{"page_id":5985323,"book_id":6313,"shamela_page_id":1,"part":null,"page_num":83,"sequence_num":1,"body":"مقدمة المؤلف\rبسم الله الرحمن الرحيم\rرب يسر\rقال العبد الفقير إلى ربه، المستغفر من ذنبه، عبد العظيم بن عبد الواحد بن ظافر بن عبد الله بن أبي الإصبع عفا الله عنه: الحمد لله حمداً يستعذب الحامد مساغه، وصلى الله على من كانت أعظم آياته البلاغة وعلى آله وصحبه مازان حلى الكلام من صيغ له ومن صاغه.\rوبعد، فإني رأيت ألقاب محاسن الكلام التي نعتت بالبديع قد انتهت إلى عدد منه أصول وفروع: فأصوله، ما أشار إليها ابن المعتز في بديعه وقدامة في نقده، لأنهما أول من عني بتأليف ذلك.\rأما ابن المعتز فهو الذي سماه البديع، واقتصر في كتابه بهذه التسمية على خمسة أبواب، وهي: الاستعارة منفرداً بها،، على أن قدامة ذكر الاستعارة ولم يبوب عنها في المحاسن، وإنما جاء بها في ذكر المعاظلة من العيوب، وزعم أن المعاظلة ما استبشع من الاستعارة،، فاقتضى كلامه أن من الاستعارة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985324,"book_id":6313,"shamela_page_id":2,"part":null,"page_num":84,"sequence_num":2,"body":"قبيحاً وحسناً، فحسنها من المحاسن، وقبيحها من العيوب، ولم يذكرها في المحاسن، وابن المعتز ذكرها والتجنيس، والطباق متوارداً عن قدامة عليهما، ورد الأعجاز على الصدور منفرداً به، وختما بخامس عزا تسميته إلى الجاحظ، وهو المذهب الكلامي منفرداً به، وإن كان ما قبله من الأسماء الأربعة قد سبقت العرب إلى وضعها، وربما سبق ابن المعتز إلى نقلها وعدها.\rوقال ابن المعتز في صدر كتابه: وما جمع قبلي فنون البديع أحد ولا سبقني إلى تأليفه مؤلف، وألفته سنة أربع وسبعين ومائتين وأول من نسخه مني علي بن يحيى بن منصور المنجم، ثم قال بعد سياقه الأبواب الخمسة: ونحن الآن نذكر محاسن الكلام والشعر وإن كانت محاسنهما كثيرة لا ينبغي للعاقل العالم أن يدعي الإحاطة بها حتى يتبرأ من شرود بعضها عن علمه، وأحببنا بذلك أن نكثر فوائد كتابنا للمتأدبين ويعلم الناظر فيه أنا قد اقتصرنا بالبديع على الفنون الخمسة اختياراً من غير جهل بالطريقة، ولا ضيق في المعرفة، فمن أحب أن يقتدي بنا ويقتصر على تلك الخمسة بالبديع فليفعل، ومن أضاف من هذه المحاسن أو غيرها شيئاً إلى البديع وارتأى غير رأينا فله اختياره، وهذا حين ذكر الماسن ثم ذكر الالتفات، وقد توارد عليه هو وقدامة، وذكر اعتراض كلام في كلام","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985325,"book_id":6313,"shamela_page_id":3,"part":null,"page_num":85,"sequence_num":3,"body":"لم يتم معناه، ثم يعود المتكلم فيتمه في بيت واحد أو جملة واحدة، وهذا الباب سماه قدامة التمام وسماه الحاتمي في الحلية التتميم. وهو مما توارد عليه قدامة، وابن المعتز، ثم ذكر من المحاسن الخروج من معنى إلى معنى، وهو الذي سماه الحاتمي الاستطراد، ناقلاً تسميته لا مخترعاً وهو من أفراد ابن المعتز، ثم ذكر تأكيد المدح بما يشبه الذم منفرداً به وذكر تجاهل العارف، وهو الذي سماه المتأخرون الإعنات والتشكيك وهذه التسمية غير مطابقة من كل وجه، والتشكيك باب مفرد بينه وبين تجاهل العارف فرق سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى، وهو من إفراد ابن المعتز، ثم ذكر الهزل الذي يراد به الجد منفرداً به، وذكر حسن التضمين منفرداً به، وذكر الكناية منفرداً بها، وذكر الإفراط في الصفة متوارداً عليها مع قدامة، وسماها قدامة المبالغة، وذكر التشبيه متوارداً هو وقدامة عليه، وذكر عتاب المرء نفسه منفرداً به، وذكر حسن الابتداءات، منفرداً به، وسماه من بعده براعة الاستهلال على اختلاف في شواهده، فهذه اثنا عشر باباً من المحاسن تضاف إلى أبواب البديع الخمسة فيصير بها ما اخترع ابن المعتز جميعه من ذلك سبعة عشر باباً.\rوأما قدامة فضمن كتابه الموسوم بنقد الشعر عشرين باباً، وهي: التشبيه والتمام، والمبالغة، والطباق، الجناس متوارداً هو وابن المعتز","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985326,"book_id":6313,"shamela_page_id":4,"part":null,"page_num":86,"sequence_num":4,"body":"عليهن جميعاً، وبقية العشرين مما انفرد به قدامة، وهي: التكافؤ، وإن كان هذا الباب تداخل على قدامة في باب الطباق، وسأبين ذلك في موضعه، وصحة الأقسام، وصحة المقابلات، وصحة التفسير، وائتلاف اللفظ مع المعنى، وهو باب فرع منه قدامة ستة أبواب، وهي المساواة، والإشارة، والإرداف، والتمثيل، ثم فرع من باب ائتلاف اللفظ مع المعنى أيضاً: الطباق، والجناس، وقد مضى ذكر توارده مع ابن المعتز عليهما، وذكر ائتلاف اللفظ مع الوزن، وائتلاف المعنى مع الوزن، وقد جعل المتأخرون هذين البابين باباً واحداً، وسموه والتهذيب والتأديب. لكن قدامة خص بهما الشعر، ومن سماهما تهذيباً وتأديباً لا يخص بهما الشعر دون النثر، ولا النثر دون الشعر، بشرط أن يعم بالتسمية فيقول: ائتلاف اللفظ مع المعنى مطلقاً، من غير أن يذكر الوزن وائتلاف القافية مع ما يدل عليه سائر البيت وقد سماه من بعده التمكين وخص به الشعر أيضاً وهو لا يخصه وفرع قدامة من هذا الباب بأبي التوشيح والإيغال فهذه ثلاثة عشر باباً صحت لقدامة منفرداً بها، بعد إسقاط ما تداخل عليه، وهو التكافؤ، وإذا أضيفت إلى ما قدمه ابن المعتز من البديع وأضافه إليه من المحاسن صارت عدة الأصول من كتابيهما بعد حذف ما","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985327,"book_id":6313,"shamela_page_id":5,"part":null,"page_num":87,"sequence_num":5,"body":"تواردا عليه ثلاثين باباً سليمة من التداخل، وهذه أصول ما ساقه الناس في كتبهم من البديع إلى هلم جرا، ثم اقتدى الناس بابن المعتز في قوله: فمن أحب أن يضيف شيئاً من هذه المحاسن أو غيرها إلى البديع فليفعل فأضاف الناس المحاسن إلى البديع، وفرعوا من الجميع أبواباً أخرى، وركبوا منها تراكيب شتى، واستنبطوا غيرها بالاستقراء من الكلام والشعر حتى كثرت الفوائد، ورأوا ابن المعتز قد غلب اسم البديع على اسم المحاسن فسمى كتابه البديع وهو جامع لهما معاً فاقتدوا به، لأنه المخترع الأول للتصنيف، فسمى كل من وضع كتاباً في ذلك باسم إما مصرح بالبديع أو راجع معناه إليه، وكذلك فعل كل من عرف نوعاً منه عند سؤاله عنه، فإنه يقول: هذا الضرب الفلاني من البديع إلا من ألف في مجموع البلاغة، أو تعرف كنه الفصاحة، أو في النقد كتاباً، فإن له أن يسميه ما شاء، ولقد وقفت من هذا العلم على أربعين كتاباً منها ما هو منفرد به، وما هذا العلم أو بعضه داخل في بعضه كنقدي قدامة وبديع ابن المعتز، وحلية المحاضرة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985328,"book_id":6313,"shamela_page_id":6,"part":null,"page_num":88,"sequence_num":6,"body":"وكشفت عن الحالي والعاطل الذي ذكره الحاتمي في الحلية فلم أجد من يعترف بوقوفه عليه سوى ابن منقذ في بديعه، وكالصناعتين للعسكري، والعمدة لابن رشيق، وتزييف نقد قدامة له، ورسالة ابن بشر الآمدي التي رد بها على قدامة، وكشف الظلامة للموفق البغدادي، والنكت في الإعجاز للرماني، والجامع الكبير في التفسير له، والتعريف والإعلام للسهيلي، ودرة التنزيل وغرة التأويل للخطيب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985329,"book_id":6313,"shamela_page_id":7,"part":null,"page_num":89,"sequence_num":7,"body":"وأعجاز القرآن للبالقداني، والكشاف للزمخشري، وإعجاز الجرجاني المسمى بدلائل الإعجاز، وأسرار البلاغة له، ونظم القرآن للجاحظ، والبيان والتبيين له، وإعجاز ابن الخطيب، ورسالة الصولي التي قدمها على شعر أبي نواس، ورسالته في أخبار أبي تمام، ورسالة ابن أفلح،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985330,"book_id":6313,"shamela_page_id":8,"part":null,"page_num":90,"sequence_num":8,"body":"وشروح أبي العلاء الثلاثة، وهي: ذكرى حبيب، وعبث الوليد، ومعجز أحمد، والمنصف لابن وكيع، والموازنة، للآمدي، والوساطة للجرجاني، والغرر والدرر للمرتضى، وكتاب الصرفة له، والمجاز لأخيه الرضى، وشرح حديث أم زرع للقاضي عياض ﵀ وما لخصه في آخره من بديع الحديث، والحديقة للحجاري براء مهملة صاحب المسهب في أخبار أهل المغرب، وبديع التبريزي، وسر الفصاحة لابن سنان الخفاجي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985331,"book_id":6313,"shamela_page_id":9,"part":null,"page_num":91,"sequence_num":9,"body":"والمثل السائر لابن الأثير الجزري، والإقناع للصاحب ابن عباد، وبديع أبي إسحاق الأجدابي، وبديع شرف الدين التيفاشي، وهو آخر من ألف فيه تأليفاً في غالب ظني، وجمع ما لم يجمعه غيره لولا مواضع نقلها كما وجدها ولم ينعم النظر فيها، وبعض الأبواب التي تداخلت عليه. وإذا وصلت إلى بديع ابن منقذ وصلت إلى الخبط والفساد العظيم، والجمع من أشتات الخطإ وأنواعه من التوارد والتداخل، وضم غير البديع والمحاسن إلى البديع، كأنواع من العيوب، وأصناف من السرقات، ومخالفة الشواهد للتراجم، وفنون من الزلل والخلل يعرف صحتها من وقف على كتابه\rوأنعم النظر فيه، لا جرم أني لم أعتد بكتابه في عدة ما وقفت عليه من ذلك، وإن كنت قلما رأيت منها كتاباً خلا عن موضع نقد، بحسب منزلة واضعه من العلم والدراية، فمن قليل ومن كثير، وكل أحد مأخوذ من قوله ومتروك إلا من عصمة الله من أنبيائه، صلوات الله عليهم وسلامه والسعيد من عدت سقاطته، \" وما أبرئ نفسي \" ولا أدعي سلامة وضعي دون أبناء جنسي، غير أني توخيت تحرير ما جمعته من هذه الكتب جهدي، ودققت النظر حسب طاقتي، فتحرست من التوارد، وتجنبت التداخل، ونقحت ما يجب تنقيحه، وصححت ما قدرت على تصحيحه، ووضعت كل شاهد في موضعه، وربما أبقيت اسم الباب وغيرت مسماه إذ رأيت اسمه لا يدل على معناه، إلى أن جمعت جميع ما في هذه الكتب من الأبواب على ما قدمت من الشرائط، فكان ما جمعته من ذلك ستين باباً فروعاً بعد ما قدمته من الأصول، وهي: الاحتراس، والمواربة براء مهملة، والترديد، والتعطف، والتفويف، والتسهيم، والتورية، والتوشيح، والاستخدام، والتغاير، والطاعة والعصيان، والتسميط، والمماثلة، والتجزئة، والتسجيع، والترصيع، والتصريع، والتشطير، والتعليل، والتطريز، والتوشيح، والاشتراك، والتلفيف، والعكس، والإغراق، والغلو، والقسم، والاستثناء والاستدراك، وجمع المختلفة والمؤتلفة، والتوهيم، والاستطراد، والتكميل، والمناسبة، والتفريع، والتكرار، ونفي الشيء بإيجابه، والإيداع، والاستعانة والموازنة بزاي معجمة، والتذييل، والمشاكلة، والمواردة، والتهذيب، وحسن النسق، وبراعة التخلص، والانسجام، والحل، والعقد، والتعليق، والإدماج والازدواج، والاتساع، والمجاز، والإيجاز، وسلامة الاختراع من الاتباع، وحسن الإتباع، وحسن البيان، والتوليد، والتنكيت، والاتفاق، والإغراب، والطرفة. وأنعم النظر فيه، لا جرم أني لم أعتد بكتابه في عدة ما وقفت عليه من ذلك، وإن كنت قلما رأيت منها كتاباً خلا عن موضع نقد، بحسب منزلة واضعه من العلم والدراية، فمن قليل ومن كثير، وكل أحد مأخوذ من قوله ومتروك إلا من عصمة الله من أنبيائه، صلوات الله عليهم وسلامه والسعيد من عدت سقاطته، \" وما أبرئ نفسي \" ولا أدعي سلامة وضعي دون أبناء جنسي، غير أني توخيت تحرير ما جمعته من هذه الكتب جهدي، ودققت النظر حسب طاقتي، فتحرست من التوارد، وتجنبت التداخل، ونقحت","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985332,"book_id":6313,"shamela_page_id":10,"part":null,"page_num":92,"sequence_num":10,"body":"ما يجب تنقيحه، وصححت ما قدرت على تصحيحه، ووضعت كل شاهد في موضعه، وربما أبقيت اسم الباب وغيرت مسماه إذ رأيت اسمه لا يدل على معناه، إلى أن جمعت جميع ما في هذه الكتب من الأبواب على ما قدمت من الشرائط، فكان ما جمعته من ذلك ستين باباً فروعاً بعد ما قدمته من الأصول، وهي: الاحتراس، والمواربة براء مهملة، والترديد، والتعطف، والتفويف، والتسهيم، والتورية، والتوشيح، والاستخدام، والتغاير، والطاعة والعصيان، والتسميط، والمماثلة، والتجزئة، والتسجيع، والترصيع، والتصريع، والتشطير، والتعليل، والتطريز، والتوشيح، والاشتراك، والتلفيف، والعكس، والإغراق، والغلو، والقسم، والاستثناء والاستدراك، وجمع المختلفة والمؤتلفة، والتوهيم، والاستطراد، والتكميل، والمناسبة، والتفريع، والتكرار، ونفي الشيء بإيجابه، والإيداع، والاستعانة والموازنة بزاي معجمة، والتذييل، والمشاكلة، والمواردة، والتهذيب، وحسن النسق، وبراعة التخلص، والانسجام، والحل، والعقد، والتعليق، والإدماج والازدواج، والاتساع، والمجاز، والإيجاز، وسلامة الاختراع من الاتباع، وحسن الإتباع، وحسن البيان، والتوليد، والتنكيت، والاتفاق، والإغراب، والطرفة.\rوأضفت هذه الأبواب الفروع إلى تلك الثلاثين الأصول فصارت الفذلكة تسعين باباً، ورأيت الأجدابي قد ذكر من محاسن القافية أربعة أبواب منها بابان هما باب واحد سماهما بتسميتين غير مطابقتين لمعناهما، فجعلتهما باباً واحداً على حكم ما أخذت به نفسي من حذف المتداخل، وسميته","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985333,"book_id":6313,"shamela_page_id":11,"part":null,"page_num":93,"sequence_num":11,"body":"الالتزام وعند ذكر شواهده يعلم مطابقة تسميته لمسماه، وبابان معناهما حسن سمي أحدهما بتسمية أيضاً غير لائقة، فسميته تشابه الأطراف وسنبين حسن هذه التسمية. وباب أيضاً سماه بما لا يوافق، فسميته التوأم فسلمت له ثلاثة أبواب عوضت بها ما تداخل في باب التهذيب من ائتلاف اللفظ مع الوزن، والمعنى مع الوزن، وما تداخل في باب التمكين من ائتلاف القافية مع ما يدل عليه سائر البيت لتصح العدة على شرط السلامة تسعين باباً كلها من المحاسن ليس فيها شيء من ضروب العيوب، وهي عند من لا يجعل التهذيب باباً واحداً، وليس ذلك بممتنع، ثلاثة وتسعون باباً ولما أمرني من لا محيد لي عن أمره، ولا محيص عن رسمه، سيد الفضلاء وقدوة البلغاء، وملجأ الأدباء، ومحط رحال الغرباء، وإمام الكرماء، القاضي الأجل الفاضل شرف الدين أبي الحسن بن القاضي الأجل الفقيه الإمام الورع العدل الرضي جلال الدين المكرم أبي الحسن موسى بن الحسن بن سناء الملك: كامل\rنسب كأن عليه من شمس الضحى ... نوراً ومن فلق الصباح عموداً","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985334,"book_id":6313,"shamela_page_id":12,"part":null,"page_num":94,"sequence_num":12,"body":"أمتعه الله بفضائله، كما أمتع الفضلاء بفواضله، ورحم سلفه، كما رحم به من عرفه، بجمع ما في كتب الناس من ذلك على سبيل الاختصار من الشواهد، وتجنب الإطالة بذكر كل الاشتقاق، إلا إيضاح مشكل، أو كشف غامض، أو زيادة بسط في الكلام، على أنه من كتاب الله تعالى، أو في بيت قد أهمل تقصي الكلام عليه، بادرت إلى امتثال أمره، واستخرت الله ﷾ حالة الشروع في مرسومه، وسألته الإعانة على بلوغ غرضه، والهداية إلى ما يترجح عنده.\rولما أخذت في ذلك عن لي استنباط أبواب تزيد بها الفوائد، ويكثر بها الإمتاع، نسجاً على منوال من تقدمني، واتباعاً لسنة من سبقني، ففتح علي من ذلك بثلاثين باباً، سليمة من التداخل والتوارد، لم أسبق في غلبة ظني إلى شيء منها، اللهم إلا أن يوجد في زوايا الكتب التي لم أقف على شيء مما اخترعته، فأكون أنا ومن سبقني إليه متواردين عليه، وما أظن ذلك، والله أعلم.\rولما انتهى استخراجي إلى هذا العدد، أمسكت عن الفكر في ذلك ليكون ما أتيت به وفق عدد الأصول من هذا الشأن، وهذا أوان سياقة أبوابي التي استنبطتها، وضروبي التي استخرجتها؛ وهي: التخيير، والتدبيج، والتمزيج والاستقصاء، والبسط، والهجاء في معرض المدح، والعنوان، والإيضاح والفرائد، والحيدة والانتقال، والشماتة، والتهكم، والتندير، والإسجال بعد المغالطة، والإلغاز والتعمية، والتصرف، والنزاهة، والتسليم، والافتنان، والمراجعة، والسلب والإيجاب، والإبهام، والقول بالموجب، وحصر الجزئي وإلحاقه بالكلي، والمقارنة، والمناقضة، والانفصال، والإبداع، وحسن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985335,"book_id":6313,"shamela_page_id":13,"part":null,"page_num":95,"sequence_num":13,"body":"الخاتمة، وألحقت ذلك بما تقدم من الأبواب، فصارت عدة أبواب هذا الكتاب مائة باب وثلاثة وعشرين باباً سوى إذا انشعب من أبواب الائتلاف من الجناس والطباق، والتصدير، ووسمته بتحرير التحبير، وبعض هذه الأبواب وهو الأقل يخص الشعر، وباقيها وهو الأكثر يعم الشعر والنثر، يعلم ذلك من تبحر في هذا الكتاب، فالذي يخص الموزون منها ثلاثة وعشرون باباً مراعاة لاشتراك القرآن العزيز مع النثر ودخوله في بابه، ولانفراد الموزون عن المنثور من كلام المخلوقين فثلاثة عشر باباً لا غير، والله أعلم، وهي: المواربة براء مهملة، والتسميط، والتجزئة، والتسجيع، والترصيع، والتصريع، والتشطير، والتطريز، والعكس، والإغراق، والغلو، والاستدراك، والاطراد، والتفريع والإيداع، والاستعانة، والموازنة، والمشاكلة، والمواردة من الفروع، ومن الأصول الهزل الذي يراد به الجد، وائتلاف اللفظ مع الوزن، وائتلاف المعنى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985336,"book_id":6313,"shamela_page_id":14,"part":null,"page_num":96,"sequence_num":14,"body":"مع الوزن، وباقي الأبواب وهي مائة باب تعم الموزون والمنثور، وتوجد في الكتاب العزيز إلا الأقل لمن دقق النظر في الاستنباط والله ﷾ المسئول في حسن التوفيق إلى التحقيق لنهتدي إلى سبيل الرشد ونهج الصواب وسعادة يرزق بها هذا التأليف حسن القبول من ذوي الألباب، إنه الكريم الوهاب، وهذا حين الشروع في تفصيل جملة الأبواب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985337,"book_id":6313,"shamela_page_id":15,"part":null,"page_num":97,"sequence_num":15,"body":"الجزء الاول\rباب الاستعارة\rحد الرماني الاستعارة بأن قال: هي تعليق العبارة على غير ما وضعت له في أصل اللغة على سبيل النقل.\rوقال ابن المعتز: هي استعارة الكلمة لشيء لم يعرف بها من شيء قد عرف بها وقال ابن الخطيب في إعجازه: الاستعارة ذكر الشيء باسم غيره وإثبات ما لغيره له للمبالغة في التشبيه. وقال أيضاً: الاستعارة جعل الشيءِ الشيءَ، أو جعل الشيء للشيء لأجل المبالغة في التشبيه.\rوقلت: هي تسمية المرجوح الخفي باسم الراجح الجلي للمبالغة في التشبيه، كقول الله تعالى \" وإنه في أم الكتاب \" وكقوله سبحانه:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985338,"book_id":6313,"shamela_page_id":16,"part":null,"page_num":98,"sequence_num":16,"body":"\" واخفض لهما جناح الذل من الرحمة \" وكقوله ﷿: \" واشتعل الرأس شيباً \".\rولا بد في الاستعارة من اعتبار ثلاثة أشياء أصول: مستعار، ومستعار منه، ومستعار له. فالمستعار في الآية الأخيرة: الاشتعال، والمستعار منه: النار، والمستعار له: الشيب، والجامع بين المستعار منه والمستعار له مشابهة ضوء النار لبياض الشيب، وفائدة ذلك وحكمته وصف ما هو أخفى بالتشبيه لما هو أظهر، وقد جاء الكلام في الاستعارة التي في الآية الأخيرة على غير وجهه، فإن وجه الكلام فيها أن يقال: واشتعل شيب الرأس، وإنما قلب لما يحصل في قلبه من المبالغة لكونه في حالة القلب يستفاد منه عموم الشيب لجميع الرأس، ولو جاء الكلام على وجهه لم يفد ذلك العموم، ومثال ذلك أنك لو قلت في مثاله اشتعلت النار في البيت: لصدق هذا القول على اشتعال النار في جانب واحد من البيت دون بقية جوانبه، وإذا قلت: اشتعل البيت ناراً أفاد هذا القول أن النار قد شملت جميع نواحي البيت","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985339,"book_id":6313,"shamela_page_id":17,"part":null,"page_num":99,"sequence_num":17,"body":"وجهاته، وعلى هذا فاعتبر الاستعارة لتعلم أنها على قسمين: قسم يجيء الكلام فيه على وجهه فلا يفيد سوى إظهار الخفي فقط، أو المبالغة فحسب، وقسم يأتي الكلام فيه على غير وجهه فيفيد المعنيين معاً، وأحسنها ما قرب منها دون ما بعد ولم يسمع سامع في الاستعارة كقوله تعالى \" والصبح إذا تنفس \" فإن ظهور الأنوار في المشرق من أشعة الشمس قليلاً قليلاً بينه وبين إخراج النفس مشابهة شديدة.\rوأجل الاستعارات الاستعارة المرشحة كقوله تعالى: \" أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم \" فإن الاستعارة الأولى وهي لفظة الشراء رشحت الثانية وهي لفظتا الربح والتجارة للاستعارة. والله أعلم.\rومن أمثله الاستعارة في السنة النبوية قوله ﵇: \" ضموا مواشيكم حتى تذهب فحمة العشاء \" فاستعار ﷺ للعشاء الفحمة لقصد حسن البيان، لأن الفحمة هاهنا أظهر للحس من الظلمة فإن الظلمة تدرك بحاسة البصر فقط والفحمة تدرك بحاستي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985340,"book_id":6313,"shamela_page_id":18,"part":null,"page_num":100,"sequence_num":18,"body":"البصر واللمس لأنها جسم والظلمة عرض فكان ذكرها أعني الفحمة أحسن بياناً من ذكر الظلمة.\rومن أمثلة الاستعارة الشعرية قول امرئ القيس: طويل\r؟ وليل كموج البحر أرخى سدوله ... علي بأنواع الهموم ليبتلي\rفقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازاً وناء بكلكل\rفإن هذا الشاعر استعار لظلمة الليل السدول المرخاة، لما بين المستعار والمستعار له من اجتماعهما في منع الأبصار من الإبصار، وفائدة هذه الاستعارة نقل الأخفى إلى الأظهر، لأن السدول يدرك بحاستي البصر واللمس، والظلمة تدرك بأحديهما دون الأخرى، ثم تمم بكونه جعل السدول مرخاة لأن ذكرها بدون هذا القيد لا يوفي بالمعنى الذي قصده من منع رؤية ما وراءها، لاحتمال أن تكون مرفوعة، وكذلك قصد في البيت الثاني بقوله تمطي بصلبه ... البيت فإنه أراد وصف الليل بالطول فاستعار له صلباً يتمطى به، إذ كان كل ذي صلب يزيد في طوله عند تمطيه شيء، وبالغ في طوله بأن جعل له أعجازاً يردف بعضها بعضاً، فهو كلما نفد عجز ردفه عجز، فلا تفني أعجازه، ولا تنتهي إلى طرف، كما قيل في قوله تعالى \" لابثين فيها أحقاباً \" قال قتادة: لا انقطاع لها، كلما مضى حقب جاء حقب بعده.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985341,"book_id":6313,"shamela_page_id":19,"part":null,"page_num":101,"sequence_num":19,"body":"وقال الحسن البصري: أما الأحقاب فليس لها عدد إلا الخلود، ثم أراد أن يصف الليل بعد نهاية الطول بالثقل على قلب ساهره، والضغط لمكابده، فاستعار له كلكلاً ينوء به، ولأجل هذه المعاني كانت الاستعارة أبلغ من الحقيقة والعدول إليها أولى لما تعطي من المعاني التي لا تحصل من لفظ الحقيقة.\rوالاستعارة منها كثيف، وهو استعارة الأسماء للأسماء. وكل ما مر من الأمثلة غير الآية الأخيرة فهو شاهد لها.\rولطيف، وهو استعارة الأفعال للأسماء كقول الله تعالى: \" فما بكت عليهم السماء والأرض \" وكقول أبي تمام بسيط\rمن كل ممكورة ذاب النعيم لها ... ذوب الغمام فمنهل ومنسكب","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985342,"book_id":6313,"shamela_page_id":20,"part":null,"page_num":102,"sequence_num":20,"body":"؟\r\rباب التجنيس\rحد الرماني التجنيس بأن قال: هو بيان المعاني بأنواع من الكلام يجمعها أصل واحد من اللغة، وجعله قسمين: جناس مزاوجة، وجناس مناسبة، فالمزاوجة كقوله تعالى: \" فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم \" وكقول عمرو بن كلثوم وافر:\rألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا\rوالمناسبة كقوله سبحانه: \" يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار \" وأما قدامة وابن المعتز وإن اختلفا في تسمية هذا الباب فقد اتفقا على","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985343,"book_id":6313,"shamela_page_id":21,"part":null,"page_num":103,"sequence_num":21,"body":"معناه، فقال قدامة في حده: هو اشتراك المعاني في ألفاظ متجانسة على جهة الاشتقاق كقول زهير: بسيط\rكأن عيني وقد سال السليل بهم ... وعبرة ما همو لو أنهم أمم\rوهذا الحد بعينه هو تجنيس المناسبة الذي ذكره الرماني، ولولا قول قدامة على جهة الاشتقاق لكان حده بعينه هو حد الرماني المطلق.\rوقال ابن المعتز هو أن تجيء الكلمة مجانسة أختها كقول الله تعالى: \" فأقم وجهك للدين القيم \" وكقول النعمان بن بشير لمعاوية: طويل:\rألم تبتدركم يوم بدر سيوفنا ... وليلك عما ناب قومك نائم\rوهذا بعينه هو تجنيس المناسبة من جهة الاشتقاق ولم يخرج من جاء بعد هؤلاء عما حدوه به، لكنهم فرعوه ثمانية فروع، وعلى هذا التفريع أكثر المتأخرين سوى التبريزي، فإنه نقص من هذه الأقسام أربعة وأثبت أربعة، وخلط في الشواهد، وغير الأسماء، هذا وإن كان متأخراً عمن قسم التجنيس ثمانية أقسام، واخترع أسماءها، فإني لم أقف على صحة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985344,"book_id":6313,"shamela_page_id":22,"part":null,"page_num":104,"sequence_num":22,"body":"ذلك، ورأيت ابن منقذ قد أتى على الأقسام الثمانية، وفاته قسم تاسع أتى به التبريزي، وسنأتي به في موضعه.\rفمن فروع التجنيس تجنيس التغاير، وهو أن تكون إحدى الكلمتين اسماً، والأخرى فعلاً، وهذا سماه التبريزي التجنيس المطلق، كقوله تعالى: \" إني وجهت وجهي \" وكقوله تعالى: \" أثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة \" وكقول الرسول ﵊: \" عصية عصت الله ورسوله \" و \" غفار غفر الله لها \" و \" أسلم سالمها الله \"، وكقول جرير وافر:\rكأنك لم تسر ببلاد نجد ... ولم تنظر بناظرة الخياما\rوقد فرع التبريزي من هذا القسم ضرباً سماه التجنيس المستوفي، وهو أن تتشابه الكلمتان لفظاً وخطاً، وإحداهما اسم والأخرى فعل، وأنشد فيه قول أبي تمام: كامل\rما مات من كرم الزمان فإنه ... يحيا لدى يحيى بن عبد الله\rوهذا الفرع وإن وضعت له تسمية تخالف تسميات الأقسام الثمانية،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985345,"book_id":6313,"shamela_page_id":23,"part":null,"page_num":105,"sequence_num":23,"body":"وكانت له صورة مثاله غير صور الأمثلة، فإنه داخل في القسم الذي إحدى كلمتيه اسم والأخرى فعل، فلذلك لم يعتد به قسماً مستقلاً.\rوتجنيس التماثل، وهو أن يكون الكلمتان اسمين أو فعلين، وهو على ضربين: ضرب تتماثل فيه الكلمتان سواء كانتا اسمين أم فعلين في اللفظ والخط كقول الشاعر: خفيف:\rعينه تقتل النفوس وفوه ... منه تحيى عين الحياة النفوسا\rوضرب لا تتماثل فيه الكلمتان إلا من جهة الاشتقاق، سواء أكانتا اسمين أم فعلين، كقوله تعالى \" فروح وريحان \" وقوله سبحانه: \" وجنى الجنتين دان \" وكقول رسول الله ﷺ: \" الظلم ظلمات \" وكقوله ﵇: \" أسلم تسلم \" وكقول البحتري وافر:\rنسيم الروض في ريح شمال ... وصوب المزن في راح شمول\rوهذان التجنيسان أعني التغاير والتماثل فرعان من التجنيس الذي أصله قدامة وابن المعتز، وباقي الثمانية استخرجها المتأخرون بالاستقراء، وهي تجنيس التصحيف، ولم يذكره التبريزي في أقسام التجنيس، وجعل التصحيف باباً مفرداً، تجنيس التصحيف وهو أن يكون النقط فارقاً بين الكلمتين كقوله تعالى:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985346,"book_id":6313,"shamela_page_id":24,"part":null,"page_num":106,"sequence_num":24,"body":"\" وهم يحسبون أنهم يحسنون \" وكقوله ﷺ: \" لعله كان يتكلم بما لا يعنيه ويتحلى بما لا يغنيه \" وكقول البحتري: طويل\rولم يكن المغتر بالله إذ سرى ... ليعجز والمعتز بالله طالبه\rوتجنيس التحريف، وهو أن يكون الشكل فارقاً بين الكلمتين أو بعضهما، وهذا أيضاً لم يذكره التبريزي، ومثاله قوله سبحانه: \" إن ربهم بهم \" وقوله تعالى: \" ولكنا كنا مرسلين \" وأما قوله سبحانه: \" ولقد أرسلنا فيهم منذرين فانظر كيف كان عاقبة المنذرين \" فهو الغاية التي لا تدرك وكقول الرسول ﷺ: \" الظلم ظلمات \" وكقول أبي تمام: كامل\rهن الحمام فإن كسرت عيافة ... من حائهن فإنهن حمام\rوهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم تبدل فيه الحركة بالحركة وقسم تبدل فيه الحركة بالسكون، وقسم يبدل فيه التخفيف بالتشديد، مثال الأول قول الشاعر:\rجبة البرد جنة البرد\rوالبرد والبرد أردت.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985347,"book_id":6313,"shamela_page_id":25,"part":null,"page_num":107,"sequence_num":25,"body":"ومثال الثاني قولهم: البدعة شرك الشرك.\rومثال الثالث قولهم: الجاهل إما مفرط وإما مفرط والآيات الثلاث من القسم الأول، والحديث من الثاني، والبيت من الأول أيضاً.\rوتجنيس التصريف مما لم يذكره التبريزي أيضاً، وهو اختلاف صيغة الكلمتين بإبدال حرف من حرف إما من مخرجه أو من قريب منه، كقوله تعالى: \" وهم ينهون عنه وينأون عنه \" وكقول الرسول ﵇ \" الخيل معقود بنواصيها الخير \".\rوكقول الشاعر: بسيط\rلا يذكر الرمل إلا حن مغترب ... له بذي الرمل أوطار وأوطان\rوتجنيس الترجيع، وهو الذي سماه التبريزي التجنيس الناقص، وسماه قوم تجنيس التذييل، وهو على الحقيقة الذي يوجد في إحدى كلمتيه حرف لا يوجد في الأخرى، وجميع حروف الأخرى موجود في الأولى، وقسم في وسطها وقسم في آخرها: مثال الأول قوله تعالى: \" والتفت الساق بالساق إلى ربك يومئذ المساق \" ومثال الثاني قولهم: من جد وجد، ومثال الثالث البيت الذي ذكر لأبي تمام وهو قوله: \" يمدون من أيد \" البيت.\rوقد تكون الزيادة حرفين: فإما أن يقعا في أول الكلمة ويكونا متقاربين","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985348,"book_id":6313,"shamela_page_id":26,"part":null,"page_num":108,"sequence_num":26,"body":"كقولهم: ليل دامس، وطريق طامس، وإما أن يقعا في وسطها كقولهم: ما خصصتني بل خسستني. أو آخر الكلمة ويكونا متباعدين كقولهم: سالب وساكب. أو متقاربين كقولهم: شاحب وشاغب.\rومن القسم الذي توسط في هذا الحرف الواحد قوله تعالى: \" وإنه على ذلك لشهيد، وإنه لحب الخير لشديد \" وقالوا: هو الذي يرجع فيه لفظ الكلمة الأولى في الكلمة الأخرى، كقول أبي تمام: طويل\rيمدون من أيد عواص عواصم ... تصول بأسياف قواض قواضب\rوعندي أن تسميته تجنيس التداخل لدخول إحدى الكلمتين في الأخرى أو تجنيس التضمين لتضمن إحدى الكلمتين لفظ الأخرى أولى بالاشتقاق، إذ لا معنى لقولهم: يرجع لفظ إحدى الكلمتين في لفظ الأخرى لأن ظاهر الرجوع يؤذن بذهاب قبله ولا ذهاب، أو كما قالوا: تجنيس التذييل وتجنيس العكس، وهو مما لم يذكره التبريزي، وتعريفه أن تكون إحدى الكلمتين عكس الأخرى بتقديم بعض حروفها على بعض: كقوله تعالى: \" أن تقول فرقت بين بني إسرائيل \" وكقول عبد الله بن رواحة يمدح رسول الله ﷺ: بسيط\rتحمله الناقة الأدماء معتجراً ... بالبرد كالبدر جلى ليلة الظلم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985349,"book_id":6313,"shamela_page_id":27,"part":null,"page_num":109,"sequence_num":27,"body":"وفي عطافيه أو أثناء بردته ... ما يعلم الله من دين ومن مكرم\rوكقول البحتري: طويل\rإذا احتربت يوماً فغاضت دماؤها ... تذكرت القربى ففاضت دموعها\rشواجر أرماح تقطع بينهم ... شواجر أرحام ملوم قطوعها\rأخذ البحتري معنى البيت الأول من رجل من بني عقيل، وقصر حيث قال: وافر\rونبكي حين نقتلكم عليكم ... ونقتلكم كأنا لا نبالي\rوالبيت الثاني من بيتي البحتري أردت.\rوتجنيس التركيب مما لم يذكره التبريزي، وهو أن تركب كلمة من كلمتين ليماثل بها كلمة مفردة في الهجاء واللفظ، وهو قسمان: قسم تتشابه الكلمتان فيه لفظاً وخطاً، وقسم يتشابهان فيه لفظاً لا خطاً. فالأول كقول القائل: مجزوء الكامل\rيا من تدل بوجنة ... وأنامل من عندم\rكفى جعلت لك الفدا ... ألحاظ عينك عن دمي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985350,"book_id":6313,"shamela_page_id":28,"part":null,"page_num":110,"sequence_num":28,"body":"وكقول الآخر: متقارب\rإذا ملك لم يكن ذاهبه ... فدعه فدولته ذاهبه\rومثال الثاني قول الشاعر: رمل مجزوء\rكلكم قد أخذ الجا ... م ولا جام لنا\rوما الذي ضر مدير ال ... جام لو جاملنا\rوالأبيات الأولى من القسم الأول، والأخرى من القسم الثاني.\rفهذه أقسام التجنيس الثمانية.\rوأما القسم الذي جعلته لها تاسعاً، وهو الذي ذكره التبريزي وسماه التجنيس المضاف، وأنشد فيه قول البحتري: وافر\rأيا قمر التمام أعنت ظلماً ... على تطاول الليل التمام\rفهو مع قطع النظر عن الإضافة من تجنيس التحريف، لكن هو قسم قائم بذاته، لاتصال المضاف بالمضاف إليه. والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985351,"book_id":6313,"shamela_page_id":29,"part":null,"page_num":111,"sequence_num":29,"body":"باب الطباق\rالطباق اللغوي الذي أخذ منه الصناعي هو قول العرب: طابق البعير في مشيه إذا وضع خف رجله موضع خف يده، وقد رد ابن الأثير على كل من ألف في الصناعة هذا الباب، وقال: إن الجمع من تسميتهم الضدين في هذا الباب خطأ محض، لأن أصل الاشتقاق يقتضي الموافقة لا المضادة، وهو أولى بالخطإ منهم، لأن القوم رأوا أن البعير قد جمع بين الرجل واليد في موطئ واحد، والرجل واليد ضدان، أو في معنى الضدين، فرأوا أن الكلام الذي قد جمع فيه بين الضدين يحسن أن يسمى مطابقاً لأن المتكلم به قد طابق فيه بني الضدين، وهو على ضربين: ضرب يأتي بألفاظ الحقيقة، وضرب يأتي بألفاظ المجاز، فما كان منه بلفظ الحقيقة سمي طباقاً، وما كان بلفظ المجاز سمي تكافؤاً، فمثال التكافؤ قول أبي الشغب العبسي من إنشادات قدامة كامل:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985352,"book_id":6313,"shamela_page_id":30,"part":null,"page_num":112,"sequence_num":30,"body":"حلو الشمائل وهو مر باسل ... يحمي الذمار صبيحة الإرهاق\rومن أمثلة التكافؤ قول ابن رشيق: طويل\rوقد أطفأوا شمس النهار وأوقدوا ... نجوم العوالي في سماء عجاج\rلما كان قوله \" حلو \" و \" مر \" خارجاً مخرج الاستعارة إذ ليس الإنسان ولا شمائله مما يذاق بحاسة الذوق، كان هذا تكافؤاً.\rوكل أمثلة التكافؤ صالحة لأن تكون أمثلة لباب المقارنة من الأبواب التي استنبطتها، وستأتي في آخر الكتاب.\rوأما الطباق الذي يأتي بألفاظ الحقيقة فقد قسموه إلى ثلاثة أقسام: طباق الإيجاب، وطباق السلب، وطباق الترديد.\rفمثال طباق الإيجاب قوله تعالى \" وأنه هو أضحك وأبكى، وأنه هو أمات وأحيى \"، وكقول الرسول ﷺ للأنصار ﵃: \" إنكم لتكثرون عند الفزع، وتقلون عند الطمع \"، فانظروا إلى فضل هذه العبارة كيف أتت المناسبة التامة فيها ضمن المطابقة.\rوكقول علي كرم الله وجهه: من رضي عن نفسه كثر من يسخط عليه، وكقول دعبل الخزاعي: كامل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985353,"book_id":6313,"shamela_page_id":31,"part":null,"page_num":113,"sequence_num":31,"body":"لا تعجبي يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى\rوهذا البيت مع سهولة سبكه وخفة ألفاظه وكثرة الماء في جملته قد جمع بين لفظي التكافؤ والطباق معاً، لأن ضحك المشيب مجاز، وبكاء الشاعر حقيقة، وكقول الفرزدق وهو من إنشادات ابن المعتز: كامل\rلعن الإله بني كليب إنهم ... لا يغدرون ولا يفون لجار\rيستيقظون إلى نهيق حمارهم ... وتنام أعينهم عن الأوتار\rغير أن هذين البيتين من أفضل شعر سمعته في هذا الباب، لأنهما جمعا بين طباقي السلب والإيجاب، ووقع فيهما مع الطباق تكميل لم يقع مثله في باب التكميل، لأن هذا الشاعر لما وصف هؤلاء القوم بالضعف حيث قال: \" لا يغدرون \" وعلم أنه لو اقتصر على ذلك احتمل الكلام ضرباً من المدح، إذ تجنب الغدر قد يكون عن ضعف وعن عفة، أتى بصريح الهجاء ليدل بذلك على أنه أراد بكلامه الأول محض الهجاء، واقتضت الصناعة أن يأتي بذلك في لفظ ينتظم به وبما بعده طباق، فقال: \" ولا يفون لجار \" فتكمل الهجاء، إذ سلبهم الغدر والعجز والوفاء للؤم وحصل في البيت","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985354,"book_id":6313,"shamela_page_id":32,"part":null,"page_num":114,"sequence_num":32,"body":"مع الطباق والتكميل الدالين على غاية الهجاء إيغال حسن، لأنه لو اقتصر على قوله \" لا يغدرون ولا يفون \" تم له القصد الذي أراده، وحصل المعنى الذي قصده، لكنه لما احتاج إلى القافية ليصير الكلام شعراً أفاد بها معنى زائداً حيث قال: \" لجار \" لأن الغدر بالجار أشد قبحاً من الغدر بغيره فإن قيل: لعنة الشاعر لهم في أول كلامه تدل على أنه أراد بقوله: \" لا يغدرون \" الهجاء فبطل، تأويله.\rقلت: ظاهر الغدر القبح، وإنما يستحسن إذا أريد به وصف فاعله بالقدرة وهو من مذهب الجاهلية والشعر الإسلامي، فيحتمل منه لعنه لهم إذا حلمنا نفي الغدر عنهم على صفة المدح أنه أراد باللعنة المبالغة في استحسان ما وصفهم به، فإن من مذهب العرب ذلك، ألا تراهم كانوا يسمون نوادر الأشعار كالمعلقات وأمثالها المخازي والملاعن، لأن سامعها يقول: أخزاه الله ما أشعره، ولعنه الله ما أصدقه.\rوطباق السلب، وهو أن يأتي المتكلم بجملتين أو كلمتين، إحداهما موجبة والأخرى منفية، وقد تكون الكلمتان منفيتين، وقد تقدم في شعر الفرزدق مثال ما وقع في الكلمتان منفيتين، وأما ما وقعت فيه إحدى الكلمتين منفية والأخرى موجبة فمثاله قول بشر بن هارون وقد ظهر منه فرح عند الموت، وقيل له: أتفرح بالموت؟ فقال: ليس قدومي على خالق أرجوه كمقامي مع مخلوق لا أرجوه، وقد نظم منصور الفقيه هذا المعنى فقال كامل:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985355,"book_id":6313,"shamela_page_id":33,"part":null,"page_num":115,"sequence_num":33,"body":"قد قلت إذ مدحوا الحياة فأطنبوا ... في الموت ألف فضيلة لا توصف\rمنها أمان لقائه بلقائه ... وفراق كل معاشر لا ينصف\rومن أمثلة القسم الثاني من طباق السلب قول البحتري: طويل\rيقيض لي من حيث لا أعلم الهوى ... ويسري إلى الشوق من حيث أعلم\rوطباق الترديد، وهو أن يرد آخر الكلام المطابق على أوله، فإن لم يكن الكلام مطابقاً فهو رد الأعجاز على الصدور، ومثاله قول الأعشى بسيط\rلا يرقع الناس ما أوهوا وإن جهدوا ... طول الحياة ويوهون ما رقعوا\rوقد يقع في الطباق ما هو معنوي، كقوله تعالى: \" إن أنتم إلا تكذبون، قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون \"، معناه ربنا يعلم إنا لصادقون، والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985356,"book_id":6313,"shamela_page_id":34,"part":null,"page_num":116,"sequence_num":34,"body":"باب رد الأعجاز على الصدور\rوهو الذي سماه المتأخرون التصدير، وقد قسمه ابن المعتز ثلاثة أقسام الأول ما وافق آخر كلمة في البيت آخر كلمة في صدره، أو كانت مجانسة لها كقول الشاعر: كامل\rيلفي إذا ما كان يوم عرمرم ... في جيش رأى لا يفل عرمرم\rوالثاني ما وافق آخر كلمة من البيت أول كلمة منه كقول الآخر: طويل\rسريع إلى ابن العم يشتم عرضه ... وليس إلى داعي الندى بسريع\rوالثالث ما وافق آخر كلمة من البيت بعض كلماته في أي موضع كان، كقول الشاعر طويل:\rسقى الرمل جون مستهل غمامه ... وما ذاك إلا حب من حل بالرمل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985357,"book_id":6313,"shamela_page_id":35,"part":null,"page_num":117,"sequence_num":35,"body":"هكذا عرف ابن المعتز هذا القسم الثالث من التصدير، وهو عندي مدخول التعريف من أجل قوله: ما وافق آخر كلمة من البيت بعض كلماته في أي موضع كانت، فإنها لو كانت في العجز لم يسم تصديراً لأن اشتقاق التصدير من صدر البيت، فلا بد من زيادة قيد في التعريف يسلم به من الدخل بحيث يقول: بعض كلمات البيت في أي موضع كانت من حشو صدره. وأظن ابن المعتز اتكل في ذلك على البيت الذي جاء به مثالاً ولا ألوم ابن المعتز. وهذا ابن الخطيب على تأخر زمانه وإطلاعه لأجل التأخر على أكثر ما قيل. وتقدمه في الفضائل قد جاء على بعض أقسام التصدير بقول الشاعر طويل:\rوإن لم يكن إلا معرس ساعة ... قليلاً فإني نافع لي قليلها\rولم يضع ابن المعتز لهذه الأقسام اسماً يعرف بعضها من بعض، والذي يحسن أن نسمي به القسم الأول تصدير التقفية، والثاني تصدير الطرفين والثالث تصدير الحشو. وقد وقع من التصدير في الكتاب العزيز قوله تعالى: \" ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون \" وقوله تعالى: \" وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين \" وفي السنة النبوية من ذلك قوله عليه السلام","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985358,"book_id":6313,"shamela_page_id":36,"part":null,"page_num":118,"sequence_num":36,"body":"وقد رأى أبا مسعود البدري يضرب عبداً له. \" أبا مسعود، لله عليك أقدر منك عليه \" وهذه الأقسام الثلاثة فيما الكلام فيه موجب. وفي التصدير قسم رابع ذهب عنه ابن المعتز، وهو يأتي فيما الكلام فيه منفي، واعتراض فيه إضراب عن أوله كقول الشاعر: طويل\rفإنك لم تبعد على متعهد ... بلى كل من تحت التراب بعيد\rوقد جاء قدامة من التصدير بنوع آخر غير ما ذكرنا، وسماه التبديل وهو أن يصير المتكلم الآخر من كلامه أولاً وبالعكس، كقولهم: اشكر لمن أنعم عليك، وأنعم على من شكرك، ولم أقف لهذا القسم على شاهد شعري فقلت: منسرح.\rاصبر على خلق من تعاشره ... واصحب صبوراً على أذى خلقك\rولم يفرد له قدامة باباً فأذكره في أبوابه. والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985359,"book_id":6313,"shamela_page_id":37,"part":null,"page_num":119,"sequence_num":37,"body":"باب المذهب الكلامي\rالمذهب الكلامي عبارة عن احتجاج المتكلم على المعنى المقصود بحجة عقلية تقطع المعاند له فيه، لأنه مأخوذ من علم الكلام الذي هو عبارة عن إثبات أصول الدين بالبراهين العقلية وهو الذي نسبت تسميته إلى الجاحظ، وزعم ابن المعتز أنه لا يوجد في الكتاب العزيز، وهو محشو منه، ومنه فيه قوله تعالى حكاية عن الخليل ﵇: \" وحاجة قومه \" إلى قوله ﷿: \" وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه \" وقوله تعالى: \" أوليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى \" وقوله سبحانه: \" لو كان فيما آلهة إلا الله لفسدتا \" وقوله: \" قل يحييها الذي أنشأها أول مرة \" ومن هذا الباب نوع منطقي، وهو استنتاج النتيجة من مقدمتين، فإن أهل هذا العلم قد ذكروا أن من أول سورة الحج إلى قوله: \" وأن الله يبعث من في القبور \"","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985360,"book_id":6313,"shamela_page_id":38,"part":null,"page_num":120,"sequence_num":38,"body":"منطو على خمس نتائج من عشر مقدمات، فالمقدمات من أول السورة إلى قوله تعالى: \" وأنبتت من كل زوج بهيج \" والنتائج من قوله تعالى: \" ذلك بأن الله هو الحق \" إلى قوله: \" وأن الله يبعث من في القبور \" وتفصيل ترتيب المقدمات والنتائج أن يقال: الله أخبر أن زلزلة الساعة شيء عظيم، وخبره هو الحق، وأخبر عن المغيب بالحق، فهو حق فالله هو الحق، والله يأتي بالساعة على تلك الصفات، ولا يعلم صدق الخبر إلا بإحياء الموتى، ليدركوا ذلك، ومن يأتي بالساعة يحيي الموتى فهو يحيي الموتى، وأخبر أن يجعل الناس من هول الساعة سكارى لشدة العذاب ولا يقدر على عموم الناس بشدة العذاب إلا من هو على كل شيء قدير فالله على كل شيء قدير، وأخبر أن الساعة يجازي فيا من يجادل في الله بغير علم، ولا بد من مجازاته، ولا يجازي حتى تكون الساعة آتية.\rولا تأتي الساعة حتى يبعث من في القبور فهو يبعث من في القبور وأن الله ينزل الماء على الأرض الهامدة فتنبت من كل زوج بهيج والقادر على إحياء الأرض بعد موتها يبعث من في القبور، وأن الله يبعث من في القبور. وقد ساق الرماني في الضرب الخامس من باب المبالغة أن إعجازه إخراج الكلام مخرج الشك للمبالغة في العدل، للاحتجاج بقوله تعال: \" قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين \" وقوله سبحانه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985361,"book_id":6313,"shamela_page_id":39,"part":null,"page_num":121,"sequence_num":39,"body":"\" وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه \" ونظائر هذه الآيات، ومن ذلك في الشعر قول النابغة يعتذر إلى النعمان: طويل\rحلفت فلم أترك لنفسي ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب\rلئن كنت قد بلغت عني خيانة ... لمبلغك الواشي أغشى وأكذب\rولكنني كنت امرأ لي جانب ... من الأرض فيه مستراد ومذهب\rملوك وإخوان إذا ما مدحتهم ... أحكم في أموالهم وأقرب\rكفعلك في قوم أراك اصطنعتهم ... فلم ترهم في مدحهم لك أذنبوا\rفانظر إلى حذق الشاعر في الاحتجاج بقوله لهذا الملك: أنت أحسنت إلى قوم فمدحوك، وأنا أحسن إلى قوم فمدحتهم، فكما أن مدح أولئك لا يعد ذنباً فكذلك مدحي لمن أحسن إلي لا يعد ذنباً.\rومن هذا الباب قول الفرزدق: طويل\rلكل امرئ نفسان: نفس كريمة ... ونفس يعاصيها الفتى ويطيعها\rونفسك من نفسيك تشفع للندى ... إذا قل من أحرارهن شفيعها\rيقول هذا الشاعر: لكل إنسان نفسان: مطمئنة تأمر بالخير، وأمارة تأمر بالشر، والإنسان يعاصي الأمارة مرة ويطيعها أخرى، وأنت أيها الممدوح نفسك الأمارة إذا أمرتك بترك الندى شفعت المطمئنة إلى الأمارة في الندى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985362,"book_id":6313,"shamela_page_id":40,"part":null,"page_num":122,"sequence_num":40,"body":"في الحالة التي يقل الشفيع في الندى من النفوس، فأنت أكرم الناس ومن هذا الباب أيضاً قول ابن المعتز: مديد\rكيف لا يخضر عارضه ... ومياه الحسن تسقيه\rكأنه قال: كل نبت يسقى فهو أخضر، وشارب هذا الغلام نبت ومياه الحسن تسقيه، فيكف لا يخضر وعلى هذا فقس.\rومن هذا الباب جواب سؤال مقدر، كقوله تعالى: \" وما كان استغفار إبراهيم لأبيه \": الآية، لأن التقدير أن قائلاً قال بعد قوله تعالى: \" ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين \" الآية، فقد استغفر إبراهيم لأبيه، فأخبر بقوله: \" وما كان استغفار إبراهيم \" الآية والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985363,"book_id":6313,"shamela_page_id":41,"part":null,"page_num":123,"sequence_num":41,"body":"باب الالتفات\rفسر قدامة الالتفات بأن قال: هو أن يكون المتكلم آخذاً في معنى فيعترضه إما شك فيه، أو ظن أن راداً يرده عليه، أو سائلاً يسأله عن سببه، فيلتفت إليه بعد فراغه منه فإما أن يجلي الشك فيه أو يؤكده، أو يذكر سببه كقول الرماح بن ميادة طويل.\rفلا صرمه يبدو ففي اليأس راحة ... ولا وصله يبدو لنا فنكارمه\rفكأن هذا الشاعر توهم أن قائلاً يقول له: وما تصنع بصرمه، فقال: لأن في اليأس راحة.\rوأما ابن المعتز فقال: الالتفات انصراف المتكلم عن الإخبار إلى المخاطبة، ومثاله من القرآن العزيز قوله تعالى بعد الإخبار بأن الحمد لله رب العالمين: \" إياك نعبد وإياك نستعين \" وكقوله سبحانه: \" إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين \" وكقوله","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985364,"book_id":6313,"shamela_page_id":42,"part":null,"page_num":124,"sequence_num":42,"body":"تعالى: \" ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم \" ومثال ذلك من الشعر قول جرير وافر:\rمتى كان الخيام بذي طلوح ... سقيت الغيث أيتها الخيام\rأو انصراف المتكلم عن الخطاب إلى الإخبار كقوله تعالى: \" حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة \" ومثال ذلك من الشعر قول عنترة كامل:\rولقد نزلت فلا تظني غيره ... مني بمنزلة المحب المكرم\rثم قال يخبر عن هذه المخاطبة بقوله: كامل\rكيف المزار وقد تربع أهلها ... بعنيزتين وأهلنا بالغيلم\rأو انصراف المتكلم من الإخبار إلى التكلم كقوله تعالى: \" والله الذي أرسل الرياح فتثير سحاباً فسقناه أو انصراف المتكلم من التكلم إلى الإخبار كقوله تعالى: \" إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز \" وقد جمع امرؤ القيس الالتفاتات الثلاثة في ثلاثة أبيات متتاليات، وهي قوله: متقارب\rتطاول ليلك بالأثمد ... ونام الخلي ولم ترقد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985365,"book_id":6313,"shamela_page_id":43,"part":null,"page_num":125,"sequence_num":43,"body":"وبات وباتت له ليلة ... كليلة ذي العائر الأرمد\rوذلك من نبأ جاءني ... وخبرته عن أبي الأسود\rفخاطب في البيت الأول، وانصرف عن الخطاب إلى الإخبار في البيت الثاني وانصرف عن الإخبار إلى التكلم في البيت الثالث على الترتيب.\rوفي الالتفات نوع غير النوعين المتقدمين، وهو أن يكون المتكلم آخذاً في معنى فيمر فيه إلى أن يفرغ من التعبير عنه على وجه ما، فيعرض له أنه متى اقتصر على هذا المقدار كان معناه مدخولاً من وجه غير الوجه الذي بنى معناه عليه فيلتفت إلى الكلام، فيزيد فيه ما يخلص معناه من ذلك الدخل، كقول شاعر الحماسة: طويل\rفإنك لم تبعد على متعهد ... بلى كل من تحت التراب بعيد\rفإن هذا الشاعر بني معناه على أن المقبور قريب من الحي الذي يريد تعاهده بالزيارة، إذ القبور بأفنية البيوت غالباً، فلما فرغ من العبارة عن معناه الذي قدره على هذا التقدير، عرض له كأن قائلاً يقول له: وأي قرب بين الميت المدفون تحت التراب والحي، فالتفت متلافياً هذا الغلط بقوله:\r.................. بلى كل من تحت التراب بعيد\rكأن هذا الشاعر بنى معناه على أن المقبور إلى بعد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985366,"book_id":6313,"shamela_page_id":44,"part":null,"page_num":126,"sequence_num":44,"body":"والفرق بين الاحتراس والالتفات أن الاعتراض والانفصال يكونان في بيت واحد، وفي بيتين، وفي آية، وفي آيتين، والالتفات لا يكونان فيه إلا في بيت واحد وآية واحدة. والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985367,"book_id":6313,"shamela_page_id":45,"part":null,"page_num":127,"sequence_num":45,"body":"باب التمام\rوهو الذي سماه الحاتمي التتميم، وسماه ابن المعتز قبله: اعتراض كلام في كلام لم يتم معناه، ثم يعود المتكلم فيتمه، وشرح حده: أنه الكلمة التي إذا طرحت من الكلام نقص حسن معناه أو مبالغته، مع أن لفظه يوهم بأنه تام، وهو على ضربين: ضرب في المعاني وضرب في الألفاظ: فالذي في المعاني هو تتميم المعنى، والذي في الألفاظ هو تتميم الوزن، والأول هو الذي قدمنا حده ومجيئه على وجهين للمبالغة والاحتياط، ويجئ في المقاطع كما يجئ في الحشو، مثل قوله تعالى: \" وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين \" فجاءت الفاصلة كلها تتميماً، لأن المعنى ناقص بدونها، لكنه متى جاء في المقاطع سمي إيغالاً، ويكثر مجيئه في الحشو ومثاله قوله سبحانه \" من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة \" فقوله تعالى: \" من ذكر أو أنثى \"، تتميم، وقوله: \" وهو مؤمن \" تتميم ثان في غاية","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985368,"book_id":6313,"shamela_page_id":46,"part":null,"page_num":128,"sequence_num":46,"body":"البلاغة التي بذكرها تم معنى الكلام، وجرى على الصحة، ولو حذفت هاتان الجملتان نقص معناه واختل من حسن البيان.\rمن هذا القسم قول الرسول ﵊: \" ما من عبد مسلم يصلي لله كل يوم اثنتي عشرة ركعة من غير الفريضة إلا بنى الله له بيتاً في الجنة \" فوقع التتميم في هذا الحديث في أربعة مواضع: منها قوله: مسلم، وقوله: لله، وقوله: كل يوم، وقوله: من غير الفريضة، ومن أناشيد قدامة على هذا القسم قول الشاعر طويل:\rأناس إذا لم يقبل الحق منهم ... ويعطوه عاذوا بالسيوف القواضب\rفقوله: ويعطوه تتميم في غاية الحسن، وهذا شاهد ما جاء منه للاحتياط، ومثال ما جاء للمبالغة قول زهير بسيط\rمن يلق يوماً على علاته هرماً ... يلق السماحة من والندى خلقاً\rفقوله على علاته تتميم جاء للمبالغة، وشاهده من كتاب الله تعالى قوله ﷿: \" ويطعمون الطعام على حبه \" إن عاد الضمير على الطعام، وإن عاد على اسم الله فهو للاحتياط.\rوأما الذي في الألفاظ فهو الذي يؤتى به لإقامة الوزن، بحيث لو طرحت","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985369,"book_id":6313,"shamela_page_id":47,"part":null,"page_num":129,"sequence_num":47,"body":"الكلمة استقل معنى البيت بدونها، وهي على ضربن أيضاً: كلمة لا يفيد مجيئها إلا إقامة الوزن فقط، وأخرى تفيد مع إقامة الوزن ضرباً من المحاسن، والأولى من العيوب، والثانية من النعوت، وهذا موضع الثانية لا الأولى، ومثالها قول المتنبي كامل:\rوخفوق قلب لو رأيت لهيبه ... يا جنتي لرأيت فيه جهنما\rفإنه جاء بقوله: \" يا جنتي \" لإقامة الوزن، وقصدها دون غيرها مما يسد مسدها ليكون بينها وبين قافية البيت مطابقة لو كان موضعها غيرها لم تحصل، والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985370,"book_id":6313,"shamela_page_id":48,"part":null,"page_num":130,"sequence_num":48,"body":"باب الاستطراد\rذكر الحاتمي في حلية المحاضرة أنه نقل هذه التسمية عن البحتري الشاعر، وهو الذي سماه ابن المعتز الخروج من معنى إلى معنى، وفسره بأن قال: هو أن يكون المتكلم في معنى فيخرج منه بطريق التشبيه أو الشرط أو الإخبار أو غير ذلك إلى معنى آخر يتضمن مدحاً أو قدحاً أو وصفاً أو غير ذلك، ورأيت غالب وقوعه في الهجاء، وإن وقع في غيره ولا بد من ذكر المستطرد به باسمه، بشرط ألا يكون جرى له ذكر في الكلام قبل ذلك، ومن أمثلته في الكتاب العزيز قوله تعالى: \" ألا بعداً لمدين كما بعدت ثمود \" ومن أمثلته الشعرية قول حسان بن ثابت: كامل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985371,"book_id":6313,"shamela_page_id":49,"part":null,"page_num":131,"sequence_num":49,"body":"إن كنت كاذبة التي حدثتني ... فنجوت منجا الحارث بن هشام\rترك الأحبة أن يقاتل دونهم ... ونجا برأس طمرة ولجام\rفهاذ ما وقع من الاستطراد في الهجاء.\rوأما ما جاء منه في المدح والهجاء معاً فقول بكر بن النطاح طويل:\rعرضت عليها ما أرادت من المنى ... لترضى فقالت قم فجئني بكوكب\rفقلت لها هذا التعنت كله ... كمن يتشهى لحم عنقاء مغرب\rسلي كل شيء يستقيم طلابه ... ولا تذهبى يا بدر بي كل مذهب\rفأقسم لو أصبحت في عز مالك ... وقدرته أعيا بما رمت مطلبي\rفتى شقيت أمواله بنواله ... كما شقيت بكر بأرماح تغلب\rوهذا أبدع استطراد سمعته في عمري، فإنه قد جمع أحسن قسم وأبدع تخلص، وأرشق استطراد، وتضمن مدح الممدوح بالكرم، وقبيلته بالشجاعة والظفر، وهجاء أعدائهم بالضعف والخور، وهذا لم يتفق لمن قبله ولا لمن بعده إلى وقتنا هذا.\rومن ظريف الاستطراد وغريبه قول بعضهم وأتى بالاستطراد في المجون وهو غريب جداً خفيف:\rاكشفي وجهك الذي أوحلتني ... فيه من قبل كشفه عيناك","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985372,"book_id":6313,"shamela_page_id":50,"part":null,"page_num":132,"sequence_num":50,"body":"غلطي في هواك يشبه عندي ... غلطي في أبي علي بن زاكي\rوأحسب أن أول من استطرد بالهجاء السموءل حيث يقول طويل:\rوإنا أناس لا نرى القتل سبة ... إذا ما رأته عامر وسلول\rوفي النسيب امرؤ القيس حيث قال كامل:\rعوجاً على الطلل المحيل لعلنا ... نبكي الديار كما بكى ابن حمام","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985373,"book_id":6313,"shamela_page_id":51,"part":null,"page_num":133,"sequence_num":51,"body":"باب تأكيد المدح بما يشبه الذم\rأنشد ابن المعتز فيه قول النابغة الذبياني: طويل\rولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب\rوقول النابغة الجعدي طويل:\rفتى كملت أخلاقه غير أنه ... جواد فما يبقى من المال باقيا\rفتى تم فيه ما يسر صديقه ... على أن فيه ما يسوء الأعاديا\rوقد رأيت لابن المغربي الوزير مما هو داخل في هذا الباب ما يروق السامع، وهو قوله طويل:\rويعدل في شرق البلاد وغربها ... على أنه للسيف والمال ظالم\rورأيت أحسن من هذا لبعضهم، وهو طويل:\rولا عيب فينا غير أن سماحنا ... أضر بنا والبأس من كل جانب","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985374,"book_id":6313,"shamela_page_id":52,"part":null,"page_num":134,"sequence_num":52,"body":"فأفنى الردى أعمارنا غير ظالم ... وأفنى الندى أموالنا غير عائب\rأبونا أب لو كان للناس كلهم ... أباً واحداً أغناهم بالمناقب\rوقد خلط المتأخرون باب الاستثناء بهذا الباب، وكنت أرى أنهما باب واحد، إلى أن نبهني عليه عند قراءته من ألفت له هذا الكتاب، فرأيت إفراده منه، وسيأتي في موضعه بعد الفراغ من أبواب ابن المعتز وقدامة إن شاء الله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985375,"book_id":6313,"shamela_page_id":53,"part":null,"page_num":135,"sequence_num":53,"body":"باب تجاهل العارف\rوقد سماه من بعد ابن المعتز الإعنات، وهو سؤال المتكلم عما يعلمه حقيقة تجاهلاً منه به ليخرج كلامه مخرج المدح أو الذم، أو ليدل على شدة التدله في الحب، أو لقصد التعجب، أو التقرير، أو التوبيخ، وهو على قسمين: قسم يكون الاستفهام فيه عن شيئين أحدهما واقع والآخر غير واقع، وقد ينطق بأحد الشيئين ويسكت عن الآخر لدلالة الحال عليه.\rوهو على قسمين: موجب، ومنفي.\rوقد جاء منه في الكتاب العزيز ما لا يلحق سبقاً، كقوله تعالى: \" أبشراً منا واحداً نتبعه \" فهذا خارج مخرج التعجب، وقوله سبحانه: \" أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء \" وهذا خارج مخرج التوبيخ، وقوله ﷿: \" أأنت قلت","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985376,"book_id":6313,"shamela_page_id":54,"part":null,"page_num":136,"sequence_num":54,"body":"للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله \" وقوله تعالى: \" أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم \" وهذان الموضعان خرجا مخرج التقرير. وأما ما جاء منه في المدح فكقول بعض المحدثين بسيط\rبدا فراع فؤادي حسن صورته ... فقلت هل ملك ذا الشخص أم ملك\rوأما ما جاء منه للذم فكقول زهير بن أبي سلمى وافر:\rوما أدري وسوف إخال أدري ... أقوم آل حصن أم نساء\rوأما ما دل منه على التدله في الحب فكقول العرجي بسيط\rبالله يا ظبيات القاع قلن لنا ... ليلاى منكن أم ليلى من البشر\rوكل ما أوردناه من الآيات في هذا الباب مما نطق فيه بأحد الأمرين لدلالة القرينة على الآخر، وبيت المدح من القسم الأول، والبيتان الأخيران من القسم الآخر، والله أعلم، وهذا كله مما جاء من القسم الأول.\rومما جاء من القسم الثاني في الكتاب العزيز قوله تعالى: \" ما هذا بشراً إن هذا إلا ملك كريم \" فحصل في فصاحة النسوة من المبالغة والتهذيب","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985377,"book_id":6313,"shamela_page_id":55,"part":null,"page_num":137,"sequence_num":55,"body":"ما لم يقع في فصاحة العرب حيث شبهوا كل من راعهم حسنه بالجن، وتبعهم المتنبي فقال: طويل\rلجنية أم غادة رفع السجف..................","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985378,"book_id":6313,"shamela_page_id":56,"part":null,"page_num":138,"sequence_num":56,"body":"باب الهزل الذي يراد به الجد\rوهو أن يقصد المتكلم مدح إنسان أو ذمه، فيخرج ذلك المقصود مخرج الهزل المعجب، والمجون المطرب، كما فعل أصحاب النوادر، مثل أشعب وأبي دلامة وأبي العيناء ومزبد ومن سلك سبيلهم، كما حكى عن أشعب أنه حضر إعذاراً صنعه بعض ولاة المدينة، وكان مبخلاً، فدعا الناس ثلاثة أيام وهو يجمعهم على مائدة عليها جدي مشوي، فيحوم الناس حوله، ولا يمسه منهم أحد لعلمهم ببخله، وأشعب في كل يوم يحضر ويرى الجدي، فقال في اليوم الثالث: زوجته طالق إن لم يكن عمر هذا الجدي بعد أن ذبح وشوي أطول منه قبل ذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985379,"book_id":6313,"shamela_page_id":57,"part":null,"page_num":139,"sequence_num":57,"body":"ومن شواهد الهزل الذي يراد به الجد من الشعر العربي قول الشاعر: طويل\rإذا ما تميمي أتاك مفاخراً ... فقل عد عن ذا كيف أكلك للضب\rوقد أنشد ابن المعتز في هذا الباب قول أبي العتاهية بسيط\rأرقيك أرقيك باسم الله أرقيكا ... من بخل نفسك عل الله يشفيكا\rما سلم كفك إلا من يتاركها ... ولا عدوك إلا من يرجيكا\rوالفاتح لهذا الباب امرؤ القيس حيث يقول طويل:\rوقد علمت سلمى وإن كان بعلها ... بأن الفتى يهذي وليس بفعال\rوما رأيت أحسن من قوله ملتفتاً: وإن كان بعلها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985380,"book_id":6313,"shamela_page_id":58,"part":null,"page_num":140,"sequence_num":58,"body":"باب حسن التضمين\rوهو أن يضمن المتكلم كلامه كلمة من بيت، أو من آية، أو معنى مجرداً من كلام، أو مثلاً سائراً أو جملة مفيدة، أو فقرة من حكمة كقول علي ﵇ في جواب كتاب لمعاوية: \" وما الطلقاء وأبناء الطلقاء، والتمييز بين المهاجرين الأولين وتبيين درجاتهم، وتعريف طبقاتهم، هيهات لقد حن قدح ليس منها، وطفق يحكم فيها من عليه الحكم لها \" فضمن كلامه هذا المثل العربي وهو قوله: \" لقد حن قدح ليس منها \" وكقوله في آخر هذا الكتاب: وإني مرقل نحوك بجحفل من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، شديد زحامهم، ساطع قتامهم متسربلين سرابيل الموت، أحب اللقاء إليهم لقاء ربهم، قد صحبتهم ذرية بدرية،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985381,"book_id":6313,"shamela_page_id":59,"part":null,"page_num":141,"sequence_num":59,"body":"وسيوف هاشمية عرفت مواقع نصالها في أخيك وخالك وجدك \" وما هي من الظالمين ببعيد \" فضمن كلامه هذه الآية.\rومن إنشادات ابن المعتز في هذا الباب سريع:\rعوذ لما بت ضيفاً له ... أقراصه مني بياسين\rفبت والأرض فراشي وقد ... غنت قفا نبك مصارينى\rفضمن هذا الشاعر بيته الأول كلمة من السورة، وبيته الثاني جملة من البيت الذي هو أول القصيدة المشهورة.\rوقد وقع من ذلك في الكتاب العزيز ما تضمنه من التوراة كقوله سبحانه: \" وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس \" الآية.\rومن لطيف التضمين في الشعر قول أبي تمام طويل:\rلعمرو مع الرمضاء والنار تلتظي ... أرق وأحفى منك في ساعة الكرب\rفضمن بيته كلمات من البيت المشهور وهو بسيط\rالمستجير بعمرو عند كربته ... كالمستجير من الرمضاء بالنار\rوفي الكتاب العزيز من هذا الباب ما حكاه فيه سبحانه من صفة النبي ﷺ وأصحابه، وذلك قوله: \" محمد رسول الله \" إلى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985382,"book_id":6313,"shamela_page_id":60,"part":null,"page_num":142,"sequence_num":60,"body":"قوله: \" ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل \" فضمن كتابنا صفتهم من الكتابين الأولين، والفرق بين التضمين والإيداع والاستعانة والعنوان أن التضمين يقع في النظم والنثر ولا يكون إلا بالنثر ويكون من المحاسن ومن العيوب، ولكنه لا يكون من العيوب إلا إذا وقع في النظم بالنظم، والإيداع والاستعانة وإن وقعا معاً في النظم والنثر فلا يكونان إلا بالنظم دون النثر.\rوأما العنوان فإنه يقع في النظم والنثر ولا يقع بالنثر، وهو بخلاف التضمين لا يكون إلا من المحاسن دون العيوب، والتضمين منهما معاً وسيأتي بيان ذلك في موضعه، والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985383,"book_id":6313,"shamela_page_id":61,"part":null,"page_num":143,"sequence_num":61,"body":"باب الكناية\rوهي أن يعبر المتكلم عن المعنى القبيح باللفظ الحسن، وعن الفاحش بالطاهر، كقوله سبحانه: \" كانا يأكلان الطعام \" كناية عن الحدث. وكقوله تعالى: \" أو جاء أحد منكم من الغائط \" كناية عن قضاء الحاجة، وكقوله ﷿: \" ولكن لا تواعدوهن سراً \" كناية عن الجماع، قال امرؤ القيس طويل:\rألا زعمت بسباسة الحي أنني ... كبرت وألا يحسن السر أمثالي\rذهب كل من فسر شعره من العلماء أنه أراد بالسر الوقاع، وكقوله سبحانه: \" وقد أفضى بعضكم إلى بعض \" يريد به ما يكون بين الزوجين من المباضعة، وكقول الله تعالى: \" الخبيثات للخبيثين \"،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985384,"book_id":6313,"shamela_page_id":62,"part":null,"page_num":144,"sequence_num":62,"body":"وهو سبحانه يريد الزنا وعلى الجملة لا تجد معنى من هذه المعاني في الكتاب العزيز يأتي إلا بلفظ الكناية، لأن المعنى الفاحش متى عبر عنه بلفظه الموضوع له كان الكلام معيباً من جهة فحش المعنى، ولذلك عاب قدامة على امرئ القيس قوله طويل:\rفمثلك حبلى قد طرقت ومرضع ... فألهيتها عن ذي تمائم محول\rإذا ما بكى من خلفها انصرفت له ... بشق وتحتي شقها لم يحول\rوقال أعني قدامة: وعيب هذا الشعر من جهة فحش المعنى، يريد أنه عبر عنه بلفظه، فجاء الكلام فاحشاً، وهو عيب، ولذلك تنزه القرآن عنه، ولو استعار امرؤ القيس لمعناه لفظ الكناية كما فعل في البيت الذي تقدم هذين البيتين لم يكن إلى عيبه سبيل.\rوفي السنة النبوية من الكناية ما لا يكاد يحصى، كقوله ﷺ: \" لا يضع العصا عن كتفه \" كناية عن كثرة الضرب أو كثرة السفر.\rوحكى ابن المعتز أن العرب كانت تقول: \" فلان يخبأ العصا لمن به أبنة \"، وأنشد رجز مجزوء:\rزوجك زوج صالح ... لكنه يخبا العصا\rومن أناشيد ابن المعتز لبشار في اثنين كانا يتفاعلان خفيف:\rوإذا ما التقى مثنى وبكر ... زاد في ذا شبر وفي ذاك شبر\rوأنشد لأبي نواس في الكناية عن جلد عميرة ما لا يدرك شأوه وهو طويل:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985385,"book_id":6313,"shamela_page_id":63,"part":null,"page_num":145,"sequence_num":63,"body":"إذا أنت أنكحت الكريمة كفؤها ... فأنكح حبيشاً راحة ابنة ساعد\rوقل بالرفا ما نلت من وصل حرة ... لها ساحة حفت بخمس ولائد\rومن أحسن الكنايات في الهجاء قول بعض الشعراء يهجو إنساناً به داء الأسد، فكنى عن ذلك ورمى أمه بالفجور بطريق الكناية أيضاً حيث قال: وافر\rأراد أبوك أمك حين زفت ... فلم توجد لأمك بنت سعد\rيريد به عذرة، ثم قال وافر:\rأخو لخم أعارك منه ثوباً ... هنيئاً بالقميص المستجد\rيريد: جذاماً فإنه أخو لخم.\rوأنشد ابن المعتز في الكناية عن حجام لبعض الشعراء: طويل\rإذا عوج الكتاب يوماً سطورهم ... فليس بمعوج له أبداً سطر\rومن نخوة العرب وغيرتهم كنايتهم عن حرائر النساء بالبيض، وقد جاء القرآن العزيز بذلك، فقال سبحانه: \" كأنهن بيض مكنون \" وقال امرؤ القيس طويل:\rوبيضة خدر لا يرام خباؤها ... تمتعت من لهو بها غير معجل\rومن مليح الكناية قول بعض العرب وافر:\rألا يا نخلة من ذات عرق ... عليك ورحمة الله السلام","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985386,"book_id":6313,"shamela_page_id":64,"part":null,"page_num":146,"sequence_num":64,"body":"سألت الناس عنك فخبروني ... هنا من ذاك يكرهه الكرام\rوليس بما أحل الله بأس ... إذا هو لم يخالطه الحرام\rفإن هذا الشاعر كنى بالنخلة عن المرأة، وبالهناء عن الرفث، فأما الهناءة فمن عادة العرب الكناية بها عن مثل ذلك، وأما الكناية بالنخلة عن المرأة فمن طريف الكناية وغريبها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985387,"book_id":6313,"shamela_page_id":65,"part":null,"page_num":147,"sequence_num":65,"body":"باب الإفراط في الصفة\rوهو الذي سماه قدامة المبالغة، وسماه من بعده التبليغ، وأكثر الناس على تسمية قدامة، لأنها أخف وأعرف، ومن أناشيد ابن المعتز فيها: كامل\rملك تراه إذا احتبى بنجاده ... غمر الجماجم والصفوف قيام\rوحد قدامة المبالغة بأن قال: هي أن يذكر المتكلم حالاً من الأحوال لو وقف عندها لأجزأت، فلا يقف حتى يزيد في معنى ما ذكره ما يكون أبلغ في معنى قصده، كقول عمرو بن الأهتم التغلبي وافر:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985388,"book_id":6313,"shamela_page_id":66,"part":null,"page_num":148,"sequence_num":66,"body":"ونكرم جارنا ما دام فينا ... ونتبعه الكرامة حيث مالا\rوأنا أقول: قد اختلف في المبالغة، فقوم يرون أن أجود الشعر أكذبه وخير الكلام ما بولغ فيه، ويحتجون بما جرى بين النابغة الذبياني وبين حسان في استدراك النابغة عليه تلك المواضع في قوله طويل:\rلنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما\rفإن النابغة إنما عاب على حسان ترك المبالغة، والقصة مشهورة، والصواب مع حسان، وإن روى عنه انقطاعه في يد النابغة، وقوم يرون المبالغة من عيوب الكلام، ولا يرون من محاسنه إلا ما خرج مخرج الصدق، وجاء على منهج الحق، ويزعمون أن المبالغة من ضعف المتكلم وعجزه عن أن يخترع معنى مبتكراً، أو يفرع معنى من معنى، أو يحلى كلامه بشيء من البديع، أو ينتخب ألفاظاً موصوفة بصفات الحسن، ويجيد تركيبها، فإذا عجز عن ذلك كله أتى بالمبالغة لسد خلله، وتتميم نقصه، لما فيها من التهويل على السامع، ويدعون أنها ربما أحالت المعاني فأخرجتها من حد الإمكان إلى حد الامتناع.\rوعندي أن المذهبين مردودان.\rأما الأول فلقول صاحبه: إن خير الكلام ما بولغ فيه، وهذا قول من لا نظر له، لأنا نرى أن أكثر الكلام والأشعار جارياً على الصدق، خارجاً مخرج الحق، وهو في غاية الجودة ونهاية الحسن وتمام القوة، كيف لا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985389,"book_id":6313,"shamela_page_id":67,"part":null,"page_num":149,"sequence_num":67,"body":"والمبالغة ضرب واحد من المحاسن، والمحاسن لا تنحصر ضروبها، فكيف يقال: إن هذا الضرب على انفراده يفضل سائر المحاسن على كثرتها؟ وهذا شعر زهير والحطيئة وحسان ومن كان مذهبه توخي الصدق في شعره غالباً ليس فوق أشعارهم غاية لمترق، ألا ترى إلى قول زهير طويل:\rومهما تكن عند امرئ من خليقة ... وإن خالها تخفى على الناس تعلم\rوالى قول طرفة طويل:\rلعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى ... لكالطول المرخى وثنياه في اليد\rستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود\rوالى قول الحطيئة بسيط\rمن يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس\rفإنك تجد هذه الأشعار في الطبقة العليا من البلاغة وإن خلت من المبالغة. والذي يدل على أن مذهب أكثر الفحول ترجيح الصدق في أشعارهم على الكذب ما روى عن الحرورية امرأة عمران بن حطان الخارجي أنها قالت له يوماً: أنت أعطيت الله عهداً ألا تكذب في شعرك، فكيف قلت كامل مجزوء:\rفهناك مجزءة بن ثو ... ر كان أشجع من أسامه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985390,"book_id":6313,"shamela_page_id":68,"part":null,"page_num":150,"sequence_num":68,"body":"فقال: يا هذه إن هذا الرجل فتح مدينة وحده، وما سمعت بأسد فتح مدينة قط. وهذا حسان يقول بسيط\rوإنما الشعر لب المرء يعرضه ... على المجالس إن كيساً وإن حمقاً\rوإن أشعر بيت أنت قائله ... بيت يقال إذا أنشدته: صدقاً\rعلى أن هؤلاء الفحول وإن رجحوا هذا المذهب لا يكرهون ضده، ولا يجحدون فضله، وقلما تخلو بعض أشعارهم منه، إلا أن توخى الصدق كان الغالب عليهم، وكانوا يكثرون منه، ومن أكثر من شيء عرف به، كما أن النابغة ومن شايعه على مذهبه لا يكره ضد المبالغة، وإلا فكل احتجاجاته على النعمان في الاعتذار جار مجرى الحقيقة، كقوله طويل:\rحلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب\rفعائب الكلام الحسن بترك المبالغة فقط مخطئ، وعائب المبالغة على الإطلاق غير مصيب، وخير الأمور أوساطها، وكيف تعاب المبالغة وقد وجدت في الكتاب العزيز على ضروب: منها المبالغة في الصفة المعدولة من الجارية لمعنى المبالغة فإنها جاءت على ستة أمثلة: فعلان كرحمان، عدل عن راحم للمبالغة ولا يوصف به إلا الله تعالى، لأن رحمته وسعت كل شيء، وفعال معدول عن فاعل للمبالغة كقوله تعالى: \" لغفار لمن تاب \" \" تواب رحيم \" \" علام الغيوب \" \" فعال لما يريد \" وفعول عدل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985391,"book_id":6313,"shamela_page_id":69,"part":null,"page_num":151,"sequence_num":69,"body":"عن فاعل للمبالغة \" كغفور \" و \" شكور \" و \" ودود \"، وفعيل عدل عن فاعل، \" كرحيم \" و \" حكيم \" و \" عليم \" و \" قدير \" و \" سميع \" و \" بصير \" ومفعل معدول عن فاعل \" كمدعس \" و \" مطعن \"، ومفعال معدول عن فاعل للمبالغة \" كمطعام \" و \" مطعان \".\rوالضرب الثاني من المبالغة وهو ما جاء بالصيغة العامة في موضع الخاصة كقولك: أتاني الناس كلهم، ولم يكن أتاك سوى واحد أردت تعظيمه، ومن هذا الضرب قول أبي نواس سريع:\rوليس لله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد\rومن هذا الضرب في الكتاب العزيز قوله تعالى: \" إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب \" فوعدهم سبحانه بجزاء غير مقدر، لمجيئه بالصيغة العامة تعظيماً له \" وكل شيء عنده بمقدار \" والضرب الثالث من المبالغة إخراج الكلام مخرج الإخبار عن الأعظم الأكبر للمبالغة، والإخبار عنه مجاز، كقول من رأى موكباً عظمياً أو جيشاً خضماً: جاء الملك نفسه وهو يعلم حقيقة أن ما جاء جيشه، وقد جاء من ذلك في الكتاب العزيز قوله تعالى: \" وجاء ربك والملك صفاً صفاً \" فجعل مجيء جلائل آياته مجيئاً له سبحانه، وكقوله تعالى: \" ووجد الله عنده فوفاه حسابه \" فجعل نقله بالهلكة من دار العمل إلى دار الجزاء وجداناً للمجازى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985392,"book_id":6313,"shamela_page_id":70,"part":null,"page_num":152,"sequence_num":70,"body":"والضرب الرابع من المبالغة إخراج الممكن من الشرط إلى الممتنع، ليمتنع وقوع المشروط، كقوله تعالى: \" ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط \".\rوالضرب الخامس من المبالغة ما جرى مجرى الحقيقة، وهو قسمان: قسم كان مجازاً فصار بالقرينة حقيقة، كقوله تعال: \" يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار \" فإن اقتران هذه الجملة بيكاد صرفها إلى الحقيقة فانقلبت من الامتناع إلى الإمكان.\rوقسم أتى بصيغة أفعل التفضيل، وهو محض الحقيقة من غير قرينة كقوله تعالى: \" أنا أكثر منك مالاً وأعز نفراً \".\rوالضرب السادس من المبالغة ما بولغ في صفته بطريق التشبيه، كقوله تعالى: \" إنها ترمي بشرر كالقصر، كأنه جمالات صفر \" فهذه ضروب ما ورد من المبالغة في الكتاب العزيز.\rوالمبالغة تأتي في الكلام على ضربين: ظاهرة ومدمجة، وكل ما قدمناه من مبالغات الكتاب العزيز من الظاهرة.\rومن المدمجة قوله تعالى: \" سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار \" فإن المبالغة أتت في هذه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985393,"book_id":6313,"shamela_page_id":71,"part":null,"page_num":153,"sequence_num":71,"body":"الآية مدمجة في المقابلة، والجواب: هذه المبالغة بالنسبة إلى المخاطَب إلى المخاطِب وقد جاء منها في سنة الرسول ﷺ ما لا يحصى كثرة، ولا يلحق بلاغة، كقوله ﵇ مخبراً عن ربه أنه قال سبحانه: \" كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي، وأنا أجزي به \" وقوله في بقية هذا الحديث: \" والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك \". ففي هذا الحديث مبالغتان: أحداهما كون الحق سبحانه أضاف الصيام إلى نفسه دون سائر الأعمال لقصد المبالغة في تعظيمه وتشريفه، وأخبر أنه ﷿ يتولى مجازاة الصائم بنفسه، مبالغة في تعظيم الجزاء وشرفه، ونحن نعلم أن الأعمال كلها لله سبحانه ولعبده باعتبارين: أما كونها للعبد فلأنه يثاب عليها، وأما كونها لله تعالى فلأنها عملت لوجهه الكريم، ومن أجله فتخصيص الصيام من بينها بالإضافة إلى الرب سبحانه، وتخصيص ثوابه بما خصصه به إنما كان للمبالغة في تعظيمه والحض عليه، والمبالغة الثانية إخبار الرسول ﷺ بعد تقديم القسم لتأكيد الخبر بأن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، ففضل تغيير فم الصائم بالإمساك عن الطعام والشراب على ريح المسك الذي هو أطيب الطيب على مقتضى ما يفهم من ريح المسك وريح تغير فم الصائم، وأتى المعنى بصيغة أفعل للمبالغة، فجمع هذا الكلام بين قسمي المبالغة المجازي والحقيقي.\rومن أمثله المبالغة في الشعر قول امرئ القيس طويل:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985394,"book_id":6313,"shamela_page_id":72,"part":null,"page_num":154,"sequence_num":72,"body":"فعادى عداء بين ثور ونعجة ... دراكاً ولم ينضح بماء فيغسل\rفإنه أخبر عن هذا الفرس أنه أدرك ثوراً وبقرة وحشية في مضمار واحد، ولم يعرق، ومثله قول أبي الطيب طويل:\rوأصرع أي الوحش قفيته به ... وأنزل عنه مثله حين أركب\rوما يعاب من المبالغة إلا ما خرج به الكلام عن حد الإمكان إلى الاستحالة وأما إذا كان كقول قيس بن الخطيم طويل:\rطعنت ابن عبد القيس طعنة ثائر ... لها نفذ لولا الشعاع أضاءها\rملكت بها كفي فأنهرت فتقها ... يرى قائماً من دونها ما وراءها\rفإن ذلك من جيد المبالغة إذا لم يكن خارجاً مخرج الاستحالة مع كونه قد بلغ النهاية في وصف الطعنة، وما سمعت ولا غيري بمستمع مثل قول أبي تمام بسيط\rتكاد تنتقل الأرواح لو تركت ... من الجسوم إليها حين تنتقل\rفإنه لم يقنع في تصحيح المبالغة وقربها من الوقوع، فضلاً عن الجوار بتقديم كاد حتى قال: لو تركت؛ وهذا أصح بيت سمعته في المبالغة وأحسنه وأبلغه، وكقول شاعر الحماسة حيث بالغ في مدح ممدوحه بقوله طويل:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985395,"book_id":6313,"shamela_page_id":73,"part":null,"page_num":155,"sequence_num":73,"body":"رهنت يدي بالعجز عن شكر بره ... وما فوق شكري للشكور مزيد\rولو كان مما يستطاع استطعته ... ولكن ما لا يستطاع شديد\rفإن هذا الشاعر ألقى بيده وأظهر عجزه واعترف بقصوره عن شكر بر هذا الممدوح، وفطن إلى أنه لو اقتصر على ذلك لقيل له: عجزك عن شكر هذا الرجل لا يدل على كثرة بره، وإنما يدل على ضعف مادتك عن الشكر إذ لا يلزم من عجز الإنسان عن شيء تعظيم ذلك الشيء على الإطلاق، لاحتمال أن يكون العجز لضعف في الإنسان فاحترس عن ذلك بقوله:\rوما فوق شكري للشكور مزيد\rثم تمم المعنى بأن قال: للشكور أي للمبالغ في الشكر، لأن شكور معدول عن شاكر للمبالغة كما تقدم ثم أظهر عذره في عجزه مع قدرته بأن قال في البيت الثاني:\rولو كان مما يستطاع استطعته\rثم أخرج بقية البيت مخرج المثل السائر حيث قال:\rولكن ما لا يستطاع شديد\rفهذا أبلغ شعر سمعته في هذا المعنى لجودة مفردات ألفاظه، وسهولة سبكه ومساواة لفظه لمعناه، ومتانة مبناه، وكثرة معانيه، وصحة المبالغة فيه؛ فإن قيل: لم بالغت في وصف هذا الشعر وهو عندك داخل في القسم المعيب من المبالغة لكونه أخرج الكلام من حد الإمكان إلى حد الامتناع حيث جعل شكر هذا الممدوح لا يستطاع؟ فإني أقول: ليس كل بر يمكن شكره، ولا يقوم المدح بحقه، فإنا لو قدرنا أن إنساناً فك إنساناً من الأسر واستنقذه من","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985396,"book_id":6313,"shamela_page_id":74,"part":null,"page_num":156,"sequence_num":74,"body":"القتل لما وفى شكره ببره ولو كان أشكر الناس، واستنفد في شكره بقية عمره، لا سيما لو قدر أن ذلك الممتن ببقاء النفس أضاف إلى ذلك توابع إحسان، وعوارف امتنان، على ممر الزمان، فإن الشكر لا يقوم ببر ذلك الإنسان، ولو تجاوز فيه الشكور حد الإمكان، فقد وضح أن من البر ما لا يؤدي شكره، ومن هذا قول أبي نواس:\rلا تسدين إلى عارفة ... حتى أقوم بشكر ما سلفا\rوهذا سيد المرسلين الذي بعث بجوامع الكلم، وهو أفصح من نطق بالضاد بقول لعظمة نعم ربه عليه: \" لا أحصى ثناء عليك \". ومعلوم أن نعم الله سبحانه لا يقوم شكر جميع العباد بمعشارها، ولا كذلك نعم بعضهم على بعض لكن يشبه شكر أحدنا نعمة صاحبه إلى شكر الرسول ﷺ نعمة ربه كنسبة نعم بعضنا على بعض إلى نسبة نعم الله تعالى سبحانه على نبيه أو على عبد من عبيده، وإن كانت نعم الله تعالى على نبيه أعظم من نعمه على سائر خلقه، بدليل قوله تعالى: \" وكان فضل الله عليك عظيماً \" لأن بين بلاغة أحدنا وبين بلاغة الرسول كما بين نعمة أحدنا ونعمة الله سبحانه، وإذا وقع للقضية مثال واحد في الوجود علم إمكان وقوعها، وخرجت بذلك من حد الاستحالة والامتناع إلى حد الجواز والإمكان.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985397,"book_id":6313,"shamela_page_id":75,"part":null,"page_num":157,"sequence_num":75,"body":"والمذهب المرضي أن المبالغة ضرب من المحاسن إذا بعدت عن الإغراق والغلو، وإن كان الإغراق والغلو أيضاً ضربين من المحاسن إذا اقترنا، وعيبين إذا أطلقا، ألا ترى كل مبالغة وقعت في الكتاب العزيز كيف أتت على قسمين: قسم ممكن غير مقترن، وقسم غير ممكن لا يأتي إلا مقترناً، كقوله سبحانه: \" يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار \" وفي غير الممكن كقوله سبحانه: \" سواء منكم من أسر القول ومن جهر به \" الآية، لأن المبالغة فيها عرفية، معناه أن علم ذلك متعذر عندكم، وإلا فهو بالنسبة إلى علم الله سبحانه ليس بمبالغة، وقد قال امرؤ القيس في غير الممكن طويل:\rمن القاصرات الطرف لو دب محول ... من الذر فوق الإتب منها لأثرا\rولأن قوة الشعر وضعفه وماءه ورونقه أمر خارج عن البديع جملة، والمحاسن بتة، قرب شعر في غاية الجودة ونهاية القوة مع كونه قد بلغ فيه قائله إلى حد الإغراق أو الغلو، ورب شعر في غاية الرداءة مع الخلو عن هذين الضربين، فإن الكلام يكون جيداً بدون البديع، ورديئاً مع وجوده، فإنكار المبالغة في الكلام القوي الجيد ما لا سبيل إليه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985398,"book_id":6313,"shamela_page_id":76,"part":null,"page_num":158,"sequence_num":76,"body":"وأما قول من قال: إن الكلام لا يحسن بدون المبالغة فإن لم يحمل كلامه على التقييد، وإلا فهو محال بين الإحالة، وأحسب قائل هذا ذهب إلى التمييز بين كلامين استويا في خفة مفردات الألفاظ وتوسط استعمالها وحسن تركيبها وخلو الكلام بعد التركيب عن العيوب جملة وتفصيلاً، وتماثلاً في جودة المعنى وتمامه، وكثرة الماء فيهما، وتحلياً من البديع بما أتى الطبع به عفواً من غير تكلف ولا تعسف، وقد بولغ في أحدهما مبالغة مرضية والآخر لم يبالغ فيه، فإن ما بولغ فيه أفضل من الآخر، وأكثر النقاد على أن خير الكلام ما كان متوسطاً بين الغلو والاقتصاد والسلامة والمتانة الغرابة والاستعمال والتصنع والاسترسال، وما أحسن قول البحتري فيما قدمته من هذا الكلام حيث قال يصف لفظ بعض الكتاب خفيف:\rفي نظام من البلاغة ما شك ... ك امرؤ أنه نظام فريد\rوبديع كأنه الزهر الضا ... حك في رونق الربيع الجديد\rحزن مستعمل الكلام اختياراً ... وتجنبن ظلمة التعقيد\rوركبن اللفظ القريب فأدرك؟ ... ن به غاية المرام البعيد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985399,"book_id":6313,"shamela_page_id":77,"part":null,"page_num":159,"sequence_num":77,"body":"باب التشبيه\rالتشبيه عبارة عن العقد على أن أحد الشيئين يسد مسد الآخر في حال أو عقد، هكذا حد الرماني، وهذا هو التشبيه العام الذي يدخل تحته التشبيه البليغ وغيره، ثم إن الرماني بعد حده قال: والتشبيه تشبيهان: تشبيه شيئين متفقين بأنفسهما كتشبيه الجوهر بالجوهر، كقولك: ماء النيل مثل ماء الفرات، وتشبيه العرض بالعرض كقولك: حمرة الخد كحمرة الورد، وتشبيه الجسم بالجسم كقولك: الزبرجد مثل الزمرد، وتشبيه شيئين مختلفين بالذات يجمعهما معنى مشترك بينهما: كقولك، حاتم كالغمام، وعنترة كالضرغام، والتشبيه المتفق تشبيه حقيقة، والتشبيه المختلف تشبيه مجاز للمبالغة.\rوحد التشبيه البليغ إخراج الأغمض إلى الأظهر بالتشبيه مع حسن التأليف، ووقوع حن البيان فيه على وجوه، منها: إخراج ما لا تقع عليه الحاسة كقوله تعالى: \" والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985400,"book_id":6313,"shamela_page_id":78,"part":null,"page_num":160,"sequence_num":78,"body":"شيئاً \" فهذا بيان إخراج ما لا تقع عليه الحاسة إلى ما تقع عليه الحاسة، وقد اجتمعا في بطلان التوهم مع شدة الحاجة، ولو قيل: يحسبه الرائي ماء لكان بليغاً، وأبلغ منه لفظ القرآن لأن الظمآن أشد حرصاً عليه، وأكثر تعلق قلب به، وتشبيه أعمال الكفار بالسراب من أحسن التشبيه، فكيف تضمن مع ذلك حسن النظم وعذوبة الألفاظ وصحة الدلالة.\rومنها إخراج ما لم تجربه العادة إلى ما جرت به العادة، كقوله تعالى: \" وإذا نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة \" وهذا بيان قد أخرج ما لم تجر به العادة إلى ما جرت به العادة، وقد اجتمعا في معنى الارتفاع في الصورة.\rومنها إخراج ما لا يعلم بالبديهة إلى ما يعلم بالبديهة، كقوله تعالى: \" وجنة عرضها كعرض السماء والأرض \" وهذا بيان قد أخرج ما لا يعلم بالبديهة إلى ما يعلم بالبديهة، وقد اجتمعا في العظم وحصل من ذلك الوصف التشويق إلى الجنة بحسن الصفة وإفراط السعة.\rومنها إخراج ما لا قوة له في الصفة إلى ما له قوة في الصفة، كقوله تعالى: \" وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام \" وهذا بيان قد أخرج ما لا قوة له في الصفة إلى ما له قوة في الصفة، وقد اجتمعا في العظم إلا أن الجبال أعظم، وفي ذلك العبرة من جهة القدرة فيما سخر الله من الفلك الجارية على الماء مع عظمها ولطفه، وما في ذلك من الانتفاع بحملها الأثقال، وقطعها الأقطار البعيدة في المسافة القريبة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985401,"book_id":6313,"shamela_page_id":79,"part":null,"page_num":161,"sequence_num":79,"body":"ومنها إخراج الكلام بالتشبيه مخرج الإنكار كقوله تعالى: \" أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر \" وهذا إنكار على من جعل حرمة الجماد كحرمة من آمن بالله، وفي ذلك أوفى دلالة على تعظيم حال المؤمن بالإيمان، وأنه لا يساوي به مخلوق ليس على صفته بالقياس.\rواعلم أن الشيء لا يشبه بنفسه ولا بغيره من كل وجه، فإن الشيئين إذا تشابها من جميع الجهات اتحدا، ولا يشبه الشيء بما هو دونه في الصفة الجامعة بينهما.\rوالتشبيه الصناعي على ضربين: تشبيه بأداة، وتشبيه بغير أداة وفائدته قرب المشبه من المشبه به.\rوأدوات التشبيه خمسة: الكاف، وكأن، وشبه؛ ومثل، والمصدر، بتقدير الأداة. وفي المصادر ما لا يمكن تقدير الأداة فيه كقول الشاعر بسيط:\rفإنما هي إقبال وإدبار\rأي ذات إقبال وذات إدبار.\rوفي التشبيه نوع آخر لا بد من تقدير الأداة فيه كقوله تعالى: \" وأزواجه أمهاتهم \" وهو من غير القسمين أعني قسمي المصادر فالذي بالأداة قوله تعالى: \" مثل نوره كمشكاة فيها مصباح \" وكقول امرئ القيس طويل:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985402,"book_id":6313,"shamela_page_id":80,"part":null,"page_num":162,"sequence_num":80,"body":"مهفهفة بيضاء غير مفاضة ... ترائبها مصقولة كالسجنجل\rوالذي بغير أداة كقوله سبحانه: \" وهي تمر مر السحاب \" وكقول حسان كامل:\rبزجاجة رقصت بما في قعرها ... رقص القلوص براكب مستعجل\rوكل ضرب من هذين الضربين مقسم تسعة أقسام: وهذه الأقسام على ضربين أيضاً: ضرب متحد، وضرب متعدد، فالمتحد ينقسم وفق عدد أدوات التشبيه الخمس من تشبيه شيء بشيء، إلى تشبيه شيء بخمسة أشياء. والمتعدد أربعة أقسام: من تشبيه شيئين بشيئين، إلى تشبيه خمسة بخمسة، فشاهد تشبيه شيء بشيء قول امرئ القيس طويل:\rوجيد كجيد الرئم ليس بفا حش ... إذا هي نصته ولا بمعطل\rوشاهد تشبيه شيء واحد بشيئين قوله أيضاً طويل:\rوتعطو برخص غير شثن كأنه ... أساريع رمل أو مساويك إسحل\rوشاهد تشبيه شيء واحد بثلاثة أشياء قول البحتري سريع:\rكأنما يبسم عن لؤلؤ ... منضد أو برد أو أقاح","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985403,"book_id":6313,"shamela_page_id":81,"part":null,"page_num":163,"sequence_num":81,"body":"وتشبيه شيء واحد بأربعة أشياء قول امرئ القيس متقارب:\rكأن المدام وصوب الغمام ... وريح الخزامى ونشر القطر\rيعل به برد أنيابها ... إذا غرد الطائر المستحر\rوتشبيه شيء واحد بخمسة أشياء مثل قول الحريري بسيط\rيفتر عن لؤلؤ رطب وعن برد ... وعن أقاح وعن طلح وعن حبب\rوأما تشبيه شيئين بشيئين من المتعدد فكقول امرئ القيس طويل:\rكأن قلوب الطير رطباً ويابساً ... لدي وكرها العناب والحشف البالي\rوتشبيه ثلاثة بثلاثة قول ابن المعلى \" مجتث \":\rليل وبدر وغصن ... شعر ووجه وقد\rخمر ودر وورد ... ريق وثغر وخد\rوتشبيه أربعة بأربعة قول امرئ القيس طويل:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985404,"book_id":6313,"shamela_page_id":82,"part":null,"page_num":164,"sequence_num":82,"body":"له أيطلا ظبي وساقا نعامة ... وإرخاء سرحان وتقريب تتفل\rولقد غير أبو نواس في وجهه حيث قال سريع:\rتبكي فتذري الطل من نرجس ... وتمسح الورد بعناب\rفإن بيته أخصر وزناً وأبهر حسناً وأقصر معنى.\rوشاهد خمسة بخمسة قول أبي الفرج الوأواء بسيط\rفأمطرت لؤلؤاً من نرجس فسقت ... ورداً وعضت على العناب بالبرد\rوعندي أن بيت الوأواء هو عين بيت أبي نواس وإنما حصلت فيه زيادة التشبيه لاتساع وزنه، فثبت الفضل لبيت أبي نواس بالسبق إلى نفس المعنى ونفس التشبيه.\rواعلم أن زيادة التشبيه بما زاد في بيت أبي الفرج الوأواء عن اللفظ لاتساع الوزن.\rومن التشبيه نوعان آخران أحدهما تكون أدواته أفعال الظن واليقين كقولك: حسبت زيداً في جرأته الأسد، وعمراً في جوده الغمام والجارية في حسنها القمر، فحاصل ذلك تشبيه الجرئ بالأسد، والجواد بالغمام، والجارية بالقمر، ومنه في الكتاب العزيز قوله تعالى: \" وتحسبهم أيقاظاً وهم رقود \" حاصل ذلك تشبيه أهل الكهف في حال نومهم بحال الأيقاظ، ومن ذلك في الشعر قول شاعر الحماسة طويل:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985405,"book_id":6313,"shamela_page_id":83,"part":null,"page_num":165,"sequence_num":83,"body":"وكنا حسبنا كل بيضاء شحمة.\rوذلك أنه لما كانت الشحمة بيضاء شبهوا كل بيضاء بها، وأخرج ذلك مخرج المثل.\rوالنوع الآخر من التشبيه هو الذي يسمى تشبيه التوليد والتمثيل كقول الكميت بسيط\rأحلامكم لسقام الجهل شافية ... كما دماؤكم يشفي بها الكلب","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985406,"book_id":6313,"shamela_page_id":84,"part":null,"page_num":166,"sequence_num":84,"body":"باب عتاب المرء نفسه\rوهو من إفراد ابن المعتز، ولم ينشد فيه سوى بيتين ذكر أن الآمدى أنشدهما له عن الجاحظ طويل:\rعصاني قومي في الرشاد الذي به ... أمرت ومن يعص المجرب يندم\rفصبراً بني بكر على الموت إنني ... أرى عارضاً ينهل بالموت والدم\rوما أرى في هذين البيتين من عتاب المرء نفسه إلا ما يتحيل به لمعناهما، فيقدر أن هذا الشاعر لما أمر بالرشد وبذل النصح ولم يطع ندم على بذل النصيحة لغير أهلها، وملزوم ذلك عتابه لنفسه فيكون دلالة البيتين على عتابه لنفسه دلالة التزام لا دلالة مطابقة ولا تضمين.\rومثل هذين البيتين قول دريد بن الصمة طويل:\rنصحت لعراض وأصحاب عارض ... ورهط بني السوداء والقوم شهدى\rوقلت لهم: ظنوا بألفي مدجج ... سراتهم في الفارسي المسرد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985407,"book_id":6313,"shamela_page_id":85,"part":null,"page_num":167,"sequence_num":85,"body":"فلما عصوني كنت منهم وقد أرى ... غوايتهم وأنني غير مهتد\rوما أنا إلا من غزية إن غوت ... غويت وإن ترشد غزية أرشد\rأمرتهم أمري بمنعرج اللوى ... فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغد\rولا يصلح أن يكون شاهد هذا الباب إلا قول شاعر الحماسة طويل:\rأقول لنفسي في الخلاء ألومها ... لك الويل ما هذا التجلد والصبر\rوكقول ابن السليماني من شعراء الحماسة طويل:\rلعمرك إني يوم سلع للائم ... لنفسي ولكن ما يرد التلوم\rأأمكنت من نفسي عدوى ضلة ... ألهفي على ما فات لو كنت أعلم\rوقد جاء من هذا الباب في كتاب الله قوله ﷾: \" يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله \" والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985408,"book_id":6313,"shamela_page_id":86,"part":null,"page_num":168,"sequence_num":86,"body":"باب حسن الابتداءات\rهذه تسمية ابن المعتز، وأراد بها ابتداءات القصائد، وقد فرع المتأخرون من هذه التسمية براعة الاستهلال، وخصوا بها ابتداء المتكلم بمعنى ما يريد تكميله ولقد وقع في أثناء القصيدة.\rوقد روى أن أحسن ابتداء ابتدأ به مولد قصيدة قول إسحاق بن إبراهيم الموصلي، حيث يقول خفيف:\rهل إلى أن تنام عيني سبيل ... إن عهدي بالنوم عهد طويل\rومن إنشادات ابن المعتز في هذا الباب قول النابغة الذبياني طويل:\rكليني لهم يا أميمة ناصب ... وليل أقاسيه بطيء الكواكب\rولعمري لقد أحسن ابن المعتز الاختيار، فإني أظنه نظر بين هذا الابتداء وبين ابتداء امرئ القيس في معلقته حيث قال طويل:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985409,"book_id":6313,"shamela_page_id":87,"part":null,"page_num":169,"sequence_num":87,"body":"قفا نبك من ذكري حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل\rفرأى أن ابتداء امرئ القيس على تقدمه وكثرة معاني ابتداءاته متفاوت القسمين جداً، لأن صدر البيت جمع بين عذوبة اللفظ وسهولة السبك، وكثرة المعاني بالنسبة إلى العجز ما لم يجمع العجز، فإن ألفاظ العجز غريبة بالنسبة إلى ألفاظ الصدر، والعجز أقل معان من الصدر بخلاف بيت النابغة، فإنه لا تفاوت بين قسميه البتة، فبيت امرئ القيس وإن كان أكثر معان من بيت النابغة، فبيت النابغة أفضل، من جهة ملاءمة ألفاظه، ومساواة قسمية، ومثل بيت النابغة قول زهير طويل:\rصحا القلب عن سلمى وأقصر باطله ... وعرى أفراس الصبا ورواحله\rفإن قسمي هذا البيت متلائمان، فإن لفظ كل واحد منهما متوسط بين الغرابة والابتذال، وفي كل قسم منهما استعارتان، فقد تساويا في اللفظ والمعنى كبيت النابغة، وهذا من قول امرئ القيس طويل:\rخليلي مرا بي على أم جندب ... نقضي لبانات الفؤاد المعذب\rوإنما عظم ابتداء معلقة امرئ القيس في النفوس الاقتصار على سماع صدر البيت، فإنه يشغل الفكر بحسنه عن النظر في ملاءمة عجزه أو عدم ملاءمته، وهو الذي قيل عند سماعه للمنشد: حسبك، فإن قائل هذا الكلام أشعر الناس، لأنه وقف واستوقف، وبكى واستبكى وذكر الحبيب والمنزل في شطر بيت ولم يستنشد العجز منه شغلاً بحسن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985410,"book_id":6313,"shamela_page_id":88,"part":null,"page_num":170,"sequence_num":88,"body":"الصدر عنه، وإذا تأمل الناظر في نقد البيت بكماله ظهر له تفاوت القسمين، فعلم جملة أن الابتداء غير موصوف بحسن الابتداء، إذ حسن الابتداء عبارة عن ملاءمة القسمين.\rومن جيد ابتداءات المولدين قول أبي نواس وهو في غاية الحسن طويل:\rخليلي هذا موقف من متيم ... فعوجا قليلاً وانظراه يسلم\rوقوله طويل:\rلمن دمن تزداد حسن رسوم ... على طول ما أقوت وطيب نسيم\rومن إنشادات ابن المعتز لأبي تمام بسيط\rيا بعد غاية دمع العين إذ بعدوا ... هي الصبابة طول الدهر والكمد\rوإذا وصلت إلى قول البحتري طويل:\rبودي لو يهوى العذول ويعشق ... ليعلم أسباب الهوى كيف تعلق\rوصلت إلى الغاية التي لا تدرك، وما سمع أشد مباينة كبيت جميل وهو قوله: طويل\rألا أيها النوام ويحكم هبوا ... أسائلكم ل يقتل الرجل الحب؟\rوهذا البيت الذي قال فيه الرشيد إما للمفضل الضبي أو غيره: هل تعرف","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985411,"book_id":6313,"shamela_page_id":89,"part":null,"page_num":171,"sequence_num":89,"body":"بيتاً نصفه بدوي في، شمله وباقيه مخنث في بذلة فأنشده البيت فاستحسن ذكره.\rولقد أحسن أبو الطيب ما شاء في قوله خفيف:\rتراها لكثرة العشاق ... تحسب الدمع خلقة في المآقي\rلو لم يكدر صفوه ويقبح حسنه بقوله:\rكيف ترثي التي برى كل جفن ... راءها غير جفنها غير راقي\rوأكثر ابتداءات أبي العلاء المعري تأتي على سنن الصواب، كقوله: بسيط\rيا ساهر البرق أيقظ راقد السمر ... لعل بالجزع أعوانا على السهر\rوكقوله طويل:\rطربن لضوء البارق المتعالي ... ببغداد وهنا ما لهن ومالي\rوقوله طويل:\rمغاني اللوى من شخصك اليوم أطلال ... وفي النوم مغنى من خيالك محلال\rوكقوله خفيف:\rغير مجد في ملتي واعتقادي ... نوح باك ولا ترنم شاد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985412,"book_id":6313,"shamela_page_id":90,"part":null,"page_num":172,"sequence_num":90,"body":"فهذه أمثلة ابتداءات القصائد.\rوأما أمثلة براعة الاستهلال فمنها قول محمد بن الخياط طويل:\rلمست بكفي كفه أبتغي الغنى ... ولم أدر أن الجود من كفه يعدي\rفلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنى ... أفدت وأعداني فأنفدت ما عندي\rولقد أحسن البحتري اتباعه في هذا المعنى حيث قال كامل:\rأعدت يداه يدي وشرد جوده ... بخلي فأفقرني كما أغناني\rووثقت بالخلق الجميل معجلاً ... منه فأعطيت الذي أعطاني\rوإذا نظرت إلى فواتح السور الفرقانية جملها ومفرداتها رأيت من البلاغة والتفنن في الفصاحة ما لا تقدر العبارة على حصر معناه، ومن أراد الوقوف على ذلك فليقف على كتابي المنعوت بالخواطر السوانح في كشف أسرار الفواتح والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985413,"book_id":6313,"shamela_page_id":91,"part":null,"page_num":173,"sequence_num":91,"body":"باب صحة الأقسام\rوهذا أول أبواب قدامة وصحة الأقسام عبارة عن استيفاء المتكلم أقسام المعنى الذي هو آخذ فيه، بحيث لا يغادر منه شيئاً، ومثال ذلك قوله تعلى: \" هو الذي يريكم البرق خوفاً وطمعاً \" وليس في رؤية البرق إلا الخوف من الصواعق، والطمع في الأمطار، ولا ثالث لهذين القسمين.\rومن لطيف ما وقع في هذه الجملة من البلاغة تقديم الخوف على الطمع، إذ كانت الصواعق تقع من أول برقة، ولا يحصل المطر إلا بعد توافر البرقات، فإن تواترها لا يكاد يكذب ولهذا كانت العرب تعد سبعين برقة وتنتجع، فلا تخطئ الغيث والكلأ، والى هذا أشار المتنبي بقوله وافر:\rوقد أرد المياه بغير هاد ... سوى عدي لها برق الغمام\rفلما كان الأمر المخوف من البرق يقع من أول برقة، أتى ذكر الخوف","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985414,"book_id":6313,"shamela_page_id":92,"part":null,"page_num":174,"sequence_num":92,"body":"في الآية الكريمة مقدماً أولاً، ولما كان الأمر المطمع إنما يقع من البرق ناسخاً للخوف، لمجيء الفرج بعد الشدة، والميسرة بعد الأمر المخوف، أتى ذكر الطمع في الآية الكريمة ثانياً، وليكون الطمع بعد الحزن رحمة من الله ﷾ بخلقه، وبشرى بحسن العاقبة لعباده، وقد أتى ابن رشيق بهذه الآية من شواهد التفسير، لما كان قوله سبحانه خوفاً وطمعاً كان مفسراً رؤية البرق، وهو قريب.\rومما جاءت صحة الأقسام فيه مدمجة في المقابلة من الكتاب العزيز قوله سبحانه: \" فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون، وله الحمد في السموات والأرض وعشياً وحين تظهرون \" وقد اعترضت المطابقة بين القسمين المتقابلين واستوعبت أقسام الأوقات من طرفي كل يوم ووسطه.\rومن بديع صحة التقسيم قول علي ﵇: \" أنعم على من شئت تكن أميره، واستغن عمن شئت تكن نظيره، واحتج إلى من شئت تكن أسيره \" فإنه استوعب أقسام الدرجات العليا والسفلى والوسطى، وأقسام أحوال الإنسان وبين الفضل والنقص والكفاف وأتى في ضمن ذلك الطباق بين الغنى والحاجة والمناسبة في أميره ونظيره وأسيره.\rومثال صحة الأقسام من الكتاب العزيز أيضاً قوله: \" الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم \" فلم يترك سبحانه قسماً من أقسام","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985415,"book_id":6313,"shamela_page_id":93,"part":null,"page_num":175,"sequence_num":93,"body":"الهيئات حتى أتى به، ومثل هذه الآية آية يونس وهي قوله تعالى: \" وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعداً أو قائماً \" لكن وقعت بين ترتيب الآيتين مغايرة أوجبتها البلاغة، فتضمن الكلام بها الائتلاف، وذلك أن الذكر يجب فيه تقديم القيام لأن المراد به الصلاة والله أعلم. والقيام واجب فيها للمستطيع، والقعود بعده عند العجز عن القيام، والاضطجاع عند العجز عن القعود، والضر يجب فيه تقديم الاضطجاع، وإذا زال بعض الضرر قعد المضطجع، وإذا زال كل الضرر قام القاعد فدعا لتتم الصحة وتكمل القوة، ويحصل التصرف، فإن قلت: هذا التأويل لا يتم إلا إذا كانت الواو هي العاطفة فلم عدل عنها وبها يحصل في الكلام حسن النسق وائتلاف الألفاظ مع المعاني إلى أو التي يسقط معها ذلك؟ قلت: تأثير الضر على أقسام: فإن من الضر ما يصرع المضرور عند وروده، ومنه ما يقعده، ومنه ما يأتي وصاحبه قائم ولا يبلغ به شيئاً من هذه الحالات، والدعاء عند أول مس الضر، فإن الضر والجزع عند الصدمة الأولى، فوجب العدول عن الواو لأو لتوخي الصدق في الخبر، والكلام على ذلك موصوف بالائتلاف وبحسن النسق، والخبر بذلك التأويل الأول عن شخص واحد، وبالتأويل الثاني عن أشخاص، فغلبت الكثرة، فوجب الإتيان بأو، وابتدئ بالشخص الذي يصرعه، لأن ضره أشد، فهو أكثر تضرعاً فوجب تقديم ذكره لأن تقديمه الأهم، وإذا تقدم ذكر المضطجع أوجب حسن الترتيب أن يليه ذكر القاعد وأن يلي ذكر القاعد ذكر القائم،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985416,"book_id":6313,"shamela_page_id":94,"part":null,"page_num":176,"sequence_num":94,"body":"فحصل حسن الترتيب، وائتلاف الألفاظ بمعانيها، وترجح مجيءُ أو على مجيءِ الواو، ولا تدل عليه من تعدد المضطرين دون الواو.\rوكقوله: \" يهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً ويجعل من يشاء عقيماً \" لأنه سبحانه إما أن يفرد العبد: بهبة الإناث أو بهبة الذكور أو يجمعهما له، أو لا يهبه شيئاً، ووقعت صحة الأقسام في هذه الآية على ترتيب البلاغة، وهو الانتقال من الأدنى إلى الأعلى فقدم هبة الإناث لتنتقل منها إلى أعلى منها، وهي هبة الذكور، ثم انتقل إلى أعلى منها وهي هبة الإناث والذكور، فجاءت كل أقسام العطية بلفظ الهبة، وأفرد معنى الحرمان بالتأخر لأن أفضاله على عباده أهم من حرمانه إياهم، وتقديم الأهم أولى، وقال في معنى الحرمان: ويجعل عادلاً عن لفظ الهبة لتأتي الألفاظ ملائمة للمعاني قياساً على قوله تعالى: \" أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون لو نشاء لجعلناه حطاماً \" وهكذا الاعتداد بالماء والنار، فأتى لفظ العطاء بلفظ الزرع، ومعنى الحرمان بلفظ الجعل.\rوفي السنة من صحة الأقسام قول رسول الله ﵊ \" ليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت \" ولا رابع لهذه الأقسام.\rووقف أعرابي على حلقة الحسن البصري فقال: رحم الله من تصدق من فضل، أو واسى من كفاف، أو آثر من قوت: فقال الحسن: ما ترك الأعرابي منكم أحداً حتى عمه بالمسئلة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985417,"book_id":6313,"shamela_page_id":95,"part":null,"page_num":177,"sequence_num":95,"body":"ومن أمثلة هذا الباب الشعرية قول نصيب طويل:\rفقال فريق القوم لا وفريقهم ... نعم وفريق ليمن الله ما ندري\rفليس في أقسام الإجابة غير ما ذكر.\rوقال بشار طويل:\rفراح فريق في الإسار، ومثله ... قتيل، ومثل لاذ بالبحر هاربه\rوأوجز من هذا في معناه قول عمرو بن الأهتم خفيف:\rاشربا ما شربتما فهذيل ... من قتيل وهارب وأسير\rومن جيد صحة الأقسام قول شاعر الحماسة طويل:\rوهبها كشيء لم يكن أو كنازح ... به الدار أو من غيبته المقابر\rفلم يبق في تقسيم المعدوم شيئاً حق ذكره، لأن الشيء إما مقدراً لم يوجد، أو قد وجدد وعدم إما بالنزوح أو بالفناء، وكقول أبي تمام في الأفشين وقد أحرق كامل:\rصلى لها حيا وكان وقودها ... ميتاً، ويدخلها مع الفجار\rوالبارع في هذا الباب قول عمرو بن كلثوم وافر:\rنطاعن ما تراخى الصف عنا ... ونضرب بالسيوف إذا غشينا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985418,"book_id":6313,"shamela_page_id":96,"part":null,"page_num":178,"sequence_num":96,"body":"وأحسب أن أول من نطق بصحة التقسيم زهير حيث قال: طويل\rوأعلم ما في اليوم والأمس قبله ... ولكنني عن علم ما في غد عمي\rونقل أبو نواس هذا المعنى من الجد إلى الهزل، فقال في الحض على الشرب منسرح:\rأمر غد أنت منه في لبس ... وأمس قد مر فاسل عن أمس\rوإنما الشأن شأن يومك ذا ... فباكر الشمس بابنة الشمس\rوكنت أظن أن زهيراً هو المبتدئ بصحة التقسيم حتى عثرت على قول امرئ القيس طويل:\rوليس بذي رمح فيطعنني به ... وليس بذي سيف وليس بنبال\rفاستوعب آلات القتال، ورتبها في البيت على ما يكون عليه في الحرب من الأفضل فالأفضل. فتمت صحة التقسيم بجميع شروطها كما ترى، وما ألطف قول بعض المغاربة خفيف:\rشغل الدهر من لقاء حبيب ... ليت شعري متى؟ وكيف؟ وأينا؟\rفاستوعب أقسام الظروف الزمانية والمكانية، وكيف التي يسأل بها عن الأحوال.\rوالنادر في صحة الأقسام قول عمر بن أبي ربيعة طويل:\rتهيم إلى نعم فلا الشمل جامع ... ولا الحبل موصول ولا أنت مقصر\rولا قرب نعم إن دنت لك نافع ... ولا بعدها يسلى ولا أنت تصبر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985419,"book_id":6313,"shamela_page_id":97,"part":null,"page_num":179,"sequence_num":97,"body":"باب صحة المقابلات\rصحة المقابلات عبارة عن توخي المتكلم ترتيب الكلام على ما ينبغي، فإذا أتى بأشياء في صدر كلامه أتى بأضدادها في عجزه على الترتيب، بحيث يقابل الأول بالأول، والثاني بالثاني لا يخرم من ذلك شيئاً في المخالف والموافق، ومتى أخل بالترتيب كان الكلام فاسد المقابلة، وقد تكون المقابلة بغير الأضداد.\rوالفرق بين المقابلة والمطابقة من وجهين: أحدهما أن المقابلة لا تكون إلا بالجمع بين ضدين فذين، والمقابلة تكون غالباً بالجمع بين أربعة أضداد: ضدان في صدر الكلام، وضدان في عجزه، وتبلغ إلى الجمع بين عشرة أضداد: خمسة في الصدر، وخمسة في العجز. والثاني أن المطابقة لا تكون إلا بالأضداد، والمقابلة تكون بالأضداد وبغير الأضداد.\rومن معجز هذا الباب قوله تعالى: \" ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله \" فانظر إلى مجيء الليل والنهار في صدر الكلام، ثم قابلهما في عجز الكلام بضدين، وهما السكون والحركة على الترتيب، ثم عبر عن الحركة بلفظ الإرداف، فاستلزم الكلام","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985420,"book_id":6313,"shamela_page_id":98,"part":null,"page_num":180,"sequence_num":98,"body":"ضرباً من المحاسن زائداً على المقابلة، وعدل عن لفظ الحركة إلى لفظ ابتغاء الفضل لكون الحركة تكون لمصلحة ولمفسدة، وابتغاء الفضل حركة المصلحة دون المفسدة، وهي تشير إلى الإعانة بالقوة، وحسن الاختيار الدال على رجاحة العقل وسلامة الحس، وإضاءة الظرف الذي تلك الحركة المخصوصة واقعة فيه، ليهتدي المتحرك إلى بلوغ المأرب، ويتقي أسباب المهالك، والآية سيقت للاعتداد بالنعم، فوجب العدول عن لفظ الحركة إلى لفظ هو ردفه وتابعه ليتم حسن البيان، فتضمنت هذه الكلمات التي هي بعض آية عدة من المنافع والمصالح، التي لو عددت بألفاظها الموضوعة لها لاحتاجت في العبارة عنها إلى ألفاظ كثيرة. فحصل في الكلام بهذا السبب عدة ضروب من المحاسن، ألا تراه سبحانه جعل العلة في وجود الليل والنهار حصول منافع الإنسان، حيث قال: \" لتسكنوا ولتبتغوا \" بلام التعليل، فجمعت هذه الكلمات المقابلة، والتعليل، والإشارة، والإرداف، وائتلاف اللفظ مع المعنى، وحسن البيان، وحسن النسق، فلذلك جاء الكلام متلائماً آخذة أعناق بعضه بأعناق بعض، ثم أخبرن بالخبر الصادق أن جميع ما عدده من النعم بلفظه الخاص، وما تضمنته العبارة من النعم التي تلزم من لفظ الإرداف بعض رحمته، حيث قال بحرف التبعيض: \" ومن رحمته \" وكل هذا في بعض آية عدتها عشر كلمات، فالحظ هذه البلاغة الباهرة والفصاحة المتظاهرة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985421,"book_id":6313,"shamela_page_id":99,"part":null,"page_num":181,"sequence_num":99,"body":"ومن أمثلة صحة المقابلات قول الرسول ﷺ: \" ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا الخرق في شيء إلا شانه \" فقابل ﵇ الرفق بالخرق، والزين بالشين بأحسن ترتيب وأتم مناسبة بين الرفق والخرق ولفظتي شانه وزانه.\rومن أمثلة صحة المقابلات الشعرية قول القائل أحسبه كثيراً في مقابلة الأضداد من أناشيد قدامة طويل:\rفوا عجباً كيف اتفقنا فناصح ... وفي ومطوي على الغل غادر\rفإن هذا الشاعر لما قدم ذكر النصح والوفاء في صدر البيت، قابلهما بذكر الغل والغدر في عجزه على الترتيب، لا، الغل ضد النصح، والغدر ضد الوفاء. وقد وقع في مقابلة الأضداد ما جمع بين ستة أضداد وهو بيت أنشده أبو دلامة للمنصور، وقد سأله عن أشعر بيت في المقابلة فأنشده بسيط\rما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا ... وأقبح الكفر والإفلاس بالرجل\rفإن الشاعر قابل أحسن بأقبح، والدين بالكفر، والدنيا بالإفلاس، فجمع بيته ما لم يجمعه بيت قيل قبله في التقابل، ولا خلاف في أنه لم يقل قبله مثله، وأما بعده فقد غير المتنبي في وجوه الناس بقوله بسيط\rأزورهم وسواد الليل يشفع لي ... وأنثني وبياض الصبح يغري بي\rفإنه جمع بين عشر مقابلات، قابل أزور بأنثنى، وسواداً ببياض، والليل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985422,"book_id":6313,"shamela_page_id":100,"part":null,"page_num":182,"sequence_num":100,"body":"بالصبح، ويشفع بيغرى، ولفظة لي بلفظة بي على الترتيب، ولا أعلم في باب التقابل أفضل من هذا البيت لجمعه من المقابلات ما لم يجمعه بيت لشاعر قبله ولا بعده إلى يومنا هذا، مع ما فيه من تمكين قافيته، بخلاف البيت الذي أنشده أبو دلامة، فإن قافيته مستدعاة لكون حسن الأشياء التي ذكرها، وقبحها لا يختص بالرجل دون المرأة، والمعنى قد تم بدون ذكر الرجل، ولو كان لما اضطر إلى القافية التي أفاد بها معنى زائداً بحيث يقول: بالبشر لكان البيت نادراً، غير أن المقابلة التي في البيت الذي أنشده أبو دلامة أفضل من المقابلة التي في بيت أبي الطيب، لأن المقابلة التي في البيت الأول بالأضداد، والتي في بيت المتنبي بالأضداد وبغير الأضداد، والمقابلة بالأضداد أفضل مراعاة للاشتقاق، لأن التقابل: التضاد والتناقض، فبيت المتنبي فضل بالكثرة والبيت الأول أفضل بجودة المقابلة، وقد أنشد بعض المؤلفين في هذا الباب قول أبي نواس طويل:\rأرى الفضل للدنيا وللدين جامعاً ... كما السهم فيه الفوق والريش والنصل\rوزعم أن هذا البيت فاسد المقابلة من جهة أنه قابل الدنيا والدين الذين هما طرفان بطرفي السهم، وهما الفوق والنصل، ونفي الريش لا مقابل له، وعندي أن البيت صحيح المقابلة، لأن أبا نواس قصد أن الممدوح جمع من الدين والدنيا ما ينتفع به، وما لا بد للعاقل المكلف منه، وهما طرفا نقيض، كما جمع طرفا السهم ما لا غنى بالسهم عنه، لأن الفوق","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985423,"book_id":6313,"shamela_page_id":101,"part":null,"page_num":183,"sequence_num":101,"body":"موضوع الوتر، والريش الموصل، والنصل المصمى، فشبه الممدوح بالسهم الجامع لمصالح الطرفين، ولما كان الريش والفوق في طرف واحد كانا معاً مقابلين للنصل، إذ هو في الطرف الآخر، ولم يضر تعدادهما. وهو يريد الطرف الجامع لهما على أن الإخلال بصحة التقسيم في ظاهر اللفظ لا يفسد صحة المقابلة، فرب كلام وقع في ظاهر لفظه إخلال ببعض أقسامه، لكون ذلك القسم لم يذكر فيه بالفعل، وكان مذكوراً فيه بالقوة في باطنه، فجاء ظاهر لفظه يوهم الإخلال وهو بريء منه، كما جاء في قوله تعالى: \" الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلاً \" فقدم في صدر الكلام أمران: الوعد بالفقر، والأمر بالفحشاء، ثم قابل الشيئين في الظاهر بشيء واحد وهو الوعد. فأوهم أنه أخل بذكر الأمر، وليس كذلك، وإنما لما كان الفضل مقابلاً للفقر، والمغفرة مقابلة للأمر بالفحشاء لأن الفحشاء توجب العقوبة. والمغفرة تقابل العقوبة، استغنى بذكر المقابل عن ذكر مقابله، لأن ذكر أحدهما ملزوم ذكر الآخر، ومثل ذلك من الشعر الفصيح قول القائل وافر:\rأسرناهم وأنعمنا عليهم ... وأسقينا دماءهم الترابا\rفما صبروا لبأس عند حرب ... ولا أدوا لحسن يد ثواباً","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985424,"book_id":6313,"shamela_page_id":102,"part":null,"page_num":184,"sequence_num":102,"body":"فإن ظاهر لفظ البيتين يؤذن بأن الشاعر أخل بمقابل قوله:\rوأسقينا دماءهم الترابا\rلأنه قابل اليأس بسلب الصبر، والإنعام بنفي الثواب، وليس الأمر كذلك لأن القتل والأسر داخلان في بأس الحرب، فهما شيء واحد وإن تعدد مقابلهما معاً بالصبر، لأنه يكون عليهما. والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985425,"book_id":6313,"shamela_page_id":103,"part":null,"page_num":185,"sequence_num":103,"body":"باب صحة التفسير والتبيين\rوهو أن يأتي المتكلم في أول الكلام، أو الشاعر في بيت من الشعر بمعنى لا يستقل الفهم بمعرفة فحواه دون أن يفسر، إما في البيت الآخر، أو في بقية البيت إن كان الكلام الذي يحتاج إلى التفسير في أوله.\rووقوع التفسير من الكلام على أنحاء: بعد الشرط، وما هو في معناه، وبعد الجار والمجرور، وبعد المبتدإ الذي التفسير خبره. فمثال ما وقع منه بعد الحروف المتضمنة معنى الشرط قول الفرزدق طويل:\rلقد جئت قوماً لو لجأت إليهم ... طريد دم أو حاملاً ثقل مغرم\rلألفيت منهم معطياً ومطاعناً ... وراءك شزراً بالوشيج المقوم\rومثال ما جاء بعد الجار والمجرور قول الحسين بن مطير الأسدي كامل:\rوله بلا حزن ولا بمسرة ... ضحك يواصل بينه وبكاء","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985426,"book_id":6313,"shamela_page_id":104,"part":null,"page_num":186,"sequence_num":104,"body":"وكلا الرجلين - أعني الفرزدق وابن مطير - لم يراعيا الترتيب، وإن كان عدم الترتيب مع حسن الجوار وقرب الملائم لا ينقص به حسن الكلام البليغ، بل هو عندي نوع من صحة التفسير، ألا ترى إلى قوله تعالى: \" يوم تبيض وجوه وتسود وجوه، فأما الذين اسودت وجوههم \" ثم قال بعد ذلك: \" وأما الذين ابيضت وجوههم \" ومثل ذلك قول الله تعالى: \" بسم الله الرحمن الرحيم \" فإنه لما قدم ذكر الأبلغ على ما دونه - وطريق البلاغة الترقي - نعلم من هذا الترتيب أن توخي الملاءمة، وحسن الجوار أولى من حسن الترتيب، إذ كان اسم الله تعالى يختص به دون بقية أسماءه، وكان الرحمن وصفاً مختصاً به دون بقية صفاته، فأتبع الأخص بالأخص، ولتوخي الملاءمة ومراعاة حسن الجوار عدل عن الإيضاح، وتعمد التقديم والتأخير الذي هو أحد الوجوه الثلاثة التي يحصل بها الإشكال، فإن التنزيل لو كان في آية الطهارة، \" فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وأرجلكم إلى الكعبين وامسحوا برؤسكم \" لم تختلف العلماء في المسح والغسل، لكن القصد إلى نظم الكلام على الوجه الأحسن من مجاورة الملائم بالملائم ليكون لفظ الكلام مؤتلفاً مع معناه، عدل عن ذلك الترتيب إلى التقديم والتأخير، لأن كل من وصف وضوء رسول الله ﷺ ووضوء أصحابه والتابعين لهم بإحسان لم يرو أن أحداً منهم غسل رجليه قبل مسح رأسه، وإذا علم أن مسح الرأس مقدم على غسل الرجلين علم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985427,"book_id":6313,"shamela_page_id":105,"part":null,"page_num":187,"sequence_num":105,"body":"أن الواجب غسل الرجل من حيث إنه سبحانه قدم ذكر مسح الرأس، ليعلمنا ترتيب غسل الأعضاء في الوضوء كما كانت في الغسل، فإن الغسل يختم فيه بغسل الرجلين، ولما أخر ذكر الرجلين أتى بالتحديد ليعلم أن الأمر فيهما معطوف على الأعضاء المغسولة، لا على العضو الممسوح، فإن المسح لم تضرب له غاية احتراساً ممن يظن أن الرجل ممسوحة، ولعربية الشافعي ومعرفته بكنه بلاغة العرب أوجب الترتيب في الوضوء، لكون الآية جاءت مرتبة للأعضاء، ولم يحفل بالتقديم والتأخير، وإن أوجب لبساً اتكالاً على ما في التحديد من دفع ذلك اللبس. وما سمعت ولا غيري بمستمع كقول الله ﷾: \" سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون \" فإن صحة التقسيم اندرجت في صحة التفسير، واندمج الترتيب والتهذيب في صحة التقسيم، وحصل الائتلاف من حصول الترتيب، إذ قدم سبحانه النبات، وثنى بأشرف الحيوان، فكان غيره من الحيوان بطريق أولى، ثم ثلث بقوله: \" ومما لا يعلمون \" فاندرج تحت هذا العموم كل ما اختص الله بعلمه من المولدات الثلاث، بل من جميع المخلوقات من كل موجود سوى الله، فحصل الترقي على سنن الفصاحة، والمشي على نهج البلاغة وأتت الفاصلة في غاية التمكين، فالآية الكريمة لذلك تصلح أن تكون شاهداً للتفسير، والتقسيم، والتهذيب، والائتلاف، والتمكين، وإنما خصصت بها باب التفسير، لأنه أول مذكور فيها، ومنه تتفرع بقية ما انطوت عليه من","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985428,"book_id":6313,"shamela_page_id":106,"part":null,"page_num":188,"sequence_num":106,"body":"المحاسن، ولقد أحسن ابن شرف القيرواني في التفسير الواقع بعد الجار والمجرور حيث قال طويل:\rلمختلفي الحاجات جمع ببابه ... فهذا له فن وهذا له فن\rفللخامل العليا وللمعدم الغنى ... وللمذنب العتبى وللخائف الأمن\rون أناشيد قدامة فيما جاء من التفسير بعد الحروف المتضمنة معنى الشرط قول صالح بن جناح اللخمي طويل:\rلئن كنت محتاجاً إلى الحلم إنني ... إلى الجهل في بعض الأحايين أحوج\rثم فطن الشاعر إلى أنه أجمل في قوله: وإن كنت محتاجاً إلى الحلم، فإنني في بعض الأوقات إلى الجهل أحوج، ولم يبين كونه إذا احتاج إلى الجهل واضطر له هل يقدر على أن يجهل؟ فقال في البيت الثاني طويل:\rولي فرس للحلم بالحلم ملجم ... ولي فرس للجهل بالجهل مسرج\rفبين أن عنده حلم لمن يعامله بالحلم، وجهل لمن يعامله بالجهل، وهذا بسط قول عمرو بن كلثوم وافر:\rألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا\rلكن بيت ابن جناح أمشى على سنن العدل من بيت ابن كلثوم لاستضاءته","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985429,"book_id":6313,"shamela_page_id":107,"part":null,"page_num":189,"sequence_num":107,"body":"بنور القرآن العزيز، وتأدبه بأدبه لأنه عقد بالوزن قوله تعالى: \" فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم \".\rثم فطن - أعني ابن جناح - إلى كونه لم يتبين العلة التي تحوجه إلى الجهل، فقال في البيت الثالث طويل:\rفمن شاء تقويمي فإني مقوم ... ومن شاء تعويجي فإني معوج\rومثال ما جاء من التفسير بعد خبر المبتدإ بشرط أن يكون المفسر مجملاً والمفسر له مفصلاً قول ابن الرومي كامل:\rآراؤكم ووجوهكم وسيوفكم ... في الحادثات إذا دجون نجوم\rمنها معالم للهدى ومصابح ... تجلو الدجى والأخريات رجوم\rوهذا أفضل ما سمعته في باب التفسير من الشعر، فإنه راعى فيه الترتيب أحسن مراعاة، فلو كمله بأن يستوعب فيه أقسام منافع النجوم بأن يضيف إلى ما ذكره سقياها الأرض، حصل في بيته صحة التقسيم مع صحة التفسير، وإن كان هذا غير لازم للشاعر، لكنه لو اتفق له ذلك كان أحسن. ولما لحظت ذلك خطر لي أن أعمل معناه على ما وقع لي من صحة التقسيم مع صحة التفسير، فقلت في شرف الدين حسن بن سناء الملك؛ طويل:\rلآبائك الماضين يا حسن الندى ... صفات بها لا غير تعلو المراتب\rوجوه وآراء وشهب عزائم ... وأيد بديجور الخطوب كواكب\rيماط الدجى منها ويهدي بها الورى ... ويرحم من يجنى وتسقى السحائب","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985430,"book_id":6313,"shamela_page_id":108,"part":null,"page_num":190,"sequence_num":108,"body":"ومن بديع التفسير قول أبي جعفر الخراز النظيري من نظر بلنسية، من شعراء المائة السادسة في ابن عباد طويل:\rوما زلت أجني منك والدهر ممحل ... ولا ثمر يجني ولا زرع يحصد\rثمار أياد دانيات قطوفها ... لأغصانها ظل علي ممدد\rيرى جارياً ماء المكارم تحتها ... وأطيار شكري فوقهن تغرد\rون التفسير نوع لا تعرف صحته، لأنه يأتي مفسراً لشيء مقدر في النفس، لم يجر له ذكر في الكلام الذي تقدم، لكنه يكون ملزوم الكلام المتقدم من ظاهر اللفظ، ولأن المفسر لا تنحصر تفاصيله كقول المتنبي كامل:\rوجلا الوداع من الحبيب محاسناً ... حسن العزاء وقد جلين قبيح\rفيد مسلمة وطرف شاخص ... وحشاً يذوب ومدمع مسفوح\rوذلك أن البيت الثاني لا يصلح أن يكون تفسيراً للبيت الأول، لأن البيت الأول أشار إلى صفات الحبيب، والبيت الثاني يشير إلى أحوال المحب، وإنما لما قال في البيت الأول إن الوداع جلا من الحبيب محاسناً قبح عند رؤيتها، كان كأنه قدر في نفسه أنه عندما تحقق مقارنة تلك المحاسن بقيت حاله على ما شرحه وفسره في البيت الثاني.\rومن مليح التفسير وبديعه قول محمد ابن وهيب في المعتصم بسيط","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985431,"book_id":6313,"shamela_page_id":109,"part":null,"page_num":191,"sequence_num":109,"body":"ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها ... شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر\rولقد أحسن مجد الملك بن شمس الخلافة حين تناول هذا المعنى ما شاء، فإنه وطأ له توطئة ملائمة، لو اقتصرنا في تفضيله عليها كانت كافية لا سيما وقد زاد فيه زيادة غير خافية عن ذي بصيرة حيث قال كامل:\rشيئان حدث بالقساوة عنهما ... قلب الذي يهواه قلبي والحجر\rوثلاثة بالجود حدث عنهم ... البحر والملك المعظم والمطر\rلكن واسطة الثلاثة خيرها ... وكذاك خير العقد واسطة الدرر\rومن التفسير ضرب يأتي في حشو البيت وهو غريب في التفسير، لأن غالب مجيء التفسير إما في عجز البيت، أو في بيت آخر، وهو قول عمرو بن كلثوم وافر:\rويوم كريهة طعناً وضرباً ... أقر به مواليك العيونا\rفقوله: \" طعناً وضرباً \" تفسير ليوم الكريهة.\rومن لطيف التفسير وغريبه تفسير وقع بعد الإخبار، وهو غير الأقسام المتقدمة، وذلك قول أبي حية النميري طويل:\rفألقت قناعاً دونه الشمس واتقت ... بأحسن موصولين: كف ومعصم\rوالمعنى من قول النابغة الذبياني كامل:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985432,"book_id":6313,"shamela_page_id":110,"part":null,"page_num":192,"sequence_num":110,"body":"سقط النصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتقتنا باليد\rوبيت أبي حية أجزل لفظاً، وأتم معنى، وأحسن رونقاً وديباجة.\rومن مليح التفسير الذي وقع في بيت قول بعض المغاربة بسيط\rصالوا وجالوا وضاؤوا واحتبوا فهم ... أسد ومزن وأقمار وأجبال\rفإنه أحسن فيه الترتيب، ووقع التفسير في عجز البيت كله، والمفسر في الصدر كل بحيث أتى كل قسم مستقلاً بنفسه، وجمع إلى ذلك المساواة، فإن لفظه طبق معناه، ومن التفسير نوع يتقدم التفسير فيه على المفسر، كقول زينب بنت زياد المؤدب من شواعر العرب طويل:\rولا أبى الواشون إلا فراقنا ... وما لهم عندي وعندك من ثار\rوشنوا على أسماعنا كل غارة ... وقلت حماتي عند ذاك وأنصاري\rغزوتهم من مقلتيك وأدمعي ... ومن نفسي بالسيف والماء والنار\rفقولها: من مقلتيك وأدمعي ومن نفسي تفسير لبقية البيت.\rومن معجز التفسير ما جاء في الكتاب العزيز منه كقوله تعالى: \" والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومهم من يمشي على أربع \" فذكر سبحانه الجنس الأعلى أولاً حيث قال: \" كل دابة \" فاستغرق أجناس كل ما دب ودرج. ثم فسر هذا الجنس بعد ذلك بالأجناس المتوسطة والأنواع، حيث قال:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985433,"book_id":6313,"shamela_page_id":111,"part":null,"page_num":193,"sequence_num":111,"body":"فمنهم، ومنهم، ومنهم مراعياً للترتيب وذلك أنه قدم ما يمشي بغير آلة لكون الآية سيقت لبيان القدرة وتعجب السامع، وما يمشي بغير آلة أعجب مما يمشي بآلة، فلذلك كان تقديمه ملائماً لمقصود الآية، ثم ثنى بالأفضل فالأفضل، فأتى بما يمشي على رجلين، وهو الآدمي والطائر، لتمام خلق الإنسان وكمال حسن صورته، ولما في الطائر من عجب الطيران الدال على الخفة، مع ما فيه من كثافة الأرضية، وثلث بما يمشي على أربع لأنه أحسن الحيوان البهيم وأقواه، تغليباً له على ما يمشي على أكثر من الأربع من الحشرات، وإن كان داخلاً فيما يمشي على الأربع، وإنما خص ذلك بالذكر دونه لفضله عليه، فاستوعب الأقسام، وأحسن الترتيب، فتضمنت هذه الكلمات التي هي بعض آية عدة من المحاسن، وهي صحة التفسير وصحة التقسيم، مع مراعاة الترتيب، والإشارة، وائتلاف اللفظ مع المعنى وحسن النسق.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985434,"book_id":6313,"shamela_page_id":112,"part":null,"page_num":194,"sequence_num":112,"body":"باب ائتلاف اللفظ مع المعنى\rذا الباب ذكره قدامة وترجمه منفرداً، ولم يبين معناه، وشرحه الآمدي فأطال، ولم توف عبارته بإيضاحه؛ وتلخيص معنى هذه التسمية أن تكون ألفاظ المعنى المطلوب ليس فيها لفظة غير لائقة بذلك المعنى، ومثال ذلك قوله سبحانه: \" إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب \" فعدل سبحانه عن الطين الذي أخبر في كثير من مواضع الكتاب العزيز أنه خلق آدم منه، منها قوله تعالى: \" إني خالق بشراً من طين \" وقوله سبحانه حكاية عن إبليس: \" خلقتني من نار وخلقته من طين \" فعدل ﷿. وهو أعلم. عن ذكر الطين الذي هو مجموع الراب والماء إلى ذكر مجرد التراب، لأنه أدنى العنصرين، وأكثفهما لما كان المقصود مقابلة من ادعى في المسيح الإلهية بما يصغر أمر خلقه عند من ادعى ذلك، فهذا كان الإيتان بلفظة التراب أمتن بالمعنى من غيرها من العناصر ولو كان موضعه غيره لكان اللفظ غير مؤتلف بالمعنى المقصود، ولما أراد سبحانه الامتنان على بني إسرائيل بعيسى ﵇ أخبرهم عنه أنه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985435,"book_id":6313,"shamela_page_id":113,"part":null,"page_num":195,"sequence_num":113,"body":"يخلق لهم من الطين كهيئة الطير تعظيماً لأمر ما يخلقه بإذنه، إذ كان المعنى المطلوب الاعتداد عليهم بخلقه ليعظموا قدر النعمة به.\rومن ائتلاف اللفظ مع المعنى أن يكون اللفظ جزلاً إذا كان المعنى فخماً، ورقيقاً إذا كان المعنى رشيقاً، وغرساً إذا كان المعنى غريباً بحتاً، ومستعملاً إذا كان المعنى مولداً محدثاً، كقول زهير طويل:\rأثافي سفعاً في معرس مرجل ... ونؤباً كجذم الحوض لم يتثلم\rفلما عرفت الدار قلت لربعها ... ألا أنعم صباحاً أيها الربع وأسلم\rفإن زهيراً لما قصد إلى تركيب البيت الأول من ألفاظ تدل على معنى عربي لكن المعنى غير غريب، ركبه من ألفاظ متوسطة بين الغرابة والاستعمال، ولما قصد في البيت الثاني إلى معنى أبين من الأول وأعرف وإن كان غريباً ركبه من ألفاظ مستعملة معروفة.\rومن شواهد هذا القسم من الائتلاف من الكتاب العزيز قوله تعالى: \" قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضاً أو تكون من الهالكين \" فإنه سبحانه أتى بأغرب ألفاظ القسم بالنسبة إلى أخواتها، فإن والله وبالله أكثر استعمالاً وأعرف عند الكافة من تالله لما كان الفعل الذي جاور القسم أغرب الصيغ التي في بابه، فإن كان وأخواتها أكثر استعمالاً من تفتأ وأعرف عند الكافة، ولذلك أتى بعدهما","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985436,"book_id":6313,"shamela_page_id":114,"part":null,"page_num":196,"sequence_num":114,"body":"بأغرب ألفاظ الهلاك بالنسبة، وهي لفظة حرض ولما أراد غير ذلك قال في غير هذا الموضع \" وأقسموا بالله جهد أيمانهم \" لما كانت جميع الألفاظ مستعملة وعلى هذا فقس. والله أعلم.\rومن هذا الباب ملاءمة الألفاظ في نظم الكلام على مقتضى المعنى، لا من مجرد جملة اللفظ، فإن الائتلاف من جهة ما قدمنا من ملاءمة الغريب للغريب والمستعمل للمستعمل، لا من جهة المعنى، بل ذلك من جهة اللفظ.\rوأما الذي من جهة المعنى فقوله تعالى: \" ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار \" فإنه سبحانه لما نهى عن الركون للظالمين، وهو الميل إليهم، والاعتماد عليهم، كان ذلك دون مشاركتهم في الظلم، أخبر أن العقاب على ذلك دون العقاب على الظلم، وهو مس النار، دون الإحراق والاصطلاء، وإن كان المس قد يطلق ويراد به الاستئصال بالعذاب وشمول الثواب أكبر مجازاً، ولما كان المس أول ألم أو لذة يباشرها الممسوس جاز أن يطلق على ما يدل عليه استصحاب تلك الحال مجازاً، والحقيقة ما ذكرناه وهو في هذه الآية الكريمة على حقيقته، والله ﷿ أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985437,"book_id":6313,"shamela_page_id":115,"part":null,"page_num":197,"sequence_num":115,"body":"باب المساواة\rوهذا الباب مما فرعه قدامة من الباب المتقدم عليه، وشرحه بأن قال: هو أن يكون اللفظ مساوياً للمعنى حتى لا يزيد عليه ولا ينقص عنه وهذا من البلاغة التي وصف بها بعض الوصاف بعض البلغاء فقال: كانت ألفاظه قوالب لمعانيه، ومعظم آيات الكتاب العزيز كذلك، ومنها قوله تعالى: \" إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون \" فإن قيل: معظم هذه الآية من\r\rباب الإشارة، لأن العدل والإحسان والفحشاء والمنكر على قلة هذه الألفاظ تدل على معاني من أفعال البر وضدها لا تنحصر، ولا معنى للإشارة إلا دلالة اللفظ القليل على المعاني الكثيرة، فكيف تجتمع المساواة والإشارة؟ قلت: المساواة تطلق ويراد بها معنيان: أحدهما أن تكون ألفاظها ألفاظ المعنى الموضوعة له، فتلك هي التي لا تزيد على المعنى ولا تقصر عنه، وهي التي لا تجتمع مع الإشارة ولا الإرداف ولا غيرهما من الكلام الذي لفظه أقل من معناه، والثاني أن يكون لفظ الكلام غير لفظ معناه الموضوع له، كالإشارة والإرداف وما جرى هذا المجرى، فإن كانت كذلك ولم يأت المتكلم في أثناء الكلام وخلاله بلفظة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985438,"book_id":6313,"shamela_page_id":116,"part":null,"page_num":198,"sequence_num":116,"body":"زائدة على لفظ المقصد الذي قصده لإقامة وزن أو لاستدعاء قافية أو تتميم معنى، أو لإيغال أو سجعة، فتلك أيضاً مساواة لأن لكل باب لفظاً يخصه، فمتى زاد على ذلك اللفظ الدال على ذلك المعنى المقصود كان الكلام غير موصوف بالمساواة.\rومن هذا الباب في الكتاب العزيز قوله تعالى: \" وقيل يا أرض ابلعي ماءك \" الآية فإن قيل: لفظة القوم في قوله تعالى: \" وقيل بعداً للقوم الظالمين \" زائدة يمنع الآية أن توصف بالمساواة، فإنه لو قال وقيل بعداً للظالمين أجزأ. قلت: لما سبق قوله تعالى: \" وكلما مر عليها ملأ من قومه \" وقوله سبحانه: \" ولا تخاطبني في الذين ظلموا \" أوجبت البلاغة أن يقول في آخر الكلام: \" بعداً للقوم الظالمين \"، ولو اقتصر سبحانه على لفظة الظالمين دون لفظة القوم لتوهم متوهم أن آلة التعريف في الظالمين للجنس وهو خلاف المراد، فإن المراد بالظالمين هاهنا قوم نوح الذين قدم ذكرهم ووصفهم بالظلم، ونهاه عن المخاطبة فيهم ليرتد عجز الكلام على صدره، ويعلم أن المدعو عليهم هم الذين تقدم ذكرهم احتراساً من وقوع هذا التوهم، ولا يحصل ذلك إلا بذكر القوم فقد صار الإتيان بها يفيد معنى لم يفده الكلام بدونها.\rواعلم أن البلاغة قسمان: إيجاز، وإطناب، والمساواة معتبرة في القسمين معاً، فأما الإيجاز فكقوله تعالى: \" ولكم في القصاص حياة \"","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985439,"book_id":6313,"shamela_page_id":117,"part":null,"page_num":199,"sequence_num":117,"body":"والإطناب في هذا المعنى كقوله: \" ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل \" وكقوله سبحانه في قسم الإيجاز من غير هذا المعنى: \" خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين \" وكقوله تعالى في الإطناب: \" إن الله يأمر بالعدل والإحسان \" الآية، ولا بد من الإتيان بهذا الفصل لئلا يتوهم أن الإطناب لا يوصف بالمساواة.\rومن شواهد المساواة قول امرئ القيس متقارب:\rفإن تكتموا الداء لا نخفه ... وإن تبعثوا الحرب لا نقعد\rوإن تقتلونا نقتلكم ... وإن تقصدوا لدم نقصد\rوكقول زهير طويل:\rومهما تكن عند امرئ من خليقة ... وإن خالها تخفى على الناس تعلم\rوكقول طرفة طويل:\rستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985440,"book_id":6313,"shamela_page_id":118,"part":null,"page_num":200,"sequence_num":118,"body":"باب الإشارة\rوهو أيضاً مما فرعه قدامة من ائتلاف اللفظ مع المعنى، وشرحه بأن قال: هو أن يكون اللفظ القليل مشتملاً على المعنى الكثير بإيماء أو لمحة تدل عليه، كما قال بعضهم في صفة البلاغة: هي لمحة دالة، وشرح هذا الحد أنها إشارة المتكلم إلى معاني كثيرة بلفظ يشبه..لقلته واختصاره بإشارة اليد، فإن المشير بيده يشير دفعة واحدة إلى أشياء لو عبر عنها بلفظ لاحتاج إلى ألفاظ كثيرة جداً، ولا بد في الإشارة من اعتبار صحة الدلالة وحسن البيان مع الاختصار، لأن المشير بيده إن لم يفهم المشار إليه معناه بأسهل ما يكون، فإشارته معدودة من العبث، ولهذا قال هند ابن أبي هالة في وصف رسول الله ﷺ: \" يشير بكفه كلها وإذا تعجب قلبها، وإذا حدث اتصل بها فضرب براحته اليمنى باطن إبهامه اليسرى \" فوصفه ببلاغة اليد كما وصفه ببلاغة اللسان، يعني أنه يشير بيده في الموضع الذي تكون فيه الإشارة أولى من العبارة، وهذا حذق بمواضع المخاطبات. وقوله: \" كلها \" أي يفهم بها المخاطب كل ما أراده بسهولة فإن الإشارة ببعض الكف تصعب، وبكل الكف تسهل، فأعلمنا هذا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985441,"book_id":6313,"shamela_page_id":119,"part":null,"page_num":201,"sequence_num":119,"body":"الوصاف أنه ﷺ كان سهل الإشارة، كما كان سهل العبارة.\rوهذا ضرب من البلاغة الذي يمتدح بمثله، وهو أيضاً من بلاغة الواصف إذ أشار بقوله: كلها إلى كل المقصود الذي تدل عليه الإشارة، ومن حذق الواصف إتيانه بلفظ الإشارة في الوصف، لما أراد أن يصف الإشارة البديعية وقسمها قسمين: قسماً للسان وقسماً لليد، وقوله: \" وإذا تعجب قلبها \"، يعني أنه يشير بها على وجهها إذا كان المعنى الذي يشير إليه على وجهه ليس فيه ما يستغرب فيعجب منه، فإن الشيء المعجب إنما يكون معجباً لكونه غير معهود، فكأن الأمر فيه قد قلب لمخالفته المعهود، فلذلك يجعل ﷺ قلب يده في وقت الإشارة إشارة إلى أن هذا الأمر قد جاء على خلاف المعهود، ولذلك تعجب منه. وقوله \" وإذا حدث اتصل بها \" يعني اتصل حديثه بها فيكون المعنى متصلاً، والمفهوم بالعبارة والإشارة متلاحماً، آخذة أعناق بعضه بأعناق بعض، وقوله: \" فضرب براحته اليمنى باطن إبهامه اليسرى \" يعني أنه عند انتهاء إشارته يضرب براحته اليمنى باطن إبهامه اليسرى مشيراً إلى أنه ختم الإشارة، لأن الإبهام بها يختم القبض، ولذلك عطف هذه الجملة بالفاء، ولم يأت بها معطوفة بالواو، كما أتى بما قبلها من الجمل لكونها آخر إشاراته، والواو لكونها غير مقتضية للترتيب، يجوز أن يكون المتأخر بها متقدماً ولا كذلك الفاء، إذ لا بد أن يكون المعطوف بها متأخراً لكونها موضوعة للتعقيب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985442,"book_id":6313,"shamela_page_id":120,"part":null,"page_num":202,"sequence_num":120,"body":"وأما اقتصاره على باطن الإبهام دون ظاهرها فمعناه أنه جعل آخر الإشارة متصلاً بأول العبارة اتصالاً متلائماً كملاءمة باطن الكف التي ضرب بها باطن الإبهام التي ضرب عليها، وهذه أيضاً من بلاغة الواصف ﵁ ومن شواهد الإشارة في الكتاب العزيز قوله تعالى: \" وغيض الماء \" فإنه سبحانه أشار بهاتين اللفظتين إلى انقطاع مادة الماء من مطر السماء ونبع الأرض، وذهاب الماء الذي كان حاصلاً على وجه الأرض قبل الإخبار إذ لو لم يكن ذلك لما غاض الماء.\rوكقوله سبحانه: \" فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين \" فالمح كل ما تميل النفوس إليه من الشهوات وتلتذه الأعين من المرئيات، لتعلم أن هذا اللفظ القليل جداً عبر عن معان كثيرة لا تنحصر عداً. وكذلك قوله تعالى: \" فانبذ إليهم على سواء \" بمعنى قابلهم بما يفعلونه معك، وعاملهم بمثل معاملتهم لك سواء مع ما تدل عليه لفظة سواء من الأمر بالعدل، ومثل هذا المعنى قول زهير وافر:\rفإني لو لقيتك واتجهنا ... لكان لكل منكرة كفاء\rيعني: قابلت كل منكرة منك بكفئها.\rوإذا علمت ذلك فانظر ما بين هذا البيت وبين قوله تعالى: \" فانبذ إليهم على سواء \" لتعلم فرق ما بين الكلامين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985443,"book_id":6313,"shamela_page_id":121,"part":null,"page_num":203,"sequence_num":121,"body":"ومن أمثلة هذا الباب قول امرئ القيس وافر:\rبعزهم عززت وإن يذلوا ... فذلهم أنالك ما أنالا\rفانظر كم تحت قوله: أنا لك ما أنا لا من أنواع الذل، وكذلك قوله للمسيب كامل:\rولأشكرن غريب نعمته ... حتى أموت وفضله الفضل\rأنت الشجاع إذا هم نزلوا ... عند المضيق وفعلك الفعل\rفالحظ كم تحت قوله وفضله الفضل بعد إخباره بأنه يشكر غريب نعمته حتى يموت من أصناف المدح، وترجيح فضله على الشكر، وفي قوله غريب نعمته غاية المدح، إذ جعل نعمته نعمة لم يقع مثلها في الوجود قط، وكذلك قوله: وفعلك الفعل بعد إخباره بنزول القوم عند المضيق الدال على صبرهم وشجاعتهم، وما في ذلك من ترجيح شجاعة الممدوح عليهم.\rوكذلك قوله في صفة الفرس طويل:\rعلى هيكل يعطيك قبل سؤاله ... أفانين جرى غير كز ولا وان\rفإنه أشار بقوله أفانين جرى إلى جميع صنوف عدو الخيل المحمودة والذي يدل على أنه أراد الأفانين المحمودة، نفيه عن الفرس الكزوزة والونى، فسلبه صفات القبح من الجماح والحرن والاسترخاء والفتور، وجعله يعطي هذا الجري عفواً من غير طلب ولا حث، وهذا كمال الوصف","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985444,"book_id":6313,"shamela_page_id":122,"part":null,"page_num":204,"sequence_num":122,"body":"وتمام النعت، ولو عدت هذه المعاني بألفاظها الموضوعة لها لاحتيج في العبارة عنها إلى ألفاظ كثيرة.\rومن الإشارة نوع يقال له اللحن والوحي، وهو يجمع العبارة والإشارة ببعد لا يفهم طريقه إلا ذو فهم، كما قال الشاعر كامل:\rولقد وحيت لكم لكيما تفطنوا ... ولحنت لحناً ليس بالمرتاب\rومثال ذلك ما حكى عن رجل من بلعنبر، أسر في بكر بن وائل فسألهم أن يرسل إلى قومه؛ فقالوا: ترسل بحضرتنا، وخافا أن ينذرهم، فإنهم عزموا على غزو قومه، فحضروا وأحضروه عبداً، فقال له: أتعقل؟ قال: إني لعاقل، فأشار إلى الليل، وقال: ما هذا؟ فقال: الليل؛ فقال: أراك عاقلاً، فملأ كفه من الرمل وقال: كم عدد هذا؟ فقال: لا أدري وإنه لكثير، فقال: أيها أكثر: النجوم، أم النيران؟ فقال: إن كلا لكثرة، فقال: إيت قومي، وأقرئهم السلام وقل لهم: أكرموا فلاناً فإن قومه لي مكرمون، يعني أسيراً كان عند قومه من بكر بن وائل، ثم قل لهم: إن العرفج قد أوفى وقد اشتكت النساء، ومرهم أن يعروا ناقتي الحمراء، فقد أطالوا ركوبها، ويركبوا جملي الأصهب، وبآية ما أكلت معكم حيساً وسلوا عن خبري أخي الحارث، فلما قال لهم العبد ذلك قالوا: لقد جن الأعور والله ما له ناقة ولا جمل، فلما سألوا أخاه سأل العبد عما قال له أولاً فأخبره، فشرحه، وقال لهم: قد أنذركم، أما الليل فإنه أشار إلى أنكم في عمياء مظلمة، وأما الرمل فإنه أشار إلى أنكم تغزون بمثل عدده، وأما","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985445,"book_id":6313,"shamela_page_id":123,"part":null,"page_num":205,"sequence_num":123,"body":"النجوم والنيران، فأشار بذلك إلى كثرة عدد عدوكم، وأما قوله: أوفى العرفج فإنه أشار إلى أن العدو قد استلأموا وركبوا، وأما قوله: اشتكت النساء، أي اتخذوا القرب للغزو، وأما الناقة الحمراء فعني الدهناء، وقوله أطلتم ركوبها، إشارة إلى أنكم قد عرفتم بإيطانها لطول مقامكم بها فأمركم أن ترحلوا عنها، وتنزلوا الصمان، وهو الجمل الأصهب الذي أمر كم بركوبه، ففعلوا فسلموا، وأما الحيس، فإشارة إلى أن عدوكم قد جمع لكم أخلاطاً كما جمع الحيس السمن والتمر والأقط والله أعلم.\rومن أمثلة الوحي والإشارة بضرب من الاستعارة قول يزيد بن الوليد لمروان بن محمد، وقد بلغه عنه تلكؤه عن بيعته: أراك تقدم رجلاً وتؤخر أخرى، فإذا قرأت كتابي هذا فاقعد على أيهما شئت.\rومن ذلك قول الحجاج للمهلب: إن فعلت وإلا أشرعت لك صدر الرمح، فقال المهلب متى أشرع الأمير إلى صدر الرمح قلبت له ظهر المجن.\rومن شواهده الشعرية قول امرئ القيس طويل:\rوما ذرفت عيناك إلا لتضربي ... بسهميك في أعشار قلب مقتل\rوقوله عمرو بن معد يكرب طويل:\rفلو أن قومي أنطقتني رماحهم ... نطقت ولكن الرماح أجرت","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985446,"book_id":6313,"shamela_page_id":124,"part":null,"page_num":206,"sequence_num":124,"body":"وكقول شاعر الحماسة طويل:\rبني عمنا لا تنبشوا الشعر بعدما ... دفنتم بصحراء الغمير القوافيا\rوكقول الآخر طويل:\rأقول وقد شدوا لساني بنسعة ... أمعشر تيم أطلقوا من لسانيا\rوكل هذا من قول رسول الله ﷺ وقد أنشده العباس بن مرداس متقارب:\rأتجعل نهبي ونهب العبيد\rفقال: يا علي، اقطع لسانه عني، فأخذ علي بيده فأخرجه، فقال أقاطع لساني يا أبا الحسن؟ فقال: إني لممض فيك ما أمر، وكل هذا من قوله تعالى: \" فما أصبرهم على النار \" ويدخل في هذا قوله ﷿: \" وثيابك فطهر \" أي بدنك، قال الأصمعي: في تفسير هذا الحرف: تقول العرب فدى لك ثوبي، يريدون نفسه، وأنشد وافر:\rألا أبلغ أبا حفص رسولاً ... فدى لك من أخي ثقة إزارى\rوقال عنترة كامل:\rفشككت بالرمح الطويل ثيابه ... ليس الكريم على القنا بمحرم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985447,"book_id":6313,"shamela_page_id":125,"part":null,"page_num":207,"sequence_num":125,"body":"باب الأرداف والتتبيع\rهذا الباب مما فرعه قدامة أيضاً من ائتلاف اللفظ مع المعنى، وسماه هذه التسمية، وشرح تسميته بأن قال: هو أن يريه المتكلم معنى فلا يعبر عنه بلفظه الموضوع له، ويعبر عنه بلفظ هو ردفه وتابعه أي قريب من لفظه قرب الرديف من الردف، مثل قوله تعالى: \" واستوت على الجودي \" فإن حقيقة ذلك وجلست على هذا المكان، فعدل عن لفظ المعنى الخاص به إلى لفظ هو ردفه، وإنما عدل عن لفظ الحقيقة لما في الاستواء الذي هو لفظ الإرداف من الإشعار بجلوس متمكن لا زيغ فيه ولا ميل، وهذا لا يحصل من قولك جلست أو قعدت أو غير ذلك من ألفاظ الحقيقة، إذ كان المراد والله أعلم الإخبار ينفي الأسباب الموجبة خوف أهل السفينة من السفينة في حالتي حركتها وسكونها، وذلك لا يحصل حتى يفهم السامع أنها جلست جلوساً متمكناً لا يمل فيه يوجب الخوف، ولا يحصل إلا بلفظ الاستواء دون غيره، وقد جاء في السنة من أمثلة هذا الباب قول النبي ﷺ حكاية عن بعض النسوة في حديث أم زرع حيث قالت: \" زوجي رفيع العماد، عظيم الرماد، قريب البيت من المناد \" فإنها أرادت مدح زوجها بتمام الخلق والتقدم على قومه ونهاية الكرم، ولو عبرت عن هذه المعاني بألفاظها لاحتاجت بإزاء كل معنى لفظاً يخصه، فتكثر الألفاظ، ولا يدل كل لفظ إلا على معناه فقط، وألفاظ الإرداف كل لفظ منها يدل على جميع ما أرادت من صفات المدح على انفراد، لا، قولها رفيع العماد يدل على تمام الخلق إذ بناء البيوت على مقادير أجسام الداخلين لها غالباً، ويدل على عظم قدر صاحبه، إذ لا يقدر على أن يرفع بيته على البيوت إلا من قدره مرتفع على الأقد، ارويدل على الكرم أيضاً، لأن الوفود والضيفان يعمدون إلى قصد البيوت المرتفعة دون بيوت الصرم وكذلك عظم الرماد يدل على عظم القدر وعظم الكرم وكثرة الثروة، ومثله قولها \" قريب البيت من","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985448,"book_id":6313,"shamela_page_id":126,"part":null,"page_num":208,"sequence_num":126,"body":"الناد \" ليسبق إلى الضيف، لأن الضيف يقصد النادي، وهو موضع مجمع رجال الحي للحديث، فإذا كان البيت قريباً منه كان صاحبه إلى الضيف أسبق، ولا تحصل هذه المعاني إلا من لفظ الإرداف، فإن قيل: فإذا كانت كل لفظة من ألفاظ الإرداف تدل على عدة معان فما الفرق بين الإرداف والإشارة؟ قلت: لفظ الإرداف يتضمن مع الدلالة على المعاني الكثيرة زيادة مدح للمدوح، ووصف للموصوف، ولفظ الإشارة لا يتضمن إلا الدلالة على كثرة المعاني فقط.\rومن شواهد هذا الباب الشعرية قول امرئ القيس طويل:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985449,"book_id":6313,"shamela_page_id":127,"part":null,"page_num":209,"sequence_num":127,"body":"ويضحي فتيت المسك فوق فراشها ... نؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضل\rفإنه أراد أن يصف هذه المرأة بأنها مخدومة، لها من يكفيها أمر بيتها، فعبر عن ذلك بلفظ يدل على أنها موصوفة بالنعمة ودقة البشرة واقتبال الشباب وكثرة الحظوة وعظم الثروة، فعدل عن لفظ هذا المعنى الذي أراده إلى لفظ هو ردفه حيث قال: طويل\rويضحى فتيت المسك فوق فراشها ... نؤوم الضحى............\rلأنها لا تنام الضحى إلا وهي مخدومة عندها من يكفيها أمر بيتها، فهي لا تباشر الأعمال، ولذلك تكون منعمة مرفهة غير شظفة ولا ممتهنة، ألا تراه أكد ذلك بقوله: \" لم تنتطق عن تفضل \" أي لم تشد في وسطها نطاقاً على ثوبها الذي تنام فيه كفعل من يريد أن يعمل عملاً من النساء، ودل قوله:\rويضحي فتيت المسك فوق فراشها\rعلى أنها حظية عند الرجال المثرين، وأنهم في غاية الميل إليها مع القدرة بالثروة على الاستكثار من حرائر النساء ومن الإماء، إما لإفراط جمالها، أو لسعد جدها، وأنها ممن يسمح لها من أعلى الطيب وأغلاه بما يبقى فتيته في صبيحة كل ليلة على فراشها، بعد ما يتصعد منه ويلصق بجسمها. ويعلق بشعرها وبشرتها؛ ولا يعطي قوله: إن هذه المرأة لها من يخدمها جميع ما يعطيه قوله: \" نؤوم الضحى \" فإن هذا اللفظ مع","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985450,"book_id":6313,"shamela_page_id":128,"part":null,"page_num":210,"sequence_num":128,"body":"دلالته على أنها مخدومة يدل على كثرة النوم الذي لا يكون إلا من غلبة الدم الطبيعي في سن النمو، وطبيعة الدم حارة رطبة، وهي طبع الحياة ومادتها. فيكون اللون به مشرقاً، والماء في الوجه كثيراً، والأخلاق حسنة، لأجل اعتدال المزاج، ولو ترك لفظ الإرداف وعبر عما قصده باللفظ الخاص وهو قوله: إنها مخدومة لم تحصل هذه المعاني التي حصلت من لفظ الإرداف، وكذلك لو قال: إنها من أهل الثروة لم يوف بما أراد من كونها معشقة للمثرين من الرجال، مع القدرة بالثروة على الاستكثار من النساء، وأنها ممن يسمح لها بذلك، فوجب العدول عن لفظ المعنى إلى لفظ الإرداف، لدلالته مع اختصاره على المعاني التي لا يدل عليها لفظ الحقيقة، ولما يتضمن من زيادة الوصف، وقد انتحل ابن رشيق أحد أسمى هذا الباب وهو التتبيع وأفرده بابا من الإرداف، وزعم أن غيره واستشهد عليه بشواهد فيها ما لا يمس به ألبتة، وبقيتها لا يعقل الفرق بينه وبين شواهد الإرداف، وهو يظن أنه قد فرق بينهما منها قول المتنبي طويل:\rإلى كم ترد الرسل عما أتوا له ... كأنهم فيما وهبت ملام\rوقال: أعني ابن رشيق دل هذا البيت على الشجاعة بلفظ الإرداف، ودل على الكرم بلفظ التتبيع يعني أن الإرداف اشتقاقه من الردف فلفظه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985451,"book_id":6313,"shamela_page_id":129,"part":null,"page_num":211,"sequence_num":129,"body":"أقرب إلى لفظ المعنى؛ والتتبيع: من التتابع، والتابع يكون قريباً ويكون بعيداً. ويعد ذلك على قدامة من أغاليطه وهو أولى بالغلظ منه، لأن التتبيع وإن كان في نفس الأمر كما ظنه لكنه في هذا الموضع أراد به التابع القريب بدليل أنه ذكره بلفظ التفعيل الدال على النكتتين، ولو لم يقصد ذلك لقال: الإتباع دون البعيد فإن الألفاظ إذا كانت من أجل الوضع تدل على معنيين بحيث لا يتخلص إلى أحدهما دون الآخر إلا بقرينة، كانت حال اقترانها بالقرائن مخلصة للمعنى الذي تدل عليه القرينة.\rوقدامة أتى بلفظ التتبيع مقترناً بالإرداف، فعلم أنه أراد التابع القريب والرديف تابع قريب، فلا فرق بينهما في هذا الموضع.\rوأما بيت المتنبي الذي أتى به ابن رشيق ليكون دليلاً له فهو دليل عليه، لأنه عكس ما فسره به، وذلك أن اللفظ الدال فيه على الكرم هو الذي يجب أن يسمى إردافاً لأنه أقرب إلى لفظ الكرم، لكونه صرح فيه بلفظ الهبة، واللفظ الدال على الشجاعة بعيد من لفظ الشجاعة بالنسبة إلى لفظ الكرم، وقدامة رأى الفصحاء قد دلوا تارة على مقاصدهم بألفاظ قريبة من الألفاظ الموضوعة لتلك المقاصد، وطوراً بألفاظ بعيدة من الألفاظ الموضوعة لتلك المقاصد فسمي الأول إردافاً، والثاني تمثيلاً، لأن المثل وإن وجد قريباً من المثل وبعيداً فلا يبلغ قرب التابع القريب ولا الرديف، وسيأتي بيان ذلك في الباب الذي يلي هذا الباب، والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985452,"book_id":6313,"shamela_page_id":130,"part":null,"page_num":212,"sequence_num":130,"body":"وأخذ ابن الأثير يؤيد ما ذكره ابن رشيق بأن قال: وفي الألفاظ ما يدل على المعنى بظاهره، وفيها ما يدل على المعنى بتأويله، والأول هو الإرداف، والثاني هو التتبيع، ومثال الأول قول عمر بن أبي ربيعة طويل:\rبعيدة مهوى القرط إما لنوفل ... أبوها وإما عبد شمس وهاشم\rوقال: بعد مهوى القرط يفهم منه طول العنق بغير تأويل، بخلاف قول المتنبي:\rإلى كم ترد الرسل عما أتوا له\rفإن صدر هذا البيت لا يدل على الشجاعة بظاهره، وإنما يدل عليها بالتأويل.\rولو رأى ضياء الدين ﵀ كتابه الذي سماه تزييف النقد، يرد به على قدامة رأى كتاباً يحلف الحالف صادقاً أنه ما تكلم فيه بحرف واحد إلا وهو مطبق الجفون ليس له وقت إفاقة ألبتة.\rوأما كلامه في هذا الفصل فما هو عندي بالبعيد من كلامه في هذا الكتاب الذي أشرت إليه.\rوأما قول ضياء الدين رحمه الله تعالى: إن مهوى القرط يدل على طول العنق بغير تأويل، فكل مميز من بنى آدم يعلم أن قولنا: طويلة العنق يفارق قولنا: بعيدة مهوى القرط من جهة أن الأول علامة لطول العنق، متى سمع فهم منه هذا المعنى، بخلاف قوله: بعيدة مهوى القرط، فإنه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985453,"book_id":6313,"shamela_page_id":131,"part":null,"page_num":213,"sequence_num":131,"body":"لا يفهم منه معنى طول العنق إلا بالتأويل، وهو أن قرطها إنما كان بعيد موضع الهبوط لطول عنقها، فدلالة الأول دلالة مطابقة، ودلالة الثاني دلالة التزام، وكذلك قول المتنبي:\rإلى كم ترد الرسل\rفإنه أيضاً يدل على الشجاعة بالتأويل، فقد استويا في الدلالة على المعنى بالتأويل، إذ لا يصلح واحد منهما أن يدل على المعنى بظاهره، فلا فرق بينهما من هذا الوجه، وإنما الفرق بينهما من جهة القرب والبعد، فإن لفظ بعد مهوى القرط أقرب إلى لفظ طول العنق من لفظ رد الرسل إلى لفظ الشجاعة، فلا جرم أن الأول يسمى إردافاً، والثاني يسمى تمثيلاً، لقرب الإرداف من لفظ المعنى، وبعد التمثيل من لفظه، وليس العجب من كون هذا الموضع أشكل على ابن رشيق، فإنه قد أشكل عليه ما هو أوضح منه، وإنما العجب كيف يمشي على ضياء الدين ﵀ مع رجاحة عقله، وثقوب ذهنه، وسلامة حسه والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985454,"book_id":6313,"shamela_page_id":132,"part":null,"page_num":214,"sequence_num":132,"body":"باب التمثيل\rذا الباب أيضاً مما فرعه قدامة من ائتلاف اللفظ مع المعنى، وقال: هو أن يريد المتكلم معنى فلا يدل عليه بلفظه الموضوع له ولا بلفظ قريب من لفظه، وإنما يأتي بلفظ هو أبعد من لفظ الإرداف قليلاً، يصلح أن يكون مثالاً للفظ المعنى المراد، مثل قوله تعالى: \" وقضي الأمر \" وحقيقة هذا: أي هلك من قضى هلاكه، ونجا من قدرت نجاته، وإنما عدل عن اللفظ الخاص إلى لفظ التمثيل لأمرين: أحدهما اختصار أمر اللفظ، والثاني كون الهلاك والنجاة كانا بأمر مطاع، إذ الأمر يستدعي آمراً، وقضاؤه يدل على قدرة الآمر، وطاعة المأمور، ولا يحصل ذلك من اللفظ الخاص.\rومن شواهده في السنة قول الرسول ﷺ حكاية عن بعض النسوة في حديث أم زرع: \" زوجي ليل تهامة، لا حر ولا برد، ولا وخامة ولا سآمة \" فعدلت عن لفظ المعنى الموضوع له إلى لفظ التمثيل، لما فيه من الزيادة، وذلك تمثيلها الممدوح باعتدال المزاج المستلزم حسن الخلق، وكمال العقل اللذين ينتجان لين الجانب وطيب المعاشرة، وخصت","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985455,"book_id":6313,"shamela_page_id":133,"part":null,"page_num":215,"sequence_num":133,"body":"الليل بالذكر لما في الليل من راحة الحيوان، وخصوصاً الإنسان، لأنه يستريح فيه من الكد والفكر، ولكون الليل جعل سكناً، والسكن الحبيب، لا سيما وقد جعلته ليلاً معتدلتاً بين الحر والبرد، والطول والقصر، وهذا صفة ليل تهامة، لأن الليل يبرد فيه الجو بالنسبة إلى النهار مطلقاً، لغيبة الشمس، وخلوص الهواء من اكتساب الحر فيكون في البلاد الباردة شديدة البرد، وفي البلاد الحارة معتدل البرد مستطابه، فقالت: زوجي مثل ليل تهامة، وحذفت أداة التشبيه، ليقرب المشبه من المشبه به، وهذا مما يبين لك لفظ التمثيل في كونه لا يجيء إلا مقدراً بمثل غالباً، ولا كذلك لفظ الإرداف، وإلا فانظر إلى قول صاحبتها في الإرداف: زوجي رفيع العماد فتجدها قد وصفته بصيغة المبتدأ والخبر، لكون الخبر غير المبتدأ لأمثله، إّ لا يجوز هاهنا تقدير مثل في الكلام لتعلم أن لفظ الإرداف أقرب إلى لفظ المعنى من التمثيل.\rومن شواهد التمثيل الشعرية قول الرماح بن ميادة طويل:\rألم أك في يمنى يديك جعلتني ... فلا تجعلني بعدها في شمالكا\rفإن هذا الشاعر أراد أن يقول: ألم أكن قريباً منك، فلا تجعلني بعيداً عنك، فعدل عن هذا اللفظ الخاص إلى لفظ التمثيل، لما فيه من الزيادة في المعنى، لما تعطيه لفظتا اليمين والشمال من الأوصاف التي لا تحصل إلا بذكرهما، وذلك لأن اليمين أشد قوة من الشمال غالباً وهي أقرب إلى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985456,"book_id":6313,"shamela_page_id":134,"part":null,"page_num":216,"sequence_num":134,"body":"ربها من الشمال لأنها بها يأخذ، وبها يعطي، وبها يبطش، وهي مكرمة عنده، قد أهلت لطعامه وشرابه واستغفاره وأذكاره، والشمال مؤهلة لاستنجائه، واستنثاره، والمهنة الدنية، واسم اليمين مشتق من اليمن، وهو البركة، واسم الشمال مشتق من الشؤم، وهو ضد البركة، ولهذا حض الشارع ﷺ على التيامن، فقال لأنس لما أراد سقي أبكر بعد النبي ﷺ وهو على شمال رسول الله ﷺ، وعلى يمينه أعرابي: اسق الأعرابي الأيمن فالأيمن.\rوقالت عائشة ﵂، كان رسول الله ﷺ يحب التيامن حتى في وضوئه وانتقاله، وقال عمرو بن كلثوم وافر:\rصددت الكأس عنا أم عمرو ... وكان الكأس مجراها اليمينا\rوقال الله تعالى: \" وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين في سدر مخضود \" وقال بعد ذلك: \" وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال في سموم \" فكأن هذا الشاعر قال لممدوحه: ألم أكن مكرماً عندك فلا تجعلني مهاناً وكنت منك في المكان الشريف، فلا تتركني في المنزل الوضيع، وما سمعت في هذا الباب كقول شاعر الحماسة كامل:\rوإذا الرياح مع العشي تناوحت ... نبهن حاسدة وهجن غيورا\rلأنه أراد أن يقول: أبدين خمص بطنها ودقة خصرها ورجاجة ردفها،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985457,"book_id":6313,"shamela_page_id":135,"part":null,"page_num":217,"sequence_num":135,"body":"التمثيل، وهو يقابل الرياح التي تفعل هذا عند تقابلها، وحصل في البيت مع التمثيل تنكيت عجيب في قوله مع: العشي لأنه إنما خص العشي لأنه الوقت الذي تتخلى فيه النساء من شغلهن، ويبرزن للعبهن، وتنتدي الرجال للحديث، ليتم له ما قصد من اجتماع الحاسدة والغيور اللذين يريان هذه المرأة عند بروزها، وقد قيل: إن أكثر ما تتقابل الرياح في وقت العشي.\rويلتحق بهذا الباب ما يخرجه المتكلم مخرج المثل السائر كقوله تعالى: \" ليس لها من دون الله كاشفة \" وقوله سبحانه: \" وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب \" وقوله ﷿: \" صنع الله \" وقوله: \" صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة \" وقوله ﵎: \" إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها \" إلى كثير من الآي.\rومما جاء من ذلك في السنة قوله ﷺ: \" الحلال بين والحرام بين \" وقوله ﵇: \" لا ضرر ولا ضرار \" وقوله ﵊: \" خير الأمور أوساطها \" وكقوله ﵇: \" المؤمنون تتكافأ دماؤهم \" وقد طوى كتاب أبي أحمد العسكري","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985458,"book_id":6313,"shamela_page_id":136,"part":null,"page_num":218,"sequence_num":136,"body":"رحمه الله تعالى من هذا الباب على بدائع من جوامع الكلم لا يشق غبارها، ولا يقتحم تيارها، فمن أراد ذلك فعليه به.\rومن أمثلة هذا الباب الشعرية قول زهير طويل:\rوهل ينبت الخطى إلا وشيجه ... وتغرس إلا في منابتها النخل\rوكقول النابغة طويل:\rولست بمستبق أخا لا تلمه ... على شعث أي الرجال المهذب\rوكقول بشار طويل:\rفعش واحداً أو صل أخاك فإنه ... مقارف ذنب مرة ومجانبه\rإذا أنت لم تشرب مراراً على القذى ... ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه\rوكقول الآخر طويل:\rفما الكرج الدنيا ولا الناس قاسم\rوكقول الآخر مجزوء الخفيف:\rما على الناس بعدها ... في الدنيات من حرج\rوكقول أبي تمام بسيط\rوالنار قد تنتضي من ناضر السلم\rوكقوله وافر:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985459,"book_id":6313,"shamela_page_id":137,"part":null,"page_num":219,"sequence_num":137,"body":"لسان المرء من خدم الفؤاد\rوكقوله وافر:\rفلو صورت نفسك لم تزدها ... على ما فيك من كرم الطباع\rوكقوله كامل:\rنقل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحب إلا للحبيب الأول\rوقد استخرجت أمثال أبي تمام من شعره فوجدتها تسعين نصفاً وثلاثمائة بيت وأربعة وخمسين بيتاً بعد استيعاب أمثال المتنبي فوجدتها مائة نصف وثلاثة وسبعين نصفاً وأربعمائة بيت؛ وأنا على عزم أن أخرج من أمثال أبي الطيب ما أخذ من أمثال أبي تمام فأجمعها، وأقدم قبلهما جميع ما وقع من الأمثال في الكتاب العزيز والسنة النبوية وقد أمضيت والحمد لله هذا العزم، وفرغت من كتاب الأمثال بزيادات على ذلك، وهي أمثال الأشعار الستة؛ والحماسة، بعد أن تلوت أمثال القرآن بأمثال دواوين الإسلام الستة، وختمت الجميع بأمثال العامة، لتكون إحماضاً يتروح إليه بعد الجد، وقد اقترح على زيادات فيه لم أكملها إلى الآن. ومن أمثلة هذا الباب للمتنبي قوله بسيط","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985460,"book_id":6313,"shamela_page_id":138,"part":null,"page_num":220,"sequence_num":138,"body":"أنا الغريق فما خوفي من البلل\rوقوله بسيط\rليس التكحل في العينين كالكحل\rولقد أحسن المعري حيث قال: بسيط\rلو اختصرتم من الإحسان زرتكم ... والعذب يهجر للإفراط في الخصر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985461,"book_id":6313,"shamela_page_id":139,"part":null,"page_num":221,"sequence_num":139,"body":"باب ائتلاف اللفظ مع الوزن\rقال قدامة: هو أن تكون الأسماء والأفعال تامة، لم يضطر الشاعر الوزن إلى نقصها عن البقية، ولا إلى الزيادة فيها، ولا يقدم منها المؤخر، ولا يؤخر منها المقدم، ولا يدخل فيها ما يلتبس به المعنى، ولم يأت قدامة بأمثلة في هذا الباب، ولم يذكر غير ذلك بل قال أعني قدامة: كل شعر سليم من هذا الذي قدمت ذكره هو مثال لهذا الباب، لكنه أتى في عيوب الوزن بأمثلة يجب ذكرها هاهنا ليعلم أن كل بيت جاء بضدها هو شاهد لهذا الباب، كقول القائل يصف درعاً كامل:\rمن نسج داود أبي سَلاَّم\rفإنه يريد سليمان، لكن الوزن اضطره إلى حذف الياء والنون من سليمان، وتشديد اللام وتقديم الألف على الميم.\rومثل ذلك قول الآخر \" رجز \":\rحتى إذا خرت على الكلكال\rفإنه اضطره الوزن إلى زيادة الألف على بنية هذا الاسم، ومثال ما اضطر الوزن فيه إلى التقديم والتأخير قول الفرزدق طويل:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985462,"book_id":6313,"shamela_page_id":140,"part":null,"page_num":222,"sequence_num":140,"body":"وما مثله في الناس إلا مملك ... أخو أمه حي أبوه يقاربه\rفإن اضطرار الوزن حمله على رداءة السبك، فحصل في الكلام تعقيد يمنع من فهم معناه بسرعة، ولو قال: وما مثله إلا مملك أبوه يقارب خاله لسهل مأخذه، وقرب متناوله، ومهما كان الشعر سليماً من مثل هذا كان هو الشعر الذي ائتلف لفظه مع وزنه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985463,"book_id":6313,"shamela_page_id":141,"part":null,"page_num":223,"sequence_num":141,"body":"باب ائتلاف المعنى مع الوزن\rوهو أن تأتي المعاني في الشعر على صحتها، لا يضطر الشاعر الوزن إلى قلبها عن وجهها، ولا خروجها عن صحتها، كقول عروة بن الورد وافر:\rفإني لو شهدت أبا سعاد ... غداة غد بمهجته يفوق\rفديت بنفسه نفسي ومالي ... وما آلوه إلا ما أطيق\rفإنه أراد أن يقول: فديت نفسه بنفسي ومالي، فألجأته ضرورة الوزن إلى قلب المعنى كما ترى، ومهما كان الشعر سليماً من مثل هذا كان الشعر الذي ائتلف معناه مع وزنه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985464,"book_id":6313,"shamela_page_id":142,"part":null,"page_num":224,"sequence_num":142,"body":"باب ائتلاف القافية\rمع ما يدل عليه سائر البيت\rوهو الذي سماه من بعد قدامة التمكين، وهو أن يمهد الناثر لسجعة فقرته، أو الناظم لقافية بيته، تمهيداً تأتي القافية به متمكنة في مكانها، مستقرة في قرارها، مطمئنة في موضعها، غير نافرة ولا قلقة، متعلقاً معناها بمعنى البيت كله تعلقاً تاماً، بحيث لو طرحت من البيت اختل معناه واضطرب مفهومه، ولا يكون تمكنها بحيث يقدم لفظها بعينه في أول صدر البيت، أو معنى يدل عليها في أول الصدر، أو في أثناء الصدر، ولا أن يفيد معنى زائداً بعد تمام معنى البيت، فإن الأول يسمى تصديراً والثاني توشيحاً، والثالث إيغالاً، ولا يقال لشيء من ذلك تمكين ألبتة، وقد جاء من ذلك في فواصل الكتاب العزيز كل عجيبة باهرة، ومنه قوله تعالى: \" قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن تترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد \" فإن هذه الآية الكريمة لما تقدم فيها ذكر العبادة والتصرف في الأموال كان ذلك تمهيداً تاماً لذكر الحلم والرشد، لأن الحلم: العقل الذي يصح به التكليف، والرشد حسن التصرف في الأموال، وكقوله تعالى: \" سبحان الذي خلق الأزواج","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985465,"book_id":6313,"shamela_page_id":143,"part":null,"page_num":225,"sequence_num":143,"body":"كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون \" وكقوله سبحانه: \" قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون، وما علينا إلا البلاغ المبين \" وكقوله تعالى: \" قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومي يعلمون \" وكل فواصل الكتاب العزيز بين تمكين، وتوشيح، وإيغال وتصدير.\rومن أمثلة هذا الباب الشعرية قول أبي تمام وافر:\rومن يأذن إلى الواشين تسلق ... مسامعه بألسنة حداد\rوقوله أيضاً في غزل هذه القصيدة:\rمذاكي حلبة وشروب دجن ... وسامر قينة وقدور صاد\rوأعين ربرب كحلت بسحر ... وأجساد تضمخ بالجساد\rوقوله طويل:\rمحاسن ما زالت مساو من النوى ... تغطى عليها أو مساو من الصد\rوقوله أيضاً طويل:\rأموسى بن إبراهيم دعوة خامس ... به ظمأ التثريب لا ظمأ الورد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985466,"book_id":6313,"shamela_page_id":144,"part":null,"page_num":226,"sequence_num":144,"body":"أتاني مع الركبان ظن ظننته ... لففت له رأسي حياء من المجد\rأأتبع هجر القول من لو هجوته ... إذاً لهجاني عنه معروفه عندي\rنسيت إذاً كم من يد لك شاكلت ... يد القرب أعدت مستهاماً على البعد\rومن زمن ألبستنيه كأنه ... إذا ذكرت أيامه زمن الورد\rوأنك أحكمت الذي بين فكرتي ... وبين القوافي من ذمام ومن عقد\rوأصلت شعري فاعتلى رونق الضحى ... ولولاك لم يظهر زماناً من الغمد\rوكقول البحتري طويل:\rفلم أر ضرغامين أصدق منهما ... عراكاً إذا الهيابة النكس أكذبا\rحملت عليه السيف لا عزمك انثنى ... ولا يدك ارتدت ولا حده نبا\rوكنت متى تجمع يمينك تهتك الضريبة أولا تبق للسيف مضربا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985467,"book_id":6313,"shamela_page_id":145,"part":null,"page_num":227,"sequence_num":145,"body":"ألنت لي الأيام من بعد قسوة ... وعاتبت لي دهري المسيء فأعتبا\rوألبستني النعمى التي غيرت أخي ... علي فأمسى نازح الود أجنبا\rفلا فزت من مر الليالي براحة ... إذا أنا لم أصبح بشكرك متعبا\rوكقول المتنبي بسيط\rيا من يعز علينا أن نفارقهم ... وجداننا كل شيء بعدكم عدم\rإن كان سركم ما قال حاسدنا ... فما لجرح إذا أرضاكم ألم\rومنها:\rوبيننا لو رعيتم ذاك معرفة ... إن المعارف في أهل النهى ذمم\rلئن تركن ضميراً عن ميامننا ... ليحدثن لمن فارقتهم ندم\rإذا ترحلت عن قوم وقد قدروا ... ألا تفارقهم فالراحلون هم\rولم نسمع لمقدم شعراً أشد تمكين قواف من قول النابغة الذبياني كامل:\rكالأقحوان غداة غب سمائه ... جفت أعاليه وأسفله ندى\rزعم الهمام ولم أذقه بأنه ... يروي بريقته من العطش الصدى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985468,"book_id":6313,"shamela_page_id":146,"part":null,"page_num":228,"sequence_num":146,"body":"باب التوشيح\rسمى هذا الباب توشيحاً لكون معنى أول الكلام يدل على لفظ آخره، فيتنزل المعنى منزلة الوشاح، ويتنزل أول الكلام وأخره منزلة العاتق والكشح اللذين يجول عليهما الوشاح، وهذا الباب مما فرغه قدامة أيضاً، من ائتلاف القافية مع ما يدل عليه سائر البيت، وقال: هو أن يكون في أول البيت معنى إذا علم علمت منه قافية البيت، بشرط أن يكون المعنى المتقدم بلفظه من جنس معنى القافية بلفظه، أو من لوازم لفظه. ومن ذلك في الكتاب العزيز قوله تعالى: \" إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين \"، فإن معنى اصطفاء المذكورين تعلم منه الفاصلة، إذ المذكورون نوع من جنس العالمين، وكقوله تعالى: \" وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون \"، فإنه من كان حافظاً لهذه السورة، متفطناً إلى أن مقاطع فواصلها النون المردفة، وسمع في صدر هذه الآية \" وآية لهم الليل نسلخ منه النهار \" علم أن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985469,"book_id":6313,"shamela_page_id":147,"part":null,"page_num":229,"sequence_num":147,"body":"الفاصلة \" مظلمون \"، فإن من انسلخ النهار عن ليله أظلم ما دامت تلك الحال.\rوكقول الراعي النميري وافر:\rفإن وزن الحصى فوزنت قومي ... وجدت حصة ضريبتهم رزينا\rفإن السامع إذا فهم أن الشاعر أراد المفاخرة برزانة الحصى، وتحقق أن القافية مجردة مطلقة، رويها النون وحرف إطلاقها ألف، ورأى في صدر البيت ذكر الزنة، تحقق أن القافية تكون رزيناً ليس إلا.\rومن عجائب أمثلة هذا الباب، ما حكي عن عمر بن أبي ربيعة المخزومي أنه أنشد عبد الله بن العباس ﵄ متقارب:\rتشط غدا دار جيراننا\rفقال له عبد الله:\rوللدار بعد غد أبعد\rفقال عمر: هكذا والله قلت، فقال له ابن العباس: وهكذا يكون ويقرب من هذه القصة قصة عدي بن الرقاع العاملي حين أنشد الوليد ابن عبد الملك بحضرة جرير والفرزدق كلمته التي مطلعها كامل:\rعرف الديار توهماً فاعتادها","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985470,"book_id":6313,"shamela_page_id":148,"part":null,"page_num":230,"sequence_num":148,"body":"حتى انتهى إلى قوله:\rتزجي أغن كأن إبرة روقه\rثم شغل الوليد عن الاستماع، فقطع عدي الإنشاد، فقال الفرزدق لجرير: ما تراه يقول؟ فقال جرير: أراه يستلب منها مثلاً، فقال الفرزدق، يالكع، إنه سيقول كامل:\rقلم أصاب من الدواة مدادها\rفلما عاد الوليد إلى الاستماع وعاد عدي إلى الإنشاد قال:\rقلم أصاب من الدواة مدادها\rقال جرير للفرزدق: أكان قلبك مخبوءاً في صدره؟ فقال الفرزدق: شغلني سبك عن جيد الكلام، فقال الفرزدق: والله لما سمعت صدر بيته رحمته، فلما أنشد عجزه انقلبت الرحمة حسداً وعندي أن بين ابن العباس ﵁ وبين الفرزدق في استخراجه العجزين كما بينهما في مطلق الفضل في كل فن، لأن بيت عدي من جملة قصيدة تقدم سماع معظما، قد علم أنها دالية مردفة بألف موصولة مخرجة قصيدة تقدم سماع معظمها، قد علم أنها دالية مردفة بألف موصولة مخرجة قصدية تقدم سماع معظمها، قد علم أنها دالية مردفة بألف موصولة مخرجة بألف من وزن معروف، ثم تقدم في صدر البيت ذكر ظبية تسوق خشفاً لها، قد أخذ الشاعر في تشبيه طرف قرنه، مع العلم بسواده ما دل على عجز البيت، بحيث يسبق إليه من هو دون الفرزدق من حذاق الشعراء، وبيت عمر بيت مفرد لم تعلم قافيته من أي ضرب هي من القوافي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985471,"book_id":6313,"shamela_page_id":149,"part":null,"page_num":231,"sequence_num":149,"body":"ولا رويه من أي الحروف، ولا حركة رويه من أي الحركات، فاستخراج عجزه ارتجالاً في غاية العسر ونهاية الصعوبة، لولا ما أمد الله تعالى به هؤلاء القوم من المواد التي فضلوا بها غيرهم، ومن حذق عبد الله بن العباس ﵄ ودقيق معرفته باختيار الكلام، جعله قافية للعجز الذي أتى بعد \" أبعد \" ولم يجعلها \" أنزح \" وكان ذلك ممكناً له، لكون \" أبعد \" أسرع ولوجاً في السمع، وأسبق إلى الذهن، وأدخل في القلب، وأكثر استعمالاً وأعرف عند الكافة، وبها جاء القرآن العزيز دون \" أنزح \" وهي أخف على اللسان، وأولى بالبيان، وربما اختلط التوشيح بالتصدير لكون كل منهما يدل صدره على عجزه.\rوالفرق بينهما أن دلالة التصدير لفظية، ودلالة التوشيح معنوية.\rوالفرق بين التوشيح والتمكين أن التوشيح لا بد أن تتقدم القافية معنى يدل عليها، ولا كذلك التمكين، ولا تكون كلمة التوشيح إلا في أول الصدر، وإن لم تكن كذلك فلا توشيح والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985472,"book_id":6313,"shamela_page_id":150,"part":null,"page_num":232,"sequence_num":150,"body":"باب الإيغال\rمسمى هذا النوع إيغالاً، لأن المتكلم أو الشاعر أوغل في الفكر حتى استخرج سجعة أو قافية تفيد معنى زائداً على معنى الكلام.\rوأصله من الإيغال في السير وهو السرعة، فإن الإيغال في السير يدخل السائر في المكان الذي يقصده بسرعة، يقال: أوغل في الأرض الفلانية أي بلغ منتهاها، أو ما قاربه فكأن المتكلم قد تجاوز حد المعنى الذي هو آخذ فيه، وبلغ إلى زيادته عن الحد، كما أن من دخل العريش مثلاً من أرض مصر فقد دخل مصر، فإذا أوغل في مصر فوصل إلى الصعيد يقال: قد أوغل في مصر لتجاوزه الحد بالزيادة عليه، فكذلك المتكلم إذا تم معناه ثم تعداه عند الإتيان بسجعة أو قافية بزيادة عليه، فقد أوغل في ذلك المعنى، ولا يكون موغلاً حتى ينتهي معناه إلى آخر البيت وهذا الباب مما فرعه قدامة أيضاً من إتلاف القافية مع ما يدل عليه سائر البيت، وفسره بأن قال: هو أن يستكمل الشاعر معنى بيته بتمامه قبل أن يأتي بقافيته، فإذا أراد الإتيان بها ليكون الكلام شعراً","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985473,"book_id":6313,"shamela_page_id":151,"part":null,"page_num":233,"sequence_num":151,"body":"أفاد بها معنى زائداً على معنى البيت نحو قول ذي الرمة طويل:\rقف العيس في آثار مية واسأل ... رسوماً كأخلاق الرداء المسلسل\rفتم كلامه قبل القافية، فلما احتاج إليها أفاد بها معنى زائداً.\rوكذلك صنع في البيت الثاني حيث قال:\rأظن الذي يجدي عليك سؤالها ... دموعاً كتبذير الجمان المفصل\rفإنه تم كلامه بقوله: كتبذير الجمان، واحتاج إلى القافية فأتى بها تفيد معنى زائداً، ولو لم يأت بها لم يحصل.\rوقد حكى عن الأصمعي أنه سئل عن أشعر الناس فقال: الذي يأتي إلى المعنى الخسيس فيجعله بلفظه كبيراً، وإلى الكبير فيجعله خسيساً أو ينقضي كلامه قبل القافية، فإن احتاج إليها أفاد بها معنى، فقيل له: نحو من؟ فقال: نحو الفاتح لأبواب المعاني امرئ القيس حيث قال طويل:\rكأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب\rفإنه انقضى كلامه عند قوله: \" الجزع \" ثم أفاد بالقافية معنى زائداً، إذ قال: \" لم يثقب \" لأن عيون البقر غير مثقبة.\rونحو زهير حيث يقول طويل:\rكأن فتات العهن في كل منزل ... نزلن به حب الفنان لم يحطم\rفإن حب الفنا أحمر الظاهر، أبيض الباطن، فهو لا يشبه الصوف","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985474,"book_id":6313,"shamela_page_id":152,"part":null,"page_num":234,"sequence_num":152,"body":"الأحمر إلا ما لم يحطم، وقد يكون الإيغال تتميماً كبيتي امرئ القيس وزهير، ولكن ذلك لا يسمى إلا إيغالاً لانتهاء المعنى إلى آخر البيت، وهذا إيغال الاحتياط، وهو دون إيغال المبالغة من جهة الاصطلاح لكونه لم يفد إلا الاحتياط من الدخل دون الإتيان بمعنى زائد على معنى الكلام، والإيغال الذي ليس بتتميم في بيتي ذي الرمة هو إيغال المبالغة.\rوأعظم ما وقع في هذا الباب قول الخنساء بسيط\rوإن صخراً لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار\rوعندي أن هذا البيت لو أفرد بالتمثيل في هذا الباب لأغنى عما ساقه قدامة في باب ائتلاف القافية مع ما يدل عليه سائر البيت من بابي التوشيح والإيغال، لأن صدره يدل على عجزه دلالة التوشيح، ومعنى جملة البيت كامل دون قافيته وفيه بوجودها زيادة لم تكن له قبلها، فإن هذه المرأة لم ترض لأخيها بأن تأتم به علية الناس، حتى جعلته علماً يأتم به أئمة الناس، وهذا تتميم أدمج في صدر لفظ التوشيح، ولم ترض تشبيهه بالعلم، وهو الجبل المرتفع المعروف بالهداية، حتى جعلت في رأسه ناراً. وإذا وصلت إلى بلاغة القرآن العزيز، وصلت إلى الغاية القصوى، وذلك قوله تعالى: \" ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين \" فإن المعنى قد تم بقوله سبحانه: \" ولا تسمع الصم الدعاء \" ثم أراد وهو يعلم تمام الكلام","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985475,"book_id":6313,"shamela_page_id":153,"part":null,"page_num":235,"sequence_num":153,"body":"بالفاصلة فقال: \" إذا ولوا مدبرين \" فإن قيل: فما معنى مدبرين؟، وقد أغنى عنها قوله: \" إذا ولوا \" قلت لا يغني عنها قوله: \" ولوا \" فإن التولي قد يكون بجانب دون جانب، بدليل قوله تعالى: \" أعرض ونأى بجانبه \" وإن كان ذكر الجانب هنا مجازاً، ولا شك أنه سبحانه لما أخبر عنهم أنهم صم لا يسمعون، أراد تتميم المعنى بذكر توليهم في حال الخطاب، لينفي عنهم الفهم الذي يحصل من الإشارة، فإن الأصم يفهم بالإشارة ما يفهمه السميع بالعبارة، ثم علم أن التولي قد يكون بجانب من المتولي، فيجوز أن يلحظ بالجانب الذي لم يتول به، فيحصل له إدراك لبعض الإشارة، فجعل الفاصلة مدبرين ليعلم أن التولي كان بجميع الجوانب، بحيث صار ما كان مستقبلاً مستدبراً، فاحتجب المخاطب عن المخاطب، إذ صار من ورائه، فخفيت عن عينيه الإشارة، كما صم أذناه عن العبارة، فحصلت المبالغة في عدم الإسماع بالكلية وهذا الكلام وإن بولغ فيه بنفي الإسماع بتة، فهو من إيغال الاحتياط الذي أدمجت فيه المبالغة في نفي الإسماع، قد يأتي الاحتياط في غير المقاطع من مجموع جمل متفرقة في ضروب من الكلام شتى يجمعها معنى واحد كقوله تعلى: \" قل لئن اجتمعت الإنس والجن \" الآية، وقوله سبحانه: \" قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات \" وقوله: \" فأتوا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985476,"book_id":6313,"shamela_page_id":154,"part":null,"page_num":236,"sequence_num":154,"body":"بسورة من مثله \" كما يقول الرجل لمن يجحده: ما يستحق علي درهماً ولا دانقاً ولا حبة، ولا كثيراً ولا قليلاً، ولو قال: ما يستحق علي شيئاً، لأغنى في الظاهر عن ذلك، لكن التفصيل والتنزل دل على الاحتياط وعلى شدة الاستبصار في الإنكار.\rومن إيغال الكتاب العزيز أيضاً قوله تعالى: \" اتبعوا من لا يسألكم أجراً وهم مهتدون \"، فإن المعنى تم بقوله سبحانه: \" من لا يسألكم أجراً \" ثم أراد الفاصلة لمناسبة رءوس الآى، فأوغل بها كما ترى، حيث أتى بها تفيد معنى زائداً على معنى الكلام، وجاء في الكلام إيغال حسن بعد تتميم ولقد أحسن ابن المعتز في قوله لابن طباطبا العلوي متقارب:\rفأنتم بنو بنته دوننا ... ونحن بنو عمه المسلم\rفإنه أعطى بني عمه حقهم من الشرف، واعترف لهم من فضل الأبوين بما اعترف، ثم فطن إلى أنه إن اقتصر على ذلك فضلهم على بنته، فتحيل على المساواة، إذ لا طريق له إلى التفضيل بأن قال:\rونحن بنو عمه المسلم\rفجعل هذا الفضيلة قبالة تلك، وهذا القسم من الإيغال يحسن أن يسمى إيغال التخيير، فإنه تخير من القوافي التي تفيد الإيغال قافية يكون ما تفيده موفياً بمقصوده من غير معارضة، فإنه لو قال: \" بنو عمه الأفضل \" لكونه مسلماً لعورض بحمزة ﵁، وهو إيغال الاحتياط، لكونه تتميماً للمعنى؛ وقد ذهب بعض النقاد إلى أنه بهذا الإيغال أراد الاستدلال","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985477,"book_id":6313,"shamela_page_id":155,"part":null,"page_num":237,"sequence_num":155,"body":"على استحقاق بني العباس الخلافة وسوى بين بيته، وبيت مروان بن أبي حفصة وهو قوله كامل:\rأنى يكون وليس ذاك بكائن ... لبني البنات وراثة الأعمام\rوبين البيتين بون بعيد في الجودة وصحة المعنى، فإن بيت ابن المعتز أٌصر وزناً وأصح معنى، وأعذب ألفاظاً، وأوجز جملاً، وأخف محملاً مع ما وقع فيه من التلطف لبلوغ الغرض من غير مجاهرة بلفظ ولا مواجهة بمضض، فأما صحة معناه بالنسبة إلى بيت مروان فمن جهة أن مروان زعم أن بني الأعمام أحق بالفضل من بني البنات. فأخذ بعموم هذا الاستدلال، وذهل عن أن هذه القضية التي هو آخذ فيها خارجة من هذا العموم، لأن بني علي بنو بنات وبنو أعمام، وما ذكره مروان لا يتناول إلا من لم يكونوا بني أعمام من بني البنات، فأما من لم يمت بالقربة من طرفيه ويدلي بالاستحقاق من جهة أبويه، فخارج عما ذكر، ولا يقال هذا ما يرد على مروان، لأنه صرح بالإرث، ولا الأعمام أحق بالإرث من بني البنات، فإني أقول: إن لم يرد بالإرث الفضل فكلامه محال، إذ لا يصح أن يريد إرث المال ولا إرث الخلافة، أما المال فلأن النبي ﷺ لا يورث، وسيأتي بيان ذلك.\rوأما الخلافة، فلأن الخلافة لو كانت بالإرث لما وصلت لأبي بكر وعمر ﵄ قبل العباس ﵁ فإذا أحسن الظن بمروان حمل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985478,"book_id":6313,"shamela_page_id":156,"part":null,"page_num":238,"sequence_num":156,"body":"قوله وراثة الأعمام على وراثة الفضل، وحينئذ يأتي ما ذكرناه، ولم يرد بالأعمام إلا بني الأعمام، وببني البنات إلا بني علي ﵃ فإنه مدح بالقصيدة الرشيد، وعرض بيحيى بن عبد الله بن الحسن بن علي، والأول بنو أعمام فقط، والأخر بنو أعمام وبنو بنات، فكانت للأول مزية لم تكن للأخر، قابلها ابن المعتز بأن أباه بنو العم المسلم فكانت هذه بتلك، فحصلت المساواة، فثبت الفضل لبيته على بيت مروان وما يستكثر مثل هذا الجهل من مروان وهو يقول في هذه الأبيات للرشيد كامل:\rيا بن الذي ورث النبي محمداً ... دون الأقارب من ذوي الأرحام\rفليت شعري ما الذي ورثه العباس ﵁ من رسول الله ﷺ دون ذوي رحمه، وكيف يقال: إن رسول الله ﷺ يورث؟ وهذا أفضل الصحابة وأفقههم يحتج على فاطمة ﵍ في أمر فدك والعوالي، بقول رسول الله ﷺ: \" نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة \" فإن كان النبي ﷺ يورث فلم منعت فاطمة ما ادعت وإن كان لا يورث فلم يدعي هذا الجاهل أن العباس ﵁ ورثه دون ذوي رحمه؟ وأصل الحديث يروون أن أبا بكر ﵁ أعطى علياً عمامة رسول الله ﷺ وسيفه دون العباس، ثم لم يقنع مروان بهذا حتى قال: كامل:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985479,"book_id":6313,"shamela_page_id":157,"part":null,"page_num":239,"sequence_num":157,"body":"ما للنساء مع الرجال فريضة ... نزلت بذلك سورة الأنعام\rفما أدري على ماذا أحسده، أعلى معرفته بالفرائض، أم على حفظه للقرآن؟ وما أعلم من أين في سورة الأنعام ذكر شيء من الفرائض، أو حكم من أحكام المواريث، أو ذكر نسب أو شيء مما يقارب هذا الشأن، وليتني أعرف في أي موضع من القرآن ذكر أن النساء لا فريضة لهن مع الرجال؟ ومن يقع في مثل هذا لا يستعظم منه خطؤه في البيت الذي ذكرناه له أولاً، هذا الفساد من جهة المعنى.\rوأما ترجيح اللفظ فإن بيت ابن المعتز من محذوف المتقارب، حروفه ستة وثلاثون حرفاً، وبيت مروان من مقطوع الكامل، حروفه اثنان وأربعون حرفاً، إلى سهولة سبكه، وجودة تركيبه، وإيجاز جمله وخفة مفرداته، وكثرة استعمال كلماته، \" فاعتبروا يا أولي الأبصار \" ولم أر من أمثلة هذا الباب ممثل بيت من بيتي الحماسة أغفله النقاد وهو طويل:\rوما شنتا خرقاء واهيتا الكلى ... سقى بهما ساق ولما تبللا\rبأضيع من عينيك للدمع كلما ... توسمت داراً أو ترسمت منزلا\rوالبيت الأول أردت، فإنه وقع الإيغال فيه بعد ثلاث جمل: في كل جملة تتميم، الأولى قوله: شنتا، فإن الشنة المزادة العتيقة، وإضافتهما إلى خرقاء التي هي ضد الصناع، يريد أن خرزهما غير محكم، فهما يضيعان","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985480,"book_id":6313,"shamela_page_id":158,"part":null,"page_num":240,"sequence_num":158,"body":"الماء أبداً، فصار ذلك تتميمين، ثم قال بعد ذلك واهيتا الكلى أي كلاهما مخروقتان، ثم أوغل بقوله:\rسقى بهما ساق ولما تبللا\rفإن المزادة إذا ابتلت تمدد أديمها، وانتفخت سيورها، وانسد أكثر بثوقها، وإذا كانت يابسة عدمت ذلك كله، فكانت للماء أضيع منها وهي مبتلة، ثم في مجموع البيتين بعد ذلك تفريع حسن، وستعلم حقيقة التفريع في بابه، فتقدر ما وقع في هذين البيتين منه قدره.\rومن أعجب إيغال وقع في الشعر قول عبد الله بن الزبير الأسدي طويل:\rهما خطتا خسف نجاؤك منهما ... ركوبك حولياً من الثلج أشهبا\rفإن هذا البيت وقع فيه الاستعارة، والتورية، والترشيح، والإيغال. لاحتياج المسافر للركوب، والتورية في قوله حولياً ولو لم يرشح بلفظه الركوب لما حصلت التورية في لفظ حولي، ورشح بمجموع الاستعارة والتورية للإيغال، إذ لو لم يذكر الركوب والحولي، لما حسن أن يقول: أشهبا وقد وقع من الإيغال في الكتاب العزيز قوله تعالى: \" أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً \" ثم احتاج الكلام إلى فاصلة تناسب القرينة الأولى، فلما أتى بها أفاد مجيئها معنى زائداً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985481,"book_id":6313,"shamela_page_id":159,"part":null,"page_num":241,"sequence_num":159,"body":"والفرق بين التتميم والإيغال من ثلاثة أوجه: أحدهما أن التتميم لا يرد إلا على كلام ناقص شيئاً ما، إما حسن معنى أو أدب، أو ما أشبه ذلك، كالبيت الذي تقدم، فإن المعنى بدون قوله: ويعطوه ناقص. والإيغال لا يرد إلا على معنى تام من كل وجه.\rوالثاني اختصاص الإيغال بالمقاطع دون الحشو مراعاة لاشتقاقه، لأن الموغل في الأرض هو الذي قد بلغ أقصاها أو قارب بلوغه، فلما اختص الإيغال بالطرف لم يبق للتتميم إلا الحشو.\rوالثالث أن الإيغال لا بد وأن يتضمن معنى من معاني البديع، والتتميم قد يتضمن وقد لا يتضمن، وأكثر ما يتضمن الإيغال التشبيه، والمبالغة، حتى لو قيل: إنه لا يتعدى هذين الضربين لكان حقاً، والتتميم يتضمن طوراً المبالغة، ويتضمن حيناً الاحتياط، ويأتي مرة غير متضمن شيئاً سوى تتميم ذلك المعنى؛ والله أعلم.\rتمت أبواب قدامة بتمام هذا الباب، بعد أبواب ابن المعتز، وجميعها ثلاثون باباً وهي الأصول.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985482,"book_id":6313,"shamela_page_id":160,"part":null,"page_num":243,"sequence_num":160,"body":"الجز الثاني","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985483,"book_id":6313,"shamela_page_id":161,"part":null,"page_num":245,"sequence_num":161,"body":"ومن هاهنا نبتدئ في سياقه: أبواب المتأخرين بعدهما، فأولها:\r\rباب الاحتراس\rوهو أن يأتي المتكلم بمعنى يتوجه عليه دخل، فيفطن له، فيأتي بما يخلصه من ذلك، والفرق بين الاحتراس، والتكميل، والتتميم أن المعنى قبل التكميل صحيح تام، ثم يأتي التكميل بزيادة يكمل بها حسنه إما بفن زائد أو بمعنى، والتتميم يأتي ليتمم نقص المعنى ونقص الوزن معاً والاحتراس لاحتمال دخل على المعنى، وإن كان تاماً كاملاً، ووزن الكلام صحيحاً، وقد جعل ابن رشيق الاحتراس نوعاً من التتميم، وسوى بينهما، وقد ظهر الفرق بينهما، فجعلهما في باب واحد غير سائغ.\rوالفرق بينه وبين المواربة بالراء المهملة أيضاً، أن الاحتراس يؤتى به وقت العمل عند ما يتفطن المتكلم لموضع الدخل، والمواربة يؤتى بها وقت العمل، وبعد صيرورة الكلام، والمواربة بالراء المهملة، تكون بالتصحيف والتحريف واهتدام الكلمة، والزيادة والنقص، والاحتراس بزيادة الجمل المفيدة المتضمنة معنى الانفصال عما يحتمله الكلام من الدخل، والمواربة تكون في نفس الكلام وتكون منفصلة عنه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985484,"book_id":6313,"shamela_page_id":162,"part":null,"page_num":246,"sequence_num":162,"body":"والاحتراس لا يكون إلا في نفس الكلام، وسيأتي بيان المواربة وأمثلتها في بابها.\rوالفرق بين الاحتراس، والمناقضة والانفصال، أن الاحتراس هو ما فطن له الشاعر أو الناثر وقت العمل فاحترس منه. والانفصال ما لم يفطن له حتى يدخل عليه، فيأتي بجملة من الكلام، أو بيت من الشعر ينفصل به عنه ذلك الدخل.\rوالفرق بين المواربة والانفصال، أن المواربة تكون كما تقدم في كلمة من الكلام، أو في كلام منفصل عنه، والانفصال لا يكون إلا ببيت مستقل، أو جملة منفردة، عن سياق الكلام متعلقة به، داخلة فيه.\rمن أمثلة الاحتراس في الكتاب العزيز قوله تعالى: \" وقيل بعداً للقوم الظالمين \" فإنه تعالى لما أخبر بهلاك من هلك بالطوفان، أعقبه بالدعاء على الهالكين ووصفهم بالظلم ليعمل أن جميعهم كان مستحقاً للعذاب احتراساً من ضعيف بتوهم أن الهلاك ربما شمل من لا يستحق العذاب، فلما دعا على الهالكين ووصفهم بالظلم علم استحقاقهم لما نزل بهم، وحل بساحتهم وظهر من ذلك صدق وعده لنبيه نوح ﵇، وأعملنا أنه قد أنجزه وعده الذي قال فيه: \" ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون \"، وأعجب احتراس وقع في كتاب الله الكريم قوله سبحانه: \" ما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر \"، فإنه ﵎ لما نفى عن حبيبه ورسوله","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985485,"book_id":6313,"shamela_page_id":163,"part":null,"page_num":247,"sequence_num":163,"body":"صلى الله عليه وسلم أن يكون بالمكان الذي قضى فيه لموسى ﵇ الأمر، عرف المكان بالجانب الغربي، ولم يقل في هذا الموضع، كما قال في الإخبار عن موسى ﵇: \" وناديناه من جانب الطور الأيمن \" أدباً مع نبيه وحبيبه محمد ﷺ أن ينفي عنه كونه بالجانب الأيمن، ولما أخبر عن موسى ﵇ ذكر الجانب الأيمن تشريفاً لموسى ﵇ فالمح لطيف هذا الاحتراس من بلاغة الكتاب العزيز جل المتكلم به.\rومثال الاحتراس من السنة قول رسول الله ﷺ على لسان إحدى النسوة من حديث أم زرع، حيث وصفت زوجها فقالت: \" المس مس أرنب، والريح ريح زرنب، وأغلبه والناس يغلب \" فقولها: والناس يغلب احتراس حسن، لأنها لو سكتت على قولها: وأغلبه، لقيل لها: إن رجلاً تغلبه امرأة لمغلب ضعيف، فاحترست من ذلك فقالت: والناس يغلب، فناسبت بين قرائنها بجملة تتضمن معنى الاحتراس مما يتوجه على معنى المدح من الدخل الذي ينقص به المعنى، فحصل في الكلام احتراس مدمج في موضع إيغال. ومتى وقع الاحتراس والتتميم في موضع الإيغال أوهم أنه إيغال، فيجب أن نعرف أن الإيغال","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985486,"book_id":6313,"shamela_page_id":164,"part":null,"page_num":248,"sequence_num":164,"body":"كون القافية تفيد الكلام معنى زائداً بعد تمام معناه وصحته، والإيغال يفارق التكميل بأمرين: مجيئه في القافية فقط، واختصاصه بالمعاني دون الفنون.\rومن أمثال هذا الباب الشعرية قول الخنساء في أخيها صخر وافر:\rولولا كثرة الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي\rثم تخيلت أن قائلاً قال لها: لقد ساويت أخاك بالهالكين من إخوان الناس، فيكف أفرطت في الجزع عليه دونهم؟ فاحترست من ذلك بقولها وافر:\rوما يبكون مثل أخي ولكن ... أعزي النفس عنه بالتأسي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985487,"book_id":6313,"shamela_page_id":165,"part":null,"page_num":249,"sequence_num":165,"body":"باب المواربة\rبراء مهملة\rوهي من ورب العرق بفتح الواو والراء: إذا فسد، فهو ورب بكسر الراء، فكأن المتكلم أفسد مفهوم ظاهر الكلام بما أبداه من تأويل باطنه. وحقيقتها أن يقول المتكلم قولاً يتضمن ما ينكر عليه بسببه، لبعد ما يتخلص به منه، هذا إن فطن له وقت العمل وإلا ارتجل حين يجبه به ما يخلصه منه من جواب حاضر، أو حجة بالغة، أو تصحيف كلمة أو تحريفها، أو زيادة في الكلام أو نقص، أو نادرة معجبة، أو ظرفة مضحكة.\rفأما شاهد ما وقع من المواربة بالتحريف، فقول عتبان الحروري طويل:\rفإن يك منكم كان مروان وابنه ... وعمرو ومنكم هاشم وحبيب\rفمنا حصين والبطين وقعنب ... ومنا أمير المؤمنين شبيب\rفإنه لما بلغ الشعر هشاماً، وظفر به قال له: أنت القائل:\rومنا أمير المؤمنين شبيب\rفقال: لم أقل كذا وإنما قلت:\rومنا أمير المؤمنين شبيب","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985488,"book_id":6313,"shamela_page_id":166,"part":null,"page_num":250,"sequence_num":166,"body":"فتخلص بفتح الراء بعد ضمها، وهذا ألطف مواربة وقعت، ودونها قول نصيب طويل:\rأهيم بدعد ما حييت فإن أمت ... فوا كمدي من ذا يهيم بها بعدي\rوقيل له: اهتممت بمن يفعل بها بعدك، فقال: لم أقل كذا، وإنما قلت:\rفوا كمدي ممن يهيم بها بعدي\rفتخلص بإبدال كلمة من كلمة، فهذا وأشباهه يحتمل أن يكون الدخل وقع فيه للشاعر وقت العمل، ويحتمل ألا يكون وقع له، وارتجل التخلص عند سماعه، والذي لا يحتمل أن يكون فطن له حتى قيل له قول الأخطل طويل:\rلقد أوقع الجحاف بالبشر وقعة ... إلى الله منها المشتكى والمعول\rفإلا تغيرها قريش بملكها ... يكن عن قريش مستماز ومزحل\rفقال له عبد الملك بن مروان: إلى أين يا بن اللخناء؟ فقال: إلى النار، فضحك منه، وسكت عنه، فتخلص بهذه النادرة.\rوقد تكون المواربة من غير هذين النمطين، كقوله عليه السلام","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985489,"book_id":6313,"shamela_page_id":167,"part":null,"page_num":251,"sequence_num":167,"body":"للعباس بن مرداس حين أنشد رسول الله ﷺ متقارب:\rأتجعل نهبي ونهب العبيد بني عيينة والأقرع\rوما كان حصن ولا حابس ... يفوقان مرداس في مجمع\rوما أنا دون امرئ منهما ... ومن تضع اليوم لا يرفع\rفقال رسول الله ﷺ: يا علي، اقطع لسانه عني، فقبض علي ﵇ على يده وخرج به، فقال: أقاطع أنت لساني يا أبا الحسن؟ فقال: إني لممض فيك ما أمر.. فهذه أحسن مواربة سمعتها في كلام العرب، ثم مضى به إلى إبل الصدقة فقال: خذ ما أحببت أو كما قال.\rومن المواربة متصل ومنفصل، وقد أتينا بأمثلة القسمين، فالمتصل منها ما كان تخلصه في نفس الكلام، المنفصل ما كان التخلص فيه من كلام آخر، كالذي تقدم لعلي ﵇ والأخطل.\rومن أوضح أمثلته قصة كثير مع عبد الملك بن مروان، وقد أنشده طويل:\rعلى ابن أبي العاصي دلاص حصينة ... أجاد المسدى نسجها فأذالها","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985490,"book_id":6313,"shamela_page_id":168,"part":null,"page_num":252,"sequence_num":168,"body":"فقال له عبد الملك: قول الأعشى في صاحبه خير من قولك هذا في حيث يقول كامل:\rكنت المقدم غير لابس جنة ... بالسيف تضرب معلماً أبطالا\rفقال: الأعشى وصف صاحبه بالخرق، ووصفتك بالحزم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985491,"book_id":6313,"shamela_page_id":169,"part":null,"page_num":253,"sequence_num":169,"body":"باب الترديد\rوهو أن يعلق المتكلم لفظة من الكلام بمعنى، ثم يردها بعينها ويعلقها بمعنى آخر، كقوله ﷾: \" حتى يؤتى مثل ما أوتي رسل الله والله أعلم حيث يجعل رسالاته \" فالجلالة الأولى مضاف إليها، والثانية مبتدأ بها وقوله: \" ولكن أكثر الناس لا يعلمون، يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا \" وكقوله ﷿: \" لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه، فيه رجال يحبون أن يتطهروا \".\rومن الترديد نوع يسمى الترديد المتعدد، وهو أن يتردد حرف من حروف المعاني، إما مرة أو مراراً، وهو الذي يتغير فيه مفهوم المسمى لتغير الاسم: إما لتغاير الاتصال؛ أو تغاير ما يتعلق بالاسم. ومثال هذا النوع قوله تعالى: \" ومن يتولهم منكم فإنه منهم \" فإن اتصال من بضمير المخاطبين الغائبين في الموضعين مع ما تضمنت مَن مِنْ معنى الشرط أصارت المؤمنين كافرين عند وقوع الشرط، وقد يرتد حرف الجر في الجملة من الكلام","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985492,"book_id":6313,"shamela_page_id":170,"part":null,"page_num":254,"sequence_num":170,"body":"والبيت من الشعر مراراً عدة في جمل متغايرة المعاني، ومثله قول الشاعر بسيط\rيريك في الروع بدراً لاح في غسق ... فليث عريسة في صورة الرجل\rوربما كان المتردد غير حرف الجر، كحرف النداء أو غيره، ومثاله قول المتنبي منسرح:\rيا بدر يا بحر يا غمامة يا ... ليث الشرى يا حمام يا رجل\rومثال المتردد من الجمل غير المتعددة قول أبي نواس بسيط\rصفراء لا تنزل الأحزان ساحتها ... لو مسها حجر مسته سراء\rفقوله: مسها، ومسته ترديد حسن.\rوقد يلتبس الترديد الذي ليس تعددا من هذا الباب بباب التعطف؛ والفرق بينهما: أن هذا النوع من الترديد يكون في إحدى قسمي البيت تارة وفيهما معاً مرة، ولا تكون إحدى الكلمتين في قسم والأخرى في آخر، والمراد بقربهما أن يتحقق الترديد، والتعطف وإن كان ترديد الكلمة بعينها، فهو لا يكون إلا متباعداً، بحيث تكون كل كلمة في قسم. والترديد يتكرر، والتعطف لا يتكرر، والترديد يكون بالأسماء المفردة، والجمل المؤتلفة والحروف، والتعطف لا يكون إلا بالجمل غالبا، والفارق بين الترديد والتكرار أن اللفظة التي تكرر في التكرار لا تفيد معنى زائداً، بل الأولى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985493,"book_id":6313,"shamela_page_id":171,"part":null,"page_num":255,"sequence_num":171,"body":"هي تبيين للثانية وبالعكس، واللفظة التي تتردد تفيد معنى غير معنى الأولى منهما، واشتقاقهما مشعر بذلك، لأن الراد من وجه لا يبلغ إلا الموضع الذي أراده، والكار هو الذي انتهى إلى الموضع المراد، وكر راجعاً، ومنه الكر والفر وقول امرئ القيس: مكر مفر وأنه لا يكر إلا بعد الفرار وبيت أبي نواس الذي قدمناه مما جاء الترديد في عجزه دون صدره. وأما ما جاء في الصدر والعجز فكقول أبي تمام طويل:\rديار نوار ما ديار نوار ... كسونك شجواً هن منه عوار\rومثال ما جاء في الصدر والعجز معاً قول أبي نواس خفيف:\rقل لمن ساد ثم ساد أبوه ... قبله ثم قبل ذلك جده\rومن الترديد نوع آخر يسمى ترديد الحبك، ويسمى بيته المحبوك، وهو أن تبنى البيت من جمل ترد فيه كلمة من الجملة الأولى في الجملة الثانية، وكلمة من الثالثة في الرابعة، بحيث تكون كل جملتين في قسم، والجملتان الأخيرتان غير الجملتين الأوليين في الصورة، والجمل كلها سواء في المعنى، كقول زهير بسيط\rيطعنهم ما ارتموا حتى إذا اطعنوا ... ضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا\rفقد ردد كلمة من الجملة الأولى في الجملة الثانية، وردد كلمة من الجملة الثالثة في الجملة الرابعة ثنتان في كل قسم، وكل جملتين متفقتان","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985494,"book_id":6313,"shamela_page_id":172,"part":null,"page_num":256,"sequence_num":172,"body":"في الصورة غير أنهما مختلفتان، إذا نظرت إلى كل قسم وجملته، وإن اشتركا في المعنى، فإن صورة الطعن غير صورة الضرب، ومعنى الجميع واحد، وهو الحماسة في الحرب، والبيت أعني بيت زهير مع كونه من شواهد الترديد المحبوك، فإنه يصلح أن يكون من شواهد صحة التقسيم، لأنه استوفى فيه أقسام حالات المحارب، وإن جاءت صحة التقسيم مدمجة في الترديد، والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985495,"book_id":6313,"shamela_page_id":173,"part":null,"page_num":257,"sequence_num":173,"body":"باب التعطف\rوقد سماه قوم المشاكلة\rوقد تقدم أن التعطف كالترديد في إعادة اللفظة بعينها في البيت، وأن الفرق بينهما بموضعهما وباختلاف التردد، وثبت أن التعطف لا بد وأن تكون إحدى كلمتيه في مصراع والأخرى في المصراع الآخر، ليشبه مصراعاً البيت في انعطاف أحدهما على الآخر بالعطفين في كل عطف منهما يميل إلى الجانب الذي يميل إليه الآخر.\rومن أمثلته قول زهير بسيط\rمن يلق يوماً على علاته هرما ... يلق السماحة منه والندى خلقا\rوكقول عقيل بن علفة طويل:\rفتى كان مولاه يحل بفجوة ... فحل الموالي بعده بمسيل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985496,"book_id":6313,"shamela_page_id":174,"part":null,"page_num":258,"sequence_num":174,"body":"وكقول أبي تمام كامل:\rفلقيت بين يديك حلو عطائه ... ولقيت بين يدي مر سؤاله\rوكقول المتنبي طويل:\rفساق إلى العرف غير مكدر ... وسقت إليه المدح غير مذمم\rوهذا البيت أفضل بيت سمعته في هذا الباب، فإنه انعطفت فيه ثلاث كلمات من صدره على ثلاث كلمات من عجزه، ففيه بهذا الاعتبار ثلاث تعطفات، وذلك قوله: فساق، فإنها انعطفت على قوله في العجز: وسقت، وقوله: إلي فإنها انعطفت على قوله في العجز: إليه وقوله غير، فإنها انعطفت على قوله في العجز غير، ثم في البيت من المناسبة ما لم يتفق في بيت غيره، فإن كل لفظة في صدره على الترتيب وزن كل لفظة في عجزه: وكل جملة كقوله فساق وسقت وإلي وإليه والعرف، والشكر، وغير مكدر، ومذمم فهذه مفردات الألفاظ، وأما الجمل المركبة فيها فانظراني قوله فساق إلي وسقت إليه والعرف والشكر، وغير مكدر، وغير مذمم، ولم أر مثل هذا اتفق إلا لأبي تمام في البيت الذي قدمته على هذا البيت، لأنه ساوى بيت المتنبي في التعطفات الثلاثة، والمناسبة الناقصة، وفضله بيت","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985497,"book_id":6313,"shamela_page_id":175,"part":null,"page_num":259,"sequence_num":175,"body":"أبي تمام بالمناسبة التامة والطباق، وله فضيلة السبق، فثبت له التقدم هذا وقد أتى به توطئة لقوله كامل:\rوإذا امرؤ أهدى إليك صنيعة ... من جاهه فكأنها من ماله\rوقد جاء من التعطف في الكتاب العزيز قوله تعالى: \" قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إن معكم متربصون \" فإن التعطف في هذه الآية الكريمة في موضعين. وكذلك جاء في قول سبحانه: \" وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم \"، وكقوله سبحانه: \" وهم عن الآخرة هم غافلون \" والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985498,"book_id":6313,"shamela_page_id":176,"part":null,"page_num":260,"sequence_num":176,"body":"باب التفويف\rاشتقاق التفويف من الثوب الذي فيه خطوط بيض، وأصل الفوف: البياض الذي في أظفار الأحداث، والحبة البيضاء في النواة، وهي التي تنبت منها النخلة، والفوفة القشرة البيضاء التي تكون على النواة، والفوف: الشيء، والفوف: قطع القطن، وبرد مفوف: أي رقيق، فكأن المتكلم خالف بين جمل المعاني في التقفية كمخالفة البياض لسائر الألوان، لأن بعده من سائر الألوان أشد من بعد بعضا عن بعض، إذ هو بسيط بالنسبة إليهما، وكلها مركبة بالنسبة إليه، لأنه قابل لجميع الألوان، وجميع الألوان تقبل التغير إلى لون آخر بحسب التركيب، والشدة والضعف إلا السواد، فإنه لا يقبل تركيباً ألبتة، فهو ضد البياض ونقيضه، ولا جرم أن الجمع بينهما في الكلام يسمى مطابقة، بخلاف بقية الألوان، والتفويف في الصناعة: عبارة عن إتيان المتكلم بمعان شتى من المدح","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985499,"book_id":6313,"shamela_page_id":177,"part":null,"page_num":261,"sequence_num":177,"body":"أو الغزل، أو غير ذلك من الفنون والأغراض، كل فن في جملة من الكلام منفصلة من أختها بالتجميع غالباً، مع تساوي الجمل المركبة في الوزنية، ويكون بالجمل الطويلة والمتوسطة والقصيرة.\rفمثال ما جاء منه بالجمل الطويلة، قول النابغة الذبياني طويل:\rفلله عيناً من رأى أهل قبة ... أضر لمن عادى وأكثر نافعا\rوأعظم أحلاماً وأكبر سيداً ... وأفضل مشفوعاً إليه وشافعا\rوأحسب أن أول من نطق بالتفويف المركب من الجمل الطويلة عنترة، فقال كامل:\rإن يلحقوا أكرر، وإن يستلحموا ... أشدد، وإن نزلوا بضنك أنزل\rومثال ما جاء منه في الجمل المتوسطة قول أبي الوليد بن زيدون بسيط\rته أحتمل، واحتكم أصبر، وعز أهن ... ودل أخضع، وقل أسمع، ومر أطع\rومثال ما جاء منه بالجمل القصيرة قول المتنبي بسيط\rأقل أنل أقطع احمل عل سل أعد ... زد هش بش تفضل أدن سر صل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985500,"book_id":6313,"shamela_page_id":178,"part":null,"page_num":262,"sequence_num":178,"body":"وقد جاء من التفويف المركب من الجمل الطويلة في الكتاب العزيز قوله تعالى: \" الذي خلقني فهو يهدين، والذي هو يطعمني ويسقين، وإذا مرضت فهو يشفين، والذي يميتني ثم يحيين، والذي أطمع أن يغفر لي خطئيتي يوم الدين \" وفي الجمل المتوسطة قوله سبحانه: \" تولج الليل في النهار، وتولج النهار في الليل، وتخرج الحي من الميت، وتخرج الميت من الحي \"، ولم يأت من الجمل القصيرة شيء في فصيح الكلام. والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985501,"book_id":6313,"shamela_page_id":179,"part":null,"page_num":263,"sequence_num":179,"body":"باب التسهيم\rهو من الثوب المسهم، وهو الذي يدل أحد سهامه على الذي يليه، لكون لونه يقتضي أن يليه لون مخصوص له، بمجاورة اللون الذي قبله أو بعده.\rوهذا الباب عرفه من تقدمنى بأن قال: وأن يكون ما تقدم من الكلام دليلاً على ما يتلوه، ورأيت هذا التعريف وإن روعي فيه الاشتقاق لا يخص هذا الباب من البديع، بل يدخل معه غيره. والذي عندي أن هذا الباب من مشكلات هذا الفن، ويصلح أن يعرف بقول القائل هو أن يتقدم من الكلام ما يدل على ما تأخر منه، أو يتأخر منه ما يدل على ما تقدم بمعنى واحد أو بمعنيين، وطوراً باللفظ، كأبيات جنوب أخت عمرو ذي الكلب، فإن الحذاق ببنية الشعر وتأليف النثر يعلمون أن معنى قولها متقارب:\rفأقسم يا عمرو لو نبهاك\rيقتضي أن يكون تمامه:\rإذا نبها منك داء عضالا\rوليثاً غضوباً أفعى قتولاً، وموتاً ذريعاً، وسماً وحياً، وغضباً صقيلاً، كرباً شديداً، وغماً طويلاً، إلى أشياء يعز حصرها، لكن معنى البلاغة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985502,"book_id":6313,"shamela_page_id":180,"part":null,"page_num":264,"sequence_num":180,"body":"تقتضي اقتصارها من ذلك كله على الأول، لكونه أبلغ، وإنما قلت: إنه أبلغ، لأن الليث الغضوب، والأفعى القتول، يمكن مغالبتهما وغلبهما، والسيف الصقيل يمكن التوقي منه، والحيدة عنه، وما كل جريح يتوقع موته، ولا ييئس من برئه، والكرب الشديد، والغم الطويل، يرجى انكشافهما، والسم الوحي، والموت الذريع، يريحان صاحبهما، فأشد من الجميع الداء العضال الذي لا يميت فيريح، ولا يأمل صاحبه مداواته فيستريح، فلذلك علم الحذاق باختيار الكلام وبنيته أن قولها:\rفأقسم يا عمرو لو نبهاك\rيقتضي أن يكون تمامه:\rإذاً نبها منك داء عضالا\rدون كل ما ذكرت وما لم أذكر، فإن ما ذكرت هو دليل على ما لم يذكر، إذ لا يخرج ما لم يذكر عن أن يكون أمراً يمكن مغالبته وغلبه، أو شيئاً يرجى انكشافه وزواله، أو شيئاً يريح بسرعة كالسم الوحي، والموت الذريع وكما يدل الأول على الثاني كما ذكرت كذلك، يدل الثاني على الأول، فإنه لو قيل لحاذق بما يصلح أن يوطأ لقولها إذا نبها منك داء عضالاً فإنه لا يجد إلا قولها: فأقسم يا عمرو لو نبهاك، فهذا ما يدل الأول فيه على ما بعده دلالة معنوية.\rوأما ما يدل فيه الأول على الثاني دلالة لفظية فقولها:\rإذن نبها ليث عريسة ... مفتياً مفيداً نفوساً ومالا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985503,"book_id":6313,"shamela_page_id":181,"part":null,"page_num":265,"sequence_num":181,"body":"فإن العارف ببنية الشعر إذا سمع قولها: مفيتا مفيداً، تحقق أن هذا اللفظ يوجب أن يتلوه قولها نفوساً ومالاً، وكذلك قولها:\rوخرق تجاوزت مجهوله ... بوجناء حرف تشكى الكلالا\rفكنت النهار به شمسه ... وكنت دجى الليل فيه الهلالا\rوالبيت الثاني أردت، وإن كان البيت الأول فيه من التسهيم ما فيه لكن الثاني أوضح، لأن قولها، يقتضي أن يتلوه:\rفكنت النهار به شمسه ... وكنت دجى الليل فيه الهلالا\rومن جيد أمثلة التسهيم قول عمرو بن كلثوم وافر:\rونوجد نحن أحماهم ذماراً ... وأوفاهم إذ عقدوا يمينا\rواستخراج التسهيم من هذا البيت عسر جداً، وهو مما ينبغي أن يسأل عنه من يتعاطى هذه الصناعة، وطريق استخراجه منه أن يقال: لما قدم في صدر بيته الفخر بصفات المدح في الحرب، أوجبت عليه البلاغة أن يكمل الفخر بصفات المدح في السلم، والسلم لا يكون إلا بالعهود والأيمان، وهذان لا يمدح الإنسان فيها إلا بالوفاء بهما، إذ ليس من المدح أن تقول: حلف فلان ولا استحلف بل تقول: فلان وفى بعهده ويمينه، فلما اقتضى المعنى تكميل المدح في حالة السلم بالأمر الذي هو أس السلم وأصله، كما مدح في حالة الحرب بما هو من صفات المدح في الحرب، اقتضى اللفظ أيضاً أن يكون ما يأتي به من الألفاظ مناسباً لما قدمه، وقد قال في صدر البيت: ونوجد نحن أحماهم، فتعين لمراعاة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985504,"book_id":6313,"shamela_page_id":182,"part":null,"page_num":266,"sequence_num":182,"body":"المناسبة أن يقول في العجز وأوفاهم، لا سيما وهي تعطي المعنى الذي يكمل به المدح، وقال: إذا عقدوا يميناً يريد الحالة التي هي أشد أحوال الحالف، فإنه لو قال: إذا حلفوا لم يعط من المعنى البليغ ما يعطيه عقدوا إذ الحالف قد يحلف لغواً، وتعقيد اليمين يدل على النية والتصميم، قال الله سبحانه: \" لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان \" فقد اقتضى صدر هذا البيت من جهة اللفظ والمعنى أن يكون تمامه ما ذكره والله أعلم.\rومن أمثلة هذا الباب للمحدثين قول البحتري، وهو مما جاءت دلالته لفظية أيضاً طويل:\rفليس الذي حللته بمحلل ... وليس الذي حرمته بحرام\rوكقول الآخر خفيف:\rمن غصون كأنهن قدود ... وقدود كأنهن غصون\rوهذا البيت لا يصلح أن يكون شاهداً للتسهيم، لكون أوله لا يقتضي آخره لأنه لو قال:\rمن غصون كأنهن قدود ... ذات نور مثل الثغور العذاب\rأو ذات ورد كأنه الوجنات، حسن أن يكون تماماً له، ومتى كان التقدير كذلك انخرم ضابط التسهيم، وإنما ذكرته سهواً كما سها من ذكره قبلي ثم فطنت لذلك بعد إثباته.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985505,"book_id":6313,"shamela_page_id":183,"part":null,"page_num":267,"sequence_num":183,"body":"والفرق بين التسهيم والتوشيح من ثلاثة أوجه: أدها أن التسهيم يعرف به من أول الكلام آخره، ويعلم مقطعه من حشوه من غير أن تتقدم سجعة النثر ولا قافية الشعر، والتوشيح لا تعرف السجعة والقافية منه إلا بعد أن تتقدم معرفتهما. والآخر أن التوشيح لا يدلك أوله إلا على القافية فحسب، والتسهيم يدل تارة على عجز البيت وطوراً على ما دون العجز، بشرط الزيادة على القافية، وما حكيناه عن ابن العباس ﵁ في بيت عمر بن أبي ربيعة، وعن الفرزدق في بيت عدي بن الرقاع فنادر لا يقاس عليه.\rوالثالث أن التسهيم يدل تارة أوله على آخره، وطوراً آخره على أوله بخلاف التوشيح.\rوقد جاء من التسهيم في الكتاب العزيز قوله تعالى: \" أفرأيتم ما تحرثون، أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون، لو نشاء لجعلناه حطاماً فظلتم تفكهون \" وقوله: \" أفرأيتم الماء الذي تشربون \" إلى آخر الآية.\rفانظر إلى اقتضاء أول كل آية آخرها اقتضاء لفظياً ومعنوياً، وائتلاف الألفاظ مع معانيها، ومجاورة الملائم بالملائم، والمناسب بالمناسب، لأن ذكر الحرث يلائم الزرع، وذكر الحطام يلائم التفكه ومعنى الاعتداد بالزرع يقتضي الاعتداد بصلاحه وعدم فساده، فحصل التفكه، وكذلك في بقية الآيات، فإذا علمت ذلك بهرج النقد عندك ما تقدم من الأشعار الفصيحة. والمعاني البليغة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985506,"book_id":6313,"shamela_page_id":184,"part":null,"page_num":268,"sequence_num":184,"body":"باب التورية\rويسمى التوجيه، وهي أن تكون الكلمة تحتمل معنيين، فيستعمل المتكلم أحد احتماليها ويهمل الآخر، ومراده ما أهمله لا ما استعمله، كقول علي ﵇ في الأشعث بن قيس: وهذا كان أبوه ينسج الشمال باليمين، لأن قيساً كان يحوك الشمال التي واحدتها شملة.\rومن شواهد هذا الباب الشعرية قول عمر بن أبي ربيعة خفيف:\rأيها المنكح الثريا سهيلاً ... عمرك الله كيف يجتمعان\rهي شامية إذا ما استقلت ... وسهيل إذا استقل يمان\rفذكر عمر الثريا وسهيلاً ليوهم السامع أنه يريد النجمين المشهورين، لأن الثريا من منازل القمر الشامية، وسهيلاً من النجوم اليمانية، وهو يريد صاحبته الثريا، وكان أبوها قد زوجها برجل من أهل اليمن يسمى سهيلاً، فتمكن لعمر أن ورى بالنجمين عن الشخصين، ليبلغ من الإنكار على من جمع بينهما ما أراد، وهذه أحسن تورية وقعت في شعر لمتقدم مرشحة، فإن قوله المنكح ترشيح للتورية على قلتها في أشعار","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985507,"book_id":6313,"shamela_page_id":185,"part":null,"page_num":269,"sequence_num":185,"body":"المتقدمين وكثرتها في أشعار المحدثين، وخصوصاً شعراء العجم العصريين كالأرجاني وأمثاله، وأما البيت الثاني فإنه أبدع من البيت الأول، إذ أخرجه مخرج التعليل، للإنكار الذي وقع في عجز البيت الأول، وجاء فيه مع التعليل تنكيت حسن مدمج في تجنيس الازدواج، فإن قوله إذا ما استقلت وإذا استقل تجنيس ازدواج، والنكتة في ترجيح استقلت على أخواتها فيما يقوم مقامها إشارته بها إلى أن الزوج يبعد بالزوجة عن أهلها ووطنها، فيكون ذلك أشد تأنيباً له على تزويجه، وأدعى لندامته على ذلك، وكان من الاتفاق الحسن أن الرجل يماني القبيلة والبلد، والمرأة شامية، فحصل الاتفاق مدمجاً في الاستخدام، فإنه استعمل في هذا البيت احتمالي كل لفظة من قوله: شامية ويمان، وختم البيت بالتوشيح، وهو دلالة معنى صدر البيت على قافيته، فجاء في البيت سبعة أضرب من البديع: وهي التعليل، والاتفاق، والاستخدام، وتجنيس الازدواج في استقلت واستقل والإدماج والتنكيت، والتوشيح.\rوما رأيت لعربي ولا لعجمي مثل تورية وقعت للقاضي عياض صاحب الشفا في تعريف حقوق المصطفى ﷺ وصاحب الإكمال في شرح مسلم، وغيرهما في بيتين وصف فيهما صيغة نادرة أنشد فيهما الفقيه الإمام الحافظ المتقن العلامة زكي الدين أبو محمد عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله المنذري نفع الله به، وبلغه من خير الدارين كما بلغه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985508,"book_id":6313,"shamela_page_id":186,"part":null,"page_num":270,"sequence_num":186,"body":"من العلم نهاية مطلبه بالسند المتصل بقائلهما رحمه الله تعالى وهما بسيط\rكأن كانون أهدى من ملابسه ... لشهر تموز أنواعاً من الحلل\rأو الغزالة من طول المدى خرفت ... فما تفرق بين الجدي والحمل\rوإذا وصلت إلى ما وقع من التورية في الكتاب العزيز وصلت إلى الغاية القصوى، وهي قوله تعالى: \" قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم \" فانظر إلى كون الضلال له محملان، وهما الحب وضد الهدى وكيف أهمل أحد الاحتمالين، وهو الحب، واستعمل دلالته على ضد الهدى، والمراد ما أهمل لا ما استعمل فستجده أوجز لفظ وأحلاه، والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985509,"book_id":6313,"shamela_page_id":187,"part":null,"page_num":271,"sequence_num":187,"body":"باب الترشيح\rوهو أن يؤتى بكلمة لا تصلح لضرب من المحاسن حتى يؤتى بلفظة تؤهلها لذلك كما حكيناه عن علي ﵇ في قوله للأشعث بن قيس: \" وهذا كان أبوه ينسج الشمال باليمين \"، فإنهن ﵇ لو قال ينسج الشمال بيده أو ينسج الشمال وسكت لم يكن في لفظة الشمال تورية ألبتة فلما قصد التورية عدل عن لفظ اليد، وعن الاقتصار على ما قبلها وأتى بلفظ اليمين ليرشح لفظة الشمال للتورية، ولا ينتقد علينا مجيء الآية الواحدة، والبيت الواحد شاهداً على عدة أبواب من المحاسن، فإن ذلك بحسب ما يكون في الكلام من البديع، فإن قيل: فما الفرق بين الترشيح والاستعارة، والتورية، وقد جعلت مثالهما واحداً؟ قلت: الفرق بينهما من ثلاثة أوجه:\rأحدها أن من التورية ما لا يحتاج إلى ترشيح، وهي التورية المحضة.\rوالثاني أن الترشيح لا يخص التورية دون بقية الأبواب، بل يعم الاستعارة والطباق وغيرهما من كثير من الأبواب، ألا ترى إلى قول أبي الطيب كامل:\rوخفوق قلب لو رأيت لهيبه ... يا جنتي لظننت فيه جهنما","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985510,"book_id":6313,"shamela_page_id":188,"part":null,"page_num":272,"sequence_num":188,"body":"فإن قوله: يا جنتي رشحت لفظة جهنم للمطابقة، ولو قال مكانها يا منيتي لم يكن في البيت طباق ألبتة.\rالثالث: أن لفظة الترشيح في الكلام المورى غير لفظة التورية فإن التورية في قول علي ﵇ في لفظة الشمال، والترشيح في لفظة اليمين، فإن قيل: لفظتا الثريا وسهيلاً رشحت كل واحدة منهما أختها للتورية، فإنه لولا ذكر سهيل لم تصلح الثريا للتورية، ولولا ذكر الثريا لم يصلح سهيل للتورية، كما أن لفظة اليمين هي التي رشحت الشمال للتورية، فلم يعقل الفرق إذاً بين التورية والترشيح.\rقلت: كل من لفظتي الثريا وسهيل لا يفتقر في التورية بهما إلى صاحبتهما، بخلاف لفظة اليمين، وذلك أن عمر لو قال خفيف:\rأيها المنكح الثريا زياداً ... عمرك الله كيف يجتمعان\rلصحت التورية بدون ذكر سهيل؛ لأن الثريا يقع على النجم وعلى المرأة، والنجم لا يجتمع ورجل أبداً، وكذلك لو عكس فقال:\rأيها المنكح الخلوب سهيلا ... عمرك الله كيف يجتمعان\rلصحت التورية أيضاً، لأن سهيلاً يقع على الكوكب، وعلى الرجل، والكوكب والمرأة لا يجتمعان، ولا كذلك لفظة اليمين، فإنها لو لم يؤت بها لم يكن في الشمال تورية أصلاً ورأساً، وإنما الواقعة التي وقعت لعمر اتفق له فيها موافقة اسم الزوجين لاسمي النجمين فتهيأ له من التورية","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985511,"book_id":6313,"shamela_page_id":189,"part":null,"page_num":273,"sequence_num":189,"body":"ما لم يتهيأ لغيره، وتمم المعنى كون الثريا التي هي النجم، وصاحبته شاميين، وسهيل وزوجها يمانيين، فتم لعمر ما أراده من الإنكار عليهما، وعلى من جمع بينهما، وحصل في بيتيه التورية والاتفاق، فلذلك حسناً جداً ومما يبين أن التورية المحضة لا تحتاج إلى ترشيح قول القاضي السعيد ابن سناء الملك رحمه الله تعالى مجزوء الكامل:\rيا هذه لا تستحي ... مني قد انكشف الغطاء\rفإن في قوله: قد انكشف الغطاء تورية غير مفتقرة إلى ترشيح، لأن ظاهر اللفظ يدل على أنه أراد انكشاف الأمر، وهو يريد انكشاف العضو فقصد الثاني وورى بالأول، ولا كذلك قول أبي تمام كامل:\rكشف الغطاء فأوقدى أو أخمدى\rفإن لفظة كشف الغطاء لا تحتمل إلا معنى واحداً، وهو الذي قصده أبو تمام من انكشاف الأمر.\rومن الترشيح للتورية في الكتاب العزيز قوله تعالى: \" اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه \"، فإن لفظة ربك رشت لفظة ربه، لأن يكون تورية، إذ يحتمل أن يراد بها الإله سبحانه والملك، فإنه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985512,"book_id":6313,"shamela_page_id":190,"part":null,"page_num":274,"sequence_num":190,"body":"لو اقتصر على قوله تعالى: \" فأنساه الشيطان ذكر ربه \" لم تدل لفظة ربه إلا على الإله، فلما تقدمت لفظة ربك صلحت للمعنيين.\rوأما ترشيح الاستعارة ففي قول بعض العرب طويل:\rإذا ما رأيت النسر عز ابن داية ... وعشش في وكريه طارت له نفسي\rفإنه شبه الشيب بالنسر لاشتراكهما في البيض، والشعر الأسود بابن داية، وهو الغراب لاشتراكهما في السواد، واستعار التعشيش من الطائر للشيب لما سماه نسراً، ورشح به إلى ذكر الطيران الذي استعاره من الطائر لنفسه، فقد رشح باستعارة إلى استعارة.\rوأما ترشيح التشبيه فكقول النابغة الذبياني طويل:\rإذا استنزلوا عنهن للطعن أرقلوا ... إلى الموت إرقال الجمال المصاعب\rفإنه رشح بالاستعارة في قوله: أرقلوا إلى التشبيه في قوله: إرقال الجمال، فإنه تشبيه بغير أداة، وفحول النقاد تسمى هذا النوع من التشبيه استعارة، والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985513,"book_id":6313,"shamela_page_id":191,"part":null,"page_num":275,"sequence_num":191,"body":"باب الاستخدام\rوهو أن يأتي المتكلم بلفظة لها معنيان، ثم يأتي بلفظتين تتوسط تلك اللفظة بينهما، ويستخدم كل لفظة منهما لمعنى من معنى تلك اللفظة المتقدمة، وربما التبس الاستخدام بالتورية الضاً من كون كل واحد من البابين مفتقراً إلى لفظة لها معنيان.\rوالفرق بينهما أن التورية استعمال أحد لمعنيين من اللفظة، وإهمال الآخر، والاستخدام استعمالهما معاً.\rومن أمثلته قول البحتري كامل:\rفسقى الغضا والساكنيه وإن هم ... شبوه بين جوانح وقلوب\rفإن لفظة الغضا محتملة الموضع والشجر والسقيا الصالحة لهما، فلما قال والساكنية استعمل أحد معنيي اللفظة، وهو دلالتها بالقرينة على","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985514,"book_id":6313,"shamela_page_id":192,"part":null,"page_num":276,"sequence_num":192,"body":"الموضع، ولما قال: شبوه: استعمل المعنى الآخر، وهو دلالتها بالقرينة أيضاً على الشجر.\rوفي الكتاب العزيز من الاستخدام قوله تعالى: \" لكل أجل كتاب، يمحو الله ما يشاء ويثبت \"، فإن لفظة كتاب يراد بها الأمد المحتوم، والكتاب: المكتوب، وقد توسطت بين لفظتي أجل ويمحو، فاستخدمت أحد مفهوميها وهو الأمد، واستخدمت يمحو لمفهوم الآخر، وهو المكتوب والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985515,"book_id":6313,"shamela_page_id":193,"part":null,"page_num":277,"sequence_num":193,"body":"باب التغاير\rوهو تضاد المذهبين إما في المعنى الواحد بحيث يمدح إنسان شيئاً بذمه، أو يذم ما مدحه غيره، أو يفضل شيئاً على شيء، ثم يعود فيجعل المفضول فاضلاً، أو يفعل ذلك مع غيره، فيجعل المفضول عند غيره فاضلاً، وبالعكس. فإما التفضيل بين الشيئين المتغايرين من كل وجه فلم يقل به إلا ضياء الدين بن الأثير رحمه الله تعالى، وسنأتي بتفصيل مذهبه في آخر هذا الباب، وأما مدح الإنسان ما ذمه غيره فلم أسمع فيه كقول الإمام علي ﵇ في خطبة له مدح فيها الدنيا مغايراً لنفسه في ذمها عليها، أم هي المترجمة عليك؟ متى استهوتك، أم متى غرتك؟ كم غرتك؟ بمصارع آباك من البلى، أم بمضاجع أمهاتك تحت الثرى؟ كم عللت بكفيك، وكم مرضت بيديك، تبغي لهم الشفاء، وتستوصف لهم الأطباء، لم ينفع أحدهم إشفاقك، ولم تسعف فهي بطلبتك، ولم تدفع عنه بقوتك، قد مثلت لك به الدنيا نفسك وبمصرعه مصرعك، وإن الدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار عافية لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزود منها، ودار","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985516,"book_id":6313,"shamela_page_id":194,"part":null,"page_num":278,"sequence_num":194,"body":"موعظة لمن اتعظ بها، مسجد أحباء الله، ومصلى ملائكته ومهبط وحي الله، ومتجر أولياء الله، اكتسبوا فيها الرحمة، وربحوا فيها الجنة، فمن ذا يذمها، وقد آذنت ببينها ونادت بفراقها، ونعت نفسها وأهلها فمثلت لهم ببلائها الإبلاء، وشوقتهم بسرورها إلى السرور، راحت بعاقبة، وابتكرت بفجيعة، ترغيباً وترهيباً، وتخويفاً وتحذيراً، فذمها رجال غداة الندامة، وحمدها آخرون يوم القيامة، ذكرتهم فذكروا، وحدثتهم فصدقوا، ووعظتهم فاتعظوا، فقلت ناظماً لمعاني هذه الخطبة على أحد طريقي البلاغة، وهو الإيجاز خفيف:\rمن يذم الدنيا بظلم فإني ... بطريق الإنصاف أثنى عليها\rوعظتنا بكل شيء لو أنا ... حين جدت في الوعظ من مصطفيها\rوأرتنا الوجهين منها فهمنا ... للهوى بالبيان من وجهيها\rنصحتنا فلم نر النصح نصحاً ... حين أبدت لأهلها ما لديها\rأعلمتنا أن المآل يقينا ... للبلى حين جددت عصريها\rكم أرتنا مصارع الأهل والأح؟ ... باب لو نستفيق بين يديها\rولكم مهجة بزهرتها اغتر ... رت فأدمت ندامة كفيها\rأتراها أبقت على سبإ من ... قبلنا حين بدلت جنتيها\rيوم بؤس لها ويوم رخاء ... فتزود ما شئت من يوميها\rوتيقن زوال ذاك وهذا ... تسل عما تراه من حادثيها","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985517,"book_id":6313,"shamela_page_id":195,"part":null,"page_num":279,"sequence_num":195,"body":"دار زاد لمن تزود منها ... وغرور لمن يميل إليها\rمهبط الوحي والمصلى التي كم ... عفرت صورة بها خديها\rمتجر الأولياء قد ربحوا الجن؟ ... نة فيها وأوردوا عينيها\rرغبت ثم رهبت ليرى كل؟ ... ل لبيب عقباه من حالتيها\rفإذا أنصفت تعين أن يث؟ ... نى عليها ذو البر من ولديها\rوأما قوله مغايراً لنفسه فإنه في أكثر كلامه يذم الدنيا، ومنه قوله: يا دنيا أبي تعرضت، أم إلي تشوفت؟ هيهات هيهات، غري غيري، قد بنتك ثلاثاً لا رجعة لي فيك، فعمرك قصير، وعيشك حقير، وخطرك كبير، آه من قلة الزاد، وبعد السفر، ووحشة الطريق.\rوروى له ﵇ في ذلك سريع:\rيا مؤثر الدنيا على دينه ... والتائه الحيران في قصده\rأصبحت ترجو الخلد فيها وقد ... أبرز ناب الموت عن حده\rهيهات، إن الموت ذو أسهم ... من يرمه يوماً بها يرده\rلا يشرح الواعظ صدر امرئ ... لم يعزم الله على رشده\rوأما ما جاء من ذلك في الشعر، فقول بعض العرب يمدح قوماً بالأنفة كامل:\rلا يشربون دماءهم بأكفهم ... إن الدماء الشافيات تكال","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985518,"book_id":6313,"shamela_page_id":196,"part":null,"page_num":280,"sequence_num":196,"body":"فإنه وصف هؤلاء القوم بالأنفة من أخذ الدية عن قتلاهم، فيصير حاصل ما يأخذونه شربهم اللبن، فكأنهم شربوا دماءهم، ثم قال: إن مثل هذا الدم لا يشفي، وإنما يشفي من الدماء ما أخذه مكايلة صاعاً بصاع، يعني دماً بدم كفء، فحاصل معناه أن الدماء تكال؛ وقال الآخر مغايراً لهذا المعنى وقد قتل بقتيله دونه معتذراً عن ذلك، مغايراً للمعنى الأول طويل:\rفيقتل خير بامرئ لم يكن له ... وفاء ولكن لا تكايل بالدم\rويروى: لم يكن له بواء بباء موضع الفاء، أي كفء مأخوذ من قولهم لمن يقتلونه في دم: بؤبدم فلان، فذهب هذا القائل إلى أن قتيله لا نظير له، فلو ذهب إلى أنه لا يقبل به إلا كفأه لطاح دمه هدراً، إذ لم يجد له كفؤاً، فلهذا اضطر إلى قتل من دونه، ثم قال: لا تكايل بالدم، مستدلاً بذلك القول على صحة ما أتاه، لكون أرباب الدماء متفاوتي الدرجات، فلا تتكافأ دماؤهم، هذا مذهب الجاهلية، قد أتى الإسلام بخلافه، قال رسول الله ﷺ: \" المسلمون تتكافأ دماؤهم \" ولهذا قال عمر ﵁ لجبلة: الإسلام ساوى بينكما فتغاير المعنيان، وهما مع المغايرة صحيحان، وقد أتى حكم الله في كتابه العزيز مغايراً هذا الحكم، فقوله تعالى: \" ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل \" وقوله: \" الحر بالحر والعبد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985519,"book_id":6313,"shamela_page_id":197,"part":null,"page_num":281,"sequence_num":197,"body":"بالعبد والأنثى بالأنثى \" مما يصحح قول رسول الله ﷺ: \" تتكافأ دماؤهم \"؛ وقد غايرت أحكام القرآن العزيز أحكام الجاهلية في عدة مواضع، وذم من ابتغى حكم الجاهلية، ومن ذلك ذم الظلم وأهله، وقد كانت العرب تمدحه وتمدح به وأشياء غير ذلك.\rومن هذا قول أبي تمام يغاير جميع الناس في تفضيل التكرم على الكرم، بقوله لأبي سعيد الثغري خفيف:\rقد بلونا أبا سعيد حديثاً ... وبلونا أبا سعيد قديما\rووردناه سائحاً وقليباً ... ودعيناه بارضاً وجميما\rفعلمنا أن ليس إلا بشق الن؟ ... نفس صار الكريم يدعى كريما\rثم غايره المتنبي فقال على الطريق المألوف منسرح:\rلو كفر العالمون نعمته ... لما عدت نفسه سجاياها\rكالشمس لا تبتغي بما صنعت ... منفعة عندهم ولا جاها\rوهذا المعنى من قول أبي تمام بسيط\rلا يتعب النائل المبذول همته ... وكيف يتعب عين الناظر النظر\rوكل ذلك من قول بشار خفيف:\rليس يعطيك للرجاء لوا الخو ... ف ولكن يلذ طعم العطاء","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985520,"book_id":6313,"shamela_page_id":198,"part":null,"page_num":282,"sequence_num":198,"body":"وأبو تمام أخذ معناه الذي غاير فيه الناس من قبل إبراهيم بن سيار، النظام، لأنه غاير فيه جميع العلماء في استدلاله على أن شكر المنعم لا يجب عقلاً ولا شرعاً، وقال في نظم الدليل كلاماً نقحته وحررته فقلت: المعطي لا يعدو بعطائه أحد أربعة أقسام حاصرة: إما للخوف، وإما للرجاء، وإما لطلب الثناء، وإما للعشق في العطاء.\rفأما المعطي للخوف، فحثه على ذلك العطاء اتقاؤه ما خافه بعطائه، فلا يجب شكره، والمعطي للرجاء إما أن يرجو المكافأة عن عطائه ممن أعطاه، أو يرجو بذلك ثواب الله، وهو في كلتا حالتيه لا يجب شكره، والمعطي لطلب الثناء حق عطائه أن يثنى عليه، فإذا أثنى عليه، فقد سقط حقه، فلا يجب شكره، والمعطي للعشق في العطاء، مسكن بعطائه غليل قلبه، ومنفس به من كربه، فلا يجب شكره، ووجه الرد على النظام أن يقال: المعطي لطلب الثناء، إما أن يكون عطاؤه موجباً للثناء عليه، أو لا يكون، فإن كان الأول فقد وجب شكر المنعم، وإن كان الثاني فقد فسد التقسيم الأول، وصار للعطاء قسم خامس لغير العلل التي علل بها، ولم تبق علة لهذا التقسيم من العطاء سوى التبذير والعبث، وهذا القسم مرفوض لا يستحق الكلام عليه، فإن قيل المعطي للثناء قد يثني عليه وقد لا يثنى فإن أثنى عليه فقد سقط حقه، فلا يجب شكره، وإن لم يثن عليه خلا عطاؤه عن الفائدة.\rقلت: القعود عن أداء الواجب لا يسقط الواجب، فإن تارك الصلاة لا يسقط إخلاله بهذا الواجب وجوبها، ولا يخلو المثنى على المعطي لطلب","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985521,"book_id":6313,"shamela_page_id":199,"part":null,"page_num":283,"sequence_num":199,"body":"الثناء إما أن يكون فعل واجباً، فقد وجب شكر المعطي، وإما أن يكون ما فعله غير واجب فقد صار العطاء لا للثناء. ثم أقول: المعطي رغبة في الثناء لا يخلو إما أن يكون المثنى فعل بثنائه واجباً أولاً، فإن كان الأول فقد وجب شكر المنعم، وإن كان الثاني، فإما أن يكون عدم الثناء عليه من جهة تقصير المعطي، فقد بينا أن الإخلال لا يسقط وجوب الشكر، فإن قلت: إنما أثنى المثنى عليه تفضيلاً. قلت: هذا محال لأنه تقدم منه العطاء ليشتري به الثناء، فثناء المعطى ثمن لإنعام المعطي، فكيف يعد تفضلاً؟! فقد ثبت وجوب شكر المنعم، وفسد تقسيم النظام، ثم قول القائل: لا يخلو المعطي للثناء، إما أن يثني عليه وإما أن لا يثني عليه لازم في جميع الأقسام، فإن المعطي لطلب المكافأة. إما أن يكافأ، وإما أن لا يكافأ، وكذلك المعطى للخوف، ولم يبق قسم لا يدخله هذا الاحتمال، سوى المعطي للعشق في العطاء، فإنه وإن لم يجب شكره على نفس العطاء لكونه مسكناً به غليل قلبه، ومشبعاً غرض نفسه، فهو مشكور على عشق أحسن الخلال، وأكرم الفعال، وكيف لا يستحق المنعم الشكر، والمنعم على كل تقدير أحد رجلين: رجل مطبوع على العطاء مجبول عليه، فهو مشكور على كرم طبع، وسماحة جبلته، ورجل غير مطبوع على ذلك فهو يجاهد نفسه، ويغلب طبعه على التكرم حتى يتعمد العطاء ويتكلف الحباء، وهذا كما قال سيد المرسلين محمد ﷺ: \" إنما","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985522,"book_id":6313,"shamela_page_id":200,"part":null,"page_num":284,"sequence_num":200,"body":"الصدقة أن تتصدق وأنت صحيح شحيح، تخاف الفقر وتأمل الغنى \". ومن هنا قال أبو تمام خفيف:\rفعلمنا أن ليس إلا بشق الن؟ ... نفس صار الكريم يدعى كريما\rولقد أحسن المتنبي حين أخذ هذا المعنى من أبي تمام، وزاد عليه ونقله من فن المدح إلى فن الأدب، فقال مخرجاً ذلك مخرج المثل بسيط\rلولا المشقة ساد الناس كلهم ... الجود يفقر والإقدام قتال\rومن التغاير تفضيل القلم على السيف، والمعتاد عكس ذل، ويدل عليه قول البحتري في صاحب خراسان المعروف بابن هرمة بسيط\rتعنو له وزراء الملك راغبة ... وعادة السيف أن يستخدم القلما\rوما سمعت في هذا المعنى مثل قول ابن الرومي بسيط\rإن يخدم القلم السيف الذي خضعت ... له الرقاب ودانت خوفه الأمم\rفالموت والموت لا شيء يعادله ... ما زال يتبع ما يجري به القلم\rكذا قضى الله للأقلام مذ بريت ... أن السيوف لها مذ أرهفت خدم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985523,"book_id":6313,"shamela_page_id":201,"part":null,"page_num":285,"sequence_num":201,"body":"وغايره المتنبي فقال على الطريق المألوف بسيط\rحتى رجعت وأقلامي قوائل لي ... المجد للسيف ليس المجد للقلم\rأكتب بها أبداً قبل الكتاب بنا ... فإنما نحن للأسياف كالخدم\rفانظر إلى تقصير المتنبي في المعاني وسبكها، وإلى كونه قليل الابتكار لا يتوكأ إلا على المعاني المطروقة، ولا يرى فيها إلا تابعاً مقصراً، فإنه أخذ هذا المعنى من قول أبي تمام بسيط\rالسيف أصدق أنباء من الكتب\rفإن حاصل بيت المتنبي مأخوذ من هذا الصدر، ليس في بيته زائد على ما في الصدر، سوى ما أخذه من ابن الرومي وقصر وهو قوله في العجز:\rفإنما نحن للأسياف كالخدم\rلأن ابن الرومي جعل السيوف خدماً للأقلام، والمتنبي جعلها كالخدم، وفرق بين عين الشيء وبشبيهه، ولا يقال: إن صدر بيت المتنبي هو المأخوذ من صدر بيت أبي تمام، فلم قلت: إن بيت المتنبي كله مأخوذ من صدر بيت أبي تمام، لأني أقول: صدر بيت المتنبي مفتقر لما قبله، أو","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985524,"book_id":6313,"shamela_page_id":202,"part":null,"page_num":286,"sequence_num":202,"body":"لتقديم ما بعده، لما فيه من الضمائر الظاهرة والمستترة التي متى أفرد لا يوجد فيه ما يعود عليه، فلا يكمل معناه الذي أخذه من بيت أبي تمام حتى يقدر تقديم العجز، فيصير تقدير البيت: نحن للأسياف كالخدم فاكتب بالأسياف قبل أن تكتب بنا، وحاصل هذا كله قول أبي تمام:\rالسيف أصدق أنباء من الكتب\rفلم يرض أبو تمام أن يقول: السيف أصدق أنباء من القلم حتى قال: من الكتب التي لا تكتب إلا بالقلم، والدواة والقرطاس، والكاتب المطلق اليد واللسان والجنان فالحظ الفرق بين كلامه، وكلام المتنبي لتعلم مقدار ما بينهما.\rوقد غاير ابن الرومي الناس في إبطال فائدة التناسي حيث قال خفيف:\rومعز عن الشباب مؤس ... بمشيب اللدات والأتراب\rقلت لما انتحى يعد أساة ... من مصاب يشيبه ومصاب\rليس تأسو كلوم غيري كلومي ... ما بهم ما بهم وما بي ما بي\rفإنه غاير القائل طويل:\rولولا الأسى ما عشت في الناس بعده ... ولكن متى ما شئت جاوبني مثلي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985525,"book_id":6313,"shamela_page_id":203,"part":null,"page_num":287,"sequence_num":203,"body":"وأمثاله كثير، وكل ما أتيت به مما غاير فيه الشعراء بعضهم بعضاً.\rوأما ما يغاير الشاعر فيه نفسه، فكقول الفرزدق طويل:\r؟ ألم تسمعا يا بني حكيم حنينها ... إلى السيف تستبكي إذا لم تعقر\rفذكر أن إبله تحن إلى السيف لإلفها به إذا لم يعقرها للضيفان.\rوقال يصفها بالجزع من الموت طويل:\rترى النيب من ضيفي إذا ما رأينه ... ضموراً على جراتها ما يجيرها\rوهذا من قول بعض الشعراء يمدح رسول الله ﷺ كامل:\rوأبيك حقاً إن إبل محمد ... عزل نوائح أن تهب شمال\rوإذا رأين لدى الفناء غريبة ... فدموعهن على الخدود سجال\rيقول هذا الشاعر: إذا هبت الشمال، وهي من ريح الشتاء، وهبوبها من علامات المحل، أيقنت هذه الإبل أن رسول الله ﷺ ينحرها للضيفان والجيران، فهي نوائح لذلك، واستعار لها لفظة عزل: من الرجال الذين لا سلاح معهم يدفعون به عنهم، أي هي لا تمانع؛ ثم قال في البيت الثاني: وإذا رأين ناقة غريبة عرفن أنها ناقة ضيف فتذرى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985526,"book_id":6313,"shamela_page_id":204,"part":null,"page_num":288,"sequence_num":204,"body":"كل واحدة دمعها لا تدري أهي المنحورة أم غيرها؟ وقوله حقاً بعد القسم ليست من الحشو الذي تسد به الأبيات لإقامة الوزن، وإنما هي مؤكدة لصدق القسم، إذ المدح في رسول الله ﷺ، ولو كان في غيره لكانت حشواً لا يفيد إلا إقامة الوزن، وهذا من دقيق ما في الشعر، وهو من لطيف المدح، وقل كل مدح في حق رسول الله ﷺ، ومثل هذا التتميم الذي وقع لهذا الشاعر ﵁ في المدح تتميم وقع للأخطل في الهجاء حيث قال بسيط\rوأقسم المجد حقاً لا يحالفهم ... حتى يحالف بطن الراحة الشعر\rومن التغاير ما قاله زبان بن منظور الفزري، وقد اتفق مع النابغة على الغزو، فوقعت جواده على النابغة، فتطير بها ورجع، ومضى زبان فغنم وسلم، فقال النابغة وافر:\rتعلم أنه لا طير إلا ... على متطير وهو الثبور\rبلى شيء يوافق بعض شيء ... أحاييناً وباطله كثير\rومن ينزح به لا بد يوماً ... يجيء به نعي أو بشير\rفغاير النابغة معظم العرب في ذلك، وأعجبني مقاله لموافقته قول رسول الله ﷺ \" لا هامة ولا طيرة ولا صفر \".\rوهذه أمثلة التغاير في المعنى الواحد.\rوأما تغاير المعنيين المتضادين فإن الترجيح بينهما راجع إلى النظر في مفردات الألفاظ وتركيبها لتعلم كم في كل كلام منهما من ضروب العيوب،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985527,"book_id":6313,"shamela_page_id":205,"part":null,"page_num":289,"sequence_num":205,"body":"وأنواع المحاسن، ويقابل كل ضرب بضرب مثله: فما كانت محاسنه، أكثر وعيوبه أقل كان أفضل من الآخر، وهذا هو الذي أشار إليه ضياء الدين بن الأثير، ووعدت في أول هذا الباب بذكره، فإنه أيضاً غاير النقاد في هذا المكان، إذ عادتهم ألا يرجحوا بين الكلامين إلا إذا اشتركا في معنى واحد والله أعلم.\rومثال ما تقع فيه المفاضلة بين الكلامين المختلفي المعنى قول الله ﷾: \" وقيل يا أرض ابلعي ماءك \" وقال ﷿: \" إن الله يأمر بالعدل والإحسان \" الآية، فإن الأولى في الطبقة العليا من البلاغة والفصاحة، والثانية في الطبقة الوسطى بالنسبة إليها، لأن الثانية وإن كانت بليغة فالأولى أبلغ، وإن كنت كثيرة المعاني، فالأولى أكثر، فالأولى أفضل مع كون مقصد الاثنين مغايراً مختلفاً، وعلى هذا فقس ترشد والله ﷿ أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985528,"book_id":6313,"shamela_page_id":206,"part":null,"page_num":290,"sequence_num":206,"body":"باب الطاعة والعصيان\rهذا النوع استنبطه أبو العلاء المعري عند نظره في شعر أبي الطيب المتنبي وشرحه له من قوله طويل:\rيرد يداً عن ثوبها وهو قادر ... ويعصي الهوى في طيفها وهو راقد\rوسماه الطاعة والعصيان، أعني المعري، وفسره بأن قال: وهو أن يريد المتكلم معنى من معاني البديع، فيستعصي عليه لتعذر دخوله في الوزن الذي هو آخذ فيه، فيأتي موضعه بكلام غيره يتضمن معنى كلامه، ويقوم به وزنه، ويحصل به معنى من البديع غير المعنى الذي قصده، كهذا البيت الذي ذكرته للمتنبي، فإنه أراد أن يكون في البيت مطابقة، فيحتاج لأجلها أن يقول:\rيرد يدا عن ثوبها وهو مستيقظ\rحتى إذا قال:\rويعصي الهوى في طيفها وهو راقد\rيكون في البيت مطابقة فلم يطعه الوزن فأتى بقادر مكان مستيقظ. لتضمنه معناه، فإن القادر لا يكون إلا مستيقظاً، وزيادة فقد عصاه في البيت الطباق، وأطاعه الجناس، لأن بين قادر وراقد تجنيس عكس. هذا كلام المعري على هذا البيت، وهذا المعنى من البديع،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985529,"book_id":6313,"shamela_page_id":207,"part":null,"page_num":291,"sequence_num":207,"body":"ولم يأت بشاهد غيره، وتبعه الناس بعد، فأثبتوا هذا الباب وتكلموا فيه بمثل هذا الكلام، واستشهدوا بهذا البيت، ولم يأت أحد منهم بغيره، وأضربوا جميعهم عن النظر فيه، إما لحسن ظنهم بالمعري وموضعه من الأدب، واعتقادهم فيه العصمة من الخطإ والسهو فيه، وإما أن يكونوا قد مر عليهم ما مر عليه في هذا البيت.\rوالذي ذهب عليهم أن البيت ليس فيه شيء أطاع الشاعر، ولا شيء عصاه، ودليل ذلك أن قول المعري إن المتنبي أراد مستيقظاً، ليحصل منها ومن لفظة راقد طباق، فعصته لفظة مستيقظ لامتناعها من الدخول في هذا الوزن، فيحكم على المتنبي، لأنه لو أراد أن يكون في بيته طباق فحسب، كان له أن يقول: يرد يداً عن ثوبها وهو ساهر أو ساهد، ويحصل له غرضه من الطباق بالجمع بين ساهر وراقد، ولا يكون عصاه شيء وأطاعه غيره وإنما المتنبي قصد أن يكون في بيته طباق وجناس، فعدل عن لفظة ساهر وساهد إلى لفظة قادر، لأن القادر ساهر وزيادة، إذ ليس كل ساهر قادراً، والقادر لا بد أن يكون ساهراً، ليحصل بين قادر وراقد طباق معنوي، وجناس عكس، لأن الطباق أنواع: منه المعنوي، كما أن الجناس أنواع: منه جناس العكس، وكما لم يأت بأول نوع من الجناس، كذلك يم يأت بأول نوع من الطباق، وهو الطباق اللفظي، وأتى بالطباق المعنوي، لأن مذهبه ترجيح المعاني على الألفاظ، لا سيما وبالعدول عن الطباق اللفظي حصل في البيت الطباق والجناس معاً، وما كان فيه طباق وجناس أفضل مما ليس فيه سوى الطباق فقط، ولو عدل المتنبي إلى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985530,"book_id":6313,"shamela_page_id":208,"part":null,"page_num":292,"sequence_num":208,"body":"ما ذكره المعري من الإتيان بشاهد مثلاً لفاته هذا الفضل، وأتى في بيته ما دل على عدم تدقيق النقد، إذ يأتي فيه بأول نوع من الطباق، ولم يقابله بأول نوع من الجناس، مع ثبوت نيته الجمع بنيهما، والله أعلم.\rفقد تبين من هذا البحث أن بيت المتنبي هذا لا يصلح أن يكون شاهداً على هذا الباب، لأنه لم يعصه فيه شيء ولم يطعه غيره، ولا بد إذ قد أثبت هذا الباب لرشاقة تسمية من الإتيان بشاهد يليق به؛ والذي يليق به من الشواهد قول عوف بن محلم السعدي سريع:\rإن الثمانين وبلغتها ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان\rلأنا نعلم أن أول ما يقصده المتكلم إخراج معناه في لفظ مساو له، إذ هو خير ضروب البلاغة لكونه وسطها، وخير الأمور أوسطها، ولذلك وصف به كلام رسول الله ﷺ.\rقال هند بن أبي هالة في صفته: ويتكلم بجوامع الكلم قولاً فصلاً، لا فضلاً ولا تقصيراً؛ وقالت أم معبد في صفة كلامه أيضاً: حلو المنطق فصل لا نزر ولا هذر، كأن منطقه خزرات نظم يتحدرن، وهذا المعنى بلفظه أخذه ذو الرمة فقال طويل:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985531,"book_id":6313,"shamela_page_id":209,"part":null,"page_num":293,"sequence_num":209,"body":"لها بشر مثل الحرير ومنطق ... رخيم الحواشي لا هراء ولا نزر\rفإذا اضطر الوزن إلى الزيادة على اللفظ أو النقص منه اضطراراً، فقد عصته المساواة وأطاعه غيرها مما يأتي في كلامه من البديع بعد الزيادة والنقص الذي استقام بهما الوزن، بشرط أن يكون عدوله عن المساواة إلى غيرها من البديع اضطراراً لا اختياراً.\rوقد يعدل المتكلم عن المساواة اختياراً، ولا تكون المساواة عصته إلا في ظن من يرى ظاهر كلامه فيجد فيه ما يوهم بأنه زيادة، ويكون عدوله لمعنى أجل من المساواة، فيكون قد أطاعه ذلك المعنى، ومن ذلك في الكتاب العزيز قوله تعالى: \" قل رب احكم بالحق \" فإن ظاهر اللفظ يوهم أن لفظة بالحق مستغنى عنها، للعلم بأن الله سبحانه لا يحكم إلا بالحق، فإنه قد ثبت أنه موصوف بالعدل بالدليل العقلي، فعدل عن المساواة، وأتى بهذه الزيادة ليضمن الكلام ضرباً من المحاسن يسمى الافتنان، فإن المراد تعجيل ما يستحقه الكفار من العذاب، ولذلك حصل في الكلام افتنان، وهو الجمع بين الأدب والهجاء، لأن من يستحق الدعاء عليه بالعقوبة ملوم، والله أعلم.\rوقد أفردت لهذه الآية الكريمة تأليفاً استخرجت منها ستة عشر ضرباً من البديع، خفت من سياقتها في هذا الكتاب من الإطالة، فعلى هذا يكون مراد عوف في بيته الذي قدمناه عند ما وقع المعنى في نفسه،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985532,"book_id":6313,"shamela_page_id":210,"part":null,"page_num":294,"sequence_num":210,"body":"وقصد إخراجه من القوة إلى الفعل أن يقول: إن الثمانين قد أحوجت سمعي إلى ترجمان، وعلم أن الوزن لا يستقيم إلا بزيادة كلمة على ذا اللفظ المساوي معناه، فأتى بها متضمنة معنى الدعاء للمدوح، ليحصل بها في الكلام ضرب من البديع، وهو التتميم، نظراً إلى نقص الوزن، والتكميل نظراً إلى كون المعنى تاماً، وليكون عوضاً مما فاته من المساواة حذقاً منه، ولو أتى بها لا يفيد إلا إقامة الوزن فحسب، كانت عيباً فليسوغ أن يقال: إن في هذا البيت طاعة وعصياناً، لكون الشاعر عصته فيه المساواة التي قصدها وقت الشروع في سبكه وبنيته، وأطاعه التتميم، وعلى هذا يكون كل بيت من شواهد التتميم، وقع التتميم الذي فيه زائداً على معناه غير متمم لنقصه شاهداً للطاعة والعصيان، ومثل هذا هو تتميم الوزن لا تتميم المعنى، والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985533,"book_id":6313,"shamela_page_id":211,"part":null,"page_num":295,"sequence_num":211,"body":"باب التسميط\rوهو أن يعتمد الشاعر تصيير بعض مقاطع الأجزاء، أو كلها في البيت على سجع يخالف قافية البيت، كقول مروان بن أبي حفصة طويل:\rهم القوم إن قالوا أصابوا، وإن دعوا ... أجابو، وإن أعطوا أطابوا، وأجزلوا\rفأتت بعض أجزاء هذا البيت مسجعة على خلاف قافيته، لتكون القافية بمنزلة السمط، والأجزاء السجعة بمنزلة حب العقد، لكون التسميط يجمع حب العقد ويربطه، والفرق بين التسميط والتفويف، تسجيع بعض أجزاء بيت التسميط، وخلو كل أجزاء بيت التفويف من السجع بتة، والمراد بأجزاء التسميط بعض أجزاء التقطيع، ويسمى تسميط التبعيض.\rومن التسميط نوع آخر يسمى تسميط التقطيع، وهو أن يسجع جميع أجزاء التفعيل على روى يخالف روى القافية، كقولي بسيط","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985534,"book_id":6313,"shamela_page_id":212,"part":null,"page_num":296,"sequence_num":212,"body":"وأسمر مثمر بمزهر نضر ... من مقمر مسفر عن منظر حسن\rفجاءت جميع أجزاء التفعيل في هذا البيت من سباعيها وخماسيها مسجعة على خلاف سجعة الجزء الذي هو قافية البيت، والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985535,"book_id":6313,"shamela_page_id":213,"part":null,"page_num":297,"sequence_num":213,"body":"باب المماثلة\rوهو أن تتماثل ألفاظ الكلام أو بعضها في الزنة دون التقفية، كقول الله ﷾: \" وما أدراك ما الطارق النجم الثاقب، إن كل نفس لما عليها حافظ \" فالطارق والثاقب وحافظ متماثلات في الزنة دون التقفية، وقد تأتي بعض ألفاظ المماثلة مقفاة من غير قصد، لأن التقفية في هذا الباب غير لازمة، كقول امرئ القيس متقارب:\rفتور القيام، قطوع الكلام ... تفتر عن ذي غروب خصر\rكأن المدام، وصوب الغمام ... وريح الخزامى، ونشر القطر\rيعل به برد أنيابها ... إذا غرد الطائر، المستحر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985536,"book_id":6313,"shamela_page_id":214,"part":null,"page_num":298,"sequence_num":214,"body":"وكقول الشاعر على أصل الباب في التزام الزنة دون التقفية متقارب:\rصفوح، كريم، رصين إذا ... رأيت العقول بدا طيشها\rنداه سحوح على أنفس ... به اخضر لما سقى عيشها\rوالبيت الأول أردت.\rوالفرق بين المماثلة والمناسبة توالي الكلمات المستويات في المماثلة، وتفارقها في المناسبة ومن أمثلة المماثلة قول أبي ذؤيب وافر:\rمعتقة، مصفقة، عقار ... شآمية، إذا جليت مروح\rفقوله: معتقة، مصفقة، شآمية متماثلة لتساوي الكلام في الزنة، وهذا البيت من أقوى دليل على أن التقفية في المماثلة غير لازمة، إذ لو كانت لازمة لأتى بشآمية على سجع معتقة مصفقة.\rلكنه لما لم يأت بأول العجز على سجع أول الصدر، علم أن التقفية في هذا الضرب غير لازمة. ومثله قول أوس بن حجر متقارب:\rمليح، نجيح، أخو مأقط ... يكاد يخبر بالغائب","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985537,"book_id":6313,"shamela_page_id":215,"part":null,"page_num":299,"sequence_num":215,"body":"باب التجزئة\rوهو أن الشاعر يجزئ البيت من الشعر جميعه أجزاء عروضية، ويسجعها كلها على رويين مختلفين، جزء يجزء، إلى آخر البيت الأول من الجزأين، على روى مخالف لروى البيت، والثاني على روى البيت كقول الشاعر \" رمل \":\rهندية لحظاتها، خطية خطراتها، دارية نفحاتها\rومثال الثاني الذي سجع كل ثان من أجزائه زائداً على قافيته قول أبي تمام طويل:\rتجلى به رشدي، وأثرت به يدي ... وطاب به ثمدي، وأورى به زندي\rوكقول المتنبي بسيط\rفنحن في جذل، والروم في وجل ... والبر في شغل؛ والبحر في خجل\rوالتجزئة تفارق التسميط من وجهين: أحدهما تقسيم بيتها على ثلاثة أجزاء مسجعة إن كان سداسياً، أو أربعة مسجعة إن كان ثمانيا.\rوالثاني التزام السجع في الأجزاء على قافية البيت والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985538,"book_id":6313,"shamela_page_id":216,"part":null,"page_num":300,"sequence_num":216,"body":"باب التسجيع\rوهو أن يتوخى المتكلم أو الشاعر في أجزاء كلامه، بعضها غير متزنة بزنة عروضية ولا محصورة في عدد معين، بشرط أن يكون روي الأسجاع روي القافية، والفرق بينه وبين التسميط كون أجزائه على روى قافيته، وبينه وبين التجزئة اختلاف زنة أجزائه، ومجيئها على غير عدد محصور معين، ومثاله قول أبي تمام طويل:\rتجلى به رشدي، وأثرت به يدي ... وطاب به ثمدي، وأورى به زندي\rوقول ديك الجن كامل:\rحر الإرهاب وسميه، بر الإيا ... ب كريمه، محض النصاب صميمه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985539,"book_id":6313,"shamela_page_id":217,"part":null,"page_num":301,"sequence_num":217,"body":"والأجزاء المسجعة من هذا البيت التي هي بعض أجزائه غير متزنة زنة عروضية، وإن تماثلت في زنة بعضها لبعض، والفرق بينه وبين المماثلة، كون أجزائه المسجعة اتزنت زنة غير زنة عروضية، وأتت مفرقاً ما بينها، وأتى تسجيعها على روي بيتها، بخلاف أجزاء المماثلة، وتسجيع أجزاء المماثلة على غير روي بيتها والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985540,"book_id":6313,"shamela_page_id":218,"part":null,"page_num":302,"sequence_num":218,"body":"باب الترصيع\rالترصيع كالتسجيع في كونه يجزئ البيت إما ثلاثة أجزاء إن كان سداسياً، أو أربعة إن كان ثمانياً وسجع على ثاني العروضين دون الأول، وأكثر ما يقع الجزءان المسجع والمهمل في الترصيع مدمجين إلا أن أسجاع التسجيع على قافية البيت، والفرق بينه وبين التسميط المسمى تسمي التبعيض أن المسجع من قسمي التسميط معاً هي أجزاء عروضية، والمسجع من الترصيع أجزاء غير عروضية لوقوع السجع في بعض الأجزاء، ومثال الترصيع قول أبي صخر من أناشيد قدامة بسيط\rوتلك هيكلة خود مبتلة ... صفراء رعبلة في منصب سنم\rعذب مقبلها خدل مخلخلها ... كالدعص أسفلها مخضوبة القدم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985541,"book_id":6313,"shamela_page_id":219,"part":null,"page_num":303,"sequence_num":219,"body":"سود ذوائبها، بيض ترائبها ... محض ضرائبها، صيغت على الكرم\rسمح خلائقها، درم مرافقها ... يروي معانقها من بارد شبم\rكأن معتقة، في الدن مغلقة ... صفراً مصفقة من رابئ ودم\rشيبت بموهبة، من رأس مرقبة ... جرداء مهيبة، في حالق شمم\rخالط طعم ثناياها وريقتها ... إذا يكون توالي النجم كالنظم\rفهذا القسم من الترصيع يحسن أن يسمى الترصيع المدمج، لا، كل جزء مسجع من أجزائه مدمج في الجزء الذي قبله فرقاً بينه وبين ما ليس كذلك من الترصيع، فإن من الترصيع ما أجزاؤه المسجعة غير مدمجة فيما قبلها، ومثاله قول مسلم بن الوليد بسيط\rكأنه قمر، أو ضيغم هصر ... أو حية ذكر، أو عارض هطل\rوهذا القسم من الترصيع بلتبس بالتسميط التباساً شديداً، والفرق بينهما أن التسجيع في التسميط على الجزء الأول من الأجزاء العروضية، وفي الترصيع على ثاني العروضيين، ألا ترى التسجيع من التسميط في بيت مروان جاء في الخماسي لما كان من بحر طويل، وجاء التسجيع","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985542,"book_id":6313,"shamela_page_id":220,"part":null,"page_num":304,"sequence_num":220,"body":"من الترصيع في بيت مسلم في الخماسي أيضاً لما كان البيت من بحر البسيط، لكون الخماسي أول الجزأين من الطويل والخماسي ثاني الجزأين من البسيط، وهذا الوضع مما يسأل عنه من يدعي هذا العلم. ويتنخل من ذلك أن الفرق بين التسميط والترصيع من وجهين: أحدهما كن الترصيع يكون بأجزاء مدمجة وغيرها، والتسميط لا يقع فيه الإدماج ألبتة.\rوالثاني أن ما لا إدماج في أجزائه من الترصيع يقع التسجيع منه في ثاني العروضين، ومن التسميط في أولهما، والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985543,"book_id":6313,"shamela_page_id":221,"part":null,"page_num":305,"sequence_num":221,"body":"باب التصريع\rالتصريع على ضربين: عروضي، وبديعي، فالعروضي عبارة عن استواء عروض البيت وضربه في الوزن والإعراب والتقفية، بشرط أن تكون العروض قد غيرت عن أصلها لتلحق الضرب في زنته.\rوالبديعي استواء آخر جزء في الصدر، وآخر جزء في العجز في الوزن والإعراب والتفقيه، ولا يعتبر بعد ذلك أمر آخر، وهو في الأشعار كثير، لا سما في أول القصائد، وكثير ما يأتي في أثناء قصائد القدماء؛ ويندر مجيئة في أثناء قصائد المحدثين، ووقوعه في الأعشار دليل على غزر مادة الشاعر، وحكمه في الكثرة والقلة حكمن بقية أنواع البديع، إذ كل ضرب من البديع متى كثر في شعر سمج، كما لا يحسن خلو الكلام منه غالباً، وكل ما جاء منه متوسطاً من غير تكلف فهو المستحسن، وقد يأتي بعض أوائل القصائد مصمتاً، ويأتي التصريع في أثنائها بعد ذلك. وقد قسمه أهل الصناعة قسمين: قسم سموه تصريع التكميل، وقسم سموه تصريع التشيطر، ورأيت منهم من جعل هذا القسم الثاني باباً مفرداً يسميه التشيطر من غير أن يضيف إليه لفظة التصريع.\rومثال التصريع العروضي قول امرئ القيس طويل:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985544,"book_id":6313,"shamela_page_id":222,"part":null,"page_num":306,"sequence_num":222,"body":"ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي ... وهل يعمن من كان في العصر الخالي\rومثال التصريع البديعي قوله في أثناء هذه القصيدة:\rألا إنني بال على جمل بال ... يقود بنا بال ويتبعنا بال\rوقوله أيضاً بعد تصريع أول القصيدة المعلقة، وإن كان إطلاق التصريع عليها إطلاقاً بديعياً، لا عروضياً، إذ أولها عند العروضين مقفى لا مصرع طويل:\rألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل\rومثال ما وقع في أثناء القصيدة وأولها مصمت قوله متقارب:\rتروح من الحي أم تبتكر ... وماذا يضيرك لو تنتظر\rفإن أول هذه القصيدة على أصح الروايتين\rلا وأبيك ابنة العامري ... لا يدعي القوم أني أفر\rثم والى التصريع بعد قوله:\rتروح من الحي أم تبتكر\rفقال\rأمرخ خيامهم أم عشر ... أم القلب في إثرهم منحدر\rوشاقك بين الخليط الشطر ... وفيمن أقام من الحي هر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985545,"book_id":6313,"shamela_page_id":223,"part":null,"page_num":307,"sequence_num":223,"body":"وأهل البديع يسمون التقفية تصريعاً، إذ لا يعتبرون الفرق بينهما. والتصريع في أثناء القصائد والإصمات في أوائلها يستحسن من القدماء، ويستحسن من المحدثين، لأنه من العرب يدل على قوة العارضة وغزر المادة، وعدم الكلفة وتخلية الطبع على سجيته، وهو من المحدثين دليل على قوة التكلف غالباً، ولا يحسن التصريع لأنه لا يأتي منهم إلا مقصوداً، ولا يحسن التصريع إلى ابتداء شعر غير الشعر الذي تقدم ... ألا ترى إلى كون امرئ القيس لما فرغ من ذكر الحماسة في القصيدة الرائية التي ذكرنا منها الأبيات المتقدمة، وشرع في ذكر النسيب صرع، وإذا استقريت أشعارهم وجدت أكثرها كما ذكرت لك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985546,"book_id":6313,"shamela_page_id":224,"part":null,"page_num":308,"sequence_num":224,"body":"باب التشطير\rهذا أن يقسم الشاعر بيته شطرين، ثم يصرع كل شطر من الشطرين، لكنه يأتي بكل شطر مخالفاً لقافية الآخر ليتميز من أخيه، فيوافق فيه الاسم المسمى، وذلك كقول مسلم بن الوليد بسيط\rموف على مهج، في ويم ذي رهج ... كأنه أجل، يسعى إلى أمل\rوكقول أبي تمام بسيط\rتدبير معتصم، بالله منتقم ... لله مرتغب، في الله مرتقب\rوعندي أن بيت أبي تمام أولى من بيت مسلم بهذا الباب، لأنه عمد إلى كل شطر قدره بيتاً وصرعه تصريعاً صحيحاً، وبيت مسلم شطره الأول مصرع تصريعاً صحيحاً، وشطره الثاني ليس بمصرع لمخالفة روي وسطه روي آخره في الإعراب، اللهم إلا أن يجعل الشطر على ضربين: ضرب يصرع فيه أحد الشطرين دون الآخر، وضرب يصرعان فيه معاً. والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985547,"book_id":6313,"shamela_page_id":225,"part":null,"page_num":309,"sequence_num":225,"body":"باب التعليل\rوهو أن يريد المتكلم ذكر حكم واقع، أو متوقع فيقدم قبل ذكره علة وقوعه، لكون رتبة العلة أن تقدم على المعلول، كقوله سبحانه: \" لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم \" فسبق الكتاب من الله علة في النجاة من العذاب. وكقوله تعالى: \" ولولا رهطك لرجمناك \"، فوجود رهطه علة في سلامته من قومه، وكقول الرسول ﷺ: \" لولا أخاف أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة \" فخوف المشقة على الأمة هو العلة في التخفيف عنهم من الأمر بالسواك عند كل صلاة.\rومن الأمثلة الشعرية في ذلك قول البحتري متقارب:\rولو لم تكن ساخطاً لم أكن ... أذم الزمان وأشكو الخطوبا\rفوجود سخط الممدوح هو العلة في شكوى الشاعر الزمان، وكقول أبي القاسم بن هانئ الأندلسي طويل:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985548,"book_id":6313,"shamela_page_id":226,"part":null,"page_num":310,"sequence_num":226,"body":"ولو لم تصافح رجلها صفحة الثرى ... لما كنت أدري علة للتيمم\rفعلل درايته علة التيمم بمصافحة رجل صاحبته صفحة الثرى وهذا من غلو ابن هانئ المعروف فلحى الله غلوه كيف يقول: إنه لم يدر علة التيمم إلا بما ذكر، وقد وردت علة التيمم من نص الكتاب والسنة: أما نص الكتاب فقوله تعالى: \" فتيمموا صعيداً طيباً \" وما نص السنة فقوله ﷺ: \" وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً \" وحديث عمار بن ياسر في التيمم مشهور وأخرجه مسلم.\rأراد ابن هانئ الإغراب في هذا المعنى، فوقع فيما عادته أن يقع فيه من الغلو، وأحسن من قوله قول ابن رشيق القيرواني في تعليل قوله ﵇: \" وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً \" حيث قال وافر:\rسألت الأرض لم جعلت مصلى ... ولم كانت لنا طهراً وطيبا\rفقالت غير ناطقة لأني ... حويت لكل إنسان حبيبا\rفتخلص مما وقع فيه ابن هانئ لكونه ذكر أنه سأل الأرض عن العلة التي بسببها جعلها الله تعالى لرسوله ﵇ مسجداً وطهوراً، وتلطف في استخراج علة مناسبة لا حرج عليه في ذكرها بنفسه، فكيف وقد ذكرها على لسانها في جواب سؤاله، وأبو تمام الذي فتح له باب هذا المعنى ونبهه على استخراج هذه العلة بقوله طويل:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985549,"book_id":6313,"shamela_page_id":227,"part":null,"page_num":311,"sequence_num":227,"body":"رباً شفعت ريح الصبا بنسيمها ... إلى الغيث حتى جادها وهو هامع\rكأن السحاب الغر غيبن تحتها ... حبيباً فما ترقا لهن مدامع\rوالبيت الثاني، أردت لأن أبا تمام تلطف لمعناه غاية التلطف، إذ جعل دوام مطر السحاب على هذا الربا إنما كان بمنزلة البكاء من ثاكل دفن محبوباً له، فهو دائم البكاء على قبره، فكأنه جعل العلة في دوام السقيا كون الحبيب تحت تلك الأرض المسقية، ومن هاهنا جعل ابن رشيق العلة في كون الأرض مسجداً وطهوراً لكافة الناس الذين بعث إليهم رسول الله ﷺ كونها حوت لكل بشر حبيباً، وهذه كلها أمثلة الكلام الذي جاء على وجهه في تقديم علة حكمه على الحكم، وأما ما جاء منه متقدم المعلول على العلة إغراباً وطرفة، فكقول مسلم بن الوليد بسيط\rيا واشيا حسنت فينا إساءته ... نجى حذارك إنساني من الغرق\rفإن هذا البيت لم يسمع في هذا الباب مثله، لأنه مسلماً أغرب في معناه بتلطفه في تحسين إساءة الوشي، لإنجائه إنسان عينه من الغرق بالدمع، لامتناعه من البكاء لحذره منه، فغاير في ذلك الناس، أعني استحسان الإساءة، وكأنه سئل عن استحسانه إساءة الواشي، ففسر ذلك بنجاة إنسانه من الغرق، وأدمج في هذا المعنى معنى الاعتذار عن عدم البكاء، وتبيين العلة في ذلك من جهة حذره من الواشي بحبه، وفي ذلك فضيحة محبوبه،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985550,"book_id":6313,"shamela_page_id":228,"part":null,"page_num":312,"sequence_num":228,"body":"واحترس من توهم متوهم أن جمود عينه لغلبة جلده على حبه، وصبره على جزعه، إذ ذلك مناف لصحة مذاهب الناس في الغزل، وجاء في ضمن ذلك الإدماج بالمبالغة، إذ مفهوم كلامه وملزومه أنه لولا حذره من الواشي لبكى بدمع يغرق إنسانه بحيث لا ينحسر عنه الماء أبداً، فإنه أطلق عليه لفظ الغرق، وهذا حكم كل غريق، هذا إلى ما وقع في البيت من مساواة معناه للفظه، وائتلافه معه ومع وزنه، وحصول المطابقة اللفظية فيه، وعذوبة ألفاظه، وسهولة سبكه، وقرب متناوله، وصحة دلالته، وتمكين قافيته، فاشتمل هذا البيت على ثلاثة عشر نوعاً من البديع، وهي الإغراب والطرفة، والتعليق، والإدماج، والاحتراس، والمبالغة، والتعليل، والمطابقة، والمساواة، والتغاير، والتفسير، وائتلاف اللفظ مع المعنى، وائتلاف اللفظ مع الوزن، والتمكين، وقد تشبث القاضي السعيد ﵀ بأذيال مسلم في هذا المعنى، وأحسن ابتاعه باختيار بعض هذه الأنواع حيث قال خفيف:\rعلمتني بهجرها الصبر عنها ... فهي مشكورة على التقبيح\rفالجامع بين هذا البيت والبيت الذي قبله وقوع الإحسان من الإساءة، فبيت السعيد وإن شارك بيت مسلم في المساواة، والتعليق، وائتلاف اللفظ مع المعنى، وائتلاف اللفظ مع الوزن، وتمكين القافية، والتفسير والتعليل، فقد أعوزه الإغراب والمغايرة والمطابقة والاحتراس والإدماج والمبالغة، على أن صريح بيت السعيد مأخوذ من قول القائل منسرح:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985551,"book_id":6313,"shamela_page_id":229,"part":null,"page_num":313,"sequence_num":229,"body":"أعتقني سوء ما صنعت ال؟ ... رق فيا بردها على كبدي\rفصرت عبداً للسوء فيك وما ... أحسن سوء قبلي إلى أحد\rوهذان البيتان في معناهما من أحسن ما سمع، وأكمل وأمتن شعر وأفضل، ولولا الإفراط في الإطالة بينت مانيهما، والله أعلم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985552,"book_id":6313,"shamela_page_id":230,"part":null,"page_num":314,"sequence_num":230,"body":"باب التطريز\rوهو أن يبتدئ المتكلم أو الشاعر بذكر جمل من الذات غير مفصلة، ثم يخبر عنها بصفة واحدة من الصفات مكررة بحسب العدد الذي قدره في تلك الجملة الأولى، فتكون الذوات في كل جملة متعددة تقديراً والجمل متعددة لفظاً والصفة الواحدة المخبر بها عن تلك الذوات متعددة لفظاً، وعدد الجمل التي وصفت بها الذوات لأعدد الذوات عدد تكرار واتحاد لا تعداد تغير، وذلك كقول ابن الرومي وافر:\rأموركم بني خاقان عندي ... عجاب في عجاب في عجاب\rقرون في رؤوس في وجوه ... صلاب في صلاب في صلاب","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985553,"book_id":6313,"shamela_page_id":231,"part":null,"page_num":315,"sequence_num":231,"body":"وكقوله وافر:\rوتسقيني وتشرب من رحيق ... خليق أن يلقب بالخلوق\rكأن الكأس في يده وفيها ... عقيق في عقيق في عقيق\rومثل ذلك قول القائل، وأنا أشك هل هو لأبي نواس أو ابن المعتز وافر:\rفثوبي والمدام ولون خدي ... شقيق في شقيق في شقيق","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985554,"book_id":6313,"shamela_page_id":232,"part":null,"page_num":316,"sequence_num":232,"body":"باب التوشيع\rهو من الوشيعة، وهي الطريقة في البرد المطلق، فكأن الشاعر أهمل البيت كله إلا آخره، فإنه أتى فيه بطريقة تعد من المحاسن.\rوهو عند أهل الصناعة عبارة عن أن يأتي المتكلم أو الشاعر ابسم مثنى في حشو الجز، ثم يأتي تلوه باسمين مفردين هما عين ذلك المثنى، يكون الأخير منهما قافية بيته أو سجعة كلامه، كأنهما تفسير ذلك. وقد جاء من ذلك في السنة ما لا يلحق بلاغة، وهو قوله ﵇: \" يشب ابن آدم وتشب فيه خصلتان: الحرص، وطول الأمل \".\rومن أمثلة هذا الباب في الشعر قول الشاعر بسيط\rأمسى وأصبح من تذكاركم وصباً ... يرثي لي المشفقان الأهل والولد\rقد خدد الدمع خدي من تذكركم ... واعتادني المضنيان الوجد والكمد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985555,"book_id":6313,"shamela_page_id":233,"part":null,"page_num":317,"sequence_num":233,"body":"وغاب عن مقلتي نومي لغيبتكم ... وخانني المسعدان: الصبر والجلد\rلا غرو للدمع أن تجري غواربه ... وتحته المضرمان: القلب والكبد\rكأنما مهجتي شلو بمسبعة ... ينتابها الضاريان: الذئب والأسد\rلم يبق غير خفي الروح في جسدي ... فدى لك الباقيان: الروح والجسد\rوهذه الأبيات جيدة، لو لم يقع في البيت الأول منها تقصير عما يجب في مثله على الطريقة المحمودة من طرائق النسيب حيث قال: \" يرثي لي المشفقان \"، فإنه ليس من الكلام البليغ قول من يشكو محنة قد رثى لي المشفق منها، وأبلغ منه قول من يقول رثى لي العدو ورق لي الصخر، وأشباه ذلك وما بشعر قلته في هذا المعنى من بأس، وهو بسيط\rبي محنتان ملام في هوى بهما ... رثى لي القاسيان: الحب والحجر\rلولا الشفيقان من أمنية وأسى ... أودى بي المرديان: الشوق والفكر\rويحسن أن يسمى ما وقع في بيتي تطريف التوشيع، إذ وقع التوشيع في طرفي كل بيت في أوله وآخره، والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985556,"book_id":6313,"shamela_page_id":234,"part":null,"page_num":318,"sequence_num":234,"body":"باب العكس والتبديل\rوهو أن يأتي الشاعر إلى معنى لنفسه، أو لغيره فيعكسه، فمثال ما عكس الشاعر من المعاني لغيره قول أبي العتاهية يشبه الرايات بالسحاب وافر:\rورايات يحل النصر فيها ... تمر كأنها قطع السحاب\rفعكسه علي بن الجهم فقال يشبه السحابة بالرايات طويل:\rفمرت تفوق الطرف حتى كأنها ... جنود عبيد الله ولت بنودها\rوما أدري كيف وصف ابن الجهم جنود ممدوحه بالتولي في الحرب! وهو من صفات الذم، فقال الله ﷾: \" فلا تولوهم الأدبار \".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985557,"book_id":6313,"shamela_page_id":235,"part":null,"page_num":319,"sequence_num":235,"body":"وقال علي ﵇ وقد قيل له ورثي عيه درع وهي صدر بلا ظهر: ألا وقيت ظهرك، فقال إن وليت فلا وألت هذا الإنكار وقع مني على ما روى لي عنه، فإن الذي روى لي البيت له ذكر أن عبيد الله المذكور فيه هو ممدوحه بهذه القصيدة، والعهدة على الراوي، ومن هذا القسم قول الشاعر بسيط\rقد يدرك المتأني بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزلل\rفعكسه غيره فقال بسيط\rوربما فات بعض القوم أمرهم ... مع التأني وكان الحزم لو عجلوا\rومن القسم الثاني، وهو عكس الشاعر معنى نفسه قول الأول خفيف:\rوإذا الدر زان حسن نساء ... كان للدر حسن وجهك زينا\rومثله قول الآخر طويل:\rمنعمة الأطراف زانت عقودها ... بأحسن مما زينتها عقودها\rولبعض الشعراء فيمن مدحه، فتغير عليه ومطله بسيط\rها قد غدا من ثياب الشعر في كفن ... وقد تعفت معاني وجهه الحسن\rوكان يعرض عني حين أبصره ... فصرت أعرض عنه حين يبصرني","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985558,"book_id":6313,"shamela_page_id":236,"part":null,"page_num":320,"sequence_num":236,"body":"والبيت الثاني أردت: ومن هذا الباب قول بعضهم وافر:\rفإن أك في شراركم قليلاً ... فإني في خياركم كثير\rويروي للرشيد هارون متقارب:\rلساني كتوم لأسراركم ... ودمعي بسرى نموم مذيع\rفلولا دموع كتمت الهوى ... ولولا الهوى لم تكن لي دموع\rوالبيت الثاني أردت، هو كقول أبي نواس كامل:\rفكأنما خمر ولا قدح ... وكأنما قدح ولا خمر\rومن مليح العكس والتبديل قول عبد الله بن الزبير الأسدي وافر:\rرمى الحدثان نسوة آل حرب ... بمقدار سمدن له سمودا\rفرد شعورهن السود بيضاً ... ورد وجوههن البيض سودا\rوقد استشهد قوم بهذا البيت على المطابقة، وهو بهذا الباب أولى لما فيه من عكس مطابقة عجزه لصدره، وتبديل الطباق في العجز.\rومن باب العكس في الكتاب العزيز قوله تعالى \" ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عيهم من شيء \" والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985559,"book_id":6313,"shamela_page_id":237,"part":null,"page_num":321,"sequence_num":237,"body":"باب الإغراق\rالإغراق فوق المبالغة، ودون الغلو، ولا يقع شيء من الإغراق والغلو في الكتاب العزيز، ولا الكلام الصحيح الفصيح إلا مقروناً بما يخرجه من باب الاستحالة، ويدخله في باب الإمكان، مثل كاد وما يجري مجراها.\rومن أمثلته قول ابن المعتز طويل:\rصببنا عليها ظالمين سياطنا ... فطارت بها أيد سراع وأرجل\rفموضع الإغراق من البيت قوله: ظالمين يعني أنها استفرغت جهدها في العدو، فيما ضربناها إلا ظلماً، ولا جرم أنها خرجت من الوحشية إلى الطيرية، ولو لم يقل: ظالمين لما حسن قوله فطارت ولكنه بذكر الظلم صارت الاستعارة كأنها حقيقة. وقد أنشد بعض المؤلفين بيتين في هذا الباب مستحسناً لهما وهما متقارب:\rأليس عجيباً بأن امرأً ... شديد الجدال دقيق الكلم\rيموت وما علمت نفسه ... سوى علمه أنه ما علم\rوعندي أن هذين البيتين ليس فيهما إغراق ألبتة، بل لو قيل إنهما ليس فيهما مبالغة لما رد هذا القول، لأن الشاعر أخبر عن نفسه أو نفس","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985560,"book_id":6313,"shamela_page_id":238,"part":null,"page_num":322,"sequence_num":238,"body":"من قصده بذلك أنه عارف بجهله، وأنه يموت وما علم سوى ذلك من نفسه، وهذا أصدق الشعر الذي استحسنه أكثر الفحول، وجاءت أكثر أشعارهم عليه، ولو كان قال: إنه يموت وما علم بجهله لكان ذلك إغراقاً، فلا تثبت له مبالغة إلا بوجه بعيد، وذلك أنه أثبت لنفسه الجهل المحض، ونفى عنها العلم بتة، وهو لا بد وأن يكون عالماً بشيء ما، فنفيه كل العلم عنه وهو يعلم بعضه إنما هو من جهة المبالغة.\rولي في هذا المعنى بيت من أبيات ما به من بأس، وهو من أمثلة الباب طويل:\rجهلت ولم تعلم بأنك جاهل ... فمن لي بأن تدري بأنك لا تدري\rوبيت امرئ القيس في صفة النار الذي قدمت ذكره في باب المبالغة هو بالإغراق أولى، وقد أشرت إلى ذلك متقدماً عند ذكره وهو طويل:\rتنورتها من أذرعات وأهلها ... بيثرب أدنى دارها نظر عالي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985561,"book_id":6313,"shamela_page_id":239,"part":null,"page_num":323,"sequence_num":239,"body":"باب الغلق\rوقد رأيت من لا يفرق بين الغلو والإغراق، ويجعل التسميتين لباب واحد، وعندي أن معنى البابين مختلف كاختلاف اسميهما، إلا أن الإغراق أصله في النزع، وأصل الغلو بعد الرمية، وذلك أن الرامي ينصب غرضاً يقصد إصابته، فيجعل بينه وبينه مدى يمكن معه تحيقي ذلك الغرض، فإذا لم يقصد غراً معيناً، ورمى السهم إلى غاية ما ينتهي إليه بحيث لا يجد مانعاً يمنعه من استيفاء السهم قوته في البعد سميت هذه الرمية غلوة فالغلو مشتق منها، ولما كن الخروج عن الحق إلى الباطل يشبه خروج هذه الرمية عن حد الغرض المعتاد إلى غير حد سمي غلواً، قال الله ﷾: \" قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق \" وهو لا يعد من المحاسن إلا إذا اقترن به ما يقربه من الحق، كقد للاحتمال، ولو ولولا للامتناع، وكاد للمقاربة، وأداة التشبيه، وآلة التشكيك، وأشابه ذلك من القرائن اللفظية.\rوقد يكون الغلو حقاً من جهة المعنى، كالغلو في الدين، فإنه قسمان:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985562,"book_id":6313,"shamela_page_id":240,"part":null,"page_num":324,"sequence_num":240,"body":"حق وباطل، فالحق فحص الإنسان عن دينه، وإفراط ورعه وتحرجه، كقول بعضهم: إنما الزهد في الجلال، والغلو: الباطل، كقول النصارى في المسيح ﵇.\rوفي قوله تعالى \" لا تغلوا في دينكم غير الحق \" دليل على أن من الغلو ما هو حق، وهو ما أشرنا إلهي، وإن كان الغلو في الدين دين الله قد يكون في بعض الأحايين حقاً فالتوسط خير منه كقول رسول الله ﷺ \" خير الأمور أوساطها \".\rومن شواهده المستحسنة قول مهلهل وافر:\rفلولا الريح أسمع من بحجر ... صليل البيض تقرع بالذكور\rوقد قيل: إن هذا البيت أكذب بيت قالته العرب، وإن بيت امرئ القيس في صفة النار أقرب منه إلى الحق، لأن فيه ما يخلص به من الطعن وهو اعترافه ببعد مسافة النار، وأنها لم يدنها إلا النظر العالي، وقالوا: حاسة البصر أقوى من حاسة السمع، لأن أقوى سمع وأصحه إنما يسمع أعظم صوت من ميل واحد، بشرط حمل الريح ذلك الصوت إلى جهة السامع في الليل عند هدوء الأصوات وسكون الحركات، وحاسة البصر تبصر الجواهر الشفافة، والأجسام الصقيلة، والأجرام المضيئة من بعد يتجاوز الحد بغير واسطة، ورؤية النيران العظيمة المرتفعة مواقدها للناظر المرتفع مكانه ممكنة من البعد ما لم يمنع من ذلك ضوء النهار، ويحول مخروط","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985563,"book_id":6313,"shamela_page_id":241,"part":null,"page_num":325,"sequence_num":241,"body":"ظل الأرض دونها، وقد كانت زرقاء اليمامة ترى الجيوش خيلها ورجلها، وتحزر أعدادها من مسيرة ثلاثة أيام، وتنذر به قومها، ويقع الأمر على ما أخبرت به، وقد تواتر الخبر عنها بذلك، وضرب بها المثل، وقد تقدم ذكر النابغة لها في قصة الحمام، فلهذا رجحوا بيت امرئ القيس على بيت مهلهل، وعندي أن بيت مهلهل أقرب إلى الصدق والاستحسان من بيت امرئ القيس على شرطهم، فإنهم شرطوا أن كل كلام تجاوز المتكلم فيه حد المبالغة إلى الإغراق والغلو، واقترن بما يقربه من الإمكان خرج من حد الاستقباح إلى حد الاستحسان، وقد تقدم في بيت مهلهل لولا، وهي من الحروف التي زعموا أن الكلام باقترانه بها يبعد من العيب بتة، وليس في بيت امرئ القيس شيء من ذلك، مع أنه قد صرح في البيت الذي قبله أن النار إنما شبت في وجه النهار، عند رجوع المغيرة، من المغار حيث قال: \" تشب لقفال \"، وضوء النهار يمنع من رؤية النيران والكواكب وجميع الأجرام المضيئة، وهذا القدر يدخل بيت امرئ القيس في باب الاستحالة، مع خلوه مما يقربه من الإمكان، والبيت الذي هو عندي من عيوب هذا الباب لمجيء الإفراط فيه غير مقترن بما يخلصه به من ذلك، وليس مما يحتمل تأويلاً يقربه من الصدق ميت النمر بن تولب الذي يشبه فيه نفسه بالسيف حيث قال بسيط","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985564,"book_id":6313,"shamela_page_id":242,"part":null,"page_num":326,"sequence_num":242,"body":"أبقى الحوادث والأيام من نمر ... أسباد سيف صقيل أثره باد\rتظل تحفر عنه إن ضربت به ... بعد الذراعين والساقين والهادي\rوقد تأول بعضهم هذا البيت تأويلاً لو صح تخلص به قائله من العيب، وهو أن قوله:\rبعد الذراعين والساقين والهادي\rلم يرد أنك تحفر عنه بعد حفرك على هذه الأعضاء، لأنه لم يرد إلا أعضاء المضروب لا أعضاء الضارب، يعني بعد قده الذراعين والساقين والهادي، وهذا عندي لا يخلصه، فإنه على هذا التأويل لم يخرج عن كونه غلوا غير مقترن بما يخلص. والذي هو أقرب منه بحيث لا يجوز أن يؤتى به في باب الغلو ولا يخرج عن كونه مبالغة قول النابغة في صفة السيوف طويل:\rتقد السلوقي المضاعف نسجه ... ويوقدن في الصفاح نار الحباحب\rوما تجاوز حد المبالغة فهو غلو، لا سيما وهو غير مقترن، وإذا ثبت أن بيت النابغة أحسن أحواله أن يعد من المبالغة لا من الإغراق، وأن بيت النمر قد تجاوز حدث فهو من الغلو ولما كان ما جاء من الغلو مستحسناً، لا يكون إلا باقترانه بما تقدم، وما جاء منه غير مقترن كان مستقبحاً. وجاء بيت النمر غير مقترن علم أنه من الغلو المستقبح. والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985565,"book_id":6313,"shamela_page_id":243,"part":null,"page_num":327,"sequence_num":243,"body":"باب القسم\rوهو أن يريد الشاعر الحلف على شيء، فيحلف بما يكون له مدحاً، وما يكسبه فخراً، أو ما يكون هجاء لغيره، وأو ويعداً له، أو جارياً مجرى التغزل والترقق.\rفأما الأول فمثاله قول الأشتر النخعي كامل:\rبقيت وفرى وانحرفت إلى العلا ... ولقيت أضيافي بوجه عبوس\rإن لم أشن على ابن هند غارة ... لم تخل يوماً من نهاب نفوس\rوأبيات الأشتر تضمنت فخراً له، ووعيداً لغيره، فحصل فيها الأفتان مقترناً بالقسم، وكقول أبي على البصير كامل:\rأكذبت أحسن ما يظن مؤملى ... وهدمت ما شادته لي أسلافي\rوعدمت عاداتي التي عودتها ... قدما من الإتلاف والإخلاف\rوصحبت أصحابي بعرض معرض ... متحكم فيه ومال واف","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985566,"book_id":6313,"shamela_page_id":244,"part":null,"page_num":328,"sequence_num":244,"body":"وغضضت من نارى ليخفي ضوؤها ... وقريت عذراً كاذباً أضيافي\rوإن لم أشن على علي خلة ... تضحى قذى في أعين الأشراف\rوقد يقسم الشاعر بما يزيد الممدح مدحاً، كقول القائل كامل:\rآثار جودك في الخطوب تؤثر ... وجميل بشرك بالنجاح يبشر\rإن كان لي أمل سواك أعده ... فكفرت نعمتك التي لا تكفر\rوأما ما جاء من القسم في النسيب فكقول الشاعر طويل:\rجنى وتجنى والفؤاد مطيعه ... فلا ذاق من يجني عليه كما يجني\rفإن لم يكن عندي كعيني ومسمعي ... فلا نظرت عيني ولا سمعت أذني\rومما جاء في الغزل من القسم قول ابن المعتز بسيط.\rلا والذي سل من جفنيه سيف ردى ... قدت له من عذارية حمائله\rما صارمت مقلتي دمعاً ولا وصلت ... غمضاً ولا سالمت قلبي بلابله\rوهذا أحسن ما وقع في الغزل من القسم، إذ القسم والمقسم عليه كله داخل في باب الغزل.\rومن أحسن ما سمعت في القسم على المدح قول ابن خرداذبة طويل:\rحلفت بمن سوى السماء وشادها ... ومن مرج البحرين يلتقيان","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985567,"book_id":6313,"shamela_page_id":245,"part":null,"page_num":329,"sequence_num":245,"body":"ومن قام في المعقول من غير رؤية ... بأثبت من إدراك كل عيان\rلما خلقت كفاك إلا لأربع ... عقائل لم تعقل لهن ثوان\rلتقبيل أفواه وإعطاء نائل ... وتقليب هندي وحبس عنان\rوإذا انتهيت إلى بلاغة الكتاب العزيز، انتهيت إلى نهاية البلاغة.\rومنه قوله تعالى: \" فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون \" فإنه قسم يوجب الفخر لتضمنه التمدح بأعظم قدرة، وأكمل عظمة للحاصل من ربوبية السماء والأرض، وتحقق الوعد بالرزق، حيث أخبر سبحانه أن الرزق في السماء، وأنه رب السماء، فيلزم من ذلك قدرته على الرزق الموعود به دون غيره، فعلم أن لا رازق سواه، وأنه لا يحرم رزقه من خلقه، وأما ما حصل من الإيغال إذ قال في الفاصلة سبحان بعد تمام المعنى: \" مثل ما أنكم تنطقون \" فمثل هذا الوعد بما هو واقع معلوم ضرورة لا يرتاب منها أحد، وكقوله تعالى: \" لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون \" أقسم سبحانه بحياة نبيه ﷺ ليعرف الناس عظمته عنده، ومكانته لديه سبحانه، وأخبره بعد القسم بحياته أن المعرضين عنه في سكرتهم تسلية له، كما قال له في غير موضع: \" ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر \" وقوله: \" قد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985568,"book_id":6313,"shamela_page_id":246,"part":null,"page_num":330,"sequence_num":246,"body":"نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون \"، وهذه نهاية المحبة وغاية الملاطفة، إذ فداه بآيته، وقد كانوا كذلك، فإنه روى أن أبا جهل قال للنبي ﷺ: \" إن لا نكذبك، ولكن نكذب ما جئت به \" والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985569,"book_id":6313,"shamela_page_id":247,"part":null,"page_num":331,"sequence_num":247,"body":"باب الاستدراك والرجوع\rوهو على قسمين: قسم يتقدم الاستدراك فيه تقرير لما أخبر به المتكلم وتوكيد. وقسم لا يتقدمه ذلك، فمن أمثلة الأول قول القائل وافر: هو ابن الرومي:\rوإخوان تخذتهم دروعا ... فكانوها ولكن للأعادي\rوخلتهم سهاماً صائبات ... فكانوها ولكن في فؤادي\rوقالوا قد صفت منا قلوب ... لقد صدقوا ولكن من ودادي\rولم أسمع في هذا الباب أحسن من أبيات ابن الدويدة المغربي فيمن أودعت عنده وديعة فادعى ضياعها فقال فيه كامل:\rإن قال قد ضاعت فيصدق أنها ... ضاعت ولكن منك يعني لو تعي\rأو قال قد وقعت فيصدق أنها ... وقعت ولكن منه أحسن موقع","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985570,"book_id":6313,"shamela_page_id":248,"part":null,"page_num":332,"sequence_num":248,"body":"ومن هذا الباب قول القاضي الأرجاني، وهو لطيف جداً \" رمل \":\rغالطتني إذ كست جسمي ضنى ... كسوة أعرت عن اللحم العظاما\rثم قالت أنت عندي في الهوى ... مثل عيني صدقت لكن سقاما\rوالبيت الثاني أردت، وقد لطف القائل في شكوى الزمان طويل:\rولي فرس من نسل أعوج سابق ... ولكن على قدر الشعير يحمحم\rوأقسم ما قصرت فيما يزيدني ... علواً ولكن عند من أتقدم\rهذه كلها شواهد القسم الأول من الاستدراك وأما شواهد القسم الثاني منه، وهو الذي لا يتقدم الاستدراك فيه تقرير ولا توكيد، فمثله قول زهير طويل:\rأخو ثقة لا تهلك الخمر ماله ... ولكنه قد يهلك المال نائله","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985571,"book_id":6313,"shamela_page_id":249,"part":null,"page_num":333,"sequence_num":249,"body":"باب الاستثناء\rالاستثناء استثناءان: لغوي وصناعي، فاللغوي؛ إخراج القليل من الكثير، وقد فرغ النحاة من ذلك مفصلاً في كتبهم.\rالصناعي هو الذي يفيد بعد إخراج القليل من الكثير معنى زائداً، يعد من محاسن الكلام، يستحق به الإيتان في أبواب البديع، ومتى لم يكن في الاستدراك والاستثناء معنى من المحاسن غير ما وضعا له، لا يعدان من البديع.\rفمن الاستدراك قول زهير طويل:\rأخو ثقة لا تهلك الخمر ماله ... ولكنه قد يهلك المال نائله\rلأن العرب كانت تعد إتلاف المال في الخمر من المدح البليغ، قال شاعرهم كامل:\rشريب خمر مسعر لحروب\rفإنه لو اقتصر على صدر البيت دل على أن ما له موفور، وتلك صفة ذم، فاستدرك ما يزل هذا الاحتمال، وتخلص الكلام للمدح المحض، ومن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985572,"book_id":6313,"shamela_page_id":250,"part":null,"page_num":334,"sequence_num":250,"body":"ذلك في القرآن قوله تعالى: \" قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا \" فإنه سبحانه لو اقتصر على قوله: \" ولم تؤمنوا \" لكان فيه تنفير لكونهم ظنوا الإقرار بالشهادتين من غير اعتقادهما إيماناً، فأوجبت البلاغة أن يستدرك ما استدركه، ليعلمهم أن حقيقة الإيمان موافقة الجنان للسان بالتصديق، بدليل قوله: \" ولما يدخل الإيمان في قلوبكم \" فلما تضمن الاستدراك إيضاح ما أشكل عليهم عد من المحاسن، إذ صار الكلام به موصوفاً بحسن البيان لما أقام من الحجة عليهم.\rوهذا من الباب الذي قبل هذا، وإنما ذكرته هاهنا لما ذكرت أن الاستدراك والاستثناء الصناعيين لا بد أن يكون في كل واحد منهما معنى زائد غير ما وضع له يدخله في المحاسن.\rوالاستثناء كقوله تعالى: \" فسجد الملائكة كلهم أجمعون، إلا إبليس \" فإن في هذا الكلام معنى زائداً على مقدار الاستثناء، وذلك تعظيم أمر الكبيرة التي أتى بها إبليس من كونه خرق إجماع الملائكة، وفارق جميع الملإ الأعلى، بخروجه مما دخلو فيه من السجود لآدم، وذلك بمثابة قولك: أمر الملك بكذا وكذا فأطاع أمره جميع الناس من أمير ووزير إلا فلاناً، فإن الإخبار عن معصية هذا العاصي بهذه الصيغة مما يعظم أمر معصيته، ويفخم مقدار كبيرته بخلاف قولك: أمر الملك بكذا وكذا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985573,"book_id":6313,"shamela_page_id":251,"part":null,"page_num":335,"sequence_num":251,"body":"فعصاه فلان، وفي ضمن ذلك وصف الله ﷾ بالعدل فيما ضربه على إبليس من خزي الدنيا وحتمه عليه من عذاب الآخرة. ومثال ذلك قوله ﷾: \" فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً \" فإن في الإخبار عن المدة بهذه الصيغة تهويلاً على السامع لتمهيد عذر نوح ﵇ في الدعاء على قومه، وحكمة الإخبار عن المدة بهذه الصيغة تعظيم المدة لكون أول ما يباشر السمع ذكر الألف، واختصار اللفظ، فإن لفظ القرآن أخصر من قولنا تسعمائة سنة وخمسون عاماً كيفما قدرت اللفظتين، فلأن لفظ القرآن يفيد حصر العدد المذكور، ولا يحتمل الزيادة عليه، ولا أن ينقص منه، فإن إخبارك عمن سكن دار ثلاثين يوماً، بأنه سكن عشرين يوماً صادق لأنه سكن العشرين وزيادة، بخلاف قولك: سكن أربعين إلا عشرة أيام، فإن هذا اللفظ لا يحتمل الزيادة. وكقوله سبحانه \" فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق، خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد، وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ \" فإنه سبحان هذا لما علم أن وصف الشقاء يعم المؤمن العاصي، والكافر المسيء، استثنى من حكم بخلوده في النار بلفظ مطمع، حيث أثبت الاستثناء المطلق وأكده بقوله، \" إن ربك فعال لما يريد \"، أي أنه لا اعتراض عليه في إخراج أهل الشقاء","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985574,"book_id":6313,"shamela_page_id":252,"part":null,"page_num":336,"sequence_num":252,"body":"من النار، ولما علم أن أهل السعادة لا خروج لهم من الجنة، أكد خلودهم بعد الاستثناء بما يرفع احتمال الاستثناء، حيث قال: \" عطاء غير مجذوذ \" أي غير منقطع، ليعلم أن عطاءه لهم الجنة غير منقطع، وهذه المعاني زائدة على الاستثناء اللغوي.\rمن أمثلة الاستثناء البديعي في الشعر قول النميري طويل:\rفلو كنت بالعنقاء أو بأطومها ... لخلتك إلا أن تصد تراني\rفإن هذا الاستثناء يتضمن زيادة مدح المادح الممدوح، وذلك أن هذا الشاعر يقول: إنني لو كنت في حال العدم البحت لأن العرب تضرب المثل بالعنقاء لكل شيء متعذر الوجود لخلتك متمكناً من رؤيتي، ليس لك مانع يمنعك منها إلا من جهتك، فأنت في القدرة على غير مغالب، وهذا نهاية المدح.\rوكقول أبي نواس طويل:\rلمن طلل عاري المحل دفين ... عفا آيه إلا خوالد جون\rفهذا الاستثناء تضمن تعظيم الشاعر لما فيه من تعظيم أحبائه، ودل على شرف نفسه وعلو همته، إذ لا يسمو إلا لحب الكرماء من الناس، وذلك أنه استثنى من آيات الطلل ذكره الخوالد الجون وهو يريد الأثافي، فكونه وصفها بالخلود يدل على عظمها دليل على عظم القدور، وعظم القدور دليل على عظم الكرم، وأكد ذلك بجعلها جوناً أي سوداً لكثرة الوقود عليها، وإن كان الجون يطلق على الأبيض والأسود","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985575,"book_id":6313,"shamela_page_id":253,"part":null,"page_num":337,"sequence_num":253,"body":"ولكن القرينة هاهنا خلصته إلى السواد فتم للشاعر من الفخر إلى أه لهذا الطلل ما أراد، وهذا مثل قول عمر بن أبي ربيعة طويل:\rبعيدة مهوى القرط إما لنوفل ... أبوها وإما عبد شمس وهاشم\rومن الاستثناء نوع وقع لي فسميته استثناء الحصر، وهو غير الاستثناء الذي يخرج القليل من الكثير، كقول القائل طويل:\rإليك وإلا ما تحث الركائب ... وعنك وإلا فالمحدث كاذب\rفإن خلاصة هذا البيت قول الشاعر للممدوح: لا تحث الركائب إلا إليك، ولا يصدق المحدث إلا عنك، ولا يحصل هذا الحصر من الاستثناء الأول، فإن قوله تعالى: \" فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً \" لا يمنع أن يقال: إلا خمسين عاماً وعاماً، لولا توخي الصدق في الخبر، وقوله ورهطه، لولا مراعاة الصدق، ولأن الصيغ التي قدرها المعترض لا يقع مثلها في الكلام الفصيح، فإنها عبارة أهل العي والفهه، فإن قلت: كل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985576,"book_id":6313,"shamela_page_id":254,"part":null,"page_num":338,"sequence_num":254,"body":"الاستثناء موضوع للحصر، فلا اختيار لهذا الاستثناء على الأول، وما قدرته في الاستثناء الأول يلزم مثله في هذا الاستثناء إذا أزلت منه التقديم والتأخير، وأتيت بالكلام على استقامته، قلت: الذي ميز هذا الاستثناء على الأول: هو ما فيه من التقديم والتأخير، فإنه على الصورة التي جاء عليها يفيد حصراً أشد من حصر جنس الاستثناء كله. والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985577,"book_id":6313,"shamela_page_id":255,"part":null,"page_num":339,"sequence_num":255,"body":"باب الاشتراك\rوهو قسمان: معنوي ولفظي، وكل من هذين القسمين معيب، وغير معيب وحسن: فالمعيب المعنوي كقول الفرزدق طويل:\rوما مثله في الناس إلا مملك ... أبو أمه حيي أبوه يقاربه\rفإن لفظة حي مشتركة بين ضد الميت وبين القبيلة، فلما لم يميز بينهما في البيت بقرينة، أو ما يخلصه من الاشتراك ولا يبينه فيما بعد عد اشتراكاً معيباً، على أن البيت معيب من وجه آخر، وهو تعسف السبك، وقد مضى ذكره.\rومثال المعنوي الذي ليس بمعيب ولا يحسن قول كثير طويل:\rوأنت التي حببت كل قصيرة ... إلي ولم يشعر بذاك القصائر\rعنيت قصيرات الحجال ولم أرد ... قصار الخطى شر النساء البحاتر\rفإن لفظة قصيرة مشتركة، فلو اقتصر على البيت الأول كان الاشتراك معيباً، لكنه لما أتى بالبيت الثاني زال العيب فبقي الاشتراك ليس بمعيب ولا بحسن، والذي منعه أن يعد حسناً ما في البيتين من التضمين، فإن ذلك جعل له منزلة بين منزلتين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985578,"book_id":6313,"shamela_page_id":256,"part":null,"page_num":340,"sequence_num":256,"body":"وأما الاشتراك الحسن المعنوي فهو اشتراك الشاعرين في معنى واحد، إذا شارك الأخير الأول اشتراكاً يوجبه له دون الأول، كسائر المعاني التي يتناولها الشعراء بعضهم من بعض.\rوأما الاشتراك اللفظي الذي ليس بمعيب مثل اشتراك الناس في مفردات الألفاظ، فإنها ليس أحد أحق بها من أد، فلا يعد الاشتراك في الألفاظ المفردة سرقة، فإن تضمنت معنى من معاني النفس، أو معاني اللفظ عد تناولها سرقة، ومثال الأول قول أبي نواس طويل:\rترى العين تستعفيك من لمعانها ... وتحسر حتى ما تقل جفونها\rفلفظة الاستعفاء مشتركة بينه وبين الأبيرد في قوله يرثي أخاه أو ابنه طويل:\rوقد كنت أستعفي الإله إذا اشتكى ... من الأجر لي فيه وإن عظم الأجر\rفمثل هذا هو الاشتراك الحسن ومن الاشتراك الحسن اشتراك الشاعرين أو الشعراء في عمل شعر، وتسميه العرب التمليط بحيث يصنع كل واحد قسيماً، كما حكى عن امرئ القيس والتوءم إذ قال له: ملط أنصاف أبيات آتيك بها، ثم قال وافر:\rأحار ترى بريقاً هب وهناً","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985579,"book_id":6313,"shamela_page_id":257,"part":null,"page_num":341,"sequence_num":257,"body":"فقال التوءم:\rكنار مجوس تستعر استعاراً\rفقال امرؤ القيس:\rأرقت له ونام أبو سريج\rفقال التوءم:\rإذا ما قلت قد هدأ استطارا\rوأما الاشتراك المعيب فكقول الأسود بن يعفر في صفة الفرس كامل:\rبمقلص عبل جهير شده ... قيد الأوابد والرهان جواد\rفلفظ قيد الأوابد مشترك بين الأسود وامرئ القيس في قوله:\rقيد الأوابد هيكل\rوهذا الضرب مما يعد سرقة لتضمن اللفظ معنى الإرداف لا سيما والبيتان من باب الوصف للفرس.\rوالاشتراك الذي ليس بمعيب ولا بحسن تناول الشاعر اللفظ المتضمن معنى من معاني البديع بحيث ينقله من فنن إلى فن، وذلك أن يأتي المتكلم بلفظ \" قيد الأوابد \" مثلاً في غير صفة الفرس وهذا وإن لم يقع فذكره مثال يقاس عليه.\rوكل هذه الأقسام التي قدمت ذكرها ليست من البديع في شيء، وإنما هي أقسام أحد ضربي الاشتراك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985580,"book_id":6313,"shamela_page_id":258,"part":null,"page_num":342,"sequence_num":258,"body":"وأما الضرب الثاني منه، وهو الذي يتعلق بكتابنا، فهو مثل قول امرئ القيس طويل:\rكبكر مقاناة البياض بصفرة ... غذاها نمير الماء غير المحلل\rوقول ذي الرمة بسيط\rكحلاء في برج صفراء في دعج ... كأنها فضة قد مسها ذهب\rفوقوع الاشتراك بينهما في وصف المرأة بالصفرة، غير أن الأول شبه الصفرة ببيضة النعام، والآخر بالفضة المموهة، فنقل الثاني لكونه من أهل المدر، متأخر الزمان، وقد رأى الخلف والملوك التشبيه العربي إلى التشبيه الملوكي.\rوالفرق بين الاشتراك اللفظي الذي ليس بمعيب وبين الإيضاح أن الاشتراك في الألفاظ، والإيضاح في المعاني. والله أعلم.\rهذا الباب مما ظننت أنني استخرجته ولم أسبق إليه، فلما عثرت عليه بعد إتياني به لغيري غيرته باب سميته باب الفرائد فلينزل موضعه؟ ويعد هذا في أبواب من تقدمني، وموضعه بعد باب الاستثناء، وقد أتيت بالباب، فلينقل باب الاشتراك إلى موضعه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985581,"book_id":6313,"shamela_page_id":259,"part":null,"page_num":343,"sequence_num":259,"body":"باب التلفيف\rوهو أن يقصد المتكلم التعبير عن معنى خطر له أو سئل عنه، فيلف معه معنى آخر يلازم كلمة المعنى الذي سئل عنه، كقول الله تعالى مخبراً عن موسى ﵇ وقد قال سبحانه له: \" وما تلك بيمينك يا موسى، قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى \" وكقول الرسول ﵇ وقد سئل عن البحر في حديث أوله: إنا نركب البحر، فحواه السؤال عن ماء البحر هلا تجوز به الطهارة؟ فقال: هو الطهور ماؤه الحل ميتته.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985582,"book_id":6313,"shamela_page_id":260,"part":null,"page_num":344,"sequence_num":260,"body":"باب جمع المختلفة والمؤتلفة\rرأيت من المؤلفين من فسر هذه التسمية بما لا يليق بها، وقد استشهد عليها بشواهد من جنس ما فسر به، فاطرحت ذلك وفسرتها بما يليق واستشهدت عليها بشواهد مطابقة لتفسيري، وكذلك فعلت في أكثر الأبواب، ومن وقف على كتابي وكتب الناس في هذا الشأن علم صدق دعواى.\rوالذي أقول في هذه التسمية: إنها عبارة عن أن يريد الشاعر التسوية بين ممدوحين، فيأتي بمعان مؤتلفة في مدحهما، ويروم بعد ذلك ترجيح بمعان تخالف معاني التسوية، كقول الخنساء في أخيها، وقد أرادت مساواته بأبيها مع مراعاة حق الوالد بزيادة فضل لا ينقص بها حق الولد كامل:\rجاري أباه فأقبلا وهما ... يتعاوران ملاءة الحضر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985583,"book_id":6313,"shamela_page_id":261,"part":null,"page_num":345,"sequence_num":261,"body":"وهما وقد برزا كأنهما ... صقران قد حطا إلى وكر\rحتى إذا نزلت القلوب وقد ... لزت هناك العذر بالعذر\rوعلا هتاف الناس أيهما ... قال المجيب هناك: لا أدري\rبرقت صفيحة وجه والده ... ومضى على غلوائه يجري\rأول فأولى أن يساويه ... لولا جلال السن والكبر\rوأول من فتح باب هذا المعنى فيما أظن زهير حيث قال بسيط\rهو الجواد فإن يلحق بشأوهما ... على تكاليفه فمثله لحقا\rأو يسبقاه على ما كان من مهل ... فمثل ما قدما من صالح سبقا\rلكن لشعر الخنساء من الفضل في هذا المعنى ما ليس لغيره، وتداول الناس هذا المعنى بعدها، وابتذله الشعراء، فكان فيه أول تابع من المولدين أبو نواس حيث يقول منسرح:\rثم جرى الفضل فانثنى قدماً ... دون مداه بغير ترهيق\rفقيل راشا سهماً تراد به ال؟ ... غاية والنصل سابق الفوق","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985584,"book_id":6313,"shamela_page_id":262,"part":null,"page_num":346,"sequence_num":262,"body":"وقال البحتري لابن أبي سعيد الثغري كامل:\rجد كجد أبي سعيد إنه ... ترك السماك كأنه لم يشرف\rقاسمته أخلاقه وهي الردى ... للمعتدي وهي الندى للمعتفي\rفإذا جرى من غاية وجريت من ... أخرى التقى شأواكما في المنصف\rومعنى البحتري هذا خالف فيه معاني من تقدمه من أبي نواس والخنساء وزهير، فإنهم رجحوا الأول في الفضل على الثاني ترجيحاً لا ينقص من فضل الثاني ولا يغض منه، والبحتري ساوى بين الثاني والأول من غير ترجيح، وكذلك قوله أيضاً كامل:\rوإذا رأيت شمائل ابنى صاعد ... أدت إليك شمائل ابنى مخلد\rكالفرقدين إذا تأمل ناظر ... لم تعل رتبة فرقد عن فرقد\rومقطوعتا البحتري ليستا من شواهد هذا الباب لما فيهما من المساواة دون الترجيح، وإنما ساق ذكرهما ذكر المعنى الذي ألم به البحتري من المعنى الأول، والله أعلم.\rومن جمع المختلفة والمؤتلفة ضرب يأتي الشاعر فيه بأسماء مؤتلفة ثم يصفها بصفات مختلفة، كقول الشاعر بسيط","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985585,"book_id":6313,"shamela_page_id":263,"part":null,"page_num":347,"sequence_num":263,"body":"لله ليلتنا إذ صاحباى بها ... بدر وبدر سماوي وأرضي\rإن الهوى والهواء الطلق معتدلا ... هذا وهذا ربيع طبيعي\rبتنا جميعاً وكل في السماع وفي ... شرب المدام حجازي عراقي\rأسقى وأسقي نديماً غاب ثالثنا ... فالدور منا يميني شمالي\rومن جمع المختلفة والمؤتلفة قو العباس بن الأحنف طويل:\rوصالكم صرم وحبكم قلى ... وعطفكم صد وسلمكم حرب\rفإن الوصل والحب، والعطف والسلم من المؤتلفة، والصرم والقلى والصد والحرب من المختلفة.\rوقد جاء الكتاب العزيز من باب المختلفة والمؤتلفة بمعجز لا يلحق سبقاً وهو قوله تعالى: \" وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين. ففهمناها سليمان وكلاً آتينا حكماً وعلماً \" فإن القرآن ساوى بين داود وسليمان في المنصب إذ أخبر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985586,"book_id":6313,"shamela_page_id":264,"part":null,"page_num":348,"sequence_num":264,"body":"أن كلاً منهما مرشح للحكم وأهل له، ثم رجح سلميان إذ أخبر عنه بأنه سبحانه فهمه القضية القاطعة للحكم بالعدل، ثم عاد إلى المساواة مراعاة لحرمة الوالد وفضله على الولد بقضية صرح فيها بالمساواة، إذ جعل فهم سليمان وجه المعدلة في الحكم فناله فضل الأبوة، فكان بمعنى الخنساء الذي أخرجته مع فصاحتها وشدة بلاغتها في عدة أبيات مسوقاً في آية وبعض أخرى، هذا إلى ما تضمن القرآن من الزيادة التي لم تقع للخنساء، وهي النكتة في قوله تعالى \" وكنا لحكمهم شاهدين \" إذ جمع الضمير الذي أضيف إليه الحكم، ومن حقه أن يكون مثنى لعلمه سبحانه أن الحكم من نوادر الأحكام المعادلة، ومثله يتبع ويعمل به، فأخبر أنه سبحانه شهد عليهما في هذا الحكم، وعلى كل من يحكم به تشريفاً لحكم العدل، وإن كان شهيداً على العدل والجور، ولكنه سبحانه يخص العدل بشهادته تشريفاً للعدل، كما قال تعالى \" تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها \" نظراً لمن يعمل بحكم الله تعالى في الوصايا، ومن يتبعه، وأن حكم العدل يقتدي به، والخطأ ليس بقدوة، ولهذا قال: \" ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها \" والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985587,"book_id":6313,"shamela_page_id":265,"part":null,"page_num":349,"sequence_num":265,"body":"؟\r\rباب التوهيم\rوهو أن يأتي المتكلم في كلامه بكلمة يوهم ما بعدها من الكلام أن المتكلم أراد تصحيفها، ومراده على خلاف ما يتوهمه السامع فيها، كقول المتنبي متقارب:\rوإن الفئام التي حوله ... لتحسد أرجلها الأرؤس\rفإن لفظة الأرجل أوهمت السامع أن لفظة الفئام بالقاف لا بالفاء، ومراد الشاعر الفئام بالفاء التي هي الجماعات، هكذا روى البيت، والمبالغة تقتضيه، إذ القيام بالقاف يصدق على أقل الجمع من العدد، والفئام بالفاء: الجماعات، وأقل ما تكون كل جماعة أقل الجمع فمفهومها أكثر من مفهوم الأول، وما في ذكر القيام بالقاف من تعظيم الممدوح بقيام الناس على رأسه حاصل في عجز البيت في قوله:\rلتحسد أرجلها الأرؤس\rفإن مفهوم ذلك قيام من عاد الضمير من أرجلها عليه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985588,"book_id":6313,"shamela_page_id":266,"part":null,"page_num":350,"sequence_num":266,"body":"ومن التوهيم قسم آخر، وهو أن يأتي المتكلم بلفظة يوهم بها أن في كلامه لحناً، فإذا انتقد من جهة المعنى وجد فيه جناس من البلاغة يصححه ويمشيه على طريق الإعراب، كقول الرسول ﵇: \" وما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله تعالى من هذه الأيام العشر \" فإن لفظة العشر توهم أنها جاءت على غير الصواب، إذ كانت مؤنثة، والمعدود بها مذكر.\rوالانفصال عن هذا الإشكال أنه لما كان العمل في العشر لا يخص الأيام دون الليالي، والمراد التحضيض على العمل فيها، اقتضت البلاغة الإتيان بما يدل عليهما فصرح بلفظ الأيام ليدل بها على ظرف الصيام، وأبدل منها لفظاً مؤنثاً ليدل به على ظرف القيام، ولما كان لفظ الأيام مؤنثاً ساغ أن يبدل منه المؤنث لكون الصناعة لفظية، ولهذا الموضع من البدل نظائر في القرآن: منها قوله تعالى: \" أياماً معدودات \" وقوله تعالى \" وتلك الأيام نداولها بين الناس \" وقد تخالف طريق الإعراب لأجل صحة المعنى المراد، وفي ذلك قوله تعالى: \" وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون \" والقياس أن يكون ينصرون مجزومة لأنها معطوفة على مجزوم، ولكن لما كان المراد الإخبار بأنهم لا ينصرون أبداً ألغى العطف، وأبقى صيغة الفعل على حالها، لتدل على الحل والاستقبال، ولو جزم لما دل إلا على الحال.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985589,"book_id":6313,"shamela_page_id":267,"part":null,"page_num":351,"sequence_num":267,"body":"ومن التوهيم توهيم يوهم أنه طباق أو تورية، أو غير ذلك من المحاسن وليس عند التحقيق كذلك، كقول أبي تمام طويل:\rتردى ثياب الموت حمراً فما أتى ... لها الليل إلا وهي من سندس خضر\rفإن قوله: حمر، وخضر يوهم أن ذلك طباق، وليس بطباق، إذا الأحمر لا يضاد الأخضر، فهذا شاهد توهيم المطابقة.\rوأما شاهد توهيم التورية، فكقولي بسيط\rرمى ولا وتر عندي قوس حاجبه ... قلبي فقدرت أن القوس موتور\rفإن لفظة موتور توهم أن فيها تورية، وليست بتورية، لأن الصحيح أن يقال: قوس موترة لا موتورة، لأنها من فعل رباعي، والموتور هو الذي ثار لطلب وتره، والوتر والترة والتار بمعنى.\rوقد جاء من التوهيم في القرآن الكريم قوله تعالى: \" ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم \" فإن لفظ \" غفور رحيم \" يوهم أن الغفران والرحمة للمكره لهن، وهما في الحقيقة لهن، وإنما ظهر اللفظ يوهم الأول قبل التدبر. والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985590,"book_id":6313,"shamela_page_id":268,"part":null,"page_num":352,"sequence_num":268,"body":"باب الاطراد\rوهو أن تطرد للشاعر أسماء متتالية يزيد الممدوح بها تعريفاً، لأنها لا تكون إلا أسماء آبائه تأتي منسوقة صحيحة التسلسل غير منقطعة، من غير ظهور كلفة على النظم، ولا تعسف في السبك، بحيث يشبه تحدرها باطراد الماء لسهولته وانسجامه، فمتى جاءت كذلك دلت على قوة عارضة الشاعر وقدرته، كقول الأعشى طويل:\rأقيس بن مسعود بن قيس بن خالد ... وأنت الذي ترجو حباءك وائل\rوأحسن من هذا البيت قول دريد لكون الأسماء المطردة جاءت في عجز البيت طويل:\rقتلنا بعبد الله خير لداته ... ذؤاب بن أسماء بن زيد بن قارب\rحتى قال عبد الملك بن مروان لما سمع هذا البيت: لولا القافية لبلغ به آدم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985591,"book_id":6313,"shamela_page_id":269,"part":null,"page_num":353,"sequence_num":269,"body":"ومن هذا الباب قول الحارث بن دوس الإيادي \" رمل \":\rوشاب حسن أوجههم ... من إياد بن نزار بن معد وقد أربى على هؤلاء الشعراء بعض القائلين خفيف:\rمن يكن رام حاجة بعدت عن؟ ... هـ وأعيت عليه كل العياء\r؟ فلها أحمد المرجى ابن يحيى ب؟ - ن معاذ بن مسلم بن رجاء فلو لم يقع في هذا البيت التضمين والفصل بين الأسماء بلفظة المرجى لكان غاية لا تدرك، وعقلية لا تملك، هكذا أعظم المؤلفون قبلي أمر هذا البيت، وأثنوا عليه بما حكيته عنهم، وعندي أنه دون بيت دريد بطبقات، وهي أن دريداً اطردت له أربعة أسماء سهلة السبك، مسلسلة الألفاظ بغير فصل في أربعة أجزاء من الطويل: جزآن خماسيان، وجزآن سباعيان، وهذا الشاعر اطردت له خمسة أسماء في ستة أجزاء سباعية، من الخفيف، مع الفصل والتكليف، والتضمين، \" ولي في هذا الباب بيت لا بأس به بسيط\rأجل ملك إلى العلياء منسوب ... محمد بن أبي بكر بن أيوب\rوهو وإن قلت الأسماء فيه، إلا أن كونه في ابتداء القصيدة، وهو مصرع يحسن أن يكون من أمثلة الباب.\rوهذه شواهد ما جاء من الاطراد بأسماء إذا فصلت من الإضافة استقل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985592,"book_id":6313,"shamela_page_id":270,"part":null,"page_num":354,"sequence_num":270,"body":"المضاف إليه بنفسه، وأما ما جاء الاطراد فيه بأسماء إذا فصلت لم يستقل المضاف إليه بنفسه، فكقول أبي تمام كامل:\rطلبت ربيع ربيعة الممهى لها ... ووردن ظل ربيعة الممدودا\rبكريها علويها صعبيها ال؟ ... حصنى شيبانيها الصنديدا\rذهليها مريها مضريها ... يمنى يديها خالد بن يزيدا\rنسب كأن عليه من شمس الضحى ... نوراً ومن فلق الصباح عمودا\rوالبيتان الأوسطان أردت. والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985593,"book_id":6313,"shamela_page_id":271,"part":null,"page_num":355,"sequence_num":271,"body":"الجزء الثالث","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985594,"book_id":6313,"shamela_page_id":272,"part":null,"page_num":357,"sequence_num":272,"body":"باب التكميل\rوهو أن يأتي المتكلم أو الشاعر بمعنى من معاني المدح أو غيره من فنون إذا لشعر وأغراضه، ثم يرى مدحه بالاقتصار على ذلك المعنى فقط غير كامل، فيكمله بمعنى آخر، كمن أراد مدح إنسان بالشجاعة ورأى مدحه بالاقتصار عليها دون الكرم مثلاً غير كامل، فكمله بذكر الكرم، أو بالبأس دون الحلم، وما أشبههه، وقد جاء منه في الكتاب العزيز قوله تعالى: \" فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين \" فانظر هذه البلاغة، فإنه ﷾ علم وهو أعلم أنه لو اقتصر على وصفهم بالذلة على المؤمنين وإن كانت صفة مدح، إذ وصفهم بالرياضة لأخوانهم المؤمنين والانقياد لأمورهم كان المدح غير كامل، فكمل مدحهم بأن وصفهم بالعزة على الكافرين فأتى بوصفهم بالامتناع منهم، والغلبة لهم، وكذلك قوله سبحانه \" محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم \" ومثال التكميل في الشعر قول كعب بن سعد الغنوي طويل:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985595,"book_id":6313,"shamela_page_id":273,"part":null,"page_num":358,"sequence_num":273,"body":"حليم إذا ما الحلم زين أهله ... مع الحلم في عين العدو مهيب\rفقوله: حليم مدح حسن، وقوله: إذا ما الحلم زين أهله احتراس، لولاه لكان المدح مدخولاً، إذ بعض التغاضي قد يكون عن عجز يوهم أنه حلم، فإن التجاوز لا يكون حلماً محققاً إلا إذا كان عن قدرة، وهو الذي قصده الشاعر بقوله: \" إذا ما الحلم زين أهله \" ويعضد هذا التفسير قول سالم ابن وابصة: بسيط\rوحلم ذي العجز ذلك أنت عارفه ... والحلم عن قدرة ضرب من الكرم\rفحاصل قول الغنوي أن ممدوحه حليم في الموضع الذي يحسن فيه الحلم، ثم رأى أن المدح بمجرد الحلم لا يكمل به المدح، لأن من لم يعرف منه إلا الحلم، ربما طمع فيه عدوه ونال منه ما يذم بسببه، فكمل مدحه بأن قال:\rمع الحلم في عين العدو مهيب\rولقد أحسن هذا الشاعر في احتراسه في صدر البيت وعجزه معاً باحتراسين حسنين.\rأما الذي في الصدر فقد تقدم تنبيهنا عليه، وهو قوله: \" إذا ما الحلم زين أهله \"، وأما الذي في العجز فقوله:\rمع الحلم في عين العدو مهيب\rلأن المهابة قد تكون مع الجهل.\rومن مليح التكميل قول السموءل: طويل:\rوما مات منا سيد في فراشه ... ولا طل منا حيث كان قتيل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985596,"book_id":6313,"shamela_page_id":274,"part":null,"page_num":359,"sequence_num":274,"body":"فإنه لو اقتصر على صدر البيت كان مدحاً غير كامل، لأن موت الجميع قتلى وإن اقتضى وصفهم بالصبر، فهو يحتمل أن يكون عن ضعف وقلة جد في الحروب، فاحترس عن ذلك بأن قال:\rوما طل منا حيث كان قتيل\rوأحسن من ذلك كله قوله: \" حيث كان \" فإنه أبلغ وصف في الشجاعة من التكميل في النسيب قول كثير كامل:\rلو أن عزة خاصمت شمس الضحى ... في الحسن عند موفق لقضى لها\rفقوله: عند موفق تكميل حسن، غلا أنه دون الأول، وإنما كان مثل هذا تكميلاً لأنه لو قال: عند محكم لتم المعنى، لكن في قوله عند موفق زيادة كمل بها حسن البيت، والسامع يجد لهذه اللفظة من الموقع الحلو في النفس ما ليس للأولى، إذ ليس كل محكم موفقاً، فإن الموفق من الحكام من قضى بالحق لأهله، وفي ذلك إشارة إلى أن عزة تستحق الحسن دون شمس الضحى، فيكون بهذه اللفظة مع التكميل مبالغة، والتكميل هاهنا من تكميل المعاني النفسية لا تكميل المعاني البديعية ولا الفنون.\rومن التكميل الحسن قول أبي الحسين المتنبي وافر:\rأشد من الرياح الهوج بطشا ... وأسرع في الندى منها هبوبا\rفإنه فطن إلى أنه لو أقتصر على وصفه بشدة البطش دون أن يضيف","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985597,"book_id":6313,"shamela_page_id":275,"part":null,"page_num":360,"sequence_num":275,"body":"إلى البطش الكرم كان المدح غير كامل، فكمل المدح في عجز البيت بذكر الكرم، ولم يتجاوز في ذلك كله وصفي الريح التي شبه ممدوحه بها في حالتي بطشه وكرمه، وما حسن بيت أبي الطيب إلا لأنه أشرقت عليه أنوار أوصاف النبوة، فإنه نظر إلى الحديث الذي يرويه ابن عباس ﵄ حيث يقول: \" كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان؛ كان كالريح المرسلة \".\rوما وهم فيه المؤلفون في الموضع أنهم خلطوا التكميل بالتتميم، إذ ساقوا في باب التتميم شواهد التكميل، لأن كلا منهم ذكر قول عوف بن محلم السعدي سريع:\rإن الثمانين وبلغتها ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان\rمن شواهد التتميم، ومعنى البيت تام بدون لفظة وبلغتها وإذا لم يكن المعنى ناقصاً فكيف يسمى هذا تتميماً!!، وإنما هو تكميل، وما غلطهم إلا من كونهم لم يفرقوا بين تتميم الألفاظ وتتميم المعاني، فلو سموا مثل هذا تتميماً للوزن لكان قريباً، وإنما ساقوه على أنه من تتميم المعاني البديعة ولذلك أتوا بقول المتنبي طويل:\rويحتقر الدنيا احتقار مجرب ... يرى كل ما فيها وحاشاك فانيا\rفي باب التتميم، وهو مثل الأول، وإن زاد على الأول أدنى زيادة،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985598,"book_id":6313,"shamela_page_id":276,"part":null,"page_num":361,"sequence_num":276,"body":"لما في لفظة حاشاك بعد ذكر الفناء من حسن الأدب مع الممدوح، وربما سومح بأن يجعل هذا البيت في شواهد التتميم لهذه الشبهة.\rوأما الأول فمحض التكميل، ولا مدخل له في التتميم اللهم إلا أن يكون مرادهم بالتتميم تتميم الوزن، لا تتميم المعنى، فيجوز بهذا الاعتبار أن يسمى كل ماورد من الحشو الحسن سوءا كان متمماً للمعنى أو مكملاً تتميماً، لأنه به تم الوزن، ويكون من قسم تتميم الألفاظ، وما قدمناه من تتميم المعاني.\rومن مليح التكميل قول النابغة الذبياني في وصف حمار وأتان وحشيين طويل:\rفإن هبطا سهلاً أثارا عجاجة ... وإن طلعا حزنا تشظت جنادل\rفإنه لو اقتصر على وصف صلابة حوافرهما بالمشي في السهل كان المدح لهما غير كامل، حتى يصفهما بالمشي في الحزن، فلا جرم أنه لما أراد تكميل المدح وأوجبت عليه الصناعة أن يقول في عجز البيت: الحزن كما قال في صدره: السهل، فوصفهما بما يوجب لهما بلوغ الغاية في صلابة الحوافر هذا ما نقلته من كلام الناس على هذا البيت، وفيه ما فيه، لأن الاقتصار على وصفهما بالمشي في السهل، وهو يريد وصفهما بصلابة الحوافر، نقص تام في المعنى المراد، فبقية البيت على هذا تتميم لا تكميل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985599,"book_id":6313,"shamela_page_id":277,"part":null,"page_num":362,"sequence_num":277,"body":"والفرق بين التتميم والتكميل أن التتميم يرد على المعنى الناقص فيتممه والتكميل يرد على المعنى التام فيكمله، إذ كان الكمال أمراً زائداً على التمام.\rوالتتميم لا يكون إلا في المعاني دون الفنون، أعني بالمعاني معاني النفس، لا معاني البديع، التي هي أنواعه، وأعني بالفنون أغراض المتكلم ومقاصده، والتكميل يكون فيهما معاً، هذا إذا لم يرد بالتتميم تتميم الوزن كما قدمت.\rومن أحسن التكميل تكميل وقع في قول شاعر الحماسة بسيط\rلو قيل للمجد: حد عنهم وخلهم ... بما احتكمت من الدنيا لما حادا\rفقوله: بما احتكمت من الدنيا، من التكميل العجيب، والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985600,"book_id":6313,"shamela_page_id":278,"part":null,"page_num":363,"sequence_num":278,"body":"باب المناسبة\rالمناسبة على ضربين: مناسبة في المعاني، ومناسبة في الألفاظ، فالمعنوية أن يبتدئ المتكلم بمعنى ثم يتمم كلامه بما يناسبه معنى دون لفظ، كقول الله ﷾: \" لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير \" فإنه سبحانه لما قدم نفي إدراك الأبصار له، عطف على ذلك قوله: \" وهو اللطيف \" خطاباً للسامع بما يفهم، إذ معترف العادة أن كل لطيف لا تدركه الأبصار ألا ترى أن حاسة البصر لا تدرك إلا اللون من كل متلون، والكون من كل متكون، فإدراكهما إنما هو للمركبات دون المفردات، ولذلك لما قال: \" وهو يدرك الأبصار \" عطف على ذلك قوله \" الخبير \" تخصيصاً لذاته سبحانه بصفات الكمال، لأن كل من أدرك شيئاً كان خبيراً بذلك الشيء، ومثل ذلك قوله ﷿: \" قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمداً إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون \" لما كان سبحانه هو الجاعل الأشياء على الحقيقة، وأضاف إلى نفسه جعل الليل سرمداً إلى يوم القيامة، صار الليل كأنه سرمداً بهذا التقدير، وظرف الليل ظرف مظلم لا ينفذ فيه البصر، لا سميا وقد أضاف الإتيان","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985601,"book_id":6313,"shamela_page_id":279,"part":null,"page_num":364,"sequence_num":279,"body":"بالضياء الذي تنفذ فيه الأبصار إلى غيره، وغيره ليس بفاعل على الحقيقة، فصار النهار كأنه معدوم، إذ نسب وجوده إلى غير موجد، والليل كأنه لا موجود سواه، إّ جعل كونه سرمداً منسوباً إليه سبحانه فاقتضت البلاغة أن يقول: \" أفلا تسمعون \" لمناسبة ما بين السماع، والظرف الليلي الذي يصلح للإسماع ولا يصلح لإبصار ولذلك قال في الآية التي تليها: \" قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمداً إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون لأنه لما أضاف جعل النهار سرمداً إليه صار النهار كأنه سرمد، وهو ظرف مضيء تنور فيه الأبصار، وأضاف الإتيان بالليل إلى غيره، وغيره ليس بفاعل على الحقيقة، فصال الليل كأنه معدوم، إذ نسب وجوده إلى غير موجد، والنهار كأنه لا موجود سواه، إذ جعل وجوده سرمداً منسوباً إليه، فاقتضت البلاغة أن يقول: أفلا تبصرون، إذ الظرف معنى صالح للأبصار، وهذا من دقيق المناسب المعنوية. ومنها قوله تعالى: \" أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون بمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات أفلا يسمعون، أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعاً تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون \" فانظر إلى قوله سبحانه في صدر الآية التي الموعظة فيها سمعية \" أولم يهد لهم \" ولم يقل أولم يروا، وقال تعالى بعد ذكر الموعظة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985602,"book_id":6313,"shamela_page_id":280,"part":null,"page_num":365,"sequence_num":280,"body":"\" أفلا يسمعون \" وكيف قال في صدر الآية التي موعظتها مرئية \" أو لم يروا \" وقال بعد الموعظة: \" أفلا يبصرون \" وكذلك قوله تعالى: \" ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قوياً عزيزاً \" فإن الكلام لو اقتصر فيه على قوله: \" وكفى الله المؤمنين القتال \" أوهم ذلك بعض الضعفاء موافقة الكفار في اعتقادهم أن الريح التي حدثت كانت سبب رجوعهم، ولم يبلغوا ما أرادوا، وربما توهموا ألا تكون من عند الله وإنما تقع اتفاقاً كما يجري في حروب المشركين بعضهم لبعض، فأخبر في فاصلة الآية عن نفسه بالقوة والعزة، ليعلم المؤمنين ويزيدهم يقيناً وثباتاً على أنه الغالب الممتنع، وأن حزبه كذلك، وإنما هو تنوع النصر للمؤمنين ليزيدهم إيماناً بعميم قدرته، فينصرهم مرة بالقتال كيوم بدر، وتارة بالريح كيوم الأحزاب، ومرة بالرعب كبني النضير، وطوراً ينصر عليهم كيوم أحد، وحيناً يعلمهم أن الكثرة لا تغني شيئاً، وأن النصر من عنده كيوم حنين وأمثال ذلك في الكتاب العزيز كثيرة لمن استقراه.\rومن أمثلة المناسبة المعنوية في الشعر قول المتنبي طويل:\rعلى سابح موج المنايا بنحره ... غداة كأن النبل في صدره وبل\rفإن بين لفظة السباحة، ولفظة الموج، ولفظة الوبل تناسباً معنوياً صار","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985603,"book_id":6313,"shamela_page_id":281,"part":null,"page_num":366,"sequence_num":281,"body":"البيت به متلاحماً شديد ملاءمة الألفاظ وأحسن منه قول ابن رشيق القيرواني طويل:\rأصح وأقوى ما رويناه في الندى ... من الخبر المأثور منذ قديم\rأحاديث ترويها السيول عن الحيا ... عن البحر عن جود الأمير تميم\rوهذا أحسن شعر سمعته في المناسبة المعنوية، لأنه ناسب فيه بين الصحة والقوة، والرواية والخبر المأثور، والقدم مناسبة معنوية إذ هذه الألفاظ يناسب بعضها بعضاً، وكذلك ناسب في البيت الثاني بين الأحاديث والرواية والعنعنة مناسبة معنوية أيضاً، وأحسن من المناسبة الواقعة في البيت الأول ما وقع في البيت الثاني من صحة ترتيب العنعنة حيث أتى بها صاغراً عن كابر، وآخرا عن أول، كما يقع سند الأحاديث، لأن السيول فرع، والحيا أصله، ولذلك جعلها تروي عن الحيا إذ هي بمنزلة الولد، وهو بمنزلة الوالد، وكذلك الحيا فرع، والبحر أصله، ولذلك جعل الحيا يروي عن البحر، إذ الحيا بمثابة الولد والبحر بمثابة الوالد، ثم نزل البحر بمنزلة الولد، وجود الممدوح بمنزلة الوالد له لقصد المبالغة في المدح، ولذلك جعل البحر راوياً عن جود الممدوح، وهذا الذي تقتضيه الصناعة من الأدب مع الممدوح وحسن المبالغة في وصف جوده وفي الناس من سمى المناسبة المعنوية ملاءمة، إلا قدامة فإنه جعل الملاءمة ائتلاف ألفاظ الكلام بالمعنى الذي المتكلم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985604,"book_id":6313,"shamela_page_id":282,"part":null,"page_num":367,"sequence_num":282,"body":"آخذ فيه، وقصده بذلك أن يقال في لفظة من ألفاظ المعنى: لو كان موضع هذه غيرها لكان الكلام مؤتلفاً بمعانيه وألفاظه ملائمة له وما ذكرته من المناسبة فيه زيادة على هذا المقدار، إذ غيرها من الألفاظ يوفي بما قاله الناس في تفسير الائتلاف، ويزيد عليه زيادة معلومة عند أرباب النقد.\rوأما المناسبة اللفظية فهي توخي الإتيان بكلمات متزنات، وهي على ضربين: تامة وغير تامة، فالتامة أن تكون الكلمات مع الاتزان مقفاة وأخرى ليست بمقفاة، فالتقفية غير لازمة للمناسبة.\rومن شواهد المناسبة التي ليست بتامة في الكتاب العزيز قوله تعالى: \" ق والقرآن المجيد بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب \" ومن شواهد التامة في السنة قول الرسول ﷺ مما كان يرقي به الحسنين ﵉ \" أعيذكما بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة \" فقال النبي ﷺ \" لامة \" ولم يقل ملمة، وهي القياس، لمكان المناسبة اللفظية التامة؛ ومثله قوله ﵇ \" ارجعن مأزورات غير مأجورات \"","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985605,"book_id":6313,"shamela_page_id":283,"part":null,"page_num":368,"sequence_num":283,"body":"والمستعمل موزورات، لأنه من الوزر غير مهموز فلفظ به النبي ﷺ مهموزاً لمكان المناسبة اللفظية التامة، وهذا من الفصاحة العجيبة.\rوأما ما جاء من السنة من أمثلة المناسبة الناقصة، فكقوله ﷺ: \" إن أحبكم إلي وأقربكم مني مجالس يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً الموطئون أكنافاً \" فناسب ﷺ بين أخلاق وأكناف مناسبة اتزان دون تقفية. ومما جمع بين المناسبتين قوله ﵇ في بعض دعائه: \" اللهم إني أسألك رحمة تهدي بها قلبي، وتجمع بها أمري، وتلم بها شعثي، وتصلح بها غائبي، وترفع بها شاهدي، وتزكي بها عملي، وتلهمني بها رشدي، وترد بها ألفتي، وتعصمني بها من كل سوء؛ اللهم إني أسألك الفوز في القضاء، ونزل الشهداء، وعيش السعداء، والنصر على الأعداء \" فناسب ﷺ بين قلبي وأمري، وغائبي وشاهدي، مناسبة غير تامة بالزنة دون التقفية، ثم ناسب بين القضاء والشهداء والسعداء والأعداء مناسبة تامة بالزنة والتقفية، ومن أمثلة المناسبتين الناقصة والتامة الشعرية قول أبي تمام طويل:\rمها الوحش إلا أن هاتا أوانس ... قنا الخط إلا أن تلك ذوابل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985606,"book_id":6313,"shamela_page_id":284,"part":null,"page_num":369,"sequence_num":284,"body":"فناسب حبيب بين مها وقنا مناسبة تامة، وبين الوحش والخط وأوانس وذوابل مناسبة غير تامة، وهذا البيت من أفضل بيوت المناسبة لما انضم إليها فيه من المحاسن، فإن فيه مع المناسبتين التشبيه بغير أداة والمساواة، والاستثناء، والطباق الفظي، وائتلاف اللفظ مع المعنى والتمكين، فأما المناسبة فقد ذكرناها، وأما التشبيه ففي قوله: مها وقنا، فإن التقدير كمها وقناً، فحذف الأداة ليدل على قرب المشبه من المشبه به، وأما الاستثناء البديعي ففي قوله: إلا أن هاتا أوانس وقوله: إلا أن تلك ذوابل ليثبت للموصوفات التأنيس والتحبب، وينفي عنهن النفار والتوحش، وكذلك فعل في الاستثناء الثاني، فإنه أثبت به لهن اللين واللدونة؛ ونفى عنهن ما يستهجن، وأما المطالبة ففي قوله الوحش والأوانس، وهاتا وتلك فإن هاتا للقريب، وتلك للبعيد، وأما المساواة فلأن لفظ البيت لا يفضل عن معناه، ولا يقصر عنه، وأما الائتلاف فلكون ألفاظه من واحد متوسطة بين الغرابة والاستعمال، وكل لفظة منها لائقة بمعناها، لا تكاد يصلح موضعها غيرها، وأما التمكين فلأن قافية البيت مستقرة في موضعها، غير نافرة من محلها، ومن غير أن يتقدمها شيء من لفظها يدل عليها، كما يقع في التوشيح والتصدير وقد غلط الأمدي في تغليط أبي تمام في هذا البيت، حيث زعم أنه نفى عن النساء لين القدود، معتقداً أن الرماح سميت ذوابل للينها، والمعروف عند أهل اللسان ضد ذلك، لأن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985607,"book_id":6313,"shamela_page_id":285,"part":null,"page_num":370,"sequence_num":285,"body":"العرب تقول رمح ذابل إذا كان صلب الكعوب، ومن ذلك قولهم ذبلت شفتاه إذا يبستا، ولا تعرف العرب الذابل إلا اليابس الذي جفت رطوبته، ومن ذلك قولهم: نوارة ذابلة إذا جف ماؤها وأخذت في اليبس، وأوب تمام لا يشك أحد أنه أبصر من الآمدي باللغة، وأقعر منه بمعرفة اللسان العربي، ويقرب من هذا البيت قول البحتري طويل:\rفأحجم لما لم يجد فيك مطمعاً ... وأقدم لما لم يجد عنك مهربا\rفناسب بين أحجم وأقدم مناسبة تامة، وكذلك بين قوله: فيك وعنك، ومطمعاً ومهرباً، إلا أن مناسبة هاتين الجملتين غير تامة، وقد حصل في هذا اللفظ أيضاً المطابقة في أحجم وأقدم، والمساواة والائتلاف والتمكين، فقد استوى هو وبيت أبي تمام فيما ذكرنا وزاد عليه بيت أبي تمام بالتشبيه والاستثناء، ففضل بيت أبي تمام بالمعاني، وفضل بيت البحتري بالألفاظ، لأن ألفاظه أكثر استعمالاً وأعذب مذاقاً، وللمناسبة التامة فيه نصاعة وظهور أكثر من المناسبة التي في بيت أبي تمام، وإذا قست ما بين البيتين بما قدمت من كلام الرسول ﷺ سقطا دون كل جملة منه، إذ كل جملة منه يلي بعضها بعضاً؛ ومفردات الألفاظ تسير إلى معاني شتى، وإلا فانظر إلى قوله ﷺ تهدي بها قلبي، وما يحصل بها من منافع الدنيا والآخرة، ويتوقى من مضار الدنيا والآخرة بهدية القلب، والى قوله \" وتجمع","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985608,"book_id":6313,"shamela_page_id":286,"part":null,"page_num":371,"sequence_num":286,"body":"بها أمري \" وما يكون من اجتماع الأمر من عدم التذبذب في كل شيء وحصول التثبت وإلى قوله ﷺ: \" وتصلح بها غائبي \" وما تشير هذه الجملة إليه من إصلاح الباطن، وما يكون في ذلك من الإخلاص، وكذلك قوله: وتدفع بها شاهدي، فإن من أصلح الله سبحانه باطنه أصلح الله تعالى ظاهره، وما وقع في ضمن هاتين الجملتين مع المناسبة من المطابقة بين غائبي وشاهدين وبذلك فاعتبر بقية الدعاء؛ وكذلك قوله ﷺ: الفوز بالقضاء فإنه رب قضاء نزل بغير صابر محتسب، فأوبقه وقل من يفوز عند نزول القضاء وكذلك قوله: ونزل الشهداء، أي قراهم أو منزلتهم، وهي أرفع المنازل، وما أعد لهم، ومثله قوله: وعيش السعداء، والنصر على الأعداء؛ فالحظ بدقيق النظر ما اشتملت عليه الألفاظ من المعاني تجدها لا تدخل تحت الإحصاء إلى سلاسة هذا النظم وعذوبة هذا اللفظ وعلوه مع كونه مستعملاً معروفاً، وفصاحته على كونه متداولاً مألوفاً، ووضوح معانيه، وحسن البيان فيه، بحيث لا يفتقر أحد إلى السؤال عن لفظ فيه قد استوى في فهمه الذكي والبليد والقريب من العل والبعيد، وما فيه من الماء والديباجة التي لا توفى العبارة بها، ولا يقدر البليغ على أن يصفها؛ وهذا أمر يدركه كل ذي ذوق سليم، وذهن مستقيم، والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985609,"book_id":6313,"shamela_page_id":287,"part":null,"page_num":372,"sequence_num":287,"body":"باب التفريع\rالتفريع نوعان: أحدهما أن يبدأ الشاعر بلفظة هي إما اسم، وإما صفة، ثم يكررها في البيت مضافة إلى أسماء وصفات يتفرع من جملتها أنواع من المعاني في المدح وغيره، كقول أبي الطيب المتنبي متقارب:\rأنا ابن اللقاء أنا ابن السخاء ... أنا ابن الضراب أنا ابن الطعان\rأنا ابن الفيافي أنا ابن القوافي ... أنا ابن السروج أنا ابن الرعان\rطويل النجاد طويل العماد ... طويل القناة طويل السنان\rحديد اللحاظ حديد الحفاظ ... حديد الحسام حديد الجنان\rوهذا النوع لم أسبق إلى استخراجه، وإنما لم أثبته فيما ابتكرته من الأبواب لكونه نوعاً من التفريع، فالذي يجب أن يسمى به تفريع الجمع، لأن كل بيت ينطوي على فروع من المعاني شتى من المدح تفرعت من أصل واحد؛ والنوع الآخر من التفريع وهو الذي تقدمني الناس باستخراجه وتسميته، إنما يتفرع منه معنى واحد من أصل واحد، إما في بيت","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985610,"book_id":6313,"shamela_page_id":288,"part":null,"page_num":373,"sequence_num":288,"body":"أو أبيات، وإما في جملة من الكلام أو جمل، وهو أن يصدر الشاعر أو المتكلم كلامه باسم منفي بما خاصة ثم يصف الاسم المنفي بمعظم أو صافه اللائقة به إما في الحسن أو القبح، ثم يجعله أصلاً يفرع منه معنى في جملة من جار ومجرور متعلقة به تعلق مدح أو هجاء أو فخر أو نسيب أو غير ذلك، يفهم من ذلك مساواة المذكور بالاسم المنفي الموصوف كقول الأعشى بسيط\rما روضة من رياض الحزن معشبة ... غناء جاد عليها مسبل هطل\rيضاحك الشمس منها كوكب شرق ... مؤزر بعميم النبت مكتهل\rيوماً بأطيب منها طيب رائحة ... ولا بأحسن منها إذ دنا الأصل\rوقد سمى بعض المتأخرين هذا القسم من التفريع النفي والجحود لتقدم حرف النفي على جملته. وأكثر ما يقع الأصل في بيت والتفريع منه في بيت آخر إما قريباً منه، وإما بعيداً عنه، وقد يقع منه ما يكون الأصل والفرع معاً في بيت واحد كقول أبي تمام بسيط","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985611,"book_id":6313,"shamela_page_id":289,"part":null,"page_num":374,"sequence_num":289,"body":"ما ربع مية معموراً يطيف به ... غيلان أبهى رباً من ربعها الخرب\rولا الخدود وإن أدمين من خجل ... أشهى إلى ناظري من خدها الترب\rومن التفريع نوع غير النوعين الأولين، وهو تفريع معنى من معنى من غير تقدم نفي ولا جحود، كقول ابن المعتز سريع:\rكلامه أخدع من لفظه ... ووعده أكذب من طيفه\rوهو مختص بمعاني النفس دون معاني البديع، والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985612,"book_id":6313,"shamela_page_id":290,"part":null,"page_num":375,"sequence_num":290,"body":"باب التكرار\rوهو أن يكرر المتكلم اللفظة الواحدة لتأكيد الوصف أو المدح أو الذم أو التهويل أو الوعيد، فأما ما جاء منه للذم فكقول عبيد بن الأبرص كامل:\rهلا سألت جموع كن؟ ... دة يوم ولوا أين أينا\rوكقول مهلهل بن ربيعة أخي كليب في التهديد والوعيد مديد:\rيا لبكر أنشروا لي كليباً ... يا لبكر أين أين الفرار\rوأما ما جاء منه للمدح فكقول كثير عزة في عمر بن عبد العزيز طويل:\rفأربح بها من صفقة لمبايع ... وأعظم بها أعظم بها ثم أعظم\rوكقول أبي تمام خفيف:\rبالصريح الصريح والأروع الأر ... وع منهم وباللباب اللباب\rوأما ما جاء منه في النسيب وهو لطيف جداً لبعض المحدثين متقارب:\rيقلن وقد قيل إني هجعت ... عسى أن يلم بروحي الخيال\rحقيق حقيق وجدت السلو ... فقلت لهن محال محال","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985613,"book_id":6313,"shamela_page_id":291,"part":null,"page_num":376,"sequence_num":291,"body":"وقد يجيء التكرار بالأسماء المضمرات أو المبهمات، كما يجيء بالمظهرات كقول الهذلي طويل:\rرفوني وقالوا يا خويلد لاترع ... فقلت وأنكرت الوجوه هم هم\rوأما ما جاء منه للمدح منه للمدح في الكتاب العزيز فكقوله سبحانه: \" والسابقون السابقون أولئك المقربون \" وأما ما جاء منه للتهويل والوعيد فكقوله تعالى: \" الحاقة ما الحاقة \" وقوله ﷿: \" القارعة ما القارعة \" وأما ما جاء منه للاستبعاد فكقوله تعالى: \" هيهات هيهات لما توعدون \" ومما جاء في السنة من التكرار قول رسول الله ﷺ حكاية عن أم زرع: \" أبو زرع وما أبو زرع \" في معرض المدح.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985614,"book_id":6313,"shamela_page_id":292,"part":null,"page_num":377,"sequence_num":292,"body":"؟\r\rباب نفي الشيء بإيجابه\rوهو أن يثبت المتكلم شيئاً في ظاهر كلامه وينفي ما هو من سببه مجازاً. والمنفي في باطن الكلام حقيقة هو الذي أثبته كقوله ﷾: \" ... أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها \" فإن ظاهر هذا الكلام يقتضي نفي هذه الجوارح، وملزومه يقتضي إثبات الإلهية لمن يكون له مثل هذه الجوارح؛ وباطن الكلام يوجب نفي الإلهية عمن يكون له، فضلاً عمن لا يكون له، لأنه المراد، وكقوله سبحانه: \" لا يسألون الناس إلحفاً \" فإن ظاهره نفى الإلحاف في المسألة، لا نفي المسألة، والباطن نفي المسألة بتة، وعليه إجماع المفسرين، وهو منقول عن ابن عباس ﵄ وكقوله تعالى: \" ولا شفيع يطاع \" فالظاهر نفى شفيع يطاع، والمراد نفي الشفيع مطلقاً.\rومن أمثلة هذا الباب الشعرية قول امرئ القيس طويل:\rعلى لاحب لا يهتدي بمناره ... إذا سافه العود النباطي جرجرا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985615,"book_id":6313,"shamela_page_id":293,"part":null,"page_num":378,"sequence_num":293,"body":"وظاهر هذا الكلام يقتضي إثبات منار لهذه الطريق، ونفي الهداية به مجازاً، وباطنه في الحقيقة يقتضي نفي المنار جملة وتقدير المعنى أن هذه الطريق لو كان لها منار لكان لا يهدي به، فيكفف لا منار لها؟ كما تقول ملن تريد أن تسلبه الخير: ما أقل خيرك، فظاهر كلامك يدل على إثبات خير قليل وباطنه نفي الخير كثيره وقليله.\rومن أمثلة هذا الباب أيضاً قول الزبير بن عبد المطلب يمدح عملية بن عبد الدار، وكان نديماً له طويل:\rصبحت بهم طلقاً يراح إلى الندى ... إذا ما انتشى لم تحتضره مفاقره\rضعيف يحث الكأس قبض بنانه ... كليلاً على وجه النديم أظافره\rوظاهر البيتين يقتضي أن للممدوح مفاقر لم تحضره إذا انتشى، وأن له أظافر تخمش وجه نديمه خمشاً خفيفاً. وباطن الكلام في الحقيقة نفي المفاقر جملة والأظافر بتة.\rومن هذا الباب قسم يوجب فيه المتكلم لنفسه شيئاً وينفيه بعينه عن غيره، أو ينفي عن موصوف ما صفة يوجبه لموصوف آخر،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985616,"book_id":6313,"shamela_page_id":294,"part":null,"page_num":379,"sequence_num":294,"body":"كقول السموءل طويل:\rوننكر إن شئنا على الناس قولهم ... ولا ينكرون القول حين نقول\rوكقول الآخر طويل:\rهضيم الحشا لا يملأ الكف خصرها ... ويملأ منها كل حجل ودملج","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985617,"book_id":6313,"shamela_page_id":295,"part":null,"page_num":380,"sequence_num":295,"body":"باب الإيداع\rهذا الباب يسميه من لا يعرف اصطلاح أهل هذه الصناعة تضميناً، وكذلك يسمى الباب الذي بعده، وقد تقدم الفرق بين هذه الأبواب في باب التضمين، وشرح هذه التسمية أن يعمد الشاعر أو المتكلم إلى نصف بيت لغيره يودعه شعره سواء أكان صدراً أم عجزاً، وأما الناثر فإن أتى في نثره بنصف بيت لغيره سمى إيداعاً، وإن كان لنفسه سمى تفصيلاً، ومثال ما وقع من ذلك في الكتاب العزيز قوله تعالى: \" يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات \" وإن أوقعت الفصاحة مثل هذا غير مقصود، وكان من الأدب ألا يذكر هذا والله أعلم.\rوالموهم أنه مودع في الكتاب العزيز قول امرئ القيس مجزوء الرمل:\rوجفان كالجواب ... وقدور راسيات\rإن صحت الرواية أنه كذلك، وإن روى التقديم والتأخير فبطل ذلك ومثال ما وقع من ذلك في النثر قول علي ﵇ في جواب كتابه لمعاوية: \" ثم زعمت أني لكل الخلفاء حسدت، وعلى كلهم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985618,"book_id":6313,"shamela_page_id":296,"part":null,"page_num":381,"sequence_num":296,"body":"بغيت، فإن يكن ذلك كذلك فليست بالجناية عليك، فيكون العذر إليك \".\rوتلك شكاة ظاهر عنك عارها\rوهذا عجز بيت تمثل به أيضاً عبد الله بن الزبير وقد قال أهل الشام له: يا بن ذات النطاقين على سبيل المعيرة لها بذلك، نظر إلى أنها كانت خادمة لا مخدومة، على طريقة الجاهلية في مدح النساء وذمهم، فأنشد طويل:\rوعيرها الواشون أني أحبها ... وتلك شكاة ظاهر عنك عارها\rلأن هذا الاسم من فخر أسماء ﵂، فإنه سماها به رسول الله ﷺ عندما أخرجت له ولأبيها ﵁ زاد الهجرة، فأخذ الإمام عجز هذا البيت فأودعه كلامه بعد أن وطأ له توطئة لائقة به. ملائمة له.\rومن شواهده في الشعر قول أبي نواس طويل:\rتغنى وما دارت له الكأس ثالثاً ... تعزى بصبر بعد فاطمة القلب\rوقد يجتمع الإيداع والتضمين في شعر واحد، كقول علي ابن الجهم في فضل الشاعرة، وبنان المغنى مجزوء الرمل:\rكلما غنى بنان ... اسمعي أو خبرينا\rأنشدت فضل ألا ... حييت عنا يا مدينا\rعارضت معنى بمعنى ... والندامى غافلينا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985619,"book_id":6313,"shamela_page_id":297,"part":null,"page_num":382,"sequence_num":297,"body":"فوقع التضمين في البيت الأول، والإيداع في البيت الثاني وكنت نظرت إلى بيت لأبي الطيب وهو طويل:\rتذكرت ما بين العذيب بارق ... مجر عوالينا ومجرى السوابق\rفأودعت كل قسيم منه بيتاً من قصيدة مطلعها طويل:\rأعر مقلتي إن كنت غير مرافقي ... دموعاً لتبكي فقد حي مفارق\rفقد نضبت يوم الوداع مدامعي ... وشابت لتشتيت الفراق مفارقي\rوالبيتان منهما:\rإذا الوهم أبدى لي لماها وثغرها ... تذكرت ما بين العذيب وبارق\rويذكرني من قدها ومدامعي ... مجر عوالينا ومجرى السوابق\rوإن أخذ نصف بيت لغيره، فابتدأ به وثنى عليه تتمة البيت لا غير فذلك تمليط.\rوإن بنى عليه كل ما يخطر له من أبيات لتمام غرضه، فذلك توطيد، والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985620,"book_id":6313,"shamela_page_id":298,"part":null,"page_num":383,"sequence_num":298,"body":"باب الاستعانة\rوهو أن يستعين الشاعر ببيت لغيره، في شعره بعد أن يوطئ له توطئة لائقة به هنا بحيث لا يبعد ما بينه وبين أبياته، وخصوصاً أبيات التوطئة له، وقد شرط بعض النقاد التنبيه عليه، إن لم يكن البيت مشهوراً، وبعضهم لم يشترط ذلك، وهو الصحيح، فإن أكثر ما رأينا ذلك في أشعار الناس غير منبه عليه، وأما الناثر فإن أتى في أثناء نثره ببيت لنفسه سمى ذلك تشهيراً، وإن كان البيت لغيره سمى استعانة، كقول علي ﵇ في خطبته المعروفة بالشقشقية: بينا هو يستقبلها في حياته، إذ عقد لآخر بعد وفاته سريع:\rشتان ما يومي على كورها ... ويوم حيان أخي جابر\rفهذا البيت للأعشى استعان به علي ﵇ كما ترى:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985621,"book_id":6313,"shamela_page_id":299,"part":null,"page_num":384,"sequence_num":299,"body":"ومثال الاستعانة في الشعر قول الحارثي طويل:\rوقائله والدمع سكب مبادر ... وقد شرقت بالماء منها المحاجر\rوقد أبصرت حمان من بعد أنسها ... بنا وهي منا موحشات دواثر\rكأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر\rفقلت له والقلب مني كأنما ... ييقلبه بين الجوانح طائر\rبلى نحن كنا أهلها فأبادنا ... صروف الليالي والجدود العواثر\rفاستعان هذا الشاعر ببيتي حرقة بنت تبع، وأرشق من هذا وأخصر قول أبي نواس بسيط\rحتى تغني وما تم الثلاث له ... حلو الشمائل محمود السجيات\rيا ليت حظى من مالي ومن ولدي ... أني أجالس ليلى بالعشيات\rووقع لي من طريق الاستعانة أبيات هجوت بها متطبباً يهودياً طويل:\rرأيت أبا الخير اليهودي ممسكا ... بقارورة كالورس راق حليبها\rوقد رش منها فوق صفحة وجهه ... وقال: لقد أحيا فؤادي طيبها","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985622,"book_id":6313,"shamela_page_id":300,"part":null,"page_num":385,"sequence_num":300,"body":"فقلت له: ما هذه؟ قال: بولة ... لأسود يشفى الداء مني قضيبها\rقريبة عهد بالحبيب وإنما ... هوى كل نفس حيث حل حبيبها\rولا يضر تصحيف الحرف أو تحريفه من الكلام المتقدم، ليدخل في معنى الكلام المتأخر عند الاستعانة كما فعلت ببيت من الحماسة حيث قلت طويل:\rإذا ما خليل صد عنك ملالة ... وأصبح من بعد الوفا وهو غادر\rفلا تحتفل واستغن بالله إنه ... على أن ترى عنه غنياً لقادر\rوهبه كشيء لم يكن أو كنازح ... به الدار أو من غيبته المقابر\rفإن هذا البيت كان نسيباً، وكان أوله وهبها فحرفت ضمير التأنيث لضمير التذكير حتى دخل في معناي.\rوالفرق بين هذا القسم من الاستعانة، وبين المواربة، أن المواربة تكون في كلام المتكلم نفسه، والاستعانة لا تكون إلا بكلام غيره، وإن ابتدأ ببيت غيره وبنى عليه فذلك تأسيس، مشتق من أس البناء، فإن هذا الشاعر يكون قد جعل بيت غيره أساساً بنى عليه شعره، والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985623,"book_id":6313,"shamela_page_id":301,"part":null,"page_num":386,"sequence_num":301,"body":"باب الموازنة\rوهو أن تأتي الجملة من الكلام، أو البيت من الشعر متزن الكلمات، متعادل اللفظات في التسجيع والتجزئة معاً في الغالب، كقول امرئ القيس متقارب:\rأفاد، وساد، وقاد، وزاد ... وشاد، وجاد، وزاد، وأفضل\rوكقول الآخر متقارب:\rوهوب، مهيب، رحيب الفناء ... ربيع، مرئ، رفيع الذرا\rوالفرق بين الموازنة والمماثلة التزام التسجيع في الموازنة، وخلو المماثلة عنه، والفرق بينها أعني الموازنة وبين التجزئة مخالفة تسجيع أجزاء التجزئة، ومشابهة تسجيع أجزاء الموازنة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985624,"book_id":6313,"shamela_page_id":302,"part":null,"page_num":387,"sequence_num":302,"body":"باب التذييل\rوهو أن يذيل المتكلم كلامه بجملة يتحقق فيها ما قبلها من الكلام، وتلك الجملة على قسمين: قسم لا يزيد على المعنى الأول، وإنما يؤتى به للتوكيد والتحقيق.\rوقسم يخرجه المتكلم مخرج المثل السائر ليحقق به ما قبله.\rوإما أن يكتفي بما يتضمن من زيادة المعنى والفرق بينه وبين التكميل أن التكميل يرد على معنى يحتاج إلى الكمال، ولا كذلك معنى التذييل.\rومما جاء من ذلك في الكتاب العزيز متضمناً القسمين معاً قوله تعالى: \" إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله \" ففي هذه الآية الكريمة تذييلان: أحدهما قوله تعالى: \" وعداً عليه حقاً \"، فإن الكلام قد تم قبل ذلك، ثم أتى سبحانه بتلك الجملة لتحقق ما قبلها.\rوالآخر قوله سبحانه: \" ومن أوفى بعهده من الله \"، فخرج هذا الكلام مخرج المثل السائر لتحقيق ما تقدمه، فهو تذييل ثان للتذييل الأول","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985625,"book_id":6313,"shamela_page_id":303,"part":null,"page_num":388,"sequence_num":303,"body":"وقد جاء في السنة من هذا الباب قوله ﷺ: \" من هم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشراً، ومن هم بسيئة ولم يعملها لم تكتب عليه، فإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة، ولا يهلك على الله إلا هالك \" فقوله ﷺ: \" ولا يهلك على الله إلا هالك \"، تذييل في غاية الحسن، خرج الكلام فيه مخرج المثل.\rومن هذا الباب في الشعر قول النابغة الذبياني طويل:\rولست بمستبق أخا لا تلمه ... على شعث أي الرجال المهذب\rفقوله: أي الرجال المهذب من أحسن تذييل وقع في شعر.\rوكقول بعض العرب كامل:\rودعوا نزال فكنت أول نازل ... وعلام أركبه إذا لم أنزل\rفعجز هذا البيت كله تذييل حسن، وكلا التذييلين من بيت الأعرابي وبيت النابغة من القسم الثاني من التذييل، وهو الذي خرج الكلام فيه مخرج المثل، وتذييل النابغة من القسم الوجيز من البلاغة لاختصار لفظه، وتذييل الأعرابي من القسم البسيط منهما، وإنما بسط الكلام فيه لما تضمن معنى التذييل من المطابقة في قوله أركبه وأنزل وتذييل النابغة خال من ذلك، ولقد أحسن بعض المحدثين في هذا الباب حيث قال المتقارب:\rصدقتكم الود أبغي الوصال ... وليس المكذب كالصادق","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985626,"book_id":6313,"shamela_page_id":304,"part":null,"page_num":389,"sequence_num":304,"body":"فجازيتموني بطول البعاد ... وكم أخجل الحب من واثق\rفكل من عجزي البيتين تذييل من القسم الثاني، لخروج الكلام فيهما مخرج المثل.\rوأحسن من ذلك كله قول الحطيئة طويل:\rنزور فتى يعطي على الحمد ماله ... ومن يعط أثمان المحامد يحمد\rفإن عجز البيت كله تذييل خرج مخرج المثل في غاية الحسن، لأن صدر البيت استقل بالمعنى المراد على انفراده، وفيه مع اتصاله بالعجز تعطف حسن في قوله: يعطي ويعط، وبالتعطف صار بين العجز والصدر ملاحمة وملاءمة شديدة، ورابطة وثيقة، مع أن العجز إذا انفرد استقل مثلاً وتذييلاً، كما أن الصدر إذا انفرد استقل بالمعنى المقصود من جملة البيت، والغرض المطلوب والتمثيل أيضاً، وقل أن يوجد بيت بين صدره وعجزه مثل هذا التلاحم على استقلال كل قسم بنفسه وتمام معناه ولفظه. ومن التذييل الحسن قول أبي الشيص كامل:\rوأهنتني فأهنت نفسي عامداً ... ما من يهون عليك ممن أكرم\rفعجز البيت كله تذييل في ضمنه مطابقة لذكره الهوان والكرامة.\rومن بعيد التذييل قول ابن نباتة السعدي بسيط\rلم يبق جودك لي شيئاً أؤمله ... تركتني أصحب الدنيا بلا أمل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985627,"book_id":6313,"shamela_page_id":305,"part":null,"page_num":390,"sequence_num":305,"body":"فإنه لما انقضى ما أراده من المدح بقوله:\rلم يبق جودك لي شيئاً أؤمله\rثم احتاج إلى تتميم البيت وأراد إتمامه بتكرار المعنى المتقدم فيه استحساناً له وتوكيداً، وكره التكرير لا لمعنى زائد، وعلم أن لا مزيد على معناه في بابه، فأخرجه مخرج المثل حيث قال:\rتركتني أصحب الدنيا بلا أمل\rليحصل ما أراده من التوكيد وزيادة المعنى، لأن المدح إذا خرج مخرج المثل كان أسير في الأرض، وفي ضمن ذلك لهج الناس بالمدح الخارج مخرج المثل، وهذا البيت وإن نظر فيه إلى قول المتنبي بسيط\rتمسي الأماني صرعى دون مبلغه ... فلا يقول لشيء ليت ذلك لي\rفبيت ابن نباته أفضل من بيت المتنبي، لأنه أحسن الأدب مع ممدوحه، فلم يجعله في حيز من يتمنى شيئاً، وجعل قدرته وجوده أصاراً مادحة قد بلغ كل أمنيته فلم يبق له أمل: وإن كان في بيت المتنبي زيادة من جهة المبالغة في قوله: دون مبلغه واستعارة في اللفظ لقوله: تمسي الأماني صرعى ففي بيت ابن نباتة أن كل ما جعله المتنبي للممدوح، جعله ابن نباتة لشاعر الممدوح من نعمته وزيادة المبالغة في المدح بكونه أخرج المدح مخرج المثل كما بينا، فهو أسير وأبقى، وإذا أنصف الناظر في البيتين وجد معنى بيت المتنبي بكماله في صدر بيت ابن نباتة لأن حاصل بيت المتنبي أن الممدوح قدر على كل الأماني، وهذا قد استقل به صدر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985628,"book_id":6313,"shamela_page_id":306,"part":null,"page_num":391,"sequence_num":306,"body":"بيت ابن نباتة، والذي في صدر البيت هو الذي في عجزه لأنه ملزومه، أعني بيت المتنبي، وكله في قول ابن نباتة:\rلم يبق جودك لي شيئاً أؤمله\rوعجز بيت ابن نباتة ملزوم صدره، لأن من نال كل أمل صحب الدنيا بلا أمل، غير أن ابن نباتة لكونه أخرج العجز مخرج المثل صار كأنه قد استأنف معنى آخر مستقلاً بجميع معنى بيت المتنبي، مع كونه زاد بأن جعل للممدوح، حسن أدب معه، وبالغ بإخراج المدح مخرج المثل، فقد ترجح بيت ابن نباتة على بيت المتنبي من وجوه شتى، والله أعلم.\rوقد يختلط على بعض الناس هذه الأبواب الأربعة، وهي باب الإيغال، والتكميل، والتمكين، والتذييل، وأنا أشير إلى الفرق بينها فأقول: الإيغال لا يكون إلا في الكلمة التي فيها الروي وما يتعلق بها، وهو أيضاً مما يأتي بعد تمام المعنى كالتكميل والتذييل وأما التمكين فيفارق هذه الأبواب مزن كونه عبارة عن استقرار القافية في مكانها، لكنها لا تزيد معنى البيت شيئاً، ومتى حذفت القافية نقص المعنى، مع كونها غير نافرة من البيت، والتكميل وإن أتى بعد تمام المعنى فهو يفارق الإيغال من وجهين، أحدهما: كونه يأتي في الحشو والمقاطع، والإيغال التذييل لا يكونان إلا في المقاطع دون الحشو، والإيغال والتذييل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985629,"book_id":6313,"shamela_page_id":307,"part":null,"page_num":392,"sequence_num":307,"body":"لا يخرجان عن معنى الكلام المتقدم، والتميل لا بد أن يأتي بمعنى يكمل الغرض المتقدم إما تكميلاً بديعياً أو تكميلاً عروضياً، لأنه يكون بمعنى البديع كمطابقة تكمل جناساً، أو مبالغة تكمل تشبيها، أو بالفنون، والفنون عند أهل الصناعة هي ما ينتجها المتكلم من الأغراض والمقاصد كالمديح، والهجاء، والرثاء، والفخر، والوصف، وغير ذلك، والتذييل يفارق الإيغال لكونه يزيد على الكلمة التي تسمى إيغالاً، آخذاً في البيت من الجزء الذي هو الضرب إلى أول العجز والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985630,"book_id":6313,"shamela_page_id":308,"part":null,"page_num":393,"sequence_num":308,"body":"باب المشاكلة\rوهي أن يأتي المتكلم في كلامه أو الشاعر في شعره باسم من الأسماء المشتركة في موضعين فصاعداً من البيت الواحد، وكذلك الاسم في كل موضع من الموضعين مسمى غير الأول، تدل صيغته عليه بتشاكل إحدى اللفظتين الأخرى في الخط والفظ، ومفهومهما مختلف، ومن انشادات التبريزي في هذا الباب قول أبي سعيد المخزومي مديد:\rحدق الآجال آجال ... والهوى للمرء قتال\rوأنشد فيه قول الشماخ بسيط\rكادت تساقطني والرحل أن نطقت ... ورقاء حين دعت ساقاً على ساق\rوقال التبريزي: فلفظة الآجال الأولى أسراب البقر الوحشية، والثانية منتهى الأعمال، وبينهما مشاكلة في الخط واللفظ، وكذلك ساق الأولى التي هي ذكر الحمام، والثانية التي هي ساق الشجرة، وعندي أن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985631,"book_id":6313,"shamela_page_id":309,"part":null,"page_num":394,"sequence_num":309,"body":"ما أنشده التبريزي في هذا الباب داخل في أحد قسمي التجنيس المماثل، والذي ينبغي أن تفسر به المشاكلة قولنا: إن الشاعر يأتي بمعنى مشاكل لمعنى في شعر غير ذلك الشعر، أو في شعر غيره بحيث يكون كل واحد منهما وصفاً أو نسباً أو غير ذلك من الفنون، غير أن كل صورة أبرز المعنى فيها غير الصورة الأخرى، فالمشاكلة بينهما من جهة الغرض الجامع لهما، والتفرقة بينهما من جهة صورتيهما اللفظية، ومثال مشاكلة الشاعر نفسه قول امرئ القيس في صفة الفرس طويل:\rوقد أغتدي والطير في وكناتها ... بمنجرد قيد الأوابد هيكل\rوقوله في صفة الفرس أيضاً طويل:\rإذا ما جرى شوطين وابتل عطفه ... تقول هزيز الريح مرت بأثأب\rفامرؤ القيس في هذين البيتين قاصد وصف الفرس بشدة العدو، غير أنه أبرز المعنى الأول في صورة الإرداف، حيث قال: قيد الأوابد فجعله يدرك الوحش إدراك المطلق للمقيد، وأبرز الثاني في صورتي وصف","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985632,"book_id":6313,"shamela_page_id":310,"part":null,"page_num":395,"sequence_num":310,"body":"وتشبيه بغير أداة، إذ شبه عدوه بعد جريه شوطين، وعرقه بهزيز الريح تمر بهذا الشجر الذي يسمع للريح فيه هزيز كفيف الفرس الحاد إذا خرق الريح بشدة عدوه، فكل معنى من هذين المعنيين مشاكل لصاحبه إذ الجامع بينهما وصف الفرس بشدة العدو، غير أن قدرة الشاعر تلاعبت به، فأبرزته في صور مختلفة، فهذا ما شاكل الشاعر فيه نفسه.\rوأما ما شاكل فيه غيره فكقول جرير بسيط\rإن العيون التي في طرفها حور ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا\rيصرعن ذا اللب حتى لا حراك به ... وهن أضعف خلق الله أركانا\rفإن مشاكلة قول عدي بن الرقاع كامل:\rوكأنها بين النساء أعارها ... عينيه أحور من جآذر جاسم\rوسنان أقصده النعاس فرنقت ... في عينه سنة وليس بنائم\rفالمشاكلة بين الرجلين من جهة أن كلا منهما وصف العيون بالمرض والفتور، فأبرز معناه في صورة غير الصورة الأخرى بحسب قوة عارضته في السبك، وحسن اختياره الفظ، وجودة ذهنه في الزيادة والنقص في التفضيل بين هذين الشعرين: شعر جرير، وعدي، بحيث لا يسعه هذا المكان. وقد اعترض على بيت عدي الأول بما اعترض به على بيت أبي تمام الذي يقول فيه طويل:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985633,"book_id":6313,"shamela_page_id":311,"part":null,"page_num":396,"sequence_num":311,"body":"جذبت نداه غدوة السبت جذبة ... فخر صريعاً بين أيدي القصائد\rفإن بعض الناس قال: ظباء جاسم كظباء غيرها من المواضع، فليس لذكرها فائدة إلا كونها قافية ليصير بها الكلام بيتاً من الشعر، كما أن غدوة السبت في بيت أبي تمام كغدوة الأحد وغيره من الأيام، فذكرها دون غيرها لا يفيد معنى زائداً، وإذا لم يفد معنى علم أنه حشو جئ به لإقامة الوزن، وقد اعترض على قول امرئ القيس طويل:\rورضت فذلت صعبة أي إذلال\rباعتراض ظاهره يشبه الاعتراض على بيتي عدي وأبي تمام، وباطنه يخالفهما، فإن ابن سنان الخفاجي خطأ أبا هاشم في كونه ذهب إلى أن بيت امرئ القيس معيب بالحشو الذي لا يفيد معنى، لأنه قال: صعبة، حشو أو لفظة، فذلت، وسب أبا هاشم أقبح سب، والصواب مع أبي هاشم، لأن الذي قاله الخفاجي يردي به عليه قوله لو قال الشاعر، فرضت فذلت لم يكن في الكلام دليل على أن ثم صعوبة، وهذا عين الخطأ من الخفاجي، لأنه دل على وجود الصعوبة مرتين بقوله: فرضت، وقوله: فذلت، إذ لا يراض إلا الصعب، ولا يذل إلا ما كان ذا صعوبة، ولو لم يكن ثم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985634,"book_id":6313,"shamela_page_id":312,"part":null,"page_num":397,"sequence_num":312,"body":"صعوبة لكان قوله: فذلت، خطأ، لأن ما ليس بصعب فهو ذليل، إذ لا واسطة بين الذل والصعوبة، فبيت امرئ القيس معيب، بخلاف بيتي عدي وأبي تمام.\rوالرد على هذا المعترض الذي اعترض على بيتي عدي وأبي تمام بأن قال: ذكر عدي جاسم دون غيرها من المواضع لأنها معروفة بأدم الظباء، وأدمة اللون دليل على الحرارة واليبس، وذلك يوجب شدة سواد العيون ونقاء بياضها، ولهذا قال: أحور، والحور نقاء بياض العين وشدة سوادها، وكذلك ذكر أبي تمام غدوة السبت وهو الوقت الذي وقعت فيه عطية الممدوح دليل على تعظيم العطية وتفخيم أمرها وجعلها من الغرائب التي لم يقع قبلها مثلها، فلأجل ذلك أرخ يوم وقوعها، وإذ لا يؤرخ إلا الكوائن العظام، والحوادث الجسام، ولو لم يذكر وقت وقوعها معيناً باسمه لم تحصل هذه المبالغات التي تزيد الممدوح مدحاً فدل على أنه قصد بها إفادة هذه المعاني، لا إقامة الوزن، ولو قصد إقامة الوزن فحسب، لما اقتصر على غدوة السبت دون غيرها مما يسد مسدها، فإنه لو قال:\rجذبت نداه بالمدائح جذبة\rاستقام له الوزن، لو لم يكن أراد ما ذكرت، وقد عيب من هذا البيت قوله: جذبت نداه وما ناسبها من ألفاظ البيت، فإنهم قالوا: هذا دليل على أن نداه عسر على طالبه، صعب على محاوله، كما عابوا على ليلى الأخيلية قولها كامل:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985635,"book_id":6313,"shamela_page_id":313,"part":null,"page_num":398,"sequence_num":313,"body":"ومخرق عنه القميص تخاله ... بين البيوت من الحياء سقيما\rحتى إذا رفع اللواء رأيته ... تحت اللواء على الجيوش زعيما\rوقالوا: لا يتحاج إلى أن يجذب لقضاء الحوائج حتى تتخرق قميصه إلا متقاعد عن الحوائج، وهذا الاعتراض غير جار على طريق الحق، فإن المعطي لا بد وأن يعطى بسبب من نفسه عشقاً في العطاء، فلا يحتاج إلى أحاديث تجذبه، وإما أن يعطي بسبب من خارج، والأول مطاوع لغرض نفسه، مسكن لغليل قلبه، ليست عليه مشقة في عطية، والأجر على قدر المشقة، وقد تقدم ذكر هذا الفصل، ونحن هاهنا مفتقرون إلى إعادته، والمشكور كل الشكر من غالب نفسه الأمارة، وأرغم أنف شيطانه، وأعطى كما قال رسول الله ﷺ: \" إن المتصدق لا يخرج الصدقة حتى يفكها من لحيي سبعين شيطاناً \" أو كما قال، وقال ﷺ \" إنما الصدقة أن تتصدق وأنت صحيح شحيح تخاف الفقر، وتأمل الغنى \"، وخير المعطين من كان السبب الذي يجذبه إلى العطاء، سماع المدح والثناء، فقد ثبت أن بيتي عدي وأبي تمام مبرآن مما وسما به من العيب، وكذلك بيت الأخيلية، وهو يزيد عليهما بما تضمن من وصف الممدوح بالصبر على أذى أرباب الحوائج، والرضا من العيش بأدنى ملبس وأدنى عيش، مع القدرة التي دلت عليها بقولها:\r............ رأيته ... تحت اللواء على الجيوش زعيما\rفلزم من ذلك أن لذته في اقتناء المحامد، لا في انتخاب الملابس، وما قيل إنه أحوج ذوي الحاجات إلى تخريق قميصه مدفوع بوصفها الممدوح","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985636,"book_id":6313,"shamela_page_id":314,"part":null,"page_num":399,"sequence_num":314,"body":"بإفراط الحياء، فإن من كان بهذه المثابة كان أسرع إلى قضاء الحوائج للمحتاجين حال رؤيتهم، ويحمل تخريق القميص إما على كثرة المطالبين، وازدحام المحتاجين، أو على ما قدمناه من الرضا بأدنى العيش، والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985637,"book_id":6313,"shamela_page_id":315,"part":null,"page_num":400,"sequence_num":315,"body":"باب المواردة\rوهي توارد الشاعرين المتعاصرين اللذين تجمعهما طبقة واحدة على معنى واحد إما مجرداً، أو ببعض ألفاظه أو بأكثرها أو كلها، فإن كان أحدهما أقدم، أو طبقته أرفع، حكم له على صاحبه بالسبق، وقد رأيت من يجعل اتفاق الشاعرين من طبقتين مختلفتين في عصرين متباينين إذا تقارب ما بينهما بعض التقارب في الأمرين، أو في القوة والقدرة توارداً، فمثال الأول قول امرئ القيس طويل:\rوقوفاً بها صحبي على مطيهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجمل\rوقول طرفة طويل:\rوقوفاً بها صحبي على مطيهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجلد\rومثال ما جاء من القسم الثاني ما جرى لابن ميادة وقد أنشد محمد بن زياد الأعرابي قوله طويل:\rونواره ميل إلى الشمس ظاهر\rفقال له محمد: أي يذهب بك؟، هذا للحطيئة، فقال ابن ميادة: الآن علمت أني شاعر حين وافقته، والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985638,"book_id":6313,"shamela_page_id":316,"part":null,"page_num":401,"sequence_num":316,"body":"باب التهذيب والتأديب\rالتهذيب عبارة عن ترداد النظر في الكلام بعد عمله لينقح، ويتنبه منه لما مر على الناثر أو الشاعر حين يكون مستغرق الفكر في العمل، فيغير منه ما يجب تغييره، ويحذف ما ينبغي حذفه، ويصلح ما يتعين إصلاحه، ويكشف عما يشكل عليه من غريبه وإعرابه، ويحرر ما لم يتحرر من معانيه وألفاظه، حتى تتكامل صحته، وتروق بهجته، فإنه من رزق من أرباب البلاغة وأصحاب الفصاحة جودة ذهن، وغوص فكر، وكمال عقل، واعتدال مزاج، وحسن اختيار، ووقف على أقوال النقاد في حقيقة البلاغة، وكنه الفصاحة، وما عد من محاسن الكلام وعيوبه، ووقى شح نفسه، بحيث يسمح بطرح ما لا يقدر على تغييره من كلامه، كان كلامه موصوفاً بالمهذب، منعوتاً بالمنقح، وإن قل ابتكاره للمعاني، وقد كان زهير معروفاً بالتنقيح، فإنه روى أنه كان يعمل القصيدة في شهر، وينقحها في أحد عشر شهراً حتى سمى شعره الحولي المحكك ولا جرم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985639,"book_id":6313,"shamela_page_id":317,"part":null,"page_num":402,"sequence_num":317,"body":"أنه قلما يسقط منه شيء، ولهذا كان عمر بن الخطاب ﵁ على جلالته في العلم، وتقدمه في النقد يقدمه على سائر الفحول من طبقته؛ قال ليلة لعبد الله بن العباس وهم سائرون إلى الشام: أنشدني شعر أشعر القوم، فقال: ومن ذاك؟ قال: زهير، قال: وبم استحق عندك ذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: رأيته لا يعاضل بين الكلام، ولا يتبع حوشي الألفاظ، ولا يمدح الرجال إلا بما يكون للرجال، وما ذاك إلا لتنقيحه شعره، وترداد نظره في كلامه ولهذا المعنى أشار أبو تمام بقوله كامل:\rخذها ابنة الفكر المهذب في الدجى ... والليل أسود رقعة الجلباب\rفإنه إنما خص تهذيب الفكر بالدجى لكون الليل تهدأ فيه الأصوات، وتسكن الحركات، فيكون الفكر فيه مجتمعاً، والخاطر خالياً، ولا سميا في وسط الليل عندما تأخذ النفس حظها من الراحة، وتنال قسطها من النوم، ويخف عليها ثقل الغذاء، فحينئذ يكون الذهن صحيحاً، والصدر منشرحاً، والقلب منبسطاً، واختياره وسط الليل دون السحر مع ما فيه من رقة الهواء، وخفة الغذاء، وأخذ النفس سهمها من الراحة، لما يكون في السحر من انتباه أكثر الحيوان الناطق والبهيم، وارتفاع معظم الأصوات وجرس الحركات، وتقشع الظلماء، بطلائع الأضواء. وببعض ذلك","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985640,"book_id":6313,"shamela_page_id":318,"part":null,"page_num":403,"sequence_num":318,"body":"يتقسم الفكر، ويتذبذب الخاطر ويشتغل القلب، ويتفرق مجتمع الهم، ووسط الليل خال عما ذكرنا، ولهذا خص أبو تمام تهذيب الفكر بالدجى عادلاً عن الطرفين لما فيهما من الشواغل التي ذكرناها، وإنما دخلت لفظة الدجى على وسط الليل، لأنها جمع دجية، وطرف الليل لقربهما من الشمس لا يكون غيهبهما شديد الظلمة، والدجى شدة الظلمة، لأنه مجموع ظلمات، وإن كان الدجى قد يطلق على الليل كله، سواء كان مظلماً أو مقمراً، لكنه إطلاق مجازي حقيقته ما ذكرناه، وأبو تمام أراد هاهنا الحقيقة لا المجاز، لقصد المبالغة، ولما لحظ أبو تمام أن لفظة الدجى لعمومها وصلاحيتها في حالتي المجاز والحقيقة إلى أن تكون اسماً لليل كائناً ما كان احترس من ذلك بما جاء به التذييل حيث قال:\r............... والليل أسود رقعة الجلباب\rليخلص من الاشتراك الحاصل من لفظة الدجى على انفرادها، وليتبين أنه أراد الليالي السود التي سمتها العرب بالدآرى، لا الليالي البيض، ولا غيرها من الليالي التي فيها وقت مضئ في الجملة فراراً من ليل لا يخلو من الأصوات والحركات، مبالغة في وصف القصيدة بالتنقيح المرضي، في الوقت المختار لذلك، وقد جمع الكتاب العزيز هذه المعاني وأتى بها في أوجز لفظ وأجزله حيث قال سبحانه \" إن ناشئة الليل هي أشد وطئاً وأقوم قيلاً \" واعلم أن التهذيب لا شاهد له يخصه، لأنه وصف يعم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985641,"book_id":6313,"shamela_page_id":319,"part":null,"page_num":404,"sequence_num":319,"body":"كل كلام منقح محرر، إلا أنا نلخص فيه ما يعرف به، وهو أن نقول: كل كلام قيل فيه لو كان موضع هذه الكلمة غيرها، أو لو تقدم هذا المتأخر، أو تأخر هذا المتقدم، أو لو تمم هذا النقص، أو تكمل هذا الوصف، أو لو حذفت هذه اللفظة بتة، أو لو طرح هذا البيت جملة، أو لو وضح هذا المقصد أو تسهل هذا المطلب، لكان الكلام أحسن، والمعنى أبين، فهو خال من التهذيب، عار من التنقيح والتأديب.\rومن أمثلة ما ذكرناه قول سيف الدولة بن حمدان يخاطب أخاه ناصر الدولة طويل:\rوما كان لي عنها نكول وإنما ... تجاوزت عن حقي ليغدو لك الحق\rفإن سيف الدولة كما قيل: كان قد عمل أولاً: وما كان عنها لي نكول ثم فطن إلى أن هذا السبك يستثقل لقرب الحروف المتقاربة المخارج بعضها من بعض، وإذا قدم لفظة \" لي \" على لفظة عنها سهل التركيب، وحصل التهذيب، فتقول وما كان لي عنها نكول لفصل لفظة عنها بين لي وبين نكول.\rومن الأمثلة المبينة لهذا الباب قول القاضي السعيد ابن سناء الملك طويل:\rتغنى عليها حليها طرب بها ... وفاحت فقلنا: هذه الروضة الغنا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985642,"book_id":6313,"shamela_page_id":320,"part":null,"page_num":405,"sequence_num":320,"body":"فإنه لو لم يقدم في صدر هذا البيت لفظة مشتقة من الغناء حصل بها في هذا البيت من الرونق ما لا يحصل بدونها، لكان البيت خالياً من التهذيب، فإن بوجودها حصل في البيت تصدير وتجنيس وائتلاف وتهذيب، وانتفى عنه من العيوب عدم الائتلاف، وقلق القافية، وبذلك تقدم التهذيب، وذلك أنه لو كان قال طويل:\rزهت بأزاهير الجمال وحسنها ... وفاحت فقلنا هذه الروضة الغنا\rلتبين قلق هذه القافية وتمكن تلك القافية الأولى، بسبب ما في البيت من التصدير.\rومما جاء في الكتاب العزيز من أمثلة هذا الباب قوله تعالى: \" لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك \" فإن حسن الترتيب في نظم الكلام البليغ أمر مطلوب، ومن حسن الترتيب في الجمل الفعلية تقديم الفعل، وتعقيبه بالفعل، ثم الإتيان بالمفعول، فإن كان في الكلام مفعولان أحدهما تعذر وصول الفعل بنفسه إليه، والآخر تعدى إليه بنفسه قدم ما تعدى إليه الفعل بنفسه، وإذا علم ذلك كان لقائل أن يقول: لو توخى حسن الترتيب في عجز الآية لأتى وزن صدرها، والجواب أن حسن الترتيب منع منه في صدر الآية مانع قوي، وهو مخافة أن تتوالى ثلاثة أحرف متقاربات المخارج، فيثقل الكلام بسبب ذلك، فإنه لو جاء الكلام فيه مرتباً لقيل: لئن بسطت يدك إلي، والطاء والتاء والياء متقاربات المخارج، فلذلك حسن تقديم المفعول الذي تعدى الفعل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985643,"book_id":6313,"shamela_page_id":321,"part":null,"page_num":406,"sequence_num":321,"body":"إليه بالحرف على المفعول الذي تعدى إليه بنفسه، ولما أمن هذا المحذور في عجز الآية بما اقتضته البلاغة من الإتيان باسم الفاعل موضع الجملة الفعلية، لتضمنه معنى الفعل الذي تصح به المقابلة، جاء الكلام على ترتيبه من تقديم المفعول الذي تعدى الفعل إليه بنفسه، على المفعول الذي تعدى الفعل إليه بالحرف، وهذا من أحسن شواهد التهذيب والترتيب، والله أعلم. وكنت قد اطلعت على وصية وصى بها أبو تمام أبا عبادة البحتري في عمل الشعر، كان أبو تمام ارتجلها فجاءت محتاجة إلى تحرير بعض معانيها، وإيضاح ما أشكل منها، وزيادات يفتقر إليها فحررت منها ما يجب تحريره، وأضفت إليها ما تتعين إضافته، وذكرتها في كتابي المنعوت بالميزان في الترجيح بني كلام قدامة وخصومه وعلمت أن هذا الباب من هذا الكتاب أحوج إليها من ذلك، فأثبتها هاهنا بعد أن رأيت تقديم مقدمة يحتاج إليها، ويجب الاعتماد عليها، وهي التي يجب على من كان له ميل إلى عمل الشعر وإنشاء النثر أن يعتبر أولاً نفسه، ويمتحنها بالنظر في المعاني وتدقيق الفكر في استنباط المخترعات، فإذا وجد لها فطرة سليمة، وجبلة موزونة، وذكاء وقاداً، وخاطراً سمحاً، وفكراً ثاقباً، وفهماً سريعاً، وبصيرة مبصرة، وألمعية مهذبة، وقوة حافظة، وقدرة حاكية، وهمة عالية، ولهجة فصيحة، وفطنة صحيحة، وإن كانت بعض هذه الأوصاف غير لازمة لرب الإنشاء، ولا يضطر إليها أكثر الشعراء، لكنها إذا كملت في الشاعر والكاتب كان موصوفاً في هذه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985644,"book_id":6313,"shamela_page_id":322,"part":null,"page_num":407,"sequence_num":322,"body":"الصناعة بكمال الأوصاف النفسية التي إذا أضيفت إليها الصفات الدرسية تكمل وتجمل من حفظ اللغات العربية، وتوابعها من العلوم الأدبية كالنحو والتصريف، والعروض والقوافي، وما سومح به الشعراء من الضرورات التي يلجئ إليها ضيق الوزن والتزام التقفية، ليعلم ما يجوز له استعماله، وما يجب عليه إهماله، ولينعم النظر في كتب البلاغة، ليعرف محاسن اللفظ مفرداً ومركباً، ومعانيه، ويحيط بما يتفرع من أصول النقد من البديع الذي هو رقوم الكلام، ونتائج مقدمات الأفهام، وليجعل عمدته على كتاب الله العزيز وليميز إعجازه أدق تمييز، فإنه البحر الذي لا تفنى عجائبه، ولا يظمأ فيه راكبه، منه استخرجت درر المحاسن، واستنبطت عيون المعاني، وعرف كنه البلاغة، وتحقق سر الفصاحة، وكذلك سنة الرسول ﵊ فإن صاحبها بعث بجوامع الكلم، وبدائع الحكم، ﷺ، وليحفظ أشعار العرب وأمثالها، وأنسابها وأيامها وسائر أخبارها، ومحاسن أثاراها، ومقاتل فرسانها الأنجاد، نوادر سمحائها الأجواد، ولا غنى به عن معرفة النجوم والأنواء، وعلم بهيئة المساء، وتعقل الآثار العلوية، والحوادث الأرضية، والمشاركة في الطب والطبائع والحساب، وما يحتاج إليه الكتاب من الفقه والحديث، ونقل التاريخ الصحيح ويكون ذلك المكتسب، من وراء أشياء لا تكتسب، ولا تحصل بالطلب، بل هي مما يجبل عليه الإنسان، ومن مواهب الرحمن، من عقل راجح، وذهن صاف، ورأي سديد ينتج ذلك مزاج معتدل ليحسن اختياره، ويجود انتخابه، فيتخير الألفاظ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985645,"book_id":6313,"shamela_page_id":323,"part":null,"page_num":408,"sequence_num":323,"body":"الرقيقة، والمعاني الرشيقة، ويتقن تأليف الكلام، وتركيب الألفاظ، وما بإيراد أبيات قلتهن في هذا المعنى من بأس وهي خفيف:\rانتخب للقريض لفظاً رقيقاً ... كنسيم الرياض في الأسحار\rفإذا اللفظ رق شف عن المع؟ ... نى فأبداه مثل ضوء النهار\rمثل ما شفت الزجاجة جسماً ... فاختفى لونها بلون العقار\rوأحسن من قولي ومن كل ما قيل علي ما بلغني في هذا المعنى قول أبي تمام في الحسن بن وهيب كامل:\rلم يتبع شنع اللغات ولا مشى ... رسف المقيد في طريق المنطق\rتنشق في ظلم المعاني إن دجت ... منه تباشير الكلام المشرق\rوكقول البحتري فيه كامل:\rفإذا دجت أقلامه ثم انتحت ... برقت مصابيح الدجى في كتبه\rفاللفظ يقرب فهمه في بعده ... منا ويبعد نيله في قربه\rحكم سحائبها خلال بنانه ... هطالة وقليبها في قلبه\rكروض مؤتلفاً بحمرة نوره ... وبياض زهرته وخضرة عشبه\rوكأنها والسمع معقود بها ... شخص الحبيب بدا لعين محبه\rهذا إذا أراد المتكلم أن ينعت فاضلاً، أو يسمى أديباً كاملاً، فتعلو","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985646,"book_id":6313,"shamela_page_id":324,"part":null,"page_num":409,"sequence_num":324,"body":"بين العلماء درجته، وتطير بين الفضلاء سمعته، ويقبل قوله في لفظ كل كلام ومعناه، وليحذر من أن يقف خاطره بسبب معاندة الزمان، وتواتر صروف الحدثان، وتعذر المكسب، وعز المطلب وتقدم الجهال، واختصاص الأرذال بالأموال، فيكون ذلك داعياً إلى ترك الاشتغال، وسبباً في فتور عزمه عن تحصيل العلوم، وذريعة لقعوده عن رياضة نفسه، واستعمال خاطره، فيلحق بالأخسرين أعمالاً، والمخطئين أفعالاً وأقوالاً، بل يكون اجتهاده في ذلك اجتهاد راغب في الكمال، شديد الأنفة من مساومة الجهال، عاشق في تزكية نفسه، مائلاً للتقدم بنفس العلم على أبناء جنسه، وما أحسن قول القائل طويل:\rتعلم فليس المرء يولد عالماً ... وليس أخو علم كمن هو جاهل\rفإن كبير القوم لا علم عنده ... صغير إذا التفت عليه المحافل\rولا بد للمجتهد من يوم تحمد فيه عاقبة اجتهاده، ويحصل فيه على مراده، وإن كان قصير الهمة مهين النفس، قد أوتي طبعاً في العمل سليماً، وذهناً مستقيماً، فظن أنه يستغني بذلك عن الاشتغال، ويبعد عم مماثلة الجهال، إدلالاً بطبعه، واتكالاً على حذقه، كأكثر شعراء زماننا وكتابه، والمنتظمين في سلك أرباب آدابه، حاشا من احتفل بالأدب احتفالاً أوجب لذوي الآداب، والانتفاع بهذا الكتاب، فلا يأنف من عرض ما يسمح به خاطره على من يحسن الظن بمعرفته، ويتحقق أن مرتبته في العلم فوق مرتبته، ولا تهمل ذلك فإن خطره عظيم، \" وفوق كل ذي علم عليم \"، هذا وإن كنت في ذلك كمن يصف الدواء ولا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985647,"book_id":6313,"shamela_page_id":325,"part":null,"page_num":410,"sequence_num":325,"body":"يستعمله، ويأمر بالعرف ولا يمتثله، غير أني أنهج الطريق، وأحض على التوفيق، لتحصل لي مثوبة الدلالة، وأكسب أجر الهداية، فإن الدال على الخير كفاعله، والمحرض على العمل كعامله، وليعتمد الراغب في نظم الشعر، وإنشاء النثر في وقت العمل على وصية الإمام أبي تمام التي وعدت سالفاً بنشرها، وهذا أوان ذكرها، وهي ما أخبر به الثقة عن أبي عبادة البحتري الشاعر أنه قال:\rكنت في حداثتي أروم الشعر، وكنت أرجع فيه إلى طبع سليم، ولم أكن وقفت على تسهيل مأخذه، ووجوه اقتضائه، حتى قصدت أبا تمام، وانقطعت إليه، واتكلت في تعريفه عليه، فكان أول ما قال لي: يا أبا عبادة: تخير الأوقات، وأنت قليل الهموم، وصفر من الغموم، واعلم أن العادة في الأوقات، إذا قصدت الإنسان تأليف شيء أو حفظه، قصد وقت السحر، وذلك أن النفس تكون قد أخذت حظها من الراحة، وقسطها من النوم، وخف عنها ثقل الغذاء، وصفاً من أكثر الأبخرة والأدخنة جسم الهواء، وسكنت الغمائم، ورقت النسائم، وتغنت الحمائم، وتغن بالشعر فإن الغناء مضماره الذي يجري فيه، واجتهد في إيضاح معانيه، فإن أردت النسيب فاجعل اللفظ رقيقاً، والمعنى رشيقاً، وأكثر فيه من بيان الصبابة وتوجع الكآبة، وقلق الأشواق، ولوعة الفراق، والتعلل باستنشاق النسائم، وغناء الحمائم، والبروق اللامعة، والنجوم الطالعة، والتبرم بالعذال والعواذل، والوقوف على الطلل الماحل، وإذا أخذت في مدح سيد ذي أياد فاشهر مناقبه، وأظهر مناسبه، وأبن معالمه، وشرف مقاومه،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985648,"book_id":6313,"shamela_page_id":326,"part":null,"page_num":411,"sequence_num":326,"body":"وأرهف من عزائمه، ورغب في مكارمه، وتقاص المعاني، واحذر المجهول منها، وإياك أن تشين شعرك بالعبارة الزرية، والألفاظ الوحشية، وناسب بين الألفاظ والمعاني في تأليف الكلام، وكن كأنك خياط يقدر الثياب على مقادير الأجسام، وإذا عارضك الضجر أرح نفسك، ولا تعمل إلا وأنت فارغ القلب، واجعل شهوتك لقول الشعر الذريعة إلى حسن نظمه، فإن الشهوة نعم المعين، وجملة الحال أن تعتبر شعرك بما سلف من أشعار الماضين، فما استحسن العلماء فاقصده، وما استقبحوه فاجتنبه ترشد، إن شاء الله تعالى.\rفإن قيل: الذي أوردته قبل هذه الوصية في بيت أبي تمام الذي هو:\rخذها ابنة الفكر المهذب في الدجى\rالبيت، وما فسرت به الدجى واختياره لوسط الليل دون طرفيه يناقض قوله في هذه الوصية: واعلم أن العادة في الأوقات إذا قصد الإنسان تأليف شيء أو حفظه، أن يختار وقت السحر.\rقلت: المقصد في البيت غير المقصد في الوصية، فإن المقصد في البيت التنقيح، وفي الوصية العمل والحفظ، والتنقيح يحتاج إلى خلو الخاطر وتدقيق النظر، وغوص الفكر أكثر من وقت الحفظ والعمل، والله أعلم. وما رأيت ولا رويت مثل وصية لعلي بن أبي طالب ﵁ وصى بها كاتباً له يقول فيا: ألق دواتك، واجمع أداتك، وأرهف حدى قلمك إرهافاً، واحترس عند شقه احتراساً فإنك إن لم تتائم لسانه كدرت","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985649,"book_id":6313,"shamela_page_id":327,"part":null,"page_num":412,"sequence_num":327,"body":"بيانه، واستصلب المقط، وحرف القط، فإن لم تسمع لقطتك طنيناً غير خفي، وتنظر لها حرفاً كذباب المشرفي وإلا أعد القطة، فالقلم حف، وقرب بين الحروف، وباعد بين الصفوف، وتصفح ما كتبته وكرر النظر فيما حبرته، ليظهر لك رأيك قبل أن يخرج عنك كتابك، فالحظ هداك الله ما اختص الله سبحانه هؤلاء القوم من الخصائص التي أطلعهم على علوم ليست علومهم والى ما لم يهتد إليه أرباب تلك العلوم، ولم يدركها فهم حاذق من أرباب الفهوم، حتى صارت كلمات أحدهم قدوة يقتدى بها أرباب المعارف من الكتاب، وعلماً يهتدى به من ضل ومن أولى الألباب.\rوكنت قد جمعت فصولاً يحتاج إليها العامل في البلاغتين، والواضع في الصناعتين، من عدة كتب من كتب البلاغة، وحذفت منها ما لا يحتاج إليه، ونقحتها، وحررتها، وها أنا ذا أسوقها خاتمة لهذا الباب، والله الموفق للصواب، وهي: ينبغي لك أيها الراغب في العمل، السائل فيه عن أوضح السبل، أن تحصل المعنى عند الشروع في تحبير الشعر وتحرير النثر قبل اللفظ، والقوافي قبل الأبيات، ولا تكره الخاطر على وزن مخصوص، وروى مقصود، وتوخ الكلام الجزل، دون الرذل، والسهل، دون الصعب، والعذب","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985650,"book_id":6313,"shamela_page_id":328,"part":null,"page_num":413,"sequence_num":328,"body":"دون المستكره، والمستحسن دون المستهجن، ولا تعمل نظماً ولا نثراً عند الملل، ولا تؤلف كلاماً وقت الضجر، فإن الكثير معه قليل، والنفيس به خسيس، والخواطر ينابيع إذا رفق بها جمت، وإذا عنف عليها نزحت، واكتب كل معنى يسنح، وقيد كل فائدة تعرض، فإن نتائج الأفكار تعرض كلمعة البرق، ولمحة الطرف، إن لم تقيد شردت وندت، وإن لم تستعطف بالتكرار عليها صدت، والترنم بالشعر مما يعين عليه، قال الشاعر بسيط\rتغن بالشعر إما كنت قائله ... إن الغناء لقول الشعر مضمار\rوقد يتحيل الشاعر حيناً ويستعصي عليه الشعر زماناً، كما روى عن الفرزدق أنه قال: لقد يمر على الزمن وإن قلع ضرس من أضراسي لأهون علي من أن أقول بيتاً واحداً، فإذا كان كذلك فاتركه حتى يجيئك عفواً، وينقاد إليك طوعاً، وإياك وتعقيد المعاني وتقعير الألفاظ، واعمل في أحب الأغراض إليك، وفيما وافق طبعك، فالنفوس تعطي على الرغبة ما لا تعطى على الرهبة، واعمل الأبيات مفرقة بحسب ما يجود بها الخاطر، ثم انظمها في الآخر، واحترس عند جمعها من عدم الترتيب، وتوخ حسن التنسيق عند التهذيب، ليكون كلامك بعضه آخذاً بأعناق بعض، فهو أكمل لحسنه، وأمتن لرصفه وجمل المبدأ والتخلص والمقطع، فإن ذلك أصعب ما في القصيد، واجتهد في تجويد هذه المواضع، وتجنب","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985651,"book_id":6313,"shamela_page_id":329,"part":null,"page_num":414,"sequence_num":329,"body":"معارض أرباب الخواطر فيها، وتواردهم عليها، وميز في فكرك محط الرسالة، ومصب القصيدة قبل العمل، فإن ذلك أسهل عليك، وأشعرها أولاً، ونقحها ثانياً، وكرر التنقيح، وعاود التهذيب، ولا تخرجها عنك إلا بعد تدقيق النقد وإنعام النظر، وقد كان الحطيئة يعمل القصيدة في شهرين، وينقحها في شهرين اقتداء بزهير، فإنه كان راويته، وقد كان زهير يعمل القصيدة في شهر واحد وينقحها في حول كامل، حتى قيل لشعره: المنقح الحولي، والحولي المحكك. وفي ذلك يقول عدي بن الرقاع كامل:\rوقصيدة قد بت أجمع بينها ... حتى أقوم ميلها وسنادها\rنظر المثقف في كعوب قناته ... حتى يقيم ثقافه منآدها\rوفي الناس من رزق بديهة حسنة، وحدة خاطر، ونفاذ طبع؛ وسرعة نظم، يرتجل القول ارتجالاً، ويأتي به عفواً صفواً، فلا تقعد به عن قوم قد أتعبوا خواطرهم، وكدوا نفوسهم في التهذيب، وبذلوا جهدهم في التنقيح والتأديب واحذر إذا كاتبت من الإسراف في الشكر، فإنه إبرام يوجب للكلام ثقلاً، ولا تطل الدعاء فإنه يورث مللاً، ولا تجعل كلامك مبنياً على السجع كله، فتظهر عليه الكلفة، ويبين فيه أثر المشقة، ويتكلف لأجل السجع ارتكاب المعنى الساقط، واللفظ النازل،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985652,"book_id":6313,"shamela_page_id":330,"part":null,"page_num":415,"sequence_num":330,"body":"وربما اشتد عيب كلمة المقطع رغبة في السجع، فجاءت نافرة من أخواتها، قلقة في مكانها بل اصرف كل النظر إلى تجويد الألفاظ، وصحة المعاني، واجتهد في تقويم المباني، فإن جاء الكلام مسجوعاً عفواً من غير قصد، وتشابهت مقاطعه من غير كسب كان، وإن عز ذلك فاتركه وإن اختلفت أسجاعه، وتباينت في التقفية مقاطعة، فقد كان المتقدمون لا يحلفون بالسجع ولا يقصدونه بتة، إلا ما أتت به الفصاحة في أثناء الكلام، واتفق عن غير قصد ولا اكتساب، وإنما كانت كلماتهم متوازنة، وألفاظهم متناسبة، ومعانيهم ناصعة، وعبارتهم رائقة وفصولهم متقابلة، وجمل كلامهم متماثلة، وتلك طريقة الإمام علي ﵇، ومن اقتفى أثره من فرسان الكلام، كابن المقفع، وسهل بن هارون، وإبراهيم بن العباس، والحسن بن سهل، وعمرو بن مسعدة، وأبي عثمان الجاحظ، وغير هؤلاء من الفصحاء والبلغاء، ولا تجعل كل الكلام شريفاً عالياً، ولا وضيعاً نازلاً، بل فصله تفصيل العقود، فإن العقد إذا كان كله نفيساً، لا يظهر حسن فرائده، ولا يبين كمال واسطته، وانظر إلى نظم القرآن العزيز كيف جمع طبقات البلاغة الثلاث، ليظهر فضل كل طبقة في بابها، وتبين محكم أسبابها، ويعلم أن أدناها بالنسبة إليها يعلو على أعلى الطبقات من كلام البلغاء، ويربى عليها، فإن الكلام إذا كان منوعاً افتنت الأسماع فيه، ولم يلحق النفوس ملل من ألفاظه ومعانيه، واعلم أن الألفاظ أجساد والمعاني أرواحا، فإذا قويت الألفاظ فقو المعاني،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985653,"book_id":6313,"shamela_page_id":331,"part":null,"page_num":416,"sequence_num":331,"body":"وإذا أضعفتها فأضعفها لتتوازن قوى الكلام، وتتناسب في الأفهام، واقصد القوافي السهلة المستحسنة، دون المستصعبة المستهجنة، والأوزان المستعملة الحلوة، دون المهجورة الكزة، فإن الشعر كالجواد، والقوافي حوافره، والألفاظ صورته، والمعاني سرعته، والأوزان جملته، واجعل كلامك كله كالتوقيعات، وعليك بالمقطعات فإنها في القلوب أحلى وأكمل، وفي المجالس أرشق وأجول، وبالأسماع أعلق، وبالأفواه أعبق، فإذا نثرت منظوماً فغير قوافي شعره إلى قوافي سجعه، وإذا أخذت معنى بيت من بيت فتجنب الألفاظ جملتها ما استطعت، أو معظمها، وغيرا لوزن والقافية، وزد في معناه، وانقص من لفظه، واحترس مما طعن عليه به، لتكون أملك له من قائله وإن كان التفضيل قد يقع بغير ما ذكرت، ومما يقدم به المتكلم على غيره حسن الأدب مع الممدوح، كقول ابن نباتة السعدي في سيف الدولة بن حمدان عفا الله عنه بسيط\rلم يبق جودك لي شيئاً أؤمله ... تركتني أصحب الدنيا بلا أمل\rفإنه أحسن الأدب مع ممدوحه، بخلاف المتنبي، فإن المتنبي قال في هذا المعنى بسيط\rتمسي الأماني صرعى دون مبلغه ... فما يقول لشيء ليت ذلك لي\rفإن المتنبي جعل ممدوحه ممن يصح منه التمني لو كانت بقيت له أمنيته. وابن نباتة جعل مادح ممدوحه لم تبق له أمنيته، ورفعه عن أن يكون","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985654,"book_id":6313,"shamela_page_id":332,"part":null,"page_num":417,"sequence_num":332,"body":"هو ممن يصح أن يتمنى شيئاً، فكل ما جعله المتنبي لممدوحه، جعله ابن نباتة لشاعر ممدوحه، وهذا الأدب من قول الله ﷾ على لسان إبراهيم ﵇: \" الذي خلقني فهو يهدين، والذي هو يطعمني ويسقين، وإذا مرضت فهو يشفين \" فأسند أفعال الخير كلها لله، وأسند فعل الشر لنفسه، حسن أدب مع ربه. ﷺ.\rومثل ذلك قوله تعالى: \" ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى \" مقتضى الصناعة أن يؤتى بتجنيس الازدواج في صدر الآية، كما أتى به في عجزها، لكنه منع منه توخي التأديب والتهذيب في نظم الكلام، وذلك أنه لما كان الضمير الذي في \" ليجزي \" عائداً على الله سبحانه، وجب أن يعدل عن لفظ المعنى الخاص إلى ردفه، حتى لا تنسب السيئة لله تعالى، فقال سبحانه في موضع.. \" بالسيئة \" \" بما علموا \" فعوض عن تجنيس المزاوجة الإرداف، لما في الإرداف من حسن الأدب مع الله تعالى، ليعلمنا ذلك، ولما كان قوله تعالى \" وجزاء سيئة سيئة مثلها \" قد أمن فيه هذا المحذور، أتى الكلام فيه على مقتضى الصناعة، والله أعلم.\rومن أحسن ما وقع في هذا قوله تعالى: \" ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار \" لأنه سبحانه أدمج وهو أعلم في هذا الكلام","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985655,"book_id":6313,"shamela_page_id":333,"part":null,"page_num":418,"sequence_num":333,"body":"وصف نفسه بالعدل فعلق فن الفخر بفن الأدب، إذ ظاهر الآية التأدب والموعظة، ووصف نفسه تعالى بالعدل فخر متعلق بذلك، مع ما في لفظ هذا الكلام من الملاءمة التي حصل بها ائتلاف اللفظ بالمعنى، لأن الركون إلى الظالم دون فعل الظالم نفسه، ومس النار دون إحراقها والدخول فيها، والعدل يقتضي أن يكون العقاب على قدر الذنب، فكان ذلك المساس ملائماً للركون دون غيره، فانظر ما انطوى عليه نظم هذه الألفاظ السبع من المعاني، وأنواع البديع، والائتلاف الذي دلت عليه الملاءمة، والإدماج، والتعليق والافتنان، والبسط، إذ عدل عن قوله \" إلى الظالمين \" إلى قوله \" إلى الذين ظلموا \" لما يحتمل الأول من الاستمرار في الظلم على سبيل الندور، ليلائم المعنى لفظ الركون ولفظ المساس، والمبالغة، لأنه إذ نهى عن الركون إلى من وقع منه الظلم في وقت دون وقت كان النهي عن الركون لمن استمر منه الظلم بطريق أولى، لترى ما تحت نظم هذا الكتاب العزيز من الخبايا التي هذا بعضها، وما خفي منها أكثر مما ظهر، والله أعلم.\rوإذا تقاربت الديار، تقاربت الأفكار، ولهذا قيل: الشعر محجة يقع فيها الخاطر على الخاطر، كوقوع الحافر على الحافر. واعلم أن من الناس من شعره في البديهة أبدع منه في الروية، ومن هو مجيد في رويته وليست له بديهة، وقلما يتساويان، ومنهم من إذا خاطب أبدع، وإذا كاتب قصر، ومنهم من بضد ذلك، ومن قوى نظمه ضعف نثره، ومن قوى نثره ضعف نظمه، وقلما يتساويان، وقد يبرز الشاعر في معنى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985656,"book_id":6313,"shamela_page_id":334,"part":null,"page_num":419,"sequence_num":334,"body":"من معاني مقاصد الشعر دون غيره من المقاصد، ولهذا قيل: أشعر الناس امرؤ القيس إذا ركب، وزهير إذا رغب، والنابغة إذا رهب، وعنترة إذا كلب، والأعشى إذا طرب.\rوإياك وتعقيد المعاني بسوء التركيب، واستعمال اللفظ الوحشي، فإن خير الكلام ما سبق معناه إلى القلب، قبل وصول جملته إلى السمع، فإن علي بن عيسى الرماني ذكر أن أسباب الإشكال ثلاثة وكلها تغير الكلام عن الأغلب، كالتقديم، والتأخير، وسلوك الطريق الأبعد، وإيقاع المشترك وقد جمع هذه الأسباب الثلاثة قول الفرزدق طويل:\rوما مثله في الناس إلا مملك ... أبو أمه حي أبوه يقاربه\rفإن الممدوح: إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي، خال هشام ابن عبد الملك، فأبو أم هشام بن عبد الملك وهو المملك أبو إبراهيم ابن هشام بن إسماعيل المخزومي، فجد المملك وهو المملك لأمه أبو الممدوح، فالممدوح على هذا خال المملك، وحاصل معنى هذا البيت: وما مثل هذا الممدوح إلا ابن أخته، وأما التقديم والتأخير مع قوله وما مثله البيت فإن صحته وما مثله في الناس حي يقاربه إلا مملك أبو أمه أبوه، فلما قدم وأخر حصل التعقيد. وأما سلوك الطريق الأبعد، فقوله: أبو أمه أبوه، وكان يجزئه قوله: جده أبوه. وأما المشترك ففي قوله حي لصلاحية اللفظ لضد الميت، وللقبيلة. انتهى كلام الرماني.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985657,"book_id":6313,"shamela_page_id":335,"part":null,"page_num":420,"sequence_num":335,"body":"وليكن كلامك سليماً من التكلف، بريئاً من التعسف، وليحط لفظك بمعناك، وتشتمل عبارتك على مغزاك، واحذر الإطالة إلا فيما تحمد فيه، فإن البلاغة لمحة دالة، وقيل: سرعة جواب في صواب، وقيل: أن تقول فلا تبطئ، وأن تصيب فلا تخطئ، والصحيح من حدها أنها إيضاح المعنى بأقرب الطرق أسهلها، وإذا روعي الاشتقاق فيها قيل في حدها: هي بلوغ المتكلم بعبارته أقصى ما في نفسه، وإيصال ذلك لمخاطبه بأقرب الطرق وأسهلها والعي إكثار من مهدار، وإخطاء بعد إبطاء، كما جاء في المثل: \" سكت ألفاً ونطق خلفاً \".\rوقدر اللفظ على قدر المعنى لا زائداً عليه، ولا ناقصاً عنه، كما قيل في مدح بعض البلغاء: كانت ألفاظه قوالب لمعانيه، وقيل في آخر: كان إذا أخذ شبراً كفاه، وإن أخذ طوماراً ملأه واستعمل التطويل في مكانه، والتقصير في مكانه، فقد قيل: إذا كان الإيجاز كافياً، كان الطويل عياً، وإذا كان التطويل واجباً، كان التقصير عجزاً ولهذا حد بعضهم البلاغة بأنها إيجاز من غير إخلال، وإطناب من غير إملال، وما أحسن ما أنشده الجاحظ في هذا الموضع، وهو كامل:\rيرمون بالخطب الطوال وتارة ... وحي الملاحظ خيفة الرقباء","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985658,"book_id":6313,"shamela_page_id":336,"part":null,"page_num":421,"sequence_num":336,"body":"وإياك أن تفرط فتكثر، أو تفرط فتقصر، وقد ذكر في كتابه المترجم بالبيان والتبيين أن الفارسي: سئل عن البلاغة فقال: معرفة الفصل من الوصل.\rوسئل اليوناني عنها فقال: تصحيح الأقسام، واختيار الكلام.\rوسئل الرومي عنها فقال: حسن الاقتصار عند البديهة، والغزارة يوم الإطالة.\rوسئل الهندي عنها فقال: وضوح الدلالة، وانتهاز الفرصة، وحسن الإشارة. وقال مرة: التماس حسن الموقع، والمعرفة بساعات القول، وقلة الخرق بما التبس من المعاني، أو غمض وشرد في اللفظ وتعذر، ورتبته أن تكون الشمائل مذروبة يعني المتكلم، والألفاظ معدلة، واللهجة نقية، وألا يكلم سيد الأمة بما يكلم به الأمة، ويكون في قوله فضل التصرف في كل طبقة، ولا يدقق المعاني كل التدقيق، ولا ينقح الألفاظ كل التنقيح، بل يصفيها كل التصفية، ويهذبها غاية التهذيب.\rثم قال، أعني الجاحظ، وأما البراعة فقد قالوا فيها: يعني أهل اللغة: إنها الحذق بطريقة الكلام وتجويده، وأما الفصاحة فمختلف فيها فمن قائل بأنها جزالة اللفظ، وحسن المعنى، وقيل: الاقتدار على الإبانة عن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985659,"book_id":6313,"shamela_page_id":337,"part":null,"page_num":422,"sequence_num":337,"body":"كل معنى كامن في النفس، بعبارات جليلة، ومعان نقية بهية، والذي صح في تعريفها: أنها خلوص الألفاظ من التعقيد المبعد عن إدراك معانيها، وعن العيوب التي تعرض فيها، فإن اشتقاقها من الفصيح، وهو اللبن الذي خلص من رغوته أو لبئه، وإلا فانظر إلى قصص الكتاب العزيز كيف أتت تارة وجيزة، ومرة بسيطة كما قلت في وصفه في القصيدة التي مدحت بها رسول الله ﷺ طويل:\rبه قصص تأتيك طوراً بسيطة ... ليفهمها من بسطها المتبلد\rوطوراً بإيجاز يبث لذي حجاً ... له زند فهم ثاقب ليس يصلد\rوعلى الجملة، مهما كان الإيجاز كافياً، والمعنى به واضحاً، فالإطالة إن لم تكن عياً كانت عبثاً، ولم تزل الأجلاء المتقدمون يحمدون ذلك، ويذمون ما سواه، ويدلك على اختيار هذا المذهب ما يحكى عن أحمد بن يوسف الكاتب، فإنه قال: دخلت يوماً على المأمون وفي يديه كتاب، وهو يعاود قراءته تارة بعد أخزى، ويصعد نظره فيه ويصوبه، قال: فلما مرت على ذلك مدة التفت إلى وقال: يا أحمد، أراك مفكراً فيما تراه مني، فقلت: نعم، وقى الله أمير المؤمنين المكاره، وأعاذه من المخاوف، فقال: إنه لا مكروه في الكتاب، ولكني قرأت فيه كلاماً وجدته نظير ما سمعت الرشيد ﵀ يقوله في البلاغة، فإني سمعته يقول: البلاغة التباعد عن الإطالة، والتقريب من البغية، والدلالة بالقليل من اللفظ على الكثير","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985660,"book_id":6313,"shamela_page_id":338,"part":null,"page_num":423,"sequence_num":338,"body":"من المعنى، وما كنت أتوهم أن أحداً يقدر على المبالغة في هذا المعنى، حتى قرأت هذا الكتاب، ورمى به إلي وقال: هذا كتاب عمرو بن مسعدة إلينا، قال: فقرأته، فإذا فيه كتابي إلى أمير المؤمنين، ومن قبلي من قوداه وسائر أجناده في الانقياد والطاعة على أحسن ما تكون عليه طاعة جند تأخرت أرزاقهم، وانقياد كافة تراخت أعطياتهم، فاختلت لذلك أوالهم، والتاثت معه أمورهم، فقال: فلما قرأته قال لي: يا أحمد، إن استحساني هذا الكلام بعثني على أن أمرت للجند قبله بعطياتهم لسبعة أشهر، وأنا على مجازاة الكاتب بما يستحقه محله من صناعته، وروى أيضاً عن المأمون أنه أمر عمرو بن مسعدة الكاتب هذا أن يكتب لرجل يعني به إلى بعض العمل بالوصية عليه، وأن يختصر كتابه ما أمكنه حتى يكون ما يكتب به في سطر واحد، فكتب إليه عمرو بن مسعدة: كتابي إليك كتاب واثق بمن كتب إليه، معنى بمن كتب له، ولن يضيع بين الثقة والعناية حامله، إن شاء الله تعالى. وقد كان جعفر بن يحيى من تقدمه في هذه الصناعة يقول لكتابه: إن استطعتم أن يكون كلامكم كله مثل التوقيعات فافعلوا.\rوأما قول قيس بن خارجة لما قيل له: ما عندك في حمالات داحس؟ فقال: عندي قرى كل نازل، ورضا كل ساخط، وخطبة من لدن تطلع الشمس إلى أن تغرب، آمر فيها بالتواصل، وأنهى عن التقاطع، فإن ذلك لم يخرجه مخرج المدح للإطالة المذمومة، لأن الإطالة المذمومة هي إطالة العبارة عن المعنى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985661,"book_id":6313,"shamela_page_id":339,"part":null,"page_num":424,"sequence_num":339,"body":"الواحد بالألفاظ الكثيرة، وإنهما أراد قيس الإكثار من المعاني، فإذا كثرت المعاني احتاج المتكلم إلى كثرة الألفاظ للعبارة عنها لإيضاحها وليوفي بمقصوده فيها، ومتى طال الكلام كذلك كانت إطالته بلاغة لاعيا، فإن حقيقة البلاغة إيجاز من غير إخلال، وإطناب من غير إملال، لاسيما خطب الإملاكات، والسجلات التي تقرأ على رءوس الجماعات، فالمحمود في هذه المواضع الإطناب، والمذموم الإسهاب، وإنما كان الإطناب محموداً، والإسهاب مذموماً، لأن الإطناب تفخيم الأمر وتقويته وتوكيده وشد أواخيه، والإسهاب مأخوذ من السهب وهو المتسع من الفلاة التي لا ينتهي النظر فيه إلى علم يهتدى به، ولا معلم يؤوى إليه، فكأن المسهب اتسع في الكلام اتساعاً لا فائدة فيه، وقد شفيت الغليل في هذا الباب، وخرجت فيه عن شرط الكتاب، لاحتياج العامل إليه، واعتماد الناقد عليه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985662,"book_id":6313,"shamela_page_id":340,"part":null,"page_num":425,"sequence_num":340,"body":"باب حسن النسق\rحسن النسق من محاسن الكلام، وهو أن تأتى الكلمات من النثر والأبيات من الشعر متتاليات، متلاحمات تلاحماً سليماً مستحسناً، لا معيباً مستهجناً، والمستحسن من ذلك أن يكون كل بيت إذا أفرد قام بنفسه، واستقل معناه بلفظه، وإن ردفه مجاوره صار بمنزلة البيت الواحد، بحيث يعتقد السامع أنهما إذا انفصلا تجزأ حسنهما، ونقص كمالهما، وتقسم معناهما، وهما ليسا كذلك، بل حالهما في كمال الحسن وتمام المعنى مع الانفراد والافتراق كحالهما مع الالتئام والاجتماع.\rومن شواهد هذا الباب في الكتاب العزيز قوله تعالى: \" وقيل يا أرض ابلعي ماءك، ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعداً للقوم الظالمين \". فأنت ترى إتيان هذه الجمل معطوفاً بعضها على بعض بواو النسق على الترتيب الذي تقتضيه البلاغة لأنه سبحانه بدأ بالأهم، إذ كان المراد إطلاق أهل السفينة من سجنها،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985663,"book_id":6313,"shamela_page_id":341,"part":null,"page_num":426,"sequence_num":341,"body":"ولا يتهيأ ذلك إلا بانحسار الماء عن الأرض، فلذلك بدأ بالأرض، فأمرها بالابتلاع، ثم علم سبحانه أن الأرض إذا ابتلعت ما عليها من الماء ولم تقطع مادة الماء تأذى بذلك أهل السفينة عند خروجهم منها وربما كان ما ينزل من السماء مخلفاً لما تبتلعه الأرض، فلا يحصل الانحسار فأمر سبحانه السماء بالإقلاع بعد أمره الأرض بالابتلاع، ثم أخبر بغيض الماء عند ما ذهب ما على الأرض، وانقطعت مادة السماء، وذلك يقتضي أن يكون ثالث الجملتين المتقدمتين، ثم قال تعالى: \" وقضي الأمر \"، أي هلك من قدر هلاكه، ونجا من قضيت نجاته، وهذا كنه الآية، وحقيقة المعجزة، ولا بد وأن تكون معلومة لأهل السفينة، ولا يمكن علمهم بها إلا بعد خروجهم منها، وخروجهم منها موقوف على ما تقدم، فلذلك اقتضت البلاغة أن تكون هذه الملة رابعة الجمل، وكذلك استواء السفينة على الجودي، أي استقرارها على المكان الذي استقرت فيه استقراراً لا حركة معه، لتبقى آثارها آية لمن يأتي بعد أهلها، وذلك يقتضي أن يكون بعد ما ذكرنا، وقوله سبحانه: \" وقيل بعداً للقوم الظالمين \"، هذا دعاء أوجبه الاحتراس ممن يظن أن الهلاك ربما شمل من لا يستحق، فدعا سبحانه على الهالكين، ووصفهم بالظلم احتراساً من هذا الاحتمال، وذلك يقتضى أن تكون بعد كل ما تقدم، والله أعلم.\rفانظر إلى حسن هذا النسق، وكيف وقع القول فيه وفق الفعل سواء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985664,"book_id":6313,"shamela_page_id":342,"part":null,"page_num":427,"sequence_num":342,"body":"ومن شواهد هذا الباب الشعرية قول زهير طويل:\rومن يعص أطراف الزجاج فإنه ... يطيع العوالي ركبت كل لهذم\rفإنه نسق على هذا البيت اثنى عشر بيتاً كل بيت معطوف على ما قبله بالواو عطف تلاحم من غير تضمين.\rوحسن النسق تارة يكون في الأبيات بحيث يعطف بيت على بيت كما قدمنا من شعر زهير، وتارة في جمل البيت الواحد، كقول ابن شرف القيرواني بسيط\rجاور علياً ولا تحفل بحادثةٍ ... إذا ادرعت فلا تسأل عن الأسل\rسل عنه، وانطق به، وانظر إليه تجد ... ملء المسامع والأفواه والمقل\rفالحظ حسن هذا النسق؛ وصحة هذا الترتيب فيه، واستيعاب هذا التقسيم، ووضوح هذا التفسير، وما رأيت من شواهد حسن النسق مما هو داخل في القسم الأول منه كقول أبي نواس كامل:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985665,"book_id":6313,"shamela_page_id":343,"part":null,"page_num":428,"sequence_num":343,"body":"وإذا جلست إلى المدام وشربها ... فاجعل حديثك كله في الكاس\rوإذا نزعت عن الغواية فليكن ... لله ذاك النزع لا للناس\rفإن حسن النسق لاءم بين فنين متضادين في هذين البيتين: وهما المجون والزهد حتى صارا كأنهما فن واحد، والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985666,"book_id":6313,"shamela_page_id":344,"part":null,"page_num":429,"sequence_num":344,"body":"باب الانسجام\rوهو أن يأتي الكلام متحدرا كتحدر الماء المنسجم، سهولة سبك وعذوبة ألفاظ، حتى يكون للجملة من المنثور والبيت من الموزون وقع في النفوس وتأثير في القلوب ما ليس لغيره، مع خلوه من البديع، وبعده عن التصنيع. وأكثر ما يقع الانسجام غير مقصود، كمثل الكلام المتزن الذي تأتى به الفصاحة في ضمن النثر عفواً كمثال أشطار، وأنصاف، وأبيات وقعت في أثناء الكتاب العزيز ورويت عن الرسول ﷺ، فإن وقع من ذلك في غير القرآن بيتان فصاعداً سمى ذلك شعراً وإن لم يقصد، وأما القرآن العزيز فلم يقع فيه إلا مثال النصف، أو البيت الواحد، والبيت المفرد لا يسمى شعراً، وعلى ذلك أدلة لا يتسع هذا المكان لذكرها، وقد أتيت بها مستقصاة في كتابي المنعوت بالميزان الذي شرعت في عمله، أرجح فيه بين كلام قدامة وبين كلام خصومة، ولم يتكلم.\rومثال الانسجام الذي وقع في الأشعار المقصودة قول الإمام أبي تمام بسيط\rإن شئت ألا ترى صبراً لمصطبر ... فانظر على أي حال أصبح الطلل\rوكقوله أيضاً كامل:\rنقل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحب إلا للحبيب الأول\rوكقول البحتري طويل:\rفيا لائمي في عبرة قد سفحتها ... لبين، وأخرى قبلها لتجنب\rتحاول مني شيمة غير شيمتي ... وتطلب مني مذهباً غير مذهبي\rوكقول إسحاق بن إبراهيم الموصلي طويل:\rعلى عصر أيام الصبابة والصبا ... ووصل الغواني والتذاذي بالشرب\rسلام امرئ لم تبق منه بقية ... سوى نظر العينين أو شهوة القلب\rومن هذا الباب للمتقدمين أكثر لامية الشنفري كقوله طويل:\rوفي الأرض مناى للكريم عن الأذى ... وفيها لمن خاف القلى متحول\rوكقول امرئ القيس طويل:\rأغرك مني أن حبك قاتلي ... وأنك مهما تأمر القلب يفعل\rولم أسمع في الانسجام كقول عبد الصمد بن المعذل يرثي الأمير سعيد بن سلم بقوله خفيف:\rكم يتيم خبرته بعد يتم ... وعديم نعشته بعد عدم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985667,"book_id":6313,"shamela_page_id":345,"part":null,"page_num":430,"sequence_num":345,"body":"كلما عضت الحوادث نادى ... رضى الله عن سعيد بن سلم\rوالبيت الثاني أردت.\rوكقول شاعر الحماسة طويل:\rألا ليقل من شاء ما شاء إنما ... يلام الفتى فيما استطاع من الأمر\rقضى الله حب المالكية فاصطبر ... عليه، فقد تجري الأمور على قدر\rوقد يحصل الانسجام مع البديع الذي أتت به القريحة عفواً من غير استدعاء ولا كلفة، كقول أبي تمام بسيط\rإن شئت ألا ترى صبراً لمصطبر ... فانظر على أي حال أصبح الطلل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985668,"book_id":6313,"shamela_page_id":346,"part":null,"page_num":431,"sequence_num":346,"body":"فأنت ترى انسجام هذا الكلام مع كون البيت قد وقع فيه المبالغة، والتعليق، والإشارة، فإنه علق عدم صبر المصطبرين برؤية الطلل على تلك الحالة، وأشار بقوله: \" على أي حال أصبح الطلل \" إلى أحوال كثيرة لو عبر عنها بلفظها لاحتاجت إلى ألفاظ كثيرة، وعلق أحد الأمرين بالآخر، إذ جاء بلفظ الشرط والمشروط.\rومن الانسجام في الكتاب العزيز قوله تعالى: \" قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون \" والآية التي بعدها. وقوله تعالى \" خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين \".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985669,"book_id":6313,"shamela_page_id":347,"part":null,"page_num":432,"sequence_num":347,"body":"وقوله سبحانه: \" ولله غيب السموات والأرض وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون \" وأكثر القرآن من شواهد هذا الباب.\rومن الانسجام في السنة قول رسول الله ﷺ في وصف القرآن: \" إن الله أنزل هذا القرآن آمراً وزاجراً، وسنة خالية ومثلاً مضرباً، فيه نبأكم، وخبر ما كان قبلكم، ونبأ ما بعدكم، وحكم ما بينكم، لا يخلقه طول المدد، ولا تنقضي عجائبه، هو الحق، ليس بالهزل، من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن خاصم به فلج، ومن قسم به أقسط ومن عمل به أجر، ومن تمسك به هدى إلى صراط مستقيم، ومن طلب الهدى من غيره أضله الله، ومن حكم بغيره قصمه الله، هو الذكر الحكيم، والنور المبين، والصراط المستقيم، وحبل الله المتين، والشفاء النافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن ابتعه، لا يعوج فيقوم، ولا يريغ فيستعتب \".\rفانظر إلى انسجام هذه العبارة وما جاء فيها من البديع غير مقصود، تشهد الخواطر السليمة أنه كلام مسترسل غير مرو ولا مفكر، فصلوات الله وسلامه على من بعث بجوامع الكلم، وأوتى هذه الفصاحة الرائعة، وعلى آله وصحبه وسلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985670,"book_id":6313,"shamela_page_id":348,"part":null,"page_num":433,"sequence_num":348,"body":"باب براعة التخلص\rوهو امتزاج آخر ما يقدم الشاعر على المدح من نسب أو فخر أو وصف أو أدب أو زهد أو مجون أو غير ذلك بأول بيت من المدح. وقد يقع ذلك في بيتين متجاورين، وقد يقع في بيت واحد، وهذه وإن لم تكن طريقة المتقدمين في تغالب أشعارهم، فإن المتأخرين قد لهجوا بها وأكثروا منها، وهي لعمري من الماسن وهذا الباب قديم، وهو من أجل أبواب المحاسن، ويسمى معرفة الفصل من الوصل.\rوقد ذهب أصحاب الإعجاز إلى أنه وجه الإعجاز، وهو دقيق في عين الغبي خفي يخفى على غير الحذاق من ذوي النقد. وهو مبثوث في الكتاب العزيز من أوله إلى آخره، فإنك تقف من الكتاب العزيز على مواضع تجدها في الظاهر فصولاً متنافرة لا تعرف كيف تجمع بينها، فإذا أنعمت النظر وكنت ممن له دربة بهذه الصناعة، ظهر لك الجمع بينهما، كقوله ﷾: \" سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير، وأتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا من دوني وكيلاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985671,"book_id":6313,"shamela_page_id":349,"part":null,"page_num":434,"sequence_num":349,"body":"ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبداً شكوراً \" فإنك إذا نظرت إلى قوله تعالى: \" وآتينا موسى الكتاب \" وجدت هذا الفصل مبايناً لما قبله حتى تفكر فتجد الوصل بين الفصلين في قوله: \" سبحان الذي أسرى بعبده \" فإنه سبحانه أخبر بأنه أسرى بمحمد ﷺ ليريه من آياته، ويرسله إلى عباده، كما أسرى بموسى من مصر ين خرج منها خائفاً يترقب، فأتى مدين، وتزوج بابنة شعيب، وأسرى بها فرأى النار، فخاطبه ربه وأرسله إلى فرعون، وآتاه الكتاب، فهذا الوصل بين هذين الفصلين، وأما الوصل بين ما ذكرت وبين قوله تعالى: \" ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبداً شكوراً \" فقد كان على بني إسرائيل نعمة عليهم قدماً حيث نجاهم في السفن، إذ لو لم ينج أباهم من أبناء نوح لما وجدوا، وأخبرهم أن نوحاً كان شكوراً، وهم ذريته، والولد سر أبيه، فيجب أن يكونوا شاكرين كأبيهم.\rوأما في الشعر فأتم الناس براعة في التخلص وأول من أحسن في ذلك من القدماء في غالب ظني زهير، حيث قال بسيط\rإن البخيل ملوم حيث كان ول؟ ... كن الكريم على علاته هرم\rولقد اتفق له في هذا البيت اتفاق صالح حيث جاء مدمجاً من جهة عروضه، فامتزج المعنيان والقسيمان امتزاجاً كلياً لفظياً ومعنوياً مع ما وقع في البيت من المطابقة اللفظية، ثم تأنث المتأخرون في ذلك، فمن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985672,"book_id":6313,"shamela_page_id":350,"part":null,"page_num":435,"sequence_num":350,"body":"مجيد مبرز، ومن ضعيف مقصر، فمن المجيدين في ذلك الذي أتى فيه بما لا يلحق سبقاً مسلم بن الوليد، حيث قال طويل:\rأجدك ما تدرين أن رب ليلة ... كأن دجاها من قرونك ينشر\rسريت بها حتى تجلت بغرة ... كغرة يحيى حين يذكر جعفر\rفإن التخلص وقع في بيت واحد، وهو أحسن قسميه، إلى ما جاء في البيت من التعليق والإشارة، فإنه علق الغزل بالمدح، حيث أشار إلى فرط حب يحيى لولده جعفر، وهو الممدوح، وفي ذلك مدحه بالبر لأبيه، الذي أوجب له ذلك عليه، وفي وصفه بالبر لأبيه جما خير الدنيا والآخرة، فأدمج المبالغة في التعليق.\rومن المجيدين في ذلك أيضاً أبو نواس حيث يقول طويل:\rتقول التي من بيتها خف محملى ... يعز علينا أن نراك تسير\rأما دون مصر للغنى متطلب ... بلى إن أسباب الغنى لكثير\rفقلت لها، واستعجلتها بوادر ... جرت فجرى في إثرهن عبير\rذريني أكثر حاسديك برحلة ... إلى بلد فيه الخصيب أمير\rوكقول أبي تمام كامل:\rلا والذي هو عالم أن النوى ... صبر وأن أبا الحسين كريم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985673,"book_id":6313,"shamela_page_id":351,"part":null,"page_num":436,"sequence_num":351,"body":"ما زلت عن سنن الوداد ولا غدت ... نفسي على إلف سواك تحوم\rوكقوله حيث يقول وافر:\rلقد أنست مساوئ كل دهر ... محاسن أحمد بن أبي دؤاد\rوكقوله معتذراً في وصف الإبل طويل:\rسرت تحمل العتبى إلى العتب والرضا ... إلى السخط والعذر المبين إلى الحقد\rوكقوله بسيط\rيقول في قومس صحبي وقد أخذت ... منا السرى وخطا المهرية القود\rأمطلع الشمس تبغي أن تؤم بنا ... فقلت كلا ولكن مطلع الجود\rومما تقدم فيه غيره قوله بسيط\rإساءة الحادثات استنبطى نفقاً ... فقد أظلك إحسان ابن حسان\rوكقوله بسيط","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985674,"book_id":6313,"shamela_page_id":352,"part":null,"page_num":437,"sequence_num":352,"body":"لم يجتمع قط في مصر ولا طرفٍ ... محمد بن أبي أيوب والنوب\rوكقوله كامل:\rفالأرض معروف السماء قرى لها ... وبنو الرجاء لهم بنو العباس\rعلى أن أبا الطيب المتنبي قد أتى في هذا الباب بما لا يقصر به عن لحاق أبي تمام ولا أمثاله من المجيدين، ويكفيه من ذلك قوله بسيط\rمرت بنا بين تربيها فقلت لها ... من أين جانس هذا الشادن العربا\rفاستضحكت ثم قالت كالمغيث يرى ... ليث الشرى وهو من عجل إذا انتسبا\rوأما إذا وصلت إلى ابن حجاج في هذا الباب، فإنك تصل إلى ما لا تدركه الألباب، ومن ذلك قوله وافر:\rوقد بادلتها فمبالها لي ... بمشورة استها ولها قذالي\rكما لابن العميد جميع مدحى ... ودنيا ابن العميد جميعها لي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985675,"book_id":6313,"shamela_page_id":353,"part":null,"page_num":438,"sequence_num":353,"body":"وكقوله خفيف:\rفبهم قد أمنت خوف معادي ... وبهذا الوزير خوف زماني\rومن براعة التخلص في الكتاب العزيز قوله تعالى: \" نحن نقص عليك أحسن القصص \" فإنه سبحانه أشار بقوله: أحسن القصص إلى قصة يوسف، فوطأ بهذه الجملة إلى ذكر القصة مشيراً إليها بهذه النكتة من باب الوحي والرمز، وإنما كانت أحسن القصص بكون كل قضية منها كانت عاقبتها إلى خير، فإن أولها رميه في الجب، فكانت عاقبته السلامة، وبيع ليكون عبداً فاتخذ ولداً، ومراودة امرأة العزيز له فعصمه الله، ودخوله السجن، وخروجه ملكاً، وظفر إخوته به أولاً، وظفر بهم آخراً، وتطلعه إلى أخيه بنيامين، واجتماعه به، وعمى أبيه، ورد بصره، وفراقه له، ولأخيه، واجتماعه بهما، وسجود أبويه وإخوته له تحقيقاً لرؤياه من قبل.\rوكقوله تعالى: موطئاً للتخلص لذكر مبدأ خلق المسيح ﵇: \" إن الله اصطفى آدم ونوحاً \" الآية. والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985676,"book_id":6313,"shamela_page_id":354,"part":null,"page_num":439,"sequence_num":354,"body":"؟\r\rباب الحل\rوهو أن يعمد الكاتب إلى شعر ليحل منه عقد الوزن فيصيره منثوراً، كما روى عن إبراهيم بن العباس الصولي أنه قال: ما اتكلت قط في مكاتباتي إلا على ما يجلبه خاطري، ويجيش به صدري، إلا قولي: \" فأبدلوه آجالاً من آمال \" فإني حللت قول مسلم بن الوليد بسيط\rموف على مهج في يوم ذي رهج ... كأنه أجل يسعى إلى أمل\rوقولي: وقد صار ما يحرزهم يبرزهم، وما يعقلهم يعتقلهم، فإني حللت فيه قول أبي تمام طويل:\rفإن باشر الإصحار فالبيض والقنا ... قراه، وأحواض المنايا مناهله\rوإن يبن حيطاناً عليه فإنما ... أولئك عقالاته لا معاقله\rوالبيت الثاني أردت.\rومن ذلك في الكتاب العزيز قوله تعالى: \" يعملون له ما يشاء من","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985677,"book_id":6313,"shamela_page_id":355,"part":null,"page_num":440,"sequence_num":355,"body":"محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات \" فإن ذلك حل قول امرئ القيس \" رمل \":\rوقدور راسيات ... وجفان كالجواب\rعلى أن بعض الرواة ذكر أنه وضعه بعض الزنادقة، وتكلم على الآية الكريمة، وأن امرأ القيس لم يصح أنه تلفظ به، والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985678,"book_id":6313,"shamela_page_id":356,"part":null,"page_num":441,"sequence_num":356,"body":"باب العقد\rوهو ضد الحل، لأنه عقد النثر شعراً.\rومن شرائطه أن يؤخذ المنثور بجملة لفظه أو بمعظمه، فيزيد فيه، أو ينقص منه، أو يحرف بعض كلماته ليدخل به في وزن من أوزان الشعر، ومتى أخذ معنى المنثور دون لفظه كان ذلك نوعاً من أنواع السرقات بحسب الآخذ الذي يوجب استحقاق الأخذ للمأخوذ، ولا يسمى عقداً إلا إذا أخذ المنثور برمته، وإن غير منه بطريق من الطرق التي قدمناها كان المبقى منه أكثر من المغير بحيث يعرف من البقية صورة الجميع، كما فعل أبو تمام في كلام عزى به علي ﵇ الأشعث بن قيس في ولده، فعقده أبو تمام شعراً فقال طويل:\rوقال علي في التعازي لأشعث ... وخاف عليه بعض تلك المآثم\rأتصبر للبلوى عزاء وحسبة ... فتؤجر أم تسلو سلو البهائم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985679,"book_id":6313,"shamela_page_id":357,"part":null,"page_num":442,"sequence_num":357,"body":"ومنه قول أبي العتاهية سريع:\rما بال من أوله نطفة ... وجيفة آخره يفخر\rفإنه عمد إلى قول علي بن أبي طالب ﵇: ما ابن آدم والفخر، وإنما أوله نطفة وآخره جيفة، فقعده شعراً.\rوكقوله، أعني أبا العتاهية وافر:\rكفى حزناً بدفنك ثم إني ... نفضت تراب قبرك من يديا\rوكانت في حياتك لي عظات ... فأنت اليوم أوعظ منك حيا\rفإنه عقد قول بعض الحكماء في الإسكندر حين مات: إن كان الملك أمس أنطق منه اليوم، فهو اليوم أوعظ منه أمس، والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985680,"book_id":6313,"shamela_page_id":358,"part":null,"page_num":443,"sequence_num":358,"body":"باب التعليق\rوهو أن يأتي المتكلم بمعنى في غرض من أغراض الشعر، ثم يعلق به معنى آخر من ذلك الغرض يقتضى زيادة معنى من معاني ذلك الفن، كمن يروم مدحاً لإنسان بالكرم فيعلق بالكرم شيئاً يدل على الشجاعة، بحيث لو أراد أن يخلص ذكر الشجاعة من الكرم لما قدر. ومن ذلك في الكتاب العزيز قوله تعالى: \" أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين \" فإنه سبحانه لو اقتصر على وصفهم بالذل على المؤمنين، لاحتمل أن يتوهم ضعيف الفهم أن ذلهم عن عجز وضعف، فنفى ذلك عنهم، وكمل المدح له بذكر عزهم على الكافرين، ليعلم أن ذلهم للمؤمنين عن تواضع لله سبحانه، لا عن ضعف ولا عجز بلفظ اقتضت البلاغة الإتيان به، ليتمم بديع اللفظ كما تمم المدح، فحصل في هذه الألفاظ الاحتراس مدمجاً في المطابقة، وذلك تبع للتعليق الذي هو المطلوب من الكلام.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985681,"book_id":6313,"shamela_page_id":359,"part":null,"page_num":444,"sequence_num":359,"body":"ومن أمثلة التعليق قول المتنبي طويل:\rإلى كم ترد الرسل عما أتوا به ... كأنهم فيما وهبت ملام\rفعلق الكرم بالشجاعة لكونه شبه رسل العدو بالملام في الهبة، فهو كثير ما يردهم عما يطلبون منه تهاوناً بمرسلهم، وشجاعة عليهم، وتسرعاً إلى حربهم، ورغبة في ما دون سلمهم، ثم حصل من التشبيه الذي علق به الكرم بالشجاعة وصفه بغاية الكرم، إذ دل على أنه عاشق في الجود، ولا يسمع فيه ملاماً، ولا يصغي إلى عاذل، وقد يعلق المتكلم فناً من فنون الكلام بمعنى من معاني البديع، وما سمعت في ذلك أحلى من قول بعض العراقيين في بعض القضاة، وقد شهد عنده برؤية هلال الفطر، فلم يجز الشهادة \" رمل مجزؤ \":\rأترى القاضي أعمى ... أم تراه يتعامى\rسرق العيد كأن ال؟ ... عيد أموال اليتامى\rفعلق خيانة القاضي في أموال اليتامى بما قدمه من خيانته في أمر العيد برابطة التشبيه.\rومن مليح التعليق قول المتنبي في صفة الليل، وهو من الصنف الأول من التعليق وافر:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985682,"book_id":6313,"shamela_page_id":360,"part":null,"page_num":445,"sequence_num":360,"body":"أقلب فيه أجفاني كأني ... أعد به على الدهر الذنوبا\rفإنه علق فن عتاب الزمان بفن الغزل اللازم من فن الوصف بواسطة أداة التشبيه، فعلق الافتنان بالتشبيه، فأحسن ما شاء.\rومن أحسن ما سمعت في التعليق قول أبي نواس، وهو من الصنف الثاني من التعليق \" مجزوء الوافر \":\rلهم في بيتهم نسب ... وفي وسط الملا نسب\rلقد زنوا عجوزهم ... ولو زنيتها غضبوا\rفإنه علق هجاءهم بفجور أمهم بدعونهم في النسب، فكان في ذلك هجاء أبيهم، لكونهم لم يرضوا نسبتهم إليه، فكأن الشاعر رأى هجاءهم بفجور أمهم دون هجائهم بدناءة أبيهم ناقصاً، فيتم ما أراد من هجائهم بما قال، وظرف ما شاء بقوله: \" ولو زنيتها غضبوا \".\rومثله قوله أيضاً إلا أن فيه زيادة على كل ما قدمنا لكونه يجمع صنفي التعليق.\rأما التعليق الأول فلأنه علق على التهكم بالهجاء، ولم يقتصر على الهجاء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985683,"book_id":6313,"shamela_page_id":361,"part":null,"page_num":446,"sequence_num":361,"body":"وأما الثاني فكونه علق الافتنان الذي هو الهجاء والفخر على ما بينه بمعنى التشبيه والإدماج وافر:\rفأعرض هيثم لما رآني ... كأني قد هجوت الأدعياء\rوقد آليت لا أهجو دعياً ... ولو بلغت مروءته السماء\rومن لطيف تهكمه في هذا البيت قوله:\rولو بلغت مروءته السماء\rوقد أدمج الافتنان في التهكم لأن معناه أني لا أهجو إلا من بلغت مروءته الغاية القصوى.\rوكذلك قصد الشعراء وعقلاء البلغاء، يتخيرون لهجائهم كما يتخيرون لمديحهم.\rوقد وقع لي في هذا الباب من المدح ما لا بأس بذكره، وهو الصنف الأول من التعليق طويل:\rتخيل أن القرن وافاه سائلا ... فقابله طلق الأسرة ذا بشرا\rونادى فرند السيف دونك نحره ... فأحسن ما تهدي اللآلي إلى النحر\rفإني علقت ذكر الكرم بذكر الشجاعة، حيث وصفت الممدوح بطلاقته وتهلله استبشاراً بالقرن لما تخيله سائلاً، واهدائه فرند السيف وهو جوهره إلى نحره لما تخيل الفرند لآلئا، هذا إلى ما وقع في البيت الثاني من التورية بذكر النحر، والترشيح بذكر اللآلي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985684,"book_id":6313,"shamela_page_id":362,"part":null,"page_num":447,"sequence_num":362,"body":"ومن التعليق العجيب قولي أيضاً مما علقت فيه الاستعطاف بالعتب بطريق الإدماج طويل:\r؟ أإخواننا بالله ما لجفائكم ... غدا لي بعد السلم وهو مصالت\rأحين أمنتم من ملامي وأيقنت ... نفوسكم أني مدى الدهر ساكت\rتخليتم عني وخنتم مواثقاً ... لها بعد توكيد العهود تهافت\rوأقررتم عين الحسود عليكم ... فسرت نفوس بالبعاد شوامت\rسأصبر حتى ينفد الصبر كله ... وينطق حالي والقوافي صوامت\rوأعطفكم بالشعر ما ذر شارق ... وأخلبكم بالنثر ما عج قانت\rوأعذر إن عرضت يوماً بعتبكم ... ليحيا وداد بالتجنب مائت\rوهأنا موصيكم وصية ناصح ... لكم وده عند الحفيظة ثابت\rبأن تتحاموا من فوات بوادري ... فإن بعيداً رد ما هو فائت\rوأن تهدموا ما قد بنيتم وتعطشوا ... من الود غرساً قد غدا وهو نابت\rومن التعليق فرع يسمى تعليق الشرط، وهو أن يعلق المتكلم مقصوده على شرط يلزم من تعليقه مبالغة في ذلك المعنى، أو نوعاً من المحاسن زائداً على وقوع المشروط لوقوع الشرط، وذلك كقول أبي تمام طويل:\rفإن أنا لم يحمدك عني صاغراً ... عدوك فاعلم أنني غير حامد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985685,"book_id":6313,"shamela_page_id":363,"part":null,"page_num":448,"sequence_num":363,"body":"فعلق صحة حمده لممدوحه على حمد عوده صاغراً إن لم يحمد الممدوح عدوه صاغراً لا يكون الشاعر له حامداً. وقد استقصيت الكلام على هذا البيت في باب المقارنة والفرق بين التعليق التكميل شدة ملاحمة الفنين في التعليق، واتحادهما، وإن وجد لفظيهما فيه وتخليص أحدهما من الآخر في التكميل، ولأن من التعليق تعليق الشرط، ومنه تعليق الفنون بالمعاني، والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985686,"book_id":6313,"shamela_page_id":364,"part":null,"page_num":449,"sequence_num":364,"body":"باب الإدماج\rوهو أن يدمج المتكلم غرضاً له في ضمن معنى قد نحاه من جملة المعاني ليوهم السامع أنه لم يقصده، وإنما عرض في كلامه لتتمة معناه الذي قصد إليه، كقول عبيد الله بن عبد الله لعبد الله بن سليمان بن وهيب حين وزر للمعتضد، وكان ابن عبيد الله قد اختلت حاله، فكتب لابن سليمان طويل:\rأبي دهرنا إسعافنا في نفوسنا ... وأسعفنا فيمن نحب ونكرم\rفقلت له: نعماك فيهم أتمها ... ودع أمرنا إن المهم المقدم\rفأدمج شكوى الزمان، وشرح ما هو عليه من الاختلال في ضمن التهنئة وتلطف في المسألة، ودقق التحليل لبلوغ الغرض، مع صيانة نفسه عن التصريح بالسؤال، وحمايته من الإذلال، لا جرم أن ابن سليمان فطن لذلك ووصله واستعمله.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985687,"book_id":6313,"shamela_page_id":365,"part":null,"page_num":450,"sequence_num":365,"body":"ومن لطيف الإدماج قول ابن نباتة السعدي طويل:\rولا بد لي من جهلة في وصاله ... فمن لي بخل أودع الحلم عنده\rفإنه أدمج الفخر في الغزل حين جعل حلمه لا يفارقه بتة، ولا ترغب نفسه عنه جملة، وإنما عزم على أن يودعه، إذ كان لا بد له من وصل هذا المحبوب، لأن الوادائع تستعاد، ثم استفهم عن الخل الصالح أن يستودع الحلم بلفظ يشعر بالاستبعاد والتعذر، فيكون مفهوم الخطاب بقيا حلمه لعدم من يصلح لأن يودعه عنده وأدمج الفخر في الغزل من جهة تصريحه بذكر الحلم، ورشح بالإدماج الطباق بين الحلم والجهل، ثم أدمج فيهما شكوى الزمان لتغير الإخوان بحيث إنهم لم يبق منهم من يستصلح لمثل هذا الشأن في الإشارة.\rومثل هذا الإدماج ما وقع لبعض الأندلسيين في قوله وافر:\rأأرضى أن تصاحبني بغيضاً ... مجاملة وتحملني ثقيلا\rوحقك لا رضيت بذا لأني ... جعلت وحقك القسم الجليلا\rوالبيت الثاني أردت، لأنه أدمج فيه الغزل في العتاب من الفنون، والمبالغة في القسم من البديع.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985688,"book_id":6313,"shamela_page_id":366,"part":null,"page_num":451,"sequence_num":366,"body":"ومن شواهد الإدماج في الكتاب العزيز قوله تعالى: \" وله الحمد في الأولى والآخرة \" فإن هذه الجملة أدمج فيها المبالغة في الحمد في ضمن المطابقة، إذ أفرد نفسه سبحانه بالحمد حيث لا يحمد سواه، إذ قال: وهو أعلم: \" وله الحمد في الأولى والآخرة \".\rوالفرق بين التعليق والإدماج أن التعليق يصرح فيه بالمعنيين المقصودين على شدة اتحادهما، والإدماج يصرح فيه بمعنى غير مقصود قد أدمج فيه المعنى المقصود، والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985689,"book_id":6313,"shamela_page_id":367,"part":null,"page_num":452,"sequence_num":367,"body":"باب الإزدواج\rوهو أن يأتي الشاعر في بيته من أوله إلى آخره بجمل: كل جملة فيها كلمتان مزدوجتان، كل كلمة إما مفردة أو جملة. وأكثر ما يقع هذا النوع في أسماء مثناة مضافة كقول أبي تمام متقارب:\rوكانا جميعاً شريكي عنان ... رضيعى لبان، خليلى صفاء\rومن الازدواج نوع يؤتى فيه بكلمتين صورتهما واحدة، ومفهومهما واحد، كقول ابن الرومي: مجزوء الكامل:\rأبدانهن وما لبس؟ ... ن من الحرير معاً حرير\rأردانهن وما مسس؟ ... ن من العبير معاً عبير\rوكقول بعض العرب بسيط\rومطعم النصر يوم النصر مطعمه ... أني توجه والمحروم محروم\rفقوله: ومطعم النصر مطعمه، والمحروم محروم، ازدواج، والفرق بينه وبين التجنيس المماثل اختلاف معنى الكلمتين في التجنيس","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985690,"book_id":6313,"shamela_page_id":368,"part":null,"page_num":453,"sequence_num":368,"body":"واتفاقهما في الازدواج، على أن الرماني قد عد الازدواج تجنيساً، وذكر منه قوله تعالى: \" فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه \" وأفرده غير الرماني باباً، واستشهد عليه بالبيت الثاني من شواهد هذا الباب وأمثاله بغير ذلك، والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985691,"book_id":6313,"shamela_page_id":369,"part":null,"page_num":454,"sequence_num":369,"body":"باب الاتساع\rوهو أن يأتي الشاعر ببيت يتسع فيه التأويل على قدر قوي الناظر فيه، وبحسب ما تحتمل ألفاظه، كقول امرئ القيس طويل:\rإذا قامتا تضوع المسك منهما ... نسيم الصبا جاءت بريا القرنفل\rفإن هذا البيت اتسع النقاد في تأويله، فمن قائل تضوع مثل المسك منهما نسيم الصبا، ومن قائل تضوع نسيم الصبا منهما، ومن قائل تضوع المسك منهما تضوع نسيم الصبا، وهذا هو الوجه عندي، ومن قائل تضوع المسك منهما بفتح الميم يعني الجلد بنسيم الصبا.\rوكقوله في صفة الفرس طويل:\rمكر مفر مقبل مدبر معاً ... كجلمود صخر حطه السيل من عل\rلأن الحجر يطلب جهة السفل لكونها مركزه، إذ كل شيء يطلب مركزه بطبعه الذي جبل عليه، فالحجر يسرع انحطاطه إلى السفل من العلو من غير واسطة، فكيف إذا أعانته قوة دفاع السيل من عل، فهو حال تدحرجه يرى وجهه في الآن الذي يرى فيه ظهره لسرعة تقلبه، وبالعكس، ولهذا قال الشاعر، مقبل مدبر معاً يعني يكون إدباره وإقباله مجتمعين في المعية،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985692,"book_id":6313,"shamela_page_id":370,"part":null,"page_num":455,"sequence_num":370,"body":"ولا يعقل الفرق بينهما، وحاصل الكلام وصف الفرس بلين الرأس، وسرعة الانحراف، وشدة العدو، لكونه قال في صدر البيت إنه حسن الصورة، كامل النصبة في حالتي إقباله وإدباره، وكره وفره، ثم شبهه في عجز البيت بجلمود صخر حطه السيل من العلو لشدة العدو، فهو في الحالة التي يرى فيها لبته يرى فيها كلفه وبالعكس.\rهذا ولم تخطر هذه المعاني بخاطر الشاعر في وقت العمل.\rوإنما الكلام إذا كان قوياً من مثل هذا الفحل احتمل لقوته وجوهاً من التأويل بحسب ما تحتمل ألفاظه، وعلى مقدار قوى المتكلمين فيه، ولذلك قال الأصمعي: خير الشعر ما أعطاك معناه بعد مطاولة، وقد غلط بعض الناس في تفسير هذا الكلام، وغلط الأصمعي فيه لسوء تفسيره، لأنه توهم أن الأصمعي أراد الشعر الذي ركب من وحشي الألفاظ، أو وقع فيه من تعقيد التركيب ما أوجب له غموض معناه، ولو كان كذلك كان ذلك شراً للشعر، وإنما أراد الأصمعي الشعر القوي الذي يحتمل مع فصاحته، وكثرة استعماله ألفاظه، وسهولة تركيبه، وجودة سبكه معاني شتى يحتاج الناظر فيه إلى تأويلات عدة، وترجيح ما يترجح منها بالدليل وجميع فواتح السور المعجمة من هذا الباب، فإن العلماء قد اتسعوا في تأويلها اتساعاً كبيراً، وإن ترجح من جميع أقوالهم كونها أسماء للسور، ثم اختلفوا في إعراب ما يتأتى فيه الإعراب منها، فبعضهم يرى فيه الحكاية، كما يرى ذلك في صاد، وقاف، ونون، فإن هذه الأسماء محكية ليس","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985693,"book_id":6313,"shamela_page_id":371,"part":null,"page_num":456,"sequence_num":371,"body":"إلا، وبعضهم يرى الإعراب في المجموع خاصة، وينشد قول شريح بن أوفى العبسي قاتل محمد بن طلحة السجاد طويل:\rيناشدني حاميم والرمح شاجر ... فهلا تلا حاميم قبل التقدم\rوأما ما جاء من باب الاتساع في غير الفواتح فقوله تعالى: \" وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم \" الآية فإن لفظها محتمل تأويلات شتى، فإن ظاهر الآية يقتضي إباحة الجمع بين تسع، ثم قوله بعد: \" رباع \". \" فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة \" ومن لم يعدل في الأربع جاز أن يعدل في الثلاث، فلم نزل إلى الواحدة؟ وهذه الظواهر مفتقرة إلى تأويلات تميط عنها هذه الإشكالات. والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985694,"book_id":6313,"shamela_page_id":372,"part":null,"page_num":457,"sequence_num":372,"body":"باب المجاز\rالمجاز عبارة عن تجوز الحقيقة، بحيث يأتي المتكلم لاسم موضوع لمعنى فيختصره إما بأن يجعله مفرداً بعد أن كان مركباً، أو غير ذلك من وجوه الاختصار، أو يذكر ما هو متعلق به، أو كان من سببه لفائدة.\rوالمجاز جنس يشتمل على أنواع كثيرة، كالاستعارة والمبالغة والإشارة، والإرداف، والتمثيل، والتشبيه، وغير ذلك مما عدل فيه عن الحقيقة الموضوعة للمعنى المراد، فهذه الأنواع وإن كانت من المجاز فلكونها متعددة جعل لكل منها اسم يعرف به، ويميزه عن غيره من جنسه، كما جعل لأنواع جنس الحيوان من الأسماء التي تعرف أنواعها بالفصول، كالفرس، والجمل، والطائر، والإنسان وغير ذلك من قسمي الناطق والبهيم، وقد خص النقاد نوعاً من أنواع المجاز بإبقاء اسم المجاز عليه، وهو أقسام: منها: حذف الموصوف وإبقاء الصفة تدل عليه، كقوله تعالى: \" هو الذي أرسل رسوله \" فإن المراد هو الذي أرسل محمداً رسوله، وحذف الفاعل الذي فعله المستند إليه دال عليه كقوله تعالى: \" حتى توارت بالحجاب \".\rومنها حذف الأجوبة كقوله تعالى في حذف جواب لو: \" ولو أن قرآناً سيرت به الجبال \" الآية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985695,"book_id":6313,"shamela_page_id":373,"part":null,"page_num":458,"sequence_num":373,"body":"ومنها الإتيان بجواب عن سؤال مقدر لدلالة الجواب عليه كقوله سبحان. \" قيل ادخل الجنة \" فإن المعنى كأن قائلاً قال: فما كانت عاقبة هذا الذي نصر الحق وبذل نفسه في ذات الله، فيقال: قيل له: ادخل الجنة.\rومنها الاسم المضاف الذي حذف المضاف منه، وأقيم المضاف إليه مقامه، كقوله تعالى: \" وأشربوا في قلوبهم العجل \" أي حب العجل، وقوله تعالى: \" ويا سماء أقلعي \" أي ويا مطر السماء، أو يا سحاب السماء، أو يا سحاب لكونه بالنسبة للمخاطب عالياً، وكل ما علا الإنسان من سقف وسحاب وغيره يسمى سماء، وقد تجاوزت العرب حذف المضاف إلى حذف مضاف ثان بعد حذف المضاف الأول، كقول جرير وافر:\rإذا نزل السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا\rفقوله: إذا نزل السماء، يريد مطر السماء، وهذا القسم الأول من المجاز، وقوله: رعيناه يريد رعينا ما ينبته مطر السماء، وهذا القسم الثاني من المجاز، وإنما اتفقوا على اسم المجاز على هذا القسم لخلوه من معنى زائد عن تجوز الحقيقة، يليق أن يكون تسميته من جنسه، كالاستعارة، والتشبيه، والمبالغة، والإرداف، والإشارة وغير ذلك، فلما لم يكن في هذا القسم غير تجوز الحقيقة اختصار أفرد باسم المجاز، إذ لا يليق به غيره، والمراد بذلك الاختصار.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985696,"book_id":6313,"shamela_page_id":374,"part":null,"page_num":459,"sequence_num":374,"body":"باب الإيجاز\rالإيجاز اختصار بعض ألفاظ المعاني ليأتي الكلام وجيزاً من غير حذف لبعض الاسم، ولا عدول عن لفظ المعنى الذي وضع له، فإن الاختصار أن نحذف بعض الاسم كما قدمناه، فهو مجاز، وإن كان بتغير لفظ المعنى بوجه من وجوه التغير كان من أنواع المجاز التي قدمنا ذكر بعضها، كالاستعارة، والإشارة، والإرداف وغير ذلك.\rومثاله أن يقتص المتكلم قصة بحيث لا يغدر منها شيئاً، في ألفاظ قليلة موجزة جداً، بحيث لو اقتصها غيره ممن لم يكن في مثل طبقته من البلاغة، أتى بها في أكثر من تلك الألفاظ، وأكثر قصص الكتاب العزيز من هذا القبيل، كقصة موسى ﵇ في \" طه \"، فإن معانيها أتت بألفاظ الحقيقة تامة غير محذوفة، وهي مستوعبة في تلك الألفاظ.\rوقد رأيت أكثر العلماء على تقديم الأعشى في اقتصاصه قصة السموءل في أدراع امرئ القيس الشاعر التي أودعها عنده لما قصد قيصر، ووفاء السموءل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985697,"book_id":6313,"shamela_page_id":375,"part":null,"page_num":460,"sequence_num":375,"body":"بها، حتى سلمها لأهل امرئ القيس وبذل دونها دم ولده وهو يشاهده، وهي بسيط\rكن كالسموءل إذ طاف الهمام به ... في جحفل كسواد الليل جرار\rبالأبلق الفرد من تيماء منزله ... حصن حصين وجار غير غدار\rإذ سامه خطتي خسف فقال له ... مهما تقول فإني سامع حار\rفقال: غدر وثكل أنت بينهما ... فاختر فما فيهما حظ لمختار\rفشك غير طويل ثم قال له ... اقتل أسيرك إني مانع جاري\rإن له خلفا إن كنت قاتله ... وإن قتلت كريماً غير عوار\rمالاً كثيراً وعرضاً غير ذي دنس ... وإخوة مثله ليسوا بأشرار\rجروا على أدب مني بلا نزق ... ولا إذا شمرت حرب بأغمار\rوسوف يخلفه إن كنت قاتله ... رب كريم وبيض ذات أطهار\rلا سرهن لدينا ضائع هدراً ... وكاتمات إذا استودعن أسرارى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985698,"book_id":6313,"shamela_page_id":376,"part":null,"page_num":461,"sequence_num":376,"body":"فقال يقدمه إذ قام يقتله ... أشرف سموءل فانظر للدم الجاري\rأأقتل ابنك صبراً أو تجئ بها ... طوعاً فأنكر هذا أي إنكار\rفشد أوداجه والصدر في مضض ... عليه منطويا كاللذع بالنار\rواختار أدراعه ألا يسب بها ... ولم يكن عهده فيها بختار\rوقال: لا نشتري عاراً بمكرمة ... واختار مكرمة الدنيا على العار\rوالصبر منه قديماً شيمة خلق ... فزنده في الوفاء الثاقب الواري\rفانظر كيف أغنى الأعشى عن تحفظ القصة بطولها من يريد حفظها بهذه الأبيات التي استوعبها فيها مع ما انطوت عليه ألفاظها التي خرجت كلها مخرج الحقيقة من المدح للسموءل بالوفاء، ولابنه بالصبر على البلاء، والتحريض للممدوح على التخلق بمثل هذا الخلق، ليبقى له مثل هذا الذكر، والاحتراس في البيت الذي يقول فيه:\rأأقتل ابنك صبراً أو تجئ بها\rفإنه لما أضمر فيه ذكر الأدراع، فطن إلى أن البيت مفتقر إلى شرح إن لم يؤت به يتوقف السامع في فهمه، فاحترس عن ذلك بقوله:\rواختار أدراعه ألا يسب بها\rليوضح أن الضمير في البيت الذي قبله يعود على الأدراع، فتلافى في ذلك الخلل، واستغنى عن الشرح المطول.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985699,"book_id":6313,"shamela_page_id":377,"part":null,"page_num":462,"sequence_num":377,"body":"وقد ذكر الحاتمي في الحلية بعد هذه الأبيات قول بعض العرب يمدح بني كعب بقوله طويل:\rلعمري لنعم الحي حي بني كعب ... إذا نزل الخلخال منزلة القلب\rوقال الحاتمي: إذا ريعت ربة الخلخال، فأبدت ساقها للهرب فتكون قد أنزلت الخلخال منزلة القلب في الظهور، لأن عادة المرأة من العرب أن تبدى معصمها وتستر ساقها، ولا عار عليها في ذلك، وحاصل هذا الكلام مدح الحي بالمحاماة، وشدة البأس عند الخوف.\rوقد قيل فيه غير ذلك، وهو أن المرأة من الروعة تذهل فتلبس الخلخال موضع القلب دهشاً وحيرة، والمرجع في التفسيرين إلى مقصد واحد.\rوعندي أن هذا البيت لا يصلح أن يكون من شواهد الإيجاز، لأن حقيقة الإيجاز إخراج المعاني في قوالب ألفاظها الحقيقة الموضوعة لها، فإن الإيجاز إيجازان: إيجاز مجازى، وإيجاز حقيقي، فما كان منه حقيقياً بقي عليه اسم الإيجاز، وما كان مجازياً وضعوا لكل قسم منه اسماً يخصه ويناسب اشتقاقه، فإن المجاز إيجاز، وهو حذف بعض الكلام لدلالة الباقي عليه، أو للاستغناء بالقرينة، كقوله تعالى: \" واسئل القرية \" والإشارة والإرداف والتمثيل إيجاز، لكن هذه الأبواب تجيء بغير ألفاظ المعاني الموضوعة لها، وقول هذا الشاعر:\rإذا نزل الخلخال منزلة القلب","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985700,"book_id":6313,"shamela_page_id":378,"part":null,"page_num":463,"sequence_num":378,"body":"وهو يريد إذا ارتاعت فلبست خلخالها في معصمها، أو ذهلت للخوف عن تخفرها، معلوم أنه غير لفظ المعنى الخاص، وهذا بالإشارة أولى، فإن شئت جعلته من شواهد الإشارة، ومن شواهد الاتساع، أو منهما، ثم ذكر أعني الحاتمي بيتي لبيد، وهما \" رمل \":\rوبنو الديان أعداء للا ... وعلى ألسنهم ذلت نعم\rزينت أحسابهم أنسابهم ... وكذاك الحلم زين للكرم\rولفظ البيت الأول لفظ الأرداف، فلا يصلح أن يكون من شواهد الإيجاز، لأنه أراد أن يقول: بنو الديان أجواد، فعدل عن هذا اللفظ إلى لفظ هو ردفه، وهو ذكر معاداتهم للا ليبالغ في وصفهم بالجود، والبيت الثاني جاء بلفظ الإشارة، إذ التزيين يكون بضروب من المحاسن، فإن قيل: إذا كان المجاز نوعاً من الإيجاز جاز أن يسمى كل صنف من ذلك النوع إيجازاً.\rقلت للتسميات علامات تعرف بها المسميات، ومن سمى النوع باسم الجنس فهو غير معرف لذلك النوع، فإنك لو قلت في حد الإنسان: هو حيوان، من غير ذكر الفصل لكنت غير معرف لحقيقته، لكونك لم تأت إلا بالقدر القدر المميز، ولما كان من الإيجاز ما يدل على المعنى بلفظ المعنى بلفظ الموضوع له، ومنه ما يدل على المعنى بلفظ هو ردف لفظه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985701,"book_id":6313,"shamela_page_id":379,"part":null,"page_num":464,"sequence_num":379,"body":"تارة، وبلفظ هو مثل لفظه، أو به، وبلفظ مستعار من لفظه حيناً والحقيقة أصل، والمجاز فرع، والإيجاز أصل نفي الاسم الأصلي على الكلام الذي دل لفظه على معناه بظاهره، وسمى ما دل على معناه بالتأويل بأسماء مجازية، إذ كانت مسمياتها مجازية.\rومن أمثلة الإيجاز قول النابغة الذبياني في اقتصاصه قصة الزرقاء. للنعمان بسيط\rفاحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت ... إلى حمام شراع واردي الثمد\rيحفه جانبا نيقٍ وتتبعه ... مثل الزجاجة لم تكحل من الرمد\rقالت ألا ليتما هذا الحمام لنا ... إلى حمامتنا ونصفه فقد\rفحسبوه فألفوه كما حسبت ... تسعا وتسعين لم ينقص ولم يزد\rوكملت مائة منها حمامتها ... وأسرعت حسبة في ذلك العدد\rفإن النابغة سرد هذه القصة بألفاظ الحقيقة عرية عن الحشو الخشن والمعيب، ولم يغادر منها شيئاً، ويروى البيت الأول سراع بسين مهملة، وهو أبلغ في وصف نظر الزرقاء، ويدل على صحة هذه الرواية أن قوله: واردى الثمد يغني عن قوله: شراع بشين معجمة فلم يبق الإسراع بسين مهملة لما يدل عليه من المبالغة في حدة نظر الزرقاء بدليل قوله بعد هذا البيت: وأسرعت حسبة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985702,"book_id":6313,"shamela_page_id":380,"part":null,"page_num":465,"sequence_num":380,"body":"فإن قيل: فما الفرق إذا بين الإيجاز والمساواة؟ قلت: المساواة لا تكون إلا في المعنى المفرد يعبر عنه بلفظ مساو له لا يزيد عليه ولا يقصر عنه، والإيجاز يكون في ذكر القصص والأخبار التي تضمنت معاني شتى متعددة، وخلاصة ذلك أن المساواة في معاني الجمل التي تتركب منها الأبيات والفصول، والإيجاز في الأبيات والفصول.\rومن الإيجاز نوع يختصر فيه بعض اللفظ ويؤتى بلفظ الحقيقة كقوله سبحانه: \" والذين تبوءوا الدار والإيمان \" فإن تقديره تبوءوا الدار وأخلصوا الإيمان، كما تقول: \" رجز \":\rعلفتها تبناً وماء باردا\rوكما قال الشاعر كامل مجزوء:\rورأيت زوجك في الوغى ... متقلد سيفاً ورمحا\rأي ومعتقلاً رمحاً ومن إيجاز الكتاب العزيز قوله ﷾: \" إن الله يأمر العدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون \" فإنه ﷿ أمر في أول الآية بكل معروف، ونهى بعد ذلك عن كل منكر ووعظ في آخرها أبلغ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985703,"book_id":6313,"shamela_page_id":381,"part":null,"page_num":466,"sequence_num":381,"body":"موعظة وذكر ألطف تذكير بألفاظ اتفق فيها ضروب من المحاسن مع كونها ألفاظ الحقيقة، وهي صحة الأقسام، لأنها استوعبت جميع أقسام أجناس المعروف والمنكر، والطباقين اللفظي والمعنوي وحسن النسق والتسهيم، وحسن البيان، والإيجاز، وائتلاف لفظ الكلام مع معناه، والمساواة، وصحة المقابلة، وتمكين الفاصلة، فأما استيعاب الأقسام فلأنه سبحانه أمر بالعدل، وهو معاملة المكلف نفسه وغيره بالإنصاف، ثم أمر بعد العدل بالإحسان، وهو اسم عام يدخل تحته التفضل بعد العدل، وقدم ذكر العدل لأن العدل واجب، وتلاه بالإحسان لأن الإحسان مندوب، ليقع وضع الكلام على أحسن ترتيب، وخص ذا القربى بالذكر بعد دخوله في عموم من أمره بمعاملته بالعدل والإحسان لبيان فضل ذي القربى وفضل الثواب عليه، ونهى عن الفحشاء والمنكر والبغي بصيغة تعريف الجنس ليستغرق كل ما يجب أن ينهى عنه، كما استغرق كل ما يجب أن يؤمر به، والمطابقة اللفظية في قوله تعالى: \" يأمر \" \" وينهي \"، والمعنوية في قوله سبحانه \" بالعدل والإحسان \" وإيتاء ذي القربى وقوله \" الفحشاء والمنكر والبغي \" فإن الثلاثة الأخر أضداد الثلاثة الأول، لأن الأول من الفعل الحسن، والآخر من الفعل القبيح، فطابق بين الحسن والقبح مطابقة معنوية.\rوحسن التنسيق في ترتيب عطف بعض الجمل على بعض كما ينبغي، حيث قدم العدل وعطف عليه الإحسان الذي هو جنس عام، وخص منه نوعاً خاصاً، وهو إيتاء ذي القربى، وعطفه عليه، ثم أتى بالأمر مقدماً، وعطف عليه النهي ثانياً، ثن رتب جمل المنهيات كما رتب","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985704,"book_id":6313,"shamela_page_id":382,"part":null,"page_num":467,"sequence_num":382,"body":"جمل المأمورات في العطف، بحيث لم يتأخر في الكلام ما يجب تقديمه ولم يتقدم في ما يجب تأخيره.\rوأما التسهيم فهو أن صدر الآية يدل على عجزها كما يدل صدر البيت المسهم على عجزه.\rوأما حسن البيان فلأن لفظ الآية لا يتوقف في فهم معناه أحد إذ سلم من التعقيد في نظمه، فقد دل على معناه دلالة واضحة بأقرب الطرق، واستوى في فهمه الذكي والبليد، والقريب من هذه الصناعة والبعيد.\rوأما الإيجاز فهو دلالة الألفاظ القليلة الحقيقية على المعاني الكثيرة من غير إشارة ولا إرداف ولا حذف.\rوأما ائتلاف لفظ الكلام مع معناه، فلأن كل لفظة لا يصلح مكانها غيرها.\rوأما المساواة فلأن ألفاظ الكلام قوالب لمعانيه، لا تزيد عليها، ولا تقصر عنها.\rوأما صحة المقابلة فلأن النهي قابل الأمر، والمنهيات قابلت المأمورات مع مراعاة الترتيب.\rوأما تمكن الفاصلة فلأن مقطع الآية مستقر في مكانه، مطمئن في موضعه ومعناه متعلق بما قبله إلى أول الكلام، لأنه لا تحسن الموعظة إلا بعد الأمر والنهي، فإن الوعد والوعيد لا يقعان إلا بعد امتثال الأمر أو مخالفته والتذكرة بعد الموعظة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985705,"book_id":6313,"shamela_page_id":383,"part":null,"page_num":468,"sequence_num":383,"body":"ومن إيجاز الكتاب العزيز أيضاً قوله: \" ولكم في القصاص حياة \" لأنه قد أجمع النقاد على أن أبلغ كلام قيل في هذا المعنى قول القائل: \" القتل أنفى للقتل \" وإذا نظرت بين هذا الكلام وبين لفظ القرآن وجدت هذا الكلام ليس فيه من ضروب البديع سوى الإيجاز، مع كونه لم يخل من عيب، ووجدت لفظ القرآن قد جمع الآجام والإيضاح والإشارة والكناية والطباق وحسن البيان والإبداع، وسلم من العيب الذي جاء في ذلك الكلام.\rفأما الإيجاز فلأن اللفظ المماثل من لفظ القرآن للأول هو قوله تعالى: \" القصاص حياة \" وهو عشرة أحرف، والأول أربعة عشر حرفاً، وأما الإيضاح فإن لفظة القصاص أوضحت المعنى المراد، إذ هو قتل مقيد، لا قتل مطلق، وأما الإشارة، ففي قوله سبحانه: \" حياة \" فإن هذه اللفظة أشارت إلى أن القتل الذي أوجبه العدل يكف القتل الذي يأتي به العدوان، وفي ذلك حياة الأحياء.\rوالكناية في قوله تعالى: القصاص فإنه كنى بهذه اللفظة عن الموت المستحق الذي يوجبه العدل.\rوأما الطباق ففي قوله \" القصاص حياة \" لأن القصاص الموت، فكأنه سبحانه قال: الموت حياة، وهذا طباق معنوي. وأما حسن البيان، فكون المخاطب فهم المراد من هذا النظم من غير توقف، وأما الإبداع فلأن في كل لفظة من هذا الكلام عدة من المحاسن، وأما السلامة من العيوب","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985706,"book_id":6313,"shamela_page_id":384,"part":null,"page_num":469,"sequence_num":384,"body":"بالنسبة فلأن الكلام خلا عن التكرار الذي وقع في الكلام الأول، فإن قيل لا يعد التكرار الذي وقع في قول القائل: \" القتل أنفى للقتل \" عيباً لاختلاف المعنى قلت: لكن اللفظ إذا اختلف معناه واتحدت صيغته اتحاداً لا يعد تحسيناً وكان الكلام به معيباً، فهذا عيب لفظ الكلام الأول الذي سلم منه لفظ القرآن، وأما عيب المعنى فلأن القائل سمى الخاص باسم العام، فإن مطلق القتل صالح للقصاص ولغيره، كما أنه صالح للعدوان ولغيره، وهذه العبارة موجبة للبس المضاد لحسن البيان الذي هو خارج مخرج العدوان ولفظ القرآن مخلص للعدل.\rوإذا وصلت في هذا الباب إلى قوله تعالى: \" وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين \" فإنه سبحانه أتى في هذه الآية الكريمة بأمرين ونهيين، وخبرين متضمنين بشارتين، في أسهل نظم، وأحسن لفظ، وأوجز عبارة، ولم يخرج الكلام عن الحقيقة في شيء من ذلك.\rواعلم أن الإيجاز على ضربين: ضرب بسيط وضرب مختصر، ويكون البسيط مختصراً بالنسبة لغيره، فالبسيط كقصة يوسف ﵇ من قوله: \" نحن نقص عليك أحسن القصص \" إلى آخر القصة، والمختصر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985707,"book_id":6313,"shamela_page_id":385,"part":null,"page_num":470,"sequence_num":385,"body":"مثل قوله على لسان يوسف ﵇: \" هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقاً وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي \" اختصر القصة كلها في هذه الآية، لأنه ذكر أصول الأسباب المستلزمة جميع المسببات التي هي جملة القصة، فإن قوله: \" هذا تأويل رؤياي من قبل \" اقتصر على ذكر رؤياه التي كانت سبب حسد اخوته حين فعلوا به ما فعلوا، وذكر خروجه من السجن الذي كان سبباً في الملك الذي كان سبباً في اجتماعه بأبيه واخوته، فكأنه قد اقتص جميع القصة مختصرة لمن يشارك في علمها، فالأولى لعلم تفاصيلها، والثانية لعلم جملها، وهذا أحسن إيجاز وقع في كلام، والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985708,"book_id":6313,"shamela_page_id":386,"part":null,"page_num":471,"sequence_num":386,"body":"باب سلامة الاختراع من الإتباع\rوهو أن يخترع الأول معنى لم يسبق إليه ولم يتبع فيه كقول، عنترة في وصف الذباب كامل:\rهزجاً يحك ذراعه بذراعه ... قدح المكب على الزناد الأجذم\rوكقول ابن الرقاع في تشبيه قرن الخشف كامل:\rتزجى أغن كأن إبرة روقه ... قلم أصاب من الدواة مدادها\rوكقول ذي الرمة في تشبيه الليل طويل:\rوليل كجلباب العروس أدرعته ... بأربعة والشخص في العين واحد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985709,"book_id":6313,"shamela_page_id":387,"part":null,"page_num":472,"sequence_num":387,"body":"وكقول النابغة الذبياني في وصف النسور طويل:\rتراهن خلف القوم زوراً عيونها ... جلوس الشيوخ في مسوك الأرانب\rفهذه اختراعات المتقدمين التي سبقوا إليها، ولم يلحقوا فيها.\rوما اختراعات المولدين التي سبق إليها قائلها ولم يتبع فيها قول السيد الحميري في علي ﵇ بسيط\rلكن أبو حسن والله أيده ... قد كان عند اللقا للطعن معتادا\rإذا رأى معشراً حرباً أنامهم ... إنامة الريح في أبياتها عادا\rقال الحاتمي بعد إيراد هذين البيتين في هذا الباب: لم يسبق السيد إلى هذا المعنى، ولم يتبع فيه، فإنا ما سمعنا من شبه إنساناً بالريح غيره، وهذا وهم من الحاتمي لأن هذا المعنى لعبد الله بن العباس ﵁ في الحديث الصحيح الذي وصف فيه رسول الله ﷺ بالجود في كل زمان، وخصوصاً في شهر رمضان حيث قال: \" كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في شهر رمضان، كان كالريح المرسلة \" فغاية ما فعله السيد أنه نقل المعنى من","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985710,"book_id":6313,"shamela_page_id":388,"part":null,"page_num":473,"sequence_num":388,"body":"الوصف بالجود إلى الوصف بالشجاعة، وإلا فنفس المعنى في الموضعين تشبيه الإنسان بالريح، غير أن السيد أخذ المعنى نثراً، فعقده بالوزن شعراً فله هذه الفضيلة لا فضيلة الاختراع، وعلى هذا يكون\r\rباب حسن الإتباع أحق بهذا الشعر من باب سلامة الاختراع، ومن الجب كيف ذهب ذلك على الحاتمي مع تقدمه في الأدب وحذقه بالنقد هذا على أننا جعلنا تشبيه الحميري نفس الإمام علي ﵁ بالريح مجازاً، والحقيقة في ذلك غير هذا، لأن لفظ البيت يدل على أنه شبه بإنامة الإمام محاربيه بإنامة الرياح عاداً، فالشاعر إنما شبه إنامة بإنامة، لأنفس المنيم بنفس الريح، ومن اختراعات المحدثين قول ابن الرومي في تشبيه الرقاقة حين يبسطها الخباز في القطعة المشهورة التي أولها بسيط\rلا أنس ما أنس خبازاً مررت به ... يدحو الرقاقة مثل اللمح بالبصر\rإلى قوله:\rإلا بمقدار ما تنداح دائرة ... في صفحة الماء يرمي فيه بالحجر\rوإذا وصلت إلى قول ابن حجاج في هذا البيت وصلت إلى الغاية التي لا تلحق، حيث يقول في رئيس كان قريباً من قلبه، بعيداً من رفده طويل:\rوإني والمولى الذي أنا عبده ... طريفان في أمر له طرفان","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985711,"book_id":6313,"shamela_page_id":389,"part":null,"page_num":474,"sequence_num":389,"body":"بعيداً تراني منه أقرب ما ترى ... كأني يوم العيد من رمضان\rومتى شئت أن تتلاشى في هذه المعاني عندك قديمها وحديثها فتدبر ما جاء من هذا الباب في الكتاب العزيز، مثل قوله تعالى: \" إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب \" فانظر إلى غرابة هذا التمثيل الذي يتضمن هذا الإفراط في المبالغة مع كونه جارياً على الحق خارجاً مخرج الصدق، إذا اقتصر فيه على ذكر أضعف المخلوقات وأقلها سلباً لما تسلبه، وتعجيز كل من دون الله سبحانه كائناً من كان عن خلق مثله، ثم نزل بهم في التمثيل عن رتبة الخلق إذ هي مما يعجز عن مثلها كل قادر غير الله ﷿ إلى استنقاذ النزر التفه الذي تسلبه الذباب على ضعفها، لأن الظفر بنفسها أيسر من الظفر بما تسلبه، ولم يسمع مثل هذا التمثيل في بابه لأحد قبل نزول القرآن العزيز، ولم يتناوله متناول كما فعل في أكثر المعاني إلى الآن، ولو تتبع ذلك في الكتاب الكريم لوجد لهذا الموضع أمثال شتى كقول رسول الله ﷺ \" حمى الوطيس \" و \" مات حتف أنفه \" \" ولا يلدغ المؤمن من جحر مرتين \"، \" والسعيد من وعظ بغيره \" في أشياء كثيرة مما اخترعه النبي ﷺ ولم يتبع فيه إلى الآن.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985712,"book_id":6313,"shamela_page_id":390,"part":null,"page_num":475,"sequence_num":390,"body":"باب حسن الإتباع\rوهو أن يأتي المتكلم إلى معنى اخترعه غيره فيحسن إتباعه فيه، بحيث يستحقه بوجه من وجوه الزيادات التي وجب للمتأخر استحقاق معنى المتقدم إما باختصار لفظه، أو قصر وزنه أو عذوبة قافيته وتمكنها، أو تتميم لنقصه، أو تكميل لتمامه، أو تحليته بحلية من البديع يحسن بمثلها النظم، ويوجب الاستحقاق كقول جاهلي في وصف جمل له طويل:\rوعود قليل الذنب عاودت ضربه ... إذا هاد شوقي من معاهدها ذكر\rوقلت له ذلفاء ويحك سببت ... لك الضرب فاصبر، إن عادتك الصبر\rفأحسن ابن المعتز ابتاعه في هذا المعنى حيث قال يصف خبله طويل:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985713,"book_id":6313,"shamela_page_id":391,"part":null,"page_num":476,"sequence_num":391,"body":"وخيل طواها القود حتى كأنها ... أنابيب سمر من قنا الخط ذبل\rصببنا عليها ظالمين سياطنا ... فطارت بنا أيد سراع وأرجل\rفإن ابن المعتز عمد إلى معنى البيتين المتقدمين فعمله في صدر بيته الثاني، وذلك أن حاصل قول الجاهلي في بيته: إن هذا الجمل لا ذنب له. وإنما ضربته مرة بعد أخرى لما هيج لي ذكر معاهد هذه المعشوقة من الشوق، فتوهمت أنه بالضرب يخرج عن حد الاستطاعة، ويأتي من السير بما ليس في الطاقة، وأكد كون هذا العود لا ذنب له بقوله في البيت الثاني:\rوقلت له ذلفاء ويحك سببت ... لك الضرب فاصبر، إن عادتك الصبر\rيعني أنك لولا اشتياقي لذلفاء لم تكن محتاجاً إلى الضرب جملة، وأكد هذا التأكيد بكونه شهد له أن عادته الصبر فإن قيل: ظاهر قوله: قليل الذنب يدل على ذنب قليل، ولذلك قال عاودت ضربه أي أنه أذنب فضربته بها ثم لما اشتقت عاودت ضربه، فالضرب الأول، استحقاقاً، والثاني ظلماً.\rقلت: لو انفرد البيت الأول من الثاني ساغ هذا التأويل حملاً على الظاهر لكنه، مع انضمامه إلى البيت الثاني لا يسوغ، فإنه قال فيه:\rوقلت له ذلفاء ويحك سببت ... لك الضرب..............","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985714,"book_id":6313,"shamela_page_id":392,"part":null,"page_num":477,"sequence_num":392,"body":"وآلة التعريف في الضرب للجنس، لأن ذلفاء هي التي سببت لك الضرب أولاً وأخراً، فإنك لولاها ما هاج لي من شوقي لمعاهدها فأذهلني حتى توهمت أن الضرب يخرج بك عن الحد الذي لم تكن محتاجاً إليه، ويدل على صحة ذلك شهادته له بالصبر مطلقاً في كل حال، إذ الألف واللام فيه للجنس أيضاً، وإذا كان صابراً مطلقاً دل صبره على شدة السير ومتابعته يجري ذلك الجري، فلا يقع ضربه إلا ظلماً، وأما قوله: قليل الذنب، فعلى عادة العرب في استعمال هذه اللفظة، وهي تريد مطلق النفي في قولهم: فلان قليل الخير وهم يريدون نفي الخبر عنه كثيره وقليله، وكل هذا حاصل في قول ابن المعتز \" صببنا عليها ظالمين سياطنا \" فإن قوله: صببنا هو عين قول العرب \" عاودت ضربه \" وما دل عليه لفظه من كون الضرب كان ظلماً هو عين قول ابن المعتز: ظالمين بلفظ الإيجاز، فحسن البيان في كلام ابن المعتز بخلاف كلام الأول، لأن دلالة اللفظ في كلام ابن المعتز دلالة مطابقة، ودلالة الأول دلالة التزام، ولم يعوز ابن المعتز من معنى الأول إلا التعليل، فإنه ذكر العلة التي لأجلها ضرب جملة ظلماً كما أعوز الأول من معنى ابن المعتز ذكر ثمرة الضرب وفائدته، فإن ابن المعتز لما قال:\rصببنا عليها ظالمين سياطنا\rقال عقيب ذلك: فطارت، وأدمج في ضمن هذه المبالغة التي هي ثمرة الضرب وصف الخيل بعدوها من موجبات الضرب، وحقق ظلمه لهن أنها لما خرجت من الوحشية إلى الطيرية فقد أحسن ابن المعتز الإتباع غاية الإحسان.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985715,"book_id":6313,"shamela_page_id":393,"part":null,"page_num":478,"sequence_num":393,"body":"ومن حسن الإتباع اتباع أبي نواس جريراً في قوله \" الوافر \":\rإذا غضبت عليك بنو تميم ... حسبت الناس كلهم غضاباً\rحيث قال ونقل المعنى من الفخر إلى المديح: سريع\rليس لله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد\rفزاد على جرير زيادات: منها أن جريراً أخرج كلامه مخرج الظن حيث قال: حسبت وإن كانت قد تقع بمعنى العلم خرجت المبالغة إلى حد الغلو، وعيب الكلام بما هو أشد من التقصير.\rومنها أن جريراً لم يذكر من العالم سوى نوع الإنسان، وأبو نواس زاد على جرير بما يتضمنه ذكر العالم من الملائكة والجن والأفلاك وكل موجود سوى الله سبحانه، وأخرج كلامه مخرج الإسجال، بثبوت دعواه في هذا الممدوح بتعظيم قدرة الله تعالى على الإتيان بهذا الخارق الذي لا يقدر عليه غيره، واتبع أبا نواس في هذا المعنى الوزير المغربي فقال بسيط\rحتى إذا ما أراد الله يسعدني ... رأيته فرأيت الناس في رجل\rفإن الوزير أحسن إتباعه لأبي نواس بما وقع له من الزيادات، منها الإيجاز، فإنه عمل معنى عجز بيت أبي نواس في بعض عجز بيته، فنقله من ثمانية عشر حرفاً إلى أربعة عشر حرفاً، والتعليل في كونه جعل العلة في إسعاده رؤية هذا الممدوح، وجعل ذلك مراد الله سبحانه ليحقق","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985716,"book_id":6313,"shamela_page_id":394,"part":null,"page_num":479,"sequence_num":394,"body":"مدحه بتحقيق وقوعه، وإن كان قد قصر عن أبي نواس في كونه اقتصر من العالم على ذكر الناس، كما فعل جرير، فقد جبر ذلك الوهن بما زاد من المبالغة في المدح فإنه جعل ممدوحه ابتداء سعادته ونقص من اللفظ. على أن ذكر الناس في بيتي جرير والوزير ملائم لذكر جرير بني تميم وذكر الوزير لفظة رجل، ولو لم يكن بيت أبي نواس أخصر وزناً من بيت جرير لكادا يتساويان.\rومن أحسن ما سمعت في حسن الإتباع إتباع منصور الفقيه المصري رحمه الله تعالى عنترة في قوله كامل:\rإني أمرؤ من خير عبس منصبا ... شطري، وأحمي سائري بالمنصل\rفإن الفقيه قال في شريف سبه وكان شريفاً من جهة أبيه دون أمه \" مجتث \":\rمن فاتني بأبيه ... ولم يفتني بأمه\rورام شتمي ظلماً ... سكت عن نصف شتمه\rفإن هذا الفقيه رحمه الله تعالى أحسن غاية الإحسان من وجوه: أحدها الإيجاز، فإنه عمل معنى عنترة الذي جاء به بيت من تام الكامل، المركب من اثنين وأربعين حرفاً في بيت من المجتث مركب من ستة وعشرين حرفاً.\rوالمطابقة المعنوية حيث قال بأبيه وأمه، فإنه طابق في ذلك بين الذكر والأنثى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985717,"book_id":6313,"shamela_page_id":395,"part":null,"page_num":480,"sequence_num":395,"body":"هذا وبيته الذي أتى فيه على معنى غيره وزاد ما أبديناه من الزيادة بيت توطئه، كبيت وقع فيه من الإغراب والطرفة ما لم يقع في مثله، وهو قوله:\rسكت عن نصف شتمه\rومن هذا الباب قول ابن الرومي طويل:\rتخذتكم درعاً حصيناً لتدفعوا ... نبال العدا عني فكنتم نصالها\rوقد كنت أرجو منكم خير ناصر ... على حين خذلان اليمين شمالها\rفإن أنتم لم تحفظوا لمودتي ... ذماماً فكونوا لا عليها ولا لها\rقفوا وقفة المعذور عني بمعزل ... وخلوا نبالي للعدا ونبالها\rفاتبعه ابن سنان الخفاجي الحلبي فقال كامل:\rأعددتكم لدفاع كل ملمة ... عوناً فكنتم عون كل ملمة\rوتخذتكم لي جنة فكأنما ... نظر العدو مقاتلي من جنتي\rفلأنفضن يدي يأساً منكم ... نفض الأنامل من تراب الميت\rوألطف ما قيل في هذا المعنى قول القائل وافر:\rوإخوان تخذتهمو دروعاً ... فكانوها ولكن للأعادي\rوخلتهم سهاماً صائبات ... فكانوها ولكن في فؤادي\rوقالوا قد صفت منا قلوب ... لقد صدقوا ولكن من ودادي\rوقد تقدمت هذه الأبيات، وإنما أتيت بها هاهنا ليظهر لطفها بالنسبة إلى ما تقدمها في معناها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985718,"book_id":6313,"shamela_page_id":396,"part":null,"page_num":481,"sequence_num":396,"body":"ومن مليح حسن الإتباع ما وقع بي ابن الرومي وبين أبي حية النميري فيما قاله في زينب أخت الحجاج حيث قال طويل:\rتضوع مسكاً بطن نعمان إذ مشت ... به زينب في نسوة عطرات\rيخمرن أطراف البنان من التقى ... ويبرزن شطر الليل معتجرات\rفهن اللواتي إن برزن قتلنني ... وإن غبن قطعن الحشا حسرات\rوالبيت الأخير أردت، فإن ابن الرومي اتبعه فيه فقال وأتى بمعنى البيت كاملاً في نصف بيت: كامل:\rويلاه إن نظرت وإن هي أعرضت ... وقع السهام ونزعهن أليم\rوغير السعيد ابن سناء الملك ﵀ من وجوه قائلي هذا المعنى قديماً وحديثاً حيث قال طويل:\rإذا هجرتني شيبتني بهجرها ... وإن واصلتني شيبتني بطيبها\rومن محاسن هذا الباب أيضاً إتباع المعري أبا عبادة البحتري في قوله كامل:\rأخجلتني بندى يديك فسودت ... ما بيننا تلك اليد البيضاء\rصلة غدت في الناس وهي قطيعة ... عجب وبر راح وهو جفاء\rفقال المعري بسيط","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985719,"book_id":6313,"shamela_page_id":397,"part":null,"page_num":482,"sequence_num":397,"body":"لو اختصرتم من الإحسان زرتكم ... والعذب يهجر للإفراط في الخصر\rلأنه استوعب معنى البيتين في صدر بيته، وأخرج العجز مخرج المثل السائر الصحيح، وعوض عما فاته من بديع الألفاظ مثل المطابقة المقابلة بالتجنيس والتمثيل، ففي بيت أبي عابدة من الإغراب والطرفة معنى لم يفت أبا العلاء، فإن كون الصلة بعينها قطيعة، والبر بنفسه جفاء، من الغريب الظريف، ولا جرم أنه أتى بذكر التعجب من ذلك، وكذلك طلب الاختصار من الإنسان، وجعل ما هو من أقوى أسباب الزيادة سببا في قطع الزيادة من الغريب الطريف أيضاً، وإذا نظرت إلى ما في بيت المعري من كونه يسد في التمثيل به مسد البيتين مع إيضاح معناه وما فيه من حسن البيان، وكون ما فيه من التجنيس والتصدير ليكون صلة بين المعنى والزيادة، وأساً لقافيته المستجادة، ثبت الفضل لبيت المعري.\rولقد أحسن البحتري في إتباع الحزين الكناني في قوله بسيط\rيغضي حياء ويغضي من مهابته ... فما يكلم إلا حين يبتسم\rفإن البحتري قال بسيط","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985720,"book_id":6313,"shamela_page_id":398,"part":null,"page_num":483,"sequence_num":398,"body":"إن أطرق استوحشت للخوف أفئدة ... ويملأ الأرض من أنس إذا ابتسما\rومن حسن الإتباع اتباع ابن المعتز بشار في قول بشار طويل:\rكأن مثار النقع فوق رؤوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه\rفإن ابن المعتز قال: طويل:\rإذا شئت أوقرت البلاد حوافرا ... وسارت ورائي هاشم ونزار\rوعم السماء النقع حتى كأنه ... دخان وأطراف الرماح شرار\rفإن بشاراً قال فوق رءوسنا والليل لا يخص رءوسهم لعموم ظلمته الآفاق، وابن المعتز تخلص من هذا الدخل بقوله: وعم السماء النقع دليل على كثرة الجيش وانتشاره، ولذلك قال في بيت التوطئة: أوقرت البلاد حوافراً، وكان مثل هذا لائقاً به لمكانه من الملك.\rومن حسن الإتباع إتباعي ابن الرومي في قوله بسيط\rسد السداد فمى عما يريبكم ... لكن فم الحال مني غير مسدود\rفإني اتبعته في هذا المعنى فقلت كامل:\rهبني سكت أما لسان ضرورتي ... أهجى لكل مقصر عن منطقي\rفإن بيت ابن الرومي وقع فيه من المحاسن أربعة عشر ضرباً، وهي التجنيس في قوله سد السداد، والتفسير في قوله عما يريبكم، والاستدراك","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985721,"book_id":6313,"shamela_page_id":399,"part":null,"page_num":484,"sequence_num":399,"body":"في قوله: لكن وما بعدها، والاستعارة في قوله: فم الحال، والتصدير فيما بين القافية وأول البيت، والتمثيل، فإن البيت خرج مخرج المثل، والمساواة، لأن لفظ البيت طبق معناه، والائتلاف، لأن كل لفظة من مفردات ألفاظه لا يصلح مكانها غيرها، والإرداف في قوله: لكن فم الحال، العجز كله: فإنه أراد أن يقول: سوء حالي ينطق بذمكم، فعبر عن المعنى بلفظ هو ردفه حيث قال:\rلكن فم الحال مني غير مسدود\rفراراً من التصريح بالذم والافتنان لأنه أشار إلى فن الفخر بوصف نفسه بالسداد، والبيت من فن العتاب، والتعليق لأن فن الفخر متعلق بفن العتاب، والإدماج لأن الإشارة فيه مندمجة في التفسير في قوله: عما يريبكم، لأن كل ما يريب لو عدد بلفظه الموضوع له لاحتاج إلى ألفاظ كثيرة، والتعطف في ذكر الفم في صدر البيت مع ذكره في عجزه، والتهذيب لمجيء جملة صدره على ترتيب الوضع اللغوي البليغ، من تقديم الفعل على الفاعل، وتقديم الفاعل على المفعول، وتقديم المفعول الذي تعدى الفعل بنفسه إليه على الفعل الذي تعدى إليه بالحرف، وكذلك رتب العجز من تقديم حرف الاستدراك على الجملة الابتدائية، وتقديم المبتدإ على الخبر.\rواتفق في بيتي سبعة عشر ضرباً من البديع، وهي المطابقة في السكوت النطق، واستعارة اللسان للضرورة، والمبالغة في قولي: أهجى والتكميل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985722,"book_id":6313,"shamela_page_id":400,"part":null,"page_num":485,"sequence_num":400,"body":"في قولي: لكل مقصر، والتفسير في قولي: من منطقي، والتمكين من أجل أن القافية مستقرة في مكانها، والمساواة في كون لفظ البيت طبق معناه، والائتلاف في أن كل لفظة لا يقوم غيرها مقامها، والإيجاز في تفاصيل البيت وجملته بالنسبة إلى البيت الذي قبله، فإن قولي هبني سكت أوجز من قول ابن الرومي: سد السداد فمى، لأن ملخص كلامي سكت، وملخص كلامه: سد فمي. وقولي: لسان ضرورتي، أوجز من قوله فم الحال مني، وقولي: أهجي، أوجز من قوله غير مسدود، فهذا إيجاز تفاصيل البيت، وأما إيجاز جملته فلأن حروف بيتي اثنان وأربعون حرفاً، وبيت ابن الرومي خمسة وأربعون حرفاً، مع أنهما قد استويا في عدة المتحركات، إذ كل بيت منهما سبعة وعشرون متحركاً والانسجام بالنسبة، لأن بيتي جاء عرياً عن الكلفة بخلاف بيته، والإيضاح لأن المعنى المراد في ألفاظ بيتي أشد وضوحاً من معناه، فإن بيتي لا يفتقر في دلالته على معناه لشيء مقدر بخلاف بيته، ومفردات ألفاظي أشد وضوحاً لمعانيها من مفردات بيته، لأن قولي: أهجى، أدل على معنى الهجاء بظاهره من قوله: عما يريبكم، وكلا البيتين المراد به التهديد بصريح الهجاء نطقاً دون هيئة، وفي قولي هبني سكت، إشارة إلى أني لا أسكت، ثم قلت على حكم التنزل الجدلي: وهبني سكت أيسكت لسان ضرورتي؟ وفي قول ابن الرومي:\rسد السداد فمى عما يريبكم\rإسجال على نفسه بالسكوت عن هجوهم، وهذا غير مراده الذي أراده من التهديد، وإذا وضح معنى الكلام هذا الوضوح في لفظ قد انتخبت","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985723,"book_id":6313,"shamela_page_id":401,"part":null,"page_num":486,"sequence_num":401,"body":"مفرداته وحسن تركيبه وسهل فهمه، كان موصوفاً بحسن البيان دون غيره، ومنعوتاً بالتهذيب دون سواه، وإذا استوى البيتان في المعنى وكان أحدهما أخصر وزناً وأبلغ معنى وكانت محاسنه أكثر، وعرى مما وقع في أخيه من العيوب، كان قائل موصوفاً بحسن الإتباع، وبيتي كذلك، لا سيما وقد وقع فيه مع هذا الإبداع، وهو تضمن كل لفظة بديعاً أو بديعين، مثل تضمن هبني سكت، الترشيح للاستعارة التي في لسان ضرورتي، وفيها بعدها الضرب الجدلي الذي سماه أهل الصناعة المذهب الكلامي، وفي الضرب تفسير وتمكين، وفي جملة البيت ما تقدم، فحصل في البيت سبعة عشر ضرباً من البديع قد تقدم ذكرها مفصلة، وسياقها جملة: المطابقة، المذهب الكلامي، الترشيح، الاستعارة، المبالغة، التكميل، التفسير، التمكين، المساواة، الائتلاف، الإيجاز، الإيضاح، حسن البيان، الإبداع، التهذيب، الانسجام، حسن الإتباع، ففضل بيتي بيت ابن الرومي بثلاثة أضرب من البديع، وخلوه من العيب الذي بسببه امتنع به أن يوصف بالانسجام.\rومن حسن الإتباع إتباع الأخطل النابغة الذبياني في قوله طويل:\rفإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع\rفقال طويل:\rوإن أمير المؤمنين وفعله ... لكالدهر لا عار بما صنع الدهر\rفهذا من الإتباع الذي ليس بحسن، وإنما ذكرته في هذا الباب لأذكر بعده الإتباع الحسن فيبين فضله:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985724,"book_id":6313,"shamela_page_id":402,"part":null,"page_num":487,"sequence_num":402,"body":"والضد يظهر حسنه الضد\rومنه قول علي بن جبلة طويل:\rوما لامرئ حاولته منك مهرب ... ولو رفعته في السماء المطالع\rبلى هارب لا يهتدي لمكانه ... ظلام ولا ضوء من الصبح ساطع\rفإني رأيت أكثر العلماء رجحوا هذا البيت على بيت النابغة، وفي الشعرين عندي بحث يضيق عنه هذا المكان، ومثل هذا المعنى قول سلم الخاسر بسيط\rفأنت كالدهر مبتوتاً حبائله ... والدهر لا ملجأ منه ولا هرب\rولو ملكت عنان الريح أصرفها ... في كل ناحية ما فاتك الطلب\rوتناوله البحتري فقال: كامل:\rولو أنهم ركبوا الكواكب لم يكن ... ينجيهم من خوف بأسك مهرب\rوكل هذه المعاني متلاشية في جنب قول الله تعالى: \" يا معشر الجن الإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان \" وقد جاء من ذلك في السنة النبوية قول رسول الله ﷺ: \" نصرت بالرعب، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وليدخلن هذا الدين على ما دخل عليه الليل \".\rومن حسن الإتباع إتباع نصيب الأعشى في قول الأعشى طويل:\rوإن عتاق العيس سوف تزوركم ... ثناء على أعجازهن معلق","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985725,"book_id":6313,"shamela_page_id":403,"part":null,"page_num":488,"sequence_num":403,"body":"فقال نصيب طويل:\rفعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب\rومنه ابتاع أبي تمام عنترة في قول عنترة كامل:\rفازور من وقع القنا بلبانه ... وشكا إلي بعبرة وتحمحم\rفقال: أعني أبا تمام بسيط\rلو يعلم الركن من قد جاء يلثمه ... لخر يلثم منه موطئ القدم\rوابتعه البحتري فقال كامل:\rولو أن مشتاقاً تكلف فوق ما ... في وسعه لسعى إليك المنبر\rواتبعه المتنبي فقال: كامل:\rلو تعقل الشجر التي قابلتها ... مدت محيية إليك الأغصنا\rوكل هذا من قوله تعالى: \" يوم نقول لجهنم هل امتلأت \" الآية، وقوله سبحانه: \" إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها \" الآية وقوله ﷿: \" تكاد تميز من الغيظ \"، والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985726,"book_id":6313,"shamela_page_id":404,"part":null,"page_num":489,"sequence_num":404,"body":"باب حسن البيان\rحسن البيان عبارة عن الإبانة عما في النفس بألفاظ سهلة بليغة بعيدة من اللبس، كما قال الشاعر خفيف:\rخطباء على المنابر فرسا ... ن على الخيل قالة غير خرس\rلا يعابون صامتين وإن فا ... هوا أبانوا ولم يفوهوا بلبس\rوالبيت الثاني أردت.\rوهو أعني حسن البيان إما بالأسماء والصفات المنفردة وإما بهما مؤتلفة، ودلالة الأول متناهية، ودلالة الثاني غير متناهية، فإن قائلاً لو قال: قد انتهى تأليف الشعر بحيث لا يمكن أن يؤتى بقصيدة إلا وقد قيلت من قبل، كان قوله محالاً، إلا أن تقول: أردت الوزن والتقفية لا غير، وأما جملة القصيد ومجموع صورتها فلا، لأن دلالة التأليف غير متناهية، كما أن الأعداد الممكنة ليس لها نهاية، غير أن البيان فيه الأقبح والأحسن، والوسائط بين هذين الطرفين، فالأقبح كبيان باقل وقد سئل عن ثمن ظبي كان معه، فأراد أن يقول: أحد عشر، فأدركه العي، حتى فرق أصابع يديه وأدلع لسانه، فأفلت الظبي، وهذا أقبح بيان، مع أن قد بالغ في الإفهام، لكونه أخرج تعريف العدد من السماع إلى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985727,"book_id":6313,"shamela_page_id":405,"part":null,"page_num":490,"sequence_num":405,"body":"العيان، ومن هاهنا يعلم أنه ليس كل إيجاز بلاغة، ولا كل إطالة عيا، فإنه لا إيجاز في الإفهام أوجز من بيان باقل، لأن المخاطب فهم عنه بمجرد نظرة واحدة، ومع ذلك ضرب به المثل في العي بهذا البيان، والأحسن أن يقول: أحد عشر، والوسائط أن يقول مثلاً: ستة وخمسة، أو عشرة وواحد، أو خمسة وخمسة وواحد، والوسائط تعلو وتسفل بحسب قربها من البلاغة وبعدها بالنسب والإضافات، وبيان الكتاب العزيز وكل كلام بليغ فصيح من الأحسن دون الأقبح ودون الوسائط، لكن الأحسن أيضاً تتفاوت طبقاته كالوسائط، فمنه الأعلى والأدنى والأوسط بالنسبة، وحقيقة حسن البيان إخراج المعنى المراد في أحسن الصور الموضحة له، وإيصاله لفهم المخاطب بأقرب الطرق وأسهلها، لأنه عين البلاغة، وقد تكون العبارة عنه تارة من طريق الإيجاز، وطوراً من طريق الإطناب كثرة العبارة بسبب كثرة المعاني، والإسهاب كثرة العبارة عن المعنى الواحد، والمعاني القليلة، والأول بعينه هو حد البلاغة وحقيقتها، وبه جاء كل بيان القرآن، كقول الله تعالى وقد أراد أن يحذر من الاغترار بالنعم \" كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين \" وكقوله تعالى وقد أراد أن يبين عن الوعد \" إن المتقين في مقام أمين \" الآية، وكقوله ﷿ وقد أراد أن يبين عن الوعيد \" إن يوم الفصل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985728,"book_id":6313,"shamela_page_id":406,"part":null,"page_num":491,"sequence_num":406,"body":"ميقاتهم أجمعين \" وكقوله في الاحتجاج القاطع للخصم: \" وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم، قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم \" وكقوله ﵎ وقد أراد أن يبين عن تقريع الكفار: \" أفنضرب عنكم الذكر صفحاً أن كنتم قوماً مسرفين \" وكقوله تعالى وقد أراد أن يبين عن التحير: \" ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون \" وكقوله تعالى وقد أراد أن يبين عن العدل: \" ولو ردوا لعادوا لما نهو عنه \" وأمثال هذه المواضع كثيرة لمن يتتبعها.\rومما جاء من ذلك في الشعر قول أبي العتاهية منسرح:\rيضطرب الخوف والرجاء إذا ... حرك موسى القضيب أو فكر\rوكقول الآخر طويل:\rله لحظات عن خفافي سريره ... إذا كرها فيها عقاب ونائل\rفإن هذين الشاعرين أرادا مدح هذين الممدوحين بالخلافة، ووصفهما بالقدرة المطلقة وعظم المهابة بعد الله سبحانه، فإذا نظر أحدهما نظرة، أو حرك القضيب مرة، أو أطرق مفكراً لحظة، اضطرب الخوف والرجاء في قلوب الناس، فأبانا عن هذه المعاني أحسن إبانة بخلاف قولي طويل:\rبكفيه نفع العالمين وضرهم ... فنعمى لذي حسني وبؤسي لمجرم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985729,"book_id":6313,"shamela_page_id":407,"part":null,"page_num":492,"sequence_num":407,"body":"فإني أردت الإبانة عن معنى أبي العتاهية والذي بعده، فأبنت عنه بياناً غير حسن ولا قبيح، ولم يكن في قوتي الإبانة عن المعنى بأحسن بيان كما فعلاً، فإن بيتي يصلح أن يكون في شواهد الوسائط في هذا الباب، وإن كان أبو العتاهية والذي بعده ألما في معناهما بالحزين الكناني حيث يقول في عبد الله بن عبد الملك بن مروان، وقد وفد عليه وهو عامل مصر لأبيه بسيط\rلما وقفت عليه في الجموع ضحى ... وقد تعرضت الحجاب والخدم\rحييته بسلام وهو مرتفق ... وضجة الناس عند الباب تزدحم\rفي كفه خيزران ريحها عبق ... من كف أروع في عرنينه شمم\rيغضى حياء ويغضى من مهابته ... فما يكلم إلا حين يبتسم\rوالبيت الأخير أردت.\rوالفرق بين ما سميته في بيت أبي العتاهية والذي بعده حسن بيان وبين الإشارة، أن الإشارة لا تكون بلفظ الحقيقة، وحس البيان يكون بلفظ الحقيقة وبغيره، فما كان منه بلفظ الحقيقة فهو من البيان الأحسن، وما كان بغير لفظ الحقيقة فهو من البيان الحسن، ولا بد أن يكون لفظه أقرب إلى لفظ الحقيقة من لفظ الإشارة، كما أن لفظ الإشارة أقرب إلى لفظ المعنى من لفظ الإرداف، ولفظ الإرداف أقرب من لفظ التمثيل، ألا ترى أن لحظات الناظر تدل على الغضب والرضا أسرع ما","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985730,"book_id":6313,"shamela_page_id":408,"part":null,"page_num":493,"sequence_num":408,"body":"يدل قيد الأوابد على سرعة عدو الفرس، والإنسان يجد الفهم يسرع إلى مدلول اللحظات أقرب من سرعته إلى مدلول قيد الأوابد والفرق أيضاً بين حسن البيان والإيضاح، أن الإيضاح يكون بالعبارة الفاضلة والعبارة النازلة، وحسن البيان لا يكون إلا بالعبارة الفاضلة، والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985731,"book_id":6313,"shamela_page_id":409,"part":null,"page_num":494,"sequence_num":409,"body":"باب التوليد\rالتوليد على ضربين: من الألفاظ ومن المعاني، فالذي من الألفاظ على ضربين أيضاً، توليد المتكلم من لفظه ولفظ غيره، وتوليده من لفظ نفسه، والأول هو أن يزوج المتكلم كلمة من لفظه إلى كلمة من غيره، فيتولد بينهما كلام ينقض غرض صاحب الكلمة الأجنبية، وذلك في الألفاظ المفردة دون الجمل المؤتلفة.\rمثاله ما حكى أن مصعب بن الزبير وسم خيله بلفظة عدة فلما قتل وصار إلى العراق رآها الحجاج فوسم بعد لفظة عدة لفظة الفرار فتولد بين اللفظتين غير ما أراده مصعب.\rومن لطيف التوليد قول بعض العجم، وهو توليد المتكلم ما يريد من لفظ نفسه وافر:\rكأن عذاره في الخد لام ... ومبسمه الشي العذب صاد\rوطرة شعره ليل بهيم ... فلا عجب إذا سرق الرقاد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985732,"book_id":6313,"shamela_page_id":410,"part":null,"page_num":495,"sequence_num":410,"body":"فإن هذا الشاعر ولد من تشبيه العذار باللام، وتشبيه الفم بالصاد لفظة لص، وولد من معناها ومعنى تشبيه الطرة بالليل ذكر سرقة النوم، فحصل في البيت توليد وإغراب وإدماج، وهذا من أغرب ما سمعت في ذلك، وهو الثاني من التوليد اللفظي.\rومن توليد الألفاظ توليد المعنى من تزويج الجمل المفيدة.\rومثاله ما حكى أن أبا تمام أنشد أبا دلف:\rعلى مثلها من أبع وملاعب\rفقال: من أراد نكتة فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، فولد بين الكلامين كلاماً ينافي غرض أبي تمام من وجهين: أحدهما خروج الكلام من النسيب إلى الهجاء بسبب ما انضم إليه من الدعاء، والثاني خروج الكلام من أن يكون بيتاً من شعر إلى أن صار قطعة من نثر.\rومن هذا الضرب قول الشاعر طويل:\rألوم زيادا في ركاكة عقله ... وفي قوله أي الرجال المهذب\rوهل يحسن التهذيب منك خلائقا ... أرق من الماء الزلال وأطيب\rتكلم والنعمان شمس سمائه ... وكل مليك عند نعماك كوكب\rولو أبصرت عيناه شخصك مرة ... لأبصر منه شمسه وهو غيهب\rفإن هذا الشاعر زوج مدحة ممدوحه بتهذيب الأخلاق إلى قول النابغة أي الرجال المهذب فتولد بين الكلام ما ينافي غرض النابغة، حيث","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985733,"book_id":6313,"shamela_page_id":411,"part":null,"page_num":496,"sequence_num":411,"body":"أخرج الشاعر كلامه مخرج المنكر على النابغة ذلك الاستفهام، وأوضح مناقضته للنابغة في بيته الثاني، وهو قوله: وهل يحسن التهذيب، البيت، وزوج قوله في عجز البيت الثالث:\rوكل مليك عند نعماك كوكب\rإلى قول النابغة:\rفإنك شمس والملوك كواكب\rبدليل قول الشاعر عن النابغة:\rتكلم والنعمان شمس سمائه\rالبيت، فتولد بين الكلامين قوله طويل:\rولو أبصرت عيناه شخصك مرة ... لأبصر منه شمسه وهو غيهب\rفهذا الضرب الأول من التوليد بأقسامه، وهو ما تولد من اللفظ.\rوأما الضرب الثاني منه، وهو ما تولد من المعاني، كقول القطامي بسيط\rقد يدرك المتأنى بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزلل\rفقال من بعده بسيط\rعليك بالقصد فيما أنت فاعله ... إن التخلق يأتي دونه الخلق\rفمعنى صدر هذا البيت معنى بيت القطامي بكماله، ومعنى عجز البيت مولد بينهما، وهو قوله:\rإن التخلق يأتي دونه الخلق\rوالقطامي أخذ معناه من عدي بن زيد العبادي حيث قال سريع:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985734,"book_id":6313,"shamela_page_id":412,"part":null,"page_num":497,"sequence_num":412,"body":"قد يدرك المبطئ من حظه ... والخير قد يسبق جهد الحريص\rوعدي نظر إلى قول جمانة الجعفي طويل:\rومستعجل والمكث أدنى لرشده ... لم يدر في استعجاله ما يبادر\rومن التوليد توليد بديع من بديع كقول أبي تمام طويل:\rله منظر قيد النواظر لم يزل ... يروح ويغدو في خفارته الحب\rفإنه ولد قوله: قيد النواظر من قول امرئ القيس: \" قيد الأوابد \" لأن هذه اللفظة التي هي قيد انتقلت بإضافتها من الطرد إلى النسيب، فكأن النسيب تولد من الطرد، وتناول اللفظة المفردة لا يعد سرقة كتناول هذه اللفظة.\rومن التوليد نوع آخر وهو توليد المعاني، والذي مضى توليد الألفاظ، وهو أن يزوج المتكلم معنى من معاني البديع بمعنى فيه، فيتولد بينهما فن مدمج في فن كقولي طويل:\rشفيعي عند الغيد مسود وفرتي ... إذا ما غدا غيري وشافعه الوفر\rفإني لما زوجت التجنيس بالمبالغة تولد بينهما تفضيل الشباب على المال، فالتجنيس قولي: وفرتي والوفر والمبالغة تسميتي الشباب شفيعاً والوفر شافعاً، وفعيل من أبنية المبالغة بخلاف فاعل، وتفضيل الشباب جاء مدمجا في الغزل، لأن البيت بمعناه الذي قصد التغزل، وهذا توليد كما ترى، ولا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985735,"book_id":6313,"shamela_page_id":413,"part":null,"page_num":498,"sequence_num":413,"body":"يقع في الكتاب العزيز من التوليد إلا توليد المعاني البديعية، ومن ذلك ما وقع في قوله تعالى: \" قل رب احكم بالحق \" فإني استخرجت من هذه الآية أربعة عشر نوعاً من البديع أمهاتها خمس، وهي: الأرداف والتتميم والائتلاف والتهذيب، وتولد من هذه الأمهات تسعة أضرب، وهي الإيضاح والإدماج والافتنان وحسن البيان والمقارنة والامتزاج والإيجاز والإبداع، والمثل السائر، وشرح ذلك يضيق عنه هذا المكان، وقد أفردته في صحيفة على انفراده، والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985736,"book_id":6313,"shamela_page_id":414,"part":null,"page_num":499,"sequence_num":414,"body":"باب التنكيت\rوهو أن يقصد المتكلم إلى شيء بالذكر دون أشياء كلها يسد مسده، لولا نكتة في ذلك الشيء المقصود ترجح اختصاصه بالذكر دون ما يسد مسده، ولولا تلك النكتة التي انفرد بها لكان القصد إليه دون غيره خطأ ظاهراً عند أهل النقد.\rومما جاء من ذلك في الكتاب العزيز قوله سبحانه: \" وأنه هو رب الشعرى \" فإنه ﷾ خص الشعري بالذكر دون غيرها من النجوم، وهو رب كل شيء، لأن العرب كان قد ظهر فيهم رجل يعرف بابن أبي كبشة عبد الشعرى، ودعا خلقاً إلى عبادتها، فأنزل الله سبحانه: \" وأنه هو رب الشعرى \" التي ادعيت فيها الربوبية دون سائر النجوم. وكقوله تعالى: \" وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم \" فإنه سبحانه إنما خص \" تفقهون \" دون \" تعلمون \" لما في الفقه من الزيادة على العلم، والمراد الذي يقتضيه معنى هذا الكلام والتفقه في معرفة كنه التسبيح من الحيوان البهيم والنبات والجماد الذي تسبيحه بمجرد وجوده الدال على قدرة موجده ومخترعه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985737,"book_id":6313,"shamela_page_id":415,"part":null,"page_num":500,"sequence_num":415,"body":"ومن غريب التنكيت قوله تعالى: \" والله خلق كل دابة من ماء \" فإنه يقال: لم اقتصر على ذكر الماء دون بقية العناصر التي يكون الله سبحانه المولدات الثلاث منها؟، فيقال: النكتة التي رجحت الاقتصار على الماء دون بقية العناصر قوله \" كل دابة \" بلفظ الاستغراق لكل ما دب، وليس في العناصر الأربعة ما يعم جميع المخلوقات إلا الماء، ليدخل الحيوان البحري فيها.\rمن أمثلة هذا الباب الشعرية قول الخنساء وافر:\rيذكرني طلوع الشمس صخراً ... وأذكره لكل غروب شمس\rفخصت هذين الوقتين وإن كانت تذكره في كل وقت، لما في هذين الوقتين من النكتة المتضمنة تأبين الميت، والمبالغة في وصفه بالشجاعة والكرم، لأن طلوع الشمس وقت الغارات على العدى، ووقت غروبها وقت وقود النيران للقرى.\rومن أمثلة الباب أيضاً قول المتنبي كامل:\rلو مر يركض في سطور كتابه ... أحصى بحافر مهره ميماتها\rفإنه إنما خص الميمات دون غيرها من الحروف، لكونها تشبه الحوافر من جهة استدارتها، فإن قيل: إن كان أراد تشبيه الحوافر فالعدول إلى العينات أولى، لأنها بالحوافر أشبه، ولا سيما عنده، حيث شبه الحافر بالعين، في قوله لسيف الدولة منسرح:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985738,"book_id":6313,"shamela_page_id":416,"part":null,"page_num":501,"sequence_num":416,"body":"أول حرف من اسمه كتبت ... سنابك الخيل في الجلاميد\rقلت: يترجح ذكر الميمات دون العينات لوجهين: أحدهما أن الميمات في الكلام أكثر من العينات، لأنها تقع أصلاً وزائدة، والعينات لا تقع إلا أصلية، والثاني أنها أصغر شكلاً، واختصاص ما هو أصغر وأكثر في باب الإحصاء أمدح للموصوف بالإحصاء من ذكر ما هو أقل وأكبر وإنما مدحه بالإحصاء في حالة الركض، لأن الإحصاء يدل على ثبات الجأش وحضور الحس وعدم الدهش والطيش في وقت الركض.\rومن دقيق ما وقع في البيت من ملاءمة الألفاظ بعضها لبعض الدالة على الائتلاف قوله: مهره ولم يقل طرفه لكونه الطرف يقع على المهر، وعلى القارح فيتخلص من الاشتراك الموجب عدم الملاءمة لأن صغر حافر المهر ملائم لصغر شكل الميم، فحصل في البيت إدماج الائتلاف في المبالغة وتعليق المدح بالنبات بالوصف، وهذا من ألطف ما وقع في هذا الباب.\rومن بديع أمثلة هذا الباب قول عنترة، وهو مما يسأل عنه كامل:\rما راعني إلا حمولة أهلها ... وسط الديار تسف حب الخمخم\rفيها اثنتان وأربعون حلوبة ... سوداً كخافية الغراب الأسحم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985739,"book_id":6313,"shamela_page_id":417,"part":null,"page_num":502,"sequence_num":417,"body":"فإن لفظة الحمولة تدل على الرحيل، وكذلك كونها وسط الديار وعلوفتها هذا الحب المخصوص يدل على بعد الرحلة، فإنه حب يقوي أعصاب الإبل، وهذا العدد من الحلوبات السود الصقيلة الحسان يدل على كثرة المال وانتخابه، وكذلك لا يكون إلا للملوك، فهو يدل على أن المعشوقة من بنات الملوك، وفي ذلك فخر لمن يميل إليها، والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985740,"book_id":6313,"shamela_page_id":418,"part":null,"page_num":503,"sequence_num":418,"body":"باب الاتفاق\rوهو أن تتفق للشاعر واقعة تعلمه العمل في نفسه، فإن للسبق إلى معاني الوقائع التي يشترك الناس في مشاهدتها أو سماعها فضلاً لا يجحد، كما اتفق لبعض شعراء مصر، ويقال إنه الرضى بن أبي حصينة، وقد أغزى الملك الناصر صلاح الدين حاجبه حسام الدين لؤلؤ الإفرنج الذين قصدوا الحجاز من بحر القلزم، فظفر الحاجب بهم، فقال ابن أبي حصينة في تهنئته مخاطباً للإفرنج بسيط\rعدوكم لؤلؤ والبحر مسكنه ... والدر في البحر لا يخشى من الغير\rثم قال بعد أبيات مخاطباً للملك الناصر ﵀ بسيط\rفأمر حسامك أن يحظى بنحرهم ... فالدر مذ كان منسوب إلى البحر\rوكما قال ابن الساعاتي وقد قصد الملك الناصر ﵀ بيت يعقوب من حصون الشام فقال مخاطباً الإفرنج طويل:\rدعوا بيت يعقوب فقد جاء يوسف\rوكما اتفق لي وقد لقي الملك الأشرف موسى بن أبي بكر بن أيوب بن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985741,"book_id":6313,"shamela_page_id":419,"part":null,"page_num":504,"sequence_num":419,"body":"عمه الملك الظافر الخضر بن يوسف بن أيوب رحمهم الله تعالى بملتقى الخابور والفرات، فاتفق لي أن قلت طويل:\rغدا مجمع البحرين شاطئ فراتنا ... ألم تر موسى فيه قد لقى الخضرا\rوكما قلت عند اجتماع الملك الأشرف هذا بأخيه الملك الكامل رحمهما الله تعالى بمصر من قصيدة أهنئ فيها مصر بذلك مخبراً عنها طويل:\rتقول وموسى قد أتى لمحمد ... أهل ليلة الإسراء عاد بها الدهر؟!\rوكقولي من قطعة هنأت بها فخر الدين عثمان بن قزل رحمه الله تعالى بمولودين جاءاه في ليلة واحدة \" مجتث \":\rليهن علياك بدرا ... ن زينا الخافقين\rالآن صرت يقينا ... عثمان ذا النورين\rومن الاتفاق أن يتفق للشاعر أسماء لممدوحه ولآبائه يمكنه أن يستخرج منها مدحاً لذلك الممدوح، ولو لم تتفق تلك الأسماء على ما هي عليه لما اتفق استخراج ذلك المدح، كقول أبي نواس كامل:\rعباس عباس إذا احتدم الوغى ... والفضل فضل والربيع ربيع\rوقد وقع في هذا البيت مع لطيف الاتفاق مليح الازدواج في قوله:\rعباس عباس، والفضل فضل ... والربيع ربيع ولأبي نواس","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985742,"book_id":6313,"shamela_page_id":420,"part":null,"page_num":505,"sequence_num":420,"body":"من القسم الأول من الاتفاق ما لم يتفق مثله في مرثية يرثى بها خلفاً الأحمر منسرح:\rوكان ممن مضى لنا خلفاً ... وليس إذ بان منه من خلف\rفإنه اتفق له من اسم المرثي تورية حسنت موقع هذا البيت إلى أن أتى في الطبقة العليا والغاية القصوى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985743,"book_id":6313,"shamela_page_id":421,"part":null,"page_num":506,"sequence_num":421,"body":"باب النوادر\rوهو الذي سماه قدامة قديماً الإغراب والطرفة، ولم يفرد له باباً في المحاسن فاذكره في أبوابه، وسماه من بعده التطريف، وسماه قوم النوادر، وقوم أبقوا عليه تسمية قدامة، وأفردوه باباً، فتبعتهم في ذلك، وأتيت به، وهو آخر أبواب من تقدمني من جميع الناس في غالب ظني وهو أن يأتي الشاعر بمعنى غريب لقلته في كلام الناس وليس من شرطه على رأي قدامة فيه غير ذلك وقال: لا يكون في المعنى إغراب إلا إذا لم يسمع مثله، والاشتقاق يعضد التفسير الثاني، والشواهد تعضد تفسير قدامة، لأن شواهد الباب وقع فيها ما يجوز أن يكون قائله لم يسبق إليه، وما يجوز أن يكون قد سبق إليه على قلته، واستدل قدامة على مراده بقول الناس: ورد طريف غريب، إذا جاء في غير وقته، أما كونه لم يرقط فهذا محال، وإنما المراد لم يوجد مثله في ذلك الزمان.\rومن أمثلته للأوائل مدح زهير للفقراء والأغنياء معاً فإنه غريب، إذ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985744,"book_id":6313,"shamela_page_id":422,"part":null,"page_num":507,"sequence_num":422,"body":"العادة جارية بمدح الأغنياء غالباً، لأنه يقال: ما سمع قط مدح فقير حتى قال طويل:\rعلى مكثريهم حق من يعتريهم ... وعند المقلين السماحة والبذل\rومن الغريب الطريف قول أبي تمام كامل:\rلا تنكروا ضربي له من دونه ... مثلاً شروداً في الندى والباس\rفالله قد ضرب الأقل لنوره ... مثلاً من المشكاة والنبراس\rومن الغريب الطريف أيضاً قول دريد طويل:\rولم أدر من ألقى عليه رداءه ... على أنه قد سل من ماجد محض\rفإنه ما سمع من مدح من لا يعرفه قبله، وتبعه أبو نواس في ذلك فقال في القطعة التي أولها طويل:\rودار ندامى عطلوها وأدلجوا ... بها أثر منهم جديد ودارس\rمساحب من جر الزقاق على الثرى ... وأضغاث ريحان جني ويابس\rحبست بها صحبي فجددت عهدهم ... وإني على أمثال تلك لحابس","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985745,"book_id":6313,"shamela_page_id":423,"part":null,"page_num":508,"sequence_num":423,"body":"ولم أدر منهم غير ما شهدت به ... بشرقي ساباط الديار البسابس\rومن الإغراب اللطيف قول القائل كامل:\rعرض المشيب بعارضيه فأعرضوا ... وتقوضت خيم الشباب فقوضوا\rإن كان في الليل البهيم تبسطوا ... خفراً وفي الصبح المنير تقبضوا\rولقد سمعت وما سمعت بمثلها ... بيتا غراب البين فيه أبيض\rومن لطيف الإغراب وطريفه قول بعضهم \" البسيط \":\rظلت تبشرني عيني إذا اختلجت ... بأن أراك وقد كنا على حذر\rفقلت للعين أما كنت صادقة ... إني ببشراك لي من أسعد البشر\rفما جزاؤك عندي لست أعرفه ... بلى جزاؤك أن أحبوك بالنظر\rوأستر المقلة الأخرى فأحجبها ... عن أن تراك كما لم تأت بالخبر\rومن الإغراب قسم آخر، وهو أن يعمد الشاعر إلى معنى متداول معروف ليس بغريب في بابه فيغرب فيه بزيادة لم تقع لغيره، ليصير بها ذلك المعنى المعروف غريباً طريفاً، وينفرد به دون كل من نطق بذلك المعنى، وبيان ذلك أن تشبيه الحسان بالشمس والبدر متداول معروف، فلما أراد أبو تمام ارتكاب هذا المعنى، وفطن إلى أنه قد ذهبت طلاوته لكثرة ابتذاله تحيل له في زيادة طريفة لم تقع لغيره يصير بها المعنى غريباً بعد أن كان معروفاً، فقال طويل:\rفردت علينا الشمس والليل راغم ... بشمس لهم من جانب الخدر تطلع","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985746,"book_id":6313,"shamela_page_id":424,"part":null,"page_num":509,"sequence_num":424,"body":"فوالله ما أدري أأحلام نائم ... ألمت بنا أم كان في الركب يوشع\rفإن حاصل كلامه تشبيه المرأة الموصوفة بالشمس، لكن التشكيك الذي أدخله في كلامه وذكر يوشع بعد إغرابه في التوطئة بإخباره بان هذه المرأة ردت بها الشمس برغم الليل، نقل المعنى من المعرفة إلى الغرابة، فلا جزم أنه استحقه بذلك دون كل من تناوله، ودون المبتدئ به ومن هذا القسم قول المتنبي بسيط\rيطمع الطير فيهم طول أكلهم ... حتى تكاد على أحيائهم تقع\rفإنه عمد إلى المعنى المعروف في هذا الفن من كون الطير تقع على القتلى وتتبع الجيوش ثقة بالشبع، فتجاوز بزيادة المبالغة المستحسنة إلى ما قال، والذي حسن البيت جداً إتيانه فيه بلفظة \" تكاد \" فإنها قلبت المستحيل ممكناً، فساغت المبالغة، وحصل له ما أراد من الإغراب والطرفة.\rومن الإغراب أيضاً قول ابن شرف القيرواني كامل:\rغيري جنى وأنا المعاقب فيكم ... فكأنني سبابة المتندم\rلو لم يبغضه عنده ابن رشيق حين أنشده إياه وقال: هل سمعت بهذا المعنى؟ فقال: سمعته وأخذته أنت أفسدته، فقال: ممن؟ فقال: من النابغة الذبياني حيث قال: طويل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985747,"book_id":6313,"shamela_page_id":425,"part":null,"page_num":510,"sequence_num":425,"body":"وكلفتني ذنب امرئ وتركته ... كذى العرى يكوي غيره وهو راتع\rفأما إفساده فلأنك قلت في صدر بيتك إنك عوقبت بجناية غيرك، ولم تعاقب صاحب الجناية. ثم قلت في عجز بيتك: إن صاحب الجناية قد شركك في العقوبة: فناقض معناك، وذلك أنك شبهت نفسك بسبابة المتندم، وسبابة المتندم أول شيء يتألم في المتندم، ثم يشركها المتندم في الألم فإنه متى تألم عضو من الحيوان تألم كله لأن المدرك من كل مدرك حقيقته، وحقيقته على المذهب الصحيح هي جملته المشاهدة منه، والمكوى من الإبل: يألم وما به عر البتة، وصاحب العر لا يألم جملة، فمن هاهنا أخذت المعنى وأفسدته، غير أن ابن شرف هذا له في هذا الباب ما لا يلحق، وهو قوله \" رمل \":\rقلم قلم أظفار العدا ... وهو كالإصبع مقصوص الظفر\rأشبه الحية حتى أنه ... كلما عمر في الأيدي قصر\rوالبيت الثاني أردت، وأما الأول فهو من باب الإغراب في البرد لأنه لا نكاية للعدى في تقليم أظفارهم، بل ذلك مما يحسن صورهم، ويزداد به نشاطهم، ويماط به الأذى عنهم عند تناول الطعام والشراب، وتقبل بذلك النفوس عليهم، ولا يقال: إنه أراد بالأظفار السلاح، فإن ذلك من الغيب الذي لا يعلم، إذ ليس في الكلام ما يشعر بهذه الاستعارة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985748,"book_id":6313,"shamela_page_id":426,"part":null,"page_num":511,"sequence_num":426,"body":"ومما يفسد هذا التأويل قوله: كالإصبع، فإنه ذكر الإصبع، والمراد به ظاهر اللفظ فإنه يدل على أن الظفر على ظاهره إلا أن يتأول الإصبع، وأما تشبيه القلم بالإصبع فهو تشبيه يسلبه جميع المنافع والمضار، فإن الإصبع الواحدة على انفرادها قلما تعمل عملاً، وإن عملت عملاً كان غير متقن وكانت غير متمكنة منه، فلا معنى لها على انفرادها، وأنت ترى من ولد خداجاً ليس في كفه إلا إصبع واحدة غير منتفع بيده، ويشاهد ما بها من القبح، ولا يكون للإصبع جمال إلا مع انضمامها إلى أخواتها، واستعارة قصر الظفر له من أبرد الاستعارات، إلا أنه كفر بحسنات البيت الثاني سيئات البيت الأول أن الحسنات يذهبن السيئات وقد أتى أيضاً في هذا الباب بما هو أحسن من الأول وهو قوله بسيط\rأغنيتني عن جميع الناس كلهم ... ولم أجد مغنياً من سائر البشر\rكالحمد تجزي المصلى حين يقرأها ... وليس يغنيه عنها سائر السور\rهذا على مذهب الجمهور، فإنه مذهب مالك والشافعي وأحمد، إلا أبا حنيفة وصاحب الشعر مالكي، إذ هو مذهب أهل المغرب ولابن رشيق في هذا الباب ما لا يشق غباره وهو قوله \" رجز \":\rكأنما الصبح الذي تفرا ... ضم إلى الشرق النجوم الزهرا\rفاختلطت فيه فصارت فجرا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985749,"book_id":6313,"shamela_page_id":427,"part":null,"page_num":512,"sequence_num":427,"body":"وقوله أيضاً متقارب:\rوما ثقلت كبراً وطأتي ... ولكن جررت ورائي السنينا\rوقد رأيت الحجاري صاحب الحديقة وصاحب المسهب في أخبار أهل المغرب سمى هذا الباب في الحديقة مناقلة، وفسره بأن قال: هو من مناقلة الخيل، وهي وضع الفرس في الوعر يده موضع رجله مخالفاً لمشيته المعتادة، وأنشد فيه قول ابن الرومي سريع:\rتستغفر الناس بأيديهم ... وهن يستغفرن بالأرجل\rفيا له من عمل صالح ... يرفع الله إلى أسفل\rفأغرب بمخالفة العادة. حيث ذكر أن هذه النسوة يفعلن بالأرجل ما يفعله الناس بالأيدي، والارتفاع إلى الأسفل من أغرب الغريب.\rومن نوادر الإغراب قول الأرجاني كامل:\rشعري إذا ما قيل يرويه الورى ... بالطبع لا بتكلف الإلقاء\rكالصوت في قنن الجبال إذا بدا ... للسمع هاج تجاوب الأصداء\rومن مليح هذا الباب قول بعضهم طويل:\rتواضع كالنجم استبان لناظر ... على صفحات الماء وهو رفيع\rومن دونه يسمو إلى النجم صاعداً ... سمو دخان النار وهو وضيع\rومن الإغراب نوع يغرب المتكلم فيه بأن يخرج معنى المدح في لفظ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985750,"book_id":6313,"shamela_page_id":428,"part":null,"page_num":513,"sequence_num":428,"body":"الغزل، فيأتي المدح هزازاً للمعاطف من الطرب، يكاد يؤكل بالضمير ويشرب، كقول أبي تمام في صفة عمورية بسيط\rما ربع مية معموراً يطيف به ... غيلان أبهى ربا من ربعها الخرب\rولا الحدود وإن أدمين من خجل ... أشهى إلى ناظري من خدها الترب\rسماحة غنيت منا العيون بها ... عن كل حسن بدا أو منظر عجب\rوحسن منقلب تبقى عواقبه ... جاءت بشاشته من سوء منقلب\rوكقول ابن سنان الخفاجي كامل:\rصبحتهم باللاذقية فالتقى ... بحران ماء راكد وعتاق\rسبق الظلام لها فعضت ورودها ... تبعاً وأنت لمثلها سباق\rحتى إذاً متع الضحى وتمارت ال؟ ... أبصار أيكما له الإشراق\rغادرتها دمنا على أطلالها ... يبكي الخليط وتذكر الأشواق\rوسننت دين قراك في عرصاتها ... فالنار تضرم والدماء تراق\rوالبيت الرابع أردت، وإنما ذكرت ما قبله وما بعده لارتباطه بذلك، ولما في المجموع من كمال حسن المعنى، دون انفراد أحد الأبيات وما رأيت في عصرنا أغرب معان من القاضي السعيد بن سناء الملك ﵀.\rومن غرائب معانيه قوله في عمياء تظرفا سريع:\rشمس بغير الليل لم تحتجب ... وما سوى العينين لم تكسف\rبغمده المرهف لكنها ... تقتل بالغمد بلا مرهف","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985751,"book_id":6313,"shamela_page_id":429,"part":null,"page_num":514,"sequence_num":429,"body":"أبصرت منها الخلد في جؤذر ... ومقلتي يعقوب في يوسف\rوقوله كامل:\rومع المشيب فبعد عندي صبوة ... يبلى القميص وفيه عرف المندل\r؟ أنا جد أنصار النبي لأنني ... يا أشهل العينين عبد الأشهل\rوكقوله طويل:\rفلا تنكروا منها الخضاب فإنها ... هي الغصن في أطراف الورق الخضر\rوكقوله طويل:\rعليك زكاة فاجعليها وصالنا ... لأنك في العشرين وهي نصاب\rوكقوله في صبي مستحسن ضرب وحبس طويل:\rبنفسي الذي لم تضربوه لريبة ... ولكن ليبدو الورد في سائر الغصن\rوقالوا له شاركت في الحسن يوسفاً ... فشاركه أيضاً في الدخول إلى السجن\rوغرائب معانيه لو استقصيت لخرجنا بها عن الغرض المطلوب من الكتاب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985752,"book_id":6313,"shamela_page_id":430,"part":null,"page_num":515,"sequence_num":430,"body":"ومما وقع لي من باب الإغراب والطرفة قولي طويل:\rأراني لا ينفك نجمي هابطاً ... تراه يراه ربنا حسب الرجم\rحنتني الليالي فاغتديت كأنني ... أفتش دهري في التراب على نجمي\rفصرت إذا قوساً وعقلي رامياً ... ورامي الذي أصمى الرمايا به سهمي\rوقولي طويل:\rتحلمنا الأيام وهي سفيهة ... فيهدي إلينا برها من عقوقها\rوتهدي الدراري وهي من حيرة ترى ... وقد رجعت من مستقيم طريقها\rكما تحدث الطيش الطلى من سكونها ... فتغرب شمس العقل عند شروقها\rومن الإغراب والطرفة نوع لا يكون الإغراب فيه في ظاهر لفظه، بل في تأويله، وهو الذي إذا حمل على ظاهره كان الكلام به معيباً جداً وإذا تؤول رده التأويل إلى نمط الكلام الفصيح، وأميط من ظاهره حدث العيب، فيكون التأويل هو الموصوف بالإغراب لا الظاهر، وذلك كقوله: \" حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين \" فإنهم أمسوا كما أصبحوا، فتكون لفظة فأصبحوا حشوا لا فائدة فيه، ومثل هذا يتحاشى عنه نظم القرآن، فإنك إذا قلت أصبح العسل حلواً وهو قد أمسى كذلك، كان قولك أصبح حشاً، لكن لما كان الأشقياء حالهم حال المرضى، وكان المريض تشتد عليه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985753,"book_id":6313,"shamela_page_id":431,"part":null,"page_num":516,"sequence_num":431,"body":"الآلام في الليل، وتخف في النهار، فتكون حاله عند الصباح صالحة بالنسبة إلى حاله بالليل، إلا المريض الذي لا يرجى برؤه، فإنه يصبح كما أمسى، فإذا أصبح كذلك يئس من فلاحه، ولما أشبهت حال هؤلاء الأشقياء حال المريض الذي قد تيقن هلاكه، أخبر عنهم بأنهم أصبحوا كما أمسوا خاسرين، وعلى هذا تكون لفظة أصبحوا قد تضمنت معنى أخرجها عن كونها حشواً، ورد الكلام الذي جاءت فيه إلى حده من الفصاحة، فعد التأويل الذي فعل بها ذلك غريباً طريفاً، والله أعلم.\rهذا آخر أبواب المتقدمين، وقد بقيت أبواب الأجدابي الثلاثة التي أولها:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985754,"book_id":6313,"shamela_page_id":432,"part":null,"page_num":517,"sequence_num":432,"body":"باب الالتزام\rوهو أن يلتزم الناثر في نثره، أو الشاعر في شعره، قبل روي البيت من الشعر حرفاً فصاعداً على قدر قوته، وبحسب طاقته، مشروطاً بعدم الكلفة وقد جاء من ذلك في الكتاب العزيز مواضع رائعة الحسن، كقوله تعالى: \" والطور وكتاب مسطور \" وقوله سبحانه: \" فلا أقسم بالخنس الجواري الكنس \" وقوله تعالى: \" والليل وما وسق والقمر إذا اتسق \" وقوله ﷿ \" فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر \" وقوله تعالى: \" أمرنا مترفيها ففسقوا فيها \" وقوله عز من قائل: \" ما أنت بنعمة ربك بمجنون وإن لك لأجراً غير ممنون \" وقوله جلت قدرته: \" فإذا هم مبصرون وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون \" وقوله ﷻ \" كلا إذا بلغت التراقي وقيل من راق","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985755,"book_id":6313,"shamela_page_id":433,"part":null,"page_num":518,"sequence_num":433,"body":"وظن أنه الفراق، والتفت الساق بالساق، إلى ربك يومئذ المساق \" وقوله ﷿: \" لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا \" وأشياء كثيرة من فواصل القرآن العزيز تعجز الفصحاء أشد تعجيز وقد جاء في السنة من ذلك قول الرسول ﷺ في حديث أم زرع حكاية عن الأولى من النسوة قولها: \" لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقى، وقول أم زرع في صفة حالها مع أبي زرع: فعنده أنام فأتصبح، وأقول فلا أقبح \" وقولها في صفة الخادم \" لا تقش طعامنا تقشيشاً ولا تملأ بيتنا تعشيشاً، ولا تبث حديثنا تبثيثاً، ولا تنفث ميرتنا تنفيثاً \"، هذه رواية، وليست من أمثلة هذا الباب، والرواية الأخرى التي من أمثلة الباب تتمة القرائن الشينية، وهي قولها: ولا تخرج حديثنا تعشيشاً. وقولها أعني أم زرع: \" فتزوجت بعده رجلاً سرياً، ركب فرساً شريا، وأراح على نغماً ثريا \"، وكقول السادسة منهن: \" إن أكل اقف وإن شرب اشتف وإن رقد التف \"، وكقول الثامنة: \" المس مس أرنب، والريح ريح زرنب \"، ومن هذا الباب في الشعر قول امرئ القيس طويل:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985756,"book_id":6313,"shamela_page_id":434,"part":null,"page_num":519,"sequence_num":434,"body":"فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع ... فألهيتها عن ذي تمائم محول\rإذا ما بكى من خلفها انحرفت له ... بشق وتحتي شقها لم يحول\rوقد أكثر المتأخرون من هذا الباب قاصدين عمله، وما وقع منه لمتقدم فغير مقصود، حتى عمل المعري من ذلك ديواناً كاملاً مفرداً من ديوان شعره المعروف بسقط الزند، ومنه قوله طويل:\rلك الحمد أمواه البلاد بأسرها ... عذاب وخصت بالملوحة زمزم\rهو الحظ غير الوحش يستاف أنفه ... خزامى وأنف العود بالعود يخزم\rوكقول بعضهم بسيط\rسلم على قطن إن كنت نازله ... سلام من كان يهوى مرة قطنا\rأحبه والذي أرسى قواعده ... حباً إذا ظهرت آياته بطنا\rما من غريب وإن أبدى تجلده ... إلا تذكر عند الغربة الوطنا\rومن مليح ما جاء في الالتزام قول أبي نواس كامل:\rوأما وزند أبي علي إنه ... زند إذا استوريت سهل قدحكا\rإني لتأبى الصنع عالي همتي ... من غيركم وتعاف إلا مدحكا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985757,"book_id":6313,"shamela_page_id":435,"part":null,"page_num":520,"sequence_num":435,"body":"باب تشابه الأطراف\rهذا الباب سماه الأجدابي التسبيغ، وفسره بأن قال: هو أن يعيد لفظ القافية في أول البيت الذي يليها، والتسبيغ زيادة في الطول، ومنه قولهم: درع سابغة، إذا كانت طويلة الأذيال، وهذه اللفظة في اصطلاح العرضيين عبارة عن زيادة حرف ساكن على السبب الخفيف في آخر الجزء، وعلى هذا لا تكون هذه التسمية لائقة بهذا المسمى، فرأيت أن أسمى هذا الباب تشابه الأطراف، لأن الأبيات فيه تتشابه أطرافها وما بأبيات قلتهن في هذا النوع من بأس، وهي طويل:\rخليلي إن لم تعذراني في الهوى ... ولم تحملا عني اذهبا ودعاني\rدعاني إليه الحب فالحب آنفا ... دعاني قلبي إذ دعاه جناني\rجناني في سكر فلا رعى عنده ... بكأس بها ساقي الغرام سقاني\rسقاني من لم يعنه من صبابتي ... ووجدي به ما شفني وعناني\rعناني منه ما براني ولم يكن ... ليرثي لما قد حل بي ودهاني\rدهاني الهوى من حيث لم أدر عندما ... رأى ما شجى قلبي الكئيب عياني","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985758,"book_id":6313,"shamela_page_id":436,"part":null,"page_num":521,"sequence_num":436,"body":"عياني على قلبي تعدى بنظرة ... إلى ناظر باللحظ منه رماني\rرماني بسهم من كنانة لحظه ... أصاب فؤادي شجوه فشجاني\rشجاني بسقم من مراض جفونه ... وغض حياء منه حين سباني\rسباني بسحر ليس يبطل بالرقى ... تقر له في بابل الملكان\rومنه في الكتاب العزيز قوله تعالى: \" الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح، المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري \" وأنشد فيه قول ليلى الأخيلية تمدح الحجاج طويل:\rإذا نزل الحجاج أرضاً مريضة ... تتبع أقصى دائها فشفاها\rشفاها من الداء العضال الذي بها ... غلام إذا هز القناة سقاها\rسقاها فرواها بشرب سجاله ... دماء رجال يحلبون صراها\rوأحسن من هذه الأبيات قول أبي نواس سريع:\rخزيمة خير بني خازم ... وخازم خير بني دارم\rودارم خير تميم وما ... مثل تميم في بني آدم\rإلا البهاليل بنو هاشم ... وهم سيوف لبني هاشم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985759,"book_id":6313,"shamela_page_id":437,"part":null,"page_num":522,"sequence_num":437,"body":"باب التوءم\rوهذا الباب أيضاً سماه الأجدابي التشريع، وفسره بأن قال: هو أن يبني الشاعر البيت أو الناثر النثر على قافيتين إذا اقتصر على إحداهما كان البيت له وزن، وإن كمله على القافية الأخرى كان له وزن آخر، وتكون القافيتان متماثلتين، وتكونان مختلفتين، وهذه التسمية وإن كانت مطابقة لهذا المسمى فهي غير معلومة عند الكافة، فسميته التوأم، وهو أن يكون للبيت كما ذكر قافيتان، وصحة القول في تفسيره أن يقال: أنه متى اقتصر به على القافية الأولى كان من ضرب ذلك البحر الذي عمل الشاعر بيته منه، فإذا استوفى أجزاءه وبناه على القافية الثانية كان البيت من ضرب غير ذلك الضرب من ذلك البحر، وغالبه أن يختلف الرويان وإن جاز توافقهما، هذا إن كان الكلام شعراً، وذلك كقول الشاعر كامل:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985760,"book_id":6313,"shamela_page_id":438,"part":null,"page_num":523,"sequence_num":438,"body":"وإذا الرياح مع العشي تناوحت ... هدج الرئال، تكبهن شمالا\rألفيتنا نفرى العبيط لضيفنا ... قبل القتال، ونقتل الأبطالا\rفإن هذا الشاعر لو اقتصر على الرئال، والقتال كان الشعر من الضرب المجزوء المرفل من الكامل، فإذا أتممت البيتين صارا من الضرب التام المقطوع منه، فقدر أن لكل بيت من هذين البيتين قافيتين على تساوي القافيتين في الردف وتماثل الرويين وإن اختلف المجرى فيهما، وعلى هذا بنى الحريري قوله في المقامات كامل:\rيا خاطب الدنيا الدنية إنها ... شرك الردى، وقرارة لأكدار\rلأن اقتصاره على قوله شرك الردى تجعل الشعر من الضرب المجزوء من الكامل، وتمامه يجعله من الضرب المضمر المقطوع منه، وإن اختلف القافيتان والرويان والمجرى فيهما، وقد جاءت من هذا الباب في الكتاب العزيز أكثر سورة الرحمن كقوله تعالى: \" يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان فبأي آلآء ربكما تكذبان \" يرسل عليكما شواظ من نار وغاس فلا تنتصران فبأي آلاء ربكما تكذبان وهكذا إلى آخر السورة فإنه يجوز الاقتصار على أولى الفاصلتين دون الثانية لو كان التنزيل كذلك، والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985761,"book_id":6313,"shamela_page_id":439,"part":null,"page_num":524,"sequence_num":439,"body":"هذا آخر ما جمعته من كتب الناس بعد التنقيح والتحرير، وتغيير ما حسن فيه التغيير، وقد تكملت الأبواب بهذه الثلاثة التي عوضت بها ما تداخل في باب التمكين التهذيب تسعين باباً غير متداخلة ولا متواردة، والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985762,"book_id":6313,"shamela_page_id":440,"part":null,"page_num":525,"sequence_num":440,"body":"الجزء الرابعومن هاهنا أشرع في إثبات الأبواب التي استنبطتها، والأنواع التي استخرجتها مفصلة مكملة، فأولها:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985763,"book_id":6313,"shamela_page_id":441,"part":null,"page_num":527,"sequence_num":441,"body":"باب التخيير\rوهو أن يأتي الشاعر ببيت يسوغ أن يقفي بقواف شتى، فيتخير منها قافية مرجحة على سائرها بالدليل، تدل بتخيرها على حسن اختياره، كقول الشاعر بسيط\rإن الغريب الطويل الذيل ممتهن ... فكيف حال غريب ما له قوت\rفإنه يسوغ أن يقول: فكيف حال غريب ما له حال أي ما له مال، ما له نشب، ما له سبب، ما له صفد، ما له سبب، ما له خطر، ما له أحد، ما وجد، ما له شيع، وإذا نظرت إلى قوله: ما له قوت وجدتها أبلغ من الجميع، وأدل على الفاقة، وأمس بذكر الحاجة، وأبين للضرورة، وأشجى للقلوب، وأدعى للاستعطاف، فلذلك رجحت على كل ما ذكرناه ومن هذا النوع في الكتاب العزيز قوله تعالى في أول الجاثية: \" إن في السموات والأرض لآيات للمؤمنين، وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون، واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985764,"book_id":6313,"shamela_page_id":442,"part":null,"page_num":528,"sequence_num":442,"body":"بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون فالبلاغة تقتضي أن تكون فاصلة الآية الأولى: المؤمنين، لأنه سبحانه ذكر العالم بجملته، حيث قال: السموات والأرض، ومعرفة ما في العالم من الآيات دالة على صفاته لتقدم الموصوف وجوداً واعتقاداً على الصفات وكذلك قوله في الدالة على أن المخترع له قادر عليم حكيم وإن دل على وجود صانع مختار فدلالتها على صفاته مرتبة على دلالتها على ذاته، فلا بد أولاً من التصديق بذاته حتى تكون هذه الآيات دالة الثانية: لقوم يوقنون، فإن نفس الإنسان وتدبر خلق الحيوان، أقرب إليه من الأول، وتفكره في ذلك مما يزيده يقينا في معتقده الأول، وكذلك معرفة جزئيات العالم من اختلاف الليل والنهار، وإنزال الرزق من السماء، وإحياء الأرض بعد موتها، وتصريف الرياح، تقتضي رجاحة العقل ورصانته، ليعلم أن من صنع هذه الجزئيات هو الذي صنع العالم الكلي التي هي أحسن منه، وعوارض عنه، ولا يجوز أن يكون بعضها صنع بعضا بعد قيام البرهان على أن للعالم الكلي صانعاً مختاراً، فلذلك اقتضت البلاغة أن تكون فاصلة الآية الثالثة لقوم يعقلون وأن احتيج للعقل في الجميع، إلا أن ذكره هاهنا أمس بالمعنى من الأول، إذ بعض من يعتقد صانعاً للعالم ربما قال: إن بعض هذه الآثار يصنع بعضا، فلا بد إذاً من","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985765,"book_id":6313,"shamela_page_id":443,"part":null,"page_num":529,"sequence_num":443,"body":"التدبر بدقيق الفكر وراجح العقل، ومنه قوله تعالى: \" فأما اليتيم فلا تقهر، وأما السائل فلا تنهر \" ولا يجوز التبديل بينهما، إذ لا يجوز النهي عن انتهار اليتيم لمكان تأديبه، وإنما ينهى عن قهره وغلبته، كما لا يجوز أن ينهر السائل إذا حرم، وليرد رداً جميلاً، ومن ذلك قوله تعالى: \" إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم \" فإن قوله تعالى: \" وإن تغفر لهم \" ربما أوهم بعض الضعفاء أن الفاصلة لو كانت \" غفوراً رحيماً \" كانت أنسب لمكان \" وإن تغفر لهم \" ويذهل عن كونهم يستحقون العذاب دون الغفران، وإن قوله \" العزيز الحكيم \" بعد قوله \" وإن تغفر لهم \" أنسب، لأن من يغفر لمن يستحق العذاب إنما يكون من لا فوقه أحد يرد عليه حكمه، ومن كان كذلك كان عزيزاً ممتنعاً من الرد عليه، ومن كان حكيماً وضع الشيء في موضعه، وإن كان ظاهر فعله موهماً بأنه على خلاف الحكم، لخفاء وجه الحكمة بمكنون الغيب عن المخلوق القائم عن إدراك أسرار الربوبية.\rومن التخيير ضرب غير هذا، وهو أن يؤتى بقطعة من الكلام أو بيت من الشعر قد عطف بعض جمله على بعض بأداة التخيير كقوله تعالى: \" فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة \" وكقول الشاعر بسيط","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985766,"book_id":6313,"shamela_page_id":444,"part":null,"page_num":530,"sequence_num":444,"body":"خلو التفاخر أو حلوا اليفاع إذا ... ما أسنت الناس أولبوا الصريخ ضحى\rولا يكون هذا الضرب من المحاسن حتى تكون الجمل المعطوف بعضها على بعض متضمنه صحة التقسيم كما جاء في الآية الكريمة، إذ حصر ﷾ فيها أنواع الكفارة التي لا يجزئ الموسر غيرها، كما جاء في البيت من حصر أعظم الأسباب التي نفاخر بمثلها، وهي نهاية الكرم، وغاية الشجاعة إذا لا يحل بالمكان المرتفع من الأرض في المجاعة ليدل على بيته إلا الجواد المؤثر، كما قال شاعر الحماسة وافر:\rله نار تشب على يفاع ... إذا النيران ألبست القناعا\rولم يك أكثر الفتيان مالاً ... ولكن كان أرحبهم ذراعا\rكما أنه لا يبادر إلى تلبية الصريخ عند الضحى، وهو وقت الغارات إلا أشجع القوم، ومن هذا القسم من التخيير قوله ﷾: \" قل كونوا حجارة أو حديداً أو خلقاً مما يكبر في صدوركم \" فانظر إلى حسن هذا التخيير وصحة الترتيب في الانتقال من الأدنى إلى الأعلى حتى بلغ النهاية في أوجز إشارة بقوله سبحانه بعد الانتقال من الحجارة إلى الحديد الذي هو أصلب منها: \" أو خلقاً مما يكبر في صدوركم \" غير حاصر لهم في صنف من الأصناف.\rوالفرق بين التخيير بأو وحسن النسق من وجهين: أحدهما أن حسن النسق يكون بجميع حروف العطف وغالباً ما تقع الواو، وربما وقع منه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985767,"book_id":6313,"shamela_page_id":445,"part":null,"page_num":531,"sequence_num":445,"body":"شيء بالفاء للتعاقب، أو بثم للمهلة والتراخي، ووقوعه بالواو أكثر، والتخيير لا يكون إلا بأو التي هي للتخيير خاصة.\rوالثاني أن التخيير يشترط فيه صحة التقسيم، ولا كذلك حسن النسق، والفرق بين تخيير مقطع الكلام دون كل مقطع يسد مسده وبين التسهيم أن صدر كلام التخير لا يدل إلا على المقطع فقط، وصدر كلام التسهيم يدل على ما زاد على المقطع، إلى أن يبلغ عجز البيت، والفرق بين التخير والتوشيح التوطئة بتقديم لفظة القافية في أول البيت من التوشيح، ولا كذلك التخيير، والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985768,"book_id":6313,"shamela_page_id":446,"part":null,"page_num":532,"sequence_num":446,"body":"باب التدبيج\rوهو أن يذكر الشاعر أو الناثر ألوانا يقصد الكناية بها أو التورية بذكرها عن أشياء من مدح أو وصف أو نسيب أو هجاء أو غير ذلك من الفنون، أو لبيان فائدة الوصف بها كقوله تعالى: \" ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود \" فإن المراد بذلك والله أعلم الكناية عن المشتبه والواضح من الطرق، لأن الجادة البيضاء هي الطريق الملحوب التي كثر السلوك فيها جداً، وهي أوضح الطرق وأبينها، ولهذا قيل: ركب بهم المحجة البيضاء ودونها المراء، ودون الحمراء السوداء التي كأنها في الخفاء والالتباس ضد البيضاء في الظهور والوضوح. ولما كانت هذه الألوان الثلاثة في الظهور للعين طرفين وواسطة، فالطرف الأعلى في الظهور البياض والطرف الأسفل في الخفاء السواد، والأحمر بينهما على حكم وضع الألوان في التركيب، وكانت ألوان الجبال لا تخرج عن هذه الألوان الثلاثة، والهداية بكل علم نصب للهداية تنقسم هذه القسمة، أتت الآية الكريمة على هذا التقسيم، فحصل فيها التدبيج وصحة التقسيم، وهي مسوقة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985769,"book_id":6313,"shamela_page_id":447,"part":null,"page_num":533,"sequence_num":447,"body":"للاعتداد بالنعم على ما هدت إليه من السعي في طلب المصالح والمنافع، والفرار من المضار والمعاطب.\rومن التدبيج الحسن قول الحريري: فمذ أزور الحبيب الأصفر، واغبر العيش الأخضر، أسود يومي الأبيض، وابيض فودي الأسود، حتى رثى لي العدو الأزرق، فحبذا الموت الأحمر، إلا أن تدبيج الآية الكريمة جاء بلفظ الكناية لبيان فائدة الوصف بالألوان، وتدبيج المقامة أتى بطريق التورية.\rومن أمثلة هذا الباب الشعرية قول ابن حيوس الدمشقي خفيف:\rإن ترد علم حالهم عن يقين ... فالقهم يوم نائل أو نزال\rتلق بيض الوجوه سود مثار النقع خضر الأكناف حمر النصال\rوكقول بعض العرب طويل:\rزياد بن عين عينه تحت حاجبه ... وبيض الثنايا تحت خضرة شاربه\rوقد ساق بعض النقاد هذا البيت من شواهد العيوب، وقال: وجه العيب فيه كون العين لا تكون إلا تحت الحاجب، والثنايا تحت الشارب، وقد قال بعضهم في الرد على هذا العائب: الشاعر أراد أنه غير مشوه، قد خلق في أحسن تقويم، فلم تأت صورته مخالفة للصور، وعندي أن مثل هذا لا يعد عيباً، ولا يحتاج فيه إلى تكلف مثل هذا العذر، فإنه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985770,"book_id":6313,"shamela_page_id":448,"part":null,"page_num":534,"sequence_num":448,"body":"قد ورد مثله في الكتاب العزيز للتوكيد والتهويل ليحصل الازدجار عن فعل من حل به ذلك، وهذا من بليغ الموعظة، وهو قوله سبحانه \" فخر عليهم السقف من فوقهم \" والسقف لا يكون إلا من فوق ولا سيما في هذا الموضع، لأنه سبحانه رفع فيه الاحتمال الذي يتوهم من أن السقف قد يكون تحت بالنسبة، فإن كثيراً من السقوف يكون أرضاً لقوم وسقفاً لآخرين، فرفع تعالى هذا الاحتمال بجملتين، وهما قوله تعالى \" عليهم \" ولفظة \" خر \" لأنها لم تستعمل إلا فيما هبط أو سقط من العلو إلى السفل، ومن ذلك أيضاً حديث أبي بكر أن النبي ﷺ خطب في حجته فقال: \" ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات الأرض، السنة اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات، وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، الذي بين جمادى وشعبان \" ورجب لا يكون إلا كذلك، وإنما هو ﷺ لما أراد أن يخبر عن شهر فرد غير موال للأشهر الحرم التي قبله عرفه بأنه بين هذين الشهرين احتراساً من كونه لو اقتصر على قوله: ورجب توهم بعض السامعين أنه ربما أراد صفر، لا سيما وقد كانت الجاهلية تحل صفر عاماً، وتحرمه عاماً، ولذلك قال ﷺ: صفر، في حديث خرجه الترمذي وأبو داود، وربما ظن الظان أنه أراد برجب صفر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985771,"book_id":6313,"shamela_page_id":449,"part":null,"page_num":535,"sequence_num":449,"body":"وسماه رجباً ليعرف بتعظيمه، إذ الترجيب التعظيم، فاحترس من وقوع هذا اللبس بأن عرفه بأنه هو الذي بين جمادى، ليقطعه عما قبله، وبين شعبان، ليقطعه عما بعده، والتأويلات أوسع وأفسح من أن يخطئ معها عربي متقدم في لغته التي وضعها، وهو أعرف بمواقعها منا، لا سيما وقد قال امرؤ القيس مما يؤيد ذلك متقارب:\rلها ذنب مثل ذيل العروس ... تسد به فرجها من دبر\rوفرج الفرس لا يكون إلا من دبر، لأن فرجها الذي يسد بذنبها هو ما بين قائمتي رجليها من عجب الذنب، إلى حافر الرجلين، وفي بعض ذلك ما يخرج بيت الشاعر عن العيب.\rومن التدبيج قول أبي تمام في مرثيته لمحمد بن حميد الطوسي طويل:\rتردى ثياب الموت حمراً فما أتى ... لها الليل إلا وهي من سندس خضر\rوكقول البحتري طويل:\rتحسنت الدنيا بعدلك فاغتدت ... وآفاتها بيض وأكنافها خضر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985772,"book_id":6313,"shamela_page_id":450,"part":null,"page_num":536,"sequence_num":450,"body":"باب التمزيج\rوهو أن يمزج المتكلم معاني البديع بفنون الكلام، أعني أغراضه ومقاصده بعضها ببعض بشرط أن تجمع معاني البديع والفنون في الجملة أو الجمل من النثر، والبيت أو البيوت من الشعر، كقول بكر بن النطاح طويل:\rبذلت لها ما قد أرادت من المنى ... لترضى فقالت: قم فجئني بكوكب\rفقلت لها: هذا التعنت كله ... كمن يتشهى لحم عنقاء مغرب\rسلي كل شيء يستقيم طلابه ... ولا تذهبي يا بدر بي كل مذهب\rفأقسم لو أصبحت في عز مالك ... وقدرته أعيا بما رمت مطلبي\rفتى شقيت أمواله بعفاته ... كما شقيت بكر بأرماح تغلب\rفإن التمزيج وقع في الثلاثة المتواليات من هذا الشعر بعد الأول، فأما الأول من الثلاثة فإنه مزج في صدره العتاب بالغزل بالمراجعة حيث قال:\rفقلت لها هذا التعنت كله\rلارتباط هذا الصدر بما قبله بسبب المراجعة التي فيهما إذ قال: \" فقالت \"، وأتى في عجز البيت بالتذييل ليتحقق العتاب، ويستدل على","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985773,"book_id":6313,"shamela_page_id":451,"part":null,"page_num":537,"sequence_num":451,"body":"صحة ما ادعاه من التعنت، فمزج المذهب الكلامي بالتذييل في العجز، كما مزج العتاب والغزل في الصدر، مع الارتباط بما قبل، وحقق ذلك بالمراجعة الحاصلة فيهما، فوقع التمزيج في البيت المذكور من الفنون في العتاب. والغزل ومن المعاني في المراجعة بسبب الارتباط والتذييل والمذهب الكلامي، ثم مزج المبالغة بالقسم في البيت الثاني من الثلاثة، والمدح بالغزل بواسطة الاستطراد، وأتى بالطامة الكبرى في البيت الثالث من الثلاثة، إذ مزج فيه الإرداف بالتشبيه والشجاعة بالكرم ومدح قبيلة الممدوح بمدحه وذم أعداءها والإيغال بالتشبيه.\rفأما الإرداف ففي قوله: شقيت أمواله بعفاته فإن أراد أن يقول: فتى جواد، فعدل عن هذا اللفظ إلى ردفه، لما في لفظ شقاوة الأموال بالعفاة من زيادة المعنى، وديباجة اللفظ التي لا توجد في لفظ الحقيقة، والتشبيه في قوله: كما شقيت هذه القبيلة بهذه القبيلة والقبائل المتعادون كثير، وإنما اقتصر على هاتين القبيلتين لما في ذكرهما من النكتة التي يزيد بها معنى المدح، وخص الممدوح به وأراد تكميل المدح ورأى أنه لو اقتصر على مدحه بالكرم كان المدح غير كامل، وأراد تكميل المدح بالشجاعة فأوجبت عليه الصناعة أن يأتي بالتنكيت في عجز البيت بحيث يكون بين العجز والصدر ارتباط يوجب لهما التلاحم، فوصل بينهما بكاف التشبيه مقتصراً على ذكر القبيلتين اللتين في ذكرهما نكتة حسنة، وهي مدح قبيلة الممدوح، والتعريض بذم قبيلة أعدائه، والمدح لقبيلة الممدوح مدح","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985774,"book_id":6313,"shamela_page_id":452,"part":null,"page_num":538,"sequence_num":452,"body":"له، فيكمل له المدح الذي أراده، والتمزيج الذي قصده، والفرق بين التمزيج والتكميل والافتنان والتعليق والإدماج، فإن هذه الأبواب الخمسة ربما اشتبهت على كثير من الناس لكونها تجمع المعاني والفنون غالباً إذ أن التكميل لا يكون إلا في معاني النفوس وأغراضها معاً في البديع، ولا يكون أحد الأمرين فيه قد اتحد بالآخر، بحيث لا يظهر من الكلام إلا صورة أحد الأمرين دون الآخر، وإنما يؤخذ المعنى الآخر من الكلام بطريق القوة لشدة امتزاج المعنيين أو الفنين أو أحدهما بالآخر، وهذه حال التمزيج بمعاني النفوس ومعاني البديع والفرق بين التمزيج والافتنان أن الافتنان لا يكون إلا بالجمع بين فنين من أغراض المتكلم كالغزل والمدح والعتاب، والهجاء، والتهنئة، والتعزية، والتمزيج بخلاف ذلك، إذ هو يجمع الفنون والمعاني ويكون الأمران فيه متداخلين، والفنان فيه ظاهران، والفرق بين التمزيج والتعليق أن التعليق كالافتنان في اختصاصه بالفنون دون المعاني وظهور الفنين فيه معاً، إلا أن أحدهما متعلق بالآخر، والافتنان لا يكون إلا بالجمع بين فنين من أغراض المتكلم كالغزل والمدح، والعتاب والهجاء، والتهنئة والتعزية، والتمزيج بخلاف ذلك، إذ هو يجمع الفنون والمعاني، ويكون الأمران فيه متداخلين أي أحد الفنين فيه متعلقاً بالآخر ولا بد، وكلاهما يفارق الامتزاج في ظهور صور الأشياء التي تكون فيه، فإنها تمتزج في الامتزاج بحيث لا يظهر منها لكل شيئن إلا صورة واحدة،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985775,"book_id":6313,"shamela_page_id":453,"part":null,"page_num":539,"sequence_num":453,"body":"والفرق بين التمزيج والإدماج أن الإدماج كالتعليق، لا يكون إلا بالفنون دون المعاني بخلاف التمزيج، وإن اشتبه التمزيج في إيجاد الصور لا يكون إلا بالمعاني البديعية دون المعاني النفسية، ودون الفنون، والفرق بين التعليق والتكميل دقيق وقد جاء في الكتاب العزيز من التمزيج قوله تعالى \" رب احكم بالحق \" فإنها امتزج فيها فنا الأدب والهجاء بمعنى الإرداف والتتميم وتولد من ذلك ما استخرجته منا من بقية المحاسن، فكان ذلك أربعة عشر نوعاً يضيق هذا المكان عن ذكرها مفصلة، وقد ذكرتها مفصلة في \" بديع القرآن \" العزيز والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985776,"book_id":6313,"shamela_page_id":454,"part":null,"page_num":540,"sequence_num":454,"body":"باب الاستقصاء\rوهو أن يتناول الشاعر معنى فيستقصيه إلى أن لا يترك فيه شيئاً، كقول ابن الرومي في صفة الحديث كامل:\rوحديثها السحر الحلال لو أنه ... لم يجن قتل المسلم المتحرز\rإن طال لم يملل وإن هي أوجزت ... ود المحدث أنها لم توجز\rشرك العقول ونزهة ما مثلها ... للمطمئن وعقله المستوفز\rفانظر إلى كون هذا الشاعر وصف حديث هذه المحبوبة بنهاية الوصف الحسن اللائق بمثله، حيث قال: وحديثها السحر الحلال، لفعله في العقول فعل السحر، وجعله حلالاً لصدق الوصف، وليضمن كلامه في صفته معنى قول الرسول ﷺ \" إن من البيان لسحراً، فإن سحر البيان سحر حلال، ثم رجع فاستدرك فيه فقال:\r............... لو أنه ... لم يجن قتل المسلم المتحرز\rلكون قتل المسلم بغير حق حرام، فحصل في البيت طباق معنوي، فكأنه قال سحر حلال لو لم يجن حرام، فطابق بين الحلال والحرام وأحدث براءة المسلم المقتول بالحديث من الإيغال الذي في قافية البيت، وهو قوله: المتحرز لأن المتحرز لا يقع في شيء من موجبات القتل، وفي ذلك مبالغة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985777,"book_id":6313,"shamela_page_id":455,"part":null,"page_num":541,"sequence_num":455,"body":"في وصف الحديث بإفراط الالتذاذ الذي يزهق حبه النفس، ثم فكر فيما يعرض من الملل بسبب، طول الحديث فاحترس عن تلك بقوله: إن طال لم يملل ثم رأى أنه متى اقتصر على وصفه بالحسن حالة الإطالة دون الإيجاز كان مقصراً، فقال: وإن هي أوجزت إلى آخر البيت، ثم أراد وصفه بميل النفوس إليه إما اضطراراً أو اختياراً فقال، في الميل الاضطراري: شرك العقول، فأخبر أنه يصيد العقول قنصاً، ثم قال في الميل الاختياري مقسماً له قسمين حاصرين في حالتي الريث والعجل كامل:\r........ ونزهة ما مثلها ... للمطمئن وعقلة المستوفز\rوليس للمختار حالة زائدة على هاتين الحالتين إما أن يكون مطمئناً، أو مستوفزاً، فإن كان مطمئنا كان هذا الحديث نزهته، وإن كان مستوفزاً كان عقلته، فلم يبق في هذا المعنى مقالاً لمن بعده، ولقد أحسن ابن مناذر في استقصائه معنى من معاني الغزل حيث قال طويل:\rفوالله ما أدري أيغلبني الهوى ... إذا جحد جد البين أم أنا غلبه\rفإن استطع أغلب وإن يغلب الهوى ... فمثل الذي لاقيت يغلب صاحبه\rفإنه لما علم أنه متى اقتصر على البيت الأول لا يكون مستقصياً للمعنى أتى بتفصيل ما أجمله في البيت الأول بما جاء به في البيت الثاني، ليكون قد أتى على جميع ما يجب ذكره من المعنى الذي قصده: وإذا وصلت في هذا الباب إلى قول البحتري في صفة إنضاء الإبل خفيف:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985778,"book_id":6313,"shamela_page_id":456,"part":null,"page_num":542,"sequence_num":456,"body":"كالقسي المعطفات بل الأس؟ ... هم مبرية بل الأوتار\rوصلت إلى الغاية في الشعر، لأنه جمع مع الاستقصاء المبالغة والرمي على الترتيب، على مقتضى البلاغة، والتتميم في موضعين، في قوله: المعطفات، وقوله: مبرية والإيغال في القافية، وقد جاء في الكتاب العزيز من ذلك ما لا يلحق سبقاً، وهو قوله تعالى: \" أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت \" فانظر إلى استقصاء هذا المعنى حين لم يبق فيه بقية لأحد، وذلك أنه بعد قوله: \" جنة من نخيل وأعناب \" قال: \" تجري من تحتها الأنهار \" وكمل الوصف بقوله: \" له فيها من كل الثمرات \" فأتى بكل ما في الجنان ليشتد الأسف على إفسادها ثم قال \" وأصابه الكبر \" ثم استقصى المعنى الذي يوجب تعظيم المصاب بقوله بعد وصفه بالكبر \" وله ذرية \" ولم يقتصر على كونه له ذرية حتى قال: \" ضعفاء \" ثم ذكر استئصالها بالهلاك في أسرع وقت حيث قال: \" فأصابها إعصار فيه نار \" فلو اقتصر على ذكر الإعصار لكان كافياً، لكن لما علم الله سبحانه: \" فيه نار ثم أخبر باحتراقها لاحتمال أن تكون النار ضعيفة لا يقوم إحراقها بإطفاء أنهارها وتجفيف كل أوراقها وثمارها، فأخبر بإحراقها احتراساً من ذلك،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985779,"book_id":6313,"shamela_page_id":457,"part":null,"page_num":543,"sequence_num":457,"body":"وهذا أحسن استقصاء وأتمه، بحيث لم يبق في المعنى المقصود موضع استدراك، والفرق بين الاستقصاء والتتميم، والتكميل كون التتميم يرد على معنى ناقص فيتمم بعضه، والتكميل يرد على التام فيكمل وصفه، والاستقصاء له مرتبة ثالثة، فإنه يرد على الكامل فيستوعب كل ما تقع عليه الخواطر من لوازمه، بحيث لا يترك لآخذه مجالاً لاستحقاقه من هذه الجملة، والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985780,"book_id":6313,"shamela_page_id":458,"part":null,"page_num":544,"sequence_num":458,"body":"؟\r\rباب البسط\rوهو أن يأتي المتكلم إلى المعنى الواحد الذي يمكنه الدلالة عليه باللفظ القليل، فيدل عليه باللفظ الكثير ليضمن اللفظ معاني أخر يزيد بها الكلام حسناً، لولا بسط ذلك الكلام بكثرة الألفاظ لم تحصل تلك الزيادة ومما جاء من ذلك في الكتاب العزيز قوله تعالى: \" قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أنداداً ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين، ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين، فقضاهن سبع سموات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها \" فانظر هداك الله إلى هذا البسط في الآيات الكريمات بالنسبة إلى قوله في غير موضع. من القرآن: \" الله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام \" لتعلم أنه بسط سبحانه الكلام في هذه الآية ليفيد البسط معاني من تفصيل الأخبار، وإيضاح المعنى وتفسير ذلك الإجمال، وإخراجها مخرج التفريع لمن جعل لله ﵎ أنداداً من مخلوقاته فإن قلت التفريع يحصل بقوله: \" الله","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985781,"book_id":6313,"shamela_page_id":459,"part":null,"page_num":545,"sequence_num":459,"body":"الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام \" فما فائدة البسط؟ قلت فائدته جليلة، فإن الاستدلال بما قرب من نظر الخصم أوضح من الاستدلال بما بعد، فإن تقدير أقوات الحيوان البري والبحري، وتخصيص كل صنف بقوت مألوف يميل إليه بطبعه، كاللحوم للسباع، والحب للبهائم، والأوساخ وما أشبهها للهمج، والبقول وسائر الخضروات لغير هذه الأصناف، وجميع بعض أصناف الحيوان البهيم البري والبحري، وتركه تلك الأقوات الموجبة لكفاية ما يخرج من الأرض من جميع الحيوان أقرب لفهم المخاطب، ولاحتمال أن يقع في بعض النفوس أن هذه الأمور من صنع السموات والأرض، لا من صنع صانعهما كما يعتقد بعض الناس فاقتضت البلاغة أن يقدم ذكر الأرض لقربها من المخاطب، ولأن الأنداد منها كالحجارة التي نحتت وعبدت والأنصاب التي نجرت من الأخشاب، والصور التي اتخذت من المعادن، وليعرف بعظمة قدرته في خلقه الأرض كلها في يومين، ثم ثنى بذكر الجبال التي تثبت الأرض، وتكون الجواهر المعدنية منها.\rثم يذكر البركة التي لولاها لما نبت النبات، ولا عاش الحيوان، ولا تنوع الجماد، ولا حصلت المنافع التي بها قوام الأجسام، ممتناً بذلك على عباده، وحق له الامتنان، ثم ثلث بذكر تقدير الأقوات، ليحض بذلك على التوكل، ويبعث النفوس على الاشتغال عن الفكر في التكسب بصالح الأعمال، ثم أخبر أن ذلك كله في يومين آخرين، بقوله سبحانه: \" في أربعة أيام \" يعني. والله أعلم. أنه أرسى الجبال وبارك في الأرض","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985782,"book_id":6313,"shamela_page_id":460,"part":null,"page_num":546,"sequence_num":460,"body":"وقدر فيها أقواتها، مع خلقه لها في أربعة أيام، ثم ختم بذكر خلق السموات السبع، والعناصر الأربعة، إذ هي سموات بالنسبة إلى المخاطب، غير أنه أفرد من ذلك السموات السبع بالذكر، منبهاً على فضلها بالنسبة إلى العناصر وعظمتها، وما تعرف العرب وغيرهم من نجومها، والهداية بها، وأنوائها، وإنزال الغيث من جهتها، ومقدمات ذلك من الرعد والبرق والرياح، ومنافع النيرين، ثم أخبر سبحانه أنه خلق ذلك كله في يومين ثم اقتصر ﷿ في هذه الآية الكريمة على ذكر الأفلاك السبعة دون الفلكين الآخرين، منطقة البروج والأطلس، لكون السبعة هي المعروفة عند العرب الذين نزل عليهم القرآن وجاء بلسانهم، لأن معرفة الفلكين الآخرين موقوفة على علوم ليست من علوم العرب، فإن قلت: فالعرب تعرف الأنواء وكواكبها في الفلك الثامن، فلم اقتصر على ذكر السبعة دونه؟ قلت: إنما عرفت الأنواء بالقمر لحلوله في المنازل، ومسير القمر أسرع مسير، وهي كثيراً ما تتأمله، لسفرها فيه وسراها، وعرفت الكواكب السيارة لقرب سيرها بالنسبة، وعرف مسير المنازل أيضاً بحركاتها القسرية وأما حركة فلكها التي دلت عليها كواكبه الثابتة، فليس من علوم العرب وإن كانت تعرفها، كما ذكرت تنقل القمر، وقد ذكره الله سبحانه على انفراده، وخصه من بين الأفلاك السبعة بالذكر لميزته، فقال تعالى: \" والسماء ذات البروج \" فأفاد سبحانه بهذا البسط حصول ضروب","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985783,"book_id":6313,"shamela_page_id":461,"part":null,"page_num":547,"sequence_num":461,"body":"من البديع في الكلام لولا البسط لم تحصل، وهي المذهب الكلامي والإدماج والإرداف والتفسير.\rفأما المذهب الكلامي ففي قوله تعالى: \" ذلك رب العالمين \" فإنها نتيجة قوله تعالى: \" ثم استوى إلى السماء \" إلى قوله سبحانه: \" قالتا أتينا طائعين \" فإن تقدير الكلام في ذلك والله أعلم. لا تطيع السماء والأرض إلا رب العالمين، فإنهما عبارة عن العالمين، وقد أطاعت الله سبحانه فهو رب العالمين، والإدماج: إدماج الإرداف في المذهب الكلامي، لأنه وهو أعلم أن يقول: \" قل أئنكم لتكفرون \" بالقادر المطلق، فعدل عن اللفظ الخاص إلى لفظ هو ردفه حيث قال: بالذي فعل وصنع وعدد من قدرته ما لا يقدر عليه غيره، والتعليق في كونه ﵎ علق فن الفخر بفن العتاب، إذ وصف نفسه صادقاً بما هو أهله، وأثنى على ذاته بما يستحقه في ضمن العتب الموبخ، والتقريع المثرب حيث قال: أئنكم لتكفرون، وتجعلون، والتفسير في قوله \" ذلك رب العالمين \" فإنه أتى بهذه الجملة مفسرة لذلك الإجمال الذي في قوله تعالى: الذي خلق وفعل وصنع، فأتى بالصفات قبل ذكر الموصوف، ولما أراد تبيين ذكر الموصوف وتعريفه قال سبحانه: \" ذلك رب العالمين \" فهذه فائدة البسط والإطناب في الكلام الذي عدل فيه عن الإيجاز والاختصار.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985784,"book_id":6313,"shamela_page_id":462,"part":null,"page_num":548,"sequence_num":462,"body":"ومما جاء من ذلك في السنة النبوية قوله ﷺ: \" إن الدين النصيحة \" قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: \" لله ولكتابه ولنبيه ولأئمة المسلمين وعامتهم \" وحاصل هذا الكلام إذا ورد من طريق الاختصار أن يقول بعد تخصيص الله تعالى بالذكر وكتابه ونبيه أن يقول: وللمسلمين فإنها لفظة جامعة للأئمة وللعامة، فبسط هذه اللفظة ليفرد الأئمة بالذكر من جملة المسلمين، ولم يمكن الاقتصار على الأئمة فيكون المعنى ناقصاً، إذ تمامه لا يكون إلا بذكر عامة المسلمين، فأتى بذلك البسط ليفيد تتميم المعنى بعد تخصيص من يجب تخصيصه بالذكر، والله أعلم.\rومن شواهد البسط الشعرية للمتقدمين قول امرئ القيس كامل:\rنظرت إليك بعين جازئة ... حوراء حانية على طفل\rفإن حاصل البيت تشبيه عين هذه الموصوفة بعين الظبية، فبسط الكلام ليزيده البسط معنى لولاه لم يوجد فيه، فإن لنظر الظبية إلى خشفها عاطفة عليه بحنو واشفاق من الحسن ما ليس لمطلق نظرها أو لنظرها في غير هذه الحالة.\rومن أمثلته للمحدثين قول ابن المعتز في الخيري منسرح:\rقد نفض العاشقون ما صنع ال؟ ... دهر بألوانهم على ورقه\rفإن حاصل هذا المعنى الإخبار بصفرة الخيرى فبسط هذا اللفظ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985785,"book_id":6313,"shamela_page_id":463,"part":null,"page_num":549,"sequence_num":463,"body":"الذي لو اقتصر عليه حصل به المراد، لما في البسط من إدماج الغزل في الوصف بغير لفظ التشبيه، ولا قرينته المعتادة، إذ هو من قسمي التشبيه اللذين بأداة وبغير أداة، بل تشبيه لا ظاهر ولا مقدر يفهم من فحوى الخطاب، إذ مفهوم اللفظ أن صفرة الخيرى تشبه صفرة ألوان المهجورين.\rمن هذا الباب أيضاً قول البحتري وقد تقدم في باب حسن الإتباع كامل:\rأخجلتني بندى يديك فسودت ... ما بيننا تلك اليد البيضاء\rصلة غدت في الناس وهي قطيعة ... عجباً وبر راح وهو جفاء\rفإن حاصل البيتين أنك قطعتني عنك خجلاً من كثرة عطائك، فبسط هذا الكلام لتحصل زيادات من البديع لولا البسط ما حصلت كالطباق في البيت الأول، بذكر السواد والبياض، والمقابلة في البيت الثاني بذكر الصلة والقطيعة، والغدو والرواح، والبر والجفاء، وعلى هذا فاعتبر ما تسمعه من الكلام الذي يقع فيه مثله، وقسه عليه.\rوالفرق بين البسط والاستقصاء أن الاستقصاء هو حصر كل ما يتفرع من المعنى ويتولد عنه، ويكون من سببه ولوازمه، بحيث لا يترك فيه موضعاً قد أخلقه بجدة الآخذ له، فيستدركه ليستحقه بذكره، والبسط نقل المعنى من الإيجاز إلى الإطناب بسبب بسط العبارة عنه، وإن لم يستقص كل ما يكون من لوازمه، والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985786,"book_id":6313,"shamela_page_id":464,"part":null,"page_num":550,"sequence_num":464,"body":"؟\r\rباب الهجاء في معرض المدح\rوهو أن يقصد المتكلم إلى هجاء إنسان فيأتي بألفاظ موجهه ظاهرها المدح وباطنها القدح، فيوهم أنه يمدحه وهو يهجوه، كقول بعضهم في بعض الأشراف وافر:\rله حق وليس عليه حق ... ومهما قال فالحسن الجميل\rوقد كان الرسول يرى حقوقا ... عليه لغيره وهو الرسول\rفأما ألفاظ البيت الأول على انفرادها فلا تكاد تصلح إلا للمدح ولا يفهم منها غيره؛ وأما البيت الثاني لو انفرد أيضاً لما فهم منه مدح ولا هجاء، وكان إلى باب من الأبواب أقرب من هذين البابين، لكمه لما اقترن بالأول أهل نفسه وأخاه للهجاء، وعدل بألفاظهما عن الثناء وحصل من اجتماعهما ما ليس لكل منهما على انفراده.\rومن أمثلة هذا الباب أيضاً قول عبد الصمد بن المعدل أو أبي العميثل في أبي تمام وقد كانت في لسانه حبسة رمل مجزوء:\rيا نبي الله في الشع؟ ... ر ويا عيسى بن مريم\rأنت من أشعر خلق الله ... ما لم تتكلم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985787,"book_id":6313,"shamela_page_id":465,"part":null,"page_num":551,"sequence_num":465,"body":"فإن حال هذين البيتين حال البيتين اللذين قبلهما، إذ الأول منهما إذا انفرد كان مدحاً محضاً، وإ؟ ذا اجتمعا صار هجواً بحتاً، غير أن ثاني الآخرين مخالف لثاني الأولين.\rومن ملح هذا الباب قول السعيد بن سناء الملك ﵀ في قواد سريع:\rلي صاحب أفديه من صاحب ... حلو التأني حسن الإحتيال\rلو شاء من رقة ألفاظه ... ألف ما بين الهدى والضلال\rيكفيك منه أنه ربما ... قاد إلى المهجور طيف الخيال\rوهذا النمط غير النمط الأول الذي قدمناه، وهذا من لطيف التوجيه، ولقد تشبثت بأذيال القاضي السعيد ﵀ في هذا المقطوع بقولي فيمن ادعى الفقه والكرم وانتحل هاتين الشيمتين دون بقية الشيم، وهو ممن يتهم سريع:\rابن فلان أكرم الناس لا ... يمنع ذا الحاجة من فلسه\rوهو فقيه ذو اجتهاد وقد ... نص على التقليد في درسه\rيستحسن البحث على وجهه ... ويوجب الدخل على نفسه\rوكل توطئة وقعت في هذا النمط الثاني صالحة للمدح البحت فإذا اقترنت بأبيات المعاني انقلب ما كان فيها مدحاً تهكماً، وصارت هي بنفسها هجاء، والذي أفرد هذا الباب بنفسه عن باب التهكم مع أن الذي فيه من المدح تهكم هو أن التهكم لا تخلو ألفاظه من لفظة من اللفظ الدال","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985788,"book_id":6313,"shamela_page_id":466,"part":null,"page_num":552,"sequence_num":466,"body":"على نوع من أنواع الذم، أو لفظة يفهم من فحواها الهجو، وسيأتي بيان ذلك في باب التهكم، وألفاظ المدح في هذا الباب لا يقع فيها شيء من ذلك، ولا تزال مفرقة ومجتمعة تدل على مجرد المدح حتى يقترن بها ما يصرفها عن ذلك، وشواهد التهكم لا تخلو عن ألفاظ التهكم في أبيات التوطئة، وأبيات المعاني، وما يقع في هذا الباب من التهكم إنما يقع في التوطئة دون أبيات المعاني، والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985789,"book_id":6313,"shamela_page_id":467,"part":null,"page_num":553,"sequence_num":467,"body":"باب العنوان\rوهو أن يأخذ المتكلم في غرض له من وصف أو فخر أبو مدح أو هجاء أو عتاب أو غير ذلك، ثم يأتي لقصد تكميله بألفاظ تكون عنواناً لأخبار متقدمة، وقصص سالفة، كقول أبي نواس بسيط\rيا هاشم بن خديج ليس فخركم ... بقتل صهر رسول الله بالسدد\rأدرجتم في إهاب العير جثته ... لبئس ما قدمت أيدكم لغد\rإن تقتلوا ابن أبي بكر فقد قتلت ... حجراً بدارة ملحوب بنو أسد\rويوم قلتم لعمرو وهو يقتلكم ... قتل الكلاب لقد أبرحت بالولد\rورب كندية قالت لجارتها ... والدمع ينهل من مثنى ومن وحد\rألهى امرأ القيس تشبيب بغانية ... عن ثأره وصفات النؤي والوتد\rفقد أتى أبو نواس في هذه الأبيات بعدة عنوانات: منها قصة قتل محمد بن أبي بكر، وقتل حجر أبي امرئ القيس، وقتل عمرو بن هند","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985790,"book_id":6313,"shamela_page_id":468,"part":null,"page_num":554,"sequence_num":468,"body":"كندة في ضمن هجاء من أراد هجوه، ومعيرة المهجو بما أشار إليه من الأخبار الدالة على هجاء قبيلته وملوكهم، ومثل ذلك قول أبي تمام في استعطافه مالك بن طوق على قومه كامل:\rرفدوك في يوم الكلاب وشققوا ... فيه المزاد بجحفل كلاب\rوهم بعين أباغ راشوا للعدا ... سهميك عند الحارث الحراب\rوليالي الثرثار والحشاك قد ... جلبوا الجياد لواحق الأقراب\rفمضت كهولهم ودبر أمرهم ... أحداثهم تدبير غير صواب\rثم قال بعد ذلك: كامل\rلك في رسول الله أعظم أسوة ... وأجلها في سنة وكتاب","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985791,"book_id":6313,"shamela_page_id":469,"part":null,"page_num":555,"sequence_num":469,"body":"أعطى المؤلفة القلوب رضاهم ... كملاً ورد أخائذ الأحزاب\rوالجعفريون استقلت ظعنهم ... عن قومهم وهم نجوم كلاب\rحتى إذا أخذ الفراق بقسطه ... منهم وشط بهم عن الأحباب\rورأوا بلاد الله قد لفظتهم ... أكنافها رجعوا إلى جواب\rفأتوا كريم الخيم مثلك صافحاً ... عن ذكر أحقاد وذكر ضباب\rفانظر إلى ما أتى به أبو تمام في هذه الأبيات من العنوانات من السيرة النبوية وأيام العرب كيوم الكلاب، وأخبار بني جعفر بن كلاب مع ابن عمهم جواب، وكقوله أيضاً لأحمد بن أبي دواد: وافر:\rتثبت إن قولاً كان زوراً ... أتى النعمان قبلك في زياد\rفأرث بين حي بني جلاح ... لظى حرب وحي بني مصاد\rوغادر في صدور الدهر قتلى ... بني بدر على ذات الإصاد\rفأتى بعنوان مشيراً إلى قصة النابغة حين وشى به الواشون إلى النعمان،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985792,"book_id":6313,"shamela_page_id":470,"part":null,"page_num":556,"sequence_num":470,"body":"وما جر ذلك السعي من الحروب التي انطوت عليها قطعة من أيام العرب، وكقوله لابن أبي دواد أيضاً: كامل\rفاسمع مقالة زائر لم تشتبه ... آراؤه عند اشتباه البيد\rأسرى طريداً للحياء من التي ... زعموا وليس لرهبة بطريد\rكنت الربيع أمامه ووراءه ... قمر القبائل خالد بن يزيد\rفالغيث من زهر سحابة رأفة ... والركن من شيبان طود حديد\rوغدا تبين ما براءة ساحتي ... لو قد نفضت تهائمي ونجودى\rهذا الوليد رأى التثبت بعد ما ... قالوا يزيد بن المهلب مودى\rفتزحزح الزور المؤسس عنده ... وبناء هذا الإفك غير مشيد\rوتمكن ابن أبي سعيد من حجى ... ملك بشكر بني الملوك سعيد\rما خالد لي دون أيوب ولا ... عبد العزيز ولست دون وليد\rنفسي فداؤك أي باب ملمة ... لم يرم فيه إليك بالإقليد\rلما أظلتني غمامك أًصبحت ... تلك الشهود على وهي شهودي\rمن بعد ما ظنوا بأن سيكون لي ... يوم ببغيهم كيوم عبيد\rنزعوا بسهم قطيعة يهفو به ... ريش العقوق فكان غير سديد\rوإذا أراد الله نشر فضيلة ... ما كان يعرف فضل عرف العود\rلولا التخوف للعواقب لم تزل ... للحاسد النعمى على المحسود\rالعنوانات في بعض هذه الأبيات، وإنما جئت بجملتها لئلا يتجرأ حسنها، فمن عنواناتها إشارته إلى خبره مع ابن أبي دواد فيما نقل عنه من غضه من مضر على سبيل الحسد له، حتى حجبه عنه وجفاه، ولم يرجع إليه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985793,"book_id":6313,"shamela_page_id":471,"part":null,"page_num":557,"sequence_num":471,"body":"إلا بشفاعة خالد بن يزيد الشيباني، ثم ذكر قصة يزيد بن المهلب حين هرب من حبس الحجاج، وكتب فيه إلى الوليد بما أحفظه عليه، حتى حلف على قتله، فاستشفع بسليمان أخيه، واستجار به، فأجاره، وأرسل به مع ولده أيوب، وولد الوليد عبد العزيز، ووصى ولده ألا يدع يده من يده إلا بعد أمانه، وألا يوصل إليه بسوء إلا بعد قتله، ثم أشار إلى قصة عبيد بن الأبرص مع النعمان حين لقيه في ويوم بؤسه وقتله، وهذه القصص معروفة عند الأخباريين، فلم أطل بسياقة تفاصيلها، والكتاب العزيز محشو بعنوانات العلوم، فمنها قوله سبحانه: \" ألم تر أن الله يزجي سحاباً ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاماً فترى الودق يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من برد \" الآية، فإن فيها عنوان العلم المعروف بالآثار العلوية، ومن ذلك قوله تعالى: \" انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب لا ظليل ولا يغني من اللهب \" وهذا عنوان العلم المنسوب إلى أقليدس، لأن المثلث الشكل أول أشكاله، وهو أصل الأشكال، وهو شكل إذا نصب في الشمس لا يوجد له ظل لتحديد رؤوس زواياه، والله أعلم.\rومن ذلك قوله تعالى: \" وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين \" ثم ذكر سبحانه في تفسير ذلك ملكوت السموات،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985794,"book_id":6313,"shamela_page_id":472,"part":null,"page_num":558,"sequence_num":472,"body":"مدمجاً فيه ملكوت الأرض، فإن أفول الكواكب والنيرين إنما يكون بما يحول بين الأبصار وبينها من مخروط ظل الأرض، وهذا عنوان العلم المعروف بالمجسطي والله أعلم وقوله تعالى في بقية الآية المذكورة: \" فلما جن عليه الليل رأى كوكباً \" إلى آخر الآية، وهذا عنوان علم الكلام في ترتيب نظم الدليل على حدوث العالم بما دل عليه أفول الكواكب من التغيير، والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985795,"book_id":6313,"shamela_page_id":473,"part":null,"page_num":559,"sequence_num":473,"body":"باب الإيضاح\rوهو أن يذكر المتكلم كلاماً في ظاهره لبس، ثم يوضحه في بقية كلامه، كقول الشاعر طويل:\rيذكرنيك الخير والشر كله ... وقيل الخنا والعلم والحلم والجهل\rفإن هذا الشاعر لو اقتصر على هذا البيت لأشكل مراده على السامع، لجمعه بين ألفاظ المدح والهجاء، فلما قال بعده طويل:\rفألقاك عن مكروهاً متنزها ... وألقاك في محبوبها ولك الفضل\rأوضح المعنى المراد، ورفع اللبس، وأوضح الشك وقد يكون الإيضاح في الوصف الذي لا يتعلق به مدح ولا هجاء، وذلك أن يخبر المتكلم بخبر واحد عن شيء واحد يقع التعجب منه، ويشكل الأمر فيه، ثم يوضح ذلك الإشكال بأن يخبر عنه بما يفهم منه كشف اللبس عن الجزء الأول، كقول ابن حيوس الدمشقي كامل:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985796,"book_id":6313,"shamela_page_id":474,"part":null,"page_num":560,"sequence_num":474,"body":"ومقرطق يغني النديم بوجهه ... عن كأسه الملأى وعن إبريقه\rفعل المدام ولونها ومذاقها ... في مقلتيه ووجنتيه وريقه\rفإنه لو اقتصر على البيت الأول أشكل الأمر على السامع من جهة الوجه وإن كان حسناً لا يغني به النديم عن الخمر فأوضح اللبس في البيت الثاني. والفرق بين الإيضاح والتفسير أن التفسير تفصيل الإجمال، والإيضاح رفع الإشكال، لأن المفسر من الكلام لا يكون فيه إشكال ألبتة، وقد جاء من الإيضاح في الكتاب العزيز قوله تعالى \" كلما رزقوا منها من ثمرة رزقاً قالوا هذا الذي رزقنا من قبل \" فإنه لو قدر الاقتصار على هذا المقدار لالتبس الأمر على المخاطب لكونه لا يدري هل أراد الله تعالى بقوله حكاية عنهم \" هذا الذي رزقنا من قبل \" الإشارة إلى صنف الثمرة، أو مقدار اللبس بقوله \" وأتوا به متشابهاً \" يعني والله أعلم أشياء يشبه بعضها بعضاً، وهي متغايرة الأصناف، لأن الوجه الثاني يوجب اللبس الذي وقع الفرار منه، لأنه لا يدري هل قولهم: \" هذا الذي رزقنا من قبل \" أي غير ما رزقنا، وحقيقته أو غيره، لكنه هو في المقدار مثله، فلما قال سبحانه:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985797,"book_id":6313,"shamela_page_id":475,"part":null,"page_num":561,"sequence_num":475,"body":"\" وأتوا به متشابهاً \" ارتفع هذا اللبس أيضاً لكون البلاغة تقتضيه، وإنما اقتضته البلاغة لكونه من المعلوم، إذ المداومة على مأكول واحد توجب السأم والملل، وإن كمال التنعم وتمام التفكه التلون في المطاعم، والتفنن في المآكل، فعلم من فحوى الخطاب أنه أراد سبحانه وهو أعلم الصنف لا المقدار ومن الإيضاح قوله تعالى: \" ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم \" وقال في غير هذا الموضع \" ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم \" ثم قال سبحانه في الأولى: \" نحن نرزقكم \"، وفي الثانية: \" نحن نرزقهم \"، وإيضاح هذا الإشكال أن يقال: إنه سبحانه لما قال في الأولى \" ولا تقتلوا أولادكم من إملاق \" دل هذا اللفظ على أن الفقر كان حاصلاً بقتلهم الأولاد بسبب وجوده، فلا جرم أنه ﷾ قال: \" نحن نرزقكم \" أي ما يغني فقركم، ولما قال في الثانية \" ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق \"، دل على أنهم أغنياء وإنما هم يخشون الفقر فلا جرم أنه قال: نحن نرزقهم، أي لا تظنوا أنكم ترزقون الأولاد من رزقكم فتفتقرون، نحن نرزقهم.\rومثل هذه الآية قوله تعالى: \" إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي \" فلقائل أن يقول: لم قدم التمدح بذكر الحب قبل النوى؟ ولم قال سبحانه: يخرج الحي من الميت، بلفظ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985798,"book_id":6313,"shamela_page_id":476,"part":null,"page_num":562,"sequence_num":476,"body":"الفعل؟، ثم قال: \" ومخرج الميت من الحي \" بلفظ الفاعل، والجواب أن يقال: تقديم الحب على النوى من المهم، والبلاغة تقديم المهم، كما قيل: إن المهم المقدم فإن ما كان مهماً فتقديم التمدح به أولى، لأنه قوت المخاطب وقوت دوابه، وذكر ذلك إنما هو في معرض الاعتداد بالنعم عليه، فكان تقديمه أولى، والنوى إنما ذكر لتتميم المعنى، ليكمل التمدح فإنه في ذكره إشارة إلى الاعتداد على المخاطب بما يتفكه به، وطريق التهذيب والترتيب أن يكون ذكر ما يتفكه به بعد ذكر الأقوات التي لا غنى عنها، ولا بد للحيوان منها.\rوأما قوله: \" يخرج الحي \" بلفظ الفعل عند تقديم إخراج الحي لما في الحي من الحركة التي تعينه عند الخروج، فخروجه أسهل على مخرجه من خروج الميت من الحين فاقتضت البلاغة تقديمه بلفظ الفعل المقتضى للحال والاستقبال ليكون ذكر خروج الميت بعده انتقالاً من الأدنى إلى الأعلى، وجعل خروج الميت مستنداً إلى لفظ الفاعل المضاف الدال على المضي ليكون خروج الأصعب مفروغاً من وقوعه، ليكون أدل على القدرة وأبلغ في التمدح، والله أعلم.\rومن الإيضاح نوع يتقدم الإيضاح فيه على الإشكال كقوله تعالى: \" نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم \" إذ لو لم تتقدم تسمية النساء بالحرث، وهو موضع الزرع لوهم متوهم من قوله \" أنى شئتم \" إباحة الوطء في غير المكان المشروع، والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985799,"book_id":6313,"shamela_page_id":477,"part":null,"page_num":563,"sequence_num":477,"body":"باب التشكيك\rوهو أن يأتي المتكلم في كلامه بلفظة تشكك المخاطب هل هي حشو أو أصلية لا غنى بالكلام عنها، مثل قوله تعالى: \" يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين \" فإن لفظة \" بدين \" تشكك السامع هل هي فضلة، إذ لفظة \" تداينتم \" تغني عنها، والناظر في علم البيان يعلم أنها أصلية، لأن لفظة الدين لها محامل، وتقول: داينت فلاناً المودة يعني جازيته ومنه \" كما تدين تدان \". ومن ذلك قول رؤبة \" رجز \".\rداينت أروى والديون تقضى ... فمطلت بعضاً وأدت بعضا\rوأمثال هذا.\rوكل هذا هو الدين المجازى الذي لا يكتب ولا يشهد عليه، ولما كان المراد في الآية الكريمة تبيين الدين المالي الذي يكتب ويشهد عليه وفيه، وتبيين الأحكام المعلقة به، وما ينبغي أن يعمل فيه، أوجبت البلاغة أن تقول \" بدين \" معناه يكتب ويشهد فيه، ليقول: \" فاكتبوه \"، والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985800,"book_id":6313,"shamela_page_id":478,"part":null,"page_num":564,"sequence_num":478,"body":"ومن التشكيك ضرب آخر، وهو أن يأتي المتكلم بجمل من المعاني في كلامه، كل جملة معطوفة على الأخرى بأو التي هي موضوعة للتشكيك لا التي للتخيير والإباحة، كقول البحتري سريع:\rكأنما يبسم عن لؤلؤ ... منضد أو بر أو أقاح\rومن التشكيك نوع التبس على بعض المؤلفين حتى أدخله في باب تجاهل العارف، وهو أن يرى المتكلم شيئاً شبيهاً بشيء فيشكك نفسه فيه، لقصد تقريب المشبه من المشبه به، ثم يعود عن المجاز إلى الحقيقة، فيزيل ذلك التشكيك، فإن لم يعد إلى الحقيقة فهو تجاهل العارف وإن عاد فهو التشكيك المحض، وهو كقول سلم طويل:\rتبدت فقلت الشمس عند طلوعها ... بجلد غنى اللون عن أثر الورس\rفلما كررت الطرف قلت لصاحبي ... على مرية ما هاهنا مطلع الشمس\rفانظر كيف رجع إلى التحقيق بعد التشكيك، وقد خفى هذا الفرق عن ابن رشيق وغيره حتى أدخلوه في باب تجاهل العارف، وهذا خلاف قول أبي تمام طويل:\rفوالله ما أدري أأحلام نائم ... ألمت بنا أم كان في الركب يوشع\rفإن سلماً رجع عن التشكيك وأبو تمام لم يرجع، فكان بيت سلم من التشكيك المحض، وبيت حبيب من تجاهل العارف، وقد ظهر الفرق بين البابين، والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985801,"book_id":6313,"shamela_page_id":479,"part":null,"page_num":565,"sequence_num":479,"body":"باب الحيدة والانتقال\rوهو أن يجيب المسؤول بجواب لا يصلح أن يكون جواباً عما سئل عنه، أو ينتقل المستدل إلى الاستدلال غير الذي كان آخذاً فيه، وإنما يكون هذا بلاغة إذا أتى به المستدل بعد معارضة بما يدل على أن المعترض لم يفهم استدلاله، فينتقل عنه إلى استدلال يقطع به الخصم عند فهمه، وقد جاء في الكتاب العزيز من ذلك قوله تعالى حكاية عن الخليل ﵇ في قوله للجبار: \" ربي الذي يحيي ويميت \" فقال الجبار: \" أنا أحيي وأميت \" ثم دعا بإنسان فقتله، ودعا بمن وجب عليه القتل فأعتقه، فلما علم الخليل أنه لم يفهم معنى الإماتة والإحياء اللذين أرادهما انتقل إلى استدلال آخر فقال: \" إن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب \" فأتاه باستدلال لا يجد لاسمه اسماً مشتركاً معه، فتعلق بظاهره على طريق المغالطة، أو لأنه لم يفهم إلا ذلك الوجه الذي تعلق به، فلا جرم أن الجبار انقطع وأخبر الله سبحانه عنه بذلك حيث قال تعالى: \" فبهت الذي كفر \" وفيه نوع يحيد المسئول عن خصوص الجواب إلى عمومه، لتفيد تلك الحيدة زيادة بيان لا تحصل بخصوص الجواب","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985802,"book_id":6313,"shamela_page_id":480,"part":null,"page_num":566,"sequence_num":480,"body":"كقول عائشة ﵂ وقد سألتها امرأة أتدخل المرأة الحمام؟ فقالت: \" كل امرأة وضعت ثيابها في غير بيتها فقد عصت \" أو كما قالت: \" فانظر إلى حيدتها عن الخصوص إلى العموم، لتفيد زيادة في البيان، وتستوعب جميع أحكام الباب \" صواب الحديث: ما من امرأة خلعت ثيابها في غير بيتها، إلا هتكت ما بينها وبين الله من حجاب. فهذا مثال ما يأتي من الحيدة بسبب سوء فهم الخصم أو لقصد الزيادة المفيدة.\rوأما ما يأتي بسبب صحة المعارضة على طريق المغالطة كقول الشاعر منسرح:\rرأيته في الظلام منبطحاً ... يضرب في باب سرمه بوق\rفقلت ماذا؟ فقال يبهتني ... أنت تقول القرآن مخلوق\rوقول الآخر منسرح:\rقالت أحب العذار أول ما ... يبدو على الخد غير معوج\rقلت: اسكتي لا يقال لائطة ... قالت: وإلا عذارك الثلجى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985803,"book_id":6313,"shamela_page_id":481,"part":null,"page_num":567,"sequence_num":481,"body":"باب الشماتة\rوهو إظهار المسرة بمن نالته محنة، أو أصابته نكبة، ولم أستمع في ذلك مثل قول ابن الرومي كامل:\rلا زال يومك عبرة لغدك ... وبكت بشجوعين ذي حسدك\rفلئن بكيت لطالما نكبت ... بك همة لجأت إلى سندك\rلو تسجد الأيام ما سجدت ... إلا ليوم فت في عضدك\rيا نعمة ولت غضارتها ... ما كان أقبح حسنها بيدك\rفلقد غدت بردا على كبدي ... لما غدت ناراً على كبدك\rورأيت نعمى الله زائدة ... لما استبان النقص في عددك\rلم يبق لي مما برى جسدي ... إلا بقايا الروح في جسدك\rوقد جاء من الشماتة في الكتاب العزيز قوله تعالى: \" ذق إنك أنت العزيز الكريم \" فلفظة \" ذق \" شماتة، وبقية الكلام تهكم.\rوأما الشماتة المحضة في القرآن فقوله تعالى لفرعون: \" آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين \".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985804,"book_id":6313,"shamela_page_id":482,"part":null,"page_num":568,"sequence_num":482,"body":"باب التهكم\rيقال: تهكمت البئر إذا تهدمت، وتهكم عليه: اشتد غضبه. والمتهكم المتكبر وقال أبو زيد: تهكمت: تعتبت، وهكمت، عيرته تهكيماً عبته، وعلى هذا يكون التهكم إما لشدة الغضب قد أوعد بلفظ البشارة أو لشدة الكبر وتهاونه بالمخاطب قد فعل ذلك أو ذكر بفعله عند العقوبة على سبب المعيرة له، فهذا أصله.\rوهو في الاستعمال عبارة عن الإتيان بلفظ البشارة في موضع الإنذار، والوعد في مكان الوعيد، والمدح في معرض الاستهزاء، فشاهد البشارة من الكتاب العزيز قوله تعالى: \" بشر المنافقين بأن لهم عذاباً أليماً \" وقد مر في الباب الذي قبله قوله تعالى: \" ذق إنك أنت العزيز الكريم \" وهو شاهد الاستهزاء بلفظ المدح.\rومن التهكم قول الزمخشري في تأويل قوله تعالى: \" له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله \" قال: هم الحرس من حول","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985805,"book_id":6313,"shamela_page_id":483,"part":null,"page_num":569,"sequence_num":483,"body":"السلطان يحفظونه على زعمه من أمر الله على سبيل التهكم به، فإنهم لا يحفظونه من أمر الله في الحقيقة إذا جاء، والله أعلم.\rومنه أيضاً قوله تعالى: \" قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين \" فقوله سبحانه \" إيمانكم \" تهكم، والله أعلم.\rومن السنة قول الرسول ﷺ \" بشر مال البخيل بحادث أو وارث \".\rوشاهد المدح في موضع الاستهزاء قول ابن الذروى في ابن أبي حصينة من أبيات خفيف:\rلا تظنن حدبة الظهر عيباً ... فهي في الحسن من صفات الهلال\r؟ وكذاك القسي محدودبات وهي أنكى من الظبا والعوالي\rوإذا ما علا السنام ففيه ... لقروم الجمال أي جمال\rوذنابى القطاة وهي كما تع ... لم كانت موصوفة بالجلال\rوأرى الانحناء في منسر البا ... زي لم يعد مخلب الرئبال\rكون الله حدبة فيك إن شئ ... ت من الفضل أو من الإفضال\rفأتت ربوة على طود حلمٍ ... طال أو موجةً ببحر نوال\rما رأتها النساء إلا تمنت ... لو غدت حليةً لكل الرجال\rثم ختمها بقوله:\rوإذا لم يكن من الهجر بدٌ ... فعسى أن تزورني في الخيال","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985806,"book_id":6313,"shamela_page_id":484,"part":null,"page_num":570,"sequence_num":484,"body":"وكقول ابن الرومي سريع:\rفيا له من عمل صالح ... يرفعه الله إلى أسفل\rوأحسب أن أول من نطق بالتهكم في شعره امرؤ القيس، حيث يقول: متقارب:\rفأنشب أظفاره في النسا ... فقلت هبلت ألا تبصر\rفإن قوله للثور هبلت ألا تبصر من التهكم اللطيف. وأطرف ما سمعت في التهكم قول حماد عجرد مجزوء الكامل:\rفيا ابن نوح يا أخا ال؟ ... حلس ويا بن القتب\rومن نشا والده ... بين الربا والكثب\rيا عربي يا عربي ... يا عربي يا عربي\rوالفرق بين التهكم والهزل الذي يراد به الجد أن التهكم ظاهره جد وباطنه هزل، وهو ضد الأول، لأن الهزل الذي يراد به الجد يكون ظاهره هزلاً وباطنه جداً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985807,"book_id":6313,"shamela_page_id":485,"part":null,"page_num":571,"sequence_num":485,"body":"؟\r\rباب التنذير\rوهو أن يأتي المتكلم بنادرة حلوة، أو مجنة مستطرفة، وهو يقع في الجد والهزل ومن لطيف ما جاء منه في الجد وبديعه قوله تعالى: \" فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت \" فانظر مبالغته ﷾ في وصف المنافقين بالجبن والخوف حيث أخبر عنهم بالخبر الصادق أنهم عند الخوف تدور أعينهم عند النظر كحالة من يغشى عليه من الموت، ولو اقتصر ﷾ على قوله \" كالذي يغشى عليه \" كان كافياً في المقصود، لكن أراد الزيادة على المقدار الذي قصد من المبالغة، فأوغل بقوله سبحانه \" من الموت \" إذ حالة المغشى عليه من الموت أشد من حالة غيره، ولا شك في أن المنافقين من الجبن والخوف من الموت بهذه المثابة، وذلك الذي دعاهم إلى النفاق، فإن من كان قوي النفس شجاع القلب، لا يرتضي النفاق، إذ هو لا يخشى الموت ولا يخافه، وفي هذا الكلام من طريف التندير لمن يتدبره ما يبهرج كل نادرة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985808,"book_id":6313,"shamela_page_id":486,"part":null,"page_num":572,"sequence_num":486,"body":"وأما ما جاء منه في الهزل فكقول أبي تمام فيمن سرق له شعراً، وهو محمد بن يزيد الرقى خفيف:\rمن بنو بحدل من ابن الحباب ... من بنو تغلب غداة الكلاب\rمن طفيل من عامر أو من الحا ... رث أم من عتيبة بن شهاب\rإنما الضيغم الهصور أبو الأش؟ ... بال هتاك كل خيس وغاب\rمن عدت خيله على سرح شعري ... وهو للحين راتع في كتاب\rيا عذارى الكلام صرتن من بع؟ ... دي سبايا تبعن في الأعراب\r؟ لو ترى منطقي أسيراً لأصبح؟ ... ت أسيراً ذا عبرة واكتئاب\rثم ختمها بقوله:؟ طال رغبي إليك مما أقاسي؟ - هـ ورغبي يا رب فاحفظ ثيابي وكقوله في هجاء موسى بن إبراهيم الرافقي كامل:\rعجباً لقوم يسمعون مدائحي ... لك لم يقولوا قم فأنت مصاب\rنبزوا بكذاب مسيلمة فقد ... غلطوا ومانوا بل أنا الكذاب\rوما رويت ألطف من قول ضياء الدين موسى بن ملهم الكاتب في الرشيد عمر الفوى وكان به داء الثعلب وهو من نوادر ما قيل في أقرع وافر:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985809,"book_id":6313,"shamela_page_id":487,"part":null,"page_num":573,"sequence_num":487,"body":"أقول لمعشر غلطوا وغضوا ... من الشيخ الرشيد وأنكروه\rهو ابن جلا وطلاع الثنايا ... متى يضع العمامة تعرفوه\rوالفرق بين التندير وما قبله من باب التهكم وما يلتبس بالتهكم من الهزل الذي يراد به الجد أن التندير ظاهره وباطنه هزل بخلاف البابين، والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985810,"book_id":6313,"shamela_page_id":488,"part":null,"page_num":574,"sequence_num":488,"body":"؟\r\rباب الإسجال بعد المغالطة\rوهو أن يقصد الشاعر غرضاً من ممدوح، فيأتي بألفاظ تقرر بلوغه ذلك الغرض، فيسجل عليه ذلك، مثل أن يشترط لبلوغ ذلك الغرض شرطاً يلزم من وقوعه وقوع ذلك الغرض، ثم يقرر وقوع ذلك الغرض مغالطة، ليقع المشروط كقول بعض المحدثين بسيط\rجاء الشتاء وما عندي لقرته ... إلا ارتعادي وتصفيقي بأسناني\rفإن هلكت فمولانا يكفنني ... هبني هلكت فهبني بعض أكفاني\rوقد تأتى المغالطة بلا إسجال إذا أراد المتكلم إخفاء مراده فسأل عن شيء وهو يريد غيره بشرط أن يكون المسئول عنه يتعلق بمراده تعلقاً قريباً لطيفاً، كقول أبي نواس خفيف:\rأسأل القادمين من حكمان ... كيف خلفتم أبا عثمان\rفيقولون لي جنان كما س ... رك من حالها فسل عن جنان\rما لهم لا يبارك الله فيهم ... كيف لم يغن عندهم كتماني","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985811,"book_id":6313,"shamela_page_id":489,"part":null,"page_num":575,"sequence_num":489,"body":"فإنه سأل عن أخى سيد جنان وإنما أراد جناناً، ويقع الإسجال بغير مغالطة، وهذا القسم هو الذي يأتي في الكتاب العزيز كثيراً، ومنه قوله تعالى: \" ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم \" والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985812,"book_id":6313,"shamela_page_id":490,"part":null,"page_num":576,"sequence_num":490,"body":"باب الفرائد\rهذا باب مختص بالفصاحة دون البلاغة، لأن مفهومه إتيان المتكلم بلفظة تتنزل من كلامه منزلة الفريدة من حب العقد تدل على عظم فصاحته وقوة عارضته، وشدة عربيته، حتى إن هذه اللفظة لو سقطت من الكلام لعز على الفصحاء غرامتها وهي كقول أبي نواس كامل:\rوكأن سعدي إذ تودعنا ... وقد اشرأب الدمع أن يكفا\rفلفظة اشرأب من الفرائد التي لا نظير لها في فصيح الكلام، ولا يقع مثلها إلا على سبيل الندور، وكقوله أيضاً بسيط\rحتى إذا ما غلا ماء الشباب لها ... وأفعمت في تمام الجسم والعصب\rفاستعارة الغليان لماء الشباب من الفرائد البديعة، وكذلك قول أبي تمام وافر:\rوقدما كنت معسول الأماني ... ومأدوم القوافي بالسداد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985813,"book_id":6313,"shamela_page_id":491,"part":null,"page_num":577,"sequence_num":491,"body":"فلفظة مأدوم من الفرائد التي لا يقدر على نظيرها، ولا يعثر على شبيهها وكقول البحتري في المعتز بالله خفيف:\rلا بس حلة الوفاء ومن أب ... هة السيف أن يكون محلى\rفقوله أبهة من الفرائد الغريبة في مكانها التي يعجز الفصحاء عن الإتيان بها، وقد جاء في الكتاب العزيز من ذلك غرائب يعز حصرها، منها قوله ﷾: \" فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين \" وانظر إلى قوله تعالى: \" فلما استيأسوا منه خلصوا نجياً \" فألفاظ هذه الجملة كلها فرائد معدومة النظائر، وكقوله ﷿: \" حتى إذا فزع عن قلوبهم \" فانظر إلى لفظة \" فزع \" وغرابة فصاحتها، تعلم أن الفكر لا يكاد يقع على مثلها وكقوله ﵎: \" يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور \" وهذه الفريدة في هذه الآية أعجب من كل ما تقدم، فإن لفظة \" خائنة \" سهلة مستعملة، كثيرة الجريان على ألسن الناس، لكن على انفرادها، فلما أضيفت إلى \" الأعين \" حصل لها من غرابة التركيب ما جعل لها في النفوس هذا الموقع العظيم، بحيث لا يستطاع الإتيان بمثلها، ولا يكاد يقع في شيء من فصيح الكلام شبهها، وأشباه ذلك في الكتاب العزيز لا يدخل تحت الحصر، وقد ورد في السنة النبوية على صاحبها الصلاة والسلام مواضع شريفة، منها قوله ﵇: استذكروا القرآن فإنه أشد تفصيا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985814,"book_id":6313,"shamela_page_id":492,"part":null,"page_num":578,"sequence_num":492,"body":"من صدور الرجال من النعم من عقلها فالمح لفظتي استذكروا، وتفصيا لترى ما يذهل عقل السامع فصاحة، ويروعه جزالة وحلاوة، وكذلك قوله ﵇: \" إذا ذكر الصالحون فحى هلاً بعمر \" فإن لفظة \" حى، هلاً \" من الفرائد العجيبة وفيها من الفصاحة ما يعجز عن مثله كل فصيح، وعلى هذه الأمثلة فقس ترشد إن شاء الله تعالى.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985815,"book_id":6313,"shamela_page_id":493,"part":null,"page_num":579,"sequence_num":493,"body":"باب الإلغاز والتعمية\rويسمى المحاجاة، والتعمية أعم أسمائه، وهو أن يريد المتكلم شيئاً فيعبر عنه بعبارات يدل ظاهرها على غيره، وباطنها عليها، وهو يكون في النثر والشعر، فمما جاء منه في النثر ما أملاه على السيد الشريف العالم الفاضل تاج الدين والشرف ابن الحلبي أبقاه الله من رسالة ذكر أنها أملاها عليه منشئها، فحفظها ثم نسيها، ولم يبق على خاطره منها إلا ما أذكره، وهو، بلغني أيدك الله أنك ركبت الأفق، وسرت تطأ ذوائب النجم من عن يمين جعفر، وشمال سعيد، حتى أتيت إلى الضرير، فطفقت تستحسن عينيه ملياً، وقصدت ابنة الوادي فبقرت بطنها عن خمس كأصابع الكف، وأتاك الغلام ببيضاء من ملاح القرية، فأصليت الجميع ناراً تلظى، فبردت بنارهن ناراً محرقة، ورأيت عثمان وهو يسر أبا بكر فقتلته.\rومنها ورويت أن الشافعي قال: لا بأس بالمرأة إذا احتاجت أن تبيع زوجها لتنفق ثمنه.\rوذكر لي الشريف تاج الشرف أن منشئها كان شريفاً عباسياً، وانسى اسمه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985816,"book_id":6313,"shamela_page_id":494,"part":null,"page_num":580,"sequence_num":494,"body":"ومن النثر الذي جاء في هذا الباب قول ابن جراح ملغزاً في دملج: ماشئ وجهه قمر، وقلبه حجر، إن نبذته صبر، واعتزل البشر، وإن قرعته ملأ الأسماع، وإن أدخلته السوق أبى أن يباع، وإن فككت شطره دعا لك، وإن ركبت نصفه الآخر هالك، وربما كثر مالك، وإن رخمته آلمك عند الفجر، وأورثك الضجر وقت العصر.\rومثال ما أتى من هذا الباب في الشعر قول بعض العرب ملغزاً في الأيام \" رجز \":\rوسبعة كلهم إخوان ... ما إن يموتون وهم شبان\rلم يرهم في موضع إنسان\rومن ذلك قول أبي العلاء المعري ملغزاً في الإبرة مما أنشدنيه الفاضل عفيف الدين علي بن عدلان النحوي عفا الله عنه طويل:\rسعت ذات سم في قميصي فغادرت ... به أثراً والله شاف من السم\rكست قيصراً ثوب الجمال وتبعاً ... وكسرى وعادت وهي عارية الجسم\rوللمعري ملغزاً في الهريسة: طويل\rأتتنا وما لاح الصباح وقد سرت ... إلينا الدجى إن الحرائر لا تسرى\rمنعمة بيضاء ما نفحاتها ... بعطر ولكن هن أشهى من العطر\rلها والد عال وأم كريمة ... وحاضنة سوداء جائشة الصدر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985817,"book_id":6313,"shamela_page_id":495,"part":null,"page_num":581,"sequence_num":495,"body":"إذا أودعت سراً غلا في ضميرها ... فباتت من السر المصون على الجمر\rوكقوله ملغزاً في قطعة ملح من ملح الطعام من إنشاد المذكور طويل:\rوبيضاء من سر الملاح ملكتها ... فلما قضت إربي حبوت بها صحبي\rفباتوا بها مستمتعين ولم تزل ... تحثهم بعد الطعام على الشرب\rوأمثلة هذا الباب من الشعر لا تحصى كثرة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985818,"book_id":6313,"shamela_page_id":496,"part":null,"page_num":582,"sequence_num":496,"body":"باب التصرف\rوهو أن يأتى من قوة الشاعر إلى معنى فيبرزه في عدة صور، تارة بلفظ الاستعارة، وطوراً بلفظ الإيجاز، وآونة بلفظ الإرداف، وحيناً بلفظ الحقيقة، كقول امرئ القيس يصف الليل طويل:\rوليل كموج البحر أرخى سدوله ... علي بأنواع الهموم ليبتلي\rفقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازاً وناء بكلكل\rفإنه أبرز هذا المعنى في لفظ الاستعارة، تم تصرف فيه فأتى به بلفظ الإيجاز، فقال: طويل:\rفيا لك من ليل كأن نجومه ... بكل مغار الفتل شدت بيذبل\rفإن التقدير: فيا لك من ليل طويل، فحذف الصفة، لدلالة التشبيه عليها، ثم تصرف فيه فأخرجه بلفظ الإرداف فقال طويل:\rكأن الثريا علقت في مصامها ... بأمراس كتان إلى صم جندل\rثم تصرف فيه فعبر عنه بلفظ الحقيقة فقال طويل:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985819,"book_id":6313,"shamela_page_id":497,"part":null,"page_num":583,"sequence_num":497,"body":"ألا أيها الليل الطويل ألا انجل ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل\rولا شبهة في أن هذا إنما يأتي من قوة الشاعر وقدرته، ولذلك أتت قصص القرآن الكريم في صور شتى من البلاغة ما بين الإيجاز والإطناب واختلاف معاني الألفاظ، وشهرة ذلك تغني عن شرحه. والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985820,"book_id":6313,"shamela_page_id":498,"part":null,"page_num":584,"sequence_num":498,"body":"باب النزاهة\rوهو يختص غالباً بفن الهجاء، وإن وقع نادراً في غيره، فإنه عبارة عن نزاهة ألفاظ الهجاء وغيره من الفحش حتى يكون الهجاء كما قال فيه أبو عمرو بن العلاء وقد سئل عن أحسن الهجاء فقال: الذي إذا أنشدته العذراء في خدرها لا يقبح عليها، مثل قول جرير كامل:\rلو أن تغب جمعت أحسابها ... يوم التفاخر لم تزن مثقالا\rوكقوله وافر:\rفغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعباً بلغت ولا كلابا\rوكقول عمرو بن معد يكرب الزبيدي طويل:\rظللت كأني لرماح دريئة ... أطاعن عن أبناء حرب وفرت\rوقال ابن الأعرابي: أهجي بيت وأمضه قول الشاعر طويل:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985821,"book_id":6313,"shamela_page_id":499,"part":null,"page_num":585,"sequence_num":499,"body":"وقد علمت عرساك أنك آيب ... تخبرهم عن جيشهم كل مرتع\rومن شواهد هذا الباب للمولدين قول أبي تمام: بسيط\rمودة ذهب أثمارها شبه ... وهمة جوهر معروفها عرض\rوقوله:\rبني لهيعة ما بالي وبالكم ... وفي البلاد مناديح ومضطرب\rلجاجة لي فيكم ليس يشبهها ... إلا لجاجتكم في أنكم عرب\rوكالذي قاله معد بن الحسين بن جبارة لرجل كان يدعو قوماً إلى سماع قينة له، ثم انكشف له بعد ذلك أنهم ينالون منها القبيح بسيط\rألم أقل لك إن القوم بغيتهم ... في ربة العود لا في رنة العود\rلا تأسفن على الشاة التي عقرت ... وأنت غاد بها في مسرح البيد\rفانظر إلى هذه المعاني ونزاهة ألفاظها، وقس على ذلك.\rوقد وقع من النزاهة في الكتاب العزيز قوله تعالى: \" وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين أفي قلوبهم مرض، أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون \" فإن ألفاظ الذم للمخبر عنهم في هذه الآية أتت منزهة عما يقع في غير هذا القسم من الهجاء واتفق في هذه الآية من النزاهة صحة الأقسام، فإنه لم يبق بعد قوله \" أفي قلوبهم مرض \" إلى قوله \" أن يحيف الله عليهم ورسوله \" قسماً من هذا المعنى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985822,"book_id":6313,"shamela_page_id":500,"part":null,"page_num":586,"sequence_num":500,"body":"حتى ذكره، لأن المرض عبارة عن إبطان الكفر، والريبة والشك والتردد وذكر الخوف من الحيف، فذكر جميع الأقسام التي هي أسباب القعود عن الإجابة لحكم الله ورسوله، وحصل مع ذلك الافتنان، فإنها تضمنت فن الفخر بوصف نفسه ورسوله بالعدل مدمجاً في الإيغال الذي وقع في فاصلة الآية، فإن ملزوم قوله تعالى \" بل أولئك هم الظالمون \" وصفه ورسوله بالعدل، فاقترن التشكيك بصحة الأقسام، وأدمج الافتنان في الإيغال، فسبحان المتكلم بهذا الكلام.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985823,"book_id":6313,"shamela_page_id":501,"part":null,"page_num":587,"sequence_num":501,"body":"باب التسليم\rوهو أن يفرض المتكلم فرضاً محالاً إما منفياً أو مشروطاً بحروف الامتناع، ليكون ما ذكره ممتنع الوقوع لامتناع وقوع مشروطه، ثم يسلم بوقوع ذلك تسليماً جدلياً، ويدل على تقدير عدم الفائدة في وقوعه على تقدير وقوعه، كقوله: \" ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إليه إذاً لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض \" فكأن معنى الكلام والله أعلم أنه ليس مع الله سبحانه من إليه، وكأن قائلاً قال: لو سلمنا أن معه إلهاً للزم من ذلك التسليم ذهاب كل إله بما خلق، وعلو بعضهم على بعض، فلا يتم في العالم أمر ولا ينفذ حكم، والواقع خلاف ذلك، ففرض إلهين فصاعداً محال، ومثال ذلك قول الطرماح بسيط\rلو كان يخفى على الرحمن خافية ... من خلقه خفيت عنه بنو أسد\rفهذا أيضاً على تقدير التسليم أن الله ﷾ لا يجوز أن تخفى عليه خافية، فقال الشاعر: لو كان مما يجوز أن يخفى عليه شيء من خلقه خفيت عليه هذه القبيلة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985824,"book_id":6313,"shamela_page_id":502,"part":null,"page_num":588,"sequence_num":502,"body":"باب الافتنان\rوهو أن يفتن المتكلم فيأتي بفنين متضادين من فنون الكلام في بيت واحد أو جملة واحدة مثل النسيب والحماسة والهجاء والهناء والعزاء.\rفأما ما افتن فيه بالجمع بين النسيب والحماسة فكقول عنترة كامل:\rإن تغد في دوني القناع فإنني ... طب بأخذ الفارس، المستلئم\rوكقول عبد الله بن طاهر بن الحسين وافر:\rأحبك يا ظلوم وأنت عندي ... مكان الروح من جسد الجبان\rولو أني أقول مكان روحي ... خشيت عليك بادرة الطعان\rومما جمع فيه بين تهنئة وتعزية قول بعض الشعراء ليزيد بن معاوية حين دفن أباه وجلس للناس بسيط\rاصبر يزيد فقد فارقت ذا ثقة ... واشكر حباء الذي بالملك أصفاكا\rلا رزء أصبح في الأقوام تعلمه ... كما رزئت ولا عقبى كعقباكا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985825,"book_id":6313,"shamela_page_id":503,"part":null,"page_num":589,"sequence_num":503,"body":"وأحسن شعر فنن فيه بالجمع بين تهنئة وتعزية قول أبي نواس للعباس بن الفضل بن الربيع يعزيه بالرشيد ويهنئه بالأمين طويل:\rتعز أبا العباس عن خير هالك ... بأكرم حي كان أو هو كائن\rحوادث أيام تدور صروفها ... لهن مساو مرة ومحاسن\rوفي الحي بالميت الذي غيب الثرى ... فلا أنت مغبون ولا الموت غابن\rوالأمثلة في هذا الباب كثيرة جداً. ومما جاء من ذلك في الكتاب العزيز قوله تعالى: \" ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثياً \" فجمع هذا الكلام بين الوعد والوعيد.\rومما جمع فيه بين التعزية والفخر قوله سبحانه: \" كل من عليها فان ويبق وجه ربك ذو الجلال والإكرام \".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985826,"book_id":6313,"shamela_page_id":504,"part":null,"page_num":590,"sequence_num":504,"body":"باب المراجعة\rوهو أن يحكى المتكلم مراجعة في القول، ومحاورة في الحديث جرت بينه وبين غيره أو بين اثنين غيره بأوجز عبارة وأرشق سبك وأسهل ألفاظ، إما في بيت واحد، أو في أبيات، أو جملة واحدة، كقول عمر بن أبي ربيعة \" رمل \":\rبينما ينعتني أبصرنني ... مثل قيد الرمح يعدو بي الأغر\rقالت الكبرى: ترى من ذا الفتى ... قالت الوسطى لها: هذا عمر\rقالت الصغرى وقد تيمتها ... قد عرفناه، وهل يخفى القمر؟\rوفي الأبيات خبئان يدلان على قوة عارضة الشاعر وحذقه بمعرفة وضع الكلام مواضعه: أحدهما، وهو الذي يدل على قوة العارضة، أن قوافي الأبيات لو أطلقت لكانت كلها مرفوعة كما قيل في أرجوزة رؤبة التي أولها \" رجز \":\rقد جبر الدين الإله فجبر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985827,"book_id":6313,"shamela_page_id":505,"part":null,"page_num":591,"sequence_num":505,"body":"فإنهم قالوا: إنها تزيد على التسعين شطراً، ولو أطلقت قوافيها لكانت كلها مفتوحة.\rوالخبء الآخر كونه جعل التي عرفته وعرفت به وشبهته تشبيهاً يدل على شغفها به هي الصغرى، ليدل بدليل الالتزام على أنه فتى السن إذ الفتية من النساء لا تميل إلا للفتى من الرجال غالباً وختم قوله بما أخرجه مخرج المثل السائر موزوناً، ولا يقال إنما مالت الصغرى له دون أختها لضعف عقلها وعدم تجربتها، فإني أقول: قد تخلص من هذا الدخل بكونه أخبر أن الكبرى التي هي أعقلهن ما كانت رأته قبل، وإنما كانت تهواه على السماع به، فلما رأته وعلمت أنه ذلك الموصوف لها، أظهرت من وجدها به على مقدار عقلها ما أظهرت من سؤالها عنه فحسب، ولم تتجاوز ذلك، أو سألت عنه وقد علمته لتلتذ بسماع اسمه من باب تجاهل العارف الذي توجبه شدة الوله والعقل يمنعها من التصريح، والوسطى سارعت إلى التعريف باسمه للعلم، فكانت دون الكبرى في الثبات الذي توجبه سنها وتوسطها، والصغرى لكون منزلتها في الثبات دون الأختين أظهرت من معرفته وصفته ما دلت به على شدة شغفها به، وكل ذلك وإن لم يكن كذلك فألفاظ الشعر تدل عليه.\rومن جيد أمثلة هذا الباب قول أبي نواس مجزوء الرمل:\rقال لي يوماً سليما ... ن وبعض القول أشنع\rقال صفني وعلياً ... أينا أتقى وأنفع","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985828,"book_id":6313,"shamela_page_id":506,"part":null,"page_num":592,"sequence_num":506,"body":"قلت إني إن أقل ما ... فيكما بالحق تجزع\rقال: كلا قلت: مهلاً ... قال قل لي: قلت: فاسمع\rقال: صفه قلت: يعطى ... قال: صفني قلت: تمنع\rوإلى لطافة البحتري في باب المراجعة تنتهي الرياسة حيث قال خفيف:\rبت أسقيه صفوة الراح حتى ... وضع الكأس مائلاً يتكفا\rقلت: عبد العزيز تفديك روحي ... قال: لبيك قلت: لبيك ألفا\rهاكها، قال: هاتها، قلت: خذها ... قال: لا أستطيعها، ثم أغفى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985829,"book_id":6313,"shamela_page_id":507,"part":null,"page_num":593,"sequence_num":507,"body":"باب السلب والإيجاب\rوهو أن يقصد المادح أن يفرد ممدوحه بصفة مدح لا يشركه فيها غيره، فينفيها في أول كلامه عن جميع الناس، ويثبتها لممدوحه بعد ذلك، كقول الخنساء في أخيها طويل:\rوما بلغت كف امرئ متناولاً ... من المجد إلا والذي نلت أطول\rوما بلغ المهدون للناس مدحة ... وإن أطنبوا إلا الذي فيك أفضل\rفقصد أبو نواس أخذ معنى الثاني من البيتين فلم يتهيأ له أخذه إلا في بيتين، وقصر عنه بعد ذلك تقصيراً كثيراً، وناهيك بأبي نواس، وذلك أنه قال طويل:\rإذا نحن أثنينا عليك بصالح ... فأنت كما نثني وفوق الذي نثني\rوإن جرت الألفاظ يوماً بمدحةٍ ... لغيرك إنساناً فأنت الذي نعني\rأما كون معنى البيتين من معنى البيت الثاني من شعر الخنساء فلأن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985830,"book_id":6313,"shamela_page_id":508,"part":null,"page_num":594,"sequence_num":508,"body":"حاصل بيتي أبي نواس أنك فوق ثنائنا الصالح عليك، وإن مدحنا غيرك كان له لفظ المدح ولك معناه، وهذا كله هو عين قول الخنساء:\rوما بلغ المهدون للناس مدحة\rلأن حاصل قولها إن مدح المادحين فيك أفضل من مدحهم للناس، وإن أطنبوا في مدح الناس هو قول أبي نواس في بيته الأول طويل:\rفأنت كما نثني وفوق الذي نثني\rوقصر أبو نواس عن لحاقها في الزيادة التي هي قولها: وإن أطنبوا، وقولها: \" وما بلغ المهدون للناس \" فكل هذه المبالغات قصر عنها أبو نواس، وأما قول أبي نواس في بيته الثاني \" فأنت الذي نثني \" هو عين قولها إلا الذي فيك أفضل فإن مفهومه أن كل من يهدي مدحاً لأحد من البشر له فيك فضل مما أهدى لغيرك، ووجه تقصير أبي نواس في هذا المعنى أنه جعل ممدوحه يمدح بالنية دون القول، وبالتأويل دون التصريح، والخنساء جعلت أخاها ممدوحاً من جميع الناس بالتصريح والمعنى بأفضل ما مدح به كل الناس، فبين المعنيين من البون ما تراه.\rومن هذا الباب ما يقع في التشبيه والإخبار وغيرهما بحيث يكون للمشبه أو المخبر عنه صفات فينفي بعضها ليثبت بعضها وينفي واحدة ليوجب أختها، أو يسلبها ويوجب غيرها، كقول رسول الله ﷺ لعلي ﵇ \" أما ترضى أن تكون مني","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985831,"book_id":6313,"shamela_page_id":509,"part":null,"page_num":595,"sequence_num":509,"body":"بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي \" فسلب النبوة ليوجب بقية المنازل التي كانت لهارون من موسى ﵉.\rومن ذلك قول الشاعر طويل:\rفصرت كأني يوسف بين اخوتي ... ولكن تعدتني النبوة والحسن\rفسلب نفسه هاتين الصفتين من صفات يوسف ﵇ ليثبت ما عداهما مما امتحن به يوسف من إخوته، وهذا البيت وإن كان من شواهد الاستدراك فهو مما يليق أن يستشهد به هاهنا.\rومن ذلك قول ابن الرومي طويل:\rكأنا مع الجدران في جنباته ... دمى في انقطاع الرزق لا في المحاسن\rلما كانت الدمى موصوفة بهاتين الصفتين، وكانت إحداهما لائقة بالمعنى الذي قصده، أثبتها ونفى ما عدها من الصفة التي لا تليق بغرضه، والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985832,"book_id":6313,"shamela_page_id":510,"part":null,"page_num":596,"sequence_num":510,"body":"باب الإبهام\rوهو أن يقول المتكلم كلاما يحتمل معنيين متضادين، لا يتميز أحدهما على الآخر، ولا يأتي في كلامه بما يحصل به التمييز فيما بعد ذلك، بل يقصد إبهام الأمر فيهما قصداً، والفرق بينه وبين الاشتراك المعيب أن الاشتراك لا يقع إلا في لفظة مفردة لها مفهومان، لا يعلم أيهما أراد المتكلم، والإبهام لا يكون إلا في الجمل المركبة المفيدة، ويختص بالفنون كالمديح، والهجاء، وغيرهما، ولا كذلك الاشتراك، والفرق بينه وبين الإيضاح أن البيت الملتبس الذي يفتقر إلى الإيضاح يتضمن ألفاظ المديح الصريح والهجاء البين فيكون فيه مدح وهجاء، والإبهام لا يفهم من ألفاظه مدح ولا هجاء البتة، بل يكون لفظه صالحاً للأمرين، وإن لم يكن فيه من لفظ المدح والهجاء شيء.\rومثاله ما حكى أن بعض الشعراء هنأ الحسن بن سهيل بصهر المأمون مع من هنأه، فأثاب الناس كلهم وحرمه، فكتب إليه: إن أنت تماديت على حرماني عملت فيك بيتاً لا يعلم أحد مدحتك فيه أم هجوتك؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985833,"book_id":6313,"shamela_page_id":511,"part":null,"page_num":597,"sequence_num":511,"body":"فاستحضره وسأله عن قوله، فاعترف، فقال: لا أعطيك أو تفعل، فقال مجزوء الخفيف:\rبارك الله للحسن ... ولبوران في الختن\rيا إمام الهدى ظفر ... ت ولكن ببنت من؟\rفلم يعلم أراد بقوله: \" ببنت من \" في الرفعة أو في الضعة، فاستحسن الحسن منه ذلك، وناشده، أسمعت هذا المعنى أم ابتكرته؟ فقال: لا والله، إلا نقلته من شعر شاعر مطبوع كان بعث به، ففصل قباء عند خياط أعور اسمه زيد، قال له الخياط على طريق العبث به: سآتيك به لا يدري أٌباء هو أم دواج فقال الشاعر: لئن فعلت لأعلمن فيك بيتاً لا يعلم أحد ممن سمعه أدعوت لك فيه أم دعوت عليك؟ ففعل الخياط، فقال الشاعر مجزوء الرمل:\rجاء من زيد قباء ... ليت عينيه سواء\rفما علم أحد هل أراد أن الصحيحة تساوي السقيمة أو العكس، قال: فاستحسن الحسن صدقه، أضعاف استحسانه حذقه، وأضعف جائزته.\rومن إبهام العرب قول رجل من بني عبد شمس بن سعد بن تميم طويل:\rتضيفني وهنا فقلت أسابقي ... إلى الزاد شلت من يدي الأصابع","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985834,"book_id":6313,"shamela_page_id":512,"part":null,"page_num":598,"sequence_num":512,"body":"ولم تلق للسعدي ضيفاً بقفرة ... من الأرض إلا وهو صديان جائع\rفإن ظاهر الشعر مبهم معناه، فيظن سامعه أنه أراد ضيفاً من البشر، فيكون قد هجا به نفسه، وإنما هو يصف ذئباً غشى رحله في الليل وهو بالقمر وهو فخر محض، والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985835,"book_id":6313,"shamela_page_id":513,"part":null,"page_num":599,"sequence_num":513,"body":"باب القول بالموجب\rوهو أن يخاطب المتكلم مخاطباً بكلام فيعمد المخاطب إلى كل كلمة مفردة من كلام المتكلم فيبني عليها من لفظة ما يوجب عكس معنى المتكلم، وذلك عين القول بالموجب، لأن حقيقته رد الخصم كلام خصمه من فحوى لفظه كقول ابن حجاج خفيف:\rقلت: طولت قال، لي: بل تطول؟ ... ت وأبرمت قلت: حبل ودادي\rومن شواهده أيضاً كامل:\rإن قال: قد ضاعت فيصدق أنها ... ضاعت ولكن منك يعني لو تعي\rأو قال: قد وقعت فيصدق أنها ... وقعت ولكن منه أحسن موقع\rوقد مر هذان البيتان في باب الاستدراك، والفرق بين القول بالموجب وبين التعطف من وجهين: أحدهما أن اللفظة التي تزيد في التعطف لا تكون مع أختها في قسم واحد، وإنما تكون كل لفظة في شطر. والثاني أن الثانية من كلمتي التعطف لا تكون عكس معنى الكلام، وهذه تعكس معناه، والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985836,"book_id":6313,"shamela_page_id":514,"part":null,"page_num":600,"sequence_num":514,"body":"؟\r\rباب حصر الجزئي وإلحاقه بالكلي\rوهو أن يأتي المتكلم إلى نوع ما فيجعله بالتعظيم له جنساً بعد حصر أقسام الأنواع منه والأجناس كقوله تعالى \" وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر \" الآية فإنه سبحانه تمدح بأنه يعلم ما في البر والبحر من أصناف الحيوان والنبات والجماد حاصراً لجرئيات المولدات ورأى أن الاقتصار على ذلك لا يكمل به التمدح، لاحتمال أن يظن ضعيف أنه يعلم الكليات دون الجزئيات، فإن المولدات وإن كانت جزئيات بالنسبة إلى جملة العالم فكل واحد منها كلي بالنسبة إلى ما تحته من الأجناس والأنواع والأصناف، فقال لكمال التمدح \" وما تسقط من ورقة إلا يعلمها \" وعلم أن علم ذلك يشاركه فيه من مخلوقاته كل ذي إدراك، فتمدح بما لا يشارك فيه، فقال: \" ولا حبة في ظلمات الأرض \" ثم ألحق هذه الجزئيات بعد حصرها بالكليات حيث قال: \" ولا رطب ولا يابس \" لأن جميع المولدات لا تخرج عن هذين القسمين، وتنظم إليها الأمهات التي هي العناصر الأربع التي تولدت منها المولدات، ثم قال: \" إلا في كتاب","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985837,"book_id":6313,"shamela_page_id":515,"part":null,"page_num":601,"sequence_num":515,"body":"مبين \" إشارة إلى أن علمه بذلك علم من معلومه مقيد في كتاب مبين فهو يأمن الضلال والنسيان كما قال: \" علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى \" ومثل هذا التمدح قوله تعالى: \" عالم الغيب والشهادة \" فإنه سبحانه لما تمدح بعلم الغيب، وعلم أن التمدح بذلك على انفراده لا يحصل به كمال التمدح، فقال: \" والشهادة \" لأن علم الغيب بالنسبة إلينا علم كلي، وعلم الشهادة بالنسبة إلينا علم بالجزئيات، والاقتصار على علم الغيب يوهم بعض الضعفاء أنه لا يعلم من المشاهدات ما يعلمه، فكان التمدح بعلم الشهادة أبلغ، ولذلك شاع الانتقال إليه.\rوكقول الشاعر طويل:\rإليك طوى عرض البسيطة جاهل ... قصارى المطايا أن يلوح لها القصر\rوكنت وعزمي في الظلام وصارمي ... ثلاثة أشباه كما اجتمع النسر\rفبشرت آمالي بملك هو الورى ... ودار هي الدنيا ويوم هو الدهر\rوالبيت الأخير أردت، فإن هذا الشاعر قصد تعظيم الممدوح وتفخيم أمر داره التي قصده فيها، ومدح يومه الذي لقيه فيه، فجعل الممدوح جميع الورى والدار التي لقيه فيها الدنيا، واليوم الذي رآه فيه الدهر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985838,"book_id":6313,"shamela_page_id":516,"part":null,"page_num":602,"sequence_num":516,"body":"فجعل الجزئي كلياً بعد حصر أقسام الجزئي، أما جعله الجزئي كلياً فلأن الممدوح جزء من الورى، والدار جزء من الدنيا، واليوم جزء من الدهر، وأما حصر أقسام الجزئي فلأن العالم عبارة عن أجسام وظروف زمان وظروف مكان، فقد حصر ذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985839,"book_id":6313,"shamela_page_id":517,"part":null,"page_num":603,"sequence_num":517,"body":"باب المقارنة\rوهو أن يقرن الشاعر الاستعارة بالتشبيه أو المبالغة، أو غير ذلك من المعاني في كلامه بوصل يخفي أثره ويدق موضعه، إلا عن الحاذق المدمن النظر في هذه الصناعة ومما جاء من ذلك في الكتاب العزيز قوله تعالى: \" وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون \" فإن هذه الآية الكريمة اقترن فيها التنكيت بتجنيس التغاير، أما التنكيت ففي قوله تعالى \" على ظهورهم \" والنكتة في ترجيح الحمل على الظهور دون الرؤوس كون الظهور أقوى للحمل، فأشار بها سبحانه إلى ثقل الأوزار، والتجنيس بين أوزارهم ويزرون، لأن الأولى اسم، والثانية فعل وأكثر ما يقع ذلك بالجمل الشرطية، كقول إدريس بن اليمان من شعراء المغرب طويل:\rوكنت إذا استنزلت من جانب الرضا ... نزلت نزول الغيث في البلد المحل\rوإن هيج الأعداء منك حفيظة ... وقعت وقوع النار في الحطب الجزل\rفإن هذا الشاعر لاءم بين الاستعارة بقوله في صدر البيت الأول.\rوكنت إذا استنزلت من جانب الرضا\rوبين التشبيه بقوله في عجز البيت:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985840,"book_id":6313,"shamela_page_id":518,"part":null,"page_num":604,"sequence_num":518,"body":"\" نزلت نزول الغيث \": أي مثل نزول الغيث، أحسن ملاءمة، إذ جعل أول العجز فعلاً مضارعاً للفعل الذي في الصدر، ومصدر ذلك الفعل هو الذي لاءم بين القسمين في المعنى، فحصل بذلك التلاحم اللطيف، والاتصال الدقيق، وقارن بين الاستعارة والتشبيه أحسن مقارنة، وكذلك فعل في البيت الثاني حيث قال بعد ذكر تهييج الحفيظة: وقت وقوع النار، فهذا مثال ما اقترنت فيه الاستعارة بالتشبيه، وأما ما اقترنت فيه الاستعارة بالمبالغة فمثاله قول النابغة الذبياني طويل:\rوأنت ربيع ينعش الناس سيبه ... وسيف أعيرته المنية قاطع\rفإنه سمى الممدوح ربيعا استعارة لكونه يحيا به النبات والحيوان وسماه سيفاً لأنه تموت به الأقران، وفي ضمن كل استعارة منها مبالغة تامة أما الأولى منها فجارية على التحقيق بأن إحياء الربيع أعم من إحياء الكريم فجعل الكريم ربيعاً مبالغة ممكنة جارية على التحقيق، وأما الثانية فإنها أبلغ من الأولى حيث جعل سيفاً أعيرته المنية قاطعاً، فإنه لو عكس حتى يجعله مستعيراً للمنية كان ذلك بليغاً، والأول أبلغ فقد اقترن في هذا البيت المبالغة والتكميل، فإنه لما فرغ من صدر البيت ورأى نفسه قد مدح ممدوحه بمجرد الكرم وعلم أن المدح غير كامل، فكمله بالشجاعة فحصل في البيت تكميل مقترن بالمبالغة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985841,"book_id":6313,"shamela_page_id":519,"part":null,"page_num":605,"sequence_num":519,"body":"ومن أحسن ما سمعت في المقارنة قول أبي تمام طويل:\rفإن أنا لم يحمدك عني صاغراً ... عدوك فاعلم أنني غير حامد\rفإن هذا البيت وقعت فيه مقارنتان: إحداهما في ظاهره، والأخرى في باطنه، فوقع في ظاهره المبالغة مقترنة بالتكميل في قوله: \" يحمدك عدوك صاغراً \"، لأن حمد العدو مبالغة، وكونه صاغراً تكميل، وفي باطن البيت الافتنان مقترن بالإدماج، إلا أن الافتنان فيه مدمج في المبالغة، وذلك أنه لا يقدر على أن يجعل عدو الممدوح يمدحه صاغراً إلا بما يجيد فيه من المدائح التي تدعو استجادتها واستحسانها كل من يسمعها إلى حفظها واللهج بها من صديق وعدو، فيضطر العدو إلى أن يلهج بتلك المدائح المقولة فيه: وهو صغير عند نفسه وعند من يسمعها، يقول: ليس بعاقل من يعادي من يقال فيه مثل هذا فيصغر عند نفسه وعند غيره، ويهون مقداره، وفي ذلك افتخار للشاعر ومدح للممدوح، وهذان فنان: أحدهما مديح، والآخر افتخار، الأول ظاهر وهو المديح، والثاني باطن وهو الافتخار وحصل بسبب ذلك في البيت تعليق لطيف، وهو تعليق صحة مدح الشاعر على مدح عدو الممدوح له صاغراً، فإنه شرط على نفسه أنه ما لم يمدح ممدوحه عدوه فهو غير حامد له.\rومن أحسن ما سمعت في ذلك قول تميم بن مقبل طويل:\rلدن غدوة حتى نزعنا عشية ... وقد مات شطر الشمس والشطر مدنف","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985842,"book_id":6313,"shamela_page_id":520,"part":null,"page_num":606,"sequence_num":520,"body":"وهذا مما اقترن فيه الإرداف بالاستعارة، لأنه عبر عن الغروب بموت شطر الشمس في أول العجز، واستعار للشطر الثاني الدنف في آخر العجز، وهذا بليغ جداً، حيث أتت المقارنة فيه في قسم واحد.\rوالفرق بين المقارنة والتعليق والإدماج أنها في المعاني، وذانك في الفنون والمعاني معاً.\rومن المقارنة ما يقرنه الشاعر من شعره غيره بشعره، وهو عكس الإبداع والاستعانة، لأن الشاعر في هذين البابين يقدم شعر نفسه على شعر غيره وفي المقارنة يقدم شعر غيره على شعر نفسه، كما قال الرشيد هارون للجماز يوماً: أجز وابده، الملك لله وحده، فقال الجماز: وللخليفة بعده وللمحب إذا ما حبيبه بات عنده، وهذا شاهد القسم الثاني منها.\rومن المقارنة ما يقرنه الشاعر من شعر نفسه فيكون في فن، فإذا قرن البيت بآخر صار من فن غيره، وقد جاء من شواهد هذا القسم ما استشهدنا به في باب الهجاء في معرض المدح، وهو الذي قاله بعض الشعراء في بعض الأشراف وافر:\rله حق وليس عليه حق ... ومهما قال فالحسن الجميل\rوقد كان الرسول يرى حقوقاً ... عليه لغيره وهو الرسول\rفإن البيت الأول مدح محض، فلما اقترن بالثاني صار هجواً بحتاً، وهذا أوضح فرق بين المقارنة والتعليق والإدماج.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985843,"book_id":6313,"shamela_page_id":521,"part":null,"page_num":607,"sequence_num":521,"body":"باب المناقضة\rوهو تعليق الشرط على نقيضين: ممكن ومستحيل، ومراد المتكلم المستحيل دون الممكن، ليؤثر التعليق عدم وقوع المشروط، فكأن المتكلم ناقض نفسه في الظاهر، إذ شرط وقوع أمر بوقوع نقيضين، ومثال ذلك قول النابغة الذبياني وافر:\rوإنك سوف تحلم أو تناهى ... إذا ما شبت أو شاب الغراب\rفإن تعليقه وقوع حلم المخاطب على شيبه ممكن، وعلى شيب الغراب مستحيل، ومراده الثاني لا الأول، لأن مقصوده أن يقول: إنك لا تحلم أبداً.\rوالفرق بينه وبين نفي الشيء بإيجابه أن هذا الباب ليس فيه نفي ولا إيجاب، ونفي الشيء بإيجابه ليس فيه شرط ولا معناه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985844,"book_id":6313,"shamela_page_id":522,"part":null,"page_num":608,"sequence_num":522,"body":"ومن المناقضة نوع آخر يرجع أصله إلى الأول، وهو أن يأتي في لفظ الوعد ما يدل على الوعيد، فيسر المخاطب ويسوءه في وقت واحد، فيتوجه على ذلك اللفظ إشكال يوضحه بعده، كقوله تعالى: \" إنا كاشفوا العذاب قليلاً إنكم عائدون \" فقوله سبحانه: \" إنا كاشفوا العذاب \" وعد، ووصف كشف العذاب بالقلة وعيد، فهو يسر ويسوء في حالة واحدة، وإنما وصفه بالقلة المنافية للكرم من أجل أنه علق كشف العذاب بشرط عدم العود إلى موجب العذاب، فاقتضت البلاغة أن يقول قليلاً ليدمج في دلائل النبوة الإخبار بالغيب، وهو وقوع العود، فيرشح بذكر لفظة \" قليلاً \" للإيضاح والإخبار بوقوع العود الذي اقتضى أن يكون كشف العذاب قليلاً من أجله. والشرط المأخوذ من قوة الكلام هو الذي يرد هذا النوع إلى النوع الأول. والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985845,"book_id":6313,"shamela_page_id":523,"part":null,"page_num":609,"sequence_num":523,"body":"باب الانفصال\rوهو أن يقول المتكلم كلاماً يتوجه عليه فيه دخل إذا اقتصر عليه، فيأتي بعده بما ينفصل به عن ذلك إما ظاهراً أو باطناً يظهره التأويل كقوله تعالى: \" وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون \" فإن على ظاهر هذه الآية حصل من جهة أن الطائر يطير بجناحيه، فيكون الإخبار بذلك عرياً عن الفائدة، والانفصال عن ذلك هو أنه سبحانه لما قال: \" وما من دابة في الأرض \" أوجبت البلاغة أن يردف ذلك بقوله \" ولا طائر \" في السماء أو في الجو \" يطير بجناحيه \" فأراد الإيجاز، فوجب أن يحذف إحدى الجملتين إما في السماء أو يطير وما فيها من الضمير، ولا سبيل إلى حذف الفعل، لأنه الذي يتعلق به الجار والمجرور الذي يمر بجناحيه وذكره مطلوب في الآية، لأن ذكر الجناح يفصل صاحبه من الهمج الذي يظهر وهو يخال أنه يطير كالنمل والجعلان وغير ذلك، لأن هذا الصنف قد ذكر في صنف ما دب ودرج في الأرض، والآية قصد بها صحة التقسيم، لأنه سبحانه لما استوعب كل ما يدب على الأرض في صدرها أراد الإتيان بما","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985846,"book_id":6313,"shamela_page_id":524,"part":null,"page_num":610,"sequence_num":524,"body":"يعم الذي يطير في الجو، ولا يطير في الجو إلا طائر، ولا يسمى طائراً إلا إذا طار بجناحين، ولا تسمى آلة الطيران جناحاً إلا إذا كانت ذات قصب وريش وأباهر وخوافي وقوادم، فقوله سبحانه: \" ولا طائر \" بعد ذكر الدواب موضح لما أراد من صحة التقسيم، ولفظة طائر رشحت لفظة يطير لمجيئها بعدها، ولفظة يطير رشحت الإتيان بلفظة الجناحين، فحصل من مجموع ذلك الانفصال عن الدخل المتوجه على ظاهر الآية، والله أعلم.\rوكقول أبي فراس مجزوء الرمل:\rفي حرام الناس إن كن؟ ... ت من الناس تعد\r؟ ولقد نبيت إبلي؟ - س إذا راك يصد\rليس من تقوى ولكن ... ثقل فيك وبرد\rفإن أبا فراس لو اقتصر على البيت الثاني لكان الهجاء فيه غير مخلص، وكان يتوجه دخل بسبب احتمال البيت للمدح، والإتيان به في معرض الهجو، فانفصل عن هذا الدخل بالبيت الثالث.\rوالفرق بينه وبين الاحتراس عموم الاحتراس وخصوص هذا الباب، لأن البيت المدخول من هذا الباب يكون الدخل المتوجه عليه من جهة كونه صالحاً لضدين من الفنون، وهو في سياق أبيات مقصودة في فن واحد منهما، والاحتراس يكون بيته مدخولاً من هذا الوجه وغيره، والله أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985847,"book_id":6313,"shamela_page_id":525,"part":null,"page_num":611,"sequence_num":525,"body":"؟\r\rباب الإبداع\rوهو أن تكون مفردات كلمات البيت من الشعر، أو الفصل من النثر، أو الجملة المفيدة، متضمنة بديعاً بحيث تأتي في البيت الواحد والقرينة الواحدة عدة ضروب من البديع بحسب عدد كلماته أو جملته، وربما كان في الكلمة الواحدة المفردة ضربان فصاعداً من البديع، ومتى لم تكن كل كلمة بهذه المثابة فليس بإبداع، وما رأيت في جميع ما استقريت من الكلام المنثور والشعر الموزون كآية كريمة من كتاب الله تعالى: استخرجت منها إحداً وعشرين ضرباً من المحاسن، وهي قوله تعالى: \" وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعداً للقوم الظالمين \". وهي المناسبة التامة بين أقلعي وابلعي، والمطابقة بذكر الأرض والسماء، والمجاز في قوله \" يا سماء \" فإن المراد والله أعلم يا مطر السماء، والاستعارة في قوله \" أقلعي \"، والإشارة في قوله تعالى \" وغيض الماء \" فإنه عبر بهاتين اللفظتين عن معان كثيرة، والتمثيل في قوله تعالى \" وقضي الأمر \" فإنه عبر عن هلاك الهالكين ونجاة الناجين بلفظ فيه بعد عن لفظ المعنى الموضوع له، والإرداف في قوله تعالى:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985848,"book_id":6313,"shamela_page_id":526,"part":null,"page_num":612,"sequence_num":526,"body":"\" واستوت على الجودي \" فإنه عبر عن استقرارها بهذا المكان، وجلوسها جلوساً متمكناً لا زيغ فيه ولا ميل، بلفظ قريب من لفظ المعنى، والتعليل، لأن غيض الماء علة الاستواء، وصحة التقسيم إذ استوعب سبحانه أقسام أحوال الماء حالة نقصه، إذ ليس إلا احتباس ماء السماء، واحتقان الماء الذي ينبع من الأرض، وغيض الماء الحاصل على ظهرها. والاحتراس في قوله تعالى: \" وقيل بعداً للقوم الظالمين \" إذ الدعاء يشعر بأنهم مستحقوا الهلاك احتراساً من ضعيف يتوهم أن الهلاك لعمومه ربما شمل من يستحق ومن لا يستحق فتأكد بالدعاء على الهالكين لكونهم مستحقين ذلك، والإيضاح في قوله للقوم ليتبين لهم أن القوم هم الذين سبق ذكرهم في الآية المتقدمة عليها، حيث قال تعالى: \" وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه \" وفي قوله قبل ذلك \" ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون \" فأتى سبحانه في آخر هذا الآية بلفظة القوم التي الألف واللام فيها للعهد ليبين أنهم القوم الذين سبق ذكرهم ووصفهم بالظلم كما وصفهم في أول الكلام بالظلم، وذلك مما يوضح المعنى ويبينه، فعلم أن لفظة القوم هاهنا ليست فضلة في الكلام، وأنها يحصل بسقوطها لبس في المعنى، وعدم بيان الكلام محتاج له، والمساواة، لأن لفظ الآية لا يزيد على معناها، وحسن النسق لأنه سبحانه عطف القضايا بعضها على بعض بحسن ترتيب حسبما ما وقعت","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985849,"book_id":6313,"shamela_page_id":527,"part":null,"page_num":613,"sequence_num":527,"body":"وائتلاف اللفظ مع المعنى، لأن كل لفظة لا يصلح موضعها غيرها، والإيجاز لأنه سبحانه اقتص القصة بلفظها مستوعبة بحيث لم يخل منها بشيء في أخصر عبارة، والتسهيم، لأن أول الآية إلى قوله تعالى: أقلعي يقتضي آخرها، والتهذيب، لأن مفردات الألفاظ موصوفة بصفات الحسن كل لفظة سمحة سهلة، مخارج الحروف عليها رونق الفصاحة، مع الخلو عن البشاعة والتركيب، سليمة من التعقيد وأسبابه، والتقديم والتأخير والحذف المخل والزيادة المسهبة وحسن البيان من جهة أن السامع لا يتوقف في فهم معنى الكلام، ولا يشكل عليه شيء من هذا النظام، والتمكين، لأن الفاصلة مستقرة في قرارها، مطمئنة في مكانها، غير قلقة ولا مستدعاة، والانسجام، وهو تحدر الكلام بسهولة كما ينسجم الماء وينساب انسياب العليل من الهواء، وما في مجموع الآية من الإبداع وهو الذي سمى به هذا الباب من أن كل لفظة لا تخلو عن أن يستخرج منها ضرب أو ضربان من البديع، فهذه آية عدة ألفاظها سبع عشرة لفظة تتضمن إحدا وعشرين ضرباً من البديع غير ما يتعدد من ضروبها، فإن الاستعارة وقعت منها في موضعين: وهما استعارة الابتلاع للأرض، والإقلاع للسماء. والمجاز في مكانين، في قوله سبحانه \" ويا سماء \" وفي الإشارة والتمثيل والإرداف لأن المجاز مجازان: مجاز بالحذف، ومجاز بالتغيير، وقد وقعا معاً فانظر رحمك الله إلى عظمة هذا الكلام، لتعلم ما انطوى عليه نظمه، وما","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985850,"book_id":6313,"shamela_page_id":528,"part":null,"page_num":614,"sequence_num":528,"body":"تضمنه لفظه، وقد وقع لي بيت من قصيدة أشرفية وقع فيه ستة عشر ضرباً من البديع بعد ما تكرر فيه من ضروب البديع، وهو طويل:\rفضحت الحيا والبحر جوداً فقد بكى ال؟ ... حيا من حياء منك والتطم البحر\rفاتفقت فيه الاستعارة في ثلاثة مواضع: في افتضاح الحياة، وبكائه، وحيائه، والمبالغة إذ جعلت الممدوح يفضح الحيا والبحر بجوده، والتفسير في قولي \" جودا \" وقولي \" من حياء منك \"، والإغراق لما في جملة القافية من زيادة المبالغة، والترشيح بذكر الاستعارة الأولى للاستعارة الثانية، والتجنيس بين الحيا والحيا، التورية في قولي والتطم البحر والترشيح للتورية بذكر البكاء، فإن ذكره هو الذي يرشح للتورية، وصحة التقسيم في حصر القسمين اللذين يضرب بهما المثل في الجود، إذ لا ثالث لهما، والتصدير في كون البحر مذكوراً في صدر البيت، وهو قافية، والتعليل في كون العلة في بكاء الحيا والتطام البحر فضيحتهما بجوده، والتسهيم في كون صدر البيت عطف بعضها على بعض بأصح ترتيب، والإرداف، لأني عبرت عن نهاية جوده بفضوح الحيا والبحر، والتمثيل في كوني عبرت عن عظم الجود ببكاء الحيا من الحياء والتطام البحر، فهذا ما في تفاصيل البيت وأما ما في جملته، فالمساواة، لكون لفظه قالباً لمعناه، وائتلاف لفظه مع معناه في كون ألفاظ البيت ملائمة مختارة، لا يصلح موضع كل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985851,"book_id":6313,"shamela_page_id":529,"part":null,"page_num":615,"sequence_num":529,"body":"لفظة غيرها، ولم يحصل فيه من تعقيد السبك والتقديم وأسبابه وسوء الجوار ما يوجب له الاستثقال. والإبداع هذا بابه، لكون كل لفظة من مفرداته تتضمن نوعاً أو نوعين من البديع، فقد حصل فيه ستة عشر ضرباً من البديع، وتكررت الاستعارة فيه في ثلاثة مواضع، والترشيح في موضعين، والتفسير في موضعين، وهو ثنتا عشرة لفظة، والله ﷿ أعلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985852,"book_id":6313,"shamela_page_id":530,"part":null,"page_num":616,"sequence_num":530,"body":"؟\r\rباب حسن الخاتمة\rيجب على الشاعر والناثر أن يختما كلامهما بأحسن خاتمة، فإنها آخر ما يبقى في الأسماع، ولأنها ربما حفظت من دون سائر الكلام في غالب الأحوال فيجب أن يجتهد في رشاقتها ونضجها وحلاوتها وجزالتها، وقد رأيت القاضي الفاضل عبد الرحيم رحمه الله تعالى كثيراً ما كان يحترز في ذلك ويتوخاه، فيأتي منه بكل نكتة ترقص لها القلوب، وتغنى عن النسيب في المحبوب، فمن ذلك خاتمة كتاب أجاب به القاضي السعيد بن سناء الملك ﵀ حيث قال: وهذا القاضي مسؤول في أن يتخولنا ببدائعه ويؤمننا دثور الفكر بروائعه، ولا يضن علينا بما هو سهل عليه من منافعه وإلا دخل فيمن منع الماعون، وخرج من الذين هم لأمانات الفضيلة وعهدها راعون.\rوقوله في خاتمة رسالة كتبها للملك الناصر صلاح الدين رحمه الله تعالى في حق أولاد ابن أبي اليسر، وقد قصدوه بعد موت أبيهم، فخلع عليهم، فأعلموا الفاضل بذلك، وسألوه كتاباً إليه على يدهم بالوصية","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985853,"book_id":6313,"shamela_page_id":531,"part":null,"page_num":617,"sequence_num":531,"body":"عليهم، والإذن لهم في تقبيل يده، فقال في آخره، وإن يبسط لهم وجهه الكريم عند مثولهم وسلامهم، لينزع بشره حداد الحزن عن قلوبهم كما نزع بره حداد المآتم عن أجسامهم؟ لا زال مولانا عاقلة الدهران جنى على أوليائه وداهم ولا عدموه منعماً إن سألوه أعطاهم، وإن لم يسألوه بدأهم، والمتقدم في جميع فنون البلاغة، وخصوصاً هذا النوع منها على بلغاء البدو والحضر، بل على جميع فصحاء البشر، حاشا رسول الله ﷺ، ابن عمه علي بن أبي طالب ﵇، فمن خواتم كلامه قوله في آخر جواب أجاب به معاوية: ثم ذكرت أن ليس لي ولأصحابي عندك إلا السيف، فلقد أضحكت بعد استعبار، متى ألفيت بني عبد المطلب من الأعداء ناكلين، وبالسيوف مخوفين، لبث قليلاً يلحق الهيجا حمل فسيطلبك من تطلب، ويقرب منك ما تستبعد، وإني مرقل نحوك بجحفل من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، شديد زحامهم، ساطع قتامهم متسربلين سرابيل الموت، أحب اللقاء إليهم لقاء ربهم، قد صحبتهم ذرية بدرية، وسيوف هاشمية، عرفت مواقع نضالها في أخيك وخالك وجدك، \" وما هي من الظالمين ببعيد \".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985854,"book_id":6313,"shamela_page_id":532,"part":null,"page_num":618,"sequence_num":532,"body":"وأما حسن الخاتمة في الشعر فقليل في أشعار المتقدمين، وأكثر ما عني بذلك المحدثون، فمن المجيدين في ذلك أبو نواس، حيث قال في خاتمة قصيدة مدح بها الأمين كامل:\rفبقيت للعلم الذي تهدى به ... وتقاعست عن يومك الأيام\rوكقوله في خاتمة قصيدة مدح بها الخصيب عامل مصر كامل:\rأنت الخصيب وهذه مصر ... فتدفقا فكلاكما بحر\rلا تعقدا بي عن مدى أملي ... شيئاً فما لكما به عذر\rويحق لي إذ صرت بينكما ... ألا يحل بساحتي فقر\rوكقوله فيه طويل:\rوإني جدير إذ بلغتك بالغنى ... وأنت بما أملت منك جدير\rفإن تولني منك الجميل فأهله ... وإلا فإني عاذر وشكور\rوكقوله للعباس بن الفضل بن الربيع طويل:\rإليك غدت بي حاجة لم أبح بها ... أخاف عليها شامتاً فأدراي\rفأرخ عليها ستر معروفك الذي ... سترت به قدماً على عواري\rوكقول أبي تمام في خاتمة القصيدة التي ذكر فيها فتح عمورية بسيط\rإن كان بين ليالي الدهر من رحم ... موصولة وذمام غير منقضب\rفبين أيامك اللاتي نصرت بها ... وبين أيام بدر أقرب النسب","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985855,"book_id":6313,"shamela_page_id":533,"part":null,"page_num":619,"sequence_num":533,"body":"أبقت بني الأصفر الممراض كاسمهم ... صفر الوجوه وجلت أوجه العرب\rوكقوله في خاتمة قصيدة اعتذر بها إلى ابن الهيثم كامل:\rأأقنع المعروف وهو كأنه ... قمر الدجى إني إذا للئيم\rمثر من المال الذي ملكتني ... أعناقه ومن الوفاء عديم\rفأروح في بردين لم يلبسهما ... قبلي فتى وهما الغنى واللوم\rوكقوله في قصيدة استعطف بها ابن الزيات طويل:\rأكابرنا عطفاً علينا فإننا ... بنا ظمأ برح وأنتم مناهل\rوكقوله في خاتمة قصدية اعتذر فيها إلى موسى بن إبراهيم الرافقي طويل:\rفإن يك ذنب عن أوتك هفوة ... على خطاء مني فعذري على عمد\rوكقوله في خاتمة قصيدة مخاطباً مالك بن طوق بسيط\rلا توقظوا الشر عن قوم فقد غنيت ... دياركم وهي تدعي زهرة النعم\rهذا ابن خالكم يهدي نصيحته ... من يتهم فهو فيكم غير متهم\rوكقول أبي الطيب المتنبي في خاتمة قصيدة من السيفيات وافر:\rفلا حطت لك الهيجاء سرجاً ... ولا ذاقت لك الدنيا فراقا\rوكقوله في خاتمة أخرى من السيفيات بسيط\rلا زلت تضرب من عاداك عن عرض ... يعاجل النصر في مستأخر الأجل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985856,"book_id":6313,"shamela_page_id":534,"part":null,"page_num":620,"sequence_num":534,"body":"وكقوله أيضاً لسيف الدولة وقد ذكر الخيل بسيط\rفلا هممت بها إلا على ظفر ... ولا وصلت بها إلا إلى أمل\rوكقوله فيه أيضاً طويل:\rأخذت على الأرواح كل ثنية ... من العيش تعطي من تشاء وتحرم\rفلا موت إلا من سنانك يتقى ... ولا رزق إلا من يمينك يقسم\rوكقوله في خاتمة القصيدة التي هنأ بها أبا وائل بخلاصه من الأسر متقارب:\rفذي الدار أغدر من مومس ... وأخدع من كفة الحابل\rتفانى الرجال على حبها ... ولا يحصلون على طائل\rوقوله في خاتمة قصيدة ودع بها ابن العميد طويل:\rفجد لي بقلب إن رحلت فإنني ... أخلف قلبي عند من فضله عندي\rفلو فارقت جسمي إليك حياته ... لقلت أصابت غير مذمومة العهد\rوجميع خواتم السور الفرقانية في غاية الحسن ونهاية الكمال، لأنها بين أدعية ووصايا وفرائض، وتحميد وتهليل، إلى غير ذلك من الخواتم التي لا يبقى في النفوس بعدها تطلع ولا تشوف إلى ما يقال، كالدعاء الذي ختمت به سورة البقرة، والوصايا التي ختمت بها آل عمران، والفرائض التي ختمت بها النساء، والتبجيل والتعظيم الذي ختمت بهما المائدة، والوعد والوعيد الذي ختمت بهما، الأنعام، والتحريض على العبادة بوصف حال","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985857,"book_id":6313,"shamela_page_id":535,"part":null,"page_num":621,"sequence_num":535,"body":"الملائكة التي ختمت به الأعراف، والحض على الجهاد وصلة الأرحام اللذين ختمت بهما الأنفال، ووصف الرسول ﷺ ومدحه والاعتداد على الأمم به، ووسيلته ووصيته، والتهليل، الذي ختمت به براءة وتسليته ﵇ التي ختمت بها سورة يونس، ومثلها خاتمة هود، ووصف القرآن ومدحه الذي ختمت بها سورة يونس، ومثلها خاتمة هود، ووصف القرآن ومدحه الذي ختمت به يوسف، والرد على من كذب الرسول ﷺ الذي ختمت به الرعد، ومدح القرآن وذكر فائدته والعلة في إنزاله الذي ختمت به إبراهيم، ووصية الرسول التي ختمت بها الحجر، وتسلية الرسول ﵇ وطمأنينته ووعد الله سبحانه الذي ختمت به النحل، والتحميد الذي ختمت به سبحان وتحضيض الرسول ﷺ على الإبلاغ والإقرار بالبشرية والأمر بالتوحيد الذي ختمت به الكهف، وقد أتيت على نصف القرآن ليكون مثالاً لمن نظر في بقيته ولم أطل بالبقية لكثرة سور النصف الأخير والله أعلم.\rهذا آخر الأبواب التي استنبطها، وهي ثلاثون باباً، وبها تكملت عدة أبواب الكتاب مائة وواحد وعشرون باباً سليمة من التداخل والتوارد، بعد ما حذفت من أبواب ليس فيها للمتقدمين سوى الأسماء ومسمياتها","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985858,"book_id":6313,"shamela_page_id":536,"part":null,"page_num":622,"sequence_num":536,"body":"متداخلة في غيرها، ومن أأنعم النظر في الكتب التي نظرت فيها ودقق الفكر في كتابي، وقع على صحة ما ذكرت، فرحم الله من نظر فيه، وسد ما يجده من الخلل، واغتفر ما يقع عليه من السهو الزلل، وعمل بقولي سريع:\rما أحسن الإغضاء من منصف ... يعلم أن الكامل الله\rإن أبصرت عيناك عيباً فجد ... بفضل عفوٍ عند رؤياه\rقال صاحب الكتاب: كنت قد سودت من هذا الكتاب نسخة قبل هذا النسخة مختصرة جداً حسبما ما رسم لي من ألفته له، ورسم أن يبيضها الفاضل ضياء الدين موسى بن ملهم الكاتب، وفقه الله تعالى، فلما بيضها تفضل وكتب في آخرها بسيط\rهذا كتاب بديع ما رأى أحد ... مثلاً له في مبانيه ومعناه\rحوى تصانيف هذا العلم أجمعها ... وزادنا جملاً عما سمعناه\rلا تعجبوا من لطيف الحجم قام به؟ ... ذا الفن أجمع أقصاه وأدناه\rفقد رأيتم عصا موسى كم التقفت ... ولم يزيد قدرها عما عهدناه\rلقد عجبت من غفلة السابقين إلى هذا العلم عما اهتدى إليه هذا المصنف، وكيف مروا معرضين عما استخرج من درر هذا المؤلف، وصفوا صورة جواد وتركوا وصف سبق، وشببوا بظبي وأضربوا عن حسن عينيه وعنقه، واشتغلوا عن حمد الغيث، وشكر ودقه، بالإطناب في تشبيه رعده وبرقه، فذكر ما نسوه، وكمل ما نقصوه لا جرم أنه سبق أولهم، وأصبح أفضلهم وكل هذا بسعادة من صنف لأجله كتابه، وقصد به بابه وجنابه، فإن سعادته ترد الآجن عذباً، واليابس رطباً، وتنشر موتى الإملاق قبل المعاد، وتغير","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":5985859,"book_id":6313,"shamela_page_id":537,"part":null,"page_num":623,"sequence_num":537,"body":"اسمي شر وظلوم بسعدي وسعاد، وهمته تنظر من أعلى العلو إلى الشمس، وقدرته تكاد ترد الماضي وتصير اليوم أمس، لا زال بابه مقصوداً، وقاصده محسوداً، والقدر من أعوانه معدوداً، وإن كان القدر بهذا القدر مسعوداً.\rتم الكتاب بحمد الله تعالى وحسن توفيقه، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}