وأوله هو ذلك اليوم الذي اجتمع الناس إليه، وكذا يقال في يوم الفطر، ويوم الأضحى. ولهذا الخبر المشار إليه أشباه كثيرة تفهم معاني ألفاظها المفردة، وإذا تركبت تحتاج في فهمها إلى استنباط.\rوأما ما ورد من ذلك شعرًا فكقول أبي تمام١:\rولهت فأظلم كل شيءٍ دونها ... وأضاء٢ منها كل شيءٍ مظلم\rفإن الوله والظلمة والإضاءة كل ذلك مفهوم المعنى، لكن البيت بجملته يحتاج في فهمه إلى استنباط، والمراد به أنها ولهت فأظلم ما بيني وبينها، لما نالني من الجزع لولهها، كما يقول الجازع: أظلمت الأرض علي, أي: إني صرت كالأعمى","footnotes":"١ ديوان أبي تمام ٣١٢ وهو من قصيدة في مدح أبي الحسين محمد بن الهيثم ومطلعها:\rنثرت فريد مدامع لم تنظم ... والدمع يحمل بعض شجو المغرم\r٢ رواية الديوان \"وأنار\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358219,"book_id":3862,"shamela_page_id":93,"part":"1","page_num":94,"sequence_num":93,"body":"الذي لا يبصر، وأما قوله: \"وأضاء منها كل شيء مظلم\" أي: وضح لي منها ما كان مستترًا عني من حبِّها إياي.\rوكذلك ورد قول أبي عبادة البحتريِّ في منهزم١:\rإذا سار سهبًا عاد ظهرًا عَدُوَّه ... وكان الصديق بكرةً ذلك السهب\rفإن السَّير، والسَّهْب والظهر، والعدو والصديق كل ذلك مفهوم المعنى، لكنَّ البيت بمجموعه يحتاج معناه إلى استنباط، والمراد أنَّ هذا المنهزم يرى ما بين يديه محبوبًا إليه، وما خلفه مكروهًا عنده؛ لأنه يطلب النجاة فيؤثر البعد مما خلفه, والقرب مما أمامه، فإذا قطع سهبًا, وخلفه وراءه صار عنده كالعدو، وقبل أن يقطعه كان له صديقًا, أي: يطلب لقاءه ويحب الدنوّ منه.\rفانظر أيها المتأمِّل إلى ما ذكرته من هذه الأمثلة حتى يثبت عندك ما أردت بيانه.\rوأما البلاغة: فإن أصلها في وضع اللغة من الوصول والانتهاء، يقال: بلغت المكان، إذا انتهيت إليه، ومبلغ الشيء منتهاه، وسميّ الكلام بليغًا من ذلك، أي: إنه قد بلغ الأوصاف اللفظية والمعنوية.\rوالبلاغة شاملة للألفاظ والمعاني، وهي أخصّ من الفصاحة، كالإنسان من الحيوان، فكل إنسانٍ حيوانٌ، وليس كل حيوان إنسانًا، وكذلك يقال: كل كلام بليغ فصيح، وليس كل كلام فصيح بليغًا.\rويفرق بينها وبين الفصاحة من وجه آخر غير الخاصِّ والعام، وهو أنها لا تكون إلّا في اللفظ والمعنى بشرط التركيب، فإن اللفظة الواحدة لا يطلق عليها اسم البلاغة، ويطلق عليها اسم الفصاحة، إذ يوجد فيها وصف المختص بالفصاحة، وهو الحسن، وأمَّا وصف البلاغة فلا يوجد فيها، لخلوِّها من المعنى المفيد الذي ينتظم كلامًا.","footnotes":"١ ديوان البحتري ٢/ ٧٨، ومعنى السهب هنا: الفلاة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358220,"book_id":3862,"shamela_page_id":94,"part":"1","page_num":95,"sequence_num":94,"body":"مسألة تتعلق بهذا الفصل:\rهل أخذ علم البيان من ضروب الفصاحة والبلاغة بالاستقراء من أشعار العرب أم بالنظر وقضية العقل?\rالجواب عن ذلك أنَّا نقول: لم يؤخذ علم البيان بالاستقراء، فإن العرب الذين ألَّفوا الشعر والخطب لا يخلو أمرهم من حالين: إما أنهم ابتدعوا ما أتوا به من ضروب الفصاحة والبلاغة بالنظر وقضية العقل، أو أخذوه بالاستقراء ممن كان قبلهم, فإن كانوا ابتدعوه عند وقوفهم على أسرار اللغة, ومعرفة جيدها من رديئها، وحسنها من قبيحها, فذلك هو الذي أذهب إليه. وإن كانوا أخذوه بالاستقراء ممن كان قبلهم، فهذا لا يتسلسل إلى أوّل من ابتدعه ولم يستقره، فإن كل لغة من اللغات لا تخلو من وَصْفَيْ الفصاحة والبلاغة المختصَّيْن بالألفاظ والمعاني، إلّا أن اللغة العربية مزية على غيرها، لما فيها من التوسعات التي لا توجد في لغة أخرى سواها.\rمسألة أخرى تتعلق بهذا الفصل أيضًا:\rهل علم البيان من الفصاحة والبلاغة جارٍ مجرى علم النحو أم لا?\rالجواب عن ذلك أنا نقول: الفرق بينهما ظاهر، وذاك أن أقسام النحو أُخِذَت من واضعها بالتقليد، حتى لو عكس القضية فيها لجاز له ذلك، ولما كان العقل يأباه ولا ينكره، فإنه لو جعل الفاعل منصوبًا والمفعول مرفوعًا, قلَّد في ذلك, كما قلّد في رفع الفاعل ونصب المفعول، وأما علم البيان من الفصاحة والبلاغة فليس كذلك؛ لأنه استنبط بالنظر وقضية العقل، من غير واضع اللغة، ولم يفتقر فيه إلى التوقيف منه, بل أخذت ألفاظ ومعانٍ على هيئة مخصوصة, وحكَمَ لها العقل بمزية من الحسن لا يشاركها فيها غيرها، فإن كل عارفٍ بأسرار الكلام من أيَّةِ لغة كانت من اللغات يعلم أن إخراج المعاني في ألفاظ حسنة رائقة, يلذّها السمع ولا ينبو عنها الطبع، خيرٌ من إخراجها في ألفاظ قبيحة مستكرهة ينبو عنها السمع، ولو أراد واضع اللغة خلاف ذلك لما قلدناه.\rفإن قيل: لو أخذت أقسام النحو بالتقليد من واضعها لما أقيمت الأدلة عليها, وعُلِمَ بقضية النظر أن الفاعل يكون مرفوعًا والمفعول منصوبًا?\rفالجواب عن ذلك أنَّا نقول: هذه الأدلة واهية لا تثبت على محك الجدل، فإن هؤلاء الذين تصدوا لإقامتها سمعوا عن واضع اللغة رفع الفاعل ونصب المفعول من غير دليل أبداه لهم، فاستخرجوا لذلك أدلة وعللًا، وإلّا فمن أين علم هؤلاء أن الحكمة التي دعت الواضع إلى رفع الفاعل ونصب المفعول هي التي ذكروها؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358221,"book_id":3862,"shamela_page_id":95,"part":"1","page_num":96,"sequence_num":95,"body":"الفصل التاسع: في أركان الكتابة\rاعلم أنَّ للكتابة شرائط وأركانًا, أمَّا شرائطها فكثيرة، وهذا التأليف موضوع لمجموعها، وللقسم الآخر من الكلام المنظوم.\rوليس يلزم الكاتب أن يأتي بالجميع في كتاب واحد، بل يأتي بكل نوع من أنواعها في موضعه الذي يليق به، كما رأيناه فيما يأتي من هذا التأليف.\rوأما الأركان التي لا بُدَّ من إيداعها في كل كتاب بلاغي ذي شأن فخمسة:\rالأول: أن يكون مطلع الكتاب عليه جدَّة ورشاقة، فإن الكاتب من أجاد المطلع والمقطع، أو يكون مبنيًا على مقصد الكتاب، ولهذا الباب يسمَّى باب \"المبادئ والافتتاحات\"١ فليحذ حذوه، وهذا الركن يشترك فيه الكاتب والشاعر.\rالركن الثاني: أن يكون الدعاء المودَع في صدر الكتاب مشتقًا من المعنى الذي بني عليه الكتاب, وقد نبهنا على طرف من ذلك في باب يخصه٢ أيضًا، فليطلب","footnotes":"١ هو النوع الثاني والعشرون من ضروب الصناعة المعنوية، وسيأتي.\r٢ هو باب الاشتقاق وهو النوع السادس والعشرون من ضروب الصناعة المعنوية.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358222,"book_id":3862,"shamela_page_id":96,"part":"1","page_num":97,"sequence_num":96,"body":"من هناك. وهو مما يدل على حذاقة الكاتب وفطانته، وكثيرًا ما تجده في مكاتباتي التي أنشأتها، فإني قصدته فيها, وتوخيته بخلاف غيري من الكُتَّاب؛ لأنه ربما يوجد في كتابة غيري قليلًا، وتجده في كتابتي كثيرًا.\rالركن الثالث: أن يكون خروج الكاتب من معنًى إلى معنًى برابطة، لتكون رقاب المعاني آخذة بعضها ببعض، ولا تكون مقتضبة، ولذلك باب مفرد أيضًا يسمَّى باب \"التخلُّص والاقتضاب١\". وهذا الركن أيضًا يشترك فيه الكاتب والشاعر.\rالركن الرابع: أن تكون ألفاظ الكتاب غير مخلولقة بكثرة الاستعمال, ولا أريد بذلك أن تكون ألفاظًا غريبة، فإنَّ ذلك عيب فاحش، بل أريد أن تكون الألفاظ المستعملة مسبوكة سبكًا غريبًا، يظن السامع أنها غير ما في أيدي الناس، وهي مما في أيدي الناس، وهناك معترك الفصاحة التي تظهر فيه الخواطر براعتها، والأقلام شجاعتها، كما قال البحتري:\rباللفظ يقرب فهمه في بعده ... عنا ويبعد نيله في قربه٢\rوهذا الموضع بعيد المنال، كثير الإشكال، يحتاج إلى لطف وذوق وشهامة خاطر، وهو شبيه بالشيء الذي يقال: إنه لا داخل العالم ولا خارج العالم، فلفظه هو الذي يستعمل، وليس بالذي يستعمل, أي: إن مفردات ألفاظه هي المستعمَلة المألوفة، ولكن سبكه وتركيبه هو الغريب العجيب.\rوإذا سموت أيها الكاتب إلى هذه الدرجة، واستطعمت طعم هذا الكلام المشار إليه، علمت حينئذ أنه كالروح الساكنة في بدنك التي قال الله فيها: ﴿قُلِ الرُّوحُ","footnotes":"١ في الأصل \"التلخيص\", والتخلص والاقتضاب هو النوع الثالث والعشرون من ضروب الصناعة المعنوية.\r٢ ديوان البحتري ٢/ ١٩٩, ورواية الديوان \"منَّا\" موضع \"عنا\" والبيت من قصيدة يمدح بها الحسن بن وهب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358223,"book_id":3862,"shamela_page_id":97,"part":"1","page_num":98,"sequence_num":97,"body":"مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ ١ وليس كل خاطر براقٍ إلى هذه الدرجة ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ ٢.\rومع هذا, فلا تظن أيها الناظر في كتابي أني أردت بهذا القول إهمال جانب المعاني، بحيث يُؤْتَى باللفظ الموصوف بصفات الحسن والملاحة, ولا تكون تحته من المعنى ما يماثله ويساويه، فإنه إذا كان كذلك كان كصورة حسنة بديعة في حسنها, إلّا أن صاحبها بليد أبله، والمراد أن تكون هذه الألفاظ المشار إليها جسمًا لمعنى شريف.\rعلى أنَّ تحصيل المعاني الشريفة على الوجه الذي أشرت إليه أيسر من تحصيل الألفاظ المشار إليها.\rويُحْكَى عن المبرِّد -رحمه الله تعالى- أنه قال: ليس أحد في زماني إلّا وهو يسألني عن مشكَل من معاني القرآن أو مشكَل من معاني الحديث النبوي، أو غير ذلك من مشكلات علم العربية، فأنا إمام الناس في زماني هذا، وإذا عرضت لي حاجة إلى بعض إخواني وأردت أن أكتب إليه شيئًا في أمرها أحجم عن ذلك؛ لأني أرتِّب المعنى, ثم أحاول أن أصوغه بألفاظ مرضية فلا أستطيع ذلك. ولقد صدق في قوله هذا، وأنصف غاية الإنصاف.\rولقد رأيت كثيرًا من الجهال الذين هم من السوقة أرباب الحرف والصنائع، وما منهم إلّا من يقع له المعنى الشريف، ويظهر من خاطره المعنى الدقيق، ولكنه لا يحسن أن يزاوج٣ بين لفظتين، فالعبارة عن المعاني هي التي تخلب بها العقول.\rوعلى هذا, فالناس كلهم مشتركون في استخراج المعاني، فإنه لا يمنع الجاهل الذي لا يعرف علمًا من العلوم أن يكون ذكيًّا بالفطرة, واستخراج المعاني إنما هو بالذكاء لا بتعلُّم العلم.\rوبلغني أن قومًا ببغداد من رعاع العامة يطوفون بالليل في شهر رمضان على","footnotes":"١ سورة الإسراء: آية ٨٥.\r٢ سورة الحديد: آية ٢١.\r٣ في الأصل \"يزوج\" وهو تحريف، والمزاوجة من فنون البلاغة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358224,"book_id":3862,"shamela_page_id":98,"part":"1","page_num":99,"sequence_num":98,"body":"الحارات، وينادون بالسّحُور، ويخرجون ذلك في كلام موزون على هيئة الشعر, وإن لم يكن من بحار الشعر المنقولة عن العرب، وسمعت شيئًا منه فوجدت فيه معاني حسنة مليحة ومعاني غريبة، وإن لم تكن الألفاظ التي صيغت بها صيغة. وهذا الركن أيضًا يشترك فيه الكاتب والشاعر.\rالركن الخامس: أن لا يخلو الكتاب من معنى من معاني القرآن الكريم والأخبار النبوية، فإنها معدن الفصاحة والبلاغة، وإيراد ذلك على الوجه الذي أشرت إليه في الفصل الذي يلي هذا الفصل من حلِّ معاني القرآن الكريم والأخبار النبوية أحسن من إيراده على وجه التضمين، وتوخي ذلك في كل كتاب عَسِرٌ جدًّا، وأنا انفردت بذلك دون غيري من الكتَّاب، فإني استعملته في كل كتاب، حتى إنه ليأتي في الكِتَاب الواحد في عدَّة مواضع منه، ولقد أنشأت تقليدًا لبعض الملوك مما يكتب من ديوان الخلافة، ثم إني اعتبرت ما ورد فيه من معاني الآيات والأخبار النبوية, فكان يزيد على الخمسين، وهذا لا أتكلفه تكلفًا، وإنما يأتي على حسب ما يقتضيه الموضع الذي يذكر فيه، وقد عرفتك أيها الكاتب كيف تستعمل ما تستعمله من ذلك في الفصل الذي يأتي بعد هذا الفصل فخذه من هناك.\rوهذا الركن يختصُّ بالكاتب دون الشاعر؛ لأن الشاعر لا يلزمه ذلك؛ إذ الشعر أكثره مدائح، وأيضًا فإنه لا يتمكّن من صوغ معاني القرآن والأخبار في المنظوم, كما يتمكَّن منه في المنثور، ولربما أمكن ذلك في الشيء اليسير في بعض الأحيان.\rوإذا استكملت معرفة هذه الأركان الخمسة، وأتيت بها في كل كتاب بلاغي ذي شأن, فقد استحققت حينئذ فضيلة التقدم، ووجب لك أن تسمي نفسك كاتبًا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358225,"book_id":3862,"shamela_page_id":99,"part":"1","page_num":100,"sequence_num":99,"body":"الفصل العاشر: في الطريق إلى تعلم الكتابة\rمدخل\r...\rالفصل العاشر: في الطريق إلى تعلم الكتابة\rهذا الفصل هو كنز الكتابة ومنبعها، وما رأيت أحدًا تكلَّم فيه بشيء، ولما حُبِّبَت إلي هذه الفضيلة وبلَّغني الله منها ما بلَغَنِي، وجدت الطريق ينقسم فيها إلى ثلاث شعب:\rالأولى: أن يتصفَّح الكاتب كتابة المتقدمين، ويطَّلع على أوضاعهم في استعمال الألفاظ والمعاني، ثم يحذو حذوهم، وهذه أدنى الطبقات عندي.\rالثانية: أن يمزج كتابة المتقدِّمين بما يستجيده لنفسه من زيادة حسنة، إما في تحسين ألفاظ، أو في تحسين معان، وهذه هي الطبقة الوسطى، وهي أعلى من التي قبلها.\rالثالثة: أن لا يتصفَّح كتابة المتقدمين، ولا يطَّلع على شيء منها، بل يصرف همَّه إلى حفظ القرآن الكريم وكثير من الأخبار النبوية, وعدة من دواوين فحول الشعراء مِمَّن غلب على شعره الإجادة في المعاني والألفاظ، ثم يأخذ في الاقتباس من هذه الثلاثة، أعني: القرآن والأخبار النبوية والأشعار، فيقوم ويقع، ويخطئ ويصيب، ويضل ويهتدي، حتى يستقيم على طريقة يفتتحها لنفسه، وأخلق بتلك الطريق أن تكون مبتدعة غريبة لا شركة لأحد من المتقدمين فيها، وهذه الطريق هي طريق الاجتهاد، وصاحبها يعد إمامًا في فنِّ الكتابة، كما يُعَدُّ الشافعي وأبو حنيفة ومالك -رضي الله تعالى عنهم- وغيرهم من الأئمة المجتهدين في علم الفقه، إلّا أنها مستوعرة جدًّا، ولا يستطيعها إلّا من رزقه الله تعالى لسانًا هجامًا، وخاطرًا رقامًا. وقد سهَّلْتُ لك صعابها، وذلَّلْتُ محاجَّها, وكنت أَشِحٌ بإظهار ذلك لما عانيت من","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358226,"book_id":3862,"shamela_page_id":100,"part":"1","page_num":101,"sequence_num":100,"body":"نيله من العناء، فإني سلكت إليه كل طريق حتى بلغته آخرًا، وإنما تكون نفاسة الأشياء لعزة حصولها ومشقَّة وصولها:\rليس حلوًا وجودك الشيء تبغيـ ... ـه طلابًا حتى يعزَّ طلابه١\rولقد مارست الكتابة ممارسة كشفت لي عن أسرارها، وأظفرتني بكنوز جواهرها؛ إذ لم يظفر غيري بأحجارها، فما وجدت أعون الأشياء عليها إلّا حَلِّ آيات القرآن الكريم والأخبار النبوية، وحَلِّ الأبيات الشعرية.\rوقد قَصَرْتُ هذا الفصل على ذكر وجوهها، وتقسيمها، وتمهيد الطريق إلى تعليمها، فمن وقف على ما ذكرته علم أني لم آت شيئًا فريًّا٢، وأنَّ الله قد جعل تحت خواطري من بنات الأفكار سريًّا٣، وهذه الطريق يجهلها كثير من متعاطي هذه الصناعة، والذي يعلمها منهم يرضى بالحواشي والأطراف، ويقنع من لآلئها بمعرفة ما في الأصداف، ولو استخرج منها ما استخرجت، واستنتج ما استنتجت، لهام بها في كل وادٍ، وتزوَّد إلى سلوك طريقها كل زادٍ:\rلو يسمعون كما سمعتُ كلامها ... خَرُّوا لِعَزَّة ركَّعًا وسجودَا٤\rولا أريد بهذه الطريق أن يكون الكاتب مرتبطًا في كتابته بما يستخرجه من القرآن الكريم والأخبار النبوية والشعر، بحيث إنه لا ينشئ كتابًا إلّا من ذلك، بل أريد أنه إذا حفظ القرآن الكريم وأكثر من حفظ الأخبار النبوية والأشعار، ثم نقَّب عن ذلك تنقيب مطَّلع على معانيه، مفتِّش عن دفائنه، وقَلَبَه ظهرًا لبطن، عرف حينئذ من أين تؤكل الكتف فيما ينشئه من ذات نفسه، واستعان بالمحفوظ على الغريزة الطبيعية.","footnotes":"١ البيت للبحتري: ديوانه ٢/ ٦٢، ورواية الديوان:\rليس يحلو وجودك الشيء تبغيـ ... ـه التماسًا حتى يعز طلابه\r٢ بديعًا عجيبًا، والفرى: القطع كأنه يقطع العادة، والعبارة تضمين قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ سورة مريم: آية ٢٧.\r٣ السرى: النهر الصغير، والعبارة تضمين قوله تعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ سورة مريم: آية ٢٤.\r٤ البيت لكثير، ورواية الأمالي \"ج٢ ص٧٥\":\rلو يسمعون كما سمعتُ كلامها ... خروا لعزة خاشعين سجودا","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358227,"book_id":3862,"shamela_page_id":101,"part":"1","page_num":102,"sequence_num":101,"body":"ألا ترى أن صاحب الاجتهاد من الفقهاء يفتقر إلى معرفة آيات الأحكام، وأخبار الأحكام، وإلى معرفة الناسخ والمنسوخ من الكتاب والسنة، وإلى معرفة علم العربية، وإلى معرفة الفرائض, والحساب من المعلوم والمجهول من أجل مسائل الدور والوصايا وغيرها، وإلى معرفة إجماع الصحابة، فهذه أدوات الاجتهاد، فإذا عرفها استخرج بفكرته حينئذ ما يؤديه إليه اجتهاده، كما فعل أبو حنيفة والشافعي ومالك وغيرهم من أئمة الاجتهاد.\rوكذلك يجري الحكم في الكتاب إذا أحبَّ الترقي إلى درجة الاجتهاد في الكتابة، فإنه يحتاج إلى أشياء كثيرة، قد ذكرتها في صدر كتابي هذا، إلّا أن رأسها وعمودها وذروة سنامها ثلاثة أشياء: هي حفظ القرآن الكريم، والإكثار من حفظ الأخبار النبوية، والأشعار.\rوحيث انتهى بنا القول إلى هذا الموضع, فأوَّل ما أبدأ به على عقب ذلك أن أقول:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358228,"book_id":3862,"shamela_page_id":102,"part":"1","page_num":103,"sequence_num":102,"body":"حل الأبيات الشعرية:\rينقسم إلى ثلاثة أقسام:\rالأول منها وهو أدناها مرتبة:\rأن يأخذ الناثر بيتًا من الشعر، فينثره بلفظه من غير زيادة, وهذا عيب فاحش.\rومثاله كمن أخذ عقدًا، قد أتقن نظمه، وأحسن تأليفه, فأوهاه وبدَّدَه، وكان يقوم عذره في ذلك أن لو نقله عن كونه عقدًا إلى صورة أخرى مثله, أو أحسن منه, وأيضًا فإنه إذا نثر الشعر بلفظه كان صاحبه مشهور السرقة، فيقال: هذا شعر فلان بعينه، لكون ألفاظه باقية لم يتغير منها شيء.\rوقد سلك هذا المسلك بعض العراقيين، فجاء مستهجنًا لا مستحسنًا؛ كقوله في بعض أبيات الحماسة١:\rوألدَّ ذي حنقٍ عليَّ كأنما ... تغلي عداوة صدره في مرجل٢\rأرجيته عني فأبصر قصده ... وكويته فوق النواظر من عل٣\rفقال في نثر هذين البيتين: \"فكم لقي ألدَّ ذي٤ حنقٍ كأنه ينظر إلى الكواكب من علٍ، وتغلي صدره في مرجل، فكواه فوق ناظريه، وأكبَّه لفمه ويديه\", فلم يزد هذا الناثر على أن أزال رونق الوزن، وطلاوة النظم لا غير.\rومن هذا القسم ضرب محمودٌ لا عيب فيه، وهو أن يكون البيت من الشعر قد","footnotes":"١ ديوان الحماسة ١/ ٢٣ والبيتان لربيعة بن مقروم الضبي.\r٢ الألدّ: الشديد الخصومة، والحنق: الغيظ، والمرجل: القدر من نحاس، يقول: ربَّ خصم تغلي العداوة في صدره غليان المرجل مما فيه على النار.\r٣ أرجيته: أخرته وصرفته، قال أبو الفتح بن جني: أكثر من نرى يروي هذا البيت أجريته بالراء، فإذا تعالى شيئًا رواه أرجأته بالهمز، وكلاهما تصحيف، وإنما هو أرجيته بالواو؛ أي: أذللته وقهرته، يقول: ربَّ خصم صرفته عن نفسي، وقد أبصر رشده, وكويته فوق نواظره من أعلاه.\r٤ في الأصل \"ذي\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358229,"book_id":3862,"shamela_page_id":103,"part":"1","page_num":104,"sequence_num":103,"body":"تضمَّن شيئًا لا يمكن تغيير لفظه، فحينئذ يعذر ناثره إذا أتى بذلك اللفظ, ومثاله قول الشاعر في أول الحماسة١:\rلو كنت من مازنٍ لم تستبح إبلي ... بنو اللقيطة من ذُهْل بن شيبانا\rوقد نثرت ذلك فقلت: \"لست ممن تستبيح إبله بنو اللقيطة، ولا الذي إذا همَّ بأمر كانت الآمال إليه وسيطة، ولكني أحمل الهَمَلَ وأقرِّب الأمل، وأقول: سبق السيف العذل٢\": فذكر \"بني اللقيطة\" ههنا لا بُدَّ منه على حسب ما ذكره الشاعر، وكذلك الأمثال السائرة، فإنه لا بُدَّ من ذكرها على ما جاءت في الشعر.\rوأما القسم الثاني وهو وسط بين الأول والثالث في المرتبة:\rفهو٣ أن ينثر المعنى المنظوم، ببعض ألفاظه، ويعزم عن البعض بألفاظ أخر، وهناك تظهر الصنعة في المماثلة والمشابهة, ومؤاخاة الألفاظ الباقية بالألفاظ المرتجلة، فإنه إذا أخذ لفظًا لشاعر مجيد قد نقَّحه وصحَّحه فقرنه بما لا يلائمه كان كمَن جمع بين لؤلؤة وحصاة، ولا خفاء بما في ذلك من الانتصاب للقدح، والاستهداف للطعن.\rوالطريق المسلوك إلى هذا القسم أن تأخذ بعض بيت من الأبيات الشعرية هو أحسن ما فيه ثم تماثله. وسأورد ههنا مثالًا واحدًا ليكون قدوة للمتعلِّم، فأقول: قد ورد هذا البيت من شعر أبي تمام في وصف قصيدة له:\rحَذَّاء تملأ كل أذنٍ حكمةً ... وبلاغةً وتدِرُّ كلّ وريد٤","footnotes":"١ ديوان الحماسة ١/ ١٣ والبيت لقريط بن أنيف أحد بني العنبر.\r٢ مَثَلٌ من أمثال العرب, قاله ضبة بن أد لما لامه الناس على قتله قاتل ابنه في الحرم، انظر مجمع الأمثال للميداني ١/ ٢٤١.\r٣ في الأصل \"وهو\".\r٤ ديوان أبي تمام ٨٥ وهو من قصيدة يمدح بها أبا عبد الله أحمد بن أبي داود، ويعتذر إليه وقبله:\rخذها مثقفة القوافي ربها ... لسوابغ النعماء غير كنود\rوفي الأصل \"وحداء\" موضع \"حذاء\", والحذاء: القارصة أو الطاعنة، وتدر: تحلب، والوريد عرق في العنق","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358230,"book_id":3862,"shamela_page_id":104,"part":"1","page_num":105,"sequence_num":104,"body":"فقوله: \"تملأ كلَّ أذن حكمة\" من الكلام الحسن، وهو أحسن ما في البيت، فإذا أرَدْتَ أن تنثر هذا المعنى فلا بُدَّ من استعمال لفظه بعينه؛ لأنه في الغاية القصوى من الفصاحة والبلاغة، فعليك حينئذ أن تؤاخذه بمثله، وهذا عَسِرٌ جدًّا, وهو عندي أصعب منالًا من ناثر الشعر بغير لفظه؛ لأنه مسلك مضيق، لما فيه من التعرض لمماثلة ما هو في غاية الحسن والجودة.\rوأمَّا نثر الشعر بغير لفظه، فذلك يتصرَّف فيه ناثره على حسب ما يراه، ولا يكون فيه بمثالٍ يضطر إلى مؤاخاته.\rوقد نثرت هذه الكلمات المشار إليها, وأتيت بها في جملة كتاب فقلت: \"وكلامي قد عرف بين الناس واشتهر، وفاق مسير الشمس والقمر، وإذا عرف الكلام صارت المعرفة له علامة، وأُمِنَ من سرقته إذ لو سرق لدلَّت عليه الوسامة، ومن خصائص صفاته أنه يملأ كل أذن حكمة، ويجعل فصاحة كل لسان عجمة، وإذا جرت بفثاته في الأفهام قالت: أهذه بنت فكرة أم بنت كرمة؟ \".\rفانظر كيف فعلت في هذا الموضع? فإني لمَّا أخذت تلك الكلمات من البيت الشعري التزمت بأن أؤاخيها بما هو مثلها أو أحسن منها، فجئت بهذا الفصل كما تراه، وكذلك ينبغي أن يفعل فيما هذا سبيله.\rوأما القسم الثالث وهو أعلى من القسمين الأولين:\rفهو أن يؤخذ المعنى، فيصاغ بألفاظ غير ألفاظه، وثَمَّ يتبين حِذْقُ الصائغ في صياغته، ويعلم مقدار تصرفه في صناعته، فإن استطاع الزيادة على المعنى فتلك الدرجة العالية، وإلّا أحسن التصرف، وأتقن التأليف، ليكون أولى بذلك المعنى من صاحبه الأول.\rواعلم أنَّ من أبيات الشعر ما يتَّسع المجال لناثره، فيورده بضروب من العبارات، وذلك عندي شبيه بالمسائل السَّيالة في الحساب, التي يجاب عنها بعدة من الأجوبة، ومن الأبيات ما يضيق فيه المجال حتى يكاد الماهر في هذه الصناعة ألَّا يخرج عن ذلك اللفظ، وإنما يكون هذا لعدم النظير.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358231,"book_id":3862,"shamela_page_id":105,"part":"1","page_num":106,"sequence_num":105,"body":"فأمَّا ما يتَّسع المجال في نثره فكقول أبي الطيب المتنبي:\rلا تعذُل المشتاق في أشواقه ... حتى يكون حشاك في أحشائه١\rوقد نثرت هذا المعنى، فمن ذلك قولي: \"لا تعذل المحب فيما يهواه، حتى تطوي القلب على ما طواه\"، ومن ذلك وجه آخر، وهو: \"إذا اختلفت العينان في النظر, فالعذل ضرب من الهذر\".\rومن هذا الباب قول أبي الطيب المتنبي أيضًا:\rإنَّ القتيل مضرَّجًا بدموعه ... مثل القتيل مضرَّجًا بدمائه٢\rأخذت هذا المعنى فنثرته، فمن ذلك قولي: \"القتيل بسيف العيون، كالقتيل بسيف المنون، غير أن ذلك لا يجرد من غمده، ولا يقاد صاحبه بعمده\"، فزدت على المعنى الذي تضمنه البيت، وغيرت اللفظ، ومن ذلك وجه آخر، وهو: \"دمع المحب ودم القتيل متفقان في التشبيه والتمثيل، ولا تجد بينهما بونًا، إلّا أنهما يختلفان لونًا\"، وهذا أحسن من الأول.\rوأمَّا ما يضيق فيه المجال، فيعسر على الناثر تبديل ألفاظه, فكقول أبي تمام:\rتردَّى ثياب الموت حمرًا فما أتى ... لها الليل إلّا وهي من سندسٍ خضر٣\rوقول أبي الطيب المتنبي:\rوكان بها مثل الجنون فأصبحت ... ومن جثث القتلى عليها تمائم٤\rوأمثال هذا لا يأتي إلّا قليلًا، وسببه أن المعنى ينحصر في مقصد من المقاصد حتى لا يكاد يأتي إلّا فذًّا، كهذين البيتين, ألَا تَرَى أن أبا تَمَّام قصد المؤاخاة في ذكر لوني","footnotes":"١ ديوان المتنبي ١/ ٦، وفي الأصل \"لا تعزل\" بالزاي، وفي الديوان \"لا تعذر\" بالذال والراء، يقول: لا تكن عاذرًا للمشتاق في شوقه حتى تجد ما يجده، ويكون قلبك في قلبه، أي: تحب مثل ما يحب، وهو من قول البحتري:\rإذا شئت ألَّا تعذل الدهر عاشقًا ... على كمد من لوعة البَيْن فاعشق\r٢ المصدر السابق، ويروى \"إن المشوق\" جعل جريان الدمع كجريان الدماء، وهذا لأنه جعل العاشق كالقتيل، تعظيمًا للأمر.\r٣ ديوان أبي تمام ٣٦٩، ويروى \"فما دجى\" موضع \"فما أتى\", والسندس نوع من رقيق الديباج معرَّب، كنَّى بالأول عن موته قتيلًا، وبالثاني عن دخوله الجنة.\r٤ ديوان المتنبي ٣/ ٣٨١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358232,"book_id":3862,"shamela_page_id":106,"part":"1","page_num":107,"sequence_num":106,"body":"الثياب من الأحمر والأخضر, وجاء ذلك واقعًا على المعنى الذي أراده من لون ثياب القتلى وثياب الجنة، فإذا فكَّ نظم هذا البيت وأريد صوغه بغير لفظه لا يمكن ذلك.\rوبيت أبي الطيب جارٍ هذا المجرى؛ فإنه بناه على واقعة من الوقائع، وذاك أن حصنًا من حصون سيف الدولة قصده الروم وانتزعوه وأخربوه, فنهد سيف الدولة إليه واسترجعه، وجدَّدَ بناءه, وهزم الروم، ونصب من جثث القتلى على السور، فنظم المتنبي في هذا قصيدًا أوله:\rعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم١\rفلمَّا انتهى إلى ذكر الحصن جاء بهذا البيت في جملة أبيات، فشرح صورة الحال في إزعاج الحصن بالقتال، وتعليق القتلى عليه، وأبرز ذلك في معنى التمثيل بالجنون والتمائم، وهذا لا يمكن تبديل لفظه، وهو وأمثاله مما يجب على الناثر أن يحسن الصنعة في فك نظامه؛ لأنه يتصدَّى لنثره بألفاظه، فإن كان عنده قوة تصرُّف وبسطة عبارة, فإنه يأتي به حسنًا رائعًا.\rوقد نثرت هذين البيتين: أما بيت أبي تمام فإني قلت في نثره: \"لم تكسه المنايا نسج شفارها، حتى كسته الجنة نسج شعارها، فبدَّل أحمر ثوبه بأخضره، وكأس حمامه بكأس كوثره\". وهذا من الحسن على غاية يكون كَمد حسودها من جملة شهودها.\rوأما بيت أبي الطيب المتنبي فإني قلت في نثره: \"سرى إلى حصن كذا مستعيدًا منه سبيةً نزعها العدو اختلاسًا, وأخذها مخادعة لا افتراسًا، فما نزلها حتى استقادها، ولا نزلها حتى استعادها, وكأنما كان بها جنون, فبعث لها من عزائمه عزائم، وعلَّق عليها من رءوس القتلى تمائم\". وفي هذا من الحسن ما لا خفاء به، فمن شاء أن ينثر شعرًا فلينثر هكذا وإلّا فليترك.","footnotes":"١ ديوان المتنبي ٣/ ٣٧٨ وعجز البيت:\rوتأتي على قدر الكرام المكارم","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358233,"book_id":3862,"shamela_page_id":107,"part":"1","page_num":108,"sequence_num":107,"body":"وقد جئت بهذا المعنى على وجه آخر، وأبرزته في صورة أخرى, وذاك أني أضفت إلى هذا البيت البيت الذي قبله وهو:\rبناها فأعلى والقنا تقرع القنا ... وموج المنايا حولها متلاطم\rولما نثرت هذين البيتين قلت في نثرهما ما أذكره وهو: \"بناها والأسنَّة في بنائها متخاصمة, وأمواج المنايا فوق أيدي البانين متلاطمة، وما أحلّت الحرب عنها حتى زلزلت أقطارها بركض الجياد، وأصيبت بمثل الجنون, فعلقت عليها تمائم من الرءوس والأجساد، ولا شكَّ أن الحرب تعرد عمَّن عزَّ جانبه، وتقول: ألا هكذا فليكسب المجد كاسبه\". وهذا أحسن من الأول وأتمَّ معنى.\rوقد تصرَّفت في هذا الموضع بزيادة في معناه، ونثرته على أسلوب أحسن من هذا الأسلوب فقلت: \"بناها ودون ذلك البناء شوك الأسل، وطوفان المنايا الذي لا يقال سآوي منه إلى جبل، ولم يكن بناؤها إلّا بعد أن هدمت رءوس عن أعناق، وكأنما أصيبت بجنون فعلقت القتلى عليها مكان التمائم, أو شينت بعطلٍ فعلقت مكان الأطواق\". وهذا الفصل فيه زيادة على الفصل الذي قبله.\rوإذا انتهى بنا الكلام إلى ههنا في التنبيه على نثر الشعر، وكيفية نثره, وذكر ما يسهل منه وما يعسر، فلنُتْبِعُ ذلك بقول كلي في هذا الباب فنقول:\rمن أحبَّ أن يكون كاتبًا، أو كان عنده طبع مجيب، فعليه بحفظ الدواوين ذوات العدد، ولا يقنع بالقليل من ذلك، ثم يأخذ في نثر الشعر من محفوظاته، وطريقه أن يبتدئ فيأخذ قصيدًا من القصائد، فينثره بيتًا بيتًا على التوالي، ولا يستنكف في الابتداء أن ينثر الشعر بألفاظه, أو بأكثرها، فإنه لا يستطيع إلّا ذلك، وإذا مرنت نفسه وتدرَّب خاطره، ارتفع عن هذه الدرجة, وصار يأخذ المعنى ويكسوه عبارة من عنده، ثم يرتفع عن ذلك حتى يكسوه ضروبًا من العبارات المختلفة، وحينئذ يحصل لخاطره بمباشرة المعاني لقاحٌ, فيستنتج منها معاني غير تلك المعاني، وسبيله أن يكثر الإدمان ليلًا ونهارًا، ولا يزال على ذلك مدة طويلة، حتى يصير له ملكة، فإذا كتب كتابًا, أو خطب خطبة, تدفَّقت المعاني في أثناء كلامه، وجاءت ألفاظه معسولة لا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358234,"book_id":3862,"shamela_page_id":108,"part":"1","page_num":109,"sequence_num":108,"body":"مغسولة، وكان عليها حدة حتى تكاد ترقص رقصًا، وهذا شيءٌ خبرته بالتجربة، ولا ينبئك مثل خبير.\rفإن قيل: الكلام قسمان: منظوم ومنثور، فلم خصصت على حفظ المنظوم, وجعلته مادة للمنثور, وهلَّا كان الأمر بالعكس?\rقلت في الجواب: إن الأشعار أكثر, والمعاني فيها أغزر، وسبب ذلك أن العرب الذين هم أصل الفصاحة جُلُّ كلامهم شعر، ولا نجد الكلام المنثور في كلامهم إلّا يسيرًا، ولو كثر فإنه لم ينقل عنهم، بل المنقول عنهم هو الشعر، فأودعوا أشعارهم كل المعاني, كما قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ ١, ثم جاء الطراز الأول من المخضرمين, فلم يكن لهم إلّا الشعر، ثم استمرَّت الحال على ذلك، فكان الشعر هو الأكثر، والكلام المنثور بالنسبة إليه قطرة من بحر، ولهذا صارت المعاني كلها مودعة في الأشعار، وحيث كانت بهذه الصورة، فكان حَثِّي على حفظها, واستعمال معانيها في الخطب والمكاتبات لهذا السبب.\rوقد نثرت في هذا الموضع أبياتًا تكون قدوة للمتعلم, فمن ذلك قولي في فصول الكلام يتضمَّن ذكر السيادة:\r\"وهو الشريف من شرف نفسه، لا بما دفن مع أبيه في رمسه، فإنَّ تلك مكارم أتت فتجمَّل الزمان بمأتاها، ثم مات أربابها فدفنت مع موتاها، ولو ساد الناس بآبائهم لكانت السيادة للطينة الأولى، ولقد خلق الأبناء من الآباء مجبولًا\". وهذا المعنى مأخوذ من قول الشاعر:\rوما الفخر بالعظم الرميم وإنما ... فخار الذي يبغي الفخار بنفسه\rير أن الفصل الذي ذكرته يتضمَّن من المعنى زيادةً على ما تضمَّنه هذا البيت.\rومن ذلك ما كتبته في فصل من كتاب يتضمن معاتبة أخٍ لإخوته, وتنصله إليهم، فقلت:","footnotes":"١ سورة الشعراء، آية ٢٢٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358235,"book_id":3862,"shamela_page_id":109,"part":"1","page_num":110,"sequence_num":109,"body":"\"جرحوا قلبي، وحبُّهم يذهب بألم الجراحة، وطرفوا عيني وهم يزيدون في نظرها ملاحة، وإذا صدرت الإساءة عن الأحباب لم يكن وقرها وقرًا، وأصبحت وهي منسيةً إذا تجددت الإساءة بالذكرى، وما منهم إلّا من سيط دمي بدمه, ولحمي بلحمه، ولو أنَّ الأسماء معارف الأشخاص لكان اسمي واردًا على اسمه، وكيف أخشن عليهم وقد جبلني الله لهم على اللين، أم كيف أذود النفس عنهم وهي مشتقة منهم وآدم بين الماء والطين، ومتى أؤمل من شجرتي أغصانًا كهذه الأغصان، وقد أصيبت جرثومتها بالجداد١، ولهذا قيل: إن الإخوة يتعذَّر الاعتياض عنهم, ولا يتعذر الاعتياض عن الأولاد\". آخر هذا الفصل مأخوذ من شعر ابن الرومي، وهو قوله٣:\rتعزَّيت عمَّن أثمرتك حياته ... ووشك التعزِّي عن ثمارك أجدر\rتعذَّر أن نعتاض عن أمهاتنا ... وأبنائنا٣ والنسل لا يتعذّر\rغير أن ابن الرومي ذكر ذلك في تعزية إنسان بابنه، فتصرَّفت أنا في هذا المعنى ونقلته إلى هذا الفصل في تضمنه معاتبة أخٍ لإخوته.\rومن ذلك ما ذكرته في فصلٍ من كتابٍ يتضمَّن ذم المشيب، فقلت:\r\"والعيش كل العيش في سن الحداثة، وما يأتي بعدها فلا يدعى إلّا بسن الغثاثة، وليس بعد الأربعين من مصيفٍ للذَّة ولا مربع، وهي نهاية القوة الصالحة من الطبائع الأربع، فإذا تجاوزها المرء أشفت ثمار عمره على حرصها٤، وصارت زيادته كزيادة التصغير التي هي زيادة تدل على نقصها، وأصبح بعد ذلك يدعى أبًا بعد أن كان يدعى ابنًا، وتقمَّص ثوبًا من المشيب لا يجر ثوبه خيلاء, ولا يزهى حسنًا، وإن قيل: إن أحسن الثياب شعار البياض, قيل: إلّا هذا الثوب فإنه مستثنى، ويكفيه من الفظاظة أن ينظر إليه نظر القتال، ولولا أن الخمود بعده","footnotes":"١ الجداد القطع.\r٢ ديوان ابن الرومي ١٠٤.\r٣ في الأصل \"وأبنائنا\" وهو خطأ، والتصحيح عن الديوان.\r٤ الحرص حزرما على النخل من الرطب تمرًا.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358236,"book_id":3862,"shamela_page_id":110,"part":"1","page_num":111,"sequence_num":110,"body":"لما استعير له لفظة الاشتعال، ومن الناس من يدلِّس لونه بصبغة الخضاب، وليس ذلك إلّا حدادًا على فقد الشباب، وهو في فعله هذا كاذب, ولا يخفى أنس الصادق من وحشة الكذاب، وخداع النفس أن تسلو عن بئره المعطَّلة, وقصره المشيد، ويحسن لها الخروج في ثوب مرقَّع, وهي تراه بعين الثوب الجديد. وبعض هذا مأخوذ من شعر ابن الرومي، وهو قوله:\rرأيت خضاب المرء بعد مشيبه ... حدادًا على شرخ الشبيبة يلبس١\rغير أنَّ في هذا الفصل معاني كثيرة لطيفة لا توجد في كلام آخر.\rومن ذلك قولي في وصف الجود والسخاء, وهذا الفصل يشتمل على معانٍ متعددة، فمنها قولي في العطاء، وهو:\rشافهتني أسباب الغنى برؤيته حتى كادت تنطق، واخضرَّت أكنان منزلي بعطائه حتى كادت تورق، ومن فضيلة بره أنه لا يأتي به على أعين الناس، وإذا غرسه عند إنسان رَبَّ ذلك الغراس، فلا يستكثر ما جادت به سحاب يده، ولا يمنعه عطاء يومه عن عطاء غده\". وبعض هذا المعنى مأخوذ من شعر أبي نواس:\rكانوا إذا غرسوا سقوا وإذا بنوا ... لم يهدموا لبنائهم آساسا٢\rومن هذا المعنى أيضًا قولي:\r\"وهو أخذ المكارم من سمائها وأرضها، وقام بنفلها في الناس وفرضها، وتحلَّى ببعض أسماء الشهور حتى أصبح بعضها حاسدًا لبعضها, فالمحرم للعائذ بحرمه، وصفر للطامع في سعادة قدمه، وربيع لرائد نواله، ورجب لأقوال عذاله, وهذا مأخوذ من قول الفرزدق:\rيداك بدٌ ربيع الناس فيها ... وفي الأخرى الشهور من المحرم\rوقد قال الشعراء في ذلك كثيرًا، إلّا أني أنا تصرَّفت في هذا المعنى تصرُّفًا لم يتصرَّف فيه أحد غيري.","footnotes":"١ ديوان ابن الرومي ٣٩٧ ورواية الديوان \"رأيت خضاب المرء عند مشيبه\".\r٢ ديوان أبي نواس ١٣٠ وهو من أبيات يبكي فيها البرامكة، وقد مرَّ بدورهم، فكتبها على حائط منها.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358237,"book_id":3862,"shamela_page_id":111,"part":"1","page_num":112,"sequence_num":111,"body":"ومن هذا المعنى ما ذكرته في فصل من كتاب، وهو:\rلقد سوَّى بين أعدائه في البغض وبين أمواله, فهذه معنية بوقع نصاله، وهذه معنية بصنائع نواله، ولو أحبَّ المال لكان أحبَّه إليه ما يبذله، كما أن أحبَّ الناس إليه منح يسأله، ومن أحسن ما سنَّه من الكرم أنه جاد حتى بدَّل رغب العافين زهدًا، ورأى الحمد عوضًا من الصنيعة, فأبى أن يعتاض من صنائعه حمدًا. وبعض هذا المعنى مأخوذ من شعر أبي نواس، وهو:\rليت أعدائي كانوا ... لأبي إسحاق مالا١\rومن ذلك قولي في وصف القتال وموطن الحرب, ووصف الشجاعة والأنجاد، وما يتعلق بذلك ويجري معه، وهذا الفصل يشتمل على معاني مختلفة, فمن ذلك ما ذكرته في وصف العسكر، وهو:\r\"فَسِرْنَا في غمامةٍ من الكتائب، تظلُّها غمامةٌ من الطيور الأشائب٢، فهذه يضمُّها بحرٌ من حديد، وهذه يضمها برُّ من صعيد, وما مرَّت ببلد إلّا أزالت أرضه من سمائه، وألبست نهاره ثوب ظلمائه، وبدلت أحراره بعبيده, وحرائره بإمائه، وكذلك فعلت بمدينة فلانة, وقد ضرب الأمن عليها سوارًا، وبَعُدَ عهدُها بالنوائب فلم تدخل لها ديارًا، فهي تخبر عن بلهنية الخفض, ولم ترع عنه بالانتقال، ولا رأت السيف, وقد ألقى لونه في ذوائب الأطفال، فما شعر أهلها إلّا وقد رجمها الجيش بكاهله، ورماها بوابله قبل طله, وطل السحاب قبل وابله، وبرزت خيل القوم ولها زي فرسانها، وهي مستبقة إلى طرادها كاستباقها إلى ميدانها، إلّا من تتأوّد القناة من يده بين لهذمين٣، وتستقل السرج منه ومن جواده بين مطهَّمين٤، فجرت المغاوير","footnotes":"١ ديوان أبي نواس ١١٨ وهو من قصيدة يمدح بها إبراهيم بن عبيد الله الحجي.\r٢ الأشائب: الأخلاط، جمع أشابة بضم الهمزة.\r٣ اللهذم على وزن جعفر: القاطع من الأسنة.\r٤ المطهّم على وزن معظم السمين: الفاحش السمن، والنحيف الجسم الدقيقة، ضدان، والتام من كل شيء. والبارع الجمال، والمنتفخ الوجه، والمدور الوجه المحتمعة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358238,"book_id":3862,"shamela_page_id":112,"part":"1","page_num":113,"sequence_num":112,"body":"إلى المغاوير، وتلاقت الرياح بالأعاصير، وكان الطعن بينهم عناقًا، واللبث وفاقًا، وسبق ألم الموت ألم الجراح، ونفذت غير مخضَّبةٍ لسرعتها أسنَّة الرماح، وحصل القوم في القبضة، وذمَّوا عقبى النهضة، وجيء بالأسرى مقرنين في الأصفاد، موقنين أن رءوسهم عواري على تلك الأجساد، ولو استطاع رأس أحدهم أن ينكر عنقه لأنكره، ولا يود -وهو المعظم- أن يقال ما أعظمه, بل يقال ما أحقره، وتصرفت أيدي المسلمين في القتل والنهاب، وكان للسيف رقاب, وللسبي رقاب\".\rفي هذا الفصل معان كثيرة مستحسنة، ومنها ما أخذ من شعر المتنبي، كقوله:\rسحابٌ من العقبان ترجف تحتها ... سحابٌ إذا استسقت سقتها صوارمه١\rوكقوله:\rواستعار الحديد لونًا وألقى ... لونه في ذوائب الأطفال٢\rومن ذلك ما ذكرته في وصف المسلوبين في فصل من جملة كتاب يتضمَّن البشرى بهزيمة الكفار، وهو:\r\"فسلبوا وعاضتهم الدماء عن اللباس، فهم في صورة عارٍ وزيهم زي كاس، وما أسرع ما خيط لهم لباسها المُحْمَرَّ، غير أنه لم يجب عليهم ولم يزرّ، وما لبسوه حتى لبس الإسلام شعار النصر الباقي على الدهر, وهو شعار نسجه السنان الخارق، لا الصنع الحاذق، ولم يغب عن لابسه إلّا ريثما غابت البيض في الطلى والهام٣، وألف بين ألف الخط واللام\".\rوهذه معان حسنة رائقة، ومنها معنى واحد مأخوذ من شعر البحتري، وهو:\rسلبوا وأشرقت الدماء عليهم ... محمرَّةً فكأنهم لم يلبسوا٤","footnotes":"١ ديوان المتنبي ٣/ ٣٣٨، جعل الطير التي يطير فوق عسكره سحابًا، وجعل جيشه سحابًا، لما فيه من بريق الأسلحة وصب الدماء وصوت الأبطال، وجعل الأسفل يسقي الأعلى إغرابًا في الصنعة.\r٢ ديوان المتنبي ٣/ ٢٠٠.\r٣ الطلى -بالضم: الأعناق أو أصولها، جمع أطلية -بضم الطاء، أو طلاة -بضمها- أيضًا.\r٤ ديوان البحتري ٢/ ١٨٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358239,"book_id":3862,"shamela_page_id":113,"part":"1","page_num":114,"sequence_num":113,"body":"ومن ذلك ما ذكرته في صدر كتاب يتضمَّن فتحًا، وهو:\r\"أُصدر هذا الكتاب، والفتح غضٌ طريٌ لم تنصل حمرة يومه، ولا أغمدت سيوف قومه، فسطوره متَرَّبة بمثار عجاجه، ممتلئة بخط ضربه وإعجام زجاجه١.\rوهذا المعنى ينظر إلى قول أبي تمام٢:\rكتبَّت أوجههم مشقًا ونمنمةً ... ضربًا وطعنًا يقات الهام والصلفا٣\rكتابةً ما تني مقروءةً أبدًا ... وما خططت بها لامًا ولا ألفا\rإلَّا أنَّ أبا تمام مثَّل آثار الضرب والطعان في الوجوه بالكتابة، وأنا مثَّلت الكتابة وإعجامه بالضرب والطعن، فكأنَّني عكست المعنى الذي ذكره أبو تمام:\rوهذا مقصد في حلِّ الأبيات الشعرية حسن، فإن استخراج المعنى من عكسه أدق من استخراجه من نفسه، وقد نبَّهت على ذلك في مواضع أخر من هذا الباب.\rومن ذلك ما ذكرته في فصل كتاب يتضمَّن فتحًا من فتوح الكفار، وهو:\r\"وأقبلت أحزاب الكفر وهي معتصمة بصليبها، ورفعته على أعواد عالية كهيئة خطيبها، ولم تعلم أن الله كتب عليه الهوان بعد تلك الكرامة، وأنه ذو شعبٍ أربع, والتربيع نحسٌ في حكم النجامة٤، وكيف ترجو بكفرها ظهورًا ولها منه معنى الاختفاء, وللإسلام معنى السلامة، ولما التقى الجمعان اصطفت يمين وشمال، وزحفت جبال إلى جبال، وكثرت النفوس على المنايا حتى كادت لا تفي بالآجال، وأقدمت الخيل إقدام فرسانها، وأظلم النقع فلا تبصر إلّا بآذانها، ونالت النحور ثأرها من كعوب الرماح، واشتكت الأسنَّة فلا طريق بينها لمهبِّ الرياح، واستؤصلت شجرة الكافرين بالقطع لا بالجداد، وحال حد السيف دون حديد الأصفاد، ونقلوا إلى","footnotes":"١ الزجاج بكسر الزاي جمع زج بضمها: الحديدة في أسفل الرمح.\r٢ ديوان أبي تمام ٢٠٣.\r٣ المشق مد الحروف، والصلف جمع صليف, وهو عرض العنق.\r٤ أراد بها صناعة التنجيم، قال ابن أبي الحديد: إن لفظة \"النجامة\" رديئة مستغفلة على أنَّا لا نعرف صحتها وجوازها، ولا سمعناها اسمًا للتنجيم ولا مصدرًا -انظر الفلك الدائر على المثل السائر ٤٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358240,"book_id":3862,"shamela_page_id":114,"part":"1","page_num":115,"sequence_num":114,"body":"جهنم يصلونها وبئس المهاد، وانقلب المسلمون وقد ملئوا الأغماد نصرًا، والصحائف أجرًا، والأيدي وقرًا، والقلوب جذلًا, والألسنة شكرًا، وكان ذلك اليوم في الأيام علمًا، وفي الأقسام قسمًا، ولم يره الزمان منسوبًا إليه, ولا راجع شبابًا بعد أن ناهز هرمًا\".\rفي هذا الفصل شيء من معاني الشعر، وذلك من قول أبي الطيب المتنبي١:\rأتاهم بأوسع من أرضهم ... طوال السبَّيب قصار العُسُبْ٢\rتغيب الشَّواهق في جيشه ... وتبدو صغارًا إذا لم تغب\rولا تعبر الريح في جوه ... إذا لم تخطَّ القنا أو تثب\rومن قوله أيضًا٣:\rفي جحفلٍ ستر العيون غباره ... فكأنما يُبْصِرْنَ بالآذان\rومن ذلك ما ذكرته في الإنجاد وإجابة الصريخ، وهو:\rإذا استُصْرِخَ أَصْرَخَ بعزمٍ غذته صحبة الجيش عن لذة العيش، فهو يستعذب حر الثغور على برد الثُّغور، ويلهو بالبيض الذكور عن بيض الخدور، ولا طيب عنده إلّا ريح العجاج، ولا عناق إلّا أطراف الزجاج، ولا أرب له في الرقاد إلّا على صهوات الجياد، فعسكر قلبه أمضى في الوغى من عسكر، ونجدة بأسه تأبَى لقاء الأقران في درع أو مغفر٤. وهذه المعاني مأخوذة من أبيات الحماسة، ومن شعر مسلم بن الوليد.","footnotes":"١ ديوان المتنبي ١/ ١٠١.\r٢ السبيب: شعر الناصية والعرف والذنب، والعسب جمع عسيب، وهو منبت الذنب من الجلد والعظم، والعسيب من السعف: فوق الكرب لم ينبت عليه خوص، والعسيب: اسم جبل، يريد أن الدمستق ملك الروم أتاهم بخيل أوسع من الأرض، والمستحبّ في الخيل ما ذكر: أن يطول شعر الذنب، ويقصر عظمه.\r٣ ديوان المتنبي ٤/ ١٧٦, والجحفل: الجيش العظيم، مأخوذ من تجحفل القوم، أي: اجتمعوا.\r٤ المغفر على وزن منبر: زرد من الدرع يلبس تحت القلنسوة، أو حلق يتقنَّع بها المتسلح.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358241,"book_id":3862,"shamela_page_id":115,"part":"1","page_num":116,"sequence_num":115,"body":"ومن ذلك ما ذكرته في وصف المخبر دون المنظر، وهو:\r\"إذا سموتَ لأمر فكن واحدًا في مكانك، ولا ترض بكثرة الشركاء فيقال: فلان من أقرانك، ألم تر إلى الحرباء الذي هو دويبة حقيرة الشأن، ضعيفة الأركان، فإنه ارتفع في هواه عن الأرض وأُنْسِهَا, إلى السماء وشمسها، وقال: لا أحب من تفسد الأيام من حسنه، ولا من أحد بسمة خلمه١ ولا خدنه، والهمم ليست منوطة بجهارة المناظر، والتعويل على الخبر المستتر في الأفئدة الباطنة لا على الظواهر، ومن ههنا قيل: إن وضاءة النفوس أنضر من وضاءة الأجساد، ورقم الشيم أحسن من رقم الأبراد\", وآخر هذا فصل ينظر إلى قوم سحيم عبد بني الحسحاس٢:\rإن كنت عبدًا فنفسي حرةٌ كرمًا ... أو أَسْوَدَ اللون إني أبيض الخلق٣\rإلّا أن الفصل يتضمَّن معنًى غريبًا لم يسبقني إليه أحد.\rومن ذلك ما ذكرته في الحسد في فصل من كتاب، وهو:\r\"حاسد سيدنا ينظر إلى زهرة دنياه, ولا ينظر إلى استحقاقه، وهو كالناظر إلى الأطواق الموضوعة في الجيد, ولا يدري أن الجيد أحسن من أطواقه، ولو قاس الدنيا بالاستحقاق لذهب الحسد من صدره، وقال: ما لي أحسد من لم ينته قدر دنياه إلى معشار قدره؟ \".\rومن ذلك ما ذكرته في صدر كتاب يتضمَّن الأعذار عن تواتر المكاتبات، وهو:\r\"إذا اعتُذَِر من انقطاع الكتب اعتذار الخادم من اتصالها، ولو كانت واردة على غير ذلك الباب الكريم لخاف من إملالها, وقد عُدَّ احتمال تثقيلها من جملة الأيادي","footnotes":"١ الخلم -بالكسر: الصديق والصاحب.\r٢ سحيم عبد بني الحسحاس من المخضرمين, أدرك الجاهلية والإسلام، وكان أسود شديد السواد، وبنو الحسحاس من بني أسد بن خزيمة, قال المبرد: كان عبد بني الحسحاس يرتضخ لكنة حبشية، وقتل سحيم في خلافة عثمان ﵁، لما قيل من تغزله في امرأة من بني عبد الحسحاس.\r٣ البيت في خزانة الأدب ١/ ٣٨٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358242,"book_id":3862,"shamela_page_id":116,"part":"1","page_num":117,"sequence_num":116,"body":"التي أثقلته، وأراد أن يجري معها بسوابق شكره فأعجلته وما أمهلته، وهو الآن مرتَهَنٌ بين قديم وجديد، وأصبح كخراشٍ إذ تكاثرت عليه الظباء فلم يدر لكثرتها ما يصيد، فإن أمسك سيدنا من أياديه وإلّا فليتفضل على الشكر بالإنظار، وليعلم أن ذمة وفائه كذمة ديوان المال في الإعسار\".\rهذا فصلٌ في هذا المعنى قلَّمَا يؤتَى بمثله، وفيه معنى واحد من قول الشاعر:\rتكاثرت الظباء على خراشٍ ... فما يدري خراشٌ ما يصيد\rومن ذلك ما ذكرته في استصلاح مودة، فقلت:\r\"كنت عنده بالمنزلة التي آمن بها ما أجنيه, فصرت أخاف ما لم أجنه، وكان لا يقبل علي شهادة عينه, فأصبح الآن يقبل على شهادة أذنه، لكن لم يجعل الله القلوب بين إصبعين من أصابعه, إلّا ليذهب بها كل وادٍ، ومن ههنا كانت تنتقل من وداد إلى قلىً, ومن قلىً إلى وداد، ولا شك أن لها بين الحالتين عمرًا تنتهي إليه كما تنتهي أعمار الأجساد، والصبر خير ما استعمل في جفاء الإخوان، والماء إذا جرى في مكان ثم انحرف عنه فلا بُدَّ أن يعود إلى ذلك المكان\".\rوبعض هذا مأخوذ من شعر ابن الرومي:\rعهدتك لا تعتدّ بالعين شاهدًا ... عليَّ فلم أصبحت تعتد بالأذن١\rومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب إلى بعض الملوك على يد بعض العفاة، وهو:\r\"الشيم الكريمة للإنسان, بمنزلة المسك في سُرَرِ الغزلان، غير أن طيب هذه يعبق بالأنوف, وطيب هذه يعبق بالآذان، وقد جعل تفاوت المزية بين هذين الطيبين فرقًا، فأحدهما يبقى دائمًا ولا يذهب, والآخر يذهب ولا يبقى، ونصيب مولانا من الطيب الباقي نصيب زكت معادنه، وكثرت خزائنه، وسارت في الأرض محاسنه،","footnotes":"١ ديوان ابن الرومي ٤٣١ وهو من قصيدة قالها مستعطفًا ومستبطئًا أبا الحسن محمد بن أبي سلالة في مكاتبته إياه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358243,"book_id":3862,"shamela_page_id":117,"part":"1","page_num":118,"sequence_num":117,"body":"ورفعه الله به إلى محلٍّ يبعد شأوه على الطالب، ولا يرى إلّا في لسان شاعر أو لسان خاطب، وهو مما استُثْنِيَ من خلق الناس الذي هو من طين لازب١، ومن أجل ذلك يرون أشباهًا ما عداه، وما منهم إلّا من يُقِرُّ بفضله ولو كان من حساده أو عداه, وقد أصبحوا وهم يقلُّون لديه حين يكثرون، ويقول كل منهم لصاحبه: ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُون﴾ ٢.\rهذا الفصل وإن تضمَّن شيئًا من القرآن الكريم فليس المراد ههنا القرآن الكريم، بل منه شيء مأخوذ من الشعر، وهو قول المتنبي٣:\rالناس ما لم يروك أشباه ... والدهر لفظٌ وأنت معناه\rومن ذلك ما ذكر في وصف الخمر، وهو:\r\"الخمر لا تفي لذة إسكارها [إلا] بتبغيض خمارها، فهي خرقاء البيان، بذية اللسان، وتأنيثها يدلك أنها من ناقصات العقول والأديان، وقد عُرِفَ منها سُنَّة الجور في أحكامها، ولولا ذلك لما استأثرت من الرءوس بجناية أقدامها\".\rوهذا أحسن من قول الشاعر وأغرب وألطف، لأنه قال:\rذكرت حقائدها القديمة إذ غدت ... وهنًا تداس بأرجل العَصَّار\rلانت لهم حتى انتشوا فتحكَّمَت ... فيهم فنادت فيهم بالثَّار\rوكذلك قلت في وصفها أيضًا، وهو:\r\"مدامة تبقي خواطر الهموم، وتسري مسرى الأرواح في الجسوم، وتشهد بأن الكرم مستمَدٌّ من ماء الكروم، ويتمثَّل حَبَبُها نجومًا إلّا أنها مضلة والهداية بالنجوم. وبعض هذا مأخوذ من قول أبي نواس:","footnotes":"١ تضمين قول الله تعالى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ﴾ سورة الصافات: آية ١١، واللازب: اللازق.\r٢ سورة الطور: آية ١٥.\r٣ ديوان المتنبي ٤/ ٢٦٣ وهو مطلع قصيدة يمدح بها أبا العشائر، وقد أراد سفرًا.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358244,"book_id":3862,"shamela_page_id":118,"part":"1","page_num":119,"sequence_num":118,"body":"إذا هي حلَّت في اللهاة من الفتى ... دعا همَّهُ من صدره برحيل١\rوما زال الشعراء يتواردون على هذا المعنى حتى سمج، لكنَّ الذي ذكرته بعد هذا المعنى من محاسن المعاني في وصفها.\rوكذلك ما ذكرته في وصفها، وهو:\r\"الخمر كالعذراء في نفورها، وملازمة خدورها، ولهذا تشمئز من نكاح المزاج، وتصخب لمس الماء صخب الأبكار لمس الأزواج، ومن شأنها أن تلبس عند الزفاف إكليلًا على رأسها، وكذلك شأن العرائس عند زفافها إلى أعراسها\".\rوهذه المماثلة بين الخمر وبين البكر على هذا النسق لم يأت بها أحد غيري، وإنما وصفت بأنها بكر، كقول أبي نواس٢:\rفقلت لشيخٍ منهم متكلمٍ ... له دين قسيسٍ وفي نطقه كفر٣\rأعندك بكرٌ مرَّة الطعم قرقفٌ ... صنيعة دهقانٍ تراخى له العمر٤\rفقال عروس كان كسرى ربيبها ... معتَّقةٌ من دونها الباب والستر\rووصفت بالنكاح والزواج، كقوله أيضًا٥:\rوقهوةٍ كالعقيق صافيةٌ ... يطير من كأسها لها شرر\rزوجتها الماء كي تذلَّ له ... فامتعضت حين مسَّها الذَّكَرُ","footnotes":"١ ديوان أبي نواس ٣١٠ ورواية الديوان:\rإذا ما أتت دون اللهاة من الفتى\rواللهاة: اللحمة المشرفة على الحلق، أو ما بين منقطع أصل اللسان إلى منقطع القلب من أعلى الفم.\r٢ ديوان أبي نواس ٢٨٠.\r٣ موضع هذا البيت في الديوان:\rحططنا على خمارها جنح ليلة ... فلاح لنا فجر ولم يطلع الفجر\r٤ رواية الديوان:\rوأبرز بكرًا مرة الطعم قرقفًا\rوالقرقف: على وزن جعفر, الخمر يرعد عنها صاحبها، والدهقان -بالكسر والضم: القوي على التصرف مع حدة، والتاجر، وزعيم فلاحي العجم، ورئيس الإقليم، معرَّب والجمع دهاقنة ودهاقين، والاسم الدهقنة.\r٥ ديوان أبي نواس ٢٨٩ والبيت الثالث بعد هذين البيتين:\rكذلك البكر عند خلوتها ... يظهر منها الحياء والخفر","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358245,"book_id":3862,"shamela_page_id":119,"part":"1","page_num":120,"sequence_num":119,"body":"ومن ذلك ما ذكرته في الحزم، وهو:\r\"لا ينبغي للحازم أن يساور المورد المؤذن بمضيقه، وإن أفضى الصدر إلى رحيبه، فإن توقي الداء خير من التعرض له مع وجود طبيبه، ولندع قول من يقعد على تل السلامة ثم يلبس الكتائب بالكتائب، ويقول: ليس للعزم إلا تمام الصدور وليس عليه تمام العواقب\".\rبعض هذا مأخوذ من شعر أبي تمام١:\rوركبٍ كأطراف الأسنة عرسوا ... على مثلها والليل تسطو غياهبه\rلأمرٍ عليهم أن تتمَّ صدوره ... وليس عليهم أن تتمَّ عواقبه\rومن ذلك ما ذكرته في وصف الرأي والكيد، وهو:\r\"أخفى على العدو كيده حتَّى لم يدع كائدًا، وأعمى عليه سلوك الطريق حتى ظنَّه حائرًا، فسيوفه تسطو على بعدها، ولا تقطع إلّا وهي في غمدها\".\rوبعض هذا المعنى أخذته من شعر أبي تَمَّام وهو٢:\rسكن الكيد فيهم إن من أعظـ ... ـظم كيدٍ أن لا تُسَمَّى أريبًا\rوكذلك قولي في هذا المعنى وهو:\r\"أخذ بسمع العدو وبصره، وسدَّ مطلع وِرْدَه وصَدَرِه، فيداه مغلولة مع أنها مطلقة السراح، ومقاتله بادية على أنها شاكية السلاح\".\rوهذا المعنى ينظر إلى المعنى الذي قبله\".","footnotes":"١ ديوان أبي تمام ٤٤ من قصيدة يمدح بها أبا العباس عبد الله بن طاهر بن الحسين بن مصعب، ومطلعها:\rأهن عوادي يوسف وصواحبه ... فعزمًا فقدمًا أدرك السؤل صاحبه\r٢ ديوان أبي تمام ٢٧، ورواية الديوان \"إن من أعظم إرب\" والإرب الحاجة أو الدهاء والأريب: العاقل والبيت من قصيدة يمدح بها أبا سعيد محمد بن يوسف الثغرى، وأولها:\rمن سجايا الطلول ألَّا تجيبا ... فصواب من مقلتي أن تصوبا","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358246,"book_id":3862,"shamela_page_id":120,"part":"1","page_num":121,"sequence_num":120,"body":"وكذلك قولي أيضًا، وهو:\r\"يبيت برأيه العدو قبل جيشه، وتلقاه يطيش قلمه, الذي كلُّ الحلمِ في طيشه, فإذا أطلَّت وجوه الآراء كان رأيه لها صباحًا، وإذا جهزت الجحافل لحرب كان قلمه لها سلاحًا\".\rوبعض هذا المعنى مأخوذ من شعر البحتري:\rوهو المرء ما غزا بلدًا بالرَّأْ ... ي إلّا كفاه غزو الجنود١\rومن ذلك ما ذكرته في وصف السير والركاب والخيل والقفار وما يتعلق بها, فمنه ما يتعلق بالسير، وهو:\rركب ظهر الليل يباري مسير شهبه بمسير أشهبه، ويستقرب بُعْدَ المدى في نيل مطلبه، غير أن تلك تفري أديم الغياهب، وهذا يفري أديم السباسب٢\".\rوهذا مأخوذ من قول المتنبي:\rيباري نجوم القذف في كل ليلةٍ ... نجومٌ له منهنَّ وردٌ وَأَدْهَمُ\rومن هذا المعنى أيضًا قولي، وهو:\r\"اتَّخذ الليل ظهرًا، واستلان خشونة المسرى، فلم يزل يقذف صبغة سواده بصبغة جواده، حتى بدت أديم الليل شيات صباحه، وشابة الأدهم في غرته وأوضاحه، فعند ذلك أخذ أحدهما في رحيله, وأخذ الآخر في نزوله\".\rوهذا المعنى ينظر إلى الذي قبله، وفيه من شرف الصنعة ما لا خفاء به.","footnotes":"١ هو مثل قوله:\rفهي من عزم رأيه في جنود ... قمن من حولها مقام الجنود\r٢ السباسب: جمع سبسب، وهو المفازة، أو الأرض المستوية البعيدة.\r٣ ديوان المتنبي ٣/ ٣٥٣، ورواية الديوان \"تباري\" بالتاء، ونجوم القذف: هي التي نقذف بها الشياطين، قال الله تعالى: ﴿وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، دُحُورًا﴾ ، والورد: الفرس الأحمر.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358247,"book_id":3862,"shamela_page_id":121,"part":"1","page_num":122,"sequence_num":121,"body":"ومن ذلك ما ذكرته أيضًا في فصل من كتاب، وهو:\r\"سِرْتُ وتحتي بنت قفرةٍ لا يذهب السرى بجماحها، ولا تستزيد الحادي من مراحها، فهي طموح بأثناء الزمام، وإذا سارت بين الآكام, قيل: هذه واحدة من الآكام، ولم تُسَمَّ \"جسرةً١\" إلّا لأنها تقطع عرض الفلاة كما يقطع الجسر عرض الماء، ولا سميت \"حرفًا٢\" إلّا لأنها جاءت لمعنًى في العزائم لا لمعنى في الأفعال والأسماء، وخلفها جنيبٌ من الخيل يقبل بجذعٍ ويدَبِّر بصخره، وينظر من عين جحظة, ويسمع بأذن حشرة، ويجري مع الريح الزعزع, فيذرها وقد ظهر أثر القترة، وما قيد خلفها إلّا وهو يهتدي بها في المسالك المضلة، ويطأ على أثرها فيرقم وجوه البدور بأشكال الأهلة، هذا والليل قد ألقى جرانه٣ فلم يبرح، والكواكب قد ركدت فيه فلم تسبح، وأنا أودّ لو زاد طوله، ولم تظهر غرَّة أدهمه ولا حجوله، فقد قيل: إنه أدنى للبعد وأكتم للأسرار، ودل عليه القول النبوي بأن الأرض تطوى فيه ما لا تطوى في النهار، وما زلت أسير بريدها تنوء به حتى كاد ينضو لَوْن السواد، وظهر لون السرحان, فأغار على سرح السماء كما يغير على السرحان على سرح النقاد٤، فعند ذلك نهلت العين من الكرى نهلة الطائر، ولم يكن ذلك على ظهر الأرض المطمئنة, وإنما كان على الظهر السائر\".\rفي هذا الفصل كل مليحة من المعاني، ولو لم يكن في هذا الكتاب سواه لكان كافيًا، وبعضه مأخوذ من الشعر، كقول أبي تمام:\rطموحٌ بأثناء الزِّمَام كأنَّمَا ... يخال بها من عَدْوِها طيف جنة٥\rوكقوله:\rبالشذقميات العتاق كأنَّمَا ... أشباحها بين الإكام إكام٦","footnotes":"١ الجسرة: العظيم من الإبل.\r٢ الحرف: الناقة العظيمة.\r٣ جران البعير: مقدم عنقه من مذبحه إلى منحره.\r٤ النقاد جمع نقد: جنس من الغنم قبيح الشكل.\r٥ ديوان أبي تمام ٦٠, والناقة الطموح التي ترفع يديها في السير.\r٦ ديوان أبي تمام ٢٨، والشذقميات يراد بها: النوق الكرام، والإكام: التلال.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358248,"book_id":3862,"shamela_page_id":122,"part":"1","page_num":123,"sequence_num":122,"body":"ومن ذلك ما ذكرته في النسب في فضل من كتاب، وهو:\r\"لهم نسبٌ لا تدخله لام التعريف، وهو موضوع لا يجري على سنن التوقيف، فإذا ذكر أوله وقفت من عرفانه على طلل، ووجدته مهملًا في جملة الهمل، وإن قيل: إنه من نجوم السماء قلت: لكنه لا يخرج عن الثور أو الحمل، فما أرهف لوصفه لسان إلّا نَبَا، ولا اقتدح له زناد خاطر إلّا كَبَا، وهم منه كآوى الذي يرى الناس له ابنًا, ولا يرون لابنه أبًا\".\rوهذا من أغرب ما يؤتى به في ذم النسب، وهو من باب توليد المعاني الذي يسمَّى الكيمياء، وبعضه مستولد من قول أبي نواس في هجاء الخصيب١:\rوما خبزه إلا كآوى يرى ابنه ... ولم ير آوى في حزونٍ ولا سهل٢\rفأبو نواس ذمَّ خبز٤ الخصيب في عدم رؤيته، وأنا نقلت ذلك إلى النسب، فجاء ألطف وأحسن وأليق وأدخل في باب الصنعة، وإذا حُقِّقَ النظر فيما ذكره أبو نواس في هذا المعنى لم يوجد مناسبًا، فإن الخبز٣ في عدم رؤيته لا يحمل على ابن آوى، وإنما المناسبة تقع في النسب من أجل ذكر الابن والأب.\rومن ذلك ما ذكرته في ذمِّ قوم، وهو فصل من كتاب فقلت:\r\"تركت قومًا لم ينقعوا صدًى، ولم يجروا إلى مدًى، فأعراضهم نكرة العارف، وأموالهم حنظلة الناقف، لا تمطر سحبهم على كثرة مائها، ولا تزكو الذريعة بأرضهم على نمائها\".\rوبعض هذا المعنى مأخوذ من شعر الشريف الرضي٤:","footnotes":"١ هكذا روى ابن الأثير، والذي في ديوان أبي نواس \"ص١٧١\" أن هذا الشعر هجا به إسماعيل بن أبي سهل بن نوبخت، وقيل هذا البيت:\rعلى خبز إسماعيل واقية البخل ... فقد حلَّ في دار الأمان من الأكل\rوبعده:\rوما خبزه إلّا كعنقاء مغرب ... تصور في بسط الملوك وفي المثل\r٢ في الأصل \"وما خبره\" بالراء، وهو تصحيف.\r٣ في الأصل \"خبر\" بالراء، وهو تصحيف.\r٤ هو أبو الحسن محمد بن الحسين الرضي العلوي الموسوي، نقيب أشراف بغداد، وأشعر بني هاشم، توفي سنة ٤٠٦هـ عن خمس وأربعين سنة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358249,"book_id":3862,"shamela_page_id":123,"part":"1","page_num":124,"sequence_num":123,"body":"تركت أناسًا لم يهشُّوا لمنَّةٍ ... ولم ينقعوا غُلَّ الظماء الخوامس\rعلى القرب فيهم إنَّني غير طامعٍ ... ومنك على بعد المدى غير آيس\rومن هذا الباب أيضًا قولي وهو:\r\"تركت قومًا يسلون الحبيب، ويملون القريب، ولا يرعون من يرعاهم، ولا يدر اللبن على مرعاهم، فنوالهُم تَحَايَا، وأعراضهم ضَحَايَا، ومن أحسن صفاتهم أنهم يعاقبون على الظنة، ولا يرتاحون لمنَّة، فالذرائع لديهم مدفونة، والصنائع غير مسنونة\".\rوبعض هذه المعاني مأخوذ من شعر أبي الطيب المتنبي١:\rرأيتكم لا يصون العرض جاركم ... ولا يَدِرُّ على مرعاكم اللبن\rجزاء كل قريبٍ منكم مللٌ ... وحظ كل محبٍّ منكم ضغن\rومن ذلك ما ذكرته على الحث على الاغتراب، وهو:\r\"لولا التغرب لما ارتقت بنات الأصداف إلى شرف الأعناق، ولا ارتقى تراب الأحجار إلى نور الأحداق\".\rوكذلك قولي في هذا المعنى، وهو:\r\"في الانتقال تنويهٌ لخامل الأقدار، ولولا ذلك لم يكس الهلال حُلَّةَ الأبدار، والمندل الرطب حطب في أوطانه، والمسك دم في سُرَرِ غزلانه، ولولا فراق السهم وتره لم يحظ بفضل الإصابة، ولولا فراق الوشيج٢ منبته لم يتحلَّ بعز السنان ولا شرف الذؤابة\".\rوهذا الفصل فصل من القول في معناه، ومما لم ينبش للخواطر ابتناء مبناه، فمنه ما هو مأخوذ من الشعر، ومنه ما منح به الخاطر على غير مثال، وهو يشهد لنفسه.","footnotes":"١ ديوان المتنبي ٤/ ٢٣٦ من قصيدته التي مطلعها:\rبم التعلل؟ لا أهل ولا وطن ... ولا نديم ولا كأس ولا سكن\r٢ الوشيج: شجر الرماح.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358250,"book_id":3862,"shamela_page_id":124,"part":"1","page_num":125,"sequence_num":124,"body":"ومن ذلك ما ذكرته في وصف الأيام، وهو:\r\"أيام تعدُّ بأعوام لقصر أعمارها، وشهور لا يشعر بأنصافها ولأسرارها١، فالأوقات بها أصائل, والمحاسن فيها شمائل, والمآرب في ساعاتها رياض في خمائل، فما أدري أهي خيالات أحلام غرت، أم أحاديث أمان مرَّت؟ \".\rوبعض هذا المعنى مأخوذ من أبيات الحماسة٢:\rشهورٌ ينقضين وما شعرنا ... بأنصافٍ لهنَّ ولا سرار\rومن ذلك ما ذكرته في وصف الإخوان، وهو:\r\"ليس الصديق من عَدَّ سقطات قرينه، وجازاه بغَثِّه وسمينه، بل الصديق من ماشى أخاه على عرجه، واستقام له على عوجه، فذلك الذي إن رأى سيئة وطئها بالقدم، وإن رأى حسنة رفعها على علم\".\rوبعض هذا المعنى مأخوذ من أبيات الحماسة٣:\rإن يسمعوا ريبةً طاروا بها فرحًا ... عني، وما سمعوا من صالحٍ دفنوا\rإلّا أنَّ الذي ذكرته ضدَّ هذا المعنى، وقد يستخرج المعنى من ضده، وهو أحسن مما يستخرج من نفسه.\rومن هذا قولي أيضًا، وهو:\r\"ليس الصديق من صرَّى٤ أخلاف وده, وغش في صفقة عهده, بل الصديق من لا ترد سلعة وده بإقالةٍ ولا عيب، ولا تخص محافظة إخائه بشهادةٍ دون غيب, فلذلك أخي من غير نسب، وكنزي من غير نشب٥\".","footnotes":"١ السرار من الشهر آخر ليلة منه.\r٢ ديوان الحماسة ٢/ ٦٦.\r٣ ديوان الحماسة ٢/ ١٧٩ ونسبه لقضب بن أم صاحب، وهو شاعر إسلامي كان في أيام الوليد بن عبد الملك.\r٤ صرى الشاة تصرية إذا لم يحلبها أيامًا، حتى يجتمع اللبن في ضرعها، والشاة مصراة.\r٥ النشب -بفتحتين: المال والعقار.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358251,"book_id":3862,"shamela_page_id":125,"part":"1","page_num":126,"sequence_num":125,"body":"وهذا مأخوذ من الفقه في تصرية ضرع الشاة عند البيع، وذلك يوجب الرد.\rومما ينتظم بهذا السلك قولي، وهو:\r\"الانتقال عن خلَّة الوداد، كالانتقال عن نسب الميلاد، وكما يحرُم هذا في نص الحكم المشروع، فكذا يحرم هذا في خلق الكرم المطبوع، على أنَّ نسب الخلَّة الذي ينميه القلب إلى القلب، أوصل من نسب الرحم الذي ينميه الابن إلى الأب، ولهذا كانت مودة سلمان١ قربى، ونسب أبي لهبٍ سبًّا وتبًّا\".\rوبعض هذا مأخوذ من شعر أبي نواس وهو:\rكانت مودَّة سلمان له نسبًا ... ولم يكن بين نوحٍ وابنه رحم\rومن ذلك ما ذكرته في وصف الديار، وهو:\r\"دارٌ كانت مقاصر جنَّة، فأصبحت وهي ملاعب جنة، ولقد عميت أخبار قطانها، وأنشاز أوطانها، حتى شابهت إحداهما في الخفاء، الأخرى في العفاء، وكنت أظنَّ أنها لا تسقى بعدهم بغمام، ولا يرفع عنها جلباب ظلام، غير أن السحاب بكاهم فجرت بها سوافح دموعه، والليل شقَّ عليهم ثوبه فظهر الصباح من خلال صدوعه\".\rوهذه معانٍ لطيفة جدًّا، وبعضها مأخوذ من شعر الشريف الرضي -رحمه الله تعالى:\rأمرابع الغزلان غيَّرك البلى ... حتى غدوت مراتع الغزلان\rومما يلتئم بهذا المعنى قولي أيضًا، وهو:\r\"دارٌ أصبحت مراتع أذواد، بعد أن كانت مناجع روَّاد، فلو تصوَّرت الآمال التي مثلت بفنائها، كما تصوَّرت الآثار المماثلة من بنائها، لرأيت رسومها مع رسوم القباب، وعلمت كم غار بها من بحرٍ ونضب من سحاب\".","footnotes":"١ يقصد سلمان الفارسي.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358252,"book_id":3862,"shamela_page_id":126,"part":"1","page_num":127,"sequence_num":126,"body":"وهذا معنًى حسن, له من نفسه مُثْنٍ وحامد، ومن سامعه يمينٌ وشاهد، وهو من معانيَّ المستخرجة.\rومن ذلك قولي أيضًا، وهو:\r\"النقص موكَّلٌ بكمال النعماء، ولذلك كان الوخم مقترنًا بالمرعى والماء, وقلما ترى ثمرة إلّا ومعها زنبور، ولا لذَّة إلَّا وإلى جانبها شيء محذور\".\rوكذلك قولي أيضًا، وهو:\r\"لا يظفر الرجل بمطالبه شفعًا، ولا تؤتيه من كل جهة نفعًا، بل يرى مرعًى بلا ماء وماءً بلا مرعى، ولذلك كانت النحلة مع الشهدة، والشوكة مع الوردة\".\rوبعض هذه المعاني مأخوذ من قول أبي تمام:\rأرضٌ بها عشبٌ زاكٍ وليس بها ... ماءٌ وأخرى بها ماءٌ ولا عشب١\rإلّا أنَّ في الكلام المنثور زيادة على ما تضمَّنه الشعر، وكأنَّه ينظر إليه نظرًا بعيدًا.\rومن سبيل المتصدِّي لهذا الفن أن يأخذ المعنى من الشعر, فيجعله مثل الإكسير في صناعة الكيمياء، ثم يخرج منه ألوانًا مختلفة من جوهر وذهب وفضة، كما فعلت في هذا الموضع، فإني أخذت معنى هذا البيت من الشعر, فاستخرجت منه ما ليس منه، وهذا أعلى الدرجات في نثر المعاني الشعرية. وقد بسطت القول في هذا الموضع، وكشفت عن دفائنه في الكتاب الذي وسمته بـ\"الوشي المرقوم، في حل المنظوم\"، وهو كتاب مفرد في هذا الفن خاصة.\rومن هذا الضرب الذي هو الكيمياء في توليد المعاني ما ذكرته في وصف الربيع فقلت:\r\"فصل الرَّبيع هو أحد ميزاني عامه، والمستقيد لسامه من حامه، وقد وصف بأنه ميعاد نطق الأطيار، وميلاد أجنة الأزهار، والذي تَسْتَوْفَى به حولها سلافة العقار،","footnotes":"١ ديوان أبي تمام ٥٠ ورواية الديوان \"أرض بها عشب جرف وليس بها\" والجرف ما جرفته السيول وأكلته من الأرض.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358253,"book_id":3862,"shamela_page_id":127,"part":"1","page_num":128,"sequence_num":127,"body":"فإذا سلت السحب فيه سيوفها, كان ذلك للرضا لا للغضب، وإذا خلعت على الأرض غلالتها الدكناء لبست منها ديباجة منسوجة بالذهب\".\rوهذا المعنى مستَوْلَد من قول أبي تمام في وصف السحاب:\rسلبته الجنوب والدين والدنيـ ... ـا وصافي الحياة في سلبه١\rإلّا أن في الذي ذكرته معنيين غريبين إذا أمعن الناظر نظره فهمهما.\rومن ذلك ما ذكرته في لين القول وإعادته، وما يجري مجراه، كقولي في فصل من كتاب، وهو:\rلم أُعِدْ عليه القول لأنه لا يبلغ مدى ميدانه، إلّا بتحريك سوطه وعنانه، بل أخذًا بأدب الله في أذكار القرآن واتباعًا لسنة نبيه ﷺ في تثويب الأذان٢\".\rوبعض هذا مأخوذ من شعر أبي تمام:\rلو رأينا التأكيد خطة عجزٍ ... ما شفعنا الأذان بالتثويب٢\rوكذلك قولي أيضًا، وهو:\r\"وقد علم أن لين القول أنجع قبولًا، وهو من أدب كليم الله إذ بعثه إلى فرعون رسولًا، ألا ترى أن الحداء يبلغ من المطايا بلطفه، ما لا يبلغه السوط على عنفه\".\rوبعض هذا المعنى مأخوذ من شعر أبي تمام:\rوخذهم بالرُّقَى إن المهارى ... يُهَيِّجُهَا على السير الحُدَاءُ","footnotes":"١ ديوان أبي تمام ٥٢ والذي في الديوان:\rقد جلبته الجنوب فالدين والدنـ ... ـيا وصافي الحياة من جلبه\rوهو من قصيدة يمدح بها أبا الحسن محمد بن عبد الملك بن صالح الهاشمي، ومطلعها:\rإن بكاء في الربع من أريه ... فشايعا مغرمًا على طربه\r٢ التثويب في أذان الفجر أن يقول المؤذن \"الصلاة خير من النوم\".\r٣ ديوان أبي تمام ٣٨, ورواية الديوان \"التوكيد\" بالواو، ومن معاني التثويب الترديد.\r٤ ديوان أبي تمام ٣٩٤، والرقى جمع رقية، والحداء: الغناء.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358254,"book_id":3862,"shamela_page_id":128,"part":"1","page_num":129,"sequence_num":128,"body":"ومن ذلك ما ذكرته في ذم الدنيا، وهو:\r\"أنكاد الدنيا مشوبة بالأشياء التي جبلت النفوس على حبها، وكل ما يستلذه الأبدان من مأكلها فإنه يضرها من جهة طبها، ولهذا يذَمَّمُ من منفعة الهليلج١، ومضرَّة اللوزينج، وأعجب من ذلك أنه لا ينتفع الإنسان بشيء من لذاتها إلّا ضره من جهة ثوابه، وهو كالذي ينتفع باصطلاء النار وهي محرقة لأثوابه، وقد ضرب لذلك مثل من الأمثال، وقيل: إن كل ما ينفع الكبد مضرٌ بالطحال\".\rوهذا مأخوذ من الأمثال العربية والمولدة.\rومن ذلك ما ذكرته في الزهد، وهو:\rالناس في الدنيا أبناء الساعة الراهنة، وكما أن النفوس ليست فيها بقاطنة، ولهذا كانت المآتم بها كالأعراس يتفرّق ندي جمعها، فهذه تَنْسَى ما مضى من لذة سرورها, وهذه تَنْسَى ما مضى من ألم فجعها، ولا شبيه لها على ذلك إلّا الأحلام التي يتلاشى خيالها عاجلًا، وتجعل اليقظة حقها باطلًا، وما ينبغي حينئذ أن يفرح بها مقبلة, ولا يُؤْسَى عليها مدبرة، وكل ما تراه العين منها ثمَّ يذهب فكأنها لم تره، وغاية مطلوب الإنسان منها أن يمد له في مدة عمره، ويُمْلَى له في امتداد كثره, أمَّا تعميره فيعترضه المشيب الذي هو عدم في وجود, وهو أخو الموت في كل شيء إلّا في سكنى اللحود، فالجوارح التي يدرك بها الشهوات ترى وكل منها قد تحول، وأصبح كالطلل الدارس الذي ليس عنده من معول، فلا ليلى بليلى, ولا النوار بالنوار، ولا الأسماع أسماع, ولا الأبصار أبصار، وأمَّا ماله فإنه أمسكه فهو عرضة لوارث يأكله، أو لحادث يستأصله, وإن أنفقه كان عليه في الحلال حسابًا، وفي الحرام عقابًا، فهذه زهرة الدنيا الناضرة، وهذه عقباها الخاسرة\".","footnotes":"١ ذكره أكثر كتب اللغة باسم \"الإهليلج\" بفتح اللام الثانية وكسرها، والواحدة بهاء، ثمر منه أصفر ومنه أسود وهو البالغ النضج، ذكر أنَّه يحفظ العقل ويزيل الصداع.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358255,"book_id":3862,"shamela_page_id":129,"part":"1","page_num":130,"sequence_num":129,"body":"وبعض هذا المعنى مأخوذ من شعر صالح بن عبد القدوس:\rوإذا الجنازة والعروس تلاقيا ... ألفيت جمعًا كله يتفرق\rومن قول أبي العتاهية:\rأنما أنت طول عمرك ما عُمِّرْ ... تَ في الساعة التي أنت فيها\rومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب يتضمن تعزية، وهو:\r\"كيف يُظْلِمُ ذلك اللحد وبه من أعمال ساكنه أنوار? أم كيف يجدب وبه من فيض يمينه سحاب مدرار? أم كيف توحش أقطاره والملائكة داخلة عليه من تلك الأقطار? أم كيف يخفيه طول العهد على زوراه وطيب ترابه هادٍ للزوّار؟ وما أعلم ما أقوله في هذا الخطب الجليل، الذي دق فيه الحزن الجليل، وسمحت له النفوس بالفدية على حب الحياة, وذلك من الفداء القليل، وقد قيل: إنه لم يخلق الدمع إلّا إنذارًا بأنَّ نوائب الزمان ستنوب، وقد جعله الله ذخرًا للقائها, وإنما يذخر السلاح للقاء الحروب، والذي ذخرته منه لم يغن عني في هذه النائبة، وأيّ جنةٍ تقوم في وجه سهامها الصائبة؟ لا جرم أني أصبحت بين يديها هدفًا للرِّمَاء، ولم يبق مني إلّا ذماء الحشاشة١, ومن العجب بقاء الذماء\".\rوشيء من هذا الفصل مأخوذ من شعر ابن الرومي:\rلم يخلق الدمع لامرئٍ عبثًا ... الله أدرى بلوعة الحزن٢\rوكذلك ذكرت فصلًا في كتاب آخر يتضمَّن تعزية، وهو:\r\"فياويح أيدٍ أسلمته إلى الثرى, وما كان يسلمها إلى الإعدام، وألبسته ظلمة اللحد وطالما, جلا عنها غيابة الظلم والإظلام، وغادرته بوحدته مستوحشًا, وقد كان يؤنسها بنوافل الإنعام، ومثله لا يواري القبر منه إلّا صورة يدركها النفاد، وتَبْلَى كما يَبْلَى غيرها","footnotes":"١ الرماء مصدر راماه مراماة ورماء، والذماء بقية الروح في المذبوح، والحشاشة بقية الروح في المريض والجريح.\r٢ ديوان ابن الرومي ٤٨٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358256,"book_id":3862,"shamela_page_id":130,"part":"1","page_num":131,"sequence_num":130,"body":"من الأجساد، ولكنه لا يستطيع مواراة الذكر الخالد الذي يذهب بشماتة الحسَّاد، ويتمثَّل في السماء بصورة الكواكب وفي الأرض بصورة الأطواد\".\rوبعض هذا مأخوذ من قول بعض شعراء الحماسة١:\rفإن تدفنوا البكريَّ لا تدفنوا اسمه ... ولا تدفنوا معروفه في القبائل٢\rومن ذلك ما ذكرته في وصف كلام بالفصاحة، وهو فصل من كتاب، فقلت:\rوله البيان الذي يغضُّ من نسق الفريد، ولا يخلق نضرة لباسه الجديد، وهو فوق كلام المُجِيد ودون القرآن المَجيد، وإذا اختصروا صفته قيل: إنه يستميل سمع الطروب، ويستحق وقار القلوب، ويتمثل آيات بيضاء من غير ضمٍّ إلى الجيوب، ويرى في الأرض غير لاغبٍ إذا مسَّ غيره فترة اللغوب، ولا تزال الناس في عشق معانيه ضربًا واحدًا, والعاشقون ضروب, ولما وقفت عليه قلت: سبحان من أعطى سيدنا فلم يبخل، وخصَّه بنبوة البيان إلّا أنه لم يرسل، ولولا أن الوحي قد سدَّ بابه لقيل: هذا كتاب منَّزل، ولقد خار الله لأولي الفصاحة إذ لم يحيوا إلى عصره، ولم يبتلوا فيه بداء الحسد الذي يصليهم بتوقُّد جمره، ولئن سلموا من ذلك فما سلمت أقوالهم من أقواله التي محتها محو المداد، وقد كانت باقيةً بعدهم فلمَّا أتَى صارت كما صاروا إلى الألحاد\".\rوفي هذا الفصل شيء من المعاني الشعرية كقول البحتري:\rمستميلٌ سمع الطروب المعنى ... عن أغاني مَعْبَدٍ وعقيد٣","footnotes":"١ هو أبو الشغب العبسي، قاله في خالد بن عبد الله القسري لما وقع خالد أسيرًا في يد يوسف بن عمر الثقفي.\r٢ رواية ديوان الحماسة ١/ ٣٩١:\rفإن تسجنوا القسريّ لا تسجنوا اسمه ... ولا تسجنوا معروفه في القبائل\r٣ ديوان البحتري ٢/ ١٩٥ وهو من قصيدة يمدح بها محمد بن عبد الملك الزيات، ومطلعها:\rبعض هذا العتاب والتفنيد ... ليس ذم الوفاء بالمحمود\rوقد ورد الشطر الثاني في رواية الديون هكذا:\rعن أغاني مخارق وعقيد\rومخارق: هو مخارق بن يحيى بن ناوس الجزار، مولى الرشيد، وكان قبله لعاتكة بنت شهدة، وهي من المغنيات المحسنات المتقدمات في الضرب، ونشأ في المدينة، وقيل كان منشؤه بالكوفة، وكان أبوه جزازًا مملوكًا، وكان مخارق وهو صبي ينادي على ما يبيعه أبوه من اللحم، فلمَّا بان طيب صوته علمته مولاته طرفًا من الغناء، ثم أرادت بيعه، فاشتراه إبراهيم الموصلي منها، وأهداه إلى الفضل بن يحيى، فأخذه الرشيد، ثم أعتقه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358257,"book_id":3862,"shamela_page_id":131,"part":"1","page_num":132,"sequence_num":131,"body":"وقول الشريف الرضي ﵀:\rعشقت وما لي يعلم الله حاجةٌ ... سوى نظري والعاشقون ضروب١\rوفيه أيضًا من معاني القرآن الكريم، إلّا أنها جاءت ضمنًا وتبعًا، وموضعها يأتي بعد الأبيات الشعرية.\rوكذلك ذكرت فصلًا آخر من هذا الأسلوب وهو:\r\"إن للكلمة طعمًا يعرف مذاقه من بين الكلام، وخفَّة الأرواح معلومة من بين ثقل الأجسام، فلو لم نعرفه بطعمه، عرفناه بوسمه، والصباح لا يتمارى في إسفاره، ولا يفتقر إلى دليل على إشراق أنواره، وقد علم أن العرف يعرف بغصنه, وأن القول يعرف بلحنه، ونفائس هذه العقود لا يبرزها إلّا أنفاسه، فدررها لفظه, وسلوكها قرطاسه\".\rومن هذا الباب قولي أيضًا، وهو:\r\"ألفاظ كخفق البنود، أو زأر الأسود، ومعانٍ تدل بإرهافها أنها هي السيوف, وأن قلوبًا نمتها هي العمود، فيخالها المتأمل حومة طعان، أو حَلْبَة رهان\".\rوبعض هذا مأخوذ من شعر البحتري:\rيقظان ينتخب الكلام كأنه ... جيشٌ لديه يريد أن يُلْقَى به٢\rومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب إلى بعض الإخوان من أهل الكتابة كان اعتدى عليه شخص يدَّعي الكتابة وليس من أهلها، فقلت:\r\"وقد نيط بسيدنا قلَمَا الخطّ اللذان يُنْسَبُ أحدهما إلى المداد, ويُنْسَب الآخر إلى الصَّعَاد٣، فهو يدير هذا في معركة المقال, وهذا في معركة الطراد، ولربما صهل","footnotes":"١ ديوان الشريف الرضي ١/ ٤١٧ طبعة الحلبي.\r٢ ديوان البحتري ٢/ ٩٣ من قصيدة يعاتب بها إسماعيل بن شهاب.\r٣ الصعاد: الرماح.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358258,"book_id":3862,"shamela_page_id":132,"part":"1","page_num":133,"sequence_num":132,"body":"أحد قلميه من فوق صفحات الدُّرُوج١، كما تصهل الجياد من تحت أعواد السروج، فله احتفال المواطن والمجالس، وإليه غناء أصحاب العمائم والقلانس، لا كمن لا يجاوز همه طرفي ردائه، وإذا نودي لفضيلة قيل: إنما يسمع الحي بندائه، وكم في الناس من صور لا تجد لمعناها أثرًا، وإذا رأيتها قلت أرى خالًا٢ ولا أرى مطرًا، وأي جمال عند من ليس له إلا جمال ثيابه، وهل ينفع السيف الكهام٣ أن تجعل من الذهب حيلة قرابه، وكل من هؤلاء ذنبٌ يسعى بغير رأس، ولا له همٌّ إلا في عيشة الطاعم الكاسي, وإذا اعتبر حاله وجد من البهائم وإن كان من منسوبًا إلى الناس، والسيادة ليست في وشي الثياب، ولا في طيب الطعام والشراب، وإنما هي في شيئين: إما شهامة قَلَمٍ تفرق لها قلوب الغمود، أو شهامة رمح تفرق لها قلوب الأسود، وكأنِّي بقوم يسمعون هذا وكلهم يمتعض امتعاض المغضب، وتتابع نفسه تتابع المتعب، ويعترض الشجي في حلقه حتى يغص من غير أن يشرب، ولم يزل بالحساد من سيدنا داءٌ يورثهم أرقًا، ويُوسِعُهم شرقًا، وكثيرًا ما تعرق له جباههم, وكذا الميت يندى جبينه عرقًا، وما أرى لهؤلاء دواء إلا أن يطرحوا عن مناكبهم ثقل المساجلة، والحسد إنما يكون ممن يجري مع صاحبه في مضمار المماثلة، وكنت أحبّ أن يقام على الكتابة محتسب حتى يتفلَّس منها خلق كثير، وتستريح جياد كثيرة من ركوب حمير، وفي مثل هذا السوق يظهر أهل الخلابة والنجش٤، وما منهم إلا من هو في الحضيض الأسفل وقد أجلس نفسه قائمة العرش، ونار الآلة العمرية تميز خالص النقود من زيفها، ولا حيف في هذا المقام على من أسرفت دعواه الكاذبة في حتفها\".","footnotes":"١ الدروج جمع جرج بفتح الدال وسكون الراء، أو بفتحهما، ما يكتب فيه.\r٢ الخال سحاب لا مطر فيه.\r٣ السيف الكهام -على وزن سحاب- الكليل الذي لا غناء فيه.\r٤ النجش أن تواطئ رجلًا إذا أراد بيعًا أن تمدحه، أو أن يريد الإنسان أن يبيع بياعة فتساومه فيها بثمن كثير، لينظر إليك ناظر، فيقع فيها.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358259,"book_id":3862,"shamela_page_id":133,"part":"1","page_num":134,"sequence_num":133,"body":"وبعض هذا الفصل مأخوذ من شعر عبد السلام بن رغبان, عرف بديك الجن١:\rيُزْهَى به القلمان إلّا أن ذا ... لدن المجسِّ وأنَّ ذا بكعوب\rعودان يقضب ذا الطلى٢ بلعابه ... ويجوب ذا المهجات بالتركيب\rويكفيك أيها المتوشح لنثر الشعر أن تنظر إلى هذا الفصل، وتتأمّل الموضع الذي أخذت معنى هذين البيتين, ووضعته فيه، فإن فيه غناء ومقنعًا.","footnotes":"١ ديك الجن: هو عبد السلام بن رغبان، وُلِدَ في حمص، وديك الجن لقب له، وكان شديد التشعب والعصبية على العرب، وهو شاعر مجيد، لم يبرح نواحي الشام، وكان متشيعًا لآل البيت، وله مراثٍ كثيرة في الحسين بن علي، وكان مع ذلك خليعًا ماجنًا عاكفًا على اللهو والقصف، متلافًا لما ورث عن آبائه, وما كتسبه بشعره من أحمد وجعفر ابني علي الهاشميين، توفي ديك الجن سنة ٢٣٥هـ.\r٢ الطلى -بالضم: الأعناق أو أصولها, جمع طلية أو طلاة -بضم الطاء فيهما.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358260,"book_id":3862,"shamela_page_id":134,"part":"1","page_num":134,"sequence_num":134,"body":"حل آيات القرآن الكريم:\rأما حلُّ آيات القرآن العزيز فليس كنثر المعاني الشعرية، لأنَّ ألفاظه ينبغي أن يحافظ عليها، لمكان فصاحتها, إلا أنه لا ينبغي أن يؤخذ لفظ الآية بجملته، فإن ذلك من باب \"التضمين\"، وإنما يؤخذ بعضه، فإمَّا أن يجعل أولًا لكلام أو آخرًا، على حسب ما يقتضيه موضعه، وكذلك تفعل الأخبار النبوية. على أنه قد يؤخذ معنى الآية والخبر, فيكسى لفظًا غير لفظه، وليس لذلك من الحسن ما للقسم الأول للفائدة التي أشرنا إليها.\rوقد سلكت في ذلك طريقًا اخترعتها، وكنت أنا ابن عذرتها، وعند تأمّل ما أوردته منها في هذا الكتاب يظهر للمتأمِّل صحة دعاويَّ، ولئن كان من تقدَّمني أتى بشيء من ذلك, فإني ركبت ففيه جوادًا وركب جملًا، ونال من مورده نهلة واحدة, ونلت منه نهلًا وعللًا.\rومن آتاه الله في القرآن بصيرةً فإنه يسبك ألفاظه ومعانيه في كلامه، ويستغني به عن غيره، إلّا أنه ينبغي أن يكون فيه صوَّاغًا يخرج منه ضروب المصوغات، أو صرَّافًا يتجهبذ في نقوده المختلفة من الذهب المختلف الألوان، ولا أقول من الفضة، فإنه ليس فيه من الفضة شيء، وهو أعلى من ذلك، أو يكون فيه تاجرًا يديره على يده،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358261,"book_id":3862,"shamela_page_id":135,"part":"1","page_num":135,"sequence_num":135,"body":"ويتصرَّف في أرباحه, ويخرج من الأمتعة المجلوبة من مناسجه كل غريبة عجيبة، وكل هذا يفهمه من عرف فلزم, وحكم بما علم:\rوما كل من قال القريض بشاعرٍ ... ولا كل من عانى الهوى بمتيَّم\rواعلم أن المتصدي لحل معاني القرآن يحتاج إلى كثرة الدرس، فإنه كلما ديم على درسه ظهر من معانيه ما لم يظهر من قبل.\rوهذا شيء جرَّبته وخبرته، فإني كنت آخذ سورة من السور وأتلوها، وكلما مرَّ بي معنى أثبته في ورقة مفردة، حتى انتهي إلى آخرها، ثم آخذ في حلِّ تلك المعاني التي أثبتها واحدًا بعد واحد، ولا أقنع بذلك حتى أعاود تلاوة تلك السورة، وأفعل ما فعلته أولًا، وكلما صقلتها التلاوة مرة بعد مرة ظهر في كل مرة من المعاني ما لم يظهر لي في المرة التي قبلها.\rوسأورد في هذا الموضع سورة من السور، ثم أردفها بآيات أخرى من سور متفرقة، حتى يتبين لك أيها المتعلِّم ما فعلته فتحذو حذوه، وقد بدأت بالسورة أولًا، وهي سورة يوسف ﵇ لأنها قصة مفردة برأسها، وفيها معانٍ كثيرة.\rفالأول: ما ذكرته في دعاء كتاب من الكتب، وهو:\r\"وصل كتاب الحضرة السامية أحسن الله أثرها، وأعلى خطرها، وقضى من العلياء وطرها، وأظهر على يدها آيات المكارم وسورها، وأسجد لها كواكب السيادة وشمسها وقمرها\".\rوهذا أول معنى في السورة، وقد نقلته عن قصة المنام إلى الدعاء.\rثم أبرزت هذا المعنى في صورة أخرى، وهو:\r\"أكرم النعم ما كان فيها ذكرى للعابدين، وتقدَّمه أنِّي رأيت أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين, فهذه النعمة هي التي تأتي بتيسير العسير، وتجلو ظلمة الخطب بالصباح المنير، فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها، إن ذلك لمحيي الموتى وهو على كل شيء قدير\".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358262,"book_id":3862,"shamela_page_id":136,"part":"1","page_num":136,"sequence_num":136,"body":"ثم تصرفت في هذا المعنى فأخرجته في معرض آخر، وهو فصل من جملة تقليد يكتب من ديوان الخلافة لبعض الوزراء، فقلت:\rوقد علمه أمير المؤمنين، فأدنى مجلسه من سمائه، وآنسه على وحدة الانفراد بحفل نعمائه، وذلك مقام لا تستطيع الجدود أن ترقى إلى رتبته، ولا الآمال تطوف حول كعبته، ولا الشفاه أن تتشرف بتقبيل تربته، فليزد إعجابًا بما نالته مواطئ أقدامه، ولينظر إلى سجود الكواكب له في يقظته لا في منامه\".\rومن ذلك ما ذكرته في ذم بخيل، وهو:\r\"لم أرَ كمواهب فلان ملأت أملي بطمع وعودها، وفرغت يدي من نيل وجودها,. فلم أحظ إلا بلامع سرابها، وكانت كدم القميص في كِذَابِها\".\rومن ذلك ما ذكرته في تزكية إنسان مما رُمِيَ به، وهو:\r\"لم تُرْمَ بذنب إلا نابت البراءة له مناب الشهود، وجيء من أهلها بشهادة القميص المقدود\".\rومن ذلك ما ذكرته في عذر الهوى، وهو:\r\"لم يهو حبيبًا إلا كان لأهل التقى فيه أسوة، ولا ليم من أجله إلا اعتذر عذر امرأة العزيز إلى النسوة\".\rومن ذلك ما ذكرته في فصل من جواب كتاب إلى بعض الإخوان، وهو:\r\"إن كان الكلام كما قيل ذكرًا والجواب أنثى, فجوابي هذا عروس تجلَّى في حللها المحبرة، وعقودها المشذرة، وتزهى بما آتاها الله من الحسن الذي ليس بالمجلوب، ولا ترضى بتقطيع الأيدي دون تقطيع القلوب، وها قد أرسلتها إلى سيدنا حتى يعلم أنَّ نتائج خاطري على الفطرة، وأنها معشوقة الصور فكل الناس في هواها بنو عُذرَة\".\rوفي هذا الفصل معنى الآية والخبر والنبوي والبيت من الشعر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358263,"book_id":3862,"shamela_page_id":137,"part":"1","page_num":137,"sequence_num":137,"body":"ومن ذلك ما ذكرت في تقلُّب الأيام، وهو:\r\"لقينا أيامًا ضاحكات، وليتها أيام عابسات، فكانت كسبع سنبلاتٍ خضرٍ وأخر يابساتٍ\".\rومن ذلك ما ذكرته في وصف كريم، وهو:\r\"ليس ممن يرقب عجف الزمان فيذر الحب في سنبله، ولكنه يستأنف الصبر في آخره, ويستهلك المال في أوله، فلا يبقى من يومه لغده, ولا يُتَّهم ربه فيما بيده\".\rومن ذلك ما ذكرته في حب الرشوة، وهو:\r\"الرشوة تحلُّ عقد القلوب, وتهوّن فراق المحبوب، ألا ترى أن رد البضاعة حكم على أخي يوسف بالإضاعة؟ \".\rومن ذلك ما ذكرته في الاستسلام لحكم الأقدار، وهو:\r\"لا تحترس من جنود الأقدار بالآراء المتعمقة, وسواء عندها الباب الواحد والأبواب المتفرقة\".\rومن ذلك ما ذكرته في تتابع الإساءة، وهو:\r\"لم يزل يرشقني بقوارصه حتى تكاثر النبل, واستحكم التَّبْل١، ولم يكفه الإلقاء في غيابة الجب حتى قال: إن يسرق فقد سرق أخٌ له من قبل\".\rومن ذلك ما ذكرته في التوكل، وهو:\r\"إذا طلب أمرًا أجمل في المطلوب، ووكله إلى الذي بيده مفاتيح الغيوب، وتأسَّى في حاجته منه بالحاجة التي كانت في نفس يعقوب\".","footnotes":"١ من معاني التَّبل: العداوة، والذحل، والإسقام، وتبلَّه: ذهب بعقله, وتبله الدهر القوم: رماهم بصروفه وأفناهم، وكل هذه المعاني تصح.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358264,"book_id":3862,"shamela_page_id":138,"part":"1","page_num":138,"sequence_num":138,"body":"ومن ذلك ما ذكرته في وصف الكيد، وهو:\r\"لم يأت أمرًا إلا أخفى أسباب أواخيه، وبدأ فيه بالأوعية قبل وعاء أخيه\".\rوهذه ثلاثة عشرة معنى من سورة يوسف ﵇.\rوأما الآيات التي هي من سور متفرقة, فأولها ما كتبته في صدر كتاب إلى بعض الإخوان جوابًا عن كتابه، وهو: \"ورد كتابه عشية يوم كذا فعرض علي عرض الجياد على سليمان، وتساوينا في الاشتغال منه ومنها بالاستحسان، غير أن الجياد وإن حسنت فإنها لا تبلغ في الحسن مبلغ الكتاب، لكن قلت كما قال: إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب، ولئن قضي الاشتغال هناك بمسح سوقٍ وأعناق، فإنه لم يقض ههنا بمسح سطور ولا أوراق، وإنما اشتغلت عن عبادة بعبادة، ولو شئت لقلت: عن إفادة بإفادة\".\rوهذا مأخوذ من قصة سليمان ﵇ في سورة \"ص\"، وهي قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ، إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ، فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ، رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ ١.\rفانظر كيف أخذت هذه القصة, وقابلت بينها وبين الكتاب، ثم إني تصرَّفت فيها بالموافقة بينهما تارة والمخالفة بينهما أخرى.\rوهكذا ينبغي أن يفعل فيما هذا سبيله.\rومن ذلك ما كتبته عن الملك الأفضل علي بن يوسف:\rإلى الديوان العزيز النبويِّ ببغداد في فصل من كتاب، وهو:\r\"وقد علم أنَّ المال الذي يختزن، كالماء الذي يحتقن، فكما أن هذا يأجن بتعطيل الأيدي عن امتياح مشاربه، فكذلك يأجن هذا بتعطيل الأيدي عن امتياح مواهبه،","footnotes":"١ سورة ص: الآيات ٣٠-٣٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358265,"book_id":3862,"shamela_page_id":139,"part":"1","page_num":139,"sequence_num":139,"body":"وأيّ فرق بين وجوده وعدمه لولا أن تملك به القلوب، وتقل به الخطوب، ويركب به ظهر العزم الذي ليس بركوب، ومن بسط الله يده فيه, ثم قبضها بخله, فإنه يقف دون الرجال مغمورًا، ويقعد عن نيل المعالي ملومًا محسورًا، وإذا أدركته منية مضى وكأنه لم يكن شيئًا مذكورًا.\rومذ ناط الله بيد الخادم ما ناطه من أمر بلاده, لم يدخر منها إلا مربط أشقره، ومركز أسمره١، وما عداهما فإنه مصروف إلى قوة الإسلام في سد ثغوره, وتكثير جنوده، وإيقاد حرب عدوه بعد خمودها, واستباحة جمرها عند وقوده، وما يفضل عن ذلك فإنه للناس يشتركون في وشله وغمره٢، والمسلم أخو المسلم يساويه في حقه من بيت المال, وإن كان خالفه في مزية قدره، ولا سبيل على الخادم وهو يفعل ما يفعله أن يدلس من هذا المال بتبعة المطلوب، أو يلتحق بالقوم الذين يكنزونه فيجزي عليه بكي الجباه والظهور والجنوب، ولم يأت به الله على فترة من مثله إلا ليمحو به سيئات الدين ويعيد به الإسلام إلى وطنه بعد أن طال عهده بمفارقة الوطن، ولا يكون حسنة من حسنات أمير المؤمنين ترقمها الدنيا في ديوانه، وتثقل بها في الآخرة كفة ميزانه\".\rوفي هذا الفصل معنى آيتين: إحداهما: في سورة \"هل أتى\"، والأخرى في سورة \"براءة\".\rومن ذلك ما كتبته عنه:\rإلى عمِّه الملك العادل أبي بكر بن أيوب من كتاب يتضمَّن استعطافه والتنصل إليه، وهو:\r\"من شيمة الأقدار أن تذهب ببصائر ذوي الألباب، وتمثل لهم الخطأ في مثال الصواب، ولولا ذلك لما زلَّ الحكيم واعوجَّ المستقيم، والمملوك يُقَبِّل اليد الكريمة المولويَّة الملكية العادلية, لا زال عرفها مأمولًا، وإحسانها عند الله مقبولًا، وفعلها في المكرمات مبتدعًا إذا كان فعل الأيادي مفعولًا، ونستغيث إلى عفوها الذي يكفي فيه لفظة","footnotes":"١ المراد بالأشقر الفرس وبالأسمر الريح.\r٢ الوشل: الماء القليل، والغمر: الماء الكثير.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358266,"book_id":3862,"shamela_page_id":140,"part":"1","page_num":140,"sequence_num":140,"body":"الاعتذار، ولا ينفد بمواظبة الآصرار، ولو عرف ذنبه باديًا لقرع له سنّ الندامة، وعاد على نفسه بالملامة, ولما كان عجيبًا أن يكون مُليمًا١، وأن يكون مولانا كريمًا، لكنه حمل آصرة الذنب وهو بريء من حملها، وخاف أن تكون هذه كأخواتها التي سلفت من قبلها، والأمور المتشابهة يقاس البعض منها على البعض، والملسوع لا يستطيع أن يرى مجرَّ حبلٍ على الأرض، ولم يجترم الملوك الآن جريمةً سوى أن فَرَّ إلى الاعتصام، وألقى بيده إلى أقوام لم يكونوا له بأقوام، وإذا ضاق على المرء أقربه كان الأبعد له من ذوي الأرحام، وليس بأول من ذهب هذا المذهب، ولا بأوّل من حمل نفسه على ركوب هذا المركب.\rولئن قال بعض الناس: إنه عجَّل في اعتصامه وفراره، وإنه لو صبر لحمد مغبة اصطباره, فهذا قول من لم يعرف حال الملوك فيقيم له عذرًا, ولا ابتلي بما ابتُليِ به من قوارص مولانا مرة بعد أخرى، ولقد تكاثرت عليه هذه الأقوال المؤنّبة حتى ملأت طرفه كحل السُّهاد، وجنبه شوك القتاد، وأصبح وهو يرى أنه زلق في خطيئته زلقًا، وغصَّ بندمه من أجلها شرقًا، وبدت له سوأته حتى طفق يخصف عليها ورقًا٢، ومع هذا فإنه واثقٌ أن حلم مولانا لا يؤتى من الزلل، وأن حصاة الذنوب لا تَخِفّ بوزن ذلك الجبل، وها هو جاء نازعًا, وللنَّازع العتبى، وعاد مستشفعًا, ولا شفيع أكرم من القربى\".\rثم مضيت على هذا النهج إلى آخر الكتاب.\rوفي الذي أوردته من هذا الفصل معنى آية من القرآن في سورة \"الأعراف\"، وهي قوله تعالى: ﴿فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ ٣.","footnotes":"١ المليم: الداخل في الملامة.\r٢ يجعل على عورته ورقة فوق ورقة، ليستتر بها، كما تخصف النعل.\r٣ سورة الأعراف: الآية ٢٢، وفي الأصل \"فبدت\" وصحة الآية ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358267,"book_id":3862,"shamela_page_id":141,"part":"1","page_num":141,"sequence_num":141,"body":"ومن ذلك ما كتبته عن الملك القاهر عز الدين مسعود بن أرسلان بن مسعود صاحب الموصل:\rإلى الديوان العزيز ببغداد بعد وفاة والده يسأل في التقليد، وكان عمره إذ ذاك ست عشرة سنةً.\rفمما جاء في صدر الكتاب بعد الدعاء قولي، وهو:\r\"إذا تُوفِّي وليٌّ من أولياء الدولة فمن السُّنَّة أن يعزَّى بفقده، ويستَخْرَج إذنُها في سليله القائم من بعده، حتى لا تخلو أرضها من رواسي الجبال، ولا سماؤها من مطالع الكواكب التي تجلو ظلمة الليال، وقد مضى والد العبد إلى رحمة الله, وهو متزود من الطاعة خير زاد، غير خائف من إحصاء الرقيب والعتيد إذ جعلها له من العتاد، وما عليه وقد ثقلت كفة ميزانه ما كان في الكفة الأخرى من السجلات الكثيرة الأعداد، ومضمون وصيته التي عهدتها أن نمشي في الطاعة على أثره، ونهتدي بالأوامر الشريفة في مورد الأمر ومصدره، وقد جعلها العبد نجيَّ فكره إذا قام وإذا قعد، وسُبْحَة صلاته إذا ركع وإذا سجد، وهو يرى أنه لم يمض والده حتى أبقى للدولة من يثبِّت قدمه موضع قدمه، وعند ذلك يقال: إن غصن الشجرة كالشجرة في نبات أصله, وقوة معجمه، وهذا مقام لا تمتاز فيه الآباء عن الأبناء، وليست المزية لاكتهال السن إنما هي لشبيبة الغناء، وقد أوتي يحيى الحُكْمَ قبل أن يجري القلم في كتابه، وشهد له بالتزكية قبل أن ينتصب في محرابه، وكذلك قد أمر رسول الله ﷺ أسامة على فتاء عمره، وشهد أنه خليق بما أسند إليه من أمره، والعبد وإن بسط الاستحقاق لسانه, فإنه الأدب يحكم بانقباضه، ويريه أن التفويض إلى إنعام الديوان العزيز أسرع في نجح أغراضه، ولا شك أن منتهى الآمال لا يبلغ أدنى تلك المواهب، ولو جمعت في صعيدٍ واحد, ثم سألت مطالبها لما نقصت خزائن العطايا من تلك المطالب\".\rوهذا الفصل من أول الكتاب، وفيه معنى آيتين من سورة مريم ﵍, أما","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358268,"book_id":3862,"shamela_page_id":142,"part":"1","page_num":142,"sequence_num":142,"body":"الأولى فقوله تعالى عند ذكر يحيى ﵇: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ ١ وأما الثانية: فقوله تعالى: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا﴾ ٢.\rوفي هذا الفصل أيضًا معاني ثلاثة من الأخبار النبوية، وليس هذا موضعها، وإنما جاءت ضمنًا وتبعًا.\rومن ذلك ما ذكرته في وصف الغبار في الحرب، وهو:\r\"وعقد العجاج شفَقًا فانعقد، وأرانا كيف رفع السماء بغير عمد، غير أنها سماء بنيت بسنابك٣ الجياد، وزينت بنجوم الصعاد٤، ففيها مما يوعد من المنايا لا ما يوعد من الأرزاق، ومنها تُقْذَفُ شياطين الحرب لا شياطين الاستراق\".\rوهذه المعاني مأخوذة من سورة \"الرعد٥\" وسورة \"الصافات٦\" وسورة \"الذاريات٧\".\rومن ذلك ما ذكرته في وصف طعام، وهو فصل من كتاب فقلت:\r\"طعام لا يُمَلُّ إذا شينت الأطعمة بمللها، وكأنما تولَّتْهُ يد الخلقة ولم تباشره الأيدي بعملها، فهو من بقايا المائدة التي نزلت من السماء, وقد طاب حتى لا يحتاج من بعده إلى استعمال الماء، وما رآه ذو شبعٍ إلا تركه غبنًا، وودَّ لو زيد إلى بطنه بطنًا\".\rوبعض هذا مأخوذ من سورة \"المائدة\"٨.","footnotes":"١ سورة مريم: الآية ١٢.\r٢ سورة مريم: الآية ١٣.\r٣ السنابك: جمع سنبك, على وزن قنفذ, ضرب من العدو، وطرف الحافر.\r٤ الصعاد: الرماح.\r٥ انظر سورة الرعد: الآية ٢ ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ .\r٦ انظر سورة الصافات: الآيات ٨-١٠.\r٧ انظر سورة الذاريات: الآية ٢٢ ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ .\r٨ انظر سورة المائدة: الآية ١١٤ ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ﴾ .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358269,"book_id":3862,"shamela_page_id":143,"part":"1","page_num":143,"sequence_num":143,"body":"ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب إلى ديوان الخلافة، وهو:\r\"قد تكاثرت وسائل الخادم حتى لا يدري ما يجعله لطلابه سفيرًا، وما منها إلا ما يقال: إنه أولٌ وليس فيها ما يُجْعَلُ أخيرًا، غير أنه لا يذكر منها إلّا ما هو توأم إيمانه، والذي لا ينظر الله من ابن آدم إلا إلى مكانه، وفي ذلك كافٍ عن الوسائل التليدة والطريفة، وقول: \"لا إلى إلا الله\" لا يعدله شيء من الحسنات المودعة في الصحيفة، وقد تجدد الآن للخادم مطلب هو بالنسبة إلى مواهب الديوان العزيز يسير، ولو قامت مطالب الناس في صعيد واحد لأعطي كلًا منها مرامه ولم يقل ذلك كثير، وكتابه هذا سائر إلى تلك المواهب التي يضيق عنها صدر الأرض باتساعه، وليس الذي يسأله ممنعًا فيحال على النظر إلى الجبل في امتناعه، وكما أن عبيد الديوان العزيز أطوار, فكذلك مطالبهم أطوار، وقد جعل الله الأشياء متفاوتة في مراتبها, وكل شيء عنده بمقدار\".\rوهذا الفصل من أحسن ما يكتب في استنجاز المطلوب، وفيه معاني ثلاثة: أخبار نبوية، ومعنى آيتين من القرآن الكريم، وليس هذا موضع الأخبار، وإنما جاء ضمنًا وتبعًا، فالآية الأولى في سورة \"الأعراف\" والآية الثانية في سورة \"الرعد١\".\rومن ذلك ما ذكرته في وصف كاتب، وهو:\r\"إذا دجا ليل قلمه، وطلعت فيه نجوم كلمه، لم يقعد لها شيطان بلاغة مقعدًا، إلا وجد له شهابًا مُرْصَدًا، فأسرارها مصونة عن كل خاطف، مطوية عن كل قائف\".\rوهذا المعنى مأخوذ من سورة \"الجن\"٢.\rومن ذلك ما ذكرته في وصف كاتب أيضًا، فقلت:\r\"له بنت فكرٍ ما تمخَّضَت بمعنى إلّا أنتجته من غير ما تهمله، وأتت به قومها","footnotes":"١ سورة الرعد: الآية ٨.\r٢ انظر سورة الجن: الآية ٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358270,"book_id":3862,"shamela_page_id":144,"part":"1","page_num":144,"sequence_num":144,"body":"تحمله، ولم يعرض على ملأٍ من البلغاء إلا ألقوا أقلامهم أيهم يستعيره, لا أيهم يكفله\".\rوفي هذين السطرين آيتان من القرآن الكريم: الأولى في سورة \"مريم\"، وقصتها وقصة ولدها ﵉، وهو قوله تعالى: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾ ١ والثانية في سورة \"آل عمران\" في قوله: ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ ٢.\rومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب يتضمن وصف القلم، فقلت:\r\"وقد أوحى الله تعالى إلى قلمه ما أوحاه إلى النحل، غير أنها تأوي إلى المكان الوعر, وهو يأوي إلى البيان السهل، ومن شأنه أن يجتني من ثمراتٍ ذات أرواح لا ذات أكمام، ويخرج من نفثاته شرابٌ مختلفٌ طعمه فيه شفاء للأفهام، وأين ما تنبته كثافة الخشب مما تنبته لطافة المعنى، ولا تستوي نضارة هذا الثمر وهذا الثمر, ولا طيب هذا المجنَى وهذا المجنَى، وقد أرخص الله ما يكثر وجوده فيذهب في لهوات الأفواه، وأغلى ما يعزُّ وجوده, فيبقى خالدًا على ألسنة الرواة، وكل هذه الأوصاف لا تصح إلا في قلم سيدنا الذي إذا خلا بخاطره امتلأت بحديثه المحافل، وإذا حلا كتابه وحدت الكتب الحالية من قبله وهي عواطل، فله حينئذ أن ينظر إلى غيره بعين الاحتقار، ولواصفه أن يسهب وهو قائم مقام الاختصار\".\rهذا الفصل غريب عجيب، وقد جمع بين الأضداد، فمناله بعيد، وفهمه قريب، وهو مأخوذ من سورة \"النحل\".\rومن ذلك ما ذكرته في ذم بخيل، وهو:\r\"له شيمةٌ في الجود لا يشام نائلها، وإذا هزَّها سائلها قال: إنها كلمة هو قائلها\".\rوهذا مأخوذ من سورة \"المؤمنين\"٣.","footnotes":"١ سورة مريم: الآية ٢٧.\r٢ سورة آل عمران: الآية ٤٤.\r٣ سورة \"المؤمنون\": الآية ١٠٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358271,"book_id":3862,"shamela_page_id":145,"part":"1","page_num":145,"sequence_num":145,"body":"ومن ذلك ما ذكرته في صدر كتاب، وهو:\r\"وصل كتابه فوقف منه على اللفظ الرخيم، والمعنى الذي هو في كل وادٍ يهيم، وقال: يا أيها الملأ إني ألقي إليَّ كتابٌ كريم، ثم أخذ إعلاء قدره، وتنويه ذكره، ولم يستفت الملأ في الإذعان لأمره، ولا أهدى في قبالته سوى هديَّة لسانه وصدره، لا جرم أنها تُقْبَلُ ولا تُرَدّ، ويعتد بها ولا تعدّ، فإنها مال لا ينفده الإنفاق، وجوهر تتحلَّى به الأخلاق لا الأعناق\".\rوهذا مأخوذ من قصة سليمان ﵇ في كتابه إلى بلقيس, وهي مذكورة في سورة \"النمل\"١، وفي هذا من شرف الصَّنعة أنه خولف بين معانيه ومعاني ما أتى به في القرآن الكريم.\rومن ذلك ما ذكرته في صدر كتاب يتضمَّن ذكر معركة حرب بين المسلمين والكفار، وهو:\r\"إذا خطب القلم عن الرمح الذي هو نديده قام محتفلًا، وأسهب مترويًا ومرتجلًا، حتى يأتي في خطابته بالمعاني الأخائر، وأصدق القول ما صدر عن شهادة الضرائر للضرائر، وكتابنا هذا يصف معركةً احمرت ضبابتها، وضاقت بالأسود غابتها، فالطعن بها محتضر، والموت محتقر، والنصر من كلا الفريقين مقتسر، وكان الإسلام هناك زجر السنيح٢، وفوز القدح المنيح٣، وليس الذي يرقب المعونة من الله الذي هو رب المسيح كمن يرقبها من المسيح، ولقد نفذت الرماح في أعداء الله حتى اعتدلت من جانبي الصدور والظهور، وتركت النَّاجي منهم وهو لا ينظر إلى الصليب إلا نظر الخائف المذعور، فليس لهم من بعدها جيش يجمع، ولا","footnotes":"١ سورة النمل: انظر الآية \"٢٩\" وما بعدها من الآيات.\r٢ السنيح والسانح: ما ولاك ميامنه، وكانوا يتفاءلون به، ومنه قولهم: \"من لي بالسانح بعد البارح\" أي: بالمبارك بعد الشؤم.\r٣ المنيح على وزن أمير: قدح بلا نصيب، قد يستعار تيمنا بفوزه، أو قدح له سهم \"انظر القاموس المحيط ١/ ٢٥١\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358272,"book_id":3862,"shamela_page_id":146,"part":"1","page_num":146,"sequence_num":146,"body":"لواء يرفع، وقد كانت بلادهم من قبل مانعة, وهي الآن لا تذب عنها ولا تمنع، وهذه المعركة قَلَّت بها الرقاب المأسورة، وكثرت النفوس المقتولة، وقربت بها القرابين التي تأكلها النار, لا لأنها مقبولة\".\rومعنى الآية في هذا الفصل مأخوذ من سورة \"آل عمران\"، إلا أنها تخالفه، وذاك أن القربان كان يقبل فتنزل النار تأكله, وأجساد هؤلاء الكفار قربان تأكله النار, لكنها لا تأكله لأنه مقبول، وباقي الفصل يتضمَّن معنى حسنًا رقيقًا.\rومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب يتضمَّن الشكوى من خلق بعض الإخوان، وهو:\r\"ولقد صبرت على أخلاقه العائثة، وعاملته بالخليقة الرائثة، وعالجته بضروب المعالجات فلم تنفع فيه رَقْىُ الراقية, ولا نفث النافثة، ولما أعيا علي إصلاحه أخذت بمقالة الخضر لموسى في المرة الثالثة\".\rوهذا مأخوذ من قصة موسى ﵇ وقصة الخضر في سورة \"الكهف\"١.\rومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب، وهو:\r\"تجمَّعوا في نار الندم يعرضون عليها غدوًّا وعشيًّا، وصار الأمر الذي كانوا يرجونه مخشيًّا، وأضحوا كأهل النار الذين صاروا أعداء وكانوا شيعًا، وقال ضعفاؤهم للذين استكبروا: إنا كنا لكم تبعًا\".\rوهذا مأخوذ من سورة \"حم المؤمن٢\"، ومن سورة \"سبأ٣\".","footnotes":"١ لعله يشير إلى قوله تعالى: ﴿ ... فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ الآية ٧٦ من سورة الكهف، وكان ذلك بعد المرة الثانية؛ بعد سؤاله عن خرق السفينة، وعن قتل الغلام.\r٢ سورة غافر: الآية ٤٦ ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ .\r٣ انظر سورة سبأ: الآيات ٣١-٣٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358273,"book_id":3862,"shamela_page_id":147,"part":"1","page_num":147,"sequence_num":147,"body":"ومن ذلك ما ذكرته في ذمِّ غلامٍ أبله:\rكنت أقاسي من بلهه نكدًا, فكتبت يومًا من الأيام إلى بعض إخواني كتابًا, وعرضت فيه بذكره، فقلت: ولقد ملكه النسيان، حتى كأنه يقظٌ في صورة نائم، وحتى حقَّق قول التناسخ في نقل أرواح الأناسي إلى البهائم، فما أرسل في حاجة إلا ذهبت عن قلبه يمنةً ويسرة، ولا طلب منه ما استحفظه إلا قال: أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة.\rوهذا فصل يشتمل على عدة معانٍ، منها ما هو مأخوذ من القرآن الكريم من سورة \"الكهف\"١.\rومن ذلك ما ذكرته في تقليد قاضٍ، وهو فصل منه، فقلت:\r\"والفضائل ما بقيت موجودةٌ ولم تفقد، وهي حية وإن أودى أربابها، ولا يموت من لم يولد، ومن أكرم ما أوتيه منها فضيلة التقوى التي الكرم من شعارها، والعاقبة والحسنى كلاهما من آثارها، وما نقول إلا أنه اتخذها حارسًا يمنع الخصم من تسوّر محرابه، ويؤمن قلبه من الفتنة الداعية إلى استغفاره ومتابه، وقد قرن الله له هذه الفضيلة بالعلم الذي أعلمه بعلامته، ووسمه بوسامته، وقذف في روعه ما لا يسأل معه عن السفينة وخرقها, والغلام وقتله, والجدار وإقامته، وعلى ما بلغه منه فإنه فيه أحد المنهومين اللذين لا يشبعان٢، وإذا كان لغيره فيه نظر واحد ومسمع, فله فيه نظران ومسمعان\".\rوفي هذا الفصل المختصر معاني عدة آيات، وخبر من الأخبار النبوية:\rأما الآية الأولى فقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ٣.","footnotes":"١ انظر سورة الكهف: الآية ٦٣.\r٢ إشارة إلى الخبر المأثور: \"منهومان لا يشبعان: طالب علم وطالب مال\".\r٣ سورة الحجرات: الآية ١٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358274,"book_id":3862,"shamela_page_id":148,"part":"1","page_num":148,"sequence_num":148,"body":"وأما الآية الثانية فقوله تعالى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ ١.\rوأما الثالثة فقوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ ٢.\rوأما الآية الرابعة فقوله تعالى: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا﴾ ٣. وكذلك إلى آخر القصة، وهذا من أحسن ما يأتي في هذا الباب.\rومن ذلك ما ذكرته في جملة كتاب يتضمَّن عناية ببعض الفقراء، فقلت بعد الابتداء بصدر الكتاب:\r\"وقد عُلِمَ منه أنه يَعُدُّ لطالب فضله فضلًا، ويرى التبرع بمعروفه فرضًا, إذا رآه غيره مع المساءلة نفلًا، وما ذاك إلا لمزية خلق توجد بطيب التربة، وشرف الرتبة، وأوتي من كنوز الكرم ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة، ولهذا خرج على قومه من الأخلاق في زينته، وفضل الخلق بطينة غير طينته, ومن فضله أنه يسأل عن السائلين، ويحتال في استنباط أمل الآملين\".\rثم مضيت على هذا النهج حتى أنهيت الكتاب.\rوالغرض أن تعلم أيها المتعلم كيف تضع يدك على أخذ ما تأخذه من بعض الآية، ثم تضيف إليه كلامًا من عندك، وتجعله مسجوعًا كما قد فعلت أنا في هذا الموضع, ألا ترى أني أخذت بعض هذه الآية في قصة من سورة \"القصص\"، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ ٤. فهذه الآية أخذت بعضها وأضفت إليه كلامًا من عندي حتى جاء كما تراه مسجوعًا.\rوكذلك فعلت بالآية الأخرى من هذه السورة أيضًا، وهي قوله: ﴿فَخَرَجَ عَلَى","footnotes":"١ سورة طه: الآية ١٣٢.\r٢ سورة ص: الآية ٢١.\r٣ سورة الكهف: الآية ٧١.\r٤ سورة القصص: الآية ٧٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358275,"book_id":3862,"shamela_page_id":149,"part":"1","page_num":149,"sequence_num":149,"body":"قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ ١.\rوهكذا ينبغي لك إذا أردت أن تسلك هذه الطريق، وقدرت على سلوكها، وهي من محاسن الصناعة البلاغية، وليس فوقها من الكلام ما هو أعلى درجة منها؛ لأنها ممزوجة بالقرآن لا على وجه التضمين بل على وجه الانتظام به، والله يختص بها من يشاء من عباده.\rوفيما ذكرته من نثر هذه الآيات كفاية للمتعلم.","footnotes":"١ سورة القصص: الآية ٧٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358276,"book_id":3862,"shamela_page_id":150,"part":"1","page_num":149,"sequence_num":150,"body":"حل الأخبار النبوية:\rوأما الأخبار النبوية فكالقرآن العزيز في حلِّ معانيها.\rفإن قلت: إن الأخبار النبوية لا يجري فيها الأمر مجرى القرآن، إذ القرآن له حاصرٌ وضابط، وكل آياته تدخل في الاستعمال، كما قال بعضهم: لو ضاع مني عقال لوجدته في القرآن الكريم، وأما الأخبار فليست كذلك؛ لأنها كثيرة لا تنحصر, ولو انحصرت لكان منها ما يدخل في الاستعمال ومنها ما لا يدخل، ولا بُدَّ من بيان يمكن الإحاطة به، والوقوف عنده.\rقلت في الجواب عن هذا: إنك أول ما تحفظه من الأخبار هو كتاب \"الشهاب\"، فإنه كتاب مختصر, وجميع ما فيه يستعمل؛ لأنه يتضمَّن حكمًا وآدابًا، فإذا حفظته وتدربت باستعماله كما أريتك ههنا حصل عندك قوة على التصرف والمعرفة بما يدخل في الاستعمال وما لا يدخله، وعند ذلك تتصفح كتاب صحيح البخاري ومسلم والموطأ والترمذي وسنن أبي داود وسنن النسائي, وغيرها من كتب الحديث، وتأخذ ما يحتاج إليه، وأهل مكة أخبر بشعابها، والذي تأخذه إن أمكنك حفظه والدرس عليه فهو المراد؛ لأن ما لا تحفظه فلست منه على ثقة، وإن كان لك محفوظات كثيرة كالقرآن الكريم, ودواوين كثيرة من الشعر, وما ورد من الأمثال السائرة, وغير ذلك مما أشرنا إليه, فعليك بمداومة المطالعة للأخبار, والإكثار من استعمالها في كلامك حتى ترقم على خاطرك، فتكون إذا احتجت منها إلى شيء وجدته، وسهل عليك أن تأتي به ارتجالًا، فتأمل ما أوردته عليك, واعمل به.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358277,"book_id":3862,"shamela_page_id":151,"part":"1","page_num":150,"sequence_num":151,"body":"وكنت جردت من الأخبار النبوية كتابًا يشتمل على ثلاثة آلاف خبر, كلها تدخل في الاستعمال، وما زلت أواظب على مطالعته مدة تزيد على عشر سنين, فكنت أنهي مطالعته في كل أسبوع مرة, حتى دار على ناظري وخاطري ما يزيد على خمسمائة مرة، وصار محفوظًا لا يشذّ عنِّي منه شيء, وهذا الذي أوردته ههنا في حلِّ معاني الأخبار هو من هناك.\rوسأذكر ما دار بيني وبين بعض علماء الأدب في هذا الأسلوب الذي أنا بصدده ههنا.\rوذاك أنه استوعره وأنكره، وقال: هذا لا يتهيأ إلا في الشيء اليسير من الأخبار النبوية.\rفقلت: لا، بل يتهيأ في الأكثر منها.\rفقال: قد ورد عن النبي ﷺ أنه اختصم إليه في جنين, فقضى على من أسقطه بغرة: عبدٍ أو أمةٍ، فأين يستعمل هذا?\rفأفكرت فيما ذكره، ثم أنشأت هذا الفصل من الكلام، وأودعته فيه:\r\"قد كثر الجهل حتى لا يقال: فلان عالم وفلان جاهل، وضرب المثل بباقل١, وكم في هذه الصورة الممثلة من باقل، ولو عرف كل إنسان قدره لما مشى بدن إلا تحت رأسه, ولا انتصب رأس إلا على بدنه، ولكان صاحب العمامة أحق بعمامته, وصاحب الرسن أحق برسنه، وكنت سمعت بكاتب من الكتاب كلَّمَه إلى غثاثة، وقلمه بغاثة لا يستنسر٢, وأيّ بطش لبغاثة، وإذا وجب الوضوء على غيره بالخارج من السبيلين وجب عليه من سُبُلٍ ثلاثة، هذا وهو يدَّعي أنه في الفصاحة أمة وحده، ومن قس إيادٍ٣ وسحبان وائل٤ عنده, وإذا كشف عن خاطره وجد بليدًا لا يخرج","footnotes":"١ رجل مشهور عندهم بالعي، قالوا: إنه اشترى ظبيًا بأحد عشر درهمًا، فسُئِلَ عن شرائه، ففتح كفيه وأخرج لسانه يشير إلى ثمنه، فانفلت الظبي، وضرب به المثل في العي.\r٢ البغاث من الطير: ما لا يصيد ولا يرغب في صيده؛ لأنه لا يؤكل، وهو بطيء الطيران، واستنسر البغاث صار نسرًا، وعليه قولهم: \"إن البغاث بأرضنا يستنسر\" أي: إن الضعيف يصير قويًّا بأرضنا.\r٣ هو قس بن ساعدة الإيادي، أحد خطباء العرب المشهورين، سمعه النبي ﷺ يخطب في الموسم.\r٤ سحبان وائل، مضرب المثل في الخطابة والفصاحة والبيان.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358278,"book_id":3862,"shamela_page_id":152,"part":"1","page_num":151,"sequence_num":152,"body":"عن العمه والكمه، وإن رام أن يستنتجه في حينٍ من الأحيان قضى عليه بغرةٍ عبدٍ أو أَمَة، وكثيرًا ما يتقدَّم ونقيصته هذه على الأفاضل من العلماء، وقد صار الناس إلى زمان يعلو فيه حضيض الأرض على هام السماء\".\rفلمَّا أوردته عليه ظهرت أمارة الحسد على صفحات وجهه وفلتات لسانه، مع إعجابه به، واستغرابه إياه، ثم قال: وقد ورد عن النبي ﷺ هذا الحديث وهو: \"لا تدخل الملائكة بيتًا فيه صورةٌ ولا تمثال\" فهذا أين يستعمل من المكاتبات? فتروَّيْت في قوله ترويًا يسيرًا، ثم قلت: هذا يستعمل في كتاب إلى ديوان الخلافة، وأمليت عليه الكتاب، فجاء هذا الحديث في فصل منه، وهو:\r\"إذا أفاض الخادم في وصف ولائه نكصت همم الأولياء عن مقامه، وعلموا أنه أخذ الأمر بزمامه، فقد أصبح وليس بقلبه سوء الولاء والإيمان، فهذا يظهر أثره في طاعة السر, وهذا في طاعة الإعلان، وما عداهما فإن دخوله إلى قلبه من الأشياء المحظورة، والملائكة لا تدخل بيتًا فيه تمثال ولا صورة، فليعول الديوان العزيز على سيفٍ من سيوف الله يفري بلا ضارب, ويسري بلا حامل، ولا يسلّ إلا بيد حق, ولا يغمد إلّا في ظهر باطل، وليعلم أنه كرشه وعيبته في تضمن الأسرار، وأنه أحد سعديه إذا عدت مواقف الأنصار\".\rفلما رأى هذا الفصل بهت له، وأعجب منه، ثم إني لم أقنع بإيراد ذلك الحديث حتى قرنت به حديثًا آخر، وهو قول النبي ﷺ: \"الأنصار كرشي وعيبتي\".\rوحيث عرَّفتك أيها المتعلم ما تقتدي به في هذا الموضع, فقد ذكرت لك أمثلة كثيرة تتدرب بها.\rفمن ذلك ما ذكرته في دعاء كتاب من الكتب، وهو:\r\"أعاذ الله أيامه من الغِيَر، وبيَّن بخطر مجده نقص كل خطر، وجعل ذكره زادًا لكل راكب وأنسًا لكل سمر، ومنحه من فضله ما لا عين رأت, ولا أذن سمعت, ولا خطر على قلب بشر\".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358279,"book_id":3862,"shamela_page_id":153,"part":"1","page_num":152,"sequence_num":153,"body":"وهذا المعنى مأخوذ من الحديث في وصف نعيم الجنة فنقلته إلى الدعاء.\rومن ذلك ما ذكرته في وصف الحلم، وهو:\r\"تركته حتَّى جال في الميدان، وامتدَّ في الأشطان١، ولم أنتصر خوفًا من قيام الملك وقعود الشيطان، والحليم لا يظهر أثر حلمه إلا عند تلدده٢، والكظيم٣ هو أشد ما يخاف من تبدده\".\rوهذا المعنى أخذته من قصة أبي بكر ﵁ في خصامه، فإنه بُغِيَ عليه ثلاث مرات وهو ساكت، ففي الثالثة انتصر، فقال النبي ﷺ: \"كان الملك جالسًا إلى جانب أبي بكرٍ يكذِّب خصمه بما يقول, فلما انتصر قام المَلَكُ وقعد الشيطان\".\rومن ذلك ما ذكرته في النصرة على العدو في مواطن القتال، وهو:\r\"أخذنا بسنة رسول الله ﷺ في النَّصر الذي نرجوه، ونبذنا في وجه العدو كفًّا من التراب، وقلنا: شاهت٤ الوجوه، فثَبَّت الله ما تزلزل من أقدامنا، وأقدم حيزوم فأغنى عن إقدامنا\".\rوهذان المعنيان أحدهما مأخوذ من حديث غزوة حنين، وما فعله رسول الله ﷺ في أخذ قبضة من التراب, وألقاها في وجوه الكفار وقوله: \"شاهت الوجوه\" , والمعنى الآخر مأخوذ من حديث غزوة بدر، وذاك أن رجلًا من المسلمين لاقى رجلًا من الكفار وأراد أن يضربه, فخرَّ على الأرض ميتًا قبل أن يصل إليه، وسمع الرجل المسلم صوتًا من فوقه، وهو يقول: \"أقدم حيزوم٥\" فجاء إلى النبي ﷺ وأخبره، فقال: \"ذاك من مدد السماء الثالثة\".","footnotes":"١ الأشطان جمع شطن: وهو حبل البئر.\r٢ تلدد: تلفَّت يمينًا وشمالًا، وتحير، وذلك عند اشتداد الخصومة.\r٣ الكظيم: الذي يكظم الغيظ، أي: يبقي على ما في نفسه منه على صفح أو غيظ.\r٤ شاهت الوجوه: قبحت.\r٥ حيزوم: فرس جبريل ﵇، كما في القاموس.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358280,"book_id":3862,"shamela_page_id":154,"part":"1","page_num":153,"sequence_num":154,"body":"ومن ذلك ما ذكرته في ضيق مجال الحرب، وهو:\r\"وضاق الضرب بين الفريقين حتى اتصلت مواقع البيض الذكور، وتصافحت الفور بالفور١, والصدور بالصدور، واستظلَّ حينئذ بالسيوف لاشتباك مجالها، وتُبُوِّئَت مقاعد الجنة التي هي تحت ظلالها\".\rوهو مأخوذ من الحديث النبوي، وهو قول النبي ﷺ: \"الجنة تحت ظلال السيوف\".\rومن ذلك ما ذكرته في جملة كتاب أذمّ فيه الزمان، فقلت:\r\"ولكنها الأيام تبدي لنا من جوهرها كل غريبة، وتسوسنا سياسة العبد المجدع الذي كأن رأسه زبيبة، وليس للمرء فيما يلقاه من أحداثها نُعْمَى كانت أو بُوسى، إلّا أن يكل الأمور إلى وليها فيقول: حاجَّ آدم موسى\".\rوهذا مأخوذ من الخبر النبوي في قوله ﷺ: \"حاجَّ آدم موسى، فقال له موسى: أنت أخرجت الناس بخطيئتك من الجنة وأشقيتهم، فقال له آدم: أنت الذي اصطفاك الله تعالى برسالته وكلامه? أتلومني على أمرٍ كتبه الله تعالى علي قبل أن يخلقني\"؟ قال رسول الله ﷺ: \"فحجَّ آدم موسى\".\rومن ذلك ما ذكرته في وصف بعض الكتاب، وهو فصل من كتاب كتبته إليه، فقلت:\r\"ولقد سردت عليه أحاديث البلاغة فاستغنى عن بسط ردائه، وهدي إلى جوامع كلمها, فاقتدى الناس باهتدائه، فإذا اشتبهت عنده مسالك طرقها لم يملكه سلطان الحيرة، وإن أغرب في أساليبها لم يقل فيه ما قيل في رواية أبي هريرة\".\rوهذا الفصل من أحسن ما يؤتى به في صناعة نثر المعاني، وهو مأخوذ من حديث أبي هريرة، قال: قلت: يا رسول الله، أسمع منك أشياء فلا أحفظها، فقال: ابسط","footnotes":"١ الفور وبهاء وقد تهمز رمح في سغ الفرس تنفش إذا مسحت وتجتمع إذا تركت.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358281,"book_id":3862,"shamela_page_id":155,"part":"1","page_num":154,"sequence_num":155,"body":"رداءك، فبسطته، فحدَّث حديثًا كثيرًا فما نسيت شيئًا حدثني به، وأما رواية أبي هريرة فشكَّ فيها قوم لكثرتها.\rوقد اجتمع في هذا الفصل معنى الحديث النبوي وغيره، ومثل هذا لا يتفطَّن له عند الوقوف إلا من تبحر في الوقوف على الأخبار النبوية، ومن أجل ذلك جعلته ركنًا من أركان الكتاب في الفصل التاسع.\rومن ذلك ما ذكرته في ذمِّ بعض البلاد الوخمة، فقلت:\r\"ومن صفاتها أنها مدرة١ مستوبلة الطينة، مجموع لها بين حر مكة ولأواء٢ المدينة، إلا أنها لم يأمن حرمها في الخطفة، ولا نقلت حماها إلى الجُحْفَة\".\rفي هذه الكلمات القصار آية من القرآن الكريم، وخبران من الأخبار النبوية، فالآية من سورة العنكبوت، وهي قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ ٣, وهذا موضع يختص بالأخبار لا بالآيات، غير أن الآية جاءت ضمنًا وتبعًا.\rوأما الخبران: فالأول منهما قول النبي ﷺ: \"من صبر على حرِّ مكة ولأواء المدينة ضمنت له على الله الجنة\". وأما الثاني فقوله ﷺ في دعائه للمدينة: \"اللهم حببها إلينا كما حبَّبت إلينا مكة, وانقل حمَّاهَا إلى الجُحْفَة\" ٤.\rفانظر أيها المتأمل إلى هذه الكلمات, حتى تعلم أن عدتها مصوغة من الآية والخبرين سواء بسواء.\rوهذا طريق لو ادعيت الانفراد بسلوكه لما اختلف عليّ في الاعتراف به اثنان.","footnotes":"١ المدرة واحدة المدر، وهي المدن والحواضر.\r٢ اللأواء: الشدة.\r٣ سورة العنكبوت: الآية ٦٧.\r٤ الجحفة: كانت قرية كبيرة ذات منبر على طريق المدينة إلى مدينة، وهي ميقات أهل مصر والشام إن لم يمروا على المدينة، وكان اسمها مهيعة، وسميت الجحفة؛ لأن السيل جحفها، وبينها وبين البحر ستة أميال.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358282,"book_id":3862,"shamela_page_id":156,"part":"1","page_num":155,"sequence_num":156,"body":"ومن ذلك ما كتبته في كتاب إلى بعض الإخوان جوابًا عن كتاب ورد:\rوكان كتابه تأخر عني زمانًا طويلًا، فقلت:\r\"ولما تأملته ضممته إلي والتزمته، ثم استلمته والتثمته، وعلمت أن المعارف وإن قدمت أيامها -أنساب وشيجة، وتأسيت بالخلق النبوي في العجوز التي كانت تأتي في زمن خديجة\".\rوهذا مأخوذ من الخبر المنقول عن عائشة ﵂، وهو أنها قالت: كان رسول الله ﷺ يذبح الشاة فيعضِّيها١ أعضاءً، ويقسمها في أصدقاء خديجة، وكانت تأتيه عجوز فيكرمها ويبسط لها راءه، فسألته عن ذلك فقال: $\"هذه كانت تأتينا في زمن خديجة, وحسن العهد من الإيمان\".\rومن ذلك ما ذكرته في وصف كتاب، وهو:\r\"كل سطرٍ منه روضة, غير أنها ليل في صباح، وكل معنىً منه دمية, غير أن ليس على مصورها من جناح\".\rوهذا مأخوذ من الحديث في تحريم الصور.\rومن ذلك ما ذكرته في وصف كريم وهو:\r\"فأغنى بجوده إغناء المطر, وسما إلى المعالي سموَّ الشمس, وسار في منازلها مسير القمر, ونُتِجَ من أبكار فضائله ما إذا ادَّعاه غيره قيل: للعاهر الحجر\".\rوهذا المعنى من قول النبي ﷺ: \"الولد للفراش وللعاهر الحجر\".\rومن ذلك ما ذكرته في وصف الفصاحة، فقلت:\r\"أفكار الخواطر لا تُسْتَوْلَد على انفرادها, وغايتها أن يتناكح في استنتاج أولادها، وأنا أنكح فكري لفكر نكاح الأنساب، ولا أخاف أن أضوي فأميل إلى الاغتراب\".","footnotes":"١ عُضِّيَت الذبيحة -بالتشديد: جعلتها أعضاء.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358283,"book_id":3862,"shamela_page_id":157,"part":"1","page_num":156,"sequence_num":157,"body":"وهذا مأخوذ من قول النبي ﷺ في الأمر بنكاح البعيدة النسب, فقال: \"غربوا لا تضووا\" يريد بذلك أن الإنسان إذا نكح المرأة القريبة إليه حصل بينهما حياء يمنع من قضاء الشهوة كما ينبغي, فيجيء الولد ضاويًا: أي: هزيلًا، وهذا معنًى غريب لي استخرجته من الحديث النبوي.\rومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب إلى بعض الإخوان:\rجوابًا عن كتاب ورد منه يتضمَّن الشكوى من شخص جرت بينه وبينه مخاصمة، فقلت:\r\"وصل كتابه وهو كتابُ مَنْ أكْثَر الشكوى، وطلب العَدْوَى١، ونزل من التظلُّم بالعدوة٢ الدنيا، وأنزل خصمه القصوى، والقاضي لا يحكم لأحد الخصمين حتى يحضر صاحبه، وإن فقئت عين أحدهما فربما فقئت عين الآخر, وهُشِّمَ جانبه، على أنه قد اعترف أن كليهما كان للحم أخيه آكلًا، وعليه في حال محضره جاهلًا، وسباب المؤمن معدود من فسوقه، وإطراقه عن تورُّد هذا المقام أولى من طروقه، ولولا تغليظ النكير لما جعل اللسان واليد سواء فيما جرحا، ولما أخَّر الله المغفرة عن الخائضين فيها حتى يصطلحا، فكن أنت ممنَّ أطاع تقواه لا هواه، واتَّبع من علم الحقَّ فرآه أو سمعه فرواه، واعلم أنَّ تَهَاجُرَ الأخوين فوق الثلاثة من منهيات الحرام، وأن الفائز بالأجر منهما هو البادئ بالسلام، ودفع السيئة بالحسنة يجعل العدو وليًّا حميمًا، وقد جعل الله المتخلِّق بهذا الخلق صابرًا, وجعل له حظًّا عظيمًا، والشيطان إنما يحوم على آثاره مواقع الشنآن، ولا يحمد من أعمال بنيه شيئًا إلا ما زيل٣ بين الإخوان\".\rفي هذا الفصل معاني آيات وأخبار، وهذا الموضع مختص بذكر الأخبار دون الآيات.","footnotes":"١ العدوى هنا طلب التقوية والنصرة، قال ابن فارس: العِدوي طلبك إلى والٍ ليعديك عن من ظلمك، أي: ينتقم منه باعتدائه عليك.\r٢ عدوة الوادي: جانبه.\r٣ زيل بينهم: فرق.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358284,"book_id":3862,"shamela_page_id":158,"part":"1","page_num":157,"sequence_num":158,"body":"فأول المعاني المأخوذة من الأخبار قول النبي ﷺ: \"إذا أتاك أحد الخصمين وقد فقئت عينه فلا تحكم له، فربما أتى خصمه وقد فقئت عيناه\".\rوأما المعنى الثاني فقوله ﷺ: \"سباب المؤمن فسوقٌ وقتاله كفرٌ\".\rوأما المعنى الثالث فقوله ﷺ: \"إن الأعمال تعرض على الله يوم الاثنين ويوم الخميس, فيغفر لكل امرئٍ لا يشرك بالله شيئًا إلّا امرًا كانت بينه وين أخيه شحناء، فيقول: اتركوا هذين حتى يصطلحا\".\rوأما المعنى الرابع فقوله ﷺ: \"لا يحل للمؤمن أن يهجر أخاه فوق ثلاث\".\rوأما المعنى الخامس فقول النبي ﷺ: \"إذا التقى المتهاجران, فأعرض هذا وأعرض هذا, فخيرهما الذي يبدأ بالسلام\".\rوأما المعنى السادس فقوله ﷺ: \"إن إبليس له عرش على البحر فيبث بنيه في آفاق الأرض فيأتي أحدهم فيقول: فعلت كذا وفعلت كذا، فيقول: ما فعلت شيئًا، ويأتي أحدهم فيقول: زيَّلْتُ بينه وبين أخيه, أو بينه وبين زوجته، فيقول: نعم الولد أنت\"!.\rفانظر كم في هذه الأسطر اليسيرة من معنى خبر نبوي، هذا سوى ما فيها من معاني الآيات، وإذا عددت هذه الكلمات المذكورة في هذه الأسطر وجدتها جميعًا منتظمة من الآية والخبر.\rوهذا مما يدلك على الإكثار من المحفوظ, واستحضاره عند الحاجة إليه على الفور.\rومن ذلك ما ذكرته في صدر كتاب، وهو جواب عن كتاب يتضمن تهديدًا وتخويفًا، فقلت:\r\"ورد الكتاب مضمنًا من الوعد والوعيد ما آنس نفس المملوك وأوحشها، ونَقَعَ ضلوعه وأعطشها، وأقام له من الظنون السيئة جنودًا تقاتله، وتأخذ عليه شُعَبَ الأفكار فلا تزاوله، وكانت كلماته طوالًا, وأوراقه ثقالًا، وما أفلت سطر من سطوره إلا كان الآخر له عقالًا، ولما استكمل الوقوف عليه ثقلت أطوار الخوف والرجاء من أطواره، وعرضت عليه الجنة والنار في قرطاسه، كما عرضت على رسول الله ﷺ في عرض","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358285,"book_id":3862,"shamela_page_id":159,"part":"1","page_num":158,"sequence_num":159,"body":"جداره، ولولا وثوقه بأناة مولانا لذهبت نفسه فَرَقًا، وابتغى في السماء سُلَّمًا، وفي الأرض نفقًا، لكنه قد توسَّم في كرمه مخايل الصنع الوسيم، وغرَّه منه ما غرَّه من ربه الكريم، وعلم أن خُلُقَ حلمه يغلب خلق غضبه؛ إذ هذا حادث وذاك قديم\".\rوفي هذا الفصل معنى خبر من الأخبار النبوية، وهو أنه كان -صلوات الله عليه- يخطب، فمال بيده إلى الجدار، وقال: \"عرضت عليَّ الجنة والنار في عرض هذا الجدار, فلم أر كاليوم في الخير والشر\".\rومن ذلك ما ذكرته في صدر كتاب إلى بعض الإخوان، وهو:\r\"الخادم يواصلُ بالدعاء الذي لا يزال لقلبه زميلًا، وللسانه رسيلًا١، وإذا رفع أدْنَتْهُ الملائكة قربًا إذا تباعدت من غيره ميلًا، ولا اعتداد بالدعاء إلا إذا صدر عن أكرم مصدر، ووجد له فوق السماء مظهرًا, وإن لم يكن هناك من مظهر، ووصف باطنه بأنه الأبيض الناصع الذي هو خير من ظاهر الأشعث الأغبر، ولا يعامل الخادم أهل ودِّه إلا بهذه المعاملة, ومن خلقه المجازفة في بذل المودة إذا أخذ الناس نِسْبَة المكايلة\".\rفي هذا المعنى خبرين:\rأحدهما: قول النبي ﷺ: \"إنه إذا كذب الكاذب تباعد الملك عنه ميلًا لنتن كذبه\".\rوالآخر قوله ﷺ: \"رب أشعث أغبر مدفوعٍ بالأبواب لو أقسم على الله لأبره\".\rومن هذا الباب ما ذكرته في كتاب يتضمَّن خطبة مودة:\rفابتدأت الكلام فيه بعد تصدُّرِه بالدعاء، فقلت:\r\"لولا العادة لرفع الخادم كتابه هذا أن يسطَّر في ورقة، وليس ذلك إلا لإرساله في خطبة مودة رأى صورتها في سرقة٢، ولما تأمَّلَها قال: إن يكن ذلك من عند الله","footnotes":"١ يقال راسله في عمله إذا تابعه فيه فهو رسيل.\r٢ السرقة شقة حرير بيضاء، قال أبو عبيدة: كأنها كلمة فارسية، والجمع سرق مثل: قصبة وقصب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358286,"book_id":3862,"shamela_page_id":160,"part":"1","page_num":159,"sequence_num":160,"body":"يُمْضِه، وأبدى لها صفحة الرضا, وإن كانت كل مودة لم تُرْضِه، وخير المودات ما ليس لها ضَرَّة تشاركها في وسامتها، ولا تضاهيها في درجة كرامتها, فتلك التي تزدهي ذا الهمَّة أبوَّة وجمالًا، ولم يغله مهرها ولو بذل فيه نفسًا لا مالًا، وما يظنها الخادم إلا هذه المودّة التي خطبها، وقد علمت أن تكون راغبة ولكن هو الذي أرغبها، على أنه لم يترشَّح لها إلا من هو من أكفائها، وليست الكفاءة ههنا إلا ما تبذله الضمائر من صفائها، وقد أتاح الله لها كفئًا يكثر من إيناسها، ويضعها من البر في محلة ناسها، ويجعل كل يوم من أيامها عرسًا حتى تنصل مواسم أعراسها\".\rثم مضيت على هذا النهج إلى آخر الكتاب، والمعنى المأخوذ فيه من الخبر النبوي في موضعين:\rالأول: أن النبي ﷺ قال لعائشة ﵂: \"إن جبريل ﵇ عرض علي صورتك في سَرَقَةٍ -والسرقة: حريرة بيضاء- وقال: هذه زوجتك في الدنيا والآخرة، فقلت: إن يكن ذلك من عند الله يمضه\". فأخذت أنا هذا المعنى ونقلته إلى خطبة مودة، ولا يأتي في خطبة المودات شيء أحسن منه ولا ألطف ولا أشدّ مقصدًا.\rالخبر النبوي الثاني: قول النبي ﷺ: \"إنما تنكح المرأة لأربعٍ: لحسبها أو لدينها أو لمالها أو لجمالها\" فقلت أنا: فتلك التي تزدهي ذا الهمة أبوَّة وجمالًا، أي: قد جمعت الحسب والجمال.\rومن ذلك ما ذكرته في سبب حب المال، وهو:\r\"بين المال علاقةٌ وكيدة وبين القلوب، وهي له بمنزلة المحب وهو لها بمنزلة المحبوب، وليس ذلك إلا لأنَّ الله قبض قبضةً من جميع الأرض فخلق آدم من تلك القبضة، ويوشك حينئذ أن صورة قلبه تكونت من معدن الذهب والفضة، ولولا أن يكون منهما عنصر إبدائه، لما جعلهما الأطباء دواءه من دائه، فلا تستغرب إذن أن تكون على حبهما مطبوعًا، إذ كان منهما مصنوعًا\".\rوهذا المعنى من قول النبي ﷺ: \"إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358287,"book_id":3862,"shamela_page_id":161,"part":"1","page_num":160,"sequence_num":161,"body":"الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، منهم الأحمر والأبيض والأسود, وبين ذلك، والحزن والسهل، والخبيث والطيب\".\rغير أني استنبطت أنا حب المال من هذا الحديث، وهو معنى غريب لم أُسْبَقْ إليه.\rومن ذلك ما ذكرته في وصف كلام، وهو:\r\"ليس السحر ما أُودِعَ في جُفِّ طلعة١، بل ما أُودِعَ في صوغ معنى أو نظم سجعة، ولذلك لبيد٢ في شعره، أسحر من لبيد٣ في سِحْرِه، وكلًّا صنعهما من الغريب العجيب، غير أن ما يستنبط من القلب أعجب مما يدفن في القليب\".\rوهذا المعنى مأخوذ من قصة لبيد بن الأعصم في سحره النبي ﷺ، ومن عرف القصة وصورتها علم ما قد ذكرته في نثر هذه الكلمات البديعة.\rومن ذلك ما ذكرته في وصف المنجنيق في جملة كتاب، فقلت:\r\"ونصب المنجنيق فجثَمَ بين يدي السور مَنَاصِيًا، وبسط كفَّه إليه مواتيًا، ثم تولَّى عقوبته بعصاه التي تفتك بأحجاره، وإذا عصى عليها بلد أخذت في تأديب أسواره، فما كان إلا أن استمرَّت عقوبتها عليه حتى صار قائمه حصيدًا, وعاصيه مستقيدًا، وقال: ألم يكن نهى عن المد والتجريد, فما لي لا أرى إلا مدًّا وتجريدًا، وعند ذلك أذعن لفتح الأبواب، وتلا قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ ٤ وكذلك لم نأت صعبًا","footnotes":"١ الجف -بالضم: وعاء الطلع، والحف: أصل النخلة.\r٢ هو لبيد بن ربيعة العامري أحد أصحاب المعلقات.\r٣ هو لبيد بن الأعصم الذي سحر النبي ﷺ، وفي حديث عائشة قول النبي ﷺ: \"أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي، فقال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ فقال: مطبوب، قال: من طبَّه؟ قال: لبيد بن الأعصم، قال: في أيِّ شيء؟ قال: في مشط ومشاطة وجف طلع نخلة ذكر، قال: وأين هو؟ قال في بئر ذروان\"، فأتاها رسول الله ﷺ في ناس من أصحابه، فجاء فقال: \"يا عائشة, كأن ماءها نقاعة الحناء، أو كان رءوس نخلها رءوس الشياطين\". قلت: يا رسول الله أفلا استخرجته؟ قال: \"قد عافاني الله، فكرهت أن أثور على الناس فيه شرًّا، فأمر بها فدفنت\".\r٤ سورة الرعد: الآية ٣٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358288,"book_id":3862,"shamela_page_id":162,"part":"1","page_num":161,"sequence_num":162,"body":"إلا استسهل، ولا حثثنا مطيًّا إلا استعجل، ولطالما وقف غيرنا على هذا البلد, فشقه طول الانتظار، ولم يحظ منه إلا بمساءلة المنصب أحجار الديار\".\rفي هذا الفصل معنى خبر من الأخبار النبويّة، وهو قول النبي ﷺ في النهي عن ضرب المحدود: \"لا مَدَّ ولا تجريد\" أي: لا يمد على الأرض ولا يجرد عنه ثوبه.\rومن ذلك ما ذكرته في صدر كتاب إلى الديوان العزيز النبوي، وهو:\r\"خلَّد الله دولة الديوان العزيز النبويّ، ولا زالت أكنافها وادعة, وعلياؤها جامعة، وجدودها كالنجوم التي ترى في كل حين طالعة، وأيامها كالليالي ساكنة, ولياليها كالأيام ناصعة، وأبوابها كأبواب الجنة التي يقال فيها ثامن وثامنة, إذا قيل في أبواب غيرها سابعٌ وسابعة، وهذا الدعاء قد استجابه الله قبل أن ترفع إليه يدٌ, أو ينطق به ضمير، فإذا دعا به الخادم وجد الله قد سبقه أولًا, وجاء هو في الزمن الأخير، فليس له حينئذ إلا أن يدعو لما خوّله الديوان العزيز بالدوام، وأن يعيذه من النقص من التمام، ثم يستهدي ما يؤهّل له من الخدم التي يعتدُّها من لطائف الإحسان، وإذا نُدِبَ لتكليف أوامرها قال: والحمد والشكر يسجدان، ولا شكَّ أن درجات الأولياء تتفاوت في الصفات والأسماء، فمنها ما يكون ببطن الأرض, ومنها ما يرى كالكوكب في أفق السماء، ولولا النهي عن تزكية المرء نفسه لادَّعى الخادم أن له أعلاها، وجاء بالأولياء من بعده فقال: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ ١ لكنه لا يمن بما يعتده عند الله من ذخره، وسر الولاء في هذا المقام أكرم من جهره، وليس الذي يمنّ بصلاته وصيامه, كالذي يمنّ بسرٍّ وَقَرَ في صدره، والله لا ينظر إلى الأعمال وإنما ينظر إلى القلوب، وفرقٌ بين المطيع بمحضر الشهادة, وبين المطيع بظهر الغيوب، ولو اطَّلع الديوان العزيز على ضمير الخادم في الطاعة لسرِّه، وعلم أنه الأشعث الأغبر الذي لو أقسم على الله لأبره\".","footnotes":"١ سورة الشمس: الآيتان ١، ٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358289,"book_id":3862,"shamela_page_id":163,"part":"1","page_num":162,"sequence_num":163,"body":"في هذا الفصل من الآيات والأخبار عدة مواضع, وهذا الموضع مختص بالأخبار فلنذكرها دون الآيات.\rأما الأول منها فقول النبي ﷺ: \"إنكم ترون أهل الدرجات العُلَى في الجنة كما ترون الكواكب في أفق السماء\".\rوأما الخبر الثاني: فقوله ﷺ: \"ما فَضَلَكُم أبو بكر بصلاةٍ ولا صيامٍ, ولكن فَضَلَكم بسرٍّ وقر في صدره\".\rوأما الخبر الثالث: فقوله ﷺ: \"رُبَّ أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على الله لأبَرَّه\".\rوفيما أوردته من حلِّ المعاني الشعرية وحلِّ آيات القرآن والأخبار النبوية طريقٌ واضح لمن يقوى على سلوكه، والله الموفق للصواب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358290,"book_id":3862,"shamela_page_id":164,"part":"1","page_num":163,"sequence_num":164,"body":"المقالة الأولى: في الصناعة اللفظية\rالقسم الأول: في اللفظة المفردة\r...\rالمقالة الأولى: في الصناعة اللفظية\rوهي تنقسم إلى قسمين:\rالقسم الأول: في اللفظة المفردة\rاعلم أنه يحتاج صاحب هذه الصناعة في تأليفه إلى ثلاثة أشياء:\rالأول منها: اختيار الألفاظ المفردة\rوحكم ذلك اللآلئ المبدَّدَة، فإنها تتخير وتنتقي قبل النظم.\rالثاني: نظم كل كلمة مع أختها المشاكلة لها\rلئلَّا يجيء الكلام قلقًا نافرًا عن مواضعه، وحكم ذلك حكم العقد المنظوم في اقتران كل لؤلؤة منها بأختها المشاكلة لها.\rالثالث: الغرض المقصود من ذلك الكلام على اختلاف أنواعه\rوحكم ذلك الموضع الذي يوضع فيه العقد المنظوم، فتارةً يجعل إكليلًا على الرأس، وتارةً يجعل قلادة في العنق، وتارةً يجعل شنفًا١ في الأذن، ولكل موضع من هذه المواضع هيئة من الحسن تخصه.\rفهذه ثلاثة أشياء، لا بُدَّ للخطيب والشاعر من العناية بها، وهي الأصل المعتَمَد عليه في تأليف الكلام من النظم والنثر.","footnotes":"١ الشنف: القرط.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358291,"book_id":3862,"shamela_page_id":165,"part":"1","page_num":164,"sequence_num":165,"body":"فالأول والثاني من هذه الثلاثة المذكورة هما المراد بالفصاحة، والثلاثة بجملتها هي المراد بالبلاغة.\rوهذا الموضع يضل في سلوك طريقه العلماء بصناعة صوغ الكلام من النظم والنثر، فكيف الجهال الذين لم تنفحهم رائحة? ومن الذي يؤتيه الله فطرة ناصعة, يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسه نار, حتى ينظر إلى أسرار ما يستعمله من الألفاظ فيضعها في موضعها.\rومن عجيب ذلك أنك ترى لفظتين تدلان على معنى واحد، وكلاهما حسن في الاستعمال، وهما على وزن واحد وعدة واحدة، إلا أنه لا يحسن استعمال هذه في كل موضع تستعمل فيه هذه، بل يفرق بينهما في مواضع السبك، وهذا لا يدركه إلا من دقَّ فهمه وجلَّ نظره.\rفمن ذلك قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ ٢ فاستعمل \"الجوف\" في الأولى, و\"البطن\" في الثانية، ولم يستعمل \"الجوف\" موضع \"البطن\"، ولا \"البطن\" موضع \"الجوف\"، واللفظتان سواء في الدلالة، وهما ثلاثيتان في عددٍ واحد، ووزنهما واحد أيضًا، فانظر إلى سبك الألفاظ كيف تفعل.\rومما يجري هذا المجرى قوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ ٣ وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ ٤ فالقلب والفؤاد سواء في الدلالة، وإن كانا مختلفين في الوزن، ولم يستعمل القرآن أحدهما في موضع الآخر","footnotes":"١ سورة الأحزاب: الآية ٤.\r٢ سورة آل عمران: الآية ٣٥, ومعنى \"محررا\": مخلصًا للعبادة.\r٣ سورة النجم: الآية ١١.\r٤ سورة ق: الآية ٣٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358292,"book_id":3862,"shamela_page_id":166,"part":"1","page_num":165,"sequence_num":166,"body":"وعلى هذا ورد قول الأعرج١ من أبيات الحماسة:\rنحن بنو الموت إذا الموتُ نزل ... لا عار بالموت إذا حُمَّ الأجل\rالموت أحلى عندنا من العسل٢\rوقال أبو الطيب المتنبي:\rإذا شئت حَفَّت على كل سابحٍ ... رجالٌ كأنَّ الموت في فمها شهد٣\rفهاتان لفظتان هما \"العسل\" و\"الشهد\"، وكلاهما حسن مستعمل, لا يُشَكُّ في حسنه واستعماله، وقد وردت لفظة \"العسل\" في القرآن، دون لفظة \"الشهد\"، لأنها أحسن منها، ومع هذا, فإن لفظة \"الشهد\" وردت في بيت أبي الطيب فجاءت أحسن من لفظة \"العسل\" في بيت الأعرج.\rوكثيرًا ما نجد أمثال ذلك في أقوال الشعراء المفلقين وغيرهم، ومن بلغاء الكتاب ومصقعي الخطباء، وتحته دقائق ورموز إذا علمت وقيس عليها أشباهها ونظائرها, كان صاحب الكلام في النظم والنثر قد انتهى إلى الغاية القصوى في اختيار الألفاظ, ووضعها في مواضعها اللائقة بها.","footnotes":"١ قال التبريزي: قيل الصحيح: إنها لعمرو بن يثربي، وكلاهما من شعراء الإسلام، والأعرج منسوب إلى معن طيئ، وقد أدرك الدولتين، وكان أحد الخوارج في زمن بني أمية وبني العباس.\r٢ لعل ابن الأثير اختصر الشعر على هذا النحو، والشعر كما ورد في الحماسة \"١/ ١١٠\" على هذا الترتيب:\rأنا أبو برزة إذ جد الوهل ... خلقت غير زمل ولا وكل\rذا قوة وذا شباب مقتبل ... لا جزع اليوم على قرب الأجل\rالموت أحلى عندنا من العسل ... نحن بني ضبة أصحاب الجمل\rنحن بنو الموت إذا الموت نزل ... ننعى ابن عفان بأسراف الأسل\rردوا علينا شيخنا ثم يجل\rالوهل: الفزع، والزمل: الضعيف، والوكل: الذي يتَّكِل على غيره، والأصل: الرماح، ويجل بمعنى حسب.\r٣ هكذا رواه ابن الأثير، ورواية الديوان \"١/ ٣٧٤\":\rإذا شئت حفَّت بي على كل سابح ... رجال كأن الموت في فمها شهد\rوالسابح: الفرس السريع الجري، كأنه في سيره، والشهد: العسل.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358293,"book_id":3862,"shamela_page_id":167,"part":"1","page_num":166,"sequence_num":167,"body":"واعلم أن تفاوت التفاضل يقع في تركيب الألفاظ أكثر مما يقع في مفرداتها؛ لأن التركيب أعسر وأشق.\rألا ترى ألفاظ القرآن الكريم -من حيث انفرادها- قد استعملها العرب ومن بعدهم، ومع ذلك يفوق جميع كلامهم ويعلو عليه، وليس ذلك إلا لفضيلة التركيب.\rوهل تشك أيها المتأمّل لكتابنا هذا إذا فكَّرت في قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ١، أنك لم تجد ما وجدته لهذه الألفاظ من المزيّة الظاهرة إلا لأمر يرجع إلى تركيبها، وأنه لم يعرض لها هذا الحسن إلّا من حيث لاقت الأولى بالثانية، والثالثة بالرابعة، وكذلك إلى آخرها٢.\rفإن ارتَبْتَ في ذلك فتأمَّل, هل ترى لفظة منها لو أخذت من مكانها, وأفردت من بين أخواتها, كانت لابسةً من الحسن ما لبسته في موضعها من الآية؟\rومما يشهد لذلك ويؤيده أنك ترى اللفظة تروقك في كلام، ثم تراها في كلام آخر فتكرهها، فهذا ينكره من لم يذق طعم الفصاحة، ولا عرف أسرار الألفاظ في تركيبها وانفرادها٣.\rوسأضرب لك مثالًا يشهد بصحة ما ذكرته، وهو أنه قد جاءت لفظة واحدة في آية من القرآن وبيت من الشعر، فجاءت في القرآن جزلةً متينة، وفي الشعر ركيكة ضعيفة، فأثر التركيب فيها هذين الوصفين الضدين،","footnotes":"١ سورة هود: الآية ٤٤.\r٢ الرأي الذي قاله ابن الأثير في أنَّ مجال التفاوت إنما هو في التراكيب دون الألفاظ, هو رأي عبد القاهر الجرجاني الذي بسطه في كتابه \"دلائل الإعجاز\", بل إن ابن الأثير الذي يباهي دائمًا بابتكاره نقل رأي عبد القاهر بأكثر كلماته، وهو ما زال عينه هو الذي مثل به عبد القاهر, وعلق عليه هذا التعليق بتفصيل أكثر -انظر دلائل الإعجاز: صفحة ٣٦ وما بعدها.\r٣ عبارة عبد القاهر الجرجاني: ومما يشهد لذلك أنك ترى الكلمة تروقك وتؤنسك في موضع، ثم تراها بعينها تثقل عليك وتوحشك في موضع آخر. انظر دلائل الإعجاز صفحة ٣٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358294,"book_id":3862,"shamela_page_id":168,"part":"1","page_num":167,"sequence_num":168,"body":"أما الآية فقوله تعالى: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ ١.\rوأمَّا بيت الشعر فهو قول أبي الطيب المتنبي:\rتلذُّ له المروءة وهي تؤذي ... ومن يعشق يلذُّ له الغرام٢\rوهذا البيت من أبيات المعاني الشريفة، إلا أن لفظة \"تؤذي\" قد جاءت فيه وفي الآية من القرآن, فحطت من قدر البيت لضعف تركيبها, وحسن موقعها في تركيب الآية.\rفأنصف أيها المتأمّل لما ذكرناه، واعرضه على طبعك السليم حتى تعلم صحته.\rوهذا موضع غامض يحتاج إلى فضل فكرة، وإمعان نظر، وما تعرَّض للتنبيه عليه أحد قبلي٣.\rوهذه اللفظة التي هي \"تؤذي\" إذا جاءت في الكلام, فينبغي أن تكون مندرجة مع ما يأتي بعدها متعلقة به كقوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ وقد جاءت في قول المتنبي منقطعة، ألا ترى أنه قال: \"تلذ له المروءة وهي تؤذي\" ثم قال: \"ومن يعشق يلذ له الغرام\" فجاء بكلام مستأنف.\rوقد جاءت هذه اللفظة بعينها في الحديث النبوي، وأُضِيف إليها كاف الخطاب، فأزال ما بها من الضعف والركة، وذاك أنه اشتكى النبي ﷺ، فجاءه جبريل ﵇ ورقاه، فقال: \"باسم الله أرقيك، من كل داء يؤذيك\".\rفانظر إلى السرّ في استعمال اللفظة الواحدة، فإنه لما زيد على هذه اللفظة حرف واحد أصلحها وحسنها.\rومن ههنا تزاد الهاء في بعض المواضع، كقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ، إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ ثم قال: ﴿مَا أَغْنَى","footnotes":"١ سورة الأحزاب: الآية ٥٣.\r٢ ديوان المتنبي ٤/ ٧٥.\r٣ كذب ابن الأثير وغالط، وليس فيما قال رأي جديد لم يسبق إليه، بل إنه نقل كلام عبد القاهر ورأيه وأمثلته كما سبقت الإشارة إلى ذلك.\r٤ سورة الحاقة: الآيتان ١٩، ٢٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358295,"book_id":3862,"shamela_page_id":169,"part":"1","page_num":168,"sequence_num":169,"body":"عَنِّي مَالِيَهْ، هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ ١ فإن الأصل في هذه الألفاظ كتابي وحسابي ومالي وسلطاني، فلمَّا أضيفت الهاء إليها -وتسمَّى \"هاء السكت\"- أضافت إليها حسنًا زائدًا على حسنها، وكستها لطافةً ولباقة.\rوكذلك ورد في القرآن الكريم: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ ٢ فلفظة \"لي\" أيضًا مثل لفظة \"يؤذي\" وقد جاءت في الآية مندرجة متعلقة بما بعدها، وإذا جاءت منقطعة لا تجيء لائقة، كقول أبي الطيب أيضًا:\rتمسي الأمانيُّ صرعى دون مبلغه ... فما يقول لشيءٍ ليت ذلك لي٣\rوربما وقع بعض الجهَّال في هذا الموضع, فأدخل فيه ما ليس منه، كقول أبي الطيب:\rما أجدر الأيام والليالي ... بأن تقول مَالَه ومَالِي٤\rفإن لفظة \"لي\" ههنا قد وردت بعد \"ما\", وقبلها \"ما له\", ثم قال: \"وما لي\", فجاء الكلام على نسقٍ واحد، ولو جاءت لفظة \"لي\" ههنا كما جاءت في البيت الأول لكانت منقطعة عن النظير والشبيه، فكان يعلوها الضعف والركة.\rوبين ورودها ههنا وورودها في البيت الأول فرق يحكم فيه الذوق السليم.\rوههنا من هذا النوع لفظة أخرى قد وردت في آية من القرآن الكريم، وفي بيت من شعر الفرزدق، فجاءت في القرآن حسنة، وفي بيت الشعر غير حسنة، وتلك اللفظة هي لفظة \"القمل\", أما الآية فقوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ﴾ ٥. أما بيت الشعر فقول الفرزدق:\rمن عِزِّهِ احتجرت كليبٌ عنده ... زربًا كأنَّهم لديه القمَّل٦","footnotes":"١ سورة الحاقة: الآيتان ٢٨، ٢٩.\r٢ سورة ص: الآية ٢٣.\r٣ ديوان المتنبي ٣/ ٨١.\r٤ ديوان المتنبي ٣/ ٣١١.\r٥ سورة الأعراف: الآية ١٣٣.\r٦ هكذا في المثل السائر، ورواية ديوان الفرزدق \"٧١٥\":\rمن عزهم جحرت كليب بيتها\rزربًا كأنهم لديه القمَّل\rومعنى جحرت: دخلت جحرها، واجتحر له جحرًا: اتخذه، واحتجر الأرض: ضرب عليها منارًا، واحتجر به: التجأ واستعاذ، والزرب: موضع الغنم، والقمَّل: الدبي، وهو أولاد الجراد قبل نبات أجنحتها، أو البراغيث، أو كبار القردان.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358296,"book_id":3862,"shamela_page_id":170,"part":"1","page_num":169,"sequence_num":170,"body":"وإنما حسنت هذه اللفظة في الآية دون البيت من الشعر؛ لأنها جاءت في الآية مندرجة في ضمن الكلام، ولم ينقطع الكلام عندها، وجاءت في الشعر قافية، أي: آخرًا انقطع الكلام عندها.\rوإذا نظرنا إلى حكمة أسرار الفصاحة في القرآن الكريم غُصْنَا منه في بحر عميق لا قرار له.\rفمن ذلك هذه الآية المشار إليها، فإنها قد تضمَّنت خمسة ألفاظ، وهي: الطوفان، والجراد، والقمَّل، والضفادع، والدم، وأحسن هذه الألفاظ الخمسة هي الطوفان والجراد والدم، فلمَّا وردت هذه الألفاظ الخمسة بجملتها قُدِّمَ منها لفظتا \"الطوفان\" و\"الجراد\"، وأُخِّرَت لفظة \"الدم\" آخرًا، وجعلت لفظة \"القمل والضفادع\" في الوسط، ليطرق السمع أولًا الحسن من الألفاظ الخمسة, وينتهي إليه آخرًا، ثم إن لفظة \"الدم\" أحسن من لفظتي \"الطوفان\" و\"الجراد\"، وأخف في الاستعمال، ومن أجل ذلك جيء بها آخرًا، ومراعاة مثل هذه الأسرار والدقائق في استعمال الألفاظ ليس من القدرة البشرية.\rوقد ذكر من تقدَّمَني من علماء البيان للألفاظ المفردة خصائص وهيآت تتصف بها، واختلفوا في ذلك، واستحسن أحدهم شيئًا فخُولف فيه، وكذلك استقبح الآخر شيئًا فخولف فيه.\rولو حققوا النظر ووقفوا على السرِّ في اتصاف بعض الألفاظ بالحسن وبعضها بالقبح لما كان بينهم خلاف في شيء منها.\rوقد أشرت إلى ذلك في الفصل الثامن١ من مقدمة كتابي هذا الذي يشتمل على ذكر الفصاحة، وفي الوقوف عليه والإحاطة به غنىً عن غيره، لكن لا بُدَّ أن نذكر ههنا تفصيلًا لما أجملناه هناك، لأنا ذكرنا في ذلك الفصل أن الألفاظ داخلة في حيز الأصوات؛ لأنها مركَّبة من مخارج الحروف، فما استلذه السمع منها فهو الحسن، وما كرهه ونبا عنه فهو القبيح.","footnotes":"١ انظر صفحة ٩٠ من هذا الكتاب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358297,"book_id":3862,"shamela_page_id":171,"part":"1","page_num":170,"sequence_num":171,"body":"وإذا ثبت ذلك فلا حاجة إلى ما ذكر من تلك الخصائص والهيآت التي أوردها علماء البيان في كتبهم؛ لأنه إذا كان اللفظ لذيذًا في السمع كان حسنًا، وإذا كان حسنًا دخلت تلك الخصائص والهيآت في ضمن حسنه.\rوقد رأيت جماعةً من الجهال إذا قيل لأحدهم: إن هذه اللفظة حسنة, وهذه قبيحة, أنكر ذلك، وقال: كل الألفاظ حسن، والواضع لم يضع إلا حسنًا!.\rومن يبلغ جهله إلى أن لا يفرق بين لفظة \"الغصن\" ولفظة \"العسلوج\", وبين لفظة \"المدامة\" ولفظة \"الإسفنط\", وبين لفظة \"السيف\" ولفظة \"الخنشليل\", وبين لفظة \"الأسد\" ولفظة \"الفدوكس\", فلا ينبغي أن يخاطب بخطاب، ولا يجاوب بجواب، بل يترك وشأنه، كما قيل: اتركوا الجاهل بجهله ولو ألقى الجعر١ في رحله, وما مثاله في هذا المقام إلا كمن يسوي بين صورة زنجية سوداء مظلمة السواد, شوهاء الخلق, ذات عين محمرة وشفة غليظة كأنها كلوة، وشعر قطط٢ كأنه زبيبة، وبين صورة رومية بيضاء مشربة بحمرة، ذات خد أسيل٣، وطرف كحيل، ومبسم كأنما نظم من أقاحٍ٤، وطرة٥ كأنها ليل على صباح.\rفإذا كان بإنسان من سُقْمِ النظر أن يسوي بين هذه الصورة وهذه فلا يبعد أن يكون به من سقم الفكر أن يسوي بين هذه الألفاظ وهذه، ولا فرق بين النظر والسمع في هذا المقام، فإن هذا حاسة وهذا حاسة، وقياس حاسة على حاسة مناسب.\rفإن عاند معاند في هذا وقال: أغراض الناس مختلفة فيما يختارونه من هذه الأشياء، وقد يعشق الإنسان صورة الزنجية التي ذممتها, ويفضلها على صورة الرومية التي وصفتها!\rقلت في الجواب: نحن لا نحكم على الشاذِّ النادر الخارج عن الاعتدال، بل","footnotes":"١ الجعر: ما يبس من العذرة في المجعر, أي: الدبر، أو نحو كل ذات مخلب من السباع.\r٢ شعر قطط: شديد الجعودة، وفي التهذيب: القطط شعر الزنجي.\r٣ الأسبل من الخدود: الطويل المسترسل.\r٤ الأقاح والأقاحي: جمع الأقحوان وهو البابونج.\r٥ الطرة: الناصية.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358298,"book_id":3862,"shamela_page_id":172,"part":"1","page_num":171,"sequence_num":172,"body":"نحكم على الكثير الغالب، وكذلك إذا رأينا شخصًا يحبَّ أكل الفحم مثلًا, أو أكل الجص والتراب, ويختار ذلك على ملاذ الأطعمة، فهل نستجيد هذه الشهوة, أو نحكم عليه بأنه مريض قد فسدت معدته, وهو محتاج إلى علاج ومداواة؟\rومن له أدنى بصيرة يعلم أن للألفاظ في الأذن نغمة لذيذة كنغمة أوتار، وصوتًا منكرًا كصوت حمار، وأن لها في الفم أيضًا حلاوة كحلاوة العسل، ومرارة كمرارة الحنظل، وهي على ذلك تجري مجرى النغمات والطعوم.\rولا يسبق وهمك أيها المتأمل إلى قول القائل الذي غلب عليه غلظ الطبع، وفجاجة الذهن, بأن العرب كانت تستعمل من الألفاظ كذا وكذا، فهذا دليل على أنه حسن، بل ينبغي أن تعلم أن الذي نستحسنه نحن في زماننا هذا, هو الذي كان عند العرب مستحسنًا، والذي نستقبحه هو الذي كان عندهم مستقبحًا.\rوالاستعمال ليس بدليل على الحسن، فإنَّا نحن نستعمل الآن من الكلام ما ليس بحسن، وإنما نستعمله لضرورة، فليس استعمال الحسن بممكن في كل الأحوال، وهذا طريق يضل فيه غير العارف بمسالكه، ومن لم يعرف صناعة النظم والنثر وما يجده صاحبها من الكلمة في صوغ الألفاظ واختيارها, فإنه معذور في أن يقول ما قال:\rلا يعرف الشوق إلا من يكابده ... ولا الصَّبَابة إلا من يعانيها\rومع هذا, فإن قول القائل بأن العرب كانت تستعمل من الألفاظ كذا وكذا, وهذا دليل على أنه حسن\" قولٌ فاسد لا يصدر إلا عن جاهل، فإن استحسان الألفاظ واستقباحها لا يؤخذ بالتقليد من العرب، لأنه شيء ليس للتقليد فيه مجال، وإنما هو شيء له خصائص وهيآت وعلامات, إذا وجدت علم حسنه من قبحه، وقد تقدَّم الكلام على ذلك في باب الفصاحة والبلاغة.\rوأما الذي تقلّد العرب فيه من الألفاظ فإنما هو الاستشهاد بأشعارها على ما ينقل من لغتها، والأخذ بأقوالها في الأوضاع النحوية في رفع الفاعل, ونصب المفعول, وجر المضاف إليه, وجزم الشرط, وأشباه ذلك، وما عداه فلا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358299,"book_id":3862,"shamela_page_id":173,"part":"1","page_num":172,"sequence_num":173,"body":"وحسن الألفاظ وقبحها ليس إضافيًّا إلى زيد دون عمرو, أو إلى عمرو دون زيد؛ لأنه وصف ذَوويّ لا يتغير بالإضافة.\rألا ترى أن لفظة \"المزنة\" مثلًا حسنة عند الناس كافَّة من العرب وغيرهم، وهلمَّ جرَّا، لا يختلف أحد في حسنها، وكذلك لفظة \"البعاق\"، فإنها قبيحة عند الناس كافَّة من العرب وغيرهم، فإذا استعملها العرب لا يكون استعمالهم إياها مخرجًا لها عن القبح، ولا يلتفت إذن إلى استعمالهم إياها، بل يعاب مستعملها، ويغلظ له النكير حيث استعملها.\rوقد ذكر ابن سنان الخفاجي ما يتعلّق باللفظة الواحدة من الأوصاف، وقسهما إلى عدة أقسام: كتباعد مخارج الحروف، وأن تكون الكلمة جارية على العرف العربي غير شاذة، وأن تكون مصغَّرة في موضع يعبر به عن شيء لطيف أو خفي أو ما جرى مجراه، وألا تكون مبتذلة بين العامة، وغير ذلك من الأوصاف. وفي الذي ذكرناه ما لا حاجة إليه.\rأما تباعد المخارج فإن معظم اللغة العربية دائر عليه؛ لأن الواضع قسَّمها في وضعه ثلاثة أقسام: ثلاثيًّا، ورباعيًّا، وخماسيًّا.\rوالثلاثي من الألفاظ هو الأكثر، ولا يوجد ما يكره استعماله إلا الشاذ النادر، وأما الرباعي فإنه وسط بين الثلاثي والخماسي في الكثرة عددًا واستعمالًا.\rوأمَّا الخماسي فإنه الأقل، ولا يوجد فيه ما يستعمل إلا الشاذ النادر.\rوعلى هذا التقدير فإن أكثر اللغة مستعمل على غير مكروه، ولا تقتضي حكمة هذه اللغة الشريفة التي هي سيدة اللغات إلا ذلك، ولهذا أسقط الواضع حروفًا كثيرة في تأليف بعضها مع بعض استثقال واستكراه، فلم يؤلف بين حروف الحلق كالحاء والخاء والعين، وكذلك لم يؤلف بين الجيم والقاف، ولا بين اللام والراء، ولا بين الزاء والسين، وكل هذا دليل على عنايته بتأليف المتباعد المخارج دون المتقارب، ومن العجب أنه كان يُخِلُّ بمثل هذا الأصل الكلي في تحسين اللغة، وقد اعتنى بأمور أخرى جزئية؛ كمماثلته بين حركات الفعل في الوجود, وبين حركات المصدر في النطق،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358300,"book_id":3862,"shamela_page_id":174,"part":"1","page_num":173,"sequence_num":174,"body":"كالغليان، والضربان، والنقدان، والنزوان، وغير ذلك من مما جرى مجراه، فإن حروفه جميعها متحركات، وليس فيها حرف ساكن، وهي مماثلة لحركات الفعل في الوجود.\rومن نظر في حكمة وضع اللغة إلى هذه الدقائق, التي هي كالأطراف والحواشي, فكيف كان يخل بالأصل المعوَّل عليه في تأليف الحروف بعضها إلى بعض? على أنه لو أراد الناظم أو الناظر أن يعتبر مخارج الحروف عند استعمال الألفاظ, وهل هي متباعدة أو متقاربة, لطال الخطب في ذلك وعَسُرَ، وما كان الشاعر ينظم قصيدًا, ولا الكاتب ينشئ كتابًا, إلا في مدة طويلة تمضي عليها أيام وليال ذوات عدد كثير.\rونحن نرى الأمر بخلاف ذلك، فإن حاسَّة السمع هي الحاكمة في هذا المقام بحسن ما يحسن من الألفاظ وقبح ما يقبح.\rوسأضرب لك في هذا مثالًا، فأقول: إذا سئلت عن لفظة من الألفاظ, وقيل لك: ما تقول في هذه اللفظة أحسنة هي أم قبيحة? فإني لا أراك عند ذلك إلا تفتي بحسنها أو قبحها على الفور، ولو كنت لا تفتي بذلك حتى تقول للسائل: اصبر إلى أن أعتبر مخارج حروفها, ثم أفتيك بعد ذلك بما فيها من حسن أو قبيح، لصحَّ لابن سنان ما ذهب إليه من جعل مخارج الحروف المتباعدة شرطًا في اختيار الألفاظ, وإنما شذَّ عنه الأصل في ذلك، وهو أن الحسن من الألفاظ يكون متباعد المخارج، فحسن الألفاظ إذن ليس معلومًا من تباعد المخارج، وإنما عُلِمَ قبل العلم بتباعدها.\rوكل هذا راجع إلى حاسَّة السمع، فإذا استحسنت لفظًا أو استقبحته وُجِدَ ما تستحسنه متباعد المخارج, وما تستقبحه متقارب المخارج، واستحسانها واستقباحها إنما هو قبل اعتبار المخارج لا بعده.\rعلى أنَّ هذه القاعدة قد شذَّ عنها شواذ كثيرة؛ لأنه قد يجيء في المتقارب من المخارج ما هو حسن رائق.\rألا ترى أن الجيم والشين والياء مخارج متقاربة، وهي من وسط اللسان بينه وبين الحنك، وتسمَّى ثلاثتها \"الشجرية\", وإذا تراكب منها شيء من الألفاظ جاء حسنًا رائقًا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358301,"book_id":3862,"shamela_page_id":175,"part":"1","page_num":174,"sequence_num":175,"body":"فإن قيل \"جيش\" كانت لفظة محمودة، أو قدمت الشين على الجيم فقيل \"شجي\" كانت أيضًا لفظة محمودة، ومما هو أقرب مخرجًا من ذلك الباء والميم والفاء، وثلاثتها من الشفة، وتسمَّى \"الشفهية\"، فإذا نُظِمَ منها شيء من الألفاظ كان جميلًا حسنًا، كقولنا: \"فم\"، فهذه اللفظة من حرفين هما الفاء والميم، وكقولنا: \"ذقته بفمي\"، وهذه اللفظة مؤلفة من الثلاثة بجملتها, وكلاهما حسن لا عيب فيه.\rوقد ورد من المتباعد المخارج شيء قبيح أيضًا، ولو كان التباعد سببًا للحسن لما كان سببًا للقبح، إذ هما ضدان لا يجتمعان.\rفمن ذلك أنه يقال: \"ملع\"، إذا عدا، فالميم من الشفة، والعين من حروف الحلق, واللام من وسط اللسان، وكل ذلك متباعد، ومع هذا, فإن هذه اللفظة مكروهة الاستعمال، ينبو عنها الذوق السليم، ولا يستعملها من عنده معرفة بفن الفصاحة.\rوههنا نكتة غريبة، وهو أنَّا إذا عكسنا حروف هذه اللفظة صارت علم، وعند ذلك تكون حسنة لا مزيد على حسنها.\rوما ندري كيف صار القبح حسنًا؟ لأنه لم يتغيِّر من مخارجها شيء، وذاك أن اللام لم تزل وسطًا، والميم والعين يكتنفانها من جانبيها، ولو كان مخارج الحروف معتبرًا في الحسن والقبح لما تغيرت هذه اللفظة في \"ملع\" و\"علم\".\rفإن قيل: إن إخراج الحروف من الحلق إلى الشفة أيسر من إدخالها من الشفة إلى الحلق، فإن ذلك انحدار وهذا صعود, والانحدار أسهل!.\rفالجواب عن ذلك أني أقول: ولو استمرَّ لك هذا لصحَّ ما ذهبت إليه، لكنَّا نرى من الألفاظ ما إذا عكسنا حروفه من الشفة إلى الحلق, أو من وسط اللسان, أو من آخره إلى الحلق, لا يتغير، كقولنا: \"غلب\"، فإن الغين من حروف الحلق، واللام من وسط اللسان، والباء من الشفة، وإذا عكسنا ذلك صار \"بلغ\"، وكلاهما حسن مليح.\rوكذلك تقول: \"حلم\" من الحلم، وهو الأناة، وإذا عكسنا هذه الكلمة صارت \"ملح\"، على وزن فَعُلَ -فتح الفاء وضم العين- وكلاهما أيضًا حسن مليح.\rوكذلك تقول: \"عقر\" و\"رقع\"، و\"عرف\" و\"فرع\"، و\"حلف\" و\"فلح\"","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358302,"book_id":3862,"shamela_page_id":176,"part":"1","page_num":175,"sequence_num":176,"body":"و\"قلم\" و\"ملق\" و\"كلم\" و\"ملك\"، ولو شئت لأوردت من ذلك شيئًا كثيرًا تضيق عنه هذه الأوراق.\rولو كان ما ذكرته مطَّردًا لكنَّا إذا عكسنا هذه الألفاظ صار حسنها قبحًا، وليس الأمر كذلك.\rوأمَّا ما ذكره ابن سنان من جريان اللفظة على العرف العربيّ فليس ذلك مما يوجب حسنًا ولا قبحًا، وإنما يقدح في معرفة مستعملها بما ينقله من الألفاظ, فكيف يعد ذلك من جملة الأوصاف الحسنة؟\rوأمَّا تصغير اللفظة فيما يعبَّر به عن شيء لطيف أو خفيٍّ أو ما جرى مجراه, فهذا مما لا حاجة إلى ذكره، فإنَّ المعنى يسوق إليه، وليست معاني التصغير من الأشياء الغامضة التي يفتقر إلى التنبيه عليها، فإنها مدونة في كتب النحو، وما من كتاب نحوٍ إلا والتصغير باب من أبوابه، ومع هذا, فإن صاحب هذه الصناعة مخيَّر في ذلك: إن شاء أن يورده بلفظ التصغير, وإن شاء بمعناه كقول بعضهم:\rلو كان يخفى على الرحمن خافيةٌ ... من خلقه خفيت عنه بنو لبد\rفهل كان يمكن هذا الشاعر أن يصغِّر من هؤلاء القوم, ويحقر من شأنهم بألفاظ التصغير, ويجيء هكذا كما جاء بيته هذا? فالوصية به إذن ملغاة لا حاجة إليها.\rوأما الأوصاف الباقية التي ذكرت فهي التي ينبغي أن ينبه عليها.\rفمنها ألا تكون الكلمة وحشيةً.\r\"الوحشي\":\rوقد خفي الوحشي على جماعة من المنتمين إلى صناعة النظم والنثر، وظنُّوه المستقبح من الألفاظ وليس كذلك، بل الوحشي ينقسم قسمين: غريب حسن.\rوالآخر: غريب قبيح.\rوذلك أنه منسوب إلى اسم الوحش الذي يسكن القفار، وليس بأنيس، وكذلك الألفاظ التي لم تكن مأنوسة الاستعمال، وليس من شرط الوحش أن يكون مستقبحًا،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358303,"book_id":3862,"shamela_page_id":177,"part":"1","page_num":176,"sequence_num":177,"body":"بل أن يكون نافرًا لا يألف الإنس، فتارة يكون حسنًا, وتارة يكون قبيحًا.\rوعلى هذا فأن أحد قسمي الوحشيِّ -وهو الغريب الحسن- يختلف باختلاف النسب والإضافات.\rوأما القسم الآخر من الوحشيّ -الذي هو قبيح- فإن الناس في استقباحه سواء، ولا يختلف فيه عربي بادٍ, ولا قروي متحضر.\rوأحسن الألفاظ ما كان مألوفًا متداولًا؛ لأنه لم يكن مألوفًا متداولًا إلا لمكان حسنه، وقد تقدَّم الكلام على ذلك في باب الفصاحة، فإن أرباب الخطابة والشعر نظروا إلى الألفاظ ونَقَّبُوا عنها، ثم عَدَلُوا إلى الأحسن منها فاستعملوه، وتركوا ما سواه، وهو أيضًا يتفاوت في درجات حسنه.\rفالألفاظ إذن تنقسم ثلاثة أقسام: قسمان حسنان, وقسم قبيح.\rفالقسمان الحسنان:\rأحدهما: ما تداول استعماله الأول والآخر، من الزمن القديم إلى زماننا هذا، ولا يطلق عليه أنه وحشيّ.\rوالآخر: ما تداول استعماله الأول دون الآخر، ويختلف استعماله بالنسبة إلى الزمن وأهله، وهذا هو الذي لا يعاب استعماله عند العرب؛ لأنه لم يكن عندهم وحشيًّا، وهو عندنا وحشيّ، وقد تضمَّن القرآن الكريم منه كلمات معدودة، وهي التي تطلق عليها \"غريب القرآن\"، وكذلك تضمَّن الحديث النبويّ منه شيئًا، وهو الذي يطلق عليه \"غريب الحديث\".\rوحضر عندي في بعض الأيام رجل متفلسف, فجرى ذكر القرآن الكريم، فأخذت في وصفه، وذكر ما اشتملت عليه ألفاظه ومعانيه من الفصاحة والبلاغة، فقال ذلك الرجل: وأيّ فصاحة هناك وهو يقول: ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ ١؟ فهل في لفظة \"ضيزى\" من الحسن ما يوصف?","footnotes":"١ سورة النجم: الآية ٢٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358304,"book_id":3862,"shamela_page_id":178,"part":"1","page_num":177,"sequence_num":178,"body":"فقلت له: اعلم أن لاستعمال الألفاظ أسرارًا لم تقف عليها أنت ولا أئمتك، مثل: ابن سينا والفارابي، ولا من أضلَّهم مثل: أرسطاليس وأفلاطون, وهذه اللفظة التي أنكرتها في القرآن، وهي لفظة \"ضيزى\" فإنِّها لا يَسُدُّ غيرها مسدَّها، ألا ترى أن السورة كلها -التي هي سورة النجم- مسجوعة على حرف الياء١، فقال تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ ٢ وكذلك إلى آخر السورة, فلما ذكر الأصنام وقسمة الأولاد وما كان يزعمه الكفار قال: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى، تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ ٣ فجاءت اللفظة على الحرف المسجوع الذي جاءت السورة عليه، وغيرها لا يسد مسدها في مكانها.\rوإذا نزلنا معك أيُّها المعاند على ما تريد قلنا: إن غير هذه اللفظة أحسن منها, ولكنها في هذا الموضع لا ترد ملائمة لأخواتها، ولا مناسبة؛ لأنها تكون خارجة عن حرف السورة.\rوسأبيِّن ذلك فأقول: إذا جئنا بلفظة في معنى هذه اللفظة, قلنا: قسمة جائرة أو ظالمة, ولا شكَّ أن \"جائرة\" أو \"ظالمة\" أحسن من \"ضيزى\"، إلّا أنَّا إذا نظمنا الكلام قلنا: ألكم الذكر وله الأنثى تلك قسمة ظالمة, لم يكن النظم كالنظم الأول, وصار الكلام كالشيء المعوَّز الذي يحتاج إلى تمام، وهذا لا يخفى على من له ذوق ومعرفة بنظم الكلام.\rفلمَّا سمع الرجل ما أوردته عليه ربا لسانه في فمه إفحامًا، ولم يكن عنده في ذلك شيء سوى العناد الذي مستنده تقليد بعض الزنادقة الذين يكفرون تشهيًا، ويقولون ما يقولونه جهلًا, وإذا حوققوا عليه ظهر عجزهم وقصورهم.\rوحيث انتهى القول إلى ههنا, فإني راجع إلى ما كنت بصدد ذكره فأقول: وأما القبيح من الألفاظ الذي يعاب استعماله فلا يسمَّى \"وحشيًّا\" فقط، بل يسمَّى \"الوحشيّ\" الغليظ، وسيأتي ذكره.","footnotes":"١ يبدو أن ابن الأثير نظر إلى الحرف المكتوب، والعبرة في هذا بالحرف المنطوق، وهو ههنا الألف المقصورة.\r٢ سورة النجم: الآيتان ١، ٢.\r٣ سورة النجم: الآيتان ٢١، ٢٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358305,"book_id":3862,"shamela_page_id":179,"part":"1","page_num":178,"sequence_num":179,"body":"وإذا نظرنا إلى كتاب الله تعالى الذي هو أفصح الكلام وجدناه سهلًا سلسًا, وما تضمَّنه من الكلمات الغريبة يسير جدًّا.\rهذا, وقد أنزل في زمن العرب العرباء، وألفاظه كلها من أسهل الألفاظ، وأقربها استعمالًا، وكفى به قدوةً في هذا الباب، قال النبي ﷺ: \"ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل مثل أم القرآن, وهي السبع المثاني\"، يريد بذلك فاتحة الكتاب، وإذا نظرنا إلى ما اشتملت عليه من الألفاظ وجدناها سهلة قريبة المأخذ, يفهمها كل أحد حتى صبيان المكاتب وعوام السوقة، وإن لم يفهموا ما تحتها من أسرار الفصاحة والبلاغة، فإنَّ أحسن الكلام ما عرف الخاصة فضله، وفهم العامة معناه.\rوهكذا فلتكن الألفاظ المستعملة في سهولة فهمها وقرب متناولها، والمقتدي بألفاظ القرآن يكتفي بها عن غيرها من جميع الألفاظ المنثورة والمنظومة.\rوأمَّا ما ورد من اللفظ الوحشيّ في الأخبار النبوية فمن جملة ذلك حديث طهفة بن أبي زهير النهدي١، وذاك أنه لما قدمت وفود العرب على النبي ﷺ, قام طهفة بن أبي زهير فقال: أتيناك يا رسول الله من غوري تهامة٢ على أكوار الميس٣، ترتمي بنا العيس، نستجلب الصبير٤، ونستخلب الخبير٥، ونستعضد البرير٦، ونستخيل الرهام٧، ونستخيل الجهام٨، في أرض غائلة النطاء٩، غليظة الوطاءة، قد نشف المدهن١٠، ويبس الجعثن١١، وسقط الأملوج١٢، ومات","footnotes":"١ نهد إحدى قبائل اليمن.\r٢ أصل الغور ما تداخل من الأرض وانهبط، وقيل: كل ما انحدر سيله مغربًا فهو الغور.\r٣ الميس: شجر تتخذ منه الرحال للينة وقوته، ويطلق على الرحال نفسها.\r٤ الصبير السحاب الكثيف.\r٥ الخبير: العشب.\r٦ استعضد الثمرة: اجتناها, والبربر: ثمر الأراك، وكانوا يأكلونه وقت الجدب لقلة الزاد.\r٧ الرهام: جمع رهمة, وهي المطر الضعيف الدائم، ونستخيل: نخال ونظن.\r٨ الجهام: السحاب قد أراق ماءه.\r٩ النطاء: البعيد, أي: بعيدة بعدًا مهلكًا.\r١٠ المدهن: مستنقع الماء، أو كل موضع حفره سيل.\r١١ أصل النبات.\r١٢ ورق كورق السرو لشجر بالبادية.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358306,"book_id":3862,"shamela_page_id":180,"part":"1","page_num":179,"sequence_num":180,"body":"العسلوج١، وهلك الهَديّ٢ وفاد الودي٣، برئنا إليك يا رسول الله من الوثن والعثن٤، وما يحدث الزمن، لنا دعوة السلام، وشريعة الإسلام، ما طمى البحر, وقام تعار٥، ولنا نعم همل أغفال، ما تبضُّ ببلال٦، ووقير كثير الرسل، قليل الرسل٧، أصابتنا سنيةٌ حمراء مؤزلة ليس لها عللٌ ولا نهل٨.\rفقال رسول الله ﷺ: \"اللهم بارك لهم في محضها ومخضها ومذقها وفرقها ٩، وابعث راعيها الدثر ١٠ بيانع الثمر، وافجر له الثمد ١١، وبارك له في المال والولد, ومن أقام الصلاة كان مسلمًا، ومن آتى الزكاة كان محسنًا، ومن شهد أن لا إله إلا الله كان مخلصًا، لكم يا بني نهد ودائع الشر ك ١٢، ووضائع ١٣ الملك، لا تلطط ١٤ في الزكاة، ولا تلحد ١٥ في الحياة, ولا تتثاقل عن الصلاة\".\rوكتب معه كتابًا إلى بني نهد: \"من محمد رسول الله إلى بني نهد: السلام على من آمن بالله ورسوله، لكم يا بني نهد في الوظيفة الفريضة ١٦، ولكم الفارض ١٧","footnotes":"١ ما لان واخضرَّ من القضبان, وعسجلت الشجرة: أخرجته.\r٢ الهدي: ما يُهْدَى إلى مكة لينحر.\r٣ الودي: الفسيل, وهو النخل الصغار.\r٤ العثن: الصنم الصغير.\r٥ جبل ببلاد قيس.\r٦ الهمل: المهملة، والأغفال: جمع غفل -بالضم، وهو ما لا سمة عليه من الدواب, وبض الماء: بيض سال قليلًا قليلًا, والبلال المبلل، والمراد قلة اللبن.\r٧ الوقير: القطيع من الغنم، والرسل: القطيع من كل شيء, والرسل: اللبن.\r٨ سنية: تصغير سنة, وهي القحط والمجاعة، وحمراء: أي شديدة، ومؤزلة: ذات أزل لسكون الزاي، وهو الضيق والشدة.\r٩ المخض: اللبن الخالص, ومخض اللبن: أخذ زبده، والمذق: اللبن الممزوج بالماء، والفرق: القطيع من الغنم.\r١٠ الدثر: المال الكثير, وقيل: هو الكثير من كل شيء.\r١١ الثمد: الماء القليل لا مادة له، أو ما يظهر في الشتاء ويذهب في الصيف.\r١٢ أي: الغنائم التي تضمّ من المشركين، وتودع بيت مال المسلمين، ليقووا بها على شئونهم.\r١٣ الوضائع: جمع وضيعة، وهي ما يأخذه السلطان من الخراج والعشور.\r١٤ يقال: لططت عنه حقه إذا جحدته.\r١٥ يقال: ألحد إذا مال ومارى وجادل.\r١٦ الوظيفة النصاب في الزكاة، وأصله الشيء الراتب، والفريضة الهرمة المسنة، والمراد: أنها لا تؤخذ منهم في الزكاة، بل تكون لهم، ويروى \"عليكم في الوظيفة الفريضة\" أي: في كل نصاب ما فرض فيه.\r١٧ الفارض المسنة كالفريضة، ويروى \"العارض\" بالعين وهي المريضة، أو التي أصابها كسر.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358307,"book_id":3862,"shamela_page_id":181,"part":"1","page_num":180,"sequence_num":181,"body":"والفريش ١ وذو العنان الركوب ٢ والفلوّ الضبيس ٣، لا يمنع سرحكم٤، ولا يعضد طلحكم ٥، ولا يحبس دركم ٦، ولا يؤكل أكلكم، ما لم تضمروا الإماق ٧، وتأكلوا الرباق ٨، من أقرَّ بما في هذا الكتاب فله من رسول الله الوفاء بالعهد والذمة، ومن أبى فعليه الربوة\".\rوفصاحة رسول الله ﷺ لا تقتضي استعمال هذه الألفاظ، ولا تكاد توجد في كلامه إلا جوابًا لمن يخاطبه بمثلها, كهذا الحديث وما جرى مجراه، على أنه قد كان في زمنه متداولًا بين العرب، ولكنه ﷺ لم يستعمله إلا يسيرًا؛ لأنه أعلم بالفصيح والأفصح.\rوهذا الكلام هو الذي نعده نحن في زماننا وحشيًّا لعدم الاستعمال.\rفلا تظنّ أن الوحشي من الألفاظ ما يكرهه سمعك، ويثقل عليك النطق به، وإنما هو الغريب الذي يقل استعماله, فتارةً يخف على سمعك ولا تجد به كراهة، وتارةً يثقل على سمعك وتجد منه الكراهة.\rوذلك في اللفظ عيبان:\rأحدهما: أنه غريب الاستعمال.\rوالآخر: أنه ثقيل على السمع, كريه على الذوق.\rوإذا كان اللفظ بهذه الصفة فلا مزيد على فظاظته وغلاظته، وهو الذي يسمى","footnotes":"١ هي التي وضعت حديثًا، فهي كالنفساء من النساء، والفرس بعد نتاجها بسبع ليال.\r٢ ذو العنان الركوب: الفرس الذلول.\r٣ الفلوّ: المهر الصغير، وقيل: العظيم من جميع أولاد الحافر، والضبيس: العسر الصعب الذي لم يرض.\r٤ السرح: المواشي السائمة، أي: إنها لا تمنع من المرعى.\r٥ يعضد: يقطع، والطلح: شجر عظام.\r٦ الدر: اللبن، والمراد ذوات الدر من المواشي.\r٧ الإماق -مخفف من الإمآق، ترك الهمز منه ليوازن الرباق، والإماق: نكث العهد من الأنفة.\r٨ الرباق: جمع ربق -بالكسر، وهو حبل فيه عدة عرى تشد به البهيمة من يدها أو عنقها، والمعنى تقطعوا رباق العهد الذي في أعناقكم وتنقضوه، واستعار الأكل لذلك؛ لأن البهيمة إذا أكلت الربقة خلصت من الشد.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358308,"book_id":3862,"shamela_page_id":182,"part":"1","page_num":181,"sequence_num":182,"body":"\"الوحشي الغليظ\"، ويسمَّى أيضًا \"المتوعِّر\"، وليس وراءه في القبح درجة أخرى، ولا يستعمله إلا أجهل الناس ممن لم يخطر بباله معرفة هذا الفنِّ أصلًا.\rفإن قيل: فما هذا النوع من الألفاظ?\rقلت: قد ثبت لك أنه ما كرهه سمعك، وثقل على لسانك النطق به.\rوسأضرب لك في ذلك مثالًا، فمنه ما ورد لتأبَّط شرًّا في كتاب الحماسة:\rيظل بموْمَاةٍ ويمسي بغيرها ... جحيشًا ويَعْرَوْرِي ظهور المسالك١\rفإن لفظة: \"جحيش\" من الألفاظ المنكرة القبيحة، ويالله العجب! أليس أنها بمعنى \"فريد\"، وفريد لفظة حسنة رائقة، ولو وضعت في هذا البيت موضع \"جحيش\" لما اختلَّ من وزنه.\rفتأبط شرًا ملوم من وجهين في هذا الموضع:\rأحدهما: أنه استعمل القبيح.\rوالآخر: أنه كانت له مندوحة عن استعماله فلم يعدل عنها.\rومما هو أقبح منها ما ورد لأبي تمام من قوله:\rقد قلت لما اطلخمَّ الأمر وانبعثت ... عشواء تليةٌ غبسًا دهاريسا٢\rفلفظة: \"اطلخمَّ\" من الألفاظ المنكرة التي جمعت الوصفين القبيحين في أنها غريبة, وأنها غليظة في السمع, كريهة على الذوق، وكذلك لفظة \"دهاريس\" أيضًا.","footnotes":"١ ديوان الحماة ١/ ٣١ ورواية الديوان:\rويعرورى ظهور المهالك\rوالموْمَاة: المفازة لا ماء فيها، والجحيش: المنفرد، ويعروري أي: يرتكب المهالك، والمعنى: إنه كثير الجولان في الأرض مستأنس بنفسه، يرتكب المهالك لشدة حماسته وجراءته.\r٢ ديوان أبي تمام ٧١٧, وهو من قصيدة يمدح بها عياش بن لهيعة، ومطلعها:\rأحيا حشاشة قلب كان مخلوسًا ... ورم بالصبر عقلًا كان مألوسا\rومعنى اطلخمَّ: أظلمَّ، والعشواء: ضعيفة البصر، والقبس: جمع غباء وهي المظلمة، والدهاريس: الدواهي.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358309,"book_id":3862,"shamela_page_id":183,"part":"1","page_num":182,"sequence_num":183,"body":"وعلى هذا ورد قوله من أبياتٍ يصف فرسًا من جملتها:\rنعم متاع الدنيا حباك به ... أروع لا جيدرٌ ولا جبس١\rفلفظة \"جيدر\" غليظة، وأغلظ منها قول أبي الطيب المتنبي:\rجفخت وهم لا يجفخون بها بهم ... شيمٌ على الحسب الأغرِّ دلائل٢\rفإن لفظة \"جفخ\" مرة الطعم، وإذا مرَّت على السمع اقشعرَّ منها، وأبو الطيب في استعمالها كاستعمال تأبَّط شرًّا لفظة \"جحيش\"، فإن تأبط شرًّا كانت له مندوحة عن استعمال تلك اللفظة، كما أشرنا إليها فيما تقدَّم، وكذلك أبو الطيب في استعمال هذه اللفظة التي هي \"جفخت\", فإن معناها: فخرت، والجفخ: الفخر، يقال: \"جفخ فلان\"، إذا فخر، ولو استعمل عوضًا عن \"جفخت\" \"فخرت\" لاستقام وزن البيت, وحظي في استعماله بالأحسن.\rوما أعلم كيف يذهب هذا وأمثاله على مثل هؤلاء الفحول من الشعراء؟!\rوهذا الذي ذكرته وما يجري مجراه من الألفاظ هو الوحشيّ اللفظ, الغليظ الذي ليس له ما يدانيه في قبحه وكراهته، وهذه الأمثلة دليل على ما أوردناه.\rوالعرب إذن لا تلام على استعمال الغريب الحسن من الألفاظ, وإنما تلام على الغريب القبيح، وأما الحضريّ فإنه يلام على استعمال القسمين معًا، وهو في أحدهما أشدّ ملامة من الآخر.\rعلى أنَّ هذا الموضع يحتاج إلى قيد آخر، وذلك شيء استخرجته أنا دون غيري، فإني","footnotes":"١ ديوان أبي تمام ١٦٧ وهو من قصيدة يمدح بها الحسن بن وهب، ومطلعها:\rهل أثر من ديارهم دعس ... حيث تلاقى الأجزاع والوعس\rورواية الديوان \"حيدر\" بالحاء المهملة, وهو القصير، والجيدر بمعناه، والأروع الذي يعجب الإنسان، والجبس: الجامد الثقيل الروح.\r٢ ديوان المتنبي ٣/ ٢٥٨ من قصيدة يمدح بها أحمد بن عبد الله الأنطاكي، ومطلعها:\rلك يا منازل في القلوب منازل ... أقفرت أنت وهن منك أواهل\rجفخت: تكبرت وفخرت، وفي البيت تقديم وتأخير، وتقديره: جفخت بهم شيم وفخرت، وهم لا يفخرون بها، وشيمهم دلائل على حسبهم الظاهر.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358310,"book_id":3862,"shamela_page_id":184,"part":"1","page_num":183,"sequence_num":184,"body":"وجدت الغريب الحسن يسوغ استعماله في الشعر، ولا يسوغ في الخطب والمكاتبات، وهذا ينكره من يسمعه حتى ينتهي إلى ما أوردته من الأمثلة، ولربما أنكره بعد ذلك, إما عنادًا وإما جهلًا، لعدم الذوق السليم عنده.\rفمن ذلك قول الفرزدق١:\rولولا حياءٌ زدت رأسك شجةً ... إذا سبرت ظلت جوانبها تغلي٢\rشرنبثةٌ شمطاء من ير ما بها ... تشبه ولو بين الخماسيّ والطفل٣\rفقوله: \"شرنبثة\" من الألفاظ الغريبة التي يسوغ استعمالها في الشعر، وهي ههنا غير مستكرهة، إلا أنها لو وردت في كلام منثور من كتاب أو خطبة لعيبت على مستعملها.\rوكذلك وردت لفظة \"مشمخر\"٤ فإنَّ بشرًا قد استعملها في أبياته التي يصف فيها لقاءه الأسد، فقال:\rوأطلقت المهند عن يميني ... فقد له من الأضلاع عشرا\rفخرَّ مضرجًا بدمٍ كأني ... هدمت به بناءً مشمخرَّا\rوعلى هذا ورد قول البحتري في قصيدته التي يصف فيها إيوان كسرى فقال:\rمشمخرٌ تعلو له شرفاتٌ ... رفعت في رءوس رضوى وقدس٥\rفإن لفظة \"مشمخر\" لا يحسن استعمالها في الخطب والمكاتبات، ولا بأس بها ههنا في الشعر، وقد وردت في خطب الشيخ الخطيب ابن نباتة، كقوله في خطبة يذكر فيها","footnotes":"١ ديوان الفرزدق ٢/ ٧١٣ من قصيدة مطلعها:\rألا استهزأت مني هنيدة أن رأت ... أسيرًا يداني خطوه حلق الحجل\r٢ رواة الديوان \"هزمة\" موضع \"شجة\", والهزمة: الشق، والسير تقدير الجراحة.\r٣ الشرنيث في الأصل الغليظ، أراد أنها قبيحة منكرة، في الأصل \" ... من يرتمي بها يشبه ... \", ويقال \"غلام خماسي\" إذا كان طوله خمسة أشبار، ولا يقال: سداسي ولا سباعي؛ لأنه إذا بلغ ستة أشبار فهو رجل، والطفل هو الصغير أو المولود.\r٤ المشمخر: الجبل العالي.\r٥ شرفات القصر: ما أشرف من بنائه، ورضوى: جبل، وقدس: جبل بنجد، يشبه القصر في ضخامته وارتفاعه بهذين الجبلين.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358311,"book_id":3862,"shamela_page_id":185,"part":"1","page_num":184,"sequence_num":185,"body":"أهوال يوم القيامة، فقال: \"اقمطرَّ١ وبالها، واشمخرَّ نكالها\" فما طابت ولا ساغت\".\rومن هذا الأسلوب لفظة \"الكنهور\" في وصف السحاب كقول أبي الطيب٢:\rيا ليت باكيةً شجاني دمعها ... نظرت إليك كما نظرت فتعذرا\rوترى الفضيلة لا ترد فضيلةً ... الشمس تشرق والسحاب كنهورا٣\rفلفظة \"الكنهور\" لا تعاب نظمًا، وتعاب نثرًا.\rوكذلك يجري الأمر في لفظة \"العرمس\", وهي اسم الناقة الشديدة، فإن هذه اللفظة يسوغ استعمالها في الشعر ولا يعاب مستعملها، كقول أبي الطيب أيضًا:\rومهمهٍ جبته على قدمي ... تعجز عنه العراميس الذلل٤\rفإنه جمع هذه اللفظة، ولا بأس بها، ولو استعملت في الكلام المنثور لما طابت ولا ساغت, وقد جاءت موحدة في شعر أبي تمام٥ كقوله:\rهي العرمس الوجناء وابن ملمَّةٍ ... وجأشٌ على ما يحدث الدهر خافض٦\rوكذلك ورد قوله أيضًا:\rيا موضع الشدنية الوجناء٧","footnotes":"١ اقمطرَّ: اشتد.\r٢ ديوان المتنبي ٢/ ١٧١ من قصيدة يمدح بها أبا الفضل محمد بن العميد، ومطلعها:\rبادهواك صبرت أم لم تصبرا ... وبكاك إن لم يجر دمعك أو جرى\r٣ الكنهور: العظيم المتكاثف.\r٤ ديوان المتنبي ٣/ ٢١١، والمهمه: ما بعد من الأرض واتَّسع، جبته: قطعته، العرامس: النوق الصلاب الشديدة، الذلل: المذللة بالعمل، والبيت من قصيدة يمدح بها بدر بن عمار، ومطلعها:\rأبعد نيل المليحة البخل ... في البعد ما لا تكلف الإبل\r٥ ديوان أبي تمام ١٨٤ من قصيدة يمدح بها دينار بن عبد الله، ومطلعها:\rمهاة النقا لولا الشوى والمآبض ... وإنَّ محض الإعراض لي منك ماحض\r٦ في الأصل \"وحاش\"، وفي الديوان \"هي الحرة الوجناء\", والوجناء: العظيمة الوجنتين.\r٧ صدر مطلع القصيدة وعجزه:\rومصارع الإدلاج والإسراء\rالإيضاع ضرب من السير أو التسيير، والشدنية: الناقة الكريمة، نسبة إلى شدن بلد مشهور بالإبل الكرام.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358312,"book_id":3862,"shamela_page_id":186,"part":"1","page_num":185,"sequence_num":186,"body":"فإن \" الشَّدنية\" لا تعاب شعرًا، وتعاب لو وردت في كتاب أو خطبة، وهكذا يجري الحكم في أمثال هذه الألفاظ المشار إليها.\rوعلى هذا, فاعلم أن كل ما يسوغ استعماله في الكلام المنثور من الألفاظ يسوغ استعماله في الكلام المنظوم، وليس كل ما يسوغ استعماله في الكلام المنظوم يسوغ استعماله في الكلام المنثور.\rوذلك شيء استنبطته، واطَّلعت عليه كثرة ممارستي لهذا الفن، ولأنَّ الذوق الذي عندي دَّلني عليه، فمن شاء فليقلدني فيه، وإلّا فليدمن النظر حتى يطَّلع على ما اطَّلعت عليه، والأذهان في مثل هذا المقام تتفاوت!\rوقد رأيت جماعةً من مدَّعي هذه الصناعة يعتقدون أن الكلام الفصيح هو الذي يعز فهمه، ويبعد متناوله، وإذا رأوا كلامًا وحشيًّا غامض الألفاظ يعجبون به, ويصفونه بالفصاحة، وهو بالضد من ذلك؛ لأن الفصاحة هي الظهور والبيان، لا الغموض والخفاء.\rوسأبيِّن لك ما تعتمد عليه في هذا الموضع، فأقول: الألفاظ تنقسم في الاستعمال إلى جزلة ورقيقة، ولكل منهما موضع يحسن استعماله فيه.\rفالجزل منها يستعمل في وصف مواقف الحروب، وفي قوارع التهديد والتخويف، وأشباه ذلك.\rوأما الرقيق منها فإنه يستعمل في وصف الأشواق, وذكر أيام البعاد، وفي استجلاب المودات، وملاينات الاستعطاف، وأشباه ذلك.\rولست أعني بالجزل من الألفاظ أن يكون وحشيًّا متوعرًا، عليه عنجهية البداوة، بل أعني بالجزل: أن يكون متينًا على عذوبته في الفم, ولذاذته في السمع، وكذلك لست أعني بالرقيق: أن يكون ركيكًا سفسفًا١، وإنما هو اللطيف الرقيق","footnotes":"١ السفسف والسفسان: الرديء من كل شيء.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358313,"book_id":3862,"shamela_page_id":187,"part":"1","page_num":186,"sequence_num":187,"body":"الحاشية الناعم الملمس؛ كقول أبي تمام١:\rناعمات الأطراف لو أنها تلـ ... ـبس أغنت عن الملاء الرقاق\rوسأضرب لك مثالًا للجزل من الألفاظ والرقيق فأقول:\rانظر إلى قوارع القرآن عند ذكر الحساب والعذاب والميزان والصراط، وعند ذكر الموت ومفارقة الدنيا، وما جرى هذا المجرى، فإنك لا ترى شيئًا من ذلك وحشي الألفاظ، ولا متوعرًا.\rثم انظر إلى ذكر الرحمة والرأفة والمغفرة، والملاطفات في خطاب الأنبياء، وخطاب المنيبين والتائبين من العباد، وما جرى هذا المجرى، فإنَّك لا ترى شيئًا من ذلك ضعيف الألفاظ ولا سفسفًا.\rفمثال الأول, وهو الجزل من الألفاظ, قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ، وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ، وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ، وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ، قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ، وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ، وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ ٢.\rفتأمَّل هذه الآيات المضمنة ذكر الحشر على تفاصيل أحواله, وذكر النار والجنة, وانظر هل فيها لفظة إلا وهي سهلة مستعذبة على ما بها من الجزالة؟","footnotes":"١ ديوان أبي تمام، من قصيدة يمدح بها إسماعيل بن شهاب ويشكره، ومطلعها:\rأيها البرق بت بأعلى البراق ... واغد فيها بوابل غيداق\rالبراق: أرض ذات حجارة ورمل وطين، والغيداق: المنسكب.\r٢ سورة الزمر: الآيات ٦٩-٧٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358314,"book_id":3862,"shamela_page_id":188,"part":"1","page_num":187,"sequence_num":188,"body":"وكذلك ورد قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ١.\rوأما مثال الثاني: وهو الرقيق اللفظ, فقوله تعالى في مخاطبة النبي ﷺ: ﴿وَالضُّحَى، وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى، مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ ٢ ... إلى آخر السورة.\rوكذلك قوله تعالى في ترغيب المسألة: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ ٣.\rوهكذا ترى سبيل القرآن الكريم في كلا هذين الحالين من الجزالة والرقَّة، وكذلك كلام العرب الأول في الزمن القديم مما ورد نثرًا، ويكفي من ذلك كلام قبيصة بن نعيم لما قدم على امرئ القيس في أشياخ بني أسد يسألونه العفوَ عن دم أبيه، فقال له:\r\"إنك في المحل والقدر من المعرفة بتصرف الدهر, وما تحدثه أيامه, وتنتقل به أحواله, بحيث لا تحتاج إلى تذكير من واعظ، ولا تبصير من مجرب, ولك من سؤدد منصبك, وشرف أعراقك, وكرم أصلك في العرب محتد٤، يحتمل ما حمل عليه من إقالة العثرة, ورجوع عن الهفوة، ولا تتجاوز الهمم إلى غاية إلا رجعت إليك, فوجدت عندك من فضيلة الرأي, وبصيرة الفهم, وكرم الصفح, ما يطول رغباتها ويستغرق طلباتها، وقد كان الذي كان من الخطب الجليل الذي عمَّت رزيته بزارًا واليمن, ولم تخصص بذلك كندة دوننا, للشرف البارع الذي كان لحجر، ولو كان يفدي هالك بالأنفس الباقية بعده لما بخلت كرائمنا بها على مثله، ولكنه مضى به سبيل لا يرجع أخراه على أولاه، ولا يلحق أقصاه أدناه، فأحمد الحالات في ذلك أن تعرف الواجب عليك في إحدى خلال ثلاث:","footnotes":"١ سورة الأنعام: الآية ٩٤.\r٢ سورة الضحى: الآيات ١-٣.\r٣ سورة البقرة: الآية ١٨٦.\r٤ المحتد: الأصل والطبع.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358315,"book_id":3862,"shamela_page_id":189,"part":"1","page_num":188,"sequence_num":189,"body":"إمَّا أن اخترت من بني أسد أشرفها بيتًا، وأعلاها في بناء المكرمات صوتًا، فقُدْنَاه إليك بنسعةٍ١ تذهب شفرات حسامك بباقي قصرته٢، فنقول: رجل امتُحِنَ بهالك عزيز, فلم يستلّ سخيمته٣ إلّا تمكينه من الانتقام.\rأو فداءٌ بما يروح على بني أسد من نَعَمِها, فهي ألوف تجاوز الحسبة، فكان ذلك فداءً رجعت به القصب إلى أجفانها, لم يُرَدِّدْها تسليط الإحن على البراء.\rوإمَّا أن وادعتنا إلى أن تضع الحوال، فتسدل الأُزر، وتُعْقَد الخمر فوق الرايات\".\rفبكى امرؤ القيس ساعة, ثم رفع رأسه فقال:\r\"لقد علمت العرب أنه لا كفء لحجر في دم، وإني لن أعتاض به جملًا ولا ناقة, فأكتسب به سُبَّة الأبد، وفتَّ العضد.\rوأما النظرة فقد أوجبتها الأجنَّة في بطون أمهاتها، ولن أكون لعطبها سببًا, وستعرفون طلائع كندة من بعد ذلك تحمل في القلوب حنقًا٤، وفوق الأسنة علقًا٥:\rإذا جالت الحرب في مأزقٍ ... تصافح فيه المنايا النُّفُوسَا\rأتقيمون أم تنصرفون?\".\rقالوا: \"بل ننصرف بأسوأ الاختيار، وأبلى الاجترار، بمكروه وأذية, وحرب وبلية\".\rثم نهضوا عنه, وقبيصة يتمثَّل:\rلعلك أن تَسْتَوْخِمَ الورد إن غَدَتْ ... كتائبنا في مأزق الحرب تمطر\rفقال امرؤ القيس: \"لا والله! ولكن أستعذبه، فرُوَيْدًا ينفرج لك دجَاهَا من","footnotes":"١ النسع -بالكسر: سير ينسج عريضًا على هيئة أعنَّة النعال تشد به الرحال، والفعلية منه لسعة.\r٢ القصرة أصل العنق.\r٣ السخيمة: الحقد.\r٤ الحنق: الغيظ، أو شدته.\r٥ العلق: محركة الدم عامة، أو الشديد الحمرة، أو الغليظ، أو الجامد.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358316,"book_id":3862,"shamela_page_id":190,"part":"1","page_num":189,"sequence_num":190,"body":"فرسان كندة وكتائب حمير، ولقد كان ذكرٌ غير هذا بي أَوْلَى، إذ كنت نازلًا بربعي، ولكنك قلت فأجبت, فقال امرؤ القيس: هو ذاك١.\rفلتنظر إلى هذا الكلام من الرجلين قبيصة وامرئ القيس، حتى يدع المتعمِّقون تعمقهم في استعمال الوحشي من الألفاظ, فإن هذا الكلام قد كان في الزمن القديم قبل الإسلام بما شاء الله، وكذلك كلام كل فصيح من العرب مشهور، وما عداه فليس بشيء.\rوهذا المشار إليه ههنا هو جزل كلامهم، وعلى ما تراه من السلاسة والعذوبة.\rوإذا تصَّفحْتَ أشعارهم أيضًا وجدت الوحشيَّ من الألفاظ قليلًا بالنسبة إلى المسلسل في الفم والسمع، ألا ترى إلى هذه الأبيات الواردة للسموءل بن عاديا، وهي٢:\rإذا المرء لم يَدْنَس من اللوم عرضه ... فكل رداءٍ يرتديه جميل\rوإن هو لم يحمل على النفس ضيمها ... فليس إلى حسن الثناء سبيل\rتُعَيِّرُنَا أنَّا قليلٌ عديدنا ... فقلت لها إنَّ الكرام قليل\rوما ضَرَّنَا أنَّا قليلٌ وجارنا ... عزيزٌ وجار الأكثرين ذليل\rيقرب حُبُّ الموت آجالنا لنا ... وتكرهُه آجالهم فتطول\rوما مات منَّا سيدٌ حتف أنفه٣ ... ولا طُلَّ منَّا حيث كان قتيل\rعلونا إلى خير الظهور٤ وحطنا ... لوقتٍ إلى خير البطون يزول\rفنحن كماء المزن ما في نصابنا ... كَهَامٌ٥ ولا فينا يُعَدُّ بخيل\rإذا سيدٌ منَّا خلا قام سيدٌ ... قئولٌ لما قال الكرام فعول","footnotes":"١ صححنا بعض ألفاظ هذا النص بمقابلته على رواية القلقشندي \"انظر صبح الأعشى ٢/ ٢٠٨\".\r٢ الأبيات في ديوان الحماسة ١/ ٣٦.\r٣ قال: \"مات فلان حتف أنفه\" إذا مات من غير قتل ولا ضرب -والمعنى أنفه لا تموت. ولكن تقتل، ودم القتيل منَّا لا يذهب هدرًا.\r٤ يشير إلى صريح نسبهم وخلوصه بما يحط بشرفهم.\r٥ كماء المزن أي: ماء السحاب -يشبه صفاء أنسابهم بصفاء ماء المطر، والنصاب: الأصل، والكهام: الكليل الحد.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358317,"book_id":3862,"shamela_page_id":191,"part":"1","page_num":190,"sequence_num":191,"body":"وأيامنا مشهورةٌ في عدونا ... لها غررٌ مشهورةٌ١ وحجول\rوأسيافنا في كل غربٍ ومشرقٍ ... بها من قراع الدارعين٢ فلول\rمُعَوَّدَةٌ إلّا تسلَّ نصالها ... فتُغْمَد حتَّى يُسْتَبَاح قتيل\rفإذا نظرنا إلى ما تضمنته من الجزالة خلناها زُبَرًا من الحديد، وهي مع ذلك سهلة مستعذبة غير فظة ولا غليظة.\rوكذلك قد ورد للعرب في جانب الرِّقَّة من الأشعار ما يكاد يذوب لرقته، كقول عروة بن أذينة٣:\rإن التي زعمت فؤادك ملها ... خُلِقَت هواك كما خُلِقتَ هوىً لها\rبيضاء باكرها النعيم فصاغها ... بلباقةٍ فأدقَّها٤ وأجلها\rحجبت تحيَّتها فقلت لصاحبي: ... ما كان أكثرها لنا وأقلها\rوإذا وجدت لها وساوس سلوةٍ ... شفع الضمير إلى الفؤاد٥ فسلَّها\rوكذلك ورد قول الآخر٦:\rأقول لصاحبي والعيس تهوي٧ ... بنا بين المنيفة فالضَّمار٨","footnotes":"١ رواية ديوان الحماسة \"معلومة\", والحجول جمع حجل، وهو هنا البياض يكون في قوائم الفرس، والكلام على التشبيه.\r٢ القراع والمقارعة المضاربة، والدَّارعون أصحاب الدروع، والفلول جمع فل، وهو الثلم في حد السيف.\r٣ اسمه يحيى بن مالك, أحد بني ليث بن بكر بن عبد مناة، وهو شاعر غزل مقدم من شعراء المدينة، ومعدود في الفقهاء والمحدثين، روى عنه مالك بن أنس، والأبيات في ديوان الحماسة ٢/ ٦٣ وفي أمالي القالي ١/ ١٥٦.\r٤ رواية الأمالي \"بلباقة فأرقها\".\r٥ الوساوس خطرات النفس -والمعنَى أن النَّفس إذا حدَّثتني بالسلو عنها كان ضميري الشفيع إلى إخراج وساوس السلو من نفسي, ورواية الأمالي \"شفع الضمير لها إلي فسلها\".\r٦ الأبيات الخمسة الأولى في أمالي القالي ١/ ٣٢ وفي حماسة أبي تمام ٢/ ٦٥ وهي غير منسوبة فيهما.\r٧ رواية الأمالي \"تخدى\".\r٨ المنيفة: ماء لبني تميم، والضمار: اسم موضع، قال التبريزي: وكان حق العطف في قوله: \"فالضمار\" أن يكون بالواو، لأن \"بين\" لا تدخل إلّا بين شيئين متباينين، إلّا إذا أريد بين أجزاء المنيفة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358318,"book_id":3862,"shamela_page_id":192,"part":"1","page_num":191,"sequence_num":192,"body":"تمتَّع من شميم عرار نجدٍ ... فما بعد العشيَّة من عرار١\rألا يا حبذا نفحاتُ نجدٍ ... وَرَيَّا روضه غِبَّ القطار٢\rوأهلك إذ يحلُّ الحيُّ نجدًا ... وأنت على زمانك غير زار٣\rشهورٌ ينقضين وما شعرنا ... بأنصافٍ لهنَّ ولا سرار٤\rفأمَّا ليلهنَّ فخير ليلٍ ... وأطيب ما يكون من النهار\rومما ترقص الأسماع له، ويرنُ على صفحات القلوب، قول يزيد بن الطثرية في محبوبته من جرم:\rبنفسي مَنْ لو مَرَّ بَرْدُ بنانه ... على كبدي كانت شفاءً أنامله\rومن هَابَني في كل شيءٍ وهبْتُه ... فلا هو يعطيني ولا أنا سائله\rوإذا كان هذا قول ساكنٍ في الفلاة لا يرى إلّا شيحةً أو قيصومة، ولا يأكل إلا ضبًّا أو يربوعًا، فما بال قوم سكنوا الحضر، ووجدوا رقَّة العيش، يتعاطون وحشيّ الألفاظ، وشظَفَت العبارات ولا يخلد إلى ذلك إما جاهل بأسرار الفصاحة، وإما عاجز عن سلوك طريقها، فإن كل أحد ممن شدا شيئًا من علم الأدب يمكنه أن يأتي بالوحشيّ من الكلام، وذاك أنَّه يلتقطه من كتب اللغة، أو يتلقَّفه من أربابها، وأما الفصيح المتَّصف بصفة الملاحة فإنه لا يقدر عليه، ولو قدَرَ عليه لما علم أين يضع يده في تأليفه وسبكه.\rفإن مارى في ذلك مُمارٍ فلينظر إلى أشعار علماء الأدب ممَّن كان مشارًا إليه، حتى يعلم صحَّة ما ذكرته: هذا ابن دُرَيْد٥، قد قيل: إنه أشعر علماء الأدب، وإذا نظرت","footnotes":"١ الشميم مصدر، أراد به المشموم، والمراد وردة ناعمة صفراء طيبة الرائحة.\r٢ القطار جمع قطر، والنفح تضوع الرياح بالنسيم بالطيب.\r٣ زرى عليه: عابه, والمعنى: ومحبوب إلي أيضًا منها زمان أهلك حين كانوا نازلين بنجد، وأنت راض منه لمساعدته إياك بما تهواه وتريده.\r٤ سرار الشهر: آخره.\r٥ هو أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي، ولد بالبصرة سنة ٢٢٣هـ، وكان نابغة في اللغة والأدب والأنساب، وبرع في الشعر، حتى قيل فيه: أشهر العلماء وأعلم الشعراء، وله عدة تصانيف منها كتاب \"الجمهرة\" في اللغة، توفي سنة ٣٢١هـ.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358319,"book_id":3862,"shamela_page_id":193,"part":"1","page_num":192,"sequence_num":193,"body":"إلى شعره وجدته بالنسبة إلى شعر الشعراء المجيدين منحطًّا، مع أنَّ أولئك الشعراء لم يعرفوا من علم الأدب عشر معشار ما علمه.\rهذا العباس بن الأحنف١، قد كان من أوائل الشعراء المجيدين، وشعره كممرّ نسيم على عذبات أغصان, وكلؤلؤات طلّ على طرر ريحان، وليس فيه لفظة واحدة غريبة يحتاج إلى استخراجها من كتب اللغة, فمن ذلك قوله:\rوإنِّي ليرضيني قليل نوالكم ... وإن كان لا أرضى لكم بقليل\rبحرمة ما قد كان بيني وبينكم ... من الود إلّا عدتم بجميل\rوهكذا ورد قوله في \"فوز\" التي كان يشبب في شعره:\rيا فوز، يا منية عباس ... قلبي يُفَدَّي قلبك القاسي\rأسأت إذ أحسنت ظنِّي بكم ... والحزم سوء الظنِّ بالناس\rيقلقني شوقي فآتيكم ... والقلب مملوءٌ من الياس\rوهل أعذب من هذه الأبيات, وأعلق بالخاطر, وأسرى في السمع? ولمثلها تخف رواجح الأوزان، وعلى مثلها تسهر الأجفان، وعن مثلها تتأخَّر السوابق عند الرهان، ولم أجرها بلساني يومًا إلّا ذكرت قول أبي الطيب المتنبي٢:\rإذا شاء أن يلهو بلحية أحمقٍ ... أراه غُبَاري ثُمَّ قال له الحق٣\rومن الذي يستطيع أن يسلك هذه الطريق التي هي سهلة وعرة, قريبة بعيدة! وهذا أبو العتاهية٤، كان في عزة الدولة العباسية، وشعراء العرب إذ ذاك موجودون","footnotes":"١ العباس بن الأحنف من بني عدي بن حنيفة، وهو شاعر غزل مطبوع، وله مذهب في الشعر جيد، ولمعانيه عذوبة، وكان من شعراء بني العباس، وقدَّمه المبرد على نظرائه، وأطنب في وصفه، ولم يتجاوز الغزل إلى غيره من أغراض الشعر، توفي سنة ١٩٢هـ.\r٢ ديوان المتنبي ٢/ ٣١٤ من قصيدة مطلعها:\rلعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي ... وللحب ما لم يبق مني وما بقي\r٣ أسكن الواو من الفعل \"يلهو\" وهو منصوب ضرورة.\r٤ هو إسماعيل بن القاسم، نشأ بالكوفة يعالج الشعر مع إلمام بمذاهب المتكلمين والفلاسفة، ويغلب على شعره الزهد والسهولة، وقد توفي سنة ٢١١هـ.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358320,"book_id":3862,"shamela_page_id":194,"part":"1","page_num":193,"sequence_num":194,"body":"كثيرًا, وكانت مدائحه في المهديّ بن المنصور، وإذا تأمَّلت شعره وجدته كالماء الجاري: رقة ألفاظ، ولطافة سبك، وليس بركيك ولا واهٍ.\rوكذلك أبو نواس، وبهذا قُدِّم على شعراء عصره, وناهيك بعصره وما جمعه من فحول الشعراء، ويكفي منهم مسلم بن الوليد١ الذي كان فارس الشعر، وله الأسلوب الغريب العجيب، غير أنه كان يتعنجه في أكثر ألفاظه.\rويحكى أنَّ أبا نواس جلس يومًا إلى بعض التجار ببغداد هو وجماعة من الشعراء، فاستسقى الماء، فلمَّا شرب قال:\rعَذُبَ الماء وطابا\rم قال: أجيزوه، فأخذ أولئك الشعراء يترددون في إجازته، وإذا هم بأبي العتاهي فقال: ما شأنكم مجتمعين? فقالوا: هو كيت وكيت، وقد قال أبو نواس:\rعَذُبَ الماء وطابا\rفقال أبو العتاهية:\rحبَّذا الماء شرابا\rفعجبوا لقوله على الفور من غير تلبثٍ.\rوكل شعر أبي العتاهية كذلك سهل الألفاظ, وسأورد منه ههنا شيئًا يُسْتَدَلُّ به على سلاسة طبعه، وترويق خاطره.\rفمن ذلك قصيدته التي يمدح فيها المهديّ، ويشبب فيها بجاريته \"عتب\":\rألا ما لسيدتي ما لها ... تُدِلُّ فاحمل إدلالها\rألا إن جارية للإما ... م قد سكن الحسن سربالها\rلقد أتعب الله قلبي بها ... وأتعب في اللوم عذَّالها\rكأن بعيني في حيثما ... سلكت من الأرض تِمثالها","footnotes":"١ هو صريح الغواني مسلم بن الوليد الأنصاري، تأدَّب في الكوفة، ونبه شأنه في الشعر، حتى صار من متقدمي عصره، وهو من متكلمي البديع، وقد توفي بجرجان سنة ٢٠٨هـ.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358321,"book_id":3862,"shamela_page_id":195,"part":"1","page_num":194,"sequence_num":195,"body":"فلما وصل إلى المديح قال من جملته:\rأتته الخلافة منقادةً ... إليه تجرر أذيالها\rفلم تك تصلح إلا له ... ولم يك يصلح إلا لها\rولو رامها أحدٌ غيرك ... لزلزلت الأرض زلزالها\rولو لم تطعه بنات القلوب١ ... لما قبل الله أعمالها\rويحكى أن بشارًا٢ كان شاهدًا عند إنشاد أبي العتاهية هذه الأبيات، فلمَّا سمع المديح قال: انظروا إلى أمير المؤمنين، هل طار عن أعواده? يريد: هل زال عن سريره طربًا بهذا المديح؟\rولعمري إن الأمر كما قال بشار، وخير القول ما أسكر السامع حتى ينقله عن حالته، سواء كان في مديح أو غيره.\rوقد أشرت إلى ذلك فما يأتي من هذا الكتاب عند ذكر \"الاستعارة\"، فليؤخذ من هناك.\rواعلم أن هذه الأبيات المشار إليها ههنا من رقيق الشعر غزلًا ومديحًا, وقد أذعن لمديحها الشعراء من أهل ذلك العصر، ومع هذا, فإنك تراها من السلاسة واللطافة على أقصى الغايات.\rوهذا هو الكلام الذي يسمَّى \"السهل الممتنع\"، فتراه يطمعك، ثم إذا حاولت مماثلته راغ عنك كما يروغ الثعلب.\rوهكذا ينبغي أن يكون من خاض في كتابة أو شعر، فإن خير الكلام ما دخل الأذن بغير إذنٍ!\rوأما البداوة والعنجهية في الألفاظ فتلك أمة قد خلت، ومع أنها قد خلت","footnotes":"١ بنات القلوب: حياتها، والمعنى: مَنْ لم يخلص للخليفة لا يتقبل الله عمله.\r٢ هو أبو معاذ بشار بن برد العقيلي ولاء، الفارسي أصلًا، أخذ العربية عن أعراب البصرة، ونبغ في الشعر لشدة ذكائه، وسعة خياله، وحسن ابتكاره، وكان هجَّاء ماجنًا, مات مقتولًا سنة ١٦٧هـ.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358322,"book_id":3862,"shamela_page_id":196,"part":"1","page_num":195,"sequence_num":196,"body":"وكانت في زمن العرب العاربة, فإنها قد عيبت على مستعملها في ذلك الوقت، فكيف الآن وقد غلب على الناس رقة الحَضَر?\rوبعد هذا, فاعلم أنَّ الألفاظ تجري من السمع مجرى الأشخاص من البصر.\rفالألفاظ الجزلة تُتَخَيَّل في السمع كأشخاص عليها مهابة ووقار.\rوالألفاظ الرقيقة تتخيل كأشخاص ذي رماثة ولين أخلاق ولطافة مزاج.\rولهذا ترى ألفاظ أبي تمام كأنها رجال قد ركبوا خيولهم، واستلأموا سلاحهم، وتأهبوا للطراد, وترى ألفاظ البحتري كأنها نساء حسان عليهنّ غلائل مصبغات, وقد تحلَّيْن بأصناف الحلي.\rوإذا أنعمت نظرك فيما ذكرته ههنا قد دللتك على الطريق، وضربت لك أمثالًا مناسبة.\rواعلم أنه يجب على الناظم والناثر أن يجتنبا ما يضيق به مجال الكلام في بعض الحروف، كالثاء والذال والخاء والشين والصاد والطاء والظاء والعين، فإن في الحروف الباقية مندوحة عن استعمال لا يحسن من هذه الأحرف المشار إليها.\rوالناظم في ذلك أشد ملامة؛ لأنه يتعرض لأَنْ ينظم قصيدة ذات أبيات متعددة, فيأتي في أكثرها بالبشع الكريه الذي يمجُّه السمع لعدم استعماله، كما فعل أبو تَمَّام في قصيدته الثائية التي مطلعها:\rقف بالطلول الدَّارسات علاثا١\rوكما فعل أبو الطيب المتنبي في قصيدته الشينية التي مطلعها:\rمبيتي من دمشق على فراش٢\rوكما فعل ابن هانئ المغربي٣ في قصيدته الخائية التي مطلعها:\rسرى وجناح الليل أقتم أفتخ","footnotes":"١ ديوان أبي تمام ٦٣، وعجز البيت:\rأضحت حبال فطينهن رثاثا\r٢ ديوان المتنبي ٢/ ٢٠٧ وعجز البيت:\rحشاء لي بحر حشاي حاش\rهو أبو القاسم محمد بن هانئ الأزدي الأندلسي، أشعر شعراء الأندلس, والملقَّب بمتنبي المغرب، نشأ في أشبيلية واتهم بسوء العقيدة، فهرب إلى عدوة المغرب، وكانت في قبضة الفاطميين الأولين، فمدح المعز قبل فتح مصر، وفي أثنائه، ولما فتحت مصر وذهب المعز إليها تأهَّبَ للحاق به، فمات في الطريق سنة ٣٦٢هـ، ولم يناهز الأربعين، ويمتاز شعره بالغريب، وفخامة اللفظ، والأساليب البدوية، وكثرة التشبيهات والمجاز.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358323,"book_id":3862,"shamela_page_id":197,"part":"1","page_num":196,"sequence_num":197,"body":"والناظم لا يعاب إذا لم ينظم هذه الأحرف في شعره، بل يعاب إذا نظمها وجاءت كريهة مستبشعة.\rوأمَّا الناثر فإنه أقرب حالًا من الناظم؛ لأنَّ غاية ما يأتي به سجعتان أو ثلاث أو أربع على حرف من هذه الأحرف، وما يعدم في ذلك ما يروق إذا كان بهذه العدة اليسيرة.\rفإن كلفت أيها الشاعر أن تنظم شيئًا على هذه الحروف فقل: هذه الحروف هي مقاتل الفصاحة، وعذري واضح في تركها، فإن واضع اللغة لم يضع عليها ألفاظًا تعذب في الفم، ولا تلذ في السمع, والذي هو بهذه الصفة منها فإنما هو قليل جدًّا، ولا يصاغ منه إلّا مقاطيع أبيات من الشعر، وأما القصائد المقصَّدة فلا تصاغ منه، وإن صيغت جاء أكثرها بشعًا كريهًا.\rعلى أنَّ هذه الحروف متفاوتة في كراهة الاستعمال، وأشدَّها كراهية أربعة أحرف، وهي الخاء والصاد والظاء والغين، وأما الثاء والذال والشين والطاء فإنَّ الأمر فيهنَّ أقرب حالًا.\rوهذا موضع ينبغي لصاحب الصناعة أن يُنْعِمَ نظره فيه، وفيما أشرنا إليه كفاية للمتعلم، فليعرفه وليقف عنده!\rالمبتذل من الألفاظ:\rومن أوصاف الكلمة ألّا تكون مبتذلة بين العامة.\rوذلك ينقسم قسمين:\rالأول: ما كان من الألفاظ دالًّا على معنى وُضِعَ له في أصل اللغة, فغيَّرته العامة وجعلته دالًّا على معنى آخر، وهو ضربان:\rالأول: ما يُكْرَهُ ذكره، كقول أبي الطيب١:","footnotes":"١ ديوان المتنبي ٤/ ٥٥ من قصيدة يمدح بها الحسين بن إسحاق التنوخي، ومطلعها:\rملام النوى في ظلمها غاية الظلم ... لعلَّ بها مثل الذي بي من الظلم","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358324,"book_id":3862,"shamela_page_id":198,"part":"1","page_num":197,"sequence_num":198,"body":"أذاق الغواني حسنه ما أذقنني ... وعفَّ فجازاهنَّ عني بالصرم١\rفإن [معنى] لفظة \"الصرم\" في وضع اللغة هو القطع، يقال: \"صرمه\" إذا قطعه، فغيَّرتها العامة وجعلتها دالة على المحل المخصوص من الحيوان دون غيره، فأبدلوا السين صادًا، ومن أجل ذلك استكره استعمال هذه اللفظة، وما جرى مجراها، لكنَّ المكروه منها ما يستعمل على صيغة الاسمية، كما جاءت في هذا البيت، وأما إذا استعملت على صيغة الفعل كقولنا: \"صرمه\" و\"صرمته\" و\"تصرَّمه\" فإنها لا تكون كريهة؛ لأن استعمال العامة لا يدخل في ذلك.\rوهذا الضرب المشار إٍليه لا يعاب البدوي على استعماله، كما يعاب المحتضر؛ لأنَّ البدوي لم تتغير الألفاظ في زمنه، ولا تصرَّفت العامَّة فيها كما تصرَّفت في زمن المحتضرة من الشعراء، فمن أجل ذلك عيب استعمال لفظة \"الصرم\" وما جرى مجراها على الشاعر المحتضر، ولم يعب على الشاعر المبتدئ، ألا ترى إلى قول أبي صخر الهذلي٢:\rقد كان صرمٌ في الممات لنا ... فعجلت قبل الموت بالصرم٣\rفإنَّ هذا لا يعاب على أبي صخر كما عيب على المتنبي قوله في البيت المقدَّم ذكره.\rوقد صنَّف الشيخ أبو منصور بن أحمد البغدادي المعروف بابن الجواليقي كتابًا في هذا الفن، ووسمه بـ\"إصلاح ما تغلط فيه العامة\"، فمنه ما هذا سبيله، وهو الذي أنكر استعماله لكراهته؛ ولأنه مما لم ينقل عن العرب، فهذان عيبان.\rوأما الضرب الثاني:\rوهو أنه وضع في أصل اللغة لمعنى, فجعلته العامة دالًّا على غيره، إلّا أنه ليس بمستقبَحْ ولا مستكره.","footnotes":"١ رواية الديوان:\rوعفَّ فجازهن عنى بالصرم\rقد أسكن \"الغواني\" ضرورة؛ لأنها مفعول \"ذاق\".\r٢ اسمه عبد الله بن سلم السهميّ، أحد بنى هذيل بن مدركه، وهو شاعر إسلامي من شعراء الدولة الأموية، وكان مواليًا لبني مروان، متعصبًا لهم، وله في عبد الملك مدائح، وقد كان حبسه ابن الزبير إلى أن شفع له رجال من قريش، فأطلقه بعد سنة، فلمَّا ولي عبد الملك وحجَّ لقيه أبو صخر، فأدناه عبد الملك وقرَّبه، فمدحه ونال جائزته.\r٣ من أبيات ثمانية في ديوان الحماسة ٢/ ٦٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358325,"book_id":3862,"shamela_page_id":199,"part":"1","page_num":198,"sequence_num":199,"body":"وذلك كتسميتهم الإنسان \"ظريفًا\" إذا كان دمث الأخلاق حسن الصورة أو اللباس، أو ما هذا سبيله، \"والظرف\" في أصل اللغة مختَصٌّ بالنطق فقط.\rوقد قيل في صفات خلق الإنسان ما أذكره ههنا، وهو: الصباحة في الوجه، الوضاءة في البشرة، الجمال في الأنف، الحلاوة في العينين، الملاحة في الفم، الظرف في اللسان، الرشاقة في القد، اللباقة في الشمائل، كمال الحسن في الشعر.\rفالظرف إنما يتعلَّق بالنطق خاصَّة، فغيَّرته العامَّة عن بابه, ومِمَّن غلط في هذا الموضع أبو نواس حيث قال:\rاختصم الجود والجمال ... فيك فصارا إلى جدال\rفقال هذا يمينه لي ... للعرف والبذل والنوال\rوقال هذاك وجهه لي ... للظرف والحسن والكمال\rفافترقا فيك عن تراضٍ ... كلاهما صادق المقال\rوكذلك غلط أبو تمام، فقال١:\rلك هضبة الحلم التي لو وازنت ... أجَأ إذن ثقُلَت وكان خفيفًا\rوحلاوة الشَّم التي لو مازجت ... خلق الزمان الفدم عاد ظريفًا\rفأبو نواس غلط ههنا في أنَّه وصف الوجه بالظرف، وهو من صفات النطق، وأبو تمام غلط في أنه وصف الخلق بالظرف، وهو من صفات النطق أيضًا، إلّا أنَّ هذا غلط لا يوجب في هذه اللفظة قبحًا، لكنه جهل بمعرفة أصلها في وضع اللغة.\rالقسم الثاني مما ابتذلته العامة، وهو الذي لم تغيره عن وضعه:\rوإنما أنكر استعماله؛ لأنه مبتذل بينهم، لا لأنَّه مستقبح، ولا لأنَّه مخالف لما وضع له.\rوفي هذا القسم نظر عندي؛ لأنه إن كان عبارةً عمَّا يكثر تداوله بين العامة, فإن","footnotes":"١ ديوان أبي تمام ٣٠٩ من قصيدة في مدح أبي سعيد محمد بن يوسف، ومطلعها:\rأطلالهم سلبت دماها الهيفا ... واستبدلت وحشًا بهن عكوفا","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358326,"book_id":3862,"shamela_page_id":200,"part":"1","page_num":199,"sequence_num":200,"body":"من الكثير المتداول بينهم ألفاظًا فصيحة، كالسماء، والأرض، والنار، والماء، والحجر، والطين، وأشباه ذلك.\rوقد نطق القرآن الكريم في مواضع كثيرة منه، وجاءت في كلام الفصحاء نظمًا ونثرًا.\rوالذي ترجَّح في نظري أن المراد بالمبتذل من هذا القسم إنما هو الألفاظ السخيفة الضعيفة، سواء تداولتها العامَّة أو الخاصة. فمما جاء منه قول أبي الطيب المتنبي١:\rوملمومةٌ سيفيَّةٌ ربعيةٌ ... يصيح الحصى فيها صياح اللقالق٢\rفإن لفظة \"اللقالق\" مبتذلة بين العامة جدًّا، وكذلك قوله٣:\rومن الناس من يجوز إليهم ... شعراء كأنها الخازباز٤\rوهذا البيت من مضحكات الأشعار، وهو من جملة \"البرسام\" الذي ذكره في شعره حيث قال٥:\rإن بعضًا من القريض هراءٌ ... ليس شيئًا وبعضه أحكام٦\rفيه ما يجلب البراعة والفهم ... وفيه ما يجلب البرسام٧","footnotes":"١ ديوان المتنبي ٢/ ٣٢٥ من قصيدة مطلعها:\rتذكرت ما بين العذيب وبارق ... مجر عوالينا ومجرى السوابق\r٢ الملومة: الكتيبة المجتمعة، وسيفية: منسوبة إلى سيف الدولة، وربعية: منسوبة إلى بيعة، وهي قبيلة سيف الدولة، واللقالق: جمع لقلق، وهو طائر كبير يسكن العمران في أرض العراق.\r٣ ديوان المتنبي ٢/ ١٨٣ من قصيدة في مدح أبي بكر علي بن صالح، ومطلعها:\rكفرندي فريد سبقي الجرار ... لذة العين عدة للبراز\r٤ رواية الديوان:\rومن الناس من يجوز عليه, والخازباز: حكاية صوت الذباب، ويسمَّى الذباب \"الخازباز\", وقال الأصمعي: هو نبت، وقال قوم: الخازباز داء يأخذ الإبل في حلوقها والناس، والمعنى: أنت ناقد الكلام تعرف الشعر، وغيرك يجوز عليه شعراء يهذون، كأنهم طنين الذباب في هذيانهم.\r٥ ديوان المتنبي ٤/ ١٠١ من قصيدته التي مطلعها:\rلا افتخار لمن لا يضام ... مدرك أو محارب لا ينام\r٦ رواية الديوان \"هذاء\" موضع \"هراء\", والهذاء والهذيان مصدر هذى يهذي, إذا قال قولًا لا فائدة له، والأحكام جمع حكم بمعنى: الحكمة.\r٧ رواية الديوان \"الفضل\" موضع \"الفهم\"، والبرسام علة يهذي فيها.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358327,"book_id":3862,"shamela_page_id":201,"part":"1","page_num":200,"sequence_num":201,"body":"ومثل هذه الألفاظ إذا وردت في الكلام وضعت من قدره، ولو كان معنى شريفًا.\rوهذا القسم من الألفاظ المبتذلة لا يكاد يخلو منه شعر شاعر، لكن منهم المقلُّ ومنهم المكِْثرُ، حتى إن العاربة قد استعملت هذا، إلّا أنه في أشعارها أقلَّ, فمن ذلك قول النابغة الذبياني في قصيدته التي أولها:\rمن آل مية رائحٌ أو مغتدي١ ... أو دميةٍ في مرمرٍ مرفوعةٍ\rبنيت بآجرٍ يشاد بقرمد٢ ... فلفظة \"آجر\" مبتذلة جدًّا.\rوإن شئت أن تعلم شيئًا من سر الفصاحة التي تضمّنها القرآن فانظر إلى هذا الموضوع، فإنه لما جيء فيه بذكر \"الآجر\" لم يذكر بلفظه، ولا بلفظ \"القرمد\" أيضًا، ولا بلفظ \"الطوب\" الذي هو لغة أهل مصر؛ فإن هذه الأسماء مبتذلة، لكن ذكر في القرآن على وجه آخر وهو قوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا﴾ ٣ فعبَّر عن الآجر بالوقود على الطين.\rومن هذا القسم المبتذل قول الفرزدق في قصيدته التي أولها:\rعرفت بأعشاش وما كدت تعزف٤\rوأصبح مبيض الضريب كأنه ... على سروات النيب قطن مُنَدَّف٥","footnotes":"١ ديوان النابغة بشرح الوزير أبي بكر عاصم بن أيوب البطليوسي ص٢٧ وعجز البيت:\rعجلان ذا زاد وغير مزود\r٢ صفحة ٣٠ من الديوان، والدمية: التمثال والصورة، والمرمر: الرخام الأبيض، ويشاد: يرفع بالشيد وهو الجصّ، والقرمد: خزف مطبوخ.\r٣ سورة القصص: الآية ٣٨.\r٤ ديوان الفرزدق ٢/ ٥٥١، وهي إحدى نقائضه، وعجز البيت:\rوأنكرت من حدراء ما كنت تعرف\rفي الأصل \"عرفت\" و\"تعرف\" بالراء فيهما، والصواب عن الديوان.\r٥ في الأصل \"الضريب\" موضع \"الصقيع\", و\"البيت\" موضع \"النيب\", والتصويب عن الديوان، وسروات النيب: أسنمة الإبل، يقول: وقع الثلج على أسنمتها كأنَّه قطن مندَّف, والصقيع: الجليد.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358328,"book_id":3862,"shamela_page_id":202,"part":"1","page_num":201,"sequence_num":202,"body":"فقول: \"مندَّف\" من الألفاظ العامية، ومن هذا القسم قول البحتري:\rوجوه حسَّادك مسودَّة ... أم صُبِغَتْ بعدي بالزاج\rفلفظة: \"الزَّاج\" من أشدِّ ألفاظ العامَّة ابتذالًا.\rوقد استعمل أبو نواس هذا النوع في شعره كثيرًا، كقوله:\rيا من جفاني وملا ... نسيت أهلًا وسهلا\rومات مرحب لما ... رأيت مالي قلا\rإني أظنك فيما ... فعلت تحكي القرلّى٢\rوكقوله٣:\rوأنمر الجلدة صيَّرته ... في الناس زاغًا وشقرَّاقا٤\rما زلت أجري كلكي فوقه ... حتى دعا من تحته قاقا\rوكقوله:\rوملحة بالعذل تحسب أنني ... بالجهل أترك صحبة الشطار\rوقد استعمل لفظة \"الشاطر\" \"والشاطرة\" \"والشطار\" كثيرًا، وهي من الألفاظ التي ابتذلها العامة حتى سئمت من ابتذالها.\rوهذه الأمثلة تمنع الواقف عليها من استعمال أشباهها وأمثالها.\rومن أوصاف الكلمة ألّا تكون مشتركة بين معنيين أحدهما يكره ذكره، وإذا وردت وهي غير مقصود بها ذلك المعنى قبحت، وذلك إذا كانت مهملة بغير قرينة تميز معناها عن القبح.","footnotes":"١ ديوان أبي نواس ١٥٣ في عتاب عمرو الوراق.\r٢ القرلى كزمكى: طائر ذو حزم لا يرى إلا فرقًا على وجه الماء على جانب يهوي بإحدى عينيه إلى قعر الماء طمعًا، ويرفع الأخرى في الهواء حذرًا، ومنه المثل \"أحزم من قرلى، إن رأى خيرًا تدلى، وإن رأى شرًّا تولَّى\".\r٣ ديوان أبي نواس ١٨٩ في هجاء زنبور.\r٤ الأنمر: ما فيه نمرة, أي: نكتة بيضاء وأخرى سوداء، والزاغ: غرب صغير، والشقراق -بكسرتين وراء مشددة أو كقرطاس ويفتح طائر مرقط بخضرة وحمرة وبياض، ويكون بأرض الحرم.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358329,"book_id":3862,"shamela_page_id":203,"part":"1","page_num":202,"sequence_num":203,"body":"فأمَّا إذا جاءت ومعها قرينة فإنها لا تكون معيبة، كقوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ١. ألَا ترى أن لفظة \"التعزيز\" مشتركة تطلق على التعظيم والإكرام, وعلى الضرب الذي هو دون الحد، وذلك نوع من الهوان، وهما معنيان ضدان، فحيث وردت في هذه الآية جاء معها قرائن من قبلها ومن بعدها, فخصت معناها بالحسن، وميزته عن القبيح. ولو وردت مهملة بغير قرينة, وأريد بها المعنى الحسن لَسَبَق إلى الوهم ما اشتملت عليه من المعنى القبيح.\rمثال ذلك: لو قال قائل: لقيت فلانًا فعزرته، لسبق إلى الفهم أنه ضربه وأهانه، ولو قال: لقيت فلانًا فأكرمته وعزرته، لزال ذلك اللبس.\rواعلم أنه قد جاء من الكلام ما معه قرينة فأوجب قبحه، ولو لم تجئ معه لما استقبح، كقول الشريف الرضي:\rأعزر علي بأن أراك وقد خلا\rعن جانبيك مقاعد العواد\rوقد ذكر ابن سنان الخفاجي هذا البيت في كتابه, فقال: إن إيراد هذه اللفظة في هذا الموضع صحيح، إلّا أنه موافق لما يكره ذكره في مثل هذا الشعر، لا سيِّمَا وقد أضافه إلى من يحتمل إضافته إليه، وهم العواد، ولو انفرد لكان الأمر فيه سهلًا، فأما الإضافة إلى من ذكره ففيها قبح لا خفاء به، هذا حكاية كلامه٢، وهو مرضي واقع في موقعه.\rولنذكر نحن ما عندنا في ذلك فنقول: قد جاءت هذه اللفظة المعيبة في الشعر في القرآن الكريم، فجاءت حسنة مرضية، وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ ٣ وكذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا","footnotes":"١ سورة الأعراف: الآية ١٥٧.\r٢ انظر سر الفصاحة ٩٣, ونصّ عبارة ابن سنان: فإيراد \"مقاعد\" في هذا البيت صحيح, إلّا أنه موافق لما يكره ذكره في مثل هذا الشأن، لا سيما وقد أضافه إلى من يحتمل إضافته إليهم وهو العوّاد، ولو انفرد كان الأمر فيه سهلًَا، فأمَّا إضافته إلى ما ذكره ففيها قبح لا خفاء به.\r٣ سورة آل عمران: الآية ١٢١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358330,"book_id":3862,"shamela_page_id":204,"part":"1","page_num":203,"sequence_num":204,"body":"مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا، وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ ١\rألا ترى أنها في هاتين الآيتين غير مضافة إلى من تقبح إضافته إليه كما جاءت في الشعر.\rولو قال الشاعر بدلًا من \"مقاعد العواد\" \"مقاعد الزيارة\"، أو ما جرى مجراه، لذهب ذلك القبح، وزالت تلك الهجنة، ولهذا جاءت هذه اللفظة في الآيتين على ما تراه من الحسن، وجاءت على ما تراه من القبح في قول الشريف الرضي.\rوعلى هذا ورد قول تأبَّط شرًّا:\rأقول للحيان وقد صفرت لهم ... وطابي ويومي ضيق الجحر معور٢\rفإنه أضاف الجحر إلى اليوم فأزال عنه هجنة الاشتباه؛ لأن \"الجحر\" يطلق على كل ثقب كثقب الحية واليربوع، وعلى المحل المخصوص من الحيوان، فإذا ورد مهملًا بغير قرينة سبق إلى الوهم ما يقبح ذكره، لاشتهاره به دون غيره.\rومن ههنا ورد قول النبي ﷺ: \"المؤمن لا يلسع من حجرٍ مرتين\" وحيث قال: \"يلسع\" زال اللبس؛ لأنَّ اللسع لا يكون إلا للحيَّة وغيرها من ذوات السموم.\rوأما ما ورد مهملًا بغير قرينة فقول أبي تمام٣:\rأعطيت لي دية القتيل وليس لي ... عقلٌ ولا حقٌ عليك قديم٤\rفقوله: \"ليس لي عقل\" يظنَّ أنه من \"عقل الشي\" إذا علِمَه، ولو قال: \"ليس لي عليك عقل\" لزال اللبس.","footnotes":"١ سورة الجن: الآيتان ٨، ٩.\r٢ ديوان الحماسة ١/ ٢٦، ولحيان بطن من هذيل، وصفرت جلت، والوطاب جمع وطب, وهو سقاء اللبن، وقوله: \"ضيق الجحر\" مثل لضيق المنفذ، والمعور: المنكشف العورة.\r٣ ديوان أبي تمام ٣٠١ من قصيدة يمدح بها أبا الحسين محمد بن الهيثم، ومطلعها:\rأسقى طلولهم أجشّ هزيم ... وغدت عليهم نضرة ونعيم\r٤ رواية الديوان \"أعطيتني\" موضع \"أعطيت لي\", والعقل: الدية.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358331,"book_id":3862,"shamela_page_id":205,"part":"1","page_num":204,"sequence_num":205,"body":"فيجب إذًا على صاحب هذه الصناعة أن يراعي في كلامه مثل هذا الموضع, وهو من جملة الألفاظ المشتركة التي يحتاج في إيرادها إلى قرينة تخصصها ضرورة.\rعدد حروف الكلمة:\rومن أوصاف الكلمة أن تكون مؤلَّفة من أقلِّ الأوزان تركيبًا, وهذا مما ذكره ابن سنان في كتابه, ثم مثَّله بقول أبي الطيب المتنبي١:\rإن الكرام بلا كرامٍ منهم ... مثل القلوب بلا سويداواتها٢\rوقال: إن لفظة \"سويداواتها\" طويلة، فلهذا قبحت٣.\rوليس الأمر كما ذكره، فإن قبح هذه اللفظة لم يكن بسبب طولها، وإنما هو لأنها في نفسها قبيحة، وقد كانت -وهي مفردة- حسنة، فلمَّا جمعت قَبُحَت، لا بسبب الطول.\rوالدليل على ذلك أنَّه قد ورد في القرآن الكريم ألفاظ طوال، وهي مع ذلك حسنة، كقوله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ ٤ فإن هذه اللفظة تسعة أحرف، وكقوله تعالى: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ﴾ ٥ فإن هذه اللفظة عشرة أحرف، وكلتاهما حسنة رائقة.\rولو كان الطول مما يوجب مما يوجب قبحًا لقبحت هاتان اللفظتان، وليس كذلك.\rألا ترى أنه لو أسقط من لفظة \"سويداواتها\". الهاء والألف اللتين هما عوض عن","footnotes":"١ ديوان المتنبي ١/ ٢٣٠ وهو من قصيدة في مدح أبي أيوب أحمد بن عمران ومطلعها:\rسرب محاسنه حرمت ذواتها ... دانى الصفات بعيد موصوفاتها\r٢ سويداء القلب: حبته، وجمعه سويداوات، يقول: الكرام من الخيل إذا لم يكن عليها فرسان من هؤلاء الممدوحين كالقلب إذا لم يكن فيه.. ويداء.\r٣ عبارة ابن سنان: فسويداواتها كلمة طويلة جدًّا، فلذلك لا أختارها، وانظر سر الفصاحة ٩٥-٩٧.\r٤ سورة البقرة: الآية ١٣٧.\r٥ سورة النور: الآية ٥٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358332,"book_id":3862,"shamela_page_id":206,"part":"1","page_num":205,"sequence_num":206,"body":"الإضافة لبقي منها ثمانية أحرف؟، ومع هذا فإنها قبيحة, ولفظة \"ليستخلفنهم\" عشرة أحرف، وهي أطول منها بحرفين، ومع هذا فإنها حسنة رائقة.\rوالأصل في هذا الباب ما أذكره: وهو أنَّ الأصول من الألفاظ لا تحسن إلّا في الثلاثي, وفي بعض الرباعي؛ كقولنا: \"عذب\" و\"عسجد\". فإن هاتين اللفظتين إحداهما ثلاثية والأخرى رباعية، وأما الخماسي من الأصول فإنه قبيح، لا يكاد يوجد منه شيء حسن، كقولنا: \"جحمرش\"، و\"صهصلق\"، وما جرى مجراهما.\rوكان ينبغي على ما ذكره ابن سنان أن تكون هاتان الَّلفظتان حسنتين, واللفظتان الواردتان في القرآن قبيحتين؛ لأنَّ تلك تسعة أحرف وعشرة, وهاتان خمسة وخمسة، ونرى الأمر بالضد مما ذكره، وهذا لا يعتبر فيه طول ولا قصر، وإنما يعتبر نظم تأليف الحروف بعضها مع بعض، وقد تقدَّم الكلام على ذلك، ولهذا لا يوجد في القرآن من الخماسي الأصول شيء، إلّا ما كان من اسم نبي عُرِّبَ اسمه ولم يكن في الأصل عربيًّا نحو: \"إبراهيم\" و\"إسماعيل\".\rومما يدخل في هذا الباب أن تجتنب الألفاظ المؤلَّفة من حروف يثقل النطق بها، سواء كانت طويلة أو قصيرة، ومثال ذلك قول امرئ القيس في قصيدته اللامية التي هي من جملة القصائد السبع الطوال١:\rغدائره مستشزرات إلى العلا ... تضل المدارى في مثنًّى ومرسل٢\rفلفظة \"مستشزرات\" مما يقبح استعمالها؛ لأنها تثقل على اللسان ويشق النطق بها، وإن لم تكن طويلة لأنا لو قلنا: \"مستنكرات\" أو \"مستنفرات\" على وزن \"مستشزرات\" لما كان في هاتين اللفظتين من ثقل ولا كراهة.\rولربَّما اعترض بعض الجهَّال في هذا الموضع، وقال: إن كراهة هذه اللفظة إنما هو لطولها.","footnotes":"١ هي المشهورة باسم \"المعلقات\".\r٢ الغدائر: جمع الغديرة، وهي الخصلة من الشعر، والاستشزار: الارتفاع، والمدارى: جمع مدرى وهي الشط, ويروى \"تضل العقاص\", والعقاص: جمع عقيصة، وهي الخصلة المجموعة من الشعر.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358333,"book_id":3862,"shamela_page_id":207,"part":"1","page_num":206,"sequence_num":207,"body":"وليس الأمر كذلك، فإنَّا لو حذفنا منها الألف والتاء قلنا: \"مستشزر\" لكان ذلك ثقيلًا أيضًا، وسببه أن الشين قبلها تاء، وبعدها زاي، فثقل النطق بها، وإلّا فلو جعلنا عوضًا من الزاي راء ومن الراء فاء، فقلنا \"مستشرف\" لزال ذلك الثقل.\rولقد رآني بعض الناس وأنا أعيب على امرئ القيس هذه اللفظة المشار إليها، فأكبر ذلك، لوقوفه مع شهرة التقليد في أنَّ امرئ القيس أشعر الشعراء، فعجبت من ارتباطه بمثل هذه الشبهة الضعيفة، وقلت له: لا يمنع إحسان امرئ القيس من استقباح ما له من القبح، ومثال هذا كمثال غزال المسك, فإنه يخرج منه المسك والبعر، ولا يمنع طيب ما يخرج من مسكه من خبث ما يخرج من بعره، ولا تكون لذاذة الطيب حاميةً للخبث من الاستكراه، فأسكت الرجل عند ذلك.\rوحضر عندي في بعض الأيام رجل من اليهود، وكنَّا إذ ذاك بالديار المصرية، وكان لليهود في هذا الرجل اعتقاد، لمكان علمه في دينهم وغيره، وكان لعمري كذلك، فجرى ذكر اللغات، وأن العربية هي سيدة اللغات، وأنها أشرفهنَّ مكانًا، وأحسنهنَّ وضعًا، فقال ذلك الرجل: كيف لا تكون كذلك? وقد جاءت آخرًا, فنفت القبيح من اللغات قبلها, وأخذت الحسن? ثم إن واضعها تصرَّف في جميع اللغات السالفة فاختصر ما اختصر، وخفَّف ما خفَّف، فمن ذلك اسم الجمل، فإنه عندنا في اللسان العبراني \"كوميل\" ممالًا على وزن \"فوعيل\"، فجاء واضع اللغة العربية وحذف الثقيل المستبشع، وقال: \"جمل\"، فصار خفيفًا حسنًا، وكذلك فعل في كذا وكذا، وذكر أشياء كثيرة, ولقد صدق في الذي ذكره وهو كلام عالم به.\rخفة الحركات:\rومن أوصاف الكلمة أن تكون مبنيَّة من حركات خفيفة، ليخفَّ النطق بها، وهذا الوصف يترتَّب على ما قبله من تأليف الكلمة، ولهذا إذا توالى حركتان خفيفتان في كلمة واحدة لم تستثقل، وبخلاف ذلك الحركات الثقيلة, فإنه إذا توالى منها حركتان في كلمة واحدة استثقلت.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358334,"book_id":3862,"shamela_page_id":208,"part":"1","page_num":207,"sequence_num":208,"body":"ومن أجل ذلك استثقلت الضمة على الواو, والكسرة على الياء؛ لأن الضمَّة من جنس الواو، والكسرة من جنس الياء، فتكون عند ذلك كأنها حركتان ثقيلتان.\rولنمثِّلْ لك مثالًا لتهتدي به في هذا الموضع، وهو أنَّا نقول: إذا أتينا بلفظة مؤلفة من ثلاثة أحرف, وهي -ج ز ع, فإذا جعلنا الجيم مفتوحة قلنا: \"الجزع\", أو مكسورة قلنا: \"الجِزع\", كان ذلك أحسن من أن لو جعلنا الجيم مضمومة فقلنا: \"الجُزع\"، وكذلك إذا والينا حركة الفتح قلنا: \"الجَزَع\" كان ذلك أحسن من موالاة حركة الضم عند قولنا: الجُزُع، ومن المعلوم أن هذه اللفظة لم يكن اختلاف حركاتها مغيرًا لمخارج حروفها, حتى ينسب ذلك إلى اختلاف تأليف المخارج, بل وجدناها تارة تكسى حسنًا، وتارة يسلب ذلك الحسن عنها، فعلمنا أن ذلك حادث عن اختلاف تأليف حركاتها.\rواعلم أنه قد توالت حركة الضم في بعض الألفاظ، ولم يحدث فيها كراهة ولا ثقلًا؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ ١ وكقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ ٢ وكقوله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ ٣ فحركة الضم في هذه الألفاظ متوالية, وليس بها من ثقل ولا كراهة، وكذلك ورد قول أبي تمام٤:\rنفسٌ يحتَثُّه٥ نَفَس ... ودموع ليس تحتبس\rومغانٍ للكرى دُثُرٌ ... عُطُلُ من عهده دُرُسُ٦\rشهرت ما كنت أكتمه ... ناطقاتٌ بالهوى خُرُسُ","footnotes":"١ سورة القمر: الآية ٣٦.\r٢ سورة القمر: الآية ٤٧.\r٣ سورة القمر: الآية ٥٢.\r٤ ديوان أبي تمام ٤٤٨, وهي أبيات في النسيب.\r٥ يحتَثُّه على الخروج.\r٦ المغاني: المنازل، والكرى: النعاس، والدثر: البالية، والعطل: الخالية، والدرس: الممحوة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358335,"book_id":3862,"shamela_page_id":209,"part":"1","page_num":208,"sequence_num":209,"body":"فانظر كيف جاءت هذه الألفاظ الأربعة كلها مضمومات كلها، وهي مع ذلك حسنة لا ثقل بها، ولا ينبو السمع عنها؟\rوهذا لا ينقض ما أشرنا إليه؛ لأن الغالب أن يكون توالي حركة الضم مستثقلًا، فإذا شذَّ عن ذلك شيء يسير، لا ينقض الأصل المقيس عليه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358336,"book_id":3862,"shamela_page_id":210,"part":"1","page_num":209,"sequence_num":210,"body":"القسم الثاني: في الألفاظ المركبة\rأنواع تأليف الألفاظ\rمدخل\r...\rالقسم الثاني: الألفاظ المركبة\rأنواع تأليف الألفاظ:\rقد قدَّمْنَا القول في شرح أحوال اللفظ المفردة، وما يختص بها، وأمَّا إذا صارت مركَّبة, فإن لتركيبها حكمًا آخر، وذاك أنه يحدث عنه من فوائد التأليفات والامتزاجات ما يخيِّلُ للسامع أن هذه الألفاظ ليست تلك التي كانت مفردة.\rومثال ذلك كمن أخذ لآلئ ليست من ذوات القيم الغالية. فألفها وأحسن الوضع في تأليفها، فخُيِّل للناظر بحسن تأليفه وإتقان صنعته أنها ليست تلك التي كانت منثورة مبددة.\rوفي عكس ذلك من يأخذ لآلئ من ذوات القيم الغالية فيفسد تأليفها، فإنه يضع من حسنها، وكذلك يجري حكم الألفاظ العالية مع فساد التأليف، وهذا موضع شريف ينبغي الالتفات إليه والعناية به.\rواعلم أن صناعة تأليف الألفاظ تنقسم إلى ثمانية أنواع، هي:\rالسجع: ويختص بالكلام المنثور.\rوالتصريع: ويختص بالكلام المنظوم، وهو داخل في باب السجع؛ لأنه في الكلام المنظوم كالسجع في الكلام المنثور.\rوالتجنيس: وهو يعمّ القسمين جميعًا.\rوالترصيع: وهو يعمّ القسمين أيضًا جميعًا.\rولزوم ما لا يلزم: وهو يعمّ القسمين أيضًا.\rوالموازنة: وتختص بالكلام المنثور.\rواختلاف صيغ الألفاظ: وهو يعمّ القسمين جميعًا.\rوتكرير الحروف: وهو يعمُّ القسمين جميعًا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358337,"book_id":3862,"shamela_page_id":211,"part":"1","page_num":210,"sequence_num":211,"body":"النوع الأول: المسجع\r...\rالنوع الأول: السجع\rوحدُّه أن يقال: تواطؤ الفواصل في الكلام المنثور على حرف واحد.\rوقد ذمَّه بعض أصحابنا من أرباب هذه الصناعة، ولا أرى لذلك وجهًا سوى عجزهم أن يأتوا به, وإلا فلو كان مذمومًا لما ورد في القرآن الكريم، فإنه قد أتى منه بالكثير، حتى إنه ليؤتى بالسورة جميعها مسجوعة، كسورة الرحمن، وسورة القمر، وغيرهما, وبالجملة فلم تخل منه سورة من السور.\rفمن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا، خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ ١.\rوكقوله تعالى في سورة طه: ﴿طه، مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى، إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى، تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا، الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى، لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى، وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى، اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ٢.\rوكذلك قوله تعالى في سورة ق: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ، أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ، وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ ٣.\rوكقوله تعالى: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا، فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا، فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا، فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا، فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ ٤ وأمثال ذلك كثيرة.\rوقد ورد على هذا الأسلوب من كلام النبي ﷺ شيء كثير أيضًا.\rفمن ذلك ما رواه ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"استحيوا من الله حق الحياء\" , قلنا: إنا لنستحي من الله يا رسول الله! قال: \"ليس","footnotes":"١ سورة الأحزاب: الآيتان ٦٤، ٦٥.\r٢ سورة طه: الآيات ١-٨.\r٣ سورة ق: الآيات ٥-٧.\r٤ سورة العاديات: الآيات ١-٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358338,"book_id":3862,"shamela_page_id":212,"part":"1","page_num":211,"sequence_num":212,"body":"ذلك! ولكن الاستحياء من الله أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك الحياة الدنيا\".\rومن ذلك ما رواه عبد الله بن سلام، فقال: لما قدم رسول الله ﷺ، فجئت في الناس لأنظر إليه, فلما تبيَّنت وجهه علمت أنه ليس بوجه كذاب، فكان أوَّل شيء تكلَّم به أن قال: \"أيها الناس، أفشوا السلام, وأطعموا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام\".\rفإن قيل: إن النبي ﷺ قال لبعضهم منكرًا عليه وقد كلَّمه بكلام مسجوع: \"أسجعًا كسجع الكهان\"؟ ولولا أنَّ السجع مكروه لما أنكره النبي ﷺ؟.\rفالجواب عن ذلك أنَّا نقول: لو كره النبي ﷺ السجع مطلقًا لقال: أسجعًا؟ ثم سكت، وكان المعنى يدل على إنكار هذا الفعل لم كان، فلمَّا قال: \"أسجعًا كسجع الكهان\" صار المعنى معلقًا على أمر، وهو إنكار الفعل لم كان على هذا الوجه.\rفعلم أنه إنما ذمّ من السجع ما كان مثل سجع الكهان، لا غير, وأنه لم يذمّ السجع على الإطلاق، وقد ورد في القرآن الكريم, وهو ﷺ قد نطق به في كثير من كلامه، حتى إنه غيَّر الكلمة عن وجهها اتباعًا لها بأخواتها من أجل السجع، فقال لابن ابنته ﵄: \"أعيذه من الهامة والسامة وكل عينٍ لامة\" , وإنما أراد \"ملمة\"؛ لأن الأصل فيها من \"ألمَّ\" فهو \"ملم\".\rوكذلك قوله ﷺ: \"ارجعن مأزوراتٍ غير مأجورات\". وإنما أراد \"موزورات\" من الوزر، فقال: \"مأزورات\" لمكان \"مأجورات\"، طلبًا للتوازن والسجع، وهذا مما يدلك على فضيلة السجع.\rعلى أن هذا الحديث النبويّ الذي يتضمَّن إنكار سجع الكهان عندي فيه نظر، فإن الوهم يسبق إلى إنكاره، يقال: فما سجع الكهان الذي يتعلّق الإنكار به, ونهى عنه رسول الله ﷺ؟\rوالجواب عن ذلك: أن النهي لم يكن عن السجع نفسه، وإنما النهي عن حكم الكاهن الوارد باللفظ المسجوع، ألا ترى أنه لما أمر رسول الله ﷺ في الجنين بغُرَّة عبد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358339,"book_id":3862,"shamela_page_id":213,"part":"1","page_num":212,"sequence_num":213,"body":"أو أَمَةٍ, قال الرجل: \"أَأَدِي من لا شَرِبَ ولا أكل، ولا نطق ولا استهلّ، ومثل ذلك يطل؟ فقال رسول الله ﷺ: \"أسجعًا كسجع الكهان\" أي: أتتبع سجعًا كسجع الكهان؟\rوكذلك كان الكهنة كلهم، فإنهم كانوا إذا سئلوا عن أمر جاءوا بالكلام مسجوعًا كما فعل الكاهن في قصة هند بنت عتبة، فإنه قال لما امتُحِنَ قبل السؤال عن قصتها \"ثمرة في كمرة\" فقيل له: نريد أبين من هذا! فقال: \"حبة بر في إحليل مهر\", والحكاية مشهورة, فلهذا اختصرناها هنا.\rوكذلك قال سطيح١، فإنه قال: \"عبد المسيح، جاء إلى سطيح، وهو موفٍ على الضريح، لرؤيا المؤبذان وارتجاس الإيوان\"، وأتمَّ الكلام إلى آخره مسجوعًا, والحكاية مشهورة أيضًا, فلهذا اختصرناها.\rفالسجع إذًا ليس بمنهي عنه، وإنما المنهي عنه هو الحكم المتبوع في قول الكاهن, فقال رسول الله ﷺ: \"أسجعًا كسجع الكهان\"؟ أي: أحكمًا كحكم الكهان، وإلّا فالسجع الذي أتى به ذلك الرجل لا بأس به، لأنه قال: \"أَأَدِي من لا شرب ولا أكل، ولا نطق٢، ولا استهل، ومثل ذلك يطل\"٣؟ وهذا كلام حسن من حيث السجع، وليس بمنكر لنفسه، وإنما المنكر هو الحكم الذي تضمنه في امتناع الكاهن أن يدي الجنين بغرة عبد أو أمة٤.\rواعلم أنَّ الأصل في السجع إنما هو الاعتدال في مقاطع الكلام، والاعتدال مطلوب في جميع الأشياء، والنفس تميل إليه بالطبع.\rومع هذا فليس الوقوف في السجع عند الاعتدال فقط، ولا عند تواطؤ الفواصل على حرف واحد؛ إذ لو كان ذلك هو المراد من السجع, لكان كل أديب من الأدباء سجَّاعًا، وما من أحد منهم -ولو شدا شيئًا يسيرًا من الأدب- إلّا ويمكنه أن يؤلف","footnotes":"١ سطيح: أحد كهان العرب، وهو ابن ربيعة بن مسعود بن مازن بن ذئب.\r٢ رواية البيان \"ولا صاح واستهلَّ\".\r٣ يطل: أي يهدر دمه.\r٤ قال عبد الصمد بن الفضل بن عيسى الرقاشي: لو أنَّ هذا المتكلم لم يرد إلّا الإقامة لهذا الوزن لما كان عليه بأس، ولكنَّه عسى أن يكون أراد إبطال حق، فتشادق في الكلام, وانظر البيان والتبين ١/ ٢٨٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358340,"book_id":3862,"shamela_page_id":214,"part":"1","page_num":213,"sequence_num":214,"body":"ألفاظًا مسجوعة، ويأتي بها في كلامه، بل ينبغي أن تكون الألفاظ المسجوعة حلوة طنَّانة رنَّانة، لا غثَّة ولا باردة، وأعني بقولي: \"غثَّة باردة\" أن صاحبها يصرف نظره إلى السجع نفسه من غير نظر إلى مفردات الألفاظ المسجوعة، وما يشترط لها من الحسن, ولا إلى تركيبها وما يشترط له من الحسن، وهو الذي يأتي به من الألفاظ المسجوعة كمن ينقش أثوابًا من الكرسف١ أو ينظم عقدًا من الخزف الملون.\rوهذا مقام تزلّ عنه الأقدام، ولا يستطيعه إلّا الواحد من أرباب هذا الفن بعد الواحد، ومن أجل ذلك كان أربابه قليلًا.\rفإذا صُفِّيَ الكلام المسجوع من الغثاثة والبَرْد, فإنَّ وراء ذلك مطلوبًا آخر، وهو أن يكون اللفظ فيه تابعًا للمعنى، لا أن يكون المعنى فيه تابعًا للفظ، فإنه يجيء عند ذلك كظاهر مموّه، على باطن مشوّه، ويكون مثله كغِمْدٍ من ذهب، على نصلٍ من خشب.\rوكذلك يجري الحكم في الأنواع الباقية الآتي ذكرها من التجنيس والترصيع وغيرهما.\rوسأبيِّن لك في هذا مثالًا تتبعه، فأقول: إذا صوَّرت في نفسك معنًى من المعاني، ثم أردت أن تصوغه بلفظ مسجوع, ولم يؤاتك ذلك إلا بزيادة في ذلك اللفظ, أو نقصان منه، ولا يكون محتاجًا إلى الزيادة ولا النقصان، إنما تفعل ذلك؛ لأنَّ المعنى الذي قصدته يحتاج إلى لفظ يدل عليه، وإذا دللت عليه بذلك اللفظ لا يكون مسجوعًا إلّا أن تضيف إليه شيئًا آخر أو تنقص منه، فإذا فعلت ذلك فإنه هو الذي يذم من السجع ويستقبح، لما فيه من التكلُّف والتعسُّف.\rوأمَّا إذا كان محمولًا على الطبع غير متكلَّف فإنه يجيء في غاية الحسن، وهو أعلى درجات الكلام، وإذا تهيأ للكاتب أن يأتي به في كتابته كلها على هذه الشريطة فإنه يكون قد ملك رقاب الكلِم، يستعبد كرائمها، ويستولد عقائمها، وفي مثل ذلك فليتنافس، وعن مقامه فليتقاعس، ولصاحبه أولى بقول أبي الطيب المتنبي٢:","footnotes":"١ الكرسف: القطن.\r٢ من قصيدة يمدح بها أبا الفضل محمد بن العميد، ومطلعها:\rباد هواك صبرت أم لم تصبرا ... وبكاك إن لم يجرد معك أو جرى","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358341,"book_id":3862,"shamela_page_id":215,"part":"1","page_num":214,"sequence_num":215,"body":"أنت الوحيد إذا ركبت طريقةً ... ومن الرديف وقد ركبت غضنفرا١\rفإن قيل: فإذا كان السجع أعلى درجات الكلام على ما ذهبت إليه، فكان ينبغي أن يأتي القرآن كله مسجوعًا? وليس الأمر كذلك, بل منه المسجوع ومنه غير المسجوع؟\rقلت في الجواب: إن أكثر القرآن مسجوع، حتى إنَّ السورة لتأتي جميعها مسجوعة، وما منع أن يأتي القرآن كله مسجوعًا إلّا أنه سلك به مسلك الإيجاز والاختصار، والسجع لا يؤاتي في كل موضع من الكلام على حد الإيجاز والاختصار، فترك استعماله في جميع القرآن لهذا السبب.\rوههنا وجه آخر هو أقوى من الأول، ولذلك ثبت أن المسجوع من الكلام أفضل من غير المسجوع، وإنما تضمَّن القرآن غير المسجوع؛ لأنَّ ورود غير المسجوع معجزًا أبلغ في باب الإعجاز من ورود المسجوع، ومن أجل ذلك تضمَّن القرآن القسمين جميعًا.\rواعلم أنَّ للسجع سرًّا هو خلاصته المطلوبة, فإن عُرِّي الكلام المسجوع منه فلا يعتدُّ به أصلًا، وهذا شيء لم ينبه عليه أحد غيري، وسأبينه ههنا، وأقول فيه قولًا هو أبين مما تقدَّم، وأمثِّل لك مثالًا إذا حذوته أمنت الطاعن، والعائب، وقيل في كلامك ليبلغ الشاهد الغائب.\rوالذي أقوله في ذلك هو أن تكون كل واحدة من السجعتين المزدوجتين مشتملةً على معنى غير المعنى الذي اشتملت عليه أختها، فإن كان المعنى فيهما سواء فذاك التطويل بعينه؛ لأن \"التطويل\" إنما هو الدلالة على المعنى بألفاظ يمكن الدلالة عليه بدونها، وإذا وردت سجعتان يدلَّان على معنى واحد كانت إحداهما كافيةً في الدلالة عليه، وجُلّ كلام الناس المسجوع جارٍ عليه.\rوإذا تأمَّلت كتابة المفْلِقين ممن تقدَّم، كالصابي وابن العميد وابن عباد، وفلان","footnotes":"١ الديوان ٢/ ١٦٧ وروايته \"ارتكبت\" موضع \"ركبت\", يقول: أنت في كل أمر تفعله فرد لا يقدر أحد أن يتبعك فيه، كراكب الأسد لا يقدر أحد أن يتبعه، ولا أن يكون رديفًا له.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358342,"book_id":3862,"shamela_page_id":216,"part":"1","page_num":215,"sequence_num":216,"body":"وفلان، فإنك ترى أكثر المسجوع منه كذلك، والأقلّ منه على ما أشرت إليه.\rولقد تصفَّحت المقامات الحريرية والخطب النباتيّة، على غرام الناس بهما، وإكبابهم عليهما، فوجدت الأكثر من السجع فيهما على الأسلوب الذي أنكرته.\rفالكلام المسجوع إذًا يحتاج إلى أربع شرائط:\rالأولى: اختيار مفردات الألفاظ على الوجه الذي أشرت إليه فيما تقدَّم.\rالثانية: اختيار التركيب على الوجه الذي أشرت إليه أيضًا فيما تقدَّم.\rالثالثة: أن يكون اللفظ في الكلام المسجوع تابعًا للمعنى، لا المعنى تابعًا للفظ.\rالرابعة: أن تكون كل واحدة من الفقرتين المسجوعتين دالَّة على معنى غير المعنى الذي دلَّت عليه أختها.\rفهذه أربع شرائط لا بُدَّ منها.\rوسأورد ههنا من كلامي أمثلة يُحْذَى حذوها، فإنِّي لما سلكت هذه الطريق, وأتيت بكلامي مسجوعًا توخَّيت أن تكون كل سجعة منه مختصَّة بمعنى غير المعنى الذي تضمنته أختها، ولم أخل بذلك في مكاتباتي كلها، وإذا تأمَّلتها علمت صحة ما قد ذكرته.\rفمن ذلك ما كتبته في صدر كتاب عن بعض الملوك إلى دار الخلافة وهو:\rالخادم واقف موقف راجٍ هائب، لازم بكتابه هذا وقار حاضرٍ عن شخص غائب، موجِّه وجهه إلى ذلك الجناب الذي تُقْسَمُ فيه أرزاق العباد, ويتأدب به الزمان تأدب ذوي الاستعباد، وتستمد الملوك من خدمته شرف الجدود, كما تستغني بنسبتها إليه عن شرف الأجداد، ولو ملك الخادم نفسه لقصرها على خدمة قصره، وأحظاها من النظر إليه ببرد العيش الذي عمرها محسوبٌ من عمره، وهذا القول يقوله وكل ما جدَّ فيه حاسد، وبتأميله راكع ساجد، والديوان العزيز محسود الاقتراب، وهو موطن الرغبات الذي الاغتراب إليه ليس بالاغتراب، وما ينافس في القرب من أبوابه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358343,"book_id":3862,"shamela_page_id":217,"part":"1","page_num":216,"sequence_num":217,"body":"الكريمة إلا ذَوُو الهمم الكريمة، وقد ودَّت الكواكب بأسرها أن تكون له منادمةً فضلًا عن ندماني جذيمة\"١.\rومن ذلك ما كتبته من كتابٍ يتضمَّن العناية ببعض الناس، وهو:\r\"الكريم من أوجب لسائله حقًّا, وجعل كواذب آماله صدقًا، وكان خرق العطايا منه خلقًا، ولم ير بين ذِمَمِه وبين رحمه فرقًا, وكل ذلك موجود في كرم مولانا أجراه الله من فضله على وتيرة، وجعل هممه على تمام كل نقص قديرة، وأوطأه من كل مجد سريرًا كما بوأه من كل قلب سريرة، ولا زالت يده بالمكارم جديرة، ومن الأيام مجيرة، ولضرائرها من البحار والسحاب معيرة، ولا برحت تستولد عقائم المعاني, وتستجد أبنيتها, حتى يشهد الناس منها في كل يوم عقيقة أو وكيرة٢، ومن صفات كرمه أنه يسبك الأموال مآثر، ويتَّخذها عند السؤال ذخائر، فهي تفنى لديهم بالإنفاق، وذكرها على مرور الأيام باق، ومن أربح منه صفقةً وقد باع صامتًا بناطق، وما هو معرض لحوادث السرقات بما لا تصل إليه يد سارق، ومثله من عرف الدنيا فرغب عن اقتنائها، وجدَّ في ابتناء المحامد بهدم بنائها، وعلم أن مالها ليس عن الضنين به إلّا أحجارًا، وأنَّ غناه منها لا يزيده إلّا افتقارًا، فهو لماله عبدٌ يخدمه ولا يستخدمه، وأم ترضعه بسعيها ولا تفطمه\":","footnotes":"١ نديما جذيمة، يضرب بهما المثل في طول الصحبة، كما يضرب بالفرقدين وابني شمام -جبلان في ديار بني تميم- وتخلتى حلوان، وكان جذيمة الوضَّاح الملك لا ينادم أحدًا ذهابًا بنفسه, وكان يقول: أنا أعظم من أن أنادم أحدًا إلا الفرقدين، وكان يشرب كأسًا، ويصب لكل منهما كأسًا. فلما أتاه مالك وعقيل بابن أخته عمرو، صاحب الطوق الذي استهوته الجن، قال لهما: ما حاجتكما؟ قالا: منادمتك! فنادمهما أربعين سنة، كانا يحادثانه، وما أعادا عليه حديثًا قط، حتى فرق بينهما الدهر، وفيهما يقول الشاعر:\rألم تعلما أن قد تفرَّق قبلنا ... نديما صفاء مالك وعقيل\rويقول متمم بن نويرة في أخيه مالك وهو من الأمثال السائرة:\rوكنا كندماني جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل لن يتصدعا\rفلمَّا تفرقنا كأني ومالكًا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معًا\r٢ العقيقة: الشاة التي تذبح عند حلق شعر المولود، أو الطعام الذي يدعى إليه حينئذ، والوكيرة: طعام يعمل لفراغ البنيان.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358344,"book_id":3862,"shamela_page_id":218,"part":"1","page_num":217,"sequence_num":218,"body":"ومنه ما كتبته في جواب كتابٍ يتضمَّن إباق غلام، وهو أول كتاب ورد من المكتوب عنه إلى المكتوب إليه، فقلت:\r\"وأمَّا الإشارة الكريمة في أمر الغلام الآبق عن الخدمة فقد يَفِرُّ المهْرُ من عليقه، ويطير الفراش إلى حريقه، وغير بعيد أن ينبو به مضجعه، أو يكبو به مطمعه، فيرجع وقد حمد رجوعه ما ذمَّه من ذهابه، وعلم أن الغنيمة كل الغنيمة في إيابه، فما كل شجرة تحلو لذائقها، ولا كل دارٍ ترحِّب بطارقها, ومن أبق من مولاه مغاضبًا، وجانب محل إحسانه الذي لم يكن مجانبًا، فإنَّه يجد من مفارقة الإحسان، ما يجده من مفارقة معاهد الأوطان، وهل أضلَّ سعيًا ممن دفع في صدر العافية, وغدًا يسأل عن الأسقام، وألقى الثروة من يده ومضى في طلب الإعدام، ومع هذا فإن الخادم يشكره على ذنب الإباق الذي أقدم على اجتراحه، وليس ذلك إلّا لأنَّه صار سببًا لافتتاح باب المكاتبة الذي لم يطمع في افتتاحه، ولا جزاءً له عنده إلّا السعي في إعادته إلى الخدمة التي تقلب في إنشائها, وهي أبر به من أمه التي تقلَّب في أحشائها، ومن فضلها أنها تلقاه من حملها بوسيلة الشافع, ومن كرمها بالوجه الضاحك والفضل الواسع\".\rفانظر أيها المتأمل إلى هذه الأسجاع جميعها, وأعطها حق النظر حتى تعلم أن كل واحدة منها تختص بمعنى ليس في أختها التي تليها, وكذلك فليكن السجع، وإلّا فلا.\rمن سجع الصابي:\rوسأورد ههنا من كلام الصابي ما ستراه.\rفمن ذلك تحميد في كتاب، فقال ١:\r\"الحمد لله الذي لا تدركه الأعين بألحاظها، ولا تحده الألسن بألفاظها، ولا تخلقه العصور بمرورها، ولا تهرمه الدهور بكرورها\"٢.","footnotes":"١ المختار من رسائل أبي إسحاق الصابي ١/ ١٣.\r٢ اختصر ابن الأثير كلامًا كثيرًا، وفي المختار \"الفاعل لا عن مادة استمدها، والصانع لا بآلة استعملها، الذي لا تدركه الأعين ... إلخ.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358345,"book_id":3862,"shamela_page_id":219,"part":"1","page_num":218,"sequence_num":219,"body":"ثم انتهى إلى الصلاة على النبي ﷺ، فقال: \"لم ير للكفر١ أثرًا إلّا طمسه ومحاه، ولا رسمًا إلّا أزاله وعفاه\".\rولا فرق بين مرور العصور وكرور الدهور، وكذلك لا فرق بين محو الأثر وعفاء الرسم.\rومن كلامه أيضًا في كتاب وهو ٢:\r\"وقد علمت٣ أن الدولة العباسية لم تزل على سالف الأيام, ومتعاقب٤ الأعوام، تعتل طورًا وتصح أطوارًا، وتلتاث٥ مرَّة وتستقل مرارًا، من حيث أصلها راسخ لا يتزعزع، وبنيانها ثابت لا يتضعضع\".\rوهذه الأسجاع كلها متساوية المعاني، فإن الاعتلال والالتياث والطور والمرة والرسوخ والثبات كل ذلك سواء.\rوكذلك ورد له في جملة كتابٍ كتبه عن عز الدولة بن بويه جوابًا عن كتاب وصله من الأمير عبد الكريم بن المطيع لله، فقال:\r\"وصلني كتابه مفتتحًا من الاعتزاء إلى إمارة المؤمنين، والتقلُّد لأمور المسلمين، بما أعراقه الزكية مجوّزة لاستمراره، وأرومته العلية مسوّغةً لاستقراره، له ولكل نجيب أخذ بحظه من نسبه، وضارب بسهم في منصبه؛ إذ كان جاريًا على الأصول المعهودة فيه، والأسباب العاقدة له، من إجماع المؤمنين كافة، فإن تعذر اجتماعهم مع انبساطهم في الأرض، وانتشارهم في الطول والعرض، فلا بُدَّ من اتفاق أشراف كل قطر وأفاضله، وأعيان كل صقع وأماثله\".\rوهذا الكلام كله متماثل المعاني في أسجاعه، فإنَّ إمارة المؤمنين والتقلُّد لأمور","footnotes":"١ المختار ١/ ١٧، وفيه \" ... ولا يرى للكفر أثرًا ... إلخ\".\r٢ المختار من رسائل أبي إسحاق الصابي ١/ ٢١٦.\r٣ حذف ابن الأثير بعض العبارات، وفي المختار \"وقد علمت وعلم غيرك بعيان ما أدركته الأعمار، وسماع ما نقلته الأخبار، أن الدولة العباسية التي رفع الله عماد الحق بها، وخفض منار الباطل.. إلخ.\r٤ في الأصل \"معاقب\", والصواب عن المختار.\r٥ تلتاث: تختلط.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358346,"book_id":3862,"shamela_page_id":220,"part":"1","page_num":219,"sequence_num":220,"body":"المسلمين سواءٌ في المعنى، وكذلك الأعراق والأرومة، والتجويز والتسويغ، والأشراف والأفاضل، والأعيان والأماثل، والقطر والصقع، كل ذلك سواء.\rوعلى هذا جاء كلامه في كتاب آخر، فقال:\r\"يسافر رأيه وهو دانٍ لم ينزح، ويسير تدبيره وهو ثاوٍ لم يبرح\".\rوكلا هذين سواء أيضًا. وما أحسن هذا المعنى لو قال: \"يسافر رأيه وهو دانٍ لم يبرح، ويثخن الجراح في عدوِّه وسيفه في الغمد لم يجرح\". فإنه لو قال مثل هذا سلم من هُجْنَة التكرار.\rوأمثال ذلك في كلام الصابي كثير، وعلى منواله نسج الصاحب بن عباد.\rمن سجع الصاحب بن عباد:\rفمن ذلك ما ذكره في وصف مهزومين, فقال:\r\"طاروا واقين بظهورهم صدورهم, وبأصلابهم نحورهم\".\rوكلا المعنيين سواء.\rوكذلك قوله في هذا الكتاب يصف ضيق مجال الحرب:\r\"مكانٌ ضنك على الفارس والراجل، ضيِّقٌ على الرامح والنابل\"١.\rومن كلامه في كتاب وهو:\r\"لا تتوجَّه همته إلى أعظم مرقوب إلّا طاع ودان، ولا تمتد عزيمته إلى أفخم مطلوب إلّا كان واستكان\".\rوكل هذا الذي ذكره شيء واحد.\rوله من كتاب وهو:\r\"وصل كتابه جامعًا من الفوائد أشدَّهما للشكر استحقاقًا، وأتمَّها للحمد استغراقًا","footnotes":"١ الرامح: ذو الرمح، والنابل: الذي يرمي بالنبل.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358347,"book_id":3862,"shamela_page_id":221,"part":"1","page_num":220,"sequence_num":221,"body":"وتعرفت من إحسان الله فيما وفره من سلامته، وهنَّأه من كرامته, أنفس موهوب ومطلوب، وأحمد مرقوب ومخطوب\".\rوهذا كله متماثل المعاني، متشابه الألفاظ.\rوفيما أوردته ههنا مُقْنِع.\rفأنعم نظرك أيها الواقف على هذا الكتاب فيما بينته لك، ووضعت يدك عليه، حتى تعلم كيف تأتي بالمعاني في الألفاظ المسجوعة، والله الموفق للصواب.\rفإن قيل: إنك اشترطت أن تكون كل واحدة من الفقرتين في الكلام المسجوع دالّةً على معنى غير المعنى الذي دلَّت عليه أختها، وإنما اشترطت هذه الشريطة فرارًا من أن يكون المعنيان شيئًا واحدًا، ونرى قد ورد في القرآن الكريم لفظتان بمعنًى واحد في آخر إحدى الفقرتين المسجوعتين، كقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ ١. وكل رسول نبي؟!.\rقلت في الجواب: ليس هذا كالذي اشترطته أنا في اختصاص كل فقرة بمعنى غير المعنى الذي اختصت به أختها، وإنما هذه هو إيراد لفظتين في آخر إحدى الفقرتين بمعنى واحد، وهذا لا بأس به، لمكان طلب السجع.\rألا ترى أن أكثر هذه السورة التي هي مريم ﵍ مسجوعة على حرف الياء، وهذا يجوز لصاحب السجع أن يأتي به، وهو بخلاف ما ذكرته أنا؟\rألا ترى أن النبي ﷺ قد غيَّر اللفظة عن وضعها طلبًا للسجع، فقال: \"مأزورات\" وإنما هي \"موزورات\"؟، وقال: \"العين اللامَّة\" , وإنما هي \"الملمة\"؟ إلّا أنه ليس في ذلك زيادة معنى، بل يفهم من لفظة \"مأزورات\" أنها \"موزورات\"، وكذلك يفهم من لفظة \"لامَّة\" أنها بمعنى \"ملمة\".\rفالسجع قد أجيز معه تغيير وضع اللفظة، وأجيز معه أن يورد لفظتان بمعنى واحد في آخر إحدى الفقرتين، ومع هذا فلم يجَز في استعماله أن يورد فقرتان بمعنى واحد؛ لأنه تطويل محض لا فائدة فيه.","footnotes":"١ سورة مريم: الآية ٥٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358348,"book_id":3862,"shamela_page_id":222,"part":"1","page_num":221,"sequence_num":222,"body":"وبين الذي ذكرته أنت وبين الذي ذكرته أنا فرق ظاهر.\rوالذي قدمته من الأمثلة المسجوعة للصابي والصاحب ابن عبَّاد ربما كانت يسيرة أتَّهَم فيها بالتعصب، ويقال: إني التقطتها التقاطًا من جملة رسائلهما!\rوقد خرجت من عهدة هذه التهمة، وذاك أنِّي وجدت للصابي تقليدًا بنقابة الأشراف العلويين ببغداد, وكنت أنشأت تقليدًا بنقابة الأشراف العلويين بالموصل، وقد أوردت التقليدين ههنا، ليتأملهما الناظر في كتابي هذا, ويحكم بينهما إن كان عارفًا, أو يسأل عنهما العارف إن كان مقلدًا.\rتقليد الصابي:\rوقد أوردت تقليد الصابي أولًا؛ لأنه المقدَّم زمانًا وفضلًا، وهو:\r\"هذا ما عهد أمير المؤمنين إلى محمد بن الحسين بن موسى العلوي، الموسوي، حين وصلته به الأنساب، وتأكدت له الأسباب، وظهرت دلائل عقله ولبابته، ووضحت مخايل فضله ونجابته، ومهَّد له بهاء الدولة وضياء الملة أبو نصر بن عضد الدولة وتاج الملة, مولى أمير المؤمنين ما مكَّن له عند أمير المؤمنين من المحل المكين، ووصفه به من الحلم الرزين، وأشاد به فيه من رفع المنزلة، وتقديم المرتبة، والتأهيل لولاية الأعمال، والحمل للأعباء الثقال، وحيث رغَّبه فيه سابقه الحسين أبيه، في الخدمة والنصيحة, والمواقف المحمودة، والمقامات المشهودة، التي طابت بها أخباره، وحسنت فيها آثاره، وكان محمد متخلقًا بخلائقه، وذاهبًا في طرائقه، علمًا وديانة، وورعًا وصيانة، وعفَّة وأمانة، وشهامة وصرامة، بالحظ الجزيل، من الفضل الجميل، والأدب الجزل، والتوجه في الأهل، والإيفاء بالمناقب على لداته وأترابه، والإبرار على قرائبه وأضرابه، فقلَّده ما كان داخلًا في أعمال أبيه من نقابة نقباء الطالبين أجمعين, بمدينة السلام وسائر الأعمال والأمصار شرقًا وغربًا، وبعدًا وقربًا، واختَّصه ذلك جذبًا بصنعه، وإنافة بقدره، وقضاء لحق رحمه، وترفيهًا لأبيه، وإسعافًا بإيثاره فيه أمير المؤمنين, واستخلافه عليه من النظر في المظالم، وتسيير الحجيج في المواسم، والله يُعْقِب أمير المؤمنين فيما أمر ودبَّر حُسْنَ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358349,"book_id":3862,"shamela_page_id":223,"part":"1","page_num":222,"sequence_num":223,"body":"العاقبة فيما قضى وأمضى، وما توفيق أمير المؤمنين إلّا بالله, عليه يتوكل وإليه ينيب.\rوأمره بتقوى الله التي هي شعار المؤمنين، وسناء الصالحين، وعصمة عباد الله أجمعين، وأن يعتقدها سرًّا وجهرًا، ويعتمدها قولًا وفعلًا, ويأخذ بها ويعطي، ويسر بها وينوي، ويأتي ويذر، ويورد ويصدر، فإنها السبب المتين، والمعقل الحصين، والزاد النافع يوم الحساب، والمسلك المفضي إلى دار الثواب، وقد حض الله أولياءه عليها، وهداهم في محكم كتابه إليها، فقال عز من قائل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ ١.\rوأمره بتلاوة كتاب الله مواظبًا، وتصفُّحه مدوامًا ملازمًا، والرجوع إلى أحكامه فيما أحلَّ وحرم، ونقض وأبرم، وأثاب وعاقب، وباعد وقارب، فقد صحَّح الله برهانه وحجته، وأوضح منهاجه ومحجته، وجعله نجمًا في الظلمات طالعًا، ونورًا في المشكلات ساطعًا، فمن أخذ به نجا وسلم، ومن عدل عنه هوى وندم، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ، لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ ٢.\rوأمره بتنزيه نفسه عمَّا تدعو إليه الشبهات، وتطلع إليه التبعات، وأن يضبطها ضبط الحليم، ويكفها كف الحكيم، ويجعل عقله سلطانًا عليها، وتمييزه آمرًا ناهيًا لها، ولا يجعل لها عذرًا إلى صبوة ولا هفوة، ولا يطلق منها عنانًا عند ثورة، لا فورة، فإنها أمَّارة بالسوء, منصَبَّة إلى الغيّ، فمن رفضها نجا، ومن اتبعها هوى، فالحازم متَّهم عند تحرك وطره وأربه, واهتياج غيظه، ولا يدع أن يغضَّها بالشكيم، ويعركها عرك الأديم، ويقودها إلى مصالحها بالخزائم، ويفتقدها من مقارفة المآثم والمحارم، كيما يعزّ بتذليلها وتأديبها, ويجل برياضها وتقويمها، والمفرط تطمح به إذا طمحت، ويجمح معها إذا جمحت، ولا يلبث أن تورده حيث لا يصدر، وتلجئه إلى أن تعتذر، وتقيمه مقام النادم الواجم، وتتنكَّب به سبيل الراشد السالم،","footnotes":"١ سورة التوبة: الآية ١١٩.\r٢ سورة فصلت: الآيتان ٤١، ٤٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358350,"book_id":3862,"shamela_page_id":224,"part":"1","page_num":223,"sequence_num":224,"body":"وأحقُّ من تحلَّى بالمحاسن، وتصدَّى لاكتساب المحامد، من ضرب بمثل سهمه في نسب أمير المؤمنين الشريف، ومنصبه المنيف، واجتمع معه في ذؤابة العترة الطاهرة، واستظلّ بأوراق الدوحة الفاخرة، فذلك الذي تتضاعف به المآثر إن آثرها، والمثالب إن أسف إليها, ولا سيما من كان مندوبًا بالسياسة, ومرشحًا للتقليد على أهله؛ إذ ليس يفي بالصلاح لمن ولي عليه، ولا يفي بإصلاح ما بين جنبيه، ومن أعظم الهجنة عليه أن يأمر ولا يأتمر، ويزجر ولا يزدجر، قال الله تعالى -جل ذكره: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ ١.\rوأمره أن يتصفَّح أحوال من ولي عليهم من استقراء مذاهبهم، والبحث عن بواطنهم ودخائلهم، وأن يعرف لمن تقدَّمت قدمه منهم, وتظاهر فضله فيهم منزلته، ويوفِّيه حقَّه وزينته، وينتهي في إكرام جماعتهم إلى الحدود التي توجبها أنسابهم وأقدارهم، وتقتضيها مواقعهم وأخطارهم، فإن ذلك يلزمه لشيئين:\rأحدهما: يخصُّه، وهو النسب الذي بينه وبينهم.\rوالآخر: يعمّه والمسلمين جميعًا, وهو قول الله -جل ذكره: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ ٢ فالمودة لهم الإعظام لأكابرهم، والاشتمال على أصاغرهم، واجب متضاعف الوجوب عليه، متأكد اللزوم له، ومن كان منهم في دون تلك الطبقة من أحداثٍ لم يحتنكوا عليه، وجذعان لم يقرحوا, ومجرين إلى ما يزري بأنسابهم، ويغض من أحسابهم عذلهم, وأنبهم، ونهاهم ووعظهم، فإن نزعوا وأقلعوا فذاك المراد بهم، والمقصد فيهم، وإن أصروا وتتابعوا أنَّا لهم من العقوبة بقدر ما يكف ويردع، فإن نفع وإلّا تجاوزه إلى ما يلذع ويوجع، من غير تطرق لأعراضهم، ولا امتهانٍ لأحسابهم، فإن الغرض منهم الصيانة لا الإهانة، والإدالة لا الإذالة, وإذا وجبت عليهم الحقوق, أو تعلقت بهم دواعي الخصوم, قادهم إلى الإغفاء بما يصح منها ويجب، والخروج إلى سنن الحق فيما يشتبه ويلتبس، ومتى لزمتهم الحدود أقامها عليهم بحسب ما أمره الله تعالى فيها، بعد أن تثبت الجرائم وتصح، وتبين وتتضح، وتتجرد","footnotes":"١ سورة البقرة: الآية ٤٤.\r٢ سورة الشورى: الآية ٢٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358351,"book_id":3862,"shamela_page_id":225,"part":"1","page_num":224,"sequence_num":225,"body":"عن الشك، وتتجلَّى عن الظن والتهمة، فإن الذي يستحبُّ في حدود الله ﷿ أن تدرأ مع نقصان اليقين والصحة، وأن تمضي عليهم مع قيام الدليل والبينة، قال الله ﷿: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ١.\rوأمره بحياطة أهل النسب الأطهر، والشرف الأفخر، وعن أن يدَّعيه الأدعياء، أو يدخل فيه الدخلاء، ومن انتمى إليه كاذبًا، أو انتحله باطلًا، ولم يوجد له بيت في الشجرة، ولا مصداق عند النسابين المهرة، أوقع به كذبه وفسقه, وشَهَرَهُ شهرةً ينكشف بها غِشَّه ولَبْسَه، وينزع بها غيره ممن تسوِّل له ذلك نفسه.\rوأن يحصن الفروج عن مناكحة من ليس كفؤًا لها في شرفها وفخرها, حتى لا يطمع في المرأة الحسيبة النسيبة إلّا من كان مثلًا لها مساويًا، ونظيرًا موازايًا، فقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ ٢.\rوأمره بمراعاة متبتِّلي أهله ومتهجديهم، وصلحائهم ومجاوريهم، وأرملهم وأصاغرهم، حتى تستدَّ الخلة من أحوالهم، وتدرَّ الموارد عليهم, وتتعادل أقساطهم فيما يصل إليهم من وجوه أموالهم، وأن يزوّج الأيامى، ويربي اليتامى، وليلزمهم المكاتب فليتلقنوا القرآن، ويعرفوا فرائض الإسلام والإيمان، ويتأدبوا بالآداب اللائقة بذوي الأحساب، فإن شرف الأعراق محتاج إلى شرف الأخلاق، ولا حمد لمن شرفه حسبه، وسَخُفَ أدبه؛ إذ كان لم يكتسب الفخر الحاصل بفضل سعي, ولا طلب ولا اجتهاد، بل بصنع الله تعالى، ومزيد المنة عليه، وبحسب ذلك لزوم ما يلزمه من شكره سبحانه على هذه العطية، والاعتداد بها من المزية، وإعمال النفس في حيازة الفضائل والمناقب، والترفُّع عن الرذائل والمثالب.\rوأمره بإجمال النيابة عن شيخه الحسين بن موسى فيما أمره أمير المؤمنين باستخلافه عليه من النظر، والأخذ للمظلوم من الظالم، وأن يجلس للمترافعين إليه جلوسًا عامًّا، ويتأمَّل كلامهم تأملًا تامًّا، فما كان منها متعلقًا بالحاكم ردَّه إليه، ليحمل الخصوم عليه، وما كان من طريقة الغشم والظلم، والتغلب والغضب, قبض عنه اليد المبطلة، وثبَّتَ","footnotes":"١ سورة البقرة: الآية ٢٢٩.\r٢ سورة الأحزاب: الآية ٣٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358352,"book_id":3862,"shamela_page_id":226,"part":"1","page_num":225,"sequence_num":226,"body":"فيه اليد المستحقة, وتحرَّى في قضاياه أن تكون موافقة للعدل، ومجانبة للخذل, فإنَّ عادة الحكام وصاحب المظالم واحدة، وهي إقامة الحق ونصرته، وإبانته وإثارته، وإنما يختلف سبيلاهما في النظر؛ إذ كان الحاكم يعمل بما ثبت عنده وظهر، وصاحب المظالم يفحص عمَّا غمض واستتر، وليس له مع ذلك أن يرد للحاكم حكومة، ولا يعلّ له قضية، ولا يتعقَّب ما ينفذه ويمضيه، ولا يتتبع ما يحكم به ويقضيه، والله يهديه ويوفقه، ويسدده ويرشده.\rوأمره أن يسير حجيج بيت الله ﷿ إلى مقصدهم، ويحميهم في بدأتهم وعودتهم، ويرتبهم في مسيرهم ومسلكهم، ويرعاهم في ليلهم ونهارهم، حتى لا تنالهم شدة, ولا تصل إليهم مضرَّة، وأن يريحهم في المنازل، ويوردهم المناهل، ويناوب بينهم في النهل والعلل، ويمكنهم من الارتواء والاكتفاء، مجتهدًا في الصيانة لهم، ومعذرًا في الذبِّ عنهم، ومتلوِّمًا على متأخرهم ومتخلفهم، ومنهضًا لضعيفهم ومهيضهم، فإنهم حجاج بيت الله الحرام، وزوَّار قبر رسوله ﷺ؛ قد هجروا الأهل والأوطان، وفارقوا الجيرة والإخوان، وتجشَّموا المغارم الثقال، وتعسَّفوا السهولة والجبال، يلبون دعاء الله, ويطيعون أمره، ويؤدون فرضه، ويرجون ثوابه, وحقيقٌ على المسلم أن يحرسهم متبرعًا، ويحوطهم متطوعًا, فكيف من تولَّى ذلك وضمنَه، وتقلَّده واعتقبه? قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ ١.\rوأمره أن يراعي أمور المساجد بمدينة السلام وأطرافها وأقطارها وأكنافها، وأن يجبي أموال وقفها، ويستقصي جميع حقوقها، وأن يلمَّ شعثها، ويسدّ خللها، بما يتحصَّل من هذه الوجوه قبله، لا يزيل رسمًا جرى، ولا ينقض عادة كانت لها, وأن يكتب اسم أمير المؤمنين على ما يعمره منها، ويذكر اسمه بعده بأن عمارتها جرت على يده، وصلاحٌ أدَّاه قول أمير المؤمنين في ذلك، تنويهًا باسمه، وإشادةً لذكره، وأن يولي ذلك من قبله من حسنت أمانته، وظهرت عفته وصيانته، فقد قال الله -جل من قائل: ﴿إِنَّمَا","footnotes":"١ سورة آل عمران: الآية ٩٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358353,"book_id":3862,"shamela_page_id":227,"part":"1","page_num":226,"sequence_num":227,"body":"يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ ١.\rوأمره أن يستخلف على ما يرى استخلافه عليه من هذه الأعمال في الأمصار الدانية والنائية, والبلاد القريبة والبعيدة مَنْ يثق به من صلحاء الرجال ذوي الوفاء والاستقلال، وأن يعهد إليهم مثل ما عهد إليه، ويعتمد عليهم مثل ما اعتمد عليه، ويستقصي في ذلك آثارهم، ويتعرَّف أخبارهم، فمن وجده محمودًا قرَّبه، ومن وجده مذمومًا صرفه ولم يمهله، واعتاض من تُرْجَى الأمانة عنده، وتكون الثقة معهودة منه، وأن يختار لكتابته وحجابته, والتصرف فيما قرب منه وبعد عنه من يزينه، ولا يشينه، وينصح له ولا يغشه, ويجمله ولا يهجنه، من الطبقة المعروفة باللطف، المتصوِّنة عن النّطف٢، ويجعل لهم من الأرزاق الكافية، والأجرة الوافية، ما يصدّهم عن المكاسب الذميمة، والمآكل الوخيمة، فليس تجب عليهم الحجة إلّا مع إعطاء الحاجة، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى، وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى، ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾ ٣.\rوأمَرَه أن يكتب لمن تقوم بيِّنَتَه عنده, وتنكشف له حجته إلى أصحاب المعارف بالشد على يده، واتصال حقه إليه، وحسم الطمع الكاذب فيه، وقبض اليد الظالمة عنه؛ إذ هم مندوبون للتصرف بين أمره ونهيه، والوقوف عند رسمه وحده.\rهذا عهد أمير المؤمنين إليك، وحجته لك وعليك، قد أبان منه سبيلك، وأوضح دليلك، وهداك لرشدك، وجُعِلْتَ على بينة من أمرك، فاعمل به ولا تخالفه، وانته إليه ولا تتجاوزه، وإن عرض لك عارض يعجزك الوفاء به, يشتبه عليك الخروج منه أنهيته إلى أمير المؤمنين مبادرًا، وكنت إلى ما يأمرك به صائرًا، إن شاء الله تعالى\".","footnotes":"١ سورة التوبة: الآية ١٨.\r٢ يقال: نطف: أي اتهم بريبة وتلطّخ بعيب وفسد، ويقال: نطف فلانا: فذفه بفجور, أو لطخه بعيب.\r٣ سورة النجم: الآيات ٣٩-٤١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358354,"book_id":3862,"shamela_page_id":228,"part":"1","page_num":227,"sequence_num":228,"body":"التقليد بأسلوب ابن الأثير:\rوأمَّا التقليد الذي أنشأتُه أنا فقد أوردته بعد هذا التقليد، وهو:\r\"أما بعد, فإن كل كلامٍ لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أجذم، وكل كتاب لا يُرْقَم باسمه فليس بمُعْلَم، وعلى هذا فإن حمده يتنَزَّل من الكلام منزلة الرقوم من الثياب، وقد جمعنا في كتابنا هذا بين التسمية والتحميد، وجعلنا أحدهما مفتاحًا للتيمن, والآخر سببًا للمزيد، ثم ردفناهما بالصلاة على سيدنا محمد الذي أيَّده الله بالقرآن المجيد، وجعل شهادته قبل كل شهيد، وعلى آله وصحبه الذين هدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد.\rومما يقترن بهذه الصلاة في أثوابها, ويجيء على أعقابها، النظر في أمر الأسرة النبوية التي وصل ودّها بودّه، وجعلها إحدى الثقَلَين المخلفين من بعده١، وقد تقادم الآن زمانها، وتشعَّبت أغصانها، ونسي ما لها في الرقاب من عهدة الأمانة، ولم توضع فيما وضع الله تعالى ورسوله ﷺ من المكانة، وأولى الناس بها مَنْ أضمر ولاءها حقًّا، وأوجب أن يردَ معها الحوض حين يقال لوارده: سحقًا، وكان بمن تحت يده منها بارًّا رفيقًا, حتى لا يسأله برًّا ولا رفقًا، ونحن نرجو أن نفوز بفضيلة هذه الحسنة، وأن يسبق إليها سبق المتقرّب في الجمعة ببدنة.\rومن أهمّ أمورها أن يختار لها زعيمٌ يرأف بها رأفة الوالد بولده، ويقوم بأمرها قيام الرأس بجسده، حتى تأتلف أصولها كلها في مغرسها، ولا يحكم عليها من ليس من أنفسها، وقد اخترنا من وفقنا في اختياره، وأخذنا فيه ببيان الرأي وحزمه, لا بشبهة الهوى واغتراره، ولو لم يكن من القوم الذين ولُّوها لكان استحقاقه لها بينًا، والتعويل عليه متعيّنًا، فكيف وقدمه فيها قديمة الميلاد، ووراثته إياها عن سيادة الجدود وسؤدد الأجداد، وهو أنت أيها السيد الشريف الحسيب النسيب: \"فلان بن فلان","footnotes":"١ روي عن النبي ﷺ أنه قال في آخر عمره: \"إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي\" , قالوا: وسماها ثقلين إعظامًا لقدرهما، لأن العرب تقول لكل شيء نفيس مصون ثقل، وأصله في بيض النعام الصون، ويقال للسيد العزيز: ثقل.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358355,"book_id":3862,"shamela_page_id":229,"part":"1","page_num":228,"sequence_num":229,"body":"الحسيني\" ولو شئنا لأسندنا هذه النسبة كابرًا عن كابر، ونضدناها آخرًا بعد أوّل عن أوَّل قبل آخر، حتى وصلنا هذا الفرع بشجرته الطيبة، وهذا القطر بسحابته الصيِّبة، وشرف الأنساب أصدقه ما كان الدهر به شهيدًا، وأجدّه ما كان قديمًا, وأخلقه ما كان جديدًا، وما تولَّى الروح الأمين مدحه قرآنًا أكرم مما تولَّى الشعراء مدحه قصيدًا، ولا فضل للمعتزَى إلى هذا النسب حتى تلحق البنوة بالأبوة، ويضيف درجة الفضيلة إلى محتد النبوة، وحينئذ يقال: ما أقرب الشبه على قدم عهده، وهذا ماء الورد بعد ذهاب ورده.\rوأنت ذلك الرجل الذي تردَّد الشرف في مناسبه, تردد القمر في منازله، وزها المجد بمناقبه زَهْوَ الروض في خمائله، فلآلئ حسبك تغنيك عن سؤال مَنْ وما، وتملأ بودك وحمدك قلبًا وفمًا، والحسب ما حفظت أواخره أوائله، وأوضحت الليالي والأيام دلائله، وأقرَّت به الأعداء فما ردَّت فضائله، وهذه هي المآثر التي إذا نظمت غارت الشعراء عليها من الشعر، وإذا نُثِرَت وُجِدَت في محكم الذكر، وأنت صاحبها وابن صاحبها، ومن لم يرثها عن أباعدها بل عن أقاربها، ولو جانبت رياستها مصانعًا، ومشيت بها الضراء متواضعًا, لدل عليك وصفها، وعرف منك عرفها. ولو قلَّدْنَاك أمر هذه الأسرة التي هي أسرتك، وأمَّرناك عليها وإمرتها إمرتك، فتولَّها تولي من خفض لها جناحه، وأفاض عليها سماحه، وأنضى فيها غدوَّه ورواحه، حتى يقال: إنك الراعي الذي تناول ثُلَّثَهُ فأراح حسيرها، وجبر كسيرها، وارتاد لها خصبًا، وأوردها رفهًا لا غبًّا، وأذكى في كلاءتها عينًا وقلبًا.\rومن حقِّها عليك أن تنظر إلى ذات شمالها وذات يمينها، وتتصفَّح أحوالها في أمر دنياها ودينها، فأول ذلك أن تعلمها كتاب الله تعالى الذي في تعليمه نهج الصواب، وفي تلاوته مضاعفة حسنات الثواب، وقد مُثِّل قارئه بالبيت العامر, وتاركه بالبيت الخراب، وهو كتاب امتاز عن الكتب بنجوم التنزيل، وتولى الله حفظه من التحريف والتبديل، وافتتحه بالسبع المثاني التي لم ينزل مثلها في التوراة ولا في الإنجيل، وهو الموصوف بأنه النور المستضاء به في غيابة الظلماء، والحبل الممدود من الأرض إلى السماء،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358356,"book_id":3862,"shamela_page_id":230,"part":"1","page_num":229,"sequence_num":230,"body":"والبحر الذي لا يستخرج لؤلؤه ومرجانه إلّا الراسخون من العلماء.\rوكذلك فخذ هذه الأسرة بتعليم الفضائل التي تتفاوت بها القيم، وسُسْهَا برياضة الآداب وتهذيب الشيم، ولا تتركها فوضى لا يتَّسم أحدها بسمة القدر المنيف، ولا يرجع إلى حسب تليد ولا إلى سعي طريف، وتكون غاية ما عنده من الفضيلة أن يقال: فلان الشريف.\rومن حفظ رسول الله ﷺ فيها أن تُوفيَ فضل مكانها، وتُخَالِفَ بين شأن غيرها من المسلمين وبين شأنها، فلا تبتذل بمجالس الولاة في انتزاع ظلامة، ولا في إقامة حدٍّ يسلب معه رداء الكرامة، وأنت تتولى ذلك منها, وجب عليها من حقٍّ فخذها باقتضائه، وأمض فيها حكم الله الذي أمر بإمضائه، وليكن ذلك على وجه الرفق الذي يُسْلِس له القياد، ويتوطَّأ له المهاد، وإن أمكنك افتداء شيء من هذه الظلامات التي تتوجّه عليها ففاد، وقد أتمَّ الله فضلها بمنع كرائمها إلّا من كفء لا دناءة في عنصره، ولا غضاضة في مخبره، وهو الذي إن فاته شرف النبوة في مغرسه, فلم يفته شرف النباهة في معشره، وإذا تباينت الأقدار فلا فرق بين المناكح المخطوبة، وبين الأسلاب المسلوبة.\rفاحفظ لأسرتك حرمة هذه المنزلة، واجعلها في كتاب الوصايا التي وصيت بها مكان البسملة.\rوكما أمرناك بالنظر في صون أقدارها، فكذلك نأمرك بالنظر في حفظ مادة درهمها ودينارها، وقد علمت أن لها أوقافًا وقفها قوم فحظوا بأجرها واسمها، وستحظى أنت بالعدل في قسمها، فأجر على كلٍّ منها رزقه، وأعط كل ذي حقٍّ حقه.\rوفي الناس طائفة أدعياء يرومون إلحاق الرأس بالذنب، والنبع بالغرب١، ويلحقون أبًا لغير ابن, وابنًا لغير أب، كل ذلك رغبة في سحتٍ٢ يأكلونه، لا في","footnotes":"١ النبع: شجر للقسي وللسهام, ينبت في قلة الجبل، والنابت منه في السفح الشريان، وفي الحضيض الشوحط، ويقال: أصابه سهم غرب, أي: لا يدري راميه.\r٢ السحت: هو كل حرام قبيح الذكر، أو ما خبُث من المكاسب وحرم، فلزم عنه العار.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358357,"book_id":3862,"shamela_page_id":231,"part":"1","page_num":230,"sequence_num":231,"body":"نسبٍ يوصلونه، فنَقِّبْ عن حال هؤلاء تنقيبًا، واجعل النسيب نسيبًا، والغريب غريبًا، حتى تخلص السلالة من طراقها, ويبقى الشجرة على أعراقها, ومن علمت كذبه فازجره بأليم الازدجار، وأعلمه بأنه قد تبوأ مقعده من النار، واشهره في الناس حتى ينتهي وينتهيَ غيره بذلك الاشتهار.\rوههنا وصيةٌ هي أهم من هذه الوصية أمرًا, وأعظم أجرًا، وأجدر بأن تكون هي الأولى, وتكون هذه الأخرى، وهي الأخذ على ألسنة السفهاء من الخوض فيما شجر بين آل النبي ﷺ وأصحابه، وإظهار العصبية التي تزحزح الحق عن نصابه، وترجعه على أعقابه, وليس مستندها إلّا مغالاة ذوي الجهل, وربما نشأ منها فتنة, والفتنة أشد من القتل، فوكِّل بهؤلاء غربًا قاطعًا, ونهيًا قامعًا، وكن في ذلك شارعًا لما كان الله شارعًا، فأولئك السادات هم النجوم الذين بأيهم كان الاقتداء كان به الاهتداء، وقصارى المحسن في هذا الزمان أن يتعلّق منها سببًا، ويأخذ عنهم دينًا وأدبًا، ولا يبلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه١، ولو أنفق مثل أحد ذهبًا.\rونحن نعلم أنك واقف على سنن اقتصادك، وأنَّ هذه الوصية هي محض اعتقادك, والمنصف في هذا المقام من رمقه بنظر جليّ، ووفَّى أبا بكر وعمر ﵄ حقهما, وإن كان من نسل علي، فكلٌّ قد ذكره رسول الله ﷺ بفضله، وهؤلاء من صحابته وهذا من أهله، ونعوذ بالله من الأهواء الزائغة، والأقوال التي ليست بسائغة، ولا حجَّة إلّا بالحق, ولله الحجة البالغة.\rوقد جعلنا لك في مالنا عطاءً دارًّا تستعين به على لوازم النفقات، وتخرج نافلته في وقاية عرضك التي هي محسوبة من الصدقات، فإنَّ من ساد قومًا يفتقر إلى تحمُّل أثقالهم، والإفاضة من حاله على أحوالهم، وهذا برٌّ يكون منا أصله ومنك فرعه، وثواب يكون لك قصده ولنا شرعه، وصاحب الإحسان من سنَّ سبيل الإحسان، ولم نرض أن أريناك مكانه حتى أمددناك فيه بالإمكان, فأعط مالنا، وتعلَّم من سنة إفضالنا، ولدولتنا بذلك ثوب جمال كلما لُبِسَ زاد جدَّةً، وعُمْرُ ذكر كلَّما مضت عليه","footnotes":"١ المد: المدى، يقال: قدر مَدّ البصر, أي: مداه، والنصيف هو النصف, أحد شقي الشيء.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358358,"book_id":3862,"shamela_page_id":232,"part":"1","page_num":231,"sequence_num":232,"body":"مدد الأيام طال مدة، ولا مُلْكَ في الدنيا لمن لم يجعل ملكَه حديثًا حسنًا، ويشتري المحامد فيجعله لها ثمنًا، ومن عَرَفَ قدر الثناء جدَّ في تحصيله، ولو أنفق الكثير في قليله، فكم مِنْ دولة أُعْدِمَتْ منه فدرست آثار معالمها، ولو كانت منه مثرية لما ذهبت مع بقاء مكارمها\".\rوإذ ذكرنا هذا فلنختمه بما يكون قلادةً لصاحب هذا التَّقليد، وهو أن نجرِّد العناية بوجاهته, حتى يلبس تقدمًا بذلك التجريد، وفحوى ذلك أن يعلم الناس ما له في الدولة من منزلة الكرامة، ويعرفوا أنه فيها ابن جلا١، غير محتاجٍ إلى وضع العمامة، ونحن نأمر نوَّابنا وولاتنا وأصحابنا أن يوفوه حقَّ أبوته الشريفة، وفضيلته التي ردفتها فأضحت وهي لها رَدِيفة، وأن يعطوه ما شاء من إعلاء شأنه, ويمضوا فعل يده وقول لسانه, إن شاء الله تعالى.\rوقد وجدت للصابي أيضًا تقليدًا أنشأه لفخر الدَّولة أبي الحسن بن ركن الدولة أبي علي بن بُويَه، عن الخليفة الطائع ﵀، وهو مثبت ههنا على صورته، وكان عرض علي تقليد كتب للملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، من الخليفة المستضيء بالله ﵀ في سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، فوجدت فيه كلامًا نازلًا بالمرة، وسألني بعض الإخوان بمدينة دمشق أن أعارضه، فعارضته بتقليد في معناه, وهو مثبت أيضًا، وكلا التقليدين باسم ملك كبير، وفيهما يظهر ما يظهر من فصاحة وبلاغة.\rتقليد آخر للصابي:\rفأما التقليد الذي أنشأه الصابي فهو:\rهذا ما عهد عبد الله عبد الكريم الطائع لله أمير المؤمنين إلى فخر الدولة أبي الحسن بن ركن الدولة أبي علي مولى أمير المؤمنين, حين عرف غناه وبلاه، واستصح","footnotes":"١ ابن جلا: الواضح الأمر، وفي خطبة الحجاج المشهورة في أهل العراق:\rأنا ابن جلا وطلاع النقايا ... متى أضع العمامة تعرفوني","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358359,"book_id":3862,"shamela_page_id":233,"part":"1","page_num":232,"sequence_num":233,"body":"دينه ويقينه، ورعى قديمه وحديثه، واستنجب عوده ونجاره، وأثنى عز الدولة أبو منصور بن معز الدولة أبي الحسين مولى أمير المؤمنين عليه، وأشار بالمزيد في الصنيعة إليه، وأعلم أمير المؤمنين اقتداءه به في كل مذهب ذهب فيه من الخدمة، وغرضٍ رمى إليه من النصيحة، دخولًا في زمرة الأولياء المنصورة، وخروجًا عن جماعة الأعداء المدحورة، وتصرفًا على موجبات البيعة التي هي بعزِّ الدولة أبي منصور منوطة، وعلى سائر ما يتلوه ويتبعه مأخوذة مشروطة، فقلَّده الصلاة وأعمال الحرب والمعاون والأحداث والخراج والأعشار والضياع والجهبذة١ والصدقات والجوالي٢، وسائر وجوه الجبايات والعرض والعطاء, والنفقة في الأولياء, والمظالم وأسواق الرقيق, والعيار في دور الضرب والطراز والحسبة بكور همذان, واستراباذ, والدينور, وقرميسين, والإيعارين, وأعمال أذربيجان, وأرَّان, والسحانين, وموقان٣, واثقًا منه باستقبال النعمة واستدامتها، والاستزادة بالشكر منها٤، والتجنب لغمطها وجحودها، والتنكب لإيحاشها وتنفيرها، والتعمّد لما يمكن له الحظوة والزلفى, ويحرس عليه الأثرة والقربى، بما يظهره ويضمره من الوفاء الصحيح، والولاء الصريح، والغيب الأمين، والصدر السليم، والمقاطعة لكلِّ من قطع العصمة، وفارق الجملة، والمواصلة لكلِّ من حَمَى البيضة، وأخلص النية، والكون تحت ظلِّ أمير المؤمنين وذمته، ومع عز الدولة أبي منصور وفي حوزته، والله -جلَّ اسمه- يعرف لأمير المؤمنين حسن العقبى فيما أبرم ونقض، وسداد الرأي فيمن رفع وخفض، ويجعل عزائمه مقرونة بالسلامة، محجوبة عن موارد الندامة، وحسب أمير المؤمنين الله ونعم الوكيل.\rأمره بتقوى الله التي هي العصمة المتينة، والجنة الحصينة، والطود الأرفع، والمعاذ","footnotes":"١ الجهبذة: الخبرة، والجهبذ: هو التناد الخبير.\r٢ الحوالي: جمع جالية، وهي جزية أهل الذمة، وأصلها أن الإمام عمر ﵁ جلى أهل الذمة عن جزيرة العرب، فسمّوا جالية، ثم لزمهم هذا الاسم أين حلوا، وأطلق على الجزية المأخوذة منهم.\r٣ الذي في المختار ٩٩ \"بكور همذان واستراباذ والدينور وقرماسين والأيعارين وأعمال أذربيجان والسحانين وموقان\".\r٤ الذي في المختار \"واثقًا منه باستبقاء النعمة واستدامتها، والاستدامة بالشكر منها\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358360,"book_id":3862,"shamela_page_id":234,"part":"1","page_num":233,"sequence_num":234,"body":"الأمنع، والجانب الأعزُّ، والملجأ الأحرز، وأن يستشعرها سرًّا وجهرًا، ويستعملها قولًا وفعلًا، ويتخذها ذخرًا دافعًا لنوائب القدر، وكهفًا حاميًا من حوادث الغِيَر، فإنها أوجب الوسائل، وأقرب الذرائع، وأعودها على العبد بمصالحه، وأدعاها إلى كل مناجحه، وأولاها بالاستمرار على هدايته، والنجاة من غوايته، والسلامة في دنياه حين توبق موبقاتها، وتزدي مردياتها، وفي آخرته حين تروع رائعاتها، وتخيف مخيفاتها. وأن يتأدَّب بأدب الله في التواضع والإخبات والسكينة، وصدق اللهجة إذا نطق، وغضّ الطرف إذا رمق, وكظم الغيظ إذا أُحْفِظَ، وضبط اللسان إذا أُغْضِبَ، وكَفّ اليد عن المآثم، وصون النفس عن المحارم.\rوأن يذكر الموت الذي هو نازل به، والموقف الذي هو صائر إليه, ويعلم أنه مسئول عمَّا اكتسب، مجزي عمَّا تزمل واحتقب١، ويتزوّد من هذا الممرِّ لذلك المقرّ، ويستكثر من أعمال البِرِّ لتنفعه، ومن مساعي الخير لتنقذه، ويأتمر بالصالحات قبل أن يأمر بها, ويزدجر عن السيئات قبل أن يزجر عنها، ويبتدئ بإصلاح نفسه قبل إصلاح رعيته، فلا يبعثهم على ما يأتي ضده، ولا ينهاهم عمَّا يقترف مثله، ويجعل ربه رقيبًا عليه في خلواته ومروأته, مانعة له من شهواته, فإن أحقَّ من غلب سلطان الشهوة، وأولى من ضرع لغذاء الحمية، من ملك أزمَّة الأمور، واقتدر على سياسة الجمهور، وكان مطاعًا فيما يرى، متَّبَعًا فيما يشا، يلي على الناس ولا يلون عليه، ويقتَص منهم ولا يقتصون منه، فإذا اطَّلع الله منه على نقاء جيبه، وطهارة ذيله، وصحة سريرته، واستقامة سيرته، أعانه على حفظ ما استحفظه، وأنهضه بثقل ما حُمِّلَه وجعل له مخلصًا من الشبهة، ومخرجًا من الحيرة، فقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ ٢, وقال عز من قائل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٣, وقال: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ","footnotes":"١ احتقب: ارتكب.\r٢ سورة الطلاق: الآية ٣.\r٣ سورة آل عمران: الآية ١٠٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358361,"book_id":3862,"shamela_page_id":235,"part":"1","page_num":234,"sequence_num":235,"body":"الصَّادِقِينَ﴾ ١ إلى آي كثيرة حضَّنا بها على أكرم الخلق، وأسلم الطرق، فالسعيد من نصبها إزاء ناظره، والشقي من نبذها وراء ظهره، وأشقى منها من بعث عليها وهو صادفٌ عنها، وأهاب إليها وهو بعيد منها، وله ولأمثاله يقول الله تعالى -جلَّ ذكره: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ ٢.\rوأمره أن يتخذ كتاب الله إمامًا متبعًا، وطريقًا متوقعًا، ويكثر من تلاوته إذا خلا بذكره، ويملأ بتأميله أرجاء صدره، فيذهب معه فيما أباح وحظر، ويقتدي به إذا نهى وأمر، ويستبين ببيناته إذا استغلقت دونه المعضلات، ويستضيء بمصابيحه إذا غمَّ عليه في المشكلات، فإنَّه عروة الإسلام الوثقى، ومحجته الوسطى، ودليله المقنع، وبرهانه المرشد، والكاشف لظُلَم الخطوب، والشافي من مرض القلوب، والهادي لمن ضلَّ، والمتلافي لمن زلَّ، فمن نجا به فقد فاز وسلم، ومن لها عنه فقد خاب وندم، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ، لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ ٣.\rوأمره أن يحافظ على الصلوات، ويدخل فيها في حقائق الأوقات، قائمًا على حدودها، متبعًا لرسومها، جامعًا فيها بين نيته ولفظه، متوقيًا لمطامح سهوه ولحظه، منقطعًا إليها عن كل قاطع لها، مشغولًا بها عن كل شاغلٍ عنها، متثبتًا في ركوعها وسجودها، مستوفيًا عدد مفروضها ومسنونها، موفِّرًا عليها ذهنه، صارفًا إليها همَّه، عالمًا بأنه واقف بين يدي خالقه ورازقه، ومحييه ومميته، ومعاقبه ومثيبه، لا تُسْتَرُ دونه خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فإذا قضاها على هذه السبيل منذ تكبيرة الإحرام إلى خاتمة التسليم, أتبعها بدعاء يرتفع بارتفاعها، ويُسْتَمَع باستماعها، لا يتعدَّى فيه مسائل الأبرار، ورغائب الأخيار، من استصفاحٍ واستغفارٍ، واستقالةٍ واسترحام، واستدعاء","footnotes":"١ سورة التوبة: الآية ١١٩.\r٢ سورة البقرة: الآية ٤٤.\r٣ سورة فصلت: الآيتان ٤١، ٤٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358362,"book_id":3862,"shamela_page_id":236,"part":"1","page_num":235,"sequence_num":236,"body":"لمصالح الدين والدنيا، وعوائد الآخرة والأولى، فقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ ١, وقال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ ٢.\rوأمره بالسعي في أيام الجمع إلى المساجد الجامعة، وفي الأعياد إلى المصليات الضاحية، بعد التقدم في فرشها وكسوتها، وجمع القُوَّام والمؤذنين والمكبِّرين فيها، واستسعاء الناس إليها، وحضِّهم عليها، آخذين الأُهْبَة، متنظِّفين في البِزَّة، مؤدين لفريضة الطهارة، وبالغين في ذلك أقصى الاستقصاء، معتقدين خشية الله وخيفته، مدَّرعين تقواه ومراقبته، مكثرين من دعائه ﷿ وسؤاله، مصلين على محمد ﷺ وعلى آله، بقلوب على اليقين موقوفة، وهمم إلى الدين مصروفة، وألسن بالتقديس والتسبيح فصيحة، وآمال في المغفرة والرحمة فسيحة، فإن هذه المصلّيات والمتعبّدات بيوت الله التي فضَّلَها، ومناسكه التي شرَّفَها، وفيها يتلى القرآن الكريم، ويتعوذ العائدون، ويتعبَّد المتعبِّدون، ويتهجد المتهجدون، وحقيقٌ على المسلمين أجمعين من والٍ ومولَى عليه أن يصونها ويعمرها، ويواصلها ولا يهجرها، وأن يقيم الدعوة على منابرها لأمير المؤمنين ثم لنفسه، على الرسم الجاري فيها، قال الله تعالى في هذه الصلاة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ ٣, وقال في عمارة المساجد: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ ٤.\rوأمره أن يراعي أحوال من يليه من طبقات جند أمير المؤمنين ومَوَاليه، ويطلق لهم الأرزاق، في أوقات الوجوب والاستحقاق، وأن يُحْسِنَ في معاملتهم، ويجمل في","footnotes":"١ سورة النساء: الآية ١٠٣.\r٢ سورة العنكبوت: الآية ٤٥.\r٣ سورة الجمعة: الآية ٩.\r٤ سورة التوبة: الآية ١٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358363,"book_id":3862,"shamela_page_id":237,"part":"1","page_num":236,"sequence_num":237,"body":"استخدامهم، ويتصرَّف في سياستهم بين رفق من غير ضعف، وخشونة في غير عنف، مثيبًا لمحسنهم ما زاد بالإثابة في حسن الأثر، وسَلِمَ معها من دواعي الأشر، ومتغمِّدًا لمسيئهم ما كان التغمُّد له نافعًا، وفيه ناجعًا، فإن تكرَّرت زلَّاته، وتتابعت عثراته، تناولته من عقوبته بما يكون له مصلحًا، ولغيره واعظًا، وأن يختصَّ أكابرهم وأماثلهم وأهل الرأي والخطر منهم بالمشاورة في المُلِمِّ، والاطِّلاع على بعض المهمّ، مستخلصًا مخايل صدورهم بالبسط والإدناء، ومستشحذًا بصائرهم بالإكرام والاحتباء، فإنَّ في مشاورة هذه الطبقة استدلالًا على مواقع الصواب، وتحرُّزًا عن غلط الاستبداد، وأخذًا بمجامع الحزامة، وأمنًا من مفارقة الاستقامة، وقد حضَّ الله ﷿ على الشورى حيث قال لرسوله ﷺ: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ ١.\rوأمره بأن يصمد بما يتَّصل بنواحيه من ثغور المسلمين، ورباط المرابطين، ويقسِمَ لها قسمًا وافرًا من عنايته، ويصرف إليها طرفًا بل شطرًا من رعايته، ويختار لها أهل الجلد والشدة، وذوي البأس والنجدة، ممن عجمته الخطوب، وعركته الحروب، واكتسب دربه بخدع المتنازلين، وتجربة بمكايد المتقارعين، وأن يستظهر بكشف عدَدَهِم، واعتبار عُدَدِهم، وانتخاب خَيْلِهم، واستجادة أسلحتهم، غير مُجَمِّرٍ٢ بعثًا إذا بعثه، ولا مستكرهه إذا وجَّهه، بل يناوب بين رجاله مناوبةً تريحهم ولا تمدهم، وترفههم ولا تئودهم، فإن في ذلك من فائدة الإجمام، والعدل في الاستخدام زينًا, فليسوِّ بين رجال النّوب فيما عاد عليهم بعز الظفر والنصر، وبُعْدِ الصيت والذكر، وإحراز النفع والأجر، ما يحقّ أن يكون الولاة به عاملين، وللناس عليه حاملين، وأن يكرر في أسماعهم، ويثبت في قلوبهم، مواعيد الله تعالى لمن صبر ورابط, وسامح بالنفس, من حيث لا يقدمون على تورّط غرة، ولا يحجمون عن انتهاز فرصة، ولا ينكصون عن تورد معركة، ولا يلقون بأيديهم إلى التهلكة، فقد أخذ الله ذلك على خلقه، والمرء أمين على دينه.","footnotes":"١ سورة آل عمران: الآية ١٥٩.\r٢ التجمير: حبس الجيش في أرض العدو.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358364,"book_id":3862,"shamela_page_id":238,"part":"1","page_num":237,"sequence_num":238,"body":"وأن يريح العَمَلَةَ فيما يحتاج إليه من راتب نفقات هذه الثغور وحادثها, وبناء حصونها ومعاقلها، واستطراق طرقها ومسالكها، وإفاضة الأقوات والعلُوفة فيها للمترتبين بها، والمترددين إليها، والحامين لها.\rوأن يبذل أمانة لمن طلبه، ويعرضه على من لم يطلبه، ويفي بالعهد إذا عاهد، وبالعقد إذا عاقد، غير مخفر ذمَّةً، فقد أمر الله تعالى بالوفاء، فقال ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ ١ ونهى عن النكث، فقال عز من قائل: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ ٢.\rوأمره أن يعرض مَنْ في حبوس عمله على جرائمهم، فمن كان إقراره واجبًا أقرَّه، ومن كان إطلاقه سائغًا أطلقه، وأن ينظر في الشرطة والأحداث نظر عدل وإنصاف، ويختار لها من يخاف الله ويتقيه، ولا يجابي ولا يراقب فيه، ويتقدَّم إليهم بقمع الجهال، وردع الضلال، وتتبُّع الأشرار، وطلب الزُّعار٣، مستدلين على أماكنهم، متوغِّلين إلى مكامنهم، متولجِّين عليهم في مظانِّهم، متوثِّقين ممن يجدونه منهم، منفِّذين أحكام الله تعالى فيهم، بحسب الذي يتبين من أمرهم، ويصح من فعلهم، في كبيرة ارتكبوها، وعظيمة احتقبوها٤، ومهجةٍ إن أفاظوها واستهلكوها، وحرمةٍ إن استباحوها وانتهكوها، فمن استحق حدًّا من حدود الله المعلومة أقاموه عليه, غير مخففين منه، وأحلُّوه به غير مقصرين عنه، بعد ألّا يكون عليهم في الذي يأتونه حجة، ولا يعترضهم في وجوبه شبهة، فإنَّ الواجب في الحدود أن تقام بالبينات، وأن تدرأ بالشبهات، فأولى ما توخَّاه رعاة الرعايا فيها ألا يقدِموا عليها مع نقصان، ولا يتوقَّفوا عنها مع قيام الدليل، ومن وجب عليه القتل احتاط بما يحتاط به على مثله من الحبس الحصين، والتوثق الشديد، وكتب إلى أمير المؤمنين بخبره، وشرح جنايته","footnotes":"١ سورة المائدة: الآية ١.\r٢ سورة الفتح: الآية ١٠.\r٣ الزعار: ذو الشراسة وسوء الخلق.\r٤ احتقبوها: ارتكبوها.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358365,"book_id":3862,"shamela_page_id":239,"part":"1","page_num":238,"sequence_num":239,"body":"وثبوتها بإقرارٍ يكون منه، أو بشهادة تقع عليه، ولينتظر من جوابه ما يكون عمله بحسبه، فإنَّ أمير المؤمنين لا يطلق سفك دم مسلم أو معاهَد إلا ما أحاط به علمًا، وأتقنه فهمًا، وكان ما يمضيه فيه عن بصيرة لا يخالجها شكّ، ولا يشوبها ريب.\rومن ألَمَّ بصغيرة من الصغائر، ويسيرة من الجرائر، من حيث لم يعرف له مثلها، ولم يتقدَّم له أختها، وعظه وزجره، ونهاه وحذَّره، واستتابه وأقاله، ما لم يكن عليه خصم في ذلك يطالب بقصاصٍ منه، وجزاء له, فإن عاد تناوَلَه من التقويم والتهذيب والتعزير والتأديب بما يرى أن قد كفى فيما اجترم، ووفَى بما قدَّم، فقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ١.\rوأمره أن يعطِّل ما في أعماله من الحانات والمواخير، ويطهرها من القبائح والمناكير، ويمنع من يجمع من أهل الخنا فيها، ويؤلّف شملها بها، فإنه شملٌ يصلحه التشتيت، وجمعٌ يحفظه التفريق، وما زالت هذه المواطن الذميمة، والمطارح الدنية، داعية من يأوي إليها، ويعكف عليها، إلى ترك الصلوات، وإهمال المفترضات، وركوب المنكرات، واقتراف المحظورات، وهي بيوت الشيطان التي في عمارتها لله معصية، وفي إخرابها للخير مجلبة، والله تعالى يقول لنا معشر المؤمنين: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ ٢, ويقول عز من قائل لغيرنا من المذمومين: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ ٣.\rوأمره أن يولِّي الحماية في هذه الأعمال أهل الكفاية والعناية من الرجال، وأن يضمَّ إليهم كل مَنْ خفَّ ركابه، وأسرع عند الصريخ، مرتبًا لهم في المسالح٤، وسادًّا بهم ثغر المسالك، وأن يوصيهم بالتيقُّظ، ويأخذهم بالتحفُّظ، ويزيح عللهم في علوفة","footnotes":"١ سورة البقرة: الآية ٢٢٩.\r٢ سورة آل عمران: الآية ١١٠.\r٣ سورة مريم: الآية ٥٩.\r٤ المسالح: الثغور, واحدها مسلحة، والمرقب يكون فيه أرصاد يرقبون لئلَّا يطرقهم على غفلة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358366,"book_id":3862,"shamela_page_id":240,"part":"1","page_num":239,"sequence_num":240,"body":"خيلهم، والمقرَّر من أزْوَادهم، ومَيْرِهم، حتى لا تنقل لهم على البلاد وطاءة, ولا يدعوهم إلى تحنّقهم وثلمهم حاجة، وأن يحوطوا السابلة بادئة وعائدة، ويُبَذرقوا١ القوافل صادرة وواردة, ويحرسوا الطريق ليلًا ونهارًا، ويتقَصَّوها رواحًا وغدوًّا، وينصبوا لأهل العبث الأرصاد، ويتكمَّنوا لهم بكل واد، ويتفرَّقوا عليهم حيث يكون التفرق لفضائهم، ومؤديًا إلى انفضاضهم، ويجتمعوا حيث يكون الاجتماع مطفئًا لجمرتهم، وصادعًا لمروتهم، ولا يخلو هذه السبيل من حماة لها، وسيَّارة فيها، يتردَّدون في جوادها، ويتعسَّفون في عواديها، حتَّى تكون الدماء محقونة، والأموال مصونة، والفتن محسومة، والغارات مأمونة، ومن حصل في أيديهم من لصٍّ خاتل، وصعلوك خارب، ومخيف لسبيل، ومنتهك لحريم، امتثل في أمره أمر أمير المؤمنين, الموافق لقول الله ﷿: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٢.\rوأمره بوضع الرَّصد على مَنْ يجتاز في أعماله من أُبَّاق العبيد، والاحتياط عليهم وعلى ما يكون معهم، والبحث عن الأماكن التي فارقوها، والطرق التي استطرقوها, ومواليهم الذين أبقوا٣ منهم، ونشزوا عنهم، وأن يردُّوهم عليهم قهرًا، ويعيدوهم إليهم صغرًا، وأن ينشد الضالَّة ما أمكن أن تنشد، ويحفظوها على ربِّها بما جاز أن تحفظ، ويتجنَّبوا الامتطاء لظهورها، والانتفاع بأوبارها، وألبان ما يجزّ ويُحْلَبُ، وأن يعرفوا اللقطة، ويتبعوا أثرها، ويشيعوا خيرها، فإذا حضر صاحبها وعلمَ أنه مستوجبها سلمت إليه، ولم يعترض فيها عليه، والله ﷿ يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ ٤, ويقول رسول الله ﷺ:$\"ضالَّة المؤمن حرق النار\"٥.","footnotes":"١ يبذرقوا: البذرقة: الخفارة، فارسية معرَّبة, معناها: والمبذوق الخفير.\r٢ سورة المائدة: الآية ٣٣.\r٣ في الأصل \"أنفوا\", والصواب عن المختار ١٠٨.\r٤ سورة النساء: الآية ٥٨.\r٥ قاله النبي ﷺ لمن سأله عن ضوالِّ الإبل، فنهاه عن أخذها، وحذَّره النار إن تعرض لها.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358367,"book_id":3862,"shamela_page_id":241,"part":"1","page_num":240,"sequence_num":241,"body":"وأمره أن يوصي عمَّاله بالشدِّ على يد الحكَّام، وتنفيذ ما يصدر عنهم من الأحكام, وأن يحضروا مجالسهم حضور الموقَّرين لها, الذَّابين عنها, المقيمين لرسوم الهيبة, وحدود الطواعية فيها؛ ومن خرج عن ذلك من ذي عقل ضعيف, وحلم سخيف، نالوه بما يردعه، وأحلّوا به ما يَزَعَه١، ومتى تقاعس متقاعسٌ عن حضورٍ مع خصمٍ يستدعيه بأمرٍ يوجبه الحكم إليه فيه٢، أو التوى ملتوٍ بحقٍّ يحصل عليه, ودين يستقر في ذمَّته، قادوه إلى ذلك بأزمَّة الصغار, وخزائم٣ الاضطرار, وأن يُحْبَسُوا ويطلقوا بأقوالهم، ويثبِّتوا الأيدي في الأملاك والفروج، وينزعوا بقضاياهم, فإنهم أمناء الله في فصل ما يقضون، وبثّ ما يبثون٤، وعن كتابه وسنة نبيه ﷺ يوردون ويصدّون، وقد قال الله ﷿: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ ٥.\rوأن يتوخَّى بمثل هذه المعاملة عمَّال الخراج في استيفاء حقوق ما استعمِلُوا عليه، واستنظاف بقاياهم فيه، والرياضة لمن تسوء طاعته من معامليهم، وإحضارهم طائعين أو كارهين بين أيديهم، فمن آداب الله تعالى للعبد الذي يحقّ عليه أن يتخذها, ويجعلها للرضا عنه سببًا قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ٦.\rوأمره أن يجلس للرعيِّة جلوسًا عامًّا، وينظر في مظالمها نظرًا تامًّا، يساوي في الحق بين خاصِّها وعامِّها، ويوازي في المجالس بين عزيزها وذليلها، وينصف المظلوم من","footnotes":"١ في الأصل \"ما ينزعه\".\r٢ في الأصل \"بأمر يوجبه الحكم إليه\".\r٣ في الأصل \"وحزائم\" بالحاء المهملة وهو تصحيف، والخزائم جمع خزامة، وأصل الخزامة حلقة من شعر تجعل في وترة أنف البعير يشد بها الزمام.\r٤ في المختار \"ما يفصلون\".\r٥ سورة ص: الآية ٢٦.\r٦ سورة المائدة: الآية ٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358368,"book_id":3862,"shamela_page_id":242,"part":"1","page_num":241,"sequence_num":242,"body":"ظالمه، والمغصوب من غاصبه، بعد الفحص والتأمُّل, والبحث والتبيُّن، حتى لا يحكم إلّا بعدل، ولا ينطق إلا بفصل, ولا يثبت يدًا إلّا فيما وجب تثبيتها فيه، ولا يقبضها إلّا عمَّا وجب قبضها عنه، وأن يُسَهِّلَ الإذن لجماعتهم، ويرفع الحجاب بينه وبينهم، ويوليهم من حصانة الكنف، ولين المنعطف، والاشتمال والعناية، والصون والرعاية، ما تتعادل به أقسامهم، وتتوازى منه أقساطهم، ولا يصل الركين منهم إلى استضامة ما تأخَّر عنه، ولا ذو السلطان إلى هضيمة من دون حلَّ دونه، وأن يدعوهم إلى أحسن العادات والخلائق، ويحضهم على أحمد المذاهب والطرائق، ويحمل عنهم كَلَّه، ويمد عليهم ظله، ولا يسومهم عسفًا، ولا يلحق بهم حيفًا، ولا يكلفهم شططًا، ولا يجشمهم مضلعًا، ولا يلثم لهم معيشة، ولا يداخلهم في جريمة١، ولا يأخذ بريئًا بسقيم، ولا حاضرًا بعديم٢، فإن الله ﷿ ينهى أن تزر وازرة وزر أخرى، ويرفع عن هذه الرعية ما عسى أن يكون سنَّ عليها من سُنَّةٍ ظالمة، وسلك بها من محجَّة جائرة، ويستقري آثار الولاة قبله عليها، فيما أزلفوه من خيرٍ أو شرٍّ إليها، فيقِرُّ من ذلك ما طاب وحسن، ويزيل ما خبث وقبح, فإنَّ من غرس الخير يحظى بمعسول ثمره، ومن زرع الشر يصلى بممرور ريعه، والله تعالى يقول: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ ٣.\rوأمره بأن يصون مال الخراج، وأثمان الغلَّات، ووجوه الجبايات موفِّرًا، ويزيد ذلك مثمرًا، بما يستعمله من الإنصاف لأهلها، وإجرائهم على صحيح الرسوم فيها، فإنه مال الله الذي به قوة عباده، وحماية بلاده، ودرور حَلَبِه، واتصال مدَدِه، وبه يحاط الحريم، ويدفع العظيم، ويحمِّي الذمار، ويذاد الأشرار، وأن يجعل افتتاحه إياه بحسب إدراك أصنافه، وعند حضور مواقيته وأحيانه، غير مستلِّف شيئًا قبلها، ولا مؤخِّرًا لها عنها، وأن يخصَّ أهل الطاعة والسلامة بالترفيه لهم، وأهل","footnotes":"١ رواية المختار \"ولا يداخلهم في حرفة\".\r٢ رواية المختار \"ولا حاضرًا بغائب\".\r٣ سورة الأعراف: الآية ٥٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358369,"book_id":3862,"shamela_page_id":243,"part":"1","page_num":242,"sequence_num":243,"body":"الاستصعاب والامتناع بالتشديد عليهم، لئلَّا يقع إرهاق لمذعن، أو إهمال لطامع، وعلى المتولِّي لذلك أن يضع كلًّا من الأمرين موضعه، ويوقعه موقعه, متجنبًا إحلال الغلظة بمن لا يستحقها، وإعطاء الفسحة من ليس أهلها، والله تعالى يقول: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى، وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى، ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾ .\rوأمره أن يتخيَّر عماله على الخراج والأعشار والضياع والجهبذة والصَّدقات والجوالي من أهل الظلف٢ والنزاهة، والضبط والصيانة، والجزالة والشهامة، وأن يستظهر مع ذلك عليهم بوصيةٍ تعيها أسماعهم، وعهود يقلدها أعناقهم، بألّا يضيعوا حقًّا، ولا يأكلوا سحتًا، ولا يستعملوا ظلمًا، ولا يفارقوا غشمًا٣، وأن يقيموا العمارات، ويحتاطوا [على الغلات] ٤, ويحترزوا من إتواء٥ حقٍّ لازم، أو تعطيل رسمٍ عادل، مؤدِّين في جميع ذلك الأمانة، مجتنبين الخيانة، وأن يأخذوا جهابذتهم باستيفاء وزن المال على تمامه، واستجادة نقده على عياره، واستعمال الصحة في قبض ما يقبضوه، وإطلاق ما يطلقون، وأن يوعزوا إلى سعاة الصدقات في أخذ الفرائض من سائمة مواشي المسلمين دون عاملتها، وكذلك الواجب فيها، وألا يجمعوا فيها متفرقًا، ولا يفرِّقوا مجتمعًا، ولا يدخلوا فيها خارجًا عنها، ولا يضيفوا إليها ما ليس منها، من فحل إبل، وأكولة راع، أو عقيلة مال، فإذا اجتبوها على حقها، واستوفوها على رسمها، أخرجوها في سبيلها، وقسَّموها على أهلها الذين ذكرهم الله ﷿ في كتابه العزيز, إلّا المؤلفة قلوبهم الذين ذكرهم الله ﷿ في كتابه الكريم, وسقط سهمهم٦، فإن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا","footnotes":"١ سورة النجم: الآيات ٣٩-٤١.\r٢ الظلف: منع النفس وكفِّها عمَّا لا يحسن.\r٣ الغشم: الظلم.\r٤ زيادة عن المختار.\r٥ الإتواء: الإهلاك.\r٦ المؤلفة قلوبهم: قوم من سادات العرب أمر الله نبيه في أول الإسلام بتألفهم, أي: بمقاربتهم وإعطائهم ليرغبوا من وراءهم في الإسلام، فلا تحملهم الحميَّة مع ضعف نيَّاتهم أن يكونوا ألبًا مع الكفار على المسلمين، فلمَّا دخل الناس في دين الله أفواجًا، وظهر أهل دين الله على جميع أهل الملل سقط سهمهم، كما في نص هذا العهد.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358370,"book_id":3862,"shamela_page_id":244,"part":"1","page_num":243,"sequence_num":244,"body":"الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ١.\rوإلى جباة أهل الذمَّة أن يأخذوا منهم الجزية في المحرم من كل سنة، بحسب منازلهم في الأحوال، وذات أيديهم في الأموال، وعلى الطبقات المطبَّقة فيها، والحدود المعهودة لها، وألّا يأخذوها من النساء ولا ممن لم يبلغ الحلم من الرجال، ولا من ذي سنٍّ عالية، ولا ذي علةٍ بادية، ولا فقير معدَم، ولا مترهِّب متبتل.\rوأن يراعي جماعة هؤلاء العمال مراعاة يُسِرُّها ويظهرها، ويلاحظهم ملاحظة يخفيها ويبديها، لئلَّا يزولوا عن الحق الواجب، أو يعدلوا عن السَّنَن اللَّاحب٢، فقد قال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ ٣.\rوأمره بأن يندب لعرض الرجال وإعطائهم، وحفظ جراياتهم وأوقات إطعامهم، من يعرفه بالثقة في متصرفه، والأمانة فيما يجري على يده، والبعد عن الإسفاف إلى الدنية، والاتِّباع للدناءة, وأن يبعثه على ضبط الرجال، وشيات الخيل، وتحديد العرض بعد الاستحقاق، وإيقاع الاحتياط في الإنفاق، فمن صحَّ عرضهم, ولم يبق في نفسه شيء منهم من شكٍّ يعرض له, أو ريبة يتوهمها, أطلق أموالهم موفورة، وحصَّلها في أيديهم غير ملثومة، وأن يردَّ على بيت المال أرزاق من سقط بالوفاة والإخلال، ناسبًا ذلك إلى جهته، موردًا له على حقيقته, وأن يطالب الرِّجال بإحضار الخيل المختارة، والآلات المستكملة، على ما توجبه مبالغ أرزاقهم وحسب منازلهم ومراتبهم، فإن أخَّر أحدهم شيئًا من ذلك, قاصه به من رزقه، وأغرمه مثل قيمته، فإن المقصِّر فيه خائن لأمير المؤمنين، ومخالف لرب العالمين، إذ يقول سبحانه: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ ٤.","footnotes":"١ سورة التوبة: الآية ٦٠.\r٢ السنن اللاحب: الطريق الواضح.\r٣ سورة الإسراء: الآية ٣٤.\r٤ سورة الأنفال: الآية ٦٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358371,"book_id":3862,"shamela_page_id":245,"part":"1","page_num":244,"sequence_num":245,"body":"وأمره أن يعتمد في أسواق الرقيق ودور الضرب والطرز والحسبة على من تجتمع فيه آلات هذه الولايات من ثقة ودراية, وعلم وكتابة، ومعرفة ورواية، وتجربة وحنكة، وحصافة ومسكة، فإنها أحوال تضارع الحكم وتناسبه، وتدانيه وتقاربه، وأن يتقدَّم إلى ولاة أسواق الرقيق بالتحفُّظ فيمن يطلقون بيعه، ويمضون أمره، والتحرُّز من وقوع تخوّن فيه، أو إهمال له؛ إذ كان ذلك عائدًا بتحصين الفروج، وتطهير الأنساب، وأن يبعدوا عنه أهل الريبة، ويقربوا أهل العفّة، ولا يمضوا بيعًا على شبهة، ولا عقدًا على تهمة.\rوإلى ولاة العيار بتخليص عين الدرهم والدينار، ليكونا مضروبين على البراءة من الغش، والنزاهة من المَشِّ١، وبحسب الإمام المقدّر بمدينة السلام، وحراسة السكك من أن تتداولها الأيدي المدغلة٢، وتتناقلها الجهات الظنينة٣، وإثبات اسم أمير المؤمنين على ما يضرب ذهبًا وفضة، وإجراء ذلك على الرسم والسنة، وإلى ولاة الطرز٤ أن يجروا الاستعمال في جميع المناسج على أتمِّ النيقة، وأسلم الطريقة، وأحكم الصنعة، وأثبت٥ الصحة، وأن يكتبوا اسم أمير المؤمنين على طرز الكسا والفرش، والأعلام والبنود.\rوإلى ولاة الحسبة بتصفُّح أحوال العوامِّ في حِرَفِهم ومتاجرهم، ومجتمع أسواقهم ومعاملاتهم، وأن يعايروا الموازين والمكاييل، ويفرزوها على التعديل والتكميل، ومن اطَّلعوا منه على حيلة أو تلبيس، أو غيلة أو تدليس، أو بخس ما يوفيه، واستفضال فيما يستوفيه، نالوه بغليظ العقوبة وعظمها، وخصوه بوجيعها وألمها، واقفين في ذلك عند الحدِّ الذي يرونه لذنبه مجازيًا، وفي تأديبه كافيًا, فقد قال الله تعالى:","footnotes":"١ المش: هو أخذ المال شيئًَا بعد شيء.\r٢ المدغلة: من الدغل وهو الفساد، وفي الأصل \"المزغلة\" بالزاي.\r٣ الظنينة: المتهمة، وفي الأصل \"المبنية\".\r٤ الطرز: الموضع الذي تنسج فيه الثياب الجيدة، والنمط، وثوب ينسج للسلطان.\r٥ النيقة: التجويد والمبالغة.\r٦ في الأصل \"وأفضل\" والصواب عن المختار ١١٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358372,"book_id":3862,"shamela_page_id":246,"part":"1","page_num":245,"sequence_num":246,"body":"﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ، الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ، وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ ١.\rهذا عهد أمير المؤمنين إليك، وحجته عليك، وقد وقفك على سواء السبيل، وأرشدك إلى واضح الدليل، وأوسعك تعليمًا وتفهيمًا، ولم يألك جهدًا فيما عصمك وعصم على يدك، ولم يدخِرك ممكنًا فيما أصلح بك وأصلحك، ولا ترك لك عذرًا في غلط تغلطه، ولا طريقًا إلى تورُّط تتورَّطه، بإلقائك في الأوامر والزواجر إلى حيث يلزم الأئمة أن يندبوا الناس إليه، ويحثّوهم عليه, مقيمًا لك على منجيات المسالك, صارفًا لك عن مرديات المهالك، مريدًا فيك ما يسلِّمك في دينك ودنياك، يعود بالحظ عليك في آخرتك وأولاك، فإن اعتدلت وعدلت فقد فزت وغنمت، وإن تحانفت واعوججت فقد فسدت وندمت، والأوْلى بك عند أمير المؤمنين مع مغرسك الزاكي، ومنبتك النامي, وعودك الأنجب، وعنصرك الأطيب، أن تكون لظنه محقِّقًا، ولمخيلته فيك مصدِّقًا، وأن تستزيده بالأثر الجميل قربًا وثوابًا يوم الدين، وزلفى عند أمير المؤمنين، وثناءً حسنًا من المسلمين.\rفخذ ما نبذ إليك أمير المؤمنين من معاذيره، وأمسك بيدك على ما أعطى من مواثيقه، واجعل عهده مثالًا تحتذيه، وإمامًا تقتفيه، واستعن بالله يعنك, واستهده يهدك، وأخلص إليه في طاعته يخلص لك الحظ في معونتك، ومهما أشكل عليك من الخطب, أو أعضل عليك من صعب، أو بهرك من باهر، أو بهظك من باهظ، فاكتب إلى أمير المؤمنين [به] منهيًا، وكن إلى ما يرد عليك من جوابه متطلعًا إن شاء الله تعالى, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.\rالتقليد بأسلوب ابن الأثير:\rوأما التقليد الذي أنشأته أنا فهو هذا:\r\"أما بعد، فإن أمير المؤمنين يبدأ بحمد الله الذي يكون لكلِّ خطبة قيادًا، ولكل أمر مهادًا، ويستزيده من نعمه التي جعلت التقوى له زادًا، وحمَّلته عبء الخلافة","footnotes":"١ سورة المطففين: الآيات ١-٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358373,"book_id":3862,"shamela_page_id":247,"part":"1","page_num":246,"sequence_num":247,"body":"فلم يضعف عنه طوقًاو ولم يأل فيه اجتهادًا، وصغَّرت لديه أمر الدنيا, فما تسوَّرت له محرابًا, ولا عرضت عليه جيادًا، وحققت فيه قول الله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ ١. ثم يصلّي على من أنزلت الملائكة لنصره إمدادًا، وأسري به إلى السماء حتى ارتقى سبعًا شدادًا، وتجلَّى له ربه فلم يزغ منه بصرًا ولا أكذب منه فؤادًا، ثم من بعده على أسرته الطاهرة التي زكت أوراقًا وأعوادًا، وورثت النور المتين تلادًا، ووصفت بأنها أحد الثقلين هداية وإرشادًا، وخصوصًا عنه العباس المدعو له بأن يحفظ نفسًا وأولادًا، وأن تبقى كلمة الخلافة فيها خالدة لا تخاف دركًا ولا تخشى نفادًا. وإذا استوفى القلم مداده من هذه الحمدلة، وأسند القول فيها عن فصاحته المرسلة، فإنه يأخذ في إنشاء هذا التقليد الذي جعله حليفًا لقرطاسه، واستدام سجوده على صفحته حتى لم يكد يرفع من راسه، وليس ذلك إلا لإفاضته في وصف المناقب التي كثرت, فحسن لها مقام الإكثار، واشتبه التطويل فيها بالاختصار، وهي التي لا يفتقر واصفها إلى القول المعاد، ولا يستوعر سلوك أطوادها, ومن العجب وجود السهل في سلوك الأطواد، وتلك مناقبك أيها الملك الناصر الأجلّ السيد الكبير العالم العادل المجاهد المرابط صلاح الدين أبو المظفر يوسف بن أيوب، والديوان العزيز يتلوها عليك تحدثًا بشكرك، ويباهي بك أولياءه تنويهًا بذكرك، ويقول: أنت الذي تستكفي فتكون للدولة سهمها الصائب، وشهابها الثاقب، وكنزها الذي تذهب الكنوز وليس بذاهب، وما ضرها وقد حضرت في نصرتها إذا كان غيرك هو الغائب، فاشكر إذًا مساعيك التي أهَّلتك لما أهلتك، وفضلتك على الأولياء بما فضلتك, ولئن شوركت في الولاء بعقيدة الإضمار, فلم تشارك في عزمك الذي انتصر للدولة فكان له بسطة الانتصار، وفرقٌ بين من أمدَّ بقلبه وبين من أمد بيده في درجات الإمداد، وما جعل الله القاعدين كالذين قالوا: لو أمر بنا لضربنا أكبادها إلى برك الغماد٢.","footnotes":"١ سورة القصص: الآية ٨٣.\r٢ قال صاحب القاموس: وبرك الغماد -بالكسر ويفتح- موضع باليمن، أووراء مكة بخمس ليال، أو أقصى معمور الأرض.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358374,"book_id":3862,"shamela_page_id":248,"part":"1","page_num":247,"sequence_num":248,"body":"وقد كفاك من المساعي أنك كفيت الخلافة أمر منازعيها, وطمست على الدَّعوة الكاذبة التي كانت تدعيها، ولقد مضى عليها زمن ومحراب حقها محفوف من الباطل بمحرابين، ورأت ما رآه رسول الله ﷺ من السوارين اللذين أولهما كذابين، فبمصر منهما واحدٌ تاه بمجرى أنهارها من تحته، ودعا الناس إلى عبادة طاغوته وجبته، ولعب بالدين حتى لم يدر يوم جمعته من يوم أحده ولا يوم سبته، وأعانه على ذلك قوم رمى الله بصائرهم بالعمي والصمم، واتخذوه صنمًا بينهم, ولم تكن الضلالة هناك إلا بعجلٍ أو صنم، فقمت أنت في وجه باطله حتى قعد، وجعلت في جيده حبلًا من مسد، وقلت ليده تبت فأصبح وهو لا يسعى بقدم ولا يبطش بيد، وكذلك فعلت بالآخر الذي نجمت باليمن ناجمته، وسامت فيه سائمته، فوضع بنية الكعبة اليمانية، وقال: هذا هو ذو الخلصة الثانية١، فأيُّ مقاميك يعترف الإسلام بسبقه? أم أيها يقوم بأداء حقه?\rوههنا فليصبح القلم للسيف من الحسَّاد، وليقصر مكانته عن مكانته وقد كان له من الأنداد، ولم يحظ بهذه المزية إلّا لأنه أصبح لك صاحبًا، وفخر بك حتى طال فخرًا عمَّا عزَّ جانبًا، وقضى بولايتك فكان بها قاضيًا لما كان حده قاضبًا.\rوقد قلَّدك أمير المؤمنين البلاد المصرية واليمنية غورًا ونجدًا، وما اشتملت عليه رعية وجندًا، وما انتهت إليه أطرافها برًّا وبحرًا، وما يستنقذ من مجاوريها مسالمة وقهرًا، وأضاف إليها بلاد الشام وما تحتوي عليه من المدن الممدَّنة، والمراكز المحصَّنة، مستثنيًا منها ما هو بيد نور الدين إسماعيل بن نور الدين محمود ﵀، وهو \"حلب\" وأعمالها، فقد مضى أبوه عن آثار في الإسلام ترفع ذكره في الذاكرين، وتخلفه في عقبه في الغابرين، وولده هذا قد هذَّبته الفطرة في القول والعمل، وليست هذه الربوة إلّا من ذلك الجبل، فليكن له منك جارٌ يدنو منه ودادًا، كما دنا أرضًا، ويصبح وهو له كالبنيان يشد بعضه بعضًا.\rوالذي قدَّمناه من الثناء عليك ربما تجاوز بك درجة الاقتصاد، ولفتك عن","footnotes":"١ ذو الخلصة -محركة بفتحتين وبضمتين: بيت كان يدعى الكعبة اليمانية لخثعم, كان فيه صنم اسمه الخلصة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358375,"book_id":3862,"shamela_page_id":249,"part":"1","page_num":248,"sequence_num":249,"body":"فضيلة الازدياد، فإياك أن تنظر سعيك بالإعجاب, وتقول هذه بلاد أنا فتحتها بعد أن أضرب عنها كثير من الأضراب، ولكن اعلم أن الأرض لله ولرسوله, ثم لخليفته من بعده، ولا منَّة للعبد بإسلامه, بل المنة لله بهداية عبده، وكم سلف من قبلك من لو رام ما رمته لدنا شاسعه، وأجاب مانعه، لكن ذخره الله لك لتحظى من الآخرة بمفازه، وفي الدنيا برقم طرازه، فألق بيدك عند هذا القول إلقاء التسليم, وقل: لا علم لنا إلّا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.\rوقد قرن تقليدك هذا بخلعة تكون لك في الاسم شعارًا، وفي الوسم فخارًا، وتناسب محل قلبك وبصرك, وخير ملابس الأولياء ما ناسب قلوبًا وأبصارًا، ومن جملتها طوق يوضع في عنقك موضع العهد والميثاق، ويشير إليك بأن الإنعام قد أطاف بك إطافة الأطواق بالأعناق، ثم إنك خوطبت بالملك وذلك خطاب يقضي لصدرك بالانشراح، ولأملك بالانفساح، وتؤمر معه بمدِّ يدك العليا لا بضمها إلى الجناح.\rوهذه الثلاثة المشار إليها هي التي تكمل بها أقسام السيادة، وهي التي لا مزيد عليها في الإحسان, فيقال: إنها الحسنى وزيادة، فإذا صارت إليك فانصب لها يومًا يكون في الأيام كريم الأنساب، واجعله لها عيدًا وقل: هذا عيد الخلعة والتقليد والخطاب.\rهذا, ولك عند أمير المؤمنين مكانة تجعلك لديه حاضرًا وأنت ناءٍ عن الحضور، وتضن أن تكون مشتركة بينك وبين غيرك, والضنَّة من شيم الغيور، وهذه المكانة قد عرَّفَتْك نفسها وما كنت تعرفها، وما تقول إلّا أنَّها لك صاحبة وأنت يوسُفُها، فاحرسها عليك حراسة تقضي بتقديمها، واعمل لها فإن الأعمال بخواتيمها.\rواعلم أنَّك قد قلدت أمرًا تعين به نفي الحلوم، ولا ينفك صاحبه عن عهدة الملوم، وكثيرًا ما يرى حسناته يوم القيامة وهي مقتسمةٌ بأيدي الخصوم، ولا ينجو من ذلك إلّا من أخذ أهبة الحذار، وأشفق من شهادة الأسماع والأبصار، وعلم أن الولاية ميزان إحدى كفتيه في الجنة والأخرى في النار، قال النبي ﷺ:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358376,"book_id":3862,"shamela_page_id":250,"part":"1","page_num":249,"sequence_num":250,"body":"$\"يا أبا ذر, إني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمَّرنَّ على اثنين، ولا تولّين مال يتيم\" فانظر إلى هذا القول النبويّ نظر من لم يخدع بحديث الحرص والآمال، ومثِّل الدنيا وقد سيقت إليك بحذافيرها, أليس مصيرها إلى الزوال؟ والسعيد إذا جاءته قضى بها أرب الأرواح لا أرب الجسوم، واتخذ منها -وهي السم- دواء، وقد تتخذ الأدوية من السموم، وما الاغتباط بما يختلف على تلاشيه المساء والصباح، وهو كما أنزلناه من السماء, فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيمًا تذروه الرياح.\rوالله يعصم أمير المؤمنين وولاة أمره من تباعتها التي لابستهم ولابسوها، وأحصاها الله عليهم ونسوها، ولك أنت من هذا الدعاء حظّ على قدر محلك من العناية التي جذبت بصبعك١، ومحلك من الولاية التي بسطت من درعك، فخذ هذا الأمر الذي تقلَّدته أخذ من لم يتعقبه بالنسيان, وكن في رعايته ممن إذا نامت عيناه كان قلبه يقظان.\rوملاك ذلك كله في إسباغ العدل الذي جعله الله ثالث الحديث والكتاب، وأغنى بثوابه وحده عن أعمال الثواب، وقدَّر يومًا منه بعبادة ستين عامًا في الحساب، ولم يأمر به آمِرٌ إلّا زيد قوة في أمره، وتحصَّن به من عدوه ومن دهره، ثم يجاء به يوم القيامة وفي يديه كتابا أمان، ويجلس على منبر من نور عن يمين الرحمن، ومع هذا, فإن مركبه صعب لا يستوي على ظهره إلّا من أمسك عنان نفسه قبل إمساك عنانه، وغلبت لمة ملكه على لمة شيطانه، ومن أوكد فروضه أن يمحي السنن السيئة التي طالت مدد أيَّامها، ويئس الرعايا من رفع ظلاماتها, فلم يجعلوا أمدًا لانحسار ظلامها، وتلك السنن هي المكوس التي أنشأتها الهمم الحقيرة، ولا غنى للأيدي الغنية إذا كانت ذات نفوس فقيرة، وكلما زيدت الأموال الحاصلة منها قدرًا زادها الله محقًا، وقد استمرَّت عليها العوائد حتى ألحقها الظالمون بالحقوق الواجبة فسموها حقًّا، ولولا أنَّ صاحبها أعظم الناس جرمًا لما أغلظ في عقابه، ومثِّلت توبة المرأة الغامدية","footnotes":"١ الضبع: العضد كلها، وأوسطها يلحمها، أو ما بين الإبط إلى نصف العضد من أعلاه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358377,"book_id":3862,"shamela_page_id":251,"part":"1","page_num":250,"sequence_num":251,"body":"بمتابه، وهل أشقى ممن يكون السواد الأعظم له خصمًا، ويصبح وهو مطالب بهم ما يعلم وبما لم يُحِطْ به عِلْمًا؟ وأنت مأمور بأن تأتي هذه الظلامات فتنجي على إبطالها، وتلحق أسماءها في المحو بأفعالها، حتى لا يبقى لها في العيان صورةً منظورة، ولا في الألسنة أحاديث مذكورة، فإذا فعلت ذلك كنت قد أزلت عن الماضي سنَّة سوء سنَّتها يداه، وعن الآتي متابعة ظلم وجده نهجًا مسلوكًا فجرى على مداه، فبادر إلى ما أمرت به مبادرة من لم يضق ذرعًا، ونظر إلى الحياة الدنيا بعينه فرآها في الآخرة متاعًا، واحمد الله تعالى على أن قيَّض للإمام هدى يقف بك على هداك، ويأخذ بحجزتك عن خطوات الشيطان الذي هو أعدى عِدَاك.\rوهذه البلاد المنوطة بطرفك تشتمل على أطراف متباعدة, وتفتقر في سياستها إلى أيدٍ متساعدة، ولهذا يكثر بها قضاة الأحكام، وأولو تدبيرات السيوف والأقلام، وكل من هؤلاء ينبغي أن يقف على باب الاختيار، ويسلّط عليه شاهدًا عدل من أمانة الدرهم والدينار، فما أضلَّ الناس شيء كحب المال الذي فُورِقَت من أجله الأديان، وهُجِرَت بسببه الأولاد والإخوان، وكثيرًا ما نرى الرجل الصائم القائم وهو عابد له عبادة الأوثان، فإذا استعنت بأحد منهم على شيء من أمرك فاضرب عليه بالأرصاد، ولا ترض بما عرفته من مبدأ حاله فإن الأحوال تنتقل منتقل الأجساد، وإياك أن تخدع بصلاح الظاهر كما خُدِعَ عمر بن الخطاب ﵁ بالربيع بن زياد، وكذلك أؤمر هؤلاء على اختلاف طبقاتهم بأن يأمروا بالمعروف مواظبين، وينهوا عن المنكر حاسبين، ويعلموا أن ذلك من دأب حزب الله الذين جعلهم الله الغالبين، وليبدأوا أولًا بأنفسهم فيعدلوا بها عن هواها، ويأمروها بما يأمرون به سواها، ولا يكونون ممن هدى إلى طريق البرِّ وهو عنه حائد، وانتصب لطلب المرضى وهو محتاج إلى طبيب وعائد، فما تنزل بركات السماء إلا على من خاف مقام ربه، وألزم التقوى أعمال يده ولسانه وقلبه، وإذا صلحت الولاة صلحت الرعية بصلاحهم، وهم لهم بمنزلة المصابيح ولا يستضيء كل قوم إلّا بمصباحهم، ومما يؤمرون به أن يكونوا لمن تحت أيديهم إخوانًا في الاصطحاب، وجيرانًا في الاقتراب، وأعوانًا في توزُّع الحمل الذي يثقل على","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358378,"book_id":3862,"shamela_page_id":252,"part":"1","page_num":251,"sequence_num":252,"body":"الرقاب، فالمسلم أخو المسلم وإن كان عليه أميرًا، وأولى الناس باستعمال الرفق من كان فضل الله عليه كثيرًا، وليست الولاية لمن يستجدّ بها كثرة اللفيف، ويتولَّاها بالوطء العنيف، ولكنها لمن يمال على جوانبه، ويؤكل من أطايبه، ولمن إذا أغضب لم ير للغضب عنده أثر، وإذا ألحف في سؤاله لم يلق الإلحاف بخلق الضجر، وإذا حضر الخصوم بين يديه عدل بينهم في قسمة القول والنظر، فذلك الذي يكون من أصحاب اليمين والذي يُدعى بالحفيظ العليم والقوي الأمين.\rومن سعادة المرء أن تكون ولاته متأدِّبين بآدابه، وجارين على نهج صوابه، وإذا تطايرت الكتب يوم القيامة كانوا حسناتٍ مثبتة في كتابه.\rوبعد هذه الوصية فإن ههنا حسنة هي للحسنات كالأمِّ الولود، ولطالما أغنت عن صاحبها إغناء الجنود، وتيقَّظت لنصره العيون رقود، وهي التي تسبغ لها الآلاء، ولا يتخطَّاها البلاء.\rولأمير المؤمنين بها عناية تبعثها الرحمة الموضوعة في قلبه، والرغبة في المغفرة لما تقدَّم وتأخر من ذنبه، وتلك هي الصدقة التي فضَّل الله بها بعض عباده لمزية أفضالها، وجعلها سببًا إلى التعويض عنها بعشر أمثالها، وهو يأمرك أن تتفقَّد أحوال الفقراء الذين قُدِرَت عليهم مادة الأرزاق، وألبسهم التعفف ثوب الغنى وهم في ضيق من الإملاق، فأولئك أولياء الله الذين مسَّتهم الضراء فصبروا، وكثرت الدنيا في يد غيرهم فما نظروا إليها إذ نظروا، وينبغي أن يهيئ لهم من أمرهم مرفقًا، ويضرب بينهم وبين الفقر موبقًا.\rوما أطلنا لك القول في هذه الوصية إلّا إعلامًا بأنها من المهم الذي يُسْتَقْبَل ولا يُسْتَدْبَر، ويُسْتَكْثَرُ منه ولا يُسْتكْثُر، وهذا يُعَدُّ من جهاد النفس في بذل المال، ويتلوه جهاد العدو الكافر في مواقف القتال، وأمير المؤمنين يعرفك من ثوابه ما تجعل السيف في ملازمته أخًا، وتسخو له بنفسك إن كان أحد بنفسه سخا، ومن صفاته أنه العمل المحبوُّ بفضل الكرامة، الذي يُنْمَى بعد صاحبه إلى يوم القيامة، وبه تُمْتَحَن طاعة الخالق على المخلوق، وكل الأعمال عاطلة لا خلوق لها وهو المختص دونها برتبة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358379,"book_id":3862,"shamela_page_id":253,"part":"1","page_num":252,"sequence_num":253,"body":"الخلوق، ولولا فضله لما كان محسوبًا بشطر الإيمان، ولما جعل الله الجنة له ثمنًا وليست لغيره من الأثمان، وقد علمت أن العدوَّ هو جارك الأدنى، والذي يبلغك وتبلغه عينًا وأذنًا، ولا تكون للإسلام نعم الجار حتى تكون له بئس الجار، ولا عذر لك في ترك جهاده بنفسك ومالك إذا قامت لغيرك الأعذار، وأمير المؤمنين لا يرضى منك بأن تلقاه مكافحًا، أو تطرق أرضه مماسيًا أو مصابحًا، بل يريد أن تقصد البلاد التي في يده قصد المستنقذ لا قصد المغير، وأن تحكم فيها بحكم الله الذي قضاه على لسان سعد في بني قريظة والنضير، وعلى الخصوص البيت المقدَّس فإنه تلاد الإسلام القديم، وأخو البيت الحرام في شرف التعظيم، والذي توجَّهت إليه الوجوه من قبل بالسجود والتسليم، وقد أصبح وهو يشكو طول المدة في أسر رقبته، وأصبحت كلمة التوحيد وهي تشكو طول الوحشة في غربتها عنه وغربته، فانهض إليه نهضة توغل في قرحه، وتبدل صعب قيادة بسمحه، وإن كان له عام حديبية فأتبعه بعام فتحه، وهذه الاستزادة إنما تكون بعد سداد ما في اليد من ثغر كان مهملًا فحميت موارده، أو مستهدمًا فرفعت قواعده، ومن أهمها ما كان حاضر البحر فإنه عورة مكشوفة، وخطة مخوفة، والعدو قريب منه على بعده، وكثيرًا ما يأتيه فجأة حتى يسبق برقه برعده, فينبغي أن يرتب بهذه الثغور رابطة تكثر شجاعتها وتقل أقرانها، ويكون قتالها لِأَنْ تكون كلمة الله هي العليا لا لأن يرى مكانها، وحينئذ يصبح كلّ منها وله من الرجال أسوار، ويعلم أهله أن بناء السيف أمنع من بناء الأحجار, ومع هذا لا بُدَّ لها من أسطول يكثر عدده، ويقوي مدده, فإنه العدة التي تستعين بها على كشف الغماء، والاستكثار من سبايا العبيد والإماء، وجيشه أخو الجيش السليماني, فذاك يسير على متن الريح وهذا على متن الماء، ومن صفات خيله أنها جمعت بين العوم والمطار١، وتساوت أقدار خلقها على اختلاف مدة الأعمار، فإذا أشرعت قيل جبال متعلقة بقطع من الغيوم، وإذا نُظِرَ إلى أشكالها قيل إنها أهِلَّةٌ غير أنها تهتدي في مسيرها بالنجوم، ومثل هذه الخيل ينبغي أن يُغَالَى في جيادها، ويستكثر من قيادها، وليؤمَّر عليها أمير يلقى البحر بمثله من","footnotes":"١ العوم سير الإبل، والمطار سرعة سير الخيل.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358380,"book_id":3862,"shamela_page_id":254,"part":"1","page_num":253,"sequence_num":254,"body":"سعة صدره، ويسلك طرقه سلوك من لم تقتله بجهلها, ولكن قتلها بخُبْرِه، وكذلك فليكن ممن أفنت الأيام تجاربه, وزحمتها مناكبه، وممن يذلّ الصعب إذا هو ساسه وإن لان جانبه، وهذا هو الرجل يرأس على القوم فلا يجد هزة بالرياسة، وإن كان في الساقة١، ففي الساقة, أو كان في الحراسة ففي الحراسة، ولقد أفلحت عصابة اعتصبت من ورائه, وأيقنت بالنصر من رايته كما أيقنت بالنصر من رأيه، واعلم أنه قد أخلَّ من الجهاد بركن يقدح في عمله، وهو تمامه الذي يأتي في آخره كما أن صدق النية تأتي في أوله، وذلك هو قسم الغنائم, فإن الأيدي قد تداولته بالإجحاف, وخلطت فيه بغلوها فلم ترجع بالكفاف، والله قد جعل الظلم في تعدي حدوده المحدودة، وجعل الاستئثار بالمغنم من أشراط الساعة الموعودة، ونحن نعوذ به أن يكون زماننا هذا زمانه, وبأسه شر باس، ولم يستخلفنا على حفظ أركان دينه, ثم نهمله إهمال مضيع, ولا إهمال ناسٍ.\rوالذي نأمرك به أن تجري هذا الأمر المنصوص من حكمه، وتبرئ ذمتك مما يكون غيرك الفائز بفوائده وأنت المطالب بإثمه، وفي أرزاق المجاهدين بالديار المصرية والشامية ما يغنيهم عن هذه الأكلة التي تكون غدًا أنكالًا وجحيمًا, وطعامًا ذا غصةٍ وعذابًا أليمًا.\rفتصفَّح ما سطرنا لك في هذه الأساطير التي هي عزائم مبرمات، بل آيات محكمات، وتحبَّب إلى الله وإلى أمير المؤمنين باقتفاء كلماتها, وابن لك منها مجدًا يبقى في عقبك إذا أصيبت البيوت في أعقابها، وهذا التقليد ينطق عليك بأنه لم يأل في الوصايا التي أوصاها, وأنه لم يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ثم إنه قد ختم بدعوات دعا بها أمير المؤمنين عند ختامه، وسأل فيها خيرة الله التي تتنزل من كل أمر بمنزلة نظامه، ثم قال: \"اللهم أني أشهدك على من قلدته شهادةً تكون عليه رقيبة، وله حسيبة، فإني لم آمره إلا بأوامر الحق التي فيها موعظة وذكرى، وهي لمن تبعها هدى ورحمة","footnotes":"١ ساقة الجيش: مؤخرته.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358381,"book_id":3862,"shamela_page_id":255,"part":"1","page_num":254,"sequence_num":255,"body":"وبشرى، وإذا أخذ بها بلج بحجَّته يوم يسأل عن الحُجَج، ولم يختلج دون رسول الله ﷺ على الحوض من يختلج, وقيل لا حرج عليك ولا إثم إن نجوت من ورطات الاسم والحرج، والسلام\".\rثناء على الصابي، ومنزلته من فن الكتابة:\rوهذا الذي ذكرته في كلامي وكلام الصابي في هذه التقاليد الأربعة لم أقصد به الوضع من الرجل، وإنما ذكرت ما ذكرته لبيان موضع السجع الذي يثبت على المحك.\rولا شكَّ أن هذا الوصف المشار إليه في فقر الأسجاع لم يكن مقصودًا في الزمن القديم، إما لمكان عسره، أو لأنَّه لم ينتبه له.\rوكيف أضع من الصابي وعلم الكتابة قد رفعه, وهو إمام هذا الفن والواحد فيه? ولقد اعتبرت مكاتباته فوجدته قد أجاد في السلطانيات كل الإجادة وأحسن كل الإحسان، ولو لم يكن له سوى كتابه الذي كتبه عن عز الدولة بختيار بن بويه١ إلى سبكتكين٢ عند خروجه عليه, ومجاهرته إياه بالعصيان؛ لاستحق به فضيلة التقدم، كيف وله من السلطانيات ما أتى فيه بكل عجيبة? لكنه في الإخوانيات مقصِّر وكذلك في كتب التعازي.\rوعندي فيه رأي لم يره أحد غيري، ولي فيه قول لم يقله أحد سواي: وذاك أن عقل الرجل في كتابته زائد على فصاحته وبلاغته، وسأبين ذلك فأقول: لينظر الناظر في هذين التقليدين اللذين أوردتهما له، فإنه يرى وصايا وشروطًا واستدراكات","footnotes":"١ هو أبو منصور بختيار الملقب عز الدولة بن معز الدولة أبي الحسين أحمد بن بويه الديلمي، ولي مملكة أبيه يوم موته، وتزوج الإمام الطائع ابنته \"شاه زمان\" على صداق مبلغه مائة ألف دينار، وكان عز الدولة ملكًا سريًّا، شديد القوى، يمسك الثور العظيم بقرنية فيصرعه، وكانت بين عز الدولة وابن عمه عضد الدولة منافسات في الممالك أدت إلى التنازع والمحاربة، فالتقيا يوم الأربعاء ثامن عشر شوال سنة ٣٦٧هـ فقتل عز الدولة، وحمل رأسه في طست ووضع بين يدي عضد الدولة، فلمَّا رآه وضع منديله على عينيه وبكى -رحمهما الله.\r٢ نص الكتاب في المختار من رسائل الصابي ١/ ٢٢٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358382,"book_id":3862,"shamela_page_id":256,"part":"1","page_num":255,"sequence_num":256,"body":"وأوامر ما بين أصل وفرع, وكلٍّ وجزء، وقليل وكثير، ولا نرى ذلك في كلام غيره من الكتاب، إلا أنه عبَّر عن تلك الوصايا والأوامر والشروط والاستدراكات بعبارة في بعضها ما فيه من الضعف والركة، وقد قيل: إن زيادة العلم على المنطق هجنة، وزيادة المنطق على العلم خدعة.\rومع هذا فإني أقرُّ للرجل بالتقدُّم, وأشهد له بالفضل.\rأقسام السجع:\rوإذ فرغت مما أردت تحقيقه في هذا الموضع, فإني أرجع إلى ما كنت بصدد ذكره من الكلام على السجع, وقد تقدَّم من ذلك ما تقدَّم، وبقي ما أنا ذاكر ههنا، وهو أن السجع قد ينقسم إلى ثلاثة أقسام:\rالأول: أن يكون الفصلان متساويين, لا يزيد أحدهما على الآخر؛ كقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ، وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ ١, وقوله تعالى: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا، فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا، فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا، فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا، فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ ٢.\rألا ترى كيف جاءت هذه الفصول متساوية الأجزاء, حتى كأنها أفرغت في قالب واحد؟ وأمثال ذلك في القرآن الكريم كثيرة، وهو أشرف السجع منزلة؛ للاعتدال الذي فيه.\rالقسم الثاني: أن يكون الفصل الثاني أطول من الأول, لا طولًا يخرج به عن الاعتدال خروجًا كثيرًا، فإنه يقبح عند ذلك ويستكره ويعد عيبًا, فمما جاء منه قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا، إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا، وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ ٣.","footnotes":"١ سورة الضحى: الآيتان ٩، ١٠.\r٢ سورة العاديات: الآيات ١-٥.\r٣ سورة الفرقان: الآيات ١١-١٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358383,"book_id":3862,"shamela_page_id":257,"part":"1","page_num":256,"sequence_num":257,"body":"ألا ترى أن الفصل الأول ثمان لفظات، والفصل الثاني والثالث تسع تسع.\rومن ذلك قوله تعالى في سورة مريم: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا، لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا، تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ ١.\rوأمثال هذا في القرآن كثيرة.\rويُسْتَثْنَى من هذا القسم ما كان من السجع على ثلاثة فِقَرٍ، فإن الفقرتين الأوليين يحسبان في عدة واحدة، ثم باقي الثلاثة, فينبغي أن تكون طويلة طولًا يزيد عليهما، فإذا كانت الأولى والثانية أربع لفظات أربع لفظات, تكون الثالثة عشر لفظات أو إحدى عشر.\rمثال ذلك ما ذكرته في وصف صديق فقلت: \"الصديق من لم يعتض عنك بخالف، ولم يعاملك معاملة حالف، وإذا بلَّغته أُذُنُه وشايةً أقام عليها حدَّ سارقٍ أو قاذفٍ\".\rفالأولى والثانية ههنا أربع لفظات؛ لأن الأولى: \"لم يعتض عنك بخالف\", والثانية \"ولم يعاملك معاملة حالف\", وجاءت الثالثة عشر لفظات، وهكذا ينبغي أن يستعمل ما كان من هذا القبيل.\rوإن زادت الأولى والثانية عن هذه العدة فتزاد الثالثة بالحساب، وكذلك إذا نقصت الأولى والثانية عن هذه العدة، فافهم ذلك، وقس عليه.\rإلّا أنه ينبغي أن تجعله قياسًا مطَّردًا في السجعات الثلاث أين وقعت من الكلام، بل تعلم أن الجواز يعم الجانبين من التساوي في السجعات الثلاث, ومن زيادة السجعة الثالثة.\rألا ترى أنه قد ورد ثلاث سجعات متساوية في القرآن الكريم، كقوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ، فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ، وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ، وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ ٢.","footnotes":"١ سورة مريم: الآيات ٨٨-٩٠.\r٢ سورة الواقعة: الآيات ٢٧-٣٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358384,"book_id":3862,"shamela_page_id":258,"part":"1","page_num":257,"sequence_num":258,"body":"فهذه السجعات كلها من لفظتين لفظتين، ولو جعلت الثالثة منها خمس لفظات أو ستًّا, لما كان ذلك معيبًا.\rالقسم الثالث: أن يكون الفصل الآخر أقصر من الأول، وهو عندي عيب فاحش، وسبب ذلك أن السجع يكون قد استوفى أمده من الفصل الأول بحكم طوله، ثم يجيء الفصل الثاني قصيرًا عن الأول، فيكون كالشيء المبتور، فيبقى الإنسان عند سماعه كمن يريد الانتهاء إلى غاية فيعثر دونها.\rوإذ انتهينا إلى ههنا وبينَّا أقسام السجع ولبَّه وقشوره, فسنقول فيه قولًا كليًّا، وهو أن السجع على اختلاف أقسامه ضربان:\rأحدهما: يُسَمَّى \"السجع القصير\"، وهو أن تكون كل واحدة من السجعتين مؤلَّفة من ألفاظ قليلة، وكلما قلت الألفاظ كان أحسن، لقرب الفواصل المسجوعة من سمع السامع.\rوهذا الضرب أوعر السجع مذهبًا وأبعده متناولًا، ولا يكاد استعماله يقع إلّا نادرًا.\rوالضرب الآخر: يسمَّى \"السجع الطويل\"، وهو ضد الأول، لأنه أسهل متناولًا.\rوإنما القصير من السجع أوعر مسلكًا من الطويل؛ لأنَّ المعنى إذا صيغ بألفاظ قصيرة عزَّ مواتاة السجع فيه، لقصر تلك الألفاظ وضيق المجال في استجلابه، وأما الطويل فإن الألفاظ تطول فيه, ويستجلب له السجع من حيث وليس، كما يقال، وكان ذلك سهلًا.\rوكل واحد من هذين الضربين تتفاوت درجاته في عدة ألفاظ:\rوأما السجع القصير فأحسنه ما كان مؤلفًا من لفظتين لفظتين، كقوله تعالى: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا، فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ، وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ، وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ ٢.","footnotes":"١ سورة المرسلات: الآيتان ١، ٢.\r٢ سورة المدثر: الآيات ١-٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358385,"book_id":3862,"shamela_page_id":259,"part":"1","page_num":258,"sequence_num":259,"body":"ومنه ما يكون مؤلفًا من ثلاثة ألفاظ وأربعة وخمسة، وكذلك إلى العشرة، وما زاد على ذلك فهو من السجع الطويل، فمما جاء منه قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى، وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ، وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ، وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ ٢.\rوأما السجع الطويل فإن درجاته تتفاوت أيضًا في الطول.\rفمنه ما يقرب من السجع القصير، وهو أن يكون تأليفه من إحدى عشرة لفظة، وأكثره خمس عشرة لفظة، كقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ، وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ ٣ فالأولى إحدى عشرة لفظة، والثانية ثلاث عشرة لفظة، وكذلك قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ ٤.\rومن السجع الطويل ما يكون تأليفه من العشرين لفظة فما حولها، كقوله تعالى: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ، وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ ٥.\rومن السجع الطويل أيضًا ما يزيد على هذه العدة المذكورة، وهو غير مضبوط.\rالتصريع في الشعر:\rواعلم أن \"التصريع\" من الشعراء بمنزلة السجع في الفصلين من الكلام المنثور،","footnotes":"١ سورة النجم: الآيات ١-٣.\r٢ سورة القمر: الآيات ١-٣.\r٣ سورة هود: الآيتان ٩، ١٠.\r٤ سورة التوبة: الآيتان ١٢٨، ١٢٩.\r٥ سورة الأنفال: الآيتان ٤٣، ٤٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358386,"book_id":3862,"shamela_page_id":260,"part":"1","page_num":259,"sequence_num":260,"body":"وفائدته في الشعر أنه قبل كمال البيت الأول من القصيدة تعلم قافيتها، وشُبِّه البيت المصرَّع بباب له مصراعان متشاكلان، وقد فعل ذلك القدماء والمحدثون، وفيه دلالة على سعة القدرة في أفانين الكلام.\rفأمَّا إذا كثر التصريع في القصيدة فلست أراه مختارًا، إلّا أن هذه الأصناف من التصريع والترصيع والتجنيس وغيرها, إنما يحسن منها في الكلام ما قلَّ وجرى مجرى الغرَّة من الوجه، أو كان كالطراز من الثوب.\rفأمَّا إذا تواترت وكثرت فإنها لا تكون مرضية، لما فيها من أمارات الكلفة١.\rوهو عندي٢ ينقسم إلى سبع مراتب، وذلك شيء لم يذكره على هذا الوجه أحد غيري!\rفالمرتبة الأولى -وهي أعلى التصريع درجة: أن يكون كل مصراع من البيت مستقلًّا بنفسه في فهم معناه, غير محتاج إلى صاحبه الذي يليه، ويسمَّى \"التصريع الكامل\"، وذلك كقول امرئ القيس:\rأفاطم مهلًا بعض هذا التدلل ... وإن كنت قد أزمعت هجرًا فأجملي\rفإنَّ كل مصراع من هذا البيت مفهوم المعنى بنفسه، غير محتاج إلى ما يليه، وعليه ورد قول المتنبي:\rإذا كان مدحٌ فالنسيب المقدم ... أكلُّ فصيحٍ قال شعرًا متيم٣\rالمرتبة الثانية: أن يكون المصراع الأول مستقلًّا بنفسه غير محتاج إلى الذي يليه, فإذا جاء الذي يليه كان مرتبطًا به كقول امرئ القيس:\rقفا نبك من ذكرى حبيبٍ ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل","footnotes":"١ نقل ابن الأثير في كلامه عن \"التصريع\" رأي ابن سنان الخفاجي، قال \"في سر الفصاحة ٢٢٢\": فأما إذا تكرر التصريع في القصيدة فلست أراه مختارًا، وهو عندي يجري مجرى تكرر الترصيع والتجنيس والطباق وغير ذلك.. وإن هذه الأشياء إنما يحسن منها ما قلَّ وجرى منها مجرى اللمعة واللمحة، وأما إذا تواتر وتكرر، فليس ذلك عندي مرضيًّا.\r٢ يقصد التصريع.\r٣ ديوان المتنبي ٣/ ٣٥٠ وهو مطلع قصيدة يمدح بها سيف الدولة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358387,"book_id":3862,"shamela_page_id":261,"part":"1","page_num":260,"sequence_num":261,"body":"فالمصراع الأول غير محتاج إلى الثاني في فهم معناه، لكن لمَّا جاء الثاني صار مرتبطًا به، وكذلك ورد قول أبي تمام:\rألم يأن أن تُروِى الظماء الحوائم ... وأن ينظم الشمل المبدَّد ناظم١\rوعليه ورد قول المتنبي:\rالرأي قبل شجاعة الشجعان ... هو أولٌ وهي المحل الثاني٢\rالمرتبة الثالثة: أن يكون الشاعر مخيرًا في وضع كل مصراعٍ وضع صاحبه, ويسمَّى \"التصريع الموجه\" وذلك كقول ابن الحجاج البغدادي٣:\rمن شروط الصبوح في المهرجان ... خفة الشَّرْبِ مع خلو المكان٤\rفإن هذا البيت يجعل مصراعه الأوّل ثانيًا, ومصراعه الثاني أولًا، وهذه المرتبة كالثانية في الجودة.\rالمرتبة الرابعة: أن يكون المصراع الأول غير مستقرّ بنفسه، ولا يفهم معناه إلّا بالثاني, ويسمَّى \"التصريع الناقص\"، وليس بمرضي ولا حسن، فممَّا ورد منه قول المتنبي:\rمغاني الشعب طيبًا في المغاني ... بمنزلة الربيع من الزمان٥\rفإن المصراع الأول لا يستقلّ بنفسه في فهم معناه دون أن يذكر المصراع الثاني.","footnotes":"١ ديوان أبي تمام ٢٨٥، وهو مطلع قصيدة يمدح بها أحمد بن أبي داود.\r٢ ديوان المتنبي ٤/ ١٧٤ وهو مطلع قصيدة في مدح سيف الدولة.\r٣ هو أبو عبد الله الحسن بن أحمد بن الحجاج، ذكره الثعالبيّ في يتيمة الدهر، قال: وقد اتَّفق من رأيته وسمعت به من أهل البصيرة في الأدب وحسن المعرفة بالشعر على أنه فرد زمانه في فنِّه الذي شهر به، وأنه لم يسبق إلى طريقته، ولم يلحق شأوه في نمطه، ولم ير كاقتداره على ما يردّه من المعاني التي تقع في طرزه، مع سلاسة الألفاظ وعذوبتها، وانتظامها في سلك الملاحة والبلاغة، وإن كانت مفصحة عن السخافة.. ولكنه على علّاته تتفكّه الفضلاء بثمار شعره، وتستملح الكبراء ببنات طبعه، وتستخف الأدباء أرواح نظمه، ويحتمل المحتشمون فرط رفثه وقذعه، ومنهم من يغلو من الميل إلى ما يضحك ويمنع من نوادره.\r٤ يتيمة الدهر ٣/ ٦٥، ورواية الثعالبيّ للشطر الثاني \"خفة الشغل مع خلوِّ المكان\".\r٥ ديوان المتنبي ٤/ ٢٥١ وهو مطلع قصيدة يمدح بها عضد الدولة وولديه أبا الفوارس وأبا دلف، ويذكر طريقه بشعب بوان، وهو موضع كثير الشجر والمياه يعد من جنان الدنيا.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358388,"book_id":3862,"shamela_page_id":262,"part":"1","page_num":261,"sequence_num":262,"body":"المرتبة الخامسة: أن يكون التصريع في البيت بلفظة واحدة وسطًا وقافية، ويسمَّى \"التصريع المكرر\"، وهو ينقسم قسمين، أحدهما أقرّ حالًا من الآخر:\rفالأول: أن يكون بلفظة حقيقية لا مجاز فيها، وهو أنزل الدرجتين كقول عبيد بن الأبرص١:\rفكل ذي غيبةٍ يثوب ... وغائب الموت لا يئوب\rالقسم الآخر: أن يكون التصريع بلفظة مجازية يختلف المعنى فيها، كقول أبي تمام:\rفتىً كان شربًا للعفاة ومُرْتَعى ... فأصبح للهندية البيض مرتعا٢\rالمرتبة السادسة: أن يُذْكَر المصراع الأول ويكون معلقًا على صفة يأتي ذكرها في أول المصراع الثاني, ويسمَّى \"التصريع المعلَّق\" فممَّا ورد منه قول امرئ القيس:\rألا أيها الليل الطويل ألا انجل ... بصبحٍ وما الإصباح منك بأمثل\rفإن المصراع الأول معلَّق على قوله: \"بصبح\"، وهذا معيب جدًّا، وعليه ورد قول المتنبي:\rقد علم البين منا البين أجفانا ... تدمى وألَّف في ذا القلب أحزانًا٣\rفإن المصراع الأول معلَّق على قوله: \"تدمى\".\rالمرتبة السابعة: أن يكون التصريع في البيت مخالفًا لقافيته، ويسمَّى \"التصريع المشطور\", وهو أنزل درجات التصريع وأقبحها, فمن ذلك قول أبي نواس:","footnotes":"١ أحد شعراء الجاهلية، وهو معدود عند بعض الرواة من أصحاب المعلقات, ومطلع معلقته:\rأقفر من أهله ملحوب ... فالقطبيات فالذنوب\r٢ ديوان أبي تمام ٣٧٤ من قصيدة يرثي بها أبا نصر محمد بن حميد الطائي، ومطلعها:\rأصم بك الناعي وإن كان أسمعا ... وأصبح مغني الجود بعدك بلقعا\rوالعفاة: السائلون, والمرتعى: موضع الرعي، والهندية: السيوف، والمرتع: المسرح.\r٣ ديوان المتنبي ٤/ ٢٢٠ وهو مطلع قصيدة في مدح أبي سهل سعيد بن عبد الله، ومعناه أن الفراق قد علم أجفاننا الفراق، فما تلتقي سهرًا، وجعل الفراق يؤلف الحزن.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358389,"book_id":3862,"shamela_page_id":263,"part":"1","page_num":262,"sequence_num":263,"body":"أقلني قد ندمت على ذنوب ... وبالإقرار عدت من الجحود١\rفصرَّع بحرف الباء في وسط البيت، ثم قفَّاه بحرف الدال، وهذا لا يكاد يستعمل إلّا قليلًا نادرًا٢.","footnotes":"١ ديوان أبي نواس ١٧٩, وهو أحد بيتين كتب بهما إلى الفضل بن الربيع، والبيت الآخر:\rوإن تصفح فإحسان جديد ... سبقت به إلى شكر جديد\rوفي الأصل \"الذنوب\", و\"عن\" موضع \"من\".\r٢ هذا عيب من عيوب القوافي سماه قدامة بن جعفر \"التجميع\", وعرَّفه بأن تكون قافية المصراع الأول من البيت على رويّ متهيئ لأن تكون قافية آخر البيت بحسبه، فتأتي بخلافه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358390,"book_id":3862,"shamela_page_id":264,"part":"1","page_num":262,"sequence_num":264,"body":"النوع الثاني: في التجنيس\rعلم أن التجنيس غرَّةٌ شادخة في وجه الكلام، وقد تصرَّف العلماء من أرباب هذه الصناعة فيه فغربوا وشرقوا، لا سيما المحدثين منهم، وصنَّف الناس فيه كتبًا كثيرة، وجعلوه أبوابًا متعددة، واختلفوا في ذلك، وأدخلوا بعض تلك الأبواب في بعض، فمنهم عبد الله بن المعتز، وأبو علي الحاتمي، والقاضي أبو الحسن١الجرجاني، وقدامة بن جعفر الكاتب، وغيرهم.\rوإنَّما سُمِّيَ هذا النوع من الكلام مجانسًا؛ لأن حروف ألفاظه يكون تركيبها من جنس واحد.\rوحقيقته أن يكون اللفظ واحدًا والمعنى مختلفًا.\rوعلى هذا فإنه هو اللفظ المشترك، وما عداه فليس من التجنيس الحقيقيّ في شيء، إلّا أنه قد خرج من ذلك ما يسمَّى تجنيسًا، وتلك تسمية بالمشابهة؛ لا لأنها دالّة على حقيقة المسمَّى بعينه.\rوعلى هذا فإني نظرت في التجنيس وما شبه به فأجري مجراه، فوجدته ينقسم إلى سبعة أقسام، واحد منها يدل على حقيقة التجنيس؛ لأن لفظه واحد لا يختلف, وستة أقسام مُشَبَّهة.","footnotes":"١ في الأصل \"أبو الحسين\"، وهو القاضي عليّ بن عبد العزيز الجرجاني صاحب \"الوساطة بين المتنبي وخصومه\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358391,"book_id":3862,"shamela_page_id":265,"part":"1","page_num":263,"sequence_num":265,"body":"التجنيس الحقيقي:\rفأمَّا القسم الأول: فهو أن تتساوى حروف ألفاظه في تركيبها ووزنها، كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ ١ وليس في القرآن الكريم سوى هذه الآية فاعرفها.\rويروى في الأخبار النبوية أن الصحابة نازعوا جرير بن عبد الله البجليّ زمامه، فقال رسول الله ﷺ: \"خلوا بين جرير والجرير\" أي: دعوا زمامه.\rومما جاء منه في الشعر قول أبي تمام:\rفأصبحت غُرَرُ الأيام مشرقةً ... بالنصر تضحك عن أيامك الغرر\r\"فالغُرَرُ\" الأولى استعارة من غُرَرِ الوجه، \"والغرر\" الثانية مأخوذة من غرة الشيء: أكرمه، فاللفظ إذًا واحد والمعنى مختلف, وكذلك قوله:\rمن القوم الجعد أبيض الوجه والندى ... وليس بنانٌ يُجْتَدَى منه بالجعد٢\rفالجعد: السيد، والبنان الجعد: ضد السبط٣، فأحدهما يوصف به السخي، والآخر يوصف به البخيل. وكذلك قوله:\rبكل فتىً ضرب يعرِّضُ للقنا ... محييًّا محلّى حليه الطعن والضَّرب٤\rفالضَّرب: الرجل الخفيف، والضرب بالسيف: في الحرب، وكذلك قوله:\rعداك حَرّ الثُّغُور المستضامة عن ... برد الثُّغور وعن سلسالها الخصب٥","footnotes":"١ سورة الروم: الآية ٥٥.\r٢ ديوان أبي تمام ١٣١ من قصيدة يمدح بها حفص بن عمر الأزدي، ومطلعها:\rعفت أربع الحلالت للأربع الملد ... لكل هضيم الكشح مجدولة القد\r٣ في الأصل \"البسيط\" والسبط المرسل.\r٤ ديوان أبي تمام ٣٣ وهو من قصيدة يمدح بها خالد بن يزيد بن مزيد الشيباني، ومطلعها:\rلقد أخذت من دار ماوية الحقب ... انحل المغاني للبلى هي أم نهب\rوالحقب الدهور، والنحل العطاء بلا عوض، والمغاني المنازل.\r٥ ديوان أبي تمام ١٠ من قصيدته التي يمدح بها المعتصم ويذكر فتح عمورية، والتي مطلعها:\rالسيف أصدق أنباء من الكتب ... في حده الحيد بين الجد واللعب","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358392,"book_id":3862,"shamela_page_id":266,"part":"1","page_num":264,"sequence_num":266,"body":"فالثغور: جمع ثغر، وهو واحد الأسنان، وهو أيضًا البلد الذي على تخوم العدو, ثم قال في هذه القصيدة:\rكم أحرزت قضب الهندي مصلتةً ... تهتز من قُضُبٍ تهتز في كثب\rبيضٌ إذا انتضيت من حجبها رجعت ... أحق بالبيض أبدانًا من الحجب\rفالقضب: السيوف، والقضب: القدود على حكم الاستعارة، وكذلك البيض: السيوف، والبيض: النساء، وهذا من النادر الذي لا يتعلّق به أحد, وكذلك قوله:\rإذا الخيل جابت قسطل الحرب صدعوا ... صدور العوالي في صدور الكتائب١\rفلفظ \"الصدور\" في هذا البيت واحد، والمعنى مختلف, وكذلك قوله:\rعاميّ وعام العيس بين وديقةٍ ... مسجورةٍ وتنوفةٍ صيهود\rحتى أغادر كل يومٍ بالفلا ... للطير عيدًا من بنات العيد٢\rفالعيد: فحل من فحول الإبل، والعيد: اليوم المعروف من الأيام.\rوقد أكثر أبو تمام من التجنيس في شعره، فمنه ما أغرب فيه فأحسن، كالذي ذكرته، ومنه ما أتى به كريهًا مستثقلًا كقوله:\rويوم أرشق والهيجاء قد رشقت ... من المنية رشقًا وابلًا قصفا٣","footnotes":"١ ديوان أبي تمام ٤٢ من قصيدة يمدح بها أبا دلف القاسم بن عيسى العجليّ مطلعها:\rعلى مثلها من أربع وملاعب ... أذيلت مصونات الدموع السواكب\rومعنى جابت: قطعت، والقسطل: الغبار، وصدعوا: شققوا، والعوالي: الرماح، والكتائب: الجيوش.\r٢ ديوان أبي تمام ٨٢ من قصيدة مطلعها:\rأرأيت أي سوالف وخدود ... عنت لنا بين اللوى وبرود\rوالعيس: النوق، والوديقة: شدة الحر، والسجورة: الموقودة، والتنوقة: الفلاة البعيدة الأطراف، والصيهود: الفلاة لا ينال ماؤها، وبنات العيد: النوق.\r٣ ديوان أبي تمام ٢٠٢ من قصيدة في مدح أبي دلف، ومطلعها:\rأما الرسوم فقد أذكرن ما سلفا ... فلا تكفن عن شانيك أو يكفا\rوأرشق: اسم جبل، والوابل: المطر الكثير.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358393,"book_id":3862,"shamela_page_id":267,"part":"1","page_num":265,"sequence_num":267,"body":"وكقوله:\rيا مضغنًا خالدًا لك الثُّكل إن ... خلَّدَ حقدًا عليك في خلده١\rوكقوله:\rوأهل موقان إذ ماقوا فلا وزرٌ ... أنجاهم منك في الهيجا ولا سند٢\rوكقوله:\rمهلًا بني مالكٍ لا تجلبُنَّ إلى ... حيٍ الأراقم دؤلول ابنة الرَّقْم٣\rثم قال فيها:\rمن الردينية اللائي إذا عسلت ... تشم بوَّ الصغار الأنف ذا الشمم٤\rوكقوله:\rقرت بقرَّان عين الدِّين واشتترت ... بالأشترين عيون الشرك فاصطلما٥\rوله من هذا الغثِّ البارد المتكلَّف شيء كثير لا حاجة إلى استقصائه، بل قد أوردنا منه قليلًا يستدل به على أمثاله.","footnotes":"١ ديوان أبي تمام ٩٤ من قصيدة مطلعها:\rما لكثيب الحمى إلى عقده ... ما بال جرعائه إلى عقده\rوالمضغن: الحاقد، والنكل: الفقد، والخلد: القلب والنفس.\r٢ ديوان أبي تمام ٩٩ من قصيدة مطلعها:\rيا بعد غاية دمع العين إن بعدوا ... هي الصبابة طول الدهر والسهد\rماقوا: حمقوا، والوزر: الملجأ، والهيجاء: الحرب.\r٣ ديوان أبي تمام ٢٦٩ من قصيدة يمدح بها مالك بن طوق، ومطلعها:\rسلم على الربع من سلمى بذي سلم ... عليه وسمِّ من الأيام والقدم\rوحي الأراقم: بنو تغلب، والدؤلول والرقم: من أسماء الداهية.\r٤ الردينية: الرماح، وعسلت: اشتد اهتزازها، والبوّ: ولد الناقة، أو جلد يحشى تبنًا فيقرب من أمه إذا فقدته فتشمه فتدر، والشمم: ارتفاع الأنف.\r٥ ديوان أبي تمام ٣٠٢ من قصيدة في مدح إسحاق بن إبراهيم المصبعي مطلعها:\rأصغى إلى البين مغترًّا فلا جرمًا ... إن النوى أسأرت في عقله لمما\rوقران: محل، واشترت: انشقَّت، واصطلم: قطع من أصله.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358394,"book_id":3862,"shamela_page_id":268,"part":"1","page_num":266,"sequence_num":268,"body":"ومن الحسن في هذا الباب قول أبي نواس:\rعباس عباس إذا احتدم الوغى ... والفضل فضلٌ والربيع ربيع١\rوكذلك قوله:\rفقل لأبي العباس إن كنت مذنبًا ... فأنت أحق الناس بالأخذ بالفضل\rفلا تجحدوني وُدَّ عشرين حجةً ... ولا تفسدوا ما كان منكم من الفضل٢\rوعلى هذا النهج ورد قول البحتري:\rإذا العين راحت وهي عين على الجوى ... فليس بسرٍّ ما تسر الأضالع٣\rفالعين: الجاسوس، والعين: معروفة. وكذلك ورد قول بعضهم:\rوترى سوابق دمعها فتواكفت ... ساقٌ تجاوبُ فوق ساقٍ ساقا\rفالساق: ساق الشجرة، والساق: القمريّ من الطيور.\rوعلى هذا الأسلوب جاء قول بعض المتأخرين، وهو الشاعر المعروف بالمعري, في قصيدة قصد بها التجنيس في كثير من أبياتها، فمن ذلك ما أورده في مطلعها:\rلو زارنا طيف ذات الخال أحيانا ... ونحن في حفر الأجداث أحيانا\rثم قال في أبياتها:\rتقول أنت امرؤٌ جافٍ مغالطةً ... فقلت لا هوَّمت أجفان أجفانا\rوكذا قال في آخرها:\rلم يبق غيرك إنسانًا يلاذ به ... فلا برحت لعينٍ الدهر إنسانًا","footnotes":"١ ديوان أبي نواس ٩٦.\r٢ ديوان أبي نواس ١١٠ وقبل البيتين:\rأأسلمتني يا جعفر بن أبي الفضل ... فمن لي إذا أسلمتني يا أبا الفضل\rوأيّ فتًى في الناس أرجو مقامه ... إذا أنت لم تفعل وأنت أخو الفضل\rوأبو الفضل: الربيع بن يونس وزير المنصور، والفضل في قافية البيت الأول: الكرم، والفضل في الثاني: ابن الربيع، وفي الثالث: السماحة، وفي الرابع: ضد النقص.\r٣ ديوان البحتري ١/ ٤٥ من قصيدة في مدح الفتح بن خاقان مطلعها:\rألمَّت وهل إلمامها لك نافع ... وزارت خيالًا والعيون هواجع\rوفي الأصل \"الهوى\" موضع \"الجوى\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358395,"book_id":3862,"shamela_page_id":269,"part":"1","page_num":267,"sequence_num":269,"body":"ورأيت الغانمي قد ذكر في كتابه بابًا، وسماه: \"رد الأعجاز على الصدور\" خارجًا عن باب التجنيس، وهو ضرب منه، وقسم من جملة أقسامه، كالذي نحن بصدد ذكره ههنا، فممَّا روى الغانمي من الأمثلة في ذلك قول بعضهم:\rونشري بجميل الصنـ ... ـع ذكرًا على طيب النشر\rونفري بسيوف الهنـ ... ـد من أسرف في النَّفر\rوبحري في شرى الحمد ... على شاكلة البحر\rوكذلك قول بعضهم في الشيب:\rيا بياضًا أذرى دموعي حتى ... عاد منها سواد عيني بياضا\rوكذلك قول البحتري١:\rوأغرّ في الزمن البهيم محجَّلٍ ... قد رحت منه على أغرِّ محجل\rكالهيكل المبني إلّا أنه ... في الحسن جاء كصورةٍ في هيكل\rوليس الأخذ على المعاني في ذلك مناقشة على الأسماء، وإنما المناقشة على أن ينصبَّ نفسه لإيراد علم البيان وتفصيل أبوابه، ويكون أحد الأبواب التي ذكرناها داخلًا في الآخر، فيذهب عليه ذلك، ويخفى عنه وهو أشهر من فلق الصباح.\rوربما جهل بعض الناس، فأدخل في التجنيس ما ليس منه، نظرًا إلى مساواة اللفظ دون اختلاف المعنى, فمن ذلك قول أبي تمام٢:\rأظن الدمع في خدي سيبقي ... رسومًا من بكائي في الرسوم\rوهذا ليس من التجنيس في شيء، إذا حدّ التجنيس هو اتفاق اللفظ واختلاف المعنى, وهذا البيت المشار إليه هو اتفاق اللفظ والمعنى معًا.\rوهذا مما ينبغي أن ينبَّه عليه ليعرف.\rومن علماء البيان من جعل له اسمًا سمَّاه به، وهو \"الترديد\", أي: إن اللفظة الواحدة","footnotes":"١ ديوان البحتري ٢/ ٢١٧ من قصيدة يمدح بها محمد بن علي بن عيسى القمي الكاتب، ومطلعها:\rأهلًا بذلكم الخيال المقبل ... فعل الذي نهواه أو لم يفعل\r٢ ديوان أبي تمام ٢٨٨ من قصيدة يمدح بها بعض بني عبد الكريم الطائيين، ومطلعها:\rأرامة كنت مألف كل ريم ... لو استمتعت بالأنس المقيم","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358396,"book_id":3862,"shamela_page_id":270,"part":"1","page_num":268,"sequence_num":270,"body":"رددت فيه. وحيث نبهت عليه ههنا فلا أحتاج أن أعقد له بابًا أفرده بالذكر فيه.\rما يشبه بالتجنيس:\rوأما الأقسام الستة المشبَّهة بالتجنيس:\rفالقسم الأول منها: أن تكون الحروف متساوية في تركيبها مختلفة في وزنها، فممَّا جاء من ذلك قول النبي ﷺ:$\"اللهم كما حَسَّنْتَ خَلْقِي حَسِّنْ خُلُقِي\" ألا ترى أن هاتين اللفظتين متساويتان في التركيب، مختلفتان في الوزن؛ لأن تركيب الخَلْقِ والخُلُقِ من ثلاثة أحرف، وهي الخاء واللام والقاف، إلّا أنهما قد اختلفا في الوزن، إذ وزن \"الخَلق\" فعلٌ -بفتح الفاء، ووزن \"الخُلق\" فعل بضم الفاء.\rومن هذا القسم قول بعضهم: \"لا تنال غرز المعالي إلّا بركوب الغرر واهتبال الغرر\" وقال البحتري:\rوفرَّ الخائن المغرور يرجو ... أمانًا أيَّ ساعة ما أمان\rيهاب الالتفات وقد تهيَّا ... للحظة طرفه طرف السنان١\rوكذلك ورد قول الآخر:\rقد ذبت بين حشاشةٍ وذماء ... ما بين حرِّ هوىً وحرِّ هواء\rالقسم الثاني: من المشبَّه بالتجنيس، وهو أن تكون الألفاظ متساوية في الوزن مختلفة في التركيب بحرف واحد لا غير، وإن زاد على ذلك خرج من باب التجنيس.\rفمما جاء قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ٢ فإن هاتين اللفظتين على وزن واحد، إلّا أن تركيبهما مختلف في حرف واحد.\rوكذلك قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ ٣.","footnotes":"١ ديوان البحتري ١/ ٩٣ من قصيدة يمدح بها المعتز بالله ومطلعها:\rرويدك إن شأنك غير شاني ... وقصرك لست طاعة من نهاني\rوفي الأصل \"الخائن\" موضع الحائن\"، ورواية الديوان \"للفتة طرفه\" موضع \"للحظة طرفه\".\r٢ سورة القيامة: الآيتان ٢٢، ٢٣.\r٣ سورة الأنعام: الآية ٢٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358397,"book_id":3862,"shamela_page_id":271,"part":"1","page_num":269,"sequence_num":271,"body":"وكذلك قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ ١.\rوعلى نحو من هذا ورد قول النبي ﷺ: \"الخيل معقودٌ بنواصيها الخير\", وقال بعضهم: \"لا تنال المكارم إلا بالمكاره\".\rوقال أبو تمام:\rيمدون من أيدٍ عواصٍ عواصمٍ ... تصول بأسيافٍ قواضٍ قواضب٢\rوقال البحتريّ:\rمن كل ساجي الطَّرف أغْيَد أجيدٍ ... ومهفهف الكشحين أحوى أحور٣\rوكذلك قوله:\rشواجر أرماحٍ تقطَّع بينهم ... شواجن أرحامٍ ملومٍ قطوعها٤\rالقسم الثالث: من المشبَّه بالتجنيس: وهو أن تكون الألفاظ مختلفة في الوزن والتركيب بحرف واحد، كقوله تعالى: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ، إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ ٥.\rوقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ ٦.","footnotes":"١ سورة غافر: الآية ٤٥.\r٢ ديوان أبي تمام ٤٢ من قصيدة يمدح بها أبا دلف القاسم بن عيسى العجلي، ومطلعها:\rعن مثلها من أربع وملاعب ... أديلت مصونات الدموع السواكب\rوفي الأصل \"قواضم\" موضع \"قواضب\" وهو تحريف.\r٣ ديوان البحتري ١/ ١٩ وهو ثاني أبيات قصيدة في مدح المتوكل مطلعها:\rإن الظباء وغداة سفح محجر ... هيجن حرجوي وفرط تذكر\r٤ ديوان البحتري ١/ ٣ من قصيدة في مدح المتوكل ومطلعها:\rمتى النفس في أسماء لو تستطيعها ... بها وجدها من غادة وولوعها\rويقال: شجره بالرمح, أي: طعنه، وشواجر الأرحام: روابطها، وهي رواية الديوان، وفي الأصل \"شواجن\"، وعلى رواية الديوان لا يكون في البيت محلّ شاهد على هذا القسم.\r٥ سورة القيامة: الآيتان ٢٩، ٣٠.\r٦ سورة الكهف: الآية ١٠٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358398,"book_id":3862,"shamela_page_id":272,"part":"1","page_num":270,"sequence_num":272,"body":"وكذلك ورد قوله ﷺ: \"المسلم من سلم الناس من لسانه ويده\".\rودخل ثعلب صاحب كتاب \"الفصيح\" على أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى- ومجلسه غاصٌّ، فجلس إلى جانبه ثم أقبل عليه، وقال: \"أخاف أن أكون ضيقت عليك، على أنه لا يضيق مجلس بمتحابين, ولا تسع الدنيا بأسرها متباغضين، فقال له أحمد: \"الصديق لا يحاسب، والعدو لا يحتسب له\". وهذا كلام حسن من كلا الرجلين، والتجنيس في كلام أحمد ﵀ في قوله: \"يحاسب\" و\"يحتسب له\".\rوقد جاءني شيء من ذلك عليه خفة الطبع لا ثقل الطبع.\rفمنه ما ذكرته في فصل من كتاب إلى ديوان الخلافة يتضمَّن ذكر الجهاد فقلت:\r\"وخيل الله قد اشتاقت أن يقال لها اركبي، وسيوفه قد تطلَّعت أن يقال لها اضربي، ومواطن الجهاد قد بعد عهدها باستسقاء شآبيب النحور، وإنبات ربيع الذباب والنسور، وما ذاك إلّا لأنَّ العدو إذا طلب تقمَّص ثوب إذلاله, وتنصل من صحة نصاله، واعتصم بمعاقله التي لا فرق بينها وبين عقاله\".\rومن ذلك ما ذكرته في وصف كريم، فقلت:\r\"وقد جعل الله حرمه ملقى الجفان، وملتقى الأجفان، فهو حمىً لمن جنى عليه زمانه، وجارٌ لمن بعد عنه جيرانه\".\rومن ذلك ما ذكرته في فصلٍ من كتاب إلى ديوان الخلافة، وهو:\r\"ولقد استبان الخادم من بركة طاعته ما يَعْمَى عنه غيره فما يراه، ووجد من أثره في صلاح دنياه ما استدلَّ به على صلاح أخراه، فهو المركَب المنجِّي، والعمل المرجوّ لا المرجي، والمعنى المراد بهداية الصراط المستقيم، وتأويل قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ١.\rومن ذلك ما ذكرته في أثناء كتابٍ إلى بعض الإخوان، وذلك وصف بعض المنعمين، فقلت:","footnotes":"١ سورة النور: الآية ٦٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358399,"book_id":3862,"shamela_page_id":273,"part":"1","page_num":271,"sequence_num":273,"body":"\"نحن من حسن شيمه وفواصل إحسانه بين هند وهنيدة، ومن يُمْنِ نقيبته وأمانة غيبه بين أم معبد وأبي عبيدة\".\rومن ذلك ما ذكرته في مطلع كتابٍ إلى بعض الإخوان، فقلت:\r\"الكتب وإن عدَّها قوم عرضًا من الأعراض، وتقالَّوها حتى قالوا: هي سواد في بياض، فإنَّ لها عند الإخوان وجهًا وسيمًا، ومحلًّا كريمًا، وهي حمائم القلوب إذا فارق حميمٌ حميمًا، ومن أحسنها كتاب سيدنا ... \".\rثم مضيت على هذا النهج إلى آخر الكتاب.\rومن هذا القسم قول أبي تمام:\rأيام تدمي عينه تلك الدُّمى ... فيها وتقمر لُبَّه الأقمار١\rوكذلك قوله:\rبيضٌ فهنَّ إذا رمقن سوافرًا ... صورٌ وهنَّ إذا رمقن صوار٢\rوكذلك قوله:\rبدرٌ أطالت فيك بادرة النَّوى ... ولعًا وشمسٌ أولعت بشماس٣\rوكذلك قوله:\rكادوا النبوة والهدى فتقطَّعت ... أعناقهم في ذلك المضمار\rجهلوا فلم يستكثروا من طاعةٍ ... معروفةٍ بعمارة الأعمار٤","footnotes":"١ ديوان أبي تمام ١٤٥ من قصيدة في مدح أبي سعيد الثغري، ومطلعها:\rلا أنت أنت ولا الديار ديار ... خف الهوى وتولّت الأوطار\rومعنى تقمَّر: تغلب، واللب: العقل.\r٢ من القصيدة السابقة، ومعنى رمقن: أطيل النظر إليهن، والسوافر: المكشوفات، والصوار: قطيع بقر الوحش.\r٣ ديوان أبي تمام ١٧٣ من قصيدة في مدح أحمد بن المعتصم، ومطلعها:\rما في وقوفك ساعة من باس ... تقضي ذمام الأربع الأدراس\rورواية الديوان \"خطأ\" موضع \"ولعًا\", والبادرة الخطأ، والنوى: الفراق، والشماس: العصيان.\r٤ ديوان أبي تمام ١٥٤ من قصيدة يمدح فيها المعتصم, ويذكر إحراق الأفشين، ومطلعها:\rالحقّ أبلج والسيوف عوار ... فحذار من أسد العرين حذار","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358400,"book_id":3862,"shamela_page_id":274,"part":"1","page_num":272,"sequence_num":274,"body":"وكذلك قوله:\rإن الرماح إذا غرسن بمشهدٍ ... فجنى العوالي في ذراه معالي١\rوكذلك قوله:\rإذا أحسن الأقوام أن يتطاولوا ... بلا نعمةٍ أحسنت أن تتطولا٢\rوكذلك قوله:\rأي ربعٍ يكذب الدهر عنه ... وهو مُلْقَى على طريق الليالي\rبين حالٍ جنت عليه وحولٍ ... فهو نضو الأحوال والأحوال\rشدَّ ما استنزلتك عن دمعك الأظـ ... ـعان حتى استهلَّ صوب العزالي\rأيُّ حسن في الذاهبين تولَّى ... وجمالٍ على ظهور الجمال\rودلالٍ مخيَّمٍ في ذرا الخـ ... ـيم وحجلٍ معصَّم في الحجال٣\rفالبيت الثاني والخامس هما المقصودان بالتمثيل ههنا، والأبيات الباقية جاءت تبعًا.","footnotes":"١ ديوان أبي تمام ٢٦٤ من قصيدة يمدح فيها المعتصم, ويذكر أخذ بابك، ومطلعها:\rآلت أمور الشرك شر مآل ... وأقرَّ بعد تخبط وصيال\rوالتخمط: التكبر، والصيال: التسلط، والجني: الثمر، والعوالي: الرماح، وذراه: ظله.\r٢ ديوان أبي تمام ٢٥٢ من قصيدة في مدح محمد بن عبد الملك الزيات، مطلعها:\rلهان عليها أن تقول وتفعلا ... ونذكر بعض الفضل منك فتفضلا\rويواية الديوان \"بلا مِنَّة\" موضع \"بلا نعمة\".\r٣ رويت هذه الأبيات في الديوان \"ص٤٥٨\" على النحو الآتي:\rشدما استنزلتك من ربعك الأظـ ... ـعان حتى استهلَّ دمع الغزال\rأيُّ حسن في الذاهبين تولَّى ... وجمال على ظهور الجمال\rودلال مخيَّم في ذرا الخيـ ... ـم وحجل معذَّب في الحجال\rومهامن مها الخدور وآجا ... ل ظباء يسر عنَّ في الآجال\rعادك الزور ليلة الرمل من رمـ ... ـلة بين الحمى وبين المطال\rثم فما زارك الخيال ولكنـ ... ـك بالفكر زرت طيف الخيال\rوالأظعان: الهوادج فيها نساء، واستهل: سكب، الذرى: فناء الدار، والخيم: جمع خيمة، والحجل: الخلخال، والحجال: جمع حجلة, وهي موضع يزين بالثياب والستور للعروس، والعزالي: جمع عزلاء وهو مصبّ الماء من الراوية.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358401,"book_id":3862,"shamela_page_id":275,"part":"1","page_num":273,"sequence_num":275,"body":"ومما جاء من ذلك قول علي بن جبلة١:\rوكم لك من يومٍ رفعت بناءه ... بذات جفونٍ أو بذات جفان\rوكذلك قول محمد بن وهيب الحميري:\rقسمت صروف الدهر بأسًا ونائلًا ... فمالك موتورٌ وسيفك واتر\rوهذا من المليح النادر.\rومن هذا القسم قول البحتري:\rجديرٌ بأن تنشقَّ عن ضوء وجهه ... ضبابة نقعٍ تحتها الموت ناقع٢\rوكذلك قوله:\rنسيم الروض في ريحٍ شمالٍ ... وصوب المزن في راحٍ شمول٣\rوذمَّ أعرابي رجلًا فقال: \"كان إذا سأل ألحف، وإذا سئل سوَّف، يحسد على الفضل، ويزهد في الإفضال\".\rالقسم الرابع: من المشبَّه بالتجنيس، ويسمَّى \"المعكوس\".\rوذلك ضربان: أحدهما عكس الألفاظ، والآخر عكس الحروف.\rفالأول: كقول بعضهم: \"عادات السادات سادات العادات\"، وكقول الآخر: \"شيم الأحرار أحرار الشيم\".\rومن هذا النوع مما ورد شعرًا قول الأضبط بن قريع٤ من شعراء الجاهلية:","footnotes":"١ علي بن جبلة هو المشهور بالعكوك، ولد سنة ١٦٠هـ, وتوفي سنة ٢١٣هـ، وكان ضريرًا مسرفًا في المدح مغاليًا في معانيه.\r٢ ديوان البحتري ١/ ٤٦ من قصيدة مطلعها:\rألمت وهل إلمامها لك نافع ... وزارت خيالًا والعيون هواجع\r٣ ديوان البحتري ١/ ٣٠ من قصيدة مطلعها:\rأكنت معنفي يوم الرحيل ... وقد لجَّت دموعي في الهمول\r٤ هو من بني عوف بن كعب بن سعد، رهط الزبرقان بن بدر، وكان قومه أساءوا مجاورته، فانتقل عنهم إلى آخرين، فأساءوا مجاورته، فانتقل إلى آخرين، فأساءوا مجاورته، فرجع إلى قومه، وقال: بكل وادٍ بنو سعد، قال ابن قتيبة: وهو قديم، وكان أغار على بني الحارث بن كعب، فقتل منهم وأسر وجدع، ثم بنى أطما، وبنت الملوك حول ذلك الأطمّ مدينة صنعاء.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358402,"book_id":3862,"shamela_page_id":276,"part":"1","page_num":274,"sequence_num":276,"body":"قد يجمع المال غير آكله ... ويأكل المال غيرُ من جَمَعَه\rويقطع الثوب غيرُ لابسه ... ويلبس الثوب غيرُ من قَطَعَه١\rوكذلك ورد قول أبي الطيب المتنبي:\rفلا مجد في الدنيا لمن قلَّ مالُه ... ولا مال في الدنيا لمن قلَّ مجدُه\rوكذلك قول الشريف الرضي من أبيات يذمّ فيها الزمان:\rأسفَّ بمن يطير إلى المعالي ... وطار بمن يسفّ إلى الدنايا\rوكذلك قول الآخر:\rإن الليالي للأنام مناهلٌ ... تُطْوَى وتنشر بينها الأعمار\rفقصارَهُنَّ من الهموم طويلةٌ ... وطوالُهُنَّ من السرور قِصَار\rوأحسن من هذا كله وألطفه قول ابن الزَّقاق الأندلسي:\rغيرتنا يد الزَّما ... ن فقد شِبْتُ والتحى\rفاستحال الضحى دجى ... واستحال الدجى ضحى\rوهذا الضرب من التجنيس له حلاوة، وعليه رونق، وقد سماه قدامة بن جعفر الكاتب \"التبديل\"، وذلك اسم مناسب لمسمَّاه؛ لأنَّ مؤلف الكلام يأتي بما كان مقدَّمًا في جزء من كلامه الأول مؤخَّرًا في الثاني، وبما كان مؤخَّرًا في الأول مقدَّمًا في الثاني، ومثَّله قدامة بقول بعضهم: \"اشكر لمن أنعم عليك، وأنعم على من شكرك\"٣.\rومن هذا القسم قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ ٤.","footnotes":"١ من أبيات مطلعها:\rيا قوم من عاذري من الخدعة ... والمسى والصبح لا فلاح معه\rوانظر الشعر والشعراء ١/ ٣٤٣.\r٢ ديوان المتنبي ٢/ ٢٣ من قصيدة في مدح كافور مطلعها:\rأود من الأيام مالًا توده ... وأشكو إليهما بيننا وهي جنده\r٣ كتاب \"جواهر الألفاظ\" لقدامة بن جعفر: ص٣، ٤, واسمه عنده: \"عكس اللفظ\" أو \"عكس ما نظم من بناء\".\r٤ سورة آل عمران: الآية ٢٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358403,"book_id":3862,"shamela_page_id":277,"part":"1","page_num":275,"sequence_num":277,"body":"وكذلك ورد قول النبي ﷺ: \"جار الدار أحق بدار الجار\".\rوكتب عليّ بن أبي طالب ﵁ إلى عبد الله بن عباس ﵁ كتابًا، فقال: \"أما بعد، فإن الإنسان يسرّه درك ما لم يكن ليفوته، ويسوءه فوت ما لم يكن ليدركه، فلا تكن بما نلت من دنياك فرحًا، ولا بما فاتك منها ترحًا، ولا تكن ممن يرجو الآخرة بغير عمل، ويؤخّر التوبة بطول أمل، وكأنْ قد، والسلام\".\rوروى عن أبي تمام أنه لما قصد عبد الله بن طاهر بن الحسين بخراسان, وامتدحه بقصيدته المشهورة التي مطلعها:\rأهُنَّ عوادي يُوسُفٍ وصواحبه١\rوأنكر عليه أبو سعيد الضرير وأبو العَمَيْثل هذا الابتداء، وقالا: \"لِمَ لا يقول ما يفهم\" فقال: \"لم لا يفهما ما يقال\"?! فاستحسن منه هذا الجواب على الفور، وهو من التجنيس المشار إليه.\rوقد جاءني شيء منه.\rكقولي في فصل من كتاب يتضمَّن فتحًا، وهو:\r\"فكم كان من افتراع عذرة الحصن من عذرة حَصَان، وكم حيِّز به من سنان لحظٍ استرقَّه لحظ سنان\".\rوكذلك قولي في صدر كتاب إلى ديوان الخلافة وهو:\r\"الخادم يبلغ خدمته إلى ذلك الجناب التي تمطره الشفاه قبلًا، وتوسعه العفاة أملًا، وترى الخول به ملوكًا والملوك خولًا، وطاعته هي محكّ الأعمال التي أشير إليها بقوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ ٢.","footnotes":"١ صدر بيت وتمامه:\rفعزمًا فقدمًا أدرك السؤل صاحبه\rوانظر ديوان أبي تمام ٤٣.\r٢ سورة الملك: الآية ٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358404,"book_id":3862,"shamela_page_id":278,"part":"1","page_num":276,"sequence_num":278,"body":"وكذلك ورد قولي أيضًا، وهو فصل من تقليد وزير، فقلت:\rوقد صدق الله لهجة المُثْني عليك أن يقول إنك الرجل الذي تُضْرَب به الأمثال، والمهذَّب الذي لا يقال معه: أيّ الرجال، وإذا وازرت مملكةً فقد حظيت منك بشدّ أزرها، وسدّ ثغرها، وأصبحت وأنت صدر لقلبها وقلب لصدرها، فهي مزدانة منك بالفضل المتين، معانة بالقوي الأمين.\rوأما الضرب الثاني من هذا القسم -وهو عكس الحروف- فهو كقول بعضهم:\rأهديت شيئًا يقل لولا ... أحدوثة الفال والتَّبرُّك\rكرسي تفاءلت فيه لما ... رأيت مقلوبه يَسُرُّك\rوكذلك قول الآخر:\rكيف السرور بإقبالٍ وآخره ... إذا تأمَّلته مقلوب الإقبال١\rوأجود من هذا كله قول الآخر:\rجاذبتها والريح تجذب عقربًا ... من فوق خدِّ مثل قلب العقرب\rوطفقت ألثم ثغرها فتمنعت ... وتحجَّبت عنِّي بقلب العقرب\rوإذا قلب لفظ \"عقرب\" صار \"برقعًا\".\rوهذا الضرب نادر الاستعمال؛ لأنه قلّ ما يقع كلمة تقلب حروفها فيجيء معناها صوابًا.\rالقسم الخامس: من المشبَّه بالتجنيس، ويسمَّى \"المجنب\"، وذاك أن يجمع مؤلف الكلام بين كلمتين إحداهما كالتبع للأخرى والجنيبة لها، كقول بعضهم:\rأبا العباس لا تحسب بأني ... لشيءٍ من حُلَى الأشعار عاري\rفلي طبعٌ كسلسال معينٍ ... زلال من ذُرَا الأحجار جاري\rوهذا القسم عندي فيه نظر؛ لأنه بلزوم ما لا يلزم أولى منه بالتجنيس، ألَا ترى أن التجنيس هو اتفاق اللفظ واختلاف المعنى، وههنا لم يتفق إلّا جزء من اللفظ، وهو","footnotes":"١ مقلوب \"إقبال\" هو كلمة \"لا بقاء\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358405,"book_id":3862,"shamela_page_id":279,"part":"1","page_num":277,"sequence_num":279,"body":"أقله، وأما اللزوم في الكلام المنثور فهو تساوي الحروف التي قبل الفواصل المسجوعة، وهذا هو كذلك، لأنَّ العين والراء تساويا في البيت الأول في قوله: \"الأشعار\" و\"عار\"، الجيم والراء في البيت الثاني في قوله \"الأحجار\" و\"جار\".\rالقسم السادس: من المشبَّه بالتجنيس, وهو ما يساوي وزنه تركيبه، غير أنَّ حروفه تتقدَّم وتتأخَّر، وذلك كقول أبي تمام:\rبيض الصَّفائح لا سود الصحائف في ... متونهن جلاء الشك والريب١\rفالصفائح والصحائف مما تقدَّمت حروفه وتأخَّرت:\rوقد ورد في الكلام المنثور، كقوله ﷺ في فضيلة تلاوة القرآن الكريم: \"يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا, فإن منزلتك عند آخر آيةٍ تقرأ\".\rفقوله ﷺ: \"اقرأ\" و\"ارق\" من التجنيس المشار إليه في هذا القسم.","footnotes":"ديوان أبي تمام ٧ من قصيدة يمدح بها المعتصم ويذكر فتح عمورية، ومطلعها:\rالسيف أصدق أنباء من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب\rوبيض الصفائح يراد بها: السيوف.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358406,"book_id":3862,"shamela_page_id":280,"part":"1","page_num":278,"sequence_num":280,"body":"النوع الثالث: في الترصيع\rوهو مأخوذ من ترصيع العقد، وذاك أن يكون في أحد جانبي العقد من اللآلئ مثل ما في الجانب الآخر، وكذلك نجعل هذا في الألفاظ المنثورة من الأسجاع، وهو أن تكون لفظة من ألفاظ الفصل الأول مساويةً لكلِّ لفظة من ألفاظ الفصل الثاني في الوزن والقافية.\rوهذا لا يوجد في كتاب الله تعالى، لما هو عليه من زيادة التكلف.\rفأمَّا قول من ذهب إلى أنَّ في كتاب الله تعالى منه شيئًا, ومثله بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ، وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ ١ فليس الأمر كما وقع له، فإن لفظة \"لفي\" قد وردت في الفقرتين معًا، وهذا يخالف شرط الترصيع الذي شرطناه، لكنه قريب منه.\rوأما الشعر فإني كنت أقول: إنه لا يتَّزن على هذه الشريطة، ولم أجده في أشعار العرب لما فيه من تعمق الصنعة وتعسُّف الكلفة، وإذا جيء به في الشعر لم يكن عليه محض الطلاوة التي تكون إذا جيء به في الكلام المنثور, ثم إنّي عثرت عليه في شعر المحدَثين، ولكنه قليل جدًّا, فمن ذلك قول بعضهم:\rفمكارمٌ أوليتها متبرعًا ... وجرائم ألغيتها متورعًا\rفـ \"مكارم\" بإزاء \"جرائم\", و\"أوليتها\" بإزاء \"ألغيتها\", و\"متبرعًا\" بإزاء \"متورعًا\".\rوقد أجاز بعضهم أن يكون له أحد ألفاظ الفصل الأول مخالفًا لما يقابله من الفصل الثاني, وهذا ليس بشيء لمخالفته حقيقة الترصيع.\rفممَّا جاء من هذا النوع منثورًا قول الحريري في مقاماته: \"فهو يطبع الأسجاع بجواهر لفظه، ويقرع الأسماع بزواجر وعظه\", فإنه جعل ألفاظ الفصل الأول مساوية لألفاظ الفصل الثاني وزنًا وقافية، فجعل \"يطبع\" بإزاء \"يقرع\"، و\"الأسجاع\" بإزاء \"الأسماع\"، و\"جواهر\" بإزاء \"زواجر\"، و\"لفظه\" بإزاء \"وعظه\".\rومما جاءني من هذا النوع:\rما ذكرته في جواب كتابٍ إلى بعض الإخوان، وهو:\r\"قد أعدت الجواب، ولم أستعر له نظمًا مفلقًا، ولا جلبت إليه حسنًا منمَّقًا، بل أخرجته على رسله، وغنيت بصقال حسنه عن صقله، فجاء كما تراه غير ممشوط ولا مخطوط، فهو يرفل في أثواب بذلته، وقد حوى الجمال بجملته، والحسن ما وشته فطرة التصوير، لا ما وحشته فكرة التزوير\", والترصيع في قولي \"وشته فطرة التصوير\", و\"حشته فكرة التزوير\".","footnotes":"١ سورة الانفطار: الآيتان ١٣، ١٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358407,"book_id":3862,"shamela_page_id":281,"part":"1","page_num":279,"sequence_num":281,"body":"وكذلك ورد قولي في فصل من الكلام يتضمَّن تثقيف الأولاد:\rفقلت: \"من قوَّم أوَدَ أولاده، ضرَّم كَمَدَ حُسَّاده\"، فهذه الألفاظ متكافئة في ترصيعها، فـ \"قوم\" بإزاء \"ضرم\"، و\"أود\" بإزاء \"كمد\"، و\"أولاده\" بإزاء \"حساده\".\rوكذلك قول بعضهم في الأمثال المولَّدة التي لم ترد عن العرب، وهو: \"من أطاع غضبه أضاع أدبه\"، فـ \"أطاع\" بإزاء \"أضاع\"، و\"غضبه\" بإزاء \"أدبه\".\rوقد ورد هذا الضَّرب كثيرًا في الخطب التي أنشأها الشيخ الخطيب عبد الرحيم بن نباتة ﵀، فمن ذلك قوله في أول خطبة: \"الحمد لله عاقد أزمَّة الأمور بعزائم أمره، وحاصد أئمَّة الغرور بقواصم مكره، وموفّق عبيده لمغانم ذكره، ومحقِّق مواعيده بلوازم شكره\".\rفالألفاظ التي جاءت في الفصلين الأولين متساوية وزنًا وقافية، والتي جاءت في الفصلين الآخرين فيها تخالف في الوزن، فإن \"مواعيد\" تخالف وزن \"عبيد\"، ولا تخالف قافيتها التي هي الدال.\rومن ذلك قوله أيضًا في جملة خطبة: \"أولئك الذين أفلوا فنجمتم، ورحلوا فأقمتم، وأبادهم الموت كما علمتم، وأنتم الطامعون في البقاء بعدهم كما زعمتم، كلَّا والله ما أشخِصُوا لتقرُّوا، ولا نغِّصوا لتسرُّوا، ولا بُدَّ أن تمرُّوا حيث مرُّوا، فلا تثقوا بخدع الدنيا ولا تغترُّوا\".\rوهذا الكلام فيه أيضًا ما في الذي قبله من صحة الوزن والقافية, وصحة القافية دون الوزن.\rوكذلك قوله أيضًا في خطبة أخرى: \"أيها الناس، أسيموا القلوب في رياض الحكم، وأديموا النحيب على ابيضاض اللمم، وأطيلوا الاعتبار بانتقاص النعم، وأجيلوا الأفكار في انقراض الأمم\".\rوأمَّا ما ورد في الشعر على مخالفة بعض الألفاظ بعضًا, فكقول ذي الرمة:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358408,"book_id":3862,"shamela_page_id":282,"part":"1","page_num":280,"sequence_num":282,"body":"كحلاء في برجٍ صفراء في دعجٍ ... كأنَّها فضَّة قد مسَّها ذهب١\rوصدر هذا البيت مرصَّع، وعجزه خالٍ من الترصيع، وعذر الشاعر في ذلك واضح؛ لأنه مقيَّد بالوقوف مع الوزن والقافية، ألا ترى أن ذا الرمة بنى قصيدته على حرف الباء، ولو رصَّع هذا البيت الترصيع الحقيقيّ لكان يلزمه أن يأتي بألفاظه على حرفين حرفين, أحدهما الباء, أو كان يقسم البيت نصفين, ويماثل بين ألفاظ هذا النصف وهذا النصف، وذلك مما يعسر وقوعه في الشعر.\rوأرباب هذه الصناعة قد قسَّموا الترصيع إلى هذين القسمين المذكورين، وهذه القسمة لا أراها صوابًا، لأنَّ حقيقة الترصيع موجودة في القسم الأول دون الثاني.\rومما جاء من هذا القسم الثاني قول الخنساء:\rحامي الحقيقة محمود الخليقة مهـ ... ـدي الطريقة نفَّاعٌ وضرَّار٢\rوكذلك قول الآخر٣:\rسودٌ ذوائبها بيضٌ ترائبها ... محضٌ ضرائبها صيغت من الكرم","footnotes":"١ من قصيدة له مطلعها:\rما بال عينك منها الماء ينسكب ... كأنَّه من كل كلي مفريَّة سرب\rورواية الديوان \"دعج\" موضع \"برج\", و\"نعج\" موضع \"دعج\".\r٢ من قصيدة الخنساء في رثاء أخيها صخر التي مطلعها:\rما هاج حزنك أم بالعين عوار ... أم ذرفت أم خلت من أهلها الدار\rوقد سقط البيت من ديوانها، واستدركه الأب لويس شيخو اليسوعي في كتابه \"أنيس الجلساء في شرح ديوان الخنساء\" ص٨١، وقد استشهد به أبو هلال العسكري للترصيع الجيد، وأتبعه ببيت الخناء الذي يليه:\rفعال سامية وراد طامية ... للمجد نامية تعنيه أسفار\rوقال: هذا البيت رديء، لتبرؤ بعض ألفاظه من بعض، وانظر الصناعتين ٣٧٨.\r٣ هو أبو صخر الهذلي.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358409,"book_id":3862,"shamela_page_id":283,"part":"1","page_num":281,"sequence_num":283,"body":"النوع الرابع: في لزوم ما لا يلزم\rوهو من أشق هذه الصناعة مذهبًا، وأبعدها مسلكًا، وذاك لأنَّ مؤلفه يلتزم ما لا يلزمه، فإن اللازم في هذا الموضع وما جرى مجراه, إنما هو السجع الذي هو تساوي أجزاء الفواصل من الكلام المنثور في قوافيها، وهذا فيه زيادة على ذلك، وهو أن تكون الحروف التي قبل الفاصلة حرفًا واحدًا.\rوهو في الشِّعر أن تتساوى الحروف التي قبل رويّ الأبيات الشعرية.\rوقد جمع أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان١ في ذلك كتابًا، وسمَّاه كتاب \"اللزوم\"٢ فأتَى فيه بالجيد الذي يحمد، والرديء الذي يذمّ.\rوسأذكر في كتابي هذا في هذا الموضع أمثلة من المنثور والمنظوم يهتدى بها.\rفمن ذلك ما ذكرته في جملةٍ كتاب في فصل يتضمَّن ذمَّ جبان، فقلت:\r\"إذا نزل به خَطْبٌ ملكه الفَرَق, وإذا ضلَّ في أمرٍ لم يؤمن إلّا إذا أدركه الغرق\".\rومن ذلك ما ذكرته في مبدأ كتاب إلى بعض الإخوان، فقلت:\r\"الخادم يهدي من دعائه وثنائه ما يسلك أحدهما سماء والآخر أرضًا، ويصون أحدهما نفسًا والآخر عرضًا، وأعجب ما فيهما أنها توأمان، غير أنَّ هذا مستنتج من ضمير القلب, وهذا من نطق اللسان\".\rفاللزوم ههنا في الراء والضاد.","footnotes":"١ هو أبو العلاء المعري.\r٢ هذا اختصار لاسم الكتاب، كما يسميه بعضهم \"اللزوميات\", والحقيقة أن اسمه كما سماه مؤلفه \"لزوم ما لا يلزم\". قال أبو العلاء في خطبته: وجمعت ذلك كله في كتاب لقَّبته \"لزوم ما لا يلزم\", ومعنى هذا اللقب أن القافية تلزم لها لوازم لا يفتقر إليها حشو البيت ... إلخ -لزوم مالا يلزم: ج١ ص٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358410,"book_id":3862,"shamela_page_id":284,"part":"1","page_num":282,"sequence_num":284,"body":"وكذلك ورد قولي في جملة كتابٍ إلى ديوان الخلافة فقلت:\r\"وقد عُلِمَ من شيم الديوان العزيز أنه يُسَرُّ بامتداد الأيدي إلى بابه، وإذا أغبَّ أحدها في المسألة نهاه عن إغبابه، حتى لا يخلو حرمه الكريم من المطاف، ولا يده الكريمة من الإسعاف\".\rفاللزوم ههنا في لفظتي \"بابه\" و\"إغبابه\".\rومن ذلك ما كتبته في جملة كتابٍ إلى ديوان الخلافة أيضًا، وهو:\r\"ومهما شد به عضد الخادم من الإنعام فإنه قوة لليد التي خولته, ولا يقوى تصعُّد السحب إلّا بكثرة غيثها الذي أنزلته، وغير خافٍ أن عبيد الدولة لها كالعمد من طِرَافِهَا١، ومركز الدائرة من أطرافها، ولا يؤيَّد السيف إلّا بقائمه، ولا ينهض الجناح إلّا بقوادمه\".\rفاللزوم في هذا الموضع في الراء والفاء في قولي \"طراف\" و\"أطراف\".\rومن ذلك ما كتبته في صدر كتاب إلى الملك علي بن يوسف أهنئه بملك مصر في سنة خمس وتسعين وخمسمائة، فقلت:\r\"المملوك يهنئُ مولانا بنعمة الله المؤذَنَة باستخلاصه واحتبائه، وتمكينه حتى بلغ أشدَّه, واستخرج كنز آياته، ولو أنصف لهنَّأ الأرض منه بوابلها، والأمة بكافلها، وخصوصًا أرض مصر التي خُصَّت بشرف سكناه، وغدت بين بحرين من فيض البحر وفيض يمناه\".\rوكل هذه الفصول المذكورة من هذه المكتوبات التي أنشأتها لا كلفة على كلمات اللزوم فيها.\rوقرأت في كتاب \"الأغاني\" لأبي الفرج أن لقيط بن زرارة تزوَّج بنت قيس بن خالد بن ذي الجدين، فحظيت عنده، وحظي عندها، ثم قُتِلَ فآمت بعده, وتزوجت غيره، فكانت كثيرًا ما تذكر لقيطًا، فلامها على ذلك، فقالت:","footnotes":"١ الطراف: البيت من أدم.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358411,"book_id":3862,"shamela_page_id":285,"part":"1","page_num":283,"sequence_num":285,"body":"\"إنه خرج في يوم دَجْن، وقد تطيب وشرب فطرد البقر فصرع منها، ثم أتاني وبه نضح دم، فضمَّني ضمًّا، وشمَّني شمَّة، فليتني متَّ ثمة، فلم أر منظرًا كان أحسن من لقيط\".\rفقولها: \"ضمَّني ضمَّة، وشمَّني شمة، فليتني متُّ ثمة\" من الكلام الحلو في باب اللزوم ولا كلفة عليه.\rوهكذا فليكن، فإن الكلفة وحشة تذهب برونق الصنعة، وما ينبغي لمؤلف الكلام أن يستعمل هذا النوع حتى يجيء به متلكفًا، ومثاله في هذا المقام كمن أخذ موضوعًا رديئًا فأجاد فيه صنعته، فإنه يكون عند ذلك قد راعى الفرع وأهمل الأصل، فأضاع جودة الصنع في رداءة الموضوع.\rوقد سلك ذلك أبو العلاء المعري أحمد بن عبد الله بن سليمان، فمِمَّا جاء من ذلك قوله في حرف التاء مع الخاء١:\rبنتُ عن الدنيا ولا بنتَ لي ... فيها ولا عِرسٌ ولا أخت\rوقد تحملْتُ من الوزر ما ... تعجز أن تحمله البُخْت٢\rإن مدحوني ساءني مدحهم ... وخلت إني في الثرى سخت\rوله من ذلك الجيد، كقوله:\rلا تطلبنَّ بآلةٍ لك حاجةً ... قلم البليغ بغير جدٍّ مغزل\rسكن السَّما كان٣ السماء كلاهما ... هذا له رمحٌ وهذا أعزل\rوهذا بين الاسترسال وبين الكلفة.\rوأمَّا ما تكلف له تكلّفًا ظاهرًا -وإن أجاد- فقوله٤:\rتنازع في الدنيا سواك وما له ... ولا لك شيء في الحقيقة فيها","footnotes":"١ لزوم ما لا يلزم ١/ ١٤٠.\r٢ البخت: الإبل الخراسانية المولدة، من عربية وفالج, والفالج: الجمل الضخم ذو السنامين يحمل من السند للفحلة.\r٣ السماكان الأعزل والرامح: نجمان نيران، والأعزل لأنه لا سلاح معه، أو لأنه إذا طلع لا يكون في أيامه ريح ولا برد، والرامح نجم يكون قدَّام الفكة يقدمه كوكب يقولون هو رمحه، والفكة: كوكب مستديرة خلف السماك الرامح.\r٤ لزوم ما لا يلزم ٢/ ٤١٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358412,"book_id":3862,"shamela_page_id":286,"part":"1","page_num":284,"sequence_num":286,"body":"ولكنها مِلكٌ لربٍ مقدِّرٍ ... يعير جنوب الأرض مرتد فيها١\rولم تحظ من ذاك النزاع بطائلٍ ... من الأمر إلّا أن تُعَدّ سفيهًا\rفيا نفس لا تعظم عليك خطوبها ... فمتَّفقوها مثل مختلفيها\rتداعوا إلى النَّزر القليل فجالدوا ... عليه وخلَّوها لمغترفيها\rوما أمُّ صلٍّ أو حليلةٌ ضيغمٍ ... بأظلم من دنياك فاعترفيها٢\rتُلاقِي الوفود القادميها بفرحةٍ ... وتبكي على آثار منصرفيها\rوما هي إلّا شوكةٌ ليس عندها ... وجدك إرطابٌ لمخترفيها٣\rكما نبذت للطير والوحش رازمٌ ... فألقت شرورًا بين مختطفيها٤\rتناؤت عن الإنصاف من ضيم لم يجد ... سبيلًا إلى غايات منتصفيها\rفأطبق فمًا عنها وكفًّا ومقلقَ ... وقل لغويّ الناس فاك لفيها٥\rومن ذلك٦:\rأرى الدنيا وما وصفت ببرٍّ ... إذا أغنت فقيرًا أرهقته٧\rإذا خشيت لشرٍّ عجَّلته ... وإن رُجِيتَ لخيرٍ عوَّقته\rحياة كالحبالة ذات مكرٍ ... ونفس المرء صيدٌ أعلقته\rفلا يخدع بحيلتها أريبٌ ... وإن هي سوَّرته ونطقته\rأذاقته شهيًّا من جناها ... وصدَّت فاه عمَّا ذوَّقته","footnotes":"١ الجنوب: جمع جنب, وهو شق الشيء، وارتدفه: تبعه.\r٢ أمّ صلٍّ: الحية، وحليلة الضيغم: لبؤة الأسد, أي: زوجته، وقوله: فاعترفيها, أي: فاعرفيها.\r٣ في الديوان \"شاكة\" موضع \"شوكة\", والشاكة الكثيرة الشوكة، والإرطاب: مصدر أرطب النخل, حان أوان رطبه، واخترف الثمار: جناها.\r٤ الرازم: البعير لا يقوم هزالًا، وإنما الضمير والفعل لتأويله بمؤنث أو خبر عن الطير.\r٥ هذه كلمة تستعملها العرب عند الدعاء بالمكروه والشماتة به, والمعنى: جعل الله فم الداهية مقابلًا لفيك، وأصل ذلك أن السباع إذا تهارشت صرفت أفواهها بعضها لبعض، فكأنهم يدعون على من يقال له ذلك أن يكون مكابدًا للدواهي.\r٦ لزوم ما لا يلزم ٢/ ٤٠٠.\r٧ في الديوان \"أوهقته\" أي: جعلت الوهق -وهو الحبل- في عنقه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358413,"book_id":3862,"shamela_page_id":287,"part":"1","page_num":285,"sequence_num":287,"body":"وقد ورد للعرب شيء من ذلك إلّا أنَّه قليل، فممَّا جاء منه قول بعضهم في أبيات الحماسة١:\rإنَّ التي زعمت فؤادك ملها ... خلُقِتَ هواك كما خلقت هوىً لها\rبيضاء باكرها النعيم فصاغها ... بلباقةٍ فأدقها وأجلَّها\rحجبت تحيَّتها فقلت لصاحبي ... ما كان أكثرها لنا وأقلَّها\rوإذا وجدت لها وساوس سلوةٍ ... شفع الضمير إلى الفؤاد فسلَّها\rوهذا من اللطافة على ما يشهد لنفسه.\rومما يجري هذا المجرى قول حجر بن حيَّة العبسي من شعراء الحماسة أيضًا٢:\rولا أدوم قدري بعدما نضجت ... بخلًا فتمنع ما فيها أثافيها٣\rحتى تُقَسَّمَ شتَّى بين ما وسعت ... ولا يؤنّب تحت الليل عافيها٤\rومما ورد من ذلك أيضًا قول طرفة بن العبد البكري:\rألم تر أن المال يكسب أهله ... فضوحًا إذا لم يعط منه نواسبه\rأرى كل مالٍ لا محالة ذاهبًا ... وأفضله ما ورَّث الحمد كاسبه\rوكذلك قول الفرزدق:\rوغيَّر لون راحلتي ولوني ... تردِّي الهواجر واعتمامي\rأقول لها إذا ضجرت وغصَّت ... بموركة الوراك مع الزمام\rعلام تلفتين وأنت تحتي ... وخير الناس كلهم أمامي","footnotes":"١ مضى الكلام في هذا الشعر في ص١٩٠ من هذا الكتاب.\r٢ ديوان الحماسة ٢/ ٢٨٩، والواقع أنه لا التزام في هذا الشعر إلّا في هذين البيتين, وبعدهما بيتان لا التزام فيهما وهما:\rلا أحرم الجارة الدنيا إذا اقتربت ... ولا أقوم بها في الحي أخزيها\rولا أكلمها إلّا علانية ... ولا أخبرها إلّا أناديها\r٣ رواية الحماسة \"لتمنع\" موضع \"فتمنع\", والأثافيّ الحجارة التي توضع عليها القدر.\rوالمعنى: لا أدع قدري بعد نضجها على الأثافي بخلًا بما فيها، بل أنزلها عنها، وأطعم منها الأضياف, وكان من عادة البخيل أن يترك القدر منصوبة على الأثافي، ليرى غيره أن القدر لم تنضج.\r٤ لا يؤنّب أي: لا يلام، والعافي في طالب المعروف.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358414,"book_id":3862,"shamela_page_id":288,"part":"1","page_num":286,"sequence_num":288,"body":"وكذلك قوله أيضًا:\rمنع الحياة من الرجال ونفعها ... حدقٌ تقلبها النساء مِرَاض\rوكأنَّ أفئدة الرجال إذا رأوا ... حَدَقَ النِّساء لنبلها أغراض\rوإذا شئت أن تعلم مقادير الكلام، وكان لك ذوق صحيح فانظر إلى هذا العربيّ في كلامه السهل الذي كأنه ماء جارٍ، وانظر إلى ما أوردته لأبي العلاء المعرّي، فإن أثر الكلفة عليه باد ظاهر.\rوممن قصَّد من العرب قصيدة كله من اللزوم كُثَيِّر عزَّة، وهي القصيدة التي أولها:\rخليلي هذا ربع عزة فاعقلا ... قلوصيكما ثم احللا حيث حلَّت١\rوهذه القصيدة تزيد على عشرين بيتًا، وهي مع ذلك سهلة لينة، تكاد تترقرق من لينها وسهولتها، وليس عليها من أثر الكلفة شيء، ولولا خوف الإطالة لأوردتها بجملتها.\rوقد ذكر بعضهم من هذا النوع ما ورد في أبيات الحماسة٢ وهو:\rوفيشةٍ ليست كهذي الفيش ... قد ملئت من ترف وطيش٣\rإذا بدت قلت أمير الجيش ... من ذاقها يعرف طعم العيش\rوهذا ليس من باب اللزوم؛ لأنَّ اللزوم هو أن يلتزم الناظم والناثر ما لا يلزمه، كقولنا: \"شرق\"، و\"فرق\"، مثلًا، فإنه لو قيل بدلًا من ذلك \"شرق\" و\"حنق\" لجاز ذلك.\rوفي هذه الأبيات لا يقع الأمر كذلك؛ لأنَّه لو قيل: \"طيش\" و\"عرش\" لما جاز, وهذا يقال له الردف في الشعر وهو الياء والواو قبل حرف الرويّ، وإذا جيء","footnotes":"١ رواية لزوم ما لا يلزم \"١/ ١٧\" \"ثم ابكيا حيث حلت\" وكذلك في سرِّ الفصاحة \"٢١١\" قال الخفاجي: وكان شيخنا -يقصد أبا العلاء- يذهب إلى أن قصيدة كُثَيِّر التي أولها \"خليلي ... \" قد لزم اللام في جميعها، فلمَّا سألناه عن البيت الذي يروي فيها، وهو:\rأصاب الردى من كان يهوى لك الردى ... وجنَّ اللواتي قلن عزَّة جنت\rقال: هذا البيت ليس من هذه القصيدة.\r٢ ديوان الحماسة ٢/ ٣٧١.\r٣ رواية الحماسة:\rقد ملئت من خرق وطيش","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358415,"book_id":3862,"shamela_page_id":289,"part":"1","page_num":287,"sequence_num":289,"body":"بذلك في الشعر وفي الكلام المنثور لا يقال إنه التزام؛ لأنَّ المتلزم ما لا يلزم له مندوحة في العدول إلى غيره، وههنا لا مندوحة.\rومن لطيف ذلك ما يروى لامرأة من البصرة مَجَنَت بأبي نواس، فقالت:\rإنَّ حِرى حزنبل حزابيه ... إذا قعدت فوقه نبابيه١\rكالأرنب الجاثم فوق الرابيه\rوكذلك ورد قول أبي تمام، وهو٢:\rخدم العلا فخَدَمنه وهي التي ... لا تخدم الأقوام ما لم تُخْدَم\rفإذا ارتقى في قلةٍ من سؤددٍ ... قالت له الأخرى بلغت تقدَّم\rوعلى هذا الأسلوب قوله أيضًا٣:\rولو جرَّبتني٤ لوجدت خرقًا ... يصافي الأكرمين ولا يصادي\rجديرًا أن يكر الطَّرف شزرًا ... إلى بعض الموارد وهو صاد\rوله من أبيات تتضمَّن مرثية٥:\rلقد فُجِعَت عتَّابه وزُهَيْرَه ... وتغلِبُه٦ أخرى الليالي ووائله\rومبتدر المعروف تسرى هباته ... إليهم ولا تسرى إليهم٧ غوائله\rطواه الردَّى طي الرداء وغيبت ... فضائله عن قومه وفواضله\rطوى شيمًا كانت تروح وتغتدي ... وسائل من أعيت عليه وسائله","footnotes":"١ الحزنبل: المشرف، والحزابية: الغليظ.\r٢ ديوان أبي تمام ٣١٣ من قصيدة يمدح بها أبا الحسين محمد بن الهيثم، ومطلعها:\rنثرت فريد مدامع لم تنظم ... والدمع يحمل بعض شجو المغرم\r٣ ديوان أبي تمام ٨١ من قصيدة يمدح بها أبا عبد الله أحمد بن أبي داود، ويعتذر إليه ومطلعها:\rسقى عهد الحمى سبلي العهاد ... وروض حاضر منه وباد\r٤ رواية الديوان \"ولو كشفتني\", والخرق: السخي، ويصادي: يعارض.\r٥ ديوان أبي تمام ٣٧٧ من قصيدة يرثي بها القاسم بن طوق، ومطلعها:\rجوى ساور الأحشاء والقلب واغله ... ودمع يضيم العين والجفن هامله\r٦ في الأصل \"وثعلبة\" والصواب عن الديوان، وفجعت أصيبت، وعتاب وزهير وتغلب ووائل قبائل.\r٧ المبتدر: المسرع، الغوائل: المهلكات.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358416,"book_id":3862,"shamela_page_id":290,"part":"1","page_num":288,"sequence_num":290,"body":"فيا عارضًا للعرف أقلع مُزْنُهُ ... ويا واديًا للجود جفَّت مسايله\rألم تراني أنزفت عيني على أبي ... محمدٍ النجم المغيَّب١ آفله\rوأخضلتها فيه كما لو أتيته ... طريد الليالي أخضلتني٢ نوافله\rوهذا من أحسن ما يجيء في هذا الباب, وليس بمتكلف كشعر أبي العلاء، فإن حسن هذا مطبوع، وحسن ذاك مصنوع.\rوكذلك أقول في غير اللزوم من الأنواع المذكورة أولًا، فإن الألفاظ إذا صدرت فيها عن سهولة خاطر وسلاسة طبع, وكانت غير مستجلبة ولا متكلفة, جاءت غير محتاجة إلى التأنُّق، ولا شكّ أن صورة الخلقة غير صورة التخلق.\rفإن قيل: ما الفرق بين المتكلَّف من هذا الأنواع وغير المتكلف?\rقلت في الجواب:\rأما المتكلَّف فهو الذي يأتي بالفكرة والرويَّة، وذلك أن ينضى الخاطر في طلبه، ويبعث على تتبعه واقتصاص أثره، وغير المتكلَّف يأتي مستريحًا من ذلك كله، وهو أن يكون الشاعر في نظم قصيدته, أو الخطيب أو الكاتب في إنشاء خطبته أو كتابته، فبينا هو كذلك إذا سنَحَ له نوع من هذه الأنواع بالاتفاق لا بالسعي والطلب، ألا ترى أن قول أبي نواس٣ في مثل هذا الموضع:\rأترك الأطلال لا تعبأ بها ... إنها من كل بؤسٍ دانيه\rوانعت الراح على تحريمها ... إنما دنياك دارٌ فانيه\rمن عُقَارِ من رآها قال لي ... صيدت الشَّمس لنا في آنيه٤\rوعلى هذه السهولة واللطافة ورد قوله أيضًا:\rكم من غلامٍ ذي تحاسين ... أفسده ناطف ياسين٥","footnotes":"١ في الأصل \"المشرق\".\r٢ في الأصل \"أخلصتها\" و\"أخلصتني\", ومعنى أخضلتها: بللتها، والنوافل: العطايا.\r٣ ديوان أبي نواس ٣٥١.\r٤ رواية الديوان \"في باطية\", والباطية: الناجود؛ وهو الخمر وإناؤها.\r٥ الناطف: ضرب من الحلوى يصنع من الجوز واللوز والفستق.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358417,"book_id":3862,"shamela_page_id":291,"part":"1","page_num":289,"sequence_num":291,"body":"وهذا \"ياسين\" كان يبيع الناطف ببغداد.\rوحكى إبراهيم البندنيجي قال: رأيت شيخًا يبيع ناطفًا، فقلت له: يا شيخ أما زلت في الصناعة? قال: مذ كنت، ولكن الحال كانت واسعة والسلعة نافقة، وكنت ممن يشار إلي، حتى قال أبو نواس في، وأنشد هذا البيت.\rفانظر أيها المتأمّل ما أحلى لفظ أبي نواس في لزومه، وما أعراه عن الكلفة!\rوكذلك فلتكن الألفاظ في اللزوم وغيره.\rما يلحق باللزوم:\rواعلم أنه إذا صغِّرت الكلمة الأخيرة من الشعر أو من فواصل الكلام المنثور, فإن ذلك ملحق باللزوم، ويكون التصغير عوضًا عن تساوي الحروف التي قبل رويّ الأبيات الشعرية, والحروف التي قبل الفاصلة من النثر.\rفمن ذلك قول بعضهم:\rعزَّ على ليلى بذي سُدَيْر ... سوء مبيتي ليلة الغُمَيْر١\rمقضبًا نفسي في طُمَيْر ... تنتهز الرعدة في ظُهَيْري\rيهفو إلي الزور من صُدَيْري ... ظمآن في ريحٍ وفي مُطَيْر\rوازر قُرٍّ ليس بالغُرَيْر ... من لَدُ ما ظهرٍ إلى سُحَيْر\rحتى بدت لي جبهة القُمَيْر ... لأربع خلون من شُهَيْر\rوهذا من محاسن الصنعة في هذا الباب، فاعرفه.\rوأحسن منه ما ورد عن أبي نواس وعن عنان جارية النَّطَّاف، وله معها حكايات كثيرة غير هذه، فقال أبو نواس٢:\rأما ترقي لصب ... يكفيه منك قُطَيْره","footnotes":"١ رواية لسان العرب \"٦/ ٢١\" \"سوء مبيتي بلد الغمير\" قال ابن منظور: يجوز أن يريد بذي سدر، فصغَّر وقيل: ذو سُدَيْر موضع بعينه.\r٢ أخبار أبي نواس لابن منظور المصري: ٣٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358418,"book_id":3862,"shamela_page_id":292,"part":"1","page_num":290,"sequence_num":292,"body":"فقالت عنان:\rإياي تَعْنَى بهذا ... عليك فاجلد عُمَيْره\rفقال أبو نواس:\rأخاف إن رمت هذا ... على يدي منك غَيْرَه\rفالبيتان الأوَّل والثاني من هذا الباب، والثالث جاء تبعًا.\rوقد ورد في القرآن الكريم شيء من اللزوم إلّا أنه يسير جدًّا.\rفمن ذلك قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ ١, وقوله تعالى: ﴿وَالطُّورِ، وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ ٢, وكذلك ورد قوله تعالى في هذه السورة: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ، أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ ٣.\rوربما وقع بعض الجهَّال في هذا الموضع، فأدخل فيه ما ليس منه؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ، فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ ٤. وهذا لا يدخل في باب اللزوم؛ لأن الأصل فيه \"نعم\" و\"جحم\". والياء هي من حروف المد واللين، فلا يُعْتَدُّ بها ههنا.\rومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ، فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ، وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ ٥.\rوكذلك ورد قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ، وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ ٦.","footnotes":"١ سورة العلق: الآيتان ١، ٢.\r٢ سورة الطور: الآيتان ١، ٢.\r٣ سورة الطور: الآيتان ٢٩، ٣٠.\r٤ سورة الطوف: الآيتان ١٧، ١٨.\r٥ سورة الواقعة: الآيات ٢٧-٢٩.\r٦ سورة الأنفال: الآيتان ٣٩، ٤٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358419,"book_id":3862,"shamela_page_id":293,"part":"1","page_num":291,"sequence_num":293,"body":"وعلى هذا الأسلوب جاء قوله تعالى في قصة إبراهيم ﵇: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا، قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ ١.\rوعلى نحو هذا جاء قوله تعالى: ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ، قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾ ٢, ولا تجد أمثال ذلك في القرآن إلّا قليلًا.","footnotes":"١ سورة مريم: الآيتان ٤٠، ٤٦.\r٢ سورة ق: الآيتان ٢٧، ٢٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358420,"book_id":3862,"shamela_page_id":294,"part":"1","page_num":291,"sequence_num":294,"body":"النوع الخامس: في الموازنة\rوهي أن تكون ألفاظ الفواصل من الكلام المنثور متساوية في الوزن، وأن يكون صدر البيت الشعري وعجزه متساوي الألفاظ وزنًا.\rوللكلام بذلك طلاوة ورونق، وسببه الاعتدال؛ لأنه المطلوب في جميع الأشياء.\rوإذا كانت مقاطع الكلام معتدلةً وقعت من النَّفس موقع الاستحسان، وهذا لا مراء فيه لوضوحه.\rوهذا النوع من الكلام هو أخو السجع في المعادلة دون المماثلة؛ لأن في السجع اعتدالًا وزيادة على الاعتدال، وهي تماثل أجزاء الفواصل لورودها على حرف واحد.\rوأمَّا الموازنة ففيها الاعتدال الموجود في السجع، ولا تماثل في فواصلها؛ فيقال إذًا: كل سجع موازنة، وليس كل موازنة سجعًا.\rوعلى هذا, فالسجع أخصّ من الموازنة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358421,"book_id":3862,"shamela_page_id":295,"part":"1","page_num":292,"sequence_num":295,"body":"فمما جاء منها قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ، وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ١ والمستبين والمستقيم على وزن واحد.\rوكذلك قوله تعالى في سورة مريم ﵍: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا، كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا، أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا، فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ ٢.\rوكذلك قوله تعالى في سورة طه: ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا، خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا﴾ ٣.\rوكذلك قوله تعالى في سورة حم عسق: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ، اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ، يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ، اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ، مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ، أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ ٤.\rوهذه الآيات جميعها على وزن واحد، فإن شديد، وقريب، وبعيد، وعزيز، ونصيب، وأليم، وكبير، كل ذلك على وزن \"فعيل\", وإن اختلف حروف المقاطع التي هي فواصلها.","footnotes":"١ سورة الصافات: الآيتان ١١٧، ١١٨.\r٢ سورة مريم: الآيات ٨١-٨٤.\r٣ سورة طه: الآيتان ١٠٠، ١٠١.\r٤ سورة الشورى: الآيات ١٦-٢٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358422,"book_id":3862,"shamela_page_id":296,"part":"1","page_num":293,"sequence_num":296,"body":"وأٍمثال هذا في القرآن كثير، بل معظم آياته جاريه على هذا النهج، حتى إنه لا تخلوا منه سورة من السور، ولقد تصفَّحته فوجدته لا يكاد يخرج منه شيء عن السجع والموازنة.\rوأمَّا ما جاء من هذا النوع شعرًا فقول ربيعة بن ذؤابه١:\rإن يقتلوك فقد ثَلَلْتَ عروشهم ... بعتيبة بن الحارث بن شهاب٢\rبأشدهم بأسًا على أصحابه ... وأعزَّهم فقدًا على الأصحاب٣\rفالبيت الثاني هو المختص بالموازنة؛ فإن \"بأسًا\" و\"فقدًا\" على وزن واحد.","footnotes":"١ هو ربيعة بن عبيد بن سعيد بن جذيمة بن مالك بن نصر بن قعين أحد بني أسد، وربيعة هذا هو أبو ذؤاب الأسدي، وقد نسب الشعر في حماسة أبي تمام ١/ ٣٥٤ لرجل من بني نصر بن قعين.\r٢ معناه: إن كانوا فرحوا بقتلك وتبجَّحوا به, فقد هدمت عزَّهم بقتل عتيبة.\r٣ رواية الحماسة \"١/ ٣٥٦\" \"بأشدهم كلبًا\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358423,"book_id":3862,"shamela_page_id":297,"part":"1","page_num":293,"sequence_num":297,"body":"النوع السادس: في اختلاف صيغ الألفاظ واتفاقها\rوهو من هذه الصناعة بمنزلة عليَّة، ومكانة شريفة، وجلُّ الألفاظ اللفظية منوطة به، ولقد لقيت جماعة من مدَّعي فن الفصاحة، وفاوضتهم وفاوضوني، وسألتهم وسألوني، فما وجدت أحدًا منهم تيقن معرفة هذا الموضع كما ينبغي، وقد استخرجت فيه أشياء لم أُسْبَق إليها، وسيأتي ذكرها ههنا.\rأمَّا اختلاف صيغ الألفاظ، فإنها إذا نُقِلَت من هيئة إلى هيئة؛ كنقلها مثلًا من وزنٍ من الأوزان إلى وزن آخر, وإن كانت اللفظة واحدة، أو كنقلها من صيغة الاسم إلى صيغة الفعل، أو من الفعل إلى صيغة الاسم، أو كنقلها من الماضي إلى المستقبل, أو من المستقبل إلى الماضي، أو من الواحد إلى التثنية، أو إلى الجمع، أو إلى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358424,"book_id":3862,"shamela_page_id":298,"part":"1","page_num":294,"sequence_num":298,"body":"النسب أو إلى غير ذلك؛ انتقل١ قبحها فصار حسنًا، وحسنها صار قبحًا.\rفمن ذلك لفظة \"خود\"٢ فإنها عبارة عن المرأة الناعمة، وإذا نقلت إلى صيغة الفعل قيل \"خَوَّدَ\"٣ على وزن \"فَعَّلَ\" بتشديد العين، ومعناها: أسرع، يقال: خوَّدَ البعير إذا أسرع؛ فهي على صيغة الاسم حسنة رائقة، وقد وردت في النظم والنثر كثيرًا، وإذا جاءت على صيغة الفعل لم تكن حسنة، كقول أبي تمامٍ٤:\rوإلى بني عبد الكريم تواهقت ... رتك النعام رَأَى الظلام فخوَّدَ٥\rوهذا يقال على أشباهه وأنظاره، إلّا أن هذه اللفظة التي هي \"خَوْد\" قد نقلت عن الحقيقة إلى المجاز، فخفَّ عنها ذلك القبح قليلًا؛ كقول بعض شعراء الحماسة٦:\rأقول لنفسي حين خَوَّدَ رألها ... رويدك لمَّا تُشْفِقِي حين مُشْفَق٧\rرويدك حتى تنظري عمَّ تنجلي ... غيابةُ هذا البارق المتألق٨\rوالرأل: النعام، والمراد به ههنا: أن نفسه فرَّت وفزعت، وشبَّه ذلك بإسراع النعام في فراره وفزعه، ولما أورده على حكم المجاز خفَّ بعض القبح الذي على لفظة \"خَوَّد\"، وهذا يدرك بالذوق الصحيح، ولا خفاء بما بين اللفظة في إيرادها ههنا, وإيرادها في بيت أبي تمام؛ فإنها وردت في بيت أبي تمام قبيحة سمجة، ووردت ههنا بين بين.","footnotes":"١ جواب \"إذا\" في قوله: \"إذا نقلت ... \".\r٢ الخَوْد: المرأة الحسنة الخلق الشابة أو الناعمة, وهي بفتح الخاء وسكون الواو، وجمعها خُوَد -بضم الخاء.\r٣ التخويد: سرعة السير.\r٤ ديوان أبي تمام ١٢٥ من قصيدة يمدح بها أحمد بن عبد الكريم، ومطلعها:\rيا دارُ دارَ عليك أرهام النَّدى ... واهتزَّ روضك في الثَّرى فتأوَّدَا\r٥ تواهقت: مدت أعناقها وتسابقت، الرتك: سرعة في مقاربة خطو، خود: اهتز من النشاط.\r٦ ديوان الحماسة ١/ ١٤٣, وقد نسب هذا الشعر لرجل من بني أسد قاله في يوم اليمامة.\r٧ رواية ديوان الحماسة \"مكانك\" موضع \"رويدك\" في البيتين؛ وخوَّدَ: أسرع، والرأل: فرخ النعام، ويقال للمذعور والمرتاع \"خوَّد رأله\" وهو مثل، وقوله: \"لما تُشْفِقِي حين مشفق\" أي: لم تخافي وقت مخافة، والمعنى: ليس هذا وقت الخوف فاصبري فإنه وقت صبر.\r٨ رواية الحماسة \"عماية\" موضع غيابة\" والعارض: السحاب، والمراد هنا الجيش.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358425,"book_id":3862,"shamela_page_id":299,"part":"1","page_num":295,"sequence_num":299,"body":"ومن هذا النوع لفظة \"وَدَعَ\" وهي فعلٌ ثلاثي لا ثقل بها على اللسان، ومع ذلك فلا تستعمل على صيغتها الماضية إلّا جاءت غير مستحْسَنة، ولكنها تستعمل مستقلة، وعلى صيغة الأمر، فتجيء حسنة.\rأما الأمر فكقوله تعالى: ﴿ ... يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا﴾ ١ ولم تأت في القرآن الكريم إلّا على هذه الصيغة!!\rوأما كونها مستقبلةً فكقول النبي ﷺ, وقد واصل في شهر رمضان فواصل معه قوم: \"لو مدَّ لنا الشهر لواصلنا وِصالًا يَدَعُ له المتعمِّقُون تعمقهم\".\rوقال أبو الطيب المتنبي٢:\rتشُقُّكم بقناعها كل سلهبةٍ ... والضَّرب يأخذ منكم فوق ما يدع٣\rوأمَّا الماضي في هذه اللفظة فلم يستعمل إلّا شاذًّا ولا حسن له، كقول أبي العتاهية:\rأثْرَوا فلم يدخلوا قبورهم ... شيئًا من الثروة التي جمعوا\rوكان ما قدَّموا لأنفسهم ... أعظم نفعًا من الذي وَدَعُوا\rوهذا غير حسن في الاستعمال، ولا عليه من الطلاوة شيء.\rوهذه لفظة واحدة لم يتغيِّر من حالها شيء، سوى أنها نقلت من الماضي إلى المستقبل لا غير.\rوكذلك لفظة \"وَذَرَ\"، فإنها لا تستعمل ماضية، وتستعمل على صيغة الأمر، كقوله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا﴾ ٤.","footnotes":"١ في القرآن الكريم سورة الزخرف: الآية ٨٣ ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا﴾ وقد رواه ابن الأثير \"فدعهم\" ليكون شاهدًا على ما ذهب إليه؛ وهذا وَهْمٌ منه لاتفاق اللفظين في المعنى.\r٢ ديوان المتنبي ٢/ ٢٣٠ من قصيدة في مدح سيف الدولة مطلعها:\rغيري بأكثر هذا الناس ينخدع ... إن قاتلوا جبنوا أو حدثوا شجعوا\r٣ رواية الديوان \"بقناها\" موضع \"بفتاها\", ومعنى فتاها: فارسها، والقنا: الرماح، السلهية: الطويلة من الخيل.\r٤ سورة الحجر: الآية ٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358426,"book_id":3862,"shamela_page_id":300,"part":"1","page_num":296,"sequence_num":300,"body":"وتستعمل مستقبلة أيضًا، كقوله تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ, وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ, لا تُبْقِي وَلا تَذَر﴾ ١.\rفهي لم ترد في القرآن إلّا على هاتين الصيغتين، وكذلك في فصيح الكلام غير القرآن.\rوأمَّا إذا جاءت على صيغة الماضي فإنها لا تستعمل، وهي أقبح من لفظة \"وَدَعَ\"؛ لأن لفظة \"وَدَعَ\" قد استعملت ماضية، وهذه لم تستعمل.\rوههنا فلينعم الخائضون في هذا الفن نظرهم، ويعلموا أن في الزوايا خبايا، وإذا أنعموا الفكر في أسرار الألفاظ عند الاستعمال، وأغرقوا في الاعتبار والكشف وجدوا غرائب وعجائب.\rومن هذا النوع لفظة \"الأخْدَع\"، فإنها وردت في بيتين من الشعر، وهي في أحدهما حسنة رائقة، وفي الآخر ثقيلة مستكرهة، كقول الصمَّة بن عبد الله٢ من شعراء الحماسة٣:\rتلفتُّ نحو الحي حتى وجدتني ... وجعت من الإصغاء ليتًا وأخْدَعَا٤\rوكقول أبي تمام٥:\rيا دهر قوِّم من أَخْدَعَيْك فقد ... أضججت هذا الأنام من خرقك٦\rألا ترى أنه وُجِدَ لهذه اللفظة في بيت أبي تمام من الثقل على السمع والكراهة في النفس أضعاف ما وجد لها من بيت الصمَّة بن عبد الله٧ من الروح والخفَّة والإيناس والبهجة؟ وليس سبب ذلك إلّا أنها جاءت موحَّدة في أحدهما مثناة في الآخر،","footnotes":"١ سورة المدثر: الآيات ٢٦-٢٨.\r٢ في الأصل \"ابن الصمة عبد الله\".\r٣ ديوان الحماسة ٢/ ٥٦.\r٤ الليث: صفحة العنق، والأخدع: عرق فيها، نصبهما على التمييز، والإصغاء: الميل.\r٥ ديوانه ٢١٠ من قصيدة يمدح فيها محمد بن الهيثم ويهنئه ببرئه، ومطلعها:\rقد مات محل الزمان من فرقك ... وأكتنَّ أهل الإعدام في ورقك\r٦ الخرق: الحمق.\r٧ في الأصل \"ابن الصمة عبد الله\", وبيت الصمة وبيت أبي تمام تكلَّم عنهما عبد القاهر الجرجاني بمثل هذا الكلام الذي نقله ابن الأثير, وانظر دلائل الإعجاز ٣٨، ٣٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358427,"book_id":3862,"shamela_page_id":301,"part":"1","page_num":297,"sequence_num":301,"body":"وكانت حسنة في حالة الإفراد، مستكرَهَة في حالة التثنية، وإلّا فاللفظة واحدة، وإنما اختلاف صيغتها فعل بها ما ترى.\rومن هذا النوع ألفاظٌ يُعْدَل عن استعمالها من غير دليل يقوم على العدول عنها، ولا يُسْتَفْتَى في ذلك إلّا الذوق السليم، وهذا موضع عجيب لا يُعْلَمُ كُنْه سِرِّه.\rفمن لفظ \"الَّلبّ\" الذي هو العقل، -لا لفظة \"الُّلبّ\" الذي تحت القشر- فإنها لا تحسن في الاستعمال إلا مجموعة، وكذلك وردت في القرآن الكريم في مواضع كثيرة وهي مجموعة، ولم ترد مفردة، كقوله تعالى: ﴿وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ١ و ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ ٢ وأشباه ذلك.\rوهذه اللفظة الثلاثية خفيفة على النطق، ومخارجها بعيدة، وليست بمستثقلة ولا مكروهة.\rوقد تستعمل مفرَدة بشرط أن تكون مضافة أو مضافًا إليها؛ أما كونها مضافًا إليها, فكقولنا: لا يعلم ذلك إلّا ذو لب، وإن في ذلك لعبرة لذي لبّ، وعليه ورد قول جرير:\rإن العيون التي في طرفها حورٌ٣ ... قتلننا ثم لم يحينا قتلانا\rيصرعن ذا اللب حتى لا حراك به ... وهنّ أضعف خلق الله أركانا\rوأما كونها مضافة فكقول النبي ﷺ في ذكر النساء: \"ما رأيت ناقصات عقلٍ ودينٍ أذهب للبِّ الحازم من إحداكن يا معشر النساء\".\rفإن كانت هذه اللفظة عارية عن الجمع أو الإضافة فإنها لا تأتي حسنة، ولا تجد دليلًا على ذلك إلا مجرد الذوق الصحيح.\rوإذا تأمَّلت القرآن الكريم ودقَّقت النظر في رموزه وأسراره وجدت مثل هذه اللفظة قد روعي فيها الجمع دون الإفراد, كلفظة \"كوب\"، فإنها وردت في القرآن مجموعة، ولم ترد مفردة، وهي وإن لم تكن مستَقْبَحة في حال إفرادها, فإنَّ الجمع فيها أحسن.","footnotes":"١ سورة ص: الآية ٢٩.\r٢ سورة الزمر: الآية ٢١.\r٣ رواية الشعر والشعراء \"مرض\" موضع \"سور\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358428,"book_id":3862,"shamela_page_id":302,"part":"1","page_num":298,"sequence_num":302,"body":"لكن قد ترد مفردة مع ألفاظٍ أخر تندرج معهنَّ فيكسوها ذلك حسنًا ليس لها، وذلك كقولي في جملة أبيات أصف بها الخمر, وما يجري معها من آلاتها:\rثلاثةٌ تعطي الفرح ... كأسٌ وكوبٌ وقدح\rما ذبح الذوق بها ... إلّا وللهمِّ ذبح\rفلمَّا وردت لفظة \"الكوب\" مع الكأس والقدح على هذا الأسلوب حسَّنَها، وكأنَّه جلاها في غير لباسها الذي كان لها؛ إذ جاءت بمفردها.\rوكذلك وردت لفظة \"رجا\" بالقصر، \"والرجا\" الجانب، فإنَّها لم تستعمل موحَّدة, وإنما استعملت مجموعة، كقوله تعالى: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ ١.\rفلمَّا وردت هذه اللفظة مجموعة ألبسها الجمع ثوبًا من الحسن لم يكن لها في حال كونها موحدة.\rوقد تستعمل موحَّدة بشرط الإضافة، كقولنا: \"رجا البئر\".\rولربما أخطأ بعض الناس في هذا الموضع, وقاس عليه ما ليس بمقيس، وذلك أنه وقف على ما ذكرته ههنا واقف، وكذلك قد وردت لفظة الصوف في القرآن الكريم, ولم ترد إلّا مجموعة، كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ ٢.\rوهذا بخلاف ما وردت عليه في شعر أبي تمام٣:\rكانوا برودَ زمانهم فتصدَّعوا ... فكأنَّما لبس الزَّمان الصُّوفا٤\rوهذا ليس كالذي أشرت إليه, فإن لفظة \"الصوف\" لفظة حسنة مفردة ومجموعة، وإنما أزرى بها في قول أبي تمام أنها جاءت مجازيَّة في نسبتها إلى الزمان.","footnotes":"١ سورة الحاقة: الآية ١٧.\r٢ سورة النحل: الآية ٨٠.\r٣ الديوان ٢٠٥ من قصيدة في مدح أبي سعيد محمد بن يوسف، ويعرِّض بوالٍ ولي الثغر، ومطلعها:\rأطلالهم سلبت دماها الهيفا ... واستبدلت وحشابهن عكوفا\r٤ البرود: الثياب، تصدعوا: تشتتوا.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358429,"book_id":3862,"shamela_page_id":303,"part":"1","page_num":299,"sequence_num":303,"body":"وعلى هذا النهج وردت لفظة \"خبر\" و\"أخبار\"، فإنَّ هذه اللفظة مجموعة أحسن منها مفردة، ولم ترد في القرآن إلّا مجموعة.\rوفي ضدِّ ذلك ما ورد استعماله من الألفاظ مفردًا ولم يرد مجموعًا، كلفظة \"الأرض\", فإنها لم ترد في القرآن إلّا مفردة، فإذا ذكرت السماء مجموعة جيء بها مفردة معها في كل موضع من القرآن، ولما أريد أن يؤتى بها مجموعة قيل: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ ١.\rومما ورد من الألفاظ مفردًا فكان أحسن مِمَّا يرد مجموعًا لفظة \"البقعة\"، قال الله تعالى في قصة موسى ﵇: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٢ والأحسن استعمالها مفردة لا مجموعة، وإن استعملت مجموعة فالأولى أن تكون مضافة كقولنا: \"بقاع الأرض\"، أو ما جرى مجراها.\rوكذلك لفظة \"طيف\"، في ذكر طيف الخيال، فإنَّها لم تستعمل إلّا مفردة، وقد استعملها الشعراء قديمًا وحديثًا, فلم يأتوا بها إلّا مفردة، لأنَّ جمعها جمع قبيح، فإذا قيل \"طيوف\" كان من أقبح الألفاظ وأشدَّها كراهة على السمع.\rويا لله للعجب من هذه اللفظة ومن أختها عدَّة ووزنًا، وهي لفظة \"ضيف\"، فإنها تستعمل مفردة ومجموعة، وكلاهما في الاستعمال حسن رائق، وهذا مما لا يعلم السر فيه، والذوق السليم هو الحاكم على الفرق بين هاتين اللفظتين وما يجري مجراهما.\rوأما جمع المصادر فإنه لا يجيء حسنًا، والإفراد فيه هو الحسن، ومما جاء في المصادر مجموعًا قول عنترة:\rفإن يبرأ فلم أنفث عليه ... وإن يفقد فحُقَّ له الفقود٣\rقوله: \"الفقود\" جمع مصدر من قولنا: فَقَدَ، يَفْقِدُ، فقدًا، واستعمال هذه اللفظة غير سائغ ولا لذيذ، وإن كان جائزًا.","footnotes":"١ سورة الطلاق: الآية ١٢.\r٢ سورة القصص: الآية ٣٠.\r٣ شرح ديوان عنترة بن شداد ٤٩, من أبيات في جرية العمري، وقد رماه عنترة، فظنَّ أنه قتله، فلم يفعل.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358430,"book_id":3862,"shamela_page_id":304,"part":"1","page_num":300,"sequence_num":304,"body":"ونحن في استعمال ما نستعمله من الألفاظ واقفون مع الحسن لا مع الجواز. وهذا كله يرجع إلى حاكم الذوق السليم، فإن صاحب هذه الصناعة يصرّف الألفاظ بضروب التصريف، فما عذب في فمه منها استعمله، وما لفَظَه فَمُه تركه.\rألا ترى أنه يقال: \"الأُمَّة\" -بالضم- عبارة عن الجمع الكثير من الناس، ويقال: \"الإمَّة\" -بالكسر، وهي النعمة، فإن \"الأمة\" بالضم لفظة حسنة, وبالكسر ليست بحسنة، واستعمالها قبيح.\rورأيت صاحب كتاب \"الفصيح\"١ قد ذكرها فيما اختاره من الألفاظ الفصيحة، ويا ليت شعري ما الذي رآه من فصاحتها حتى اختارها?! وكذلك قد اختار ألفاظًا أخر ليست بفصيحة، ولا لوم عليه؛ لأنَّ صدور مثل ذلك الكتاب عنه كثير!\rوأسرار الفصاحة لا تؤخذ من علماء العربية, وإنما تؤخذ منهم مسألة نحوية أو تصريفية، أو نقل كلمة لغوية، وما جرى هذا المجرى.\rوأما أسرار الفصاحة فلها قومٌ مخصوصون بها, وإذا شذَّ عن صاحب كتاب \"الفصيح\" ألفاظ معدودة ليست بفصيحة في جملة كثيرة ذكرها من الفصيح, فإن هذا منه كثير.\rومما يذكر في هذا الباب أنه يقال: \"سهم صائب\"، فإذا جَمَعَ الجمع الحسن الذي يعذُب في الفم قيل: سهام صوائب وصائبات وصُيَّب، فإذا جمع الجمع الذي يقبح قيل: \"سهام صُيُبُ\"، على وزن \"كُتُب\".\rفقال أبو نواس٢:\rما أحلَّ الله ما صنعت ... عينه تلك العشيَّة بي\rقتلت٣ إنسانُها كبدي ... بسهامٍ للرَّدى صُيُبِ","footnotes":"١ هو الإمام أحمد بن يحيى المعروف بثعلب.\r٢ ديوانه ٤٠٧ من أبيات أولها:\rيا بني حمالة الحطب ... حربي من ظبيكم حربي\r٣ رواية الديوان \"فتنت\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358431,"book_id":3862,"shamela_page_id":305,"part":"1","page_num":301,"sequence_num":305,"body":"فقوله: \"سهامٌ صُيُب\" من اللفظ الذي ينبو عنه السمع، ويحيد عنه اللسان، ومثله ورد قول عويف القوافي١ من أبيات الحماسة:\rذهب الرُّقَاد فما يُحَسُّ رقاد ... مِمَّا شجاك ونامت العُوَّاد\rلما أتاني عن عُيَيْنَةَ أنه ... أمسى عليه تظاهر الأقْيَاد٢\rفقوله: \"أقياد\" في جمع \"قيد\" مما لا يحسن استعماله، بل الحسن أن يقال في جمعه: \"قيود\".\rوكذلك قول مرَّة بن محكان التميمي٣ من أبيات الحماسة، وذلك من جملة الأبيات المشهورة التي أولها:\rيا رَبَّةَ البيت قومي غير صاغرةٍ ... ضمِّي إليك رحال القوم والقُرُبَا٤\rفقال فيها:\rماذا ترين: أنُدنيهم لأرحلنا ... في جانب البيت؟ أم نبني لهم قُبَبَا؟\rفإنه جمع \"قبة\" على \"قبب\"، وذلك من المستبشع الكريه، والأحسن المستعمل هو \"قباب\" لا \"قبب\"، وكذلك يجري الأمر في غير هذا.\rومن المجموع ما يختلف استعماله، وإن كان مُتَّفقًا في لفظة واحدة كالعين الناظرة وعين الناس وهو النبيه فيهم، فإن العين الناظرة تجمع على \"عيون\"، وعين الناس","footnotes":"١ هو ابن معاوية بن عقبة من بني فزارة بن ذبيان، وإنما أضيف إلى القوافي لقوله:\rسأكذب من قد كان يزعم أننى ... إذا قلت قولًا لا أجيد القوافيا\rوهو شاعر مقلّ من شعراء الدولة الأموية, من ساكني الكوفة، وبيته من البيوتات المتقدمة في العرب، وكانت أخته متزوجة عيينة بن أسماء الفزاريّ فطلقها، فلما حبس الحجاج عيينة وقيَّدَه قال عويف هذه الأبيات.\r٢ رواية البيت في الحماسة \"١/ ٩٧\" وفي الأصل:\rلما أتاني من عيينة أنه ... أمست عليه بظاهر أقياد\r٣ هو من بطن يقال لهم بنو ربيع من سعد بن زيد مناة بن تميم، وهو شاعر إسلامي مقلّ من شعراء الدولة الأموية، عاصر جريرًا والفرزدق، فأخملا ذكره، وكان شريفًا جوادًا، قتله مصعب بن الزبير في ولايته، والأبيات في ديوان الحماسة ٢/ ٢٤٢.\r٤ في الأصل \"رجال\" موضع \"رحال\" وهو تصحيف، والصاغرة: الذليلة، والقرب: جمع قراب وهو كالجراب يوضع فيه السيف بغمده، يأمر زوجته بأن تضمَّ إليها رحال القوم وأسلحتهم حفظًا لها، لأنهم نزلوا عنده، فهم في أمان لا يحتاجون إلى السلاح.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358432,"book_id":3862,"shamela_page_id":306,"part":"1","page_num":302,"sequence_num":306,"body":"جمع على \"أعيان\"، وهذا يرجع فيه إلى الاستحسان لا إلى جائز الوضع اللغوي.\rوقد شذَّ هذا الموضع عن أبي الطيب المتنبي في قوله١:\rوالقوم في أعيانهم خرزٌ ... والخيل في أعيانها قبل٢\rفجمع العين الناظرة على \"أعيان\"، وكان الذوق يأبى ذلك, ولا تجد له على اللسان حلاوة وإن كان جائزًا.\rولولا خوف الإطالة لأوردت من هذا النوع وأمثاله أشياء كثيرة, وكشفت عن رموز وأسرار تخفى على كثير من متعاطي هذا الفن، لكنَّ في الذي أشرت إليه مُنَبَّه لأهل الفطانة والذكاء أن يحملوه على أشباهه وأنظاره.\rوأعجب من ذلك كلِّه أنك ترى وزنًا واحدًا من الألفاظ، فتارةً تجد مفرده حسنًا، وتارة تجد جمعه حسنًا، وتارة تجدهما جميعًا حسنين.\rفالأول نحو: \"حبرور\" وهو فرخ الحبارى، فإن هذه اللفظة يحسن مفردها لا مجموعها؛ لأن جمعها على \"حبارير\"، وكذلك \"طنبور\" و\"طنابير\"، و\"عرقوب\" و\"عراقيب\".\rوأما الثاني فنحو: \"بهلول\" و\"بهاليل\"٣، و\"لهموم\" و\"لهاميم\"٤، وهذا ضد الأول.\rوأما الثالث فنحو: \"جمهور\" و\"جماهير\"، و\"عرجون\" و\"عراجين\".\rفانظر إلى الوزن الواحد كيف يختلف في أحواله مفردًا ومجموعًا? وهذا من أعجب ما يجيء في هذا الباب.\rوهكذا قد جاءت ألفاظ على وزن واحد ثلاثيَّة مسكَّنة الوسط, وجميعها حسن في الاستعمال، وإذا أردنا أن نثقِّل وسطها حَسُنَ منها شيء دون شيء.","footnotes":"١ ديوانه ٣/ ٣٠٧ من قصيدة في مدح عضد الدولة، ومطلعها:\rأثلث فإنا أيها الظلل ... نبكي وترزم تحتنا الإبل\r٢ الخزر: ضيق العين، والقبل: إقبال إحدى العينين على الأخرى، وذلك تفعله الخيل لعزة أنفسها.\r٣ البهلول: الضحاك, والسيد الجامع لكل خير.\r٤ اللهموم: الناقة الغزيرة، والجرح الواسع، وجهاز المرأة، والسحابة الغزيرة القطر، والعدد الكثيرة، والجيش العظيم، والكثير الخير.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358433,"book_id":3862,"shamela_page_id":307,"part":"1","page_num":303,"sequence_num":307,"body":"فمن ذلك لفظة الثُّلث، والرُّبع ... إلى العشر, فإن الجميع على وزن واحد، وإذا ثقَّلنا أوساطها فقلنا: ثلَّث وربَّع وخمَّس ... وكذلك إلى عشَّر، فإن الحسن من ذلك جميعه ثلاثة، وهي الثُّلُث والخُمُس والسُّدُس، والباقي وهو الربع والسبع والثمن والتسع والعشر، ليس كالأول في حسنه هذا, والجميع على وزن واحد وصيغة واحدة, والجميع حسن في الاستعمال قبل أن يثقَّل وسطه، ولما ثُقِّل صار بعضه حسنًا وبعضه غير حسن.\rوكذلك تجد الأمر في أسماء الفاعلين كالثلاثي منها نحو: \"فَعَلَ\" -بفتح الفاء والعين، \"وفَعِلَ\" -بفتح الفاء وكسر العين، \"وفَعُلَ\" -بفتح الفاء وضمّ العين، فإن هذه الأوزان الثلاثة لها أسماء فاعلين.\rأما \"فَعَلَ\" -بفتح الفاء والعين- فليس له إلّا اسم واحد أيضًا، وهو \"فاعل\"، ولا يقع فيه اختلاف.\rوكذلك \"فعل\" -بفتح الفاء وضم العين- فليس له إلّا اسم واحد أيضًا، وهو \"فعيل\"، ولا يقع فيه اختلاف إلّا ما شذَّ.\rلكن \"فعل\" -بفتح الفاء وكسر العين- يقع في اسم فاعله الاختلاف استحسانًا واستقباحًا؛ لأنّ له ثلاثة أوزان، نحو: \"فَاعِل\" و\"فَعِل\" و\"فَعْلان\"، تقول منه: \"حَمَدَ\" فهو \"حَامِد\", و\"حَمِدَ\" و\"حَمْدَان\".\rوقد جاء على وزنه \"فَرِحَ\" تقول منه: فَرِحَ زيدٌ، فهو فَرِحٌ، وهو الأحسن، ولا نحسن أن يقال: \"فارح\" ولا \"فرحان\"، وإن كان جائزًا، لكن \"فرحان\" أحسن من \"فارح\".\rوقد وردت هذه اللفظة في القرآن الكريم، فلم تستعمل إلّا على \"فرحٍ\" لا غير، كقوله تعالى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ وكقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ ٢.","footnotes":"١ سورة الروم: الآية ٣٢.\r٢ سورة القصص: الآية ٧٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358434,"book_id":3862,"shamela_page_id":308,"part":"1","page_num":304,"sequence_num":308,"body":"وقد جاءت هذه اللفظة في شعر بعض شعراء الحماسة١ في باب المراثي:\rفما أنا من حزنٍ٢ وإن جلَّ جازعٌ ... ولا بسرورٍ بعد موتك فارحٌ\rوهذا غير حسن, وإن جاز استعماله.\rوعلى نحوٍ منه يقال: \"غَضِبَ\" وهو \"غَضْبَان\"، ولا يقال: \"غاضب\"، وإن كان جائزًا.\rوقد تقدَّم القول أنَّا في تأليف الكلام بصدد استعمال الحسن والأحسن، لا بصدد استعمال الجائز وغير الجائز.\rومما يجري هذا المجرى قولنا: \"فَعَلَ\" و\"افتَعَلَ\"، فإن لفظة \"فَعَلَ\" لها موضع تستعمل فيه، ألَا ترى أنك تقول: \"قعدت إلى فلان أحدِّثه\"، ولا تقول: \"اقتعدت إليه\"، وكذلك تقول: \"اقتعدت غارب الجمل\"، ولا تقول: \"قعدت على غارب الجمل\"، وإن جاز ذلك، لكن الأوّل أحسن.\rوهذا لا يحكم فيه غير الذوق السليم، فإنه لا يمكن أن يقام عليه دليل.\rوأما \"فَعَلَ\" \"وافعَوْعَل\" فإنا نقول: \"أعشبَّ المكان\"، فإذا كثر عشبه قلنا: \"اعشَوْشَبَ\"، فلفظة \"افعوعل\" للتكثير.\rعلى أني استقريت هذه اللفظة في كثير من الألفاظ فوجدتها عذبة طيبة، على تكرار حروفها كقولنا: اخشوشن المكان، واغرورقت العين، واحلولى الطعم، وأشبهها.\rوأما \"فُعَلَة\" نحو: هُمَزَة، وجُثَمَة، ونُوَمَة، ولُكَنَة، ولُحَنَة، وأشباه ذلك, فالغالب على هذه اللفظة أن تكون حسنة.\rوهذا أخذته بالاستقراء، وفي اللغة مواضع كثيرة هكذا لا يمكن استقصاؤها.\rفانظر إلى ما يفعله اختلاف الصيغة بالألفاظ.\rوعليك أن تتفقد أمثال هذه المواضع، لتعلم كيف تضع يدك في استعمالها، فكثيرًا ما يقع فحول الشعراء، والخطباء في مثلها، ومؤلّف الكلام من كاتبٍ وشاعرٍ إذا مرَّت به ألفاظ عرضها على ذوقه الصحيح، فما يجد الحسن منها مجموعًا جمعه، وكذلك يجري الحكم فيما سوى ذلك من الألفاظ.","footnotes":"١ هو أشجع بن عمرو السلمي، والبيت من أبيات أولها:\rمضى ابن سعيد حين لم يبق مشرق ... ولا مغرب إلّا له فيه مادح\r٢ رواية الحماسة \"١/ ٣٦٢\":\rفما أنا من رزء وإن جلّ جازع","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358435,"book_id":3862,"shamela_page_id":309,"part":"1","page_num":305,"sequence_num":309,"body":"النوع السابع: في المعاظلة اللفظية\rوالمعاظلة: معاظلتان: لفظية، ومعنوية.\rأما المعنوية: فسيأتي ذكرها في باب \"التقديم والتأخير\" من المقالة الثانية، فليؤخذ من هناك.\rوأما المعاظلة اللفظية: فهي١ المخصوصة بالذكر ههنا في باب صناعة الألفاظ, وحقيقتها مأخوذة من قولهم: \"تعاظلت الجرادتان\"، إذا ركبت إحداهما الأخرى، فسمِّي الكلام المتراكب في ألفاظه أو في معانيه \"المعاظلة\" مأخوذًا من ذلك, وهو اسم لائق بمسماه.\rووصف عمر بن الخطاب ﵁ زهير بن أبي سلمى فقال: \"كان لا يعاظل بين الكلام\".\rوقد اختلف علماء البيان في حقيقة المعاظلة, فقال قدامة بن جعفر الكاتب٢:","footnotes":"١ في الأصل \"هي\".\r٢ هو قدامة بن جعفر بن قدامة الكاتب البغدادي، كان نصرانيًّا وأسلم على يد المكتفي بالله \"٢٨٩-٢٩٥هـ\", وكان قدامة أحد البلغاء الفصحاء، والفلاسفة الفضلاء، وممن يشار إليه في علم المنطق، وقيل: هو أول من وضع الحساب، وله تصانيف كثيرة منها نقد الشعر، وكتاب الخراج, وصناعة الكتابة، وتوفي قدامة سنة ٣٣٧هـ. وللدكتور بدوي طبانة دراسة مفصَّلة في حياة قدامة ونقده, طبعت تحت عنوان: \"قدامة بن جعفر والنقد الأدبي\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358436,"book_id":3862,"shamela_page_id":310,"part":"1","page_num":306,"sequence_num":310,"body":"التعاظل في الكلام هو أن يدخل بعض الكلام فيما ليس من جنسه، ولا أعرف ذلك إلا فاحش الاستعارة١، كقول أوس بن حجر:\rوذات هدمٍ عارٍ نواشرها ... تُصْمِتُ بالماء تولبًا جَدِعَا٢\rفسمَّى الظبي \"تولبًا\"، والتولب: ولد الحمار.\rهذا ما ذكره قدامة بن جعفر، وهو خطأ؛ إذ لو كان ما ذهب إليه صوابًا لكانت حقيقة المعاظلة دخول الكلام فيما ليس من جنسه، وليست حقيقتها هذه، بل حقيقتها ما تقدَّم وهو التراكب، من قولهم: تعاظلت الجرادتان، إذا ركبت إحداهما الأخرى.\rوهذا المثال -الذي مثَّل به قدامة- لا تراكب في ألفاظه ولا في معانيه.\rوأما غير قدامة فإنه خالفه فيما ذهب إليه، إلّا أنه لم يقسِّم المعاظلة إلى لفظية ومعنوية، ولكنه ضرب لها مثالًا كقول الفرزدق:\rوما مثله في الناس إلّا مملكًا ... أبو أمه حيٌ أبوه يقاربه٣\rوهذا من القسم المعنوي، لا من القسم اللفظيّ، ألا ترى إلى تراكب معانيه بتقديم ما كان يجب تأخيره, وتأخير ما كان يجب تقديمه؛ لأن الأصل في معناه: \"وما مثله في الناس حي يقاربه إلّا مملكًا أبو أمه أبوه\"؟ وسيجيء شرح ذلك مستوفًى في بابه من المقالة الثانية، إن شاء الله تعالى.\rوإذا حقَّقْت القول في بيان المعاظلة، والكشف عن حقيقتها, فإني أتبع ذلك بتقسيم","footnotes":"١ جعل قدامة \"المعاظلة\" من عيوب اللفظ، قال: وهي التي وصف عمر بن الخطاب زهيرًا بمجانبته لها أيضًا، فقال: وكان لا يعاظل بين الكلام، وسألت أحمد بن يحيى عن \"المعاظلة\" فقال: مداخلة الشيء في الشيء، يقال: تعاظلت الجرادتان، وعاظل الرجل المرأة، إذا ركب أحدهما الآخر، وإذا كان الأمر كذلك فمحال أن ينكر مداخلة بعض الكلام فيما يشبهه, أو فيما كان من جنسه، وبقي النكير إنما هو في أن يدخل بعضه فيما ليس من جنسه، وما هو غير لائق به، وما أعرف ذلك إلّا فاحش الاستعارة.. [انظر نقد الشعر ١٠٣-طبعة بريل، ليدن] ، وانظر \"قدامة بن جعفر والنقد الأدبي ٢٠٤-٢١٥ من الطبعة الثانية\".\r٢ الهدم: الثوب البالي أو المرقَّع، والنواشر: جمع ناشرة، وهي عصب في الذراع، تصمَّت: تسكت ولدها، والجدع: السيئ الغذاء. والبيت من قصيدة لأوس في رثاء فضالة بن كلدة ومطلعها:\rأيتها النفس أجملي جزعًا ... إن الذي تحذرين قد وقعا\r٣ ديوان الفرزدق ١/ ١٠٨ في مدح إبراهيم بن هشام المخزوميّ خال هشام بن عبد الملك.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358437,"book_id":3862,"shamela_page_id":311,"part":"1","page_num":307,"sequence_num":311,"body":"القسم اللفظيّ منها الذي أنا بصدد ذكره ههنا فأقول: إني تأمَّلت بالاستقراء من الأشعار قديمها ومحدثها، ومن النظر في حقيقتها نفسها، فوجدتها تنقسم إلى خمسة أقسام:\rالأول منها: [ما يختص بالأدوات]\rيختص بأدوات الكلام نحو: من، وإلى، وعن، وعلى، وأشباهها، فإن منها ما يسهل النطق به إذا ورد مع أخواته, ومنها ما لا يسهل، بل يرد ثقيلًا على اللسان، ولكلِّ موضع يخصه من السبك.\rفمما جاء منه قول أبي تمام:\rإلى خالدٍ راحت بنا أرحبيَّةٌ ... مرافقها مِنْ عَنْ كراكرها نكب١\rفقوله: \"مِنْ عَنْ كراكرها\" من الكلام المتعاظل الذي يثقل النطق به.\rعلى أنه قد وردت هاتان اللفظتان، وهما \"من\" و\"عن\"، في موضع آخر، فلم يثقل النطق بهما، كقول القائل: \"مِنْ عَنْ يمين الطريق\"، والسبب في ذلك أنهما وردتا في بيت أبي تمام مضافتين إلى لفظة \"الكراكر\"، فثقلت منهما، وجعلتهما مكروهتين كما ترى، وإلّا فقد وردتا في شعر قطري بن الفجاءة٢ فكانتا خفيفتين، كقوله:\rولقد أراني للرماح دريئةً ... من عن يميني مرةً وأمامي٣\rوالأصل في ذلك راجع إلى السبك، فإذا سبكت هاتان اللفظتان أو ما يجري مجراهما مع ألفاظ تسهل منهما, لم يكن بهما من ثِقَل، كما جاءتا في بيت قطريّ، وإذا سبكتا مع ألفاظ تثقل منهما جاءتا كما جاءتا في بيت أبي تمام.","footnotes":"١ ديوان أبي تمام ٣٠ من قصيدة في مدح خالد بن يزيد بن مزيد الشيباني، ومطلعها:\rلقد أخذت من دار ماوية الحقب ... أنحل المغاني للبلى هي أم نهب\rوالأرحبيّة: ناقة منسوبة إلى أرحب، وهو فحل كريم، كراكرها -جمع كركرة: رحى صدرها وخواصرها، نكب -جمع نكباء: مائلة.\r٢ هو قطريّ بن الفجاءة المازنيّ، من زعماء الخوارج الشعراء والخطباء، قضى مدة طويلة في حروب مع الأمويين، حتى قتل بطبرستان سنة ٧٩هـ.\r٣ الدريئة: الحلقة يتعلم الطعن والرمي عليها، والبيت من قصيدة مطلعها:\rلا يركننَّ أحد إلى الإحجام ... يوم الوغى متخوفًا لحمام","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358438,"book_id":3862,"shamela_page_id":312,"part":"1","page_num":308,"sequence_num":312,"body":"ومن هذا القسم قول أبي تمام أيضًا:\rكأنَّه لاجتماع الروح فيه له ... في كلِّ جارحةٍ من جسمه روح١\rفقوله: \"في\" بعد قوله: \"فيه له\" مما لا يحسن وروده.\rوكذلك ورد قول أبي الطيب المتنبي:\rوتسعدني في غمرةٍ بعد غمرةٍ ... سَبُوحٌ لها منها عليها شواهد٢\rفقوله: \"لها منها عليها\" من الثقيل الثقيل الثقيل.\rوكذلك قوله:\rتبيت وفودهم تسري إليه ... وجدواه التي سألوه اغتفار\rفخلفهم برد البيض عنهم ... وهامهم له معهم معار٣\rوقوله: \"وهامهم له معهم\" مما يثقُل النطق به، ويتعثَّر اللسان فيه، لكنَّه أقرب حالًا من الأول.\rومن الحسن في هذا الموضع قول أبي تمام:\rدارٌ أجلُّ الهوى عن أن ألِمَّ بها ... في الركب إلّا وعيني من منائحها٤","footnotes":"١ ديوان أبي تمام ٧١ من قصيدة في مدح أبي سعيد محمد بن يوسف الثغرى، وأولها:\rقل للأمير لقد قلدتني نعمًا ... فت الثناء بها ما هبَّت الريح\rوفي الديوان \"في اجتماع\" موضع \"لا جتماع\", والجارحة: العضو.\r٢ ديوان المتنبي ١/ ٢٧٠ من قصيدة أولها:\rعواذل ذات الخال فيّ حواسد ... وإن ضجيع الخود بنى لماجد\rوالغمرة: الشدة، والسبوح: الفرس الشديد الجري.\r٣ ديوان المتنبي ٢/ ١٠٠ من قصيدة قالها لما أوقع سيف الدولة ببني عقيل وتشير وبنى العجلان وبنى كلاب، حين عاثوا في عمله، وخالفوا عليه، ويذكر إجفالهم بين يديه، وظفره بهم، وأولها:\rطوال قنا تطاعنا قصار ... وقطرك في ندى ووغى بحار\rومعنى البيتين: إنهم وفدوا عليه لم يطلبوا منه شيئًا سوى العفو عنهم، وأنه استبقاهم برد سيوفه عنهم، وجعل رءوسهم معهم عارية متى شاء أخذها.\r٤ ديوان أبي تمام ٧٢ من قصيدة في مدح الفضل بن صالح الهاشمي مطلعها:\rأهدى الدموع إلى دار وما صحها ... فللمنازل سهم من سوافحها\rوما صحها: دارسها، وسوافحها: سواكبها، وألِمَّ: أنزل، ومناتحها: عطاياها.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358439,"book_id":3862,"shamela_page_id":313,"part":"1","page_num":309,"sequence_num":313,"body":"فقوله: \"عن أن\" في هذا البيت من الخفيف الحسن الذي لا بأس به.\rالقسم الثاني من المعاظلة اللفظية:\rتختص بتكرير الحروف، وليس ذلك مما يتعلّق بتكرير الألفاظ، ولا بتكرير المعاني -مما يأتي ذكره في باب التكرير في المقالة الثانية- وإنما هو تكرير حرف واحد أو حرفين في كل لفظة من ألفاظ الكلام المنثور أو المنظوم، فيثقل حينئذ النطق به، فمن ذلك قول بعضهم:\rوقبر حربٍ بمكانٍ قفر ... وليس قرب قبر حربٍ قبر١\rفهذه القافات والراءات كأنها في تتابعها سلسلة، ولا خفاء بما في ذلك من الثقل، وكذا ورد قول الحريري في مقاماته:\rوازوَّر من كان له زائرًا ... وعافَ عافي العُرف عرفانه٢\rفقوله: \"وعافَ عافي العرف عرفانه\" من التكرير المشار إليه.\rوكذلك ورد قوله أيضًا في رسالتيه اللتين صاغهما على حرف السين٣ والشين٤، فإنه أتى في إحداهما بالسين في كل لفظة من ألفاظها, وأتى في الأخرى بالشين في كل لفظة من ألفاظها، فجاءتا كأنهما رُقَى العقارب، أو خذروفة العزائم، وما أعلم كيف خفي ما فيهما من قبحٍ على مثل الحريري مع معرفته بالجيد والرديء من الكلام؟\rويُحْكَى عن بعض الوعَّاظ أنه قال في جملة كلام أورده: \"جنى جنات وجنات الحبيب\"، فصاح رجل من الحاضرين في المجلس, وماد وتغاشى، فقال له رجل كان إلى جانبه: ما الذي سمعته حتى حدث بك هذا? فقال: \"سمعت جيمًا في جيم في جيم فصحت\"!!.","footnotes":"١ ذكروا أنه من شعر الجن، وأنه لا يتهيأ لأحد أن ينشده ثلاث مرات فلا يتتعتع، وذكروا أن جنيًّا صاح على حرب بن أمية فمات في فلاة، ويسمَّى نوع هذا الجني هاتفًا.\r٢ مقامات الحريري ٣٦٥ من المقامة التفليسية، رازور: مال وأعرض، وعاف: استقذر، والعافي: طالب العطاء.\r٣ الرسالة السينية: مقامات الحرير ٦٠٣.\r٤ الرسالة الشينية: مقامات الحريري ٦٠٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358440,"book_id":3862,"shamela_page_id":314,"part":"1","page_num":310,"sequence_num":314,"body":"وهذا من أقبح عيوب الألفاظ.\rومِمَّا جاء منه قول أبي الطيب المتنبي في قصيدته التي مطلعها:\rأتُرَاها لكثرة العشَّاق١\rكيف ترثي التي كلَّ جفنٍ ... راءها غير جفنها غَيْرَ راقي٢\rوهذا وأمثاله إنما يعرض لقائله في نوبة الصَّرع التي تنوب في بعض الأيام!\rومن هذا القسم قول الشاعر المعروف بكشاجم٣ في قصيدته التي مطلعها:\rداو خُمَارِي بكأس خَمْرٍ\rوالزَّهر والقطر في رباها ... ما بين نظمٍ وبين نثر\rحدائقٌ كَفُّ كلِّ ريحٍ ... حلَّ بها خيط كلِّ قطر\rوهذا الباب يحتاج الناطق به إلى بَرْكار يضعه في شدقه حتى يديره له.\rوعلى هذا الأسلوب ورد قول بعضهم, وهو البيت المشهور الذي يتذاكره الناس:\rمَلِلْتُ مِطَالَ مولودٍ مُفدَّى ... مليحٍ مانعٍ منِّي مرادي\rوهذه الميمات كأنَّها عقد متصلة بعضها ببعض.\rوكان بعض أهل الأدب من أهل مصرنا هذا يستعمل هذا القسم في ألفاظه كثيرًا في كلامه نثرًا ونظمًا, وذلك لعدم معرفته بسلوك الطريق.\rوأنا أذكر نبذة من ذلك، كقوله في وصف رجل سخيّ: \"أنت المديح, كبدًا تريح، والمليح إن تجهم المليح بالتَّكليح، عند سائلٍ تلوح، بل يفوق إذ يروق مرأى لوح، يا مغبوق كأس الحمد يا مصبوح، ضاق عن نداك الّلوح, وببابك المفتوح تستريح, وتريح ذا التبريح، وترفِّه الطليح\".","footnotes":"١ وعجز البيت:\rتحسب الدمع خلقة في المآقي\rوهي في مدح أبي العشائر الحسين بن علي بن حمدان.\r٢ ديوان المتنبي ٢/ ٣٦٢, راءها: رآها، والمعنى: هذه المحبوبة لا ترحم باكيًا، وكيف ترحمه وهي ترى كل جفن من النظر إلّا جفنها غير راقٍ بالبكاء، يريد غير منقطع من البكاء، فهي لا ترحم أحدًا؛ لأنها تحسب الدمع في أجفان العشاق خلقة.\r٣ كشاجم: هو محمود بن الحسين الكاتب الشاعر، أحد وصَّافي الطبيعة، وكان من خدَّام سيف الدولة، توفي سنة ٣٢٠هـ.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358441,"book_id":3862,"shamela_page_id":315,"part":"1","page_num":311,"sequence_num":315,"body":"فانظر إلى حرف الحاء كيف قد لزمه في كل لفظة من هذه الألفاظ, فجاء كما تراه من الثقل والغثاثة?\rواعلم أن العرب الذين هم الأصل في هذه اللغة قد عَدَلُوا عن تكرير الحروف في كثير من كلامهم، وذاك أنه إذا تكرَّر الحرف عندهم أدغموه استحسانًا, فقالوا في \"جعل لك\"، \"جعلَّك\"، وفي \"تضربونني\"، \"تضربونِّي\"، وكذلك قالوا: \"استعدَّ فلان للأمر\"، إذا تأهَّب له، والأصل فيه \"استعدد\" و\"استتبَّ الأمر\"، إذا تهيأ، والأصل فيه \"استتبب\"، وأشباه ذلك كثير في كلامهم، حتى إنهم لشدة كراهتهم لتكرير الحروف أبدلوا أحد الحرفين المكررين حرفًا آخر غيره، فقالوا: \"أمليت الكتاب\"، والأصل فيه \"أمللت\"، فأبدلوا اللام ياء طلبًا للخفة، وفرارًا من الثقل, وإذا كان قد فعلوا ذلك في اللفظة الواحدة، فما ظنُّك بالألفاظ الكثيرة التي يتبع بعضها بعضًا?\rالقسم الثالث من المعاظلة:\rأن ترد ألفاظ على صيغة الفعل يتبع بعضها بعضًا.\rفمما ما يختلف بين ماض ومستقبل، ومنها ما لا يختلف.\rفالأول: كقول القاضي الأرجاني١ في أبيات يصف فيها الشمعة، وفيها معنًى هو له مبتدع، ولم يسمع من غيره، وذلك أنه قال عن لسان الشمع، إنه ألَّف العسل وهو أخوه الذي رُبِّيَ معه في بيت واحد، وإن النار فرَّقت بينه وبينه، وإنه نذر أن يقتل نفسه بالنار أيضًا من ألم الفراق، إلا أنَّه أساء العبارة فقال:\rبالنار فرَّقَت الحوادث بيننا ... وبها نذرت أعود أقتل روحي","footnotes":"١ هو أبو بكر أحمد بن محمد بن الحسين الأرجاني، الملقَّب: ناصح الدين، وكان قاضي تستر وعسكر مكرم، وله شعر رائق في نهاية الحسن، ذكره العماد الكاتب في الجريدة، فقال: كان الأرجاني في عنفوان عمره بالمدرسة النظامية بأصبهان، وشعره من آخر عهد نظام الملك منذ سنة نيف وثمانين وأربعمائة, إلى آخر عهده وهو سنة أربع وأربعين وخمسمائة, ولم يزل نائب القاضي بعسكر مكرم وهو مبجل مكرم، وشعره كثير، والذي جمع منه لا يكون عشره.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358442,"book_id":3862,"shamela_page_id":316,"part":"1","page_num":312,"sequence_num":316,"body":"فقوله: \"نذرت أعود [أقتل] \" من المعاظلة إليها.\rوأمَّا ما يرد على نهج واحد من الصيغة الفعلية فكقول أبي الطيب المتنبي:\rأقِل أنِل أقْطِع احمِلْ على سل أعد ... زِدْ هَشَّ بَشَّ تفضَّل ادنِ سُرَّ صِلِ١\rفهذه الألفاظ جاءت على صيغة واحدة، وهي صيغة الأمر، كأنه قال: \"افعل افعل ... ، هكذا إلى آخر البيت\" وهذا تكرير للصيغة، وإن لم يكن تكريرًا للحروف، إلّا أنه أخوه ولا أقول ابن عمه.\rوهذه الألفاظ متراكبة متداخلة, ولو عطفها بالواو كانت أقرب حالًا كما قال عبد السلام بن رغبان٢:\rفَسَدَ الناس فاطلب الرزق بالسيـ ... ـف وإلّا فمُتْ شديد الهزال\rأحلُ وامررْ وضرَّ وانفعْ ولِنْ واخـ ... ـشُنْ وأبْرِزْ ثم انتدب للمعالي\rألا ترى أنه لما عطف ههنا بالواو لم تتراكب الألفاظ كتراكبها في بيت أبي الطيب المتقدَّم ذكره؟\rفإن قيل: إنك جعلت ما كان ورادًا على صيغة واحدة على سبيل التكرار معاظلةً، وقد ورد في القرآن الكريم، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ ٣ ولو كان معاظلة لما ورد في القرآن الكريم مثله؟\rفالجواب عن ذلك أني أقول: هذه الآية ليست كالذي أنكرته، فإن هذا الموضع ينظر فيه إلى الكثير والقليل، فإذا كثر كان تعاظلًا لتراكبه وثقله على النطق، وقد","footnotes":"١ ديوان المتنبي ٣/ ٨٥ من قصيدة مطلعها:\rأجاب دمعي وما الداعي سوى طلل ... دعا فلبَّاه قبل الركب والإبل\rوقد أمره بأربعة عشر أمرًا في بيت واحد \"أقل\" من الإقالة، يقال: أقلته من عثرته، و\"أنل\" من الإنالة، و\"أقطع\" من الإقطاع، و\"احمل\" من قولهم: حملته على فرس، وقوله \"عل\" من العلوِّ والرفعة، و\"سل\" من السلوّ، و\"أعد\" من الإعادة، و\"زد\" من الزيادة، و\"هش\" من قولهم: هنشت إلى كذا، وهو التهلُّل نحو الشيء، و\"بشَّ\" من البشاشة وهي الطلاقة، و\"تفضَّل\" من الإفضال، و\"ادن\" من الدنوّ، و\"سرَّ\" من السرور، و\"سل\" من الصلة، وهي العطية.\r٢ هو المعروف بديك الجن الحمصي.\r٣ سورة التوبة: الآية ٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358443,"book_id":3862,"shamela_page_id":317,"part":"1","page_num":313,"sequence_num":317,"body":"عرَّفتك أن ما يفصل بين صيغه بواو العطف يكون أقل ثقلًا مما لا يفصل، والذي أنكرته من ذلك هو أن يأتي ألفاظ مكررة على صيغة واحدة كأنها عُقَدٌ متصلة، فحينئذ يثقل النُّطْق بها، ويكره موقعها من السمع كبيت أبي الطيب المتنبي.\rوأمَّا هذه الآية المشار إليها فإنها خارجة عن هذا الحكم.\rألا ترى أنها لما وردت ألفاظها على صيغة واحدة فُرِّق بينها بواو العطف، ثم مع التفريق بينها بواو العطف لم يرد التكرير فيها إلّا بين ثنتين، وهما \"خذوهم\" \"واحصروهم\".\rوأما الصيغة الأولى فإنها أضيف إليها كلام آخر، فقيل: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ولم يقل: اقتلوا المشركين وخذوهم، ثم لما جاءت الصيغة الرابعة أضيف إليها كلام آخر أيضًا فقيل: ﴿وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ .\rلا جرم أن الآية جاءت غير ثقيلة على النطق مع توارد صيغة صيغة الأمر فيها أربع مرار.\rوهذه رموز ينبغي أن يتنبّه لها في استعمال الألفاظ إذا جاءت هكذا.\rالقسم الرابع من المعاظلة:\rوهو الذي يتضمن مضافات كثيرة كقولهم: \"سَرْجُ فَرَسِ غُلَامِ زَيْدٍ\"، وإن زيد على ذلك قيل: \"لِبْدُ سَرْجِ فَرَسِ غُلَامِ زَيْدٍ\"، وهكذا أشدّ قبحًا وأثقل على اللسان، وعليه ورد قول ابن بابك١ الشاعر في مفتتح قصيدة له:\rحمامة جَرْعَا حومَة الجندل اسجَعِي ... فأنت بمرأًى من سُعَاد ومَسْمَعِ\rالقسم الخامس من المعاظلة:\rأن ترد صفات متعددة على نحوٍ واحد، كقول أبي تمام في قصيدته التي مطلعها:\rما لكثيب الحِمَى إلى عَقَدِه٢","footnotes":"هو أبو القاسم عبد الصمد بن بابك، ذكره الثعالبي في اليتيمة ٣/ ٢٧٤ في جملة الشعراء الطارئين على الصاحب من الآفاق، وقال في نعته: شاعر شعاره إحسان السبك، وإحكام الرصف، وإبداع الوصف، يشبه كلامه مرة في الجزالة والفصاحة كلام المفلقين من الشعراء المتقدمين، ويناسب تارة في الرشاقة والملاحة قول المجيد بن المحدثين والمولدين.\r٢ ديوان أبي تمام ٩١، وهو مطلع قصيدة في مدح خالد بن يزيد بن مزيد الشيباني، وعجز البيت:\rما بآل جرعائه إلى جرده\rوالكثيب تل الرمل، والعقد الرمل المنعقد، والجرعاء الوعر يعلوه رمل، والجرد سهل بلا نبات.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358444,"book_id":3862,"shamela_page_id":318,"part":"1","page_num":314,"sequence_num":318,"body":"فقال يصف جملًا:\rسأخرق الخرق بابن خرقاء كالهيـ ... ـق إذا ما استحمَّ من نجده١\rمقابَلٌ في الجديل صُلْبُ القَرَا ... لو حُكَّ من عجبه إلى كََنَدِه٢\rتامكه نهده مداخله ... ملمومه محْزَئِلَّه أجده٣\rفالبيت الثالث من المعاظلة التي قلع الأسنان دون إيرادها.\rوكذلك قال من هذه القصيدة يصف رمحًا:\rومَرَّ تهفو ذؤابتاه على ... أسمر مَتْنٍ يوم الوغى جسده٤\rمارنه لدنه مثقَّفِه ... عِرَاضِه في الأكُفِّ مُطَّرِده٥\rوهذا كالأوّل في قبحه وثقله، فقاتله الله! ما أمتن شعره! وما أسخفه في بعض الأحوال!\rوعلى هذا جاء من هذه القصيدة أيضًا يصف الممدوح:\rإليك عن سيل عارضٍ خضل الـ ... ـشؤ بوب يأتي الحمام من نضده٦\rمُسفِّه ثَرّه مُسَحْسَحِه ... وابله مُسْتَهله جرده٧\rولو لم يكن لأبي تمام من القبيح الشنيع إلّا هذه الأبيات لحطَّت من قدره.","footnotes":"١ الخرق: الفلاة، الخرقاء: الناقة، الهيق: ذكر النعام، النجد: العرق.\r٢ الجديل: المفود المجدول، القرا: الظهر، العجب: أصل الذنب، الكتد: مجتمع الكتفين.\r٣ تامكه: حدبته، نهده: ثديه، محزئله: مرتفع سيره، أجده: فقار ظهره.\r٤ تهفو: تخفق، الذوابة: ضفيرة الشعر المرسلة، الجسد المصبوغ بالجسد وهو الزعفران.\r٥ المارن: الصلب اللين، اللدن: اللين، المثقف: المقوم، عراضه: صفحته، مطرده يقال: رمح مطرد الأنابيب، أي: متناسقها.\r٦ العارض: السحاب، الخضل: الندى، الشؤبوب: المطر، الحمام: الموت، النضد: المتراكم.\r٧ المسف: القريب من الأرض، الثر: الكثير الماء، السحسح: السائل من فوق، الوابل: الشديد، المستهل: المتلألئ.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358445,"book_id":3862,"shamela_page_id":319,"part":"1","page_num":315,"sequence_num":319,"body":"وعلى هذا ورد قول أبي الطيب المتنبي١:\rدانٍ بعيدٍ مبغضٍ بهجٍ ... أغرّ حلو مُمِرّ ليِّنٍ شرس٢\rندٍ أبيٍّ غرٍ وافٍ أخي ثقةٍ ... جعدٍ سريٍّ ندبٍ رضًى نَدُس٣\rوهذا كأنه سلسلة بلا شك، وقليلًا ما يوجد في أشعار الشعراء، ولم أجده كثيرًا إلّا في شعر الفرزدق، وتلك معاظلة معنوية، وسيأتي بيانها في بابها, وهذه معاظلة لفظية, وهي توجد في شعر أبي الطيب كثيرًا.","footnotes":"١ ديوانه ٢/ ١٨٩ من قصيدة في مدح عبيد الله بن خراسان الطرابلسي، ومطلعها:\rأظبية الوحش لولا ظبية الأنس ... لما غدوت مجد في الهوى تعس\r٢ البهج الفرح، والشرس هنا الصعب، ومعنى البيت: هو قريب ممن يقصده، بعيد ممن ينازعه، محب للفضل وأهله، مبغَّض للنقض وأهله، يبهج بالقصاد، حلو لأوليائه، مر على أعدائه، لين حسن الخلق على الأولياء, شرس صعب على الأعداء، يريد أنه جامع لهذه الأوصاف، كذا قال أبو الفتح بن جني، ونقله الواحدي حرفًا حرفًا، وانظر البيتين في شرح الديوان.\r٣ ند: جواد، يريد ندى الكفِّ، والأبيّ: الذي يأبى الدنايا، غر: أي مغرى يفعل الجميل جمد ماض في الأمر، والسرى: الشريف، وأنه: أي ذو نهية وهي العقل، والندب: السريع في الأمر إذا ندب إليه، والندس: العارف بالأمور البحاث عنها، وهو بضم الدال وكسرها.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358446,"book_id":3862,"shamela_page_id":320,"part":"1","page_num":315,"sequence_num":320,"body":"النوع الثامن: في المنافرة بين الألفاظ في السبك\rوهذا النوع لم يحقق أحد من علماء البيان القول فيه، وغاية ما يقال: إنه ينبغي ألَّا تكون الألفاظ نافرة عن مواضعها، ثم يكتفي بها القول، من غير بيان ولا تفصيل، حتى إنَّه قد خلط هذا النوع بالمعاظلة، وكلّ منهما نوع مفرد برأسه له حقيقة تخصه، إلّا أنهما قد اشتبها على علماء البيان, فكيف على جاهل لا يعلم؟!\rوقد بَيَّنْتُ هذا النوع وفصلته عن المعاظلة، وضربت له أمثلة يستدل بها على أخواتها, وما يجري مجراها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358447,"book_id":3862,"shamela_page_id":321,"part":"1","page_num":316,"sequence_num":321,"body":"وجملة الأمر أن مدار سبك الألفاظ على النوع والذي قبله دون غيرهما من تلك الأنواع المذكورة، لأنَّ هذين النوعين أصلَا سبك الألفاظ، وما عداهما فرع عليهما، وإذا لم يكن الناثر أو الناظم عارفًا بهما فإن مقاتله تبدو كثيرًا.\rوحقيقة هذا النوع الذي هو \"المنافرة\" أن يذكر لفظ أو ألفاظ يكون غيرها مما هو في معناها أولى بالذكر.\rوعلى هذا, فإن الفرق بينه وبين المعاظلة: أن المعاظلة هي التراكب والتداخل, إمَّا في الألفاظ أو في المعاني، على ما أشرت إليه، وهذا النوع لا تراكب فيه، وإنما هو إيراد ألفاظ غير لائقة بموضعها الذي ترد فيه.\rوهو ينقسم قسمين:\rأحدهما: يوجد في اللفظة الواحدة، والآخر: في الألفاظ المتعددة.\rفأمَّا الذي يوجد في اللفظة الواحدة فإنه إذا أورد في الكلام أمكن تبديله بغيره مما هو في معناه, سواء كان ذلك نثرًا أو نظمًا.\rوأما الذي يوجد في الألفاظ المتعددة فإنه لا يمكن تبديله بغيره من الشعر، بل يمكن ذلك في النثر خاصة لأنه يعسر في الشعر من أجل الوزن.\rفمِمَّا جاء من القسم الأول قول أبي الطيب المتنبي:\rفلا يبرم الأمر الذي هو حاللٌ ... ولا يحلل الأمر الذي هو يبرم١\rفلفظة \"حالل\" نافرة عن موضعها، وكانت مندوحة عنها؛ لأنه لو استعمل عوضًا عنها لفظة \"ناقض\"، فقال:\rفلا يبرم الأمر الذي هو ناقضٌ ... ولا ينقض الأمر الذي هو يبرم\rلجاءت اللفظة قارَّةً في مكانها، غير قلقة ولا نافرة.\rوبلغني عن أبي العلاء بن سليمان المعرِّي أنه كان يتعصَّب لأبي الطيب، حتى إنه","footnotes":"١ ديوان المتنبي ٤/ ٨٥ من قصيدة في مدح عمر بن سليمان الشرابي، ومطلعها:\rنرى عظمًا باليين والصد أعظم ... ونتَّهم الواشين والدمع منهم\rرواية الديوان: \"ولا يبرم\" موضع \"فلا يبرم\", و\"مبرم\" موضع \"يبرم\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358448,"book_id":3862,"shamela_page_id":322,"part":"1","page_num":317,"sequence_num":322,"body":"كان يسميه \"الشاعر\" ويسمي غيره من الشعراء باسمه، وكان يقول: ليس في شعره لفظة يمكن أن يقوم عنها ما هو في معناها, فيجيء حسنًا مثلها!\rفيا ليت شعري, أما وقف على هذا البيت المشار إليه!؟ لكنَّ الهوى كما يقال أعمى، وكان أبو العلاء أعمى العين خلقةً وأعماها عصبيةً، فاجتمع له العمى من جهتين.\rوهذه اللفظة التي هي \"حالل\" وما يجري مجراها قبيحة الاستعمال, وهي فك الإدغام في الفعل الثلاثي، ونقله إلى اسم فاعل، وعلى هذا, فلا يحسن أن يقال: بلّ الثوب فهو بالل، ولا سلَّ السيف فهو سالل، ولا أن يقال: همَّ بالأمر فهو هامم، ولا خطَّ الكتاب فهو خاطط، ولا حنَّ إلى كذا فهو حانن!!\rوهذا لو عرض على من لا ذوق له لأدركه وفهمه، فكيف من له ذوق صحيح كأبي الطيب, لكن لا بُدَّ لكل جواد من كبوة.\rوأنشد بعض الأدباء بيتًا لدعبل١، وهو:\rشفيعك فاشكر في الحوائج إنه ... يصونك عن مكروهها وهو يخلق\rقلت له: عجز هذا البيت حسن، وأما صدره فقبيح، لأنه سبكه قلقًا نافرًا، وتلك الفاء التي في قوله: \"شفيعك فاشكر\" كأنها ركبة البعير، وهي في زيادتها كزيادة الكرش.\rفقال: لهذه الفاء في كتاب الله أشباه كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ، وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ ٢.\rفقلت له: بين هذه الفاء وتلك الفاء فرق ظاهر يدرك بالعلم أولًا، وبالذوق ثانيًا.","footnotes":"١ هو دعبل بن علي بن رزين، يمنيّ من خزاعة، نشأ بالكوفة متعصبًا لقومه على العدنانية، هجَّاء خبيث اللسان، لا يسلم منه كبير ولا صغير حتى الخلفاء، فعاش مكروهًا مرهوبًا, حتى توفي سنة ٢٤٦هـ، وشعره من النوع المطبوع ذي الأسلوب القويّ، لتأثُّره بنزعته الجريئة في وجه الدولة، وبتعصبه للطالبين، وبميله إلى الإرهاب والتخريف، ويغلب على شعره الهجاء والمديح.\r٢ الموازنة ٥٩, والصناعتين ٢١٣, وقبل هذا البيت:\rوإن امرأ أسدى إليّ بشافع ... إليه ويرجو الشكر منِّي لأحمق\r٣ سورة المدثر: الآيات ١-٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358449,"book_id":3862,"shamela_page_id":323,"part":"1","page_num":318,"sequence_num":323,"body":"أما العلم: فإن الفاء في ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ، وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ هي الفاء العاطفة، فإنها واردة بعد ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ وهي مثل قولك: \"امش فأسرع\"، و\"قل فأبلغ\", وليست الفاء التي في \"شفيعك فاشكر\" كهذه الفاء؛ لأن تلك زائدة لا موضع لها، ولو جاءت في السورة كما جاءت في قول دعبل -وحاش الله من ذلك- لابتدئ الكلام فقيل: ﴿رَبَّكَ فَكَبِّرْ، وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ ، لكنها جاءت بعد ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ ، حسن ذكرها فيما يأتي بعدها ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ، وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ .\rوأما الذوق: فإنه ينبو عن الفاء الواردة في قول دعبل ويستثقلها، ولا يوجد ذلك في الفاء الواردة في السورة.\rفلمَّا سمع ما ذكرته أذعَنَ بالتسليم.\rومثل هذه الدقائق التي ترد في الكلام نظمًا كان أو نثرًا لا يتفَطَّن لها إلّا الراسخ في علم الفصاحة والبلاغة!\rومن هذا القسم وصل همزة القطع، وهو محسوب من جائزات الشعر التي لا تجوز في الكلام المنثور، وكذلك قطع همزة الوصل، لكن وصل همزة القطع أقبح، لأنه أثقل على اللسان.\rفمِمَّا ورد من ذلك قول أبي تمام١:\rقراني اللها والوُدّ كأنَّمَا ... أفاد الغنى من نائلي وفوائدي٢\rفأصبح يلقاني الزمان من اجله ... بإعظام مولودٍ ورأفة والد٣\rفقوله: \"من اجله\" وصل الهمزة القطع.","footnotes":"١ ديوان أبي تمام ١١٧ من قصيدة في مدح محمد بن الهيثم، ومطلعها:\rقفوا جددوا من عهدكم بالمعاهد ... وإن هي لم تسمع لنشدان ناشد\r٢ قراني: أضافني، واللها: العطايا\r٣ رواية الديوان \"لأجله\" وعليها لا يكون في البيت موضع شاهد.\r٤ ديوان المتنبي ٢/ ١١١ من قصيدة مطلعها:\rطوال قنًا تطاعنها قصار ... وقطرك في ندى ووغى بحار\rوقال أبو الفتح بن جني: قلت لأبي الطيب عند قراءاتي عليه؛ كسر اللام من \"الانتظار\" جيد لكونها وسكون النون، وقال علي بن حمزة: سألت أبا الطيب عن فتح اللام، فقال:\rاجتمع ساكنان، فحركت اللام بحركة ما قبلها، وهي اللام من \"لا\"، ومعنى البيت: إنما ينزله المفاوز طلب أعدائه، لا انتظار من يلحقه ويخافه، وذلك أن الخائف ينزل المفاوز خوفًَا ممن يلحقه، وهذا ينزلها طلبًا لمن يهرب منه إليها.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358450,"book_id":3862,"shamela_page_id":324,"part":"1","page_num":319,"sequence_num":324,"body":"وعليه ورد قول أبي الطيب المتنبي:\rيوسطه المفاوز كل يومٍ ... طلاب الطَّالبين لا الانتظار١\rفقوله: \"لا الانتظار\" كلام نافر عن موضعه.\rومن هذا القسم أن يفرَّق بين الموصوف والصفة بضمير من تقدَّم ذكره، كقول البحتري:\rحلفتُ لها بالله يوم التَّفَرُّق ... وبالوجد من قلبي بها المتعلِّق٢\rتقديره \"من قلبي المتعلق بها\" فلمَّا فصل بين الموصوف الذي هو \"قلبي\" والصفة التي هي \"المتعلق\" بالضمير الذي هو \"بها\" قبح ذلك، ولو كان قال: \"من قلبٍ بها متعلق\" لزال ذلك القبح, وذهبت تلك الهجنة.\rومن هذا القسم أيضًا أن تزاد الألف واللام في اسم الفاعل، ويقام الضمير فيه مقام المفعول, كقول أبي تمام:\rفلو عاينتهم والزائريهم ... لما مِزْتَ البعيد من الحميم٣\rفقوله: \"الزائري\" اسم فاعل، وقوله: \"هم\" الذي هو الضمير في موضع المفعول تقديره \"الزائرين أرضهم أو دارهم\"، أو \"الزائرين إياهم\"، فاستعمال هذا مع الألف واللام قبيح جدًّا، وإذا حذفتا زال ذلك القبح. وقد استعملها الشعراء المتقدمون كثيرًا.","footnotes":"١ مطلع قصيدة في مدح الفتح بن خاقان، ديوان البحتري ٤٨١.\r٢ ديوان أبي تمام ٢٨٩ من قصيدة في مدح بعض بني عبد الكريم الطائيين ومطلعها:\rأرامة كنت ما ألف كل ريم ... لو استمتعت بالأنس المقيم\rورواية الديوان:\rفلو عاينتهم من زائريهم\rوعليها لا يكون في البيت موضع شاهد.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358451,"book_id":3862,"shamela_page_id":325,"part":"1","page_num":320,"sequence_num":325,"body":"ومما جاء من القسم الثاني -الذي يوجد في الألفاظ المتعددة- قول أبي الطيب أيضًا:\rلا خَلْقَ أكرمُ منك إلا عارفٌ ... بك راءَ نفسَكَ لم يقلْ لك هاتِهَا١\rفإن عجز هذا البيت نافر عن مواضعه، وأمثال هذا في الأشعار كثير.\rتم بحمد الله وحسن توفيقه طبع القسم الأول من كتاب \"المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر\",\rويليه بعونه تعالى القسم الثاني, وأوله المقالة الثانية: في الصناعة المعنوية.","footnotes":"١ ديوان المتنبي ١/ ٢٣٢ من قصيدة في مدح أبي أيوب أحمد بن عمران، ومطلعها:\rسرب محاسنه حرمت ذواتها ... داني الصفات بعيد موضوعاتها\rورواية الديوان \"لا خلق أسمع\" و\"راء\" مقلوب \"رأى\", كما يقال \"ناء\" و\"نأى\", ومعنى البيت: لا أحد أسمع منك إلّا رجلًا رأك فعرفك، فلم يسألك بأن تهب له نفسك.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358452,"book_id":3862,"shamela_page_id":326,"part":"1","page_num":321,"sequence_num":326,"body":"فهرس القسم الأول من كتاب \"المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر\"\r٢٦ تصدير\r- الحاجة إلى نشر الكتاب\r- عقلية ابن الأثير وثقافته\r- مصادر الكتاب\r- أثر عصر ابن الأثير وفنه في المثل السائر\r- منهج ابن الأثير في البحث البياني\r- النقد والبلاغة في المثل السائر\r٢٧-٢٩ ترجمة ابن الأثير\rكتاب المثل السائر\r٣٣-٣٦ ١- خطبة الكتاب\rأهمية علم البيان - كلمة في كتب السابقين\rإشادته بكتابي الموازنة وسر الفصاحة\rمنهج البحث\r٣٧-١٦٢ ٢- مقدمة الكتاب\r٣٧ الفصل الأول: في موضوع علم البيان\r٣٨ الفصل الثاني: في آلات علم البيان وأدواته\r٤١ النوع الأول: معرفة علم العربية من النحو والتصريف\r٥٠ النوع الثاني: معرفة ما يحتاج إليه من اللغة\r٥٣ النوع الثالث: معرفة أيام العرب وأمثالهم\r٥٩ النوع الرابع: الاطلاع على المنظوم والمنثور\r٥٩ النوع الخامس: معرفة الأحكام السلطانية","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358453,"book_id":3862,"shamela_page_id":327,"part":"1","page_num":322,"sequence_num":327,"body":"٦٠ النوع السادس: حفظ القرآن الكريم\r٦١ النوع السابع: حفظ الأخبار النبوية\r٦١ النوع الثامن: معرفة علمي العروض والقوافي\r٦٢ الفصل الثالث: في الحكم على المعاني\r٧٠ الفصل الرابع: في الترجيح بين المعاني\r٧٨ الفصل الخامس: في جوامع الكلم\r٨١ الفصل السادس: في الحكمة التي هي ضالة المؤمن\r٨٤ الفصل السابع: في الحقيقة والمجاز\r٩٠ الفصل الثامن: في الفصاحة والبلاغة\r٩٦ الفصل التاسع: في أركان الكتابة\r١٠٠ الفصل العاشر: في الطريق إلى تعلم الكتابة\r١٠٣ حل الأبيات الشعرية\r١٣٤ حل آيات القرآن الكريم\r١٤٩ حل الأخبار النبوية\rالمقالة الأولى: في الصناعة اللفظية\rالقسم الأول: في اللفظة المفردة\r١٦٣ ما يحتاج إليه صاحب الصناعة في تأليفه\r١٦٤ التفاوت بين الألفاظ\r١٧١ تباعد مخارج الحروف وتقاربها\r١٧٥ الوحشي من الألفاظ\r١٨٦ تقسيم الألفاظ إلى جزلة ورقيقة\r١٩٦ المبتذل من الألفاظ\r٢٠١ الألفاظ المشتركة\r٢٠٤ عدد حروف الكلمة\r٢٠٦ خفة الحركات\rالقسم الثاني: في الألفاظ المركبة\r٢٠٩ أنواع تأليف الألفاظ\r٢١٠ النوع الأول: المسجع\r٢١٠ اختلاف الآراء في السجع - السجع في القرآن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358454,"book_id":3862,"shamela_page_id":328,"part":"1","page_num":323,"sequence_num":328,"body":"٢١١ السجع في الحديث النبوي\r٢١٢ ذم سجع الكهان\r٢١٤ السجع الجيد\r٢٥٥ أقسام السجع من حيث تساوي الفصول\r٢٥٧ أقسام من حيث الطول والقصر: السجع القصير\r٢٥٧ السجع الطويل\r٢٥٨ التصريع في الشعر\r٢٦٢ النوع الثاني: في التجنيس\r٢٦٣ حقيقة التجنيس\r٢٦٨ ما يشبه بالتجنيس\r٢٧٧ النوع الثالث: في الترصيع\r٢٨١ النوع الرابع: في لزوم ما لا يلزم\r٢٨٩ ما يلزم باللزوم\r٢٩١ النوع الخامس: في الموازنة\r٢٦٣ النوع السادس: في اختلاف صيغ الألفاظ واتفاقها\r٣٠٥ النوع السابع: في المعاظلة اللفظية\r٣٠٥ رأي قدامة في المعاظلة\r٣٠٦ رأي آخر\r- أقسام المعاظلة:\r٣٠٧ ١- ما يختص بالأدوات\r٣٠٩ ٢- ما يختص بتكرير الحروف\r٣١١ ٣- ورود صيغ الفعل متتابعة\r٣١٣ ٤- ما يتضمَّن مضافات كثيرة\r٣١٣ ٥- ورود الصفات المتعددة على نحو واحد\r٣١٥ النوع الثامن: في المنافرة بين الألفاظ في السبك\r٣١٦ المنافرة في اللفظ المفرد\r٣١٨ المنافرة في الألفاظ المتعددة\r٣١٩ استدراكات القسم الأول\r٣٢١ فهرس الكتاب","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358455,"book_id":3862,"shamela_page_id":329,"part":"2","page_num":3,"sequence_num":329,"body":"المجلد الثاني\rالمقالة الثانية: في الصناعة المعنوية\rمدخل\r...\rبسم الله الرحمن الرحيم:\rالمقالة الثانية: في الصناعة المعنوية\rوهي تنقسم قسمين:\rالأول منهما: في الكلام على المعاني مجملًا:\rوالثاني في الكلام عليها مفصَّلًا.\rوقبل الكلام على ذلك لا بد من توطئة تكون شاملةً لما نحن بصدد ذكره هاهنا فأقول:\rاعلم أن المعاني الخطابية قد حصرت أصولها، وأول من تكلم في ذلك حكماء اليونان غير أن ذلك الحصر كلي لا جزئي، ومحال أن تحصر جزئيات المعاني، وما يتفرع عليها من التفريعات التي لا نهاية لها، لا جرم أن ذلك الحصر لا يستفيد بمعرفته صاحب هذا العلم ولا يفتقر إليه، فإن البدوي البادي راعي الإبل ما كان يمر شيء من ذلك بفهمه، ولا يخطر بباله ومع هذا، فإنه كان يأتي بالسحر الحلال إن قال شعرًا أو تكلم نثرًا.\rفإن قيل: إن ذلك البدوي كان له ذلك طبعًا وخليقةً، والله فطره عليه، كما فطر\rضروب نوع الآدمي على فطر مختلفة هي لهم في أصل الخلقة.\rفإنه فطر الترك على الإحسان في الرمي، والإصابة فيه من غير تعليم.\rوكذلك فطر أهل الصين على الإحسان في صنعة اليد، فيما يباشرونه من مصوغ.\rأو خشب، أو فخار، أو غير ذلك.\rوكذلك فطر أهل المغرب على الشجاعة، وهذا لا نزاع فيه فإنه مشاهد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358456,"book_id":3862,"shamela_page_id":330,"part":"2","page_num":4,"sequence_num":330,"body":"فالجواب عن ذلك أني أقول: إن سلمت إليك أن الشعر والخطابة كانا للعرب بالطبع والفطرة، فماذا تقول فيمن جاء بعدهم من شاعر، وخطيب تحضروا وسكنوا البلاد، ولم يروا البادية ولا خلقوا بها، وقد أجادوا في تأليف النظم والشعر، وجاءوا بمعانٍ كثيرة ما جاءت في شعر العرب، ولا نطقوا بها؟.\rفإن قلت: إن هؤلاء وقفوا على ما ذكره علماء اليونان وتعلموا منه.\rقلت لك في الجواب: هذا شيء لم يكن، ولا علم أبو نواس شيئًا منه، ولا مسلم بن الوليد، ولا أبو تمام ولا البحتري، ولا أبو الطيب المتنبي، ولا غيرهم!.\rوكذلك جرى الحكم في أهل الكتابة كعبد الحميد١ وابن العميد٢، والصابي، وغيرهم.\rفإن ادعيت أن هؤلاء تعلموا ذلك من كتب علماء اليونان قلت لك في الجواب: هذا باطل بي أنا، فإني لم أعلم شيئًا مما ذكره حكماء اليونان، ولا عرفته، ومع هذا فانظر إلى كلامي، فقد أوردت لك نبذة منه في هذا الكتاب، وإذا وقفت على رسائلي، ومكاتباتي -وهي عدة مجلدات- وعرفت أني لم أتعرض لشيء مما ذكره حكماء اليونان في حصر المعاني علمت حينئذ أن صاحب هذا العلم من النظم، والنثر بنجوةٍ من ذلك كله، وأنه لا يحتاج إليه أبدًا، وفي كتابي هذا ما يغنيك وهو كافٍ.\rولقد فاوضني بعض المتفلسفين في هذا، وانساق الكلام إلى شيء ذكر لأبي علي","footnotes":"١ هو عبد الحميد بن يحيى الكاتب، نشأ بالأنبار بليغا حصيفا، وصاحب مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية أيام ولايته وخلافته، حتى قتلا سنة ١٣٢هـ، ويعد عبد الحميد من أساتذة البلاغة العربية، وشيخ كتاب الرسائل عامة.\r٢ هو الأستاذ الرئيس الوزير أبو الفضل محمد بن الحسين بن العميد أكبر كتاب المشرق، وصاحب الطريقة الإنشائية الشعرية، ووزير ركن الدولة بن بويه، ثم عضد الدولة، توفي سنة ٣٦٠هـ، ومن الأحكام الأدبية الشائعة \"بدأت الكتابة بعبد الحميد، وختمت بابن العميد\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358457,"book_id":3862,"shamela_page_id":331,"part":"2","page_num":5,"sequence_num":331,"body":"ابن سينا١ في الخطابة والشعر، وذكر ضربًا من ضروب الشعر اليوناني يسمى \"اللاغوذيا\"٢، وقام فأحضر كتاب \"الشفاء\" لأبي علي، ووقفني على ما ذكره، فلما وقفت عليه استجهلته، فإنه طول فيه وعرض، كأنه يخاطب بعض اليونانيين، وكل الذي ذكره لغوٌ لا يستفيد به صاحب الكلام العربي شيئًا.\rثم مع هذا جميعه فإن معول القوم فيما يذكر من الكلام الخطابي أنه يورد على مقدمتين ونتيجة، وهذا مما لم يخطر لأبي علي بن سينا ببال، فما صاغه من شعر أو كلام مسجوع، فإن له شيئًا من ذلك في كلامه، وعند إفاضته في صوغ ما صاغه لم تخطر المقدمتان، والنتيجة له ببال.\rولو أنه فكر أولًا في المقدمتين والنتيجة، ثم أتي بنظم أو نثر بعد ذلك لما أتى بشيء ينتفع به، ولطال الخطب عليه!.\rبل أقول شيئًا آخر، وهو: أن اليونان أنفسهم لما نظموا ما نظموه من أشعارهم لم ينظموه في وقت نظمه، وعندهم فكرة من مقدمتين ولا نتيجة، وإنما هذه أوضاع","footnotes":"١ هو الشيخ الرئيس أبو علي الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علي الحكم المشهور، ولد بقرية من قرى بخارى، وانتقل في البلاد، واشتغل بالعلوم، وحصل الفنون، ولما بلغ عشر سنين من عمره كان قد أتقن علم القرآن الغزير والأدب، وحفظ أشياء من أصول الدين، وحساب الهندسة والجبر والقابلة، ولما توجه نحو الحكم أبو عبد الله الناتلي أنزله أبو الرئيس أبي علي عنده؛ فابتدأ أبو علي يقرأ عليه كتاب \"إيساغوجي\"، وأحكم عليه علم المنطق وإقليدس والمجسطي، وفاقه أضعافا كثيرة، حتى أوضح له منها رموزا، وفهمه إشكالات لم يكن الناتلي يدريها كما أتقن الفقه، والبحث والمناظرة، كما نبغ في الطب ومات بهمذان سنة ٤٢٨هـ، وهو في الثامنة والخمسين من عمره.\r٢ هكذا في الأصل، ولم يذكر ضرب من ضروب الشعر بهذا الاسم، وإنما المذكور نوع من الشعر يسمى \"طراغوذيا\"، قال ابن سينا: فمن ذلك نوع من الشعر \"يسمى طراغوذيا\"، له وزن لذيذ طريف يتضمن ذكر الخير، والأخيار والمناقب الإنسانية، ثم يضاف جميع ذلك إلى رئيس يراد مدحه، وكانت الملوك فيهم يغنى بين أيديهم بهذا الوزن، وربما زادوا فيه نغمات عند موت الملوك للنياحة، والمرثية \"انظر الفن التاسع من الجملة الأولى من كتاب الشفاء -فن الشعر ١٦٦\"، وقال في موضع آخر: إن \"طراغوذيا\" هو المديح الذي يقصد به إنسان حي أو ميت، وكان يغنون به غناء فحلا، وكانوا يبتدئون فيذكرون فيه الفضائل والمحاسن، ثم ينسبونها إلى واحد، فإن كان ميتا زادوا في طول البيت، أو في لحنه نعمان تدل على أنها مرئية، ونياحة \"المصدر السابق ١٦٩\"، وكلمة \"طراغوذيا\" تحريف لكلمة \"تراجيديا\"، وترجمتها المأساة أو الرواية المحزنة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358458,"book_id":3862,"shamela_page_id":332,"part":"2","page_num":6,"sequence_num":332,"body":"توضع، ويطول بها مصنفات كتبهم في الخطابة والشعر، وهي كما يقال: فقاقع ليس لها طائل، كأنها شعر الأبيوردي١.\rوحيث أوردت هذه المقدمة قبل الخوض في تقسيم المعاني، فإني راجع إلى شرح ما أجملته فأقول:\rأما القسم الأول٢: فإن المعاني فيه على ضربين:\rأحدهما يبتدعه مؤلف الكلام من غير أن يقتدي فيه بمن سبقه:\rوهذا الضرب ربما يعثر عليه عند الحوادث المتجددة، ويتنبه له عند الأمور الطارئة٣، ولنشر في هذا الموضع إلى نبذة لتكون مثالًا للمتوشح لهذه الصناعة.\rفمن ذلك ما ورد في شعر أبي تمام في وصف مصلبين٤:\rبكروا وأسروا في متون ضوامرٍ ... قيدت لهم٥ من مربط النجار\rلا يبرحون ومن رآهم خالهم ... أبدًا على سفرٍ من الأسفار","footnotes":"١ هو أبو المظفر محمد بن أبي العباس أحمد الأبيوردي، يتصل نسبه بأبي سفيان من بني أمية، كان من الأدباء المشهورين راوية نسابة شاعرا ظريفا، قسم أشعاره إلى أقسام، سماها العراقيات والنجديات، والوجديات وغيرها، والعراقيات أكثرها في مدح المقتدر، والمستظهر ووزرائهما، توفي سنة ٥٥٧هـ، و\"أبيورد\" المنسوب إليها بليدة بخراسان.\r٢ ذكر ابن الأثير في كلامه في الصناعة المعنوية أنها تنقسم قسمين:\rالأول منهما في الكلام على المعاني مجملا.\rوالثاني في الكلام عليها مفصلا.\r\"انظر صفحة ٣ من القسم الثاني\".\r٣ سيق أبو هلال العسكري بن الأثير إلى هذا التقسيم، قال أبو هلال:\rوالمعاني على ضربين: ضرب يبتدعه صاحب الصناعة من غير أن يكون له إمام يقتدى به فيه، أو رسوم قائمة في أمثلة مماثلة يعمل عليهما، وهذا الضرب ربما يقع عند الخطوب الحادثة، ويتنبه له عند الأمور النازلة الطارئة، والآخر ما يحتذبه على مثال تقدم ورسم فرط.... \"انظر كتاب الصناعتين ٦٩\".\r٤ ديوان أبي تمام ١٥٤ من قصيدة له في مدح المعتصم، وذكر إحراق الأفشين، ومطلعها:\rالحق أبلج والسيوف عوار ... فحذار من أسد العرين حذار\r٥ قيدت: سيقت.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358459,"book_id":3862,"shamela_page_id":333,"part":"2","page_num":7,"sequence_num":333,"body":"وهذا المعنى مما يعثر عليه عند الحوادث المتجددة، والخاطر في مثل هذا المقام ينساق إلى المعنى المخترع من غير كبير كلفة، لشاهد الحال الحاضرة.\rوكذلك قال في هذه القصيدة في صفة من أحرق بالنار:\rما زال سر الكفر بين ضلوعه ... حتى اصطلى سر الزناد الواري\rنارًا يساور جسمه من حرها ... لهبٌ كما عصفرت شق إزار١\rطارت لها شعلٌ يهدم لفحها ... أركانه هدمًا بغير غبار\rفصلن منه كل مجمع مفصلٍ ... وفعلن فاقرةً بكل فقار٢\rمشبوبةً رفعت لأعظم مشركٍ ... ما كان يرفع ضوءها للساري٣\rصلى لها حيا وكان وقودها ... ميتًا ويدخلها مع الفجار\rوهذا مما يعين على استخراج المعاني فيه شاهد الحال.\rوقد ذيل البحتري على ما ذكره أبو تمام في وصف المصلبين فقال:\rكم عزيزٍ أباده فغدا ير ... كب عودًا مركبًا في عود\rأسلمته إلى الرقاد رجالٌ ... لم يكونوا عن وترهم برقود\rتحسد الطير فيه ضبع البوادي ... وهو في غير حالة المحسود\rغاب عن صحبه فلا هو موجو ... د لديهم وليس بالمفقود\rوكأن امتداد كفيه فوق ال ... جذع في محفل الردى المشهود\rطائرٌ مد مستريحًا جناحي ... هـ استراحات متعبٍ مكدود\rأخطب الناس راكبًا فإذا أر ... جل خاطبت منه عين البليد","footnotes":"١ عصفرته صبغته بالعصفر.\r٢ الفاقرة: الداهية والفقار: خرزات الظهر.\r٣ مشبوبة: مشتعلة، وهي وصف للنار المذكورة في بيت قبل هذا أغفله ابن الأثير، وهو:\rلله من نار رأيت ضياءها ... ضاق الفضاء به على النظار","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358460,"book_id":3862,"shamela_page_id":334,"part":"2","page_num":8,"sequence_num":334,"body":"وهذه أبيات حسنة قد استوعبت أقسام هذا المعنى المقصود، إلا أن فيها مأخوذًا من شعر مسلم بن الوليد الأنصاري١، وهو قوله:\rنصبته حيث ترتاب الرياح به ... وتحسد الطير فيه أضبع البيد\rلكن البحتري زاد في ذلك زيادة حسنة، وهي قوله: \"وهو في غير حالة المحسود\".\rومن هذا الضرب ما جاء في شعر أبي الطيب المتنبي في وصفه الحمى، وهو قوله٢:\rوزائرتي كأن بها حياءً ... فليس تزور إلا في الظلام\rبذلت لها المطارف والحشايا ... فعافتها وباتت في عظامي\rكأن الصبح يطردها فتجري ... مدامعها بأربعةٍ سجام٣\rأراقب وقتها من غير شوقٍ ... مراقبة المشوق المستهام\rوقد شرح أبو الطيب بهذه الأبيات حاله مع الحمى.\rومن بديع ما أتي به في هذا الموضع أن سيف الدولة بن حمدان٤ كان مخيمًا","footnotes":"١ ديوان ١٢١ من قصيدة في مدح داود بن يزيد بن حاتم بن خالد بن المهلب، ومطلعها:\rلا تدع بي الشوق إني غير معمود ... نهى النهي عن هوى الهيف الرعاديد\r٢ ديوانه ٤/ ١٤٢ من قصيدته في ذكر الحمى التي كانت تغشاه بمصر. ومطلعها:\rملومكما يجل عن الملام ... ووقع فعاله فوق الكلام\r٣ بأربعة سجام: أي ذات سجام، وأراد بالأربعة اللحاظين، والموقين للعينين، فإن الدمع يجري من الموقين، فإن غلب وكثر جرى من اللحاظ أيضا، والمعنى أن الحمى تفارقه عند الصبح، فكأن الصبح يطردها، وأنها إذا فارقته تجري مدامعها عن أربعة سجام يريد كثيرة الرحضاء، وهو عرق الحمى -فكأنها تبكي عند فراقه محبة له.\r٤ هو سيف الدولة أبو الحسن علي، صاحب حلب، ممدوح المتنبي، وكان سيف الدولة أديبا شاعرا نقادا للشعر، يحب جيده، ويطرب لسماعه، وكان يقرب الشعراء وأهل الأدب، حتى قيل: إنه لم يجتمع بباب أحد من الملوك بعد الخلفاء ما اجتمع ببابه من شيوخ الشعر، وكان بجالس الشعراء، وينقد أشعارهم نقدا يدل على شاعرية وعلم، ويبذل لهم الجوائز السنية، توفي سنة ٣٥٦هـ.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358461,"book_id":3862,"shamela_page_id":335,"part":"2","page_num":9,"sequence_num":335,"body":"بأرض ديار بكر١ على مدينة \"ميا فارقين\"٢، فعصفت الريح بخيمته، فتطير الناس لذلك، وقالوا فيه أقوالًا، فمدحه أبو الطيب بقصيدة يعتذر فيها عن سقوط الخيمة، أولها:\rأينفع في الخيمة العذل٣\rفمنه ما أحسن فيه كل الإحسان، وهو قوله:\rتضيق بشخصك أرجاؤها ... ويركض في الواحد الجحفل٤\rوتقصر ما كنت في جوفها ... وتركز فيها القنا الذبل\rوكيف تقوم على راحةٍ ... كأن البحار لها أنمل\rفليت وقارك فرقته ... وحملت أرضك ما تحمل\rفصار الأنام به سادةً ... وسدتهم بالذي يفضل\rرأت لون نورك في لونها ... كلون الغزالة لا يغسل٥\rوأن لها شرفًا باذخًا ... وأن الخيام بها تخجل","footnotes":"١ ديار بكر بلاد كثيرة واسعة تنسب إلى بكر بن وائل، وحدها ما عرب من دجلة من بلاد الجبل المطل على نصيبين إلى دجلة، ومنه حصن كيفا وأمد وميا فارقين.\r٢ ميا فارقين أشهر مدينة بديار بكر، قيل ما بني فيها بالحجارة فهو بناء أنو شروان، وما بني بالآجر فهو بناء أبرويز، والذي يعتمد عليه أنها من بناء الروم؛ لأنها في بلادهم.\r٣ ديوان المتنبي ٣/ ٦٦، وعجز المطلع:\rويشمل من دهرها يشمل\rومعنى البيت: أينفع في سقوطها عذل العذل، فحذف المضاف، وروى الخوارزمي: \"أيقدح\" وهي رواية جيدة، فلا يقدر فيها محذوف، يقول: لا ينفع في هذه الخيمة أن تعذل على سقوطها، فعذرها بين، والموجب لفعلها ظاهر، وكيف لها أن تشمل من يشمل الدهر بسلطانه، ويجبر عليه بإحسانه.\r٤ الأرجاء النواحي جمع رجا، والتثنية رجوان، والجحفل الجيش العظيم، يقول: كل قطر منها يسع جحفلا، ولكنها تضيق جميعا بشخصك، إجلالا لك. وإعظاما لك أن تعلوك.\r٥ أصل الغزالة ارتفاع الشمس، وهو وقت سميت الشمس به، يقول: لون الممدوح ونوره لا يلحقه تغيير، كلون الشمس الذي لا يزول عنها بالغسل.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358462,"book_id":3862,"shamela_page_id":336,"part":"2","page_num":10,"sequence_num":336,"body":"فلا تنكرن لها صرعةً ... فمن فرح النفس ما يقتل\rولو بلغ الناس ما بلغت ... لخانتهم حولك الأرجل\rولما أمرت بتطنيبها ... أشيع بأنك لا ترحل١\rفما اعتمد الله تقويضها ... ولكن أشار بما تفعل\rوعرف أنك من همه ... وأنك في نصره ترفل\rفما العاندون وما أثلوا٢ ... وما الحاسدون وما قولوا٣\rهم يطلبون فمن أدركوا؟ ... وهم يكذبون فمن يقبل؟\rوهم يتمنون ما يشتهون ... ومن دونه جدك المقبل\rهذه الأبيات قد اشتملت على معانٍ بديعة، وكفى المتنبي فضلًا أن يأتي بمثلها، وهذا مقام يظهر في مثله براعة الناظم والناثر.\rوقرأت في كتاب \"الروضة\" لأبي العباس المبرد٤، وهو كتاب جمعه واختار فيه أشعار شعراء، بدأ فيه بأبي نواس، ثم بمن كان في زمانه، وانسحب على ذيله، فقال فيما أورده من شعره: وله معنى لم يسبق إليه بإجماع، وهو قوله٥:","footnotes":"١ الأطناب حبال البناء، والتطنيب مد الأطناب.\r٢ أثلوا -بالثاء المثلثة- جمعوا، ورواية الديوان \"وما أملوا\" بالميم.\r٣ ما قولوا أي كرروا القول وخاضوا فيه، وقولتني ما لم أقل: أي نسبته إلى، والتقويل والإدعاء.\r٤ هو أبو العباس محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الثمالي المعروف بالمبرد، كان شيخ أهل النحو والعربية، وإليه انتهى علمها بعد طبقة أبي عمر الجرمي، وأبي عثمان المازني، وكان من أهل البصرة، حسن المحاضرة، مليح الأخبار، كثيرة النوادر قال أبو سعيد السيرافي: سمعت أبا بكر بن مجاهد يقول: ما رأيت أحسن جوابا من المبرد في معاني القرآن فيما ليس فيه قول لمتقدم، وصنف كتبا كثيرة، ومن أكبرها كتاب \"المقتضب\" وكتاب \"الكامل\"، وكان مولد المبرد سنة عشر ومائتين، ومات سنة خمس وثمانين ومائتين.\r٥ ديوان أبي نواس ٢٩٥ من أبيات أولها:\rودار ندامى عطلوها وأدلجوا ... بها أثر منهم جديد ودارس","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358463,"book_id":3862,"shamela_page_id":337,"part":"2","page_num":11,"sequence_num":337,"body":"تدار علينا الراح في عسجديةٍ ... حبتها بأنواع التصاوير فارس١\rقرارتها كسرى وفي جنباتها ... مهًا ثورتها بالعشي الفوارس٢\rفللراح ما زرت عليه جيوبها ... وللماء ما دارت عليه القلانس٣\rوقد أكثر العلماء من وصف هذا المعنى، وقولهم فيه: إنه معنى مبتدع.\rويحكى عن الجاحظ٤ أنه قال: ما زال الشعراء يتناقلون المعنى قديمًا وحديثًا إلا هذا المعنى، فإن أبا نواس انفرد بإبداعه!\rولا أعلم أنا ما أقول لهما٥ ولا بي سوى أن أقول: قد تجاوز بهم حد الإكثار، ومن الأمثال السائر: بدون هذا يباع الحمار!\rوفصاحة هذا الشعر عندي هي الموصوفة، لا هذا المعنى، فإنه لا كبير كلفة فيه؛ لأن أبا نواس رأى كأسًا من الذهب ذات تصاوير فحكاها في شعره.\rوالذي عندي في هذا أنه من المعاني المشاهدة، فإن هذه الخمر لم تحمل إلا ماءً يسيرًا، وكانت تستغرق صور هذا الكأس إلى مكان جيوبها، وكان الماء فيها قليلًا بقدر القلانس التي على رءوسها، وهذا حكاية حال مشاهدة بالبصر.","footnotes":"١ الراح الخمر، والعسجدية نسية إلى العسجد وهو الذهب، ويريد بها كأسًا مذهبة لا من ذهب، وحباه بكذا يحبوه إعطاه ومنحه، وفارس هي الأمة المعروفة.\r٢ قرارتها أسفلها، وهي هنا ظرف مكان، والمها جمع مهاة، وهي البقرة الوحشية يضرب بها المثل في حسن العيون، ورواية الديوان \"مها تدريها\" وادري الصيد ختله، القسي جمع قوس، يقول: إن الكأس محلاة من أسفلها بصورة كسرى، أما جوانبها فمحلاة بصورة فرسان يتحينون غفلة المها، ليرموها بسهام أقواسهم.\r٣ الجيب طوق الثوب، والقلانس جمع قلنسوة لباس للرأس، يقول: أنهم كانوا يصبون الخمر في تلك الكأس، حتى تحاذي أطواق صورة الفوارس، ثم يمزجونها بالماء حتى تحاذي رءوسهم.\r٤ هو أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب الكناني البصري، ولد بالبصرة وتربى فيها، ودرس هناك كل ما كان ذائعا من العلوم والفنون في أيامه، ولازم إبراهيم بن يار النظام المتكلم المعتزلي، وأخذ عنه، حتى صار زعيم فرقه تنسب إليه، وعرف كثيرا من كبار الكتاب، والمترجمين والفرس غيرهم، وقرأ كل ما ترجم في زمانه ووقع عليه نظره، فكان من كبار العلماء والكتاب، ومات بالبصرة سنة ٢٥٥هـ.\r٥ في الأصل \"لها\" في عبارة غير مفهومة، ولعل الصواب ما ذكرناه، والإشارة إلى المبرد والجاحظ الذين عدا هذا المعنى مبتدعا، وأكثر به من شأن أبي نواس، فيما نرى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358464,"book_id":3862,"shamela_page_id":338,"part":"2","page_num":12,"sequence_num":338,"body":"وكذلك ورد قوله في الخمر أيضًا١:\rيا شقيق النفس من حكم ... نمت عن ليلى ولم تنم\rفاسقني الخمر التي اختمرت ... بخمار الشيب في الرحم\rوهذا معنى مخترع، لم يسبق إليه، وهو دقيق يكاد لدقته أن يلتحق بالمعاني التي تستخرج من غير شاهد حال متصور.\rوبلغني أنه اختلف في هذا المعنى بحضرة الرشيد هارون ﵀ فقيل: إنه يريد بخمار الشيب في الرحم أن الخمر تكون في جوانبها ذات زبد أبيض على وجهها، فقال الأصمعي٢: إن أبا نواس ألطف خاطرًا من هذا، وأسد غرضًا فاسألوه، فأحضر وسئل، فقال: إن الكرم أول ما يجري فيه الماء يخرج شبيهًا بالقصنة، وهي أصل العنقود، فقال الأصمعي: ألم أقل لكم إن الرجل ألطف خاطرًا، وأسد غرضًا!؟.\rوقد جاء لابن حمديس الصقلي٣ في الهلال لآخر الشهر ما لم يأت به غيره، وهو من الحسن واللطافة في الغاية القصوى، وذلك قوله:\rكأنما أدهم الظلماء حين نجا ... من أشهب الصبح ألقى نعل حافره\rوهذا حكاية حال مشاهدة بالبصر، إلا أنه أبدع في التشبيه.\rوأمثال هذا كثيرة في أقوال المجيدين من الشعراء.\rوجملة الأمر في ذلك أن الشاعر، أو الكاتب ينظر إلى الحال الحاضرة، ثم يستنبط لها","footnotes":"١ ديوان أبي نواس ٣٢٤.\r٢ هو أبو سعيد عبد الملك بن قريب عن عبد الملك، كان صاحب لغة ونحو. وإماما في الأخبار والملح والغرائب، توفي سنة ٢١٧هـ بالبصرة، وقيل: بمرو.\r٣ هو أبو محمد عبد الجبار بن أبي بكر بن محمد بن حمديس الأزدي الصقلي، نشأ بجزيرة صقلية، وانتقل إلى الأندلس، ومدح المعتمد بن عباد، فأحسن إليه. وأجزل عطاياه، مات سنة ٥٢٧هـ بجزيرة ميرقة، وقيل: ببلدة بجاية.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358465,"book_id":3862,"shamela_page_id":339,"part":"2","page_num":13,"sequence_num":339,"body":"ما يناسبها من المعاني، كما فعل النابغة١ في مدح النعمان وقد أتاه وفد من الوفود، فمات رجل منهم قبل أن يرفدهم، فلما رفدهم جعل عطاء ذلك الميت على قبره، حتى جاء أهله وأخذوه، فقال النابغة في ذلك:\rحباء شقيق فوق أحجار قبره ... وما كان يحبى قبله قبر وافد\rوهذا بيت من جملة أبيات، فانظر كيف فعل النابغة في هذا المعنى!.\rوكذلك ورد قول أخت جساس، زوجة كليب، فإنه لما قتل جساس كليبًا اجتمع النساء إليها، وندبنه، فتحدث بعضهم إلى بعض، وقلن: هذه ليست ثاكلة، وإنما هي شامتة، فإن أخاها هو القاتل، فنم ذلك إليها، فقالت:\rيا ابنة الأقوام إن شئت فلا ... تعجلي باللوم حتى تسألي\rفإذا أنت تبينت الذي ... يوجب اللوم فلومي واعذلي\rإن أختًا لامرئٍ ليمت على٢ ... شفقٍ منها عليه فافعلي\rجل عندي فعل جساسٍ ... حسرتا عم انجلت أو تنجلي\rفعل جساس على وجدي به ... قاطع ظهري ومدن أجلي\rلو بعينٍ فقئت عينٌ سوى ... أختها فانفقأت لم أحفل\rيا قتيلًا قوض الدهر به ... سقف بيتي جميعًا من عل","footnotes":"١ هو أبو أمامة زياد بن معاوية، أحد أشراف قبيلة ذبيان من القبائل المصرية، وأحد فحول شعراء الجاهلية، لقب النابغة لنبوغه في الشعر فجاءه، وهو كبير، وهو ممن تكسب بالشعر في الجاهلية، ولكنه آثر مدح الملوك، ملوك المناذرة بالحيرة والغساسنة بالشام، وكان ممن مدحهم من الأولين النعمان بن المنذر فقربه إليه، ثم وشى به عنده، وهم بقتله، ففر إلى ملوك الشام فمدحهم، ولم يطب مقامه بالشام، فعاد يستعطف النعمان بقصائد رائعة كانت سببا في عفوه عنه، وطال عمر النابغة، حتى مات قبيل الإسلام.\r٢ هكذا روى صدر البيت في الأصل، والمشهور في روايته:\rإن تكن أخت امرئ ليمت على","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358466,"book_id":3862,"shamela_page_id":340,"part":"2","page_num":14,"sequence_num":340,"body":"هدم البيت الذي استحدثته ... وانثنى في هدم بيتي الأول\rيشتفي المدرك بالثأر وفي ... دركي ثأري ثكلٌ مثكلي\rإنني قاتلةٌ مقتولةٌ ... ولعل الله أن يرتاح لي\rوهذه الأبيات لو نطق بها الفحول المعدودون من الشعراء لاستعظمت، فكيف امرأة، وهي حزينة في شرح تلك الحال المشار إليها.\rواعلم أنه قد يستخرج من المعنى الذي ليس بمبتدع معنى مبتدع.\rفمن ذلك قول الشاعر المعروف بابن السراج في الفهد:\rتنافس الليل فيه والنهار معًا ... فقمصاه بجلبابٍ من المقل\rوليس هذا من المعاني الغريبة، ولكنه تشبيه حسن واقع في موقعه.\rوقد جاء بعده شاعر من أهل الموصل يقال له: ابن مسهر فاستخرج من هذا البيت معنى غريبًا، فقال:\rونقطته حباءً كي يسالمها ... على المنايا نعاج الرمل بالحدق\rوهذا معنى غريب، لم أسمع بمثله في مقصده الذي قصد من أجله.\rوقليلًا ما يقع هذا في الكلام المنظوم والمنثور، وهو موضع ينبغي أن توضع اليد عليه، ويتنبه له.\rوكذلك فلتكن سياقة ما جرى هذا المجرى.\rوقد جاءني شيء من ذلك في الكلام المنثور.\rفمن ذلك ما ذكرته في وصف نساء حسان، وهو:\r\"أقبلت ربائب الكناس، في مخضر اللباس، فقيل: إنما يخترن الخضرة من الألوان ليصح تشبيههن بالأغصان\".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358467,"book_id":3862,"shamela_page_id":341,"part":"2","page_num":15,"sequence_num":341,"body":"وهذا معنى غريب وربما يكون قد سبقت إليه، إلا أنه لم يبلغني بل ابتدعته ابتداعًا.\rومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب يتضمن منازلة بلد، فذكرت القتال بالمنجنيق ١، وهو:\r\"فنزلنا بمرأى منه ومسمع، واستدرنا به استدارة الخاتم بالإصبع، ونصبت المنجنيقات، فأنشأت سحبًا صعبة القياد، مختصة بالربا دون الوهاد، فلم تزل تقذف السور بوبلٍ من جلمودها، وتفجؤها برعودها قبل بروقها، وبروق السحب قبل رعودها، حتى غادرت الحزن منه سهلًا، والعامر بلقعًا مخلى\".\rوفي هذا معنيان غريبان.\rأحدهما: أن هذه السحب تخص الربا دون الوهاد.\rوالآخر: أن رعودها قبل بروقها، وكل ذلك يتفطن له بالمشاهدة.\rومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب، فقلت:\r\"إذا تخلق المرء بخلق البأس، والندى لم يخف عرضه دنسا، كما أن الماء إذا بلغ قلتين لم يحمل نجسًا\".\rوهذا المعنى مبتدع لي، وهو مستخرج من الحديث النبوي في قوله ﷺ: $\"إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثًا\".","footnotes":"١ هو اسم أعجمي، فإن الجيم والقاف لا يجتمعان في كلمة عربية، ويجمع على مجانيق ومناجيق، قال ابن قتيبة في كتابه \"المعارف\"، وأبو هلال العسكري في \"الأوائل\": وهو آلة من خشب لها دفتان قائمتان بينهما سهم طويل رأسه ثقيل، وذنبه خفيف، وفيه تجعل كفة المنجنيق التي يجعل فيها الحجر، ويجذب حتى ترفع أسافله على أعاليه، ثم يرسل فيرتفع ذنبه الذي فيه الكفة، فيخرج الحجر منه، فما أصاب شيئا إلا أهلكه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358468,"book_id":3862,"shamela_page_id":342,"part":"2","page_num":16,"sequence_num":342,"body":"ومن ذلك ما ذكرته في وصف مفازة، فقلت:\r\"مفازة لا توطأ بأجفان ساهر، ولا تقتل باقتحام خابر، ولولا مسير الهلال من فوقها لما عرفت تمثال حافر\".\rومن ذلك ما ذكرته في كتاب أصف فيه نزول العدو على حصار بلد من بلاد المكتوب عنه:\rوكان ذلك في زمن الشتاء، فسقط على العدو ثلج كثير صار به محصورًا، فقلت: \"وقد عاجله قتال البروق قبل البوارق، وأحاط به الثلج فصار خنادق تحول بينه وبين الخنادق، والشتاء قد لقي عسكره من البرد بعسكره، والسماء قد قابلته بأغبر وجهها لا بأخضره، والأرض كأنها قرصة النقي، وعسى أن تكون أرض محشره\".\rوالمعنى المخترع من هذا الكلام قولي: \"والأرض كأنها قرصة النقي وعسى أن تكون أرض محشره\"، وهو مستخرج من الحديث النبوي في قوله ﷺ: $\"إنكم تحشرون على بيضاء كقرصة النقي\"، يريد الخبزة البيضاء ولما كان الثلج على الأرض مماثلًا لذلك، ومشابهًا له استنبطت أنا له هذا المعنى المخترع، فجاء كما تراه، وهو من المعاني التي يدل عليها شاهد الحال.\rوأحسن من هذا كله ما كتبته في فصل من كتاب إلى ديوان الخلافة ببغداد، فقلت:\r\"ودولته هي الضاحكة، وإن كان نسبها إلى العباس، وهي خير دولة أخرجت للزمن، كما أن رعاياها خير أمة أخرجت للناس، ولم يجعل شعارها من لون الشباب إلا تفاؤلًا بأنها لا تهرم، وأنها لا تزال محبوة من أبكار السعادة بالحب الذي لا يسلى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358469,"book_id":3862,"shamela_page_id":343,"part":"2","page_num":17,"sequence_num":343,"body":"والوصل الذي لا يصرم، وهذا معنى استنبطه الخادم للدولة وشعارها، وهو مما لم تخط به الأقلام في خطها، ولا أجالته الخواطر في أفكارها\".\rوغرابة هذا المعنى ظاهرة، ولم يأت بها أحد قبلي.\rوبلغني من المعاني المخترعة أن عبد الملك بن مروان بنى بابًا من أبواب المسجد الأقصى بالبيت المقدس، وبنى الحجاج بابًا إلى جانبه، فجاءت صاعقة فأحرقت الباب الذي بناه عبد الملك، فتطير لذلك وشق عليه، فبلغ ذلك الحجاج، فكتب إليه كتابًا: بلغني كذا وكذا، فليهن أمير المؤمنين أن الله تقبل منه، وما مثلي ومثله إلا كابني آدم إذ قربا قربانًا، فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر\"، فلما وقف عبد الملك على كتابه سري عنه.\rوهذا معنى غريب استخرجه الحجاج من القرآن الكريم، وهو من المعاني المناسبة لما ذكرت فيه، ويكفي الحجاج من فطانة الفكرة أن يكون عنده استعداد لاستخراج مثل ذلك.\rوأما المعاني التي تستخرج من غير شاهد حال متصورة، فإنها أصعب منالًا مما يستخرج بشاهد الحال، ولأمرٍ مما كان لأبكارها سرٌ لا يهجم على مكامنه، إلا جنان الشهم، ولا يفوز بمحاسنه إلا من دق فهمه حتى جل عن دقة الفهم، وللهجوم على عذارى المعاني المحمية بحجب البواتر أيسر من الهجوم على عذارى المعاني المحمية بحجب الخواطر، وما ذلك مما يلقيه إليك الأستاذ، وليس يقوم به قربا الفذ، ولا أقول الأفذاذ، وأين الذي ينشئ فيحسن فيها الإنشاء، ويبرز فيها صورًا يركبها كيف يشاء?.\rومن نظر إلى هذا الموضع حق النظر، وأخذ فيه بالعين دون الأثر، علم أنه مقام يزلق بمعارف الأفهام فكيف بمواقف الأقدام، وليست المعاني فيه إلا كالأرواح، ولا الألفاظ إلا كالأجسام، فمن شاء أن يخلق خلقًا من الكلام، فليأت به على صورة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358470,"book_id":3862,"shamela_page_id":344,"part":"2","page_num":18,"sequence_num":344,"body":"الأناسي لا على صورة الأنعام، فإن من القول الغانية التي هي أحسن من الغانية، ومنه البهيمة التي لا تشبه إلا بالسانية١.\rفمما جاء في هذا الباب قول أبي نواس:\rشرابك في السراب إذا عطشنا ... وخبزك عند منقطع التراب\rوما روحتنا لتذب عنا ... ولكن خفت مرزئة الذباب٢\rفالبيت الثاني من هذين البيتين هو المشار إليه بأنه معنى مبتدع.\rويحكى عن الرشيد هارون ﵀ أنه قال: لم يهج بادٍ ولا حاضر بمثل هذا الهجاء!\rومن هذا الباب قول مسلم بن الوليد٣:\rتنال بالرفق ما تعيا الرجال به ... كالموت مستعجلًا يأتي على مهل\rومن هذا الباب قول علي بن جبلة:\rتكفل ساكن الدنيا حميدٌ ... فقد أضحت له الدنيا عيالا\rكأن أباه آدم كان أوصى ... إليه أن يعولهم فعالا\rوهذا معنى دندن٤ حوله الشعراء، وفاز علي بن جبلة بالإفصاح عنه.","footnotes":"١ من معاني السانية الناقة يسقى عليها، وسنت تسنو سقت الأرض؛ وسنت النار علا ضوؤها.\r٢ حكى الجاحظ أن الرشيد قال: لا أعرف لمحدث أهجى من قول أبي نواس:\rوما روحتنا لتذب عنا ... ولكن خفت مرزئة الذناب\rلرابك في السحاب إذا عطشنا ... وخبزك عند منقطع التراب\rوكيف تنال مكرمة ومجدا ... وخبزك محرز عند الغياب\rوإبطك قابض الأرواح يرمي ... بسهم الموت من تحت الثياب\rوانظر ديوان أبي نواس ١٤.\r٣ من قصيدة له يمدح فيها يزيد بي مزيد الشيباني، ومطلعها:\rأجررت حبل خليع في الهوى غزل ... وشمرت همم العذال في العذل\r٤ أصل الدندنة صوت الذباب والزنابير، ودندن صوت وطن، ودندن فلان نغم ولا يفهم منه كلام.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358471,"book_id":3862,"shamela_page_id":345,"part":"2","page_num":19,"sequence_num":345,"body":"وقد قيل: إن أبا تمام أكثر الشعراء المتأخرين ابتداعًا للمعاني، وقد عدت معانيه المبتدعة، فوجدت ما يزيد على عشرين معنى.\rوأهل هذه الصناعة يكبرون ذلك، وما هذا من مثل أبي تمام بكبير، فإني أنا عددت معاني المبتدعة التي وردت في مكاتباتي، فوجدتها أكثر من هذه العدة، وهي مما لا أنازع فيه، ولا أدافع عنه!\rفأما ما ورد لأبي تمام فمن ذلك قوله١:\rيأيها الملك النائي برؤيته ... وجوده لمراعي جوده كثب\rليس الحجاب بمقصٍ عنك لي أملًا ... إن السماء ترجى حين تحتجب\rوكذلك قوله:\rرأينا الجود فيك وما عرضنا ... لسجلٍ منه بعد ولا ذنوب\rولكن دارة القمر استتمت ... فدلتنا على مطر قريب\rوكذلك قوله في الهجاء٢:\rوأنت تدير قطب رحًا مليا ... ولم نر للرحا العلياء قطبا\rترى ظفرًا بكل صراع قرنٍ ... إذا ما كنت أسفل منه كعبا٣","footnotes":"١ ديوان أبي تمام ٢٢ من أبيات أربعة يعاتب بها أبا دلف، وقيل: عبد الله بن طاهر، والبيتان اللذان قبلهما:\rصبرا على المطل ما لم يتله الكذب ... فللمخطوب إذا سامحتما عقب\rعلى المقادير لوم إن منيت به ... من عاذل وعلى السعي والطلب\r٢ ديوان أبي تمام ٤٨٦ من قصيدة يهجو بها عتبة بن أبي عاصم، ومطلعها:\rأعتبة أجبن الثقلين عتبا ... بجهلك صرت للمكروه نصبا\r٣ في الأصل:\rترى قطر بكل صارع قرن ... إذا ما كنت أسفل منه جنبا\rوالصواب عن الديوان.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358472,"book_id":3862,"shamela_page_id":346,"part":"2","page_num":20,"sequence_num":346,"body":"وكذلك قوله١:\rوإذا أراد الله نشر فضيلةٍ ... طويت أتاح لها لسان حسود\rلولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العود\rوكذلك قوله٢:\rلا تنكروا ضربي له من دونه ... مثلًا شرودًا في الندى والباس\rفالله قد ضرب الأقل لنوره ... مثلًا من المشكاة والنبراس٣\rوكذلك قوله٤:\rلا تنكري عطل الكريم من الغنى ... فالسيل حربٌ للمكان العالي\rوكذلك قوله في الشيب٥:\rشعلةٌ في المفارق استودعتني ... في صميم الفؤاد ثكلًا صميما\rتستثير الهموم ما اكتن منها ... صعدًا وهي تستثير الهموما\rفالبيت الثاني من المعاني المخترعة، وقد تفقه فيه فجعله مسألة من مسائل الدور، وهذا من إغراب أبي تمام المعروف.\rوهذا القدر كاف من جملة معانيه، فإنا لم تستقصها ههنا.","footnotes":"١ ديوان أبي تمام ٨٥ من قصيدة يمدح فيها أبا عبد الله أحمد بن أبي دؤاد، ويعتذر إليه، ويستشفع بخالد بن يزيد، ومطلعها:\rأرأيت أي سوالف وخدود ... عنت لنا بين اللوى وبرود\r٢ ديوانه ١٧٢ من قصيدة في مدح أحمد بن المعتصم، ومطلعها:\rما في وقوفك ساعة من باس ... تقضي ذمام الأربع الأدراس\r٣ يشير بذلك إلى قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [سورة النور، آية: ٣٥] ، والمشكاة هي الكوة في الجدار غير النافذة.\r٤ الديوان ٢٤٦ من قصيدة في مدح الحسن بن رجاء، مطلعها:\rيكفي وغاك فإنني لك قال ... ليست هوادي عزمتي بتوالي\rوالوغى الحرب، والقالي المبغض، والهوادي الأوائل، والتوالي الأواخر.\r٥ الديوان ٢٩١ من قصيدة في مدح أبي سعيد، مطلعها:\rإن عهدا لو تعلمان ذميما ... أن تناما عن ليلتي أو تنيما","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358473,"book_id":3862,"shamela_page_id":347,"part":"2","page_num":21,"sequence_num":347,"body":"ومن هذا الباب قول ابن الرومي١:\rكل امرئٍ مدح امرًأ لنواله ... وأطال فيه فقد أساء هجاءه\rلو لم يقدر فيه بعد المستقى ... عند الورود لما أطال رشاءه\rوكذلك قوله٢:\rعدوك من صديقك مستفادٌ ... فلا تستكثرن من الصحاب\rفإن الداء أكثر ما تراه ... يكون من الطعام أو الشراب\rوكذلك قوله٣:\rلما تؤذن الدنيا به من صروفها ... يكون بكاء الطفل ساعة يولد\rوإلا فما يبكيه منها وإنها ... لأوسع٤ مما كان فيه وأرغد\rإذا أبصر الدنيا استهل كأنه ... بما هو لاقٍ٥ من أذاها يهدد\rوكذلك قوله٦:\rرددت علي مدحي بعد مطلٍ ... وقد دنست ملبسه الجديدا","footnotes":"١ ولد أبو الحسن علي بن العباس الرومي ببغداد، وعاش فيها متأثرا بمزاجه اليوناني، وبالثقافة الغربية كذلك، فكان شعره صورة طريفة في الأدب العربي من حيث الابتكار، والتنسيق المنطقي والاستقصاء، في أسلوب جزل متين، وقد أجاد فنون الشعر وخاصة الوصف، مات ابن الرومي سنة ٢٨٣هـ، والبيتان من أبيات أربعة، وبعدهما:\rغير فإني لا أطيل مدائحي ... إلا لأوفى من مدحت ثناءه\rوأعد ظلما أن أقل مديحه ... حمدا وأسخط أن أقل عطاءه\r٢ ديوان ابن الرومي ١٣٩ ورواية الديوان \"يحول\" موضع \"يكون\" في عجز البيت الثاني.\r٣ الديوان ٣٩٣ من قصيدة في مدح صاعد بن مخلد، ومطلعها:\rأبين ضلوعي حمرة تتوقد ... على ما مضى أم حسرة تتجدد\r٤ رواية الديوان \"لأفسح\".\r٥ رواية الديوان \"بما سوف يلقى\".\r٦ ديوان ابن الرومي ٣٧٠ من أبيات أربعة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358474,"book_id":3862,"shamela_page_id":348,"part":"2","page_num":22,"sequence_num":348,"body":"وقلت: امدح به من شئت غيري ... ومن ذا يقبل المدح الرديدا١\rوهل للحي في أكفان ميتٍ ... لبوسٌ بعدما امتلأت صديدا٢\rوقد ورد لأبي الطيب المتنبي من ذلك كقوله٣:\rأجزني إذا أنشدت مدحًا فإنما ... بشعري أتاك المادحون مرددا\rودع كل صوتٍ بعد٤ صوتي فإنني ... أنا الصائح المحكي والآخر الصدى\rفالبيت الأول قد توارد على معناه الشعراء قديمًا وحديثًا، لكن البيت الثاني -في التمثيل الذي مثله- ليس لأحد إلا له.\rوكذلك قوله٥:\rبهجر سيوفك أغمادها ... تمنى الطلى٦ أن تكون الغمودا\rإلى الهام تصدر عن مثله٧ ... ترى صدرًا عن ورودٍ ورودا\rوكذلك قوله في بدر بن عمار يهنيه ببرئه من مرض٨:\rقصدت من شرقها ومغربها ... حتى اشتكتك الركاب والسبل\rلم تبق إلا قليل عافيةٍ ... قد وفدت تجتديكها العلل","footnotes":"١ بعد هذا البيت بيت أغفله ابن الأثير، وهو:\rولا سيما وقد أعبقت فيه ... مخازيك اللواتي لن تبيدا\r٢ رواية الديوان \"وما للحي\" موضع \"وهل للحي\".\r٣ ديوان المتنبي ١/ ٢٩١ من قصيدة يمدح فيها سيف الدولة، ويهنيه بعيد الأضحى، ومطلعها:\rلكل امرئ من دهره ما تعودا ... وعادات سيف الدولة الطعن في العدا\r٤ رواية الديوان \"غير صوتي\".\r٥ ديوان المتنبي ١/ ٢٦٩ من قصيدة في مدح بدر بن عمار الأسدي، ومطلعها:\rأحلما نرى أم زمانا جديدا ... أم الخلق في شخص حي أعيدا\r٦ الطلى الأعناق: والغمود جمع غمد وهو جفن السيف.\r٧ الهام الرءوس، يقول: أبدا سيوفك تصدر عن هام إلى هام أخرى.\r٨ الديوان ٣/ ٢١٧ من قصيدة يمدح فيها بدر بن عمار وقد قصد لعلة، ومطلعها:\rالعد نأي المليحة البخل ... في البعد ما لا تكلف الإبل","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358475,"book_id":3862,"shamela_page_id":349,"part":"2","page_num":23,"sequence_num":349,"body":"وقد وقفت على ما شاء الله من أشعار الفحول من الشعراء قديمًا وحديثًا، فلم أجد لأحد منهم في ذكر المرض ما يعد معنىً مخترعًا، لا بل لم أجد من أقوالهم شيئًا مرضيًّا، ما عدا المتنبي، فإنه ذكر المرض في عدة مواضع من شعره فأجاد، وهذا البيت الثاني من هذين البيتين معنىً مخترع له، وقد أحسن فيه كل الإحسان.\rومما ابتدعه بإجماعٍ قوله في مدح عضد الدولة في قصيدته النونية التي مطلعها:\rمغاني الشعب طيبًا في المغاني١\rقال عند ذكره:\rفعاشا عيشة القمرين يحيا ... بضوئهما ولا يتحاسدان٢\rولا ملكا سوى ملك الأعادي ... ولا ورثا سوى من يقتلان٣\rوكان ابنا عدوٍ كاثراه ... له ياءي حروف أنيسيان٤\rأي: جعل الله ابني عدو كاثراه -يعني ابني عضد الدولة- كياءي حروف تصغير \"إنسان\"، فإن ذلك زيادة، وهو نقص في المقدار.\rإلا أن سبك هذا البيت قد شوهه، وأذهب طلاوة المعنى المندرج تحته.","footnotes":"١ ديوان المتنبي ٤/ ٢٥١، وعجز البيت: بمنزلة الربيع من الزمان.\rوهو مطلع قصيدة يمدح فيها عضد الدولة، وولديه أبا الفوارس وأبا دلف، ويذكر طريقه بشعب بوان، والمغاني: جمع مغنى، وهو المكان الذي فيه أهله، والشعب: هو شعب بوان، وهو موضع كثير الشجر والمياه، يعد من جنان الدنيا، كنهر الإبلة، وسغد سمرقند، وغوطه دمشق، وشعب بوان بأرض فارس بين أرجان والنوبندجان.\r٢ يدعو لهما بالبقاء الدائم بقاء الشمس والقمر، ينتفع الناس بضوئهما، ولا يكون بينهما تحاسد، ولا اختلاف.\r٣ هذا دعاء لأبيهما بطول الحياة، بقول: لا ملكا ملكك، بل ملك الأعادي، ولا ورثاك، إنما يرثان من يقتلانه من الأعادي.\r٤ يقول: عدوك الذي له ولدان وكاثر بهما، كياءين زائدتين في \"أنيسيان\"؛ لأنه إذا كان مكبرا كان خمسة أحرف، فإذا صغر زيد فيه ياءان في عدده، ونقص في معناه وفخره، فهما زائدتان في نقصه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358476,"book_id":3862,"shamela_page_id":350,"part":"2","page_num":24,"sequence_num":350,"body":"ومن معانيه المبتدعة قوله١:\rفإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال\rوأحسن من ذلك قوله٢:\rصدمتهم بخميسٍ أنت غرته ... وسمهريته في وجهه غمم٣\rفكان أثبت ما فيهم جسومهم ... يسقطن حولك والأرواح تنهزم\rوهذا من أعاجيب أبي الطيب التي برز فيها على الشعراء.\rومن الإحسان في هذا الباب قول بعضهم:\rوقد أشق الحجاب الصعب مأربه ... دوني وآبى ولولجًا فيه إن طرقا\rكالطيف يأبى دخول الجفن منفتحًا ... وليس يدخله إلا إذا انطبقا\rورأيتُ ابن حمدون البغدادي٤ صاحب كتاب \"التذكرة\" قد أورد هذين البيتين في كتابه، وقال: قد أغرب هذا الشاعر ولكنه خلط، وجرى على عادة الشعراء؛ لأن الطيف لا يدخل الجفن، وإنما يتخيل إلى النفس.\rوهذا كلام من لم يطعم من شجرة الفصاحة والبلاغة، وليس مثله عندي، إلا كما يحكى عن ملك الروم، إذ أنشد عنده بيت المتنبي الذي هو:","footnotes":"١ الديوان ٣/ ٢٠ من قصيدة في رثاء والدة سيف الدولة، مطلعها:\rنعد المشرفية والعوالي ... وتقتلنا المنون بلا قتال\r٢ الديوان ٤/ ٢٣ من قصيدة في مدح سيف الدولة، ومطلعها:\rعقبي اليمين على عقبي الوغى ندم ... ماذا يزيدك في إقدامك القسم\r٣ الخميس: الجيش، والغرة: الوجه. والسمهرية: الرماح، والغمم: كثرة الشعر وإسباله على الوجه.\r٤ هو محمد بن الحسن محمد بن علي بن حمدون، من بيت فضل ورياسة، وكان ذا معرفة بالأدب والكتابة، سمع وروى، وصنف كتاب \"التذكرة\" في الأدب، والنوادر، والتواريخ، وهو كتاب كبير يدخل في اثني عشر مجلدا. اختص بالمستنجد، يجتمع به وينادمه، وولاه ديوان الزمام، توفي محبوسا سنة اثنتين وستين وخمسمائة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358477,"book_id":3862,"shamela_page_id":351,"part":"2","page_num":25,"sequence_num":351,"body":"كأن العيس كانت فوق جفني ... مناخات فلما ثرن سالا١\rفسأل عن المعنى، ففسر له فقال: ما سمعت بأكذب من هذا الشاعر أرأيت من أناخ الجمل على عينه لا يهلكه؟!.\rومن محاسن هذا القسم قول بعضهم:\rتخيره الله من آدمٍ ... فما زال منحدرًا يرتقي\rوكذلك قول الآخر:\rبأبي غزالٌ غازلته مقلتي ... بين الغوير وبين شطي بارق٢\rعاطيته والليل يسحب ذيله ... صهباء كالمسك الفتيق لناشق٣\rوضممته ضم الكمي لسيفه ... وذؤابتاه حمائلٌ في عاتقي\rحتى إذا مالت به سنة الكرى ... زحزحته شيئًا وكان معانقي\rأبعدته عن أضلعٍ تشتاقه ... كي لا ينام على وسادٍ خافق\rوهذا من الحسن والملاحة بالمكان الأقصى، ولقد خفت معانيه على القلوب حتى كادت ترقص رقصًا.\rوالبيت الأخير منه هو الموصوف بالإبداع، وبه وبأمثاله أقرت الأبصار بفضل الأسماع!","footnotes":"١ ديوان المتنبي ٣/ ٢٢٢ من قصيدة له في مدح بدر بن عمار ومطلعها:\rبقائي شاء ليس هم ارتحالًا ... وحسن الصبر زموا لا الجمالا\rومعنى البيت: كنت لا أبكي قبل فراقهم، فكأن إبلهم ببروكها كانت تمسك بكائي ودمعي عن السيل، فلما أثاروها للرحيل سالت دموعي، فكأنها كانت مناخة فوق جفني.\r٢ الغوير مواضع، منها ماء لكلب بالسماوة بين العراق والشام، وماء بين العقبة والقاع في طريق مكة، وموضع على الفرات، وبارق ماء بالعراق، وهو الحد من القادسية إلى البصرة، وهي من أعمال الكوفة.\r٣ فتق المسك بغيره استخراج رائحته بشيء تدخله فيه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358478,"book_id":3862,"shamela_page_id":352,"part":"2","page_num":26,"sequence_num":352,"body":"ومن هذا الضرب قول بعض المصريين يهجو إنسانًا يقال له: \"ابن طليل\" احترقت داره:\rانظر إلى الأيام كيف تسوقنا ... طوعًا إلى الإقرار بالأقدار\rما أوقد ابن طليل قط بداره ... نارًا وكان هلاكها بالنار\rوكذلك ورد قول ابن قلاقس١، من شعراء مصر:\rزد رفعةً إن قيل أنغض٢ ... وانخفض إن قيل أثرى\rكالغصن يدنو ما اكتسى ... ثمرًا وينأى ما تعرى\rوهذا من المعاني الدقيقة.\rومن هذا الأسلوب قول الشاعر المعروف بالحافظ في تشبيه البهار٣ وهو:\rعيون تبرٍ كأنما سرقت ... سواد أحداقها من الغسق\rفإن دجا ليلها بظلمته ... ضممن من خوفها على السرق\rوهذا تشبيه بديع لم يسمع بمثله، وهو من اللطافة على ما لا خفاء به.\rومن هذا القسم قول بعض المتأخرين من أهل زماننا:\rلا تضع من عظيم قدرٍ وإن كن ... ت مشارًا إليه بالتعظيم\rفالشريف العظيم ينقص قدرًا ... بالتعدي على الشريف العظيم\rولع الخمر بالعقول رمى الخم ... ر بتنجيسها وبالتحريم","footnotes":"١ ابن قلاقس: هو أبو الفتوح نصر بن عبد الله بن قلاقس الإسكندري، رحل إلى اليمن، ومدح بعض رجالها، وعاد بثروة، فانكسر المركب، ففرق ما كان معه بالقرب من دهلك، فعد إلى اليمن، ثم انتقل إلى صقلية، ثم توفي بعيذاب على شاطئ البحر الأحمر من بلاد مصر سنة ٥٦٧هـ.\r٢ أنغض إذا تحرك واضطرب، وأنغض رأسه حركة كالمتعجب من شيء.\r٣ البهار بالفتح العرار الذي يقال له: عين البقى، وهو بهار البر، وهو نبت جعد له فقاحة صفراء تنبت أيام الربيع، يقال لها: العرارة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358479,"book_id":3862,"shamela_page_id":353,"part":"2","page_num":27,"sequence_num":353,"body":"ومن غريب ما سمعته في هذا الباب قول بعض الشعراء المغاربة يرثي قتيلًا:\rغدرت به زرق الأسنة بعدما ... قد كن طوع يمينه وشماله\rفليحذر البدر المنير نجومه ... إذ بان غدر مثالها بمثاله\rوكذلك جاء وصف بعض المغاربة في الخمر وكاساتها:\rثقلت زجاجاتٌ أتتنا فرغًا ... حتى إذا ملئت بصرف الراح\rخفت فكادت أن تطير بما حوت ... وكذا الجسوم تخف بالأرواح\rوهذا معنى مبتدع أشهد أنه يفعل بالعقول فعل الخمر سكرًا، ويروق كما رقت لطفًا، ويفوح كما فاحت نشرًا.\rوكذلك ورد قول ابن حمديس الصقلي:\rيا سالبًا قمر السماء جماله ... ألبستني للحزن ثوب سمائه\rأضرمت قلبي فارتمى بشرارةٍ ... وقعت بخدك فانطفت من مائه\rوهذا المعنى دقيق جدًا.\rوقد سمعت في الخال ما شاء الله أن أسمع، فلم أجد مثل هذا!!\rوقد جاءني في الكلام المنثور من هذا الضرب شيء، وسأذكر ههنا منه نبذة.\rفمن ذلك ما ذكرته في وصف صورة مليحة، فقلت:\r\"ألبس من الحسن أنضر لباس، وخلق من طينة غير طينة الناس، وكما زاد حسنًا فكذلك ازداد طيبًا، واتفقت فيه الأهواء حتى صار إلى كل قلب حبيبًا، فلو صافح الورد لتعطرت أوراقه، أو مر على النيلوفر١ ليلًا لتفتحت أحداقه\".","footnotes":"١ النيلوفر، ويقال: النينوفر، ضرب من الرياحين، ينبت في المياه الراكدة \"انظر القاموس ٢/ ١٤٧\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358480,"book_id":3862,"shamela_page_id":354,"part":"2","page_num":28,"sequence_num":354,"body":"والمعنى الغريب ههنا أن الشمس إذا طلعت على النيلوفر تفتح أوراقه، وإذا غربت عنه انضم.\rثم إني سمعت هذا في شعر الفرس لبعض شعرائهم، فحصل عندي منه تعجب.\rومن ذلك ما ذكرته في ذم الشيب، فقلت:\r\"الشيب إعدام للإيسار، وظلام للأنوار، وهو الموت الأول الذي يصلى نارًا من الهم أشد وقودًا من النار، ولئن قال قوم: إنه جلالة فإنهم دقوا به وما جلوا، وأفتوا في وصفه بغير علم فضلوا وأضلوا، وما أراه إلا محراثًا للعمر، ولم تدخل آلة الحرث دار قوم إلا ذلوا، ومن عجيب شأنه أنه المملول الذي يشفق من بعده، والخلق الذي يكره نزع برده، ولما فقد الشباب كان عنه عوضًا، ولا عوض عنه في فقده\".\rوالمعنى المخترع ههنا في قولي: \"وما أراه إلا محراثًا للعمر ولم تدخل آلة الحرث دار قومٍ إلا ذلوا\".\rوهو مستنبط من الحديث النبوي، وذاك أن النبي ﷺ رأى آلة حرث، فقال: \"ما دخلت هذه دار قوم إلا ذلوا\"، فأخذت أنا هذا ونقلته إلى الشيب، فجاء كما تراه في أعلى درجات الحسن، وذلك لما بينه وبين الشيب من المناسبة الشبيهة؛ لأن الشيب يفعل في البدن ما يفعله المحراث في الأرض، وإذا نزل بالإنسان أحدث عنده ذلًّا.\rومن هذا الباب ما ذكرته في فصل من كتاب إلى بعض الناس أعبث به، فقلت:\r\"وإذا كتبت مثالبه١ في كتاب اجتمع عليه بنات وردان٢، وحرم علي أن أبدأ فيه بالبسملة؛ لأنها من القرآن\".\rوهذا معنى لطيف في غاية اللطافة وهو مخترع لي.","footnotes":"١ جمع مثلبة وهي العيب والمنقصة، جمعها مثالب، يقال: ثلبه يثلبه لامه وعابه.\r٢ بنات وردان دويبات تلزم الكنف كالجعل والصراصير.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358481,"book_id":3862,"shamela_page_id":355,"part":"2","page_num":29,"sequence_num":355,"body":"وكذلك كتبت إلى بعض الناس كتابًا من هذا الجنس أهزل معه، فقلت في فصل منه ما أذكره، وهو:\r\"ينبغي له أن يشكرني على وسمه بهجائي دون امتداحي، فإني لم أسمه إلا لتحرم به الأضحية في يوم الأضاحي، ولا شك أن سيدنا معدود في جملة الأنعام، غير أنه من ذوات القرون، والقرن عدوه عند الخصام\".\rوهذا معنى ابتدعته ابتداعًا، ولم أسمعه لأحد من قبلي.\rومن ذلك ما ذكرته في جملة كتاب يتضمن هزيمة الكفار، وذلك فصل منه، فقلت:\r\"وكانت الوقعة يوم الأحد منتصف شهر كذا وكذا، وهذا هو اليوم الذي تخيره الكفار من أيام الأسبوع، ونصبوه موسمًا لشرع كفرهم المشروع، فحصل ارتيابهم به إذ تضمن للإسلام مزيدًا، وقالوا: هذه يوم قد أسلم، فلا نجعله لنا عيدًا، وقد أفصح لهم لسانه كما لو كانوا يعلمون، بأن الدين عند الله هو الإسلام، وأن أولياءه هم المسلمون\".\rوهذا معنى انفردت بابتداعه، ولم يأت به أحد ممن تقدمني.\rومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب إلى ديوان الخلافة ببغداد، وهو في وصف القلم، فقلت:\r\"وقلم الديوان العزيز هو الذي يخفض ويرفع، ويعطي ويمنع وهو المطاع لجدع أنفه وسواد لباسه، وقد ورد الأمر بطاعة الحبشي الأجدع، ومن أحسن صفاته أن شعاره من شعار مولاه، فهو يخلع على عبيده من الكرامة ما يخلع\".\rفي هذه الأوصاف معانٍ حسنة لطيفة، ومنها معنى غريب لم أسبق إليه، وهو قولي: \"إنه المطاع لجدع أنفه وسواد لباسه، وقد ورد الأمر بطاعة الحبشي الأجدع\"، فإن هذا مما ابتكرته.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358482,"book_id":3862,"shamela_page_id":356,"part":"2","page_num":30,"sequence_num":356,"body":"وهو مستخرج من الحديث النبوي في ذكر الطاعة والجماعة، فقال ﷺ: \"أطع ولو عبدًا حبشيًا مجدعًا ما أقام عليك كتاب الله\"، فاستخرجت أنا للقلم معنى من ذلك، وهو أن القلم يجدع، ويقمص لباس السواد، فصار حبشيًّا أجدع.\rوهذا كما فعل أبو تمام حبيب بن أوس الطائي في قصيدته السينية١، فإنه استخرج المعنى المخترع من القرآن الكريم، وأنا استخرجت المعنى من الخبر النبوي كما أريتك.\rوهذا المعنى المشار إليه في وصف القلم أوردته بعبارة أخرى على وجه آخر، ونبهت عليه في كتاب \"الوشي المرقوم في حل المنظوم\"، وهذا كتاب ألفته في صناعة حل الشعر وغيره.\rوبعد هذا فسأقول لك في هذا الموضع قولًا لم يقله أحد غيري، وهو أن المعاني المبتدعة شبيهة بمسائل الحساب المجهول من الجبر والمقابلة، فكما أنك إذا وردت عليك مسألة من المجهولات تأخذها، وتقلبها ظهرًا لبطن، وتنظر إلى أوائلها وأواخرها، وتعتبر أطرافها وأوساطها، وعند ذلك تخرج بك الفكرة إلى معلوم، فكذلك إذا ورد عليك معنى من المعاني ينبغي لك أن تنظر فيه كنظرك في المجهولات الحسابية!\rإلا أن هذا لا يقع في كل معنى، فإن أكثر المعاني قد طرق وسبق إليه، والإبداع إنما يقع في معنى غريب لم يطرق، ولا يكون ذلك إلا في أمر غريب لم يأت مثله، وحينئذ إذا كتبت فيه كتاب أو نظم فيه شعر، فإن الكاتب والشاعر يعثران على مظنة الإبداع فيه.","footnotes":"١ يشير إلى قوله:\rلا تنكروا ضربي له من دونه ... مثلا شرودا في الندى والباس\rفالله قد ضرب المقل لنوره ... مثلا من المشكاة والنبراس\rوقد سبق الاستشهاد به في معرض الكلام عن معانيه المبتدعة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358483,"book_id":3862,"shamela_page_id":357,"part":"2","page_num":31,"sequence_num":357,"body":"وقد لابست ذلك في مواضع كثيرة، وسأورد ههنا ما يحذى حذوه لمن استطاع إليه سبيلًا.\rومن ذلك ما كتبته عن نفسي إلى بعض ملوك الشام، وأهديت إليه رطبًا، وهو:\r\"خلد الله دولة مولانا، وعمر لها مجدًا وجنانًا، وخولها السعادة عطاء حسابًا، وأنشأ الليالي لخدمتها عربًا أترابًا١، وأبقى شبيبتها بقاءً لا يستحدث معه خضابًا، ولا جعل لها في محاسن الدول السابقة أشباهًا ولا أضرابًا، وألقى اليأس بين أعدائها، وحسادها حتى يبعث لهم في الأرض غرابًا.\r\"إذا أراد العبيد أن يهدوا لمواليهم قصرت بهم يد وجدهم، وعلموا أن كل ما عندهم من عندهم، لكن في الأشياء المستطرفة ما يهدي، وإن كان قدره خفيفًا، ولولا اختلاف البلاد فيما يوجد بها لما كان شيء من الأشياء طريفًا\".\r\"وقد أهدى المملوك من الرطب ما يتجلى في صفة الوارس، ويزهى بحسنه حتى كأنه لم يدنس بيد لامس، وما سمي رطبًا إلا لاشتقاقه من الرطب الذي هو ضد اليابس.\r\"وقد أثنى رسول الله ﷺ عليه ثناء جمًّا، وفضل شجرته على الشجر بأن سماها أما، ولئن عدم عرفا لذيذًا فإنه لم يعد منظرًا لذيذًا ولا طعمًا، وله أوصاف أخرى هي لفضله بمنزلة الشهود، فمنها أنه أول غذاء يفطر عليه الصائم، وأول غذاء يدخل بطن المولود\".\r\"وأحسن من ذلك أنه معدود من الحلواء، وإن كان من ذوات الغراس، ولا فرق بينهما سوى أنه من خلق الله، وتلك من خلق الناس\".","footnotes":"١ العرب جمع العروب من النساء بوزن العروس، وهي المتحببة إلى زوجها، والأتراب جمع ترب بكسر التاء اللدة والسن ومن ولد معك، اقتباس من قول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً، فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا، عُرُبًا أَتْرَابًا، لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ [سورة الواقعة، الآيات: ٣٥-٣٨] .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358484,"book_id":3862,"shamela_page_id":358,"part":"2","page_num":32,"sequence_num":358,"body":"\"وإذا أنصف واصفه، قال: ما من ثمرة إلا وهي عنه قاصرة، ولو تفاخرت البلاد بمحاسن ثمارها لقامت أرض العراق به فاخرة.\r\"وها قد سار إلى باب مولانا، وهو مجنى المنابت سار إلى مجنى الكرم، وملك الفاكهة وفد على ملك الشيم\".\r\"ولما استقلت به الطريق أنشأ الحسد لغيره من الفواكه أربًا، وما منها إلا من قال: يا ليتني كنت رطبًا\".\r\"ولئن كان من الثمرات التي تختلف في الصور والأسماء، ويفضل بعضها على بعض، ويسقى بشراب واحد من الماء، فكذلك تلك الشيم العريقة تتحد في عنصرها، وهي مختلفة الوتيرة، ومن أفضلها شيمة السماح التي تقبل القليل من عبيدها، وتسمح لهم بالعطايا الكثيرة، وقد ضرب لها المملوك مثالًا، فقال هي كجنة بربوة١، بل ضرب لها ما ضرب من للمثل النبوي، وهي نخلة بكبوة٢.\r\"ولا يختم كتابه بأحسن من هذا القول الذي طاب سمعًا، وزكا أصلًا وفرعًا، وتصرف في أساليب البلاغة، فجاء به وترًا وشفعًا، والسلام\".\rوهذا كتاب غريب في معناه، وقد اشتمل على معان كثيرة:\rفمن جملتها أن الرطب مشتق من \"الرطب\" الذي هو ضد \"اليابس\".\rومن جملتها أن النبي ﷺ سمى النخلة أما، فقال: \"أمكم النخلة\".\rومن جملتها أنه كان ﷺ يفطر على رطبات، فإن لم يجد فتمرات.\rومن جملتها أنه كان يلوك التمرة، ويحنك بها المولود عند ميلاده، ولما ولد عبد الله بن الزبير جاءت أمه أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنه، ووضعته في حجر رسول الله ﷺ، فلاك تمرة ووضعها في فيه.","footnotes":"١ مأخوذ من تشبيه القرآن: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٦٥] .\r٢ سيأتي هذا المثل النبوي في الصفحة التالية عند إيراد نص الحديث.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358485,"book_id":3862,"shamela_page_id":359,"part":"2","page_num":33,"sequence_num":359,"body":"ومن جملتها أنه والحلواء شيء واحد إلا أنه من خلق الله، وتلك من خلق الناس.\rومن جملتها أن العباس ﵁ قال: \"يا رسول الله، إن قريشًا تذاكرت أحسابها، فضربوا لك مثالًا بنخلة بكبوة١.\rوكل هذه المعاني حسنة واردة في موضعها، ومن كتب في معنى من المعاني، فليكتبه هكذا، وإلا فليدع.\rومن ذلك رقعة كتبتها إلى بعض حجاب السلطان في حاجة عرضت لي، وأرسلت معها هدية من ثياب ودراهم، وهي:\rما من صديق، وإن صحت صداقته ... يومًا بأنجح في الحاجات من طبق\rإذا تلثم بالمنديل منطلقًا ... لم يخش نبوة بوابٍ ولا غلق\r\"الهدية مشتقة من الهدى، غير أنها ترف إلى القلب لا إلى الندى، وصهارتها أنفع من الصهارة، وكلما ترددت كانت بكرًا فهي لا تنفك عن البكارة، ومن خصائصها أنها تمسك بمعروف أمن من السراح، وإذا رامت فتح باب لا تفتقر في علاجه إلى مفتاح، وقد قيل: إنها الحسناء المتأنقة في عمارة بيتها، التي توصف بأن القنديل يضيء بزيتها\".\r\"وقد أرسلتها إلى المولى وهي تتهادى في إعجابها، وتدل بكثرة دراهمها وثيابها، وتقول: أنا الكريمة في قومها الشريفة في أنسابها\".\r\"وأحسن ما فيها أنها جاءت سرًا، لم تعلم بها اليد اليمنى من اليسرى\".","footnotes":"١ ذكر صاحب اللسان أن ناسا من الأنصار قالوا للنبي ﷺ: إنا نسمع من قومك: إنما مثل محمد كمثل نخلة تنبت في كبا، قال: هي بالكسرة والقصر الكناسة، وجمعها \"أكبا\" ... وفي الحديث عن العباس أنه قال: قلت: يا رسول الله إن قريشا جلسوا، فتذاكروا أحسابهم، فجعلوا مثلك مثل نخلة في كبوة من الأرض.\rقال شمر: قوله \"في كبوة\" لم نسمع فيها عن علمائنا شيئا، ولكنا سمعنا الكبا والكبة، وهو الكناسة والتراب الذي يكنس من البيت، انظر لسان العرب ٢٠/ ٧٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358486,"book_id":3862,"shamela_page_id":360,"part":"2","page_num":34,"sequence_num":360,"body":"\"فخذها يا مولاي واكشف عن نقابها، وأمط عنها جلبابها، وقد كانت منك حرة، وهي الآن في حيز المملكة، ومن السنة في مثلها أن تؤخذ بالناصية، ويدعى بالبركة، والسائر بها فلان وهو في الجهل بها حامل أسفار، وناقل لها من دار إلى دار، ولربما نطق لسان حالها الذي هو أفصح من نطق اللسان، وأذكرت بحاجة مرسلها، وحاش فطانة الكريم من النسيان، وليس المطلوب إلا فضيلة من الجاه تسفر بين السائل والمسئول، وتنقل البعيد إلى درجة القريب، والممنوع إلى درجة المبذول، فإذا فعل المولى ذلك كان له منة السفارة ومنة الإنعام، وإن سمع بأن سعيًا واحدًا فاز بشكرين اثنين، ففي مثل هذا المقام ومن الناس من يقول: ليس على جانب السلطان ثقل في صنعه، وهل ههنا إلا كلمات تقال، والكلام ماعونٌ لا رخصة في منعه، ولم يدر أن ملاطفة الخطاب ضرب من الاحتيال، وأن نقل الخطوات فيه أثقل من نقل الجبال، وأن صاحب الحاجة يحظى بحلاوة النجاح، والحاجب يلقى مرارة السؤال\".\rوهذا يقوله الخادم إيجابًا لإحسان المولى الذي هو إحسان شامل، ولا يعلمه إلا عالم بفضله ولا يجهله إلا جاهل، والله تعالى يجعل الحاجات مغدوقة ببابه، حتى لا تنفك في الدنيا من إمداد شكره، وفي الآخرة من إمداد ثوابه، والسلام\".\rفتأمل أيها الناظر في كتابي هذا إلى ما اشتملت عليه هذه الرقعة من المعاني حتى تعلم كيف تضع يدك فيما تكتبه!\rومن ذلك رقعة أخرى كتبتها في هذا المعنى المتقدم ذكره، وأرسلت معها هدية من المسك، وهي:\r\"الهدية رسول يخاطب عن مرسله بغير لسان، ويدخل على القلوب من غير استئذان، وقد قيل: أخت السحر في ملاطفة قصدها، غير أنها لا تحتاج إلى نفثها ولا إلى عقدها١، وما من قلب إلا وصورتها تجلي عليه في سرقة٢، ولولا شرف","footnotes":"١ إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [سورة الفلق: الآية: ٤] ، والنفاثات النساء، أو النفوس أو الجماعات السواحر اللاتي يعقدن عقدا في خيوط، وينفثن عليها ويرقين، والنفث النفخ مع ريق.\r٢ السرقة واحدة السرق بفتحتين شقق الحرير الأبيض، أو الحرير عامة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358487,"book_id":3862,"shamela_page_id":361,"part":"2","page_num":35,"sequence_num":361,"body":"مكانها لما حللت للنبي ﷺ مع تحريم الصدقة، ولها صفات غير هذه كريمة الأخطار حسنة لدى الأسماع والأبصار، ومن أحسنها أنها تستجد ودا، وتجعل قربًا ما كان بعدًا، وتقول لنا الإجنة: \"يا نار كوني بردًا، ولهذا\"، قيل: تهادوا تحابوا، ولا شك أنها وصلة بين المودات، فإذا تواصل الناس تقاربوا\".\rوقد أرسل الخادم منها شيئًا إذا كتمه ذاع، وإذا خزنه ضاع، وقد شبه به الجليس الصالح بعدد أسباب الانتفاع، ومما زاد مزية على مزيته أنه وشيم المولى توأمان، غير أن شيمته تنتمي إلى كرم محتدها، وهو ينتمي إلى سرر الغزلان، فإذا ورد على مجلسه قيل: هذا عطر ورد على جونة١ عطار، وعرف له حق المشاركة، فإن أدنى الشرك في الشيم جوار، وقد نطق الخبر النبوي بأنه أحد الثلاثة التي لا ترد على من أهداها، وإذا نظر إلى محصول بقائها وفائدتها، وجد أطولها عمرًا وأجداها، وهذا يحكم على المولى بقبول ما استرسل الخادم في إرساله، وإذا سأل غيره في قبول هديته كفاه نص الخبر مؤنة سؤاله والسلام\".\rوهذه الرقعة أحسن من التي قبلها.\rفمما اشتملت عليه من المعاني قولي: \"وما من قلب إلا وصورتها تجلى عليه في سرقة، ولولا شرف مكانها لما حللت للنبي ﷺ مع تحريم الصدقة\".\rوهذان المعنيان مستخرجان من خبرين نبويين:\rأحدهما أن النبي ﷺ قال: \"جاءني جبريل ﵇ ومعه سرقة من حرير -يعني حريرة بيضاء- وفيها صورة عائشة ﵂ وقال: \"هذه زوجتك في الدنيا والآخرة\".\rوالخبر الآخر: أن النبي ﷺ قال: \"حرمت علي الصدقة، وأحلت لي الهدية\".\rومما اشتملت عليه أيضًا قولي: \"وقد أرسل الخادم منها شيئًا إذا كتمه ذاع، وإذا","footnotes":"١ الجونة سليلة مستديرة مغشاة أدما تكون مع العطارين.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358488,"book_id":3862,"shamela_page_id":362,"part":"2","page_num":36,"sequence_num":362,"body":"خزنه ضاع\"، وهذه مغالطة حسنة؛ لأن المسك إذا كتم ذاعت رائحته، وإذا خزن ضاع: أي فاح، ويقال: ضاع الشيء، إذا ذهب، فالمغالطة ههنا في الجمع بين الضدين.\rوكذلك قولي: \"وقد شبه الجليس الصالح\"، وهذا مستخرج من الخبر النبوي أيضًا، وذاك أنه قال ﷺ: \"مثل الجليس الصالح مثل حامل المسك، إما أن يحذيك ١، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه عرفًا طيبًا ومثل جليس السوء مثل نافخ الكير، إما أن يحرق ثوبك، وإما أن تجد منه رائحةً كريهةً\".\rومما اشتملت عليه من المعاني أيضًا قولي: \"إنه أحد الثلاثة التي لا ترد على من أهداها\".\rوهذا مستخرج من الخبر النبوي أيضًا، وهو قوله ﷺ: \"ثلاثةٌ لا ترد: الطيب، والريحان، والدهن\".\rومن ذلك رقعة كلفني بعض أصدقائي إملاءها عليه، وهي رقعة من عاشق إلى معشوق، وهي:\rوإذا قيل من تحب؟ تخطاك لساني، وأنت في القلب ذاكا.\r\"يا من لا أسميه، ولا أكنيه، وأذكر غيره وهو الذي أعنيه، لا تكن ممن أوتي ملكًا فلم ينظر في زواله، وعرف مكانه من القلوب فجار في إدلاله، ولا تغتر بقول رأى الحسن إساءة للإساءة ماحيًا، واعلم أن اللاحي: يقول: كفى بالتذلل لاحيًا، وكثيرًا ما يزول العشق بجنايات الصدود، والزيادة في الحد نقصان في المحدود\".\r\"وقد قيل: إن الحسن عليه زكاة كزكاة المال، وليست زكاته عند علماء المحبة إلا عبارة عن الوصال، وهذه صدقة تقسم على أربابها، ولا ينتظر أن يحول الحول في","footnotes":"١ الحذرة -بالكسرة- العطية.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358489,"book_id":3862,"shamela_page_id":363,"part":"2","page_num":37,"sequence_num":363,"body":"إيجابها، فهي مستمرة على تجدد الأيام، والمستحقون لها قسمٌ واحد، ولا يقال: إنهم ثمانية أقسام، وهؤلاء هم المخصوصون بفك الرقاب، ورقبة العشق أشد أسرًا من رقبة تتحرر بالكتاب، فأخرج يا مولاي من هذا الحق الواجب، وإلا فتأت لطالب منى ومطالب، ولا تقل هذا غريم أكثر عد الليالي في مطله، وأعده والمواعيد زاد لمثله، فهذه سلعة قد عاملته بها مرة ساخرًا! ومرة ساحرًا، ومن الأقوال السائرة أن الغر تجعله التجربة ماهرًا، ولعمري إن ممارسة الحب تجدد لصاحبه علمًا، وتبصره وإن كان كما يقال: أعمى، وقد كذب القائل:\rعرضن للذي تحب بحبٍ ... ثم دعه يروضه إبليس\rفإن كانت الرياضة كما قيل: لإبليس فما أراه صنعًا في الذي صنع، وأراك استعصيت عليه استعصاء القارح١، وأنت جذع٢، ولا شك أنك تهدم ما يشيده من البناء، أو أنك مستثنىً في جملة من دخل في حكم الاستثناء، وأنا الآن له عائب، وعليه عاتب فأين نفثاته التي هي أخدع الحبائل؟، وأين قوله: لآتينهم عن الأيمان والشمائل؟، وأين جنوده المسترقة ما في السماء، التي تجري من بني آدم مجرى الدماء؟، وكل هذا قد بطل عندي خبره، كما بطل عندي أثره، فإن أدركته النخوة بأني استهزئ بتصديق أفعاله، فليحلل معقول حاجتي هذه، حتى أعلم أنه قادر على حل عقاله، وإلا فليخف رأسه، وليمح وسواسه، وإن كان له عرش على البحر، فليقوض من عرشه، وليعلم أن السحر ليس في عقده ونفثه، ولكنه في الأصفر ونقشه.\r\"وها أنا قد بعثت منه ما يجعل الحزم محلولًا، والود مبذولًا وما أقول: إلا أني بعثت معشوقًا إلى معشوق، وكلاهما محله القلب، بل القلب من حبهما مخلوق، وما أكرمه وهو وسيلة إلى مثله، وحسنه من حسنه، وإن لم يكن شكله من شكله، وما وصفه","footnotes":"١ القارح المسن، وقرح الحافر انتهت أسنانه، وإنما ينتهي في خمس سنين؛ لأنه في السن الأولى حولى، ثم جذع، ثم ثنى، ثم رباع، ثم قارح، والمراد هنا الكبير صاحب التجربة.\r٢ الجذع الشاب الحدث.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358490,"book_id":3862,"shamela_page_id":364,"part":"2","page_num":38,"sequence_num":364,"body":"واصف إلا كان ما رآه منه فوق ما رواه، ومن أغرب أوصافه، وأحسنها أنه لم ير ذو وجهين وجيهًا سواه، لا جرم أنه إذا سفر في أمر تلطف في فتح أبوابه، وتناول وعره فبدله بسهله، وبعده فبدله باقترابه، ولو بعثت غيره لخفت ألا يكون في سفارته صادقًا، أو أنه كان يمضي سفيرًا ويعود عاشقًا، فليس على الحسن أمانة، وفي مثاله تعذر الخيانة، ولا لوم على العقول إذا نسيت هناك عزيمة رشدها، ورأت ما لا يحتمله كاهل جهدها، ومن الذي يقوى درعه على تلك السهام، أو يروم النجاة منها وقد حيل بينه، وبين المرام وهذا الذي منعني أن أرسل إلا كيسًا وكتابًا، فأحدهما يكون في السفارة والآخر على السر حجابًا، والسلام إن شاء الله تعالى!\rوفي هذه الرقعة من المعاني الغريبة ما أذكره:\rفالأول: ما ذكرته في قسم الصدقات، وفك الرقاب.\rوالثاني: ما ذكرته في وصف الدينار، وهو أنه وجيه ذو وجهين، وقال النبي ﷺ: $\"ذو الوجهين لا يكون وجيهًا\".\rوهذا معنى لم يسبقني أحد إليه.\rوقد وصف الحريري الدينار في مقامة من مقاماته١، ولم يظفر بهذا المعنى، ولا جاء من الأوصاف التي ذكرها بمثله.\rوالثالث أني بعثت معشوقًا إلى معشوق!\r\"كتاب في التعزية بوفاة زوجة بعض الملوك وولدها\":\rومن ذلك ما كتبته، وكان توفيت زوجة بعض الملوك، وتوفي معها ولد لها، وهو طفل صغير، وكان بينهما يومان، وتلك المرأة بنت ملك من الملوك أيضًا، فكتب إليه","footnotes":"١ يشير إلى المقامة الثالثة، وهي \"المقامة الدينارية\"، مقامات الحريري ٢٥، وهي تضمن مدح الدينار وذمه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358491,"book_id":3862,"shamela_page_id":365,"part":"2","page_num":39,"sequence_num":365,"body":"من \"في\" الأطراف المجاورة يعزونه، وحضر عندي بعض الأدباء ممن يجب أن يكون كاتبًا، وعرض علي نسخة ما كوتب به ذلك الملك في التعزية بزوجته وولدها، فوجدتها كتبًا باردة غثة، لا تعرب عن الحادثة، بل بينها وبينها بعد المشرقين، ومن شرط الكتابة أن يكون الكتاب مضمنًا فض المعنى المقصود.\rوالتعازي مختلفة الأنحاء: فتعازي النساء غير تعازي الرجال، وهي من مستصعبات فن الكتابة والشعر، وتعازي الرجال أيضًا تختلف، فلا يعزى بالميت على فراشه، كما يعزى بالميت قتيلًا، ولا يعزى بالقتيل كما يعزى بالغريق.\rوهكذا يجري الحكم في المعاني جميعها، وهذا شيء لا يتنبه له إلا الراسخون في هذا الفن من أرباب النثر والنظم.\rوسألني ذلك الرجل عن هذه التعزية المشار إليها في المرأة وولدها الصغير، وقال: \"أحب أن أعلم كيف تكون\"؛ فأمليت عليه ثلاثة كتب، كل كتاب يتضمن معنى لا يتضمنه الكتاب الآخر.\rفمما جاء منها كتاب أنا ذاكره ههنا، وهو:\rأشجى التعازي ما أتبع فيه المفقود بمفقود، لا سيما إذا جمع بين سعد الإخبية١ وسعد السعود٢، وكل منهما يعظم حزنًا كما يعظم مكانًا، وهذا يحسر عن الوجوه خمرًا، وهذا يلقي عن الرءوس تيجانًا، ولم يوفهما حقهما من بكى ولا من ندب، ولا من شعر ولا من كتب، وليت فدى أحدهما بصاحبه، فعاش درهما المفدى بالذهب:","footnotes":"١ من نجوم منازل القمر التي يتنقل فيها؛ والناس مختلفون فيه، فمنهم من يقول: إنه كوكب واحد حوله ثلاثة كواكب مثلثة تشبه رجلا بطة، والكوكب هو السعد، والثلاثة الخباء، ومنهم من يجعل الكوكب الذي في وسط الثلاثة عمود الخباء، وسمي \"سعد الأخبية\" لخروج المخبثات فيه من الثمار والحشرات، وكانت العرب تتبرك به لاخضرار العود فيه.\r٢ سعد السعود كذلك من نجوم منازل القمر، وعدته كوكبان، وقيل: هو ثلاثة كواكب: أحدها نير؛ والآخران دونه في النور.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358492,"book_id":3862,"shamela_page_id":366,"part":"2","page_num":40,"sequence_num":366,"body":"ولو كان خطبًا واحدًا خف كلمه ... ولكنه خطبٌ أعيد على خطب\r\"وقد أصدر الخادم كتابه هذا، ومن حقه أن يخرج في ثوب من الحداد، وأن يتعثر في أذيال كلمه، والكتاب عنوان الفؤاد، وغاية ما يقول: أحسن الله عزاء المجلس السامي الملك الأجل السيد، على أن هذا الدعاء قد شهدت الحال بلحنه، وكيف يملك قلبه عزاء، وقد أوثقه الهم في سجنه، وصار له ولدًا دون ولده، وخدنًا دون خدنه، لكن يدعى له بامتداد البقاء، وأن تعامله الحوادث بعد هذه معاملة الإبقاء\".\r\"ثم نتبع ذلك بطلب الجنة لمن نقلته المنايا عن أرائك الخدور، وجعلته في بطون القبور، ولمن فاجأت الأيام غصنه فقصفته، ولم يعش حتى عرف الدنيا ولا عرفته، فواهًا لهما وقد نزلا بمنزل عديم الإيناس، وإن كان مأهولًا بأكثر الناس، فهو القريب دارًا، البعيد مزارًا، الذي حجب من اليأس بأمنع حجاب، وذهب عن الوجوه المنعمة لذل التراب، فمن كان مسعدًا للمجلس، فليأخذ بوله الجزع لا بعزيمة الاصطبار، وليقل: هذا حادث بان فيه تحامل الأقدار، وجرت همومه مجرى الخواطر من القلوب والرقاد من الأبصار، فالأسوة -إلا فيه- معدودة من الإحسان، والسلوة -إلا عنه- داخلة في حيز الإمكان\".\r\"والخادم أولى من لقي المجلس فيه بالإسعاد، وقام بما يجب من قضاء حق الوداد، وفعل ما يفعله القريب الحاضر، وإن كان على شقة من البعاد، وقد أرسل من ينوب عنه في التعزية، وإن لم يكف فيها المناب، وكما رخص العذر في قصر الصلاة، فكذلك رخص في الاقتصار على الرسول والكتاب، وقد ورد لو حضر بنفسه، فاستسقى لذلك الضريح سحابًا، وعقر عنده ركابًا، وسأل الله مغفرة وثوابًا والسلام\".\rفي هذا الكتاب معنى غريب، وهو قولي: \"سعد الأخبية\" كناية عن المرأة و\"سعد السعود\" كناية عن ولدها؛ لأن \"سعد الأخبية\" اسم منزلة من منازل القمر، و\"الأخبية\": جمع \"خباء\"، ومن شأن المرأة أن تحتجب في الأخبية، فهي سعدها،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358493,"book_id":3862,"shamela_page_id":367,"part":"2","page_num":41,"sequence_num":367,"body":"وهذا من المعاني الغريبة في مثل هذا المقصد، وقد اتفق \"سعد الأخبية\" و\"سعد السعود\" معًا، وهذا أيضًا غريب.\rكتاب عن الملك الأفضل إلى أخيه الملك الظاهر غازي:\rومن ذلك أني كتبت كتابًا عن الملك الأفضل، \"علي بن يوسف\" إلى أخيه الملك الظاهر \"غازي بن يوسف\" صاحب حلب، في أمر شخص كان أبوه صاحب\rمدينة \"تكريت\"١، وهذه تكريت كان يتولاها قديمًا الأمير أيوب٢ جد الملك\rالأفضل والملك الظاهر، وأولد بها ولده صلاح الدين يوسف أباهما، وعلى عقب ولادته انتقل والده عن تكريت هو، وعشيرته لأمر طرأ لهم٣، وجاء إلى الموصل، ثم إلى الشام، وهناك سعدوا وكانت السعادة على يد صلاح الدين يوسف.\rفلما أردت أن أكتب هذا الكتاب علمت أنه مظنة المعاني المبتدعة؛ لأن الأمر المكتوب فيه غريب لم يقع مثله، فحينئذ كبتت هذا الكتاب، وهو:\rرفع الله شأن مولانا الملك الظاهر، ولا زال الدهر فاخرًا بمآثر سلطانه، ناظمًا مناقبه في جيده ومحامده في لسانه، ناسخًا بمساعي دولته ما تقدم من مساعي آل","footnotes":"١ تكريت بفتح التاء، والعامة بكسرها، بلد مشهور بين بغداد والموصل، وبينها وبين بغداد ثلاثون فرسخا في غربي دجلة، ولها قلعة حصينة أحد جوانبها إلى دجلة.\r٢ هو نجم الدين أيوب بن شاذي بن مروان الملقب \"الملك الأفضل\"، وهو والد الملوك صلاح الدين، وسيف الدين وشمس الدولة، وسيف الإسلام وشاه شاه وتاج الملوك يوري وست الشام، وربيعة خاتون، وأخو الملك أسد الدين، شب به فرسه عند باب النصر -أحد أبواب القاهرة- فألقاه في وسط المحجة، فحمل إلى داره، وكانت وفاته سنة ٥٦٨هـ.\r٣ ذلك الأمر أن أخاه أسد الدين كان قد قتل رجلا، فأمسكه أخوه نجم الدين أيوب، وأعتقه، وكتب إلى بهروز وعرفه صورة الحال ليفعل به ما يراه، فوصل إليه جوابه: لأبيكما على حق، وبيني وبينه مودة متأكدة، فما يمكنني أن أكافئكما بحالة سيئة تصدر مني في حقكما، ولكن أشتهي منكما أن تتركا خدمتي، وتخرجا من بلدي وتطلبا الرزق حيث شئتما، فلما وصل إليهما الجواب\rما أمكنهما المقام بتكريت، فخرجا منها، ووصلا إلى الموصل، فأحسن إليهما الأتابك عماد الدين زنكي.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358494,"book_id":3862,"shamela_page_id":368,"part":"2","page_num":42,"sequence_num":368,"body":"بويه١ وآل حمدانه٢،كتاب الخادم هذا واردٌ من يد الأمير شمس الدين بن صاحب تكريت، وهي أول أرض مس جلد الوالد ترابها، ورقمت بها السعادة على جبينه كتابها، ومنها ظهر نور البيت الأيوبي مشرقًا، وأشام إذا خرج معرقًا، وكفاه بذلك وسيلة يكتنفها الإحسان والإرعاء، ويكفي صاحبها أن يقول: لا أسقي حتى يصدر الرعاء، وقد قرنها بوسيلة قصد الخدمة التي توجب لقاصدها ذمامًا، وتقول له: سلامًا إذا قال: سلامًا، ثم ثلث هاتين الوسيلتين بكتاب الخادم أخذًا بالسنة النبوية في الدعاء وعدده، وتفاؤلًا بتثليث النجوم فيما يقصده المرء من سعادة مقصده، ولا قدح في كرم الكريم إذا استكثر طالبه من الأسباب، فإن الله على كره قد استكثر إليه من أعمال الثواب.\r\"وكتاب الخادم على انفراده كافٍ لحامله، ومكثر من حقوق وسائله، وقد صدر مخاطبًا عن فحوى ضميره، فإنما تحق السفارة إذا قعد بكل طالبٍ سعي سفيره، وهو مع","footnotes":"١ آل بويه من الفرس، وجدهم الأقرب الذي أسس دولتهم أسمه \"بويه\"، ولقبه أبو شجاع، وكان له ثلاثة أولاد: علي، ويلقب عماد الدولة، وحسن، ويلقب ركن الدولة، وأحمد، ويلقب معز الدولة، جاءوا إلى بغداد سنة ٣٣٤هـ فرحب بها المستكفي، وخلع عليهم ولقبهم بتل الألقاب، وجعل معز الدولة أمير الأمراء، فاستبدوا في المملكة، واستولوا على الخلافة، وعزلوا الخلفاء وولوهم، فرفعوا منار الشيعة، وأحيوا معالمها، وأضعفوا نفوذ الأتراك، وامتدت سلطة البويهيين على العراق وفارس، والخراسان إلى سنة ٤٤٧هـ، وكانوا يحبون العلم والأدب، ولا يستوزرون أو يستكتبون إلا العلماء والشعراء والكتاب، فكان أشهر أدباء ذلك العصر من وزرائهم أو أعمالهم، أو قضاتهم أو كتابهم كابن العميد، والصاحب بن عباد وسابور بن أزدشير المهلبي، فضلا عن الأدباء من العمال، والقضاة وكتاب الدولة، على أن ملوك بني بويه أنفسهم اشتهر منهم غير واحد في الأدب والشعر.\r٢ الدولة الحمدانية دولة عربية من قبيلة تغلب بجوار الوصل، جدها حمدان كان له شأن في تلك الديار، واستولى ابنه محمد بن حمدان على ماردين، فأخرجه منها الخليفة المعتضد، وتولى أخوه أبو الهيجاء بن حمدان أمير على الموصل، وما يليها سنة ٢٩٢هـ واشتد ساعده، وزادت قوة الحمدانيين في ذلك الحين، وصاروا دولة حكم منها أربعة أمراء في الموصل، وخمسة في حلب، حتى خرجت الموصل منهم إلى البوثيين سنة ٣٨٠هـ، واستولى الفاطميون على حلب سنة ٣٩٤هـ، وأشهر بني حمدان في نصرة العمل، والأدب سيف الدولة - أبو الحسن علي- صاحب حلب من سنة ٣٣٣ إلى سنة ٣٥٦هـ.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358495,"book_id":3862,"shamela_page_id":369,"part":"2","page_num":43,"sequence_num":369,"body":"ذلك خفيفة صفحته، وجيزة لمحته، وإذا وجد لدى مولانا معولًا، فليس عليه أن يرد مطولًا إذ التعويل على نجح مصدره، لا على كثرة أسطره\".\rفانظر أيها المتأمل إلى هذا الكتاب، وأعطه حقه من التأمل، حتى ترى ما اشتمل عليه من المعاني، وانظر كيف ذكرت الأول، ثم الثاني، ثم الثالث.\rأما المعنى الأول: فإنه يختص بذكر سعادة البيت الأيوبي ومنشئها، وأنها ولدت بتكريت، وهذا الرجل ينبغي أن يرعى بسببها، إذ كان أبوه صاحبها.\rوأما المعنى الثاني: فإنه قصد الخدمة الظاهرية، وهذا وسيلة ثانية توجب له ذمامًا.\rوأما المعنى الثالث: فإنه حرمة الكتاب الصادر عن يده.\rثم إني مثلت ذلك بالدعاء النبوي وبتثليث النجوم، فإن النبي ﷺ كان إذا دعا دعا ثلاثًا.\rوإنما مثلت ذلك بالدعاء لأمرين:\rأحدهما أنه موضع سؤال وضراعة.\rوالآخر: أن الكتاب وسيلة ثالثة، والدعاء ثلاث مرار.\rوأما تثليث النجوم، فإن التثليث سعد، والتربيع نحس.\rوأحسن المعاني الثلاثة التي تضمنها هذا الكتاب هو الأول والثالث، وأما الثاني فإنه متداول.\rفتأمل ما أشرت إليه، وإذا شئت أن تكتب كتابًا، فافعل كما فعلت في هذا الكتاب، إن كان الأمر الذي تكتب فيه غريب الوقوع.\rواعلم أنه قد يقع المعنى المبتدع في غير أمر غريب الوقوع، وذلك يكون قليلًا بالنسبة إلى الوقائع الغريبة التي هي مظنة المعاني المبتدعة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358496,"book_id":3862,"shamela_page_id":370,"part":"2","page_num":44,"sequence_num":370,"body":"ومن هذا الباب ما أوردته في جملة رسالة طردية في وصف قسي البندق وحامليها: وهو:\r\"فإذا تناولوها في أيديهم قيل: أهلةٌ طالعةٌ من أكف أقمار، وإذا مثل غناؤها وغناؤهم قيل: منايا مسوقة بأيدي أقدار، وتلك قسي وضعت للعب لا للنضال، ولردى الأطيار لا لردى الرجال\".\r\"وإذا نعتها ناعت قال: إنها جمعت بين وصفي اللين والصلابة، وصنعت من نوعين غريبين فحازت معنى الغرابة، فهي مركبة من حيوان ونبات، مؤلفة منهما على بعد الشتات، فهذا من سكان البحر وسواحله، وهذا من سكان البر ومجاهله\".\r\"ومن صفاتها أنها لا تتمكن من البطش إلا حين تشد، ولا تنطلق في شأنها إلا حين تعطف وترد، ولها نثار أحكم تصويرها، وصحح تدويرها، فهي في لونها صندلية١ الإرهاب، وكأنما صيغت لقوتها من حجر لا من تراب، فإذا قذفتها إلى الأطيار قيل: ويصعد من الأرض من جبال فيها من برد، ولا يرى حينئذ إلا قتيل، ولكن بالمثقل الذي لا يجب في مثله قود٢، فهي كافلة من تلك الأطيار بقبض نفوسها، منزلة لها من جو السماء على أم رءوسها\".\rهذا الفصل يشتمل على معان غريبة:\rمنها قولي: \"إنها لا تتمكن من البطش إلا حين تشتد، ولا تنطلق إلا حين تعطف وترد\".\rومنها قولي: \"ويصعد من الأرض من جبال فيها من برد\".\rوكل هذا من المعاني التي تبتدع بالنظر إلى المقصد المكتوب فيه، فإن الكاتب إذا فكر فيما لديه وتأمله، وكان قادرًا على استخراج المعنى، والمناسبة بينه وبين مقصده جاء","footnotes":"١ منسوبة إلى الصندل، خشب أجود الأحمر أو الأبيض.\r٢ القود بفتحتين القصاص.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358497,"book_id":3862,"shamela_page_id":371,"part":"2","page_num":45,"sequence_num":371,"body":"هكذا كما تراه، إلا أن القادر على ذلك من أقدره الله عليه، فما كان خاطر بحكيم، ولا كل من أوحى إليه بكليم، وفي الأقلام هاشم لمن ناوأه، ومنها هشيم!\rوسأنبه في هذا الموضع على طريق يسلك إلى شيء من المعاني المخترعة، وهو ما استخرجته، وانفردت باستخراجه دون غيري، فإن المعاني المخترعة لم يتكلم فيها أحد بالإشارة إلى طريق يسلك فيها؛ لأن ذلك مما لا يمكن، ومن ههنا أضرب علماء البيان عنه، ولم يتكلموا فيه كما تكلموا في غيره!\rوكيف تتقيد المعاني المخترعة بقيد، أو يفتح إليها طريق تسلك، وهي تأتي من فيض إلهي بغير تعليم?\rولهذا اختص بها بعض الناثرين والناظمين دون بعض، والذي يخص بها يكون فذا واحدًا يوجد في الزمن المتطاول.\rولما مارست أنا هذا الفن -أعني فن الكتابة- وقلبته ظهرًا لبطن، وفتشت عن دفائنه وخباياه، وأكثرت من تحصيل مواده والأسباب الموصلة إلى الغاية منه، سنح لي في شيء من المعاني المخترعة طريقٌ سلكته، وهو يستخرج من كتاب الله تعالى، وأحاديث نبيه صلوات الله عليه وسلامه، وقد تقدم لي منه أمثلة في هذا الكتاب.\rوذلك أنه ترد الآية من كتاب الله تعالى، أو الحديث النبوي، والمراد بهما معنى من المعاني، فآخذ أنا ذلك وأنقله إلى معنى آخر، فيصير مخترعًا لي.\rوسأورد ههنا نبذة يسيرة يعلم منها كيف فعلت حتى يسلك إليها في الطريق الذي سلكته.\rفمن ذلك قصة أصحاب الكهف والرقيم١، فإني أخذت ذلك ونقلته إلى الإحسان والشكر.","footnotes":"١ الرقيم قرية أصحاب الكهف، أو جبلهم، أو كلبهم، أو الوادي، أو الصخرة أو لوح رصاص نقش فيه نسبهم، وأسماؤهم ودينهم ومم هربوا، أو الدواة أو اللوح -أو القاموس ٤-١٢٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358498,"book_id":3862,"shamela_page_id":372,"part":"2","page_num":46,"sequence_num":372,"body":"ألا ترى أن الإحسان يستعار له كهف وكنف وظل، وأشباه ذلك.\rوالشكر كلمات تقال في التنويه بذكر المحسن وإحسانه.\rوالرقيم هو الكتاب المكتوب، فهو والشكر متماثلان.\rوالذي أتيت به قد أوردته وهو:\rفصل من كتاب إلى بعض المنعمين:\r\"الخادم يشكر إحسان المولى الذي ظل عنده مقيمًا، وغدا بمطالبه زعيمًا، وأصبح بتواليه إليه مغرمًا، كما أصبح له غريمًا، ولما تمثل في الاشتمال عليه كهفًا صار شكره فيه رقيمًا\".\rفانظر كيف فعلت فيه في هذا الموضع لتعلم أني قد فتحت لك فيه طريقًا تسلكه!\rوأما الحديث النبوي، فإني أخذت قصة قتلى بدر، كأبي جهل وعتبة وشيبة وغيرهم، ونقلتها إلى القلم.\rوذاك أن النبي ﷺ وقف على القليب الذي ألقاهم فيه وناداهم بأسمائهم فقال: $\"يا عتبة، يا شيبة، يا أبا جهل، يا فلان، يا فلان\"، والحديث مشهور فلا حاجة إلى استقصائه.\rوالذي أتيت به في وصف القلم هو أني قلت:\r\"ولقد مرح القلم في يدي وحق له أن يمرح، وأبدع فيما أتى به، وكل إناءٍ بالذي فيه ينضح، ومن شأنه أن يستقل على أعواد المنبر، فلا ينتهي من خطبتها إلى فصلها، ويقف على جانب القليب إلا أنه لا ينادي من المعاني أبا جهلها\".\rفالدواة قليبٌ، والقلم يقف عليه، والمعاني التي ينشئها من باب العلم، لا من باب الجهل.\rفتأمل هذه الكلمات التي ذكرتها فإنها لطيفة جدًا، وهي مخترعة لي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358499,"book_id":3862,"shamela_page_id":373,"part":"2","page_num":47,"sequence_num":373,"body":"وهذا القدر كافٍ في طريق التعليم، فليحذ حذوه -إن أمكن- والله الموفق للصواب.\rوأما الضرب الآخر من المعاني، وهو الذي يحتذى فيه على مثال سابق، ومنهج مطروق، فذلك جل ما يستعمله أرباب هذه الصناعة، ولذلك قال عنترة:\rهل غادر الشعراء من متردم١\rإلا أنه لا ينبغي أن يرسخ هذا القول في الأذهان؛ لئلا يؤيس من الترقي إلى درجة الاختراع، بل يعول على القول المطمع في ذلك، وهو قول أبي تمام٢:\rلا زلت من شكري في حلةٍ ... لابسها ذو سلبٍ فاخر\rيقول من تقرع أسماعه ... كم ترك الأول للآخر\rوعلى الحقيقة فإن في زوايا الأفكار خبايا، وفي أبكار الخواطر سبايا، لكن قد تقاصرت الهمم، ونكصت العزائم، وصار قصارى الآخر أن يتبع الأول، وليته تبعه، ولم يقصر عنه تقصيرًا فاحشًا.\rووقفت على كتاب يقال له: \"مقدمة ابن أفلح البغدادي\"، قد قصرها على تفصيل أقسام علم الفصاحة والبلاغة، وللعراقيين بها عناية وهم واصفون لها، ومكبون عليها.\rولما تأملتها وجدتها قشورًا لا لب تحتها؛ لأن غاية ما عند الرجل أن يقول: وأما","footnotes":"١ هذا صدر مطلع معلقته، وعجزه:\rأم هل عرفت الدار بعد توهم\r٢ ديوان أبي تمام ١٤٣ من قصيدة في مدح أبي سعيد محمد بن يوسف الثغري أولها:\rقل للأمير الأريحي الذي ... كفاه للبادي وللحاضر\rلتجزك الأيام مندوحة ... ونضرة عن عودي الناضر","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358500,"book_id":3862,"shamela_page_id":374,"part":"2","page_num":48,"sequence_num":374,"body":"الفصاحة فإنها كقول النابغة مثلًا، أو كقول الأعشى١، أو غيرهما، ثم يذكر بيتًا من الشعر أو أبياتًا، وما بهذا تعرف حقيقة الفصاحة حتى إذا وردت في كلامٍ عرفنا أنه فصيح، بما عرفنا من حقيقتها الموجودة فيها، وكذلك يقول في غير الفصاحة.\rومن أعجب ما وجدته في كتاب أنه قال: أما المعاني المبتدعة، فليس للعرب منها شيء، وإنما اختص بها المحدثون، ثم ذكر للمحدثين معاني، وقال: هذا المعنى لفلان، وهو غريب، وهذا القول لفلان، وهو غريب.\rوتلك الأقوال التي خص قائليها بأنهم ابتدعوها قد سبقوا إليها، فإما أن يكون غير عارف بالمعنى الغريب، وإما أنه لم يقف على أقوال الناظمين والناثرين، ولا تبحر فيها، حتى عرف ما قاله المتقدم، مما قاله المتأخر.\rوأما قوله: \"إنه ليس للعرب معنى مبتدع، وإنما هو للمحدثين، فيا ليت شعري! من السابق إلى المعاني? من تقدم زمانه أم من تأخر زمانه؟\rوأنا أورد ههنا ما يستدل به على بطلان ما ذكره.\rوذاك أنه قد ورد من المعاني أن صور المنازل تمثلت في القلوب، فإذا عفت آثارها لم تعف صورها من القلوب، وأول من أتى بذلك العرب، فقال الحرث بن خالد٢ من أبيات الحماسة٣:","footnotes":"١ أعشى قيس هو ميمون بن قيس بن جندل من بكر بن وائل من ربيعة، وهو أحد الأعلام من شعراء الجاهلية وفحولهم، والبعض يقدمونه على سائرها، ويحتج الذين يقدمونه بكثرة طواله الجياد، وتصرفه في المديح والهجاء، وسائر فنون الشعر مما ليس لسواه، ويقال: إنه أول من سأل بشعره، وأنتجع به أقاصي البلاد، وكان يغني به، فسمي صناجة العرب، توفي سنة ٦٢٩م.\r٢ هو الحارث بن خالد المخزومي، شاعر كثير الشعر، وكان في عهد بني أمية ولي مكة من قبل يزيد بن معاوية، فلم يمكنه ابن الزبير، فلما ولي عبد الملك أقره عليها، ثم عزله: فعتب عليه بأبيات من الشعر، فأرضاه ووصله، وهو أحد المعدودين من شعراء قريش، ولا سيما في الغزل والنسيب، وكان يذهب مذهب عمر بن أبي ربيعة، ولا يتجاوز الغزل إلى المديح والهجاء، وأكثر شعره في عائشة بنت طلحة وكان يهواها ويشبب بها.\r٣ ديوان الحماسة ٢/ ٨٦ من أربعة أبيات ترك بن الأثير منها وهو قوله:\rفيكاد يعرفها الخبير بها ... فيرده الإفواء والمحل","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358501,"book_id":3862,"shamela_page_id":375,"part":"2","page_num":49,"sequence_num":375,"body":"إني وما نحروا غداة منىً ... عند الجمار يئودها العقل١\rلو بدلت أعلى مساكنها ... سفلًا وأصبح سفلها يعلو\rلعرفت مغناها بما٢ ضمنت ... مني الضلوع لأهلها قبل\rثم جاء المحدثون من بعده، فانسحبوا على ذيله، وحذوا حذوه، فقال أبو تمام٣:\rوقفت وأحشائي منازل للأسى ... به وهو قفرٌ قد تعفت منازله\rوقال البحتري٤:\rعفت الرسوم وما عفت أحشاؤه ... من عهد شوقٍ ما تحول٥ فتذهب\rوقال المتنبي٦:\rلك يا منازل في القلوب منازل ... أقفرت أنت وهن منك أواهل\rوهذا المعنى قد تداوله الشعراء، حتى إنه ما من شاعر إلا ويأتي به في شعره.\rوكذلك ورد لبعضهم من شعراء الحماسة٧:\rأناخ اللؤم وسط بني رياح ... مطيته وأقسم لا يريم٨\rكذلك كل ذي سفرٍ إذا ما ... تناهى عند غايته يقيم٩","footnotes":"١ في الأصل \"وإن نحروا\"، والواو من \"وما نحروا\" القسم وآده أعياه، والعقل واحده عقال، ما يعقل به البعير عن السير أو للنحر، وجواب القسم \"لو بدلت\" إلى آخر الأبيات.\r٢ في ديوان الحماسة، \"لما ضمنت\".\r٣ ديوان أبي تمام ٢٢٩ من قصيدة يمدح فيها المعتصم بالله، أولها:\rأجل أيها الربع الذي خف آهله ... لقد أدركت فيك النوى ما تحاوله\r٤ ديوان البحتري ٣-١٨٨ من قصيدة يمدح بها إسحاق بن إبراهيم، ومطلعها:\rعارضتنا أصلا فقلنا الربرب ... حتى أضاء الأقحوان الأشنب\r٥ في الديوان \"ما يحول\" بالياء.\r٦ ديوان المتنبي ٣-٢٤٩ مطلع قصيدة في مدح القاضي أبي الفضل أحمد بن عبد الله الأنطاكي.\r٧ ديوان الحماسة ٢، ٢٢٨.\r٨ في الأصل \"بني رماح\" و\"وأقسم\"، والتصويب عن ديوان الحماسة، ومعنى لا يريم لا يبرح.\r٩ في ديوان الحماسة \"مقيم\" بالميم موضع الياء.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358502,"book_id":3862,"shamela_page_id":376,"part":"2","page_num":50,"sequence_num":376,"body":"وهذان البيتان من أبيات المعاني المبتدعة، وعلى أثرهما مشى الشعراء.\rوكذلك ورد لبعضهم في شعر الحماسة١:\rتركت ضأني تود الذئب راعيها ... وأنها لا تراني آخر الأبد\rالذئب يطرقها في الدهر واحدةً ... وكل يومٍ تراني مديةٌ بيدي\rوكذلك ورد قول الآخر:\rقومٌ إذا ما جنى جانيهم أمنوا ... للؤم أحسابهم أن يقتلوا قودا٢\rوكم للعرب من هذه المعاني التي سبقوا إليها.\rومن أدل الدليل على فساد ما ذهب إليه٣ من أن المحدثين هم المختصون بابتداع المعاني، أن أول من بكى على الديار في شعره رجل يقال له: ابن حزام، وكان هو المبتدئ لهذا المعنى أولًا، وقد ذكره امرؤ القيس في شعره فقال٤:\rعوجًا على الطلل المحيل لعلنا ... نبكي الديار كما بكى ابن حذام٥\rوقد أجمع نقلة الأشعار أن لامرئ القيس في صفات الفرس أشياء كثيرة لم يسبق إليها، ولا قيلت من قبله.\rويكفي من هذا كله ما قدمت القول فيه، وهو أن العرب السابقون بالشعر، وزمانهم هو الأول، فكيف يقال: إن المتأخرين هم السابقون إلى المعاني?!\rوفي هذه الأمثلة التي أوردتها كفاية في نقض ما ذكره.","footnotes":"١ ديوان الحماسة ٢/ ٢٤٥.\r٢ البيت في نقد الشعر ٤٧، وفي الصناعتين ١٠٥ وقبله:\rاللؤم أكرم من وبر ووالده ... واللؤم أكرم من وبر وما ولدا\r٣ يشير إلى ابن أفلح وكلامه في مقدمته.\r٤ طبقات الشعراء لابن سلام ٢١.\r٥ قال ابن سلام: وابن حذام رجل من طيئ لم يسمع شعره الذي بكى فيه، ولا شعر غير هذا البيت الذي نكره امرؤ القيس، وفي الأصل \"ابن حرام\"، وفي الأصل \"الطلل المخيل\" بالخاء المعجمة، ومعنى المحيل المتغير.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358503,"book_id":3862,"shamela_page_id":377,"part":"2","page_num":51,"sequence_num":377,"body":"ولو قال١: إن المحدثين أكثر ابتداعًا للمعاني، وألطف مأخذًا وأدق نظرًا، لكان قوله صوابًا؛ لأن المحدثين عظم الملك الإسلامي في زمانهم، ورأوا ما لم يره المتقدمون، وقد قيل: إن اللها تفتح اللها٢، وهو كذلك فإن نفاق السوق جلاب.\rوقد رأيت جماعة من متخلفي هذه الصناعة يجعلون همهم مقصورا على الألفاظ التي لا حاصل وراءها، ولا كبير معنى تحتها، وإذا أتى أحده بلفظ مسجوع على أي وجه كان من الغثاثة، والبرد يعتقد أنه قد أتى بأمر عظيم، ولا يشك في أنه صار كاتبًا مفلقًا.\rإذا نظر إلى كتاب زماننا وجدوا كذلك، فقاتل الله القلم الذي يمشي في أيدي الجهال الأغمار، ولا يعلم أنه كجواد يمشي تحت حمار.\rولو أنه لا يتطاول إليه إلا أهله لبان الفاضل من الناقص، على أنه كالرمح الذي إذا اعتقله حامله بين الصفين بان به المقدم من الناكص، وقد أصبح اليوم في يد قومٍ هم أحوج من صبيان الكاتب إلى التعليم، وقد قيل: إن الجهل بالجهل داء لا ينتهي إليه سقم السقيم.\rوهؤلاء لا ذنب لهم؛ لأنهم لو لم يستخدموا في الدول ويستكتبوا، وإلا ما ظهرت جهالتهم، وفي أمثال العوام: لا تعر الأحمق شيئًا فيظنه له، وكذلك يجري الأمر مع هؤلاء، فإنهم استكتبوا في الدول، فظنوا أن الكتابة قد صارت لهم بأمر حق واجب.\rومن أعجب الأشياء أني لا أرى إلا طعامًا في هذا الفن، مدعيًا له على خلوه عن تحصيل آلاته وأسبابه، ولا أرى أحدًا يطمع في فن من الفنون غيره، ولا يدعيه!","footnotes":"١ الضمير عائد على ابن أفلح، والكلام في مقدمته.\r٢ اللها بالضم جمع لهوة بالضم العطية دراهم كانت أو غيرها، واللها بالفتح واللهوات، واللهيات أيضا جمع لهاة بالفتح، وهي الهنة المطبقة في أقصى سقف الفم.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358504,"book_id":3862,"shamela_page_id":378,"part":"2","page_num":52,"sequence_num":378,"body":"هذا، وهو بحر لا ساحل له، يحتاج صاحبه إلى تحصيل علوم كثيرة حتى ينتهي إليه، ويحتوي عليه، فسبحان الله! هل يدعي هؤلاء أنه فقيه، أو طبيب أو حاسب أو غير ذلك من غير أن يحصل آلات ذلك، ويتقن معرفتها?\rفإذا كان العلم الواحد من هذه العلوم الذي يمكن تحصيله في سنة، أو سنتين من الزمان، لا يدعيه أحد من هؤلاء، فكيف يجيء إلى فن الكتاب، وهو ما لا تحصل معرفته إلا في سنين كثيرة، فيدعيه وهو جاهل به?\rومما رأيته من المدعين لهذا الفن الذين حصلوا منه على القشور، وقصروا معرفتهم على الألفاظ المسجوعة الغثة التي لا حاصل وراءها، أنهم إذا أنكرت هذه الحال عليهم، وقيل لهم: إن الكلام المسجوع ليس عبارة عن تواطؤ الفقر على حرف واحد فقط، إذ لو كان عبارة عن هذا وحده لأمكن أكثر الناس أن يأتوا به من غير كلفة، وإنما هو أمر وراء هذا، وله شروط متعددة، فإذا سمعوا ذلك أنكروه، لخلوهم عن معرفته، ثم لو عرفوه وأتوا به على الوجه الحسن من اختيار الألفاظ المسجوعة لاحتاجوا إلى شرط آخر، قد نبهت عليه في باب \"السجع\".\rوإذا أنكر عليهم الاقتصار على الألفاظ المسجوعة، وهدوا إلى طريق المعاني يقولون: لنا أسوة بالعرب الذين هم أرباب الفصاحة، فإنهم إنما اعتنوا بالألفاظ ولم يعتنوا بالمعاني اعتناءكم بها!!\rفلم يكفهم جهلهم فيما ارتكبوه، حتى ادعوا الأسوة بالعرب فيه، فصارت جهالتهم جهالتين.\rولنذكر ههنا في الرد عليهم ما إذا تأمله الناظر في كتابنا عرف منه ما يؤنقه، ويذهب به الاستحسان كل مذهب، فنقول:\rاعلم أن العرب كانت تعتني بالألفاظ فتصلحها، وتهذبها فإن المعاني أقوى عندها، وأكرم عليها، وأشرف قدرًا في نفوسها، فأول ذلك عنايتها بألفاظها؛ لأنها لما كانت عنوان معانيها، وطريقها إلى إظهار أغراضها أصلحوها وزينوها، وبالغوا في","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358505,"book_id":3862,"shamela_page_id":379,"part":"2","page_num":53,"sequence_num":379,"body":"تحسينها، ليكون ذلك أوقع لها في النفس، وأذهب بها في الدلالة على القصد.\rألا ترى أن الكلام إذا كان مسجوعًا لذ لسامعه فحفظه، وإذا لم يكن مسجوعًا لم يأنس به أنسه في حالة السجع؟\rفإذا رأيت العرب قد أصلحوا ألفاظهم، وحسنوها ورققوا حواشيها، وصقلوا أطرافها، فلا تظن أن العناية إذا ذاك إنما هي بألفاظ فقط، بل هي خدمة منهم للمعاني، ونظير ذلك إبراز صورة الحسناء في الحلل الموشية والأثواب المحبرة، فإنا قد نجد من المعاني الفاخرة ما يشوه من حسنة بذاذة لفظه، وسوء العبارة عنه.\rفإن قيل: إنا نرى من ألفاظ العرب ما قد حسنوه وزخرفوه، ولسنا نرى تحته مع ذلك معنى شريفًا، فمما جاء منه قول بعضهم١:\rولما قضينا من منىً كل حاجةٍ ... ومسح بالأركان من هو ماسح\rأخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطي الأباطح\rألا ترى إلى حسن هذا اللفظ وصقالته، وتدبيج أجزائه؟ ومعناه مع ذلك ليس مدانيًا له ولا مقاربًا، فإنه إنما هو: لما فرغنا من الحج ركبنا الطريق راجعين وتحدثنا على ظهور الإبل، ولهذا نظائر شريفة الألفاظ خسيسة المعاني٢؟","footnotes":"١ هذا الشعر ينسب إلى كثير عزة، وإلى يزيد بن الطثرية؛ ونسبها الشريف المرتضى في أماليه للمضرب، وهو عقبة بن كعب بن زهير بن أبي سلمى \"٢/ ١١٠\"، وبين هذين البيتين بيت هو:\rوشدت على حدب المهارى رحالنا ... ولم ينظر الغادي الذي هو رائح\rوفي بعض الروايات \"دهم المهارى\" والمهارة جمع مهرية، وهي الإبل المنسوبة إلى قبيلة \"مهرة بن حيدن\".\r٢ صاحب هذا النقد هو ابن قتيبة \"٢٧٦هـ\"، فإنه جعل الشعر أربعة أضرب ثانيها ضرب حسن لفظه وحلا، فإذا أنت فتشته لم تجد هناك فائدة في المعنى، وتمثل بالأبيات الثلاثة المذكورة، ثم عقب عليها بقوله: هذه الألفاظ كما ترى أحسن شيء مخارج ومطالع، إن نظرت إلى ما تحتها من المعنى وجدته: ولما قطعنا أيام منى، واستلمنا الأركان، وعالينا إبلنا الأنضاء، ومضى الناس لا ينتظر الغادي الرائح، أبتدأنا في الحديث، وسارت المطي في الأبطح، وهذا في الشعر كثير \"الشعر \"الشعر والشعراء ١/ ١١\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358506,"book_id":3862,"shamela_page_id":380,"part":"2","page_num":54,"sequence_num":380,"body":"فالجواب عن ذلك أنا نقول١: هذا الموضع قد سبق إلى التشبث به من لم ينعم النظر فيه، ولا أرى ما رآه القوم، وإنما ذلك لجفاء طبع الناظر، وعدم معرفته وهو أن في قول هذا الشاعر: \"كل حاجة\" مما يستفيد منه أهل النسيب والرقة \"وذوو\"٢ والأهواء، والمقة ما لا يستفيد غيرهم، ولا يشاركهم فيه من ليس منهم.\rألا ترى أن حوائج منىً أشياء كثيرة؟ فمنها التلاقي، ومنها التشاكي، ومنها التخلي للاجتماع، إلى غير ذلك مما هو تالٍ له ومعقود الكون به، فكأن الشاعر صانع عن هذا الموضع الذي أومأ له، وعقد غرضه عليه، بقوله في آخر البيت: \"ومسح بالأركان من هو ماسح\" أي: إنما كانت حوائجنا التي قضيناها وآرابنا٣ التي بلغناها من هذا النحو الذي هو مسح الأركان، وما هو لاحق به، وجارٍ في القرية من الله مجراه: أي لم نتعد هذا القدر المذكور إلى ما يحتمله أول البيت من التعريض الجاري مجرى التصريح.\rوأما البيت الثاني: فإن فيه \"أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا\"، وفي هذا ما تذكره لتعجب به، وبمن عجب منه، ووضع من معناه!","footnotes":"= وتمثل بهذه الأبيات قدامة بن جعفر في نعت اللفظ بأن يكون سمحا سهل مخارج الحروف من مواضعها: عليه رونق الفصاحة مع الخلو من البشاعة، مثل أشعار يوجد فيها ذلك، وأن خلت من سائر النعوت للشعر \"نقد الشعر١٢\".\rوقال أبو هلال العسكري: إن الكلام الذي إذا كان لفظه حلوا عذبا وسلسا سهلا، ومعناه وسطا، دخل في جملة الجيد، وجرى مع الرائع النادر، وذكر الأبيات الثلاثة، ثم عقب عليها بمثل تعقيب بن قتيبة \"انظر الصناعتين ٥٩\".\r١ قد يعتقد القارئ أن هذا الجواب من ثمار فطنة بن الأثير، واستواء ملكته النقدية، ولكن الحقيقة أنه سطا عليه، ونقله بمعانيه وأكثر حروفه من غير أن يرجعه إلى صاحبه، وكثيرا ما رأينا منه مثل ذلك، وهذا الجواب هو من تأليف أبي الفتح عثمان بن جني صاحب \"الخصائص\"، الذي بسط القول فيه على هذا النحو \"انظر الخصائص ١/ ٢٢٥\"، وقد أخذ رأي ابن جني أيضا عبد القاهر الجرجاني، وجعله دفاعا عن الشعر عند من استقل معناه \"انظر أسرار البلاغة ١٥-١٨\".\r٢ زيادة عن الخصائص.\r٣ في الخصائص \"وآدابنا\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358507,"book_id":3862,"shamela_page_id":381,"part":"2","page_num":55,"sequence_num":381,"body":"وذلك أنه لو قال: \"أخذنا في أحاديثنا\"، أو نحو ذلك، لكان فيه ما يكبره أهل النسيب، فإنه قد شاع عنهم واتسع في محاوراتهم علو قدر الحديث بين الإلفين، والجذل بجمع شمل المتواصلين، ألا ترى إلى قول بعضهم:\rوحديثها يا سعد عنها فزدتني ... جنونًا فزدني من حديثك يا سعد\rوقول الآخر:\rوحديثها السحر الحلال لو أنه ... لم يجن قتل المسلم المتحرز١\rفإذا كان قدر الحديث عندهم \"مرسلا\"٢ على ما ترى، فكيف به إذا قيدوه بقوله: \"أخذنا بأطراف الأحاديث\"؟ فإن ذلك وحيًا خفيا، ورمزًا حلوًا، ألا ترى أنه قد يريد بأطرافها، ما يتعاطاه المحبون، ويتفاوضه ذوو الصبابة من التعريض والتلويح، والإيماء دون التصريح؟ وذلك أحلى وأطيب، وأغزل وأنسب، من أن يكون كشفًا، ومصارحة وجهرًا.\rوإن كان الأمر كذلك، فمعنى هذين البيتين أعلى عندهم، وأشد تقدمًا في نفوسهم من لفظهما، وإن عذب ولذ مستمعه.\rنعم في قول الشاعر:\rوسالت بأعناق المطي الأباطح\rمن لطافة المعنى وحسنه ما لا خفاء به.\rوسأنبه على ذلك، فأقول إن هؤلاء القوم لما تحدثوا، وهم سائرون على المطايا شغلتهم لذة الحديث عن إمساك الأزمة، فاسترخت عن أيديهم، وكذلك شأن من يشره، وتغلبه الشهوة في أمر من الأمور، ولما كان الأمر كذلك، وارتخت الأزمة عن","footnotes":"١ هذا البيت والذي قبله في الخصائص ١/ ٧٢٢.\r٢ زيادة عن الخصائص ١/ ٢٢٨، والكلام منقول عن ابن جني كما قدمنا.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358508,"book_id":3862,"shamela_page_id":382,"part":"2","page_num":56,"sequence_num":382,"body":"الأيدي أسرعت المطايا في المسير، فشبهت أعناقها بمرور السيل على وجه الأرض في سرعته، وهذا موضع كريم حسن، لا مزيد على حسنه.\rوالذي لا ينعم نظره فيه لا يعلم ما اشتمل عليه من المعنى، فالعرب إنما تحسن ألفاظها، وتزخرفها عنايةً منها بالمعاني التي تحتها.\rفالألفاظ إذًا خدم المعاني، والمخدوم لا شك أشرف من الخادم، فاعرف ذلك وقس عليه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358509,"book_id":3862,"shamela_page_id":383,"part":"2","page_num":57,"sequence_num":383,"body":"النوع الأول: في الاستعارة\rولنقدم قبل الكلام في هذا الموضع قولًا جامعًا، فنقول:\rاعلم أن للفصاحة والبلاغة أوصافًا خاصة، وأوصافًا عامة.\rفالخاصة: كالتجنيس فيما يرجع إلى اللفظ، وكالمطابقة فيما يرجع إلى المعنى.\rوأما العامة فكالسجع فيما يرجع إلى اللفظ، وكالاستعارة فيما يرجع إلى المعنى.\rوهذا الموضع الذي نحن بصدد ذكره -وهو الاستعارة- كثير الإشكال، غامض الخفاء.\rوسأورد في كتابي هذا ما استخرجته، ولم أسمع فيه قولًا لغيري.\rوكنت قدمت القول في الفصل السابع من مقدمة الكتاب١، فيما يختص بإثبات المجاز، والرد على من ذهب إلى أن الكلام كله حقيقة لا مجاز فيه، وأقمت الدليل على ذلك، ولا حاجة إلى إعادته ههنا.\rبل الذي أذكره ههنا هو ما يختص بالاستعارة التي هي جزء من المجاز، ولم سميت بهذا الاسم، وكشفت عن حقيقتها، وميزتها عن التشبيه المضمر الأداة.\rوالكلام في هذا يحتاج إلى إعادة ذكر المجاز، وإدخاله فيه ليتقرر ويتبين.\rأقسام المجاز:\rوالذي انكشف لي بالنظر الصحيح أن المجاز ينقسم قسمين:\rتوسع في الكلام، وتشبيه.","footnotes":"١ انظر صفحة ١٠٥ من القسم الأول من هذا الكتاب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358510,"book_id":3862,"shamela_page_id":384,"part":"2","page_num":58,"sequence_num":384,"body":"والتشبيه ضربان: تشبيه تام، وتشبيه محذوف.\rفالتشبيه التام: أن يذكر المشبه والمشبه به.\rوالتشبيه المحذوف: أن يذكر المشبه به، ويسمى \"استعارة\".\rوهذا الاسم وضع للفرق بينه وبين التشبيه التام، وإلا فكلاهما يجوز أن يطلق عليه اسم \"التشبيه\"، ويجوز أن يطلق عليه اسم \"الاستعارة\"، لاشتراكهما في المعنى.\rوأما التوسع، فإنه يذكر للتصرف في اللغة، لا لفائدة أخرى.\rوإن شئت قلت: إن المجاز ينقسم إلى توسع في الكلام، وتشبيه واستعارة، ولا يخرج عن أحد هذه الأقسام الثلاثة، فأيها وجد كان مجازًا.\rفإن قيل: إن التوسع شامل لهذه الأقسام الثلاثة؛ لأن الخروج من الحقيقة إلى المجاز اتساع في الاستعمال.\rقلت في الجواب: إن التوسع في التشبيه والاستعارة جاء ضمنًا وتبعًا، وإن لم يكن هو السبب الموجب لاستعالهما.\rوأما القسم الآخر -الذي هو لا تشبيه ولا استعارة- فإن النسب في استعماله هو طلب التوسع لا غير.\rوبيان ذلك أنه قد ثبت أن المجاز فرع عن الحقيقة، وأن الحقيقة هي الأصل، وإنما يعدل عن الأصل إلى الفرع لسبب اقتضاه.\rوذلك السبب الذي يعدل فيه عن الحقيقة إلى المجاز، إما أن يكون لمشاركة بين المنقول، والمنقول إليه في وصف من الأوصاف، وإما أن يكون لغير مشاركة.\rالفرق بين التشبيه والاستعارة:\rفإن كان لمشاركة: فإما أن يذكر المنقول والمنقول إليه معًا، وإما أن يذكر المنقول إليه دون المنقول.\rفإن ذكر المنقول والمنقول إليه معًا كان ذلك تشبيهًا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358511,"book_id":3862,"shamela_page_id":385,"part":"2","page_num":59,"sequence_num":385,"body":"والتشبيه تشبيهان: تشبيه مظهر الأداة، كقولنا: زيد كالأسد، وتشبيه مضمر الأداة، كقولنا: زيد أسد.\rوهذا التشبيه مضمر الأداة وقد خلطه قوم بالاستعارة١، ولم يفرقوا بينهما، وذلك خطأ محض.\rوسأوضح وجه الخطأ فيه، وأحقق القول في الفرق بينهما تحقيقًا جليًا، فأقول: أما التشبيه المظهر الأداة فلا حاجة بنا إلى ذكره ههنا؛ لأنه معلوم لا خلاف فيه، لكن نذكر \"التشبيه المضمر الأداة\" الذي وقع فيه الخلاف، فنقول:\rإذا ذكر المنقول والمنقول إليه على أن تشبيه مضمر الأداة قيل فيه: زيد أسد، أي كالأسد، فأداة التشبيه فيه مضمرة، وإذا أظهرت حسن ظهورها، ولم تقدح في الكلام الذي أظهرت فيه، ولا تزيل عنه فصاحة ولا بلاغة.\rوهذا بخلاف ما إذا ذكر المنقول إليه دون المنقول، فإنه لا يحسن فيه ظهور أداة التشبيه، ومتى أظهرت أزالت عن ذلك الكلام ما كان متصفًا به من جنس فصاحة وبلاغة، وهذا هو \"الاستعارة\".\rولنضرب لك مثالًا نوضحه، فنقول:\rقد ورد هذا البيت لبعض الشعراء، وهو:\rفرعاء إن نهضت لحاجتها ... عجل القضيب وأبطأ الدعص٢","footnotes":"١ سبق القاضي الجرجاني صاحب الوساطة ابن الأثير إلى التمييز بينهما، فقد ذكر أنه قد ورد ما يظنه الناس استعارة وهو تشبيه أو مثل، وأن بعض أهل الأدب ذكر أنواعا من الاستعارة عد فيها قول أبي نواس:\rالحب ظهر أنت راكبه ... فإذا صرفت عنانه انصرفا\rوليس هذا وما أشبهه استعارة، وإنما معنى البيت أن الحب مثل ظهر، أو الحب كظهر تدبره كيف شئت إذا ملكت عنانه، فهو إما ضرب مثل، أو تشبيه شيء بشيء وإنما الاستعارة ما أكتفي فيها بالاسم المستعار عن الأصل، ونقلت العبارة فجعلت في مكان غيرها، وملاكها تقريب الشبه، ومناسبه المستعار له للمستعار منه، وامتزاج اللفظ بالمعنى، حتى لا يوجد بينهما منافرة، ولا يتبين في أحدهما إعراض عن الآخر، وانظر الوساطة بين المتنبي وخصومه ٤٠.\r٢ الفرعاء التامة الشعر، والدعص قطعة من الرمل مستديرة أو الكثيب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358512,"book_id":3862,"shamela_page_id":386,"part":"2","page_num":60,"sequence_num":386,"body":"وهذا قد ذكر فيه المنقول إليه دون المنقول؛ لأن تقديره عجل قد كالقضيب، وأبطأ ردفٌ كالدعص، وبين إيراده على هذا التقدير، وبين إيراده على هيئته في البيت بونٌ بعيد في الحسن والملاحة.\rوالفرق إذًا أن التشبيه المضمر الأداة بحسن إظهار أداة التشبيه فيه، والاستعارة لا يحسن ذلك فيها.\rوعلى هذا فإن الاستعارة لا تكون إلا بحيث يطوى ذكر المستعار له الذي هو المنقول إليه، ويكتفى بذكر المستعار الذي هو المنقول.\rفإن قيل: لا نسلم أن الفرق بين التشبيه، وبين الاستعارة ما ذهبت إليه، بل الفرق بينهما أن التشبيه إنما يكون بأداته كالكاف، وكأن وما جرى مجراهما، فما لم يظهر فيه أداة التشبيه لا يكون تشبيهًا، وإنما يكون استعارة فإذا قلنا: \"زيد أسد\" كان ذلك \"استعارة\"، وإذا قلنا: زيد كالأسد كان ذلك \"تشبيهًا\".\rقلت في الجواب عن ذلك: إذا لم نجعل قولنا: \"زيد أسد\" تشبيهًا مضمر الأداء لاستحال المعنى؛ لأن زيدًا ليس أسدًا، وإنما هو كالأسد في شجاعته، فأداة التشبيه تقدر ههنا ضرورة كي لا يستحيل المعنى.\rفإن قيل: وكذلك أيضًا إذا لم تقدر أداة التشبيه في الاستعارة استحال المعنى؛ لأنا إذا قلنا: \"عجل القضيب، وأبطأ الدعص\"، فما لم نقدر فيه أداة التشبيه، وإلا استحال المعنى.\rقلت في الجواب عن ذلك: تقديره أداة التشبيه لا بد منه في الموضعين، لكن يحسن إظهارها في التشبيه، دون الاستعارة.\rوجملة الأمر أنا نرى أداة التشبيه بحسن إظهارها في موضع دون موضع، فعلمنا أن الموضع الذي يحسن إظهارها فيه غير الموضع الذي لا يحسن إظهارها فيه، فسمينا المواضع الذي يحسن إظهارها فيه \"تشبيهًا مضمر الأداء\"، والذي لا يحسن إظهارها فيه \"استعارة\".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358513,"book_id":3862,"shamela_page_id":387,"part":"2","page_num":61,"sequence_num":387,"body":"وإنما فعلنا ذلك؛ لأن تسمية ما يحسن إظهار أداة التشبيه فيه بـ\"التشبيه\" أليق، وتسمية ما لا يحسن إظهار أداة التشبيه فيه بـ\"الاستعارة\" أليق، فإذا قلنا: \"زيدٌ أسد\" حسن إظهار أداة التشبيه فيه، بأن نقول: \"زيد كالأسد\"، وإذا قلنا كما قال الشاعر:\rفرعاء إن نهضت لحاجتها ... عجل القضيب وأبطأ الدعص\rلا يحسن إظهار أداة التشبيه فيه، على ما تقدم من ذكر ذلك أولًا.\rفإن قيل: إذا أجزت إضمار أداة التشبيه، وقدرت إظهارها في قولك: \"زيد أسد\" أي كالأسد، فنحن نضمر أيضًا المستعار له ونقدر إظهاره، فإنه لما قال الشاعر: \"عجل القضيب وأبطأ الدعص\" أضمر المستعار له، وهو القد والردف، وإذا أظهر قيل: \"عجل قد كالقضيب، وأبطأ ردفٌ كالدعص\"، ولا فرق بين الإضمارين، فكما يسعك إضمار أداة التشبيه في قولك: \"زيد أسد\"، فكذلك يسعنا نحن إضمار المستعار له في قول الشاعر!\rفالجواب عن ذلك أني أقول: نحن في هذا المقام واقفون مع الاستحسان لا مع الجواز، ولو تأملت ما أوردته في أول كلامي بالعين الصحيحة لما أوردت علي هذا الاعتراض ههنا، فإني قلت: التشبيه المضمر الأداة يحسن إظهار أداء التشبيه فيه، والاستعارة لا يحسن إظهار أداة التشبيه فيها، ولو قلت: يجوز أو لا يجوز لورد علي هذا الاعتراض الذي ذكرته، وقد علم وتحقق أن من الواجب في حكم الفصاحة والبلاغة ألا يظهر المستعار له، وإذا ظهر ذهب ما على الكلام من الحسن والرونق.\rألا ترى أنا إذا أوردنا هذا البيت الذي هو١:\rفأمطرت لؤلؤًا من نرجسٍ وسقت ... وردًا وعضت على العناب بالبرد\rجد عليه من الحسن والرونق ما لا خفاء به، وهو من باب الاستعارة.\rفإذا أظهرنا المستعار له صرنا إلى كلام غث، وذاك أنا نقول: \"فأمطرت دمعًا","footnotes":"١ البيت للوأواء الدمشقي.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358514,"book_id":3862,"shamela_page_id":388,"part":"2","page_num":62,"sequence_num":388,"body":"كاللؤلؤ من عين كالنرجس، وسقت خدًا كالورد، وعضت على أنامل مخضوبةٍ كالعناب بأسنان كالبرد، وفرق بين هذين الكلامين للمتأمل واسع.\rوهكذا يجري الحكم في البيت المتقدم ذكره الذي هو:\rفرعاء إن نهضت لحاجتها ... عجل القضيب وأبطأ الدعص\rفإن هذا البيت لا خفاء بما عليه من الحسن، وإذا ظهر فيه المستعار له زال ذلك الحسن عنه، لا بل تبدل بضده.\rوليس كذلك التشبيه المضمر الأداة، فإنا إذا أظهرنا أداة التشبيه، وأضمرناها كان ذلك سواء، إذ لا فرق بين قولنا: \"زيد أسد\" وبين قولنا: \"زيد كالأسد\"، وهذا لا يخفى على جاهل بعلم الفصاحة والبلاغة، فضلًا عن عالم.\rوالمعول عليه في تأليف الكلام من المنثور، والمنظوم إنما هو حسنه وطلاوته، فإذا ذهب ذلك عنه فليس بشيء.\rونحن في الذي نورده في هذا الكتاب واقفون مع الحسن لا مع الجواز.\rثم لو تنزلنا معك أيها المعترض عن درجة الحسن إلى درجة الجواز لما استقام لك ما ذكرته، وذاك أن إضمار أداة التشبيه ظاهر في قولنا: \"زيد أسد\" أي كالأسد، وهو مضمر واحد، وأما قول الشاعر: \"فرعاء إن نهضت لحاجتها\"، فإنه لا يضمر فيه أداة التشبيه إلا بعد أن يظهر المستعار له، حينئذ يكون فيه إضماران: أحدهما: المستعار له، والآخر: أداة التشبيه، وإضمار واحد أيسر من إضمارين: أحدهما معلق على الآخر.\rوإذا كان الأكر كذلك فالفرق بين الاستعارة، والتشبيه هو ما قدمت القول فيه من أن المستعارة لا تكون إلا بحيث يطوى ذكر المستعار له، فتأمل ما أشرت إليه وتدبره، حتى تعلم أني ذكرت ما لم يذكره أحد غيري على هذا الوجه.\rإنما سمي هذا القسم من الكلام \"استعارة\"؛ لأن الأصل في الاستعارة المجازية مأخوذة من العارية الحقيقية التي هي ضرب من المعاملة، وهي أن يستعير بعض الناس من بعض شيئًا من الأشياء، ولا يقع ذلك إلا من شخصين بينهما سبب معرفة ما يقتضي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358515,"book_id":3862,"shamela_page_id":389,"part":"2","page_num":63,"sequence_num":389,"body":"استعارة أحدهما من الآخر شيئًا، وإذا لم يكن بينهما سبب معرفة بوجه من الوجوه، فلا يستعير أحدهما من الآخر شيئًا؛ إذ لا يعرفه حتى يستعير منه، وهذا الحكم جار في استعارة الألفاظ بعضها من بعض، فالمشاركة بين اللفظين في نقل المعنى من أحدهما إلى الآخر كالمعرفة بين الشخصين في نقل الشيء المستعار من أحدهما الآخر.\rواعلم أنه قد ورد من الكلام ما يجوز حمله على الاستعارة، وعلى التشبيه المضمر الأداة معًا، باختلاف القرينة، وذاك أن يرد الكلام محمولًا على ضمير من تقدم ذكره، فينتقل عن ذلك إلى غيره، ويرتجل ارتجالًا.\rفمما جاء منه قول البحتري١:\rإذا سفرت أضاءت شمس دجنٍ ... ومالت في التعطف غصن بان٢\rفلما قال: \"أضاءت شمس دجن\" -بنصب الشمس- كان ذلك محمولًا على الضمير في قوله: \"أضاءت\" كأنه قال: أضاءت هي، وهذا تشبيه؛ لأن المشبه مذكور، وهو الضمير في \"أضاءت\" الذي نابت عنه التاء، ويجوز حمله على الاستعارة، بأن يقال: \"أضاءت شمس دجن\" برفع الشمس، ولا يعود الضمير حينئذٍ إلى من تقدم ذكره.\rوإنما يكون الكلام مرتجلًا ويكون البيت:\rإذا سفرت أضاءت شمس دجنٍ ... ومال من التعطف غصن بان\rوهذا الموضع فيه دقة غموض، وحرف التشبيه يحسن في الأول دون الثاني.","footnotes":"١ ديوان البحتري ١/ ١٣٧ من قصيدة يمدح فيها أحمد، وإبراهيم بني المدبر ومطلعها:\rعناني من صدودك ما عناني ... وعاودني هواك كما بداني\r٢ رواية الديوان:\rإذا انصرفت أضاءت شمس دجن ... ومال من التعطف غصن بان","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358516,"book_id":3862,"shamela_page_id":390,"part":"2","page_num":64,"sequence_num":390,"body":"التوسع في الكلام:\rوأما القسم الذي يكون العدول فيه عن الحقيقة إلى المجاز لغير مشاركة بين المنقول، والمنقول إليه فذلك لا يكون إلا لطلب التوسع في الكلام، وهو سبب صالح؛ إذ التوسع في الكلام مطلوب.\rضربا التوسع:\rوهو ضربان:\rأحدهما: يرد على وجه الإضافة، واستعماله قبيح، لبعد ما بين المضاف والمضاف إليه، وذاك؛ لأنه يلتحق بالتشبيه المضمر الأداة، وإذا ورد التشبيه ولا مناسبة بين المشبه، والمشبه به كان ذلك قبيحًا، ولا يستعمل هذا الضرب من التوسع إلا جاهل بأسرار الفصاحة والبلاغة، أو ساهٍ غافل يذهب به خاطره إلى استعماله ما لا يجوز ولا يحسن، كقول أبي نواس١:\rبح صوت المال مما ... منك يشكو ويصيح\rفقوله: \"بح صوت المال\" من الكلام النازل بالمرة، ومراده من ذلك أن المال يتظلم من إهانتك إياه بالتمزيق، فالمعنى حسن، والتعبير عنه قبيح.\rوما أحسن ما قال مسلم بن الوليد٢ في هذا المعنى:\rتظلم المال والأعداء من يده ... لا زال للمال والأعداء ظلامًا\rوكذلك ورد قول أبي نواس أيضًا٣:\rما لرجل المال أمست ... تشتكي منك الكلالا","footnotes":"١ ديوان أبي نواس ٧٠ من قصيدة يمدح بها العباس بن عبد الله بن أبي جعفر المنصور، ومطلعها:\rغرد الديك الصدوح ... فاسقني طاب الصبوح\r٢ من قصيدة يمدح فيها يزيد بن مزيد الشيباني ومطلعها:\rطيف الخيال حمدنا منك إلاما ... داويت سقما وقد هيجت أسقاما\r٣ ديوان أبي نواس ١١٩ من قصيدة في مدح إبراهيم بن عبد الله الحجي وأولها:\rهل عرفت الدار أجلى ... أهله عنه فزالا","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358517,"book_id":3862,"shamela_page_id":391,"part":"2","page_num":65,"sequence_num":391,"body":"فإضافة \"الرجل\" إلى المال من إضافة الصوت.\rومن هذا الضرب قول أبي تمام١:\rوكم أحرزت منكم على قبح قدها ... صروف النوى من مرهفٍ حسن القد٢\rفإضافة \"القد\" إلى \"النوى\" من التشبيه البعيد البعيد، وإنما أوقعه فيه المماثلة بين القد والقد.\rوهذا أدب الرجل في تتبع \"المماثلة\" تارة، \"والتجنيس\" أخرى، حتى إنه ليخرج إلى بناء يعاب به أقبح عيب وأفحشه.\rوكذلك ورد قوله٣:\rبلوناك أما كعب عرضك في العلا ... فعالٍ وأما خد٤ مالك أسفل\rفقوله: \"كعب عرضك\" و\"خد مالك\" مما يستقبح ويستنكر، ومراده من ذلك أن عرضك مصون ومالك مبتذل، إلا أنه عبر عنه أقبح تعبير.\rوأبو تمام يقع في مثل ذلك كثيرًا.\rوأما الضرب الآخر من التوسع: فإنه يرد على غير وجه الإضافة، وهو حسن لا عيب فيه.\rوقد ورد في القرآن الكريم؛ كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ ٥ فنسبة القول إلى السماء","footnotes":"١ ديوان أبي تمام ١٢٧ من قصيدة في مدح موسى بن إبراهيم الرافعي، والاعتذار إليه ومطلعها:\rشهدت لقد أقوت مغانيكم بعدي ... ومحت كما محت وشاع من برد\r٢ رواية الديوان \"صروف الردى\" موضع صروف النوى، والقدم القوام، والمرهف الرقيق.\r٣ ديوان أبي تمام ٢٤٥ من قصيدة في مدح أبي المستهل محمد بن شقيق الطائي. مطلعها:\rتحمل عنه الصبر يوم تحملوا ... وعادت صباه في الصبا وهي شمأل\r٤ رواية الديوان \"جد\" بالجيم المعجمة، والجد الحظ.\r٥ سورة فصلت: الآية ١١ قال ابن قتيبة: إن قوما قالوا في هذه الآية: لم يقل الله ولم تقولا، وكيف يخاطب معدوما؟ وإنما هذا عبارة لكوناهما فكانتا، ورد عليهم بقوله: وما في نطق جهنم ونطق السماء، والأرض من العجب؟ والله ﵎ ينطق الجلود والأيدي والأرجل، ويسخر الجبار والطير بالتسبيح.\rوانظر تأويل مشكل القرآن ٧٨ و٨٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358518,"book_id":3862,"shamela_page_id":392,"part":"2","page_num":66,"sequence_num":392,"body":"والأرض من باب التوسع؛ لأنهما جماد، والنطق إنما هو للإنسان لا للجماد، ولا مشاركة ههنا بين المنقول والمنقول إليه.\rوكذلك قوله تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ ١.\rوعليه ورد قول النبي ﷺ؛ فإنه نظر إلى أحدٍ٢ يومًا فقالٍ: \"هذا جبلٌ يحبنا ونحبه\"، فإضافة المحبة إلى الجبل من باب التوسع؛ إذ لا مشاركة\rبينه، وبين الجبل الذي هو جماد.\rوعلى هذا ورد مخاطبة الطلول، ومساءلة الأحجار كقول أبي تمام٣:\rأميدان لهوى من أتاح لك البلى ... فأصبحت ميدان الصبا والجنائب\rوكقول أبي الطيب المتنبي٤:\rإثلث فإنا أيها الطلل ... نبكي وترزم تحتنا الإبل٥\rفأبو تمام سائل ربوعًا عافية وأحجارًا دارسة، ولا وجه لها ههنا إلا مساءلة الأهل؛ كالذي في قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ ٦ أي: أهل القرية.","footnotes":"١ سورة الدخان: الآية ٢٩ قال ابن قتيبة تعقيبا على هذه الآية: تقول العرب إذا أرادت تعظيم مهلك رجل عظيم الشأن، رفيع المكانة، عام النفع، كثير الصنائع: أظلمت الشمس له، وكسف القمر لفقده وبكته الريح، والبرق والسماء والأرض، يريدون المبالغة في وصف المصيبة به، وأنها قد شملت وعمت، وليس ذلك بكذب؛ لأنهم جميعا متواطئون عليه، والسامع له يعرف مذهب القائل فيه -انظر تأويل مشكل القرآن ١٢٧.\r٢ أحد -بضم أوله وثانيه معا- اسم لجبل ظاهر المدينة، كان عنده الغزوة المشهورة، وهو جبل أحمر في شمال المدينة.\r٣ ديوان المتنبي ٣/ ٢٩٩ وهو مطلع قصيدة في مدح أبي دلف القاسم بن عيسى العجلي، ومطلعها:\rعلى مثلها من أربع وملاعب ... أذيلت مصونات الدموع السواكب\r٤ ديوان المتنبي ٣/ ٢٩٩ وهو مطلع قصيدة في مدح عضد الدولة.\r٥ ثلثت الرجلين صرت ثالثهما، والإرزام حنين الإبل، ومنه الرزمة صوت السحاب، والطلل ما أشرف من بقايا الديار.\r٦ سورة يوسف: الآية ٨٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358519,"book_id":3862,"shamela_page_id":393,"part":"2","page_num":67,"sequence_num":393,"body":"وكل هذا توسع في العبارة، إذ لا مشاركة بين رسوم الديار، وبين فهم السؤال والجواب.\rوكذلك قال أبو الطيب المتنبي في أمره الطلل بأن يكون ثالثهما لهما: أي الركب والإبل، وهذا واضح لا نزاع فيه.\rفإذا قد تبين وتحقق ما أشرت إليه من هذا الموضوع، فالمجاز لا يخرج عن هذه الأقسام الثلاثة: إما توسع، أو تشبيه، أو استعارة، وإذا حققنا النظر في الاستعارة والتشبيه، وجدناهما أمرًا قياسيًا في حمل فرع على أصل لمناسبة بينهما، وإن كانا يفترقان بحدهما وحقيقتهما.\rحد الاستعارة:\rفأما حد الاستعارة فقيل: إنه نقل المعنى من لفظ إلى لفظ بسبب مشاركة بينهما، وهذا الحد فاسد؛ لأن التشبيه يشارك الاستعارة فيه.\rألا ترى أنا إذا قلنا: \"زيد أسد\" أي كأنه أسد، وهذا نقل المعنى من لفظ إلى لفظ بسبب مشاركة بينهما؛ لأنا نقلنا حقيقة الأسد إلى زيد فصار مجازًا، وإنما نقلناه لمشاركة بين زيد، وبين الأسد في وصف الشجاعة.\rوالذي عندي من ذلك أن يقال: حد الاستعارة نقل المعنى من لفظ إلى لفظ المشاركة بينهما، مع طي ذكر المنقول إليه؛ لأنه إذا احترز فيه هذا الاحتراز اختص الاستعارة، وكان حدًا لها دون التشبيه، وطريقة أنك تريد تشبيه الشيء بالشيء مظهرًا، ومضمرًا وتجيء إلى المشبه فتعيره اسم المشبه به، وتجريه عليه مثال ذلك أن تقول: رأيت أسدًا، وهذا كالبيت الشعر المقدم ذكره، وهو:\rفرعاء إن نهضت لحاجتها ... عجل القضيب وأبطأ الدعص\rفإن هذا الشاعر أراد تشبيه القد بالقضيب، والردف بالدعص الذي هو كثيب الرمل؛ فترك ذكر التشبيه مظهرًا ومضمرًا؛ وجاء إلى المشبه -وهو القد \"والردف\"- فأعاره المشبه به؛ وهو القضيب والدعص، وأجراه عليه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358520,"book_id":3862,"shamela_page_id":394,"part":"2","page_num":68,"sequence_num":394,"body":"القرينة:\rإلا أن هذا الموضع لا بد له من قرينه تفهم من فحوى اللفظ؛ لأنه إذا قال القائل: رأيت الأسد، وهو يريد رجلًا شجاعًا، فإن هذا القول لا يفهم منه ما أراد، وإنما يفهم منه أنه أراد الحيوان المعروف بالأسد، لكن إذا اقترن بقوله: هذا قرينة تدل على أنه أراد رجلًا شجاعًا اختص الكلام بما أراد، ألا ترى إلى قول الشاعر: \"عجل القضيب وأبطأ الدعص\"، فإنه دل عليه من نفس؛ لأن قوله: \"فرعاء إن نهضت\" دليل على أن المراد هو القد والردف؛ لأن القضيب والدعص لا يكونان لامرأة فرعاء تنهض لحاجتها، وكذلك كل ما يجيء على هذا الأسلوب؛ لأن المستعار له وهو المنقول إليه مطوي الذكر.\rقول ابن جني في المجاز والرد عليه:\rوكنت تصفحت كتاب \"الخصائص\" لأبي الفتح عثمان بن جني١، فوجدته قد ذكر في المجاز شيئًا يتطرق إليه النظر، وذلك أنه قال: لا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا لمعان ثلاثة، وهي الاتساع، والتشبيه، والتوكيد؛ فإن عدمت الثلاثة، كانت الحقيقة ألبتة.\rفمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا﴾ ٢ فهذا مجاز، وفيه الثلاثة المذكورة:\rأما الاتساع: فهو أنه زاد في أسماء الجهات والمحال اسمًا، وهو الرحمة.","footnotes":"١ كان من حذاق أهل الأدب، وأعلمهم بالنحو والتصريف، صنف في النحو والتصريف كتبا أبدع فيها كالخصائص والمنصف، وسر الصناعة، وصنف كتبا في شرح القوافي، وفي العروض، وفي المذكر والمؤنث إلى غير ذلك، ولم يصنف أحد في التصريف، ولا تكلم فيه، أحسن ولا أدق كلاما منه، وكان أبوه \"جني\" مملوكا روميا لسليمان بن فهد الأزدي الموصلي، وكان يقول الشعر ويجيده، أخذ عن أبي علي الفارسي وصحبه أربعين سنة، ودرس النحو ببغداد بعده، وتوفي ابن جني فيما ذكر ابن الأنباري يوم الجمعة لليلتين بقيتا من شهر صفر سنة اثنتين وتسعين وثلثمائة في خلاف القادر -انظر نزهة الألباء في طبقات الأدباء ٤٠٩.\r٢ سورة الأنبياء: الآية ٧٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358521,"book_id":3862,"shamela_page_id":395,"part":"2","page_num":69,"sequence_num":395,"body":"وأما التشبيه، فإنه شبه الرحمة -وإن لم يصح دخولها- بما يصح دخوله.\rوأما التوكيد: فهو أنه أخبر عما لا يدرك بالحاسة بما يدرك بالحاسة؛ تعاليًا بالمخبر عنه، وتفخيمًا له إذا صير بمنزلة ما يشاهد ويعاين.\rهذا مجموع قول أبي الفتح ﵀ من غير زيادة ولا نقص.\rوالنظر يتطرق إليه من ثلاثة أوجه:\rالأول: أنه جعل وجود هذه المعاني الثلاثة سببًا لوجود المجاز، بل وجود واحد منها سببًا لوجوده ألا ترى أنه إذا وجد التشبيه وحده كان ذلك مجازًا، وإذا وجد الاتساع وحده كان ذلك مجازًا، ثم إن كان وجود هذه المعاني الثلاثة سببًا لوجود المجاز، كان عدم واحد منها سببًا لعدمه.\rألا ترى أنا إذا قلنا: لا يوجد الإنسان إلا بأن يكون حيوانًا ناطقًا؛ فالحيوانية والنطق سبب لوجود الإنسان، وإذا عدم واحد منهما بطل أن يكون إنسانًا، وكذلك كل صفات تكون متقدمة لوجود الشيء؛ فإن وجودها بوجوده، وعدم واحد منها يوجب عدمه؟\rوأما الوجه الثاني: فإنه ذكر التوكيد والتشبيه، وكلاهما شيء واحد على الوجه الذي ذكره؛ لأنه لما شبهت الرحمة، وهي معنى لا يدرك بالبصر، بمكان يدخل، وهو صورة تدرك بالبصر، دخل تحته التوكيد الذي هو إخبار عما لا يدرك بالحاسة بما قد يدرك بالحاسة.\rعلى أن التوكيد ههنا، على وجه ما أورده في تمثيله، لا أعلم ما الذي أراد به؛ لأنه لا يؤتى به في اللغة العربية إلا لمعنيين:\rأحدهما: أنه يرد أبدًا فيما استقري بألفاظ محصورة نحو: نفسه، وعينه وكله، وما أضيف إليها مما استقري، وهو مذكور في كتب النحاة، وقد كفيت مؤنته.\rالآخر: أنه يريد على وجه التكرير، نحو: قام زيد قام زيد كرر اللفظ في ذلك تحقيقًا للمعنى المقصود: أي توكيدًا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358522,"book_id":3862,"shamela_page_id":396,"part":"2","page_num":70,"sequence_num":396,"body":"والذي ذكره أبو الفتح -رحمه الله تعالى- لا يدل على أن المراد به أحد هذين المعنيين المشار إليهما، ولا شك أنه أراد به المبالغة، والمغالاة في إبراز المعنى الموهوم إلى الصورة المشاهدة، فعبر عن ذلك بالتوكيد، ولا مشاحة له في تعبيره، وإذا أراد به ذلك فهو والتشبيه سواء على ما ذكره، ولا حاجة إلى ذكر توكيد مع ذكر التشبيه.\rوأما الوجه الثالث: فإنه قال: \"أما الاتساع فهو أنه زاد في أسماء الجهات، والمحال كذا وكذا\".\rوهذا القول مضطرب شديد الاضطراب؛ لأنه ينبغي على قياسه أن يكون جناح الذل في قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ﴾ ١ زيادة في أسماء الطيور، وذلك أنه زاد في أسماء الطيور اسمًا هو الذل، وهكذا يجري الحكم في الأقوال الشعرية كقول أبي تمام٢:\rلبست سواه أقوامًا فكانوا ... كما أغنى التيمم بالصعيد\rفزاد في أسماء اللباس اسمًا، هو الآدمي، وهذا مما يضحك منك، نعوذ بالله من الخطل!!\rوالاتساع في المجال لا يقال فيه كذا، وإنما يقال: هو أن تجري صفة من الصفات على موصوف ليس أهلًا لأن تجري عليه؛ لبعد بينه وبينها، كقول أبي الطيب المتنبي:\rإثلث فإنا أيها الطلل ... نبكي وترزم تحتنا الإبل\rفإنه أجري الكلام على ذلك، وإنما يستعمل طلبًا للاتساع في أساليب الكلام، لا لمناسبة بين الصفة والموصوف؛ إذ لو كان لمناسبة لما كان ذلك اتساعًا، وإنما كان ضربًا من القياس في حمل الشيء على ما يناسبه ويشاكله، وحينئذٍ يكون ذلك تشبيهًا أو استعارة، على ما أشرت إليه من قبل.","footnotes":"١ سورة الإسراء: الآية ٢٤.\r٢ ديوان أبي تمام ١٠٧ من قصيدة يمدح فيها أبا سعيد محمد بن يوسف الطائي، ومطلعها:\rأظن دموعها سنن الفريد ... وهي سلكاه من نحر وجيد","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358523,"book_id":3862,"shamela_page_id":397,"part":"2","page_num":71,"sequence_num":397,"body":"اقسام المجاز عند الغزالي، واعتراضات ابن الأثير:\rوكنت اطلعت في كتاب من مصنفات أبي حامد الغزالي١ ﵀ ألفه في أصول الفقه، ووجدته قد ذكر \"الحقيقة والمجاز\"، وقسم المجاز إلى أربعة عشر قسمًا، وتلك الأربعة عشر إلى الثلاثة التي أشرت إليها، وهي: التوسع، والتشبيه، والاستعارة، ولا تخرج عنها، والتقسيم لا يصح في شيء من الأشياء إلا إذا اختص كل قسم من الأقسام بصفة لا يختص بها غيره، وإلا كان التقسيم لغوًا لا فائدة فيه.\rوسأورد ما ذكره وأبين فساده.\rفالقسم الأول من الأقسام التي ذكرها هو: ما جعل للشيء بسبب المشاركة في خاصة، كقولهم للشجاع: أسد، وللبليد: حمار، وهذا القسم داخل في الاستعارة، إن ذكر المنقول وحده، مثل أن يقول القائل: \"رأيت أسدًا\"، ومراده رجلًا شجاعًا، أو \"رأيت حمارًا\"، ومراده \"رجلًا بليدًا\"، وداخل في التشبيه المضمر الأداة، إن ذكر المنقول والمنقول إليه معًا، كقول القائل: زيد أسد: أي كالأسد، أو حمار: أي كالحمار.\rالقسم الثاني: تسمية الشيء باسم ما يئول إليه\rكقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ ٢وإنما كان يعصر عنبًا.\rوهذا القسم داخل في القسم الأول؛ لصفة المشابهة بين المنقول والمنقول إليه، وهو من باب \"الاستعارة\"، لا، بل أوغل في المشابهة من ذاك؛ لأن الخمر من العنب، وليس من الرجل، ولا الرجل من الأسد٣.","footnotes":"١ هو محمد بن محمد بن أحمد الغزالي، الفقيه الشافعي، ولد في طوس ونشأ فيها، وتكاثر الفلاسفة في عصره، وناهضوا رجال الدين، فتصدى لهم، وكان أحد المجتهدين، قضى أعواما وهو يطالع ويفكر، ويدرس في المدرسة النظامية، ثم انقطع عن التدريس وسلك طريق الزهد، وقضى عشرة أعوام في الأسفار بين الحجاز والشام، وبيت المقدس على طريقة الصوفية، وهو يطالع ويبحث ويناظر، فسمي حجة الإسلام، وخلف ما يزيد على سبعين مؤلفا -توفي سنة ٥٠٥هـ.\r٢ ٢٦ سورة يوسف: الآية ٣٦.\r٣ ليس صحيحا ما اعترض به ابن الأثير؛ لأن الخمر وإن كانت من العنب لا وجه للشبه بينها في الشكل أو في الهيئة، أو في الأثر أو غير ذلك، وإنما الخمر منه، فصح كلام الإمام الغزالي، وبقي مثل كلامه في البلاغة العربية حتى اليوم التي تجعل هذا المثل من باب المجاز المرسل، والعلاقة فيه ما ذكر أبو حامد، والمجاز المرسل أحد قسمي المجاز اللغوي: المجاز الاستعاري \"الاستعارة\"، والمجاز المرسل، ويختص الأول بعلاقة المشابهة، والآخر بكل علاقة سواها.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358524,"book_id":3862,"shamela_page_id":398,"part":"2","page_num":72,"sequence_num":398,"body":"القسم الثالث: تسمية الشيء باسم فرعه\rكقول الشاعر:\rوما العيش إلا نومةٌ وتشوق ... وتمر على رأس النخيل وماء\rفسمى الرطب تمرًا.\rوهذا القسم والقسم الذي قبله سواء؛ لأن هناك سمي العنب خمرًا، وههنا سمي الرطب تمرًا؛ فالعنب أصل، والخمر فرع، وكذلك الرطب أصل، والتمر فرع، وكلا هذين القسمين داخل في القسم الأول.\rوهب أن الغزالي لم يحقق أمر المجاز، وانقسامه إلى تلك الأقسام الثلاثة التي أشرت إليها، ألم ينظر إلى هذين القسمين اللذين هما العنب والخمر، والرطب والتمر، ويعلم أنهما شيء واحد لا فرق بينهما?\rالقسم الرابع: تسمية الشيء باسم أصله\rكقولهم للآدمي: مضغة، وهذا ضد القسم الذي قبله؛ لأن ذاك جعل الأصل فيه فرعًا، وهذا جعل الفرع فيه أصلًا، وهو داخل في القسم الأول أيضًا.\rالقسم الخامس: تسمية الشيء بدواعيه\rكتسميتهم الاعتقاد قولًا، نحو قولهم: هذا يقول بقول الشافعي ﵀: أي يعتقد اعتقاده.\rوهذا القسم داخل في القسم الأول؛ لأن بين القول وبين الاعتقاد مناسبة كالمناسبة بين السبب، والمسبب والباطن، والظاهر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358525,"book_id":3862,"shamela_page_id":399,"part":"2","page_num":73,"sequence_num":399,"body":"القسم السادس: تسمية الشيء باسم مكانه\rكقولهم للمطر: \"سماء\"؛ لأنه ينزل منها.\rوهذا القسم داخل في الأول لصفة المناسبة بين المنقول والمنقول إليه، وهو النزول من عالٍ، وكل ما علاك، فأظلك فهو \"سماء\".\rعلى أن الأغلب على ظني أن هذا القسم من الأسماء المشتركة، وتسمية المطر بـ\"السماء\" حقيقة فيه، وليس من المجاز في شيء.\rالقسم السابع: تسمية الشيء باسم مجاوره\rكقولهم للمزادة: \"رواية\"، وإنما الرواية الجمل الذي يحملها١.\rوهذا القسم من باب التوسع، لا من باب التشبيه، ولا من باب الاستعارة؛ لأن على قياسه ينبغي أن يسمى الجمل زاملة؛ لأنه يحملها٢.\rالقسم الثامن: تسمية الشيء باسم جزئه\rكقولك لمن تبغضه: \"أبعد الله وجهه عني\"، وإنما تريد سائر جثته.\rوهذا القسم داخل في القسم الأول، وهو شبيه بتسمية الشيء باسم فرعه.\rالقسم التاسع: تسمية الشيء باسم ضده\rكقولهم للأسود والأبيض: \"جون\".\rوهذا القسم ليس من المجاز في شيء ألبتة، وإنما هو حقيقة في هذين المسميين معًا؛ لأنه من الأسماء المشتركة، كقولهم: \"شمت السيف\"، إذا سللته، و\"شمته\" إذا أغمدته، فدل الشيم على الضدين معًا بالوضع الحقيقي.","footnotes":"١ في المختار: الراوية البعير أو البغل، أو الحمار الذي يستقى عليه، والعامة تسمى المزادة راوية، وهو جائز استعارة، والأصل ما ذكرناه.\r٢ في المختار: الزاملة بعير يستظهر به الرجل يحمل متاعه وطعامه عليه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358526,"book_id":3862,"shamela_page_id":400,"part":"2","page_num":74,"sequence_num":400,"body":"وفي اللغة من هذا شيء كثير، فكيف يجعل هذا القسم من المجاز?\rولا شك أن الغزالي نظر إلى الضدين لا يجتمعان في محل واحد، فقاس الاسم على الذات، وظن أن الذاتين لا يجتمعان في اسم واحد، كما أنهما لا يجتمعان في محل واحد.\rفإن قيل: لا نسلم إن اللفظ المشترك حقيقة بالوضع في المعنيين معًا؛ لأن ذلك يخل بفائدة الوضع الذي هو البيان، وإنما هو حقيقة في أحد معنييه، مجاز في الآخر!\rفالجواب عن ذلك: أن هذا الموضع تقدم الكلام عليه في الفصل الثاني من مقدمة الكتاب، وهو الفصل الذي يشمل على آلات علم البيان وأدواته، فليؤخذ من هناك، فإني قد أشبعت القول فيه إشباعًا لا مزيد عليه١.\rالقسم العاشر: تسمية الشيء بفعله\rكتسمية الخمر \"مسكرًا\".\rوهذا القسم داخل في القسم الأول، وأي مشاركة أقرب من هذه المشاركة? فإن الإسكار صفة لازمة للخمر، وليست الشجاعة صفة لازمة لزيد؛ لأنه يمكن أن يكون زيد ولا شجاعة، ولا يمكن أن يكون خمر، ولا إسكار ألا ترى أنها لم تسم خمرًا إلا لإسكارها، فإنها تخمر العقل: أي تستره؟\rالقسم الحادي عشر: تسمية الشيء بكله\rكقولك في جواب: \"ما فعل زيد\"؟ القيام، والقيام: جنس يتناول جميع أنواعه. وهذا القسم لا ينبغي أن يوصل بأقسام المجاز؛ لأن القيام لزيد حقيقة.\rفإن قيل: إن القيام يشمل جميع أنواع القيام من الماضي، والحاضر والمستقبل.\rقلت: وهذا من أقرب أقسام المجاز مناسبة؛ لأنه إقامة للمصدر مقام الفعل الماضي، والمصدر أصل الفعل، وعلى هذا فإن هذا داخل في القسم الأول.","footnotes":"١ انظر صفحة ٤٠، وما بعدها من القسم الأول من هذا الكتاب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358527,"book_id":3862,"shamela_page_id":401,"part":"2","page_num":75,"sequence_num":401,"body":"القسم الثاني عشر: الزيادة في الكلام لغير فائدة\rكقوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ ١ فـ\"ما\" ههنا زائدة لا معنى لها: أي فبرحمة من الله لنت لهم.\rوهذا القول لا أراه صوابًا، وفيه نظر من وجهين:\rأحدهما: أن هذا القسم ليس من المجاز؛ لأن المجاز هو دلالة اللفظ على غير ما وضع له في أصل اللغة، وهذا غير موجود في الآية، وإنما هي دالة على الوضع اللغوي المنطوق به في أصل اللغة.\rوالوجه الآخر: أني لو سلمت أن ذلك من المجاز لأنكرت أن لفظة \"ما\" زائدة لا معنى لها، ولكنها وردت تفخيمًا لأمر النعمة التي لان بها رسول الله ﷺ لهم: وهي محض الفصاحة: ولو عري الكلام منها لما كانت له تلك الفخامة.\rوقد ورد مثلها في كلام العرب، كالذي يحكى عن الزباء، وذاك أن الوضاح الذي هو جذيمة الأبرش٢ تزوجها، والحكاية في ذلك مشهورة، فلما دخل عليها كشفت له عن فرجها، وقد ضفرت الشعر من فوقه ضفيرتين، وقالت: \"أذات عرس ترى، إما إنه ليس ذلك من عوز المواس، ولا من قلة الأواس، ولكنه شيمة ما أناس\".\rفمعنى الكلام: ولكنه شيمة أناس، وإنما جاءت لفظة \"ما\" ههنا تفخيمًا لشأن صاحب تلك الشيمة، وتعظيمًا لأمره، ولو أسقطت لما كان للكلام ههنا هذه الفخامة والجزالة، ولا يعرف ذلك إلا أهله من علماء الفصاحة والبلاغة.\rوأما الغزالي -رحمه الله تعالى-، فإنه معذور عندي في ألا يعرف ذلك؛ لأنه ليس فنه.","footnotes":"١ سورة آل عمران: الآية ١٥٩.\r٢ كان جذيمة الأبرش ملك ما على شاطئ الفرات، وكانت الزباء ملكة الجزيرة، وكان يقال: جذيمة الأبرش وجذيمة الوضاح، وذلك أنه كان أبرص، فهابت العرب أن تقوله، فقالت: \"الأبرش\" وكانت تقول للذي به البرص: به وضح، تفاديا من البرص، فقالوا: جذيمة الوضاح، وهو جاهلي.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358528,"book_id":3862,"shamela_page_id":402,"part":"2","page_num":76,"sequence_num":402,"body":"ومن ذهب إلى أن في القرآن لفظًا زائدًا لا معنى له، فإما أن يكون جاهلًا بهذا القول، وإما أن يكون متسمحًا في دينه واعتقاده.\rوقول النحاة: إن \"ما\" في هذه الآية زائدة، فإنما يعنون به أنها لا تمنع ما قبلها عن العمل، كما يسمونها في موضع آخر كافة: أي أنها تكف الحرف العامل عن عمله، كقولك: إنما زيدٌ قائم، فما قد كفت \"إن\" عن العمل في زيد، وفي الآية لم تمنع عن العمل ألا ترى أنها لم تمنع \"الباء\" عن العمل في خفض \"الرحمة\".\rالقسم الثالث عشر: تسمية الشيء بحكمه:\rكقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ ١، فسمي النكاح \"هبة\".\rوهذا القسم داخل في القسم الأول؛ لأن النكاح هو تمكين الزوج من الوطء على عوض على هيئة مخصوصة، والهبة، تمكينه من الشيء الموهوب على غير عوض، فشاركت الهبة النكاح في نفس التمكين من الوطء، وإن اختلفا في الصورة.\rالقسم الرابع عشر: النقصان الذي لا يبطل به المعنى:\rكحذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ ٢ أي: شخصًا بريئًا.\rوكحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، قال الله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ ٣ أي: أهل القرية.\rوهذا القسم داخل في القسم الأول: أما حذف الموصوف، وإقامة الصفة مقامه؛ فلأن الصفة لازمة للموصوف، وأما حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه؛ فلأنه دل بالمسكون على الساكن، وتلك مقارنة قريبة.","footnotes":"١ سورة الأحزاب: الآية ٥٠.\r٢ سورة النساء: الآية ١١٢.\r٣ سورة يوسف: الآية ٨٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358529,"book_id":3862,"shamela_page_id":403,"part":"2","page_num":77,"sequence_num":403,"body":"فهذه أقسام المجاز التي ذكرها الغزالي -رحمه الله تعالى- وقد بينت فساد التقسيم فيها، وأنها ترجع إلى ثلاثة أقسام هي: التوسع والتشبيه والاستعارة.\rوحيث انتهى بي الكلام إلى ههنا، وفرغت مما أردت تحقيقه، وبينت ما أردت بيانه، فإني أتبع ذلك بضرب الأمثلة للاستعارة التي يستفيد بها المتعلم ما لا يستفيده بذكر الحد والحقيقة.\rفمما جاء من ذلك في القرآن الكريم، قوله تعالى في أول سورة إبراهيم صلوات الله عليه: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ ١.\rفالظلمات والنور: استعارة للكفر والإيمان، أو للضلال والهدى، والمستعار له مطوي الذكر، كأنه قال: لتخرج الناس من الكفر الذي هو كالظلمة إلى الإيمان الذي هو كالنور.\rوكذلك ورد قوله تعالى في هذه السورة أيضًا: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ ٢.\rوالقراءة برفع: ﴿لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ ليست من باب الاستعارة، ولكنها في نصب \"تزول\"، واللام لام \"كي\"، والجبال ههنا: استعارة طوي فيها ذكر المستعار له، وهو أمر رسول الله، \"وما جاء به من الآيات والمعجزات: أي أنهم مكروا مكرهم لكي تزول منه هذه الآيات، والمعجزات التي هي في ثباتها، واستقرارها كالجبال.\rوعلى هذا ورد قوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ، أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ، وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ ٣.\rفاستعار الأودية للفنون، والأغراض من المعاني الشعرية التي يقصدونها، وإنما خص الأودية بالاستعارة، ولم يستعر الطرق والمسالك أو ما جرى مجراها؛ لأن معاني الشعر","footnotes":"١ سورة إبراهيم: الآية ١.\r٢ سورة إبراهيم: الآية ٤٦.\r٣ سورة الشعراء، الآية: ٢٢٤، ٢٢٥، ٢٢٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358530,"book_id":3862,"shamela_page_id":404,"part":"2","page_num":78,"sequence_num":404,"body":"تستخرج بالفكرة والروية، والفكرة والروية فيهما خفاء وغموض، فكان استعارة الأودية لها أشبه وأليق.\rوالاستعارة في القرآن قليلة، لكن التشبيه المضمر الأداة كثير، وكذلك هي في فصيح الكلام من الرسائل، والخطب والأشعار؛ لأن طي المستعار له لا يتيسر في كل كلام، وأما التشبيه المضمر الأداة فكثير سهل، لمكان إظهار المشبه والمشبه به معًا.\rومما ورد من الاستعارة في الأخبار النبوية قول النبي ﷺ: \"لا تستضيئوا بنار المشركين\"، فاستعار النار للرأي والمشورة: أي لا تهتدوا برأي\rالمشركين، ولا تأخذوا بمشورتهم.\rوروي عنه \"أنه دخل يومًا مصلاه، فرأى أناسًا كأنهم يكثرون، فقال: \"أما إنكم لو أكثرتم من ذكر هاذم اللذات لشغلكم عما أرى\"، وهاذم اللذات أراد به الموت، وهو مطوي الذكر.\rوبلغني عن العرب أنهم يقولون عند رؤية الهلال: \"لا مرحبًا باللجين مقرب أجل ومحل\"، وهذا من باب الاستعارة في طي ذكر المستعار له.\rوكذلك بلغني عن الحجاج بن يوسف١ أنه خطب خطبة عند قدومه العراق في أول ولايته إياه، والخطبة مشهورة من جملتها أنه قال: إن أمير المؤمنين نثل٢ كنانته، وعجمها٣ عودًا عودًا، فرآني أصلبها نجارًا، وأقومها عودًا وأنفذها","footnotes":"١ هو أبو محمد الحجاج بن يوسف الثقفي ولد سنة ٥٤١، وتربى في الإيلام مع الاحتفاظ بشخصية جاهلية عنيفة، ظهرت آثارها في أعماله وفي كلامه، وقد ولى عدة مناصب لبني أمية، واشتهر بالخطابة القوية وسياسة العنف، وتوفي سنة ٥٩٥.\r٢ نثل الكنانة: استخرج نبلها فنثرها.\r٣ الكنانة جعبة السهام، وعجم عيدانها عضها لينظر أيها أصلب، وهذا وما بعدها كناية عن أنه اختبر أعوانه، فوجد الحجاج أصلحهم لحكم العراق.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358531,"book_id":3862,"shamela_page_id":405,"part":"2","page_num":79,"sequence_num":405,"body":"نصلًا، فقوله: \"نثل كنانته، وعجمها عودًا عودًا\" يريد أنه عرض رجاله، واختبرهم واحدًا واحدًا جد اختباره، فرآني أشدهم وأمضاهم.\rوهذا من الاستعارة الحسنة الفائقة.\rوقد جاءني من الاستعارة في رسائلي ما أذكر شيئًا منه، ولو مثالًا واحدًا.\rوذلك أنه سألني بعض الأصدقاء أن أصف له غلامين تركيين كان يهواهما، وكان أحدهما يلبس قباء أحمر، والآخر قباء أسود: فقلت:\r\"إذا تشعبت أسباب الهوى كانت لسره أظهر، وأضحت أمراضه خطرًا كلها، ولا يقال في أحدها: هذا أخطر، وقد هويت بدرين على غصنين، ولا طاقة للقلب بهوى واحد، فكيف إذا حمل هوى اثنين؟، ومما شجاني أنها يتلونان في أصباغ الثياب، كما يتلونان في فنون التجرم والعتاب، وقد استجدا الآن زيًا لا مزيد على حسنهما في حسنه، فهذا يخرج في ثوب من حمرة خده، وهذا في ثوب من سواد جفنه، وما أدري من دلهما على هذا العجيب، غير أنه على فتنة المحب أهدى من حبيب\".\rوهذا من الفصل بجملته مما تواصفه الناس، وأغروا بحفظه.\rوأما ما ورد من ذلك شعرًا، فكقول مسكين الدارمي١ من شعراء الحماسة:","footnotes":"١ اسمه ربيعة بن عامر يصل نسبه إلى دارم بن مالك، وسمي مسكينا لقوله:\rأنا مسكين لمن أنكرني ... ولمن يعرفني جد نطق\rوهو شاعر شريف إسلامي، كان في عهد بني أمية، وهو سيد من سادات قومه، هاجى الفرزدق ثم تكافئا، فكان الفرزدق يعد ذلك من الشدائد التي أقلت منها، قال الفرزدق: نجوت من ثلاثة أشياء لا أخاف بعدها شيئا: نجوت من زيادة حين طلبني، ونجوت من بني رميلة، وقد نذرا أدمى وما فاتهما أحد طلباه، ونجوت من مهاجاة مسكين الدارمي؛ لأني لو طاولت معه الهجاء لاضطرني أن أهدم شطر حسي وفخري: لأنه من بحبوبة نسبي، وأشراف عشيرتي.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358532,"book_id":3862,"shamela_page_id":406,"part":"2","page_num":80,"sequence_num":406,"body":"لحافي لحاف الضيف والبيت بيته ... ولم يلهني عنه غزالٌ مقنع\rأحدثه، إن الحديث من القرى ... وتعلم نفسي أنه سوف يهجع١\rفالغزال المقنع هذا استعارة للمرأة الحسناء.\rوكذا ورد قول رجل من بني يسار في كتاب الحماسة أيضًا٢:\rأقول لنفسي حين خود رألها ... رويدك لما تشفقي حين مشفق\rرويدك حتى تنظري عم تنجلي ... عماية هذا العارض المتألق\rفالعارض المتألق: استعارة للحرب، أو الذي أطل بمكروهه كالبارق المتألق.\rويحكى أن امرأة وقفت لعبد الملك بن مروان٣، وهو سائر إلى قتال مصعب بن الزبير٤، فقالت: يا أمير المؤمنين فقال: رويدك حتى تنظري عم تنجلي.... وأنشد البيت.\rومن هذا الباب قول عبد السلام بن رغبان المعروف بديك الجن:\rلما نظرت إلي عن حدق المها ... وبسمت عن متفتح النوار\rوعقدت بين قضيبٍ بانٍ أهيفٍ ... وكثيب رملٍ عقدة الزنار\rعفرت خدي في الثرى لك طائعًا ... وعزمت فيك على دخول النار","footnotes":"١ البيتان في ديوان الحماسة ٢/ ٣١٤، ومعناهما كل ما أملكه فهو للضيف، وليس يلهيني عنه ما يلهي الناس، وإني لا أقصر على إطعامه، بل لا أزال أحدثه وأونسه حتى ينام، والغزال المقنع أراد به ذا الوجه الجميل.\r٢ ديوان الحماسة ١/ ١٤٣، وقد نسب هذا الشعر لرجل من بني أسد قاله في يوم اليمامة، وقد سبق إيراد البيتين، وتصحيحهما في صفحة ٣٨١ من القسم الأول من هذا الكتاب عند الكلام في \"اختلاف صيغ الألفاظ واتفاقها\".\r٣ عبد الملك بن مروان خامس خلفاء بني أمية شب عاقلا أديبا حازما، وخلف أباه على الملك، فكان من أنبه حكام المسلمين، استطاع قمع الثائرين على بني أمة، وتقوية سلطانه في البلاد الإسلامية، وكانت وفاته ٥٨٦هـ.\r٤ كان مصعب بن الزبير واليا على العراق من قبل أخيه عبد الله بن الزبير حتى دهمته جيوش عبد الملك، وقتلته سنة ٥٧٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358533,"book_id":3862,"shamela_page_id":407,"part":"2","page_num":81,"sequence_num":407,"body":"وهذه الأبيات لا تجد لها في الحسن شريكًا؛ ولأن قائلها شحرورًا أولى من يسمى ديكًا!\rوكذلك ورد قوله:\rلا، ومكان الصليب في النحر من ... ك ومجرى الزنار في الخصر\rوالخال في الخد إذ أشبهه ... وردة مسكٍ على ثرى تبر\rوحاجبٍ مذ خطه قلم ال ... حسن بحبر البهاء لا الحبر\rوأقحوانٍ بفيك منتظمٍ ... على شبيهٍ من رائق الخمر\rفالبيت الرابع هو المخصوص بالاستعارة، والمستعار له هو الثغر والريق.\rومما ورد لأبي تمام في هذا المعنى قوله١:\rلما غدا مظلم الأحشاء من أشرٍ ... أسكنت جانحتيه كوكبًا يقد٢\rفالكوكب استعارة للرمح.\rوكذلك ورد قوله في الاعتذار٣:\rأسرى طريدًا للحياء من التي ... زعموا وليس لرهبةٍ بطريد\rوغدًا تبين ما براءة ساحتي ... لو قد نقضت تهائمي ونجودي٤","footnotes":"١ ديوان أبي تمام ٩٩ من قصيدة يمدح فيها أبا سعيد محمد بن يوسف الطائي. ومطلعها:\rيا بعد غاية دمع العين إن بعدوا ... هي الصبابة طول الدهر والسهد\r٢ الأشر البطر وكفر النعمة، والجانحة الضلع.\r٣ ديون أبي تمام ٨٤ من قصيدة يمدح فيها أحمد بن أبي دؤاد، ويعتذر إليه. ويستشفع بخالد بن يزيد ومطلعها:\rأرأيت أي سوالف وخدود ... عنت لنا بين اللوى فزرود\r٤ التهائم المنخفضات، والنجود والمرتفعات، وبين هذا البيت والبيت الذي قبله بيان، هما:\rكنت الربيع أمامه ووراءه ... قمر القبائل خالد بن يزيد\rفالغيت من زهر سحابة رأفة ... والركن من شيبان طود حديد","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358534,"book_id":3862,"shamela_page_id":408,"part":"2","page_num":82,"sequence_num":408,"body":"والتهائم والنجود: هما استعارة مما استعاره من باطن أمره وظاهره.\rوكذلك ورد قوله١:\rكم أحرزت قضب الهندي مصلتةً ... تهتز من قضبٍ تهتز من كثب٢\rفالقضب والكثب: استعارة للقدود والأرداف.\rوكذلك ورد في هذه القصيدة أيضًا عند ذكر ملك الروم، وانهزامه لما فتحت مدينة عمورية، فقال:\rإن يعد من حرها عدو الظليم فقد ... أوسعت جاحمها من كثرة الحطب٣\rفالحطب: استعارة للقتلى.\rوقبل هذا البيت ما يدل عليه؛ لأنه قال:\rأحذى قرابينه صرف الردى ومضى ... يحتث أنجى مطاياه من الهرب٤\rموكلًا بيفاع الأرض يشرفه ... من خفةٍ الخوف لا من خفة الطرب٥\rإن يعد من حرها عدو الظليم...... البيت.\rوأحسن من هذا كله قوله٦:","footnotes":"١ ديوان أبي تمام ١١ من قصيدته في مدح المعتصم بالله أبي إسحاق محمد بن هارون الرشيد، ويذكر فتح عمورية، ومطلعها:\rالسيف أصدق أنباء من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب\r٢ قضب الهندي السيوف، مصلته مسلوقة:\r٣ الديوان ١١، والعدو الإسراع، والظليم ذكر النعام، والجاحم: شدة الحرارة.\r٤ في الأصل \"أحذى\" موضع \"أحسى\" و\"يحتث\"، موضع \"يحث\"، والتصويب عن الديوان ومعنى أحسى سقى، والحث السوق.\r٥ في الأصل \"يشرفها\" \"موضع\" \"يشرفه\" والتصويب عن الديوان، واليفاع العالي، ويشرفه يعلوه.\r٦ ديوان أبي تمام ٢٥٥ من قصيدة له في مدح محمد بن عبد الملك الزيات، ومطلعها:\rمتى أنت عن ذهلية الحي ذاهل ... وقلبك منها مدة الدهر آهل","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358535,"book_id":3862,"shamela_page_id":409,"part":"2","page_num":83,"sequence_num":409,"body":"تطل الطلول الدمع في كل منزلٍ ... وتمثل بالصبر الديار المواثل١\rدوارس لم يجف الربيع ربوعها ... ولا مر في أغفالها وهو غافل٢\rيعفين من زاد العفاة إذا انتحى ... على الحي صرف الأزمة المتحامل٣\rفقوله: زاد العفاة استعارة طوى فيها ذكر المستعار له، وهو أهل الديار، كأنه قال: يعفين من قوم هم زاد العفاة.\rوله في الغزل من الاستعارة ما بلغ به غاية اللطافة والرقة، وذلك في قصيدته التي مطلعها:\rإن عهدًا لو تعلمان ذميما٤\rفقال:\rقد مررنا بالدار وهي خلاءٌ ... فبكينا طلولها والرسوما\rوسألنا ربوعها فانصرفنا ... بسقامٍ٥ وما سألنا حكيما\rكنت أرعى النجوم٦ حتى إذا ما ... فارقوني أمسيت أرعى النجوما\rوالبيت الثالث هو المخصوص بالاستعارة.","footnotes":"١ تطل: تسكب، تمثل به: تقتله.\r٢ الأغفال: القفار.\r٣ في الديوان تعفين بالتاء، وفي الأصل \"ضرب الأزمة\" موضع \"صرف الأزمة\"، والتصويب عن الديوان وبين هذا البيت، والبيت الذي قبله بيت لم يذكره ابن الأثير. وهو:\rفقد سحبت فيه السحائب ذيلها ... وقد أخملت بالنور منها الخمائل\r٤ صدر بيت وعجزه:\rأن تناما عن ليلتي أو تنيما\rوهو مطلع قصيدة في مدح أبي سعيد، وقد قدم من مكة، الديوان ٢٩٠.\r٥ في الديوان \"بشفاء\".\r٦ رواية الديوان \"كنت أرعى البدور\" هذا البيت قبل البيتين السابقين في رواية الديوان.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358536,"book_id":3862,"shamela_page_id":410,"part":"2","page_num":84,"sequence_num":410,"body":"وعلى هذا المنهاج ورد قول البحتري١:\rوأغر في الزمن البهيم محجل ... قد رحت منه على أغر محجل\rوالأغر المحجل الأول هو الممدوح، والأغر المحجل الثاني: هو الفرس الذي أعطاه إياه.\rوكذلك ورد قوله٢:\rوصاعقةٍ في كفه تنكفي بها ... على أرؤس الأعداء خمس سحائب٣\rوهذا من النمط العالي الذي شغلت براعة معناه، وحسن سبكه عن النظر إلى استعارته، والمراد بالسحائب الخمس: الأصابع.\rوكذلك ورد في أبيات الحماسة:\rدك طود الكفر دكا ... صاعقٌ من وقع سيفك\rأرسلته خمس سحبٍ ... نشأت من بحر كفك\rوكذلك ورد قوله في أبيات يصف فيها السيف:\rحملت حمائله القديمة بقلةً ... من عهد عادٍ غضةً لم تذبل٤\rوهذا من الحسن على ما يشهد لنفسه، كأنه قال: حملت حمائله سيفًا أخضر الحديد كالبقلة.","footnotes":"١ ديوان البحتري ٢/ ٢١٧ من قصيدة في مدح محمد بن علي بن عيسى القمي الكاتب، ومطلعها:\rأهلا بذكم الخيال المقيل ... فعل الذي نهواه أو لم يفعل\r٢ ديوان البحتري ٢/ ٢١١ من قصيدة مطلعها:\rهبيه لمنهل الدموع السواكب ... وهبات شوقي في حشاه لواعب\r٣ رواية الديوان \"من نصله\" \"موضع\" في كفه، والأقران موضع، الأعدإ.\r٤ آخر بيت في قصيدة البحتري التي مطلعها:\rأهلا بذلكم الخيال المقبل ... فعل الذي نهواه أو لم يفعل\rوقد تقدم بيت من هذه القصيدة في الصفحة السابقة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358537,"book_id":3862,"shamela_page_id":411,"part":"2","page_num":85,"sequence_num":411,"body":"وعلى هذا الأسلوب ورد قول أبي الطيب المتنبي:\rفي الخد إن عزم الخليط رحيلا ... مطرٌ تزيد به الخدود محولا١\rوكذلك ورد قوله٢:\rيمد يديه في المفاضة ضيغم٣\rوأحسن من هذا قوله في قصيدته التي مطلعها٤:\rعقبى اليمين على عقبى الوغى ندم٥\rوأصبحت بقرى هنزيط جائلة ... ترعى الظبى في خصيبٍ نبته اللمم٦\rفما تركن بها خلدًا له بصرٌ ... تحت التراب ولا بازًا له قدم٧","footnotes":"١ ديوان المتنبي ٣/ ٢٣٢، وهو مطلع قصيدة في مدح بدر بن عمار وذكر الأسد، وقد أعجله فضربه بسوطه.\r٢ ديوان المتنبي ٣/ ٣٥٧ من قصيدته التي أولها:\rإذا كان مدح فالنسيب المقدم ... أكل فصيح قال شعرا متيم\r٣ صدر البيت، وعجزه:\rوعينيه من تحت التريكة أرقم\rالمفاضة الدرع الواسعة، والضيغم الأسد، والتريكة: البيضة، تشبيها بالتريكة وهي بيضة النعامة إذا انفلقت وخرج الفرخ ركت، والأرقم ضرب من الحيات، يقول: هؤلاء الفتيان الذين حوله كلهم أسد في شدته، وأرقم في بسالته، يمد في درعه يدي أسد، قوة وشدة وبفتح من تحت تريكته عيني أرقم إقداما وشجاعة.\r٤ ديوان المتنبي ٤/ ١٥ وقد أنشدها في سنة خمس وأربعين وثلثمائة؛ وهي آخر قصيدة قالها بحضرة سيف الدولة.\r٥ صدر المطلع، وعجزه:\rماذا يزيدك في إقدامك القسم\rوالمعنى: من حلف على الظفر يندم لا محالة؛ لأنه ربما لم يظفر، وهذا إشارة إلى تكذيب البطريق الذي حلف لملك الروم أنه لا بد أن يلقي سيف الدولة في بطارقته، ففعل، فخيب لله ظنه.\r٦ هنزيط: من بلاد الروم والظبا: جمع ظبة، ظبة السيف، والخصيب المكان الكثير النبات، واللمم جمع لمة، وهي ما ألم بالمنكب من الشعر، وجائله تجول للغارة، يقول: أصبحت الخيل بهذا المكان تجول للغارة والقتل، والسيوف ترعى في مكان خصيب من رءوسهم إلا أن نبته الشعر.\r٧ الخلد: ضرب من الفأر، ليست له عيون.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358538,"book_id":3862,"shamela_page_id":412,"part":"2","page_num":86,"sequence_num":412,"body":"ولا هزبرًا له من درعه لبدٌ ... ولا مهاةً لها من شبهها حشم١\rوهذا من المليح النادر، فالخلد: استعارة لمن اختفى تحت التراب خائفًا، والباز: استعارة لمن طار هاربًا، والهزبر والمهاة: استعارتان للرجال المقاتلة، والنساء من السبايا.\rومن هذا الباب قوله٢:\rكل جريحٍ ترجى سلامته ... إلا جريحًا دهته عيناها٣\rتبل خدي كلما ابتسمت ... من مطرٍ برقه ثناياها٤\rوالبيت الثاني من الأبيات الحسان التي تتواصف، وقد حسن الاستعارة التي فيه أنه جاء ذكر المطر مع البرق.\rوبلغني عن أبي الفتح بن جني٥ ﵀ أنه شرح ذلك في كتابه الموسوم بالمفسر٦، الذي ألفه في شرح شعر أبي الطيب، فقال: \"إنها كانت تبزق في","footnotes":"١ الهزبر: الأسد واللبد جمع لبدة، وهي ما على كتفي الأسد من شعره، والمهاة بقرة الوحش، والحشم الخدم، وهي حاشية الإنسان العظيم.\r٢ ديوان المتنبي ٤/ ٢٧١ من قصيدة بمدح فيها عضد الدولة أبا شجاع فناخسرو سنة أربع وخمسين وثلثمائة، ومطلعها:\rأوه بديل من قولتي واها ... لمن فأث والبديل ذكراها\r٣ من دهته: أي أصابته بعينها، لم ترج سلامته.\r٤ قال الواحدي: قال ابن جني: دل بهذا البيت على أنها كانت متكئة عليه، وعلى غاية القرب منه، وقال ابن فورجة: أظنها وقعت عليه تبكي، فوقع دمعها عليه.\rومعنى البيت: إن دموعي كالمطر، تبل خدي، كلما ابتسمت بكيت، فكأن دموعي مطر برقه بريق ثناياها، أي كان بكائي في حال ابتسامها كقوله: ظلت أبكي وتبتسم.\r٥ هو أبو الفتح عثمان بن جني، كان من حذاق أهل الأدب، وأعلمهم بعلم النحو والتصريف، صنف فيهما كتبا أبدع فيها كالخصائص والمنصف، وسر الصناعة، وصنف كتابا في شرح القوافي وفي العروض، وفي المذكر والمؤنث إلى غير ذلك، ولم يكن في شيء من علومه أكمل منه في التصريف، فإنه لم يصنف أحد في التصريف، ولا تكلم فيه أحسن، ولا أدق كلاما منه، وكدن أبو \"جني\" مملوكا روميا لسليمان بن فهد الأزدي، وكان يقول الشعر ويجيده، ودرس النحو ببغداد، وتوفي ابن جني يوم الجمعة لليلتين بقيتا من شهر صفر سنة اثنتين وتسعين وثلثمائة في خلافة القادر.\r٦ لابن جني كتاب كبير في تفسير ديوان المتنبي، وهو ألف ورقة ونيف، وكتاب آخر في تفسير معاني هذا الديوان، وحجمه مائة ورقة وخمسون ورقة -وانظر معجم الأدباء لياقوت ١٢/ ١١٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358539,"book_id":3862,"shamela_page_id":413,"part":"2","page_num":87,"sequence_num":413,"body":"وجهه، فظن أن أبا الطيب أراد أنها كانت تبسم، فيخرج الريق من فمها ويقع على وجهه، فشبهه بالمطر.\rوما كنت أطن أن أحدًا من الناس يذهب وهمه، وخاطره حيث ذهب وهم هذا الرجل وخاطره.\rوإذا كان هذا قول إمامٍ من أئمة العربية تشد إليه الرحال، فما يقال في غيره? لكن فن الفصاحة والبلاغة غير فن النحو والإعراب!!\rوكذلك ورد قول الشريف الرضي١:\rإذا أنت أفنيت العرانين والذرا ... رمتك الليالي من يد الخامل الغمر\rوهبك اتقيت السهم من حيث يتقى ... فمن ليدٍ ترميك من حيث لا تدري٢\rفالعرانين والذراهما عظماء الناس وأشرافهم، كأنه قال: إذا أفنيت عظماء الناس رميت من يد الخامل.\rوإذ قد بينت أن الاستعارة لا تكون إلا بحيث يطوى ذكر المستعار له، فإنها لا تجيء إلا ملائمة مناسبة، ولا يوجد فيها مباينة ولا تباعد؛ لأنها لا تذكر مطوية إلا لبيان المناسبة بين المستعار منه والمستعار له، ولو طويت ولم يكن هناك مناسبة بين المستعار منه، والمستعار له لعسر فهمها، ولم يبن المراد منها.\rورأيت أبا محمد عبد الله بن سنان الخفاجي -رحمه الله تعالى- قد خلط الاستعارة بالتشبيه المضمر الأداة، ولم يفرق بينهما، وتأسى في ذلك بغيره من علماء","footnotes":"١ الشريف الرضي هو أبو الحسن محمد بن الحسين الرضي العلوي، نقيب أشراف بغداد، وأشعر بني هاشم، توفي سنة ٤٠٦هـ.\r٢ ديوان الشريف الرضي ١/ ٤٠٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358540,"book_id":3862,"shamela_page_id":414,"part":"2","page_num":88,"sequence_num":414,"body":"البيان، كأبي هلال العسكري١ والغانمي٢، وأبي القاسم الحسن بن بشر الآمدي.\rعلى أن أبا القاسم بن بشر الآمدي كان أثبت القوم قدمًا في فن الفصاحة والبلاغة، وكتابه المسمى بـ\"الموازنة بين شعر الطائيين\" يشهد له بذلك، وما أعلم كيف خفي عليه الفرق بين الاستعارة، والتشبيه المضمر الأداة؟!\rومما أورده ابن سنان في كتابه الموسوم بـ\"سر الفصاحة\" قول امرئ القيس في صفة الليل:\rفقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازًا وناء بكلكل\rوهذا البيت من التشبيه المضمر الأداة؛ لأن المستعار له مذكور، وهو الليل، وعلى الخطأ في خلطه بالاستعارة، فإن ابن سنان أخطأ في الرد على الآمدي، ولم يوفق للصواب.\rوأنا أتكلم على ما ذكره ولا أضايقه في الاستعارة والتشبيه، بل أنزل معه على ما رآه من أنه استعارة، ثم أبين فساد ما ذهب إليه.\rوذاك أن الآمدي قال في كتاب \"الموازنة\" \"إن امرأ القيس وصف أحوال الليل الطويل، فذكر امتداد وسطه! وتثاقل صدره، وترادف أعجازه، فلما جعل له وسطًا ممتدًا، وصدرا ثقيلًا وأعجازًا رادفة لوسطه، استعار له اسم \"الصلب\"، وجعله","footnotes":"١ هو الحسن بن عبد الله بن سهل بن سعيد بن يحيى بن مهران، أبو هلال العسكري، صاحب الصناعتين، وكان مشهورا بالعلم والفقه، والغالب عليه الأدب والشعر، وله من التصانيف: التلخيص في اللغة، جمهرة الأمثال، شرح الحماسة، لحن الخاصة، الأوائل ... وغير ذلك، قال ياقوت: ولم يبلغني شيء عن وفاته إلا أنه فرغ من إملاء كتابه \"الأوائل\" لعشر خلت من شعبان سنة خمس وتسعين وثلثمائة، وللدكتور بدوي طبانة أحد محققي هذا الكتاب دراسة مفصلة في أبي هلال، وبلاغته ونقده، طبع بالقاهرة سنة ١٩٥١م وطبعة أخرى سنة ١٩٦٠ تحت عنوان \"أبو هلال العسكري ومقاييسه البلاغية والنقدية\".\r٢ هو أبو العلا محمد بن غانم المعروف بالغانمي، كان من فضلاء عصره، وشعره مشهور، وهو من شعراء نظام الملك.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358541,"book_id":3862,"shamela_page_id":415,"part":"2","page_num":89,"sequence_num":415,"body":"متمطيًا من أجل امتداده، واسم \"الكلكل\" وجعله نائيًا لتثاقله، واسم \"العجز\" من أجل نهوضه\"١.\rفقال ابن سنان الخفاجي معترضًا عليه: \"إن هذا الذي ذكره الآمدي ليس بمرضي غاية الرضا، وإن بيت امرئ القيس\" ليس من الاستعارة الجيدة، ولا الرديئة، بل هو وسط، فإن الآمدي قد أفصح بأن امرأ القيس لما جعل لليل وسطًا ممتدًا استعار له الصلب، وجعله متمطيًا من أجل امتداده، وحيث جعل له آخرًا، وأولًا استعار له عجزًا وكلكلًا، وهذا كله إنما يحسن بعضه مع بعض، فذكر الصلب إنما يحسن من أجل العجز والوسط، والتمطي من أجل الصلب، والكلكل لمجموع ذلك، وهذه استعارة مبنية على استعارة أخرى\"٢.\rهذا حكاية كلامه في الاعتراض على الآمدي.\rوفيه نظر من وجهين:","footnotes":"١ تصرف ابن الأثير في نقل كلام الآمدي، وهذا نصه نقلا عن الموازنة \"٢١٤\": وقد عاب أمرأ القيس بهذا المعنى من لم يعرف موضوعات المعاني، ولا المجازات، وهو في غاية الحسن والجودة والصحة، وهو إنما قصد وصف أجزاء الليل الطويل، فذكر امتداده ووسطه، وتثاقل صدره للذهاب والانبعاث، وترادف أعجازه وأواخره شيئا فشيئا، وهذا عندي منتظم لجميع نعوت الليل الطويل على هيئته، وذلك أشد ما يكون على من يراعيه، ويرتقب تصرمه، فلما جعل له وسطا يمتد، وأعجازا رادفة الوسط، وصدرا متثاقلا في نهوضه، حسن أن يستعير للوسط اسم الصلب، وجعله متمطيا من أجل امتداده؛ لأن تمطي وتمدد بمنزلة واحدة، وصلح أن يستعير للصدر اسم الكلكل، من أجل نهوضه. وهذا أقرب الاستعارات من الحقيقة، وأسد وأشد ملاءمة لما استعيرت له\".\r٢ تصرف ابن الأثير أيضا في نقل كلامه الخفاجي، وهذا نصه نقلا عن سر الفصاحة \"١٢٩\": \"وهذا الذي قاله أبو القاسم لا أرضى به غاية الرضا، ولو كنت أسكن إلى تقليد أحد من العلماء بهذه الصناعة، أو أجنح إلى اتباع مذهبه من غير نظر، وتأمل لم أعدل بقوله: أبو القاسم، لصحة فكره، وسلامة نظره، وصفاء ذهنه، وسعة علمه، لكنني أغلب الحق عليه، ولا أتبع الهوى فيما يذهب إليه، وبيت امرئ القيس عندي ليس من جيد الاستعارة ولا رديئها، بل هو من الوسط بينهما، وإنما قلت ذلك؛ لأن أبا القاسم قد أفصح بأن القيس لما جعل لليل وسطا، وعجزا استعار له اسم الصلب، وجعله متمطيا من أجل امتداده، وذكر الكلكل من أجل نهوضه، فكل هذا إنما يحسن بعضه لأجل بعض، فذكر الصلب إنما حسن لأجل العجز، والوسط والتمطي لأجل الصلب، والكلكل لمجموع ذلك، وهذه الاستعارة المبنية على غيرها، فلذلك لم أر أن أجعلها من أبلغ الاستعارة، وأجدرها بالحمد والوصف.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358542,"book_id":3862,"shamela_page_id":416,"part":"2","page_num":90,"sequence_num":416,"body":"الأول: أنه قال: هذا بيت من الاستعارة الوسطى التي ليست بجيدة، ولا رديئة ثم جعلها استعارة مبنية على استعارة أخرى، وعنده أن الاستعارة المبنية على الاستعارة من أبعد الاستعارات.\rوذاك أنه قسم الاستعارة إلى قسمين: قريب مختار، وبعيد مطرح.\rفالقريب المختار: ما كان بينه وبين ما استعير له تناسب قوي وشبه واضح.\rوالبعيد المطرح: إما أن يكون لبعده مما استعير له في الأصل، أو؛ لأنه استعارة مبنية على استعارة أخرى، فيضعف لذلك.\rهذا ما ذكره ابن سنان الخفاجي في تقسيم الاستعارة.\rوإذا كانت الاستعارة المبنية على استعارة أخرى عنده بعيدة مطرحة، فكيف جعلها وسطًا? هذا تناقض في القول!\rالوجه الثاني: أنه لم يأخذ على الآمدي في موضع الأخذ؛ لأنه لم يختر إلا ما حسن اختياره.\rوذاك أن حد الاستعارة على ما رآه الآمدي، وابن سنان هو نقل المعنى من لفظ إلى لفظ، بسبب مشاركة بينهما، وإن كان المذهب الصحيح في حد الاستعارة غير ذلك، على ما تقدم الكلام عليه.\rولكني في هذا الموضع أنزل معهما على ما رأياه، حتى يتوجه الكلام على الحكم بينهما في بيت امرئ القيس.\rوإذا حددنا الاستعارة بهذا الحد فبه يفرق على رأي ابن سنان بين الاستعارة المرضية، والاستعارة المطرحة، فإذا وجدنا استعارة في كلام ما عرضناها على هذا الحد، فما وجدنا فيه مناسبة بين المنقول عنه، والمنقول إليه حكمنا له بالجودة، وما لم نجد فيه تلك المناسبة حكمنا عليه بالرداءة.\rوبيت امرئ القيس من الاستعارات المرضية؛ لأنه لو لم يكن لليل صدر أعني أولًا، ولم يكن له وسط وآخر لما حسنت هذه الاستعارة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358543,"book_id":3862,"shamela_page_id":417,"part":"2","page_num":91,"sequence_num":417,"body":"ولما كان الأمر كذلك استعار لوسطه صلبًا، وجعله متمطيًا واستعار لصدره المتثاقل -أعني أوله- كلكلًا، وجعله نائيًا، واستعار لآخره عجزًا، وجعله رادفًا لوسطه، وكل ذلك من الاستعارة المناسبة.\rوأما قول ابن سنان الخفاجي: \"إن الاستعارة المبنية على استعارة أخرى بعيدة مطرحة\"، فإن في هذا القول نظرًا.\rوذاك أنه قد ثبت لنا أصل نقيس عليه في الفرق بين الاستعارة المرضية والمطرحة، كما أريناك، ولا يمنع ذلك من أن تجيء استعارة مبنية على استعارة أخرى، وتوجد فيها المناسبة المطلوبة في الاستعارة المرضية، فإنه قد ورد في القرآن الكريم ما هو من هذا الجنس، وهو قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ ١.\rفهذه ثلاث استعارات ينبني بعضها على بعض:\rفالأولى: استعارة القرية للأهل.\rوالثانية: استعارة الذوق للباس.\rوالثالثة: استعارة اللباس للجوع والخوف.\rوهذه الاستعارات الثلاث من التناسب على ما لا خفاء به.\rفكيف يذم ابن سنان الخفاجي الاستعارة المبنية على استعارة أخرى؟ وما أقول: إن ذلك شذ عنه، إلا؛ لأنه لم ينظر إلى الأصل المقيس عليه، وهو التناسب بين المنقول عنه والمنقول إليه، بل نظر إلى التقسيم الذي هو قسمه في القرب، أو البعد، ورأى أن الاستعارة المبنية على استعارة أخرى تكون بعيدة، فحكم عليها بالاطراح.\rوإذا كان الأصل إنما هو التناسب، فلا فرق بين أن يوجد في استعارة واحدة: أو في استعارة مبنية على استعارة.\rولهذا أشباه ونظائر في غير الاستعارة.","footnotes":"١ سورة النحل الآية: ١١٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358544,"book_id":3862,"shamela_page_id":418,"part":"2","page_num":92,"sequence_num":418,"body":"ألا ترى أن المنطقي في المقدمة والنتيجة: كل إنسان حيوان، وكل حيوان نام، فكل إنسان نام؟\rوكذلك يقول المهندس: في الأشكال الهندسية: إذا كان خط \"أب\" مثل خط \"ب ج\" وخط \"ب ج\" مثل خط \"ج د\"، فخط \"أب\" مثل خط \"ج د\"؟\rوهكذا أقول أنا في الاستعارة: إذا كانت الاستعارة الأولى مناسبة، ثم بنى عليها استعارة ثانية، وكانت أيضًا مناسبة، فالجميع متناسب وهذا أمر برهاني لا يتصور إنكاره.\rوهذا الشكل الذي أوردته ههنا هو اعتراض على ما ذكره ابن سنان الخفاجي في الاستعارة، فلا تظن أني موافقه في الأصل، وإنما وافقته قصدًا لتبيين وجه الخطأ في كلامه، وكيف يسوغ لي موافقته، وقد ثبت عندي بالدليل أن الاستعارة لا تكون إلا بحيث يطوى ذكر المستعار له?\rوفيما قدمته من الكلام كفاية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358545,"book_id":3862,"shamela_page_id":419,"part":"2","page_num":93,"sequence_num":419,"body":"النوع الثاني: في التشبيه\rوجدت علماء البيان قد فرقوا بين التشبيه والتمثيل، وجعلوا لهذا بابًا مفردًا، ولهذا بابًا مفردًا، وهما شيء واحد لا فرق بينهما في أصل الوضع، يقال: شبهت هذا الشيء بهذا الشيء، كما يقال: مثلته به.\rوما أعلم كيف خفي ذلك على أولئك العلماء مع ظهوره ووضوحه؟\rوكنت قدمت القول في باب الاستعارة على الفرق بين التشبيه وبينها، ولا حاجة إلى إعادته ههنا مرة ثانية.\rوالتشبيه ينقسم قسمين: مظهر ومضمرًا.\rوفي المضمر إشكال في تقدير أداة التشبيه فيه في بعض المواضع.\rهو ينقسم أقسامًا خمسة:\rفالأول: يقع موقع المبتدأ والخبر المفردين.\rوالثاني: يقع موقع المبتدأ والمفرد، وخبره جملة مركبة من مضاف ومضاف إليه.\rوالثالث: يقع موقع المبتدأ والخبر جملتين.\rوالرابع: يرد على وجه الفعل والفاعل.\rوالخامس: يرد على وجه المثل المضروب.\rوهذان القسمان الأخيران هما أشكل الأقسام في تقدير أداة التشبيه.\rأما الأول: فكقولنا: \"زيد أسد\"، فهذا مبتدأ وخبره، وإذا قدرت أداة التشبيه فيه كان ذلك ببديهة النظر على الفور، فقيل: زيد كالأسد.\rوأما القسم الثاني والثالث: فإنهما متوسطان في تقدير أداة التشبيه فيهما.\rفالثاني كقول النبي ﷺ: $\"الكمأة جدري الأرض\"، وهذا يتنوع نوعين، فإذا كان المضاف إليه معرفة كهذا الخبر النبوي لا يحتاج في تقدير التشبيه إلى تقديم المضاف","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358546,"book_id":3862,"shamela_page_id":420,"part":"2","page_num":94,"sequence_num":420,"body":"إليه، بل إن شئنا قدمناه، وإن شئنا أخرناه، فقلنا: الكمأة للأرض كالجدري، أو الكمأة كالجدري للأرض، وإذا كان المضاف إليه نكرة، فلا بد من تقديمه عند تقدير أداة التشبيه؛ فمن ذلك قول البحتري١:\rغمام سماحٍ لا يغب له حيًا ... ومسعر حربٍ لا يضيع له وتر٢\rفإذا قدرنا أداة التشبيه ههنا قلنا: سماح كالغمام: ولا يقدر إلا هكذا، والمبتدأ في هذا البيت محذوف، وهو الإشارة إلى الممدوح، كأنه قال: هو غمام سماح.\rومن هذا النوع ما يشكل تقدير أداة التشبيه فيه، على غير العارف بهذا الفن، كقول أبي تمام:\rأي مرعى عينٍ ووادي نسيب ... لحبته الأيام في ملحوب٣\rومراد أبي تمام أن يصف هذا المكان بأنه كان حسنًا، ثم زال عنه حسنه، فقال: إن العين كانت تلتذ بالنظر إليه كالتذاذ السائمة بالمرعى، فإنه كان يشبب به في الأشعار لحسنه وطيبه.\rوإذا قدرنا أداة التشبيه ههنا قلنا: كأنه كان للعين مرعى، وللنسيب منزلًا ومألفًا.\rوإذا جاء شيء من الأبيات الشعرية على هذا الأسلوب، أو ما يجري مجراه فإنه يحتاج إلى عارف بوضع أداة التشبيه فيه.","footnotes":"١ ديوان البحتري ١/ ٥٤ من قصيدة يمدح فيها المتوكل، ومطلعها:\rمتى لاح برق أو بدا طلل قفر ... جرى مستهل لا بكئ ولا نزر\r٢ في الأصل يجب بالحاء المهملة، وهو تحريف، وفي الديوان ما يغيب \"وما يضيع\".\r٣ ديوان أبي تمام ٣٦ والبيت مطلع قصيدة له في مدح سليمان بن وهب، قال الصولي: ويرويه قوم \"أي مرعى عين\" بكسر العين، وهو تصحيف، إنما يريد \"مرعى عين\" بفتح العين، جعل نظرها إلى الحسان رعيالها، ويروى من ملحوب\"، وقوله: \"وادي نسيب\" أي كان هذا الوادي فيه أهل، يستحقون أن يقال فيهم النسيب، وملحب اسم موضع، وتردده في الشعر كثير، ولحيته من شدد الحاء فهو من قولهم: \"لحبت القتيل\" إذا صرعته، وقال قوم: لحبه إذا قطعه بالسيف، وقيل: معنى لحبه أي ألقاه على الطريق الواضح، وهو اللاحب، ومن روى لحبته بالتخفيف فهو من القشر، يقال: لحب للحم إذا فشره -وانظر ديوان أبي تمام بشرح الخطيب التبريزي ١/ ١٢٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358547,"book_id":3862,"shamela_page_id":421,"part":"2","page_num":95,"sequence_num":421,"body":"وأما الثالث، فكقول النبي ﷺ: \"وهل يكب الناس على مناخرهم في نار جهنم إلا حصائد ألسنتهم\"، كأنه قال: كلام الألسنة كحصائد المناجل.\rوهذا القسم لا يكون المشبه به مذكورًا فيه، بل تذكر صفته، ألا ترى أن المنجل لم يذكر ههنا، وإنما ذكرت صفته، وهي الحصد، وكل ما يجيء من هذا القسم، فإنه لا يرد إلا كذلك.\rوأما القسم الرابع والخامس اللذان هما أشكل الأقسام المذكورة في تقدير أداة التشبيه فيهما فإنهما، لا يتفطن لهما أنهما تشبيه.\rفمما جاء من القسم الرابع قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ١ وتقدير أداة التشبيه في هذا الموضع أن يقال: هم في إيمانهم كالمتبوئ دارًا؛ أي أنهم قد اتخذوا الإيمان مسكنًا يسكنونه، يصف بذلك تمكنهم منه.\rوعلى هذا ورد قول أبي تمام:\rنطقت مقلة الفتى الملهوف ... فتشكت بفيض دمعٍ ذروف٢\rوإذا أردنا أن نقدر أداة التشبيه ههنا قلنا: دمع العين كنطق اللسان، أو قلنا: العين الباكية كأنما تنطق بما في الضمير.\rوأما ما جاء من القسم الخامس، فكقول الفرزدق٣ يهجو جريرًا٤:","footnotes":"١ سورة الحشر: الآية ٩.\r٢ ديوان أبي تمام ٤٠٤ مطلع قصيدة له في ابن أبي سعيد يعاتبه.\r٣ الفرزدق هو أبي فراس همام بن غالب التميمي الدارمي، أحد فحول الشعراء الأمويين، نشأ بالبصرة والبادية يروي الشعر، ويعالجه حتى نبغ فيه، واتصل بولاة العراق، يمدحهم ويهجوهم، ورحل إلى دمشق يمدح الخلفاء، وينال جوائزهم وله مع جرير نقائض تعد وثيقة تاريخية لعصرهما، والكثير من أيام العرب وأحوالهم في الجاهلية والإسلام، ويمتاز شر الفرزدق بخشونة الألفاظ، ووعورة المعاني، والميل إلى الفخر في هجائه، والفحش في غزله، وقد مات سنة ١١٤هـ.\r٤ ينتسب أبو حزرة جرير بن عطية بن الخطفي إلى يربوع من تميم، كما ينتسب الفرزدق إلى دارم بن تميم كذلك، وقد ولد باليمامة، ونشأ في البادية يأخذ الشعر عن أسرته وغيرها، ويتكسب به لدى الولاة والخلفاء، حتى اشتبك مع الفرزدق في التهاجي والتساب، لعوامل سياسية واجتماعية، ومات الفرزدق بقليل سنة ١١٤ هـ.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358548,"book_id":3862,"shamela_page_id":422,"part":"2","page_num":96,"sequence_num":422,"body":"ما ضر تغلب وائلٍ أهجوتها ... أم بلت حيث تناطح البحران١\rفشبه هجاء جرير تغلب وائل ببوله في مجمع البحرين، فكما أن البول في مجمع البحرين لا يؤثر شيئًا، فكذلك هجاؤك هؤلاء القوم لا يؤثر شيئًا.\rوهذا البيت من الأبيات الذي أقر لها٢ الناس بالحسن.\rوكذلك ورد قوله أيضًا٣:\rقوارص تأتيني وتحتقرونها ... وقد يملأ القطر الإناء فيفعم\rفإنه شبه القوارص التي تأتيه محتقرة بالقطر الذي يملأ الإناء على صغر مقداره، يشير بذلك إلى أن الكثرة تجعل الصغير من الأمر كبيرًا.\rوهذا الموضع يشكل على كثير من علماء البيان، ويخلطونه بالاستعارة، كقول البحتري في التعزية بولد٤:\rتعز فإن السيف يمضي وإن وهت ... حمائله عنه وخلاه قائمه\rوهذا ليس من التشبيه، وإنما هو استعارة؛ لأن المستعار له مطوي الذكر، وهو المعزي، كأنه قال: تعز كالسيف يمضي وإن وهت حمائله، وخلاه قائمه.","footnotes":"١ ديوان الفرزدق ٢/ ٨٨٢، وهذا البيت ثاني أبيات قصيدته التي أولها:\rيا ابن المراغة والهجاء إذا التقت ... أعناقه وتماحك الخصمان\rوفي هذه القصيدة يذكر الفرزدق تفضيل الأخطل إياه، ويمدح بني تغلب، ويهجو جريرًا.\r٢ في الأصل \"الذي أقر له....\".\r٣ ديوان الفرزدق ٢/ ٧٥٦، وكان الفرزدق لما هرب من زياد ابن أبيه نزل بالروحاء على بكر بن وائل، ثم انتقل عنهم إلى المدينة، فقال الفرزدق:\rتصرم عني ودبكر بن وائل ... وما كان عني ودهم يتصرم\rقوارض تأتيني فيحتقرونها ... وقد يملأ القطر الأتي فيفعم\rومعنى الأتي الجدول.\r٤ ديوان البحتري ٢/ ٥٢، والبيت من قصيدة له في رثاء ابن أبي الحسن بن عبد الله بن صالح الهاشمي، ومطلعها:\rلأية حال أعلن الوجد كاتمه ... وأقصر عن داعي الصبابة لائمه","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358549,"book_id":3862,"shamela_page_id":423,"part":"2","page_num":97,"sequence_num":423,"body":"فإن قيل: إنك قدمت في باب الاستعارة بأن التشبيه المضمر الأداة يحسن تقدير أداة التشبيه فيه، والاستعارة لا يحسن تقدير أداة التشبيه فيها، وجعلت ذلك هو الفرق بين التشبيه المضمر الأداة بين الاستعارة، وقررت ذلك تقريرًا طويلًا عريضًا، ثم نراك قد نقضته ههنا بقولك: إن من التشبيه المضمر الأداء ما يشكل تقدير أداة التشبيه فيه، وإنه يحتاج في تقديرها إلى نظر، كهذين البيتين المذكورين للفرزدق، وما يجري مجراهما.\rفالجواب عن ذلك أني أقول: هذا الذي ذكرته لا ينقص علي شيئًا مما قدمت القول فيه في باب الاستعارة؛ لأني قلت: إن التشبيه المضمر الأداة يحسن تقدير الأداة فيه، أي لا يتغير بتقديرها فيه عن صفته التي اتصف بها من فصاحة وبلاغة، وليس كذلك الاستعارة، فإنها إذا قدرت أداة التشبيه فيها تغيرت عن صفتها التي اتصفت بها من فصاحة وبلاغة.\rوأما الذي ورد ههنا من بيتي الفرزدق، وما يجري مجراهما من التشبيه المضمر الأداة، فإن أداة التشبيه لا تقدر فيه، وهو على حالته من النظم، حتى تتبين هل تغيرت صفته التي اتصف بها من فصاحة وبلاغة أم لا؟، وإنما تتقدر أداة التشبيه فيه على وجه آخر، وهذا لا ينقض ما أشرت إليه في باب الاستعارة.\rوإذا ثبتت هذه الأقسام الأربعة فأقول: إن التشبيه المضمر أبلغ من التشبيه المظهر وأوجز.\rأما كونه أبلغ فلجعل المشبه مشبهًا به من غير واسطة أداة، فيكون هو إياه، فإنك إذا قلت: \"زيد أسد\"، كنت قد جعلته أسدًا من غير إظهار أداة التشبيه.\rوأما كونه أوجز، فلحذف أداة التشبيه منه.\rوعلى هذا فإن القسمين من المظهر، والمضمر كليهما في فضيلة البيان سواء، فإن الغرض المقصود من قولنا: \"زيد أسد\" أن يتبين حال زيد في اتصافه بشهامة النفس، وقوة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358550,"book_id":3862,"shamela_page_id":424,"part":"2","page_num":98,"sequence_num":424,"body":"البطش، وجراءة الإقدام وغير ذلك مما يجري مجراه، إلا أنا لم نجد شيئًا ندل به عليه سوى أن جعلناه شبيهًا بالأسد، حيث كانت هذه الصفات مختصة به، فصار ما قصدناه من هذا القول أكشف، وأبين من أن لو قلنا: زيد شهم شجاع قوي البطش جريء الجنان، وأشباه ذلك، لما قد عرف وعهد من اجتماع هذه الصفات في المشبه -أعني الأسد- وأما زيد الذي هو المشبه، فليس معروفًا بها، وإن كانت موجودة فيه.\rوكلا هذين القسمين أيضًا يختص بفضيلة الإيجاز، وإن كان المضمر أوجز من المظهر؛ لأن قولنا: \"زيد أسد\"، أو\"كالأسد\"، يسد مسد قولنا: زيد من حاله كيت وكيت، وهو من الشجاعة والشدة على كذا وكذا، مما يطول ذكره.\rفالتشبيه إذًا يجمع صفات ثلاثة، هي: المبالغة والبيان والإيجاز، كما أريتك، إلا أنه من بين أنواع علم البيان مستوعر الذهب، وهو مقتل من مقاتل البلاغة.\rوسبب ذلك أن حمل الشيء على الشيء بالمماثلة إما صورة، وإما معنى يعز صوابه وتعمر الإجادة فيه، وقلما أكثر منه أحد إلا عثر، كما فعل ابن المعتز١ من أدباء العراق، وابن وكيع٢ من أدباء مصر، فإنهما أكثرا من ذلك لا سيما في وصف الرياض والأشجار، والأزهار والثمار، لا جرم أنهما أتيا بالغث البارد الذي لا يثبت على محك الصواب.\rفعليك أن تتوقى ما أشرت إليه.","footnotes":"١ هو أبو العباس عبد الله بن المعتز بالله الخليفة العباسي، ولد سنة ٢٤٩هـ. وقد نشأ وتربى ترية الخلفاء، وأخذ العلم والأدب عن علماء عصره، وأولع بالشعر ونبغ فيه، ولما خلع المقتدر لعسف الأتراك من شيعته بويع عبد الله هذا بالخلافة، ولكن جند المقتدر، والأتراك حملوا على دار ابن المعتز، وقاتلوا أصحابه حتى هزموهم، وقبضوا على الخليفة، وقتلوه أول ليل من حكمه سنة ٢٩٦هـ، وقد برع في الشعر لا سيما الأوصاف، ويمتاز شعره بطابع الترف ورقة الأسلوب، وهو صاحب كتاب البديع الذي يعد أول كتاب في البلاغة العربية وغيره.\r٢ هو أبو محمد الحسن بن علي.... الضبي المعروف بابن وكيع التنيسي الشاعر المشهور.\rأصله: من بغداد، ومولده بتنيس، ذكره أبو منصور الثعالبي في يتيمة الدهر. وقال في حقه: شاعر=","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358551,"book_id":3862,"shamela_page_id":425,"part":"2","page_num":99,"sequence_num":425,"body":"فائدة التشبيه:\rوأما فائدة التشبيه من الكلام فهي أنك إذا مثلت الشيء بالشيء، فإنما تقصد به إثبات الخيال في النفس بصورة المشبه به أو معناه، وذلك أوكد في طرفي الترغيب فيه، أو التنفير عنه.\rألا ترى أنك إذا شبهت صورة بصورة هي أحسن منها كان ذلك مثبتًا في النفس خيالًا حسنًا يدعو إلى الترغيب فيها.\rوكذلك إذا شبهتها بصورة شيء أقبح منها كان ذلك مثبتًا في النفس خيالًا قبيحًا يدعو إلى التنفير عنها، وهذا لا نزاع فيه.\rولنضرب له مثالًا يوضحه فنقول: قد ورد عن ابن الرومي١ في مدح العسل، وذمه بيت من الشعر، وهو:\rتقول هذا مجاج النحل تمدحه ... وإن تعب قلت: ذاقئ الزنابير٢\rألا ترى كيف مدح وذم الشيء الواحد بتصريف التشبيه المجازي المضمر الأداة الذي","footnotes":"= بارع، وعالم جامع، قد برع في إبانه على أهل زمانه، فلم يتقدمه أحد في أوانه، وله كل بديعة تسحر الأوهام، ونستعبد الأفهام، وله ديوان شعر جيد. وله كتاب بين فيه سرقات أبي الطيب المتنبي، سماه \"المنصف\" وكانت وفاته يوم الثلاثاء لسبع بقين من جمادى الأول سنة ثلاث وتسعين وثلثمائة بمدينة تنيس. ودفن في المقبرة الكبرى في القبة التي بنيت له بها، ووكيع لقب جده أبي بكر محمد بن خلف، وكان فاضلا نبيلا فصيحا، من أهل القرآن والفقه والنحو والسير، وأيام الناس وأخبارهم، وله مصنفات كثيرة -انظر وفيات الأعيان ٤/ ٢٢٨ طبعة دار المأمون- \"القاهرة\".\r١ ولد أبو الحسن علي بن العباسي الرومي ببغداد، وعاش فيها متأثرًا بمزاجه اليوناني، وبالثقافة العربية كذلك، فكان شعره صورة طريفة في الأدب العربي من حيث الابتكار، والتنسيق المنطقي والاستقصاء في أسلوب جزل متين، وقد أجاد فنون الشعر، وخاصة الوصف والهجاء، توفي ابن الرومي سنة ٢٨٣هـ.\r٢ هذا البيت ثاني أبيات ثلاثة، وهذه مرتبة:\rفي زخرف القول تزيين لباطله ... والحق قد يعتريه سوء تعبير\rتقول: هذا مجاج النحل تمدحه ... وإن تذم فقل خرء الزنابير\rمدحا وذما جاوزت وصفهما ... حسن البيان يرى الظلماء كالنور\rوالمجاج: الربق ترميه من فيك، والعسل وقد يقال له مجاج النحل.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358552,"book_id":3862,"shamela_page_id":426,"part":"2","page_num":100,"sequence_num":426,"body":"خيل به إلى السامع خيالًا يحسن الشيء عنده تارة، ويقبحه أخرى؟ ولولا التوصل بطريق التشبيه على هذا الوجه لما أمكنه ذلك.\rوهذا المثال كاف فيما أردناه.\rواعلم أن محاسن التشبيه أن يجيء مصدريًا، كقولنا: أقدم إقدام الأسد، وفاض فيض البحر، وهو ما أحسن ما استعمل في باب التشبيه، كقول أبي نواس في وصف الخمر١:\rثم لما مزجوها ... وثبت وثب الجراد٢\rثم لما شربوها ... أخذت أخذ الرقاد٣\rوقيل: إن من شرط بلاغة التشبيه أن يشبه الشيء بما هو أكبر منه وأعظم.\rومن ههنا غلط بعض الكتاب من أهل مصر في ذكر حصن من حصون الجبال مشبهًا له، فقال: \"هامةٌ عليها من الغمامة عمامة، وأنملة خضبها الأصيل، فكان الهلال منها قلامة\".\rوهذا الكاتب حفظ شيئًا، وغابت عنه أشياء!!\rفإنه أخطأ في قوله: \"أنملة\" وأي مقدار للأنملة إلى تشبيه حصن على رأس جبل؟\rوأصاب في المناسبة بين ذكر الأنملة والقلامة، وتشبيهها بالهلال.","footnotes":"١ ديوان أبي نواس ٢٦٥ من قصيدة خمرية له أولها:\rاسقنيها بسواد ... قبل تغريد المنادى\rفي الأصل \"وإذا ما مزجوها\" موضع ثم لما مزجوها، والتصويب عن الديوان.\r٣ في الأصل \"وإذا ما شربوها\" موضع \"ثم لما شربوها\" والتصويب عن الديوان.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358553,"book_id":3862,"shamela_page_id":427,"part":"2","page_num":101,"sequence_num":427,"body":"فإن قيل:\rإن هذا الكاتب تأسى فيما ذكره بكلام الله تعالى حيث قال: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ ١ فمثل نوره بطاقةٍ فيها ذبالة.\rوقال الله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ ٢ فمثل الهلال بأصل عذق النخلة.\rفالجواب عن ذلك أني أقول:\rأما تمثيل نور الله تعالى بمشكاة فيها مصباح، فإن هذا مثال ضربه للنبي ﷺ ويدل عليه أنه قال: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ .\rوإذا نظرت إلى هذا الموضع وجدته تشبيهًا لطيفًا عجيبًا، وذاك أن قلب النبي ﷺ، وما ألقي فيه من النور، وما هو عليه من الصفة الشفافة، كالزجاجة التي كأنها كوكب لصفائها وإضاءتها.\rوأما الشجرة المباركة التي لا شرقية ولا غربية، فإنها عبارة عن ذات النبي ﷺ؛ لأنه من أرض الحجاز التي لا تميل إلى الشرق، ولا إلى الغرب.\rوأما زيت هذه الزجاجة، فإنه مضيء من غير أن تمسه نار، والمراد أن فطرته فطرةٌ صافية من الأكدار، منيرة من قبل مصافحة الأنوار.\rفهذا هو المراد بالتشبيه الذي ورد في هذه الآية.\rوأما الآية الأخرى، فإنه شبه الهلال فيها بالعرجون القديم، وذلك في هيئة نحوله واستدارته، لا في مقداره، فإن مقدار الهلال عظيم، ولا نسبة للعرجون إليه، لكنه في مرأى النظر كالعرجون هيئةً، لا مقدارًا.","footnotes":"١ سورة النور: الآية: ٣٥.\r٢ سورة يس: الآية: ٣٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358554,"book_id":3862,"shamela_page_id":428,"part":"2","page_num":102,"sequence_num":428,"body":"وأما هذا الكاتب، فإن تشبيهه ليس على هذا النسق؛ لأنه شبه صورة الحصن بأنملة في المقدار، لا في هيئة والشكل.\rوهذا غير حسن ولا مناسب، وإنما ألقاه فيه أنه قصد الهلال، والقلامة مع ذكر الأنملة، فأخطأ من جهة، وأصاب من جهة، لكن خطؤه غطى على صوابه.\rوالقول السديد في بلاغة التشبيه هو ما أذكره، وهو: أن إطلاق من أطلق قوله في أن من شرط بلاغة التشبيه أن يشبه الأصغر بالأكبر غير سديد، فإن هذا قول غير حاصرٍ للغرض المقصود؛ لأن التشبيه يأتي تارة في معرض المدح، وتارة في معرض الذم، وتارة في غير معرض مدح ولا ذم، وإنما يأتي قصدًا للإبانة والإيضاح، ولا يكون تشبيه أصغر بأكبر، كما ذهب إليه من ذهب.\rبل القول الجامع في ذلك أن يقال: إن التشبيه لا يعمد إليه إلا لضرب من المبالغة: فإما أن يكون مدحًا أو ذمًا، أو بيانًا أو إيضاحًا، ولا يخرج عن هذه المعاني الثلاثة.\rوإذا كان الأمر كذلك، فلا بد فيه من تقدير لفظة \"أفعل\"، فإن لم تقدر لفظة \"أفعل\"، فليس بتشبيه بليغ، ألا ترى أنا نقول في التشبيه المضمر الأداة: \"زيد أسد\"، فقد شبهنا زيدًا بأسد الذي هو أشجع منه، فإن لم يكن المشبه به في هذا المقام أشجع من \"زيد\" الذي هو المشبه، وإلا كان التشبيه ناقصًا، إذ لا مبالغة فيه.\rوأما التشبيه المظهر الأداة فكقوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾ ١، وهذا تشبيه كبير بما هو أكبر منه؛ لأن خلق السفن البحرية كبير، وخلق الجبال أكبر منه.","footnotes":"١ سورة الرحمن، الآية: ٢٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358555,"book_id":3862,"shamela_page_id":429,"part":"2","page_num":103,"sequence_num":429,"body":"وكذلك إذا شبه شيء حسن بشيء حسن، فإنه إذا لم يشبه بما هو أحسن منه، فليس بوارد على طريق البلاغة.\rوإن شبه قبيح بقبيح، وهكذا ينبغي أن يكون المشبه به أقبح.\rوإن قصد البيان والإيضاح، فينبغي أن يكون المشبه به أبين وأوضح.\rفتقدير لفظة \"أفعل\" لا بد منه فيما يقصد به بلاغة التشبيه؛ وإلا كان التشبيه ناقصًا، فاعلم ذلك وقس عليه.\rأقسام التشبيه:\rواعلم أنه لا يخلو تشبيه الشيئين: أحدهما بالآخر من أربعة أقسام:\r١- إما تشبيه معنى بمعنى، كالذي تقدم ذكره من قولنا: \"زيد كالأسد\".\r٢- وإما تشبيه صورة بصورة، كقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ، كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ ١.\r٣- وإما تشبيه معنى بصورة، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ ٢، وهذا القسم أبلغ الأقسام الأربعة لتمثيله المعاني الموهومة بالصور المشاهدة.\r٤- وإما تشبيه صورة بمعنى، كقول أبي تمام:\rوفتكت بالمال الجزيل وبالعدا ... فتك الصبابة بالمحب المغرم٣\rفشبه فتكه بالمال وبالعدا -وذلك صورة مرئية- بفتك الصبابة، وهو فتك","footnotes":"١ سورة الصافات: الآيتان ٤٨، ٤٩.\r٢ سورة النور: الآية ٣٩.\r٣ لم أعثر على هذا البيت في طبعة بيروت، ويوحى معنى البيت، ووزنه بأنه من قصيدته التي قالها مدح أبي الحسين محمد بن الهيثم بن شبابة التي مطلعها:\rنثرت فريد مدامع لم تنظم ... والدمع يحمل بعض شجو المغرم\rوانظر ديوان أبي تمام ٣١٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358556,"book_id":3862,"shamela_page_id":430,"part":"2","page_num":104,"sequence_num":430,"body":"معنوي، وهذا القسم ألطف الأقسام الأربعة؛ لأنه نقل صورة إلى غير صورة.\rوكل واحد من هذه الأقسام الأربعة المشار إليها لا يخلو التشبيه فيه من أربعة أقسام أيضًا:\r١- إما تشبيه مفرد بمفرد.\r٢- وإما تشبيه مركب بمركب.\r٣- وإما تشبيه مفرد بمركب.\r٤- وإما تشبيه مركب بمفرد.\rوالمراد بقولنا مفرد ومركب: أن المفرد يكون تشبيه شيء واحد بشيء واحد، والمركب تشبيه شيئين اثنين بشيئين اثنين.\rوكذلك المفرد بالمركب، والمركب بالمفرد، فإن أحدهما يكون تشبيه شيء واحد بشيئين، والآخر: يكون تشبيه شيئين بشيء واحد، والآخر يكون تشبيه شيئين بشيء واحد.\rولست أعني بقولي: \"تشبيه شيئين بشيئين\" أن لا يكون إلا كذلك، بل أردت تشبيه شيئين بشيئين فما فوقهما، كقول بعضهم في الخمر.\rوكأنها وكأن حامل كأسها ... إذ قام يجلوها على الندماء\rشمس الضحى رقصت وجهها ... بدر الدجى بكواكب الجوزاء\rفشبه ثلاثة أشياء بثلاثة أشياء، فإنه شبه الساقي بالبدر، وشبه الخمر بالشمس، وشبه الحبب الذي فوقها بالكواكب.\rوإذا بينت أن التشبيه ينقسم إلى تلك الأقسام الأربعة، فإني أقول: إن التشبيه المضمر الأداة قد قدمت القول في أنه ينقسم إلى خمسة أقسام١.\rفالقسم الأول: لا يرد إلا في تشبيه مفرد.\rبمفرد، والقسم الثاني لا يرد إلا في تشبيه مفرد بمركب.","footnotes":"١ انظر تفصيل هذه الأقسام الخمسة في صفحة \"١١٥\" من هذا الثاني.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358557,"book_id":3862,"shamela_page_id":431,"part":"2","page_num":105,"sequence_num":431,"body":"والقسم الثالث: لا يرد إلا في تشبيه مركب بمركب.\rوالقسم الرابع والخامس: لا يردان إلا في تشبيه مركب بمركب.\rألا ترى أنا إذا قلنا في القسم الأول: \"زيد أسد\"، كان ذلك تشبيه مفرد بمفرد.\rوإذا قلنا في القسم الثاني: ما مثلناه به من الخبر النبوي، وهو \"الكمأة جدري الأرض\"، كان ذلك تشبيه مفرد بمركب، وكذلك بيت البحتري١، وبيت أبي تمام٢ المشار إليهما فيما تقدم.\rوإذا قلنا في القسم الثالث: ما أشرنا إليه من الخبر النبوي أيضًا الذي هو: $\"وهل يكب الناس على مناخرهم في نار جهنم إلا حصائد ألسنتهم\"، كان ذلك تشبيه مركب بمركب.\rوإذا قلنا في القسم الرابع والخامس: ما مثلنا به من بيتي الفرزدق٣ والبحتري٤ كان ذلك تشبيه مركب بمركب.\rوإذا كان الأمر كذلك، وجاءك شيء من التشبيه المضمر الأداة، وهو من القسم الأول، فاعلم أنه تشبيه مفرد، وإذا جاءك شيء من القسم الثاني، فاعلم أنه تشبيه مفرد بمركب، وإذا جاءك شيء من القسم الثالث، فاعلم أنه تشبيه مركب بمركب، وكذلك إذا جاءك شيء من القسم الرابع، والقسم الخامس، فإنهما من باب تشبيه المركب بالمركب.","footnotes":"١ البيت الذي يعنيه هو قول البحتري:\rغمام سماح لا يغب له حيا ... ومسعر حرب لا يضيع له وتر\r٢ بيت أبي تمام المقصود من قوله:\rأي مرعى عن ووادي نسيب ... لحبته الأيام في ملحوب\r٣ يقصد قول الفرزدق في هجاء جرير:\rما ضر تغلب وائل أهجوتها ... أم بلت حين تناطح البحران\rوكذلك قوله:\rقوارض تأتيني وتحتقرونا ... وقد يملأ القطر الإناء فيفعم\r٤ يعني قول البحتري في التعزية بلود:\rتعز فإن السيف يمضي وإن وهت ... حمائله عنه وخلاه قائمة","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358558,"book_id":3862,"shamela_page_id":432,"part":"2","page_num":106,"sequence_num":432,"body":"ولنرجع إلى ذكر ما أشرنا إليه أولًا في تقسيم التشبيه إلى الأربعة أقسام الأخرى التي هي: تشبيه مفرد بمفرد، وتشبيه مركب بمركب، وتشبيه مفرد بمركب، وتشبيه مركب بمفرد.\rفالقسم الأول منها: كقوله تعالى في المضمر الأداة: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ ١، فشبه الليل باللباس، وذاك أنه يستر الناس بعضهم عن بعض لمن أراد هربًا من عدو، أو ثباتًا لعدو أو إخفاء ما لا يحب الاطلاع عليه من أمره.\rوهذا من التشبيهات التي لم يأت بها إلا القرآن الكريم، فإن تشبيه الليل باللباس مما اختص به دون غيره من الكلام المنثور والمنظوم.\rوكذلك قوله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ ٢، فشبه المرأة باللباس للرجل، وشبه الرجل باللباس للمرأة.\rومن محاسن التشبيهات قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ ٣، وهذا يكاد ينقله تناسبه عن درجة المجاز إلى الحقيقة، والحرث: هو الأرض التي تحرث للزرع، وكذلك الرحم يزدرع فيه الولد ازدراعًا كما يزدرع البذر في الأرض.\rومن هذا الأسلوب قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ ٤، فشبه تبرأ","footnotes":"١ سورة النبأ: الآية ١٠.\r٢ سورة البقرة: الآية ١٨٧.\r٣ سورة البقرة: الآية ٢٢٣.\r٤ سورة يس: الآية ٣٧ والذي في الآية من قبيل الاستعارة، فقد طوى ذكر المستعار له، قال أبو هلال العسكري في هذه الآية: إن هذا الوصف إنما على ما يلوح للعين لا على حقيقة المعنى؛ لأن الليل والنهار اسمان يقعان على هذا الجو عند إظلامه لغروب الشمس، وإضاءته لطلوعها، وليسا على الحقيقة شيئين يسلخ أحدهما من الآخر إلا أنهما في رأي العين كأنهما ذلك، السلخ يكون في الشيء الملتحم بعضه ببعض، فلما كانت هوادي الصبح عند طلوعه كالملتحمة بأعجاز الليل أجرى عليها اسم السلخ، فكان أفصح من قوله: \"يخرج\"؛ لأن السلخ أدل على الالتحام المتوهم فيهما من الإخراج \"الصناعتين ٢٧٣\"، وقد نقل ابن الأثير هذا الكلام بمعانيه، وأكثر ألفاظه كما ترى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358559,"book_id":3862,"shamela_page_id":433,"part":"2","page_num":107,"sequence_num":433,"body":"الليل من النهار بانسلاخ الجلد المسلوخ، وذاك أنه لما كانت هوادي الصبح عند طلوعه ملتحمةً بأعجاز الليل أجرى عليهما اسم السلخ، وكان ذلك أولى من أن لو قيل: \"يخرج\"؛ لأن السلخ أدل على الالتحام من الإخراج، وهذا تشبيه في غاية المناسبة.\rوكذلك ورد قوله تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ ١، فشبه انتشار الشيب باشتعال النار، ولما كان الشيب يأخذ في الرأس، ويسعى فيه شيئًا فشيئًا، حتى يحيله إلى غير لونه الأول بمنزلة النار التي تشتعل في الجسم، وتسري فيه، حتى تحيله إلى غير حاله الأولى.\rوأحسن من هذا أن يقال: إنه شبه انتشار الشيب باشتعال النار: في سرعة التهابه، وتعذر تلافيه، وفي عظم الألم في القلب به، وأنه لم يبق بعده إلا الخمود.\rفهذه أوصاف أربعة جامعة بين المشبه والمشبه به، وذلك في الغاية القصوى من التناسب والتلاؤم.\rوقد ورد من الأمثال \"الليل جنة الهارب\"، وهذا تشبيه حسن.\rوكل ذلك من التشبيه المضمر الأداة.\rومما ورد منه شعرًا قول أبي الطيب المتنبي٢:\rوإذا اهتز للندى كان بحرًا ... وإذا اهتز للوغى كان نصلًا\rوإذا الأرض أظلمت كان شمسًا ... وإذا الأرض أمحلت كان وبلا\rفحرف التشبيه ههنا مضمر، وتقديره: كان كأنه بحر، وكان كأنه نصل،","footnotes":"١ سورة مريم: الآية ٤ وهذه الآية أيضا من قبيل الاستعارة قال أبو هلال: قوله تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ حقيقته كثر الشيب في الرأس وظهر، والاستعارة أبلغ، لفضل ضياء النار على ضياء الشيب، فهو إخراج الظاهر إلى ما هو أظهر منه؛ ولأنه لا يتلاقى انتشاره في الرأس، كما لا يتلافى اشتعال النار \"الصناعتين ٢٧٢\".\r٢ ديوان المتنبي ٣-١٣٢ من قصيدة يعزي فيها سيف الدولة بأخته الصغرى. ومطلعها:\rإن يكن صبر ذي الرزية فضلا ... فكن الأفضل الأعز الأجلا","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358560,"book_id":3862,"shamela_page_id":434,"part":"2","page_num":108,"sequence_num":434,"body":"وكذلك يقال في البيت الثاني: كان كأنه شمس، وكان كأنه وبل، وهذا تشبيه صورة بصورة، وهو حسن في معناه.\rوكذلك ورد قول أبي نواس، وهو في تشبيه الحبب١:\rفإذا ما اعترضته العين من حيث استدارا ... خلته في جنبات الكأس واواتٍ صغارا\rوهذا تشبيه صورة بصورة أيضًا، وقد أبرز هذا المعنى في لباس آخر، فقال٢:\rوإذا٣ علاها الماء ألبسها ... حببًا شبيه جلاجل الحجل\rحتى إذا سكنت جوامحها ... كتبت بمثل أكارع النمل\rومن هذا قول البحتري٤:\rتبسمٌ وقطوبٌ في ندىً ووغىً ... كالرعد والبرق تحت العارض البرد٥\rوهذا من أحسن التشبيه وأقربه، إلا أن فيه إخلالًا من جهة الصنعة، وهي ترتيب التفسير، فإن الأولى أن كان قدم تفسير التبسم على تفسير القطوب: بأن كان قال: \"كالبرق والرعد\"٦.","footnotes":"١ ديوان أبي نواس ٢٧٥، من قصيدة له أولها:\rدع لباكيها الديارا ... وأنف بالخمر الخمارا\rوأشربنها من كميت ... تدع الليل نهارا\r٢ ديوان أبي نواس ٣١١ من قصيدة مطلعها:\rكان الشباب مطية الجهل ... ومحسن الضحكات والهزل\r٣ رواية الديوان \"فإذا\".\r٤ ديوان البحتري ٢-١٦ من قصيدة له في مدح أبي نهشل محمد بن حميد بن عبد الحميد الطوسي، ومطلعها:\rإن تركت الصبى عمدا ولم أكد ... من غير شيب ولا عذل ولا فند\r٥ رواية الديوان:\rوسط العارض البرد\r٦ والعجب أن ما اقترحه ابن الأثير هو نص رواية الديوان:\rكالبرق والرعد وسط العارض البرد","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358561,"book_id":3862,"shamela_page_id":435,"part":"2","page_num":109,"sequence_num":435,"body":"فانظر أيهما المنتمي إلى الفن كيف ذهب على البحتري مثل هذا\rالموضوع على قربه، مع تقدمه في صناعة الشعر؟، وليس في ذلك كبير أمر، سوى أن كان قدم ما أخر لا غير.\rوإنما يعذر الشاعر في مثل هذا المقام إذا حكم عليه الوزن والقافية، واضطر إلى ترك ما يجب عليه، وأما إذا كانت الحال التي ذكرها البحتري، فحينئذ لا عذر له.\rوسيأتي باب مفرد في موضعه من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى، وهو باب \"ترتيب التفسير\".\rوكذلك ورد قول البحتري١:\rفي معركٍ ضنكٍ تخال به القنا ... بين الضلوع إذا انحنين ضلوعا\rومن تشبيه المفرد بالمفرد قول أبي الطيب المتنبي٢:\rخرجن من النقع في عارض ... ومن عرق الركض في وابل٣\rفلما نشفن لقين السياط ... بمثل صفا البلد الماحل٤\rوقد حوى هذان البيتان قرب التشبيه مع براعة النظم، وجزالة اللفظ.\rوأما القسم الثاني: وهو تشبيه المركب بالمركب، فمما جاء منه مضمر الأداة ما يروى عن النبي ﷺ في حديث يرويه معاذ بن جبل ﵁ وهو حديث طويل: \"يشتمل على فضائل أعمال متعددة، ولا حاجة إلى إيراده ههنا على","footnotes":"١ ديوان البحتري ١/ ١٦٨ من قصيدة في مدح محمد بن يوسف ومطلعها:\rفيم ابتداركم الملام ولوعا ... أبكيت إلا دمنة وربوعا\r٢ ديوان المتنبي ٣-٣٤ من قصيدة له في مدح سيف الدولة، ويذكر فيها استنقاذه أبا وائل تغلب بن داود من الأسر، ومطلعها:\rإلام طماعية العاذل ... ولا رأى في الحب للعاقل\r٣ النقع الغبار: والعارض السحاب، والوابل المطر الكثير.\r٤ الصفا الصخر، والسياط جمع سوط، والماحل الذي لم يمطر.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358562,"book_id":3862,"shamela_page_id":436,"part":"2","page_num":110,"sequence_num":436,"body":"نصه، بل نذكر الغرض منه، وهو أنه قال له رسول الله: \"أمسك عليك هذا\"، وأشار إلى لسانه، فقال معاذ: أو نحن مؤاخذون بما نتكلم به? فقال: \"ثكلتك أمك يا معاذ!، وهل يكب الناس على مناخرهم في نار جهنم إلا حصائد ألسنتهم\".\rفقوله: \"حصائد ألسنتهم\" من تشبيه المركب بالمركب، فإنه شبه الأسنة وما تمضي فيه من الأحاديث التي يؤاخذ بها بالمناجل التي تحصد النبات من الأرض.\rومما ورد منه شعرًا قول أبي تمام١:\rمعشر أصبحوا حصون المعالي ... ودروع الأحساب والأعراض\rفقوله: \"حصون المعالي\" من التشبيه المركب، وذاك أنه شبههم في منعهم المعالي أن ينالها أحد سواهم بالحصون في منعها من بها وحمايته، وكذلك قوله: \"دروع الأحساب\".\rوأما المظهر الأداة فمما جاء منه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ ٢.\rفشبهت حال الدنيا في سرعة زوالها، وانقراض نعيمها بعد الإقبال بحال نبات الأرض في جفافه، وذهابه حطامًا بعدما التف وتكاثف، وزين الأرض.\rوذاك تشبيه صورة بصورة، وهو من أبدع ما يجيء في بابه.\rومن ذلك أيضًا قوله تعالى في وصف حال المنافقين: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ ٣.","footnotes":"١ ديوان أبي تمام ١٨٨ من قصيدة له في مدح أحمد بن أبي دؤاد ومطلعها:\rبدلت عبرة من الأيماضن ... يوم شدوا الرحل بالأغراض\r٢ سورة يونس: الآية ٢٤.\r٣ سورة البقرة: الآية ١٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358563,"book_id":3862,"shamela_page_id":437,"part":"2","page_num":111,"sequence_num":437,"body":"تقديره أن مثل هؤلاء المنافقين كمثل رجل أوقد نارًا في ليلة مظلمة بمفازة، فاستضاء بها ما حوله، فاتقى ما يخاف وأمن، فبينا هو كذلك إذ طفئت ناره، فبقي مظلمًا خائفًا، وكذلك المنافق إذا أظهر كلمة الإيمان استنار بها، واعتز بعزها، وأمن على نفسه وماله وولده، فإذا مات عاد إلى الخوف، وبقي في العذاب والنقمة.\rومما ورد في الأخبار النبوية قول النبي ﷺ: \"مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة، طعمها طيب وريحها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة طعمها طيب، ولا ريح لها، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة لا ريح لها، وطعمها مر\".\rوهذا من باب تشبيه المركب بالمركب، ألا ترى أن النبي ﷺ شبه المؤمن القارئ، وهو متصف بصفتين هما الإيمان، والقراءة بالأترجة، وهي ذات وصفين، هما الطعم والريح، وكذلك يجري الحكم في المؤمن غير القارئ، وفي المنافق القارئ، وفي المنافق غير القارئ.\rوقد جاءني شيء من ذلك أوردته في فصل من كتاب أصف فيه البر والمسير، فقلت: \"لم أزل أصل الذميل بالذميل، وألف الضحى بالأصيل، والأرض كالبحر في سعة صدره، والمطايا كالجواري راكدة على ظهره، فمكان الركب منها كمكانهم من الأكوار، ومسيرهم فيها على كرة لا تستقر بها حركة الأدوار\".\rوأما ما ورد من ذلك شعرًا فكقول البحتري١:\rخلقٌ منهم تردد فيهم ... وليته عصابة عن عصابه\rكالحسام الجراز٢ يبقى على الده ... ر ويفنى في كل حينٍ قرابه","footnotes":"١ ديوان البحتري ١-١٢٠ من قصيدة في مدح ابن ثوابه، ومطلعها:\rإن دعاه داعي الهوى أجابه ... ورمى قلبه الصبا فأصابه\r٢ الجزار: السيف القاطع.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358564,"book_id":3862,"shamela_page_id":438,"part":"2","page_num":112,"sequence_num":438,"body":"وكذلك ورد قول ابن الرومي١:\rأدرك ثقاتك إنهم وقعوا ... في نرجس معه ابنة العنب\rفهم بحالٍ لو بصرت بها ... سبحت من عجبٍ ومن عجب\rريحانهم ذهبٌ على دررٍ ... وشرابهم دررٌ على ذهب\rوهذا تشبيه صنيع، إلا أن تشبيه البحتري أصنع، وذلك أن هذا التشبيه صدر عن صورة مشاهدة، وذاك إنما استنبطه استنباطًا من خاطره.\rوإذا شئت أن تفرق بين صناعة التشبيه، فانظر إلى ما أشرت إليه ههنا: فإن كان أحد التشبيهين عن صورة مشاهدة، والآخر عن صورة غير مشاهدة، فاعلم أن الذي هو عن صورة غير مشاهدة أصنع.\rولعمري إن التشبيهين كليهما لا بد فيهما من صورة تحكي، لكن أحدهما: شوهدت الصورة فيه فحكيت، والآخر استنبطت له صورة لم تشاهد في تلك الحال، وإنما الفكر استنبطها.\rألا ترى أن ابن الرومي نظر إلى النرجس وإلى الخمر فشبه، وأما البحتري فإنه مدح قومًا بأن خلق السماح باقٍ فيهم ينتقل عن الأول إلى الآخر، ثم استنبط لذلك تشبيهًا، فأداه فكره إلى السيف وقربه التي تفنى في كل حين، وهو باق لا يفنى بفنائها، ومن أجل ذلك كان البحتري أصنع.\rوسأورد ههنا من كلامي نبذة يسيرة.\rفمن ذلك ما كتبته من جملة كتاب إلى ديوان الخلافة أذكر فيه نزول العدو الكافر على ثغر عكا٢ في سنة خمس وثمانين وخمسمائة، فقلت:","footnotes":"١ ديوان ابن الرومي ١٧٦ من قصيدة له في علي بن عبد الله، وأول ما في الديوان منها:\rيا ابن المسيب عشت في نعم ... وسلمت من هلك ومن عطب\r٢ بلد على ساحل بحر الشام كانت قديما في غاية الحصانة، وقد اختلفت أيدي المتغلبين عليها، وصارت بيد الفرنج، واستنقذها منهم صلاح الدين يوسف بن أيوب، ثم استعادها الفرنج بعد ذلك، وفي سنة تسعين وستمائة، فتحها الملك الأشرف بن الملك المنصور قلاوون، ونقض بيوتها وأبراجها، وقتل من بها من الفرنج، وكان ذلك من فتوح المسلمين العظيمة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358565,"book_id":3862,"shamela_page_id":439,"part":"2","page_num":113,"sequence_num":439,"body":"\"وأحاط بها العدو إحاطة الشفاه بالثغور، ونزل عليها نزول الظلماء على النور\".\rوهذا من التشبيهات المناسبة.\rثم لما جئت إلى ذكر قتال المسلمين إياه، وإزالته عن جانب الثغر قلت:\r\"وقد اصطدم من الإسلام والكفر ابنا شمام١، والتقى من عجاجتهما ظلام، وعند ذلك أخذ العدو في التحيز إلى جانب، وكان كحاجب على عين، فصار كعين في حاجب، وإذا تزعزع البناء فقد هوى، وإذا قبض من طرق البساط، فقد انطوى\"، وهذا التشبيه في مناسبته كالأول، بل أحسن.\rومن ذلك ما ذكرنه في فصل من كتاب إلى بعض الإخوان، فقلت:\r\"وما شبهت كتابه في وروده وانقباضه، إلا بنظر الحبيب في إقباله، وإعراضه وكلا الأمرين كالسهم في ألم وقعه وألم نزعه، والمشوق من استوت صبابته في حالتي وصله وقطعه، وما أزال على وجل من إرسال كتبه وإجمامها، واشتباه لممها بإلمامها\".\rومما جاء من هذا القسم في الشعر قول بكر بن النطاح٢:\rتراهم ينظرون إلى المعالي ... كما نظرت إلى الشيب الملاح\rيحدون العيون إلي شذرًا ... كأني في عيونهم السماح\rوهذا بديع في حسنه، بليغ في تشبيهه.","footnotes":"١ ابنا شمام، هما هضبتان في أصل جبل يقال له: شمام، يضرب بهما المثل في الاقتران، والاصطحاب قال لبيد:\rفهل نبئت عن أخوين داما ... على الأيام غير ابني شمام\r٢ كان شاعر حسن الشعر، كثير التصرف فيه، وكان صعلوكا يقطع الطريق. ثم اقتصر عن ذلك، وكان كثيرا ما يصف نفسه بالشجاعة والإقدام، وهو القائل:\rهنيئا لإخواني ببغداد ... وعيدي بحلوان قراع الكتائب\rوأنشدها أبا دلف، فقال له: إنك لتصف نفسك بالشجاعة، وما رأيت عندك لذل أثرا، فقال: أيها الأمير، وما ترى عند رجل حاسر أعزل؟ فقال: أعطوه سيفا ورمحا ودرعا، فأعطوه ذلك أجمع، فأخذه وركب الفرس وخرج على وجهه، فلقيه مال لأبي دلف يحمل إليه من بعض ضياعه، فأخذه وجرح جماعة من غلمانه، فهربوا وسار بالمال، فلم ينزل إلا على عشرين فرسخا، فلما اتصل خبره بأبي دلف قال: نحن جنينا على أنفسنا وكنا أغنياء عن أهاجته، لو كتب إليه بالأمان، وسوغه المال، وأمره بالقدوم، فرجع، ولم يزل يمدحه حتى مات.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358566,"book_id":3862,"shamela_page_id":440,"part":"2","page_num":114,"sequence_num":440,"body":"وعلى هذا النهج ورد قول أبي تمام١:\rخلط الشجاعة بالحياء فأصبحا ... كالحسن شيب لمغرمٍ بدلال\rوهذا من غريب ما يأتي في هذا الباب، وقد تغالت شيعة أبي تمام في وصف هذا البيت، وهو لعمري كذلك.\rومن هذا القسم أيضًا قوله٢:\rكم نعمةٍ لله كانت عنده ... فكأنها في غربةٍ وإسار\rكسيت سبائب لؤمه فتضاءلت ... كتضاؤل الحسناء في الأطمار٣\rوكذلك قوله٤:\rصدفت عنه ولم تصدف مواهبه ... عني، وعاوده ظني فلم يخب\rكالغيث إن جئته وافاك ريقه ... وإن ترحلت عنه لج في الطلب\rوعلى هذا الأسلوب، ورد قول علي بن جبلة:\rإذا ما تردى لأمة الحرب أرعدت ... حشا الأرض واستدمى الرماح الشوارع\rوأسفر تحت النقع حتى كأنه ... صباحٌ مشى في ظلمة الليل طالع\rوقد أحسن علي بن جبلة في تشبيهه هذا كل الإحسان، وكمثله في الحسن قوله أيضًا في تشبيهه الحبب فوق الخمر:","footnotes":"١ ديوان أبي تمام ٢٦٩ من قصيدة له في مدح المعتصم، ويذكر أخذ بابك. ومطلعها:\rآلت أمور الشرك شر مآل ... وأقر بعد تخمط وصيال\r٢ ديوان ١٥١ من قصيدة يمدح فيها المعتصم، ويذكر إحراق الأفشين. ومطعلها:\rالحق أبلج والسيوف عورا ... فحذرا من أسد العرين حذار\r٣ السبائب جمع سبيبة، وهي شقة رقيقة، تضاءلت أخفت شخصها وتصارغت، والأطمار الثياب البالية.\r٤ ديوانه ١٦ من قصيدة له في مدح الحسن بن سهل، وأولها:\rأبدت أسى أن رأتني مخلس القصب ... وآل ما ان من عجب إلى عجب\rومخلس القصب، أي في قصب شعره -وهي خصلة- سواد وبياض.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358567,"book_id":3862,"shamela_page_id":441,"part":"2","page_num":115,"sequence_num":441,"body":"ترى فوقها نمشًا للمزاج ... تباذير لا يتصلن اتصالا\rكوجه العروس إذا خططت ... على كل ناحيةٍ منه حالا\rومن هذا القسم قول مسلم بن الوليد:\rتلقى المنية في أمثال عدتها ... كالسيل يقذف جلمودًا بجلمود١\rوعلى هذا الأسلوب ورد قول العباس بن الأحنف٢:\rلا جزى الله دمع عيني خيرًا ... وجزى الله كل خيرٍ لساني\rنم دمعي فليس يكتم شيئًا ... ووجدت اللسان ذا كتمان\rكنت مثل الكتاب أخفاه طيٌ ... فاستدلوا عليه بالعنوان\rوهذا من اللطيف البديع.\rويروى أن أبا نواس لما دخل مصر مادحًا للخصيب جلس يومًا في رهط من الأدباء، وتذكروا منازة بغداد، فأنشد مرتجلًا:\rذكر الكرخ نازح الأوطان ... فصبا صبوةً ولات أوان٣\rثم أتم ذلك قصيدًا مدح به الخصيب، فلما عاد إلى بغداد دخل عليه العباس بن الأحنف، وقال: أنشدني شيئًا من شعرك بمصر فأنشده:\rذكر الكرخ نازح الأوطان","footnotes":"١ من قصيدة له في مدح داود بن حاتم بن خالد المهلب، ومطلعها:\rلا تدع بي الشوق إني غير معمود ... نهى النهي عن هوى الهيف الرعاديد\r٢ هذه الأبيات منسوبة في الأمالي \"١/ ٢٠٩\" لأبي نواس، قال القالي: وكان أبو بكر بن دريد يستحسن قول أبي نواس في هذا المعنى: \"لا جزى الله دمع عيني.... الأبيات\"، وكتب بها مش أصله \"هذه الأبيات للعباس بن الأحنف، وفي كتاب \"التنبيه على أوهام أبي علي في أماليه\" ٦٦ ما نصه \"قال أبو علي: وكان\rابن دريد يستحسن قول أبي نواس: \"لا جزى الله دمع عيني خيرا ... \" وهذا الشعر للعباس بن الأحنف بلا اختلاف، وهو ثابت في ديوان بن الأحنف.\r٣ ديوان أبي نواس ٩٧ وهو مطلع قصيدة له في مدح الخصيب بن عبد الحميد العجمي ثم المرادي، وهو دهقان من أهل المزار شريف الآباء، وليس بابن صاحب نهر أبي الخصيب، ذاك عبد للمنصور يقال له: \"مرزوق\"، وكان هذا رئيسا في أرضه، فانتقل إلى بغداد، وصار كاتب مهرويه الرازي، ثم انتقل إلى الإمارة، وفي الأصل \"الكرج\" بالجيم موضع \"الكرخ\"، وهو تصحيف.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358568,"book_id":3862,"shamela_page_id":442,"part":"2","page_num":116,"sequence_num":442,"body":"فلما استتم الأبيات قال له: لقد ظلمك من ناواك، وتخلف عنك من جاراك، وحرامٌ على أحدٍ يتفوه بقول الشعر بعدك!\rفقال أبو نواس: وأنت أيضًا يا أبا الفضل تقول هذا? ألست القائل:\rلا جزى الله دمع عيني خيرًا\rوأنشد الأبيات، ثم قال: ومن الذي يحسن أن يقول مثل هذا?\rومن تشبيه المركب بالمركب قول البحتري١:\rجدةٌ يذود البخل عن أطرافها ... كالبحر يمنع ملحه عن مائه\rوهذا من محاسن التشبيهات.\rوكذلك ورد قوله٢:\rوتراه في ظلم الوغى فتخاله ... قمرًا يكر على الرجال بكوكب\rوفي هذا البيت ثلاثة أشياء بثلاثة أشياء، فإنه شبه العجاج بالظلمة، والممدوح بالقمر، والسنان بالكوكب، وهذا من الحسن النادر.\rوكذلك ورد قوله٣:\rيمشون في زغفٍ كأن متونها ... في كل معركةٍ متون نهاء٤\rبيضٌ تسيل على الكماة نصولها ... سيل السراب بقفرةٍ بيداء٥","footnotes":"١ ديوان البحتري ٢-٤٠ من قصيدة له في مدح يوسف بن محمد، أولها:\rيا غاديا والثغر خلف مسائه ... يصل السرى بأصيله وضحائه\r٢ ديوانه ٢/ ١٣٤ من قصيدة يمدح فيها مالك بن طوق، مطلعها:\rرحلوا فأية عبرة لم تكسب ... أسفا؟ وأي عزيمة لم تلغب؟\rورواية الديوان: \"قمرا يشد على الرجال\".\r٣ ديوان ٢/ ٢٢٧ من قصيدة يمدح فيها أبا سعيد محمد يوسف، ومطلعها:\rزعم الغراب منبئ الأنباء ... أن الأحبة آذنوا بتناء\r٤ الزغف اسم جنس جمعي واحدة زغفة، وهي الدرع، والنهاء جمع نهى بكسر فسكون، وهو الغدير.\r٥ رواية الديوان، بيض تسيل على الكماة فضولها، وهي أجود.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358569,"book_id":3862,"shamela_page_id":443,"part":"2","page_num":117,"sequence_num":443,"body":"فإذا الأسنة خالطتها خلتها ... فيها خيال كواكبٍ في ماءٍ\rفالبيتان الأخيران هما اللذان تضمنا تشبيه المركب بالمركب، وإنما جئنا بالبيت الأول سياقة إلى معناهما، وهو من التشبيه الذي أحسن فيه البحتري وأغرب.\rومن هذا الباب ما ورد لبعض الشعراء في وصف الخمر، فقال:\rكانت سراج أناسٍ يهتدون بها ... في سالف الدهر قبل النار والنور\rتهتز في الكأس من ضعفٍ ومن هرمٍ ... كأنها قبسٌ في كف مقرور\rوقد يندر للناظم، أو الناثر شيء من كلامه يبلغ الغاية التي لا أمد فوقها، وهذان البيتان من هذا القبيل.\rومن أغرب ما سمعته في هذا الباب قول الحسين بن مطير١ يرثي معن بن زائدة:\rفتىً عيش في معروفه بعد موته ... كما كان بعد السيل مجراه مرتعا٢\rالقسم الثالث: في تشبيه المفرد بالمركب:\rفمما ورد منه قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ ٣.\rوكذلك قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ ٤.","footnotes":"١ سماه في الأغاني الحسين بن مطير بن مكمل، وأنه مولى لبني أسد بن خزيمة، ثم لبني سعد بن مالك بن ثعلبة، وهو شاعر إسلامي فصيح متقده الرجز والقصيد، يعد من فحول المحدثين، وكلامه يشبه كلام الأعراب، وأهل البادية. ويماثل مذهبهم، أدرك بني أمية وبني العباس، ووفد على معن بن زائدة الشيباني لما ولى اليمن مادحا، فأجزل صلته.\r٢ ديوان الحماسة ١/ ٣٩٥ من أبيات أولها:\rألما على معن وقولا لقبره ... سقتك الغوادي مربعا ثم مربعا\r٣ سورة النور: الآية ٣٥.\r٤ سورة إبراهيم: الآية ١٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358570,"book_id":3862,"shamela_page_id":444,"part":"2","page_num":118,"sequence_num":444,"body":"ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب يتضمن استنجادًا، فقلت:\r\"وهو إذا استصرخ أصرخ بعزم كالشهاب في رجمه، وهم كالقوس الممتلئ بنزع سهمه، ويرى أن صريخه لم يخب، وأنه إذا لم يجبه بالسيف فكأنه لم يجب، فهو مغري جواده وحسامه، ومسمع العدو صرير رمحه قبل قعقعة لجامه\".\rوكذلك أيضًا ما كتبته في كتاب إلى بعض الإخوان أذم الفراق، فقلت:\r\"والفراق شيء لا كالأشياء، وصاحبه ميت لا كالأموات، وحيٌ لا كالأحياء، وما أراه إلا كنار الله الموقدة، التي تطلع على الأفئدة، وما يجعل صاحبها في ضحضاحٍ منها إلا تواتر الكتاب التي تقيه بعض الوقاء، وتقوم له -وإن لم يسق- مقام الإسقاء\".\rوأما ما ورد منه في الشعر، فكقول أبي نواس١:\rإذا امتحن الدنيا لبيبٌ تكشفت ... له عن عدو في ثياب صديق\rوكذلك قول أبي تمام يصف قصيدًا له٢:\rخذها مثقفة القوافي ربها ... لسوابغ النعماء غير كنود٣\rكالدر والمرجان ألف نظمه ... بالشذر في عنق الفتاة الرود٤\rوكذلك ورد قول البحتري، وهو من جملة قصيدته المشهورة التي وصف فيها الفرس والسيف، وأولها:\rأهلًا بذلكم الخيال المقبل٥","footnotes":"١ ديوان أبي نواس ١٩٢ من أبيات خسمة أولها:\rأيا رب وجه في التراب عتيق ... عنت حسن في التراب رقيق\r٢ ديوان أبي تمام ٨٥ من قصيدة له في مدح عبد الله أحمد بن أبي داود، مطلعها:\rأرأيت أي سوالف وخدود ... عنت لنا بين اللوى فزرود\r٣ بين هذا البيت والبيت الذي بعده بيتان هما:\rحذاء تملأ كل أذن حكمة ... وبلاغة وتدر كل وريد\rكالطعنة النجلاء من يد ثائر ... بأخيه أو كالضربة الأخدود\r٤ رواية الديوان \"في عنق الكعاب\"، والشذر قطع الذهب، والرود الجارية الناعمة.\r٥ ديوان البحتري ٢/ ٢١٧ صدر مطلع قصيدة له في مدح محمد بن عيسى القمي، وعجز البيت:\rفعل الذي نهواه أو لم يفعل","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358571,"book_id":3862,"shamela_page_id":445,"part":"2","page_num":119,"sequence_num":445,"body":"فقال فيها من أبيات تضمنت وصف السيف بيتًا أجاد في تشبيهه:\rوكأنما سود النمال وحمرها ... دبت بأيدٍ في قواه١ وأرجل\rفشبه فرند السيف بدبيب النمل سودها وحمرها، وذلك من التشبيه الحسن.\rوأما ما ورد منه مضمر الأداة، فكقول النبي ﷺ وقد سئل عن العزل، فقال: \"هو الوأد الخفي\"، وهذا تشبيه بليغ، \"والوأد\" هو ما كانت العرب تفعله في دفن البنات أحياء، فجعل العزل في الجماع كالوأد، إلا أنه خفي، وذاك أنهم كانوا يفعلون بالبنات ذلك هربًا منهن، وهكذا من يعزل في الجماع، فإنما يفعل ذلك هربًا من الولد.\rوكذلك قال النبي ﷺ: \"هو الوأدة الصغرى\"، وهذا من الحسن إلى غاية تغص لها العيون طرفها، ولا ينتهي الوصف إليها فيكون ترك وصفها كوصفها.\rومما جاءني من ذلك فصل من جملة كتاب ضمنته وصف القلم، فقلت:\r\"جذع أنفه فصار في الكيد قصيرًا، وأرهف صدره فصار في المضاء عضبًا شهيرًا، وقمص لباس السواد، وهو شعار الخطباء، فنطق بفصل الخطاب، ونكس رأسه وهي صورة الإذلال، فاختال في مشيه من الإعجاب، وأوحى إليه بنجوى الخواطر، وهو الأصم، فأفضى بما سمعه إلى الكتاب\".\rوهذه الأوصاف غريبة جدًا ومن أغربها ذكر \"قصير\" عند جذع الأنف.\rوأما القسم الرابع، وهو تشبيه المركب بالمفرد:\rفإنه قليل الاستعمال بالنسبة إلى الأقسام الثلاثة، وليس ذلك إلا لعدم النظير بين المشبه والمشبه به.","footnotes":"١ رواية الديوان ٢/ ٢١٩ \"في قراه\" بالراء، والقرا الظهر.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358572,"book_id":3862,"shamela_page_id":446,"part":"2","page_num":120,"sequence_num":446,"body":"وعلى كثرة ما حفظته من اِلأشعار لم أجد ما أمثل به هذا القسم إلا مثالًا واحدًا، وهو قول أبي تمام في وصف الربيع١:\rيا صاحبي تقصيا نظريكما ... تريا وجوه الأرض كيف تصور\rتريا نهارًا مشمسًا قد شابه ... زهر الربا فكأنما هو مقمر\rفشبه النهار المشمس مع الزهر الأبيض بضوء القمر، وهو تشبيه حسن واقع في موقعه مع ما فيه من لطف الصنعة.\rولربما اعترض في هذا الموضع معترض، وقال: إنك أوردت هذا القسم من التشبيه، وذكرت أنه قليل، وليس كذلك فإن تشبيه شيئين بشيء واحد كثير، كقول أبي الطيب المتنبي٢:\rتشرق أعراضهم وأوجههم ... كأنها في نفوسهم شيم\rفشبه إشراق الأعراض، والوجوه بإشراق الشيم.\rالجواب عن ذلك أني أقول: هذا البيت المعترض به على ما ذكرته ليس كالذي ذكرته، فإن أردت أن يشبه شيئان هما كشيء واحد في الاشتراك بشيء واحد.\rألا ترى أن نور الشمس مع بياض الزهر -وهما شيئان مشتركان- قد شبها بضوء القمر، وأما هذا البيت الذي لأبي الطيب المتنبي، فإنه تشبيه شيئين كل واحد منهما مفرد برأسه بشيء واحد؛ لأنه شبه إشراق الأعراض، وإشراق الوجوه بإشراق الشيم، وهذا غير ما أردته أنا.","footnotes":"١ ديوان أبي تماء ١٥٧ من قصيدة له في مدح المعتصم، ومطلعها:\rرقت حواشي الدهر فهي تمرمر ... وغدا الثرى في حليه يتكسر\r٢ ديوان المتنبي ٤/ ٥٨ من قصيدة له مدح علي بن إبراهيم التنوخي، مطلعها:\rأحق عاف بدمعك الهمم ... أحدث شيء عهدا بها القدم\rقال أبو الفتح بن جني: سألته -المتنبي- عن معنى هذا البيت، فقال: أحق ما صرفت إليه بكاءك همم الناس؛ لأنها قد عفت ودرست، فصار أحدثها عهدا قديما، وقال الخطيب: أحق عاف بأن يبكي عليه همم الكرام؛ لأنه عفت كما تعفو الربوع، فهي أحق بدمعك من كل الدارسات، وجعل القدم أحدث الأشياء عهدا بالهمم، أي دروسها قديم، فلا همم في الأرض.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358573,"book_id":3862,"shamela_page_id":447,"part":"2","page_num":121,"sequence_num":447,"body":"لكن ينبغي أن تعلم أن تشبيه المركب بالمفرد ينقسم قسمين:\rأحدهما: تشبيه شيئين مشتركين بشيء واحد كالذي أوردته لأبي تمام، وهو قليل الاستعمال.\rوالآخر: تشبيه شيئين منفردين بشيء واحد، كالذي ذكرته أنت لأبي الطيب المتنبي، وهو كثير الاستعمال.\rمن معيب التشبيه:\rوإذ ذكرنا أقسام التشبيه، وبينا المحمود منها الذي ينبغي اقتفاء أثره، واتباع مذهبه، فلنتبعه بضده، مما ينبغي اجتنابه، والإضراب عنه.\rعلى أنه قدمنا القول بأن حد التشبيه هو: \"أن يثبت للمشبه حكم من أحكام المشبه به\"، فإذا لم يكن بهذه الصفة، أو كان بين المشبه والمشبه به بعد، فذلك الذي يطرح ولا يستعمل، والذي يرد منه مضمر الأداة لا يكون إلا في القسم الواحد من أقسام المجازي، وهو التوسع وقد قدمت القول في ذلك في أول باب \"الاستعارة\"، وضربت له أمثلة منها قول أبي نواس\".\rما لرجل المال أمست ... تشتكي منك الكلالا\rفجعل للمال رجلًا، وذلك تشبيه بعيد، ولا حاجة إلى عادة ذلك الكلام ههنا بجملته١؛ لكن قد أشرت إليه إشارة خفيفة.\rومن أقبح ما سمعته من ذلك قول أبي تمام٢:\rوتقاسم٣ الناس السخاء مجزأ ... وذهبت أنت برأسه وسنامه","footnotes":"١ انظر كلامه بجملته في صفحة ٧٩، وما بعدها من هذا القسم.\r٢ ديوان أبي تمام ٢٩٨ من قصيدة له في مدح أبي سعيد، وأولها:\rقل للأمير أبي سعيد ذي الندى ... والمجد زاد الله في إكرامه\r٣ رواية الديوان \"وتقسم\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358574,"book_id":3862,"shamela_page_id":448,"part":"2","page_num":122,"sequence_num":448,"body":"وتركت للناس الإهاب وما بقي ... من فرثه١ وعروقه وعظامه\rوالقبح الفاحش في البيت الثاني.\rوكل هذا التعسف في التشبيه البعيد دندنة حول معنى ليس بطائل؛ فإن غرضه أن يقول: ذهب بالأعلى وترك للناس الأدنى، أو ذهبت بالجيد، وتركت للناس الرديء.\rوقد عيب عليه قوله٢:\rلا تسقني ماء الملام فإنني ... صبٌ قد استعذبت ماء بكائي\rوقيل: إنه جعل للملام ماء، وذلك تشبيه بعيد، وما بهذا التشبيه عندي من بأس، بل هو من التشبيهات المتوسطة التي لا تحمد ولا تذم، وهو قريب من وجه، بعيد من وجه.\rأما مناسب قربه فهو أن الملام هو القول الذي يعنف به الملوم لأمر جناه، وذاك مختصٌ بالسمع، فنقله أبو تمام إلى السقيا التي هي مختصة بالحلق، كأنه قال: لا تذقني الملام، ولو تهيأ له ذلك مع وزن الشعر لكان تشبيهًا حسنًا، لكنه جاء بذكر الماء، فحط من درجته شيئًا، ولما كان السمع يتجرع الملام أولًا كتجرع الحلق الماء صار كأنه شبيه به، وهو تشبيه معنى بصورة.\rوأما سبب بعد هذا التشبيه فهو أن الماء مستلذ، والملام مستكره، فحصل بينهما مخالفة من هذا الوجه.\rفهذا التشبيه إن بعد من وجه فقد قرب من وجه فيغفر هذا لهذا، ولذلك جعلته من التشبيهات المتوسطة التي لا تحمد ولا تذم.\rوقد روي -وهو رواية ضعيفة- أن بعض أهل المجانة أرسل إلى أبي تمام قارورةً؛","footnotes":"١ الإهاب الجلد، والفرث السرجين في الكرش.\r٢ ديوان أبي تمام ٣، والبيت ثاني أبيات قصيدة له في مدح يحيى بن ثابت، ومطلعها:\rقدك أتئب أربيت في الغلواء ... كم تعذلون وأنتم سجراني","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358575,"book_id":3862,"shamela_page_id":449,"part":"2","page_num":123,"sequence_num":449,"body":"وقال: ابعث في هذه شيئًا من ماء الملام، فأرسل إليه أبو تمام، وقال: إذا بعثت إلي ريشة من \"جناح الذل\" بعثت إليك شيئًا من ماء الملام!\rوما كان أبو تمام ليذهب عليه الفرق بين هذين التشبيهين، فإنه ليس جعل الجناح للذل كجعل الماء للملام، فإن الجناح للذل مناسب، وذاك أن الطائر إذا وهن أو تعب بسط جناحه، وخفضه وألقى نفسه على الأرض، وللإنسان أيضًا جناح، فإن يديه جناحاه وإذا خضع، واستكان طأطأ من رأسه، وخفض من يديه، فحسن عند ذلك جعل الجناح للذل، وصار تشبيهًا مناسبًا، وأما الماء للملام، فليس كذلك في مناسبة التشبيه.\rوأما التشبيه المضمر الأداة من هذا الباب، فقد أوردت له أمثلة يستدل بها على أشباهه وأمثاله، فإن لذكر المثال فائدة لا تكون الحد وحده.\rفمن ذلك قول بعضهم:\rملا حاجبيك الشيب حتى كأنه ... ظباءٌ جرت منها سنيحٌ وبارح\rوكذلك قول الآخر يصف السهام:\rكساها رطيب الريش فاعتدلت له ... قداحٌ كأعناق الظباء الفوارق\rفإنه شبه السهام بأعناق الظباء، وذلك من أبعد التشبيهات.\rوعلى نحو منه قول الفرزدق١:\rيمشون في حلق الحديد كما مشت ... جرب الجمال بها الكحيل المشعل٢\rفشبه الرجال في دروع الزرد بالجمال الجرب، وهذا من التشبيه البعيد؛ لأنه إن أراد السواد، فلا مقاربة بينهما في اللون؛ لأن لون الحديد أبيض، ومن أجل ذلك سميت السيوف بالبيض، ومع كون هذا التشبيه بعيدًا، فإنه تشبيه سخيف.","footnotes":"١ ديوان الفرزدق ٢/ ٧١٥ من قصيدته التي أولها:\rإن الذي سمك السماء بنى لنا بيتا ... دعائمه أعز وأطول\r٢ الكحيل القطران، وحلق الحديد الدروع، والمشعل الحديدة التي يحرق بها الجلد، ويروى \"كأنهم\" موضع \"كما مشت\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358576,"book_id":3862,"shamela_page_id":450,"part":"2","page_num":124,"sequence_num":450,"body":"ومن التشبيهات الباردة قول أبي الطيب المتنبي١:\rوجرى على الورق النجيع القاني٢ ... فكأنه النارنج في الأغصان\rوهذا تشبيه ينكره أهل التجسيم، وإذا قسمت التشبيهات بين البعد، والبرد حاز طرفي ذلك التقسيم.\rوأبشع من هذا قول أبي نواس٣ في الخمر:\rكأن بواسار٤ رواكد حولها ... وزرق سنانيرٍ تدير عيونها\rوالعجب أنه يقول مثل هذا الغث الذي لا ملاءمة بينه، وبين ما شبه به، ويقرنه بالبديع الذي أحسن فيه وأبدع، وهو:\rكأنا حلولٌ بين أكناف روضةٍ ... إذا ما سلبناها مع الليل طينها\rفانظر كيف قرن بين ورده وسعدانه، لا بل بين بعرة ومرجانة.\rوقد أكثر في تشبيه الخمر، فأحسن في موضع وأساء في موضع، ومن إساءته قوله أيضًا في أبيات لامية٥:","footnotes":"١ ديوان المتنبي ٤/ ١٨٤ من قصيدة له في مدح سيف الدولة، أولها:\rالرأي قبل شجاعة الشجعان ... هو أول وهي المحل الثاني\r٢ النجيع الدم، والقاني الأحمر الشديد الحمرة.\r٣ لم أجد هذا البيت والبيت الذي بعده في ديوان أبي نواس، ولعلهما من جملة الأبيات التي وردت في ديوانه \"٣٤٩\"، وهي:\rأأدميت بالماء القراح جبينها ... يسمع في صحن الزجاج أنينها\rفقد سمعت أذناك عند مزاجها ... أنينا وألحانا تجيب دنينها\rفصنها عن الماء القراح وهاتها ... فإنك إن لم تسقني مت دونها\rبآنية مخروطة من زبرجد ... تخير كسرى خرطها ليصونها\rبكف تكاد الكأس تدمي بنانها ... إذا أزعج التحريك منها سكونها\rكأن رجال الهند حول إناثها ... عكوف على خيل تدير متونها\r٤ هكذا في الأصل، ولم أقف لهذه الكلمة على معنى، ولكني رأيت في القاموس \"١/ ٣٨٢\" أن البياسرة جبل بالسند تستأجرهم النواخذة لمحاربة العدو الواحد بيسرى، والنواخذة هم أهل السفن، فعل البواسار منها، ويرجع هذا ذكره \"رجال الهند\" في آخر أبيات الديوان المذكورة في الهامش السابق.\r٥ ديوان أبي نواس ٣١٧ من قصيدة أولها:\rيا مبيح الدمع في الطلل ... راكب منه إلى أمل","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358577,"book_id":3862,"shamela_page_id":451,"part":"2","page_num":125,"sequence_num":451,"body":"وإذا ما الماء واقعها ... أظهرت شكلًا من الغزل\rلؤلؤات ينحدرن بها ... كانحدار الذر من جبل١\rفشبه الحبب في انحداره بنمل صغار ينحدر من جبل، وهذا من البعد على غاية لا يحتاج إلى بيان وإيضاح.\rواعلم أن من التشبيه ضربًا يسمى \"الطرد والعكس\"، وهو أن يجعل المشبه به مشبهًا والمشبه مشبهًا به، وبعضهم يسميه \"غلبة الفروع على الأصول٢\"، ولا تجد٣ شيئًا من ذلك إلا والغرض به المبالغة، فمما جاء من ذلك قول ذي الرمة٤:\rورملٍ كأرداف العذارى قطعته ... إذا ألبسته المظلمات الحنادس٥\rألا ترى إلى ذي الرمة٦ كيف جعل الأصل فرعًا، والفرع أصلًا? وذاك أن العادة والعرف في هذا أن تشبه أعجاز النساء بكثبان الأنقاء٧، وهو مطرد في بابه، فعكس","footnotes":"١ رواية الديوان في الشطر الثاني هكذا:\rكانحدار الدمع في عجل\rولا معنى لاعتراض المؤلف على هذه الرواية.\r٢ انظر الخصائص لابن جني ١/ ٣٠٨، وقد نقل ابن الأثير كلامه كما ترى.\r٣ في الخصائص \"ولا تكاد تجد\" قال ابن جني: هذا فصل من فصول العربية ظريف تجده في معاني العرب كما تجده في معاني أأعراب، ولا تكاد تجد ... إلخ.\r٤ هو غيلان بن عقبة بن نهيس، من مضر، ومن الشعراء المتيمين وصاحبته من بنت مقاتل المنقري، كان كثير المدح لبلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، وقيل: إنه استسقى مرة فخرجت له\" مية\"، وكانت بارعة الجمال، وكان على كتفه رمة -قطعة حبل بالية- فقالت له: اشرب يا ذا الرمة، فلزمته هذه الكنية منذ ذلك، ولزمه حب مية من هذه النظرة.\r٥ من قصيدة لذي الرمة مطلعها:\rألم تسأل اليوم الرسوم الدوارس ... بحزوى؟ وهل تدري القفار البسابس؟\r٦ في الخصائص \"أفلا ترى ذا الرمة\"، وقد تصرف ابن الأثير في كثير من المواضع في هذا النصر.\r٧ الأنقاء جمع نقا، وهو الرمل القعة تنقاد محدودبة، وهما نقوان ونقيان، والجمع أنقاء ونقى \"بضم فكسر\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358578,"book_id":3862,"shamela_page_id":452,"part":"2","page_num":126,"sequence_num":452,"body":"ذو الرمة القصة في ذلك، فشبه كثبان الأنقاء بأعجاز النساء، وإنما فعل ذلك مبالغة: أي قد ثبت هذا الموضع وهذا المعنى لأعجاز النساء، وصار كأنه الأصل، حتى شبهت به كثبان الأنقاء، وعلى نحو من هذا جاء قول البحتري١:\rفي طلعة البدر شيء من محاسنها ... وللقضيب نصيب من تثنيها٢\rوكذلك ورد قول عبد الله بن المعتز في قصيدته المشهورة التي أولها:\rسقى المطيرة ذات الطل والشجر٣\rفقال في تشبيه الهلال:\rولاح ضوء قمير كاد يفضحنا ... مثل القلامة قد قدت من الظفر\rولما شاع ذلك في كلام العرب، واتسع صار كأنه هو الأصل، وهو موضع من علم البيان حسن الموقع، لطيف المأخذ.\rوهذا قد ذكره أبو الفتح بن جني في كتاب الخصائص، وأورده هكذا مهملًا.\rولما نظرت أنا في ذلك، وأنعمت نظري فيه، تبين لي ما أذكره، وهو: أنه قد تقرر في أصل الفائدة المستنتجة من التشبيه أن يشبه الشيء بما يطلق عليه لفظة \"أفعل\": أي يشبه بما هو أبين وأوضح، أو بما هو أحسن منه أو أقبح، وكذلك يشبه الأقل بالأكثر، والأدنى بالأعلى.\rوهذا الموضع لا ينقض هذه القاعدة؛ لأن الذي قدمناه ذكره مطرد في بابه، وعليه مدار الاستعمال، وهذا غير مطرد، وإنما يحسن في عكس المعنى المتعارف، وذاك أن تجعل المشبه به مشبهًا، والمشبه مشبهًا به، ولا يحسن في غير ذلك مما ليس بمتعارف.","footnotes":"١ ديوان البحتري \"١/ ٢٣\" من قصيدة له في مدح المتوكل مطلعها:\rأنافعي عند ليلى فرط حبيها ... ولوعة لي أبديها وأخفيها\r٢ روى صدر البيت في الديوان هكذا:\rفي حمرة الورد شكل من تلهبها\r٣ هذا صدر البيت وعجزه:\rودير عبدون هطال من المطر","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358579,"book_id":3862,"shamela_page_id":453,"part":"2","page_num":127,"sequence_num":453,"body":"ألا ترى أن من العادة، والعرف أن تشبه الأعجاز بالكثبان، فلما عكس ذو الرمة هذه القضية في شعره جاء حسنًا لائقًا? وكذلك جاء فعل البحتري، فإن من العادة والعرف أن يشبه الوجه الحسن بالبدر، والقد الحسن بالقضيب، فلما عكس البحتري القضية في ذلك جاء أيضًا حسنًا لائقًا؟\rولو شبه ذو الرمة الكثبان بما هو أصغر منها غير الأعجاز لما حسن ذلك.\rوهكذا لو شبه البحتري طلعة البدر بغير طلعة الحسناء، والقضيب بغير قدها لما حسن ذلك أيضًا.\rوهكذا القول في تشبيه عبد الله بن المعتز صورة الهلال بالقلامة؛ لأن من العادة أن تشبه القلامة بالهلال، فلما صار ذلك مشهورًا متعارفًا حسن عكس القضية فيه١.","footnotes":"١ هذا نهاية الجزء الأول من النسخة الخطية المحفوظة في دار الكتب المصرية بخط أبي المكار بن منصور الباوشناي الموصلي، فرغ من كتابة هذا الجزء في يوم السبت الحادي والعشرين من شهر جمادى الأولى، سنة اثنتين وعشرين وستمائة من الهجرة، وفي أول هذا الجزء إجازة بخط المؤلف كتبها بالموصل في شهر شعبان من السنة نفسها، أجاز بها الشيخ أبا محمد المظفر عضد الدين بن محمد بن علي بن جعفر بن زهير الدمشقي.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358580,"book_id":3862,"shamela_page_id":454,"part":"2","page_num":128,"sequence_num":454,"body":"النوع الثالث: في التجريد\rوهذا اسم كنت سمعته، فقال القائل: التجريد في الكلام حسن، ثم سكت، فسألته عن حقيقته، فقال: كذا سمعت، ولم يزد شيئًا، فأنعمت حينئذ نظري في هذا النوع من الكلام، فألقي في روعي أنه ينبغي أن يكون كذا وكذا، وكان الذي وقع لي صوابًا، ثم مضى على ذلك برهة من الزمان، ووصل إلي ما ذكره أبو علي الفارسي١ -رحمه الله تعالى، وقد أوردته ههنا، وذكرت ما أتيت به من ذات خاطري من زيادة لم يذكرها، وستقف أيها المتأمل على كلامه وكلامي.\rفأما حد \"التجريد\"، فإنه إخلاص الخطاب لغيرك، وأنت تريد به نفسك، لا المخاطب نفسه؛ لأن أصله في وضع اللغة من جردت السيف، إذا نزعته من غمده، و\"جردت فلانًا\"، إذا نزعت ثيابه، ومن ههنا قال ﷺ: \"لا مد ولا تجريد\"، وذلك في النهي عند إقامة الحد أن يمد صاحبه على الأرض، وأن تجرد عنه ثيابه: وقد نقل هذا المعنى إلى نوع من أنواع علم البيان.\rوقد تأملته فوجدت له فائدتين: إحداهما أبلغ من الأخرى.\rفالأولى: طلب التوسع في الكلام، فإنه إذا كان ظاهره خطابًا لغيرك، وباطنه خطابًا لنفسك، فإن ذلك من باب التوسع، وأظن أنه شيء اختصت به اللغة العربية دون غيرها من اللغات.","footnotes":"١ هو أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار محمد بن أبان الفارسي النحوي، ولد بمدينة فساد، واشتغل ببغداد، ودخل إليه سنة ٣٠٧، وكان إمام وقته في علم النحو، ودار البلاد، وأقام بحلب عند سيفي الدولة بن حمدان مدة، وكان قدومه إليها سنة ٣٤١، وجرت بينه وبين أبي الطيب المتنبي مجالس، ثم انتقل إلى بلاد فارس، وصحب عضد الدولة بن بويه، وتقدم عنده، وعلت منزلته، حتى قال عضد الدولة: أنا غلام أبي على في النحو، وكان مولده سنة ٢٨٨هـ، ووفاته ببغداد سنة ٣٧٧هـ.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358581,"book_id":3862,"shamela_page_id":455,"part":"2","page_num":129,"sequence_num":455,"body":"والفائدة الثانية: وهي الأبلغ، وذاك أنه يتمكن المخاطب من إجراء الأوصاف المقصودة من مدح، أو غيره على نفسه، إذ يكون مخاطبًا بها غيره، ليكون أعذر وأبرأ من العهدة، فيما يقوله غير محجور عليه.\rوعلى هذا فإن التجريد ينقسم قسمين:\rأحدهما: تجريد محض.\rوالآخر: تجريد غير محض.\rالتجريد المحض:\rفالأول -وهو المحض- أن تأتي بكلام هو خطاب لغيرك، وأنت تريد به نفسك، وذلك كقول بعض المتأخرين، وهو الشاعر المعروف بالحيص بيص١ في مطلع قصيدة له:\rإلام يراك المجد في زي شاعر ... وقد نحلت شوقًا فروع المنابر\rكتمت بعيب الشعر حلمًا وحكمة ... ببعضهما ينقاد صعب المفاخر\rأما وأبيك الخير إنك فارس ... مقال ومحيي الدارسات الغوابر\rوإنك أعييت المسامع والنهى ... بقولك عما في بطون الدفاتر\rفهذا من محاسن التجريد، ألا ترى أنه أجرى الخطاب إلى غيره وهو يريد نفسه، كي يتمكن من ذكر ما ذكره من الصفات الفائقة، وعد ما عده من الفضائل التائهة.\rوكل ما يجيء من هذا القبيل، فهو التجريد المحض.","footnotes":"١ هو أبو الفوارس سعد بن محمد بن سعد بن صيفي التميمي، الملقب شهاب الدين، المعروف بحيص بيص، الشاعر المشهور، كان فقيها شافعي المذهب، تفقه بالري: ثم غلب عليه الأدب ونظم الشعر، فأجاده مع جزالة اللفظ، وله رسائل بليغة، وكان أخبر الناس بأشعار العرب واختلاف لغتهم، وكان فيه تيه وتعاظم، ولا يخاطب أحدا إلا بالكلام العربي، وكان يلبس زي الأعراب. ويتقلد سيفا، وقيل له: الحيص بيص؛ لأنه رأي الناس مرة في حركة مزعجة وأمر شديد، فقال: ما للناس في حيص بيص؟ أي في شدة واختلاط، فبقي عليه هذا اللقب توفي سنة ٥٧٤هـ ببغداد، ودفن في الجانب الغربي في مقابر قريش.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358582,"book_id":3862,"shamela_page_id":456,"part":"2","page_num":130,"sequence_num":456,"body":"وأما ما قصد به التوسع خاصة، فكقول الصمة بن عبد الله من شعراء الحماسة١:\rحننت إلى ريا ونفسك باعدت ... مزارك من ريا وشعباكما معا\rفما حسن أن تأتي الأمر طائعًا ... وتجزع أن داعي الصبابة أسمعا\rوقد ورد بعد هذين البيتين ما يدل على أن المراد بالتجريد فيهما التوسع؛ لأنه قال:\rوأذكر أيام الحمى ثم أنثني ... على كبدي من خشية أن تصدعا٢\rبنفسي تلك الأرض ما أطيب الربا ... وما أحسن المصطاف والمتربعا\rفانتقل من الخطاب التجريدي إلى خطاب النفس، ولو استمر على الحالة الأولى لما قضي عليه بالتوسع، وإنما كان يقضى عليه بالتجريد البليغ الذي هو الطرف الآخر، ويتأول له بأن غرضه من خطاب غيره أن ينفي عن نفسه سمعة الهوى، ومعرة العشق، لما في ذلك من الشهرة والغضاضة، لكن قد زال هذا التأويل بانتقاله عن التجريد أولًا إلى خطاب النفس.\rوعلى هذا الأسلوب، ورد قول أبي الطيب المتنبي٣:\rلا خيل عندك تهديها ولا مال ... فليسعد النطق إن لم تسعد الحال\rواجز الأمير الذي نعماه فاجئة ... بغير قول ونعمى القوم أقوال\rوهذان البيتان من مطلع قصيدة يمدح بها فاتكًا الإخشيدي بمصر، وكان وصله بصلة سنية من نفقة وكسوة قبل أن يمدحه، ثم مدحه بعد ذلك بهذه القصيدة، وهي من غرر شعره، وقد بنى مطلعها على المعنى المشار إليه من ابتداء فاتك إياه بالصلة قبل المديح.","footnotes":"١ كان شريفا ناسكا عابدا غزلا شاعر مقلا من شعراء الدولة الأموية، والأبيات في ديوان الحماسة \"٢-٥٤\".\r٢ رواية ديوان الحماسة تجعل هذا البيت آخر الأبيات التي اختارها أبو تمام جميعا، \"وتورد البيت الذي بعده قبل هذا البيت بخمسة أبيات.\r٣ ديوان المتنبي ٣-٢٧٦ مطلع قصيدة له في مدح أبي شجاع فاتك سنة ثمان وأربعين وثلثمائة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358583,"book_id":3862,"shamela_page_id":457,"part":"2","page_num":131,"sequence_num":457,"body":"وليس في التجريد المذكور في هذين البيتين ما يدل على وصف النفس، ولا على تزكيتها بالمديح، كما ورد في الأبيات الرائية المتقدم ذكرها، وإنما هو توسع لاغير.\rالتجريد غير المحض:\rوأما القسم الثاني: وهو غير المحض، فإنه خطاب لنفسك لا لغيرك، ولئن كان بين النفس والبدن فرق إلا أنهما كأنهما شيء واحد، لعلاقة أحدهما بالآخر.\rوبين هذا القسم والذي قبله فرق ظاهر، وذاك أولى بأن يسمى تجريدًا؛ لأن التجريد لائق به، وهذا هو نصف تجريد؛ لأنك لم تجرد؛ لأنك لم تجرد به عن نفسك شيئًا، وإنما خاطبت نفسك بنفسك، كأنك فصلتها عنك وهي منك.\rفمما جاء منه قول عمرو بن الإطنابة١:\rأقول لها وقد جشأت وجاشت ... رويدك تحمدي أو تستريحي٢\rوكذلك قول الآخر٣:\rأقول للنفس تأساء وتعزية ... إحدى يدي أصابتني ولم ترد٤\rوليس في هذا ما يصلح أن يكون خطابًا لغيرك كالأول، وإنما المخاطب هو المخاطب بعينه، وليس ثم شيء خارج عنه.","footnotes":"١ هو عمرو بن الإطنابة أحد بني الخزرج، ومعنى الإطنابة المظلة، واسم أم عمرو هذا، وهو أحد من ملك الحجاز في الجاهلية، وكان شاعرًا مجيدًا.\r٢ انظر شرح التبريزي ديوان الحماسة ٢-٢٧٣، وقد رواه \"مكانك\" موضع \"رويدك\"، وقد تمثل بالبيت معاوية في إحدى وقعاته مع الإمام علي، وكاد ينهزم، فما لبث أن ثبت مكانه.\r٣ أحد بيتين اختارهما أبو تمام في ديوان الحماسة ١/ ٧٣، ونسبهما لأعرابي قتل أخوه ابنًا له، والبيت الآخر:\rكلاهما خلف من فقد صاحبه ... هذا أخي حين أدعوه وذا ولدي\r٤ التأساء هي ما يؤتسى به من الحزن، والتعزية حسن الصبر وقوله: \"إحدى يدي أصابتني\"، أجراه على المثل والمجاز \"والمعنى: أناجي النفس بهذا القول طلبا للتأسي، وحبذا بالقول طلبا للتأسي، وحسن الصبر\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358584,"book_id":3862,"shamela_page_id":458,"part":"2","page_num":132,"sequence_num":458,"body":"وأما الذي ذكره أبو علي الفارسي ﵀ فإنه قال: إن العرب تعتقد أن في الإنسان معنى كامنًا فيه كأنه حقيقته ومحصوله، فيخرج ذلك المعنى إلى ألفاظها مجردًا من الإنسان كأنه غيره، وهو هو بعينه، نحو قولهم: لئن لقيت فلانًا لتلقين به الأسد، ولئن سألته لتسألن منه البحر، وهو عينه الأسد والبحر، لا أن هناك شيئًا منفصلًا عنه أو متميزًا منه.\rثم قال: وعلى هذا النمط كون الإنسان يخاطب نفسه، حتى كأنه يقاول غيره، كما قال الأعشى:\rوهل تطيق وداعًا أيها الرجل١\rوهو الرجل نفسه لا غيره.\rهذا خلاصة ما ذكره أبو علي ﵀.\rوالذي عندي فيه أنه أصاب في الثاني، ولم يصب في الأول؛ لأن الثاني هو التجريد، ألا ترى أن الأعشى جرد الخطاب عن نفسه، وهو يريدها.\rوأما الأول، وهو قوله: \"لئن لقيت فلانًا لتلقين به الأسد، ولئن سألته لتسألن منه البحر\"، فإن هذا تشبيه مضمر الأداة، إذ يحسن تقدير أداء التشبيه فيه.\rوبيان ذلك أنك تقول: \"لئن لقيت فلانًا لتلقين منه كالأسد، ولئن سألته لتسألن منه كالبحر\"، وليس هذا بتجريد؛ لأن حقيقة التجريد غير موجودة فيه، وإنما هو تشبيه مضمر الأداة، ألا ترى أن المذكور هو كالأسد، وهو كالبحر، وليس ثم شيء مجرد عنه، كما تقدم في الأبيات الشعرية.\rويبطل على أبي علي قوله أيضًا من وجه آخر، وذاك أنه قال: \"إن العرب تعتقد أن في الإنسان معنى كامنًا فيه كأنه حقيقته ومحصوله، فخرج ذلك المعنى إلى ألفاظها","footnotes":"١ هذا عجز مطلع قصيدته المشهورة، وصدر البيت:\rودع هريرة إن الركب مرتحل\rوبعدها بعض الرواة إحدى المعلقات.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358585,"book_id":3862,"shamela_page_id":459,"part":"2","page_num":133,"sequence_num":459,"body":"مجردًا من الإنسان كأنه غيره، وهو هو\"، كالمثال الذي مثله في تشبيهه بالأسد وتشبيهه بالبحر، وهذا ينتقض بقولنا: لئن رأيت الأسد لترين منه هضبة، ولئن لقيته لتلقين منه الموت، فإن الصورة التي أوردها في الإنسان، وزعم أن العرب تعتقد أن ذلك معنى كامن فيه قد أوردنا مثلها في الأسد، فتخصيصه ذلك بالإنسان باطل.\rوكلا الصورتين ليس بتجريد، وإنما هو تشبيه مضمر الأداة:\rوقد سبق القول بأن التجريد هو أن تطلق على غيرك، ولا يكون هو المراد، وإنما المراد نفسك، وهذا لا يوجد في هذا المثال المضمر الأداة، بل المخاطب هو هو لا غيره، فلا يطلق عليه إذًا اسم التجريد؛ لأنه خارج عن حقيقته، ومناف لموضوعه.\rفإذا قال القائل: \"لئن لقيته لتلقين به كالأسد، ولئن سألته لتسألن منه كالبحر\"، لم يجرد عن المقول عنه شيئًا، وإنما شبهه تارة بالأسد في شجاعته، وتارة بالبحر في سخائه.\rوما أعلم كيف ذهب هذا على مثل أبي علي ﵀ حتى خلطه بالتجريد، وأجراه مجراه؟\rوأما قوله: \"إن العرب تعتقد أن في الإنسان معنى كامنًا فيه كأنه حقيقته، ومحصوله\"، فأقول: وغير العرب أيضًا تعتقد ذلك!\rفإن عنى بالمعنى الكامن معنى الإنسانية الذي هو الاستعداد للعلوم والصنائع، فما هذا من الشيء الغريب الخفي الذي علمته العرب خاصة، وانفرد باستخراجه أبو علي ﵀!\rوإن عني بالمعنى الكامن ما فيه من الأخلاق كالشجاعة، والسخاء في المثال الذي ذكره، حتى يشبه بالأسد تارة، وبالبحر أخرى، فليس الإنسان مختصًا بهذا المعنى الكامن دون غيره من الحيوانات، بل الأسد فيه من معنى الشجاعة ما ليس في الإنسان، ولهذا إذا بولغ في وصف الإنسان بالشجاعة شبه بالأسد، وكذلك في بعض","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358586,"book_id":3862,"shamela_page_id":460,"part":"2","page_num":134,"sequence_num":460,"body":"الحيوانات من السخاء ما ليس في الإنسان، ومن أمثال: أكرم من ديك؛ لأنه إذا ظفر بحبة من الحنظة أخذها في منقاره، وطاف بها على الدجاج، حتى يضعها في منقار واحدة منهن.\rفالأخلاق إذًا مشتركةٌ بين الإنسان، وبين غيره من الحيوانات، غير أن الإنسان يجتمع فيه ما تفرق في كثير منها.\rوما أعلم ما أراد أبو علي ﵀ بقوله: \"إن في الإنسان معنى كامنًا فيه كأنه حقيقته ومحصوله\"، إلا أن يكون أحد هذين القسمين اللذين أشرت إليهما.\rعلى أن القسم الواحد الذي هو خلق الشجاعة، والسخاء وغيره من الأخلاق ليس عبارة عن حقيقة الإنسان، إذ لا يقال في حده: \"حيوان شجاع، ولا سخي\"، بل يقال: \"حيوان ناطق\"، فالنطق الذي هو الاستعداد للعلوم، والصنائع هو حقيقة الإنسان.\rفبطل إذًا قول أبي علي رحمه الله تعالى في تمثيله حقيقة الإنسان بالشجاعة والسخاء.\rفالخطأ توجه في كلامه من وجهين:\rأحدهما: أنه جعل حقيقة الإنسان عبارةً عن خلقه.\rوالآخر: أنه أدخل في التجريد ما ليس منه.\rوهذا القدر كاف في هذا الموضع فليتأمل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358587,"book_id":3862,"shamela_page_id":461,"part":"2","page_num":135,"sequence_num":461,"body":"النوع الرابع: في الالتفات\rوهذا النوع ما يليه١ هو خلاصة علم البيان التي حولها يدندن، وإليها تستند البلاغة، وعنها يعنعن.\rوحقيقته مأخوذة من التفات الإنسان عن يمينه وشماله، فهو يقبل بوجهه تارة كذا وتارة كذا.\rوكذلك يكون هذا النوع من الكلام خاصة؛ لأنه ينتقل فيه عن صيغة، كانتقال من خطاب حاضر إلى غائب، أو من خطاب غائب إلى حاضر، أو من فعل ماض إلى مستقبل، أو من مستقبل إلى ماض، أو غير ذلك مما يأتي ذكره مفصلا.\rيسمى أيضًا \"شجاعة العربية\"، وإنما سمي بذلك؛ لأن الشجاعة هي الإقدام، وذاك أن الرجل الشجاع يركب ما لا يستطيعه غيره، ويتورد ما لا يتورده سواه، وكذلك هذا الالتفات في الكلام، فإن اللغة العربية تختص به دون غيرها من اللغات.\rوهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام:\rالقسم الأول: في الرجوع من الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة\rاعلم أن عامة المنتمين إلى هذا الفن إذا سئلوا عن الانتقال عن الغيبة إلى الخطاب، وعن الخطاب إلى الغيبة، قالوا: كذلك كانت عادة العرب في أساليب كلامها، وهذا القول هو عكاز العميان، كما يقال، ونحن إنما نسأل عن السبب الذي قصدت العرب ذلك من أجله.","footnotes":"١ هو النوع الخامس \"توكيد الضميرين\"، وسيأتي.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358588,"book_id":3862,"shamela_page_id":462,"part":"2","page_num":136,"sequence_num":462,"body":"وقال الزمخشري١ ﵀: إن الرجوع من الغيبة إلى الخطاب إنما يستعمل للتفنن في الكلام، والانتقال من أسلوب إلى أسلوب، تطرية لنشاط السامع، وإيقاظا للإصغاء إليه.\rوليس الأمر كما ذكره؛ لأن الانتقال في الكلام من أسلوب إلى أسلوب إذا لم يكن إلا تطرية لنشاط السامع، وإيقاظا للإصغاء إليه، فإن ذلك دليل على أن السامع يمل من أسلوب واحد، فينتقل إلى غيره؛ ليجد نشاطًا للاستماع، وهذا قدح في الكلام، لا وصف له؛ لأنه لو كان حسنا لما مل.\rولو سلمنا إلى الزمخشري ما ذهب إليه لكان إنما يوجد ذلك في الكلام المطول، ونحن نرى الأمر بخلاف ذلك؛ لأنه قد ورد الانتقال من الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، ويكون مجموع الجانبين معا يبلغ عشرة ألفاظ، أو أقل من ذلك.\rومفهوم قول الزمخشري في الانتقال من أسلوب إلى أسلوب إنما يستعمل قصدًا للمخالفة بين المنتقل عنه والمنتقل إليه، لا قصدًا لاستعمال الأحسن: وعلى هذا فإذا وجدنا كلاما قد استعمل في جميعه الإيجاز، ولم ينتقل عنه، أو استعمل فيه جميعه الإطناب ولم ينتقل عنه، وكان كلا الطرفين واقعا في موقعه، قلنا: هذا ليس بحسن، إذ لم ينتقل فيه من أسلوب إلى أسلوب، وهذا القول فيه ما فيه.\rوما أعلم كيف ذهب على مثل الزمخشري مع معرفته بفن الفصاحة والبلاغة؟\rوالذي عندي في ذلك أن الانتقال من الخطاب إلى الغيبة، أو من الغيبة إلى الخطاب، لا يكون إلا لفائدة اقتضتها، وتلك الفائدة أمر وراء الانتقال من أسلوب إلى أسلوب، غير أنها لا تحد بحد، ولا تضبط بضابط، لكن يشار إلى مواضع منها، ليقاس عليها","footnotes":"١ هو جار الله أبو القاسم محمود بن عمر بن أحمد الزمخشري، وكان إماما في التفسير والنحو واللغة، والأدب واسع العلم كبير الفضل، متفننا في علوم شتى. معتزلي المذهب متجاهرًا بذلك، ولد بزمخشر من أعمال خوارزم سنة ٤٦٧، وتوفى بقصبة خوارزم ليلة عرفة سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358589,"book_id":3862,"shamela_page_id":463,"part":"2","page_num":137,"sequence_num":463,"body":"غيرها، فإنا قد رأينا الانتقال من الغيبة إلى الخطاب قد استعمل لتعظيم شأن المخاطب، ثم رأينا ذلك بعينه -وهو ضد الأول- قد استعمل في الانتقال من الخطاب إلى الغيبة، فعلمنا حينئذ أن الغرض الموجب لاستعمال هذا النوع من الكلام لا يجري على وتيرة واحدة، وإنما هو مقصور على العناية بالمعنى المقصود، وذلك المعنى يتشعب شعبا كثيرة لا تنحصر، وإنما يؤتى بها على حسب الموضع الذي ترد فيه.\rوسأوضح ذلك في ضرب من الأمثلة الآتي ذكرها:\rفأما الرجوع من الغيبة إلى الخطاب، فكقوله تعالى في سورة الفاتحة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ .\rهذا رجوع من الغيبة إلى الخطاب، وبما يختص الكلام من الفوائد قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ بعد قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ، فإنه إنما عدل فيه من الغيبة إلى الخطاب؛ لأن الحمد دون العبادة، ألا تراك تحمد نظيرك، ولا تعبده؟، فلما كانت الحال كذلك استعمل لفظ الحمد لتوسطه مع الغيبة في الخبر، فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ، ولم يقل: \"الحمد لك\"، ولما صار إلى العبادة التي هي أقصى الطاعات قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ فخاطب بالعبادة إصراحا بها، وتقربا منه عز اسمه بالانتهاء إلى محدود منها.\rوعلى نحو من ذلك جاء آخر السورة، فقال: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ فأصرح الخطاب لما ذكر النعمة، ثم قال: \"غير المغضوب عليهم\" عطفًا على الأول؛ لأن الأول موضع التقرب من الله بذكر نعمه، فلما صار إلى ذكر الغضب جاء باللفظ منحرفا عن ذكر الغاضب، فأسند النعمة إليه لفظا وزوى عنه لفظ الغضب تحننا ولطفا.\rفانظر إلى هذا الموضع، وتناسب هذه المعاني الشريفة التي لا تكاد تطؤها، الأفهام تدركها مع قربها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358590,"book_id":3862,"shamela_page_id":464,"part":"2","page_num":138,"sequence_num":464,"body":"وهذه السورة قد انتقل في أولها من الغيبة إلى الخطاب، لتعظيم شأن المخاطب، ثم انتقل في آخرها من الخطاب إلى الغيبة، لتلك العلة بعينها، وهي تعظيم شأن المخاطب أيضا؛ لأن مخاطبة الرب ﵎ بإسناد النعمة إليه تعظيم لخطابه، وكذلك ترك مخاطبته بإسناد الغضب إليه تعظيم لخطابه.\rفانبغى أن يكون صاحب هذا الفن من الفصاحة، والبلاغة عالما بوضع أنواعه في مواضعها على اشتباهها.\rومن هذا الضرب قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا، لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾ ١ وإنما قيل: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ﴾ ، وهو خطاب بعد قوله: ﴿وَقَالُوا﴾ ، وهو خطاب للغائب لفائدة حسنة، وهي زيادة التسجيل عليهم بالجراءة على الله تعالى، والتعرض لسخطه، وتنبيه لهم على عظم ما قالوه، كأنه يخاطب قوما حاضرين بين يديه منكرا عليهم، وموبخًا لهم.\rومما جاء من الالتفات مرارًا على قصر متنه، وتقارب طرفيه قوله تعالى أول سورة بني إسرائيل: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ .\rفقال أولا: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى﴾ بلفظ الواحد ثم قال: ﴿الَّذِي بَارَكْنَا﴾ بلفظ الجمع، ثم قال: ﴿إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ، وهو خطاب غائب، ولو جاء الكلام على مساق الأول لكان: سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بارك حوله ليريه من آياته إنه هو السميع البصير، وهذا جميعه معطوفا \"على أسرى\"، فلما خولف بين المعطوف، والمعطوف عليه في الانتقال من صيغة إلى صيغة كان ذلك اتساعا، وتفننا في أساليب الكلام، ولمقصد آخر معنوي هو أعلى وأبلغ.","footnotes":"١ سورة مريم الآيتان: ٨٨، ٨٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358591,"book_id":3862,"shamela_page_id":465,"part":"2","page_num":139,"sequence_num":465,"body":"وسأذكر ما سنح لي فيه فأقول:\rلما بدأ الكلام بسبحان ردفه بقوله: ﴿الَّذِي أَسْرَى﴾ ، إذ لا يجوز أن يقال: الذي أسرينا، فلما جاء بلفظ الواحد والله تعالى أعظم العظماء، وهو أولى بخطاب العظيم في نفسه الذي هو بلفظ الجمع، استدرك الأول بالثاني، فقال: ﴿بَارَكْنَا﴾ ثم قال: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ ، فجاء بذلك على نسق: ﴿بَارَكْنَا﴾ ، ثم قال: ﴿إِنَّه هُوَ﴾ ، عطفًا على أسرى، وذلك موضع متوسط الصفة؛ لأن السمع والبصر صفتان يشاركه فيهما غيره، وتلك حال متوسطة، فخرج بهما عن خطاب العظيم، في نفسه إلى خطاب غائب.\rفانظر إلى هذه الالتفاتات المترادفة في هذه الآية الواحدة التي جاءت لمعان اختصت بها، يعرفها من يعرفها، ويجهلها من يجهلها.\rومما ينخرط في هذا السلك الرجوع من خطاب الغيبة إلى خطاب النفس، كقول تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ، فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ ١.\rوهذا رجوع من الغيبة إلى خطاب النفس، فإنه قال: ﴿وَزَيَّنَّا﴾ ، بعد قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى﴾ ، وقوله: ﴿فَقَضَاهُنَّ﴾ ، ﴿وَأَوْحَى﴾ ، والفائدة في ذلك أن طائفة من الناس غير المتشرعين يعتقدون أن النجوم ليست في سماء الدنيا.\rوأنها ليست حفظا ولا رجومًا، فلما صار الكلام إلى ههنا عدل به عن خطاب الغائب إلى خطاب النفس؛ لأنه مهم من مهمات الاعتقاد، وفيه تكذيب للفرقة المكذبة المعتقدة بطلانه، وفي خلاف هذا الرجوع من خطاب النفس إلى خطاب الغيبة.\rومما ينخرط في هذا السلك أيضًا الرجوع من خطاب النفس إلى خطاب الجماعة، كقوله تعالى: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ٢.","footnotes":"١ سورة فصلت: الآيتان: ١١، ١٢.\r٢ سورة يس: الآية ٢٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358592,"book_id":3862,"shamela_page_id":466,"part":"2","page_num":140,"sequence_num":466,"body":"وإنما صرف الكلام عن خطاب نفسه إلى خطابهم؛ لأنه أبرز الكلام لهم في معرض المناصحة، وهو يريد مناصحتهم ليتلطف بهم ويداريهم؛ لأن ذلك أدخل في إمحاض النصح حيث لا يريد لهم إلا ما يريد لنفسه، وقد وضع قوله: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ ، مكان قوله: وما لكم لا تعبدون الذي فطركم؟، ألا ترى إلى قوله: ﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ، ولولا أنه قصد ذلك لقال: الذي فطرني وإليه أرجع، وقد ساقه ذلك المساق إلى أن قال: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ ١.\rفانظر أيها المتأمل إلى هذه النكت الدقيقة التي تمر عليها في آيات القرآن الكريم، وأنت تظن أنك فهمت فحواها، واستنبطت رموزها.\rوعلى هذا الأسلوب يجري الحكم في الرجوع من خطاب النفس إلى خطاب الواحد، كقوله تعالى: ﴿حم، وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ، إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ، فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ، أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ، رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ٢.\rوالفائدة ههنا في الرجوع من خطاب النفس إلى خطاب الواحد تخصيص النبي ﷺ: \"بالذكر، والإشارة بأن إنزال الكتاب إنما هو إليه، وإن لم يكن ذلك صريحًا، لكن مفهوم الكلام يدل عليه\".\rوإذا تأملت مطاوي القرآن الكريم، وجدت فيه من هذا وأمثاله أشياء كثيرة، وإنما اقتصرنا على هذه الأمثلة المختصرة ليقاس عليها ما يجري على أسلوبها.\rوقد ورد في فصيح الشعر شيء من ذلك، كقول أبي تمام٣:\rوركب يساقون الركاب زجاجة ... من السير لم تقصد لها كف قاطب٤","footnotes":"١ سورة يس، الآية ٢٥.\r٢ سورة الدخان الآيات: ١ و٢ و٣ و٤ و٥ و٦.\r٣ ديوان أبي تمام ٤١ من قصيدة يمدح فيها أبا دلف القاسم بن عيسى العجلي، ومطلعها:\rعلى مثلها من أربع وملاعب ... أذيلت مصنوعات الدموع السواكب\r٤ قاطب مازج الخمر بالماء.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358593,"book_id":3862,"shamela_page_id":467,"part":"2","page_num":141,"sequence_num":467,"body":"فقد أكلوا منها الغوارب بالسرى ... وصارت لهم أشباحهم كالغوارب١\rيصرف مسراها جذيل مشارق ... إذا آبه هم عذيق مغارب٢\rيرى بالكعاب الرود طلعة ثائر ... وبالعرمس الوجناء غرة آئب٣\rكأن بها ضغنا على كل جانب ... من الأرض أو شوقا إلى كل جانب٤\rإذا العيس لاقت بي أبا دلف فقد ... تقطع ما بيني وبين النوائب٥\rهنالك تلقى الجود من حيث قطعت ... تمائمه والمجد مرخى الذوائب٦\rألا ترى أنه قال في الأول: \"يصرف مسراها\" مخاطبة للغائب، ثم قال بعد ذلك: \"إذا العيس لاقت بي\" مخاطبا نفسه، وهي هذا من الفائدة أنه لما صار إلى مشافهة للممدوح، والتصريح باسمه خاطب عند ذلك نفسه مبشرًا لها بالبعد عن المكروه، والقرب من المحبوب، ثم جاء بالبيت الذي يليه معدولًا به عن خطاب نفسه إلى خطاب غيره، وهو أيضًا خطاب لحاضر، فقال: \"هنالك نلقى الجود\"، والفائدة بذلك أنه يخبر غيره بما شهده، كأنه يصف له جود الممدوح، وما لاقاه منه، إشادة بذكره، وتنويها باسمه، وحملا لغيره على قصده، وفي صفته جود الممدوح بتلك الصفة الغريبة البليغة، وهي قوله: \"حيث قطعت تمائمه\" ما يقتضي له الرجوع إلى خطاب الحاضر، والمراد بذلك أن محل الممدوح هو مألف الجود، ومنشؤه ووطنه، وقد يراد به","footnotes":"١ رواية الديوان \"لها\" موضع \"لهم\"، والغوارب الكواهل.\r٢ الجذيل تصغير جذل، وهو عود ينصب للجربي لتحتك به، ومنه \"أنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب\" على سبيل الافتخار، أبه أتاه ليلا، والعذيق تصغير عذق، وهو الفرع من النخلة.\r٣ الكعاب بارزة النهد، الرود اللينة، الثائر طالب الثأر، العرمس الناقة الشديدة، الوجناء عظيمة الوجنتين.\r٤ رواية الديوان \"كأن به\" موضع \"كأن بها\".\r٥ العبس: الإبل البيض بشقرة.\r٦ رواية الديوان:\rهنالك تلقى المجد حيث تقطعت ... تمائمه والجود مرخى الذوائب\rوالتمائم: خرزات تعلق في عنق الصبي لدفع العين عنه، والمفرد تميمة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358594,"book_id":3862,"shamela_page_id":468,"part":"2","page_num":142,"sequence_num":468,"body":"معنى آخر وهو أن هذا الجود قد أمن عليه الآفات العارضة لغيره من المن، والمطل والاعتذار، وغير ذلك إذ التمائم لا تقطع إلا عمن أمنت عليه المخاوف.\rعلى هذا النهج ورد قول أبي الطيب المتنبي في قصيدة يمدح به ابن العميد في النوروز١، ومن عادة الفرس في ذلك اليوم حمل الهدايا إلى ملوكهم، فقال في آخر القصيدة:\rكثر الفكر كيف تهدي كما أه ... دت إلى ربها المليك عباده٢\rوالذي عندنا من المال والخيل ... فمنه هباته وقياده\rفبعثنا بأربعين مهارا ... كل مهر ميدانه إنشاده٣\rعدد عشته يرى الجسم فيه ... أربا لا يراه فيما يزاده٤\rفارتبطها فإن قلبًا نماها ... مربط تسبق الجياد جياده\rوهذا من إحسان أبي الطيب المعروف، وهو رجوع عن خطاب الغائب إلى الحاضر، واحتج أبو الطيب عن تخصيص أبياته بالأربعين دون غيرها من العدد بحجة غريبة، وهي أنه جعلها كعدد السنين التي يرى الإنسان فيها من القوة، والشباب وقضاء الأوطار ما لا يراه في الزيادة عليها، فاعتذر بألطف اعتذار في أنه لم يزد القصيدة على هذه العدة، وهذا حسن غريب.","footnotes":"١ ديوان المتنبي ٢-٤٧، والقصيدة في مدح أبي الفضل محمد بن الحسين بن العميد، وتهنئته بعيد النيروز، وأولها:\rجاء نيروزنا وأنت مراده ... وورت بالذي أراد زناده\r٢ رواية الديوان \"الرئيس\" موضع \"المليك\".\r٣ يروى \"بأربعين مهار\" بالجر، على أنه بدل أو صفة على التأويل، وبالنصب صفة على الموضع، تقديره بعثنا أربعين، والبدل أيضا على الموضع، ليس نصبه على التمييز؛ لأن تمييز \"الأربعين\" مفرد، والمهار جمع مهر، وهو الفتى من أولاد الخيل.\r٤ أي: الأربعون عدد عشته، دعاء له بأن يعيش هذا العدد من السنين على ما عاش، وكان ابن العميد قد جاوز السبعين، وناهز الثمانين في هذا الوقت، والمعنى: زاد الله في عمرك هذا العدد، والجسم لا يرى من أرب العيش فيما زاد على الأربعين ما كان يراه فيما دونه، فلهذا اختار هذا العدد، فجعل القصيدة أربعين بيتا، قال أبو الفتح: الأربعون إذا تجاوزها الإنسان نقص عما يعهد من أحواله في جسمه وتصرفه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358595,"book_id":3862,"shamela_page_id":469,"part":"2","page_num":143,"sequence_num":469,"body":"وأما الرجوع من الخطاب إلى الغيبة كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ ١.\rفإنه إنما صرف الكلام ههنا من الخطاب إلى الغيبة لفائدة، وهي أنه ذكر لغيرهم حالهم، ليعجبهم منها كالمخبر لهم، ويستدعي منهم الإنكار عليهم، ولو قال: حتى إذا كنتم في الفلك، وجرين بكم بريح طيبة فرحتم بها، وساق الخطاب معهم إلى آخر الآية، لذهبت تلك الفائدة التي أنتجها خطاب الغيبة، وليس ذلك بخاف عن نقدة الكلام.\rومما ينخرط في هذا السلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ، وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾ ٢.\rالأصل في \"تقطعوا\" تقطعتم، عطفًا على الأول، إلا أنه صرف الكلام من الخطاب إلى الغيبة على طريقة \"الالتفات\"، كأنه ينعي عليهم ما أفسدوه إلى قوم آخرين، ويقبح عندهم ما فعلوه، ويقول: ألا ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء في دين الله تعالى، فجعلوا أمر دينهم فيما بينهم قطعا؟، وذلك تمثيل لاختلافهم فيه وتباينهم، ثم توعدهم بعد ذلك بأن هؤلاء الفرق المختلفة إليه يرجعون، فهو مجازيهم على ما فعلوا.\rومما يجري هذا المجرى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ ٣.","footnotes":"١ سورة يونس: الآية ٢٢.\r٢ سورة الأنبياء: الآيتان٩٢ و٩٣.\r٣ سورة الأعراف: الآية ١٥٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358596,"book_id":3862,"shamela_page_id":470,"part":"2","page_num":144,"sequence_num":470,"body":"فإنه إنما قال: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ، ولم يقل: فآمنوا بالله وبي، عطفًا على قوله: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ ؛ لكي تجري عليه الصفات التي أجريت عليه، وليعلم أن الذي وجب الإيمان به، والاتباع له هو هذا الشخص الموصوف بأنه النبي الأمي الذي يؤمن بالله، وبكلماته كائنا من كان أنا أو غيري، إظهارًا للنصفة، وبعدا من التعصب لنفسه، فقدر أولًا في صدر الآية أنه رسول الله إلى الناس، ثم أخرج كلامه من الخطاب إلى معرض الغيبة لغرضين.\rالأول منهما: إجراء تلك الصفات عليه.\rوالثاني: الخروج من تهمة التعصب لنفسه.\rالقسم الثاني: في الرجوع عن الفعل المستقبل إلى فعل الأمر، وعن الفعل الماضي إلى فعل الأمر\rوهذا القسم كالذي قبله في أنه ليس الانتقال فيه من صيغة إلى صيغة طلبا للتوسع في أساليب الكلام فقط، بل لأمر وراء ذلك، وإنما يقصد إليه تعظيما لحال من أجري عليه الفعل المستقبل، وتفخيما لأمره، وبالضد من ذلك فيمن أجري عليه فعل الأمر.\rفمما جاء منه قوله تعالى: ﴿يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ، إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ ١.\rفإنه إنما قال: ﴿أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا﴾ ، ولم يقل: \"وأشهدكم ليكون موازنا له وبمعناه؛ لأن إشهاده الله على البراءة من الشرك صحيح ثابت، وأما إشهادهم فما هو إلا تهاون بهم، ودلالة على قلة المبالاة بأمرهم، ولذلك عدل به لفظ الأول","footnotes":"١ سورة هود: الآيتان ٥٣ و٥٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358597,"book_id":3862,"shamela_page_id":471,"part":"2","page_num":145,"sequence_num":471,"body":"لاختلاف ما بينهما، وجيء به على لفظ الأمر، كما يقول الرجل لمن يبس الثرى بينه وبينه: \"أشهد علي أني أحبك\"، تهكما به، واستهانة بحاله.\rوكذلك يرجع عن الفعل الماضي إلى فعل الأمر، إلا أنه ليس كالأول، بل إنما يفعل ذلك توكيدا لما أجري عليه فعل الأمر، لمكان العناية بتحقيقه، كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ....﴾ ١.\rوكان تقدير الكلام: أمر ربي بالقسط وبإقامة وجوهكم عند كل مسجد، فعدل عن ذلك إلى فعل الأمر، للعناية بتوكيده في نفوسهم، فإن الصلاة من أوكد فرائض الله على عباده، ثم أتبعها بالإخلاص الذي هو عمل القلب، إذ عمل الجوارح لا يصح إلا بإخلاص النية، ولهذا قال النبي ﷺ: \"الأعمال بالنيات\".\rواعلم أيها المتوشح لمعرفة علم البيان، أن العدول عن صيغة من الألفاظ إلى صيغة أخرى لا يكون إلا لنوع خصوصية اقتضت ذلك، وهو لا يتوخاه في كلامه إلا العارف برموز الفصاحة والبلاغة، الذي اطلع على أسرارها، وفتش عن دفائنها، ولا تجد ذلك في كل كلام، فإنه من أشكل ضروب علم البيان، وأدقها فهما، وأغمضها طريقا.\rالقسم الثالث: في الإخبار عن الفعل الماضي بالمستقبل، وعن المستقبل بالماضي:\rفالأول: الإخبار بالفعل المستقبل عن الماضي\rاعلم أن الفعل المستقبل إذا أتي به في حالة الإخبار عن وجود الفعل كان ذلك أبلغ من الإخبار بالفعل الماضي، وذاك؛ لأن الفعل المستقبل يوضح الحال التي يقع فيها، ويستحضر تلك الصورة، حتى كأن السامع يشاهدها، وليس كذلك الفعل الماضي، وربما أدخل في هذا الموضع ما ليس منه جعلا بمكانه، فإنه ليس كل فعل مستقبل يعطف على ماض بجار هذا المجرى:","footnotes":"١ سورة الأعراف: الآية ٢٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358598,"book_id":3862,"shamela_page_id":472,"part":"2","page_num":146,"sequence_num":472,"body":"وسأبين ذلك فأقول: عطف المستقبل على الماضي ينقسم إلى ضربين:\rأحدهما بلاغي: وهو إخبار عن ماض بمستقبل، وهو الذي أنا بصدد ذكره في كتابي هذا الذي هو موضوع لتفصيل ضروب الفصاحة والبلاغة.\rوالآخر: غير بلاغي، وليس إخبار بمستقبل عن ماض، وإنما هو مستقبل دل على معنى مستقبل غير ماض، ويراد به أن ذلك الفعل مستمر الوجود لم يمض.\rفالضرب الأول كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ ١.\rفإنه إنما قيل: ﴿فَتُثِيْرُ﴾ ، مستقبلا وما قبله وما بعده ماض، لذلك المعنى الذي أشرنا إليه، وهو حكاية الحبل التي يقع فيها إثارة الريح السحاب، واستحضار تلك الصورة البديعة الدالة على القدرة الباهرة.\rوهكذا يفعل بكل فعل فيه نوع تمييز، وخصوصية كحال تستغرب، أو تهم المخاطب، أو غير ذلك.\rوعلى هذا الأسلوب ما ورد من حديث الزبير بن العوام ﵁ في غزوة بدر، فإنه قال: لقيت عبيدة بن سعيد بن العاص، وهو على فرس، وعليه لأمة٢ كاملة لا يرى منه إلا عيناه، وهو يقول: أنا أبو ذات الكئوس، وفي يدي عنزة٣ فأطعن بها في عينه، فوقع وأطأ برجلي على خده حتى خرجت العنزة متعقفة٤.\rفقوله: \"فأطعن بها في عينه، وأطأ برجلي\" معدول به عن لفظ الماضي إلى المستقبل، ليمثل للسامع الصورة التي فعل فيها ما فعل من الإقدام، والجراءة على قتل ذلك الفارس المستلئم.","footnotes":"١ سورة فاطر: الآية ٩.\r٢ اللأمة، وقد تخفف، الدرع، أو السلاح، أو أداة الحرب.\r٣ العنزة -بفتحتين- مثل نصف الرمح أو أكبر، وفيها سنان كسنان الرمح.\r٤ متعقفة ملوية.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358599,"book_id":3862,"shamela_page_id":473,"part":"2","page_num":147,"sequence_num":473,"body":"ألا ترى أنه قال أولًا: \"لقيت عبيدة\" بلفظ الماضي، ثم قال بعد ذلك: \"فأطعن بها في عينه\"، ولو عطف كلامه على أوله لقال: فطعنت بها في عينه!\rوعلى هذا ورد قول تأبَّطَ شرًّا١:\rبأبي قد لقيت الغول تهوي ... بسهب كالصحيفة صحصحان٢\rفأضربها بلا دهش فخرت ... صريعا لليدين وللجران٣\rفإنه قصد أن يصور لقومه الحال التي تشجع فيها على ضرب الغول، كأنه يبصرهم إياها مشاهدة، للتعجب من جراءته على ذلك الهول، ولو قال: \"فضربتها\" عطفًا على الأول لزالت هذه الفائدة المذكورة.\rفإن قيل: إن الفعل الماضي أيضًا يتخيل منه السامع ما يتخيله من المستقبل!\rقلت في الجواب: إن التخيل يقع في الفعلين معًا، لكنه في أحدهما -وهو المستقبل- أوكد وأشد تخيلا؛ لأنه يستحضر صورة الفعل، حتى كأن السامع ينظر إلى فاعلها في حال وجود الفعل منه.\rألا ترى أنه لما قال تأبط شرا: \"فأضربها\" تخيل السامع أنه مباشر للفعل، وأنه قائم بإزاء الغول، وقد رفع سيفه ليضربها، وهذا لا يوجد في الفعل الماضي؛ لأنه لا يتخيل السامع منه إلا فعلًا قد مضى من غير إحضار للصورة في حالة سماع الكلام الدال عليه، وهذا لا خلاف فيه.\rوهكذا يجري الحكم في جميع الأبيات المذكورة، وفي الأثر عن الزبير ﵁ وفي الأبيات الشعرية.","footnotes":"١ اسمه ثابت، وكنيته أبو زهير، وهو من بني فهم، وفهم وعدوان أخوان. وكان أحد العدائين، وإنما لقب؛ تأبط شرا؛ لأنه تأبط سكينا ذات يوم وخرج، فسئلت عنه أمه، فقالت: لا أدري إنه تأبط شرا وخرج! والبيتان في الأغاني \"١٨-٢١٠\" من جملة أبيات أولها:\rألا من مبلغ فتيان فهم ... بما لاقيت عند رحى بطان\r٢ في الأصل \"بشهب\" وهو تصحيف، والسهب الأرض المستوية والصحصحان، الأرض المستوية الواسعة.\r٣ الجران: جران البعير، وكذا الفرس: مقدم عنقه من مذبحه إلى منحره.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358600,"book_id":3862,"shamela_page_id":474,"part":"2","page_num":148,"sequence_num":474,"body":"وعليه ورد قوله تعالى أيضًا وهو: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ، حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ ١.\rفقال أولا: ﴿خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ﴾ بلفظ الماضي، ثم عطف عليه المستقبل الذي هو ﴿فَتَخْطَفُهُ﴾ ، و ﴿تَهْوِي﴾ ، وإنما عدل في ذلك إلى المستقبل لاستحضار صورة خطف الطير إياه، وهوي الريح به، والفائدة في ذلك ما أشرت إليه فيما تقدم، وكثيرًا ما يراعي أمثال هذا في القرآن.\rوأما الضرب الثاني -الذي هو مستقبل- فكقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ٢.\rفإنه إنما عطف المستقبل على الماضي؛ لأن كفرهم كان ووجد، ولم يستجدوا بعده كفرا ثانيا، وصدهم متجدد على الأيام لم يمض كونه، وإنما هو مستمر، يستأنف في كل حين.\rوكذلك ورد قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ ٣.\rألا ترى كيف عدل عن لفظ الماضي ههنا إلى المستقبل، فقال: ﴿فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ ، ولم يقل: فأصبحت عطفًا على: ﴿أَنْزَلَ﴾ ، وذلك لإفادة بقاء أثر المطر زمانا بعد زمان، فإنزال الماء مضى وجوده، واخضرار الأرض باق لم يمض، وهذا كما تقول:","footnotes":"١ سورة الحج: الآيتان ٣٠ و٣١.\r٢ سورة الحج: الآية ٢٥.\r٣ سورة الحج: الآية ٦٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358601,"book_id":3862,"shamela_page_id":475,"part":"2","page_num":149,"sequence_num":475,"body":"\"أنعم علي فلان، فأروح وأغدوا شاكرا له\"، ولو قلت: فرحت وغدوت شاكرا له، لم يقع الموقع؛ لأنه يدل على ماض قد كان وانقضى.\rوهذا موضع حسن ينبغي أن يتأمل.\rوأما الإخبار بالفعل الماضي عن المستقبل، فهو عكس ما تقدم ذكره، وفائدته أن الفعل الماضي إذا أخبر به عن الفعل المستقبل الذي لم يوجد بعد كان ذلك أبلغ، وأوكد في تحقيق الفعل وإيجاده؛ لأن الفعل الماضي يعطي من المعنى أنه قد كان ووجد، وإنما يفعل ذلك إذا كان الفعل المستقبل من الأشياء العظيمة التي يستعظم وجودها.\rوالفرق بينه وبين الإخبار بالفعل المستقبل عن الماضي أن الغرض بذاك تبيين هيئة الفعل: واستحضار صورته، ليكون السامع كأنه يشاهدها، والغرض بهذا هو الدلالة على إيجاد الفعل الذي لم يوجد بعد.\rفمن أمثلة الإخبار بالفعل الماضي عن المستقبل قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ ١.\rفإنه إنما قال: ﴿فَفَزِعَ﴾ ، بلفظ الماضي بعد قوله: ﴿يُنْفَخُ﴾ -وهو مستقبل- للإشعار بتحقيق الفزع، وأنه كائن لا محالة؛ لأن الفعل الماضي يدل على وجود الفعل، وكونه مقطوعًا به.\rوكذلك جاء قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ ٢.\rوإنما قيل: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ﴾ ، ماضيا بعد: ﴿نُسَيِّرُ﴾ ، و ﴿وَتَرَى﴾ -وهما مستقبلان- للدلالة على أن حشرهم قبل التسيير، والبروز ليشاهدوا تلك الأحوال، كأنه","footnotes":"١ سورة النمل: الآية ٨٧.\r٢ سورة الكهف: الآية ٤٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358602,"book_id":3862,"shamela_page_id":476,"part":"2","page_num":150,"sequence_num":476,"body":"قال: وحشرناهم قبل ذلك؛ لأن الحشر هو المهم؛ لأن من الناس من ينكره كالفلاسفة وغيرهم، ومن أجل ذلك ذكر بلفظ الماضي.\rومما يجري هذا المجرى الإخبار باسم المفعول عن الفعل المستقبل، وإنما يفعل ذلك لتضمنه معنى الفعل الماضي، وقد سبق الكلام عليه.\rفمن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ ١.\rفإنه إنما آثر اسم المفعول الذي هو: ﴿مَجْمُوعٌ﴾ ، على الفعل المستقبل الذي هو \"يجمع\" لما فيه من الدلالة على ثبات معنى الجمع لليوم، وأنه الموصوف بهذه الصفة، وإن شئت فوازن بين قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ﴾ ٢، فإنك تعثر على صحة ما قلت.","footnotes":"١ سورة هود: الآية ١٠٣.\r٢ سورة التغابن: الآية ٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358603,"book_id":3862,"shamela_page_id":477,"part":"2","page_num":151,"sequence_num":477,"body":"النوع الخامس: في توكيد الضميرين\rإن قيل في هذا الموضع: إن الضمائر مذكورة في كتب النحو، فأي حاجة إلى ذكرها ههنا، ولم نعلم أن النحاة لا يذكرون ما ذكرته؟\rقلت: إن هذا يختص بفصاحة وبلاغة، وأولئك لا يتعرضون إليه، وإنما يذكرون عدد الضمائر، وأن المنفصل منها كذا، والمتصل كذا، ولا يتجاوزون ذلك، وأما أنا فإني في هذا النوع أمرا خارجا عن الأمر النحوي.\rوأعني بقولي: \"توكيد الضميرين\" أن يؤكد المتصل بالمنفصل، كقولك: \"إنك أنت\"، أو يؤكد المنفصل بمنفصل مثله، كقولك: \"أنت أنت\"، أو يؤكد المتصل بمتصل مثله، كقولك: \"إنك إنك لعالم\"، أو\"إنك إنك لجواد\".\rوإنما يؤتى بمثل هذه الأقوال في معرض المبالغة، وهو من أسرار علم البيان.\rولنقدم في ذلك قولا يحصره، ويجمع أطرافه، فنقول:\rإذا كان المعنى المقصود معلوما ثابتا في النفوس، فأنت بالخيار في توكيد أحد الضميرين فيه بالآخر، وإذا كان غير معلوم، وهو مما يشك فيه، فالأولى حينئذ أن يؤكد أحد الضميرين بالآخر في الدلالة عليه، لتقرره وتثبته.\rفما جاء من ذلك قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ ١.\rفإن أراد السحرة الإلقاء قبل موسى لم تكن معلومة عنده؛ لأنهم لم يصرحوا بما في أنفسهم من ذلك، لكنهم لما عدلوا عن مقابلة خطابهم موسى بمثله إلى توكيد ما هو لهم بالضميرين اللذين هما: ﴿نَكُونَ﴾ ، و ﴿نَحْنُ﴾ ، دل ذلك على أنهم يريدون التقدم عليه،","footnotes":"١ سورة الأعراف: الآية ١١٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358604,"book_id":3862,"shamela_page_id":478,"part":"2","page_num":152,"sequence_num":478,"body":"والإلقاء قبله؛ لأن من شأن مقابلة خطابهم موسى بمثله أن كانوا قالوا: ﴿إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ﴾ ، وإما أن تلقي وإما أن تلقى، لتكون الجملتان متقابلتين، فحيث قالوا عن أنفسهم: ﴿وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ ، استدل بهذا القول على رغبتهم في الإلقاء قبله.\rتوكيد المتصل بالمتصل:\rوأما توكيد المتصل بالمتصل، فكقوله تعالى في سورة الكهف: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا، قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ ١.\rوهذا بخلاف قصة السفينة، فإنه قال فيها: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ ٢.\rوالفرق بين الصورتين أنه أكد الضمير في الثانية دون الأولى٣، فقال في الأولى: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ ... ﴾ وقال في الثانية: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ﴾ .\rوإنما جيء بذلك للزيادة في مكافحة العتاب على رفض الوصية مرة على مرة، والوسم بعدم الصبر.\rوهذا كما لو أتى إنسان ما نهيته عنه فلمته وعنفته، ثم أتى ذلك مرة ثانية، أليس أنك تزيد في لومه وتعنيفه?\rوكذلك فعل ههنا، فإنه قيل في الملامة أولا: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ﴾ ، ثم قيل ثانيا: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ﴾ ، وهذا موضع يدق عن العثور عليه ببادرة النظر، ما لم يعط التأمل فيه حقه.","footnotes":"١ سورة الكهف: الآيتان ٧٤ و٧٥.\r٢ سورة الكهف: الآيتان ٧٢.\r٣ أي أكد الضمير في قصة الغلام، ولم يؤكد في قصة السفينة التي هي الأول في الترتيب القرآني.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358605,"book_id":3862,"shamela_page_id":479,"part":"2","page_num":153,"sequence_num":479,"body":"توكيد المتصل بالمنفصل:\rوأما توكيد المتصل بالمنفصل، فنحو قوله تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى، قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ ١، فتوكيد الضميرين ههنا في قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ ، أنفى للخوف من قلب موسى، وأثبت في نفسه للغلبة والقهر، ولو قال: \"لا تخف إنك الأعلى\" أو\"فأنت الأعلى\" لم يكن له من التقرير، والإثبات لنفي الخوف ما لقوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ .\rوفي هذه الكلمات الثلاث، وهي قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ ، ست فوائد:\rالأولى: \"إن\" المشددة التي من شأنها الإثبات لما يأتي بعدها، كقولك: \"زيد قائم\"، ثم تقول: \"إن زيدا قائم\"، ففي قولك: \"إن زيدًا قائم\" من الإثبات لقيام زيد ما ليس في قولك: \"زيد قائم\".\rالثانية: تكرير الضمير في قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ﴾ ، ولو اقتصر على أحد الضميرين لما كان بهذه المكانة في التقرير لغلبة موسى، والإثبات لقهره.\rالثالثة: لام التعريف في قوله: ﴿الْأَعْلَى﴾ ، ولم يقل: \"أعلى\" ولا \"عال\"؛ لأنه لو قال ذلك لكان قد نكره، وكان صالحا لكل واحد من جنسه، كقولك: \"رجل\"، فإنه يصلح أن يقع على كل واحد من الرجال، وإذا قلت: الرجل، فقد خصصته من بين الرجال بالتعريف، وجعلته علما فيهم، وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ ، أي دون غيرك.\rالرابعة: لفظ \"أفعل\" الذي من شأنه التفضيل، ولم يقل \"العالي\".\rالخامسة: إثبات الغلبة له من العلو؛ لأن الغرض من قوله: ﴿الْأَعْلَى﴾ ، أي: الأغلب، إلا أن في الأعلى زيادة، وهي الغلبة من عال.\rالسادسة: الاستئناف، وهو قوله تعالى: ﴿لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ ، ولم يقل:","footnotes":"١ سورة طه: الآيتان ٦٧ و٦٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358606,"book_id":3862,"shamela_page_id":480,"part":"2","page_num":154,"sequence_num":480,"body":"\"لأنك أنت الأعلى\"؛ لأنه لم يجعل علة انتفاء الخوف عنه كونه عاليا، وإنما نفى الخوف عنه أولًا بقوله: ﴿لَا تَخَفْ﴾ ، ثم استأنف الكلام، فقال: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ ، فكان ذلك أبلغ في إيقان موسى ﵇ بالغلبة والاستعلاء، وأثبت لذلك في نفسه.\rوربما وقع لبعض الأغمار أن يعترض على ما ذكرناه في توكيد أحد الضميرين بالآخر، فيقول: لو كان توكيدهما أبلغ من الاقتصار على أحدهما لورد ذلك عند ذكر الله تعالى نفسه، حيث هو أولى بما هو أبلغ وأوكد من القول، وقد رأينا في القرآن الكريم مواضع تختص بذكر الله تعالى، وقد ورد فيها أحد الضميرين دون الآخر، كقوله عز اسمه: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ١، ولم يقل: إنك أنت على كل شيء قدير، فما الموجب لذلك إن كان توكيد أحد الضميرين بالآخر أبلغ من الاقتصار على أحدهما! ?\rالجواب عن ذلك أنا نقول: قد قدمنا القول في أول هذا النوع أنه إذا كان المعنى المقصود معلوما ثابتا، فصاحب الكلام مخير في توكيد أحد الضميرين بالآخر، فإن أكد فقد أتى بفضل بيان، وإن لم يؤكد؛ فلأن ذلك المعنى ثابت لا يفتقر في تقريره إلى زيادة تأكيد، كهذه الآية المشار إليها، وهي قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ ، فإن العلم بأن الله على كل شيء قدير لا يفتقر إلى تأكيد يقرره.\rوقد ورد ما يجري مجرى هذا الآية مؤكدًا، كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ ٢.\rفأكد هذه الآية، ولم يؤكد في الآية الأخرى، وقد عرفتك الطريق في ذلك.","footnotes":"١ سورة آل عمران: الآية ٢٦.\r٢ سورة المائدة: الآية ١١٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358607,"book_id":3862,"shamela_page_id":481,"part":"2","page_num":155,"sequence_num":481,"body":"وأما ما إذا كان المعنى المقصود غير معلوم، وهو مما يشك فيه فالأولى أن يؤكد بالضميرين في الدلالة عليه، كقوله تعالى: ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ ، فإن موسى لم يكن متيقنا أنه غالب للسحرة، فلذلك أكد خطابه بالضميرين، ليكون أبلغ في تقرير ذلك في نفسه.\rتوكيد المنفصل بمنفصل:\rوأما توكيد المفصل بمنفصل مثله؛ فكقول أبي تمام١:\rلا أنت أنت ولا الديار ديار ... خف الهوى وتولت الأوطار\rفقوله: \"لا أنت أنت ولا الديار ديار\" من المليح النادر في هذا الموضع؛ لأنه هو والديار الديار، وإنما البواعث التي كانت تبعث على قضاء الأوطار زالت، فبقي ذلك الرجل، وليس هو على الحقيقة، ولا الديار في عينه من الحسن تلك الديار.\rوعلى هذا ورد قول أبي الطيب المتنبي٢:\rقبيل أنت أنت وأنت منهم ... وجدك بشر الملك الهمام\rفقوله: \"أنت أنت\" من توكيد الضميرين المشار إليهما، وفائدته المبالغة في مدحه، ولو مدحه بما شاء لما سد مسد قوله: \"أنت أنت\"، أي أنك المشار إليه بالفضل دون غيرك.\rوأما قوله: \"وأنت منهم\"، فخارج عن هذا الباب، وهو كلام مستأنف لا يتعلق بتوكيد الضميرين، كأنه قال: أنت الموصوف بكذا وكذا، وأنت من هذا القبيل، يريد بذلك مدح قبيله به.\rوهذا البيت لم أمثل به اختيارًا له واستجادة، وإنما مثلت به ليعلم مكان توكيد","footnotes":"١ ديوان أبي تمام ١٤٤، وهذا البيت مطلع قصيدة في مدح أبي سعيد الثغري.\r٢ ديوان المتنبي ٤-٧٩ من قصيدة يمدح فيها المغيث بن علي العجلي، مطلعها:\rفؤاد ما تسليه المدام ... وعمر مثل ما تهب اللثام","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358608,"book_id":3862,"shamela_page_id":482,"part":"2","page_num":156,"sequence_num":482,"body":"المنفصل بالمنفصل، وإلا فالبيت ليس من المرضي؛ لأن سبكه سبك عار من الحسن، وفيه تقديم وتأخير.\rوقرأت في كتاب \"الأغاني\" لأبي الفرج أن عمرو بن ربيعة، قال لزياد بن الهبولة١: \"يا خير الفتيان، اردد علي ما أخذته من إبلي\"، فردها عليه، وفيها فحلها، فنازعه الفحل إلى الإبل، فصرعه عمرو، فقال له زياد: \"لو صرعتم يا بني شيبان الرجال كما تصرعون الإبل لكنتم أنتم أنتم\"، فقال عمرو له: لقد أعطيت قليلا، وسمت جليلا، وجررت على نفسك ويلا طويلا\"، فقوله له: \"لكنتم أنتم أنتم\"، أي: أنتم الأشداء، أو الشجعان، أو ذوو النجدة والبأس، أو ما جرى هذا المجرى، إلا أن في \"أنتم\" الثانية تخصيصا لهم بهذه الصفة دون غيرهم، كأنه قال: لكنتم\rأنتم الشجعان دون غيركم، ولو مدحهم بأي شيء مدحهم من وصف البأس، والشدة والشجاعة لما بلغ هذه الكلمة، أعني \"أنتم\" الثانية.\rوهذا موضع من علم البيان تتكاثر محاسنه، فأعرفه.","footnotes":"١ في القاموس المحيط \"٤-٦٧\" أن ابن هبولة، أو الهبولة، أو الهبول: ملك ملوكهم.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358609,"book_id":3862,"shamela_page_id":483,"part":"2","page_num":157,"sequence_num":483,"body":"النوع السادس: في عطف المظهر على ضميره، والإفصاح به بعده\rوهذا إنما يعمد إليه لفائدة، وهي تعظيم شأن الأمر الذي أظهر عنده الاسم المضمر أولا.\rومثال ذلك قول القائل: \"ولما تلاقينا وبنو تميم أقبلوا نحونا يركضون، فرأينا منهم أسودا ثكلا تسابق الأسنة إلى الورود، ولا ترتد على أعقابها إذا ارتدت أمثالها من الأسود، وتناجد بنو تميم علينا بحملة، فلذنا بالفرار، واستبقنا إلى تولية الأدبار\"، فإنه إنما قيل: \"وتناجد بنو تميم\" مصرحا باسمهم، ولم يقل وتناجدوا كما قيل: \"أقبلوا\" للدلالة على التعجب من إقدامهم عند الحملة، وثباتهم عند الصدمة، لا سيما وقد أردف ذلك بقوله: \"لذنا بالفرار، واستبقنا إلى تولية الأدبار\"، كأنه قال: وتناجد أولئك الفرسان المشاهير، والكماة المناكير، وحملوا علينا حملة واحدة، فولينا مدبرين منهزمين\".\rومما جاء من ذلك قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ، قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ ١، ألا ترى كيف صرح باسمه في قوله: ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ ، مع إيقاعه المبتدأ في قوله: ﴿كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ﴾ ، وقد كان القياس أن يقول: كيف يبدئ الله الخلق، ثم ينشئ النشأة الآخرة.\rوالفائدة في ذلك أنه لما كانت الإعادة عندهم من الأمور العظيمة، وكان صدر الكلام واقعا معهم في الإبداء، وقررهم أن ذلك من الله، احتج عليهم بأن الإعادة إنشاء مثل الإبداء، وإذا كان الله الذي لا يعجزه شيء هو الذي لا يعجزه الإبداء،","footnotes":"١ سورة العنكبوت: الآيتان: ١٩ و٢٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358610,"book_id":3862,"shamela_page_id":484,"part":"2","page_num":158,"sequence_num":484,"body":"فوجب أن لا تعجزه الإعادة، فللدلالة والتنبيه على عظم هذا الأمر الذي هو الإعادة أبرز اسمه تعالى، وأوقعه مبتدأ ثانيا.\rوعلى هذا ورد قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ ١.\rألا ترى أنه قال أولا: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ ، فذكر مضمرا تقدم الكلام فيه، ثم عطف المظهر الذي هو له، وهو قوله: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ ، وكان العطف لو أضمر كما أضمر الأول لقيل: ثم أنزل الله سكينته عليكم، وأنزل جنودا لم تروها.\rوفائدة الإظهار ههنا للمعطوف بعد إضماره أولًا التنويه بذكر رسول الله ﷺ وذكر المؤمنين، أو؛ لأن الأمر عظيم، وهو الانتصار بعد الفرار، فأي الأمرين قدر كان لإظهار المعطوف مناسبًا.\rوهكذا يكون عطف المظهر على ضميره، فإنه يستند إلى فائدة يهم ذكرها، فإن يكن هناك٢ مثل هذه الفائدة، وإلا فلا يحسن الإظها ر بعد الإضمار.\rوكذلك جاء قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ٣، فإنه إنما قال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ، ولم يقل: وقالوا كالذي قبله للدلالة على صدور ذلك عن إنكار عظيم، وغضب شديد، وتعجب من كفرهم بليغ، لا سيما وقد انضاف إليه قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ ، وما فيه من الإشارة إلى القائلين، والمقول فيه، وما في ذلك من المبادهة، كأنه قال: وقال","footnotes":"١ سورة التوبة: الآيتان ٢٥ و٢٦.\r٢ في الأصل \"فإن لم يكن هناك\"، وسياق المعنى حذف \"لم\" والتقدير: إن يكن هناك مثل هذه الفائدة حسن الإظهار، وإلا فلا يحسن الإظهار.\r٣ سورة: سبأ الآية ٤٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358611,"book_id":3862,"shamela_page_id":485,"part":"2","page_num":159,"sequence_num":485,"body":"أولئك الكفرة المتمردون بجزاءتهم على الله، ومكابرتهم لمثل ذلك الحق المبين قبل أن يتدبروه: إن هذا إلا سحر مبين.\rوعلى نحو من ذلك ورد قوله تعالى: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ، بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ، كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ، وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ ١.\rوكان القياس أن يقال: وقالوا: هذا ساحر كذاب، عطفًا على: ﴿وَعَجِبُوا﴾ ، وإنما أتى باسم الكافرين -مظهرا بعد إضماره- للإشعار بتعظيم ما اجترءوا عليه من القول في أمر النبي ﷺ، أو؛ لأن هذا القول كان أهم عندهم، وأرسخ في نفوسهم، فصرح باسم قائله دلالة على ما كان في أنفسهم منه.","footnotes":"١ سورة ص: الآيات ١ و٢ و٣ و٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358612,"book_id":3862,"shamela_page_id":486,"part":"2","page_num":160,"sequence_num":486,"body":"النوع السابع: في التفسير بعد الإبهام\rاعلم أن هذا النوع لا يعمد إلى استعماله إلا لضرب من المبالغة، فإذا جيء به في كلام، فإنما يفعل ذلك لتفخيم أمر مبهم وإعظامه؛ لأنه هو الذي يطرق السمع أولًا، فيذهب بالسامع كل مذهب كقول تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ ١.\rففسر ذلك الأمر بقوله: ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ﴾ ، وفي إبهامه أولًا، وتفسيره بعد\rذلك تفخيم للأمر، وتعظيم لشأنه، فإنه لو قال: وقضينا إليه أن دابر هؤلاء مقطوع، لما كان بهذه المكانة من الفخامة، فإن الإبهام أولًا يوقع السامع في حيرة وتفكر، واستعظام لما قرع سمعه، وتشوف إلى معرفته، والاطلاع على كنهه.\rوعلى نحو هذا جاء قوله تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى، وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى، إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى، أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ﴾ ٢.\rففسر: ﴿مَا يُوحَى﴾ ، بقوله: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ﴾ ، وهذا كالأول في إيهامه أولًا وتفسيره ثانيًا.\rومثال هذا ورد قوله تعالى في سورة أم الكتاب: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ، فإنه إنما قال ذلك، ولم يقل: اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم لما في الأول من التنبيه، والإشعار بأن الصراط المستقيم هو صراط المؤمنين، فدل عليه بأبلغ وجه، كما تقول: هل أدلك على أكرم الناس وأفضلهم؟ ثم تقول: فلان، فيكون ذلك أبلغ في وصفه بالكرم، والفضل من قولك: هل أدلك على فلان الأكرم","footnotes":"١ سورة الحجر الآية: ٦٦.\r٢ سورة طه: الآيات ٣٦ و٣٧ و٣٨ و٣٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358613,"book_id":3862,"shamela_page_id":487,"part":"2","page_num":161,"sequence_num":487,"body":"الأفضل؟ لأنك تثبت ذكره مجملا ومفصلا، فجعلته علما في الكرم والفضل، كأنك قلت: من أراد رجلا جامعا للخصلتين جميعًا فعليه بفلان!\rفإن قيل: ما الفرق بين عطف المظهر على ضميره، وبين التفسير بعد الإيهام، فإن المضمر كالمبهم؟\rفالجواب عن ذلك أني أقول: إن كان سؤالك عن فائدتهما، فإنهما في الفائدة سواء، وذلك أنهما إنما يرادان لتعظيم الحال، والإعلام بفخامة شأنهما.\rوإن كان سؤالك عن الفرق بينهما في العبارة، فإني أقول:\rالمضمر يأتي بعد مظهر تقدم ذكره أولا، ثم يعطف المظهر على ضميره، أي ضمير نفسه، كالمثال الذي ضربناه في بني تميم.\rوأما التفسير بعد الإبهام فإن المبهم يقدم أولا، وهو أن يذكر شيء يقع عليه محتملات كثيرة، ثم يفسر بإيقاعه على واحد منها، وليس كذلك عطف المظهر على ضميره.\rومما جاء في التفسير بعد الإبهام قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ، يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ، مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ١.\rألا ترى كيف قال: ﴿أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ ، فأبهم سبيل الرشاد، ولم يبين أي سبيل هو، ثم فسر ذلك فافتتح كلامه بذم الدنيا وتصغير شأنها، ثم ثنى ذلك بتعظيم الآخرة، والاطلاع على حقيقتها، ثم ثلث بذكر الأعمال سيئها، وحسنها وعاقبة كل منهما، ليثبط عما يتلف، وينشط لما يزلف، كأنه قال: سبيل الرشاد هو الإعراض عن الدنيا،","footnotes":"١ سورة المؤمن: الآيات ٣٨، ٣٩، ٤٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358614,"book_id":3862,"shamela_page_id":488,"part":"2","page_num":162,"sequence_num":488,"body":"والرغبة في الآخرة، والامتناع من الأعمال السيئة خوف المقابلة عليها، والمسارعة إلى الأعمال الصالحة رجاء المجازاة عليها.\rوكذلك ورد قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ ١.\rفإنه إنما قال: ﴿الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ ، ولم يقل: قواعد البيت لما في إبهام القواعد أولًا، وتبيينها بعد ذلك من تفخيم حال المبين ما ليس في الإضافة.\rومما يجري هذا المجرى قوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ، أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ ٢.\rفإنه أراد تفخيم ما أمل فرعون من بلوغه أسباب السموات أبهمها أولًا، ثم فسرها ثانيا؛ ولأنه لما كان بلوغها أمرا عجيبًا أراد أن يورده على نفس متشوفة إليه، ليعطيه السامع حقه من التعجب، فأبهمه ليشوف إليه نفس هامان، ثم أوضحه بعد ذلك.\rوعلى هذا الأسلوب ورد قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ ٣.\rفإنه قال أولًا: ﴿أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾ ، ثم فسرها بقوله: ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ ٤.\rوهذا في القرآن الكريم كثير الاستعمال:\rوأما الإبهام من غير تفسير فكثير شائع في القرآن الكريم أيضًا، كقول تعالى: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ ٥.","footnotes":"١ سورة البقرة: الآية ١٢٧.\r٢ سورة المؤمن: الآيتان ٣٦ و٣٧.\r٣ سورة سبأ: الآية ٤٦.\r٤ في الأصل: \"وأن\" موضع \"ثم\".\r٥ سورة الشعراء: الآية ١٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358615,"book_id":3862,"shamela_page_id":489,"part":"2","page_num":163,"sequence_num":489,"body":"وكذلك ورد قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ ١، أي للطريقة، أو الحالة، أو الملة التي هي أقومها وأسدها، وأي ذلك قدرت لم تجد له مع الإفصاح ذوق البلاغة التي تجده مع الإبهام، وذلك لذهاب الوهم فيه كل مذهب، وإيقاعه على محتملات كثيرة.\rوهذا كقول القائل: \"لو رأيت عليا بين الصفين\"، فإنه لو وصفه مهما وصف من نجدة وشجاعة وثبات وإقدام وأطال القول في ذلك لم يكن بمثابة ما يترامى إليه الوهم مع الإبهام، وهذا للعارف برموز هذه الصناعة وأسرارها.\rوعلى هذا الأسلوب ورد قوله تعالى: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ ٢.\rوأبلغ من ذلك قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى، فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾ ٣.\rفإنه قال في تلك الآية: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ ، فذكر: ﴿الْيَمِّ﴾ ، وهو البحر، فصار الذي غشيهم إنما هو منه خاصة، وقال في هذا الآية: ﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾ ، فأبهم الأمر الذي غشاها به وجعله عاما وذلك أبلغ؛ لأن السامع يذهب وهمه فيه كل مذهب.\rوأما ما جاء من ذلك شعرًا، فكقول البحتري٤:\rبعيد مقيل الصدر لا يقبل التي ... يحاولها منه الأريب المخادع٥\rفقوله: \"التي يحاولها\" من الإبهام المقدم ذكره في الآية.","footnotes":"١ سورة الإسراء: الآية ٩.\r٢ سورة طه: الآية ٧٨.\r٣ سورة النجم: الآيتان ٥٣ و٥٤.\r٤ ديوان البحتري ٢/ ٤٦ من قصيدة له في مدح الفتح بن خاقان، مطلعها:\rألمت وهل إلمامها لك نافع ... وزارت خيالا والعيون هواجع\r٥ رواية الديوان لصدر البيت هكذا:\rمبيد مقيل السر لا يدرك الذي","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358616,"book_id":3862,"shamela_page_id":490,"part":"2","page_num":164,"sequence_num":490,"body":"ومما ينتظم بذلك قول الشاعر في أبيات الحماسة١:\rصبا ما صبا حتى علا الشيب رأسه ... فلما علاه قال للباطل ابعد٢\rفقوله: \"صبا ما صبا\" من الإبهام الذي لو قدرت ما قدرت تفسيره لم تجد له من فضيلة البيان ما تجد له مع الإبهام.\rوعليه ورد قول أبي النواس:\rولقد نهزت مع الغواة بدلوهم ... وأسمت سرح اللحظ حين أساموا\rوبلغت ما بلغ امرؤ بشبابه ... فإذا عصارة كل ذاك أثام\rفقوله: \"وبلغت ما بلغ امرؤ بشبابه\" من هذا النمط المشار إليه، وهو من المليح النادر.\rومما يجري على هذا النهج قول الآخر في وصف الخمر:\rمضى بها ما مضى من عقل شاربها ... وفي الزجاجة باق يطلب الباقي\rوالكلام على هذا البيت كالكلام على البيت الذي قبله.\rومثله ورد قول بعض المتأخرين: \"فؤاد فيه ما فيه\".\rوعلى هذا ورد قولي في فصل من تقليد لبعض الوزراء، فقلت:\r\"وأنت مؤهل لواحدة متخلق لها غرر الجياد، وتناديها العلياء بلسان الإحماد، وتفخر بها سمر الأقلام على سمر الصعاد، فابسط يدك لأخذ كتابها، واسمع لطيب ذكرها بعد سعيك في طلابها، واعلم أن الخطاب إليها كثير لكنها صدت بك عن خطابها، ولقد مضى عليها زمن وهي تفور، حتى استقادها تأنيسك، ولم تسبق الأقدار باسمك إلا لتكون سليمانها، وهي بلقيسك\".","footnotes":"١ هو دريد بن الصمة، من قصيدة قالها في رثاء أخيه عبد الله بن الصمة، وأول المذكور منها في ديوان الحماسة ١-٣٤٢: نصحت لعارض وأصحاب عارض، ورهط بني السوداء والقوم شهدي.\r٢ صبا الأول من الميل، والثاني من الصباء، وهو حداثة السن، والمعنى أنه مال إلى اللهو مدة صغر سنه، فلما شاب ترك الملاهي، هكذا شرحه التبريزي \"١/ ٣٤٥\" ديوانه الحماسة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358617,"book_id":3862,"shamela_page_id":491,"part":"2","page_num":165,"sequence_num":491,"body":"وهذا الوزير كان اسمه \"سليمان\"، فسقت المعنى إليه، فجاء كما تراه من الحسن واللطافة.\rأما قولي: \"وأنت مؤهل لواحدة\"، فإنه من الإبهام من غير تفسير، وذلك بخلاف ما ورد في الآية المقدم ذكرها؛ لأن تلك من التفسير بعد الإبهام.\rومما ينتظم في هذا السلك \"الاستثناء العددي\"، وهو ضرب من المبالغة لطيف المأخذ، وفائدته أن أول ما يطرق سمع المخاطب ذكر العقد من العدد، فكثير موقع ذلك عنده، وهو شبيه بما ذكره من الإبهام أولًا ثم التفسير بعده ثانيا، وذلك كقول القائل: أعطيته مائة إلا عشرة أو أعطيته ألفا إلا مائة، فإن ذلك أبلغ من أن لو قال: أعطيته تسعين، أو تسعمائة.\rوعليه ورد قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ ١، ولم يقل: تسعمائة وخمسين عامًا، لفائدة حسنة، وهي ذكر ما ابتلي به نوح من أمته، وما كابده من طول المصابرة، ليكون ذلك تسلية لرسول الله ﷺ: \"فيما يلقاه من أمته وتثبيتا له\"، فإن ذكر رأس العدد الذي هو منتهى العقود، وأعظمها أوقع وأوصل إلى الغرض من استطالة السامع مدة صبره، وما لاقاه من قومه.","footnotes":"١ سورة العنكبوت: الآية ١٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358618,"book_id":3862,"shamela_page_id":492,"part":"2","page_num":166,"sequence_num":492,"body":"النوع الثامن: في استعمال العام في النفي، والخاص في الإثبات\rاعلم أنه إذا كان الشيئان أحدهما خاصا والآخر عاما، فإن استعمال العام في حالة النفي أبلغ من استعماله في حالة الإثبات، وكذلك استعمال الخاص في حالة الإثبات أبلغ من استعماله في حالة النفي.\rومثال ذلك الإنسانية والحيوانية، فإن إثبات الإنسانية يوجب إثبات الحيوانية، ولا يوجب نفيها نفي الحيوانية، وكذلك نفي الحيوانية يوجب نفي الإنسانية، ولا يوجب إثباتها إثبات الإنسانية.\rومما ينتظم بذلك الأسماء المفردة الواقعة على الجنس التي يكون بينها، وبين واحدها تاء التأنيث، فإنه متى أريد النفي كان استعمال واحدها أبلغ، ومتى أريد الإثبات كان استعمالها أبلغ.\rوكذلك يتصل بهذا النوع الصفتان الواردتان على شيء واحد، فإنه إذا لزم من وجود إحداهما وجود الأخرى اكتفي بها في الذكر، ولم يحتج إلى ذكر الأخرى؛ لأنها تجيء ضمنا وتبعا، أو يبدأ بها في الذكر أولًا، ثم تجيء الأخرى بعدها.\rوأما الصفات المتعددة فإنه ينبغي أن يبدأ في الذكر بالأدنى مرتبة، ثم بعدها بما هو أعلى منها إلى أن ينتهي إلى آخرها.\rهذا في مقام المدح، فإن كان في مقام الذك عكست القضية.\rفالأول -وهو الخاص والعام- نحو قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ ١، ولم يقل: ذهب بضوئهم، موازنا لقوله: ﴿فَلَمَّا","footnotes":"١ سورة البقرة: الآية ١٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358619,"book_id":3862,"shamela_page_id":493,"part":"2","page_num":167,"sequence_num":493,"body":"أَضَاءَتْ﴾ ؛ لأن ذكر النور في حالة النفي أبلغ من حيث إن الضوء فيه الدلالة على النور وزيادة، فلو قال: ذهب الله بضوئهم لكان المعنى يعطي ذهاب تلك الزيادة، وبقاء ما يسمى نورا؛ لأن الإضاءة هي فرط الإنارة، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ ١، فكل ضوء نور، وليس كل نور ضوءًا.\rفالغرض من قوله تعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ ، إنما هو إزالة النور عنهم أصلًا، فهو إذا أزاله، فقد أزال الضوء.\rوكذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ ، ولم يقل: \"أذهب نورهم\"؛ لأن كل من ذهب بشيء فقد أذهبه، وليس كل من أذهب شيئا فقد ذهب به؛ لأن الذهاب بالشيء هو استصحاب له ومضي به، وفي ذلك نوع احتجار بالمذهوب به، وإمساك له عن الرجوع إلى حالته، والعود إلى مكانه، وليس كذلك الإذهاب للشيء لزوال معنى الاحتجار عنه.\rومما يحمل على ذلك الأوصاف الخاصة إذا وقعت على شيئين، وكان يلزم من وصف أحدهما الآخر، ولا يلزم عكس ذلك، ومثاله قوله تعالى: ﴿سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ ٢، فإنه إنما خص العرض بالذكر دون الطول للمعنى الذي أشرنا إليه، والمراد بذلك أنه إذا كان هذا عرضها، فكيف يكون طولها?\rوهذا في حالة الإثبات، ولو أريد حالة النفي كان له أسلوب غير ما ذكرناه، وهو أنه كان يخص به الطول دون العرض.\rوأما الأسماء الواقعة على الجنس، فنحو قوله تعالى في قصة نوح ﵇:","footnotes":"١ سورة يونس: الآية ٥.\r٢ سورة آل عمران: الآية ١٣٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358620,"book_id":3862,"shamela_page_id":494,"part":"2","page_num":168,"sequence_num":494,"body":"﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ، قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ١.\rفإنه إنما قال: ﴿لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ﴾ ، ولم يقل ليس بي ضلال، كما قالوا؛ لأن نفي الضلالة أبلغ من نفي الضلال عنه، كما لو قيل: ألك تمر? فقلت في الجواب: ما لي تمرة، وذلك أنفى للتمر، ولو قلت: \"ما لي تمرة\" لما كان يؤدي من المعنى ما أداه القول الأول.\rوفي هذا الموضع دقة تحتاج إلى فضل تمام، فينبغي لصاحب هذه الصناعة مراعاته، والعناية به.\rفإن قيل: لا فرق بين الضلالة والضلال، وكلاهما مصدر قولنا: ضل يضل ضلالا، وضل يضل ضلالة كما يقال: لذ يلذ لذاذا ولذاذة!\rفالجواب عن ذلك: أن الضلالة تكون مصدرًا كما قلت، وتكون عبارة عن المرة الواحدة، تقول: ضل ضلالة، أي مرة واحدة كما تقول: ضرب يضرب ضربة، وقام وأكل يأكل أكلة:\rوالمراد بالضلالة في هذه الآية إنما هو عبارة عن المرة الواحدة من الضلال، فقد نفى ما فوقها من المرتين والمرار الكثيرة.\rوأما الصفتان الواردتان على شيء واحد، فكقول الأشتر النخعي٢:","footnotes":"١ سورة الأعراف: الآيتان ٦٠ و٦١.\r٢ هو مالك بن الحارث، أحد بني النخع، والأشتر لقب له، كان شاعرًا يمنيا من شعراء الصحابة، شهد حرب القادسية أيام عمر الخطاب التي كانت بين المسلمين والفرس، وكان لعلي في حروبه مثل ما كان علي لرسول الله ﷺ، كتب له بولاية مصر، فخرج يريدها، وبلغ ذلك معاوية، فعظم عليه الأمر، فبعث إلى المقدم على الخراج بالقلزم يعده، ويمنيه إن كفاه شر مالك فلما انتهى الأشتر إلى القلزم استقبله ذلك الرجل، وعرض عليه النزول عنده فنزل فأتاه بطعام فأكل، ثم جاءه بعسل وضع فيه سما فشربه فمات، وذلك سنة ثلاث وثلاثين للهجرة، فقال معاوية لما بلغه ذلك: إن لله جنودا منها العسل.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358621,"book_id":3862,"shamela_page_id":495,"part":"2","page_num":169,"sequence_num":495,"body":"بقيت وفري وانحرفت عن العلا ... ولقيت أضيافي بوجه عبوس١\rإن لم أشن على ابن حرب غارة ... لم تخل يوما من نهاب نفوس٢\rخيلا كأمثال السعالي شزبا ... تعدو ببيض في الكريهة شوس٣\rحمي الحديد عليهم فكأنه ... لمعان برق أو شعاع شموس٤\rألا ترى أنه رقى في التشبيه من الأدنى إلى الأعلى، فقال: \"لمعان برق أو شعاع شموس\"؛ لأن لمعان البرق دون شعاع الشموس؟!\rومما ورد من ذلك في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ ٥، فإن وجود المؤاخذة على الصغيرة يلزم منه وجود المؤاخذة على الكبيرة.\rوعلى القياس المشار إليه أولًا، فينبغي أن يكون لا يغادر كبيرة ولا صغيرة؛ لأنه إذا لم يغادر صغيرة، فمن الأولى ألا يغادر كبيرة.\rوأما إذا لم يغادر كبيرة، فإنه يجوز أن يغادر صغيرة؛ لأنه إذا لم يعف عن الصغيرة فيقضي القياس أنه لا يعفو عن الكبيرة، وإذا لم يعف عن الكبيرة، فيجوز أن يعفو عن الصغيرة.\rغير أن القرآن الكريم أحق أن يتبع، وأجدر بأن يقاس عليه، لا على غيره والذي ورد فيه من هذه الآية ناقض لما تقدم ذكره.","footnotes":"١ في الأصل \"حلقت وفدي\" موضع \"بقيت وفري\" والوفر المال، يقول: بقيت مالي، ولم أنفقه فيما يكسبني الذكر الجميل.\r٢ يدعو على نفسه بما يكسبه السوء إن لم يشن أي يفرق الغارة على ابن حرب يعني معاوية بن أبي سفيان.\r٣ في الأصل \"شرما\" موضع \"شزبا\" والتصويب عن الحماسة ١/ ٤٩، والسعالى الغيلان، وقيل: هي بنات الغيلان، والشزب الضمير، والبيض من البياض كناية عن الكرم ونقاء العرض، والشوس جمع أشوس، وهو الغضبان أو المتكبر، ونصب \"خيلا\" على أنه يدل على غارة في البيت قبله.\r٤ في ديوان الحماسة \"١/ ٤٩\"، \"ومضان برق\" موضع \"لمعن برق\".\r٥ سورة الكهف: الآية ٤٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358622,"book_id":3862,"shamela_page_id":496,"part":"2","page_num":170,"sequence_num":496,"body":"وكذلك ورد قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ ١؛ لأن التأفيف أدنى درجة.\rوقد تقدم قولي في أول هذا النوع أنه إذا جاءت صفتان يلزم من وجود إحداهما وجود الأخرى أن يكتفى بذكرها دون الأخرى؛ لأن الأخرى تجيء ضمنا وتبعا، وأن يبدأ بها في الذكر، ثم تجيء الأخرى بعدها وعلى هذا، فيقال: أولًا: فلا تنهرهما ولا تقل لهما أف، لكن إذا لم يقل لهما أف امتنع أن ينهرهما.\rوقد كان هذا هو المذهب عندي، حتى وجدت كتاب الله تعالى قد ورد بخلافه، وحينئذ عدت عما كنت أراه وأقول به.\rوأما الصفات المتعددة الواردة على شيء واحد، فكقول أبي عبادة البحتري في وصف نحول الركاب٢:\rيترقرقن كالسراب قد خضن ... غمارا من السراب الجاري\rكالقسي المعطفات بل الأسهم ... مبرية بل الأوتار\rألا ترى أنه رقى في تشبيه نحولها من الأدنى إلى الأعلى، فشبهها أولًا بالقسي، ثم بالأسهم المبرية، وتلك أبلغ في النحول، ثم بالأوتار، وهي أبلغ في النحول من الأسهم.\rوكذلك ينبغي أن يكون الاستعمال في مثل هذا الباب.\rوقد أغفل كثير من الشعراء ذلك، فمن جملتهم أبو الطيب المتنبي في قوله٣:\rيا بدر يا بحر يا غمامة يا ... ليت الشرى يا حمام يا رجل","footnotes":"١ سورة الإسراء: الآية ٢٣.\r٢ ديوان البحتري ٢/ ٣٠ من قصيدة له في مدح أبي جعفر بن حميد، ومطلعها:\rأبكاء في الدار بعد الدار ... وسلوا بزينب عن نوار\r٣ ديوان المتنبي ٣/ ٢١٥ من قصيدة يمدح فيها بدر بن عمار، وقد فصد لعلة مطلعها:\rأبعد نأي المليحة البخل ... في البعد مالا تكلف الإبل","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358623,"book_id":3862,"shamela_page_id":497,"part":"2","page_num":171,"sequence_num":497,"body":"وينبغي أن يبدأ فيه بالأدنى فالأدنى، فإنه إذا فعل ذلك كان كالمرتفع من محل إلى محل أعلى منه، وإذا خالفه كان كالمنخفض من محل إلى محل أدنى منه.\rفأما قوله: \"يا بدر\" فإنه اسم ممدوح، والابتداء به أولى، ثم بعده فيجب أن يقول: يا رجل، يا ليث، يا غمامة، يا بحر، يا حمام؛ لأن الليث أعظم من الرجل، والبحر أعظم من الغمامة، والحمام أعظم من البحر، وهذا مقام مدح فيجب أن يرقى فيه من منزلة حتى ينتهي إلى المنزلة العليا آخرا، ولو كان مقام ذم لعكس القضية.\rوعلى مثله ورد قول أبي تمام يفتخر١:\rسما بن أوس في الفخار وحاتم ... وزيد القنا والأثرمان ورافع٢\rنجوم طوالع جبال فوارع ... غيوث هوامع سيول دوافع٣\rفإن السيول دون الغيوث، والجبال دون النجوم، ولو قدم ما أخر لما اختل النظم بأن قال:\rسيول دوافع غيوث هوامع ... جبال فوارع نجوم طوالع٤\rوهذا عندي أشد ملامة من المتنبي؛ لأن المتنبي لا يمكنه تقديم ألفاظ بيته وتأخيرها، وأبو تمام متمكن من ذلك، وما أعلم كيف ذهب عليه هذا الموضع مع معرفته بالمعاني!!","footnotes":"١ ديوان أبي تمام ٤٧٩ من قصيدة له يصف فيها قومه، ويفتخر بهم، ومطلعها:\rألا صنع البين الذين هو صانع ... فإن تلك مجزاعا فما البين جازع\r٢ بين هذا البيت والبيت الذي يليه:\rوكان إياس ما إياس وعارف ... وحارثة أوفى الورى والأصابع\r٣ \"طواليع\" موضع \"طوالع\" و\"هواميع\" موضع \"هواميع\".\r٤ هذا على رواية ابن الأثير، أما على رواية الديوان، فإن النظم يختل بالتقديم، والتأخير على النحو الذي افترضه ابن الأثير.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358624,"book_id":3862,"shamela_page_id":498,"part":"2","page_num":172,"sequence_num":498,"body":"النوع التاسع: في التقديم والتأخير\rاستخرجته أنا، ومنها ما وجدته في أقوال علماء البيان، وسأورد ذلك مبينا.\rوهو ضربان:\rالأول: يختص بدلالة الألفاظ على المعاني، ولو أخر المقدم أو قدم المؤخر لتغير المعنى.\rوالثاني: يختص بدرجة التقدم في الذكر لاختصاصه بما يوجب له ذلك، ولو أخر لما تغير المعنى.\rفأما الضرب الأول، فإنه ينقسم إلى قسمين:\rأحدهما: يكون التقديم فيه هو الأبلغ.\rوالآخر: يكون التأخير فيه هو الأبلغ.\rفأما القسم الذي يكون التقديم فيه هو الأبلغ، فكتقديم المفعول على الفعل، وتقديم الخبر على المبتدأ، وتقديم الظرف أو الحال، أو الاستثناء على العامل.\rفمن ذلك تقديم المفعول على الفعل، كقولك: زيدا ضربت، وضربت زيدا، فإن في قولك: زيدًا ضربت تخصيصا به بالضرب دون غيره، وذلك خلاف قولك: \"ضرب زيدا\"؛ لأنك إذا قدمت الفعل كنت بالخيار في إيقاعه على أي مفعول شئت، بأن تقول: خالدا، أو بكرا، أو غيرهما وإذا أخرته لزم الاختصاص للمفعول.\rوكذلك تقديم خبر المبتدأ عليه، كقولك: زيد قائم، وقائم زيد، فقولك: \"قائم زيد\" قد أثبت له القيام دون غيره، وقولك: \"زيد قائم\" أنت بالخيار في إثبات القيام له، ونفيه عنه، بأن تقول: ضارب، أو جالس، أو غير ذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358625,"book_id":3862,"shamela_page_id":499,"part":"2","page_num":173,"sequence_num":499,"body":"وهكذا يجري الحكم في تقديم الظرف، كقولك: إن إلي مصير هذا الأمر، وقولك: إن مصير هذا الأمر إلي، فإن تقديم الظرف دل على أن مصير الأمر ليس إلا إليك بخلاف قولك: إن مصير هذا الأمر إلي، إذ يحتمل إيقاع الكلام بعد الظرف على غيرك، فيقال: إلى زيد، أو عمرو، أو غيرهما.\rوكذلك يجري الأمر في الحال والاستثناء.\rوقال علماء البيان، ومنهم الزمخشري ﵀: إن تقديم هذه الصورة المذكورة إنما هو للاختصاص، وليس كذلك.\rوالذي عندي فيه أن يستعمل على وجهين:\rأحدهما: الاختصاص.\rوالآخر: مراعاة نظم الكلام، وذاك أن يكون نظمه لا يحسن إلا بالتقديم، وإذا أخر المقدم ذهب ذلك الحسن، وهذا الوجه أبلغ وأوكد من الاختصاص.\rفأما الأول -الذي هو الاختصاص- فنحو قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ، وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ، بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ ١.\rفإنه إنما قال: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾ ، ولم يقل: \"بل اعبد الله\"؛ لأنه إذا تقدم وجب اختصاص العبادة به دون غيره، ولو قال: \"بل اعبد\" لجاز إيقاع الفعل على أي مفعول شاء.\rوأما الوجه الثاني -الذي يختص بنظم الكلام- فنحو قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ .\rوقد ذكر الزمخشري في تفسيره أن التقديم في هذا الموضع قصد به الاختصاص، وليس كذلك، فإنه لم يقدم المفعول فيه على الفعل للاختصاص، وإنما قدم لمكان نظم الكلام؛ لأنه لو قال: نعبدك ونستعينك لم يكن له من الحسن ما لقوله: ﴿إِيَّاكَ","footnotes":"١ سورة الزمر، الآيات ٦٤ و٦٥ و٦٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358626,"book_id":3862,"shamela_page_id":500,"part":"2","page_num":174,"sequence_num":500,"body":"نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ، ألا ترى أنه تقدم قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ، فجاء بعد ذلك قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ، وذاك لمراعاة حسن النظم السجعي الذي هو على حرف النون، ولو قالك نعبدك ونستعينك لذهبت تلك الطلاوة، وزال ذلك الحسن.\rوهذا غير خاف على أحد من الناس، فضلا على أرباب علم البيان.\rوعلى نحو منه ورد قوله تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى، قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ ١، وتقدير الكلام: فأوجس موسى في نفسه خيفة، وإنما قدم المفعول على الفاعل وفصل بين الفعل، والفاعل والمفعول وبحرف الجر قصدًا لتحسين النظم.\rوعلى هذا فليس كل تقديم لما مكانه التأخير من باب الاختصاص، فبطل إذا ما ذهب إليه الزمخشري وغيره.\rومما ورد من هذا الباب قوله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ، ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ ٢، فإن تقديم الجحيم على التصلية، وإن كان فيه تقديم المفعول على الفعل إلا أنه لم يكن ههنا للاختصاص، وإنما هو للفضيلة السجعية، ولا مراء في أن هذا النظم على هذه الصورة أحسن من أن لو قيل: خذوه فغلوه ثم صلوه الجحيم.\rفإن قيل: إنما قدمت الجحيم للاختصاص؛ لأنها نار عظيمة، ولو أخرت لجاز وقوع الفعل على غيرها، كما يقال: ضربت زيدا، وزيدا ضربت، وقد تقدم الكلام على ذلك.\rفالجواب عن ذلك أن الدرك الأسفل أعظم من الجحيم، فكان ينبغي أن يخص بالذكر دون الجحيم، على ما ذهب إليه؛ لأنه أعظم.\rوهذا لا يذهب إليه إلا من هو بنجوة عن رموز الفصاحة والبلاغة، ولفظة الجحيم ههنا في هذه الآية أولى بالاستعمال من غيرها؛ لأنها جاءت ملائمة لنظم","footnotes":"١ سورة طه: الآيتان ٦٧ و٦٨.\r٣ سورة الحاقة: الآيتان ٣٠ و٣١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358627,"book_id":3862,"shamela_page_id":501,"part":"2","page_num":175,"sequence_num":501,"body":"الكلام، ألا ترى أن من أسماء النار السعير ولظى وجهنم، ولو وضع بعض هذه الأسماء مكان الجحيم لما كان له من الطلاوة والحسن ما للجحيم، والمقصود بذكر الجحيم إنما هو النار، أي صلوه بالنار، وهكذا يقال في: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ ١.\rفإنه لم يقدم السلسلة على السلك للاختصاص، وإنما قدم لمكان نظم الكلام، ولا شك أن هذا النظم أحسن من أن لو قيل: ثم اسلكوه في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا، والكلام على هذا كالكلام على الذي قبله.\rوله في القرآن نظائر كثيرة، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ، وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ ٢.\rفقوله: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ ، ليس تقديم المفعول فيه على الفعل من باب الاختصاص، وإنما هو من باب مراعاة نظم الكلام، فإنه قال: ﴿اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ ، ثم قال: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي﴾ ، فاقتضى حسن النظم أن يقول: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ﴾ ؛ ليكون الجميع على نسق واحد في النظم، ولو قال: وقدرنا القمر منازل لما كان بتلك الصورة في الحسن.\rوعليه ورد قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ، وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ ٦.\rوإنما قدم المفعول لمكان حسن النظم السجعي.\rوأما تقديم خبر المبتدأ عليه فقد تقدمت صورته، كقولك: \"زيد قائم\"، \"وقائم زيد\".\rفمما ورد منه في القرآن قوله تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ ٤.","footnotes":"١ سورة الحاقة: الآية ٣٢.\r٢ سورة يس: الآيات ٣٧ و٣٨ و٣٩.\r٣ سورة الضحا: الآيتان ٩ و١٠.\r٤ سورة الحشر: الآية ٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358628,"book_id":3862,"shamela_page_id":502,"part":"2","page_num":176,"sequence_num":502,"body":"فإنه إنما قال ذلك، ولم يقل: وظنوا أن حصونهم تمنعهم أو مانعتهم؛ لأن في تقديم الخبر الذي هو \"مانعتهم\" على المبتدأ الذي هو \"حصونهم\" دليلا على فرط اعتقادهم في حصانتها، وزيادة وثوقهم بمنعها إياهم.\rوفي تصويب ضميرهم اسما؛ لأن وإسناد الجملة إليه دليل على تقريرهم في أنفسهم أنهم في عزة، وامتناع لا يبالي معها بقصد قاصد ولا تعرض متعرض، وليس شيء من ذلك في قولك: وظنوا أن حصونهم مانعتهم من الله.\rومن تقديم خبر المبتدأ قوله تعالى: ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ ١.\rفإنه إنما قدم خبر المبتدأ عليه في قوله: ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ﴾ ، ولم يقل: أأنت راغب؛ لأنه كان أهم عندهم، وهو به شديد العناية٢.\rوفي ذلك ضرب من التعجب والإنكار لرغبة إبراهيم عن آلهته، وأن آلهته لا ينبغي أن يرغب عنها، وهذا بخلاف ما لو قال: أأنت راغب عن آلهتي؟\rومن غامض هذا الموضع قوله تعالى: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ٣.\rفإنه إنما قال ذلك، ولم يقل: فإذا أبصار الذين كفروا شاخصة لأمرين: أحدهما تخصيص الأبصار بالشخوص دون غيرها، أما الأول فلو قال: فإذا أبصار الذين كفروا شاخصة لجاز أن يضع موضع \"شاخصة\" غيره، فيقول: \"حائرة\"، أو \"مطموسة\"، أو غير ذلك، فلما قدم الضمير اختص الشخوص بالأبصار دون غيرها.","footnotes":"١ سورة مريم، الآية ٤٦.\r٢ وهكذا في \"مدارك التنزيل، وحقائق التأويل، للنسفي \"٣/ ٢٩\" قال: إنه قدم الخبر على المبتدأ؛ لأنه كان أهم عنده.\rورأى جمهور النحاة أن \"أنت\" فاعل للمبتدأ \"راغت\" المعتمد على استفهام، وليس مبتدأ مؤخرا كما ذكر، وذلك للفصل بين \"راغب\"، والمعمول \"عن آلهتي\" بأجنبي، وهو \"أنت\"، وانظر حاشية الصبان على شرح الأشموني ٢/ ٨.\r٣ سورة الأنبياء: الآية ٩٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358629,"book_id":3862,"shamela_page_id":503,"part":"2","page_num":177,"sequence_num":503,"body":"وأما الثاني فإنه لما أراد أن الشخوص بهم دون غيرهم دل عليه بتقديم الضمير أولًا ثم بصاحبه ثانيا، كأنه قال: فإذا هم شاخصون دون غيرهم، ولولا أنه أراد هذين الأمرين المشار إليهما لقال: فإذا أبصار الذين كفروا شاخصة؛ لأنه أخصر بحذف الضمير من الكلام.\rومن هذا النوع قول النبي ﷺ: \"وقد سئل عن ماء البحر، فقال: \" هو الطهور ماؤه، الحل ميتته\"، وتقدير الكلام: هو الذي ماؤه طهور، وميتته حل؛ لأن الألف واللام ههنا بمعنى الذي.\rوأما تقديم الظرف، فإنه إذا كان الكلام مقصودًا به الإثبات، فإن تقديمه أولى من تأخيره، وفائدته إسناد الكلام الواقع بعده إلى صاحب الظرف دون غيره.\rفإذا أريد بالكلام النفي فيحسن فيه تقديم الظرف وتأخيره، وكلا هذين الأمرين له موضع يختص به.\rفأما تقديمه في النفي، فإنه يقصد به تفضيل المنفي عنه على غيره أما تأخيره، فإنه يقصد به النفي أصلا من غير تفضيل.\rفأما الأول -وهو تقديم الظرف في الإثبات- فكقولك في الصورة المقدمة: إن إلي مصير هذا الأمر، ولو أخرت الظرف، فقلت: إن مصير هذا الأمر إلي، لم يعط من المعنى ما أعطاه الأول، وذلك أن الأول دل على أن مصير الأمر ليس إلا إليك، وذلك بخلاف الثاني، إذ يحتمل أن توقع الكلام بعد الظرف على غيرك، فيقال: إلى زيد، أو عمرو، أو غيرهما.\rعلى نحو منه جاء قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ ١.\rوكذلك جاء قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ﴾ ٢.","footnotes":"١ سورة الغاشية: الآيتان ٢٥ و٢٦.\r٢ سورة التغابن: الآية ١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358630,"book_id":3862,"shamela_page_id":504,"part":"2","page_num":178,"sequence_num":504,"body":"فإنه إنما قدم الظرفين ههنا في قوله ﴿لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ﴾ ؛ ليدل بتقديمها على اختصاص الملك، والحمد بالله لا بغيره.\rوقد استعمل تقديم الظرف في القرآن كثيرًا كقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ١ أي تنظر إلى ربها دون غيره، فتقديم الظرف ههنا ليس للاختصاص٢، وإنما هو كالذي أشرت إليه في تقديم المفعول، وأنه لم يقدم للاختصاص، وإنما قدم من أجل نظم الكلام؛ لأن قوله تعالى:\r﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ، أحسن من أن لو قيل: وجوه يومئذ ناضرة ناظرة إلى ربها، والفرق بين النظمين ظاهر.\rوكذلك قوله تعالى: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ، إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ ٣، فإن هذا روعي فيه حسن النظم لا الاختصاص، في تقديم الظرف.\rوفي القرآن مواضع كثيرة من هذا القبيل يقيسها غير العارف بأسرار الفصاحة على مواضع أخرى، وردت للاختصاص، وليست كذلك.\rفمنها قوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ ٤.\rوقوله تعالى: ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ ٥، و ﴿لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ٦، و ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ٧.\rفإن هذه جميعها لم تقدم الظروف فيها للاختصاص، وإنما قدمت لمراعاة الحسن في نظم الكلام، فاعرف ذلك.","footnotes":"١ سورة القيامة: الآيتان ٢٣ و٢٤.\r٢ ناقض المؤلف نفسه بقوله: إن تقديم الظرف ههنا ليس للاختصاص بعد تفسيره الآية بقوله: \"تنظر إلى ربها دون غيره\".\r٣ سورة القيامة: الآيتان ٢٩ و٣٠.\r٤ سورة القيامة: الآية ١١.\r٥ سورة الشورى: الآية ٥٣.\r٦ سورة القصص: الآية ٨٨.\r٧ سورة هود: الآية ٨٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358631,"book_id":3862,"shamela_page_id":505,"part":"2","page_num":179,"sequence_num":505,"body":"وأما الثاني: وهو تأخير الظرف وتقديمه في النفي، فنحو قوله تعالى: ﴿الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ ٢. فإنه إنما أخر الظرف في الأول؛ لأن القصد في إيلاء حرف النفي الريب نفي الريب عنه، وإثبات أنه حق وصدق، لا باطل وكذب، كما كان المشركون يدعونه، ولو قدم الظرف لقصد أن كتابا آخر فيه الريب لا فيه، كما قصد في قوله: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ ، فتأخير الظرف يقتضي النفي أصلًا من غير تفصيل، وتقديمه يقتضي تفضيل المنفي عنه، وهو خمر الجنة، على غيرها من خمور الدنيا، أي ليس فيها ما في غيرها من الغول، وهذا مثل قولنا: لا عيب في الدار، وقولنا لا فيها عيب، فالأول نفي للعيب عن الدار فقط، والثاني تفضيل لها على غيرها: أي ليس فيها ما في غيرها من العيب، فاعرف ذلك فإنه من دقائق هذا الباب.\rوأما تقديم الحال فكقولك: \"جاء راكبا زيد\"، وهذا بخلاف قولك: \"جاء زيد راكبا\"، إذ يحتمل أن يكون ضاحكا، أو ماشيا أو غير ذلك.\rوأما الاستثناء فجار هذا المجرى، نحو قولك: \"ما قام إلا زيدا أحد\"، أو\"ما قام أحد إلا زيدا\"، والكلام على ذلك كالكلام على ما سبق.\rالمعاظلة المعنوية:\rوأما القسم الثاني: فهو أن يقدم ما الأولى به التأخير؛ لأن المعنى يختل بذلك ويضطرب، وهذا هو \"المعاظلة المعنوية\"، وقد قدمنا القول في المقالة الأولى المختصة بالصناعة اللفظية بأن المعاظلة تنقسم قسمين: أحدهما لفظي، والآخر معنوي.\rأما الفظي فذكرناه في بابه٣.","footnotes":"١ سورة البقرة: ١ و٢.\r٢ سورة الصافات: الآية ٤٧.\r٣ انظر \"النوع السابع -في المعاظلة اللفظية\"، وقد سبق في صفحة ٣٩٦، وما بعدها من القسم الأول من هذا الكتاب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358632,"book_id":3862,"shamela_page_id":506,"part":"2","page_num":180,"sequence_num":506,"body":"وأما المعنوي فهذا بابه وموضعه، وهو كتقديم الصفة أو ما يتعلق بها على الموصوف، وتقديم الصلة على الموصول، وغير ذلك مما يرد بيانه.\rفمن هذا القسم قول بعضهم:\rفقد والشك بين لي عناء ... بوشك فراقهم صرد يصيح١\rفإنه قدم قوله: \"بوشك فراقهم\"، وهو معمول \"يصيح\" و\"يصيح\" صفة لصرد على صرد، وذلك قبيح.\rألا ترى أنه لا يجوز أن يقال: هذا من موضع كذا رجل ورد اليوم، وإنما يجوز وقوع المعمول بحيث يجوز وقوع العامل، فكما لا يجوز تقديم الصفة على موصوفها، فكذلك لا يجوز تقديم ما اتصل بها على موصوفها.\rومن هذا النحول قول آخر:\rفأصبحت بعد خط بهجتها ... كأن قفرًا رسومها قلمًا\rفإنه قدم خبر كأن عليها، وهو قوله \"خط\".\rوهذا وأمثاله مما لا يجوز قياس عليه، والأصل في هذا البيت، فأصبحت بعد بهجتها قفرا، كأن قلما خط رسومها، إلا أنه على تلك الحالة الأولى في الشعر مختل مضطرب.\rوالمعاظلة في هذا الباب تتفاوت درجتها في القبح، وهذا البيت المشار إليه من أقبحها؛ لأن معانيه قد تداخلت، وركب بعضها بعضا.\rومما جرى هذا المجرى قول الفرزدق:\rإلى ملك ما أمه من محارب ... أبوه ولا كانت كليب تصاهره٢","footnotes":"١ الصرد -بضم الصاد وفتح الراء- طائر ضخم الرأس يصيد العصافير.\r٢ ديوان الفرزدق ١/ ٣١٢ من قصيدة له في مدح الوليد بن عبد الله بن مروان، ومطلعها:\rكم من مناد والشريفان دونه ... إلى الله تشكي والوليد مفاقره\rورواية الديوان \"أبوه\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358633,"book_id":3862,"shamela_page_id":507,"part":"2","page_num":181,"sequence_num":507,"body":"وهو يريد إلى ملك أبوه ما أمه من محارب، وهذا أقبح من الأول، وأكثر اختلالا.\rوكذلك جاء قوله أيضا:\rوليست خراسان التي كان خالد ... بها أسد إذ كان سيفا أميرها\rوحدي هذا البيت ظريف، وذاك أنه، فيما ذكر، يمدح خالد بن عبد الله القسري، ويهجو أسدا١، وكان أسد وليها بعد خالد، وكأنه قال: وليست خراسان بالبلدة التي كان خالد بها سيفا إذ كان أسد أميرها.\rوعلى هذا التقدير ففي \"كان\" الثانية ضمير الشأن والحديث، والجملة بعدها خبر عنها، وقد قدم بعض ما \"إذ\" مضافة إليه، وهو \"أسد\" عليها، وفي تقديم المضاف إليه، أو شيء منه على المضاف من القبح ما لا خفاء به.\rوأيضا فإن أسدًا أحد جزأي الجملة المفسرة للضمير، والضمير لا يكون تفسيره إلا من بعده، ولو تقدم تفسيره قبله لما احتاج إلى تفسير، ولما سماه الكوفيون \"الضمير المجهول\".\rوعلى هذا النحو ورد قول الفرزدق أيضًا:\rوما مثله في الناس إلا مملكا ... أبو أمه حي أبوه يقاربه٢\rومعنى هذا البيت: وما مثله في الناس حي يقاربه إلا مملكا أبو أمه أبوه.\rوعلى هذا المثال المصوغ في الشعر قد جاء مشوها كما تراه.\rوقد استعمل الفرزدق من التعاظل كثيرًا، كأنه كان يقصد ذلك ويتعمده؛ لأن مثله لا يجيء إلا متكلفا مقصودًا.","footnotes":"١ هو أسد بن عبد الله القسري.\r٢ ديوان الفرزدق ١/ ١٠٨، وقال جامع الديوان: إن هذا البيت لم يرد في أصوله، ولكنه ورد في عدة مراجع موثوق بها شاهدا للتعقيد المعنوي، وقد قالوا فيه أنه من قصيدة له من الطويل يمدح بها إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي خال هشام بن عبد الملك، ولكني لم أجده في قصيدة ما، فلعلها ضاعت، أو لعل البيت أهمل من بيت أبيات القصيدة على فرض وجودها، على أن رواية الديوان لم يذكروا قصيدة بائية نصوا على أنه مدح بها إبراهيم بن هشام هذا -انظر شرح ديوان الفرزدق- مطبعة الصاوي، القاهرة ١٩٣٦م.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358634,"book_id":3862,"shamela_page_id":508,"part":"2","page_num":182,"sequence_num":508,"body":"وإلا فإذا ترك مؤلف الكلام نفسه تجري على سجيتها، وطبعها في الاسترسال لم يعرض له شيء من هذا التعقيد، ألا ترى أن المقصود من الكلام معدوم في هذا الضرب المشار إليه، إذ المقصود من الكلام إنما هو الإيضاح، والإبانة وإفهام المعنى، فإذا ذهب هذا الوصف المقصود من الكلام ذهب المراد به.\rولا فرق عند ذلك بينه وبين غيره من اللغات كالفارسية، والرومية وغيرها.\rواعلم أن هذا الضرب من الكلام هو ضد الفصاحة؛ لأن الفصاحة هي الظهور والبيان، وهذا عار عن هذا الوصف.\rأما الضرب الثاني١ الذي يختص بدرجة التقدم في الذكر لاختصاصه بما يوجب له ذلك فإنه مما لا يحصره حد، ولا ينتهي إليه شرح، وقد أشرنا إلى نبذة منه في هذا الكتاب؛ ليستدل بها على أشباهها ونظائرها.\rفمن ذلك تقديم السبب على المسبب، كقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ، فإنه إنما قدم العبادة على الاستعانة؛ لأن تقديم القربة والوسيلة قبل طلب الحاجة أنجح لحصول الطلب، وأسرع لوقوع الإجابة، ولو قال: إياك نستعين، وإياك نعبد لكان جائزا إلا أنه لا يسد ذلك المسد، ولا يقع ذلك الموقع.\rوهذا لا يخفى على المنصف من أرباب هذه الصناعة.\rوعلى نحو منه جاء قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا، لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾ ٢.","footnotes":"١ سبق للمؤلف في هذا الفصل أن جعل التقديم والتأخير ضربين، الأول يختص بدلالة الألفاظ على المعاني، ولو أخر المقدم أو قدم المؤخر لتغير المعنى، والثاني: يختص بدرجة التقدم في الذكر، لاختصاصه بما يوجب له ذلك، ولو أخر لما تغير المعنى.\r٢ سورة الفرقان: الآيتان ٤٨ و٤٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358635,"book_id":3862,"shamela_page_id":509,"part":"2","page_num":183,"sequence_num":509,"body":"فقدم حياة الأرض وإسقاء الأنعام على إسقاء الناس، وإن كانوا أشرف محلا؛ لأن حياة الأرض هي سبب لحياة الأنعام والناس، فلما كانت بهذه المثابة جعلت مقدمة في الذكر، ولما كانت الأنعام من أسباب التعيش، والحياة للناس قدمها في الذكر على الناس؛ لأن حياة الناس بحياة أرضهم وأنعامهم، فقدم سقي ما هو سبب نمائهم، ومعاشهم على سقيهم.\rومن هذا الضرب تقديم الأكثر على الأقل، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ ١.\rوإنما قدم الظالم لنفسه للإيذان بكثرته، وأن معظم الخلق عليه، ثم أتى بعده بالمقتصدين؛ لأنهم قليل بالإضافة إليه، ثم أتى بالسابقين وهو أقل من القليل -أعني من المقتصدين- فقدم الأكثر، وبعده الأوسط، ثم ذكر الأقل آخرًا.\rولو عكست القضية المعنى أيضًا واقعا في موقعه؛ لأنه يكون قد روعي فيه تقديم الأفضل فالأفضل.\rولنوضح لك في هذا وأمثاله طريقًا تقتفيه، فنقول:\rاعلم أنه إذا كان الشيئان كل واحد منهما مختصًّا بصفة، فأنت بالخيار في تقديم أيهما شئت في الذكر، كهذه الآية فإن السابق بالخيرات مختص بصفة الفضل، والظالم لنفسه مختص بصفة الكثرة، فقس على هذا ما يأتيك من أشباهه وأمثاله.\rومن هذا الجنس قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ ٢.\rفإنه إنما قدم الماشي على بطنه؛ لأنه أدل على القدرة من الماشي على رجلين، إذ هو ماش بغير الآلة المخلوقة للمشي، ثم ذكر الماشي على رجلين، وقدمه على الماشي على أربع؛ لأنه أدل على القدرة أيضًا حيث كثرة آلات المشي في الأربع.","footnotes":"١ سورة فاطر: الآية ٣٢.\r٢ سورة النور: الآية ٤٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358636,"book_id":3862,"shamela_page_id":510,"part":"2","page_num":184,"sequence_num":510,"body":"وهذا من باب تقديم الأعجب فالأعجب.\rفإن قيل: قد ورد في القرآن الكريم في مواضع منه ما يخالف هذا الذي ذكرته، كقوله تعالى في سورة هود: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ، يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ، فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ﴾ ١، ثم قال: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ﴾ ٢، فقدم أهل النار في الذكر على أهل الجنة، وهذا مخالف للأصل الذي أصلته في هذا الموضع!!\rفالجواب عن ذلك: أن هذا الذي أشرت إليه في سورة هود، وما أشبهه له أسرار تحتاج إلى فضل تأمل وإمعان نظر، حتى تفهم.\rأما هذا الموضع فإنه لما كان الكلام مسوقا في ذكر التخويف والتحذير، وجاء على عقب قصص الأولين، وما فعل الله بهم من التعذيب والتدمير، كان الأليق أن يوصل الكلام بما يناسبه في المعنى، وهو ذكر أهل النار، فمن أجل ذلك قدموا في الذكر على أهل الجنة.\rوإذا رأيت في القرآن شيئًا من هذا القبيل، وما يجري مجراه فتأمله، وأمعن نظرك فيه حتى يتبين لك مكان الصواب منه.\rواعلم أنه إذا كان مطلع الكلام في معنى من المعاني، ثم يجيء بعده ذكر شيئين أحدهما أفضل من الآخر، وكان المعنى المفضول مناسبا لمطلع الكلام، فأنت بالخيار في تقديم أيهما شئت؛ لأنك إن قدمت الأفضل فهو من التقديم، وإن قدمت المفضول؛ فلأن مطلع الكلام يناسبه.\rوذكر الشيء مع ما يناسبه أيضًا واردٌ في موضعه، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ، لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ","footnotes":"١ سورة هود: الآيات ١٠٤ و١٠٥ و١٠٦.\r٢ سورة هود: الآية ١٠٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358637,"book_id":3862,"shamela_page_id":511,"part":"2","page_num":185,"sequence_num":511,"body":"يَشَاءُ الذُّكُورَ، أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ ١.\rفإنه إنما قدم الإناث على الذكور من تقدمهم عليهن؛ لأنه ذكر البلاء في آخر الآية الأولى، وكفران الإنسان بنسيانه للرحمة السابقة عنده، ثم عقب ذلك بذكر ملكه، ومشيئته وذكر قسمة الأولاد، فقدم الإناث؛ لأن سياق الكلام أنه فاعل ما يشاء لا ما يشاؤه الإنسان، فكان ذكر الإناث اللاتي هن من جملة ما لا يشاؤه الإنسان، ولا يختاره أهم، والأهم واجب التقديم، وليلي الجنس الذي كانت العرب تعده بلاء ذكر البلاء.\rولما أخر ذكر الذكور، وهم أحقاء بالتقديم، تدارك ذلك بتعريفه إياهم؛ لأن التعريف تنويه بالذكر، كأنه قال: يهب لمن يشاء الفرسان الأعلام المذكورين الذين لا يخفون عليكم، ثم أعطى بعد ذلك كلا الجنسين حقه من التقديم والتأخير، وعرف أن تقديم الإناث لم يكن لتقدمهن، ولكن لمقتض آخر، فقال: \"ذكرانا وإناثا\"، وهذه دقائق لطيفة قل من ينتبه لها، أو يعثر على رموزها.\rومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ ٢.\rفإنه إنما قدم الأرض في الذكر على السماء ومن حقها التأخير؛ لأنه لما ذكر شهادته على شئون أهل الأرض وأحوالهم، ووصل ذلك بقوله: ﴿وَمَا يَعْزُبُ﴾ لاءم بينهما، ليلي المعنى المعنى.\rفإن قيل: قد جاء تقديم الأرض على السماء في الذكر في مواضع كثيرة من القرآن!!\rقلنا: إذا جاءت مقدمة في الذكر، فلا بد لتقديمها من سبب اقتضاه، وإن خفي ذلك السبب، وقد يستنبطه بعض العلماء دون بعض!","footnotes":"١ سورة الشورة: الآيات ٤٨ و٤٩ و٥٠.\r٢ سورة يونس: الآية ٦١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358638,"book_id":3862,"shamela_page_id":512,"part":"2","page_num":186,"sequence_num":512,"body":"النوع العاشر: في الحروف العاطفة والجارة\rوهذا موضع لطيف المأخذ، دقيق المغزى، وما رأيت أحدًا من علماء هذه الصناعة تعرض إليه ولا ذكره، وما أقول: إنهم لم يعرفوه، فإن هذا النوع من الكلام أشهر من أن يخفى؛ لأنه مذكور في كتب العربية جميعها.\rولست أعني يإيراده ههنا ما يذكره النحويون من أن الحروف العاطفة تتبع \"المعطوف\" المعطوف عليه في الإعراب، ولا أن الحروف الجارة تجر ما تدخل عليه، بل أمرا وراء ذلك، وإن كان المرجع فيه إلى الأصل النحوي.\rفأقول: إن أكثر الناس يضعون هذه الحروف في غير مواضعها، فيجعلون ما ينبغي أن يجر بعلى \"مجرورًا\"١ بفي وفي هذه الأشياء دقائق أذكرها لك.\rحروف العطف:\rٍأما حروف العطف، فنحو قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ، وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ، وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ ٢.\rفالأول عطفه بالواو التي هي للجمع، وتقديم الإطعام على الإسقاء، والإسقاء على الإطعام جائز لولا مراعاة حسن النظم، ثم عطف الثاني بالفاء؛ لأن الشفاء يعقب المرض بلا زمان خال من أحدهما، ثم عطف الثالث بثم؛ لأن الإحياء يكون بعد الموت بزمان، ولهذا جيء في عطفه بثم التي هي للتراخي.","footnotes":"١ في الأصل: \"فيجعلون ما ينبغي أن يجر بعلى بفي في حروف الجر\"، وهي عبارة مختلطة لا تبين عن المراد.\r٢ سورة الشعراء: الآيات ٧٩ و٨٠ و٨١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358639,"book_id":3862,"shamela_page_id":513,"part":"2","page_num":187,"sequence_num":513,"body":"ولو قال قائل في موضع هذه الآية: الذي يطعمني ويسقين، ويمرضني ويشفين ويميتني ويحيين لكان الكلام معنى تام إلا أنه لا يكون كمعنى الآية، إذ كل شيء منها قد عطف بما يناسبه، ويقع موقع السداد منه.\rومما جاء من هذا الباب قوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ، مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ، ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ، ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ، ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ ١.\rألا ترى أنه لما قال: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾ ، كيف قال: ﴿فَقَدَّرَهُ﴾ ، ولم يقل: ثم قدره؛ لأن التقدير لما كان تابعا للخلقة وملازما لها عطفه عليها بالفاء؟ وذلك بخلاف قوله: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ ؛ لأن بين خلقته في بطن أمه، وبين إخراجه منه وتسهيل سبيله مهلة وزمانا، فلذلك عطفه بثم.\rوعلى هذا جاء قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ، ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ ؛ لأن بين إخراجه من بطن أمه، وبين موته تراخيا وفسحة، وكذلك بين موته ونشوره أيضا، ولذلك عطفهما بثم، ولما لم يكن بين موت الإنسان، وإقباره تراخ ولا مهلة عطفه بالفاء.\rوهذا موضع من علم البيان شريف، وقلما يتفطن لاستعماله كما ينبغي.\rومما جاء من ذلك أيضًا قوله تعالى في قصة مريم، وعيسى ﵉: ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا، فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ ٢.\rوفي هذه الآية دليل على أن حملها به، ووضعها إياه كانا متقاربين؛ لأنه عطف الحمل والانتباذ إلى المكان الذي مضت إليه، والمخاض الذي هو الطلق بالفاء، وهي للفور، ولو كانت كغيرها من النساء لعطف بثم التي هي للتراخي والمهلة.\rألا ترى أنه قد جاء في الأخرى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ، مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، مِنْ","footnotes":"١سورة عبس الآيات ١٧ و١٨ و١٩ و٢٠ و٢١ و٢٢.\r٢ سورة مريم: الآيتان ٢٢ و٢٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358640,"book_id":3862,"shamela_page_id":514,"part":"2","page_num":188,"sequence_num":514,"body":"نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ، ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ ، فلما كان بين تقديره في البطن وإخراجه منه مدة متراخية عطف ذلك بثم، وهذا خلاف قصة مريم ﵍ فإنها عطفت بالفاء، وقد اختلف الناس في مدة حملها، فقيل: إنه كان كحمل غيرها من النساء، وقيل: لا، بل كان مدة ثلاثة أيام، وقيل: أقل، وقيل: أكثر.\rوهذه الآية مزيلة للخلاف؛ لأنها دلت صريحا على أن الحمل والوضع كانا متقاربين على الفور من غير مهلة، وربما كان ذلك في يوم واحد أو أقل، أخذا بما دلت عليه الآية.\rومما ورد من هذا الأسلوب قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ ١.\rففي الآية المتقدم ذكرها قال: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ ، فعطف التقدير على الخلق بالفاء؛ لأنه تابع له، ولم يذكر تفاصيل حال المخلوق، وفي الآية ذكر تفاصيل حاله في تنقله، فبدأ بالخلق الأول، وهو خلق آدم من طين، ولما عطف عليه الخلق الثاني -الذي هو خلق النسل- عطفه بثم، لما بينهما التراخي، وحيث صار إلى التقدير الذي يتبع بعضه بعضا من غير تراخ عطفه بالفاء، ولما انتهى إلى جعله ذكرا، أو أنثى وهو آخر الخلق عطفه بثم.\rفإن قيل: إنه قد عطف المضغة على العلقة في هذه الآية بالفاء، وفي أخرى بثم، وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ﴾ ٢.\rفالجواب عن ذلك٣.","footnotes":"١ سورة المؤمنون: الآيات ١٢ و١٣ و١٤.\r٢ سورة الحج: الآية ٥.\r٣ لم يذكر هذا الجواب في أصول الكتاب التي بين أيدينا، ولا فيما طبع منه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358641,"book_id":3862,"shamela_page_id":515,"part":"2","page_num":189,"sequence_num":515,"body":"واعلم أن في حروف العطف موضعا تلتبس فيه الفاء بالواو، وهو موضع يحتاج فيه إلى فضل تام.\rوذلك أن فعل المطاوعة لا يعطف عليه إلا بالفاء، دون الواو، وقد يجيء من الأفعال ما يلتبس بفعل المطاوعة، ويعطي ظاهره أنه كذلك إلا أن معناه يكون مخالفا لمعنى فعل المطاوعة، فيعطف حينئذ بالواو، لا بالفاء، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ ١.\rفقوله: ﴿أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ﴾ ههنا بمعنى صادفناه غافلا، وليس منقولا عن \"غفل\" حتى يكون معناه صددناه؛ لأنه لو كان كذلك لكان معطوفا عليه بالفاء، وقيل: فاتبع هواه، وذلك أنه يكون مطاوعًا، وفعل المطاوعة لا يعطف إلا بالفاء، كقولك: أعطيته فأخذ، أو دعوته فأجاب، ولا تقول: أعطيته وأخذ، ولا دعوته وأجاب، كما لا يقال: كسرته وانكسر، وكذلك لو كان معنى: ﴿أَغْفَلْنَا﴾ في الآية صددنا، ومنعنا لكان معطوفا عليه بالفاء، وكان يقال: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ ، فلما لم يكن كذلك، وكان العطف عليه بالواو، فطريقة أنه لما قال: ﴿أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ أن يكون معناه وجدناه عاقلا فقد غفل لا محالة، فكأنه قال: ولا تطع من غفل قلبه عن ذكرنا واتبع هواه، أي لا تطع من فعل كذا وكذا، يعدد أفعاله التي توجب ترك طاعته، فاعرف ذلك.\rحروف الجر:\rوأما حروف الجر فإن الصواب يشذ عن وضعها في مواضعها، وقد علم أن \"في\" للوعاء، و\"على\" للاستعلاء كقولهم: زيد في الدار، وعمرو على الفرس، لكن إذا أريد استعمال ذلك في غير هذين الموضعين مما يشكل استعماله عدل فيه عن الأولى.","footnotes":"١ سورة الكهف: الآية ٢٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358642,"book_id":3862,"shamela_page_id":516,"part":"2","page_num":190,"sequence_num":516,"body":"فمما ورد منه قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ ١.\rألا ترى إلى بداعة هذا المعنى المقصود لمخالفة حرفي الجر ههنا، فإنه إنما خولف بينهما في الدخول على الحق والباطل؛ لأن صاحب الحق كأنه مستعل على فرس جواد يركض به حيث شاء، وصاحب الباطل كأنه منغمس في ظلام منخفض فيه: لا يدري أين يتوجه، وهذا معنى دقيق، قلما يراعى مثله في الكلام.\rوكثيرا ما سمعت إذا كان الرجل يلوم أخاه، أو يعاتب صديقه على كل أمر من الأمور، فيقول له: أنت على ضلالك القديم كما أعهدك، فيأتي بعلى في موضع في، وإن كان هذا جائزا إلا أن استعمال في ههنا أولى، لما أشرنا إليه.\rألا ترى إلى قوله تعالى في سورة يوسف: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ ٢.\rومن هذا النوع قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ﴾ ٣.\rفإنه إنما عدل عن اللام إلى \"في\" في الثلاثة الأخيرة للإيذان بأنهم أرسخ في استحقاق التصدق عليهم ممن سبق ذكره باللام؛ لأن \"في\" للوعاء، فنبه على أنهم أحقاء بأن توضع فيهم الصدقات كما يوضع الشيء في الوعاء، وأن يجعلوا مظنة لها، وذلك لما في فك الرقاب، وفي الغرم من التخلص، وتكرير \"في\" قوله: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ، دليل على ترجيحه على الرقاب وعلى الغارمين، وسياق الكلام أن يقال: وفي الرقاب والغارمين، وسبيل الله وابن السبيل، فلما جيء بفي ثانية، وفصل بها بين الغارمين وبين سبيل الله علم أن سبيل الله أوكد في استحقاق النفقة فيه.\rوهذه لطائف ودقائق لا توجد إلا في هذا الكلام الشريف، فاعرفها، وقس عليها.","footnotes":"١ سورة سبأ: الآية ٢٤.\r٢ سورة يوسف: الآية ٩٥.\r٣ سورة التوبة: الآية ٦٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358643,"book_id":3862,"shamela_page_id":517,"part":"2","page_num":191,"sequence_num":517,"body":"النوع الحادي عشر: في الخطاب بالجملة الفعلية، والجملة الاسمية، والفرق بينهما\rولم أذكر هذا الموضع لأن يجري الأمر فيه على ما جرى مجراه فقط بل لأن يقاس عليه مواضع أخرى مما تماثله وتشابهه، ولو كان شبها بعيدًا.\rوإنما يعدل عن أحد الخطا بين إلى الآخر لضرب التأكيد والمبالغة.\rفمن ذلك قولنا: قام زيد، وإن زيدا قائم، فقولنا: \"قام زيد\" معناه الإخبار عن زيد بالقيام، وقولنا: \"إن زيدا قائم\" معناه الإخبار عن زيد بالقيام أيضا، إلا أن في الثاني زيادة ليست في الأول، وهي توكيده بإن المشددة التي من شأنها الإثبات لما يأتي بعدها، وإذا زيد في خبرها اللام، فقيل: إن زيدا لقائم، كان ذلك أكثر توكيدا في الإخبار بقيامه، وهذا مثال ينبني عليه أمثلة كثيرة من غير هذا النوع.\rفمما جاء من ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا﴾ ١، فإنهم إنما خاطبوا المؤمنين بالجملة الفعلية، وشياطينهم بالجملة الاسمية المحققة بإن المشددة؛ لأنهم في مخاطبة إخوانهم بما أخبروا به عن أنفسهم من الثبات على اعتقاد الكفر، والبعد من أن يزلوا عنه على صدق ورغبة، ووفور نشاط، فكان ذلك متقبلًا منهم، ورائجا عند إخوانهم.\rوأما الذي خاطبوا به المؤمنين، فإنما قالوا تكلفا وإظهارا للإيمان خوفا ومداجاة، وكانوا يعلمون أنهم لو قالوه بأوكد لفظ، وأسده لما راج لهم عند المؤمنين إلا رواجا ظاهرا لا","footnotes":"١ سورة البقرة: الآية ١٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358644,"book_id":3862,"shamela_page_id":518,"part":"2","page_num":192,"sequence_num":518,"body":"باطنا؛ ولأنهم ليس لهم في عقائدهم باعث قوي على النطق في خطاب المؤمنين بمثل ما خاطبوا به إخوانهم من العبارة المؤكدة، فلذلك قالوا في خطاب المؤمنين: ﴿آمَنَّا﴾ ، وفي خطاب إخوانهم: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ .\rوهذه نكت تخفى على من ليس له قدم راسخة في علم الفصاحة والبلاغة.\rومما يجري هذا المجرى ورود لام التوكيد في الكلام، ولا يجيء ذلك إلا لضرب من المبالغة.\rوفائدته أنه إذا عبر عن أمر يعز وجوده، أو فعل يكثر وقوعه جيء باللام تحقيقا لذلك.\rفمما جاء منه قوله تعالى في أول سورة المنافقين: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ ١.\rفانظر إلى هذه اللامات الثلاثة الواردة خبر إن، والأولى وردت في قول المنافقين، وإنما وردت مؤكدة؛ لأنهم أظهروا من أنفسهم التصديق برسالة النبي ﷺ: \"وتملقوا له، وبالغوا في التملق، وفي باطنه خلافه، وأما ما ورد في الثانية والثالثة فصيح لا ريب فيه، واللام في الثانية لتصديق رسالته، وفي الثالثة لتكذيب المنافقين فيما كانوا يظهرونه من التصديق الذين هم على خلافه.\rوكذلك ورد قوله تعالى في سورة يوسف ﵇: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ، أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ٢.\rفإنه إنما جيء باللام ههنا لزيادة التوكيد في إظهار المحبة ليوسف ﵇ والإشفاق عليه؛ ليبلغوا الغرض من أبيهم في السماحة بإرساله معهم.\rومن هذا قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ، أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ، لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ ٣، ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي","footnotes":"١ سورة المنافقون: الآية ١.\r٢ سورة يوسف: الآيتان ١١ و١٢.\r٣ سورة الواقعة: الآيات ٦٣ و٦٤ و٦٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358645,"book_id":3862,"shamela_page_id":519,"part":"2","page_num":193,"sequence_num":519,"body":"تَشْرَبُونَ، أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ، لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَْ﴾ ١.\rألا ترى كيف أدخلت اللام في آية المطعوم دون آية المشروب؟، وإنما جاءت كذلك؛ لأن جعل الماء العذب ملحا أسهل إمكانا في العرف والعادة، والموجود من الماء الملح أكثر من الماء العذب، وكثيرا ما إذا جرت المياه العذبة على الأراضي المتغيرة التربة أحالتها إلى الملوحة، فلم يحتج في جعل الماء العذب ملحا إلى زيادة تأكيد، فلذلك لم تدخل عليه لام التأكيد المفيدة زيادة التحقيق، وأما المطعوم فإن جعله حطاما من الأشياء الخارجة عن المعتاد، وإذا وقع فلا يكون إلا عن سخط من الله شديد، فلذلك قرن بلام التأكيد زيادة في تحقيق أمره، وتقرير إيجاده.\rومما يتصل بذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾ ٢ واللام في: ﴿لَنَحْنُ﴾ ، هي اللام المشار إليها.\rوكذلك ورد قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ ٣، فإن هذه اللام في قوله: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ ، و ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ﴾ ، و ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ﴾ إنما جاءت لتحقيق الأمر، وإثباته في نفوس المؤمنين، وأنه كائن لا محالة.\rومما يجري هذا المجرى في التوكيد لام الابتداء المحققة لما يأتي بعدها، كقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا﴾ ٤، فاللام في: ﴿لَيُوسُفُ﴾ لام الابتداء، وفائدتها تحقيق مضمون الجملة الواردة بعدها: أي أن زيادة حبه إياهما أمر ثابت لا مراء فيه.","footnotes":"١ سورة الواقعة: الآيات ٦٨ و٦٩ و٧٠.\r٢ سورة الحجر: الآية ٢٣.\r٣ سورة النور: الآية ٥٥.\r٤ سورة يوسف: الآية ٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358646,"book_id":3862,"shamela_page_id":520,"part":"2","page_num":194,"sequence_num":520,"body":"ومن هذا النوع قول بعضهم:\rوالشيب إن يظهر فإن وراءه ... عمرا يكون خلاله متنفس\rلم ينتقص مني المشيب قلامة ... ولما بقي مني ألب وأكيس\rفقوله: \"ولما بقي مني\" تقديره وما بقي مني، وإنما أدخل على \"ما\" هذه اللام قصدًا لتأكيد المعنى؛ لأنه موضع يحتاج إلى التأكيد، ألا ترى أن قوة العمر في الشباب؟، ولما أراد هذا الشاعر أن يصف الشيب -وليس مما يوصف، وإنما يذم- أتى باللام لتؤكد ما قصده من الصفة.\rوكذلك ورد قول الشاعر١ من أبيات الحماسة:\rإنا لنصفح عن مجاهل قومنا ... ونقيم سالفة العدو الأصيد٢\rومتى نجد يوما فساد عشيرة ... نصلح وإن نر صالحا لا نفسد٣\rوهذا كثير سائغ في الكلام، إلا أنه لا يتأتى لمكان العناية بما يعبر به عنه، ألا ترى إلى قول الشاعر: \"إنا لنصفح عن مجاهل قومنا\"، فإنه لما كان الصفح مما يشق على النفس فعله؛ لأنه مقابلة الشر بالخير والإساءة بالإحسان، أكده باللام، تحقيقا له.\rفإن عرى الموضع الذي يؤتى فيه بهذه اللام من هذه الفائدة المشار إليها، وما يجري مجراها، فإن اللام فيه لغير سبب اقتضاه.\rوأكثر ما تستعمل هذه اللام في جواب القسم لتحقيق الأمر المقسم عليه، وذلك في الإيجاب، دون النفي؛ لأنها لا تستعمل في النفي.\rألا ترى أنه لا يقال: والله للاقمت، وإنما يقال: والله قمت، لكن في الإيجاب","footnotes":"١ هو مضرس بن ربعي، أحد بني أسد، شاعر جاهلي محسن، وانظر البيتين وما بعدهما في حماسة أبي تمام \"٢/ ٣٦\".\r٢ المجاهل جمع مجهلة، وهي ما يحمل على الجهل، والسالفة صفحة العنق، والأصيد الذي يرفع رأسه كبرًا.\r٣ رواية ديوان الحماسة \"ومتى نخف\" موضع \"ومتى نجد\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358647,"book_id":3862,"shamela_page_id":521,"part":"2","page_num":195,"sequence_num":521,"body":"تستعمل، ويكون استعمالها حسنا، كقولك: والله لأقوم١، فإن أضيف إليها النونان الخفيفة، والثقيلة كان ذلك أبلغ في التأكيد، كقولك: \"والله لأقومن\".\rوعلى ذلك وردت الآية المتقدم ذكرها، وهي قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ، وإن لم يكن جوابًا للقسم، فالنون الواردة بعد اللام زيادة في التأكيد، وهما تأكيدان أحدهما مردف بالآخر.\rوكذلك فاعلم أن النون الثقيلة متصلة بهذا الباب، فإذا استعملت في موضع، فإنما يقصد بها التأكيد.\rفمما جاء منها قول البحتري٢ في معاتبة الفتح بن خاقان٣:\rهل يجلبن٤ إلي عطفك موقف ... ثبت لديك أقول فيه وتسمع\rما زال لي من حسن رأيك موئل ... آوي إليه من الخطوب ومفزع\rفعلام أنكرت الصديق وأقبلت ... نحوي ركاب ٥ الكاشحين تطلع","footnotes":"١ التوكيد بالنون هنا واجب؛ لأن الفعل مضارع مثبت وقع جوابا للقسم، ولا اختبار حينئذ للمتكلم، وإن كان التأكيد يحقق الغاية التي بينها ابن الأثير، ولكن النون شرط في الصحة أيضا.\r٢ ديوان البحتري ١/ ٢١ من قصيدة له مطلعها:\rشوق إليك تفيض منه الأدمع ... وجوى عليك تضيق عنه الأضلع\r٣ الذي في الديوان أنه قال هذه القصيدة في مدح أمير المؤمنين المتوكل على الله، وفي القصيدة ما يؤكد أنه في مدح الخليفة المتوكل، لوزيره الفتح خاقان من ذلك قوله:\rشرفا بني العباس إن إباكم ... عم النبي وعيصه المتفرع\rإن الفضيلة للذي استقى به ... عمر وشفع إذ غدا يستشفع\rوأرى الخلافة وهي أعظم رتبة ... حقا لكم ووراثة ما تنزع\rأعطاكموها الله عن علم بكم ... والله يعطي من يشاء ويمنع\rمن ذا يساجلكم وحوض محمد ... بسقاية العباس فيكم يشفع\rملك رضاه رضا الملوك وسخطه ... حتف العدا ورداهم المتوقع\rمتكرم متورع من كل ما ... يتجنب المتملك المتورع\rيا أيها الملك الذي سقت الورى ... من راحتيه غمامة ما تقلح\r٤ في الأصل \"تحملن\" وهو تصحيف، والتصويب عن الديوان.\r٥ في الأصل \"جناب\" موضع \"ركاب\"، والتصويب عن الديوان.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358648,"book_id":3862,"shamela_page_id":522,"part":"2","page_num":196,"sequence_num":522,"body":"وأقام يطمع في تهضم جانبي ... من لم يكن من قبل فيه يطمع\rإلا يكن ذنب فعدلك واسع ... أو كان لي ذنب فعفوك أوسع\rوهذه أبيات حسنة \"مليحة\" في بابها، يمحى بها حر الصدود، ويستمال بها صعر الخدود، وإنما ذكرتها بجملتها لمكان حسنها.\rوالبيت الأول هو المراد، ألا ترى أنه قال: \"هل يجلبن إلي عطفك موقف\"، فالنون جاءت قصدًا للتأكيد، وهو في هذا المقام متمن، فأحب أن يؤكد هذه الأمنية.\rوكل ما يجيء من هذا الباب فإنه واقع هذا الموقع، وإذا استعمل عبثا لغير فائدة تقتضيه، فإنه لا يكون استعماله إلا من جاهل بالأسرار المعنوية.\rوأما ما يمثل به النحاة من قول القائل: \"والله لأقومن، فإنه مثال نحوي يضرب للجواز، وإلا فإذا قال القائل: والله لأقومن، وأكده، كان ذلك لغوا؛ لأنه ليس في قيامه من الأمر العزيز، ولا من الأمر العسير ما يحتاج معه إلى التأكيد، بل لو قال: والله لأقومن لك، مهددا له، لكان ذلك واقعا في موقعه.\rفافهم هذا، وقس عليه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358649,"book_id":3862,"shamela_page_id":523,"part":"2","page_num":197,"sequence_num":523,"body":"النوع الثاني عشر: في قوة اللفظ لقوة المعنى\rهذا النوع قد ذكره أبو الفتح بن جني في كتاب \"الخصائص\" إلا أنه لم يورده كما أوردته أنا، ولا نبه على ما نبهت عليه من النكت التي تضمنته، وهذا يظهر بالوقوف على كلامي وكلامه.\rفأقول: اعلم أن اللفظ إذا كان على وزن من الأوزان، ثم نقل إلى وزن آخر أكثر منه، فلا بد من أن يتضمن من المعنى أكثر مما تضمنه أولا؛ لأن الألفاظ أدلة على المعاني، وأمثلة للإبانة عنها، فإذا زيد في الألفاظ أوجبت القسمة زيادة المعاني، وهذا لا نزاع فيه لبيانه.\rوهذا النوع لا يستعمل إلا في مقام المبالغة.\rفمن ذلك قولهم: خشن، واخشوشن، فمعنى \"خشن\" دون معنى \"اخشوشن\"، لما فيه من تكرير العين، وزيادة الواو، نحو فعل، وافعوعل.\rوكذلك قولهم: أعشب المكان، فإذا رأوا كثرة العشب قالوا: \"اعشوشب\".\rومما ينتظم بهذا السلك: قدر واقتدر، فمعنى \"اقتدر\" أقوى من معنى \"قدر\" قال الله تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ ١، فمقتدر ههنا أبلغ من قادر، وإنما عدل إليه للدلالة على تفخيم الأمر، وشدة الأخذ الذي لا يصدر إلا عن قوة الغضب، أو للدلالة على بسطة القدرة، فإن المقتدر أبلغ في البسطة من القادر، وذاك أن \"مقتدر\" اسم فاعل من \"اقتدر\"، و\"قادر\" اسم فاعل من \"قدر\"، ولا شك أن \"افتعل\" أبلغ من \"فعل\".","footnotes":"١ سورة القمر: الآية ٤٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358650,"book_id":3862,"shamela_page_id":524,"part":"2","page_num":198,"sequence_num":524,"body":"وعلى هذا ورد قول أبي نواس١:\rفعفوت عني عفو مقتدر ... حلت له نقم فألفاها\rأي عفوت عني عفو قادر متمكن القدرة لا يرده شيء عن إمضاء قدرته، وأمثال هذا كثيرة.\rوكذلك ورد قوله تعالى في سورة نوح ﵇: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ ٢، فإن: ﴿غَفَّارًا﴾ ، أبلغ في المغفرة من \"غافر\"؛ لأن \"فعالا\" يدل على كثرة صدور الفعل، و\"فاعلا\" لا يدل على الكثرة.\rوعليه ورد قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ ٣، فالتواب هو الذي تتكرر منه التوبة مرة على مرة، وهو فعال وذلك أبلغ من التائب الذي هو \"فاعل\"، فالتائب اسم فاعل من تاب يتوب فهو تائب، أي صدرت التوبة مرة واحدة، فإذا قيل: \"تواب\"، كان صدور التوبة منه مرارًا كثيرة.\rوهذا وما يجري مجراه إنما يعمد إليه لضرب من التوكيد، ولا يوجد ذلك إلا فيما فيه معنى الفعلية كاسم الفاعل والمفعول، وكالفعل نفسه، نحو قوله تعالى: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾ ٤، فإن معنى: ﴿فَكُبْكِبُوا﴾ من الكب، وهو القلب، إلا أنه مكرر المعنى، وإنما استعمل في الآية دلالة على شدة العقاب؛ لأنه موضع يقتضي ذلك.\rولربما نظر بعض الجهال في هذا، فقاس عليه زيادة التصغير، وقال: إنها زيادة، ولكنها زيادة نقص؛ لأنه في اللفظ حرف، كقولهم في الثلاثي في رجل:","footnotes":"١ ديوان أبي نواس ١٠٩ من أبيات أربعة كتب بها إلى الفضل بن الربيع بعد إطلاقه من السجن، والأبيات الثلاثة التي قبل هذا البيت:\rما من يد في إناس واحدة ... كيد أبو العباس أولاها\rنام التقاة على مضاجعهم ... وسرى إلى نفسي وأحياها\rقد كنت خفتك ثم أمنني ... من أن أخافك خوفك الله\r٢ سورة نوح: الآية ١٠.\r٣ سورة البقرة: الآية ٢٢٢.\r٤ سورة الشعراء، الآية ٩٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358651,"book_id":3862,"shamela_page_id":525,"part":"2","page_num":199,"sequence_num":525,"body":"\"رجيل\"، وفي الرباعي في قنديل: \"قنيديل\"، فالزيادة وردت ههنا، فنقصت من معنى هاتين اللفظتين.\rوهذا ليس من الباب الذي نحن بصدد ذكره؛ لأنه عار عن معنى الفعلية، والزيادة في الألفاظ لا توجب زيادة في المعاني إلا إذا تضمنت معنى الفعلية؛ لأن الأسماء التي لا معنى للفعل فيها إذا زيدت استحال معناها.\rألا ترى أنا لو نقلنا لفظة \"عذب\" -وهي ثلاثية- إلى الرباعي، فقلنا: \"عذيب\"، على وزن \"جعفر\"، لاستحال معناها، ولم يكن لها معنًى.\rوكذلك لو نقلنا لفظة \"عسجد\"، وهي رباعية إلى الخماسي، فقلنا: \"عسجدد\"، على وزن \"جحمرش\"، لاستحال معناها.\rوهذا بخلاف ما فيه معنى الفعلية، كقادر ومقتدر، فإن \"قادرا\" اسم فاعل \"قدر\"، وهو ثلاثي، و\"مقتدر\" اسم فاعل \"اقتدر\"، وهو رباعي، فلذلك كان معنى القدرة في اقتدر أشد من معنى القدرة في قدر، وهذا لا نزاع فيه.\rوهذا الباب بجملته لا يقصد به إلا المبالغة في إيراد المعاني، وقد يستعمل في مقام المبالغة، فينعكس المعنى فيه إلى ضده، كما جاء لأبي كرام التميمي١ من شعراء الحماسة، وهو قوله:\rلله تيم أي رمح طراد ... لاقى الحمام وأي نصل جلاد٢\rومحش حرب مقدم متعرض ... للموت غير مكذب حياد٣","footnotes":"١ اسمه زاهر -كما في شرح التبريزي ١/ ٢٨٠- وكان بارز رجلا يقال له: \"تيم\"، وكان أحد الفرسان، فقتله زاهر، وأخذ يفخم أمره؛ لأن ثناءه عليه وإكباره له راجع إليه، إذ صار قتيله.\r٢ رواية الحماسة للشطر الثاني:\rلاقى الحمام به ونصل جلاد\rواللام في \"لله تيم\" للتخصيص والتعجب، مثل قولهم: \"لله دره\"، وقوله: \"أي رمح طراد\" تعجب أيضًا.\r٣ في الأصل جياد موضع \"حياد\"، والتصوب عن الحماسة، وقوله: محش حرب معطوف على رمح، جعله آلة للحش، وهو إيقاد النار، وفي الحماسة غير معرد موضع \"غير مكذب\"، والتعريد ترك القصد وسرعة الانهزام، والحياد الماثل.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358652,"book_id":3862,"shamela_page_id":526,"part":"2","page_num":200,"sequence_num":526,"body":"فلفظة \"حياد\" قد وردت ههنا: وإنما أوردها هذا الشاعر، وقصد بها المبالغة في وصف شجاعة هذا الرجل، فانعكس عليه المقصد الذي قصده؛ لأن \"حيادا\" من \"حيد\"، فهو \"حياد\"، أي وجد منه الحيد ودة مرارًا، كما يقال: \"قتل\" فهو \"قتال\": أي وجد منه القتل مرارا، وإذا كان هذا الرجل غير حياد كان حائدا، أي وجدت منه الحيدودة مرة واحدة، وإذا وجدت منه مرة كان ذلك جبنا، ولم يكن شجاعة، والأولى أن كان قال: غير مكذب حائد.\rوينبغي أن يعلم أنه إذا وردت لفظة من الألفاظ، ويجوز حملها على التضعيف الذي هو طريق المبالغة، وحملها على غيره أن ينظر فيها، فإن اقتضى حملها على المبالغة فهو الوجه.\rفمن ذلك قول البحتري في قصيدته التي مطلعها:\rمنى النفس في أسماء لو تستطيعها١\rوهي قصيدة مدح بها الخليفة المتوكل ﵀ وذكر فيها حديث الصلح بين بني تغلب، فمما جاء فيها قوله:\rرفعت بضبعي تغلب ابنة وائل ... وقد يئست أن يستقل صريعها\rفكنت أمين الله مولى حياتها ... ومولاك فتح يوم ذاك شفيعها\rتألفتهم من بعد ما شردت بهم ... حفائظ أخلاق بطيء رجوعها\rفأبصر غاويها المحجة فاهتدى ... وأقصر غاليها ودانى شسوعها\rفقوله: \"تألفتهم من بعد ما شردت بهم\" يجوز أن تخفف لفظة \"شردت\"، ويجوز أن تثقل، والتثقيل هو الوجه؛ لأنه في مقام الإصلاح بين قوم تنازعوا واختلفوا، وتباينت قلوبهم وآراؤهم.","footnotes":"١ عجز هذا المطلع هو:\rبها وجدها من غادة وولوعها\rوهي أولى قصائد الديوان ١/ ٢، وقد قالها البحتري في مدح أمير المؤمنين المتوكل على الله، ويذكر صلح بني تغلب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358653,"book_id":3862,"shamela_page_id":527,"part":"2","page_num":201,"sequence_num":527,"body":"وكل ما يجيء من الألفاظ على هذا النحو، فينبغي أن يجري هذا المجرى.\rوههنا نكتة لا بد من التنبيه عليها، وذلك أن قوة اللفظ لقوة المعنى لا تستقيم إلا في نقل صيغة إلى صيغة أكثر منها، كنقل الثلاثي إلى الرباعي، وإلا فإذا كانت صيغة الرباعي مثلا موضوعة لمعنى، فإنه لا يراد به ما أريد من نقل الثلاثي إلى مثل تلك الصيغة.\rألا ترى أنه إذا قيل في الثلاثي: \"قتل\"، ثم نقل إلى الرباعي، فقيل: \"قتّل\" بالتشديد، فإن الفائدة من هذا النقل هي التكثير: أي أن القتل وجد منه كثيرًا، وهذا الصيغة الرباعية بعينها لو وردت من غير نقل لم تكن دالة على التكثير، كقوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ١، فإن \"كلم\" على وزن \"قتل\"، ولم يرد به التكثير، بل أريد به أنه خاطبه، سواء كان خطابه إياه طويلا أو قصيرًا، قليلًا أو كثيرًا، وهذه اللفظة رباعية، وليس لها ثلاثي نقلت عنه إلى الرباعي، لكن قد وردت بعينها، ولها ثلاثي ورباعي، فكان الرباعي أكثر وأقوى فيما دل عليه من المعنى، وذاك أن تكون \"كلّم\" من الجرح: أي جرح، ولها ثلاثي وهو \"كَلم\" مخففا: أي جرح، فإذا وردت مخففة دلت على الجراحة مرة واحدة، وإذا وردت مثقلة دلت على التكثير.\rوكذلك ورد قوله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ ٢، فإن لفظة \"رتل\" على وزن لفظة \"قتل\"، ومع هذا ليست دالة على كثرة القراءة، وإنما المراد بها أن تكون القراءة على هيئة التأني والتدبر، وسبب ذلك أن هذه اللفظة لا ثلاثي لها حتى تنقل عنه إلى رباعي، وإنما هي رباعية موضوعة لهذه الهيئة المخصوصة من القراءة.\rوعلى هذا فلا يستقيم معنى الكثرة، والقوة في اللفظ، والمعنى إلا بالنقل من وزن إلى وزن أعلى منه، فاعرف ذلك.\rومن ههنا شذ الصواب عمن شذ عنه في \"عالم\"، و\"عليم\"، فإن جمهور علماء العربية يذهبون إلى أن \"عليما\" أبلغ في معنى العلم من \"عالم\"، وقد تأملت ذلك، وأنعمت نظري فيه، فحصل عندي شك في الذي ذهبوا إليه، والذي أوجب ذلك","footnotes":"١ سورة النساء: الآية ١٦٤.\r٢ سورة الزمل: الآية ٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358654,"book_id":3862,"shamela_page_id":528,"part":"2","page_num":202,"sequence_num":528,"body":"الشك هو أن عالما، وعليما على عدة واحدة، إذ كل منهما أربعة أحرف، وليس بينهما زيادة ينقل فيها الأدنى إلى الأعلى.\rوالذي يوجبه النظر أن يكون الأمر على عكس ما ذكروه، وذاك أن يكون \"عالم\" أبلغ من \"عليم\"، وسببه أن عالما اسم فاعل من \"علم\" وهو متعد، وأن عليما اسم فاعل من \"علم\"، إلا أنه أشبه وزن الفعل القاصر، نحو شرف فهو شريف.\rوكرم فهو كريم، وعظم فهو عظيم، فهذا الوزن لا يكون إلا في الفعل القاصر، فلما أشبهه \"عليم\" انحط عن رتبة \"عالم\" الذي هو متعد، ألا ترى أن \"فعل\" -بفتح الفاء وكسر العين- يكون متعديا نحو علم وحمد، ويكون قاصرًا غير متعد، نحو غضب وشبع، وأما \"فعل\" -بفتح الفاء وضم العين- فإنه لا يكون إلا قاصرا غير متعد، ولما كان \"فعل\" -بفتح الفاء وكسر العين- مترددا بين المتعدي والقاصر، وكان \"فعل\" بفتح الفاء وضم العين قاصرا غير متعد، صار القاصر أضعف مما يدور بين المتعدي والقاصر، وحيث كان الأمر كذلك، وأشبه وزن المتعدي وزن القاصر حط ذلك من درجته، وجعله في الرتبة دون المتعدي الذي ليس بقاصر.\rهذا هو الذي أوجب التشكيك فيما ذهب إليه غيري من علماء العربية، ولربما كان ما ذهبوا إليه لأمر خفي عني، ولم أطلع عليه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358655,"book_id":3862,"shamela_page_id":529,"part":"2","page_num":203,"sequence_num":529,"body":"النوع الثالث عشر: في عكس الظاهر\rوهو نفي الشيء بإثباته، وهو من مستطرفات علم البيان، وذاك أنك تذكر كلاما يدل ظاهره أنه نفي لصفة الموصوف، وهو نفي للموصوف أصلًا.\rفمما جاء منه قول علي بن أبي طالب ﵁ في وصف مجلس رسول الله ﷺ: \"لا تنثى فلتاته\" أي لا تذاع سقطاته.\rفظاهر هذا اللفظ أنه كان ثم فلتات، غير أنها لا تذاع، وليس المراد ذلك، بل المراد أنه لم يكن ثم فلتات فتثنى.\rوهذا من أغرب ما توسعت فيه اللغة العربية، وقد ورد في الشعر كقول بعضهم١:\rولا ترى الضّبّ بها ينجحر٢\rفإن ظاهر المعنى من هذا البيت أنه كان هناك ضب، ولكنه غير منجحر، وليس كذلك، بل المعنى أنه لم يكن هناك ضب أصلًا.\rوهذا النوع من الكلام قليل الاستعمال، وسبب ذلك أن الفهم يكاد يأباه، ولا يقبله إلا بقرينة خارجة عن دلالة لفظه على معناه، وما كان عاريا عن قرينة، فإنه لا يفهم منه ما أراد قائله.\rوسأوضح ذلك فأقول: أما قولنا عن مجلس رسول الله ﷺ: \"لا تنثى فلتاته\"، فإن مفهوم هذا اللفظ أنه كان هناك فلتات إلا أنها تطوى، ولا تنشر، وتكتم ولا تذاع، ولا يفهم منه أنه لم يكن هناك فلتات إلا بقرينة خارجة عن اللفظ، وهي أنه قد ثبت في النفوس، وتقرر عند العقول، أن مجلس رسول الله ﷺ: منزه عن فلتات تكون به","footnotes":"١ وهو عمرو بن أحمر الباهلي من أبيات يصف فيها فلاة.\r٢ صدر هذا البيت قوله:\rلا تفزع الأرنب أهوالها","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358656,"book_id":3862,"shamela_page_id":530,"part":"2","page_num":204,"sequence_num":530,"body":"وهو أكرم من ذلك وأوقر، فلما قيل: إنه \"لا تنثى فلتاته\"، فهمنا منه أنه لم يكن هناك فلتات أصلا، وأما قول القائل:\rولا ترى الضب بها ينجحر\rفإنه لا قرينة تخصصه حتى يفهم منه ما فهم من الأول، بل المفهوم أنه كان هناك ضب، ولكنه غير منجحر.\rولقد مكثت زمانا أطوف على أقوال الشعراء قصدًا للظفر بأمثلة من الشعر جارية هذا المجرى، فلم أجد إلا بيتا لامرئ القيس١، وهو:\rعلى لاحب لا يُهتدى لمناره ... إذا سافه العود الديافي جرجرا٢\rفقوله: \"لا يهتدى لمناره\" أي أن له منارا إلا أنه لا يهتدى به، وليس المراد ذلك، بل المراد أنه لا منار له يهتدى به.\rولي أنا في هذا بيت من الشعر، وهو:\rأدنين جلباب الحياء فلن يرى ... لذيولهن على الطريق غبار\rوظاهر هذا الكلام أن هؤلاء النساء يمشين هونا لحيائهن، فلا يظهر لذيولهن غبار على الطريق، وليس المراد ذلك، بل المراد أنهن لا يمشين على الطريق أصلا، أي أنهن مخبئات لا يخرجن من بيوتهن، فلا يكون إذا لذيولهن على الطريق غبار، وهذا حسن رائق، وهو أظهر بيانًا من قوله:\rولا ترى الضب بها ينجحر\rفمن استعمل هذا النوع من الكلام، فليستعمله هكذا وإلا فليدع، على أن الإكثار من استعماله عسر؛ لأنه لا يظهر المعنى فيه.","footnotes":"١ شعراء النصرانية ١/ ٤٧ من قصيدة قالها يصف توجيهه إلى قيصر مستنجدا على بني أسد، ومطلعها:\rأرى أم عمرو ودمعها قد تحدرا ... بكاء على عمرو وما كان أصبرا\r٢ اللاحب: الطريق، سافه شمسه، وفي الأرصل بالقاف، وهو تصحيف والعود والجمل المسن وفيه بقية، والديا في نسبة إلى دياف، وهي قرية بالشام تنسب إليها النجائب، جرجر ردد صوته، وفي الأصل العود النياطي، وفي شعراء النصرانية \"العود النباطي\"، وروى ابن قتيبة البيت هكذا:\rعلى ظهر عادي تحاربه القطا ... إذا سافه العود الديافي جرجرا\rوانظر الشعر والشعراء ١/ ٦٧، وفي اللسان ١١/ ٦٦ روى صدر البيت هكذا:\rعلى لاحب لا يهتدى بمناره.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358657,"book_id":3862,"shamela_page_id":531,"part":"2","page_num":205,"sequence_num":531,"body":"النوع الرابع عشر: في الاستدراج\rوهذا الباب أنا استخرجته من كتاب الله تعالى، وهو مخادعات الأقوال التي تقوم مقام مخادعات الأفعال، والكلام فيه وإن تضمن بلاغة، فليس الغرض ههنا ذكر بلاغته فقط، بل الغرض ذكر ما تضمنه من النكت الدقيقة في استدراج الخصم إلى الإذعان والتسليم، وإذا حقق النظر فيه علم أن مدار البلاغة كلها عليه؛ لأنه انتفاع بإيراد الألفاظ المليحة الرائقة، والمعاني اللطيفة الدقيقة دون أن تكون مستجلبة لبلوغ غرض المخاطب بها.\rوالكلام في مثل هذا ينبغي أن يكون قصيرًا في خلابه، ولا قصيرًا في خطابه.\rفإذا لم يتصرف الكاتب في استدراج الخصم إلى إلقاء يده، وإلا فليس١ بكاتب، ولا شبيه له إلا صاحب الجدل، فكما أن ذاك يتصرف في المغالطات القياسية، فكذلك هذا يتصرف في المغالطات الخطابية.\rوقد ذكرت هذا النوع ما يتعلم منه سلوك هذه الطريق.\rفمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ ٢.\rألا ترى ما أحسن مأخذ هذا الكلام وألطفه، فإنه أخذهم بالاحتجاج على طريقة التقسيم، فقال: لا يخلو هذا الرجل من أن يكون كاذبا، فكذبه يعود عليه، ولا","footnotes":"١ سياق المعنى يقتضي حذف كلمة \"وإلا\".\r٢ سورة المؤمن: الآية ٢٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358658,"book_id":3862,"shamela_page_id":532,"part":"2","page_num":206,"sequence_num":532,"body":"يتعداه، أو يكون صادقا، فيصيبكم١ بعض الذي يعدكم إن تعرضتم له.\rوفي هذا الكلام من حسن الأدب، والإنصاف ما أذكره لك، فأقول: إنما قال: ﴿يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ ، وقد علم أنه نبي صادق، وأن كل ما يعدهم به لا بد وأن يصيبهم، لا بعضه؛ لأنه احتاج في مقاولة خصوم موسى ﵇، أن يسلك معهم طريق الإنصاف والملاطفة في القول، ويأتيهم من جهة المناصحة، ليكون أدعى إلى سكونهم إليه، فجاء بما علم أنه أقرب إلى تسليمهم لقوله، وأدخل في تصديقهم إياه، فقال: ﴿وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ ، وهو كلام المنصف في مقابلة غير المشتط، وذلك أنه حين فرضه صادقا، فقد أثبت أنه صادق في جميع ما يعد به، لكنه أردف بقوله: ﴿يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ ، ليهضمه بعض حقه في ظاهر الكلام، فيريهم أنه ليس بكلام من أعطاه حقه وافيًا، فضلا عن أن يتعصب له، وتقديم الكاذب على الصادق من هذا القبيل، كأنه برطلهم٢ في صدر الكلام بما يزعمونه؛ لئلا ينفروا منه.\rوكذلك قوله في آخر الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ ، أي هو على الهدى، ولو كان مسرفا كذابا لما هداه الله للنبوة، ولا عضده بالبينات.\rوفي هذا الكلام من خداع الخصم، واستدراجه ما لا خفاء به، وقد تضمن من اللطائف الدقيقة ما إذا تأملته حق التأمل أعطيته حقه من الوصف.\rومما يجري على هذا الأسلوب قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا، إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا، يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا، يَا أَبَتِ لَا","footnotes":"١ في الأصل \"يصبكم\".\r٢ يقال: برطل فلان فلانا رشاه، فتبرطل فارتشى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358659,"book_id":3862,"shamela_page_id":533,"part":"2","page_num":207,"sequence_num":533,"body":"تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا، يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ ١.\rهذا كلام يهز أعطاف السامعين، وفيه من الفوائد ما أذكره، وهو لما أراد إبراهيم ﵇ أن ينصح أباه ويعظه، وينقذه مما كان متورطًا فيه من الخطأ العظيم الذي عصى به أمر العقل، رتب الكلام معه في أحسن نظام، مع استعمال المجاملة واللطف، والأدب الحميد والخلق الحسن، مستنصحا في ذلك بنصيحة ربه، وذاك أنه طلب منه أولًا العلة في خطيئته طلب منبه على تماديه موقظ غفلته؛ لأن المعبود لو كان حيا مميزا سميعًا بصيرًا مقتدرًا على الثواب، والعقاب إلا أنه بعض الخلق يستخف عقل من أهله للعبادة، ووصفه بالربوبية، ولو كان أشرف الخلائق كالملائكة والنبيين، فكيف بمن جعل المعبود جمادا لا يسمع ولا يبصر، يعني به الصنم.\rثم ثنى ذلك بدعوته إلى الحق مترفقا به، فلم يسم أباه بالجهل المطلق، ولا نفسه بالعلم الفائق، ولكنه قال: إن معي لطائفة من العلم وشيئا منه، وذلك علم الدلالة على سلوك الطريق، فلا تستنكف وهب أني، وإياك في مسير وعندي معرفة بهداية الطرق دونك، فاتبعني أنجك من أن تضل.\rثم ثلث ذلك بتثبيطه عما كان عليه ونهيه، فقال: إن الشيطان الذي استعصى على ربك، وهو عدوك وعدو أبيك آدم هو الذي ورطك في هذه الورطة، وألقاك في هذه الضلالة، وإنما ألقى إبراهيم ﵇ ذكر معاداة الشيطان إلا التي تختص بالله، وهي عصيانه واستكباره، ولم يلتفت إلى ذكر معاداته آدم وذريته.\rثم ربّع ذلك بتخويفه إياه سوء العاقبة، فلم يصرح بأن العقاب لاحق به، ولكنه قال: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ﴾ ، فنكر العذاب ملاطفة لأبيه، وصدر كل نصيحة من هذه النصائح بقوله: ﴿يَا أَبَتِ﴾ توسلا إليه، واستعظاما.","footnotes":"١ سورة مريم: الآيات ٤١ و٤٢ و٤٣ و٤٤ و٤٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358660,"book_id":3862,"shamela_page_id":534,"part":"2","page_num":208,"sequence_num":534,"body":"وهذا بخلاف ما أجابه به أبوه، فإنه قال: ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ ١، فأقبل عليه بفظاظة الكفر، وغلظ العناد، فناداه باسمه، ولم يقابل قوله: ﴿يَا أَبَتِ﴾ ، بقوله: يا بني، وقدم الخبر على المبتدأ في قوله: ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ﴾ ؛ لأنه كان أهم عنده، وفيه ضرب من التعجب والإنكار لرغبة إبراهيم عن آلهته.\rوفي القرآن الكريم مواضع كثيرة من هذا الجنس، لا سيما في مخاطبات الأنبياء -صلوات الله عليهم- للكفار، والرد عليهم، وفي هذين المثالين المذكورين ههنا كفاية ومقنع.\rوبلغني حديث تفاوض فيه الحسين بن علي ﵄ ومعاوية بن أبي سفيان في أمر ولده يزيد، وذاك أن معاوية قال للحسين: \"أما أمك فاطمة فإنها خير من أمه، وبنت رسول الله ﷺ خير من امرأة من كلب، وأما حبي يزيد فإني لو أعطيت به مثلك ملء الغوطة٢ لما رضيت، وأما أبوك وأبوه، فإنهما تحاكما إلى الله، فحكم لأبيه على أبيك\".\rوهذا كلام من معاوية كلما أمررته بفكري عجبت من سداده، فضلًا عن بلاغته وفصاحته، فإن معاوية علم ما لعلي ﵁ من السبق إلى الإسلام والأثر فيه، وما عنده من فضيلة العلم، فلم يعرض في المنافرة إلى شيء من ذلك، ولم يقل أيضا: إن الله أعطاني الدنيا ونزعها منكم؛ لأن هذا لا فضل فيه، إذ الدنيا ينالها البر والفاجر، وإنما صانع عن ذلك كله بقوله: \"إن أباك وأباه تحاكما إلى الله، فحكم لأبيه على أبيك\"، وهذا قول إيهامي يوهم شبهة من الحق.\rوإذا شاء من شاء أن ينافر خصمه، ويستدرجه إلى الصمت عن الجواب، فليقل هكذا.","footnotes":"١ سورة مريم: الآية ٤٦.\r٢ الغوطة -بالضم ثم السكون وطاء مهملة- هي الكورة التي منها دمشق. استدارتها ثمانية عشر ميلًا، يحيط بها عالية من جميع جهاتها، ولا سيما شماليها، فإن جبالها عالية جدًّا، وتمتد فيها أنها تسقى بساتينها، وهي أنزه بلاد الدنيا وأحسنها منظرا، وتصب فضلاتها في بحيرة هناك \"مراصد الإطلاع على أسماء الأمكنة والبقاء ١٠٠٦\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358661,"book_id":3862,"shamela_page_id":535,"part":"2","page_num":209,"sequence_num":535,"body":"النوع الخامس عشر: في الإيجاز\rمدخل\r...\rالنوع الخامس عشر: في الإيجاز\rوهو حذف زيادات الألفاظ، وهذا نوع من الكلام شريف، لا يتعلق به إلا فرسان البلاغة من سبق الى غايتها وما صلى، وضرب في أعلى درجاتها بالقدح المعلى، وذلك لعلو مكانه، وتعذر إمكانه.\rوالنظر فيه إنما هو إلى المعاني لا إلى الألفاظ، ولست أعني بذلك أن تهمل الألفاظ، بحيث تعرى عن أوصافها الحسنة، بل أعني أن مدار النظر في هذا النوع إنما يختص بالمعاني، فرب لفظ قليل يدل على معنى كثير، ورب لفظ كثير يدل على معنى قليل.\rومثال هذا كالجوهرة الواحدة بالنسبة إلى الدراهم الكثيرة، فمن ينظر إلى طول الألفاظ يؤثر الدراهم بكثرتها، ومن ينظر إلى شرف المعاني يؤثر الجوهرة الواحدة لنفاستها، ولهذا سمى النبي -صلى اله عليه وسلم- الفاتحة \"أم الكتاب\"، وإذا نظرنا إلى مجموعها، وجدناه يسيرًا، وليست من الكثرة إلى غاية تكون بها أم \"البقرة\"، و\"آل عمران\"، وغيرهما من السور الطوال، فعلمنا حينئذ أن ذلك الأمر يرجع إلى معانيها.\rمعاني القرآن:\rوالكلام في هذا الموضع يخرج بنا إلى غير ما نحن بصدده؛ لأنه يحتاد فيه إلى ذكر المراد بالقرآن الكريم، وما يشتمل عليه سوره، وآياته إلى حصر أقسام معانيه، لكنا نشير في ذلك إشارة خفيفة، فنقول:\rالمراد بالقرآن هو دعوة العباد إلى الله تعالى، ولذلك انحصرت سوره، وآياته في ستة أقسام ثلاثة منها هي الأصول، وثلاثة هي الفروع.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358662,"book_id":3862,"shamela_page_id":536,"part":"2","page_num":210,"sequence_num":536,"body":"أما الأصول:\rفالأول منها: تعريف المدعو إليه، وهو الله تعالى، ويشتمل هذا الأصل على ذكر ذاته وصفاته وأفعاله.\rوالأصل الثاني: تعريف الصراط المستقيم الذي تجب ملازمته في السلوك إلى الله تعالى، ويشتمل هذا الأصل على التبتل بعبادة الله بأفعال القلوب، وأفعال الجوارح.\rوالأصل الثالث: تعريف الحال بعد الوصول إلى الله تعالى، أعني بعد الموت، ويشتمل هذا الأصل على تفصيل أحوال الدار الآخرة من الجنة، والنار والصراط والميزان، والحساب، وأشباه ذلك.\rفهذه الأصول الثلاثة.\rوأما الفروع:\rفالأول منها: تعريف أحوال المجيبين للدعوة، ولطائف صنع الله بهم من النصرة والإدالة، وتعريف أحوال المخالفين للدعوة والمحادين لها، وكيفية صنع الله في التدمير عليهم، والتنكير بهم.\rوالفرع الثاني: ذكر مجادلة الخصوم ومحاجتهم، وحملهم بالمجادلة والمحاجة على طريق الحق، وهؤلاء هم اليهود والنصارى، ومن يجري مجراهم من أرباب الشرائع، والفلاسفة والملحدة من غير أرباب الشرائع.\rوالفرع الثالث: تعريف عمارة منازل الطريق، وكيفية أخذ الزاد والأهبة للاستعداد، وذاك قياس الشريعة وتبيين الحكمة في أوامرها التي تتعلق بأفعال أهل التكليف.\rفهذه الأقسام الستة المشار إليها هي التى تدور معاني القرآن عليها، ولا تتعداها. وههنا تقسيم آخر يطول الخطاب فيه، ولا حاجة إلى ذكره.\rوإذا نظرنا إلى سورة الفاتحة، وتأملنا ما فيها من المعاني وجدناها مشتملة على أربعة أقسام من الستة المذكورة، ولذلك سماها النبي ﷺ \"أم الكتاب\".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358663,"book_id":3862,"shamela_page_id":537,"part":"2","page_num":211,"sequence_num":537,"body":"كما أنه قال: \"إن سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن\"، وإذا نظرنا في الأقسام الستة، وجدنا سورة الإخلاص بمنزلة ثلث القرآن.\rوكذلك قال ﷺ: \"آية الكرسي سيدة آي القرآن\".\rويروى أنه سأل أبي بن كعب١ ﵁ فقال: \"أي آية معك في كتاب الله أعظم\" ? فقال: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ ٢، فضرب على صدره، وقال: \"ليهنك العلم أبا المنذر\"، وكل هذا يرجع إلى المعاني لا إلى الألفاظ، فاعرف ذلك وبينه لرموزه وأسراره.\rواعلم أن جماعة من مدعي علم البيان ذهبوا إلى أن الكلام ينقسم قسمين: فمنه ما يحسن فيه الإيجاز، كالأشعار والمكاتبات.\rومنه ما يحسن فيه التطويل كالخطب والتقليدات، وكتب الفتوح التي تقرأ في ملأ من عوام الناس، فإن الكلام إذا طال في مثل ذلك أثر عندهم وأفهمهم، ولو اقتصر فيه على الإيجاز، والإشارة لم يقع لأكثرهم، حتى يقال في ذكر الحرب: \"التقى الجمعان، وتطاعن الفريقان، واشتد القتال....\" وحمي النضال، وما جرى هذا المجرى.\rوالمذهب عندي في ذلك ما أذكره، وهو أن يفهم العامة ليس شرطا معتبرًا في اختيار الكلام؛ لأنه لو كان شرطا لوجب على قياسه أن يستعمل في الكلام الألفاظ العامية المبتذلة عندهم، ليكون ذلك أقرب إلى فهمهم؛ لأن العلة في اختيار تطويل الكلام إذا كانت فهم العامة إياه، فكذلك تجعل تلك العلة بعينها في اختيار المبتذل من الكلام، فإنه لا خلاف في أن العامة إلى فهمه أقرب من فهم ما يقل ابتذالهم إياه، وهذا شيء مدفوع.","footnotes":"١ هو أبي بن كعب بن قيس، أبو المنذر الأنصاري المدني، سيد القراء، وأقرأ هذه الأمة، قرأ على النبي ﷺ، وقرأ على النبي بعض القرآن للإرشاد والتعليم، وقرأ عليه من الصحابة ابن عباس، وأبو هريرة، ومن التابعين عبد الله بن عياش، وأبو عبد الرحمن السلمي، توفي سنة ثلاث وثلاثين.\r٢ سورة البقرة: الآية ٢٥٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358664,"book_id":3862,"shamela_page_id":538,"part":"2","page_num":212,"sequence_num":538,"body":"وأما الذي يجب توخيه واعتماده، فهو أن يسلك المذهب القويم في تركيب الألفاظ على المعاني، بحيث لا تزيد هذه على هذه، مع الإيضاح والإبانة، وليس على مستعمل ذلك أن يفهم العامة كلامه، فإن نور الشمس إذا لم يره الأعمى لا يكون ذلك نقصا في استنارته، وإنما النقص في بصر الأعمى، حيث لم يستطع النظر إليه.\rعلي نحت القوافي من معادنها ... وما علي بأن لا تفهم البقر\rوحيث انتهى بنا القول إلى هذا الموضع، فلنرجع إلى ما هو غرضنا، ومهمنا من الكلام على الإيجاز وحده وأقسامه، ونوضح ذلك إيضاحا جليا، والله الموفق للصواب، فنقول:\rحد الإيجاز:\rهو دلالة اللفظ على المعنى من غير أن يزيد عليه.\rوالتطويل هو ضد ذلك، وهو أن يدل المعنى بلفظ يكفيك بعضه في الدلالة عليه، كقول الهجير السلولي١ من أبيات الحماسة:\rطلوع الثنايا بالمطايا وسابق ... إلى غاية من يبتدرها يقدم٢\rفصدر هذا البيت فيه تطويل لا حاجة إليه، وعجزه من محاسن الكلام المتواصفة، وموضع التطويل من صدره أنه قال: \"طلوع الثنايا بالمطايا\"، فإن لفظة المطايا فضلة لا حاجة إليها.","footnotes":"١ هو ابن عبد الله بن عبيدة، يصل نسبة إلى سلول بن مرة، شاعر مقل إسلامي من شعراء بني أمية، جعله ابن سلام في الطبقة الخامسة من شعراء الإسلام، وكان كريما جوادا تصله الملوك والأمراء.\r٢ ديوان الحماسة ٢/ ٢٦٥ ثاني أربعة أبيات اختارها أبو تمام أولها:\rأن ابن عمي لابن زيد زانه ... لبلال أيدي جلة الشول بالدم\rوالجملة المسنة من الإبل، والشول النوق التي يجف لبنها، وكل أيديها يريد أنه يعرقبها إذا أراد نحرها -والمعنى أن ابن عمه يقطع بالسيف أيدي الإبل العظيمة السمينة قبل أن ينحرها للأضياف، ليتمكن من نحرها.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358665,"book_id":3862,"shamela_page_id":539,"part":"2","page_num":213,"sequence_num":539,"body":"وبيان ذلك أنه لا يخلو الأمر فيها من وجهين:\rإما أن يريد أنه سابق الهمة إلى معالي الأمور، كما قال الحجاج على المنبر عند وصوله العراق:\rأنا ابن جلا وطلَّاع الثنايا١\rأي: أنا الرجل المشهور السابق إلى معالي الأمور:\rفإن أراد العجير بقوله: \"طلوع الثنايا\" ما أشرت إليه، فذكر \"المطايا\" يفسد ذلك المعنى؛ لأن معالي الأمور لا يرقى إليها بالمطايا.\rوإن أراد الوجه الآخر، وهو أنه كثير الأسفار، فاختصاصه الثنايا بالذكر دون الأرض من المفاوز وغيرها لا فائدة فيه.\rوعلى كلا الوجهين فإن ذكر المطايا فضلة لا حاجة إليه، وهو تطويل بارد عث.\rفقس على هذا المثال ما يجري مجراه من التطويلات التي إذا أسقطت من الكلام بقي على حاله لم يتغير شيء.\rوكذلك يجري الأمر في ألفاظ يوصل بها الكلام، فتارة تجيء لفائدة، وذلك قليل، وتارة تجيء لغير فائدة، وذلك كثير، وأكثر ما ترد في الأشعار ليوزن بها الأبيات الشعرية، وذلك نحو قولهم: أعمري، ولعمرك، ونحو: أصبح، وظل وأضحى وبات، وأشبها ذلك، ونحو: يا صاحبي ويا خليلي، وما يجري هذا المجرى.\rفمما جاء منه قول أبي تمام:\rأقروا -لعمري- لحكم السيوف ... وكانت أحق بفضل القضاء٢","footnotes":"١ هذا صدر البيت، وعجزه.\rمتى أضع العمامة تعرفوني\r٢ ديوان أبي تمام ٢٤٨ من قصيدة يرثى بها خالد بن يزيد بن مزيد الشيباني، ومطلعها:\rنهاء إلى كل حي نعاء ... فتى العرب اختط ربع الفناء\rورواية الديوان \"أقروا لعمري بحكم السيوف\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358666,"book_id":3862,"shamela_page_id":540,"part":"2","page_num":214,"sequence_num":540,"body":"فإن قوله: \"لعمري\" زيادة لا حاجة للمعنى إليها، وهي حشو في الكلام، لا فائدة فيه إلا إصلاح الوزن لا غير.\rألا ترى أنها من باب القسم، وإنما يرد القسم في موضع يؤكد به المعنى المراد، إما أنه مما يشك فيه، أو مما يعز وجوده، أو ما جرى هذا المجرى، وهذا البيت الشعري لا يفتقر معناه إلى توكيد قسمي، إذ لا شك في أن السيوف حاكمة، وأن كل أحد يقر لحكمها، ويذعن لطاعتها.\rوكذلك قوله: أيضا:\rإذا أنا لم ألم عثرات الدهر ... بليت به الغداة فمن ألوم١\rفقوله: \"الغداة\" زيادة لا حاجة بالمعنى إليها؛ لأنه يتم بدونها؛ لأن عثرات الدهر لم تنله الغداة ولا العشي، وإنما نالته، ونيلها إياه لا بد، وأن يقع في زمن من الأزمنة كائنا ما كان، ولا حاجة إلى تعيينه بالذكر.\rوعلى هذا ورد قول البحتري:\rما أحسن الأيام إلا أنها ... يا صاحبي إذا مضت لم ترجع٢\rفقوله: \"يا صاحبي\" زيادة لا حاجة بالمعنى إليها، إلا أنها وردت لتصحيح الوزن لا غير.\rوهذه الألفاظ التي ترد في الأبيات الشعرية لتصحيح الوزن لا عيب فيها؛ لأنا لو عبناها على الشعراء لحجرنا عليهم وضيقنا، والوزن يضطر في بعض الأحوال إلى مثل ذلك.","footnotes":"١ ديوان أبي تمام ٤٢٥ من قصيدة يشكو فيها الدهر بنيسابور، ومطلعها:\rصريع هوى تغاديه الهموم ... بنيسابور ليس له حميم\r٢ دوان البحتري ٢/ ٢١٥ من قصيدة له في مدح يوسف بن محمد، مطلعها:\rبين الشقيقة فاللوى فالأجرع ... دمن حبسن على الرياح الأربع\rورواية الديوان \"ما أحسن الأيام لو أنها\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358667,"book_id":3862,"shamela_page_id":541,"part":"2","page_num":215,"sequence_num":541,"body":"لكن إذا وردت في الكلام المنثور، فإنها إن وردت حشوا، ولم ترد لفائدة كانت عيبا.\rوقد ترد في الأبيات الشعرية، ويكون ورودها لفائدة، وذلك هو الأحسن، كقول البحتري:\rقوم أهانوا الوفر حتى أصبحوا ... أولى الأنام بكل عرض وافر١\rفقوله: \"أصبحوا\" بمعنى صاروا أولى الناس بالأعراض الوافرة، وهذه اللفظة لم ترد في هذا البيت حشوا كما وردت في بيتي أبي تمام المقدم ذكرهما.\rوسأزيد هذا الموضع بيانًا بمثال أضربه للتطويل، حتى يستدل به على أمثاله وأشباهه، والمثال الذي أضربه هو حكاية أوردت بمحضر مني، وذاك أنه جلس إلي في بعض الأيام جماعة من الإخوان، وأخذوا في مفاوضة الأحاديث، وانساق ذلك إلى ذكر غرائب الوقائع التي تقع في العالم، فذكر كل من الجماعة شيئا، فقال شخص منهم: إني كنت بالجزيرة العمرية في زمن الملك فلان، وكنت إذ ذاك صبيا صغيرا، فاجتمعت أنا ونفر من الصبيان في الحارة الفلانية، وصعدنا إلى سطح طاحون لبني فلان، وأخذنا نلعب على السطح، فوقع صبي منا إلى أرض الطاحون، فوطئه بغل من بغال الطاحون، فخفنا أن يكون أذاه فأسرعنا النزول إليه، فوجدناه قد وطئه البغل، فختنه ختانة صحيحة حسنة لا يستطيع الصانع الخاذق أن يفعل خيرا منها، فقال له شخص من الحاضرين: والله إن هذا عيّ فاحش، وتطويل كثير لا حاجة إليه، فإنه بصدد أن تذكر أنك كنت صبيا تلعب مع الصبيان على سطح الطاحون، فوقع صبي منكم إلى أرض الطاحون فوطئه بغل من بغال الطاحون، فختنه ولم يؤذه، ولا فرق بين أن تكون هذه الواقعة في بلد نعرفه أو في بلد لا نعرفه، ولو كانت بأقصى المشرق أو بأقصى المغرب لم يكن ذلك قدحا في غرابتها، وأما أن تذكر أنها","footnotes":"١ ديوان البحتري ٢/ ١٦٧ من قصيدة له في مدح محمد بن عبد الله بن طاهر مطلعها:\rلا زال محتفل الغمام الباكر ... يهمي على حجرات أعلى الحاجر","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358668,"book_id":3862,"shamela_page_id":542,"part":"2","page_num":216,"sequence_num":542,"body":"كانت بالجزيرة العمرية في الحارة الفلانية في طاحون بني فلان، وكان زمن الملك فلان، فإن مثل هذا كله تطويل لا حاجة إليه، والمعنى المقصود يفهم دونه!!\rفاعلم أيها الناظر في كتابي هذا أن التطويل هو زيادات الألفاظ في الدلالة على المعاني، ومهما أمكنك حذف شيء من اللفظ في الدلالة على معنى من المعاني، فإن ذلك اللفظ هو التطويل بعينه١.\rقسما الإيجاز:\rوأما الإيجاز فقد عرفتك أنه دلالة اللفظ على المعنى من غير أن يزيد عليه.\rوهو ينقسم قسمين:\rأحدهما: الإيجاز بالحذف، وهو ما يحذف منه المفرد والجملة؛ لدلالة فحوى الكلام على المحذوف، ولا يكون فيما زاد معناه على لفظه.\rوالقسم الآخر: ما لا يحذف منه شيء وهو ضربان:\rأحدهما: ما ساوى لفظه معناه، ويسمى \"التقدير\".\rوالآخر: ما زاد معناه على لفظه، ويسمى \"القصر\".\rواعلم أن القسم الأول -الذي هو الإيجاز بالحذف- يتنبه له من غير كبير كلفة في استخراجه لمكان المحذوف عنه.\rوأما القسم الثاني فإن التنبه له عسر؛ لأنه يحتاج إلى فضل تأمل، وطول فكرة،","footnotes":"١ البلاغيون على أن الزيادة إن كان لغير فائدة، وكانت تلك الزيادة غير متعينة اختص هذا باسم \"التطويل\" كما في قوله: \"وألفى قولها كذبا ومينا\"، فإن الكذب والمين واحد، وإن كانت تلك الزيادة متعينة لا لفائدة اختص هذا باسم \"الحشو\" كقول الشاعر:\rولا فضل فيها للشجاعة والندى ... وصبر الفتى لولا لقاء شعوب\rفإن لفظ \"الندى\" فيه حشو يفسد المعنى؛ لأن المعنى أنه لا فضل في الدنيا للشجاعة والصبر، والندى لولا الموت، وهذا الحكم صحيح في الشجاعة دون الندى؛ لأن الشجاع لو علم أنه يخلد في الدنيا لم يخش الهلاك، فلم يكن لشجاعته فضل بخلاف الباذل ماله، فإنه إذا علم أنه يموت هان عليه بذله.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358669,"book_id":3862,"shamela_page_id":543,"part":"2","page_num":217,"sequence_num":543,"body":"لخفاء ما يستدل عليه، ولا يستنبط ذلك إلا من رسخت قدمه في ممارسة علم البيان، وصار له خليقة وملكة.\rولم أجد أحدًا علم هذين القسمين بعلامة، ولا قيدهما بقيد، وقد أشرت إلى ذلك فيما يأتي من هذا الباب عند تفصيل أمثلتهما، فليؤخذ من هناك.\rفإن قيل: إن هذا التقسيم الذي قسمته في المحذوف، وغير المحذوف ليس بصحيح؛ لأن المعاني ليس أجساما كالألفاظ حتى يصح التقدير بينهما، ثم لو سلمت جواز التقدير في المساواة لم أسلم لجواز الزيادة، فليس لقائل أن يقول: هذا المعنى زائد على هذا اللفظ؛ لأنه إن قال ذلك قيل: فمن أين فهمت تلك الزيادة الخارجة عن اللفظ، وقد علم أن الألفاظ إنما وضعت للدلالة على إفهام المعاني؟، فإن قال: إنها فهمت من شيء خارج عن اللفظ، قيل له: فتلك الزيادة بإزاء ذلك الشيء الخارج عن اللفظ، والباقي مساو للفظ، وإن قال: إنها فهمت من اللفظ، قيل: فكيف تفهم منه وهي زائدة عليه، فإن قال: إنها فهمت من تركيبه؛ لأن التركيب أمر زائد على اللفظ، قيل: الألفاظ تدل بانفرادها على معنى، وبتركيبها على معنى آخر، واللفظ المركب يدل على معنى مركب، واللفظ المفرد يدل على معنى مفرد، وتلك الزيادة إن أريد بها زيادة معنى المركب على المركب، فلا يخلو: إما أن تكون تلك الزيادة مفهومة من دلالة اللفظ المركب عليها، أو دلالة شيء خارج، فإن كانت مفهومة من دلالته عليها لم تكن زائدة عليه، إذ لو كانت زائدة عليه لما دل عليها، وإن كانت مفهومة من دلالة الشيء الخارج عنه، فهي بإزاء ذلك الشيء الخارج، والباقي مساو للباقي!\rفالجواب عن ذلك أن نقول:\rهذا الذي ذكره كلام شبيه بالسفسطة، وهو باطل من وجهين:\rأحدهما: أن المعاني إذا كانت لا تزيد على الألفاظ، فيلزم من ذلك أن الألفاظ لا تزيد أيضًا على المعاني؛ لأنهما متلازمان على قياسك، ونحن نرى معنى قد دل عليه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358670,"book_id":3862,"shamela_page_id":544,"part":"2","page_num":218,"sequence_num":544,"body":"بألفاظ، فإذا أسقط من تلك الألفاظ شيء لا ينقص ذلك المعنى، بل يبقى على حاله.\rوالوجه الآخر: أن الإيجاز بالحذف أقوى دليلا على زيادة المعاني على الألفاظ؛ لأنا نرى اللفظ يدل على معنى لم يتضمنه، وفهم ذلك المعنى ضرورة لا بد منه، فعلمنا حينئذ أن ذلك المعنى الزائد على اللفظ مفهوم من دلالته عليه.\rفإن قيل: إن المعنى الزائد على اللفظ المحذوف لا بد له من تقدير لفظ آخر يدل عليه، وتلك الزيادة بإزاء اللفظ المقدر.\rقلت في الجواب عن ذلك:\rهذا لا ينقض ما ذهبت إليه من زيادة المعنى على اللفظ؛ لأن المعنى ظاهر، واللفظ الدال عليه مضمر، وإذا كان مضمرا فلا ينطق به، وإذا لم ينطق به فكأنه لم يكن، وحينئذ يبقى المعنى موجودًا، واللفظ الدال عليه غير موجود، وكذلك كل ما يعلم من المعاني بمفهوم الخطاب.\rألا ترى أنك إذا قلت لمن دخل عليك: \"أهلًا وسهلًا\"، علم أن الأهل والسهل منصوبان بعامل محذوف، تقديره: \"وجدت أهلا ولقيت سهلا\"، إلا أن لفظتي \"وجدت\" و\"لقيت\" محذوفتان، والمعنى الذي دل عليه باق، فصار المعنى حينئذ مفهوما مع حذفهما، فهو إذا زائد لا محالة، وكذلك جميع المحذوفات على اختلافها، وتشعب مقاصدها، وهذا لا نزاع فيه لبيانه ووضوحه.\rوقد سنح لي في زيادة المعنى على اللفظ في غير المحذوفات دليل أنا ذاكره، وهو أنا نجد من الكلام ما يدل على معنيين وثلاثة، واللفظ واحد، والمعاني التي تحته متعددة.\rفأما الذي يدل على معنيين: فالكنايات جميعها، كالذي ورد في الحديث عن النبي ﷺ، وعن أصحابه ﵃ أنهم كانوا إذا خرجوا من عنده لا يتفرقون إلا عن ذواق، وهذا يدل على معنيين:\rأحدهما: إطعام الطعام أي أنهم لا يخرجون من عنده حتى يطعموا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358671,"book_id":3862,"shamela_page_id":545,"part":"2","page_num":219,"sequence_num":545,"body":"الآخر: أنهم لا يتفرقون إلا عن استفادة علم، وأدب يقوم لأنفسهم مقام الطعام لأجسامهم.\rوأما الذي يدل على ثلاثة معان، فكقول أبي الطيب المتنبي:\rوأظلم أهل الظلم من بات حاسدًا ... لمن بات في نعمائه يتقلب١\rفهذا يدل على معان:\rالأول: أنه يحسد من أنعم عليه.\rالثاني: ضد الأول.\rالثالث: أنه يحسد كل رب نعمة كائنا من كان: أي يحسد من بات في نعماء نفسه يتقلب.\rوهذا وأمثاله من أدل الدليل على زيادة المعنى على اللفظ، وهو شيء استخرجته، ولم يكن لأحد فيه قول سابق!\rوحيث فرغنا من الكلام على هذا الموضع، فلنتبعه بذكر أقسام الإيجاز المشار إليها أولًا، وما ينصرف إليه، فنقول:\rالايجاز بالحذف:\rأما الإيجاز بالحذف فإنه عجيب الأمر شبيه بالسحر، وذاك أنك ترى فيه ترك الذكر أفصح من الذكر، والصمت عن الإفادة أزيد للإفادة.\rوتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق، وأتم ما تكون مبينا إذا لم تبين، وهذه جملة تنكرها حتى تخبر، وتدفعها حتى تنظر.","footnotes":"١ ديوان المتنبي ١/ ١٨٥ من قصيدة له في مدح كافور، وقد حمل إليه ستمائة دينار، مطلعها قوله:\rأغالب فيك الشوق، والشوق أغلب ... وأعجب من ذا الهجر، والهجر أعجب\rوقد شرح العكبري البيت المذكور بقوله: يريد أن أشد الظلم، وأقبحه حسد المنعم عليك، يريد: من بات في نعمة رجل، ثم بات حاسدا له فهو أظلم الظالمين، يريد: أن الحاسدين يحسدونه، وهو منقول من قول الحكم: \"أقبح الظلم حسد عبدك الذي تنعم عليه لك\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358672,"book_id":3862,"shamela_page_id":546,"part":"2","page_num":220,"sequence_num":546,"body":"والأصل في المحذوفات جميعها على اختلاف ضروبها أن يكون في الكلام ما يدل على المحذوف، فإن لم يكن هناك دليل على المحذوف، فإنه لغو من الحديث، لا يجوز بوجه، ولا سبب.\rومن شرط المحذوف في حكم البلاغة أنه متى أظهر صار الكلام إلى شيء غث، لا يناسب ما كان عليه أولًا من الطلاوة والحسن.\rوقد يظهر المحذوف بالإعراب كقولنا: أهلًا وسهلًا، فإن نصب الأهل والسهل يدل على ناصب محذوف، وليس هذا من الحسن ما للذي لا يظهر بالإعراب، وإنما يظهر بالنظر إلى تمام المعنى، كقولنا: فلان يحل ويعقد، فإن ذلك لا يظهر المحذوف فيه بالإعراب، وإنما يظهر بالنظر إلى تمام المعنى، أي أنه يحل الأمور ويعقدها.\rوالذي يظهر بالإعراب يقع في المفردات من المحذوفات كثيرًا، والذي لا يظهر بالإعراب يقع في الجمل من المحذوفات كثيرًا.\rوسأذكر في كتابي هذا ما وصل إلي علمه، وهو ينقسم قسمين:\rأحدهما: حذف الجمل.\rوالأخر: حذف المفردات.\rوقد يرد كلام بعض المواضع، ويكون مشتملًا على القسمين معا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358673,"book_id":3862,"shamela_page_id":547,"part":"2","page_num":221,"sequence_num":547,"body":"القسم الأول: حذف الجمل\rالضرب الأول: حذف السؤال المقدر \"ويسمى الاستئناف\"\r...\rالقسم الأول: حذف الجمل\rفأما القسم الأول، وهو الذي تحذف منه الجمل، فإنه ينقسم إلى قسمين أيضا:\rأحدهما: حذف الجمل المفيدة التي تستقل بنفسها كلاما، وهذا أحسن المحذوفات جميعها، وأدلها على الاختصار ولا تكاد تجده إلا في كتاب الله تعالى.\rوالقسم الآخر: حذف الجمل غير المفيدة، وقد وردا ههنا مختلطين.\rوجملتهما أربعة أضرب:\r١- الضرب الأول: حذف السؤال المقدر \"ويسمى الاستئناف\"\rويأتي على وجهين:\rالوجه الأول: إعادة الأسماء والصفات\rوهذا يجيء تارة بإعادة اسم من تقدم الحديث عنه، كقولك: أحسنت إلى زيد زيد حقيق بالإحسان.\rوتارة يجيء بإعادة صفته، كقولك: أحسنت إلى زيد صديقك القديم أهل لذلك منك.\rوهو أحسن من الأول وأبلغ، لانطوائه على بيان موجب للإحسان وتخصيصه.\rفمما ورد من ذلك قوله تعالى: ﴿الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ، وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ، أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ١.\rوالاستئناف واقع في هذا الكلام على: ﴿وَأُولَئِكَ﴾ ؛ لأنه لما قال: ﴿الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ إلى قوله: ﴿وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ ، اتجه لسائل أن يقول: ما بال المستقلين بهذه الصفات قد اختصوا بالهدى? فأجيب بأن أولئك الموصوفين غير مستبعد أن يفوزوا دون الناس بالهدى عاجلا، وبالفلاح آجلا.\rالوجه الثاني: الاستئناف بغير إعادة الأسماء والصفات\rوذلك كقوله تعالى: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ، أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ، إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ","footnotes":"١ سورة البقرة: الآيات ١ و٢ و٣ و٤ و٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358674,"book_id":3862,"shamela_page_id":548,"part":"2","page_num":222,"sequence_num":548,"body":"مُبِينٍ، إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ، قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ، بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ ١.\rفمخرج هذا القول مخرج الاستئناف؛ لأن ذلك من مظان المسألة عن حاله عند لقاء ربه.\rوكأن قائلا قال: كيف حال هذا الرجل عند لقاء ربه بعد ذلك التصلب في دينه، والتسخي لوجهه بروحه? فقيل: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾ ، ولم يقل: قيل له، لانصباب الغرض إلى المقول لا إلى المقول له مع كونه معلوما.\rوكذلك قوله تعالى: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ ، مرتب على تقدير سؤال سائل عما وجد.\rومن هذا النحو قوله عزوجل: ﴿يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾ ٢.\rوالفرق بين إثبات الفاء في سوف كقوله تعالى: ﴿يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ، مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ ٣. وبين حذف الفاء ههنا في هذه الآية أن إثباتها وصل ظاهر بحرف موضوع للوصل، وحذفها وصل خفي تقديري بالاستئناف الذي هو جواب لسؤال مقدر، كأنهم قالوا: فماذا يكون إذا عملنا نحن على مكانتنا، وعملت أنت? فقال: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ، فوصل تارة بالفاء، وتارة بالاستئناف للتفنن في البلاغة، وأقوى الوصلين وأبلغهما الاستئناف? وهو قسم من أقسام علم البيان تكثر محاسنه، فاعرفه إن شاء الله تعالى.","footnotes":"١ سورة يس: الآيات ٢٢ و٢٣ و٢٤ و٢٥ و٢٦ و٢٧.\r٢ سورة هود: الآية ٩٣.\r٣ سورة الزمر: الآيتان ٣٩ و٤٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358675,"book_id":3862,"shamela_page_id":549,"part":"2","page_num":223,"sequence_num":549,"body":"٢- الضرب الثاني: الاكتفاء بالسبب عن المسبب، وبالمسبب عن السبب\rفأما الاكتفاء بالسبب عن المسبب، فكقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ، وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ ١، كأنه قال: وما كنت شاهدا لموسى، وما جرى له وعليه ولكنا أوحيناه إليك، فذكر سبب الوحي الذي هو إطالة الفترة، ودل به على المسبب الذي هو الوحي، على عادة اختصارات القرآن؛ لأن تقدير الكلام: ولكنا أنشأنا بعد عهد الوحي إلى موسى إلى عهدك قرونا كثيرة، فتطاول على آخرهم -وهو القرن الذي أنت فيهم- العمر: أي أمد انقطاع الوحي، فاندرست العلوم، فوجب إرسالك إليهم، فأرسلناك، وعرفناك العلم بقصص الأنبياء، وقصة موسى، فالمحذوف إذا جملة مفيدة، وهي جملة مطولة دل السبب فيها على المسبب.\rوكذلك ورد قوله تعالى عقيب هذه الآية أيضا: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ ٢.\rفإن في هذا الكلام محذوفا لولاه لما فهم؛ لأنه قال: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ ، وهذا لا بد له من محذوف حتى يستقيم نظم الكلام، وتقديره: ولكن عرفناك ذلك، وأوحينا إليك رحمة من ربك؛ لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك، فذكر الرحمة التي هي سبب إرساله إلى الناس، ودل بها على المسبب الذي هو الإرسال.\rوأما حذف الجملة غير المفيدة من هذا الضرب، فنحو قوله تعالى حكاية عن مريم ﵍: ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا، قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّاْ﴾ ٣.","footnotes":"١ سورة القصص: الآيتان ٤٤ و٤٥.\r٢ سورة القصص: الآية ٤٦، وفي الأصل \"لعلهم يهتدون\"، وهو خطأ.\r٣ سورة مريم: الآيتان ٢٠ و٢١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358676,"book_id":3862,"shamela_page_id":550,"part":"2","page_num":224,"sequence_num":550,"body":"فقوله: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ ، تعليل معلله محذوف: أي وإنما فعلنا ذلك لنجعله آية للناس، فذكر السبب الذي صدر الفعل من أجله، وهو جعله آية للناس، ودل به على المسبب الذي هو الفعل.\rومما ورد من ذلك في الأخبار النبوية قصة الزبير بن العوام ﵁ والرجل الأنصاري الذي خاصمه في شراح الحرة١ التي يسقي منها النخل، فلما حضرا بين يدي رسول الله ﷺ قال للزبير: \"اسق ثم أرسل الماء إلى جارك\"، فغضب الأنصاري، وقال: \"يا رسول الله إن كان ابن عمتك\"؟، فتلون وجه رسول الله ﷺ وقال: \"اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر\"، وفي هذا الكلام محذوف تقديره، أن كان ابن عمتك حكمت له؟، أوقضيت له، أو ما جرى هذا المجرى، فذكر السبب الذي هو كونه ابن عمته، ودل به على المسبب الذي هو الحكم أو القضاء، لدلالة الكلام عليه.\rوأما الاكتفاء بالمسبب عن السبب، فكقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ ٢، أي: إذا أردت قراءة القرآن، فاكتفى بالمسبب الذي هو القراءة، عن السبب الذي هو الإرادة.\rوالدليل على ذلك أن الاستعاذة قبل القراءة، والذي دلت عليه أنها بعد القراءة، كقول القائل: \"إذا ضربت زيدا فاجلس\"، فإن الجلوس إنما يكون بعد الضرب، لا قبله.\rوهذا أولى من تأول من ذهب إلى أنه أراد فإذا تعوذت فاقرأ، فإن \"في\" ذلك قلبًا لا ضرورة تدعو إليه، وأيضا فليس كل مستعيذ واجبة عليه القراءة.\rوعلى هذا ورد قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ ٣.","footnotes":"١ الشرح -بفتح فسكون- مسير الماء من الحرة إلى السهل، وجمعها شراج، بكسر الشين.\r٢ سورة النحل: الآية ٩٨.\r٣ سورة المائدة: الآية ٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358677,"book_id":3862,"shamela_page_id":551,"part":"2","page_num":225,"sequence_num":551,"body":"والوضوء إنما يكون قبل الصلاة، لا عند القيام إليها؛ لأن القيام إليها هو مباشرة لأفعالها من الركوع والسجود، والقراءة وغير ذلك، وهذا إنما يكون بعد الوضوء، وتأويل الآية: إذا أردت القيام إلى الصلاة فاغسل، فاكتفى بالمسبب عن السبب.\rوكذلك ورد قول النبي ﷺ: \"إذا قام أحدكم إلى الصلاة فليتوضأ\".\rأي: إذا أراد القيام إلى الصلاة، وإنما عبر عن إرادة الفعل بلفظ الفعل؛ لأن الفعل مسبب عن الإرادة، وهو مع القصد إليه موجود، فكان منه بسبب وملابسة ظاهرة.\rومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ ١.\rأي: فضرب فانفجرت منه، فاكتفى بالمسبب -الذي هو الانفجار- عن السبب الذي هو الضرب.","footnotes":"١ سورة البقرة: الآية ٦٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358678,"book_id":3862,"shamela_page_id":552,"part":"2","page_num":225,"sequence_num":552,"body":"٣- الضرب الثالث: وهو الإضمار على شريطة التفسير\rوهو أن يحذف من صدر الكلام ما يؤتى به في آخره، فيكون الآخر دليلا على الأول.\rوهو ينقسم إلى ثلاثة أوجه:\rالوجه الأول: أن يأتي على طريق الاستفهام، فتذكر الجملة الأولى دون الثانية، كقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ ، تقدير الآية: أفمن شرح الله صدره للإسلام كمن أقسى قلبه، ويدل على المحذوف قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ .","footnotes":"١ سورة الزمر: الآية ٢٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358679,"book_id":3862,"shamela_page_id":553,"part":"2","page_num":226,"sequence_num":553,"body":"الوجه الثاني: يرد على حد النفي والإثبات، كقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ ١، تقديره: لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل، ومن أنفق من بعده وقاتل، ويدل على المحذوف قوله: ﴿أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ .\rالوجه الثالث: أن يرد على غير هذين الوجهين، فلا يكون استفهاما، ولا نفيا وإثباتا، وذلك كقول أبي تمام٢:\rيتجنب الآثام ثم يخافها ... فكأنما حسناته آثام\rوهذا البيت تختلف نسخ ديوانه في إثباته، فمنها ما يجيء فيه:\rيتجنب الأيام خيفة غيها ... فكأنما حسناته آثام\rوليس بشيء؛ لأن المعنى لا يصحُّ به.\rوكنت سئلت عن معناه، وقيل: كيف ينطبق عجز البيت على صدره، وإذا تجنبت الآثام وخافها، فكيف تكون حسناته آثاما? ففكرت فيه، وأنعمت نظري، فسنح لي في القرآن الكريم آية مثله، وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ ٣، وفي صدر البيت إضمار فسر في عجزه، وتقديره أنه يتجنب الآثام، فيكون قد أتى بحسنة، ثم يخاف تلك الحسنة، فكأنما حسناته آثام، وهو على طباق الآية سواء.\rومن الإضمار على شريطة التفسير قال أبي النواس:\rسُنة العشاق واحدة ... فإذا أحببت فاستكن\rفحذف لفظ الاستكانة من الأول، وذكره في الثاني: أي سنة العشاق واحدة، وهي الاستكانة، فإذا أحببت فاستكن، ومن الناس من يقول: \"فإذا أحببت فاستنن\"، وهذا لا معنى له؛ لأنه إذا لم يبين سنة العشاق ما هي، فبأي شيء يستن المسنن منها، لكنه ذكر السنة في صدر البيت من غير بيان، ثم بينها في عجزه.","footnotes":"١ سورة الحديد: الآية ١٠.\r٢ ديوان أبي تمام ٢٨٠ من قصيدة له مدح المأمون مطلعها:\rدمن ألم بها فقال سلام ... كم حل عقدة صبره الإلمام\r٣ سورة \"المؤمنون\": الآية ٦٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358680,"book_id":3862,"shamela_page_id":554,"part":"2","page_num":227,"sequence_num":554,"body":"٤- الضرب الرابع: ما ليس بسبب ولا مسبب، ولا إضمار على شريطة التفسير، ولا استئناف\rفأما ما حذف فيه من الجمل المفيدة، فكقوله تعالى في سورة يوسف ﵇: ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ، ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ، ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ، وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ ١.\rقد حذف من هذا الكلام جملة مفيدة تقديرها: فرجع الرسول إليهم، فأخبرهم بمقالة يوسف، فعجبوا لها، أو فصدقوه عليها، وقال الملك: ائتوني به.\rوالمحذوف إذا كان كذلك دل عليه دلالة ظاهرة؛ لأنه إذا ثبتت حاشيتا الكلام وحذف وسطه ظهر المحذوف لدلالة الحاشيتين عليه.\rوكذلك ورد قوله تعالى في هذه السورة أيضا: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ، قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ، قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ ٢.","footnotes":"١ سورة يوسف: الآيات ٤٧ و٤٨ و٤٩ و٥٠.\r٢ سورة يوسف: الآيات ٩٦ و٩٧ و٩٨ و٩٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358681,"book_id":3862,"shamela_page_id":555,"part":"2","page_num":228,"sequence_num":555,"body":"قد حذف أيضًا من هذا الكلام جملة مفيدة، تقديرها: ثم إنهم تجهزوا وساروا إلى مصر، فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه.\rوقد ورد هذا الضرب في القرآن الكريم كثيرا، كقوله تعالى في سورة القصص: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ، فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ ١.\rفي هذا محذوف، وهو جواب الاستفهام؛ لأنها لما قالت: ﴿فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾ ؟ احتاج إلى جواب لينتظم بما بعده من رده إلى أمه، والجواب: فقالوا: نعم، فدلتهم على امرأة، فجيء بها وهي أمه، ولم يعلموا بمكانها، فأرضعته، وهذه الجملة الثانية -أعني قوله تعالى: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ﴾ - تدل على المحذوف؛ لأن رده إلى أمه لم يكن إلا بعد رد الجواب على أخته، ودلالتها إياهم على امرأة ترضعه.\rويكفي هذا الموضع وحده لمن تبصر في مواقع المحذوفات وكيفيتها.\rومما يجري على هذا المنهج قوله تعالى في قصة سليمان ﵇ وقصة الهدهد في إرساله بالكتاب إلى بلقيس: ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ، قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ ٢.\rوفي هذا محذوف تقديره: فأخذ الكتاب وذهب به، فلما ألقاه إلى المرأة، وقرأته قالت: يا أيها الملأ.\rومن حذف الجمل المفيدة ما يعسر تقدير المحذوف منه، بخلاف ما تقدم.\rألا ترى أن الآيات المذكورة كلها إذا تأملها المتأمل وجد معانيها متصلة من غير","footnotes":"١ القصص: الآيتان ١٢ و١٣.\r٢ سورة النمل: الآيات ٢٧ و٢٨ و٢٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358682,"book_id":3862,"shamela_page_id":556,"part":"2","page_num":229,"sequence_num":556,"body":"تقدير للمحذوفات التي حذفت منها، ثم إذا قدر تلك المحذوفات سهل تقديرها ببديهة النظر.\rوالذي أذكره الآن ليس كذلك، بل إذا تأمله المتأمل وجده غير متصل المعنى، وإذا أراد أن يقدر المحذوف عسر عليه.\rفمما جاء منه قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ، وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ، اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ ١، فهذا الكلام إذا تأمله المتأمل لم يجده متصل المعنى، ولم يتبين له مجيء ذكر داود ﵇ ردفا لقوله تعالى: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ ، وإذا أراد أن يقدر ههنا محذوفا يوصل به المعنى عسر عليه، وتقديره يحتمل وجهين: أحدهما: أنه قال: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ ، وخوفهم أمر معصية الله، وعظمها في عيونهم بذكر قصة داود الذي كان نبيا من الأنبياء، وقد آتاه الله ما آتاه من النبوة والملك العظيم، ثم لما زل زلة قوبل بكذا وكذا، فما الظن بكم أنتم مع كفركم?\rالوجه الآخر: أنه قال: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ ، واحفظ نفسك أن تزل في شيء مما كلفته من مصابرتهم، واحتمال أذاهم واذكر أخاك داود، وكرامته على الله كيف زل تلك الزلة، فلقي من توبيخ الله ما لقي!!\rفهذا الكلام كما تراه يحتاج إلى تقدير حتى يتصل بعضه ببعض، وهو من أغمض ما يأتي من المحذوفات، وبه تنبيه على مواضع أخرى غامضة.\rوأما ما ورد من هذا الضرب في حذف الجمل التي ليست بمفيدة، فنحو قوله تعالى: ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا، قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا، قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ","footnotes":"١ سورة ص: الآيات ١٥ و١٦ و١٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358683,"book_id":3862,"shamela_page_id":557,"part":"2","page_num":230,"sequence_num":557,"body":"هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا، قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا، فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا، يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ ١.\rهذا الكلام قد حذف منه جملة دل عليها صدره، وهو البشرى بالغلام، وتقديرها: ولما جاءه الغلام ونشأ وترعرع قلنا له: يا يحيى خذ الكتاب بقوة، فالجملة المحذوفة ليست من الجمل المفيدة.\rعلى هذا النهج ورد قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي، قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى، قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا، أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي، قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ ٢.\rوقد حذف من هذا الكلام جملة، إلا أنها غير مفيدة، وتقديرها: فلما رجع موسى، ورآهم على تلك الحالة من عبادة العجل قال لأخيه هارون: ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعني؟\rوكذلك ورد قوله تعالى في قصة سليمان ﵇ من سورة النمل: ﴿قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ ٣ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ، قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ، قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ، قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾ ٤.","footnotes":"١ سورة مريم: الآيات ٧ و٨ و٩ و١٠ و١١ و١٢.\r٢ سورة طه: الآيات ٩٠ و٩١ و٩٢ و٩٣ و٩٤.\r٣ سقطت عبارة \"يأيها الملأ\" من الأصول ومن المطبوع.\r٤ سورة النمل: الآيات ٣٨ و٣٩ و٤٠ و٤١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358684,"book_id":3862,"shamela_page_id":558,"part":"2","page_num":231,"sequence_num":558,"body":"وفي هذا محذوف تقديره: فلما جاء به قال: ﴿نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾ ؛ لأن تنكيره لم يكن إلا بعد أن جيء به إليه، وقد أغنى عن المحذوف\rصدر الكلام وآخره، وكان ذلك دليلًا عليه.\rومما ورد على ذلك شعرًا قول أبي الطيب المتنبي١:\rلا أبغض العيس لكني وقيت بها ... قلبي من الهم أو جسمي من السقم٢\rوهذا البيت فيه محذوف، تقديره: لا أبغض العيس لإنضائي إياها في الأسفار، ولكني وقيت بها كذا وكذا، فالثاني دليل على حذف الأول.\rوهذا موضع يحتاج فيه استخراجه، واستخراج أمثاله إلى فكرة وتدقيق نظر.\rومما يتصل بهذا الضرب حذف ما يجيء بعد \"أفعل\"، كقولنا: \"الله أكبر\"، فإن هذا\rيحتاج إلى تمام أي أكبر من كل كبير، أو أكبر من كل شيء يتوهم كبيرًا، أو ما جرى هذا المجرى.\rومثله يرد قولهم: زيد أحسن وجها، وأكرم خلقا، تقديره أحسن وجها من غيره، وأكرم خلقا من غيره، أو ما يسد هذا المسد من الكلام.\rوعليه ورد قول البحتري٣:\rالله أعطاك المحبة في الورى ... وحباك بالفضل الذي لا ينكر\rولأنت أملأ في العيون لديهم ... وأجل قدرا في الصدور وأكبر\rأي: أنت أملأ في العيون من غيرك.","footnotes":"١ ديوان المتنبي ٤/ ١٥٦ من قصيدة له يذكر فيها مسيره من مصر، ويرثي فاتكا، ومطلعها:\rحتام نحن نساوي النجم في الظلم ... وما سراه على خف ولا قدم\r٢ يريد أن إتعابها في السفر لم يكن بغضا لها مني، ولكن أسافر عليها لأقي قلبي وأحفظه من الحزن، وجسمي من الحزن، وجسمي من السقم، إذا غير الهواء والماء وسافر صح جسمه، وكذلك المخزون يتنسم بروح الهواء، أو يصير إلى مكان يسر بالإكرام فيه.\r٣ ديوان البحتري ١/ ١١ من قصيدة له يمدح فيها المتوكل على الله، ويذكر خروجه يوم الفطر، ومطلعها:\rأخفي هوى لك في الضلوع وأظهر ... وآلام في كمد عليك وأعذر","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358685,"book_id":3862,"shamela_page_id":559,"part":"2","page_num":232,"sequence_num":559,"body":"القسم الثاني: حذف المفردات\rالضرب الأول: حذف الفاعل والاكتفاء في الدلالة عليه بذكر الفعل\r...\rالقسم الثاني: حذف المفردات\rأما القسم الثاني المشتمل على حذف المفردات، فإنه يتصرف على أربعة عشر ضربًا:\r١- الضرب الأول: حذف الفاعل والاكتفاء في الدلالة عليه بذكر الفعل\rكقول العرب: \"أرسلت\"، وهم يريدون جاء المطر، ولا يذكرون السماء، ومنه قول حاتم١:\rأما وي، ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر\rيريد: النفس، ولم يجر لها ذكر.\rوعلى هذا ورد قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ، وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ ٢، والضمير في: ﴿بَلَغَتِ﴾ للنفس، ولم يجر لها ذكر.\rوقد نص عثمان بن جني -رحمه الله تعالى- على عدم الجواز في حذف الفاعل، وهذه الآية وهذا البيت الشعري، وهذه الكلمة الواردة عن العرب على خلاف ما ذهب إليه٣.\rإلا أن حذف الفاعل لا يجوز على الإطلاق، بل يجوز فيما هذا سبيله، وذاك أنه لا يكون إلا فيما لا يكون إلا فيما دل الكلام عليه.\rألا ترى أن التي تبلغ التراقي إنما هي النفس، وذلك عند الموت، فعلم حينئذ أن","footnotes":"١ ديوان حاتم الطائي ١١٨، من مجموع يشتمل على خمسة دواوين من أشعار العرب: للنابغة، وعروة بن الورد، وحاتم طي، وعلقمة الفحل، والفرزدق \"المطبعة الوهبية، القاهرة ١٢٩٣هـ\"، والبيت من قصيدة رواها ابن الكلبي لحاتم، ومطلعها:\rأما وي طال التجنب والهجر ... وقد عذرتني من طلابكم العذر\r٢ سورة القيامة: الآيتان ٢٦ و٢٧.\r٣ هذا ليس من باب حذف الفاعل إلا عند الكوفيين، والضمير في الآية عائد على النفس، وكذلك في بيت حاتم، وفي قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ ، فإن الضمير في: ﴿تَوَارَتْ﴾ عائد إلى الشمس، ولم يتقدم لها ذكر. وذلك إذا كان الاسم الظاهر مفهوما من سياق الكلام.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358686,"book_id":3862,"shamela_page_id":560,"part":"2","page_num":233,"sequence_num":560,"body":"النفس هي المرادة، وإن كان الكلام خاليا عن ذكرها، وكذلك قول حاتم\" حشرجت\"، فإن الحشرجة إنما تكون عند الموت.\rوأما قول العرب: \"أرسلت\" -وهم يريدون أرسلت السماء- فإن هذا يقولونه نظرا إلى الحال، وقد شاع فيما بينهم أن هذه كلمة تقال عند مجيء المطر، ولم ترد في شيء من أشعارهم، ولا في كلامهم المنثور، وإنما يقولها بعضهم لبعض إذا جاء المطر.\rفالفرق بينها وبين \"حشرجت\"، وبين: ﴿بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾ ظاهر، وذاك أن \"حشرجت\"، و ﴿بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾ يفهم منها أن النفس التي حشرجت، وأنها هي التي بلغت التراقي.\rوأما \"أرسلت\"، فلولا شاهد الحال، وإلا لم يجز أن تكون دالة على مجيء المطر، ولو قيل في معرض الاستسقاء: \"إنا خرجنا نسأل لله، فلم نزل حتى أرسلت\"، لفهم من ذلك أن التي أرسلت هي السماء، ولا بد في الكلام من دليل على المحذوف، وإلا كان لغوا لا يلتفت إليه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358687,"book_id":3862,"shamela_page_id":561,"part":"2","page_num":233,"sequence_num":561,"body":"٢- الضرب الثاني: حذف الفعل وجوابه\rاعلم أن حذف الفعل ينقسم قسمين:\rأحدهما يظهر بدلالة المفعول عليه، كقولهم في المثل: \"أهلك والليل\"، فنصب، \"أهلك\" و\"الليل\" يدل على محذوف ناصب، تقديره: \"الحق أهلك وبادر الليل\"، وهذا مثل يضرب في التحذير.\rوعليه ورد قوله تعالى: ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ ١.\rومما ورد منه في الأخبار النبوية أن جابرا تزوج، فقال له رسول الله ﷺ: \"ما تزوجت\"؟ قال: ثيبا؛ فقال له: \"فهلا جارية تلاعبها وتلاعبك\"، يريد فهلا تزوجت جارية، فحذف الفعل لدلالة الكلام عليه.","footnotes":"١ سورة الشمس: الآية ١٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358688,"book_id":3862,"shamela_page_id":562,"part":"2","page_num":234,"sequence_num":562,"body":"ومما ورد منه شعرا قول أبي الطيب المتنبي في قصيدته التي يمتدح بها عضد الدولة أبا شجاع بن بويه، ومطلعها١:\rفدى لك من يقصر عن مداكا٢\rوسأذكر الموضع الذي حذف منه الفعل، وجوابه لتعلق الأبيات بعضها ببعض، وهي من محاسن ما يؤتى به في معنى الوداع، ولم يأت لغيره مثلها، وهي:\rإذا التوديع أعرض قال قلبي ... عليك الصمت لا صاحبت فاكا٣\rولولا أن أكثر ما تمنى ... معاودة لقلت ولا مناكا٤\rقد استشفيت من داء بداء ... وأقتل ما أعلك ما شفاكا\rفأكتم منك نجوانا وأخفي ... هموما قد أطلت لها العراكا٥\rإذا عاصيتها كانت شدادًا ... وإن طوعتها كانت ركاكا٦\rوكم دون الثوية من حزين ... يقول له قدومي: ذا بذاكا٧","footnotes":"١ ديوان المتنبي ٢/ ٣٨٥.\r٢ هذا صدر المطلع، وعجزه:\rفلا ملك إذن إلا فداكا\r٣ إذا ظهر التوديع قال لي قلبي: اسكت، ولا تتكلم بالوداع، قال الواحدي: ويجوز أن يكون المعنى: لا تمدح غيره، ومعنى \"لا صاحبت فاك\" أي: لا نطقت: دعاء عليه.\r٤ معناه: لولا أن قلبي أكثر ما يتمنى، ويطلب معاودة خدمة الممدوح، لقلت له: لا بلغت مناك: وقال الواحدي: لا بلغت مناك في الارتحال، حتى لا أفارقه. ولكنه يتمنى الارتحال للعود إليه.\r٥ رواية الديوان \"فأستر منك\" موضع \"فأكتم منك\".\r٦ الركاك: الضعاف، وهو جمع ركيك كضعيف.\r٧ الثوبة مكان بالكوفة على بعد ثلاثة أميال منها، ومعنى البيت: كم دونها من إنسان حزين لفراقي، فإذا قدمت فرح لقدومي، فيقوله القدوم، هذا السرور بالغم الذي كنت لقيته بالبعد، وهذا كقول أبي تمام:\rوليست فرحة الأوبات إلا ... لموقوف على ترح الوداع\rوقول ابن الرومي يخاطب أمه، وقد أراد سفرًا:\rفقلت لها إن اكتئابا بشاخص ... سيتبعه الله ابتهاجا بقادم","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358689,"book_id":3862,"shamela_page_id":563,"part":"2","page_num":235,"sequence_num":563,"body":"ومن عذب الرضاب إذا أنخنا ... يقبل رحل تروك والوراكا١\rيحرم أن يمس الطيب بعدي ... وقد عبق العبير به وصاكا٢\rيحدث مقلتيه النوم عني ... فليت النوم حدث عن نداكا\rوما أرضى لمقلته بحلم ... إذا انتبهت توهمه ابتشاكا٣\rولا أرضى إلا بأن يصغي وأحكي ... فليتك لا يتيمه هواكا\rفقوله: \"ولا مناكا\" فيه محذوف، تقديره: ولا صاحبت مناكا، وكذلك قوله: \"ولا\rإلا بأن يصغي وأحكي\" فإن فيه محذوفا، تقديره: ولا أرضى إلا بأن يصغي وأحكي.\rأما القسم الأخر: فإنه لا يظهر فيه قسم الفعل؛ لأنه لا يكون هناك منصوب يدل عليه، وإنما يظهر بالنظر إلى ملاءمة الكلام.\rفمما جاء منه قوله تعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ٤.\rفقوله: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونَا﴾ ، لقد جئتمونا\"يحتاج إلى إضمار فعل: أي فقيل لهم: لقد جئتمونا، أو فقلنا لهم.\rوقد استعمل هذا القرآن الكريم في غير موضع، كقوله تعالى:\r﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ ٥.","footnotes":"١ الرضاب: ماء الأسنان، وتروك: اسم ناقة أعطاها له عضد الدولة، والوراك: جلد يتخذه الراكب تحت وركه، يقول: كم هناك من شخص عذب الرضاب، إذا أنخت إليه ناقتي قبل رحلها، ووراكها إعجابا بها، يفديها بنفسه إكراما لها إذا أدنتني إليه.\r٢ في الأصل \"علق\" موضع \"عبق\"، والتصويب عن الديوان، وصاك الشيء بالشيء لصق به.\r٣ التشبيك والاشتباك الكذب، وأبشك القول، وحرفه واختلفه، بمعنى.\r٤ سورة الكهف: الآية ٤٨.\r٥ سورة الأحقاف: الآية ٢٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358690,"book_id":3862,"shamela_page_id":564,"part":"2","page_num":236,"sequence_num":564,"body":"فقوله: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ يحتاج إلى تقدير الفعل المضمر.\rوكذلك ورد قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا﴾ ١، فقوله: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ﴾ ، لا بد له من إضمار القول، أي: وقلنا له: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا﴾ .\rومن هذا الضرب: إيقاع الفعل على شيئين، وهو لأحدهما، كقوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ ٢.\rوهو٣ لأمركم وحده، وإنما المراد أجمعوا أمركم وادعوا شركاءكم؛ لأن معنى \"أجمعوا\" من \"أجمع الأمر\"، إذا نواه، وعزم عليه.\rوقد قرأ أبي ﵁: \"فأجمعوا أمركم وادعوا شركاءكم\"، وهذا دليل على ما أشرت إليه، وكذلك هو مثبت في مصحف عبد الله بن مسعود رضي الله عنه٤.\rومن حذف الفعل باب يسمى \"باب إقامة المصدر مقام الفعل\".\rوإنما يفعل ذلك لضرب من المبالغة والتوكيد، كقوله تعالى: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ ٥، قوله: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ ، أصله: فاضربوا الرقاب","footnotes":"١ سورة العنكبوت: الآية ٨.\r٢ سورة يونس: الآية ٧١.\r٣ وهو أي الفعل.\r٤ هو عبد الله بن مسعود بن الحارث، أبو عبد الرحمن الهذلي المكي، أحد السابقين والبدريين، والعلماء الكبار من الصحابة، أسلم قبل عمر، وعرض القرآن على النبي ﷺ، وهو أول من أفشى القرآن من في رسول الله، توفي سنة اثنين وثلاثين، ودفن بالبقيع، وله بضع وستون سنة.\r٥ سورة محمد: الآية ٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358691,"book_id":3862,"shamela_page_id":565,"part":"2","page_num":237,"sequence_num":565,"body":"ضربا، فحذف الفعل وأقيم المصدر مقامه، وفي ذلك اختصار، مع إعطاء معنى التوكيد المصدري.\rوأما حذف جواب الفعل، فإنه لا يكون في الأمر المحتوم، كقوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا﴾ ١، فجزم: ﴿يَخُوضُوا﴾ ، و ﴿وَيَلْعَبُوا﴾ ؛ لأنهما جواب أمر ﴿فَذَرْهُمْ﴾ .\rوحذف الجواب في هذا لا يدخل في باب الإيجاز؛ لأنا إذا قلنا: ذرهم أي: اتركهم لا يحتاج ذلك إلى جواب، وكذلك ما يجري مجراه.\rوإنما يكون الجواب بالفاء في ماض، كقولنا: \"قلت له: اذهب فذهب\"، وحينئذ يظهر الجواب المحذوف، كقوله تعالى: ﴿آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا، فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾ ٢.\rألا ترى كيف حذف جواب الأمر في هذه الآية؟، فإن تقديره: فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا، فذهبا إليهم، فكذبوهما فدمرناه تدميرا، فذكر حاشيتي القصة أولها وآخرها؛ لأنهما المقصود من القصة بطولها، أعني إلزام الحجة ببعثة الرسل، واستحقاق التدمير بتكذيبهم.\rومن هذا الضرب قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ، أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ، قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ، قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ، فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ﴾ ٣.","footnotes":"١ سورة الزخرف: الآية ٨٣.\r٢ سورة الفرقان: الآيتان ٣٥ و٣٦.\r٣ سورة يوسف: الآيات ١١ و١٢ و١٤ و١٥، و\"نرتع ونلعب\" بالنون فيهما مكي، وشامي وأبو عمرو، وكذلك هو في الأصل، وبانياء فهيما مدني وكوفي. وبكسر العين حجازي من ارتعى يرتعي افتعال من الرعي.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358692,"book_id":3862,"shamela_page_id":566,"part":"2","page_num":238,"sequence_num":566,"body":"فجواب الأمر من هذا الكلام محذوف، تقديره: فأرسله معهم، ويدلنا على ذلك ما جاء بعده من قوله: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ﴾ .\rكما حذف أيضًا من قوله عزوجل: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ، يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾ ١. الآية.\rفجواب الأمر من هذا الموضع محذوف، وتقديره: فأرسلوه إلى يوسف، فأتاه، فقال له: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ .\rوكذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ، قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ ٢ الآية.\rففي هذا الكلام حذف، واختصار استغني عنه بدلالة الحال عليه، وتقديره: فرجع الرسول إلى الملك برسالة يوسف، فدعا الملك بالنسوة، وقال لهن: ما خطبكن....؟\rوهكذا ورد قوله تعالى: ﴿ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ ٣.\rوقد حذف جواب الأمر ههنا، وتقديره: فأتوه به، فلما كلمه.....\rوفي سورة يوسف ﵇ محذوفات كثيرة من أولها إلى آخرها.\rفانظر أيها المتأمل إلى هذه المحذوفات المذكورة ههنا التي كأنها لم تحذف من هذا الكلام، لظهور معناها وبيانه؟، ودلالة الحال عليه.\rوعلى النحو من ذلك ينبغي أن تكون محذوفات الكلام.","footnotes":"١ سورة يوسف: الآيتان ٤٥ و٤٦.\r٢ سورة يوسف: الآيتان ٥٠ و٥١.\r٣ سورة يوسف: الآية ٥٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358693,"book_id":3862,"shamela_page_id":567,"part":"2","page_num":239,"sequence_num":567,"body":"٣- الضرب الثالث: حذف المفعول به\rوذلك مما نحن بصدده أخص، فإن اللطائف فيه أكثر وأعجب، كقولنا: فلان يحل ويعقد، ويبرم وينقض، ويضر وينفع، والأصل في ذلك على إثبات المعنى المقصود في نفسك للشيء على الإطلاق.\rوعلى هذا جاء قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى، وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾ ١.\rومن بديع قوله عزوجل: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ، فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ ٢.\rفإن في هاتين الآيتين قد حذف المفعول به في أربعة أماكن، إذ المعنى: وجد أمة٣ من الناس يسقون مواشيهم، وامرأتين تذودان مواشيهما، وقالتا: لا نسقي مواشينا، فسقى لهما مواشيهما؛ لأن الغرض أن يعلم أنه كان من الناس سقي: ومن الامرأتين ذود، وأنهما قالتا: لا يكون منا سقي حتى يصدر الرعاء٤، وأنه كان من موسى ﵇ بعد ذلك السقي، فأما كون المسقي غنما، وإبلا أو غير ذلك فخارج عن الغرض.\rوقد ورد في الشعر من هذا النوع قول البعيث بن حريث٥ من أبيات الحماسة٦:","footnotes":"١ سورة النجم: الآيتان ٤٣ و٤٤.\r٢ سورة القصص الآيتان ٢٣ و٢٤.\r٣ الأمة الجماعة الكبيرة.\r٤ يصدر أن يرجع، والرعاء جمع راعي، كقيام جمع قائم.\r٥ شاعر محسن، هو ابن حريث بن جابر، ولهم شاعران آخران يقال لهما \"البعيث\" أحدهما: المجاشعي، واسمه خداش، شاعر مشهور، وله نقائض بين جرير والفرزدق، والآخر: البعيث التغلبي، وهو بعيث بن رزام، وكان يهاجي زرعة بن عبد الرحمن، حكاه الآمدي في \"المؤتلف والمختلف\".\r٦ ديوان الحماسة ١/ ١٤٩ من جملة أبيات أولها:\rخيال لأم السلسبيل ودونها ... مسيرة شهر للبريد المذبذب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358694,"book_id":3862,"shamela_page_id":568,"part":"2","page_num":240,"sequence_num":568,"body":"دعاني يزيد بعد ما ساء ظنه ... وعبس وقد كانا على حد منكب١\rوقد علما أن العشيرة كلها ... سوى محضري من حاضرين وغيب٢\rفالمفعول الثاني من \"علما\" محذوف؛ لأن قوله: \"أن العشيرة\" في موضع مفعول \"علما\" الأول، وتقدير الكلام قد علما أن العشيرة سوى محضري من حاضرين وغيب لا غناء عندهم، أو سواء حضورهم وغيبتهم، أو ما جرى هذا المجرى.\rومن هذا الضرب أيضًا: حذف المفعول الوارد بعد المشيئة، والإرادة كقوله تعالى: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ ٣.\rفمفعول: ﴿شَاءَ﴾ ههنا محذوف، وتقديره ولو شاء الله أن يذهب بسمعهم وأبصارهم لذهب بها.\rوعلى نحو من ذلك جاء قوله تعالى: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ ٤.\rومما جاء على مثال ذلك شعرا قول البحتري٥:\rلو شئت لم تفسد سماحة حاتم ... كرما ولم تهدم مآثر خالد\rالأصل في ذلك: لو شئت ألا تفسد سماحة حاتم لم تفسدها، فحذف ذلك من الأول، استغناء بدلالته عليه في الثاني.\rوقد تقدم أن من الواجب في حكم البلاغة ألا تنطق بالمحذوف، ولا تظهره إلى اللفظ، ولو أظهرت لصرت إلى كلام غث.","footnotes":"١ في الأصل جد موضع \"حد\"، والتصويب عن الحماسة، والحد الطرف والمنكب النكبه، وهي، الثانية، والمعنى دعاني يزيد وعبس لنصرتهما، وقد كانا أشرفا على الهلاك، وذلك تفسير \"ساء ظنه\".\r٢ في الحماسة \"خاذلين\" موضع \"حاضرين\"، والغيب جمع غائب، يقول: استغاثا في متيقنين أن كل عشيرتهما -إذا لم أحضر- بين شاهد لا ينصر. وغائب لا يحضر، ودل بهذا الكلام على الضرورة الداعية إلى الاستغاثة به.\r٣ سورة البقرة: الآية ٢٠.\r٤ سورة الأنعام: الآية ٣٥.\r٥ ديوان البحتري ٢/ ٤٢، قصيدة له في مدح يوسف بن محمد، ومطلعها:\rعجبا لطيف خيالك المتعاهد ... ولو صلك المتقارب المتباعد","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358695,"book_id":3862,"shamela_page_id":569,"part":"2","page_num":241,"sequence_num":569,"body":"ومجيء المشيئة بعد \"لو\"، وبعد حروف الجزاء هكذا موقوفة غير معداة إلى شيء كثير شائع بين البلغاء.\rولقد تكاثر هذا الحذف في \"شاء\" و\"أراد\" حتى إنهم لا يكادون يبرزون المفعول، إلا في الشيء المستغرب، كقوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ ١.\rعلى هذا الأسلوب جاء قول الشاعر٢:\rولو شئت أن أبكي دما لبكيته ... عليه ولكن ساحة الصبر أوسع٣\rفلو كان على حد قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ لوجب أن يقول: ولو شئت لبكيت دمًا، ولكنه ترك تلك الطريقة وعدل إلى هذه؛ لأنه أليق في هذا الموضع، وسبب ذلك أنه كان بدعا عجيبا أن يشاء الإنسان أن يبكي دما، فلما كان مفعول المشيئة مما يستعظم، ويستغرب كان الأحسن أن يذكر ولا يضمر.","footnotes":"١ سورة الزمر: الآية ٤.\r٢ هو الخزيمي، واسمه إسحاق بن حسان، ويكنى أبا يعقوب، وهو من العجم، وكان مولى ابن خريم، الذي يقال لأبيه: \"خريم الناعم\" وكان أبو يعقوب متصلا\rبمحمد بن منصور بن زياد، كاتب البرامكة، وله فيه مدائح جياد، ثم رثاه بعد موته، فقال له أحمد بن يوسف الكاتب: يا أبا يعقوب، مدائحك لآل منصور بن زياد أحسن من مراثيك وأجود! فقال: كنا يومئذ نعمل على الرجاء، ونحن اليوم نعمل على الوفاء، وبينهما بون بعيد!\r٣ انظر ديوان المعاني \"٢/ ١٧٥\" قال أبو هلال العسكري: وأخبرنا أبو أحمد قال: سمعت ابن يزيد يقول: لو سئلت عن أحسن أبيات تعرف في المراثي لم أختر على أبيات الخريمي:\rألم ترني أبني على الليث بنية ... وأحثى عليه الترب لا أتخشع\rوأعددته ذخرا لكل ملمة ... وسهم المنايا بالذخائر مولع\rوإني وإن ظهرت مني جلادة ... وصانعت أعدائي عليه لموجع\rولو شئت أن أبكي دما لبكيته ... عليه ولكن ساحة الصبر أوسع","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358696,"book_id":3862,"shamela_page_id":570,"part":"2","page_num":242,"sequence_num":570,"body":"٤- الضرب الرابع: وهو حذف المضاف والمضاف إليه، وإقامة كل واحد منهما مقام الآخر\rوذلك باب عريض طويل شائع في كلام العرب، وإن كان أبو الحسن الأخفش١ ﵀ لا يرى القياس عليه.\rفأما حذف المضاف، فكقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ ٢، فحذف المضاف إلى يأجوج ومأجوج٣، وهو سدهما، كما حذف المضاف إلى القرية في قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ ٤، أي: أهل القرية٥.\rومن ذلك أيضًا قوله عزوجل: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ ٦، أي: خصلة من اتقى، وإن شئت كان تقديره، ولكن ذا البر من اتقى، والأول أولى؛ لأن حذف المضاف","footnotes":"١ هو سعيد بن مسعدة أبو الحسن الأخفش الأوسط، وهو أحد الأخافش الثلاثة المشهورين، كان مولى بني مجاشع بن دارم، من أهل بلخ، سكن البصرة، البصرة، وقرأ النحو على سيبويه، وكان أسن منه، ولم يأخذ عن الخليل، وكان معتزليا، دخل بغداد، وأقام بها مدة، وروى وصنف بها، قال المبرد: أحفظ من أخذ عن سيبويه الأخفش ثم الناشئ، ثم قطرب قال: وكان\rالأخفش أعلم بالكلام، وأحذقهم بالجدل، صنف الأوساط في النحو، ومعاني القرآن، والمقاييس في النحو والاشتقاق، والمسائل: الكبيرة والصغيرة؛ والعروض والقوافي والأصوات، وغير ذلك، ومات سنة ٢١٠، وقيل: ٢٢١هـ -وانظر بغية الوعاة ٢٥٨.\r٢ سورة الأنبياء: الآية ٩٦.\r٣ هما اسمان أعجميان بدليل منع الصرف، وهمزهما عاصم فقط، وهما من ولد يافث بن نوح، أو يأجوج من الترك، ومأجوج من الجبل والديلم، قال النسفي في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ ، قيل: كانوا يأكلون الناس، وقيل: كانوا يخرجون أيام الربيع فلا يتركون شيئا أخضر إلا أكلوه، ولا يابسا، احتملوه ... كلهم قد حمل السلاح، وقيل: هم على صفتين طوال مفرطو الطول، وقصار مفرطو القصر، ٢٠.٣\".\r٤ سورة يوسف: الآية ٨٢.\r٥ عقب النسفي على هذه الآية يمثل ما عقب به الأثير، قال النسفي \"٣/ ٦٩\": أي فتح سدهما، فحذف المضاف، كما حذف المضاف إلى قربة، وقال في هذا الموضع: إن يأجوج ومأجوج قبيلتان من جنس الإنس، يقال: الناس عشرة أجزاء، تسعة منها يأجوج ومأجوج.\r٦ سورة البقرة: الآية ١٨٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358697,"book_id":3862,"shamela_page_id":571,"part":"2","page_num":243,"sequence_num":571,"body":"ضرب من الاتساع، والخبر أولى بذلك من المبتدأ؛ لأن الاتساع بحذف الأعجاز أولى منه بحذف الصدور.\rوقد حذف المضاف مكررًا في قوله تعالى: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ ١.\rأي: من أثر حافر فرس الرسول.\rوهذا الضرب أكثر اتساعا من غيره.\rومما جاء منه شعرا قول بعضهم٢ من شعراء الحماسة:\rإذا لاقيت قومي فاسأليهم ... كفى قوما بصاحبهم خبيرا٣\rهل اعفو عن أصول الحق فيهم ... إذا عسرت وأقتطع الصدورا٤\rأراد: أنه يقتطع ما في الصدور من الضغائن والأوغام٥؛ أي يزيل ذلك بإحسانه من عفو وغيره، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه.\rأما حذف المضاف إليه، فإنه قليل الاستعمال.\rفمما جاء منه تعالى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ ٦، أي: من قبل ذلك ومن بعده.\rوربما أدخل في هذا الموضع ما ليس منه، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ ٧، قيل: أراد ظهر الأرض، فحذف المضاف","footnotes":"١ سورة طه: الآية ٩٦.\r٢ لم ينسبها أبو تمام في ديوان الحماسة ٢/ ٢٧٣، ونقل التبريزي عن أبي هلال، أن البيتين لجثامة بن قيس أخي بلعاء بن قيس أحد بني أبي بكر بن كلاب، ومن شعرائهم، وكان رئيسًا على قبيلته يوم الفجار الثاني، لما قتل أخوه بلعاء بن قيس.\r٣ رواية ديوان الحماسة \"كفى قومي\" موضع \"كفى قوما\"، وقوله: \"بصاحبهم\" يعني به نفسه.\r٤ أراد بقوله: \"أصول الحق\" أي، وبقوله: \"اقتطع الصدور أي: آخذ ما سهل مأخذه، والمعنى: إن سألت عن حقيقتي فاسألي قومي، فإنهم أخبر بصاحبهم. ولو سألتهم عن حسن معاملتي لهم، ورأفتي بهم لأخبروك بأني أتسامح بما يجب لي عليهم من الحقوق، وآخذ اليسير منها، ولا أستقصي في تقاضيها.\r٥ الأوغام جمع وغم، ومن معانيه المناسبة هنا، الحرب، والترة، والحقد الثابت في الصدر.\r٦ سورة الروم: الآية ٤.\r٧ سورة فاطر: الآية ٤٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358698,"book_id":3862,"shamela_page_id":572,"part":"2","page_num":244,"sequence_num":572,"body":"إليه، وليس كذلك، وفإن الهاء والألف قائمة مقام الأرض، ألا ترى أن قوله: \"ظهرها\" يريد الأرض؛ لأنه ضمير راجع إليها.\rوكذلك ورد قول جرير١:\rإذا أخذت قيس عليك وخندف ... بأقطارها لم تدر من أين تسرح٢\rوهذا لا يسمى إيجازا، وإنما هو تعويض٣ بالضمير عن الضمير.","footnotes":"١ ديوان جرير \"١١١\" من قصيدة له مطلعها:\rأجد رواح القوم أم لا تروح ... نعم كل من يعني يحمل مترح\r٢ قيس وخندف قبيلتان، يقول: إذا أخذتا عليك الطرق لم يكن لك رواح، ولا مسرح، بل تنجحر فلا تظهر، وهذه القصيدة إحدى نقائضه في هجاء الأخطل، وفي الأصل \"بأنظارها\" موضع \"بأقطارها\" وهو تحريف، والتصويب عن الديوان.\r٣ في الأصل \"تعريض\" -بالراء موضع الواو- وهو تحريف.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358699,"book_id":3862,"shamela_page_id":573,"part":"2","page_num":244,"sequence_num":573,"body":"٥- الضرب الخامس: وهو حذف الموصوف والصفة، وإقامة كل منهما مقام الآخر\rولا يكون اطراده في كل موضع، وأكثره يجيء في الشعر، وإنما كانت كثرته في الشعر دون الكلام المنثور لامتناع القياس في اطراده.\rفمما جاء منه في الشعر قول البحتري في أبيات في صفة إيوان كسرى، فقال في ذكر التصاوير التي في الإيوان -وذلك أن الفرس كانت تحارب الروم، فصوروا صورة مدينة \"أنطاكية\"١ في الإيوان وحرب الروم، والفرس عليها- فمما ذكره في ذلك قوله٢:","footnotes":"١ أنطاكية -بالفتح ثم السكون والياء مخففة- مدينة هي قصبة العواصم من الثغور الشامية، من أعيان البلاد وأمهاتها، موصوفة بالنزاهة، والطيب والحسن وطيب الهواء، وعذوبة الماء وكثرة الفواكه، وسعة الخير، بينهما وبين حلب يوم وليلة.\r٢ديوان البحتري ١/ ١٠٨ من قصيدته السينية المشهورة التي مطلعها:\rصنت نفسي عما يدنس نفسي ... وترفعت عن جدا كل جبس","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358700,"book_id":3862,"shamela_page_id":574,"part":"2","page_num":245,"sequence_num":574,"body":"وإذا ما رأيت صورة أنط ... كية ارتعت بين روم وفرس١\rوالمنايا مواثل وأنوشر ... وان يزجي الصفوف تحت الدرفس٢\rفي اخضرار من اللباس على أص ... فر يختال في صبيغة ورس\rفقوله: \"على أصفر\" أي: على فرس أصفر، وهذا مفهوم من قرينة الحال؛ لأنه لما قال: \"على أصفر\" علم بذلك أنه أراد فرسًا أصفر.\rوالصفة تأتي في الكلام على ضربين:\r١- إما للتأكيد والتخصيص.\r٢- وإما للمدح والذم.\rوكلاهما من مقامات الإسهاب والتطويل، لا من مقامات الإيجاز والاختصار، وإذا كان الأمر كذلك لم يلق الحذف به، هذا، مع ما ينضاف إليه من الالتباس، وضد البيان.\rألا ترى أنك إذا قلت: مررت بطويل لم يبن من هذا اللفظ الممرور به إنسان هو أم رمح، أم ثوب، أم غير ذلك.\rوإذا كان الأمر على هذا فحذف الموصوف إنما هو شيء قام الدليل عليه، أو شهدت به الحال، وإذا استبهم كان حذفه غير لائق.\rومما يؤكد عندك ضعف حذفه أنك تجد من الصفات ما لا يمكن حذف موصوفه، وذاك أن تكون الصفة جملة نحو: مررت برجل قام أبوه، ولقيت غلاما وجهه حسن، ألا تراك لو قلت: مررت بقام أبوه، ولقيت وجهه حسن، لم يجز؟.\rوقد ورد حذف الموصوف، وإقامة الصفة مقامه في غير موضع من القرآن الكريم، كقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ ٣، فإنه لم يرد أن الناقة كانت مبصرة، ولم","footnotes":"١ في الديوان \"فإذا\" موضع \"وإذا\".\r٢ في الأصل \"يرمي\" موضع \"يزجي\" و\"الدرس\" موضع الدرفس، وهو تحريف، ومعنى يزجي يسوق، والدرفس هو العلم الكبير، ومواثل قائمات تنتظر العمل وقت الحرب، وأنوشروان أحد الأكاسرة.\r٣ سورة الإسراء: الآية ٥٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358701,"book_id":3862,"shamela_page_id":575,"part":"2","page_num":246,"sequence_num":575,"body":"تكن عمياء، وإنما يريد آية مبصرة، فحذف الموصوف، وأقام الصفة مقامه.\rولقد تأملت حذف الموصوف في مواضع كثيرة، فوجدت أكثر وقوعه في النداء، وفي المصدر.\rأما النداء فكقولهم: يا أيها الظريف، تقديره: يا أيها الرجل الظريف.\rوعليه ورد قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ﴾ ١ تقديره: يا أيها الرجل الساحر، وكذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ٢ تقديره: يا أيها القوم الذين آمنوا.\rوأما المصدر فكقوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ ٣، تقديره: ومن تاب وعمل عملا صالحا.\rوقد أقيمت الصفة الشبيهة بالجملة مقام الموصوف المبتدأ في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ ٤ أي: قوم دون ذلك.\rوأما حذف الصفة وإقامة الموصوف مقامها: فإنه أقل وجودا من حذف الموصوف، وإقامة الصفة مقامه، ولا يكاد يقع في الكلام إلا نادرًا، لمكان استبهامه.\rفمن ذلك ما حكاه سيبويه٥ ﵀ من قولهم: \"سير عليه ليل\"،","footnotes":"١ سورة الزخرف: الآية ٤٩، وتتمه الآية: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ﴾ .\r٢ تردد هذا النداء في آيات كثيرة من سورة القرآن الكريم.\r٣ سورة الفرقان: الآية ٧١.\r٤ سورة الجن: الآية ١١.\r٥ هو أبو بشر، ويقال: أبو الحسن، عمرو بن عثمان بن قنبر إمام البصريين، أصله من البيضاء من أرض فارس، ونشأ بالبصرة، وأخذ عن الخليل ويونس وأبي الخطاب الأخفش وعيسى بن عمر، قال أبو عبيد: قيل ليونس بعد موت سيبويه: أن سيبويه صنف كتابا في ألف ورقة من علم الخليل، فقال: ومتى سمع سيبويه هذا كله من الخليل؟ جيئوني بكتابه، فلما رآه قال: يجب أن يكون صدق فيما حكاه عن الخليل كما صدق فيما حكاه عني، وقال بعضهم: كنت عند الخليل فأقبل سيبويه؛ فقال: مرحبا بزائر لا يمل، قال: وما سمعت الخليل بقولها لغيره، واختلف في وفاته بين ١٨٠ و١٦١ و١٨٨ و١٩٤: بالبيضاء أو بشيراز، أو بالذرب، أو بالبصرة، وقال ابن الجوزي: مات بساوة، ومن أعجب العجب هذا الاختلاف الكثير في وفاة هذا العلم الإمام!","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358702,"book_id":3862,"shamela_page_id":576,"part":"2","page_num":247,"sequence_num":576,"body":"يريدون: ليل طويل، وإنما حذفت الصفة في هذا الموضع لما دل من الحال عليه، وذاك أنه يحسن في كلام القائل لذلك من التصريح، والتطويح والتفخيم والتعظيم ما يقوم مقام قوله: طويل، وأنت تحس هذا من نفسك إذا تأملته، وهو أن يكون في مدح إنسان، والثناء عليه فتقول: \"كان والله رجلا\" أي: رجلا فاضلا، أو شجاعا أو كريما، أو ما جرى هذا المجرى من الصفات، وكذلك تقول: \"سألناه فوجدناه إنسانا\" أي: إنسانا سمحا، أو جوادا، أو ما أشبهه، فعلى هذا ونحوه تحذف الصفة، فأما إن عريت عن الدلالة عليها من اللفظ أو الحال، فإن حذفها لا يجوز.\rوقد تأملت حذفها فوجدته لا يسوغ إلا في صفة تقدمها ما يدل عليها، أو تأخر عنها، أو فهم ذلك من شيء خارج عنها.\rأما الصفة التي تقدمها ما يدل عليها، فقوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ ١، فحذف الصفة: أي كان يأخذ كل سفينة صحيحة غصبا، ويدل على المحذوف قوله: \"فأردت أن أعيبها\"، فإن عيبه إياها لم يخرجها عن كونها سفينة، وإنما المأخوذ هو الصحيح دون المعيب، فحذفت الصفة ههنا؛ لأنه تقدمها ما يدل عليها.\rوأما التي تأخر عنها ما يدل عليها فقول بعض شعراء الحماسة٢:\rكل امرئ ستئيم من ... هـ العرس أو منها يئيم٣","footnotes":"١ سورة الكهف: الآية ٧٩.\r٢ هو يزيد بن الحكم الثقفي، شاعر إسلامي عاصر الفرزدق وجريرًا، ومر عليه الفرزدق ذات يوم وهو ينشد في المجلس شعرًا، فقال: من هذا الذي ينشد شعرا كأنه من أشعارنا؟ فقالوا: يزيد بن الحكم، فقال: نعم، أشهد الله أن عمتي ولدته، وكان شاعر ثقيف في الإسلام، والبيت من قصيدة له يعظ فيها ابنه بدرا، أولها.\rيا بدر والأمثال يض ... ربها لذي اللب الحكيم\rوهي في ديوان الحماسة \"٢/ ٤١\".\r٣ في الأصل \"سنتم\" وهو تحريف، والتصويب عن ديوان الحماسة \"٢/ ٤٤\" والأيم من لازوج له، والعرس الزود، وتئيم منه تصبح المرأة أيما بموت الزوج وعكسه يئيم منها، والمعنى أن الموت لا بد منه لكل حي، وأن نظام الأسرة لا بد أن يفرط عقده.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358703,"book_id":3862,"shamela_page_id":577,"part":"2","page_num":248,"sequence_num":577,"body":"فإنه أراد كل امرئ متزوج، إذ دل عليه ما بعده من قوله: \"ستئيم منه\"، أو \"منها يئيم\" إذ لا تئيم هي إلا من زوج، ولا يئيم هو إلا من زوجة، فجاء بعد الموصوف ما دل عليه، ولولا ذلك لما صح معنى البيت، إذ ليس كل امرئ يئيم من عرس ولا تئيم منه عرس إلا إذا كان متزوجا.\rوأما ما يفهم حذف الصفة فيه من شيء خارج عن الكلام، فقول النبي ﷺ: \"لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد\"، فإنه قد علم جواز صلاة جار المسجد في غير المسجد من غير هذا الحديث، فعلم حينئذ أن المراد به الفضيلة والكمال، وهذا شيء لم يعلم من نفس اللفظ، وإنما علم من شيء خارج عنه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358704,"book_id":3862,"shamela_page_id":578,"part":"2","page_num":248,"sequence_num":578,"body":"٦- الضرب السادس: وهو حذف الشرط وجوابه\rفأما حذف الشرط فنحو قوله تعالى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ ١.\rفالفاء في قوله تعالى: ﴿فَاعْبُدُونِ﴾ ، جواب شرط محذوف؛ لأن المعنى: إن أرضي واسعة، فإن لم تخلصوا لي العبادة في أرض فأخلصوها في غيرها، ثم حذف الشرط، وعوض من حذفه تقديم المفعول مع إفادة تقديمه معنى الاختصاص والإخلاص.\rومن هذا الضرب قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ ٢: أي: فحلق فعليه فدية.\rوكذلك قولهم: \"الناس مجزيون بأعمالهم: إن خيرا فخير، وإن شرا فشر\" أي: إن فعل المرء خيرا جزي خيرا، وإن فعل شرا جزي شرا.\rوعلى نحو من ذلك جاء قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ","footnotes":"١ سورة العنكبوت: الآية ٥٦.\r٢ سورة البقرة: الآية ١٩٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358705,"book_id":3862,"shamela_page_id":579,"part":"2","page_num":249,"sequence_num":579,"body":"أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ١ تقدير ذلك: فأفطر فعدة من أيام أخر، ولهذا ذهب داود الظاهري٢ إلى الأخذ بظاهر الآية، ولم ينظر إلى حذف الشرط، فأوجب القضاء على المريض والمسافر، سواء أفطر أم لم يفطر.\rومن حذف الشرط قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ، وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ٣.\rاعلم أن هذه الفاء التي في قول الشاعر:\rفقد جئنا خراسانا٤\rوحقيقتها أنها في جواب شرط محذوف يدل عليه الكلام، كأنه قال: إن صح ما قلتم: إن خراسان أقصى ما يراد بنا، فقد جئنا خراسان، وآن لنا أن نخلص.\rوكذلك هذه الآية، يقول: إن كنتم منكرين للبعث، فهذا يوم البعث، أي: قد تبين بطلان قولكم.\rأما حذف جواب الشرط، فكقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ٥، فإن جواب الشرط ههنا محذوف، تقديره: إن كان القرآن من عند الله وكفرتم به ألستم ظالمين؟، ويدل على المحذوف قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ .","footnotes":"١ سورة البقرة: الآية ١٨٤، وفي الأصل \"ومن كان منكم ... \" بالواو بدل الفاء، وليس كذلك في هذه الآية، وإنما وردت بالواو في الآية التالية \"١٨٥\" في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا ... ﴾ .\r٢ هو أبو سليمان داود بن علي بن خلف الأصبهاني، المعروف بالظاهري، كان اهدا كثير الورع، وكان من أكثر الناس تعصبا للإمام الشافعي ﵁، وصنف في فضائله، والثناء عليه كتابين، وكان صاحب مذهب مستقل، وتبعه جمع كثير يعرفون بالظاهرية، وانتهت إليه رياسة العلم ببغداد، وكان مولده بالكوفة سنة اثنين ومائتين، ونشأ ببغداد؛ وتوفي بها سنة سبعين ومائتين في ذي القعدة.\r٣ سورة الروم: الآيتان ٥٥ و٥٦.\r٤ جزء من بيت، وهو بتمامه:\rقالوا: خراستان أقصى ما يراد بنا ... ثم القفول، فقد جئنا خراسانا\r٥ سورة الأحقاف: الآية ١٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358706,"book_id":3862,"shamela_page_id":580,"part":"2","page_num":250,"sequence_num":580,"body":"٧- الضرب السابع: وهو حذف القسم وجوابه\rفأما حذف القسم فنحو قولك: \"لأفعلن\"، أو غير ذلك من الأقسام المحلوف بها.\rوأما حذف جوابه فكقوله تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ، وَلَيَالٍ عَشْرٍ، وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ، وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ، هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ، أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ، إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ، الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ ١.\rفجواب القسم ههنا محذوف، تقديره: ليعذبن، أو نحوه، ويدل على ذلك ما بعده من قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾ ، إلى قوله: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ .\rومما يتنظم في هذا السلك قوله تعالى: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ، بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ ٢، فإن معناه: ق، والقرآن المجيد لتبعثن، والشاهد على ذلك ما بعده من ذكر البعث في قوله: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ ٣.\rوقد ورد هذا الضرب في القرآن كثيرا، كقوله تعالى في سورة النازعات: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا، وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا، وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا، فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا، فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا، يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ، تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ ٤.\rفجواب القسم ههنا محذوف، تقديره: لتبعثن أو لتحشرن، ويدل على ذلك ما أتى من بعده من ذكر القيامة في قوله: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ، تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ ، وكذلك إلى آخر السورة.","footnotes":"١ سورة الفجر: الآيات ١-٨.\r٢ سورة \"ق\": الآيتان ١ و٢.\r٣ سورة \"ق\": الآية ٣.\r٤ سورة النازعات: الآيات ١-٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358707,"book_id":3862,"shamela_page_id":581,"part":"2","page_num":251,"sequence_num":581,"body":"٨- الضرب الثامن: وهو حذف \"لو\" وجوابها\rوذاك من ألطف ضروب الإيجاز وأحسنها.\rفأما حذف \"لو\" فكقوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ١.\rتقدير ذلك: إذ لو كان معه آلهة لذهب كل إله بما خلق.\rوكذلك ورد قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ ٢.\rتقديره: إذ لو فعلت ذلك لارتاب المبطلون.\rوهذا من أحسن المحذوفات.\rومما جاء من ذلك شعرًا قول بعضهم٣ في صدر الحماسة:\rلو كنت من مازن لم تستبح إبلي ... بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا٤","footnotes":"١ سورة \"المؤمنون\": ٩١.\r٢ سورة العنكبوت: الآية ٤٨.\r٣ هو قربط بن أنيف أحد بني العنبر، وهو شاعر إسلامي، قال البغدادي: تتبعت كتب الشعراء والتراخيم، فلم أظفر له بترجمة، وانظر ديوان الحماسة \"١/ ١٣\".\r٤ قوله: \"بنو اللقيطة\" هكذا في شرح الحماسة والشواهد، وقال أبو محمد الأعرابي: والصواب ما أنشده أبو الندى:\rلو كنت من مازن لم تستبح إبلي ... بنو الشقيقة من ذهل بن شيبانا\rقال: والشقيقة هي بنت عباد بن يزيد بن عوف بن ذهل بن شيبان، وأما اللقيطة فهي أم حصن بن حذيفة من بني فزازة، ولا اتصال لها بذهل بن شيبان.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358708,"book_id":3862,"shamela_page_id":582,"part":"2","page_num":252,"sequence_num":582,"body":"إذا لقام بنصري معشر خشن ... عند الحفيظة إن ذو لوثة لانا١\rف\"لو\" في البيت الثاني محذوفة؛ لأنها في البيت الأول قد استوفت جوابها بقوله: \"لم تستبح إبلي\" ثم حذفها في الثاني، وتقدير حذفها: إذا لو كنت منهم لقام بنصري معشر خشن، أو: إذ لو كانوا قومي لقام بنصري معشر خشن.\rوأما حذف جواب \"لو\" فإنه كثير شائع، وذلك كقولك: لو زرتنا، لو ألممت بنا، معناه لأحسنا إليك، أو لأكرمناك أو ما جرى هذا المجرى.\rومما ورد في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ ٢.\rفإن جواب \"لو\" ههنا محذوف، تقديره: لرأيت أمرا عظيما، وحالا هائلة، أو غير ذلك، مما جرى مجراه.\rومما جاء على نحو من هذا قوله ﷿: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ ٣.\rتقديره: لو يعلمون الوقت الذي يستعجلونه، وهو وقت صعب شديد تحيط بهم فيه النار من وراء وقدام، ولا يقدرون على دفعها عن أنفسهم، ولا يجدون ناصرا ينصرهم، لما كانوا بتلك الصفة من الكفر، والاستهزاء والاستعجال، ولكن جهلهم به هو الذي هونه عليهم.","footnotes":"١ اللوثة اللين مع الضعف، يقول: لو كنت من هذه القبيلة لما أغار بنو ذهل على إبلي، ولو كان ذلك لقام بنصري قوم صعاب أشداء، يدفعون عني، ويأخذون بحقي ممن اعتدى علي إذا لان ذو الضعف ولم يدفع ضيما، ولم يحم حقيقة.\r٢ سورة سبأ: الآية ٥١.\r٣ سورة الأنبياء: الآيتان ٣٨ و٣٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358709,"book_id":3862,"shamela_page_id":583,"part":"2","page_num":253,"sequence_num":583,"body":"ومما يجري على هذا النهج قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ ١.\rفجواب \"لو\" في هذا الموضع محذوف، كما حذف في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ ٢.\rأي: لو أن لي بكم قوة لدفعتكم، أو منعتكم، أو ما أشبهه، وكذلك قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ لكان هذا القرآن.\rوهذا الضرب من المحذوفات أظهر الضروب المذكورة، وأوضحها، لعلم المخاطب به؛ لأن قوله تعالى -حكاية عن لوط ﵇: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ يتسارع الفهم فيه إلى أن الكلام يحتاج إلى جواب.\rومما جاء منه شعرا قول أبي تمام في قصيدته البائية٣، التي يمدح بها المعتصم عند فتحه مدينة عمورية٤:\rلو يعلم الكفر كم من أعصر كمنت ... له المراقب بين السمر والقضب٥\rفإن هذا محذوف الجواب، تقديره: لو يعلم الكفر ذلك لأخذ أهبة الحذار، أو غير ذلك.\rواعلم أن حذف هذا الجواب لا يسوغ في أي موضع كان من الكلام، وإنما يحذف ما دل عليه مكان المحذوف.\rألا ترى أنه قد ورد في القرآن الكريم غير محذوف، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ","footnotes":"١ سورة هود: الآية ٨٠.\r٢ سورة الرعد: الآية ٣١.\r٣ من قصيدته التي أولها:\rالسيف أصدق أنباء من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب\r٤ عمورية -بفتح أوله وتشديد ثانيه- ببلاد الروم، غزاه المعتصم ففتحه، وكان من أعظم فتوح الإسلام.\r٥ رواية الديوان \"كمنت له المنية\"، وفي بعض الروايات \"لم يعلم\" مكان \"لو يعلم\"، و\"خبأت\" موضع \"كمنت\" والسمر الرماح، والقضب السيوف.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358710,"book_id":3862,"shamela_page_id":584,"part":"2","page_num":254,"sequence_num":584,"body":"بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ، لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ ١.\rوهذا ليس كالذي تقدم من الآيات؛ لأن تلك علم مكان المحذوف منها، وهذه الآية لو حذف الجواب فيها لم يعلم مكانه؛ لأنه يحتمل وجوها، منها أن يقال: لما آمنوا، أو لطلبوا ما وراء ذلك، وقد تقدم القول في أول باب الإيجاز أنه لا بد من دلالة الكلام على المحذوف.","footnotes":"١ سورة الحجر: الآيتان ١٤ و١٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358711,"book_id":3862,"shamela_page_id":585,"part":"2","page_num":254,"sequence_num":585,"body":"٩- الضرب التاسع: وهو حذف جواب لولا\rفمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ، وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ، وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ ١.\rجواب \"لولا\" ههنا محذوف، تقديره: لما أنزل عليكم هذا الحكم بطريق التلاعن، وستر عليكم هذه الفاحشة بسببه.\rوكذلك ورد قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ، وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٢.\rتقديره: ولولا فضل الله عليكم ورحمته لعجل لكم العذاب، أو فعل بكم كذا وكذا.","footnotes":"١ سورة النور: الآيات ٦ و٧ و٨ و٩ و١٠.\r٢ سورة النور: الآيتان ١٩ و٢٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358712,"book_id":3862,"shamela_page_id":586,"part":"2","page_num":255,"sequence_num":586,"body":"١٠- الضرب العاشر: وهو حذف جواب \"لما\" وجواب \"أما\"\rفأما حذف جواب\"لما\" فكقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ، وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ، قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ ١.\rفإن جواب\" لما\" ههنا محذوف وتقديره: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ، وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ، قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ كان ما كان مما ينطق به الحال، ولا يحيط به الوصف من استبشارهما، واغتباطهما وشكرهما على ما أنعم به عليهما من دفع البلاء العظيم بعد حلوله، وما أشبه ذلك مما اكتسباه بهذه المحنة من عظائم الوصف دنيا وآخرة، وقوله: \"إنا كذلك نجزي المحسنين\" تعليل لتخويل ما خولهما من الفرح، والسرور بعد تلك الشدة العظيمة.\rوأما حذف جواب \"أما\"، فنحو قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ٢.","footnotes":"١ سورة الصافات: الآيات ١٠٣ و١٠٤ و١٠٥.\r٢ سورة آل عمران: الآية ١٠٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358713,"book_id":3862,"shamela_page_id":587,"part":"2","page_num":255,"sequence_num":587,"body":"١١- الضرب الحادي عشر: وهو حذف جواب \"إذا\"\rفمما جاء منه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ، وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ ١.\rألا ترى كيف حذف الجواب عن \"إذا \" في هذا الكلام، وهو مدلول عليه بقوله: ﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ ، كأنه قال: وإذا قيل لهم: اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم أعرضوا، ثم قال: ودأبهم الإعراض عن كل آية وموعظة.","footnotes":"١ سورة يس: الآيتان ٤٥ و٤٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358714,"book_id":3862,"shamela_page_id":588,"part":"2","page_num":256,"sequence_num":588,"body":"١٢- الضرب الثاني عشر: حذف المبتدأ والخبر\rأما حذف المبتدأ فلا يكون مفردًا، والأحسن هو حذف الخبر؛ لأن منه ما يأتي جملة، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ ١.\rوههنا قد حذف خبر المبتدأ، وهو جملة من مبتدأ وخبر، وتقديرها: واللائي لم يحضن فعدتهن ثلاثة أشهر.\rومما ورد منه شعرًا قول أبي عبادة البحتري٢:\rكل عذر من كل ذنب ولكن ... أعوز العذر من بياض العذار\rوهذا قد حذف منه خبر المبتدأ، إلا أنه مفرد غير جملة، وتقديره: كل عذر من كل ذنب مقبول، أو مسموع، أو ما جرى هذا المجرى.","footnotes":"١ سورة الطلاق: الآية ٤.\r٢ ديوان البحتري ٢/ ٢٩ من قصيدة له يمدح فيها أبا جعفر بن حميد، ويستوهبه غلامًا، ومطلعها:\rأبكاء في الدار بعد الدار ... وسلوا بزينب عن نوار","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358715,"book_id":3862,"shamela_page_id":589,"part":"2","page_num":256,"sequence_num":589,"body":"١٣- الضرب الثالث عشر: وهو حذف \"لا\" من الكلام وهي مرادة\rوذلك كقوله تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ ١يريد به: لا تفتأ، أي: لا تزال، فحذفت \"لا\" من الكلام وهي مرادة.\rوعلى هذا جاء قول امرئ القيس٢:\rفقلت يمين الله أبرح قاعدا ... ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي\rأي: لا أبرح قاعدا، فحذفت \"لا\" في هذا الموضع، وهي مرادة.","footnotes":"١ سورة يوسف: الآية ٨٥.\r٢ من قصيدته التي أولها:\rألا عم صباحًا أيها الطلل البالي ... وهل يعمن من كان في العصر الخالي","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358716,"book_id":3862,"shamela_page_id":590,"part":"2","page_num":257,"sequence_num":590,"body":"ومما جاء منه قول أبي محجن الثقفي١ لما نهاه سعد بن أبي وقاص٢ ﵁ عن شرب الخمر، وهو إذ ذاك في قتال الفرس بالقادسية٣:\rرأيت الخمر صالحة وفيها ... مناقب تهلك الرجل الحليما\rفلا والله أشربها حياتي ... ولا أسقي بها أبدا نديما\rيريد: \"لا أشربها\"، فحذف \"لا\" من الكلام، وهي مفهومة منه.","footnotes":"١ ذكر ابن دريد في الاشتقاق \"٣٠٤\"، فقال: كان شاعرًا فارسا شجاعا، شهد يوم القادسية، وكان له فيها بلاء عظيم، وقد شهده يومئذ عمرو بن معد يكرب وغيره من فرسان العرب، فلم يبل أحد بلاده، وذكره ابن قتيبة في الشعر والشعراء \"١/ ٣٨٧\" قال: هو من ثقيف، قال: وكان مولعًا بالشراب، مشتهرًا به، وذكر ابن سلام أنه أبو محجن بن حبيب بن عمرو بن عمير الثقفي، قال: وأبو محجن رجل شاعر شريف، وكان قد غلب عليه الشراب؛ فضرب فيه مرارا، ثم حبسه سعد بالقادسية في القصر معه، والناس يقتلون، فجال المسلمون جولة، وهو ينظر، وكان مقيدا يؤمئذ عند زيد، أم ولد سعد بن أبي وقاص، فقال لها: أطلقيني، فلك الله، لئن فتح الله على المسلمين، وسلمت لأرجعن حتى أضع رجلي في القيد، فأطلقته وحملته على فرس لسعد، فأخذ الرمح، فخرج فقاتل، فحطم المشركين، وكان سبب الهزيمة \"طبقات الشعراء ٢٢٦\".\r٢ اسم أبي وقاص مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري، ويكنى سعد أبا إسحاق، كان سابع سبعة في إسلامه، أسلم بعد ستة، شهد بدرا والحديبية وسائر المشاهد، وهو أحد الستة الذين جعل عمر فيهم الشورى، وأخبر أن رسول الله ﷺ توفي وهو عنهم راض. وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وبقية أخباره في \"الاستيعاب في معرفة الأصحاب\" ٦٠٦ وما بعدها.\r٣ قرية قرب الكوفة من جهة البر، بينها وبين الكوفة خمسة عشر فرسخًا، وبينهما وبين العذيب أربعة أميال عندها كانت الوقعة العظمى بين المسلمين، وفارس قتل فيها أهل فارس، وفتحت بلادهم على المسلمين.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358717,"book_id":3862,"shamela_page_id":591,"part":"2","page_num":257,"sequence_num":591,"body":"١٤- الضرب الرابع عشر: وهو حذف الواو من الكلام وإثباتها\rوأحسن حذوفها في المعطوف والمعطوف عليه، وإذا لم يذكر الحرف المعطوف به كان ذلك بلاغةً وإيجازًا، كقول أنس بن مالك١ ﵁: \"كان أصحاب رسول الله ﷺ ينامون ثم يصلون ولا يتوضئون\"، أو قال: ثم يصلون لا يتوضّئون\".","footnotes":"١ أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد، خادم رسول الله ﷺ، يكنى أبا حمزة، سمي باسم عمه أنس بن النضر، روى عن أنس قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة وأنا ابن عشر سنين، توفي وأنا ابن عشرين سنة، ومات أنس في الطف على فرسخين من البصرة سنة إحدى وتسعين.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358718,"book_id":3862,"shamela_page_id":592,"part":"2","page_num":258,"sequence_num":592,"body":"فقوله: \"لا يتوضئون\" بحذف الواو أبلغ في تحقيق عدم الوضوء من قوله \"ولا يتوضئون\" بإثباتها، كأنه جعل ذلك حالة لهم لازمة: أي أنها داخلة في الجملة، وليست جملة خارجة عن الأولى؛ لأن واو العطف تؤذن بانفراد المعطوف عن المعطوف عليه، وإذا حذفت في مثل هذا الموضع صار المعطوف، والمعطوف عليه جملة واحدة.\rوقد جاء في القرآن الكريم، وذلك أنه يذكر جمل من القول كل واحدة منها مستقلة بنفسها، ثم تسرد سردا بغير عاطف، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ ١.\rتقدير هذا الكلام: لا يألونكم خبالا، ودوا ما عنتم، وقد بدت البغضاء من أفواههم، فلما حذفت الواو جاء الكلام أوجز وأحسن طلاوة، وأبلغ تأليفا ونظما.\rوأمثاله في القرآن الكريم كثير.\rواعلم أنه قد حذف الواو، وأثبتت في مواضع.\rفأما إثباتها فنحو قوله تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ ٢.\rوأما حذفها فنحو قوله تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ﴾ ٣.\rوعلى هذا فلا يجوز حذف الواو وإثباتها في كل موضع، وإنما يجوز ذلك فيما هذا سبيله من هاتين الآيتين.\rولنبين لك في ذلك رسما تتبعه، فنقول:\rاعلم أن كل اسم نكرة جاء خبره بعد إلا\" يجوز إثبات الواو في خبره وحذفها، وكقولك: ما رأيت رجلا إلا وعليه ثياب، وإن شئت قلت: إلا عليه ثياب، بغير واو،","footnotes":"١ سورة آل عمران: الآية ١١٨.\r٢ سورة الحجر: الآية ٤.\r٣ سورة الشعراء: الآية ٢٠٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358719,"book_id":3862,"shamela_page_id":593,"part":"2","page_num":259,"sequence_num":593,"body":"فإن كان الذي يقع على النكرة ناقصًا فلا يكون إلا بحذف الواو، نحو قولك: ما أظن درهما إلا هو كافيك، ولا يجوز إلا وهو كافيك، بالواو؛ لأن الظن يحتاج إلى شيئين، فلا يعترض فيه بالواو؛ لأنه يصير كالمكتفي من الأفعال باسم واحد.\rوكذلك جواب ظننت وكان، وإن وأشباهها، فخطأ أن تقول: إن رجلا وهو قائم، ونحو ذلك.\rويجوز هذا في \"ليس\" خاصة، تقول: ليس أحد إلا وهو قائم؛ لأن الكلام يتوهم تمامه بليس وبحرف ونكرة، ألا ترى أنك تقول: ليس أحد، وما من أحد، فجاز فيها إثبات الواو، ولم يجوز في أظن؛ لأنك لا تقول: ما أظن أحدًا، فأما أصبح وأمسى ورأى، فإن الواو فيهن أسهل؛ لأنهن توأم في حال، وكان وأظن ونحوهما بنين على النقص، إلا إذا \"كانت\" تامة.\rوكذلك \"لا\" في التنزيه وغيرها، نحو لا رجل، وما من رجل، فيجوز إثبات الواو فيها وحذفها.\rواعلم أن العرب قد حذفت من أصل الألفاظ شيئا لا يجوز القياس عليه، كقول بعضهم١:\rكأن إبريقهم ظبي على شرف ... مفدم بسبا الكتان ملثوم٢\rفقوله: \"بسبا الكتان\" يريد بسبائب الكتان٣.","footnotes":"١ هو علقمة بن عبدة، علقمة الفحل، من قصيدته التي أولها:\rهي ما عملت وما استودعت مكتوم ... أم حبلها إذ نأتك اليوم مصروم\rوالقصيدة في شعراء النصرانية ٤٩٨.\r٢ في الأصل \"مفدم\"، وهي رواية شعراء النصرانية \"١٠٥\" بالقاف موضع \"مفدم\"، والمفدم الذي جعل الفدام على فيه، وهو خرقة تجعل في فم الإبريق، والشرف المكان العالي المشرف.\r٣ هذا عيب من عيوب ائتلاف اللفظ، والوزن عند قدامة بن جعفر سماه \"التثليم\" قال: وهو أن يأتي الشاعر بألفاظ يقصر عنها العروض، فيضطر إلى ثلمها، والنقص منها مثال قول أمية بن أبي الصلت:\rما أرى من يعينني في حياتي ... غير نفسي إلا بني إسرال\r=","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358720,"book_id":3862,"shamela_page_id":594,"part":"2","page_num":260,"sequence_num":594,"body":"وكذلك قول الآخر:\rيذرين جندل حائر، لجنوبها ... فكأنما تذكي سنابكها الحبا١\rفهذا وأمثاله مما يقبح ولا يحسن، وإن كانت العرب قد استعملته، فإنه لا يجوز لنا أن نستعمله.","footnotes":"= وقول علقمة بن عبدة:\rكأن إبريقهم ظبي على شرف ... مفدم بسبا الكتان ملثوم\rأراد \"بسبائب الكتان\" فحذف للعروض.\rوقال لبيد بن ربيعة:\rدرس المنا بمتالع فأبأن\rراد بالمنا \"المنازل\" وانظر \"نقد الشعر\" لقدامة ١٣٦ طبعة ليدن، والطبعة الثانية ٢٩٩ من كتاب \"قدامة بن جعفر والنقد الأدبي\" للدكتور بدوي طبانه. والسبائب جمع سبيبة، وهي الشقة من النسيج، أو البيضاء خاصة.\r١ في الأصل \"بدر بن جندل حائز\"، وهو تحريف والتصويب عن لسان العرب في مادة -ح ب ح ب والضمير في يذرين\" للخيل، والجندل الصخر، والحبا أراد به الحباحب، وهو رجل من بني محارب بن خصفة: ضرب بناره المثل؛ لأنه كان لا يوقد إلا نارًا ضعيفة مخافة الضيفان، فقلوا: \"نار الحباحب\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358721,"book_id":3862,"shamela_page_id":595,"part":"2","page_num":260,"sequence_num":595,"body":"القسم الثاني: من الإيجاز ما لا يحذف منه الشيء\rمدخل\r...\rالقسم الثاني: من الإيجاز فهو ما لا يحذف منه شيء\rوأما القسم الثاني من الإيجاز فهو ما لا يحذف منه شيء\rوذلك ضربان:\rأحدهما: ما ساوى لفظه معناه١، ويسمى \"التقدير\".\rوالآخر: ما زاد معناه على لفظه، ويسمى \"الإيجاز بالقصر\".\rفأما الإيجاز بالتقدير، فإنه الذي يمكن التعبير عن معناه بمثل ألفاظه وفي عدتها.\rأما الإيجاز بالقصر، فإنه ينقسم قسمين:\rأحدهما: ما دل لفظه على محتملات متعددة، وهذا يمكن التعبير عنه بمثل ألفاظه وفي عدتها، والآخر: ما يدل لفظه على محتملات متعددة، ولا يمكن التعبير عنه بمثل ألفاظه وفي عدتها، لا، بل يستحيل ذلك.","footnotes":"١ ليس هذا من الإيجاز عند جمهور البلاغيين، وإنما قسم برأسه، يسمونه \"المساواة\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358722,"book_id":3862,"shamela_page_id":596,"part":"2","page_num":261,"sequence_num":596,"body":"الضرب الأول: الايجاز بالتقدير\rولنورد الآن الضرب الأول الذي هو \"الإيجاز بالتقدير\":\rفمما جاء منه قوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ، مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ، ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ، ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ، ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ، كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ ١.\rفقوله: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ﴾ دعاء عليه، وقوله: ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾ تعجب من إفراطه في كفران نعمة الله عليه.\rولا نرى أسلوبًا أغلظ من هذا الدعاء والتعجب، ولا أخشن مسا، ولا أدل على سخط مع تقارب طرفيه، ولا أجمع للائمة على قصر متنه!\rثم إنه أخذ في صفة حاله من ابتداء حدوثه إلى منتهى زمانه، فقال: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ ؟\rثم بين الشيء الذي خلق منه بقوله: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ ، أي: هيأه لما يصلح له.\r﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ أي: سهل سبيله، وهو مخرجه من بطن أمه، أو السبيل الذي يختار سلوكه من طريق الخير والشر، والأول أولى؛ لأنه تال لخلقته وتقديره، ثم بعد ذلك يكون تيسير سبيله لما يختاره من طريقي الخير والشر.\r﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ ، أي: جعله ذا قبر يوارى فيه.\r﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ أي: أحياه.\r﴿كَلَّا﴾ ، ردع للإنسان عما هو عليه.\r﴿لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ أي: لم يقض مع تطاول زمانه ما أمر الله به، يعني أن إنسانًا لم يخل من تقصير قط.","footnotes":"١ سورة عبس: الآيات ١٧-٢٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358723,"book_id":3862,"shamela_page_id":597,"part":"2","page_num":262,"sequence_num":597,"body":"ألا ترى إلى هذا الكلام الذي لو أردت أن تحذف منه كلمة واحدة لما قدرت على ذلك؛ لأنك كنت تذهب بجزء من معناه؟.\rوالإيجاز هو ألا يمكنك أن تسقط شيئا من ألفاظه١.\rوالآيات الواردة من هذا الضرب كثيرة، كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ ٢.\rفقوله: ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ من جوامع الكلم، ومعناه أن خطاياه الماضية قد غفرت له وتاب الله عليه فيها، إلا أن قوله: ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ أبلغ: أي أن السالف من ذنوبه لا يكون عليه إنما هو له.\rوكذلك ورد قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ ٣.\rف\"عليه كفره\" كلمة جامعة تغني عن ذكر ضروب من العذاب؛ لأن من أحاط به كفره، فقد أحاطت به كل خطيئة.\rوعلى نحو من هذا جاء قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ٤.\rفهذا الآية من جوامع الآيات الواردة في القرآن الكريم.\rوروي أن النبي ﷺ قرأها على الوليد بن المغيرة، فقال له: يا ابن أخي، أعده، فأعاد النبي ﷺ قراءتها عليه، فقال له: إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق، وما هو بقول البشر.\rومن هذا النحو قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ، إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ، مَا يَلْفِظُ","footnotes":"١ أي من ألفاظ هذا الكلام.\r٢ سورة البقرة: الآية ٢٧٥.\r٣ سورة فاطر: الآية ٣٩.\r٤ سورة النحل: الآية ٩٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358724,"book_id":3862,"shamela_page_id":598,"part":"2","page_num":263,"sequence_num":598,"body":"مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ، وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ، وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ، وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ، لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ ١.\rوهذه الآيات من قوارع القرآن العجيبة التي دلت على تخويف، وإرهاب ترق القلوب، وتقشعر منه الجلود، وهي مشتملة على قصرها على حال الإنسان منذ خلقه إلى حين حشره وحشر غيره من الناس، وتصوير ذلك الأمر الفظيع في أسهل لفظ وأقربه، وما مررت عليها ألا جدت لي موعظة، وأحدثت عندي إيقاظا.\rومن هذا الضرب، ورد عن النبي ﷺ في دعائه لأبي سلمة٢ عند موته، فقال: \"اللهم ارفع درجته في المهتدين، واخلفه في عقبه في الغابرين لنا، وله يا رب العالمين\".\rوهذا دعاء جامع بين الإيجاز وبين مناسبة الحال التي وقع فيها، فأوله مفتتح بالمهم الذي يفتقر إليه المدعو له في تلك الحال، وهو رفع درجته في الآخرة، وثانيه مردف بالمهم الذي يؤثر المدعو له من صلاح حاله عقبه من بعده في الدنيا، وثالثه مختتم بالجمع بين الداعي والمدعو له.\rوهذا من الإيجاز البليغ الذي هو طباق ما قصد له.\rوكلام النبي ﷺ هكذا كما قال: \"أوتيت جوامع الكلم\".\rوكذلك ورد قوله ﷺ يوم بدر، فإنه قال: \"هذا يوم له ما بعده\"، وهو شبيه بقوله تعالى: ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ .","footnotes":"١ سورة \"ق\": الآيات ١٦-٢٢.\r٢ هو أبو سلمة بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن مخزوم القرشي المخزومي، اسمه عبد الله بن عبد الأسد، وأمه برة بنت عبد المطلب بن هاشم، كان ممن هاجر بامرأته أم سلمة بنت أبي أمية إلى أرض الحبشة، ثم شهد بدرًا بعد أن هاجر الهجرتين، وجرح يوم أحد جرحًا اندمل ثم انتقض فمات منه، وذلك لثلاث مضين لجمادى الآخرة سنة ثلاث من الهجرة، وتزوج رسول الله ﷺ امرأته.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358725,"book_id":3862,"shamela_page_id":599,"part":"2","page_num":264,"sequence_num":599,"body":"ولما جرح عمر بن الخطاب ﵁ الجراحة التي مات بها اجتمع إليه الناس، فجاءه شاب من الأنصار وقال: أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله، لك من صحبة رسول الله وقدم في الإعلام ما علمت، ووليت فعدلت، ثم شهادة.\rوهذا كلام سديد قد حوى المعنى المقصود، وأتى به في أوجز لفظ وأحسنه، ومع ما فيه من الإيجاز فإنه مستغرب، وسبب استغرابه أنه جعل المساءة بشرى، وأخرجها مخرج المسرة، وتلطف في ذلك فأبلغ، ولو أراد الكاتب البليغ والخطيب المصقع، أن يأتي بذلك على هذا الوجه لأعوزه.\rومن هذا النمط ما كتبه طاهر بن الحسين١ إلى المأمون٢ عند لقائه \"علي بن\" عيسى بن ماهان٣ وهزمه إياه وقتله، فكتب إليه: \"كتابي إلى أمير المؤمنين ورأس \"علي بن\" عيسى بن ماهان٣ بين يدي، وخاتمه في يدي، وعسكره مصرف تحت أمري، والسلام\"٤.\rوهذا من الكتب المختصرة التي حوت الغرض المطول، وما يكتب في هذا المقام مثله.","footnotes":"١ كان جده رزيق بن هامان، مولى طلحة الطلحات الخزاعي المشهور بالكرم والجود المفرط، وكان طاهر من أكبر بن أعوان المأمون، وسيره من مروكرسي خرسان لما كان المأمون، بها إلى محاربة أخيه الأمين ببغداد لمام خلع بيعته، وسير الأمين أبا يحيى علي عيسى بن ماهان لدفع طاهر عنه، فتواقعا، وقتل علي في المعركة ومولد طاهر سنة تسع وخمسين ومائة، وتوفي يوم السبت لخمس بقين من جمادى الآخرة سنة سبع ومائتين بمدينة مرو.\r٢ ويروى أنه كتب بهذا الكتاب إلى الفضل بن سهل أول وزراء المأمون.\r٣ في الأصل \"عيسى بن ماهان\"، والصحيح ما ذكرناه.\r٤ ويروى أن نص الكتاب إلى الفضل بن سهل \"أطال الله بقاءك، وكبت أعداءك وجعل من يشناك فداءك، كنيت إليك ورأس علي بن عيسى في حجري وخاتمه في يدي، والحمد لله رب العالمين\"، فلما وصل الكتاب إلى الفضل نهض، فسلم على المأمون بأمير المؤمنين، وأمد طاهرا بالرجال والقواد وسماه \"ذا اليمينين وصاحب حبل الدين\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358726,"book_id":3862,"shamela_page_id":600,"part":"2","page_num":265,"sequence_num":600,"body":"ولما أرسل المهلب بن أبي صفرة١ أبا الحسن المدائني٢ إلى الحجاج بن يوسف يخبره أخبار الأزارقة كلمه كلاما موجزا كالذي نحن بصدد ذكره ههنا، وذاك أن الحجاج سأله، فقال: كيف تركت المهلب? فقال: ما أدرك ما أمل، وأمن مما خاف.\rفقال: كيف هو لجنده? قال: والد رءوف.\rقال: كيف جنده له? قال: أولاد بررة.\rقال: كيف رضاهم عنه؟ قال: وسعهم بفضله، وأغناهم بعدله٣.\rقال: كيف تصنعون إذا لقيتم عدوا?٤ قال: نلقاهم بجدنا \"فنطمع فيهم\"٥، ويلقوننا بجدهم فيطمعون فينا\"٥، قال: كذلك الجد إذا لقي الجد.\r\"قال: فما حال قطري؟ قال: كادنا ببعض ما كدناه.\rقال: فما منعكم من اتباعه، قال: رأينا المقام من ورائه خيرًا من اتباعه\"٥.","footnotes":"١ عمل المهلب لبني أمية، وحارب عنهم الأزارقة، وآخر ما تولى من الأعمال بلاد خرسان، تولاها من جهة الحجاج يوم كان له العراقان، وما زال عليهما حتى توفي سنة ٨٣هـ، وهو من كبار رجال الإسلام في تلك الدولة، وقداشتهر هو وآله بالكرم والشجاعة.\r٢ اختلط الأمر على ابن الأثير، فإن المهلب لم يرسل أبا الحسن المدائني، وإنما أرسل مالك بن بشير، وأبو الحسن المدائني إنما هو راوية هذا الخبر فقط، والصحيح ما ذكره صاحب العقد \"١/ ١٢٢\" أن أبا الحسن المدائني، قال: لما هزم المهلب بن أبي صفرة قطري بن الفجاءة، صاحب الأزارقة بعث إلى مالك بن بشير، فقال له: إني موفدك إلى الحجاج، فلم دخل على الحجاج قال له: ما اسمك؟ قال: مالك بن بشير، قال: ملك وبشارة! كيف تركت المهلب؟ ... \".\r٣ رواية العقد الفريد \"١/ ١٢٢\": وسعهم، بالفضل وأقنعهم بالعدل\".\r٤ وفي العقد: \"إذا لقيتم عدوكم\".\r٥ زيادة عن العقد الفريد.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358727,"book_id":3862,"shamela_page_id":601,"part":"2","page_num":266,"sequence_num":601,"body":"قال: فأخبرني عن بني١ المهلب، قال: هم أحلاس٢ القتال بالليل، حماة السرح٣ بالنهار.\rقال: أيهم أفضل٤ \"قال: ذلك إلى أبيهم.\rقال: لتقولن\"٥.\rقال: هم كحلقة مضروبة لا يعرف طرفاها٦.\rفقال الحجاج لجلسائه: هذا والله هو الكلام الفصل الذي ليس بمصنوع٦.\rوقد ورد في الأخبار النبوية من هذا الضرب شيء كثير، وسأورد منه أمثلة يسيرة.\rفمن ذلك قول النبي ﷺ: \"الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور متشابهات\".\rوهذا الحديث من أجمع الأحاديث للمعاني الكثيرة، وذاك أنه يشتمل على جل الأحكام الشرعية، فإن الحلال والحرام إما أن يكون الحكم فيهما بينا لا خلاف فيه بين العلماء؛ وإما أن يكون خافيا يتجاذبه وجوه التأويلات، فكل منهم يذهب فيه مذهبا.\rوكذلك جاء قوله ﷺ: \"الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى\".\rفإن هذا الحديث أيضا من جوامع الأحاديث للأحكام الشرعية.\rومن ذلك قوله ﷺ: \"المضعف أمير الركب\"، وقد ورد آخر هذا الحديث بلفظ آخر، فقال ﷺ: \"سيروا بسير أضعفكم\" إلا أن الأول أحسن؛ لأنه أبلغ","footnotes":"١ في العقد \"ولد المهلب\" موضع \"بني المهلب\".\r٢ في العقد \"أعداء القتال\" موضع \"أحلاس القتال\".\r٣ في الأصل \"السرج\" بالجيم المعجمة، وهو تصحيف، والسرح هو المال السائم من الأنعام، ويروى: كانوا حماة السرح نهارا فإذا أليلوا ففرسان البيات\".\r٤ وفي رواية: فأيهم كان أنجد؟\r٥ ويروى: \"كانوا كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها\".\r٦ رواية العقد: \"فقال الحجاج لجلسائه: هذا والله الكلام المطبوع لا الكلام المصنوع\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358728,"book_id":3862,"shamela_page_id":602,"part":"2","page_num":267,"sequence_num":602,"body":"معنى، فإن الأمير واجب الحكم فهو يتبع، وإذا كان المضعف أمير الركب كانوا مؤتمرين له في سيرهم ونزولهم، وهذا المعنى لا يوجد في قوله: \"سيروا بسير أضعفكم\".\rوأحسن من هذا كله ما ورد عنه ﷺ في حديث مطول يتضمن سؤال جبريل ﵇، فقال من جملته: \"ما الإحسان? قال: \"أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك\".\rفقوله: \"تعبد الله كأنك تراه\" من جوامع الكلم؛ لأنه ينوب مناب كلام كثير، كأنه قال: تعبد الله مخلصا في نيتك، واقفا عند أدب الطاعة من الخضوع والخشوع، آخذا أهبة الحذر، وأشباه ذلك؛ لأن العبد إذا خدم مولاه ناظرا إليه استقصى في آداب الخدمة بكل ما يجد إليه السبيل، وما ينتهي إليه الطوق.\rومما أطربني من ذلك حديث الحديبية، وهو أنه جاء بديل بن ورقاء١ إلى النبي ﷺ، فقال له: \"إني تركت كعب بن لؤي بن عامر بن لؤي معهم العوذ٢ المطافيل٣، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت، فقال له النبي ﷺ: \"إن قريشا قد نهكتهم الحرب، فإن شاءوا ماددناهم مدة، ويدعوا بيني وبين الناس، فإن أظهر عليهم وأحبوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس، وإلا كانوا قد جموا، وإن أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا، حتى تنفرد سالفتي هذه، ولينفذن الله أمره\".\rوهذا الحديث من جوامع الكلم، وهو من الفصاحة والبلاغة على غاية لا ينتهي إليها وصف الواصف.","footnotes":"١ هو بديل بن ورقاء بن عبد العزى الخزاعي، أسلم يوم فتح مكة هو وابنه عبد الله بن بديل، وحكم بن حزام بمر الظهران، وقيل: أسلم قبل الفتح، وذكر ابن إسحاق أن قريشا يوم فتح مكة لجئوا إلى دار بديل بن ورقاء الخزاعي، ودار مولاه رافع، وشهد بديل وابنه عبد الله حنينا، والطائف وتبوك.\r٢ العوذ الحديثات النتاج من الظباء وكل أنثى.\r٣ المطافيل جمع مطفل يقال: طفلنا إبلنا تطفيلا إذا كان معها أولادها، فرفقنا بها في السير، هذا هو الأصل؛ والمطفل ذات الطفل.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358729,"book_id":3862,"shamela_page_id":603,"part":"2","page_num":268,"sequence_num":603,"body":"وأما ما ورد من ذلك شعرا، فقول النابغة١:\rوإنك٢ كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع\rوتخصيصه الليل دون النهار مما يسأل عنه!\rوكذلك قوله٣:\rولست بمستبق أخا لا تلمه ... على شعث، أي الرجال المهذب\rوعلى هذا الأسلوب ورد قول الأعشى في اعتذاره إلى أوس بن لام عن هجائه إياه:\rوإني على ما كان مني لنادم ... وإني إلى أوس بن لام لتائب\rوإني إلى أوس ليقبل عذرتي ... ويصفح عني ما حييت لراغب\rفهب لي حياتي، فالحياة لقائم ... بشكرك فيها خير ما أنت واهب\rسأمحو بمدح فيك إذ أنا صادق ... كتاب هجاء سار إذ أنا كاذب\rوهذا من المعاني الشريفة في الألفاظ الخفيفة، وهو من طنانات الأعشى المشهورة.\rوعلى نحو منه جاء قول الفرزدق٤:\rصبحناهم الشعث الجياد كأنها ... قطا هيجته يوم ريح أجادله٥","footnotes":"١ ديوان النابغة، من مجموع مشتمل على خمسة دواوين من أشعار العرب، ٥٥ من قصيدة له في مدح النعمان بن المنذر، والاعتذار إليه، وهجاء مرة بن ربيعة لما قذف عليه عند لنعمان، ومطلعها:\rعفا ذو حسا من فرتنى فالفوارع ... فجنبا أريك فالتلاع الدوافع\r٢ رواية الديوان \"فإنك\" بالفاء.\r٣ المصدر السابق ١٤ من قصيدة له أولها:\rأتاني أبيت اللعن أنك لمتنى ... وتلك التي أهتم منها وأنصب\r٤ شرح ديوان الفرزدق ٢/ ٧٣٦ والنقائض ٦٢٩ الطبعة أوروبا، من قصيدة في هجاء جرير وأولها:\rسمونا لنجران اليماني وأهله ... ونجران أرض لم تديث مقاوله\rوهي إحدى نقائضه، وقد نقضها عليه جرير بقوله:\rألم تر أن الجهل أقصر باطله ... وأمسى عماء قد تجلت مخايله\r٥ رواية الديوان والنقائض:\rصبحناهم الجرد والجياد كأنها ... قطا أفزعته يوم طل أجادله\rوالأجادل: جمع الأجدل وهو الصقر.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358730,"book_id":3862,"shamela_page_id":604,"part":"2","page_num":269,"sequence_num":604,"body":"إلى كل حي قد خطبنا بناتهم ... بأر عن جرار كثير صواهله١\rإذا ما التقينا أنكحتنا رماحنا ... من القوم أبكارا كراما عقائله٢\rوإنا لمناعون تحت لوائنا ... حمانا إذا ما عاد بالسيف حامله\rوهذا من محاسن ما يجيء في هذا الباب.\rومما يجري هذا المجرى قول جرير٣:\rتمنى رجال من تميم منيتي ... وما ذاد عن أحسابهم ذائد مثلي٤\rفلو شاء قومي كان حلمي فيهم ... وكان على جهال أعدائهم جهلي٥\rوكذلك ورد قوله متغزلا، وهو من محاسن أقواله٦:\rسرت الهموم فبتن غير نيام ... وأخو الهموم يروم كل مرام\rذم المنازل بعد منزلة اللوى ... والعيش بعد أولئك الأقوام\rولقد أراك وأنت جامعة الهوى ... أثني٧ بعهدك خير دار مقام\rطرقتك صائدة القلوب فليس ذا ... حين الزيارة٨ فارجعي بسلام","footnotes":"١ رواية الديوان للشطر الثاني:\rبأرعن مثل الطود جم صواهله\r٢ رواية الديوان \"من الحي\" موضع \"من القوم\".\r٣ ديوان جرير ٤٦٢، والنقائض ١/ ١٤٤ \"طبع مصر\" وهي من قصيدة له في هجاء البعيث والفرزدق، مطلعها:\rعوجي علينا وأربعي ربة البغل ... ولا تقتليني لا يحل لكم قتلي\rوهي نقيضه لقصيدة البعيث التي أولها:\rأهاج عليك الشوق أطلال دمنة ... بني صفة الجوين أو جانب الهجل\r٤ رواية الديوان \"لي الردى\" موضع \"منيتي\".\r٥ في الأصل \"مثلي\" موضع \"جهلي\"، والتصويب عن الديوان والنقائض.\r٦ ديوان جرير ٥٥١ والنقائض ١/ ٢٥٦، وهي نقيضة قصيدة الفرزدق التي أولها:\rعفى المنازل آخر الأيام ... قط ومور اختلاف نعام\r٧ رواية الديوان \"نبني\" بالنون.\r٨ رواية الديوان \"وليس ذا وقت الزيارة\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358731,"book_id":3862,"shamela_page_id":605,"part":"2","page_num":270,"sequence_num":605,"body":"تجري السواك على أغر كأنه ... برد تحدر من متون غمام\rلو كان عهدك كالذي حدثتنا ... لوصلت ذاك فكان خير زمام١\rولقد أراني والجديد إلى بلى ... في موكب٢ طرف الحديث كرام\rلولا مراقبة العيون أريتنا ... حدق المها٣ وسوالف الآرام\rوإذا صرفن عيونهن بنظرة ... نفذت نوافذها بغير سهام\rهل تنفعنك إن قتلن مرقشا٤ ... أو ما فعلن بعروة بن حزام٥\rوحلاوة هذا الكلام أحسن من إيجازه، ولقد أعوز غيره أن يأتي بمثله حتى أقر عوازه.\rومن باب الإيجاز الذي يسمى \"التقدير\" قول علي بن جبلة:\rوما لأمرئ حاولته عنك مهرب ... ولو حملته في السماء المطالع","footnotes":"١ في الأصل \"خير زمام\" وفي الديوان \"غير رمام\"، وإذا كان لنا أن نفضل آثرنا رواية ابن الأثير، لاتصال معنى الكلام، ولذلك أبقينا، ورواية الموشح \"١٦٧\" توافق رواية الديوان.\r٢ رواية الديوان \"في فتية\"، ويرى الشطر الثاني أيضا:\rفي فتية طرفي الحديث كرام\r٣ رواية الديوان، \"أرنا مقل المها\" وهي أجود، لمناسبة ما بعدها في الإخبار عن جماعة الإناث.\r٤ المرقش الأكبر، هو عوف، وقيل: عمرو بن سعد بن مالك بن بكر بن وائل، وه عم ربيعة بن سفيان المعروف بالمرقش الأصغر، والمرقش لقب غلب عليه لقوله:\rالدار قفر والرسوم كما ... رقش في الأديم قلم\rوكان للمرقشين جميعا موقع في بكر بن وائل وفي حروبها مع بني تغلب، وبأس وشجاعة ونجدة، وللمرقش الأكبر شعر حسن، وهو يعد من أهل الطبقة الأولى في الشعر، وكان بنو بكر يدعون التقدم له ولعمرو بن قميئة، إلا أن شعره قليل، تولت عليه يد الضياع، مات نحو سنة ٥٥٢م، ودفن في أرض مراد. وسائر أخباره في \"شعراء النصرانية\" ٢٨٢.\r٥ يروى \"ابن حذام\" و\"ابن حمام\" و\"ابن خذام\"، روى محمد بن سلام الجمحي \"طبقات فحول الشعراء ٣٣\" قول امرئ القيس:\rعوجًا على الطلل المحيل لعلنا ... نبكي الديار كما بكى ابن حذام\rقال ابن سلام: وهو رجل من طيئ، لم يسمع شعره الذي بكى فيه، ولا شعر ذكر فيه، غير هذا البيت الذي ذكره امرؤ القيس\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358732,"book_id":3862,"shamela_page_id":606,"part":"2","page_num":271,"sequence_num":606,"body":"بلى هارب ما يهتدي لمكانه ... ظلام ولا ضوء من الصبح ساطع\rفهذا هو الكلام الذي ألفاظه وفاق معانيه، فإنه قد اشتمل على مدح رجل بشمول ملكه وعموم سلطانه، وأنه لا مهرب عنه لمن يحاوله، وإن صعد السماء، ثم ذكر جميع المهارب في المشارق والمغارب، وأشار إلى أنه يبلغ الظلام والضياء، وذلك مما لم تزد عبارته على المعنى المندرج تحته، ولا قصرت عنه.\rومن هذا الضرب قول أبي النواس١، وهو من نادر ما يأتي في هذا الموضع:\rودار ندامى عطلوها وأدلجوا ... بها أثر منهم جديد ودارس\rمساحب من جر الزقاق على الثرى ... وأضغاث ريحان٢ جني ويابس\rحبست بها صحبي فجددت عهدهم ... وإني على أمثال تلك لحابس\rتدار٣ علينا الراح في عسجدية ... حبتها بأنواع التصاوير فارس\rقراراتها٤ كسرى وفي جنباتها ... مها تدريها٥ بالقسي الفوارس\rفللراح٦ ما زرت عليه جيوبها٧ ... وللماء ما دارت عليه القلانس","footnotes":"١ ديوان أبي نواس ٢٩٥، وهي إحدى خمرياته.\r٢ الزقاق جمع زق، وهووعاء من جلد يحمل فيه الماء ونحوه، والأضغاث جمع ضغث، وهو القبضة من الحشيش، وجنى جنى لساعته.\r٣ في الديوان \"تدور\" وقبل هذا البيت بيتان أغفلهما ابن الأثير، وهما:\rولم أدر منهم ما شهدت به ... بشرق ساباط الديار البسابس\rأقمنا بها يوما ويومين بعده ... ويوم له يوم الترحل خامس\rوالبسابس -جمع بسبس بالفتح- وهو القفر.\r٤ في الأصل \"قرار بها\" وهو تحريف، والصواب عن الديوان.\r٥ أدري الصيد خلته، وأدري غفلته بمعنى تحيتها.\r٦ رواية الديوان: \"فللمخمر\".\r٧ رواية الديوان: \"جيوبهم\"، والضمير عائد على الفوارس في البيت قبله، والمراد صورهم المرسومة على جنبات الكئوس.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358733,"book_id":3862,"shamela_page_id":607,"part":"2","page_num":272,"sequence_num":607,"body":"ومما انتهى إلي من أخبار ابن المزرع١، قال: سمعت الجاحظ يقول: لا أعرف شعرا يفضل هذه الأبيات التي لأبي نواس، ولقد أنشدتها أبا شعيب القلال، فقال: والله يا أبا عثمان، إن هذا لهو الشعر، ولو نقر لطن، فقلت له: ويحك! ما تفارق عمل الجرار والخزف!\rولعمري إن الجاحظ عرف فوصف وخبر فشكر، والذي ذكره هو الحق.\rوعلى هذا الأسلوب جاء قول أبي تمام٢:\rإن القوافي والمساعي لم تزل ... مثل النظام٣ إذا أصاب فريدا\rهي جوهر نثر فإن ألفته ... بالشعر صار قلائدا وعقودا\rفي كل معترك وكل مقامة ... يأخذن منه ذمة وعهودا\rفإذا القصائد لم تكن خفراءها ... لم ترض منها مشهدا مشهودا\rمن أجل ذلك كانت العرب الألى ... يدعون هذا سوددا محدودا\rوتند عندهم العلا إلا علا ... جعلت لها مرر القريض٤ قيودا","footnotes":"١ هو يموت بن المزرع بين موسى بن سيار العبدي، من عبد قيس البصري ابن أخت أبي عثمان الجاحظ، نحوي أديب راوية، كره الزبيدي في نحاة في مصر، أخذ عن أبي عثمان المازني، وأبي حاتم السجستاني، وعبد الرحمن بن أخي الأصمعي، ونصر بن علي الجهضمي، وكان من مشايخ العلم والشعر، أخباريا حسن الآدب، دخل بغداد، ومات بطبرية، وقيل: بدمشق سنة ثلاث أو أربع وثلثمائة، وكان له ولد يقال: له مهلهل بن يموت.\r٢ ديوان أبي تمام ٩٠ من قصيدة له في مدح خالد بن يزيد الشيباني، مطلعها:\rطلل الجميع لقد عفوت حميدًا ... وكفى على رزئي بذك شهيدا\r٣ رواية الديوان \"لجمان\".\r٤ رواية الديوان \"مرر القصيدة\" والمرر الحبال المحكمة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358734,"book_id":3862,"shamela_page_id":608,"part":"2","page_num":272,"sequence_num":608,"body":"الضرب الثاني: الايجاز بالقصر\rوأما الضرب الثاني: وهو الإيجاز بالقصر؛ فإن القرآن الكريم ملآن منه، وقد تقدم القول أنه قسمان١:\rأحدهما: ما يدل على محتملات متعددة\rفمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا","footnotes":"١ انظر صفحة ١٩٠ من هذا القسم.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358735,"book_id":3862,"shamela_page_id":609,"part":"2","page_num":273,"sequence_num":609,"body":"فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى، فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ، وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾ ١.\rفقوله: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ من جوامع الكلم التي يستدل على قلتها بالمعاني الكثيرة، أي غشيهم من الأمور الهائلة، والخطوب الفادحة ما لا يعلم كنهه إلا الله، ولا يحيط به غيره.\rومن هذا الضرب قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ ٢.\rفجمع في الآية جميع مكارم الأخلاق؛ لأن في الأمر بالمعروف صلة الرحم، ومنع اللسان عن الغيبة وعن الكذب، وغض الطرف عن المحرمات، وغير ذلك، وفي الإعراض عن الجاهلين الصبر والحلم، وغيرهما.\rوقال بعض الأعراب في دعائه: \"اللهم هب لي حقك، وأرض عني خلقك\"، فقال النبي ﷺ: \"هذا هو البلاغة\".\rومن ذلك قوله ﷿: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ﴾ ٣.\rفإنه دخل تحت الأمن جميع المحبوبات، وذلك أنه نفى به أن يخافوا شيئا من الفقر، والموت وزوال النعمة، ونزول النقمة، وغير ذلك من أصناف المكاره.\rوأشباه هذا في القرآن الكريم كثيرة، فهو يكثر في بعض الصور، ويقل في بعض، قال النبي ﷺ: \"من شاء يرتع في الرياض الأنائق فعليه بآل حم\".\rومن ذلك قول النبي ﷺ: \"الخراج بالضمان\"، وذاك أن رجلا اشترى عبدا، فأقام عنده مدة، ثم وجد به عيبا، فخاصم البائع إلى النبي ﷺ فرده عليه، فقال: يا رسول الله إنه استغل غلامي، فقال: \"الخراج بالضمان\"، ومعنى قوله: \"الخراج بالضمان\" أن الرجل إذا اشترى عبدا فاستغله، ثم وجد به عيبا دلسه عليه البائع فله أن يرده، ويسترجع الثمن جميعه،","footnotes":"١ سورة طه: الآيات ٧٧ و٧٨ و٧٩.\r٢ سورة الأعراف: الآية ١٩٩.\r٣ سورة الأنعام: الآية ٨٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358736,"book_id":3862,"shamela_page_id":610,"part":"2","page_num":274,"sequence_num":610,"body":"ولو مات العبد أو أبق، أو سرقه سارق كان في مال المشتري، وضمانه عليه، وإذا كان ضمانه عليه فخراجه له: أي له ما تحصل من أجرة عمله.\rوأما ما ورد شعرا، فقول السموءل بن عادياء الغساني١ من جملة أبياته الرمية المشهورة٢، وذلك قوله منها:\rوإن هو لم يحمل على النفس ضيمها ... فليس إلى حسن الثناء سبيل\rفإن هذا البيت قد اشتمل على مكارم الأخلاق جميعها، من سماحة وشجاعة، وعفة، وتواضع، وحلم، وصبر، وغير ذلك، فإن هذه الأخلاق كلها من ضيم النفس؛ لأنها تجد بحملها ضيما، أي مشقة وعناء.\rوقد تقدم القول أن الإيجاز بالقصر يكون فيما تضمن لفظه محتملات كثيرة، وهذا البيت من ذلك القبيل، ولا أعلم أن شاعرًا قديما ولا حديثا أتى بمثله، وقد أخذه أبو تمام، فأحسن في أخذه، وهو:\rوظلمت نفسك طالبًا إنصافها ... فعجبت من مظلومة لم تظلم\rففاز في بيته هذا بالمقابلة بين الضدين في الظلم والإنصاف، ثم قال: \"فعجبت من مظلومة لم تظلم\"، وهذا أحسن من الأول.\rومعنى قوله: \"ظلمت نفسي طالبا إنصافها\" أي: أنك أكرهتها على مشاق الأمور، وإذا فعلت ذلك فقد ظلمتها، ثم إنك مع ظلمك إياها قد أنصفتها؛ لأنك جلبت إليها أشياء حسنة تكسبها ذكرا جميلا، ومجدا مؤثلا، فأنت منصف لها في صورة ظالم.\rوكذلك قوله:\r\"فعجبت من مظلومة لم تظلم\"","footnotes":"١ هو السموءل بن غريض بن عادياء، والناس يدرجون غريضا في النسب، وينسبونه إلى عادياء جده، وهو صاحب الحصن المعروف بالأبلق بتيماء. والسموءل يضرب به المثل في الوفاء؛ لأنه أسلم ابنه، ولم يخن أمانته في أدراع أودعها عنده امرؤ القيس.\r٢ ديوان الحماسة ١/ ٣٦ وأولها:\rإذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه ... فكل رداء يرتديه جميل","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358737,"book_id":3862,"shamela_page_id":611,"part":"2","page_num":275,"sequence_num":611,"body":"أي أنك ظلمتها وما ظلمتها؛ لأن ظلمك إياها أدى إلى ما هو جميل حسن.\rوهذا القدر في الأمثلة كاف في هذا الباب.\rالقسم الآخر من الضرب الثاني، في الإيجاز بالقصر:\rوهو الذي لا يمكن التعبير عن ألفاظه بألفاظ أخرى مثلها وفي عدتها، وهو أعلى طبقات الإيجاز مكانا، وأعوزها إمكانا، وإذا وجد في كلام بعض البلغاء، فإنما يوجد شاذًّا نادرًا.\rفمن ذلك ما ورد في القرآن الكريم، كقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ ١.\rفإنه قوله تعالى: ﴿الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ ، لا يمكن التعبير عنه إلا بألفاظ كثيرة؛ لأن معناه أنه إذا قتل القاتل امتنع غيره عن القتل، فأوجب ذلك حياة للناس.\rولا يلتفت إلى ما ورد عن العرب من قولهم: القتل أنفى للقتل، فإن من لا يعلم يظن أن هذا على وزن الآية، وليس كذلك، بل بينهما فرق من ثلاثة أوجه:\rالوجه الأول: أن ﴿الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ لفظتان، و\"القتل أنفى للقتل\" ثلاثة ألفاظ.\rالوجه الثاني: أن في قولهم: \"القتل أنفى للقتل\" تكريرا ليس في الآية.","footnotes":"١ سورة البقرة: الآية ١٧٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358738,"book_id":3862,"shamela_page_id":612,"part":"2","page_num":276,"sequence_num":612,"body":"الوجه الثالث: أنه ليس كل قتل نافيا للقتل، إلا إذا كان على حكم القصاص١.\rوقد صاغ أبو تمام هذا الوارد عن العرب في بيت من شعره، فقال٢:\rوأخافكم كي تغمدوا أسيافكم ... إن الدم المعتر٣ يحرسه الدم\rفقوله: \"إن الدم المعتر٣ يحرسه الدم\"، أحسن مما ورد عن العرب من قولهم: \"القتل أنفى للقتل\".\rويروى عن معن بن زائدة٤ أنه سأله أبو جعفر المنصور، فقال له: أيما أحب إليك: دولتنا أو دولة بني أمية، فقال: ذاك إليك!\rفقوله: \"ذاك إليك\" من الإيجاز بالقصر الذي لا يمكن التعبير عنه إلا بألفاظ كثيرة،","footnotes":"١ قال أبو هلال العسكري: والإيجاز: القصر والحذف، فالقصر تقليل الألفاظ وتكثير المعاني، وهو قول الله ﷿: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ ، ويتبين فضل هذا الكلام إذا قرنته بما جاء عن العرب في معناه، وهو قوله: \"القتل أنفى للقتل\"، فصار لفظ القرآن فوق هذا القول، لزيادته عليه في الفائدة، وهو إبانة العدل لذكر القصاص، وذكر العوض المرغوب فيه لذكر الحياة، واستدعاء الرغبة والرهبة لحكم الله به، ولإيجازه في العبارة، فإن الذي هو نظيره قولهم: \"القتل أنفى للقتل\"، إنما هو: ﴿الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ ، وهذا أقل حروفا من ذلك، ولبعده من الكلفة بالتكرير، وهو قولهم: \"القتل أنفى للقتل، ولفظ القرآن بريء من ذلك، وبحسن التأليف، وشدة التلاؤم المدرك بالحسس؛ لأن الخروج من الفاء إلى اللام أعدل من الخروج من اللام إلى الهمزة \"وانظر الصناعتين ١٧٥\".\r٢ ديوان أبي تمام ٢٧٤ من قصيدة له في مدح مالك بن طوق، مطلعها:\rأرض مصردة وأخرى تثجم ... تلك التي رزقت وأخرى تحرم\rوالمصردة التي لا تنال من السقي إلا قليلًا، وتثجم تمطر على الدوام.\r٣ في الأصل \"المغبر\" والتصويب عن الديوان ومعنى المعتز المضطرب.\r٤ هو معن بن زائدة الشيباني، أحد أجواد العرب وفرسانهم، وكان في أيام بني أمية متنقلا في الولايات، ومنقطعا إلى يزيد بن عمر بن هبيرة الفزاري أمير العراقين، فما انتقلت الدولة إلى بني العباس، وجرى بين أبي جعفر المنصور، وبين يزيد بن عمر ما جرى من محاصرة واسط أبلى معن مع يزيد بلاء حسنا، فلما قتل يزيد هرب معن خوفا من المنصور، ثم دخل معن في شيعة المنصور، وصار من خواصه، وقتل معن بسجستان إذ كان واليا عليها سنة ١٥٢هـ.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358739,"book_id":3862,"shamela_page_id":613,"part":"2","page_num":277,"sequence_num":613,"body":"لأن معنى قوله: \"ذاك إليك\"، وهو لفظتان، أنه إن زاد إحسانك\rعلى إحسان بني أمية، فأنتم أحب إلي، وهذه عشرة ألفاظ.\rفإن قيل: كيف لا يمكن التعبير عن ألفاظ أخرى مثلها وفي عدتها، وفي المترادف من الألفاظ ما هو دليل على خلاف ذلك? فإنه إذا قيل: راح ثم قيل: مدامة أو سلافة كان ذلك سواء، وقامت هذه اللفظة مقام هذه اللفظة.\rقلت في الجواب: ليس كل الألفاظ المترادفة يقوم بعضها مقام بعض، ألا ترى أن لفظة \"القصاص\" لا يمكن التعبير عنها بما يقوم مقامها، ولما عبر عنها بالقتل في قول العرب: \"القتل أنفى للقتل\" ظهر الفرق بين ذلك، وبين الآية في قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ ، فالذي أردته أنا إنما هو الكلام الذي لا يمكن التعبير عن ألفاظه بألفاظ أخرى مثلها وفي عدتها، فإن كان كذلك، وإلا كان داخلا في هذا القسم المشار إليه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358740,"book_id":3862,"shamela_page_id":614,"part":"2","page_num":278,"sequence_num":614,"body":"النوع السادس عشر: في الإطناب\rمدخل\r...\rالنوع السادس عشر: في الإطناب\rهذا النوع من الكلام أنعمت النظر فيه، وفي التكرير، وفي التطويل، فملكتني حيرة الشبه بينها طويلًا، وكنت في ذلك كعمر بن الخطاب ﵁ في الكلالة، حيث قال: قد أعياني أمر الكلالة١، وكنت سألت رسول الله ﷺ عنها كثيرًا، حتى ضرب في صدري، وقال: \"ألا يكفيك آية الصيف\"؟\rوبعد أن أنعمت نظري في هذا النوع الذي هو \"الإطناب\"، وجدته٢ ضربا من ضروب التأكيد التي يؤتى بها في الكلام قصدًا للمبالغة، ألا ترى أنه ضرب مفرد من بينها برأسه لا يشاركه فيه غيره؛ لأن من التأكيد ما يتعلق بالتقديم والتأخير، كتقديم المفعول، وبالاعتراض، كالاعتراض بين القسم وجوابه، وبين المعطوف والمعطوف عليه، وأشباه ذلك وسيأتي الكلام عليه في بابه.\rوهذا الضرب الذي هو الإطناب ليس كذلك.\rاختلاف علماء البيان في الإطناب:\rورأيت علماء البيان قد اختلفوا فيه، فمنهم من ألحقه بالتطويل الذي هو ضد الإيجاز٣، وهو عنده قسم غيره، فأخطأ من حيث لا يدري، كأبي هلال","footnotes":"١ الكلالة من لا ولد له ولا والد، وما لم يكن من النسب لحا، أو من تكلل نسبه بنسبك كابن العم وشبهه، أو هي الأخوة للأم، أو بنو العم الأباعد، أو ما خلا الوالد والولد، أو هي من العصبة من ورث معه الأخوة للأم، ولهم أحكام يرجع إليها في قواعد الميراث.\r٢ في الأصل \"وجدت\" من غير الضمير، والسياق يقتضيه.\r٣ يفرق أبو هلال بين الاسطناب الإطناب، فالإطناب عنده بلاغة، والتطويل على؛ لأن التطويل بمنزلة سلوك ما يبعد جهلا بما يقرب، والإطناب بمنزلة سلوك طريق بعيد نزه يحتوي على زيادة فائدة \"وانظر الصناعتين ١٩١\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358741,"book_id":3862,"shamela_page_id":615,"part":"2","page_num":279,"sequence_num":615,"body":"العسكري، والغانمي، حتى إنه قال: إن كتب الفتوح وما جرى مجراها مما يقرأ على عوام الناس ينبغي أن تكون مطولة مطنبا فيها١.\rوهذا القول فاسد؛ لأنه إن عنى بذلك أنها تكون ذات معان متعددة قد استقصى فيها شرح تلك الحادثة من فتح، أو غيره فذلك مسلم، وإن عني بذلك أنها تكون مكررة المعاني مطولة الألفاظ قصدًا لإفهام العامة، فهذا غير مسلم، وهو مما لا يذهب إليه من عنده أدنى معرفة بعلم الفصاحة والبلاغة.\rويكفي في بطلانه كتاب الله تعالى، فإنه لم يجعل لخواص الناس فقط، وإنما جعل لعوامهم وخواصهم، وأكثره لا بل جميعه مفهوم الألفاظ للعوام، إلا كلمات معدودة، وهي التي تسمى غريب القرآن، وقد تقدم الكلام على ذلك في المقالة الأولى المختصة بالألفاظ٢.\rوعلى هذا فينبغي أن تكون الكتب جميعها مما يقرأ على عوام الناس، وخواصهم ذات ألفاظ سهلة مفهومة، وكذلك الأشعار والخطب، ومن ذهب إلى غير ذلك، فإنه بنجوة عن هذا الفن.\rوعلى هذا فإن الإطناب لا يختص به عوام الناس، وإنما هو للخواص كما هو للعوام.\rوسأبين حقيقته في كتابي هذا، وأحقق القول فيه، بحيث تزول الشبهة التي خبط أرباب علم البيان من أجلها، وقالوا أقوالا لا تعرب عن فائدة.","footnotes":"١ عبارة أبي هلال في الصناعتين ١٩٠: \"ولاشك في أن الكتب الصادرة عن السلاطين في الأمور الجسيمة، والفتوح الجليلة، وتفخيم النعم الحادثة، والترغيب في الطاعة، والنهي عن المعصية، سبيلها أن تكون مشبعة مستقصاة، تملأ الصدور، وتأخذ بمجامع القلوب \"ولا نرى تناقضا بين تفريقه بين الإطناب والتطويل، ورأيه في إشباع هذه الكتب، واستقصائها بما يدل على الإطناب.\r٢ انظر تفصيل رأي ابن الأثير في هذا في صفحة ١٨٥، وما بعدها في القسم الأول من هذا الكتاب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358742,"book_id":3862,"shamela_page_id":616,"part":"2","page_num":280,"sequence_num":616,"body":"حقيقة معنى الإطناب:\rوالذي عندي فيه أنه إذا رجعنا إلى الأسماء واشتقاقها، وجدنا هذا الاسم مناسبا لمسماه، وهو في أصل اللغة مأخوذ من أطنب في الشيء إذا بالغ فيه، ويقال: أطنبت الريح، إذا اشتدت في هبوبها، وأطنب السير، إذا اشتد فيه.\rوعلى هذا فإن حملناه على مقتضى مسماه كان معناه المبالغة في إيراد المعاني، وهذا لا يختص بنوع واحد من أنواع علم البيان، وإنما يوجد فيها جميعها، إذ ما من نوع منها إلا ويمكن المبالغة فيه.\rوإذا كان الأمر كذلك فينبغي أن يفرد هذا النوع من بينها، ولا يتحقق إفراده إلا بذكر حده الدال على حقيقته.\rحد الإطناب:\rوالذي يحد به أن يقال: هو زيادة اللفظ على المعنى لفائدة.\rفهذا حده الذي يميزه عن \"التطويل\"، إذ التطويل هو: زيادة اللفظ عن المعنى لغير فائدة١.","footnotes":"١ وعند البلاغيين أن \"التطويل\" هو أن يزيد اللفظ على أصل المراد لا لفائدة، ولا يكون اللفظ الزائد متعينا كقول عدي بن زيد العبادي:\rفقددت الأديم لراهشيه ... ألقى قولها كذبا ومينا\rفإن الزائد هو \"كذبا\" أو\"مينا\"، ولا يتعين أحدهما لزيادة ولا يترجح، فإن كانت الزيادة متعينة اختص ذلك باسم \"الحشو\"، وهو زيادة معينة لا لفائدة كقول أبي الطيب:\rولا فضل فيها للشجاعة والندى ... وصبر الفتى لولا لقاء شعوب\rفإن لفظ \"الندى\" فيه حشو يفسد المعنى؛ لأن المعنى أنه لا فضل في الدنيا للشجاعة والصبر، والندى لولا الموت، وهذا الحكم صحح في الشجاعة دون الندى؛ لأن الشجاع لو علم أنه يخلد في الدنيا لم يخش الهلاك في الإقدام، فلم يكن لشجاعته فضل، بخلاف الباذل ماله، فإنه إذا علم أنه يموت هان عليه بذله، وقد يكون الحشو غير مفسد للعنى كقول الشاعر:\rذكرت أخي فعاودني ... صداع الرأس والوصب\rفإن لفظ الرأس حشو لا فائدة فيه؛ لأن الصداع لا يستعمل إلا في الرأس وليس بمفسد للمعنى، وفي هذا وغيره أقوال يرجع إليها في موسوعات البلاغة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358743,"book_id":3862,"shamela_page_id":617,"part":"2","page_num":281,"sequence_num":617,"body":"وأما \"التكرير\"، فإنه: دلالة على المعنى مرددًا، كقولك لمن تستدعيه: أسرع أسرع، فإن المعنى مردد واللفظ واحد.\rوسيرد بيان ذلك مفصلًا في بابه بعد باب الإطناب؛ لأني ذكرت الإيجاز، ثم الإطناب، ثم التكرير، وهي أبواب يتبع بعضها بعضا.\rوإذا كان \"التكرير\" هو إيراد المعنى مرددا، فمنه ما يأتي لفائدة، ومنه ما يأتي لغير فائدة.\rفأما الذي يأتي لفائدة، فإنه جزء من الإطناب، وهو أخص منه، فيقال حينئذ: إن كل تكرير يأتي لفائدة، فهو إطناب وليس كل إطناب تكريرًا يأتي لفائدة، وأما الذي يأتي من التكرير لغير فائدة فإنه جزء من التطويل، وهو أخص منه، فيقال حينئذ: إن كل تكرير يأتي لغير فائدة تطويل، وليس كل تطويل يأتي لغير فائدة.\rوكنت قدمت القول في باب الإيجاز بأن الإيجاز هو: دلالة اللفظ على المعنى من غير زيادة عليه.\rوإذا تقررت هذه الحدود الثلاثة المشار إليها، فإن مثال الإيجاز والإطناب، والتطويل مثال مقصد يسلك إليه في ثلاثة طرق: فالإيجاز هو أقرب الطلاب الثلاثة إليه، والإطناب والتطويل هما الطريقان المتساويان في البعد إليه، إلا أن طريق الإطناب تشتمل على منزه من المنازه لا يوجد في طريق التطويل١، وسيأتي بيان ذلك بضرب الأمثلة التي تسهل من معرفته.\rوالإطناب يوجد تارة في الجملة الواحدة من الكلام، ويوجد تارة في الجمل المتعددة.\rوالذي يوجد في الجمل المتعددة أبلغ، لاتساع المجال في إيراده.\rوعلى هذا فإنه بجملته ينقسم قسمين:","footnotes":"١ هذا هو تمثيل أبي هلال، وقد سبقت الإشارة إلى شيء من كلامه في الهامش \"٢\" من صفحة \"٣٥٥\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358744,"book_id":3862,"shamela_page_id":618,"part":"2","page_num":282,"sequence_num":618,"body":"١- القسم الأول: الذي يوجد في الجملة الواحدة من الكلام\rوهو يرد حقيقة، ومجازًا.\rأما الحقيقة فمثل قولهم: رأيته بعيني، وقبضته بيدي، ووطئته بقدمي، وذقته بفمي، وكل هذا يظن الظان أنه زيادة لا حاجة إليها، ويقول: إن الرؤية لا تكون إلا بالعين، والقبض لا يكون إلا باليد، والوطء لا يكون إلا بالقدم، والذوق لا يكون إلا بالفم، وليس الأمر كذلك، بل هذا يقال في كل شيء يعظم مناله، ويعز الوصول إليه، فيؤكد الأمر فيه على هذا الوجه دلالة على نيله والحصول عليه، كقول أبي عبادة البحتري١:\rتأمل من خلال السجف وانظر ... بعينك ما شربت ومن سقاني٢\rتجد شمس الضحى تدنو بشمس ... إلي من الرحيق الخسرواني\rولما كان الحضور في هذا المجلس مما يعز وجوده، وكان الساقي فيه على هذه الصفة من الحسن، قال: انظر بعينك.\rوعلى هذا ورد قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ ٣.\rفإن هذا القول لما كان فيه افتراء عظم الله تعالى على قائله:\rألا ترى إلى قوله تعالى في قصة الإفك: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ ٤.\rفصرح في هذه الآية بما أشرت إليه من تعظيم الأمر المقول.","footnotes":"١ ديوان البحتري ١/ ٩٢ من قصيد له في مدح المعتز بالله، ومطلعها:\rرويدك إن شانك غير شاني ... وقصرك لست طاعة من نهاني\r٢ السجف -بفتح السين وكسرها- الستر، والسجف الستران المقرونان بينهما فرجة، أو كل باب ستر بسترتين مقرونين فكل شق سجف، وفي الديوان:\rتأمل من خلال الشك فانظر\r٣ سورة الأحزاب: الآية ٤.\r٤ سورة النور: الآية ١٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358745,"book_id":3862,"shamela_page_id":619,"part":"2","page_num":283,"sequence_num":619,"body":"وفي مساق الآية المشار إليها جاء قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ ١.\rألا ترى أن مساق الكلام أن الإنسان يقول لزوجته: \"أنت علي كظهر أمي\"، ويقول لمملوكه: \"يا بني\"، فضرب الله لذلك مثلًا، فقال: كيف تكون الزوجة أما? وكيف يكون المملوك ابنا? والجمع بين الزوجة والأمومة، وبين العبودية والبنوة في حالة واحدة كالجمع بين القلبين في الجوف، وهذا تعظيم لما قالوه، وإنكار له، ولما كان الكلام في حال الإنكار، والتعظيم أتى بذكر الجوف، وإلا فقد علم أن القلب لا يكون إلا في الجوف، والتمثيل يصح بقوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ﴾ وهو تام، لكن في ذكر الجوف فائدة، وهي ما أشرت إليها، وفيها أيضًا زيادة تصوير للمعنى المقصود؛ لأنه إذا سمعه المخاطب به صور لنفسه جوفا يشتمل على قلبين، فكان ذلك أسرع إلى إنكاره.\rوعليه ورد قوله تعالى: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ ٢.\rفكما أن القلب لا يكون إلا في الجوف، فكذلك السقف لا يكون إلا من فوق، وهذا مقام ترهيب وتخويف، كما أن ذاك مقام إنكار وتعظيم.\rألا ترى إلى هذه الآية بكمالها وهي قوله تعالى: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ ٢، ولذكر لفظة: ﴿فَوْقِهِمْ﴾ ، فائدة لا توجد مع إسقاطها من هذا الكلام، وأنت تحس هذا من نفسك، فإنك إذا تلوت هذه الآية يخيل إليك أن سقفًا خر على أولئك من فوقهم، وحصل في نفسك من الرعب ما لا يحصل مع إسقاط تلك اللفظة.","footnotes":"١ سورة الأحزاب: الآية ٤.\r٢ سورة النحل: الآية ٢٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358746,"book_id":3862,"shamela_page_id":620,"part":"2","page_num":284,"sequence_num":620,"body":"وفي القرآن الكريم من هذا النوع كثير، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ، وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ ١.\rوقوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ ٢.\rوكل هذه الآيات إنما أطنب فيها بالتأكيد لمعان اقتضتها، فإن النفخ في الصور الذي تقوم به الأموات من القبور مهول عظيم، دل على القدرة الباهرة، وكذلك حمل الأرض والجبال.\rفلما كانا بهذه الصفة قيل فيهما: ﴿نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ ، و ﴿دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ ، أي: أن هذا الأمر المهول العظيم سهل يسير على الله تعالى يفعل ويمضي الأمر فيه بنفخة واحدة ودكة واحدة، ولا يحتاج فيه إلى طول مدة، ولا كلفة ولا مشقة.\rفجيء بذكر الواحدة لتأكيد الإعلام بأن ذلك هين سهل على عظمه.\rوهذه المواضع وأمثالها ترد في القرآن الكريم، ويتوهم بعض الناس أنها ترد لغير فائدة اقتضتها، وليس الأمر كذلك، فإن هذه الأسرار البلاغية لا ينتبه لها إلا العارفون بها، وهكذا يرد ما يرد منها في كلام العرب.\rوههنا نكتة لا بد من الإشارة إليها، وذاك أني نظرت في قوله تعالى: ﴿نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ ، و ﴿دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ ، وفي قوله تعالى: ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ ، فوجدت ذلك غير مقيس على ما تقدم، وسأبينه ببيان شاف، فأقول:\rإن قوله تعالى: ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ ، إنما جيء به لتوازن الفقر التي نظمت السورة كلها عليها، وهي: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ ، ولو قيل: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ﴾ ، ولم يقل: \"الثالثة الأخرى\"؛ لكان الكلام عاريا عن الطلاوة والحسن، وكذلك لو قيل: ومناة الأخرى، من غير أن يقال: \"الثالثة\"؛ لأنه نقص في الفقرة الثانية عن الأولى، وذاك","footnotes":"١ سورة الحاقة: الآيتان ١٣ و١٤.\r٢ سورة النجم: الآيتان ١٩ و٢٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358747,"book_id":3862,"shamela_page_id":621,"part":"2","page_num":285,"sequence_num":621,"body":"قبيح وقد تقدم الكلام عليه في باب السجع١، لكن التأكيد في هذه الآية جاء ضمنا لتوازن الفقر وتبعا.\rوأما: ﴿نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ ، و ﴿دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ ، فإنما جيء بلفظ الواحدة فيهما -وقد علم أن النفخة هي واحدة، والدكة هي واحدة- لمكان نظم الكلام؛ لأن السورة التي هي: ﴿الْحَاقَّةُ﴾ جارية على هذا المنهاج في توازنها السجعي، ولو قيل: نفخة من غير واحدة، ودكة -من غير واحدة- ثم قيل بعدها: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ ، لكان الكلام منثورًا٢ محتاجا إلى تمام، لكن التأكيد جاء فيهما ضمنا وتبعا.\rوإذا تبين ذلك واتضح، فاعلم أن الفرق بين هذه الآيات، وبين قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ ظاهر، وذاك أن \"نفخة\" هي واحدة \"ومناة\" هي ثالثة.\rوأما ما جاء منه على سبيل المجاز، فقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ ٣.\rففائدة ذكر: ﴿الصُّدُورِ﴾ ههنا أنه قد تعورف، وعلم أن العمى على الحقيقة مكانه البصر، وهو أن تصاب الحدقة بما يطمس نورها، واستعماله في القلب تشبيه، ومثل، فلما أريد إثبات ما هو خلاف المتعارف من نسبة العمى إلى القلوب حقيقة، ونفيه عن الأبصار، احتاج هذا الأمر إلى زيادة تصوير وتعريف، ليتقرر أن مكان العمي إنما هو القلوب، لا الأبصار.\rوهذا الموضع من علم البيان كثيرة محاسنه، وافرة لطائفه، والمجاز فيه أحسن من الحقيقة، لمكان زيادة التصوير في إثبات وصف الحقيقي للمجازي، ونفيه عن الحقيقي.","footnotes":"١ انظر صفحة \"٣٣٣\"، وما بعدها من القسم الأول من هذا الكتاب، لترى تقسيم المؤلف للسجع، وما يستحسن من أقسامه.\r٢ أي من غير مراعاة للتوازن، ومعنى \"محتاجًا إلى تمام\" أي: إلى تمام يكمل به التوازن.\r٣ سورة الحج: الآية ٤٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358748,"book_id":3862,"shamela_page_id":622,"part":"2","page_num":286,"sequence_num":622,"body":"القسم الثاني المختص بالجمل\rالضرب الأول: أن يذكر الشيء فيؤتي فيه بمعان متداخلة، إلا أن كل معنى يختص بخصيصة ليست للآخر\r...\rالقسم الثاني المختص بالجمل:\r٢- وأما القسم الثاني المختص بالجمل، فإنه يشتمل على ضروب أربعة:\r١- الضرب الأول: أن يذكر الشيء، فيؤتى فيه بمعاني متداخلة، إلا أن كل معنى يختص بخصيصة ليست للآخر\rوذلك كقول أبي تمام١:\rقطعت إلى الزابيين هباته ... والتاث مأمول السحاب السبل٢\rمن منة مشهورة وصنيعة ... بكر وإحسان أغر محجل\rفقوله: \"منة مشهورة، وصنيعة بكر، وإحسان أغر محجل\" تداخلت معانيه، إذ المنة، والصنيعة والإحسان، متقارب بعضه من بعض، وليس ذلك بتكرير؛ لأنه لو اقتصر على قوله: منة وصنيعة، وإحسان لجاز أن يكون تكريرًا، ولكنه وصف كل واحدة من هذه الثلاث بصفة أخرجتها عن حكم التكرير، فقال: \"منة مشهورة\"، فوصفها بالاشتهار لعظم شأنها، و\"صنيعة بكر\"، فوصفها بالبكارة، أي أنها لم يؤت بمثلها من قبل، و\"إحسان أغر محجل\"، فوصفه بالغرة والتحجيل: أي هو ذو محاسن متعددة، فلما وصف هذه المعاني المتداخلة التي تدل على شيء واحد بأوصاف متباينة صار ذلك إطنابًا، ولم يكن تكريرًا.\rولم أجد في ضروب الإطناب أحسن من هذا الموضع، ولا ألطف وقد استعمله أبو تمام في شعره كثيرا، بخلاف غيره من الشعراء كقوله٣:\rزكي سجاياه٤ تضيف ضيوفه ... ويرجى مرجيه ويسأل سائله\rفإن غرضه من هذا القول إنما هو ذكر الممدوح بالكرم وكثرة العطاء، إلا أنه وصفه بصفات متعددة، فجعل ضيوفه تضيف، وراجيه يرجى وسائله يسأل، وليس هذا تكريرا؛ لأنه يلزم من كون ضيوفه تضيف أن يكون راجيه مرجوا، ولا أن يكون سائله مسؤلا؛ لأن ضيفه يستصحب ضيفا، طمعا في كلام مضيفه، وسائله يسأل: أي أنه يعطي السائل عطاء كثيرًا يصير به معطيًا، وراجيه يرجى: أي أنه إذا تعلق به رجاء راج، فقد أيقن بالفلاح والنجاح، فهو حقيق بأن يرجى لمكان رجائه إياه، وهذا أبلغ الأوصاف الثلاثة","footnotes":"١ ديوان أبي تمام ٢٣٣ من قصيدة له في مدح الحسن بن وهيب، مطلعها:\rليس الوقوف يكف شوقك فانزل ... تبلل غليلا بالدموع فيبلل\r٢ في الأصل \"الرابيين\" موضع \"الزابيين\" وهما نهران، وفيه \"التاث\" من غير واو العطف، \"مأمور\" موضع \"مأمول\"، والتصوب عن الديوان، ومعنى التاث أبطأ. والمسبل الممطر.\r٣ ديوان أبي تمام ٣٧٨ من قصيدة له في رثاء القاسم بن طوق، مطلعها:\rجوى ساور الأحشاء والقلب واغله ... ودمع يضيم العين والجفن هامله\r٤ رواية الديوان:\rوكن سجاياه يضيف ضيوفه","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358749,"book_id":3862,"shamela_page_id":623,"part":"2","page_num":287,"sequence_num":623,"body":"٢- الضرب الثاني: يسمى النفي والإثبات\rوهو أن يذكر الشيء على سبيل النفي ثم يذكر على سبيل الإثبات، أو بالعكس، ولا بد أن يكون في أحدهما زيادة في الآخر، وإلا كان تكريرا، والغرض به تأكيد المعنى المقصود.\rفمما جاء منه قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ، إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ ١.\rواعلم أن لهذا الضرب من الإطناب فائدة كبيرة، وهو من أوكد وجوهه، ألا ترى أنه قال: ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ ، ثم قال: ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ ، والمعنى في ذلك سواء، إلا أنه في الثانية قوله: ﴿وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ ، ولولا هذه الزيادة لكان حكم هاتين الآيتين حكم التكرير.\rوهذا الموضع ينبغي أن يتأمل، وينعم النظر فيه.\rوعليه ورد قوله تعالى: ﴿الم، غُلِبَتِ الرُّومُ، فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ","footnotes":"١ سورة التوبة: الآيتان ٤٤ و٤٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358750,"book_id":3862,"shamela_page_id":624,"part":"2","page_num":288,"sequence_num":624,"body":"سَيَغْلِبُونَ، فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ، بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ، وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ، يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ ١.\rفقوله: ﴿يَعْلَمُونَ﴾ ، بعد قوله: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ ، من الباب الذي نحن بصدد ذكره، ألا ترى أنه نفى العلم عن الناس بما خفي عنهم من تحقيق وعده، ثم أثبت لهم العلم بظاهر الحياة الدنيا، فكأنهم علموا وما علموا، إذ العلم بظاهر الأمور ليس بعلم، وإنما العلم هو ما كان بالباطن من الأمور.","footnotes":"١ سورة الروم: الآيات ١-٧.\r٣- الضرب الثالث: هو أن يذكر المعنى الواحد تاما لا يحتاج إلى زيادة، ثم يضرب له مثال من التشبيه\rكقول أبي عبادة البحتري١:\rذات حسن لو استزادت من الحس ... ن إليه لما أصابت مزيدا\rفهي كالشمس بهجة، والقضيب اللدن قدا، والريم طرفا وجيدا٢.\rألا ترى أن الأول كاف في بلوغ الغاية في الحسن؛ لأنه لما قال: \"لو استزادت لما أصابت مزيدا\" دخل تحته كل شيء من الأشياء الحسنة، إلا أن للتشبيه مزية أخرى تفيد السامع تصويرا، وتخييلا لا يحصل له من الأول.\rوهذا الضرب من أحسن ما يجيء في باب الإطناب.\r_________\r١ديوان البحتري ٢/ ٣٤ من قصيدة له في الفخر، مطلعها:\rإنما الغي أن يكون رشيدا ... فانقصا من ملامه أو فزيدا\r٢ روى هذا البيت في الديوان هكذا:\rفهي الشمس بهجة، والقضيب الغض لينا، والرئم طرفا وجيدا","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358751,"book_id":3862,"shamela_page_id":625,"part":"2","page_num":288,"sequence_num":625,"body":"الضرب الثالث: وهو أن يذكر المعنى الواحد تاما لا يحتاج إلى زيادة ثم يضرب له مثال من التشبيه\r...\r٣- الضرب الثالث: هو أن يذكر المعنى الواحد تاما لا يحتاج إلى زيادة، ثم يضرب له مثال من التشبيه\rكقول أبي عبادة البحتري١:\rذات حسن لو استزادت من الحس ... ن إليه لما أصابت مزيدا\rفهي كالشمس بهجة، والقضيب اللدن قدا، والريم طرفا وجيدا٢.\rألا ترى أن الأول كاف في بلوغ الغاية في الحسن؛ لأنه لما قال: \"لو استزادت لما أصابت مزيدا\" دخل تحته كل شيء من الأشياء الحسنة، إلا أن للتشبيه مزية أخرى تفيد السامع تصويرا، وتخييلا لا يحصل له من الأول.\rوهذا الضرب من أحسن ما يجيء في باب الإطناب.","footnotes":"١ ديوان البحتري ٢/ ٣٤ من قصيدة له في الفخر، مطلعها:\rإنما الغي أن يكون رشيدا ... فانقصا من ملامه أو فزيدا\r٢ روى هذا البيت في الديوان هكذا:\rفهي الشمس بهجة، والقضيب الغض لينا، والرئم طرفا وجيدا","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358752,"book_id":3862,"shamela_page_id":626,"part":"2","page_num":289,"sequence_num":626,"body":"وكذلك ورد قوله١:\rتردد٢ في خلقي سودد ... سماحا مرجى وبأسا مهيبا\rفكالسيف إن جئته صارخا ... وكالبحر إن جئته مستثيبا\rفالبيت الثاني يدل على معنى الأول؛ لأن البحر والسيف للبأس المهيب، إلا أن في الثاني زيادة التشبيه التي تفيد تخيلًا وتصويرًا.","footnotes":"١ ديوان البحتري ١/ ٥٨ من قصيدة له في مدح الفتح، خاقان وعتابه، ومطلعها:\rلوت بالسلام بنانا خضيبا ... ولحظا يشوق الفؤاد الطروبا\r٢ رواية الديوان \"تنقل\" موضع \"تردد\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358753,"book_id":3862,"shamela_page_id":627,"part":"2","page_num":289,"sequence_num":627,"body":"٤- الضرب الرابع: أن يستوفي معاني الغرض المقصود من كتاب، أو خطبة أو قصيدة\rوهذا أصعب الضروب الأربعة طريقا، وأضيقها بابا؛ لأنه يتفرع إلى أساليب كثيرة من المعاني، وأرباب النظم والنثر يتفاوتون فيه، وليس الخاطر الذي يقذف بالدرر في مثله إلا معدوم الوجود، ومثاله ومثال الإيجاز مثال مجمل ومفصل، وقد تقدم القول أن الإيجاز والإطناب، والتطويل بمنزلة مقصد يسلك إليه ثلاثة طرق.\rوقد أوردت ههنا أمثلة لهذه الأساليب الثلاثة، وجعلتها على هيئة المقصد الذي تسلك إليه الطرق الثلاثة.\rفمن ذلك ما ذكرته في وصف بستان ذات فواكه متعددة.\rفإذا أريد وصفه على حكم الإيجاز قيل: \"فيه من كل فاكهة زوجان\"، وهذا كلام الله تعالى١، وقد جمع جميع أنواع الفاكهة بأحسن لفظ وأخصره.\rوإذا أريد وصف ذلك البستان على حكم \"الإطناب\" قيل فيه ما أذكره، وهو فصل من كتاب أنشأته، وهو:\r\"جنة علت أرضها أن تمسك ماء، وغنيت بينبوعها أن تستجدي سماء، وهي ذات ثمار مختلفة الغرابة، وتربة منجبة، وما كل تربة توصف بالنجابة.","footnotes":"١ كما جاء في سورة الرحمن \"آية ٥٢\" قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾ .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358754,"book_id":3862,"shamela_page_id":628,"part":"2","page_num":290,"sequence_num":628,"body":"\"ففيها المشمش الذي يسبق غيره بقدومه، ويقذف أيدي الجانين بنجومه، فهو يسمو بطيب الفرع والنجار١، ولو نظم في جيد الحسناء لاشتبه بقلادة من نضار٢، وله زمن الربيع الذي هو أعدل الأزمان، وقد شبه بسن الصبا في الأسنان.\r\"وفيها التفاح الذي رق جلده، وعظم قده، وتورد خده، وطابت أنفاسه، فلا بان الوادي ولا رنده٣، وإذا نظر إليه وجد منه حظ الشم والنظر، ونسبته من سرر الغزلان أولى من نسبته إلى منابت الشجر.\r\"وفيها العنب الذي هو أكرم الثمار طينة، وأكثرها ألوان زينة، وأول غرس اغترسه نوح ﵇ عند خروجه من السفينة، فقطفه يميل بكف قاطفه، ويغري بالوصف لسان واصفه.\r\"وفيها الرمان الذي هو طعام وشراب، وبه شبهت نهود الكعاب، ومن فضله أنه لا نوى له فيرمى نواه، ولا يخرج اللؤلؤ والمرجان من فاكهة سواه.\rوفيها التين الذي أقسم الله به تنويها بذكره، واستتر آدم ﵇ بورقه إذ كشفت المعصية من ستره، وخص بطول الأعناق فما يرى بها من ميل، فهو نشوة من سكره، وقد وصف بأنه راق طعما، ونعم جسما، وقيل: هذا كنيف مليء شهدًا لا كنيف ملئ علما.\rوفيها من ثمرات النخيل ما يزهى بلونه وشكله، ويشغل بلذة منظره عن لذة أكله، وهو الذي فضل ذوات الأفنان بعرجونه، ولا تماثل بينه وبين الحلواء: \"هذا خلق الله، فأروني ماذا خلق الذين من دونه\"٤.\rوفيها غير ذلك من أشكال الفاكهة وأصنافها، وكلها معدود من أوساطها لا من أطرافها.","footnotes":"١ نجار الشيء -بكسر النون وضمها- والنجر أيضا -بفتح النون- الأصل.\r٢ النضار: الذهب أو الفضة، والمعنى الأول هو ما يناسب هذا الاستعمال.\r٣ الرند: شجر طيب الرائحة، والعود، والآس.\r٤ سورة لقمان: الآية ١١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358755,"book_id":3862,"shamela_page_id":629,"part":"2","page_num":291,"sequence_num":629,"body":"ولقد دخلتها فاستهوتني حسدًا، ولم أصاحبها على قوله: \"لن تبيد هذه أبدًا\"١.\rفهذا الوصف على هذه الصورة يسمى \"إطنابا\"؛ لأنه لم يعر عن فائدة.\rوذاك الأول هو \"الإيجاز\"؛ لأنه اشتمل باختصاره على جميع أصناف الفاكهة.\rوأما \"التطويل\": فهو أن تعد الأصناف المذكورة تعدادًا من غير وصف لطيف، ولا نعت رائق فيقال: مشمش، وتفاح وعنب ورمان، ونخل وكذا، وكذا.\rوانظر أيها المتأمل إلى ما أشرت إليه من هذه الأقسام الثلاثة في الإيجاز، والإطناب والتطويل، وقس عليها ما يأتي منها.\rوسأزيد ذلك بيانًا بمثال آخر، فأقول:\rقد ورد في باب \"الإيجاز\" كتاب كتبه طاهر بن الحسين إلى المأمون -رحمه الله تعالى- يخبره بهزيمة \"علي بن\"٢ عيسى بن ماهان وقتله إياه، وهو: \"كتابي إلى أمير المؤمنين، ورأس \"علي بن\" عيسى بن ماهان بين يدي، وخاتمه بين يدي، وعسكره مصرف تحت أمري، والسلام\".\rوهذا كتاب جامع للمعنى، شديد الاختصار.\rوإذا كتب ما هو في معناه على وجه \"الإطناب\" قيل فيه ما أذكره، وهو ما أنشأته مثالًا في هذا الموضع، ليعلم به الفرق بين الإيجاز والإطناب، وهو:\r\"أصدر كتابه هذا، وقد نصر بالفئة القليلة على الفئة الكثيرة، وانقلب باليد الملأى","footnotes":"١ مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾ [سورة الكهف: الآية ٣٥] .\r٢ زيادة ليس في الأصل، وكان علي بن عيسى بن ماهان هو، والفضل بن الربيع من رجال الأمين، وكان علي بن عيسى صاحب أمره كله، وعقد له في سنة ١٩٥ على كور الجبل كلها: نهاوند وهمذان وقم وأصفهان، حربها وخراجها، وقد شخص في هذه السنة إلى حرب المأمون، حتى بلغ الري، فلقيه طاهر بن الحسين، واستمر القتال بينهما إلى أن قتل علي سنة ١٩٥، وقد سبق إيراد هذا الكتاب قبل ذلك في هذا القسم الثاني:","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358756,"book_id":3862,"shamela_page_id":630,"part":"2","page_num":292,"sequence_num":630,"body":"والعين القريرة، وكان انتصاره بجد أمير المؤمنين لا بحد نصله، والجد أغنى من الجيش، وإن كثرت أمداد خيله ورجله، وجيء برأس \"علي بن\" عيسى بن ماهان وهو على جسد غير جسده، وليس له قدم، فيقال: إنه يسعى بقدمه ولا يد، فيقال: إنه يبطش بيده، ولقد طال وطوله مؤذن بقصر شأنه، وحسدت الضباع الطير على مكانها منه، وهو غير محسود على مكانه، وأحضر خاتمه، وهو الخاتم الذي كان الأمر يجري على نقش أسطره، وكان يرجو أن يصدر كتاب الفتح بختمه، فحال ورود المنية دون مصدره، وكذلك البغي مرتعه وبيل ومصرعه جليل، وسيفه وإن مضى فإنه عند الضرب كليل، وقد نطق الفأل بأن الخاتم، والرأس مشيران بالحصول على خاتم الملك ورأسه، وهذا الفتح أساس لما يستقبل بناؤه، ولا يستقر البناء إلا على أساسه، والعساكر التي كانت على أمير المؤمنين حربا صارت له سلمًا، وأعطته البيعة علما بفضله، وليس من تابع تقليدًا كمن تابع علما، وهم الآن مصروفون تحت الأوامر، ممتحنون بكشف السرائر، مطيفون باللواء الذي خصه الله باستفتاح المقالد واستيطاء المنابر، وكما سرت خطوات القلم في أثناء هذا القرطاس، فكذلك سرت طلائع الرعب قبل الطلائع في قلوب الناس، وليس في البلاد ما يغلق بمشيئة الله بابا، ولا يحسر نقابا، وعلى الله إتمام النعم التي افتتحها، وإجابة أمير المؤمنين إلى مقترحاته التي اقترحها، والسلام.\rوهذا الكتاب يشتمل على ما اشتمل عليه كتاب طاهر بن الحسين من المعنى، إلا أنه فصل ذلك الإجمال.\rولو كتبت على وجه \"التطويل\" الذي لا فائدة فيه لقيل: \"أصدر كتابه في يوم كذا من شهر كذا، والتقى عسكر أمير المؤمنين، وعسكر عدوه الباغي.\rوتطاعن الفريقان، وتزاحف الجمعان، وحمي القتال، واشتد النزال، وترادفت الكتائب، وتلاحقت المقانب١، وقتل \"علي بن\" عيسى بن ماهان، واحتز رأسه وقطع،","footnotes":"١ المقانب جمع مقنب -على زنة منبر- جماعة الخيل ما بين الثلاثين إلى الأربعين، أو زهاء ثلثمائة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358757,"book_id":3862,"shamela_page_id":631,"part":"2","page_num":293,"sequence_num":631,"body":"ونزع الخاتم من يده وخلع، وترك جسده طعاما للطيور والسباع، والذئاب والضباع، وانجلت الوقعة عن غلب أمير المؤمنين ونصره، وخذلان عدوه وقهره، والسلام.\rفهذا الكتاب يشتمل على تطويل لا فائدة فيه؛ لأنه كرر فيه معاني يتم الغرض بدونها، وذكر ما لا حاجة إليه في الإعلام بالواقعة.\rفانظر إلى هذه الكتب الثلاثة، وتأملها كما تأملت الذي تقدمها.\rوبعد ذلك إني أورد لك كتابا، وتقليدًا يوضحان لك فائدة الإطناب، أما الكتاب فإنه كتاب كتبته عن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب -رحمه الله تعالى- إلى ديوان الخلافة ببغداد يتضمن فتح بيت المقدس، واستنقاذه من أيدي الكفار، وذلك في معارضة كتاب كتبه عبد الرحيم بن علي البيساني١ عنه، وكان الفتح في السابع والعشرين من شهر رجب من سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة.\r\"خلد الله سلطان الديوان العزيز النبوي، وجعل أيام دولته أترابا، ومناقب مجدها هضابا وزادها على مرور الأيام شبابا، وأوسعها توشية وذهابا، إذا أوسع غيرها تلاشيا وذهابا، ومنحها في الدنيا والآخرة عطاء وفاقا لا عطاء حسابا، ومثل جدودها في عيون الأعداء شيئا عجابا، وأراهم منها وراءهم في اليقظة إرهابا وإرعابا، وفي المنام إبلا صعابا تقود خيلًا عرابًا، لو جمعت العصور في صعيد واحد لكان هذا العصر عليها فاخرًا، وفاز بسبق أوائلها وإن جاء آخرا، وليس ذلك إلا لخطوته بالدولة الناصرية التي كسته خبرا وقلدته دررا، ودونت له من المحامد سيرا، وجعلت في كل ناحية من وجهه شمسا وقمرا.\r\"وقيض الله لها من الخادم وليا يوصل يومه في طاعتها بأمسه، ولا يرى إلا ومن نفسه في خدمتها رقيب على نفسه، وطالما سعى بين يديها بمساع تغص بأخبارها محافل","footnotes":"١ هو القاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي البيساني اللخمي، ولد بعسقلان، ونشأ ببلاد فلسطين، حيث ألم بالعربية والأدب، ثم كتب في الإسكندرية في دواوينها حتى ظهر فضله، فنقل إلى القاهرة زمن العاضد، ولما استولى صلاح الدين على مصر كان بمنزلة وزير له، ووزر بعده لابنه العزيز، وتوفي سنة ٥٩٦هـ.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358758,"book_id":3862,"shamela_page_id":632,"part":"2","page_num":294,"sequence_num":632,"body":"القوم، ويقال له فيها: ما ضرك ما صنعت بعد اليوم، وقد سلفت منها آيات تتمايل في أشباهها وأضرابها، واستؤنف لها الآن واحدة تدعى بأم كتابها، وهي فتح البيت المقدس الذي تفتحت له أبواب السماء، وكثرت بأحاديث مجده كواكب ظلماء، واسترد حق الإسلام، وطالما سعت الهمم في طلبه بالزاد والماء، ومن أحسن ما أتي به أنه آنس قبلته الثانية بقبلته الأولى، وأطال منه كل ما قصرته يد الكفر، وكانت هي الطولى، وبه صح لهذا البيت معنى اسمه، وانتقل إلى الطهارة ونزاهتها عن الرجس ووصمه، ولم يحزه الخادم حتى طوى ما حوله من البلاد المنجدة والغائرة، وكان مركزا لدائرتها فغادره وهو طرف من أطراف الدائرة، ولما شارفه نظر منه إلى ظلة من الظلل، ورأى بلدًا قد استقر على متن الجبل مثل الجبل، ويطيف به واد يستهزئ عصمته بنوب الدهر، وقد انعطف على جوانبه انعطاف الحبوة على الظهر١، والمسالك إليه مع ذلك ذات تعاريج ومعارج، وهي ضيقة مستوعرة يطلق عليها اسم الطرق، ولا يطلق عليها اسم المناهج، فلما رآه قال: هذا أمنية لمن يرى، وعلم حينئذ أن كل الصيد في جوف الفرا٢، إلا أن لسان حاله خاطبه، وهو أفصح الخطاب، وقال: امدد يدك فليس دونها من حجاب.\rوكان قد برز من السلاح في لباس رائع من المنعة، وأخرج من السواد الأعظم ما خدع العيون والحرب خدعة، وما يمنع رقاب البلاد بكثرة السواد، ولا يحمى بعوالي الأسوار بل بعوالي الصعاد، وفي يوم كذا وكذا خيم المسلمون في عقر داره، ونزلوا منه نزول الجار إلى جانب جاره، ثم ارتادوا موقفا للقتال، وإن لم يكن هناك موقف يقرب مناله، ولا يتسع مجاله، واتفق الرأي على لسان المنجنيق في خطبة عقيلية أبلغ خطابا.","footnotes":"١ يقال: احتبى بالثوب اشتمل، أو جمع ظهره وساقيه بعمامة ونحوها، والاسم الحبوة بفتح الحاء وكسرها.\r٢ قال ابن السكيت: الفرا الحمار الوحشي، وجمعه فراء، قالوا: وأصل المثل أن ثلاثة نفر خرجوا متصيدين، فاصطاد أحدهم أرنبا، والآخر ظبيا؛ والثالث حمارا، فاستبشر صاحب الظبي بما نالا، وتطاولا عليه، فقال الثالث: \"كل الصيد في جوف الفرا\" أي: هذه الذي رزقت وظفرت به يشمل على ما عندكما، وذلك أنه ليس مما يصيده الناس أعزم من الحمار الوحشي،\rولاستعمال المثل بقية -انظر أمثال الميداني ٢/ ٨٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358759,"book_id":3862,"shamela_page_id":633,"part":"2","page_num":295,"sequence_num":633,"body":"وأدنى من المطلوب طلابًا، وأنه إذا ضرب بعصاه الحجر انبجست عيون أهله دماء، كما انبجست عيون الحجر ماء.\rهذا والعزائم تنظر إلى هذا الرأي نظر المستجهل، وتصد عنه صدود المستعجل، وتقول: ما بارتياد السهل تملك الصعاب، ومن ابتنى السيف صرحا لم ينأ عنه بلوغ الأسباب، والحديد لا يفلح إلا بالحديد، والركن الشديد لا يصدم إلا بركن شديد، فعندها صمم الخادم أن يلقى البلد مواصبا لا مواربًا، وأن يجعل للزحف جانبا وللمنجنيق جانبا، ونوى أن يبدي صفحة وجهه أمام الناس، وتأسى برسول الله ﷺ في الاتقاء به إذا اشتد البأس، ولا شك أن قلوب الجيوش بمنزلة قلوبها، وأن النفاذ لأسنة الرماح لا لكعوبها، ولا يشتفي من الوغى إلا من كان طرفه أمام طرفه، ومن وقف خلف جنوده، فقد جعل عزائمها من خلفه.\rولما وقع الزحف صورع البلد صراعًا، بعد أن قورع قراعًا، ثم هز هزة طوته بيمينها ونشرته بشمالها، وأذاقته العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر من نكالها، وبدون ذلك يكون عرك أديمه، وعطف شكيمه، ولم يكن قتاله بالسهام التي غايتها أن تصف أجنحتها للمطار، وتنال بكلومها من فوق الأسوار، بل بالسيوف التي إذا جالدت بلدًا أخذت بكظمه، وتوغلت في هجمه، وأغنت بسرعة خطواتها إليه عن المنجنيق وإبطاء هدمه، والسيف ليس بمرتو من النفس التي تظل طائشة عند لقائها، جائشة عند استيفائها، فالقلوب توصف بأنها تجيش إذا كانت أعدادًا، والنفوس لا تجيش إلا إذا كانت ثمادًا، وما يستوي وجوه الأقران في إقدامها وإحجامها، فمنها المظلم إذا رابها الروع بإشراقها، ومنها المشرق إذا شابها الروع بإظلامها، وكانت وجوه المؤمنين في هذا المقام أحظى بلباس الإشراق، وأتم أبدرًا، والبدور لا يكون تمامها في المحاق، فما منهم إلا من عرض نفسه ليوم العرض، ومشى إلى جنة عرضها السموات والأرض، حتى اتسع المكر، وضاق بأعداء الله المقر، وحرقت أوعار الخنادق، وصار الرجال لمنطقة السور كالمناطق، ولم يستشهد منهم إلا عدد يسير لا تدخله لام التعريف، وكانت أجنحة الملائكة مطيفة بهم، فأكرم المطاف به وبالمطيف.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358760,"book_id":3862,"shamela_page_id":634,"part":"2","page_num":296,"sequence_num":634,"body":"وقد أسعد الله أولئك بالشهادة التي هي الفوز الأكبر، وقرنها بإدناء مضاجعهم من الأرض المقدسة، التي هي أرض المحشر، فما يسرهم أن يعودوا إلى الدنيا إلا للاستزادة من ثواب الجهاد، وأيسر ذلك أن أرواحهم في حواصل طير خضر تعلق من ثمار الجنة إلى يوم المعاد.\rولما رأى الكفار أن صليبهم قد صار خوارًا، وأن زئيرهم قد انقلب خوارا، أذعنت أيديهم باستسلامها، وصانعت بالمال عن الرقاب واسترقاقها، وبالبلد عن النفوس وحمامها، فأبى السيف أن يترك رقابا تغذي بأكلها، ويحل من عشقها على مداومة وصلها.\rوذكر الخادم أن سلف هؤلاء انتزاع هذا البلد قسرًا، وفتك بمن كان به من المسلمين غدرًا، وذلك ثأر ذخره الله لك حتى تحظى في الآخرة بثوابه، وتتجمل في الدنيا بزينة أثوابه، والمسلم أخو المسلم يأخذ بدمه، وإن تطاولت أمداد السنين على قدمه، فيا بعد عهد هذا الثأر من ثائره، ويا طيب خبره عند سامعه، وحسن أثره عند ناظره.\rولما تحقق العزم على ذلك أشار ذوو الرأي بقبول الفدية المبذولة، وألا يحمل العدو على ما ليست نفسه عليه بمحمولة، فإن النقد١ إذا أخرج صار ذا أنياب وأظفار، واستضرى حتى يلتحق بالسباع الضوار، وهؤلاء إذا رأوا عين القتل تجردوا للقتال، وركبوا الأهوال للنجاة من الأهوال، ومن يدع إلى خطة رشد فليقبلها، ومن أنشط له عقل الأمور فلا يعقلها، وعلى كل حال فإن الفدية للمسلمين أرغب، وأموال يتقوى بها على العدو خير من دماء تذهب.\rهذا، وبالبلد من أسارى المسلمين من حياة أحدهم بحياة كل نفس، ومن حرمته","footnotes":"١ النقد بالتحريك جنس من الغمم.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358761,"book_id":3862,"shamela_page_id":635,"part":"2","page_num":297,"sequence_num":635,"body":"عند الله مما طلعت عليه الشمس، ولا يوازى فتحه عنوة أن يتعدى إليهم أضراره، ولا شك أنهم يعاجلون بالقتل قبل أن تدخل أقطاره.\rفرأى الخادم عند ذلك أن الرأي مشترك، وأن له معتركا كما أن السيف له معترك، وتقرر تسليم البلد ودموع أهله قد خضبت أحداقها، وأقرحت آماقها١ ولم تطب أنفسهم بفراق قمامه حتى كادت الهام تفارق أعناقها، فعلى حسب ذلك التراب تقوم قيامتهم، وتشيل نعامتهم، ولطالما ابتهلوا عنده أيام الحصار، واستنصروه فلم يحظوا منه بمعونة الانتصار، وكيف يرجى النصر من معبود تقر شيعته بقتله؟، أم كيف يدفع عن غيره من كان هو مبتلى بمثله، وهذه عقول سخيفة نفذ فيها كيد شيطانها، وأخفى عنها محجة الحق على وضوح بيانها.\rولقد كان يوم التسليم عريض الفخار، زائد العمر على عمر أبويه من الليل والنهار، واشتق من اسمه معنى السلامة للمسلمين والهلاك للكفار، وزاده فخرا إلى فخره أنه وافق اليوم المسفر عن ليلة المعراج النبوي الذي كان في تلك الأرض موعده، ومن صخرتها مصعده، وذلك هو الإسراء الذي ركب إليه ظهر البراق٢، واستفتح له أبواب السبع الطباق، ولقي فيه الأنبياء على اختلاف درجاتهم، فظفر خير ملقى بخير لاق، وبركة ذلك اليوم سرت إلى هذا، فأطالت من شهرته، وضمنته نصرة الدين الحنيف الذي لله عناية بنصرته، وجعلته تاريخًا يؤرخ بفتحه كما أرخ النبي ﷺ بدار هجرته، وإذا أنصف واصفه قال: إنه لليوم البدري في اقتراب النسب، وإنه العجيبة التي لم تجفل عنها الأيام في صفر، وإنما أجفلت عنها في رجب، فما أكثر الفائز فيه والمغبون، والمسرور والمحزون فيمن جد راكب ومن جد راجل، ومن عز قادم وذل راحل.","footnotes":"١ جمع مأق ومؤق طرف العين مما يلي الأنف، وهو مجرى الدمع من العين، أو مقدمها أو مؤخرها.\r٢ البراق دابة ركبها رسول الله ﷺ ليلة المعراج، قال صاحب القاموس \"٣/ ٢١٢\"، وكانت دون البغل وفرق الحمار.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358762,"book_id":3862,"shamela_page_id":636,"part":"2","page_num":298,"sequence_num":636,"body":"ولطالما جد الخادم في السعي له وأبصار العدا تزلقه، وألسنتهم تسلقه، وما منهم إلا من أكثر الشناعة بأن ذلك السعي للاستكثار من البلاد، والله يعلم أنه لم يكن إلا للاستكثار من موارد الجهاد، لا جرم أن صدق النية كان له عقبى الدار، وتلك الأقوال الكاذبة كان لها عقبى البوار، ويوم هذا الفتح يفتقر قبله إلى أيام تجلو بياضه عن سوادها، ويلقح لها بطون المساعي حتى يكون هو نتيجة ميلادها، ولما ظفر به الخادم لم يكن لأهل النجامة١ فيه قول يرد كذابه، ولا يقبل صوابه، والشهب الطالعة على ذوات السروج، أصدق نبأ من الشهب الطالعة من ذوات البروج، على أنهما وإن اتفقا رجما فإنهما يختلفان علما، فعلم هذه يسأل عنه ثغر الأعناق، وعلم هذه يسأل عنه بطون الأوراق.\rولما دخل البلد وجد به أممًا لولا أن ضربت عليهم الذلة لدافعوا المنايا مكاثرة، وغالبوا السيوف مصابرة، وهم طوائف مختلفو الألسنة والألوان، وإن قيل: إنهم أناسي فإن صورهم صور الجان، ومنهم طائفة استشعرت حبس نفوسها، وفحصت الشعر عن أوساط رءوسها، وتوحشت بالرهبانية حتى ارتاعت العيون من أشكالها ولبوسها.\rولما رأوا طليعة الإسلام داخلة عليهم أعلنوا بالجؤار٢، واصطرخوا جميعًا كما يصطرخون غدا في النار، وزادهم غيظا إلى غيظهم أنهم رأوا الصلاة قائمة، وقد صار الناقوس أذانا، وكلمة الكفر إيمانا، وأقيمت الجمعة، وهي أول جمعة حظي الأقصى بمشهدها، وحضرتها الأمة الإسلامية بأحمرها وأسودها، فمن باك بدمعة سروره الباردة، ومن مجيل نظره في نعمة الله الواردة، ومن شاكر للزمن الذي أبقاه إلى يومه هذا الذي كل الأيام له حاسدة، من كان ولده تقدم قبله أو بعده فكأنه لم يولد، وكانت هذه الجمعة في رابع شعبان، وهو الشهر الذي جعله الله طليعة لشهر الصيام، وليلة نصفه هي الليلة المعروفة بإحياء قيامها إلى حين وفاة شخص الظلام، والتي يغفر فيها لأكثر من شعر غنم كلب من ذوي الذنوب والآثام.","footnotes":"١ النجامة عمل المنجم، والمتنجم والنجام من ينظر في النجوم بحسب مواقيتها وسيرها.\r٢ الجؤار رفع الصوت بالدعاء، والتضرع، والاستغاثة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358763,"book_id":3862,"shamela_page_id":637,"part":"2","page_num":299,"sequence_num":637,"body":"وجيء باللواء الأسود، فركز من المنبر في أعلاه، ونطق لسان حاله، فقال: من كان رسول الله ﷺ مولاه فأنا مولاه، ولم يكن لسان الخطيب بأفصح بيانًا من لسانه، غير أن هذا يزهى ببلاغ موعظته، وهذا يزهى بعزة سلطانه، ولما ذكرت سمات الخلافة المعظمة أتبعها الناس بالدعاء الذي ملأ المسجد بعجيجه، وسبق الكرام الكاتبون بزميله إلى السماء ووشيجه، وكان اليوم فصلا، والموقف حفلا، وذلك الدعاء فرضا لا نفلا.\rولا ينتهي النصف إلا ما شوهد بالبلد من الآثار العجيبة التي تستلبث العجلان، وتستحلب الأذهان، وتستنطق الألسنة بالتسبيح لله الذي فطر الإنسان، ومن جملة ذلك ما تبوهي في حسنه من البيع والصوامع، ذوات الأبنية الروائع، التي روضت بالزخارف ترويض الأزهار، ورفعت معاقدها حتى كادت النجوم توحي إليها بالأسرار، وما منها إلا ما يقال: إنه إرم ذات العماد، التي لم يخلق مثلها في البلاد، ولقد ألان الله لهم الحجارة حتى تخيروا في توسيعها بضروب الاختيار، وجعلوها أعاجيب للأسماع والأبصار، وقيل فيها: هذه روضات جنان لا أفنية ديار.\rهذا إلى غيره مما وجد من معبودات القوم الموصوفة بأنها آلة الصلب، اللاتي من ذوات النصب، وأكثر ذلك وجد في المسجد موضوعا، وعلى قبته مرفوعا، فأنزلت على قرونها، واستن بسنة رسول الله ﷺ في طعن عيونها، واستوطن المؤمن مكان الكفور، وبدلت الظلمات بالنور، وقالت الصخرة: الآن جمع بيني وبين الحجر الأسود لخاطب الإسلام، والجمع بين الأختين في هذا الأمر من الحلال لا من الحرام، وقال الأقصى: سبحان الذي أسرى إلي بجنده، كما أسرى بعبده، وأعاد لي عهود الفتح الأول بهذا الفتح الذي أتى من بعده، وعود الذاهب أرجى لدوام أحقابه، وخلود الإنسان لا يكون إلا في مآبه، وهذا هو الخطب الذي جدد للإسلام عهود ابن خطابه١ ﵁ إلا أن مستنقذ الطريدة أولى بها من صاحبها، ولئن غصبتها يد غالبة، فقد جاء الله باليد التي غصبتها من غاصبها.","footnotes":"١ يشير إلى فتوح المسلمين في خلافة عمر بن الخطاب ﵁.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358764,"book_id":3862,"shamela_page_id":638,"part":"2","page_num":300,"sequence_num":638,"body":"هذا ولم يستنقذها الخادم إلا بإنضاء سلاح أنفته الوقعة الأولى التي استأصلت حماة البلاد، واستباحت أغيالها بقتل الآساد، فكانت لهذا الفتح عنوانا، ولتقرير أصوله بنيانا، ولم ينج بها من طواغيت الكفر إلا طاغية ترابلس، فإن السيوف أسأرته وبفؤاده قلق من أوجالها، وفي عينه دهش من أهوالها، وقد قرن الله هذا الفتح ببشرى موته.\rوكفى المسلمين مؤنة الاهتمام لفوته، ففر من الوقعة، ولم ينج بذلك الفرار، واعتصم بذات جداره، فقتله الخوف من وراء الجدار، ولا فرق بين قتيل خوف السفار، وبين قتيل الشفار، ولقد فر من المكروه إلى مثله، لكنه انتقل من ميتة عزه إلى ميتة ذله.\rوكذلك آثار الخادم في أعداء الله فهم هلكى بسيفه في مواقف الطراد، فإن فروا فبخوفه على جنوب الوساد، وبعد هذه فهل يمترون في أن دمائهم قد استجابت لمراده، وأن سواء لديه من أمكن منها في دنوه، ومن امتنع منها في بعاده، وكل ذلك مستمد من الاستنصار بعناية الديوان العزيز التي من شأنها أن تجعل الرؤيا حقًّا، وأحاديث الآمال صدقا، وتقرب بعيدات الأمور حتى تجعل الشرق غربا والغرب شرقا، فهذا الفتح منسوب إليها، وإن كان الخادم هو الساعي في تسهيله، والمجاهد بنفسه وماله في سبيله، فعلى عطف دولتها ترقم أعلامه، وفي أيامها تؤرخ أيامه.\rولو أبيح للقلم الخيلاء في مقام المقال، كما أبيح لصاحبه في مقام القتال، لاختالت مشيته في هذا الكتاب، ولقال: وأسهب فليس الإكثار ههنا من الإسهاب، لكنه منعه من ذلك أن يكون ممن فخر بعمله فأبطله، وأرسل خطابه إلى الديوان العزيز، فلم يقبضه بالأدب حين أرسله، وقد ارتاد من يبلغ عنه مشاريح هذه الوقائع التي اختصرها، ويمثل صورها لمن غاب عنها كما تمثلت لمن حضرها، ويكون مكانه من النباهة كريما كمكانها، وهي عرائس المساعي، فأحسن الناس بيانًا مؤهل لإيداع حسانها، والسائر بها فلان وهو راوي أخبار نصرها التي صحبها في تجريح الرجال، وعوالي إسنادها مأخوذة من طرق العوال، والأيام والليالي رواة، فما الظن برواية الأيام والليال؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358765,"book_id":3862,"shamela_page_id":639,"part":"2","page_num":301,"sequence_num":639,"body":"وستتلو هذه الأخبار الصادقة بمشيئة الله أخبار مثلها صادقة، وما دامت السيوف ناطقة في يد الخادم فالألسنة عنها ناطقة، وللآراء العالية مزيد العلو، إن شاء الله تعالى.\rوأما التقليد، فإنه تقليد أنشأته لمنصب الحسبة، وهو:\r\"أما بعد، فقد جعل الله جزاء التمكين في أرضه أن يقام بحدود فرضه، ونحن نسأله التوفيق لهذا الأمر الذي ثقل حمله وعدم أهله، فقد جيء بنا في زمن أصبح الناس فيه سدى، وعاد الإسلام فيه غريبا كما بدا، وهو الزمن الذي كثرت فيه أشراط١ اليوم الأخير، وغربلت فيه الأمة حتى لم يبق إلا حثالة٢ التمر والشعير.\rومن أهم ما نقرر بناءه، ونقدم عناءه، ونصلح به الزمن وأبناءه، أن نمضي أحكام الشريعة المطهرة على ما قررته، في تعريف ما عرفته، وتنكير ما نكرته، ومدار ذلك على النظر في أمر الحسبة التي تتنزل منه بمنزلة السلك من العقد، والكف من الزند، وقد أخلصنا النية في ارتياد من فيها ويكفيها، ويصطفى لها ولا يصطفيها، وهو أنت أيها الشيخ الأجل \"فلان\" أحسن الله لك الأثر، وصدق فيك النظر، فتولها غير موكول إليها، بل معانا عليها.\rواعلم أن الناس قد أماتوا سننا وأحيوا بدعا، وتفرقوا فيما أحدثوه من المحدثات شيعا؛ وأظلم منهم من أقرهم على أمرهم، ولم يأخذ بقوارع زجرهم، فإن السكوت عن البدعة رضا بمكانها، وترك النهي عنها كالأمر بإتيانها، ولم يأت بنا لله تعالى إلا ليعيد الدين قائما على أصوله، صادعا بحكم الله فيه وحكم رسوله.\rونحن نأمرك أن تتصفح أحوال الناس في أمر دينهم الذي هو عصمة مالهم، وأمر معاشهم الذي يتميز به حرامهم عن حلالهم، فابدأ أولًا بالنظر في العقائد، واهد فيها","footnotes":"١ الأشراط: العلامات.\r٢ الحثالة ما لا خير فيه، والرديء من كل شيء.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358766,"book_id":3862,"shamela_page_id":640,"part":"2","page_num":302,"sequence_num":640,"body":"إلى سبيل الفرقة الناجية١ الذي هو سبيل واحد، وتلك الفرقة هي السلف الصالح الذين لزموا مواطن الحق فأقاموا، وقالوا: ربنا الله ثم استقاموا، ومن عداهم شعب دانوا أديانا، وعبدوا من الأهواء أوثانا، واتبعوا ما لم ينزل به الله سلطانا \"ولو نشاء لأريناكهم، فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول، والله يعلم أعمالكم\"٢، فمن انتهى من هؤلاء إلى فلسفة فاقتله، ولا تسمع له قولا، ولا تقبل منه صرفا ولا عدلا، وليكن قتله على رءوس الأشهاد ما بين حاضر وباد، فما تكدرت الشرائع بمثل مقالته، ولا تدنست علومها بمثل أثر جهالته، والمنتمي إليها يعرف بنكره، ويستدل عليه بظلمة كفره، وتلك الظلمة تدرك بالقلوب لا بالأبصار، وتظهر زيادتها ونقصها بحسب ما عند رائيها من الأنوار، وما تجده من كتبها التي هي سموم ناقعة، لا علوم نافعة وأفاعي ملقفة، لا أقوال مؤلفة، فاستأصل شأفتها٣ بالتمزيق، وافعل بها ما يفعله الله بأهلها من التحريق، ولا يقنعك ذلك حتى تجتهد في تتبع آثارها، والكشف عن مكامن أسرارها، فمن وجدت في بيته فليؤخذ جهارا، ولينكل به إشهارا، وليقل: هذا جزاء من استكبر استكبارا، ولم يرج لله وقارا.\rوأما من تحدث في القدر، وقال فيه بمخالفة نص الخبر، فليس في شيء من ربقة الإسلام، وإن تنسك بمداومة الصلاة والصيام، قال النبي ﷺ: \"القدرية مجوس هذه الأمة\"، والمراد بذلك أنهما ماثلوا بين الله والعبد، والضياء والظلمة، فعلاج هذه الطائفة أن تجزى بأن تخزى، فليقابل جمعها بالتكسير، واسمها بالتصغير، ولتنقل إلى ثقل الحدود عن خفة التعزير، ومن كان منها ذا مكانة نابهة فليهبط، أو شهادة عادلة فليسقط:","footnotes":"١ يروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل، تفرق بنو إسرائيل على اثنتين وسبعين ملة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، تزيد عليهم ملة، كلهم في النار إلا ملة واحدة\"، قالوا: يا رسول الله من الملة الواحدة؟ قال: \"ما أنا عليه وأصحابي\"، وفي هذا الحديث روايات، والملة الواحدة، هي الفرقة الناجية.\r٢ سورة محمد: الآية ٣٠.\r٣ الشأفة: الأصل، واستأصل الله شأفته أذهبه، وأزاله من أصله.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358767,"book_id":3862,"shamela_page_id":641,"part":"2","page_num":303,"sequence_num":641,"body":"وكذلك يجري الحكم فيمن قال بالتشبيه والتجسيم، أو قال بحدوث القرآن القديم، ومن ملحدي القرآن فرقة فرقت بين المعنى والخط، وفرقة قالت فيه بالشكل والنقط، وكل هؤلاء قوم خبثت سرائرهم، وعميت أبصارهم، وعظمت عند الله جرائمهم، فخذهم بالتوبة التي تطهر أهلها، وتجب ما قبلها، وليست التوبة عبارة عن ذكرى اللسان، والقلب لاه في قبضة النسيان، بل هي عبارة عن الندم على ما فات، واستئناف الإخلاص فيما هو آت، وقد جعل الله التائب من أحبابه، ووصفه في مواضع كثيرة من كتابه، ومن فضله أن الملائكة يستغفرون لذنبه، ويشفعون له إلى ربه، فإن أبت هذه الطوائف إلا إصرارًا، ولم يزدهم دعاؤك إلا فرارًا، فاعلم أن الله قد طبع على قلوبهم طبعًا، وألحقهم بالذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكره، وكانوا لا يستطيعون سمعا، فخذهم عند ذلك بحد الجلد، فإن لم ينجع فبحد ذوات الحد، فإن هذه أمراض عمى لا ترجى لها الإفاقة، ولا تبرئ منها إلا الدماء المراقة.\rوأما الفرقة المدعوة بالرافضة، التي هي لما رفعه الله خافضة، فإنهم أناس ليس لهم من الدين إلا اسمه، ولا من الإسلام إلا رسمه، وإذا نقب عن مذهبهم وجد على العصبية موضوعًا، ولغير ما شرعه الله ورسوله مشروعا، ذبُّوا عن علي ﵁ فأسلموه، وأخروه إذ قدموه، وهؤلاء وضعوا أحاديث فنقلوها، وأولوا على ما أولوها، فتبع الآخر منهم الأول على غمة، وقالوا: إنا وجدنا آبائنا على أمة.\rوههنا غير ما ذكرناه من عقائد محلولة، ومذاهب غير منقولة ولا مقبولة، وبالهدي يتبين طريق الضلال، وبالصحة يظهر أثر الاعتلال ولا عقيدة إلا عقيدة السنة والكتاب، ولا دين إلا دين العجائز الماء والمحراب.\rوإذا فرغنا من الوصية بالأصول التي هي للدين ملاك، فلنتبعها بالفروع التي هي له مساك:\rوأول ذلك الصلاة، وهي في مباني الإسلام الخمس أوكد خمسه، وآخر ما وصى به رسول الله ﷺ عند مفارقة نفسه، ومن فضلها أنها العمل الذي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358768,"book_id":3862,"shamela_page_id":642,"part":"2","page_num":304,"sequence_num":642,"body":"ينهى عن الفحشاء والمنكر، ولا عذر في تركها لأحد من الناس فيقال: إنه يعذر، فاجمع الناس إليها، واحملهم عليها، ومرهم بالاجتماع لها في المساجد، وناد فيهم بفضيلة صلاة الجماعة على صلاة الواحد، وراقبهم عند أوقات الأذان في الأسواق التي هي معركة الشيطان، فمن شغل بتثمير مكسبه، ولها عنها بالإقبال على لهوه ولعبه، فخذه بالآلة العمرية التي تضع من قدره، وتذيقه وبال أمره، ولا يمنعك عن ذي هيبة هيبته، ولا عن ذي شيبة شيبته، فإنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد.\rومن مهمات الصلاة يوم الجمعة الذي هو في الأيام بمنزلة الأعياد في الأعوام، وفيه الساعة المخصوصة بالدعاء المجاب، التي ما صادفها عبد إلا ظفر بالطلاب، فمر الناس بابتداره في البواكر، والفوز فيه بقربان البدنات١ الأخاير، فإنه اليوم الذي لم تطلع الشمس على مثله، وبه فضل هذا الدين على أهل الكتاب من قبله -فهو واسطة عقد الأيام السبعة، ولاشتماله على مجموع فضلها سمي يوم الجمعة، وفي الأعوام مواسم لصلوات مخصوصة كالتراويح في شهر رمضان، والرغائب في أول جمعة من رجب، وليلة النصف من شعبان، فلتملأ المساجد في هذه المواسم التي تكثر فيها شهادات الأقلام، في كتب الطاعات ومحو الآثام، ومن حضرها وليس همه إلا أن يمر بها طروقًا، ويواعد إليه أخدانه رفثًا وفسوقًا، فهؤلاء هم الخلف الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، فابعث عليهم قوما يسلبونهم سلبا، ويوجعونهم ضربا، ويملئون عيونهم مهابة وقلوبهم رعبا، فبيوت الله مطهرة من هذه الأدناس، ولم تعمر لشياطين الإنس وإنما عمرت للناس، فلا يحضرها إلا راكع وساجد، أو ذاكر وحامد.\rوههنا عظيمة عضيهة٢، وفاحشة يفقه لها من ليست نفسه بفقيهة، وهي الربا، فإنه قد كثر أكله، وتظاهر به فاعله، وقال فساق الفقهاء بتأويله؛ وتوصلوا إلى","footnotes":"١ البدنات: الأضاحي.\r٢ العضبهة: الإفك والبهتان.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358769,"book_id":3862,"shamela_page_id":643,"part":"2","page_num":305,"sequence_num":643,"body":"شبهة تحليله، ولا يتسارع إلى ذلك إلا من أعمى الله قلبه، ومحق كسبه، قال النبي ﷺ: \"لعن الله اليهود؛ حرمت عليهم الشحوم فجملوها، وباعوها وأكلوا أثمانها\"، ونحن نأمرك أن تشمر في هذا الأمر تشميرًا يرهبه الناس، ولا تدع ربا حتى تضعه، وأول ربًا تضعه ربا العباس١؛ فتأديب الكبير قاض بتهذيب الصغير، والأسوة بالرفيع خلاف الأسوة بالنظير؛ وجل معاملة الربا تجري في سوق الصرف الذي تختلف به النقود، وتفترض فيه العقود، ويخاض في نار نيره إلى النار ذات الوقود، وبه قوم أوسعوا عيون الموازين غمزًا، وألسنتها همزًا ولمزًا، وأصبح الدرهم والدينار عندهم بمنزلة الصنمين: اللات والعزى، ولا يرى منهم إلا من الحرص مفاض على ثيابه، وقد جمع بين المعرفة بالحرام والهجوم على ارتكابه، فعدل ميل هؤلاء تعديلا، وتخولهم على مرور الأيام تخويلا، واعلم أنك قد وليت من الكيل، والميزان أمرين هلكت فيهما الأمم السالفة، فباشرهما بيدك مباشرة الاختبار والاختيار، ولا تقل أهلهما عثرة، فإن الإقالة لا تنتهى عن العثار، وكل هؤلاء من سواد الناس ممن لم يزك غرسه، ولا فقهت نفسه، وليس همه إلا فرجه وضرسه، فخذهم بآلة التعزيز التي هي نزاعة للشوى، تدعو من أدبر وتولى، ومن آثارها أنها ترج أرض الرأس رجا، وتفرج سماءه فرجا، ويسلك بصاحبه هديا ونهجا. وقد كثر في الأسواق الخلابة والنجش٢، وتلقي الركبان وبيع الحاضر للبادي، وتنفيق السلعة باليمين الكاذبة، وكل هذه من المحظورات التي وردت الأخبار النبوية ببيانها، والنهي عن تورد مكانها، فمن قارف شيئا منها جاهلًا بتحريمه فقومه بالتعليم، واهده إلى الصراط المستقيم، ومن عرف ما اقترف، فأذقه حر التأديب، قبل أن يذاق غدًا حر التعذيب، وأعلمه أن الأرزاق بيد الله تعالى لا ينقصها عجز","footnotes":"١ من خطبة رسول الله ﷺ في حجة الوداع قوله: \"وإن ربا الجاهلية موضوع -أي ساقط لا حساب عليه- وإن أول ربا أبدأ به ربا عمي العباس بن عبد المطلب\".\r٢ النجش أن تواطئ رجلا إذا أراد بيعا أن نمدحه، أو أن يزيد الإنسان أن يبيع بياعة، فتساومه فيها بثمن كثير، لينظر إليك ناظر فيقع فيها، أو أن ينفر الناس عن الشيء إلى غيره.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358770,"book_id":3862,"shamela_page_id":644,"part":"2","page_num":306,"sequence_num":644,"body":"القاعد، ولا يزيدها حرص الكادح، وقد ينقلب الجاهد فيها بصفقة الخاسر، والوادع بصفقة الرابح، ومن سنة الله تعالى أن ينمي الحلال وإن كان يسيرًا، ويمحق الحرام، وإن كان كثيرًا.\rومن الناس من آتاه الله مالا فبث في الأسواق جنود ذهبه وورقه، واحتكر ما حمله الميزان من ذوات رطله، ووسعه الكيل من ذوات وسقه، فأصبح فقراء بلده في ضيق من عدم الرفق، ومدد الرزق، فليمنع هؤلاء أن يجعلوا رزق الله محتكرًا، ومعاش عباده محتجرًا، وليؤمروا بأن يتراحموا، ولا يتزاحموا، وأن يأخذ الغني منهم بقدر الكفاف، ويترك للفقير ما يعينه على الإسعاف، قال عمر بن الخطاب ﵁: \"لا حكرة في سوقنا، لا يعمد رجال بأيديهم فضول من أذهاب إلى رزق من أرزاق الله تعالى ينزل بساحتنا، فيحتكرونه علينا، ولكن أيما جالب جلب على عمود كبده، فذلك ضيف عمر، فليبع كيف شاء الله، وليمسك كيف شاء الله\".\rوأما التسعير فإنه وإن آثره القاسطنون، وحكم به القاسطون، وقيل: إن في ذلك للفقير تيسير العسير، فليس لأحد أن يكون يد الله في حفظ ما رفع، وبذل ما منع، فقف أنت حيث أوقفك حكم الحق، ودع ما يعن من مصلحة الخلق، ولا تكن ممن اتبع الرأي والنظر، وترك الآية والخبر، فحكمة الله مطوية فيما يأمر به على ألسنة رسله، وليست مما يستنبطه ذو العلم بعلمه، ولا يستدل عليه ذو العقل بعقله، \"ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا\"١.\rومما نأمرك به أن تمحو الصغيرة، كما تمحو الكبيرة، فإن لمم الذنوب كالقطر يصير مجتمعه سيلا متدفقا، وكان أوله قطرًا متفرقا.\rوقد استمر في الناس عوائد تهاونوا باستمرارها، ولم ينظروا إلى ثقل أوزارها، فمن ذلك لبس الذهب، والحرير الذي لم يلبسه إلا من عدم عند الله خلاقا، وإن قيل: إنه","footnotes":"١ سورة النساء: الآية ٨٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358771,"book_id":3862,"shamela_page_id":645,"part":"2","page_num":307,"sequence_num":645,"body":"شعار للغني فلم يزد صاحبه من الحسنات إلا إملاقًا، وللبس عباءة مع التقوى أحسن في العيون شعارًا، وأعظم في الصدور وقارًا.\rويلتحق بهذه المعصية صوغ الذهب، والفضة آنية يمنع منها حق الصدقات، وهو حق يقاتل مانعه، ويعصى في استعمالها أمر الله، وهو حد من حدوده يعاقب عاصيه، ويثاب طائعه.\rوكذلك يجري الحكم في الصور المرقومة في البيوت والثياب، وعلى الستور المغلقة على الأبواب، وإخراجها في ضروب أشكال الحيوان لملاعبة الصبيان، وذلك مماثلة لخلق الله في التقدير، ولهذا يؤمر صانعه بنفخ الروح فيما صوره من التصوير.\rومما يغلظ نكيره إطالة الذيول للاجترار، والمباهاة لما فيها من عنجهية التيه والاستكبار، ولن يخرق صاحبها الأرض بإعجابه، ولا يبلغ الجبال بإطالة ثيابه١، قال النبي ﷺ: \"إن الله لا ينظر إلى من جر ثوبه خيلاء\".\rومما هو أشد نكيرًا أمر الحمامات، فإن الناس قد أصروا بها على الإجهار، وترك الاستتار، والتهاون بأمر العورات التي لصاحبها اللعنة، وله سوء الدار.\rوالنساء في هذا المقام أشد تهالكًا من الرجال، وقد ابتذلن أنفسهن حتى أفرطن في فاحشة الابتذال، ولهن محدثات من المنكر أحدثها كثرة الإرفاه والإتراف، وأهمل إنكارها حتى سرت في الأوساط والأطراف، وقد أحدثن الآن من الملابس ما لا يخطر للشيطان في حساب، وتلك من لباس الشهرة الذي لا يستر منه إسبال مرط٢، ولا إدناء جلباب.\rومن جملتها أنهن يعتصبن عصائب كأمثال الأسنمة، ويخرجن من جهارة","footnotes":"١ مأخوذ من قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [سورة الإسراء: الآية ٣٧] .\r٢ المرط: بالكسر كساء من صوف، أو خز وجمعه مروط.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358772,"book_id":3862,"shamela_page_id":646,"part":"2","page_num":308,"sequence_num":646,"body":"أشكالها في الصور المعلمة، وقد أخبر رسول الله ﷺ \"بها فيما ورد عنه من الأخبار، وجعل صاحبها معدودًا من زمرة أصحاب النار.\rومما حيد به عن السنن قراءة القرآن بضروب الألحان، وتلك قراءة تخرج حروفها من غير مخرج، وتبدو معوجة وهو قرآن عربي غير ذي عوج، وقد أمر الله بترتيله، وإيراده على هيئة تنزيله، فمن قرأه بالترجيع والترديد، وزلزل حروفه بالتمطيط والتمديد، فقد ألحقه بدرجات الأغاني، وذهب بما فيه من طلاوة الألفاظ والمعاني، قال النبي ﷺ: \"اقرءوا القرآن بلحون العرب وأصواتها، وإياكم ولحون أهل الفسق ولحون أهل الكتابين، وسيجيء بعدي قوم يرجعون بالقرآن ترجيع الغناء، والنوح لا يجاوز حناجرهم، مفتونة قلوبهم، وقلوب الذين يعجبهم شأنهم\".\rويلتحق بذلك اقتناء القينات المغنيات اللاتي يلعبن بالعقول لعبهن بالأسماع، ويغنين الشياطين بغنائهن عن بث الجنود والأشياع، وفتيا النفس الأمارة في ذلك أن تقول: هؤلاء إماء يحل نغمة سماعهن، كما يحل ما تحت قناعهن، وقد علم أن لكل شيء تماما، وقد ينقلب فيصير حرامًا، ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، قال النبي ﷺ: \"لا تبيعوا القينات المغنيات ولا تشتروهن، ولا تعلموهن، ولا خير في تجارة فيهن، وثمنهن حرام\". وفي مثل هذا أنزلت: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ ١.\rوكذلك يجري الحكم في المواشط اللاتي يجعلن الحسن موفورًا، والقبح مستورًا، ويخدعن الناظر حتى يجعلنه مسحورًا، فهن يبدين صدقًا من كذب، وجدا من لعب، وفعلهن هذا من الغش الذي نهى رسول الله ﷺ عنه، وقال: \"إنه ليس منه\" ٢، وقد لعن الواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة والواشرة والمستوشرة٣.","footnotes":"١ سورة لقمان: الآية ٦.\r٢ إشارة إلى قوله ﷺ: \"من غشنا فليس منا\"، أو من غش أمتي فليس مني\".\r٣ الواصلة التي تصل شعرها بشعر غيرها، والواشرة التي تحدد أسنانها، والواشمة التي تشم يدها أو غير ذلك من أعضائها، والمستفعل من كل هذه الأشياء من يطلبها.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358773,"book_id":3862,"shamela_page_id":647,"part":"2","page_num":309,"sequence_num":647,"body":"ومن غش المنكرات أيضًا خضاب الشيب الذي يخالف فيه الظاهر الباطن، ويتخلق صاحبه بخلق الكاذب الخائن، وهب أنه أخفى لون شعره، وهل يخفي أخلاق لباسه، وإذا استسن ملائم المرء، فلا يغنيه سواد عارضه، ولا سواد رأسه، وقد جعل الله الشيب من نعمه المبشرة بطول الأعمار، وسماه نورا للونه وهدايته، ولا تستوي الظلمات والأنوار، قال النبي ﷺ: \" قوم يخضبون بالسواد كحواصل الحمام، لا يريحون رائحة الجنة\" ... والأولى بصاحب١ الشيب أن يشتغل بتغيير صيغة الكتاب٢، ويدأب في محو سواد العقاب ببياض الثواب، ففي بقية عمره مندوحة لادخار ما يحمد ذخره، وتبديل ما تقدم سطره.\rومما خولفت فيه السنة عقد مجالس التعازي لحضور الناس، وإظهار شعار الأسود، والأزرق من اللباس، والتشبيه٣ بالجاهلية في النوح والندب، ومجاوزة دمع العين وخشوع القلب إلى الإعلان بإسخاط الرب، وقد تواطأ النساء على ضرب الخيام على القبور، وجعل الأعياد مواسم لاجتماع الزائر والمزور، فصارت المآتم بينهم ولائم، والمنادب عندهم مآدب، وربما نشأ من ذلك ما يغض طرفا، ويجدع أنفا، ويوجب حدا وقذفا، وهكذا أهمل أمر الإسلام في تشبه أهل الذمة بأهله، وما كانوا ليشابهوه في زي غرته، ويخالفوه في سلوك سبله، ولا بد من الغيار بأن يشد النصراني عقدة زناره، ويصفر اليهودي أعلى إزاره.\rوليمنعوا من الظاهر٤ بطغيان النعمة وعلو الهمة، ويؤمروا بالوقوف عند ما حكم عليهم من الأحكام، وأخذوا فيه بالاختفاء والاكتتام، فخمورهم تستر،","footnotes":"١ سقط هذا الحديث من أصول الكتاب وجميع طبعاته، وقد أكملنا الحديث الشريف، ونقلنا الكلمتين الواردتين بعقده من رسائل ابن الأثير \"١٤٧\" التي حررها، وحققها الأستاذ أنيس المقدسي -بيروت١٩٥٩م.\r٢ أي محو ما كتب عليه من ذنوب بالتوبة، والعمل الصالح.\r٣ في الأصل \"التشبيه\" وهو تحريف، والصواب عن رسائل ابن الأثير.\r٤ في الأصل \"الظاهر\" وهو تحريف.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358774,"book_id":3862,"shamela_page_id":648,"part":"2","page_num":310,"sequence_num":648,"body":"وشعائر دينهم لا تظهر، وموتاهم تقبر بالخمول قبل أن تقبر، فلا يوقد خلف ميتهم مصباح، ولا يتبع بندب ولا صياح.\rومما عرف الناس منكره إثارة التحريش بين الحيوانات، وهي ذوات أكباد رطبة، وأخلاق صعبة وما منها إلا ما يحل أكله، ولا يحل قتله، كالكبش والحجلة والديك، والسماني وما أشبهها، وقد أكثر الناس من اقتنائها، والمواظبة على إضرام شحنائها، وربما نشأ من ذلك فتنة تئول إلى ضراب، وشق ثياب، وإحداث شجاج، وإثارة عجاج وتحزب إلى أحزاب كثيرة وأفواج.\rويتصل بهذه المنكرات المذكورة أشياء أخرى تجري مجراها في التقديم، وتتنزل منزلتها في التحريم، فاحكم فيها بحكمك، وامض في شبهاتها بدليل علمك، ونب عنا في التذكير والتحذير، والتعريف والتنكير، حتى يتقود الأود، ويتضح الرشد ويمكث في الأرض ما ينفع ويذهب الزبد، وليكن عملك لله الذي يسمع ويرى، وله ما في السموات وما في الأرض، وما بينهما وما تحت الثرى.\rواعلم أن الأمر بالمعروف عبادة يتعدى نفع صاحبها إلى غيره، وتستضيف خير المأمور بها إلى خيره، وهي الجهاد الأكبر الذي تقاتل فيه عواصي النفوس، وتضرب به رءوس الشهوات التي هي أمنع من معاقد الرءوس، فقتيله يحيا بقتله، وجريحه يؤسى بجراحة نصله، وبمثل هذا الجهاد تستنزل أمداد النعم مضعفة، كما تستنزل أمداد النصر مردفة، فأقدم عليه ذا عزم باتر، وطرف ساهر، وقدم ثابت صابر، حتى تظل لمعاقل الشيطان فاتحا، وتكون فيمن دعا إلى الله وعمل صالحًا.\rواعلم أنك في صبيحة كل يوم يبتدرك الملك والشيطان، وكل منهما يقول: يأيها الإنسان، فإن أجبت نداء الملك كتبك في زمرة من مهد لجنبه، وخاف مقام ربه، وعرج بعملك١ إلى الله طيبا نشره، مضاعفا أجره، وإن أجبت نداء الشيطان","footnotes":"١ في الأصل \"عرج بك\"، ورواية رسائل ابن الأثير \"١٤٨\" انسب، ولذلك أثرناها.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358775,"book_id":3862,"shamela_page_id":649,"part":"2","page_num":311,"sequence_num":649,"body":"كتبك في زمرة من أغواه، وقرنك بمن أغفل الله قلبه واتبع هواه، ثم نزل به إلى الأرض خبيثا مخثبا، وأقبل به على إخوانه من الشياطين محدثا.\rوهذا آخر ما عهدناه إليك من العهد الذي طوقت اليوم بكتابه، وستناقش غدًا على حسابه، وكما جعلناه لك في الدنيا ذكرًا، فاجعله لك في الآخرة ذخرًا، إن شاء الله تعالى والسلام.\rوهذا الذي ذكرته في هذين من الكتاب، والتقليد يتضمن إطنابا مستوفى الأقسام، ولولا خوف الإطالة التي لا حاجة إليها لأوردت قصائد من الشعر أيضا، حتى لا يخلو الموضع من ضرب أمثلة من المنظوم والمنثور، لكن في الذي ذكرته كفاية لمن يحمله على أشباهه ونظائره.\rفإن قيل: إن الإطناب في الكلام وضعتموه اسما على غير مسمى، فإن الكلام لا يخلو من حالتين: إما أن لا يزيد لفظه على معناه، وهو \"الإيجاز\"، أو يزيد لفظه على معناه، وهو \"التطويل\"، وليس ههنا قسم ثالث، فما الإطناب إذا......?\rقلت في الجواب: اعلم أن \"الإيجاز\" هو ضد \"التطويل\"، كما أن السواد ضد البياض، غير أن بين الضدين مراتب، ومنازل ليست أضدادًا، فالإطناب لا إيجاز هو ولا تطويل، كما أن الحمرة أو الخضرة ليست بياضًا ولا سوادًا.\rوقد قدمنا القول أن الإطناب يأتي في الكلام مؤكدا كالذي يأتي بزيادة التصوير للمعنى المقصود، إما حقيقة وإما مجازا، والتطويل ليس كذلك، فإنه التعبير عن المعنى بلفظ زائد عليه يفهم ذلك المعنى بدونه، فإذا حذفت تلك الزيادة بقي المعنى المعبر عنه على حاله لم يتغير منه شيء.\rوهذا بخلاف الإطناب، فإنه إذا حذفت منه تلك الزيادة المؤكدة للمعنى تغير ذلك المعنى، وزال ذلك التأكيد عنه، وذهبت فائدة التصوير، والتخييل التي تفيد السامع ما لم يكن إلا بها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358776,"book_id":3862,"shamela_page_id":650,"part":"2","page_num":312,"sequence_num":650,"body":"ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ ، وهذا لا يسمى إيجازا؛ لأنه أتى فيه بزيادة لفظ، وهو ذكر الصدور، وقد علم أن القلوب لا تكون إلا في الصدور ولا يسمى تطويلا؛ لأن التطويل لا فائدة فيه أصلا، وهذا فيه فائدة، وهي ما أشرنا إليه، وكذلك باقي أقسام الإطناب التي نبهنا عليها، وهذا لا نزاع فيه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358777,"book_id":3862,"shamela_page_id":651,"part":"2","page_num":313,"sequence_num":651,"body":"محتويات القسم الثاني من كتاب: المثل السائر\rفي أدب الكاتب والشاعر لضياء الدين بن الأثير: المقالة الثانية: في الصناعة المعنوية توطئة في معاني الخطابة، والشعر والكتابة \"٣-٥٦\":\rصفحة\r٤ بين الطبع والتحصيل، هل أفاد أدباء العرب من كتب علماء اليونان المعاني المبتعدة، والمعاني المقلدة، عوامل الابتداع: أثر الحوادث المتجددة، والأحوال الشاهدة.\r٦ أمثلة من ابتداع أبي تمام \"٦\" والبحتري \"٧\" والمتنبي \"٨\" وأبي نواس \"١٠\" وجليلة البكرية \"١٣\".\rمن معاني ابن الأثير المبتكرة:\r١٥ في وصف حسان، من كتاب يتضمن منازلة بلد، ووصف القتال بالمنجنيق\r١٥ معنى مبتدع مستخرج من حديث نبوي -في وصف مفازة\r١٦ من كتاب في وصف نزول العدو على حصار بلد\r١٦ فصل من كتاب إلى ديوان الخلافة ببغداد\r١٧ بين عهد الملك والحجاج، واستخراج معنى من كتاب الله\rأمثلة من شعر أبي نواس \"١٨، ١٨\"، ومسلم بن الوليد \"١٨\"، وعلي بن جبلة \"١٨\" وابن الرومي \"٢١\"، والمتنبي \"٢٢\" وشعراء آخرين \"٢٤\"\r٢٨ من كتاب ابن الأثير:\rفي صف صورة مليحة \"٢٧\" في ذم الشيب.\r٢٩ كتابان في المعابثة والهزل \"٢٩\" فصل من كتاب يتضمن وصف هزيمة الكفار","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358778,"book_id":3862,"shamela_page_id":652,"part":"2","page_num":314,"sequence_num":652,"body":"٢٩ من كتاب في وصف القلم\r٣١ كتاب مع هدية من رطب\r٣٣ رقعة من هدية من ثياب ودراهم إل بعض حجاب السلطان\r٣٤ رقعة أخرى من هدية من المسك\r٣٦ رقعة من عاشق إلى معشوق\r٣٨ كتاب في التعزية بوفاة زوجة بعض الملوك وولدها\r٤١ كتاب عن الملك الأفضل إلى أخيه الملك الظاهر غازي\r٤٤ من جملة رسالة طردية في وصف قسي البندق وحامليها\r٤٥ استخراج المعاني من كتاب الله، ومن حديث النبي ﷺ\r٤٦ فصل من كتاب إلى بعض المنعمين، من كتاب في وصف القلم\r٤٧ الضرب الذي يحتذى فيه على مثال سابق ومنهج مطروق، والرد على القائلين باستفاد المعاني، وصعوبة الاختراع\r٤٨ مناقشة ابن أفلح البغدادي في دعواه اختصاص المحدثين بالابتداع\r٥٠ المتعصبون للألفاظ والرد عليهم\rالنوع الأول: في الاستعارة \"٥٧-٩٢\"\r٥٧ الأوصاف الخاصة، والأوصاف العامة للفصاحة والبلاغة\r٥٧ أقسام المجاز: التوسع، والتشبيه التام، والتشبيه المحذوف \"الاستعارة\"\r٥٨ الفرق بين التشبيه والاستعارة\r٦٤ التوسع في الكلام \"٦٤\" ضرباه: ما يرد على وجه الإضافة\r٦٥ ما يرد على وجه الإضافة\r٦٧ حد الاستعارة، التعريف المشهور ونقده، تعريف ابن الأثير\r٦٨ القرينة في الاستعارة، قول ابن جني في المجاز، والرد عليه\r٧١ أقسام المجاز عند العزالي، واعتراضات ابن الأثير\r٧٧ أمثلة للاستعارة المفيدة: من القرآن الكريم\r٧٧ من الأخبار النبوية -من كلام العرب- من كلام ابن الأثير\rمن الشعر العربي: لمسكين الدارمي \"٧٩\" لرجل من بني يسار \"٨٠\" لديك الجن، لأبي تمام \"٨١\" للبحتري \"٨٤\" للمتنبي \"٨٥\"، والشريف الرضي \"٨٧\".\r٨٧ خلط الاستعارة بالتشبيه، ومناقشة الخفاجي، والآمدي\r٩٠ الاستعارة المرضية والاستعارة المطرحة، الاستعارات التي ينبني بعضها على بعض","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358779,"book_id":3862,"shamela_page_id":653,"part":"2","page_num":315,"sequence_num":653,"body":"النوع الثاني: في التشبيه \"٩٣-١٢٧\":\r٩٣ نقد علماء البيان في تفريقهم بين التشبيه والتمثيل، قسما التشبيه: التشبيه المظهر والتشبيه المضمر، أقسام التشبيه المضمر، وأمثلتها\r٩٧ الشبيه المضمر أبلغ، وأوجز من التشبيه المظهر\r٩٩ فائدة التشبيه ومحاسنه\r١٠٢ أقسام التشبيه: تشبيه معنى بمعنى، صورة بصورة، تشبيه معنى بصورة، تشبيه صورة بمعنى\r١٠٥ الطرفان من حيث الإفراد والتركيب \"١٠٣\" تشبيه المفرد بالمفرد\r١٠٩ تشبيه المركب بالمركب\r١١٧ تشبيه المفرد بالمركب\r١١٩ تشبيه المركب بالمفرد\r١٢١ من معيب التشبيه\r١٢٥ الطرد والعكس \"غلبة الفروع على الأصول\"\rالنوع الثالث: في التجريد \"١٢٨-١٣٤\"\r١٢٨ حد التجريد، معناه اللغوي: والمعنى البلاغي\r١٢٩ فائدة التجريد -قسما التجريد: المحض، وغير المحض\r١٢٩ القسم الأول: تعريفه، أمثلته\r١٣١ التجريد غير المحض: تعريفه، أمثلته\r١٣٢ رأي أبي علي الفارسي، والرد عليه\rالنوع الرابع: في الالتفات \"١٣٥-١٥٠\"\r١٣٥ معناه اللغوي، معناه البلاغي، من أسمائه \"شجاعة العربية\"\r١٣٥ أقسام الالتفات:\rالقسم الأول: في الرجوع من الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة، رأي الزمخشري ومناقشته\r١٤٤ القسم الثاني: في الرجوع عن الفعل المستقبل إلى فعل الأمر، وعن الفعل الماضي إلى فعل الأمر\r١٤٥ القسم الثالث: في الإخبار عن الفعل الماضي المستقبل، وعن الفعل المستقبل بالفعل الماضي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358780,"book_id":3862,"shamela_page_id":654,"part":"2","page_num":316,"sequence_num":654,"body":"النوع الخامس: في توكيد الضميرين \"١٥١-١٥٦\"\r١٥١ بين النحو والبلاغة، معنى توكيد الضميرين\r١٥٣ توكيد المتصل بالمتصل \"١٥٢\" توكيد المتصل بالمنفصل\r١٥٥ توكيد المنفصل بالمنفصل\rالنوع السادس: في عطف المظهر على ضميره، والإفصاح به بعده \"١٥٧-١٥٩\"\rفائدته، أمثلة من كلام العرب، ومن القرآن الكريم\rالنوع السابع: في التفسير بعد الإبهام: \"١٦٠-١٦٥\":\r١٦٠ فائدته، أمثلة من القرآن الكريم\r١٦٠ الفرق بين عطف المظهر على ضميره، والتفسير بعد الإبهام\r١٦٣ الإبهام من غير تفسير، أمثلة من القرآن ومن كلام العرب، ومن الشعر\rالنوع الثامن: في استعمال العام في النفي، والخاص في الإثبات \"١٦٦-١٧١\":\rما يدخل تحت هذا النوع \"١٦٦\" الخاص والعام \"١٦٦\" الأوصاف الخاصة إذا وقعت على شيئين، الأسماء المفردة الواقعة على الجنس \"١٦٧\"\rالصفتان الواردتان على شيء واحد \"١٦٨\" الصفات المتعددة الواردة على شيء واحد \"١٧٠\"\rالنوع التاسع: في التقديم والتأخير: \"١٧٢-١٨٥\":\r١٧٢ ضرباه: ما يغير المعنى، وما لا يغير المعنى\r١٧٢ الضرب الأول: بلاغة التقديم: تقديم المفعول على الفعل -تقديم الخبر على المبتدأ- تقديم الظرف","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358781,"book_id":3862,"shamela_page_id":655,"part":"2","page_num":317,"sequence_num":655,"body":"١٧٢ غرضا التقديم: الاختصاص، مراعاة نظم الكلام\r١٧٩ المعاظلة المعنوية: أمثلتها، تفاوت درجاتها في القبح\r١٨٣ الضرب الثاني: تقديم السبب على المسبب \"١٨٢\" تقديم الأكثر على الأقل\r١٨٤ تقديم الأعجب فالأعجب \"١٨٤\" تقديم الأفضل والمفضول\rالنوع العاشر: في الحروف العاطفة والجارة: \"١٨٦-١٩٠\"\r١٨٦ بين النحو والبلاغة، حروف العطف\r١٨٨ التباس مواضع الفاء والواو -فعل المطاوعة- ما يلتبس بأفعال المطاوعة\r١٨٩ حروف الجر: معاني بعض الحروف الجارة\r١٩٠ العدول عن بعض الحروف إلى بعض\rالنوع الحادي عشر: في الخطاب بالجملة الفعلية، والجملة الاسمية والفرق بينهما: \"١٩١-١٩٦\":\r١٩١ العدول عن أحد الخطابين إلى الآخر وفائدته\r١٩٢ ورود لام التوكيد في الكلام\rالنوع الثاني عشر: في قوة اللفظ لقوة المعنى \"١٩٧-٢٠٢\"\r١٩٧ اختلاف الأوزان، والصيغ واختلاف المعنى\r١٩٨ زيادة التصغير\r١٩٩ النقل من صيغة إلى صيغة، وفائدته\rالنوع الثالث عشر: في عكس الظاهر \"٢٠٣-٢٠٤\"\rمعناه، أمثلة، الغرض منه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358782,"book_id":3862,"shamela_page_id":656,"part":"2","page_num":318,"sequence_num":656,"body":"النوع الرابع عشر: في الاستدراج \"٢٠٥-٢٠٨\"\rاستخراج ابن الأثير إياه من كتاب الله -معناه- فائدة الاستدراج أمثلة من القرآن الكريم، من حديث بين الحسين بن علي، ومعاوية بن أبي سفيان.\rالنوع الخامس عشر: في الإيجاز \"٢٠٩-٢٧٧\"\r٢٠٩ معناه، النظر إلى المعاني لا الألفاظ\r٢٠٩ معاني القرآن: المعاني الأصول \"٢٠٩\" المعاني الفروع\r٢١١ رأي لبعض علماء البيان في مواضع الإيجاز، والتطويل والرد عليه\r٢١٢ حد الإيجاز -الإيجاز والتطويل- أمثلة للإيجاز وللتطويل\r٢١٦ قسما الإيجاز: الإيجاز بالحذف والإيجاز بغير الحذف، التنبيه إلى المحذوف في الأول أيسر\r٢١٩ \"١\" الإيجاز بالحذف: بلاغته، ضرباه: حذف الجمل، وحذف المفردات\r٢٢٠ القسم الأول: حذف الجمل، ضروبه:\r١- حذف السؤال المقدر، ويسمى \"الاستئناف\"\rأ- إعادة الأسماء والصفات \"٢٢١\"\rب- الاستئناف بغير إعادة الأسماء والصفات \"٢٢١\"\r٢٢٣ ٢- الاكتفاء بالسبب عن المسبب، وبالمسبب عن السبب\r٢٢٥ ٣- الإضمار على شريطة التفسير\r٢٢٥ أ- ما يرد على طريق الاستفهام\r٢٢٥ ب- ما يرد على حد النفي والإثبات\r٢٢٦ ج- ما يرد على غير هذين الوجهين\r٢٢٧ ٤- ما ليس بسبب ولا مسبب، ولا إضمار على شريطة التفسير، ولا استئناف\r٢٣٢ القسم الثاني: حذف المفردات: ضروبه:\rالضرب الأول: حذف الفاعل، والاكتفاء في الدلالة عليه بذكر الفعل\r٢٣٣ الضرب الثاني: حذف الفعل وجوابه\r٢٣٩ الضرب الثالث: حذف المفعول به","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358783,"book_id":3862,"shamela_page_id":657,"part":"2","page_num":319,"sequence_num":657,"body":"٢٤٢ الضرب الرابع: حذف المضاف والمضاف إليه، وإقامة كل واحد منهما مقام الآخر\r٢٤٤ الضرب الخامس: حذف الموصوف والصفة، وإقامة كل منهما مقام الآخر\r٢٤٨ الضرب السادس: حذف الشرط وجوابه\r٢٥٠ الضرب السابع: حذف القسم وجوابه\r٢٥١ الضرب الثامن: حذف \"لو\" وجوابها\r٢٥٤ الضرب التاسع: حذف جواب \"لولا\"\r٢٥٥ الضرب العاشر: حذف جواب \"لما\"، وجواب \"أما\"\r٢٥٥ الضرب الحادي عشر: حذف جواب \"إذا\"\r٢٥٦ الضرب الثاني عشر: حذف المبتدأ والخبر\r٢٥٦ الضرب الثالث عشر: حذف \"لا\" من الكلام، وهي مرادة\r٢٦٠ الضرب الرابع عشر: حذف الواو من الكلام وإثباتها\r٢٦٠ ب- الإيجاز بغير الحذف: ضرباه\r٢٦١ الضرب الأول: ما ساوى لفظه معناه \"الإيجاز بالتقدير\"\r٢٦٥ الضرب الثاني: ما زاد معناه على لفظه \"الإيجاز بالقصر\"، قسماه:\r١- ما يدل على محتملات كثيرة\r٢٦٧ ٢- ما لا يمكن التعبير عنه بمثل ألفاظه وفي عدتها\rالنوع السادس عشر: في الإظناب \"٢٧٨-٣١٢\":\r٢٧٨ فائدة الإطناب\r٢٧٨ اختلاف علماء البيان في الإطناب: رأي العسكري والغانمي\r٢٨٠ حقيقة معنى الإطناب في استعمال أهل اللغة\r٢٨٠ حد الإطناب: الفرق بين الإطناب، والتطويل، والتكرير\r٢٨٢ قسما الإطناب:\r١- الإطناب في الجملة الواحدة: الحقيقة والمجاز\r٢٨٦ ٢- الإطناب في الجمل: ضروبه\r٢٨٦ أ- ذكر الشيء بمعن متداخلة، كل معنى يختص بما ليس للآخر\r٢٨٧ ب- النفي والإثبات","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358784,"book_id":3862,"shamela_page_id":658,"part":"2","page_num":320,"sequence_num":658,"body":"٢٨٨ ج- ذكر المعنى الواحد تاما، ثم يضرب له مثال من التشبيه\r٢٨٩ د- استيفاء معاني الغرض المقصود\r٢٩٣ أمثلة للإيجاز والإطناب:\rكتاب لابن الأثير عن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب إلى ديوان الخلافة ببغداد، يتضمن فتح بيت المقدس، واستنقاذه من أيدي الكفار.\r٣٠١ صورة تقليد أنشأه من الأثير لمنصب الحسبة\r٣١٣ محتويات القسم الثاني من المثل الثائر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358785,"book_id":3862,"shamela_page_id":659,"part":"3","page_num":3,"sequence_num":659,"body":"المجلد الثالث\rتابع المقالة الثانية في الصناعة المعنوية\rالنوع السابع عشر: في التكرار\rمدخل\r...\rالنوع السابع عشر: في التكرار\rقد تقدم الكلام في صدر كتابي هذا على تكرار الحروف، وما [أشبه] ذلك مما يختلط بهذا النوع الذي هو \"تكرار المعاني والألفاظ\".\rواعلم أن هذا النوع من مقاتل علم البيان، وهو دقيق المأخذ.\rوحده هو: دلالة اللفظ على المعنى مرددا، وربما اشتبه على أكثر الناس بالإطناب مرة، وبالتطويل أخرى، وقد تقدم الكلام على الفرق بين هذه الأنواع الثلاثة في باب الإطناب١، فلا حاجة إلى إعادته ههنا.\rوأما التكرير فقد عرفتكه, وهو ينقسم قسمين:\rأحدهما يوجد في اللفظ والمعنى.\rوالآخر يوجد في المعنى دون اللفظ. فأما الذي يوجد في اللفظ والمعنى فكقولك لمن تستدعيه \"أسرع أسرع\" ومنه قول أبي الطيب المتنبي٢:\rولم أر مثل جيراني ومثلي ... لمثلي عند مثلهم مقام\rوأما الذي يوجد في المعنى دون اللفظ فكقولك: \"أطعني ولا تعصني\". فإن الأمر بالطاعة نهي عن المعصية.","footnotes":"١ انظر صفحة ٣٥٧ من القسم الثاني من هذه الطبعة.\r٢ ديوان المتنبي ٤/ ٧٩ من قصيدته في مدح المغيث بن علي العجلي، ومطلعها:\rفؤاد ما تسليه المدام ... وعمر مثل ما تهب اللئام","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358786,"book_id":3862,"shamela_page_id":660,"part":"3","page_num":4,"sequence_num":660,"body":"وكل من هذين القسمين ينقسم إلى مفيد وغير مفيد:\rولا أعني بالمفيد ههنا ما يعنيه النحاة، فإنه عندهم عبارة عن اللفظ المركب، إما من الاسم مع الاسم، بشرط أن يكون للأول بالثاني علاقة معنى يسع مكلفا جهله، وإما من الاسم مع الفعل التام المتصرف على هذا الشرط أيضا، وإما من حرف النداء مع الاسم، فهذا هو المفيد عند النحاة.\rوأنا لم أقصد ذلك ههنا، بل مقصودي من المفيد أن يأتي لمعنى، وغير المفيد أن يأتي لغير معنى.\rواعلم أن المفيد من التكرير يأتي في الكلام تأكيدا له، وتشييدا من أمره، وإنما يفعل ذلك للدلالة على العناية بالشيء الذي كررت فيه كلامك، إما مبالغة في مدحه أو في ذمه أو غير ذلك، ولا يأتي إلا في أحد طرفي الشيء المقصود بالذكر، والوسط عار منه؛ لأن أحد الطرفين هو المقصود بالمبالغة إما بمدح أو ذم أو غيرهما، والوسط ليس من شرط المبالغة، وغير المفيد لا يأتي في الكلام إلا عيا وخطلا من غير حاجة إليه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358787,"book_id":3862,"shamela_page_id":661,"part":"3","page_num":5,"sequence_num":661,"body":"التكرير في اللفظ والمعنى:\rفأما الأول وهو الذي يوجد في اللفظ والمعنى, فإنه ينقسم إلى ضربين: مفيد وغير مفيد.\rفالأول المفيد, وهو فرعان:\rالأول: إذا كان التكرير في اللفظ والمعنى يدل على معنى واحد، والمقصود به غرضان مختلفان:\rكقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ، لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ ١.\rهذا تكرير في اللفظ والمعنى، وهو قوله: \"يحق الحق وليحق الحق\" وإنما جيء به ههنا لاختلاف المراد, وذاك أن الأول تمييز بين الإرادتين, والثاني بيان لغرضه فيما فعل من اختيار ذات الشوكة على غيرها، وأنه ما نصرهم وخذل أولئك إلا لهذا الغرض.\rومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ، وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ، قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ، قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي، فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ ٢.\rفكرر قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ وقوله: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ والمراد به غرضان مختلفان، وذلك أن","footnotes":"١ سورة الأنفال: الآيتان ٧ و٨.\r٢ سورة الزمر: الآيات ١١، ١٢، ١٣، ١٤، ١٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358788,"book_id":3862,"shamela_page_id":662,"part":"3","page_num":6,"sequence_num":662,"body":"الأول: إخبار بأنه مأمور من جهة الله بالعبادة والإخلاص في دينه، والثاني إخبار بأنه يخص الله وحده دون غيره بعبادته, مخلصا له دينه، ولدلالته على ذلك قدم المعبود على فعل العبادة في الثاني، وأخره في الأول؛ لأن الكلام أولًا وقع في الفعل نفسه وإيجاده، وثانيا فيمن يفعل الفعل من أجله، ولذلك رتب عليه ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ .\rوعليه ورد قوله تعالى:\r﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ١.\rوظاهر الأول والثاني أنهما سواء في المعنى، وليس كذلك؛ لأن الثاني فيه تخصيص غير موجود في الأول، ألا ترى أنا إذا قلنا: \"زيد الأفضل\"، وقلنا: \"الأفضل زيد\"، كان في الثاني تخصيص له بالفضل، وهذا التخصيص لا يوجد في القول الأول الذي هو \"زيد الأفضل\"، ويجوز أن تبدل صفة الفضل فيه بغيرها أو بضدها، فيقال: \"زيد الأجمل\"، أو \"زيد الأنقص\"، وإذا قلنا: \"الأفضل زيد\"، وجب تخصيصه بالنفس، ولم يمكن تغيير عنه.\rوكذلك يجري الحكم في هذه الآيات، فإن الله تعالى قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ثم قال: ﴿لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ فوصفهم بالامتناع عن الذهاب إلا بإذنه، وهذه صفة يجوز أن تبدل بغيرها","footnotes":"١ سورة النور: الآية: ٦٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358789,"book_id":3862,"shamela_page_id":663,"part":"3","page_num":7,"sequence_num":663,"body":"من الصفات، كما قال تعالى في موضع آخر: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ ١.\rفجاء بصفة غير تلك الصفة، ولما قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ وجب تخصيصهم بذلك الوصف دون غيره، وهذا موضع حسن في تكرير المعاني.\rومما يعد من هذا الباب قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ، وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ ٢.\rوقد ظن قوم أن هذه الآية تكرير لا فائدة فيه, وليس الأمر كذلك، فإن معنى قوله: ﴿لا أَعْبُدُ﴾ يعني في المستقبل: من عبادة آلهتكم، ولا أنتم فاعلون فيه ما أطلبه منكم من عبادة إلهي، ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾ أي: وما كنت عابدا قط فيما سلف ما عبدتم، يعني أنه لم يعهد مني عبادة صنم في الجاهلية في وقت ما, فكيف يرجى ذلك مني في الإسلام? ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ﴾ في الماضي في وقت ما ما أنا على عبادته الآن.\rومما يجري هذا المجرى قوله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ, الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ٣.","footnotes":"١ سورة الحجرات: الآية ١٥.\r٢ سورة الكافرون.\r٣ سورة فاتحة الكتاب: الآيات ١ و٢ و٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358790,"book_id":3862,"shamela_page_id":664,"part":"3","page_num":8,"sequence_num":664,"body":"فكرر\"الرحمن الرحيم\" مرتين, والفائدة في ذلك أن الأول يتعلق بأمر الدنيا، والثاني بأمر الآخرة.\rفما يتعلق بأمر الدنيا يرجع إلى خلق العالمين في كونه خلق كلا منهم على أكمل صفة, وأعطاه جميع ما يحتاج إليه حتى البقة والذباب، وقد يرجع إلى غير الخلق كإدرار الأرزاق وغيرها.\rوأما ما يتعلق بأمر الآخرة فهو إشارة إلى الرحمة الثانية في يوم القيامة الذي هو يوم الدين.\rوبالجملة فاعلم أنه ليس في القرآن مكرر لا فائدة في تكريره، فإن رأيت شيئا منه تكرر من حيث الظاهر فأنعم نظرك فيه، فانظر إلى سوابقه ولواحقه، لتنكشف لك الفائدة منه.\rومما ورد في القرآن الكريم مكررا قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ، إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ، إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ، وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ ١.\rفكرر قوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ ٢ ليؤكده عندهم, ويقرره في نفوسهم، مع تعليق كل واحد منهما بعلة، فجعل علة الأول كونه أمينا فيما بينهم، وجعل علة الثاني حسم طمعه فيهم، وخلوه من الأغراض فيما يدعوهم إليه.","footnotes":"١ سورة الشعراء: الآيات ١٠٥-١١٠.\r٢ زيادة عن الأصل يقتضيها السياق.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358791,"book_id":3862,"shamela_page_id":665,"part":"3","page_num":9,"sequence_num":665,"body":"ومن هذا النحو قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ، وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ، إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ﴾ ١.\rوإنما كرر تكذيبهم ههنا؛ لأنه لم يأت به على أسلوب واحد، بل تنوع فيه بضروب من الصنعة، فذ كره أولًا في الجملة الخبرية على وجه الإبهام، ثم جاء بالجملة الاستثنائية, فأوضحه بأن كل واحد من الأحزاب كذب جميع الرسل؛ لأنهم إذا كذبوا واحدا منهم فقد كذبوا جميعهم، وفي تكرير التكذيب وإيضاحه بعد إبهامه, والتنوع في تكريره بالجملة الخبرية أولًا, وبالاستثناء ثانيًا, وما في الاستثناء من الوضع على وجه التوكيد والتخصيص المبالغة المسجلة عليهم باستحقاق العذاب وأبلغه.\rوهذا باب من تكرير اللفظ والمعنى حسن غامض، وبه تعرف مواقع التكرير، والفرق بينه وبين غيره، فافهمه إن شاء الله تعالى.\rالفرع الثاني من الضرب الأول ٢:\rإذا كان التكرير في اللفظ والمعنى يدل على معنى واحد, والمراد به غرض واحد، كقوله تعالى: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ ٣.\rوالتكرير دلالة على التعجب من تقديره, وإصابته الغرض, وهذا كما يقال: \"قتله الله ما أشجعه أو ما أشعره! \"","footnotes":"١ سورة ص: الآيات ١٢ و١٣ و١٤.\r٢ أي: التكرير المفيد.\r٣ سورة المدثر: الآيتان ١٩ و٢٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358792,"book_id":3862,"shamela_page_id":666,"part":"3","page_num":10,"sequence_num":666,"body":"وعليه ورد قول الشاعر:\rألا يا اسلمي ثم اسلمي ثمت اسلمي١\rوهذا مبالغة في الدعاء لها بالسلامة، وكل هذا يجاء به لتقرير المعنى المراد إثباته.\rوعليه ورد الحديث النبوي، وذاك أن النبي ﷺ قال: \"إن بني هشام بن المغيرة استأذنوني أن ينكحوا ابنتهم عليا, فلا آذن ثم لا آذن ثم لا آذن إلا أن يطلق علي ابنتي وينكح ابنتهم\".\rفقوله: \"لا آذن ثم لا آذن ثم لا آذن\" من التكرير الذي هو أشد موقعا من الإيجاز، لانصباب العناية إلى تأكيد القول في منع علي ﵁ من التزويج بابنة أبي جهل بن هشام.\rوهذا مثل قوله تعالى: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى، ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ ٢.\rومن أجل ذلك نقول: \"لا إله إلا الله وحده لا شريك له\"؛ لأن قولنا: \"لا إله إلا الله\" مثل قولنا: \" وحده لا شريك له\" وهما في المعنى سواء، وإنما كررنا القول فيه لتقرير المعنى وإثباته؛ وذاك لأن من الناس من يخالف فيه كالنصارى والثنوية.","footnotes":"١ صدر بيت وعجره:\rثلاث تحيات وإن لم تكلمي\rوالبيت في ديوان الحماسة ٢/ ١٣٧.\rوالبيت ثالث ثلاثة أبيات رواها أبو تمام، ولم ينسبها لصاحبها، والأبيات هي:\rولا غرو إلا ما يخبر سالم ... بأن بني أشباهها نذروا دمي\rوما لي من ذنب إليهم علمته ... سوى أنني قد قلت يا سرحة اسلمي\rنعم فاسلمي ثم اسلمي ثمت اسلمي ... ثلاث تحيات وإن لم تكلمي\r٢ سورة القيامة: الآيتان ٣٤ و٣٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358793,"book_id":3862,"shamela_page_id":667,"part":"3","page_num":11,"sequence_num":667,"body":"والتكرير في مثل هذا المقام أبلغ من الإيجاز، وأحسن وأشد موقعا.\rومما جاء في مثل هذا قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ، وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ ١.\rفقوله: ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ بعد قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ﴾ فيه دلالة على أن عهدهم بالمطر قد بعد وتطاول، فاستحكم بأسهم، وتمادى إبلاسهم٢، فكان الاستبشار على قدر اغتمامهم بذلك.\rوعلى ذلك ورد قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾ ٣.\rفقوله: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ يقوم مقام قوله: ﴿وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾ ؛ لأن من لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر لا يدين دين الحق، وإنما كرر ههنا للخطب على المأمور بقتالهم، والتسجيل عليهم بالذم، ورجمهم بالعظائم، ليكون ذلك أدعى لوجوب قتالهم وحربهم.\rوقد قلنا: إن التكرير إنما يأتي لما أهم من الأمر, بصرف العناية إليه ليثبت ويتقرر.\rوكذلك ورد قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا","footnotes":"١ سورة الروم: الآيتان ٤٨ و٤٩.\r٢ الإبلاس اليأس، أبلس إذا يئس.\r٣ سورة التوبة: الآية ٢٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358794,"book_id":3862,"shamela_page_id":668,"part":"3","page_num":12,"sequence_num":668,"body":"تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ١.\rفتكرير لفظة \"أولئك\" من هذا الباب الذي أشرنا إليه، لمكان شدة النكير، وإغلاظ العقاب بسبب إنكارهم البعث.\rوعلى هذا ورد قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ ٢.\rفإنه إنما تكررت لفظة \"هم\" للإيذان بتحقيق الخسار، والأصل فيها وهم في الآخرة الأخسرون، لكن لما أريد تأكيد ذلك جيء بتكرير هذه اللفظة المشار إليها.\rوكذلك قوله تعالى: ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا﴾ ٣.\rوأمثال هذا في القرآن كثير.\rوكذلك ورد قوله تعالى في سورة القصص:\r﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ، فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾ ٤.","footnotes":"١ سورة الرعد: الآية ٥.\r٢ سورة النمل: الآية ٥.\r٣ سورة الحشر: الآية ١٧.\r٤ سورة القصص: الآيتان ١٨ و١٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358795,"book_id":3862,"shamela_page_id":669,"part":"3","page_num":13,"sequence_num":669,"body":"فقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ﴾ بتكرير \"أن\" مرتين دليل على أن موسى ﵇ لم تكن مسارعته إلى قتل الثاني كما كانت مسارعته إلى قتل الأول، بل كان عنه إبطاء في بسط يده إليه، فعبر القرآن عن ذلك في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ﴾ .\rوجرت بيني وبين رجل من النحويين مفاوضة في هذه الآية، فقال: إن \"أنّ\" الأولى زائدة، ولو حذفت فقيل: لما أراد أن يبطش لكان المعنى سواء، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ﴾ ١.\rوقد اتفق النحاة على أن \"أن\" الواردة بعد \"لما\" وقبل الفعل زائدة.\rفقلت له: النحاة لا فتيا لهم في مواقع الفصاحة والبلاغة، ولا عندهم معرفة بأسرارهما، من حيث إنهم نحاة، ولا شك أنهم وجدوا \"أن\" ترد بعد \"لما\" وقبل الفعل في القرآن الكريم, وفي كلام فصحاء العرب, فظنوا أن المعنى بوجودها كالمعنى إذا أسقطت فقالوا: هذه زائدة، وليس الأمر كذلك، بل إذا وردت \"لما\" وورد الفعل بعدها بإسقاط \"أن\" دل ذلك على الفور، وإذا لم تسقط لم يدلنا ذلك على أن الفعل كان على الفور، وإنما كان فيه تراخ وإبطاء.\rوبيان ذلك من وجهين:\rأحدهما: أني أقول: فائدة وضح الألفاظ أن تكون أدلة على المعاني، فإذا وردت لفظة من الألفاظ في كلام مشهود له بالفصاحة والبلاغة, فالأولى","footnotes":"١ سورة يوسف: الآية ٩٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358796,"book_id":3862,"shamela_page_id":670,"part":"3","page_num":14,"sequence_num":670,"body":"أن تحمل تلك اللفظة على معنى، فإن لم يوجد معنى بعد التنقيب والتنقير والبحث الطويل قيل: هذه زائدة دخولها في الكلام كخروجها منه.\rولما نظرت أنا في هذه الآية وجدت لفظة \"أن\" الواردة بعد \"لما\" وقبل الفعل دالة على معنى, فكيف يسوغ أن يقال: إنها زائدة؟.\rفإن قيل: إنها إذا كانت دالة على معنى فيجوز أن تكون دالة على غير ما أشرت أنت إليه.\rقلت في الجواب: إذا ثبت أنها دالة على معنى فالذي أشرت إليه معنى مناسب واقع في موقعه، وإذا كان مناسبا واقعا في موقعه فقد حصل المراد منه، ودل الدليل حينئذ أنها ليست زائدة.\rالوجه الآخر: أن هذه اللفظة لو كانت زائدة لكان ذلك قدحا في كلام الله تعالى، وذاك أنه يكون قد نطق بزيادة في كلامه لا حاجة إليها، والمعنى يتم بدونها، وحينئذ لا يكون كلامه معجزا، إذ من شرط الإعجاز عدم التطويل الذي لا حاجة إليه، وإن التطويل عيب في الكلام، فكيف يكون ما هو عيب في الكلام من باب الإعجاز? هذا محال.\rوأما قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ﴾ فإنه إذا نظر في قصة يوسف ﵇ مع إخوته منذ ألقوه في الجب إلى أن جاء البشير إلى أبيه ﵇ وجد أنه كان ثم إبطاء بعيد، وقد اختلف المفسرون حول تلك المدة، ولو لم يكن ثم مدة بعيدة وأمد متطاول لما جيء بأن بعد \"لما\" وقبل الفعل، بل كانت تكون الآية: فلما جاء البشير ألقاه على وجهه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358797,"book_id":3862,"shamela_page_id":671,"part":"3","page_num":15,"sequence_num":671,"body":"وهذه دقائق ورموز لا تؤخذ من النحاة؛ لأنها ليست من شأنهم.\rواعلم أن من هذا النوع قسما يكون المعنى فيه مضافا إلى نفسه مع اختلاف اللفظ، وذلك يأتي في الألفاظ المترادفة.\rوقد ورد في القرآن الكريم، واستعمل في فصيح الكلام. فمنه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ ١ والرجز هو العذاب.\rوعليه ورد قول أبي تمام٢:\rنهوض بثقل العبء مضطلع به ... وإن عظمت فيه الخطوب وجلت\rوالثقل هو العبء، والعبء هو الثقل.\rوكذلك ورد قول البحتري٣:\rويوم تثنت للوداع وسلمت ... بعينين موصولا بلحظهما السحر\rتوهمتها ألوى بأجفانها الكرى ... كرى النوم أو مالت بأعطافها الخمر\rفإن الكرى هو النوم.","footnotes":"١ سورة سبأ: الآية ٥.\r٢ ديوان أبي تمام. من قصيدة له يمدح فيها حبيش بن المعافى، ومطلعها.\rنسائلها أي المواطن حلت ... وأي بلاد أوطنتها وأيت\r٣ ديوان البحتري ١/ ٥٤ من قصيدة له في مدح المتوكل مطلعها:\rمتى لاح برق أوبدا طلل قفر ... جرى مستهل لا بكي ولا نزر","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358798,"book_id":3862,"shamela_page_id":672,"part":"3","page_num":16,"sequence_num":672,"body":"وربما أشكل هذا الموضع على كثير من متعاطي هذه الصناعة, وظنوه مما لا فائدة فيه, وليس كذلك، بل الفائدة فيه هي التأكيد للمعنى المقصود، والمبالغة فيه.\rأما الآية فالمراد بقوله تعالى: ﴿عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ﴾ أي: عذاب مضاعف من عذاب. وأما بيت أبي تمام فإنه يتضمن المبالغة في وصف الممدوح بحمله للأثقال.\rوأما بيت البحتري فإنه أراد أن يشبه طرفها لفتوره بالنائم، فكرر المعنى على طريق المضاف والمضاف إليه تأكيدا له, وزيادة في بيانه.\rوهذا الموضع لم ينبه عليه أحد سواي.\rولربما أدخل في التكرير من هذا النوع ما ليس منه، وهو موضع لم ينبه عليه أيضًا أحد سواي.\rفمنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١ فلما تكرر \"إن ربك\" مرتين علم أن ذلك أدل على المغفرة.\rوكذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢.\rومثل هذا قوله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ","footnotes":"١ سورة النحل: الآية ١١٩.\r٢ سورة النحل: الآية ١١٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358799,"book_id":3862,"shamela_page_id":673,"part":"3","page_num":17,"sequence_num":673,"body":"أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ ١.\rوهذه الآيات يظن أنها من باب التكرير، وليست كذلك.\rوقد أنعمت نظري فيها فرأيتها خارجة عن حكم التكرير، وذلك أنه أطال الفصل من الكلام، وكان أوله يفتقر إلى تمام إلا يفهم إلا به، فالأولى في باب الفصاحة أن يعاد لفظ الأول مرة ثانية، ليكون مقارنا لتمام الفصل، كي لا يجيء الكلام منثورا، لا سيما في \"إن وأخواتها\".\rفإذا وردت \"إن\" وكان بين اسمها وخبرها فسحة طويلة من الكلام فإعادة \"إن\" أحسن في حكم البلاغة والفصاحة، كالذي تقدم من هذه الآيات.\rوعليه ورد قول بعضهم من شعراء الحماسة٢:\rأسجنا وقيدا واشتياقا وغربة ... ونأي حبيب إن ذا لعظيم\rوإن امرأ دامت مواثيق عهده ... على مثل هذا إنه لكريم٣\rفإنه لما طال الكلام بين اسم إن وخبرها أعيدت \"إن\" مرة ثانية؛ لأن تقدير الكلام: وإن امرأ دامت مواثيق عهده على مثل هذا لكريم،","footnotes":"١ سورة آل عمران: الآية ١٨٨.\r٢ ديوان الحماسة ٢/ ١٠٥ ولم ينسبهما أبو تمام.\r٣ رواية البيت الثاني في ديوان الحماسة:\rوإن امرأ دامت مواثيق عهده ... على مثل ما قاسيته لكريم\rوعلى هذه الرواية لا يكون البيت موضعا للاستشهاد؛ لأنه لا تكرار فيه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358800,"book_id":3862,"shamela_page_id":674,"part":"3","page_num":18,"sequence_num":674,"body":"لكن بين الاسم والخبر مدى طويل، فإذا لم تعد \"إنّ\" مرة ثانية لم يأت على الكلام بهجة ولا رونق.\rوهذا لا يتنبه لاستعماله إلا الفصحاء إما طبعا وإما علما.\rوكذلك يجري الأمر إذا كان خبر \"إن\" عاملا في معمول يطول ذكره، فإن إعادة الخبر ثانية هو الأحسن.\rوعلى هذا جاء قوله تعالى في سورة يوسف ﵇: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ ١.\rفلما قال: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ﴾ ثم طال الفصل كان الأحسن أن يعيد لفظ الرؤية فيقول: ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ .\rوكذلك جاءت الآية المذكورة ههنا مثل هذه، وهي قوله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾ ٢ فإنه لما طال الفصل أعاد قوله: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ فاعلم ذلك وضع يدك عليه.\rوكذلك الآية التي قبلها، وهي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ ٣.","footnotes":"١ سورة يوسف: الآية ٤.\r٢ سورة آل عمران: الآية ١٨٨.\r٣ سورة النحل: الآية ١١٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358801,"book_id":3862,"shamela_page_id":675,"part":"3","page_num":19,"sequence_num":675,"body":"وكذلك الآية الأخرى وهي: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا﴾ .\rومن باب التكرير في اللفظ والمعنى الدال على معنى واحد ﷿: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ، يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ ١.\rفإنه إنما كرر نداء قومه ههنا لزيادة التنبيه لهم والإيقاظ عن سنة الغفلة؛ ولأنهم قومه وعشيرته، وهم فيما يوبقهم من الضلال، وهو يعلم وجه خلاصهم، ونصيحتهم عليه واجبة، فهو يتحزن لهم، ويتلطف بهم، ويستدعي بذلك ألا يتهموه، فإن سرورهم سروره, وغمهم غمه، وأن ينزلوا على نصيحته لهم.\rوهذا من التكرير الذي هو أبلغ من الإيجاز, وأشد موقعا من الاختصار، فاعرفه إن شاء الله تعالى.\rوعلى نحو منه جاء قوله تعالى في سورة القمر: ﴿فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ، وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ ٢.\rفإنه قد تكرر ذلك في السورة كثيرا، وفائدته أن يجددوا عند استماع كل نبإ من أنباء الأولين ادكارا وإيقاظا، وأن يستأنفوا تنبها واستيقاظا, إذا سمعوا الحث على ذلك والبعث إليه، وأن تقرع لهم العصا مرات؛ لئلا يغلبهم السهو, وتستولي عليهم الغفلة.","footnotes":"١ سورة المؤمن: الآيتان ٣٨ و٣٩.\r٢ سورة القمر: الآيتان ٣٩ و٤٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358802,"book_id":3862,"shamela_page_id":676,"part":"3","page_num":20,"sequence_num":676,"body":"وهكذا حكم التكرير في قوله تعالى في سورة الرحمن: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .\rوذلك عند كل نعمة عددها على عباده.\rوأمثال هذا في القرآن الكريم كثير.\rومما ورد من هذا النوع شعرا قول بعض شعراء الحماسة١:\rإلى معدن العز المؤثل والندى ... هناك هناك الفضل والخلق الجزل٢\rفقوله: \"هناك هناك\" من التكرير الذي هو أبلغ من الإيجاز؛ لأنه في معرض مدح، فهو يقرر في نفس السامع ما عند الممدوح من هذه الأوصاف المذكورة مشيرا إليها، كأنه قال: أدلكم على معدن كذا وكذا ومقره ومفاده.\rوكذلك ورد قول المساور بن هند٣:\rجزى الله عني غالبا من عشيرة ... إذا حدثان الدهر نابت نوائبه٤","footnotes":"١ نسبه أبو تمام إلى خلف بن خليفة مولى قيس بن ثعلبة، وهو شاعر إسلامي مجيد مقل عاصر جريرا والفرزدق، ويعرف بالأقطع؛ لأنه قطعت يده بسرقة اتهم بها.\r٢ رواية ديوان الحماسة ٢/ ٣٣٦ \"المؤيد\" موضع \"المؤثل\" والبيت من جملة أبيات أولها:\rعدلت إلى فخر العشيرة والهوى ... إليهم وفي تعداد مجدهم شغل\r٣ هو ابن قيس بن زهير بن حذيفة بن خزيمة بن روحة، هكذا قال التبريزي، وقال غيره: هو شاعر إسلامي مقل.\r٤ بعد هذين البيتين بيتان، وهما:\rإذا قلت عودوا عاد كل شمردل ... أشم من الفتيان جزل مواهبه\rإذا أخذت بزل المخاض سلاحها ... تجرد فيها متلف المال كاسبه\rراجع ديوان الحماسة ٢/ ٢٩١. ولم ينسب أبو تمام هذه الأبيات للمساور، ولكنه رواها بعد أبيات للمساور أولها:\rفدا لبنى هند غداة دعوتهم ... يجو وبال النفس والأبوان\rثم روى بعد هذه الأبيات الأبيات الأربعة، ونسبها لآخر, ورواية الحماسة في البيت الأول\rجزى الله خيرا غالبا ...","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358803,"book_id":3862,"shamela_page_id":677,"part":"3","page_num":21,"sequence_num":677,"body":"فكم دافعوا من كربة قد تلاحمت ... علي وموج قد علتني غواربه١\rفصدر البيت الثاني وعجزه يدلان على معنى واحد؛ لأن تلاحم الكرب عليه كتعالي الموج من فوقه، وإنما سوغ ذلك؛ لأنه مقام مدح وإطراء, ألا ترى أنه يصف إحسان هؤلاء القوم عند حدثان دهره في التكرير، وفي قبالته لو كان القائل هاجيا، فإن الهجاء في هذا كالمدح، والتكرير إنما يحسن في كلا الطرفين لا في الوسط.\rواعلم أنه إذا وردت \"إن\" المكسورة المخففة قبل \"ما\" كانت بمعناها سواء.\rألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ﴾ فـ\"إن\" و\"ما\" بمعنى واحد، وإذا أوردت من بعد \"ما\" كانت من باب التكرير كقولنا: \"ما إن كذا وكذا\" أي: ما يكون كذا وكذا، وإذا وردت في الكلام فإنما ترد في مثل ما أشرنا إليه من التكرير، فإن استعملت في غير ما يكون منها لفائدة ينتجها تكريرها كان استعمالها لغوا لا فائدة فيه.\rوقد زعم قوم من مدعي هذه الصناعة أن أبا الطيب المتنبي أتى في هذا البيت بتكرير لا حاجة به إليه، وهو قوله٢:\rالعارض الهتن ابن العارض الهتن ابـ ... ـن العارض الهتن ابن العارض الهتن","footnotes":"١ الغوارب أعلى الموج وأعلى الظهر.\r٢ ديوان المتنبي ٤/ ٢٠٩ من قصيدة له في مدح أبي عبيد الله محمد بن عبد الله القاضي الأنطاكي، ومطلعها:\rأفاضل الناس أغراض لذا الزمن ... يخلو من الهم أخلاهم من الفطن","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358804,"book_id":3862,"shamela_page_id":678,"part":"3","page_num":22,"sequence_num":678,"body":"وليس في هذا البيت من تكرير، فإنه كقولك: \"الموصوف بكذا وكذا ابن الموصوف بكذا وكذا\"، أي: إنه عريق النسب في هذا الوصف.\rوقد ورد في الحديث النبوي مثل ذلك، كقول النبي ﷺ في وصف يوسف الصديق ﵇: \"الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم\".\rولقد فاوضني في هذا البيت المشار إليه بعض علماء الأدب، وأخذ الطعن من جهة تكراره، فوقفته على مواضع الصواب فيه، وعرفته أنه كالخبر النبوي من جهة المعنى سواء بسواء، لكن لفظه ليس بمرضي على هذا الوجه الذي قد استعمل فيه، فإن الألفاظ إذا كانت حسانا في حال انفرادها فإن استعمالها في حال التركيب يزيدها حسنا على حسنها، أو يذهب الحسن عنها.\rوقد تقدم الكلام على ذلك في المقالة الأولى من الصناعة اللفظية١.\rولو تهيأ لأبي الطيب المتنبي أن يبدل لفظة \"العارض\"٢ بلفظة \"السحاب\"، أو ما يجري مجراها، لكان أحسن.\rوكذلك لفظة \"الهتن\"٣ فإنها ليست بمرضية في هذا الموضع على هذا الوجه، ولفظة \"العارض\"، وإن كانت قد وردت في القرآن,","footnotes":"١ انظر صفحة \"٢١١\" من القسم الأول من هذه الطبعة.\r٢ العارض السحاب يعترض في الأفق، ومنه قوله تعالى: ﴿عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ .\r٣ هتنت السماء تهتن هتنا وهتونا وهتنانا وتهتانا، وتهاتنت: انصبت، أو هو فوق الهطل، أو الضفيف الدائم، أو مطر ساعة، ثم يفتر ثم يعود، وسحاب هاتن وهتون.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358805,"book_id":3862,"shamela_page_id":679,"part":"3","page_num":23,"sequence_num":679,"body":"وهي لفظة حسنة, فالفرق بين ورودها في القرآن الكريم وورودها في هذا البيت الشعري ظاهر.\rوقد تقدم الكلام على مثلها من آية وبيت لأبي الطيب أيضا، وهو في المقالة اللفظية عند الكلام على الألفاظ المفردة فليؤخذ من هناك.١\rوكثيرا ما يقع الجهال في مثل هذه المواضع, وهم الذين قيل فيهم:\rوكذا كل أخي حذلقة ... ما مشى في يابس إلا زلق\rفترى أحدهم قد جمع نفسه وظن على جهله أنه عالم، فيسرع في وصف كلام بالإيجاز, وكلام بالتطويل, أو بالتكرير، وإذا طولب بأن يبدي سببا لما ذكره لم يوجد عنده من القول شيء, إلا تحكما محضا صادرا عن جهل محض.","footnotes":"١ انظر صفحة \"٢١٣\" من القسم الأول من هذه الطبعة، وقد وازن فيها بين استعمال كلمتي \"العسل\" و\"الشهد\" في شعر للأعرج ولأبي الطيب وآية من القرآن الكريم.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358806,"book_id":3862,"shamela_page_id":680,"part":"3","page_num":23,"sequence_num":680,"body":"الضرب الثاني من التكرير في اللفظ والمعنى:\rوهو غير المفيد، فمن ذلك قول مروان الأصغر١:\rسقى الله نجدا والسلام على نجد ... ويا حبذا نجد على النأي والبعد\rنظرت إلى نجد وبغداد دونها ... لعلي أرى نجدا وهيهات من نجد\rوهذا من العي الضعيف، فإنه كرر ذكر \"نجد\" في البيت الأول ثلاثا،","footnotes":"١ هو أبو السمط مروان بن أبي الجنوب بن مروان بن أبي حفصة, وهو مروان الأصغر، ويقال لجده مروان بن أبي حفصة مروان الأكبر. كان شاعرا ساقط الشعر، عاصر الواثق والمتوكل، وله قصائد عدة في المتوكل وأحمد بن أبي دؤاد.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358807,"book_id":3862,"shamela_page_id":681,"part":"3","page_num":24,"sequence_num":681,"body":"وفي البيت الثاني ثلاثا، ومراده في الأول الثناء على نجد، وفي الثاني أنه تلفت إليها ناظرا من بغداد، وذلك مرمى بعيد.\rوهذا المعنى لا يحتاج إلى مثل هذا التكرير.\rأما البيت الأول فيحمل على الجائز من التكرير؛ لأنه مقام تشوق وتحزن وموجدة بفراق نجد، ولما كان كذلك أجيز فيه التكرير، على أنه قد كان يمكنه أن يصوغ هذا المعنى الوارد في البيتين معا من غير أن يأتي بهذا التكرير المتتابع ست مرات.\rوعلى هذا الأسلوب ورد قول أبي نواس١:\rأقمنا بها يوما ويوما وثالثا ... ويوما له يوم الترحل خامس٢\rومراده من ذلك أنهم أقاموا بها أربعة أيام، ويا عجبا له يأتي بمثل هذا البيت السخيف الدال على العي الفاحش في ضمن تلك الأبيات العجيبة الحسن التي تقدم ذكرها في باب الإيجاز٣ وهي:\rودار ندامى عطلوها وأدلجوا ... ...........................\rومن هذا الباب أيضًا ما أوردناه في صدر هذا النوع, وهو قول أبي الطيب:","footnotes":"١ ديون أبي نواس \"٢٩٥\" من جملة أبيات من خمرياته أولها.\rودار ندامى عطلوها وأدلجوا ... بها أثر منهم جديد ودارس\r٢ رواية الديوان في هذا البيت:\rأقمنا بها يوما ويومين بعده ... ويوما له يوم الترحل خامس\r٣ راجع صفحة \"٣٤٦\" من القسم الثاني من هذه الطبعة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358808,"book_id":3862,"shamela_page_id":682,"part":"3","page_num":25,"sequence_num":682,"body":"ولم أر مثل جيراني ومثلي ... لمثلي عند مثلهم مقام١\rفهذا هو التكرير الفاحش الذي يؤثر في الكلام نقصا.\rألا ترى أنه يقول: لم أر مثل جيراني في سوء الجوار، ولا مثلي في مصابرتهم ومقامي عندهم، إلا أنه قد كرر هذا المعنى في البيت مرتين.\rوعلى نحو من ذلك جاء قوله أيضا:\rوقلقلت بالهم الذي قلقل الحشا ... قلاقل عيس كلهن قلاقل","footnotes":"١ من قصيدته التي أولها:\rفؤاد ما تسليه المدام ... وعمر مثل ما تهب اللئام\rوقد سبق في صفحة \"٣\" من هذا القسم الثالث.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358809,"book_id":3862,"shamela_page_id":683,"part":"3","page_num":25,"sequence_num":683,"body":"التكرير في المعنى دون اللفظ:\rوأما القسم الثاني من التكرير، وهو الذي يوجد في المعنى دون اللفظ, فذلك ضربان: مفيد وغير مفيد:\rالضرب الأول: المفيد.\rوهو نوعان:\rالأول: إذا كان التكرير في المعنى يدل على معنيين مختلفين\rوهو موضع من التكرير مشكل؛ لأنه يسبق إلى الوهم أنه تكرير يدل على معنى واحد.\rفمما جاء منه حديث حاطب بن أبي بلتعة١ في غزوة الفتح, وذاك","footnotes":"١ هو حاطب بن أبي بلتعة اللخمي، حليف قريش، ويقال إنه من مذحج وقيل هو حليف الزبير بن العوام. شهد بدر والحديبية، ومات سنة ثلاثين بالمدينة، وهو ابن خمس وستين سنة، وصلى عليه عثمان، وقد شهد الله لحاطب بالإيمان في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ . وانظر الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر ١/ ٣١٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358810,"book_id":3862,"shamela_page_id":684,"part":"3","page_num":26,"sequence_num":684,"body":"أن النبي ﷺ أمر علي بن أبي طالب والزبير١ والمقداد٢ ﵃ فقال: \"اذهبوا إلى روضة خاخ ٣، فإن بها ظعينة معها كتاب، فأتوني به\" , قال علي ﵁: فخرجنا تتعادى بنا خيلنا حتى أتينا الروضة، وإذا فيها الظعينة، فأخذنا الكتاب من عقاصها٤، وأتينا به رسول الله ﷺ, وإذا هو من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين بمكة يخبرهم ببعض شأن رسول الله ﷺ فقال له: \"ما هذا يا حاطب?\" , فقال: يا رسول الله، لا تعجل علي، إني كنت امرأ ملصقا في قريش ولم أكن من أنفسهم، وكان من\rمعك من المهاجرين لهم قرابة يحمون بها أموالهم وأهليهم بمكة، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب أن أتخذ عندهم يدا يحمون بها قرابتي، وما فعلت ذلك كفرا، ولا ارتدادا عن ديني، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام. فقال رسول الله ﷺ: \"إنه قد صدقكم\".","footnotes":"١ هو الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشي، أمه صفية بنت عبد المطلب بن هاشم عمة رسول الله ﷺ, أسلم الزبير وهو ابن خمس عشرة سنة، ولم يتخلف عن غزوة غزاها رسول الله، وهو من العشرة المبشرين بالجنة، ومن الستة الذين هم أهل الشورى، ومات مقتولا في فتنة الجمل يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الأولى سنة ست\rوثلاثين.\r٢ هو المقداد بن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة البهراوي، من بهراء من قضاعة، وقيل هو كندي من كندة، شهد بدرا والمشاهد كلها، وكان من الفضلاء النجباء الكبار الخيار أصحاب رسول الله ﷺ، وشهد فتح مصر، ودفن في أرضه بالجرف، فحمل إلى المدينة، ودفن بها، وصلى عليه عثمان بن عفان سنة ثلاث وثلاثين.\r٣ خاخ: موضع بين الخمين، به روضة خاخ، بقرب حمراء الأسد من المدينة، قال الأحوس.\rليست لياليك من خاخ بعائدة ... كما عهدت ولا أيام ذي سلم\r٤ العقيصة: الضفيرة، وعقص الشعر ضفره على الرأس.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358811,"book_id":3862,"shamela_page_id":685,"part":"3","page_num":27,"sequence_num":685,"body":"فقوله: \"ما فعلت ذلك كفرا، ولا ارتدادا عن ديني، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام. من التكرير الحسن.\rوبعض الجهال يظنه تكريرا لا فائدة فيه، فإن الكفر والارتداد عن الدين سواء، وكذلك الرضا بالكفر بعد الإسلام، وليس كذلك، والذي يدل عليه اللفظ هو أني لم أفعل ذلك وأنا كافر, أي: باق على الكفر، ولا مرتدا, أي: إني كفرت بعد إسلامي، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام, أي: ولا إيثارا لجانب الكفار على جانب المسلمين، وهذا حسن في مكانه، واقع في موقعه.\rوهو يحمل التكرير فيه على غير هذا الفرع الذي نحن بصدد ذكره ههنا، وهو الذي يكون التكرير فيه يدل على معنى واحد، وسيأتي بيانه في الفرع الثاني الذي يلي هذا الفرع الأول.\rوالذي يجوزه أن هذا المقام هو مقام اعتذار وتنصل عما رمي به من تلك القارعة العظيمة التي هي نفاق وكفر، فكرر المعنى في اعتذاره قصدًا للتأكيد والتقرير لما ينفي عنه ما رمي به.\rومما ينتظم بهذا السلك أنه إذا كان التكرير في المعنى يدل على معنيين: أحدهما خاص والآخر عام كقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ ١.\rفإن الأمر بالمعروف خير, وليس كل خير أمرا بالمعروف، وذاك أن الخير أنواع كثيرة من جملتها الأمر بالمعروف.","footnotes":"١ سورة آل عمران: الآية ١٠٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358812,"book_id":3862,"shamela_page_id":686,"part":"3","page_num":28,"sequence_num":686,"body":"فائدة التكرير ههنا أنه ذكر الخاص بعد العام للتنبيه على فضله، كقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ ١.\rوكقوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ ٢.\rوكقوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا﴾ ٣.\rفإن الجبال داخلة في جملة الأرض، لكن لفظ الأرض عام والجبال خاص، وفائدته ههنا تعظيم شأن الأمانة المشار إليه، وتفخيم أمرها.\rوقد ورد هذا في القرآن الكريم كثيرا.\rومما ورد منه شعرا قول [المقنع الكندي٤] من أبيات الحماسة٥:\rوإن الذي بيني وبين بني ... أبيوبين بني عمي لمختلف جدا\rإذا أكلوا لحمي وفرت لحومهم ... وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا٦","footnotes":"١ سورة البقرة: الآية ٢٣٨.\r٢ سورة الرحمن: الآية ٦٨.\r٣ سورة الأحزاب: الآية ٧٢.\r٤ بياض في الأصل موضع اسم الشاعر، وهو محمد بن ظفر بن عمير ينتهي نسبه إلى كندة بن عفير، وإنما لقب بالمقنع؛ لأنه كان أجمل الناس وجها، وكان إذا حسر اللثام عن وجهه أصابته العين ويلحقه عنت ومشقة، فكان لا يمشي إلا مقنعا، هكذا ذكر التبريزي. وهو شاعر مقل من شعراء الإسلام في عهد بني أمية، وكان له محل وشرف ومروءة في عشيرته، وكان متخرقا في عطاياه، سمح اليد بماله، لا يرد سائلا عن شيء سأله إياه.\r٥ ديوان الحماسة ٢/ ٣٣ من جملة أبيات أولها:\rيعاتبني في الدين قومي وإنما ... ديوني في أشياء تكسبهم حمدا\rوانظر أمالي القالي ١/ ٢٨٠ وفيها ثلاثة أبيات ليست في رواية أبي تمام.\r٦ رواية الحماسة \"فإن أكلوا ... \" ورواية الأمالي \"فإن يأكلوا....\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358813,"book_id":3862,"shamela_page_id":687,"part":"3","page_num":29,"sequence_num":687,"body":"وإن ضيعوا غيبي حفظت غيوبهم\rوإن هم هووا غيي هويت لهم رشدا\rفهذا من الخاص والعام، فإن كل لحم يؤكل للإنسان فهو تضييع لغيبه، وليس كل تضييع لغيبه أكلا للحمه.\rألا ترى أن أكل اللحم هو كناية عن الاغتياب، وأما تضييع الغيب فمنه الاغتياب ومنه التخلي عن النصرة والإعانة, ومنه إهمال السعي في كل ما يعود بالنفع كائنا ما كان.\rوعلى هذا فإن هذين البيتين من الخاص والعام المشار إليه في الآية المتقدم ذكرها، وهو موضع يرد في الكلام البليغ ويظن أنه لا فائدة فيه.\rالفرع الثاني: إذا كان التكرير في المعنى يدل على معنى واحد لا غير\rوقد سبق مثال ذلك في أول هذا الباب، كقولك: \"أطعني ولا تعصني\"، فإن الأمر بالطاعة نهي عن المعصية، والفائدة في ذلك تثبيت الطاعة في نفس المخاطب.\rوالكلام في هذا الموضع كالكلام في الموضع الذي قبله من تكرير اللفظ والمعنى إذا كان الغرض به شيئا واحدا، ولا نجد شيئا من ذلك يأتي في الكلام إلا لتأكيد الغرض المقصود به، كقوله تعالى:\r﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١.","footnotes":"١ سورة التغابن الآية ١٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358814,"book_id":3862,"shamela_page_id":688,"part":"3","page_num":30,"sequence_num":688,"body":"فإنه إنما كرر العفو والصفح والمغفرة، والجميع بمعنى واحد للزيادة في تحسين عفو الوالد عن ولده والزوج عن زوجته.\rوهذا وأمثاله ينظر في الغرض المقصود به، وهو موضع يكون التكرير فيه أوجز من لمحة الإيجاز، وأولى بالاستعمال. وقد ورد في القرآن الكريم كثيرا، كقوله تعالى في سورة يوسف ﵇: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ١.\rفإن البث والحزن بمعنى واحد، وإنما كرره ههنا لشدة الخطب النازل به، وتكاثر سهامه النافذة في قلبه، وهذا المعنى كالذي قبله.\rوكذلك ورد قوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ ٢ بعد ثلاثة وسبعة تنوب مناب قوله ثلاثة وسبعة مرتين؛ لأن \"عشرة\" هي ثلاثة وسبعة، ثم قال \"كاملة\" وذلك توكيد ثالث، والمراد به إيجاب صوم الأيام السبعة عند الرجوع في الطريق على الفور، لا عند الوصول إلى البلد كما ذهب إليه بعض الفقهاء.\rوبيانه أني أقول: إذا صدر الأمر من الآمر على المأمور بلفظ التكرير مجردا من قرينة تخرجه عن وصفه, ولم يكن مؤقتا بوقت معين, كان ذلك حثا له على المبادرة إلى امتثال الأمر على الفور فإنك إذا قلت لمن تأمره بالقيام، \"قم قم قم\" فإنما تريد بهذا اللفظ المكرر أن يبادر إلى القيام في تلك الحال الحاضرة.","footnotes":"١ سورة يوسف: الآية ٨٦.\r٢ سورة البقرة: الآية ١٩٦ وقبل هذه الجملة ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358815,"book_id":3862,"shamela_page_id":689,"part":"3","page_num":31,"sequence_num":689,"body":"فإن قلت: الغرض بتكرير الأمر أن يتكرر في نفس المأمور أنه مراد منه، وليس الغرض الحث على المبادرة إلى امتثال الأمر.\rقلت في الجواب: إن المرة الواحدة كافية في معرفة المأمور أن الذي أمر به مراد منه، والزيادة على المرة الواحدة لا تخلو إما أن تكون دالة على ما دلت عليه المرة الواحدة, أو دالة على زيادة معنى لم تكن في المرة الواحدة.\rفإن كانت دالة عليه المرة الواحدة كان ذلك تطويلا في الكلام لا حاجة إليه.\rوقد ورد مثله في القرآن الكريم، كهذه الآية المشار إليها وغيرها من الآيات, والتطويل في الكلام عيب فاحش عند البلغاء والفصحاء، والقرآن معجز ببلاغته وفصاحته، فكيف يكون فيه تطويل لا حاجة إليه، فينبغي أن تكون تلك الزيادة دالة على معنى زائد على ما دلت عليه المرة الواحدة، وإذا ثبت هذا فتلك الزيادة هي الحث على المبادرة إلى امتثال الأمر.\rفإن سلمت لي ذلك, وإلا فبين معنى تلك الزيادة ببيان غير ما ذكرته أنا، ولا أراك أن تستطيع ذلك. فإن قلت: إن الواو في قوله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ لولا أن تؤكد بقوله: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ﴾ لظن أنها وردت بمعنى \"أو\" أي: فثلاثة أيام في الحج أو سبعة إذا رجعتم، فلما قيل ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ﴾ زال هذا الظن، وتحققت الواو أنها عاطفة، وليست بمعنى \"أو\".\rقلت في الجواب: هذا باطل من أربعة أوجه:\rالوجه الأول: أن الواو العاطفة لا تجعل بمعنى \"أو\" أين وردت من","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358816,"book_id":3862,"shamela_page_id":690,"part":"3","page_num":32,"sequence_num":690,"body":"الكلام، وإنما تجعل بمعنى \"أو\" حال ضرورة ترجيح جانبها على جانب جعلها عاطفة؛ لأن الأصل منها أن تكون عاطفة، فإذا عدل بها عن أصلها احتاج إلى ترجيح، ولا ترجيح ههنا.\rالوجه الثاني: بلاغي، وذاك أن القرآن الكريم منتهى البلاغة والفصاحة لمكان إعجازه، فلو كان معنى الواو في هذه الآية بمعنى \"أو\" لقيل: فثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم، ولم يحتج إلى هذا التطويل، في قوله: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ .\rالوجه الثالث: أن هذا الصوم حكم من أحكام العبادات، والعبادات يجب فيها الاحتياط, وأن تؤدى على أكمل صورة، لئلا يدخلها النقص، وإذا كان الأمر على ذلك فكيف يظن أن الواو في هذه الآية بمعنى \"أو\"?.\rالوجه الرابع: أن السبعة ليست مماثلة للثلاثة حتى تجعل قبالتها؛ لأن معنى الآية إذا كانت الواو فيها بمعنى \"أو\" إما أن تصوموا ثلاثة أيام في الحج أو سبعة إذا رجعتم.\rفإن قلت: هذه تعبد لا يعقل معناه كغيره من التعبدات التي لا يعقل معناها؟ قلت في الجواب: إن لنا من التعبدات ما لا يعقل معناه، كعدد ركعات الصلوات، وعدد الطواف والسعي وأشباه ذلك، ولنا ما يعقل معناه كهذه الآية، فإنا نعقل التفاوت بين الصوم في الحصر والسفر، ونعقل التفاوت بين العدد الكثير والعدد القليل.\rوعلى هذا فلا يخلو إما أن يكون صوم الأيام السبعة عند الرجوع في","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358817,"book_id":3862,"shamela_page_id":691,"part":"3","page_num":33,"sequence_num":691,"body":"الطريق، أو عند الوصول إلى البلد، فإن كان في الطريق فإنه أشق من الصوم بمكة؛ لأن الصوم في السفر أشق من الصوم في الحضر، فكيف يجعل صوم سبعة أيام في السفر في مقابلة صوم ثلاثة أيام بمكة? وإن كان الصوم عند الوصول إلى البلد فلا فرق بين الصوم بمكة والصوم عند الوصول إلى البلد؛ لأن كليهما صوم في المقام ببلد من البلاد, لا تفاوت بينهما حتى يجعل صوم ثلاثة أيام في مقابلة سبعة أيام, على غير مثال ولا تساو.\rفعلى كلا التقديرين لا يجوز أن تكون الواو في ﴿سَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ بمعنى \"أو\"، فتحقق أنها إذا للعطف خاصة.\rوإذا كانت للعطف خاصة فتأكيدها بعشرة كاملة دليل على أن المراد وجوب صوم الأيام السبعة في الطريق قبل الوصول إلى البلد.\rفإن قلت: إن الصوم بمكة أشق من الصوم في الطريق؛ لأن الواجب عليه الصوم بمكة في نصب وتعب بتصريف زمانه في السعي والطواف والصلاة والعمرة وغير ذلك. قلت في الجواب: هذا لا يلزم، إذ الواجب عليه سعي واحد، وطواف واحد، وما عدا ذلك نافلة لا يلزم، ونحن في هذا المقام ناظرون إلى ما يجب لا إلى النافلة، والذي يجب أداؤه بمكة يفرغ منه في ساعة واحدة، فكيف تجعل الزيادة على ذلك دليلا يورد في هذا المقام? هذا غير وارد, وهذا ورد في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ، فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ، عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ ١ فقوله: ﴿غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ بعد قوله: ﴿عَسِيرٌ﴾ من هذا النوع المشار إليه، وإلا فقد علم أن العسير لا يكون يسيرا، وإنما ذكرها ههنا على هذا الوجه لتعظيم","footnotes":"١ المدثر.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358818,"book_id":3862,"shamela_page_id":692,"part":"3","page_num":34,"sequence_num":692,"body":"شأن ذلك اليوم في عسره وشدته على الكافرين.\rوكذلك ورد قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ ١ فإن البغضاء والعداوة بمعنى واحد، وإنما حسن إيرادهما معا في معرض واحد, لتأكيد البراءة بين إبراهيم صلوات الله عليه والذين آمنوا به, وبين الكفار من قومهم، حيث لم يؤمنوا بالله وحده.\rوللمبالغة في إظهار القطيعة والمصادفة ورد مثل ذلك في مثل هذا الموضع كالإيجاز في موضعه، ولن ترى شيئا يرد في القرآن الكريم من هذا القبيل إلا وهو لأمر اقتضاه، وإن خفي عنك موضع السر فيه, فاسأل عنه أهله العارفين.\rومما ورد منه شعرا قول بعضهم في أبيات الحماسة٢:\rنزلت على آل المهلب شاتيا ... بعيدا عن الأوطان في زمن المحل\rفما زال بي إكرامهم وافتقادهم ... وإحسانهم حتى حسبتهم أهلي\rفإن الإكرام والافتقار داخلان تحت الإحسان، وإنما كرر ذلك للتنويه بذكر الصنيع، والإيجاب لحقه. وعلى هذا ورد قول الأعشى في قصيدته المشهورة التي يمدح بها النبي ﷺ فقال منها٣:","footnotes":"١ الممتحنة: ٤.\r٢ هو بكير بن الأخنس كما في البيان والتبيين \"٣/ ٢٣٣\" على أن المقطوعة ليست منسوبة إلى أحد في شرحي الحماسة للتبريزي والمرزوقي ولا في عيون الأخبار \"١/ ٣٤١\" ولا في وفيات الأعيان في ترجمة المهلب بن أبي صفرة. وفي البيان والتبيين \"فقيرا بعيد الدار\" بدلا من \"بعيدا عن الأوطان\" والبيت الثاني في البيان.\rفما زال بي إلطافهم وافتقادهم ... وإكرامهم حتى حسبتهم أهلي\rوفي شرح الحماسة للمرزوقي \"في زمن محل\" بدلا من \"في زمن المحل\".\r٣ البيت من قصيدته التي مطلعها:\rألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا ... وعادك ما عاد السليم مسهدا\rوفي الديوان \"ولا في حفي\" شرح الديوان ١٣٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358819,"book_id":3862,"shamela_page_id":693,"part":"3","page_num":35,"sequence_num":693,"body":"فآليت لا أرثي لها من كلالة ... ولا من وجى حتى تلاقي محمدا\rفإن الوجى والكلالة معناهما سواء، وإنما حسن تكريره ههنا للإشعار ببعد المسافة.\rالضرب الثاني من القسم الثاني في تكرير المعنى دون اللفظ:\rوهو غير مفيد، فمن ذلك قول أبي تمام:\rقسم الزمان ربوعها بين الصبا ... وقبولها ودبورها أثلاثا١\rوليس ذلك مثل التكرير في قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ ٢ فيما يرجع إلى تكرير اللفظ والمعنى، ولا مثل التكرير في قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ٣ فيما يرجع إلى تكرار المعنى دون اللفظ، وقول أبي تمام: الصبا والقبول لا يشتمل إلا على معنى واحد لا غير.\rوهذا الضرب من التكرير قد خبط فيه علماء البيان خبطا كثيرا، والأكثر منهم أجازه، فقالوا: إذا كانت الألفاظ متغايرة والمعنى المعبر عنه واحدا فليس استعمال ذلك بمعيب، وهذا القول فيه نظر، والذي عندي","footnotes":"١ البيت من قصيدته في مدح مالك بن طوق ومطلعها:\rقف بالطول الدراسات علاثا ... أمست حبال قطينهن رثاثا\r\"ديوان أبي تمام ١/ ٣١٤\". وفي القاموس المحيط: القبول ريح الصبا؛ لأنها تقابل الدبور أو لأنها تقابل باب الكعبة أو لأن النفس تقبلها \"مادة قبل\".\rوفي شرح الحماسة للمرزوقي: قيل في القبول إنها الصبا، وقال النصر بن شميل: القبول ريح بين الصبا والجنوب.\rوقال ابن الأعرابي: القبول كل ريح لينة طيبة المس تقبلها النفس، فليس للرد على أبي تمام وجه. وقال ابن المستوفي: الصحيح أن الصبا هي القبول، وما الذي منع أبا تمام أن يجعل موضع \"قبولها\" \"جنوبها\" فكان يسلم من التشنيع عليه \"ديوان أبي تمام ١/ ٣١٥ وقد ذكر الخفاجي نقد البيت \"سر الفصاحة ٢٢٥\" وكذلك أبو هلال ذكره \"الصناعتين ١٢١\".\r٢ البقرة ٣٨.\r٣ آل عمران ١٠٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358820,"book_id":3862,"shamela_page_id":694,"part":"3","page_num":36,"sequence_num":694,"body":"فيه أن الناثر يعاب على استعماله مطلقا إذا أتى لغير فائدة، أما الناظم فإنه يعاب عليه في موضع دون موضع.\rأما الموضع الذي يعاب استعماله فيه فهو صدور الأبيات الشعرية وما والاها، وأما الموضع الذي لا يعاب فيه فهو الأعجاز من الأبيات لمكان القافية، وإنما جاز ذلك ولم يكن عيبا؛ لأنه قافية، والشاعر مضطر إليها، والمضطر يحل له ما حرم عليه، كقول امرئ القيس في قصيدته اللامية التي مطلعها:\rألا أنعم صباحا أيها الطلل البالي\rفقال:\rوهل ينعمن إلا سعيد مخلد ... قليل الهموم لا يبيت بأوجال١\rوإذا كان قليل الهموم فإنه لا يبيت بأوجال، وهذا تكرير للمعنى، إلا أنه ليس بمعيب؛ لأنه قافية.\rوكذلك قال الحطيئة:\rقالت أمامة لا تجزع فقلت لها ... إن العزاء وإن الصبر قد غلبا\rهلا التمست لنا إن كنت صادقة ... ما لا نعيش به في الناس أو نشبا٢\rفالبيت الأول معيب؛ لأنه كرر العزاء والصبر، إذ معناهما واحد، ولم يردا","footnotes":"١ ديوان امرئ القيس ٢٧ والمطلع في الديوان:\r\"ألا عم صباحا\" والبيت الثاني:\rوهل يعمن إلا سعيد مخلد ... قليل الهموم ما يبيت بأوجال\rالأوجال: جمع وجل وهو الفزع.\r٢ البيتان من قصيدته في مدح بغيض، ومطلعها:\rطافت أمامة بالركبان آونة ... يا حسنه من قوام ما ومنتقبا\rوفي الديوان \"في الخزج\" بدلا من \"الناس\" ديوان الحطيئة ١٢١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358821,"book_id":3862,"shamela_page_id":695,"part":"3","page_num":37,"sequence_num":695,"body":"قافية؛ لأن القافية هي الباء وأما البيت الثاني فليس بمعيب؛ لأن التكرير جاء في النشب وهو قافية.\rومما يجري هذا المجرى قول المنخل اليشكري:\rولقد دخلت على الفتا ... ة الخدر في اليوم المطير\rالكاعب الحسناء تر ... فل في الدمقس وفي الحرير١\rفإن الدمقس والحرير سواء، وقد ورد قافية فلا بأس به من أجل ذلك. فإن قيل: إن الحرير هو الإبريسم المنسوج، بدليل قوله تعالى: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ ٢ فإنه لم يرد خيوط إبريسم، وإنما أراد أثوابا من الإبريسم، وأما الدمقس فإنه خيوط الإبريسم محلولة، بدليل قول امرئ القيس:\rوشحم كهداب الدمقس المفتل٣\rفإنه لم يرد إبريسما منسوجا, وإنما أراد خيوط الإبريسم, فالجواب عن ذلك: أنه لو حمل بيت المنخل على ذلك لفسد معناه؛ لأن المرأة لا ترفل في خيوط من الإبريسم، وإنما ترفل في الأثواب منه، وأما قول امرئ القيس \"كهداب الدمقس\" فإنه لو كان الدمقس هو الخيوط المحلولة من الإبريسم لما","footnotes":"١ البيتان من قصيدته التي مطلعها.\rإن كنت عاذلتي فسيري ... نحو العراق ولا تحوري\r\"الأصمعيات ٥٢\"\r٢ الإنسان ١٢.\r٣ الشطر من البيت:\rفظل العذارى يرتمين بلحمها ... وشحم كهداب الدمقس المفتل\rوالبيت من المعلقة التي مطلعها:\rقفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول وحومل\r\"الديوان١١\"","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358822,"book_id":3862,"shamela_page_id":696,"part":"3","page_num":38,"sequence_num":696,"body":"احتاج أن يقول كهداب, فإن الهداب جمع هدب، ثم قال \"المفتل\", فدل بذلك على أن الدمقس يطلق على الإبريسم، سواء كان منسوجا أو غير منسوج، وكذلك الحرير أيضا، وعند الاستعمال يفهم المراد منه بالقرينة، ألا ترى أنه لما قال المنخل:\rترفل في الدمقس وفي الحرير\rفهم من ذلك أنه أراد أثوابا من الدمقس ومن الحرير؛ لأن الرفول لا يكون في خيوط من الإبريسم، وإنما يكون في أثوابه.\rومما يجري على هذا المنهج قول الآخر من شعراء الحماسة١:\rإني وإن كان ابن عمي غائبا ... لمقاذف من خلفيه وورائه\rفإن خلفا ووراء بمعنى واحد، وإنما جاز تكرارهما؛ لأنهما قافية, وعلى هذا ورد قول أبي تمام:\rدمن كأن البين أصبح طالبا ... دمنا لدى آثارنا وحقودا٢\rفإن الدمنة هي الحقد. وكذلك قول أبي الطيب المتنبي:\rبحر تعود أن يذم لأهله ... من دهره وطوارق الحدثان","footnotes":"١ هو الهذيل بن مشجعة البولاني. المعنى أنه يقاتل دونه إذا كان هو هاديا له، وقد تخلف عنه ابن عمه، ويقاتل وراءه إذا تقدمه ابن عمه، فقوله: \"من ورائه\" من البين الظاهر أنه بمعنى المقدام \"شرح ديوان الحماسة للمرزوقي ٤/ ١٦٨٠\".\r٢ البيت من قصيدته في مدح خالد بن يزيد الشيباني ومطلعها:\rطلل الجميع لقد عفوت حميدا ... وكفى على رزئي بذاك شهيدا\rوفي الديوان \"لدى آرامها\" بدلا من \"لدى آثارنا\".\rالدمن الأول جمع دمنة وهي آثار القوم في الديار، ثم يسمي المنزل دمنة؛ لأن الدمنة فيه. والدمن الثاني جمع دمنة، وهي الحقد وبقيته في القلب، وعنى بالآرام النساء شبهها بالظباء البيض، يقول إن الفراق طلب عند ظباء هذه الدمن آثارا \"ديوان أبي تمام ٢/ ٤١١\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358823,"book_id":3862,"shamela_page_id":697,"part":"3","page_num":39,"sequence_num":697,"body":"فتركته وإذا أذم من الورى ... راعاك واستثنى بني حمدان١\rفإن الدهر وطوارق الحدثان سواء، وإنما جاز استعمال ذلك لأنه قافية.\rوأما ما ورد في أثناء الأبيات الشعرية فكقول عنترة:\rحييت من طلل تقادم عهده ... أقوى وأقفر بعد أم الهيثم٢\rفقوله أقوى وأقفر من المعيب؛ لأنهما لفظان وردا بمعنى واحد لغير ضرورة، إذ الضرورة لا تكون إلا في القافية كما أريتك.\rوأما ما ورد من صدور الأبيات فكقول البحتري:\rألمت وهل إلمامها بك نافع ... وزارت خيالا والعيون هواجع٣\rفإن قوله: \"ألمت\" وقوله: \"زارت خيالا\" سواء, فلا فرق إذا بين صدر البيت وعجزه, فإن قيل: إنه أراد بالإلمام زيارة اليقظة، ثم قال: \"وزارت خيالا\" فالجواب عن ذلك أنه لم يرد إلا زيارة المنام في الحالتين؛ لأنه قال: \"ألمت وهل","footnotes":"١ البيتان من قصيدته في مدح سيف الدولة عند انصرافه من بلد الروم سنة ٣٤٥، وأنشده إياها بآمد، ومطلعها:\rالرأي قبل شجاعة الشجعان ... هو أول وهي المحل الثاني\r\"شرح ديوان المتنبي ٣/ ٣٩٥\".\rبحر هنا خبر لمبتدأ محذوف، أي: النهر الذي عبره سيف الدولة بحر. يذم لأهله: يجيرهم: الحدثان: نوائب الدهر. بنو حمدان: عشيرة سيف الدولة، أي: إن هذا النهر الذي عبره سيف الدولة بحر تعود أن يجير أصحابه من حوادث الدهر بأن يمنع العدو من العبور إليهم، لكن لما عبرته أنت تركته يجير أهله من كل أحد إلا من بني حمدان، يعني أن غيرك لا يقدر على عبوره.\r٢ من معلقته التي مطلعها:\rهل غادر الشعراء من متردم ... أم هل عرفت الدار بعد توهم\r٣ من قصيدته في مدح الفتح بن خاقان، \"الديوان ٢/ ٧٦\" وفي الديوان لك نافع.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358824,"book_id":3862,"shamela_page_id":698,"part":"3","page_num":40,"sequence_num":698,"body":"إلمامها بك نافع\" ولو كان في اليقظة لما قال: وهل إلمامها بك نافع, فإنه لا نفع أنفع من زيارة المحبوب في اليقظة، وهذا غير خاف لا يحتاج إلى السؤال عنه. فإن قيل: لم أجزت ذلك للناظم وحظرته على الناثر?\rقلت في الجواب: أما الناثر فإنه إذا سجع كلامه فالغالب أن يأتي به مزدوجا على فقرتين من الفقر، ويمكنه إبدال تلك الفقرتين بغيرهما، فيسلم منه، وأما الشاعر فإنه يصوغ قصيدا ذا أبيات متعددة على قافية من القوافي، فإذا تكرر لديه شيء من الكلام في آخر بيت من الأبيات عسر إبداله من أجل القافية، وهذا غير خاف، والسؤال عنه غير وارد.\rوهذا الذي ذكرته إذا ورد في غير القافية سمي إخلاء، ويقال إن البحتري كان يخلي كثيرًا في شعره، وهو لعمري كذلك، إلا أن حسن سبكه ورونق ديباجته يغفر له ذلك. ويروى عنه أنه كان إذا مثل بين يدي الفتح بن خاقان وزير المتوكل مادحا له اختال بين يديه معجبا بنفسه، فتقدم خطوات ثم تأخر، وقال: أي شيء تسمعون؟ فنقم عليه ذلك بعض حسدته، وحمل الفتح بن خاقان عليه، فقال له الفتح: لو رمانا بالحجارة لكان ذلك مغفورا له فيما يقوله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358825,"book_id":3862,"shamela_page_id":699,"part":"3","page_num":40,"sequence_num":699,"body":"النوع الثامن عشر في الاعتراض:\rوبعضهم يسميه الحشو, وحده: كل كلام أدخل فيه لفظ مفرد أو مركب لو سقط لبقي الأول على حاله.\rمثال ذلك أن تقول: زيد قائم، فهذا كلام مفيد، وهو مبتدأ وخبر، فإذا أدخلنا فيه لفظا مفردا قلنا: زيد والله قائم، ولو أزلنا القسم منه بقي على حاله، وإذا أدخلنا في هذا الكلام لفظا مركبا قلنا: زيد على ما به من المرض","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358826,"book_id":3862,"shamela_page_id":700,"part":"3","page_num":41,"sequence_num":700,"body":"قائم، فأدخلنا بين المبتدأ والخبر لفظا مركبا، وهو قولنا على ما به من المرض, فهذا هو الاعتراض، وهذا حده.\rواعلم أن الجائز منه وغير الجائز إنما يؤخذ من كتب العربية، فإنه يكون مستقصى فيها، كالاعتراض بين القسم وجوابه، وبين الصفة والموصوف، وبين المعطوف والمعطوف عليه، وأشباه ذلك مما يحسن استعماله، وكالاعتراض بين المضاف والمضاف إليه، وبين إن واسمها، وبين الجار والمجرور، وأمثال ذلك مما يقبح استعماله، وليس هذا مكانه؛ لأن كتابنا هذا موضوع لمن استكمل معرفة ذلك وغيره مما أشرنا إليه في صدر الكتاب.\rوليس المراد ههنا من الاعتراض إلا ما يفرق به بين الجيد والرديء, لا ما يعلم به الجائز وغير الجائز؛ لأن كتابي هذا موضوع لذكر ما يتضمنه الكلام على اختلاف أنواعه من وصفي الفصاحة والبلاغة، فالذي أذكره في باب الاعتراض إنما هو ما اشتمل على شيء من هذين الوصفين المشار إليهما.\rقسما الاعتراض:\rواعلم أن الاعتراض ينقسم إلى قسمين:\rأحدهما: لا يأتي في الكلام إلا لفائدة وهو جار مجرى التوكيد.\rوالآخر: أن يأتي في الكلام لغير فائدة، فإما أن يكون دخوله فيه كخروجه منه، وإما أن يؤثر في تأليفه نقصا وفي معناه فسادا.\rالقسم الأول:\rوهو الذي يأتي في الكلام لفائدة كقوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ، وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ. إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ ١، وذلك اعتراض بين القسم","footnotes":"١ الواقعة: ٧٥, ٧٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358827,"book_id":3862,"shamela_page_id":701,"part":"3","page_num":42,"sequence_num":701,"body":"الذي هو ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ وبين جوابه الذي هو ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ وفي نفس هذا الاعتراض اعتراض آخر بين الموصوف الذي هو قسم وبين صفته التي هي عظيم, وهو قوله: ﴿تَعْلَمُونَ﴾ فذانك اعتراضان كما ترى.\rوفائدة هذا الاعتراض بين القسم وجوابه إنما هي تعظيم شأن المقسم به في نفس السامع، ألا ترى إلى قوله: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ اعتراضا بين الصفة والموصوف, وذلك الأمر بحيث لو علم وفي حقه من التعظيم.\rوهذا مثل قولنا: إن هذا الأمر لعظيم, بحيث لو تعلم يا فلان عظمه لقدرته حق قدره، فإن ذلك يكبره في نفس المخاطب, ويظل متطلعا إلى معرفة عظمه. وكذلك ورد قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ ١.\rوتقديره: ويجعلون لله البنات ولهم ما يشتهون، فاعترض بين المفعولين بسبحانه، وهو مصدر يدل على التنزيه، فكأنه قال: ويجعلون لله البنات وهو منزه عن ذلك، ولهم ما يشتهون، وفائدة هذا ههنا ظاهرة.\rوكذلك ورد قوله تعالى في سورة يوسف ﵇: ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ، قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ ٢ فقوله: ﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ﴾ اعتراض بين القسم وجوابه، وفائدته تقرير إثبات البراءة من الفساد والنزاهة من تهمة السرقة، أي: إنكم قد علمتم هذا منا، ونحن مع علمكم به نقسم بالله على صدقه.\rوقد ورد الاعتراض في القرآن كثيرا، وذلك في كل موضع يتعلق بنوع من خصوصية المبالغة في المعنى المقصود.\rومن هذا القسم قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ","footnotes":"١ النحل: ٥٧.\r٢ يوسف: ٧٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358828,"book_id":3862,"shamela_page_id":702,"part":"3","page_num":43,"sequence_num":702,"body":"قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ١ فهذا الاعتراض بين إذا وجوابها؛ لأن تقدير الكلام وإذا بدلنا آية مكان آية قالوا إنما أنت مفتر، فاعترض بينهما بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ وهو مبتدأ وخبر، وفائدته إعلام القائلين أنه مفتر أن ذلك من الله وليس منه، وأنه أعلم بذلك منهم.\rومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ ٢.\rألا ترى إلى هذا الاعتراض الذي قد طبق مفصل البلاغة، وفائدته أنه لما أوصى بالوالدين ذكر ما تكابده الأم من المشاق في حمل الولد وفصاله، إيجابا للتوصية بها، وتذكيرا بحقها، وإنما خصها بالذكر دون الأب؛ لأنها تتكلف من أمر الولد ما لا يتكلفه, ومن ثم قول النبي ﷺ لمن قال له: من أبر? فقال: \"أمك ثم أمك ثم أمك ثم أباك\".\rومما جاء على هذا الأسلوب قوله ﷿: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ، فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ٣.\rفقوله: ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه، وفائدته أن يقرر في نفوس المخاطبين وقلوب السامعين أن تدارؤ بني إسرائيل في قتل تلك النفس لم يكن نافعا لهم في إخفائه وكتمانه؛ لأن الله تعالى مظهر لذلك، ولو جاء الكلام غير معترض فيه لكان: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ , ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ ، ولا يخفى على البليغ الفرق بين ذلك وبين كونه معترضا فيه.\rومما ورد من ذلك شعرا قول امرئ القيس:\rولو أن ما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني ولم أطلب قليل من المال","footnotes":"١ النحل: ١٥١.\r٢ لقمان: ١٤.\r٣ البقرة: ٧٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358829,"book_id":3862,"shamela_page_id":703,"part":"3","page_num":44,"sequence_num":703,"body":"ولكنما أسعى لمجد مؤثل ... وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي١\rتقديره: كفاني قليل من المال، فاعترض بين الفعل والفاعل بقوله: \"ولم أطلب\" وفائدته تحقير المعيشة, وأنها تحصل بغير طلب وعناء، وإنما الذي يحتاج إلى الطلب هو المجد المؤثل.\rوكذلك قول جرير:\rولقد أراني والجديد إلى بلى ... في موكب طرف الحديث كرام٢\rتقديره: في موكب طرف الحديث، فاعترض بين المفعولين، وإنما جاء بهذا الاعتراض تعزيا عما مضى من تلك اللذة وذلك النعيم الذي فاز به من عشرة أولئك الأحباب، \"فكأنه قال\"٣: ولقد أعهدني في كذا وكذا من اللذة، وذلك قد مضى وسلف وبلي جديده، وكذلك كل جديد فإنه إلى بلى.\rوالاعتراض إذا كان هكذا كسا الحديث لطفًا إن كان غزلا، وكساه أبهة وجلالا إن كان مديحا, أما ما يجري مجراه من أساليب الكلام، وإن كان هجاء كساه تأكيدا وإثباتا، كقول كثير عزة:\rلو أن الباخلين وأنت منهم ... رأوك تعلموا منك المطالا٤","footnotes":"١ من قصيدته التي مطلعها:\rألا عم صباحا أيها الطلل البالي ... وهل يعمن من كان في العصر الحالي\r\"الديوان ٣٩\" المؤثل الذي يثمر ويفيد، وهو أيضا الكثير.\r٢ من قصيدته في الرد على الفرزدق، ومطلعها:\rسرت الهموم فبتن غير نيام ... وأخو الهموم يروم كل مرام\rوالبيت في الديوان هكذا:\rولقد أراني والجديد إلى بلى ... في فتية طرف الحديث كرام\r\"الديوان ٥٥١\".\r٣ ما بين قوسين زيادة رأينا أنها توضح المراد.\r٤ ديوان كثير ١/ ١٥١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358830,"book_id":3862,"shamela_page_id":704,"part":"3","page_num":45,"sequence_num":704,"body":"فقوله: وأنت منهم, من محمود الاعتراض ونادره، وفائدته ههنا التصريح بما هو المراد، وتقدير هذا الكلام قبل الاعتراض: لو أن الباخلين رأوك، فاعترض بين اسم أن وهو الباخلين, وبين خبرها وهو رأوك بالمبتدأ, أو الخبر الذي هو \"وأنت منهم\".\rومن محاسن ما جاء في هذا الباب قول المضرب السعدي:\rفلو سألت سراة الحي سلمى ... على أن قد تلون بي زماني\rلخبرها ذوو أحساب قومي ... وأعدائي فكل قد بلاني١\rوهذا اعتراض بين لو وجوابها، وهو من فائق الاعتراض ونادره، وتقديره: فلو سألت سراة الحي سلمى لخبرها ذوو أحساب قومي وأعدائي، وفائدة: \"على أن قد تلون بي زماني\" أي: إنهم يخبرون عني على تلون الزمان، يريد تنقل حالاته من خير وشر، وليس من عجمه الزمان وأبان عن جوهره كغيره ممن لم يعجمه ولا أبان عنه.\rومن ذلك قول أبي تمام:\rوإن الغنى لي إن لحظت مطالبي ... من الشعر إلا في مديحك أطوع٢","footnotes":"١ في الأصل نسبة الشعر للمضرب السعدي، والصواب نسبتهما إلى ابنه سوار \"شرح التبريري للحماسة ١/ ١٢٥\".\r٢ من قصيدته في مدح أبي سعيد محمد بن يوسف الثغري، ومطلعها:\rألا إنه لولا الخليط المودع ... وربع عفا عنه مصيف ومربع\rالديوان ٢/ ٣٣٣\" قال أبو الفتح عثمان بن جني: الفصل بين المضاف والمضاف إليه كثير، وقد جاء الطائي الكبير بالتقديم والتأخير فقال: \"البيت\" وتقديره أن الغنى -لو لحظت مطالبي- أطوع لي من الشعر، إلا في مديحك، أي: فإنه يطيعني في مديحك ويسارع إلي. وهذا كقوله أيضا معنى ولفظا:\rتغاير الشعر فيه إذ سهرت له ... حتى ظننت قوافيه ستقتتل","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358831,"book_id":3862,"shamela_page_id":705,"part":"3","page_num":46,"sequence_num":705,"body":"وهذا البيت فيه اعتراضان:\rالأول: بين اسم إن وخبرها، تقديره: وإن الغنى أطوع لي من الشعر، فاعترض بين الاسم والخبر بقوله: \"إن لحظت مطالبي\".\rوأما الاعتراض الثاني: فقوله: \"إلا في مديحك\" فجاء بالجملة الاستثنائية مقدمة، وموضعها التأخير، فاعترض بها بين الجملة التي هي خبر إن.\rوتقدير البيت بجملته: \"وإن الغنى أطوع لي من الشعر إن لحظت مطالبي إلا في مديحك\" وفائدة قوله: إلا في مديحك, من الاعتراض الذي اكتسب به الكلام رقة وفائدة حسنة، والمراد به وصف جود الممدوح بالإسراع، ووصف خاطر شعره بالإسراع إذا كان في مدحه خاصة دون غيره، فهذا الاعتراض يتضمن مدح الممدوح والمادح معا، وهو من محاسن ما يجيء في هذا الموضع.\rوكذلك ورد قوله:\rرددت رونق وجهي في صحيفته ... رد الصقال بهاء الصارم الخذم\rوما أبالي وخير القول أصدقه ... حقنت لي ماء وجهي أم حقنت دمي١\rفقوله: \"وخير القول أصدقه\" اعتراض بين المفعول والفعل؛ لأن موضع حقنت نصب، إذ هو مفعول أبالي، وفائدته إثبات ما ماثل به بين ماء الوجه والدم أي: إن هذا القول صدق ليس بكذب.\rالقسم الثاني:\rوأما القسم الثاني وهو والذي يأتي في الكلام لغير فائدة فهو ضربان:","footnotes":"١ من قصيدته في مدح أبي سعيد محمد بن يوسف والبيتان في الديوان هكذا:\rردت رونق وجهي في صحيفته ... رد الصقال بوجه الصارم الخذم\rوما أبالي وخير القول أصدقه ... حقنت لي ماء وجهي أو حقنت دمي\r\"الديوان ٣/ ٢١٨\" الصقال: الاسم من الصقل: الخدم: السريع القطع.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358832,"book_id":3862,"shamela_page_id":706,"part":"3","page_num":47,"sequence_num":706,"body":"الضرب الأول: يكون دخوله في الكلام كخروجه منه لا يكتسب به قبحا ولا حسنا، فمن ذلك قول النابغة:\rيقول رجال يجهلون خليقتي ... لعل زيادا لا أبا لك غافل١\rفقوله: لا أبا لك, من الاعتراض الذي لا فائدة فيه، وليس مؤثرا في البيت حسنا ولا قبحا.\rومثله جاء قول زهير:\rسئمت تكاليف الحياة ومن يعش ... ثمانين حولا لا أبا لك يسأم٢\rوقد وردت هذه اللفظة وهي \"أبا لك\" في موضع آخر فكان للاعتراض بها فائدة حسنة كقول أبي همام:\rعتابك عني لا أبا لك واقصدي٣\rفإنه لما كره عتابها اعترض بين الأمر والمعطوف عليه بهذه اللفظة على طريق الذم.\rالضرب الثاني: وهو الذي يؤثر في الكلام نقصا، وفي المعنى فسادا, وقد تقدم ذكر أمثاله وأنظاره في باب التقديم والتأخير، وإنما جيء بذكره ههنا مكررا لإتمام التقسيم الاعتراضي فيما أفاد وفيما لا يفيد، وقد ذكرت من ذلك مثالا واحدا أو مثالين، فمما ورد منه قول بعضهم:","footnotes":"١ من قصيدة في رثاء النعمان بن المنذر، مطلعها:\rدعاك الهوى واستجهلتك المنازل ... وكيف تصابي المرء والشيب شامل\r٢ من معلقته التي مطلعها.\rأمن أم أوفى دمنة لم تكلم ... بحومانة الدراح فالمتثلم\r٣ لم نعثر على النص في ديوانه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358833,"book_id":3862,"shamela_page_id":707,"part":"3","page_num":48,"sequence_num":707,"body":"فقد والشك بين لي عناء ... بوشك فراقهم صرد يصيح١\rفإن في هذا البيت من رديء الاعتراض ما أذكره لك، وهو الفصل بين قد والفعل الذي هو بين، وذلك قبيح، لقوة اتصال قد بما تدخل عليه من الأفعال ألا تراها تعد مع الفعل كالجزء منه، ولذلك أدخلت عليه اللام المراد بها توكيد الفعل، كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ ٢ وكقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ ٣ وقول الشاعر:\rولقد أجمع رجلي بها ... حذر الموت وإني لفرور٤\rإلا أن فصل بين قد والفعل بالقسم, فإن ذلك لا بأس به، نحو قولك: قد والله كان ذاك, وقد فصل في هذا البيت أيضًا بين المبتدأ الذي هو الشك وبين الخبر الذي هو عناء بقوله: بين لي، وفصل بين الفعل الذي هو بين, وبين فاعله الذي هو صرد بخبر المبتدأ الذي هو عناء، فجاء معنى البيت كما تراه كأنه صورة مشوهة قد نقلت أعضاؤها بعضها إلى مكان بعض.\rومن هذا الضرب قول الآخر:\rنظرت وشخصي مطلع الشمس ظله ... إلى الغرب حتى ظله الشمس قد عقل\rأراد نظرت مطلع الشمس وشخصي ظله إلى الغرب حتى عقل الشمس أي: حاذاها، وعلى هذا التقرير فقد فصل بمطلع الشمس بين المبتدأ الذي هو شخصي وبين خبره الجملة، وهو قوله: ظله إلى الغرب، وأغلظ من ذلك أنه","footnotes":"١ أصل التركيب فقد بين صرد يصيح بوشك فراقهم، والشك لي عناء.\r٢ الزمر: ٦٥.\r٣ البقرة: ١٠٢.\r٤ من مقطوعة لعمرو بن معديكرب \"شرح ديوان الحماسة للمرزوقي ٣/ ١٨١\" الضمير في قوله بها للفرس. والمعنى: أركضها وأستدر جريها، ذهابا في الفرار، واحترازا من الموت، وإني لكثير الهرب إذا كان الهرب أغنى، وإلى مراغمة العدو أدعى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358834,"book_id":3862,"shamela_page_id":708,"part":"3","page_num":49,"sequence_num":708,"body":"فصل بين الفعل وفاعله بالأجنبي، وهذا وأمثاله مما يفسد المعاني ويورثها اختلالا.\rواعلم أن الناثر في استعمال ذلك أكثر ملاءمة من الناظم، وذاك أن الناظم مضطر إلى إقامة ميزان الشعر، وربما كان مجال الكلام عليه ضيقا، فيلقيه طلب الوزن في مثل هذه الورطات، وأما الناثر فلا يضطر إلى إقامة الميزان الشعري، بل يكون مجال الكلام عليه واسعا، ولهذا إذا اعترض في كلامه اعتراضا يفسده توجه عليه الإنكار، وحق عليه الذم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358835,"book_id":3862,"shamela_page_id":709,"part":"3","page_num":49,"sequence_num":709,"body":"النوع التاسع عشر: في الكناية والتعريض\rمدخل\r...\rالنوع التاسع عشر في الكناية والتعريض:\rوهذا النوع مقصور على الميل مع المعنى وترك اللفظ جانبا, وقد تكلم علماء البيان فوجدتهم قد خلطوا الكناية بالتعريض، ولم يفرقوا بينهما، ولا حدوا كلا منهما بحد يفصله عن صاحبه، بل أوردوا لهما أمثلة من النظم والنثر، وأدخلوا أحدهما في الآخر فذكروا للكناية أمثلة من التعريض، وللتعريض أمثلة من الكناية، فممن فعل ذلك الغانمي١ وابن سنان الخفاجي٢ والعسكري٣، فأما ابن سنان فإنه ذكر في الكناية قول امرئ القيس:\rفصرنا إلى الحسنى ورق كلامها ... ورضت فذلت صعبة أي إذلال٤","footnotes":"١ هو أبو العلاء محمد بن غانم المعروف بالغانمي. كان من فضلاء عصره، وله شعر مشهور، وهو من شعراء نظام الملك \"اللباب لابن الأثير ٣/ ١٦٦\".\r٢ الأمير أبو محمد عبد الله بن محمد بن سعيد بن سنان الخفاجى الحلبي المتوفى سنة ٤٦٦هـ مؤلف سر الفصاحة.\r٣ أبو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل العسكري المتوفى سنة ٣٩٥هـ مؤلف كتاب الصناعتين.\r٤ البيت من قصيدته التي مطلعها:\rألا عم صباحا أيها الطال البالي ... وهل يعمن من كان في العصر الخالي\r\"الديوان ٢٧\".\rصرنا إلى الحسنى: إلى ما تحب من الأمور: رضت: لبنتها بالكلام والمداراة كما يروض البعير أو الحصان بالسير.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358836,"book_id":3862,"shamela_page_id":710,"part":"3","page_num":50,"sequence_num":710,"body":"وهذا مثال ضربه للكناية على المباضعة، وهو مثال للتعريض١.\rووجدت في كتاب التذكرة لابن حمدون البغدادي وكان مشارا إليه عندهم بفضيلة ومعرفة، لا سيما فن الكتابة، فوجدت في كتابه بابا مقصورا على ذكر الكناية والتعريض، وما قيل فيهما نظما ونثرا، وهو محشو بالخلط بين هذين القسمين من غير فصل بينهما، وقد أورد أيضًا في بعضه أمثلة غثة باردة.\rوسأذكر ما عندي في الفرق بينهما، وأميز أحدهما عن الآخر، ليعرف كل منهما على انفراده، فأقول:\rالكناية:\rأما الكناية فقد حدت بحد، فقيل: هي اللفظ الدال على الشيء على غير الوضع الحقيقي, بوصف جامع بين الكناية والمكنى عنه، كاللمس والجماع، فإن الجماع اسم موضوع حقيقي, واللمس كناية عنه، وبينهما الوصف الجامع، إذ الجماع لمس وزيادة، فكان دالا عليه بالوضع المجازي.\rوهذا الحد فاسد؛ لأنه يجوز أن يكون حدا للتشبيه، فإن التشبيه هو اللفظ الدال على غير الوضع الحقيقي لجامع بين المشبه والمشبه به وصفة من الأوصاف، ألا ترى أنا إذا قلنا: زيد أسد، كان ذلك لفظا دالا على غير الوضح الحقيقي، بوصف جامع بين زيد والأسد، وذلك الوصف هو الشجاعة, ومن ههنا وقع الغلط لمن أشرت إليه في الذي ذكره في حد الكناية.","footnotes":"١ قال ابن سنان الخفاجى: ومن هذا الجنس حسن الكناية عما يجب أن يكنى عنه في الموضع الذي لا يحسن فيه التصريح، وذلك أصل من أصول الفصاحة، وشرط من شروط البلاغة, إلى أن قال. ومما يستحسن من الكنايات قول امرئ القيس \"البيت\" لأنه كنى عن المباضعة بأحسن ما يكون من العبارة \"سر الفصاحة ١٥٦\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358837,"book_id":3862,"shamela_page_id":711,"part":"3","page_num":51,"sequence_num":711,"body":"وأما علماء أصول الفقه فإنهم قالوا في حد الكناية: إنها اللفظ المحتمل، يريدون بذلك أنها اللفظ الذي يحتمل الدلالة على المعنى وعلى خلافه, وهذا فاسد أيضا, فإنه ليس كل لفظ يدل على المعنى وعلى خلافه بكناية.\rدليل ذلك قول النبي ﷺ: \"إذا لم تستح فافعل ما شئت\" فإن هذا اللفظ يدل على المعنى وعلى خلافه، وبيان ذلك أنه يقول في أحد معنييه: إنك إذا لم يكن لك وازع يزعك عن الحياء فافعل ما شئت، وأما معناه الآخر فإنه يقول: إذا لم تفعل فعلا يستحى منه فافعل ما شئت، وهذا ليس من الكناية في شيء, فبطل إذا هذا الحد.\rومثال الفقيه في قوله: إن الكناية هي اللفظ المحتمل, مثال من أراد أن يحد الإنسان فأتى بحد الحيوان، فعبر بالأعم عن الأخص, فإنه يقال كل إنسان حيوان, وليس كل حيوان إنسانا, وكذلك يقال ههنا، فإن كل كناية لفظ محتمل، وليس كل لفظ محتمل كناية.\rوالذي عندي في ذلك أن الكناية إذا وردت تجاذبها جانبا حقيقة ومجاز، وجاز حملها على الجانبين معا، ألا ترى أن اللمس في قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ يجوز حمله على الحقيقة والمجاز، وكل منهما يصح به المعنى، ولا يختل، ولهذا ذهب الشافعي ﵀ إلى أن اللمس هو مصافحة الجسد الجسد، فأوجب الوضوء على الرجل إذا لمس المرأة، وذلك هو الحقيقة في اللمس، وذهب غيره إلى أن المراد باللمس هو الجماع، وذلك مجاز فيه، وهو الكناية، وكل موضع ترد فيه الكناية فإنه يتجاذبه جانبا حقيقة ومجاز، ويجوز حمله على كليهما معا، وأما التشبيه فليس كذلك، ولا غيره من أقسام المجاز؛ لأنه لا يجوز حمله إلا على جانب المجاز خاصة، ولو حمل على جانب الحقيقة لاستحال المعنى، ألا ترى أنا إذا قلنا: \"زيد أسد\"، لا يصح إلا على المجاز خاصة، وذلك أنا شبهنا زيدا بالأسد في شجاعته، ولو حملناه على جانب الحقيقة لاستحال المعنى؛ لأن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358838,"book_id":3862,"shamela_page_id":712,"part":"3","page_num":52,"sequence_num":712,"body":"زيدا ليس بالحيوان ذا الأربع والذنب والوبر والأنياب والمخالب.\rوإذا كان الأمر كذلك فحد الكناية الجامع لها هو: أنها كل لفظة دلت على معنى يجوز حمله على جانبي الحقيقة والمجاز بوصف جامع بين الحقيقة والمجاز, والدليل على ذلك أن الكناية في أصل الوضع أن تتكلم بشيء وتريد غيره، يقال: كنيت بكذا عن كذا، فهي تدل على ما تكلمت به، وعلى ما أردته في غيره، وعلى هذا فلا تخلو إما أن تكون في لفظ تجاذبه جانبا حقيقة ومجاز، أو في لفظ تجاذبه جانبا مجاز ومجاز، أو في لفظ تجاذبه جانبا حقيقة وحقيقة، وليس لنا قسم رابع، ولا يصح أن تكون في لفظ تجاذبه جانبا حقيقة وحقيقة؛ لأن ذلك هو اللفظ المشترك، وإذا أطلق من غير قرينة تخصصه كان مبهما غير مفهوم، وإذا أضيف إليه القرينة صار مختصا بشيء بعينه، والكناية أن تتكلم بشيء وتريد غيره، وذلك مخالف للفظ المشترك إذا أضيف إليه القرينة؛ لأنه يختص بشيء واحد بعينه لا يتعداه إلى غيره، وكذلك لا يصح أن تكون الكناية في لفظ تجاذبه جانبا مجاز ومجاز؛ لأن المجاز لا بد له من حقيقة نقل عنها؛ لأنه فرع عليها.\rوذلك اللفظ الدال على المجازين إما أن يكون للحقيقة شركة في الدلالة عليه أو لا يكون لها شركة، فإن كان لها شركة في الدلالة فيكون اللفظ الواحد قد دل على ثلاثة أشياء: أحدها الحقيقة، وهذا مخالف لأصل الوضع؛ لأن أصل الوضع أن تتكلم بشيء وأنت تريد غيره، وههنا تكون قد تكلمت بشيء وأنت تريد شيئين غيره، وإن لم يكن للحقيقة شركة في الدلالة كان ذلك مخالفا للوضع أيضا؛ لأن أصل الوضع أن تتكلم بشيء وأنت تريد غيره، فيكون الذي تكلمت به دالا على ما تكلمت به وعلى غيره، وإذا أخرجت الحقيقة عن أن يكون لها شركة في الدلالة لم يكن الذي تكلمت به دالا على ما تكلمت به، وهذا محال، فتحقق حينئذ أن الكناية أن تتكلم بالحقيقة وأنت تريد المجاز، وهذا الكلام","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358839,"book_id":3862,"shamela_page_id":713,"part":"3","page_num":53,"sequence_num":713,"body":"في حقيقة الدليل على تحقيق أمر الكناية لم يكن لأحد فيه قول سابق.\rواعلم أن الكناية مشتقة من الستر، يقال: كنيت الشيء إذا سترته, وأجري هذا الحكم في الألفاظ التي يستر فيها المجاز بالحقيقة، فتكون دالة على الساتر وعلى المستور معا، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ فإنه إن حمل على الجماع كان كناية؛ لأنه ستر الجماع بلفظ اللمس الذي حقيقته مصافحة الجسد الجسد، وإن حمل على الملامسة التي هي مصافحة الجسد الجسد كان حقيقة، ولم يكن كناية، وكلاهما يتم به المعنى.\rوقد تأولت الكناية بغير هذا، وهي أنها مأخوذة من الكنية التي يقال فيها: أبو فلان، فإنا إذا نادينا رجلا اسمه عبد الله وله ولد اسمه محمد فقلنا: يا أبا محمد، كان ذلك مثل قولنا: يا عبد الله، فإن شئنا ناديناه بهذا، أو شئنا ناديناه بهذا، فكلاهما واقع عليه، وكذلك يجري الحكم في الكناية، فإنا إذا شئنا حملناها على جانب المجاز، وإذا شئنا حملناها على الحقيقة، إلا أنه لا بد من الوصف لجامع بينهما، لئلا يلحق بالكناية ما ليس منها، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ ١ فكنى بذلك عن النساء، والوصف الجامع بينهما هو التأنيث، ولولا ذلك لقيل في مثل هذا الموضع: إن أخي له تسع وتسعون كبشا ولي كبش واحد، وقيل: هذه كناية عن النساء، ومن أجل ذلك لم يلتفت إلى تأويل من تأول قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ ٢ أنه أراد بالثياب القلب على حكم الكناية؛ لأنه ليس بين الثياب والقلب وصف جامع، ولو كان بينهما وصف جامع لكان التأويل صحيحا.","footnotes":"١ سورة ص: ٢٣.\r٢ المدثر: ٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358840,"book_id":3862,"shamela_page_id":714,"part":"3","page_num":54,"sequence_num":714,"body":"فإن قيل فما الدليل على اشتقاق الكناية من كنيت الشيء، إذا سترته ومن الكنية?\rقلت في الجواب: أما اشتقاقها من كنيت الشيء إذا سترته, فإن المستور فيها هو المجاز؛ لأن الحقيقة تفهم أولا، ويتسارع إليها الفهم قبل المجاز؛ لأن دلالة اللفظ عليها وضعية، وأما المجاز فإنه يفهم بعد فهم الحقيقة، وإنما يفهم بالنظر والفكرة، ولهذا يحتاج إلى دليل؛ لأنه عدول عن ظاهر اللفظ فالحقيقة أظهر، والمجاز أخفى، وهو مستور بالحقيقة، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ فإن الفهم يتسارع فيه إلى الحقيقة التي هي ملامسة الجسد الجسد، وأما المجاز الذي هو الجماع فإنه يفهم بالنظر والفكر، ويحتاج الذاهب إليه إلى دليل؛ لأنه عدول عن ظاهر اللفظ.\rوأما اشتقاقها من الكنية فلأن محمدا في هذه الصورة المذكورة هو حقيقة هذا الرجل، أي: الاسم الموضوع بإزائه أولا، وأما أبو محمد فإنه طارئ عليه بعد عبد الله١؛ لأنه لم يكن له إلا بعد أن صار له ولد اسمه محمد، وكذلك الكناية، فإن الحقيقة لها هو الاسم الموضوع أولًا في أصل الوضع، وأما المجاز فإنه طارئ عليها بعد ذلك؛ لأنه فرع، والفرع إنما يكون بعد الأصل، وإنما يعمد إلى ذلك الفرع للمناسبة الجامعة بينه وبين الأصل على ما تقدم الكلام فيه، وهذا القدر كاف في الدلالة على اشتقاق الكناية من ذينك المعنيين المشار إليهما.\rفإن قيل: إنك قد ذكرت أقسام المجاز في باب الاستعارة التي قدمت ذكرها في كتابك هذا، وحصرتها في أقسام ثلاثة وهي: التوسع في الكلام، والاستعارة، والتشبيه، ونراك قد ذكرت الكناية في المجاز أيضا، فهل هي قسم رابع لتلك","footnotes":"١ كان في الأصل قلب بين الاسمين محمد وعبد الله، فصححناهما هكذا ليتلاءم الكلام هنا مع سابقه عند قوله إنها مأخوذة من الكنية.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358841,"book_id":3862,"shamela_page_id":715,"part":"3","page_num":55,"sequence_num":715,"body":"الأقسام الثلاثة أم هي من جملتها? فإن كانت قسما رابعا، فذلك نقض للحصر الذي حصرته، وإن كانت من جملتها فإنك أعدت ذكرها ههنا مرة ثانية، وهذا المكرر لا حاجة إليه.\rفالجواب عن ذلك أني أقول: أما الحصر الذي ذكرته في باب الاستعارة فهو ذاك، ولا زيادة عليه، وأما الكناية فهي جزء من الاستعارة، ولا تأتي إلا على حكم الاستعارة الخاصة؛ لأن الاستعارة لا تكون إلا بحيث يطوى ذكر المستعار له، وكذلك الكناية، فإنها لا تكون إلا بحيث يطوى ذكر المكنى عنه، ونسبتها إلى الاستعارة نسبة خاص إلى عام، فيقال: كل كناية استعارة، وليس كل استعارة كناية، ويفرق بينهما من وجه آخر، وهو أن الاستعارة لفظها صريح, والصريح هو: ما دل عليه ظاهر لفظه، والكناية: ضد الصريح؛ لأنها عدول عن ظاهر اللفظ، وهذه ثلاثة فروق: أحدها الخصوص والعموم، والآخر الصريح، والآخر الحمل على جانب الحقيقة والمجاز. وقد تقدم القول في باب الاستعارة أنها جزء من المجاز، وعلى ذلك تكون نسبة الكناية إلى المجاز نسبة جزء الجزء وخاص الخاص.\rوكان ينبغي أن تذكر الكناية عند ذكر الاستعارة في النوع الأول من هذه الأنواع المذكورة في المقالة الثانية، وإنما أفردتها بالذكر ههنا من أجل التعريض؛ لأن من العادة أن يذكرا جميعًا في مكان واحد.\rوقد يأتي في الكلام ما يجوز أن يكون كناية، ويجوز أن يكون استعارة، وذلك يختلف باختلاف النظر إليه بمفرده والنظر إلى ما بعده، كقول نصر بن سيار في أبياته المشهورة التي يحرض بها بني أمية عند خروج أبي مسلم:\rأرى خلل الرماد وميض جمر ... ويوشك أن يكون له ضرام\rفإن النار بالزندين تورى ... وإن الحرب أولها كلام","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358842,"book_id":3862,"shamela_page_id":716,"part":"3","page_num":56,"sequence_num":716,"body":"أقول من التعجب ليت شعري ... أأيقاظ أمية أم نيام\rفإن هبوا فذاك بقاء ملك ... وإن رقدوا فإني لا أنام١\rفالبيت الأول لوروده بمفرده كان كناية؛ لأنه يجوز حمله على جانب الحقيقة وحمله على جانب المجاز أما الحقيقة فإنه أخبر أنه رأى وميض جمر في خلل الرماد، وأنه سيضطرم, وأما المجاز فإنه أراد أن هناك ابتداء شر كامن, ومثله بوميض جمر من خلل الرماد، وإذا نظرنا إلى الأبيات في جملتها اختص البيت الأول منها بالاستعارة دون الكناية، وكثيرا ما يرد مثل ذلك ويشكل، لتجاذبه بين الكناية والاستعارة، على أنه لا يشكل إلا على غير العارف.\rالتعريض:\rوأما التعريض: فهو اللفظ الدال على الشيء من طريق المفهوم بالوضع الحقيقي والمجازي، فإنك إذا قلت لمن تتوقع صلته ومعروفه بغير طلب: والله إني لمحتاج, وليس في يدي شيء، وأنا عريان والبرد قد آذاني، فإن هذا وأشباهه تعريض بالطلب، وليس هذا اللفظ موضوعا في مقابلة الطلب، لا حقيقة ولا مجازا، إنما دل عليه من طريق المفهوم، بخلاف دلالة اللمس على الجماع، وعليه ورد التعريض في","footnotes":"١ كان نصر بن سيار واليا على خراسان لهشام بن عبد الملك، وقد بعث إليه بهذه الأبيات يحذره فيها ذيوع السخط على بني أمية هناك, وانتشار الدعوة لبني العباس.\rوالأبيات في الأغاني ١٥/ ١١٦ ومروج الذهب ٢/ ٢٥٢ والعقد الفريد ١/ ٢٤٠. هكذا:\rأرى خلل الرماد وميض نار ... ويوشك أن يكون لها ضرام\rفإن النار بالعودين تذكى ... وإن الحرب أولها الكلام\rفإن لم تطفئوها تجن حربا ... مشمرة بشيب لها الغلام\rأقول من التعجب ليت شعري ... أأيقاظ أمية أم نيام؟\rفإن يك قومنا أضحوا نياما ... فقل قوموا فقد حان القيام\rففري من رحالك ثم قولي ... على الإسلام والعرب السلام","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358843,"book_id":3862,"shamela_page_id":717,"part":"3","page_num":57,"sequence_num":717,"body":"خطبة النكاح، كقولك للمرأة: إنك لخلية وإني لعزب، فإن مثل هذا لا يدل على طلب النكاح حقيقة ولا مجازا.\rوالتعريض أخفى من الكناية؛ لأن دلالة الكناية لفظية وضعية من جهة المجاز، ودلالة التعريض من جهة المفهوم لا بالوضع الحقيقي ولا المجازي، وإنما سمي التعريض تعريضا؛ لأن المعنى فيه يفهم من عرضه أي: من جانبه، وعرض كل شيء جانبه.\rواعلم أن الكناية تشمل اللفظ المفرد والمركب معا، فتأتي على هذا تارة، وعلى هذا تارة أخرى، وأما التعريض فإنه يختص باللفظ المركب، ولا يأتي في اللفظ المفرد ألبتة.\rوالدليل على ذلك أنه لا يفهم المعنى فيه من جهة الحقيقة ولا من جهة المجاز، وإنما يفهم من جهة التلويح والإشارة، وذلك لا يستقل به اللفظ المفرد، ولكنه يحتاج في الدلالة عليه إلى اللفظ المركب، وعلى هذا فإن بيت امرئ القيس الذي ذكره ابن سنان مثالا للكناية هو مثال للتعريض, فإن غرض امرئ القيس من ذلك أن يذكر الجماع، غير أنه لم يذكره، بل ذكر كلاما آخر يفهم الجماع من عرضه؛ لأن المصير إلى الحسنى ورقة الكلام لا يفهم منهما ما أراده امرؤ القيس من المعنى لا حقيقة ولا مجازا، وهذا لا خفاء به فاعرفه.\rوحيث فرقنا بين الكناية والتعريض وميزنا أحدهما عن الآخر فلنفصلهما ونذكر أقسامهما، ولنبدأ أولًا بالكناية فنقول:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358844,"book_id":3862,"shamela_page_id":718,"part":"3","page_num":58,"sequence_num":718,"body":"الكناية:\rاعلم أن الكناية تنقسم قسمين: أحدهما ما يحسن استعماله، والآخر ما لا يحسن استعماله، وهو عيب في الكلام فاحش, وقد ذهب قوم إلى أن الكناية تنقسم أقساما ثلاثة: تمثيلا وإردافا، ومجاورة.\rفأما التمثيل:\rفهو أن تراد الإشارة إلى معنى, فيوضع لفظ لمعنى آخر، ويكون ذلك مثالا للمعنى الذي أريدت الإشارة إليه، كقولهم: فلان نقي الثوب أي: منزه من العيوب.\rوأما الإرداف:\rفهو أن تراد الإشارة إلى معنى فيوضع لفظ لمعنى آخر، ويكون ذلك إردافا للمعنى الذي أريدت الإشارة إليه ولازما له، كقولهم: فلان طويل النجاد أي: طويل القامة، فطول النجاد رادف لطول القامة ولازم له، بخلاف نقاء الثوب في الكناية عن النزاهة من العيوب؛ لأن نقاء الثوب لا يلزم منه النزاهة من العيوب، كما يلزم من طول النجاد طول القامة.\rوأما المجاورة:\rفهي أن تريد ذكر الشيء فتتركه إلى ما جاوره كقول عنترة:\rبزجاجة صفراء ذات أسرة ... قرنت بأزهر في الشمال مفدم١\rيريد بالزجاجة الخمر، فذكر الزجاجة وكنى بها عن الخمر؛ لأنها مجاورة لها.","footnotes":"١ من معلقته. الأسرة: جمع سر وسرور وهما الخط من خطوط اليد والجبهة وغيرها وتجمع أيضا على أسرار، والأسرار تجمع على أسارير.\rأزهر: إبريق مشرق. مفدم: مسدود الرأس بالفدام وهو هنا المصفاة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358845,"book_id":3862,"shamela_page_id":719,"part":"3","page_num":59,"sequence_num":719,"body":"وهذا التقسيم ليس صحيح؛ لأن من شرط التقسيم أن يكون كل قسم منه مختصا بصفة خاصة تفصله عن عموم الأصل، كقولنا: الحيوان ينقسم أقساما منها الإنسان، وحقيقته كذا وكذا، ومنها الأسد وحقيقته كذا وكذا، ومنها الفرس وحقيقته كذا وكذا، ومنها غير ذلك، وههنا لم يكن التقسيم كذلك فإن التمثيل على ما ذكر عبارة عن مجموع الكناية؛ لأن الكناية إنما هي أن تراد الإشارة إلى معنى, فيوضع لفظ لمعنى آخر، ويكون ذلك اللفظ مثالا للمعنى الذي أريدت الإشارة إليه.\rألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ ١ فإنه أراد الإشارة إلى النساء، فوضع لفظا لمعنى آخر وهو النعاج، ثم مثل به النساء، وهكذا يجري الحكم في جميع ما يأتى من الكنايات، لكن منها ما يتضح التمثيل فيه, وتكون الشبهية، بين الكناية والمكنى عنه شديدة المناسبة، ومنه ما يكون دون ذلك في الشبهية، وقد تأملت ذلك، وحققت النظر فيه، فوجدت الكناية إذا وردت على طريق اللفظ المركب كانت شديدة المناسبة واضحة الشبهية، وإذا وردت على طريق اللفظ المفرد لم تكن بتلك الدرجة في قوة المناسبة والمشابهة، ألا ترى إلى قولهم: \"فلان نقي الثوب\"، وقولهم: \"اللمس\" كناية عن الجماع، فإن نقاء الثوب أشد مناسبة وأوضح شبها؛ لأنا إذا قلنا: نقاء الثوب من الدنس كنزاهة العرض من العيوب اتضحت المشابهة, ووجدت المناسبة بين الكناية والمكنى عنه شديدة الملاءمة، وإذا قلنا: \"اللمس كالجماع\" لم يكن بتلك الدرجة في قوة المشابهة، وهذا الذي ذكر في أن من الكناية تمثيلا وهو كذا وكذا، غير سائغ ولا وارد، بل الكناية كلها هي ذاك، والذي قدمته من القول هو الحاصر لها، ولم يأت به أحدي غيري كذلك.","footnotes":"١ سورة ص: الآية ٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358846,"book_id":3862,"shamela_page_id":720,"part":"3","page_num":60,"sequence_num":720,"body":"وأما الإرداف:\rفإنه ضرب من اللفظ المركب, إلا أنه اختص بصفة تخصه، وهي أن تكون الكناية دليلا على المكنى عنه ولازمة له، بخلاف غيرها من الكنايات، ألا ترى أن طول النجاد دليل على طول القامة ولازم له، وكذلك يقال: فلان عظيم الرماد أي: كثير إطعام الطعام، وعليه ورد قول الأعرابية في حديث أم زرع في وصف زوجها: \"له إبل قليلات المسارح, كثيرات المبارك، إذا سمعن صوت المزهر أيقن أنهن هوالك\"١.\rوغرض الأعرابية من هذا القول أن تصف زوجها بالجود والكرم، إلا أنها لم تذكر ذلك باللفظ الصريح، وإنما ذكرته من طريق الكناية على وجه الإرداف الذي هو لازم له.\rوكذلك ورد في الأخبار النبوية أيضا، وذاك أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ فسألته عن غسلها من الحيض، فأمر أن تغتسل، ثم قال: \"خذي فرصة من مسك فتطهري بها\" ٢ قالت: كيف أتطهر بها? فقال: \"تطهري بها\" قالت: كيف أتطهر بها? قال: \"سبحان الله تطهري بها\". فاجتذبتها عائشة رضي الله تعالى عنها إليها، وقالت: تتبعي بها أثر الدم، فقولها: \"أثر الدم\" كناية عن الفرج على طريق الإرداف، لأن أثر الدم في الحيض لا يكون إلا في الفرج، فهو رادف له.\rومما ورد في ذلك شعرا قول عمر بن أبي ربيعة:\rبعيدة مهوى القرط إما لنوفل ... أبوها وإما عبد شمس وهاشم٢","footnotes":"١ من وصف الزوجة العاشرة لزوجها، والنص في البخاري \"له إبل كثيرات المبارك، قليلات المسارح، إذا سمعن صوت المزهر أيقن أنهن هوالك\".\r\"صحيح البخاري ٣/ ١٨٤\".\r٢ صحيح البخاري ١/ ٤٩.. الفرصة بكسر الفاء خرقة أو قطنة تتمسح بها المرأة من الحيض.\r٣ شرح ديوان عمر بن أبي ربيعة ٢٠٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358847,"book_id":3862,"shamela_page_id":721,"part":"3","page_num":61,"sequence_num":721,"body":"فإن بعد مهوى القرط دليل على طول العنق.\rومن لطيف هذا الموضع وحسنه ما يأتي بلفظة مثل، كقول الرجل إذا نفى عن نفسه القبيح: \"مثلي لا يفعل هذا\" أي: أنا لا أفعله، فنفى ذلك عن مثله, ويريد نفيه عن نفسه؛ لأنه إذا نفاه عمن يماثله ويشابهه فقد نفاه عن نفسه لا محالة، إذ هو ينفي ذلك عنه أجدر، وكذلك يقال: \"مثلك إذا سئل أعطى\" أي: أنت إذا سئلت أعطيت، وسبب ورود هذه اللفظة في هذا الموضع أنه يجعل من جماعة هذه أوصافهم وتثبيتا للأمر وتوكيدا، ولو كان فيه وحده لقلق منه موضعه، ولم يرس فيه قدمه.\rوهذا مثل قول القائل إذا كان في مدح إنسان: \"أنت من القوم الكرام\" أي: لك في هذا الفعل سابقة، وأنت حقيق به، ولست دخيلا فيه.\rوقد ورد هذا في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿ليْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١ والفرق بين قوله: ﴿ليْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وبين قوله: ليس كالله شيء, هو ما أشرت إليه، وإن كان ﷾ لا مثل له حتى يكون لمثله مثل، وإنما ذكر ذلك على طريق المجاز قصدًا للمبالغة.\rوقد يأتي هذا الموضع بغير لفظة مثل وهي مقصودة، كقولك للعربي: العرب لا تخفر الذمم أي: \"أنت لا تخفر الذمم\"، وهذا أبلغ من قولك: أنت لا تخفر الذمم، لما أشرت إليه. وعلى نحو من هذا جاء قول أبي الطيب المتنبي:\rألست من القوم الذي من رماحهم ... نداهم ومن قتلاهم مهجة البخل٢","footnotes":"١ الشورى: ١١.\r٢ من قصيدة في رثاء أبي الهيجاء عبد الله بن سيف الدولة وقد توفي سنة ٣٣٨هـ، والبيت في الديوان:\rألست من القوم الألى من رماحهم ... نداهم ومن قتلاهم مهجة البخل\r\"ديوان المتنبي ٣/ ٢١١\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358848,"book_id":3862,"shamela_page_id":722,"part":"3","page_num":62,"sequence_num":722,"body":"وإذا فرغت من ذكر الأصول التي قدمت ذكرها فإني أتبعها بضرب الأمثلة نثرا ونظما، حتى يزداد ما ذكرته وضوحا.\rفمن ذلك ما ورد في القرآن الكريم نحو قوله تعالى: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ ١، فإنه كنى عن الغيبة بأكل الإنسان لحم إنسان آخر مثله، ثم لم يقتصر على ذلك حتى جعله ميتا، ثم جعل ما هو في الغاية من الكراهة موصولا بالمحبة، فهذه أربع دلالات واقعة على ما قصدت له مطابقة للمعنى الذي وردت من أجله.\rفأما جعل الغيبة كأكل الإنسان لحم إنسان آخر مثله فشديد المناسبة جدا؛ لأن الغيبة إنما هي ذكر مثالب الناس وتمزيق أعراضهم، وتمزيق العرض مماثل لأكل لحم الإنسان لحم من يغتابه؛ لأن أكل اللحم تمزيق على الحقيقة، وأما جعله كلحم الأخ فلما في الغيبة من الكراهة؛ لأن العقل والشرع مجتمعان على استكراهها, آمران بتركها والبعد عنها، ولما كانت كذلك جعلت بمنزلة لحم الأخ في كراهته، ومن المعلوم أن لحم الإنسان مستكره عند إنسان آخر، إلا أنه لا يكون مثل كراهته لحم أخيه، وهذا القول مبالغة في استكراه الغيبة، وأما جعل اللحم ميتا فمن أجل أن المغتاب لا يشعر بغيبته ولا يحس بها، وأما جعله ما هو في الغاية من الكراهة موصولا بالمحبة, فلما جبلت عليه النفوس من الميل إلى الغيبة والشهوة لها مع العلم بقبحها.\rفانظر أيها المتأمل إلى هذه الكناية تجدها من أشد الكنايات شبها؛ لأنك إذا نظرت إلى كل واحدة من تلك الدلالات الأربع التي أشرنا إليها وجدتها مناسبة لما قصدت له.\rوكذلك ورد قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ","footnotes":"١ الحجرات: ١٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358849,"book_id":3862,"shamela_page_id":723,"part":"3","page_num":63,"sequence_num":723,"body":"وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ ١ والأرض التي لم يطئوها كناية عن مناكح النساء، وذلك من حسن الكناية ونادره.\rوكذلك ورد قوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا﴾ ٢ فكنى بالماء عن العلم, وبالأودية عن القلوب وبالزبد عن الضلال، وهذه الآية قد ذكرها أبو حامد الغزالي ﵀ في كتابه الموسوم بإحياء علوم الدين, وفي كتابه الموسوم بالجواهر, والأربعين, فأشار بها إلى أن في القرآن الكريم إشارات وإيماءات لا تنكشف إلا بعد الموت، وهذا يدل على أن الغزالي ﵀ لم يعلم أن هذه الآية من باب الكنايات التي لفظها يجوز حمله على جانبي الحقيقة والمجاز, وقد رأيت جماعة من أئمة الفقه لا يحققون أمر الكناية، وإذا سئلوا عنها عبروا عنها بالمجاز, وليس الأمر كذلك، وبينهما وصف جامع, كهذه الآية وما جرى مجراها، فإنه يجوز حمل الماء على المطر النازل من السماء، وعلى العلم، وكذلك يجوز حمل الأودية على مهابط الأرض وعلى القلوب، وهكذا يجوز حمل الزبد على الغثاء الرابي الذي تقذفه السيول، وعلى الضلال، وليس في أقسام المجاز شيء يجوز حمله على الطرفين معا سوى الكناية.\rوبلغني عن الفراء النحوي أنه ذكر في تفسيره آية، وزعم أنها كناية، وهي قوله تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ ٣ فقال: إن الجبال كناية عن أمر رسول الله ﷺ, وما جاء به من الآيات.\rوهذه الآية من باب الاستعارة، لا من باب الكناية؛ لأن الكناية لا تكون إلا فيما جاز حمله على جانبي المجاز والحقيقة، والجبال ههنا لا يصح بها المعنى إلا إذا حملت على جانب المجاز خاصة؛ لأن مكر أولئك لم يكن لتزول منه جبال الأرض، فإن ذلك محال.","footnotes":"١ الأحزاب: ٢٧.\r٢ الرعد: ١٧.\r٣ إبراهيم: ٤٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358850,"book_id":3862,"shamela_page_id":724,"part":"3","page_num":64,"sequence_num":724,"body":"وأما ما ورد منها في الأخبار النبوية فقول النبي ﷺ: \"إنه كانت امرأة فيمن كان من قبلنا، وكان لها ابن عم يحبها، فراودها عن نفسها، فامتنعت عليه، حتى إذا أصابتها شدة فجاءت إليه تسأله، فراودها، فمكنته من نفسها، فلما قعد منها مقعد الرجل من المرأة قالت له: لا يحل لك أن تفض الخاتم إلا بحقه, فقام عنها وتركها\"، وهذه كناية واقعة في موقعها.\rومن ذلك أيضًا قول النبي ﷺ: \"رويدك سوقك بالقوارير\" ١, يريد بذلك النساء، فكنى عنهن بالقوارير، وذاك أنه كان في بعض أسفاره وغلام أسود اسمه أنجشة يحدو، فقال له: \"يا أنجشة رويدك بالقوارير\" وهذه كناية لطيفة.\rوكذلك ورد حديث الحديبية وذاك أنه لما نزل رسول الله ﷺ على الركية٢, جاءه بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من أهل تهامة، فقال: \"تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا عداد مياه الحديبية معهم العوذ المطافيل، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت\"٣, وهذه كناية عن النساء والصبيان، والعوذ: جمع عائذ، وهي الناقة التي وضعت وقوي ولدها، وهذا يجوز حمله","footnotes":"١ كان أنجشة يحدو بالنساء ركابهن, ويرتجز بنسيب الشعر والرجز وراءهن، فلم يؤمن أن يصيبهن ما يسمعن من رقيق الشعر فيهن، أو يقع في قلوبهن حداؤه، فأمر أنجشة بالكف عن نشيده وحدائه حذار صبوتهن إلى غير الجميل. وقيل إن الإبل إذا سمعت الحداء أسرعت في المشي واشتدت فأزعجت الراكب فأتعبته فنهاه عن ذلك؛ لأن النساء يضعفن عن شدة الحركة. \"لسان العرب مادة قرر والنهاية لابن الأثير ٣/ ٢٤٠.\r٢ الركية: البئر.\r٣ العوذ: جمع عائذ وهي من الإبل الحديثة النتاج. المطافيل: التي معها أولادها، يريد أنهم خرجوا ومعهم النساء والصبيان.\rوفي سيرة ابن هشام وتاريخ الطبري أن الذي لقى النبي ﷺ بشر بن سفيان الكعبي أو بسر، وأنه لقيه بعسفان، وهو منهل بين الجحفة ومكة أو بين المسجدين، أو غير ذلك. فقال: يا رسول الله هذه قريش قد سمعوا بمسيرك فخرجوا معهم العوذ المطافيل، قد لبسوا جلود النمور، وقد نزلوا بذي طوى يحلفون بالله لا تدخلها عليهم أبدا.\r\"سيرة ابن هشام ٢/ ٣٠٩ وتاريخ الطبري ٣/ ٧٢\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358851,"book_id":3862,"shamela_page_id":725,"part":"3","page_num":65,"sequence_num":725,"body":"على طريق الحقيقة، كما جاز حمله على طريق المجاز, أي: معهم الأموال من الإبل، وهي كانت جل أموال العرب: أي إنهم أحضروا أموالهم ليقاتلوا دونها، ولما جاز حمل العوذ المطافيل على النساء والصبيان وعلى الأموال كان من باب الكناية.\rومن ذلك ما ورد في إقامة الحد على الزاني، وهو أن يشهد عليه برؤية الميل في المكحلة وذلك كناية عن رؤية الفرج في الفرج.\rومن لطيف الكنايات أن امرأة جاءت إلى عائشة ﵂ فقالت لها: \"أقيد جملي?\" فقالت عائشة ﵂: \"لا\", أرادت المرأة أن تضع لزوجها شيئا يمنعه عن غيرها أي: تربطه أن يأتي غيرها، فظاهر هذا اللفظ هو تقييد الجمل، وباطنه ما أرادته المرأة وفهمته عائشة منها.\rوكذلك يروى عن عمر بن الخطاب ﵁, وذاك أنه جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، هلكت، قال: \"وما أهلكك\" قال: حولت رحلي البارحة فقال له النبي ﷺ: \"أقبل وأدبر واتق الدبر والحيضة\".\rويروى أن عمرو بن العاص زوج ولده عبد الله ﵁، فمكثت المرأة عنده ثلاث ليال لم يدن منها، وإنما كان ملتفتا إلى صلاته، فدخل عمرو بعد ثلاث، فقال: كيف ترين بعلك? فقالت: نعم البعل إلا أنه لم يفتش لنا كنفا ولا قرب لنا مضجعا، فقولها: لم يفتش لنا كنفا ولا قرب لنا مضجعا من الكناية الغراء الظاهرة.\rومن ألطف ما بلغني في هذا قول عبد الله بن سلام، فإنه رأى على رجل ثوبا معصفرا، فقال: \"لو أن ثوبك في تنور أهلك أو تحت قدرهم كان خيرا\"، فذهب الرجل وأحرقه، نظرا إلى حقيقة قول عبد الله, وظاهر مفهومه، وإنما أراد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358852,"book_id":3862,"shamela_page_id":726,"part":"3","page_num":66,"sequence_num":726,"body":"المجاز منه، وهو أنك لو صرفت ثمنه إلى دقيق تخبزه أو حطب تطبخ به كان خيرا، والمعنى متجاذب بين هذين الوجهين، فالرجل فهم منه الظاهر الحقيقي فمضى وأحرق ثوبه، ومراد عبد الله غيره.\rومن هذا القسم ما ورد من أمثال العرب كقولهم: إياك وعقيلة الملح، وذاك كناية عن المرأة الحسناء في منبت السوء، فإن عقيلة الملح هي اللؤلؤة وتكون في البحر فهي حسنة وموضعها ملح.\rوكذلك قولهم: لبس له جلد النمر، كناية عن العداوة.\rوقد يقاس على هذا أن يقال: لبس له جلد الأسد، ولبس له جلد الذئب، ولبس له جلد الأرقم؛ لأن هذا كله مثل قولهم: لبس له جلد النمر، إذ العداوة محتملة في الجميع.\rوكذلك قولهم: \"قلب له ظهر المجن\" كناية عن تغيير المودة.\rومما ورد في ذلك شعرا قول أبي نواس:\rلا أذود الطير عن شجر ... قد بلوت المر من ثمره١\rوهذا له حكاية، وهو أنه كان لأبي نواس صديقة تغشاه، فقيل له: إنها تختلف إلى آخر من أهل الريب، فلم يصدق ذلك حتى تبعها يوما من الأيام, فرآها تدخل منزل ذلك الرجل، ثم إن ذلك الرجل جاءه، وكان صديقا له، فكلمه، فصرف وجهه عنه، ثم نظم قصيدته المشهورة التي مطلعها:\rأيها المنتاب عن عفره\rوهذا البيت من جملة أبياتها.\rوكذلك ورد قوله أيضا:","footnotes":"١ من قصيدته في مدح العباس بن عبيد الله، التي مطلعها:\rأيها المنتاب عن عفره ... لست من ليلى ولا من سمره\r\"الديوان: ٤٢٧\".\rالمنتاب: المتردد مرة بعد مرة. العفر: بسكون الفاء من ليالي الشهر السابعة والثامنة والتاسعة. وحرك الفاء لضرورة الشعر، يقول: أيها الزائر للسمر والحديث لست مني ولست منك؛ لأن ليلى لا يشبه ليلك، وسمري بعيد عن سمرك؛ لأني وفي وأنت غادر.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358853,"book_id":3862,"shamela_page_id":727,"part":"3","page_num":67,"sequence_num":727,"body":"وناظرة إلي من النقاب ... تلاحظني بطرف مستراب\rكشفت قناعها فإذا عجوز ... مموهة المفارق بالخضاب\rفما زالت تحمسني طويلا ... وتأخذ في أحاديث التصابي\rتحاول أن يقوم أبو زياد ... ودون قيامه شيب الغراب\rأتت بجرابها تكتال فيه ... فقامت وهي فارغة الجراب١\rفقوله: أتت بجرابها تكتال فيه كناية، إذ الجراب يجوز حمله على الحقيقة والمجاز، وكذلك الكيل أيضا.\rومما جاء من هذا الباب أيضا قول أبي تمام في قصيدته التي يستعطف بها مالك بن طوق على قومه، ومطلعها:\rأرض مصردة وأرض منجم\rما لي رأيت ترابكم يبس الثرى ... ما لي أرى أطوادكم تتهدم٢\rفيبس الثرى كناية عن تنكر ذات البين، تقول: يبس الثرى بيني وبين فلان، إذا تنكر الود الذي بينك وبينه، وكذلك \"تهدم الأطواد\" فإنه كناية عن خفة الحلوم وطيش العقول.","footnotes":"١ ليست في الديوان.\r٢ مطلع القصيدة في الديوان:\rأرض مصردة وأخرى تثجم\rمصردة: قليلة الري والمطر. تثجم: يدوم عليها المطر.\rوالبيت في الديوان هكذا:\rما لي رأيت ترابكم يبسا له ... ما لي أرى أطوادكم تتهدم\rالضمير في \"له\" يعود على شخص مذكور في القصيدة من قبل اسمه مالك، أغضبه هؤلاء وهو عظيم جليل النفع. \"الديوان ١٩٩\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358854,"book_id":3862,"shamela_page_id":728,"part":"3","page_num":68,"sequence_num":728,"body":"ومن الكناية الحسنة قول أبي الطيب المتنبي في قصيدته التي يعاتب فيها سيف الدولة بن حمدان التي مطلعها:\rواحر قلباه ممن قلبه شبم\rوشر ما قنصته راحتي قنص ... شهب البزاة سواء فيه والرخم١\rيشير بذلك إلى أن سيف الدولة يستوي في المنال منه هو وغيره، فهو البازي، وغيره الرخمة، وإن حمل المعنى على جانب الحقيقة كان جائزا.\rوعلى هذا ورد قول الأقيشر الأسدي، وكان عنينا لا يأتي النساء وكان كثيرًا ما يصف ذلك من نفسه، فجلس إليه يوما رجل من قيس، فأنشد الأقيشر:\rولقد أروح بمشرف ذي ميعة ... عسر المكرة ماؤه يتفصد\rمرح يطير من المراح لعابه ... ويكاد جلد إهابه يتقدد٢","footnotes":"١ الديوان ٤/ ١١٦ مطلع القصيدة:\rواحر قلباه ممن قلبه شبم ... ومن بجسمي وحالي عنده سقم\rشبم: بارد. الشهب: جمع أشهب وهو ما فيه بياض يخالطه سواد، الرخيم: جمع رخمة وهي طائر من الجوارح الكبيرة الجسم الوحشية الطباع، قالوا إنه موصوف بالغدر والقذر. البزاة: جمع باز وهو ضرب من الصقور.\r٢ الميعة: المراد بها القوة والنشاط، من ماع الشيء يميع إذا جرى على وجه الأرض منبسطا، وماع الفرس إذا جرى.\rيتفصد: يسيل ويجري على الأرض.\rوالبيتان في الأغاني \"١٠/ ٨٣\" هكذا.\rولقد أروح بمشرف ذي شعرة ... عسر المكرة ماؤه يتفصد\rمرح يطير من اللعاب مراحه ... وتكاد جلدته به تتقدد\rوالصواب الأقيشر كما في الأغاني لا الأقيس كما في الأصل. ويتفصد بالفاء لا بالقاف كما كانت بالأصل.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358855,"book_id":3862,"shamela_page_id":729,"part":"3","page_num":69,"sequence_num":729,"body":"ثم قال له: أتبصر الشعر? قال: نعم، قال: فما وصفت? قال: فرسا، قال: أفكنت تركبه لو رأيته? قال: إي والله وأثني عطفه، فكشف له عن أيره، وقال: هذا وصفت، فقم فاركبه، فوثب الرجل من مكانه، وقال: قبحك الله من جليس سائر اليوم.\rوكذلك أيضًا يحكى أنه وفد سعيد بن عبد الرحمن على هشام بن عبد الملك، وكان جميل الوجه، فاختلف إلى عبد الصمد بن عبد الأعلى مؤدب الوليد بن يزيد، فراوده عن نفسه، فوثب من عنده، ودخل على هشام وهو يقول:\rإنه والله لولا أنت لم ... ينج مني سالما عبد الصمد\rفقال هشام: ولم ذلك? قال:\rإنه قد رام مني خطة ... لم يرمها قبله مني أحد\rقال: ما هي? قال:\rراح جهلا بي وجهلا بأبي ... يدخل الأفعى على حبس الأسد١\rقال: فضحك هشام، وقال: لو فعلت به شيئا لم أنكره عليك.\rومن ألطف ما سمعته في هذا الباب قول أبي النواس في الهجاء:\rإذا ما كنت جار أبي حسين ... فنم ويداك في طرف السلاح\rفإن له نساء سارقات ... إذا ما بتن أطراف الرماح\rسرقن وقد نزلت عليه أيري ... فلم أظفر به حتى الصباح","footnotes":"١ حبس الأسد: المراد غيله؛ لأن الحبس الجبل العظيم ونطاق الهودج وثوب يطرح على الفراش للنوم عليه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358856,"book_id":3862,"shamela_page_id":730,"part":"3","page_num":70,"sequence_num":730,"body":"فجاء وقد تخدش جانباه ... يئن إلي من ألم الجراح١\rفتعبيره عن العضو المشار إليه بأطراف الرماح تعبير في غاية اللطافة والحسن.\rوقد أدخل في باب الكناية ما ليس منه، كقول نصيب:\rفعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب٢\rفهذا يروى عن الجاحظ، وما أعلم كيف ذهب عليه مع شهرته بالمعرفة بفن الفصاحة والبلاغة، فإن الكناية هو ما جاز حمله على جانب الحقيقة, كما يجوز حمله على جانب المجاز، وههنا لا يصح ذلك، ولا يستقيم؛ لأن الثناء للحقائب لا يكون إلا مجازا، وهذا من باب التشبيه المضمر الأداة الخارج عن الكناية، والمراد به أن في الحقائب من عطاياك ما يعرب عن الثناء لو سكت أصحابها عنه.\rما يقبح ذكره من الكناية:\rوأما القسم المختص بما يقبح ذكره من الكناية فإنه لا يحسن استعماله؛ لأنه عيب في الكلام فاحش، وذلك لعدم الفائدة المرادة من الكناية فيه.\rفما جاء منه قول الشريف الرضي يرثي امرأة:\rإن لم تكن نصلا فغمد نصال٣","footnotes":"١ ليست الأبيات في ديوان أبي نواس المطبوع.\r٢ الصناعتين ٢١٤ وعيون الأخبار ١/ ٢٩٩، والأغاني ١/ ١٣٠ من مقطوعة في مدح سليمان بن عبد الملك.\r٣ البيت في الديوان هكذا.\rإلا يكن نصلا فغمد نصول ... غالته أحداث الزمان بغول\rأولا يكن بأبي شبول ضيغم ... تدمى أظافره فأم شبول\rفي تعزية أبي سعيد علي بن محمد بن أبي خلف عن أخت له توفيت.\r\"ديوان الشريف الرضي ٢/ ٦٧٧\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358857,"book_id":3862,"shamela_page_id":731,"part":"3","page_num":71,"sequence_num":731,"body":"وفي هذا من سوء الكناية ما لا خفاء به، فإن الوهم يسبق في هذا الموضع إلى ما يقبح ذكره، وهذا المعنى أخذه من قول الفرزدق فمسخه وشوه صورته، فإن الفرزدق رثى امرأته فقال:\rوجفن سلاح قد رزئت فلم أنح ... عليه ولم أبعث إليه البواكيا\rوفي جوفه من دارم ذو حفيظة ... لو أن المنايا أمهلته لياليا١\rوهذا حسن بديع في معناه، وما كني عن امرأة ماتت بجمع٢ أحسن من هذه الكناية ولا أفخم شأنا، فجاء الشريف الرضي فأخذ معناها وفعل به ما ترى، وليس كل من تصرف في المعاني أحسن في تصريفها، وأبقى هذه الرموز في تأليفها.\rوقد عكس هذه القصة مع أبي الطيب المتنبي فأحسن فيما أساء به أبو الطيب طريق الكناية فأخطأ حيث قال:\rإني على شغفي بما في خمرها ... لأعف عما في سراويلاتها٣\rوهذه كناية عن النزاهة والعفة، إلا أن الفجور أحسن منها.\rوقد أخذ الشريف الرضي هذا المعنى فأبرزه في أحسن صورة حيث قال:","footnotes":"١ البيتان في الديوان هكذا:\rوغمد سلاح قد رزئت فلم أنح ... عليه ولم أبعث عليه البواكيا\rوفي جوفه من دارم ذو حفيظة ... لو أن الليالي أنسأته لياليا\r\"الديوان ٢/ ٨٩٤\".\r٢ ماتت المرأة بجمع: مثلثة أن عذراء أو حاملا أو مثقلة والمراد هنا أنها حامل.\r٣ من قصيدته في مدح أبي أيوب أحمد بن عمران \"الديوان ١/ ٢٥٥\" وقد ذكره أبو هلال في الصناعتين وعابه ٣٧٥. قال الصاحب بن عباد: كان الشعراء يصفون المآزر تنزيها لألفاظها عما يستشنع، حتى تخطى هذا الشاعر المطبوع إلى التصريح، وكثير من العهر أحسن عندي من هذا العفاف. واعتذر بعضهم عن المتنبي بأنه قال: سرابيلاتها، جمع سربال وهو القميص، وكذا رواه الخوارزمي، يريد أنه مع حبه لوجههن يعف عن أبدانهن.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358858,"book_id":3862,"shamela_page_id":732,"part":"3","page_num":72,"sequence_num":732,"body":"أحن إلى ما تضمن الخمر والحلى ... وأصدف عما في ضمان المآزر١\rوأمثال هذا كثير، وفيما ذكرناه من هذين المثالين مقنع.\rوأما التعريض فقد سبق الإعلام به، وعرفناك الفرق بينه وبين الكناية, فما جاء منه قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ، قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ ٢, وغرض إبراهيم ﵇ من هذا الكلام إقامة الحجة عليهم؛ لأنه قال: ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ وذلك على سبيل الاستهزاء، وهذا من رموز الكلام، والقول فيه أن قصد إبراهيم ﵇ لم يرد به نسبة الفعل الصادر عنه إلى الصنم، وإنما قصد تقديره لنفسه وإثباته على أسلوب تعريض يبلغ فيه غرضه من إلزام الحجة عليهم والاستهزاء بهم، وقد يقال في هذا غير ما أشرت إليه، وهو أن كبير الأصنام غضب أن تعبد معه هذه الأصنام الصغار فكسرها، وغرض إبراهيم ﵇ من ذلك أنه لا يجوز أن يعبد مع الله تعالى من هو دونه، فإن من هو دونه مخلوق من مخلوقاته، فجعل إحالة القول إلى كبير الأصنام مثالا لما أراده.\rومن هذا القسم أيضًا قوله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ ٣ فقوله: ﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا﴾ تعريض بأنهم أحق بالنبوة، وأن الله لو أراد أن يجعلها في أحد من البشر لجعلها فيهم، فقالوا: هب أنك واحد من الملأ ومواز لهم في المنزلة فما جعلك أحق منهم بها? ألا ترى إلى قولهم: ﴿وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾ .","footnotes":"١ من قصيدته في مدح أبي سعيد بن خلف التي مطلعها:\rبغير شفيع نال عفو المقادر ... أخو الجد لا مستنصرا بالمعاذر\rوفي الديوان \"يحن\" بدلا من \"أحن\" ويصدف بدلا من أصدف \"الديوان ٣٤٣\"\r٢ الأنبياء: ٦٣.\r٣ هود: ٢٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358859,"book_id":3862,"shamela_page_id":733,"part":"3","page_num":73,"sequence_num":733,"body":"وكان مروان بن الحكم واليا على المدينة من قبل معاوية فعزله, فلما قدم عليه قال له: عزلتك لثلاث لو لم تكن إلا واحدة منهن لأوجبت عزلك: إحداهن أني أمرتك على عبد الله بن عامر وبينكما ما بينكما فلم تستطع أن تشتفي منه، والثانية كراهتك أمر زياد، والثالثة أن ابنتي رملة استعدتك على زوجها عمر بن عثمان فلم تعدها.\rفقال له مروان: أما عبد الله بن عامر فإني لا أنتصر منه في سلطاني، ولكن إذا تساوت الأقدام علم أين موضعه، وأما كراهتي أمر زياد فإن سائر بني أمية كرهوه، وأما استعداء رملة على عمر بن عثمان فوالله إنه لتأتي على سنة وأكثر وعندي بنت عثمان فما أكشف لها ثوبا، يريد بذلك أن رملة بنت معاوية إنما استعدت لطلب الجماع، فقال له معاوية: يابن الوزغ١ لست هناك، فقال له مروان: هو ذاك، وهذا من التعريضات اللطيفة.\rومثله في اللطافة ما يروى عن عمر بن الخطاب ﵁، وذاك أنه كان يخطب يوم جمعة، فدخل عليه عثمان بن عفان ﵁، فقال له عمر: أية ساعة هذه? فقال عثمان: يا أمير المؤمنين انقلبت من أمر السوق فسمعت النداء، فما زدت على أن توضأت، فقال عمر: والوضوء أيضا، وقد علمت أن رسول الله ﷺ كان يأمرنا بالغسل٢.\rفقوله: \"أية ساعة هذه\" تعريض بالإنكار عليه لتأخره عن المجيء إلى الصلاة وترك السبق إليها، وهو من التعريض المعرب عن الأدب.\rووقفت في كتاب العقد٣ على حكاية تعريضية حسنة الموقع، هي أن","footnotes":"١ الوزغ: الرجل الفاسد المريض الفسل. والوزغة محركة سام أبرص جمعها وزغ.\r٢ في الصناعتين ١٦ ذكر لهذا الحوار موجز, وفي نهايته: أما سمعت رسول الله ﷺ قال: \"من أتى الجمعة فليغتسل\".\r٣ العقد الفريد لابن عبد ربه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358860,"book_id":3862,"shamela_page_id":734,"part":"3","page_num":74,"sequence_num":734,"body":"امرأة وقفت على قيس بن عبادة فقالت: \"أشكو إليك قلة الفأر في بيتي\" فقال: ما أحسن ما ورت عن حاجتها، املئوا لها بيتها خبزا وسمنا ولحما.\rومن خفي التعريض وغامضه ما ورد في الحديث الشريف، وهو أن النبي ﷺ خرج وهو محتضن أحد ابني بنته، وهو يقول: \"والله إنكم لتجبنون وتبخلون وتجهلون، وإنكم من ريحان الله، وإن آخر وطأة وطئها الله بوج\" ١.\rاعلم أن وجا واد بالطائف, والمراد به غزوة حنين، وحنين: واد قبل وج؛ لأن غزوة حنين آخر غزوة أوقع بها رسول الله ﷺ مع المشركين، وأما غزوتا الطائف وتبوك اللتان كانتا بعد حنين فلم يكن فيهما وطأة، أي: قتال، وإنما كانتا مجرد خروج إلى الغزو من غير ملاقاة عدو ولا قتال.\rووجه عطف هذا الكلام وهو قوله ﷺ: \"وإن آخر وطأة وطئها الله بوج\" على ما قبله من الحديث هو التأسف على مفارقة أولاده لقرب وفاته؛ لأن غزوة حنين كانت في شوال سنة ثمان، ووفاته ﷺ كانت في ربيع الأول سنة إحدى عشرة، وبينهما سنتان ونصف، فكأنه قال: وإنكم من ريحان الله أي: من رزقه، وأنا مفارقكم عن قريب، إلا أنه صانع عن قوله: وأنا مفارقكم عن قريب بقوله: \"وإن آخر وطأة وطئها الله بوج \" وكان ذلك تعريضا بما أراده وقصده من قرب وفاته ﷺ.\rومما ورد في هذا الباب شعرا قول الشميذر الحارثي:\rبني عمنا لا تذكروا الشعر بعدما ... دفنتم بصحراء الغمير القوافيا٢","footnotes":"١ اسم واد بالطائف لا بلد به ومنه، \"آخر وطأة وطئها الله بوج\" يريد غزوة حنين لا الطائف \"القاموس المحيط مادة وج\".\r٢ الصواب الشميذر وكانت بالأصل الشميرد. ورد الشعر في شرح ديوان الحماسة للمرزوقي \"١/ ١٢٤\" وللتبريزي \"١/ ٦١\".\rالغمير على وزن زبير موضع قرب ذات عرق وموضع بديار بني كلاب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358861,"book_id":3862,"shamela_page_id":735,"part":"3","page_num":75,"sequence_num":735,"body":"وليس قصده ههنا الشعر، بل قصده ما جرى لهم في هذا الموضع من الظهور عليهم والغلبة، إلا أنه لم يذكر ذلك بل ذكر الشعر، وجعله تعريضا لما قصده: أي لا تفخروا بعد تلك الواقعة التي جرت لكم ولنا بذلك المكان.\rومن أحسن التعريضات ما كتبه عمرو بن مسعدة الكاتب إلى المأمون في أمر بعض أصحابه، وهو: \"أما بعد، فقد استشفع بي فلان إلى أمير المؤمنين، ليتطول في إلحاقه بنظرائه من الخاصة، فأعلمته أن أمير المؤمنين لم يجعلني في مراتب المستشفعين، وفي ابتدائه بذلك تعدي طاعته\".\rفوقع المأمون في ظهر كتابه: \"قد عرفت تصريحك وتعريضك لنفسك، وقد أجبناك إليهما\"١.\rواعلم أن هذين القسمين من الكناية والتعريض قد وردا في غير اللغة العربية، ووجدتهما في اللغة السريانية، فإن الإنجيل الذي في أيدي النصارى قد أتى منهما بالكثير.\rومما وجدته من الكناية في لغة الفرس: أنه كان رجل من أساورة٢ كسرى وخواصه, فقيل له: إن الملك يختلف إلى امرأتك، فهجرها لذلك، وترك فراشها، فأخبرت كسرى، فدعاه وقال له: قد بلغني أن لك عينا عذبة وأنك لا تشرب منها، فما سبب ذلك? قال: أيها الملك، بلغني أن الأسد يردها فخفته، فاستحسن كسرى منه هذا الكلام وأسنى عطاءه.","footnotes":"١ في الصناعتين نص هذه الرسالة مع تغيير ٣٦٨.\r٢ الأساورة: جمع أسوار بضم الهمزة وكسرها وهو القائد من الفرس أو هو الفارس.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358862,"book_id":3862,"shamela_page_id":736,"part":"3","page_num":76,"sequence_num":736,"body":"النوع العشرون في المغالطات المعنوية:\rوهذا النوع من أحلى ما استعمل في الكلام وألطفه، لما فيه من التورية, وحقيقته أن يذكر معنى من المعاني له مثل في شيء آخر ونقيض، والنقيض أحسن موقعا، وألطف مأخذا. فالأول الذي يكون له مثل يقع في الألفاظ المشتركة، فمن ذلك قول أبي الطيب المتنبي:\rيشلهم بكل أقب نهد ... لفارسه على الخيل الخيار\rوكل أصم يعسل جانباه ... على الكعبين منه دم ممار\rيغادر كل ملتفت إليه ... ولبته لثعلبه وجار١\rفالثعلب هو هذا الحيوان المعروف، والوجار اسم بيته، والثعلب أيضًا هو طرف سنان الرمح، فلما اتفق الاسمان بين الثعلبين حسن ذكر الوجار في طرف السنان، وهذا نقل المعنى من مثله إلى مثله.\rوعليه ورد قول المتنبي:\rبرغم شبيب فارق السيف كفه ... وكانا على العلات يصطحبان","footnotes":"١ من قصيدته في مدح سيف الدولة لما أوقع ببني عقيل وقشير وبني العجلان وبني كلاب حين عانوا وخالفوا عليه \"الديوان ٢/ ٢٤٣\".\rيشلهم: يطردهم. الأقب: الضامر البطن. نهد: مرتفع. يقول: إنه يطردهم بكل فرس ضامر نهد لفارسه لخيار، إن شاء لحق وإن شاء سبق. أصم: رمح صلب ليس بأجوف. يعسل: يضطرب. ممار: مسال مهرق. يغادر: يترك والضمير للرمح. اللبة: أعلى الصدر. الثعلب. المراد هنا ما دخل من الرمح في السنان. الوجار: بيت الوحش من ضبع وثعلب ونحوهما يقول: إن هذا الرمح يترك من يلتفت إليه من الأعداء ونحره مطعون يدخل ثعلبه في نحره.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358863,"book_id":3862,"shamela_page_id":737,"part":"3","page_num":77,"sequence_num":737,"body":"كأن رقاب الناس قالت لسيفه ... رفيقك قيسي وأنت يماني١\rفإن شبيبا الخارجي الذي خرج على كافور الإخشيدي، وقصد دمشق وحاصرها، وقتل على حصارها، كان من قيس، ولم تزل بين قيس واليمن عداوات وحروب، وأخبار ذلك مشهورة.\rوالسيف يقال له يماني في نسبته إلى اليمن، ومراد المتنبي من هذا البيت أن شبيبا لما قتل وفارق السيف كفه فكأن الناس قالوا لسيفه: أنت يماني وصاحبك قيسي، ولهذا جانبه السيف وفارقه, وهذه مغالطة حسنة, وهي كالأولى إلا أنها أدق وأغمض.\rوكذلك ورد قول بعضهم من أبيات يهجو بها شاعرا، فجاء من جملتها قوله:\rوخلطتم بعض القرآن ببعضه ... فجعلتم الشعراء في الأنعام\rومعنى هذا أن الشعراء اسم سورة من القرآن الكريم, والأنعام اسم سورة أيضا، والشعراء جمع شاعر، والأنعام ما كان من الإبل والبقر. وكذلك ورد قول بعض العراقيين يهجو رجلا كان على مذهب أحمد بن حنبل ﵁، ثم انتقل إلى مذهب أبي حنيفة ﵁، ثم انتقل إلى مذهب الشافعي ﵁:\rمن مبلغ عني الوجيه رسالة ... وإن كان لا تجدي لديه الرسائل","footnotes":"١ من قصيدته في مدح كافور الإخشيدي بعد قتل شبيب العقيلي بدمشق سنة ٣٤٨ لما خرج عليه. \"الديوان ٤/ ٤٧٢\".\rكان شبيب من القرامطه، وكانوا مع سيف الدولة، وتولى شبيب معرة النعمان دهرا طويلا، ثم اجتمع إليه جماعة من العرب فوق عشرة آلاف، وأراد أن يخرج على كافور، وقصد دمشق فحاصرها، فيقال إن امرأة ألقت عليه رحى فصرعته فانهزم من كانوا معه، ويقال إنه حدث به صرع من الخمر فتركه أصحابه ومضوا فأخذه أهل دمشق وقتلوه.\rقيس: من قيس العدنانية. يماني: من اليمانية.\rوكان بين هؤلاء وأولئك شقاق وتنازع واختلاف، يقول: كأن رقاب الناس أغرت بينه وبين سيفه لكثرة قطعه إياها، فقالت لسيفه: إن شبيبا الذي يصاحبك قيسي وأنت يمني، والسيوف الجيدة تنسب إلى اليمن، ففارقه سيفه لما عرف أنه مخالف له في الأصل.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358864,"book_id":3862,"shamela_page_id":738,"part":"3","page_num":78,"sequence_num":738,"body":"تمذهبت للنعمان بعد ابن حنبل ... وفارقته إذ أعوزتك المآكل\rوما اخترت رأي الشافعي تدينا ... ولكنما تهوى الذي منه حاصل\rوعما قليل أنت لا شك صائر ... إلى مالك فافطن لما أنا قائل\rومالك هو مالك بن أنس صاحب المذهب ﵁، ومالك هو خازن النار وهذه مغالطة لطيفة.\rومن أحسن ما سمعته في هذا الباب قول أبي العلاء بن سليمان في الإبل١:\rصلب العصا بالضرب قد دماها ... تود أن الله قد أفناها\rإذا أرادت رشدا أغواها ... محاله من رقه إياها٢\rفالضرب: لفظ مشترك، يطلق على الضرب بالعصا، وعلى الضرب في الأرض، وهو السير فيها، وكذلك دماها فإنه لفظ مشترك يطلق على شيئين: أحدهما يقال دماه، إذا أسال دمه، ودماه إذا جعله كالدمية وهي الصورة، وكذلك لفظ الفناء فإنه يطلق على عنب الثعلب، وعلى إذهاب الشيء إذا لم يبق منه بقية، يقال: أفناه إذا أذهبه، وأفناه إذا أطعمه الفنا، وهو عنب الثعلب، والرشد والغوى","footnotes":"١ يريد الشاعر الفيلسوف أحمد بن عبد الله بن سليمان المعري المولود بالمعرة سنة ٣٦٣هـ والمتوفى بها سنة ٤٤٩هـ.\r٢ ليس البيتان بسقط الزند ولا باللزوميات وقد جاء بلسان العرب مادة \"دمي\": دمي الراعي الماشية جعلها كالدمي، وأنشد أبو العلاء:\rصلب العصا برعية دماها ... يود أن الله قد أفناها\rأي: إنه أرعاها فسمنت حتى صارت كالدمى.\rوذكر في مادة \"فتى\" أن الراجز وصف راعي غنم فقال:\rصلب العصا بالضرب قد دماها ... يقول ليث الله قد أفناها\rوأفناها أي: أنبت لها الفنا وهو عنب الذئب حتى تغزر وتسمن.\rوجاء في كتاب العصا لأسامة بن منقذ \"نوادر المخطوطات ١٨٨\". \"قال الراعي يصف راعيا:\rصلب العصا بضربة دماها ... إذا أراد رشدا أغواها\rوالضربة هي السيرة والسفرة، ودماها أي: تركها كالدمية، وأغواها أي: أرعاها. الغواء وهو نبت تسمن عليه الإبل\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358865,"book_id":3862,"shamela_page_id":739,"part":"3","page_num":79,"sequence_num":739,"body":"نبتان١ يقال: أغواه إذا أضله، وأغواه إذا أطعمه الغوى، ويقال: طلب رشدا، إذا طلب ذلك النبت، وطلب رشدا إذا طلب الهداية، وبعض الناس يظن هذه الأبيات من باب اللغز، وليس كذلك؛ لأنها تشتمل على ألفاظ مشتركة، وذلك معنى ظاهر يستخرج من دلالة اللفظ عليه، واللغز هو الذي يستخرج من طريق الحزر والحدس، لا من دلالة اللفظ عليه، وسأوضح ذلك إيضاحا جليا في النوع الحادي والعشرين، وهو الذي يتلو هذا الباب, فليؤخذ من هناك.\rويروى في الأخبار الواردة في غزاة بدر أن النبي ﷺ كان سائرا بأصحابه يقصد بدرا، فلقيهم رجل من العرب، فقال: ممن القوم? فقال النبي ﷺ: \"من ماء\" فأخذ ذلك الرجل يفكر ويقول: من ماء من ماء لينظر أي بطون العرب يقال لها ماء، فسار النبي ﷺ لوجهته، وكان قصده أن يكتم أمره.\rوهذا من المغالطة المثلية؛ لأنه يجوز أن يكون بعض بطون العرب يسمى ماء، ويجوز أن يكون المراد أن خلقهم من ماء.\rوقد جاءني شيء من ذلك الكلام المنثور, فمنه ما كتبته في فصل من كتاب عند دخولي إلى بلاد الروم أصف فيه البرد والثلج، فقلت: \"ومن صفات هذا البرد أنه يعقد الدر في خلفه، والدمع في طرفه، وربما تعدى إلى قليب الخاطر فأجفه أن يجري بوصفه، فالشمس مأسورة, والنار مقرورة، والأرض شهباء غير أنها حولية، ومسيلات الجبال أنهار غير أنها جامدة لم تخض\". ومكان المغالطة من هذا الكلام في قولي: \"والأرض شهباء غير أنها حولية لم ترض\" فإن الشهباء من الخيل يقال فيها حولية أي: لها حول، ويقال إنها مروضة أي: ذللت للركوب، وهذه الأرض مضى للثلج عليها حول فهي شهباء حولية، وقولي: لم ترض, أي: لم تسلك بعد.","footnotes":"١ لم نجد في اللسان ولا القاموس أن الرشد والغواء أو الغوى نوعان من النبات، وإنما وجدنا أن حب الرشاد نبات وكذلك الغاغة.\rوالشطر الرابع غامض لعل فيه تصحيفا لم نهتد إليه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358866,"book_id":3862,"shamela_page_id":740,"part":"3","page_num":80,"sequence_num":740,"body":"ومن ذلك ما ذكرته في وصف كريم، فقلت: \"ولقد نزلت منه بمهلبي الصنع، أحنفي الأخلاق١، ولقيته فكأني لم أرع ممن أحب بلوعة الفراق، ولا كرامة للأهل والوطن حتى أقول إني قد استبدلت به أهلا ووطنا، وعهدي بالأيام وهي من الإحسان فاطمة, فاستولدتها بجواره حسنا\".\rوهذه تورية لطيفة, فإن فاطمة بنت رسول الله ﷺ والحسن ﵄ ولدها، وفاطمة هي اسم فاعل من الفطام، يقال: فطمت فهي فاطمة، كما يقال: فطم فهو فاطم٢، والحسن: هو الشيء الحسن الأسلوب.\rومن هذا الأسلوب ما كتبته في فصل من كتاب إلى بعض الإخوان، فقلت: \"وعهدي بقلمي وهو يتحلى من البيان بأسمائه، وتبرز أنوار المعاني من ظلمائه، وقد أصبحت يدي منه وهي حمالة الحطب، وأصبح خاطري أبا جهل بعد أن كان أبا لهب\".\rوهذا أحسن من الأول، وأخلب عبارة، فانظر أيها المتأمل إلى ما فيه من التورية اللطيفة، ألا ترى أن الخاطر يحمد فيوصف بأنه وقاد وملتهب، ويذم فيوصف بأنه بليد وجاهل، وأبو لهب وأبو جهل هما الرجلان المعروفان، وكذلك حمالة الحطب هي المرأة المعروفة، وإذا ذم القلم قيل: إنه حطب، وإن صاحبه حاطب، فلما نقلت أنا هذا المعنى الذي قصدته جئت به على حكم المغالطة، ووريت فيه تورية.\rوالمسلك إلى مثل هذه المعاني وتصحيح المقصد فيها عسر جدا، لا جرم أن الإجادة فيها قليلة.","footnotes":"١ مهلبي: نسبة إلى المهلب بن أبي صفرة القائد الباسل الذي حارب الخوارج مرات، وكان كريما ممدحا. أحنفي: نسبة إلى الأحنف بن قيس عاش إلى الدولة الأموية وكان مشهورا بالحلم وكرم الخلق.\r٢ في القاموس المحيط مادة فطم: ناقة فاطم بلغ حوارها سنة. وأفطمت السخلة حان أن تفطم، فإذا فطمت فهي فاطم ومفطومة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358867,"book_id":3862,"shamela_page_id":741,"part":"3","page_num":81,"sequence_num":741,"body":"ومما يجري هذا المجرى ما ذكرته في وصف شخص بمعالي الأمور، وهو: \"من أبر مساعيه أنه حاز قفل المكرمات ومفتاحها، فإذا سئل منقبة كان مناعها, وإذا سئل موهبة كان مناحها، وأحسن أثرا من ذلك أنه أخذ بأعنة الصعاب وألان جماحها، فإذا شهد حومة حرب كان منصورها, وإذا لقي مهجة خطب كان سفاحها\".\rوالمغالطة في هذا الكلام في ذكر المنصور والسفاح، فإنهما لقب خليفتين من بني العباس، والسفاح أول خلفائهم، والمنصور أخوه الذي ولي الخلافة من بعده، وهما أيضًا من النصر في حومة الحرب, والسفح الذي هو الإراقة، والمهجة دم القلب، فكأني قلت: هو منصور في حومة الحرب، ومريق لدم الخطوب، وقد اجتمع في هذا الكلام المنصور والمنصور، والسفاح والسفاح، وهذا من المغالطة المثلية لا من النقيضية، ولا خفاء بما فيها من الحسن.\rومن ذلك ما كتبته في كتاب إلى بعض الإخوان، فقلت: \"وقد علمت أن ذلك الأنس بقربه يعقب إيحاشا، وأن تلك النهلة من لقائه تجعل الأكباد عطاشا، فإن شيمة الدهر أن يبدل الصفو كدرا، ويوسع أيام عقوقه طولا, وأيام بره قصرا، وما أقول إلا أنه شعر بتلك المسرة المسروقة فأقام عليها حد القطع، ورأى العيش فيها خفضا فأزاله بعامل الرفع\".\rوالمغالطة في هذا الكلام هي في ذكر الخفض والرفع، فإن الخفض هو سعة العيش، والخفض هو أحد العوامل النحوية، والرفع: هو من قولنا رفعت الشيء، إذا أزلته، والرفع هو أحد العوامل النحوية أيضا، وهذا من المغالطات الخفية.\rومن ذلك ما كتبته في فصل أصف فيه الحمى، وكنت إذ ذاك بحصن سميساط، وهو بلد من بلاد الأرمن، فقلت: \"ومما أكره في حال المرض بهذه الأرض أن الحمى خيمت بها فاستقرت، ولم تقنع بأهلها حتى سرت إلى تربتها, فترى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358868,"book_id":3862,"shamela_page_id":742,"part":"3","page_num":82,"sequence_num":742,"body":"وقد أخذتها النافض١ فاقشعرت، ولم يشكل أمرها إلا لأنها حمى أرمنية مستعجمة اللسان، وقد تشتبه الأمراض وأهل بلادها في الإبان، وإذا كانت الحمى كافرة لم تزل للمسلم حربا، وشكاتها لا تسمى شكاة, وإنما تسمى طعنا وضربا، ولهذا صارت الأدوية في علاجها ليست بأدوية، وأصبحت أيام نحرها في الناس غير مبتدأة بأيام تروية، وليس موسمها في فصل معلوم بل كل فصول العام من مواسمها، ولو كاتبتها نصيبين أو ميا فارقين بكتاب لترجمته بعبدها وخادمها\".\rوالمغالطة ههنا في قولي: وأصبحت أيام نحرها في الناس غير مبتدأة بأيام تروية. والمراد بذلك أنها تقبل بغتة من غير ترو أي: من غير تلبث، ويوم النحرهو يوم عيد الأضحى، وقبله يوم يسمى يوم التروية، فالمغالطة حصلت بين نحر الحمى للناس ونحر الضحايا، إلا أن يوم النحر مبتدأ بيوم التروية، ولا خفاء بما في هذه المغالطة من الحسن واللطافة.\rوأما القسم الآخر وهو النقيض فإنه أقل استعمالا من القسم الذي قبله؛ لأنه لا يتهيأ استعماله كثيرا.\rفمن جملته ما ورد شعرا لبعضهم، وهو قوله:\rوما أشياء تشريها بمال ... فإن نفقت فأكسد ما تكون\rيقال: نفقت السلعة إذا راجت، وكان لها سوق، ونفقت الدابة إذا ماتت، وموضع المناقضة ههنا في قوله: إنها إذا نفقت كسدت، فجاء بالشيء ونقيضه، وجعل هذا سببا لهذا، وذلك من المغالطة الحسنة.\rومن ذلك ما كتبته في جملة كتاب إلى ديوان الخلافة يتضمن فتوح بلد من","footnotes":"١ النافض: حمى الرعدة مذكر. يقال أخذته حمى بنافض وحمى نافض، ونفضته الحمى فهو منفوض.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358869,"book_id":3862,"shamela_page_id":743,"part":"3","page_num":83,"sequence_num":743,"body":"بلاد الكفار، فقلت في آخر الكتاب: وقد ارتاد الخادم من يبلغ عنه مشاريح هذه الوقائع التي اختصرها، ويمثل صورها لمن غاب عنها كما تمثلت لمن حضرها، ويكون مكانه من النباهة كريما كمكانها، وهي عرائس المساعي فأحسن الناس بيانًا مؤهل لإبداع حسانها، والسائر بها فلان, وهو راوي أخبار نصرها التي صحتها في تجريح الرجال، وعوالي إسنادها مأخوذة من طرف العوال، والليالي والأيام لها رواة, فما الظن برواية الأيام والليال.\rوفي هذا الفصل مغالطة نقيضية، ومغالطة مثلية، أما المغالطة المثلية فهي في قولي: \"وعوالي إسنادها مأخوذة من طرف العوالي\" وقد تقدم الكلام على هذا وما يجري مجراه في القسم الأول، وأما المغالطة النقيضية فهي قولي: \"وهو راوي أخبار نصرها التي صحتها في تجريح الرجال\" وموضع المغالطة منه أنه يقال في رواة الأخبار: فلان عدل صحيح الرواية، وفلان مجروح: أي سقيم الرواية, غير موثوق به، فأتيت بهذا المعنى على وجه النقيض، فقلت صحة أخبار هذه الفتوح في تجريح الرجل أي: تجريحهم في الحرب، وفي هذا من الحسن ما لا خفاء به.\rوقد أوردت من هذه الأمثلة ما فيه كفاية ومقنع.\rفإن قيل: إن الضرب الأول من هذا النوع هو التجنيس الذي لفظه واحد ومعناه مختلف كالمثال الذي مثلته, وفي قول أبي الطيب المتنبي ثعلب ووجار، فإن الثعلب هو الحيوان المعروف، وهو أيضًا طرف السنان وكذلك باقي الأمثلة, قلت في الجواب إن الفرق بين هذين النوعين ظاهر، وذاك أن التجنيس يذكر فيه اللفظ الواحد مرتين، فهو يستوي في الصورة ويختلف في المعنى، كقول أبي تمام:\rبكل فتى ضرب يعرض للقنا ... محيا محلى حليه الطعن والضرب١","footnotes":"١ من قصيدته في مدح خالد بن يزيد بن مزيد الشيباني \"الديوان ١/ ١٩٩\" المحيا: الوجه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358870,"book_id":3862,"shamela_page_id":744,"part":"3","page_num":84,"sequence_num":744,"body":"فالضرب الرجل الخفيف، والضرب هو الضرب بالسيف في القتال، فاللفظ لا بد من ذكره مرتين والمعنى فيه مختلف، والمغالطة ليست كذلك، بل يذكر فيها اللفظ مرة واحدة، ويدل به على مثله، وليس بمذكور.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358871,"book_id":3862,"shamela_page_id":745,"part":"3","page_num":84,"sequence_num":745,"body":"النوع الحادي والعشرون: في الأحاجي\rوهي الأغاليط من الكلام, وتسمى الألغاز جمع لغز١, وهو الطريق الذي يلتوي ويشكل على سالكه، وقيل: جمع لغز بفتح اللام وهو ميلك بالشيء عن وجهه، وقد يسمى هذا النوع أيضًا المعمى، وهو يشتبه بالكناية تارة، وبالتعريض أخرى، ويشتبه أيضًا بالمغالطات المعنوية، ووقع في ذلك عامة أرباب هذا الفن, فمن ذلك أن أبا الفرج الأصفهاني ذكر بيتي الأقيشر الأسدي في جملة الألغاز وهما:\rولقد أروح بمشرف ذي ميعة ... عسر المكرة ماؤه يتفصد\rمرح يطير من المراح لعابه ... ويكاد جلد إهابه يتقدد٢\rوهذان البيتان من باب الكناية؛ لأنهما يحملان على الفرس، وعلى العضو المخصوص، وإذا حمل اللفظ على الحقيقة والمجاز فكيف يعد من جملة الألغاز? وكذلك فعل الحريري في مقاماته، فإنه ذكر في الأحاجي التي جعلها حكم الفتاوي كناية ومغالطة معنوية، وظن أنهما من الأحاجي الملغزة، كقوله:","footnotes":"١ اللغز على وزن نهر وعلى وزن قفل وبضم اللام والغين معا، وبتحريكهما وبضم اللام وفتح الغين: الميل بالشيء عن وجهه \"القاموس المحيط\".\r٢ البيتان في الأغاني للأقيشر الأسدي لا للأقيس كما في الأصل، هكذا:\rولقد أروح بمشرف ذي شعرة ... عسر المكرة ماؤه يتفصد\rمرح يطير من المراح لعابه ... وتكاد جلدته به تتقدد\r\"الأغاني ١٠/ ٨٢\" طبعة التقدم. والصواب يتفصد بالفاء لا بالقاف. وسبق شرحهما.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358872,"book_id":3862,"shamela_page_id":746,"part":"3","page_num":85,"sequence_num":746,"body":"\"أيحل للصائم أن يأكل نهارا\"١ والنهار: من الأسماء المشتركة بين النهار الذي هو ضد الليل وبين فرخ الحبارى، فإنه يسمى نهارا، وإذا كان من الأسماء المشتركة صار من باب المغالطات المعنوية، لا من باب الأحاجي، والألغاز شيء منفصل عن ذلك كله، ولو كان من جملته لما قيل لغز وأحجية، وإنما قيل كناية، وتعريض، ومنه ما يطلق عليه المغالطة، ومنه شيء آخر خارج عن ذلك فجعل لغزا وأحجية.\rوكنت قدمت القول بأن الكناية هي اللفظ الدال على جانب الحقيقة وعلى جانب المجاز، فهو يحمل عليهما معا، وأن التعريض هو ما يفهم من عرض اللفظ لا من دلالته عليه حقيقة ولا مجازا، وأن المغالطة هي التي تطلق ويراد بها شيئان: أحدهما دلالة اللفظ على معنيين بالاشتراك الوضعي، والآخر دلالة اللفظ على المعنى ونقيضه. وأما اللغز والأحجية فإنهما شيء واحد، وهو كل معنى يستخرج بالحدس والحزر، لا بدلالة اللفظ عليه حقيقة ومجازا، ولا يفهم من عرضه؛ لأن قول القائل في الضرس:\rوصاحب لا أمل الدهر صحبته ... يشقى لنفعي ويسعى سعي مجتهد\rما إن رأيت له شخصا فمذ وقعت ... عيني عليه افترقنا فرقة الأبد\rلا يدل على أنه الضرس، لا من طريق الحقيقة ولا من طريق المجاز ولا من","footnotes":"١ المقامة الثانية والثلاثون، فيها مائة مسألة فقهية ملغزة، منها: أيجوز للمعذور أن يفطر في شهر رمضان، قال: ما رخص فيه إلا للصبيان. قال: فهل للمعرس أن يأكل فيه، قال: نعم بملء فيه. المعذور: المتبادر أن المعذور من أصابه عذر يحل له الفطر وهو أيضا المختون فلا يسوغ له الفطر، وهنا تورية. المعرس: من دخل بعرسه، وهو لا يجوز له أن يفطر, وهو أيضا المسافر الذي ينزل في آخر ليلة ليستريح ثم يرتحل، وهو ممن يباح لهم الفطر.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358873,"book_id":3862,"shamela_page_id":747,"part":"3","page_num":86,"sequence_num":747,"body":"طريق المفهوم، وإنما هو شيء يحدس ويحزر، والخواطر تختلف في الإسراع والإبطاء عند عثورها عليه.\rفإن قيل إن اللغز يعرف من طريق المفهوم, وهذان البيتان يعلم معناهما بالمفهوم.\rقلت في الجواب: إن الذي يعلم بالمفهوم إنما هو التعريض، كقول القائل: إني لفقير، وإني لمحتاج, فإن هذا القول لا يدل على المسألة والطلب، لا حقيقة ولا مجازا، وإنما فهم منه أن صاحبه متعرض للطلب، وهذان البيتان ليسا كذلك، فإنهما لا يشتملان على ما يفهم منه شيء إلا بالحدس والحزر لا غير, وكذلك كل لغز من الألغاز.\rوإذا ثبت هذا فاعلم أن هذا الباب الذي هو اللغز والأحجية والمعمى يتنوع أنواعا:\rفمنه المصحف، ومنه المعكوس، ومنه ما ينقل إلى اللغات غير العربية، كقول القائل: اسمي إذا صحفته بالفارسية آخر، وهذا اسمه اسم تركي، وهو دنكر، بالدال المهملة والنون، وأخر بالفارسية ديكر بالدال المهملة والياء المعجمة بثنتين من تحت, وإذا صحفت هذه الكلمة صارت دنكر بالنون, فانقلبت الياء نونا بالتصحيف، وهذا غير مفهوم إلا لبعض الناس دون بعض.\rوإنما وضع واستعمل؛ لأنه مما يشحذ القريحة، ويحد الخاطر؛ لأنه يشتمل على معان دقيقة يحتاج في استخراجها إلى توقد الذهن، والسلوك في معاريج خفية من الفكر, وقد استعمله العرب في أشعارهم قليلا, ثم جاء المحدثون فأكثروا منه. وربما أتي منه بما يكون حسنا وعليه مسحة من البلاغة، وذلك عندي بين بين، فلا أعده من الأحاجي، ولا أعده من فصيح الكلام.\rفما جاء منه قول بعضهم:\rقد سقيت آبالهم بالنار ... والنار قد تشفي من الأوار","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358874,"book_id":3862,"shamela_page_id":748,"part":"3","page_num":87,"sequence_num":748,"body":"ومعنى ذلك أن هؤلاء القوم الذين هم أصحاب الإبل ذوو وجاهة وتقدم، ولهم وسم معلوم، فلما وردت إبلهم الماء عرفت بذلك الوسم، فأفرج لها الناس حتى شربت، وقد اتفق له أنه أتى في هذا البيت بالشيء وضده، وجعل أحدهما سببا للآخر، فصار غريبا عجيبا، وذاك أنه قال: سقيت بالنار، وقال: إن النار تشفي من الأوار، وهو العطش وهذا من محاسن ما يأتي في هذا الباب.\rومما يجري على هذا النهج قول أبي نواس في شجر الكرم:\rلنا هجمة لا يدرك الذئب سخلها ... ولا راعها نزو الفحالة والخطر\rإذا امتحنت ألوانها مال صفوها ... إلى الحو إلا أن أوبارها خضر١\rومن هذا القبيل قول بعضهم:\rسبع رواحل ما ينخن من الونا ... شيم تساق بسبعة زهر\rمتواصلات لا الدءوب يملها ... باق تعاقبها على الدهر٢\rهذان البيتان يتضمنان وصف أيام الزمان ولياليه، وهي الأسبوع، فإن الزمان عبارة عنه، وذلك من الألغاز الواقعة في موقعها.\rوعلى هذا الأسلوب ورد قول أبي الطيب المتنبي في السفن من جملة قصيدته التي مدح بها سيف الدولة عند ذكر عبوره الفرات وهي:\rالرأي قبل شجاعة الشجعان\rفقال:","footnotes":"١ الديوان ١٠٢ وفي الأصل لا يدري بدلا من لا يدرك، وغض بدلا من نزو. الهجمة: القدح العظيم الضخم. السخل: جمع سخلة وهي ولد الشاة: نزو: وثب. الفحالة: جمع الفحل. الخطر: الإبل الكثيرة. الحو: الذي في القاموس الحو سواد إلى خضرة أو حمرة إلى سواد. والحو جمع أحوى وحواء وهو النبات الضارب إلى سواد لشدة خضرته أو الأحمر إلى سواد.\r٢ شيم: جمع أشيم وشيماء وهو الذي به علامة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358875,"book_id":3862,"shamela_page_id":749,"part":"3","page_num":88,"sequence_num":749,"body":"وحشاه عادية بغير قوائم ... عقم البطون حوالك الألوان\rتأتي بما سبت الخيول كأنها ... تحت الحسان مرابض الغزلان١\rوهذا حسن في بابه.\rومن ذلك قول بعضهم في حجر المحك:\rومدرع من صبغة الليل برده ... يفوف طورا بالنضار ويطلس\rإذا سألوه عن عويصين أشكلا ... أجاب بما أعيا الورى وهو أخرس\rوهذا من اللطافة على ما يشهد لنفسه، وكان سمعه بعض المتأخرين من أهل زماننا، فأجاب عنه ببيتين على وزنه وقافيته وهما:\rسؤالك جلمود من الصخر أسود ... خفيف لطيف ناعم الجسم أطلس\rأقيم بسوق الصرف حكما كأنه ... من الزنج قاض بالخلوق مطلس\rوقد رأيت هذا الشاعر، وهو حائك بجزيرة ابن عمر، وليس عنده من أسباب الأدب شيء سوى أنه قد أصلح لسانه بطرف يسير من علم النحو لا غير, وهو مع ذلك يقول الشعر طبعا، وكان يجيد في الكثير منه.\rومن الألغاز ما يرد على حكم المسائل الفقهية، كالذي أورده الحريري في مقاماته٢، وكنت سئلت عن مسألة منه وهي:","footnotes":"١ من قصيدة في مدح سيف الدولة \"الديوان ٤/ ٣٨٩\" حشاه: الضمير عائد على الماء, عادية: راكضة. عقم: جمع عقيم وهو الذي لا يلد. يقول إن سيف الدولة حشا ماء النهر سفنا تعدو ولا قوائم لها، وهي عقم لا تلد، وألوانها سود؛ لأنها مطلية بالقار، شبهها بالخيل العادية، والخيل من عادتها أن تنتج، ولها قوائم، وهذه السفن تحمل النساء اللاتي سباهن الفرسان، وكأنهن غزلان والسفن مرابض لها. يفوف: يزخرف. رجحنا \"صبغة\" بدلا من صنعة.\r٢ المقامة الثانية والثلاثون بها مائة مسألة فقهية ملغزة، وهناك مقامات غيرها فيها ألغاز شتى من النحو وغيره.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358876,"book_id":3862,"shamela_page_id":750,"part":"3","page_num":89,"sequence_num":750,"body":"ولي خالة وأنا خالها ... ولي عمة وأنا عمها\rفأما التي أنا عم لها ... فإن أبي أمه أمها\rأبوها أخي وأخوها أبي ... ولي خالة هكذا حكمها\rفأين الفقيه الذي عنده ... فنون الدراية أو علمها\rيبين لنا نسبا خالصا ... ويكشف للنفس ما همها\rفلسنا مجوسا ولا مشركين ... شريعة أحمد نأتمها\rوهذه المسألة كتبت إلي فتأملتها تأمل غير ملجلج في الفكر، ولم ألبث أن انكشف لي ما تحتها من اللغز، وهو أن الخالة التي الرجل خالها تصور على هذه الصورة، وذاك أن رجلا تزوج امرأتين: اسم إحداهما عائشة، واسم الأخرى فاطمة، فأولد عائشة بنتا، وأولد فاطمة ابنا، ثم زوج بنته من أبي امرأته فاطمة، فجاءت ببنت، فتلك البنت هي خالة ابنه، وهو خالها؛ لأنه أخو أمها.\rوأما العمة التي هو عمها فصورتها أن رجلا له ولد، ولولده أخ من أمه، فزوج أخاه من أمه أم أبيه، فجاءت ببنت، فتلك البنت هي عمته؛ لأنها أخت أبيه، وهو عمها؛ لأنه أخو أبيها.\rوأما قوله: ولي خالة هكذا حكمها, فهو أن تكون أمها أخته، وأختها أمه، كما قال: أبوها أخي وأخوها أبي, وصورتها أن رجلا له ولد ولولده أخت من أمه، فزوجها من أبي أمه، فجاءت ببنت، فأختها أمه، وأمها أخته.\rوأحسن من ذلك كله وألطف وأحلى قول بعضهم في الخلخال:\rومضروب بلا جرم ... مليح اللون معشوق\rله قد الهلال على ... مليح القد ممشوق\rوأكثر ما يرى أبدا ... على الأمشاط في السوق","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358877,"book_id":3862,"shamela_page_id":751,"part":"3","page_num":90,"sequence_num":751,"body":"وبلغني أن بعض الناس سمع هذه الأبيات، فقال: قد دخلت السوق فما رأيت على الأمشاط شيئا، وظن أنها الأمشاط التي يرجل بها الشعر، وأن السوق سوق البيع والشراء.\rواعلم أنه قد يأتي من هذا النوع ما هو ضروب وألوان، فمنه الحسن الذي أوردت شيئا منه كما تراه، ومنه المتوسط الذي هو دونه في الدرجة، فلا يوصف بحسن ولا قبح، كقول بعضهم:\rراحت ركائبهم وفي أكوارها ... ألفان من عم الأثيل الواعد\rما إن رأيت ولا سمعت بأركب ... حملت حدائق كالظلام الراكد١\rوهذا يصف قوما وفدوا على ملك من الملوك فأعطاهم نخلا، وكتب لهم بها كتابا، والأثيل: الموضع الذي كتب لهم إليه، والعم: العظام الرءوس من النخيل، والواعد: الأقناء٢ من النخل، فلما حملوا الكتب في أكوارهم فكأنهم حملوا النخل، وهذا من متوسط الألغاز.\rوقد جاء من ذلك ما هو بشع بارد، فلا يستخرج إلا بمسائل الجبر والمقابلة، أو بخطوط الرمل من القبض الداخل أو القبض الخارج والبياض والحمرة وغيرها، ولئن كان معناه دقيقا يدل على فرط الذكاء فإني لا أعده من اللغة العربية، فضلا عن أن يوصف بصفات الكلام المحمودة, ولا فرق بينه وبين لغة الفرس والروم وغيرهما من اللغات في عدم الفهم.\rوأما ما ورد من الألغاز نثرا فقد ألغز الحريري في مقاماته ألغازا ضمنها ذكر","footnotes":"١ كان البيت الثاني \"\rما إن رأيت ولا بأركب هكذا\rفرجحنا تصحيحه ليستقيم المعنى، وأغلب الظن أن كلمة \"هكذا\" مقحمة لما وجد الناسخ أن في الشطر كلمة ناقصة\rما إن رأيت ولا سمعت\rفلما لم يجد كلمة \"بأركب\" كتب: هكذا.\r٢ جمع قنو بكسر القاف وضمها الكباسة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358878,"book_id":3862,"shamela_page_id":752,"part":"3","page_num":91,"sequence_num":752,"body":"الإبرة والمرود وذكر الدينار، وهي أشهر كما يقال من \"قفا نبك\"١ فلا حاجة إلى إيرادها في كتابي هذا.\rوقد ورد في الألغاز شيء في كلام العرب المنثور, غير أنه قليل بالنسبة إلى ما ورد في أشعارها.\rوقد تأملت القرآن الكريم فلم أجد فيه شيئا منها، ولا ينبغي أن يتضمن منها شيئا؛ لأنه لا يستنبط بالحدس والحزر كما تستنبط الألغاز.\rوأما ما ورد للعرب فيروى عن امرئ القيس وزوجته عدة من الألغاز، وذاك أنه سألها قبل أن يتزوجها، فقال: ما اثنان وأربعة وثمانية? فقالت: أما الاثنان فثديا المرأة، وأما الأربعة فأخلاف الناقة، وأما الثمانية فأطباء الكلبة، ثم إنه تزوجها وأرسل إليها هدية على يد عبد له، وهي حلة من عصب٢ اليمن ونحي من عسل ونحي من سمن، فنزل العبد ببعض المياه ولبس الحلة فعلق طرفها بسمرة٣ فانشق، وفتح النحيين وأطعم أهل الماء، ثم قدم على المرأة وأهلها خلوف٤, فسأل عن أبيها وأمها وأخيها، ودفع إليها الهدية، فقالت له: أعلم مولاك أن أبي ذهب يقرب بعيدا ويبعد قريبا، وأن أمي ذهبت تشق النفس لنفسين، وأن أخي يرقب الشمس، وأخبره أن سماءكم انشقت، وأن وعاءيكم نضبا.\rفعاد العبد إلى امرئ القيس وأخبره بما قالته له، فقال: أما أبوها فإنه ذهب يحالف قوما على قومه، وأما أمها فإنها ذهبت تقبل امرأة٥، وأما أخوها فإنه في سرح يرعاه إلى أن تغرب الشمس، وأما قولها: إن سماءكم انشقت, فإن","footnotes":"١ مشهورة كقصيدة امرئ القيس التي مطلعها\rقفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل\r٢ العصب: ضرب من البرود. النحى: زق السمن.\r٣ السمرة: شجرة شائكة جمعها سمر.\r٤ خلوف: غائبون عن الحي.\r٥ تقبل على وزن تعلم, أي: تتلقى الولد عند الولادة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358879,"book_id":3862,"shamela_page_id":753,"part":"3","page_num":92,"sequence_num":753,"body":"الحلة انشقت، وأما قولها: إن وعاءيكم نضبا, فإن النحيين نقصا، ثم قال للعبد: اصدقني، فقال له: إني نزلت بماء من مياه العرب، وفعلت كذا وكذا.\rفهذا وأمثاله قد ورد عنهم إلا أنه يسير.\rوكذلك يروى عن شن بن أفصى، وكان ألزم نفسه ألا يتزوج إلا امرأة تلائمه، فصاحبه رجل في بعض أسفاره، فلما أخذ منهما السير قال له شن: أتحملني أم أحملك? فقال له الرجل: يا جاهل، هل يحمل الراكب راكبا? فأمسك عنه، وسارا حتى أتيا على زرع، فقال شن: أترى هذا الزرع قد أكل? فقال له: يا جاهل، أما تراه في سنبله، فأمسك عنه.\rثم سارا, فاستقبلتهما جنازة، فقال شن: أترى صاحبها حيا? فقال له الرجل: ما رأيت أجهل منك, أتراهم حملوا إلى القبر حيا?\rثم إنهما وصلا إلى قرية الرجل، فسار به إلى بيته، وكانت له بنت، فأخذ يطرفها بحديث رفيقه، فقالت ما نطق إلا بالصواب، ولا استفهم إلا عما يستفهم عن مثله، أما قوله: أتحملني أم أحملك, فإنه أراد أتحدثني أم أحدثك حتى نقطع الطريق بالحديث.\rوأما قوله: أترى هذا الزرع قد أكل, فإنه أراد هل استلف ربه ثمنه أم لا؟ وأما استفهامه عن صاحب الجنازة فإنه أراد هل خلف له عقبا يحيا بذكره أم لا؟ فلما سمع كلام ابنته خرج إلى شن وحدثه بتأويلها, فخطبها فزوجه إياها.\rوأدق من هذا كله وألطف ما يحكى عن رجل من المناقذة أصحاب شيرز وهو أولهم الذي استنقذه من أيدي الروم بالمكر والخديعة، ولذلك قصة طريفة وليس هذا موضع ذكرها، وكان قبل ملكه في خدمة محمود بن صالح صاحب حلب، وكان إذ ذاك يلقب بسديد الملك، فنبا به مكانه، وحدثت له حادثة أوجبت له أن هرب ومضى إلى مدينة طرابلس١ في زمن بني عمار أصحاب","footnotes":"١ بلد بالشام، بفتح الطاء وضم الباء واللام. وكانت في الأصل ترابلس.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358880,"book_id":3862,"shamela_page_id":754,"part":"3","page_num":93,"sequence_num":754,"body":"البلد، فأرسل إليه ابن صالح واستعطفه ليعود إليه، فخافه ولم يعد، فأحضر ابن صالح رجلا من أهل حلب صديقا لابن منقذ وبينه وبينه لحمة مودة أكيدة, وأجلسه بين يديه، وأمره أن يكتب إليه كتابا عن نفسه يوثقه من جهة ابن صالح ليعود، فما وسعه إلا أن يكتب، وهو يعلم أن باطن الأمر في ذلك خلاف ظاهره، وأنه متى عاد ابن منقذ إلى حلب هلك، فأفكر وهو يكتب في إشارة عمياء لا تفهم، ليضعها فيه يحذر بها ابن منقذ، فأداه فكره أن كتب في آخر الكتاب عند إنهائه: \"إن شاء الله تعالى\" وشدد إن وكسرها، ثم سلم الكتاب إلى ابن صالح، فوقف عليه وأرسله إلى ابن منقذ، فلما صار في يده وعلم ما فيه قال: هذا كتاب صديقي وما يغشني، ولو أنه يعلم صفاء قلب ابن صالح لي لما كتب إلي ولا غرني، ثم عزم على العود، وكان عنده ولده، فأخذ الكتاب وكرر نظره فيه: ثم قال له: يا أبت مكانك، فإن صديقك قد حذرك وقال لا تعد، فقال: وكيف! قال: إنه قد كتب \"إن شاء الله تعالى\" في آخر الكتاب، وشدد إن وكسرها، وضبطها ضبطا صحيحا لا يصدر مثله عن سهو، ومعي ذلك أنه يقول: ﴿إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ ١ وإن شككت في ذلك فأرسل إلى حلب.\rوهذه من أعجب ما بلغني من حدة الذهن وفطانة الخاطر، ولولا أنه صاحب الحادثة المخوفة لما تفطن إلى مثل ذلك أبدا،؛ لأنه ضرب من علم الغيب، وإنما الخوف دله على استنباط ما استنبطه.\rووجد لبعض الأدباء لغز في حمام، فمنه ما أجاد فيه كقوله: \"وقد أظلتها","footnotes":"١ القصص: ٢٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358881,"book_id":3862,"shamela_page_id":755,"part":"3","page_num":94,"sequence_num":755,"body":"سماء ذات نجوم، لا استراق لها ولا رجوم، وهي مركبة في ذلك صحت استدارته، وسكنت إدارته.\rأعجب بها من أنجم ... عند الصباح ظاهره\rلكنها إذا بدا ... نجم الظلام غاره\rفهي على القياس جنة نعيم، مبنية على لظى جحيم، لا خلود فيها ولا مقام، ولا تزاور بين أهلها ولا سلام، أنهارها متدفقة، ومياهها مترقرقة، والأكواب بها موضوعة، والنمارق عنها منزوعة.\rيطبع بها المولى أوامر عبده ... ويصبح طوعا في يديه مقاتله\rويرفع عنه التاج عند دخوله ... وتسلب من قبل الجلوس غلائله\rالتجمل بها معدوم، والخادم فيها مخدوم، ينكر بها التستر من البرد، ويكره حرها إذا جاوز الحد.\rهذا اللغز من فصيح الألغاز، ولا يقال إن صاحبه في العمى صانع العكاز، وإذا تطرز غيره بلمعة من الوشى فهذا كله طراز.\rومما سمعته من الألغاز الحسان التي تجري في المحاورات ما يحكى عن عمر بن هبيرة وشريك النميري، وذاك أن عمر بن هبيرة كان سائرا على برذون له وإلى جانبه شريك النميري على بغلة، فتقدمه شريك في المسير فصاح به عمر: اغضض من لجامها، فقال: أصلح الله الأمير إنها مكتوبة١, فتبسم عمر","footnotes":"١ كانت في الأصل مكبوتة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358882,"book_id":3862,"shamela_page_id":756,"part":"3","page_num":95,"sequence_num":756,"body":"ثم قال: ويحك، لم أرد هذا، فقال له شريك: ولا أنا أردته.\rوكان عمر أراد قول جرير:\rفغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا١\rفأجابه شريك بقول الآخر:\rلا تأمنن فزاريا غزلت به ... على قلوصك واكتبها بأسيار٢\rوهذا من الألغاز اللطيفة، وتلطف كل من هذين الرجلين لمثله ألطف وأحسن.\rومما يجري هذا لمجرى أن رجلا من تميم قال لشريك النميري: ما في الجوارح أحب إلي من البازي. فقال له شريك: إن كان يصيد القطا.\rوكان التميمي أراد قول جرير:\rأنا البازي المطل على نمير ... أتيح من السماء لها انصبابا٣\rوأراد شريك قول الطرماح.\rتميم بطرق اللؤم أهدى من القطا ... ولو سلكت طرق المكارم ضلت","footnotes":"١ ديوان جرير ٧٥ من قصيدة في هجاء الراعي.\r٢ البيت لسالم بن دارة في هجاء بني فزارة \"الشعر والشعراء ١/ ٣٦٤\".\rالقلوص: الناقة الشابة. اكتبها: قيدها.\r٣ الديوان ٧٢ من هجاء للراعي.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358883,"book_id":3862,"shamela_page_id":757,"part":"3","page_num":96,"sequence_num":757,"body":"واعلم أن خواطر الناس تتفاضل كتفاضل الأشخاص، ومن هنا قيل: سبحان خالق أبي موسى وعمرو بن العاص١.","footnotes":"١ يحسن أن نعقب على ابن الأثير في الألغاز برأي ابن سنان الخفاجى، وقد سبقه بنحو قرنين من الزمان، قال الخفاجى: \"فإن قيل: فما تقولون في الكلام الذي وضع لغزا، وقصد ذلك فيه؟ قيل: إن الموضوع على وجه الإلغاز قد قصد قائله إغماض المعنى وإخفاءه، وجعل ذلك فنا من الفنون التي تستخرج بها أفهام الناس ويمتحن أذاهنهم. فلما كان وضعه على خلاف وضع الكلام في الأصل كان القول فيه مخالفا لقولنا في فصيح الكلام، حتى صار يحسن فيه ما كان ظاهره يدل على التناقض، أو ما جرى مجرى ذلك..... وقد كان شيخنا أبو العلاء يستحسن هذا الفن ويستعمله في شعره كثيرا. \"سر الفصاحة ٢١٥\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358884,"book_id":3862,"shamela_page_id":758,"part":"3","page_num":96,"sequence_num":758,"body":"النوع الثاني والعشرون: في المبادئ والافتتاحات\rهذا النوع هو أحد الأركان الخمسة البلاغية المشار إليها في الفصل التاسع من مقدمة الكتاب.\rوحقيقة هذا النوع: أن يجعل مطلع الكلام من الشعر أو الرسائل دالا على المعنى المقصود من هذا الكلام إن كان فتحا ففتحا، وإن كان هناء فهناء، أو كان عزاء فعزاء، وكذلك يجري الحكم في غير ذلك من المعاني.\rوفائدته أن يعرف من مبدأ الكلام ما المراد به ولم هذا النوع؟\rوالقاعدة التي يبني عليها أساسه أنه يجب على الشاعر إذا نظم قصيدا أن ينظر، فإن كان مديحا صرفا لا يختص بحادثة من الحوادث فهو مخير بين أن يفتتحها بغزل أو لا يفتتحها بغزل، بل يرتجل المديح ارتجالا من أولها كقول القائل:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358885,"book_id":3862,"shamela_page_id":759,"part":"3","page_num":97,"sequence_num":759,"body":"إن حارت الألباب كيف تقول ... في ذا المقام فعذرها مقبول\rسامح بفضلك مادحيك فما لهم ... أبدا إلى ما تستحق سبيل\rإن كان لا يرضيك إلا محسن ... فالمحسنون إذًا لديك قليل\rفإن هذا الشاعر ارتجل المديح من أول القصيدة فأتى به كما ترى حسنا لائقا.\rوأما إذا كان القصيد في حادثة من الحوادث كفتح معقل١ أو هزيمة جيش أو غير ذلك، فإنه لا ينبغي أن يبدأ فيها بغزل، وإن فعل ذلك دل على ضعف قريحة الشاعر وقصوره عن الغاية، أو على جهله بوضع الكلام في مواضعه.\rفإن قيل: إنك قلت: يجب على الشاعر كذا وكذا فلم ذلك?\rقلت في الجواب: إن الغزل رقة محضة، والألفاظ التي تنظم في الحوادث المشار إليها من فحل الكلام ومتين القول، وهي ضد الغزل، وأيضا فإن الأسماع تكون متطلعة إلى ما يقال في تلك الحوادث والابتداء بالخوض في ذكرها لا الابتداء بالغزل, إذ المهم واجب التقديم.\rومن أدب هذا النوع ألا يذكر الشاعر في افتتاح قصيدة بالمديح ما يتطير منه، وهذا يرجع إلى أدب النفس، لا إلى أدب الدرس، فينبغي أن يحترز منه في مواضعه، كوصف الديار بالدثور والمنازل بالعفاء، وغير ذلك من تشتت الآلاف وذم الزمان, لا سيما إذا كان في التهاني، فإنه يكون أشد قبحا، وإنما يستعمل ذلك في الخطوب النازلة والنوائب الحادثة، ومتى كان الكلام في المديح مفتتحا بشيء من ذلك تطير منه سامعه.","footnotes":"١ كانت بالأصل مقفل.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358886,"book_id":3862,"shamela_page_id":760,"part":"3","page_num":98,"sequence_num":760,"body":"وإنما خصت الابتداءات بالاختيار؛ لأنها أول ما يطرق السمع من الكلام، فإذا كان الابتداء لائقا بالمعنى الوارد بعده توفرت الدواعي على استماعه.\rويكفيك من هذا الباب الابتداءات الواردة في القرآن الكريم، كالتحميدات المفتتح بها في أوائل السور، وكذلك الابتداءات بالنداء كقوله تعالى في مفتتح سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ وكقوله تعالى في أول سورة الحج: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ فإن هذا الابتداء مما يوقظ السامعين للإصغاء إليه.\rوكذلك الابتداءات بالحروف كقوله تعالى: \"ألم وطس وحم\" وغير ذلك، فإن هذا أيضًا يبعث على الاستماع إليه؛ لأنه يقرع السمع شيء غريب ليس له بمثله عادة، فيكون ذلك سببا للتطلع نحوه والإصغاء إليه.\rومن قبيح الابتداءات قول ذي الرمة:\rما بال عينك منها الماء ينسكب١\rلأن مقابلة الممدوح بهذا الخطاب لا خفاء بقبحه وكراهته.\rولما أنشد الأخطل عبد الملك بن مروان قصيدته التي أولها:\rخف القطين فراحوا منك أو بكروا٢\rقال له عند ذلك: لا، بل منك، وتطير","footnotes":"١ كانت عين عبد الملك دائمة الدمع، فلما افتتح ذو الرمة قصيدته في مدحه بقوله:\rما بال عينك منها الدمع ينسكب ... كأن من كلى مفرية سرب\rوهو لا يخاطبه في الحقيقة وإنما يخاطب نفسه على سبيل التجريد، لم يسترح عبد الملك إلى قبح المواجهة بهذه الصورة؛ لأنها توهم أنه هو المراد، فقال له: وما سؤالك عن هذا يابن الفاعلة، وكرهه وأمر بإخراجه.\r٢ الشطر الثاني: وأزعجتهم نوى في صرفها غير \"الديوان ١٠٤\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358887,"book_id":3862,"shamela_page_id":761,"part":"3","page_num":99,"sequence_num":761,"body":"من قوله، فغيرها ذو الرمة، وقال:\rخف القطين فراحوا اليوم أو بكروا\rومن شاء أن يذكر الديار والأطلال في شعره فليتأدب بأدب القطامي على جفاء طبعه، وبعده عن فطانة الأدب فإنه قال:\rإنا محيوك فاسلم أيها الطلل١\rفبدأ قبل ذكر الطلل بذكر التحية والدعاء له بالسلامة.\rوقد قيل: إن امرأ القيس كان يجيد الابتداء كقوله:\rألا انعم صباحا أيها الطلل البالي٢\rوكقوله:\rقفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل٣\rومما يكره من الابتداءات قول أبي تمام:\rتجرع أسى قد أقفر الجرع الفرد٤\rوإنما ألقى أبا تمام في مثل هذا المكروه تتبعه للتجنيس بين تجرع والجرع، وهذا دأب الرجل، فإنه كثيرًا ما يقع في ذلك:\rوكذلك استقبح قول البحتري:\rفؤاد ملاه الحزن حتى تصدعا٥\rفإن ابتداء المديح بمثل هذا طيرة ينبو عنها السمع، وهو أجدر بأن يكون ابتداء مرثية لا مديح، وما أعلم كيف يخفى على مثل البحتري وهو من مفلقي الشعراء.","footnotes":"١ الشطر الثاني:\rوإن بليت وإن طالت بك الطيل\r\"الأغاني ١٦/ ١٨\".\r٢ الشطر الثاني:\rوهل يعمن من كان في العصر الخالي\r\"الديوان ٢٧\".\r٣ الشطر الثاني:\rبسقط اللوى بين الدخول فحومل\r\"الديوان ٨\".\r٤ تكملة البيت:\rودع حسي عين يجتلب ماءها الوجد\r\"الديوان ٢/ ٨٠\".\rالجرع: ما سهل من الأرض. الحسي: ماء قليل في الأرض.\r٥ ليس المطلع بديوانه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358888,"book_id":3862,"shamela_page_id":762,"part":"3","page_num":100,"sequence_num":762,"body":"وحكي أنه لما فرغ المعتصم من بناء قصره بالميدان جلس فيه, وجميع أهله وأصحابه، وأمرهم أن يخرجوا في زينتهم، فما رأى الناس أحسن من ذلك اليوم، فاستأذن إسحاق بن إبراهيم الموصلي في الإنشاد، فأذن له، فأنشد شعرا حسنا أجاد فيه، إلا أنه استفتحه بذكر الديار وعفائها فقال:\rيا دار غيرك البلى ومحاك ... يا ليت شعري ما الذي أبلاك\rفتطير المعتصم بذلك، وتغامز الناس على إسحاق بن إبراهيم كيف ذهب عليه مثل ذلك مع معرفته وعلمه وطول خدمته للملوك، ثم أقاموا يومهم وانصرفوا، فما عاد منهم اثنان إلى ذلك المجلس وخرج المعتصم إلى سر من رأى، وخرب القصر١.\rفإذا أراد الشاعر أن يذكر دارا في مديحه فليذكر كما ذكر أشجع السلمي حيث قال:\rقصر عليه تحية وسلام ... خلعت عليه جمالها الأيام٢\rوما أجدر هذا البيت بمفتتح شعر إسحاق بن إبراهيم الذي أنشده للمعتصم، فإنه لو ذكر هذا أو ما جرى مجراه لكان حسنا لائقا.","footnotes":"١ الصناعتين ٤٣٢ وفي سر الفصاحة ١٧٥ أن أبا نواس أنشد الفضل بن يحيى قصيدته التي مطلعها:\rأربع البلى إن الخشوع لبادي ... عليك وإني لم أخنك ودادي\rفتطير الفضل من هذا الابتداء. فلما انتهى إلى قوله:\rسلام على الدنيا إذا ما فقدتم ... بني برمك من رائحين وغاد\rاستحكم تطيره، فلم يمض إلا أسبوع حتى نكب بنو برمك، وقتل جعفر بن يحيى.\r٢ الصناعتين ٤٣٣ وبه \"نشرت\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358889,"book_id":3862,"shamela_page_id":763,"part":"3","page_num":101,"sequence_num":763,"body":"وسئل بعضهم عن أحذق الشعراء فقال: من أجاد الابتداء والمطلع، ألا ترى إلى قصيدة أبي نواس التي أولها:\rيا دار ما فعلت بك الأيام ... لم تبق فيك بشاشة تستام١\rفإنها من أشرف شعره وأعلاه منزلة، وهي مع ذلك مستكرهة الابتداء؛ لأنها في مدح الخليفة الأمين، وافتتاح المديح بذكر الديار ودثورها مما يتطير منه، لا سيما في مشافهة الخلفاء والملوك, ولهذا يختار في ذكر الأماكن والمنازل ما رق لفظه وحسن النطق به، كالعذيب والغوير ورامة وبارق والعقيق، وأشباه ذلك٢, ويختار أيضًا أسماء النساء في الغزل نحو: سعاد وأميم وفوز وما جرى هذا المجرى.\rوقد عيب على الأخطل في تغزله بقذور، وهو اسم امرأة، فإنه مستقبح في الذكر، وقد عيب على غيره التغزل باسم تماضر، فإنه وإن لم يكن مستقبحا في معناه فإنه ثقيل على اللسان، كما قال البحتري:\rإن للبين منة لا تؤدى ... ويدا في تماضر بيضاء٣\rفتغزله بهذا الاسم مما يشوه رقة الغزل، ويثقل من خفته، وأمثال هذه الأشياء يجب مراعاتها والتحرز منها.\rوقد استثنى من ذلك ما كان اسم موضع تضمن وقعة من الوقائع، فإن","footnotes":"١ الديوان: ٤٠٧.\r٢ أسماء أماكن ومياه يكثر ورودها في الشعر وبخاصة في الغزل.\r٣ من قصيدته في مدح أبي سعيد محمد بن يوسف \"الديوان ١/ ١٣\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358890,"book_id":3862,"shamela_page_id":764,"part":"3","page_num":102,"sequence_num":764,"body":"ذكره لا يكره، وإن كان في اسمه كراهة، كما ذكر أبو تمام في شعره مواضع مكروهة الأسماء لضرورة ذكر الوقائع التي كانت بها، كذكر الحشال وعقوقس وأمثالهما، وكذلك ذكر أبو الطيب المتنبي هنزيط وشميصاط وما جرى مجراهما، وهذا لا عيب في ذكره, لمكان الضرورة التي تدعو إليه.\rوهكذا يسامح الشاعر والكاتب أيضًا في ذكر ما لا بد من ذكره وإن قبح، ومهما أمكنه من التورية في هذا المقام فليسلكها، وما لا يمكنه فإنه معذور فيه.\rواعلم أنه ليس من شرط الابتداء ألا يكون مما يتطير منه فقط، فإن من الابتداءات ما يستقبح وإن لم يتطير منه، كقول أبي تمام:\rقدك اتئب أربيت في الغلواء١\rوكقوله:\rتقي جمحاتي لست طوع مؤنبي\rوكقول أبي الطيب المتنبي:\rأقل فعالي بله أكثره مجد٢","footnotes":"١\rقدك اتئب أربيت في الغلواء ... كم تعذلون وأنتم سجرائي\rمطلع قصيدته في مدح محمد بن حسان الضبي \"الديوان ١/ ٢٢\". قدك: حسبك. اتئب: استحى. سجرائي: أصدقائي.\r٢\rتقي جمحاتي لست طوع مؤنبي ... وليس جنبي إن عذلت بمصحبي\rمطلع قصيدته في مدح عياش بن لهيعة الحضرمي \"الديوان ١/ ١٥٣\".\rتقي: أمر للواحد من تقي المخفف. جمحاتي: المراد ثوراتي وعصياني. الجنيب: المجنوب، والمراد به هواه ونفسه. يقول لعاذلته إن عذلك لا يجدي نفعا؛ لأني لا أطيع المؤنب. وليس قلبي منقاد إلا إذا لامني أحد.\r٣\rأقل فعالى بله أكثره مجد ... وذا الجد فيه نلت أم لا أقل جد\rمطلع قصيدته في مدح محمد بن سيار بن مكرم التميمي \"الديوان ٢/ ١٠٧\".\rالفعال: الفعل الحسن من الجود والكرم ونحوه. بله: اسم فعل بمعنى دع. الجد بكسر الجيم: الاجتهاد، وبفتحها الحظ. يقول: أقل فعلي مجد، دع أكثره، فكل أفعالي قليلها وكثيرها في سبيل المجد، وهذا السعي الدائب في سبيل المجد يعد حظا لي سواء نلت مطلوبي أم لم أنله.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358891,"book_id":3862,"shamela_page_id":765,"part":"3","page_num":103,"sequence_num":765,"body":"وكقوله:\rكفي أراني ويك لومك ألوما١\rوالعجب أن هذين الشاعرين المفلقين يبتدئان بمثل ذلك ولهما من الابتداءات الحسنة ما أذكره.\rأما أبو تمام فإنه افتتح قصيدته التي مدح بها المعتصم عند فتحه مدينة عمورية فقال:\rالسيف أصدق أنباء من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب\rبيض الصفائح لا سود الصحائف في ...\rمتونهن جلاء الشك والريب\rهذه الأبيات لها قصة، وذاك أنه لما حضر المعتصم مدينة عمورية زعم أهل النجامة أنها لا تفتح في ذلك الوقت، وأفاضوا في هذا حتى شاع، وصار أحدوثة بين الناس، فلما فتحت بنى أبو تمام مطلع قصيدته على هذا المعنى، وجعل السيف أصدق من الكتب التي خبرت بامتناع البلد واعتصامها، ولذلك قال فيها:\rوالعلم في شهب الأرماح لامعة ... بين الخميسين لا في السبعة الشهب\rأين الرواية أم أين النجوم وما ... صاغوه من زخرف فيها ومن كذب\rتخرصا وأحاديثا ملفقة ... ليست بنبع إذا عدت ولا غرب٢\rوهذا من أحسن ما يأتي في هذا الباب.","footnotes":"١\rكفى أراني ويك لومك ألوما ... هم أقام على فؤاد أنجما\rمطلع قصيدته في مدح إنسان مجهول \"الديوان ٤/ ١٨٤\".\rكفي: دعي. أراني: يريد عرفني وأعلمني. ويك: كلمة تعجب وإنكار. هم فاعل أراني. أنجم: أقلع. يقول للعاذلة: اتركي عذلي، فقد أراني الهم المقيم على فؤادي الذاهب مع الحبيب أن لومك إياي أحق بأن يلام مني.\r٢ من قصيدته في مدح المعتصم بعد فتح عمورية \"الديوان ١/ ٤٥\".\rالصفائح: السيوف. النبع: شجر صلب تتخذ منه القسي. الغرب: شجر ضعيف لا قوة له.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358892,"book_id":3862,"shamela_page_id":766,"part":"3","page_num":104,"sequence_num":766,"body":"وكذلك قوله في قصيدة يمدحه بها أيضا، ويذكر فيها خروج بابك الخرمي عليه وظفره به، وهي من أمهات شعره قال:\rالحق أبلج والسيوف عوار ... فحذار من أسد العرين حذار١\rوكذلك قوله متغزلا:\rعسى وطن يدنو بهم ولعلما ... وأن تعتب الأيام فيهم فربما٢\rوهذا من الأغزال الحلوة الرائقة، وهو من محاسن أبي تمام المعروفة.\rوكذلك قوله في أول مرثية:\rأصم بك الناعي وإن كان أسمعا ... وأصبح مغنى الجود بعدك بلقعا٣\rوأما أبو الطيب فإنه أكثر من الابتداءات الحسنة في شعره، كقوله في قصيدة يمدح بها كافورا، وكان قد جرت بينه وبين ابن سيده نزغة، فبدأ قصيدته بذكر الغرض المقصود فقال:\rحسم الصلح ما اشتهته الأعادي ... وأذاعته ألسن الحساد٤\rوهذا من بديع الابتداء ونادره","footnotes":"١ في مدح المعتصم \"الديوان ٢/ ١٩٨\".\r٢ في مدح أبي سعيد محمد بن يوسف \"الديوان ٣/ ٢٣٢\" تعتب: من أعتب إذا أعطاه العتبى أو طلبها إليه. فربما: فربما دنا البعيد.\r٣ الديوان ٣٧٤ طبعة محمد جمال والمطلع بالموازنة ٩٤ وبمعجم البلدان ٨/ ٨٨ في رثاء أبي نصر محمد بن حميد الطائي.\r٤ كان قوم من الغلمان اتصلوا بابن الإخشيد سيد كافور، وأرادوا أن يفسدوا الأمر على كافور، فطالبه بتسليمهم إليه, فسلمهم بعد أن امتنع مدة سببت وحشة، ولما تسلمهم كافور ألقاهم في النيل واصطلحا \"الديوان ٢/ ١٥٦\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358893,"book_id":3862,"shamela_page_id":767,"part":"3","page_num":105,"sequence_num":767,"body":"وكذلك ورد قوله في سيف الدولة، وكان ابن الشمشقيق حلف ليلقينه كفاحا، فلما التقيا لم يطق ذلك، وولى هاربا فافتتح أبو الطيب قصيدته بفحوى الأمر فقال:\rعقبى اليمين على عقبى الوغى ندم ... ماذا يزيدك في إقدامك القسم\rوفي اليمين على ما أنت واعده ... ما دل أنك في الميعاد متهم١\rوكذلك قوله وقد فارق سيف الدولة وسار إلى مصر، فجمع بين ذكر فراقه إياه ولقائه كافورا في أول بيت من القصيدة، فقال:\rفراق ومن فارقت غير مذمم ... وأم ومن يممت خير ميمم٢\rومن البديع النادر في هذا الباب قوله متغزلا في مطلع قصيدته القافية وهي:\rأتراها لكثرة العشاق ... تحسب الدمع خلقة في المآقي٣؟\rوله مواضع أخر كثيرة لا حاجة إلى ذكرها.\rومن محاسن الابتداءات التي دلت على المعنى من أول بيت في القصيدة ما قرأته في كتاب الروضة لأبي العباس المبرد، فإنه ذكر غزوة غزاها الرشيد هارون ﵀ في بلاد الروم، وأن نقفور ملك الروم خضع له، وبذل الجزية، فلما عاد عنه","footnotes":"١ \"الديوان ٤/ ١٦٧\" يقول: من حلف أن عاقبة الحرب له كانت عاقبته الندم؛ لأنه ربما لا يظفر، والقسم لا يزيد في الإقدام؛ لأن الجبان لا يقدم وإن حلف. يشير إلى أن البطريق المسمى ابن شمشقيق أقسم عند ملك الروم أنه لا بد أن يظفر بسيف الدولة، وسأله أن ينجده ببطارقته وبالعدد والمدد، ففعل، فخاب ظنه وانهزم.\r٢ الديوان ٤/ ٣٣٣.\r٣ مطلع قصيدته في مدح أبي العشائر الحسين بن علي بن الحسين بن حمدان \"الديوان ٣/ ١٢١\" يريد أنها لكثرة عشاقها الباكين تتوهم أن الدمع خلقة في العيون فلا ترحم من يبكي.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358894,"book_id":3862,"shamela_page_id":768,"part":"3","page_num":106,"sequence_num":768,"body":"واستقر بمدينة الرقة وسقط الثلج نقض نقفور العهد، فلم يجسر أحد على إعلام الرشيد، لمكان هيبته في صدور الناس، وبذل يحيى بن خالد للشعراء الأموال على أن يقولوا أشعارا في إعلامه، فكلهم أشفق من لقائه بمثل ذلك، إلا شاعرا من أهل جدة يكنى أبا محمد، وكان شاعرا مفلقا، فنظم قصيدة وأنشدها الرشيد أولها:\rنقض الذي أعطيته نقفور ... فعليه دائرة البوار تدور\rأبشر أمير المؤمنين فإنه ... فتح أتاك به الإله كبير\rنقفور إنك حين تغدر أن نأى ... عنك الإمام لجاهل مغرور\rأظننت حين غدرت أنك مفلت ... هبلتك أمك ما ظننت غرور\rفلما أنهى الأبيات قال الرشيد: أوقد فعل? ثم غزاه في بقية الثلج وفتح مدينة هرقلة.\rوقرأت في كتاب الأغاني لأبي فرج الأصفهاني ما رواه من شعر سديف في تحريض الخليفة السفاح ﵀ على بني أمية، فقال: قدم سديف من مكة إلى الحيرة والسفاح بها، ووافق قدومه جلوس السفاح للناس، وكان بنو أمية يجلسون على الكراسي تكرمة لهم، فلما دخل عليه سديف حسر لثامه، وأنشده أبياتا من الشعر، فالتفت رجل من أولاد سليمان بن عبد الملك وقال لآخر إلى جانبه: قتلنا والله العبد، فلما أنهى الأبيات أمر بهم السفاح فأخرجوا من بين يديه, وقتلوا عن آخرهم، وكتب إلى عماله بالبلاد يأمرهم بقتل من وجدوه منهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358895,"book_id":3862,"shamela_page_id":769,"part":"3","page_num":107,"sequence_num":769,"body":"ومن الأبيات:\rأصبح الدين ثابتا في الأساس ... بالبهاليل من بني العباس\rأنت مهدي هاشم وهداها ... كم أناس رجوك بعد إياس\rلا تقيلن عبد شمس عثارا ... واقطعن كل رقلة وغراس\rأنزلوها بحيث أنزلها الله ... بدار الهوان والإتعاس\rخوفهم أظهر التودد منهم ... وبهم منكم كحز المواسي\rأقصهم أيها الخليفة واحسم ... عنك بالسيف شأفة الأرجاس\rواذكرن مصرع الحسين وزيد ... وقتيلا بجانب المهراس\rولقد ساءني وساء سوائي ... قربهم من منابر وكراسي١\rوهذه الأبيات من فاخر الشعر ونادره افتتاحا وابتداء وتحريضا وتأليبا، ولو وصفتها بما شاء الله وشاء الإسهاب والإطناب لما بلغت مقدار ما لها من الحسن.\rومن لطيف الابتداءات ما ذكره مهيار وهو:\rأما وهواها عذرة وتنصلا ... لقد نقل الواشي إليها فامحلا\rسعى جهده، لكن تجاوز حده ... وكثر فارتابت، ولو شاء قللا٢","footnotes":"١ الأبيات من قصيدة بالأغاني ٤/ ٩٢ مع تغيير طفيف. زيد: المراد زيد بن علي زين العابدين بن الحسين. وكان قد خرج بالكوفة على هشام بن عبد الملك، فقتل وصلب سنة ١٢١ أو ١٢٢هـ, والقتل الذي بجانب المهراس \"وكانت بالأصل الهرماس\" المراد حمزة بن عبد المطلب، قتله وحشي غلام جبير بن مطعم يوم أحد، والمهراس ماء بأحد، وقد نسب الشاعر قتل حمزة إلى بني أمية؛ لأن قائد الناس يوم أحد كان أبا سفيان بن حرب؛ ولأن وحشيا قتله بتحريض هند أم معاوية، وقالوا إنها لاكت قطعة من كبد حمزة.\rرقلة: نخلة. طالت وفاتت اليد. والمراد اقض على كبيرهم وعلى صغيرهم.\r٢ الديوان ٣/ ١٩٤ عذرة: معذرة. أمحل: بالغ في مكره وكيده.\rكان قد وشى به بعض حساده في أمر يتصل بالملك شاهنشاه جلال الدولة أبي طاهر بن بويه، ثم تبينت براءته وأنعم الملك عليه، فأنشأ قصيدة يمدحه بها ويعرض بالواشي.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358896,"book_id":3862,"shamela_page_id":770,"part":"3","page_num":108,"sequence_num":770,"body":"فإنه أبرز الاعتذار في هيئة الغزل، وأخرجه في معرض النسيب، وكان قد وشي به إلى الممدوح, فافتتح قصيدته بهذا المعنى فأحسن.\rومما جاء على نحو ذلك قول بعض المتأخرين من العراقيين:\rوراءك أقوال الوشاة الفواجر ... ودونك أحوال الغرام المخامر\rولولا ولوع منك بالصد ما سعوا ...\rولولا الهوى لم أنتدب للمعاذر\rفسلك في هذا القول مسلك مهيار، إلا أنه زاد عليه زيادة حسنة، وهي المعاتبة على الإصغاء إلى أقوال الوشاة والاستماع منهم، وذلك من أغرب ما قيل في هذا المعنى.\rومن الحذاقة في هذا الباب أن تجعل التحميدات في أوائل الكتب السلطانية مناسبة لمعاني تلك الكتب، وإنما خصصت الكتب السلطانية دون غيرها؛ لأن التحاميد لا تصدر في غيرها، فإنها تكون قد تضمنت أمورا لائقة بالتحميد، كفتح معقل١، أو هزيمة جيش، أو ما جرى هذا المجرى.\rووجدت أبا إسحاق الصابي على تقدمه في فن الكتابة قد أخل بهذا الركن الذي هو من أوكد أركان الكتابة, فإذا أتى بتحميدة في كتاب من هذه الكتب لا تكون مناسبة لمعنى ذلك الكتاب، وإنما تكون في واد والكتاب في واد، إلا ما قل من كتبه. فما خالف فيه معناه أنه كتب كتابا يتضمن فتح بغداد وهزيمة الأتراك عنها، وكان ذلك فتحا عظيما فابتدأ بالتحميد، فقال: \"الحمد لله رب العالمين، الملك الحق المبين، الوحيد الفريد، العلي المجيد،","footnotes":"١ كانت بالأصل مقفل.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358897,"book_id":3862,"shamela_page_id":771,"part":"3","page_num":109,"sequence_num":771,"body":"الذي لا يوصف إلا بسلب الصفات، ولا ينعت إلا برفع النعوت، الأزلي بلا ابتداء الأبدي بلا انتهاء، القديم لا منذ أمد محدود، الدائم لا إلى أجل معدود، الفاعل لا من مادة استمدها, ولا بآلة استعملها، الذي لا تدركه الأعين بلحاظها، ولا تحده الألسن بألفاظها، ولا تخلقه العصور بمرورها، ولا تهرمه الدهور بكرورها، ولا تصارعه الأجسام بأقطارها، ولا تجانسه الصور بأعراضها، ولا تجاريه أقدام النظر أو الأشكال، ولا تزاحمه مناقب القرناء والأمثال، بل هو الصمد الذي لا كفء له، والفذ الذي لا توأم معه، والحي الذي لا تخرمه المنون، والقيوم الذي لا تشغله الشئون، والقدير الذي لا تؤده المعضلات، والخبير الذي لا تعييه المشكلات\".\rوهذه التحميدة لا تناسب الكتاب الذي افتتح بها، ولكنها تصلح أن توضع في صدر مصنف من مصنفات أصول الدين، ككتاب الشامل للجويني، أو كتاب الاقتصار، أو ما جرى مجراها، وأما أن توضع في صدر كتاب فتح فلا.\rوهو وإن أساء في هذا الموضع فقد أحسن في مواضع أخرى، وذاك أنه كتب كتابا عن الخليفة الطائع رحمه الله تعالى إلى الأطراف عند عوده إلى كرسي ملكه، وزوال ما نزل به وبأبيه المطيع رحمه الله تعالى من فادحة الأتراك، فقال: \"الحمد لله ناظم الشمل بعد شتاته، وواصل الحبل بعد بتاته، وجابر الوهن إذا انثلم١، وكاشف الخطب إذا أظلم، والقاضي للمسلمين بما يضم نشرهم، ويشد أزرهم، ويصلح ذات بينهم، ويحفظ الألفة عليهم، وإن","footnotes":"١ كانت بالأصل \"ثلم\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358898,"book_id":3862,"shamela_page_id":772,"part":"3","page_num":110,"sequence_num":772,"body":"شابت ذلك في الأحيان الشوائب من الحدثان, فلن تتجاوز بهم الحد الذي يوقظ غافلهم، وينبه ذاهلم، ثم إنهم عائدون إلى فضل ما أولاهم الله وعودهم، ووثق لهم ووعدهم، من إيمان سربهم وإعذاب شربهم، وإعزاز جانبهم، وإذلال مجانبهم، وإظهار دينهم على الدين كله ولو كره المشركون\".\rوهذه تحميدة مناسبة لموضوع الكتاب، وإن كانت المعاني فيها مكررة كالذي أنكرته عليه وعلى غيره من الكتاب، وقدمت القول فيه في باب السجع، فليؤخذ من هناك.\rومن المبادئ التي قد أخلقت وصارت مزدراة أن يقال في أوائل التقليدات، إن أحق الخدم بأن ترعى خدمة كذا وكذا، وإن أحق من قلد الأعمال من اجتمع فيه كذا وكذا، فإن هذا ليس من المبادي المستحسنة، ومن استعمله أولًا فقد ضعفت فكرته عن اقتراح ما يحسن استعماله من المبادئ، والذي تبعه في ذلك إما مقلد ليس عنده قدرة على أن يختار لنفسه، وإما جاهل لا يفرق بين الحسن والقبيح والجيد والرديء.\rوأهل زماننا هذا من الكتاب قد قصروا مبادئ تقاليدهم على هذه الفاتحة دون غيرها، وإن أتوا بتحميدة من التحاميد كانت مباينة لمعنى التقليد الذي وضعت في صدره.\rوكذلك قد كان الكتاب يستعملون في التقليدات مبدأ واحدا لا يتجاوزونه إلى غيره، وهو \"هذا ما عهد فلان إلى فلان\" والتحميد خير ما افتتح به التقليدات وكتب الفتوح وما جرى مجراها، وقد أنكرت ذلك على مستعمله في مفتتح تقليد أنشأته بولاية وال فقلت: \"كانت التقليدات تفتتح بكلام ليس","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358899,"book_id":3862,"shamela_page_id":773,"part":"3","page_num":111,"sequence_num":773,"body":"بذي شأن، ولا يوضع في ميزان، ولا يجتنى من أفنان، وغاية ما يقال: هذا ما عهد فلان إلى فلان، وتلك فاتحة لم تكن جديدة فتخلق١ بتطاول الأيام، ولا حسنة النظم فيضاهى بمثلها من ذوات النظام، وهذا التقليد مفتتح بحمد الله الذي تكفل لحامده بالزيادة، وبدأ النعمة ثم قرنها من فضله بالإعادة، وهو الذي بلغ بنا من مآرب الدنيا منتهى الإرادة، وسلم إلينا مقادها فذلل لنا بها كل مقادة، ووسد الأمر منا إلى أهله فاستوطأت الرعايا منه على وسادة، ونرجو أن يجمع لنا بين سعادة الأولى والأخرى حتى تتصل هذه السعادة بتلك السعادة، ثم نصلي على نبيه محمد الذي ميزه الله على الأنبياء بشرف السيادة، وجعل انشقاق القمر له من آيات النبوة وانشقاق الإيوان من آيات الولادة، وعلى آله وأصحابه الذين شادوا الدين من بعده فأحسنوا في الإشادة، وبسطت عليهم الدنيا كما بسطت على الذين من قبلهم فلم يحولوا عن خلق الزهادة، أما بعد كذا وكذا\"، ثم أنهيت التقليد إلى آخره.\rومن الحذاقة في هذا الباب أن يجعل الدعاء في أول الكتاب من السلطانيات والإخوانيات وغيرهما متضمنا من المعنى ما بني عليه ذلك الكتاب، وهذا شيء انفردت بابتداعه، وتراه كثيرًا فيما أنشأته من المكاتبات، فإني توخيته فيها وقصدته.\rفمن ذلك ما كتبته في الهناء بفتح، وهو: \"هذا الكتاب مشافه بخدمة الهناء للمجلس السامي الفلاني جدد الله له في كل يوم فتحا، وبدل عرش كل ذي سلطان لديه صرحا، وجعل كل موقف من مواقف جوده, وبأسه يوم فطر ويوم أضحى، وكتب له على لسان الإسلام ولسان الأيام ثناء خالدا ومدحا،","footnotes":"١ تخلق: تبلى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358900,"book_id":3862,"shamela_page_id":774,"part":"3","page_num":112,"sequence_num":774,"body":"وأسكنه بعد العمر الطويل دارا لا يظمأ فيها ولا يضحى\"، ثم أخذت بعد ذلك في إنشاء الكتاب المتضمن ما يقتضيه معاني ذلك الفتح.\rومن ذلك ما ذكرته في الهناء بمولود، وهو: \"جدد الله مسرات المجلس السامي الفلاني ووصل صبوح هنائه بغبوقه، وأمتعه بسليله المبشر بطروقه، وأبقاه حتى يستضيء بنوره, ويرمي عن فوقه، وسر به أبكار المعاني حتى تخلق أعطافها بخلوقه، وجعله كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه\"، ثم أخذت في إتمام الكتاب بالهناء بالمولود على حسب ما اقتضاه ذلك المعنى.\rفتأمل ما أوردته ههنا من هذين المثالين، وانسج على منوالهما فيما تقصده من المعاني التي تبني عليها كتبك، فإن ذلك من دقائق هذه الصناعة.\rوأما فواتح الكتب التي أنشأتها فمنها ما اخترعته اختراعا ولم أسبق إليه، وهي عدة كثيرة, وقد أوردت ههنا بعضها.\rومن ذلك مفتتح كتاب إلى ديوان الخلافة، وهو: \"نشأت سحابة من سماء الديوان العزيز النبوي جعل الله الخلود لدولته أوطانا، والحدود لها أركانا، ونصب أيامها في أيام الدهر أعيانا، وصورها في وجهه عينا وفي عينه إنسانا، ومد ظلها على الناس عدلا وإحسانا، وجمع الأمم على دين طاعتها وإن تفرقوا أديانا، وآتاها من معجزات سلطانه ما لم يترك به لغيرها سلطانا، فارتاح الخادم لالتقائها، وبسط يده لاستسقائها، وقال رحمة مرسلة لا تخشى رعودها، ولا تخلف وعودها، ومن شأنها ترويض الصنائع التي تبقي آثارها، لا الخمائل التي تذوي أزهارها، وقد يعبر عن الكتاب ونائله بالسحاب ووابله، فإن صدر عن يد كيد الديوان العزيز فقد وقع التشبيه موقع الصواب، وصدق حينئذ قول القائل: إن البحر عنصر السحاب،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358901,"book_id":3862,"shamela_page_id":775,"part":"3","page_num":113,"sequence_num":775,"body":"لكن فرق بين ما يجود بمائه، وما يجود بنعمائه، وبين ما يسم الأرض الماحلة، وبين ما يسمي الأدار الخاملة، وما زالت كتب الديوان العزيز تضرب لها الأمثال، وتصرف نحوها الآمال، ويرى الحسد فيها حسنا، وإن عد في غيرها من سيئ الأعمال\", وهذا فصل من أول الكتاب.\rومن جملة الكتب المشار إليها مفتتح كتاب كتبته إلى بعض الإخوان, وأرسلته إليه من الموصل إلى أرض الشمال من بلاد الروم، وهو: \"طلع كوكب من أفق المجلس السامي لا خلت سيادته من عدو وحاسد، ولا شينت بتوأم يخرجها من حكم الواحد، ولا عدمت صحبة الجدود المتيقظة في الزمن الراقد، ولا أوحشت الدنيا من ذكره الخالد, الذي هو عمر خالد، ولا زال مرفوعا إلى المحل الذي يعلم به أن الدهر للناس ناقد، والكواكب تختلف مطالعها في الشمال والجنوب، فمنها ما يطلع دائما في أحدهما وهو في الآخر دائم الغروب، وكتاب المجلس كوكب لم ير بهذه الأرض مطلعه، وإن علم من السماء أين موضعه، ولما ظهر الآن للخادم سبح له حامدا، وخر له ساجدا، وقال قد عبدت الكواكب من قبلي فلا عجب أن أكون لهذا الكوكب عابدا، وها أنا قد أصبحت بالعكوف على عبادته مغرى، وقال الناس هذا ابن كبشة الكتاب لا ابن أبي كبشة الشعري\". وهذا مطلع غريب، والسياقة التالية لمطلعه أغرب.\rومن أغرب ما فيها قولي: \"وها أنا قد أصبحت بالعكوف على عبادته مغرى، وقال الناس هذا ابن أبي كبشة الكتاب لا ابن أبي كبشة الشعري\" والمراد بذلك أن أبا كبشة كان رجلا في الجاهلية يعبد الشعري فخالف بذلك دين قومه، ولما بعث النبي ﷺ قالت قريش: هذا قد خالف ديننا، وسموه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358902,"book_id":3862,"shamela_page_id":776,"part":"3","page_num":114,"sequence_num":776,"body":"ابن أبي كبشة, أي: إنه قد خالفنا كما خالف أبو كبشة قومه في عبادة الشعرى، فأخذت أنا هذا المعنى وأودعته كتابي هذا فجاء كما تراه مبتدعا غريبا.\rومن جملة الكتب المشار إليها مفتتح كتاب كتبته إلى بعض الإخوان، وهو: \"طلعت من الغرب شمس فقيل: قد آذنت أشراط الساعة بالاقتراب، ولم يعلم أن تلك الأنوار إنما هي أنوار الكتاب، لم تألف الأبصار من قبله أن تطلع لشمس من المغرب، وليس ذلك إلا كتاب المجلس لا سلبه الله مزية هذا الوصف الكريم، وأتاه من الفضل ما يقال معه وفوق كل ذي علم عليم، وأحيا النفوس من كلمها بروح كلمه كما شفى غليلها من أقلامه بسقيا الكليم، ولما ورد عن الخادم صار ليله نهارا، وأصبح الناس في الحديث به أطوارا، والمنصف منهم يقول: قد جرت الشمس إلى مستقرها, والشمس لا تجد قرارا\". وهذا الكتاب في الحسن والغرابة كالذي قبله.\rومن جملة الكتب المشار إليها مفتتح كتاب كتبته إلى الإخوان، وهو: \"تأوب زور من جانب المجلس السامي أدنى الله داره، وجعل كلماته التامة جاره، وأشهد أفعال التقوى ليله وأفعال المكارم نهاره، ووهبه من أعمار العمر طواله, ومن أعمار العيش قصاره، ولا أقدر السابقين إلى المعالي أن يجروا معه, ولا أن يشقوا غباره، وليس ذلك الزور إلا سطورا في قرطاس, ولا فرق بين الكتاب وبين مرسله في ملاطفة الإيناس، والله لا يصغر ممشى هذا الزائر، ويقر عيني برؤيته حتى لا أزال به قرير الناظر، ومع هذا فإني عاتب لتأخره, وههنا مظنة العتاب، ومن تأخر عنه كتاب صديقه فلا بد أن يخطر له خاطر الارتياب، والظنين بالمودة لا يرى إلا ظنينا، وقد قيل إنها وديعة وقليلا ما نجد على الودائع أمينا\". وهذا فصل من أول الكتاب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358903,"book_id":3862,"shamela_page_id":777,"part":"3","page_num":115,"sequence_num":777,"body":"ومن جملة الكتب المشار إليها مفتتح كتاب كتبته إلى بعض الإخوان، وهو: \"سنحت روضة من جانب المجلس السامي جعل الله المعالي له رداء، ونهايات المساعي له ابتداء، وفداه بمن يقصر عن درجته حتى تكون الأكارم له فداء، وهدى المحامد لأفعاله وأهدى البقاء لأيامه, حتى يجتمع الأمران له هدى وإهداء، وآتاه من السيادة ما يجعل أعداءه أصادق, ومن السعادة ما يجعل أصدقاءه أعداء، فاستنشق الخادم رياها١، وتلقى بالتحية محياها، واستمتع بأزهارها التي أنبتها سقيا الأقلام, لا سقي الغمام، وقال هذا ربيع الأرواح لا ربيع الأجسام، ولو رام الإحاطة بوصفها لكانت الأقوال المطولة فيها مختصرة، ولكنه اكتفى بأن رفعها على رأسه حتى يتمثل أن الجنة في شجرة، ومن أوصافها أنها جاءت رائدة ومن شأن الروض أن يرتاد، وحلت محاسنها التي هي في غيرها من حظ البصر, وفيها من حظ السمع والبصر والفؤاد، ولما سرح فيها نظره وجد شوقه حمامة تغرد في أكنافها، وتردد الشجا لبعد أليفها إذا رددته الحمائم لقرب ألافها، وهذا قول له عند إخوان الصفاء علامة، وإذا تمثل كتاب الحبيب روضة فهل يتمثل شوق محبه إلا حمامة؟ وأي فرق بين هذه وبين أخواتها من ذوات الأطواق? إلا أنها تملي شجوها على صفحات القلوب وتلك تمليه على عذبات الأوراق\".\rوهذا فصل من الكتاب، وهو غريب عجيب, وفيه معنيان مبتدعان، وأعجبهما وأغربهما قولي: \"حتى يتمثل أن الجنة في شجرة\" وهذا مستخرج من الحديث النبوي.\rومن جملة الكتب المشار إليها مفتتح كتاب كتبته إلى بعض الإخوان وهو: \"تضوعت نفحة من تلقاء المجلس السامي رعى الله عهده وسقاه، وصان وده","footnotes":"١ كانت بالأصل \"رباها\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358904,"book_id":3862,"shamela_page_id":778,"part":"3","page_num":116,"sequence_num":778,"body":"ووقاه، ويسر لي إلقاء العصا بملقاه، فعطرت الطريق التي سايرتها، والريح التي جاورتها، فأفرشتها خدي، وضممت عليها ودي، وجعلتها ردنا١ لجيبي ولطيمة لردني, وسخابا٢ لعقدي، وعلمت أنها ليست بنفحة طيب، ولكنها كتاب حبيب، فإن مناشق الأرواح غير مناشق الأجسام، ولا يستوي عرف الطيب وعرف الأقلام، ثم مددت يدي إلى الكتاب بعد أن صافحت يد موصله، كما صافحت عبق مندله٣، وقلت أهلا بمن أدنى من الحبيب مزارا، وأهدى لعيني قرة ولقلبي قرارا\".\rوهذا في الغرابة كأخواته التي تقدمت, ولم أستقص ما اخترعته من هذا الباب في مطالع الكتب.\rوأما ما أتيت فيه بالحسن من المعاني ولكنه غير مخترع، فمن ذلك مطلع كتاب كتبته عن الملك نور الدين أرسلان بن مسعود صاحب الموصل إلى الملك الأفضل علي بن يوسف يتضمن تعزية وتهنئة, أما التعزية فبوفاة أخيه الملك العزيز عثمان صاحب مصر، وأما التهنئة فبوراثة الملك من بعده، وهو: \"لا يعلم القلم أينطق بلسان التعزية أم بلسان التهنئة، لكنه جمعهما جميعًا فأتى بهما على حكم التثنية، وفي مثل هذا الخطب يظل القلم حائرا، وقد وقف موقف السخط والرضا فسخط أولًا ثم رضي آخرا، وهذا البيت الناصري يتداول درجات العلى فما تمضي إلا وإليه ترجع، وشموسه وأقماره تتناقل مطالع السعود فما يغيب منها غائب إلا وآخر يطلع، والناس إن فجعوا بماجد, ردفه من بعده ماجد، وإن قيل إن الماضي كان واحدا","footnotes":"١ كانت في الأصل ردعا.\r٢ السخاب على وزن كتاب قلادة من مسك \"نوع من الطيب\" وقرنفل ومجلب بلا جوهر.\r٣ العبق: مصدر عبق الطيب إذا فاحت رائحته، وكانت في الأصل \"عبقة\" المندل: على وزن مقعد العود أو أجوده كالمندلي.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358905,"book_id":3862,"shamela_page_id":779,"part":"3","page_num":117,"sequence_num":779,"body":"قيل بل الآتي هو الواحد\". وهذا فصل من أول الكتاب.\rثم كتبت في هذا المعنى كتابين آخرين، وفي الذي أوردته من هذا الفصل مقنع.\rومن هذا الأسلوب ما كتبته إلى بعض الإخوان جوابا عن كتابه، وكانت الكتب قد انقطعت بيني وبينه زمانا، وهو: \"لقاء كتب الأحباب كلقاء الأحباب، وقد تأتي بعد يأس منها فيشتبه دمع السرور بدمع الاكتئاب، ومن أحسنها كتاب المجلس السامي الفلاني جعل الله الليالي له صحبا, والمعاني له عقبا، ورفع مجده فوق كل ماجد حتى تكون حسناتهم لدى حسناته ذنبا، ولا زال اسمه في الأفواه عذبا وذكره في الألسنة رطبا، ووده لكل إنسان إنسانا ولكل قلب قلبا\". ثم انتهيت إلى آخر الكتاب على هذا النسق، وإنما ذكرت ههنا مبتدأه؛ لأنه الغرض المقصود في هذه الموضع.\rومن ذلك ما كتبته إلى بعض الإخوان جوابا عن كتابه، وهو: \"البشرى تعطى للكتاب كما تعطى لمرسله، وكل منهما يوفى حق قدره وينزل في منزله، وكذلك فعل الخادم بكتاب المجلس السامي الفلاني لا زال محله أنيسا، وذكره للفرقدين جليسا، وسعيه على المكارم حبيسا، ومجده جديد الملابس إذا كان المجد لبيسا\", وههنا ذكرت في هذا الكتاب كما ذكرته من الذي قبله, فإني لم أذكر إلا مبدأه الذي هو الغرض.\rومما ينتظم في هذا السلك ما كتبته في صدر كتاب يتضمن تعزية، وهو: \"لو لم يلبس قلمي ثوب الحداد لهجر مداده، ونضا عنه سواده، وبعد عن قرينته، وعاد إلى طينته, وحرم على نفسه أن يمتطي يدا، أو يجري إلى مدى، لكنه أحد فندب وبكى فسكب، وسطر هذا الكتاب من دموعه، وضمنه ما حملته أحناء ضلوعه، وإنما استعار ذلك من صاحبه الذي أعداه، وأبدى إليه من عزمه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358906,"book_id":3862,"shamela_page_id":780,"part":"3","page_num":118,"sequence_num":780,"body":"ما أبداه، وهو نائب في تعزية سيدنا أحمد الله صبره، ويسر أمره، وأرضى عنه دهره\"، ثم أنهيت الكتاب إلى آخره.\rومن محاسن هذا الباب أن يفتتح الكتاب بآية من القرآن الكريم، أو بخبر من الأخبار النبوية، أو ببيت من الشعر، ثم يبني الكتاب عليه, فمن ذلك ما كتبته في ابتداء كتاب يتضمن البشرى بفتح، وهو:\rومن طلب الفتح الجليل فإنما ... مفاتيحه البيض الخفاف الصوارم١\rوقد أخذنا بقول هذا الشاعر الحكيم، وجعلنا السيف وسيلة إلى استنتاج الملك العقيم، وراية المجد لا تنصب إلا على النصب، والراحة الكبرى لا تنال إلا على جسر من التعب٢، وكتابنا هذا وقد استولينا على مملكة فلانة، وهي المملكة التي تمسي الآمال دونها صرعى، وإذا قيس إليها غيرها من الممالك كانت أصلا وكان غيرها فرعا\"، وهذا فصل من أول الكتاب.\rومن ذلك ما كتبته في مفتتح تقليد بالحسبة، وهو: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٣.","footnotes":"١ من قصيدة المتنبي في مدح سيف الدولة، التي مطلعها.\rعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكرام المكارم\r\"الديوان ٤/ ١٢٢\".\r٢ من قول أبي تمام:\rبصرت بالراحة الكبرى فلم ترها ... تنال إلا على جسر من التعب\rمن قصيدته في مدح المعتصم بعد فتح عمورية التي مطلعها:\rالسيف أصدق أنباء من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب\r\"الديوان ١/ ٤٥\".\r٣ قرآن كريم سورة آل عمران ١٠٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358907,"book_id":3862,"shamela_page_id":781,"part":"3","page_num":119,"sequence_num":781,"body":"هذا أمر يشتمل على معنى الخصوص دون العموم، ولا يختص به إلا ذوو الأوامر المطاعة وذوو العلوم, وقد جمع الله لنا هذين الوصفين كليهما، وجعلنا من المستخلفين عليهما، فلنبدأ أولًا بحمده الذي هو سبب للمزيد، ثم لنأخذ في القيام بأمره الذي هو على كل نفس رقيب عتيد، ولا ريب أن إصلاح العباد يسري إلى الأرض حتى تزكو بطونها وتنام عيونها، ويشترك في بركات السماء ساكنها ومسكونها، والأمر بذلك حمل إن لم تتوزعه الأكف ثقل على الرقاب، وإذا انتشرت أطراف البلاد فإنها تفتقر إلى مساعدة من مستنيب ومستناب، وقد اخترنا لمدينة فلانة رجلا لم نأل في اختياره جهدا، وقدمنا فيه خيرة الله التي إذا صدقت نيتها صادفت رشدا، وهو أنت أيها الشيخ فلان، فابسط يدك بقوة إلى أخذ هذا الكتاب، وكن كحسنة من حسناتنا التي يرجح بها ميزان الثواب، وحقق نظرنا فيك فإنه من الله الذي ليس دونه حجاب\".\rفتأمل كيف فعلت في هذه الآية التي بنيت التقليد عليها، وهو من محاسن المبادئ والافتتاحات.\rوكذلك فعلت في موضع آخر، وهو مفتتح كتاب كتبته إلى شخص كلفته السفارة إلى مخدومه في حاجة عرضت، وهو: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا ١﴾ . هذا القول تتبع آثاره، وتحمل عليه أنظاره، وأولى الناس بسيدنا من شاركه في لحمة أدبه، وإن لم يشاركه في لحمة نسبه، فإن المناقب أقارب, والمآثر أواصر:\rوليس يعرف لي فضلي ولا أدبي ... إلا امرؤ كان ذا فضل وذا أدب","footnotes":"١ قرآن كريم سورة آل عمران ٦٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358908,"book_id":3862,"shamela_page_id":782,"part":"3","page_num":120,"sequence_num":782,"body":"ونتيجة هذه المقدمة بعث خلقه الكريم على عوارف أفضاله، واستهداء صنيعة جاهه التي هي أكرم من صنيعة ماله، ولا تجارة أربح من هذه التجارة، والساعي فيها شريك في الكسب بريء من الخسارة\".\rوأما الأخبار النبوية فيسلك بها هذا المسلك: بأن يذكر الخبر في صدر الكتاب، ثم يبني عليه, ولنذكر منها ولو مثالا واحدا، وهو توقيع كتبته لولد رجل من أصحاب السلطان, وتوفي والده ونقل ما كان باسمه إليه، فقلت: \"قال النبي ﷺ: \"أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم, فمن مات وترك مالا فلورثته, ومن ترك دينا أو كلا أو ضياعا فإلي وعلي\" , وهذا خلق من الأخلاق النبوية لا مزيد على حسنه، وأساليب المكارم بأسرها موضوعة في ضمنه، ونحن نرجو أن نمشي على أثره, فنتنزل منزلة رديفه، أو نتشبه به فنبلغ مبلغ مده أو نصيفه، وقد أرانا الله ذلك في قوم صحبونا فأسعفناهم بمباغي الإنعام، وأحمدناهم صحبة الليالي والأيام، وتكلفنا أيتامهم من بعدهم حتى ودوا أن يكونوا هم الأيتام، وهذا فلان ابن فلان ﵀ ممن كان له في خدمة الدولة قدم صدق، وأولية سبق، وحفظ كتاب المحافظة عليها, فقيل له في تلاوته اقرأ وارق\".\rثم أنهيت التوقيع إلى آخره، فتأمل مفتتح هذا التوقيع, فإنه تضمن نص الخبر من غير تغيير، وقد ضمنته بعض خبر آخر من الأخبار النبوية، وهو قوله: اقرأ وارق, قال النبي ﷺ: \"يقال لصاحب القرآن اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها\". وقد مثلت لك ههنا أمثالا يقتدى بها، فاحذ حذوها، وامض على نهجها, والله الموفق للصواب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358909,"book_id":3862,"shamela_page_id":783,"part":"3","page_num":121,"sequence_num":783,"body":"النوع الثالث والعشرون: في التخلص والاقتضاب\rمدخل\r...\rالنوع الثالث والعشرون: في التخلص والاقتضاب\rوهذا النوع أيضًا كالذي قبله في أنه أحد الأركان الخمسة التي تقدمت الإشارة إليها في الفصل التاسع من مقدمة الكتاب, وينبغي لك أيها المتوشح لهذه الفضيلة أن تصرف إليه جل همتك، فإنه مهم عظيم من مهمات البلاغة.\rالتخلص:\rأما التخلص فهو أن يأخذ مؤلف الكلام في معنى من المعاني, فبينا هو فيه إذ أخذ في معنى آخر غيره, وجعل الأول سببا إليه, فيكون بعضه آخذا برقاب بعض، من غير أن يقطع كلامه، ويستأنف كلاما آخر، بل يكون جميع كلامه كأنما أفرغ إفراغا، وذلك مما يدل على حذق الشاعر، وقوة تصرفه، من أجل أن نطاق الكلام يضيق عليه، ويكون متبعا للوزن والقافية فلا تواتيه الألفاظ على حسب إرادته، وأما الناثر فإنه مطلق العنان يمضي حيث شاء، فلذلك يشق التخلص على الشاعر أكثر مما يشق على الناثر.\rوأما الاقتضاب فإنه ضد التخلص، وذاك أن يقطع الشاعر كلامه الذي هو فيه ويستأنف كلاما آخر غيره من مديح أو هجاء أو غير ذلك، ولا يكون للثاني علاقة بالأول, وهو مذهب العرب ومن يليهم من المخضرمين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358910,"book_id":3862,"shamela_page_id":784,"part":"3","page_num":122,"sequence_num":784,"body":"وأما المحدثون فإنهم تصرفوا في التخلص فأبدعوا وأظهروا منه كل غريبة.\rفمن ذلك قول أبي تمام:\rيقول في قومس صحبي وقد أخذت ... منا السرى وخطا المهرية القود\rأمطلع الشمس تبغي أن تؤم بنا ... فقلت كلا ولكن مطلع الجود١\rوهذان البيتان من بديع ما يأتي في هذا الباب ونادره.\rوكذلك قوله أيضًا في وصف أيام الربيع ثم خرج من ذكره الربيع وما وصفه به من الأوصاف فقال:\rخلق أطل من الربيع كأنه ... خلق الإمام وهديه المتيسر\rفي الأرض من عدل الإمام وجوده ... ومن النبات الغض سرج تزهر\rتنسي الرياض وما يروض جوده ... أبدا على مر الليالي يذكر٢\rوهذا من ألطف التخلصات وأحسنها.","footnotes":"١ في مدح عبد الله بن طاهر لما خرج إليه \"الديوان ٢/ ١٣٢\" قومس: بلد بين العراق وخراسان وطبرستان بالقرب من أصفهان. المهرية: الإبل الكريمة نسبة إلى مهرة بن حيدان. قود: طويلات الأعناق المفرد قوداء. والذي بالديوان \"تبغي أن تؤم بنا\".\r٢ من قصيدته في مدح المعتصم \"الديوان ٢/ ١٩١\" والذي بالديوان \"يروض فعله\" بدلا من جوده، وفي الأصل \"على مر الزمان ويذكر\" فأصلحنا الشطر من الديوان. يريد أن الرياض تنسى وتذبل أما فعله فلا ينقص ولا ينسى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358911,"book_id":3862,"shamela_page_id":785,"part":"3","page_num":123,"sequence_num":785,"body":"وكذلك قوله في قصيدته الفائية التي أولها \"أما الرسوم فقد أذكرن ما سلفا\"\rفقال فيها١:\rغيداء جاد ولي الحسن سنتها ... فصاغها بيديه جنة أنفا\rيضحي العذول على تأنيبه كلفا ... بعذر من كان مشغوفا بها كلفا\rودع فؤادك توديع الفراق فما ... أراه من سفر التوديع منصرفا\rيجاهد الشوق طورا ثم يجذبه ... جهاده للقوافي في أبي دلفا\rوهذا أحسن من الذي قبله، وأدخل في باب الصنعة.\rوكذلك جاء قوله:\rزعمت هواك عفا الغداة كما عفت ... منها طلول باللوى ورسوم\rلا والذي هو عالم أن النوى ... صبر وأن أبا الحسين كريم\rما زلت عن سنن الوداد ولا غدت ... نفسي على إلف سواك تحوم٢\rوهذا خروج من غزل إلى مديح أغزل منه.","footnotes":"١ من قصيدته في مدح أبي دلف القاسم بن عيسى العجلي \"الديوان ٢/ ٣٥٩\"، التي مطلعها.\rأما الرسوم فقد أذكرن ما سلفا ... فلا تكفن عن شانيك أو يكفا\rوفي الديوان \"روضة أنفا\".\rولي الحسن: الحسن المتوالي المتتابع، من الولي وهو المطر بعد المطر.\r٢ من قصيدته في مدح أبي الحسين محمد بن الهيثم بن شبانة \"الديوان ٣/ ٢٨٩\"، التي مطلعها:\rأسقى طلولهم أجش هزيم ... وغدت عليهم نضرة\rونعيم\rكان الأصل \"النوى أجل\" و\"ما حلت عن سنن الوداد\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358912,"book_id":3862,"shamela_page_id":786,"part":"3","page_num":124,"sequence_num":786,"body":"ومن البديع في هذا الباب قول أبي نواس من جملة قصيدته المشهورة التي أولها:\rأجارة بيتينا أبوك غيور\rفقال عند الخروج إلى ذكر الممدوح:\rتقول التي من بيتها خف مركبي ... عزيز علينا أن نراك تسير\rأما دون مصر للغنى متطلب ... بلى إن أسباب الغنى لكثير\rفقلت لها واستعجلتها بوادر ... جرت فجرى في جريهن عبير\rذريني أكثر حاسديك برحلة ... إلى بلد فيها الخصيب أمير١\rومما جاء من التخلصات الحسنة قول أبي الطيب المتنبي في قصيدته الدالية التي أولها:\rعواذل ذات الخال في حواسد\rوأورد نفسي والمهند في يدي ... موارد لا يصدرن من لا يجالد\rولكن إذا لم يحمل القلب كفه ... على حالة لم يحمل الكف ساعد\rخليلي إني لا أرى غير شاعر ... فلم منهم الدعوى ومني القصائد\rفلا تعجبا إن السيوف كثيرة ... ولكن سيف الدولة اليوم واحد٢","footnotes":"١ \"الديوان ٤٨٠\", من قصيدته في مدح الخصيب، بالديوان \"عن بيتها\" وفيه \"الخصيب\". بوادر: دموع مستبقات. عبير: رائحة ذكية، أي: اختلط هممها بعبيرها.\r٢ من قصيدته في مدح سيف الدولة التي مطلعها:\rعواذل ذات الخال في حواسد ... وإن ضجيع الخود مني لمساجد\r\"الديوان ١/ ٣٠٥\".\rلا يصدرن من لا يجالد: أورد نفسي في الحرب موارد هلاك لا يرجع واردها حيا. ومعنى البيت الثاني أن قوة الضرب إنما تكون بالقلب لا بالكف, فإذا لم تقو الكف بقوة القلب فإنها لا تقوى بقوة الساعد.\rومعنى البيت الرابع أنه في الشعراء ممتاز كسيف الدولة في السيوف، فكل منهما منقطع النظير, وإن كان له أشباه ونظائر في التسمية.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358913,"book_id":3862,"shamela_page_id":787,"part":"3","page_num":125,"sequence_num":787,"body":"وهذا هو الكلام الآخذ بعضه برقاب بعض.\rألا ترى إلى الخروج إلى مدح الممدوح في هذه الأبيات كأنه أفرغ في قالب واحد، ثم إن أبا الطيب جمع بين مدح نفسه ومدح سيف الدولة ببيت واحد، هو من بدائعه المشهورة.\rوكذلك قوله أيضا، وهو من أحسن ما أتى به من التخلصات، وهو في قصيدته التائية التي أولها:\rسرب محاسنه حرمت ذواتها\rفقال في أثنائها:\rومطالب فيها الهلاك أتيتها ... ثبت الجنان كأنني لم آتها\rومقانب بمقانب غادرتها ... أقوات وحش كن من أقواتها\rأقبلتها غرر الجياد كأنما ... أيدي بني عمران في جبهاتها\rالثابتين فروسة كجلودها ... في ظهرها والطعن في لباتها\rفكأنها نتجت قياما تحتهم ... وكأنهم ولدوا على صهواتها\rتلك النفوس الغالبات على العلا ... والمجد يغلبها على شهواتها\rسقيت منابتها التي سقت الورى ... بيدي أبي أيوب خير نباتها١","footnotes":"١ من قصيدته في مدح أبي أيوب أحمد بن عمران \"الديوان ١/ ٢٥٥\".\rمقانب: جمع مقنب وهو الطائفة من الخيل تجتمع للغارة. أقوات: مفعول ثان لغادرتها بقول رب جيش من الفرسان لقيته بمثله من صحبي فتركته قوتا للوحوش التي كانت قوتا له يصيدها ويذبحها ويأكلها.\rأقبلتها غرر الجياد: جعلتها تقبل غرر جيادها التي أوصلتها إلى أعدائها وشفت صدورها منهم، كأن هذه الغرر أيدي بني عمران. نتجت: ولدت. صهواتها: جمع صهوة وهي مقعد لفارس على الحصان.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358914,"book_id":3862,"shamela_page_id":788,"part":"3","page_num":126,"sequence_num":788,"body":"فانظر إلى هذين التخلصين البديعين، فالأول خرج به إلى مدح قوم الممدوح، والثاني خرج به إلى نفس الممدوح، وكلاهما قد أغرب فيه كل الإغراب.\rوعلى هذا جاء قوله:\rإذا صلت لم أترك مصالا لصائل ... وإن قلت لم أترك مقالا لعالم\rوإلا فخانتني القوافي وعاقني ... عن ابن عبيد الله ضعف العزائم١\rوالشعراء متفاوتون في هذا الباب، وقد يقصر عنه الشاعر المفلق المشهور بالإجادة في إيراد الألفاظ واختيار المعاني، كالبحتري، فإن مكانه من الشعر لا يجهل، وشعره هو السهل الممتنع الذي تراه كالشمس قريبا ضوؤها بعيدا مكانها، وكالقناة لينا مسها خشنا سنانها، وهو على الحقيقة قينة الشعراء في الإطراب، وعنقاؤهم في الإغراب، ومع هذا فإنه لم يوفق في التخلص من الغزل إلى المديح بل اقتضبه اقتضابا.\rولقد حفظت شعره فلم أجد له من ذلك شيئا مرضيا إلا اليسير، كقوله\rفي قافية الباء من قصيدة:\rوكفاني إذا الحوادث أظلمـ ... ـن شهابا بغرة ابن شهاب٢\rوكقوله في قافية الدال من قصيدة:\rقصدت لنجران العراق ركابنا ... يطلبن أرحبها محلة ماجد","footnotes":"١ من قصيدته في مدح أبي محمد الحسن بن عبيد الله بن طفج \"الديوان ٤/ ٣٠٣\" كان الأصل \"مصالا لفاتك\".\r٢ من قصيدته في مدح أحمد بن إسماعيل بن شهاب التي مطلعها:\rما على الركب من وقوف الركاب ... في مغاني الصبا ورسم التصابي\rالديوان ١/ ٧١\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358915,"book_id":3862,"shamela_page_id":789,"part":"3","page_num":127,"sequence_num":789,"body":"آليت لا تلقين جدا صاعدا ... في مطلب حتى تنخن بصاعد١\rوكقوله في قصيدته التي أولها:\rحلفت لها بالله يوم التفرق\rفإنه تشوق فيها إلى العراق من الشام، ووصف العراق ومنازله ورياضه، فأحسن في ذلك كله، ثم خرج إلى مدح الفتح بن خاقان بسياقة آخذة بعضها برقاب بعض فقال:\rرباع من الفتح بن خاقان لم تزل ... غنى لقديم أو فكاكا لموثق٢\rثم أخذ في مدحه بعد ذلك بضروب من المعاني, وكذلك ورد قوله في قصيدته التي أولها:\rميلوا إلى الدار من ليلى نحييها\rفإنه وصف البركة فأبدع في أوصافها، ثم خرج منها إلى مدح الخليفة المتوكل، فقال:\rكأنها حين لجت في تدفقها ... يد الخليفة لما سال واديها٣\rوأحسن ما وجدته له، وهو مما تلطف فيه كل التلطف قوله في قصيدته التي يمدح بها ابن بسطام ومطلعها:\rنصيب عينك من سح وتسجام\rفقال عند تخلصه إلى المديح:\rهل الشباب ملم بي فراجعة ... أيامه لي في أعقاب أيام؟\rلو أنه بابل عمر يجاذبه ... إذا تطلبته عند ابن بسطام٤","footnotes":"١ من قصيدته في مدح صاعد بن مخلد \"الديوان ١/ ١٥٨\".\rفي الأصل\rفضلك أزجيها محلة ماجد\rولا معنى له، وبه \"حتى تناخ\" والديوان أصوب.\r٢ تكملة المطلع: وبالوجد من قلبي بها المتعلق \"الديوان ٢/ ١٢٢ وبالديوان \"نكاكا لمرهق\"\".\r٣ تكملة المطلع: نعم ونسألها عن بعض أهليها \"الديوان ٢/ ٣١٨\".\r٤ لم نعثر على الشطر ولا على البيتين في ديوانه. وقوله: \"لو أنه بابل عمر\" فيه تحريف وغموض.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358916,"book_id":3862,"shamela_page_id":790,"part":"3","page_num":128,"sequence_num":790,"body":"وهذا من الملائح في هذا الباب.\rوله مواضع أخرى يسيرة بالنسبة إلى كثرة شعره.\rوقال أبو العلاء محمد بن غانم المعروف بالغانمي١: إن كتاب الله خال من التخلص. وهذا القول فاسد؛ لأن حقيقة التخلص إنما هي الخروج من كلام إلى كلام آخر غيره بلطيفة تلائم الكلام الذي خرج منه والكلام الذي خرج إليه، وفي القرآن الكريم مواضع كثيرة كالخروج من الوعظ والتذكير بالإنذار والبشارة بالجنة إلى أمر ونهي ووعد ووعيد، ومن محكم إلى متشابه، ومن صفة لنبي مرسل وملك منزل إلى ذم شيطان مريد وجبار عنيد، بلطائف دقيقة، ومعان آخذ بعضها برقاب بعض.\rفما جاء من التخلص في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ، إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ، قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ، قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ، أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ، قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ، قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ، أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ، فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ، الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ، وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ، وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ، وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ، وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ، رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ، وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ، وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ، وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ، يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ، وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ، وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ","footnotes":"١ أبو العلا محمد بن غانم، كان من شعراء عصره وفضلائه، وهو من شعراء نظام الملك \"اللباب لابن الأثير ٣/ ١٦٦\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358917,"book_id":3862,"shamela_page_id":791,"part":"3","page_num":129,"sequence_num":791,"body":"مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ، فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ، وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ، قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ، تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ، إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ، وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ، فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ، وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ، فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١.\rهذا كلام يسكر العقول، ويسحر الألباب، وفيه كفاية لطالب البلاغة، فإنه متى أنعم فيه نظره وتدبر أثناءه ومطاوي حكمته علم أن في ذلك غنى عن تصفح الكتب المؤلفة في هذا الفن، ألا ترى ما أحسن ما رتب إبراهيم ﵇ كلامه مع المشركين حين سألهم أولًا عما يعبدون سؤال مقرر لا سؤال مستفهم، ثم أنحى على آلهتهم، فأبطل أمرها بأنها لا تضر ولا تنفع, ولا تبصر ولا تسمع، وعلى تقليد آبائهم الأقدمين فكسره, وأخرجه من أن يكون شبهة فضلا عن أن يكون حجة، ثم أراد الخروج من ذلك إلى ذكر الإله الذي لا تجب العبادة إلا له، ولا ينبغي الرجوع والإنابة إلا إليه، فصور المسألة في نفسه دونهم، بقوله: \"فإنهم عدو لي\" على معنى أني فكرت في أمري فرأيت عبادتي لها عبادة للعدو وهو الشيطان، فاجتنبتها، وآثرت عبادة من الخير كله في يده، وأواهم بذلك أنها نصيحة ينصح بها نفسه، لينظروا فيقولوا: ما نصحنا إبراهيم إلا بما نصح به نفسه، فيكون ذلك أدعى لهم إلى القبول لقوله، وأبعث على الاستماع منه، ولو قال فإنهم عدو لكم لم يكن بتلك المثابة، فتخلص عند تصويره المسألة في نفسه إلى ذكر الله تعالى، فأجرى عليه تلك الصفات العظام من تفخيم","footnotes":"١ الشعراء ٦٩-١٠٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358918,"book_id":3862,"shamela_page_id":792,"part":"3","page_num":130,"sequence_num":792,"body":"شأنه, وتعديد نعمه, من لدن خلقه وأنشأه إلى حين وفاته, مع ما يرجى في الآخرة من رحمته، ليعلم من ذلك أن من هذه صفاته حقيق بالعبادة، واجب على الخلق الخضوع له، والاستكانة لعظمته.\rثم خرج من ذلك إلى ما يلائمه ويناسبه، فدعا الله بدعوات المخلصين، وابتهل إليه ابتهال الأوابين؛ لأن الطالب من مولاه إذا قدم قبل سؤاله وتضرعه الاعتراف بالنعمة كان ذلك أسرع للإجابة، وأنجح لحصول الطلبة.\rثم أدرج في ضمن دعائه ذكر البعث, ويوم القيامة، ومجازاة الله تعالى من آمن به واتقاه بالجنة ومن ضل عن عباده بالنار، فجمع بين الترغيب في طاعته والترهيب من معصيته.\rثم سأل المشركين عما كانوا يعبدون سؤالا ثانيًا عند معاينة الجزاء، وهو سؤال موبخ لهم مستهزئ بهم، وذكر ما يدفعون إليه عند ذلك من الندم والحسرة على ما كانوا فيه من الضلال، وتمني العودة ليؤمنوا.\rفانظر أيها المتأمل إلى هذا الكلام الشريف الآخذ بعضه برقاب بعض، مع احتوائه على ضروب من المعاني, فيخلص من كل واحد منها إلى الآخر بلطيفة ملائمة، حتى كأنه أفرغ في قالب واحد، فخرج عن ذكر الأصنام وتنفير أبيه وقومه من عبادتهم إياها, مع ما هي فيه من التعري عن صفات الإلهية, حيث لا تضر ولا تنفع, ولا تبصر ولا تسمع إلى ذكر الله تعالى فوصفه بصفات الإلهية, فعظم شأنه وعدد نعمه، ليعلم بذلك أن العبادة لا تصح إلا له، ثم خرج من هذا إلى دعائه إياه وخضوعه له، ثم خرج منه إلى ذكر يوم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358919,"book_id":3862,"shamela_page_id":793,"part":"3","page_num":131,"sequence_num":793,"body":"القيامة وثواب الله وعقابه، فتدبر هذه التخلصات اللطيفة المودعة في أثناء هذا الكلام.\rوفي القرآن مواضع كثيرة من التخلصات، كالذي ورد في سورة الأعراف، فإنه ذكر فيها قصص الأنبياء والأمم الخالية من آدم إلى نوح ﵉، وكذلك إلى قصة موسى ﵇، حتى انتهى إلى آخرها الذي هو:\r﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ، وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ١.\rهذا تخلص من التخلصات الحسان، فإن الله تعالى ذكر الأنبياء والقرون","footnotes":"١ الأعراف: ١٥٥-١٥٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358920,"book_id":3862,"shamela_page_id":794,"part":"3","page_num":132,"sequence_num":794,"body":"الماضية إلى عهد موسى ﵇، فلما أراد ذكر نبينا صلوات الله عليه وسلامه ذكره بتخلص انتظم به بعض الكلام ببعض.\rألا ترى أنه قال: قال موسى ﵇: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ﴾ فأجيب بقوله تعالى: ﴿قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ﴾ من حالهم كذا وكذا، ومن صفتهم كيت وكيت، وهم الذين ﴿يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ ثم وصفه صلوات الله عليه بصفاته إلى آخر الكلام.\rويالله العجب كيف يزعم الغانمي أن القرآن خال من التخلص? ألم يكفه سورة يوسف ﵇, فإنها قصة برأسها، وهي مضمنة شرح حاله مع إخوته من أول أمره إلى آخره، وفيها عدة تخلصات في الخروج من معنى إلى معنى، وكذلك إلى آخرها.\rولو أخذت في ذكر ما في القرآن الكريم من هذا النوع لأطلت، ومن أنعم نظره فيه وجد من ذلك أشياء كثيرة١.\rوقد جاءني من التخلصات في الكلام المنثور أشياء كثيرة، وسأذكر ههنا نبذة يسيرة منها. فمن ذلك ما أوردته في كتاب إلى بعض الإخوان أصف فيه الربيع، ثم خرجت من ذلك إلى ذكر الأشواق، فقلت: \"وكما أن هذه","footnotes":"١ أورد الزركشي في كتابه البرهان في علوم القرآن ١/ ٤٣-٥٥ دعوى الغانمي التي ذكرها ابن الأثير, وذكر أمثلة من التخلص في القرآن الكريم، بعضها ذكره ابن الأثير، ونرجح أن الزركشي نقل من ابن الأثير؛ لأن الزركشي توفي سنة ٧٩٤ وابن الأثير توفي سنة ٦٣٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358921,"book_id":3862,"shamela_page_id":795,"part":"3","page_num":133,"sequence_num":795,"body":"الأوصاف في شأنها بديعة، فكذلك شوقي في شأنه بديع، غير أنه لحره فصل صيف وهذا فصل ربيع، فأنا أملي أحاديثه العجيبة على النوى، وقد عرفت حديث من قتله الشوق فلا أستغض حديث من قتله الهوى\".\rومن هذا الأسلوب ما كتبته في كتاب إلى بعض الإخوان أيضا، وأرسلته إليه من بلاد الروم، وهو كتاب يشتمل على وصف البرد وما لاقيته منه، ثم خرجت من ذلك إلى ذكر الشوق، فقلت: \"ومما أشكوه من بردها أن الفرو لا يلبس إلا في شهر ناجر، وهو قائم مقام الظل الذي يتبرد به من لفح الهواجر، ولفرط شدته لم أجد ما يحققه فضلا عما يذهبه، فإن النار المعدة له تطلب من الدفء أيضًا ما أطلبه، لكن وجدت نار أشواقي أشد حرا, فاصطليت بجمرها التي لا تذكى بزناد, ولا تئول إلى رماد، ولا يدفع البرد الوارد على الجسد بأشد من حر الفؤاد، غير أني كنت في ذلك كمن سد خلة بخلة، واستشفى من علة بعلة، وأقتل ما أعلك ما شفاك, فما ظنك بمن يصطلي نار الأشواق، وقد قنع من أخيه بالأوراق فضن عليه بالأوراق\".\rومما ينتظم في هذا العقد ما ذكرته في مفتتح كتاب يتضمن عناية ببعض المتظلمين، فاستطردت فيه إلى ذكر المكتوب إليه، وهو: \"هدايا المكارم أنفس من هدايا الأموال، وأبقى على تعاقب الأيام والليال، وقد حمل هذا الكتاب منها هدية تورث حمدا وتكسب مجدا، وهي خير ثوابا وخير مردا، ولا يسير بها إلا سجية طبعت على الكرم، وخلقت من عنصر الديم، كسجية مولانا أعلاه الله علوا تفخر به الأرض على السماء، وتحسده شمس النهار ونجوم الظلماء، ولا زالت أياديه مخجلة صوب الغمام، معدية على نوب الأيام، مغنية بشرف فضلها على شرف الأخوال والأعمام، وتلك الهدية هي تجديد الشفاعة في أمر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358922,"book_id":3862,"shamela_page_id":796,"part":"3","page_num":134,"sequence_num":796,"body":"فلان ومن إيمان المرء سعيه في حاجة أخيه، وإن لم يمسه بشيء من أسباب أواخيه، فإن المؤمنين إخوة وإن تباينت مناسبهم، وتفاوتت مراتبهم، ومن صفتهم أن يسعى بذمتهم أدناهم، وخيرهم من عناه من الأمر ما عناهم\"، ثم مضيت على هذا النهج إلى آخر الكتاب.\rومن ذلك ما كتبته من كتاب إلى صديق استحدثت مودته، وهو من أهل العراق، وكنت اجتمعت به بالموصل, ثم سار عني فكتبت إليه أستهد به رطبا، فقلت: \"هذه المكاتبة ناطقة بلسان الشوق الذي تزف كلمه زفيف الأوراق، وتسجع سجع ذوات الأطواق، وتهتف وهي مقيمة بالموصل فتسمع من هو مقيم بالعراق، وأبرح الشوق ما كان عن فراق غير بعيد، وود استجدت حلته, واللذة مقترنة بكل شيء جديد، وأرجو ألا يبلى قدم الأيام لهذه الجدة لباسا، وأن يعاذ في نظرة الجن والإنس حتى لا يخشى جنة ولا بأسا، وقد قيل: إن للمودات طعما, كما أن لها وسما، وإن ذا اللب يصادق نفسا قبل أن يصادق جسما، وإني لأجد لمودة سيدنا حلاوة يستلذ دوامها، وقد أذكرتني الآن بحلاوة الرطب الذي هو من أرضها، وغير عجيب لمناسبة الأشياء أن يذكر بعضها ببعضها، إلا أن هذه الحلاوة تنال بالأفواه, وتلك تنال بالأسرار، وفرق بين ما يغترس بالأرض وما يغترس بالقلب في شرف الثمار، فلا ينظر سيدنا علي في هذا التمثيل، ولربما كان ذلك تعريضا ينوب مناب التطفيل\".\rوهذا من التخلصات البديعة، فانظر أيها المتأمل كيف سقت الكلام إلى استهداء الرطب, وجعلت بعضه آخذا برقاب بعض، حتى كأنه أفرغ في قالب واحد? وكذلك فليكن التخلص من معنى إلى معنى.\rوهذا القدر من الأمثلة كاف للتعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358923,"book_id":3862,"shamela_page_id":797,"part":"3","page_num":135,"sequence_num":797,"body":"ومما أستظرف من هذا النوع في الشعر قول \"ابن الزمكرم\"١ الموصلي وهو:\rوليل كوجه البرقعيدي مظلم ... وبرد أغانيه وطول قرونه\rسريت ونومي فيه نوم مشرد ... كعقل سليمان بن فهد ودينه\rعلى أولق فيه التفات كأنه ... أبو جابر في خبطه وجنونه٢\rإلى أن بدا ضوء الصباح كأنه ... سنا وجه قرواش وضوء جبينه٣\rوهذه الأبيات لها حكاية، وذاك أن هذا الممدوح، وهو شرف الدولة قرواش ملك العرب، وكان صاحب الموصل، فاتفق أنه كان جالسا مع ندمائه في ليلة من ليالي الشتاء، وفي جملتهم هؤلاء الذين هجاهم الشاعر، وكان البرقعيدي مغنيا،","footnotes":"١ ذكر ياقوت هذه الأبيات غير منسوبة إلى قائلها \"مادة برقعيد\".\rورجعنا إلى كثير من كتب الأدب، لعلنا نهتدي إلى تصويب اسم القائل \"ابن الزمكرم\" كما ذكره المؤلف، فلم نعثر على ضالتنا، ثم رجعنا إلى الكامل في التاريخ لابن الأثير، وتعقبنا كل ما ذكر عن قرواش الذي جاء ذكره في الأبيات، فوجدناه يذكر أن الشاعر اسمه ابن الزمكرم \"الكامل لابن الأثير ٧/ ٣٠٨\" أما فوات الوفيات لابن شاكر ٢/ ٢٦٥ فهو يذكر الأبيات منسوبة للطاهر الجزري.\r٢ أولق: الولقي: الناقة السريعة، والأولق: الجنون وشبهه، ولعله ذكر \"الأولق\" مريدا به التذكير ليدل به على الجمل السريع، وإن كانت اللغة لا تطاوعه في هذا.\r٣ البرقعيدي: منسوب إلى برقعيد، بلد من أعمال الموصل، منه بنو حمدان التغلبيون سيف الدولة وأهله. والأبيات في هجاء سليمان بن فهد الموصلي ومدح قرواش ابن المقلد أمير بني عقيل، مع تغيير يسير \"معجم البلدان مادة برقعيد\".\rوالأبيات في الكامل لابن الأثير ٧/ ٣٠٨ كما هي، عدا ظلمة بدلا من مظلم. وهي كما قال في قرواش وابن فهد والبرقعيدي وأبي جابر، وقد أجمع أهل البيان على أنها غاية في الجودة، لم يقل أحد خيرا منها في معناها.\rوقد مات قرواش أو قتل سنة ٤٤٤ \"فوات الوفيات ٢/ ٢٦٥\".\rأو سنة ٤٤٢ \"البداية والنهاية ١٢/ ٦٢\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358924,"book_id":3862,"shamela_page_id":798,"part":"3","page_num":136,"sequence_num":798,"body":"وسليمان بن فهد وزيرا، وأبو جابر حاجبا، فالتمس شرف الدولة من هذا الشاعر أن يهجوه المذكورين ويمدحه، فأنشد هذه الأبيات ارتجالا، وهي غريبة في بابها: لم يسمع بمثلها، ولم يرض قائلها بصناعة التخلص وحدها، حتى رقي في معانيه المقصودة إلى أعلى منزلة، فابتدأ البيت الأول يهجو البرقعيدي، فجاءه في ضمن مراده ذكر أوصاف ليل الشتاء جميعها، وهي الظلمة والبرد والطول، ثم إن هذه الأوصاف الثلاثة جاءت ملائمة لما شبهت به مطابقة له، وكذلك البيت الثاني والثالث، ثم خرج إلى المديح بألطف وجه، وأدق صنعة, وهذا يسمى الاستطراد، وما سمعت في هذا الباب بأحسن من هذه الأبيات.\rومما يجري على هذا الأسلوب ما ورد لابن الحجاج البغدادي، وهي أبيات لطيفة جدا:\rألا يا ماء دجلة لست أدري ... بأني حاسد لك طول عمري\rولو أني استطعت سكرت سكرا ... عليك فلم تكن يا ماء تجري\rفقال الماء ما هذا عجيب ... بم استوجبته يا ليت شعري\rفقلت له لأنك كل يوم ... تمر على أبي الفضل بن بشر\rتراه ولا أراه وذاك شيء ... يضيق عن احتمالك فيه صبري١\rوما علمت معنى في هذا المقصد ألطف ولا أرق ولا أعذب ولا أحلى من هذا اللفظ، ويكفي ابن الحجاج من الفضيلة أن يكون له مثل هذه الأبيات.","footnotes":"١ معاهد التنصيص ٤/ ٢٥٣ وفيه البيت الثالث هكذا:\rفقال الماء قل لي كل هذا ... بم استوجبته ياليت شعري\rوفي البيت الأخير كلمة صدري بدلا من صبري.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358925,"book_id":3862,"shamela_page_id":799,"part":"3","page_num":137,"sequence_num":799,"body":"ولا تظن أن هذا شيء انفرد به المحدثون لما عندهم من الرقة واللطافة، وفات من تقدمهم لما عندهم من قشف العيش وغلظ الطبع، بل قد تقدم أولئك إلى هذا الأسلوب، وإن أقلوا منه وأكثر منه المحدثون، وأي حسن من محاسن البلاغة والفصاحة لم يسبقوا إليه? وكيف لا وهم أهله ومنهم علم وعنهم أخذ?\rفمن ذلك ما جاء للفرزدق وهو:\rوركب كأن الريح تطلب عندهم ... لها ترة من جذبها بالعصائب\rسروا يخبطون الليل وهي تلفهم ... على شعب الأكوار من كل جانب\rإذا ما رأوا نارا يقولون ليتها ... وقد خصرت أيديهم نار غالب١\rفانظر إلى هذا الاستطراد ما أفحله وأفخمه.\rواعلم أنه قد يقصد الشاعر التخلص فيأتي به قبيحا، كما فعل أبو الطيب المتنبي في قصيدته التي أولها:\rملث القطر أعطشها ربوعا\rفقال عند الخروج من الغزل إلى المديح:\rغدا بك كل خلو مستهاما ... وأصبح كل مستور خليعا\rأحبك أو يقولوا جر نمل ... ثبيرا وابن إبراهيم ريعا٢","footnotes":"١ \"الديوان ١/ ٣٠\" وكان البيت الأول بالأصل \"عندها، لها قوة\" والبيت الثاني \"يخطبون\" أما البيت الثالث فقد كان بالأصل \"إذا آنسوا\" وهي رواية معاهد التنصيص وفي الأغاني \"إذا استوضحوا\".\r٢ \"الديوان ٢/ ٤٢٧\" في مدح علي بن إبراهيم التنوخي. ملث القطر: المطر الدائم. الخلو: الخالي من الهوى: المستهام: الذاهب اللب من الهوى. الخليع: الذي ترك الحياء وتهتك في الهوى. أو يقولوا: إلى أن يقولوا: ثبير: جبل بالحجاز. ريع: أخيف. ابن إبراهيم: هو على الممدوح.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358926,"book_id":3862,"shamela_page_id":800,"part":"3","page_num":138,"sequence_num":800,"body":"هذا تخلص كما تراه بارد، ليس عليه من مسحة الجمال شيء، وههنا يكون الاقتضاب أحسن من التخلص.\rفينبغي لسالك هذه الطرق أن ينظر إلى ما يصوغه، فإن واتاه التخلص حسنا كما ينبغي وإلا فليدعه، ولا يستكرهه حتى يكون مثل هذا، كما فعل أبو الطيب ولهذا نظائر وأشباه، وقد استعمل ذلك في موضع آخر في قصيدته التي أولها:\rأحيا وأيسر ما قاسيت ما قتلا\rفقال:\rعل الأمير يرى ذلي فيشفع لي ... إلى التي تركتني في الهوى مثلا١\rوالإضراب عن مثل هذا التخلص خير من ذكره، وما ألقاه في هذه الهوه إلا أبو نواس فإنه قال:\rسأشكو إلى الفضل بن يحيى بن خالد ... هواك لعل الفضل يجمع بيننا٢\rعلى أن أبا نواس أخذ ذلك من قيس بن ذريح، لكنه أفسده ولم يأت به كما أتى به قيس، ولذلك حكاية، وهو أنه لما هام بلبنى في كل واد وجن بها رق له الناس ورحموه، فسعى له ابن أبي عتيق إلى أن طلقها من زوجها، وأعادها إلى قيس فزوجها إياه فقال عند ذلك:\rجزى الرحمن أفضل ما يجازي ... على الإحسان خيرا من صديق\rفقد جربت إخواني جميعا ... فما ألفيت كابن أبي عتيق\rسعى في جمع شملي بعد صدع ... ورأي حدت فيه عن طريقي\rوأطفا لوعة كانت بقلبي ... أغصتني حرارتها بريقي٣","footnotes":"١ \"الديوان ٣/ ٣٥٢\" في مدح سعيد بن عبد الله بن الحسن الكلابي المنبجي.\r٢ الديوان ٤٧٤.\r٣ الأغاني ٨/ ١٢٩ كان في الأصل \"وقد جربت\" و\"رأى حرت\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358927,"book_id":3862,"shamela_page_id":801,"part":"3","page_num":139,"sequence_num":801,"body":"وبين هذا الكلام وبين كلام أبي نواس بون بعيد، وقد حكي عن ابن أبي عتيق أنه قال: يا حبيبي أمسك عن هذا المديح فما يسمعه أحد إلا ظنني قوادا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358928,"book_id":3862,"shamela_page_id":802,"part":"3","page_num":139,"sequence_num":802,"body":"الاقتضاب:\rوأما الاقتضاب فهو الذي أشرنا إليه في صدر هذا النوع، وهو قطع الكلام واستئناف كلام آخر غيره، بلا علاقة تكون بينه وبينه.\rفمن ذلك ما يقرب من التخلص، وهو فصل الخطاب، والذي أجمع عليه المحققون من علماء البيان أنه أما بعد؛ لأن المتكلم يفتتح كلامه في كل أمر ذي شأن بذكر الله وتحميده، فإذا أراد أن يخرج إلى الغرض المسوق إليه فصل بينه وبين ذكر الله تعالى بقوله: أما بعد.\rومن الفصل الذي هو أحسن من الوصل لفظه هذا, وهي علاقة وكيدة بين الخروج من كلام إلى كلام آخر غيره، كقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ، إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ، وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ، وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ، هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ، جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾ ١. ألا ترى إلى ما ذكر قبل \"هذا\"؟ ذكر من ذكر من الأنبياء ﵈، وأراد أن يذكر على عقبه بابا آخر غيره، وهو ذكر الجنة وأهلها، فقال: ﴿هَذَا ذِكْرٌ﴾ ثم قال: ﴿وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ ثم لما أتم ذكر أهل الجنة وأراد","footnotes":"١ سورة ص: الآية ٤٩, ٥٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358929,"book_id":3862,"shamela_page_id":803,"part":"3","page_num":140,"sequence_num":803,"body":"أن يعقبه بذكر أهل النار قال: ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ وذلك من فصل الخطاب الذي هو ألطف موقعا من التخلص.\rوقد وردت لفظة \"هذا\" في الشعر, إلا أن ورودها فيه قليل بالنسبة إلى الكلام المنثور، فمن ذلك قول الشاعر المعروف بالخباز البلدي١ في قصيدة أولها:\rالعيش غض والزمان غرير\rإني ليعجبني الزنا في سحرة ... يروق لي بالجاشرية زير٢\rوأكاد من فرح السرور إذا بدا ... ضوء الصباح من الستور أطير\rوإذا رأيت الجو في فضية ... للغيم في جنباتها تكسير\rمنقوشة صدر البزاة كأنه ... فيروزج قد زانه بلور\rنادت بي اللذات ويحك فانتهز ... فرص المنى يا أيها المغرور\rمل بي إلى جور السقاة فإنني ... أهوى سقاة الكأس حين تجور\rهذا وكم لي بالجنينة سكرة ... أنا من بقايا شربها مخمور\rباكرتها وغصونها مغروزة ... والماء بين مروزها٣ مذعور\rفي ستة أنا والنديم وقينة ... والكأس والمزمار والطنبور","footnotes":"١ من بلدة يقال لها بلد من بلاد الجزايرة التي فيها الموصل. اسمه أبو بكر محمد بن أحمد بن حمدان. وكان أميا، وشعره كله ملح وتحف وطرف، ولا تخلو مقطوعة له من معنى حسن أو مثل سائر \"يتيمة الدهر ٢/ ٢٠٨\".\r٢ الجاشرية: شرب مع الصبح، وهي أيضا السحر. الزير: وتر من أوتار العود.\r٣ المرز بالفتح الحباس الذي يحبس الماء، فارمي معرب \"هامش القاموس مادة مرز\" والمروز جمع مرز، يريد أن الأغصان متشابكة تحبس الماء. مغزورة: أصابها مطر غزير أو ماء كثير.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358930,"book_id":3862,"shamela_page_id":804,"part":"3","page_num":141,"sequence_num":804,"body":"هذه الأبيات حسنة، وخروجها من شدق هذا الرجل الخباز عجيب، ولو جاءت في شعر أبي نواس لزانت ديوانه.\rوالاقتضاب الوارد في الشعر كثير لا يحصى, والتخلص بالنسبة إليه قطرة من بحر، ولا يكاد يوجد التخلص في شعر الشاعر المجيد إلا قليلا بالنسبة إلى المقتضب من شعره.\rفمن الاقتضاب قول أبي نواس في قصيدته النونية التي أولها:\rيا كثير النوح في الدمن\rوهذه القصيدة هي عين شعره, والملاحة للعيون، وهي تنزل منه منزلة الألف لا منزلة النون، إلا أنه لم يكمل حسنها بالتخلص من الغزل إلى المديح، بل اقتضبه اقتضابا، فبينا هو يصف الخمر ويقول:\rفاسقني كأسا على عذل ... كرهت مسموعه أذني\rمن كميت اللون صافية ... خير ما سلسلت في بدني\rما استقرت في فؤاد فتى ... فدرى ما لوعة الحزن\rحتى قال:\rتضحك الدنيا إلى ملك ... قام بالآثار والسنن\rسن للناس الندى فندوا ... فكأن البخل لم يكن١\rفأكثر مدائح أبي نواس مقتضبة هكذا، والتخلص غير ممكن في كل الأحوال، وهو من مستصعبات علم البيان.\rومن هذا الباب الذي نحن بصدد ذكره قول البحتري في قصيدته المشهورة بالجودة التي مدح بها الفتح بن خاقان وذكر لقاءه الأسد وقتله إياه، وأولها","footnotes":"١ الديوان ٤١٢ ومطلعها:\rيا كثير النوح في الدمن ... لا عليها بل على السكن","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358931,"book_id":3862,"shamela_page_id":805,"part":"3","page_num":142,"sequence_num":805,"body":"أجدك ما ينفك يسري لزينبا\rوهي من أمهات شعره، ومع ذلك لم يوفق فيها للتخلص من الغزل إلى المديح، فإنه بينما هو في تغزله وهو يقول:\rعهدتك إن منيت منيت موعدا ... جهاما وإن أبرقت أبرقت خلبا\rوكنت أرى أن الصدود الذي مضى ... دلال فما إن كان إلا تجنبا\rفوا أسفا حتام أسأل مانعا ... وآمن خوافا وأعتب مذنبا\rحتى قال في أثر ذلك:\rأقول لركب معتفين تدرعوا ... على عجل قطعا من الليل غيا\rردوا نائل الفتح بن خاقان إنه ... أعم ندى فيكم وأيسر مطلبا١\rفخرج إلى المديح بغير وصلة ولا سبب.\rوكذلك قوله في قصيدته المشهورة بالجودة التي مدح بها بن خاقان أيضا، وذكر نجاته عند انخساف الجسر به، وقد أغرب فيها كل الإغراب، وأحسن كل الإحسان وأولها:\rمتى لاح برق بدا طلل قفر\rفبينا هو في غزلها حتى قال:\rلعمرك ما الدنيا بناقصة الجدى ... إذا بقي الفتح بن خاقان والقطر٢\rفخرج إلى المديح مقتضبا له متعلقا به، وأمثال هذا في شعره كثير.","footnotes":"١ \"الديوان ١/ ٥٥\" وفي الديوان \"علمتك إن منيت\" و\"أقرب مطلبا\".\r٢ \"الديوان ١/ ٢١٧\" ومطلع القصيدة.\rمتى لاح أو بدا طلل قفر ... جرى مستهل الدمع لا بكئ ولا نزر","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358932,"book_id":3862,"shamela_page_id":806,"part":"3","page_num":143,"sequence_num":806,"body":"النوع الرابع والعشرون: في التناسب بين المعاني\rمدخل\r...\rالنوع الرابع والعشرون: في التناسب بين المعاني\rوينقسم إلى ثلاثة أقسام:\rالقسم الأول في المطابقة وهذا النوع يسمى البديع أيضا، وهو في المعاني ضد التجنيس في الألفاظ؛ لأن التجنيس هو أن يتحد اللفظ مع اختلاف المعنى، وهذا هو أن يكون المعنيان ضدين.\rوقد أجمع أرباب هذه الصناعة على أن المطابقة في الكلام هي الجمع بين الشيء وضده، كالسواد والبياض، والليل والنهار.\rوخالفهم في ذلك قدامة بن جعفر الكاتب فقال: المطابقة إيراد لفظين متساويين في البناء والصيغة مختلفين في المعنى.\rوهذا الذي ذكره هو التجنيس بعينه, غير أن الأسماء لا مشاحة فيها، إلا إذا كانت مشتقة.\rولننظر نحن في ذلك، وهو أن نكشف عن أصل المطابقة في وضع اللغة، وقد وجدنا الطباق في اللغة من طابق البعير في سيره، إذا وضع رجله موضع يده، وهذا يؤيد ما ذكره قدامة؛ لأن اليد غير الرجل لا ضدها، والموضع الذي يقعان فيه واحد، وكذلك المعنيان يكونان مختلفين واللفظ الذي يجمعهما واحد، فقدامة سمى هذا النوع من الكلام مطابقا، حيث كان الاسم مشتقا مما سمي به، وذلك مناسب وواقع في موقعه، إلا أنه جعل للتجنيس اسما آخر، وهو المطابقة، ولا بأس به، إلا إن كان مثله بالضدين، كالسواد والبياض، فإنه يكون قد خالف الأصل الذي أصله بالمثال الذي مثله١.","footnotes":"١ ذكر قدامة أن الناس يضعون من صفات الشعر المطابق والمجانس، وهما داخلان في باب ائتلاف اللفظ والمعنى. ومعناهما أن تكون في الشعر معان متغايرة قد اشتركت في لفظة=","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358933,"book_id":3862,"shamela_page_id":807,"part":"3","page_num":144,"sequence_num":807,"body":"وأما غيره من أرباب هذه الصناعة فإنهم سموا هذا الضرب من الكلام مطابقا لغير اشتقاق ولا مناسبة بينه وبين مسماه، هذا الظاهر لنا من هذا القول، إلا أن يكونوا قد علموا لذلك مناسبة لطيفة لم نعلمها نحن.\rولنرجع إلى ذكر هذا القسم من التأليف وإيضاح حقيقته، فنقول: الأليق من حيث المعنى أن يسمى هذا النوع المقابلة؛ لأنه لا يخلو الحال فيه من وجهين: إما أن يقابل الشيء بضده، أو يقابل بما ليس بضده، وليس لنا وجه ثالث.\rفأما الأول وهو مقابلة الشيء بضده كالسواد والبياض، وما جرى مجراهما فإنه ينقسم قسمين: أحدهما مقابلة في اللفظ والمعنى, والآخر مقابلة في المعنى دون اللفظ.\rالمقابلة في اللفظ والمعنى:\rأما المقابلة في اللفظ والمعنى فكقوله تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ ١ فقابل بين الضحك والبكاء والقليل والكثير.\rوكذلك قوله تعالى: ﴿لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ ٢ وهذا من أحسن ما يجيء في هذا الباب.\rوقال رسول الله ﷺ: \"خير المال عين ساهرة لعين نائمة\".","footnotes":"= واحدة وألفاظ متجانسة مشتقة. ثم عرف \"المطابق\" بأنه ما يشترك في لفظة واحدة بعينيها، وعرف \"المجانس\" بأن تكون المعاني اشتراكها في ألفاظ متجانسة على جهة الاشتقاق \"نقد الشعر ٩٢ طبقة برل. ليدن\".\rوقد سبق الآمدي ابن الأثير إلى نقد قدامة في تصرفه في المصطلحات، قال الآمدي: وهذا باب -أعني المطابق- لقبه قدامة \"المتكافي\" وسمي ضربا من المتجانس \"المطابق\" وما علمت أن أحد فعل هذا غيره.. ولم أكن أحب له أن يخالف من تقدمه مثل عبد الله بن المعتز وغيره ممن تكلم في هذه الأنواع وألف فيها \"الموازنة بين أبي تمام والبحتري ١/ ٢٧٥ طبعة دار المعارف\".\r١ التوبة ٨٢.\r٢ الحديد ٢٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358934,"book_id":3862,"shamela_page_id":808,"part":"3","page_num":145,"sequence_num":808,"body":"ومن الحسن المطبوع الذي ليس بمتكلف قول علي ﵁ لعثمان ﵁: \"إن الحق ثقيل مري, والباطل خفيف وبي، وأنت رجل إن صدقت سخطت، وإن كذبت رضيت\"، فقابل الحق بالباطل، والثقيل المري بالخفيف الوبي، والصدق بالكذب، والسخط بالرضا، وهذه خمس مقابلات في هذه الكلمات القصار.\rوكذلك ورد قوله ﵁ لما قال الخوارج: لا حكم إلا لله تعالى: \"هذه كلمة حق أريد بها باطل\". وقال الحجاج بن يوسف لسعيد بن جبير ﵁, وقد أحضره بين يديه ليقتله، فقال له: ما اسمك? قال: سعيد بن جبير، قال: بل أنت شقي بن كسير، وقد كان الحجاج من الفصحاء المعدودين، وفي كلامه هذا مطابقة حسنة، فإنه نقل الاسمين إلى ضدهما، فقال في سعيد: شقي، وفي جبير: كسير.\rوهذا النوع من الكلام لم تختص به اللغة العربية دون غيرها من اللغات.\rومما وجدته في لغة الفرس أنه لما مات قباذ أحد ملوكهم قال وزيره: \"حركنا بسكونه\".\rوأول كتاب الفصول لأبقراط في الطب قوله: العمر قصير، والصناعة طويلة. وهذا الكتاب على لغة اليونان.\rومن كلامي في هذا الباب ما كتبته في صدر مكتوب إلى بعض الإخوان، وهو: \"صدر هذا الكتاب عن قلب مقيم, وجسد سائر، وصبر مليم, وجزع عذر، وخاطر أدهشته لوعة الفراق فليس بخاطر\".\rوكذلك كتبت إلى بعض الإخوان أيضا، فقلت: صدر هذا الكتاب عن قلب مأنوس بلقائه, وطرف مستوحش لفراقه، فهذا مروع بكآبة إظلامه، وهذا ممتع ببهجة إشراقه، غير أن لقاء القلوب لقاء عنيت بمثله خواطر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358935,"book_id":3862,"shamela_page_id":809,"part":"3","page_num":146,"sequence_num":809,"body":"الأفكار، وتتناجى به من وراء الأستار، وذلك أخو الطيف الملم في المنام، الذي يموه بلقاء الأرواح على لقاء الأجسام\".\rومن هذا النوع ما ذكرته في كتاب أصف المسير من دمشق إلى الموصل على طريق المناظر، فقلت في جملته: \"ثم نزلت أرض الخابور فغربت الأرواح وشرفت الجسوم، وحصل الإعدام من المسار والإنزال من الهموم، وطالبتني النفس بالعود والقدرة مفلسة، وأويت إلى ظل الآمال والآمال مشمسة\".\rومن ذلك ما ذكرته في جملة كتاب إلى بعض الإخوان، وعرضت فيه بذكر جماعة من أهل الأدب، فقلت: \"وهم مسئولون ألا ينسوني في نادي فضلهم الذي هو منبع الآمال، وملتقط اللآل, فوجوه ألفاظه مشرقة بأيدي الأقلام المتسودة، وقلوب معانيه مستنبطة بنار الخواطر المتوقدة، والواغل إليه بشكر من خمرته التي تنبه العقول من إغفائها، ولا يشعر بها أحد غير أكفائها\".\rوهذه الفصول المذكورة لا خفاء بما تضمنته من محاسن المقابلة.\rومما ورد من هذا النوع شعرا قول جرير:\rوأعور من نبهان أما نهاره ... فأعمى وأما ليله فبصير١\rوكذلك ورد قول الفرزدق:\rقبح الإله بني كليب إنهم ... لا يغدرون ولا يفون بجار\rيستيقظون إلى نهيق حمارهم ... وتنام أعينهم عن الأوتار٢\rفقابل بين الغدر والوفاء، وبين التيقظ والنوم، وفي البيت الأول معنى يسأل عنه.","footnotes":"١ من قصيدته في هجاء أعور نبهان \"الديوان ٢٦٤\" يريد أنه في النهار أعمى عن الخيرات، وفي الليل يصير بالسيئات.\r٢ ديوان الفرزدق ٢/ ٤٤٨ في هجائه لجرير من قصيدة مطلعها:\rيابن المراغة إنما جاريتني ... بمسبقين لدى الفعال قصار\rوكان بالأصل \"بجار\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358936,"book_id":3862,"shamela_page_id":810,"part":"3","page_num":147,"sequence_num":810,"body":"وكذلك ورد قول بعضهم:\rفلا الجود يفني المال والجد مقبل ... ولا البخل يبقي المال والجد مدبر\rوقد أكثر أبو تمام من هذا في شعره فأحسن في موضع وأساء في موضع، فمن إحسانه قوله:\rما إن ترى الأحساب بيضا وضحا ... إلا بحيث ترى المنايا سودا\rوكذلك قال من هذه القصيدة أيضا:\rشرف على أولى الزمان وإنما ... خلق المناسب أن يكون جديدا١\rوعلى هذا النهج ورد قوله:\rإذا كانت النعمى سلوبا من امرئ ... غدت من خليجي كفه وهي متبع\rوإن عثرت سود الليالي وبيضها ... بوحدته ألفيتها وهي مجمع\rويوم يظل العز يحفظ وسطه ... بسمر العوالي والنفوس تضيع\rمصيف من الهيجا ومن جاحم الوغى ... ولكنه من وابل الدم مربع٢\rومن هذا الأسلوب قوله أيضا:\rتقرب الشقة القصوى إذا أخذت ... سلاحها وهو الإرقال والرمل\rإذا تظلمت من أرض فصلت بها ... كانت هي العز إلا أنها ذلل","footnotes":"١ من قصيدته في مدح خالد بن يزيد بن مزيد الشيباني، ومطلعها:\rطلل الجميع لقد عفوت حميدا ... وكفى على رزئي بذاك شهيدا\r\"الديوان ١/ ٤١٠\" كان في الأصل \"سوف\" بدلا من شرف، يريد أن ما كان حديثا جديدا كان خلقا لا يتفكر فيه.\r٢ من قصيدته في مدح أبي سعيد محمد بن يوسف الثغري \"الديوان ٢/ ٣١٧\" كان في الأصل \"وهو تبع\" و\"هيجاء\" و\"حاجم\"، السلوب: التي سلب منها ولدها. المتبع التي يتبعها ولدها. خليجي كفه المراد الكف الواحدة. يقول: إذا كانت النعمة من منعم واحدة فإن نعمة هذا الممدوح يتبعها غيرها من النعم. مصيف من الهيجا: هذا اليوم صيف من حر الحرب. مربع: مجتمع.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358937,"book_id":3862,"shamela_page_id":811,"part":"3","page_num":148,"sequence_num":811,"body":"المرضياتك ما أرغمت آنفها ... والهادياتك وهي الشرد الضلل١\rوعلى هذا النحو ورد قوله:\rوناضرة الصبا حين اسبكرت ... طلاع المرط والدرع اليدي\rتشكى الأين من نصف سريع ... إذا قامت ومن نصف بطي٢\rوقد جاء لأبي نواس ذلك فقال:\rأقلني قد ندمت على الذنوب ... وبالإقرار عذت من الجحود\rأنا استهديت عفوك من قريب ... كما استعفيت سخطك من بعيد٣\rفقابل بين الأضداد من الجحود والإقرار، والعفو والسخط، والقرب والبعد.\rوعلى نحو من ذلك ورد قول علي بن جبلة في أبي دلف العجلي٤ وهو:\rأيم المهير ونكاح الأيم ... يوماك يوم أبؤس وأنعم\rوجمع مجد وندى مقسم\rوكذلك قوله أيضا:\rهو الأمل المبسوط والأجل الذي ... يمر على أيامه الدهر أو يحلو","footnotes":"١ من مقطوعة يصف فيها شدة البرد بخراسان ويصف الإبل \"الديوان ٣٦٠\" والبيت الأخير بالديوان قبل الأول. والذي بالديوان \"وهي الرشد والضلل\" والإرقال والرمل ضربان من السير. ذلل: مطيعة منقادة.\r٢ من قصيدته في مدح الحسن بن وهب \"الديون ٣/ ٣٥١\".\rاسبكرت: تم شبابها. طلاع المرط: ملؤه يعني مرط المرأة.\rاليدي: الواسع، ويروى البدي بالباء وهو البديع العجيب.\rنصف سريع: ويروى خصرها الرقيق. نصف بطيء يريد ردفها الثقيل.\r٣ الديوان ٤٥٣ وليس البيت الثاني به، وبعد البيت الأول:\rوإن تصفح فإحسان جديد ... سبقت به إلى شكر جديد\r٤ يعرف علي بن جبلة بالعكوك، كان مداحا مجيد ووصافا بارعا، وكان ضريرا، مدح المأمون وحميد بن عبد الحميد الطوسي وأكثر من مدح أبي دلف وأجاد ومدح غير هؤلاء \"طبقات الشعراء لابن المعتز ١٧٠ والشعر والشعراء ٥٠ وتاريخ بغداد ١١/ ٣٥٩ وشذرات الذهب ٢/ ٣٠\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358938,"book_id":3862,"shamela_page_id":812,"part":"3","page_num":149,"sequence_num":812,"body":"ولا تحسن الأيام تفعل فعله ... وإن كان في تصريفها النقض والفعل\rفعش واحدا أما الشراء فمسلم ... مباح وأما الجار فهو حمى بسل\rومما جاء من هذا القسم قول البحتري:\rأحسن الله في ثوابك عن ثغـ ... ـر مضاع أحسنت فيه البلاء\rكان مستضعفا فعز ومحرو ... ما فأجدى ومظلما فأضاء١\rومن أحسن ما ورد له في هذا الباب قوله:\rأشكو إليك أناملا ما تنطوي ... بخلا وإملاقا تقصفها اليد\rأرضيهم قولا ولا يرضونني ... فعلا وتلك قضية لا تقصد\rفأذم منهم ما يذم وربما ... سامحتهم فحمدت ما لا يحمد٢\rوعلى هذا النهج ورد قوله:\rوتوقعي منك الإساءة جاهدا ... والعدل أن أتوقع الإحسانا\rوكما يسرك لين مسي راضيا ... فكذاك فاخش خشونتي غضبانا٣\rوأما أبو الطيب المتنبي فإنه استعمل هذا النوع قليلا في شعره، فمن ذلك قوله:\rثقال إذا لاقوا خفاف إذا دعوا ... كثير إذا شدوا قليل إذا عدوا٤","footnotes":"١ من قصيدته في مدح أبي سعيد محمد بن يوسف \"الديوان ١/ ٢\".\r٢ من قصيدته في مدح أبي أيوب ابن أخت أبي الوزير الديوان ١/ ١٧٦\" والنص بالديوان \"ما تنطوي بيسا\" والضمير في أرضيهم عائد على الناس في قوله:\rالناس حولك روضة ما ترتقي ... ريا النبات ومنهل ما يورد\r٣ من قصيدته في عتاب أبي العباس بن بسطام الديوان \"٢/ ٢٧٩\".\r٤ من قصيدته في مدح محمد بن سيار بن مكرم التميمي التي مطلعها:\rأقل فعالي بله أكثره مجد ... وذا الجد فيه نلت أم لم أنل جد\r\"الديوان ٢/ ١٠٨\" ثقال: نعت لمشايخ في البيت السابق له، يريد أنهم ثقال الوطأة على العدو. خفاف: سريعو الإجابة للنجدة. كثير إذا شدوا دلالة على أن الواحد منهم يسد مسد الجماعة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358939,"book_id":3862,"shamela_page_id":813,"part":"3","page_num":150,"sequence_num":813,"body":"وكذلك قوله:\rإلى رب مال كلما شت شمله ... تجمع في تشتيته للعلا شمل١\rومما استعذبته قوله في هذا الباب:\rكأن سهاد الليل يعشق مقلتي ... فبينهما في كل هجر لنا وصل٢\rومما جاء من هذا الباب:\rلما اعتنقنا للوداع وأعربت ... عبراتنا عنا بدمع ناطق\rفرقن بين معاجر ومحاجر ... وجمعن بين بنفسج وشقائق٣\rوهذا تحته معنى يسأل عنه غير المقابلة. وذهب بعض أهل العلم إلى أن المراد بالبنفسج والشقائق هو عارض الرجل وخد المرأة؛ لأن من العادة أن يشبه العارض بالبنفسج. وهذا قول غير سائغ؛ لأن العارض إنما يشبه بالبنفسج عند أول ظهوره, فإذا طر وظهرت خضرته في ابتداء سن الشباب شبه بالبنفسج؛ لأنه يكون بين الأخضر والأسود، وليس في الشعر ما يدل على أن المودع كان شابا قد طر عارضه، والذي يقتضيه المعنى أن المرأة قامت للوداع فمزقت خمارها, ولطمت","footnotes":"١ من قصيدته في مدح شجاع بن محمد الطائي المنبجي، التي مطلعها:\rعزيز أسى من داؤه الحدق النجل ... عياء به مات المحبون من قبل\r\"الديوان ٣/ ٣٧٠\" شت: تفرق. الشمل: الاجتماع، أي: كلما تفرق شمل ماله اجتمعت معاليه.\r٢ من القصيدة نفسها.\r٣ المعاجر: جمع معجر على وزن منبر ثوب تعتجر به المرأة.\rالمحاجر: جمع محجر على وزن مجلس وهو العين.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358940,"book_id":3862,"shamela_page_id":814,"part":"3","page_num":151,"sequence_num":814,"body":"حدها، فجمعت بين أثر اللطم، وهو شبيه بالبنفسج، وبين لون الخد وهو شبيه الشقائق، وفرقت بين خمارها وبين وجهها بالتمزيق وَلَها وموجدة على الوداع، هذا هو معنى البيت لا ما ذهب إليه هذا الرجل.\rالمقابلة في المعنى دون اللفظ:\rوأما المقابلة في المعنى دون اللفظ في الأضداد فمما جاء منه قول المقنع الكندي من شعراء الحماسة:\rلهم جل مالي إن تتابع لي غنى ... وإن قل مالي لم أكلفهم رفدا١\rفقوله: تتابع لي غنى, بمعنى قوله: كثر مالي, فهو إذا مقابلة من جهة المعنى، لا من جهة اللفظ؛ لأن حقيقة الأضداد اللفظية إنما هي في المفردات من الألفاظ، نحو: قام وقعد وحل وعقد، وقل وكثر، فإن القيام ضد القعود، والحل ضد العقد، والقليل ضد الكثير، فإذا ترك المفرد من الألفاظ وتوصل إلى مقابلته بلفظ مركب كان ذلك مقابلة معنوية لا لفظية، فاعرف ذلك.\rمقابلة الشيء بما ليس بضده:\rوأما مقابلة الشيء بما ليس بضده فهي ضربان: أحدهما ألا يكون مثلا، والآخر أن يكون مثلا, فالضرب الأول يتفرع إلى فرعين:\rالأول: ما كان بين المقابِل والمقابَل نوع مناسبة وتقارب، كقول قريط بن أنيف:","footnotes":"١ اسم الشاعر محمد بن ظفر بن عمير، من شعراء الدولة الأموية وكان فيما قالوا جميلا مشرق الوجه، فكان يستر وجهه لجماله، فسمي المقنع. وهذا البيت من أبيات اختارها أبو تمام في الحماسة، أولها.\rيعاتبني في الدين قومي وإنما ... ديوني في أشياء تكسبهم حمدا\r\"شرح ديوان الحماسة للمرزوقي ٣/ ١١٧٨\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358941,"book_id":3862,"shamela_page_id":815,"part":"3","page_num":152,"sequence_num":815,"body":"يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ... ومن إساءة أهل السوء إحسانا١\rفقابل الظلم بالمغفرة، وليس ضدا لها، وإنما هو ضد العدل، إلا أنه لما كانت المغفرة قريبة من العدل حسنت المقابلة بينهما وبين الظلم, وعلى هذا جاء قوله تعالى: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ ٢ فإن الرحمة ليست ضد الشدة، وإنما ضد الشدة اللين، إلا أنه لما كانت الرحمة من مسببات اللين حسنت المقابلة بينها وبين الشدة.\rوكذلك ورد قوله تعالى: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ﴾ ٣. فإن المصيبة سيئة؛ لأن كل مصيبة سيئة، وليس كل سيئة مصيبة، فالتقابل ههنا من جهة العام والخاص.\rالنوع الثاني: ما كان بين المقابل والمقابل به بعد، وذاك مما لا يحسن استعماله، كقول أم النحيف، وهو سعد بن قرط، وقد تزوج امرأة كانت نهته عنها، فقالت من أبيات تذمها فيها:\rتربص بها الأيام عل صروفها ... سترمي بها في جاحم متسعر\rفكم من كريم قد مناه إلهه ... بمذمومة الأخلاق واسعة الحر٤","footnotes":"١ من أبيات في الحماسة، يقرع فيها قومه على تخليهم عن نصرته، أولها:\rلو كنت من مازن لم تستبح إبلي ... بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا\r\"شرح الحماسة للمرزوقي ١/ ٢٢ والتبريزي.\r٢ الفتح ٢٩.\r٣ التوبة ٥٠.\r٤ في الأصل أم المحنف، وابن قرظ، لكن الذي في شرح الحماسة للتبريزي ٤/ ٣٥٢ وفي شرحها للمرزوقي ٤/ ١٨٦٢ هو ما أثبتناه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358942,"book_id":3862,"shamela_page_id":816,"part":"3","page_num":153,"sequence_num":816,"body":"فقولها: بمذمومة الأخلاق واسعة الحر, من المقابلة البعيدة، بل الأولى أن كانت قالت: بضيقة الأخلاق واسعة الحر, حتى تصح المقابلة.\rوهذا مما يدل على أن العربي غير مهتد إلى استعمال ذلك بصنعته، وإنما يجيء له منه ما يجيء بطبعه لا بتكلفه, وإذا أخطأ فإنه لا يعلم الخطأ ولا يشعر به، والدليل على ذلك أنه لو أبدلت لفظة مذمومة بلفظة ضيقة لصح الوزن، وحصلت المقابلة، وإنما يعذر من يعذر في ترك المقابلة في مثل هذا المقام إذا كان الوزن لا يواتيه.\rوأما المحدثون من الشعراء فإنهم اعتنوا بذلك خلاف ما كانت العرب عليه، لا جرم أنهم أشد ملامة من العرب.\rفمن ذلك قول أبي الطيب المتنبي:\rلمن تطلب الدنيا إذا لم ترد بها ... سرور محب أو إساءة مجرم١\rفإن المقابلة الصحيحة بين المحب والمبغض، لا بين المحب والمجرم، وليست متوسطة أيضًا حتى يقرب الحال فيها، وإنما هي بعيدة، فإنه ليس كل من أجرم إليك كان مبغضا لك.\rالمواخاة بين المعاني:\rومما يتصل بهذا الضرب ضرب من الكلام يسمى المواخاة بين المعاني، والمواخاة بين المباني, وكان ينبغي أن نعقد له بابا مفردا, لكنا لما رأيناه ينظر إلى التقابل من وجه وصلناه به.","footnotes":"١ هذه هي رواية الديوان \"٤/ ٣٤٣\" وفي الأصل يطلب ويرد ومساءة. والبيت من قصيدة في مدح كافور.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358943,"book_id":3862,"shamela_page_id":817,"part":"3","page_num":154,"sequence_num":817,"body":"أما المواخاة بين المعاني فهو أن يذكر المعنى مع أخيه, لا مع الأجنبي، مثاله أن تذكر وصفا من الأوصاف وتقرنه بما يقرب منه ويلتئم به، فإن ذكرته مع ما يبعد منه كان ذلك قدحا في الصناعة وإن كان جائزا.\rفمن ذلك قول الكميت:\rأم هل ظعائن بالعلياء رافعة ... وإن تكامل فيها الدل والشنب١\rفإن الدال يذكر مع الغنج وما أشبهه، والشنب يذكر مع اللعس وما أشبهه، وهذا موضع يغلط فيه أرباب النظم والنثر كثيرا، وهو مظنة الغلظ؛ لأنه يحتاج إلى ثاقب فكرة وحذق, بحيث توضع المعاني مع أخواتها، لا مع الأجنبي منها.\rوقرأت في كتاب الأغاني لأبي الفرج أنه اجتمع نصيب والكميت وذو الرمة، فأنشد الكميت\rأم هل ظعائن البيت\rفعقد نصيب واحدة، فقال له الكميت: ماذا تحصي? قال: خطأك، فإنك تباعدت في القول، أين الدل من الشنب? ألا قلت كما قال ذو الرمة.\rلمياء في شفتيها حوة لعس ... وفي للثاث وفي أنيابها شنب٢\rورأيت أبا نواس يقع في ذلك كثيرا، كقوله في وصف الديك:\rله اعتدال وانتصاب قد ... وجلده يشبه وشي البرد","footnotes":"١ ليس البيت بالهاشميات. الشنب: ماء ورقة وعذوبة وبرد في الأسنان.\r٢ الأغاني ١/ ١٣٤ مع بعض تغيير. الشنب: ماء ورقة وعذوبة وبرد في الأسنان. لمياء: سمراء الشفة. الحوة: حمرة مشوبة بسواد. اللعس: سواد مستحسن في الشفة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358944,"book_id":3862,"shamela_page_id":818,"part":"3","page_num":155,"sequence_num":818,"body":"كأنها الهداب في الفرند ... محدودب الظهر كريم الجد١\rفإنه ذكر الظهر وقرنه بذكر الجد، وهذا لا يناسب هذا؛ لأن الظهر من جملة الخلق، والجد من النسب، وكان ينبغي أن يذكر مع الظهر ما يقرب منه ويواخيه.\rوكذلك أخطأ أبو نواس في قوله أيضا:\rوقد حلفت يمينا ... مبرورة لا تكذب\rبرب زمزم والحو ... ض والصفا والمحصب٢\rفإن ذكر الحوض مع زمزم والصفا والمحصب غير مناسب، وإنما يذكر الحوض مع الصراط والميزان وما جرى مجراهما، وأما زمزم والصفا، والمحصب فيذكر معها الركن والحطيم، وما جرى مجراهما.\rوعلى هذا الأسلوب ورد قوله أيضا:\rأحسن من منزل بذي قار ... منزل خمارة وخمار\rوشم ريحانه ونرجسة ... أحسن من أينق بأكوار٣\rفالبيت الثاني لا مقارنة بين صدره وعجزه، وأين شم الريحان من الأينق","footnotes":"١ في الديوان تحقيق الغزالي \"٦٤٥\" مقطوعة في وصف ديك هندي، أولها:\rأنعت ديكا من ديوك الهند ... كريم عم وكريم جد\rوليس بها هذان البيتان. لكنهما في ديوانه من قصيدة في وصف ديك \"المطبعة العمومية\".\r٢ من مقطوعة مطلعها:\rحمدان ما لك تغضب ... علي في غير مغضب\r\"الديوان ٧٢٤\".\r٣ المطلع في الديوان \"١٦٠\":\rأحسن من منزلي بذي قار ... منزل خمارة بالأنبار\rالأكوار: جمع كور وهو الرحل.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358945,"book_id":3862,"shamela_page_id":819,"part":"3","page_num":156,"sequence_num":819,"body":"بالأكوار? وكان ينبغي له أن يقول: شم الريحان أحسن من شم الشيح والقيصوم، وركوب الفتيات الرود أحسن من ركوب الأينق بالأكوار، وكل هذا لا يتفطن لوضعه في مواضعه في كل الأوقات، وقد كان يغلب علي السهو في بعض الأحوال حتى أسلك هذه الطريق في وضع المعاني مع غير أنسابها وأقاربها، ثم إني كنت أتأمل ما صنعته بعد حين فأصلح ما سهوت عنه.\rالمؤاخاة بين المباني:\rالمؤاخاة بين المباني فإنه يتعلق بمباني الألفاظ.\rفمن ذلك قول أبي تمام في وصف الرماح:\rمثقفات سلبن العرب سمرتها ... والروم زرقتها والعاشق القضفا١\rوهذا البيت من أبيات أبي تمام الأفراد، غير أن فيه نظرا، وهو قوله العرب والروم ثم قال العاشق، ولو صح أن يقول العشاق لكان أحسن، إذ كانت الأوصاف تجري على \"نهج\" واحد، وكذلك قوله سمرتها وزرقتها, ثم قال القضفا، وكان ينبغي أن يقول: قضفها أو دقتها.\rوعلى هذا ورد قول مسلم بن الوليد:\rنفضت بك الأحلاس نفض إقامة ... واسترجعت نزاعها الأمصار\rفاذهب كما ذهبت غوادي مزنة ... يثني عليها السهل والأوعار٢","footnotes":"١ البيت من قصيدة في مدح أبي دلف القاسم بن عيسى العجلي \"الديوان ٣/ ٣٥٩\" ونصه في الديوان:\rمثقفات سلبن الروم زرقتها ... والعرب سمرتها والعاشق القضفا\rمثقفات مقومات. القضف: النحافة والضمور، يقول إنها مقومات معدلات، سمر كالعرب، زرق الأسنة كالروم ضامرة كالعاشق.\r٢ من رثائه ليزيد بن مزيد، والبيتان في الديوان ٣١٣:=","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358946,"book_id":3862,"shamela_page_id":820,"part":"3","page_num":157,"sequence_num":820,"body":"والأحسن أن يقال: السهل والوعر، أو السهول والأوعار، ليكون البناء اللفظي واحدا, أي: أن يكون اللفظان واردين على صيغة الجمع أو الإفراد، ولا يكون أحدهما مجموعا والآخر مفردا.\rوكذلك ورد قول أبي نواس في الخمر:\rصفراء مجدها مرازبها ... جلت عن النظراء والمثل١\rفجمع وأفرد في معنى واحد، وهو أنه قال النظراء مجموعا, ثم قال المثل مفردا، وكان الأحسن أن يقول: النظير والمثل، أو النظراء والأمثال.\rوعلى ذلك ورد قوله أيضا، والإنكار يتوجه فيه أكثر من الأول، وهو:\rألا يابن الذين فنوا فماتوا ... أما والله ما ماتوا لتبقى\rوما لك فاعلمن فيها مقام ... إذا استكملت آجالًا ورزقا٢\rوموضع الإنكار ههنا أنه قال: آجالا ورزقا, وكان ينبغي أن يقول: أرزاقا، أو أن يقول: آجلا ورزقا، وقد زاده إنكارا أنه جمع الأجل فقال: آجالا, والإنسان ليس له إلا أجل واحد، ولو قال أجلا وأرزاقا, لما عيب؛ لأن الأجل واحد والأرزاق كثيرة، لاختلاف ضروبها وأجناسها.","footnotes":"نقضت بك الآمال أحلاس الغنى ... واسترجعت نزاعها الأمصار\rفاذهب كما ذهبت غوادي مزنة ... أثنى عليها السهل والأوعار\rالأحلاس: جمع حلس وهو الذي يوضع تحت الرحل.\r١ من قصيدته التي مطلعها:\rكان الشباب مطية الجهل ... ومحسن الضحكات والهزل\r\"الديوان ٤٢\" المرازب والمرازبة جمع مرزبان وهو أحد حكام وقواد الفرس. ٢ رواية الديوان ٩٨ \"المطبعة العمومية\".\rألا يابن الذين فنوا وبادوا ... أما والله ما بادوا لتبقى\rوما لك فاعلمن بها مقام ... إذا استكملت آجالا ورزقا","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358947,"book_id":3862,"shamela_page_id":821,"part":"3","page_num":158,"sequence_num":821,"body":"وإذا أنصفنا في هذا الموضع وجدنا الناثر مطالبا به دون الناظم، لمكان إمكانه من التصرف, وقد كنت أرى هذا الضرب من الكلام واجبا في الاستعمال، وأنه لا يحسن المحيد عنه، حتى مر بي في القرآن الكريم ما يخالفه، كقوله تعالى في سورة النحل: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾ ١ ولو كان الأحسن لزوم البناء اللفظي على سنن واحد لجمع اليمين كما جمع الشمال أو أفرد الشمال كما أفرد اليمين.\rوكذلك ورد قوله تعالى:\r﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ ٢ فجمع القلوب والأبصار وأفرد السمع.\rوكذلك ورد قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ﴾ ٣ فذكر السمع بلفظ الإفراد وذكر الأبصار والجلود بلفظ الجمع.\rوفي القرآن الكريم مواضع كثيرة هكذا، ولو كان هذا معتبرا في الاستعمال لورد في كلام الله تعالى الذي هو أفصح من كل الكلام، والأخذ في مقام الفصاحة والبلاغة إنما يكون منه، والمعول عليه.\rوينبغي أن يقاس على هذا قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِين﴾ ٤.","footnotes":"١ النحل ٤٨.\r٢ النحل ١٠٨.\r٣ فصلت ٢٠.\r٤ يونس ٨٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358948,"book_id":3862,"shamela_page_id":822,"part":"3","page_num":159,"sequence_num":822,"body":"وربما قيل: إن هذه الآية اشتملت على تثنية وجمع وإفراد، وظن أنها من هذا الباب، وليس كذلك؛ لأنها مشتملة على خطاب موسى وهارون ﵉ أولًا في اتخاذ المساجد لقومهما، ثم ثنى الخطاب لهما ولقومهما جميعا، ثم أفرد موسى ﵇ ببشارة المؤمنين؛ لأنه صاحب الرسالة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358949,"book_id":3862,"shamela_page_id":823,"part":"3","page_num":159,"sequence_num":823,"body":"مقابلة الشيء بمثله:\rالضرب الثاني في مقابلة الشيء مثله، وهو يتفرع إلى فرعين: أحدهما: مقابلة المفرد بالمفرد، والآخر مقابلة الجملة بالجملة.\rالنوع الأول: كقوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ ١, وكقوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا﴾ ٢ وقد روعي هذا الموضع في القرآن الكريم كثيرا، فإذا ورد في صدر آية من الآيات ما يحتاج إلى جواب كان جوابه مماثلا، كقوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ ٣ وكقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ ٤, وهذا هو الأحسن، وإلا فلو قيل من كفر فعليه ذنبه, كان ذلك جائزا، لكن الأحسن هو ما ورد في كتاب الله تعالى، وعليه مدار الاستعمال.\rوهذا الحكم يجري في النظم والنثر من الأسجاع والأبيات الشعرية, فأما إن كان ذلك غير جواب، فإنه لا يلتزم فيه هذه المراعاة اللفظية، ألا ترى أنه قد قوبلت الكلمة بكلمة هي في معناها، وإن تكن مساوية لها في اللفظ، وهذا يقع في الألفاظ المترادفة، ولذا يستعمل ذلك في الموضع الذي ترد فيه الكلمة غير جواب.","footnotes":"١ التوبة ٦٧.\r٢ النمل ٥٠.\r٣ الروم ٤٤.\r٤ الشورى ٤٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358950,"book_id":3862,"shamela_page_id":824,"part":"3","page_num":160,"sequence_num":824,"body":"فمما جاء منه قوله تعالى: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ ١ ولو كان لا تورد الكلمة إلا مثلا لقيل وهو أعلم بما تعلمون.\rوكذلك قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ، إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ ٢ فقال: لا تخف بعد قوله: ففزع, ولما كان هذا في معنى هذا قوبل أحدهما بالآخر، ولم يقابل اللفظ بنفسه.\rوكذلك جاء قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ ٣ فذكر الاستهزاء الذي هو في معنى الخوض واللعب, وقابل به الخوض واللعب، ولو ذكره على حد المماثلة والمساواة لقال: أفي الله وآياته ورسوله كنتم تخوضون وتلعبون.\rفإن قيل: إنك قد احتججت بالقرآن الكريم فيما ذكرته، ونرى قد ورد في القرآن الكريم ما ينقضه، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾ ٤ ولم يقل جزاء سيئة سيئة مثلها, فالجواب على ذلك أني أقول: أردت أن تنقض على ما ذكرته فلم تنقضه، ولكنك شيدته، والذي ذكرته هو","footnotes":"١ الزمر ٧٠.\r٢ ص ٢١, ٢٢.\r٣ التوبة ٦٥.\r٤ يونس ٢٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358951,"book_id":3862,"shamela_page_id":825,"part":"3","page_num":161,"sequence_num":825,"body":"دليل لي لا لك، ألا ترى أنه لا فرق بين قوله تعالى: ﴿جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾ وبين قوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ إذ المعنى واحد لا يختلف، ولو جاء عوضا عن السيئة لفظة أخرى في معناها كالأذى والسوء أو ما جرى مجراهما لصح لك ما ذهبت إليه.\rوقد ذهب بعض المتصدرين في علم البيان أنه إذا ذكرت اللفظة في أول كلام يحتاج إلى تمام، وإن لم يكن جوابا كالذي تقدم، فينبغي أن تعاد بعينها في آخره، ومتى عدل عن ذلك كان معيبا، ثم مثل ذلك بقول أبي تمام وقول أبي الطيب المتنبي، فقال: إن أبا تمام أخطأ في قوله:\rبسط الرجاء لنا برغم نوائب ... كثرت بهن مصارع الآمال١\rفحيث ذكر الرجاء في صدر البيت فكان ينبغي أن يعيد ذكره أيضًا في عجزه، أو كان ذكر الآمال في صدر البيت وعجزه.\rوكذلك أخطأ أبو الطيب المتنبي في قوله:\rإني لأعلم واللبيب خبير ... أن الحياة وإن حرصت غرور٢\rفإنه قال:\rإني لأعلم واللبيب خبير\rوكان ينبغي أن يقول: إني لأعلم واللبيب عليم، ليكون ذلك تقابلا صحيحا.\rوهذا الذي ذكره هذا الرجل ليس بشيء، بل المعتمد عليه في هذا الباب أنه","footnotes":"١ من قصيدة في مدح الحسن بن رجاء، مطلعها:\rكفى وغاك فإنني لك قالي ... ليست هوادي عزمتي بتوالي\r\"الديوان ٣/ ٧٦\".\r٢ من رثائه لمحمد بن إسحاق التنوخي \"الديوان ٢/ ٢٧٨\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358952,"book_id":3862,"shamela_page_id":826,"part":"3","page_num":162,"sequence_num":826,"body":"إذا كانت اللفظة في معنى أختها جاز استعمالها في المقابلة بينهما، والدليل على ذلك ما قدمناه من آيات القرآن الكريم, وكفى به دليلا, وهذه الرموز التي هي أسرار الكلام لا يتفطن لاستعمالها إلا أحد رجلين: إما فقيه في علم البيان قد مارسه، وإما مشقوق اللسان في الفصاحة قد خلق عارفا بلطائفها, مستغنيا عن مطالعة صحائفها، وهذا لا يكون إلا عربي الفطرة يقول ما يقوله طبعا، على أنه لا يسدد في جميع أقواله، ما لم تكن معرفته الفطرية ممزوجة بمعرفته العرفية.\rالفرع الثاني في مقابلة الجملة بالجملة:\rاعلم أنه إذا كانت الجملة من الكلام مستقبلة قوبلت بمستقبلة، وإن كانت ماضية قوبلت بماضية، وربما قوبلت الماضية بالمستقبلة, والمستقبلة بالماضية، إذا كانت إحداهما في معنى الأخرى.\rفمن ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ ١, فإن هذا تقابل من جهة المعنى، ولو كان التقابل من جهة اللفظ لقال: وإن اهتديت فإنما أهتدي لها.\rوبيان تقابل هذا الكلام من جهة المعنى هو أن النفس كل ما عليها فهو بها، أعني أن كل ما هو وبال عليها وضار لها فهو بسببها ومنها؛ لأنها الأمارة بالسوء، وكل ما هو لها مما ينفعها, فبهداية ربها وتوفيقه إياها، وهذا حكم عام لكل مكلف، وإنما أمر رسول الله ﷺ أن يسند ذلك إلى نفسه؛ لأن الرسول إذا دخل تحته مع علو محله وسداد طريقته كان غيره أولى به.\rومن هذا الضرب قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ ٢, فإنه لم يراع التقابل في قوله \"ليسكنوا فيه ومبصرا\"؛ لأن","footnotes":"١ سورة سبأ ٥٠.\r٢ سورة النمل ٨٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358953,"book_id":3862,"shamela_page_id":827,"part":"3","page_num":163,"sequence_num":827,"body":"القياس يقتضي أن يكون \"والنهار ليبصروا فيه\" وإنما هو مراعى من جهة المعنى لا من جهة اللفظ، وهذا النظم المطبوع غير المتكلف؛ لأن معنى قوله: مبصرا لتبصروا فيه طرق التقلب في الحاجات.\rواعلم أن في تقابل المعاني بابا عجيب الأمر يحتاج إلى فضل تأمل، وزيادة نظر، وهو يختص بالفواصل من الكلام المنثور، وبالأعجاز من الأبيات الشعرية.\rفمما جاء من ذلك قوله تعالى في ذم المنافقين: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ، أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٢.\rألا ترى كيف فصل الآية الأخرى بيعلمون, والآية التي قبلها بيشعرون، وإنما فعل ذلك؛ لأن أمر الديانة والوقوف على أن المؤمنين على الحق وهم على الباطل, يحتاج إلى نظر واستدلال حتى يكتسب الناظر العلم والمعرفة بذلك، وأما النفاق وما فيه من البغي المؤدي إلى الفتنة والفساد في الأرض فأمر دنيوي مبني على العادات, معلوم عند الناس خصوصا عند العرب, وما كان فيهم من التجارب والتغاور، وفهو كالمحسوس عندهم، فلذلك قال فيه: ﴿لا يَشْعُرُونَ﴾ وأيضا فإنه لما ذكر السفه في الآية الأخيرة وهو جهل, كان ذكر العلم معه أحسن طباقا, فقال: ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ .\rوآيات القرآن جميعها فصلت هكذا، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ ٣ وكقوله تعالى:","footnotes":"١ سورة البقرة ١١, ١٢.\r٢ سورة البقرة ١٣.\r٣ سورة الحج ٦٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358954,"book_id":3862,"shamela_page_id":828,"part":"3","page_num":164,"sequence_num":828,"body":"﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ ١. وكقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٢.\rفإنه إنما فصلت الآية الأولى بلطيف خبير؛ لأن ذلك في موضع الرحمة لخلقه بإنزال الغيث وغيره، وأما الآية الثانية فإنما فصلت بغني حميد؛ لأنه قال: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ له لا لحجة، بل هو غني عنها، جواد بها؛ لأنه ليس كل غني نافعا لغناه, إلا إذا كان جوادًا منعمًا، وإذا جاد وأنعم حمده المنعم عليه، واستحق عليه الحمد، فذكر الحميد ليدل على أنه الغني النافع بغناه خلقه.\rوأما الآية الثالثة فإنها فصلت برءوف رحيم؛ لأنه لما عدد للناس ما أنعم به عليهم من تسخير ما في الأرض لهم وإجراء الفلك في البحر بهم, وتسييرهم في ذلك الهول العظيم, وخلقه السماء فوقهم, وإمساكه إياهن عن الوقوع, حسن أن يفصل ذلك بقوله: \"رءوف رحيم\" أي: إن هذا الفعل فعل رءوف بكم رحيم لكم.\rواعلم أيها المتأمل لكتابنا هذا أنه قلما توجد هذه الملاءمة والمناسبة في كلام ناظم أو ناثر.\rومن الآيات ما تشكل فاصلته فتحتاج إلى فكرة وتأمل, كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ، وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ، وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ ٣.","footnotes":"١ سورة الحج ٦٤.\r٢ سورة الحج ٦٥.\r٣ سورة النور ٦-١٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358955,"book_id":3862,"shamela_page_id":829,"part":"3","page_num":165,"sequence_num":829,"body":"فإنه قد وردت الفاصلة في غير هذا الموضع بتواب رحيم، ويظن الظان أن هذا كذلك، ويقول إن التوبة مع الرحمة لا مع الحكمة، وليس كما يظن، بل الفاصلة بتواب حكيم أولى من تواب رحيم؛ لأن الله ﷿ حكم بالتلاعن على الصورة التي أمر بها، وأراد بذلك ستر هذه الفاحشة على عباده، وذلك حكمة منه، ففصلت الآية الواردة في آخر الآيات بتواب حكيم، فجمع فيها بين التوبة المرجوة من صاحب المعصية وبين الحكمة في سترها على تلك الصورة.\rوهذا الباب ليس في علم البيان أكثر منه نفعا ولا أعظم فائدة.\rومما جاء من هذا الباب قول أبي الطيب المتنبي:\rوقفت وما في الموت شك لواقف ... كأنك في جفن الردى وهو نائم\rتمر بك الأبطال كلمى هزيمة ... ووجهك وضاح وثغرك باسم\rوقد أوخذ على ذلك، وقيل: لو جعل آخر البيت الأول آخرا للبيت الثاني وآخر البيت الثاني آخرا للبيت الأول لكان أولى.\rولذلك حكاية, وهي أنه لما استنشده سيف الدولة يوما قصيدته التي أولها:\rعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم١\rفلما بلغ إلى هذين البيتين قال: قد انتقدتهما عليك, كما انتقد على امرئ القيس قوله:\rكأني لم أركب جوادًا للذة ... ولم أتبطن كاعبًا ذات خلخال","footnotes":"١ مطلع القصيدة في مدح سيف الدولة لما بنى ثغر الحدث ٣٤٣هـ.\rعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكرام المكارم\r\"الديوان ٤/ ١٢٢\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358956,"book_id":3862,"shamela_page_id":830,"part":"3","page_num":166,"sequence_num":830,"body":"ولم أسبأ الزق الروي ولم أقل ... لخيلي كري كرة بعد إجفال١\rفبيتاك لم يلتئم شطراهما، كما لم يلتئم شطرا بيتي امرئ القيس، وكان ينبغي لك أن تقول:\rوقفت وما في الموت شك لواقف ... ووجهك وضاح وثغرك باسم\rتمر بك الأبطال كلمى هزيمة ... كأنك في جفن الردى وهو نائم\rفقال المتنبي: إن صح أن الذي استدرك على امرئ القيس هذا أعلم بالشعر منه فقد أخطأ امرؤ القيس وأخطأت أنا، ومولانا يعلم أن الثوب لا يعلمه البزاز كما يعلمه الحائك؛ لأن البزاز يعرف جملته، والحائك يعرف تفاصيله، وإنما قرن امرؤ القيس النساء بلذة الركوب للصيد، وقرن السماحة بسباء الخمر للأضياف بالشجاعة في منازلة الأعداء، وكذلك لما ذكرت الموت في صدر البيت الأول أتبعته بذكر الردى في آخره، ليكون أحسن تلاؤما، ولما كان وجه المنهزم الجريح عبوسا وعينه باكية قلت: ووجهك وضاح وثغرك باسم؛ لأجمع بين الأضداد.","footnotes":"١ من قصيدته التي مطلعها:\rألا عم صباحا أيها الطلل البالي ... وهل يعمن من كان في العصر الخالي\r\"الديوان ٢٧\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358957,"book_id":3862,"shamela_page_id":831,"part":"3","page_num":166,"sequence_num":831,"body":"صحة التقسيم وفساده:\rولسنا نريد بذلك ههنا ما تقتضيه القسمة العقلية، كما يذهب إليه المتكلمون, فإن ذلك يقتضي أشياء مستحيلة كقولهم: الجواهر لا تخلو إما تكون مجتمعة أو مفترقة، أو لا مجتمعة ولا مفترقة، أو مجتمعة ومفترقة، أو بعضها مجتمعة وبعضها مفترقة.\rألا ترى أن هذه القسمة صحيحة من حيث العقل، لاستيفاء الأقسام جميعها, وإن كان من جملتها ما يستحيل وجوده.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358958,"book_id":3862,"shamela_page_id":832,"part":"3","page_num":167,"sequence_num":832,"body":"وإنما نريد بالتقسيم ههنا ما يقتضيه المعنى مما يمكن وجوده من غير أن يترك منها قسم واحد، وإذا ذكرت قام كل قسم منها بنفسه، ولم يشارك غيره، فتارة يكون التقسيم بلفظة إما, وتارة بلفظة بين, كقولنا: بين كذا وكذا، وتارة بلفظة منهم، كقولنا: منهم كذا ومنهم كذا، وتارة بأن يذكر العدد المراد أولًا بالذكر، ثم يقسم، كقولنا: فانشعب القوم شعبا أربعا، فشعبة ذهبت يمينا, وشعبة ذهبت شمالا وشعبة وقفت بمكانها، وشعبة رجعت إلى ورائها.\rفمما جاء من هذا القسم قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ ١.\rوهذه قسمة صحيحة، فإنه لا يخلو العباد من هذه الثلاثة, فإما عاص ظالم لنفسه، وإما مطيع مبادر إلى الخيرات، وإما مقتصد بينهما.\rومن ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً، فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ، وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ، وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ ٢. وهذه الآية منطبقة المعنى على الآية التي قبلها، فأصحاب المشأمة هم الظالمون لأنفسهم، وأصحاب الميمنة هم المقتصدون، والسابقون هم السابقون بالخيرات.\rوعلى نحو ذلك جاء قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ ٣. فإن الناس عند رؤية البرق بين خائف وطامع، وليس لنا قسم ثالث.\rفإن قيل: إن استيفاء الأقسام ليس شرطا، وترك بعض الأقسام لا يقدح في الكلام، وقد ورد في القرآن الكريم كقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ","footnotes":"١ سورة فاطر ٣٢.\r٢ سورة الواقعة ٧-١٠.\r٣ سورة الرعد ١٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358959,"book_id":3862,"shamela_page_id":833,"part":"3","page_num":168,"sequence_num":833,"body":"النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ ١, فذكر أصحاب الجنة دون أصحاب النار, فالجواب عن ذلك أني أقول: هذا لا ينقض علي ما ذكرته، فإن استيفاء الأقسام يلزم فيما استبهم الإجمال فيه، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ﴾ فإنه حيث قال \"فمنهم\" لزم استيفاء الأقسام الثلاثة، ولو اقتصر على قسمين منها لم يجز، وأما هذه الآية التي هي ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ فإنه إنما خص أصحاب الجنة بالذكر, للعلم بأن أصحاب النار لا فوز لهم، ولو خص أصحاب النار بالذكر لعلم أيضًا ما لأصحاب الجنة.\rوكذلك كل ما يجري هذا المجرى، فإنه إنما ينظر فيه إلى المستبهم وغير المستبهم فاعرفه.\rوكان جماعة من أرباب هذه الصناعة يعجبون بقول بعض الأعراب، ويزعمون أن ذلك من أصح التقسيمات، وهو قولهم: \"النعم ثلاث: نعمة في حال كونها، ونعمة ترجى مستقبلة، ونعمة تأتي غير محتسبة، فأبقى الله عليك ما أنت فيه، وحقق ظنك فيما ترتجيه، وتفضل عليك بما لم تحتسبه\".\rوهذا القول فاسد، فإن في أقسام النعم التي قسمها نقصا لا بد منه، وزيادة لا حاجة إليها، فأما النقص فإغفال النعمة الماضية، وأما الزيادة فقوله بعد المستقبلة: \"ونعمة تأتي غير محتسبة\"؛ لأن النعمة التي تأتي غير محتسبة داخلة في قسم النعمة المستقبلة, وذاك أن النعمة المستقبلة تنقس قسمين: أحدهما يرجى حصوله، والآخر لا يحتسب، فقوله: \"ونعمة تأتي غير محتسبة\"، يوهم أن هذا القسم غير المستقبل، وهو داخل فيه.","footnotes":"١ سورة الحشر ٢٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358960,"book_id":3862,"shamela_page_id":834,"part":"3","page_num":169,"sequence_num":834,"body":"وعلى هذا فكان ينبغي له أن يقول: النعم ثلاث: نعمة ماضية، ونعمة في حال كونها، ونعمة تأتي مستقبلة، فأحسن الله آثار النعمة الماضية، وأبقى عليك النعمة التي أنت فيها، ووفر حظك من النعمة التي تستقبلها.\rألا تراه لو قال ذلك لكان قد طبق به مفصل الصواب?\rوقد استوفى أبو تمام هذا المعنى في قوله:\rجمعت لنا فرق الأماني منكم ... بأبر من روح الحياة وأوصل\rفصنيعة في يومها وصنيعة ... قد أحولت وصنيعة لم تحول\rكالمزن من ماء الرباب فمقبل ... متنظر ومخيم متهلل١\rووقف أعرابي على مجلس الحسن البصري ﵁ فقال: \"رحم الله عبدا أعطى من سعة، أو آسى من كفاف، أو آثر من قلة\"، فقال الحسن البصري: ما ترك لأحد عذرا.\rوقد عاب أبو هلال العسكري على جميل قوله:\rلو كان في قلبي كقدر قلامة ... حبا وصلتك أو أتتك رسائلي٢\rفقال أبو هلال: إن إتيان الرسائل داخل في جملة الوصل٣. وليس الأمر","footnotes":"١ من مدحه لأحمد بن أبي داود الإيادي \"الديوان ٣/ ٤٩\" في الأصل فوق بدلا من فرق.\r٢ قبل هذا البيت أبيات منها:\rفلرب عارضة علينا وصلها ... بالجد تخلطه بقول الهازل\rفأجبتها بالرفق بعد تستر ... حبي بثينة عن وصالك شاغلي\r\"الديوان ٨٣\".\r٣ الصناعتين ٣٤٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358961,"book_id":3862,"shamela_page_id":835,"part":"3","page_num":170,"sequence_num":835,"body":"كما وقع له، فإن جميلا إنما أراد بقوله: وصلتك أي: أتيتك زائرا وقاصدا, أو كنت راسلتك مراسلة، والوصل لا يخرج عن هذين الوصفين, إما زيارة، وإما رسالة.\rومن أعجب ما وجدته في هذا الباب ما ذكره أبو العلاء محمد بن غانم المعروف بالغانمي هو قول العباس بن الأحنف:\rوصالكم هجر وحبكم قلى ... وعطفكم صد وسلمكم حرب١\rثم قال الغانمي: هذا والله أصح من تقسيمات إقليدس٢.\rويالله العجب, أين التقسيم من هذا البيت? هذا والله في واد والتقسيم في واد، ألا ترى أنه لم يذكر شيئا تحضره القسمة، وإنما ذم أحبابه في سوء صنيعهم به، فذكر بعض أحواله معهم، ولو قال أيضا:\rولينكم عنف وقربكم نوى ... وإعطاؤكم منع وصدقكم كذب\rلكان هذا جائزا، وكذلك لو زاد بيتا آخر لجاز، ولو أنه تقسيم لما احتمل زيادة، والأولى أن يضاف هذا البيت الذي ذكره الغانمي إلى باب المقابلة، فإنه أولى به؛ لأنه قابل الوصل بالهجر، والعطف بالصد، والسلم بالحرب.\rومن فساد التقسيم قول البحتري في قصيدته التي مطلعها:\rذاك وادي الأراك فاحبس قليلا\rفقال:","footnotes":"١ \"الديوان ١٣\".\r٢ سبق التعريف بالغانمي. إقليدس: رياضي هندسي يوناني قديم.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358962,"book_id":3862,"shamela_page_id":836,"part":"3","page_num":171,"sequence_num":836,"body":"قف مشوقًا أو سعدًا أو حزينا ... أو معينًا أو عاذرًا أو عذولا١\rفإن المشوق يكون حزينا، والمسعد يكون معينا، وكذلك يكون عاذرا، وكثيرا ما يقع البحتري في مثل ذلك.\rوكذلك ورد قول أبي الطيب المتنبي وهو:\rفافخر فإن الناس فيك ثلاثة ... مستعظم أو حاسد أو جاهل٢\rفإن المستعظم يكون حاسدًا، والحاسد يكون مستعظمًا, ومن شرط التقسيم ألا تتداخل أقسامه بعضها في بعض.\rومن هذا الأسلوب ما ورد في أبيات الحماسة٣، وهو:\rوكنت امرأ إما ائتمنتك خاليا ... فخنت وإما قلت قولا بلا علم\rفأنت من الأمر الذي قد أتيته ... بمنزلة بين الخيانة والإثم\rفإن الخيانة من الإثم، وهذا تقسيم فاسد.","footnotes":"١ في مدح محمد بن علي عيسى القمي. والشطر الثاني هو: \"مقصرا من صبابة أو مطيلا\" الديوان ٢/ ٢١٠.\r٢ من قصيدة في مدح القاضي أبو الفضل أحمد بن عبد الله الأنطاكي، مطلعها:\rلك يا منازل في القلوب منازل ... أقفرت أنت وهن منك أو أهل\r\"الديوان ٢/ ٤٥٥\".\rوفي الديوان \"يا أفخر\" يريد يا هذا افخر، فحذف المنادى كقراءة علي بن حمزة: \"أَلَّا يا اسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ\" أو أن حرف النداء هنا للتنبيه مثل ألا, كقول ذي الرمة:\rألا يا اسلمى يا دار مي على البلى ... ولا زال منهلا بجرعائك القطر\r٣ ذكر التبريزي أن القائل عبد الله بن همام السلولي، وكان قد وشى به واش إلى زياد بن أبي سفيان، ثم جمع بينهما زياد، فقال عبد الله للواشي هذين البيتين وفي الحماسة \"وأنت امرؤ إما ائتمنتك\".\r\"شرح التبريزي لديوان الحماسة ٣/ ١٤٢ وشرح المرزوقي ٣/ ١١٣٩\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358963,"book_id":3862,"shamela_page_id":837,"part":"3","page_num":172,"sequence_num":837,"body":"ومما جاء من ذلك نثرا قول بعضهم في ذكر منهزمين: \"فمن جريح متضرج بدمائه، وهارب لا يلتفت إلى ورائه\"، فإن الجريح قد يكون هاربا، والهارب قد يكون جريحا، ولو قال: فمن بين قتيل ومأسور وناج، لصح له التقسيم, أو لو قال: فمن بين قتيل ومأسور لصح له التقسيم أيضًا, لعدم الناجي بينهما.\rوقد أحسن البحتري في هذا المعنى حيث قال:\rغادرتهم أيدي المنية صبحا ... بالقنا بين ركع وسجود\rفهم فرقتان بين قتيل ... قنصت نفسه بحد الحديد\rأو أسير غدا له السجن لحدًا ... فهو حي في حالة الملحود\rفرقة للسيوف ينفذ فيها الحكم قصدًا أو فرقة للقيود١.\rومن فساد التقسيم قول أبي تمام:\rوموقف بين حكم الذل منقطع ... صاليه أو بحبال الموت متصل٢\rفإنه جعل صالي هذا الموقف إما ذليلا عنه أو هالكا فيه، وههنا قسم ثالث، وهو ألا يكون ذليلا ولا هالكا، بل يكون مقدما فيه ناجيا.\rوفي هذا نظر على من ادعى فساد تقسيمه، فإن أبا تمام قصد الغلو في وصف هذا الموقف، فقال: إن الناس فيه أحد رجلين: إما ذليل عن مورده، وإما هالك فيه أي: إنه لا ينجو منه أحد يرده.\rوهذا تقسيم صحيح لا فساد فيه.","footnotes":"١ ليست بديوانه.\r٢ من قصيدته في مدح المعتصم بالله والذي في الديوان \"ومشهد بين حكم الذل\" الديوان ٣/ ١٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358964,"book_id":3862,"shamela_page_id":838,"part":"3","page_num":173,"sequence_num":838,"body":"ترتيب التغير:\rوالقسم الثالث في ترتيب التفسير وما يصح من ذلك وما يفسد.\rاعلم أن صحة الترتيب في ذلك أن يذكر في الكلام معان مختلفة، فإذا عيد إليها بالذكر لتفسر قدم المقدم وأخر المؤخر، وهو الأحسن، إلا أنه قد ورد في القرآن الكريم وغيره من الكلام الفصيح ولم يراع فيه تقديم المقدم ولا تأخير المؤخر، كقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ ١, ولو قدم تفسير المقدم في هذه الآية وأخر تفسير المؤخر لقيل: إن نشأ نسقط عليهم كسفا من السماء أو نخسف بهم الأرض.\rوكذلك ورد قوله تعالى: ﴿يوم تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ، وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ ٢, فقدم المؤخر وأخر المقدم.\rوالقسمان وردا جميعًا في القرآن الكريم:\rفمما روعي فيه تقديم المقدم وتأخير المؤخر قوله تعالى: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ، يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ، فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ، خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ، وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ","footnotes":"١ سورة سبأ ٩.\r٢ سورة آل عمران ١٠٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358965,"book_id":3862,"shamela_page_id":839,"part":"3","page_num":174,"sequence_num":839,"body":"فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ ١.\rومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ ٢.\rوكذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ ٣, فلما قدم الليل في الذكر على النهار قدم سبب الليل، وهو السكون على سبب النهار، وهو التعيش.\rومن ذلك ما كتبته في كتاب تعزية، وهو فصل منه فقلت: ولقد أوحشت منه المعالي كما أوحشت المنازل، وآمت المكارم كما آمت الحلائل، وعمت لوعة خطبه فما تشتكي ثكلى إلا إلى ثاكل، وما أقول فيمن عدمت الأرض منه حياها، والمحامد محياها، فلو نطق الجماد بلسان، وتصور المعنى لعيان، لأعربت تلك عن ظمأ صعيدها، وبرزت هذه حاسرة حول فقيدها.\rومن ذلك ما كتبته في فصل من كتاب إلى بعض الإخوان، فقلت: \"وما زالت أيادي سيدنا متنوعة في زيادة جودها وكتابها، فهذه متطولة بترقية وردها, وهذه آخذة بسنة أغبابها، وأحسن ما في الأولى أنها تأتي متحلية بفواضل الإكثار، وفي الثانية أنها تأتي متحلية بفضائل الاختصار، فاختصار هذه في فوائد أقلامها، كتطويل تلك في عوائد إنعامها، وقد أصبحت خواطري مستغرقة بإنشاء القول المبتكر، في شكر الفضل المطول وجواب البيان المختصر،","footnotes":"١ سورة هود ١٠.\r٢ سورة الإسراء ١٢.\r٣ سورة يونس ٦٧ كان في الأصل تحريف في الآية.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358966,"book_id":3862,"shamela_page_id":840,"part":"3","page_num":175,"sequence_num":840,"body":"وما جعل الله لها من سلطان البلاغة ما يستغل بأداء حقوق تنقل على الرقاب، ومقابلة بلاغات تثقل على الألباب\".\rومما جاء من ذلك شعرا قول إبراهيم بن العباس:\rلنا إبل كوم يضيق بها الفضا ... ويفتر عنها أرضها وسماؤها\rفمن دونها أن تستباح دماؤنا ... ومن دوننا أن تستباح دماؤها\rحمى وقرى فالموت دون مرامها ... وأيسر خطب يوم حق فناؤها١\rوهذه الأبيات من نادر ما يجيء في هذا الباب معنى وترتيب تفسير.\rومما جاء منه أيضًا قول أبي تمام:\rوما هو إلا الوحي أو حد مرهف ... تميل ظباه أخدعي كل ماثل\rفهذا دواء الداء من كل عالم ... وهذا دواء الداء من كل جاهل\rوكذلك قوله أيضا:\rوكان لهم غيثًا وعلمًا فمعدم ... فيسأله أو باحث فيسائله٢\rوهذا من بديع ما يأتي في هذا الباب.\rومما ورد منه قول علي بن جبلة:\rفتى وقف الأيام بالسخط والرضا ... على بذل عرف أو على حد منصل٣\rومن الحسن في هذا الباب قول أبي نواس:","footnotes":"١ ديوان إبراهيم بن العباس بن محمد بن صول ١٦٣, كوم: جمع كوماء وهي الناقة الضخمة السنام.\r٢ من قصيدته في مدح المعتصم والأفشين التي مطلعها:\rغدا الملك معمور الحمى والمنازل ... منور وحف الروض عذب المناهل\r\"الديوان ٣/ ٧٩\".\r٣ \"الديوان ٣٧٧ في رثاء القاسم بن طوق\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358967,"book_id":3862,"shamela_page_id":841,"part":"3","page_num":176,"sequence_num":841,"body":"يزجو ويخشى حالتيك الورى ... كأنك الجنة والنار١\rوكذلك ورد قول بعض المتأخرين، وهو القاضي الأرجاني:\rيوم المتيم فيك حول كامل ... يتعاقب الفصلان فيه إذا أتى\rما بين حر جوى وماء مدامع ... إن حن صاف وإن بكى وجدا شتا٢\rومما أخذ على الفرزدق في هذا الباب قوله:\rلقد جئت قوما لو لجأت إليهم ... طريد دم أو حاملًا ثقل مغرم\rلألفيت منهم معطيا أو مطاعنا ... وراءك شزرا بالوشيج المقوم٣\rلأنه أصاب في التفسير وأخطأ في الترتيب، وذاك أنه أتى بتفسير ما هو أول في البيت الأول ثانيًا في البيت الثاني، والأولى أن كان أتى بتفسير ذلك مرتبا، ففسر ما هو أول في البيت الأول بما هو مكان في البيت الثاني.","footnotes":"١ من قصيدته التي مدح بها العباس بن الفضل بن الربيع، التي مطلعها:\rأمنك للمكتوم إظهار ... أم منك تغبيب وإنكار\rالديوان ٤٤٤، تغبيب: دفاع عني.\r٢ من مدحته للفقيه جمال الدين بن الحسن بن سليمان، ومطلعها:\rيا معرضا قد آن أن تتلفتا ... تعذيب قلبي المستهام إلى متى\r٣ كان القعقاع بن عوف بن معبد زرارة قد أصاب دما في بني سعد بن زيد مناة وهرب، فشكاه بنو سعد إلى والي البصرة حينئذ عبيد الله بن زياد، فبعث وراءه رئيس شرطته هبيرة بن ضمضم المجاشعي، وقاله له: لئن لم تأتني به قتلتك، فظفر به هبيرة، فامتنع عليه، فصوب إليه هبيرة الرمح ليستسلم وهو لا يريد قتله، فأصابه الرمح في جوفه فمات مكانه، وعاد هبيرة خائبا، فقال الفرزدق أبياتا يعرض فيها بضمضم، مطلعها.\rوقائلة والدمع يحدر كحلها ... لبئس المدى أجرى إليه ابن ضمضم\rوالبيتان في الديوان هكذا:\rلقد خنت قوما لو لجأت إليهم ... طريد دم أو حاملا ثقل مغرم\rلألفيت منهم مطعما ومطاعنا ... وراءك شزرا بالوشيج المقوم\rالديوان ٢/ ٧٤٩ شزرا: المراد في غضب. الوشيج المقوم: الرمح.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358968,"book_id":3862,"shamela_page_id":842,"part":"3","page_num":177,"sequence_num":842,"body":"واعلم أن الناظم لا ينكر عليه الذي ينكر على الناثر؛ لأن الناظم يضطره الوزن والقافية إلى ترك الأولى.\rوأما فساد التفسير فإنه أقبح من فساد ترتيبه، وذاك أن يؤتى بكلام ثم يفسر تفسيرا لا يناسبه، وهو عيب لا تسامح فيه بحال، وذلك كقول بعضهم:\rفيا أيها الحيران في ظلمة الدجى ... ومن خاف أن يلقاه بغي من العدا\rتعال إليه تلق من نور وجهه ... ضياء ومن كفيه بحرا من الندى\rوكان يجب لهذا الشاعر أن يقول بإزاء بغي العدا ما يناسبه من النصرة والإعانة، أو ما جرى مجراهما، ليكون ذلك تفسيرا له, كما جعل بإزاء الظلمة الضياء, وفسرها به، فأما أن جعل بإزاء ما يتخوف منه بحرا من الندى, فإن ذلك غير لائق.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358969,"book_id":3862,"shamela_page_id":843,"part":"3","page_num":177,"sequence_num":843,"body":"النوع الخامس والعشرون: في الاقتصاد والتفريط والإفراط\rمدخل\r...\rالنوع الخامس والعشرون: في الاقتصاد والتفريط والإفراط\rاعلم أن هذه المعاني الثلاثة من الاقتصاد والتفريط والإفراط توجد في كل شيء من علم وصناعة وخلق، ولا بد لنا من ذكر حقيقتها في أصل اللغة, حتى تتبين نقلها إلى هذا النوع من الكلام.\rفأما الاقتصاد في الشيء فهو من القصد الذي هو الوقوف على الوسط الذي لا يميل إلى أحد الطرفين، قال الله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ ١, فظلم النفس والسبق بالخيرات طرفان، والاقتصاد وسط بينهما.","footnotes":"١ سورة فاطر ٣٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358970,"book_id":3862,"shamela_page_id":844,"part":"3","page_num":178,"sequence_num":844,"body":"وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ ١ فالإسراف والإقتار طرفان، والقوام وسط بينهما.\rوقال الشاعر٢:\rعليك بالقصد فيما أنت فاعله ... إن التخلق يأتي دونه الخلق\rوأما التفريط فهو التقصير والتصنيع، ولهذا قال الله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٣ أي: ما أهملنا ولا ضيعنا.\rوأما الإفراط فهو: الإسراف وتجاوز الحد، فيقال: أفرط في الشيء إذا أسرف وتجاوز الحد, والتفريط والإفراط هما الطرفان البعيدان، والاقتصاد هو الوسط المعتدل.\rوقد نقلت هذه المعاني الثلاثة إلى هذا النوع من علم البيان.\rأما الاقتصاد فهو أن يكون المعنى المضمر في العبارة على حسب ما يقتضيه المعبر عنه في منزلته.\rوأما التفريط والإفراط فهما ضدان: أحدهما: أن يكون المعنى المضمر في العبارة دون ما يقتضيه منزلة المعبر عنه، والآخر: أن يكون المعنى فوق منزلته.","footnotes":"١ سورة الفرقان ٦٧.\r٢ هو سالم بن وابصة. شرح الحماسة للتبريزي ٢/ ٢٣٦, والمرزوقي ٧١٠.\r٣ سورة الأنعام ٣٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358971,"book_id":3862,"shamela_page_id":845,"part":"3","page_num":178,"sequence_num":845,"body":"التفريط:\rوالتفريط في إيراد المعاني الخطابية قبيح لا يجوز استعماله بوجه من الوجوه، والإفراط يجوز استعماله، فمنه الحسن، ومنه دون ذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358972,"book_id":3862,"shamela_page_id":846,"part":"3","page_num":179,"sequence_num":846,"body":"فمما جاء من التفريط قول الأعشى:\rوما مزبد من خليج الفرا ... ت جون غواربه تلتطم\rبأجود منه بماعونه ... إذا ما سماؤهم لم تغم١\rفإنه مدح ملكا بالجود بماعونه، والماعون كل ما يستعار من قدوم أو قصعة أو قدر، أو ما أشبه ذلك، وليس للملوك في بذله مدح، ولا لأوساط الناس أيضا، وفي مدح السوقة به قولان، ومدح الملوك به عيب وذم فاحش، وهذا من أقبح التفريط.\rومما يجري هذا المجرى قول الفرزدق:\rألا ليتنا كنا بعيرين لا نرد ... على حاضر إلا نشل ونقذف\rكلانا به عر يخاف قرافه ... على الناس مطلي المشاعر أخشف٢","footnotes":"١ من قصيدته في مدح قيس بن معد يكرب، التي مطلعها:\rأتهجر غانية أم تلم ... أم الحبل واه بها منجذم\r\"الديوان ٣٥\".\r٢ من إحدى نقائضه \"الديوان ٢/ ٥٥١\" والبيتان في الديوان هكذا:\rفيا ليتنا كنا بعيرين لا نرد ... على منهل إلا نشل ونقذف\rكلانا به عمر يخاف قرافه ... على الناس مطلي المساعر أخشف\rوكان بالأصل \"قرانه\" و\"المشاعر\".\rالمنهل: الماء. نشل: نطرد. العر بفتح العين: الجرب وبضمها قرح ليست بالجرب. القراف: المخالطة وداء يقتل البعير. المساعر: أصول الفخذين والإبطين؛ لأنها أول ما يشتد فيها الجرب. ويروى الأشاعر. الأخشف: الجلد اليابس من الجرب.\rولكثير عزة أمنية مثل هذه في قوله:\rألا ليتنا يا عز من غير ريبة ... بعيرات ترعى في الخلاء ونعزب\rكلانا به عر فمن يرنا يقل ... على حسنها جرباء تعدى وأجرب\rنكون لذي مال كثير مغفل ... فلا هو يرعانا ولا نحن نطلب\rإذا ما وردنا منهلا صاح أهله ... علينا فلا ننفك نرمى ونضرب\r\"الموشح ١٥٥\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358973,"book_id":3862,"shamela_page_id":847,"part":"3","page_num":180,"sequence_num":847,"body":"هذا رجل ذهب عقله حين نظم هذين البيتين، فإن مراده منهما التغزل بمحبوبه, وقد قصر تمنيه على أن يكون هو ومحبوبه كبعيرين أجربين، لا يقربهما أحد، ولا يقربان أحدا، إلا طردهما، وهذا من الأماني السخيفة، وله في غير هذه الأمنية مندوحات كثيرة.\rوما أشبه هذا بقول القائل:\rيا رب إن قدرته لمقبل ... غيري فللأقداح أو للأكؤس\rوإذا حكمت لنا بعين مراقب ... في الدهر فلتك من عيون النرجس\rفانظركم بين هاتين الأمنيتين.\rومما أخذ على أبي نواس في قصيدته الميمية الموصوفة التي مدح بها الأمين محمد بن الرشيد، وهو قوله:\rأصبحت يابن زبيدة ابنة جعفر ... أملا لعقد حباله استحكام١\rفإن ذكر أم الخليفة في مثل هذا الموضع قبيح.\rوكذلك قوله في موضع آخر:\rوليس كجدتيه أم موسى ... إذا نسبت ولا كالخيزران٢","footnotes":"١ من قصيدته في مدح الأمين التي مطلعها:\rيا دار ما فعلت بك الأيام ... ضامتك والأيام ليس تضام\r\"الديوان: ٤٠٧\".\r٢ من مدحته للأمين، التي أولها:\rرضينا بالأمين عن الزمان ... فأضحى الملك معمور المعاني\r\"الديوان ٤١٦\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358974,"book_id":3862,"shamela_page_id":848,"part":"3","page_num":181,"sequence_num":848,"body":"وهذا لغو من الحديث لا فائدة فيه، فإن شرف الأنساب إنما هو إلى الرجال، لا إلى النساء، ويا ليت شعري أما سمع أبو نواس قول قتيلة بنت النضر في النبي ﷺ:\rأمحمد ولأنت نجل كريمة ... من قومها والفحل فحل معرق\rما كان ضرك لو مننت وربما ... من الفتى وهو المغيظ المحنق١\rفإنها ذكرت الأم بغير اسم الأم، وأبرزت هذا الكلام في هذا اللباس الأنيق.\rوكذلك فليكن المادح إذا مدح، وأبو نواس مع لطافة طبعه وذكائه وما كان يوصف به من الفطنة قد ذهب عليه مثل هذا الموضع مع ظهوره.\rوليس لقائل أن يعترض على ما ذكرته بقوله تعالى حكاية عن موسى وأخيه هارون ﵉: ﴿قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾ ٢ فإن الفرق بين الموضعين ظاهر؛ لأن المنكر على أبي نواس إنما هو التلفظ باسم الأم، وهي زبيدة، وكذلك اسم الجدة، وهي الخيزران وليس كذلك ما ورد في الآية. فإن قيل: قد ورد في القرآن الكريم ما يسوغ لأبي نواس مقالته، وهو قوله تعالى","footnotes":"١ وفدت قتيلة بنت النضر بن الحارث على النبي ﷺ بعد أن أمر بقتله عقب غزوة بدر، فأنشدته أبياتا أولها:\rيا راكبا إن الأثيل مظنة ... من صبح خامسة وأنت موفق\rبلغ به ميتا فإن تحية ... ما إن تزال بها الركائب تخفق\rسيرة ابن هشام \"١/ ٣٥٩\" والإصابة ٨٨٤ قسم النساء ومعجم البلدان \"الأثيل\" والعمدة ١/ ٣٠ وذكر ابن إسحاق في السيرة وأبو الفرج في الأغاني ١/ ٩ والحصري في زهر الآدب ١/ ٢٢ أنها بنت الحارث، وتكون إذا أخت النضر لابنته.\rالأثيل: موضع كان فيه قبر النضر. المظنة: المنزل المعلم. من صبح خامسة: تريد من من صبح ليلة خامسة لليلة التي تبدأ فيها السير إلى الأثيل وأنت على الطريق غير عادل عنه تخفق: تضرب وتتحرك.\r٢ سورة طه ٩٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358975,"book_id":3862,"shamela_page_id":849,"part":"3","page_num":182,"sequence_num":849,"body":"﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ١ فناداه باسم أمه, قلت الجواب عن ذلك من وجهين:\rأحدهما أن عيسى ﵇ لم يكن له أب، فنودي باسم أمه ضرورة، إذ لو كان له أب لنودي باسم أبيه.\rالوجه الآخر: أن هذا النداء إنما هو من الأعلى إلى الأدنى، إذ الله ﷾ هو الرب، وعيسى ﵇ عبده، وهذا لا يكون تفريطا؛ لأنه لم يعبر عنه بما هو دون منزلته.\rعلى أن أبا نواس لم يوقعه في هذه العثرة إلا ما سمعه عن جرير في مدح عمر بن عبد العزيز كقوله:\rوتبني المجد يا عمر ابن ليلى ... وتكفي الممحل السنة الجمادا٢\rوكذلك قال فيه كثير عزة أيضا.\rوليس المعيب من هذا بخاف، فإن العرب قد كان يعير بعضها بعضا بنسبته إلى أمه دون أبيه، ألا ترى أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يقال له: ابن حنتمة، وإنما كان يقول ذلك من يغض منه، وأما قول النبي ﷺ للزبير ابن صفية: \"بشر قاتل ابن صفية بالنار\" فإن صفية كانت عمة النبي ﷺ، وإنما نسبه إليها رفعا لقدره في قرب نسبه منه، وأنه ابن عمته، وليس هذا كالأول في الغض من عمر ﵁ في نسبه إلى أمه٣.","footnotes":"١ سورة المائدة ١١٦.\r٢ من قصيدته التي مطلعها:\rأبت عيناك بالحسن الرقادا ... وأنكرت الأصادق والبلادا\r\"الديوان ١٣٤\".\r٣ لم يكن النسب إلى الأم تحقيرا، كما توهم ابن الأثير.\rفقد كانت له بواعث شتى، منها تكريم الأم المنجبة وتمجيدها، ومنها الفخر بها لعراقتها، منها مدح أبنائها بنسبهم إليها، ومنها أن تكون الأم أعظم شهرة من الأب وعراقة.\rوكان في قليل من الأحيان للتحقير \"المرأة في الشعر الجاهلي للدكتور أحمد الحوفي ٨٠\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358976,"book_id":3862,"shamela_page_id":850,"part":"3","page_num":183,"sequence_num":850,"body":"وقد عاب بعض من يتهم نفسه بالمعرفة قول أبي نواس في قصيدته السينية التي أولها:\rنبه نديمك قد نعس\rفقال من جملتها:\rورث الخلافة خامسًا ... وبخير سادسهم سدس١\rقال: وفي ذكر السادس نظر، ويا عجبا له مع معرفته بالشعر كيف ذهب عليه هذا الموضع? أما قرأ سورة الكهف، يريد قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ ٢ وهذا ليس بشيء؛ لأنه قد ورد في القرآن الكريم ما ينقضه، وهو قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ ٣.\rومما عبته على البحتري قوله في مدح الفتح بن خاقان في قصيدته المشهورة عند لقائه الأسد التي مطلعها:\rأجدك ما ينفك يسري لزينبا\rفقال:\rشهدت لقد أنصفته حين تنبري ... له مصلتا عضبا من البيض مقضبا\rفلم أر ضرغامين أصدق منكما ... عراكا إذا الهيابة النكس كذبا٤\rقوله: \"إذا الهيابة النكس\" تفريط في المدح، بل كان الأولى أن يقول: إذا البطل كذب، وإلا فأي مدح في إقدام المقدم في الموضع الذي يفر منه الجبان?","footnotes":"١ من قصيدته في مدح الأمين \"الديوان ٤١٧\".\rوالمعروف أنه سادس خلفاء بني العباس، والخمسة هم عبد الله السفاح والمنصور والهادي والمهدي والرشيد. وسدسهم صار لهم سادسا.\r٢ سورة الكهف ٢٣.\r٣ سورة المجادلة ٧.\r٤ مطلع القصيدة:\rأجدك ما ينفك يسري لزينبا ... خيال إذا آب الظلام تأوبا\rوفي الأصل تبتري بدلا من تنبري \"الديوان ١/ ٥٦\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358977,"book_id":3862,"shamela_page_id":851,"part":"3","page_num":184,"sequence_num":851,"body":"وألا قال كما قال أبو تمام:\rفتى كلما أرتاد الشجاع من الردى ... مفرا غداة المأزق ارتاد مصرعا١\rوعلى أسلوب البحتري ورد قول بعضهم من شعراء الحماسة:\rوإني لقوال لعافي مرحبًا ... وللطالب المعروف إنك واجده\rوإني لممن أبسط الكف بالندى ... إذا شنجت كف البخيل وساعده٢\rوهذا معيب من جهة أنه لا فضل في بسط يده عند قبض يد البخيل، وإنما الفضيلة في بسطها عند قبض الكرام أيديهم.\rومن هذا الباب قول أبي تمام:\rيقظ وهو أكثر الناس إغضا ... ء على نائل له مسروق٣\rفإنه أراد أن يمدح فذم.\rومما هو أقبح من ذلك قوله أيضا:\rتثفى الحرب منه حين تغلي ... مراجلها بشيطان رجيم٤\rوقد استعمل هذا في شعره حتى أفحش، كقوله:","footnotes":"١ من رثائه لمجد بن حميد، ومطلع القصيدة:\rأصم بك الناعي وإن كان أسمعا ... وأصبح مغنى الجود بعدك بلقعا\rوقد تقدمت القصيدة.\r٢ القائل هو إياس بن الأرث \"شرح الحماسة للتبريزي ٤/ ٢١٨\" والمرزوقي ٤/ ١٦٨٥ العافي: طالب المعروف أو الطعام: شنجت كفه وساعده: كناية عن ظهور الجدب والبخل.\r٣ من قصيدته في مدح أبي سعيد محمد بن يوسف، ومطلعها:\rما عهدنا كذا بكاء المشوق ... كيف والدمع آية المعشوق\r\"الديوان ٢/ ٤٣٠\".\r٤ من مدحته لبعض بني عبد الكريم الطائيين \"الديوان ٢١٧\" ومطلعها:\rأراملة كنت مألف كل ريم ... لو استمعت بالأنس المقيم\rتثفى: تجعل لها أثافي وهي الحجارة التي ينصب عليها القدر. المراجل: القدور. وفي الأصل \"ينقى الحرب\". ليست القصيدة بالديوان.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358978,"book_id":3862,"shamela_page_id":852,"part":"3","page_num":185,"sequence_num":852,"body":"أنت دلو وذو السماح أبو مو ... سى قليب وأنت دلو القليب١\rومراده من ذلك أنه جعله سببا لعطاء المشار إليه كما أن الدلو سبب في امتياح الماء من القليب، ولم يبلغ هذا المعنى من الإغراب إلى حد يدندن أبو تمام حوله هذه الدندنة، ويلقيه في هذا المثال السخيف، على أنه لم يقنع بهذه السقطة القبيحة في شعره، بل أوردها في مواضع أخرى منه، فمن ذلك قوله:\rما زال يهذي بالمكارم والعلا ... حتى ظننا أنه محموم٢\rفإنه أراد أن يبالغ في ذكر الممدوح باللهج بالمكارم والعلا، فقال: \"ما زال يهذي\" وما أعلم ما كانت حاله عند نظم هذا البيت:\rوعلى نحو منه جاء قول بعض المتأخرين:\rويلحقه عند المكارم هزة ... كما انتفض المجهود من أم ملدم٣\rوهذا وأمثاله لا يجوز استعماله، وإن كان المعنى المقصود به حسنا، وكم ممن يتأول معنى كريما فأساء في التعبير عنه حتى صار مذموما، كهذا وأمثاله.","footnotes":"١ القليب: البئر. ليست القصيدة بالديوان. البيت بالصناعتين ٣٥٦.\r٢ من مدحته لأبي الحسين بن شبابة بن الهيثم التي مطلعها:\rأسقى طلولهم أجش هزيم ... وغدت عليهم نضرة ونعيم\r\"الديوان ٣/ ٢٨٩\" والبيت في الديوان هكذا:\rما زال يهذي بالمواهب دائبا ... حتى ظننا أنه محموم\rويروى بالمواهب والندى.\rأجش: يوصف به كأن به جشة وقوة. هزيم: رعد ذو صوت، أو رعد ممطر.\r٣ أم ملدم: الحمى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358979,"book_id":3862,"shamela_page_id":853,"part":"3","page_num":186,"sequence_num":853,"body":"ومن أحسن ما قيل في مثل هذا الموضع قول ابن الرومي:\rذهب الذين تهزهم مداحهم ... هز الكماة عوالي المران\rكانوا إذا مدحوا رأوا ما فيهم ... فالأريحية منهم بمكان١\rومن شاء أن يمدح فليمدح هكذا، وإلا فليسكت.\rووجدت أبا بكر محمد بن يحيى المعروف بالصولي قد عاب على حسان بن ثابت ﵁ قوله:\rلنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى ... وأسياقنا يقطرن من نجدة دما٢\rوقال إنه جمع الجفنات، والأسياف جمع قلة، وهو في مقام فخر، وهذا مما يحط من المعنى ويضع منه، وقد ذهب إلى هذا غيره أيضا، وليس بشيء؛ لأن الغرض إنما هو الجمع، فسواء أكان جمع قلة أم جمع كثرة.","footnotes":"١ \"الديوان ٤٧٤\" من قصيدة مطلعها:\rللمادحون اليوم أهل زماننا ... أولى من الهاجين بالحرمان\r٢ كان النابغة الذبياني تضرب له قبة من أدم بسوق عكاظ، يجتمع إليه فيها الشعراء، فدخل إليه حسان بن ثابت وعنده الأعشى وقد أنشده شعره، وأنشدته الخنساء إحدى مراثيها، فقال النابغة: لولا أن أبا بصير أنشدني قبلك، لقلت إنك أشعر الناس، أنت والله أشعر من كل ذات مثانة، فقالت: والله ومن كل ذي خصيتين. فقال حسان: أنا والله أشعر منك ومنها قال النابغة: حيث تقول ماذا، قال حيث أقول:\rلنا الجفنات الغر يلمعن بالضحا ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما\rولدنا بني العنقاء وابني محرق ... فأكرم بنا خالا وأكرم بنا ابنما\rفقال النابغة: إنك لشاعر، لولا أنك قللت عدد جفانك، وفخرت بمن ولدت ولم تفخر بمن ولدك، وفي رواية أخرى أنه قال له: قلت الجفنات فقللت العدد، ولو قلت الجفان لكان أكثر، وقلت يلمعن في الضحا، ولو قلت يبرقن بالدجا لكان أبلغ في المديح؛ لأن الضيف بالليل أكثر طروقا، وقلت يقطرن من نجدة دما، فدللت على قلة القتلى، ولو قلت يجرين لكان أكثر، لانصباب الدم، وفخرت بمن ولدت ولم تفخر بمن ولدك، فقام حسان منكسرا منقطعا.\r\"الأغاني ٨/ ١٨٨ والموشح للمرزباني ٦٠\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358980,"book_id":3862,"shamela_page_id":854,"part":"3","page_num":187,"sequence_num":854,"body":"ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ١ أفترى نعم الله أكانت قليلة على إبراهيم صلوات الله عليه؟\rوكذلك ورد قوله ﷿ في سورة النمل: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ، فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ، وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ ٢ فقال: ﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ فجمع النفس جمع قلة، وما كان قوم فرعون بالقليل حتى تجمع نفوسهم جمع قلة، بل كانوا مئين ألوفا، وهذا أيضًا مما يبطل قول الصولي وغيره في مثل هذا الموضوع.\rوكذلك ورد قوله ﷿: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ ٣ والنفوس المتوفاة والنائمة لا ينتهي إلى كثرتها كثرة؛ لأنها نفوس كل من في العالم.\rواعلم أن للمدح ألفاظا تخصه، وللذم ألفاظا تخصه، وقد تعمق قوم في ذلك حتى قالوا: من الأدب ألا تخاطب الملوك ومن يقاربهم بكاف الخطاب، وهذا غلط بارد، فإن الله الذي هو ملك الملوك قد خوطب بالكاف في أول كتابه العزيز فقيل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ .\rوقد ورد أمثال هذا في مواضع من القرآن الكريم غير محصورة، إلا أني قد راجعت نظري في ذلك، فرأيت الناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم٤، والعوائد لا حكم لها،","footnotes":"١ سورة النحل ١٢٠, ١٢١.\r٢ سورة النمل ١٢-١٤.\r٣ سورة الزمر ٤٢.\r٤ كانت في الأصل \"بأيامهم\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358981,"book_id":3862,"shamela_page_id":855,"part":"3","page_num":188,"sequence_num":855,"body":"ولا شك أن العادة أوجبت للناس مثل هذا التعمق في ترك الخطاب بالكاف، لكني تأملت أدب الشعراء والكتاب في هذا الموضع فوجدت الخطاب لا يعاب في الشعر ويعاب في الكتابة إذا كان المخاطب دون المخاطب درجة، وأما إن كان فوقه فلا عيب في خطابه إياه بالكاف؛ لأنه ليس من التفريط في شيء, فمن خطاب الكاف قول النابغة:\rوإنك كالليل الذي هو مدركي وإن ... خلت أن المنتأى عنك واسع١\rوكذلك ورد قوله أيضا:\rحلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب٢\rوعليه جاء قول بعض المتأخرين أيضا، فقال أبو نواس:\rإليك أبا المنصور عذبت ناقتي ... زيارة خل وامتحان كريم\rلأعلم ما تأتي وإن كنت عالما ... بأنك مهما نأت غير ملوم٣\rوكذلك ورد قول السلامي٤:\rإليك طوى عرض البسيطة جاعل ... قصارى المطايا أن يلوح لها القصر\rوبشرت آمالي بملك هو الورى ... ودار هي الدنيا ويوم هو الدهر٥","footnotes":"١ من قصيدته في الاعتذار إلى النعمان بن المنذر \"الديوان ٧١\".\r٢ من اعتذاره للنعمان بن المنذر \"الديوان ١٧\".\r٣ من قصيدة في مدح الفضل بن الربيع، مطلعها:\rلمن دمن تزداد حسن رسوم ... على طول ما أقوت وطيب نسيم\r\"الديوان: ٤٤٧\".\r٤ من أشهر شعراء العراق ولد بكرخ بغداد ٣٣٦هـ وينتسب إلى بني مخزوم \"يتيمة الدهر ٢/ ٣٩٥\".\r٥ قصارى المطايا: هدفها وغايتها. وكانت بالأصل نصار المطايا \"يتيمة الدهر ٢/ ٤٠١\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358982,"book_id":3862,"shamela_page_id":856,"part":"3","page_num":189,"sequence_num":856,"body":"وعليه ورد قوله البحتري:\rولقد أتيتك طالبا فبسطت من ... أملي وأطلب جود كفك مطلبي١\rوجل خطاب الشعراء للممدوحين إنما هو بالكاف.\rوذلك محظور على الكتاب، فإنه ليس من الأدب عندهم أن يخاطب الأدنى الأعلى بالكاف، وإنما يخاطبه مخاطبة الغائب لا مخاطبة الحاضر.\rعلى أن هذا الباب بجملته يوكل النظر فيه إلى فطانة الخطيب والشاعر، وليس مما يوقف فيه على المسموع خاصة.\rومن ألطف ما وجدته أنك إذا خاطبت الممدوح أن تترك الخطاب بالأمر بأن تقول: افعل كذا وكذا، وتخرجه مخرج الاستفهام، وهذا الأسلوب حسن جدا، وعليه مسحة من جمال، بل عليه الجمال كله.\rفمما جاء منه قول البحتري في قصيدة أولها:\rبودي لو يهوى العذول ويعشق\rفقال منها:\rفهل أنت يابن الراشدين مختمي ... بياقوتة تبهى علي وتشرق٢\rوهذا من الأدب الحسن في خطاب الخليفة، فإنه لم يخاطبه بأن قال: ختمني بياقوتة، على سبيل الأمر بل خاطبه على سبيل الاستفهام، وقد أعجبني هذا المذهب، وحسن عندي.","footnotes":"١ الديوان ١/ ٢٠\".\rوفيه \"إني أتبتك\" أطلب جود كفك مطلبي: ما طلبت.\r٢ من قصيدته في مدح المعتز بالله، والشطر الثاني من البيت هو:\rفيعلم أسباب الهوى كيف تعلق\r\"الديوان ٢/ ١٢٤\".\rتبهى: تحسن وتجمل. ويصح أن تكون تبهى على وزن تعطي والمعنى واحد.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358983,"book_id":3862,"shamela_page_id":857,"part":"3","page_num":190,"sequence_num":857,"body":"وقد حذا حذو البحتري شاعر من شعراء عصرنا فقال في مدح الخليفة الناصر لدين الله أبي العباس أحمد من قصيدة له على قافية الدال، فقال من أبيات يصف بها قصيدته:\rأمقبولة يابن الخلائف من فمي ... لديك بوصفي غادة الشعر رؤده١\rفقوله: \"أمقبولة\" من الأدب الحسن الذي نسج فيه على منوال البحتري.\rوهذا باب مفرد، وهو باب الاستفهام في الخطاب، وإذا كان الشاعر فطنا عالما بما يضعه من الألفاظ والمعاني تصرف في هذا الباب بضروب التصرفات، واستخرج من ذات نفسه شيئا لم يسبقه إليه أحد.\rواعلم أن من المعاني ما يعبر عنه بألفاظ متعددة ويكون المعنى المندرج تحتها واحدا، فمن تلك الألفاظ ما يليق استعماله بالمدح ومنها ما يليق استعماله بالذم، ولو كان هذا الأمر يرجع إلى المعنى فقط لكانت جميع الألفاظ الدالة عليه سواء في الاستعمال، وإنما يرجع في ذلك إلى العرف دون الأصل.\rولنضرب له مثالا فنقول: هل يجوز أن يخاطب الملك فيقال له: وحق دماغك، قياسا على وحق رأسك? وهذا يرجع إلى أدب النفس دون أدب الدرس. فإذا أراد مؤلف الكلام أن يمدح ذكر الرأس والهامة والكاهل، وما جرى هذا المجرى، فإذا أراد أن يهجو ذكر الدماغ والقفا والقذال٢، وما جرى هذا المجرى، وإن كانت معاني الجميع متقاربة، ومن أجل ذلك حسنت الكناية في الموضع الذي يقبح فيه التصريح.","footnotes":"١ الرؤد والرأد والرئد: الشابة الحسنة. المعنى هل تقبل في مدحي لك غادة من شعري.\r٢ القذال: مجتمع مؤخر الرأس.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358984,"book_id":3862,"shamela_page_id":858,"part":"3","page_num":191,"sequence_num":858,"body":"ومن أحسن ما بلغني من أدب النفس في الخطاب أن عثمان بن عفان ﵁ سأل قباث بن أشيم، فقال له: أنت أكبر أم رسول الله ﷺ ? فقال: رسول الله ﷺ أكبر مني وأنا أقدم منه في الميلاد.\rفانظر إلى أدب هذا العربي الذي من شأنه وشأن أمثاله جفاء الخلق والبعد عن فطانة الآداب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358985,"book_id":3862,"shamela_page_id":859,"part":"3","page_num":191,"sequence_num":859,"body":"الإفراط:\rوأما الإفراط فقد ذمه قوم من أهل هذه الصناعة، وحمده آخرون، والمذهب عندي استعماله فإن أحسن الشعر أكذبه، بل أصدقه أكذبه، لكنه تتفاوت درجاته، فمنه المستحسن الذي عليه مدار الاستعمال، ولا يطلق على الله ﷾؛ لأنه مهما ذكر به من المغالاة١ في صفاته فإنه دون ما يستحقه.\rومما ورد من ذلك في الشعر قول عنترة:\rوأنا المنية في المواطن كلها ... والطعن مني سابق الآجال٢\rوقد يروى٣ بالياء، وكلا المعنيين حسن، إلا أن الياء أكثر غلوا.\rومما جاء على نحو من ذلك قول بشار:\rإذا ما غضبنا غضبة مضرية ... هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دما٤","footnotes":"١ كانت الكلمة بالأصل \"المعاملات\".\r٢ ديوان عنترة ١٢٩ والبيت بالديوان هكذا:\rوأنا المنبه حين تشتجر القنا ... والطعن مني سابق الآجال\r٣ يروى سابق الآجال، أي: يسوقها.\r٤ روي البيت هكذا بالشعر والشعراء لابن قتيبة ١٧٨ والبيت بالأغاني ٣/ ٣١ هكذا\rإذا ما غضبنا غضبة مضرية ... هتكنا حجاب الشمس أو تمطر الدما","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358986,"book_id":3862,"shamela_page_id":860,"part":"3","page_num":192,"sequence_num":860,"body":"ومنه ما يستهجن كقول النابغة الذبياني:\rإذا ارتعثت خاف الجبان رعاثها ... ومن يتعلق حيث علق يفرق١\rوهذا يصف طول قامتها٢، لكنه من الأوصاف المنكرة التي خرجت بها المغالاة عن حيز الاستحسان.\rوكذلك ورد قول أبي نواس:\rوأخفت أهل الشرك حتى إنه ... لتخافك النطف التي لم تخلق٣\rوهذا أشد إفراطا من قول النابغة.\rويروى أن العتابي لقي أبا نواس فقال له: أما استحييت الله حيث تقول، وأنشده البيت، فقال له: وأنت ما راقبت الله حيث قلت:\rما زلت في غمرات الموت مطرحا ... يضيق عني وسيع الرأي من حيلي\rفلم تزل دائبا تسعى بلطفك لي ... حتى اختلست حياتي من يدي أجلي\rقال له العتابي: قد علم الله وعلمت أن هذا ليس مثل قولك، ولكنك قد أعددت لكل ناصح جوابا.","footnotes":"١ من أبيات له في الغزل، وبعده:\rوإن ضحكت للعصم ظلت روانيا ... إليها وإن تبسم إلى المزن يبرق\rارتعثت: تفرطت، الرعثة: القرط.\rالديوان من مجموعة دواوين طبعة المطبعة الأهلية ببيروت ص٥٦.\r٢ لعله يريد طول عنقها؛ لأن البيت كناية عن طول الرقبة لا طول القامة.\r٣ من مدحة للرشيد، مطلعها:\rخلق الشباب وشرني لم تخلق ... ورميت في غرض الزمان بأفوق\rالديوان ٣٩٨ خلق على وزن سمع وكرم ونصر: بلى. الشرة: الحدة والنشاط, غرض هدف. أفوق: سهم كسر فوقه أي: موضع الوتر من السهم.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358987,"book_id":3862,"shamela_page_id":861,"part":"3","page_num":193,"sequence_num":861,"body":"وقد أراد أبو نواس هذا المعنى في قالب آخر فقال:\rكدت منادمة الدماء سيوفه ... فلقلما تحتازها الأجفان\rحتى الذي في الرحم لم يك صورة ... لفؤاده من خوفه خفقان١\rوما يجيء في هذا الباب ما يجري هذا المجرى.\rوقد استعمل أبو الطيب المتنبي هذا القسم في شعره كثيرا، فأحسن في مواضع منه، فمن ذلك قوله:\rعجاجا تعثر العقبان فيه ... كأن الجو وعث أو خبار٢\rثم أعاد هذا المعنى في موضع آخر، فقال:\rعقدت سنابكها عليها عثيرًا ... لو تبتغي عنقا عليه لأمكنا٣","footnotes":"١ من مدحة للرشيد، مطلعها:\rحي الديار إذ الزمان زمان ... وإذ الشباك لنا حرى ومعان\r\"الديوان ٤٠٤\".\rالرحم: بكسر الراء وسكون الحاء، وبكسرهما معا مقر الجنين في بطن أمه. الشباك: جمع شبكة. حري: خليق بنا. معان: عون. يريد أن شباك الهوى فيما مضى كانت تصيب.\r٢ من مدحة لسيف الدولة مطلعها:\rطوال قنا قطاعتها قصار ... وقطرك في ندى ووغى بحار\r\"الديوان ٢٤٣\".\rعجاجا: منصوبة على التبعية لما قبلها في بيت سابق. والعجاج: الغبار.\rالعقبان: جمع عقاب وهو طير جارج. الوعث: المكان السهل اللين الذي تغوص فيه الأقدام. الخبار: ما لان من الأرض واسترخى. يريد أن العقبان التي تسير فوق الجيش تعثر في ذلك الغبار الكثيف، فكأن الجو أرض لينة تغوص فيها أرجلها.\r٣ من قصيدة في مدح بدر بن عمار \"الديوان ٤/ ٤٢٥\" السنابك: جمع سنبك وهو طرف مقدم الحافر. العثير: الغبار. العنق: سير شديد.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358988,"book_id":3862,"shamela_page_id":862,"part":"3","page_num":194,"sequence_num":862,"body":"وهذا أكثر مغالاة من الأول.\rومن ذلك قوله أيضا:\rكأنما تتلقاهم لتسلكهم ... فالطعن يفتح في الأجواف ما يسع١\rوعلى هذا ورد قول قيس بن الخطيم:\rملكت بها كفي فأنهرت فتقها ... يرى قائم من دونها ما وراءها٢\rلكن أبو الطيب أكثر غلوا في هذا المعنى، وقيس بن الخطيم، أحسن لأنه قريب من الممكن، فإن الطعنة تنفذ حتى يتبين فيها الضوء، وأما أن يجعل المطعون مسلكا يسلك كما قال أبو الطيب، فإن ذلك مستحيل، ولا يقال فيه بعيد.","footnotes":"١ من مدح سيف الدولة، مطلع القصيدة:\rغيري بأكثر هذا الناس ينخدع ... إن قاتلوا جبنوا أو حدثوا شجعوا\r\"الديوان ٢/ ٣٩٢\".\r٢ شرح الحماسة للمرزوقي \"١/ ١٨٤\" يصف طعنته لابن عبد القيس:\rطعنت ابن عبد القيس طعنة ثائر ... لها نفذ لولا الشعاع أضاءها\rالشعاع: بفتح الشين الدم المتفرق، يريد أن الطعنة كانت تظهر الضوء لولا الدم المنبثق من الجرح.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358989,"book_id":3862,"shamela_page_id":863,"part":"3","page_num":194,"sequence_num":863,"body":"الاقتصاد:\rوأما الاقتصاد فهو وسط بين المنزلتين، والأمثلة له كثيرة لا تحصى، إذ كل ما خرج عن الطرفين من الإفراط والتفريط فهو اقتصاد.\rومن أحسنه أن يجعل الإفراط مثلا، ثم يستثنى فيه بلو أو بكاد وما جرى مجراهما.\rفمن ذلك قوله تعالى: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ ١ وكذلك قوله ﷿: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ ٢ وقد ورد هذا في القرآن الكريم كثيرا.","footnotes":"١ سورة البقرة ٢٠.\r٢ سورة الجن ١٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358990,"book_id":3862,"shamela_page_id":864,"part":"3","page_num":195,"sequence_num":864,"body":"ومما ورد منه شعرا قول الفرزدق:\rيكاد يمسكه عرفان راحته ... ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم١\rوكذلك ورد قول البحتري:\rلو أن مشتاقا تكلف فوق ما ... في وسعه لسعى إليك المنبر٢\rوهذا هو المذهب المتوسط.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358991,"book_id":3862,"shamela_page_id":865,"part":"3","page_num":195,"sequence_num":865,"body":"النوع السادس والعشرون: في الاشتقاق\rمدخل\r...\rالنوع السادس والعشرون: في الاشتقاق\rاعلم أن جماعة علماء البيان يفصلون الاشتقاق عن التجنيس، وليس الأمر كذلك، بل التجنيس أمر عام لهذين النوعين من الكلام، وذاك أن التجنيس في أصل الوضع من قولهم: جانس الشيء الشيء، إذا ماثله وشابهه، ولما كانت","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358992,"book_id":3862,"shamela_page_id":866,"part":"3","page_num":196,"sequence_num":866,"body":"الحال كذلك ووجدنا من الألفاظ ما يتماثل ويتشابه في صيغته وبنائه علمنا أن ذلك يطلق عليه اسم التجنيس.\rوكذلك لما وجدنا من المعاني ما يتماثل ويتشابه علمنا أن ذلك يطلق عليه اسم التجنيس أيضا.\rفالتجنيس إذا ينقسم قسمين: أحدهما تجنيس في اللفظ، والآخر تجنيس في المعنى.\rفأما الذي يتعلق باللفظ فإنه لم ينقل عن بابه ولا غير اسمه، وقد تقدم ذكره في باب الصناعة اللفظية.\rوأما الذي يتعلق بالمعنى فإنه نقل عن بابه في التجنيس، وسمي الاشتقاق أي: أحد المعنيين مشتق من الآخر. وهو على ضربين: صغير وكبير. فالصغير: أن تأخذ أصلا من الأصول فتجمع بين معانيه، وإن اختلفت صيغته ومبانيه، كترتيب \"س ل م\" فإنك تأخذ منه معنى السلامة في تصرفه، نحو: سلم وسالم وسلمان وسلمى، والسليم اللديغ أطلق عليه ذلك تفاؤلا بالسلامة.\rوالأصل في ذلك أن يضع واضع اللغة اسما أول لمسمى أول، ثم يجد مسمى آخر أو مسميات شبيهة بالمسمى الأول فيضع لها اسما كالاسم الأول، كقوله ضرير اسم للأعمى، والضر: ضد النفع، والضراء: الشدة من الأمر، والضر بالضم: الهزال وسوء الحال، والضرر: الضيق، والضرة: إحدى الزوجتين، فإن هذه المسميات كلها تدل على الأذى والشر، وأسماؤها متشابهة لم تخرج عن الضاد والراء، إلا أنا الآن لا نعلم ما هو الأول منها حتى نحكم على الثاني أنه مشتق منه، لكن نعلم في السليم اللديغ أنه مشتق من السلامة؛ لأنه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358993,"book_id":3862,"shamela_page_id":867,"part":"3","page_num":197,"sequence_num":867,"body":"ضدها، قيل: من أجل التفاؤل بالسلامة، وعلى هذا جاء غيره من الأصول، كقولنا: هشمك هاشم، وحاربك محارب، وسالمك سالم، وأصاب الأرض صيب، فهذه الألفاظ كلها لفظها واحد ومعناها واحد، أما هاشم فإنه لم يسم بهذا الاسم إلا لأنه هشم الثريد في عام محل فسمي بذلك، وأما محارب فإنه اسم فاعل من حارب فهو محارب، وأما سالم فمن السلام، وهو اسم فاعل من سلم، وأما الصيب فهو المطر الذي يشتد صوبه أي: وقعه على الأرض.\rولا يقاس على ذلك قول النبي ﷺ: \"أسلم سالمها الله، وغفار غفر الله، وعصية عصت الله\" فإن أسلم وغفار وعصية أسماء قبائل، ولم تسم أسلم من المسالمة، ولا غفار من المغفرة، ولا عصية من تصغير عصا، وهذا هو التجنيس، وليس بالاشتقاق، والنظر في مثل ذلك يحتاج إلى فكرة وتدبر كي لا يختلط التجنيس بالاشتقاق.\rومما جاء من ذلك شعرا قول البحتري:\rأمحلتي سلمى بكاظمة اسلما١\rوكذلك قول الآخر:\rوما زال معقولا عقال عن الندى ... وما زال محبوسا عن الخير حابس٢\rوربما ظن أن هذا البيت وما يجري مجراه تجنيس، حيث قيل فيه: معقول وعقال، ومحبوس وحابس، وليس الأمر كذلك.\rوهذا الموضوع يقع فيه الاشتباه كثيرًا على من لم يتقن معرفته. وقد تقدم القول","footnotes":"١ مطلع قصيدته في مدح أحمد وإبراهيم ابني المدبر. وعجزه:\rوتعلما أن الهوى ما هجتما\rالديوان ٢/ ٢٣٩.\r٢ جرير في هجاء الفرزدق. والبيت في الديوان \"٣٢٦\" هكذا.\rفما زال معقولا عقال عن العلا ... وما زال محبوسا عن المجد حابس","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358994,"book_id":3862,"shamela_page_id":868,"part":"3","page_num":198,"sequence_num":868,"body":"أن حقيقة التجنيس هي: اتفاق اللفظ واختلاف المعنى, وعقال ومعقول وحابس ومحبوس اللفظ فيهما واحد والمعنى أيضًا واحد، فهذا مشتق من هذا أي: قد شق منه.\rوكذلك ورد قول عنترة:\rلقد علم القبائل أن قومي ... لهم حد إذا لبس الحديد١\rفإن حدا وحديدا لفظهما واحد ومعناهما واحد.\rوأما الاشتقاق الكبير فهو أن تأخذ أصلا من الأصول فتعقد عليه وعلى تراكيبه معنى واحدا يجمع تلك التراكيب, وما تصرف منها, وإن تباعد شيء من ذلك عنها رد بلطف الصنعة والتأويل إليها. ولنضرب لذلك مثالا، فنقول: إن لفظة \"ق م ر\" من الثلاثي لها ست تراكيب، وهي: \"ق ر م، ق م ر، ر ق م، ر م ق، م ق ر، م ر ق\"، فهذه التراكيب الست يجمعها معنى واحد، وهو القوة والشدة، فالقرم: شدة شهوة اللحم، وقمر الرجل، إذا غلب من يقامره، والرقم: الداهية، وهي الشدة التي تلحق الإنسان من دهره، وعيش مرمق أي: ضيق، وذلك نوع من الشدة أيضا، والمقر: شبه الصبر، يقال: أمقر الشيء، إذا أمر، وفي ذلك شدة على الذائق وكراهة، ومرق السهم، إذا نفذ من الرمية، وذلك لشدة مضائه وقوته. واعلم أنه إذا سقط من تراكيب الكلمة شيء فجائز ذلك في الاشتقاق؛ لأن الاشتقاق ليس من شرطه كمال تركيب الكلمة، بل من شرطه أن الكلمة كيف تقلبت بها تراكيبها من تقديم حروفها وتأخيرها أدت إلى معنى واحد يجمعها.\rفمثال ما سقط من تركيب الثلاثي لفظة \"وس ق\" فإن لها خمس تراكيب، وهي: \"وس ق، وق س، س وق، ق س و، ق وس\"، وسقط من جملة التراكيب","footnotes":"١ في شرح الحماسة للمرزوقي ١/ ٢٨٨ نسبة البيت إلى حيان بن ربيعة. وروايته هكذا:\rلقد علم القبائل أن قومي ... ذوو جد إذا لبس الحديد","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358995,"book_id":3862,"shamela_page_id":869,"part":"3","page_num":199,"sequence_num":869,"body":"قسم واحد، وهو س ق و، وجميع الخمسة المذكورة تدل على القوة والشدة أيضا، فالوسق من قولهم: استوسق الأمر أي: اجتمع وقوي، والوقس: ابتداء الجرب، وفي ذلك شدة على من يصيبه وبلاء، والسوق: متابعة السير، وفي هذا عناء وشدة على السائق والمسوق، والقسوة: شدة القلب وغلظه، والقوس معروفة، وفيها نوع من الشدة والقوة، لنزعها السهم وإخراجه إلى ذلك المرمى المتباعد.\rواعلم أنا لا ندعي أن هذا يطرد في جميع اللغة، بل قد جاء شيء منها كذلك، وهذا مما يدل على شرفها وحكمتها؛ لأن الكلمة الواحدة تتقلب على ضروب من التقاليب، وهي مع ذلك دالة على معنى واحد، وهذا من أعجب الأسرار التي توجد في لغة العرب وأغربها، فاعرفه.\rإلا أن الاستعمال في النظم والنثر إنما يقع في الاشتقاق الصغير دون الكبير، وسبب ذلك أن الاشتقاق الصغير تكثر الألفاظ الواردة عليه، والاشتقاق الكبير لا يكاد يوجد في اللغة إلا قليلا، وأيضا فإن الحسن اللفظي الذي هو الفصاحة إنما يقع في الاشتقاق الصغير، ولا يقع في الاشتقاق الكبير، ألا ترى إلى هذين الأصلين الواردين ههنا، وهما \"ق ر م\" و\"وس ق\" إذا نظرنا إلى تراكيبهما وأردنا أن نسبكهما في الاستعمال لم يأت منهما مثل ما يأتي في الاشتقاق الصغير حسنا ورونقا؛ لأن ذاك لفظه لفظ تجنيس، ومعناه معنى اشتقاق والاشتقاق الكبير ليس كذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358996,"book_id":3862,"shamela_page_id":870,"part":"3","page_num":200,"sequence_num":870,"body":"النوع السابع والعشرون: في التضمين\rوهذا النوع فيه نظر بين حسن يكتسب به الكلام طلاوة وبين معيب عند قوم، وهو عندهم معدود من عيوب الشعر، ولكل من هذين القسمين مقام.\rالتضمين الحسن:\rفأما الحسن الذي يكتسب به الكلام طلاوة فهو أن يضمن الآيات والأخبار النبوية، وذلك يرد على وجهين: أحدهما تضمين كلي، والآخر تضمين جزئي.\rفأما التضمين الكلي فهو أن تذكر الآية والخبر بجملتهما، وأما التضمين الجزئي فهو أن تدرج بعض الآية والخبر في ضمن كلام، فيكون جزأ منه كالذي أوردته في حل الآيات والأخبار في الفصل العاشر من مقدمة الكتاب.\rوقد قيل: إنه لا يجوز درج آيات القرآن الكريم في غضون الكلام من غير تبيين، كي لا يشتبه، وهذا القول لا أقول به، فإن القرآن الكريم أبين من أن يحتاج إلى بيان، وكيف يخفى وهو المعجز الذي لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله لا يأتون بمثله، فإن كانت المفاوضة في التفرقة بينه وبين غيره من الكلام إذا أدرج فيه مع جاهل لا يعرف الفرق فذاك لا كلام معه، وإن كان الكلام مع عالم بذلك فذاك لا يخفى عنه القرآن الكريم من غيره. ومذهبي في هذا هو ما تقدم ذكره في الفصل العاشر من مقدمة الكتاب، وهو أحسن الوجهين عندي، وذاك أنه لا تؤخذ الآية بكمالها، بل يؤخذ جزء منها ويجعل أولًا لكلام أو آخرا، هذا إذا لم يقصد به التضمين، فأما إذا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358997,"book_id":3862,"shamela_page_id":871,"part":"3","page_num":201,"sequence_num":871,"body":"قصد التضمين فتؤخذ الآية بكمالها, وتدرج درجا، وهذا ينكره من لم يذق ما ذقته من طعم البلاغة ولا رأى ما رأيته.\rالتضمين المعيب:\rوأما المعيب عند قوم فهو تضمين الإسناد، وذلك يقع في بيتين من الشعر، أو فصلين من الكلام المنثور، على أن يكون الأول منهما مسندا إلى الثاني فلا يقوم الأول بنفسه، ولا يتم معناه إلا بالثاني، وهذا هو المعدود من عيوب الشعر، وهو عندي غير معيب؛ لأنه إن كان سبب عيبه أن يعلق البيت الأول على الثاني فليس ذلك بسبب يوجب عيبا، إذ لا فرق بين البيتين من الشعر في تعلق أحدهما بالآخر وبين الفقرتين من الكلام المنثور في تعلق إحداهما بالأخرى؛ لأن الشعر هو كل لفظ موزون مقفى دل على معنى، والكلام المسجوع هو كل لفظ مقفى دل على معنى، فالفرق بينهما يقع في الوزن لا غير.\rوالفقر المسجوعة التي يرتبط بعضها ببعض، قد وردت في القرآن الكريم في مواضع منه، فمن ذلك قوله ﷿ في سورة الصافات: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ، قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ، يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ، أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ ١.\rفهذه الفقر الثلاث الأخيرة مرتبط بعضها ببعض، فلا تفهم كل واحدة منهن إلا بالتي تليها، وهذا كالأبيات الشعرية في ارتباط بعضها ببعض، ولو كان عيبا لما ورد في كتاب الله ﷿.\rوكذلك ورد قوله تعالى في سورة الصافات أيضا: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ، مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ، إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ ٢.\rفالآيتان الأوليان لا تفهم إحداهما إلا بالأخرى.","footnotes":"١ سورة الصافات ٥١-٥٣.\r٢ سورة الصافات ١٦١-١٦٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358998,"book_id":3862,"shamela_page_id":872,"part":"3","page_num":202,"sequence_num":872,"body":"وهكذا ورد قوله ﷿ في سورة الشعراء: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ، ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ، مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ ١ فهذه ثلاث آيات لا تفهم الأولى ولا الثانية إلا بالثالثة، ألا ترى أن الأولى والثانية في معرض استفهام يفتقر إلى جواب، والجواب هو في الثالثة؟.\rومما ورد من ذلك شعرا قول بعضهم:\rومن البلوى التي ليـ ... ـس لها في الناس كنه\rأن من يعرف شيئا ... يدعي أكثر منه\rألا ترى أن البيت الأول لم يقم بنفسه ولا يتم معناه إلا بالبيت الثاني؟ وقد استعمله العرب كثيرا، وورد في شعر فحول شعرائهم، فمن ذلك قول امرئ القيس:\rفقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازًا وناء بكلكل\rألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل٢\rوكذلك ورد قول الفرزدق:\rوما أحد من الأقوام عدوا ... عروق الأكرمين إلى التراب\rبمحتفظين إن فضلتمونا ... عليهم في القديم ولا غضاب٣","footnotes":"١ سورة الشعراء ١٠٥-١٠٧.\r٢ من معلقته في وصف \"الليل\"، \"الديوان ١٨\" وقبل البيتين:\rوليل كموج البحر أرخى سدوله ... علي بأنواع الهموم ليبتلي\r٣ من فخر الفرزدق لما اجتمع هو وجرير وكثير وابن الرقاع عند سليمان بن عبد الملك وقال لهم: أنشدونا من فخركم شيئا حسنا، فبدرهم الفرزدق فقال:\rولو رفع السحاب إليه قوما ... علونا في السماء إلى السحاب\r\"الأغاني ١٩/ ٢٣ والديوان ١/ ٣٦\rوالرواية في الديوان:\rفما أحد من الأقوام عدوا ... عروق الأكرمين على انتساب\rبمحتفظين إن فضلتمونا ... عليهم في القديم ولا غضاب\rمحتفظين: غضاب من الغيظة بمعنى الغضب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3358999,"book_id":3862,"shamela_page_id":873,"part":"3","page_num":203,"sequence_num":873,"body":"وكذلك ورد قول بعض شعراء الحماسة:\rلعمري لرهط المرء خير بقية ... عليه وإن عالوا به كل مركب\rمن الجانب الأقصى وإن كان ذا غنى ... جزيل ولم يخبرك مثل مجرب١\rالضرب الثاني من التضمين, وهو أن يضمن الشاعر شعره والناثر نثره كلاما آخر لغيره، قصدًا للاستعانة على تأكيد المعنى المقصود، ولو لم يذكر ذلك التضمين لكان المعنى تاما.\rوربما ضمن الشاعر البيت من شعره بنصف بيت، أو أقل منه، كما قال جحظة:\rقم فاسقينها يا غلام وغنني ... ذهب الذين يعاش في أكنافهم٢\r...\rألا ترى أنه لو لم يقل في هذا البيت\rذهب الذين يعاش في أكنافهم\rلكان المعنى تاما لا يحتاج إلى شيء آخر، فإن قوله:\rقم فاسقينها يا غلام وغنني\rفيه كفاية، إذ لا حاجة له إلى تعيين الغناء؛ لأن في ذلك زيادة على المعنى المفهوم لا على الغرض المقصود.\rوقد ورد هذا في عدة مواضع من شعر أبي نواس في الخمريات، كقوله في مخاطبة بعض خلطائه على مجلس الشراب:\rفقلت هل لك في الصهباء تأخذها ... من كف ذات حر فالعيش مقتبل\rحيرية كشعاع الشمس صافية ... تطير بالكأس من لألائها شعل","footnotes":"١ شرح المرزوقي للحماسة ١/ ٣٥٨ والقائل هو خالد بن فضلة كما في الحيوان ٣/ ١٠٣ والبيان والتبيين ٣/ ٢٥٠.\r٢ الشطر الثاني صدر بيت للبيد بن ربيعة:\rذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359000,"book_id":3862,"shamela_page_id":874,"part":"3","page_num":204,"sequence_num":874,"body":"فقال هات وأسمعنا على طرب ... ودع هريرة إن الركب مرتحل١\rوكذلك قوله أيضا:\rوظبي خلوب اللفظ حلو كلامه ... مقبله سهل وجانبه وعر\rنحلت له منها فخر لوجهه ... وأمكن منه ما تحيط به الأزر\rفقمت إليه والكرى كحل عينه ... فقبلته والصب ليس له صبر\rإلى أن تجلى نومه عن جفونه ... وقال كسبت الذنب قلت لي العذر\rفأعرض مزورا كأن بوجهه ... تفقؤ رمان وقد برد الصدر\rفما زلت أرقيه وألثم خده ... إلى أن تغنى راضيا وبه سكر\rألا فاسلمي يا دار مي على البلى ... ولا زال منهلا بجرعائك القطر٢\rوقد استعمل هذا الضرب كثيرًا الخطيب عبد الرحمن بن نباتة ﵀، فمن ذلك قوله في بعض خطبه، وهو: \"فيأيها الغفلة المطرقون أما أنتم بهذا الحديث مصدقون، فما لكم منه لا تشفقون، فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون٣\".","footnotes":"١ الديوان ١١٦ كانت بالأصل \"ذت حر\" و\"تطير بالكاس\" و\"غنينا على طرب\" ذات هن: ذات فرج. مقتبل: نضير. حيرية: منسوبة إلى الحيرة بالعراق. لألائها: بريقها والشطر الأخير من مطلع قصيدة الأعشى:\rودع هريرة إن الركب مرتحل ... وهل تطيق وداعا أيها الرجل\r\"الديوان ٥٥\"\r٢ \"الديوان ١٠١\".\rوفي الديوان \"سكت له منها\" و\"راضيا وله الشكر\", نحلت: أعطيت. تفقؤ رمان: رمان متكسر، يريد حمرة الوجه من الخجل أو الآثار التي فيه من تلك الليلة. البيت الأخير لذي الرمة. الجرعاء: الرملة الطيبة المنبت لا وعوثة فيها أو الكثيب جانب منه رمل وجانب حجارة.\r٣ ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ [سورة الذاريات: ٢٣] .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359001,"book_id":3862,"shamela_page_id":875,"part":"3","page_num":205,"sequence_num":875,"body":"وكذلك قوله في ذكر يوم القيامة، وهو: \"فيومئذ تغدو الخلائق على الله بهما، فيحاسبهم على ما أحاط به علما, وينفذ في كل عامل بعمله حكما، وعت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما\"١.\rألا ترى إلى براعة هذا التضمين الذي كأنه قد رصع في هذا الموضع رصعا؟.\rوعلى نحو من ذلك جاء قوله في ذكر يوم القيامة، وهو: \"هناك يقع الحساب على ما أحصاه الله كتابا، وتكون الأعمال المشوبة بالنفاق سرابا، يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا٢\".\rومما ينتظم بهذا السلك قوله في خطبة أخرى، وهو: \"أسكتهم الله الذي أنطقهم، وأبادهم الذي خلقهم وسيجدهم كما أخلقهم، ويجمعهم كما فرقهم، يوم يعيد الله العالمين خلقا جديدا، ويجعل الظالمين لنار جهنم وقودا، ويوم تكونون شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا، يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا\"٣.\rومن هذا الباب قوله أيضا: \"هنالك يرفع الحجاب، ويوضع الكتاب، ويجمع من وجب له الثواب، ومن حق عليه العقاب، فيضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب٤\".\rوأمثال هذه التضمينات في خطبه كثيرة وهي من محاسن ما يجيء في هذا النوع.","footnotes":"١ \"وعنت الوجوه ... ظلما\" [سورة طه: ١١١] بهم: ليس بهم شيء مما كان في الدنيا نحو: البرس والعرج، أو عراة \"القاموس المحيط مادة بهم\".\r٢ \"إلا من أذن ... صوابا\" [سورة النبأ: ٣٨] .\r٣ ﴿يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [سورة البقرة: ١٤٣] ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ... أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [سورة آل عمران: ٣٠] .\r٤ \"بسور ... العذاب\" [سورة الحديد: ١٣] .","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359002,"book_id":3862,"shamela_page_id":876,"part":"3","page_num":206,"sequence_num":876,"body":"النوع الثامن والعشرون: الإرصاد\rوحقيقته أن يبني الشاعر البيت من شعره على قافية قد أرصدها له أي: أعدها في نفسه، فإذا أنشد صدر البيت عرف ما يأتي في قافيته. وذلك من محمود الصنعة، فإن خير الكلام ما دل بعضه على بعض.\rوفي الافتخار بذلك يقول ابن نباتة السعدي:\rخذها إذا أنشدت في القوم من طرب ... صدورها عرفت منها قوافيها\rينسى لها الراكب العجلان حاجته ... ويصبح الحاسد الغضبان يطريها١\rفمن هذا الباب قول النابغة:\rفداء لامرئ سارت إليه ... بعذرة ربها عمي وخالي\rولو كفي اليمين بغتك خونا ... لأفردت اليمين عن الشمال٢\rألا ترى أنه يعلم إذا عرفت القافية في البيت الأول أن في البيت الثاني ذكرا الشمال؟.\rوكذلك جاء قول البحتري:\rأحلت دمي من غير جرم وحرمت ... بلا سبب يوم اللقاء كلامي\rفليس الذي حللته بمحلل ... ليس الذي حرمته بحرام٣","footnotes":"١ يتيمة الدهر ٢/ ٣٧٩ وكان بالأصل يطويها.\r٢ من مدحة للنعمان بن المنذر والاعتذار له وبالأصل\rولو كفى اليمين نفتك خوفا\r٣ من قصيدته في مدح المتوكل، التي مطلعها.\rألا هل أتاها بالمغيب سلامي ... وهل خبرت وجدي بها وغرامي\r\"الديوان ٢/ ٢٢٢\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359003,"book_id":3862,"shamela_page_id":877,"part":"3","page_num":207,"sequence_num":877,"body":"فليس يذهب على السامع -وقد عرف البيت الأول وصدر البيت الثاني- أن عجزه هو ما قاله البحتري.\rوقد جاء الإرصاد في الكلام المنثور كما جاء في الشعر.\rفمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ١.\rفإذا وقف السامع على قوله تعالى: ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ﴾ عرف أن بعده \"يختلفون\" لما تقدم من الدلالة عليه.\rومن ذلك أيضًا قوله ﷿: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ ٢ وعلى نحو منه جاء قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ ٣ فإذا وقع السامع على قوله ﷿: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ﴾ يعلم أن بعده بيت العنكبوت.\rورأيت أبا هلال العسكري قد سمى هذا النوع التوشيح٤، وليس","footnotes":"١ سورة يونس ١٩.\r٢ سورة العنكبوت ٤٠.\r٣ سورة العنكبوت ٤١.\r٤ في كتاب الصناعتين ٣٨٢ \"سمي هذا النوع التوشيح، وهذه التسمية غير لازمة بهذا المعنى، ولو سمي بتبيينا لكان أقرب، وهو أن يكون مبتدأ الكلام ينبئ عن مقطعه، وأوله يخبر بآخره، وصدره يشهد بعجزه، حتى لو سمعت شعرا، أو عرفت رواية، ثم سمعت صدر بيت منه وقفت على عجزه قبل بلوغ السماع إليه..\" ومن هذا يبدو أن ابن الأثير قد وهم في نسبة تسمية هذا الفن \"التوشيح\" إلى أبي هلال العسكري، والحقيقة أن الذي سماه بذلك قدامة بن جعفر؛ لأنه جعل التوشيح من أنواع ائتلاف القافية مع ما يدل عليه سائر معنى البيت، وقال في تعريفه، هو أن يكون أول البيت شاهدا بقافيته ومعناها متعلقا به، حتى إن الذي يعرف قافية القصيدة إذا سمع أول البيت منها عرف آخره، وبانت له قافيته \"نقد الشعر\"","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359004,"book_id":3862,"shamela_page_id":878,"part":"3","page_num":208,"sequence_num":878,"body":"كذلك بل تسميته بالإرصاد أولى، وذلك حيث ناسب الاسم مسماه، ولاق به, وأما التوشيح فإنه نوع آخر من علم البيان، وسيأتي ذكره بعد هذا النوع إن شاء الله تعالى.\rواعلم أنه قد اختلف جماعة من أرباب هذه الصناعة في تسمية أنواع علم البيان، حتى إن أحدهم يضع لنوع واحد منه اسمين، اعتقادا منه أن ذلك النوع نوعان مختلفان، وليس الأمر كذلك، بل هما نوع واحد.\rفممن غلط في ذلك الغانمي١ فإنه ذكر بابا من أبواب علم البيان وسماه التبليغ وقال: هو أن يأتي الشاعر بالمعنى في البيت تاما من غير أن يكون للقافية فيما ذكره صنع، ثم يأتي بها لحاجة الشعر إليها حتى يتم وزنه، فيبلغ بذلك الغاية القصوى في الجودة، كقول امرئ القيس:\rكأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب٢\rفإنه أتى بالتشبيه تاما قبل القافية، ولما جاء بها بلغ الأمد الأقصى في المبالغة.\rثم إن الغانمي ذكر بعد هذا الباب بابا آخر، وسماه الإشباع، فقال: هو أن يأتي الشاعر بالبيت معلق القافية على آخر أجزائه، ولا يكاد يفعل ذلك إلا حذاق الشعراء، وذاك أن الشاعر إذا كان بارعا جلب بقدرته وذكائه وفطنته إلى البيت -وقد تمت معانيه واستغنى عن الزيادة فيه- قافية متممة لأعاريضه ووزنه فجعلها نعتا للمذكور، كقول ذي الرمة:","footnotes":"١ أبو العلاء بن غانم المعروف بالغانمي كان من فضلاء عصره وشعرائه \"اللباب ٣/ ١٦٦\".\r٢ الديوان ٥٣ الجزع الذي لم يثقب: شبه عيون الوحش لما فيها من سواد وبياض بجزع غير مثقب؛ لأن ذلك أصفى له وأتم لحسنه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359005,"book_id":3862,"shamela_page_id":879,"part":"3","page_num":209,"sequence_num":879,"body":"قف العيس في أطلال مية فاسأل ... رسوما كأخلاق الرداء المسلسل١\rهذا كلام الغانمي بعينه, والبابان المذكوران سواء، لا فرق بينهما بحال.\rوالدليل على ذلك أن بيت امرئ القيس يتم معناه قبل أن يؤتى بقافيته، وكذلك بيت ذي الرمة، ألا ترى أن امرأ القيس لما قال:\rكأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع...................\rأتى بالتشبيه أيضًا قبل أن يأتي بالقافية، ولما احتاج إليها جاء بزيادة حسنة وهي قوله: \"لم يثقب\".\rوهكذا ذو الرمة، فإنه لما قال:\rقف العيس في أطلال مية فاسأل ... رسوما كأخلاق الرداء.........\rأتى بالتشبيه أيضًا قبل أن يأتي بالقافية، ولما احتاج إليها جاء بزيادة حسنة وهي قوله: \"المسلسل\".\rواعلم أن أبا هلال العسكري قد سمى هذين القسمين بعينهما الإيغال٢، وقال: هو أن يستوفي الشاعر معنى الكلام قبل البلوغ إلى مقطعه، ثم يأتي بالمقطع","footnotes":"١ ديوان ذي الرمة ٧٢ العيس: النوق البيض. أخلاق الرداء: الرداء الذي صار خلقا وقطعا.\r٢ \"الصناعتين ٣٨٠\" هو أن يستوفي معنى الكلام قبل البلوغ إلى مقطعه، ثم يأتي بالمقطع فيزيد معنى آخر زيد به وضوحا وشرحا وتوكيدا وحسنا. وأصل الكلمة من قولهم وغل في الأمر إذا أبعد الذهاب فيه.\rوقد وهم ابن الأثير هنا أيضا في نسبة هذا الفن \"الإيغال\" إلى أبي هلال العسكري. والحقيقة أن هذا الفن من مستخرجات قدامة، وهو واضع لقبه، وجعله من أنواع ائتلاف القافية مع سائر معنى البيت، وروى قدامة أن محمد بن يزيد النحوي قال: حدثني التوزي قال: قلت للأصمعي: من أشعر الناس؟ فقال: من يأتي إلى المعنى الخسيس فيجعله بلفظه كبيرا، أو إلى الكبير فجعله خسيسا، أو ينقضي كلامه قبل القافية، فإذا احتاج إليها أفاد بها معنى. قال: قلت نحو من؟ قال: نحو ذو الرمة، وأورد البيت المذكور هنا. ثم قال: فتم كلامه قبل \"المسلسل\" ثم قال \"المسلسل\" فزاد شيئا. ثم قال ذو الرمة.\rأظن الذي يجدى عليك سؤالها ... دموعا كتبديد الجمان المفصل\rفتم كلامه ثم احتاج إلى القافية فقال \"المفصل\" فزاد شيئا.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359006,"book_id":3862,"shamela_page_id":880,"part":"3","page_num":210,"sequence_num":880,"body":"فيزيد فيه معنى آخر، وأصل الإيغال من أوغل في الأمر، إذا أبعد الذهاب فيه، ثم مثل أبو هلال ذلك بقول ذي الرمة:\rقف العيس في أطلال مية فاسأل\rوهذا البيت أقرب أمدا من الغانمي؛ لأنه ذكره في باب واحد، وسماه باسم واحد، ولم يذكره في باب آخر كما فعل الغانمي.\rوليس الأخذ على الغانمي في ذلك مناقشة على الأسماء، وإنما المناقشة على أن ينتصب لإيراد علم البيان وتفصيل أبوابه، ويكون أحد الأبواب التي ذكرها داخلا في الآخر فيذهب عنه ويخفى عليه١، وهو أشهر من فلق الصباح.\rوههنا ما هو أغرب من ذاك، وذلك أنه قد سلك قوم في منثور الكلام ومنظومه طرقا خارجة عن موضوع علم البيان، وهي بنجوة عنه؛ لأنها في واد وعلم البيان في واد.\rفممن فعل ذلك الحريري صاحب المقامات، فإنه ذكر تلك الرسالة٢ التي هي","footnotes":"١ في الأصل \"فيذهب عليه ويخفى عنه\" فرجعنا هذا التصويب.\r٢ في المقامة الحلبية \"السادسة والأربعون\" عشر مقطعات من الأبيات في كل مقطعة تلاعب لفظي. فمن ذلك الأخياف أي: كلمة مهملة وأخرى معجمة مثل قوله:\rاسمح فبث السماح زين ... ولا تخب آملا تضيف\rولا تظن الدهور تبقى ... مال ضنين ولو تقشف\rومن ذلك العواطل أي: الخالية من الحروف المعجمة، مثل:\rأعدد لحسادك حد السلاح ... وأورد الآمل ورد السماح\rومن ذلك العرائس أي: المعجمة كلها مثل:\rشغفتني يجفن ظبي غضيض ... غنج يقتضي تغيض جفني\rإلخ\rوفي المقامة السمرقندية \"الثامنة والعشرون\" خطبة مهملة الحروف مثل قوله:\rأحمده حمد موحد مسلم، وأدعوه دعاء مؤمل مسلم، وهو الله لا إله إلا هو الواحد الأحد، العادل الصمد، لا والد له ولا ولد، ولا درء معه ولا مساعد، أرسل محمدا للإسلام ممهدا، وللملة موطدا.\rوفي المقامة الرقطاء \"السادسة والعشرون\" رسالة مكونة من كلمات حرف مهمل وتاليه معجم، مثل:\rأخلاق سيدنا تحب، وبعقوته يلب، وقربه تحف، ونأبه تلف، وخلته نسب، وقطيعته نصب، وغربه ذلق، وشهبه تأتلق إلخ.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359007,"book_id":3862,"shamela_page_id":881,"part":"3","page_num":211,"sequence_num":881,"body":"كلمة معجمة وكلمة مهملة، والرسالة التي حرف من حروف ألفاظها معجم والآخر غير معجم، ونظم غيره شعرا آخر كل بيت منه أول للبيت الذي يليه، وكل هذا وإن تضمن مشقة من الصناعة، فإنه خارج عن باب الفصاحة والبلاغة؛ لأن الفصاحة هي ظهور الألفاظ مع حسنها، على ما أشرت إليه في مقدمة كتابي هذا، وكذلك البلاغة فإنها الانتهاء في محاسن الألفاظ والمعاني، من قولنا بلغت المكان إذا انتهيت إليه.\rوهذا الكلام المصوغ مما أتى به الحريري في رسالته وأورده ذلك الشاعر في شعره لا يتضمن فصاحة ولا بلاغة، وإنما يأتي ومعانيه غثة باردة، وسبب ذلك أنها تستكره استكراها، وتوضع في غير مواضعها، وكذلك ألفاظه، فإنها تجيء مكرهة أيضًا غير ملائمة لأخواتها، وعلم البيان إنما هو الفصاحة والبلاغة في الألفاظ والمعاني، فإذا خرج عنه شيء من هذه الأوضاع المشار إليها لا يكون معدودا منه، ولا داخلا في بابه.\rولو كان ذلك مما يوصف بحسن ألفاظه ومعانيه لورد في كتاب الله ﷿ الذي هو معدن الفصاحة والبلاغة أو ورد في كلام العرب الفصحاء، ولم نره في شيء من أشعارهم ولا خطبهم.\rولقد رأيت رجلا أديبا من أهل المغرب، وقد تغلغل في شيء عجيب وذاك أنه شجر شجرة ونظمها شعرا، وكل بيت من ذلك الشعر يقرأ على ضروب من الأساليب اتباعا لشعب تلك الشجرة وأغصانها، فتارة تقرأ كذا، وتارة تقرأ كذا، وتارة يكون جزء منه ههنا، وتارة ههنا، وتارة يقرأ مقلوبا، وكل ذلك الشعر وإن كان له معنى يفهم إلا أنه ضرب من الهذيان، والأولى به وبأمثاله أن يلحق بالشعبذة والمعالجة والمصارعة، لا بدرجة الفصاحة والبلاغة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359008,"book_id":3862,"shamela_page_id":882,"part":"3","page_num":212,"sequence_num":882,"body":"ورأيت أبا محمد عبد الله بن سنان الخفاجي قد ذكر بابا من الأبواب في كتابه١ فقال: ينبغي ألا تستعمل في الكلام المنظوم والمنثور ألفاظ المتكلمين والنحويين والمهندسين ومعانيهم، ولا الألفاظ التي تختص بها بعض المهن والعلوم؛ لأن الإنسان إذا خاض في علم وتكلم في صناعة وجب عليه أن يستعمل ألفاظ أهل ذلك العلم وأصحاب تلك الصناعة٢، ثم مثل ذلك بقول أبي تمام:\rمودة ذهب أثمارها شبه ... وهمة جوهر معروفها عرض٣\rوبقوله أيضا:\rخرقاء يلعب بالعقول حبابها ... كتلعب الأفعال بالأسماء٤\rوهذا الذي أنكره ابن سنان هو عين المعروف في هذه الصناعة:\rإن الذي تكرهون منه ... هو الذي يشتهيه قلبي\rوسأبين فساد ما ذهب إليه، فأقول: أما قوله إنه يجب على الإنسان إذا خاض في علم أو تكلم في صناعة أن يستعمل ألفاظ أهل ذلك العلم وأصحاب تلك الصناعة,","footnotes":"١ سر الفصاحة: ١٥٩.\r٢ تكملة كلام الخفاجى: وبهذا شرف كلام أبي عثمان الجاحظ، وذلك أنه إذا كاتب لم يعدل عن ألفاظ الكتاب، وإذا صنف في الكلام لم يخرج عن عبارات المتكلمين، فكأنه في كل يخوض فيه لا يعرف سواه، ولا يحسن غيره \"١٥٩\".\r٣ من قصيدته في عتاب عياش بن لهيعة التي مطلعها:\rذل السؤال شجا في الحلق معترض ... من دونه شرق من تحته جرض\rالديوان ٤٠٠ طبعة محمد جمال.\rالجوهر والعرض من اصطلاحات علماء الكلام. الجرض: الغصة.\r٤ الديوان ١/ ٣٣ من قصيدته في مدح محمد بن حسان الضبي، وهذا البيت من خمرياته فيها، خرقاء: وصف الخمر بالخرق وهو في الأصل العجز عن إحسان العقل، يقال للمرأة خرقاء، أي أن الخمر لا تحسن أن تعمل شيئا لكنها تلعب بالعقول، ويغيرها من حال إلى حال، كما تعمل الأفعال بالأسماء، فترفعها تارة وتنصبها تارة. الحباب: طرائق الماء فيها إذا مزجت.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359009,"book_id":3862,"shamela_page_id":883,"part":"3","page_num":213,"sequence_num":883,"body":"فهذا مسلم إليه، ولكنه شذ عنه أن صناعة المنظوم والمنثور مستمدة من كل علم وكل صناعة؛ لأنها موضوعة على الخوض في كل معنى، وهذا لا ضابط له يضبطه، ولا حاصر يحصره، فإذا أخذ مؤلف الشعر أو الكلام المنثور في صوغ معنى من المعاني وأداه ذلك إلى استعمال معنى فقهي أو نحوي أو حسابي أو غير ذلك فليس له أن يتركه ويحيد عنه؛ لأنه من مقتضيات هذا المعنى الذي قصده.\rألا ترى إلى قول أبي تمام في الاعتذار:\rفإن يك جرم عن أو تك هفوة ... على خطأ مني فعذري على عمد١\rفإن هذا من أحسن ما يجيء في باب الاعتذار عن الذنب، وكان ينبغي له على ما ذكره ابن سنان أن يترك ذلك ولا يستعمله، حيث فيه لفظتا \"الخطأ\" و\"العمد\" اللتان هما من أخص ألفاظ الفقهاء.\rوكذلك قول أبي الطيب المتنبي:\rولقيت كل الفاضلين كأنما ... رد الإله نفوسهم والأعصرا\rنسقوا لنا نسق الحساب مقدما ... وأتى فذلك إذ أتيت مؤخرا٢","footnotes":"١ الديوان ٢/ ١١٧ من مدحه لأبي المغيث الرافقي واعتذاره له.\r٢ من قصيدته في مدح أبي الفضل محمد بن العميد، التي مطلعها:\rباد هودك صبرت أم لم تصبرا ... وبكاك إن لم يجر دمعك أو جرى\rوقوله لقيت كل الفاضلين، معطوف على كلام سابق يتحدث فيه عن تمثل فلاسفة وعلماء وعظماء وكرماء في شخص ابن العميد \"الديوان ٢/ ٣١٦\" نسقوا: سردوا. فذلك: حكاية قول الحاسب إذا أجمل حسابه، فهي فاعل أتى أي أن هؤلاء الفاضلين تتابعوا متقدمين عليك في أزمانك، فلما أتيت بعدهم جمعت ما كان فيهم من فصائل، فكنت بمثابة إجمال الحساب الذي تذكر تفاصيله أولا، ثم تجمل فيكتب في آخرها فذلك كذا وكذا.\r\"الديوان ٢/ ٣١٦\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359010,"book_id":3862,"shamela_page_id":884,"part":"3","page_num":214,"sequence_num":884,"body":"وهذا من المعاني البديعة، وما كان ينبغي لأبي الطيب أن يأتي في مثل هذا الموضع بلفظة \"فذلك\" التي هي من ألفاظ الحساب، بل كان يترك هذا المعنى الشريف الذي لا يتم إلا بتلك اللفظة موافقة لابن سنان فيما رآه وذهب إليه، وهذا محض الخطأ وعين الغلط.\rوأما ما أنكره على أبي تمام في قوله:\rمودة ذهب أثمارها شبه ... وهمة جوهر معروفها عرض\rفإن هذا البيت ليس منكرا لما استعمل فيه من لفظتي الجوهر والعرض اللتين هما من خصائص ألفاظ المتكلمين، بل لأنه في نفسه ركيك، لتضمنه لفظة \"الشبه\" فإنها لفظة عامية ركيكة، وهي التي أسخفت بالبيت بجملته، ورب قليل أفسد كثيرا، وأما لفظتا الجوهر والعرض فلا عيب فيهما، ولا ركاكة عليهما.\rوأما البيت الآخر، وهو:\rخرقاء يلعب بالعقول حبابها ... كتلعب الأفعال بالأسماء\rفليس بمنكر، وهل يشك في أن التشبيه الذي تضمنه واقع في موقعه? ألا ترى أن الفعل ينقل الاسم من حال إلى حال، وكذلك تفعل الخمر بالعقول في تنقل حالاتها، فما الذي أنكره ابن سنان من ذلك?\rوقد جاء لبعض المتأخرين من هذا الأسلوب ما لا يدافع في حسنه، وهو قوله:\rعوامل رزق أعربت لغة الردى ... فجسم له خفض ورأس له نصب\rفإنه لما حصل له المشابهة في الاسمية بين عوامل الرماح والعوامل النحوية حسن موقع ما ذكره من الخفض والنصب، وعلى ما ذكره ابن سنان فإن ذلك غير جائز، وهو من مستحسنات المعاني، هذا من أعجب الأشياء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359011,"book_id":3862,"shamela_page_id":885,"part":"3","page_num":215,"sequence_num":885,"body":"وعلى هذا الأسلوب ورد قول بعضهم:\rوفتى من مازن ... فاق أهل البصره\rأمه معرفة ... وأبوه نكره\rوهل يشك في حسن هذا المعنى ولطافته?\rوكذلك ورد من هذا النوع في شعر بعض العراقيين يهجو طبيبا فقال:\rقال حمار الطبيب توما ... لو أنصفوني لكنت أركب\rلأنني جاهل بسيط ... وراكبي جهله مركب\rوهذا من المعنى الذي أغرب في الملاحة، وجمع بين خفة السخرية ووقار الفصاحة.\rوقد تقدم القول في صدر كتابي هذا أنه يجب على صاحب هذه الصناعة أن يتعلق بكل علم وكل صناعة، ويخوض في كل فن من الفنون؛ لأنه مكلف بأن يخوض في كل معنى من المعاني، فاضمم يدك على ما ذكرته ونصصت عليه، واترك ما سواه، فليس القائل بعلمه واجتهاده كالقائل بظنه وتقليده.\rوهذا النوع إذا استعمل على الوجه المرضي كان حسنا، وإذا استعمل بخلاف ذلك كان قبيحا، كما جاء كلام أبي العلاء بن سليمان المعري، وهو قوله في رسالة كتبها إلى بعض إخوانه: \"حرس الله سعادته ما أدغمت التاء في الظاء، وتلك سعادة بغير انتهاء\"، وهذا من الغث البارد، لكن قد جاء في الشعر ما هو حسن فائق، كقوله:\rفدونكم خفض الحياة فإننا ... نصبنا المطايا في الفلاة على القطع١","footnotes":"١ شرح التنوير على سقط الزند ٢/ ١٠٩ نصبنا المطايا: أعددناها للسير. خفض الحياة: لينها ونعيمها.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359012,"book_id":3862,"shamela_page_id":886,"part":"3","page_num":216,"sequence_num":886,"body":"والخفض والنصب من الإعراب النحوي، والخفض: رفاهة العيش، والقطع: من منصوبات النحو، والقطع: قطع الشيء، يقال: قطعته إذا بترته.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359013,"book_id":3862,"shamela_page_id":887,"part":"3","page_num":216,"sequence_num":887,"body":"النوع التاسع والعشرون: في التوشيح\rوهو أن يبني الشاعر أبيات قصيدته على بحرين مختلفين، فإذا وقف من البيت على القافية الأولى كان شعرا مستقيما من بحر على عروض، وإذا أضاف إلى ذلك ما بنى عليه شعره من القافية الأخرى كان أيضًا شعرا مستقيما من بحر آخر على عروض، وصار ما يضاف إلى القافية الأولى للبيت كالوشاح، وكذلك يجري الأمر في الفقرتين من الكلام المنثور، فإن كان فقرة منهما تصاغ من سجعتين, وهذا لا يكاد يستعمل إلا قليلا وليس من الحسن في شيء، واستعماله في الشعر أحسن منه في الكلام المنثور،\rفمن ذلك قول بعضهم:\rاسلم ودمت على الحوادث ما رسا ... ركنا ثبير أو هضاب حراء١\rونل المراد ممكنا منه على ... رغم الدهور وفز بطول بقاء\rوهذا من الجيد الذي يأتي في هذا النوع، إلا أن أثر التكلف عليه باد ظاهر، وإذا نظر إلى هذين البيتين وجدا وهما يذكران على قافية أخرى وبحر آخر، وذاك أن يقال:","footnotes":"١ ثبير: جبل بظاهر مكة. حراء: جبل بمكة به غار تحنث فيه رسول الله.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359014,"book_id":3862,"shamela_page_id":888,"part":"3","page_num":217,"sequence_num":888,"body":"أسلم ودمت على الحوا ... دث مارسا ركنا ثبير\rونل المراد ممكنا ... منه على رغم الدهور\rوقد استعمل ذلك الحرير في مقاماته، نحو قوله:\rيا خاطب الدنيا الدنية إنها ... شرك الردى وقرارة الأكدار\rدار متى ما أضحكت في يومها ... أبكت غدا بعدا لها من دار\rوإذا أظل سحابها لم ينتفع ... منه صدى، لجهامه الغرار١\rواعلم أن هذا النوع لا يستعمل إلا متكلفا عند تعاطي التمكن من صناعة النظم، وحسنه منوط بما فيه من الصناعة، لا بما فيه من البراعة.\rألا ترى أنه لو نظم عليه قصيد من أوله إلى آخره يتضمن غزلا ومديحا على ما جرت به عادة القصائد أليس أنه كان يجيء باردا غثا لا يسلم منه على محك النظر عشره? والعشر كثير، وما كان على هذه الصورة من الكلام فإنما يستعمل أحيانا على الطبع، لا على التكلف، وهو وأمثاله لا يحسن إلا إذا كان يسيرا، كالرقم في الثوب أو الشية في الجلد.","footnotes":"١ من الممكن أن تقرأ الأبيات هكذا، وقد وردت على الوجهين في المقامة الشعرية \"الثالثة والعشرون\" ١٦٦.\rيا خاطب الدنيا الدنيـ ... ـة إنها شكر الردى\rدار متى ما أضحكت ... في يومها أبكت غدا\rوإذا أظل سحابها ... لم ينتفع منه صدى\rلم ينتقع منه صدى: لم يرتو منه عطش.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359015,"book_id":3862,"shamela_page_id":889,"part":"3","page_num":218,"sequence_num":889,"body":"النوع الثلاثون: في السرقات الشعرية\rمدخل\r...\rالنوع الثلاثون: في السرقات الشعرية\rولربما اعترض معترض في هذا الموضوع فقال: قد تقدم نثر الشعر في أول الكتاب، وهو أخذ الناثر من الناظم، ولا فرق بينه وبين أخذ الناظم من الناظم، فلم يكن إلى ذكر السرقات الشعرية إذن حاجة. ولو أنعم هذا المعترض نظره لظهر له الفرق وعلم أن نثر الشعر لم يتعرض فيه إلى وجوه المأخذ وكيفية التوصل إلى مدخل السرقات، وهذا النوع يتضمن ذكر ذلك مفصلا.\rواعلم أن الفائدة من هذا النوع أنك تعلم أين تضع يدك في أخذ المعاني إذ لا يستغني الآخر عن الاستعارة من الأول١، لكن لا ينبغي لك أن تعجل في سبك اللفظ على المعنى المسروق فتنادي على نفسك بالسرقة، فكثيرا ما رأينا من عجل في ذلك فعثر، وتعاطى فيه البديهة فعقر.\rوالأصل المعتمد عليه في هذا الباب التورية والاختفاء٢ بحيث يكون ذلك أخفى من سفاد الغراب، وأظرف من عنقاء مغرب في الإغراب.","footnotes":"١ قال أبو هلال العسكري: ليس لأحد من أصناف القائلين غنى عن تناول المعاني ممن تقدمهم، والصب على قوالب من سبقهم، ولكن عليهم إذا أخذوها أن يكسوها ألفاظا من عندهم، ويبرزوها في معارض من تأليفهم. \"الصناعتين ١٩٦\".\r٢ قال القاضي الجرجاني: فإن الشاعر الحاذق إذا علق المعنى المختلس عدل به عن نوعه وصنفه، وعن وزنه ونظمه، وعن رويه وقافتيه. فإذا مر بالغبي الغفل وجدهما أجنبيين متباعدين، وإذا تأملهما الفطن الذكي عرف قرابة ما بينهما، والوصلة التي تجمعها \"الوساطة ١٩٩\"\rوقال أبو هلال: والحاذق يخفي دبيبه إلى المعنى يأخذه في مسترة فيحكم له بالسبق إليه أكثر من يمر به \"الصناعتين ١٩٨\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359016,"book_id":3862,"shamela_page_id":890,"part":"3","page_num":219,"sequence_num":890,"body":"وقد ذهب طائفة من العلماء إلى أنه ليس لقائل أن يقول: إن لأحد من المتأخرين معنى مبتدعا، فإن قول الشعر قديم منذ نطق باللغة العربية، وإنه لم يبق معنى من المعاني إلا وقد طرق مرارا.\rوهذا القول وإن دخل في حيز الإمكان إلا أنه لا يلتفت إليه؛ لأن الشعر من الأمور المتناقلة، والذي نقلته الأخبار وتواردت عليه أن العرب كانت تنظم المقاطيع من الأبيات فيما يعن لها من الحاجات، ولم يزل الحال على هذه الصورة إلى عهد امرئ القيس، وهو قبل الإسلام بمائة سنة زائدا فناقصا، فقصد القصائد، وهو أول من قصد، ولو لم يكن له معنى اختص به سوى أنه أول من قصد القصائد لكان في ذلك كفاية، وأي فضيلة من هذه الفضيلة? ثم تتابع المقصدون، واختير من القصائد تلك السبع التي علقت على البيت، وانفتح للشعراء هذا الباب في التقصيد، وكثرت المعاني المقولة بسببه، ولم يزل الأمر ينمي ويزيد ويؤتي بالمعاني الغريبة، واستمر ذلك إلى عهد الدولة العباسية وما بعدها إلى الدولة الحمدانية، فعظم الشعر، وكثرت أساليبه، وتشعبت طرقه، وكان ختامه على الثلاثة المتأخرين، وهم: أبو تمام حبيب بن أوس، وأبو عبادة الوليد بن عبيد البحتري، وأبو الطيب المتنبي.\rفإذا قيل: إن المعاني المبتدعة سبق إليها ولم يبق معنى مبتدع، عورض ذلك بما ذكرته.\rوالصحيح أن باب الابتداع للمعاني مفتوح إلى يوم القيامة، ومن الذي يحجر على الخواطر وهي قاذفة بما لا نهاية له? إلا أن من المعاني ما يتساوى الشعراء فيه، ولا يطلق عليه اسم الابتداع لأول قبل آخر؛ لأن الخواطر تأتي به من غير حاجة إلى اتباع الآخر قول الأول، كقولهم في الغزل:\rعفت الديار وما عفت ... آثارهن من القلوب\rوكقولهم إن الطيف يجود بما يبخل به صاحبه، وإن الواشي لو علم بمزار","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359017,"book_id":3862,"shamela_page_id":891,"part":"3","page_num":220,"sequence_num":891,"body":"الطيف لساءه، وكقولهم في المديح: إن عطاءه كالبحر، وكالسحاب، وإنه لا يمنع عطاء اليوم عطاء غد، وإنه يجود ابتداء من غير مسألة، وأشباه ذلك وكقولهم في المراثي: إن هذا الرزء أول حادث، وإنه استوى فيه الأباعد والأقارب، وإن الذاهب لم يكن واحدا وإنما كان قبيلة، وإن بعد هذا الذاهب لا يعد للمنية ذنب، وأشباه ذلك.\rوكذلك يجري الأمر في غير ما أشرت إليه من معان ظاهرة تتوارد الخواطر عليها من غير كلفة، وتستوي في إيرادها، ومثل ذلك لا يطلق على الآخر فيه اسم السرقة من الأول، وإنما يطلق اسم السرقة في معنى مخصوص كقول أبي تمام:\rلا تنكروا ضربي له من دونه ... مثلا شردوا في الندى والياس\rفالله قد ضرب الأقل لنوره ... مثلا من المشكاة والنبراس\rفإن هذا المعنى مخصوص ابتدعه أبو تمام، وكان لابتداعه سبب، والحكاية فيه مشهورة، وهي أنه لما أنشد أحمد بن المعتصم قصيدته السينية التي مطلعها: \"ما في وقوفك ساعة من باس\"١ انتهى إلى قوله:\rإقدام عمرو في سماحة حاتم ... في حلم أحنف في ذكاء إياس\rفقال الحكيم الكندي: وأي فخر في تشبيه ابن أمير المؤمنين بأجلاف العرب? فأطرق أبو تمام ثم أنشد هذين البيتين معتذرا عن تشبيهه إياه بعمرو وحاتم وإياس، وهذا معنى يشهد به الحال أنه ابتدعه، فمن أتى من بعده بهذا المعنى أو بجزء منه فإنه يكون سارقا له.","footnotes":"١ من قصيدته في مدح أحمد بن المعتصم \"الديوان ٢/ ٢٤٢\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359018,"book_id":3862,"shamela_page_id":892,"part":"3","page_num":221,"sequence_num":892,"body":"وكذلك ورد قول أبي الطيب المتنبي في عضد الدولة وولديه:\rوأنت الشمس تبهر كل عين ... فكيف وقد بدت معها اثنتان\rفعاشا عيشة القمرين يحيا ... بضوئهما ولا يتحاسدان\rولا ملكا سوى ملك الأعادي ... ولا ورثا سوى من تقتلان\rوكان ابنا عدو كاثراه ... له ياءي حروف أنيسيان١\rوهذا معنى لأبي الطيب، وهو الذي ابتدعه أي: إن زيادة أولاد عدوك كزيادة التصغير، فإنها زيادة نقص.\rوما ينبغي أن يقال إن ابن الرومي ابتدع هذا المعنى الذي هو:\rتشكى المحب وتلفى الدهر شاكية٢ ... كالقوس تصمي الرمايا وهي مرنان\rفإن علماء البيان يزعمون أن هذا المعنى مبتدع لابن الرومي، وليس كذلك، ولكنه مأخوذ من المثل المضروب، وهو قولهم: \"يلدغ ويصي\"٣، ويضرب ذلك لمن يبتدئ بالأذى ثم يشكو، وإنما ابن الرومي قد ابتدع معاني","footnotes":"١ \"الديوان ٤/ ٤٨٦\" من قصيدته التي مطلعها:\rمغاني الشعب طيبا في المغاني ... بمنزلة الربيع من الزمان\r٢ تشكى المحب: تزيده أذى وتفعل به ما يوجب شكواه: تصمي الرمايا: تصيب المصيد فتقتله مكانه. وفي الأصل \"يشكي ويلغي\"، لكن قبل البيت قوله:\rيارب حسانة منهن قد فعلت ... سوءا وقد تفعل الأسواء حسان\rوهذا يعين تأنيث الفعلين.\r٣ يصي: يصيء، من صاءت العقرب تصيء إذا صاحت، ومنه حديث علي ﵁ \"أنت مثل العقرب تلدغ وتصيء\" أي: تلدغ وهي صائحة. تاج العروس مادة صأي.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359019,"book_id":3862,"shamela_page_id":893,"part":"3","page_num":222,"sequence_num":893,"body":"آخر غير ما ذكرته، وليس الغرض أن يؤتى على جميع ما جاء به هو ولا غيره من المعاني المبتدعة، بل الغرض أن يبين المعنى المبتدع من غيره. والذي عندي في السرقات أنه متى أورد الآخر شيئا من ألفاظ الأول في معنى من المعاني، ولو لفظة واحدة فإن ذلك من أدل الدليل على سرقته.\rواعلم أن علماء البيان قد تكلموا في السرقات الشعرية فأكثروا،١ وكنت ألفت فيها كتابا، وقسمته ثلاثة أقسام: نسخا، وسلخا، ومسخا.\rأما النسخ فهو: أخذ اللفظ والمعنى برمته، من غير زيادة عليه، مأخوذا ذلك من نسخ الكتاب.\rوأما السلخ هو: أخذ بعض المعنى, مأخوذا ذلك من سلخ الجلد الذي هو بعض الجسم المسلوخ.\rوأما المسخ فهو: إحالة المعنى إلى ما دونه، مأخوذا ذلك من مسخ الآدميين قردة.\rوههنا قسمان آخران أخللت بذكرهما في الكتاب الذي ألفته، فأحدهما أخذ المعنى مع الزيادة عليه، والآخر عكس المعنى إلى ضده، وهذان القسمان ليسا بنسخ ولا سلخ ولا مسخ.","footnotes":"١ من العلماء والنقاد الذي درسوا السرقات القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني مؤلف الوساطة، فقد قسم المعاني ثلاثة أقسام: المعاني المشتركة التي لا يجوز ادعاء السرقة فيها، والمعاني المبتذلة التي كانت في أصلها مخترعة ثم استفاضت وتنوقلت فليس أحد أولى بها من أحد، والمعاني المختصة التي حازها المبتدئ فملكها، فصار المعتدي مختلسا سارقا \"الوساطة ١٧٩\".\rوكذلك أبو هلال العسكري الذي أفاض في الكلام في السرقات وضروبها وتكلم في الأخذ الحسن ووسائله والقبيح وضروبه \"الصناعتين ١٩٦\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359020,"book_id":3862,"shamela_page_id":894,"part":"3","page_num":223,"sequence_num":894,"body":"وكل قسم من هذه الأقسام يتنوع ويتفرع، وتخرج به القسمة إلى مسالك دقيقة، وقد استأنفت ما فاتني من ذلك في هذا الكتاب، والله الموفق للصواب.\rومن المعلوم أن السرقات الشعرية لا يمكن الوقوف عليها إلا بحفظ الأشعار الكثيرة التي لا يحصرها عدد، فمن رام الأخذ بنواصيها، والاشتمال على قواصيها، بأن يتصفح الأشعار تصفحا، ويقتنع بتأملها ناظرا، فإنه لا يظفر منها إلا بالحواشي والأطراف.\rوكنت سافرت إلى الشام سنة سبع وثمانين وخمسمائة، ودخلت مدينة دمشق فوجدت جماعة من أدبائها يلهجون ببيت من شعر ابن الخياط في قصيد له أولها:\rخذا من صبا نجد أمانا لقلبه١\rويزعمون أنه من المعاني الغريبة وهو:\rأغار إذا آنست في الحي أنة ... حذارا عليه أن تكون لحبه","footnotes":"١ تكملة البيت:\rفقد كاد رياها يطير بلبه\rوهو مطلع قصيدة لطيفة منها:\rوإياكما ذاك النسيم فإنه ... متى هب كان الوجد أيسر خطبه\rخليلي لو أحببتما لعلمتما ... محل الهوى من مغرم القلب صبه\rتذكر والذكرى تشوق وذو الهوى ... يتوق ومن يعلق به الحب يصبه\rغرام على يأس الهوى ورجائه ... وشوق على بعد المزاد وقربه\rوفي الركب مطوي الضلوع على جوى ... متى يدعه داعي الغرام يلبه\rإذا خطرت من جانب الرمل نفحة ... تضمن منها داؤه دون صحبه\rومحتجب بين الأسنة معرض ... وفي القلب من إعراضه مثل حجبه\rأغار إذا آنست في الحي أنه ... حذارا وخوفا أن تكون لحبه\rوالأبيات لأحمد بن محمد بن علي بن صدقة التغلبي المعروف بابن الخياط الشاعر الدمشقي الكاتب المتوفى سنة ٤٩٧هـ \"الكامل لابن الأثير ١٢/ ١٩٣\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359021,"book_id":3862,"shamela_page_id":895,"part":"3","page_num":224,"sequence_num":895,"body":"فقلت لهم: هذا البيت مأخوذ من شعر أبي الطيب المتنبي في قوله:\rلو قلت للدنف المشوق فديته ... مما به لأعزته بفدائه١\rوقول أبي الطيب أدق معنى، وإن كان قول ابن الخياط أرق لفظا، ثم إني وقفتهم على مواضع كثيرة من شعر ابن الخياط قد أخذها من شعر المتنبي.\rوسافرت إلى الديار المصرية في سنة ست وتسعين فوجدت أهلها يعجبون ببيت من الشعر يعزونه إلى شاعر من أهل اليمن يقال له عمارة٢، وكان حديث عهد بزماننا هذا في آخر الدولة العلوية بمصر، وذلك البيت من جملة قصيدة له يمدح بها بعض خلفائها عند قدومه عليه من اليمن، وهو:\rفهل درى البيت أني بعد فرقته ... ما سرت من حرم إلا إلى حرم٣\rفقلت لهم: هذا البيت مأخوذ من شعر أبي تمام في قوله مادحا لبعض","footnotes":"١ من قصيدته التي مطلعها:\rالقلب أعلم يا عذول بدائه ... وأحق منك بجفنه وبمائه\rالديوان ١/ ١ أي: إن القلب أدرى منك أيها اللائم بدلته وما أدركه من ألم الهوى، فهو يلتمس شفاءه في البكاء ويأمر الجفن به.\rالدنف: المريض من العشق. أغرته: بعثته على الغيرة. بفدائه: بفدائك إياه.\r٢ عمارة اليمني: شاعر سياسي كبير ولد سنة ٥١٥هـ باليمن، ثم رحل إلى مصر سنة ٥٥٠هـ في عهد الخليفة الفائز ووزيره يومئذ طلائع بن رزيك، ونال من الكرم ما ألهج لسانه بالشكر.\rولما سقطت الدولة الفاطمية حزن عليها حزنا شديدا، لكنه اضطر إلى مدح صلاح الدين الأيوبي. ثم اتهم بالاشتراك في مؤامرة لخلع صلاح الدين، فصلب فيمن صلبوا سنة ٥٦٩هـ.\r٣ من قصيدته في مدح الخليفة الفائز بن الظافر ووزيره الصالح، التي مطلعها:\rالحمد للعيس بعد العزم والهمم ... حمدا يقوم بما أولت من النعم\r\"ديوان عمارة اليمني\"","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359022,"book_id":3862,"shamela_page_id":896,"part":"3","page_num":225,"sequence_num":896,"body":"الخلفاء في حجة حجها، وذلك بيت من جملة أبيات خمسة:\rيا من رأى حرما يسري إلى حرم ... طوبى لمستلم يأتي وملتزم١\rثم قلت في نفسي: يالله العجب! ليس أبو تمام وأبو الطيب من الشعراء الذين درست أشعارهم، ولا هما ممن لم يعرف ولا اشتهر أمره، بل هما كما يقال: أشهر من الشمس والقمر، وشعرهما دائر في أيدي الناس، بخلاف غيرهما، فكيف خفي على أهل مصر ودمشق بيتا ابن الخياط وعمارة المأخوذان من شعرهما? وعلمت حينئذ أن سبب ذلك عدم الحفظ للأشعار، والاقتناع بالنظر في دواوينها.\rولما نصبت نفسي للخوض في علم البيان ورمت أن أكون معدودا من علمائه علمت أن هذه الدرجة لا تنال إلا بنقل ما في الكتب إلى الصدور, والاكتفاء بالمحفوظ عن المسطور:\rليس بعلم ما حوى القمطر ... ما العلم إلا ما حواه الصدر\rولقد وقفت من الشعر على كل ديوان ومجموع، وأنفذت شطرا من العمر في المحفوظ منه والمسموع، فألفيته بحرا لا يوقف على ساحله، وكيف ينتهى إلى إحصاء قول لم تحص أسماء قائله؟ فعند ذلك اقتصرت منه على ما تكثر فوائده، وتتشعب مقاصده، ولم أكن ممن أخذ بالتقليد والتسليم في اتباع من قصر نظره على الشعر القديم، إذ المراد من الشعر إنما هو إيداع المعنى الشريف، في اللفظ الجزل واللطيف، فمتى وجدت ذلك فكل مكان خيمت فهو بابل.","footnotes":"١ ليس البيت بديوانه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359023,"book_id":3862,"shamela_page_id":897,"part":"3","page_num":226,"sequence_num":897,"body":"وقد اكتفيت في هذا بشعر أبي تمام حبيب بن أوس وأبي عبادة بن الوليد \"البحتري\" وأبي الطيب المتنبي، وهؤلاء الثلاثة هم لات الشعر وعزاه ومناته١، الذين ظهرت على أيديهم حسناته ومستحسناته، وقد حوت أشعارهم غرابة المحدثين.","footnotes":"١ يريد أنهم آلهة الشعر.\rاللات: صنم كان لأهل الطائف وكانت قريش وسائر العرب تعظمه، وهو صخرة مربعة وسموا به فقالوا: زيد اللات وتيم اللات \"الأصنام لابن الكلبي ١٦\" وقيل إنه بيت كان بنخلة فعبدته قريش \"تفسير الطبري ٢٧/ ٣٥\" ويرى بروكلمان أن اللات هي الإلهة التي كانت تعرف بالطائف بالربة أي: السيدة وهي تقابل الأم الكبرى للإلهة عشتر عند الساميين الشماليين \"العرب والإمبراطورية العربية ٢٧\" وذكر الطبري أن اللات مشتقة من الله، ألحقت به التاء فأنث، كما قيل عمرو للمذكر وللأنثى عمرة \"تفسير الطبري ٢٧/ ٣٤\".\rوظلت اللات إلى فجر الإسلام إذ بعث النبي أبا سفيان والمغيرة بن شعبة لهدمها بالطائف \"دحلان ٢/ ٣٧٩\" بعد أن أسلمت ثقيف، وعلاها المغيرة يضرب المعول، وخرجت نساء ثفيف حسرا يبكين عليها ويتهمن بالجبن رجالهن؛ لأنهم لم يدافعوا عنها \"ابن هشام ٤/ ١٩٨\".\rالعزى:\rكانت العزى أعظم الأصنام عندهم. وكانت بواد من نخلة الشامية يقال له حراض، فبني عليها بيت، وكانوا يسمعون فيه الصوت. وسموا بها فقالوا عبد العزى. وكانوا يزورونها ويهدون إليها ويتقربون بالذبح عندها \"الأصنام ١٨\" ويختلف المؤرخون في عبادها، فابن هشام يذكر أنهم قريش وبنو كنانة \"السيرة ٤/ ٨٧\" وغيره يذكر أنهم غطفان. وهي شجرة سمرة بعث إليها النبي خالد بن الوليد فقطعها. وزعموا أنها خرجت منها شيطانة مكشوفة الرأس ناشرة الشعر، تضرب رأسها وتولول فضربها خالد بالسيف فقتلها وهو يقول:\rيا عز كفرانك لا سبحانك ... إني رأيت الله قد أهانك\rفلما رجع إلى النبي أخبره بما فعل، فقال: \"تلك العزى ولن تعبد أبدا\" \"أخبار مكة للأزرقي ١/ ٧٤ والنيسابوري على هامش الطبري ٢٧/ ٤١ والزيني ذحلان على هامش السيرة الحلبية ٣/ ٣٤٠\" وتسمية العزى مشتقة من اسم الله تعالى العزيز أو هو مؤنث الأعز كما ذهب النيسابوري \"الطبري ٢٧/ ٣٤ والنيسابوري على هامشه\".\rمناة:\rأقدم أصنامهم، كانت تعظمه الأوس والخزرج ومن ينزل يثرب ومكة وما حولهما، ويذبحون له ويهللون، وسموا به فقالوا عبد مناة وزيد مناة \"الأصنام ١٣\". وهي صخرة سميت بذلك؛ لأن دماء القرابين كانت تمنى عندها أي: تراق وظلت قائمة إلى أن بعث النبي سعد بن زيد أو أبا سفيان بن حرب أو علي بن أبي طالب فهدمها \"الزيني دحلان ٢/ ٣٤٢\"\rويرى بروكلمان أنه إلهة القضاء والقدر، وكانت معروفة في مكة، ثم شاعت عبادتها على الخصوص بين قبائل هذيل البدوية المجاورة \"العرب والإمبراطورية العربية ٧٧\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359024,"book_id":3862,"shamela_page_id":898,"part":"3","page_num":227,"sequence_num":898,"body":"إلى فصاحة القدماء، وجمعت بين الأمثال السائرة وحكمة الحكماء.\rأما أبو تمام فإنه رب معان، وصيقل ألباب وأذهان وقد شهد له بكل معنى مبتكر، لم يمش فيه على أثر، فهو غير مدافع عن مقام الإغراب الذي برز فيه على الأضراب.\rولقد مارست من الشعر كل أول وأخير، ولم أقل ما أقول فيه إلا عن تنقيب وتنقير، فمن حفظ شعر الرجل وكشف عن غامضه وراض فكره برائضه, أطاعته أعنة الكلام، وكان قوله في البلاغة ما قالت حذام، فخذ مني في ذلك قول حكيم، وتعلم ففوق كل ذي علم عليم.\rوأما أبو عبادة البحتري فإنه أحسن في سبك اللفظ على المعنى، وأراد أن يشعر فغنى، ولقد حاز طرفي الرقة والجزالة على الإطلاق، فبينا يكون في شظف نجد إذ تشبت بريف العراق.\rوسئل أبو الطيب المتنبي عنه، وعن أبي تمام، وعن نفسه، فقال: أنا وأبو تمام حكيمان، والشاعر البحتري، ولعمري إنه أنصف في حكمه، وأعرب بقوله هذا عن متانة علمه، فإن أبا عبادة أتى في شعره بالمعنى المقدود من الصخرة الصماء، في اللفظ المصوغ من سلاسة الماء، فأدرك بذلك بعد المرام، مع قربه إلى الأفهام، وما أقول إلا أنه أتى في معانيه بأخلاط الغالية١، ورقى في ديباجة لفظه إلى الدرجة العالية.\rوأما أبو الطيب المتنبي فإنه أراد أن يسلك مسلك أبي تمام فقصرت عنه خطاه، ولم يعطه الشعر من قياده ما أعطاه، لكنه حظي في شعره بالحكم","footnotes":"١ الطيب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359025,"book_id":3862,"shamela_page_id":899,"part":"3","page_num":228,"sequence_num":899,"body":"والأمثال، واختص بالإبداع في وصف مواقف القتال.\rوأنا أقول قولا لست فيه متأثما، ولا منه متلثما، وذاك أنه إذا خاض في وصف معركة كان لسانه أمضى من نصالها، وأشجع من أبطالها، وقامت أقواله للسامع مقام أفعالها، حتى تظن الفريقين قد تقابلا، والسلاحين قد تواصلا، فطريقه في ذلك تضل بسالكه، وتقوم بعذر تاركه، ولا شك أنه كان يشهد الحروب مع سيف الدولة ابن حمدان فيصف لسانه، ما أدى إليه عيانه، ومع هذا فإني رأيت الناس عادلين فيه عن سنن التوسط، فإما مفرط في وصفه وإما مفرط.\rوهو وإن انفرد بطريق صار أبا عذره، فإن سعادة الرجل كانت أكبر من شعره، وعلى الحقيقة فإنه خاتم الشعراء، ومهما وصف به فهو فوق الوصف وفوق الإطراء.\rولقد صدق في قوله من أبيات يمدح بها سيف الدولة:\rلا تطلبن كريما بعد رؤيته ... إن الكرام بأسخاهم يدا ختموا\rولا تبال بشعر بعد شاعره ... قد أفسد القول حتى أحمد الصمم١\rولما تأملت شعره بعين المعدلة البعيدة عن الهوى، وعين المعرفة التي ما ضل صاحبها وما غوى، وجدته أقساما خمسة، خمس في الغاية التي انفرد بها دون غيره، وخمس من جيد الشعر الذي يساويه فيه غيره، وخمس من متوسط الشعر، وخمس دون ذلك، وخمس في الغاية المتقهقرة التي لا يعبأ بها, وعدمها خير من وجودها،","footnotes":"١ من قصيدته في مدح سيف الدولة التي مطلعها:\rعقبى اليمين على عقبى الوغى ندم ... ماذا يزيدك في إقدامك القسم\rلما بلغه أن البطريق أقسم عند ملكه أن يهزم سيف الدولة، فلما حاربه سيف الدولة هزمه \"الديوان ٤/ ١٦٧\". شاعره: يريد نفسه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359026,"book_id":3862,"shamela_page_id":900,"part":"3","page_num":229,"sequence_num":900,"body":"ولو لم يقلها أبو الطيب لوقاه الله شرها، فإنها التي ألبسته لباس الملام وجعلت عرضه شارة لسهام الأقوام. ولسائل ههنا أن يسأل ويقول: لما عدلت إلى شعر هؤلاء الثلاثة دون غيرهم?\rفأقول: إني لم أعدل إليهم اتفاقا، وإنما عدلت إليهم نظرا واجتهادا، وذلك أني وقفت على أشعار الشعراء قديمها وحديثها حتى لم أترك ديوانا لشاعر مفلق يثبت شعره على المحل إلا وعرضته على نظري، فلم أجد أجمع من ديوان أبي تمام وأبي الطيب للمعاني الدقيقة، ولا أكثر استخراجا منهما للطيف الأغراض والمقاصد، ولم أجد أحسن تهذيبا للألفاظ من أبي عبادة، ولا أنقش ديباجة، ولا أبهج سبكا، فاخترت حينئذ دواوينهم، لاشتمالها على محاسن الطرفين من المعاني والألفاظ، ولما حفظتها ألغيت ما سواها مع ما بقي على خاطري من غيرها.\rوقد أوردت في هذا الموضوع من السرقات الشعرية ما لو يورده غيري، ونبهت على غوامض منها,\rوكنت قدمت القول أني قسمتها إلى خمسة أقسام، منها الثلاثة الأول وهي: النسخ، والسلخ، والمسخ، ومنهما القسمان الآخران، وها أنا أبين ما تنقسم إليه هذه الأقسام من تشعبها وتفريعها فأقول:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359027,"book_id":3862,"shamela_page_id":901,"part":"3","page_num":230,"sequence_num":901,"body":"\"النسخ\":\rفأما النسخ فإنه لا يكون إلا في أخذ المعنى واللفظ جميعا، أو في أخذ المعنى وأكثر اللفظ؛ لأنه مأخوذ من نسخ الكتاب، وعلى ذلك فإنه ضربان:\rالأول:\rيسمى وقوع الحافر١ على الحافر، كقول امرئ القيس:\rوقوفًا بها صحبي على مطيهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجمل٢\rوكقول طرفة:\rوقوفا بها صحبي علي مطيهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجلد٣\rوقد أكثر الفرزدق وجرير من هذا في شعرهما، فمنه ما وردا فيه مورد امرئ القيس وطرفة في تخالفهما في لفظة واحدة، كقول الفرزدق:\rأتعدل أحسابا لئامًا حماتها ... بأحسابنا إني إلى الله راجع٤\rوكقول جرير:\rأتعدل أحسابا كراما حماتها ... بأحسابكم إني إلى الله راجع٥","footnotes":"١ ذكر أبو هلال البيتين الآتيين وغيرهما، على أنه مما أخذ بلفظه ومعناه، وادعى آخذه أو ادعى له أنه لم يأخذه، ولكن وقع له كما وقع للأول، ثم علق على ذلك بأنه معيب وإن ادعى الآخر أنه لم يسمع قول الأول، بل وقع لهذا كما وقع لذاك، فإن صحة ذلك لا يعلمها إلا الله ﷿، والعيب لازم للآخر \"الصناعتين ٢٢٩\".\r٢ من معلقته \"الديوان ٩\".\r٣ من معلقته. جمهرة أشعار العرب ١٣٠.\r٤ البيت بديوان الفرزدق:\rأتعدل أحسابا لئاما أدقة ... بأحسابنا إني إلى الله راجع\r\"الديوان ٢/ ٥١٩\".\r٥ اليبت كذلك في ديوانه ٣٧١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359028,"book_id":3862,"shamela_page_id":902,"part":"3","page_num":231,"sequence_num":902,"body":"ومنه ما تساويا فيه لفظا بلفظ كقول الفرزدق:\rوغر قد نسقت مشمرات ... طوالع لا تطيق لها جوابا\rبكل ثنية وبكل ثغر ... غرائبهن تنتسب انتسابا\rبلغن الشمس حين تكون شرقا ... ومسقط رأسها من حيث غابا١\rوكذلك قال جرير من غير أن يزيد.\rوقد حكي أن امرأة من عقيل يقال لها \"ليلى\" كان يتحدث إليها الشباب، فدخل الفرزدق إليها، وجعل يحادثها، وأقبل فتى من قومها كانت تألفه، فدخل إليها، فأقبلت عليه وتركت الفرزدق, فغاظه ذلك، فقال للفتى: أتصارعني? فقال: ذلك إليك، فقام إليه، فلم يلبث أن أخذ الفرزدق فصرعه، وجلس على صدره، فضرط، فوثب الفتى عنه، وقال: يا أبا فراس، هذا مقام العائذ بك والله ما أردت ما جرى، فقال: ويحك والله ما بي أنك صرعتني، ولكن كأني بابن الأتان، يعني جريرا وقد بلغه خبري فقال يهجوني:\rجلست إلى ليلى لتحظى بقربها ... فخانك دبر لا يزال يخون\rفلو كنت ذا حزم شددت وكاءه ... كما شد جربان الدلاص قيون\rقال: فوالله ما مضى إلا أيام حتى بلغ جريرا الخبر، فقال فيه هذين البيتين٢، وهذا من أغرب ما يكون في مثل هذا الموضع وأعجبه.","footnotes":"١ \"الديوان ١/ ١٢٣\" من هجائه لجرير. والبيت الأول في الديوان هكذا:\rوغر قد نسقت مشهرات ... طوالع لا تطيق لها جوابا\rوفيه \"غواربهن\". وفي الأصل \"وسقت\".\r٢ ليس البيتان في ديوان جرير.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359029,"book_id":3862,"shamela_page_id":903,"part":"3","page_num":232,"sequence_num":903,"body":"ويقال إن الفرزدق وجريرا كانا ينطقان في بعض الأحوال عن ضمير واحد, وهذا عندي مستبعد، فإن ظاهر الأمر يدل على خلافه، والباطن لا يعلمه إلا الله تعالى, وإلا فإذا رأينا شاعرا متقدم الزمان قد قال قولا ثم سمعناه من شاعر أتى من بعده علمنا بشهادة الحال أنه أخذه منه، وهب أن الخواطر تتفق في استخراج المعاني الظاهرة المتداولة، فكيف تتفق الألسنة في صوغها الألفاظ?\rومما كنت أستحسنه من شعر أبي نواس قوله من قصيدته التي أولها:\rدع عنك لومي فإن اللوم إغراء١ ...\rدارت على فتية ذل الزمان لهم ... فما يصيبهم إلا بما شاءوا\rوهذا من عالي الشعر, ثم وقفت في كتاب الأغاني لأبي الفرج على هذا البيت في أصوات معبد، وهو:\rلهفي على فتية ذل الزمان لهم ... فما أصابهم إلا بما شاءوا\rوما أعلم كيف هذا٢.","footnotes":"١ ديوان أبي نواس٦ والبيت بالديوان هكذا:\rدارت على فتية الزمان لهم ... فما يصيبهم إلا بما شاءوا\r٢رواية الأغاني \"١/ ٢٤\": قال الوليد بن يزيد يوما: لقد اشتقت إلى معبد، فوجه البريد إلى المدينة، فأتى بمعبد، وأمر الوليد ببركة قد هيئت، فملئت بالخمر والماء، وأتى بمعبد فأجلس والبركة بينهما، وبينهما ستر قد أرخي، فقال له: غنني يا معبد، فغناه هذه الأبيات:\rلهفي على فتية ذل الزمان لهم ... فما أصابهم إلا بما شاءوا\rما زال يعدو عليهم ريب دهرهم ... حتى تفانوا وريب الدهر عداء\rأبكى فراقهم عيني وأرقها ... إن التفرق للأحباب بكاء\rوفي الأغاني رواية أخرى ٦/ ١٢٣ تغاير هذه، ملخصها أن الحسين بن الضحاك قال في قصيدة له مطلعها:\rبدلت من نفحات الورد باللاء ... ومن صبوحك دار الإبل والشاة","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359030,"book_id":3862,"shamela_page_id":904,"part":"3","page_num":233,"sequence_num":904,"body":"الضرب الثاني من النسخ:\rوهو الذي يؤخذ فيه المعنى وأكثر اللفظ، كقول بعض المتقدمين يمدح معبدا صاحب الغناء:\rأجاد طويس والسريجي بعده ... وما قصبات السبق إلا لمعبد\rثم قال أبو تمام:\rمحاسن أصناف المغنين جمة ... وما قصبات السبق إلا لمعبد\rوهذه قصيدة أولها:\rغدت تستجير الدمع خوف نوى غد\rفقال:\rوقائع أصل النصر فيها وفرعه ... إذا عدد الإحسان أو لم يعدد\rفمهما تكن من وقعة بعد لا تكن ... سوى حسن مما فعلت مردد١\rمحاسن أصناف المغنين جمة البيت","footnotes":"= أبياتا، أعجب بها، فقال له سامعها: أنت تحوم حول أبي نواس في قوله:\rدع عنك لومي فإن اللوم إغراء ... وداوني بالتي كانت هي الداء\rوتغاضبا، فاستدل سامعه بأبيات أبي نواس \"دارت على فتية\" وفي رواية أخرى أن أبا نواس والحسين بن الضحاك تناشدا قصيدتيهما، وحكما بينهما ابن مناذر.\r١ من قصيدته في مدح أبي سعد محمد بن يوسف الطائي، ومطلعها في الديوان ٢/ ٢٢ هكذا:\rسرت تستجير الدمع خوف نوى غد ... وعاد قتادا عندها كل مرقد","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359031,"book_id":3862,"shamela_page_id":905,"part":"3","page_num":234,"sequence_num":905,"body":"السلخ:\rوأما السلخ فإنه ينقسم إلى اثني عشر ضربا، وهذا تقسيم أوجبته القسمة، وإذا تأملته علمت أنه لم يبق شيء خارج عنه.\rفالأول: أن يؤخذ المعنى ويستخرج منه ما يشبهه، ولا يكون هو إياه، وهذا من أدق السرقات مذهبا، وأحسنها صورة ولا يأتي إلا قليلا. فمن ذلك قول بعض شعراء الحماسة:\rلقد زادني حبا لنفسي أنني ... بغيض إلى كل امرئ غير طائل١\rأخذ المتنبي هذا المعنى واستخرج منه معنى آخر غيره إلا أنه شبيه به، فقال:\rوإذا أتتك مذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأني فاضل٢\rوالمعرفة بأن هذا المعنى أصله من ذاك المعنى عسر غامض، وهو غير متبين إلا لمن أعرق في ممارسة الأشعار، وغاص في استخراج المعاني وبيانه أن الأول يقول: إن بغض الذي هو غير طائل إياي مما زاد نفسي حبا إلي, أي: جملها في عيني وحسنها عندي كون الذي هو غير طائل مبغضي. والمتنبي يقول: إن ذم الناقص إياي شاهد بفضلي، فذم الناقص إياه كبغض الذي هو غير طائل ذلك","footnotes":"١ الشعر للطرماح بن حكيم الطائي \"شرح الحماسة للمرزوقي ١/ ٢٢٧ والأغاني ١٠/ ١٥٠ غير طائل: غير فاضل، دون خسيس\".\r٢ من قصيدته في مدح القاضي أبي الفضل أحمد بن عبد الله الأنطاكي، ومطلعها:\rلك يا منازل في القلوب منازل ... أقفرت أنت وهن منك أواهل\rورواية الديوان \"بأني كامل\" وهي أولى من \"فاضل\" لتضاد كلمة ناقص \"الديوان ٣/ ٤٦٨\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359032,"book_id":3862,"shamela_page_id":906,"part":"3","page_num":235,"sequence_num":906,"body":"الرجل، وشهادة ذم الناقص إياه بفضله كتحسين بغض الذي هو غير طائل نفس ذلك الرجل عنده.\rومن هذا الضرب ما هو أظهر مما ذكرته وأبين، كقول أبي تمام:\rرعته الفيافي بعد ما كان حقبة ... رعاها وماء الروض ينهل ساكبه١\rأخذ البحتري هذا المعنى واستخرج منه ما يشابهه، كقوله في قصيدة يفخر فيها بقومه:\rشيخان قد ثقل السلاح عليهما ... وعداهما رأي السميع المبصر\rركبا القنا من بعد ما حملا القنا ... في عسكر متحامل في عسكر٢\rفأبو تمام ذكر أن الجمل رعى الأرض ثم سار فيها فرعته أي: أهزلته، فكأنها فعلت به مثل ما فعل بها، والبحتري نقل هذا إلى وصف الرجل بعلو السن والهرم، فقال: إنه كان يحمل الرمح في القتال ثم صار يركب عليه أي: يتوكأ منه على عصا، كما يفعل الشيخ الكبير.\rوكذلك ورد قول الرجلين أيضا، فقال أبو تمام:\rلا أظلم النأي قد كانت خلائقها ... من قبل وشك النوى عندي نوى قذفا٣","footnotes":"١ من قصيدته في مدح أبي العباس عبد الله بن طاهر، التي مطلعها:\rهن عوادي يوسف وصواحبه ... فعز ما فقد ما أدرك السؤال طالبه\r\"الديوان ١/ ٢٣٠\" الفيافي: الأماكن الخالية والقفار، يريد أن مركوبه هزل من سيره في القفار بعد ما كان سمينا، فكأنها رعته بعدما رعى نبتها.\r٢ من رثائه لقومه \"الديوان ٢/ ٤٥\" وفي الديوان البيت الثاني قبل الأول.\r٣ من قصيدته في مدح أبي دلف القاسم بن عيسى العجلي التي مطلعها:\rأما الرسوم فقد أذكرن ما سلفا ... فلا تكفن عن شأنيك أو يكفا\r\"الديوان ٣/ ٣٥٩\" قذف بضم القاف والذال وبفتحهما بعيدة، أي: لا أكذب على النأي فأقول إنه فرق بيننا، فقد كانت أخلاقها لي قبل الفراق فرقا يمنعني الوصول إليها.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359033,"book_id":3862,"shamela_page_id":907,"part":"3","page_num":236,"sequence_num":907,"body":"أخذه البحتري فقال:\rأعاتك ما كان الشباب مقربي ... إليك فألحى الشيب إذ هو مبعدي١\rوهذا أوضح من الذي تقدمه، وأكثر بيانا.\rالضرب الثاني من السلخ:\rأن يؤخذ المعنى مجردا من اللفظ، وذلك مما يصعب جدا، ولا يكاد يأتي إلا قليلا.\rفمنه قول عروة بن الورد من شعراء الحماسة:\rومن يك مثلي ذا عيال ومقترا ... من المال يطرح نفسه كل مطرح\rليبلغ عذرا أو ينال رغيبة ... ومبلغ نفس عذرها مثل منجح٢\rأخذ أبو تمام هذا المعنى فقال:\rفتى مات بين الضرب والطعن ميتة ... تقوم مقام النصر إذ فاته النصر٣\rفعروة بن الورد جعل اجتهاده في طلب الرزق عذرا يقوم مقام النجاح،","footnotes":"١ \"الديوان ١/ ١٩٦\" من قصيدته في مدح أحمد بن المدبر.\r٢ شرح الحماسة للمرزوقي ١/ ٤٦٥ وديوان عروة بن الورد ٨٨ وفيهما \"أو يصيب رغيبة\".\r٣ من رثائه لمحمد بن حميد الطوسي، ومطلع القصيدة:\rكذا فليجل الخطب وليفدح الأمر ... فليس لعين لم يفض ماؤها عذر\rالديوان ٣١٩ وفي الأغاني ١٥/ ٩٩ أبيات منها.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359034,"book_id":3862,"shamela_page_id":908,"part":"3","page_num":237,"sequence_num":908,"body":"وأبو تمام جعل الموت في الحرب الذي هو غاية اجتهاد المجتهد في لقاء العدو قائما مقام الانتصار، وكلا المعنيين واحد, غير أن اللفظ مختلف.\rوهذا الضرب في سرقات المعاني من أشكلها، وأدقها وأغربها، وأبعدها مذهبا، ولا يتفطن له ويستخرجه من الأشعار إلا بعض الخواطر دون بعض. وقد يجيء منه ما هو ظاهر لا يبلغ في الدقة مبلغ هذه الأبيات المشار إليها، كقول ابن المقفع في باب الرثاء من كتاب الحماسة:\rفقد جر نفعا فقدنا لك أننا ... أمنا على كل الرزايا من الجزع١\rوجاء بعده من أخذ هذا المعنى فقال:\rوقد عزى ربيعة أن يوما ... عليها مثل يومك لا يعود\rوهذا من البديع النادر.\rوههنا ما هو أشد ظهورا من هذين البيتين في هذا الضرب من السرقات الشعرية، وذلك يأتي في الألفاظ المترادفة التي يقوم بعضها مقام بعض، وذاك لا اعتداد به لمكان وضوحه.","footnotes":"١ من رثاء عبد الله بن المقفع ليحيى بن زياد أو لابن أبي العوجاء عبد الكريم شرح الحماسة للمرزوقي ٢/ ٨٦٣ والتبريزي.\rوابن المقفع هو أبو محمد عبد الله بن المقفع أحد البلغاء الأولين والمترجمين السابقين، وهو من سلالة فارسية. كان أبو المقفع مجوسيا، وسبب تلقيبه بالمقفع أنه كان يعمل في جباية الخراج لولاة العراق زمن بني أمية فخان في بعض المال فضربه الوالي حتى تقفعت يده أي: تشجت. ولد ابن المقفع حوالي ١٠٦هـ وسماه أبوه روزبة، ونشأ بالبصرة، وتعلم على علماء عصره وعلى أبيه، وأجاد العربية والفارسية، ثم كتب لولاة من بني أمية ومن بني العباس، وترجم كثيرا من كتب الفرس إلى العربية وقتل سنة ١٤٢هـ لضغينة سياسية ولاتهامه بالزندقة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359035,"book_id":3862,"shamela_page_id":909,"part":"3","page_num":238,"sequence_num":909,"body":"لكن قد يجيء منه ما هو صفة من صفات الترادف, لا الاسم نفسه، فيكون حسنا كقول جرير:\rولا تمنعك من أرب لحاهم ... سواء ذو العمامة والخمار١\rأخذ أبو الطيب المتنبي هذا المعنى فقال:\rومن في كفه منهم قناة ... كمن في كفه منهم خضاب٢\rالضرب الثالث من السلخ:\rوهو أخذ المعنى ويسير من اللفظ، وذلك من أقبح السرقات وأظهرها شناعة على السارق, فمن ذلك قول البحتري في غلام.\rفوق ضعف الصغير إن وكل الأمر ... إليه ودون كيد الكبار٣\rسبقه أبو نواس فقال:\rلم يخف من كبر عما يراد به ... من الأمور ولا أزرى من الصغر٤\rوكذلك قوله \"البحتري\" أيضا:\rكل عيد له انقضاء وكفي ... كل يوم من جوده في عيد٥","footnotes":"١ من قصيدته في هجاء الفرزدق والبعيث \"الديوان ١٩٢\" وقبل البيت بيت فاحش. الأرب: الحاجة القبيحة التي ذكرها في البيت السابق.\r٢ من قصيدته في مدح سيف الدولة بعد أن أوقع ببني كلاب الخارجين عليه، التي مطلعها:\rبغيرك راعيا عبث الذئاب ... وغيرك صارما ثلم الضراب\rوهو يشير في البيت إلى ما فعله سيف الدولة بهم، إذ سبى نساءهم، فصار الرجال كالنساء ذلا وخزيا.\r٣ من قصيدته في مدح أبي جعفر بن حميد واستيهابه غلاما \"الديوان ٢/ ٢٥\" وفي الديوان \"الصغار\" بدلا من \"الصغير\".\r٤ ليس البيت في ديوانه.\r٥ ليس البيت في ديوانه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359036,"book_id":3862,"shamela_page_id":910,"part":"3","page_num":239,"sequence_num":910,"body":"أخذه من علي بن جبلة:\rللعيد يوم من الأيام منتظر ... والناس في كل يوم منك في عيد١\rوكذلك قوله \"البحتري\":\rجاد حتى أفنى السؤال فلما ... باد منا السؤال جاد ابتداء٢\rأخذه من علي بن جبلة:\rأعطيت حتى لم تدع لك سائلا ... وبدأت إذ قطع العفاة سؤالها\rوقد افتضح البحتري في هذه المآخذ غاية الافتضاح، هذا على بسطة باعه في الشعر وغناه عن مثلها.\rوقد سلك هذه الطريق فحول الشعراء ولم يستنكفوا من سلوكها، فممن فعل ذلك أبو تمام فإنه قال:\rقد قلصت شفتاه من حفيظته ...\rفخيل من شدة التعبيس مبتسما٣\rسبقه عبد السلام بن رغبان المعروف بديك الجن فقال:\rوإذا شئت أن ترى الموت في صو ... رة ليث في لبدتي رثبال\rفالقه غير أنما لبدتاه ... أبيض صارم وأسمر غال\rتلق ليثا قد قلصت شفتاه ... فيرى ضاحكًا لعبس الصيال","footnotes":"١ شاعر يجيد المدح وبخاصة مدح أبي دلف العجلي وحميد الطوسي والمأمون \"طبقات الشعراء لابن المعتز ١٧٠ والشعر والشعراء ٥٥٠\".\r٢ من قصيدته في مدح أبي سعيد محمد بن يوسف \"الديوان ١/ ١٣\".\r٣ من قصيدته في مدح إسحاق بن إبراهيم \"الديوان ٣/ ١٦٥\" قلصت: أبرزت أسنانه من شدة الغضب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359037,"book_id":3862,"shamela_page_id":911,"part":"3","page_num":240,"sequence_num":911,"body":"وكذلك قال أبو تمام:\rفلم أمدحك تفحيمًا بشعري ... ولكني مدحت بك المديحا١\rأخذه من حسان بن ثابت في مدحه النبي ﷺ حيث قال:\rما إن مدحت محمدًا بمقالتي ... لكن مدحت مقالتي بمحمد٢\rولا شك أن أبا بكر الصديق ﵁ سمع قول حسان بن ثابت حيث استخلف عمر ﵁ فقال له عمر: استخلف غيري، فقال أبو بكر ﵁: ما حبوناك بها وإنما حبوناها بك.\rوهكذا فعل ابن الرومي، فمما جاء له قوله:\rجرحته العيون فاقتص منها ... بجوى في القلوب دامي الندوب٣\rسبقه أبو تمام فقال:\rأدميت باللحظات وجنته ... فاقتص ناظره من القلب٤","footnotes":"١ من مدحة لإسحاق بن إبراهيم \"الديوان ١/ ٣٤٥\".\r٢ ليس البيت بديوان حسان.\rوحسان هو حسان بن ثابت الأنصاري الخزرجي النجاري أشعر شعراء رسول الله. وقد عمر طويلا حتى كف بصره في حياته، ومات سنة ٦٤هـ زمن معاوية عن عشرين ومائة سنة كان حسان من بيت عريق في الشعر، إذ كان أبوه وجده شاعرين، وكان ابنه عبد الرحمن وحفيده سعيد بن عبد الرحمن شاعرين.\rواشتهر حسان بأنه شاعر الأنصار في الجاهلية، وشاعر النبي زمن النبوة، وشاعر اليمن كلها في الإسلام.\r٣ ديوان ابن الرومي ٢/ ١٧٣.\rالندوب: الجروح. الجوى: الألم والوجد.\r٤ لم نجد البيت في ديوانه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359038,"book_id":3862,"shamela_page_id":912,"part":"3","page_num":241,"sequence_num":912,"body":"وكذلك قول ابن الرومي:\rوكلت مجدك في اقتضائك حاجتي ... وكفى به متقاضيا ووكيلا١\rسبقه أبو تمام فقال:\rوإذا المجد كان عوني على المر ... ء تقاضيته بترك التقاضي٢\rوكذلك قال ابن الرومي:\rوما لي عزاء عن شبابي علمته ... سوى أنني من بعده لا أخلد٣\rسبقه منصور النمري فقال:\rقد كدت أقضي على فوت الشباب أسى ... لولا تعزي أن العيش منقطع٤\rوكذلك فعل أبو الطيب المتنبي فمما جاء منه قوله:\rفدى نفسه بضمان النضار ... وأعطى صدور القنا الذابل٥","footnotes":"١ ليست بديوانه المطبوع.\r٢ من قصيدته في مدح ابن أبي دواد التي مطلعها:\rبدلت عبرة من الإيماض ... يوم شدوا الرحال بالأغراض\r\"الديوان ٢/ ٣١٦\".\r٣ \"الديوان ٣٩٤\" من قصيدته التي مطلعها:\rأبين ضلوعي جمرة تتوقد ... على ما مضى أم حسرة تتجدد\r٤ من قصيدته في مدح الرشيد \"الأغاني ١٢/ ١٨\" ومنها في الشباب:\rما تنقضي حسرة مني ولا جزع ... إذا ذكرت شبابا ليس يرتجع\rبان الشباب وفاتتني بلذته ... صروف دهر وأيام لها خدع\rما كنت أوفى شبابي كنه غرته ... حتى انقضى فإذا الدنيا له تبع\rومنصور النمري كان عند الرشيد مقدما، وكان الرشيد يعطيه ويجزل له، وكان يتظاهر بأنه عباسي المذهب وهو في باطن نفسه شيعي.\r٥ من قصيدته في مدح سيف الدولة لما استنقذ من أسر الخارجي أبا وائل تغلب بن داود، ومطلعها:\rإلام طماعية العاذل ... ولا رأي في الحب للعاقل\r\"الديوان ٣/ ١٨٦\" النضار: الذهب. القنا الذابل: الرماح. أي: ضمن لهم الذهب ثم أعطاهم صدرو الرماح. وذلك أن سيف الدولة استنقذه من أيديهم بغير فداء، إذ أتى الخارجي بجيشه وقتله وأنقذ أبا وائل.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359039,"book_id":3862,"shamela_page_id":913,"part":"3","page_num":242,"sequence_num":913,"body":"أخذه من قول الفرزدق:\rكان الفداء له صدور رماحنا ... والخيل إذ رهج الغبار مثار١\rوكذلك قوله \"المتنبي\" أيضا:\rأين أزمعت أيهذا الهمام ... نحن نبت الربا وأنت الغمام٢\rأخذه من بشار حيث قال:\rكأن الناس حين تغيب عنهم ... نبات الأرض أخطأه القطار٣\rوكذلك قوله \"المتنبي\":\rفلا زالت ديارك مشرقات ... ولا دانيت يا شمس الغروبا\rلأصبح آمنا فيك الرزايا ... كما أنا آمن فيك العيوبا٤","footnotes":"١ من قصيدة له في مناقضة جرير \"الديوان ٢/ ٤٦٩\".\r٢ مطلع قصيدته في مدح المتنبي حينما عزم على الرحيل عن أنطاكية. \"الديوان ٤/ ٧٩\".\r٣ من قصيدته في الفخر \"الديوان ٣/ ٢٤٧\" والبيت في الديوان:\rكأن الناس حين تغيب عنهم ... نبات الأرض أخلفه القطار\rالقطار: بكسر القاف جمع قطر وقطرة والمراد المطر، وبضم القاف المطر الغزير.\r٤ من قصيدته في مدح علي بن محمد بن سيار التميمي.\r\"الديوان ١/ ١٦٧\" التي مطلعها:\rضروب الناس عشاق ضروبا ... فأعذرهم أشفهم حبيبا","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359040,"book_id":3862,"shamela_page_id":914,"part":"3","page_num":243,"sequence_num":914,"body":"أخذه ابن الرومي حيث قال:\rأسالم قد سلمت من العيوب ... ألا فاسلم كذاك من الخطوب١\rوالذي عندي في الضرب المشار إليه أنه لا بد من مخالفة المتأخر المتقدم، إما بأن يأخذ المعنى فيزيده على معنى آخر، أو يوجز في لفظه، أو يكسوه عبارة أحسن من عبارته.\rومن هذا الضرب ما يستعمل على وجه يزداد قبحه، وتكثر البشاعة به، وهو أن يأخذ الشاعرين معنى من قصيدة لصاحبه على وزن وقافية، فيودعه قصيدة له على ذلك الوزن وتلك القافية، ومثاله في ذلك كمن سرق جوهرة من طوق أو نطاق ثم صاغها في مثل ما سرقها منه، والأولى به أن كان نظم تلك الجوهرة في عقد، أو صاغها في سوار أو خلخال ليكون أكتم لأمرها.\rوممن فعل ذلك من الشعراء فافتضح أبو الطيب المتنبي حيث قال في قصيدته التي أولها:\rغيري بأكثر هذا الناس ينخدع٢\rلم يسلم الكر في الأعقاب مهجته ... إن كان أسلمها الأصحاب والشيع\rوهذه القصيدة مصوغة على قصيدة لأبي تمام في وزنها وقافيتها أولها:\rأي القلوب عليكم ليس ينصدع٣","footnotes":"١ من قصيدته في مدح سالم بن عبد الله بن عمر الأخباري \"الديوان ١/ ٢٩٥\".\r٢ من قصيدته في مدح سيف الدولة، التي مطلعها:\rغيري بأكثر هذا الناس ينخدع ... إن قاتلوا جبنوا أو حدثوا شجعوا\r\"الديوان ٣/ ٣٩٣\" يقول إن هذه الوقعة التي هزم فيها المسلمون قد خذل فيها الجند سيف الدولة لكنه كر على الأعداء بنفسه، فدافعت نفسه عن نفسه.\r٣ \"الديوان ٣٢٢\" في رثاء بني حميد.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359041,"book_id":3862,"shamela_page_id":915,"part":"3","page_num":244,"sequence_num":915,"body":"وهذا المعنى الذي أورده أبو الطيب مأخوذ من بيت منها وهو:\rما غاب عنكم من الإقدام أكرمه ... في الروع إذ غابت الأنصار والشيع\rوليس في السرقات الشعرية أقبح من هذه السرقة، فإنه لم يكتف الشاعر فيها بأن يسرق المعنى حتى ينادي على نفسه أنه قد سرقه.\rالضرب الرابع من السلخ:\rوهو أن يؤخذ المعنى فيعكس، وذلك حسن يكاد يخرجه حسنه عن حد السرقة,\rفمن ذلك قول أبي نواس:\rقالوا عشقت صغيرة فأجبتهم ... أشهى المطي إلي ما لم يركب\rكم بين حبة لؤلؤ مثقوبة ... لبست وحبة لؤلؤ لم تثقب١\rفقال مسلم بن الوليد في عكس ذلك:\rإن المطية لا يلذ ركوبها ... حتى تذلل بالزمام وتركبا\rوالحب ليس بنافع أربابه ... حتى يفصل في النظام ويثقبا٢\rومن هذا الباب قول ابن جعفر:\rولما بدا لي أنها لا تريدني ... وأن هواها ليس عني بمنجلي\rتمنيت أن تهوى سواي لعلها ... تذوق صبابات الهوى فترق لي٣","footnotes":"١ الديوان ٢٩ \"المطبعة العمومية\".\r٢ الديوان ٣٠٥.\r٣ هو علي بن عبد الله بن جعفر ينتهي نسبة إلى أبي طالب، وهو قائل هذين البيتين \"الأغاني ١٩/ ١٤٢\" وفي الأغاني \"لا تودني\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359042,"book_id":3862,"shamela_page_id":916,"part":"3","page_num":245,"sequence_num":916,"body":"وقال غيره:\rولقد سرني صدودك عني ... في طلابيك وامتناعك مني\rحذرًا أن أكون مفتاح غيري ... وإذا ما خلوت كنت التمني١\rأما ابن جعفر فإنه تذاءب٢ وألقى عن منكبه رداء الغيرة، وأما الآخر فجاء بالضد من ذلك وتغالى به غاية الغلو.\rوكذلك ورد قول أبي الشيص:\rأجد الملامة في هواك لذيذة ... شغفا بذكرك فليلمني اللوم٣\rأخذ أبو الطيب المتنبي هذا المعنى وعكسه فقال:\rأأحبه وأحب فيه ملامة ... إن الملامة فيه من أعدائه٤\rوهذا من السرقات الخفية جدا، ولأن يسمى ابتداعا أولى من أن يسمى سرقة, وقد توخيته في شيء من شعري فجاء حسنا، فمن ذلك قولي:","footnotes":"١ ورد في الأغاني ١٩/ ١٤٢ نسبة البيتين إلى ابن جعفر أيضا. وذلك أن المتوكل سأله عن تدينه في البيتين الأولين فقال له ابن جعفر: جعلت فداك، اسمع بيتين قلتهما في الغيرة، وأنشده البيتين.\r٢ تذاءب وتذأب: استخفى وتحايل، من تذاءب للناقة إذا استخفى لها متشبها بالذئب ليعطفها على غير ولدها.\r٣ في الأغاني أن علي بن عبد الله أنشد لنفسه أبياتا، منها هذا البيت \"الأغاني ١٩/ ١٤٢\" وفي العقد الفريد ٥/ ٣٧٤ نسبتها إلى أبي الشيص، وكذلك في شرح المرزوقي للحماسة ٣/ ٣٧٣، أما الشاعر فاسمه محمد بن عبد الله بن رزين، وهو ابن عم دهبل الشاعر وكان في زمن الرشيد معاصرا لأبي نواس، والشيص معناه في الأصل التمر الرديء. والأبيات هي:\rوقف الهوى بي حيث أنت فليس لي ... متأخر عنه ولا متقدم\rأجد الملامة في هواك لذيذة ... حبا لذكرك فليلمني اللوم\rأشبهت أعدائي فصرت أحبهم ... إذ كان حظى منك حظى منهم\rوأهنتني فأهنت نفسي صاغرا ... ما من يهون عليك ممن يكرم\r٤ من أبيات أجازها باقتراح سيف الدولة \"الديوان ١/ ١\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359043,"book_id":3862,"shamela_page_id":917,"part":"3","page_num":246,"sequence_num":917,"body":"لولا الكرام وما سنوه من كرم ... لم يدر قائل شعر كيف يمتدح\rأخذته من قول أبي تمام:\rلولا خلال سنها الشعر ما درى ... بناة العلا من أين تؤتى المكارم١\rالضرب الخامس من السلخ:\rوهو أن يؤخذ بعض المعنى، فمن ذلك قول أمية بن الصلت يمدح عبد الله بن جدعان:\rعطاؤك زين لامرئ إن حبوته ... ببذل وما كل العطاء يزين\rوليس بشين لامرئ بذل وجهه ... إليك كما بعض السؤال يشين٢\rأخذه أبو تمام فقال:\rتدعى عطاياه وفرًا وهي إن شهرت ... كانت فخارًا لمن يعفوه مؤتنفًا\rما زلت منتظرًا أعجوبة زمنًا ... حتى رأيت سؤالًا يجتني شرفًا٣\rفأمية بن الصلت أتى بمعنيين اثنين: أحدهما أن عطاءك زين، والآخر أن","footnotes":"١ من قصيدته في مدح أحمد بن دواد \"الديوان ٣/ ١٨٣\" وفي الديوان \"بغاة الندى\".\r٢ الأغاني ٨/ ٣ والديوان ٦٣.\rأمية شاعر جاهلي حفل ديوانه بالتوحيد والكونيات والبعث والحساب إلخ قال فيه الأسمعي ذهب أمية في شعره بعامة ذكر الآخر، وذهب عنترة بعامة ذكر الحرب، وذهب عمر بن أبي ربيعة بعامة ذكر الشباب \"الأغاني ٤/ ١٢٥\" وقد أدرك الإسلام وتوفي سنة ٩٠ هو كان قد قرأ الكتب واتصل بالقديسين وليس المسوح وتنسك وحرم الخمر والأوثان.\rوعبد الله بن جدعان جواد عربي مشهور ربما كان النبي يحضر طعامه، وقد حضر في داره قبل النبوة حلف لرد المظالم.\r٣ من مدحة لأبي دلف العجلي مطلعها.\rأما الرسوم فقد أذكرني ما سلفا ... فلا تكفي عن شانيك أو يكفا\r\"الديوان ٢/ ٣٦٥\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359044,"book_id":3862,"shamela_page_id":918,"part":"3","page_num":247,"sequence_num":918,"body":"عطاء غيرك شين، وأما أبو تمام فإنه أتى بالمعنى الأول لا غير.\rومن هذا الضرب قول علي بن جبلة:\rوآثل ما لم يحوه متقدم ... وإن نال منه آخر فهو تابع\rفقال أبو الطيب المتنبي:\rترفع عن عون المكارم قدره ... فما يفعل الفعلات إلا عذاريا١\rفعلي بن جبلة اشتمل ما قاله على معنيين: أحدهما أنه فعل ما لم يفعله أحد ممن تقدمه، وإن نال منه الآخر شيئا فإنما هو مقتد به، وتابع له، وأما أبو الطيب المتنبي فإنه لم يأت إلا بالمعنى الواحد، وهو أنه يفعل ما لا يفعله غيره، غير أنه أبرزه في صورة حسنة.\rومن ذلك قول أبي تمام:\rكلف برب المجد يعلم أنه ... لم يبتدأ عرف إذا لم يتمم٢\rفقال البحتري:\rومثلك إن أبدى الفعال أعاده ... وإن صنع المعروف زاد وتمما٣\rفأبو تمام قال: إن الممدوح يرب صنيعه أي: يستديمه، ويعلم أنه إذا لم","footnotes":"١ من قصيدته في مدح كافور التي مطلعها:\rكفى بك داء أن ترى الموت شافيا ... وحسب المنايا أن يكن أمانيا\r\"الديوان ٤/ ٥٢٨\" العون: جمع عوان وهي التي فوق البكر دون الفارض. العذارى: جمع عذراء وهي البكر، أي: إنه أجل قدرا من أن يفعل في المكرمات فعلا قد سبقه إليه أحد، وإنما يأتي بها ابتداعا.\r٢ من مدحة لابن شبانه ٢/ ٢٤٨.\r٣ من قصيدته في مدح الفتح بن خاقان التي مطلعها:\rيهون عليها أن أبيت متيما ... أعالج شوقا في الضمير مكتما\r\"الديوان٢/ ٢٢٧\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359045,"book_id":3862,"shamela_page_id":919,"part":"3","page_num":248,"sequence_num":919,"body":"يستدمه فما ابتدأه, والبحتري قال: إنه يستديم صنيعه لا غيره، وذلك بعض ما ذكره أبو تمام.\rوكذلك قال البحتري:\rادفع بأمثال أبي غالب ... عادية العدم أو استعفف١\rأخذه ممن تقدمه حيث قال:\rانتج الفضل أو تخال عن الدنيا ... فهاتان غاية الهمم\rفالبحتري أخذ بعض هذا المعنى ولم يستوفه.\rوكذلك ورد قول ابن الرومي:\rزلتم على هام المعالي إذا ارتقى ... إليها أناس غيركم بالسلالم٢\rأخذه أبو الطيب المتنبي فقال:\rفوق السماء وفوق ما طلبوا ... فإذا أرادوا غاية نزلوا٣\rوهذا بعض المعنى الذي تضمنه قول ابن الرومي؛ لأنه قال: إنكم نزلتم على هام المعالي، وإن غيركم يرقى إليها رقيا، وأما المتنبي فإنه قال: إنكم إذا أردتم غاية نزلتم، وأما قوله: \"فوق السماء\" فإنه يغني عنه قول ابن الرومي: \"نزلتم على هام المعالي\" إذ المعالي فوق كل شيء؛ لأنها مختصة بالعلو مطلقا.","footnotes":"١ من قصيدته في مدح أبي غالب أحمد بن المدبر التي مطلعها:\rلم تبلغ الحق ولم تنصف ... عين رأت بينا فلم تذرف\r\"الديوان ٢/ ١٠٢\".\r٢ ليست بديوانه المطبوع\r٣ من مدحة لعضد الدولة بقصيدة مطلعها:\rاثلث فإننا أيها الطلل ... نبكي وترزم تحتنا الإبل\r\"الديوان ٤/ ٣٢\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359046,"book_id":3862,"shamela_page_id":920,"part":"3","page_num":249,"sequence_num":920,"body":"الضرب السادس من السلخ:\rوهو أن يؤخذ المعنى فيزاد عليه معنى آخر, فمما جاء منه قول الأخنس بن شهاب:\rإذا قصرت أسيافنا كان وصلها ... خطانا إلى أعدائنا فنضارب١\rأخذه مسلم بن الوليد فزاد عليه وهو قوله:\rإن قصر الرمح لم يمش الخطا عددا ... أو عرد السيف لم يهمم بتعريد٢\rوكذلك ورد قول جرير في وصف أبيات من شعره:\rغرائب ألاف إذا حان وردها ... أخذن طريقا للقصائد معلما٣\rأخذه أبو تمام فزاد عليه، إذ قال في وصف قصيد له، وقرن ذلك بالممدوح:\rغرائب لاقت في فنائك أنسها ... من المجد فهي الآن غير غرائب٤","footnotes":"١ شرح الحماسة للمرزوقي ٢/ ٧٢٧ وفيه \"وإن قصرت\" وهو الأخنس بن شهاب بن شريق ينتهي نسبه إلى تغلب، شاعر جاهلي قديم قبل الإسلام بدهر. وهو غير الأخنس بن شريق الثقفي الصحابي.\r٢ من قصيدته في مدح داود بن يزيد المهلبي \"الديون ١٥٩\" تعريد: عدم قطع، أي: لم يهم بإبعاد السيف عن الضريبة.\r٣ من قصيدته في هجاء البعيث \"الديوان ٥٤٢\" والنص في الديوان:\rفإني لها جيهم بكل غريبة ... شرود إذا الساري بليل ترنما\rغرائب ألافا إذا حان وردها ... أخذن طريقا للقصائد معلما\r٤ من مدحة لأبي دلف بقصيدة مطلعها:\rعلى مثلها من أربع وملاعب ... أذيلت مصونات الدموع السواكب\r\"الديوان ١/ ٢٢١\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359047,"book_id":3862,"shamela_page_id":921,"part":"3","page_num":250,"sequence_num":921,"body":"وكذلك ورد قول ولد مسلمة بن عبد الملك:\rأذل الحياة وكره الممات ... وكلا أراه طعامًا وبيلا\rفإن لم يكن غير إحداهما ... فسيرا إلى الموت سيرًا جميلا\rأخذه أبو تمام فقال:\rمثل الموت بين عينيه والذ ... ل وكلا رآه خطبا عظيما\rثم سارت به الحمية قدما ... فأمات العدا ومات كريما١\rفزاد عليه بقوله:\rفأمات العدا ومات كريما\rويروى أنه نظر عبد الله بن علي ﵁ عند قتال المروانية إلى فتى عليه أبهة الشرف، وهو يبلي في القتال بلاء حسنا، فناداه: يا فتى لك الأمان ولو كنت مروان بن محمد فقال: إلا أكنه فلست بدونه.\rقال: فلك الأمان ولو كنت من كنت، فأطرق ثم تمثل بهذين البيتين المذكورين.\rوكذلك ورد قول أبي تمام:\rيصد عن الدنيا إذا عن سودد ... ولو برزت في زي عذراء ناهد٢\rأخذه من قول ابن المعذل بن غيلان:\rولست بنظار إلى جانب العلا ... إذا كانت العلياء في جانب الفقر٣","footnotes":"١ الديوان ٣٣٤ في رثاء جعفر الطائي.\r٢ من مدحته لأبي الحسن محمد بن الهيثم بن شبانة التي مطلعها.\rقفوا جددوا من عهدكم بالمعاهد ... وإن هي لم تسمع لنشدان ناشد\r\"الديوان ٢/ ٦٨\".\r٣ تصويب اسمه من الأغاني ١٢/ ٥٤ وكان في الأصل المعذل، بغير ابن وهو عبد الصمد بن المعذل بن غيلان، وفي الأغاني:\rولست بميال إلى جانب الغنى ... إذا كانت الغلياء في جانب الفقر\rوإني لصبار على ما ينوبني ... وحسبك أن الله أثنى على الصبر","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359048,"book_id":3862,"shamela_page_id":922,"part":"3","page_num":251,"sequence_num":922,"body":"إلا أنه زاده زيادة حسنة بقوله:\rولو برزت في زي عذراء ناهد\rومما يجري هذا المجرى قول البحتري:\rخل عنا فإنما أنت فينا ... واو عمرو أو كالحديث المعاد١\rأخذه من قول أبي نواس:\rقل لمن يدعي سليمى سفاها ... لست منها ولا قلامة ظفر\rإنما أنت ملصق مثل واو ... ألحقت في الهجاء ظلما بعمرو٢\rإلا أن البحتري زاد على أبي نواس قوله: أو كالحديث المعاد.\rوهكذا ورد قول البحتري أيضا:\rركبوا الفرات إلى الفرات وأملوا ... جذلان يبدع في السماح ويغرب٣\rأخذه من مسلم بن الوليد في قوله:\rركبت إليه البحر في مؤخراته ... فأوفت بنا من بعد بحر إلى بحر٤","footnotes":"١ من هجائه لعلي بن الجهم \"الديوان ١/ ١٩١\".\r٢ في هجاء أشجع السلمي \"الديوان ٥٤٥\" وكان في الأصل \"سليما\" والبيت الثاني بالديوان:\rإنما أنت من سليمى كواد ... ألحقت في الهجاء ظلما بعمرو\r٣ من مدحته لإسحاق بن إبراهيم بن مصعب \"الديوان ١/ ٦٢\".\r٤ \"الديوان ١١١\" ويروى ركبنا إليه البحر. مؤخراته: أواخر ركوبه. والضمير في أوفت يعود على السفينة المذكورة قبل ذلك.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359049,"book_id":3862,"shamela_page_id":923,"part":"3","page_num":252,"sequence_num":923,"body":"إلا أن البحتري زاد عليه بقوله:\rجذلان يبدع في السماح ويغرب\rوكذلك ورد قول أبي نواس:\rوليس لله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد١\rوهذا البيت قد لهج به الناس لهجا كثيرا، ومنهم من ظنه مبتدعا لأبي نواس، ويحكى عن أبي تمام أنه دخل على ابن أبي داود٢، فقال له: أحسبك عاتبا يا أبا تمام، فقال إنما يعتب على واحد وأنت الناس جميعا، قال: من أين هذه يا أبا تمام? قال: من قول الحاذق أبي نواس، وأنشده البيت، وهذه الحكاية عندي موضوعة؛ لأن أبا تمام كان عارفا بالشعر، حتى إنه قال: لم أنظم شعرا حتى حفظت سبعة عشر ديوانا للنساء خاصة دون الرجال، وما كان يخفى عنه أن هذا المعنى ليس لأبي نواس، وإنما هو مأخوذ من قول جرير:\rإذا غضبت عليك بنو تميم ... حسبت الناس كلهم غضابا٣\rإلا أن أبا نواس زاد زيادة حسنة، وذاك أن جريرا جعل الناس كلهم بني تميم، وأبا نواس جعل العالم كله في واحد، وذلك أبلغ.\rومما ينتظم في هذا السلك قول الفرزدق:","footnotes":"١ من مدحته لهارون الرشيد \"الديوان ٤٥٤\".\r٢ هو ابن أبي دواد الإيادي، كان من جلة العلماء في عصر المأمون، وقد عرف فضله، فأوصى أخاه المعتصم به، وكتب في كتاب الوصية له بالخلافة \"وأبو عبد الله أحمد بن أبي داود لا يفارقك، أشركه في المشورة في كل أمرك، فإنه موضع ذلك\" فكان المعتصم لا يفعل فعلا باطنا ولا ظاهرا إلا برأيه، ثم حسنت حاله كذلك عند الواثق بعد المعتصم، ثم فلج في خلافة المتوكل ومات سنة ٢٤٠هـ.\rويقول ابن خلكان \"دواد\" بضم الدال وفتح الواو. وفي القاموس المحيط في مادة \"داود\": وأحمد بن أبي دواد معروف. ومن هذا يظهر لك خطأ من يهمز الواو، وقد وقع في ذلك كثير.\r٣ الديوان ٧٨ من قصيدته في هجاء الراعي النميري.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359050,"book_id":3862,"shamela_page_id":924,"part":"3","page_num":253,"sequence_num":924,"body":"علام تلفتين وأنت تحتي ... وخير الناس كلهم أمامي\rمتى تأتي الرصافة تستريحي ... من الأنساع والدبر الدوامي١\rأخذه أبو نواس فصار أملك به، وأحسن فيه غاية الإحسان، فقال:\rوإذا المطي بنا بلغن محمدا ... فظهورهن على الرجال حرام٢\rفالفرزدق قال:\rتستريحي من الأنساع والدبر الدوامي\rوليست استراحتها بمانعة من معاودة إتعابها مرة أخرى، وأما أبو نواس فإنه حرم ظهورهن على الرجال، أي: إنها تعفى من السفر إعفاء مستمرا، ولا شك أن أبا نواس لم يتنبه لهذه الزيادة إلا من فعل العرب في السائبة والبحيرة٣.\rوعلى هذا الأسلوب ورد قول المتنبي:\rوملومة زرد ثوبها ... ولكنه بالقنا مخمل٤","footnotes":"١ من قصيدته في مدح هشام بن عبد الملك \"الديوان ٨٣٥\" وفي الديوان \"إلام تلفتين\".\r٢ من قصيدته في مدح الأمين \"الديوان ٤٠٧\".\r٣ السائبة: البعير يدرك نتاج نتاجه فيسبب أي: يترك لا يركب والناقة كان تسيب في الجاهلية لنذر ونحوه أو كانت إذا ولدت عشرة أبطن كلهن إناث سيبت أو كان الرجل إذا قدم من سفر بعيد أو نجت دابتة من حرب أو مشقة قال هي سائبة، وكانت لا تمنع من ماء ولا كلأ ولا تركب.\rالبحيرة: كانوا إذا نتجت الناقة أو الشاة عشرة أبطن بحروها وتركوها ترعى وحرموا لحمها إذا ماتت على نسائهم وأكلها الرجال، أو التي خليت بلا راع، أو هي ابنة السائبة، وكانوا يحرمون لحمها وركوبها.\r٤ من قصيدته في مدح سيف الدولة \"الديوان ٣/ ٢٤١\".\rملمومة: كتيبة مجتمعة، والكلمة معطوفة على كلمة مرفوعة من قبل: زرد ثوبها. ثيابها دروع لها. والزرد حلق الدرع، أي: حال بينهم وبين ما يشتهون جيشك الذي اتخذ فرسانه الدروع لباسا لهم، إلا أن ذلك الثوب مخمل بالرماح كالخمل لتلك الثياب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359051,"book_id":3862,"shamela_page_id":925,"part":"3","page_num":254,"sequence_num":925,"body":"أخذه من أبي نواس في قوله:\rأمام خميس أرجوان كأنه ... قميص محوك من قنا وجياد١\rفزاد أبو الطيب زيادة صار بها أحق من أبي نواس بهذا المعنى.\rوكذلك قال أبو الطيب المتنبي:\rوإن جاد قبلك قوم مضوا ... فإنك في الكرم الأول٢\rفأخذته أنا وزدت عليه فقلت:\rأنت في الجود أول وقضى اللـ ... ـه بألا يرى لك الدهر ثان\rوهذا النوع من السرقات قليل الوقوع بالنسبة إلى غيره.\rالضرب السابع من السلخ:\rوهو أن يؤخذ المعنى فيكسى عبارة أحسن من العبارة الأولى, وهذا هو المحمود الذي يخرج به حسنه عن باب السرقة.\rفمن ذلك قول أبي تمام:\rجذلان من ظفر حران إن رجعت ... مخضوبة منكم أظفاره بدم٣","footnotes":"١ من قصيدته في مدح الفضل بن يحيى بن خالد البرمكي \"الديوان: ٤٧٣\" الخميس: الجيش العظيم. أرجوان: أحمر.\r٢ من قصيدته في مدح سيف الدولة التي مطلعها:\rأينفع في الخيمة العذل ... وتشمل من دهرها يشمل\r٣ من قصيدته في مدح مالك بن طوق التغلبي \"الديوان ٤/ ١٩١\" وجذلان من الفاعل في البيت السابق:\rقد انثنى بالمنايا في أسنته ... وقد أقام حياراكم على اللقم\rاللقم: الطريق الواضح.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359052,"book_id":3862,"shamela_page_id":926,"part":"3","page_num":255,"sequence_num":926,"body":"أخذه البحتري فقال:\rإذا احتربت يوما ففاضت دماؤها ... تذكرت القربى ففاضت دموعها١\rومن هذا الأسلوب قولهما أيضا، فقال أبو تمام:\rإن الكرام كثير في البلاد وإن ... قلوا كما غيرهم قلوا وإن كثروا٢\rوقال البحتري:\rقل الكرام فصار يكثر فذهم ... ولقد يقل الشيء حتى يكثرا٣\rوعلى هذا النحو ورد قول أبي نواس:\rيدل على ما في الضمير من الفتى ... تقلب عينيه إلى شخص من يهوى٤\rأخذه أبو الطيب المتنبي فقال:\rوإذا خامر الهوى قلب صب ... فعليه لكل عين دليل٥","footnotes":"١ من قصيدته في مدح المتوكل وذكر صلح بني تغلب \"الديوان ٢/ ٣١٦\" والضمير عائد على الفرسان من الطرفين.\r٢ من قصيدته في مدح عمر بن عبد العزيز الطائي \"الديوان ٢/ ١٨٦\".\r٣ من قصيدته في مدح إسحاق بن كنداج \"الديوان ٢/ ٢١\" فذهم: فريدهم.\r٤ من قصيدة في الغزل والخمر مطلعها:\rشجاني وأبلاني تذكر من أهوى ... وألبسني ثوبا من الضرر البلوى\r\"الديوان ١١٨\".\r٥ من قصيدته في مدح سيف الدولة \"الديوان ٣/ ٣٣٤\" التي مطلعها:\rليالى بعد الظاغين شكول ... طوال وليل العاشقين طويل","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359053,"book_id":3862,"shamela_page_id":927,"part":"3","page_num":256,"sequence_num":927,"body":"ومما ينتظم في هذا السلك قول أبي الطيب المتنبي:\rإذا ما ازددت من بعد التناهي ... فقد وقع انتقاصي في ازدياد١\rأخذه ابن نباتة السعدي٢ فقال:\rإذا كان نقصان الفتى من تمامه ... فكل صحيح في الأنام عليل\rوكذلك ورد قول أبي العلاء بن سليمان في مرثية:\rوما كلفة البدر المنير قديمة ... ولكنها في وجهه أثر اللطم٣\rأخذه الشاعر المعروف بالقيسراني، فقال:\rوأهوى التي أهوى لها البدر ساجدا ... ألست ترى في وجهه أثر الترب\rوكذلك قول ابن الرومي:\rإذا شنئت عين امرئ شيب نفسه ... فعين سواه بالشاءة أجدر","footnotes":"١ من مدحة لعلي بن إبراهيم التنوخي \"الديوان ٢/ ٩١\" والنص في الديوان:\rإذا ما ازددت من بعد التناهي ... فقد وقع انتقاصي في ازديادي\rيريد أنه إذا بلغ الشباب نهايته فزيادة العمر بعد ذلك زيادة في النقصان، لما يترتب على هذا من ضعف الشيخوخة، كما قال عبد الله بن طاهر:\rإذا ما زاد عمرك كان نقصا ... ونقصان الحياة مع التمام\rوكما قال آخر:\rإذا اتسق الهلال وصار بدرا ... تبينت المحاق من الهلال\r٢ تقدم التعريف به، والاسم يروى بضم النون وبفتحها وهو أبو نصر عبد العزيز محمد بن نباتة السعدي التميمي أحد فحول الشعراء. توفي سنة ٤٠٥ في بغداد.\r٣ من قصيدته في رثاء أبي إبراهيم العلوي \"سقط الزند ١/ ٢٩٢\" وفي الديوان \"اللطم\" يريد أن الكلفة التي ترى فيه ليست قديمة ولكنها من لطمه لما بلغه نعي المتوفى.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359054,"book_id":3862,"shamela_page_id":928,"part":"3","page_num":257,"sequence_num":928,"body":"أخذه من تأخر زمانه عنه، فقال:\rإذا كان شيبي بغيضا إلي ... فكيف يكون إليها حبيبا١\rومما ينخرط في هذا السلك قول بعضهم:\rمخصرة الأوساط زانت عقودها ... بأحسن مما زينتها عقودها\rأخذه أبو تمام، فقال:\rكأن عليها كل عقد ملاحة ... وحسنا وإن أضحت وأمست بلا عقد٢\rثم أخذه البحتري فقال:\rإذا أطفأ الياقوت إشراق وجهها ... فإن عناء ما توخت عقودها٣\rأمثال هذا كثيرة، وفيما أوردناه مقنع.\rالضرب الثامن من السلخ:\rوهو أن يؤخذ المعنى ويسبك سبكا موجزا،\rوذلك من أحسن السرقات، لما فيه من الدلالة على بسطة الناظم في القول، وسعة باعه في البلاغة.","footnotes":"١ القائل هو أبو هلال العسكري، وقبل البيت قوله:\rفلا تعجبا أن يعبن المشيب ... فما عبن من ذاك إلا معيبا\r\"الصناعتين ٤٨\".\r٢ من قصيدته في مدح أبي الغيث الرافقي \"والديوان ٢/ ١١١\" وبالديوان تقديم أمست على أضحت.\r٣ من قصيدته في مدح صاعد بن مخلد \"الديوان ١/ ١٥٦\" وبالديوان \"حسنها\" لا من \"وجهها\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359055,"book_id":3862,"shamela_page_id":929,"part":"3","page_num":258,"sequence_num":929,"body":"فمن ذلك قول بشار:\rمن راقب الناس لم يظفر بحاجته ... وفاز بالطيبات الفاتك اللهج١\rأخذه سلم الخاسر -وكان تلميذه- فقال:\rمن راقب الناس مات غما ... وفاز باللذة الجسور٢\rفبين البيتين لفظتان في التأليف.\rومن هذا الأسلوب قول أبي تمام:\rبرزت في طلب المعالي واحدًا ... فيها تسير مغورًا أو منجدًا\rعجبا بأنك سالم في وحشة ... في غاية ما زلت فيها مفردًا٣","footnotes":"١ الديوان ٢/ ٧٥، الفاتك: القاتل واستعاره للجريء والذي لا يبالي إنكار الناس. اللهج: المغري بالشيء المثابر عليه المقدام.\r٢ ذكر أبو هلال في الصناعتين ٢١٤ إن بشارا لما سمع بيت سلم قال: ذهب ابن الفاعلة ببيتي. وفي شرح ديوان بشار ٢/ ٧٥ وطبقات الشعراء لابن المعتز ١٠٠ أنه قال: فهو أخف منه وأعذب، والله لا أكلت ولا شربت اليوم. فلما بلغ ذلك سلما استنفع إلى بشار بجماعة، فذهبوا به فقال بشار: أين هو الخبيث؟ قالوا: ها هوذا، فقام إليه وسلم، فقبل سلم رأسه وقال له: يا أبا معاذ خريجك وتلميذك. قال بشار: يا سلم من الذي يقول؟\rمن راقب الناس لم يظفر بحاجته\rقال: أنت يا أبا معاذ. قال: فمن الذي يقول:\rمن راقب الناس مات غما\rقال: خريجك يا أبا معاذ. قال: أفتأخذ معاني التي قد عنيت بها وتعبت في استنباطها، فتكسوها ألفاظا أخف من ألفاظي. حتى يروى ما تقول ويذهب شعري؟ لا أرضى عنك أبدا. فما زال يضرع إليه والقوم يشفعون حتى رضي عنه.\rوسلم الخاسر هو سلم بن عمرو شاعر بصري قدم بغداد ومدح المهدي والهادي وهارون والبرامكة. وسمي بالخاسر لأنه ورث عن أبيه مصحفا فباعه واشترى طنبورا \"الأغاني ٢١/ ٧٣\".\r٣ من مدحته لأحمد بن عبد الكريم الطائي \"الديوان ٢/ ١٠٤\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359056,"book_id":3862,"shamela_page_id":930,"part":"3","page_num":259,"sequence_num":930,"body":"أخذه ابن الرومي فقال:\rغربته الخلائق الزهر في النا ... س وما أوحشته بالتغريب١\rوكذلك ورد قول أبي نواس:\rوكلت بالدهر عينا غير غافلة ... من جود كفك تأسو كل ما جرحا٢\rأخذه ابن الرومي فقال:\rالدهر يفسد ما استطاع وأحمد ... يتتبع الإفساد بالإصلاح٣\rوعلى هذا ورد قول ابن الرومي:\rكأني أستدني بك ابن حنية ... إذا النزع أدناه من الصدر أبعدا٤\rأخذه بعض شعراء الشام، وهو ابن قسيم الحموي٥، فقال:\rفهو كالسهم كلما زدته منك ... دنوا بالنزع زادك بعدا","footnotes":"١ من قصيدته في مدح يحيى بن علي المنجم \"الديوان ١/ ١٠٦\".\r٢ من قصيدته في مدح أبي العباس \"الديوان ٤٥٧\".\r٣ من قصيدته في مدح أحمد بن شيخ \"الديوان ٢/ ١٠٤\".\r٤ غير موجود بالديوان.\r٥ هو أبو المجد مسلم بن الخضر بن مسلم بن قسيم الحموي التنوخي، ذكره العماد في الحزبدة في شعراء حماة بأسلوبه المسجوع المصنوع بقوله: \"أبو المجد مجيد الشعر، وحيد الدهر فريد العصر، ذو رقة للقلوب مسترقة، وللعقول مسترقة ... \" إلى أن قال: \"كان ثالث القيسراني وابن منير في زمانهما، وسبقهما في ميدانهما، نبغ في عصر شيخوختهما، وبلغ إلى درجتهما، وراق سحرهما سحره، وفاق شعرهما شعره، لكنه خانه عمره، وفل سبا=","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359057,"book_id":3862,"shamela_page_id":931,"part":"3","page_num":260,"sequence_num":931,"body":"ولقيت جماعة من الأدباء بالشام، ووجدتهم يزعمون أن ابن قسيم هو الذي ابتدع هذا المعنى، وليس كذلك، وإنما هو لابن الرومي.\rومما يجري هذا المجرى قول أبي العتاهية:\rوإني لمعذور على فرط حبها ... لأن لها وجها يدل على عذري١\rأخذه أبو تمام فقال:\rله وجه إذا أبصر ... ته ناجاك عن عذري٢\rفأوجز في هذا المعنى غاية الإيجاز.\rومما يجري على هذا النهج قول أبي تمام:\rكانت مساءلة الركبان تخبرني ... عن أحمد بن سعيد أطيب الخبر\rحتى التقينا فلا والله ما سمعت ... أذني بأحسن مما قد رأى بصري","footnotes":"= شبابه، وحل حبا آدابه، وأمر جنى جنايه، وحل شعوب بشعابه، وذلك في سنة نيف وأربعين وخمسمائة\" ومن العجيب أن يقول العماد بعد ذلك: \"ووجدت في ديوانه لحنا فاحشا، ووهنا بالخطل جائشا، ونظرت في ديوان شعره، فالتقطت فرائد دره، وقلائد سحره....\" وقال عنه ابن عساكر: شاب شاعر، قدم دمشق، ومدح أتابك زنكي. واختار له طائفة من الأبيات \"وانظر خريدة القصر، وجريدة العصر ١/ ٤٣١، قسم شعراء الشام -بتحقيق الدكتور شكري فيصل- دمشق ١٩٥٥\".\r١ ليس بالديوان.\r٢ الديوان ٣٧٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359058,"book_id":3862,"shamela_page_id":932,"part":"3","page_num":261,"sequence_num":932,"body":"أخذه أبو الطيب المتنبي فأوجز، حيث قال:\rوأستكبر الأخبار قبل لقائه ... فلما التقينا صغر الخبر الخبر١\rوكذلك قولهما في موضع آخر، فقال أبو تمام:\rكم صارما عضب أناف على فتى ... منهم لأعباء الوغى حمال\rسبق المشيب إليه حتى ابتزه ... وطن النهى من مفرق وقذال٢\rأخذه أبو الطيب فزاد وأحسن حيث قال:\rيسابق القتل فيهم كل حادثة ... فما يصيبهم موت ولا هرم٣\rومن هذا الضرب قول بعض الشعراء:\rأمن خوف فقر تعجلته ... وأخرت إنفاق ما تجمع\rفصرت الفقير وأنت الغني ... وما كنت تعدو الذي تصنع","footnotes":"١ من مدحة لعلي بن أحمد بن عامر الأنطاكي \"الديوان ٢/ ٣١١\".\r٢ من قصيدته في مدح المعتصم بعد هزيمة الخرمية \"الديوان ٣/ ١٤١\".\rفي الأصل كم صارم عضب أناف على قفا. يقول هذا الصارم سبق إلى هذا الفتى الشيب فسلبه رأسه وأم دماغه الذي هو وطن العقل.\r٣ من قصيدته في مدح سيف الدولة وقد انتصر على الروم مطلعها:\rعقبى اليمين على عقبى الوغى ندم ... ماذا يزيدك في إقدامك القسم\r\"الديوان ٤/ ١٨٣\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359059,"book_id":3862,"shamela_page_id":933,"part":"3","page_num":262,"sequence_num":933,"body":"أخذه أبو الطيب المتنبي فقال:\rومن ينفق الساعات في جمع ماله ... مخافة فقر فالذي فعل الفقر١\rالضرب التاسع من السلخ:\rوهو أن يكون المعنى عاما فيجعل خاصا، أو خاصا فيجعل عاما, وهو من السرقات التي يسامح صاحبها.\rفمن ذلك قول الأخطل:\rلا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم٢\rأخذه أبو تمام فقال:\rأألوم من بخلت يداه وأغتدي ... للبخل تربا ساء ذاك صنيعا٣\rوهذا من العام الذي جعل خاصا، ألا ترى أن الأول نهى عن الإتيان بما ينهى عنه مطلقا، وجاء بالخلق منكرا فجعله شائعا في بابه، وأما أبو تمام فإنه خصص ذلك بالبخل، وهو خلق واحد من جملة الأخلاق.","footnotes":"١ من مدحة لعلي بن أحمد بن عامر الأنطاكي، ومطلع القصيدة:\rأطاعن خيلا من فوارسها الدهر ... وحيدا وما قولي كذا ومعي الصبر\r\"الديوان ٢/ ٣٠٥\".\r٢ ويروى لأبي الأسود الدؤلي ويروى للمتوكل الليثي وقد أكد ذلك الآمدي في المؤتلف والمختلف ١٧٩ والمرزباني في معجم الأدباء ٤١٠.\r٣ النص بالديوان صفحة ٢٨٦ هكذا:\rأألوم من بخلت يداه وأغتدى ... في تالدي للسائلين مطيعا\rآبى فأعصى العاذلين وأغتدى ... للبخل تربا ساء ذاك صنيعا","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359060,"book_id":3862,"shamela_page_id":934,"part":"3","page_num":263,"sequence_num":934,"body":"وأما جعل الخاص عاما فكقول أبي تمام:\rولو حاردت شول عذرت لقاحها ... ولكن منعت الدر والضرع حافل١\rأخذه أبو الطيب المتنبي فجعله عاما إذ يقول:\rوما يؤلم الحرمان من كف حارم ... كما يؤلم الحرمان من كف رازق٢\rالضرب العاشر من السلخ:\rوهو زيادة البيان مع المساواة في المعنى، وذاك أن يؤخذ المعنى فيضرب له مثال يوضحه.\rفمما جاء منه قول أبي تمام:\rهو الصنع إن يعجل فنفع وإن يرث ... فللريث في بعض المواطن أنفع٣","footnotes":"١ من قصيدة في مدح محمد بن عبد الملك الزيات\r\"الديوان ٣/ ١٢٩\".\rأي: إن مطلك دام وطال مع طول أملي فيك، ولو كان ذلك لإعوازك لعذرتك، ولكنك حرمتني ومالك كثير، وعطاؤك ممكن.\rحاردت: قل لبنها. الشول: النوق القليلات اللبن، جمع شائلة. حافل: ممتلئ.\r٢ من قصيدة في مدح سيف الدولة بن حمدان مطلعها:\rتذكرت ما بين العذيب وبارق ... مجر عوالينا ومجرى السوابق\r\"الديوان ٣/ ٧٧\".\r٣ من قصيدة في مدح أبي سعيد محمد بن يوسف الثغرى، مطلعها:\rأما إنه لولا الخليط المودع ... وربع عفا منه مصيف ومربع\r\"الديوان ٣/ ٣١٩\".\rوالقافية بالديوان \"أسرع\" بدلا من \"أنفع\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359061,"book_id":3862,"shamela_page_id":935,"part":"3","page_num":264,"sequence_num":935,"body":"أخذه أبو الطيب المتنبي فأوضحه بمثال ضربه له وذلك قوله:\rومن الخير بطء سيبك عني ... أسرع السحب في المسير الجهام١\rوهذا من المبتدع، لا من المسروق، وما أحسن ما أتى بهذا المعنى في المثال المناسب له.\rوكذلك قولهما في موضع آخر فقال أبو تمام:\rقد قلصت شفتاه من حفيظته ... فخيل من شدة التعبيس مبتسما٢\rأخذه أبو الطيب المتنبي فقال:\rوجاهل مده في جهله ضحكي ... حتى أتته يد فراسة وفم\rإذا رأيت نيوب الليث بارزة ... فلا تظنن أن الليث مبتسم٣\rومما ينخرط في هذا السلك قول أبي تمام:\rوكذاك لم تفرط كآبة عاطل ... حتى يجاورها الزمان بحال٤","footnotes":"١ من قصيدة في مدح أبي الحسين علي بن أحمد المري الخراساني مطلعها:\rلا افتخار إلا لمن لا يضام ... مدرك أو محارب لا ينام\r\"الديوان ٤/ ٢٨٦\".\rسيبك: عطائك. الجهام: السحاب الذي لا ماء فيه.\r٢ من قصيدته في مدح إسحاق بن إبراهيم \"الديوان ٣/ ١٧٠\" أي: قد أبرزت شفتاه أسنانه من شدة الغضب.\r٣ من قصيدته في عتاب سيف الدولة التي مطلعها:\rواحر قلباه ممن قلبه شيم ... ومن بجسمي وحالي عنده سقم\r\"الديوان ٤/ ١٠٤\" شيم: بارد. والبيت الثاني بالديوان \"إذا نظرت\" يد فراسة: يد باطشة شديدة الافتراس.\r٤ من قصيدته في مدح المعتصم مطلعها:\rآلت أمور الشرك شر مآل ... وأقر بعد تخمط وصيال\r\"الديوان ٣/ ١٣٢\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359062,"book_id":3862,"shamela_page_id":936,"part":"3","page_num":265,"sequence_num":936,"body":"أخذه أبو عبادة البحتري فقال:\rوقد زادها إفراط حسن جوارها ... لأخلاق أصفار من المجد خيب\rوحسن دراري الكواكب أن ترى ... طوالع في داج من الليل غيهب١\rفإنه أتى بالمعنى مضروبا له هذا المثال الذي أوضحه وزاده حسنا.\rالضرب الحادي عشر من السلخ:\rوهو اتحاد الطريق واختلاف المقصد، ومثاله أن يسلك الشاعران طريقًا واحدة، فتخرج بهما إلى موردين أو روضتين، وهناك يتبين فضل أحدهما على الآخر.\rفمما جاء من ذلك قول أبي تمام في مرثية بولدين صغيرين:\rمجد تأوب طارقا حتى إذا ... قلنا أقام الدهر أصبح راحلا\rنجمان شاء الله ألا يطلعا ... إلا ارتداد الطرف حتى يأفلا\rإن الفجيعة بالرياض نواضرا ... لأجل منها بالرياض ذوابلا\rلهفي على تلك الشواهد فيهما ... لو أخرت حتى تكون شمائلا\rإن الهلال إذا رأيت نموه ... أيقنت أن سيكون بدرا كاملا\rقل للأمير وإن لقيت موقرا ... منه بريب الحادثات حلاحلا\rإن ترز في طرفي النهار واحد ... رزأين هاجا لوعة وبلابلا\rفالثقل ليس مضاعفا لمطية ... إلا إذا ما كان وهما بازلا\rلا غرو إن فننان من عيدانه ... لقيا حماما للبرية آكلا","footnotes":"١ من قصيدته في مدح الفتح بن خاقان \"الديوان ١/ ٥٠\" وبالديوان \"خلائق أصفار\" داج غيهب: مظلم شديد الظلام.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359063,"book_id":3862,"shamela_page_id":937,"part":"3","page_num":266,"sequence_num":937,"body":"إن الأشاء إذا أصاب مشذب ... منه انمهل ذرا وأث أسافلا\rشمخت خلالك أن يواسيك امرؤ ... أو أن تذكر ناسيا أو غافلا\rإلا مواعظ قادها لك سمحة ... إسجاح لبك سامعا أو قائلا\rهل تكلف الأيدي بهز مهند ... إلا إذا كان الحسام القاصلا١\rوقال أبو الطيب في مرثية بطفل صغير:\rفإن تك في قبر فإنك في الحشا ... وإن تك طفلا فالأسى ليس بالطفل\rومثلك لا يبكى على قدر سنه ... ولكن على قدر الفراسة والأصل\rألست من القوم الذي من رماحهم ... نداهم ومن قتلاهم مهجة البخل\rبمولودهم صمت اللسان كغيره ... ولكن في أعطافه منطق الفصل\rتسليهم علياؤهم عن مصابهم ... ويشغلهم كسب الثناء عن الشغل\rعزاءك سيف الدولة المقتدى به ... فإنك نصل والشدائد للنصل\rتخون المنايا عهده في سليله ... وتنصره بين الفوارس والرجل","footnotes":"١ ليست القصيدة بديوانه بشرح التبريزي ولا بطبعة محمد جمال.\rتأوب طارقا: رجع زائرا، شمائل: طباع، موقر: رزين، حلاحل: رزين أو سيد شجاع، وهم: جمل ضخم قوي ذلول، بازل: جمل بلغ التاسعة من عمره فاكتمل، فننان: المراد ولدان، الأشاء: صغار النخل. انمهل: اعتدل وانتصب. أث: التف وكثر، إسجاع: سماحة، المهند: السيف. الحسام القاصل: السيف القاطع.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359064,"book_id":3862,"shamela_page_id":938,"part":"3","page_num":267,"sequence_num":938,"body":"بنفسي وليد عاد من بعد حمله ... إلى بطن أم لا تطرق بالحمل\rبدا وله وعد السحابة بالروى ... وصد وفينا غلة البلد المحل\rوقد مدت الخيل العتاق عيونها ... إلى وقت تبديلي الركاب من النعل\rوريع له جيش العدو وما مشى ... وجاشت له الحرب الضروس وما تغلي١\rفتأمل أيها الناظم إلى ما صنع هذان الشاعران في هذا المقصد الواحد، وكيف هام كل واحد منهما في واد منه، مع اتفاقهما في بعض معانيه؟.\rوسأبين لك ما اتفقا فيه، وما اختلفا، وأذكر الفاضل من المفضول، فأقول: أما الذي اتفقا فيه فإن أبا تمام قال:\rلهفي على تلك الشواهد فيهما ... لو أخرت حتى تكون شمائلا\rوأما أبو الطيب فإنه قال:\rبمولودهم صمت اللسان كغيره ... ولكن في أعطافه منطق الفصل","footnotes":"١ من مرثيته لأبي الهيجاء عبد الله بن سيف الدولة \"الديوان ٤/ ٢٠٩\" وبالديوان \"المخيلة والأصل\" و\"الألى من رماحهم\": الفراسة: المخيلة. الأعطاف: جمع عطف وهو الجانب. منطق الفصل: القول الصائب الحاسم. مصابهم: إصابتهم. الشغل: الاهتمام بما عدا كسب الثناء والمحامد. عزاءك: تعز عزاءك، أو الزم عزاءك. به: الضمير يعود على العزاء. نصل: سيف. الرجل: جمع راجل وهو الماشي. تطرق بالحمل: لا تخرج الولد من بطنها. الروى: الرواء والري. غلة: عطش. المحل: الجديب. الخيل العتاق: الكرام الركاب ما توضع فيه الرجل من السرج. ريع: أخيف. جاشت: غلت وهاجت. الضروس. الشديدة العض.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359065,"book_id":3862,"shamela_page_id":939,"part":"3","page_num":268,"sequence_num":939,"body":"فأتى بالمعنى الذي أتى به أبو تمام، وزاد عليه بالصناعة اللفظية، وهي المطابقة في قوله صمت اللسان ومنطق الفصل.\rوقال أبو تمام:\rنجمان شاء الله ألا يطلعا ... إلا ارتداد الطرف حتى يأفلا\rوقال أبو الطيب:\rبدا وله وعد السحابة بالروى ... وصد وفينا غلة البلد المحل\rفوافقه في المعنى وزاد عليه بقوله:\rوصد فينا غلة البلد المحل\rلأنه بين قدر حاجتهم إلى وجوده وانتفاعهم بحياته.\rوأما ما اختلفا فيه فإن أبا الطيب أشعر فيه من أبي تمام أيضا، وذاك أن معناه أمتن من معناه، ومبناه أحكم من مبناه.\rوربما أكبر هذا القول جماعة من المقلدين الذين يقفون مع شبهة الزمان وقدمه، لا مع فضيلة القول وتقدمه، وأبو تمام وإن كان أشعر عندي من أبي الطيب فإن أبا الطيب أشهر منه في هذا الموضع.\rوبيان ذلك أنه قد تقدم على ما اتفقا فيه من المعنى.\rوأما الذي اخلتفا فيه فإن أبا الطيب قال:\rعزاءك سيف الدولة المقتدى به ... فإنك نصل والشدائد للنصل\rوهذا البيت بمفرده خير من بيتي أبي تمام اللذين هما:\rإن ترزفي طرفي نهار واحد ... رزأين هاجا لوعة وبلابلا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359066,"book_id":3862,"shamela_page_id":940,"part":"3","page_num":269,"sequence_num":940,"body":"فالثقل ليس مضاعفا لمطية ... إلا إذا ما كان وهما بازلا\rفإن قول أبي الطيب \"والشدائد للنصل\" أكرم لفظا ومعنى من قول أبي تمام:\rإن الثقل إنما يضاعف للبازل من المطايا\rوقوله أيضا:\rتخون المنايا عهده في سليله ... وتنصره بين الفوارس والرجل\rوهذا أشرف من بيتي أبي تمام اللذين هما:\rلا غرو إن فننان من عيدانه ... لقيا حماما للبرية آكلا\rإن الأشاء إذا أصاب مشذب ... منه انمهل ذرا وأث أسافلا\rوكذلك قال أبو الطيب:\rألست من القوم الذين من رماحهم ... نداهم ومن قتلاهم مهجة البخل\rتسليهم علياؤهم عن مصابهم ... ويشغلهم كسب الثناء عن الشغل\rوهذان البيتان خير من بيتي أبي تمام اللذين هما:\rشمخت خلالك أن يواسيك امرؤ ... أو أن تذكر ناسيا أو غافلا\rإلا مواعظ قادها لك سمحة ... إسجاح لبك سامعا أو قائلا\rواعلم أن التفضيل بين المعنيين المتفقين أيسر خطبا من التفضيل بين المعنيين المختلفين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359067,"book_id":3862,"shamela_page_id":941,"part":"3","page_num":270,"sequence_num":941,"body":"وقد ذهب قوم إلى منع المفاضلة بين المعنيين المختلفين، واحتجوا على ذلك بأن قالوا: المفاضلة بين الكلامين لا تكون إلا باشتراكهما في المعنى، فإن اعتبار التأليف في نظم الألفاظ لا يكون إلا باعتبار المعاني المندرجة تحتها، فما لم يكن بين الكلامين اشتراك في المعنى فإنه لايعلم مواقع النظم في قوة ذلك المعنى أو ضعفه، أو اتساق ذلك اللفظ أو اضطرابه، وإلا فكل كلام له تأليف يخصه بحسب المعنى المندرج تحته، وهذا مثل قولنا: العسل أحلى من الخل، فإنه ليس في الخل حلاوة حتى تقاس حلاوة العسل عليها.\rوهذا القول فاسد، فإنه لو كان ما ذهب إليه هؤلاء من منع المفاضلة حقا لوجب أن تسقط التفرقة بين جيد الكلام ورديئه وحسنه وقبيحه، وهذا محال.\rوإنما خفي عليهم ذلك؛ لأنهم لم ينظروا إلى الأصل الذي تقع المفاضلة فيه، سواء اتفقت المعاني أو اختلفت ومن هنا وقع لهم الغلط.\rوسأبين ذلك فأقول: من المعلوم أن الكلام لا يختص بمزية من الحسن حتى تتصف ألفاظه ومعانيه بوصفين هما الفصاحة والبلاغة، فثبت بهذا أن النظر إنما هو في هذين الوصفين اللذين هما الأصل في المفاضلة بين الألفاظ والمعاني على اتفاقهما واختلافهما فمتى وجدا في أحد الكلامين دون الآخر أو كانا أخص به من الآخر حكم له بالفضل.\rوقرأت في كتاب الأغاني لأبي الفرج في تفضيل الشعر أشياء تتضمن خبطا كثيرا، وهو مروي عن علماء العربية لكن عذرتهم في ذلك، فإن معرفة الفصاحة والبلاغة شيء خلاف معرفة النحو والإعراب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359068,"book_id":3862,"shamela_page_id":942,"part":"3","page_num":271,"sequence_num":942,"body":"فمما وقفت عليه أنه سئل أبو عمرو بن العلاء عن الأخطل فقال: لو أدرك يوما واحدا من الجاهلية ما قدمت عليه أحدا١.\rوهذا تفضيل بالأعصار، لا بالأشعار، وفيه ما فيه ولولا أن أبا عمرو عندي بالمكان العلي لبسطت لساني في هذا الموضع.\rوسئل جرير عن نفسه وعن الفرزدق والأخطل، فقال: أما الفرزدق ففي يده نبعا من الشعر وهو قابض عليها، وأما الأخطل فأشدنا اجتراء، وأرمانا للفرائص٢، وأما أنا فمدينة الشعر.\rوهذا القول في التفضيل قول إقناعي٣ لا يحصل منه على تحقيق، لكنه أقرب حالا مما روي عن أبي عمرو بن العلاء.\rوسئل الأخطل عن أشعر الناس، فقال: الذي إذا مدح رفع، وإذا هجا وضع، فقيل: فمن ذاك? قال: الأعشى، قيل: ثم من? قال: طرفة.\rوهذا قول فيه بعض التحقيق، إذ ليس كل من رفع بمدحه ووضع بهجائه كان أشعر الناس؛ لأن المعاني الشعرية كثيرة والمدح والهجاء منها.\rوسئل الشريف الرضي عن أبي تمام وعن البحتري وعن أبي الطيب، فقال: أما أبو تمام فخطيب منبر، وأما البحتري فواصف جؤذر٤, وأما المتنبي فقاتل عسكر.","footnotes":"١ الأغاني ٧/ ١٦٣ وفيه تفضيل له على معاصريه.\r٢ الفرائص: جمع فريصة وهي اللحمة بين الجنب والكف، والمراد المقاتل. وكانت بالأصل \"القرائض\" ولعلها الفرائص كما رجحنا، أو القريض بمعنى الشعر.\r٣ يريد أنه كلام خطابي لا دليل عليه.\r٤ الجؤذر: ولد البقرة الوحشية، والمراد أنه صاحب غزل.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359069,"book_id":3862,"shamela_page_id":943,"part":"3","page_num":272,"sequence_num":943,"body":"وهذا كلام حسن واقع في موقعه فإنه وصف كلا منهم بما فيه من غير تفضيل.\rويروى عن بشار أنه وصف نفسه بجودة الشعر والتقدم على غيره، فقيل له: ولم ذاك? فقال: لأني نظمت اثني عشر ألف قصيدة وما تخلو واحدة منهن من بيت واحد جيد، فيكون لي حينئذ اثنا عشر ألف بيت.\rوقد تأملت هذا القول فوجدته على بشار لا له؛ لأن باقلا الذي يضرب به المثل في العي لو نظم قصيدا لما خلا من بيت واحد جيد، ومن الذي ينظم قصيدا واحدا من الشعر ولا يسلم منه بيت واحد?\rلكن كان الأولى ببشار أن قال: لي اثنا عشر ألف قصيدة ليس واحدة منهن إلا وجيدها أكثر من رديئها، وليس في واحدة منهن ما يسقط، فإنه لو قال ذلك وكان محقا لاستحق التقدم على الشعراء، ومع هذا فقد وصل إلي ما في أيدي الناس من شعره مقصدا ومقطعا فما وجدته بتلك الغاية التي ادعاها، لكن وجدت جيده قليلا بالنسبة إلى رديئه، وتندر١ له الأبيات اليسيرة.\rوبلغني عن الأصمعي وأبي عبيدة وغيرهما أنهم قالوا: هو أشعر الشعراء المحدثين قاطبة، وهم عندي معذورون؛ لأنهم ما وقفوا على معاني أبي تمام، ولا على معاني أبي الطيب، ولا وقفوا على ديباجة أبي عبادة البحتري.\rوهذا الموضع لا يستفتى فيه علماء العربية، وإنما يستفتى فيه كاتب بليغ، أو شاعر مفلق، فإن أهل كل علم أعلم به، وكما لا يسأل الفقيه عن مسألة حسابية فكذلك لا يسأل الحاسب عن مسألة فقهية، وكما لا يسأل النحوي عن مسألة طبية","footnotes":"١ تندر: هنا بمعنى تظهر وتشتهر من الندور لا من الندرة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359070,"book_id":3862,"shamela_page_id":944,"part":"3","page_num":273,"sequence_num":944,"body":"فكذلك لا يسأل الطبيب عن مسألة نحوية، ولا يعلم كل علم إلا صاحبه الذي قلب ظهره لبطنه وبطنه لظهره.\rعلى أن علم البيان من الفصاحة والبلاغة محبوب إلى الناس قاطبة، وما من أحد إلا ويحب أن يتكلم فيه، حتى إني رأيت أجلاف العامة ممن لم يخط بيده، ورأيت أغتام١ الأجناس ممن لا ينطق بالكلمة صحيحة، كلهم يخوض في فن الكتابة والشعر، ويأتون فيه بكل مضحكة، وهم يظنون أنهم عالمون به، ولا لوم عليهم، فإنه بلغني عن ابن الأعرابي٢ -وكان من مشاهير العلماء- أنه عرض عليه أرجوزة أبي تمام اللامية التي مطلعها:\rوعاذل عذلته في عذله\rوقيل له هذه لفلان من شعراء العرب، فاستحسنها غاية الاستحسان، وقال هذا هو الديباج الخسرواني٣، ثم استكتبها، فلما أنهاها قيل له هذه لأبي تمام، فقال: من أجل ذلك أرى عليها أثر الكلفة. ثم ألقى الورقة من يده، وقال: يا غلام خرق خرق٤.","footnotes":"١ الأغتم: من لا يفصح شيئا، جمعه غتم على وزن قفل.\r٢ أبو عبد الله محمد بن زياد كان من أكابر أئمة اللغة بالكوفة، وكان ربيبا للمفضل الضبي وسمع عنه الدواوين وصححها، وكان من أحفظ الناس للغة والأنساب، توفي سنة ٢٣١هـ \"الفهرست ٦٩ ووفيات الأعيان ١/ ٤٩٢\".\r٣ الديباج الخسرواني. الحرير الفارسي الفاخر.\r٤ في الصناعتين ٤٥ أن ابن الأعربي كان يأمر بكتابة جميع ما يجري في مجلسه، فأنشده رجل يوما أرجوزة أبي تمام في وصف السحاب، على أنها لبعض العرب.\rسارية لم تكتمل بغمض ... كدراء ذات هطلان محض\rفقال ابن الأعرابي. اكتبوها. فلما كتبوها قيل له: إنها لحبيب بن أوس، قال: خرق خرق، لا جرم أن أثر الصنعة فيها بيّن.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359071,"book_id":3862,"shamela_page_id":945,"part":"3","page_num":274,"sequence_num":945,"body":"فإذا كان ابن الأعرابي مع علمه وفضله لا يدري أي طرفيه أطول في هذا الفن، ولا يعلم أين يضع يده فيه, ويبلغ به الجهل إلى أن يقف مع التقليد الشنيع الذي هذا غايته, فما الذي يقول غيره? وما الذي يتكلم فيه سواه?\rوالمذهب عندي في تفضيل الشعراء أن الفرزدق وجريرا والأخطل أشعر العرب أولًا وآخرا، ومن وقف على الأشعار, ووقف على دواوين هؤلاء الثلاثة, علم ما أشرت إليه.\rولا ينبغي أن يوقف مع شعر امرئ القيس وزهير والنابغة والأعشى، فإن كلا من أولئك أجاد في معنى اختص به، حتى قيل في وصفهم: امرؤ القيس إذا ركب، والنابغة إذا رهب وزهير إذا رغب، والأعشى إذا شرب.\rوأما الفرزدق وجرير والأخطل فإنهم أجادوا في كل ما أتوا به من المعاني المختلفة وأشعر منهم عندي الثلاثة المتأخرون، وهم أبو تمام، وأبو عبادة البحتري، وأبو الطيب المتنبي١، فإن هؤلاء الثلاثة لا يدانيهم مدان في طبقة الشعراء.\rأما أبو تمام وأبو الطيب فربا المعاني، وأما أبو عبادة فرب الألفاظ في ديباجتها وسبكها. وبلغني أن أبا عبادة البحتري سأل ولده أبا الغوث عن الفرزدق وجرير أيهما أشعر، فقال: جرير أشعر، قال: وبم ذلك?","footnotes":"١ لقد قال منذ بضعة أسطر إن الفرزدق وجريرا والأخطل هم أشعر العرب أولا وآخرا. وها هو ذا يقول إن أبا تمام والبحتري والمتنبي أشعر منهم، فكيف ذلك.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359072,"book_id":3862,"shamela_page_id":946,"part":"3","page_num":275,"sequence_num":946,"body":"قال: لأن حوكه شبيه بحوكك١. قال ثكلتك أمك، أوفى الحكم عصبية؟ قال: يا أبت فمن أشعر؟ قال: الفرزدق. قال: وبم ذاك؟ قال: لأن أهاجي جرير كلها تدور على أربعة أشياء: هي القين، والزنا وضرب الرومي بالسيف، والنفي من المسجد، ولا يهجو الفرزدق بسوى ذلك، وأما الفرزدق فإنه يهجو جريرا بأنحاء مختلفة، ففي كل قصيد يرميه بسهام غير السهام التي يرميه بها في القصيد الآخر٢، وأنا أستكذب راوي هذه الحكاية، ولا أصدقه، فإن البحتري عندي ألب من ذلك، وهو عارف بأسرار الكلام، خبير بأوساطه وأطرافه، وجيده ورديئه، وكيف يدعي على جرير أنه لم يهج الفرزدق إلا بتلك المعاني الأربعة التي ذكرها وهو القائل:\rلما وضعت على الفرزدق ميسمي ... وعلى البعيث جدعت أنف الأخطل٣\rفجمع بين هجاء هؤلاء الثلاثة في بيت واحد.\rولقد تأملت كتاب النقائض فوجدت جريرا رب تغزل ومديح وهجاء وافتخار، وقد كسا كل معنى من هذه المعاني ألفاظا لائقة به ويكفيه من ذلك قوله:\rوعاد عوى من غير شيء رميته ... بقارعة أنفاذها تقطر الدما\rوإني لقوال لكل غريبة ... ورود إذا الساري بليل ترنما\rخروج بأفواه الرواة كأنها ... شبا هندواني إذا هز صمما","footnotes":"١ يربط أسلوبه وتعبيره.\r٢ في الصناعتين ٢٤ ذكر لهذا التفضيل موجز.\r٣ الديوان ٤٤٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359073,"book_id":3862,"shamela_page_id":947,"part":"3","page_num":276,"sequence_num":947,"body":"غرائب ألاف إذا حان وردها ... أخذن طريقًا للقصائد معلمًا١\rولو لم يكن لجرير سوى هذه الأبيات لتقدم بها الشعراء, وسأذكر من هجائه الفرزدق ما ليس فيه شيء من تلك المعاني الأربعة التي أشار البحتري إليها فمن ذلك قوله:\rوقد زعموا أن الفرزدق حية ... وما قتل الحيات من أحد قبلي\rألم تر أني لا تبل رميتي ... فمن أرم لا تخطئ مقاتله نبلي\rرأيتك لا تحمي عقالا ولم ترد ... قتالا فما لاقيت شر من القتل٢\rوقوله:\rأبلغ هديتي الفرزدق إنها ... عبء يزاد على حسير مثقل\rإني انصببت من السماء عليكم ... حتى اختطفتك يا فرزدق من عل٣","footnotes":"١ كان بالأصل\rبقافية أنفاذها يقطر الدما\rو\"جروخ بأفواه الرواة\" و\"هو صمصما\". وبالديوان \"قرأ. هندواني\" الديوان ٥٤٤ أنفاذها: أقطارها. ورود: كثيرة الورود يريد أن قصائده سريعة الذيوع. خروج بأفواه الرواة: ذائعة على ألسنتهم لا يستطيعون كتمانها. شبا هندواني: حد سيف. صمم: قطع وأصاب المفصل. معلم: معلوم معروف.\r٢ من هجائه للبعيث والفرزدق \"الديوان ٤٦٤\" وترتيب الأبيات في الديوان أن الثالث هو الثاني، وبين الأول والثاني ثلاثة أبيات، وبين الثاني والثالث ستة أبيات، وبالأصل \"لا أنبل رميتي\" فأصلحناها من الديوان.\rلا تبل رميتي: لا ينجو من رميي من أرميه ولا يشفى. العقال: القلوص الفتية والمراد المرأة.\r٣ من هجائه للفرزدق \"الديوان ٤٤٤، ٤٤٨\" والبيت الثاني هنا قبل الأول في الديوان. وفي الديوان \"عبء يزاد\" حسير: كليل مجهد.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359074,"book_id":3862,"shamela_page_id":948,"part":"3","page_num":277,"sequence_num":948,"body":"وقوله:\rزعم الفرزدق أن سيقتل مربعا ... أبشر بطول سلامة يا مربع\rورأيت نبلك يا فرزدق قصرت ... ورأيت قوسك ليس فيها منزع\rإن الفرزدق قد تبين لؤمه ... حيث التقت حششاؤه والأخدع١\rوقوله:\rأحارث خذ من شئت منا ومنهم ... ودعنا نقس مجدا تعد فواضله\rلبست سلاحي والفرزدق لعبة ... عليه وشاحا كرج وجلاجله\rفلست بذي عز ولا ذي أرومة ... وما تعط من ضيم فإنك قابله٢\rوقوله:\rلا يخفين عليك أن مجاشعا ... لو ينفخون من الخؤورة طاروا","footnotes":"١ من هجائه للفزردق \"الديوان ٣٤٨، ٣٥١\" والبيت الثاني هنا موضعه بالديوان بعد أبيات من الثاني. مربع: لقب لراوية جرير، وكان الفرزدق قد حلف ليقتلنه. الحششاء: العظم الناتئ خلف الأذن. الأخدع: عرق في صفحة العنق. وبالديوان \"ووجدت قوسك\" منزع: مد.\r٢ من هجائه للفرزدق \"الديوان ٤٨٥\" بالأصل \"فضائله\" والأبيات بالديوان هكذا، مع تباعد ما بينها:\rليست أداتى والفرزدق لعبة ... عليه وشاحا كرج وحلاحله\rأحارث خذ................. ... .............................\rولست بذي درء ولا ذي أرومة ... وما نعط من ضيم فإنك قابله\rكرج: الكرج المهر والكرجي المخنث. الجلاجل: جمع جلجل وهو الجرس الصغير.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359075,"book_id":3862,"shamela_page_id":949,"part":"3","page_num":278,"sequence_num":949,"body":"قد يؤسرون فلا يفك أسيرهم ... ويقتلون فتسلم الأوتار١\rوقوله:\rبني مالك إن الفرزدق لم يزل ... يلقى المخازي من لدن أن تيفعا\rمددت له الغايات حتى تركته ... قعود القوافي ذا علوب موقعا٢\rوقوله:\rألا إنما كان الفرزدق ثعلبا ... ضغا وهو في أشداق ليث ضبارم٣\rوقوله:\rمهلا فرزدق إن قومك فيهم ... خور القلوب وخفة الأحلام\rالظاعنون على العمى بجميعهم ... والنازلون بشر دار مقام٤","footnotes":"١ من رثائه لزوجته \"الديوان ٢٠٧\" كان بالأصل \"فتسلم الآثار\" وبالديوان \"فما يفك\".\r٢ من هجائه للفرزدق \"الديوان ٣٣٤\" كان بالأصل \"أن تيفعا\" والبيتان بالديوان هكذا:\rبني مالك إن الفرزدق لم يزل ... فلو المخازي من لدن أن تيفعا\rمددت له الغايات حتى نخسته ... جريح الذنابى فاني السن مقطعا\rفلو المخازي: رضيعها. ذو علوب: المراد جروح. موقع: مرمى من قرب أو مكوى الذنابى: العجز. مقطع: لا قدرة له على الضراب.\r٣ \"الديوان ٥٥٨\" الضيارم: الأسد القوى الشديد. ضغا: صاح.\r٤ هذان البيتان كما في النقائض مما هجا به جرير غسان بن ذهل السليطي، ورواية النفائس للبيت الأول:\rأبني أديرة إن فيكم فاعلموا\rولكنهما في الديوان من هجاء جرير للفزردق \"الديوان: ٥٥٢\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359076,"book_id":3862,"shamela_page_id":950,"part":"3","page_num":279,"sequence_num":950,"body":"قوله:\rإذا سفرت يوما نساء مجاشع ... بدت سوأة مما تجن البراقع\rمباشيم عن غب الخرير كأنما ... تصوت في أعفاجهن الضفادع\rرأت مالك نبل الفرزدق قصرت ... عن العلو لا يأبى عن العلو بارع\rأتعدل أحسابا كراما حماتها ... بأحسابكم إني إلى الله راجع\rإذا قيل أي الناس شر قبيلة ... وأعظم عارًا قيل تلك مجاشع١\rوقوله:\rعلق الأخيطل في حبالي بعد ما ... عثر الفرزدق لا لعا للعاثر\rلقي الفرزدق ما لقيت وقبله ... طاح البعيث بغير عرض وافر\rوإذا رجوا أن ينقضوا لي مرة ... مرست قواي عليهم ومرائري٢\rولجرير مواضع كثيرة في هجاء الفرزدق غير هذه، ولولا خوف الإطالة","footnotes":"١ من هجائه للفزردق والبعيث \"الديوان ٢٦٧\" وترتيبها هنا يخالف ترتيبها في الديوان. والبيت الأول بالديون هكذا:\rرأت مالك نبل الفرزدق قصرت ... عن المجد إذ لا يأتلي الغلو نازع\rوكان بالأصل \"رأت مللا مثل\" و\"غب الهرير\".\rنبل الفرزدق: شعره. لا يأتلي: لا يقصر. الغلو: رفع اليدين بالسهم إلى أقصى غاية مباشيم: متخمات. الخزير: حساء من دسم. الأعناج: الأمعاء. مجاشع: قوم الفرزدق.\r٢ من هجائه الأخطل \"الديوان ٣٠٧\".\rكان بالأصل \"التعيس\" بدلا من البعيث. ورواية الديوان\rلقى الأخيطل ما لقيت\rوأن ينقضوا من قوى\rلا لعا له: لا انتعاش له من سقطته.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359077,"book_id":3862,"shamela_page_id":951,"part":"3","page_num":280,"sequence_num":951,"body":"لاستقصيتها جميعها.\rولو سلمت إلى البحتري ما زعم من أن جريرا ليس له في هجاء الفرزدق إلا تلك المعاني الأربع لاعترضت عليه بأنه قد أقر لجرير بالفضيلة.\rوذاك أن الشاعر المفلق أو الكاتب البليغ هو الذي إذا أخذ معنى واحدا تصرف فيه بوجوه التصرفات، وأخرجه في ضروب الأساليب، وكذلك فعل جرير، فإنه أبرز من هجاء الفرزدق بالقين كل غريبة، وتصرف فيه تصرفا مختلف الأنحاء، فمن ذلك قوله:\rألهى أباك عن المكارم والعلا ... لي الكتائف وارتفاع المرجل١\rوقوله:\rوجد الكتيف ذخيرة في قبره ... والكلبتان جمعن والمئشار\rيبكي صداه إذا تصدع مرجل ... أو إن تفلق برمة أعشار\rقال الفرزدق رقعي أكيارنا ... قالت وكيف ترقع الأكيار٢\rوقوله:\rإذا آباؤنا وأبوك عدوا ... أبان المقرفات من العراب","footnotes":"١ من هجائه للفرزدق \"الديوان ٤٤٧\" ارتفاع المرجل: إصلاحه، لي الكتائف: إصلاح الضباب لأن الكتيفة الضبة، أو الكتيفة كلبتا الحداد يعيره في الحالين بالحدادة.\r٢ من قصيدته في رثاء زوجته \"الديوان ٢٠٢\" بالأصل \"الكنيف. والمنشار\" وبالديوان \"تثلم برمة\" الكتيف: الضبة وكلبتا الحداد. المنشار: هو المنشار. تغلق برمة أعشار: تتكسر قدر أجزاء عشرة. الأكيار: جمع كير.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359078,"book_id":3862,"shamela_page_id":952,"part":"3","page_num":281,"sequence_num":952,"body":"فأورثك العلا وأورثوني ... رباط الخيل أفنية القباب\rوسيف أبي الفرزدق فاعلموه ... قدوم غير ثابتة النصاب١\rفانظر أيها الواقف على كتابي هذا إلى هذه الأساليب التي تصرف فيها جرير وأدارها على هجاء الفرزدق بالقين، فقال أولا: إن أباه شغل عن المكارم بصناعة القيون، ثم قال ثانيا: إنه يبكي عليه ويندبه بعد الموت المرجل والبرمة الأعشار التي يصلحها، ثم قال ثالثا: إن أباك أورثك آلة القيون، وأورثني أبي رباط الخيل.\rوقد أورد جرير هذا المعنى على غير هذه الأساليب التي ذكرتها، ولا حاجة إلى التطويل بذلك ههنا، وهذا القدر فيه كفاية.\rوحيث انتهى بنا القول إلى ههنا فلنرجع إلى النوع الذي نحن بصدد ذكره، وهو اتحاد الطريق واختلاف المقصد، فمما جاء منه قول النابغة:\rإذا ما غزا بالجيش حلق فوقه ... عصائب طير تهتدي بعصائب\rجوانح قد أيقن أن قبيله ... إذا ما التقى الجمعان أول غالب٢\rوهذا المعنى قد توارد عليه الشعراء قديما وحديثا، وأوردوه بضروب العبارات.","footnotes":"١ \"الديوان ٢٧، ٢٩\" كان بالأصل\rجدوا بأن المفرقات من الغراب\rوفي الديوان \"الفزردق قد علمتم\" المقرفات: المقرف والمقرفة من الفرس وغيره ما يداني الهجنة أي: أمه عربية لا أبوه. أبان: استبان. العراب: الخالصة العروبة. العلاة: السندان. الرباط: الخيل. أو الخمس منها أو المكان المعد للمرابطة.\r٢ \"الديوان ٤٣\" من مدحة لعمرو بن الحارث الأصغر بن الحارث الأعرج بن الحارث الأكبر بن أبي شمر الغساني حين هرب إلى الشام ونزل عنده. جوانح: مائلات للوقوع والانقضاض.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359079,"book_id":3862,"shamela_page_id":953,"part":"3","page_num":282,"sequence_num":953,"body":"فقال أبو نواس:\rتتمنى الطير غزوته ... ثقة باللحم من جزره١\rوقال مسلم بن الوليد:\rقد عود الطير عادات وثقن بها ... فهن يتبعنه في كل مرتحل٢\rوقال أبو تمام:\rوقد ظللت أعناق أعلامه ضحى ... بعقبان طير في الدماء نواهل\rأقامت مع الرايات حتى كأنها ... من الجيش إلا أنها لم تقاتل٣\rوقد ذكر هذا المعنى غير هؤلاء، إلا أنهم جاءوا بشيء واحد لا تفاضل بينهم فيه، إلا من جهة حسن السبك، أو من جهة الإيجاز في اللفظ، ولم أر أحدا أغرب في هذا المعنى فسلك هذه الطريق مع اختلاف مقصده إليها إلا مسلم بن الوليد، فقال:\rأشربت أرواح العدا وقلوبها ... خوفًا فأنفسها إليك تطير","footnotes":"١من قصيدته في مدح العباس بن عبيد الله \"الديوان ٤٣١\" وزهر الآداب ٤/ ١٣٤ ورواية الديوان\rتتأيى الطير غدوته\rومعنى تتأيى تقصد. الجزر: جمع جزور وهو البعير أو الناقة المجزورة، والمراد قتلى الحرب.\r٢ من قصيدته في مدح يزيد بن مزيد الشيباني \"الديوان ١٢\".\r٣ من قصيدته في مدح المعتصم والأفشين \"الديوان ٨٢\" وفي الديوان \"عقبان أعلامه\" شبه الأعلام بالعقبان، وجعل عقبان الطير آلفة لها لما اعتادت من أكل لحوم الأعداء. وفي أخبار أبي تمام للصولي حديث عن هذا المعنى قال فيه الذي سبق إليه مسلم وأبو نواس، وسبقهم جميعا إليه النابغة، ثم قال إن معنى النابغة من قول الأفوه الأودي الشاعر الجاهلي:\rفترى الطير على آثارنا ... رأى عين ثقة أن ستمار\rأخبار أبي تمام ١٦٤، ومثل هذا بالصناعتين ٢٢٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359080,"book_id":3862,"shamela_page_id":954,"part":"3","page_num":283,"sequence_num":954,"body":"لو حاكمتك فطالبتك بذحلها ... شهدت عليك ثعالب ونسور١\rفهذا من المليح البديع الذي فضل به مسلم غيره في هذا المعنى، وكذلك فعل أبو الطيب المتنبي، فإنه لما انتهى الأمر إليه سلك هذه الطريق التي سلكها من تقدمه، إلا أنه خرج فيها إلى غير المقصد الذي قصدوه، فأغرب وأبدع وحاز الإحسان بجملته، وصار كأنه مبتدع لهذا المعنى دون غيره.\rفمما جاء منه قوله:\rتفدى أتم الطير عمرًا سلاحه ... نسور الملا أحداثها والقشاعم\rوما ضرها خلق بغير مخالب ... وقد خلقت أسيافه والقوائم٢\rثم أورد هذا المعنى في موضع آخر من شعره، فقال:\rسحاب من العقبان ترجف تحتها ... سحاب إذا استسقت سقتها صوارمه٣\rوهذا معنى قد حوى طرفي الإغراب والإعجاب.","footnotes":"١ من قصيدته في مدح منصور بن يزيد \"الديوان ٢٢٠\" بالديوان \"ملاحم ونسور\" ذحلها: ثأرها.\r٢ من مدحة لسيف الدولة بقصيدته التي مطلعها:\rعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكرام المكارم\r\"الديوان ٤/ ١٢٢\" أحداثها والقشاعم: صغارها وكبارها. القوائم: مقابض السيوف.\r٣ من قصيدته في مدح سيف الدولة \"الديوان ٤/ ٥٥\" ورواية الديوان \"يزحف تحتها\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359081,"book_id":3862,"shamela_page_id":955,"part":"3","page_num":284,"sequence_num":955,"body":"وقال في موضع آخر:\rوذي لجب لا ذو الجناح أمامه ... بناج ولا الوحش المثار بسالم\rتمر عليه الشمس وهي ضعيفة ... تطالعه من بين ريش القشاعم\rإذا ضوؤها لاقى من الطير فرجة ... تدور فوق البيض مثل الدراهم١\rوهذا من إعجاز أبي الطيب المشهور، ولو لم يكن له من الإحسان في شعره إلا هذه الأبيات لاستحق بها فضيلة التقدم.\rومما ينتظم بهذا النوع ما توارد عليه أبو عبادة البحتري وأبو الطيب المتنبي في وصف الأسد، وقصيدتاهما مشهورتان، فأول إحداهما:\rأجدك ما ينفك يسري لزينبا\rوأول الأخرى:\rفي الخد إن عزم الخليط رحيلا\rأما البحتري فإنه ألم بطرف مما ذكر بشر بن عوانة في أبياته الرائية التي أولها:\rأفاطم لو شهدت ببطن خبت ... وقد لاقى الهزبر أخاك بشرا٢\rوهذه الأبيات من النمط العالي الذي لم يأت أحد بمثله، وكل الشعراء لم تسم قرائحهم إلى استخراج معنى ليس بمذكور فيها، ولولا خوف الإطالة لأوردتها بجملتها، لكن الغرض إنما هو المفاضلة بين البحتري وأبي الطيب","footnotes":"١ من قصيدته في مدح الأمير أبي محمد الحسن بن عبيد الله بن طفج \"الديوان ٤/ ٣٠٤\" ذو لجب: ذو جبلة، يصف الجيش. القشاعم: النسور. البيض: جمع بيضة وهي الخوذة.\r٢ من مقامات بديع الزمان الهمذاني: وأغلب الظن أن بشرا هذا شخص اخترعه البديع وأجرى على لسانه الأبيات.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359082,"book_id":3862,"shamela_page_id":956,"part":"3","page_num":285,"sequence_num":956,"body":"فيما أورداه من المعاني في هذا القصد المشار إليه.\rفمما جاء للبحتري من قصيدته:\rوما تنقم الحساد إلا أصالة ... لديك وعزما أريحيا مهذبا\rوقد جربوا بالأمس منك عزيمة ... فضلت بها السيف الحسام المجربا\rغداة لقيت الليث والليث مخدر ... يحدد نابا للقاء ومخلبا\rإذا شاء غادى عانة أو غدا على ... عقائل سرب أو تقنص ربربا\rشهدت لقد أنصفته حين تنبري ... له مصلتا عضبا من البيض مقضبا\rفلم أر ضرغامين أصدق منكما ... عراكا إذا الهيابة النكس كذبا\rهزبرا مشى يبغي هزبرا وأغلبا ... من القوم يغشى باسل الوجه أغلبا\rأدل بشغب ثم هالته صوله ... رآك لها أمضى جنانا وأشغبا\rفأحجم لما لم يجد فيك مطمعا ... وأقدم لما لم يجد عنك مهربا\rفلم يغنه أن كر نحوك مقبلا ... ولم ينجه أن حاد عنك منكبا\rحملت عليه السيف لا عزمك انثنى ... ولا يدك ارتدت ولا حده نبا١\rومما جاء لأبي الطيب المتنبي في قصيدته:\rأمعفر الليث الهزبر بسوطه ... لمن ادخرت الصارم المصقولا\rورد إذا ورد البحيرة شاربا ... ورد الفرات زئيره والنيلا","footnotes":"١ من قصيدته في مدح عبد الله بن دينار ووصف مبارزته للأسد \"الديوان ٥٥\" بالديوان \"وما تنقم الحساد\" و\"يوم تنبري\". أريحي: الأريحي الواسع الخلق. مخدر: ملازم للأجمة. غادي عانة: باكر قطيعا من حمر الوحش. عقائل سرب: ظباء نفيسة. تقنص ربربا: افترس قطيعا من بقر الوحش. مقضب: قاطع. ضرغامين: أسدين. النكس: الجبان. هزبر: أسد. أغلب: ضخم العنق والأسد بوصف بذلك. أدل بشغب: انبسط بالهياج. أمضى جنانا: أقوى قلبا.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359083,"book_id":3862,"shamela_page_id":957,"part":"3","page_num":286,"sequence_num":957,"body":"متخضب بدم الفوارس لابس ... في غيله من لبدتيه غيلا\rما قوبلت عيناه إلا ظنتا ... تحت الدجى نار الفريق حلولا\rفي وحدة الرهبان إلا أنه ... لا يعرف التحريم والتحليلا\rيطأ الثرى مترفقا من تيهه ... فكأنه آس يجس عليلا\rويرد غفرته إلى يافوخه ... حتى تصير لرأسه إكليلا\rقصرت مخافته الخطا فكأنما ... ركب الكمي جواده مشكولا\rألقى فريسته وزمجر دونها ... وقربت قربا خاله تطفيلا\rفتشابه القربان في إقدامه ... وتخالفا في بذلك المأكولا\rأسد يرى عضويه فيك كليهما ... متنا أزل وساعدا مفتولا\rما زال يجمع نفسه في زوره ... حتى حسبت العرض منه الطولا\rوكأنما غرته عين فادنى ... لا يبصر الخطب الجليل جليلا\rأنف الكريم من الدنية تارك ... من عينه العدد الكثير قليلا\rوالعار مضاض وليس بخائف ... من حتفه من خاف مما قيلا\rخذلته قوته وقد كافحته ... فاستنصر التسليم والتجديلا\rسمع ابن عمته به وبحاله ... فمضى يهرول أمس منك مهولا\rوأمر مما فر منه فراره ... وكقتله ألا يموت قتيلا\rتلف الذي اتخذ الجراءة خلة ... وعظ الذي اتخذ الفرار خليلا١","footnotes":"١ من قصيدته في مدح بدر بن عمار لما خرج إلى أسد فهرب الأسد منه، وكان قد خرج قبله إلى أسد آخر فهاجه عن بقرة افترسها بعد أن شبع وثقل، فوثب إلى كفل قوسه، فأعجله عن سل سيفه، فضربه بالسوط فمرغه في التراب، فأحاط به الجيش فقتله \"الديوان ٣/ ٤٣٤\" بالديوان \"وبربر دونها\" و\"فتشابه الخلقان\".=","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359084,"book_id":3862,"shamela_page_id":958,"part":"3","page_num":287,"sequence_num":958,"body":"وسأحكم بين هاتين القصيدتين، والذي يشهد به الحق وتتقيه العصبية أذكره، وهو أن معاني أبي الطيب أكثر عددا، وأسد مقصدا، ألا ترى أن البحتري قد قصر مجموع قصيدته على وصف شجاعة الممدوح في تشبيهه بالأسد مرة، وتفضيله عليه أخرى، ولم يأت بشيء سوى ذلك، وأما أبو الطيب فإنه أتى بذلك في بيت واحد، وهو قوله:\rأمعفر الليث الهزبر بسوطه ... لمن ادخرت الصارم المصقولا؟\rثم إنه تفنن في ذكر الأسد، فوصف صورته وهيئته، ووصف أحواله في انفراده في جنسه وفي هيئه مشيه واختياله، ووصف خلق نجله مع شجاعته، وشبه الممدوح به في الشجاعة، وفضله عليه بالسخاء، ثم إنه عطف بعد ذلك على ذكر الأنفة والحمية التي بعثت الأسد على قتل نفسه بلقاء الممدوح، وأخرج ذلك في أحسن مخرج، وأبرزه في أشرف معنى.\rوإذا تأمل العارف بهذه الصناعة أبيات الرجلين عرف ببديهة النظر ما أشرت إليه.\rوالبحتري وإن كان أفضل من المتنبي في صوغ الألفاظ وطلاوة السبك, فالمتنبي أفضل منه في الغوص على المعاني.","footnotes":"= معفر: ممرغ في التراب. الهزبر: الأسد الشديد. الصارم: السيف القاطع. ورد: لونه محمر. البحيرة: بحيرة طبرية. الفرات والنيل: نهران بالعراق، والنيل أيضا نهر بمصر لكن المبالغة على هذا تكون قد جاوزت الغلو. الغيل: الأجمة. اللبدة: الشعر المجتمع على كتف الأسد. الفريق الحلول: الجماعة النازلة بمكان. الغفرة: الشعر المجتمع على قفاه. اليافوخ: الرأس. الإكليل: التاج. الكمي: البطل المتستر في سلاحه. مشكول: مقيد. زمجر: صاح، وكذلك بربر. تطفيل: تطفل أي: دخول على الآكل من غير دعوة. تشابه القربان أو الخلقان أي: تشابهما في الجرأة والإقدام، وتخالفتما في أن الأسد بخيل بطعامه وأنت جواد. متن: جانب الصلب. أزل: قليل لحم العجز والفخذيين مقتول: مندمج شديد.\rزوره: وسط صدره. أدنى: قرب. مضاض: مؤلم. التجديل: الانطراح على الأرض. ابن عمته: الأسد الذي هرب من بدر بعد ذلك.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359085,"book_id":3862,"shamela_page_id":959,"part":"3","page_num":288,"sequence_num":959,"body":"ومما يدلك على ذلك أنه لم يعرض لما ذكره في أبياته الرائية, لعلمه أن بشرا قد ملك رقاب تلك المعاني واستحوذ عليها، ولم يترك لغيره شيئا يقوله فيها، ولفطانة أبي الطيب لم يقع فيما وقع فيه البحتري من الانسحاب على ذبل بشر؛ لأنه قصر عنه تقصيرا كثيرا، ولما كان الأمر كذلك عدل أبو الطيب عن سلوك الطريق وسلك غيرها، فجاء فيما أورد مبرزا.\rواعلم أن من أبين البيان في المفاضلة بين أرباب النظم والنثر أن يتوارد اثنان منهما على مقصد من المقاصد يشتمل على عدة معان، كتوارد البحتري والمتنبي ههنا على وصف الأسد، وهذا أبين في المفاضلة من التوارد على معنى واحد يصوغه هذا في بيت من الشعر وفي بيتين، ويصوغه الآخر في مثل ذلك، فإن بعد المدى يظهر ما في السوابق من الجواهر١، وعنده يتبين ربح الرابح وخسر الخاسر.\rفإذا شئت أن تعلم فضل ما بين هذين الرجلين فانظر إلى قصيدتيهما في مراثي النساء التي مفتتح إحداهما:\rيا أخت خير أخ يا بنت خير أب ... كناية بهما عن أكرم العرب٢\rوهي لأبي الطيب, ومفتتح الأخرى:\rغروب دمع من الأجفان ينهمل ... وحرقة بغليل الحزن تشتعل٣\rوهي للبحتري، فإن أبا الطيب انفرد بابتداع ما أتى به في معاني قصيدته، والبحتري أتى بما أكثره غث بارد، والمتوسط منه لا فرق فيه بين رثاء امرأة ورجل.\rومن الواجب أنه إذا سلك الناظم أو الناثر مسلكا في غرض من الأغراض","footnotes":"١ السوابق: الخيل الجياد السباقة. يريد أن بعد الغاية يظهر ما في الخيل المتسابقة من كرم ونفاسة.\r٢ مطلع قصيدته في رثاء أخت سيف الدولة \"الديوان ١/ ٩٩\".\r٣ ليست بديوانه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359086,"book_id":3862,"shamela_page_id":960,"part":"3","page_num":289,"sequence_num":960,"body":"ألا يخرج عنه، كالذي سلكه هذان الرجلان في الرثاء بامرأة، فإن من حذاقة الصنعة أن يذكر ما يليق بالمرأة دون الرجل.\rوهذا الموضع لم يأت فيه أحد بما يثبت على المحك إلا أبو الطيب وحده، وأما غيره من مفلقي الشعراء قديما وحديثا فإنهم قصروا عنه.\rوله في هذا المعنة قصيدة أخرى مفتتحها:\rنعد المشرفية والعوالي ... وتقتلنا المنون بلا قتال١\rوكفى بها شاهدا على ما ذكرته من انفراده بالإبداع فيما أتى به.\rوالفتيا عندي بينه وبين البحتري أن أبا الطيب أنفذ في المضيق، وأعرف باستخراج المعنى الدقيق، وأما البحتري فإنه أعرف بصوغ الألفاظ، وحوك ديباجتها.\rوقد قدمت أن الحكم بين الشاعرين في اتفاقهما في المعنى أبين من الحكم بينهما فيما اختلفا فيه؛ لأنهما مع الاتفاق في المعنى يتبين قولاهما، ويظهران ظهورا يعلم ببديهة النظر، ويتسارع إليه فهم من ليس بثاقب الفهم، وأما اختلافهما في المعنى فإنه يحتاج في الحكم بينهما فيه إلى كلام طويل يعز فهمه، ولا يتفطن له إلا بعض الناس دون بعض، بل لا يتفطن له إلا الفذ الواحد من الناس.\rولي في هذا مقالة مفردة ضمنتها الحكم بين المعنيين المختلفين، وتكلمت عليه كلاما طويلا عريضا، وأقمت الدليل على ما نصصت عليه، وما منعني من إيرادها في كتابي هذا إلا أنها سنحت لي بعد تصنيفه وشيوعه في أيدي الناس، وتناقل النسخ به.\rوعلى هذا الأسلوب توارد البحتري والشريف الرضي على ذكر الذئب في قصيدة للبحتري دالية أولها.","footnotes":"١ في رثاء والدة سيف الدولة \"الديوان ٣/ ١٧٠\".\rالمشرفية: السيوف. العوالي: الرماح.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359087,"book_id":3862,"shamela_page_id":961,"part":"3","page_num":290,"sequence_num":961,"body":"سلام عليكم لا وفاء ولا عهد١\rومقطوعة للشريف الرضي أولها:\rوعاري الشوى والمنكبين من الطوى ... أتيح له بالليل عاري الأشاجع٢\rوقد أجاد البحتري في وصف حاله مع الذئب، والشريف أجاد في وصف الذئب نفسه.","footnotes":"١ من قصيدته في وصف الذئب حين لقبه \"الديوان ١/ ١٨٥\".\r٢ من قصيدته في وصف الذئب \"الديوان ٥٠٢\".\rالشوى: جمع شواة وهي جلدة الرأس أو اليدان أو الرجلان أو الأطراف. الطوى: الجوع. الأشاجع: أصول الأصابع التي تتصل بعصب ظاهر الكف، المفرد أشجع.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359088,"book_id":3862,"shamela_page_id":962,"part":"3","page_num":290,"sequence_num":962,"body":"المسخ:\rوأما المسخ فهو: قلب الصورة الحسنة إلى صورة قبيحة،\rوالقسمة تقتضي أن يقرن إليه ضده، وهو قلب الصورة القبيحة إلى صورة حسنة.\rفالأول كقول أبي تمام:\rفتى لا يرى أن الفريصة مقتل ... ولكن يرى أن العيوب مقاتل١","footnotes":"١ من قصيدته في مدح محمد بن عبد الملك الزيات.\rمطلعها:\rمتى أنت عن ذهلية الحي ذاهل ... وقلبك منها مدة الدهر آهل\r\"الديوان ٣/ ١٢٦\".\rالفريصة: عرق في العنق: واللحمة التي بين الجنب والكتف لا تزال ترعد.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359089,"book_id":3862,"shamela_page_id":963,"part":"3","page_num":291,"sequence_num":963,"body":"وقول أبي الطيب المتنبي:\rيرى أن ما بان منك لضارب ... بأقتل مما بان منك لعائب١\rفهو وإن لم يشوه المعنى فقد شوه الصورة، ومثاله في ذلك كمن أودع الوشي شملا، وأعطى الورد جعلا٢، وهذا من أرذل السرقات. وعلى نحو منه جاء قول عبد السلام بن رغبان:\rنحن نعزيك ومنك الهدى ... مستخرج والصبر مستقبل\rنقول بالعقل وأنت الذي ... نأوي إليه وبه نعقل\rإذا عفا عنك وأودى بنا الد ... هر فذاك المحسن المجمل٣\rأخذه أبو الطيب فقلب أعلاه أسفله، فقال:\rإن يكن صبر ذي الرزية فضلا ... تكن الأفضل الأعز الآجلا\rأنت يا فوق أن تعزى عن الأحـ ... ـباب فوق الذي يعزيك عقلا\rوبألفاظك اهتدى فإذا عزا ... ك قال الذي له قلت قبلا٤\rوالبيت الأخير من هذه الأبيات هو الآخر قدرا، وهو المخصوص بالمسخ.\rوأما قلب الصورة القبيحة إلى صورة حسنة فهذا لا يسمى سرقة، بل يسمى إصلاحا وتهذيبا.","footnotes":"١ من قصيدته في مدح أبي القاسم طاهر بن الحسين مطلعها:\rأعيدوا صباحي فهو عند الكواعب ... وردوا رقادي فهو لحظ الحبائب\r\"الديوان ١/ ١٨٣\".\rالمعنى أنك ترى أن الذي ظهر من الإنسان لضاربه بالسيف كالعنق ليس بأقتل مما ظهر للعائب، فالعيب أشد من القتل.\r٢ الشمل: الشمال على وزن كتاب شيء مثل المخلاة يغطي به ضرع الشاة إذا ثقلت أو خاص بالعنز، والجمع شمل. الجعل: دويبة تشبه الخنفساء.\r٣ الأغاني ١٢/ ١٤٢ من قصيدته في تعزية جعفر بن علي الهاشمي. وقبل البيت الأخير:\rنحن فدى لك من أمة ... والأرض والآخر والأول\r٤ من قصيدته في تعزية سيف الدولة في أخته الصغرى وتسليته عن أخته الكبرى مطلعها:=","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359090,"book_id":3862,"shamela_page_id":964,"part":"3","page_num":292,"sequence_num":964,"body":"فمن ذلك قول أبي الطيب المتنبي:\rلو كان ما تعطيهم من قبل أن ... تعطيهم لم يعرفوا التأميلا١\rوقول ابن نباتة السعدي:\rلم يبق جودك لي شيئا أؤمله ... تركتني أصحب الدنيا بلا أمل٢\rوعلى هذا النحو ورد قول أبي نواس في أرجوزة يصف فيها اللعب بالكرة والصولجان فقال من جملتها:\rجن على جن وإن كانوا بشر ... كأنما خيطوا عليها بالإبر٢\rثم جاء المتنبي فقال:\rفكأنها نتجت قياما تحتهم ... وكأنهم ولدوا على صهواتها٤\rوبين القولين كما بين السماء والأرض، فإنه يقال: ليس للأرض إلى السماء نسبة محسوسة، وكذلك يقال ههنا أيضا، فإن بقدر ما في قول أبي نواس من النزول والضعف، فكذلك في قول أبي الطيب من العلو والقوة.","footnotes":"إن يكن صبر ذي الرزية فضلا ... تكن الأفضل الأعز الأجلا\r\"الديوان ٣/ ٣٠١\" يريد أن المعزى لسيف الدولة يهتدى بألفاظه، ويخاطبه بما تعلمه من قوله، فقدره مرتفع عن التعزية.\r١ من مدحة لسيف الدولة \"الديوان ٤/ ٤٤٩\".\r٢ الديوان ٤١١ ويتيمة الدهر ٢/ ٣٨٨ من مدحة لسيف الدولة بن حمدان\r٣ ليست بالديوان. وهي أرجوزة مطلعها:\rقد أشهد اللهو بفتيان غرر ... من ولد العباس سادت البشر\r٤ من قصيدته في مدح أبي أيوب أحمد بن عمران \"الديوان ١/ ٢٥٥\" نتجت: ولدت. الصهوات: المراد مقاعد الفرسان على ظهور الخيل.\rالقصيدة مطلعها:\rسرب محاسنه حرمت ذواتها ... داني الصفات بعيد موصوفاتها","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359091,"book_id":3862,"shamela_page_id":965,"part":"3","page_num":293,"sequence_num":965,"body":"فهرس القسم الثالث من كتاب المثل السائر:\rفي أدب الكاتب والشاعر\rلضياء الدين بن الأثير\rالنوع السابع عشر في التكرار\rصفحة\r\"٣-٤٠\"\rحده. قسماه: تكرار في اللفظ والمعنى. تكرار في المعنى\r٣ دون اللفظ\r٤ وكل منها: تكرار مفيد، وتكرار غير مفيد\rالتكرير في اللفظ والمعنى\rينقسم إلى مفيد وغير مفيد:\r٥ ١- المفيد فرعان: ١- مقصود به غرضان مختلفان. أمثلة له\r٩ ٢- مقصود به غرض واحد. أمثلة له\r١٢ فائدة تكرير \"أن\" في قوله: ﴿فلما أن أراد أن يبطش﴾\r١٣ لوم النحاة في قولهم بزيادة الحروف\r١٥ من هذا القسم الثاني إضافة المعنى إلى نفسه مع اختلاف اللفظ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359092,"book_id":3862,"shamela_page_id":966,"part":"3","page_num":294,"sequence_num":966,"body":"صفحة\r١٦ أمثلة من القرآن الكريم والشعر، وبيان الفائدة من هذه الإضافة\r١٦ اعتداد المؤلف بأنه أول من نبه على هذا النوع\r١٦ قد يدخل في التكرير ما ليس بتكرير. اعتداد المؤلف بأنه أول من تنبه إلى ذلك\r١٧ أمثلة من القرآن الكريم والشعر، وبيان السبب في التكرير بها\r١٧ التكرير لطول الفصل بين اسم إن وخبرها\r١٨ التكرير إذا كان خبر إن عاملا في معمول يطول ذكره\r١٩ التكرير للاستمالة\r١٩ التكرير للتنبيه\r٢٠ التكرير لتعداد النعم\r٢٠ التكرير لتأكيد المدح\r٢١ دفاع عن بيت للمتنبي\r٢١ نقد آخر للبيت\r٢٣ ٢ التكرير غير المفيد\r٢٣ أمثلة له من الشعر\r٢٥ التكرير في المعنى دون اللفظ\rضرباه: مفيد وغير مفيد\r٢٥ ١- المفيد نوعان: الأول الدلالة على معنيين مختلفين\r٢٦ أمثلة له من النثر والقرآن والشعر\r٢٩ النوع الثاني: الدلالة على معنى واحد\r٢٩ أمثلة له من القرآن والشعر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359093,"book_id":3862,"shamela_page_id":967,"part":"3","page_num":295,"sequence_num":967,"body":"٣٠ تفصيل القول في الآية الكريمة ﴿فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم، تلك عشرة كاملة﴾\r٣٥ ٢ غير المفيد\r٣٥ أمثلة له من الشعر\r٣٥ رأي بعض البلاغيين في أنه لا عيب فيه إذا تغايرت الألفاظ\r٣٦ رأي ابن الأثير أنه معيب في صدور الأبيات الشعرية\r\"٤٠-٤٩\" النوع الثامن عشر في الاعتراض\r٤٠ حده\r٤٠ قسماه: قسم يأتي لفائدة، وقسم لغير فائدة\r٤٠ ١- القسم المفيد\r٤٢ أمثلة له من القرآن الكريم، وبيان فائدته\r٤٣ أمثلة له من الشعر وبيان فائدته\r٤٦ ٢ القسم غير المفيد: ضربان:\r٤٧ الضرب الأول لا يكسب الكلام قبحا ولا حسنا\r٤٧ أمثلة له\r٤٧ الضرب الثاني يفسد الكلام\r٤٧ أمثلة له","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359094,"book_id":3862,"shamela_page_id":968,"part":"3","page_num":296,"sequence_num":968,"body":"الصفحة\r\"٤٩-٧٥\" النوع التاسع عشر في الكناية والتعريض\r٤٩ خلط علماء البيان بين الكناية والتعريض\rتمييز ابن الأثير أحدهما من الآخر\r٥٠ تعريفه للكناية - اشتقاقها\r٥٦ تعريفه للتعريض\r٥٧ فروق بينهما\r٥٨ الكناية\r٥٨ تقسيمها إلى حسن وقبيح\r٥٨ تقسيمها إلى تمثيل وإرداف ومجاورة\r٥٩ نقد ابن الأثير للتقسيم الثاني\r٦٢ أمثلة من النثر والشعر للكناية\r٧٠ ما يقبح ذكره من الكناية\r٧٢ أمثلة للتعريض\r\"٧٦-٨٤\" النوع العشرون في المغالطات المعنوية\r٧٦ حقيقة هذا النوع\r٧٦ ١- المغالطة المثلية أو التورية بما له مثل في الألفاظ المشتركة\r٧٦ أمثلة لهذا النوع من الشعر ومن الحديث النبوي\r٧٩ كتاب لابن الأثير في وصف البرد والثلج","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359095,"book_id":3862,"shamela_page_id":969,"part":"3","page_num":297,"sequence_num":969,"body":"الصفحة\r٨٠ كتاب له في وصف كريم\r٨٠ كتاب إلى بعض إخوانه\r٨١ كتاب له في وصف شخص بمعالي الأمور\r٨١ كتاب إلى بعض إخوانه\r٨١ كتاب له في وصف الحمى\r٨٢ ٢- المغالطة النقيضية أو التورية بالنقيض\r٨٢ أمثلة لها\r٨٢ كتاب لابن الأثير في وصف فتح\r\"٨٤-٩٦\" النوع الحادي والعشرون في الأحاجي\r٨٤ معناها\r٨٤ أمثلة لها\r٨٥ الفرق بين الأحاجي والمغالطة والتعريض والكناية\r٨٦ أنواع الأحاجي: المصحف، المعكوس\r٨٦ فائدة الأحاجي والألغاز\r٨٦ أمثلة أخرى من الشعر\r٨٨ مسألة ملغزة من مقامات الحريري، وحل ابن الأثير إياها\r٩٠ الحسن من الأحاجي والألغاز\r٩٠ القبيح منها\r٩٠ أمثلة من النثر\r٩١ خلو القرآن الكريم من هذا النوع\r٩٣ أمثلة أخرى من الشعر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359096,"book_id":3862,"shamela_page_id":970,"part":"3","page_num":298,"sequence_num":970,"body":"الصفحة\r\"٩٦- ١٢٠\" النوع الثاني والعشرون في المبادئ والافتتاحات\r٩٦ حقيقة هذا النوع\r٩٦ فائدته\r٩٦ واجب الشاعر في الافتتاح\r٩٨ الابتداءات في أوائل السور القرآنية\r٩٨ أمثلة من قبيح الابتداء\r١٠٣ أمثلة للابتداءات الحسنة من شعر أبي تمام والمتنبي\r١٠٦ أمثلة من شعر غيرهما\r١٠٨ ملاءمة التحميدات في أوائل الكتب السلطانية لموضوعها\r١١٠ تحميد لابن الأثير في تولية الاسير\r١١٢ تهئنة بمولود\r١١٢ كتاب له إلى ديوان الخلافة\r١١٣ كتاب له إلى بعض الإخوان\r١١٤ كتاب آخر إلى بعض الإخوان\r١١٤ كتاب آخر إلى بعض إخوانه\r١١٥ كتاب إلى بعض إخوانه\r١١٥ كتاب إلى بعض إخوانه\r١١٦ كتاب عن الملك نور الدين إلى الملك الأفضل\r١١٧ كتاب إلى بعض إخوانه\r١١٧ كتاب إلى بعض إخوانه\r١١٧ كتاب له في التعزية","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359097,"book_id":3862,"shamela_page_id":971,"part":"3","page_num":299,"sequence_num":971,"body":"١١٨ من محاسن هذا الباب الافتتاح بآية أو بحديث أو بشعر\r١١٨ كتاب له في البشرى بفتح\r١١٨ كتاب له في التقليد بالحسبة\r١١٩ كتاب له في رجاء\r١٢٠ توقيع له\rالنوع الثالث والعشرون\r\"١٢١-١٤٢\" في التخلص والاقتضاب\r١٢١ التخلص والاقتضاب\r١٢١ التخلص\r١٢٢ أمثلة لبراعة المحدثين في التخلص\r١٢٦ اقتضاب البحتري\r١٢٨ الرد على الغانمي في قوله إن القرآن خال من التخلص\r١٢٨ أمثلة للتخلص من القرآن الكريم\r١٣٢ نماذج لتخلص ابن الأثير في رسائله\r١٣٥ أمثلة أخرى من التخلص الحسن في الشعر\r١٣٧ أمثلة للتخلص القبيح\r١٣٩ الاقتضاب\r١٣٩ أمثلة له: أما بعد، لفظة هذا\r١٤١ أمثلة له من جيد الشعر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359098,"book_id":3862,"shamela_page_id":972,"part":"3","page_num":300,"sequence_num":972,"body":"الصفحة\r\"١٤٣- ١٧٧\" النوع الرابع والعشرون في التناسب بين المعاني\rأقسام هذا النوع:\r١٤٣ المطابقة أو المقابلة\r١٤٣ حقيقة المطابقة والآراء فيها\r١٤٣ رأي ابن الأثير\r١٤٤ ١- المقابلة في اللفظ والمعنى\r١٤٤ أمثلة لها\r١٤٦ أمثلة من نثير ابن الأثير\r١٤٦ أمثلة أخرى من الشعر\r١٥١ ٢- المقابلة في المعنى دون اللفظ\r١٥١ ٣- مقابلة الشيء بما ليس بضده\r١٥٣ المواخاة بين المعاني\r١٥٦ المواخاة بين المباني\r١٥٩ ٢- مقابلة الشيء بمثله\r١٥٩ مقابلة المفرد بالمفرد\r١٦٢ مقابلة الجملة بالجملة\r١٦٦ ٣- صحة التقسيم وفساده\r١٦٦ أمثلة له\r١٧٣ ترتيب التفسير","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359099,"book_id":3862,"shamela_page_id":973,"part":"3","page_num":301,"sequence_num":973,"body":"الصفحة\r\"١٧٧-١٩٥\" النوع الخامس والعشرون في الاقتصاد والتفريط والإفراط\r١٧٧ حقيقة كل منها\r١٧٨ التفريط\r١٧٩ أمثلة من التفريط\r١٨٠ عيب ذكر اسم الأم في المدح\r١٨٣ عليب التعليق على شرط لا يليق\r١٨٥ أغلاط في المدح\r١٨٦ دفاع عن بيت لحسان بن ثابت\r١٨٧ خطاب الممدوح بكاف الخطاب جائز\r١٨٨ أمثلة من القرآن الكريم، والشعر الجيد\r١٨٩ تجنب الخطاب بالأمر والنهي في المدح\r١٩٠ ألفاظ تليق بالمدح وأخرى تليق بالذم\r١٩١ الإفراط\r١٩١ جواز استعماله\r١٩١ أمثلة له\r١٩٤ الاقتصاد\r١٩٤ توسطه بين التفريط والإفراط\r١٩٤ أمثلة له من القرآن الكريم والشعر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359100,"book_id":3862,"shamela_page_id":974,"part":"3","page_num":302,"sequence_num":974,"body":"الصفحة\r\"١٩٥-١٩٩\" النوع السادس والعشرون\rفي الاشتقاق\r١٩٥ الفرق بينه وبين التجنيس\r١٩٦ نوعان: صغير وكبير\r١٩٦ أمثلة للصغير\r١٩٨ الاشتقاق الكبير\r\"٢٠٠-٢٠٥\" النوع السابع والعشرون في التضمين\r٢٠٠ التضمين الحسن\r٢٠٠ نوعاه: كلي وجزئي\r٢٠٠ التضمين الكلي\r٢٠٠ جواز التضمين الكلي من القرآن الكريم\r٢٠١ التضمين المعيب عند بعض البلاغيين\r٢٠١ جوازه في رأي ابن الأثير\r٢٠١ أمثلة له\r٢٠٣ تضمين الغرض منه تأكيد المعنى\r٢٠٣ أمثله له\r\"٢٠٦-٢١٦\" النوع الثامن والعشرون في الإرصاد\r٢٠٦ حقيقته","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359101,"book_id":3862,"shamela_page_id":975,"part":"3","page_num":303,"sequence_num":975,"body":"الصفحة\r٢٠٦ أمثلة له\r٢٠٧ تسمية أبي هلال له بالترشيح\r٢٠٨ خلط علماء البيان في المصطلحات\r٢١٠ بعض ألاعيب الحريري ليست من علم البيان\r٢١٢ الرد على ابن سنان في حظر استعمال مصطلحات النحويين والمتكلمين والمهندسين ومعانيهم\r٢١٤ أمثلة من جيد الشعر في الرد عليه\r\"٢١٦-٢١٧\" النوع التاسع والعشرون في التوشيح\r٢١٦ حقيقته\r٢١٦ أمثلة له\r\"٢١٨-٢٩٢\" النوع الثلاثون في السرقات الشعرية\r٢١٨ فائدة دراسة هذا النوع\r٢١٨ وسيلته\r٢١٩ لا معنى لنفاذ المعاني لأن الابتداع ممكن\r٢١٩ المعاني الشائعة لا ابتداع فيها\r٢٢٠ لا سرقة في المعاني الشائعة\r٢٢٠ أمثلة لمعان مبتدعة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359102,"book_id":3862,"shamela_page_id":976,"part":"3","page_num":304,"sequence_num":976,"body":"الصفحة\r٢٢٢ أقسام السرقات الشعرية:\rالنسخ، والسلخ، والمسخ، وأخذ المعنى مع الزيادة عليه، وعكس المعنى إلى ضده\r٢٢٣ وسيلة الوقوف على السرقات حفظ الأشعار\r٢٢٣ أمثلة مما حدث للمؤلف\r٢٢٥ اعتماده في هذه الدراسة على شعر أبي تمام والبحتري والمتنبي ٢٢٥\r٢٢٧ رأيه في كل منهم\r٢٣٠ النسخ\r٢٣٠ حقيقته\r٢٣٠ نوعاه\r٢٣٠ ١- وقوع الحافر على الحافر\r٢٣٠ بين طرفه وامرئ القيس\r٢٣٠ بين جرير والفرزدق\r٢٣٢ بين أبي نواس والحسين بن الضحاك\r٢٣٣ ٢- أخذ المعنى وأكثر اللفظ\r٢٣٣ بين أبي تمام وبعض المتقدمين\r٢٣٤ السلخ\rأقسامه\r٢٣٤ ١- أخذ المعنى واستخراج ما يشبهه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359103,"book_id":3862,"shamela_page_id":977,"part":"3","page_num":305,"sequence_num":977,"body":"الصفحة\r٢٣٤ بين المتنبي والطرماح\r٢٣٥ بين البحتري وأبي تمام\r٢٣٥ مثال آخر من شعرهما\r٢٣٦ ٢- أخذ المعنى مجردا من اللفظ\r٢٣٦ بين أبي تمام وعروة بن الورد\r٢٣٧ بين شاعر وعبد الله بن المقفع\r٢٣٨ بين المتنبي وجرير\r٢٣٨ ٣- أخذ المعنى ويسير من اللفظ\r٢٣٨ بين البحتري وأبي نواس\r٢٣٨ بين البحتري وعلي بن جبلة\r٢٣٩ مثال آخر من شعرهما\r٢٣٩ بين أبي تمام وعبد السلام بن رغبان\r٢٤٠ بين أبي تمام وحسان بن ثابت\r٢٤٠ بين ابن الرومي وأبي تمام\r٢٤١ مثال آخر من شعرهما\r٢٤١ بين ابن الرومي ومنصور النمري\r٢٤١ بين المتنبي والفرزدق\r٢٤٢ بين المتنبي وبشار\r٢٤٢ بين المتنبي وابن الرومي\r٢٤٣ متى يليق هذا الضرب من الأخذ\r٢٤٣ متى يزداد قبحه\r٢٤٣ أمثلة لأخذ القبيح\r٢٤٣ بين المتنبي وأبي تمام","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359104,"book_id":3862,"shamela_page_id":978,"part":"3","page_num":306,"sequence_num":978,"body":"الصفحة\r٢٤٤ ٤- أخذ المعنى ثم قلبه وعكسه\r٢٤٤ بين مسلم بن الوليد وأبي نواس\r٢٤٥ بين شاعر وعلي بن جعفر\r٢٤٥ بين المتنبي وأبي الشيص\r٢٤٥ بين ابن الأثير وأبي تمام\r٢٤٦ ٥- أخذ بعض المعنى\r٢٤٦ بين أبي تمام وعبد الله بن جدعان\r٢٤٧ بين المتنبي وعلي بن جبلة\r٢٤٧ بين البحتري وأبي تمام\r٢٤٨ بين البحتري وشاعر متقدم\r٢٤٨ بين المتنبي وابن الرومي\r٢٤٩ ٦- أخذ المعنى ثم الزيادة عليه\r٢٤٩ بين مسلم بن الوليد والأخنس بن شهاب\r٢٤٩ بين أبي تمام وجرير\r٢٥٠ بين أبي تمام وولد مسلمة بن عبد الملك\r٢٥٠ بين أبي تمام وابن المعذل\r٢٥١ بين البحتري وأبي نواس\r٢٥١ بين البحتري ومسلم بن الوليد\r٢٥٢ بين أبي نواس وجرير\r٢٥٣ بين أبي نواس والفرزدق\r٢٥٣ بين المتنبي وأبي نواس\r٢٥٤ بين ابن الأثير والمتنبي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359105,"book_id":3862,"shamela_page_id":979,"part":"3","page_num":307,"sequence_num":979,"body":"الصفحة\r٢٥٤ ٧- أخذ المعنى والتعبير عنه بعبارة أحسن من الأولى\r٢٥٤ بين البحتري وأبي تمام\r٢٥٥ مثال آخر لهما\r٢٥٥ بين المتنبي وأبي نواس\r٢٥٦ بين ابن نباتة السعدي والمتنبي\r٢٥٦ بين القيسراني وأبي العلاء\r٢٥٦ بين أبي هلال العسكري وابن الرومي\r٢٥٧ بين أبي تمام وشاعر سابق\r٢٥٧ بين البحتري وأبي تمام\r٢٥٧ ٨- أخذ المعنى وسبكه سبكا موجزا\r٢٥٨ بين سلم الخاسر وبشار\r٢٥٨ بين ابن الرومي وأبي تمام\r٢٥٩ بين ابن الرومي وأبي نواس\r٢٥٩ بين ابن قسيم الحموي وابن الرومي\r٢٦٠ بين أبي تمام وأبي العتاهية\r٢٦٠ بين المتنبي وأبي تمام\r٢٦١ مثال آخر لهما\r٢٦١ بين المتنبي وشاعر سابق\r٢٦٢ ٩- تخصيص العام وتعميم الخاص\r٢٦٢ بين أبي تمام والأخطل\r٢٦٣ بين المتنبي وأبي تمام","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359106,"book_id":3862,"shamela_page_id":980,"part":"3","page_num":308,"sequence_num":980,"body":"الصفحة\r٢٦٣ ١٠- أخذ المعنى وزيادته بيانا بمثال يوضحه\r٢٦٣ بين المتنبي وأبي تمام\r٢٦٤ مثال آخر من شعرهما\r٢٦٥ بين البحتري وأبي تمام\r٢٦٥ ١١- اتحاد الطريق واختلاف المقصد\r٢٦٥ المراد بهذا الضرب\r٢٦٥ موازنة بين قصيدتين في الرثاء لأبي تمام والمتنبي\r٢٦٧ المعاني التي اتفقا فيها\r٢٦٨ المعاني التي اختلفا فيها\r٢٧٠ استطراد إلى الرد على من منعوا المفاضلة بين المعاني المختلفة\r٢٧٠ الرد على الذين فضلوا بعض الشعراء بأحكام خطابية عامة\r٢٧٢ الرد على بشار في تفضيل نفسه\r٢٧٣ مثال من التعصب للقدماء\r٢٧٤ رأي ابن الأثير في المفاضلة بين الشعراء\r٢٧٤ الفرزدق وجرير والأخطل أشعر العرب\r٢٧٤ أبو تمام والبحتري والمتنبي أشعر منهم\r٢٧٥ الرد على دعوى أن جريرا اقتصر في هجاء الفرزدق على أربعة معان\r٢٧٦ أمثلة شتى من هجائه بمعان أخرى\r٢٨٠ قدرة جرير على التصرف في المعنى الواحد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359107,"book_id":3862,"shamela_page_id":981,"part":"3","page_num":309,"sequence_num":981,"body":"الصفحة\rعودة إلى النوع الحادي عشر من السلخ\r٢٨١ أمثلة من اتحاد الطريق واختلاف المقصد\r٢٨١ بين النابغة وأبي نواس ومسلم وأبي تمام والمتنبي\r٢٨٤ بين المتنبي والبحتري\r٢٨٤ موازنة بين قصيدتيهما في وصف الأسد\r٢٨٨ بين المتنبي والبحتري في الرثاء\r٢٨٩ بين الشريف الرضي والبحتري\r٢٩٠ المسخ\r٢٩٠ تعريفه\r٢٩٠ بين المتنبي وأبي تمام\r٢٩١ بين المتنبي وابن رغبان\rقلب الصورة القبيحة إلى حسنة لا يسمى سرقة\r٢٩٢ بين ابن نباتة السعدي والمتنبي\r٢٩٢ بين المتنبي وأبي نواس","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359108,"book_id":3862,"shamela_page_id":982,"part":"4","page_num":3,"sequence_num":982,"body":"المجلد الرابع\rتكملة باب السرقات\r...\rتكملة باب السرقات:\rوربما ظن بعض الجهال أن قول الشماخ:\rإذا بلغتني وحملت رحلي ... عرابة فاشرقي بدم الوتين١\rوقول أبي نواس:\rوإذا المطي بنا بلغن محمدا ... فظهورهن على الرجال حرام٢\rمن هذا القبيل الذي هو قلب الصورة القبيحة إلى صورة حسنة، وليس كذلك فإن قلب الصورة القبيحة إلى صورة حسنة هو أن يؤخذ المعنى الواحد فيكسى عبارتين إحداهما قبيحة والأخرى حسنة، فالحسن والقبح إنما يرجع إلى التعبير، لا إلى المعنى نفسه، وقول أبي نواس هو عكس قول الشماخ، وقد تقدم مثل ذلك فيما مضى من ضروب السرقات.","footnotes":"١ الديوان ٩٢ والأغاني ٨/ ١٠٢ عرابة بن أوس كان سيدا من سادات قومه وجوادا من أجوادهم. في كتاب الصناعتين ٢١٠ أن أبا نواس قال: والله ما أحسن الشماخ حيث قال \"البيت\" هلا قال كما قال الفرزدق:\rعلام تلفتين وأنت تحتي ... وخير الناس كلهم أمامي\rمتى تردى الرصافة تستريحي ... من التهجير والدبر الدامي\rوكان قول الشماخ عيبا عندي، فلما سمعت قول الفرزدق تبعته، فقلت:\rوإذا المطي بنا بلغن محمدا ... فظهورهن على الرجال حرام\rقربننا من خير من وطئ الحصا ... فلها علينا حرمة وذمام\rوقلت: \"وذكر ثلاثة أبيات أخر\".\rثم ذكر أبو هلال بعد أن فرغ من كلام أبي نواس أن الشماخ تبع ذا الرمة في قوله:\rإذ ابن أبي موسى بلالا بلغته ... فقام بفأس بين وصليك جازر\rوالشماخ بن ضرار شاعر مخضرم، شهد له الحطيئة بأنه أشعر غطفان\r٢ من قصيدته في مدح الأمين \"الديوان ٤٠٨\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359109,"book_id":3862,"shamela_page_id":983,"part":"4","page_num":4,"sequence_num":983,"body":"ألا ترى إلى قول أبي الطيب المتنبي وقول الشريف الرضي، فقال أبو الطيب:\rإني على شغفي بما في خمرها ... لأعف عما في سرا ويلاتها١\rوقول الشريف الرضي:\rأحن إلي ما تضمن الخمر والحلى ... وأصدف عما في ضمان المآزر٢\rفالمعنى واحد، والعبارة مختلفة في الحسن والقبح.\rوهذه السرقات وهي ستة عشر نوعا لا يكاد يخرج عنها شيء، وإذا أنصف الناظر في الذي أتيت به ههنا علم أني قد ذكرت ما لم يذكره غيري، وأنا أسأل الله التوفيق لأن أكون لفضله شكورا، وألا أكون مختالا فخورا.\rوإذ فرغت من تصنيف هذا الكتاب وحررت القول في تفصيل أقسام الفصاحة والبلاغة والكشف عن دقائقهما وحقائقهما، فينبغي أن أختمه بذكر فضليهما فأقول:\rاعلم أن هذا الفن هو أشرف الفضائل وأعلاها درجة، ولولا ذلك لما فخر به رسول الله ﷺ في عدة مواقف، فقال تارة: \"أنا أفصح من نطق بالضاد\" وقال تارة: \"أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي كان كل نبي يبعث في قومه بعثت إلى كل أحمر وأسود، وأحلت لي الغنائم،","footnotes":"١ من قصيدته في مدح أبي أيوب أحمد بن عمران التي مطلعها:\rسرب محاسنه حرمت ذواتها ... داني الصفات بعيد موصوفاتها\r\"الديوان ١/ ٢٥٧\".\r٢ الديوان ٣٤٣ وفي الديوان \"يحن، ويصدف\".","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359110,"book_id":3862,"shamela_page_id":984,"part":"4","page_num":5,"sequence_num":984,"body":"وجعلت لي الأرض طيبة وطهورا، ونصرت بالرعب بين يدي مسيرة شهر، وأوتيت جوامع الكلم\".\rوما سُمِع بأن رسول الله \"افتخر بشيء من العلوم سوى علم الفصاحة والبلاغة، فلم يقل إنه أفقه الناس، ولا أعلم الناس بالحساب، ولا بالطب ولا بغير ذلك، كما قال: أنا أفصح من نطق بالضاد.\rوأيضا فلو لم تكن هذه الفضيلة من أعلى الفضائل درجة لما اتصل الإعجاز بها دون غيرها، فإن كتاب الله تعالى نزل عليها، ولم ينزل بمعجز من مسائل الفقه، ولا من مسائل الحساب، ولا من مسائل الطب، ولا غير ذلك من العلوم, ولما كانت هذه الفضيلة بهذه المكانة صارت في الدرجة العالية.\rوالمنثور منها أشرف من المنظوم، لأسباب من جملتها أن الإعجاز لم يتصل بالمنظوم، وإنما اتصل بالمنثور.\rالآخر أن أسباب النظم أكثر، ولهذا نجد المجيدين منهم أكثر من المجيدين من الكتاب، بل لا نسبة لهؤلاء إلى هؤلاء، ولو شئت أن تُحصي أرباب الكتابة من أول الدولة الإسلامية إلى الآن لما وجدت منهم ممن يستحق اسم الكاتب عشرة، وإذا أحصيت الشعراء في تلك المدة وجدتهم عددا كثيرا، حتى لقد كان يجتمع منهم في العصر الواحد جماعة كثيرة كل منهم شاعر مفلق، وهذا لا نجده في الكتاب، بل ربما ندر الفرد الواحد في الزمن الطويل.\rوليس ذلك إلا لوعورة المسلك من النثر، وبعد مناله، والكاتب هو أحد دعامتي الدولة، فإن كل دولة لا تقوم إلا على دعامتين من السيف والقلم، وربما لا يفتقر الملك في ملكه إلى السيف إلا مرة أو مرتين، وأما القلم فإنه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359111,"book_id":3862,"shamela_page_id":985,"part":"4","page_num":6,"sequence_num":985,"body":"يفتقر إليه على الأيام، وكثيرا ما يستغني به عن السيف، وإذا سئل عن الملوك الذين غبرت أيامهم لا يوجد منهم من حسن اسمه من بعده، إلا من حظي بكاتب خطب عنه، وفخم أمر دولته، وجعل ذكرها خالدا يتناقله الناس،؛ رغبة في فصل خطابه، واستحسانا لبداعة كلامه، فيكون ذكرها في خفارة ما دونه قلمه، ورقمته أساطيره.\rوليس الكاتب بكاتب حتى يضطر عدو الدولة أن يروي أخبار مناقبها في حفله، ويصبح ولسانه حامد لمساعيها وبقلبه ما به من غله.\rولقد أحسن أبو تمام في هذا المعنى حيث قال:\rسأجهد حتى أبلغ الشعر شأوه ... وإن كان طوعا لي ولست بجاهد\rفإن أنا لم يحمدك عني صاغرا ... عدو فاعلم أنني غير حامد١\rوهذا الذي ذكرته حق وصدق، لا ينكره إلا جاهل به، وأنا أسأل الله الزيادة من فضله، وإن لم أكن أهلا له فإنه هو من أهله.\rووقفت على كلام لأبي إسحاق الصابي في الفرق بين الكتابة والشعر، وهو جواب لسائل سأله، فقال: إن طريق الإحسان في منثور الكلام يخالف","footnotes":"١ من قصيدته في مدح أبي الحسين محمد بن الهيثم بن شبانة التي مطلعها:\rقفوا جددوا من عهدكم بالمعاهد ... وإن هي لم تسمع لنشدان ناشد\r\"الديوان ٢/ ٧٧\".\rيروى بالديوان \"كان لي طوعا وكان طوعا لي\" يريد أن قصائده في مدح أبي الحسين يعجب بها أعداؤه فيروونها، فإن أنشدوها فكأنهم قد حمدوه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359112,"book_id":3862,"shamela_page_id":986,"part":"4","page_num":7,"sequence_num":986,"body":"طريق الإحسان في منظومه؛ لأن الترسل هو ما وضح معناه، وأعطاك سماعه في أول وهلة ما تضمنته ألفاظه، وأفخر الشعر ما غمض فلم يعطك غرضه إلا بعد مماطلة منه.\rثم قال بعد ذلك: ولسائل أن يسأل فيقول: من أية جهة صار الأحسن في معنى الشعر الغموض، وفي معاني الترسل الوضوح؟.\rفالجواب أن الشعر بُني على حدود مقررة وأوزان مقدرة وفصلت أبياته، فكان كل بيت منها قائما بذاته، وغير محتاج إلى غيره، إلا ما جاء على وجه التضمين، وهو عيب، فلما كان النفس لا يمتد في البيت الواحد بأكثر من مقدار عروضه وضربه، وكلاهما قليل، احتيج إلى أن يكون الفصل في المعنى، فاعتمد أن يلطف ويدق.\rوالترسل مبني على مخالفة هذه الطريق؛ إذ كان كلاما واحدا لا يتجزأ ولا يتفصل إلا فصولا طوالا، وهو موضوع وضع ما يهذهذ١ أو يمر به على أسماع شتى من خاصة ورعية، وذوي أفهام ذكية وأفهام غبية، فإذا كان متسلسلا ساغ فيها وقرب، فجميع ما يستحب في الأول يكره في الثاني، حتى إن التضمين عيب في الشعر وهو فضيلة في الترسل.\rثم قال بعد ذلك: والفرق بين المترسلين والشعراء أن الشعراء إنما أغراضهم التي يرمون إليها وصف الديار والآثار والحنين إلى الأهواء والأوطار، والتشيب بالنساء، والطلب والاجتداء، والمديح والهجاء، وأما المترسلون فإنما يترسلون في أمر سداد ثغر، وإصلاح فساد، أو تحريض على جهاد، أو احتجاج على فئة، أو مجادلة لمسألة، أو دعاء إلى ألفة، أو نهي عن فرقة، أو تهنئة بعطية، أو تعزية برزية، أو ما شاكل ذلك.","footnotes":"١ يهذهد: يقطع في سرعة أو مرة بعد مرة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359113,"book_id":3862,"shamela_page_id":987,"part":"4","page_num":8,"sequence_num":987,"body":"هذا ما انتهى إليه كلام أبي إسحاق في الفرق بين الترسل والشعر.\rولقد عجبت من ذلك الرجل الموصوف بذلاقة اللسان، وبلاغة البيان، كيف يصدر عنه مثل هذا القول الناكب عن الصواب الذي هو في باب ونصي النظر في باب، اللهم غفرا.\rوسأذكر ما عندي في ذلك، لا إرادة للطعن عليه، بل تحقيقا لمحل النزاع فأقول: أما قوله: إن الترسل هو ما وضح معناه والشعر ما غمض معناه، فإن هذه دعوى لا مستند لها، بل الأحسن في الأمرين معا إنما هو الوضوح والبيان.\rعلى أن إطلاق القول على هذا الوجه من غير تقييد لا يدل على الغرض الصحيح، بل صواب القول في هذا أن يقال: كل كلام من منثور ومنظوم فينبغي أن تكون مفردات ألفاظه مفهومة؛ لأنها إن لم تكن مفهومة فلا تكون فصيحة، لكن إذا صارت مركبة نقلها التركيب عن تلك الحال في فهم معانيها، فمن المركب منها ما يفهمه الخاصة والعامة، ومنه ما لا يفهمه إلا الخاصة، وتتفاوت درجات فهمه، ويكفي من ذلك كتاب الله تعالى، فإنه أفصح الكلام، وقد خوطب به الناس كافة من خاص وعام، ومع هذا فمنه ما يتسارع الفهم إلى معانيه، ومنه يغمض فيعز فهمه، والألفاظ المفردة ينبغي أن تكون مفهومة، سواء كان الكلام نظما أو نثرا، وإذا تركبت فلا يلزم فيها ذلك، وقد تقدم في كتابي هذا أدلة كثيرة على هذا، فتؤخذ من مواضعها.\rوأما الجواب الذي أجاب به في الدلالة على غموض الشعر ووضوح الكلام المنثور فليس ذلك بجواب، وهب أن الشعر كان كل بيت منه قائما بذاته،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359114,"book_id":3862,"shamela_page_id":988,"part":"4","page_num":9,"sequence_num":988,"body":"فلم كان مع ذلك غامضا? وهب أن الكلام المنثور كان واحدا لا يتجزأ، فلم كان واضحا? ثم لو سلمت إليه هذا، فماذا يقول في الكلام المسجوع الذي كل فقرة منه بمنزلة بيت من شعر?.\rوأما قوله في الفرق بين الشاعر والكاتب \"إن الشاعر من شأنه وصف الديار والآثار والحنين إلى الأهواء والأوطار والتشبيب بالنساء والطلب والاجتداء والمديح والهجاء، وإن الكاتب من شأنه الإفاضة في سداد ثغر أو إصلاح فساد أو تحريض على حياد أو احتجاج على فئة أو مجادلة لمسألة أو دعاء إلى ألفة أو نهي عن فرقة أو تهنئة بعطية أو تعزية برزية\" فإن هذا تحكم محض لا يستند إلى شبهة، فضلا عن بينة.\rوأي فرق بين الشاعر والكاتب في هذا المقام? فكما يصف الشاعر الديار والآثار، ويحن إلى الأهواء فكذلك الكاتب في الاشتياق إلى الأوطان، ومنازل الأحباب والإخوان، ويحن إلى الأهواء والأوطار، ولهذا كانت الكتب الإخوانيات بمنزلة الغزل والنسيب من الشعر.\rوكما يكتب الكاتب في إصلاح فساد، أو سداد ثغر، أو دعاء إلى ألفة، أو نهي عن فرقة، أو تهنئة، أو تعزية، فكذلك الشاعر.\rفإن شذ عن الصابي قصائد الشعراء في أمثال هذه المعاني فكيف خفي عنه قصيدة أبي تمام في استعطاف مالك بن طوق على قومه التي مطلعها:\rلو أن دهرا رد رجع جوابي١","footnotes":"١ الشطر الثاني: أو كف من شأويه طول عتاب \"الديوان ١/ ١٠٨\".\rالشأوان: تثنية شأو وهو الطلق، واستعارة ههنا للدهر كأنه يذهب إلى فعله الشيء وضده، والمراد من البيت أنه لو نفع عتابه للدهر لعاتبه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359115,"book_id":3862,"shamela_page_id":989,"part":"4","page_num":10,"sequence_num":989,"body":"أم كيف بالنظر في ديوان أبي الطيب المتنبي وهما في زمن واحد، فما تأمل قصيدته في الإصلاح يبن كافور الإخشيدي وبين مولاه الذي مطلعها:\rحسم الصلح ما اشتهته الأعادي١\rوكذلك لا شك أنه لم يقف على قصيدة أبي عبادة البحتري في غزو البحر التي مطلعها:\rألم تر تغليس الربيع المبكر٢\rولو أخذت في تعداد قصائد الشعراء في الأغراض التي أشار إليها وخص بها الكاتب لأطلت، وذكرت الكثير الذي يحتاج إلى أوراق كثيرة، وكل هذه الفروق التي نص عليها وعددها فليست بشيء، ولا فرق بين الكناية والشعر\rفيها.\rوالذي عندي في الفرق بينهما هو من ثلاثة أوجه:\rالأول: من جهة نظم أحدهما ونثر الآخر وهذا فرق ظاهر.\rالثاني: أن من الألفاظ ما يعاب استعماله نثرا، ولا يعاب نظما، وذلك شيء استخرجته ونبهت عليه في القسم الأول المختص باللفظة المفردة في المقالة الأولى من هذا الكتاب، وسأعيد ههنا منه شيئا فأقول: قد ورد في شعر أبي تمام قوله:","footnotes":"١ تكملة البيت: وأذاعته ألسن الحساد \"الديوان ٧/ ١٥٦\" كان قوم قد حاولوا أن يفسدوا ما بين ابن الإخشيد وكافور، فطالب كافور بتسليمهم إليه، فامتنع ابن الإخشيد ثم سلمهم، وصالح كافورا.\r٢ في مدح أحمد بن دينار بن عبد الله ووصف مركب اتخذه وهو والى البحر، وغزا فيه بلاد الروم \"الديوان ١/ ٢٢\". والشطر الثاني:\rوحاك من وشى الرياضي المنشر\rالتغليس: السير في الغلس. الوشى: الزخرف. المنشر: الطيب الرائحة الدائمة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359116,"book_id":3862,"shamela_page_id":990,"part":"4","page_num":11,"sequence_num":990,"body":"هي العرمس الوجناء وابن ملمة ... وجأش على ما يحدث الدهر خافض١\rوكذلك ورد في شعر أبي الطيب المتنبي كقوله:\rومهمة جبته على قدمي ... تعجز عه العرامس الذلل٢\rفلفظة المهمة والعرامس لا يعاب استعمالها في الشعر، ولو استعملا في كتاب أو خطبة كان استعمالها معيبا، وكذلك ما يشاكلهما ويناسبهما من الألفاظ، وكل ذلك قد ضبطته بضوابط وحددته بحدود تفصله من غيره من الألفاظ فليؤخذ من المقالة الأولى، ولولا خوف التكرار لأعدته ههنا.\rالثالث: أن الشاعر إذا أراد أن يشرح أمورا متعددة ذوات معان مختلفة في شعره واحتاج إلى الإطالة بأن ينظم بيت أو ثلاثمائة أو أكثر من ذلك فإنه لا يجيد في الجميع، ولا في الكثير منه، بل يجيد في جزء قليل، والكثير من ذلك رديء غير مرضي، والكاتب لا يؤتي من ذلك، بل يطيل الكتاب الواحد إطالة واسعة تبلغ عشر طبقات من القراطيس، أو أكثر، وتكون مشتملة على ثلاثمائة سطر أو أربعمائة أو خمسمائة، وهو مجيد في ذلك كله، وهذا لا نزاع فيه لأننا رأيناه، وسمعناه وقلناه.","footnotes":"١ من قصيدته في مدح دينار بن عبد الله التي مطلعها:\rمهاة النقا لولا الشوى والمآيض ... وإن محض الإعراض لي منك ما حض\r\"الديوان ٢/ ٢٩٤\" وبالديوان \"هي الحرة\".\rالحرة: الجيدة. العرمس: الناقة الصلبة. الوجناء: الناقة الشديدة. الملم: الشديد من كل شيء، والملمة الشديدة. الجأش: النفس أو القلب \"تاج العروس\": خافض: الخفض الدعة وعيش خافض ناعم وادع.\r٢ من قصيدته في مدح بدر بن عمار \"الديوان ٢/ ٤٠٥\".\rمهمة: فلاة. العرامس: جمع عرمس وهي الناقة الصلبة الشديدة. الذلل: المذللة بالعمل الروضة بالسير، جمع ذلول للمذكر والمؤنث.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359117,"book_id":3862,"shamela_page_id":991,"part":"4","page_num":12,"sequence_num":991,"body":"وعلى هذا فإني وجدت العجم يفضلون العرب في هذه النكتة المشار إليها، فإن شاعرهم يذكر كتابا مصنفا من أوله إلى آخره شعرا، وهو شرح قصص وأحوال، ويكون مع ذلك في غاية الفصاحة والبلاغة في لغة القوم، كما فعل الفردوسي في نظم الكتاب المعروف بشاه نامه، وهو ستون ألف بيت من الشعر، يشتمل على تاريخ الفرس، وهو قرآن القوم، وقد أجمع فصحاؤهم على أنه ليس في لغتهم أفصح منه١، وهذا لا يوجد في اللغة العربية على اتساعها وتشعب فنونها وأغراضها، وعلى أن لغة العجم بالنسبة إليها كقطرة من بحر.\rاللهم صلِّ على سيدنا محمد النبي الأمي وآله وصحبه الطيبين الطاهرين، وسلم تسليما كثيرًا إلى يوم الدين.","footnotes":"١ الفردوس هو أبو القاسم الفردوسي أكبر شعراء الفرس في القرن الرابع الهجري. ويراه الإيرانيون أكبر شعراء الفرس جميعا. ولد بين سنتي ٣٢٠ و٣٣٠هـ وتوفي سنة ٤١١ أو ٤١٦ وهو ناظم ملحمة الفرس الكبرى المعروفة بالشاهنامة أي كتاب الملوك. والمشهور أن أبياتها ستون ألف بيت، ولكن النسخ المختلفة الموجودة الآن تزيد على ذلك وتنقص، وقد اتصل الفردوسي بالسلطان محمود الغزنوي وقدم له الشاهنامة، فأعرض عنه، ولم يحسن جائزته، فتركه الشاعر مغاضبا. وهجاه بأبيات مثبتة في بعض نسخ الشاهنامة. وله غيرها قصة يوسف وزليخا. وليست الشاهنامة مقصورة على تاريخ الفرس وحروبهم، بلى بها روائع في الوصف والقصص العاطفي والعظات والحكم والحكم وهي فوق ذلك مثال في روعة الأسلوب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":3359118,"book_id":3862,"shamela_page_id":992,"part":"4","page_num":13,"sequence_num":992,"body":"فهرس الموضوعات:\rبقية المثل السائر:\r٣ تكملة باب السرقات\r٤ فضيلة الفصاحة والبلاغة\r٥ مزايا النثر على النظم\r٦ الفرق بين الكتابة والشعر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}