{"page_id":4826958,"book_id":5385,"shamela_page_id":1,"part":null,"page_num":null,"sequence_num":1,"body":"علم البديع\r\rتأليف\rالدكتور عبد العزيز عتيق\r\rدار النهضة العربية","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4826959,"book_id":5385,"shamela_page_id":2,"part":null,"page_num":5,"sequence_num":2,"body":"مقدّمة\rتتألف البلاغة العربية من علوم ثلاثة هي: المعاني، والبيان، والبديع. وميدان البلاغة الذي تعمل فيه علومها الثلاثة متضافرة هو نظم الكلام وتأليفه على نحو يخلع عليه نعوت الجمال.\rوإدراك سمات الكلام البليغ لا يتأتى إلا عن طريق الدرس والبحث والتأمل. ومن أجل هذا تبدو الحاجة إلى دراسة البلاغة. فهي تكشف للمتعلم عن العناصر البلاغية التي ترقى بالتعبير صعدا نحو الكمال الفني، كما تضع بين يديه الأدوات التي يستطيع بالتمرس بها والتدرب عليها أن يأتي بالكلام البليغ. وهي في الوقت ذاته جزء مكمل لثقافة الناقد والأديب.\rدراسة البلاغة إذن ليست ضرورية فقط لمن يريد أن يجعل اللغة وأدبها ميدان تخصصه، وإنما هي ضرورية له وللناقد والأديب على حد سواء.\rوبعد ... فهذه محاضرات ألقيتها على طلبة الصف الثاني بقسم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4826960,"book_id":5385,"shamela_page_id":3,"part":null,"page_num":6,"sequence_num":3,"body":"اللغة العربية وآدابها بجامعة بيروت العربية في علم البديع، أحد علوم البلاغة العربية.\rوالجانب الأول من هذه المحاضرات يعالج نشأة البديع، وتطوره، والمراحل التي مر بها حتى صار علما قائما بذاته، هذا مع التعريف بكبار رجاله وكتبهم والطرق التي سلكوها في دراسته.\rأما الجانب الآخر من المحاضرات فدراسة مفصلة تحليلية لأهم فنون البديع اللفظية والمعنوية، وأثرها في الكلام.\rولعل القارئ يجد في هذه المحاضرات ما يغريه على التوسع في دراسة علم البديع أحد أصول البلاغة العربية.\rوالله ولي التوفيق.\rالمؤلف","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4826961,"book_id":5385,"shamela_page_id":4,"part":null,"page_num":7,"sequence_num":4,"body":"نشأة البديع وتطوره\rالبديع كما يقول الخطيب القزويني محمد بن عبد الرحمن في كتابه «التلخيص» هو «علم يعرف به وجوه تحسين الكلام بعد رعاية المطابقة ووضوح الدلالة». ويعرفه ابن خلدون بأنه «هو النظر في تزيين الكلام وتحسينه بنوع من التنميق: إما بسجع يفصله، أو تجنيس يشابه بين ألفاظه، أو ترصيع يقطع أوزانه، أو تورية عن المعنى المقصود بإيهام معنى أخفى منه، لاشتراك اللفظ بينهما، أو طباق بالتقابل بين الأضداد وأمثال ذلك» (١).\rوقبل التعرض لمباحث هذا العلم بالشرح والاستيفاء يجدر بنا أن نؤرخ له فنتتبع نشأته وتطوره، لأن ذلك من شأنه أن يعطي صورة واضحة عن أبعاد هذا العلم، وأن يعين على تفهم مباحثه وتذوقها. ومهما اختلفت آراء الأدباء والنقاد في جدوى هذا العلم وقيمته فإن دراسته لازمة لطلاب البلاغة العربية ونقاد الأدب العربي طالما أن الظواهر البديعية تأتي عفوا أو تكلفا على ألسنة الشعراء والأدباء كعنصر من عناصر فن القول.","footnotes":"(١) مقدمة ابن خلدون ص ١٠٦٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4826962,"book_id":5385,"shamela_page_id":5,"part":null,"page_num":8,"sequence_num":5,"body":"ومن النقاد من يهمل هذا الجانب البديعي عند تعرضه بالنقد لنص شعري أو نثري والحكم عليه ظنا منه أنه جانب لا يقدم ولا يؤخر كثيرا في الحكم على جودة التعبير وحسن أدائه للمعنى بكل ظلاله.\rولكن دراسة أصول هذا العلم والأناة في تفهمها وتذوقها جديرة بإقناع الدارس أيا كان بأن استبعاد الجانب البديعي عند الحكم على عمل أدبي هو إجحاف به وانتقاص في الحكم عليه.\rحقا لقد أسرف الشعراء والأدباء في العصور المتأخرة غاية الإسراف في استعمال المحسنات البديعية، إما إعجابا بها وإما إخفاء لفقرهم في المعاني، وبهذا انحط إنتاجهم الأدبي. ذلك في نظري هو سبب العزوف عن هذا العلم من جانب بعض الدارسين والنقاد المعاصرين. ولو عرفوا أن العيب ليس في البديع ذاته وإنما هو في سوء فهمه واستخدامه لقللوا من عزوفهم عنه ولأعطوه حقه من العناية والدراسة، ولردوا إليه اعتباره كعنصر بلاغي هام عند تقييم الأعمال الأدبية والحكم عليها.\rوكما يقول أبو هلال العسكري: «إن هذا النوع من الكلام إذا سلم من التكلف وبرئ من العيوب كان في غاية الحسن ونهاية الجودة» (١).\rوبعد، فقد عرف العرب في شعرهم كل الخصائص الفنية والأساليب البيانية التي تخلع عليه صفة الجمال والإبداع. وكان الشاعر منهم بحسه الفطري وعلى غير دراية منه بأنواع هذه الأساليب البيانية ومصطلحاتها البلاغية يستخدمها تلقائيا كلما جاش بنفسه خاطر وأراد أن يعبر عنه تعبيرا بليغا.","footnotes":"(١) كتاب الصناعتين ص ٢٦٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4826963,"book_id":5385,"shamela_page_id":6,"part":null,"page_num":9,"sequence_num":6,"body":"وقد اهتدى بعض الجاهليين إلى قيمة بعض هذه الأساليب وأثرها في تقدير الشعر وحظه من البلاغة، ومن هذه\rالأساليب ما يمت بصلة إلى هذا أو ذاك بما عرف بعد بعلوم البلاغة العربية الثلاثة، أعني علم المعاني، وعلم البيان، وعلم البديع.\rولعلنا نذكر ما كان يدور في أسواق العرب وأنديتهم من حوار أدبي، كما نذكر كيف كان الشعراء يفدون على زهير بن أبي سلمى في سوق عكاظ وينشدون أمامه أشعارهم ليحكم بينهم متفاخرين بما في شعرهم من أساليب التشبيه والمجاز بأنواعه، وكيف كان زهير يقضي لهذا أو ذاك على غيره من الشعراء لأنه أجاد التشبيه أو الاستعارة أو الكناية.\rالجاهليون إذن كانوا بطبيعتهم الشعرية الأصيلة يستحسنون بعض الأساليب البلاغية ويستخدمونها في أشعارهم دون علم بمصطلحاتها، تماما كما كانوا عن سليقة يستخدمون في كلامهم الفاعل مرفوعا والمفعول منصوبا قبل أن يظهر النحاة ويضعوا قواعد الفاعل والمفعول.\rوقد أخذ علماء العربية بعد الإسلام يهتمون غاية الاهتمام بعلم البلاغة ليستعينوا به في المحل الأول على معرفة أسرار الإعجاز في القرآن الكريم كتاب الله.\rوفي ذلك يقول أبو هلال العسكري (١): «اعلم- علمك الله الخير ودلك عليه وقيضه لك وجعلك من أهله- أن أحق العلوم بالتعلم وأولاها بالتحفظ- بعد المعرفة بالله جل ثناؤه- علم البلاغة، ومعرفة الفصاحة الذي به يعرف إعجاز كتاب الله تعالى، الناطق بالحق، الهادي إلى سبيل الرشد، المدلول به على صدق الرسالة وصحة النبوة، التي رفعت أعلام","footnotes":"(١) كتاب الصناعتين ص ١ - ٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4826964,"book_id":5385,"shamela_page_id":7,"part":null,"page_num":10,"sequence_num":7,"body":"الحق، وأقامت منار الدين، وأزالت شبه الكفر ببراهينها، وهتكت حجب الشك بيقينها.\rوقد علمنا أن الإنسان إذا أغفل علم البلاغة، وأخل بمعرفة الفصاحة لم يقع علمه بإعجاز القرآن من جهة ما خصه الله به من حسن التأليف، وبراعة التركيب، وما شحنه به من الإيجاز البديع، والاختصار اللطيف، وضمنه من حلاوة، وجلله من رونق الطلاوة، مع سهولة كلمه وجزالتها، وعذوبتها وسلاستها، إلى غير ذلك من محاسنه التي عجز الخلق عنها، وتحيرت عقولهم فيها.\rوإنما يعرف إعجازه من جهة عجز العرب عنه، وقصورهم عن بلوغ غايته في حسنه وبراعته، وسلاسته ونصاعته، وكمال معانيه، وصفاء ألفاظه .....\rولهذا العلم بعد ذلك فضائل مشهورة، ومناقب معروفة، منها أن صاحب العربية إذا أخل بطلبه، وفرط في التماسه، ففاتته فضيلته، وعلقت به رذيلة فوقه، عفّى على جميع محاسنه، ..... لأنه إذا لم يفرق بين كلام جيد وآخر رديء، ولفظ حسن وآخر قبيح، وشعر نادر وآخر بارد، بان جهله، وظهر نقصه.\rوهو أيضا إذا أراد أن يصنع قصيدة، أو ينشئ رسالة- وقد فاته هذا العلم- مزج الصفو بالكدر، وخلط الغرر بالعرر (١)، واستعمل الوحشي العكر، فجعل نفسه مهزأة للجاهل وعبرة للعاقل.\rوإذا أراد أيضا تصنيف كلام منثور، أو تأليف شعر منظوم، وتخطي هذا العلم ساء اختياره له، وقبحت آثاره فيه، فأخذ الرديء المرذول،","footnotes":"(١) الغرر: جمع غرة، وهي النفيس من كل شيء. والعرر: جمع عرة، وهي القذر.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4826965,"book_id":5385,"shamela_page_id":8,"part":null,"page_num":11,"sequence_num":8,"body":"وترك الجيد المقبول، فدل على قصور فهمه، وتأخر معرفته وعلمه. وقد قيل: اختيار الرجل قطعة من عقله، كما أن شعره قطعة من معرفته وعلمه».\rوحسبنا هذا القدر من كلام أبي هلال العسكري للدلالة على أهمية علم البلاغة وأحقيته بالتعلم.\r\rأوليات البديع:\rوإذا انتقلنا من هذا التمهيد إلى علم البديع أحد علوم البلاغة العربية فإننا نلتمس أوليات هذا العلم في محاولة قام بها شاعر عباسي من أبناء الأنصار أولع بالبديع في شعره واشتهر بإجادة المدح من مثل قوله في مدح يزيد بن مزيد:\rتلقى المنية في أمثال عدتها ... كالسيف يقذف جلمودا بجلمود\rتجود بالنفس إن ضن الجواد بها ... والجود بالنفس أقصى غاية الجود\rوقوله أيضا:\rموف على مهج في يوم ذي رهج ... كأنه أجل يسعى إلى أمل\rينال بالرفق ما تعيا الرجال به ... كالموت مستعجلا يأتي على مهل\rهذا الشاعر هو صريع الغواني مسلم بن الوليد الأنصاري المتوفى سنة ٢٠٨ هجرية، فقد وضع مصطلحات لبعض الصور البيانية والمحسنات اللفظية والمعنوية من مثل الجناس والطباق.\rثم نلتقي من بعده بأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ في كتابه «البيان والتبيين» والمتوفى سنة ٢٥٥ هـ، فهذا الكتاب\rوإن اشتمل على كثير من الفوائد والخطب الرائعة والأخبار البارعة، وأسماء الخطباء والبلغاء، مع بيان أقدارهم في البلاغة والخطابة، إلا أن الإبانة عن حدود","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4826966,"book_id":5385,"shamela_page_id":9,"part":null,"page_num":12,"sequence_num":9,"body":"البلاغة وأقسام البيان والفصاحة تأتي مبثوثة في تضاعيفه، منتشرة في أثنائه، فهي ضالة بين الأمثلة، لا توجد إلا بالتأمل الطويل والتصفح الكثير.\rوقد أشار الجاحظ إلى البديع بقوله: «والبديع مقصور على العرب، ومن أجله فاقت لغتهم كل لغة، وأربت على كل لسان، والشاعر الراعي كثير البديع في شعره، وبشار حسن البديع، والعتابي يذهب في شعره في البديع مذهب بشار» (١).\rوكلمة البديع عنده تعني الصور والمحسنات اللفظية والمعنوية وإن كان لم يوضحها توضيحا دقيقا، ومع تعرضه لبعض أنواع البديع فإنه لم يحاول وضع تعريفات ومصطلحات لها، لأن اهتمامه عند الكلام عنها كان بتقديم الأمثلة والنماذج، لا بوضع القواعد.\r\rابن المعتز:\rولعل أول محاولة علمية جادة في ميدان علم البديع هي تلك المحاولة التي قام بها خليفة عباسي ولي الخلافة يوما وليلة ثم مات مقتولا وقيل مخنوقا سنة ٢٩٦ هجرية.\rهذا الخليفة هو أبو العباس عبد الله بن المعتز بن المتوكل بن المعتصم بن هارون الرشيد، والمولود سنة ٢٤٧ هجرية. لقد كان شاعرا مطبوعا مقتدرا على الشعر، سهل اللفظ، جيد القريحة، حسن الإبداع للمعاني، مغرما بالبديع في شعره، وبالإضافة إلى ذلك كان أديبا بليغا مخالطا للعلماء، والأدباء معدودا من جملتهم، وله بضعة عشر مؤلفا في فنون شتى وصل إلينا منها: ديوانه، وطبقات الشعراء، وكتاب البديع.","footnotes":"(١) البيان والتبيين ج ٤ ص ٥٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4826967,"book_id":5385,"shamela_page_id":10,"part":null,"page_num":13,"sequence_num":10,"body":"وإذا كان عبد القاهر الجرجاني المتوفى سنة ٤٧١ للهجرة وصاحب كتابي: «دلائل الإعجاز» و «أسرار البلاغة» هو واضع نظرية علم البيان وعلم المعاني فإن عبد الله بن المعتز هو واضع علم البديع، كما يفهم ذلك من كتابه\rالمسمى «كتاب البديع» الذي ألفه سنة ٢٧٤ للهجرة. ويبدو أنه ألف هذا الكتاب ردا على من زعم من معاصريه أن بشار بن برد ومسلم بن الوليد الأنصاري وأبا نواس هم السابقون إلى استعمال البديع في شعرهم.\rوعن ذلك يقول في مقدمة كتابه (١): «قد قدمنا في أبواب كتابنا هذا بعض ما وجدنا في القرآن واللغة وأحاديث رسول الله ﷺ وكلام الصحابة والأعراب وغيرهم وأشعار المتقدمين من الكلام الذي سماه المحدثون البديع ليعلم أن بشارا ومسلما وأبا نواس من تقيّلهم (٢) وسلك سبيلهم لم يسبقوا إلى هذا الفن، ولكنه كثر في أشعارهم فعرف في زمانهم حتى سمي بهذا الاسم فأعرب عنه ودل عليه».\r«ثم إن حبيب بن أوس الطائي «أبا تمام» من بعدهم شغف به حتى غلب عليها وتفرع فيه وأكثر منه فأحسن في بعض ذلك وأساء في بعض، وتلك عقبي الإفراط وثمرة الإسراف. وإنما كان يقول الشاعر من هذا الفن البيت والبيتين في القصيدة، وربما قرئت من شعر أحدهم قصائد من غير أن يوجد فيها بيت بديع، وكان يستحسن ذلك منهم إذا أتى نادرا، ويزداد حظوة بين الكلام المرسل».\r«وقد كان بعض العلماء يشبه الطائي في البديع بصالح بن عبد","footnotes":"(١) كتاب البديع لابن المعتز ص ١.\r(٢) تقيلهم: حاول التشبه بهم.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4826968,"book_id":5385,"shamela_page_id":11,"part":null,"page_num":14,"sequence_num":11,"body":"القدوس (١) في الأمثال، ويقول لو أن صالحا نثر أمثاله في شعره وجعل بينها فصولا من كلامه لسبق أهل زمانه، وغلب على مد ميدانه. وهذا أعدل كلام سمعته في هذا المعنى».\rوفي موضع آخر يشير إلى غرضه من تأليف كتاب البديع فيقول:\r«وإنما غرضنا في هذا الكتاب تعريف الناس أن المحدثين لم يسبقوا المتقدمين إلى شيء من أبواب البديع» (٢). وفي موضع ثالث يشير إلى أنه أول من نظم وجمع فنون هذا العلم فيقول: «وما جمع فنون البديع ولا سبقني إليه أحد، وألفته سنة أربع وسبعين ومائتين» (٣).\rوالمتصفح لكتاب البديع يجد أنه يشتمل أولا على خمسة أبواب يتحدث فيها ابن المعتز عن أصول البديع الكبرى من وجهة نظره وهي:\rالاستعارة، والجناس، والمطابقة، ورد أعجاز الكلام على ما تقدمها، أما الباب الخامس من البديع فهو- كما يقول- «مذهب سماه عمرو الجاحظ المذهب الكلامي. وهذا باب ما أعلم أني وجدت في القرآن منه شيئا، وهو ينسب إلى\rالتكلّف، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا» (٤). وليس عدم علمه مانعا علم غيره، ولم يستشهد عليه بأعظم من شواهد القرآن.\rوينبه ابن المعتز في كتابه على أنه اقتصر بالبديع على الفنون الخمسة السابقة اختبارا من غير جهل بمحاسن الكلام ولا ضيق في المعرفة، ولهذا فمن أحب أن يقتدي به ويقتصر بالبديع على تلك الخمسة فليفعل.","footnotes":"(١) شاعر عباسي، من حكماء الشعراء، أمر المهدي بقتله وصلبه على جسر بغداد سنة ١٦٧ هـ. لزندقته.\r(٢) كتاب البديع ص ٣.\r(٣) نفس المرجع ص ٥٨.\r(٤) كتاب البديع ص ٥٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4826969,"book_id":5385,"shamela_page_id":12,"part":null,"page_num":15,"sequence_num":12,"body":"ورغبة منه في أن تكثر فوائد كتابه للمتأدبين أتبع هذه الفنون الخمسة التي اعتمدها أصولا لعلم البديع، بذكر ثلاثة عشر فنا بديعيا هي:\r١ - الالتفات، ٢ - اعتراض كلام في كلام لم يتمم الشاعر معناه ثم يعود إليه فيتممه في بيت واحد، ٣ - الرجوع، ٤ - حسن الخروج من معنى إلى معنى، ٥ - تأكيد المدح بما يشبه الذم، ٦ - تجاهل العارف، ٧ - هزل يراد به الجد، ٨ - حسن التضمين، ٩ - التعريض والكناية، ١٠ - الإفراط في الصفة «المبالغة»، ١١ - حسن التشبيه، ١٢ - إعنات الشاعر نفسه في القوافي وتكلفه من ذلك ما ليس له، وهو ما عرفه البلاغيون المتأخرون بلزوم ما لا يلزم من القوافي، ١٣ - حسن الابتداءات.\rوقد ذكر أن هذه الأنواع الثلاثة عشر هي بعض محاسن الكلام.\rوالشعر «ومحاسنها كثيرة لا ينبغي للعالم أن يدعي الإحاطة بها حتى يتبرأ من شذوذ بعضها عن عمله وذكره» (١). فإذا أضفنا إلى ذلك أصول البديع الخمسة كان معنى ذلك أن ابن المعتز، قد اخترع ثمانية عشر نوعا من أنواع البديع.\rهذا وليس في كتاب ابن المعتز ذكر لباحث قبله في قضايا البديع سوى الأصمعي الذي قال إن له بحثا في الجناس، وسوى الجاحظ الذي قال إنه أول من سمى «المذهب الكلامي» (٢) باسمه.","footnotes":"(١) كتاب البديع ص ٥٨.\r(٢) المذهب الكلامي: أن يأتي البليغ على صحة دعواه وإبطال دعوى خصمه بحجة قاطعة عقلية تصح نسبتها إلى علم الكلام لأن علم الكلام عبارة عن إثبات أصول الدين بالبراهين العقلية القاطعة. مثل (لو كان فيهما آلهة إلّا الله لفسدتا) - فهذا دليل قاطع على وحدانية الله، وتمام الدليل أن تقول: لكنهما لم تفسدا فليس فيهما آلهة غير الله.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4826970,"book_id":5385,"shamela_page_id":13,"part":null,"page_num":16,"sequence_num":13,"body":"وكأني به وقد بدأ المحاولة الأولى في وضع علم البديع أدرك أن هناك من قد يقلل من شأن هذه المحاولة أو يغير في بعض المصطلحات التي اختارها، أو يزيد في بعض الأبواب، أو يأخذ عليه تقصيرا في تفسير بعض الشواهد الشعرية التي استدل بها. ومن أجل هذا يقول: «ولعل بعض من قصر عن السبق إلى تأليف هذا الكتاب ستحدثه نفسه وتمنيه مشاركتنا في فضيلته فيسمى فنا من فنون البديع بغير ما سميناه به، أو يزيد في الباب من أبوابه كلاما منثورا، أو يفسر شعرا لم تفسره، أو يذكر شعرا قد تركناه ولم يذكره، إما لأن بعض ذلك لم يبلغ في الباب مبلغ غيره فألقيناه، أو لأن فيما ذكرناه كافيا ومغنيا. وليس من كتاب إلا وهذا ممكن فيه لمن أراده، وإنما غرضنا في هذا الكتاب تعريف الناس أن المحدثين لم يسبقوا المتقدمين إلى شيء من أبواب البديع، وفي دون ما ذكرنا مبلغ الغاية التي قصدناها» (١).\rوالخلاصة أن ابن المعتز بوضعه كتاب البديع قد قام بالمحاولة الأولى في سبيل استقلال هذا العلم البلاغي وتحديد مباحثه التي كانت من قبل مختلطة بمباحث علم المعاني وعلم البيان، كما لفت أنظار الناس إلى أن البديع كان موجودا في أشعار الجاهلية وصدر الإسلام، ولكنه كان مفرقا يأتي عفوا، ثم جاء الشعراء المحدثون من أمثال بشار ومسلم بن الوليد وأبي نواس وأبي تمام فأكثروا منه في أشعارهم وقصدوا إليه.\rوكان مما استحدثه ابن المعتز في كتابه أيضا وضع مصطلحات لأنواع البديع في زمنه، ونقد ما أتي معيبا من كل نوع.\rوتلك بلا شك محاولة علمية جادة تلقفها البلاغيون والنقاد من بعده","footnotes":"(١) كتاب البديع ص ٢ - ٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4826971,"book_id":5385,"shamela_page_id":14,"part":null,"page_num":17,"sequence_num":14,"body":"وأضافوا إليها ما استكملوا به مباحث هذا العلم وقضاياه، كما سنرى فيما بعد.\r\rقدامة بن جعفر:\rومن النقاد الذين تلقفوا محاولة ابن المعتز العلمية في علم البديع وأضافوا إليها معاصره قدامة (١) بن جعفر في كتابه «نقد الشعر». وقدامة هذا كان نصرانيا ثم اعتنق الإسلام في أواخر القرن الثالث الهجري، وتوفي سنة ٣٣٧ للهجرة في أيام الخليفة العباسي المطيع لله. وقد درس فيما درس الفلسفة والمنطق وتأثر بهما تفكيرا ومنهجا في كل مؤلفاته التي بلغت أربعة عشر كتابا في موضوعات شتى من الأدب وغيره.\rوإذا كان ابن المعتز قد قصر كتابه على علم البديع، فإن كتاب قدامة كان في نقد الشعر بصفة عامة، وجاء تعرضه فيه للمحسنات البديعية كعنصر من العناصر التي منها تألف منهاجه في نقد الشعر.\rوالمحسنات البديعية التي أوردها قدامة في تضاعيف كتابه «نقد الشعر» بلغت أربعة عشر نوعا. وهذه على حسب ترتيب ورودها في الكتاب: الترصيع، الغلو، صحة التقسيم، صحة المقابلات، صحة التفسير، التتميم، المبالغة، الإشارة، الإرداف، التمثيل. التكافؤ، التوشيح، الإيغال، الالتفات ..\rومن هذه المحسنات ما التقى فيها مع ابن المعتز مع اختلاف في التسمية الاصطلاحية فقط. فالتتميم، والتكافؤ، والتوشيح عنده هي عند ابن المعتز على التوالي: الاعتراض، والطباق، ورد أعجاز الكلام على ما تقدمها. وهناك محسنان يلتقيان فيهما ويتفقان على تسميتهما وهما:","footnotes":"(١) انظر ترجمة حياته في معجم الأدباء لياقوت ج ١٧ ص ١٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4826972,"book_id":5385,"shamela_page_id":15,"part":null,"page_num":18,"sequence_num":15,"body":"المبالغة، والالتفات، وإن كان قدامة قد خص الأخير بشق واحد من شقي «الالتفات» عند ابن المعتز.\rوإذا كان الاثنان قد التقيا في خمس محسنات بديعية، مع اختلاف في تسمية بعضها واتفاق في تسمية البعض الآخر، فإن قدامة يكون في الواقع قد اهتدى إلى تسعة أنواع جديدة من أنواع البديع، هي: الترصيع، والغلو، وصحة التقسيم، وصحة المقابلات، وصحة التفسير، والإشارة، والإرداف، والتمثيل، والإيغال.\rوبعد فقد سمى قدامة كتابه «نقد الشعر» فهل نستطيع حقا أن نعتبره هو وكتاب «البديع» لا بن المعتز من كتب النقد؟.\rوإجابة على السؤال نقول: على الرغم من التسمية فإن الكتابين بعيدان عن النقد الذي هو فن دراسة الأساليب، وأقرب إلى أن يكون كلاهما كتابا علميا يرمي إلى إيضاح مبادئ، واستنباط أنواع من البديع، ووضع تقسيمات. وكل ما يمكن قوله إنهما يمدان الناقد بعنصر من العناصر التي تعينه في عملية نقد العمل الأدبي وإصدار الحكم عليه.\r\rأبو هلال العسكري:\rثم ظهر في القرن الرابع مع قدامة وعاش بعده أكثر من نصف قرن عالم آخر، هو أبو هلال العسكري، الذي حاول في واحد من أهم مؤلفاته، وأعني به كتاب «الصناعتين- الكتابة والشعر» أن يحقق هدفين.\rأحدهما أن يتم في توسع ما بدأه قدامة من بحث صناعة الشعر ونقده، سالكا في ذلك- كما يقول- مذهب صناع الكلام من الشعراء والكتاب لا مذهب المتكلمين والمتفلسفة كما فعل قدامة.\rأما ثاني الهدفين، فهو ألا يقف بالبحث الأدبي عند حد الشعر، وإنما","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4826973,"book_id":5385,"shamela_page_id":16,"part":null,"page_num":19,"sequence_num":16,"body":"يتعداه- غير مسبوق في هذا الباب- إلى بحث صناعة الكتابة أو النثر بصفة عامة، فليس الأدب شعرا فحسب، وإنما هو شعر ونثر معا.\rوأبو هلال هذا هو الحسن بن عبد الله بن سهل العسكري، نسبة إلى مدينة «عسكر مكرم» من كور الأهواز بين البصرة وفارس. وكان من أبنائها علماء أعلام خدموا الثقافة العربية وأضافوا إليها ما لديهم من معرفة.\rومن هؤلاء العلماء أبو أحمد العسكري (١) المحدث (٢٩٣ - ٣٨٢ هـ) وأبو هلال العسكري الأديب، صاحب كتاب «الصناعتين»، والأول خال الثاني وأستاذه.\rوقد غلب الأدب والشعر على أبي هلال العسكري إنتاجا وتأليفا، وكتبه المنشورة بين الناس تدل على تمكنه من علوم العربية أو علوم الأدب الثمانية، وأعني بها: اللغة، والنحو، والصرف، والعروض، والقوافي، وصنعة الشعر، وأخبار العرب، وأنسابهم.\rوهذه العلوم عند الأقدمين لم تكن تعني «الأدب» وإنما تعني أنها لازمة لثقافة الأديب، ولحاجة الأديب إليها في تكوينه عدوها من الأدب ..\rولا ريب في أنه بمقدار جهل الأديب بأي من هذه العلوم يكون نقصه في الأدوات التي تؤهله بتمكن لممارسة الأدب في أية صورة من صوره.\rومؤلفات أبي هلال العسكري لا تدل على تبحره في علوم العربية، فحسب، وإنما تدل أيضا على غزارة إنتاجه وتنوعه، فقد خلف لنا عشرين","footnotes":"(١) انظر ترجمة أبي أحمد وأبي هلال في معجم الأدباء لياقوت ج ٨ ص ٢٢٣ - ٢٦٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4826974,"book_id":5385,"shamela_page_id":17,"part":null,"page_num":20,"sequence_num":17,"body":"كتابا عالج فيها، كما يفهم من أسمائها، موضوعات شتى في اللغة والأدب والبلاغة والنقد والتفسير، وكلها تنم عن نوع ثقافته وثقافة العصر الذي عاش فيه.\rعلى أن ما انتهى إلينا من إنتاجه لم يزد حتى الآن على ثلاثة كتب هي: «كتاب الصناعتين- الكتابة والشعر»، وكتاب «ديوان المعاني» من جزأين، وكتاب لغوي اسمه «المعجم في بقية الأشياء»، أما بقية كتبه فلا يزال الموجود منها مخطوطات في مكتبات العالم، تنتظر من يتوفر على تحقيقها ونشرها.\rأبو هلال العسكري إذن كان في عصره إماما في العلم والأدب، إماما وعى كثيرا من معارف سابقيه وأضاف إليها، وأثر بها فيمن جاء بعده. ولئن كانت أجيال كثيرة تتلمذت عليه في حياته، فإن أجيالا أكثر وأكثر ظلت على توالي العصور وإلى اليوم تتلمذ من بعده على آثاره العلمية التي تميزت بالأصالة.\rولكن لعل من العجيب المؤلم حقا أن مثله لم يكن بليغا في حياته الخاصة بمقدار ما كان بليغا في حياته العلمية. فهو على ما كان له من قدم راسخة في العلم وولاء له، واشتغال دائم به، قد قضى حياته مغمورا خامل الذكر مضيقا عليه في الرزق، يلتمسه من احتراف البزازة وبيع الثياب في الأسواق!.\rمفارقة عجيبة إذن بين ما كان عليه من غنى علمي وفقر مادي، وقد دفعه تناقض الأحوال هذا إلى السخط، السخط على نفسه، وعلى الدنيا التي تختل فيها موازين العدل بين الناس. ومن ثم لا يجد أمامه ما يفزع إليه غير الشعر يبث إليه ذات نفسه، ويفضي إليه بهمومه، ويعبر فيه عن سخطه، فيقول:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4826975,"book_id":5385,"shamela_page_id":18,"part":null,"page_num":21,"sequence_num":18,"body":"إذا كان مالي من يلقط العجم (١) ... وحالي فيكم حال من حاك أو حجم\rفأين انتفاعي بالأصالة والحجى ... وما ربحت كفي من العلم والحكم؟\rومن ذا الذي في الناس يبصر حالتي ... ولا يلعن القرطاس والحبر والقلم؟\rويقول من قصيدة أخرى:\rجلوسي في سوق أبيع وأشتري ... دليل على أن الأنام قرود\rولا خير في قوم يذل كرامهم ... ويعظم فيهم نذلهم ويسود\rويهجوهم عني رثاثة كسوتي ... هجاء قبيحا ما عليه مزيد\rعلى أن حياة أبي هلال لا تعنينا فيها نحن بسبيله هنا من تتبع تاريخ علم البديع، وإنما هي نبذة ترينا في هذه الدنيا حظوظ بعض من يوالون العلم وينقطعون له، ولا يسمحون لأنفسهم أن يتاجروا فيه، أو يقايضوا عليه بأي ثمن!\rولكنّ ما يعنينا هنا ونحن نتتبع تاريخ علم البديع وتطوره هو «كتاب الصناعتين- الكتابة والشعر» لأبي هلال العسكري، والذي جعله عشرة أبواب مشتملة على ثلاثة وخمسين فصلا في ٤٦٢ صفحة.\rوغايتنا من كتاب الصناعتين لا تنصب عليه كله، وإنما هي تنصب على الباب التاسع (٢) منه، وهو الباب الذي عقده «لشرح البديع والإبانة عن وجوهه وحصر أبوابه وفنونه». وهذا الباب يشتمل على خمسة وثلاثين فصلا، تشغل من حيز الكتاب نحو ربعه.\rوقبل الشروع في الكلام على ما أورده أبو هلال العسكري في الباب","footnotes":"(١) العجم بالتحريك: النوى نوى التمر والنبق، يريد أن ماله يشبه مال من يلقط النوى للقوت. والغرض من التشبيه هنا بيان المقدار، أي للدلالة على مقدار ماله.\r(٢) انظر كتاب الصناعتين ص ٢٦٦ - ٤٣٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4826976,"book_id":5385,"shamela_page_id":19,"part":null,"page_num":22,"sequence_num":19,"body":"التاسع من كتاب الصناعتين الذي عقده لشرح البديع والإبانة عن وجوهه، وحصر أبوابه وفنونه، نذكر استنادا على ما سبق شرحه أن أنواع البديع التي كانت معروفة في عصره وسبقه إليها غيره قد بلغت سبعة وعشرين نوعا.\rوالفضل في اختراع ما عرف من أنواع البديع إلى عصر أبي هلال يرجع إلى عبد الله بن المعتز وقدامة بن جعفر. فأما ابن المعتز مؤسس علم البديع فقد اهتدى إلى ثمانية عشر نوعا من البديع، وأما قدامة فقد اهتدى إلى تسعة أنواع فقط، وبذلك يكون الاثنان قد اهتديا معا إلى سبعة وعشرين نوعا من أنواع البديع، وهذا كل ما ورد إلى علمنا مما كان معروفا من فنون علم البديع إلى عصر أبي هلال العسكري الذي بلغ بها إلى سبعة وثلاثين نوعا.\rودراسة الباب التاسع من كتاب الصناعتين تظهرنا على أن أبا هلال قد أورد فيه من أنواع البديع خمسة وثلاثين نوعا.\rعقد لكل نوع منها فصلا خاصا، كما أورد في الباب العاشر من كتابه نوعين آخرين هما حسن الابتداءات، والاشتقاق.\rوبالنظر في أنواع البديع عند أبي هلال ومقارنتها بما جاء به كل من ابن المعتز وقدامة من أنواع البديع تتجلى الحقائق التالية:\r١ - جارى أبو هلال ابن المعتز في اعتبار الاستعارة، والكناية، من أنواع البديع، مع أنهما في الواقع من فنون علم البيان.\r٢ - كذلك جارى ابن المعتز وقدامة معا في اعتبار «الاعتراض» نوعا بديعيا، كما اعتبر هو نفسه «التذييل» نوعا بديعيا آخر، مع أن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4826977,"book_id":5385,"shamela_page_id":20,"part":null,"page_num":23,"sequence_num":20,"body":"«الاعتراض» و «التذييل» أسلوبان من أساليب الإطناب الذي هو أحد أبواب علم المعاني.\r٣ - جارى ابن المعتز وقدامة في أربعة أنواع بديعية اتفقا فيها وهي:\rالطباق، المبالغة، رد الاعجاز على الصدور، الالتفات.\r٤ - أخذ مما انفرد به ابن المعتز ستة أنواع هي: الجناس، الرجوع، تجاهل العارف، المذهب الكلامي، حسن الابتداءات، تأكيد المدح بما يشبه الذم، والذي سماه هو «الاستثناء».\r٥ - كذلك أخذ مما انفرد به قدامة تسعة أنواع هي: صحة المقابلة، صحة التقسيم، صحة التفسير، الإشارة، الإرداف، التمثيل، الغلو، الترصيع، الإيغال.\r٦ - اهتدى أبو هلال نفسه إلى ستة أنواع بديعية، وقد حدد هذه الأنواع التي اكتشفها وعرفنا بها في كتابه بقوله: «وزدت على ما أورده المتقدمون ستة أنواع: التشطير، والمحاورة، والتطريز، والمضاعف، والاستشهاد، والتلطف» (١).\r٧ - وأخيرا أورد أبو هلال ثمانية أنواع بديعية لم يرد لها ذكر عنده أو عند قدامة أو ابن المعتز، وهذه هي: التوشيح، والعكس والتبديل، والتكميل، والاستطراد، وجمع المؤتلف والمختلف، والسلب والإيجاب، والتعطف، والاشتقاق.\rوالاحتمال الوحيد بالنسبة لهذه الأنواع الثمانية أنها قد انتهت إلى علم أبي هلال مما أورده المتقدمون غير قدامة وابن المعتز. نقول ذلك لأنها","footnotes":"(١) كتاب الصناعتين ص ٢٦٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4826978,"book_id":5385,"shamela_page_id":21,"part":null,"page_num":24,"sequence_num":21,"body":"لم ترد ضمن ما اهتدى إليه كلاهما من أنواع البديع. وليس من الجائز أن تكون من اختراع أبي هلال نفسه، إذ لو كان الأمر كذلك لذكرها مع الأنواع الستة التي نص في كتابه على أنها زيادة من عنده على ما أورده المتقدمون من أنواع البديع.\rوتلخيصا لكل ما سبق من أنواع البديع نذكر أن ما وصل إلينا مما اكتشف منها إلى عصر أبي هلال العسكري قد\rبلغ واحدا وأربعين نوعا، منها: ثمانية عشر نوعا من اختراع ابن المعتز، وتسعة أنواع من اختراع قدامة، وستة أنواع زادها أبو هلال العسكري، وأخيرا ثمانية أنواع ذكرها أبو هلال، ولعله قد عثر عليها لدى بعض من سبقوه من علماء البيان باستثناء قدامة وابن المعتز.\r\rابن رشيق القيرواني:\rوإذا ما انتقلنا إلى القرن الخامس الهجري فإننا نلتقي بأديب مغربي اهتم بالشعر وآدابه اهتماما كبيرا، وحظي البديع منه بنصيب ملحوظ من البحث والدراسة.\rذلك الأديب المغربي هو أبو علي الحسن بن رشيق الأزدي القيرواني أحد بلغاء القيروان وشعرائها، ولد بالمسيلة وقيل بالمحمدية سنة ٣٩٠ للهجرة، وأبوه مملوك رومي من موالي الأزد، وكانت صنعة أبيه في بلده المحمدية الصياغة، فعلمه أبوه صنعته، وقرأ الأدب بالمحمدية، وقال الشعر، ثم تاقت نفسه إلى الاستزادة منه وملاقاة أهل الأدب فارتحل إلى مدينة القيروان سنة ٤٠٦ للهجرة، واشتهر بها، ومدح صاحبها المعز بن باديس الصنهاجي، ولم يزل بها إلى أن هجم العرب عليها وقتلوا أهلها وخربوها، فانتقل إلى جزيرة صقلية وأقام فيها بقرية «مازر» إلى أن توفي سنة ٤٦٤، وقيل سنة ٤٥٦ من الهجرة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4826979,"book_id":5385,"shamela_page_id":22,"part":null,"page_num":25,"sequence_num":22,"body":"ولابن رشيق مصنفات منها: رسالة قراضة الذهب، وكتاب في شذوذ اللغة يذكر فيه كل كلمة جاءت شاذة في بابها، وعدة رسائل، ثم كتاب «العمدة» في محاسن الشعر وآدابه، أو في معرفة صناعة الشعر ونقده وعيوبه.\rوالكتاب الذي يعنينا هنا من كتبه هو كتاب «العمدة» لأنه تعرض فيه بالذكر والشرح لطائفة كبيرة من فنون البديع يهمنا التعرف عليها.\rويحدثنا ابن رشيق في خطبة الكتاب عن سبب تأليفه ومضمونه فيقول: «قد وجدت الشعر أكبر علوم العرب، وأوفر حظوظ الأدب، ...\rووجدت الناس مختلفين فيه متخلفين عن كثير منه: يقدمون ويؤخرون ويقلون ويكثرون، قد بوّبوه أبوابا مبهمة، ولقبوه ألقابا متهمة (١)، وكل واحد منهم قد ضرب في جهة، وانتحل مذهبا هو فيه إمام نفسه، وشاهد دعواه، فجمعت أحسن ما قاله كل واحد منهم في كتابه، ليكون «العمدة في محاسن الشعر وآدابه»، إن شاء الله تعالى. وعولت في أكثره على قريحة نفسي، ونتيجة خاطري، خوف التكرار، ورجاء الاختصار: إلا ما تعلق بالخبر، وضبطته الرواية، فإنه لا سبيل إلى تغيير شيء من لفظه ولا معناه، ليؤتي بالأمر على وجهه، فكل ما لم أسنده إلى\rرجل معروف باسمه، ولا أحلت فيه على كتاب بعينه، فهو من ذلك. وربما نحلته أحد العرب، وبعض أهل الأدب تسترا بينهم، ووقوعا دونهم، بعد أن قرنت كل شكل بشكله، ورددت كل فرع إلى أصله، وبيّنت للناشئ المبتدئ وجه الصواب فيه .... حتى أعرف باطله من حقه، وأميز كذبه من صدقه» (٢).","footnotes":"(١) متهمة بفتح الهاء: أي مشكوك فيها.\r(٢) كتاب العمدة ج ١ ص ٤ - ٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4826980,"book_id":5385,"shamela_page_id":23,"part":null,"page_num":26,"sequence_num":23,"body":"والآن ماذا عن فنون البديع في كتاب «العمدة» لابن رشيق، إن هذا الكتاب يتألف من جزءين يضمان نحو مائة باب حاول مصنفه أن يجمع فيها كل ما وقف عليه مما كتب عن صناعة الشعر ووسائله البيانية والبديعية، وعمله فيه، كما يفهم من الكلمة التي اقتبسناها من خطبة الكتاب، عمل جمع وتبويب لا عمل بحث ودرس، وإن كانت له من حين لآخر التفاتات وملاحظات دقيقة تنم عن سعة اطلاعه وبصره بالشعر.\rومما يلاحظ على الكتاب أن المؤلف أفرد أبوابا منه لمباحث البيان، وأخرى للمحسنات البديعية، وفي ذلك ما يوحي بأنه قد بدأ يستقر في أذهان النقاد ورجال البلاغة أن البيان شيء والبديع شيء آخر. والكتاب على الرغم من كل شيء قد وعى لنا مادة ضخمة من البلاغة والنقد معا.\rويستهل ابن رشيق كلامه عن البديع بباب يعرف فيه كلا من المخترع والبديع من الشعر، ويفرق بينهما، ثم ينتهي بذكر أول من قام بجمع البديع.\rفالمخترع من الشعر عنده هو: ما لم يسبق إليه قائله، ولا عمل أحد من الشعراء قبله نظيره أو ما يقرب منه. ويقرر أن أول الناس اختراعا للشعر هو امرؤ القيس، وأن له في شعره اختراعات كثيرة أورد نماذج منها. ومن الشعراء المخترعين عنده أيضا طرفة بن العبد.\rثم يستطرد فيقول: «وما زالت الشعراء تخترع إلى عصرنا هذا وتولد، غير أن ذلك قليل في الوقت». ويدفعه ذكر التوليد إلى تعريفه فيقول: «والتوليد: أن يستخرج الشاعر معنى من معنى شاعر تقدمه، أو يزيد فيه زيادة، فلذلك يسمى التوليد، وليس باختراع لما فيه من الاقتداء بغيره، ولا يقال له أيضا «سرقة» إذا كان ليس آخذا على وجهه» (١).","footnotes":"(١) كتاب العمدة ج ١ ص ٢٣٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4826981,"book_id":5385,"shamela_page_id":24,"part":null,"page_num":27,"sequence_num":24,"body":"والفرق عنده بين الاختراع والإبداع- وإن كان معناهما في العربية واحدا- أن الاختراع: خلق المعاني التي لم يسبق إليها، والإتيان بما لم يكن منها قط، وأن الإبداع: إتيان الشاعر بالمعنى المستظرف، والذي لم تجر العادة بمثله، ثم لزمته هذه التسمية حتى قيل له بديع وإن كثر وتكرر، فصار الاختراع للمعنى، والإبداع للفظ. فإذا تم للشاعر أن يأتي بمعنى مخترع في لفظ بديع فقد استولى على الأمد، وحاز قصب السبق. بعد ذلك يوضح كلمتي «الاختراع» و «الإبداع» ثم ينتقل بالكلام إلى علم البديع فيذكر أنه ضروب كثيرة وأنواع مختلفة، وأنه سوف يذكر منه ما وسعته القدرة، وساعدت فيه الفكرة.\rوعنده أن ابن المعتز هو أول من جمع البديع، وألف فيه كتابا، لم يعدّه إلا خمسة أبواب: الاستعارة أولها، ثم التجنيس، ثم المطابقة، ثم رد الإعجاز على الصدور، ثم المذهب الكلامي.\rوقد عد ما سوى هذه الخمسة أنواع محاسن، وأباح أن يسميها من شاء ذلك بديعا، وخالفه من بعده في أشياء، يقع التنبيه عليها حيثما وقعت من كتابه العمدة (١).\rأما أنواع البديع التي أوردها ابن رشيق في كتابه «العمدة» فتبلغ تسعة وعشرين؛ منها عشرون نوعا سبقه إليها ابن المعتز وقدامة وأبو هلال العسكري، وهي: الاستعارة، الإشارة، التجنيس، التصدير أو رد الاعجاز إلى صدورها، المطابقة، المقابلة، التقسيم، الترصيع، التسهيم، التفسير، الاستطراد، الالتفات، الاستثناء وهو توكيد المدح بما يشبه الذم، التتميم، المبالغة، الغلو، الإيغال، المذهب الكلامي، التضمين، التمثيل.","footnotes":"(١) كتاب العمدة ج ١ ص ٢٣٢ - ٢٣٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4826982,"book_id":5385,"shamela_page_id":25,"part":null,"page_num":28,"sequence_num":25,"body":"أما الأنواع التسعة الباقية والتي لم يرد لها ذكر عند رجال البديع السابقين فهي: التورية، والترديد، والتفريع، والاستدعاء، والتكرار ونفي الشيء بإيجابه، والإطراد، والاشتراك، والتغاير.\rوليس لنا بالنسبة لهذه الأنواع التسعة الجديدة إلا أحد احتمالين:\rأحد هما أنه أخذها عن بعض المتقدمين في البديع غير ابن المعتز وقدامة وأبي هلال العسكري، وثانيهما أنه هو نفسه قد زادها على ما أورده المتقدمون، وإن لم يكن قد نص على ذلك كما فعل أبو هلال مثلا.\rوتتميز دراسة ابن رشيق لما ذكره من فنون البديع بأنها أكثر تفصيلا، وإن كان قد سار فيها على منهاج أشبه بمنهاج أبي هلال فهو أولا يعرف الفن البديعي ثم يشفعه بالأمثلة والشواهد من منظوم الكلام ومنثوره، وقلما\rعرض للشاهد بالتوضيح اعتمادا على فطنة القارئ.\rوفي المصطلحات نلاحظ أنه إذا آثر مصطلحا بعينه لفن بديعي، فإنه يذكر اسمه الآخر عند هذا أو ذاك ممن سبقوه إلى البديع، ففي كلامه عن «الاستثناء» يقول: وابن المعتز يسميه توكيد المدح بما يشبه الذم، وفي كلامه عن «المطابقة» يقول: وسمى قدامة هذا النوع- الذي هو المطابقة عندنا- التكافؤ ... ولم يسمه التكافؤ أحد غيره وغير النحاس من جميع من علمته، وفي «الالتفات» يقول: وهو الاعتراض عند قوم، وسماه آخرون الاستدراك، حكاه قدامة ... وهكذا. وقد جرى مع سابقيه في اعتبار الاستعارة من البديع مع أنها من أصول علم البيان.\r\rعبد القاهر الجرجاني:\rوفي القرن الخامس الهجري نلتقي بأبي بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني، الإمام النحوي وأحد علماء الكلام على مذهب","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4826983,"book_id":5385,"shamela_page_id":26,"part":null,"page_num":29,"sequence_num":26,"body":"الأشاعرة. ولد وعاش بجرجان ولم يفارقها حتى توفي سنة ٤٧١ من الهجرة.\rوله مؤلفات قيمة في النحو والعروض وإعجاز القرآن، والتفسير، والبلاغة، ولكنه اشتهر أكثر ما اشتهر بكتابه «دلائل الإعجاز» الذي وضع فيه نظرية علم المعاني، وكتابه «أسرار البلاغة» الذي وضع فيه نظرية علم البيان.\rوهو لهذا يعد بحق مؤسس البلاغة العربية، والمشيد لأركانها، والموضح لمشكلاتها، والذي على نهجه سار المؤلفون من بعده، وأتموا البنيان الذي وضع أسسه.\rوالمتصفح لكتابيه السابقين «الدلائل» و «الأسرار» يرى أنه لم يحاول فيهما وضع نظرية في علم البديع، كما فعل بالنسبة لعلمي المعاني والبديع، ولو أنه فعل لأعفى أصحاب البديع من توزع مباحثهم فيه توزعا حال بينها وبين أن تصير علما واضح المعالم والمباحث كالمعاني والبيان.\rومع ذلك فقد تكلم في «أسرار البلاغة» عن ألوان من البديع هي:\rالجناس، والسجع، وحسن التعليل، مع الإشارة أحيانا إلى الطباق والمبالغة.\rوحديثه عن هذه المحسنات ليس لأغراض بديعية بمقدار ما هو لأغراض بيانية. وتفصيل ذلك أنه في «أسرار البلاغة» يحاول الكشف عن المعاني الإضافية التي تشتمل عليها الأساليب البيانية من تشبيه وتمثيل ومجاز واستعارة، ولهذا أجمل في مقدمة «الأسرار» النظرية التي توصل إليها في «دلائل الإعجاز» والتي تأبى أن يكون للألفاظ من حيث هي ألفاظ مزية ذاتية في الكلام، فالشأن دائما للتراكيب وصورة نظمها وتأليفها. ولكي يقيم على\rذلك الدليل الذي لا يدحض عرض للجناس والسجع من فنون","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4826984,"book_id":5385,"shamela_page_id":27,"part":null,"page_num":30,"sequence_num":27,"body":"البديع، وراح يثبت أن الجمال فيهما لا يرجع إلى جمال الألفاظ من حيث هي، وإنما يرجع إلى ترتيب المعاني في الذهن ترتيبا يؤثر في النفس، ويضرب لذلك مثلا من أمثلة الجناس وهو قول أبي الفتح البستي:\rناظراه فيما جنى ناظراه ... أو دعاني أمت بما أو دعاني\rويعلق عليه بقوله: «قد أعاد- الشاعر- عليك اللفظ، كأنه يخدعك عن الفائدة وقد أعطاها، ويوهمك كأنه لم يزدك، وقد أحسن الزيادة ووفّاها، فبهذه السريرة صار التجنيس، وخصوصا المستوفى منه المتفق في الصورة، من حلى الشعر، ومذكورا في أقسام البديع» (١).\rفجمال الجناس عنده في مثل بيت أبي فتح البستي يرجع إلى المفاجأة، وأن الكلمة ترى كأنها لا تعطيك شيئا جديدا وهي في الحقيقة تعطي كثيرا، وبذلك يؤثر الجناس التام بما فيه من خداع وخفاء لا يلبث أن ينكشف، ومن ثم عد من حلى الشعر، وذكر في أقسام البديع. وكل هذا يرجع إلى المعنى النفسي لا إلى اللفظ، ويضرب مثالا للجناس الناقص قول أبي تمام:\rيمدون من أيد عواص عواصم ... تصول بأسياف قواض قواضب\rويعقب عبد القاهر بأن تأثير الجناس ينبعث من المعنى النفسي أيضا، فإن السامع يتوهم قبل أن يرد عليه الحرف الأخير في كلمتي «عواصم، وقواضب» أن الكلمتين السابقتين لهما ستعودان ثانية، ومن هنا يأتي التأثير، يقول: «تعود إليك الكلمة مؤكدة حتى إذا تمكن في نفسك تمامها، ووعى سمعك آخرها، انصرفت عن ظنك الأول، وزلت عن الذي سبق من التخيل، وفي ذلك ما ذكرت لك من طلوع الفائدة بعد أن","footnotes":"(١) أسرار البلاغة ص: ٤ - ٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4826985,"book_id":5385,"shamela_page_id":28,"part":null,"page_num":31,"sequence_num":28,"body":"يخالطك اليأس منها، وحصول الربح بعد أن تغالط فيه حتى ترى أنه رأس المال» (١).\rوعن السجع يورد عبد القاهر أمثلة للحسن منه قول القائل: اللهم هب لي حمدا، وهب لي مجدا، فلا مجد إلا بفعال، ولا فعال إلا بمال.\rومثل قول الفضل بن عيسى الرقاشي: سل الأرض، فقل: من شق أنهارك، وغرس أشجارك، وجنى ثمارك، فإن لم تجبك حوارا، أجابتك اعتبارا. ثم يذكر أنه ليس هنا لفظ اجتلب من أجل السجع، وترك له ما هو أحق بالمعنى\rمنه.\rوعلى ذلك فالجناس أو السجع عنده لا يكتسب صفة القبول أو الحسن حتى يكون المعنى هو الذي طلبه واستدعاه وساق نحوه، بحيث لا تبتغي به بدلا، ولا تجد عنه حولا، أي أن المعنى هو الذي يقود المتكلم نحو الجناس والسجع، لا أن يقود هو المعنى إليهما.\rوفي معرض البحث في السرقات الشعرية تكلم عبد القاهر عن التعليلات الخيالية التي يسوقها الشعراء في أشعارهم والتي أطلق عليها البلاغيون اسم «حسن التعليل» كقول القائل:\rلو لم تكن نية الجوزاء خدمته ... لما رأيت عليها عقد منتطق\rوإجمال القول هنا أن عبد القاهر الذي وضع نظريتي علم المعاني وعلم البيان لم يتوسع في البديع توسعه في المعاني والبيان، وأن حديثه في «أسرار البلاغة» عن الجناس والسجع وحسن التعليل والطباق لم يكن مقصودا لذاته، وإنما جاء كلامه عنها في معرض الاستدلال على نظريته القائلة بأن الألفاظ ليست لها مزية ذاتية في الكلام من حيث هي ألفاظ،","footnotes":"(١) نفس المرجع ص: ١٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4826986,"book_id":5385,"shamela_page_id":29,"part":null,"page_num":32,"sequence_num":29,"body":"وإنما المزية تأتي دائما من قبل التراكيب وصورة نظمها وتأليفها. ذلك لأن الألفاظ لا تفيد حتى تؤلف ضربا خاصا من التأليف، ويعمد بها إلى وجه دون وجه من التركيب والترتيب.\r\rالزمخشري:\rوعلى الطريق نلتقي في القرن السادس الهجري بأحد علماء الاعتزال الكبار وأعني به جار الله محمود بن عمر الزمخشري المتوفى سنة ٥٣٨ من الهجرة.\rوللزمخشري مؤلفات قيّمة في النحو واللغة والأدب، ولكن أهم كتاب اشتهر به منذ عصره هو كتاب «الكشاف» الذي قدم فيه صورة رائعة لتفسير القرآن، وأشاد به حتى أهل السنّة على الرغم من نزعة صاحبه الاعتزالية.\rوتفسير «الكشاف» هو في الواقع خير تطبيق على كل ما اهتدى إليه عبد القاهر الجرجاني من قواعد المعاني والبيان، فقد اتخذ الزمخشري من آي الذكر الحكيم أمثلة وشواهد يوضح بها كل ما استوعبه من قواعد عبد القاهر البلاغية، سواء ما اتصل منها بعلم المعاني أو علم البيان.\rوإذا كان عبد القاهر هو مؤسس علم المعاني وعلم البيان، وهو من استنبط من جزئيات كل علم الكثير من قواعده، فإن الزمخشري هو من أكمل هذه القواعد بالإضافات الجديدة التي وفق إليها وجاءت مفرقة في تضاعيف تفسيره «الكشاف».\rوهكذا استطاع الرجلان أن يضعا ويكملا قواعد علم المعاني وعلم البيان، ولم يتركا لمن بعدهما إلا فضل استقصاء هذه القواعد عندهما وتنظيمها في كتاب يجمع متفرقها ويضم منثورها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4826987,"book_id":5385,"shamela_page_id":30,"part":null,"page_num":33,"sequence_num":30,"body":"ومما تجدر الإشارة إليه هنا، ونحن نتتبع تطور علم البديع، أن المتكلمين منذ القرن الخامس من الباقلاني إلى عبد القاهر ممن عنوا بإعجاز القرآن قد نحوا البديع عن مباحث أسرار البلاغة في القرآن الكريم، لأنه في رأيهم لا يدخل في بحث الإعجاز القرآني، نظرا لأن كثيرا من فنونه مستحدث، وما ورد منه في القرآن إنما جاء دون قصد وتكلف.\rعلى هذا الأساس رأينا فيما سبق كيف أن عبد القاهر وهو يعنّي نفسه بالكشف عن نظريتي علم المعاني وعلم البيان في كتابه «دلائل الإعجاز» لم يعن أو يهتم بالبديع وفنونه.\rحقا لقد عرض في «أسرار البلاغة» للجناس والسجع وحسن التعليل والطباق، ولكن حديثه عنها قد جاء في معرض الاستدلال بها على نظريته في نظم الكلام.\rوعلى غرار عبد القاهر نرى الزمخشري لا يعني في تفسيره «الكشاف» بما جاء في آيات القرآن من بديع إلا عرضا، لأنه لم يكن يعد البديع علما مستقلا من علوم البلاغة، وإنما يعده ذيلا لها.\rوقد كانت نظرته هذه إلى البديع سببا في أن لا يقف طويلا أمام ما ورد في القرآن من فنون بديعية. ومن ثم فالزمخشري في ميدان البلاغة رجل بيان لا بديع.\rومع ذلك فقد استدعاه تفسيره البياني في «الكشاف» أن يشير إشارة خفيفة إلى ما ورد في بعض آي الذكر الحكيم من فنون البديع من مثل:\rالطباق، والمشاكلة، واللف والنشر، والالتفات، وتأكيد المدح بما يشبه الذم، ومراعاة النظير والتناسب، والتقسيم، والاستطراد، والتجريد.\rتلك كانت مساهمة الزمخشري في علم البديع، وهي مساهمة لم يكن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4826988,"book_id":5385,"shamela_page_id":31,"part":null,"page_num":34,"sequence_num":31,"body":"القصد منها خدمة مباحث هذا العلم بمقدار ما كان القصد منها بيان أثرها في بلاغة القرآن وإعجازه.\r...\r\rونلتقي في القرن السادس أيضا باثنين من رجال البديع هما:\r\rالوطواط، وأسامة بن منقذ.\rأما الوطواط فهو رشيد الدين العمري المتوفى سنة ٥٧٣ للهجرة، وقد ألّف في البلاغة الفارسية كتابا سماه «حدائق السحر في دقائق الشعر» (١) والكتاب محاولة دقيقة لتطبيق فنون البديع العربي على الأدب الفارسي. وقد استعان الوطواط على توضيح هذه الفنون بأمثلة وشواهد من الشعر والنثر في الأدبين العربي والفارسي، وكذلك بشواهد من أشعاره بالعربية.\rأسامة بن منقذ:\rأما رجل البديع الثاني فهو أبو المظفر أسامة بن مرشد بن منقذ المتوفى سنة ٥٨٤ من الهجرة. وبنو منقذ كانوا أصحاب حصن أو قلعة قريبة من حماه تدعى «شيزر»، وظلوا يقيمون بهذه القلعة ممتنعين بمناعتها حتى أصابها الزلزال في منتصف القرن السادس وأتى عليها هدما وتخريبا، ثم استولى عليها نور الدين محمود بن زنكي وأعاد بناءها وتحكم في بني منقذ فغادروها وتفرقوا في مناح مختلفة.\rوأسامة من أكابر بني منقذ وعلمائهم وشجعانهم، وله تصانيف عديدة في فنون الأدب، منها: كتاب القضاء، وكتاب الشيب والشباب،","footnotes":"(١) ترجمه إلى العربية الدكتور إبراهيم الشواربي.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4826989,"book_id":5385,"shamela_page_id":32,"part":null,"page_num":35,"sequence_num":32,"body":"وكتاب ذيل يتيمة الدهر للثعالبي، وكتاب تاريخ أيامه، وكتاب في أخبار أهله، وكتاب البديع في نقد الشعر.\rوفي بني منقذ جماعة من الشعراء كان أسامة أشعرهم واشهرهم، ومن شعره:\rقالوا نهته الأربعون عن الصبا ... وأخو المشيب يجور ثمت يهتدي\rكم جار في ليل الشباب فدلّه ... صبح المشيب على الطريق الأقصد\rوإذا عددت سنيّ ثم نقصتها ... ز من الهموم فتلك ساعة مولدي\rومن شعره في الشيخوخة:\rلا تحسدنّ على البقاء معمّرا ... فالموت أيسر ما يئول إليه\rوإذا دعوت بطول عمر لامرئ ... فاعلم بأنك قد دعوت عليه (١)\rوقد ذكرنا من مصنفات أسامة بن منقذ «كتاب البديع في نقد الشعر» (٢). وهو يشتمل على خمسة وتسعين بابا ذكر فيه كثيرا من المحسنات البديعية.\r...\r\rوفي القرن السابع الهجري نلتقي بسبعة علماء أولى كل واحد منهم البديع وفنونه فيما كتب عناية خاصة.\rوفيما يلي نبذة عن كل واحد من هؤلاء العلماء على حسب ظهورهم في عصرهم:\r\r١ - الرازي:\rهو فخر الدين محمد بن عمر الرازي المتوفى سنة ٦٠٦ للهجرة، له","footnotes":"(١) انظر ترجمة أسامة بن منقذ في معجم الأدباء لياقوت ج: ٥ ص: ١٨٨.\r(٢) حقق هذا الكتاب الدكتور أحمد أحمد بدوي وحامد عبد المجيد.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4826990,"book_id":5385,"shamela_page_id":33,"part":null,"page_num":36,"sequence_num":33,"body":"مصنفات كثيرة في تفسير القرآن الكريم، والفقه، وعلم الكلام، والطب، والكيمياء، وكان يجيد العربية، ويميل إلى مذهب الأشاعرة.\rوهو يمتاز في تأليفه بدقة التفكير وقوة المنطق والقدرة على تشعيب المسائل وحصر أقسامها حصرا يحيط بها إحاطة تامة. وبهذه الطريقة اتجه في التأليف إلى البلاغة باعتبارها مدار الإعجاز في القرآن، فألّف فيها كتابه «نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز».\rفالكتاب كما يفهم من عنوانه يتجه نحو الاختصار والإجمال، وقد أعلن في مقدمته أنه يهدف من وراء تأليفه إلى تنظيم ما صنّفه عبد القاهر في كتابيه «دلائل الإعجاز» و «أسرار البلاغة»، وذلك لما لاحظه فيهما من إهمال رعاية ترتيب الأصول والأبواب، ومن الإطناب في الكلام.\rوعلى هذا فالكتاب محاولة من جانب الرازي قصد بها تنظيم وتبويب كل ما كتبه عبد القاهر في صورة تنضبط فيها القواعد البلاغية وتنحصر فيها فروعها وأقسامها حصرا تاما.\rوبالإضافة إلى ذلك سرد الرازي في كتابه طائفة من فنون البديع، وهذه قد استمدها من كتاب «حدائق السحر في دقائق الشعر» للوطواط الذي سبقت الإشارة إليه. والرازي ينقل عنه الأمثلة العربية مع الفنون البديعية التي تمثلها، وكذلك مصطلحاتها الخاصة.\rومما نقله عن الوطواط تجنيس الخط نحو قوله تعالى: وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً، كما نقل عنه ما سماه «المصحّف»، وهو كلمات إن تغير نقطها كانت قدحا وهجاء بعد أن كانت مدحا وثناء.\rكذلك عرض لما سماه ابن المعتز باسم «الاعنات»، وهو لزوم ما لا يلزم في قوافي الشعر وطرده في السجع.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4826991,"book_id":5385,"shamela_page_id":34,"part":null,"page_num":37,"sequence_num":34,"body":"وصور ما يحدث من حسن بسبب ائتلاف كلمتين، وعقد لذلك أربعة فصول، تحدث في أولها عن التجنيس موضحا أقسامه، وقد نقلها عن الوطواط، ونقل عنه في الفصل الثاني حديثه عن الاشتقاق وقد فصله عن الجناس مع أنه ضرب منه مثل: «فأقم وجهك للدين القيّم»، وقصر الفصل الثالث على «رد العجز على الصدر» واحتذى فيه وفي تقسيماته صنيع الوطواط، حتى في ضرب الأمثلة. أما الفصل الرابع فخص به ما سماه الوطواط، «بالمقلوب»، وهو ما يقرأ طردا وعكسا، مثل:\rلبق أقبل فيه هيف ... كل ما أملك إن غنّى هبه\rفهذا البيت كل كلمة منه بانضمامها إلى أختها تجانسها في القلب.\rومثل:\rليل أضاء هلاله ... أنى يضيء بكوكب\rفكل كلمة من هذا البيت، ما عدا (أضاء ويضيء) تقرأ مستوية ومقلوبة. وانتقل الرازي إلى ما يحدث من حسن بسبب ائتلاف الكلمات، وردّ إلى هذا الجانب السجع، وجعل منه ما سماه الوطواط بالمزدوج، وهو ضرب من التعقيد في السجعتين، إذ يجمع داخل كل سجعة بين كلمتين متشابهتي الوزن والروي مثل «من جد وكد في البداية عز وبز في النهاية».\rوإلى هذا الجانب ردّ أيضا ما سماه الوطواط باسم الترصيع، وهو عنده أن تتقابل السجعتان أو يتقابل شطرا البيت تقابلا تاما بحيث يكون لكل كلمة في سجعة أو شطر قرينتها المتفقة معها في الوزن والروي بالسجعة الثانية أو الشطر الثاني مثل قوله تعالى: إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ، ومثل قول ابن النبيه:\rفحريق جمرة سيفه للمعتدي ... ورحيق خمرة سيبه للمعتفي\rفهذا البيت وقع الترصيع في جميع ألفاظه، فإن المقابلة فيه حاصلة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4826992,"book_id":5385,"shamela_page_id":35,"part":null,"page_num":38,"sequence_num":35,"body":"بين حريق ورحيق، وبين جمرة وخمرة، وبين سيفه وسيبه، وبين المعتدي والمعتفي.\rوفي القسم الذي عقده في كتابه للنظم نراه في الفصل الثالث منه يبيّن أقسام النظم، ويستهل حديثه عن ذلك\rبقول عبد القاهر: «إن الكلام إن لم يتعلق بعضه ببعض لم يحتج إلى فكر وروية كاستهلالات الجاحظ في كتبه، ومثل هذا الكلام لا تظهر فيه قوة الطبع وجودة القريحة، إنما يظهر ذلك في الكلام الذي تتعلق فيه الجمل بعضها ببعض، وتلتحم التحاما شديدا» وعند الرازي أن ذلك يجري على وجوه شتى، عد منها ثلاثة وعشرين وجها استمد معظمها هي وأمثلتها من كتاب الوطواط «حدائق السحر في دقائق الشعر».\rومن هذه الوجوه المطابقة والمقابلة والمزاوجة بين معنيين في الشرط والجزاء معا كقول البحتري:\rإذا ما نهى الناهي فلج بي الهوى ... أصاخت إلى الواشي فلج بها الهجر (١)\rكذلك يذكر من هذه الوجوه البديعية الاعتراض، والالتفات، والاقتباس، والتلميح. فالاعتراض هو عبارة عن جملة تعترض بين الكلامين وتفيد زيادة في معنى غرض المتكلم، ومن معجزه في القرآن:\rفَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا- وَلَنْ تَفْعَلُوا- فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ.\rوالالتفات، كما فسره قدامة، هو أن يكون المتكلم آخذا في معنى فيعترضه إما شك فيه، أو ظن أن رادّا يرده عليه أو سائلا يسأل عن سببه","footnotes":"(١) زواج بين نهى الناهي وإصاختها إلى وشى الواشي الواقعين في الشرط والجزاء فرتب عليهما لجاج شيء.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4826993,"book_id":5385,"shamela_page_id":36,"part":null,"page_num":39,"sequence_num":36,"body":"فيلتفت إليه بعد فراغه منه، فإما أن يجلي الشك، أو يؤكده، أو يذكر سببه. وعرفه ابن المعتز بأنه انصراف المتكلم عن الاخبار إلى المخاطبة، كقوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ... إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ.\rوالاقتباس هو أن يضمن المتكلم كلامه كلمة من آية، أو آية من كتاب الله خاصة، وهو على نوعين: نوع لا يخرج به المقتبس عن معناه، كقول الحريري: «فلم يكن إلا كلمح البصر أو هو أقرب حتى أنشد فأغرب» فإن الحريري كنى به عن شدة القرب، وكذلك هو في الآية الكريمة.\rونوع يخرج به المقتبس عن معناه كقول ابن الرومي:\rلئن أخطأت في مدحيك ... ما أخطأت في منعي\rلقد أنزلت حاجاتي ... بواد غير ذي زرع ..\rفالشاعر كنى به عن الرجل الذي لا يرجى نفعه والمراد به في الآية أرض مكة.\rوالتلميح هو أن يشير ناظم هذا النوع في بيت أو قرينة سجع إلى قصة معلومة، أو نكتة مشهورة، أو بيت شعر حفظ لتواتره، أو إلى مثل سائر يجريه في كلامه على جهة التمثيل. وأحسن التلميح وأبلغه ما حصل به زيادة في المعنى\rالمقصود، وسماه قوم التلميح بتقديم الميم، كأن الناظم أتى في بيته بنكتة زادته ملاحة، كقول ابن المعتز:\rأترى الجيرة الذين تداعوا ... عند سير الحبيب وقت الزوال؟\rعلموا أنني مقيم وقلبي ... راحل فيهم أمام الجمال\rمثل صاع (١) العزيز في أرحل القوم ... ولا يعلمون ما في الرحال","footnotes":"(١) الصاع: مكيال مقداره ثمانية أرطال على رأي، وخمسة أرطال وثلثا رطل على رأي آخر.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4826994,"book_id":5385,"shamela_page_id":37,"part":null,"page_num":40,"sequence_num":37,"body":"هذا التلميح فيه إشارة إلى قصة يوسف ﵇ حين جعل الصاع في رحل أخيه، وإخوته لم يشعروا بذلك.\rكذلك ذكر الرازي غير ما مرّ من الوجوه البديعية: إرسال المثلين، أي الجمع بينهما في بيت شعر، واللف والنشر، والتعديد، والموجّه، أو التوجيه وهو أن يمدح الشاعر ممدوحه بصفة حميدة ثم يقرن بها صفة من جنسها تفيد معنى ثانيا، أو بعبارة أخرى أن يحتمل الكلام وجهين من المعنى احتمالا مطلقا من غير تقييد بمدح أو غيره. وذلك كقول الشاعر في الحسن بن سهل عند ما زوج ابنته بوران الخليفة:\rبارك الله في الحسن ... ولبوران في الختن (١)\rيا إمام الهدى ظفر ... ت ولكن ببنت من؟\rويلي ذلك من ألوان البديع التي ذكرها الرازي:\rتجاهل العارف، والسؤال والجواب في بيت واحد، والإغراق في الصفة أو المبالغة، والجمع، والتفريق، والتقسيم، منفردة ومجتمعة، واستشهد لهذا الوجه بأبيات للوطواط ساقها في كلامه، ثم التعجب، وذكر فيه ما تمثل به الوطواط من قول بعض الشعراء:\rأيا شمعا يضيء بلا انطفاء ... ويا بدرا يلوح بلا محاق\rفأنت البدر، ما معنى انتقاصي؟ ... وأنت الشمع، ما سبب احتراقي؟\rوأخيرا يذكر حسن التعليل مع نفس المثال الذي تمثل به الوطواط.\rوإجمالا ذكر الرازي في مقدمة كتابه «نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز» أنه يحاول فيه اختصار كتابي عبد القاهر «دلائل الإعجاز» و «أسرار","footnotes":"(١) الختن: كل من كان من قبل المرأة كالأب والأخ، وقيل: أب المرأة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4826995,"book_id":5385,"shamela_page_id":38,"part":null,"page_num":41,"sequence_num":38,"body":"البلاغة» وجمع ما تناثر فيهما من القواعد البلاغية وتنظيمها وحصر فروعها وأقسامها.\rولكنه في محاولته لم يقتصر على ذلك، وإنما نراه يلخص أيضا بديعيات الوطواط وينثر ما أخذه منها في ثنايا فصول كتابه على نحو أدى إلى نوع من الخلط بين مباحث علم البديع، ومباحث علمي المعاني والبديع.\rوما دمنا نتابع نشأة البديع وتطوره في عصوره المختلفة، فإن تحليل عمل الرازي في كتابه ونقده والحكم عليه يخرج عن دائرة ما نبغيه منه.\rوما نبغيه هو معرفة قدر المساهمة التي أسهم بها في خدمة علم البديع وتطويره، وهذه المساهمة، كما رأينا، ليس فيها جديد يحسب للرازي، وكل ما له أنه استخدم في كتابه بعض فنون البديع المعروفة، وكان مرجعه الأول فيها كتاب «حدائق السحر في دقائق الشعر» للوطواط.\r\r٢ - السكاكي:\rهو سراج الدين أبو يعقوب يوسف بن محمد السكاكي المتوفى على الراجح سنة ٦٢٦ من الهجرة. ويقال إنه بدأ يشتغل بالعلم ويتفرغ له وهو في نحو الثلاثين من عمره، ولهذا أكب على علوم الفلسفة والمنطق والفقه وأصوله واللغة والبلاغة يدرسها حتى أتقنها.\rوللسكاكي مصنفات كثيرة أهمها كتاب «مفتاح العلوم» الذي قسمه إلى ثلاثة أقسام أساسية: قصر القسم الأول منها على علم الصرف وما يتصل به من الاشتقاق بأنواعه، كما جعل القسم الثاني منه لعلم النحو أما القسم الثالث فخص به علم المعاني وعلم البيان، وملحقاتهما من البلاغة والفصاحة، والمحسنات البديعية اللفظية والمعنوية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4826996,"book_id":5385,"shamela_page_id":39,"part":null,"page_num":42,"sequence_num":39,"body":"ولما كانت علوم البلاغة تحتاج إلى علوم المنطق والعروض والقافية فقد أفرد لكل منها مبحثا خاصا وحيزا في كتابه. وبذلك اشتمل «المفتاح» على علوم الصرف والنحو والمعاني والبيان والمنطق والعروض والقافية والمحسنات البديعية.\rوشهرة السكاكي ترجع في الواقع إلى القسم الثالث من كتاب المفتاح، وهو القسم الخاص بعلم المعاني وعلم البيان وملحقاتهما من البلاغة والفصاحة، والمحسنات البديعية اللفظية والمعنوية.\rومصدر هذه الشهرة أنه أعطى لأصول العلوم التي أفرد لها القسم الثالث من كتابه الصيغة النهائية التي عكف عليها العلماء من بعده يتدارسونها ويشرحونها مرارا.\rوقد كان ما انتهى إليه في ذلك وليد اكتساب ومجهود ذاتي. وتفصيل ذلك أنه استطاع أن يخرج من اطلاعه على أعمال رجال البلاغة المتقدمين عليه بملخص لما نثروه في كتبهم من آراء، أضاف إليها ما عنّ له شخصيا من أفكار، ثم صاغ ذلك كله صياغة محكمة استعان فيها بقدرته المنطقية في التعليل والتحديد والتقسيم والتفريع والتشعيب.\rولعل عبد القاهر الجرجاني والزمخشري وفخر الدين الرازي هم أكثر من أفاد منهم السكاكي في عمله هذا.\rوالآن ماذا عن البديع عند السكاكي ومجهوده فيه؟ لقد ذكرنا آنفا أنه ألحق البديع في القسم الثالث من كتابه المفتاح بعلمي المعاني والبيان.\rومعنى ذلك أنه لم يكن ينظر إليه كعلم مستقل قائم بذاته، وإلا لكان عليه أن يعامله معاملة علمي المعاني والبيان، وأن يعطيه من العناية ما أعطاه لهما.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4826997,"book_id":5385,"shamela_page_id":40,"part":null,"page_num":43,"sequence_num":40,"body":"ومع ذلك فلعله كان أول من نظر في المحسنات البديعية وقسمها إلى محسنات معنوية وأخرى لفظية، وهذا أمر يحسب بطبيعة الحال للسكاكي لأن من بحثوا قبله في المحسنات البديعية كانوا يوردونها مختلطا بعضها ببعض، وقلما حاول أحدهم أن يفرق بين المعنوي واللفظي منها، كما فعل هو.\rوشيء آخر أن السكاكي لم يأت في كتابه المفتاح على كل المحسنات البديعية التي كانت معروفة إلى عصره، وإنما اقتصر منها على ستة وعشرين نوعا، لعلها كانت في نظره أهم من غيرها أثرا في تحسين الكلام لفظا ومعنى، كما أنه لم يزد على المحسنات جديدا من عنده.\rوالمحسنات البديعية المعنوية التي آثرها على غيرها ووقف عندها في كتابه تبلغ عشرين نوعا، هي: المطابقة، والمقابلة، ومراعاة النظير، والمزاوجة، والمشاكلة، والإيهام، واللف والنشر، والجمع، والتفريق، والتقسيم، والجمع مع التفريق، والجمع مع التقسيم، والجمع مع التفريق والتقسيم، وتأكيد المدح بما يشبه الذم، والتوجيه، والاعتراض، والالتفات، والاستتباع الذي سماه الفخر الرازي الموجّه، وسوق المعلوم مساق غيره لنكتة كالتوبيخ، وتقليل اللفظ ولا تقليله مما يدخل في بعض صور الإيجاز والإطناب.\rأما المحسنات البديعية اللفظية التي أوردها فهي: الجناس، ورد العجز على الصدر، والسجع، والقلب، والاشتقاق، والترصيع.\rوكل هذه الفنون البديعية مستمدة بأمثلتها من الفخر الرازي، وقد عقب بعد سردها بقوله: «ويورد الأصحاب هنا أنواعا مثل كون الحروف منقوطة أو غير منقوطة، أو البعض منقوطا والبعض غير منقوط بالسوية، فلك أن\rتستخرج من هذا القبيل ما شئت، وتلقب من ذلك بما أحببت».","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4826998,"book_id":5385,"shamela_page_id":41,"part":null,"page_num":44,"sequence_num":41,"body":"ولعل في هذا القول ما يعزز رأينا في سبب اقتصار السكاكي على ما ساقه من المحسنات البديعية، وإيثارها على غيرها، ذلك لأن الأمر كله مرجعه إلى الذوق والقدرة على التمييز أو التفصيل بين محسن بديعي وآخر من حيث الأثر الذي يحدثه في الارتفاع بالقول لفظا ومعنى.\r\r٣ - ضياء الدين بن الأثير: ٥٨٨ - ٦٣٧ هـ.\rهو أبو الفتح نصر الله بن أبي الكرم محمد الشيباني المعروف با بن الأثير الجزري نسبة إلى جزيرة ولد فيها، تدعى جزيرة ابن عمر بالموصل.\rوضياء الدين بن الأثير هذا هو شقيق مجد الدين بن الأثير، وعز الدين بن الأثير. وأبناء الأثير الثلاثة هؤلاء اشتهر كل منهم بفن من الفنون، فمجد الدين المتوفى سنة ٦٠٦ للهجرة من رجال الحديث المشهورين وله مؤلفات مفيدة منها «النهاية في غريب الحديث والأثر»، وعز الدين المتوفى سنة ٦٣٠ للهجرة من كبار المؤرخين، وهو صاحب «الكامل في التاريخ» وهو أشهر كتب التاريخ المتداولة بين أيدينا، ومن أوثق المصادر التاريخية الإسلامية وأوضحها، بدأ فيه بالخليقة وانتهى إلى آخر سنة ٦٢٨ هـ. والكتاب كله مرتب على السنين، وقد جمع فيه خلاصة الكتب التاريخية التي تقدمته، واقتبس فيه تاريخ الطبري كله تقريبا بعد حذف الأسانيد وتبعه في ترتيبه، وجعله ١٢ جزءا كبيرا. ولعز الدين بن الأثير أيضا كتاب «أسد الغابة في معرفة الصحابة» وهو معجم أبجدي في تراجم الصحابة، في خمسة مجلدات كبيرة.\rأما ضياء الدين بن الأثير الأخ الأصغر فهو لغوي أديب، ومؤلفاته كلها في الأدب والبيان وصناعة الكلام، وأهم مؤلفاته كتاب «المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر».\rوكتاب «المثل السائر» الذي هو موضوع بحثنا هنا مقسم إلى مقدمة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4826999,"book_id":5385,"shamela_page_id":42,"part":null,"page_num":45,"sequence_num":42,"body":"في علم البيان، وإلى مقالتين: الأولى في الصناعة اللفظية، والثانية في الصناعة المعنوية.\rويقول علماء البيان: «إن المثل السائر للنظم والنثر بمنزلة أصول الفقه لاستنباط أدلة الأخصام» فقد أتى فيه بما لم يسبقه أحد إليه، ولعل هذا هو سبب زهوه وإعجابه بنفسه البادي في ثنايا كتابه.\rوقد ألّف عز الدين بن أبي الحديد صاحب شرح نهج البلاغة والمتوفى سنة ٦٥٥ للهجرة كتابا سماه «الفلك الدائر\rعلى المثل السائر» يعنّف فيه ضياء الدين بن الأثير على غروره وتهجمه على من سبقوه، ويصحح بعض آرائه، وينقض اعتراضاته على الزمخشري والغزالي وأبي علي الفارسي وابن سينا والفارابي وغيرهم ممن تناولهم بالنقد والتجريح في كتابه.\rوالآن وبعد هذه الترجمة الموجزة لابن الأثير ننتقل إلى كتابه «المثل السائر» محاولين التعرف على ما أورد فيه من أنواع البديع.\rوأول ما نلحظه بهذا الخصوص أنه لم ينظر إلى المحسنات البديعية كعلم قائم بذاته كما فعلت مدرسة عبد القاهر الجرجاني والزمخشري والسكاكي ومن لفّ لفهم، وبالتالي لم يدرسها دراسة منفصلة عن البيان، وإنما نراه يتوسع في مفهوم علم البيان بحيث يشمل مباحث علم المعاني والبديع، مجاريا في ذلك مدرسة الجاحظ التي تعتبر كلمة البيان مرادفة لكلمة البلاغة.\rمن أجل ذلك نراه في مقالته (١) الأولى الخاصة بالصناعة اللفظية","footnotes":"(١) كتاب المثل السائر ص: ٥٦ - ١٢٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827000,"book_id":5385,"shamela_page_id":43,"part":null,"page_num":46,"sequence_num":43,"body":"يتكلم عن المحسنات البديعية اللفظية، وفي مقالته الثانية الخاصة بالصناعة المعنوية يعرض للمحسنات البديعية المعنوية.\rوعنده أن المحسنات البديعية اللفظية هي صناعة تأليف الألفاظ، ولهذا ساق منها في مقالته الأولى ثمانية أنواع، عقد لكل نوع منها فصلا مستقلا، وهذه الأنواع هي: السجع، والتصريع، والتجنيس، والترصيع، ولزوم ما لا يلزم، والموازنة، واختلاف صيغ الألفاظ، وتكرير الحروف.\rوهو في دراسته لهذه الأنواع لم يقف عند حد تعريفها وبيان أقسامها وتفريعاتها، وإنما هو أيضا يمد دراسته لها إلى بيان ما يختص فيها بالكلام المنثور، وما يختص بالكلام المنظوم، وما يعم القسمين جميعا.\rفالسجع عنده يختص بالكلام المنثور، وعرفه بأنه تواطؤ الفواصل في الكلام المنثور على حرف واحد. وهو يطيل القول فيه على أساس أنه قد أصبح سمة من سمات الرسائل، كما يسمي فواصل (١) القرآن المتحدة في الروي أسجاعا، متخذا من ذلك دليله على أن السجع أعلى درجات الكلام.\rوالترصيع يختص بالكلام المنظوم، وهو أن تكون كل لفظة من ألفاظ الشطر الأول مساوية لكل لفظة من ألفاظ الشطر الثاني في الوزن والقافية. وهذا لا يوجد في كلام الله تعالى لما هو عليه من زيادة التكلف، وإنما هو يوجد\rفي الشعر كقول بعضهم:\rفمكارم أوليتها متبرعا ... وجرائم ألغيتها متورعا\rفمكارم بإزاء جرائم، وأوليتها بإزاء ألغيتها، ومتبرعا بإزاء متورعا،","footnotes":"(١) يعني بالفواصل حروف المقاطع.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827001,"book_id":5385,"shamela_page_id":44,"part":null,"page_num":47,"sequence_num":44,"body":"وهو داخل عنده في باب السجع لأنه في الكلام المنظوم كالسجع في الكلام المنثور.\rأما أنواع المحسنات البديعية اللفظية الأخرى، وهي: التجنيس، والتصريع، ولزوم ما لا يلزم، والموازنة، واختلاف صيغ الألفاظ، وتكرير الحروف؛ فإنها عند ابن الأثير تعم القسمين جميعا.\rوفي مقالته (١) الثانية الخاصة بالصناعة المعنوية تكلم ابن الأثير بإسهاب عن المعاني. وقد دعاه ذلك إلى الحديث عن بعض المحسنات البديعية المعنوية، وهذه المحسنات هي: التجريد، والالتفات، والتفسير بعد الإبهام، والاستدراج، والاعتراض، والأحاجي أو الألغاز، والتناسب بين المعاني ويقسمه أقساما ثلاثة: الطباق، وصحة التقسيم، وترتيب التفسير الذي أراد به ما يشمل اللف والنشر. وقد توسع في معنى الطباق فجعله يشمل المقابلة، والمشاكلة، والمؤاخاة بين المعاني.\rوتكلم عن الاقتصاد والتفريط والإفراط، وهو يعني بالاقتصاد الحد الأوسط، وبالتفريط التقصير بالمعنى، وبالإفراط المبالغة، وتحدث عن الاشتقاق وعده نوعا من الجناس، كما تحدث عن التضمين، وقسمه قسمين: الاقتباس من القرآن الكريم وأحاديث الرسول، وهو يكسب الكلام حسنا وطلاوة، وقسم آخر يجري في الشعر كما يجري في النثر، إذ يعلّق معنى البيت بما بعده، أو يعلّق فصل من الكلام المنثور بما يتلوه، وفي رأيه أن ذلك مقبول ولا ينبغي أن يعاب على نحو ما عابه بعض النقاد في الشعر.\rوأخيرا يتكلم عن الإرصاد ويقول إن أبا هلال سماه التوشيح،","footnotes":"(١) كتاب المثل السائر ص: ١٢٢ - ٣١٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827002,"book_id":5385,"shamela_page_id":45,"part":null,"page_num":48,"sequence_num":45,"body":"وحقيقته أن يبني الشاعر البيت من شعره على قافية أرصدها له، أي أعدها في نفسه، فإذا أنشد صدر البيت عرف ما يأتي به في قافيته. وعنده أن ذلك من محمود الصنعة، لأن خير الكلام ما دل بعضه على بعض.\rأما التوشيح عند ضياء الدين فمعناه أن يبني الشاعر أبيات قصيدته على بحرين مختلفين، فإذا وقف من البيت على القافية الأولى أي الداخلية كان شعرا مستقيما من بحر وقافية، وإذا أضاف إلى ذلك ما بنى عليه شعره من القافية الأخرى، كان أيضا شعرا مستقيما من بحر آخر وقافية أخرى، وصار ما يضاف إلى القافية الأولى للبيت كالوشاح.\r\rفمن ذلك قول بعضهم:\rاسلم ودمت على الحوادث مارسا ... ركنا ثبير أو هضاب حراء (١)\rونل المراد ممكنا منه على ... ... رغم الدهور وفز بطول بقاء\rفهذان البيتان من بحر الكامل التام والقافية هي الهمزة، ولكن إذا حذفنا من البيت الأول «أو هضاب حراء» ومن الثاني «وفز بطول بقاء» ظل البيتان قائمين وتحولا من بحر الكامل التام إلى بحر آخر هو مجزوء الكامل، وأصبحت صورتهما هكذا:\rاسلم ودمت على الحوا ... دث مارسا ركنا ثبير\rونل المراد ممكنا ... منه على رغم الدهور\rويعقب ضياء الدين على هذا النوع بأنه لا يستعمل إلا متكلفا عند تعاطي التمكن من صناعة النظم، وأن حسنه منوط بما فيه من الصناعة لا بما فيه من البراعة.","footnotes":"(١) ثبير: الجبل المعروف عند مكة. حراء جبل بمكة فيه غار، وكان الرسول، قبل أن يوحى إليه، يأتيه ويخلو بغاره فيتحنث فيه، أي يتعبد لله.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827003,"book_id":5385,"shamela_page_id":46,"part":null,"page_num":49,"sequence_num":46,"body":"وقد أشار صاحب المثل السائر أخيرا إلى اختلاف البلاغيين في بعض مصطلحات الفنون البديعية وألقابها، بل منهم من يضع لفن واحد من البديع اسمين اعتقادا منه أن ذلك النوع نوعان مختلفان، وليس الأمر كذلك بل هما نوع واحد، وذلك كما فعل «الغانمي» حينما ذكر «التبليغ» و «الإشباع» على أنهما نوعان من البديع مختلفان، مع أنهما من حيث المضمون سواء، لا فرق بينهما بحال، كما ذكر أن أبا هلال العسكري قد سمى هذين النوعين بعينهما «الإيغال»، وهو أن يستوفي الشاعر معنى الكلام قبل البلوغ إلى مقطعه، أي قافيته، ثم يأتي بالمقطع فيزيد فيه معنى آخر، كقول امرئ القيس:\rكأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقّب\rفإنه أتى بالتشبيه تاما قبل القافية وهو «كأن عيون الوحش حول خبائنا وأرحلنا الجزع» فلما احتاج إلى القافية\rوجاء بها بلغ الأمد الأقصى في المبالغة.\rولا يفوت ضياء الدين بعد ذلك أن يشير إلى ولع بعض الكتاب والشعراء بالمحسنات البديعية وتفننهم في اختراع صور منها خرجت بالكلام عن موضوع علم البيان.\rوممن فعل ذلك الحريري في رسائل تضمنتها بعض مقاماته، ففي رسالة نراه يبيّنها على كلمة مهملة وكلمة معجمة، كقوله: «الكرم، ثبت الله جيش سعودك، يزين، واللؤم، غض الدهر جفن حسودك، يشين، والأروع يثيب، والمعور (١) يخيب».\rوفي رسالة ثانية يبنيها على عبارات تقرأ طردا وردا، أي لا تستحيل","footnotes":"(١) المعور: كل من بدا فيه موضع خلل للضرب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827004,"book_id":5385,"shamela_page_id":47,"part":null,"page_num":50,"sequence_num":47,"body":"بالانعكاس، كقوله: «لذ بكل مؤمل إذا لّم وملك بذل».\rوقوله:\rأسل جناب غاشم ... مشاغب إن جلسا\rوفي رسالة ثالثة يبنيها على صورة تجعلها تقرأ من أولها بوجه، ومن آخرها بوجه آخر، كقوله: «الإنسان صنيعة الإحسان، وكسب الشكر استثمار السعادة، وفصاحة المنطق سحر الألباب، وزينة الرعاة مقت السعاة، وتناسي الحقوق ينشئ العقوق».\rوفي رسالة رابعة ينشئها على أساس حرف غير منقوط، وآخر منقوط كقوله:\rسيّد قلّب سبوق مبرّ ... فطن مغرب عزوف عيوف\rمخلف متلف أغرّ فريد ... نابه فاضل زكيّ أنوف\rويعلق ضياء الدين بن الأثير على مثل هذه الحيل البديعية بقوله:\r«كل هذا وإن تضمن مشقة من الصناعة فإنه خارج عن باب الفصاحة والبلاغة، لأن الفصاحة هي ظهور الألفاظ مع حسنها، وكذلك البلاغة، فإنها الانتهاء في محاسن الألفاظ والمعاني ... وهذا الكلام المصوغ بما أتى به الحريري في رسائله لا يتضمن فصاحة ولا بلاغة، وإنما يأتي ومعانيه غثة باردة .... وعلم البيان إنما هو الفصاحة والبلاغة في الألفاظ والمعاني، فإذا خرج عنه شيء من هذه الأوضاع المشار إليها لا يكون معدودا منه ولا داخلا في بابه. ولو كان ذلك مما يوصف بحسن في ألفاظه ومعانيه لورد في كتاب الله ﷿ الذي هو معدن\rالفصاحة والبلاغة، أو ورد في كلام العرب الفصحاء، ولم نره في شيء من أشعارهم وخطبهم» (١).","footnotes":"(١) المثل السائر ص: ٣٠٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827005,"book_id":5385,"shamela_page_id":48,"part":null,"page_num":51,"sequence_num":48,"body":"وأخيرا يصدر حكمه على هذا النوع من الكلام بقوله: «وكل ذلك وإن كان له معنى يفهم إلا أنه ضرب من الهذيان، والأولى به وبأمثاله أن يلحق بالشعبذة والمعالجة والمصارعة لا بدرجة الفصاحة والبلاغة» (١).\rوكأني بصاحب المثل السائر يرمي من وراء هذا التعليق إلى التنبيه على خطورة الإسراف في اختراع الحيل البديعية التي تفسد الأدب والذوق معا، وتعطي الغلبة في صناعة القول للصنعة على الطبع.\rولعل فيما أوردناه عن ضياء الدين بن الأثير ما يعطي صورة عن فنون البديع التي عالجها كجزء من علم البيان لا كعلم قائم بذاته كما فعلت مدرسة عبد القاهر والزمخشري والسكاكي ومن تأثر بهم.\r\r٤ - التيفاشي المغربي:\rهو أحمد بن يوسف التيفاشي المغربي المتوفى بمصر سنة ٦٥١ للهجرة، وله مؤلف في علم البديع أحصى فيه سبعين محسنا من المحسنات البديعية.\r\r٥ - زكي الدين بن أبي الأصبع المصري:\rالمتوفي سنة ٦٥٤ للهجرة، وله ثلاثة كتب هي: كتاب الأمثال (٢) وكتاب تحرير التجبير، وكتاب بديع القرآن.\rأما كتاب «الأمثال» فيتضمن ما جمعه ابن أبي الأصبع من أمثال أبي تمام، وأمثال أبي الطيب المتنبي، وما ولّده أبو الطيب من أمثال أبي تمام،","footnotes":"(١) نفس المرجع. والشعبذة والشعوذة: خفة في اليد وأخذ كالسحر يرى الشيء بغير ما عليه أصله في رأي العين.\r(٢) انظر بخصوص هذا الكتاب خزانة الأدب لا بن حجة الحموي ص ٨٣.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827006,"book_id":5385,"shamela_page_id":49,"part":null,"page_num":52,"sequence_num":49,"body":"وصدر الجميع بما وقع في الكتاب العزيز من الأمثال، وزاد على ذلك أمثال دواوين الإسلام والحماسة، وأمثال أبي نواس، وختم الجميع بأمثال العامة، وبما سار من أمثال الطغرائي في لامية العجم كقوله:\rحب السلامة يثني عزم صاحبه ... عن المعالي ويغري المرء بالكسل\rأعلّل النفس بالآمال أرقبها .. ... ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل!\rوإنما رجل الدنيا وواحدها .. ... من لا يعول في الدنيا على رجل\rوأما كتاب «تحرير التحبير» فقد أحصى فيه من المحسنات البديعية مائة وعشرين نوعا، بدأها بمحسنات ابن المعتز وقدامة، وثنّى بما جمعه من كتب البلاغيين بعدهما، فبلغ ذلك كله اثنين وتسعين محسنا، ثم أضاف إلى هذا العدد ثلاثين محسنا جديدا، منها عشرون من زياداته هو، والباقي إما مسبوق إليه أو متداخل عليه.\rوفي كتابه الثالث «بديع القرآن» عرض ابن أبي الأصبع لما في القرآن من محسنات بديعية بلغ بها مائة محسّن وثمانية، كما يقول في مقدمة الكتاب.\rومما يلاحظ عليه أنه في معالجته لفنون البديع قد أدخل بعض مباحث المعاني في البديع، وخاصة صور الإطناب، كالتكرار والتفصيل، والتذييل، والاستقصاء، والإيضاح، والبسط، والإيجاز. ومعنى ذلك أن البديع عنده، وربما قبله، أخذ يشتمل لا على الصور البيانية فحسب، كما كان الشأن منذ ابن المعتز، وإنما أخذ يشتمل أيضا على كثير من أساليب علم المعاني.\r\r٦ - علي بن عثمان الأربلي:\rالمتوفى سنة ٦٧٠ من الهجرة كان معاصرا لا بن أبي الأصبع","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827007,"book_id":5385,"shamela_page_id":50,"part":null,"page_num":53,"sequence_num":50,"body":"المصري، وقد نظم قصيدة مدح من ستة وثلاثين بيتا في كل بيت منها نوع من أنواع البديع التي كانت شائعة في عصره. وقد وضع بإزاء كل بيت اسم المحسن البديعي الذي تضمنه.\rوهذه القصيدة تعدّ المحاولة الأولى في الاتجاه الذي أخذ بعد ذلك يشيع بين الشعراء بدخولهم في ميدان البديع ينظمون فنونه في قصائد عرفت فيما بعد باسم «البديعيات».\rوفيما يلي نموذج من بديعية الأربلي:\rبعض هذا الدلال والإدلال ... حال بالهجر والتجنب حالي\r(الجناس اللفظي)\rطلب دونه منال الثريا ... وهوى دونه زوال الجبال\r(الغلو)\rوغرام أقله يذهل الآ ... ساد في خيسها عن الأشبال\r(المبالغة)\rما جد بعض فضله بذله الما ... ل وقل الذي يجود بمال\r(رد العجز على الصدر)\rليس فيه عيب يعدده الحساد ... إلا العطاء قبل السؤال\r(الاستثناء) (١)\r\r٧ - ابن مالك:\rهو بدر الدين محمد بن جمال الدين بن مالك الطائي الأندلسي أصلا الدمشقي دارا المتوفى سنة ٦٨٦ من الهجرة. وأبوه الشيخ جمال الدين بن مالك العالم النحوي صاحب الألفية المشهورة في النحو.\rوبدر الدين نحوي كأبيه، وله مؤلفات في النحو والبلاغة، وكتابه","footnotes":"(١) انظر القصيدة وترجمة الأربلي في فوات الوفيات لا بن شاكر الكتبي ج ٢ ص: ١١٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827008,"book_id":5385,"shamela_page_id":51,"part":null,"page_num":54,"sequence_num":51,"body":"«المصباح في علوم المعاني والبيان والبديع» هو تلخيص لكتاب «مفتاح العلوم» للسكاكي. وقد جرّد كتابه من تعقيدات السكاكي المنطقية والكلامية والفلسفية التي قدّم بها لأقسام المفتاح وفصوله، كما أدخل عليه بعض تعديلات، أهمها نقل مبحث البلاغة والفصاحة من ذيل البيان إلى فاتحة مختصرة.\rوقد جرى بدر الدين على رأي السكاكي في أن علمي المعاني والبيان يرجعان إلى البلاغة، وأن المحسنات البديعية ترجع إلى الفصاحة، كما اعترف بأن هذه المحسنات توابع لعلمي المعاني والبديع، ولكنه مع ذلك جعلها علما مستقلا بذاته سماه «علم البديع»، وبذلك مهد الطريق أمام البلاغة لتصبح متضمنة علوما ثلاثة: المعاني والبيان والبديع.\rولعل أهم شيء تميّز به المختصر على الأصل هو توسع بدر الدين في المحسنات البديعية، فقد ذكر منها أربعة وخمسين نوعا، على حين ذكر السكاكي منها ستة وعشرين فقط. ولا ريب أن بدر الدين كان متأثرا في ذلك برجال البديع في عصره، فقد توسعوا في إحصاء أنواعه حتى تجاوزوا بها المائة، بل إن منهم من بلغ بها مائة وخمسة وعشرين نوعا.\rوقد ردّ بدر الدين المحسنات البديعية التي عرض لها في كتابه إلى الفصاحة اللفظية والمعنوية مجاريا في ذلك السكاكي وغيره من أصحاب البديع المتقدمين عليه.\rولكنه انفرد عنهم جميعا بجعل المحسنات البديعية المعنوية قسمين:\rقسما يعود إلى الإفهام والتبيين، مثل: المذهب الكلامي، والتتميم، والتقسيم، والاحتراس، والتذييل، والاعتراض، والتجريد، والمبالغة، وقسما يعود إلى التزيين والتحسين، مثل، اللف والنشر، والجمع مع التقسيم، والجمع مع التفريق.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827009,"book_id":5385,"shamela_page_id":52,"part":null,"page_num":55,"sequence_num":52,"body":"ذلك هو مدى التطور الذي تم لعلم البديع في القرن السابع الهجري على أيدي سبعة من أشهر رجاله هم: فخر الدين الرازي، والسكاكي، وضياء الدين ابن الأثير، والتيفاشي المغربي، وابن أبي الأصبع المصري، وعلي بن عثمان الأربلي، وبدر الدين بن مالك.\rوإذا انتقلنا إلى القرن الثامن الهجري فإننا نلتقي بستة علماء كان لهم اهتمام بالبديع وفنونه، ومن هؤلاء من عرض للبديع في ثنايا درسه للبيان العربي بمفهومه العام، ومنهم من قصد قصدا إلى دراسة البديع لذاته في عمل مستقل.\r\rوفيما يلي نبذة عن كل عالم من أولئك العلماء توضح الجهد الذي بذله والمساهمة التي أسهم بها في دراسة علم البديع.\r١ - يحيى بن حمزة:\rهو يحيى بن حمزة العلوي اليمني المتوفى سنة ٣٤٩ للهجرة، وقد اشتهر بعلوم النحو والبلاغة وأصول الفقه، وله فيها مصنفات مختلفة، يهمنا منها كتابه المسمى «الطراز المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» والذي يقع في ثلاثة أجزاء.\rففي مقدمة هذا الكتاب يقفنا يحيى بن حمزة على حقيقتين: الأولى أن من ألّفوا في البلاغة إما مطيل ممل وإما موجز مخل، والحقيقة الثانية أنه لم يطلع إلا على أربعة كتب مما كتبه البلاغيون قبله، وهذه هي: «المثل السائر» لا بن الأثير، وكتاب «التبيان في علم البيان» لعبد الواحد الزملكاني الدمشقي، وكتاب «نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز» للفخر الرازي، وكتاب «المصباح في المعاني والبيان والبديع» لبدر الدين بن مالك.\rكذلك يعطي في المقدمة السبب الذي دعاه إلى تأليف كتابه، ومفاده","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827010,"book_id":5385,"shamela_page_id":53,"part":null,"page_num":56,"sequence_num":53,"body":"أنه شرع يقرأ على بعض طلابه كتاب الكشاف للزمخشري فطلبوا منه أن يؤلف لهم كتابا في البلاغة يسترشدون به في فهم الكشاف المؤسس على البلاغة وقواعدها، فأجابهم إلى طلبهم وألّف لهم هذا الكتاب.\rوالكتاب بحث في قواعد البلاغة سواء ما اتصل منها بالمعاني أو البيان أو البديع الذي يعنينا هنا في المحل الأول.\rوكل ما ذكره يحيى بن علي في كتابه عن علم البديع قد استوحاه في الواقع من كتاب «المصباح في المعاني والبيان والبديع» لبدر الدين بن مالك.\rفهو يجري مع بدر الدين في تقسيم علم البديع إلى ما يتعلق بالفصاحة اللفظية، وما يتعلق بالفصاحة المعنوية. وفي بحثه للفصاحة اللفظية ساق يحيى بن علي عشرين محسنا لفظيا، منها الجناس، والترصيع، والتوشيح، والالغاز، وقد عدّ من ذلك الطباق مع أنه من محسنات المعنى لا اللفظ.\rوفي حديثه عن الفصاحة المعنوية أورد خمسة وثلاثين محسنا معنويا، منها التشبيه، والسرقات الشعرية مستوحيا ما قاله فيها من كلام ابن الأثير. ثم ختم حديثه عن البديع بتحديد معناه وبيان أقسامه إجمالا. تلك خلاصة موجزة لما جاء في كتاب يحيى بن علي عن علم البديع.\r\r٢ - التنوخي:\rصاحب كتاب الأقصى القريب في علم البيان.\rهو محمد بن عمرو التنوخي المتوفى سنة ٧٤٩ للهجرة، كان معاصرا ليحيى بن علي وتوفيا في سنة واحدة.\rوفي عنوان الكتاب ما ينبئ عن منحى التنوخي ومفهومه للبيان أو","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827011,"book_id":5385,"shamela_page_id":54,"part":null,"page_num":57,"sequence_num":54,"body":"البلاغة. فهو لا يجري على طريقة عبد القادر والزمخشري والسكاكي، تلك الطريقة التي تقوم على أساس التمييز والفصل بين علوم البلاغة الثلاثة المعروفة، وإنما نراه يتبع طريقة ابن الأثير التي تعد البلاغة وحدة عضوية مترابطة.\rثم هو بعد ذلك يخالف ابن الأثير في طريقة البحث والمعالجة، فإذا كان ابن الأثير يعتمد في بحثه على الذوق الأدبي، فإن التنوخي يعتمد على النحو والمنطق.\rعلى أن حظ البديع من كتاب التنوخي ضئيل، فهو يتكلم فيه عن الاعتراض، وتأكيد المدح بما يشبه الذم الذي يعده صورة من صور الكناية، كما يتكلم عن الاشتقاق، والتكرار، والتقسيم، والمبالغة، والتضمين، والاستدراج،\rوالسجع، ولزوم ما لا يلزم، والجناس الذي أطال فيه. وكذلك ذكر أنواعا من البديع يمكن أن ترد إلى البيان. مثل التوشيح أو الموشحات.\rتلك هي فنون البديع التي ساقها التنوخي في كتابه، وهي من ناحية قليلة العدد، ومن ناحية أخرى جاءت مختلفة في الكتاب على حسب مقتضيات البحث، فلا فصل ولا تفريق بين اللفظي والمعنوي منها، كما فعل بعض البلاغيين المتقدمين عليه.\r\r٣ - ابن قيم الجوزية (١):\rهو شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي الدمشقي المعروف بابن قيّم الجوزية المتوفى سنة ٧٥١ للهجرة.","footnotes":"(١) انظر ترجمته في الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة ج ٤ ص: ٢١.\rوفي النجوم الزاهرة ج ٤ ص: ٢٤٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827012,"book_id":5385,"shamela_page_id":55,"part":null,"page_num":58,"sequence_num":55,"body":"كان بارعا في عدة علوم، ما بين تفسير وفقه، ولغة ونحو، وحديث وأصول. ولزم شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية، وغلب عليه حبه له حتى كان لا يخرج عن شيء من أقواله، بل ينتصر له في جميع ذلك، وهو الذي هذب كتبه ونشر علمه. واعتقل مع ابن تيمية في قلعة دمشق، فلما مات ابن تيمية أفرج عنه. وكان مغرما بجمع الكتب فحصل منها ما لا يحصر حتى كان أولاده يبيعون منها بعد موته دهرا طويلا، سوى ما اصطفوه منها لأنفسهم.\rوقد صنّف وألّف كتبا كثيرة منها: «كتاب الفوائد المشوق إلى علوم القرآن وعلوم البيان»، وهو يحتوي على مقدمة وقسمين. وفي المقدمة إشادة بعلوم البيان، لأن العلم بها في نظره يعين على معرفة إعجاز القرآن. وفي المقدمة يتحدث أيضا عن بعض مباحث البيان من حقيقة ومجاز واستعارة وتمثيل.\rوفي القسم الأول من الكتاب يتحدث عن الكناية، ثم يتطرق إلى محسنات البديع المعنوية فيحصي منها نحو ثمانين نوعا، وفي القسم الثاني الذي عقده للفصاحة يتكلم عن المحسنات البديعية اللفظية ويذكر منها أربعة وعشرين نوعا.\rتلك هي مباحث الكتاب بإيجاز، وهي في الواقع ترديد لما اهتدى إليه المتقدمون في ميدان البيان أو البديع، وليس لا بن الجوزية فيها إلا فضل الجمع، وإن كان جمعا ينقصه دقة الترتيب والتبويب.\r\r٤ - صفي الدين الحلي (١):\rهو الشاعر المشهور صفي الدين عبد العزيز بن سرايا الطائي الحلي","footnotes":"(١) انظر ترجمته في الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة لابن حجر العسقلاني ج ٢ رقم:\r٢٤٣١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827013,"book_id":5385,"shamela_page_id":56,"part":null,"page_num":59,"sequence_num":56,"body":"المتوفى سنة ٧٥٠ للهجرة. أحب الأدب ومهر في فنون الشعر كلها، وتعلم المعاني والبيان، وصنّف فيها، واحترف التجارة، فكان يرحل إلى الشام ومصر وماردين وغيرها في التجارة، ثم يرجع إلى بلاده، وفي غضون ذلك يمدح الملوك والأعيان.\rوديوان صفي الدين الحلي مشهور يشتمل على فنون كثيرة من الشعر، وله في مدح الرسول قصيدة طويلة تبلغ مائة وخمسة وأربعين بيتا من بحر البسيط، وهي على غرار بردة البوصيري المشهورة موضوعا ووزنا وقافية.\rوهذه القصيدة هي المعروفة ببديعية صفي الدين والتي مطلعها:\rإن جئت سلعا فسل عن جيرة العلم ... واقر السّلام على عرب بذي سلم\rوهذه البديعية تشتمل على مائة وخمسة وأربعين محسنا، لأن كل بيت فيها يتضمن محسنا من محسنات البديع. وقد قصر الأبيات الخمسة الأولى منها على الجناس الذي جعل له فيها اثني عشر نوعا.\rومطلع بديعية الحلي المشار إليه آنفا يشتمل من المحسنات على براعة الاستهلال أو حسن الابتداء كما يسميه ابن المعتز، ويعني به دلالة المطلع من البدء على موضوع القصيدة.\rكذلك يشتمل المطلع على نوعين من الجناس بين «سلام وسلم» و «علم وسلم».\rوقد سمى الحلي بديعيته «الكافية البديعية في المدائح النبوية» وألّف عليها شرحا سماه «النتائج الإلهية في شرح الكافية البديعية»، وفي مقدمة الشرح نبذة عمن سبقه إلى التأليف في البديع. ويقول ابن حجة الحموي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827014,"book_id":5385,"shamela_page_id":57,"part":null,"page_num":60,"sequence_num":57,"body":"إن الحلي «ذكر أنه جمع بديعيته من سبعين كتابا» (١). ولهذه البديعية شرح آخر وضعه عبد الغني النابلسي وسماه «الجوهر السني في شرح بديعية الصفي».\rويلاحظ على بديعية الحلي أنه لم يلتزم فيها تسمية النوع البديعي في كل بيت، اكتفاء بالتعريف به عن طريق المثال. ولعله أراد بذلك أن يسبغ على بديعيته صفة الوضوح والجمال الشعري، وأن يجنبها صفة التعقيد في النظم عند التزام تسمية النوع البديعي في البيت.\rوإذا كانت قصيدة الأربلي السابقة الذكر هي المحاولة الأولى في القصائد البديعيات فإن بديعية صفي الدين الحلي هي المحاولة الثانية في هذا الاتجاه.\r\r٥ - ابن جابر الأندلسي (٢):\rهو محمد بن أحمد بن علي بن جابر الأندلسي الضرير المتوفى سنة ٧٨٠ للهجرة. قرأ القرآن والنحو والحديث على شيوخ عصره وكان شاعرا جيد النظم عالما بالعربية، وذكر لسان الدين بن الخطيب في تاريخ غرناطة أن ابن جابر نظم فصيح ثعلب، وكفاية المتحفظ، وغير ذلك.\rوقد رحل من الأندلس إلى مصر والشام واصطحب معه أبا جعفر الغرناطي، فكان ابن جابر ينظم الشعر والغرناطي يكتب.\rولابن جابر بديعية على قافية الميم من بحر البسيط سماها «الحلة","footnotes":"(١) انظر خزانة الأدب لتقي الدين ابن حجة الحموي ص: ٣٦٨.\r(٢) ترجمته في الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة ج ٣ ص: ٤٢٩.\rوفي نكت الهميان للصفدي ص: ٢٤٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827015,"book_id":5385,"shamela_page_id":58,"part":null,"page_num":61,"sequence_num":58,"body":"السيرا في مدح خير الورى» نظمها على طريقة بديعية صفاء الدين الحلي وشرحها صاحبه أبو جعفر.\rوبديعية ابن جابر تقع في مائة وسبعة وعشرين بيتا، واستهلها بقوله:\rبطيبة انزل ويمم سيد الأمم ... وانثر له المدح وانشر أطيب الكلم\rويذكر أبو جعفر في مقدمة شرحه لهذه البديعية أن ابن جابر اتبع في سرد المحسنات البديعية الخطيب القزويني في كتابيه التلخيص والإيضاح، وذلك يعني أنه قصر بديعية على المحسنات البديعية ولم يخلطها ببعض فنون البيان كما فعل غيره.\rوقد التقى ابن جابر مع صفي الدين الحلي في عدم الالتزام بتسمية النوع البديعي في البيت، ولكنه خالفه من جهة\rعدم الإكثار من المحسنات في قصيدته مكتفيا فيها بنحو ستين محسنا، على حين تضمنت قصيدة الحلي مائة وخمسة وأربعين محسنا. والمتصفح لبديعية ابن جابر يرى أنه جرى فيها على طريقة بدر الدين بن مالك من حيث تقديم المحسنات اللفظية على المحسنات البديعية.\rويبدو أن المحاولات الثلاث أو البديعيات الثلاث التي عرضنا لها حتى الآن، وأغني بها بديعية كل من الأربلي، وصفي الدين الحلي، وابن جابر الأندلسي قد لفتت أنظار بعض العلماء الشعراء فراحوا يتبارون في نظم بديعيات على غرارها يمدحون بها الرسول ويضمنونها من المحسنات البديعية ما قدروا عليه مما عرفوا منها، وكأن تأثرهم بصفي الدين الحلي أكثر من غيره.\rومن أشهر من اقتدى به من هؤلاء العلماء:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827016,"book_id":5385,"shamela_page_id":59,"part":null,"page_num":62,"sequence_num":59,"body":"٦ - عز الدين الموصلي (١):\rالمتوفى سنة ٧٨٩ للهجرة.\rهو عز الدين علي بن الحسين الموصلي الشاعر المشهور، نزل دمشق وأقام بحلب مدة، وبرع في النظم، وجمع ديوان شعره في مجلد واحد.\rوللموصلي بديعية مشهورة مطلعها:\rبراعة تستهل الدمع في العلم ... عبارة عن نداء المفرد العلم\rوهي قصيدة نبوية في مائة وخمسة وأربعين بيتا، عارض بها بديعية الصفي الحلي، وزاد عليه الالتزام بأن يودع كل بيت اسم النوع البديعي بطريق التورية أو الاستخدام. مثال ذلك كلمة «براعة تستهل» في مطلع بديعيته السابق الذكر، فإنها تشير إلى «براعة الاستهلال»، أحد المحسنات البديعية.\rوكأني بالموصلي أراد بذلك أن يظهر تفوقه على صفي الدين الذي لم يلتزم بإدخال أسماء المحسنات البديعية في نسيج الأبيات اكتفاء بالتعريف بها بالأمثلة من ناحية، وبذكر أسمائها أمام الأبيات أو بحذائها من ناحية أخرى.\rوقد علق ابن حجة الحموي على بديعية الموصلي بقوله: «للشيخ عز الدين الموصلي قصيدة بديعية التزم فيها بتسمية النوع البديعي وورّى بها من جنس الغزل ليتميز بذلك على الشيخ صفي الدين الحلي، لأنه ما التزم في بديعيته بحمل هذا العبء الثقيل .... وربما رضي في الغالب بتسمية","footnotes":"(١) ترجمته في الدرر الكامنة ج ٣ ص: ١١٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827017,"book_id":5385,"shamela_page_id":60,"part":null,"page_num":63,"sequence_num":60,"body":"النوع ولم يعرب عن المسمى، ونثر شمل الألفاظ والمعاني لشدة ما عقّد نظما» (١).\rويقارن عبد الغني النابلسي بين الموصلي والحلي في مقدمة شرح بديعيته هو المسمى «نفحات الأزهار» بقوله: «ثم جاء بعد صفي الدين الشيخ عز الدين الموصلي، فعارضه بقصيدة على منوال قصيدته، وذكر من الأنواع ما ذكره، وزاد عليه بعض شيء يسير من اختراعاته معجبا بذكر اسم النوع البديعي في ألفاظ البيت موريا به لئلا يحتاج إلى تعريف النوع من خارج النظم، ولكنه تعسف وتكلف في غالب أبياته، وهجر موضع الرقة والانسجام، ثم شرحها شرحا يبيّن فيه مقصده ومراده مع الاختصار، ولم يشف غلة الأفكار».\rهذا وللشيخ عز الدين الموصلي بديعية أخرى لامية على وزن قصيدة كعب بن زهير التي مطلعها:\rبانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... متيم إثرها لم يفد مكبول\rوبعد فتلك نبذة تصور حال البديع في القرن الثامن، كما تصور الجهود التي بذلها في سبيل تطويره ستة من علماء هذا العصر، ثلاثة منهم عرضوا للبديع، في ثنايا كتبهم عن البيان العربي، أو عرضوا له على أنه علم بلاغي مستقل عن علمي المعاني والبيان، وهؤلاء هم: يحيى بن حمزة، والتنوخي، وابن قيم الجوزية. أما الثلاثة الآخرون فمن أصحاب البديعيات، وهم: صفي الدين الحلي، وابن جابر الأندلسي، وعز الدين الموصلي.\r...","footnotes":"(١) انظر خزانة الأدب لابن حجة الحموي ص: ٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827018,"book_id":5385,"shamela_page_id":61,"part":null,"page_num":64,"sequence_num":61,"body":"[المتبارين فى منحاه]\rوإذا ما اجتزنا القرن الثامن إلى القرن التاسع الهجري وما بعده فإننا نرى أن الاتجاه الغالب في دراسة البديع يتمثل في نظم البديعيات التي تنحو منحى صفي الدين الحلي أو عز الدين الموصلي وتتبارى مع هذا أو ذاك في منحاه. وأول هؤلاء المتبارين هو:\r\r١ - ابن حجة الحموي (١):\rالمتوفى سنة ٨٣٧ للهجرة.\rهو تقي الدين أبو بكر بن حجة الحموي، كان إماما عارفا بفنون الأدب، متقدما فيه طويل النفس في النظم والنثر.\rوله مصنفات كثيرة منها: بروق الغيث الذي انسجم في شرح لامية العجم، وكشف اللثام عن وجه التورية والاستخدام، وثمرات الأوراق في المحاضرات، وخزانة الأدب، وديوان شعر بديع.\rولا بن حجة الحموي بديعية مشهورة في مدح الرسول تبلغ مائة واثنين وأربعين بيتا، وقد استهلها بقوله:\rلي في ابتدا مدحكم يا عرب ذي سلم ... براعة تستهل الدمع في العلم\rوقد حاول في نظمها كما ذكر في مقدمة شرحه لها أن يجمع بين الحسنيين، أعني أن يقتدي بعز الدين الموصلي في تضمين ألفاظ البيت ما يشير إلى نوع المحسن البديعي الذي بناه عليه، وأن يقتدي بصفي الدين الحلي في رقة شعره وجمال نظمه وسلاسته.\rوما من شك في أن بديعيته أرق وأسلس في نظمها من بديعية عز الدين، ولكنه لم ينجح كل النجاح في التخلص مما عابه عليه من ثقل النظم والتكلف الشديد في بديعيته.","footnotes":"(١) انظر ترجمته في «الضوء اللامع» للحافظ السخاوي، وكشف الظنون لحاجي خليفة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827019,"book_id":5385,"shamela_page_id":62,"part":null,"page_num":65,"sequence_num":62,"body":"وليس لا بن حجة في بديعيته فضل اختراع أو زيادة على من تقدموه من أصحاب البديع، وكل ما له من فضل أنه جمع فيها من أعمال السابقين مائة واثنين وأربعين نوعا من المحسنات يختلط اللفظي فيها بالمعنوي من غير فصل أو تحديد. وكل ما يلحظ من خلاف بينه وبين سابقيه هو في تسمية بعض الأنواع، فالتصدير، والالتزام مثلا عنده هما رد العجز على الصدر، ولزوم ما لا يلزم عند غيره. ولعل التغاير في تسمية بعض أنواع المحسنات عند ناشئ من صعوبة تطويع اسم النوع كله للنظم.\rوقد وضع ابن حجة الحموي شرحا مطولا لبديعيته في ٤٦٧ صفحة أطلق عليه اسم «خزانة الأدب». وربما كان هذا الشرح أهم من البديعية ذاتها، لأنه قد حوّله حقيقة إلى «خزانة أدب» أودعها الكثير من علمه ومعارفه.\rفهو يكثر في الخزانة من الأمثلة والشواهد وخاصة لشعراء عصره والقريبين منهم في العصر الأيوبي، وكثيرا ما يعرض لنوادرهم ومساجلاتهم الأدبية مع ذكر ما يستحسنه من أشعارهم. وقد يستطرد فيسوق بعض ملاحظات له أو لغيره متصلة بالبديع، أو يورد تراجم لبعض الأدباء، أو يتتبع المعاني التي أخذها شاعر من آخر، كتتبعه للمعاني التي أخذها صلاح الدين الصفدي من جمال الدين بن نباته.\rفالشرح الذي أودعه «خزانة الأدب» هو في الواقع موسوعة أدبية تجمع بين اللغة والأدب والبلاغة والنقد والتاريخ والتراجم ومنظوم الكلام ومنثوره، وهو في ذلك كله مرجع عام لا غنى عنه، ومرجع خاص لشعراء العصرين\rالأيوبي والمملوكي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827020,"book_id":5385,"shamela_page_id":63,"part":null,"page_num":66,"sequence_num":63,"body":"٢ - وللسيوطي (١):\rجلال الدين عبد الرحمن بن الكمال الخضيري الأسيوطي المتوفى سنة ٩١١ للهجرة بديعية سماها «نظم البديع في مدح خير شفيع» وله عليها شرح، ولكنها لم تنل من الشهرة ما نالته غيرها من بديعيات.\r\r٣ - عائشة الباعونية:\rهي التقية عائشة بنت يوسف بن أحمد بن نصر الباعوني المتوفاة سنة ٩٢٢ للهجرة، أثنى عليها كثير من الأدباء، وهي شاعرة ذات ديوان شعر بديع. ولها في مدح الرسول بديعية فريدة في مائة وثلاثين بيتا، أطلقت عليها اسم «الفتح المبين في مدح الأمين» (٢) ومطلعها:\rفي حسن مطلع أقماري بذي سلم ... أصبحت في زمرة العشاق كالعلم\rوتحدثنا الباعونية في شرحها المختصر لبديعيتها عن سبب نظمها فتقول: «هذه قصيدة صادرة عن ذات قناع شاهدة بسلامة الطباع، منقحة بحسن البيان مبنيّة على أساس تقوى من الله ورضوان، سافرة عن وجوه البديع سامية بمدح الحبيب الشفيع، مطلقة من قيود تسمية الأنواع، مشرقة الطوالع في أفق الإبداع، موسومة بين القصائد النبويات بمقتضى الإلهام الذي هو عمدة أهل الإشارات «بالفتح المبين في مدح الأمين».\rوتقول عن الشرح: «واستخرت الله تعالى بعد تمام نظمها وثبوت","footnotes":"(١) انظر ترجمة هذا العالم الجليل بقلمه في كتابه «حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة» ص: ١٥٥، وقد أعد له بروكلمان ٤١٥ مصنفا بين كتب كثيرة ورسائل ومقامات طبع أكثرها.\r(٢) هذه البديعية وشرحها على هامش «خزانة الأدب» لا بن حجة الحموي ابتداء من صفحة: ٣١٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827021,"book_id":5385,"shamela_page_id":64,"part":null,"page_num":67,"sequence_num":64,"body":"اسمها في شرح يروق الطالب موارده وتعظم عند المستفيد فوائده، وهو أن أذكر بعد كل بيت حد النوع الذي بنيته عليه، وأقر شاهده فإن ذلك مما يفتقر إليه، وأنحو في ذلك الاختصار ولا أخل بواجب، وأنبه على ما لا بدّ منه قصدا لنفع الطالب ....».\rومن هذه الكلمة نرى أن حب الرسول هو الدافع إلى نظم هذه البديعية التي حشدت فيها مائة وثلاثين نوعا من\rالمحسنات البديعية، وأنها لم تتقيّد بتسمية الأنواع، وأن طريقتها في الشرح أن تورد بعد البيت حد النوع الذي بنته عليه مشفوعا بالشاهد في اختصار غير مخل.\rوقد وصف الشيخ عبد الغني النابلسي الباعونية بقوله: «إنها فاضلة ومن تآليفها هذه البديعية الفريدة المسماة بالفتح المبين في مدح الأمين، نظمتها على منوال تقي الدين بن حجة، مع عدم تسمية النوع تمسكا بطلاقة الألفاظ وانسجام الكلمات، وشرحتها بهذا الشرح المختصر الذي أسفرت فيه عن لسان البيان بقدر الطاقة والإمكان، ولها ديوان شعر بديع في المدائح النبوية كله لطائف، ومن تآليفها مولد جليل للنبي ﷺ اشتمل على فرائد النظم والنثر» (١).\r٤ - ومن أصحاب البديعيات أيضا صدر الدين بن معصوم الحسيني المدني المتوفى سنة ١١١٧ للهجرة بمدينة حيدر أباد. وقد استهل صدر الدين هذا بديعيته بقوله:\rحسن ابتدائي بذكرى جيرة الحرم ... له براعة شوق تستحل دمي\rوهي على غرار بديعية كل من عز الدين الموصلي وتقي الدين بن حجة، من حيث تضمين أبياتها أسماء المحسنات البديعية. وقد وضع لها","footnotes":"(١) خزانة الأدب للحموي ص: ٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827022,"book_id":5385,"shamela_page_id":65,"part":null,"page_num":68,"sequence_num":65,"body":"شرحا سماه «أنوار الربيع في أنواع البديع»، وفيه تعرض- كسابقيه من أصحاب البديع- للحديث عمن صنفوا في البديع، ودونوه في مدائحهم النبوية البديعية.\r٥ - وممن عاصر صدر الدين واشتهر في هذا الميدان الشيخ عبد الغني بن إسماعيل النابلسي (١) المتوفى سنة ١١٤٣ من الهجرة. وهو شاعر مولع بالبديع، له مؤلفات مختلفة، منها بديعيتان، نحا في إحداهما منحى صفي الدين الحلي وعائشة الباعونية، بمعنى أنه مثلهما لم يلتزم فيها اسم النوع البديعي، ومطلع هذه البديعية التي سمّاها «نسمات الأسحار في مدح النبي المختار» هو:\rيا منزل الركب بين البان فالعلم ... من سفح كاظمة حييت بالديم\rوله فيها شرح سماه «نفحات الأزهار» تحدث فيه عمن ألفوا في البديع ومن نظموا البديعيات.\rأما بديعيته الثانية فمطلعها:\rيا حسن مطلع من أهوى بذي سلم ... براعة الشوق في استهلالها ألمي\rوهي على منوال بديعية عز الدين الموصلي وتقي الدين بن حجة، من حيث تضمن كل بيت اسم النوع البديعي الذي بنى عليه. وقد كتب كل بيت من البديعية الثانية أمام ما يماثله في هامش البديعية الأولى، والتزم ذلك من طبعوا هذا الشرح. وللبديعية الثانية شرح وضعه القلعي مع البديعيات العشر.\rوفي شرحه «نفحات الأزهار» يحدثنا عن بديعيته الأولى بقوله:","footnotes":"(١) انظر ترجمته في تاريخ الجبرتي ج ٢ ص: ٢٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827023,"book_id":5385,"shamela_page_id":66,"part":null,"page_num":69,"sequence_num":66,"body":"«نظمت هذه القصيدة الميمية المسماة بنسمات الأسحار في مدح النبي المختار على طريقة تلك القصائد البديعية، معرضا عن نظم اسم النوع البديعي في أثناء البيت لأني رأيت ذلك إنما يكسب تنافر الكلمات وغرابة المباني وقلاقة (١) المعاني» ثم يستطرد إلى القول بأن التصرف في اسم النوع لضرورة النظم يجعل التعرف عليه من لا يعرف اسمه ورسمه أمرا صعبا.\rوالغريب أنه مع نقده لهذا النوع من البديعيات يعمد إلى نظم قصيدة بديعية من طرازها!.\rكذلك ينبئنا في شرحه «نفحات الأزهار» أن أبيات كل من بديعيته تبلغ مائة وخمسين بيتا، وأنهما يشتملان على مائة وخمسة وخمسين محسنا بديعيا، بعد زيادة أنواع لطيفة وفنون ظريفة، لا توجد في البديعيات التي سبقته، «وربما اتفق في البيت الواحد النوعان والثلاثة بحسب انسجام القريحة في النظم، والمعتمد فيها على ما أسس البيت عليه» ثم يشير إلى أن شرحه وسط بين الإيجاز والإطناب حتى لا يشعر قارئه بالملل والسأم.\r...\r\rتلك هي أهم البديعيات التي ظهرت قبل العصر الحديث، أي منذ قام بالمحاولة الأولى في هذا الاتجاه علي بن عثمان الأربلي في النصف الثاني من القرن السابع الهجري حتى عصر عبد الغني النابلسي.\r\rوفي العصر الحديث نلتقي أيضا بآخرين من أصحاب البديعيات، ومن أشهر هؤلاء:\r١ - البيروتي (٢):\rوهو السيد أحمد البربير البيروتي الذي ولد في دمياط ونشأ في بيروت","footnotes":"(١) قلاقة المعاني: اضطرابها.\r(٢) له ترجمة في تاريخ آداب اللغة العربية لجورجي زيدان ج ٤ ص: ١٩٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827024,"book_id":5385,"shamela_page_id":67,"part":null,"page_num":70,"sequence_num":67,"body":"وتوفي في دمشق سنة ١٢٢٦ للهجرة. وكان شاعرا أديبا، ومن آثاره الأدبية: مقامات البربير، على نسق مقامات الحريري، والشرح الجلي على بيتي الموصلي، توسع في شرحهما حتى استغرق كتابا كاملا فيه كثير من فنون الأدب، والبيتان لأحد شعراء القرن الثامن عشر الميلادي، عبد الرحمن الموصلي، وهما:\rإن مرّ والمرآة يوما في يدي ... من خلفه ذو اللطف أسمى من سما\rدارت تماثيل الزجاج ولم تزل ... تقفوه عدوا حيث سار ويمّما\rوللبيروتي هذا قصيدة بديعية في مدح الرسول أودعها الكثير من أنواع المحسنات ولها شرح وضعه مصطفى الصلاحي.\r\r٢ - الساعاتي:\rالمتوفى سنة ١٢٩٨ للهجرة.\rهو الأديب الشاعر محمود صفوت الزيلع الشهير بالساعاتي ولد في القاهرة سنة ١٢٤١ من الهجرة، وفي العشرين من عمره سافر إلى الحجاز لأداء فريضة الحج، وهنالك نم فضله عليه فأكرمه أمير مكة الشريف محمد ابن عون وصحبه فظل ملازما له وسافر معه إلى غزواته في نجد واليمن ووصف كثيرا من وقائعه في شعره.\rوعند ما عزل الشريف محمد بن عون عن إمارة مكة هاجر إلى مصر وفي صحبته الساعاتي، ثم سافر معه بعد ذلك إلى القسطنطينية، وفيها وقع بينه وبين الشيخ زين العابدين المكي تنافس أدبي.\rوفي أوائل عام ١٢٦٨ للهجرة عاد إلى القاهرة فوظف بالحكومة وظل يتنقل من وظيفة إلى أخرى حتى فاجأته منيته سنة ١٢٩٨ للهجرة، وهو عضو بمجلس أحكام الجيزة والقليوبية. وشعره إذا قيس بشعر من تقدموه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827025,"book_id":5385,"shamela_page_id":68,"part":null,"page_num":71,"sequence_num":68,"body":"ببضعة قرون أو بشعر معاصريه أجود وأرقى.\rوديوان الساعاتي مطبوع، وله فيه قصيدة بديعية في مدح الرسول تبلغ مائة واثنين وأربعين بيتا التزم فيها تسمية أنواع البديع وعارض بها بديعية تقي الدين بن حجة الحموي. وقد نظمها سنة ١٢٧٠ للهجرة واستهلها بقوله:\rسفح الدموع لذكر السفح والعلم ... أبدى البراعة في استهلاله بدم\rوقد جرى في نظمها عل طريقة ذكر النوع البديعي واتباعه بالبيت الذي بناه عليه، وفيما يلي نموذج لذلك:\rالتورية\rوكم بكيت عقيقا والبكاء على ... بدر وتوريتي كانت لبدرهم\rالجناس التام\rأقمار تمّ تعالوا في منازلهم ... فالصب مدمعه صب لبعدهم\rالمطابقة\rقد طابقوا صحبتي بالسقم حين نأوا ... ولو دنوا لشفوا ما بي من الألم\rوقد عني بشرح هذه البديعية شرحا وافيا عبد الله باشا فكري.\rومن معاصري الساعاتي كثيرون لهم بديعيات، وقد تأثر بهذا الاتجاه بعض الشعراء المسيحيين فنظموا بديعيات في مدح عيسى ﵇.\rولعل الشيخ طاهر الجزائري المتوفي سنة ١٣٤١ للهجرة هو آخر من عرف بتعاطي هذا الفن، فقد نظم قصيدة بديعية وضع لها شرحا أطلق عليه اسم «بديع التلخيص وتلخيص البديع».","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827026,"book_id":5385,"shamela_page_id":69,"part":null,"page_num":72,"sequence_num":69,"body":"وأخيرا تجدر الإشارة إلى أن الاشتغال بعلم البديع لم يقف عند حد الكتب التي صنّفت فيه وتميّز الكثير منها بالأصالة والابتكار ولم يقف كذلك عند نظم البديعيات، هذا الاتجاه الذي ظهر في النصف الثاني من القرن السابع الهجري ثم أخذ الشعراء يتبارون ويفتنون فيه على نحو ما رأينا.\rأجل لم يقف الاشتغال بعلم البديع عند هذا الحد أو ذاك وإنما تجاوز ذلك أو انحط عن ذلك إلى نظم فنونه في متون شديدة الإيجاز والتعقيد والإبهام. مثل متن الجوهر المكنون (١) في الثلاثة الفنون، ومتن ابن الشحنة الحنفي.\rحقا قد يكون القصد من وراء هذه المنظومات التعليمية مساعدة الطالب على تذكر الفنون البديعية وحدودها وأقسامها عند الاقتضاء.\rولكن أية فائدة يجنيها الطالب من حفظ أسماء ومصطلحات لا علم له بمدلولها، ولا يستطيع أن يستسيغها أو يتبينها إذا عرضت له في نص من النصوص الأدبية؟\rوعلى سبيل المثال هل يفيد الطالب شيئا غير اليأس من البلاغة والنفور منها عند ما يقرأ الأبيات التالية التي أوردها صاحب متن الجوهر المكنون عند كلامه عن المحسنات البديعية المعنوية:\rوعدّ من ألقابه المطابقة ... تشابه الأطراف والموافقة\rوالعكس والتسهيم والمشاكلة ... تزواج رجوع أو مقابلة\rتورية تدعي بإيهام لما ... أريد معناه البعيد منهما؟\rعلى أية حال إن المتون نظما كانت أو نثرا ليست محنة قاصرة على","footnotes":"(١) صاحب هذا المتن هو عبد الرحمن الأخضري وهو نظم لكتاب «تلخيص المفتاح» للقزويني.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827027,"book_id":5385,"shamela_page_id":70,"part":null,"page_num":73,"sequence_num":70,"body":"البديع وإنما هي محنة شملت العلوم العربية في العصور المتأخرة عند ما أخذت العقول بفعل عوامل شتى يرين عليها العقم والجمود.\r...\r\rوبعد فقد عرضنا لنشأة علم البديع وتطوره في العصور المختلفة، وعرفنا على ضوء هذا العرض كيف كانت مباحثه في أول الأمر عنصرا من عناصر البيان العربي، ثم كيف أخذت هذه المباحث في العصور الأولى تتميز وتتحدد معالمها شيئا فشيئا حتى صارت علما مستقلا على يد ابن المعتز، وقدامة، وأبي هلال العسكري وابن رشيق وغيرهم، وأخيرا كيف جاء شعراء البديع والصنعة من أمثال أبي تمام فثغروا في الشعر ثغرة نفذ منها بالإضافة إليهم أصحاب البديع والبديعيات والمتون وراحوا جميعا ينظرون إلى البديع على أنه غاية لا وسيلة يستعان بها على تذوق الأساليب البيانية والارتقاء بها، وبذلك أساءوا من حيث أرادوا الإحسان.\rوإذا كان الشعراء والأدباء في العصور المتأخرة قد أسرفوا في استعمال البديع وصارت لهم فيه مدارس، وإذا كان علماء البديع قد توسعوا في مفهومه حتى شمل الصور البيانية وكثيرا من صور المعاني، وحتى أضافوا إليه ما ليس منه، فخلطوا بذلك بديعا مزيفا بالبديع الحقيقي- فإن ذلك كله لا يطعن في قيمة البديع بمقدار ما يدل على سوء فهمهم وقصورهم وجمودهم.\rولعل في دراستنا لبعض فنون البديع ما يرجع بهذا العلم إلى صوره الجميلة عند ابن المعتز وقدامة وأبي هلال وأضرابهم، وما يرد إليه اعتباره كقيمة جمالية في الأدب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827028,"book_id":5385,"shamela_page_id":71,"part":null,"page_num":75,"sequence_num":71,"body":"فنون علم البديع\rعرفنا من المقدمة السابقة في نشأة البديع وتطوره أن عبد الله بن المعتز هو أول من قام بمحاولة علمية جادة في سبيل تأسيس علم البديع وتحديد مباحثه التي كانت من قبل مختلطة بمباحث علم المعاني وعلم البيان.\rوتتمثل محاولته هذه في كتاب «البديع» الذي ألّفه وضمّنه ثمانية عشر فنا من فنون البديع. وقد مهدت محاولته\rالسبيل أمام البلاغيين من بعده فتأثروها وأفادوا منها في تطوير هذا العلم واستكمال مباحثه وقضاياه.\rفقدامة بن جعفر وهو من معاصري ابن المعتز أولى البديع اهتمامه وزاد فيه تسعة أنواع جديدة، وأبو هلال العسكري اعتمد ما أتى به ابن المعتز وقدامة من فنون البديع وأضاف إليها حتى بلغت عنده سبعة وثلاثين نوعا، ثم جاء ابن رشيق القيرواني فزاد على من تقدموه تسعة أنواع لم يرد لها ذكر عندهم.\rوهكذا أخذت فنون البديع تنمو وتتكاثر على تعاقب الأجيال","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827029,"book_id":5385,"shamela_page_id":72,"part":null,"page_num":76,"sequence_num":72,"body":"والعصور حتى بلغت في القرن الثامن الهجري عند الشاعر صفي الدين الحلي مائة وخمسة وأربعين محسنا بديعيا.\r\rوهذه المحسنات يقصد بها تحسين الكلام بعد رعاية المطابقة لمقتضى الحال، ورعاية وضوح الدلالة بخلوها عن التعقيد المعنوي.\rوالمحسنات البديعية ضربان: معنوي يرجع إلى تحسين المعنى أولا وبالذات، وإن كان بعضها قد يفيد تحسين اللفظ أيضا.\rوضرب لفظي يرجع إلى تحسين اللفظ أصلا، وإن تبع ذلك تحسين المعنى لأن المعنى (إن) عبّر عنه بلفظ حسن استتبع ذلك زيادة في تحسين المعنى.\rوليس من غرضنا هنا التوسع في دراسة المحسنات البديعية إلى حد الإلمام بها جميعها، وإنما الغرض هو التركيز على أهم هذه المحسنات للتعرف عليها وبيان أثرها في تحسين الكلام لفظا ومعنى.\rولما كانت المعاني هي الأصل والألفاظ توابع وقوالب لها، فإننا نبدأ بدراسة المحسنات المعنوية.\r\rالمحسنات البديعية المعنوية\rالمطابقة\rويقال لها أيضا: التطبيق، والطباق، والتضاد.\rوالمطابقة في أصل الوضع اللغوي أن يضع البعير رجله موضع يده، فإذا فعل ذلك قيل: طابق البعير.\rوقال الأصمعي: المطابقة أصلها وضع الرجل موضع اليد في مشي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827030,"book_id":5385,"shamela_page_id":73,"part":null,"page_num":77,"sequence_num":73,"body":"ذوات الأربع. وقال الخليل بن أحمد: طابقت بين الشيئين، إذا جمعت بينهما على حد واحد.\rوليس بين التسمية اللغوية والتسمية الاصطلاحية أدنى مناسبة، ذلك لأن المطابقة أو الطباق في اصطلاح رجال البديع هي: الجمع بين الضدين أو بين الشيء وضده في كلام أو بيت شعر. كالجمع بين اسمين متضادين من مثل: النهار والليل، والبياض والسواد، والحسن والقبح، والشجاعة والجبن، وكالجمع بين فعلين متضادين مثل: يظهر ويبطن، ويسعد ويشقى، ويعز ويذل، ويحيي ويميت. وكذلك كالجمع بين حرفين متضادين، نحو قوله تعالى: لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ، فالجمع بين حرفي الجر «اللام وعلى» مطابقة، لأن في «اللام» معنى المنفعة وفي «على» معنى المضرة، وهما متضادان، ومثله قول الشاعر:\rعلى أنني راض بأن أحمل الهوى ... وأخلص منه لا علي ولا ليا\rوقد تكون المطابقة بالجمع بين نوعين مختلفين كقوله تعالى: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ فإن أحد المتضادين اسم وهو «ميتا» والآخر فعل وهو «أحييناه».\rوقال زكي الدين بن أبي الأصبع المصري: المطابقة ضربان: ضرب يأتي بألفاظ الحقيقة. وضرب يأتي بألفاظ المجاز.\r١ - فالضرب الذي يأتي بألفاظ الحقيقة هو ما يسمى المطابقة أو الطباق، ومن أمثلته قوله تعالى: وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى، وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا، وقوله تعالى أيضا: وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ، وَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ، وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ، وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ، وقوله: وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827031,"book_id":5385,"shamela_page_id":74,"part":null,"page_num":78,"sequence_num":74,"body":"ومنه قول النبي ﷺ: «فليأخذ العبد من نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشبيبة للكبر، ومن الحياة للموت، فو الذي نفس محمد بيده ما بعد الحياة مستعتب (١)، ولا بعد الدنيا دار إلا الجنة والنار».\rومن شواهد المطابقة الحقيقية شعرا قول الحماسي:\rتأخرت أستبقي الحياة فلم أجد ... لنفسي حياة مثل أن أتقدما\rوقول آخر:\rلئن ساءني إن نلتني بمساءة ... لقد سرني أني خطرت ببالك\r٢ - والضرب الذي يأتي بألفاظ المجاز يسميه قدامة بن جعفر «التكافؤ» ومنه قول الشاعر:\rحلو الشمائل وهو مر باسل ... يحمي الدمار صبيحة الإرهاق\rفقوله «حلو ومر» يجري مجرى الاستعارة، إذ ليس في الإنسان ولا في شمائله ما يذاق بحاسة الذوق.\rومنه أيضا قول الشاعر:\rإذا نحن سرنا بين شرق ومغرب ... تحرك يقظان التراب ونائمه\rفالمطابقة هي بين «اليقظان والنائم»، ونسبتهما إلى التراب على سبيل المجاز. وهذا هو «التكافؤ» عند قدامة وابن أبي الأصبع.\rأما المطابقة عند قدامة ومن اتبعه فهي اجتماع المعنيين المختلفين في لفظة واحدة مكررة، كقول زياد الأعجم:","footnotes":"(١) استرضاء، لأن الأعمال بطلت وانقضى زمانها، وقيل: رجوع عن الخطأ والذنب وطلب للرضا.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827032,"book_id":5385,"shamela_page_id":75,"part":null,"page_num":79,"sequence_num":75,"body":"ونبئتهم يستنصرون بكاهل ... وللؤم فيهم كاهل وسنام\rفاللفظة المكررة هنا هي «كاهل» ومعناها في الشطر الأول من البيت «من يعتمد عليه في الملمات، يقال: فلان كاهل بني فلان أي معتمدهم في الملمات وسندهم في المهمات». وهي في الشطر الثاني: مقدّم أعلى الظهر مما يلي العنق.\r...\r\rأنواع المطابقة:\rوالمطابقة ثلاثة أنواع:\rمطابقة الإيجاب.\rمطابقة السلب.\rوإيهام التضاد.\r١ - فمطابقة الإيجاب: هي ما صرّح فيها بإظهار الضدين، أو هي ما لم يختلف فيه الضدان إيجابا وسلبا.\rومن أمثلتها بالإضافة إلى الأمثلة السابقة للمطابقة التي تأتي بلفظ الحقيقة قوله تعالى: فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ، وقوله أيضا:\rباطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ.\rومنه أحاديث الرسول: «أفضل الفضائل أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتصفح عمن شتمك» وقال: «أهل المعروف في الدنيا أهل المعروف في الآخرة، وأهل المنكر في الدنيا أهل المنكر في الآخرة».\rومنه شعرا قول امرئ القيس:\rمكر مفر مقبل مدبر معا ... كجلمود صخر حطه السيل من عل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827033,"book_id":5385,"shamela_page_id":76,"part":null,"page_num":80,"sequence_num":76,"body":"وقول مسافع:\rأبعد بني أمي أسرّ بمقبل ... من العيش أو آسى على أثر مدبر؟\rأولاك بنو خير وشر كليهما ... وأبناء معروف ألّم ومنكر\rومنه من الأقوال المأثورة: «غضب الجاهل في قوله، وغضب العاقل في فعله» و «كدر الجماعة خير من صفو الفرقة».\r٢ - ومطابقة السلب: وهي ما لم يصرح فيها بإظهار الضدين، أو هي ما اختلف فيها الضدان إيجابا وسلبا، نحو قوله تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ، فالمطابقة هنا هي في الجمع بين «يعلمون ولا يعلمون» وهي حاصلة بإيجاب العلم ونفيه، لأنهما ضدان.\rومن مطابقة السلب أيضا قول امرئ القيس:\rجزعت ولم أجزع من البين مجزعا ... وعزّيت قلبي بالكواعب مولعا\rفالمطابقة هي في الجمع بين «جزعت ولم أجزع» وهي حاصلة بإيجاب الجزع ونفيه.\rومن المستحسن في ذلك قول بعضهم:\rخلقوا وما خلقوا لمكرمة ... فكأنهم خلقوا وما خلقوا\rرزقوا وما رزقوا سماح يد ... فكأنهم رزقوا وما رزقوا\r٣ - إيهام التضاد: وهو أن يوهم لفظ الضد أنه ضد مع أنه ليس بضد، كقول الشاعر:\rيبدي وشاحا أبيضا من سيبه ... والجو قد لبس الوشاح الأغبرا\rفإن «الأغبر» ليس بضد «الأبيض» وإنما يوهم بلفظه أنه ضد. ومثله قول دعبل الخزاعي:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827034,"book_id":5385,"shamela_page_id":77,"part":null,"page_num":81,"sequence_num":77,"body":"لا تعجبي يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فيكى\rفإن «الضحك» هنا من جهة المعنى ليس بضد «البكاء»، لأنه كناية عن كثرة الشيب، ولكنه من جهة اللفظ يوهم المطابقة.\rومنه قول قريط بن أنيف:\rيجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ... ومن إساءة أهل السوء إحسانا\r«فالظلم» ليس بضد «المغفرة» وإنما يوهم بلفظه أنه ضد.\rوقول شاعر آخر:\rوأخذت أطرار الكلام فلم تدع ... شتما يضر ولا مديحا ينفع\rفضد المديح هو الهجاء وليس الشتم وإن كان قريبا من معناه، ولهذا فاستعماله ضدا للمديح هو من قبيل إيهام التضاد.\r...\r\rظهور التضاد وخفاؤه:\rوالتضاد بين المعنيين قد يكون ظاهرا كما في الأمثلة السابقة، وقد يكون خفيا كقوله تعالى: مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً (١) فإدخال النار ليس ضد الإغراق في المعنى، ولكنه يستلزم ما يقابله وهو الإحراق؛ فإن من دخل النار احترق، والاحتراق ضد الغرق.\rومثله أيضا قوله تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ. فالمطابقة هنا هي في الجمع بين «أشداء ورحماء» فلفظة «رحماء» ليست ضدا في المعنى «لأشداء» ولكن الرحمة تستلزم","footnotes":"(١) مما خطاياهم: من أجل خطاياهم وبسببها.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827035,"book_id":5385,"shamela_page_id":78,"part":null,"page_num":82,"sequence_num":78,"body":"اللين المقابل للشدة، لأن من رحم لان قلبه ورق. ومن هذه الناحية الخفية صحت المطابقة.\rومنه شعرا قول الحماسي:\rلهم جلّ مالي إن تتابع لي غنى ... وإن قل مالي لا أكلفهم رفدا (١)\rففي قوله «تتابع لي غنى» معنى الكثرة التي هي ضد القلة.\rأما قول أبي الطيب المتنبي:\rلمن تطلب الدنيا إذا لم ترد بها ... سرور محب أو إساءة مجرم؟\rفهو من المطابقة الفاسدة، لأن المجرم ليس بضد في المعنى للمحب بوجه ما، وليس للمحب ضد إلا المبغض.\r\rبلاغة المطابقة:\rوبلاغة المطابقة لا يكفي فيها الإتيان بمجرد لفظين متضادين أو متقابلين معنى، كقول الشاعر:\rولقد نزلت من الملوك بماجد ... فقر الرجال إليه مفتاح الغنى\rفمثل هذه المطابقة لا طائل من ورائها لأن مطابقة الضد بالضد على هذا النحو أمر سهل. وإنما جمال المطابقة في\rمثل هذه الحالة أن ترشح بنوع من أنواع البديع يشاركها في البهجة والرونق، كقوله تعالى: تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ. ففي العطف بقوله تعالى:\rوَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ دلالة على أن من قدر على تلك الأفعال","footnotes":"(١) الرفد: العطاء.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827036,"book_id":5385,"shamela_page_id":79,"part":null,"page_num":83,"sequence_num":79,"body":"العظيمة قدر على أن يرزق بغير حساب من شاء من عباده. وهذه مبالغة التكميل المشحونة بقدرة الله. فهنا اجتمعت المطابقة الحقيقية ومبالغة التكميل.\rومثله قول امرئ القيس:\rمكر مفر مقبل مدبر معا ... كجلمود صخر حطه السيل من عل\rفالمطابقة في الإقبال والإدبار، ولكنه لما قال «معا» زادها تكميلا، فإن المراد بها قرب الحركة وسرعتها في حالتي الإقبال والإدبار، وحالة الكر والفر. فلو ترك المطابقة مجردة من هذا التكميل ما حصل لها هذه البهجة ولا هذا الوقع الحسن في النفس.\rثم إنه استطرد بعد تمام المطابقة وكمال التكميل إلى التشبيه على سبيل الاستطراد (١) البديعي، وبهذا اشتمل بيت امرئ القيس على المطابقة والتكميل والاستطراد.\rوممن كسا المطابقة ديباجة التورية أبو الطيب المتنبي حيث قال:\rبرغم شبيب فارق السيف كفه ... وكانا على العلات يصطحبان\rكأن رقاب الناس قالت لسيفه: ... رفيقك قيسيّ وأنت يماني (٢)","footnotes":"(١) الاستطراد البديعي أن يكون الشاعر في غرض من أغراض الشعر فيوهم أنه مستمر فيه ثم يخرج منه إلى غيره لمناسبة بينهما، على أن يكون المستطرد به آخر الكلام.\r(٢) هو شبيب الخارجي، خرج على كافور وقصد دمشق وحاصرها وقتل على حصارها. كان من قيس وبين قيس واليمن عداوات وحروب قديمة، والسيف الجيد ينسب إلى اليمن فيقال له «يماني»، ومراد المتنبي هنا أن شبيبا لما قتل وفارق السيف كفه، فكأن الناس قالوا لسيفه أنت يماني وصاحبك قيسي ولهذا جانبه السيف وفارقه. انظر المثل السائر ص ٢٥٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827037,"book_id":5385,"shamela_page_id":80,"part":null,"page_num":84,"sequence_num":80,"body":"فالمطابقة هنا هي في الجمع بين «قيسي ويماني» وقيسي منسوب إلى قيس من عدنان ويماني منسوب إلى اليمن من قحطان وكان بينهما شقاق وتنازع واختلاف، ومن هنا أتى التضاد بين «قيسي ويماني». والتورية في لفظة «يماني» لأن الشاعر يعني أن كف شبيب وسيفه متنافران فلا يجتمعان لأن شبيبا كان قيسيا والسيف يقال له: «يماني» فورّي به عن الرجل المنسوب إلى اليمن.\rوقد أكثر الشعراء من استخدام المطابقة المجردة والارتفاع بجمالها وبلاغتها بما يضمونه إليها أو يكملونها أو يكسونها به من فنون البديع والبيان كالجناس واللف والنشر والتورية والتشبيه والاستعارة والتضمين.\r\rالمقابلة\rيعد قدامة بن جعفر من أوائل من تكلموا عن «المقابلة» فقد ذكرها في معرض الحديث عن بعض الخصائص الأسلوبية التي تعلي من قيمة الشعر. قال قدامة: «والذي يسمى به الشعر فائقا، ويكون إذا اجتمع فيه مستحسنا صحة المقابلة، وحسن النظم، وجزالة اللفظ، واعتدال الوزن، وإصابة التشبيه، وجودة التفصيل، وقلة التكلف، والمشاكلة في المطابقة.\rوأضداد هذا كله معيبة تمجّها الآذان، وتخرج عن وصف البيان» (١).\rوقد عرفها في كتابه «نقد الشعر» بقوله: وصحة المقابلة أن يضع الشاعر معاني يريد التوفيق أو المخالفة بين بعضها وبعض، فيأتي في الموافق بما يوافق، وفي المخالف على الصحة، أو يشرط شروطا أو يعدد أحوالا في أحد المعنيين، فيجب أن يأتي فيما يوافقه بمثل الذي شرطه وعدده، وفيما","footnotes":"(١) كتاب نقد النثر لقدامة ص ٨٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827038,"book_id":5385,"shamela_page_id":81,"part":null,"page_num":85,"sequence_num":81,"body":"يخالف بضد ذلك (١) ومن أمثلته على ذلك قول الشاعر:\rأموت إذا ما صد عني بوجهه ... ويفرح قلبي حين يرجع للوصل\rوقد علّق قدامة على البيت بقوله: «فجعل ضد الموت فرح القلب، وضد الصد بوجهه الوصل، وهذه مقابلة قبيحة، ولو قال:\rأموت إذا ما صدّ عني بوجهه ... وأحيا إذا مل الصدود وأقبلا\rفجعل جزاء الموت الحياة، وجزاء الصد بالوجه الإقبال لكان مصيبا» (٢).\rوجاء أبو هلال العسكري بعد قدامة فعرف المقابلة بقوله: «هي إيراد الكلام ثم مقابلته بمثله في المعنى واللفظ على وجه الموافقة أو المخالفة، نحو قوله تعالى: وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً، فالمكر من الله تعالى العذاب، جعله الله ﷿ مقابلة لمكرهم بأنبيائه وأهل طاعته» (٣).\rوعرّف ابن رشيق القيرواني المقابلة بقوله: «هي ترتيب الكلام على ما يجب، فيعطى أول الكلام ما يليق به أولا وآخره ما يليق به آخرا، ويؤتي في الموافق بما يوافقه، وفي المخالف بما يخالفه. وأكثر ما تجيء المقابلة في الأضداد، فإذا جاوز الطباق ضدين كان مقابلة، مثال ذلك ما أنشده قدامة لبعض الشعراء، وهو:\rفيا عجبا كيف اتفقنا فناصح ... وفي ومطويّ على الغلّ غادر","footnotes":"(١) نقد الشعر ص ٩٥.\r(٢) نقد النثر ص ٨٥.\r(٣) كتاب الصناعتين ص ٣٣٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827039,"book_id":5385,"shamela_page_id":82,"part":null,"page_num":86,"sequence_num":82,"body":"فقابل بين النصح والوفاء بالغل والغدر، وهكذا يجب أن تكون المقابلة الصحيحة» (١).\rكذلك عرف الخطيب القزويني المقابلة في كتابه التلخيص بقوله:\r«هي أن يؤتى بمعنيين متوافقين أو أكثر ثم بما يقابل ذلك على الترتيب» (٢) وهو يعني بالتوافق خلاف التقابل، نحو قوله تعالى: فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً.\rومن التعاريف السابقة يمكن القول بأن المقابلة هي: أن يؤتى بمعنيين متوافقين أو معان متوافقة، ثم بما يقابلهما أو يقابلها على الترتيب.\rوالبلاغيون مختلفون في أمر المقابلة، فمنهم من يجعلها نوعا من المطابقة ويدخلها في إيهام التضاد، ومنهم من جعلها نوعا مستقلا من أنواع البديع، وهذا هو الأصح، لأن المقابلة أعم من المطابقة.\rوصحة المقابلات تتمثل في توخي المتكلم بين الكلام على ما ينبغي، فإذا أتى بأشياء في صدر كلامه أتى بأضدادها في عجزه على الترتيب، بحيث يقابل الأول بالأول، والثاني بالثاني، لا يخرم من ذلك شيئا في المخالف والموافق. ومتى أخل بالترتيب كانت المقابلة فاسدة.\r\rالفرق بين المطابقة والمقابلة:\rوالفرق بين المطابقة والمقابلة يأتي من وجهين: أحدهما أن المطابقة لا تكون إلا بالجمع بين ضدين، أما المقابلة فتكون غالبا بالجمع بين أربعة أضداد: ضدان في صدر الكلام وضدان في عجزه. وقد تصل المقابلة إلى الجمع بين عشرة أضداد: خمسة في الصدر وخمسة في العجز.","footnotes":"(١) كتاب العمدة ج ٢ ص ١٤.\r(٢) كتاب التلخيص ص ٣٥٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827040,"book_id":5385,"shamela_page_id":83,"part":null,"page_num":87,"sequence_num":83,"body":"والثاني: أن المطابقة لا تكون إلا بالأضداد، على حين تكون المقابلة بالأضداد وغير الأضداد، ولكنها بالأضداد تكون أعلى رتبة وأعظم موقعا، نحو قوله تعالى: وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ.\rفانظر إلى مجيء الليل والنهار في صدر الكلام وهما ضدان، ثم قابلهما بضدين: هما السكون والحركة على الترتيب، ثم عبر عن الحركة بلفظ مرادف فاكتسب الكلام بذلك ضربا من المحاسن زائدا عن المقابلة؛ ذلك أنه عدل عن لفظ الحركة إلى لفظ ابتغاء الفضل، لكون الحركة تكون لمصلحة ولمفسدة، وابتغاء الفضل حركة المصلحة دون المفسدة.\rومن أمثلة هذا النوع أيضا قوله تعالى: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ*. فقد أتى في كل صدر الكلام وعجزه بضدين، ثم قابل الضدين في صدر الكلام بضدين لهما في العجز على الترتيب.\r\rأنواع المقابلة:\rوالمقابلة تأتي على أربعة أنواع على النحو التالي:\r١ - مقابلة اثنين باثنين: نحو قوله تعالى: فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً، ونحو قوله ﵇: (إن لله عبادا جعلهم مفاتيح الخير مغاليق الشر)، وقوله أيضا للأنصار: (إنكم لتكثرون عند الفزع وتقلون عند الطمع). وكقول رجل يصف آخر: «ليس له صديق في السر ولا عدو في العلانية».\rومن مقابلة اثنين باثنين في الشعر قول النابغة الجعدي:\rفتى كان فيه ما يسر صديقه ... على أن فيه ما يسوء الأعاديا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827041,"book_id":5385,"shamela_page_id":84,"part":null,"page_num":88,"sequence_num":84,"body":"وقول المعري:\rيا دهر يا منجز إيعاده ... ومخلف المأمول من وعده\rومن مليح هذه المقابلة وخفيها قول العباس بن الأحنف:\rاليوم مثل الحول حتى أرى ... وجهك والساعة كالشهر\rفقد قابل اليوم بالساعة، والحول بالشهر، لأن الساعة من اليوم كالشهر من الحول جزء من اثني عشر جزءا.\r٢ - مقابلة ثلاثة بثلاثة: نحو قوله تعالى: يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وقول علي بن أبي طالب لعثمان بن عفان: «إن الحق ثقيل وبيّ، والباطل خفيف مريّ».\rومن أمثلتها شعرا قول أبي دلامة:\rما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا ... وأقبح الكفر والإفلاس بالرجل\r٣ - مقابلة أربعة بأربعة: نحو قوله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى، وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى. وقوله: اسْتَغْنى مقابل لقوله: اتَّقى لأن معناه زهد فيما عنده واستغنى بشهوات الدنيا عن نعيم الآخرة، وذلك يتضمن عدم التقوى.\rومن مقابلة أربعة بأربعة أيضا قول أبي بكر الصديق في وصيته عند الموت: «هذا ما أوصى به أبو بكر عند آخر عهده بالدنيا خارجا منها، وأول عهده بالآخرة داخلا فيها»، فقابل: أوّلا بآخر، والدنيا بالآخرة، وخارجا بداخل، ومنها بفيها.\rومنه شعرا قول أبي تمام:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827042,"book_id":5385,"shamela_page_id":85,"part":null,"page_num":89,"sequence_num":85,"body":"يا أمة كان قبح الجور يسخطها ... دهرا فأصبح حسن العدل يرضيها\rوقول جرير:\rوباسط خير فيكم بيمينه ... وقابض شر عنكم بشماله\rوقول ابن حجة الحموي:\rقابلتهم بالرضا والسلم منشرحا ... ولوا غضابا فواحربي لغيظهمو\rفالمقابلة هنا بين «قابلتهم وولوا» و «الرضى والغضب» و «السلم والحرب» و «الانشراح والغيظ».\r٤ - ومن مقابلة خمسة بخمسة: قول الشاعر:\rبواطئ فوق خد الصبح مشتهر ... وطائر تحت ذيل الليل مكتتم\rفالمقابلة هنا بين «واطئ وطائر» لأن الواطئ هو الماشي على الأرض، والطائر هو السائر في الفضاء، وبين\r«فوق وتخت» و «خد وذيل» لما بينهما من معنى العلو والسفل، و «الصبح والليل» و «مشتهر ومكتتم».\rومنه قول صفي الدين الحلي:\rكان الرضا بدنوي من خواطرهم ... فصار سخطي لبعدي عن جوارهمو\rفالمقابلة بين «كان وصار» و «الرضا والسخط» و «الدنو والبعد» و «من وعن» و «خواطرهم وجوارهم» على مذهب من يرى أن المقابلة تجوز بالأضداد وغيرها.\rومنه أيضا قول أبي الطيب المتنبي:\rأزورهم وسواد الليل يشفع لي ... وأنثني وبياض الصبح يغري بي\rومقابلة «الليل بالصبح» لا تحسب إلا على المذهب القائل بجواز","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827043,"book_id":5385,"shamela_page_id":86,"part":null,"page_num":90,"sequence_num":86,"body":"المقابلة بين الأضداد وغيرها. أما على المذهب القائل بقصر المقابلة على الأضداد فقط فإن المقابلة بين «الليل والصبح» تكون غير تامة؛ لأن ضد الليل المحض النهار لا الصبح.\r٥ - ومن مقابلة ستة بستة: قول الصاحب شرف الدين الأربلي:\rعلى رأس عبد تاج عز يزينه ... وفي رجل حر قيد ذل يشينه\rفالمقابلة هنا بين «على وفي» و «رأس ورجل» و «عبد وحر» و «تاج وقيد» و «عز وذل» و «يزينه ويشينه».\rويرى علماء البديع أن أعلى رتب المقابلة وأبلغها هو ما كثر فيه عدد المقابلات شريطة ألا تؤدي هذه الكثرة إلى التكلف أو توحي به.\rكذلك يرون أن المقابلة بالأضداد أفضل وأتم، وهذا هو مذهب السكاكي؛ فالمقابلة عنده: أن تجمع بين شيئين فأكثر ثم تقابل ذلك بالأضداد، وإذا شرطت في أحد الشيئين أو الأشياء شرطا شرطت فيما يقابله ضده.\r...\r\rوبعد فلعلنا أدركنا الآن على ضوء دراستنا لكل من المطابقة والمقابلة مدى أثرهما في بلاغة الكلام. فكل منهما يضفي على القول رونقا وبهجة ويقوي الصلة بين الألفاظ والمعاني، ويجلو الأفكار ويوضحها شريطة أن تجري المطابقة أو المقابلة مجرى الطبع. أما إذا تكلفها الشاعر أو الأديب فإنها تكون سببا من أسباب اضطراب الأسلوب وتعقيده.\rومن صفات الأدب الجيد تلاحم أجزائه وائتلاف ألفاظه حتى كأن الكلام بأسره من حسن الجوار وشدة التلاحم كلمة واحدة، وحتى كأن الكلمة بأسرها حرف واحد. وكما يتم هذا التلاحم عن طريق التشابه يتم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827044,"book_id":5385,"shamela_page_id":87,"part":null,"page_num":91,"sequence_num":87,"body":"كذلك عن طريق التضاد، لأن المعاني يستدعي بعضها بعضا، فمنها ما يستدعي شبيهه، ومنها ما يستدعي مقابله، بل إن الضد أكثر خطورا على البال من الشبيه وأوضح في الدلالة على المعنى منه.\rوعلى هذا كلما ظهرت المطابقة أو المقابلة في الكلام بدعوة من المعنى لا تطفلا عليه، كانت أنجح في أداء دورها المنوط بها في تحسين المعنى.\r\rالمبالغة\rإذا نظرنا إلى المبالغة من الناحية التاريخية فإننا نجد أن عبد الله بن المعتز هو أول من تحدث عنها، فقد عدّها في كتابه «البديع» من محاسن الكلام والشعر، وعرّفها بأنها «الإفراط في الصفة»، ومثّل لها.\rويفهم من الأمثلة التي أوردها أن الإفراط في الصفة يأتي عنده على ضربين: ضرب فيه ملاحة وقبول، وآخر فيه إسراف وخروج بالصفة عن حد الإنسان.\rفمن النوع الأول عنده قول إبراهيم بن العباس الصولي:\rيا أخا لم أر في الناس خلّا ... مثله أسرع هجرا ووصلا\rكنت لي في صدر يومي صديقا ... فعلى عهدك أمسيت أم لا؟\rومن النوع الآخر المسرف قول الخثعميّ:\rيدلي يديه إلى القليب فيستقي ... في سرجه بدل الرّشاء المكرب\rوقول آخر يهجو رجلا:\rتبكي السموات إذا ما دعا ... وتستعيذ الأرض من سجدته","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827045,"book_id":5385,"shamela_page_id":88,"part":null,"page_num":92,"sequence_num":88,"body":"إذا اشتهى يوما لحوم القطا ... صرّعها في الجو من نكهته (١)\r...\r\rثم جاء بعد ابن المعتز قدامة بن جعفر فتحدث عن إفراط الصفة وعدّه من نعوت المعاني، وكان أول من أطلق عليه اسم «المبالغة».\rوقد عرّفها بقوله: «المبالغة أن يذكر الشاعر حالا من الأحوال في شعر، لو وقف عليها لأجزأه ذلك في الغرض الذي قصده، فلا يقف حتى يزيد في معنى ما ذكره من تلك الحال ما يكون أبلغ فيما قصد، وذلك مثل قول عمير التغلبي:\rونكرم جارنا ما دام فينا ... ونتبعه الكرامة حيث كانا\rفإكرامهم للجار ما كان فيهم- أي مدة إقامته بينهم- من الأخلاق الجميلة الموصوفة، واتباعهم الكرامة حيث كان\rمن المبالغة ...» (٢) ثم أورد بعض أمثلة أخرى للمحبوب منها والمكروه.\rوفي كتابه «نقد النثر» تحدث عن الإسراف في المبالغة فقال: «ومما أسرف فيه الشاعر حتى أخرجه إلى الكذب والمحال، وهو مع ذلك مستحسن قول أبي نواس:\rتغطيت من دهري بظل جناحه ... فعيني ترى دهري وليس يراني\rفلو تسأل الأيام عني ما درت ... وأين مكاني ما عرفن مكاني» (٣)\r...","footnotes":"(١) كتاب البديع لا بن المعتز ص ٥٨ - ٦٦. والنكهة: ريح الفم.\r(٢) كتاب نقد الشعر لقدامة ص ١٠١ - ١٠٣.\r(٣) كتاب «نقد النثر» ص ٩٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827046,"book_id":5385,"shamela_page_id":89,"part":null,"page_num":93,"sequence_num":89,"body":"ومن بعد قدامة جاء أبو هلال العسكري فعرّف المبالغة بقوله:\r«المبالغة أن تبلغ بالمعنى أقصى غاياته، وأبعد نهاياته، ولا تقتصر في العبارة عنه على أدنى منازله وأقرب مراتبه، ومثاله من القرآن قول الله تعالى:\rيَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى. ولو قال: تذهل كل امرأة عن ولدها لكان بيانا حسنا وبلاغة كاملة، وإنما خصّ المرضعة للمبالغة، لأن المرضعة أشفق على ولدها لمعرفتها بحاجته إليها، وأشغف به لقربه منها ولزومها له، لا يفارقها ليلا ولا نهارا، وعلى حسب القرب تكون المحبة والألف ...\rوقوله تعالى: كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً، لو قال يحسبه الرائي لكان جيدا، ولكن لما أراد المبالغة ذكر الظمآن، لأن حاجته إلى الماء أشد، وهو على الماء أحرص (١).\rوبعد أن أورد أبو هلال بعض أمثلة من الشعر للمبالغة، تحدث عن نوع آخر منها فقال: «ومن المبالغة نوع آخر، وهو أن يذكر المتكلم حالا لوقف عليها أجزأته في غرضه منها، فيجاوز ذلك حتى يزيد في المعنى زيادة تؤكده، ويلحق به لاحقة تؤيده، كقول عمير التغلبي:\rونكرم جارنا ما دام فينا ... ونتبعه الكرامة حيث مالا\rفإكرامهم الجار ما دام فيهم مكرمة، واتباعهم إياه الكرامة حيث مال من المبالغة» (٢).\rوكلام أبي هلال هذا عن النوع الآخر من المبالغة هو في الواقع ترديد لرأي قدامة السابق في المبالغة واستشهاد ببعض أمثلته.\r...","footnotes":"(١) كتاب الصناعتين ص ٣٦٥.\r(٢) كتاب الصناعتين ص ٣٦٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827047,"book_id":5385,"shamela_page_id":90,"part":null,"page_num":94,"sequence_num":90,"body":"كذلك عرض ابن رشيق القيرواني للمبالغة، فذكر أنها ضروب كثيرة، وأن الناس فيها مختلفون: منهم من يؤثرها ويقول بتفضيلها، ويراها الغاية القصوى في الجودة، وذلك مشهور من مذهب نابغة بني ذبيان، وهو القائل: أشعر الناس من استجيد كذبه وضحك من رديئه.\rومنهم من يعيبها وينكرها ويراها عيبا وهجنة في الكلام، وقد قال بعض حذاق نقد الشعر: إن المبالغة ربما أحالت المعنى، ولبّسته على السامع، فليست لذلك من أحسن الكلام ولا أفخره، لأنها لا تقع موقع القبول كما يقع الاقتصاد وما قاربه، لأنه ينبغي أن يكون من أهم أغراض الشاعر والمتكلم أيضا الإبانة والإفصاح، وتقريب المعنى على السامع.\rفإن العرب إنما فضلت بالبيان والفصاحة، وحلا منطقها في الصدور، وقبلته النفوس لأساليب حسنة، وإشارات لطيفة تكسبه بيانا، وتصوره في القلوب تصويرا. ولو كان الشعر هو المبالغة لكان المحدثون أشعر من القدماء، وقد رأيناهم احتالوا للكلام حتى قرّبوه من فهم السامع بالاستعارات والمجازات التي استعملوها وبالتشكيك في الشبهين، كما قال ذو الرمة:\rفيا ظبية الوعساء بين جلاجل ... وبين النقا آأنت أم أمّ سالم؟\rفلو قال: أنت أم سالم، على نفي الشك بل لو قال: أنت أحسن من الظبية، لما حل من القلوب محل الشك، وكما قال جرير:\rفإنك لو رأيت عبيد تيم ... وتيما قلت: أيهم العبيد؟\rفلو قال: «عبيدهم» أو «خير منهم» لما ظنّ به الصدق، فاحتال في تقريب المشابهة، لأن في قربها لطافة تقع في القلوب، وتدعو إلى التصديق.\rوالمبالغة في صناعة الشعر كالاستراحة من الشاعر، إذا أعياه إيراد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827048,"book_id":5385,"shamela_page_id":91,"part":null,"page_num":95,"sequence_num":91,"body":"معنى بالغ، فيشغل الإسماع بما هو محال، ويهوّل مع ذلك على السامعين، وإنما يقصدها من ليس بمتمكن من محاسن الكلام.\rويعلق ابن رشيق على الرأي السابق الذي أورده لأحد الحذاق بنقد الشعر قائلا: «وفي هذا الكلام كفاية وبلاغ، إلا أنه فيما يظهر من فحواه لم يرد إلا ما كان فيه بعد، وليس كل مبالغة كذلك.\rفالغلو هو الذي ينكره من ينكر المبالغة من سائر أنواعها ويقع فيه الخلاف لا ما سواه ... ولو بطلت المبالغة كلها وعيبت لبطل التشبيه وعيّبت الاستعارة، إلى كثير من محاسن الكلام ...» (١).\r...\r\rأما السكاكي ومن جاراه من أمثال الخطيب القزويني فيعدون «المبالغة المقبولة» من محاسن الكلام وبديعه، ويعرفونها بقولهم: «والمبالغة أن يدّعى لوصف بلوغه في الشدة أو الضعف حدا مستحيلا أو مستبعدا، لئلا يظن أنه غير متناه فيه» (٢)، أي لئلا يتوهم أن أحدا من العقلاء يظن أن الوصف المدعى غير متناه في الشدة والضعف.\rوالسكاكي إذ يقيد المبالغة «بالمقبولة» إنما يشير بهذا القيد إلى الرد على من زعم أن المبالغة مردودة مطلقا، محتجا بأن خير الكلام ما خرج مخرج الحق، وكان على منهج الصدق، كقول حسان بن ثابت:\rوإنما الشعر لب المرء يعرضه ... على المجالس إن كيسا وإن حمقا\rوإن أشعر بيت أنت قائله ... بيت يقال إذا أنشدته صدقا\rوإلى الرد كذلك على من زعم أنها مقبولة مطلقا، وأن الفضل","footnotes":"(١) كتاب العمدة ج ٢ ص ٥٠ - ٥٢.\r(٢) كتاب التلخيص للقزويني ص ٣٧٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827049,"book_id":5385,"shamela_page_id":92,"part":null,"page_num":96,"sequence_num":92,"body":"مقصور عليها، والمحاسن كلها منسوبة إليها، محتجا بأن أحسن الشعر أكذبه، وخير الكلام ما بولغ فيه.\rوتنحصر المبالغة عند السكاكي في التبليغ والإغراق والغلو؛ لأن الوصف المدعى إن كان ممكنا عقلا وعادة فتبليغ كقول امرئ القيس في وصف فرسه:\rفعادى عداء بين ثورة ونعجة ... دراكا ولم ينضح بماء فيغسل\rفقد وصف فرسه بأنه طارد ثورا ونعجة من بقر الوحش وأنه أدركهما وقتلهما في طلق وشوط واحد من غير أن يعرق عرقا مفرطا يغسل جسده، أي أدركهما وصادهما دون معاناة مشقة ومقاساة شدة، وذلك أمر ممكن عقلا وعادة.\rوإن كان الوصف ممكنا عقلا لا عادة فهو الإغراق، كقول عمير التغلبي:\rونكرم جارنا ما دام فينا ... ونتبعه الكرامة حيث مالا\rفالشاعر يدعي أن جاره لا يميل عنه إلى أي جهة إلا ويتبعه الكرامة. وهذا أمر ممكن عقلا لا عادة، أي أنه ممتنع عادة وإن كان غير ممتنع عقلا.\rوعند السكاكي ومدرسته أن هذين النوعين من المبالغة، أي التبليغ والإغراق مقبولان. أما إذا كان الوصف المدعى غير ممكن عقلا وعادة فهو الغلو، كقول أبي نواس:\rوأخفت أهل الشرك حتى أنه ... لتخافك النطف التي لم تخلق\rفالغلو هنا هو في إسناد الخوف إلى النّطف غير المخلوقة، وهذا أمر ممتنع عقلا وعادة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827050,"book_id":5385,"shamela_page_id":93,"part":null,"page_num":97,"sequence_num":93,"body":"ويرى السكاكي أن من الغلو أصنافا مقبولة، منها ما أدخل عليه ما يقرّبه إلى الصحة نحو لفظة «يكاد» التي تفيد عدم التصريح بوقوع المحال، نحو قوله تعالى: يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ، فإن إضاءة الزيت كإضاءة المصباح من غير أن تمسه النار محال عقلا. ولكن إدخال «يكاد» هنا أفاد أن المحال لم يقع ولكن قرب من الوقوع مبالغة.\rومن الغلو المقبول عنده أيضا ما تضمن نوعا حسنا من التخييل، كقول المتنبي يمدح ابن عمار:\rأقبلت تبسم والجياد عوابس ... يخببن بالحلق المضاعف والقنا\rعقدت سنابكها عليه عثيرا ... لو تبتغي عنقا عليه لأمكنا (١)\rفالمتنبي في البيت الثاني هنا ادّعى تراكم الغبار الكثيف المرتفع من سنابك الخيل فوق رؤوسها، بحيث صار أيضا يمكن سيرها عليها. وهذا ممتنع عقلا وعادة، لكنه تخيّل حسن.\rوقد اجتمع الأمران؛ أي إدخال ما يقرب الغلو إلى الصحة وتضمن التخييل الحسن في قول القاضي الأرّجاني:\rيخيّل لي أن سمّر الشهب في الدجى ... وشدّت بأهداب إليهن أجفاني\rفالأرجاني يصف الليل هنا بالطول، فيقول: يخيل لي أن الشهب محكمة بالمسامير في الظلام لا تنتقل من مكانها، وأن أجفان عينيّ قد شدت بأهدابها إلى الشهب لطول سهري في ذلك الليل. وهذا تخييل حسن، ولفظ «يخيل» يزيده حسنا.","footnotes":"(١) يخببن: يسرن سير الخبب، وهو ضرب من العدو والجري، والحلق المضاعف: الدروع الكثيرة، والقنا: الرماح، والسنابك: جمع سنبك،\rوهو طرف مقدم الحافر، والعثير:\rالغبار، والعنق بفتح العين والنون: ضرب من السير السريع.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827051,"book_id":5385,"shamela_page_id":94,"part":null,"page_num":98,"sequence_num":94,"body":"ومن الغلو المقبول أيضا ما أخرج مخرج الهزل والخلاعة، كقول القائل:\rأسكر بالأمس إن عزمت على الشر ... ب غدا إن ذا من العجب!\r...\r\rومن كلام السكاكي السابق يتضح أن المبالغة المقبولة عنده هو ومن لفّ لفّه تنحصر في التبليغ، والإغراق، والغلو.\rفإذا كان الوصف المدعى ممكنا عقلا وعادة فهو التبليغ، وإذا كان ممكنا عقلا لا عادة فهو الإغراق، وإذا كان ممتنعا عقلا وعادة فهو الغلو.\rكما يتضح أنه يرى أن هناك أصنافا من الغلو مقبولة، منها ما أدخل عليه ما يقربه إلى الصحة نحو لفظة «يكاد»، ومنها ما تضمن نوعا حسنا من التخييل، ومنها ما اجتمع فيه الأمران، ومنها ما أخرج مخرج الهزل والخلاعة.\rفالسكاكي ومعه الخطيب القزويني يعدان المبالغة بأنواعها الثلاثة من تبليغ وإغراق وغلو فنا واحدا من فنون البديع المعنوي.\rولكننا نرى أن المتأخرين من أصحاب البديع يعدون كلا من المبالغة بمعنى التبليغ، والإغراق، والغلو فنا بديعيا قائما بذاته.\rولذلك فهم يقصرون المبالغة على التبليغ بمفهومه عند السكاكي، أي إمكان وقوع الوصف المدعى عقلا وعادة، أو كما يقولون في تعريفهم:\rهي الإفراط في وصف الشيء بالممكن القريب وقوعه عادة.\rواعتبار المتأخرين للمبالغة بأنواعها على أنها ثلاثة فنون بديعية مستقلة فيه تطوير لمفهوم، المبالغة، وهو أولى بالاتباع لأنه يميز كل فن عن الآخر، ويحول دون اختلاطها وتداخل بعضها في بعض.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827052,"book_id":5385,"shamela_page_id":95,"part":null,"page_num":99,"sequence_num":95,"body":"ومن أجل ذلك يجدر بنا أن ندرس كلا منها على حدة للخروج بصورة واضحة المعالم لكل فن من هذه الفنون البديعية الثلاثة. والآن وقد تتبعنا تاريخ المبالغة وتطورها وفصلنا القول عن المبالغة بمعنى التبليغ، أو بمعنى الإفراط في وصف الشيء بالممكن القريب وقوعه عادة، فإننا نأتي على بعض أمثلة أخرى لها تزيدها وضوحا، ثم\rننتقل إلى دراسة كل من الإغراق والغلو على أنه فن بديعي مستقل بذاته.\rفمن أمثلة المبالغة بمعنى التبليغ، أو بمعنى الإفراط في وصف الشيء بالممكن القريب وقوعه عادة، قوله تعالى في وصف أعمال الكافرين: أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها.\rفلو وقف الكلام عند أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ لكان المعنى تاما بليغا، ولكن ترادف الصفات بعد ذلك والإفراط فيها أضاف للمعنى ظلالا زادت من درجة الهول الذي يطالعنا من خلال هذه الصورة التي لونتها المبالغة تلوينا يرفعها في البلاغة إلى ذروة الإعجاز.\rومن الأمثلة أيضا قول ابن نباته السعدي في سيف الدولة:\rلم يبق جودك لي شيئا أؤمله ... تركتني أصحب الدنيا بلا أمل\rومنه قول ابن الرومي مبالغة في البخل:\rلو أن قصرك يا ابن يوسف ممتل ... إبرا يضيق بها فناء المنزل\rوأتاك يوسف يستعيرك إبرة ... ليخيط قدّ قميصه لم تفعل!\rوقوله أيضا:\rفتى على خبزه ونائله ... أشفق من والد على ولده\rرغيفه منه حين تسأله ... مكان روح الجبان من جسده","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827053,"book_id":5385,"shamela_page_id":96,"part":null,"page_num":100,"sequence_num":96,"body":"ومنه قول زهير بن أبي سلمى في مدح هرم بن سنان:\rيطعنهم ما ارتموا حتى إذا أطعنوا ... ضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا (١)\rفزهير جعل لممدوحه على أعدائه في كل حال من أحوال البسالة والشجاعة فضلا ومبالغة.\rومنه قول أبي فراس الحمداني مفتخرا:\rوإني لجرار لكل كتيبة ... معوّدة ألا يخل بها النصر\rوإني لنزال بكل مخوفة ... كثير إلى نزالها النظر الشزر\rفاظمأ حتى ترتوي البيض والقنا ... وأسغب حتى يشبع الذئب والنسر\rونحن أناس لا توسط عندنا ... لنا الصدر دون العالمين أو القبر\rومنه قول المتنبي مفتخرا:\rإذا صلت لم أترك مصالا لصائل ... وإن قلت لم أترك مقالا لقائل\rوقول آخر مادحا لآل المهلب:\rنزلت على آل المهلب شاتيا ... بعيدا عن الأوطان في زمن المحل\rفما زال بي إكرامهم وافتقادهم ... وإحسانهم حتى حسبتهم أهلي\r\rالإغراق\rذكرنا فيما سبق أن المبالغة المقبولة عند السكاكي تنحصر في التبليغ والإغراق والغلو. فإذا كان الوصف المدعى ممكنا عقلا وعادة فهو التبليغ، وإذا كان ممكنا عقلا لا عادة فهو الإغراق، وإن كان ممتنعا عقلا وعادة فهو الغلو.","footnotes":"(١) يصف الممدوح بأنه يزيد على أعدائه في كل حال من أحوال الحرب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827054,"book_id":5385,"shamela_page_id":97,"part":null,"page_num":101,"sequence_num":97,"body":"كذلك ذكرنا أن السكاكي عرف المبالغة المقبولة بقوله: «هي أن يدّعى لوصف بلوغه في الشدة والضعف حدا مستحيلا أو مستبعدا».\rوإذا تأملنا هذا التعريف وجدنا أنه ينطبق على نوعين فقط من أنواع المبالغة عند السكاكي هما: الغلو والإغراق. ذلك لأن الغلو هو المستحيل عقلا وعادة، والإغراق هو المستبعد وقوعه عادة لا عقلا.\rوعلى ذلك فالإغراق في اصطلاح البديعيين: هو الوصف الممكن وقوعه عقلا لا عادة، أو بعبارة أخرى: هو الإفراط في وصف الشيء بما يمكن عقلا ويستبعد وقوعه عادة. ومن أمثلة ذلك قول عمير التغلبي السابق:\rونكرم جارنا ما دام فينا ... ونتبعه الكرامة حيث مالا\rفإكرامهم للجار مدة إقامته بينهم من الأخلاق الجميلة الموصوفة، ومدّه بالكرم عند رحيله وجعل هذا الكرم يتبعه ويشمله حيث كان وفي كل جهة يميل إليها هو الإغراق هنا. وهذا أمر ممتنع عادة وإن كان غير ممتنع عقلا.\rوكل من الإغراق والغلو لا يعدّ من محاسن القول وبديع المعنى إلا إذا دخل عليه أو اقترن به ما يقربه إلى الصحة والقبول، نحو «قد» للاحتمال، و «لو» و «لولا» للامتناع، و «كاد» للمقاربة، وما أشبه ذلك من أدوات التقريب.\rولم يقع شيء من الإغراق والغلو في القرآن الكريم ولا في الكلام الفصيح إلا بما يخرجه من باب الاستبعاد والاستحالة ويدخله في باب الإمكان، نحو: كاد ولو وما يجري مجراهما.\rومن أمثلة ذلك في الإغراق قوله تعالى: يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827055,"book_id":5385,"shamela_page_id":98,"part":null,"page_num":102,"sequence_num":98,"body":"بِالْأَبْصارِ، إذ لا يستحيل في العقل أن البرق يخطف الأبصار، ولكنه يمتنع عادة. والذي زاد وجه الإغراق هنا جمالا هو تقريبه إلى الصحة بلفظة «يكاد»، واقتران هذه الجملة بها هو الذي صرفها إلى الحقيقة، فقلبت من الامتناع إلى الإمكان.\rومن شواهد تقريب نوع الإغراق بلفظة «لو» قول زهير:\rلو كان يقعد فوق الشمس من كرم ... قوم بأولهم أو مجدهم قعدوا\rفاقتران هذه الجملة أيضا بامتناع قعود القوم فوق الشمس المستفاد بلو «هو الذي أظهر بهجة شمسها في باب الإغراق» على حد قول ابن حجة الحموي.\rومما استشهد به أيضا على نوع الإغراق بلفظة «لو» التي يمكن الإغراق بها عقلا ويمتنع عادة قول القائل:\rولو أن ما بي من جوى وصبابة ... على جمل لم يدخل النار كافر\rوقبل الحديث عن الإغراق في هذا البيت نذكر أن فيه نظرا من طرف خفي إلى قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ. وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ فالجمل له معنيان: الذكر من الإبل والحبل الغليظ، وسم الخياط: ثقب الإبرة.\rفالمعنى هنا أن المكذبين بآيات الله والمستكبرين عنها لا تفتح لهم أبواب السماء، أي لا تقبل دعواتهم ولا أعمالهم، ولا يدخلون الجنة حتى يدخل الجمل بأي معنى من معنييه السابقين في ثقب الإبرة. وبما أن دخول الجمل المعروف أو الحبل الغليظ في ثقب الإبرة الضيق الصغير أمر بعيد فكذلك دخول هؤلاء المكذبين بآيات الله الجنة أمر مستبعد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827056,"book_id":5385,"shamela_page_id":99,"part":null,"page_num":103,"sequence_num":99,"body":"ولهذا المعنى نظر الشاعر في البيت السابق، فهو يريد أن يقول: لو كان ما به من الحب بجمل لأصابه النحول والضمور والهزال إلى حد يمكّنه من الدخول في سم الخياط، ولو تحقق دخول الجمل في سم الخياط لما بقي في النار كافر لزوال المانع لهم من دخول الجنة.\rودخول الجمل في سم الخياط لا يستحيل عقلا إذ القدرة قابلة لذلك لكنه ممتنع عادة. فإن الله جلّت قدرته إذا شاء وسّع سم الخياط حتى يدخل فيه الجمل، وإذا شاء رقق الجمل حتى يصير كالخيط الرفيع فيدخل في سم الخياط. ومن ذلك يتبين أن الأمر غير مستحيل عقلا لكنه ممتنع عادة، وهذا غاية في الإغراق.\r...\r\rومما استشهدوا به على الإغراق بغير أداة من أدوات التقريب قول امرئ القيس في وصف أنفاس صاحبته\rعند النهوض من النوم:\rكأن المدام وصوب الغمام ... وريح الخزامى ونشر القطر\rيعل به برد أنيابها ... ... إذا غرد الطائر المستحر (١)\rفامرؤ القيس يصف طيب رائحة فم صاحبته سحرا عند تغير الأفواه بعد النوم بأنه شبيه بطيب الرائحة المنبعثة من روائح الخمر المشوبة بالماء النقي والخزامى والبخور مجتمعة. فإذا كانت هذه رائحة ثغرها عند نهوضها مبكرة من النوم، فكيف تظن رائحة ثغرها في هوادي الليل","footnotes":"(١) المدام: الخمر يدام على شربها أو التي أديمت في دنها، وصوب الغمام: مطر السحاب، وريح الخزامى: رائحة هذا النبت الطيب الريح، ونشر القطر بضم القاف والطاء:\rرائحة العود الذي يتبخر به، يعل به برد أنيابها: يسقى به ثناياها الباردة مرة بعد مرة، الطائر المستحر: المصوت في وقت السحر.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827057,"book_id":5385,"shamela_page_id":100,"part":null,"page_num":104,"sequence_num":100,"body":"وأوائله؟. فالإغراق في تشبيه طيب رائحة فم امرأة عند تغير الأفواه بعد النوم بالرائحة الناشئة من اختلاط رائحة الخمر المشوبة بالماء النقي برائحة الخزامى والبخور- أمر غير مستحيل عقلا لكنه ممتنع عادة.\rومن الإغراق في الوصف أيضا بغير أداة تقريب قول الشاعر:\rقد سمعتم أنينه من بعيد ... فاطلبوا الشخص حيث كان الأنين\rفوصف الشخص بأنه لا يرى لشدة نحوله إلا بأنين أو تأوه إغراق في الوصف ممتنع عادة، لكنه غير مستحيل عقلا.\rونظير هذا المعنى قول ابن حجة الحموي:\rوقد تجاوز جسمي حد كل ضنى ... وها أنا اليوم في الأوهام تخييل\rونظيره أيضا قول شرف الدين عمر بن الفارض:\rكأني هلال الشك لولا تأوهي ... خفيت فلم تهد العيون لرؤيتي\rومنه قول صفي الدين الحلي في وصف معترك:\rفي معرك لا تثير الخيل عثيره ... مما تروى المواضي تربه بدم\rفوصف المكان الذي يعترك فيه الفرسان بأن الخيل التي تحملهم وتعدو بهم هنا وهناك لا تثير غبارا فوقها لكثرة\rما ارتوى به تراب المعترك من الدماء التي أراقتها السيوف المواضي- أقول هذا الوصف فيه إغراق شديد، إذ لم تجر العادة أن ترتوي أرض معركة بالدم إلى هذا الحد، لكنه أمر غير مستحيل عقلا.\r...\r\rمن كل ما تقدم يتضح أن الإغراق، وهو الوصف الممكن وقوعه عقلا لا عادة نوعان: إغراق في الوصف تدخل عليه أداة تقربه إلى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827058,"book_id":5385,"shamela_page_id":101,"part":null,"page_num":105,"sequence_num":101,"body":"الصحة والقبول، وإغراق في الوصف مجرد من أدوات التقريب.\rولا شك أن المقارنة بين النوعين وعلى ضوء الشواهد السابقة تظهر أن الإغراق المقترن بأداة التقريب هو الأبلغ في وضوح الدلالة على المعنى وفي الإضافة إليه معنويا بما يكسبه رونقا وبهاء وقبولا.\rولكن على الرغم من كل شيء يبقى الإغراق بنوعيه فنا قائما بذاته من فنون البديع المعنوية.\r\rالغلو\rالغلو في أصل الوضع اللغوي مجاوزة الحد والقدر في كل شيء والإفراط فيه. وهو مشتق من المغالاة، ومن غلوة السهم بفتح الغين وسكون اللام، وهي مدى رميته، يقال: غاليت فلانا مغالاة وغلاء بكسر الغين، إذا اختبرتما أيكما أبعد غلوة سهم.\rوقد عرفنا مما سبق أن المبالغة بمعنى التبليغ هي إمكان الوصف المدعى عقلا وعادة، وأن الإغراق هو إمكان الوصف المدعى عقلا لا عادة.\rأما الغلو في اصطلاح البديعيين فهو: امتناع الوصف المدعى عقلا وعادة. وعلى هذا فإذا كان الإغراق فوق المبالغة بمعنى التبليغ في تجاوز الحد والإفراط في الصفة المدعاة، فإن الغلو فوق المبالغة والإغراق من هذه الناحية.\rولعل ابن رشيق القيرواني (١) من أوائل من توسعوا في بحث","footnotes":"(١) انظر باب الغلو في كتاب العمدة لا بن رشيق ج ٢ ص ٥٧ - ٦٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827059,"book_id":5385,"shamela_page_id":102,"part":null,"page_num":106,"sequence_num":102,"body":"«الغلو»، فقد تناوله في كتابه العمدة من جوانب متعددة ألّم فيها ببعض آراء سابقيه ومعاصريه وعلق عليها بما عنّ له شخصيا من آراء وأفكار.\rفهو أولا يعارض من يرى أن فضيلة الشاعر إنما هي في معرفته بوجوه الإغراق والغلو، ولا يرى ذلك إلا محالا،\rلمخالفته الحقيقة وخروجه عن الواجب والمتعارف.\rوهو يوافق الحذاق القائلين: «خير الكلام الحقائق، فإن لم تكن فما قاربها وناسبها، وأنشد المبرد قول الأعشى:\rفلو أن ما أبقين مني معلقا ... بعود ثمام ما تأوّد عودها\rفقال: هذا متجاوز، وأحسن الشعر ما قارب فيه القائل إذ شبّه، وأحسن منه ما أصاب الحقيقة فيه».\rوأصح الكلام عند ابن رشيق ما قام عليه الدليل، وثبت فيه الشاهد من كتاب الله، فقد قرن الغلو فيه بالخروج عن الحق، فقال جلّ من قائل: يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ.\rكما أتى على تعريف قدامة «للغلو» وهو: تجاوز في نعت ما للشيء أن يكون عليه، وليس خارجا عن طباعه. وعلى هذا تأويل أصحاب التفسير قوله تعالى: وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ، أي: كادت ...\rكذلك أورد رأي القاضي الجرجاني (١) في الإفراط، وخلاصته أن الإفراط مذهب عام في المحدثين وموجود كذلك لدى الأوائل، وأن الناس مختلفون فيه: من مستحسن قابل، ومستقبح راد، وأن له رسوما متى وقف الشاعر عندها، ولم يتجاوز بالوصف حدها سلم، ومتى تجاوزها اتسعت له","footnotes":"(١) هو أبو الحسن علي بن عبد العزيز الشهير بالقاضي الجرجاني المتوفى سنة ٣٦٦ هـ، وصاحب كتاب الوساطة بين المتنبي وخصومه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827060,"book_id":5385,"shamela_page_id":103,"part":null,"page_num":107,"sequence_num":103,"body":"الغاية، وأدته الحال إلى الإحالة، وإنما الإحالة نتيجة الإفراط، وشعبة من الإغراق.\rوللحاتمي (١) في الغلو رأي ذكره ابن رشيق وهو: «وجدت العلماء بالشعر يعيبون على الشاعر أبيات الغلو والإغراق، ويختلفون في استحسانها واستهجانها، ويعجب بعض منهم بها، وذلك على حسب ما يوافق طباعه واختياره، ويرى أنها من إبداع الشاعر الذي يوجب الفضيلة له، فيقولون: أحسن الشعر أكذبه، وأن الغلو إنما يراد به المبالغة والإفراط، وقالوا: إذا أتى الشاعر من الغلو بما يخرج عن الموجود ويدخل في باب المعدوم فإنما يريد به المثل وبلوغ الغاية في النعت، واحتجوا بقول النابغة وقد سئل: من أشعر الناس؟ فقال: من استجيد كذبه وأضحك رديئه.\rوقد طعن قوم على هذا المذهب بمنافاته الحقيقة، وأنه لا يصح عند التأمل والفكرة».\rويعلق ابن رشيق على زعم القائلين بأن أبا تمام هو الذي توسع في باب الغلو وتبعه الناس بعد فيقول: «وأين أبو تمام مما نحن فيه؟ فإذا صرت إلى أبي الطيب- المتنبي- صرت إلى أكثر الناس غلوا، وأبعدهم فيه همة، حتى لو قدر ما أخلى منه بيتا واحدا، وحتى تبلغ به الحال إلى ما هو عنه غنيّ، وله في غيره مندوحة كقوله:\rيترشفن من فمي رشفات ... هنّ فيه أحلى من التوحيد\rوإن كان له في هذا تأويل ومخرج بجعله التوحيد غاية المثل في الحلاوة بفيه ...» (٢).\r...","footnotes":"(١) هو أبو علي محمد بن الحسن الحاتمي. كاتب شاعر ناقد له عدة كتب في النقد والأدب واللغة والتراجم، توفي سنة ٣٨٨ هـ.\r(٢) كتاب العمدة ج ٢ ص ٥٧ - ٦٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827061,"book_id":5385,"shamela_page_id":104,"part":null,"page_num":108,"sequence_num":104,"body":"بعد هذه المقتبسات من كتاب العمدة لا بن رشيق والتي تعرض فيها للغلو من بعض الجوانب نذكر أن رجال البديع يقسمون الغلو قسمين:\rمقبول وغير مقبول:\r١ - فالغلو الحسن المقبول عندهم هو ما دخل عليه أو اقترن به أداة من الأدوات التي تقربه إلى الصحة والقبول من نحو: «قد» للاحتمال، و «لو» و «لولا» للامتناع، و «كأنّ» للتشبيه، و «يكاد» للمقاربة، وما أشبه ذلك.\rومن أمثلة الغلو الحسن المقبول لاقترانه بأداة من أدوات التقريب قوله تعالى: يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ، فإن إضاءة الزيت من غير مسّ نار مستحيلة عقلا، ولكن لفظة «يكاد» قربته فصار مقبولا. ولهذا يجب على ناظم الغلو أن يسبكه في قوالب التخيلات الحسنة التي يدعو العقل إلى قبولها في أول وهلة.\rومن أمثلة الغلو المقبول أيضا قول المعري:\rتكاد قسيّه من غير رام ... تمكن من قلوبهم النبالا\rتكاد سيوفه من غير سل ... تجد إلى رقابهم انسلالا\rفالقسي التي تسدد نبالها إلى القلوب من غير رام، والسيوف التي تنسل إلى الرقاب فتعمل فيها من غير أن تسلّ من أغمادها أمران مستحيلان عقلا وعادة، ولكن الذي حسّن هذا الغلو وجعله مقبولا هو دخول لفظة «تكاد» التي صيرت ما بعدها قريب الوقوع لا واقعا فعلا كما كان الشأن قبل تدخلها.\rوعلى هذا النحو يمكن تفسير الغلو الحسن المقبول الذي دخلت عليه «يكاد» في قول ابن حمديس يصف فرسا:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827062,"book_id":5385,"shamela_page_id":105,"part":null,"page_num":109,"sequence_num":105,"body":"ويكاد يخرج سرعة من ظله ... لو كان يرغب في فراق رفيق\rوقول الفرزدق في علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه:\rيكاد يمسكه عرفان راحته ... ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم\rوقول أبي صخر:\rتكاد يدي تندي إذا ما لمستها ... وينبت في أطرافها الورق النّضر\rومن الغلو الحسن المقبول لدخول أداة الامتناع «لو» عليه قول البحتري في مدح الخليفة المتوكل:\rولو أن مشتاقا تكلّف فوق ما ... في وسعه لسعى إليه المنبر\rفسعى المنبر إلى الخليفة الممدوح تعبيرا عن اشتياقه له عند ما يعلوه ليخطب في الناس إفراط في الغلو قرّبه إلى الصحة والقبول لفظة «لو».\rومن هذا الضرب من الغلو المقبول قول أبي الطيب في ممدوحه:\rلو تعقل الشجر التي قابلتها ... مدت محيّيه إليك الأغصنا\rفمد الأشجار أغصانها تحية للممدوح عند مروره بها أمر مستحيل لامتناعه عقلا وعادة، لكن الذي حسّن هذا الغلو وجعله مقبولا هو دخول «لو» التي أفادت امتناع وقوع هذا الأمر المستحيل لامتناع أن تعقل الأشجار.\rوالمتنبي كما يقول ابن رشيق من أكثر الشعراء ولعا بالغلو وأبعدهم فيه همة، حتى لو قدر ما أخلى منه بيتا واحدا. ومما جاء عنده أيضا من هذا الغلو المقبول لدخول «لو» عليه، قوله مخاطبا طللا:\rلو كنت تنطق قلت معتذرا ... بي غير ما بك أيها الرجل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827063,"book_id":5385,"shamela_page_id":106,"part":null,"page_num":110,"sequence_num":106,"body":"وقوله مفتخرا:\rولو برز الزمان إليّ شخصا ... لخضب شعر مفرقه حسامي (١)\rوقوله في قبيلة الممدوح:\rولو يممتهم في الحشر تجدو ... لأعطوك الذي صلوا وصاموا (٢)\rومن الغلو المقبول والأداة المقربة إلى الصحة «لولا» قول أبي العلاء المعري يصف سيف ممدوحه:\rيذيب الرعب منه كلّ عضب ... فلولا الغمد يمسكه لسالا (٣)\rفالمعنى هنا أولا: أن سيفك أيها الممدوح تهابه السيوف وتصاب بالرعب والفزع منه كما يهابك الرجال ويصابون بالرعب والفزع منك، وأشد ما يجوز على السيف أن يسيل حديده ولولا الغمد يمسكه لظهر سيلانه.\rفذوبان كل سيف إلى حد السيلان في غمده بباعث الرعب من سيف الممدوح أمر ممتنع عقلا وعادة. ولكن تدخّل «لولا» التي أفادت امتناع سيلان هذا السيف الذائب لوجود غمده الذي يمسكه عن السيلان قد جعلت هذا الغلو\rالمفرط في المعنى مقبولا.\r...","footnotes":"(١) المفرق: وسط الرأس، والحسام: السيف القاطع. يقول: إن الزمان الذي هو محل النكبات والنوائب لو كان شخصا ثم برز إلي محاربا لخضب شعر رأسه سيفي.\r(٢) يممتهم: قصدتهم، وتجدو: تطلب جدواهم وعطاءهم. يقول: إن أبناء قبيلة الممدوح لجودهم وكرمهم لا يردون سائلا حتى لو قصدهم سائل يوم القيامة لأعطوه صلاتهم وصيامهم.\r(٣) العضب: السيف.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827064,"book_id":5385,"shamela_page_id":107,"part":null,"page_num":111,"sequence_num":107,"body":"٢ - أما الغلو غير المقبول فيتمثل في المعنى الذي يمتنع عقلا وعادة مع خلوه من أدوات التقريب التي تدنيه إلى الصحة والقبول. فمن أمثلة ذلك قول المتنبي مادحا:\rفتى ألف جزء رأيه في زمانه ... أقل جزيئ بعضه الرأي أجمع (١)\rفعلى ما في البيت من بعض التعقيد الناشئ عن التقديم والتأخير الذي اقتضاه الوزن يريد المتنبي أن يقول: إن هذا الممدوح فتى رأيه في أحوال زمانه بقدر ألف جزء، وأقل جزء من هذه الأجزاء يعادل جزء منه كل ما لدى الناس من الرأي.\rفوجود إنسان رأيه على النحو الذي صوره الشاعر ممتنع عقلا وعادة، وهو غلو غث لا يدعو إلى الإعجاب به بل إلى التعجب منه!\rومنه أيضا مادحا:\rونفس دون مطلبها الثريا ... وكف دونها فيض البحار\rومنه قول أبي نواس في وصف الخمر:\rفلما شربناها ودب دبيبها ... إلى موضع الأسرار قلت لها: قفي\rمخافة أن يسطو علي شعاعها ... فيطلع ندماني على سري الخفي\rفسطوة شعاع الخمر عليه بحيث يصير جسمه شفّافا يظهر لنديمه ما في باطنه لا يمكن عقلا ولا عادة، فهو غلو مفرط.\r...\r\rومراتب القبول في الغلو تتفاوت إلى الحد الذي تؤول بقائلها إلى الكفر، فمن ذلك قول أبي نواس مادحا:","footnotes":"(١) ترتيب البيت هكذا: فتى رأيه في زمانه ألف جزء أقل جزء من هذه الأجزاء بعضه- أي بعض جزيء من رأيه الرأي الذي في أيدي الناس كله.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827065,"book_id":5385,"shamela_page_id":108,"part":null,"page_num":112,"sequence_num":108,"body":"وأخفت أهل الشرك حتى أنه ... لتخافك النّطف التي لم تخلق\rوهذا كما لا يخفى أمر مستحيل، لأن قيام العرض الموجود وهو الخوف بالمعدوم وهي النطف التي لم تخلق لا يمكن عقلا ولا عادة.\rومنه قول ابن هانئ الأندلسي في مطلع قصيدة يمدح بها المعز لدين الله الفاطميّ:\rما شئت لا ما شاءت الأقدار ... فاحكم فأنت الواحد القهار\rفادعاء أن مشيئة المعز فوق مشيئة الأقدار وأنه هو الواحد القهار غلو يوهم الكفر.\rومنه قول المتنبي في مدح سيف الدولة:\rتجاوزت مقدار الشجاعة والنهى ... إلى قول قوم أنت بالغيب عالم\rفعلم الغيب مما استأثر الله به، فالزعم بأن إنسانا كائنا من كان يعلم الغيب إفراط في الغلو يؤول بقائله إلى الكفر.\r\rالإيغال\rوالإيغال ضرب من المبالغة، إلّا أنه في القوافي خاصة لا يعدوها.\rوالإيغال مشتق من الإبعاد، يقال: أوغل في الأرض إذا أبعد فيها. وقيل إنه سرعة الدخول في الشيء يقال: أوغل في الأمر إذا دخل فيه بسرعة.\rفعلى القول الأول كأن الشاعر قد أبعد في المبالغة وذهب فيها كل الذهاب، وعلى القول الثاني كأنه أسرع الدخول في المبالغة بمبادرته القافية.\rوالإيغال الذي هو ضرب من المبالغة مقصور على القوافي يعني أن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827066,"book_id":5385,"shamela_page_id":109,"part":null,"page_num":113,"sequence_num":109,"body":"الشاعر إذا انتهى إلى آخر البيت استخرج قافية يريد بها معنى زائدا، فكأنه قد تجاوز حد المعنى الذي هو آخذ فيه، وبلغ مراده فيه إلى زيادة عن الحد.\rوهذا النوع من المبالغة مما فرّعه قدامة بن جعفر وعرّفه بقوله: «هو أن يستكمل الشاعر معنى بيته بتمامه قبل أن يأتي بقافيته، فإذا أراد الإتيان بها ليكون الكلام شعرا أفاد بها معنى زائدا على معنى البيت» (١).\rوعرف أبو هلال العسكري الإيغال بقوله: «هو أن يستوفي معنى الكلام قبل البلوغ إلى مقطعه، ثم يأتي بالمقطع فيزيد معنى آخر يزيد به وضوحا وشرحا وتوكيدا حسنا» (٢).\rسئل الأصمعي: من أشعر الناس؟ قال: الذي يجعل المعنى الخسيس بلفظه كبيرا، أو يأتي إلى المعنى الكبير فيجعله خسيسا، أو ينقضي كلامه قبل القافية فإذا احتاج إليها أفاد بها معنى، فسئل: نحو من؟ فقال:\rنحو الأعشى إذ يقول:\rكناطح صخرة يوما ليوهنها ... فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل (٣)\rفقد تم المثل- أي التشبيه- بقوله: «وأوهى قرنه» فلما احتاج إلى القافية قال «الوعل». فسئل: وكيف صار الوعل مفضلا على كل ما ينطح؟ قال: لأنه ينحط من قنّة الجبل على قرنه فلا يضيره.\rثم سئل: نحو من؟ قال: نحو ذي الرّمة بقوله:","footnotes":"(١) خزانة الأدب لابن حجة الحموي ص ٢٣٤.\r(٢) كتاب الصناعتين ص ٣٨٠.\r(٣) الوعل بكسر العين: ذكر الشاة الجبلية.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827067,"book_id":5385,"shamela_page_id":110,"part":null,"page_num":114,"sequence_num":110,"body":"قف العيس في أطلال مية واسأل ... رسوما كأخلاق الرداء المسلسل\rأظن الذي يجدي عليك سؤالها ... دموعا كتبديد الجمان المفصل (١)\rففي البيت الأول تمم الشاعر كلامه بقوله «كأخلاق الرداء» ثم احتاج إلى القافية، فقال «المسلسل» فزاد شيئا على المعنى.\rوفي البيت الثاني تمّ كلامه بقوله «كتبديد الجمان» ثم احتاج إلى القافية فأتى بما يفيد معنى زائدا وهو «المفصل» (٢).\rويقال: إن امرأ القيس أول من ابتكر هذا المعنى، أي الإيغال، وذلك بقوله يصف الفرس:\rإذا ما جرى شأوين وابتل عطفه ... تقول هزيز الريح مرت بأثأب (٣)\rفالمعنى هنا أن الفرس إذا أجرى شوطين وابتلّ جانبه من العرق سمعت له صوتا وخفقا كخفق الريح إذا مرّت بشجر الأثأب. فالشاعر بالغ في وصف الفرس وجعله على هذه الصفة بعد أن يجري شوطين ويبتل عطفه بالعرق، وقد تم المعنى بقوله «مرت» ثم زاد إيغالا في صفته بذكر الأثأب الذي يكون للريح في أضعاف أغصانه\rحفيف عظيم وشدة صوت.\rوعلى هذا فإذا كانت لفظة «أثأب» قد استدعتها القافية ليكون الكلام شعرا، فإنها في الوقت ذاته أفادت معنى زائدا، وهو المبالغة في شدة","footnotes":"(١) أخلاق: جمع خلق بفتح الخاء واللام: الثوب البالي، المسلسل: المهلهل دموعا كتبديد الجمان المفصل: أي دموعا تتبدد وتتناثر كتبديد وتناثر عقد الفضة المفصل، أي الذي يجعل فيه خرزة بين كل حبتين من الجمان أي الفضة.\r(٢) كتاب العمدة ج ٢ ص ٥٤.\r(٣) الأثأب: شجر كالائل يشتد صوت الريح وهزيزه فيه، والعطف بكسر العين: الجانب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827068,"book_id":5385,"shamela_page_id":111,"part":null,"page_num":115,"sequence_num":111,"body":"حفيف الفرس بتشبيهه بهزيز الريح المنبعث من اصطدامها بأغصان هذا الشجر عند مرورها من خلاله.\rومن الإيغال قول امرئ القيس أيضا:\rكأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب\rفهنا شبه الشاعر عيون الوحش لما فيهن من السواد والبياض بالجزع، وهو الخرز الأسود المشوب بالبياض، ولما كانت عيون الوحش لا ثقوب فيها كانت أشبه بالخرز الذي لم يثقب. فمعنى التشبيه تمّ بقوله «الجزع» وقوله «الذي لم يثقب» إيغال في التشبيه زوّد البيت بالقافية وأفاد معنى زائدا هو تأكيده التشبيه، لأن عيون الوحش غير مثقبة. ولا يخفى ما في هذه الزيادة من حسن.\rومن الإيغال في التشبيه كذلك قول زهير:\rكأن فتات العهن في كل منزل ... نزلن به حبّ الفنا لم يحطم (١)\rوالمعنى الذي عبر عنه زهير انتهى عند قوله «حب الفنا» وزيادة المعنى في قوله «لم يحطم». فزهير شبه ما تفتت وتساقط من العهن أو الصوف الملون بحب الفنا الأحمر، ولما قال بعد تمام بيته «لم يحطم» أراد أن يكون حب الفنا صحيحا لأنه إذا كسر ظهر له لون غير الحمرة. فهذا البيت شبيه ببيت امرئ القيس السابق من حيث أن الإيغال فيه زوّد البيت بالقافية، وأفاد معنى زائدا في المشبه به.\rومن الإيغال البليغ باتفاق البديعيين قول الخنساء في أخيها صخر:","footnotes":"(١) العهن بكسر العين وسكون الهاء: الصوف المصبوغ أي لون كان، وفتات العهن: ما تساقط من الصوف المصبوغ ألوانا، والفنا: شجر ثمره حب أحمر، وقال الفراء: هو عنب الثعلب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827069,"book_id":5385,"shamela_page_id":112,"part":null,"page_num":116,"sequence_num":112,"body":"وإن صخرا لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار\rفإن معنى جملة البيت كامل من غير القافية، ووجودها زيادة لم تكن له قبلها. فالخنساء لم ترض لأخيها أن يأتمّ به جهّال الناس حتى جعلته يأتمّ به أئمة الناس، ولم ترض تشبيهه بالعلم، وهو الجبل المرتفع المعروف بالهداية، حتى جعلت في رأسه نارا. فهذا الإيغال البديع أكمل معنى المشبه به، وزوّد البيت بالقافية.\rومن بديع إيغال المحدثين قول مروان بن أبي حفصة:\rهمو القوم: إن قالوا أصابوا، وإن دعوا ... أجابوا، وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا\rفقوله «وأجزلوا» إيغال في نهاية الحسن.\r...\r\rوالإيغال ليس مقصورا على الشعر، وإنما هو يجيء في الشعر والنثر على حد سواء. ومجيئه في النثر المسجوع أكثر وذلك لإتمام الفواصل وزيادة المعنى. ومن أمثلته قوله تعالى: وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ. أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ. وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ. فإن الكلام تمّ بقوله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً ثم احتاج الكلام إلى فاصلة تناسب القرينة أو الفاصلة الأولى، فلما أتى بها وهي لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ أفاد بها معنى زائدا، وذلك لأنه لا يعلم أن حكم الله أحسن من كل حكم إلا من أيقن أنه سبحانه حكيم عادل.\rومثله قوله تعالى: فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ. إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ. فإن المعنى تم بقوله تعالى: وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ ثم ورد ما بعد ذلك وهو إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ لإتمام الكلام بالفاصلة ولإفادة معنى زائد، هو المبالغة في","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827070,"book_id":5385,"shamela_page_id":113,"part":null,"page_num":117,"sequence_num":113,"body":"إعراض الكفار الذين شبّهوا بالموتى في عدم انتفاعهم بالأدلة.\rوالإيغال الذي يعد من البديع حقا هو ما يستدعيه المعنى ويتطلبه الكلام استكمالا للشعر بالقافية وللسجع بالفاصلة. وليس من بديع المعنى في شيء كل إيغال يتكلفه الشاعر أو الناثر.\r\rالتتميم\rأول من ذكر التتميم وعده من محاسن الكلام عبد الله بن المعتز في كتابه البديع (١). وقد سماه «اعتراض كلام في كلام لم يتم معناه ثم يعود إليه فيتممه في بيت واحد»، ومثّل له بثلاثة أبيات من الشعر منها:\rلو أن الباخلين، وأنت منهم ... رأوك تعلموا منك المطالا\rفمبادرة الشاعر إلى الاعتراض بقوله «وأنت منهم» قبل تمام معنى الكلام هو في الواقع تتميم قصد به المبالغة في بخل المخاطبة وأن الباخلين وهي واحدة منهم جديرون بأن يتعلموا منها المطال.\rومن بعد ابن المعتز جاء قدامة بن جعفر فأطلق على هذا المحسن البديعي اسم «التتميم» وعده من نعوت المعاني وعرفه بقوله: «هو أن يذكر الشاعر المعنى فلا يدع من الأحوال التي تتم بها صحته وتكمل معها جودته شيئا إلا أتى به».\rوقد استشهد عليه بأربعة عشر بيتا من الشعر، منها قول نافع بن خليفة الغنوي:\rرجال إذا لم يقبل الحق منهم ... ويعطوه عاذوا بالسيوف القواطع (٢)","footnotes":"(١) كتاب البديع ص ٥٩.\r(٢) كتاب نقد الشعر لقدامة ص ٩٨، وعاذوا: التجأوا، والقواطع: جمع قاطعة، أي حادة ماضية.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827071,"book_id":5385,"shamela_page_id":114,"part":null,"page_num":118,"sequence_num":114,"body":"ثم يعلق على البيت قائلا: «فما تمت جودة المعنى إلا بقوله «يعطوه»، وإلا كان المعنى منقوص الصحة» (١).\rويبدو أن تعريف قدامة لهذا الفن البديعي لاقى استحسان البلاغيين من بعده أكثر من تعريف ابن المعتز.\rفأبو هلال العسكري اعتمد تعريف قدامة وأضاف إليه فأسماه «التتميم والتكميل» وعرفه على حسب مفهومه له، وأورد عليه أمثلة كثيرة من القرآن الكريم والنثر والشعر.\rوالتتميم والتكميل عند أبي هلال هو: أن توفي المعنى حظه من الجودة، وتعطيه نصيبه من الصحة، ثم لا تغادر معنى يكون فيه تمامه إلا تورده، أو لفظا يكون فيه توكيده إلا تذكره (٢).\r...\r\rوقد عرفه بعض رجال البديع بقوله: «والتتميم عبارة عن الإتيان في النظم والنثر بكلمة إذا طرحت من الكلام نقص حسنه ومعناه».\r\rأقسام التتميم:\rوالتتميم يأتي على ضربين: ضرب في المعنى وضرب في الألفاظ.\r١ - فالتتميم المعنوي: هو تتميم المعنى، وهو المراد هنا، ويجيء للمبالغة والاحتراس. ومجيئه في المقاطع والحشو، وأكثر مجيئه في الحشو.\rومن أمثلة مجيئه للاحتراس قول الله تعالى: مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً.","footnotes":"(١) نقد الشعر لقدامة ص ٩٨.\r(٢) كتاب الصناعتين ص ٣٨٩.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827072,"book_id":5385,"shamela_page_id":115,"part":null,"page_num":119,"sequence_num":115,"body":"فقوله: مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى تتميم وقوله وَهُوَ مُؤْمِنٌ تتميم ثان في غاية البلاغة، فبذكر هذين التتميمين تم معنى الكلام وجرى على الصحة. ولو حذف أحدهما أو كلاهما لنقص معنى الكلام واختل حسن البناء.\rومنه قول الرسول ﵇: «ما من مسلم يصلي لله كل يوم اثنتي عشرة ركعة من غير الفرائض إلا بنى الله له بيتا في الجنة».\rففي هذا الحديث وقع التتميم في أربعة مواضع هي: قوله «مسلم» وقوله «الله» وقوله «كل يوم» وقوله «من غير الفرائض». فحذف أي من هذه التتميمات ينقص من معنى الحديث الشريف ويقلل من قيمته البلاغية.\rومما ورد فيه التتميم المعنوي للاحتراس من النثر قول أعرابية:\r«كبت الله كل عدو لك إلا نفسك» فبقولها: «نفسك» تمّ الدعاء؛ لأن نفس الإنسان تجري مجرى العدوّ له، يعني أنها تورّطه وتدعوه إلى ما يوبقه ويهلكه.\rومن أمثلته شعرا قول عمرو بن برّاق:\rفلا تأمنن الدهر حرا ظلمته ... فما ليل مظلوم كريم بنائم\rفقوله: «كريم» تتميم؛ لأن اللئيم يغضي على العار، وينام عن الثأر، ولا يكون منه دون المظالم تكبّر.\rومنه أيضا قول طرفة:\rفسقى ديارك غير مفسدها ... صوب الربيع وديمة تهمي\rفقوله: «غير مفسدها إتمام للمعنى بالاحتراس والتحرز».","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827073,"book_id":5385,"shamela_page_id":116,"part":null,"page_num":120,"sequence_num":116,"body":"ومثال ما جاء منه للمبالغة قول زهير بن أبي سلمى:\rمن يلق يوما على علاته هرما ... يلق السماحة منه والندى طرقا\rفقوله: «على علاته» تتميم للمبالغة.\rومن أبلغ ما ورد من التتميم للمبالغة قوله تعالى: وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً فقوله: عَلى حُبِّهِ\rتتميم للمبالغة التي تعجز عنها قدرة المخلوقين.\r٢ - والتتميم اللفظي: يقصد به التتميم الذي يؤتى به لإقامة الوزن، بحيث أنه لو طرحت الكلمة استقل معنى البيت بدونها. وهذا النوع على ضربين أيضا: كلمة لا يفيد مجيئها إلا إقامة الوزن، وأخرى تفيد مع إقامة الوزن ضربا من المحاسن، فالأولى من العيوب، والثانية من النعوت والمحاسن.\rوالتتميم في الألفاظ الذي يفيد مع إقامة الوزن ضربا من البديع هو المراد هنا، ومثاله قول المتنبي:\rوخفوق قلب لو رأيت لهيبه ... يا جنتي لظننت فيه جهنما\rفإنه جاء بقوله: «يا جنتي» لإقامة الوزن، ولكنها في الوقت ذاته أفادت تتميم المطابقة بين «الجنة» و «جهنم».\r...\r\rلقد ذكرنا فيما سبق أن قدامة هو أول من أطلق اسم «التتميم» على هذا النوع من البديع المعنوي، وأن أبا هلال العسكري استحسن هذه التسمية فاعتمدها وأضاف إليها «التكميل».\rوقد جارى بعض البلاغيين أبا هلال في تسميته لهذا الفن البديعي،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827074,"book_id":5385,"shamela_page_id":117,"part":null,"page_num":121,"sequence_num":117,"body":"وخلطوا التكميل بالتتميم، ولكن المتأخرين من أصحاب البديع عادوا بهذا الفن إلى تسمية قدامة له، وذلك لما لحظوه من فرق بين الأمرين.\rفالتتميم عندهم يرد على المعنى الناقص فيتمه، والتكميل يرد على المعنى التام فيكمله، إذ الكمال أمر زائد على التمام. والتمام أيضا يكون متمما لمعاني النقص لا لأغراض الشعر ومقاصده، والتكميل يكملها.\rولمزيد من الإيضاح نورد هنا مثالا للتكميل وهو لكثير عزة:\rلو أن عزة حاكمت شمس الضحى ... في الحسن عند موفق لقضى لها\rفقوله: «عند موفق» تكميل حسن، فإنه لو قال: «عند محكّم» لتمّ المعنى، لكن في قوله: «عند موفق» زيادة تكميل بها حسن البيت، والسامع يجد لهذه اللفظة من الموقع الحلو في النفس ما ليس للأولى، إذ ليس كل محكّم موفقا، فإن الموفق من الحكام من قضى بالحق لأهله.\rوتجدر الإشارة بعد دراستنا لكل من التتميم والإيغال إلى أن هناك فارقا بينهما. فالتتميم كما ذكرنا يرد على المعنى الناقص فيتمه، على حين يرد الإيغال على المعنى التام لختم الكلام شعرا أو نثرا مسجوعا بما يعطيه قافيته، ويفيد في الوقت ذاته فائدة يتم المعنى بدونها كالمبالغة مثلا.\rولبيان أثر التتميم في تحسين المعنى وصحته وبلاغته نقارن هنا بين بيتين لطرفة بن العبد وذي الرمة في معنى واحد. فطرفة في دعائه لديار صاحبته بالسقيا يقول:\rفسقى ديارك غير مفسدها ... صوب الربيع وديمة تهمي\rفقوله: «غير مفسدها» فيه إتمام للمعنى بما يفيد أنه يدعو لديار صاحبته بأن يسقيها الغيث أو المطر بالقدر المطلوب، لا بالقدر الذي يزيد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827075,"book_id":5385,"shamela_page_id":118,"part":null,"page_num":122,"sequence_num":118,"body":"عن حاجتها فيصيبها بالتلف والإفساد. فهذا التتميم بالاحتراس من البديع حقا.\rأما ذو الرمة ففي دعائه بالسقيا لدار صاحبته يقول:\rألا يا اسلمي يا دار ميّ على البلى ... ولا زال منهلا بجرعائك القطر (١)\rفذو الرمة يدعو لدار صاحبته ميّ بالسلامة وبأن يظل المطر ينهل وينصبّ على جرعائها انصبابا شديدا. وهذا بالدعاء على دار صاحبته أشبه منه بالدعاء لها، لأن القطر إذا انهل فيها دائما فسدت. وهذا العيب ناشئ من أن الشاعر لم يتم معناه، ولم يتحرّز فيه كما فعل طرفة في بيته.\r\rالتورية\rالتورية من فنون البديع المعنوي، ويقال لها أيضا: الإيهام والتوجيه والتخيير، ولكن لفظة «التورية» أولى في التسمية لقربها من مطابقة المسمّى، لأنها مصدر ورّى بتضعيف الراء تورية، يقال: ورّيت الخبر:\rجعلته ورائي وسترته وأظهرت غيره، كأن المتكلم يجعله وراءه بحيث لا يظهر.\rوالتورية في اصطلاح رجال البديع: هي أن يذكر المتكلم لفظا مفردا له معنيان، قريب ظاهر غير مراد، وبعيد خفي هو المراد.\rونحن نجد لها أكثر من تعريف لدى المتأخرين، ولكن هذه","footnotes":"(١) الجرعاء والأجرع: الأرض ذات الحزونة تشاكل الرمل، وقيل: هي الرملة السهلة المستوية لا تنبت شيئا، والقطر: المطر.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827076,"book_id":5385,"shamela_page_id":119,"part":null,"page_num":123,"sequence_num":119,"body":"التعريفات وإن اختلفت لفظا فإنها تتفق معنى، ولا تخرج جميعها في مضمونها عن مضمون التعريف السابق الذي اصطلح عليه جمهور البديعيين.\rفزكي الدين بن أبي الأصبع «٦٥٤ هـ» قد عرفها في كتابه المسمى «تحرير التحبير» بقوله: «التورية وتسمى التوجيه هي أن يكون الكلام يحتمل معنيين فيستعمل المتكلم أحد احتماليها ويهمل الآخر، ومراده ما أهمله لا ما استعمله».\rوالخطيب القزويني «٧٣٩ هـ» يعرفها في كتابه التلخيص بقوله:\r«ومن البديع التورية وتسمى الإيهام أيضا، وهي أن يطلق لفظ له معنيان قريب وبعيد، وهي ضربان مجردة ومرشحة» ولم يزد على هذا القدر شيئا.\rوصلاح الدين الصفدي «٧٦٤ هـ» يعرفها في كتابه «فضّ الختام عن التورية والاستخدام» بقوله: «التورية هي أن يأتي المتكلم بلفظة مشتركة بين معنيين، قريب وبعيد، فيذكر لفظا يوهم القريب إلى أن يجيء بقرينة يظهر منها أن مراده البعيد».\rوتقي الدين بن حجة الحموي «٨٣٧ هـ» يعرّفها في كتابه «خزانة الأدب» بقوله: «التورية أن يذكر المتكلم لفظا مفردا له معنيان حقيقيان أو حقيقة ومجاز، أحدهما قريب ودلالة اللفظ عليه ظاهرة، والآخر بعيد ودلالة اللفظ عليه خفية، فيريد المتكلم المعنى البعيد، ويورّى عنه بالمعنى القريب، فيتوهم السامع أول وهلة أنه يريد القريب وليس كذلك، ولأجل هذا سمى هذا النوع إيهاما» (١).\r...","footnotes":"(١) انظر في كل هذه التعريفات كتاب خزانة الأدب لابن حجة الحموي ٢٣٩ - ٢٤٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827077,"book_id":5385,"shamela_page_id":120,"part":null,"page_num":124,"sequence_num":120,"body":"ومن أمثلة التورية قول سراج الدين الورّاق (١):\rأصون أديم وجهي عن أناس ... لقاء الموت عندهم الأديب\rورب الشعر عندهم بغيض ... ولو وافى به لهم «حبيب»\rفالتورية في لفظة «حبيب»، ولها معنيان: أحدهما المحبوب، وهذا هو المعنى القريب الذي يتبادر إلى الذهن أول وهلة بسبب التمهيد له بكلمة «بغيض»، والمعنى الثاني اسم أبي تمام الشاعر وهو حبيب بن أوس، وهذا هو المعنى البعيد الذي أراده الشاعر ولكنه تلطف فورّى عنه وستره بالمعنى القريب.\rومن أمثلتها أيضا قول بدر الدين الذهبي:\rيا عاذلي فيه قل لي ... إذا بدا كيف أسلو؟\rيمر بي كل وقت ... وكلما «مر» يحلو\rفالتورية هنا كلمة «مرّ»، فإن لها معنيين: أحدهما أنها مأخوذة من المرارة وهو المعنى القريب بدليل مقابلتها بكلمة «يحلو»، وهذا المعنى القريب الظاهر غير مراد، والمعنى الثاني أنها مأخوذة من المرور، وهذا هو المعنى البعيد الذي يريده الشاعر.\rومنها كذلك قول بدر الدين الحمّاميّ:\rجودوا لنسجع بالمدي ... ح على علاكم سرمدا\rفالطير أحسن ما تغر ... د عند ما يقع الندى (٢)\rفالتورية هنا في كلمة «الندى»، فمعناها القريب الظاهر غير المراد","footnotes":"(١) شاعر مصري أولع بالبديع في شعره وتوفي سنة ٦٥٩ هـ.\r(٢) من معاني الندى: الجود، وما يسقط آخر الليل من بلل ومطر خفيف.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827078,"book_id":5385,"shamela_page_id":121,"part":null,"page_num":125,"sequence_num":121,"body":"هو ما يسقط آخر الليل من بلل ومطر خفيف، بدليل التمهيد له بذكر الطير والتغريد والوقوع، ومعناها البعيد هو الجود وهذا هو الذي أراده الشاعر.\rوقوله أيضا:\rأبيات شعرك كالقص ... ور ولا قصور بها يعوق\rومن العجائب لفظها ... حرّ ومعناها «رقيق»\rوالتورية في هذا المثال هي كلمة «رقيق» ولها معنيان: أولهما قريب ظاهر غير مراد، وهو العبد المملوك، وسبب قربه وتبادره إلى الذهن ما سبقه من كلمة «حر»، والمعنى الثاني بعيد وهو اللطيف السهل الدّمث من المعاني. وهذا هو الذي يريده الشاعر بعد أن ستره وأخفاه في ظل المعنى القريب.\rومما ورد منها في القرآن الكريم قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ (١). فلفظة التورية في الآية الكريمة هي جَرَحْتُمْ ولها معنيان: أولهما قريب ظاهر غير مراد وهو إحداث تمزّق في الجسم، والثاني بعيد خفي مراد وهو ارتكاب الذنوب واقترافها.\rومن الأمثلة السابقة تتضح حقيقة التورية وأنها تتمثل دائما في لفظ مفرد له معنيان: قريب ظاهر غير مراد، وبعيد خفي هو المراد.\rومن الأمثلة السابقة تتضح حقيقة التورية، وأن القصد من لفظ التورية أن يكون مشتركا بين معنيين: أحدهما قريب ودلالة اللفظ عليه ظاهرة، والآخر بعيد ودلالة اللفظ عليه خفية، فيريد المتكلم المعنى البعيد","footnotes":"(١) جرحتم: أصل معنى الجرح إحداث تمزق في الجسم، ولهذا سميت السباع جوارح لأنها تجرح.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827079,"book_id":5385,"shamela_page_id":122,"part":null,"page_num":126,"sequence_num":122,"body":"ويورّى عنه بالمعنى القريب، فيوهم السامع أول وهلة أنه يريد القريب وليس كذلك. ولهذا سمي هذا النوع إيهاما.\r...\r\rأنواع التورية:\rوالتورية أربعة أنواع: مجردة، ومرشحة، ومبيّنة، ومهيّأة.\r١ - التورية المجردة: وهي التي لم يذكر فيها لازم من لوازم المورّى به، وهو المعنى القريب، ولا من لوازم المورّى عنه، وهو المعنى البعيد.\rوأعظم أمثلة هذا النوع قوله تعالى: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى فكلمة التورية هي اسْتَوى والاستواء، كما يقول الزمخشري، على معنيين: أحدهما الاستقرار في المكان، وهو المعنى القريب المورّى به غير المقصود، والثاني الاستيلاء والملك، وهو المعنى البعيد المورّى عنه، وهو المراد، لأن الحق سبحانه منزّه عن المعنى الأول. ولم يذكر من لوازم هذا أو ذاك شيء، فالتورية مجردة بهذا الاعتبار.\rومن هذا النوع قول النبي ﷺ في خروجه إلى بدر، وقد قيل له:\rممن أنتم؟ فلم يرد أن يعلم السائل، فقال: «من ماء»، وأراد: أنا مخلوقون من ماء. فورّى عنه بقبيلة من العرب يقال لها: ماء.\rومن ذلك قول أبي بكر الصديق في الهجرة عند ما سأله سائل عن النبي قائلا: «من هذا؟» فقال أبو بكر: «هاد يهديني». أراد أبو بكر هو هاد يهديني إلى الإسلام فورّى عنه بهادي الطريق الذي هو الدليل في السفر.\rومنه شعرا قول القاضي عياض في سنة كان فيها شهر كانون معتدلا فأزهرت فيه الأرض:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827080,"book_id":5385,"shamela_page_id":123,"part":null,"page_num":127,"sequence_num":123,"body":"كأن نيسان أهدى من ملابسه ... لشهر كانون أنواعا من الحلل\rأو الغزالة من طول المدى خرفت ... فما تفرّق بين الجدي والحمل (١)\rفالتورية هنا مجرّدة، والشاهد في الغزالة والجدي والحمل، فإن الشاعر لم يذكر قبل الغزالة ولا بعدها شيئا من لوازم المورّى به، كالأوصاف المختصة بالغزالة الوحشية من طول العنق، وسرعة الالتفات، وسرعة النفرة، وسواد العين، ولا من أوصاف المورّى عنه كالأوصاف المختصة بالغزالة الشمسية من الإشراق والسمو والطلوع والغروب.\r٢ - والتورية المرشحة: هي التي يذكر فيها لازم المورّى به، وهو المعنى القريب، وسميت مرشحة لتقويتها بذكر لازم المورى به. ثم تارة يذكر اللازم قبل لفظ التورية وتارة بعده، فهي بهذا الاعتبار قسمان:\rأ- فالقسم الأول منها: هو ما ذكر لازمه قبل لفظ التورية. وأعظم أمثلته قوله تعالى: وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ فإن قوله: بِأَيْدٍ يحتمل اليد الجارجة، وهذا هو المعنى القريب المورّى به، وقد ذكر من لوازمه على جهة الترشيح «البنيان»، ويحتمل القوة وعظمة الخالق، وهذا هو المعنى البعيد المورّى عنه، وهو المراد لأن الله سبحانه منزه عن المعنى الأول.\rومنه قول يحيى بن منصور من شعراء الحماسة:\rفلما نأت عنا العشيرة كلّها ... أنخنا فحالفنا السيوف على الدهر\rفما أسلمتنا عند يوم كريهة ... ولا نحن أغضينا الجفون على وقر\rفالشاهد لفظة «الجفون» فإنها تحتمل جفون العين، وهذا هو المعنى القريب المورّى به، وقد تقدم لازم من لوازمه على جهة الترشيح وهو","footnotes":"(١) من معاني الغزالة: الشمس.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827081,"book_id":5385,"shamela_page_id":124,"part":null,"page_num":128,"sequence_num":124,"body":"«الإغضاء» لأنه من لوازم العين، وتحتمل أن تكون جفون السيوف أي أغمادها، وهذا هو المعنى البعيد المراد المورى عنه.\rب- والقسم الثاني: هو ما ذكر لازم المورى به بعد لفظ التورية.\rومن أمثلته اللطيفة قول الشاعر:\rمذ همت من وجدي في خالها ... ولم أصل منه إلى اللثم (١)\rقالت: قفوا واستمعوا ما جرى ... خالي قد هام به عمي!\rفلفظة التورية هنا «خالها» فإنها تحتمل خال النسب وهو المعنى القريب المورّى به وقد ذكر لازمه بعد لفظ التورية على جهة الترشيح وهو «العم»، وتحتمل أن تكون الشامة السوداء التي تظهر غالبا في الوجه وتكون علامة حسن، وهذا هو المعنى البعيد الخفيّ المورّى عنه.\r٣ - التورية المبيّنة: وهي ما ذكر فيها لازم المورّى عنه قبل لفظ التورية أو بعده. فهي بهذا الاعتبار قسمان:\rأ- فالقسم الأول: ما ذكر لازم المورّى عنه قبل لفظ التورية، واستشهدوا عليه بقول البحتري:\rووراء تسدية الوشاح ملية ... بالحسن تملح في القلوب وتعذب\rفالشاهد هنا في «تملح» فإنه يحتمل أن يكون من الملوحة التي هي صد العذوبة، وهذا هو المعنى القريب المورّى به وغير المراد، ويحتمل أن يكون من الملاحة التي هي عبارة عن الحسن، وهذا هو المعنى البعيد المورّى عنه وهو المراد. وقد تقدم من لوازمه على التبيين «مليّة بالحسن».","footnotes":"(١) من معاني الخال: خال النسب وهو أخو الأم، والخال الذي يكون في الجسد، وهو شامة أو نكتة سوداء في البدن، وأكثر ما يكون في الوجه، وهو علامة حسن وإن لم يكن هو حسنا في ذاته.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827082,"book_id":5385,"shamela_page_id":125,"part":null,"page_num":129,"sequence_num":125,"body":"ومن أحسن الشواهد على هذا القسم قول شرف الدين بن عبد العزيز:\rقالوا: أما في جلق نزهة ... تنسيك من أنت به مغرى\rيا عاذلي دونك من لحظه ... سهما ومن عارضه سطرا\rالشاهد هنا في موضعين وهما «السهم وسطر» فإن المعنى البعيد هما الموضعان المشهوران بمتنزهات دمشق، وذكر النزهة بجلّق قبلهما هو المبين لهما، وأما المعنى القريب غير المراد فسهم اللحظ وسطر العارض.\rب- والقسم الثاني، من التورية المبينة: هو الذي ذكر فيه لازم المورّى عنه بعد لفظ التورية. ومن أمثلته البديعة قول الشاعر:\rأرى ذنب السّرحان في الأفق طالعا ... فهل ممكن أن الغزالة تطلع؟\rفالبيت فيه توريتان إحداهما «ذنب السرحان» فإنه يحتمل أول ضوء النهار، وهذا هو المعنى البعيد المورّى عنه، وهو مراد الشاعر، وقد بيّنه بذكر لازمه بعده بقوله: «طالعا». ويحتمل ذنب الحيوان المعروف وهو الذئب أو الأسد، وهذا هو المعنى القريب المورّى به والتورية الثانية في «الغزالة» فإنه يحتمل أن يكون المراد بها الشمس، وهذا هو المعنى البعيد المورّى عنه، وهو مقصود الشاعر وقد بيّنه بذكر لازمه بعد بقوله:\r«تطلع». ويحتمل أن يكون المراد بها الغزالة الوحشية المعروفة، وهذا هو المعنى القريب المورّى به والذي لم يقصده الشاعر.\r٤ - التورية المهيّأة: وهي التي لا تقع فيها التورية ولا تتهيأ إلا باللفظ الذي قبلها، أو باللفظ الذي بعدها، أو تكون التورية في لفظين لولا كل منهما لما تهيأت التورية في الآخر. فالمهيّأ على هذا الاعتبار ثلاثة أقسام.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827083,"book_id":5385,"shamela_page_id":126,"part":null,"page_num":130,"sequence_num":126,"body":"أ- فالقسم الأول من التورية المهيأة: هو الذي تتهيأ فيه التورية من قبل. واستشهدوا على ذلك بقول ابن سناء الملك يمدح الملك المظفر صاحب حماة:\rوسيرك فينا سيرة عمرية ... فروحت عن قلب وأفرجت عن كرب\rوأظهرت فينا من سميك سنة ... فأظهرت ذاك الفرض من ذلك الندب\rفالشاهد هنا في «الفرض والندب» وهما يحتملان أن يكونا من الأحكام الشرعية، وهذا هو المعنى القريب المورّى به، ويحتمل أن يكون الفرض بمعنى العطاء والندب صفة الرجل السريع في قضاء الحوائج الماضي في الأمور، وهذا هو المعنى البعيد المورّى عنه. ولولا ذكر «السنّة» لما تهيأت التورية فيهما ولا فهم من الفرض والندب الحكمان الشرعيان اللذان صحت بهما التورية.\rب- والقسم الثاني من التورية المهيأة: هو الذي تتهيأ فيه التورية بلفظة من بعده. ومن أمثلته نثرا قول الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في الأشعث بن قيس: «إنه كان يحوك «الشمال» (١) باليمين»، فالشمال يحتمل أن يكون جمع شملة وهي الكساء يشتمل به، وهذا هو المعنى البعيد المورّى عنه، ويحتمل أن يراد بها الشمال التي هي إحدى اليدين ونقيض اليمين، وهذا هو المعنى القريب المورّى به. ولولا ذكر اليمين بعد الشمال لما تنبه السامع لمعنى اليد.\rومن هذا النوع من التورية المهيأة شعرا قول الشاعر:\rلولا التطير بالخلاف وأنهم ... قالوا: مريض لا يعود مريضا\rلقضيت نحبي في جنابك خدمة ... لأكون «مندوبا» قضى مفروضا","footnotes":"(١) الشمال: جمع شملة، وهي كساء يشتمل ويتلفع به.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827084,"book_id":5385,"shamela_page_id":127,"part":null,"page_num":131,"sequence_num":127,"body":"«فالمندوب» هنا يحتمل الميت الذي يبكى عليه، وهذا هو المعنى البعيد المورّى عنه وهو المراد، ويحتمل أن يكون أحدا لأحكام الشرعية، وهو المعنى القريب المورى به. ولولا ذكر «المفروض» بعده لم يتنبّه السامع لمعنى المندوب، ولكنه لما ذكر تهيّأت التورية بذكره.\rج- والقسم الثالث من التورية المهيّأة: هو الذي تقع التورية فيه في لفظين لولا كل منهما لما تهيّأت التورية في الآخر. واستشهدوا على ذلك بقول عمر بن أبي ربيعة:\rأيها المنكح الثريا سهيلا ... عمرك الله كيف يلتقيان؟\rهي شامية إذا ما استقلت ... وسهيل إذا استقل يماني (١)\rوموضع الشاهد هنا هو «الثريا وسهيل»، فإن «الثريا» يحتمل أن يكون الشاعر أراد بها بنت علي بن عبد الله بن الحارث بن أمية الأصغر، وهذا هو المعنى البعيد المورى عنه وهو المراد، ويحتمل أن يكون أراد بها نجم الثريا، وهذا هو المعنى القريب المورى به. و «سهيل» يحتمل أيضا أن يكون سهيل بن عبد الرحمن بن عوف وقيل كان رجلا مشهورا من اليمن، وهذا هو المعنى البعيد المورى عنه، ويحتمل أن يكون النجم المعروف بسهيل، وهذا هو المعنى القريب المورى به. ولولا ذكر «الثريا» التي هي النجم لم يتنبه السامع لسهيل. وكل واحد منهما صالح للتورية.\rومما ينبغي التنبيه إليه في هذا المقام أن التورية هنا لا تصلح أن تكون مرشحة ولا مبيّنة؛ لأن الترشيح والتبيين لا يكون كل منهما إلا بلازم","footnotes":"(١) سبب نظم البيتين أن سهيلا المذكور تزوج الثريا المذكورة، وكان بينهما بون شاسع فالثريا مشهورة في زمانها بالجمال وسهيل مشهور بالعكس. وهذا مراد الناظم بقوله: «كيف يلتقيان؟»، وأيضا هي شامية الدار وسهيل يماني.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827085,"book_id":5385,"shamela_page_id":128,"part":null,"page_num":132,"sequence_num":128,"body":"خاص. والفرق بين اللفظ الذي تتهيأ به التورية، واللفظ الذي تترشح به، واللفظ الذي تتبيّن به- أن اللفظ الذي تقع به التورية مهيّأة لو لم يذكر لما تهيأت التورية أصلا، وأن اللفظ المرشح واللفظ المبين إنما هما مقويان للتورية، فلو لم يذكرا لكانت التورية موجودة.\r...\r\rوالتورية التي هي نوع من البديع المعنوي لم يتنبه لمحاسنها إلا المتأخرون من حذّاق الشعر وأعيان الكتاب. وهؤلاء نظروا إليها على أنها من أغلى فنون الأدب وأعلاها رتبة، ولهذا نرى الكثيرين جدا من شعراء مصر والشام خاصة في القرن السادس والسابع والثامن للهجرة يتوسعون ويفتنون في استعمالها، ويأتون فيها بالعجيب الرائع الذي يدل على صفاء الطبع والقدرة على التلاعب في أساليب الكلام.\rوالقاضي الفاضل (١) «٥٩٦ هـ» يعد أول من فتح باب التورية لأهل عصره ومن بعدهم بما أودع منها في نظمه ونثره. وقد تأثر به في الولع بالتورية كثيرون من شعراء مصر من أمثال ابن سناء الملك، والسرّاج، والورّاق، والجزار، والحمامي، وابن دانيال، ومحيي الدين بن عبد الظاهر، وجمال الدين بن نباته، وصلاح الدين الصفدي.\rوممن اشتهر بالتوسع في استعمال التورية من شعراء الشام شرف الدين عبد العزيز الأنصاري، ومجير الدين بن تميم، وبدر الدين يوسف الذهبي، ومحيي الدين الحموي، وشمس الدين بن العفيف، وعلاء الدين","footnotes":"(١) هو عبد الرحيم بن علي وزير السلطان صلاح الدين، اشتهر بالقاضي الفاضل، وهو من أئمة الإنشاء وتعرف طريقته في الكتابة بالطريقة الفاضلية وقد تأثر بها وقلّدها من جاء بعده من المنشئين.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827086,"book_id":5385,"shamela_page_id":129,"part":null,"page_num":133,"sequence_num":129,"body":"الكندي الشهير بالوداعي، والذي يقال: إنه أشهر من «قفا نبك» في نظم التورية!\rولعل تقي الدين بن حجة الحموي من أكثر رجال البديع المتأخرين اهتماما بالتورية. نقول ذلك لأن ما استشهد به عليها من شعر شعراء البديع بمصر والشام من عصر القاضي الفاضل إلى عصره يمثل في الواقع ربع كتابه «خزانة الأدب» الذي يشتمل على ٤٦٧ صفحة.\rوهو ينبئنا عن سبب اهتمامه بالتورية إلى هذا الحد بأنه كان ينوي بعد الفراغ من تأليف «خزانة الأدب» أن يؤلف كتابا خاصا بالتورية والاستخدام يسميه «كشف اللثام عن وجه التورية والاستخدام» (١).\r...\r\rوإذا ألقينا نظرة على نشأة هذا النوع من البديع المعنوي فإننا نرى أن المتقدمين لم يحفلوا كثيرا بالتورية. وأن المرء ليحس فيما يلقاه منها في أدبهم أنها كانت تقع لهم عفوا من غير قصد.\rويقال إن المتنبي هو أول من التفت إليها واستخدمها في شعره على نحو ظاهر، ولكن التحقيق يظهر أن شعراء البديع في العصر العباسي الأول والثاني من أمثال أبي نواس ومسلم بن الوليد وأبي تمام والبحتري قد سبقوه إليها.\rثم أخذ الاهتمام بها ابتداء من عصر المتنبي يزداد شيئا فشيئا حتى وصلت إلى عصر القاضي الفاضل فتلقفها وتوسع في استعمالها في شعره ونثره إلى الحد الذي لفت الأنظار إليها. ومن ثم جاراه فيها شعراء مصر","footnotes":"(١) خزانة الأدب ص ٢٧٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827087,"book_id":5385,"shamela_page_id":130,"part":null,"page_num":134,"sequence_num":130,"body":"والشام خاصة في عصره وبعد عصره، وقد أدى الإعجاب بها والمبالغة في استعمالها والإكثار منها والتكلف فيها إلى إفساد الكثير من شعر المتأخرين وإحالته إلى رياضة ذهنية وحيل لفظية ينطبق عليها قول القائل:\rوما مثله إلا كفارغ بندق ... خلى من المعنى ولكن يفرقع!\r\rالتقسيم\rالتقسيم فن من فنون البديع المعنوي، وهو في اللغة مصدر قسمت الشيء إذا جزّأته. أما في الاصطلاح فاختلفت فيه العبارات، والكل راجع إلى مقصود واحد.\rومن أوائل من عرض له أبو هلال العسكري وفسره بقوله:\r«التقسيم الصحيح: أن تقسم الكلام قسمة مستوية تحتوي على جميع أنواعه، ولا يخرج منها جنس من أجناسه، فمن ذلك قوله تعالى: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً، وهذا أحسن تقسيم لأن الناس عند رؤية البرق بين خائف وطامع، ليس فيهم ثالث» (١) وقد قدم الخوف على الطمع لأن الأمر المخوف من البرق يقع في أول برقه، والأمر المطمع إنما يقع من البرق بعد الأمر المخوف. وذلك ليكون الطمع ناسخا للخوف، لمجيء الفرج بعد الشدة.\rوذكر ابن رشيق القيرواني أن الناس مختلفون فيه: «فبعضهم يرى أنه استقصاء الشاعر جميع أقسام ما ابتدأ به، كقول بشار يصف هزيمة:\rبضرب يذوق الموت من ذاق طعمه ... وتدرك من نجى الفرار مثالبه\rفراحوا: فريق في الأسار، ومثله ... قتيل، ومثل لاذ بالبحر هاربه","footnotes":"(١) كتاب الصناعتين ص ٣٤١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827088,"book_id":5385,"shamela_page_id":131,"part":null,"page_num":135,"sequence_num":131,"body":"فالبيت الأول قسمان: إما موت، وإما حياة تورث عارا ومثلبة، والبيت الثاني ثلاثة أقسام: أسير، وقتيل، وهارب، فاستقصى جميع الأقسام، ولا يوجد في ذكر الهزيمة زيادة على ما ذكر» (١).\rوعرفه الخطيب القزويني في كتابه التلخيص بقوله: «والتقسيم ذكر متعدد، ثم إضافة ما لكل إليه التعيين، كقول المتلمس:\rولا يقيم على ضيم يراد به ... إلا الأذلان عير الحيّ والوتد\rهذا على الخسف مربوط برمّته ... وذا يشجّ فلا يرثي له أحد (٢)\rفقد ذكر الشاعر العير والوتد، ثم أضاف إلى الأول الربط مع الخسف، وإلى الثاني الشج على التعيين.\rوقبله عرّفه السكاكي بقوله: «هو أن تذكر شيئا ذا جزأين أو أكثر ثم تضيف إلى كل واحد من أجزائه ما هو له عندك، كقوله:\rأديبان في بلخ لا يأكلان ... إذا صحبا المرء غير الكبد\rفهذا طويل كظل القناة ... وهذا قصير كظل الوتد (٣)\rكذلك عرفه زكي الدين بن أبي الأصبع بقوله: «التقسيم عبارة عن استيفاء المتكلم أقسام المعنى الذي هو آخذ فيه» (٤) وقد مثل لتعريفه بقوله","footnotes":"(١) كتاب العمدة ج ٢ ص ٢٠.\r(٢) كتاب التلخيص للقزويني ص ٣٦٤، والضيم: الظلم، والعير: الحمار غلب على الوحش، والمناسب هنا الحمار الأهلي، والخسف: الذل، الرمة: القطعة من الحبل، والشج: الدق والكسر.\r(٣) خزانة الأدب ص ٣٦٢.\r(٤) خزانة الأدب ص ٣٦٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827089,"book_id":5385,"shamela_page_id":132,"part":null,"page_num":136,"sequence_num":132,"body":"تعالى: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ، فاستوفت الآية الكريمة جميع الهيئات الممكنة.\rوكذلك بقوله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا، فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ، وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ، وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ، فاستوفت الآية الكريمة جميع الأقسام التي يمكن وجودها؛ فإن العالم جميعه لا يخلو من هذه الأقسام الثلاثة.\rوبقوله تعالى أيضا: لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ، فالآية الشريفة جامعة لأقسام الزمان الثلاثة ولا رابع لها، والمراد الحال والماضي والمستقبل. فله ما بين أيدينا المراد به المستقبل، وما خلفنا المراد به الماضي، وما بين ذلك الحال.\rومما ينطبق على تعريف ابن أبي الأصبع وهو من أشرف المنثور قوله ﷺ: «وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، وألبست فأبليت، أو تصدقت فأبقيت؟»، فلم يبق الرسول قسما رابعا لو طلب لوجد.\rوقول علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: «أنعم على من شئت تكن أميره، واستغن عمن شئت تكن نظيره واحتج إلى من شئت تكن أسيره».\rفالإمام علي قد استوعب هنا أقسام الدرجات وأقسام أحوال الإنسان بين الفضل والكفاف والنقص.\rومنه أن شابا قدم مع بعض وفود العرب على عمر بن عبد العزيز ثم قام وتقدم المجلس قائلا: «يا أمير المؤمنين\rأصابتنا سنون: سنة أذابت الشحم، وسنة أكلت اللحم، وسنة أنقت العظم (١)، وفي أيديكم فضول","footnotes":"(١) أنقت العظم: استخرجت نقوه بكسر النون، أي مخه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827090,"book_id":5385,"shamela_page_id":133,"part":null,"page_num":137,"sequence_num":133,"body":"أموال؛ فإن كانت لنا لا تمنعونا، وإن كانت لله ففرقوها على عباده، وإن كانت لكم فتصدقوا. إن الله يجزي المتصدقين». فقال عمر بن عبد العزيز: «ما ترك لنا الأعرابي في واحدة عذرا».\r...\r\rومن التعريفات والأمثلة السابقة يمكن القول بأن التقسيم يطلق على أمور:\rأحدها: استيفاء جميع أقسام المعنى، وقد ينقسم المعنى إلى اثنين لا ثالث لهما، أو إلى ثلاثة لا رابع لها، أو إلى أربعة لا خامس لها، وهكذا ..\rومن تقسيم المعنى إلى اثنين لا ثالث لهما بالإضافة إلى بعض الأمثلة السابقة قول ثابت البناني: «الحمد لله وأستغفر الله»، ولما سئل: لم خصهما؟ قال: لأني بين نعمة وذنب، فأحمد الله على النعمة، وأستغفره من الذنوب.\rومنه قول الشماخ يصف صلابة سنابك الحمار:\rمتى ما تقع أرساغه مطمئنة ... على حجر يرفض أو يتدحرج (١)\rفالوطء الشديد إذا صادف الموطوء رخوا ارفض وتفرق منه، أو صلبا تدحرج عنه، ولهذا لم يبق الشماخ قسما ثالثا.\rومن تقسيم المعنى إلى ثلاثة لا رابع لها قول زهير:\rفإن الحق مقطعه ثلاث ... يمين أو نفار أو جلاء (٢)","footnotes":"(١) مطمئنة: ساكنة، ويرفض: يتفرق، والأرساغ: جمع رسغ وهو من الدواب الموضع المستدق بين الحافر.\r(٢) النفار: المنافرة والتحاكم، والجلاء: البيّنة التي تجلو وتكشف حقيقة الأمر.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827091,"book_id":5385,"shamela_page_id":134,"part":null,"page_num":138,"sequence_num":134,"body":"فذلكم مقاطع كل حق ... ثلاث كلهن لكم شفاء\rوكان عمر ﵁ يتعجب من صحة هذا التقسيم ويقول:\r«لو أدركت زهيرا لوليته القضاء لمعرفته».\rومنه قول نصيب:\rفقال فريق القوم: لا، وفريقهم: ... نعم، وفريق قال: ويحك ما ندري\rفليس في أقسام الإجابة عن المطلوب إذا سئل عنه غير هذه الأقسام الثلاثة.\rوقول عمر بن أبي ربيعة:\rوهبها كشيء لم يكن أو كنازح ... به الدار أو من غيبته المقابر\rفلم يبق ابن ربيعة مما يعبر به عن إنسان مفقود قسما إلا أتى به في هذا البيت.\rوقول زهير:\rوأعلم ما في اليوم والأمس قبله ... ولكنني عن علم ما في غد عم\rفالبيت جامع لأقسام الزمان الثلاثة ولا رابع لها.\r...\r\rوالأمر الثاني الذي قد يطلق التقسيم عليه يتمثل في ذكر أحوال الشيء مضافا إلى كل حالة ما يلائمها ويليق بها. ومن أمثلة ذلك قول أبي الطيب المتنبي:\rسأطلب حقي بالقنا ومشايخ ... كأنهم من طول ما التثموا مرد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827092,"book_id":5385,"shamela_page_id":135,"part":null,"page_num":139,"sequence_num":135,"body":"ثقال إذا لاقوا خفاف إذا دعوا ... كثير إذا شدوا قليل إذا عدوا (١)\rفالشاعر قد أضاف هنا كل حال ما يلائمها، بأن أضاف إلى الثقل حال ملاقاتهم الأعداء، وإلى الخفة حال دعوتهم إلى الحرب، وإلى الكثرة حال شدهم وهجومهم على الأعداء في الحرب، وإلى القلة حال عدّهم وإحصائهم، لأنهم إذا غلبوا أعداءهم في قلة عددهم، كان هذا أفخر لهم من الكثرة.\rومنه قول زهير:\rيطعنهم ما ارتموا حتى إذا طعنوا ... ضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا\rفزهير قد أتى في هذا البيت بجميع ما استعمله الممدوح مع أعدائه في وقت الهياج والحرب مضيفا إلى كل حال ما يلائمها، وذلك بأن أضاف إلى طعن الممدوح لأعدائه حالة ارتمائهم، وإلى ضربه إياهم حالة طعنهم، وإلى اعتناقه حالة مضاربتهم. فهو في كل حال يتقدم خطوة على أقرانه.\rومنه قول طريح الثقفي:\rإن يسمعوا الخير يخفوه وإن سمعوا ... شرا أذاعوا، وإن لم يسمعوا كذبوا\rفهنا أضاف الشاعر إلى سماع الخير حالة إخفائه، وإلى سماع الشر حالة إذاعته، وإلى عدم سماعهم خيرا أو شرا حالة الكذب.\r...\r\rوالأمر الثالث الذي قد يطلق التقسيم عليه يتمثل في التقطيع، ويقصد به تقطيع ألفاظ البيت الواحد من الشعر إلى أقسام تمثل تفعيلاته","footnotes":"(١) القنا: الرماح، كنى بها الشاعر عن نفسه، وبالمشايخ عن أصحابه، لا يفارقهم اللثام ولا ترى لحاهم فكأنهم مرد. واللثام في الحرب عادة العرب، لئلا تسقط عمائمهم.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827093,"book_id":5385,"shamela_page_id":136,"part":null,"page_num":140,"sequence_num":136,"body":"العروضية، أو إلى مقاطع متساوية في الوزن. ويسمى التقسيم حينئذ «التقسيم بالتقطيع».\rومن أمثلة ذلك وهو من بحر الطويل قول المتنبي:\rفيا شوق ما أبقى ويالي من النوى ... ويا دمع ما أجرى ويا قلب ما أصبا\rفقد جاء المتنبي بهذا البيت مقسما على تقطيع الوزن، كل لفظتين ربع بيت.\rومنه وهو من بحر البسيط قول المتنبي أيضا:\rللسبي ما نكحوا والقتل ما ولدوا ... والنهب ما جمعوا والنار ما زرعوا\rفقد جاء البيت مقسما مقطعا إلى أربعة مقاطع متساوية في الوزن.\rومنه وهو من بحر الخفيف قول البحتري:\rقف مشوقا أو مسعدا أو حزينا ... أو معينا أو عاذرا أو عدولا\rفالبيت هنا مقسم مقطّع إلى ستة مقاطع كل واحد منها يمثل تفعيلة من تفعيلات بحر الخفيف.\rوقد يجيء التقسيم بالتقطيع مسجوعا، كقول مسلم بن الوليد:\rكأنه قمر أو ضيغم هصر ... أو حية ذكر أو عارض هطل\rوكقول أبي تمام من قصيدة يمدح فيها المعتصم ويذكر فتح عمورية:\rلم يعلم الكفر كم من أعصر كمنت ... له المنية بين السّمر والقضب (١)\rتدبير معتصم بالله منتقم .. ... لله مرتقب في الله مرتغب","footnotes":"(١) السمر: الرماح، والقضب: السيوف، وعمورية إحدى مدن الروم الشهيرة وكانت عندهم أشرف من القسطنطينية، وقد فتحها المعتصم في معركة شهيرة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827094,"book_id":5385,"shamela_page_id":137,"part":null,"page_num":141,"sequence_num":137,"body":"فالبيت الثاني هنا فيه تقسيم بالتقطيع المسجوع. وقد أطلق قدامة على هذا النوع اسم «الترصيع»، وفضله، وأطنب كثيرا في وصفه.\rوالقدماء لم يكثروا من هذا النوع كراهة التكلف، ومما ورد عندهم منه قول أبي المثلم في الرثاء:\rهباط أودية حمال ألوية ... شهاد أندية سرحان فتيان\rيعطيك ما لا تكاد النفس تسلمه ... من التلاد وهوب غير منان (١)\rفالتقسيم بالتقطيع المسجوع هو هنا في البيت الأول كما يرى.\rومن التقسيم نوع يقال له «تقسيم الضد» ويكون بجعل كل شيء ضده، كقول العباس بن الأحنف.\rوصالكمو صرم، وحبكمو قلى ... وعطفكمو صد، وسلمكمو حرب\rحكى الصولي أن محمد بن موسى المنجم كان يحب التقسيم في الشعر وكان معجبا ببيت العباس بن الأحنف هذا ويقول: «أحسن والله فيما قسم حين جعل كل شيء ضده، والله إن هذا التقسيم لأحسن من تقسيمات إقليدس» (٢)!.\r\rعيوب التقسيم:\rوالتقسيم إذا استوعب جميع أقسام المعنى أو جميع أحواله فهو التقسيم الصحيح الذي يعد من فنون البديع المعنوي. ولكن التقسيم قد يعتريه بعض أمور تفسده وتنقص من قيمته، ومن ذلك:\r١ - عدم استيفاء كل أقسام المعنى، كقول جرير:","footnotes":"(١) السرحان بالكسر: الذئب والأسد، والتلاد والتالد والتليد: كل مال قديم، وخلافه الطارف والطريف.\r(٢) كتاب الصناعتين ج ٢ ص ٢٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827095,"book_id":5385,"shamela_page_id":138,"part":null,"page_num":142,"sequence_num":138,"body":"صارت حنيفة أثلاثا فثلثهم ... من العبيد وثلث من موالينا\rفهو بعد أن ذكر أنهم أقسام ثلاثة ذكر قسمين وسكت عن الثالث، فالقسمة هنا رديئة. قيل: إن جريرا أنشد هذا البيت ورجل من حنيفة حاضر، فقيل له: من أي قسم أنت؟ فقال: من الثلث الملغى ذكره!\rومن هذا النوع أيضا قول ابن القربة: «الناس ثلاثة: عاقل، وأحمق، وفاجر»، فإن القسمة هنا رديئة لعدم استيفاء أقسامها، لأن الفاجر يجوز أن يكون أحمق، ويجوز أن يكون عاقلا، والعاقل يجوز أن يكون فاجرا، وكذلك\rالأحمق.\r٢ - دخول أحد القسمين في الآخر، كقول أمية بن أبي الصلت:\rلله نعمتنا تبارك ربنا ... ربّ الأنام ورب من يتأبّد\rفالقسمة هنا فاسدة لأن «من يتأبد ويتوحش» داخل في «الأنام».\rوكقول الآخر:\rفما برحت تومي إليك بطرفها ... وتومض أحيانا إذا طرفها غفل\rفالقسمان في البيت متداخلان لأن «تومي وتومض» واحد.\rوكقول جميل:\rلو كان في قلبي كقدر قلامة ... حبّا وصلتك أو أتتك رسائلي\rفالبيت يوهم بالتقسيم، ولكنه ليس كذلك لأن إتيان الرسائل داخل في الوصل.\r\rالالتفات\rلعل الأصمعي «٢١٤ هـ» أول من ذكر «الالتفات»، فقد حكى عن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827096,"book_id":5385,"shamela_page_id":139,"part":null,"page_num":143,"sequence_num":139,"body":"إسحاق الموصلي أنه قال: قال لي الأصمعي: أتعرف التفات جرير؟ قلت:\rوما هو؟ فأنشدني قوله:\rأتنسى إذ تود عنا سليمى ... بعود بشامة؟ سقي الغمام\rأما تراه مقبلا على شعره، إذ التفت إلى البشام فذكره فدعا له (١).\r...\r\rوقد عدّ ابن المعتز «الالتفات» من محاسن الكلام وبديعه، فعرفه ومثل له بعدة أمثلة من القرآن الكريم والشعر. ففي تعريفه له يقول:\r«الالتفات هو انصراف المتكلم عن المخاطبة إلى الإخبار، وعن الإخبار إلى المخاطبة وما يشبه ذلك. ومن الالتفات الانصراف عن معنى يكون فيه إلى معنى آخر» (٢).\rثم مثل لانصراف المتكلم عن المخاطبة إلى الإخبار، أو بعبارة أخرى لانصرافه عن الخطاب إلى الغيبة بقوله تعالى: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ.\rفالالتفات في الآية الكريمة هو في قوله تعالى: حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ، وعن هذا الالتفات يقول ابن الأثير:\r«فإنه إنما صرف الكلام ههنا من الخطاب إلى الغيبة لفائدة وهي أنه ذكر لغيرهم حالهم ليعجبهم منها كالمخبر لهم ويستدعي منهم الإنكار عليهم.","footnotes":"(١) انظر كتاب العمدة ج ٢ ص ٤٤، وكتاب الصناعتين ص ٣٩٢، والبشام: شجر ذو ساق وأفنان وورق ولا ثمر له.\r(٢) كتاب البديع ص ٥٨.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827097,"book_id":5385,"shamela_page_id":140,"part":null,"page_num":144,"sequence_num":140,"body":"ولو أنه قال حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بكم بريح طيبة وفرحتم بها، وساق الخطاب معهم إلى آخر الآية، لذهبت تلك الفائدة التي أنتجها خطاب الغيبة» (١).\rومثل ابن المعتز كذلك لانصراف المتكلم عن الإخبار إلى المخاطبة، أو بعبارة أخرى لانصرافه عن الغيبة إلى الخطاب بقول جرير:\rطرب الحمام بذي الأراك فشاقني ... لا زلت في علل وأيك ناضر (٢)\rفجرير قد أخبر عن الغائب في الشطر الأول وهو «الحمام»، ولكنه في الشطر الثاني انصرف عن الاستمرار في خطاب هذا الغائب والتفت إلى مخاطبته بقوله «لا زلت في علل وأيك ناضر» لزيادة فائدة في المعنى هي الدعاء للحمام.\rأما النوع الثالث من الالتفات عند ابن المعتز وهو انصراف المتكلم عن معنى يكون فيه إلى معنى آخر فقد مثل له بقول أبي تمام:\rوأنجدتمو من بعد اتهام داركم ... فيا دمع أنجدني على ساكني نجد\rفالشاعر، وهو المتكلم هنا، يخبر من يخاطبهم بأنه يعلم أنهم قد اتخذوا دارهم في نجد بعد أن كانت في تهامة، ثم ينصرف أو يلتفت بعد ذلك إلى معنى آخر يتمثل في دعاء الدمع ومطالبته بأن يسعفه على ساكني نجد.\r...\r\rوجاء قدامة بن جعفر بعد ابن المعتز فعد «الالتفات» من نعوت","footnotes":"(١) المثل السائر ص ١٧٠.\r(٢) العلل بفتح العين واللام: الشرب بعد الشرب تباعا، والأيك: شجر، الواحدة أيكة، ويقال شجر من الأراك.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827098,"book_id":5385,"shamela_page_id":141,"part":null,"page_num":145,"sequence_num":141,"body":"المعاني وعرّفه بقوله: «الالتفات أن يكون الشاعر آخذا في معنى فيعترضه إما شك فيه أو ظن بأن رادا يرد عليه قوله، أو سائلا يسأله عن سببه فيعود راجعا إلى ما قدمه، بمعنى يلتفت إليه بعد فراغه، فإما أن يذكر سببه أو يجلي الشك فيه» (١).\rومن أمثلة ذلك عنده قول المعطل الهذلي:\rتبين صلاة الحرب منا ومنهمو ... إذا ما التقينا والمسالم بادن (٢)\rفقوله: «والمسالم بادن» رجوع عن المعنى الذي قدمه حين بيّن أن علامة «صلاة الحرب» من غيرهم أن المسالم يكون بادنا والمحارب ضامرا.\rومن أمثلته أيضا قول الرماح بن ميادة:\rفلا صرمه يبدو وفي اليأس راحة ... ولا وصله يبدو لنا فنكارمه (٣)\rفكأنه يقول: «وفي اليأس راحة» والتفت إلى المعنى لتقدير أن معارضا يقول له: وما تصنع بصرمه أي هجره؟ فيقول مبينا علة ما يرجوه من انكشاف صرمه وهجره: لأنه يؤدي إلى اليأس، وفي اليأس راحة.\r...\r\rومن يقارن مفهوم «الالتفات» عند ابن المعتز وقدامة، ثم يتابع مفهومه عند غيرهم من أمثال أبي هلال العسكري، وابن رشيق، وفخر الدين الرازي والسكاكي، يجد أن منهم من يستوحي مفهوم الالتفات عند","footnotes":"(١) كتاب نقد الشعر لقدامة ص ١٠٦.\r(٢) تبين: تستبين صلاة الحرب بضم الصاد: الذين يقاسون حرها وشدتها وأهوالها جمع صال، مثل: قاض وقضاة.\r(٣) الصرم بفتح الصاد: ضد الوصل وهو الهجر والصد.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827099,"book_id":5385,"shamela_page_id":142,"part":null,"page_num":146,"sequence_num":142,"body":"ابن المعتز أو قدامة، ومنهم من يخلط بين هذا الفن البديعي والاعتراض.\rوخير من عرض لموضوع «الالتفات» في نظرنا هو ضياء الدين ابن الأثير، فقد عالجه بوضوح وفهم لأسراره البلاغية، ولهذا آثرنا أن ننقل هنا خلاصة لكلامه عن «الالتفات» توضح حقيقته ووظيفته البلاغية، وتجنبنا الخلط الكثير الذي وقع فيه غيره من البلاغيين.\rيستهل ابن الأثير كلامه، عن هذا الفن من فنون البديع المعنوي ببيان حقيقته فيقول: «وحقيقته مأخوذة من التفات الإنسان عن يمينه وشماله، فهو يقيل بوجهة تارة كذا وتارة كذا، وكذلك يكون هذا النوع من الكلام خاصة، لأنه\rينتقل فيه عن صيغة إلى صيغة كالانتقالات من خطاب حاضر إلى غائب، أو من خطاب غائب إلى حاضر، أو من فعل ماض إلى مستقبل، أو من مستقبل إلى ماض، أو غير ذلك مما يأتي ذكره مفصلا.\rويسمى أيضا «شجاعة العربية»، وإنما سمي بذلك لأن الشجاعة هي الإقدام، وذاك أن الرجل الشجاع يركب ما لا يستطيعه غيره، ويتورد ما لا يتورده سواه، وكذلك هذا الالتفات في الكلام، فإن اللغة العربية تختص به دون غيرها من اللغات» (١).\r\rأقسام الالتفات\rثم يقسم ابن الأثير الالتفات ثلاثة أقسام هي:\r١ - القسم الأول: في الرجوع من الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة.","footnotes":"(١) كتاب المثل السائر ص ١٦٧، ويتورد ما لا يتورد سواه: أي يعلو قرنه بما لا يعلوه سواه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827100,"book_id":5385,"shamela_page_id":143,"part":null,"page_num":147,"sequence_num":143,"body":"٢ - القسم الثاني: في الرجوع عن الفعل المستقبل إلى فعل الأمر، وعن الفعل الماضي إلى فعل الأمر.\r٣ - القسم الثالث: في الإخبار عن الفعل الماضي بالمستقبل، وعن المستقبل بالفعل الماضي.\rوفيما يلي خلاصة لكلام ابن الأثير عن كل قسم من هذه الأقسام.\r...\r\r١ - فعن القسم الأول، وهو الخاص بالرجوع من الغيبة إلى الخطاب ومن الخطاب إلى الغيبة يورد ابن الأثير أولا آراء بعض علماء البلاغة في السبب الذي قصدت العرب إليه من وراء استعمال هذا الأسلوب، ثم يعقب عليها برأيه.\rفعامة المنتمين إلى هذا الفن إذا سئلوا عن الانتقال عن الغيبة إلى الخطاب وعن الخطاب إلى الغيبة قالوا: كذلك كانت عادة العرب في أساليب كلامهم. وهذا القول عنده عكاز العميان كما يقال.\rكذلك لم يرتض جواب الزمخشري عن هذا السؤال بأن الرجوع من الغيبة إلى الخطاب إنما يستعمل للتفنن في الكلام والانتقال من أسلوب إلى أسلوب تطرية لنشاط السامع وإيقاظا للإصغاء إليه.\rوعند ابن الأثير أن الانتقال من الخطاب إلى الغيبة أو من الغيبة إلى الخطاب لا يكون إلا لفائدة اقتضته. وتلك الفائدة أمر وراء الانتقال من أسلوب إلى أسلوب، غير أنها لا تحد بحد ولا تضبط بضابط، لكن يشار إلى مواضع منها ليقاس عليها غيرها.\rفالانتقال من الغيبة إلى الخطاب قد يكون الغرض منه تعظيم شأن المخاطب، وقد يستعمل ذات الغرض للضد، أي للانتقال من الخطاب","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827101,"book_id":5385,"shamela_page_id":144,"part":null,"page_num":148,"sequence_num":144,"body":"إلى الغيبة، ومن ذلك يفهم أن الغرض الموجب لاستعمال «الالتفات» لا يجري على وتيرة واحدة، وإنما هو مقصور على العناية بالمعنى المقصود، وذلك المعنى يتشعب شعبا كثيرة لا تنحصر، وإنما يؤتى بها على حسب الموضع الذي ترد فيه. وفي الأمثلة التالية توضيح ذلك.\rأ- فمن الالتفات بالرجوع والعدول عن الغيبة إلى الخطاب قوله تعالى: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا (١). وإنما قيل:\rلَقَدْ جِئْتُمْ وهو خطاب للحاضر بعد قوله وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً وهو خطاب للغائب لفائدة حسنة، وهي زيادة التسجيل على قائلي هذا القول بالجرأة على الله، والتعرض لسخطه، وتنبيه لهم على عظم ما قالوه، كأنه يخاطب قوما حاضرين بين يديه منكرا عليهم وموبخا لهم.\rومن هذا النوع أيضا، أي من الالتفات بالرجوع أو العدول عن الغيبة إلى الخطاب قول القاضي الأرّجاني:\rوهل هي إلا مهجة يطلبونها؟ ... فإن أرضت الأحباب فهي لهم فدى\rإذا رمتمو قتلي وأنتم أحبتي ... فماذا الذي أخشى إذا كنتمو عدى؟\rفالبيت الثاني قد جاء وهو خطاب للحاضر بعد البيت الأول وهو خطاب للغائب. فالغرض البلاغي من وراء الالتفات بالعدول عن الاستمرار في الإخبار عن الغائب إلى مخاطبته هو تمثل أحبابه الغائبين في البيت الأول كأنهم حاضرون أمامه ليقرّعهم ويلومهم على عدم معاملته بالمثل، وذلك بالمقابلة بين مشاعرهم نحوه: هو على أتم استعداد لأن يفديهم بمهجته إن أرضاهم ذلك، وهم يرومون قتله بالتمادي في هجرانه","footnotes":"(١) الإدّ بكسر الهمزة وتشديد الدال: الأمر الفظيع المنكر، وأده الأمر بتشديد الدال: أثقله وعظم عليه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827102,"book_id":5385,"shamela_page_id":145,"part":null,"page_num":149,"sequence_num":145,"body":"والإعراض عنه كما لو كان عدوا لهم.\r...\r\rومما ينخرط في هذا السلك الالتفات بالرجوع من خطاب الغيبة إلى خطاب النفس، كقوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ، فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ، وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها، وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً، ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ.\rفالآية مثال للالتفات بالعدول عن الغيبة إلى خطاب النفس، فإنه قال وَزَيَّنَّا بعد قوله ثُمَّ اسْتَوى وقوله فَقَضاهُنَّ- وَأَوْحى.\rوالفائدة في ذلك أن طائفة من الناس غير المتشرعين يعتقدون أن النجوم ليست في سماء الدنيا، وأنها ليست حفظا ولا رجوما، فلما صار الكلام إلى ههنا عدل به عن خطاب الغائب إلى خطاب النفس لأنه مهمة من مهمات الاعتقاد، وفيه تكذيب للفرقة المكذبة المعتقدة بطلانه.\r...\r\rومن الالتفات بالرجوع أو العدول عن مخاطبة النفس إلى مخاطبة الجماعة، قوله تعالى: وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.\rوإنما صرف الكلام عن خطاب نفسه إلى خطابهم، لأنه أبرز الكلام لهم في معرض المناصحة، وهو يريد مناصحتهم ليتلطف بهم ويداريهم لأن ذلك أدخل في إمحاض النصح، حيث لا يريد لهم إلا ما يريد لنفسه. وقد وضع قوله وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي مكان قوله «وما لكم لا تعبدون الذي فطركم» بدليل قوله وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. ولولا أنه قصد ذلك لقال «الذي فطرني وإليه أرجع».\r***","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827103,"book_id":5385,"shamela_page_id":146,"part":null,"page_num":150,"sequence_num":146,"body":"ب- ومن الالتفات بالرجوع أو العدول عن الخطاب إلى الغيبة، قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ، فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ.\rفإنه إنما قال: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ولم يقل: «فآمنوا بالله وبي» عطفا على قوله: إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً لكي تجري عليه الصفات التي أجريت عليه. وليعلم أن الذي وجب الإيمان به والاتباع هو هذا الشخص الموصوف بأنه النبي الأمي الذي يؤمن بالله وبكلماته كائنا من كان أنا أو غيري، إظهارا للنصفة وبعدا من التعصب. فقرر أولا في صدر الآية أني رسول الله إلى الناس، ثم أخرج كلامه من الخطاب إلى معرض الغيبة لغرضين: الأول منهما إجراء تلك الصفات عليه، والثاني الخروج من تهمة التعصب.\rومن هذا النوع، أي من الالتفات بالرجوع أو العدول عن الخطاب إلى الغيبة قول ابن النبيه:\rمن سحر عينيك الأمان الأمان ... قتلت ربّ السيف والطيلسان\rأسمر كالرمح له مقلة ... لو لم تكن كحلاء كانت سنان\rفقد عدل عن الخطاب في البيت الأول إلى الغيبة في البيت الثاني لغرض بلاغي قد يكون التفنن في الأسلوب، وقد يكون التمكن من بناء التشبيه الذي يشبه فيه القوام بالرمح، مع المحافظة على سلامة الوزن الشعري.\r...\r\rوالقسم الثاني من الالتفات، هو الخاص بالرجوع أو العدول عن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827104,"book_id":5385,"shamela_page_id":147,"part":null,"page_num":151,"sequence_num":147,"body":"الفعل المستقبل إلى فعل الأمر، وعن الفعل الماضي إلى فعل الأمر.\rويقول ابن الأثير إن هذا القسم كالذي قبله في أنه ليس الانتقال فيه من صيغة إلى صيغة طلبا للتوسع في أساليب الكلام فقط، بل الأمر وراء ذلك. وإنما يقصد إليه تعظيما لحال من أجرى عليه الفعل المستقبل وتفخيما لأمره، وبالضد من ذلك فيمن أجرى عليه فعل الأمر.\rفمن الالتفات بالرجوع أو العدول عن الفعل المستقبل إلى فعل الأمر قوله تعالى: يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ. وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ. وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ. إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ. قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ. وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ.\rفإنه إنما قال: أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا ولم يقل: «وأشهدكم» ليكون موازنا له وبمعناه، لأن إشهاده الله على البراءة من الشرك صحيح ثابت، وأما إشهادهم فما هو إلا تهاون بهم ودلالة على قلة المبالاة بأمرهم، ولذلك عدل به عن لفظ الأول- المستقبل- لاختلاف ما بينهما، وجيء به على لفظ الأمر، كما يقول الرجل لمن ساءت علاقته به: أشهد عليّ أني أحبك، تهكما به واستهانة بحاله.\r...\r\rومن الالتفات بالرجوع أو العدول عن الفعل الماضي إلى فعل الأمر بغرض التوكيد لما أجرى عليه فعل الأمر لمكان العناية بتحقيقه قوله تعالى:\rقُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ.\rوكان تقدير الكلام: أمر ربي بالقسط وبإقامة وجوهكم عند كل مسجد، فعدل عن ذلك بالالتفات إلى فعل الأمر للعناية بتوكيده في","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827105,"book_id":5385,"shamela_page_id":148,"part":null,"page_num":152,"sequence_num":148,"body":"نفوسهم، فإن الصلاة من أوكد فرائض الله على عباده، ثم أتبعها بالإخلاص الذي هو عمل القلب، إذ عمل الجوارح لا يصح إلا بإخلاص النية، ولهذا قال النبي ﷺ: «الأعمال بالنيات».\r...\r\rأما القسم الثالث والأخير من أقسام الالتفات فهو الخاص بالإخبار عن الفعل الماضي بالمستقبل وعن المستقبل بالفعل الماضي.\rفالأول هنا، هو «الإخبار عن الفعل الماضي بالمستقبل». وبيان ذلك أن الفعل المستقبل إذا أتى في حالة الإخبار عن وجود الفعل كان ذلك أبلغ من الإخبار بالفعل الماضي. والسبب في ذلك أن الفعل المستقبل يوضح الحال التي يقع فيها، ويستحضر تلك الصورة حتى كأن السامع يشاهدها وليس كذلك الفعل الماضي.\rوليس كل فعل مستقبل يعطف على ماض يجري هذا المجرى.\rوتفصيل ذلك أن عطف المستقبل على الماضي ينقسم إلى ضربين: أحدهما بلاغي وهو إخبار عن الفعل الماضي بمستقبل، والآخر ليس بلاغيا. وليس إخبارا عن فعل ماض بمستقبل، وإنما هو مستقبل دل على معنى مستقبل غير ماض، ويراد به أن ذلك الفعل مستمر الوجود لم يمض.\rفالضرب الأول كقوله تعالى: وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ.\rفإنما قال فَتُثِيرُ مستقبلا وما قبله وما بعده ماض، وذلك حكاية للحال التي يقع فيها إثارة الريح السحاب، واستحضارا لتلك الصورة البديعة الدالة على القدرة الباهرة ... وهكذا يفعل بكل فعل فيه نوع تميز وخصوصية، كحال تستغرب أو تهم المخاطب أو غير ذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827106,"book_id":5385,"shamela_page_id":149,"part":null,"page_num":153,"sequence_num":149,"body":"ومن هذا الضرب أيضا قوله تعالى: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ. فقال أولا خَرَّ مِنَ السَّماءِ بلفظ الماضي، ثم عطف عليه المستقبل وهو «فتخطفه وتهوي»، وإنما عدل في ذلك إلى المستقبل لاستحضار صورة خطف الطير إياه وهويّ الريح به في مكان سحيق.\rومنه كذلك قول تأبط شرا:\rبأني قد لقيت الغول تهوي ... بشهب كالصحيفة صحصحان\rفأضربها بلا دهش فخرّت ... صريعا لليدين وللجران (١)\rفتأبط شرا قصد في هذين البيتين أن يصوّر لقومه الحال التي تشجع فيها على ضرب الغول كأنه يريهم إياها مشاهدة ماثلة أمام أعينهم للتعجب من جرأته على ذلك الهول. ولو قال: «فضربتها» عطفا على الفعل الماضي قبله وهو «لقيت» لزال الغرض البلاغي المذكور.\rأما الضرب الثاني، وهو الفعل المستقبل الذي يدل على معنى مستقبل غير ماض، ويراد به أنه فعل مستمر الوجود\rلم يمض فكقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فإنه إنما عطف الفعل المستقبل يَصُدُّونَ على الماضي كَفَرُوا لأن كفرهم كان","footnotes":"(١) الغول بالضم: الحية، والسعلاة، والداهية، وكل ما اغتال الإنسان وأهلكه فهو غول، وكانت العرب تزعم أن الغيلان في الفلوات والصحارى تتراءى للناس فتتغول تغولا، أي تتلون تلونا في صور شتى فتضلهم عن الطريق وتهلكهم. وعلى هذا المعنى تكون الغول التي ورد ذكرها في البيت قد تمثلت لتأبط شرا في صورة ناقة أو جمل.\rوالصحصحان: الأرض المستوية الواسعة، والجران بكسر الجيم: مقدم عنق البعير من مذبحه إلى منحره، وإذا برك البعير ومد عنقه على الأرض قيل: ألقى جرانه بالأرض.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827107,"book_id":5385,"shamela_page_id":150,"part":null,"page_num":154,"sequence_num":150,"body":"ووجد ولم يستجدوا بعده كفرا ثانيا، وصدهم عن سبيل الله متجدد على الأيام لم يمض وجوده، وإنما هو مستمر يستأنف في كل حين.\rومن هذا الضرب أيضا قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ. فهنا عدل عن لفظ الماضي إلى المستقبل فقال: فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً ولم يقل «فأصبحت» عطفا على «أنزل» وذلك لإفادة بقاء أثر المطر زمانا بعد زمان. فإنزال الماء مضى وجوده واخضرار الأرض باق لم يمض.\rوهذا كما تقول: «أنعم عليّ فلان فأروح وأغدو شاكرا له» ولو قلت: «فرحت وغدوت شاكرا له» لم يقع ذلك الموقع، لأنه يدل على ماض قد كان وانقضى.\r...\r\rوأما الإخبار بالفعل الماضي عن المستقبل، فهو عكس ما تقدم ذكره، وفائدته أن الفعل الماضي إذا أخبر عن المستقبل الذي لم يوجد بعد، كان ذلك أبلغ وأوكد في تحقيق الفعل وإيجاده، لأن الفعل الماضي يعطي من المعنى أنه قد كان ووجد.\rوإنما يفعل ذلك إذا كان الفعل المستقبل من الأشياء العظيمة التي يستعظم وجودها. والفرق بينه وبين الإخبار بالفعل المستقبل عن الماضي أن الغرض بذاك تبيين هيئة الفعل واستحضار صورته ليكون السامع كأنه يشاهدها، والغرض بالإخبار بالماضي عن المستقبل هو الدلالة على إيجاد الفعل الذي لم يوجد.\rفمن أمثلة الإخبار بالفعل الماضي عن المستقبل قوله تعالى: وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ، فإنه إنما قال","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827108,"book_id":5385,"shamela_page_id":151,"part":null,"page_num":155,"sequence_num":151,"body":"فَفَزِعَ بلفظ الماضي بعد قوله يُنْفَخُ وهو مستقبل، للإشعار بتحقيق الفزع، وأنه كائن لا محالة، لأن الفعل الماضي يدل على وجود الفعل وكونه مقطوعا به.\rومن أمثلة الالتفات بالإخبار بالفعل الماضي عن المستقبل أيضا قوله تعالى: وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً. وإنما قيل وَحَشَرْناهُمْ ماضيا بعد «نسيّر وترى» وهما مستقبلان للدلالة على أن حشرهم قبل التسيير والبروز ليشاهدوا تلك الأحوال، كأنه قال: وحشرناهم قبل ذلك لأن الحشر هو المهم، لأن من الناس من ينكره كالفلاسفة وغيرهم، ومن أجل ذلك ذكر بلفظ الماضي.\rفالعدول بالالتفات عن صيغة من الألفاظ إلى صيغة لا يكون، كما رأينا، إلا لنوع من الخصوصية اقتضت ذلك. وهذه أمر لا يتوخاه في كلامه إلا المتمرس بفن القول والعارف بأسرار الفصاحة والبلاغة (١).\r\rالجمع\rالجمع: هو أن يجمع بين متعدد في حكم واحد، أو هو أن يجمع المتكلم بين شيئين فأكثر في حكم واحد، كقوله تعالى: الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا، فقد جمع الله ﷾ المال والبنون في الزينة.\rومنه قوله تعالى: الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ (٢). فجمع بين الشمس والقمر في الحسبان أي الحساب","footnotes":"(١) انظر في هذا الموضوع كتاب المثل السائر لا بن الأثير ص ١٦٧ - ١٧٣.\r(٢) الحسبان بضم الحاء كالغفران: الحساب الدقيق، والنجم هنا: النبات الذي ينجم أي يظهر من الأرض ولا ساق له، والشجر: النبات الذي له ساق وله أغصان، ويسجدان:\rأي ينقادان لما أراده الله سبحانه منهما.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827109,"book_id":5385,"shamela_page_id":152,"part":null,"page_num":156,"sequence_num":152,"body":"الدقيق، وجمع بين النجم والشجر في السجود أي الانقياد لإرادة الله سبحانه.\rومنه قوله ﷺ: «من أصبح آمنا في سربه، معافى في بدنه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها» (١). فجمع الأمن ومعافاة البدن وقوت اليوم في حكم واحد هو حيازة الدنيا وامتلاكها بحذافيرها أي من جميع نواحيها.\rومنه شعرا قول أبي العتاهية:\rإن الفراغ والشباب والجدة ... مفسدة للمرء أي مفسدة\rفجمع الشاعر بين الفراغ والشباب والجدة أي الاستغناء في حكم واحد هو المفسدة، أي أن هذه الأمور تؤدي بصاحبها إلى الفساد.\r\rالتفريق\rالتفريق في اللغة ضد الاجتماع.\rوالتفريق في اصطلاح البديعيين هو إيقاع تباين بين أمرين من نوع، في المدح وغيره. وهذا معناه أن المتكلم أو الناظم يأتي إلى شيئين من نوع واحد فيوقع بينهما تباينا وتفريقا بفرق يفيد زيادة وترجيحا فيما هو بصدده من مدح أو ذم أو نسيب أو غيره من الأغراض الأدبية.\rومن أمثلة التفريق قول رشيد الدين الوطواط:","footnotes":"(١) السرب بكسر السين وسكون الراء: النفس وهو المراد هنا، ومن معانيها أيضا: الجماعة من النساء والبقر والقطا والشاء والوحش، والجمع أسراب، والحذافير: النواحي، واحدها حذفار.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827110,"book_id":5385,"shamela_page_id":153,"part":null,"page_num":157,"sequence_num":153,"body":"ما نوال الغمام وقت ربيع ... كنوال الأمير يوم سخاء\rفنوال الأمير بدرة عين (١) ... ونوال الغمام قطرة ماء\rفالشاعر هنا قد أوقع التباين بين النوالين أي العطائين: نوال الغمام ونوال الأمير، مع أنهما من نوع واحد وهو مطلق نوال.\rومن أمثلة التفريق أيضا قول الشاعر:\rمن قاس جدواك بالغمام فما ... أنصف في الحكم بين شكلين\rأنت إذا جدت ضاحك أبدا ... وهو إذا جاد دامع العين\rفهنا شيئان من نوع واحد هما جدوى الممدوح وجدوى الغمام، أي عطاؤهما، وقد أوقع الشاعر تباينا بينهما بفرق يفيد زيادة وترجيحا لكفة عطاء الممدوح، فهو يعطي ضاحكا فرحا بالعطاء، على حين يعطي الغمام دامع العين، كأنما هناك قوة تدفعه إلى العطاء على غير إرادة منه.\rومنه قول الشاعر:\rقاسوك بالغصن في التثني ... قياس جهل بلا انتصاف\rهذاك غصن الخلاف يدعى ... وأنت غصن بلا خلاف\rفالشاعر أتى هنا بشيئين من نوع واحد على التشبيه هما: غصن شجر الخلاف أي الصفصاف، وقوام صاحبته الذي يشبه الغصن في التثني، ثم أوقع التباين والتفريق بينهما لفائدة معنوية ادعاها، وهي تفضيل قوام صاحبته على غصن الخلاف، لأن الأخير تنفر النفس عنه لاسمه «الخلاف»","footnotes":"(١) العين: من معانيها النقد عامة من دراهم ودنانير وغيرها وهو المقصود هنا، والبدرة:\rكيس فيه ألف أو عشرة آلاف، وهذا الكيس يصنع من جلد ولد الضأن إذا فطم، فبدرة عين: كيس مملوء بالدراهم أو الدنانير أو غيرها، والنوال: العطاء.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827111,"book_id":5385,"shamela_page_id":154,"part":null,"page_num":158,"sequence_num":154,"body":"أما الأول وهو قوام صاحبته فغصن لا خلاف ولا شك فيه. وفي «خلاف» و «خلاف» جناس تام لتشابه اللفظين نطقا لا معنى، واتفاق حروفهما هيئة ونوعا وعددا وترتيبا.\rومن التفريق أيضا قول صفي الدين الحلي في مدح الرسول:\rفجود كفيه لم تقلع سحائبه ... عن العباد وجود السحب لم يدم\rففي البيت شيئان من نوع واحد هما: جود كفي الرسول صلوات الله عليه وجود السحب، وقد أوقع الشاعر تباينا بينهما مع أنهما من نوع واحد وهو مطلق جود.\rوقد قصد الشاعر من وراء هذا التباين أو التفريق بين الشيئين من نوع واحد إلى غرض بلاغي هو ترجيح وتفضيل جود كفي الرسول على جود السحب، فجود كفي الرسول على العباد متصل دائم وجود السحب منقطع غير دائم.\r\rالجمع مع التقسيم\rالجمع مع التقسيم: هو جمع متعدد تحت حكم ثم تقسيمه، أو العكس أي تقسيم متعدد ثم جمعه تحت حكم.\rفالأول وهو جمع المتعدد ثم تقسيمه كقول المتنبي من قصيدة يصف فيها موقعة دارت بين الروم والعرب بقيادة\rسيف الدولة بالقرب من بحيرة الحدث:\rحتى أقام على أرباض خرشنة ... تشقى به الروم والصلبان والبيع (١)","footnotes":"(١) الأرباض: جمع ربض بفتحتين، وهو ما حول المدينة، وخرشنة: بلد من بلاد الروم، وفيها يقول أبو فراس الحمداني:","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827112,"book_id":5385,"shamela_page_id":155,"part":null,"page_num":159,"sequence_num":155,"body":"للسبي ما نكحوا والقتل ما ولدوا ... والنهب ما جمعوا والنار ما زرعوا\rفالمتنبي هنا جمع الروم ممثلين في نسائهم وأولادهم وأموالهم وزرعهم تحت حكم واحد هو الشقاء، ثم قسم ذلك الحكم إلى سبي وقتل ونهب وإحراق، وأرجع إلى كل قسم من هذه الأقسام ما يلائمه ويناسبه، فأرجع للسبي ما نكحوا، وللقتل ما ولدوا، وللنهب ما جمعوا، وللنار ما زرعوا، أي إتلاف مزارعهم بالإحراق.\rومع أن الصلبان والبيع تشترك بالعطف مع الروم في الحكم عليها بالشقاء إلا أن التقسيم خصّ بالروم وقصر عليهم وحدهم.\rوالثاني: هو التقسيم ثم الجمع، أو بعبارة أخرى هو تقديم التقسيم وتأخير الجمع في الحكم عليه. ومن أمثلته قول حسان بن ثابت:\rقوم إذا حاربوا ضروا عدوهمو ... أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا\rسجية تلك منهم غير محدثة ... إن الخلائق فاعلم شرّها البدع (١)\rقسم الشاعر في البيت الأول صفة الممدوحين إلى ضر الأعداء في الحرب ونفع الأشياع والأولياء، ثم عاد فجمعها في البيت الثاني حيث قال: «سجية تلك».\rوالنوع الأول هنا كما يبدو أحسن وأوقع في القلوب من الثاني، وعليه مشى أصحاب البديعيات.","footnotes":"-\rإن زرت «خرشنة» أسيرا ... فلكم أحطت بها مغيرا\rولقد رأيت النار تن ... تهب المنازل والقصورا\rولئن لقيت الحزن في ... ك فقد لقيت بك السرورا\r(١) البدع: جمع بدعة، وهي الحدث في الدين بعد الكمال، والمراد بها هنا محدثات الأخلاق.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827113,"book_id":5385,"shamela_page_id":156,"part":null,"page_num":160,"sequence_num":156,"body":"ومن النوع الأول أيضا وهو الجمع ثم التقسيم قول صفي الدين الحلي:\rأبادهم فلبيت المال ما جمعوا ... والروح للسيف والأجساد للرخم (١)\rفكما يفهم من البيت جمع الشاعر المتمردين على السلطان تحت حكم واحد هو الإبادة، ثم قسم ذلك الحكم إلى المال والروح والأجساد، وأرجع إلى كل واحد من هذه الأقسام ما يناسبه، فأرجع لبيت المال ما جمعوا، وللسيف الروح وللرخم الأجساد.\rويلاحظ على هذا البيت أن صفي الدين الحلي قد استوحى معناه من معنى المتنبي السابق، ولكن شتان بين صياغة وصياغة، وبين شاعر مبتدع وآخر مقلد.\r\rالجمع مع التفريق\rيعرفه علماء البديع بأنه الجمع بين شيئين في حكم واحد ثم التفريق بينهما في ذلك الحكم.\rومن أمثلته قوله تعالى: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً. فالمعنى أولا أن الله سبحانه جعل الليل والنهار آيتين، أي دليلين على قدرته وحكمته، والمراد بمحو آية خلقها ممحوا ضوءها، أي جعلها مظلمة كما جعل آية النهار مبصرة.\rعلى هذا جمع بين الليل والنهار في حكم واحد هو أنهما آيتان ودليلان على القدرة والحكمة، ثم فرق بينهما في ذلك الحكم من جهة أن الليل يكون مظلما والنهار يكون مضيئا.","footnotes":"(١) الرخم: الطيور، جمع رخمة بفتحتين.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827114,"book_id":5385,"shamela_page_id":157,"part":null,"page_num":161,"sequence_num":157,"body":"ومن أمثلة الجمع مع التفريق شعرا قول رشيد الدين الوطواط:\rفوجهك كالنار في ضوئها ... وقلبي كالنار في حرّها\rفقد جمع بين وجه الحبيب وقلب نفسه في حكم واحد هو تشبيههما بالنار، ثم فرّق بينهما في ذلك الحكم من جهة وجه الشبه في كليهما، فوجه الحبيبة كالنار في ضوئها ولمعانها، وقلب الشاعر كالنار في حرارتها ولهبها المحرق.\rومن الشواهد أيضا قول الفخر عيسى:\rتشابه دمعانا غداة فراقنا ... مشابهة في قصة دون قصة\rفوجنتها تكسو المدامع حمرة ... ودمعي يكسو حمرة اللون وجنتي\rفالشاعر هنا جمع بين الدمعين ساعة الفراق في الشبه، ثم فرّق بينهما بأن دمع الحبيبة أبيض فإذا جرى على خدها صار أحمر بسبب احمرار خدّها، وأنّ دمعه أحمر لأنه يبكي دما وجسده من النحول والشحوب أصفر فإذا جرى دمعه على خده صيّره أحمر.\rومن أمثلة الجمع مع التفريق كذلك قول البحتري:\rولما التقينا والنقا موعد لنا ... تعجّب رائي الدرّ منا ولاقطه\rفمن لؤلؤ تجلوه عند ابتسامها ... ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه\rفالبحتري في بيتيه هذين جمع بين رائي الدر ولاقطه في حكم واحد هو التعجب، ثم فرّق بينهما في ذلك الحكم، أي من جهة التعجب، فرائي الدر يتعجب من ثناياها اللؤلؤية التي تبدو له عند ابتسامها، ولاقط الدر يتعجب مما تنفرج عنه شفتاها عند الحديث من كلمات يلتقطها وكأنها اللؤلؤ قيمة ونفاسة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827115,"book_id":5385,"shamela_page_id":158,"part":null,"page_num":162,"sequence_num":158,"body":"الجمع مع التفريق والتقسيم\rوهو الجمع بين شيئين أو أشياء في حكم واحد، ثم التفريق بينها في ذلك الحكم، ثم التقسيم بين الشيئين أو الأشياء المفرقة بأن يضاف إلى كل ما يلائمه ويناسبه.\rومن أمثلة ذلك قوله تعالى: يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ، فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ. وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١).\rأما الجمع ففي قوله: يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فإن قوله نَفْسٌ متعدد معنى، أي جمع الأنفس بقوله: لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ، ثم فرق بينهم بأن بعضهم شقي وبعضهم سعيد، ثم قسم بأن أضاف إلى الأشقياء ما لهم من عذاب النار، وإلى السعداء ما لهم من نعيم الجنة.\rومن الجمع مع التفريق والتقسيم شعرا قول ابن شرف القيرواني:\rلمختلفي الحاجات جمع ببابه ... فهذا له فن وهذا له فنّ\rفللخامل العليا وللمعدم الغنى ... وللمذنب العتبى وللخائف الأمن (٢)\rفمختلفي الحاجات جمع بينهم في حكم واحد هو الاجتماع أمام","footnotes":"(١) يوم يأتي: أي يوم يأتي أمر ربك، والزفير: إخراج النفس بشدة، والشهيق رد النفس بشدة، وعطاء غير مجذوذ: أي عطاء غير مقطوع.\r(٢) الفنّ هنا: الحال، والخامل: ساقط النباهة الذي لاحظ له، مأخوذ من خمل المنزل خمولا إذا عفا ودرس، وللمذنب العتبى: أي الرضا عنه والتجاوز عن ذنبه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827116,"book_id":5385,"shamela_page_id":159,"part":null,"page_num":163,"sequence_num":159,"body":"بابه، ثم فرّق بينهم في ذلك الحكم من جهة أن كلا منهم له حال خاصة تخالف حال غيره، ثم عاد فقسّم بأن أضاف إلى كل واحد منهم ما يناسب حاله، فللخامل العليا، وللمعدم الغنى، وللمذنب العتبى، وللخائف الأمن.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827117,"book_id":5385,"shamela_page_id":160,"part":null,"page_num":164,"sequence_num":160,"body":"تأكيد المدح بما يشبه الذم\rأول من فطن إلى هذا النوع من البديع المعنوي عبد الله بن المعتز، فقد عده في كتابه «البديع» من محاسن الكلام، وسمّاه «تأكيد مدح بما يشبه الذم» وأورد له مثالين، هما قول النابغة الذبياني:\rولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهنّ فلول من قراع الكتائب\rوقول النابغة الجعدي:\rفتى كملت أخلاقه غير أنه ... جواد فما يبقي من المال باقيا\rومن البلاغيين من يسمي هذا الفن البديعي «الاستثناء» ناظرين إلى أن حسنه المعنوي ناشئ من أثر أداة الاستثناء التي يبنى عليها، ولكن تسمية ابن المعتز له أدلّ في الواقع عليه من تسميته «بالاستثناء».\r...\r\rوتأكيد المدح بما يشبه الذم ضربان:\r١ - أولهما، وهو في الوقت ذاته أفضلهما، أن يستثنى من صفة ذم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827118,"book_id":5385,"shamela_page_id":161,"part":null,"page_num":165,"sequence_num":161,"body":"منفية عن الشيء صفة مدح بتقدير دخولها في صفة الذم.\rكقول النابغة الذبياني السابق:\rولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهنّ فلول من قراع الكتائب (١)\rفالنابغة هنا نفى أولا عن ممدوحيه صفة العيب ثم عاد فأثبت لهم بالاستثناء عيبا هو أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب، وهذه ليست في الواقع صفة ذم وإنما هي صفة مدح أثبتها الشاعر لممدوحيه وأكدها بما يشبه الذم.\rوتأكيد المدح في هذا الضرب من وجهين: أحدهما أن التأكيد فيه هو من جهة أنه كدعوى الشيء ببيّنة وبرهان، كأنه استدل على أنه لا عيب فيهم بأن ثبوت عيب لهم معلق بكون فلول السيف عيبا وهو محال.\rوالوجه الثاني أن الأصل في مطلق الاستثناء الاتصال، بمعنى أن المستثنى يكون داخلا في المستثنى منه وفردا من أفراده، وعلى هذا فإذا قيل:\r«ولا عيب فيهم غير ...» فإن السامع يتوهم بمجرد التلفظ بأداة الاستثناء «غير» أو نحوها وقبل النطق بما بعدها أن ما يأتي بعدها وهو المستثنى لا بدّ أن يكون صفة ذم، فإذا ولى أداة الاستثناء صفة مدح تبدد توهم السامع بهذه المفاجأة التي لم يكن يتوقعها. لقد توهم أن الذي سيلي أداة الاستثناء لا بدّ أن يكون صفة ذم فإذا به يفاجأ بأنها صفة مدح. ومن هنا يجيء التوكيد لما فيه من المدح على المدح، ومن الإشعار بأن المتكلم لم يجد صفة ذم يستثنيها فاضطر إلى استثناء صفة مدح وتحويل الاستثناء من متصل إلى منقطع.\r...","footnotes":"(١) الفلول: جمع فل، وهو الثلم يصيب السيف في حده، وقراع الكتائب: مضاربة الجيوش ومقاتلتها عند اللقاء.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827119,"book_id":5385,"shamela_page_id":162,"part":null,"page_num":166,"sequence_num":162,"body":"٢ - والضرب الثاني من تأكيد المدح بما يشبه الذم يتمثل في إثبات صفة مدح لشيء تعقبها أداة استثناء يكون المستثنى بها صفة مدح أخرى له.\rومثال ذلك قول الرسول: «أنا أفصح العرب بيد أني من قريش»، و «بيد» بمعنى «غير» وهو أداة استثناء، وأصل الاستثناء في هذا الضرب أن يكون منقطعا، ولم يقدر متصلا لأنه ليس هنا صفة ذم منفية عامة يمكن تقدير دخول صفة المدح فيها.\rوإذا لم يمكن تقدير الاستثناء متصلا في هذا الضرب فلا يفيد التوكيد إلا من الوجه الثاني، وهو أن ذكر أداة الاستثناء يوهم إخراج شيء مما قبلها من حيث أن الأصل في مطلق الاستثناء هو الاتصال، فإذا ذكر بعد الأداة صفة مدح أخرى جاء التوكيد.\rومن تأكيد المدح بما يشبه الذم ضرب آخر وهو أن يؤتى بمستثنى فيه معنى المدح معمولا لفعل فيه معنى الذم، وذلك نحو قوله تعالى: وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا. أي وما تعيب منا إلا الإيمان بالله الذي هو أصل المناقب والمفاخر كلها.\rفالفعل تَنْقِمُ فيه معنى العيب والذم، والمستثنى بإلا وهو مصدر الإيمان المؤول من «أن آمنا» يتضمن صفة مدح، وهو في الوقت ذاته معمول الفعل تَنْقِمُ. فهذا المثال ونظائره مما تأتي فيه صفة المدح الواقعة بعد أداة الاستثناء\rمعمولا لفعل فيه معنى الذم- يعد ضربا آخر من تأكيد المدح بما يشبه الذم.\rوفي هذا الأسلوب البديعي قد تأتي أدوات الاستثناء من مثل «إلا، وغير، وسوى» بمعنى «لكن» التي للاستدراك، وعندئذ يكون تأكيد المدح","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827120,"book_id":5385,"shamela_page_id":163,"part":null,"page_num":167,"sequence_num":163,"body":"بما يشبه الذم فيها من الضرب الثاني الذي يتمثل في إثبات صفة مدح لشيء تعقبها أداة استثناء يكون المستثنى بها صفة مدح أخرى له. وذلك كقول الشاعر:\rهو البحر إلا أنه البحر زاخرا ... سوى أنه الضرغام لكنه الوبل\rفالممدوح هنا هو البحر، لكنه البحر زاخرا، لكنه الضرغام، لكنه الوبل أي المطر، فقد شبه الممدوح بالبحر وهذه صفة مدح، ثم أكدت هذه الصفة بصفات مدح أخرى هي: أنه البحر زاخرا، وأنه الضرغام شجاعة، وأنه الوبل أي المطر غزارة. وكل ذلك قد ثبت وتأكد بالاستدراك الذي أزال توهم السامع بالاستثناء لصفات ذم وأحل محلها صفات مدح.\rوبعد ... فتجدر الإشارة هنا إلى أن تسمية هذا الفن البديعي «بتأكيد المدح بما يشبه الذم» قد نظر فيها إلى الأعم الأغلب، وإلا فقد يكون ذلك في غير المدح والذم ويكون من محسنات الكلام، كقوله تعالى:\rوَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ. يعني إن أمكنكم أن تنكحوا ما قد سلف فانكحوه فلا يحل لكم غيره، وذلك غير الممكن.\rوالغرض بطبيعة الحال هنا هو المبالغة في تحريم هذا النوع من الزواج وسد الطريق إلى إباحته. ويمكن تسمية ما يأتي من هذا القبيل «بتأكيد الشيء بما يشبه نقيضه».\r...\r\rوتتمة لما سبق وزيادة في توضيحه نورد فيما يلي بعض أمثلة مما جادت به قرائح الشعراء فيه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827121,"book_id":5385,"shamela_page_id":164,"part":null,"page_num":168,"sequence_num":164,"body":"فالضرب الأول من تأكيد المدح بما يشبه الذم هو، كما عرفنا، أن يستثنى من صفة ذم منفية عن الشيء صفة مدح بتقدير دخولها في صفة الذم. ومن أمثلة ذلك:\r١ - قول أبي هفّان الشاعر:\rولا عيب فينا غير أن سماحنا ... أضرّ بنا، والبأس من كل جانب\rفأفنى الردى أرواحنا غير ظالم ... وأفنى الندى أموالنا غير عائب\rفقوله إن السماح والبأس أضرّا بهم ليس بعيب على الحقيقة، ولكنه توكيد مدح. ومما زاد المعنى ملاحة ولطف\rموقع ما تضمنه من احتراس بديع في قوله «غير ظالم وغير عائب».\r٢ - وقول ابن الرومي:\rليس له عيب سوى أنه ... لا تقع العين على شبهه\rفجعل انفراده في الدنيا بالحسن دون أن يكون له قرين يؤنسه عيبا، فهو بذلك يزيد توكيد حسنه.\r٣ - وقول حاتم الطائي:\rوما تشتكي جارتي غير أنني ... إذا غاب عنها بعلها لا أزورها\rسيبلغها خيري ويرجع أهلها ... إليها ولم تقصر عليّ ستورها\r٤ - وقول أبي هلال العسكري:\rولا عيب فيه غير أن ذوي الندى ... خساس إذا قيسوا به ولئام\r٥ - وقول شاعر:\rولا عيب فيكم غير أن ضيوفكم ... تعاب بنسيان الأحبة والوطن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827122,"book_id":5385,"shamela_page_id":165,"part":null,"page_num":169,"sequence_num":165,"body":"٦ - وقول صفي الدين الحلي في المعنى السابق:\rلا عيب فيهم سوى أن النزيل بهم ... يسلو عن الأهل والأوطان والحشم\r٧ - وقول جمال الدين بن نباتة:\rلا عيب فيه سوى العزائم قصّرت ... عنها الكواكب وهي بعد تحلق\r٨ - وأعظم الشواهد على هذا النوع قوله تعالى: لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً.\r...\r\rوالضرب الثاني من تأكيد المدح بما يشبه الذم يتمثل في إثبات صفة مدح لشيء تعقبها أداة استثناء يكون المستثنى بها صفة مدح أخرى له.\rومن أمثلته:\r١ - قول النابغة الجعدي:\rفتى كملت أخلاقه غير أنه ... جواد فما يبقى من المال باقيا\rفتى كان فيه ما يسر صديقه ... على أن فيه ما يسيء الأعاديا\r٢ - وقول شاعر آخر:\rأدافع عن أحسابهم غير أنني ... وحاشاي يوما لا أمنّ عليهمو\r٣ - وقول شاعر ثالث:\rأطلب المجد دائبا غير أني ... في طلابي لا تعرف اليأس نفسي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827123,"book_id":5385,"shamela_page_id":166,"part":null,"page_num":170,"sequence_num":166,"body":"تأكيد الذم بما يشبه المدح\rوتأكيد الذم بما يشبه المدح كعكسه السابق ضربان:\r١ - أحدهما أن يستثنى من صفة مدح منفية عن الشيء صفة ذم، بتقدير دخولها في صفة المدح.\rوذلك نحو قول القائل: «فلان لا خير فيه إلا أنه يسيء إلى من أحسن إليه».\r٢ - وثانيهما أن يثبت للشيء صفة ذم وتعقّب بأداة استثناء تليها صفة ذم أخرى له. وذلك كقول القائل: «فلان فاسق إلا أنه جاهل».\rوالضرب الأول يفيد التأكيد من وجهين، والثاني من وجه واحد، كما مر من تأكيد المدح بما يشبه الذم.\r\rالمذهب الكلامي\rالمذهب الكلامي نوع كبير من أنواع البديع المعنوي، وقد عده ابن المعتز أحد الفنون البديعية الخمسة الأساسية التي بنى عليها كتابه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827124,"book_id":5385,"shamela_page_id":167,"part":null,"page_num":171,"sequence_num":167,"body":"«البديع»، وقال عنه: «هو مذهب سماه عمرو الجاحظ المذهب الكلامي.\rوهذا باب ما أعلم أني وجدت في القرآن منه شيئا، وهو ينسب إلى التكلف، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا» (١).\rولكن ابن المعتز لم يذكر مفهوم الجاحظ لهذا الفن البديعي كما أنه لم يحاول هو تحديده، وكل ما فعله أنه ذكر بعض أمثلة له، منها قول الفرزدق:\rلكل امرئ نفسان: نفس كريمة ... وأخرى يعاصيها الفتى ويطيعها\rونفسك من نفسيك تشفع للندى ... إذا قل من أحرار هنّ شفيعها\rومنها قول أبي نواس:\rإن هذا يرى- ولا رأي للأح ... مق- أني أعده إنسانا\rذاك في الظن عنده وهو عندي ... كالذي لم يكن وإن كان كانا\rوقول إبراهيم بن المهدي يعتذر للمأمون من وثوبه على الخلاقة:\rالبرّ منك وطاء العذر عندك لي ... فيما فعلت فلم تعذل ولم تلم\rوقام علمك بي فاحتج عندك لي ... مقام شاهد عدل غير متهم\rوإذا تأملنا كل مثال من هذه الأمثلة وجدنا أن الشاعر يدعي دعوى ثم يحاول التماس دليل مقنع عليها. تماما كما يفعل المتكلمون بإيراد الحجج العقلية على دعاواهم.\rوعلى هذا فأغلب الظن أن مفهوم المذهب الكلامي عند الجاحظ وابن المعتز كما توحي به الأمثلة السابقة هو: اصطناع مذهب المتكلمين العقلي في الجدل والاستدلال وإيراد الحجج والتماس العلل، وذلك بأن","footnotes":"(١) كتاب البديع لا بن المعتز ص ٥٣ - ٥٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827125,"book_id":5385,"shamela_page_id":168,"part":null,"page_num":172,"sequence_num":168,"body":"يأتي البليغ على صحة دعواه بحجة قاطعة أيا كان نوعها.\rولعل مما يؤكد ذلك قول الجاحظ في معرض المعرفة والاستدلال:\r«ولولا استعمال المعرفة لما كان للمعرفة معنى، كما أنه لولا الاستدلال لما كان لوضع الدلالة معنى ..... وللعقل في خلال ذلك مجال، وللرأي تقلب، وتنشر للخواطر أسباب، ويتهيأ لصواب الرأي أبواب» (١).\r...\r\rوقد عرض البلاغيون بعد ابن المعتز للمذهب الكلامي وعدوه من فنون البديع، ومن هؤلاء أبو هلال العسكري وابن رشيق القيرواني.\rوكلام هذين الأديبين لم يزد في جملته على ما قاله ابن المعتز نقلا عن الجاحظ، ولكن أبا هلال يعلق بملاحظة ذكية على قول ابن المعتز، فيقول في مستهل كلامه عن المذهب الكلامي: «جعله عبد الله بن المعتز الباب الخامس من البديع، وقال: ما أعلم أني وجدت منه شيئا في القرآن وهو ينسب إلى التكلف، فنسبه إلى التكلف وجعله من البديع» (٢)!.\rكما أن ابن رشيق يقرر أنه «مذهب كلاميّ فلسفيّ» (٣) كما جاء في تعقيبه على بيتين من شعر أبي نواس.\r...\r\rوإذا ما انتهينا إلى العصور المتأخرة فإننا نجد الخطيب القزويني «٧٣٩ هـ» يعرف المذهب الكلامي بقوله: «هو إيراد حجة للمطلوب على طريقة أهل الكلام، نحو: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا (٤).","footnotes":"(١) كتاب الحيوان ج ٢ ص ١١٥ - ١١٦.\r(٢) كتاب الصناعتين ص ٤١٠.\r(٣) كتاب العمدة ج ٢ ص ٧٦.\r(٤) كتاب التلخيص للقزويني ص ٣٧٤.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827126,"book_id":5385,"shamela_page_id":169,"part":null,"page_num":173,"sequence_num":169,"body":"والقزويني يقصد «بطريقة أهل الكلام» أن تكون الحجة بعد تسليم المقدمات مستلزمة للمطلوب. ففي قوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا اللازم، وهو فساد السموات والأرض باطل، لأن المراد به خروجهما عن النظام الذي هما عليه، فكذا الملزوم وهو تعدد الآلهة باطل.\rومثل هذه الآية الكريمة قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ أي والإعادة أهون عليه من البدء، والأهون من البدء أدخل في الإمكان من البدء. فالإعادة أدخل في الإمكان من البدء وهو المطلوب.\rوقد استشهد القزويني على هذا الفن البديعي أيضا بأبيات من قصيدة للنابغة الذبياني يعتذر فيها إلى النعمان بن المنذر، وهي:\rحلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب (١)\rلئن كنت قد بلغت عني خيانة ... لمبلغك الواشي أغش وأكذب\rولكنني كنت امرأ لي جانب ... من الأرض فيه مستراد ومذهب (٢)\rملوك وإخوان إذا ما مدحتهم ... أحكم في أموالهم وأقرب\rكفعلك في قوم أراك اصطفيتهم ... فلم ترهم في مدحهم لك أذنبوا\rفالقضية كما يفهم من القصيدة التي منها هذه الأبيات أن النابغة قد كان مدح آل جفنة بالشام فتنكر النعمان لذلك وغضب على الشاعر. وفي هذه الأبيات التي هي مثال للمذهب الكلامي يجادل النابغة النعمان بالمنطق ويدافع عن نفسه بالحجج وبأنه لم ينحرف عن ولائه له، وليس من العدل التفرقة في الحكم بين مدح ومدح. ثم ينتهي بالحجة الدامغة","footnotes":"(١) الريبة: الشك.\r(٢) مستراد: موضع يتردد فيه لطلب الرزق، وهو من راد كلأ بمعنى طلبه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827127,"book_id":5385,"shamela_page_id":170,"part":null,"page_num":174,"sequence_num":170,"body":"فيقول: أنت أحسنت إلى قوم أراك اصطفيتهم فمدحوك، وأنا أحسن إليّ قوم فمدحتهم، فكما أن مدح أولئك لك لا يعد ذنبا، فكذلك مدحي لمن أحسن إليّ لا يعد ذنبا.\rففي المذهب الكلامي قضايا ودعاوى يدافع عنها بالمنطق والجدل، والحجج والأدلة المقنعة، كما رأينا.\r...\r\rوممن جاءوا بعد القزويني وعرضوا للمذهب الكلامي ابن حجة الحموي أحد علماء وأدباء القرن التاسع الهجري.\rففي مستهل حديثه عنه يقول: «المذهب الكلامي نوع كبير نسبت تسميته إلى الجاحظ. وهو في الاصطلاح أن يأتي البليغ على صحة دعواه وإبطال دعوى خصمه بحجة قاطعة عقلية تصح نسبتها إلى علم الكلام، إذ علم الكلام عبارة عن إثبات أصول الدين بالبراهين العقلية القاطعة».\rثم يستطرد إلى الرد على قول ابن المعتز بأنه لا يعلم ذلك في القرآن، يعني المذهب الكلامي، فيقول ابن حجة: «وليس عدم علمه مانعا علم غيره، إذ لم يستشهد على هذا المذهب الكلامي بأعظم من شواهد القرآن، وأصح الأدلة في شواهد هذا النوع وأبلغها قوله تعالى:\rلَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا، هذا دليل قاطع على وحدانيته ﷻ، وتمام الدليل أن تقول: لكنهما لم تفسدا، فليس فيهما آلهة غير الله».\rومن أدلته أيضا عنده قوله ﷺ: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا»، وتمام الدليل أن يقال: لكنكم ضحكتم كثيرا وبكيتم قليلا فلم تعلموا ما أعلم. فهذان قياسان شرطيان من كلام الله وكلام نبيه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827128,"book_id":5385,"shamela_page_id":171,"part":null,"page_num":175,"sequence_num":171,"body":"ومثله قول مالك بن المرجل الأندلسي:\rلو يكون الحبّ وصلا كله ... لم تكن غايته إلا الملل\rأو يكون الحب هجرا كله ... لم تكن غايته إلا الأجل\rإنما الوصل كمثل الماء لا ... يستطاب الماء إلا بالعلل\rفالبيتان الأولان قياس شرطي والثالث قياس فقهي، فإنه قاس الوصل على الماء، فكما أن الماء لا يستطاب إلا بعد العطش، فالوصل مثله لا يستطاب إلا بعد حرارة الهجر.\rوعند ابن حجة أن القياس الشرطي أوضح دلالة في هذا الباب من غيره، وأعذب في الذوق، وأسهل في التركيب، فإنه جملة واقعة بعد «لو» الشرطية وجوابها، وهذه الجملة على اصطلاح المناطقة مقدمة شرطية يستدل بها على\rما تقدم من الحكم (١).\r\rاللف والنشر\rويسميه بعض البديعيين «الطي والنشر»: وهو ذكر متعدد على التفصيل أو الإجمال، ثم ذكر ما لكل واحد من غير تعيين، ثقة بأن السامع يرده إليه لعلمه بذلك بالقرائن اللفظية أو المعنوية.\rوهذا يعني أن تذكر شيئين فصاعدا إما تفصيلا فتنص على كل واحد منهما، وإما إجمالا فتأتي بلفظ واحد يشتمل على متعدد وتفوض إلى العقل رد كل واحد إلى ما يليق به من غير حاجة إلى أن تنص أنت على ذلك.","footnotes":"(١) ارجع إلى كلام ابن حجة الحموي عن هذا النوع البديعي في كتابه «خزانة الأدب» ص ١٦٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827129,"book_id":5385,"shamela_page_id":172,"part":null,"page_num":176,"sequence_num":172,"body":"أقسامه:\rواللف والنشر كما يفهم من التعريف السابق قسمان:\rالأول: ذكر المتعدد على التفصيل وهو ضربان:\r١ - أحدهما: أن يكون النشر على ترتيب اللف بأن يكون الأول من المتعدد في النشر للأول من المتعدد في اللف، والثاني للثاني، وهكذا إلى الآخر. وهذا الضرب هو الأكثر في اللف والنشر والأشهر.\rومن شواهد هذا الضرب بين اثنين قوله تعالى: وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ فالسكون راجع إلى الليل والابتغاء من فضل الله راجع إلى النهار على الترتيب.\rومن شواهده شعرا قول الشاعر:\rألست أنت الذي من ورد نعمته ... وورد راحته أجني وأغترف؟\rومنها أيضا مع زيادة التورية قول شاعر آخر:\rسألته عن قومه فانثنى ... يعجب من إسراف دمعي السخي\rوأبصر المسك وبدر الدجى ... فقال ذا خالي وهذا أخي\rومن شواهده بين ثلاثة وثلاثة قول ابن حيوس:\rومقرطق يغني النديم بوجهه ... عن كأسه الملأى وعن إبريقه (١)\rفعل المدام ولونها ومذاقها ... من مقلتيه ووجنتيه وريقه\rومنها قول ابن الرومي:\rآراؤكم ووجوهكم وسيوفكم ... في الحادثات إذا دجون نجوم","footnotes":"(١) المقرطق: لابس القرطق، أي القباء بفتح القاف وهو نوع من الثياب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827130,"book_id":5385,"shamela_page_id":173,"part":null,"page_num":177,"sequence_num":173,"body":"فيها معالم للهدى ومصابح ... تجلو الدجى والأخريات رجوم (١)\rومثله قول حميدة الأندلسية:\rولما أبي الواشون إلا فراقنا ... وما لهمو عندي وعندك من ثار\rغزوناهمو من ناظريك وأدمعي ... وأنفاسنا بالسيف والسيل والنار\rومن شواهد ذكر المتعدد على التفصيل والترتيب بين أربعة وأربعة قول الشاب الظريف شمس الدين بن العفيف:\rرأى جسدي والدمع والقلب والحشا ... فأضنى وأفنى واستمال وتيما\rومن شواهده أيضا قول الشاعر:\rثغر وخد ونهد واحمرار يد ... كالطلع والورد والرمان والبلح\rوقد افتن الشعراء في هذا النوع من اللف والنشر المفصل المرتب حتى بلغوا فيه إلى الجمع بين عشرة وعشرة كقول بعضهم:\rشعر جبين محيا معطف كفل ... صدغ فم وجنات ناظر ثغر\rليل صباح هلال بانة ونقا ... آس أقاح شقيق نرجس درّ\rوحسن هذا النوع من البديع يتمثل في أن يكون اللف والنشر في بيت واحد خاليا من الحشو والتعقيد جامعا بين سهولة اللفظ والمعاني المخترعة. ولكن المبالغة والإسراف في كثرة المتعدد منه كما في بعض الأمثلة السابقة تخرج به عن دائرة البديع وتجرده من نعوت الحسن وترده إلى نوع من العبث يدعو إلى العجب منه بدل الإعجاب به.\r٢ - والضرب الثاني من اللف والنشر المفصل: هو ما يجيء على غير","footnotes":"(١) الرجوم: مفرده الرجم بسكون الجيم وهو القتل، والاخريات رجوم: أي والاخريات منايا.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827131,"book_id":5385,"shamela_page_id":174,"part":null,"page_num":178,"sequence_num":174,"body":"ترتيب اللف. ومن هذا الضرب ما يكون معكوس الترتيب، كقول ابن حيوس:\rكيف أسلو وأنت حقف وغصن ... وغزال لحظا وقدا وردفا (١)\rفاللحظ للغزال، والقد للغصن، والردف للحقف.\rوكقول الفرزدق:\rلقد خنت قوما لو لجأت إليهمو ... طريد دم أو حاملا ثقل مغرم\rلألفيت فيهم معطيا ومطاعنا ... وراءك شزرا بالوشيج المقوّم (٢)\rومنه ما يكون مختلطا مشوشا، ولهذا يسمى اللف والنشر المشوش، نحو: «هو ليل وورد ومسك خدا وأنفاسا وشعرا».\r...\r\rوالقسم الثاني من اللف والنشر ما يكون ذكر المتعدد فيه على الإجمال، نحو قوله تعالى: وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى. فإن الضمير في قالُوا لأهل الكتاب من اليهود والنصارى، فذكر الفريقان على وجه الإجمال بالضمير العائد إليهما، ثم ذكر ما لكل منهما، أي: قالت اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان هودا، وقالت النصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى.\rفلف بين القولين إجمالا ثقة بقدرة السامع على أن يرد إلى كل فريق قوله، وأمنا من الالتباس، وذلك لعلمه بالتعادي بين الفريقين وتضليل كل واحد منهما لصاحبه بدعوى أن داخل الجنة هو لا صاحبه. وهذا","footnotes":"(١) الحقف بكسر الحاء: الرمل العظيم المستدير يشبه به الكفل في العظم والاستدارة.\r(٢) الوشيج: شجر الرماح، وقيل: هي عامة الرماح واحدتها وشيجة، وقيل: هو من القنا أصلبه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827132,"book_id":5385,"shamela_page_id":175,"part":null,"page_num":179,"sequence_num":175,"body":"القسم من اللف والنشر لا يقتضي ترتيبا أو عدم ترتيب.\r...\r\rومن بديع اللف والنشر وغريبه أن يذكر متعددان أو أكثر ثم يذكر في نشر واحد ما يكون لكل من أفراد كل من المتعددين، كقول القائل:\r«الغنى والفقر والعلم والجهل بها تحيا الشعوب وبها تموت».\r«فالغنى والفقر» لف أول، و «العلم والجهل» لفّ ثان، وقوله: «بها تحيا الشعوب وبها تموت» نشر ذكر فيه ما لكل\rواحد من اللفين، لأن قوله: «بها تحيا الشعوب» نشر راجع للغنى من اللف الأول وللعلم من اللف الثاني. وقوله: «وبها تموت» نشر راجع للفقر في اللف الأول، وللجهل في اللف الثاني.\rولعنا بعد كل ما تقدم ندرك معنى تسمية هذا النوع من البديع المعنوي «باللف والنشر». فوجه تسمية المعنى المتعدد الأول على وجه التفصيل أو الإجمال باللف أنه انطوى فيه حكمه، لأنه اشتمل عليه من غير تصريح به، ثم لما صرح به في الثاني كان كأنه نشر لما كان مطويا، فلذلك سمي نشرا.\r\rمراعاة النظير\rويسميه أصحاب البديع التناسب والائتلاف والتوفيق والمؤاخاة أيضا. وهو في الاصطلاح: أن يجمع الناظم أو الناشر أمرا وما يناسبه لا بالتضاد لتخرج المطابقة، سواء كانت المناسبة لفظا لمعنى أو لفظا للفظ أو معنى لمعنى، إذ المقصود جمع شيء إلى ما يناسبه من نوعه أو ما يلائمه من أي وجه من الوجوه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827133,"book_id":5385,"shamela_page_id":176,"part":null,"page_num":180,"sequence_num":176,"body":"ومن أمثلة ذلك قول البحتري في وصف الإبل الانضاء التي أنحلها السير:\rكالقسيّ المعطفات بل الأس ... هم مبرية بل الأوتار\rفإنه لما شبه الإبل بالقسي وأراد أن يكرر التشبيه كان يمكنه أن يشبهها مثلا بالعراجين أو نون الخط لأن المعنى واحد في الانحناء والرقة، ولكنه قصد المناسبة بين الأسهم والأوتار لما تقدم ذكر القسي.\rومن شواهد مراعاة النظير التي يجمع فيها بين الأمر وما يناسبه لا على وجه التضاد قول الشاعر في وصف فرس:\rمن جلّنار ناضر خده ... وأذنه من ورق الآس (١)\rفالمناسبة هنا بين الجلنار والآس والنضارة.\rومنها أيضا قول ابن رشيق في مدح الأمير تميم:\rأصح وأقوى ما سمعناه في الندى ... من الخبر المأثور منذ قديم\rأحاديث ترويها السيول عن الحيا ... عن البحر عن كف الأمير تميم\rفإن الشاعر قد ناسب هنا بين الصحة والقوة والسماع والخبر المأثور والرواية، ثم بين السيل والحيا والبحر وكف تميم، مع ما في البيت الثاني من صحة الترتيب في العنعنة، إذ جعل الرواية لصاغر عن كابر كما يقع في سند الأحاديث، فإن السيول أصلها المطر والمطر أصله البحر، ولهذا جعل كف الممدوح أصلا للبحر مبالغة.\rومنها كذلك قول الشاعر:","footnotes":"(١) الجلنار: زهر الرمان.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827134,"book_id":5385,"shamela_page_id":177,"part":null,"page_num":181,"sequence_num":177,"body":"والطل في سلك الغصون كلؤلؤ ... رطب يصافحه النسيم فيسقط\rوالطير يقرأ والغدير صحيفة ... والريح تكتب والغمام ينقط\rفالجمع بين كل أمر وما يناسبه في البيتين أوضح من أن يدل عليه.\r\rتشابه الأطراف:\rومن مراعاة النظير ما يسميه بعضهم «تشابه الأطراف»، وهو أن يختم الكلام بما يناسب أوله في المعنى، كقوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ. فإن اللطف يناسب ما لا يدرك بالبصر، والخبرة تناسب من يدرك شيئا، فإن من يدرك شيئا يكون خبيرا به.\rومنه قوله تعالى أيضا: لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ. قال: الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ على أن ما له ليس لحاجة، بل هو غني عنه جواد به، فإذا جاد به حمده المنعم عليه.\r\rإيهام التناسب:\rويقصد به الجمع بين معنيين غير متناسبين بلفظين يكون لهما معنيان متناسبان وإن لم يكونا مقصودين، ومن أجل ذلك يلحق بمراعاة النظير.\rومثال إيهام التناسب هذا قوله تعالى: الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ. وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ. الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ أي بحساب معلوم وتقدير محكم دقيق، وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ، النجم: النبات الذي ينجم من الأرض لا ساق له كالبقول، والشجر الذي له ساق. وسجودهما: انقيادهما لله فيما خلقا له.\rفالنجم بمعنى النبات وإن لم يكن مناسبا للشمس والقمر، فقد يكون بمعنى الكوكب وهو مناسب لهما. ولهذا سمي إيهام التناسب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827135,"book_id":5385,"shamela_page_id":178,"part":null,"page_num":182,"sequence_num":178,"body":"أسلوب الحكيم\rيقصد بأسلوب الحكيم تلقي المخاطب بغير ما يترقبه، إما بترك سؤاله والإجابة عن سؤال لم يسأله، وإما بحمل كلامه على غير ما كان يقصد، إشارة إلى أنه كان ينبغي أن يسأل هذا السؤال أو يقصد هذا المعنى.\rومن أمثلة ذلك: قيل لتاجر: «كم رأس مالك؟ فقال: إني أمين وثقة الناس بي عظيمة». وقيل لشيخ هرم: «كم سنك؟ فقال: إني أنعم بالعافية».\rففي السؤال الأول صرف التاجر سائله عن رأس ماله ببيان ما هو عليه من الأمانة وعظم ثقة الناس فيه، إشعارا بأن هاتين الصفتين وأمثالهما أجلب للربح وأضمن لنجاح التجارة.\rوفي السؤال الثاني ترك الشيخ الهرم الإجابة عن السؤال الموجه إليه، وصرف سائله في رفق عن ذلك، وأخبره أن صحته موفورة، إشعارا للسائل بأن السؤال عن الصحة أولى وأجدر.\r...","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827136,"book_id":5385,"shamela_page_id":179,"part":null,"page_num":183,"sequence_num":179,"body":"ولعل الجاحظ أول من فطن إلى هذا النوع من البديع المعنوي، فقد عقد له بابا خاصا في كتابه البيان والتبيين (١) وأطلق عليه اسم «اللغز في الجواب» وأورد له أمثلة شتى منها:\rسأل رجل بلالا مولى أبي بكر ﵀ وقد أقبل من جهة الحلبة:\rمن سبق؟ قال: سبق المقربون. قال: إنما أسألك عن الخيل. قال: وأنا أجيبك عن الخير. فترك بلال جواب لفظه إلى خبر هو أنفع له.\rوقال الحجاج لرجل من الخوارج: أجمعت القرآن؟ قال: أمتفرقا كان فأجمعه؟ قال أتقرؤه ظاهرا؟ قال: بل أقرؤه وأنا أنظر إليه. قال:\rأفتحفظه؟ قال: أفخشيت فراره فأحفظه؟ قال ما تقول في أمير المؤمنين عبد الملك؟ قال لعنه الله ولعنك. قال: إنك مقتول فكيف تلقى الله؟ قال ألقى الله بعملي، وتلقاه أنت بدمي.\rوقالوا: كان الحطيئة يرعى غنما، وفي يده عصا، فمر به رجل فقال: يا راعي الغنم ما عندك، قال: عجراء من سلم (٢)، يعني عصاه، قال: إني ضيف، فقال الحطيئة: للضيفان أعددتها.\rفمن هذه الشواهد ونظائرها يتضح أن هذا الأسلوب من الكلام والذي أطلق عليه الجاحظ «اللغز في الجواب» كان يستعمله العرب لأغراض مختلفة كالتظرف أو التخلص من إحراج السائل، أو تقديم الأهم، أو التهكم.\rوما من شك في أن ما قدمه الجاحظ من أمثلة شتى في هذا الباب قد لفت أنظار البلاغيين من بعده لهذا النوع من الكلام، وأعطاهم الأساس","footnotes":"(١) كتاب البيان والتبيين ج ٢ ص ١٤٨، ص ٢٨٢.\r(٢) العجراء: الكثيرة العجر، أي العقد، والسلم بالتحريك: شجر.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827137,"book_id":5385,"shamela_page_id":180,"part":null,"page_num":184,"sequence_num":180,"body":"للونين من ألوان البديع هما: اللغز وأسلوب الحكيم.\r...\r\rوقد أطلق عليه المتأخرون من البلاغيين اسم «القول بالموجب»، ولهم فيه عبارات مختلفة. ومن هؤلاء ابن أبي الأصبع المصري فقد عرفه بقوله: «هو أن يخاطب المتكلم مخاطبا بكلام فيعمد المخاطب إلى كلمة مفردة من كلام المتكلم فيبني عليها من لفظه ما يوجب عكس معنى المتكلم». وذلك عين القول بالموجب لأن حقيقته رد الخصم كلام خصمه من فحوى لفظه.\rوكلام ابن أبي الأصبع هذا يذكرنا إلى حد ما بكلام الجاحظ السابق ويوحي بأنه قد تأثر به في مفهومه لهذا النوع البديعي.\rوقد قسم الخطيب القزويني «القول بالموجب» في تلخيصه وإيضاحه (١) قسمين:\r١ - أحدهما أن تقع صفة في كلام الغير كناية عن شيء أثبت له حكم فتثبت في كلامك تلك الصفة لغير ذلك الشيء من غير تعرض لثبوت ذلك الحكم أو انتفائه.\rمثال ذلك قوله تعالى: يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ، فإنهم كنوا «بالأعز» عن فريقهم، و «بالأذل» عن فريق المؤمنين، وأثبتوا للأعز «الإخراج»، فأثبت الله في الرد عليهم صفة الْعِزَّةُ لله ولرسوله وللمؤمنين من غير تعرض لثبوت حكم الإخراج للموصوفين بصفة العزة ولا لنفيه عنهم.","footnotes":"(١) كتاب التلخيص ص ٣٨٦، وكتاب الإيضاح ص ٢٧٢.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827138,"book_id":5385,"shamela_page_id":181,"part":null,"page_num":185,"sequence_num":181,"body":"ومنه أيضا ما جرى بين القبعثري والحجاج، فقد توعده الحجاج بقوله: «ولأحملنك على الأدهم» فقال القبعثري: «مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب». فقال له الحجاج: «أردت الحديد»، فقال القبعثري:\r«لأن يكون حديدا خير من أن يكون بليدا». أراد الحجاج بالأدهم القيد، وبالحديد المعدن المخصوص، وحملهما القبعثري على الفرس الأدهم الذي ليس بليدا. فالكلام هنا قد حمله القبعثري على خلاف مراد الحجاج قائله.\r...\r\r٢ - والقسم الثاني من أسلوب الحكيم أو القول بالموجب عند صاحب التلخيص هو حمل لفظ وقع في كلام\rالغير على خلاف مراده مما يحتمله بذكر متعلقه. وهذا القسم هو الذي شاع تداوله بين الناس ونظمه أصحاب البديعيات، كقول ابن حجاج (١):\rقال ثقّلت إذا أتيت مرارا ... قلت ثقّلت كاهلي بالأيادي\rقال طوّلت قلت أوليت طولا ... قال أبرمت قلت حبل ودادي\rفصاحب ابن حجاج يقول له: قد ثقلت عليك وحملتك المشقة بكثرة زياراتي فيصرفه الشاعر عن رأيه في أدب وظرف وينقل كلمته من معناها إلى معنى آخر، ويقول له: إنك ثقلت كاهلي بما أغدقت عليّ من نعم.\rوفي البيت الثاني يقول صاحبه: قد طولت إقامتي عندك وأبرمتك أي جعلتك برما ملولا، فيرد الشاعر عليه مرة أخرى في أدب ولطف","footnotes":"(١) هو أبو عبد الله بن أحمد البغدادي، شاعر يميل إلى المجون في شعره، وله ديوان شعر كبير، توفي سنة ٣٩١ هـ.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827139,"book_id":5385,"shamela_page_id":182,"part":null,"page_num":186,"sequence_num":182,"body":"وينقل كلامه من معناه إلى معنى آخر، ويقول له: إنك تطولت وأنعمت علي وأحكمت وقويت حبل ودادي.\r...\r\rومن أمثلته في القرآن الكريم قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ. فالسؤال هنا عن حقيقة الأهلة: لم تبد صغيرة ثم تزداد حتى يتكامل نورها ثم تتضاءل حتى لا ترى؟.\rولما كانت هذه القضية من قضايا علم الفلك وفهمها وقتئذ يحتاج إلى دراسة عويصة، فإن القرآن قد عدل عن الإجابة عنها إلى بيان أن الأهلّة وسائل للتوقيت في المعاملات والعبادات. وفي هذه إشارة إلى أن ما كان ينبغي أن يسأل عنه هو فائدة الأهلّة لا حقيقتها، إلى أن تتيسّر لهم الحقائق العلمية التي تعينهم على فهم هذه الظاهرة الكونية.\rومنه كذلك قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ، قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ.\rفالمسلمون قد سألوا الرسول ماذا ننفق من أموالنا، فصرفهم عن هذا ببيان المصرف، لأن النفقة لا يعتد بها إن لم تقع موقعها.\rومن أمثلته شعرا قول شاعر راثيا:\rولما نعى الناعي سألناه خشية ... وللعين خوف البين تسكب أمطار\rأجاب قضى! قلنا قضى حاجة العلا ... فقال مضى! قلنا بكل فخار\rفأسلوب الحكيم في البيت الثاني هو في قوله: «قضى» ويريد بها «مات» ولكنهم حملوها على إنجاز الحاجات وقضائها، وهذا ما لم يقصده.\rوكذلك في قوله: «مضى» أراد بها «مات» وأرادوا هم «ذهب بالفضل ولم يدع لأحد شيئا».","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827140,"book_id":5385,"shamela_page_id":183,"part":null,"page_num":187,"sequence_num":183,"body":"ومنه قول شاعر آخر:\rولقد أتيت لصاحبي وسألته ... في قرض دينار لأمر كانا\rفأجابني والله داري ما حوت ... عينا فقلت له ولا إنسانا (١)\rفالبيت الثاني جاء على أسلوب الحكيم، لأن المخاطب أراد بكلمة «عينا» الذهب، ولكن المتكلم حملها على العين الباصرة، وهو ما لم يقصده المخاطب، إشارة إلى أن منعه من القرض لا يجوز.\rومنه كذلك قول بعضهم:\rطلبت منه درهما ... يوما فأظهر العجب\rوقال ذا من فضة ... يصنع لا من الذهب\rففي البيت الثاني صرف لطيف عن طلب الدينار، فإن الشاعر لم يجب السائل عن سؤاله، وإنما أخذ يحدثه فيما يصنع منه الدينار وأنه من الفضة لا من الذهب، إشعارا بأنه ما كان ينبغي له أن يطلب.\rومنه قول شاعر يجيب ابنا له سأله عن الروح والنفس:\rجاءني ابني يوما وكنت أراه ... لي ريحانة ومصدر أنس\rقال: ما الروح؟ قلت: إنك روحي ... قال: ما النفس؟ قلت: إنك نفسي\rففي البيت الثاني سأل الابن عن الروح والنفس وهما من الأمور التي حار العلماء والفلاسفة في تعريفهما وتحديدهما، ولهذا صرف الشاعر ابنه عن ذلك ببيان منزلته منه، إشعارا بأنه ما كان ينبغي له أن يتكلم في ذلك، لقصوره عن أن يتكلم فيما دق من الأمور.\r...","footnotes":"(١) العين: الذهب والباصرة، والإنسان قد يراد به إنسان العين وقد يراد به أحد بني آدم.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827141,"book_id":5385,"shamela_page_id":184,"part":null,"page_num":188,"sequence_num":184,"body":"وبعد فلعل في هذه الأمثلة ما يوضح ما سبق أن قلناه من أن أسلوب الحكيم أو القول بالموجب هو تلقي المخاطب بغير ما يترقبه، إما بترك سؤاله والإجابة عن سؤال لم يسأله، وإما بحمل كلامه على غير ما كان يقصد، إشارة إلى\rأنه كان ينبغي أن يسأل هذا السؤال أو يقصد هذا المعنى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827142,"book_id":5385,"shamela_page_id":185,"part":null,"page_num":189,"sequence_num":185,"body":"التجريد\rوهو أن ينتزع من أمر ذي صفة آخر مثله فيها مبالغة، وذلك لكمال تلك الصفة في الأمر الآخر.\rوالتجريد أقسام:\r١ - منها ما يكون التجريد فيه حاصلا بلفظة «من» التجريدية، نحو قولهم: «لي من فلان صديق حميم» (١). أي بلغ فلان من الصداقة حدا صح معه أن يستخلص من فلان هذا صديق آخر مثله في الصداقة.\r٢ - ومنه ما يكون التجريد فيه حاصلا بلفظة «الباء» التجريدية الداخلة على المنتزع منه، نحو قولهم: «لئن سألت فلانا لتسألنّ به البحر». وهذا القول يقال في مقام المبالغة في وصف «فلان» بالكرم، حيث انتزع وجرد منه بحر في الكرم والسماحة.","footnotes":"(١) حميمك: قريبك الذي تهتم لأمره.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827143,"book_id":5385,"shamela_page_id":186,"part":null,"page_num":190,"sequence_num":186,"body":"٣ - ومنه ما يكون التجريد فيه حاصلا بلفظة «باء المعية» الداخلة على المنتزع، نحو قول الشاعر:\rوشوهاء تعدو بي إلى صارخ الوغى ... بمستلئم مثل الفنيق المرحل (١)\rفالمعنى: ورب فرس هذه صفتها تعدو بي لنجدة المستغيث في الحرب ومعي من نفسي آخر مستعد للحرب. فقد بالغ في اتصافه بالاستعداد حتى انتزع وجرّد من نفسه مستعدا آخر لابسا درعا.\r٤ - ومنه ما يكون التجريد فيه حاصلا بدخول لفظة «في» على المنتزع منه، نحو قوله تعالى: لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ، أي لهم في جهنم، وهي دار الخلد، لكنه انتزع دارا أخرى مثلها وجعلها معدة في جهنم لأجل الكفار تهويلا لأمرها، ومبالغة في اتصافها بالشدة.\r٥ - ومنه ما يكون التجريد فيه حاصلا بدون توسط حرف، كقول قتادة بن مسلمة الحنفي:\rفلئن بقيت لأرحلنّ بغزوة ... تحوي الغنائم أو يموت كريم\rفالشاعر قد عنى «بالكريم» هنا نفسه، فكأنه انتزع وجرّد من نفسه كريما مبالغة في كرمه. وقيل إن التقدير «أو يموت مني كريم» فيكون من قبيل: «لي من فلان صديق حميم» فلا يكون قسما آخر، وإنما يكون من القسم الأول\rالذي يكون التجريد فيه حاصلا بدخول «من» التجريدية على المنتزع منه.","footnotes":"(١) وشوهاء: فرس شوهاء، وشوهاء في هذا الموضع صفة محمودة، ويراد بها سعة أشداق الفرس، وصارخ الوغى: أي المستغيث في الحرب، والمستلئم: لابس اللأمة وهي الدرع، والفنيق: الفحل المكرم عند أهله، والمرحل: من رحل البعير أشخصه من مكانه وأرسله.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827144,"book_id":5385,"shamela_page_id":187,"part":null,"page_num":191,"sequence_num":187,"body":"٦ - ومنه ما يكون التجريد فيه حاصلا بطريق الكناية، كقول الأعشى:\rيا خير من يركب المطي ولا ... يشرب كأسا بكف من بخلا\rففي البيت تجريد بطريق الكناية حيث انتزع وجرّد من الممدوح جوادا يشرب هو بكفه على طريق الكناية، لأنه إذا نفى عنه الشرب بكف البخيل، فقد أثبت له الشرب بكف كريم. ومعلوم أنه يشرب بكفه، فهو ذلك الكريم.\r٧ - ومن أقسام التجريد كذلك مخاطبة الإنسان نفسه، وذلك بأن ينتزع الإنسان من نفسه شخصا آخر يوجه الخطاب إليه، كقول المتنبي:\rلا خيل عندك تهديها ولا مال ... فليسعد النطق إن لم يسعد الحال (١)\rفالشاعر هنا ينتزع من نفسه إنسانا آخر يخاطبه قائلا: ليس عندك من الخيل والمال ما تهديه إلى الممدوح جزاء له على إحسانه إليك، فليسعدك ويعنك النطق، أي فامدحه، وجازه بالثناء عليه، إن لم تعنك الحال على مجازاته بالمال أو الخيل.\rومثله في مخاطبة النفس قول الأعشى:\rودع هريرة إن الركب مرتحل ... وهل تطيق فراقا أيها الرجل؟\rومن لطيف التجريد قول المعري:\rماجت نمير فهاجت منك ذا لبد ... والليث أفتك أفعالا من النمر\r...\r\rوقد عرض ضياء الدين بن الأثير للتجريد فعرفه أولا لغة بقوله:","footnotes":"(١) الإسعاد: الإعانة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827145,"book_id":5385,"shamela_page_id":188,"part":null,"page_num":192,"sequence_num":188,"body":"«إن أصله في وضع اللغة من جردت السيف إذا نزعته من غمده، وجرّدت فلانا إذا نزعت ثيابه. ومن ههنا قال ﷺ: «لا مد ولا تجريد، وذلك في النهي عند إقامة الحد أن يمد صاحبه على الأرض وأن تجرد\rثيابه. وقد نقل هذا المعنى إلى نوع من أنواع البيان».\rثم عرفه اصطلاحا بقوله: «التجريد هو أن تطلق الخطاب على غيرك ولا يكون هو المراد وإنما المراد نفسك».\rوللتجريد عنده فائدتان إحداهما أبلغ من الأخرى، فالأولى طلب التوسع في الكلام، فإنه إذا كان ظاهره خطابا لغيرك وباطنه خطابا لنفسك فإن ذلك من باب التوسع. وهو يظن أنه شيء اختصت به اللغة العربية دون غيرها من اللغات.\rوالفائدة الثانية هي الأبلغ عنده، وذلك أن المخاطب يتمكن بالتجريد من إجراء الأوصاف المقصودة من مدح أو غيره على نفسه، إذ يكون مخاطبا بها غيره فيكون أعذر وأبرأ فيما يقوله غير محجور عليه.\r...\r\rوعنده أن التجريد يأتي على ضربين:\r١ - تجريد محض: وهو أن تأتي بكلام هو خطاب لغيرك وأنت تريد به نفسك، كقول بعض المتأخرين وهو الشاعر المعروف بالحيص بيص في مطلع قصيدة له:\rإلام يراك المجد في زي شاعر ... وقد نحلت شوقا فروع المنابر؟\rكتمت بعيب الشعر حلما وحكمة ... ببعضهما تنقاد صعب المفاخر\rأما وأبيك الخير إنك فارس ال ... مقال ومحيي الدارسات الغوابر\rوإنك أعييت المسامع والنهى ... بقولك عما في بطون الدفاتر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827146,"book_id":5385,"shamela_page_id":189,"part":null,"page_num":193,"sequence_num":189,"body":"ثم يعلّق على ذلك بقوله: «فهذا من محاسن التجريد. ألا ترى أنه أجرى الخطاب على غيره وهو يريد نفسه، كي يتمكن من ذكر ما ذكره من الصفات الفائقة، وعد ما عده من الصفات التائهة (١)؟ وكل ما يجيء من هذا القبيل فهو التجريد المحض».\r٢ - وتجريد غير محض: وهو أن تأتي بكلام هو خطاب لنفسك لا لغيرك. ثم يستطرد ابن الأثير فيقول: «ولئن كان بين النفس والبدن فرق إلا أنهما كأنهما شيء واحد لعلاقة أحدهما بالآخر».\rوالفرق عنده ظاهر بين هذين الضربين من التجريد، فالأول وهو المحض يسمى تجريدا لأن التجريد لائق به، أما الثاني وهو غير المحض فهو نصف تجريد، لأنك لم تجرد به عن نفسك شيئا، وإنما خاطبت نفسك بنفسك كأنك فصلتها عنك وهي منك. ومن أمثلة التجريد غير المحض عنده قول عمر بن الأطنابة:\rأقول لها وقد جشأت وجاشت ... رويدك تحمدي أو تستريحي\rومنه قول شاعر آخر:\rأقول للنفس تأساء وتعزية ... إحدى يدي أصابتني ولم ترد\rوليس في هذا ما يصلح أن يكون خطابا لغيرك كالأول، وإنما المتكلم هو المخاطب بعينه، وليس ثم شيء خارج عنه.\r...\r\rأما التجريد الذي قصد به التوسع خاصة، وهو ما كان ظاهره","footnotes":"(١) التائهة هنا: صفة مشتقة من التيه بمعنى الصلف والكبر والزهو، وليست مشتقة من «التيه» مصدر تاه يتيه في الأرض بمعنى ضل فيها وتحير.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827147,"book_id":5385,"shamela_page_id":190,"part":null,"page_num":194,"sequence_num":190,"body":"خطابا لغيرك وباطنه خطابا لنفسك، فقد مثل له ابن الأثير بقول الصمة بن عبد الله من شعراء الحماسة وهو:\rحننت إلى ريا ونفسك باعدت ... مزارك من ريا وشعباكما معا\rفما حسن أن تأتي الأمر طائعا ... وتجزع إن داعي الصبابة أسمعا\rوأذكر أيام الحمى ثم أنثني ... على كبدي من خشية أن تصدعا\rبنفسي تلك الأرض ما أطيب الرّبا ... وما أحسن المصطاف والمتربعا!\rفالبيتان الأولان يدلان على أن المراد بالتجريد فيهما هو التوسع، لأن الخطاب فيهما تجريدي إذ وجه الخطاب إلى غيره وهو يريد شخصه، ثم انتقل من الخطاب التجريدي إلى خطاب النفس في البيتين الأخيرين.\rولو استمر على الحالة الأولى لما قضى عليه بالتوسع، وإنما كان يقضي عليه بالتجريد البليغ الذي هو الطرف الآخر، وكان يتأول له بأن غرضه من خطاب غيره أنه ينفي عن نفسه سمعة الهوى ومعرة العشق لما في ذلك من الشهرة والغضاضة. لكنه قد أزال هذا التأويل بانتقاله عن التجريد أولا إلى خطاب النفس (١).","footnotes":"(١) انظر في موضوع التجريد كتاب المثل السائر لابن الأثير ص ١٦٥ - ١٦٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827148,"book_id":5385,"shamela_page_id":191,"part":null,"page_num":195,"sequence_num":191,"body":"المحسنات البديعية اللفظية\rالجناس\rالجناس من فنون البديع اللفظية. ومن أوائل من فطنوا إليه عبد الله بن المعتز، فقد عده في كتابه ثاني أبواب البديع الخمسة الكبرى عنده وعرفه ومثل للحسن والمعيب منه بأمثلة شتى.\rوهو يعرفه بقوله: «التجنيس أن تجيء الكلمة تجانس أخرى في بيت شعر وكلام، ومجانستها لها أن تشبهها في تأليف حروفها».\rفمفهوم الجناس عند ابن المعتز مقصور كما نرى على تشابه الكلمات في تأليف حروفها، من غير إفصاح عما إذا كان هذا التشابه يمتد إلى معاني الكلمات المتشابهة الحروف أم لا.\rولكن لعل فيما ذكره من تعريف الخليل بن أحمد للجنس ما يوضح هذا الأمر. قال الخليل: «الجنس لكل ضرب من الناس والطير والعروض والنحو، فمنه ما تكون الكلمة تجانس أخرى في تأليف حروفها ومعناها ويشتق منها مثل قول الشاعر:\rيوم خلجت على الخليج نفوسهم ..» (١).","footnotes":"(١) كتاب البديع ص ٢٥.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827149,"book_id":5385,"shamela_page_id":192,"part":null,"page_num":196,"sequence_num":192,"body":"أو يكون تجانسها في تأليف الحروف دون المعنى مثل قوله تعالى:\r«وأسلمت مع سليمان لرب العالمين» (١).\rفإن صح الاستنباط من هذا التعريف كان مفهوم الجناس عند الخليل بالأصالة وابن المعتز بالتبعية مفهوما عاما يشمل الكلمات المتجانسة الحروف سواء تجانست معنى أم اختلفت.\rوالواقع أن الجناس من أكثر فنون البديع التي تصرف فيها العلماء من أرباب هذه الصناعة، فقد ألفوا فيه كتبا شتى، وجعلوه أبوابا متعددة واختلفوا في ذلك، وأدخلوا بعض تلك الأبواب في بعض. ومن هؤلاء ابن المعتز السابق الذكر، وقدامة بن جعفر الكاتب، والقاضي الجرجاني، والحاتمي وغيرهم.\r...\r\rومن العلماء من يسمي هذا الفن من البديع اللفظي تجنيسا، ومن يسميه مجانسا، ومن يسميه جناسا، أسماء مختلفة والمسمى واحد. وسبب هذه التسمية راجع إلى أن حروف ألفاظه يكون تركيبها من جنس واحد.\rوحقيقة الجناس عند ابن الأثير أن يكون اللفظ واحدا والمعنى مختلفا، وذلك يعني أنه هو اللفظ المشترك، وما عداه فليس من التجنيس الحقيقي في شيء.\rوعلى هذا فالجناس هو: تشابه اللفظين في النطق واختلافهما في المعنى. وهذان اللفظان المتشابهان نطقا المختلفان معنى يسميان «ركني الجناس». ولا يشترط في الجناس تشابه جميع الحروف، بل يكفي في التشابه ما نعرف به المجانسة.","footnotes":"(١) خلجت نفوسهم: طعنتها بالرمح.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827150,"book_id":5385,"shamela_page_id":193,"part":null,"page_num":197,"sequence_num":193,"body":"أقسام الجناس\rوالجناس ينقسم قسمين: تام وغير تام، فالجناس التام: هو ما اتفق فيه اللفظان في أربعة أمور هي: أنواع الحروف، وأعدادها، وهيئتها الحاصلة من الحركات والسكنات، وترتيبها. وهذا هو أكمل أنواع الجناس إبداعا وأسماها رتبة.\r\rأقسام الجناس التام:\rوهذا النوع من الجناس ينقسم بدوره ثلاثة أقسام هي: المماثل، والمستوفى بفتح الفاء، وجناس التركيب. وفيما يلي بيان كل ذلك مفصلا وموضحا بالأمثلة.\r١ - الجناس المماثل: وهو ما كان ركناه أي لفظاه من نوع واحد من أنواع الكلمة، بمعنى أن يكونا اسمين، أو فعلين، أو حرفين.\rفمن أمثلة الجناس المماثل بين «اسمين» قوله تعالى: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827151,"book_id":5385,"shamela_page_id":194,"part":null,"page_num":198,"sequence_num":194,"body":"فالجناس هنا بين اسمين متماثلين في كل شيء هما السَّاعَةُ وساعَةٍ الأول بمعنى القيامة، والثاني بمعنى مطلق الوقت.\rومثله قوله تعالى: يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ. الْأَبْصارِ الأولى جمع «بصر» وهو حاسة الرؤية، والْأَبْصارِ الثانية جمع «بصر» وهو العلم، فأولو الأبصار: أصحاب العلم.\rومنه شعرا قول أبي نواس:\rعباس عباس إذا احتدم الوغى ... والفضل فضل والربيع ربيع\rومنه قول المعري:\rتقول أنت امرؤ جاف مغالطة ... فقلت: لا هوّمت أجفان أجفانا\rفأجفان الأولى اسم، وهو جمع واحده جفن وهو غطاء العين، والثاني اسم تفضيل بمعنى أكثرنا جفاء. فالجناس بين متماثلين لفظا مختلفين معنى.\rوقول البحتري:\rإذا العين راحت وهي عين على الهوى ... فليس بسر ما تسر الأضالع\rالعين الأولى الباصرة، والثانية الجاسوس.\rوقول أبي تمام:\rإذا الخيل جابت قسطل الحرب صدعوا ... صدور العوالي في صدور الكتائب\rفلفظ «الصدور» في هذا البيت واحد والمعنى مختلفه.\rوقوله أيضا مادحا:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827152,"book_id":5385,"shamela_page_id":195,"part":null,"page_num":199,"sequence_num":195,"body":"من القوم جعد أبيض الوجه والندى ... وليس بنان يجتدي منه بالجعد\rفالجعد السيد، والبنان الجعد ضد البسيط، فأحدهما يوصف به الكريم السخي والآخر يوصف به البخيل الشحيح.\rومن أمثلة الجناس المماثل بين «فعلين»، قول أبي محمد الخازن:\rقوم لو أنهمو ارتاضوا لما قرضوا ... أو أنهم شعروا بالنقص ما شعروا\r«فشعروا» الأولى بمعنى أحسوا، و «شعروا» الثانية بمعنى نظموا الشعر.\rوقول شاعر:\rيا إخوتي مذ بانت النجب ... وجب الفؤاد وكان لا يجب\rفارقتكم وبقيت بعد كمو ... ما هكذا كان الذي يجب\rفيجب في آخر البيت الأول من الوجيب وهو الارتجاف والاضطراب، وفي آخر البيت الثاني من الوجوب وهو اللزوم والثبوت.\rومن أمثلة الجناس المماثل بين «حرفين»، نحو قولك: «فلان يعيش بالقلم الحر الجريء فتفتح له أبواب النجاح به». فالباء في «بالقلم» هي الداخلة على آلة الفعل فتفيد معنى الاستعانة، أي أنه يستعين بالقلم على العيش، والباء في «به» هي باء السببية، بمعنى أن أبواب النجاح تفتح له بسبب قلمه الحر الجريء. ففي البائين جناس لتماثلهما لفظا واختلافهما معنى.\rومثل قولك: «قد ينزل المطر شتاء وقد ينزل صيفا» فلفظة «قد» الأولى للتكثير والأخرى للتقليل، لأن المطر يكثر نزوله شتاء ويقل صيفا.\rونحو قولك أيضا: «من الناس من يعمل من شروق الشمس إلى ما","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827153,"book_id":5385,"shamela_page_id":196,"part":null,"page_num":200,"sequence_num":196,"body":"بعد غروبها بساعات» فلفظة من في «من الناس» تفيد معنى التبعيض، أي بعض الناس، ولفظة من في «من شروق الشمس» تفيد معنى الابتداء أي ابتداء من شروق الشمس، فبين الحرفين كما ترى جناس لتماثلهما لفظا واختلافهما معنى.\r...\r\r٢ - الجناس المستوفى: هو ما كان ركناه، أي لفظاه، من نوعين مختلفين من أنواع الكلمة، بأن يكون أحدهما اسما والآخر فعلا، أو بأن يكون أحدهما حرفا والآخر اسما أو فعلا.\rفمن أمثلة الجناس المستوفى بين الاسم والفعل قول محمد بن كناسة في رثاء ابن له:\rوسميته يحيى ليحيا ولم يكن ... إلى رد أمر الله فيه سبيل\rتيممت فيه الفأل حين رزقته ... ولم أدر أن الفأل فيه يفيل (١)\rفالجناس هنا بين «يحيى» الاسم و «ويحيا» الفعل، وهما متشابهان لفظا مختلفان معنى ونوعا.\rومن أمثلته وفي نفس اللفظين السابقين قول أبي تمام:\rما مات من كرم الزمان فإنه ... يحيا لدى يحيى بن عبد الله\rومنه قول الشاعر:\rإذا رماك الدهر في معشر ... وأجمع الناس على بغضهم\rفدارهم ما دمت في دارهم ... وأرضهم ما دمت في أرضهم","footnotes":"(١) الفأل: ضد الطيرة، وهو لا يكون إلا فيما يستحب، والطيرة لا تكون إلا فيما يسوء، ويفيل، يخطئ.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827154,"book_id":5385,"shamela_page_id":197,"part":null,"page_num":201,"sequence_num":197,"body":"فدارهم الأولى فعل أمر من المداراة، ودارهم الثانية اسم للبيت، وأرضهم الأولى فعل أمر من الإرضاء، وأرضهم الثانية هي الأرض اسم.\rومنه قول أبي العلاء المعري:\rلو زارنا طيف ذات الخال أحيانا ... ونحن في حفر الأجداث أحيانا\rفأحيانا الأولى اسم بمعنى من وقت لآخر، وأحيانا الثانية فعل مضارع بمعنى بعث فينا الحياة من جديد، ففي اللفظين الجناس المستوفى لتشابههما لفظا واختلافهما نوعا ومعنى.\rومن بديع الجناس بين الاسم والفعل ما كتب به إلى الخليفة المأمون في حق عامل له وهو: «فلان ما ترك فضة إلا\rفضها، ولا ذهبا إلا أذهبه، ولا مالا إلا مال عليه، ولا فرسا إلا افترسه، ولا دارا إلا أدارها ملكا، ولا غلّة إلا غلّها، ولا ضيعة إلا ضيّعها، ولا عقارا إلا عقره، ولا حالا إلا أحاله، ولا جليلا إلا أجلاه، ولا دقيقا إلا دقه».\rومن الجناس المستوفى بين الفعل والحرف قول الشاعر:\rعلا نجمه في عالم الشعر فجأة ... على أنه ما زال في الشعر شاديا\rفالجناس هنا بين «علا» الأولى وهي فعل بمعنى ارتفع و «على» الثانية التي هي حرف جر.\rومنه قول شاعر آخر:\rولو أن وصلا عللوه بقربه ... لما أنّ من حمل الصبابة والجوى\rفالجناس هنا بين «أن» الأولى وهي حرف توكيد ونصب و «أن» الثانية فعل ماض من الأنين.\r...","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827155,"book_id":5385,"shamela_page_id":198,"part":null,"page_num":202,"sequence_num":198,"body":"٣ - جناس التركيب: وهو ما كان أحد ركنيه كلمة واحدة والأخرى مركبة من كلمتين: وهذا الجناس ثلاثة أضرب تأتي على النحو التالي:\rأ- المتشابه: وهو ما تشابه ركناه، أي الكلمة المفردة والأخرى المركبة لفظا وخطا.\rومن أمثلته قول الشاعر:\rإذا ملك لم يكن ذا هبه ... فدعه فدولته ذاهبه\rومثله قول القائل:\rيا سيدا حاز رقى. ... بما حباني وأولى\rأحسنت برا فقل لي ... أحسنت في الشكر أولا؟\rفالجناس بين «أولى» وهي كلمة مفردة فعل بمعنى منح وأعطى، وبين «أولا» وهي كلمة مركبة من «أو» العاطفة و «لا» النافية.\rومثله قول شمس الدين محمد بن عبد الوهاب:\rحار في سقمي من بعد همو ... كل من في الحي داوى أورقا\rبعدهم لا طل وادي المنحنى ... وكذا بان الحمى لا أورقا (١)\rفركن الجناس الأول هنا «أورقا» وهو مركب من كلمتين أولاهما «أو» العاطفة، والأخرى «رقا» الفعل بمعنى عوّذه\rبالله، وركنه الثاني «أورقا» الفعل وهو كلمة واحدة بمعنى خرج ورقه.","footnotes":"(١) البان: شجر يطول في استواء مثل نبات الأثل، وهو شديد الخضرة، وثمره كاللوبياء واحدته «بانة» وبها تشبه الجارية الناعمة. والمعنى: لا سقى الله وادي المنحنى ولا أورق بان الحمى بعد رحيلهم.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827156,"book_id":5385,"shamela_page_id":199,"part":null,"page_num":203,"sequence_num":199,"body":"ب- المفروق: وهو ما تشابه ركناه، أي الكلمة المفردة والأخرى المركبة لفظا لا خطا.\rومن أمثلة هذا النوع كقول الشاعر:\rلا تعرضن على الرواة قصيدة ... ما لم تكن بالغت في تهذيبها\rوإذا عرضت الشعر غير مهذب ... عدوه منك وساوسا تهذي بها\rفالجناس بين: تهذيبها، وتهذي بها؛ وهما متشابهان لفظا لا خطا مع اختلافهما معنى.\rومنه قول الشاعر:\rقلت للعاذل الملح على الدم ... ع وإجرائه على الخد نيلا\rسل سبيلا إلى النجاة ودع دم ... ع عيوني يجري لهم سلسبيلا\rفركنا الجناس «سل سبيلا» و «سلسبيلا» وهما متشابهان لفظا لا خطا مع اختلاف المعنى.\rومثله قول ابن أسد الفارقي:\rعدونا بآمال ورحنا بخيبة ... أماتت لنا أفهامنا والقرائحا (١)\rفلا تلق منا غاديا نحو حاجة ... لتسأله عن حاجة والق رائحا\rفالجناس بين: «القرائحا» و «الق رائحا» الأولى اسم هو جمع قريحة، والأخرى مركبة من فعل أمر واسم، والركنان متشابهان لفظا مختلفان خطا ومعنى.\rومثله قول الشاب الظريف شمس الدين محمد بن العفيف:","footnotes":"(١) القرائح: جمع قريحة، وقريحة الإنسان طبيعته التي جبل عليها، لأنها أول خلقته.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827157,"book_id":5385,"shamela_page_id":200,"part":null,"page_num":204,"sequence_num":200,"body":"أسرع وسر طالب المعالي ... بكل واد وكل مهمة\rوإن لحا عاذل ... جهول ... فقل له: يا عذول مه مه\rومنه قول الشاعر:\rفقل لنفسك أي الضرب يوجعها ... ضرب النواقيس أم ضرب النوى قيسي\rفالجناس بين اسم مفرد «النواقيس» جمع ناقوس، ومركب من اسم وفعل «النوى» اسم بمعنى الفراق و «قيسي» الأمر المسند إلى ياء المخاطبة من قاس يقيس. وقد تشابه به الركنان لفظا لا خطا مع اختلاف المعنى.\rومنه كذلك قول بهاء الدين السبكي:\rكن كيف شئت عن الهوى لا أنتهي ... حتى تعود لي الحياة وأنت هي\rفالجناس بين «انتهى» و «أنت هي».\rوهكذا يسمى الجناس في هذه الأمثلة ونظائرها مما يأتي فيه ركنا الجناس أو لفظاه متشابهين لفظا لا خطا بالجناس «المفروق».\rج- المرفوّ: وهو ما يكون فيه أحد الركنين كلمة والآخر مركبا من كلمة وجزء من كلمة، نحو قول الحريري:\rوالمكر مهما أسطعت لا تأته ... لتقتني السودد والمكرمة\rفالجناس هنا ركنه الأول مركب من كلمة وجزء من كلمة، هما لفظة «المكر» والميم والهاء من «مهما» والثاني مفرد هو «المكرمة».\rومثله قول الحريري أيضا:\rولا تله عن تذكار ذنبك وابكه ... بدمع يحاكي المزن حال مصابه\rومثل لعينيك الحمام ووقعه ... وروعة ملقاه ومطعم صابه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827158,"book_id":5385,"shamela_page_id":201,"part":null,"page_num":205,"sequence_num":201,"body":"فالجناس هو بين كلمة «مصابه» ومركب من كلمة وجزء من كلمة أخرى، هما الميم الأخيرة من «مطعم» وكلمة «صابه»، وهما متشابهان لفظا مختلفان معنى.\rوهذا النوع الأخير من جناس التركيب لا يخلو، كما يبدو، من تعسف وتعقيد بالمقارنة إلى نوعيه الآخرين.\r...\r\rالجناس غير التام: وهو ما اختلف فيه اللفظان في واحد من الأمور الأربعة السابقة التي يجب توافرها في الجناس التام، وهي: أنواع الحروف، وأعدادها، وهيئتها الحاصلة من الحركات والسكنات، وترتيبها.\rأ- فإن اختلف اللفظان في أنواع الحروف فيشترط ألا يقع الاختلاف بأكثر من حرف واحد. وهذا الجناس يأتي على ضربين:\r١ - جناس مضارع: وهو ما كان فيه الحرفان اللذان وقع فيهما الاختلاف متقاربين في المخرج، سواء كانا في أول اللفظ نحو قول الحريري: «بيني وبين كن ليل دامس وطريق طامس» (١)، أو في الوسط نحو قوله تعالى: وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ، أو في الآخر نحو:\rقول النبي ﷺ: «الخيل معقود بنواصيها الخير».\r٢ - جناس لاحق: وهو ما كان الحرفان فيه متباعدين في المخرج، سواء أكانا في أول اللفظ نحو قوله تعالى: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ أو في الوسط نحو قوله تعالى: ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِ","footnotes":"(١) الكن بكسر الكاف وتشديد النون: المنزل، والدامس: الشديد الظلمة، والطامس:\rالمطموس العلامات الذي لا يهتدى فيه إلى المراد.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827159,"book_id":5385,"shamela_page_id":202,"part":null,"page_num":206,"sequence_num":202,"body":"وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ أو في الآخر نحو قوله تعالى: وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ (١).\r...\r\rب- وإن اختلف اللفظان في أعداد الحروف سمي الجناس ناقصا وذلك لنقصان أحد اللفظين عن الآخر، وهو يأتي كذلك على ضربين:\r١ - ما كانت الزيادة في أحد لفظيه بحرف واحد، سواء كان ذلك الحرف في أول اللفظ نحو قوله تعالى: وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ أو في الوسط نحو: «جدّي جهدي» (٢) أو في الآخر كقول الشاعر:\rعذيري من دهر موار موارب ... له حسنات كلهن ذنوب\rوقول شاعر متغزلا:\rوسألتها بإشارة عن حالها ... وعليّ فيها للوشاة عيون\rفتنفست صعدا وقالت: ما الهوى ... إلا الهوان فزال عنه النون\rوقول البهاء زهير:\rأشكو وأشكر فعله ... فأعجب لشاك منه شاكر\rطرفي وطرف النجم في ... ك كلاهماه ساه وساهر","footnotes":"(١) وإذا جاءهم: أي إذا جاء المنافقين وضعاف العقول من المسلمين خبر أمر من أمور جيوش المسلمين مما يتصل بأمنها أو بما تخافه أذاعوا\rبه، أي أذاعوه ونشروه وتحدثوا به، وقد يكون في ذلك ضرر على الجيوش.\r(٢) الجد بفتح الجيم: الحظ، والجهد بفتح الجيم: المشقة والاجتهاد، والمعنى حظي من الدنيا أو غناي فيها إنما هو على قدر ما أبذل من سعي واجتهاد، وما أتحمل من مشقة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827160,"book_id":5385,"shamela_page_id":203,"part":null,"page_num":207,"sequence_num":203,"body":"وقول أبي تمام:\rيمدون من أيد عواص عواصم ... تصول بأسياف قواض قواضب (١)\rوربما سمى هذا القسم الذي تكون فيه الزيادة في الآخر «مطرّفأ» وذلك لتطرف الزيادة فيه. ووجه حسن هذا النوع، كما يقول عبد القاهر الجرجاني، إنك تتوهم قبل أن يرد عليك آخر الكلمة كالميم من «عواصم» أنها هي الكلمة التي مضت، وإنما أتى بها للتوكيد، حتى إذا تمكن آخرها في نفسك ووعاه سمعك، انصرف عنك ذلك التوهم. وفي ذلك حصول الفائدة بعد أن يخالطك اليأس منها.\r٢ - ما كانت الزيادة في أحد لفظيه بأكثر من حرف واحد في آخره.\rوربما سمى هذا النوع «مذيلا». ومن أمثلته قول النابغة الذبياني:\rلها نار جن بعد أنس تحولوا ... وزال بهم صرف النوى والنوائب\rوقوله أيضا راثيا:\rفيا لك من حزم وعزم طواهما ... جديد الردى بين الصفا والصفائح\rوقول حسان بن ثابت:\rوكنا متى يغز النبي قبيلة ... نصل جانبيه بالقنا والقنابل (٢)","footnotes":"(١) يمدون من أيد: يصح أن تكون «من» زائدة فيكون المعنى يمدون أيديا، ويصح أن تكون للتبعيض، أي يمدون بعض أيد، ومثلها «هز من عطفه وحرك من نشاطه»، وعواص:\rجمع عاصية من عصاه ضربه بالعصا: أي السيف هنا، وعواصم: جمع عاصمة من عصمه، أي حفظه ورعاه، وقاض: جمع قاضية: من قضى عليه قتله، وقواضب: جمع قاضب من قضبه قطعه، والمعنى: يمدون للضرب يوم الحرب أيديا ضاربات للأعداء حاميات للأولياء صائلات على الأقران بسيوف قاتلة قاطعة.\r(٢) القنابل: واحدها القنبلة والقنبل بفتح القاف فيهما: الجماعة من الناس أو الخيل ما بين الثلاثين إلى الأربعين ونحوه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827161,"book_id":5385,"shamela_page_id":204,"part":null,"page_num":208,"sequence_num":204,"body":"وقول الخنساء وهو من أرق ما سمع في هذا الباب:\rإن البكاء هو الشفا ... ء من الجوى بين الجوانح\rومما تجدر ملاحظته هنا أن بين المطرف والمذيل التقاء من وجه وافتراقا من وجه، فهما يلتقيان في أن كليهما زيادة في طرف أحد ركني الجناس، ويفترقان في أن زيادة المطرّف حرف واحد، أما المذيل فتكون الزيادة فيه بأكثر من حرف.\r...\r\rج- وإن اختلف اللفظان في هيئة الحروف الحاصلة من الحركات والسكنات والنقط، فإن الجناس يأتي فيه على ضربين: محرّف، ومصحف.\r١ - فالجناس المحرّف: هو ما اتفق ركناه، أي لفظاه في عدد الحروف وترتيبها، واختلفا في الحركات فقط سواء كانا من اسمين أو فعلين أو من اسم وفعل أو من غير ذلك، فإن القصد اختلاف الحركات.\rومن أمثلته في القرآن الكريم قوله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ. ولا يقال هنا إن اللفظين متحدان في المعنى لأنهما من «الإنذار» فلا يكون بينهما جناس، فاختلاف المعنى ظاهر، إذ المراد باللفظ الأول مُنْذِرِينَ الفاعلون وهم الرسل، وبالثاني الْمُنْذَرِينَ المفعولون، وهم الذين وقع عليهم الإنذار.\rومنه قول الرسول صلوات الله عليه: «اللهم كما حسنت خلقي فحسن خلقي». ومنه قولهم: «جبة البرد جنة البرد» (١) وكذلك قولهم:\r«الجاهل إما مفرط أو مفرّط» الأول اسم فاعل من الإفراط وهو تجاوز","footnotes":"(١) وقع الاختلاف بين البرد والبرد، لأن الباء في الأول مضمومة ويراد بها الثوب وفي الثاني مفتوحة وهو ضد الحر. والجنة بضم الجيم: الوقاية.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827162,"book_id":5385,"shamela_page_id":205,"part":null,"page_num":209,"sequence_num":205,"body":"الحد، والثاني اسم فاعل من التفريط وهو التقصير، وقولهم: «البدعة شرك الشرك».\rومن أمثلته شعرا قول المعري:\rوالحسن يظهر في بيتين رونقه ... بيت من الشعر أو بيت من الشعر\rالأول بالشين المكسورة والعين الساكنة، والثاني بالشين والعين المفتوحتين، والمراد منهما واضح.\rوقول ابن الفارض:\rهلا نهاك نهاك عن لوم امرئ ... لم يلف غير منعم بشقاء\rوقول عبد العزيز الحموي:\rلعيني كل يوم فيك عبرة ... تصيرني لأهل العشق عبرة (١)\rومن أبدع ما جاء فيه هذا النوع من الجناس قول جميل بثينة، وبعضه من أنواع أخرى:\rخليلي إن قالت بثينة: ما له ... أتانا بلا وعد؟ فقولا لها لها\rأتى وهو مشغول لعظم الذي به ... ومن بات طول الليل يرعى السها سها\rبثينة تزري بالغزالة في الضحى ... إذا برزت لم تبق يوما بها بها\rلها مقلة كحلاء نجلاء خلقة ... كأن أباها الظبي أو أمها مها\rدهتني بود قاتل وهو متلفي ... وكم قتلت بالود من ودها دها (٢)","footnotes":"(١) العبرة بفتح العين: الدمعة، والعبرة بكسر العين: العظة.\r(٢) «لها لها» الكلمة الأولى جار ومجرور والثانية فعل ماض من اللهو، و «السها سها» الأولى اسم نجم والثانية فعل ماض من السهو، و «بها بها» الأولى جار ومجرور والثانية اسم مقصور من البهاء بمعنى الحسن، و «أمها مها» الأولى الأم المعروفة والثانية جمع مهاة وهي =","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827163,"book_id":5385,"shamela_page_id":206,"part":null,"page_num":210,"sequence_num":206,"body":"فالجناس في البيت الأول «تام»، وفي البيت الثاني والثالث والخامس «محرف» وفي البيت الرابع «مطرف».\r٢ - والجناس المصحف: هو ما اتفق فيه ركنا الجناس، أي لفظاه في عدد الحروف وترتيبها واختلفا في النقط فقط.\rومن أمثلته في القرآن الكريم قوله تعالى: وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وقوله تعالى أيضا: وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً.\rومنه قول النبي ﷺ لعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه: «قصر ثوبك فإنه أنقى وأتقى وأبقى». وقول عمر بن الخطاب: «لو كنت تاجرا ما اخترت غير العطر إن فاتني ربحه لم تفتني ريحه». وقال أهل الأدب:\r«خلف الوعد خلق الوغد».\rومن أمثلة الجناس المصحف في الشعر قول الشاعر:\rفإن حلوا فليس لهم مقر ... وإن رحلوا فليس لهم مفر\rوقول أبي فراس الحمداني:\rمن بحر جودك أغترف ... وبفضل علمك أعترف\rوقول البهاء زهير متغزلا:\rوليس مشيبا ما ترون بعارضي ... فلا تمنعوني أن أهيم وأطربا","footnotes":"= هنا بقرة الوحش ومن معاني المهاة أيضا «الدرة والبلورة الشديدة البياض» فإذا شبهت المرأة بالمهاة في البياض فإنما يعني بها الدرة أو البلورة، فإذا شبهت بها في المقلتين أي العينين، فإنما يعني بها بقرة الوحش وهو المراد هنا في بيت جميل. و «بالود من ودها دها» الكلمة الأولى اسم بمعنى الوداد، والثانية فعل ماض بمعنى أحب، وهذان ركنا الجناس أما الكلمة الأخيرة «دها» فاسم مقصور من الدهاء وهي خارجة عن الجناس.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827164,"book_id":5385,"shamela_page_id":207,"part":null,"page_num":211,"sequence_num":207,"body":"وما هو إلا نور ثغر لثمته ... تعلق في أطراف شعري فألهبا\rوأعجبني التجنيس بيني وبينه ... فلما تبدى أشنبا رحت أشيبا\rفالشنب بفتحتين صفة حسن ورقة وعذوبة في الثغر، يقال: ثغر أشنب، أي طيب النكهة رقيق تبدو منه الثنايا بيضاء نقية، والجناس هنا في «أشنبا» و «أشيبا»، واللفظان متماثلان في كل شيء ولا يختلفان إلا في النقط فقط، وكل جناس من هذا النوع يسمى «جناس التصحيف».\r...\r\rد- وإن اختلف اللفظان في ترتيب الحروف سمي «جناس القلب»، وسماه قوم «جناس العكس». وهذا الجناس يشتمل كل واحد من ركنيه على حروف الآخر من غير زيادة ولا نقص ويخالف أحدهما الآخر في الترتيب. وهو يأتي على أربعة أضرب.\r١ - قلب كل: وذلك إذا جاء أحد اللفظين عكس الآخر في ترتيب حروفه كلها، نحو قولهم: «حسامه فتح لأوليائه وحتف لأعدائه»، وهذا المعنى مأخوذ من قول العباس بن الأحنف:\rحسامك فيه للأحباب فتح ... ورمحك فيه للأعداء حتف\rومنه قول الشاعر وقد جانس بين لفظي «راهب» و «بهار» بفتح الباء:\rحكاني بهار الروض حين ألفته ... وكل مشوق للبهار مصاحب (١)","footnotes":"(١) البهار بفتح الباب نبت طيب الريح له زهرة صفراء ينبت أيام الربيع، وقيل هو العرار بفتح العين الذي يقال له عين البقر. قال الشاعر:\rتمتع من شميم عرار نجد ... فما بعد العشية من عرار","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827165,"book_id":5385,"shamela_page_id":208,"part":null,"page_num":212,"sequence_num":208,"body":"فقلت له ما بال لونك شاحبا ... فقال لأني حين أقلب راهب\rفكل من «بهار» و «راهب» مقلوب الآخر أو عكسه في ترتيب حروفه كلها.\rومن بديع هذا النوع من الجناس قول جمال الدين بن نباتة في مدح الأمير شجاع الدين بهرام:\rقيل كل القلوب من ... رهب الحرب تضطرب\rقلت هذا تخرص ... قلب بهرام ما رهب (١)\rفالجناس هنا بين «بهرام» و «ما رهب» وكلاهما عكس الآخر في ترتيب حروفه كلها.\r٢ - قلب بعض: وهو ما اختلف فيه اللفظان في ترتيب بعض الحروف. ومن أمثلة هذا النوع قول الشاعر:\rإن بين الضلوع مني نارا ... تتلظى فكيف لي أن أطيقا؟\rفبحقي عليك يا من سقاني ... أرحيقا سقيتني أم حريقا؟\rفالجناس بين «رحيقا» و «حريقا» فالاختلاف هو في ترتيب الحرفين الأولين منهما.\rومنه قول القائل:\rوألفيتهم يستعرضون حوائجا ... إليهم ولو كانت عليهم جوائحا\rفالجناس بين «حوائجا» و «جوائحا» وهو قلب جزئي في ترتيب بعض الحروف ومنه قول عبد الله بن رواحة في مدح الرسول:","footnotes":"(١) التخرص بتشديد الراء: الكذب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827166,"book_id":5385,"shamela_page_id":209,"part":null,"page_num":213,"sequence_num":209,"body":"تحمله الناقة الأدماء معتجرا ... بالبرد كالبدر جلى نوره الظلما (١)\rفالجناس بين «البرد» وهو الثوب و «البدر».\rوقول أبي تمام:\rبيض الصفائح لا سود الصحائف في ... متونهن جلاء الشك والريب (٢)\rفالجناس بين «الصفائح» وهي السيوف العريضة و «الصحائف».\rوكذلك قول المتنبي:\rممنعة منعمة رداح ... يكلف لفظها الطير الوقوعا (٣)\rففي كل هذه الأمثلة وقع الجناس بين لفظين مختلفين في ترتيب بعض الحروف، ولهذا يقال إن الجناس فيها وفي نظائرها جناس «قلب بعض».\r٣ - قلب مجنح: وهو ما كان فيه أحد اللفظين اللذين وقع بينهما القلب في أول البيت والثاني في آخره، كأنهما جناحان للبيت.\rومن أمثلة ذلك قول الشاب الظريف شمس الدين محمد بن العفيف:\rأسكرني باللفظ والمقلة ال ... كحلاء والوجنة والكاس\rساق يريني قلبه قسوة ... وكل ساق قلبه قاس\rفالجناس هنا بين «ساق» في أول البيت و «قاس» في آخره، ولهذا","footnotes":"(١) الناقة الأدماء: البيضاء بياضا واضحا، ومعتجرا: من اعتجر العمامة لفها على رأسه.\r(٢) الصفائح: جمع صفيحة، وهي السيف العريض.\r(٣) امرأة رداح: ضخمة العجيزة ثقيلة الأوراك.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827167,"book_id":5385,"shamela_page_id":210,"part":null,"page_num":214,"sequence_num":210,"body":"يقال له جناس «قلب مجنح». وإذا نظرنا إلى مجيء أحد اللفظين عكس الآخر في جميع حروفه قلنا إن فيه جناس «قلب كل» أيضا.\rومنه كذلك قول الشاعر:\rقد لاح أنوار الهدى ... في كفه في كل حال\r٤ - مستو: وهذا النوع سماه قوم المقلوب، وسماه السكاكي مقلوب الكل، وعرفه الحريري في مقاماته بما لا يستحيل بالانعكاس، وهو أن يكون عكس لفظي الجناس كطردهما، بمعنى أنه يمكن قراءتهما من اليمين والشمال دون أن يتغير المعنى، نحو قوله تعالى: كُلٌّ فِي فَلَكٍ* فإنك لو عكست هذا التركيب فبدأت من الكاف في فَلَكٍ* إلى الكاف في كُلٌّ* كان هو بعينه.\rوكذلك الشأن في قوله تعالى: وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ. ومنه قول الحريري: «ساكب كاس». ومن الغايات في هذا الباب قول القائل:\rلبق أقبل فيه هيف ... كل ما أملك إن غنى هبه\rفهذا البيت كل كلمة منه بانضمامها إلى أختها تجانسها في القلب.\rوأعلى من البيت السابق منزلة قول سيف الدين بن المشد:\rليل أضاء هلاله ... أنى يضيء بكوكب\rفكل كلمة في هذا البيت تقرأ مستوية ومقلوبة، وهو مما لا يستحيل بالانعكاس.\r...\r\rوهناك نوع من الجناس غير الأنواع السابقة يسميه علماء البديع «الجناس الملفق».","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827168,"book_id":5385,"shamela_page_id":211,"part":null,"page_num":215,"sequence_num":211,"body":"وحدّ الملفق أن يكون كل من الركنين مركبا من كلمتين، وهذا هو الفرق بينه وبين «جناس التركيب» الذي أحد ركنيه كلمة مفردة والثاني مركب من كلمتين.\rومن الجناس الملفق في النظم قول الشاعر:\rوكم لجباه الراغبين إليه من ... مجال سجود في مجالس جود\rومنه قول القاضي عبد الباقي بن أبي حصين وقد ولى القضاء بالمعرة وهو ابن خمس وعشرين سنة وأقام في الحكم خمس سنين:\rوليت الحكم خمسا وهي خمس ... لعمري والصبا في العنفوان\rفلم تضع الأعادي قدر شأني ... ولا قالوا فلان قد رشاني\rومنه كذلك قول شرف الدين بن عنين:\rخبروها بأنه «ما تصدى» ... لسلو عنها ولو «مات صدا»\r...\r\rوهذا ومما تجدر الإشارة إليه أن أحد المتجانسين إذا ولى الآخر سمي «مزدوجا» و «مكررا» و «مرددا»، نحو قوله تعالى: وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ. ونحو قولهم: من طلب وجدّ وجد. وقولهم: من قرع بابا ولجّ ولج.\r\rالسجع\rهو توافق الفاصلتين من النثر على حرف واحد. وهذا هو معنى قول السكاكي: «السجع في النثر كالقافية في الشعر».\rوالأصل في السجع إنما هو الاعتدال في مقاطع الكلام، والاعتدال","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827169,"book_id":5385,"shamela_page_id":212,"part":null,"page_num":216,"sequence_num":212,"body":"مطلوب في جميع الأشياء والنفس تميل إليه بالطبع، ومع هذا فليس الوقوف في السجع عند الاعتدال فقط، ولا عند\rتوافق الفواصل على حرف واحد هو المراد من السجع، إذ لو كان الأمر كذلك لكان كل أديب من الأدباء سجاعا.\rوإنما ينبغي في السجع بالإضافة إلى ما تقدم أن تكون الألفاظ المسجوعة حلوة حادة لا غثة ولا باردة. والمراد بغثاثة الألفاظ وبرودتها أن صاحبها يصرف النظر إلى السجع نفسه من غير نظر إلى مفردات الألفاظ المسجوعة وتراكيبها وما يشترط لكليهما من صفة الحسن.\rفإذا صفّي الكلام المسجوع من الغثاثة والبرودة فإن وراء ذلك مطلوبا آخر، وهو أن يكون اللفظ فيه تابعا للمعنى لا أن يكون المعنى فيه تابعا للفظ، وإلا كان كظاهر مموّه على باطن مشوّه.\rفإذا توافرت هذه الأمور فإن وراءها مطلوبا آخر، وهو أن تكون كل واحدة من الفقرتين أو السجعتين المزدوجتين دالة على معنى غير المعنى الذي اشتملت عليه الأخرى. فإن كان المعنى فيهما سواء فذاك هو التطويل بعينه، لأن التطويل إنما هو الدلالة على المعنى بألفاظ يمكن الدلالة عليه بدونها، وإذا وردت سجعتان يدلان على معنى واحد كانت إحداهما كافية في الدلالة عليه.\rوإذا رجعنا إلى كلام أعلام الكتاب المشهود لهم بالتفوق في النثر الفني من أمثال الصابي وابن العميد وابن عباد والحريري في مقاماته وابن نباتة في خطبه وجدنا أكثر المسجوع من كلامهم كذلك والأقل منه هو المستوفي لشروط السجع الحسن.\rوهذه الشروط، كما يقول ابن الأثير، تتمثل في ثلاثة أمور: الأول","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827170,"book_id":5385,"shamela_page_id":213,"part":null,"page_num":217,"sequence_num":213,"body":"اختيار مفردات الألفاظ المسجوعة والتراكيب، بحيث تكون بعيدة عن الغثاثة والبرودة، والثاني أن يكون اللفظ في الكلام المسجوع تابعا للمعنى لا المعنى تابعا للفظ، والثالث أن تكون كل واحدة من الفقرتين المسجوعتين دالة على معنى غير المعنى الذي دلت عليه أختها.\rومن السجع الحسن المستوفي لهذه الشروط قول ابن الأثير من كتاب يتضمن العناية ببعض الناس، قال: «الكريم من أوجب لسائله حقا، وجعل كواذب آماله صدقا، وكان خرق العطايا منه خلقا، ولم ير بين ذممه ورحمه فرقا. وكل ذلك موجود في كرم مولانا أجراه الله من فضله على وتيرة، وجعل هممه على تمام كل نقص قديرة».\rومن السجع الذي خرج إلى التطويل والتكرار لاتفاق السجعتين في معنى واحد وإن اختلفت الألفاظ قول الصابي من تحميد في كتاب:\r«الحمد لله الذي لا تدركه العيون بألحاظها، ولا تحده الألسن بألفاظها، ولا تخلقه العصور بمرورها، ولا تهرمه\rالدهور بكرورها، ثم الصلاة على النبي الذي لم ير للكفر أثرا إلا طمسه ومحاه، ولا رسما إلا أزاله وعفّاه».\rفلا فرق هنا بين مرور العصور وكر الدهور، وكذلك لا فرق بين محو الأثر وعفاء الرسم.\r\rأقسام السجع\rوالسجع ليس صورة واحدة، وإنما هو يأتي في الكلام على أربعة أضرب أو أقسام: المطرّف، والمرصع، والمتوازي، والمشطر.\r١ - فالمطرّف: هو ما اختلفت فيه الفاصلتان أو الفواصل وزنا واتفقت رويا، وذلك بأن يرد في أجزاء الكلام سجعات غير موزونة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827171,"book_id":5385,"shamela_page_id":214,"part":null,"page_num":218,"sequence_num":214,"body":"عروضيا وبشرط أن يكون رويها روي القافية، نحو قوله تعالى: ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً، وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً.\rومنه شعرا على الرأي القائل بأن السجع غير مختص بالنثر، وإنما هو يدخل النثر والشعر معا- قول أبي تمام:\rتجلى به رشدي وأثرت به يدي ... وفاض به ثمدي وأورى به زندي (١)\r٢ - الترصيع: وهو عبارة عن مقابلة كل لفظة من فقرة النثر أو صدر البيت بلفظة على وزنها ورويها.\rومن أمثلته في القرآن الكريم قوله تعالى: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ، وقوله تعالى أيضا: إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ. ومنه قول الحريري في المقامات: «يطبع الأسجاع بجواهر لفظه، ويقرع الأسماع بزواجر وعظه».\rومن أمثلته الشعرية قول أبي فراس الحمداني:\rوأفعالنا للراغبين كرامة ... وأموالنا للطالبين نهاب\rومنه قول الشاعر:\rفيا يومها كم من مناف منافق ... ويا ليلها كم من مواف موافق\rوالمبرز في هذا النوع يجرد نظم بيته من الحشو، والحشو في الترصيع عبارة عن تكرار الألفاظ التي ليست منه، بحيث لا يأتي في صدر بيته","footnotes":"(١) تجلى به رشدي: أي ظهر بهذا الممدوح بلوغ المقاصد، وأثرت به يدي: صارت ذات ثراء، والثمد بكسر الثاء وسكون الميم: هو في الأصل الماء القليل، والمراد به هنا المال القليل، وأورى به زندي بفتح الزاي: أي صار ذا وري، وهذا كناية عن الظفر بالمطلوب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827172,"book_id":5385,"shamela_page_id":215,"part":null,"page_num":219,"sequence_num":215,"body":"بلفظة إلا ولها أخت تقابلها في العجز، حتى في العروض والضرب، كقول ابن النبيه الشاعر:\rفحريق جمرة سيفه للمعتدي ... ورحيق خمرة سيبه للمعتفي\rفهذا البيت وقع الترصيع في جميع ألفاظه، فإن المقابلة فيه حاصلة بين حريق ورحيق، وبين جمرة وخمرة، وبين سيفه وسيبه، وبين المعتدي والمعتفي.\rوبيت أبي فراس السابق خال من تصريع العروض والضرب، والشاهد الثاني كرر فيه ناظمه حرف النداء فدخل عليه الحشو.\r٣ - المتوازي: وهو أن تتفق اللفظة الأخيرة من القرينة (١) أي الفقرة مع نظيرتها في الوزن والروي، كقوله تعالى: فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ، وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ.\rومنه قول النبي ﷺ: «اللهم أعط منفقا خلفا، وأعط ممسكا تلفا».\rومنه قول الحريري في المقامات: «الجأني حكم دهر قاسط إلى أن أنتجع أرض واسط»، وقوله: «وأودى بي الناطق والصامت، ورثى لي الحاسد والشامت».\rومن أمثلته شعرا قول المتنبي:\rفنحن في جذل والروم في وجل ... والبر في شغل والبحر في خجل (٢)","footnotes":"(١) القرينة: الفقرة، وسميت الفقرة كذلك، لأنها تقارن أختها.\r(٢) الجذل: الفرح، والوجل: الخوف، والمعنى: نحن المسلمين فرحون بانتصاره، والروم في خوف منه لغاراته وغزواته، والبر مشتغل بجيشه لا يتفرغ لغيره، والبحر في خجل من غزارة كرمه وندى يديه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827173,"book_id":5385,"shamela_page_id":216,"part":null,"page_num":220,"sequence_num":216,"body":"٤ - المشطور: ويسمى أيضا التشطير، وهو أن يكون لكل شطر من البيت قافيتان مغايرتان لقافية الشطر الثاني. وهذا القسم خاص بالشعر، كقول أبي تمام:\rتدبير معتصم بالله منتقم ... لله مرتغب في الله مرتقب (١)\rفالشطر الأول كما ترى سجعة مبنية على قافية الميم، والشطر الثاني سجعة مبنية على قافية الباء.\r...\r\rأحسن السجع:\r١ - وأحسن السجع وأشرفه منزلة للاعتدال الذي فيه هو ما تساوت فقراته في عدد الكلمات، نحو قوله تعالى: فَأَمَّا\rالْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ،\rوقوله تعالى أيضا: فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ، وَظِلٍّ مَمْدُودٍ.\r٢ - ثم ما طالت به الفقرة الثانية عن الأولى طولا لا يخرج بها عن الاعتدال كثيرا وذلك لئلا يبعد على السامع وجود القافية فتذهب اللذة، نحو قوله تعالى: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى، وكذلك قوله تعالى: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا (٢)، تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا فإن الفقرة الأولى ثمان لفظات والثانية تسع.","footnotes":"(١) المرتغب في الله: الراغب فيما يقربه من رضوانه، والمرتقب: المنتظر الثواب الخائف العقاب.\r(٢) الإدّ بكسر الهمزة: الأمر الفظيع المنكر.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827174,"book_id":5385,"shamela_page_id":217,"part":null,"page_num":221,"sequence_num":217,"body":"٣ - ثم ما طالت فقرته الثالثة نحو قوله تعالى: خُذُوهُ فَغُلُّوهُ، ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ، ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ.\r٤ - ولا يحسن أن يؤتى بالفقرة الثانية أقصر من الأولى كثيرا، لأن السجع قد استوفى أمده من الفقرة الأولى بحكم طوله، ثم تجيء الفقرة الثانية قصيرة عن الأولى، فتكون كالشيء المبتور فيبقى الإنسان عند سماعها كمن يريد الانتهاء عند غاية فيعثر دونها.\r\rالسجع من حيث الطول والقصر:\rإن السجع على اختلاف أقسامه يأتي على ضربين من حيث القصر والطول.\rفالسجع القصير هو ما تكون فيه كل واحدة من السجعتين مؤلفة من ألفاظ قليلة. وكلما قلت الألفاظ كان أحسن لقرب الفواصل أو الفقرات المسجوعة من سمع السامع. وهذا الضرب أوعر السجع مذهبا وأبعده متناولا، ولا يكاد استعماله يقع إلا نادرا.\rأما الضرب الثاني، وأعني به السجع الطويل، فهو ضد الأول لأنه أسهل تناولا، وإنما كان القصير من السجع أوعر مسلكا من الطويل، لأن المعنى إذا صيغ بألفاظ قصيرة عز تحقيق السجع فيه لقصر تلك الألفاظ، وضيق المجال في استجلابه.\rوأما الطويل فإن الألفاظ تطول فيه، ويستجلب له السجع. وكل واحد من هذين الضربين تتفاوت درجاته في عدة ألفاظه.\rوأحسن السجع القصير ما كان مؤلفا من لفظتين لفظتين، كقوله تعالى: وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً، وقوله\rتعالى: يا أَيُّهَا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827175,"book_id":5385,"shamela_page_id":218,"part":null,"page_num":222,"sequence_num":218,"body":"الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ، وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ، وَالرُّجْزَ (١) فَاهْجُرْ.\rومنه ما يكون مؤلفا من ثلاثة ألفاظ وأربعة وخمسة، وكذلك إلى العشرة، وما زاد على ذلك فهو من السجع الطويل. ومما جاء منه قوله تعالى: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى، ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى، وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى، وقوله تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ، وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ، وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ.\rوأما السجع الطويل فإن درجاته تتفاوت أيضا في الطول، فمنه ما يقرب من السجع القصير، وهو أن يكون تأليفه من إحدى عشرة إلى اثنتي عشرة لفظة، وأكثره خمس عشرة لفظة، كقوله تعالى: وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ، وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي، إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ. فالفاصلة الأولى إحدى عشرة لفظة، والثانية ثلاث عشرة لفظة».\rومن السجع الطويل ما يكون تأليفه من العشرين لفظة فما حولها، كقوله تعالى: إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا، وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ، وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ. ومن السجع الطويل ما تزيد الألفاظ في فقراته على هذا العدد.","footnotes":"(١) الرجز بضم الراء وكسرها: عبادة الأوثان، والشرك، وقيل: هو العمل الذي يؤدي إلى العذاب والعقاب.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827176,"book_id":5385,"shamela_page_id":219,"part":null,"page_num":223,"sequence_num":219,"body":"بناء الأسجاع:\rهذا والأسجاع مبنية على سكون الاعجاز، أي أواخر فواصل الفقرات، لأن الغرض هو التواطؤ والمزاوجة بينها، ولا يتم ذلك في كل صورة إلا بالوقف بالسكون، كقولهم: «ما أبعد ما فات! وما أقرب ما هو آت!».\rفلو لم نقف هنا على أواخر الفقرات بالسكون ووصلنا الكلام لاستدعى الأمر إجراء كل من الفقرتين على ما يقتضيه حكم الإعراب فتكون التاء الأولى مفتوحة والثانية مكسورة منونة، وبذلك يفوت الغرض من السجع.\r...\r\rوبعد ... فلا تفوتنا الإشارة إلى اختلاف أرباب صناعة الكلام حول السجع وقيمته البلاغية. فمنهم من يعيبه ويعده من الأساليب التي تقوم أكثر ما تقوم على الصنعة والتكلف والتعسف. وهم يستدلون على وجهة نظرهم هذه بما آل إليه البيان العربي من تدهور وانحطاط في العصور التي شاع فيها استعمال السجع.\rومنهم من استحسنه ودافع عنه محتجا بأنه لو كان مذموما لما ورد في القرآن الكريم، حيث لا تكاد سورة تخلو منه، بل إن من سوره ما جاءت جميعها مسجوعة كسورة الرحمن وسورة القمر وغيرهما.\rكذلك يحتجون بأن الصنعة والتكلف والتعسف ليست أمورا مقصورة على أسلوب السجع، وإنما هي أمور من الجائز أن تلحق بالسجع كما تلحق بغيره من الأساليب. وليس العيب في السجع ذاته وإنما العيب فيمن يحاوله ثم يعجز عن حسن استخدامه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827177,"book_id":5385,"shamela_page_id":220,"part":null,"page_num":224,"sequence_num":220,"body":"ولعل عبد القاهر الجرجاني خير من فصل في هذه القضية، فهو يقرر في معرض الكلام عن التجنيس والسجع أنهما يختصان بالقبول والحسن عند ما يكون المعنى هو الذي يقود المتكلم نحوهما لا أن يقوداه إلى المعنى.\rحتى أنه لو تركهما إلى خلافهما مما لا تجنيس ولا سجع فيه لنسب إليه ما ينسب إلى المتكلف للتجنيس المستكره والسجع النافر.\rوفي ذلك يقول: «ولن تجد أيمن طائرا وأحسن أولا وآخرا، وأهدى إلى الإحسان، وأجلب إلى الاستحسان من أن ترسل المعاني على سجيتها، وتدعها تطلب لأنفسها الألفاظ، فإنها إذا تركت وما تريد لم تكتس منها إلا ما يليق بها، ولم تلبس من المعارض إلا ما يزينها.\rفأما أن تضع في نفسك أنك لا بد من أن تجنس أو تسجع بلفظين مخصوصين فهو الذي أنت منه بعرض الاستكراه، وعلى خطر من الخطأ والوقوع في الذم. فإن ساعدك الجد كما ساعد المحدث- يعني أبا الفتح البستي- في قوله:\rناظراه فيما جنى ناظراه ... أو دعاني أمت بما أودعاني\rوكما ساعد أبا تمام في نحو قوله:\rوأنجدتمو من بعد اتهام داركم ... فيا دمع أنجدني على ساكني نجد\rفذاك. وإلا أطلقت ألسنة العيب، وأفضى بك طلب الإحسان من حيث لم يحسن الطلب، إلى أفحش الإساءة وأكبر الذنب» (١).\r\rرد العجز على الصدر\rأول من تكلم عن هذا الفن البديعي اللفظي عبد الله بن المعتز،","footnotes":"(١) كتاب أسرار البلاغة ص ٤ - ١٠.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827178,"book_id":5385,"shamela_page_id":221,"part":null,"page_num":225,"sequence_num":221,"body":"فقد عده في كتابه أحد فنون البديع الخمسة الكبرى، وسماه «رد أعجاز الكلام على ما تقدمها»، وقسمه ثلاثة أقسام ومثل له نثرا وشعرا للدلالة على أنه يرد في الكلام بنوعيه. وأقسامه عنده هي:\r١ - ما يوافق آخر كلمة فيه آخر كلمة في نصفه مثل قول الشاعر:\rتلقى إذا ما الأمر كان عرمرما ... في جيش رأى لا يفلّ عرمرم\r٢ - ما يوافق آخر كلمة فيه أول كلمة في نصفه الأول، كقول الشاعر:\rسريع إلى ابن العم يشتم عرضه ... وليس إلى داعي الندى بسريع\r٣ - ما يوافق آخر كلمة فيه بعض ما فيه، كقول الشاعر:\rعميد بني سليم أقصدته ... سهام الموت وهي له سهام\rومن هذا النوع عنده قوله تعالى: انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا. وقوله تعالى أيضا: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ* (١).\r...\r\rأما المتأخرون من رجال البديع فمنهم من سمى هذا الفن «رد العجز على الصدر»، ومنهم من سماه «التصدير»، لأن هذه التسمية في نظرهم أدل على المطلوب وأليق بالمقام وأخف على المستمع.\rوالخطيب القزويني وهو من المتأخرين يقرر أن رد العجز على الصدر","footnotes":"(١) كتاب البديع لا بن المعتز ص ٤٧.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827179,"book_id":5385,"shamela_page_id":222,"part":null,"page_num":226,"sequence_num":222,"body":"يرد في النثر والشعر على السواء، ثم يعرفه بقوله: «وهو في النثر أن يجعل أحد اللفظين المكررين أو المتجانسين أو الملحقين بهما في أول الفقرة والآخر في آخرها. وهو في النظم أن يكون أحدهما في آخر البيت والآخر في صدر المصراع الأول أو آخره أو صدر المصراع الثاني».\rواللفظان «المكرران» هما المتفقان في اللفظ والمعنى، و «المتجانسان» هما المتشابهان في اللفظ دون المعنى، و «الملحقان بهما» أي بالمتجانسين وهما اللفظان اللذان يجمعهما الاشتقاق أو شبه الاشتقاق.\rفمن أمثلة المكررين وأحدهما في أول الفقرة والثاني في آخرها قوله تعالى: وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ.\rومن المتجانسين، أي المتشابهين لفظا لا معنى وأحدهما في أول الفقرة والثاني في آخرها قول القائل: «سائل\rاللئيم يرجع ودمه سائل».\rومن اللفظين اللذين يجمعهما الاشتقاق أو شبهه، وأحدهما في أول الفقرة والثاني في آخرها قوله تعالى: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً وقوله تعالى أيضا: وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ، ومنه حديث الرسول: «من مقت نفسه فقد آمنه الله من مقته».\rومن اللفظين اللذين يجمعهما شبه الاشتقاق قوله تعالى: قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ. فاللفظة الأولى هنا قالَ مشتقة من القول، واللفظة الأخيرة واحدها قالَ بالتنوين اسم فاعل مشتق من القلي بكسر القاف وهو البغض، فيجمع بينهما شبه الاشتقاق من جهة اللفظ لا المعنى.\r...\r\rأما رد العجز على الصدر في الشعر فيرد على الصور التالية:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827180,"book_id":5385,"shamela_page_id":223,"part":null,"page_num":227,"sequence_num":223,"body":"أ- في اللفظين المكررين:\r١ - ما يكون أحد اللفظين المكررين أي المتفقين لفظا ومعنى في آخر البيت والثاني صدر المصراع الأول. ومن أمثلته قول الشاعر:\rتمنّت سليمى أن أموت صبابة ... وأهون شيء عندنا ما تمنّت\rوقول شاعر آخر:\rسكران: سكر هوى وسكر مدامة ... أنى يفيق فتى به سكران؟\rومنه البيت الثاني من شعر عمر بن أبي ربيعة:\rليت هندا أنجزتنا ما تعد ... وشفت أنفسنا مما تجد\rواستبدت مرة واحدة ... إنما العاجز من لا يستبد\r٢ - ومنه ما يكون أحد اللفظين المكررين في آخر البيت والثاني في حشو المصراع الأول، كما في البيت الثاني من قول الصمة القشيري:\rأقول لصاحبي والعيس تهوي ... بنا بين المنيفة فالضمار\rتمتع من شميم عرار نجد ... فما بعد العشية من فرار (١)\rومنه قول جرير:\rسقى الرمل صوب مستهل غمامه ... وما ذاك إلا حبّ من حلّ بالرمل\r٣ - ومنه ما يكون أحد المكررين في آخر البيت والثاني في آخر المصراع الأول، كقول أبي تمام:","footnotes":"(١) العرار: وردة ناعمة صفراء طيبة الرائحة، وموضع «عرار» الثانية من الإعراب اسم «ما» التي بمعنى ليس، و «من» زائدة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827181,"book_id":5385,"shamela_page_id":224,"part":null,"page_num":228,"sequence_num":224,"body":"ومن كان بالبيض الكواعب مغرما ... فإني بالبيض القواضب مغرما (١)\r٤ - ومنه ما يكون أحد المكررين في آخر البيت والثاني في صدر المصراع الثاني كالبيت الثاني من قول ذي الرمة:\rألما على الدار التي لو وجدتها ... بها أهلها ما كان وحشا مقيلها\rوإن لم يكن إلا معرج ساعة ... قليلا فإني نافع لي قليلها (٢)\r...\r\rب- في اللفظين المتجانسين:\r١ - ما يكون أحد اللفظين المتجانسين، أي المتشابهين لفظا لا معنى في آخر البيت والثاني في صدر المصراع الأول، كقول القاضي الأرجاني:\rدعاني من ملامكما سفاها ... فداعي الشوق قبلكما دعاني (٣)\r«دعاني» الأول فعل أمر بمعنى اتركاني، و «دعاني» في آخر البيت فعل ماض من الدعاء بمعنى الطلب.\r٢ - ومنه ما يكون أحد المتجانسين في آخر البيت والثاني في حشو المصراع الأول، كقول الثعالبي:\rوإذا البلابل أفصحت بلغاتها ... فانف البلابل باحتساء بلابل","footnotes":"(١) الكواعب: جمع كاعب وهي الجارية حين يبدو ثديها للنهوض، والبيض القواضب:\rالسيوف القواطع.\r(٢) ألما: أنزلا قليلا، والتعريج على الشيء: الإقامة عليه و «معرج» خبر يكن واسمه ضمير الإلمام، وقليلها مبتدأ مؤخر خبره «نافع» والضمير في «قليلها» للساعة، أي قليل الساعة في التعريج ينفعني ويبل أوامي ويروي شوقي إلى أهل هذه الدار.\r(٣) سفاها: طيشا.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827182,"book_id":5385,"shamela_page_id":225,"part":null,"page_num":229,"sequence_num":225,"body":"«فالبلابل» الأول جمع بلبل وهو الطائر المعروف، و «البلابل» الثاني جمع بلبال بفتح الباء وهو شدة الحزن والهم، و «البلابل» الثالث جمع بلبلة وهو إبريق الخمر.\rوموضع الشاهد هنا والمقصود بالتمثيل هو «البلابل» الثالث في آخر البيت بالنسبة إلى مجانسه الذي ورد في حشو المصراع الأول. فاللفظان كما ترى متجانسين، أي متشابهين لفظا مختلفين معنى.\r٣ - ومنه ما يكون أحد المتجانسين في آخر البيت والثاني في آخر المصراع الأول كقول الحريري:\rفمشغوف بآيات المثاني ... ومفتون برنات المثاني (١)\rفلفظ «المثاني» الأول يراد به القرآن الكريم ولفظ «المثاني» في آخر البيت يراد به المزامير، فاللفظان متشابهان لفظا مختلفان معنى.\r٤ - ومنه ما يكون أحد المتجانسين في آخر البيت والآخر في أول المصراع الثاني، كقول القاضي الأرجاني:\rأمّلتهم ثم تأمّلتهم ... فلاح لي أن ليس فيهم فلاح\r«فلاح» الأول فعل ماض بمعنى ظهر وبدا، و «فلاح» في آخر البيت اسم من الإفلاح بمعنى الفوز، فاللفظان متشابهان لفظا مختلفان معنى.\r\rج- في اللفظين الملحقين بالمتجانسين للاشتقاق:\r١ - ما يكون اللفظان الملحقان بالمتجانسين يجمعهما الاشتقاق","footnotes":"(١) المثاني من القرآن: قيل القرآن جميعه لاقتران آية الرحمة بآية العذاب، وتسمى سورة الفاتحة مثاني لأنها يثنى في كل ركعة من ركعات الصلاة وتعاد في كل ركعة، وهي المقصودة بالسبع المثاني في قوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ لأنها سبع آيات، ورنات المثاني: نغمات المزامير.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827183,"book_id":5385,"shamela_page_id":226,"part":null,"page_num":230,"sequence_num":226,"body":"وأحدهما في آخر البيت والثاني في صدر المصراع الأول كقول البحتري:\rضرائب أبدعتها في السماح ... فلسنا نرى لك فيها ضريبا\r«فالضرائب» جمع ضريبة وهي السجية والطبيعة والفطرة، يقال:\rهذه ضريبته التي ضرب عليها، أي طبع وفطر عليها، ويقال: فلان ككريم الضريبة، ولئيم الضريبة، أي الطبيعة. و «الضريب» في آخر البيت: النظير والمثل، «فالضريبة والضريب» راجعان إلى أصل واحد في الاشتقاق.\r٢ - ومنه ما يكون اللفظان الملحقان بالمتجانسين يجمعهما الاشتقاق وأحدهما في آخر البيت والثاني في حشو\rالمصراع الأول، كقول امرئ القيس:\rإذا المرء لم يخزن عليه لسانه ... فليس على شيء سواه بخزان (١)\rفالفعل «يخزن» وصيغة المبالغة «خزّان» في آخر البيت مما يرجعان في الاشتقاق إلى أصل واحد.\r٣ - ومنه ما يكون اللفظان الملحقان بالمتجانسين يجمعهما الاشتقاق وأحدهما في آخر البيت والثاني في آخر المصراع الأول، كقول ابن عيينة المهلبي:\rفدع الوعيد فما وعيدك ضائري ... أطنين أجنحة الذباب يضير؟\r«فضائر» و «يضير» مما يجمعهما الاشتقاق.\r٤ - ومنه ما يكون اللفظان الملحقان بالمتجانسين يجمعهما الاشتقاق","footnotes":"(١) المعنى: إذا لم يخزن المرء لسانه على نفسه ولم يحفظه مما يعود ضرره إليه، فلا يخزنه على غيره ولا يحفظه مما لا ضرر له فيه.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827184,"book_id":5385,"shamela_page_id":227,"part":null,"page_num":231,"sequence_num":227,"body":"وأحدهما في آخر البيت، والآخر في صدر المصراع الثاني، كقول أبي تمام في رثاء محمد بن نهشل حين استشهد:\rوقد كانت البيض القواضب في الوغى ... بواتر فهي الآن من بعده بتر (١)\r«فالبواتر» و «البتر» بضم فسكون يرجعان في أصلهما إلى اشتقاق واحد.\r\rد- في اللفظين الملحقين بالمتجانسين لشبه الاشتقاق:\r١ - ما يكون اللفظان الملحقان بالمتجانسين يجمعهما شبه الاشتقاق وأحدهما في آخر البيت والثاني في صدر المصراع الأول، كقول الحريري:\rولاح يلحى على جري العنان إلى ... ملهى فسحقا له من لائح لاح\rف «لاح» الأول ماضي يلوح بمعنى ظهر، و «لاح» في آخر البيت اسم فاعل من لحاه بمعنى أبعده، فهما متجانسان لفظا مختلفان معنى، ويجمعهما شبه الاشتقاق.\r٢ - ومنه ما يكون اللفظان الملحقان بالمتجانسين يجمعهما شبه الاشتقاق وأحدهما في آخر البيت والثاني في حشو المصراع الأول، كقول المعري:\rلو اختصرتم من الإحسان زرتكمو ... والعذب يهجر للإفراط في الخصر (٢)","footnotes":"(١) البيض القواضب: السيوف القواطع جمع قاضب، والبواتر: صفة أخرى هنا للسيوف بمعنى القواطع أيضا لحسن استعماله إياها، وبتر بضم فسكون: جمع أبتر، أي مقطوع الفائدة.\r(٢) العذب هنا: يعني العذب من الماء، والخصر بفتحتين: البرودة، والمعنى: أن بعدي عنكم إنما هو لكثرة ما أنعمتم عليّ وطوقتموني من الإحسان.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827185,"book_id":5385,"shamela_page_id":228,"part":null,"page_num":232,"sequence_num":228,"body":"فلفظ «اختصر» الوارد في حشو المصراع الأول هو فعل ماض بمعنى قلّل، ولفظ «الخصر» بفتحتين في آخر البيت هو اسم بمعنى البرودة، فاللفظان متجانسان لفظا مختلفان معنى، ولهذا يجمعهما شبه الاشتقاق.\r٣ - ومنه ما يكون اللفظان الملحقان بالمتجانسين يجمعهما شبه الاشتقاق وأحدهما في آخر البيت والثاني في آخر المصراع الأول، كقول الحريري أيضا:\rومضطلع بتلخيص المعاني ... ومطلع إلى تخليص عاني (١)\rفاللفظ الأول «المعاني» من عنى يعني، والثاني «عاني» اسم فاعل من عنا يعنو، فالجامع بينهما شبه الاشتقاق.\r٤ - ومنه ما يكون اللفظان الملحقان بالمتجانسين يجمعهما شبه الاشتقاق وأحدهما في آخر البيت والآخر في صدر المصراع الثاني، كقول شاعر:\rلعمري لقد كان الثريا مكانه ... ثراء فأضحى الآن مثواه في الثرى\rفاللفظ الأول «ثراء» واوي من الثروة وفعله «ثرا» يقال: ثرا المال يثرو: كثر، واللفظ الثاني في آخر البيت «الثرى» بمعنى التراب يائي، فعله «ثري» بكسر الراء، فاللفظان متجانسان لفظا مختلفان معنى، ولكن يجمعهما شبه الاشتقاق.\r\rلزوم ما لا يلزم\rهذا النوع من البديع اللفظي سماه قوم «الالتزام» و «لزوم ما لا","footnotes":"(١) المضطلع في الشيء: القوي فيه الناهض به، وتخليص العاني: فكاك الأسير.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827186,"book_id":5385,"shamela_page_id":229,"part":null,"page_num":233,"sequence_num":229,"body":"يلزم»، وقد عده ابن المعتز من محاسن الكلام ومثل له، وعرفه بأنه «إعنات الشاعر في القوافي وتكلفه من ذلك ما\rليس له».\rومن أمثلته عنده قول الشاعر:\rيقولون في البستان للعين لذة ... وفي الخمر والماء الذي غير آسن\rفإن شئت أن تلقى المحاسن كلها ... ففي وجه من تهوى جميع المحاسن\rوقد عرف القزويني لزوم ما لا يلزم بقوله: «هو أن يجيء قبل حرف الروي أو ما في معناه من الفاصلة ما ليس بلازم في السجع». ومعنى هذا أن يلتزم الناثر في نثره أو الناظم في نظمه بحرف قبل حرف الروي أو بأكثر من حرف بالنسبة إلى قدرته مع عدم التكلف.\rولزوم ما لا يلزم من فنون البديع اللفظي الذي يرد في النثر والنظم على السواء، وقد ورد في القرآن الكريم شيء منه إلا أنه يسير جدا.\rفمن ذلك قوله تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ وقوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ وقوله تعالى: وَالطُّورِ وَكِتابٍ مَسْطُورٍ وقوله تعالى: فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ وكالفاصلتين الأخيرتين من قوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ، وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ. وعلى هذا النحو قوله تعالى: قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ. قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ.\rومن أمثلته نثرا قول ابن الأثير في مستهل كتاب إلى بعض الإخوان:\r«الخادم يهدي من دعائه وثنائه ما يسلك أحدهما سماء والآخر أرضا، ويصون أحدهما نفسا والآخر عرضا» فاللزوم هنا في الراء والضاد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827187,"book_id":5385,"shamela_page_id":230,"part":null,"page_num":234,"sequence_num":230,"body":"ومنه قول الحريري في المقامة الوبرية: «حكى الحارث بن همام، قال: ملت في ريّق زماني الذي غبر، إلى مجاورة أهل الوبر، لآخذ أخذ نفوسهم الأبية، وألسنتهم العربية، فأوطنوني أمنع جناب، وفلّوا عني حد كل ناب ...» (١).\rومنه قول بديع الزمان الهمذاني في مقامته الجاحظية التي ينقد فيها كلام الجاحظ على لسان عيسى بن هشام: «فهلموا إلى كلامه فهو بعيد الإشارات، قليل الاستعارات، قريب العبارات، منقاد لعريان الكلام يستعمله، نفور من معتاصه يهمله، فهل سمعتهم له لفظة مصنوعة أو كلمة مسموعة؟» (٢). فمن كلام الحريري وبديع الزمان ما التزم فيه بحرف أو أكثر قبل حرف الروي.\rومن أمثلة لزوم ما لا يلزم في الشعر قول شاعر جاهلي:\rعصاني قومي والرشاد الذي به ... أمرت ومن يعص المجرب يندم\rفصبرا بني بكر على الموت إنني ... أرى عارضا ينهل بالموت والدم\rفاللزوم هنا في الميم والدال.\rومنه قول أبي تمام:\rخدم العلا فخدمته وهي التي ... لا تخدم إلا قوام ما لم تخدم\rفإذا ارتقى في قلة من سودد ... قالت له الأخرى: بلغت تقدم","footnotes":"(١) مقامات الحريري ص ١٩٦، وريق زماني: أوله، وغبر: مضى وتقدم، وأهل الوير: هم أهل البدو، لآخذ أخذ نفوسهم: لأقتدي بهم، وأوطنوني: أنزلوني وأحلوني، وفلوا:\rكسروا.\r(٢) مقامات بديع الزمان ص ٧٥، وعريان الكلام: ما لا يكسوه ثوب الصنعة، ومعتاص الكلام: ممتنعه مما تكثر فيه الصنعة فتبعده عن أذهان العامة.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827188,"book_id":5385,"shamela_page_id":231,"part":null,"page_num":235,"sequence_num":231,"body":"وقوله أيضا:\rولو جربتني لوجدت خرقا ... يصافي الأكرمين ولا يصادي (١)\rجديرا أن يكر الطرف شزرا ... إلى بعض الموارد وهو صادي\rفاللزوم في المثال الأول لأبي تمام في الميم والدال، وفي المثال الثاني في الدال والألف والصاد.\rومن الشعر العذب الذي لا كلفة عليه في باب اللزوم قول الحماسي:\rإن التي زعمت فؤادك ملها ... خلقت هواك كما خلقت هوى لها\rبيضاء باكرها النعيم فصاغها ... بلباقة فأدقها ... وأجلها\rحجبت تحيتها فقلت لصاحبي ... ما كان أكثرها لنا وأقلها!\rوإذا وجدت لها وساوس سلوة ... شفع الضمير إلى الفؤاد فسلها\rفاللزوم في الهاء واللام.\rومن الشعراء المتقدمين الذين مالوا إلى اللزوم في شعرهم كثير عزة، ومن شعره الذي التزم فيه ما لا يلزم قصيدة تربو على عشرين بيتا منها:\rخليلي هذا ربع عزة فاعقلا ... قلوصيكما ثم احللا حيث حلت\rوما كنت أدري قبل عزة ما الهوى ... ولا موجعات الحزن حتى تولت\rهنيئا مريئا غير داء مخامر ... لعزة من أعراضنا ما استحلت\rفما أنا بالداعي لعزة بالجوى ... ولا شامت إن نعل عزة زلت\rوإني وتهيامي بعزة بعد ما ... تخليت مما بيننا ... وتخلت","footnotes":"(١) الخرق بكسر الخاء: الكريم المتخرق في الكرم المغالى فيه، ولا يصادي: أي ولا يداجي ولا يداري ويساتر.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827189,"book_id":5385,"shamela_page_id":232,"part":null,"page_num":236,"sequence_num":232,"body":"لكالمرتجي ظل الغمامة كلما ... تبوأ منها للمقيل اضمحلت\rكأني وإياها سحابة ممحل ... رجاها فلما جاوزته استهلت\rفإن سأل الواشون: فيم هجرتها؟ ... فقل: نفس حر سلّيت فتسلت (١)\rوممن مالوا إلى اللزوم من المتقدمين أيضا عبد الله بن الزبير الأسدي، وذلك كقوله من قصيدة في مدح عمرو بن عثمان بن عفان:\rسأشكر عمرا ما تراخت منيتي ... أيادي لم تمنن وإن هي جلت (٢)\rفتى غير محجوب الغنى عن صديقه ... ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت (٣)\rرأى خلّتي من حيث يخفي مكانها ... فكانت قذى عينيه حتى تجلت (٤)\rفاللزوم في شعر كثير عزة وابن الزبير الأسدي هو في التاء واللام المشددة.\r...\r\rوالتزام ما لا يلزم لدى المتقدمين كما يبدو من شعرهم يأتي عفو الخاطر غير مقصود ولا متعمد، ولذلك لا يرى عليه من أثر الكلفة أو الصنعة شيء.\rأما المتأخرون فتوسعوا فيه وأكثروا منه، ومنهم من تعمده وقصد إليه قصدا، كأنما يريد أن يدل بذلك على مقدرته في النظم وسعة إحاطته باللغة ومفرداتها.\rومن أولئك الشعراء أبو العلاء المعري فله في هذا النوع من الشعر","footnotes":"(١) أمالي القالي ج ٢ ص ١٠٧.\r(٢) لم تمنن: أي لم تقطع ولم تخلط بمنة.\r(٣) إذا النعل زلت: زلة القدم والنعل كناية عن نزول الشر والمحنة.\r(٤) خلتي: الخلة بفتح الخاء: الخصاصة والفقر.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827190,"book_id":5385,"shamela_page_id":233,"part":null,"page_num":237,"sequence_num":233,"body":"ديوان كامل سماه «اللزوميات» أتى فيه بالجيد الذي يحمد، والرديء الذي يذم.\rومن شعره الذي التزم في قافيته ما لا يلتزم قوله:\rأرى الدنيا وما وصفت ببر ... إذا أغنت فقيرا أرهقته\rإذا خشيت لشر عجلته ... وإن رجيت لخير عوقته\rحياة كالحبالة ذات مكر ... ونفس المرء صيدا أعلقته\rفلا يخدع بحيلتها أريب ... وإن هي سورته ونطقته\rأذاقته شهيا من جناها ... وصدت فاه عما ذوقته\rفاللزوم هنا في الهاء والتاء والقاف.\rومنه أيضا قوله:\rتنازع في الدنيا سواك وماله ... ولا لك شيء بالحقيقة فيها\rولكنها ملك لرب مقدر ... يعير جنوب الأرض مرتد فيها\rولم تحظ من ذاك النزاع بطائل ... من الأمر إلا أن تعد سفيها\rفيا نفس لا تعظم عليك خطوبها ... فمتفقوها مثل مختلفيها\rتداعوا إلى النزر القيل فجالدوا ... عليه وخلوها لمغترفيها\rوما أمّ صلّ أو حليلة ضيغم ... بأظلم من دنياك فاعترفيها (١)\rتلاقي الوفود القادميها بفرحة ... وتبكي على آثار منصرفيها\rفأطبق فما عنها وكفا ومقلة ... وقل لغوي القوم: فاك لفيها (٢)","footnotes":"(١) فاعترفيها: أي فاسأليها أيتها النفس، وربما وضعوا اعترف بمعنى عرف، وعلى هذا يكون المعنى فاعترفيها: أي اعرفي حقيقة دنياك يا نفس.\r(٢) فاك لفيها: كلمة تستعملها العرب عند الدعاء بالمكروه والشماتة، وأصل ذاك أن السباع إذا تهارشت صرفت أفواهها بعضها لبعض.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827191,"book_id":5385,"shamela_page_id":234,"part":null,"page_num":238,"sequence_num":234,"body":"فاللزوم هنا في الهاء والياء والفاء، وقد التزم مع حرف الروي بحرفين.\rويجدر التنبيه هنا إلى الفرق بين لزوم ما يلزم ولزوم ما لا يلزم في القوافي. فمن باب لزوم ما يلزم قول الشاعر:\rفي شعاب النسيان أفردت وحدي ... فعبرت الأيام حيا كميت\rأجد الغدر والعقوق من النا ... س وألقى الظلام في عقر بيتي\rوالعذاب الروحي في ليلي الدا ... ئم أورى دمي وأنضب زيتي\rفتعالي ... وفي يديك انطلاق ... من فجاج النسيان أما أتيت\rفحرف القافية هنا هو التاء والياء قبلها حرف ردف يلتزم به الشاعر في جميع أبيات القصيدة والعدول عنه إلى أي حرف آخر كأن يقول مثلا «حضرت» بدل «أتيت» يعد عيبا في القافية.\rأما في لزوم ما لا يلزم، كما هو الشأن في قوافي الأبيات السابقة لكثير عزة، وابن الزبير الأسدي والمعري، فاللازم هو حرف القافية فقط، أما ما عداه مما ألزم الشاعر به نفسه حرفا كان أو أكثر فهذا يجوز للشاعر أن يلتزمه أو يعدل عنه ولا يعد في الوقت ذاته عيبا من عيوب القافية.\rفلو التزم الشاعر حرف الراء مثلا قبل القافية في قصيدة بعض كلمات قافيتها مثل «شرق، وفرق وبرق» فإنه يجوز له أن يبقى على هذا الالتزام، كما يجوز له أن يعدل عنه ويقول: «شرق، وسبق، وخلق» دون أن يعد ذلك عيبا في القافية.\r...\r\rولزوم ما لا يلزم هو، كما يقول ابن الأثير، من أشق هذه الصناعة مذهبا وأبعدها مسلكا، وذلك لأن مؤلفه يلتزم ما لا يلزمه. فإن اللازم في","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827192,"book_id":5385,"shamela_page_id":235,"part":null,"page_num":239,"sequence_num":235,"body":"هذا الموضوع وما جرى مجراه إنما هو السجع الذي هو تساوي أجزاء الفواصل من الكلام المنثور في قوافيها. وهذا فيه زيادة على ذلك وهو أن تكون الحروف التي قبل الفاصلة حرفا واحدا، وهو في الشعر أن تتساوى الحروف التي قبل روي الأبيات الشعرية (١).\rومما لا ريب فيه أن هذا النوع من أصعب أنواع البديع اللفظي استخراجا، ولكن مما لا ريب فيه أيضا أنه يعد من محاسن الكلام، إذا وفق فيه الأديب فجاءه عفو الخاطر بدون تكلف ولا تعمل، وكان المعنى هو الذي يقود إليه ويستدعيه، وليس هو الذي يقود إلى المعنى.\r\rالموازنة\rالموازنة نوع من أنواع البديع اللفظي يقع في النثر والنظم: وهي تساوي الفاصلتين في الوزن دون التقفية، نحو قوله تعالى: وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ.\rفلفظا «مصفوفة ومبثوثة» متساويان في الوزن لا في التقفية، لأن الأول على الفاء والثاني على الثاء، ولا عبرة\rلتاء التأنيث لما هو معروف في علم القوافي.\rوقد فصّل ابن الأثير الكلام عن الموازنة بعض الشيء فقال: «هي أن تكون ألفاظ الفواصل في الكلام المنقور متساوية في الوزن، وأن يكون صدر البيت الشعري وعجزه متساوي الألفاظ وزنا. وللكلام بذلك طلاوة ورونق وسببه الاعتدال، لأنه مطلوب في جميع الأشياء، وإذا كانت مقاطع الكلام معتدلة وقعت من النفس موقع الاستحسان وهذا لا مراء فيه لوضوحه.","footnotes":"(١) المثل السائر ص ١٠٦.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827193,"book_id":5385,"shamela_page_id":236,"part":null,"page_num":240,"sequence_num":236,"body":"وهذا النوع من الكلام أخو السجع في المعادلة دون المماثلة، لأن في السجع اعتدالا وزيادة على الاعتدال، هي تماثل أجزاء الفواصل لورودها على حرف واحد.\rوأما الموازنة ففيها الاعتدال الموجود في السجع ولا تماثل في فواصلها، فيقال إذن: «كل سجع موازنة، وليس كل موازنة سجعا، وعلى هذا فالسجع أخص من الموازنة» (١).\rومما ورد من الموازنة في القرآن الكريم قوله تعالى: وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ، وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ فالمستبين والمستقيم موازنة، لأنهما تساويا في الوزن دون التقفية.\rومنها كذلك قوله تعالى: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا، كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا، أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا. فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا.\rفالموازنة هنا بين «عزا وضدا» وبين «أزا وعدا» فقد جاء كل زوج على وزن واحد، وإن اختلفت أحرف التقفية أو المقاطع التي هي فواصلها. وأمثال هذا في القرآن كثير بل معظم آياته جارية على هذا النهج، حتى إنه لا يكاد يخرج منه شيء من السجع والموازنة.\rومن أمثلة الموازنة شعرا قول ربيعة بن ذؤابة:\rإن يقتلوك فقد ثللت عروشهم ... بعتيبة بن الحارث بن شهاب\rبأشدهم بأسا على أصحابه ... وأعزهم فقدا على الأصحاب\rفالبيت الثاني هو المختص بالموازنة فإن «بأسا» و «فقدا» على وزن واحد، دون التقفية.","footnotes":"(١) المثل السائر ص ١١١.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827194,"book_id":5385,"shamela_page_id":237,"part":null,"page_num":241,"sequence_num":237,"body":"ومنها قول أبي تمام:\rمها الوحش إلا أن هاتا أوانس ... قنا الخط إلا أن تلك ذوابل (١)\rفالموازنة تامة بين كل لفظة وما يقابلها في المصراعين ما عدا لفظتي «هاتا وتلك».\rومنها قول أبي تمام أيضا، والموازنة تامة بين جميع ألفاظ الشطر الأول وما يقابلها من ألفاظ الشطر الثاني:\rفأحجم لما لم يجد فيك مطمعا ... وأقدم لما لم يجد عنك مهربا\rومن أمثلة الموازنة كذلك قول الشاعر:\rصفوح صبور كريم رزين ... إذا ما العقول بدا طيشها\rففي الشطر الأول من البيت هنا موازنتان: الأولى «صفوح صبور» والثانية «كريم رزين» وقد تساوى اللفظان في كل موازنة وزنا واختلفا تقفية.\r\rالتشريع\rالتشريع، ويسمى التوشيح والتوأم، هو بناء البيت على قافيتين يصح المعنى عند الوقوف على كل منهما.\rوتفصيل ذلك أن يبني الشاعر أبيات قصيدته على وزنين من أوزان الشعر وقافيتين. فإذا وقف من البيت على القافية الأولى كان شعرا مستقيما من وزن على عروض، وإذا أضاف إلى ذلك ما بني عليه شعره من القافية","footnotes":"(١) المها: جمع مهاة وهي هنا البقرة الوحشية، والخط، موضع تنسب إليه الرماح المستقيمة.\rوالشاعر يصف هنا الأوانس أو النساء بسعة العيون وطول القدود.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827195,"book_id":5385,"shamela_page_id":238,"part":null,"page_num":242,"sequence_num":238,"body":"الأخرى كان أيضا شعرا مستقيما من وزن آخر على عروض، وصار ما يضاف إلى القافية الأولى للبيت كالوشاح.\rوالتشريع لا يكاد يستعمل في الكلام المنثور المسجوع إلا قليلا وليس من الحسن في شيء! واستعماله في الشعر أحسن منه في الكلام المنثور. ومن أمثلته شعرا قول بعضهم:\rأسلم ودمت على الحوادث مارسا ... ركنا ثبير أو هضاب حراء\rونل المراد ممكنا منه على ... رغم الدهور وفز بطول بقاء\rفهذان البيتان من وزن «الكامل» التام المؤلف من «متفاعلن» مكررة ست مرات وقافيتهما الهمزة. فإذا أسقطنا من كل بيت تفعيلتين فإن البيتين ينتقلان إلى مجزوء الكامل ويصيران:\rأسلم ودمت على الحوا ... دث مارسا ركنا ثبير (١)\rونل المراد ممكنا ... منه على رغم الدهور\rوقد استعمل ذلك الحريري في قصيدة كاملة معروفة في مقاماته منها:\rيا خاطب الدنيا الدنيّة إنها ... شرك الردى وقرارة الأكدار\rدار متى ما أضحكت في يومها ... أبكت غدا بعدا لها من دار\rفالقصيدة التي منها هذان البيتان من وزن الكامل التام أيضا والقافية الراء، فإذا أسقطنا هنا تفعيلتين صار البيتان من مجزوء الكامل والقافية الدال هكذا:","footnotes":"(١) ثبير: الجبل المعروف عند مكة، وحراء: جبل بمكة فيه غار، وكان الرسول قبل أن يوحى إليه يأتيه ويخلو بغاره فيتحنث فيه، أي يتعبد لله.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827196,"book_id":5385,"shamela_page_id":239,"part":null,"page_num":243,"sequence_num":239,"body":"يا خاطب الدنيا الدنيّ ... ة إنها شرك الردى\rدار متى ما أضحكت ... في يومها أبكت غدا\rوقد ظهر «التشريع» قبل كلام الحريري في كلام العرب المتقدمين، من نحو القائل:\rوإذا الرياح مع العشي تناوحت ... هوج الرمال بكثبهن شمالا\rألفيتنا نقري العبيط لضيفنا ... قبل القتال ونقتل الأبطالا (١)\rفالبيتان من وزن الكامل التام كذلك والقافية اللام، وبإسقاط تفعيلتين ينتقل البيتان إلى وزن آخر هو مجزوء الكامل وإلى قافية أخرى هي اللام أيضا هكذا:\rوإذا الرياح مع العشي ... تناوحت هوج الرمال\rألفيتنا نقري العبي ... ط لضيفنا قبل القتال\rولا شك أن هذا النوع لا يأتي إلا بتكلف زائد وتعسف، وحسنه منوط بما فيه من الصناعة لا بما فيه من البلاغة والبراعة. ومن ثم لا يحسن إلا إذا كان يسيرا؛ كالرقم في الثوب أو الشية في الجلد كما يقول ابن الأثير.\rوأوسع البحور في هذا النوع «الرجز» الذي يتألف من «مستفعلن» ست مرات، فإنه قد وقع مستعملا «تاما»\rو «مجزوءا» و «مشطورا» و «منهوكا»، فيمكن أن يعمل للبيت منه أربع قواف.","footnotes":"(١) العبيط: الذبح، ويقال: اعتبط الإبل والغنم إذا ذبحها لغير داء، ونقري العبيط لضيفنا: أي نحسن إلى ضيفنا ونقدم له من طعامنا خير ما نذبح من إبلنا أو غنمنا المبرأة من الأدواء.","hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827197,"book_id":5385,"shamela_page_id":240,"part":null,"page_num":244,"sequence_num":240,"body":"ولعل في النموذج التالي من شعر محمد بن جابر الضرير الأندلسي ما يوضح ذلك. قال:\rيرنو بطرف فاتر مهما رنا ... فهو المنى لا أنتهي عن حبه\rيهفو بغصن ناضر حلو الجنى ... يشفي الضنى لا صبر لي عن قربه\rلو كان يوما زائري زال العنا ... يحلو لنا في الحب أن نسمى به\rفهذه الأبيات من الرجز التام، فإذا تركناها على حالها فهي من الرجز التام والقافية الباء، وإذا أسقطنا منها تفعيلتين من آخر كل بيت صارت من الرجز المجزوء والقافية النون هكذا:\rيرنو بطرف فاتر ... مهما رنا فهو المنى\rيهفو بغصن ناضر ... حلو الجنى يشفي الضنى\rلو كان يوما زائري ... زال العنا يحلو لنا\rوإذا أسقطنا تفعيلة من آخر كل بيت من مجزوء الرجز هذا صارت الأبيات من مشطور الرجز والقافية النون أيضا هكذا:\rيرنو بطرف فاتر مهما رنا ... يهفو بغصن ناضر حلو الجنى\rلو كان يوما زائري زال العنا\rوإذا عدنا فأسقطنا تفعيلة من هذا المشطور صارت الأبيات من منهوك الرجز والقافية الراء هكذا:\rيرنو بطرف فاتر ... يهفو بغصن ناضر\rلو كان يوما زائري","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null} {"page_id":4827198,"book_id":5385,"shamela_page_id":241,"part":null,"page_num":245,"sequence_num":241,"body":"ولعلنا لاحظنا من كل ما سبق أن التشريع كنوع من البديع اللفظي إذا أسرف الشاعر منه في القصيدة الواحدة أسقطها وأحالها إلى نوع من الصناعة الباردة الغثة، وأن أحسنه ما جاء فيها قليلا عفو الخاطر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}