{"page_id":7584148,"book_id":8505,"shamela_page_id":1,"part":null,"page_num":1,"sequence_num":1,"body":"الدكتور\rحسن إسماعيل عبد الرازق\rأستاذ البلاغة المساعد\rبكلية اللغة العربية بالزقازيق\r\rالنظم البلاغي\rبين النظرية والتطبيق\r\rالطبعة الأولى حقوق الطبع محفوظة للمؤلف\r١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م\r\rدار الطباعة المحمدية\r٣ درب الأتراك بالأزهر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584149,"book_id":8505,"shamela_page_id":2,"part":null,"page_num":3,"sequence_num":2,"body":"﷽\rالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين؛ سيدنا محمد النبي الأمي، وعلى آله وأصحابه والتابعين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين:\rوبعد:\rفقد كانت نظرية النظم البلاغي التي اهتدى إليها إمام البلاغة عبد القاهر الجرجاني، وهو يبحث دلائل إعجاز القرآن الكريم بمثابة بزوغ شمس البلاغة العربية التي اهتدى بأنوارها الرائعة علماء البلاغة من المتأخرين فساروا في دروب البلاغة على هدى من أضوائها؛ ونسجوا من خيوطها النورانية مصنفاتهم البلاغية،\rولكنهم - لأسباب لسنا بصدد الحديث عنها - قد ابتعدوا عن هذا الأصل؛ وراحوا يدورون في فلك المدرسة السكاكية التي تمثلت في القسم الثالث من كتاب \"المفتاح\" والتي نبه إليها الخطيب القزويني بتلخيصه لما قاله أبو يعقوب السكاكي في المفتاح، ثم بإيضاحه لهذا التلخيص في كتاب \"الإيضاح\" ثم توالت الشروح والحواشي والتقريرات، مهتمة بما قاله السكاكي في مفتاحه، أو بما قاله الخطيب في تلخيصه وإيضاحه؛ دون أن يرجعوا إلى الأصل في هذا كله وهو \"نظرية النظم البلاغي\" عند عبد القاهر الجرجاني، التي كانت سبباً في هذا الفيض الزاخر من المصنفات.\rوليتهم نظروا إلى النظم البلاغي نظرة عبد القاهر إليه؛ فقد كان","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584150,"book_id":8505,"shamela_page_id":3,"part":null,"page_num":4,"sequence_num":3,"body":"عبد القاهر ينظر إلى النظم البلاغي على أنه قطب الدائرة للبلاغة العربية؛ ومنه تتفرع مسائل المعاني، التي عبر عنها بمعاني النحو فيما بين الكلم على حسب الأغراض التي يساق لها الكلام، ومن هذه المعاني تتكون صور البيان من تشبيه ومجاز وكناية؛ وبين هذه الصور وتلك المعاني تنتشر قيم جمالية راجعة إلى جمال المعاني، قبل أن تكون زينة للألفاظ.\rولكنهم نظروا إليه نظرة مختلفة عن نظرة عبد القاهر؛ فهم - وإن كانوا قد عرفوا البلاغة بأنها: مطابقة الكلام لمقتضى الحال مع فصاحته أخذاً من تفسير عبد القاهر في دلائل الإعجاز لمعنى النظم البلاغي - قد انشغلوا بتقسيم البلاغة إلى علوم ثلاثة هي: علم المعاني. وعلم البيان، وعلم البديع، ثم بتقسيم هذه العلوم إلى أبوابها وفصولها ومسائلها.\rوليتهم - إلى جانب هذا الجهد المشكور الذي بذلوه في تقنين البلاغة - قد انشغلوا - أيضاً - بتطبيق ما توصلوا إليه من قواعد بلاغية على النصوص الأدبية التي يزخر بها أدبنا العربي من شعر، أو نثر، ولكن إمعانهم في تتبع القواعد البلاغية، وصياغتها صياغة محكمة، ومحاولة ربطها بما أتقنوه من قواعد المنطق والفلسفة قد باعد بينهم وبين هذا التطبيق؛ اللهم إلا أن يأتوا لكل قاعدة بمثال!\rوكأن البلاغة قد أصبحت في نظرهم قواعد مشفوعة بأمثلة؛ شأنها شأن النحو، أو الصرف، أو العروض، بل إنهم أمعنوا في إبعاد النص الأدبي عن البلاغة العربية بمحاولتهم الاكتفاء من النص بمحل الشاهد بيتاً كان، أو شطراً من بيت، أو جملة واحدة!\rذلكم هو ما أغرى القائلين بانفصال البلاغة عن النقد الأدبي، بل وأغرى","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584151,"book_id":8505,"shamela_page_id":4,"part":null,"page_num":5,"sequence_num":4,"body":"القائلين باستبعاد البلاغة العربية تماماً، لأنها أصبحت - في نظرهم - لا تواكب العصر! !\rومن هنا كانت فكرة دراسة النظم البلاغي بين النظرية والتطبيق؛ دراسة تتناوله من منابعه الأولى حيث عجز العرب عن معارضة القرآن الكريم؛ فوصفوه بأنه شعر؛ لأن له نظماً يعلو كل نظم؛ وحيث حاول العلماء تفسير إعجاز القرآن الكريم على أساس نظمه العجيب، وأسلوبه العالي، وتأثيره البالغ في النفوس، ثم بنضوج فكرته في ذهن إمام البلاغة عبد القاهر الجرجاني، حيث صار نظرية واضحة المعالم بينة السمات ثم بتطبيق هذه النظرية في نظر المتأخرين من البلاغيين على حسب ما رآه الخطيب القزويني في الإيضاح.\rبيد أنني لم أقف عند تمثيل المتأخرين لها بأمثلتهم التقليدية التي توارثوها جيلاً بعد جيل، ولكنني حاولت تطبيقها على النصوص الأدبية التي يزخر بها أدبنا العربي مما هو ثابت مدون بديوان الحماسة لأبى تمام وجمهرة أشعار العرب في الجاهلية والإسلام؛ ومفضليات الضبي، وأصمعيات الأصمعي، محاولاً إبراز مناسبة كل نص، وأثرها في إيجاد الظروف التي أملت على الشاعر هذا النص أو ذاك، كلما وجدت إلى ذلك سبيلاً.\rعلى أن الأمثلة التي توارثها البلاغيون قد حاولت ربطها ببقية النصوص التي اقتطعت منهما؛ ليتعرف القارئ الكريم على مدى صلة المزايا البلاغية الناتجة عن مواضعها المناسبة بإضفاء الجمال البلاغي على النص الأدبي؛ مما يكون له أكبر الأثر في إمتاع القارئ الكريم بما يتضمنه النص الأدبي من مزايا النظم وأسرار التراكيب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584152,"book_id":8505,"shamela_page_id":5,"part":null,"page_num":6,"sequence_num":5,"body":"والله أسأل أن يوفقني إلى ما يحبه ويرضاه؛ إنه نعم المولى ونعم النصير.\rحسن إسماعيل عبد الرازق\rالزيتون في ٧ من جمادى الآخرة سنة ١٤٠٣ هـ\rالموافق ٢٢ من مارس سنة ١٩٨٣ م","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584153,"book_id":8505,"shamela_page_id":6,"part":null,"page_num":7,"sequence_num":6,"body":"تمهيد\r١ - البلاغة: (أ) جهود العلماء في محاولة تحديد معناها.\r(ب) مراحل البحث البلاغي.\r٢ - النقد الأدبي: [معنى النقد الأدبي - مناهج النقد الأدبي].\r٣ - مكان البلاغة من النقد:\r[الفرق بين البلاغة والنقد الأدبي - آراء العلماء في صلة البلاغة بالنقد الأدبي].","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584154,"book_id":8505,"shamela_page_id":7,"part":null,"page_num":9,"sequence_num":7,"body":"١ - البلاغة:\r(أ) جهود العلماء في محاولة تحديد معنى البلاغة:\rفي لسان العرب: \"وبلغت المكان بلاغاً: وصلت إليه، وكذلك إذا شارفت عليه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ (١) أي قاربنه، وبلغت النخلة وغيرها من الشجر: حان إدراك ثمرها، وشيء بالغ: أي جيد، وقد بلغ في الجودة مبلغاً، ويقال: أمر الله بلغ بالفتح أي بالغ، عن قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ (٢)، وأمر بالغ وبلغ: نافذ: يبلغ أين أريد به وأمر بالغ: أي جيد. والبلاغة: الفصاحة؛ والبلغ: البليغ من الرجال؛ ورجل بليغ وبلغ من الكلام فصيحه يبلغ بعبارة لسانه كنه ما في قلبه، والجمع: بلغاء. وقد بلغ بضم اللام بلاغة: أي صار بليغاً، وقول بليغ: بالغ .. (٣).\rومما تقدم نستطيع القول بما يلي:\rأولاً: أن مادة كلمة (بلاغة) تدور حول معنيين اثنين لا ثالث لهما؛ وهما: الوصول والانتهاء، والإتقان والجودة.\rثانياً: أن بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي للبلاغة صلة كبيرة نتبينها من قول ابن منظور: \"ورجل بليغ وبلغ من الكلام فصيحه يبلغ بعبارة لسانه كنه ما في قلبه\":","footnotes":"(١) البقرة: ٢٣٤ والطلاق: ٢.\r(٢) الطلاق: ٣.\r(٣) لسان العرب: مادة (بلغ).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584155,"book_id":8505,"shamela_page_id":8,"part":null,"page_num":10,"sequence_num":8,"body":"ثالثاً: إن اللغويين حتى عصر متأخر لم يكونوا يفرقون بين البلاغة والفصاحة، شأنهم في ذلك شأن كثير من البلاغيين والنقاد الذين سوف نتعرض لآرائهم فيما بعد: والبلاغة بالمعنى الاصطلاحي والذي انتهى إليه علماء البلاغة إلى عصرنا هذا. هي: \"مطابقة الكلام لمقتضى الحال مع فصاحته\" (١).\rوسوف نتعرف - من خلال عرض موجز - على آراء البلاغيين حول تعريف البلاغة منذ حاولوا تعريفها ذلك التعريف الذي لا يزال إلى اليوم مدار بحث البلاغيين واهتمامهم.\rوأقدم محاولة لتعريف البلاغة كانت لأبى عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (ت ٢٥٥) هـ فقد وردت مصطلحات البلاغة في كتابه: \"البيان والتبيين\" غير أنه لم يكن يقصد بها ما قصده المتأخرون من البلاغيين فقد استعمل ألفاظ الفصاحة والبيان والبلاغة مترادفات تدل على معنى واحد؛ فإذا ما عرف \"البيان\" بأنه \"اسم جامع لكل ما كشف لك قناع المعنى؛ وهتك الحجاب عن الضمير حتى يفضي السامع إلى حقيقة اللفظ ويهجم على محصوله كائناً ما كان\" (٢) فإنه يستعمل البيان بمعنى البلاغة في موضع آخر، وذلك حين يورد إجابة جعفر بن يحيى لمن سأله: ما البيان؟ فيجيب بقوله: أن يكون الاسم يحيط بمعناك، ويجلى من مغزاك وتخرجه من الشركة: ولا تستعين عليه بطول الفكرة، والذي لابد منه أن يكون سليماً من التكلف بعيداً من الصنعة، بريئاً من التعقيد، غنياً عن التأويل (٣)،","footnotes":"(١) الإيضاح - ٨.\r(٢) التبيان والتبيين ١/ ٨٨.\r(٣) البيان والتبيين: ١/ ١٠٦.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584156,"book_id":8505,"shamela_page_id":9,"part":null,"page_num":11,"sequence_num":9,"body":"وما نرى إجابة جعفر إلا منطبقة على معنى البلاغة ومدلولها.\rعلى أن الجاحظ قد أورد أربعة تعاريف للبلاغة لأربعة رجال من أمم مختلفة (١)؛ ثم أورد جملة تعاريف لبعض العرب لكي يوضح لنا المعنى الذي قصده العرب من كلمة \"البلاغة\" إلى أن أورد تعريف ابن المقفع لها بأنها: \"اسم جامع لمعاني تجري في وجوه كثيرة .. وأنها في دلالة صدر الكلام على حاجة المتكلم، وفي إعطاء كل مقام حقه\" (٢).\rفإذا ما التقينا بإسحاق بن إبراهيم بن سليمان بن وهب في كتابه \"البرهان في وجوه البيان\" وجدناه يعرف البلاغة بقوله: \"وحدها عندنا: أنها القول المحيط بالمعنى المقصود مع اختيار الكلام وحسن النظام وفصاحة اللسان\" (٣) ثم يتبع هذا التعريف بالشرح والتحليل.\rعلى أن هذا التعريف قد خلا من \"مطابقة الكلام لمقتضى الحال\" التي سبق بها ابن وهب، والتي عرفناها منذ قليل في تعريف ابن المقفع.\rولعل في قوله: \"واختيار الكلام\" ما يغني عن تلك العبارة.\rأما صاحب الصناعتين: أبو هلال العسكري (ت ٣٩٥ هـ) فإنه يعتبر أول عالم من علماء البلاغة قد حدد معنى كل من الفصاحة والبلاغة تحديداً يقرب من معناه الحديث؛ إذ الكلام عنده إنما يكون فصيحاً إذ حوى الفخامة والجزالة؛ وإذا لم يحوهما لم يكن فصيحاً؛ ولو جمع نعوت الجودة؛ وإنما يكون بليغاً إذا وافق المقام.","footnotes":"(١) البيان والتبيين: ١/ ٨٨.\r(٢) البيان والتبيين: ١/ ١١٥.\r(٣) نقد النثر ص ٧٦.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584157,"book_id":8505,"shamela_page_id":10,"part":null,"page_num":12,"sequence_num":10,"body":"غير أنه قال مرة أخرى: \"البلاغة: كل ما تبلغ به المعنى قلب السامع فتمكنه في نفسه لتمكنه في نفسك مع صورة مقبولة ومعرض حسن\" (١).\rولعله عندما قصر البلاغة على المعنى والفصاحة على اللفظ كان يحاول تحديد كل منهما بالمعنى الاصطلاحي وعندما قال عن البلاغة: \"إنها كل ما تبلغ به قلب السامع\"، كان يحاول ربط المعنى العلمي للبلاغة بالمعنى اللغوي.\rوأما ابن رشيق (ت ٤٦٣ هـ) فإنه يورد تعريفات للبلاغة معظمها وارد في الكتب السابقة؛ ولكنه يتبع هذا كله بتعريف آخر يقول فيه: \"البلاغة: إهداء المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ\" (٢).\rفإذا ما وصلنا إلى إمام البلاغة عبد القاهر الجرجاني (ت ٤٧١ هـ) تلميذ القاضي أبى الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني (ت ٣٩٢ هـ) وجدنا البلاغة عنده مازالت مرادفة للفصاحة؛ كقوله: \"الفصاحة في ترتيب الألفاظ حسب المعاني\" وهذا هو معنى البلاغة عنده.\rوكقوله: \"إذا قصرنا الفصاحة على هذه الصفة لزمنا أن نخرج الفصاحة من حيز البلاغة ومن أن تكون نظيرة لها\" (٣).\rعلى أن أول من فرق بين الفصاحة والبلاغة تفريقاً لا يزال موجوداً إلى اليوم هو ابن سنان الخفاجي المتوفى سنة ٤٦٦ هـ فقد قصر الفصاحة على الألفاظ والبلاغة لا تكون إلا للألفاظ مع المعاني، وعلى هذا فكل كلام بليغ فصيح وليس كل كلام فصيح يكون بليغاً.","footnotes":"(١) الصناعتين ص ١.\r(٢) العمدة ١٦١.\r(٣) دلائل الإعجاز ص ٥.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584158,"book_id":8505,"shamela_page_id":11,"part":null,"page_num":13,"sequence_num":11,"body":"أما ضياء الدين بن الأثير (ت ٦٣٧ هـ) فقد جعل علم البيان شاملاً للفصاحة والبلاغة، فقد عرف موضوعه بقوله: \"هو الفصاحة والبلاغة، وصاحبه يسأل عن أحوالهما اللفظية والمعنوية\" (١).\rويفهم من قوله هذا أن البلاغة تغاير الفصاحة:\rولكننا عندما نصل إلى أبى يعقوب السكاكي (ت ٦٢٦ هـ) فإننا نجد البلاغة عنده قد بدأت تتضح معالمها وتتميز مسائلها. إذ يجعلها شاملة لعلمي المعاني والبيان، وإليك تعريفه للبلاغة:\r\"البلاغة\": هي بلوغ المتكلم في تأدية المعاني حداً له اختصاص بتوفية خواص التراكيب حقها، وإيراد أنواع التشبيه والمجاز، والكناية على وجهها\" (٢).\rفقد قصر البلاغة على علمي المعاني والبيان، وأما البديع فإنه لم يدخله في البلاغة.\rفإذا ما انتهينا إلى الخطيب القزويني (ت ٧٣٩ هـ) وجدنا البلاغة عنده تأخذ وضعها النهائي؛ فقد فرق تفرقة واضحة بين كل من الفصاحة والبلاغة وعرف البلاغة بأنها: \"مطابقة الكلام لمقتضى الحال مع فصاحته (٣) ثم عقب على ذلك بقوله: \"وقد علم بما ذكرناه أمران:\rأحدهما: أن كل بليغ فصيح ولا عكس:\rالثاني: أن البلاغة في الكلام مرجعها إلى الاحتراس عن الخطأ في تأدية المعنى المراد، وإلى تمييز الكلام الفصيح من غيره.","footnotes":"(١) المثل السائر ١/ ٧.\r(٢) المفتاح ص ٢٢٠.\r(٣) الإيضاح ص ٨.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584159,"book_id":8505,"shamela_page_id":12,"part":null,"page_num":14,"sequence_num":12,"body":"على أننا نأخذ على الخطيب القزويني، أنه أخرج المحسنات البديعية من دائرة البلاغة، فلم يجعلها أصلية فيها، وإنما جعلها ذيلاً من ذيولها، وذنباً من أذنابها، لا تجئ إلا تابعة ولا تسموا إلى آفاق الذاتية والأصالة.\rفقد قال - بعد أن عرف بلاغة الكلام -: \"وتتبعها وجوه أخرى تورث الكلام حسناً\".\rوعلق سعد الدين التفتازاني - المتوفى ٧٩٢ هـ على كلامه هذا بقوله: \"أي: وتتبع بلاغة الكلام وجوه أخرى سوى المطابقة والفصاحة تورث الكلام حسناً وفي قوله: (وتتبعها) إشارة إلى أن تحسين هذه الوجوه للكلام عرضي خارج عن حد البلاغة، وأن هذه إنما تعد محسنة بعد رعاية المطابقة والفصاحة\" (١).\rوقد توهم بعض المعاصرين (٢) أن الخطيب قد جعل مصطلح البلاغة شاملاً المعاني والبيان، والبديع، وأن ذلك منه يعد ميزة اختص بها، وأنه يحمد عليها، فقال:\r\"من هذا كله ندرك الميزة التي يمتاز بها تعريف الخطيب للبلاغة، والتي تمثلت في أن الرجل قد جعل هذا المصطلح يشمل المعاني والبيان، والبديع\".\rفكيف يكون الخطيب قد جعل مصطلح البلاغة شاملاً للمعاني والبيان والبديع؛ مع أنه هو نفسه قد جعل البلاغة راجعة إل علمي المعاني والبيان ثم قال: \"وتتبعها وجوه أخرى تورث الكلام حسناً\"؟ ! وصحيح أن المحسنات البديعية يمكن أن تدخل تحت مطابقة الكلام لمقتضى الحال إذا","footnotes":"(١) الصبغ البديعي ص ٤٩٨.\r(٢) الصور البيانية للدكتور حفني شرف ص ١٩.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584160,"book_id":8505,"shamela_page_id":13,"part":null,"page_num":15,"sequence_num":13,"body":"اقتضاها المقام - ولكن الخطيب نفسه لم يكن يقصد هذه المطابقة، بدليل قوله السابق.\rوعلى أية حال: فقد ظل تعريف الخطيب القزويني للبلاغة العربية أهم تعريف التف حوله الباحثون والدارسون إلى يومنا هذا.\rفقد وقف منه قوم موقف الاحترام والإكبار، فلم يحاولوا الانتفاض منه أو الزيادة عليه. ووقف منه قوم آخرون موقف النقد والشك والاتهام.\rأما من وقفوا منه موقف الاحترام والإكبار، فقد تناولوه بالشرح والتفسير والتوضيح والتعليق.\rوأما من وقفوا منه موقف النقد: فقد ثاروا عليه، ورأوا أن يستبدل بتعريف آخر بل وأن تدرس البلاغة العربية دراسة جديدة تنظم أبحاثها وموضوعاتها تنظيماً جديداً يختلف تماماً عما تعارف عليه البلاغيون القدماء بحيث يشمل المعارف الإنسانية التي تحتاج إليها دراسة البلاغة في العصر الحديث.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584161,"book_id":8505,"shamela_page_id":14,"part":null,"page_num":16,"sequence_num":14,"body":"- ١ -\r(ب) مراحل البحث البلاغي:\rاشتهر العرب - في جاهليتهم - بفصاحة اللسان وبلاغة القول، وجمال التعبير؛ كما اشتهروا بالإيجاز والاختصار في أقوالهم. والبعد عن فضول الكلام في أحاديثهم، حتى يكون كلامهم مؤدياً للغرض المقصود من أقرب طريق.\rوقد بلغوا في إتقان أقوالهم، وتهذيب كلامهم. وتنسيق عباراتهم، مبلغاً جعل الجاحظ يدعي للعرب الفضل على الأمم (١) قاطبة في الخطابة والبلاغة، فقد كان فيهم (٢) الخطباء المصانع، والشعراء المتلقون.\rوقد وصفوا كلامهم في أشعارهم فجعلوها كبرود العصب، وكالحلل والمعاطف، والديباج والوشى وأشباه (٣) ذلك ووصف الجاحظ كلامهم يكرم الديباجة. وعجيب الرونق، وجودة السبك والنحت، مما لا يستطيع أشعر الناس - على حد تعبيره - ولا أرفعهم في البيان أن يقول مثله إلا في اليسير النادر (٤).\rوهذا خالد بن صفوان يقول عنهم: كيف نجاريهم، وإنما نحكيهم، أم كيف نسابقهم وإنما نجري على ما سبق إلينا من أعراقهم (٥)؟","footnotes":"(١) ثلاث رسائل في إعجاز القرآن ص ١١٧.\r(٢) المصدر السابق ص ٢٢.\r(٣) البيان والتبيين ج ٢ ص ٩٠ (الطبعة الأولى بالمطبعة العلمية سنة ١٢١١ هـ).\r(٤) ثلاث رسائل في إعجاز القرآن ص ١١٨.\r(٥) نفس المصدر.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584162,"book_id":8505,"shamela_page_id":15,"part":null,"page_num":17,"sequence_num":15,"body":"وقد وصفهم الله تعالى بالجدل، واللدد في الخصومة؛ فقال - جل وعلا -: \"ما ضربوه لك إلا جدلاً؛ بل هم قوم خصمون (١)، وقال - سبحانه -: ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدّاً﴾ (٢).\rفإذا ما علمنا بأن البيان كان عند الجاهلين متى إمارات السيادة وشروطها، ودليلاً على اكتمال النباهة وأماراتها، علمنا بأنهم كانوا قد أوتوا حظاً من الإفصاح وقوة الإبانة لم تؤته أمة من الأمم.\rفقد ذكر الجاحظ في كتاب \"شرائع المروءة\" أن العرب كانت تسود على أشياء .. وكان أهل المدينة لا يسودون إلا من تكاملت فيه ست خصال: السخاء، والنجدة، والصبر، والحلم، والتواضع، والبيان، وصار في الإسلام سبعاً (٣).\rولعل السر في تفوق الجاهليين على غيرهم في الفصاحة والبلاغة: أنهم كانوا أميين؟ لا يقرأون ولا يكتبون، ولم يكن لهم من وسيلة تحفظ أيامهم ووقائعهم، وأخلاقهم ومكارمهم وأحسابهم، وأنسابهم إلا الذاكرة التي تعتمد اللسان أساساً في نشرها وإذاعتها، وإظهار ما خفي منها.\rولهذا فإنهم قد اجتهدوا في أن تكون كلماتهم معبرة أصدق تعبير، وأوضحه، وأجعله، عما نجيش به نفوسهم، وما تعتمل به صدورهم، وما تختزنه ذاكرتهم.\rفقد كان اللسان - إذن - أداتهم الوحيدة في نقل أفكارهم وأخبارهم. والتعبير عن أمالهم وآلامهم، والتغني بما تعتمل به صدورهم من شوق وحنين إلى مرابعهم التي كانوا غالباً ما يرحلون عنها طلباً للماء والمرعى. إذا ما أجدبت، وخلت من متطلبات الحياة.","footnotes":"(١) الزخرف: ٥٨٠.\r(٢) مريم: ٩٧.\r(٣) خزانة الأدب للبغدادي ج ٣ ص ٩٥.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584163,"book_id":8505,"shamela_page_id":16,"part":null,"page_num":18,"sequence_num":16,"body":"ولهذا - أيضاً - كنوا باللسان عن اللغة؛ فقال أعشى بأهلة:\rإني أتتني لسان لا أسر بها ... من علو لا عجب منها ولا سخر\rقال ابن بري: اللسان هنا: الرسالة والمقالة؛ ومثله قول الآخر:\rأتتني لسان بني عامر ... أحاديثها بعد قول نكر\rومنه قول الله تعالى: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ (١).\rولهذا قالوا: رجل لسن، بين اللسن إذا كان ذا بيان وفصاحة، وقد سمى الله تعالى القرآن لساناً؛ فقال عز من قائل: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَاناً عَرَبِيّاً﴾ (٢).\rعلى أنهم وإن كانوا يحبون البيان والطلاقة والتحبير والبلاغة والتخلص والرشاقة - كما يقول الجاحظ - فإنهم كانوا يكرهون السلاطة والهذر والتكلف والإسهاب والإكثار؛ لما في ذلك من التزيد والمباهاة وإتباع الهوى والمنافسة في العلو والقدر كما كانوا يكرهون الفضول في البلاغة؛ لأن ذلك يدعو إلى السلاطة، والسلاطة تدعو إلى البذاء (٣).\rأما نقدهم فقد نظروا فيه إلى انسجام الوزن؛ كما صنع أهل يثرب مع النابغة الذبياني؛ فقد أقوى في قوله:\rأمن آل مية رائح أو مغتد ... عجلان ذا زاد وغير مزود\rزعم البوارح أن رحلتنا غداً ... وبذاك خبرنا الغراب الأسود\rفلما قدم المدينة عابوا عليه ذلك، ولكنه لم يأبه لقولهم؛ حتى","footnotes":"(١) الروم: ٢٢.\r(٢) لسان العرب مادة (ل س ن).\r(٣) البيان والتبيين ج ٢ ص ٧٩.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584164,"book_id":8505,"shamela_page_id":17,"part":null,"page_num":19,"sequence_num":17,"body":"أسمعوه إياه في غناء؛ وأهل القرى ألطف نظراً من أهل البدو، فقالوا للجارية: إذا صرت إلى القافية فرتلي، فلما قالت: \"الغراب الأسود\" بالضم مع أن القافية مكسورة، علم فانتبه، فلم يعد فيه، وقال: قدمت الحجاز وفي شعري ضعة، ورحلت عنها وأنا أشعر الناس (١).\rكما أنهم نظروا إلى المعنى وصوابه، كالذي تجده في قصة طرفة مع المسيب بن علس، فقد مر المسيب بمجلس بني قيس بن ثعلبة فاستنشدوه فأنشدهم، فلما بلغ قوله:\rوقد أتناسى الهم عند إدكاره ... بناج عليه الصيعرية مكدم\rفقال طرفة: \"أستنوق الجمل\".\rوأساس نقد طرفة للمسيب: أنه وصف الجمل بما توصف به الناقة؛ إذا أنهم قالو للناقة: ناجية ولم يقولوا للبعير: ناج (٢).\rونظروا إلى المقام وما يقتضيه من كلام، كالذي رووه من أن النابغة الذبياني كان حكم العرب في الجاهلية وكانوا يضربون له قبه من أدم بسوق عكاظ، فتأتيه الشعراء فتعرض عليه أشعارها، فيقول فيه كلمته فتسير في الناس، ولا يستطيع أحد أن ينقضها؛ قالوا: وقد جلس النابغة للفصل مرة وتقاطر عليه الشعراء ينشدون بين يديه آخر ما أحدثوه من الشعر، أو أجود ما أحدثوه. وكان فيمن أنشده: أبو بصير ميمون أعشى بني قيس، فما إن سمع قصيدته حتى قضى له، ثم جاء من بعده شعراء كثيرون فيهم حسان بن ثابت الأنصاري، فأنشدوه، وجاءت في أخريات القوم: تماضر بنت عمرو بن الشريد، الخنساء، فأنشدته رائيتها التي ترثى فيها أخاها صخراً، والتي تقول فيها:","footnotes":"(١) الموشح للمرزباني ص ٣٨.\r(٢) القاموس المحيط ج ٤ ص ١٥٧.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584165,"book_id":8505,"shamela_page_id":18,"part":null,"page_num":20,"sequence_num":18,"body":"وإن صخراً لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار\rفيروقه هذا الكلام ويأخذ بمجامعه، فيقول للخنساء لولا أن أبا بصير أنشدني آنفاً لقلت: إنك أشعر الجن والإنس، ويسمع حسان ذلك فتأخذه الغيرة ويذهب الغضب بتجلده، فيقول للنابغة: \"أنا - والله - أشعر منها، ومنك، ومن أبيك: فيقبل عليه أبو إمامة، فيسأله: \"حيث تقول ماذا؟ فيقول: حيث أقول:\rلنا الجفنات الغر، يلمعن بالضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما\rولدنا بني العنقاء وابني محرق ... فأكرم بنا خالا، وأكرم بنا ابنما\rفيقبل عليه النابغة، فيقول له: \"إنك شاعر، ولكنك أقللت حنانك، وسيوفك، وقلت يلمعن بالضحى، ولو قلت: \"يبرقن بالدجى\" لكان أبلغ في المديح، لأن الضيف في الليل أكثر، وقلت: \"يقطرن من نجدة دماً\" ولو قلت: \"يجرين\" لكان أكثر لأنصاب الدم.\rكما أنهم قد رووا - أن النابغة قدم المدينة فدخل السوق، فنزل عن راحلته، ثم جثا على ركبته، ثم اعتمد على عصاه، ثم قال: ألا رجل ينشد؟ فتقدم إليه قيس بن الخطيم فجلس بين يديه وأنشده:\rأتعرف رسماً كاطراد المذهب؟\rفلم يزد على نصف بيت حتى قال له: أنت أشعر الناس يا ابن أخي!\rهكذا حدثنا الرواة، وليس يعنينا أن تصدق هذه الروايات أو تكذب، لأن لها على أية حال دلالة صادقة على ما نريد أن نقوله هنا، وهو أن للعلماء الذين رووا شعر الجاهليين، كانوا يعرفون للعرب في جاهليتهم بصراً","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584166,"book_id":8505,"shamela_page_id":19,"part":null,"page_num":21,"sequence_num":19,"body":"بالنقد، وعلماً بما تقتضيه أحوال الكلام، من القصد في القول أحياناً، والمبالغة فيه أحياناً أخرى، وكان لهم مع ذلك خبرة بما يحسن أن يستعمل من الكلام في مواطن كالفخر دون غيره، وبما يجمل بالمتكلم أن يهجره ولا يعمد إليه (١).\rعلى أن الجاهليين في نقدهم لم يكتفوا بالنظر إلى صحة الوزن وانسجامه، وإلى المعنى وصوابه فحسب، وإنما تعدت نظرتهم إلى القصيدة بتمامها، كما يتضح لك هذا من اختيارهم للمعلقات، وإلى نتاج الشاعر جميعه، كما يتضح لك من نبذهم عدى بن ربيعة بالمهلهل لما رأوا في شعره من اختلاف واضطراب (٢)، وكما يتضح لك من تلقييهم شعراءهم بألقاب تدل على مدى إحسانهم في رأيهم، كالمرقش، والمثقب، والمنخل، والمتنخل، والأفوة، والنابغة (٣).\rومن هذه الروايات وأمثالها مما لم يتسع المجال لذكره، نجد أن العرب في جاهليتهم كان لهم بصر بنقد الأساليب، ومعرفة بما يجدر أن يكون عليه الكلام من مطابقة لمقتضى الحال، وملاءمة الألفاظ والمعاني، وعناية بتصوير المعاني صوراً رائعة أخاذة، واهتمام بما يجب أن يبدو فيه الأسلوب من خلال الجمال اللفظي والمعنوي.\rعلى أننا نقرأ في تاريخ الأدب العربي أن زهيراً صاحب الحوليات، وهي القصائد التي كانت ينظمها وبعيد النظر فيها حولاً كاملاً حتى يستقيم بناؤها، ويصح نظمها، ويصبح خالياً من التعقيد، بعيداً من كل ما قد يكون مظنة القدح أو النقد.","footnotes":"(١) تهذيب السعد ج ١ ص ٦.\r(٢) محاضرات في تاريخ البلاغة العربية للدكتور/ محمد عبد الرحمن الكودي ص ٩.\r(٣) البلاغة تطور وتاريخ د/ شوقي صيف ص ١٠.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584167,"book_id":8505,"shamela_page_id":20,"part":null,"page_num":22,"sequence_num":20,"body":"ومدرسة زهير كان أصحابها رواة، يتخرج فيها بعضهم على بعض، فالتلميذ يلزم أستاذاً له، يأخذ برواية شعره ومعرفة طريقته، وما يزال به حتى تتفتح مواهبه، ويسيل الشعر على لسانه، وحينئذ ورد عليه بعض ملاحظاته على ما ينظم، وقد يصلح له بعض نظمه (١).\rفهل نقول بعد ذلك: إن معرفتهم بأحوال الكلام، وبصرهم بالنقد كان ص ٢٢ وطبعاً؟ لا .. إن مدرسة زهير وهي التي كانت تعتني بالقصيدة حولاً كاملاً، تنقية وتثقيفاً وتهذيباً لهي خير شاهد على أن الأمر لم يكن متروكاً الطبع \"وليس أدل على ذلك من أن العرب في جميع عصورهم لم يعنوا بشيء قط عنايتهم بفصاحة اللفظ وجزالته، ورقيق الأسلوب ورصانته، وقد جعلوا الإعراب واصطفاء اللفظ، والملاءمة بين الكلمة والكلمة في الجرس الذي ييسر على اللسان نطقه ويزين في الأذن وقعه أساساً لكل هذه\rالخصال (٢) \".\rيقول ابن خلدون: \"يظن كثير من المغفلين ممن لم يعرف شأن ص ٢٢ أن الصواب للعرب في لغتهم إعراباً وبلاغة أمر طبيعي ويقول: كانت للعرب تنطق بالطبع، وليس كذلك، وإنما هي ملكة لسانية في نظم الكلام تمكنت ورسخت فظهرت في بادئ الرأي أنها جبلة وطبع وهذه الملكة كما تقدم إنما تحصل بممارسة كلام العرب وتكرره على السمع والتفطن لخواص تراكيبه .. فملكة البلاغة في اللسان تهدي البليغ إلى وجود النظم وحسن التراكيب الموافق لتراكيب العرب في لغتهم ونظم كلامهم ... واستعير لهذه الملكة عندما ترسخ وتستقر اسم الذوق (٣) \".","footnotes":"(١) البلاغة تطور وتاريخ د/ شوقي ضيف ص ٢٣.\r(٢) ألوان د/ طه حسين ص ١٤ دار المعارف ط ٤.\r(٣) مقدمة ابن خلدون ص ٥٦٢، ص ٥٦٣.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584168,"book_id":8505,"shamela_page_id":21,"part":null,"page_num":23,"sequence_num":21,"body":"ولسنا بحاجة إلى إقامة دليل على أن العرب كانوا يعرفون الفن البياني الذي عرفه المتأخرون بأنه علم يعرف به إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالة عليه، قائلين إن قول زهير:\rما أرانا نقول إلا معاراً ... أو معاداً من قولنا مكروراً\rدليل على أن العرب في الجاهلية قد عرفوا الفن البياني، وأن قول زهير يتفق وتعريف المتأخرين لعلم البيان، لأنه لا يتجاوز إعادة المعنى المعروف بألفاظ مختلفة!\rذلك لأن العرب قد عرفوا الفن البياني مراناً وممارسة بعد أن عرفوه ملكة وذوقاً، لأن ملكة البيان عندهم إنما جاءت بالممارسة، فلما رسخت هذه الملكة فيهم واستقرت سميت ذوقاً (١) - كما يقول ابن خلدون.\r(٢)\rوانبثق فجر الإسلام، وطلعت شمس النبوة، وأشرقت الأرض بنور ربها، وتوالى نزول آيات القرآن، بلسان عربي مبين على قلب محمد ﷺ فيتلوها على أصحابه، ويتلوها أصحابه على أسماع المسلمين فيحفظونها وتتردد على أسماعهم آناء الليل، وأطراف النهار.\rوانبهر العرب ببلاغة القرآن الكريم، وعجزوا عن مجاراتها، وسلموا بعجزهم عن أن يجيئوا بمثل أقصر سورة من سور القرآن، وصار المعاندون ممن كفروا به وأنكروه، يقولون مرة: إنه شعر، ومرة أخرى: إنه سحر! وقد كانوا يجدون له وقعاً في القلوب، وقرعاً في النفوس، يريبهم ويحيرهم. فلم يتمالكوا أن يعترفوا به نوعاً من الاعتراف، ولهذا قال قائلهم: إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة (٢).","footnotes":"(١) نفس المصدر.\r(٢) ثلاث رسائل في إعجاز القرآن ص ٢٨.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584169,"book_id":8505,"shamela_page_id":22,"part":null,"page_num":24,"sequence_num":22,"body":"سمع المسلمون القرآن، وقرأوه وحفظوه؛ فتمثلوا فيه جلائل المعاني، ونفائس الأفكار، وذخائر الألفاظ وروائع النظم، فعرفوا أن بلاغة القرآن الكريم فوق مقدور البشر، وهان أمر بلاغتهم أمام بلاغته، وضعف أمر فصاحتهم أما فصاحته؛ وصدق قول الله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ (١).\rفأقبل المسلمون على القرآن الكريم، يتزودون من معينه الذي لا ينضب، ويرتشفون من رحيقه العذب، ويرتوون من مائه السلسبيل، حتى رق إحساسهم، وأرهفت مشاعرهم، وسلمت أذواقهم، وعرفوا من خواص التراكيب ما لم يكونوا يعرفون، وشهدوا من مظاهر النظم وخصائصه ما لم يكونوا يشهدون!\rوكانت أحاديث الرسول ﷺ وهو الذي أعطى جوامع الكلم ولا ينطق عن الهوى - تتردد على الأسماع؛ يحرص المسلمون على سماعها حرصهم على سماع آيات القرآن الكريم، ويتناقلونها فيما بينهم في شغف ولهفة وشوق وقد وصف الجاحظ حديث النبي ﷺ فقال، وهو الكلام الذي ألقى الله عليه المحبة وغشاه بالقبول وجمع له بين المهابة والحلاوة، وبين حسن الإفهام وقلة عدد الكلام، مع استغنائه عن إعادته، وقلة حاجة السامع إلى معاودته، ثم لم يسمع الناس بكلام قط أعم نفعاً، ولا أقصد لفظاً ولا أعدل وزناً ولا أجمل مذهباً، ولا أكرم مطلباً، ولا أحسن موقعاً، ولا أسهل مخرجاً، ولا أفصح معنى، ولا أبين في فحوى من كلامه ﷺ (٢).","footnotes":"(١) الإسراء: ١٧.\r(٢) البيان والتبيين ج ٢ ص ١٢.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584170,"book_id":8505,"shamela_page_id":23,"part":null,"page_num":25,"sequence_num":23,"body":"وقد كان الصحابة - رضوان الله عليهم - يتعجبون لفصاحة النبي ﷺ ويرون أنه أفصح العرب، فابن الأعرابي يحدثنا بأن رسول الله كان جالساً مع الصحابة، فسألوه عن سحابة فأجابهم، فقالوا: يا رسول الله ما أفصحك ما رأينا الذي هو أفصح منك! فقال. وما يمنعني؟ وإنما أنزل القرآن بلساني، بلسان عربي مبين (١).\rوقد سئل النبي ﷺ: فيم الجمال؟ فقال: في اللسان؛ يريد: البيان (٢).\rومما يدل على أن النبي ﷺ كان يعني أن أشد العناية بتخير لفظه، وانتقاء كلماته المعبرة: ما يروى من أن النبي ﷺ قال: لا يقولن أحدكم خبثت نفسي، ولكن ليقل: لقست نفسي كراهة أن يضيف المسلم الخبث إلى نفسه (٣).\rوالخلفاء الراشدون - رضوان الله عليهم - كانوا خطباء مفوهين، وكانوا يتخيرون ألفاظهم في أحاديثهم، لتكون معبرة أصدق تعبير عما في نفوسهم، مهتدين في ذلك بهدى القرآن الكريم وحديث رسوله الكريم ومما يدل على إرهاف حسهم، ودقة شعورهم: هذه الرواية الشهيرة عن أبى بكر ﵁ وهي: أنه عرض لرجل معه ثوب فقال له: أنبيع الثوب؟ فأجابه: لا، عافاك الله، فتأذى أبو بكر مما يوهمه ظاهر اللفظ، إذ قد يظن أن النفي موجه إلى الدعاء، عليه بدلاً من الدعاء له فقال له: \"لقد علمتم لو كنتم تعلمون، قل: لا وعافاك الله (٤).","footnotes":"(١) مجالس ثعلب ص ٤٥٤.\r(٢) الحيوان جـ ١ ص ٣٣٥.\r(٣) الحيوان (طبعة الحلبي) جـ ١ ص ٣٣٥.\r(٤) البيان والتبيين جـ ١ ص ٢٦١.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584171,"book_id":8505,"shamela_page_id":24,"part":null,"page_num":26,"sequence_num":24,"body":"وربما كان شيوع هذه الرواية وتردادها على ألسنة البلاغيين هو الذي حدا بهم إلى أن يفتحوا في البلاغة باباً خاصاً هو: باب \"الفصل والوصل\" (١).\rوكان عمر ﵁ فصيحاً بليغاً، فقد ضرب الرواة مثلاً لفصاحته وبلاغته؛ بأنه كان يستطيع أن يخرج الضاد من أي شدقيه شاء (٢).\rوعلي بن أبي طالب ﵁ لم يكن يجاريه أحد في مضمار الفصاحة والبلاغة، وخير ما يثبت هذا: كتاب \"نهج البلاغة\" المنسوب إليه، وقد عرف هو البلاغة، فقال: \"البلاغة: إيضاح الملتبسات بأسهل ما يكون من العبارات\" (٣).\rوإلى جانب كلام الله تعالى، وحديث الرسول ﷺ وخطب الخلفاء الراشدين وملاحظاتهم في نقد الكلام وبلاغته، فإن أموراً جدت بالإسلام، دعت إلى الاهتمام بصياغة القول، ونظم التراكيب، وتصوير المعاني صوراً رائعة جذابة.\rومن هذه الأمور التي جدت: الصراع حول العقيدة بين المسلمين والمشركين، وانطلاق الشعراء من المشركين في هجاء الإسلام والمسلمين، وانطلاق الشعراء من المسلمين في الرد عليهم بهجاء الشرك والمشركين.\rوقد كان يمثل شعراء المشركين: عبد الله بن الزبعري، كما كان يمثل شعراء المسلمين: حسان بن ثابت الأنصاري.","footnotes":"(١) ... فن البلاغة د. عبد القادر حسين صـ ١٨.\r(٢) ... البيان والتبيين جـ ١ صـ ٦٢.\r(٣) ... البيان والتبيين جـ ١ صـ ١٤.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584172,"book_id":8505,"shamela_page_id":25,"part":null,"page_num":27,"sequence_num":25,"body":"ومنها: التنافس الذي قام بين الأنصار والمهاجرين على الخلافة بعد وفاة النبي ﷺ. وقد كان كل منهما يحاول أن يؤيد رأيه بما يراه من حجج، خطباً كانت أو محاورة. أو جدلاً، مستعيناً في ذلك كله باختيار اللفظ. وإحكام الصياغة، والتأنق في العبارة. حتى تتحقق له فصاحة القول، وبلاغة التعبير للتأثير في نفوس سامعيه.\rومنها: الخلاف الذي نشب بين علي ومعاوية، ذلك الخلاف الذي أدى إلى انقسام المسلمين في ذلك الوقت إلى أحزاب ثلاثة:\rحزب يؤيد علياً، ويرى أنه أحق بالخلافة من معاوية، وهو حزب الشيعة وحزب يؤيد معاوية، ويرى أنه أحق بالخلافة من علي، وهو حزب بني أمية. وحزب \"ثالث\" لا ينضم إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء، فهو يرى أن الخلافة ليست من حق علي، وأنها ليست من حق معاوية كذلك، وإنما هي لمن يصلح لتوليها من عامة المسلمين، وهو حزب الخوارج:\rواحتاج كل حزب من هذه الأحزاب الثلاثة للدفاع عما يدعو إليه من رأي، إلى بلاغة الخطباء والشعراء وفصاحتهم إلى جانب ما يحتكم إليه في ساحة القتال من حسام.\rفلما كان عصر بني أمية كثرت الملاحظات البلاغية والبيانية لعوامل مختلفة:\rمنها: ازدهار الخطابة في هذا العصر نتيجة لأمور سياسية، ودينية، واجتماعية، لقد تنوعت الخطابة إلى: سياسية، ودينية، وحفلية.\rفكان من خطباء السياسة: زياد والحجاج، وكان من خطباء الشيعة: زيد بن الحسين بن علي، وكان لسناً جدلاً يجذب الناس بحلاوة لسانه، وسهولة منطقه وعذوبة كلامه. وكان من خطباء المحافل: سحبان وائل،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584173,"book_id":8505,"shamela_page_id":26,"part":null,"page_num":28,"sequence_num":26,"body":"الذي خطب خطبة بين يدي معاوية سميت لحسنها باسم الشوهاء، وكان من خطباء الوعظ: غيلان الدمشقي، والحسن البصري، وواصل بن عطاء.\rوقد كان خطباء الوعظ يتحلقهم تلاميذهم، ويدربونهم على حسن الإلقاء وقرع الدليل بالدليل. ودمغ الحجة بالحجة.\rومنها: أن العرب قد تحضروا، واستقروا في المدن والأمصار، وأخذوا يتجادلون في أمورهم السياسية والعقيدية.\rومنها: قيام الأسواق الأدبية على غرار سوق عكاظ في الجاهلية، فكانت سوق المربد بالبصرة، وسوق الكناسة بالكوفة يأتي إليهما الشعراء من الحضر والبوادي، فيسمعون الناس أحدث ما نظموه من شعر.\rوظهر فيهما جرير والفرزدق مرتقيين بفن الهجاء، ليصبح دراسة لحقيقة الشاعرين وحقيقة قبيلتيهما، وحقيقة قيس وتميم والناس من حولهم يهتفون كلما مر بهم بيت نافذ الطعنة.\rواتسع نطاق الملاحظات البلاغية في أوائل العصر العباسي نتيجة لتطور الشعر والنثر، مع تطور الحياة العقلية والحضارية والثقافية ولظهور طائفتين من المعلمين: طائفة عنيت بتعليم اللغة والشعر، وطائفة عنيت بتعليم الخطابة والمناظرة، وطائفة ثالثة هي طائفة المتكلمين الذين عنوا بمسائل البلاغة والبيان، لأنها كانت عوناً لها على ما تقوم به من الخطابة والمناظرة في مساجد البصرة والكوفة.\rولهذا كثر الحديث عن قوة الحجة، ووضوح العبارة، ودقتها، وعن جهارة الصوت، وملامح المتكلم، وملاءمته بين كلامه والمستمعين.\rوتجرد الجاحظ - وهو من أئمة المعتزلة - لدراسة البيان والبلاغة، وأتحف اللغة العربية بكتابه: \"البيان والتبيين\".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584174,"book_id":8505,"shamela_page_id":27,"part":null,"page_num":29,"sequence_num":27,"body":"وقد جمع فيه ملاحظات السابقين من العلماء في البلاغة، مضيفاً إليها ملاحظات غير العرب، وكثيراً من ملاحظات معاصريه.\rوتحتدم المعركة النقدية بين المحافظين والمجددين في الشعر، فينتج عن هذه الخصومة نشاط بلاغي خصب يؤدي إلى وضع كتاب \"البديع\" لعبد الله بن المعتز الذي دافع به عن المحافظين، ورد هجمات المتفلسفة الذين يجرون وراء مقاييس البلاغة اليونانية.\rويتجرد قدامة بن جعفر، ويصنف كتابه \"نقد الشعر\" تحدياً لابن المعتز وغيره ممن يتبعون أثره في الرد على المتفلسفة.\rويكثر المتكلمون من مباحثهم حول إعجاز القرآن الكريم، من حيث بلاغته وبيانه، فتكتمل بذلك أولى مراحل البحث في البلاغة، وهي مرحلة: النشأة والنمو.\r(٣)\rويأتي القرن الرابع الهجري، وتكون البلاغة العربية قد نمت نمواً جعل النقاد من الأدباء يأخذون في تطبيقها على النصوص الأدبية، ويأخذ النقد الأدبي دوره من خلال البلاغة العربية الأصيلة، فتؤتي ثمارها، وتطبق تطبيقاً عملياً في كل من \"عيار الشعر\"، لابن طباطبا المتوفى سنة ٣٢٢ هـ و\"الموازنة بين أبي تمام والبحتري\" للآمدي، المتوفى سنة ٣٧١ هـ و\"الوساطة بين المتنبي وخصومه\" لعلي بن عبد العزيز الجرجاني المتوفى سنة ٣٩٢ هـ.\rولكن فريقاً آخر من الأدباء والشعراء يتجردون للبحث في البلاغة، مهيئين بذلك لانفصال البلاغة عن النقد الأدبي، ويتجهون بها وجهة علمية بحتة. وإن كانوا قد اتفقوا على الإكثار من التمثيل بتراث هائل من الشعر العربي الجاهلي والإسلامي، ومن الأحاديث النبوية الشريفة،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584175,"book_id":8505,"shamela_page_id":28,"part":null,"page_num":30,"sequence_num":28,"body":"ومن كلام الفصحاء، وخطبهم وأمثالهم وحكمهم، إلى جانب ما أوردوه من آيات القرآن الكريم، فنجد \"سر الصناعتين\" لأبي هلال العسكري المتوفى سنة ٣٩٥ هـ.\rو\"العمدة في صناعة الشعر ونقده\" لابن رشيق القيرواني المتوفى سنة ٤٦٣ هـ.\rو\"سر الفصاحة\" لابن سنان الخفاجي المتوفى سنة ٤٦٦ هـ.\rولأن البحث البلاغي في هذه المرحلة الخصبة الغنية بتحليل النصوص الأدبية ونقدها قد تناوله الأدباء والشعراء من النقاد، فإن هذه المرحلة جديرة بأن تسمى \"مرحلة البحث البلاغي في ظلال الأدب\".\rبيد أن هذه المرحلة من مراحل البحث في البلاغة، لم تصل إلى الدرجة التي يمكن أن يقال عنها إنها قد وفت النص الأدبي حقه، ذلك لأن البلاغة فيها قد طبقت في حدود ما توصل إليه البلاغيون آنئذ، ولم تكن البلاغة العربية قد اكتمل نظامها بعد، بل لم تكن قد تعمقت في الغوص إلى معاني النص الأدبي، واستخراج دررها الغالية من بحارها العميقة.\r(٤)\rوهنا يأتي عبد القاهر الجرجاني المتوفى سنة ٤٧١ هـ بعقليته النادرة، وبصيرته الواعية، وأسلوبه الرشيق، فيتحف البلاغة العربية بكتابيه \"دلائل الإعجاز\" و\"أسرار البلاغة\"، متعمقاً في فهم فكرة النظم التي تلقفها من سابقيه، ويجعلها نظرية يدير عليها علم البلاغة الذي يقوم على المعاني المستوحاة من نظم الكلام وعلى الصورة المعبرة عما في نفس المتكلم، والموضحة لما يقصد إليه من أغراض، متضمناً قيماً جمالية نابعة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584176,"book_id":8505,"shamela_page_id":29,"part":null,"page_num":31,"sequence_num":29,"body":"من جمال المعاني قبل أن تكون زينة للألفاظ، فيقيم بهذا صرح البلاغة العربية على أسس متينة.\rويتلوه جار الله الزمخشري، فيطبق آراءه تطبيقاً عملياً - في كشافه ص ٣١ - على آيات القرآن الكريم، مضيفاً إليها ما عن له من خواطر وإضافات.\rولأن هذه الرحلة قد وضعت فيها أسس البلاغة النهائية، واكتمل فيها بنيان البحث البلاغي فإنها تعد بحق: \"مرحلة ازدهار البحث البلاغي\".\r(٥)\rولكن البلاغة العربية - بعد هذين الإمامين - قد بدأت تنحدر من حالق انحداراً أخذ في الازدياد شيئاً فشيئاً حتى ارتطمت بمنطق السكاكي المتوفى سنة ٦٢٦ وفلسفته، وظلت حبيستهما قروناً طويلة، وأجيالاً عديدة.\rومُني الشعر العربي منذ المائة السابعة حتى العصر الحديث بطائفة من الشعراء كل عتادها ألوان من البديع محفوظة، فإذا ما قالوا شعراً سلكوا به مسالك التكلف والتصنع، ووجهوا عنايتهم إلى رص ألوان البديع فيما عرف باسم البديعيات، وهي في حقيقتها عبث ظاهر أضعف من متانة الشعر وهد من قوته، وأورده موارد التكلف الثقيل.\rثم هي من ناحية أخرى قد شعبت ألوان البديع وفرعته حتى ظن بعضهم أنها لا تحصى عدداً، كما أنها قد خلطت الغث بالثمين، فعدت في البديع ما هو جدير بأن يكون مقبحاً لا محسناً! .\rولأن هذه المرحلة المظلمة من مراحل البحث البلاغي قد وقعت بين منطق العلماء وفلسفتهم من جهة، وبين صنعة الشعراء وتكلفهم من جهة أخرى فإنها \"مرحلة البحث البلاغي بين المنطق والتكلف\".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584177,"book_id":8505,"shamela_page_id":30,"part":null,"page_num":32,"sequence_num":30,"body":"وبعد نقد وصل البحث البلاغي إلى ما وصل إليه - كما رأيت - على يد المناطقة والمتفلسفة، وعلى يدي المتكلفين والمتعلمين ص ٣٢ من الشعراء، وظل الحال على ما هو عليه، من الدوران في فلك القوالب المنطقية التي وضعتها المدرسة السكاكية، ومن إيراد الشواهد المكررة المعادة إلى العصر الحديث حتى نادى بعض أعداء العربية بالانصراف عن البلاغة العربية.\rولهذا فإن بعض الغيورين على اللغة العربية وعى تراثها البلاغي الخالد قد قصدوا للدفاع عن البلاغة العربية، منادين بإصلاح حالها، وذلك بإعادة دراستها من جديد، وفتح باب الاجتهاد في البحث البلاغي الذي أوصدته المدرسة السكاكية، والاستفادة من التراث البلاغي الأصيل، مضيفين إليه ما يمكن أن يلائم مقتضيات العصر وتقدم الحضارة.\rفكان من هذه الأبحاث:\r١ - \"دفاع عن البلاغة\" للأستاذ أحمد حسن الزيات: وهو ذو شخصية ممتازة من بين كتاب العربية في العصر الحديث وصاحب أسلوب رائع بين الأساليب العربية، وقد أرجع ما تعانيه البلاغة العربية في هذا العصر إلى بلايا ثلاث (١):\rالأولى: السرعة فقد جنت الآلة على الناس، وكانت جنايتها على الفكر بعامة: أن استحال تقدير القيم التي يحتاج وزنها إلى الروية والتأمل، فظهر الخبيث في صورة الطيب، ودخل الرديء في حكم الجيد، وكانت جنايتها على البلاغة: أنها أصابت الأذهان، فلم تعد تملك الإحاطة بالأطراف ولا الغوص على الأعماق، وأصابت الأفهام فلم تعد تصبر على معاناة الجيد من بليغ الكلام، وأصابت الأذواق، فلم تعد تميز بين الحلو والمر.","footnotes":"(١) ... دفاع عن البلاغة صـ ٥ (مطبعة الرسالة - القاهرة ٩٤٥).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584178,"book_id":8505,"shamela_page_id":31,"part":null,"page_num":33,"sequence_num":31,"body":"الثانية: هي الصحافة، لأنها تخاطب الجماهير، فلا مندوحة لها من التبذل والتبسط والإسفاف، مراعاةً للموضوعات التي تكتب فيها، والطبقات التي تكتب لها، فطغت العامية، وفشت الركاكة، وفسد الذوق وأصبحت العناية بجمال الأسلوب تكلفاً، والمحافظة على البلاغة رجعة إلى الوراء! .\rالثالثة: هو التطفل؛ فقد تكلفت فئة من أرباب المناصب ما ليس في طباعهم من صناعة البيان، فوقعوا في النقص وهم يريدون الكمال، ودفعهم إصرارهم على أن يعدوا من كبار الكتاب - مع ما فيهم من تخلف الطبع وجمود القريحة وضعف الأداة - إلى مشايعة الجهلاء في تنقص البلاغة.\rوتكلم في حد البلاغة وأورد عدداً من تعريفاتها عند العرب والأجانب، فوجد بينهما تشابهاً، وانتهى إلى أن البلاغة: \"ملكة يؤثر بها صاحبها في عقول الناس وقلوبهم عن طريق الكتابة أو الكلام، فالتأثير في العقول عمل الموهبة المعلمة والمفسرة، والتأثير في القلوب عمل الموهبة الجاذبة والمؤثرة ومن هاتين الموهبتين تنشأ موهبة الإقناع على أكمل صورة.\rوقد رأى أن طالب البلاغة في حاجة إلى ألوان كثيرة من الثقافة. وأقل ما يجب عليه درسه هو: اللغة، والطبيعة والنفس، وذلك لأن اللغة هي أداة القول والكتابة، والطبيعة هو كتاب الفنان الجامع، إذ منها معادته، وعنها اقتباسه ووحيه، وفيها دليله ومثاله، ومنها أخيلته وصورته، والنفس هي الينبوع الثر لما يزخر به الشعر والنثر من مختلف الغرائز والعواطف والأفكار والأحاسيس.\rكما رأى أن اختلاف النقاد بين أنصار للفظ، وأنصار للمعنى قد جنى على البلاغة، لأن الذين فسدت فيهم حاسة الذوق أهملوا جانب اللفظ، والذين ضعفت فيهم ملكة العقل غضوا من شأن المعنى، فضلوا جميعاً طريق الأسلوب الحق.\r(٣ - النظم البلاغي)","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584179,"book_id":8505,"shamela_page_id":32,"part":null,"page_num":34,"sequence_num":32,"body":"وقد تكلم في صفات الأسلوب، وهي في نظره ثلاث: الأصالة، والوجازة، والتلاؤم.\r(أ) أما الأصالة: فهي: أن يبنى الأسلوب على ركنين أساسيين عن خصوصية اللفظ، وطرافة العبارة، وتلك هي الصفة الجوهرية للأسلوب البليغ، فلا يكتب الأديب كما يكتب الناس، بل يكون أصيلاً في نظرته وكلمته وفكرته وصورته ولهجته، فلا يستعمل لفظاً عاماً، ولا تعبيراً محفوظاً، ولا استعارة مشاعة، وخصوصية اللفظ: هي دلالته التامة على المعنى المراد، ووقوعه الموقع المناسب، وطرافة العبارة: أساسها الابتكار في حكاية الخبر، وتصوير الفكر، وتقويم الموضوع.\r(ب) وأما الوجازة: فهي أصل بلاغة اللغات، وهي في البلاغة العربية أصل وروح وطبع، لأن الإيجاز يزيد في دلالة الكلام من طريق الإيحاء، لأنه يترك على أطراف المعاني ظلالاً خفية يشتغل بها الذهن ويعمل فيها الخيال حتى تبرز وتتكون، وتتسع وتتشعب إلى معانٍ أخر يحملها اللفظ بالتفسير والتأويل.\r(جـ) وأما التلازم، أو الموسيقية، فهي صفة جامعة لكل وصف، لا بد منه للفظ، حتى يكون الكلام خفيفاً على اللسان، مقبولاً في الأذن، مرافقاً لحركات النفس. مطابقاً لطبيعة الفكرة أو الصورة أو العاطفة التي يعبر عنها الكاتب أو الشاعر.\r٢ - \"الأسلوب\" للأستاذ/ أحمد الشايب: وقد رأى المؤلف أن الدراسة النظرية للبلاغة العربية قد انتهت عند المتقدمين إلى علوم: \"المعاني\" و\"البيان\" و\"البديع\": فدرسوا في المعاني الجملة متصلة، أو منفصلة كما درسوا في البيان، والبديع الصورة بسيطة أو مركبة، من تشبيه ومجاز وكناية وحسن تعليل وتوابع أخرى من البديع، إلا أن هذه الدراسات","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584180,"book_id":8505,"shamela_page_id":33,"part":null,"page_num":35,"sequence_num":33,"body":"على أهميتها لا تستوعب أصول البلاغة - في رأيه - كما يجب أن تكون، حتى تساير الأدب الإنشائي في أساليبه وفنونه، وبمقارنته بين أبحاث البلاغة التي دونتها الكتب العربية، وبين موضوعها كما يجب أن يكون فإنه يفرد النتائج التالية:\rأولاً: أن نصف البلاغة العربية النظرية مفقود في اللغة العربية، أكثره في قسم الفنون الأدبية، وباقيه في قسم الأسلوب.\rثانياً: أن شطراً من الأسلوب قد درس تحت عنوان: \"المعاني\"، و\"البيان\" و\"البديع\" وهو شطر يعوزه التنسيق، ولا حاجة بنا الآن إلى هذه الأسماء.\rثالثاً: أن البلاغة العربية في حاجة إلى وضع علمي جديد يشمل هذه الأبواب والفنون، ويصل بينها وبين الطبيعة الإنسانية وملابساتها الزمانية والمكانية حتى يخدم الأدب. هذا إلى جانب البحث التاريخي الذي يفرد له بحث خاص.\rرابعاً: أن الأدباء هم أولى الناس بدراسة البلاغة حتى يخلصوها من أساليب الفلاسفة ومذاهبهم وألفاظهم.\rأما موضوع علم البلاغة فقد حصره في بابين أو كتابين هما: \"الأسلوب\" و\"الفنون الأدبية\" (١).\rأما الأسلوب: فتدرس فيه القواعد التي إذا اتبعت كان التعبير بليغاً، فتدرس الكلمة والصورة، والجملة والفقرة والعبارة، والأسلوب من حيث أنواعه وعناصره وصفاته ومقدماته وموسيقاه، وقد وضع البلاغة العربية","footnotes":"(١) ... الأسلوب ص ٢٩ (مكتبة النهضة المصرية القاهرة ١٩٥٦).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584181,"book_id":8505,"shamela_page_id":34,"part":null,"page_num":36,"sequence_num":34,"body":"في هذا القسم، فعلم المعاني يدخل عنده في بحث الجملة، كما أن علم البيان وأغلب البديع يدخل في باب الصورة.\rوأما الفنون الأدبية: وقد تسمى: قسم الابتكار، فتدرس فيها مادة الكلام من حيث اختيارها وتقسيمها، وتنسيقها، وما يلائم كل فن من الفنون الأدبية، وقواعد هذه الفنون، كالقصة والمقالة والوصف والرسالة والمناظرة والتاريخ.\rوقد سار المؤلف - في دراسة الأسلوب - على تقسيم البحث إلى خمسة أبواب:\rفالباب الأول: مقدمات تتناول البلاغة بين العلوم الأدبية، وتعريف البلاغة وعلومها، ومكانها بين العلم والفن، وموضوع البلاغة.\rوالباب الثاني: تعريف بالأسلوب والكلام في حده وتكوينه وعناصره.\rوالباب الثالث: دراسة للأسلوب وعلاقته بالموضوع، وقد تكلم فيه عن الأسلوب العلمي، والأسلوب الأدبي، وأسلوب الشعر، واختلاف أساليب النثر.\rوالباب الرابع: دراسة للعلاقة بين الأسلوب والأديب، والأسلوب والشخصية، ودلالة الأسلوب على الشخصية، وأثر تفاوت الشخصيات في اختلاف الأساليب.\rوالباب الخامس: دراسة لصفات الأسلوب، وهي: الوضوح، والقوة والجمال.\r٣ - \"فن القول\" للأستاذ أمين الخولي: وهو من الكتابات الجادة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584182,"book_id":8505,"shamela_page_id":35,"part":null,"page_num":37,"sequence_num":35,"body":"لأحد حاملي ألوية التجديد في البحث البلاغي، فالأستاذ أمين الخولي كان على علم بمنهج البلاغة عند الغربيين، كما أنه مزود بتراث قديم من مناهج البحث البلاغي في اللغة العربية، وقد وضع منهجاً لدراسة \"فن القول\" فقسمه إلى: مبادئ، ومقدمات، وأبحاث:\r(أ) أما المبادئ: فتتصل بفن القول وتعريفه وغايته وصلته بغيره من الدراسات، وصلته بفن الأدب وتاريخه ونقده.\r(ب) وأما المقدمات: فهي: مقدمة تدرس الفن وحقيقته ومنزلته بين المعارف الإنسانية وعلاقته بالفلسفة وبالعلم وبالجمال، ومقدمة أخرى نفسية تتناول القوى الإنسانية المختلفة، وصلة بعضها ببعض، ونواحي اتصالها بالعمل الفني، وتأثيرها فيه، وتدرس الحياة الوجدانية والعواطف والمشاعر الإنسانية وما تمد به العمل الفني ولا سيما الأدبي.\r(جـ) وأما الأبحاث: فمنها ما يدرس الكلمة من حيث هي عنصر لغوي ويدرس حسنها من حيث جرسها الصوتي، ومن حيث أداؤها لمعناها، وتناسب الصوت والمعنى، والجزالة والرقة، وزيادة حسن أداء الكلمة لمعناها بتأثير الرنين الصوتي في الجناس والسجع والترصيع، والتصريع ورد العجز على الصدر ولزوم ما لا يلزم، ثم دراسة الكلمة من حيث هي جزء من الجملة وحسن دلالتها على معناها في الجملة وتأثيرها بالوضع، والاستعمال، ثم نظم الجملة وله أثره في هذه الدلالة، وفضل القول في هذا، وأدخل كثيراً من مباحث النحو وأبواب البلاغة في هذا المضمار.\rومنها: ما يدرس الجملة وربط جزأيها في الإسناد وإسناد الشيء لما ليس له وما يراعى في ذلك من الاعتبارات الأدبية، وأثره في المعنى والتأكيد والقصر ومعاني أدوات الشرط والإيجاز والإطناب وفي الفقرة يدرس الترقيم اللفظي، وأطلقه على مبحث الفصل والوصل، والإيجاز","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584183,"book_id":8505,"shamela_page_id":36,"part":null,"page_num":38,"sequence_num":36,"body":"والإطناب في الفقرة، ثم بيان أن الفقرة في العمل الأدبي جزء من صورة فنية متناسقة.\rوفي تناول صور التعبير: يدرس أثر اختلاف الصور في التأثير، والقوة فيدرس صور \"الإيضاح المعلن\" كالتشبيه والاستعارة والمجاز والكناية والتجريد والقلب وأسلوب الحكيم والمبالغة وتأكيد المدح بما يشبه الذم والتدبيج والتهكم والفكاهة والتجاهل، وفي كل فن من هذه الفنون يدرس العمل الفني كله وأثره الأدبي، والشواهد الأدبية الكافية، كما يدرس \"صور التعبير المظللة\" كالرمز والإيماء والإلغاز والتورية والاستخدام.\rثم تبحث البلاغة في القطعة الأدبية، فتدرس عناصر العمل الأدبي وعلاقته ما بين اللفظ والمعنى في العمل الأدبي، ثم الصناعة المعنوية، أي مباحث المعاني الأدبية، فتدرس خصائصها المميزة لها، ومصادر إيجادها وترتيبها، وأثر العوامل النفسية والأدبية في ذلك، واختلافها في المتفننين وأثرها فيهم وعرض المعاني الأدبية وإخراجها واختلاف الأدباء في ذلك ثم دراسة الفنون الأدبية قديماً وحديثاً، وخصائص الشعر في عباراته ومعانيه وموضوعاته، وخصائص كل فن من فنونه.\rثم تدرس البلاغة الأساليب الفنية في الأدب ودلالتها على شخصية الأديب؛ ثم من حيث هي طراز في الإخراج والعرض تميز عمل الأديب كالأسلوب الرمزي والفكاهي والتهكمي في عمل أدبي كامل ومقومات مثل هذا الصنيع، ومميزاته مع الإشارة إلى الروائع الفنية من كل طراز.\rذلكم هو منهج \"فن القول\" الذي قال عنه صاحبه: إنه \"تخطيط لمحاولة تأمل أن تظل رهن التغيير والتعديل وهدف التجديد والتحسين، يضيف إليها ويحذف منها وينسقها من تهيأت له القدرة الصادقة على ذلك،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584184,"book_id":8505,"shamela_page_id":37,"part":null,"page_num":39,"sequence_num":37,"body":"وكانت له فيه بصيرة خبيرة ليظل هذا الدرس للفن القولي صدى لحياة أهله وسبيلاً لتحقيق غاياتهم في الحياة الوجدانية الراقية\".\r٤ - \"البيان العربي\" للدكتور بدوى طبانة (١):\rبعد أن عرض الدكتور بدوي طبانة لتطور الفكرة البيانية عند العرب في كتابه هذا؛ فإنه يستخلص من هذا العرض أن البلاغة العربية تدور عند البلاغيين حول \"مطابقة الكلام لمقتضى الحال\" كما يرى أن تعريف علم المعاني عندهم وهو: أنه \"علم يعرف به أحوال اللفظ العربي التي بها يطابق الكلام مقتضى الحال\" هذا التعريف ليس مقصوراً على علم المعاني وحده وإنما هو شامل لعلوم البلاغة جميعها؛ وما دامت البلاغة عندهم تدور حول المطابقة، وأنها شاملة لعلوم البلاغة جميعاً، فلنبحث البلاغة - من جديد - على هذا الأساس، ويذكر أن مجالات المطابقة كثيرة ومنها:\r(أ) مطابقة الأفكار والمعاني للموضوعات المختلفة، وقد بين أن كتب النقد وكتب البلاغة لم تخل من أمثال هذه الدراسات التي تنشد المطابقة بين المعاني والأفكار، ويضرب الأمثلة لذلك.\r(ب) مطابقة الأفكار والمعاني لعقول السامعين والقارئين.\r(جـ) أما مجال المطابقة في الصورة فإنها أوسع ويستطيع كل من الأديب والناقد أن يفيد منه فائدة كبرى.\r١ - ففي الفن الشعري - وهو القائم على الوزن والقافية - يدخل النغم ووحدة القافية - وهما لونان من ألوان التناسق والتطابق - في مجالات","footnotes":"(١) ... البيان العربي الطبعة الخامسة دار العودة بيروت ص ٣١٦.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584185,"book_id":8505,"shamela_page_id":38,"part":null,"page_num":40,"sequence_num":38,"body":"المطابقة، وقد فطن كثير من علماء البلاغة والنقاد العرب إلى هذا الاعتبار فاستخلصوا فنوناً كثيرة تتصل بهذا الفن الشعري، ومنها التصريع؛ والترصيع والتوشيح وهو الإرصاد عند بعض البلاغيين و\"التسهيم\" عند غيرهم، و\"الإيغال\" و\"التصدير\".\r٢ - واللفظ هو أساس العبارة أو هو الوحدة التي تتكون منها، والمطابقة في اللفظ تنشد في عدة أمور منها: مطابقة اللفظ لمعناه، ومطابقته لما يجاوره من الألفاظ، ثم مطابقة اللفظ للغرض الذي يعالجه الأديب.\r٣ - وأكثر فنون البلاغة إنما تهدف إلى تحقيق المناسبة أو المطابقة، ويتجلى ذلك في ألوان ثلاثة من التناسب:\r(أ) تناسب النغم والرنين الموسيقي بين أجزاء العمل الأدبي، ومن مظاهر ذلك فيما عالجه البيان: الترصيع، والتصريع؛ والسجع، والازدواج ولزوم ما لا يلزم.\r(ب) تناسب الألفاظ ومنه فيما عَالجت البلاغة العربية: \"التجنيس\" و\"المشاكلة\" و\"التوشيح\".\r(جـ) تناسب المعاني، وهو كثير في مباحث البلاغة، فمنه التشبيه الذي تراعى فيه المناسبة بين المشبه والمشبه به، ومنه الاستعارة التي تقوم على المناسبة بين المستعار له والمستعار منه، ومنه مراعاة النظير، والطباق قائم على التناسب بين الأضداد وهكذا.\r٤ - وتتلمس المطابقة في الأسلوب من جهة ملاءمته للموضوع، ومن جهة مطابقته لأحوال السامعين والقارئين وعواطفهم وعقولهم وقدرتهم اللغوية، فأسلوب الحقيقة لمن لا يستطيع أن يدرك غيره وأسلوب الكناية والمجاز لمن يستطيع إدراكهما.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584186,"book_id":8505,"shamela_page_id":39,"part":null,"page_num":41,"sequence_num":39,"body":"تلكم هي اقتراحات بعض المعاصرين لدراسة البلاغة من جديد، وهي - كما رأيتم - منصبة على دراسة البلاغة من خلال النقد الأدبي، وإعادة تنظيم التراث النقدي البلاغي للغة العربية وهي محاولات جد مخلصة وصادقة تستهدف النهوض بالبحث البلاغي.\rبيد أنها قد نسيت أن أجدى دراسة كانت للبلاغة، هي دراسة عبد القاهر الجرجاني تلك الدراسة التي لم تفرق بين البلاغة والنقد الأدبي، والتي عالجت فيها موضوعات البلاغة معالجة أمينة جادة، خالصة من شوائب المنطق أو الفلسفة، اللهم إلا فلسفة النفس الإنسانية وأحوالها حين تعتريها أريحية استقبال اللطائف البلاغية والمزايا البيانية.\rوقد علمتم ما رأيناه من أن عبد القاهر لم يقسم البلاغة إلى علومها التي نراها اليوم، بل إنه كان ينظر إليها على أنها علم واحد، وإن تعددت قضاياه وتفرعت مسائله.\rولهذا: فإننا نرى أن البلاغة العربية يجب أن يسلك بها السبيل الذي سلكه عبد القاهر الجرجاني في \"دلائل الإعجاز\" و\"أسرار البلاغة\" لدراسة علم البلاغة، وتقوم هذه الدراسة على أن نظرية النظم هي أساس البلاغة، وعن هذه النظرية تتفرع المعاني البلاغية التي نستلهمها من نظم الكلام، وهذه المعاني تدرس فيما سمي \"بعلم المعاني\" - وإن لم يكن بنا حاجة إلى مثل هذه التسمية.\rكما أن الصور البيانية التي تصاغ من هذه المعاني المستوحاة من النظم تبرز المعنى الذي يقصده المتكلم وتوضحه، وهي صور التشبيه، والمجاز، والكناية، التي تدرس فيما سمي بعلم البيان - وإن لم يكن بنا حاجة إلى مثل هذه التسمية.\rعلى أن ألوان البديع داخلة هي الأخرى في الصميم من مسائل البلاغة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584187,"book_id":8505,"shamela_page_id":40,"part":null,"page_num":42,"sequence_num":40,"body":"سواء أكانت معاني مستوحاة من النظم، أم كانت صوراً من صور البيان والإيضاح.\rوبهذا تعيد للبلاغة عهد الإشراق والازدهار، وتخلصها من ركام المنطق والفلسفة والتكلف، وتبرزها خالصة، لا غموض فيها ولا تعقيد.\rوعلى ضوء ما أسلفنا من آراء، فإننا نرى ما يلي: -\rأولاً: إذا أردنا للبلاغة العربية أن توفي النص الأدبي حقه، فإنه يجب ألا تدرس بمنأى عن النقد الأدبي بل يجب أن تكون البلاغة العربية - دائماً - عماد النقد الأدبي السليم.\rثانياً: يجب أن تصفى البلاغة العربية مما شابها من بقايا فلسفة السكاكي ومنطقه حتى يتسنى للناشئة - وغيرهم - استساغتها وتذوقها. ومن ثم تطبيقها على ما تنتجه القرائح وتعطيه الأفكار، وعلى ذلك فإن مبحث الدلالات الذي يصدر به البلاغيون - عادةً - مباحث علم البيان لا فائدة منه على الإطلاق ويجب أن ينحى عن علم البلاغة وذلك لأنه أمر أقرب إلى المنطق منه إلى البلاغة، بل بينه وبين البلاغة بون شديد.\rثالثاً: يجب أن تدرس البلاغة العربية من خلال النص الأدبي، بمعنى أن تعرض النصوص الأدبية، ثم تستخلص منها الأسرار البلاغية، والمزايا البيانية، لا أن تحفظ القواعد جافة، ثم يطبق لكل قاعدة بمثال.\rرابعاً: يجب ألا يقتصر في التدريس البلاغة على نصوص معينة من عصور معينة - كما درجت على ذلك المدرسة السكاكية - بل تدرس نصوص من العصر الحديث، كما تدرس نصوص من الشعر الجاهلي والعصور التي تلته على حدٍ سواء.\rخامساً: يجب أن يدرس النص كاملاً، بمعنى أن تدرس قصيدة أي شاعر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584188,"book_id":8505,"shamela_page_id":41,"part":null,"page_num":43,"sequence_num":41,"body":"كاملة غير منقوصة حتى نحافظ على وحدة القصيدة، لا أن يدرس بيت من هنا وبيت من هناك!\rسادساً: يجب ألا تقارن مقاييس البلاغة العربية بغيرها من المقاييس الغربية، وذلك ليس تعصباً منا للغة العربية، ولكن لأن المقاييس البلاغية لأي لغة قد لا تصلح لغيرها من اللغات الأخرى وذلك لأن الجمال أمر اعتباري، فما قد يكون جميلاً عند أمة من الأمم قد لا يكون جميلاً عند غيرها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584189,"book_id":8505,"shamela_page_id":42,"part":null,"page_num":44,"sequence_num":42,"body":"٢ - النقد الأدبي\rفي لسان العرب: النقد والتنقاد: تمييز الدراهم وإخراج الزيف منها، أنشد سيبويه:\rتنفي يداها الحصى في كل هاجرة ... نفي الدراهم تنقاد الصياريف\rوقد نقدها بنقدها نقداً، وانتقدها وتنقدها، ونقده إياها نقداً: أعطاها فانتقدها أي: قبضها. الليث: النقد: تمييز الدراهم وإعطاؤكها إنساناً وأخذها، الانتقاد والنقد: مصدر نقدته دراهمه، ونقدته الدراهم ونقدت له الدراهم، أي: أعطيته فانتقدها؛ أي قبضها، ونقدت الدراهم وانتقدتها، إذا أخرجت منها الزيف. والدرهم نقد أي: وازن جيد، وناقدت فلاناً: إذا ناقشته في الأمر. وفي حديث أبي ذر: كان في سفر فقرب أصحابه السفرة ودعوه إليها، فقال: إني صائم؛ فلما فرغوا جعل ينقد شيئاً من طعامهم، أي: يأكل شيئاً يسيراً، وهو من نقدت الشيء بإصبعي أنقد واحداً واحداً نقد الدراهم.\rوفي حديث أبي الدرداء: إن نقدت الناس نقدوك، وإن تركتهم تركوك معنى نقدتهم: أي عبتهم (١).\rوهكذا ترى ص ٤٤ أن كلمة \"النقد\" قد دارت حول معنى واحد، هو تمييز الجيد من الرديء، وذلك لأن معنى الإعطاء والأخذ فيها قد جاء تابعاً للمعنى الأصلي، لأن المعطي أو الآخذ، قد أعطى وأخذ دراهم قد ميز جيدها من رديئها.","footnotes":"(١) ... لسان العرب لابن منظور مادة (نقد).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584190,"book_id":8505,"shamela_page_id":43,"part":null,"page_num":45,"sequence_num":43,"body":"والمناقشة هي الأخرى قد لوحظ فيها المعنى الأصلي، فهي تظهر الصواب من الخطأ والحق من الباطل، بل وفيها - أيضاً - يتميز جيد الآراء من رديئها.\rوكذلك نقد الناس: إذ هو: إظهار عيوبهم، والسكوت عن مزاياهم.\rوهذا المعنى الأصلي - وإن خص بنقد الدراهم - إلا أننا نراه قد انتقل إلى نقد الأدب فيما بعد، فقد سمى قدامة بن جعفر المتوفى ٣٣٧ هـ كتاباً له باسم \"نقد الشعر\" وذكر أنه يبحث في تخليص جيد الشعر من رديئه، فقال \"ولم أجد أحداً وضع في \"نقد الشعر\" وتخليص جيد الشعر من رديئه كتاباً\" بل إنه ليسمى هذا الفن باسم \"علم جيد الشعر من رديئه\" (١).\rو\"الأدبي\" نسبةً إلى \"الأدب\" وهو موضوع النقد، والمراد به هنا هو: الشعر والنثر وما يتصل بهما.\rوالغرض من دراسة النقد: هو معرفة القواعد التي بها يمكن الحكم على القطع الأدبية، أجيدة أم غير جيدة، فإذا كانت جيدة أو رديئة فما درجتها من الحسن والقبح؟ وكذلك معرفة الرسائل التي تمكننا من تقديم ما يعرض علينا من الآثار الأدبية.\r\rوللنقد الأدبي ثلاثة مناهج رئيسية:\rإحداها: المنهج الفني: وهو دراسة النصوص الأدبية من شعر أو نثر في ظلال البلاغة، وأصحاب هذا الاتجاه يعتمدون على الذوق، ويعجبون بالمعاني الرائقة، والأساليب الجميلة.\r\rوثانيها: المنهج النفسي: وهو الذي ندرس فيه حياة الأديب نفسه لا الأدب، وتأثر الأدب بالأديب، لأن نفس الأديب هي المنبع الذي","footnotes":"(١) ... نقد الشاعر صـ ١٤ (طبعة الخانجي).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584191,"book_id":8505,"shamela_page_id":44,"part":null,"page_num":46,"sequence_num":44,"body":"صدرت عنه القطعة الأدبية، فيجب أن ندرس هذه النفس ليفهم ما يصدر عنها.\r\rوثالثها: هو المنهج التاريخي: وهو الذي يدرس النقد الأدبي في عصوره المختلفة، تعريفاً بأعلامه، وشرحاً لآرائهم واتجاهاتهم ومناهجهم، وتأثرهم ببيئاتهم، وبالثقافات التي تأثروا بها، وذلك لأن الأدب هو ظل الحياة الاجتماعية، ولا يمكن فهم الأدب فيها فهماً حقيقياً إلا إذا فهمنا البيئة التي كان الأدب نتاجاً لها.\rعلى أن هذه المناهج الثلاثة - في رأينا - ضرورية للنقد الأدبي ولا يستغني ناقد عن واحد منها.\rذلك بأن موضوع النقد الأدبي هو: النصوص الأدبية لمعرفة محاسنها ومساوئها، وذلك لا يكون إلا في ظل البلاغة والاعتماد على الذوق.\rولما كانت تلك النصوص بما فيها من جمال أو قبح صادرة عن نفس ترضى وتغضب وتحب وتكره، وترغب وترهب، كان لا بد من دراسة تلك النفس، لأنها المنبع الحقيقي لتلك النصوص.\rولأن تلك النصوص بما فيها من جمال أو قبح بعرف ص ٤٦ في ظل البلاغة والذوق قد صدرت عن نفس أديب قد تأثر بعصره وبيئته وثقافته، كان لا بد من دراسة ذلك كله، لتدرس في ظلاله النصوص الأدبية دراسة كاملة ولتفهم - أيضاً - فهماً دقيقاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584192,"book_id":8505,"shamela_page_id":45,"part":null,"page_num":47,"sequence_num":45,"body":"مكان البلاغة من النقد\rعرفت مما سبق أن النقد الأدبي بتعريفه الذي توصل إليه النقاد والمحدثون: هو استعراض القطع الأدبية، والحكم عليها بالجودة أو الرداءة، ومعرفة القواعد التي بها نستطيع الحكم على تلك القطع.\r\"والنقد الأدبي\" بهذا المفهوم يجعل البلاغة أساساً من أسسه، أو جزءاً لا غنى عنه من أجزائه.\rوالواقع أننا إذا ما استعرضنا تطور البلاغة والنقد الأدبي منذ نشأتهما فإننا لا نجد تغيراً يطرأ على هذا المفهوم الذي رأيناه:\rفأول بارقة للنقد الأدبي نجدها في قول عمر ﵁ عن زهير: كان لا يعاظل بين القول، ولا يتتبع حوشى الكلام ولا يمدح الرجل إلا بما هو فيه (١).\rوقد رأى عمر ﵁ أن زهيراً بهذا يستحق أن يكون أشعر الشعراء وقد بنى حكمه على نفي المعاظلة، وحسن اختيار الألفاظ، والبعد عن التعقيد في القول، والصدق في المديح، وتلك أحكام \"بلاغية\" عبر عنها المتأخرون بالبعد عن الغرابة، والتعقيد اللفظي والمعنوي، وعدم المبالغة.\rعلى أن النقد الأدبي، ليس بلاغة وحسب، فثمة نقد نحوي، ونقد عروضي، ونقد لغوي:","footnotes":"(١) ... الشعر والشعراء صـ ٨٦.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584193,"book_id":8505,"shamela_page_id":46,"part":null,"page_num":48,"sequence_num":46,"body":"فمن النقد النحوي: ما رآه عيسى بن عمر من أن النابغة قد أساء في قوله:\rفبت كأني ساورتني ضئيلة ... من الرقش، في أنيابها السم ناقع\rوقال: موضعه \"ناقعاً\" أي تنصب على أنها حال (١).\rومن النقد العروضي: ما أنكره عبد الله بن أبي إسحق على الفرزدق من قوله:\rمستقبلين شمال الشام تضربنا ... بحاصب من نديف القطن منثور\rعلى عمائمنا تلقى رواجلنا ... على زواحف تزجى مخها: رير.\rيرفع \"رير\" فقد قال ابن أبي إسحق: ألا قلت: على زواحف تزجيها محاسير؟ ، ويقصد بذلك: أن الفرزدق قد أقوى في شعره هذا، فأورد روياً مرفوعاً في قصيدة رويها مجرور.\rومن النقد اللغوي: ما يروى من أن الأصمعي قد قرأ على أبي عمرو بن العلاء شعر النابغة الذبياني - فلما بلغ قوله في وصف الناقة:\rكناز البضيع جمالية ... إذا ما بغمن تراها كتوما (٢)\rفأبو عمرو قدر أي أن الألفاظ يجب أن يراعى فيها الدقة في استعمالها فيما وضعت له، لأنه من استقراء كلام العرب وجد أن صياح الفحول يكون من نشاطها، وصريف الإناث يكون من إعيائها، وأن النابغة قد","footnotes":"(١) ... الموشح للمرزباني صـ ٤١.\r(٢) ... دراسات في نقد الأدب العربي صـ ١١٣، ١١٤.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584194,"book_id":8505,"shamela_page_id":47,"part":null,"page_num":49,"sequence_num":47,"body":"انفرد من بينهم بعكس هذا الاستعمال والحقيقة أن ناقد الأدب ليس رجلاً نحوياً، ولا علماً من أعلام اللغة، ولا عالماً بالصرف أو العروض، ولا راوية للمأثور من الأدب والأخبار والأنساب، ولكنه في الواقع كل أولئك الرجال، وثقافته تمثل كل تلك الثقافات، لأنها مادته التي يعتمد عليها في إصدار حكم صادر مستوعب (١)، فعبارة \"النقد الأدبي\" ينبغي أن تكون شاملة للنقد بأنواعه: النحوي، والعروضي، واللغوي والبلاغي.\rفإذا تقدمنا قليلاً، وطالعتنا بوادر التأليف في \"النقد الأدبي\" التقينا بصحيفة بشر بن المعتمر، التي اعتبرها المحدثون من النقاد دعامة من دعائم النقد الأدبي، بل والأساس الذي قامت عليه الدراسات البلاغية أيضاً.\rوفي تلك الصحيفة يوصي بشر باختيار الكلام، والبعد عن التعقيد، واختيار اللفظ الشريف للمعنى الشريف، مع مطابقة الكلام لمقتضى الحال.\rوتلك قيم بلاغية على درجة كبيرة من الأهمية، ومع ذلك فإن بعض النقاد المحدثين قد رأى أنها شاملة \"لقواعد النقد الأدبي\" وأصوله، بل إنه يرى أن تلك المفاهيم التي حوتها صحيفة بشر: أبعد الأشياء عن البلاغة بمعناها الاصطلاحي! !\rوأنت ترى أن في هذا القول مبالغة ليست في محلها فقد حوت الصحيفة أهم قضية من قضايا البلاغة، وهي: \"مطابقة الكلام لمقتضى الحال\"، وقد صار هذا المفهوم تعريفاً للبلاغة حتى عصرنا الحاضر.\rعلى أن هذا الرأي - بما فيه من مبالغة - يعطيك الدليل القوي على صحة ما نقول، وهي أن البلاغة قسم من أقسام النقد الأدبي، أو جزء لا غنى عنه من أجزائه.","footnotes":"(١) ... نفس المرجع صـ ٤١.\r(٤ - النظم البلاغي)","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584195,"book_id":8505,"shamela_page_id":48,"part":null,"page_num":50,"sequence_num":48,"body":"فإذا ما التقينا بأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ المتوفى سنة ٢٥٥ هـ في كتابه: \"البيان والتبيين\"، الذي اعتبره النقاد من أقدم الآثار في النقد الأدبي عند العرب، وجدناه يعالج من بين قضايا النقد الأدبي مسائل بلاغية كثيرة، كمحاولة تعريف البلاغة، واللفظ والمعنى، ووجوب مطابقة الكلام لمقتضى الحال، والإيجاز والإطناب ومواضعهما، والازدواج والسجع والاحتراس، والسرقات الشعرية، وغير ذلك من القضايا البلاغية التي جعلته أهلاً لأن يعد - غير منازع - مؤسس البلاغة العربية.\rعلى أنه لا يقدح في صحة نظرتنا إلى البلاغة على أنها قسم من أقسام النقد الأدبي، وأن نقاد الأدب قد جعلوا النقد البلاغي جزءاً هاماً من النقد الأدبي أن نرى أبا عبد الله محمد بن سلام الجمحي المتوفى سنة ٢٣٢ هـ في كتابه: \"طبقات الشعراء\" لا يتعرض للناحية البلاغية وإنما يمضي لناحية أخرى هي: تقسيم الشعراء إلى طبقات.\rوذلك لأن ابن سلام قد اتجه في مؤلفه هذا اتجاهاً تاريخياً، وهذا الاتجاه هو أحد المناهج الرئيسية للنقد الأدبي - كما أسلفنا - هذا إلى تقسيمه الشعراء إلى مجموعات بحسب تفاوتهم في كثرة الإنتاج أو في جودته، أو في قدرته على التصرف في فنون الشعر، وهذه ثقافة نقدية لازمة للناقد حتى يستطيع الحكم على النصوص الأدبية من الناحية الفنية.\rويقرب من ذلك الاتجاه ومن تلك الثقافة النقدية: جهود ابن قتيبة النقدية في كتابه \"الشعر والشعراء\".\rوأبو العباس أحمد بن يحيى المعروف بثعلب، المتوفى سنة ٢٩١ هـ، مع أن الشعر لم يكن ميدانه، ولم تكن له قدم راسخة في البلاغة وإنما كان من أئمة اللغة والنحو، وراوية من رواة الأدب وحفاظه، يؤلف كتابه: \"قواعد الشعر\"، ويذكر أن من فنون الشعر: التشبيه، والإفراط في الإغراق","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584196,"book_id":8505,"shamela_page_id":49,"part":null,"page_num":51,"sequence_num":49,"body":"ولطافة المعنى، والاستعارة، وحسن الخروج، ومجاورة الأضداد، والمطابق.\rولأن تلك القضايا التي تناولها ثعلب معدودة من بين قضايا النقد، فإنه قد عدها من فنون الشعر، أو ص ٥١ نقاد الشعر يعتبرون ثعلباً حلقة في سلسلة النقاد، كما يعتبرون كتابه مصدراً من مصادر النقد الأدبي عند العرب.\rولعل تلك النغمات التي رددها ثعلب في \"قواعد الشعر\" من عدة ص ٥١ تلك المسائل البلاغية الآنفة من فنون الشعر هي التي ألهمت معاصره عبد الله بن المعتز المتوفى سنة ٢٩٦ هـ أن ينتقل بالنقد الأدبي في كتابه \"البديع\" إلى طور جديد هو طور العناية بالصورة ودراسة الشكل، وقد كانت جهود النقاد الذين سبقوه مقصورة على المعاني والأفكار، أو على تقسيم الشعراء إلى طبقات.\rأما هو فقد اتجه إلى دراسة شكل النص الأدبي وصورته، وكيفية تحسينه وتزيينه، ولهذا فإنه يورد في كتابه بعض الألوان البديعية التي بها تحسن الصورة الأدبية، وتكتسي ثوباً جميلاً، ومعرضاً شيقاً، ويعد من هذه الألوان البديعية: الاستعارة، والتجنيس، والمطابقة، ورد الإعجاز على ما تقدمها، والمذهب الكلامي، ثم عدد ألواناً أخرى بها يحسن الكلام، والشعر كالالتفات: والاعتراض، والرجوع، وحسن الخروج، وتأكيد المدح، وتجاهل العارف، والهزل الذي يراد به الجد، وحسن التضمين والتعريض والكناية، والإفراط في الصفة، وحسن التشبيه، ولزوم ما لا يلزم، وحسن الابتداء.\rوأنت ترى أن تلك المباحث كلها مباحث بلاغية، وأنها في الوقت نفسه - كما رأى النقاد الأوائل - داخلة في إطار النقد الأدبي.\rوفي مطلع القرن الرابع الهجري نجد محمد بن أحمد بن طباطبا العلوي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584197,"book_id":8505,"shamela_page_id":50,"part":null,"page_num":52,"sequence_num":50,"body":"الأصبهاني المتوفى سنة ٢٢٢ هـ والذي كان من شعراء عصره ونقاده يؤلف كتابه \"عيار الشعر\" ليبحث فيه صناعة الشعر، والميزان الذي به تقاس بلاغته، وقد اعتبر هذا الكتاب من أهم كتب النقد التي صنفت في القرن الرابع الهجري.\rوفي هذا الكتاب القيم: تجد ابن طباطبا يجعل التشبيه أهم مباحثه، لأنه يعتبره جوهر الشعر ولبه، فيستقصي جميع وجوهه وأقسامه.\rحتى إذا ما وصلنا إلى قدامة بن جعفر المتوفى سنة ٣٣٧ هـ وجدنا النقد الأدبي في كتابه: \"نقد الشعر\" يأخذ طريقاً آخر غير ما ألفه النقاد من قبله، فقد كانوا يبحثون في تقسيم الشعراء إلى طبقات، أو في رسم الصورة المثلى للقطع الأدبية، أو في وجوه تحسينها وتزيينها، أما قدامة فقد اتجه اتجاهاً خاصاً هو البحث في تخليص جيد الشعر من رديئه، ولهذا فإنه يسميه: \"علم جيد الشعر من رديئه\" فعرف الشعر، وأخرج محترزات تعريفه، ثم بدأ في سرد صفات الشعر التي إذا اجتمعت فيه كان في غاية الجودة، وذكر منها: الترصيع، والتشبيه، وصحة التقسيم، وصحة المقابلات، وصحة التفسير، والتتميم، والاحتراس، والمبالغة والطباق، والالتفات، والمساواة، والتعريض والكناية والجناس، فهو يؤلف كتاباً في \"نقد الشعر\" وهو في الوقت نفسه يورد مسائل بلاغية كثيرة لها صلة وثيقة بنقد الشعر.\rوعندما جاء التطبيق العملي للنقد الأدبي كان كتاب الموازنة بين أبي تمام والبحتري لأبي الحسن بن بشر الآمدي المتوفى سنة ٣٧١ هـ وكتاب: \"الوساطة بين المتنبي وخصومه\" للقاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني المتوفى سنة ٣٩٢ هـ رأينا فيهما النقد الأدبي قد أخذ صورته العملية وتضافرت جميع أقسامه فيها لتخدم النص الأدبي.\rفالنقد النحوي، والنقد العروضي، والنقد اللغوي، إلى جانب النقد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584198,"book_id":8505,"shamela_page_id":51,"part":null,"page_num":53,"sequence_num":51,"body":"البلاغي، جميعها قد تعاونت في سبيل إصدار حكم نقدي شامل مستوعب على أشعار كل من: أبي تمام، والبحتري، والمتنبي، مما يؤكد رأينا الذي نقول به، وهو أن النقد الأدبي شامل للنقد بجميع أقسامه، ومنها: النقد البلاغي. ومن ثم فإنه لا ينبغي أن تفصل البلاغة عن النقد الأدبي.\rوإذا ما أردنا تحديد الأسباب التي أدت إلى انفصال البلاغة عن النقد. أو بمعنى آخر: توضيح الاتجاهات التي أدت إلى تمييز علوم البلاغة عن النقد الأدبي، وانكماشها عن أن تسير به نحو رعاية النصوص الأدبية وتهذيبها وتزيينها بحلل من جمال المعنى وحسن اللفظ وقوة الأسلوب ووضوحه، وجدنا هذه الأسباب كامنة في تأثر المتكلمين من المعتزلة بالفلسفة، فقد تسلحوا بها للرد على خصومهم وإثبات حججهم، وإقامة براهينهم على دعائم من البلاغة والفلسفة والدين.\rفلقد ظل البيان العربي منذ تأسيسه على يد أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ عربياً خالصاً، ينهل من معين الثقافة العربية الأصيلة، إلى أن اتصل علماء البلاغة من متكلمي المعتزلة بالفلسفة، فأخذوا منها بطرف، ولكنهم ظلوا محافظين إزاءها حفاظاً جعل البلاغة العربية تظل نقية من شوائب الفلسفة، حتى إذا ما أخذت تقترب منها شيئاً فشيئاً، وصار البيان العربي أقرب إلى الفلسفة منه إلى الأدب، بدأ الانفصال يبدو شيئاً فشيئاً، حتى وضع بذوره عبد القاهر الجرجاني بطريقته التقريرية - كما يرى الدكتور طه حسين في مقدمة \"نقد النثر\"، إذ يقول: \"ولقد أنشأ متكلمو المعتزلة - هذا البيان - إذا صح التعبير - وتعهدوه، وقلما كان يفلت من بين أيديهم، وقد بقي أقرب إلى الأدب منه إلى الفلسفة ما بقي أولئك المتكلمون يدرسون الأدب العربي وينهلون من موارده العذبة ولما أصبحوا أكثر اشتغالاً بالفلسفة منهم بالأدب أصبح بيانهم أقرب إلى الفلسفة منه إلى الأدب.\rولذلك لم يكن عبد القاهر الجرجاني عندما وضع في القرن الخامس","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584199,"book_id":8505,"shamela_page_id":52,"part":null,"page_num":54,"sequence_num":52,"body":"كتاب \"أسرار البلاغة\" المعتبر غرة كتب البيان العربي إلا فيلسوفاً .. وإننا لنجد في كتابه المذكور جراثيم \"الطريقة التقريرية التي أودت بالبيان العربي في القرن السادس\" (١).\rوالواقع أن إمعان البلاغيين في تتبع آثار الفلسفة في تآليفهم وأساليبهم هو الذي جعلهم يتجهون بالبلاغة اتجاهات لا صلة بينها وبين البلاغة على الإطلاق؛ وصحيح أن عبد القاهر لم يكن يضارع في طريقة تناوله النصوص ص ٥٤ الأدبية وتحليلها تحليلاً نقدياً بلاغياً موغلاً في التغلغل في أعماق النفس الإنسانية لاستخراج ما في النصوص من أسرار الجمال، ولطائف الروعة والبهاء؛ ولكن من تتبعوه، وحاولوا فهم طريقته وأسلوبه في استجلاء خفايا الإعجاز، واكتشاف أسرار الأساليب وما بها من جمال، لم يكن لديهم القدرة على ذلك إذ كانت تنقصهم الأساليب الأدبية الجميلة، والذوق البلاغي، والحس المرهف، والأذن الشاعرة؛ فجاءوا إلى كتابيه ص ٥٤: وكل ما لديهم من زاد ومعرفة شيئان ص ٥٤ هما: الفلسفة والمنطق؛ فتناولوا البلاغة بهما؛ وما أبعد البلاغة العربية الأصيلة عن متاهات الفلسفة وترهات المنطق!\rوكان ما كان مما أدى بالبلاغة العربية إلى الجمود والتعقيد والتعمية والألغاز التي نراها متمثلة في الجزء الثالث من كتاب \"المفتاح\" للسكاكي؛ فلم يتقدم البيان العربي بعد عبد القاهر تقدماً ما؛ بل أخذ على العكس من ذلك في التأخر والانحطاط.\rومنذ القرن السابع الهجري جعل يفقد كل صفة أدبية له، ويصبح فريسة للشراح والمقررين الذي اضطلعوا بالجدل فيما ليس بشيء وكادوا يجهلون الأدب العربي جهلاً تاماً (٢).","footnotes":"(١) ... نقد النثر صـ ١٦.\r(٢) ... نقد النثر صـ ٣٠.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584200,"book_id":8505,"shamela_page_id":53,"part":null,"page_num":55,"sequence_num":53,"body":"غير أن جراثيم الطريقة التقريرية \"لم تقف عند حد البلاغة لتفسدها؛ وإنما سبقتها إلى النقد الأدبي بصفة عامة على يدي أبي هلالي العسكري في كتابه \"سر الصناعتين\"؛ فقد أخذت فلسفة اليونان تتغلغل شيئاً فشيئًا في البيئات الأدبية ذاتها؛ كما أخذ الأدب يتطور نحو الصنعة البديعية؛ فوجد مجال واسع لدراسة تلك الأوجه الجديدة والمحسنات المبتكرة؛ وقد عززت تلك الدراسات بفساد الذوق وفقره؛ وإذا بالنقد ينصرف عن النظر في الموازنة بين الشعراء، والوساطة بينهم وبين خصومهم إلى تقسيم أوجه البديع، وشرح الطرق البلاغية؛ وكان عبد العزيز الجرجاني آخر النقاد، والباب الذي يسلمنا ص ٥٥ إلى البلاغيين.\rوأخيراً ظهر أبو هلال العسكري. وكان هذا الكتاب (الصناعتين) - فيما نرى - نقطة تحول النقد إلى بلاغة (١).\rولقد كان أبو الهلال بعثاً لقدامة - في منهجه ص ٥٥ التقريري - فاستطاع - بما له من دراية بالأدب العربي؛ شعره ونثره - أن يفصل آراء قدامة ويضيف إليها أمثلة جديدة، وأن يضيف إلى تقاسيمه الفلسفية تقاسيم أخرى.\rوهذه التقاسيم قد لا تكون ضارة في حد ذاتها؛ ولكن الملاحظ أنها لم تلبث أن جففت ينابيع الأدب وخرجت به إلى الصنعة المقيتة إذ أخذ الأدباء والشعراء يستخدمون تلك الأوجه ليحلوا بها أسلوبهم، وكانت النتيجة أن ضاع من الأدب كل إحساس أو فكر، أو فن صحيح، وغلبت اللفظية والتكلف حتى أماتت الأدب (٢).","footnotes":"(١) ... النقد المنهجي عند العرب د. محمد مندور صـ ٣١٩، صـ ٣٢٠.\r(٢) ... نفس المرجع صـ ٣٢٢.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584201,"book_id":8505,"shamela_page_id":54,"part":null,"page_num":56,"sequence_num":54,"body":"وعلى الرغم من أن انفصال البلاغة عن النقد الأدبي قد أدى إلى انحطاطهما - كما رأيت - فإن النقاد المعاصرين قد انقسموا حيال هذه القضية إلى فريقين:\rففريق يرى في جلاء ووضوح، بأن معنى النقد شامل البلاغة والنقد الأدبي، بل وبأن البلاغة جزء من النقد الأدبي، وبأنها من أسس النقد الأدبي عند العرب، ومن هذا الفريق الدكتور أحمد بدوي، فهو يقول: \"لم يعرف العرب عبارة \"النقد الأدبي\" - كما رجحنا - ولذا كان من الطبيعي ألا يتحدثوا عنه بهذا التعبير، ولكنهم تحدثوا عن بعض علومه، وهي علوم البلاغة التي أخذت تتميز بالعناية من بين أسس النقد الأدبي\" (١).\rوهذا الرأي الذي نطمئن إليه، لأنه يستقي براهينه من ينابيع الثقافة العربية الأصيلة، ويستمد شواهده من تراثها الأدبي وتؤيده اتجاهات النقاد الأوائل في نقدهم النصوص الأدبية - كما سبق أن أسلفنا -.\rوفريق آخر يفرق بين البلاغة والنقد الأدبي، بل ويحاول التفريق بين البلاغة والنقد بعامة، حتى لكأن البلاغة ليست نقداً ومن هذا الفريق الأستاذ أحمد أمين فهو يفرق بين البلاغة والنقد من وجهين:\rالأول: أن البلاغة تغلب فيها الناحية الفنية، فهي تقصد أكثر ما تقصد إلى تمرين المتعلم أن يأتي بقطع بليغة، أما النقد: فهو يوضح النظريات التي تقدر بها تلك القطع.\rوالثاني: أن البلاغة أكثر ما تعني بالشكل وصورة الكلام، أما النقد فيتعلق بما وراء الشكل (٢).","footnotes":"(١) أسس النقد الأدبي عند العرب د. أحمد بدوي صـ ١٠٨.\r(٢) ... النقد الأدبي لأحمد أمين صـ ١٧.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584202,"book_id":8505,"shamela_page_id":55,"part":null,"page_num":57,"sequence_num":55,"body":"ومن هذا الفريق - أيضاً - الدكتور محمد مندور، الذي يذكر أن من الفوارق الجوهرية التي تميز النقد عن البلاغة: أن النقد يدرس ما قيل فعلاً، بينما البلاغة تضع قواعد تحاول أن تخضع لها الشعراء، وأن تحكمها فيهم (١).\rبل إنه يتجاوز هذا الحد إلى أن يقول: \"إننا لا نزال إلى اليوم ندرس البلاغة، ولربما كنا في ذلك الشعب الوحيد في بلاد العالم المتحضر كله\" (٢).\rوكأنه لا يعترف بنقد الجانب البلاغي من النص الأدبي - على ما له من خطر في نقد الأساليب الأدبية - وهو لا يقف عند هذا الحد للغض من قيمة النقد البلاغي، بل إنه ليعتبر دراسة البلاغة العربية عاراً يجب أن تتبرأ منه الأمة العربية جمعاء! !\rوعلى أية حال: فإن المحور الذي يدور حوله أصحاب هذا الرأي هو: أن البلاغة توجيه وتعليم، لأننا تفترض قواعد نظرية تتحكم في أقوال الأدباء والشعراء.\rولكننا نقول: إن قواعد البلاغة لم توضع من فراغ، وإنما وضعت بعد أن ناقش واضعوها نصوصاً أدبية كثيرة، فعرفوا محاسنها ومساوئها ثم حاولوا وضع الصورة المثلى لما يجب أن يكون عليه النص الأدبي قوة، ووضوحاً، وجمالاً.","footnotes":"(١) ... نفس المرجع ص ٣٢٢.\r(٢) ×××× ص ٥٧.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584203,"book_id":8505,"shamela_page_id":56,"part":null,"page_num":58,"sequence_num":56,"body":"الباب الأول\rالنظم البلاغي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584204,"book_id":8505,"shamela_page_id":57,"part":null,"page_num":60,"sequence_num":57,"body":"الفصل الأول\rمنابع فكرة النظم\rعندما تحدى القرآن الكريم العرب أن يأتوا ولو بمثل أقصر سورة منه، وعجزوا عن ذلك ضاع صوابهم وضربوا أخماساً في أسداس من حيرتهم؛ لأنهم لم يستطيعوا مجاراة القرآن الكريم في بلاغته وهم أرباب الفصاحة وفرسان البلاغة، وسادة الكلام!\rووصفوا القرآن الكريم تارة بأنه شعر وتارة أخرى بأنه سحر.\rأما أنه شعر: فلأنهم رأوه منظوماً؛ ولكنه نظم خاص؛ فلا هو بالشعر - وفيهم الشعراء المفلقون - ولا هو بالنثر - وفيهم الخطباء المفوهون -!\rوأما أنه سحر: فلأنهم قد وجدوا له وقعاً في قلوبهم لم يستطيعوا مغالبته، وتأثيراً في نفوسهم لم يقدروا على التخلص منه.\rعلى أن أحد خصوم الرسول الألداء - ويقال إنه الوليد بن المغيرة المخزومي - قد استمع إلى النبي ﷺ وهو يتلو بعض آي القرآن الكريم؛ فقال: \"والله لقد سمعت من محمد كلاماً ما هو من كلام الإنس، ولا هو من كلام الجن، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة (١) \".\rوقد جاء في حديث أبي ذر - في سبب إسلامه - أنه قال: قال لي أخي أنيس: إن لي حاجة إلى مكة، فانطلق فراث، فقلت: فما يقول الناس؟ قال:","footnotes":"(١) ... تفسير الزمخشري في سورة المدثر.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584205,"book_id":8505,"shamela_page_id":58,"part":null,"page_num":61,"sequence_num":58,"body":"يقولون شاعر، ساحر، كاهن قال أبو ذر: وكان أنيس أحد الشعراء، فقال: تالله لقد وضعت قوله على إقراء الشعراء فلم يلتئم على لسان أحد؛ ولقد سمعت الكهنة فما هو بقولهم؛ والله إنه لصادق، وإنهم لكاذبون (١).\rوالحق أن القرآن الكريم ليس شعراً، وليس سحراً؛ فقد أقسم الله تعالى للعرب في محكم كتابه قائلاً لهم: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) ومَا لا تُبْصِرُونَ (٣٩) إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) ومَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ (٤١) ولا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ (٤٢) (٢)﴾.\rولما بحث العلماء مسألة الإعجاز في القرآن لم تغب عن أذهانهم فكرة النظم القرآني - على الرغم من أن منهم من ذهب إلى أن القرآن الكريم معجزة لتضمنه أخبار غيبية، كالأخبار ص ٦١ عن الأمم السابقة، وكالأخبار ص ٦١ عما سيحدث في المستقبل؛ ومنهم من ذهب إلى أن الله تعالى قد صرف العرب عن معارضة القرآن الكريم - وإن كانت في مقدورهم - إلا أن فكرة النظم هي التي انتصرت في النهاية كسر عظيم لإعجاز القرآن الكريم.\rفها هو أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ المتوفى سنة ٢٥٥ هـ يؤديه إحساسه العميق بروعة النظم، وما يكسبه الكلام من الماء والرونق والحيوية والنضرة والروعة إلى أن يصيح في معاصريه: إن إعجاز القرآن الكريم في نظمه، ويؤلف كتاباً في هذا المعنى، ولكنه يسقط من يد الزمن.\rولكنه يكرر هذا المعنى في كتاباته، كقوله: في كتابنا المنزل الذي يدلنا على أنه صدق نظمه البديع الذي لا يقدر على مثله العباد (٣).","footnotes":"(١) ... ثلاث رسائل في إعجاز القرآن ١٢٤، ١٢٥.\r(٢) ... ×××× ص ٦١.\r(٣) ... البلاغة تطور وتاريخ صـ ٥٢.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584206,"book_id":8505,"shamela_page_id":59,"part":null,"page_num":62,"sequence_num":59,"body":"وها هو الأديب اللغوي المحدث أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي البستي المولود في سنة ٣١٩ هـ والمتوفى سنة ٣٨٨ هـ يصنف رسالة في \"بيان إعجاز القرآن\".\rوفي هذه الرسالة يقرر الخطابي أن الناس قديماً وحديثاً قد ذهبوا في هذا الموضوع من القول كل مذهب، ولكنهم لم يصدروا عن ري؛ ثم يناقش فكرة الصرفة؛ فيدحضها ولا يرتضيها؛ ثم يناقش فكرة تضمن القرآن الكريم أخباراً مستقبلية، ولكنه لا يرتضيها شرحاً لأسرار الإعجاز.\rوأما القول بأن السر في إعجاز القرآن الكريم إنما هو: بلاغته التي أعجز بها العرب، فهو قول صحيح؛ ولكن أصحاب هذا الرأي - وهم الغالبية العظمى - لم يحاولوا أن يتبينوا مرجع هذه البلاغة قائلين: قد يخفى سببه عن البحث، ويظهر أثره في النفس. لأنك تجد كلامين: أحدهما يهزك ويطربك وهما معاً فصيحان؛ ثم لا يوقف لشيء من ذلك على علة! .\rومثل هذا القول لا يقنع في مثل هذا العلم، ولا يشفي من داء الجهل به؛ وقد استشهد بعضهم على هذا بمثل ما فعل ذو الرمة وجرير:\rفقد ذكرت الرواة أن جريراً مر بذي الرمة، وقد عمل قصيدته التي أولها:\rنبت عيناك عن طلل بحزوى ... عفته الريح وامتنح القطارا\rفقال: ألا أنجدك بأبيات تزيد فيها؟ فقال. نعم، فقال:\rيعد الناسبون بني تميم ... بيوت المجد أربعة كبارا\rيعدون الرباب وآل تيم ... وسعدا، ثم حنظلة الخيارا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584207,"book_id":8505,"shamela_page_id":60,"part":null,"page_num":63,"sequence_num":60,"body":"ويذهب بينها المرئي لغواً ... كما ألغيت في الدية الحوارا\rفوضعها ذو الرمة في قصيدته، ثم مر به الفرزدق، فسأله عما أحدث من الشعر، فأنشد القصيدة، فلما بلغ هذه الأبيات، قال: ليس هذا من بحرك، مضغها أشد لحيين منك! قال: فاستدركها بطبعه، وفطن لها بلطف ذهنه (١).\rفلا بد - إذن - من سبب لاستحسان كلام دون آخر.\rوبحث عن السبب فوجده، ولم يتعد هذا السبب: النظم.\rوالسبب الحقيقي - في رأي الخطابي - أن أجناس الكلام مختلفة؛ فمنها: البليغ الرصين الجزل، ومنها: الفصيح الغريب السهل، ومنها: الجائز الطلق الرسل.\rوالقسم الأول: هو أعلى طبقات الكلام وأرفعه.\rوالقسم الثاني: هو أوسط الكلام وأقصده.\rوالقسم الثالث: هو أدناه وأقربه.\rوقد حازت بلاغة القرآن الكريم من كل هذه الأقسام الثلاثة حصة، وأخذت من كل نوع من أنواعها شعبة فانتظم بامتزاج هذه الأوصاف الثلاثة نمط من الكلام يجمع بين الفخامة والعذوبة، فكان اجتماع هذين الأمرين - الفخامة والعذوبة - في نظمه، مع نبو كل منهما عن الآخر فضيلة خص بها القرآن الكريم.","footnotes":"(١) ... ثلاث رسائل في إعجاز القرآن صـ ٢٥.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584208,"book_id":8505,"shamela_page_id":61,"part":null,"page_num":64,"sequence_num":61,"body":"ولا تقوم أجزاء الكلام إلا على هذه الأمور الثلاثة: (لفظ حامل، ومعنى قائم، ورباط لهما ناظم).\rومن هنا كانت فكرة النظم - كما ترى - وهي الفكرة التي استقى منها عبد القاهر الجرجاني، ومن كتابات أخرى تالية لها حتى نضجت نظرية متكاملة، واضحة المعالم والخطوط في كتابه \"دلائل الإعجاز\".\rوأما أن النظم هو أساس صور البيان - كما سيتضح لك عند الحديث عن النظم عند عبد القاهر - فقد استقاها من قول الخطابي:\r\"وأما رسوم النظم فالحاجة إلى الثقافة والحذق فيها أكثر؛ لأنها لجام الألفاظ، وزمام المعاني وبه تنتظم أجزاء الكلام، ويلتئم بعضه ببعض، فتقوم له صورة في النفس يتشكل بها البيان\" (١).\rعلى أن الخطابي قد وجد لإعجاز القرآن الكريم وجهاً آخر، وهو: صنيعه بالقلوب، وتأثيره في النفوس، فإنك لا تسمع كلاماً غير القرآن منظوماً ولا منثوراً، إذا قرع السمع خلص له إلى القلب من اللذة والحلاوة في حال، ومن الروعة والمهابة في أخرى ما يخلص منه إليه تستبشر به النفوس، وتنشرح له الصدور، حتى إذا أخذت حظها منه عادت مرتاعة، قد عراها الوجيب والقلق وتغشاها الخوف والفرق؛ تقشعر منه الجلود، وتنشرح له القلوب، يحول بين النفس ومضمراتها وعقائدها الراسخة فيها.\rفكم من عدو للرسول - صل الله عليه وسلم - من رجال العرب وفتاكها أقبلوا","footnotes":"(١) ... ثلاث رسائل في إعجاز القرآن صـ ٢٦.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584209,"book_id":8505,"shamela_page_id":62,"part":null,"page_num":65,"sequence_num":62,"body":"يريدون اغتياله وقتله، فسمعوا آيات من القرآن الكريم، فلم يلبثوا حين وقعت في مسامعهم أن يتحولوا عن رأيهم الأول، وأن يركنوا إلى مسالمته، ويدخلوا في دينه، وصارت عداوته موالاة، وكفرهم إيماناً، وقصة إسلام عمر بن الخطاب ﵁ خير شاهد على هذا (١).\rولعلك لاحظت أن الخطابي قد ركز على أمرين لبيان إعجاز القرآن الكريم، وهما: النظم، وتأثير القرآن الكريم في النفوس.\rوأن هذين الأمرين قد لاحظهما هو الآخر بدوره من وصف العرب للقرآن الكريم حين تحداهم - تارةً بأنه شعر، لأنهم رأوه منظوماً (٢) - على حد تعبير الخطابي نفسه - وتارةً بأنه سحر، وذلك لتأثيره في نفوسهم تأثيراً لم يستطيعوا دفعه عنها.\rولعلك تلاحظ - أيضاً - أن هذين الأمرين هما اللذان أدار عليهما عبد القاهر كتابيه \"دلائل الإعجاز\" و\"أسرار البلاغة\"؛ فقد أدار أولهما على نظرية النظم، وأدار الثاني على مدى تأثير صور البيان في النفوس.\rويمضي في نفس الطريق أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني المتوفى سنة ٤٠٣ هـ - وهو من المتكلين على مذهب الأشاعرة - في كتابه: \"إعجاز القرآن\"، فيرد على مطاعن الملاحدة على أسلوب القرآن الكريم مبيناً أن الحاجة إلى الحديث عن إعجاز القرآن أمس من الحاجة إلى البحوث اللغوية والنحوية وإن الجاحظ قد صنف في نظم القرآن كتاباً، غير أنه لم يزد على ما قاله المتكلمون من قبله أما هو فيصرح بأنه سيضيف إلى من سبقوه ما يجب وصفه من طرق البلاغة وسبل البراعة.","footnotes":"(١) ... ثلاث رسائل في إعجاز القرآن ص ٧٠، ٧١.\r(٢) ... ثلاث رسائل في إعجاز القرآن ص ٢٨.\r(٥ - النظم البلاغي)","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584210,"book_id":8505,"shamela_page_id":63,"part":null,"page_num":66,"sequence_num":63,"body":"وفي أول فصل من كتابه: يبين أن القرآن الكريم معجز ببلاغته.\rثم يعقد فصلاً ثانياً: يرد فيه على القائلين بفكرة الصرفة، كالنظام، والرماني.\rوفي فصل آخر يبين وجوه الإعجاز القرآني - في رأيه ورأي أصحابه من الأشعريين - فيرجعها إلى أمور ثلاثة:\rأولهما: ما تضمنه القرآن الكريم من الإخبار عن الغيوب.\rوثانيها: ما تضمنه من القصص وسير الأنبياء مع أن الرسول ﷺ كان أمياً، لا يقرأ ولا يكتب.\rوثالثها: بلاغته.\rوهنا يتحدث عن نظرية الإعجاز القرآني، فيقول عن القرآن الكريم: \"إنه بديع النظم عجيب التأليف متناه في البلاغة إلى الحد الذي يعلم عجز الخلق عنه\".\rولا يزيد على هذا القدر في رؤيته لفكرة النظم، ولم يتعمق في الوقوف على خصائص النظم - كما فعل عبد القاهر الجرجاني من بعده - اللهم إلا أن يقرر أن القرآن الكريم لا تتفاوت آيه، ولا تتباين بخلاف كلام الفصحاء، فإنه يتفاوت من موضوع إلى موضوع، وإن القرآن الكريم يخرج في بلاغة صياغته عن طوق الإنس والجن.\rثم يذكر أنه مما يبين لك روعة القرآن الكريم: أن الكلمة منه إذا ذكرت في تضاعيف كلام فإنها تتألق بين جاراتها تألقاً، وأنه قد وضع في أوائل سوره حروفاً مجموعها: أربعة عشر حرفاً، هي نصف حروف المعجم، ليبين بذلك أن كلامه منتظم من نفس الحروف التي تستخدمها العرب، ومع ذلك فإنهم قد عجزوا عن معارضته.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584211,"book_id":8505,"shamela_page_id":64,"part":null,"page_num":67,"sequence_num":64,"body":"هذا إلى أنه قد خلا من الغريب الوحشي المستكره، ومن الصنعة المتكلفة الممقوتة.\rوبهذا فإن الباقلاني لم يخرج عن قوله: إن القرآن الكريم معجز ببلاغته، وأن بلاغته ترجع إلى نظمه الفريد، ولم يستطع الولوج إلى نظرية النظم لبيان أسرارها وخصائصها.\rغير أن أديباً معاصراً له هو القاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني المتوفى سنة ٣٩٢ هـ قد تحدث عن النظم في كتابه \"الوساطة بين المتنبي وخصومه\" واستطاع أن يزيل شيئاً من الغموض الذي كان يحيط بنظرية النظم، وأن يزيح الستار قليلاً عن بعض جوانبها، وأن يلهم تلميذه عبد القاهر من بعده كيفية الوصول إلى معالمها، وأن يعطيه النبراس الذي يهتدي به للوقوف على أسرارها.\rومع أن القاضي الجرجاني لم يكن يتعرض لنظرية الإعجاز القرآني في كتابه هذا، إلا أنه قد تحدث عن النظم باعتباره معياراً من معاييره البلاغية في وساطته بين المتنبي وخصومه.\rأورد القاضي الجرجاني - في وساطته - كلمة النظم كثيراً، كقوله: فما هذا من المعاني التي يضيع لها حلاوة اللفظ وبهاء الطبع ورونق الاستهلال، ويشيح عنها حتى يهلهل لأجلها النسج ويفسد النظم (١).\rوكقوله - وهو يعيب على قول أبي تمام -:\rيدي لمن شاء رهن لم يذق جرعاً ... من راحتيك درى ما الصاب والعسل\rفحذف عمدة الكلام وأخل بالنظم (٢)، وكقوله: \"وهلا بلغ أقصى","footnotes":"(١) ... الوساطة صـ ٩٨. ص ٦٧\r(٢) ... الوساطة ٧٩.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584212,"book_id":8505,"shamela_page_id":65,"part":null,"page_num":68,"sequence_num":65,"body":"ما يحتمله الوزن وأكثر ما يمكنه النظم\" (١). وكقوله: \"ومنها ما خانه السبك فساء ترتيبه، وأخل نظمه\" (٢) وكقوله: \"وبين الكلامين في صحة النظم وعذوبة المنطق ما تراه\" (٣) وكقوله: \"وتتبين تفاوتها في سوء الترتيب واختلال النظم\" (٤).\rوكقوله في قول الأعشى:\rإذا كان هادي الفتى في البلاد ... صدر القناة أطاع الأمير\rفإن هذا البيت - كما نراه - سليم النظم من التعقيد بعيد اللفظ عن الاستكراه (٥).\rوكقوله في بيت أبي الطيب:\rإذا ما ضربت القرن ثم أجزتني ... فكل ذهباً لي مرة منه بالكلم\rفلم يحفل بسوء النظم، وهلهلة النسخ لما حصل له الغرض في إنهار الطعنة (٦).\rوبعد: فماذا قصد الجرجاني من كلمة النظم في المواضع التي ذكرها فيها؟ .\rفي الواقع إنه لم يكن يقصد منها إلا ما قصده تلميذه عبد القاهر من بعده، وهو تتبع معاني النحو فيما بين الكلم إذ من المستبعد أن يكون قد قصد بها وزن الشعر - مثلاً - لأن الأبيات التي نقدها في هذه المواضع لم تكن مختلة الوزن، كما أنه لا يمكن أن يكون قد قصد بها مجرد ترتيب لا يكون على حسب معاني النحو، لأن الترتيب إذا كان بهذه المثابة أدى إلى هلهلة النسج التي يأباها، فلم يبق إلا أن يكون قد قصد بها تتبع معاني النحو فيما بين الكلم - كما قصد عبد القاهر تلميذه من بعده -.","footnotes":"(١) ... الوساطة صـ ٩٩.\r(٢) ... الوساطة ١٠٠.\r(٣) ... الوساطة صـ ١٩٢.\r(٤) ... الوساطة صـ ٤١٧.\r(٥) ... الوساطة صـ ٤١٨.\r(٦) ... الوساطة صـ ٤٢٤.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584213,"book_id":8505,"shamela_page_id":66,"part":null,"page_num":69,"sequence_num":66,"body":"ولقد شد انتباهي طويلاً ذلك الفصل الذي عقده في وساطته، وعنون له بعبارة \"مواقع الكلام\".\rفلقد حاول أن يثبت فيه أن مزية الكلام إنما ترجع إلى نظمه، لا إلى جزالته وقوته ولا إلى ما فيه من تنميق وتزويق، ولكنه لا يستطيع أن يبين لنا أسباب تلك المزية كما بينها عبد القاهر من بعده، إذ هو لا يستطيع أن يفصح عن تلك الأسباب بأكثر من أن هذا أمر تستخبر به النفوس المهذبة، وتستشهد عليه الأذهان المثقفة، بل إنه ليجهر بأنك لا تستطيع أن تذكر لهذه المزية سبباً، بل ويقيم الدليل على هذا من الأمور الحسية المشاهدة، فيقول:\r\"وأنت قد ترى الصورة تستكمل شرائط الحسن، وتستوفي أوصاف الكمال، وتذهب في الأنفس كل مذهب، وتقف من التمام بكل طريق، ثم تجد أخرى دونها في انتظام المحاسن والتئام الخلقة وتناصف الأجزاء، وتقابل الأقسام، وهي أحظى بالحلاوة، وأدنى إلى القبول، وأعلق بالنفس وأسرع ممازحة للقلب، ثم لا تعلم - وإن قاسيت واعتبرت ونظرت وفكرت - لهذه المزية سبباً، ولما خصت به مقتضياً.\rفالقاضي الجرجاني يدرك جمال الأساليب، ولكنه لا يكلف نفسه عناء البحث عن أسبابه، وكيف لا؟ وهو الذي يعتبر السائل عن السبب متعنتاً متجانفاً؟ \"ولو قيل لك: كيف صارت هذه الصورة وهي مقصورة عن الأولى في الأحكام والصفة، وفي الترتيب والصنعة، وفيما يجمع أوصاف الجمال، وينتظم أسباب الاختيار - أحلى وأرشق وأحظى وأوقع؟ لأقمت السائل مقام المتعنت المتجانف، ورددته رد المستبهم الجاهل، ولكان أقصى ما في وسعك وغاية ما عندك أن تقول: موقعه في القلب ألطف وهو بالطبع أليق، ولم تعدم مع هذه الحال معارضاً يقول لك: فما عبت من هذه الأخرى؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584214,"book_id":8505,"shamela_page_id":67,"part":null,"page_num":70,"sequence_num":67,"body":"وأي وجه عدل بك عنها؟ ألم يجتمع لها كيت وكيت، وتتكامل فيه ذيه وذيه؟ وهل للطاعن إليها طريق؟ وهل فيها لغامز مغمز؟ يحاجك بظاهر تحسه النواظر، وأنت تحيله على باطن تحصله الضمائر (١).\rوهكذا يذكر الجرجاني: أن من يحاجك في مثل هذه الصور السابقة إنما ينظر إلى ظاهر تحسه النواظر، وأنت ترجعه إلى باطن تحصله الضمائر، فما ذلك الظاهر الذي يقصده من الكلام؟ وما ذلك الباطن الذي يقصده منه؟ .\rإن الظاهر الذي يقصده هو: ما يجتمع للكلام من جزالة وقسوة، وما يتوافر فيه من تزويق، وتنميق، وكأن تكتمل فيه نواحي الجمال الظاهرة، من صور بيانية، أو بديعية، وأما الباطن الذي يريده فهي: المعاني اللطيفة، والدقائق الخفية التي تحصل عليها من النظم، أو من نفس الكلام وجوهره وموقعه، ومكانه - على حد تعبيره -، فهو يطبق تلك النظرية على الكلام بعد أن طبقها على الصورة الحسية التي تدركها الأبصار، فيقول:\r\"كذلك الكلام: منثوره، ومنظومه، ومجمله ومفصله، تجد منه المحكم الوثيق والجزل القوي، والمصنع المحكم، والمنمق الموشح، قد هذب كل التهذيب، وثقف غاية التثقيف، وجهد فيه الفكر، وأتعب لأجله الخاطر، حتى احتمى ببراءته عن المعائب، واحتجز بصحته عن المطاعن، ثم نجد لفؤادك عنه نبوة، وترى بينه وبين ضميرك فجوة، فإن خلص إليهما، فبأن يسهل بعض الوسائل أذنه ص ٦٩، ويمهد عندهما، حاله، فأما بنفسه وجوهره، وبمكانه وموقعه، فلا (٢).","footnotes":"(١) ... الوساطة صـ ٤١٢.\r(٢) ... الوساطة صـ ٤١٢، ٤١٣.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584215,"book_id":8505,"shamela_page_id":68,"part":null,"page_num":71,"sequence_num":68,"body":"فالمدار عند القاضي الجرجاني - في مجال تفضيل نظم على آخر - هو جوهر الكلام، ومكانه وموقعه - كما ترى - وقد تأثر بهذه العبارة الأخيرة معاصره القاضي عبد الجبار المتوفى سنة ٤١٥ هـ فقال:\r\"اعلم أن الفصاحة لا تظهر في أفراد الكلام، وإنما تظهر في الكلام بالضم على طريقة مخصوصة، ولا بد مع الضم من أن يكون لكل كلمة صفة، وقد يجوز في هذه الصفة أن تكون بالمواضعة التي تتناول الضم وقد تكون بالإعراب الذي له مدخل فيه، وقد تكون بالموقع. وليس لهذه الأقسام الثلاثة رابع، لأنه إما أن تعتبر فيه الكلمة، أو حركتها، أو موقعها، ولا بد من هذا الاعتبار في كل كلمة، ثم لا بد من اعتبار مثله في الكلمات إذا انضم بعضها إلى بعض. لأنه قد يكون لها عند الانضمام صفة، وكذلك لكيفية إعرابها وحركاتها وموقعها، فعلى هذا الوجه الذي ذكرناه إنما تظهر مزية الفصاحة لهذه الوجوه دون ما عداها (١).\rوهكذا ألهمه القاضي الجرجاني بفصله الذي عقده في وساطته لمواقع الكلام، أن يخطو بنظرية النظم خطوة أخرى.\rوربما كان أصرح مما ذكرناه، وأكثر وضوحاً، وأحسن شاهداً على تمثل القاضي الجرجاني لنظرية النظم التي كانت تدور بخلده ولا يستطيع الإفصاح عن مزاياها، قوله:\r\"وأقل الناس حظاً في هذه الصناعة (النقد) من اقتصر في اختياره ونفيه، وفي استجادته، واستسقاطه على سلامة الوزن، وإقامة الإعراب وأداء اللغة، ثم كان همه وبغيته أن يجد لفظاً مروقاً، وكلاماً مزوقاً، قد حشي تجنيساً وترصيعاً، وشحن مطابقة وبديعاً، أو معنى غامضاً قد تعمق","footnotes":"(١) ... المغني في أبواب التوحيد والعدل الجزء السادس عشر ص ١٩٩.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584216,"book_id":8505,"shamela_page_id":69,"part":null,"page_num":72,"sequence_num":69,"body":"فيه مستخرجه وتغلغل إليه مستنبطه، ثم لا يعبأ باختلاف الترتيب، واضطراب النظم، وسوء التأليف، وهلهلة النسج، ولا يقابل بين الألفاظ ومعانيها، ولا يسير ما بينهما من نسب، ولا يرى اللفظ إلا ما أدى إليه المعنى، ولا الكلام إلا ما صوره له الغرض، ولا الحسن إلا ما أفاده البديع ولا الرونق إلا ما كساه التصنيع (١) \".\rوهكذا يعتبر القاضي الجرجاني أن النقد الأدبي السليم هو الذي يوجه إلى سلامة النظم، وحسن الترتيب، لا إلى مظاهر الترويق ص ٧٢ ومشاهد التنميق ص ٧٢ ولا إلى ألوان البديع المختلفة، من تجنيس، وترصيع، ومطابقة وهو حريص كل الحرص على تأكيد هذا المعنى، مهتماً كل الاهتمام بمحاولة إبراز ما يدور بخلده عن النظم، ولكنه - كما قلنا - لا يستطيع أن يبين أسباب جماله، وأسرار حسنه، \"وقد حملني حب الإفصاح عن هذا المعنى على تكرير القول فيه، وإعادة الفكر له، ولو احتمل مقدار هذه الرسالة استقصاؤه، واتسع حجمها للاستيفاء له، لاسترسلت فيه، ولأشرفت بك على معظمه (٢) \".\rولكن الذي نريد أن نثبته هنا هو: أن المعاني اللطيفة، والدقائق التي تنشأ عن نظم الكلام، هي تلك التي أدركها القاضي الجرجاني بقلبه، ولم يستطع الإفصاح عنها، والتي أدركها تلميذه عبد القاهر بقلبه، وبحث عنها فوجدها وبين أسبابها.\rولم لا؟ ألم يورد القاضي الجرجاني من الأبيات التي استحسنها للبحتري هذه الأبيات:\rبلونا ضرائب من قد نرى ... فما إن رأينا لفتح ضريبا\rهو المرء أبدت له الحادثات ... عزماً وشيكاً ورأياً صليبا\rتنقل في خلفي سؤدد ... سماحاً مرجى وبأسا مهيبا","footnotes":"(١) ... الوساطة صـ ٤١٣.\r(٢) ... نفس المرجع.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584217,"book_id":8505,"shamela_page_id":70,"part":null,"page_num":73,"sequence_num":70,"body":"ولكنه لم يعلق عليها مبيناً سبب استحسانه لها واستجادته إياها؛ فيأتي عبد القاهر الجرجاني فيبين ذلك السبب؟\rفلا يرجعه إلى صور بيانية أو بديعية، أو غيرهما مما هو راجع إلى الصنعة الخارجية؛ وإنما يرجعه إلى المعاني الناشئة عن النظام فيقول:\r\"وإذ قد عرفت ذلك فاعمد إلى ما تواصفوه بالحسن، وتشاهدوا له بالفضل، ثم جعلوه كذلك من أجل النظم خصوصاً دون غيره مما يستحسن له الشعر أو غير الشعر من معنى لطيف. أو حكمة، أو أدب، أو استعارة، أو تجنيس، أو غير ذلك مما لا يدخل في النظم وتأمله؛ فإذا رأيتك قد ارتحت واهتززت واستحسنت؛ فانظر إلى حركات الأريحية مم كانت؟ وعند ماذا ظهرت؟ فإنك ترى عياناً أن الذي قلت لك كما قلت: أعمد إلى قول البحتري\":\rبلونا ضرائب من قد نرى ... فما إن رأينا لفتح ضريبا\rويتم الأبيات السابقة، ثم يقول:\r\"فإذا رأيتها قد راقتك، وكثرت عندك، ووجدت لها اعتزازاً في نفسك، فعد فانظر في السبب، واستقصر في النظر؛ فإنك تعلم ضرورة: أن ليس إلا أنه قدم وأخر، وعرف ونكر، وحذف وأضمر، وأعاد وكرر، وأتى مأتى يوجب الفضيلة، أفلا ترى أن أول شيء يروقك منها: قوله: (هو المرء أبدت له الحادثات) ثم قوله: (تنقل في خلقي سؤود) بتنكير السؤود، وإضافة الخلقين إليه، ثم قوله: (فكالسيف) وعطفه بالفاء مع حذفه المبتدأ. لأن المعنى - لا محالة - فهو كالسيف، ثم تكرير الكاف في قوله: (وكالبحر) ثم أن قرن إلى كل واحد من التشبيهين شرطاً جوابه فيه، ثم أن أخرج من كل واحد من الشرطين حالاً على مثال ما أخرج من الآخر، وذلك قوله: (صارخاً) هنالك، و (مستثيباً) ههنا؟ \" (١)","footnotes":"(١) ... دلائل الإعجاز صـ ٥٨، صـ ٥٩.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584218,"book_id":8505,"shamela_page_id":71,"part":null,"page_num":74,"sequence_num":71,"body":"وأن عبد القاهر قد عنى أستاذه القاضي الجرجاني بقوله: \"وإذ قد عرفت ذلك فاعمد إلى ما تواصفوه بالحسن، وتشاهدوا له بالفضل ثم جعلوه كذلك من أجل النظم خصوصاً دون غيره\".\rعلى أن عبد القاهر قد أخذ من أستاذه القاضي الجرجاني فصلاً من وساطته، وهو الذي سمى \"مواقع الكلام\" (١).\rفحوره عبد القاهر ووضحه وجعل عنوانه \"فصل في أن هذه المزايا في النظم بحسب المعاني والأغراض التي تؤم\" (٢).\rفقد بين فيه أن مزية النظم ليست للفروق التي تحدث من حيث هي، وإنما تجب لها بحسب المعاني والأغراض التي يوضع لها الكلام، ثم بحسب موقع بعضها من بعض، واستعمال بعضها مع بعض، وقد استشهد في ذلك بالصور الحسية كما استشهد القاضي الجرجاني، ثم بدأ يطبقه على الأسلوب شأنه في ذلك شأن أستاذه، وإليك قطعة من هذا الفصل تؤيد صحة ما ذهب إليه.\rقال الإمام عبد القاهر: \"وإذا عرفت أن مدار النظم على معاني النحو، وعلى الوجوه والفروق التي من شأنها أن تكون فيه، فاعلم أن الفروق والوجوه كثيرة ليس لها غاية تقف عندها، ونهاية لا تجد لها ازدياداً بعدها، ثم اعلم أن ليست المزية واجبة لها في نفسها ومن حيث هي على الإطلاق، ولكن تعرض بسبب المعاني والأغراض التي يوضع لها الكلام، ثم بحسب موقع بعضها من بعض، واستعمال بعضها مع بعض، تفسير هذا: أنه ليس إذا راقك التنكير في (سؤدد) من قوله: (تنقل في خلقي سؤدد) وفي (دهر) من قوله: (فلو إذ نبا دهر) فإنه يجب أن يروقك أبداً وفي","footnotes":"(١) ... الوساطة صـ ٤١٢.\r(٢) ... دلائل الإعجاز صـ ٦٠، صـ ٦٣.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584219,"book_id":8505,"shamela_page_id":72,"part":null,"page_num":75,"sequence_num":72,"body":"كل شيء، ولا إذا استحسنت لفظ ما لم يسم فاعله في قوله: (وأنكر صاحب) فإنه ينبغي ألا تراه في مكان إلا أعطيته مثل استحسانك هاهنا، بل ليس من فضل ومزية إلا بحسب الموضع، وبحسب المعنى الذي تريده، والغرض الذي تؤم وإنما سبيل هذه المعاني سبيل الأصباغ التي تعمل منها الصورة والنقش، فكما أنك ترى الرجل قد تهدى في الأصباغ التي عمل منها الصورة والنقش في ثوبه الذي نسج إلى ضرب من التخير والتدبر في أنفس الأصباغ، وفي موقعها، ومقاديرها، وكيفية مزجه لها، وترتيبه إياها إلى ما لم يتهد إليه صاحبه فجاء نقشه من أجل ذلك أعجب، وصورته أغرب، كذلك حال الشاعر والشاعر في توخيهما معاني النحو ووجوهه التي علمت أنها محصول النظم\" (١).\rفعبد القاهر الجرجاني يدرك الفروق والوجوه التي تنشأ عن توخي معاني النحو فيما بين بكلم، أي الناشئة عن النظم، والتي أدركها القاضي الجرجاني بطبعه ولم يستطع الإفصاح عنها، ولكنه يستدرك فيبين أن المزية ليست لتلك الفروق في أنفسها، ولكنها تعرض لها بحسب المعاني والأغراض التي يصاغ لها الكلام بحسب موقع بعضها من بعض واستعمال بعضها مع بعض.\rوهذا ما يقصده القاضي الجرجاني بقوله: \"ولا يقابل بين الألفاظ ومعانيها ولا يسير ما بينهما من نسب ولا يمتحن ما يجتمعان فيه من سبب\" (٢).\rوبقوله: \"فإن خلص إليهما فبأن يسهل بعض الوسائل إذنه ص ٧٥، ويمهد عندهما حاله، فأما بنفسه، وجوهره، وموقعه، ومكانه فلا\" (٣).","footnotes":"(١) ... دلائل الإعجاز صـ ٦٠.\r(٢) ... الوساطة صـ ٤١٣.\r(٣) ... نفس المصدر.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584220,"book_id":8505,"shamela_page_id":73,"part":null,"page_num":76,"sequence_num":73,"body":"وليست هذه المعاني إلا الأغراض التي يصاغ لها الأسلوب، والتي ذكرها في مقدمة وساطته فقال: \"ولا آمرك بإجراء أنواع الشعر كله مجرى واحداً، ولا أن تذهب بجميعه مذهب بعضه، بل أرى لك أن تقسم الألفاظ على رتب المعاني، فلا يكون غزلك كافتخارك، ولا مديحك كوعيدك، ولا هجاؤك كاستبطائك، ولا هزلك بمنزلة جدك، ولا تعريضك مثل تصريحك، بل ترتب كلاً مرتبته، فتلطف إذا تغزلت، وتفخم إذا افتخرت، وتتصرف المديح تصرف مواقعه، فإن المدح بالشجاعة والبأس يتميز عن المدح باللباقة والظرف، ووصف الحرب والسلاح ليس كوصف المجلس والمدام، فلكل واحد من الأمرين نهج هو أملك به، وطريق لا يشاركه الآخر فيه.\rوليس ما رسمته لك في هذا الباب بمقصور على الشعر دون الكتابة، ولا بمختص بالنظم دون النثر، بل يجب أن يكون كتابك في الفتح أو الوعيد خلاف كتابك في التشوق والتهنئة واقتضاء المواصلة، وخطابك إذا حذرت وزجرت أفخم منه إذا وعدت ومنيت\" (١).\rوعبد القاهر يضرب مثالاً للأسلوبين يفرق بينهما جمال النظم بما يشاهد من الصور المرئية (٢)، تماماً كما فعل القاضي الجرجاني، ثم يعقب ذكر الصورتين المرئيتين بذكر الشاعر والشاعر يفرق بينهما توخى معاني النحو، كما فعل القاضي الجرجاني، إذ أردف ذكر الصورتين المرئيتين بذكر منثور الكلام ومنظومه (٣).","footnotes":"(١) ... الوساطة ص ٤١٣.\r(٢) ... الوساطة ص ٦.\r(٣) ... نفس المصدر.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584221,"book_id":8505,"shamela_page_id":74,"part":null,"page_num":77,"sequence_num":74,"body":"وقد سبق أن عرفت أن عبد القاهر الجرجاني قد فسر نظرية النظم بما استشهد به القاضي الجرجاني، وجعله مثالاً لما استجاده للبحتري (١).\rوإذا كان عبد القاهر الجرجاني قد فسر \"النظم\" بأنه توخي معاني النحو فيما بين الكلم، فإن القاضي الجرجاني قد كشف عن هذا المعنى، حيث أنه جعل فساد النظم نتيجة لعدم الجري على قوانين (٢) النحو؛ وإذا كان فساد النظم والإخلال به نتيجة لعدم العمل بقوانين النحو، فإن حسن النظم وسلامته إنما هو في العمل بقوانين النحو وليس ذلك استنتاجنا نحن فحسب، ولكنه - أيضاً - استنتاج عبد القاهر الجرجاني نفسه، فقد استنبط ذلك من تصرف القاضي الجرجاني في كتابه \"الوساطة\".\rفذكر أن العلماء - وإن كان يعني القاضي الجرجاني - قد كشفوا عن وجه النظم، فبعد أن بين إطباق العلماء على تعظيم شأن النظم بقوله: \"وقد علمت إطباق العلماء على تعظيم شأن النظم وتفخيم قدره، والتنويه بذكره - وإجماعهم على أن لا فضل مع عدمه، ولا قدر لكلام إذا هو لم يستقم له، ولو بلغ في غرابة معناه ما بلغ، ويتهم الحكم بأنه الذي لا تمام دونه ولا قوام إلا به وأنه القطب الذي عليه المدار، والعمود الذي به الاستقلال (٣) \"، وبعد أن بين أن النظم ليس إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو، وتعمل على قوانينه وأصوله وتعرف مناهجه التي نهجت فلا تزيغ عنها، وتحفظ الرسوم التي رسمت لك فلا تخل بشيء منها (٤).","footnotes":"(١) ... الوساطة ص ٢٧ ودلائل الإعجاز ص ٥٨، ص ٥٩.\r(٢) ... المعايير البلاغية والنقدية مخطوط للمؤلف بكلية اللغة العربية.\r(٣) ... دلائل الإعجاز ص ٥٤، ٥٥.\r(٤) ... دلائل الإعجاز ص ٥٥.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584222,"book_id":8505,"shamela_page_id":75,"part":null,"page_num":78,"sequence_num":75,"body":"ذكر الاستنتاج الذي أوضحناه آنفاً، فقال: \"هذا هو السبيل فلست بواجد شيئاً يرجع صوابه - إن كان صواباً - وخطؤه - إن كان خطأً - إلى النظم ويدخل تحت هذا الرسم إلا وهو معنى من معاني النحو قد أصيب به موضعه، ووضع في حقه، وعومل بخلاف هذه المعاملة، فأزيل عن موضعه، واستعمل في غير ما ينبغي له، فلا ترى كلاماً قد وصف بصحة نظم أو فساده أو وصف بمزية وفضل فيه إلا وأنت تجد مرجع تلك الصحة وتلك المزية، وذلك الفضل إلى معاني النحو وأحكامه، ووجدته يدخل وذلك الفساد، في أصل من أصوله، ويتصل بباب من أبوابه (١) \".\rثم يقول: \"ويكفيك أنهم قد كشفوا عن وجه ما أردناه، حيث ذكروا فساد النظم، فليس يخالف في نحو قول الفرزدق:\rوما مثله في الناس إلا مملكا ... أبو أمه حي أبوه يقاربه\rوقول المتنبي:\rولذا اسم أغطية العيون جفونها ... من أنها عمل السيوف عوامل\rوقوله:\rالطيب أنت إذا أصابك طيبه ... والماء أنت إذا اغتسلت الغاسل\rوقوله:\rوفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه ... بأن تسعدا، والدمع أشفاه ساجمه\rوقول أبي تمام:\rثانية في كبد السماء، ولم يكن ... كاثنين ثان إذ هما في الغار","footnotes":"(١) ... دلائل الإعجاز ص ٥٦.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584223,"book_id":8505,"shamela_page_id":76,"part":null,"page_num":79,"sequence_num":76,"body":"وقوله:\rيدي لمن شاء رهن لم يذق جرعاً ... من راحتيك درى ما الصاب والعسل\rوفي نظائر ذلك مما تواصفوه بفساد النظم، وعابوه من جهة سوء التأليف، أن الفساد والخلل كانا من أن تعاطى الشاعر ما تعاطاه من هذا الشأن على غير الصواب، وصنع في تقديم أو تأخير، أو حذف وإضمار، أو غير ذلك مما ليس له أن يصنعه، وما لا يسوغ ولا يصح على أصول هذا العلم.\rوإذا ثبت أن سبب فساد النظم واختلاله، ألا يعمل بقوانين هذا الشأن، ثبت أن الحكم كذلك في مزيته، والفضيلة التي تعرض فيه، وإذا ثبت جميع ذلك، ثبت أن ليس هو شيئاً غير توخي معاني هذا العلم وأحكامه فيما بين الكلم (١) \".\r×××× ص ٧٩ عبد القاهر الجرجاني يذكر أن العلماء - والقاضي الجرجاني منهم - قد كشفوا عن وجه ما أراده، حيث ذكروا فساد النظم وبينوا أسبابه، وهي تنحصر في عدم العمل بقوانين النحو، ويستشهد بما ذكروه في هذا الشأن. وستة الأبيات السابقة قد ذكرها القاضي الجرجاني في وساطته - عدا البيت الخامس - وجعلها في عداد ما عيب من أجل سوء النظم لعدم جريها على حسب قواعد النحو (٢).\rثم يقول: \"وإذ قد عرفت ذلك فاعمد إلى ما تواصفوه بالحسن وتشاهدوا له بالفضل، ثم جعلوه كذلك من أجل النظم خصوصاً دون غيره مما يستحسن","footnotes":"(١) ... دلائل الإعجاز ص ٥٨.\r(٢) ... فالبيت الأول ذكره الجرجاني في وساطته ص ٤١٩ والثاني والثالث ص ٢٩، ص ٨٩ والرابع ص ٩٨ والسادس ص ٧٩.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584224,"book_id":8505,"shamela_page_id":77,"part":null,"page_num":80,"sequence_num":77,"body":"له الشعر أو غير الشعر من معنى لطيف، أو حكمة، أو أدب، أو استعارة، أو تجنيس، أو غير ذلك مما لا يدخل في النظم، وتأمله فإذا رأيتك قد ارتحت واهتززت، واستحسنت، فانظر إلى حركات الأريحية مم كانت، وعند ماذا ظهرت فإنك ترى عياناً أن الذي قلت كما قلت.\rاعمد إلى قول البحتري: ثم يورد ص ٨٠ أبيات البحتري التي سبق أن ذكرتها وبينت أن القاضي الجرجاني قد استحسنها واستجادها ولكنه لم يبين لنا سبب تلك الاستجادة ولا سر ذلك الاستحسان وأن عبد القاهر الجرجاني قد تكفل بذلك (١).\rولهذا كله: فإننا نعتقد أن نظرية النظم التي جعلها عبد القاهر الجرجاني أساساً لعلم المعاني - كما سُمي من بعده - والتي فتح مغاليقها وبين أقسامها، وذكر شواهدها، كانت مستوحاة من كلام القاضي الجرجاني في كتاب \"الوساطة\" وأن عبد القاهر الجرجاني قد أخذ عن أستاذه القاضي الجرجاني أساس فكرة للنظم، ثم تكفل هو بتفسيرها، وتوضيحها وذكر شواهدها.\rولعل عبد القاهر الجرجاني - وهو النحوي البارع الذكي - قد قرأ - أيضاً - ما دار بين أبي سعيد السيرافي وبين أبي بشر: متى بن يونس - في مجلس أبي الفتح بن جعفر بن الفرات - في مناظرة حادة بينهما حول جدوى علم النحو، وفيها يقول أبو سعيد السيرافي:\rوإذا كانت الأغراض المعقولة والمعاني المدركة لا يتوصل إليها إلا باللغة الجامعة للأسماء والأفعال والحروف أفليس قد لزمت الحاجة إلى معرفة اللغة .. معاني النحو منقسمة بين حركات اللفظ وسكناته وبين وضع الحروف في مواضعها المقتضية لها، وبين تأليف الكلام بالتقديم والتأخير، وتوخي الصواب في ذلك، وتجنب الخطأ في ذلك، وإن زاغ عن التعنت فإنه لا يخلو","footnotes":"(١) ... دلائل الإعجاز ص ٦٠ - ٣.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584225,"book_id":8505,"shamela_page_id":78,"part":null,"page_num":81,"sequence_num":78,"body":"الفصل الثاني\rنظرية النظم عند عبد القاهر\rالنظم - كما يقول صاحب اللسان - هو: التأليف .. ونظمت اللؤلؤ: جمعته في السلك ومنه: نظمت الشعر، ونظمته، ونظم الأمر على المثل، وكل شيء قرنته بآخر أو ضممت بعضها إلى بعض فقد نظمته، والنظم، المنظوم، وصف بالمصدر، والنظم: ما نظمته من لؤلؤ وخرز وغيرهما (١).\rفقد دارت كلمة النظم في اللغة - كما رأيت - حول معنى واحد هو: \"التأليف\".\rولهذا فإنه من المستطاع أن تفهم قول عبد القاهر الجرجاني في تعريف النظم: إنه تتبع معاني النحو فيما بين الكلم على حسب الأغراض التي يقصدها المتكلم.\rفكأن على الأديب أو الشاعر أن يتتبع معاني النحو فيما بين الكلم، وهو يؤلف كلامه، سواء أكان شعراً، أو نثراً، ومعنى تتبعه لمعاني النحو: أن يضع كلامه - على حد تعبير عبد القاهر - الوضع الذي يقتضيه علم النحو، ويعمل على قوانينه وأصوله، ويعرف مناهجه التي نهجت فلا يزيغ عنها، ويحفظ الرسوم التي رسمت له فلا يخل بشيء منها.\rوقبل أن يشرح عبد القاهر نظريته في النظم، قدم لها بمقدمات تتلخص فيما يلي:","footnotes":"(١) ... لسان العرب مادة (ن ظ م).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584226,"book_id":8505,"shamela_page_id":79,"part":null,"page_num":82,"sequence_num":79,"body":"من أن يكون سائغاً بالاستعمال النادر والتأويل البعيد، أو مردوداً لخروجه عن عادة القوم الجارية عن فطرتهم، فأما ما يتعلق باختلاف لغات القبائل وذلك شيء مسلم به ومأخوذ عنهم، وكل ذلك محصور بالتتبع والرواية والسماع والقياس المطرد على الآصل المعروف من غير تحريف، وإنما دخل العجب على المنطقيين لظنهم أن المعاني لا تعرف ولا تستوضح إلا بطريقتهم ونظرهم وتكلفهم.\rإذا قال لك القائل: كن نحوياً لغوياً فصيحاً \"فإنما يريد افهم من نفسك ما تقول، ثم رم أن يفهم عنك غيرك، وقدر اللفظ على المعنى فلا ينقص عنه.\rهذا إذا كنت في تحقيق شيء على ما هو به، فأما إذا حاولت فرش المعنى، وبسط المراد فأجل اللفظ بالروادف الموضحة، والأشباه المقربة، والاستعارات الممتعة، وسدد المعاني بالبلاغة (١) \".\rلا بد أن عبد القاهر قد قرأ هذا، فقد وردت في العبارات السابقة عبارة \"معاني النحو\" ولفظ \"التتبع\" ولفظة \"توخي\" تلك التي نجد لها أثراً في قوله عندما يعرف النظم بقوله: \"تتبع معاني النحو - أو توخي معاني النحو - فيما بين الكلم على حسب الأغراض التي يوضع لها الكلام ولا بد أنه قد قرأ - أيضاً - ما نقلناه لك عن القاضي عبد الجبار حول فكرة النظم، والتي كان متأثراً فيها هو الآخر بفكرة القاضي الجرجاني عن جوهر الكلام، وموقعه، ومكانه من النظم.","footnotes":"(١) ... راجع الجزء الثامن من معجم الأدباء ص ١٩٠ وما بعدها (طبعة دار المأمون بالقاهرة).\r(٦ - النظم البلاغي)","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584227,"book_id":8505,"shamela_page_id":80,"part":null,"page_num":83,"sequence_num":80,"body":"أولاً: أنه لا تفاضل بين كلمة وأخرى في الدلالة على المعنى قبل دخولها في نظم الكلام.\rولهذا فإنك لا تجد أحداً يقول: هذه اللفظة نصيحة إلا وهو يعتبر مكانها من النظم وحسن ملاءمة معناها لمعاني جاراتها، وفضل مؤانستها لأخواتها.\rوالدليل على ذلك: أنك ترى الكلمة تروقك وتؤنسك في موضع، ثم تراها بعينها تثقل عليك في موضع آخر.\rثانياً: أن ترتيب الألفاظ في النطق يكون على حسب ترتيب المعاني في النفس، وذلك لأنه لا يتصور أن تعرف للفظ موضعاً من غير أن تعرف معناه، كما لا يتصور أن تتوخى في الألفاظ من حيث هي ألفاظ ترتيباً ونظماً.\rولهذا فإنه يجب عليك أن تتوخى الترتيب في المعاني، وأن تعمل فكرك هناك، فإذا ما تم لك ذلك أتبعتها الألفاظ، وقفوت بها آثارها.\rعلى أنك إذا ما فرغت من ترتيب المعاني في نفسك وجدت الألفاظ مرتبة على حذوها في نطقك ولم تحتج إلى أن تستأنف فكراً في ترتيبها؛ لأن الألفاظ خدم للمعاني وتابعة لها، ولاحقة بها.\rفالعلم بمواقع المعاني في النفس علم بمواقع الألفاظ الدالة عليها في النطق.\rثالثاً: لا نظم في الكلم حتى يعلق بعضها ببعض، ويبنى بعضها على بعض:\rومعنى هذا، أن تعمد إلى اسم فتجعله فاعلاً لفعل، أو مفعولاً له، أو تعمد إلى اسمين، فتجعل أحدهما خبراً عن الآخر، أو تتبع الاسم اسماً، على أن يكون صفة للأول، أو بدلاً منه، أو تجيء باسم بعد تمام كلامك،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584228,"book_id":8505,"shamela_page_id":81,"part":null,"page_num":84,"sequence_num":81,"body":"على أن يكون الثاني صفة، أو حالاً، أو تمييزاً، أو تتوخى في كلام - هو لإثبات معنى - أن يصير نفيساً، أو استفهاماً، أو تمنياً، فتدخل الحروف الموضوعة لذلك.\rأو تريد في فعلين، أن تجعل أحدهما شرطاً في الآخر؛ فتجيء بها بعد الحرف الموضوع لهذا المعنى، أو بعد اسم من الأسماء التي ضمنت معنى ذلك الحرف.\rوعلى هذا القياس.\rرابعاً: المزية في النظم للمعنى، وليست للفظ؛ ولهذا فإنه يرد على من يرجعون المزية في النظم للألفاظ مبطلاً حججهم، ومزيلاً شبهاتهم، حتى يصل إلى أن المزية في النظم إنما هي للمعنى وليست للفظ حتى يتفرع لتفصيل أمر هذه المزية، وبيان الجهات التي تعرض منها.\rخامساً: ثمرة النظم هي: تصوير المعنى، وأن هذا التصوير إنما يتألق في أروع صوره إذا جاء عن طريق الصور البيانية الأخاذة، كالكناية، والمجاز.\rومن هنا تدرك أن عبد القاهر الجرجاني قد جعل الصور البيانية الرائعة أداة لتصوير المعنى الذي تضمنه نظم الكلام ولم يفصل بينها وبين المعاني - كما فعل المتأخرون - اللهم إلا ما قالوه من أن المعاني من البيان بمنزلة المفرد من المركب.\rومن هنا - أيضاً - تدرك خطأهم في تصورهم للبلاغة؛ فقد قسموها علوماً ثلاثة؛ هي: (المعاني)، (والبيان)، (والبديع)، لأنهم لم ينظروا إلى البلاغة نظرة عبد القاهر الجرجاني إليها.\rفقد كان عبد القاهر ينظر إلى البلاغة على أنها علم واحد أساسه \"النظم\"","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584229,"book_id":8505,"shamela_page_id":82,"part":null,"page_num":85,"sequence_num":82,"body":"الذي تتفرع منه مسائل المعاني؛ ومن هذه المعاني تتكون الصور البيانية الرائعة؛ من تشبيه، ومجاز، وكناية، واستعارة وتمثيل - على حد الاستعارة - متضمنة قيماً جمالية؛ راجعة إلى جمال المعاني قبل أن تكون زينة للألفاظ (١).\rوإليك ما قاله عبد القاهر في توضيح نظرية النظم:\r\"اعلم أن ليس النظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو، وتعمل على قوانينه وأصوله وتعرف مناهجه التي نهجت فلا تزيغ عنها، وتحفظ الرسوم التي رسمت لك فلا تخل بشيء منها.\rوذلك: أنا لا نعلم شيئاً يبتغيه الناظم بنظمه غير أن ينظر في وجوه كل باب، وفروقه؛ فينظر.\rفي الخير: إلى الوجوه التي تراها في قولك، زيد منطلق، وزيد ينطلق، وينطلق زيد، وزيد المنطلق ومنطلق زيد، والمنطلق زيد، وزيد هو المنطلق، وزيد هو منطلق.\rوفي الشرط والجزاء: إلى الوجوه التي تراها في قولك: إن تخرج أخرج، وإن خرجت خرجت، وإن تخرج فأنا خارج، وأنا خارج أن خرجت، وأنا إن خرجت خارج.\rوفي الحال: إلى الوجوه التي تراها في قولك: جاءني زيد مسرعاً، وجاءني يسرع، وجاءني وهو مسرع أو وهو يسرع، وجاء في قد أسرع، وجاءني وقد أسرع.","footnotes":"(١) ... راجع في هذا كتابنا (نظرية البيان بين عبد القاهر والمتأخرين) ص ٢٥٣.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584230,"book_id":8505,"shamela_page_id":83,"part":null,"page_num":86,"sequence_num":83,"body":"فيعرف لكل من ذلك موضعه، ويجيء به حيث ينبغي له.\rوتنظر في الحروف التي تشترك في المعنى ثم يتفرد كل واحد منها بخصوصية في ذلك المعنى: فيضع كلاً من ذلك في خاص معناه، نحو أن يجيء \"بما\" في نفي الحال، و\"بلا\" إذا أراد نفي الاستقبال، و\"بإن\" فيما يترجح بين أن يكون وألا يكون، و\"بإذا\" فيما علم أنه كائن.\rوينظر في الجمل التي تسرد، فيعرف موضع الفصل فيها من موضع الوصل، ثم يعرف - فيما حقه الوصل -:\rموضع الواو من موضع الفاء، وموضع الفاء من موضع \"ثم\" وموضع \"أو\" من موضع \"أم\" وموضع \"لكن\" من موضع \"بل\".\rويتصرف في التعريف والتنكير، والتقديم والتأخير في الكلام كله، وفي الحذف والتكرار، والإضمار والإظهار، فيضع كلاً من ذلك مكانه، ويستعمله على الصحة، وعلى ما ينبغي له\".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584231,"book_id":8505,"shamela_page_id":84,"part":null,"page_num":87,"sequence_num":84,"body":"الباب الثاني\rتطبيق النظم البلاغي على النص الأدبي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584232,"book_id":8505,"shamela_page_id":85,"part":null,"page_num":88,"sequence_num":85,"body":"الفصل الأول\rالفصاحة والبلاغة\rمتى يكون النص الأدبي فصيحاً، ومتى يكون بليغاً؟\rوللإجابة على هذين السؤالين، فإنه يجب معرفة كل من الفصاحة والبلاغة، وبيان المعيار السليم الذي به يكون النص الأدبي فصيحاً، والمعيار الذي به يكون النص الأدبي بليغاً، حتى يتسنى لنا تقويم هذا النص أو ذاك في ضوء ما يسفر عنه بحثنا لهذين المعيارين.\r\rالفصاحة والبلاغة\rظلت طائفة من البلاغيين حتى عصر عبد القاهر الجرجاني، لا تفرق بين الفصاحة والبلاغة؛ لالتقائهما في الإبانة عن المعنى وإظهاره - وإن فرق بينها المعنى اللغوي.\rومن هؤلاء عبد القاهر الجرجاني نفسه؛ فإنه لم يكن يفرق بين المعنيين؛ فقد فسر الفصاحة - في \"دلائل الإعجاز\" - بأنها \"خصوصية في نظم الكلم، وضم بعضها إلى بعض على طريق مخصوصة (١) \".\rولكن طائفة أخرى من البلاغيين كانت تصر على التفريق بين المعنيين؛ وفاءً بحق المعنى اللغوي لكل منها.","footnotes":"(١) ... دلائل الإعجاز صـ ٢٦.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584233,"book_id":8505,"shamela_page_id":86,"part":null,"page_num":89,"sequence_num":86,"body":"ومن هؤلاء: أبو هلال العسكري المتوفى سنة ٣٩٥ هـ؛ فقد فرق بينهما بأن الفصاحة مقصورة على اللفظ والبلاغة مقصورة على المعنى (١).\rإلى أن حسم هذا الأمر معاصر عبد القاهر، ابن سنان الخفاجي المتوفى سنة ٤٦٦ هـ، في كتابه \"سر الفصاحة\" فقد فرق بينهما بأن الفصاحة مقصورة على وصف الألفاظ، ولكن البلاغة لا تكون إلا وصفاً للألفاظ مع المعاني؛ فلا يقال في كلمة واحدة لا تدل على معنى يفضل عن مثلها: بليغة؛ وإن قيل فيها: فصيحة؛ فكل كلام بليغ فصيح، وليس كل فصيح بليغاً (٢).\rولهذا كان ابن سنان أول بلاغي يحدد الفرق بين الفصاحة والبلاغة؛ وظل هذا التحديد شائعاً بين المتأخرين من البلاغيين (٣).\rوالفصاحة في اللغة هي الظهور والبيان، ومنها: أفصح اللبن إذا انجلت رغوته، وفصح فهو فصيح، قال الشاعر:\rوتحت الرغوة اللبن الفصيح\rويقال: أفصح الصبح إذا بدا ضوؤه، وأفصح كل شيء إذا وضح، وفي الكتاب العزيز: ﴿وأَخِي هَرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾ ورُوي عن النبي ﷺ أنه قال: \"أنا أفصح العرب بيد أني من قريش (٤) \".","footnotes":"(١) ... الصناعتين صـ ٨.\r(٢) ... سر الفصاحة لابن سنان صـ ٤٩.\r(٣) ... بغية الإيضاح صـ ٢١.\r(٤) ... سر الفصاحة صـ ٤٩.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584234,"book_id":8505,"shamela_page_id":87,"part":null,"page_num":90,"sequence_num":87,"body":"والفصاحة يوصف بها الكلمة، وللكلام، والمتكلم، فيقال: كلمة فصيحة، \"وكلام فصيح\"، وشاعر فصيح.\rوالبلاغة في اللغة: تنبئ عن الوصول والانتهاء، والإتقان والجودة - كما أسلفنا لك، ويوصف بها الكلام والمتكلم فقط، فيقال، كلام بليغ، ورجل بليغ، ولم يسمع كلمة بليغة إلا أن يقصد بالكلمة خطبة، أو قصيدة.\rولما كانت معرفة البلاغة متوقفة على معرفة الفصاحة، لكونها مأخوذة في تعريف البلاغة وجب علينا البدء بالتعرف على ملامح الفصاحة:\r\rفأما فصاحة الكلمة:\rفهي: أن تكون حروفها سهلة النطق، متجاورة تجاوراً هادئاً، تتلاقى فيه وتتجاوب أنغامها، وأن تكون مألوفة الاستعمال. قد تداولها الأدباء والشعراء في محافل الشعر والأدب وأن تكون جارية على قوانين تصريف الكلمات.\rوهذا هو المقصود بقولهم: \"فصاحة المفرد: خلوصه من تنافر الحروف، والغرابة، ومخالفة القياس الصرفي\".\r١ - فأما التنافر فهو وصف في الكلمة يوجب ثقلها على اللسان، وعسر النطق بها:\rفإذا تنافرت حروف الكلمة كان ذلك عيباً، ومخلاً بفصاحتها، وقد قالوا: إن الثقل ينشأ إما من تباعد الحروف جداً، أو من تقاربها","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584235,"book_id":8505,"shamela_page_id":88,"part":null,"page_num":91,"sequence_num":88,"body":"جد الآن تباعد الحروف يكون كالطفرة، وتقاربها يكون كالمشي في القيد (١):\rوقد ذكروا: أن الثقل: إما أن يكون متناهياً، وإما أن يكون دون ذلك:\rوقد مثلوا للأول بكلمة (الهعخع) من قول أعرابي سئل عن ناقته، فقال: \"تركتها ترعى الهعخع، ورُوي عن الخليل أنه قال: سمعنا كلمة شنعاء، وهي الهعخع ما ذكرنا تأليفها، والهاء والعين لا يكاد واحد منهما يأتلف مع الآخر من غير فصل (٢).\rومثلوا للثاني بكلمة (مستشزرات) من قول امرئ القيس:\rتصد وتبديى عن أسيل وتتقي ... بناظرة من وحش وجرة مطفل\rوجيد كجيد الرئم ليس بفاحش ... إذا هي نصته ولا بمعطل\rوفرع يزين المتن أسود فاحم ... أثيث كقنو النخلة المتعثكل\rغدائره مستشزرات إلى العلا ... تضل المدارى في مثنى ومرسل\rوالفرع هو الشعر، والأثبث: الكثير، والقنو: العنقود، والمتعثكل: المتراكم، والغدائر: الذوائب، والمستشزرات: رُوي بفتح الزاي، أي مرفوعات، وبكسرها: أي مرتفعات (٣).","footnotes":"(١) ... عروس الأفراح للسبكي (شروح التلخيص) جـ ١ صـ ٨١.\r(٢) ... عروس الأفراح للسبكي جـ ٧٨١.\r(٣) ... المعلقات العشر صـ ٦٣.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584236,"book_id":8505,"shamela_page_id":89,"part":null,"page_num":92,"sequence_num":89,"body":"والمعنى أن خصل شعرها مرتفعات، وأن أمشاط شعرها تغيب بين الشعر المعتول، والشعر المسترسل.\rوإنما كان الثقل في مستشزرات لتوسط الشين - وهي مهموسة رخوة - بين التاء - وهي مهموسة شديدة -، والزاي - وهي مجهورة.\rعلى أن وصف الجملة بالثقل ليس راجعاً على بعد مخارج حروفها، أو قربها، بل إن ذلك يرجع إلى الذوق السليم - كما يقول ابن الأثير -، فكل ما عده الذوق السليم ثقيلاً متعسر النطق فهو متنافر. سواء كان من قرب المخارج أو من بعدها، أو غير ذلك (١).\rوذلك لأننا نجد من القريب المخرج ما هو غير متنافر، كما في (الجيش) و (الشجى) وكما في القرآن الكريم: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ﴾ (٢) كما أننا نجد من البعيد المخرج ما هو غير متنافر أيضاً، كما في (بعد) فإن الباء من الشفتين والعين من الحلق وكما في (علم)، و (أو) و (ألم) وكل ذلك حسن لا تنافر فيه.\rوليس كل ثقل يمجه الذوق، فهناك ثقل مستحسن مطلوب؛ وذلك إذا ما اقتضى المقام هذا الثقل؛ كأن تكون الكلمة موحية بما تعبر عنه من معنى، ولا سبيل إلى التعبير عن ذلك المعنى إلا بها.\rفهناك كلمات ثقيلة على اللسان، ولكن ثقلها من أهم مظاهر فصاحتها من حيث أن هذا الثقل يصور معناها بحق، انظر كلمة ﴿اثَّاقَلْتُمْ إلَى","footnotes":"(١) ... المعلول: ١٧.\r(٢) ... يس: ٦٠.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584237,"book_id":8505,"shamela_page_id":90,"part":null,"page_num":93,"sequence_num":90,"body":"الأَرْضِ﴾ (١) تجد فيها قدراً من الثقل الفصيح؛ لأنه يصف تقاعسهم وتثاقلهم وخلودهم إلى الأرض؛ واستشعارهم مشقة الجهاد، وعزوف أرواحهم عنه وقد دعوا إليه في عام العسرة، فكان منهم ما وصفت الآية ولذلك جاء التهديد البالغ ليواجه تخاذل أرواحهم، فقال سبحانه: ﴿إلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ويَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ولا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ (٢).\rوكذلك قول الله تعالى: يحكي مقالة سيدنا نوح ﵇ لقومه: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (٣)﴾.\rفكلمة \"أنلزمكموها\" فيها صعوبة في النطق تحكي صعوبة الإلزام بالآيات وهم لها كارهون.\rوانظر كلمة \"فعميت\" وما فيها من الإدغام والمجهول، وكيف تصفان معنى \"التعمية والإلباس\" (٤).\rوأما الغرابة: فهي أن تكون الكلمة وحشية غير ظاهرة المعنى ولا مأنوسة الاستعمال.\rوالمراد بكونها وحشية: أن تكون غريبة على العرب الخلص لا على الناس حتى لا يحكم على كل كلمة تقادم بها العهد بأنها وحشية: لأن الذوق العربي الخالص لا يحب الإغراب في الكلمات، ويكره التباصر بالغريب والتشادق به، لأن ذلك عندهم دليل قساوة الطبع، ولهذا قالوا: الاستعانة بالغريب عجز، والتشادق في غير أهل البادية نقص ...\rوالغريب الذي ينفرون منه، ويخل بفصاحة الكلمة، ويحذرون من","footnotes":"(١) التوبة: ٣٨.\r(٢) التوبة: ٣٩.\r(٣) هود: ٢٨.\r(٤) خصائص التراكيب د. محمد أبو موسى صـ ٣٣، ٣٤.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584238,"book_id":8505,"shamela_page_id":91,"part":null,"page_num":94,"sequence_num":91,"body":"الوقوع فيه هو: ما يحتاج - في معرفته - إلى أن ×××× ص ٩٤، ويبحث عنه في كتب اللغة المبسوطة، ككلمة \"الطرموق\" بدل الطين \"والاستمصال\" بدل الإسهال، و\"الاطرغشاش\" و\"الابرغشاش\" بدل الشفاء.\rوكتلك الكلمات التي ذكروها في قصة طريفة رووها عن علقمة النحوي قالوا: مر أبو علقمة ببعض طرق البصرة وهاجت به مرة، فوثب عليه قوم يعصرون إبهامه ويؤذنون في أذنه، فأفلت من أيديهم وقال: \"ما لكم تكأكأتكم علي كما تكأكؤن على ذي جنة، افرنقعوا عني، فقال بعضهم دعوه فإن شيطانه يتكلم بالهندية (١) \".\rوواضح من هذه القصة أن الغريب الذين ينفرون منه هو ما كان غريباً على العرب، وهو الذي إذا ما طرق أسماعهم أنكروه، ورأوا أنه غير عربي، ولهذا فإنهم يريدون به الكلمات التي توشك أن يميتها الزمن، وأن يبتلعها التاريخ، والتي يمكن أن ينتفع بها الباحث في الأصول السامية لإدخالها في القدم، ××××ص ٩٤ بكلمات النقوش أكثر مما ينتفع بها الأدباء وأهل الفصيح (٢).\rأما غريب القرآن، وغريب الحديث، فقد كان دواراً عند العرب الخلص، ولكن تقادم العهد به، وذلك مثل كلمة \"ضيزى\" في قول الله تعالى: ﴿تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ (٣).\rوكما في أحاديث النبي ﷺ التي يخاطب بها الأقوام البادين، لأن سياقات الأحاديث ومقاماتها كانت تقتضي منه ذلك، لأن هذه الألفاظ الغريبة لم تكن وحشية نافرة لديهم، بل كانت دوارة على ألسنتهم.","footnotes":"(١) المطول صـ ١٨.\r(٢) ... خصائص التراكيب صـ ٣٥.\r(٣) النجم ٢٢.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584239,"book_id":8505,"shamela_page_id":92,"part":null,"page_num":95,"sequence_num":92,"body":"وعلى أية حال: فإنهم يحبذون من الكلمات: \"ما ارتفع عن الساقط السوقي، وانحط عن البدوي الوحشي\" (١).\rأي أنهم مع نفورهم من الوحشي من الكلمات، فإنهم - أيضاً - ينفرون من السقوط بها إلى درجة الابتدال ولهذا عدل في التنزيل إلى قوله تعالى: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ (٢)﴾، لسخافة لفظ الطوب وما رادفه.\rولاستثقال جمع الأرض لم تجمع في القرآن الكريم، وجمعت السماء، وحيث أريد جمعها قال تعالى: ﴿ومِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ (٣).\rوقد عابوا على أبي نواس كلمة الشطار \"لابتذالها\"، حيث قال:\rوملحة بالعذل تحسب أنني ... بالجهل أترك صحبة الشطار\rوقد قسم حازم - في المنهاج - الابتذالي والغرابة، فقال ما ملخصه:\r\rالكلمة على أقسام:\rالأول: ما استعملته العرب دون المحدثين، وكان استعمال العرب له كثيراً في الأشعار وغيرها، فهذا حسن فصيح.\rالثاني: ما استعملته العرب قليلاً ولم يحسن تأليفه ولا صيغته فهذا لا يحسن إيراده.\rالثالث: ما استعمله العرب وخاصة المحدثين دون عامتهم، فهذا حسن جداً، لأنه خلص من حوشية العرب وابتذال العامة.","footnotes":"(١) ... الوساطة صـ ٢٤.\r(٢) ... القصص: ٣٨.\r(٣) الطلاق: ١٢.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584240,"book_id":8505,"shamela_page_id":93,"part":null,"page_num":96,"sequence_num":93,"body":"الرابع: ما كثر في كلام العرب وخاصة المحدثين وعامتهم، ولم يكثر في ألسنة العامة، فلا بأس به.\rالخامس: ما كان كذلك ولكنه كثر في ألسنة العامة وكان لذلك المعنى اسم استغنت به الخاصة عن هذا، فهذا يقبح استعماله لابتذاله.\rالسادس: أن يكون ذلك الاسم كثيراً عند الخاصة والعامة وليس له اسم آخر، وليست العامة أحوج لذكره من الخاصة، ولم يكن من الأشياء التي هي أنسب بأهل المهن، فهذا لا يقبح ولا يعد مبتذلاً مثل لفظ \"الرأس\" و\"العين\".\rالسابع: أن يكون كما ذكرناه إلا أن حاجة العامة أكثر، فهو كثير الدوران بينهم: كالصنائع فهذا مبتذل.\rوأما المخالفة: فهي: أن تكون الكلمة جارية على خلاف القانون المستنبط من تتبع لغة العرب، وذلك كوجوب الإعلال في نحو (فام) والإدغام في نحو (مد) وغير ذلك مما يشتمل عليه علم الصرف. وأما نحو: عود، وأبى يأبى، واستحوذ، ونطط ص ٩٦ شعره، وآل، وماء، وما أشبه ذلك من الشواذ الثابتة في اللغة، فليست من المخالفة في شيء، لأنها كذلك ثبتت عن الواضع فهي في حكم المستثناة.\rومن المخالفة نحو (الأجلل) بفك الإدغام في قول الشاعر:\rالحمد لله العلي الأجلل ... الواسع الفضل الوهوب المجزل\rوقياسها: الأجل.\rوقد أنشد سيبويه:\rمهلاً أعاذل، قد جربت من خلقي ... أني أجود لأقوام وإن ضننوا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584241,"book_id":8505,"shamela_page_id":94,"part":null,"page_num":97,"sequence_num":94,"body":"وكان عليه أن يقول (وإن ضنوا) بإدغام النون في النون، لكنه قال (ضننوا) ففك هذا الإدغام.\rعلى أن هناك ضرورات يلجأ إليها الشعراء لتسلم لهم أوزان أشعارهم، ولكن ليس ضرورة يلجأ إليها الشاعر تخرج الكلمة عن الفصاحة.\rفقد قسم حازم القرطاجنى الضرورات الشعرية إلى: ضرورات سائغة، وضرورات مستقبحة: فالسائغ من ضرورات الشعر. ما لا تشعر النفس معه بوحشة، وذلك كقصر الممدود ومد المقصور: والمستقبح: ما تشعر النفس معه بوحشة: كصرف ما لا ينصرف وتذكير المؤنث وعكسه وكأن تكون الكلمة غير جارية على العرف العربي الصحيح، بأن تكون الكلمة مستعملة في غير ما وضعت له في عرف اللغة، ولم يقصد بها المجاز، كاستعمال كلمة الأيم بمعنى الثيب في قول البحتري:\rتشق عليه الريح كل عشية ... جيوب الغمام بين بكر وأيم\rفقد وضع الأيم في مقابلة البكر، والأيم في اللغة تطلق على المرأة التي لا زوج لها، بكراً كانت أو ثيباً.\rوقيل: فصاحة المفرد: خلوصه مما ذكر ومن الكراهة في السمع، بأن يتبرأ السمع من سماعه كما يتبرأ من سماع الأصوات المنكرة، لأن اللفظ من قبيل الأصوات، والأصوات منها، ما تستلذ النفس بسماعه ومنها ما تستكرهه، وذلك نحو: (الجرشى) في قول أبي الطيب المتنبي يمدح سيف الدولة أبا الحسن عليا:\rوما قست كل ملوك البلاد ... فدع ذكر بعض، بمن في حلب\rولو كنت سميتهم باسمه ... لكان الحديد وكانوا الخشب\rأفي الرأي يشبه أم في السخاء ... أم في الشجاعة، أم في الأدب","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584242,"book_id":8505,"shamela_page_id":95,"part":null,"page_num":98,"sequence_num":95,"body":"مبارك الاسم، أغر اللقب ... كريم الجرشى، شريف النسب (١)\rأي: كريم النفس، وليس بشيء، لأن الكراهة في السمع لا تكون إلا من تنافر حروف الكلمة أو غرابتها، فليست شيئاً آخر غيرها، والجرشى في بيت أبي الطيب تدخل في الغرابة.\rوأما فصاحة الكلام: فقد شرطوا لها أموراً ثلاثة:\rأولاً: أن يكون الكلام خالياً من ضعف التأليف، ويقصدون به: أن يكون تأليف الكلام جارياً على خلاف المشهور من قواعد النحو:\rوذلك، كالإضمار قبل الذكر لفظاً ومعنى، نحو ضرب غلامه زيداً، وإن كان مثل هذه الصورة مما أجازه الأحفش: وتبعه ابن جني لشدة اقتصاء الفعل المفعول به كالفاعل.\rواستشهد بقول النابغة الذبياني:\rجزى ربه عني عدي بن حاتم ... جزاء الكلاب العاويات وقد فعل\rوقول الشاعر:\rلما أعصى أصحابه مصعباً ... أدى إليه الكيل صاعاً بصاع\rوأجيب عنه بأن الضمير للمصدر المدلول عليه بالفعل، أي رب الجزاء، وأصحاب العصيان.\rكقوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ أي العدل.","footnotes":"(١) ... ديوان المتنبي جـ ـ ٩٨، ٩٩.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584243,"book_id":8505,"shamela_page_id":96,"part":null,"page_num":99,"sequence_num":96,"body":"وأما قول الشاعر:\rجزى بنوه أبا الغيلان عن كبر ... وحسن فعل كما يجزى سنمار\rوقوله:\rألا ليت شعري، هل يلو من قومه ... زهيراً على ما جر من كل جانب\rفشاذ لا يقاس عليه.\rوعلى أية حال فإن على الأديب أو الشاعر - إذا ما أراد أن يكون كلامه فصيحاً - أن يكون تأليفه جارياً على المشهور من قواعد النحو، وإلا نال ضعف التأليف من فصاحة كلامه.\rثانياً: أن يكون خالياً من تنافر الكلمات:\rويقصدون بخلو الكلام من تنافر كلماته: ألا تتكرر فيه كلمات ذات جرس واحد أو متقارب لأن تكرارها يؤدي إلى صعوبة النطق بها، وقد ضربوا مثلاً لتنافر الكلمات بقول الشاعر:\rوقبر حرب بمكان قفر ... وليس بقرب قبر حرب قبر\rفكلمات: قبر، وحرب، وقرب، وكلمات فصيحة: ولكن اجتماعها في بيت واحد هو الذي أدى إلى صعوبة النطق بها.\rوقد أدى ذلك إلى ذهاب رونق البيت، فذهبت فصاحته مع ذهاب رونقه.\rوقد ذكروا أنه من أشعار الجن، وأنه لا يتهيأ لأحد أن ينشده ثلاث مرات فلا يتتعتع (١).","footnotes":"(١) ... البيان والتبيين جـ ١ صـ ٦٥.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584244,"book_id":8505,"shamela_page_id":97,"part":null,"page_num":100,"sequence_num":97,"body":"ومن التكرار القبيح قول الشاعر:\rوازور من كان له زائراً ... وعاف عافي العرف عرفانه\rومنه قول ابن يسير:\rلم يضرها والحمد لله شيء ... وانثنت نحو عزف نفس ذهول\rواقرأ الشطر الثاني من هذا البيت، فإنك ستجد بعض ألفاظه يتبرأ من بعض (١).\rوهناك نوع من تنافر الكلمات لم يبلغ هذا الحد من الثقل، وإنما هو أخف جدة من سابقه كالذي تراه من قول أبي تمام:\rكريم متى أمدحه أمدحه والورى ... معي وإذا ما لمته لمته وحدي\rفقد تكررت كلمة (أمدحه)، وكلمة (لمته)؛ مما أدى إلى هذا الثقل الذي تراه في البيت وليس التنافر ناشئاً من اجتماع الحاء والهاء؛ لأنه ثقل محتمل، فقد جاء في قوله تعالى ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ (٢) وإنما نشأ من اجتماع الكلمتين.\rوأول من عاب هذا البيت: ابن العميد، حيث قال: هذا التكرير في (أمدحه أمدحه) مع الجمع بين الحاء والهاء، وهما من حروف الحلق خارج عن حد الاعتدال نافر كل التنافر؛ ولو قال: فإن في تكرير أمدحه ثقلاً لكان أولى (٣).","footnotes":"(١) ... البيان والتبيين جـ ١ ص ٦٦.\r(٢) ... الطور ٤٩.\r(٣) ... المطول ص ٢٠، ٢١.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584245,"book_id":8505,"shamela_page_id":98,"part":null,"page_num":101,"sequence_num":98,"body":"ثالثاً: أن يكون خالياً من التعقيد:\r\rوالتعقيد معناه: ألا يكون الكلام ظاهر الدلالة على المعنى المراد؛ وله سببان:\rالسبب الأول: لفظي، وهو: ألا يكون ترتيب الألفاظ على وفق ترتيب المعاني بسبب تقديم أو تأخير، أو حذف، أو إضمار، أو غير ذلك مما يوجب صعوبة فهم المراد، فيختل نظم لكلام ولا يدري السامع كيف يتوصل منه إلى معناه، كقول الفرزدق في مدح خال هشام بن عبد الملك:\rوما مثله في الناس إلا مملكاً ... أبو أمه حي أبوه يقاربه\rأي: ليس مثله في الناس حي يقاربه، أي أحد يشبهه في الفضائل إلا مملك أعطى الملك والمال أبو أمه، أي أبو أم ذلك المملك أبوه، أي أبو الممدوح، والجملة صفة مملكاً، أي: لا يماثله أحد إلا ابن أخته الذي هو هشام.\rوكان حقه أن يقول: وما مثله في الناس حي يقاربه إلا مملك أبو أمه أبوه.\rولكنه فصل بين المبتدأ والخبر، وهو: أبو أمه أبوه، بالأجنبي، وهو: حي، وبين الصفة والموصوف: وهو حي يقاربه بالأجنبي الذي هو: أبوه، وقدم المستثنى، وهو: مملكاً على المستثنى منه، وهو: حي.\rفالكلام الخالي من التعقيد اللفظي: هو ما سلم نظمه من الخلل، فلم يكن فيه ما يخالف الأصل من تقديم أو تأخير أو إضمار أو غير ذلك إلا وقد قامت عليه قرينة لفظية أو معنوية.\rولعلك على ذكر مما أسلفناه لك، من أن القاضي الجرجاني في وساطته","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584246,"book_id":8505,"shamela_page_id":99,"part":null,"page_num":102,"sequence_num":99,"body":"قد كشف عن وجه النظم من خلال نقده لمثل هذا البيت، بأنه لم يجر على قوانين النحو فاختل نظمه، واستنتج عبد الظاهر من هذا النقد بأن النظم إنما هو تتبع معاني النحو، وإليك بيتاً آخر مما هابه القاضي الجرجاني لسوء نظمه:\rيقول معقباً على بيت أبي الطيب المتنبي:\rوفاؤ كما كالربع أشجاه ص ١٠٢ ... بأن تسعدا؛ والدمع أشفاه ساجمه\r\"ومن يرى هذه الألفاظ الهائلة، والتعقيد المفرط، فيشك أن وراءها كنزاً من الحكمة، وأن في طيها الغنيمة الباردة، حتى إذا فتشها، وكشف عن سترها، وسهر ليالي متوالية فيها حصل على أن \"وفاء كما ياعاذلي بأن تسعداني إذا درس شجاي، وكلما ازداد تدارساً ازددت له شجواً، كما أن الربع أشجاه دراسة\"، فما هذا من المعاني التي يضيع لها حلاوة اللفظ، وبهاء الطبع، ورونق الاستهلال، ويشح عليها حتى يهلهل لأجلها النسج، ويفسد النظم، ويفصل بين الباء ومتعلقها بخبر الابتداء قبل تمامه، ويقدم، ويؤخر، ويعوص، ويعمى\" (١).\r\rوالسبب الثاني من أسباب التعقيد: معنوي:\rومعنى التعقيد المعنوي: ألا يكون الكلام ظاهر الدلالة على المعنى المراد منه بسبب الخلل في انتقال الذهن من المعنى الأول المفهوم بحسب اللغة إلى المعنى الثاني المقصود، وذلك الخلل يكون بإيراد اللوازم البعيدة المفتقرة إلى الوسائط الكثيرة، مع خفاء القرائن الدلالة على المقصود، كما في قول العباس بن الأحنف:\rسأطلب بعد الدار عنكم لتقربوا ... وتسكب عيناي الدموع لتجمدا","footnotes":"(١) ... الوساطة ص ٩٨.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584247,"book_id":8505,"shamela_page_id":100,"part":null,"page_num":103,"sequence_num":100,"body":"فقد جعل سكب الدموع - وهو البكاء - كناية عما يستلزمه فراق الأحبة من الكآبة والحزن وهذا كلام صحيح سليم، لأنه كثيراً ما تجعل الدموع دليلاً على الكآبة والحزن.\rيقال: أبكاني الدهر، وأضحكني، أي: ساءني، وسرني، قال الحماسي:\rأبكاني الدهر، ويا ربما ... أضحكني الدهر بما يرضى\rولكنه أخطأ في الكناية عما يوجبه دوام التلاقي والوصال من الفرح والسرور، بجمود والعين وذلك لأن الانتقال من جمود العين إلى بخلها بالدموع حال إرادة البكاء، وهي حالة الحزن على مفارقة الأحبة، لا إلى ما قصده الشاعر من السرور الحاصل بملاقاة الأصدقاء، ومواصلة الأحبة.\rولهذا لا يقال في الدعاء: لا زالت عينك جامدة، كما يقال: لا أبكى الله عينك.\rويقال: سنة \"جماد\"، لا مطر فيها، وناقة \"جماد: لا لبن فيها، كأنهما تبخلان بالمطر واللبن.\rويقول: أبو عطاء السندي، من قصيدة يرثي بها ابن هريرة:\rألا إن عيناً لم تجد يوم واسط ... عليك بجاري دمعها لجمود\rعشية قام النائحات وشققت ... جيوب بأيدي مآتم، وخدود\rفإن تمس مهجور الغناء فربما ... أقام به بعد الوفود وفود\rفأتى \"بالجمود\" تأكيداً لنفي الجود، ومحال أن يجعلها لا تجود بالبكاء، وليس هنا التماس بكاء، لأن الجود والبخل يقتضيان مطلوباً يبذل أو يمنع (١).","footnotes":"(١) ... دلائل الإعجاز ص ١٧٦.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584248,"book_id":8505,"shamela_page_id":101,"part":null,"page_num":104,"sequence_num":101,"body":"ومعنى بين ابن الأحنف: إني اليوم أطيب نفساً بالبعد والفراق، وأوطنها على مقاساة الأحزان والأشوان وأنجرع غصصها، واحتمل لأجلها حزناً يفيض الدموع من عيني لأتسبب بذلك إلى وصل يدوم ومسرة ولا تزول، فإن الصبر مفتاح الفرج ومع كل عسر يسر، ولكل بداية نهاية (١).\rوإنما اشترطوا الفصاحة الكلام خلوه من التعقيد بنوعيه اللفظي والمعنوي، لقولهم: لا يكون الكلام يستحق اسم البلاغة حتى يسابق معناه لفظه، ولفظه معناه، ولا يكوون لفظه أسبق إلى سمعك من معناه إلى قلبك.\rفإذا كان النظم سوياً، والتأليف مستقيماً، كان وصول المعنى إلى قلبك تلو وصول اللفظ إلى سمعك:\rوإذا كان النظم على خلاف ما ينبغي، وصل اللفظ إلى السمع، وبقيت في المعنى تطلبه وتتعب فيه، فإذا ما أفرط الأمر في ذلك صار إلى التعقيد الذي قالوا: إنه يستهلك المعنى (٢).\rقيل: ومما يخل بفصاحة الكلام: كثرة التكرار، وتتابع الإضافات:\rفمن كثرة التكرار قول أبي الطيب المتنبي:\rأهم بشيء والليالي كأنها ... تطاردني عن كونه وأطارد\rوحيد من الخلان في كل بلدة ... إذا عظم المطلوب قل المساعد\rوتسعدني في غمرة بعد غمرة ... سبوح لها منها عليها شواهد (٣)\rفقد كرر الضمائر في قوله: \"لها منها عليها\"","footnotes":"(١) ... المطول ص ٢٣.\r(٢) ... دلائل الإعجاز ص ١٧٤، ص ١٧٧.\r(٣) ... ديوان المتنبي جـ ١ ص ٢٧٠.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584249,"book_id":8505,"shamela_page_id":102,"part":null,"page_num":105,"sequence_num":102,"body":"ومن تتابع الإضافات: قول ابن بايك:\rحمامة جوعى حومة الجندل إسجعي ... فأنت بمرأى من سعاد ومسمع\rولكن هذا القول مردود بأن كلا من كثرة التكرار، وتتابع الإضافات إن ثقل اللفظ بسببها على اللسان، فقد حصل الاحتزاز عنه بالتنافر، وإلا فلا تخل بالفصاحة، وقد قال النبي ﷺ: \"الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف ابن يعقوب بن اسحق، بن إبراهيم\"\rيقول عبد القاهر الجرجاني: قال الصاحب: إياك والإضافات المتداخلة فإنها لا تحسن، وذكر أنها تستعمل في الهجاء، كقوله:\rيا علي بن حمزة بن عمارة ... أنت والله ثلجة في خيارة\rثم قال الشيخ عبد القاهر: ولا شك في ثقل ذلك في الأكثر، لكنه إذا سلم من الاستكراه ملح ولطف كقول عبد الله بن المعتز:\rفظلت تدير الكأس أيدي جآذر ... عتاق دنانير الوجوه ملاح\rوالحق أن كلا من كثر التكرار، وتتابع الإضافات لا يخل بفصاحة الكلام، لمجيئهما في القرآن الكريم، كقوله تعالى: ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾.\rوأما فصاحة المتكلم:\rفهي ملكة يستطيع بها التعبير عن مقصوده بلفظ فصيح.\rوالملكة: هيئة راسخة في النفس، والتعبير بها هنا يشعر بأن الفصاحة من الهيئات الراسخة في النفس، ولهذا فغن من يعبر عن مقصوده بلفظ فصيح لا يعد فصيحاً إلا إذا كانت الصفة التي استطاع بها التعبير عن مقصوده، بلفظ فصيح راسخة فيه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584250,"book_id":8505,"shamela_page_id":103,"part":null,"page_num":106,"sequence_num":103,"body":"بلاغة الكلام:\rأسلفنا لك أن البلاغة تكون وصفاً للكلام، وللمتكلم فقط، ولا تكون وصفاً للكلمة المفردة فيقال: كلان بليغ، ومتكلم بليغ، ولا يقال كلمة بليغة، إلا إذا أردنا بالكلمة خطبة أو قصيدة - مثلاً -\rفأما بلاغة الكلام، فهي - كما يقولون -. \"مطابقة الكلام لمقتضى الحال، مع فصاحته، فإذا جاء الكلام فصيحاً، خالياً من التنافر، والغرابة، ومخالفة القياس الصرفي، بريئاً من التعقيد اللفظي والمعنوي جارياً على المشهور من آراء النحاة، وكان مناسباً للموضوع الذي يقال فيه، ولأحوال السامعين، معبراً عن مشاعر قائله أصدق تعبير، فإنه يعد كلاماً بليغاً.\rلأن قائله يبلغ به غايته، ويصل إلى مراده من نفوس سامعيه، فيؤثر في نفوسهم، ويسيطر على مشاعرهم، ويملك به أزمة قلوبهم.\rاستمع إلى قول عمرو بن معد يكرب يذكر يوماً كان بين عشيرته وجارتها جرم، وبين بني الحرث بن \"كعب\" وحليفتها \"نهد\":\rليس الجمال بمئزر ... فاعلم، وإن رديت برداً\rإن الجمال معادن ... ومناقب أورثن مجداً\rأعددت للحدثان سا ... بغة، وعداء ص ١٠٦\rنهدا، وذا شطب يقد ... البيض، والأبدان قداً\rوعلمت أني يوم ذا ... ك منازل كعباً، ونهداً\rقوم إذا لبسوا الحديد ... تنمروا حلقاً، وقدا\rكل امرئ يجري إلى ... يوم الهياج بما استعدا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584251,"book_id":8505,"shamela_page_id":104,"part":null,"page_num":107,"sequence_num":104,"body":"لما رأيت نساءنا ... يفصحن بالمعزاء شداً\rوبدت لميس كأنها ... بدر السماء إذا تبدى\rوبدت محاسنها التي ... تخفي، وكان الأمر جداً\rنازلت كبشهم ولم ... أر من نزال الكبش بداً\rهم ينذرون دمي وأنذر ... ن لقيت بأن أشدا\rكم من أخ لي صالح ... بوأته بيدي احداً\rما إن جزعت ولا هلعت ... ولا يرد بكاي زنداً\rألبسته أثوابه ... وخلقت بوم خلقت جلداً\rأغني غناء الذاهبين ... أعد للأعداء عدا\rذهب الذين أحبهم ... وبقيت مثل السيف فرداً (١)\rفالشاعر في مقام الفخر بانتصار قومه على قبيلتي \"كعب\"، ونهد اللتين أغارتا على قومه طالبين قتله، وقد خرج إليهم غير عابيء بجموعهم، فنازل رئيسهم وهزمهم.\rانظر: كيف صور تجربته في صد الأعداء أصدق تصوير، فقد بدأ قصيدته بأن الجمال الظاهر أمر زائل لا يهمه، فهو لا يعبأ بظاهر الجمال الزائلة المتمثلة في البرود والمآزر، ولكنه يهتم بجميل الأفعال، وحميد الخصال، وجليل المناقب والمآثر التي تورث المجد، وتكسب الفضل.\rفقد أعد لحماية أرضه وعرضه فرساً كريماً عداء قوياً متيناً، ودروعاً سابغة، وسيفاً ماضياً، لأنه يعلم أنه سيقاتل كعباً ونهداً المعروفتين بقوة الشكيمة، والاستعداد للحروب، وكل امرئ ص ١٠٧ يوم اللقاء بما استعد به من أدوات الحرب.","footnotes":"(١) ... ديوان الحماسة، جـ ١، ص ٥٧ - ٦٠.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584252,"book_id":8505,"shamela_page_id":105,"part":null,"page_num":108,"sequence_num":105,"body":"فلما كان يوم اللقاء، ورأى النساء قد خرجن من بيوتهن، وجرين هنا وهنالك وكشفت اللبس عن وجهها، كأنها البدر؛ وبدا ما كانت تخفيه من محاسن، ثارت حميته، وجرى الدم في عروقه، وألقى بنفسه في غمار المعركة منقضاً على رئيسهم فنازله وهزمه.\rوقد كان الأعداء ينذرون دمه، ولكنه كان ينذر بأنه إذا لقيهم ليقاتلهم قتالاً شديداً وليس ذلك بجديد عليه، فكم قاتل الأعداء، وكم بقى وحده في ميدان القتال يكفن أصحابه ويدفنهم بيديه جلداً صبوراً، فما جزع وما أصابه الهلع، لأنه يغني غناء الذاهبين من قومه، فهو المؤمل للأعداء يوم اللقاء، فقد ذهب أحبابه في ميادين الحرب والدفاع عن الشرف والعرض، وبقى وحده كالسيف فرداً.\rثم انظر كيف أتى بالجملة المنفية في أول القصيدة غير مؤكدة وهي قوله:\r(ليس الجمال بمئزر).\rولكنه أكد الجملة التي تليها، وهي قوله: (إن الجمال معادن، ومناقب أورثن مجداً).\rلأن الجملة الأولى خبرية ألقيت إلى خالي الذهن فلم، يحتج إلى تأكيد، ولكن الجملة الثانية جاءت جواباً عن سؤال تضمنته الجملة الأولى، فكأن سائلاً سأل: فماذا يكون الجمال؟\rوكذلك تجد الجمل الخبرية التي أوردها خالية من التأكيد، لإلقائها إلى خالي الذهن (أعددت للأعداء .. ) و (علمت أني يوم ذاك منازل .. ) و (هم ينذرون دمي).\rثم انظر كيف عرف كلا من (كعباً) و (نهداً) بالعلمية، ليبين أنه نازل قبيلتين معروفتين وكيف نكر كلا من (أحدا) و (زندا)، ليبين أنه لشجاعة قلبه وقوة جلده يكفن صديق النزال في الحرب بيديه ويدفنه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584253,"book_id":8505,"shamela_page_id":106,"part":null,"page_num":109,"sequence_num":106,"body":"في أي لحد كان، وفي أي مكان كان، لأن الذي يهمه إنما هو الدفاع عن حرماته، وحماية مكارم قبيلته ومناقبها، وأنه مهما بكى على أصدقائه فلن يرد بكاؤه شيئاً حقيراً، حتى ولو كان زنداً تافهاً.\rثم أعد قراءة القصيدة، وتفقد كلماتها، فإنك ستجدها سهلة الألفاظ، سلسة الأسلوب جميلة المعاني، قد تعانقت كلماتها تعانقاً لطيفاً آخذاً بعضها يحجز بعض، حتى إنك لا تمل من قراءتها لسهولتها، وسلاسة أسلوبها، وجمال نظمها.\rفقد جاءت كلمات القصيدة فصيحة، متماسكة قوية معبرة أصدق تعبير عن مشاعر هذا الفارس مصورة لتجربته في اللقاء والنزال، موحية بما يكنه لقومه من حب وإيثار، وبما يتمتع به من قوة الجلد، والصبر في ميادين الشرف والبطولة.\rوقد ضمنها خصائص بلاغية قيمة، فعرف حيث يقتضي المقام التعريف، ونكر حيث يقتضي المقام التنكير، وأكد حيث يقتضي المقام التأكيد، وتجنب التأكيد حيث لا يقتضي المقام التأكيد .. وهكذا وهذا هو المقصود بقولهم، مطابقة الكلام لمقتضى الحال:\rفالحال: هي الأمر الداعي للمتكلم إلى أن يعتبر مع الكلام الذي يؤدي به أصل المعنى خصوصية ما، ومطابقة الكلام له بمعنى: اشتماله عليه.\rفإذا كان المخاطب ينكر قيام (زيد) مثلاً، فإنكاره حال يدعو المتكلم إلى أن يخبره بقيامه مؤكداً، فيقول: (إن زيداً قائم)، وتأكيد الخبر هو: مقتضى الحال.\rومقتضى الحال مختلف، لأن مقامات الكلام متفاوتة:\rفمقام التنكير يغاير مقام التعريف، ومقام الإطلاق يغاير مقام التقييد،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584254,"book_id":8505,"shamela_page_id":107,"part":null,"page_num":110,"sequence_num":107,"body":"ومقام التقديم يغاير مقام التأخير، ومقام الذكر يغاير مقام الحذف، ومقام القصر يغاير مقام خلافه، ومقام الفصل يغاير مقام الوصل، ومقام الإيجاز يغاير مقام الأطناب والمساواة، وكذلك خطاب الذكي يغاير خطاب الغبي، وكذلك لكل كلمة مع صاحبتها مقام.\rولكن: ما الفرق بين الحال والمقام؟\rالحال والمقام: متقاربا المفهوم؛ والتغاير بينهما أمر اعتباري، وذلك لأن الأمر الداعي. مقام: باعتبار توهم كونه محلاً لورود الكلام فيه على خصوصية ما، وحال: باعتبار كونه زماناً له.\rوأيضاً: فإن المقام تعتبر إضافته للمقتضَى؛ فيقال: مقام التأكيد، والإطلاق والحذف، والإثبات، كما تعتبر إضافة الحال المقتضِي: فيقال: حال الإنكار وحال خلو الذهن، وغير ذلك.\rوعلى ذلك: فعند تفاوت المقامات تختلف مقتضيات الأحوال، ضرورة أن الاعتبار اللائق بهذا المقام، غير الاعتبار اللائق بذلك، واختلافها هو عين اختلاف مقتضيات الأحوال.\rوارتفاع شأن الكلام في الحسن والقبول، يكون بمطابقته للاعتبار المناسب؛ وانحطاطه يكون لعدم مطابقته لهذا الاعتبار.\rوالمراد بالاعتبار المناسب: الأمر الذي اعتبره المتكلم متناسباً بحسب السليقة أو بحسب تراكيب البلغاء؛ فمقتضى الحال هو الاعتبار المناسب للحال والمقام، كالتأكيد والإطلاق وغيرهما.\rومطابقة الكلام لمقتضى الحال هو ما يسميه الإمام عبد القاهر الجرجاني باسم (النظم) حيث يقول في نظريته التي أسلفناها لك: \"النظم هو توخي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584255,"book_id":8505,"shamela_page_id":108,"part":null,"page_num":111,"sequence_num":108,"body":"معاني النحو فيما بين الكلم على حسب الأغراض التي يصاغ لها الكلام\".\rوقد كرر - في دلائل الإعجاز - أن ليس النظم إلا أن تضع كلامك الموضع الذي يقتضيه علم النحو وتعمل على قوانينه.\rوعلى هذا: فالبلاغة \"صفة \"راجعة، \" إلى اللفظ، لكن لا من حيث أنه \"لفظ وصوت\"؛ ولكن باعتبار إفادته المعنى مركباً.\rوكثيراً ما يسمى ذلك الوصف فصاحة - أيضاً - وهذا هو المقصود من كلام الشيخ عبد القاهر حيث كرر - في مواضع من كتابه \"دلائل الإعجاز\" - أن الفصاحة صفة \"راجعة\" إلى المعنى دون اللفظ كقوله: \"علمت أن الفصاحة والبلاغة وسائر ما يجري في طريقهما، أوصاف \"راجعة\" إلى المعاني، وإلى ما يدل عليه بالألفاظ دون الألفاظ أنفسها\".\rوقد ذكر في مواضع أخرى - من دلائل الإعجاز -: أن فضيلة الكلام للفظه لا لمعناه، حيث أن المعاني مطروحة في الطريق بعرفها الأعجمي والعربي، والقروي والبدوي، ولا شك أن الفصاحة من صفاته الفاضلة، فتكون راجعة إلى اللفظ دون المعنى.\rفوجه التوفيق بين الكلامين: أنه أراد بالفصاحة معنى البلاغة:\rفحيث أثبت أنها من صفات الألفاظ: أراد أنها من صفاتها باعتبار إفادتهم المعنى عند التركيب وحيث نفى ذلك: أراد أنها ليست من صفات الألفاظ المفردة والكلم المجردة من غير اعتبار التركيب.\rوحينئذ: لا تناقض في كلامه.\rهذا هو رأي الخطيب القزويني في كلام عبد القاهر الجرجاني.\rوالحق ما قاله سعد الدين التفتازاني: وهو: أن محصول كلام عبد القاهر - بعد تصفحه - هو: أن الفصاحة عنده تطلق على معنيين:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584256,"book_id":8505,"shamela_page_id":109,"part":null,"page_num":112,"sequence_num":109,"body":"أحدهما: ما مر في صدر المقدمة، ولا نزاع في رجوعها إلى نفس اللفظ.\rوالثاني: وصف في الكلام يقع به التفاصيل ويثبت الإعجاز، وعليه يطلق، البلاغة، والبراعة، والبيان، وما شاكل ذلك، ولا نزاع - أيضاً - في أن الموصوف بها - عرفاً - هو: اللفظ، إذ يقال: لفظ فصيح، ولا يقال معنى فصيح، وإنما النزاع في أن منشأ هذه الفضيلة ومحلها أهو اللفظ أم المعنى؟ والشيخ ينكر على كلا الفريقين، ويقول إن الكلام الذي يدق فيه النظر ويقع به التفاضل هو الذي يدل بلفظه على معناه اللغوي، ثم تجد لذلك المعنى دلالة ثانية على المعنى المقصود.\rفهناك ألفاظ، ومعان أول، ومعان ثوان، فالشيخ يطلق على المعاني الأول، بل على ترتيبها في النفس، ثم على ترتيب الألفاظ على حذوها في النظم، اسم: النظم، والصور، والخواص، والمزايا، والكيفيات، ونحو ذلك.\rويحكم - قطعاً - بأن الفصاحة من الأوصاف الراجعة إليه، وأن الفضيلة التي بها يستحق الكلام أن يوصف بالفصاحة والبلاغة والبراعة، وما شاكل ذلك إنما هي فيها، لا في الألفاظ المنطوقة التي هي الأصوات والحروف، ولا في المعاني الثواني، التي هي الأغراض التي يريد المتكلم إثباتها أو نفيها.\rفحيث يثبت أنها من صفات الألفاظ أو المعاني، فإنه يريد بها تلك المعاني الأول وحيث ينفي أن تكون من صفاتها فإنه يريد بالألفاظ، الألفاظ المنطوقة وبالمعاني، المعاني الثواني، التي جعلت مطروحة في الطريق، وسوى فيها بين الخاصة والعامة وللبلاغة في الكلام: طرفان: أعلى، وإليه تنتهي البلاغة، وهو: حد الإعجاز وما يقرب منه، وهو: أن يرتقي الكلام في بلاغته إلى أن يخرج عن طوق البشر، ويعجزهم عن معارضته وأسفل؛ وهو: ما إذا غير الكلام عنه إلى ما دونه التحق عند البلغاء بأصوات","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584257,"book_id":8505,"shamela_page_id":110,"part":null,"page_num":113,"sequence_num":110,"body":"الحيوانات وإن كان صحيح الإعراب، حيث تصدر عن محالها حسبما يتفق من غير اعتبار اللطائف والخواص الزائدة على أصل المراد.\rوبين الطرفين: مراتب كثيرة، متفاوتة، بعضها أعلى من بعض بحسب تفاوت المقامات ورعاية الاعتبارات، والبعد من أسباب الإخلال بالفصاحة.\rوتتبع بلاغة الكلام: وجوه أخر سوى المطابقة، والفصاحة، تورث الكلام حسناً، وتكسبه رونقاً وجمالاً، وهذه الوجوه هي التي تضمنها على البديع، من حسنات لفظية ومعنوية.\rوأما بلاغة المتكلم.\rفهي: الموهبة، أو الملكة التي تستطيع بها أن تؤلف كلاماً بليغاً.\rولعلك قد فهمت مما تقدم: أن كل بليغ كلاماً كان أو متكلماً، فصيح، وليس كل فصيح بليغاً.\rكما أنك قد فهمت مما أسلفنا لك: أن البلاغة في الكلام مرجعها إلى الاحتراز عن الخطأ في تأدية المعنى المراد، وإلى تميز الكلام الفصيح من غيره.\rوتمييز الكلام الفصيح من غيره: منه ما يتبين في علم متن اللغة، كالغرابة، أي تمييز السالم من الغرابة من غيره، أو في الصرف، كمخالفة القياس، أو في علم النحو: كصعف التأليف، والتعقيد اللفظي، أو يدرك بالذوق، كالتنافر فما يحترز به عن الخطأ في تأدية المعنى المراد هو علم المعاني وما يحترز به التعقيد المعنوي، وهو علم البيان.\rوما يعرف به وجوه تحسين الكلام بعد رعاية تطبيقه على مقتضى الحال وفصاحته هو: علم البديع.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584258,"book_id":8505,"shamela_page_id":111,"part":null,"page_num":114,"sequence_num":111,"body":"وبعد فقد رأيت مما أسلفنا لك: أن البلاغة هي نفسها \"نظرية النظم\" والتي توصل إليها عبد القاهر الجرجاني، واستنبطها من كلام النقاد السابقين، كالخطابي، والقاضي الجرجاني، والقاضي عبد الجبار، وأبي سعيد السيرافي، وأن عبد القاهر قد طبقها على النصوص الأدبية في غير كلل أو ملل، وأنه في نقده هذا لم يفقر بين النقد الأدبي، والنقد البلاغي، بل إنه ليجمع نقده في دائرة \"النظم البلاغي\"، الذي ارتضاه تفسيراً حقيقياً لإعجاز القرآن الكريم.\rفلم يكن ينظر إلى البلاغية إلا على أنها علم واحد أساسه \"النظم\" الذي تفرعت منه المعاني البلاغية، التي أطلق عليها اسم، الخصائص، والكيفيات، والمزايا، وهي التي أدرجها المتأخرون فيما أسموه بعلم المعاني، واستنبطوها من عبارة عبد القاهر - في نظريته -، وهي عبارة: \"معاني النحو فيما بين الكلم، كالمعاني الناشئة عن: التقديم، والتأخير والتعريف والتنكير، والذكر والحذف، والفصل والوصل، والإيجاز والأطناب والمساواة - وهكذا.\rومن هذه المعاني تتكون الصور البيانية الكبرى، وهي التشبيه، والمجاز، والكناية، والصغرى، كالاستعارة تصريحية، أو مكنية أصلية أو تبعيه والتشبيه - على حد المبالغة - والتشبيه على حد الاستعارة وهكذا وهذه الصور، أو تلك المعاني: قد تتضمن فيما جمالية راجعة إلى المعنى قبل أن تكون زينة للألفاظ (١).\rولكن المتأخرين قد نظروا إلى البلاغة على أنها علوم ثلاثة، هي: علم المعاني وعلم البيان، وعلم البديع.","footnotes":"(١) ... راجع في هذا كتابنا: نظرية البيان بين عبد القاهر والمتأخرين ص ٢٦١.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584259,"book_id":8505,"shamela_page_id":112,"part":null,"page_num":115,"sequence_num":112,"body":"وصحيح أنهم قالوا: إن علم البيان لابد له من اعتبار علم المعاني، وأن هذا من ذاك بمثابة المفرد من المركب، ولكن هذا القول المنطقي الجاف ليس كافياً، فقد قالوا هذا، ثم تناولوا المعاني بعيداً عن الصور البيانية، وتناولوا الصور البيانية بعيداً عن المعاني، فحالوا بذلك بين البلاغة والنقد الذي يمارس تقويم النصوص الأدبية على أسس من معايير الجمال التي تعتمد الذوق السليم أساساً في فهم دقائق المعاني ولطائفها، وإدراك الصور البيانية، وأنماط التعبير عنها، وتذوق الجمال البديعي بين أساليبها (١).\rولعل أول من نبه إلى خطأ المتأخرين في تقسيمهم البلاغة إلى علوم ثلاثة هو الأستاذ أحمد مصطفى المراغي (٢).\rفقد قال منكراً على السكاكي تقسيمه البلاغة إلى علوم ثلاثة - في فصل من كتابه \"تاريخ علوم البلاغة \"بعنوان: (لا وجه لتقسيمه علوم البلاغة\". أقساماً ثلاثة، ولا لجعله تحسين البديع عرضياً):\r\"لا نعلم أحداً سبق السكاكي إلى قسمة علوم البلاغة الأقسام الثلاثة المعروفة، ولا نرى لهذا التقسيم وجهاً صحيحاً، ولا مستنداً من رواية ولا هواية، فليس هناك جهة للتمايز تفضل كل علم عن ص ١١٥، ولا في أغراض كل علم، ولا في موضوعه، مما يجعله وحدة مستقلة عن العلمين الآخرين في بحوثه ومسائله، حتى يمكن للناظر أن يقتنع بوجاهة هذا التقسيم، ويبرهن على صحته، بل على العكس؛ نرى بينها اتصالاً وثيقاً في الأعراض والمقاصد، واتحاداً في وجهة البحث، فلا يمكن فصل بعضها من بعض، وإن أمكن فعلى نحو آخر غير ما ذكره السكاكي، ومن اقتفوا أثره، وساروا على سنته، دون أن يدلوا بحجة ص ١١٥\".","footnotes":"(١) ... نظرية البيان ص ٢٥٤.\r(٢) ... تاريخ علوم البلاغة المراغي ص ١١١.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584260,"book_id":8505,"shamela_page_id":113,"part":null,"page_num":116,"sequence_num":113,"body":"ثم بين كيف أن الرواية لا تساعد السكاكي على هذا التقسيم، وحاصلها:\rأنه لم يتقدم أحد قالق بهذا التقسيم:\rوأما أن الدراية لا تؤيده، فقد ذكر أن ذلك لوجوه، نذكر منها:\rأولاً: أن الثمرة المستفادة من علم المعاني، وهي معرفة أحوال اللفظ التي بها يطابق مقتضى الحال - تستفاد - أيضاً - من علم البيان والبديع، لأنا لا نعبر باستعارة ولا كناية إلا إذا اقتضاها المقام، كما قال عبد القاهر - في الدلائل -: أنه إذا أريد إثبات الشيء على جهة الترجيح بين أن يكون وألا يكون عبرت عنه بالتشبيه: فقلت: \"رأيت رجلاً كالأسد\"، ولم يكن ذلك من حديث الوجوب في شيء، وإذا أريد إثباته على سبيل الوجوب، وجعلته كالأمر الذي نصب له دليل يقطع بوجوبه، عبرت بالاستعارة، وقلت رأيت أسداً، وذلك أنه إذا كان أسداً، فواجب أن تكون له تلك الشجاعة العظيمة، وكالمستحيل أو الممتنع أن يعرى منها.\rوحكم التمثيل حكم الاستعارة، فإنك إذا قلت: \"أراك تقدم رجلاً وتؤخر أخرى\"، فأوجبت له الصورة التي يقطع فيها بالتحير والتردد كان أبلغ - لا محالة - من أن تجري على الظاهر فتقول، قد جعلت تتردد في أمرك، فأنت كمن يقول: أخرج أو لا أخرج، فيقدم رجلاً ويؤخر أخرى.\rوكذلك إذا أردت إثبات قضية دون حاجة إلى برهان، بأن كان السامع مقتنعاً بصحتها دون أن تزيده تأكيداً في إثباتها، عبرت بالحقيقة، فقلت: زيد كريم.\rوإن رأيت أنه في شك من صحتها، أتيت بالقضية يصحبها دليلها، وعبرت عن ذلك المعنى بطريق الكناية، فقلت: \"هوجم الرماد\"، فأثبت القرى الكثير من وجه هو أبلغ وأشد في الإيجاب والإثبات.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584261,"book_id":8505,"shamela_page_id":114,"part":null,"page_num":117,"sequence_num":114,"body":"ثانياً: أنه كما يصدق هذا على المعاني والبيان، يصدق - أيضاً - على البديع، فالجمال الذي يوجد في التورية من حيث دقة التعبير ولطفه لا يقل عن الجمال الذي يوجد في الكناية والإبداع الذي يوجد في الطباق والتقسيم، ليس بأقل مما يوجد في الاستعارة.\rثالثاً: أنه مما يدل على أن مباحث هذه العلوم ليست متمايزة: أن بعض المؤلفين قد أدخل المجاز العقلي في علم البيان، بينما غيرهم أدخله في المعاني: كذلك نجد جماعة أدخلت التذييل والاحتراس، والحشو في البديع، بينما أدمجها غيرهم في المعاني وجعلوها أقساماً للأطناب، فلو كانت هناك حدود واضحة تميز قسماً من قسم، لما جاء مثل هذا الاختلاط والارتباك في تفريع هذه المسائل، ووضعها في المواضع المناسبة لها\".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584262,"book_id":8505,"shamela_page_id":115,"part":null,"page_num":118,"sequence_num":115,"body":"علم المعاني\r(معاني النحو فيما بين الكلم)\rعرفت أن علم المعاني هو بعينه نظرية النظم البلاغي التي أدار عليها عبد القاهر كتابه دلائل الإعجاز، وأنهم قد أخذوا لفظة \"المعاني\" من قول عبد القاهر: النظم هو تتبع معاني النحو فيما بين الكلم على حسب الأغراض التي يصاغ لها الكلام.\rوقد عرف البلاغيون علم المعاني بأنه \"علم يعرف به أحوال اللفظ العربي التي بها يطابق مقتضى الحال\" وأحوال اللفظ التي بها يطابق مقتضى الحال، هي ما يعرض له من تقديم، وتأخير، وتعريف، وتنكير وغير ذلك.\rوهناك أحوال للفظ ليست بهذه ص ١١٨، كالإعلال، والإدغام، والرفع والنصب وما أشبه ذلك مما لابد منه في تأدية المعنى؛ ولكنها ليست مما يبحث في علم المعاني، بل إنها تبحث في علمي: النحو والصرف.\rعلى أن علم النحو قد درس أحوال التقديم والتأخير، والتعريف والتنكير، وغيرها مما يدرسه علم المعاني، ولكنه قد درسها من ناحية أخرى، فقد درس جواز التقديم وامتناعه ووجوبه، وجواز الحذف وامتناعه ووجوبه، وأنواع التعريف وأحكام التنكير، ولكنه لم يتناولها من حيث وقوعها مطلباً بلاغياً يقتضيه المقام، وتدعو إليه الحال:\rوهذا هو الفرق بين البلاغة والنحو: موضوعات البلاغة تبحث في علم النحو، ولكن النحوي يبحثها من حيث الصحة وعدمها، والبلاغي يبحثها من حيث مطابقتها لأحوال السامعين.\rوقد حصر البلاغيون علم المعاني في ثمانية الأبواب التالية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584263,"book_id":8505,"shamela_page_id":116,"part":null,"page_num":119,"sequence_num":116,"body":"أولاً: أحوال الإسناد الخبري.\rثانياً: أحوال المسند إليه.\rثالثاً: أحوال المسند.\rرابعاً: أحوال متعلقات الفعل.\rخامساً: القصر.\rسادساً: الإنشاء.\rسابعاً: الفصل والوصل.\rثامناً: الإيجاز والإطناب والمساواة.\rوالسر في انحصار علم المعاني في هذه الأبواب الثمانية: أنهم تتبعوا العبارة من جميع جوانبها وكل أحوالها:\rفالكلام: إما أن يكون خبراً، وهو، ما يحتمل الصدق والكذب لذاته، أي بقطع النظر عن قائله، سواء أكان مقطوعاً بصدقه أو كذبه، وإما أن يكون إنشاء، وهو: ما لا يحتمل الصدق والكذب لذاته.\rفالأول: هو الخبر، والثاني هو الإنشاء.\rثم الخبر: لابد له من إسناد، ومسند إليه، ومسند.\rوأحوال هذه الثلاثة هي الأبواب الثلاثة الأولى.\rثم المسند قد يكون له متعلقات - إذا كان فعلاً أو شبهه - فهذا هو الباب الرابع.\rثم الإسناد والتعليق، كل واحد منهما إما أن يكون بقصر، وإما أن يكون بغير قصر، وهذا هو الباب الخامس.\rوالإنشاء، هو الباب السادس.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584264,"book_id":8505,"shamela_page_id":117,"part":null,"page_num":120,"sequence_num":117,"body":"ثم إن الجملة - إذا قرنت بأخرى - فتكون الثانية إما معطوفة على الأولى وإما غير معطوفة، وهذا هو الباب السابع.\rولفظ الكلام البليغ إما أن يكن زائداً على أصل المعنى المراد لفائدة، وإما أن يكون غير زائد عليه، وهذا هو الباب الثامن.\rوسوف نتناول في هذه الدراسة:\r(١) أحوال الإسناد الخبري.\r(٢) أحوال المسند إليه.\r(٣) أحوال المسند.\r(٤) أحوال متعلقات الفعل.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584265,"book_id":8505,"shamela_page_id":118,"part":null,"page_num":121,"sequence_num":118,"body":"الفصل الثاني\rأحوال الإسناد الخبري\rتمهيد:\rالكلمات المفردة لا تستطيع الاستفادة منها، ولا تعطيك معنى من المعاني إلا إذا كانت مرتبطة ببعضها؛ متعلقاً بعضها ببعض، آخذاً حجزها بحجر بعض، وكونت منها نوعاً من التأليف، وصفتها صياغة خاصة، شعراً كانت أو نثراً.\rوحينئذ تعطيك المعاني التي تريد التعبير عنها، وتحمل أفكارك التي تريد أن تفضي بها؛ وتصور خلجات نفسك، وما يعتمل في صدرك من عواطف وانفعالات، وتبرز ما يدور بخلدك من قضايا فكرية علمية كانت أو أدبية.\rوعلى قدر قوة ارتباط كلماتك ببعضها، وحسن صياغتك لمفردات كلامك يكون حظها من البلاغة ويكون حظك من الإحسان والإجادة. \"فمهادة الأديب، ونبوغ الشاعر، وعبقرية اللغة؛ كل هذا يكمن فيما بين الكلم من ترابط وصلات؛ فحذق الأديب والشاعر يظهر في مقدرته الفائقة على صياغة كلم اللغة، صياغة بصيرة واعية، تصف كل خاطرة من خواطر نفسه، وتفصح عن كل فكرة تومض في كيانه، أو شعور يختلج في مطاويه، وعبقرية اللغة تكمن في مرونتها وطواعيتها وإفادتها دقيق المعاني بوجوه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584266,"book_id":8505,"shamela_page_id":119,"part":null,"page_num":122,"sequence_num":119,"body":"وفنون الصياغة، فتصف بهيئة الكلمة، وتشير بخصوصية التركيب\" (١).\rفالألفاظ - كما يقول عبد القاهر - لا تفيد حتى تؤلف ضرباً خاصاً عن التأليف، ويعمد بها إلى وجه دون وجه من التركيب والترتيب، فلو أنك عمدت إلى بيت شعر، أو فصل نثر، فعددت كلماته عداً كيفما جاء واتفق، وأبطلت نضده ونظامه الذي عليه بنى وفيه أفرغ المعنى وأجرى وغيرت ترتيبه الذي بخصوصيته أفاد كما أفاد، وبنسقه أفاد المراد، نحو أن تقول في:\rقفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل (منزل، قفا، ذكرى، من نبك، حبيب).\rأخرجته من كمال البيان إلى محال الهذيان (٢).\rوذلك لأنه لا يتصور وقوع قصد منك إلى معنى كلمة دون أن تريد تعليقها بمعنى كلمة أخرى ومعنى القصد إلى معاني الكلم: أن تعلم السامع بها شيئاً لم يكن يعلمه، وأنت لا تعلم السامع معاني الكلم المفردة التي تكلمه بها فلا تقول: (خرج زيد) لتعلمه معنى: خرج في اللغة، ومعنى: زيد، كيف؟ ومحال أن تكلمه بألفاظ لا يعرف هو معانيها كما تعرف؟ !\rولهذا: لم يكن الفعل وحده دون الاسم، ولا الاسم وحده دون اسم آخر أو فعل آخر كلاماً، وكنت لو قلت: (خرج) ولم تأت باسم، ولا قدرت فيه ضميراً لشيء أو قلت: زيد ولم تأت بفعل ولا اسم آخر؛ ولم تضمره في نفسك، كان ذلك وصوتاً تصوته سواء (٣).","footnotes":"(١) ... خصائص االتراكيب ص ٤٥.\r(٢) ... أسرار البلاغة ص ٢.\r(٣) ... دلائل الإعجاز ص ٢٦٠.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584267,"book_id":8505,"shamela_page_id":120,"part":null,"page_num":123,"sequence_num":120,"body":"فلابد في الكلام من مسند ومسند إليه، وإسناد.\rوالإسناد. هو ضم كلمة أو ما يجري مجراها إلى الأخرى، بحيث يفيد الحكم بأن مفهوم إحداها ثابت لمفهوم الأخرى، أو منفي عنه (١).\r\r(١) أغراض الخبر:\rذكر البلاغيون أن من يكون بصدد الإخبار ينحصر قصده بخبره هذا في أمرين:\rالأول:\rإفادة المخاطب مضمون الخبر وفائدته؛ وذلك كقولك لمن لا يعلم أن والده قد سافر. (سافر والدك) ولمن لا يعلم أن الهلال قد ظهر: ظهر الهلال، ولمن لا يعلم أن أخاه قد نجح أخوك.\rالثاني:\rإفادته لازم فائدة الخبر: وذلك كقولك لمن حفظ القرآن الكريم: أنت قد حفظت القرآن الكريم؛ فهو يعلم أنه يحفظ القرآن الكريم، ولكنك قد أفدته أنك تعلم ذلك أيضاً.\rهذا هو الذي جرى عليه العرف في الإخبار بخبر ما؛ وذلك إذا التزم المتكلم باستعمال الجمل الخبرية في حقائقها.","footnotes":"(١) ... شروح التلخيص جـ ١، ص ١٩٠، ص ١٩١.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584268,"book_id":8505,"shamela_page_id":121,"part":null,"page_num":124,"sequence_num":121,"body":"أما من يريد أن يستخدم الأساليب الخبرية في أفقها الأرحب، فإن قصده يتعدد بتعدد المثيرات التي تدفعه إلى القول وتحثه عليه؛ وهذه المثيرات هي خواطر النفس وهواجسه، ولا يتصدى عاقل لحصرها.\rولكن يمكن أن يقال بوجه عام: إن غرض الشاعر بشعره في أغلب أحواله قد يكون الرغبة في إثارة انفعال مشابه لدى القارئ؛ فتحقق المشاركة النفسية والوجدانية؛ فيعيش القارئ طربه، إن كان طروباً، أو أساه، إن كان حزيناً، وفي هذه المشاركة متعة الشاعر وهدفه.\rوقد يكون غرض الشاعر هو الشعر نفسه؛ أي: هو الدندنة الشعرية التي يتسلى بها حين يفرغ على قيثارته ألحان نفسه، والذي يعنيه أن يقول وليس يعنيه أن يسمع (١).\rولهذا فغن الخبر قد يخرج عن الغرضين الأساسيين، وهما: الفائدة، ولازم الفائدة، إلى أغراض أخرى يقصده البلغاء، وتتضح من سياق الكلام:\rوذلك كإظهار الضعف في قول المسجاح بن سباع الضبي (٢):\rلقد طوفت في الآفاق حتى ... بليت وقد أنى لي لو أبيد\rوأفناني - ولا يغني - نهار ... وليل كلما يمضي يعود\rوشهر مستهل بعد شهر ... وحول بعده حول جديد","footnotes":"(١) ... خصائص التراكيب ص ٤٦.\r(٢) ... ديوان الحماسة لأبي تمام جـ ١، ص ٤٢٤.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584269,"book_id":8505,"shamela_page_id":122,"part":null,"page_num":125,"sequence_num":122,"body":"ومفقود عزيز الفقد، تأتي ... منيته، ومأمول وليد\rفقد أخبر الشاعر بأنه قد طوف في الآفاق حتى بلى، وقارب الهلاك، وأهرمه مرور الليل والنهار وتوالي الأشهر والسنين، وفقد من يعز عليه من الأصحاب والأبناء.\rولكنه لم يقصد بخبره هذا فائدة الخبر أو لازمها: وإنما يريد أن يبث للسامع مشاعره، ليشاركه إحساسه؛ فتحقق له بتلك المشاركة راحة نفسية يتطلبها.\rوالتحسر في قوله تعالى: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ (١).\rوالمدح كما في قول أبي الطيب المتنبي يمدح سيف الدولة (٢).\rعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكرام المكارم\rوتعظم في عين الصغير صغارها ... وتصغر في عين العظيم العظائم\rيكلف سيف الدولة الجيش همه ... وقد عجزت عنه الجيوش الخضارم\rويطلب عند الناس ما عند نفسه ... وذلك ما لا تدعيه الضراغم","footnotes":"(١) ... آل عمران ٣٦.\r(٢) ... ديوان المتنبي جـ ٣، ص ٣٧٨، ص ٣٧٩.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584270,"book_id":8505,"shamela_page_id":123,"part":null,"page_num":126,"sequence_num":123,"body":"والذم، كما في قوله - يهجو كافرواً (١):\rوتعجبني رجلاك في النعل، إنني ... رأيتك ذا نعل إذا كنت حافياً\rوأنك لا تدري ألونك أسود ... من الجهل أم قد صار أبي صافياً\rويذكرني تخييط كعبك شقة ... ومشيك في ثوب من الزيت عارياً\rوقد أشار هذا الذي ذكرناه، من أن الخبر كثيراً ما يقصد به أغراض تتجاوز حدود الفائدة ولازمها، سعد الدين التفتازاني، إذ يقول:\r\"كثيراً ما تورد الجملة الخبرية لأغراض أخر سوى إفادة الحكم أو لازمه. كقوله تعالى - حكاية عن امرأة عران: \"رب إني وضعتها أنثى\" إظهاراً للتحسر على خيبة رجائها وعكس تقديرها والتخزن إلى ربها، لأنها كانت ترجو وتقدر أن تلد ذكراً. وقوله تعالى - حكاية عن زكريا ﵊ ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ (٢) إظهاراً للضعف والتخشع، وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣) الآية، إنكاراً لما بينها من التفاوت العظيم، ليتأنف القاعد، ويترفع بنفسه عن انحطاط منزلته، ومثله: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٤) تحريكاً لحمية الجاهل، وأمثال هذا أكثر من أن يحصى: وكفاك شاهداً على ما ذكرت: قول الإمام المرزوقي في قوله:\rقومي هم قتلوا - أميم - أخي ... فإذا رميت يصيبني سهمي\rهذا الكلام تحزن وتفجع وليس بإخبار (٥).","footnotes":"(١) ... ديوان المتنبي جـ ٤، ص ٢٨٥.\r(٢) ... مريم ٤.\r(٣) ... النساء ٩٥.\r(٤) ... الزمر ٩.\r(٥) ... المطول ص ٤٣.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584271,"book_id":8505,"shamela_page_id":124,"part":null,"page_num":127,"sequence_num":124,"body":"(ب) أضرب الخبر:\rعمت أن الخبر هو: ما يحتمل الصدق والكذب لذاته، فهو مظنة التكذيب.\rوقد نظر البلاغيون إلى أحوال المخاطب الذي يلقى إليه الخبر، فوجدوا أنها: ثلاثة: خلو الذهن، والتردد، والإنكار فقد يكون المخاطب خالي الذهن من هذا الخبر، ولم يكن عنده سابق فكرة عنه، ولا انشغال لخاطره به، وقد يكون متردداً في قبول هذا الخبر ورفضه. وقد يكون منكراً له، رافضاً لقبوله وتتراوح حال الإنكار والرفض عنده بين القوة والضعف.\rوخالي الذهن من الخبر لا يحتاج إلى تأكيد، بل يلقى إليه الكلام خالياً من أي تأكيد، لأنه يصادف ذهناً خالياً، فيتمكن منه بمجرد وصوله إليه.\rوالمتردد في الخبر: عنده شك فيه، فهو طالب لنوع من التأكيد يزيل به تردده، فيلقى إليه الكلام موكداً بمؤكد واحد فقط.\rوالمنكر يحتاج إلى تأكيد أقوى من تأكيد المتردد وهذا التأكيد يكون على حسب الإنكار قوة وضعفاً. فيلقى الخبر مؤكداً بأكثر من تأكيد واحد أي بتأكيدين أو أكثر على حسب إنكاره في القوة والضعف.\rولهذا وجد البلاغيون أن أضرب الخبر ثلاثة:\rالابتدائي: وهو ما يلقى إلى خالي الذهن من الحكم بأحد طرفي الخبر على الآخر، ومن التردد فيه، وهذا الضرب لا يحتاج إلى تأكيد؛ لأنه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584272,"book_id":8505,"shamela_page_id":125,"part":null,"page_num":128,"sequence_num":125,"body":"- كما أسلفنا - يلقى إلى خال الذهن، إذ يصادف ذهناً خالياً، فيتمكن منه عند وصوله إليه، وذلك كقولك: نجح محمد، ومحمد ناجح.\rومنه قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (١).\rوقوله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (٢).\rوقولك: الكريم محمود، والبخيل مذموم.\rوإنما سمي هذا الضرب ابتدائياً: لأنه يلقى إلى المخاطب ابتداء دون سابق علم للمخاطب به.\rوالطلبي: وهو ما يلقى إلى المتردد في قبول الخبر ورفضه.\rوهذا الضرب يحسن تقويته بمؤكد واحد، كقولك: لمحمد ناجح، وإن محمد ناجح.\rومنه قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (٣).\rوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٤).\rوقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ (٥).\rومنه قول أمير الشعراء:\rدقات قلب المرء قائلة له ... إن الحياة دقائق وثوان (٦)","footnotes":"(١) ... النجم ٣١.\r(٢) ... الكهف ٤٦.\r(٣) ... التوبة: ١١١.\r(٤) ... النساء ٤٨، ١١٦.\r(٥) ... المائدة: ٩٠.\r(٦) ... الشوقيات جـ ٢، ص ١٦٨.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584273,"book_id":8505,"shamela_page_id":126,"part":null,"page_num":129,"sequence_num":126,"body":"وإنما سمي هذا الضرب طلبياً، لأن المخاطب به طالب لنوع من التأكيد يزيل به تردده.\rوالإنكاري: وهو ما يلقى إلى المنكر للخبر؛ والرافض لقبوله.\rوهذا الضرب يجب تأكيده بحسب قوة الإنكار وضعفه، فكلما ازداد الإنكار؛ زيد في التأكيد.\rوذلك مثل قولك لمنكر نجاح محمد: إن محمداً لناجح، فإذا زاد في إنكاره قلت له: والله إن محمداً لناجح، وهكذا.\rانظر كيف قد رجت الآية الكريمة في التأكيد وفق إنكار المنكرين في قول الله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤) قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (١٥) قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ (١).\rفالآية الكريمة تصور حواراً جرى بين الرسل - أصحاب القرية التي أرسلوا إليها، وقد جاء خطاب الرسل لأصحاب القرية في المرة الأولى مؤكداً بإن، واسمية الجملة؛ لأنهم كذبوا؛ بدليل قوله تعالى: \"فكذبوهما\".\rفلما رد عليهم أصحاب القرية بقولهم: \"ما أنتم إلا بشر مثلنا\" مؤكدين ردهم بالنفي والاستثناء: أي: لستم رسلاً؛ لاعتقادهم أن الرسول لا يكون بشراً، مردفين بقولهم: \"وما أنزل الرحمن من شيء\" وهو تأكيد ثان لنفي الرسالة عنهم بصورة أبلغ؛ لأنهم نفوا أن يكون الله تعالى قد أنزل شيئاً عليهم أو على غيرهم.","footnotes":"(١) ... يس: ١٣ - ١٦.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584274,"book_id":8505,"shamela_page_id":127,"part":null,"page_num":130,"sequence_num":127,"body":"[سقطت من المصور]","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584275,"book_id":8505,"shamela_page_id":128,"part":null,"page_num":131,"sequence_num":128,"body":"لا يجتمعان وسرعة العقاب، فاستبعدوا منه الغفران والرحمة وكأنهم أنكروهما، فنفى الله إنكارهم هذا بإتيانه الخبر مؤكداً بإن واللام.\rوهكذا تجد أن التأكيد يأتي على قدر الإنكار، أو التردد، وأن عدم التأكيد لا يكون إلا إذا ألقى الكلام إلى خالي الذهن من الخبر.\rعلى أن الذي أوحى إلى البلاغيين بأضرب الخبر إنما هي قصة الفيلسوف الكندي، مع أبي العباس ص ١٣٠، فقد روي عن ابن الأنباري أنه قال: ركب الكندي المتفلسف إلى أبي العباس، وقال له: إني لأجد في كلام العرب حشواً، فقال له أبو العباس: في أي موضع وجدت ذلك؟ ؛ فقال: أجد العرب يقولون: عبد الله قائم، ثم يقولون: إن عبد الله قائم، ثم يقولون: إن عبد الله لقائم، فالألفاظ متكررة والمعنى واحد، فقال أبو العباس: بل المعاني مختلفة لاختلاف الألفاظ، فقولهم: عبد الله قائم: إخبار عن قيامه، وقولهم: إن عبد الله قائم: جواب عن سؤال سائل، وقولهم: إن عبد الله لقائم: جواب عن إنكار منكر قيامه فقد تكررت الألفاظ لتكرر المعاني، قال: فما أحار المتفلسف جواباً\" (١).\rويسمى إخراج الكلام على الوجوه المذكورة - أعني الخلو من التأكيد لخالي الذهن، والتقوية بمؤكد استحساناً للتردد، ووجوب التأكيد للمنكر - إخراجاً للكلام على مقتضى الظاهر، أي الإتيان بالكلام على مقتضى ظاهر حال المخاطب.\rوقد يأتي الكلام على خلاف ظاهر الحال، فلا يعتد المتكلم بواقع حال المخاطب، ولكنه يجري على أمور اعتبارية يلحظها هو في كلامه، فيجعلها مقامات، ويصوغ عبارته على مقتضاها كأن ينزل خالي الذهن","footnotes":"(١) ... دلائل الإعجاز ص ٦، ٢.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584276,"book_id":8505,"shamela_page_id":129,"part":null,"page_num":132,"sequence_num":129,"body":"منزلة المتردد، وذلك إذا قدم له في الكلام ما يلوح له بالخبر، فيستشرف له استشراف الطالب المتردد، وحينئذ يحسن تأكيد الخبر له بمؤكد واحد يزيل تردده.\rانظر إلى قوله تعالى: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ (١) فمطلع الكلام وهو قوله: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ معناه: لا تدعني يا نوح في شأن قومك، واستدفاع العذاب عنهم بشفاعتك، وهذا كلام يوحي بالخبر، ويهيئ النفس لأن تظن بأنهم مغرقون، وخصوصاً بعد أن تقدم قوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آَمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦) وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا، فقد أوحى الله إليه بأن قومه لن يؤمنوا، ثم أمره بصنع الفلك، فالإيحاء بأنهم لن يؤمنوا: إشارة إلى أنهم سيقع بهم عذاب، والأمر بصنع الفلك: إشارة واضحة إلى أنهم مغرقون لا محالة.\rولما تضمن سابق الكلام هذا الإيحاء بالخبر، صار المقام مقام أن يتردد المخاطب في أنهم هل صاروا محكوماً عليهم بالإغراق أم لا؟ وبطلبه، فنزل منزلة السائل، وقيل: \"إنهم مغرقون\" مؤكداً، أي: محكوم عليهم بالإغراق.\rويكثر هذا الأسلوب في القرآن الكرين، حتى إنه - كما يقول عبد القاهر - لا يدركه الإحصاء، ويأتي بعد الأوامر والنواهي.\rاستمع إلى قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ (٢).","footnotes":"(١) ... هود: ٣٧، والمؤمنون: ٢٧.\r(٢) ... الحج: ١.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584277,"book_id":8505,"shamela_page_id":130,"part":null,"page_num":133,"sequence_num":130,"body":"لما أمر بتقوى الله تعالى والخوف من عقابه، تطلعت نفس المخاطب إلى السؤال عن السبب الذي من أجله كان هذا الأمر، فأردف ذلك بقوله ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾.\rواستمع إلى قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ (١).\rالمخاطبون هنا لا ينكرون غفران الله تعالى للذنوب، فكان ظاهر حالهم يدعون إلى الإتيان بالكلام خالياً من أي تأكيد، ولكن لما كانوا قد أصرفوا على أنفسهم في مقارفة الذنوب، ونهاهم الله تعالى عن اليأس من رحمته، تطلعت نفوسهم إلى الخبر، طالبة له، وكأنهم سألوا: هل سيغفر الله الذنوب جميعاً؟ فقيل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ مؤكداً بتأكيد واحد يجيب عن تساؤلهم ويذهب ترددهم.\rوهكذا الشأن في قوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ (٣)، وقوله تعالى: على لسان لقمان -: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (٤).\rوقوله - جل وعلا - ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ (٥).\rعلى أن هذا الأسلوب - وهو من خصائص التعبير القرآني - قد","footnotes":"(١) ... الزمر: ٥٣.\r(٢) ... الذاريات: ٥٥.\r(٣) ... هود: ٩٠.\r(٤) ... لقمان: ١٧.\r(٥) ... التوبة: ١٠٣.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584278,"book_id":8505,"shamela_page_id":131,"part":null,"page_num":134,"sequence_num":131,"body":"تأثر به ابن المقفع في إرشاداته وتوجيهاته انظر إلى قوله: \"لا تكونن نزر الكلام والسلام ولا تفرطن بالهشاشة والبشاسة. فإن إحداهما من الكبر، والأخرى من الخسف\".\rفقوله: \"إن إحداهما من الكبر، جاء مؤكداً، لأنه تعليل لهذه النصيحة، وكأنه حين نهى عن النزر في القول، والإفراط في الهشاشة والبشاشة، تطلعت النفس المتلقية إلى معرفة سبب ذلك، وصارت كأنها مترددة فأسعفتها بهذه الجملة المؤكدة\" (١).\rوانظر إلى قوله: \"أعلم أن حسن الكلام لا يتم إلا بحسن العمل، وأن المريض الذي قد علم دواء مرضه إن لم يتداو به، لم يغن عليه به شيئاً، ولم يجد لدائه راحة ولا خفة، فاستعمل رأيك ولا تحزن لقلة المال، فإن الرجل ذا المروءة قد يكرم على غير مال، كالأسد الذي يهاب وإن كان رابضا، والغني الذي لا مروءة له يهان وإن كان كثير المال، كالكلب لا يحفل به، وإن طوق، وخلخل بالذهب، فلا تكبرن عليك غربتك، فإن العاقل لا غربة له: كالأسد الذي لا ينقلب إلا ومعه قوته، فلتحسن تعاهدك لنفسك: فإنك إذا فعلت ذلك جاءك الخير يطلبك كما يطلب الماء انحداره\" (٢).\rثم أعد النظر في هذه الجمل: (فإن الرجل ذا المروءة قد يكرم على غير مال) (فإن العاقل لا غربة له) (فإنك إذا فعلت ذلك جاءك الخير يطلبك) تجد أن كل جملة منها قد أكدت بتأكيد واحد شأن الجمل التي تلقى إلى السائل المتردد، مع أنها ألقيت إلى خالي الذهن، ولكن لما تقدم على كل منها ما يلوح بالخبر - وذلك عن طريق النهي عن الحزن قبل الجملة الأولى،","footnotes":"(١) ... خصائص التراكيب ٥١.\r(٢) ... كتاب \"كليلة ودمنة\" جـ ١٢١.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584279,"book_id":8505,"shamela_page_id":132,"part":null,"page_num":135,"sequence_num":132,"body":"والنهي عن الشعور الزائد بالغربة قبل الثانية، والأمر بإحسان تعاهد النفس قبل الثالثة - تطلع المخاطب إلى معرفة الخبر، فنزل منزلة السائل المتردد، وأكد له الكلام بتأكيد واحد في كل جملة من الجمل الثلاثة - كما رأيت -\rوقد جعل البلاغيون قصة بشار مع أبي عمرو بن العلاء وخلف الأحمر، أصلا في هذا الباب.\rفقد روي عن الأصمعي أنه قال: كان أبو عمرو بن العلاء، وخلف الأحمر يأتيان بشاراً فيسلمان عليه بغاية الاعظام.\rثم يقولان: يا أبا معاذ، ماذا أحدثت؟ فيخبرهما. وينشدهما\" ويكتبان عنه متواضعين له، حتى يأتي وقت الزوال، ثم ينصرفان، فأتياه يوماً، فقالا: ما هذه القصيدة التي أحدثتها في ابن قتيبة؟ قال: هي التي بلغتكما، قالا بلغنا أنك أكثرت فيها من الغريب، قال: نعم: إن ابن قتيبة يتباصر بالغريب، فأحببت أن أورد عليه ما لا يعرف قالا: فأنشدناها يا أبا معاذ فأنشدهما:\rبكرا - صاحبي - قبل الهجير ... إن ذاك النجاح في التبكير\rحتى فرغ منها، فقال له خلف: لو قلت - يا أبا معاذ - مكان (إن ذاك النجاح) (بكرا فالنجاح) كان أحسن، فقال بشار: إنما بنيتها أعرابية وحشية، فقلت: (إن ذاك النجاح).\rكما يقول الأعراب البدويون، ولو قلت: (بكرا فالنجاح) كان هذا من كلام المولدين ولا يشبه ذلك الكلام، ولا يدخل في معنى القصيدة، قال: فقام خلف فقبل بين عينيه (١).","footnotes":"(١) ... دلائل الإعجاز ص ١٧٨.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584280,"book_id":8505,"shamela_page_id":133,"part":null,"page_num":136,"sequence_num":133,"body":"فقول بشار: \"إنما بنيتها أعربية وحشية\" دليل على أن تلك الطريقة في التعبير إنما هي طريقة الأعراب الخاص، الذين لم تدنس عربيتهم شوائب اللحن.\rومثل بيت بشار: قول بعض العرب:\rفغنها - وهي لك الفداء - ... إن غناء الإبل الحداء\rلما طلب الشاعر من مخاطبة الغناء للإبل، تطلعت نفسه إلى معرفة سبب هذا الطلب، فكأنه سأل: وهل غناء الإبل هو الحداء؟ فجاء الخبر مؤكداً بأن؛ لإزالة تردد مقدر عن المخاطب.\rعلى أن التأكيد بإن بعد الأوامر والنواهي، إنما هو من خصائصها إذا كان مراداً بها إزالة تردد مقدر من المخاطب، لأنك ترى الجملة إذا هي دخلت بها ترتبط بما قبلها وتأتلف معه، وتتحد به حتى كأن الكلامين قد أفرغا إفراغاً واحداً، وكأن أحدهما قد سبك في الآخر هذه الصورة، حتى إذا جئت إلى (إن) فأسقطتها رأيت الثاني قد نبا عن الأول وتجافى معناه عن معناه، ورأيته لا يتصل به، ولا يكون منه بسبيل حتى تجيء بالفاء فنقول: بكرا - صاحبي قبل الهجير، فداك النجاح في التبكير، وغنها وهي لك الفداء فغناء الإبل الحداء، ثم لا ترى الفاء تعيد الجمليتن إلى ما كانت عليه من الألفة وترد عليك الذي كنت تجد بإن من المعنى (١).\rوقد ينزل المنكر منزلة غير المنكر، وذلك إذا كان معه من الأدلة والشواهد ما إن نأمله ارتدع عن إنكاره وذلك كما تقول لمنكر الإسلام، (الإسلام حق) هكذا من غير تأكيد؛ لأن لديه من الأدلة الدالة على نبوة محمد ﷺ ما إن لارتدع عن إنكاره.","footnotes":"(١) ... دلائل الإعجاز ص ٢٠٦، ٢٠٧.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584281,"book_id":8505,"shamela_page_id":134,"part":null,"page_num":137,"sequence_num":134,"body":"وهذا شأن الحقائق الكبرى، والقضايا العظيمة التي تلقى دون احتفال بإنكار المنكرين أو اهتمام بتكذيب المكذبين، لأنها أرفع من أن تحاط بتأكيد أو تقرير.\rثم إن لهذا الأسلوب أثره الغالب في النفس حين تجد الكلام الذي يواجه الرفض والجمود خاليًا من الاحتفال والتوكيد، خافت النبرة هامسًا بالحقيقة في غير جلجلة وضجيج (١).\rويكثر هذا الأسلوب في القرآن الكريم:\rاستمع إلى قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (٢).\rفهو خبر عظيم يفيد أن كل ما في السموات وما في الأرض من حيوان، ونبات، وجماد يسبح لذلك القدوس، وهو منكور عند الجاحدين، ولكن القرآن الكريم لم يعبأ بهذا الإنكار، وساق تلك الحقيقة الكبرى في هدوء واثق حكيم.\rومن هذا الأسلوب في الشعر قول أمير الشعراء - يرثي جدته - (٣):\rخلقنا للحياة وللممات ... ومن هذين كل الحادثات\rومن يولد يعش ويمت كأن لم ... يمر خياله بالكائنات\rومهد المرء في أيدي الرواقي ... كتعش المرء بين النائحات\rوما سلم الوليد من اشتكاه ... فهل يخلو المعمر من أذاه؟\rهي الدنيا قتال، نحن فيه ... مقاصد للحمام وللقناة","footnotes":"(١) ... خصائص التراكيب صـ ٥٤.\r(٢) ... الجمعة: ١.\r(٣) ... الشوقيات جـ ٣ ص ٤٢.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584282,"book_id":8505,"shamela_page_id":135,"part":null,"page_num":138,"sequence_num":135,"body":"وكل الناس مدفوع إليه ... كما دفع الجبان إلى الثبات\rنروع ما نروع ثم نرمي ... بسهم من يد المقدورات!\rفقد سرد أمير الشعراء قضايا عدة دون تأكيدها، على الرغم من أنها ليست مسلمًا بها من جميع الناس، ولكن لما كانت أدلة صحتها كثيرة، لو تأملها الجميع لآمنوا بها، ساقها مساق الأمور المسلمة لا اعتراض لأحد عليها.\r\rومن هذا القبيل قول أبي الطبيب يمدح سيف الدولة:\rرأيتك محض الحلم في محض قدرة ... ولو شئت كان الحلم منك المهندا\rوما قتل الأحرار كالعفو عنهم ... ومن لك بالحر الذي يحفظ اليدا؟\rإذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أكرمت اللئيم تمردا\rووضع الندى في موضع السيف بالعلا ... مضر، كوضع السيف في موضع الندى\rولكن تفوق الناس رأيًا وحكمة ... كما فقتهم حالًا، ونفسًا، ومحتدًا\rفقد ساق أبو الطيب قضايا غير مسلم بها، ولكنه لم يؤكدها لعدم اهتمامه بإنكار المنكرين لتلك القضايا مع أن هذه القضايا ما هو من الأمور الخطيرة، فقد جعل سيف الدولة، يفوق الناس جميعًا في رأيه، وحكمته، بل وفي حاله، ونفسه ومحتده!\r* * *","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584283,"book_id":8505,"shamela_page_id":136,"part":null,"page_num":139,"sequence_num":136,"body":"وقد ينزل غير المنكر منزلة المنكر: وذلك إذا ظهر عليه شيء من علامات الإنكار، فيلقى إليه الكلام مؤكدًا، وإن لم يكن في ظاهر حاله منكرًا.\rفالمسلم المهمل في أداء الصلاة، نقول له: (إن الصلاة واجبة) تنزيلًا له منزلة المفكر، وإن لم يكن منكرًا لفرضية الصلاة، لأن إهماله في أداء الصلاة أمارة من أمارات الإنكار.\rومن هذا القبيل قول الله تعالى: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا﴾ (١) فإتيان الساعة حقيقة لا ينكرها المسلمون، ولكن تصرف المسلمين حيال هذه الحقيقة تصرف من لا يؤمن بها، ولهذا خوطبوا خطاب المنكرين لقيام الساعة.\rومنه قوله تعالى - مخاطبًا النبي ﷺ: \"فإنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء\" (٢)، فالنبي ﷺ لا ينكر أنه لا يستطيع إسماع الموتى، وإسماع الصم. ولكن لما كان مبالغًا في الإلحاح على دعوة المكابرين من الكفار إلى الإسلام نزل منزلة المنكر بهذه الحقيقة، وخوطب خطاب المنكر.\rولهذا قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ، ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ (٣) مؤكدًا إثبات الموت بتأكيدين - وإن كان مما لا ينكر - لأنه نزل المخاطبين منزلة من يبالغ في إنكار الموت لتماديهم في الغفلة والإعراض عن العمل لما بعده، ولهذا قيل (ميتون) دون (تموتون) وأكد إثبات البعث تأكيدًا واحدًا - وإن كان مما ينكر - لأنه لما كانت أدلته","footnotes":"(١) ... الحج: ١.\r(٢) ... الروم: ٥٣.\r(٣) ... المؤمنون: ١٥، ١٦.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584284,"book_id":8505,"shamela_page_id":137,"part":null,"page_num":140,"sequence_num":137,"body":"ظاهرة، كان جديرًا بألا ينكر، بل إما أن يعترف به، أو يتردد فيه، فنزل المخاطبون منزلة المترددين تنبيهًا لهم على ظهور أدلته، وحثًا على النظر فيها، ولهذا جاء تبعثون على الأصل (١).\rومما هو أصل في هذا الباب قول حجلة لن فضلة الباهي:\rجاء شقيق عارضًا رمحه ... إن بني عمك فيهم رماح\rفقد رأى الشاعر شقيقًا مقبلًا غير مكترث بقومه، إذ جاء عارضًا رمحه، أي واضعًا له بالعرض على فخذه غير متهيئ لقتال، كأنه ينكر أن يكون فيهم من يستطيع لقاءه، فنزل منزلة من ينكر أن في بني عمه رماحًا، وإن لم يكن منكرًا في الحقيقة، فقال له: (إن بني عمك فيهم رماح).\rوبعد: فقد رأيت مما أسلفنا لك: أن التوكيد وعدمه إنما ينظر فيهما إلى حال المخاطب الحقيقية والاعتبارية.\rوقد ذكر الدكتور محمد أبو موسى: أن هناك ضروبًا أخرى من التوكيد لا ينظر فيها إلى حال المخاطب وإنما ينظر فيها المتكلم إلى حال نفسه، ومدى انفعاله بهذه الحقائق، وحرصه على إذاعتها. وتقريرها في النفوس كما أحمسها ص ١٣٩ مقررة أكيدة في نفسه، ولم ينس أن يرجح الفضل إلى ابن جني في هذا الباب، حيث أنه قد ذكر أن التوكيد قد يكون مرجعه إلى اهتمام المتكلم بالمعنى وأنه مستعظم له، وأن يريد أن ينقله إلى سامعه كما يجده في نفسه (٢).\rومن هذا الباب قول الله تعالى: - حكاية عن سيدنا إبراهيم - في ضراعته: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ","footnotes":"(١) ... الإيضاح: صـ ١٨.\r(٢) ... خصائص التركيب صـ ٦٠.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584285,"book_id":8505,"shamela_page_id":138,"part":null,"page_num":141,"sequence_num":138,"body":"الْمُحَرَّمِ﴾ (١) وقوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ﴾ (٢) فالتأكيد هنا لم ينظر فيه إلى حال المخاطب وإنما نظر فيه إلى حال النفس الراجية، وبين مدى انفعالها بهذا الرجاء.\rومثله ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ (٣).\rوقد يكون التأكيد لرغبة المتكلم في تقوية الكلام عند المخاطب وتقريره في نفسه - وإن كان غير مفكر له - كقوله تعالى - في مخاطبة النبي ﵇: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ (٤).\rوقوله تعالى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ (٥).\rوقوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ، وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٦).\rوقد يكون التأكيد لتحقيق الوعد - كما في قوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٧).\rوقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ (٨).","footnotes":"(١) ... إبراهيم: ٣٧.\r(٢) ... إبراهيم: ٣٨.\r(٣) ... آل عمران: ٩.\r(٤) ... الإنسان: ٢٢.\r(٥) ... طه: ١٤.\r(٦) ... الشعراء: ١٩١، ١٩٢.\r(٧) ... الحج: ٣٨.\r(٨) ... الأنبياء: ١٠١.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584286,"book_id":8505,"shamela_page_id":139,"part":null,"page_num":142,"sequence_num":139,"body":"وقوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (١).\rوقد يكون التأكيد لغرابة الخبر، وحرص المتكلم على أن يؤنس به نفس المخاطب وإن كان المخاطب لا ينكره، ومثله قوله تعالى: ﴿لَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾.\rومنه قوله تعالى يخاطب موسى ﵇ لما رأى أفاعيل السحرة وأوجس في نفسه خيفة قال له الله تعالى: ﴿لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى﴾ (٢).\rوقد يكون التوكيد إظهارًا لمعتقد النفس وإبرازًا له لتزداد النفس يقينًا به، لأن مقامها يقتضي ذلك، ومثله قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (٣).\rقال الدكتور أبو موسى: وقد يأتي التوكيد في الجمل التي كأنها نتائج لمقدمات فيلفت إليه وكأنها هي المقصودة والأهم وموضع العناية في السياق، ثم مثل بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (٤).","footnotes":"(١) ... الحج: ٣٩.\r(٢) ... طه: ٦٨.\r(٣) ... البقرة: ١٥٦.\r(٤) ... الحج: ٥ - ٦.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584287,"book_id":8505,"shamela_page_id":140,"part":null,"page_num":143,"sequence_num":140,"body":"ولكن قد يقال: إن المقدمات التي سبقت التأكيد في الجمل الأخيرة، تضمنت إيماءات وإيحاءات وإشارات إلى الخبر، فتطلعت نفس السامع إلى الخبر، فجاء الكلام في النهاية مؤكدًا.\rويشبه هذا قولهم: وقد ينزل غير السائل منزلة السائل إذا قدم ما يلوح له بحكم الخبر، فيستشرف له استشراف المتردد والطالب (١).\r\r(جـ) المجاز في الإسناد:\rعلمت مما أسلفنا لك: أنه لا بد في الجملة من مسند. ومسند إليه، وإسناد، حتى تؤدي الجملة معنى من المعاني وأن الإسناد: هم ضم كلمة أو ما يجري مجراها إلى أخرى بحيث يفيد الحكم بأن مفهوم إحداهما ثابت لمفهوم الأخرى أو منفي عنه.\rوالإسناد يأتي على ضربين: حقيقي، ومجازي:\rفأما الإسناد الحقيقي، فهو: إسناد الفعل أو ما في معناه، كالمصدر واسم الفاعل أو نحوهما مما هو في معنى الفعل، إلى ما هو له في الحقيقة.\rوذلك كما في قولك. شفى الله المريض، فإسناد الشفاء إلى الله تعالى، إسناد حقيقي، لأن الفاعل الحقيقي للشفاء إنما هو الله تعالى، وكذلك تقول في: نصر الله الجيش، وأنزل الله الغيث.\rويسمى هذا الإسناد: \"حقيقة عقلية\".\rوإما الإسناد المجاري: فهو: إسناد الفعل أو ما في معناه إلى غير ما هو له في الحقيقة.","footnotes":"(١) ... الإيضاح: ص ١٧.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584288,"book_id":8505,"shamela_page_id":141,"part":null,"page_num":144,"sequence_num":141,"body":"وذلك كما في قولك: أنبت الربيع البقل، فإسناد الإنبات إلى الربيع إسناد مجازي، لأنه ليس الفاعل الحقيقي للإنبات، وكذلك تقول في: بني الأمير المدينة، لأن الأمير ليس هو الفاعل الحقيقي للبناء، وإنما بني العمال المدينة بأمر منه.\rويسمى هذا الإسناد: \"مجازًا عقليًا\".\rوقد أشار إليه كل من سيبويه (١)، والمبرد (٢)، وابن رشيق (٣)، ولكنهم لم يضهوا له اسمًا (٤)، وقد سماه عبد القادر في الأسرار: مجازًا عقليًا، لأن المتصرف في الإسناد هو العقل ولكنه عاد فسماه في الدلائل: مجازًا حكميًا، لأن المجاز ليس في ذات الكلمة، وإنما هو في حكم جرى عليها (٥).\rوقد بين عبد القادر الجرجاني قيمته البلاغية، وروعته في نظم الكلام ووصفه بأنه \"كنز من كنوز البلاغة، ومادة الشاعر المفلق، والكاتب البليغ في الإبداع والإحسان، والاتساع في طرق البيان، وأنه يجيء بالكلام مطبوعًا مصنوعًا، وأنه بضعه بعيد المرام قريبًا من الإفهام (٦).\rوقد أنكر السكاكي المجاز العقلي، وجعله من قبيل الاستعارة المكنية، فأخرجه من علم المعاني وأدخله في علم البيان.\rولكن الخطيب قد استنكر ما ذهب إليه السكاكي، فأخرجه من علم البيان وأدخله مرة أخرى في علم المعاني.","footnotes":"(١) ... الكتاب حـ ١ صـ ١٦٩.\r(٢) ... الكامل حـ ١ صـ ١١٨.\r(٣) ... العمد حـ ١ صـ ١٧٩، صـ ١٨٠.\r(٤) ... أسرار البلاغة ٢٩٧، ٢٩٨.\r(٥) ... دلائل الإعجاز صـ ١٩٣.\r(٦) ... نفس المصدر.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584289,"book_id":8505,"shamela_page_id":142,"part":null,"page_num":145,"sequence_num":142,"body":"ولما لم يكن من المستطاع تصور المجاز العقلي قبل تصور الحقيقة العقلية قدم البلاغيون بحثهم للحقيقة العقلية بين يدي بحثهم للمجاز العقلي.\rوقد عرف الخطيب الحقيقة العقلية بأنها: \"إسناد الفعل أو ما في معناه إلى ما هو له عند المتكلم في الظاهر (١).\rوما في معنى الفعل هو: المصدر، واسم الفاعل، واسم المفعول وظرف الزمان وظرف المكان؛ واسم التفضيل.\rأما قوله: (إلى ما هو له) فمعنا: إسناد الأفعال إلى فاعليها الحقيقيين، كالذي أسلفنا لك من نحو قولك: شفى الله المريض، ونصر الله الجيش وأنزل الله الغيث.\rعلى أنه - وإن كنا نعتقد بأن الأفعال كلها مخلوقة لله تعالى - لا ينبغي أن ننسب كل فعل إلى الله تعالى، لأن منها ما لا يصح نسبته إليه سبحانه، كالأكل والشرب والقيام والقعود.\rولهذا لخص العلامة بهاء الدين السبكي وجوه الإسناد الذي يوصف بأنه حقيقي في ثلاثة أقسام:\rالأول: إسناد الفعل لمن يقع منه الفعل حقيقة، ويؤثر في وجوده، وذلك لا يكون إلا الفاعل واحد هو الله تعالى، وأفعاله مثل: خلق الله، ورزق الله:\rالثاني: إسناد الفعل لمن يقع منه حكمًا مثل: قام زيد.","footnotes":"(١) ... الإيضاح صـ ١٥.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584290,"book_id":8505,"shamela_page_id":143,"part":null,"page_num":146,"sequence_num":143,"body":"الثالث: إسناد الفعل إلى ما يتصف به مثل: مرض زيد، وبرد الماء، وأمطرت السماء (١).\rوأما قوله: (عند المتكلم) فمعناه: أن العبرة بما يعتقده المتكلم، وأن الحكم على قوله بأنه حقيقة، إنما يتوقف على اعتقاده، فالمسلم حين يقول أنبت الله الزهر يكون كلامه جاريًا على نهج الحقيقة في الإسناد. وإذا قال أنبت الربيع الزهر، كان كلامه جاريًا على نهج المجاز في الإسناد.\rولكن الملحد إذا قال: أنبت الربيع الزهر، كان كلامه جاريًا على نهج الحقيقة، لأنه استند الفعل إلى ما هو له عنده وفي اعتقاده؛ ومنه قول الله تعالى - حكاية عن الكافرين - ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ (٢).\rإذا اسندوا الإهلاك إلى الدهر وهم يعتقدون ذلك، فقد أسندوا الفعل إلى ما هو له في اعتقادهم.\rوقد أشار بقوله \"في الظاهر\" إلى أن الإسناد في قول القائل إنما يكون حقيقة إذا كان ذلك ظاهرًا من حاله، أما ما يضمره في نفسه فلا شأن لنا به.\rولهذا كان قول الملحد لمن لا يعرف حاله: أنبت الله البقل حقيقة، لأنه - وإن لم يكن يعتقد ذلك - إلا أنه لا يعرف حاله.\rولهذا كانت صور الإسناد الحقيقي - عند الخطيب - أربعة:\rالأولى: صورة تطابق الواقع والاعتقاد كليهما وذلك كقول المؤمن \"أنبت الله البقل\".","footnotes":"(١) ... عروس الأفراح ١/ ٢٢٨.\r(٢) ... الجاثية: ٢٤.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584291,"book_id":8505,"shamela_page_id":144,"part":null,"page_num":147,"sequence_num":144,"body":"والثانية: صورة تطابق الواقع دون الاعتقاد، كقول المعتزلي - لمن لا يعرف حاله وهو يخفيها عنه:\rخالق الأفعال كلها هو الله - والمعتزلي يعتقد أن أفعال العباد مخلوقة لهم.\rوالثالثة: صورة تطابق الاعتقاد دون الواقع، كقول الجاهلي: شفى الطبيب المريض، ومنه: \"وما يهلكنا إلا الدهر\".\rوالرابعة: صورة لا نطابق شيئًا منهما، وذلك كالأقوال الكاذبة، مثل: جاء محمد - وهو لم يأت -.\rأما المجاز العقلي، فقد عرفه الخطيب بقوله \"هو إسناد الفعل أو ما في معناه إلى ملابس له غير ما هو له بتأول\".\rوأنت تلاحظ الفرق بين تعريف الخطيب للقزويني للحقيقة العقلية، وتعريفه للمجاز العقلي: فقد قال هناك: (إلى ما هو له) وقال هنا: (إلى ملابس له غير ما هو له).\rفالفعل في الحقيقة يسند إلى فاعله الحقيقي، ولكنه في المجاز العقلي يسند إلى غير فاعله الحقيقي أي أنه يسند إلى ما يلابس الفعل؛ أي: ما كانت له بالفعل، أي الحدث. ملابسة: أي علاقة، فالملابسة هي العلاقة.\rوللفعل علاقات شتى: فله علاقة بالفاعل لأنه واقع منه، وله علاقة بالمفعول، لأنه واقع عليه، وله علاقة بالمصدر، لأنه أصل للحدث وله علاقة بالزمان والمكان، لوقوعه فيهما، وله علاقة بالسبب، لأنه مسهب عنه.\r\rعلى أن هذه العلاقات، وإن لم تكن هي كل علاقات المجاز العقلي - إلا أنها أشهر هذه العلاقات:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584292,"book_id":8505,"shamela_page_id":145,"part":null,"page_num":148,"sequence_num":145,"body":"١ - الفاعلية:\rوهي: أن يسند الفعل المبني للمفعول إلى الفاعل، وذلك كما في قولك:\rماء مغمور، وسيل مفعم، فالماء لا يكون مغمورًا، وإنما هو غامر، والسيل لا يكون مفعمًا - بفتح العين - وإنما هو مفعم - بكسر العين - وذلك لأن الماء هو فاعل الغمر، والسيل هو فاعل الإفعام فاسم المفعول هذا بمعنى اسم الفاعل، وهو مجاز عقلي علاقته الفاعلية.\rومنه: قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ (١).\rفمستور هنا بمعنى ساتر، لأن الحجاب ساتر وليس مستوراً، فاسم المفعول هنا بمعنى اسم الفعل، وهو مجاز عقلي علاقته الفاعلية.\rومنه قول الله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (٢)﴾ أي آتيا، فاسم المفعول هنا: وهو: (مأتى) بمعنى اسم الفاعل، أي: (آت)، فقد اسند اسم المفعول إلى ضمير اسم الفاعل على سبيل المجاز العقلي، والعلاقة هي الفاعلية.","footnotes":"(١) ... الإسراء: ٩.\r(٢) ... مريم: ٦١.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584293,"book_id":8505,"shamela_page_id":146,"part":null,"page_num":149,"sequence_num":146,"body":"٢ - المفعولية:\rوهي: أن يسند الفعل المبني للفاعل إلى المفعول به، وذلك كما في قوله الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ (١) فالعيشة مرضية، وليست راضية، لأن الذي يرضى هو صاحب العيشة، لأن الأصل: رضي الإنسان عيشته، فالعيشة مفعول به، وليس فاعلًا، فاسم الفاعل هنا بمعنى اسم المفعول، فهو من إسناد اسم الفاعل إلى ضمير اسم المفعول، على سبيل المجاز العقلي، والعلاقة هي المفعولية.\rوكما في قول الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾ (٢)، والحرم مأمون، وليس آمنا، فقد أسند الأمن إلى الحرم، وكان حقه أن يسند إلى أهل الحرم. فآمن هنا: بمعنى مأمون، فكأنه أسند اسم الفاعل إلى ضمير اسم المفعول، فهو مجاز عقلي علاقته بالمفعولية.\rومنه قول علي بن الجهم:\rفافزع إلى ذخر الشئون وعذبه ... فالدمع يذهب بعض جهد الجاهد\rقال الآمدي: ولو استقام له: (بعض جهد المجهود) لكان أحسن وأليق، ولكن هذا أغرب وأطرف (٣).","footnotes":"(١) ... القارعة: ٦، ٧.\r(٢) ... القصص: ٥٧.\r(٣) ... الموازلة: ١/ ٢١٦.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584294,"book_id":8505,"shamela_page_id":147,"part":null,"page_num":150,"sequence_num":147,"body":"٣ - المصدرية:\rوهي أن يسند الفعل إلى مصدره، وذلك كما في قولهم: \"شعر شاعر\" فإن الشاعر هو صاحب الشعر لا الشعر، وكما في قولهم: \"جد جده\" حيث أسندوا الجد إلى الجد نفسه، والأصل في ذلك: شعر شاعر صاحبه، وجد صاحب الجد.\rومنه قول أبي فراس الحمداني:\rسيذكرني قومي إذا جد جدهم ... وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر\rفقد أسند الفعل إلى المصدر، وليس الجد هو الفاعل الحقيقي، ولكن الفاعل الحقيقي هو الرجل الجاد، فإسناد الفعل هنا إلى مصدره مجاز عقلي، علاقته المصدرية.\rومنه قول الشاعر:\rتكاد عطاياه يحن جنونها ... إذا لم يعوذها برقية طالب\rفقد أسند الفعل وهو: (يحن) إلى مصدره وهو جنونها، وهو مجاز عقلي علاقته المصدرية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584295,"book_id":8505,"shamela_page_id":148,"part":null,"page_num":151,"sequence_num":148,"body":"٤ - الزمانية:\rوهي أن يسند الفعل إلى زمانه، وذلك كما في قولهم: نهاره صائم، وليلة قائم.\rفقد أسندوا الصوم إلى ضمير النهار، وأسندوا القيام إلى الليل، والصائم هم الناس في النهار، وكذلك القائم هم الناس في الليل، وليس الليل.\rولكنهم أسندوا الحدث إلى الزمان لوقوعه فيه. على سبيل المجاز العقلي، والعلاقة هي الزمانية.\rومثله قول النبي ﷺ: \"اللهم إني أحمدك على العرق الساكن والليل النائم: والليل لا ينام ولكن ينام الناس فيه، فقد أسند النون إلى الليل لوقوعه فيه.\rومنه قول الله تعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ (١) فقد أسند المكر إلى الليل والنهار؛ وهما مما لا يتأتى منه المكر، وإنما يقع المكر فيهما، فهو مجاز عقلي علاقته الزمانية.\rوقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ (٢)، فقد أسند إلى اليوم فعل الشيب إسنادًا مجازيًا، لأن فعل الشيب يقع في ذلك اليوم.\rوقوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ (٣)،","footnotes":"(١) ... سبأ: ٣٣.\r(٢) ... المزمل: ١٧.\r(٣) ... يونس: ٦٧.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584296,"book_id":8505,"shamela_page_id":149,"part":null,"page_num":152,"sequence_num":149,"body":"والنهار لا يبصر ولكن يبصر الناس فيه، فإسناد الإبصار إلى النهار مجاز عقلي علاقته الزمانية.\rومن المتداول في هذا الباب قول جرير:\rلقد لمتنا يا أم غيلان في السرى ... ونمت، وما ليل المطى بنائم\rفقد أسند النوم إلى الليل، والليل لا ينام، وإنما ينام الشاعر فيه، فهو مجاز عقلي علامته الزمانية.\rومنه قول أبي البقاء الرندي:\rهي الأمور - كما شاهدتها - دول ... من سره زمن ساءته أزمان\rفقد أسند فعل السرور والإساءة إلى الزمان، وهو لا يقع منه ذلك ولكن يقع فيه.\r\r٥ - المكانية:\rوهي أن يسند الفعل إلى مكانه، ومن أمثلته قولهم: طريق سائر، ونهر جار فقد أسند السير إلى الطريق، والطريق لا يسير وإنما يسير الناس فيه، فإسناد السير إلى الطريق مجاز عقلي علاقته المكانية.\rوكذلك أسند الجريان إلى النهر، وإنما يجري الماء فيه، فإسناد الجريان إلى النهر مجاز عقلي علاقته المكانية.\rقال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ﴾ (١) فالأنهار اسم لمكان جريان الماء، فالأنهار لا تجري في الحقيقة، ولكن تجري المياه فيها، فإسناد الجريان إلى الأنهار مجاز عقلي علاقته المكانية.","footnotes":"(١) ... الأنعام: ٦.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584297,"book_id":8505,"shamela_page_id":150,"part":null,"page_num":153,"sequence_num":150,"body":"وقال الله تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ (١)، فقد أسند إخراج الأثقال إلى الأرض، لأنها مكان الإخراج، والفاعل الحقيقي لهذا الإخراج هو الله تعالى فهو مجاز عقلي علاقته المكانية.\r\r٦ - السببية:\rوهي: أن يسند للفعل إلى سببه: ومن أمثلتهم لهذه العلاقة قولهم: \"محبتك جاءت بي إليك، فالمحبة لم تجيء بك، وإنما أنت الذي جئت بسبب هذه المحبة، فإسناد المجيء إلى المحبة مجاز عقلي علاقته السببية.\rقال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ﴾ (٢) فأسند التدبيح إلى فرعون، وليس فاعلًا حقيقيًا له، وإنما هو آمر فقط بالتدبيح، فهو سبب فيه، ولهذا فإن الإسناد مجاز عقلي علاقته السببية.\rوقال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ (٣) فأسند زيادة النفور إلى النذير وليس فاعلًا حقيقيًا له، فهو مجاز عقلي علاقته السببية.\rومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ (٤) أسند زيادة الإيمان إلى الآيات لأنها سبب فيها.\rومنه قول أبي الطيب:\rوتحيى له المال الصوارم والقنا ... ويقتل ما تحيي التبسم والجدا","footnotes":"(١) ... الزلزلة: ٢.\r(٢) ... القصص: ٤.\r(٣) ... فاطر: ٤٢.\r(٤) ... الأنفال: ٣.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584298,"book_id":8505,"shamela_page_id":151,"part":null,"page_num":154,"sequence_num":151,"body":"لما كان الصوارم والقنا سببًا في إحياء المال بمعنى جمعه، وكان التبسم والجدا سببًا بمعنى إنفاقه على العافين، جاز أن يسند الأحياء إلى الصوارم والقنا، وأن يسند القتل إلى التبسم والجدا، على سبيل المجاز العقلي، لعلاقة السببية.\rهذه هي العلاقات التي تصورها الخطيب للجاز العقلي، لأنها هي التي يشملها تعريفه، حيث قصر المجاز العقلي على إسناد الفعل أو ما في معناه.\rوقد نبه العلامة السبكي إلى هذا، وذكر علاقتين أخريين لم يشملهما تعريف الخطيب وهما:\r(أ) الوصف أو الإخبار بالمصدر، في مثل وجل عدل، وقول الخنساء:\rترتع ما غفلت حتى إذا أذكرت ... فإنما هي إقبال وأدبار\r(ب) وصف الشيء: بوصف محدثه وصاحبه، كما في: الكتاب الحكيم، والأسلوب الحكيم، إذ الحكمة في الحقيقة ليست وصفًا للكتاب وإنما هي وصف لصاحبه وليست في الحقيقة وصفًا للأسلوب وإنما هي وصف لصاحبه كذلك.\rومن العلاقات التي ذكرها الزمخشري - وأغفلها تعريف الخطيب:\r(أ) إسناد الفعل إلى الجنس كله - وهو في الحقيقة مسند إلى بعضه - كقولهم بنو فلان قتلوا فلاناً وإنما القاتل رجل منهم.\rومثله قوله تعالى: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ﴾ (١) أسند العقر إليهم جميعًا، مع أن العقر لم يباشره إلا بعضهم.","footnotes":"(١) ... الأعراف: ٧٧.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584299,"book_id":8505,"shamela_page_id":152,"part":null,"page_num":155,"sequence_num":152,"body":"(ب) إسناد الفعل إلى آلته، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ (١).\r(جـ) إسناد الفعل إلى ما له مزيد اختصاص وقربي بالفاعل الحقيقي، كما في قوله تعالى: ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾ (٢) أسند الملائكة فعل التقدير إلى أنفسهم - وهو لله وحده - لما لهم من القربى والاختصاص بالله - كما يقول خاصة الملك: دبرنا كذا وأمرنا بكذا، والمدبر والآمر هو الملك. وإنما يظهرون بذلك اختصاصهم وأنهم لا يتميزون عنه (٣).\rولهذا كان تعريف عبد القاهر للمجاز العقلي بأنه \"كل جملة أخرجت الحكم المفاد بها عن موضوعه في الفعل لضرب من التأول\" هو التعريف الأمثل للمجاز العقلي، لأنه لم يحدد علاقاته.\rوقد أشار الخطيب - في تعريفه - بقوله: \"بتأول\": إلى أن قول الجاهل: شفى الطبيب المريض، ليس من باب المجاز، بل هو من باب الحقيقة، لأن الجاهل لا يتأول في كلامه.\rولهذا لم يحمل قول الشاعر الحماسي:\rأشاب الصغير وأفنى الكبير ... كر الغداة وهو العشى\rعلى المجاز ما لم يعلم أو يظن أن قائله لم يرد ظاهره، كما استدل على أن إسناد (ميز) إلى (جذب الليالي) - في قول أبي النجم:","footnotes":"(١) ... البقرة: ٢٨٣.\r(٢) ... الحجر: ٦٠.\r(٣) ... خصائص التراكيب صـ ٧٦.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584300,"book_id":8505,"shamela_page_id":153,"part":null,"page_num":156,"sequence_num":153,"body":"قد أصبحت أم الخيار تدعى ... على ذنبا كله لم أصنع\rمن أن رأت رأسي كراس الأصلع ... ميز عنه تنزعا من تنزع\rجذب الليالي أبطئي أو أسرعي\rمجاز بقوله عقيبه:\rأفناه قيل الله الشمس أطلعي ... حتى إذا وأراك أفتى فارجعي\rوالذي يدلنا على أن المتكلم متأول في كلامه: هو القرينة التي تصرف السامع مع إرادة الظاهر إلى المراد من الكلام: وهي ضربان: لفظية ومعنوية:\rفاللفظية: هي أن يكون في الكلام لفظ يصرفه عن إرادة ظاهرة، أي عن أن يكون الإسناد على حقيقته، وذلك كما في قول الصلتان العبدي، من قصيدة ينصح بها ابنه:\rأشاب الصغير، وأفني الكبير ... كر الغداة ومر العثى ص ١٥٦\rنروح وتغدو لحاجاتنا ... وحاجة من عاش لا تنقضي\rتموت مع المرء حاجاته ... وتبقى له حاجة ما بقى\rإلى أن قال:\rألم تر لقمان أوصى ابنه ... وأوصيت عمرًا، ونعم الوصي\rفملتقا، أننا مسلمون ... على دين صديقنا والغبي ص ١٥٦\rوالشاهد: أفي البيت الأول: حيث أسند الشاب وأفنى إلى كر الغداة ومر العشى، وهو إسناد مجازي من إسناد الفعل إلى سببه، وقرينته،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584301,"book_id":8505,"shamela_page_id":154,"part":null,"page_num":157,"sequence_num":154,"body":"البيتان الأخيران، فإن مراده بوصية لقمان: قوله: \"يا بني لا تشرك بالله، إن الشرك لظلم عظيم، وفي هذا القول دليل على أن القائل متجوز في كلامه - سيما البيت الأخير -، فهو أصرح في الدلالة على هذا التجوز، فكلا البيتين قرينة \"لفظية صارفة\" عن أن يكون إسناد الإشابة والإفناء إلى تعاقب الأيام والليالي إسنادًا حقيقيًا.\rوالمعنوية: هي: ألا يكون في الكلام لفظ يصرفه عن إرادة الظاهر منه، بل هو أمر خارج عن اللفظ وذلك لأحد أمرين:\rالأول: أن يكون صدور المسند من المسند إليه، أو قيامه به مستحيلًا عقلًا أو عادة.\rفالمستحيل عقلًا، كما في قولك: \"محبتك جاءت بي إليك\" فإسناد المجيء إلى المحبة مجاز عقلي علاقته السببية وقرينته، استحالة صدور المجيء من المحبة عقلًا.\rوالمستحيل عادة: كما في قولهم هزم القائد الجيش، فإسناد الهزيمة إلى القائد مجاز عقلي: علاقته السببية، وقرينته: استحالة أن يهزم القائد الجيش وحده عادة - وإن أمكن ذلك عقلًا -.\rومنه قولهم: \"بني صلاح الدين القلعة\" و\"فتح عمرو بن العاص مصر\".\rالثاني: أن يكون الكلام صادرًا عن الموحد، كقول غلام لبشام بن عبد الملك: \"أصابتنا سغون ثلاثة: فسنة \"أكلت اللحم، وسنه أذابت الشحم، وسنة طحنت العظم، فهذه الأسانيد الثلاثة مجازات عقلية، من إسناد الفعل إلى الزمان، أو إلى السبب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584302,"book_id":8505,"shamela_page_id":155,"part":null,"page_num":158,"sequence_num":155,"body":"وقربنه التحوز فيها: صدور هذا القول من مؤمن يرى أن الله تعالى مصدر الأفعال كلها.\rفالقرينة - إذن - في هذين الموضعين معنوية، إذ ليس في الكلام لفظ صريح يدل على التجوز في الإسناد، وإنما الدال عليه أمر معنوي (١).\r\rالفرق بين المجاز العقلي والمجاز اللغوي:\rفرق الإمام عبد القاهر الجرجاني بين المجاز اللغوي، والمجاز العقلي بأن الأول يقع في المثبت، وأن الثاني يقع في الإثبات، وأن المتصرف في الإثبات هو العقل الذي يقيم الروابط والصلات، فالذي يعود إلى واضع اللغة أن (ضرب) لإثبات الضرب وليس لإثبات الخروج، وأنه لإثباته في زمان ماض، وليس لإثباته في زمان مستقبل، فأما نعين متى يثبت له، فيتعلق بمن أراد ذلك من المخبرين والمعبرين عن ودائع الصدور والكاشفين عن المقاصد والدعاوى صادقة كانت تلك الدعاوى أو كاذبة، ومجرأة على صحتها، أو مزالة عن مكانها من الحقيقة وجهتها (٢).\r\rتقسيم المجاز العقلي باعتبار طرفيه:\rينقسم المجاز العقلي باعتبار حقيقة الطرفين ومجازيتهما إلى أربعة أقسام:\rالأول: ما كان الطرفان فيه حقيقتين لغويتين. كما في قول المؤمن:","footnotes":"(١) ... المنهاج الواضح في البلاغة للأستاذ حامد عوني.\r(٢) ... أسرار البلاعة صـ ٣٢٧.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584303,"book_id":8505,"shamela_page_id":156,"part":null,"page_num":159,"sequence_num":156,"body":"شفى الطبيب المريض فكل من (شفى) و (الطبيب) مستعمل في المعنى الذي وضع له، ولكن التجوز إنما هو في إسناد (شفى) إلى (الطبيب).\rومنه قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ (١) فقد أسندت زيادة الإيمان إلى الآيات على سبيل المجاز العقلي، لأن الآيات سبب فيها، ومع هذا فإن الطرفين وهما: الزيادة، والآيات؛ مستعملان في معنييهما.\rومنه قول جميل بن معمر:\rوشبب أيام الفراق مفارقي ... وأنشرن نفسي فوق حيث تكون\r\"مفارقي\" جمع مفرق على زنه مقعد ومجلس: وهو في الأصل: وسط الرأس حيث يفرق الشعر، والمراد هنا: عامة الشعر و\"وآنشرن\" رفعن، يقول: أن أيام الفراق - لما فيها من آلام السهر والفكر - أشاعت الشيب في رأسي على غير موعد، ونزعت النفس من مكانها حتى بلغت الحلقوم.\rوقد أسند التشبيب إلى أيام الفراق، على سبيل المجاز العقلي، لأن الفعل قد أسند إليه إلى زمانه، والطرفان مستعملان في حقيقتيهما.\rوالثاني ما كان الطرفان فيه مجازين لغويين، وذلك كما في قولك: \"أحيا الأرض شباب الزمان\" فالإحياء - وهو إيجاد الحياة - قد استعمل (٢)","footnotes":"(١) ... الأنفال: ٢.\r(٢) ... الزلزلة: ٢.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584304,"book_id":8505,"shamela_page_id":157,"part":null,"page_num":160,"sequence_num":157,"body":"في غير معناه، وهو: إيجاد نضارة الأرض وإحداث خضرتها، فقوله: (أحيا) استعارة تبعية.\rوكذلك الشباب مستعمل في غير معناه، لأنه فترة القوة والحيوية في الإنسان، وقد استعيرت لزمن الربيع.\rوكما في قولك: \"أحيتنا مصابيح الإسلام\"، أي: هدتنا علماؤه، فالطرفان وهما: (أحيا) و (مصابيح) مستعملان في غير ما وضعا له، وذلك لأن الإحياء في الأصل: إيجاد الحياة في الحيوان، ثم نقل إلى معنى الهداية على سبيل الاستعارة التبعية.\rوالمصابيح في الأصل، جمع مصباح، وهو السراج، ثم استعمل في العلماء على سبيل الاستعارة الأصلية.\rولعل هذه الصورة من صور المجاز لم تدر على السنة العرب، ولهذا لم نجوا أحدًا ممن شرحو تلخيص الخطيب القزويني قد أتى بشاهد مأثور لهذه الصورة، لا من الشعر ولا من النثر.\rاللهم إلا ما تكلفوا من أمثلة مصنوعة، ليتموا بها قسمتهم العقلية.\rالثالث: ما كان فيه المسند حقيقة، والمسند إليه مجازًا، وذلك في قولك:\rهدتنا مصابيح الإسلام، فالمسند وهو \"الهداية\" مستعمل في حقيقته، والمسند إليه - وهو المصابيح - مستعمل في مجازه، والإسناد مجاز عقلي\" من إسناد الفعل إلى سببه، لأن الهادي هو الله تعالى والعلماء سبب في الهداية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584305,"book_id":8505,"shamela_page_id":158,"part":null,"page_num":161,"sequence_num":158,"body":"ومنه قول ابن خفاجة:\rوإني إذا ما شاقني لحامة ... رنين وهزتني لبارقة ذكرى\rلأجمع بين الماء والنار لوعة ... فمن مقلة ريا ومن مقلة حرى\rفقد أراد بالرتين صوت الحمامة، وإنما هو الهديل والسجع والترجيع، والتطريب، فاستعمال الرنين في صوت الحمامة مجاز بتشبيه هديلها بالرنين، وإسناد الشوق إلى الرنين مجاز عقلي من إسناد الفعل إلى سببه.\rوفي هذا التجوز توضيح للأثر العميق الذي أحسه الشاعر بسماع صوت الحمام وكأنه هو الذي فعل فيه الشوق وأحدثه.\rالرابع: ما كان المسند - فيه - مجازًا، والمسند إليه حقيقة، وذلك كما في قوله تعالى - حكاية عن زكريا عليه -: ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ (١).\rأراد بالاشتعال، ظهور شيب الرأس، على سبيل الاستعارة التبعية، ليفيد معنى العموم والمفاجأة في الظهور، ثم أسند الاشتعال إلى الرأس؛ والرأس مكان الاشتعال لأن المشتعل هو الشعر، ليفيد بهذا الإسناد إحساسه بمعموم الشيب واستغراقه لجميع رأسه؛ وهو مجاز عقلي علاقته المكانية.\rومنه قول أبي الطيب:\rوتحيي له المال الصوارم وألقنا ... ويقتل ما تحيي التبسم والجدا\rفالشاعر يصف قوة بطش الممدوح، وبسطة كمفه بالعطاء، وانتزاعه","footnotes":"(١) ... مريم.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584306,"book_id":8505,"shamela_page_id":159,"part":null,"page_num":162,"sequence_num":159,"body":"المال من أيدي الأعداء بقوة السلاح ثم اهتزازه للندى وبذله ما أستلبه من المال لذوي الحاجات والمعوزين.\rوقد استعار الإحياء لجمع المال وانتزاعه من يد الأعداء، واستعار القتل لبذلته وإنفاقه على المعوزين والمسند - في الموضعين - مستعمل \"في غير معناه الحقيقي، ثم أسند الإحياء إلى الصوارم والقنا، وأسند القتل إلى التبسم والجدا، على سبيل المجاز العقلي، إسنادًا للفعل إلى سببه.\rوقد نبه عبد القاهر إلى أنه ليس كل شيء يصلح لأن تتعاطى فيه المجاز العقلي بسهولة، بل إنك لتجد نفسك - في كثير من الأمر - محتاجًا إلى أن تهيئ لذلك بشيء تتوخاه في نظم الكلام.\rثم ألمح إلى مقصوده بذكر مثال لتلك الصورة الرابعة من صور المجاز العقلي، فقال، وإن أردت مثالًا في ذلك، فانظر إلى قوله:\rتناس طلاب العامرية إذا فات ... بأسجح مر قال الضحى قلق الضفر\rإذا ما أحسته الأفاعي تحيزت ... شواة الأفاعي من مثلة سمر\rتجوب له الظلماء عين، كأنها ... زجاجة شرب؛ غير ملآي ولا صفر\".\rالأسجح من الإبل هو الرقيق المشفر، ومر قال الضحى: المسرع للسير فيه، وهو وقت الحر. والضفر: الحزام؛ وقلقه يكون من الضمور، وتحوز عنه: تنحى، وتحوزت الحية: تقلبت، والشواة، الجلوه، والمثلمة السمر: هي الأخفاف؛ وثلبها يكون من السير على الحجارة؛ أي إذا مشى ليلًا والأفاعي خارجة من جحورها، وأحست به: انقبضت جلودها عن طريق خوفًا من أخفافها، وجاب المغازة: قطعها، وجاب الشيء خرقه؛ والشرب: جماعة الشاربين، والصغر: الخالية.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584307,"book_id":8505,"shamela_page_id":160,"part":null,"page_num":163,"sequence_num":160,"body":"يصف الشاعر جملًا له؛ ويريد أنه يهتدي بنور عينه في الظلماء، ويمكنه بها أن يخرقها ويمضي فيها، ولولاها لكانت الظلماء كالسد والحاجز الذي لا يجد شيئًا يفرجه به، ويجعل لنفسه فيه سبيلًا.\rفلولا أنه قال: (تجوب له)؛ فعلق (له) بتجوب \"لما صلحت العين لأن يسند (تجوب) إليها، ولكنت لا تتبين جهة التجوز في جعل (تجوب) فعلًا للعين كما ينبغي؛ وكذلك لو قال: - مثلًا -: تجوب له الظلماء عينه؛ لم يكن له هذا الموقع، ولا اضطرب عليه معناه وانقطع السلك من حيث كان يعيبه حينئذ أن يصف العين بما وصفها به الآن (١).\rعلى أن هذه التهيئة المجاز العقلي في قول الشاعر، \"تجوب له الظلماء عين\" شبيهة بما في قول أبي الطيب: (وتحيي له المال الصوارم والقنا)؛ فإن موقع (له) هنا سبيه بموقعها هنا لك.\rرأيت أن المجاز هو فرع الحقيقة؛ وأن المجاز العقلي هو فرع الحقيقة العقلية؛ فهل يلزم في كل مجاز عقلي أن يكون للمسند فاعل على حقيقي في تقدير المتكلم؟ أم أن هذا الأمر ليس يلازم؟ إنك إذا ما راجعت تراكيب المجاز العقلي، وجدت منها ما يمكنك أن ترجع بالفعل فيه إلى فاعله الحقيقي، وذلك كما في قول الله تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ لأنه يمكنك أن تقول: فما ربحوا في تجارتهم؛ وكما قولهم: \"أخرج الغيث النبات\" فإنه يمكنك أن تقول؛ أخرج الله النبات بالغيث. وكما في قوله، (تجوب له الظلماء عين\" فإنه يمكنك أن تقول: يجوب الجمل الظلماء بعينه.\rولكنك إذا فعلت ذلك كنت قد أذهبت من الكلام مزيته التي تجلت في النظم البلاغي، وأتيت بحديث مرذول، وقول مغسول - كما يقولون -.","footnotes":"(١) ... دلائل الإعجاز: صـ ١٩٥.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584308,"book_id":8505,"shamela_page_id":161,"part":null,"page_num":164,"sequence_num":161,"body":"ومنها: ما لا يمكنك أن ترجع بالفعل فيه إلى فاعله الحقيقي؛ وذلك كما في قولهم: أقدمني بلدك حق لي على فلان؛ فالإقدام - هنا - مسند إلى الحق؛ والحق ليس فاعلًا حقيقيًا للإقدام وإنما هو سبب فيه؛ فهو مجاز عقلي علاقته السببية، ولكنه لا يمكنك أن ترجع بالفعل فيه إلى فاعله الحقيقي لأنهم لم يتعودوا الإسناد الحقيقي لهذا التركيب.\rوكذلك قول الشاعر:\rوصيرني هواك وبي ... - لحيني - يضرب المثل\rيقول إن هواك صيرني مثلًا يضرب الهلاك المحب، فأسند صير إلى هواك، والهوى لم يصيره، وإنما هو سبب فقط، فهو مجاز عقلي علاقته السببية، ولكنه لا يمكنك أن ترجع بالفعل فيه إلى فاعله الحقيقي، لأنهم لم يتعودوا الإسناد الحقيقي لهذا التركيب - أيضًا - وهكذا الشأن في قول أبي نواس:\rيزيدك وجهه حسنًا ... إذا ما زدته نظرًا\rيقول: إنك كلما ازددت نظرًا إلى وجهه، تكشفت لك روائع حسنه، فأسند الزيادة إلى الوجه، وهو ليس فاعلًا حقيقيًا للزيادة، ولكنهم لم يتعودوا الرجوع بهذا الإسناد إلى حقيقته.\rولهذا قال عبد القاهر: \"واعلم أنه ليس بواجب في هذا أن يكون للفعل فاعل في التقدير إن أنت نقلت الفعل إليه عدت به إلى الحقيقة، مثل أن تقول في: \"فما ربحت تجارتهم\" ربحوا في تجارتهم وفي: \"يحمي نساءنا ضرب\": نحمي نساءنا بضرب، فإن ذلك لا يتأتى في كل شيء، ألا ترى أنه لا يمكنك أن تثبت الفعل - في قولك: \"أقدمني بلدك حق لي على إنسان\" فاعلًا سوى الحق؟ وكذلك لا تستطيع في قوله:\rوصيرني هواك، وبي ... - لحيني - يضرب المثل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584309,"book_id":8505,"shamela_page_id":162,"part":null,"page_num":165,"sequence_num":162,"body":"وقوله:\rيزيدك وجهه حسنًا ... إذا ما زدته نظرًا\rأن تزهم أن لصيرني فاعلًا قد نقل عنه فجعل الهوى، كما فعل ذلك في \"ربحت تجارتهم\" و\"يحمي نساءنا ضرب\"؟ ولا تستطيع كذلك أن تقدر ليزيد في قوله: \"يزيدك وجهه: فاعلًا غير الوجه\" (١).\rولكن الخطيب القزويني قد ذهب إلى أن الفعل في المجاز العقلي يجب أن يكون له فاعل في التقدير إذا أسند الفعل إليه يكون الإسناد حقيقة، غير أنه تارة يكون ظاهرًا، يدرك بأدنى تأمل كما في قول الله تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾، أي: فما ربحوا في تجارتهم، وتارة يكون خفيًا، لا يظهر إلا بعد نظر وتأمل، كما في (سرتني رؤيتك)، أي سرني الله عند رؤيتك، وقوله:\rيزيدك وجهه حسنًا ... إذا ما زدته نظرًا\rأي: يزيدك الله حسنًا في وجهه، لما أودعه من دقائق الحسن والجمال.\rوكأن الخطيب - برأيه هذا - يعرض بالشيخ عبد القاهر، ويرد عليه فيما أسلفنا له من رأى في هذا الموضوع.\rوقبل الخطيب القزويني لخص الإمام فخر الدين الرازي ﵀ في نهاية الإيجاز، كتابي عبد القاهر: دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة، واعترض على رأيه هذا، بأن الفعل لابد أن يكون له فاعل حقيقة لامتناع صدور الفعل لا عن فاعل. فهو إن كان ما أسند إليه الفعل فلا مجاز، وإلا فيمكن تقديره.","footnotes":"(١) ... دلائل الإعجاز صـ ١٩٣، صـ ١٩٤.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584310,"book_id":8505,"shamela_page_id":163,"part":null,"page_num":166,"sequence_num":163,"body":"ثم جاء أبو يعقوب السكاكي فزهم أن اعتراض الرازي حق، وأن فاعلي هذه الأفعال هو الله تعالى، وأن الشيخ عبد القاهر لم يعرف حقيقتها لخفائها، فتتبعه الخطيب القزويني على هذا الرأي؛ يقول العلاقة سعد الدين التفتازاني في مختصره: \"وفي ظني أن هذا تكلف وأن الحق ما ذكره الشيخ\" (١).\rوقد تابع الدكتور محمد أبو موسى رأي العلامة سعد الدين التفتازاني في هذا الموضوغ وحمل على الإمام الرازي حملة شعراء لأن كثيرًا من الشراح قد انصرفوا عن رأي عبد القاهر وشايعوا الرازي والسكاكي فيما ذهبا إليه ودافع عن الشيخ دفاعًا مخلصًا، يتخلص فيما يلي:\rأولًا: أن القول بأن الفعل لابد له من فاعل كلام لا ينقضه من له عقل، ولكنه لا يرد على عبد القاهر لأن عبد القاهر لم يتعرض لهذه القضية، وإنما يقول: إن هناك تراكيب جرت في لسانهم على أسلوب المجاز في الإسناد ولم يعهدها لسانهم جارية على أسلوب الحقيقة، وهو لا يدعى أن هناك أفعالًا تصدر من غير فاعل.\rثانيًا: أن عبد القاهر لا ينكر عن ناحية العقل تلك التقديرات التي ذهب إليها السكاكي في هذه الصور التي قال عنها عبد القاهر: \"إنه لا يمكنك أن تثبت للفعل فيها فاعلًا سوى المذكور\" من مثل قوله: أقدمتني نفسي لأجل حق على فلان، وصبرني الله بسبب هواك، ويزيدك الله حسنًا في وجهه، وإنما ينكر أن تكون هذه الاستعمالات متعارفة، وأنها مما جرى بها لسانهم.\rثالثًا: أن هذه التأويلات تكلف وتطلب لما لا يقصد في الاستعمال، ولا يتعلق به الغرض من التركيب - كما أشار البنائي -.","footnotes":"(١) ... مختصر العلامة سعد الدين التفتازاني (شرح التلخيص) جـ ١ ص ٢٦٣.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584311,"book_id":8505,"shamela_page_id":164,"part":null,"page_num":167,"sequence_num":164,"body":"غير أن صريح كلام عبد القاهر يفيد أنه لا يمكنك أن تثبت للفعل في هذه الأفعال، أو أن تزعم أن لها فاعلًا قد نقل عنه للفعل.\rوأما القول بأن عبد القاهر يقول: إن هناك تراكيب جرت على لسانهم على أسلوب المجاز في الإسناد، ولم يعهدها لسانهم جارية على أسلوب الحقيقة، فإن هذا القول إنما هو تفسير - فقط - لكلام عبد القاهر، وليس صريح كلامه.\rعلى أن القول أن عبد القاهر لا ينكر - من ناحية العقل - تلك التقديرات التي ذهب إليها السكاكي، وإنما ينكر أن تكون هذه الاستعمالات متعارفة، وأنها مما جرى بها لسانهم فكلام لم يقم عليه دليل، لأن عبد القاهر نفسه لم يقدرها، حتى ولو من باب ذكرها للتنبيه على عدم جدواها.\rولو كانت تلك التقديرات ممكنة - في أريه - لكان عليه أن يقول: ويمكن أن تقدر لكل فاعل من هذه الأفعال فاعلًا حقيقيًا، ولكن العرب العربي لم يجر بذلك.\rوأما أن هذه التأويلات: تكلف، وتطلب لما لا يقصد في الاستعمال، ولا يتعلق به الغرض من التركيب فهو حق فوافقه عليه، ولهذا فإننا نؤيد عبد القاهر - في رأيه - من هذه الناحية.\r* * *\rأسلفنا لك أن عبد القاهر الجرجاني قد أشاد بالمجاز العقلي، ورأى أنه كنز من كنوز البلاغة وأنه قد فرق بينه وبين المجاز اللغوي بأن المجاز فيه إنما هو في الإثبات لا في المثبت وأنه - وهو يكتب الدلائل - لاحظ أن التجوز فيه إنما هو في حكم يجري على الكلمة فقط، فسماه المجاز الحكمي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584312,"book_id":8505,"shamela_page_id":165,"part":null,"page_num":168,"sequence_num":165,"body":"ولكن السكاكي قد أنكر المجاز العقلي ونظمه في سلك الاستعارة بالكناية، وأخرجه من علم المعاني وأدخله من علم المعاني وأدخله في علم البيان، ويقول في قولهم: \"أنبت الربيع البقل\": شبه الفاعل المجازي وهو الربيع، بالفاعل الحقيقي، وهو القادر المختار، في تعلق الفعل بهما، ثم يحذف المشبه ويرمز إليه بشيء من لوازمه، وهو الإنبات على سبيل الاستعارة بالكناية (١).\rواستنكر الخطيب القزويني ما ذهب إليه السكاكي من عده هذا الأسلوب من قبيل الاستعارة بالكناية، وإدخاله إياه في علم البيان، فأخرجه من علم البيان وضمه مرة أخرى إلى علم المعاني (٢).\rوقد رد الخطيب القزويني كلام السكاكي ردًا قويًا، وأبطل رأيه بما يلي:\rأولًا: أن قول السكاكي يستلزم أن يكون المراد بعيشة في قول تعالى: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ هو صاحب العيشة لا العيشة، وبما في قوله: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ فاعل الدفق لا الماء لأن السكاكي كي يجعل الفاعل المجازي مشبهًا بالفاعل الحقيقي، ثم يستعير اللفظ الدال على الشبه إلى المشبه به، أي أن العيشة مشبهة يصاحبها الذي هو الفاعل الحقيقي، ثم استعير لفظ العيشة إلى صاحبها، وهذه طريقة السكاكي في الاستعارة بالكناية، فيكون معنى العيشة هو صاحبها، وتؤول الجملة هكذا: فهو في صاحب عيشة، وهذا فاسد. ومثل هذا يقال في \"ماء دافق\" لأن الفاعل المجازي هنا هو: الماء، وهو على رأي السكاكي - مشبه بالفاعل الحقيقي وهو الشخص الدافق، ثم استعير لفظ المشبه وهو الماء إلى المشبه به وهو الشخص الدافق\" وتؤول الجملة هكذا: خلق من صاحب ماء، وهذا فاسد لأن المراد هو بيان القدرة في خلقه من شيء مهين هو ماء مدفوق لا من صاحب الماء.","footnotes":"(١) ... شرح المختصر للتفتازاني جـ ١ ص ٥٩.\r(٢) ... الإيضاح جـ ١ ص ٢٧٢.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584313,"book_id":8505,"shamela_page_id":166,"part":null,"page_num":169,"sequence_num":166,"body":"ثانيًا: أنه يستلزم ألا تصح الإضافة في نحو قولهم: (نهاره صائم) و (ليلة قائم) لأن المراد بالنهار على رأيه هذا هو فلان نفسه؛ وكذلك المراد بالليل هو فلان نفسه؛ وإضافة الشيء إلى نفسه لا تجوز.\rثالثًا: أنه يستلزم أن لا يكون الأمر بالبناء في قوله تعالى: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ لها مان؛ لأن المراد به حينئذ هو: العملة أنفسهم، وليس كذلك، لأن النداء له والخطاب معه.\rرابعًا: أنه يستلزم أن يتوقف نحو قولهم: \"أنيت الربيع البقل\" و\"شفى الطبيب المريض\" و\"سرتني رؤيتك\" مما يكون الفاعل الحقيقي فيه هو الله تعالى على السماع من الشارع، لأن أسماء الله تعالى توقيفية، فلا يطلق عليه اسم لا حقيقة ولا مجازًا ما لم يرد به إذن الشارع، وليس كذلك لأن مثل هذا التركيب صحيح شائع ذائع في كلامهم، سواء سمع من الشارع أو لم يسمع.\rخامسًا: أن كلام الكاكي ينتقض بنحو قولهم: (نهاره صائم وليلة قائم) وما أشبه ذلك مما يشتمل على ذكر الفاعل الحقيقي، وذلك لاشتماله على ذكر طرفي التشبيه، وهو مانع من حمل الكلام على الاستعارة.\rونحن - وإن كنا لا نوافق السكاكي ص ١٦٩ على نظمه المجاز العقلي في سلك الاستعارة بالكناية - لا نسلم بأنه خارج عن عقد البيان، ومنظوم في سلك المعاني وذلك لأننا عندما نتصفح دلائل الإعجاز نجد عبد القاهر الجرجاني - وإن كان قد جعله \"فنًا\" من المجاز اللغوي، لأن كلًا منهما عنده طريق للاتساع في الكلام، فالمجاز عنده إما أن يكون في نفس الكلمة، كالكناية والاستعارة والتمثيل على حد الاستعارة، والمجاز المرسل، وإما أن يكون في حكم يجري على","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584314,"book_id":8505,"shamela_page_id":167,"part":null,"page_num":170,"sequence_num":167,"body":"الكلمة، - لا في الكلمة نفسها - وهو المجاز العقلي - أو المجاز الحكمي -.\rولهذا فإننا نراه يعطي المجاز العقلي ما أعطاه المجاز اللغوي من الحكم بأن كلًا منهما يفخم به المعنى، ويشرف به اللفظ، وتحدث فيه النباهة.\rيقول عبد القاهر: \"وأعلم أن الذي ذكرت لك في المجاز هناك: من أن من شأنه أن يفخم عليه المعنى، وتحدث فيه النباهة، قائم لك مثله ههنا، فليس يشتبه على عاقل أن ليس حال المعنى وموقعه في قوله: \"فنام ليلى وتجلى همي، كحاله موقعه إذا أنت تركت المجاز، وقلت: فنمت في ليلي وتجلى همي، كما لم يكن الحال في قولك: رأيت أسدًا، كالحال في \"رأيت رجلًا كالأسد\".\rومن الذي يخفي عليه مكان العلو وموضع المزية وسورة الفرقان بين قوله تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ وبين أن يقال: فما ربحوا في تجارتهم.\rوإن أردت أن تزداد للأمر تبينًا، فانظر إلى بيت الفرزدق:\rيحمي - إذا اخترط السيوف - نساءنا ... ضرب تطير له السواعد أرعل\rوإلى رونقه ومائه، وإلى ما عليه من الطلاوة، ثم ارجع إلى الذي هو الحقيقة، وقال: نحمي - إذا خترط السيوف - نساءنا بضرب تطير له السواعد أرعل ص ١٧٠، ثم أسير حالك هل ترى مما كنت تراه شيئًا؟ .\rفكل من المجاز اللغوي والمجاز العقلي يفخم به المعنى، ويشرف به اللفظ، وتحدث به النباهة - كما رأيت -.\rوكذلك نرى عبد القاهر يقسم المجاز العقلي إلى العامي المبتذل، والخاصي الذي لا يكمل له كل أحد، تمامًا كما قسم الاستعارة إلى العامية، والخاصية، ويجعلهما قربنين في هنا الأمر الذي تشعر معه بإيراد المعنى الواحد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584315,"book_id":8505,"shamela_page_id":168,"part":null,"page_num":171,"sequence_num":168,"body":"بطرق مختلفة، كما هو الشأن في علم البيان وكيف لا يدخل في علم البيان الذي يختص بتصوير المعنى أو بالتصوير البياني الذي به يصبح الشاعر أو الأديب في عالم الخيال، وينسج منه صورًا تمتع الذهن وتلهب العواطف وتثير الوجدان؟\rوعبد القادر يقول: \"وهذا الضرب من المجاز - على حدته - كنز من كنوز البلاغة، ومادة الشاعر المغلق والكاتب البليغ في الإبداع والإحسان والاتساع في طريق البيان\" (١).\rبلاغة المجاز العقلي وأثره في التعبير:\rحاول الإمام عبد القاهر الجرجاني - وهو يكتب أسرار البلاغة - أن يفصح لنا عن سر بلاغة المجاز العقلي، فتوصل في بحثه هذا إلى حقيقة هامة في حقائق المجاز العقلي، وهذه الحقيقة هي أن المجاز العقلي إنما هو إثبات للفعل مع دليله (٢).\rولكنه - وهو يكتب دلائل الإعجاز - قد تكشفت له حقائق أخرى عن بلاغة المجاز العقلي وأثره في اتساع فنون القول، فأجمل ذلك في عبارته التي يقول فيها:\r\"وهذا الضرب من المجاز على حدته كنز من كنوز البلاغة، ومادة الشاعر المغلق، والكاتب البليغ في الإبداع والإحسان والاتساع في طرق البيان، وأن يجيء بالكلام مطبوعًا مصنوعًا، وأن يضعه بعيد المرام، قريبًا من الإفهام (٣).","footnotes":"(١) ... دلائل الإعجاز صـ ١٩١ - ١٩٣.\r(٢) ... أسرار البلاغة صـ ٣٠٩، صـ ٣١٠.\r(٣) ... دلائل الإعجاز صـ ١٩٣.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584316,"book_id":8505,"shamela_page_id":169,"part":null,"page_num":172,"sequence_num":169,"body":"وسوف نحاول أن نفصل لك شيئًا من هذا الذي أجمله عبد القاهر فنقول:\r\rإن أسرار بلاغة المجاز العقلي - كما تصورها الإمام عبد القاهر - تتمثل فيما يلي:\r١ - سعة الخيال:\rوذلك لأن كل صورة من صور المجاز العقلي تثير في النفس خيالًا طريفًا متمثلًا في صدور الأفعال من غير فاعليها؛ ومثال ذلك: أن تتخيل التجارة نفسها تربح وتخسر؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾؛ وكأن تتخيل الضرب نفسه يحمي النساء؛ كما في قول الفرزدق، (يحمي إذا أخترط السيوف - أساءنا ضرب) وكأن تخيل النهار يصوم والليل يقوم في قولهم: \"نهاره صائم وليلة قائم\"، وكأن تتخيل الإبل إقبالًا وإدبارًا: في قول الخنساء:\rترتع مارنعت حتى إذا أدكرت ... فإنما هي إقبال وإدبار\rوهكذا.\r\r٢ - المبالغة:\rوذلك لأنك إذا قلت: (رضيت عيشته) فإنك تكون قد بالغت في وصف الرجل بالرضا، حتى إن هذا الرضا قد زاد حتى عم العيشة نفسها، فاتصفت به وإذا قلت: (صام نهاره، وقام ليله) كنت قد بالغت في وصف الرجل بالصيام حتى إن هذا الصيام قد عم النهار نفسه، فاتصف به وكنت - أيضًا - قد بالغت في وصف الرجل بالقيام حتى إن هذا القيام قد عم الليل نفسه فاتصف به.\rوإن قلت (يجرى النهر) كنت قد بالغت في وصف الماء بالجريان حتى عم الجريان النهر بضفافه ومائه وكل ما يحتويه، وليس الماء وحده، أي أنك قد بالغت، فجعلت النهر بحملته ماء يجري.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584317,"book_id":8505,"shamela_page_id":170,"part":null,"page_num":173,"sequence_num":170,"body":"٣ - تفخم العبارة:\rوذلك كما في قولك: (كرم محمد أصلًا) و (طاب على نفسًا) و (نبل الرجل خلقًا).\rفقد وصفت محمدًا بالكرم، وجعلته شاملًا له، ولكنك ميزت هذا الكرم بقولك (أصلًا) فظهر ما تعنيه بكرمه، وهو: كرم أصله.\rوفي هذا القول من الفخامة والتأنق في العبارة ما ليس في قولك: كرم أصل محمد.\rومثل هذا يقال في: طاب على نفسًا، ونبل الرجل خلقًا.\rومنه قوله الله تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ فقد وصف الرأس بالاشتعال وجعله شاملًا للرأس كلها، ثم ميز هذا الاشتعال بكون (شيبًا).\rوفيه من الفخامة، والتأنق في العبارة ما ليس في قولك: واشتغل شيب الرأس.\rوالفرق بين الإتيان - في العبارة - بالمجاز العقلي، وبين الإتيان بها على حقيقتها العقلية، وهو ما سماه عبد القاهر: مكان؟ ؟ ص ١٧٣، وموضع المزية، وسورة الفرقان، والذي فرق فيه بين قول الله تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ وبين أن يقال: فما ربحوا في تجارتهم، وفرق فيه بين قول الفرزدق:\rيحمي - إذا اخترط السيوف - نساءنا ... ضرب نطير له السواعد أرعل\rوبين قوله: (نحمي - إذا أخترط السيوف - نساءنا بضرب تطير له السواعد أرعل) قائلًا: أنظر إلى رونقه ومائه، وإلى ما عليه من الطلاوة، ثم أرجع إلى الذي هو الحقيقة، ثم أسير حالك: هل ترى مما كنت تراه شيئًا؟ .","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584318,"book_id":8505,"shamela_page_id":171,"part":null,"page_num":174,"sequence_num":171,"body":"٤ - تأكيد العلاقة بين الفاعل المجازي والفاعل الحقيقي، وذلك كما تجد من تأكيد السببية في قولهم: (جمعتهم الطاعة وفرقتهم المعصية) فإن هذا الأسلوب أدل على أهمية الطاعة وسببيتها في بقاء القوم مجتمعين، وأدل - كذلك - على بيان أثر المعصية وسببيتها في تفريق شملهم من قولنا: اجتمع شملهم بسبب طاعتهم وتفرق جمعهم بسبب معصيتهم.\rومثل ذلك قولهم: \"أذل الحرص أعناق الرجال\" فإن ذلك تأكيد لسببية الحرص في إذلال الرجال، وأبلغ - في ذم الحرص- من قولك: أذل الله الرجال بسبب الحرص (١).\r\r٥ - التركيز في اختيار العلاقة، وذلك أنك إذا قلت: (يجري النهر) فإنك بذلك تصور جريان الماء داخل النهر وفي حيزه، وليس في مكان آخر.\rوإذا قلت: (رضيت عيشته) فإنك تكون قد جعلت الرضا إنما هو بالعيشة لا بغيرها ... وهكذا.\r\r٦ - الإيجاز: وذلك لأنك إذا قلت: كسى الأمير الكعبة، كان هذا القول أوجز من قولك: كسى العمال الكعبة بإذن من الأمير (٢):\r\r٧ - إثبات الفعل بدليله. وذلك ما ذكره عبد القاهر - في الأسرار - وملخصه: أن الإسناد إلى الفاعل المجازي، تأكيد لصدور الفعل من الفاعل الحقيقي، وذلك لأنه إذا صح أن يقع الفعل من الفاعل المجازي - وهو فرع - فإن حدوثه من الأصل أكد.\rيقول عبد القاهر: \"والغكته ص ١٧٤: أن المجاز لم يكن مجازًا لأنه إثبات","footnotes":"(١) ... خصائص التراكيب ص ١٠٥.\r(٢) ... فن البلاغة ص ٩٩.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584319,"book_id":8505,"shamela_page_id":172,"part":null,"page_num":175,"sequence_num":172,"body":"الفعل لغير مستحقه بل لأنه قد أثبت لما لا يستحق وردًا له إلى ما يستحق. وأنه ينظر من هذا إلى ذاك، وإثباته ما أثبت للفرع الذي ليس بمستحق، يتضمن الإثبات للأصل الذي هو المستحق\" (١).\rولما كان أسلوب المجاز - في القرآن الكريم - مما أنكره قوم، وآمن به آخرون، فقد نبه عبد القاهر الجرجاني، إلى كثرة وروده في القرآن الكريم، وتبعه في ذلك جمهور البلاغيين.\rومن ذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ فإن إسناد زيادة الإيمان إلى الآيات مجاز، من إسناد الفعل إلى سببه، لأن الزيادة فعل الله تعالى والآيات سبب فيها.\rومنه قوله تعالى: ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ﴾ فإن فيه إسناد التذبيح إلى فرعون، وهو سبب آمر والمذبح - في الحقيقة - هم أعوانه.\rومنه قوله تعالى: ﴿يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا﴾ فإن فيه إسناد نزع اللباس عن آدم وحواه لإبليس مجازًا، وهو في الحقيقة لله ﷿، لأن إبليس سبب بوسوسته ومقاسمته أنه لهما من الفاصحين في أكل الشجرة، وأكل الشجرة سبب نزع اللباس، وسبب السبب سبب.\rومنه قوله تعالى: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ نسب جعل الولدان شيبًا - جميع أشيب - إلى اليوم مجازًا، لأن الضمير في يجعل له من إسناد الفعل إلى زمانه، والجعل في الحقيقة لله تعالى. أي: كيف تتقون يومًا يجعل الولدان شيبًا إن كفرتم؟ !\rومنه قوله تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾، فإن فيه إسناد الإخراج إلى الأرض مجازًا، والإخراج - في الحقيقة - لله تعالى، من إسناد الفعل إلى مكانه.","footnotes":"(١) ... أسرار البلاغة ص ٣٠٩.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584320,"book_id":8505,"shamela_page_id":173,"part":null,"page_num":176,"sequence_num":173,"body":"الفصل الثالث\rأحوال المسند إليه\r(١) حذفه.\r(٢) ذكره.\r(٣) تعريفه.\r(٤) تنكيره.\r(٥) تقديمه.\r(٦) وضع المظهر موضع المضمر وعكسه.\r(٧) الالتفات.\r(٨) الأسلوب الحكيم.\r(٩) القلب.\r(١٠) التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي وعكسه.\r\r(١) حذف المسند إليه:\rإن من أسباب قوة العبارة: أن تأتي موجزة محكمة التركيب؛ محذوفًا منها ما قامت القرائن على وجوده مقدرًا، لأن ذكره حينئذ مما يؤدي إلى ثقل العبارة بما يمكن الاستغناء عنه كما أنه يؤدي إلى إطالتها وترهلها، والبلاغة الإيجاز - كما يقولون -.\rعلى أن السامع لا يستهويه من الكلام ما جاء مكشوفًا ظاهرًا، لأنه لا يشد له انتباهًا ولا يثير في نفسه تساؤلًا؛ كما أن مثل هذا القول يتضمن إساءة الظن بذكائه، ومقدرته على التقاط المعاني بالإشارة الدالة، واللمحة الموحية.\rولهذا: نوه عبد القادر الجرجاني بشأن الحذف، فقال: \"هو باب\" دقيق المسلك، لطيف المأخذ، عجيب الأمر شبيه بالسحر، فإنك ترى به ترك الذكر أفصح من الذكر، والصمت عن الإفادة أزيد للإفادة، وتجدك","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584321,"book_id":8505,"shamela_page_id":174,"part":null,"page_num":177,"sequence_num":174,"body":"أنطق ما تكون إذا لم تنطق، وأثم ما تكون بيانًا إذا لم تبن\".\rوقد وجد عبد القاهر الجرجاني بحسه الأدبي، وذوقه البلاغي، وتتبعه لأساليب الغرب الفصحاء أن أحوالًا أربعة تطلبت منهم حذف المبتدأ.\rالأولى: إذا ذكروا الديار والمنازل، فإنهم يضمرون المبتدأ وكأنهم بذلك إنما يعتمدون على أن المقام قد دعا إلى هذا الحذف وألح عليه، وذلك لأن ذكر الديار والمنازل مما يثير في النفوس ذكريات محببة إليها، فيزداد تعلقها بهذه الأماكن ونمتلئ بأسمائها، فتكون مائلة أمامها، وكأنها مذكورة غير محذوفة.\rومن ذلك ما ذكره عبد القاهر لصاحب الكتاب:\rاعتاد قلبك من ليلى عوائده ... وهاج أهواءك المكفونة الطلل\rربع قواه، أذاع المعصرات به ... وكل حيران سار ماؤه خضل\rفواه: لا أنيس به، وأذاع بمتاعه: ذهب به، والمعصرات: السحاب، والحيران. الساري. وهو المزن، والخضل: الكثير، والمراد: أن السحاب أنزلت ماءها بكثرة حتى ذهبت به وطمسته، وكذلك المزن الكثير الماء.\rقال: أراد: ذاك ربع قواه، أو هو ربع.\rفالشاعر قد اعتاده ذكر صاحبته ليلى، وقد حرك أشجانه، وأثار لو أهج قلبه ذلك الطلل الباقي من ديارها، وأراد أن يتحدث عن هذا الطلل، وأن يسند إليه قوله ربع قواه، فلم يشأ أن يعيد ذكره، لأنه ملء سمعه وبصره، وكأنه ماثل أمامه، مذكور لديه.\rومما ذكره لصاحب الكتاب أيضًا: قول عمر بن أبي ربيعة:\rهل تعرف اليوم رسم الدار والطللا؟ ... كما عرفت بجفن الصيقل الخللا؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584322,"book_id":8505,"shamela_page_id":175,"part":null,"page_num":178,"sequence_num":175,"body":"دار لمروة إذا أهلي وأهلهم ... بالكانسية ترعى اللهو والغزلا\rوالجفن، القراب، والصيقل: السيف المصقول، والخلل بالكسر: واحدها: خلة، وهي تطلق على جفن السيف المغطى بالجلد، وتطلق على بطانة يغشى لها متن السيف، وهي المرادة هنا.\rفالشاعر قد استأنف كلا ما جديدًا في البيت الثاني عن تلك الديار التي لم يبق منها إلا رسمها ليبين مدى تعلق قلبه بها فهي دار محبوبته مروة، وقد كان أهله، وأهلها هناك بالكافية يتجاوزان تجاورًا هيأ لهما أسباب اللقاء، ومتعة الحياة والصبا.\rقال عبد القاهر: كما يضمرون المبتدأ فيرفعون، فقد يضمرون الفعل فينصبون كبيت الكتاب أيضًا - وهو لذي الرمه غيلان بن عقبه -:\rديارمية، إذ مي تساعفنا ... ولا يرى مثلها عجم ولا عرب\rأنشده بنصب \"ديار\" على إضمار فعل كأنه قال: أذكر ديارمية.\rومن حذفهم المبتدأ لاستئنافهم ذكر الديار والمنازل قول امرئ القيس:\rألا عم صباحًا أيها الطلل البالي ... وهل يعمن من كان في العصر الخالي\rوهل يعمن إلا سعيد، مخلد ... قليل الهموم، ما بينت بأوجال\rوهل يعمن من كان أحدث عهده ... ثلاثين شهرًا في ثلاثة أحوال\rديار لسلمى عافيات بذي الخال ... ألح عليها كل أسحم هطال\rفالشاعر قد حيا الطلل البالي الذي له في قلبه ذكريات قديمة تعلق بها قلبه وامتلأ بها وجدانه بقوله: ألا عم صباحًا أيها الطلل البالي، ولكنه استبعد أن ينعم هذا الطلل بعد أن رحل عنه أهله، وأصبح في حالة تدعو إلى الشجن والحزن، ثم استأنف الحديث عن هذا الطلل فذكر أنه ديار محبوبته سلمى بذي خال وأنه توالت عليه أمطار غزيرة أزللت معالمه، وقد بني أسلوبه في هذا الاستئناف على حذف المسند إليه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584323,"book_id":8505,"shamela_page_id":176,"part":null,"page_num":179,"sequence_num":176,"body":"الثانية: إذا ذكروا الرجال وأداوا وصف أحوالهم، يقول عبد القاهر: \"ومن المواضع التي يطرد فيها حذف المبتدأ: القطع والاستئناف، يبدءون بذكر الرجل، ويقومون بعض أمره، ثم به عون الكلام الأول، ويستأنفون كلامًا آخر، وإذا فعلوا ذلك أتوا في أكثر الأمر بخبر من غير مبتدأ\" (١).\rولم يذكر لنا عبد القاهر سر بلاغة الحذف في هذا الموضع أيضًا، ولكننا نقول: إن مثل هذه الحال أن يكون فيها الشاعر مهتمًا بذكر من يمدحه، أو يذمه، يكون اهتمامه كله منصرفًا إليه، ويكون شغله الشاغل، ولهذا فإنه ليس في احتياج إلى ذكره، لأن الحديث عنه فذكره في مثل هذه الحال يكون من العبث، وهذا ما سماه المتأخرون من البلاغيين: الاحتراز عن العبث في ذكره لدلالة القرينة عليه:\rيقول سلمة الجعفي يرثى أخاه (٢):\rأقول لنفسي - في الخلاء - ألومها ... لك الويل ما هذا التجلد والصبر\rألم تعلمي أن لست ما عشت لاقيا ... أخي إذ أتى من دون أوصاله القبر\rوكنت أرى كالموت من بين ليلة ... فكيف يبين كان ميعاده الحشر؟\rوهون وجدي أنني سوف أفتدى ... على أثره يومًا وإن نفس العمر\rفتى كان يعطي السيف في الروع حقه ... إذا ثوب الداعي أو تشفى به الجزر","footnotes":"(١) ... الدلائل المجاز ص ٩٦.\r(٢) ... ديوان الحماسة جـ ١ ص ٤٥٥.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584324,"book_id":8505,"shamela_page_id":177,"part":null,"page_num":180,"sequence_num":177,"body":"الخلاء: الخلوة، والأوصال المفاصل والبين: الفراق، وهون، خفف، ويقال لك في هذا الأمر نفسه، أي: مهلة، ومنه نفس أي: أطيل: ثوب الداعي: التثويب الدعاء بعد الدعاء فالشاعر يرثي أخاه، فيذكر أنه يلوم نفسه على تجلده قائلًا لها: ألم تعلمي أن لقاء أخي بعد ما ضم أوصاله القبر محال؟ ! لقد كان فراق ليلة واحدة عنه كالموت نفسه، فكيف يكون ميعاد لقائه الحشر؟ ولكنه يرجع ويقول: إن الذي هون من حزني عليه هو أنني سوف ألحق به. وإن طال بي العمر.\rثم استأنف الحديث عن أخيه فذكر أنه كان إذا استغاث به مستغيث أو دعاه داعي الحرب أمضى السيف في الأعداد حتى يؤدي حق الضرب، وتشقى به الإبل لنحره إياها للضيوف، وبنى حديثه عن أخيه. على حذف المبتدأ - كما رأيت -.\rومنه قول عقيل بن علفة بن الحرث (١):\rلتفد المنايا حيث شاءت، فإنها ... محللة بعد الفتي ابن عقيل\rفتى كان ملاه يحمل بنجوة ... فحل الموالي بعده بميل\rطويل نجاد السيف وهم كأنما ... تصول إذا استنجدته بقبيل\rلتفد، أي لتصب، ومحللة: أي: مطلقة والنجوة: المكان المرتفع من الأرض والمسيل موضع السيل ونجاد السيف: حمائله، والوهم، القوي والاستنجاد: طلب النجدة، والترة: الثأر، الخيار: الكرام.\rيقول الشاعر: لم تبقى صعوبة للمنايا بعد الفتى ابن عقيل، فلتذهب إلى من شاءت.","footnotes":"(١) ... ديوان الحماسة جـ ١ ص ٤١٦.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584325,"book_id":8505,"shamela_page_id":178,"part":null,"page_num":181,"sequence_num":178,"body":"ثم استأنف الحديث عنه بأنه لم يبق لأحد من أقاربه عز بعده، فتحولوا إلى الذل، وقد كان طويل القامة، قوي البأس، إذا طلبت منه النجدة قام مقام قبيلة لكمال شجاعته.\rوقد بنى الاستئناف على حذف المبتدأ - كما رأيت -.\rومنه قول أبي البرج، القاسم بن حنبل المرى في زفر بن أبي هاشم بن مسعود بن سنان (١):\rأرى الخلان بعد أبي خبيب ... وحجر، في جنأبهم جفاه\rمن البيض الوجوه بني سنان ... لو أنك تستضيء بهم أضاءوا\rلهم شمس النهار إذا استقلت ... ونور ما يغيبه العماء\rثم حلوا من الشرف المعلي ... ومن حسب العشيرة حيث شاؤا\rبناة مكارة وأساة كلهم ... دماؤهم من الكلب الشفاء\rالجناب: ناحية القوم: البيض الوجوه: الكرام أهل الجمال والصيادة، استقلال الشمس: ركودها وقت الظهيرة، والعماء للسحاب، والشرف المعلي أراد الشرف الذي هو كالقدح المعلى لأنه أشرف الأقداح وأكثرها حظوظًا وأنصباء، الأسى: الطبيب، والكلم الجرح، والكلب داء يشبه الجنون يعتري الإنسان إذا عضه الكلب والعرب تقول: أن لا دواء أنجع في المصاب بالكلب عن شربه دم ملك.\rيقول الشاعر أن أبا خبيب وحجرا من الكرام أهل الجمال والسيادة، وأن نورهم كنور الشمس وقت استوائها، ومع أن النور يحجبه السحاب","footnotes":"(١) ... ديوان الحماسة جـ ٢ ص ٢٨٧.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584326,"book_id":8505,"shamela_page_id":179,"part":null,"page_num":182,"sequence_num":179,"body":"إلا أن نورهم لا يحجب، إن منزلتهم في الشرف كمنزلة القدح العلي. لأنه أشرفها، هذا غاية المدح في الشرف والنباهة.\rثم أستأنف الحديث فقال: بناه مكارم، أي هم بناة مكارم.\rلأنه لما كان الحديث عنهم والشاعر مهتم كل الاهتمام ببيان مكانتهم عن قبيلتهم كان إعادة ضميرهم من العبث الذي ينبغي أن يترفع عنه الشاعر.\rومنه ما ذكره عبد القاهر - من قول أسيد بن عنقاء الفزاري، وكان من أشد أهل زمانه عارضه؛ ولسانًا، طال عمره ونكبه دهره واختلت حاله فخرج يتنقل لأهله فمر عليه عملية الغزاري فسلم عليه وقال: يا عم: ما أصارك إلى ما أرى؟ قال، بخل مثلك بماله، وصون وجهي عن أموال الناس، قال: أما والله لئن بقيت إلى غد لأغيرن ما أرى من حالك، فرجع ابن عنقاء إلى أهله فأخبرها بما قال له عميلة، فقالت لقد غرك كلام غلام جنح ليل، فكأنما ألقمت فاه حجرًا، فبات متمللًا بين رجاء ويأس، فلما كان السحر سمع رغاء الإبل، وثغاء الشاه، وصهيل الخيل ولجب الأموال؛ فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا عميلة ساق إليك أمواله، فخرج ابن عنقاء له فقسم ما له شطرين وساهمه عليه فأنشأ يقول:\rوآني علي ما بي عميلة فاشتكى ... إلى حاله حالي، أسر كما جهر\rدعاني فآساني ولو ضمن لم ألم ... على جين لأبدو يرجى ولا حضر\rفقلت له خيرًا وأثنيت فعله ... وأوفاك ما أبليت من ذم أو شكر\rولما رأى المجد استعيرت ثيابه ... تردى رداء سايغ الذيل واتزر ص ١٨٢","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584327,"book_id":8505,"shamela_page_id":180,"part":null,"page_num":183,"sequence_num":180,"body":"غلام رماه الله بالخير مقبلًا ... له سيمياء لا تشق على البصر\rكأن الثريا علقت فوق نحره ... وفي أنفه الشعري، وفي وجهه القمر\rوإذا قبلت العوراء أغفى؛ كأنه ... ذليل بلا ذل ولو شاء لانتصر\rفالشاعر يثني على عملية الفزاري؛ فيذكر بأنه قد شكي إليه حاله فواساه؛ ورأى موقفًا من مواقف المجد؛ فأبي إلا أن يكون ماجدًا فتردى ثياب المجد، وأتزر بها.\rوأراد أن يستأنف الحديث عنه بذكر أوصاف المجد التي أتسم بها - وكانت زوجته قد قالت له - كما أسلفنا لك: -\rلقد غرك غلام - استأنف الحديث عنه فقال غلام رماه الله بالخير؛ أي هو غلام؛ لأن ذكره حينئذ يكون من العبث لدلالة القرائن عليه.\rومنه ما قال موسى بن جابر العنبري - مفتخرًا بخاليه: -\rإذا ذكر ابنا العنبرية لم يضق ... ذراعي وألقى باسته من أفاخر\rهلالان حمالات في كل شتوة ... من الثقل ما لا تستطيع الأباعر\rوابنا العنبرية خالا موسى، والعنبرية أمهما، والعنبر هو: أبو عمرو؛ أبو حي من تميم؛ وأراد بقوله: لم يضق ذراعي: أنه لم يعجز، وقوله: ألقى باسته تقبيح للتولي والأدبار، والشتوة: الجدب أي: هما في الاشتهار كالهلالين ويحملان من المغارم ما لا تستطيع حمله الإبل.\rلما استأنف الحديث عن ابني العنبرية ليذكر أحوالهما في بناء المكرمات لم يشأ أن يعيد ذكرهما لأن الحديث عنهما. والفخر بهما؛ فلو قال: هما هلالان، فذكر ضميرهما، لمكان ذلك عبثًا ينبغي أن يتبرأ عنه الشاعر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584328,"book_id":8505,"shamela_page_id":181,"part":null,"page_num":184,"sequence_num":181,"body":"الثالث: ما اعتادوا فيه أن يقولوا - بعد أن يذكروا الرجل: - فتى من صفته كذا وكذا، وأغر من صفته كيت كيت.\rوهذه الحال كسابقتها تقتضي من الشاعر ألا يعيد ذكر ما قد سبق ذكره؛ من الرجال أو من النساء، لأنه بصدد الحديث عنه، فكأنه مذكور، ويكون إعادة ذكره عبثًا يتبرأ منه الشاعر.\rومثاله ما ذكره عبد القاهر من قول أبي حزابة الوليد بن حنيفة التميمي:\rألا لا فتى بعد ابن ناشرة الفتى ... ولا عرف إلا قد تولى وأدبرا\rفتى حنظلي ما تزال ركابه ... تجود بمعروف وتنكر منكرًا\rابن ناشرة هو: عبد الله، والحنظلي، نسبة إنى حنظلة بن مالك بن عمرو ابن تميم، والعرف: المعروف وإحسان الصنيعة، والركاب، الرواحل تحمل الطعام إلى الناس.\rفالشاعر يرثى ابن ناشرة هذا؛ فيقول: إنه ليس هناك من يقوم مقامه بعد موته، والمعروف قد تولى بعده وأدبر، قم أراد أن يستأنف الحديث عنه بذكر صفاته التي من شأنه أن يتصف بها من أنه حنظلي ما فتئت رواحله تحمل المعروف وتستخدم في النهي عن المنكر.\rفاستأنف ذكر صفاته بقوله: فتى حنظلي، أي. هو فتى، فحذف المسند إليه لدلالة القرائن عليه.\rومثله قول عبد الله بن الزبير (بفتح الزاي) الأسدي في عمرو بن عثمان ابن عفان ﵄:\rسأشكر عمرًا إن تراخت منبتي ... أيادي لم تمنن - وإن هي جلت","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584329,"book_id":8505,"shamela_page_id":182,"part":null,"page_num":185,"sequence_num":182,"body":"فتى غير محجوب الغنى عن صديقه ... ولا مظهر الشكوى إذا الفعل زلت\rرأى خلتي من حيث يخفي مكانها ... فكانت قذى عينيه حتى تجلت\rلم تمنن: أي لم تقطع بل هي مستمرة على عظمها، وزلت به الفعل، كناية عن سوء الحال.\rأراد: هو فتى، فحذف المسند إليه لتقدم ذكره في البيت السابق؛ لأن ذكره يكون عبثًا لدلالة الكلام السابق عليه.\rومثله قول جميل بن عبد الله بن معمر العذرى:\rوهل بثينة يا للناس قاضيتي ... ديني وفاعلة خيرًا فأجزيتها؟\rترنو بعيني مهاة أقصدت بهما ... قلبي عشية ترميمي وأرميها\rهيفاء مقبلة عجزاء مدبرة ... ريا العظام بلين العيش غاذيها\rترنو: تنظر مع سكون الطرف، والمهاة: البقرة الوحشية؛ وتشبه بها للمرأة، وأقصد فلانًا: طعنه فقتله؛ يقال: أقصد السهم. إذ رمى فأصاب مكانه والهيفاء: الضامرة البطن الرقيقة الخصر والعجزاء: عظيمة العجز، وربا العظام: غضة ناعمة.\rوجميل هنا يتمنى أن تصله بثينة، فتقضي بذلك دينًا عليها، فقد ترامت لحاظهما من قبل فأصابت لحاظها قلبه فقتلته.\rولما كان الحديث عن محبوبته التي أقصدت قلبه؛ فقد بدأ له أن يصف مفاتنها التي كانت بواعث شوقه والشاهد هنا قوله: هيفاء أي هي هيفاء، فحذف المسند إليه لدلالة القرينة عليه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584330,"book_id":8505,"shamela_page_id":183,"part":null,"page_num":186,"sequence_num":183,"body":"ومثله قول جميل - أيضًا -:\rإني عشية رحت - وهي حزينة - ... تشكو إلى صبابة لصبور\rوتقول: بت عندي - فدبتك - ليلة ... أشكو إليك فإن ذاك يسير\rغراه مبسام كأن حديثها ... در تحدر نظمه منثور\rمخطوطة المتعصين، مضمرة الحشا ... ربا الروادف خلقها ممكور\rغراء: مضيئة الوجه، ومبسام: كثيرة التبسم والضحك، مخطوطة المتنين: أي إن جانبي سلسلة الظهور ليسا ببارزين، والحشا: البطن، وريا الروادف: أي ممتلئة الأعجاز، وممكور، أي: هي مجدولة الخلق.\rومنه قول الأقيشر في ابن عم له موسر، سأله، فمنعه، وقال: كم أعطيتك مالي وأنت تنفقه فيما لا يعنيك، والله لا أعطيك، فتركه حتى اجتمع القوم في ناديهم وهو فيهم فشكا. إلى القوم وذمه، فوثب إليه ابن عمه فلطمه، فأنشأ يقول:\rسريع إلى ابن العم يلطم وجهه ... وليس إلى داعي الندى بسريع\rحريص على الدنيا مضيع لدينه ... وليس لما في بيته يمضيع\rيقول إنه قد طبع على اللؤم، فهو يسرع إلى لطم ابن عمه، ولكنه لا يسرع إلى داعي الكرم، وهو يحرص على متاع الدنيا، ولكنه يضيع آخرته.\rوالشاهد هنا أنه قال: حريص، أي: هو حريص، لأن المقام قد دل على المسند إليه فحذفه لدلالة الحال عليه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584331,"book_id":8505,"shamela_page_id":184,"part":null,"page_num":187,"sequence_num":184,"body":"وعبد القادر بعد أن سرد ما سرد من الأمثلة التي دخلها الحذف، يطلب من قارئه أن يتدبر مواضع الحذف منها، ليعلم صدق ما قاله عن الحذف، وأنه رب حذف هو قلادة الجيد وقاعدة التجويد (١).\rثم يأتي بما هو أصدق مما ذكره شهادة، وأدل منها دلالة، وهو قول عبد الله بن الزبير الأسدي - يذكر غريمًا له قد ألح عليه:\rعرضت على زيد ليأخذ بعض ما ... يحاوله قبل اعتراض الشواغل\rفدب دبيب البغل يألم ظهره ... وقال: تعلم أنني غير فاعل\rتثاءب حتى فلت داسع نفسه ... وأخرج أنيابًا له كالمعاول\rدسع: قاء ملء الفم، ودسع بقيته: رمى به، والأصل: هو واسع نفسه، أي حسبته من شدة التثاؤب، ومما به من الجهد يقذف نفسه من جوفه ويخرجها من صدره كما يدسع البعير جرته.\rوإنما كان هذا المثال أصدق شاهدًا مما قبله وأدل على بابه، لأن الأمثلة السابقة كان المسند إليه فيها يحذف في أول الأبيات، أما في هذا المثال فالحذف قد جاء في وسط الكلام - كما رأيت -.\rوفي هذا دليل على أن مقام الحذف ليس الانتقال من مقطع إلى آخر كما ذهب إليه الدكتور محمد أبو موسى، فقد جاء الحذف هنا في وسط الكلام وفي مقطع واحد - كما ترى -، لأن الشاعر يحكي قصته مع غريمه","footnotes":"(١) ... دلائل الإعجاز ص ٩٩.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584332,"book_id":8505,"shamela_page_id":185,"part":null,"page_num":188,"sequence_num":185,"body":"الذي عرض عليه أن يأخذ منه بعض ماله من حق قبل أن تشغله الشواغل، بيد أنه تباطأ وتثاقل وتثاءب حتى ظن الشاعر أنه سوف يلقي نفسه من جوفه والذي عندي: هو أن عدم الذكر هنا إنما كان مطلوبًا لدلالة الكلام عليه، فذكره عبث يجب أن يتنزه عنه الشاعر أو الأديب.\rالرابعة: أن يكون الكلام قائمًا على أساس حذف المبتدأ أو إبعاده من الخطور بالمال، وذلك بأن يكون المسند محل اهتمام المتكلم، كأن يكون محل نقاش وجدال وأخذ ورد، ثم يأتي غير ما كان يتوقع وحينئذ يطوي ذكر المسند إليه وينسى من الخاطر، لأن الأهم هو ما دار حوله النقاش.\rأنظر إلى قول بكر بن النطاح - في جارية كان يحبها وسعى به إليها فمنعوها منه -:\rالعين تبدى الحب والبغضا ... وتظهر الإبرام والنقضا\rدرة ما أنصفتني في الهوى ... ولا رحمت الجسد المنضى\rمرت بنا في قرطق أخضر ... يعشق منها بعضها بعضًا\rغضبي ولا والله يا أهلها ... لا أطعم البارد أو ترضى\rكيف أطاعتكم بهجري وقد ... جعلت خدي لها أرضًا؟ !\rوالمقصود هنا هو قوله: (غضبي) وذلك لأن التقدير: هي غضبي، أو غضبي هي - لا محالة - إلا أنك ترى النفس كيف تتفادى من إظهار هذا المحذوف، وكيف تأنس إلى إضماره، وترى الملاحة كيف تذهب إن رمت التكلم به.\rأنظر كيف كان غضب درة ورضاها محل اهتمام الشاعر وقت أن سعى إلى أهلها طالبًا يدها وكيف كانت إجابتها على غير ما توقع، إذ غضبت عليه بعد أن جعل خديه لها أرضًا!","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584333,"book_id":8505,"shamela_page_id":186,"part":null,"page_num":189,"sequence_num":186,"body":"وأنظر كيف يقول: غضبي، وكأنه لا يكاد يصدق هذا الخبر، ولهذا كان اهتمامه منصبًا على المسند طاويًا ذكر المسند إليه ناسيًا له.\rومن جيد هذا التعبير: قول الآخر - يخاطب امرأته وقد لامته على الجود-:\rقالت سمية: قد غويت، بأن رأت ... حقًا تناوب مالنا ووفودًا\rغي لعمرك لا أزال أهوده ... ما دام مال عندنا موجودًا\rغوى الرجل: منى باب ضرب غيًا: ضل وغاب وانهمك في الجهل، وهو خلاف الرشد.\rوالمعنى: ذاك غي لا أزال أعود إليه فدعا عنك لومي.\rفأنت ترى أن الشاعر قد دار بينه وبين زوجته سمية نقاش حول رشده وغيه في تصرفه في مالهما، وأنها قد وصفته - على غير ما توقع - بالغي والضلال، فكان اهتمامه منصبًا على هذه الصفة وهي الغي، فقال: غي، طاويًا ذكر المسند إليه، ناسيًا له.\rذلكم كان تصور عبد القاهر الجرجاني لصور الحذف في المسند إليه، والتي تراءت له من تتبعه لأساليب العرب الفصحاء.\rلاحظ تلكم الأحوال السابقة ملاحظة دقيقة، فرأى العرب الفصحاء يحذفون فيها المسند إليه وقارن بين الحذف وعدمه، فتراءى له فضل الحذف واضحًا جليًا، وظهرت له مزيتة رائعة باهرة.\rبيد أنه لم يبين لنا سر الحذف في كل موضع كان الحذف فيه أمرًا تقتضيه بلاغة الأساليب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584334,"book_id":8505,"shamela_page_id":187,"part":null,"page_num":190,"sequence_num":187,"body":"ولهذا فإن المتأخرين قد قاموا بهذه المهمة خير قيام، فبينوا لنا الأغراض البلاغية لحذف المسند إليه على النحو التالي:\r١ - الاحتراز عن العبث في ذكره بناء على الظاهر، الدلالة القرينة عليه: وذلك كقولك لمن يستشرف الهلال: \"الهلال والله\" أي: هذا الهلال والله، فلو صرحت بذكر المسند إليه لكان ذكره عبثًا في الظاهر، بمعنى أنه لا يظهر له فائدة.\rومنه قولك: \"حضر الجلسة\" تريد الرئيس، إذا كان هناك قرينة قائمة على أن الرئيس قد حضرها.\rومنه قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ أي: هي نار.\rوإنما كان العبث في الظاهر لأن الحقيقة أنه لا عبث في ذكره - وإن قامت عليه القرائن - لأن المسند إليه أعظم ركني الإسناد، لأنه هو المحكوم عليه، فلا يكتفي فيه بالقرينة، بل ينبغي - مع ذلك - أن ينص عليه اهتمامًا بأمره.\r٢ - ضيق المقام بسبب مرض أو ضجر، كما في قول الشاعر:\rقال لي: كيف أنت؟ قلت: عليل ... سهر دائم، وحزن طويل\rوالتقدير: أنا عليل، وحالي سهر دائم.\rوقد حذف المسند إليه في شطري البيت لضيق المقام.\rومن الحذف لضيق الصدر، قوله تعالى: ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾؛ أي: أنا عجوز، فحذفت المسند إليه لما تحسه من ضيق","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584335,"book_id":8505,"shamela_page_id":188,"part":null,"page_num":191,"sequence_num":188,"body":"صدرها عن الإطالة في الكلام بسبب ما أنتابها من العقم، وما لحقها من الكبر.\r٣ - اختبار تنبه السامع: أيتنبه إلى المسند إليه - لقيام القرينة الدالة عليه - أم لا يتنبه إلا بالتصريح؟ ، ومثال ذلك أن يحضر إليك رجلان تربطك بأحدهما صداقة، فتقول لآخر - يعلم بهذه الصلة -: \"غادر\" تريد: الصديق غادر فتحذف المسند إليه لتختبر ذكاء السامع أيتنبه إلى أن المسند إليه المحذوف \"هو الصديق\" بقرينة ذكر \"الغدر\" إذ هو المناسب لمعنى الصداقة. أم أنه لا يتنبه؟ .\r٤ - اختبار مقدار تنبه السامع. ومبلغ ذكائه عند قيام قرينة خفية على المسند إليه، أيتنبه إليه بالقرينة الخفية أم أنه لا يتنبه؟ .\rومثال ذلك: أن يحضر إليك رجلان تجمعك بهما صداقة، غير أن أحدهما أقدم صحبة من الآخر فتقول لآخر يعلم بهذه الصلة: \"جدير بالوفاء\" تريد: أقدمهما صحبة، ولكنك تترك ذكره حينئذ اختبارًا لمبلغ تنبع السامع أيتنبه إلى هذا المحذوف لهذه القرينة الخفية - وهي أن ذا الوفاء هو ذو الصداقة القديمة دون حادثها، أم أنها لا يتنبه؟\r٥ - الحذر من فوات فرصة سانحة: وذلك كأن تقول لصائد متحفز: \"غزال\"، وكأن تقول لواقف في طريق قطار مسرع - وهو غافل -: \"أقبل\" تريد: القطار أقبل، فتحذف المسند إليه مخافة أن تفلت فرصة الإفلات من الخطر، فيدهمه القطار.\r٦ - إيهام صون المسند إليه عن لسانك تعظما لشأنه، أو صون لسانك عن ذكره احتقارًا لشأنه:\rفالأول نحو قولك: \"رافع راية التوحيد، مقوض دعائم الشرك\" وتقصد النبي ﷺ فتترك ذكره صونًا له عن لسانك تعظيمًا له.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584336,"book_id":8505,"shamela_page_id":189,"part":null,"page_num":192,"sequence_num":189,"body":"والثاني نحو: قواك: \"مخذول مدحور\" وتقصد، إبليس اللعين، فتحذفه، صونًا للسانك عن ذكره\" احتقارًا له.\r٧ - تأتي الإنكار عند الحاجة إليه: ومثال ذلك: أن يحضر إليك جماعة، من بينهم خصم لك فنقول لآخر: \"فاجر فاسق\" وأنت تقصد هذا الخصم، ولكنك تترك ذكر اسمه، حتى يتسنى لك أن تنكر عند لومه لك على سبه.\r٨ - قصد تعين المسند إليه: إما لأن المسند لا يصح إلا للمسند إليه: ومثاله قولك: \"عالم الغيب والشهادة\" تريد الله ﷾، فتحذفه لتعينه\" إذ أن علم الغيب والشهادة خاص به تعالى.\rوأما لأن المسند قد بلغ في المسند إليه مرتبة الكمال، ومثال قولك: \"عادل في حكومته\" وتريد: عمر بن الخطاب ﵁، فتحذفه، لأن صفة العدالة بلغت فيه حد الكمال، وقولك: \"أمير الشعراء\" وتقصد: شوفي، وذلك لأن إمارة الشعر قد لزمت له بإجمال شعراء عصره لبلوغها فيه حد الكمال.\rوإما لأن المسند إليه معهود بين المتكلم والمخاطب، ومثاله: قولك \"حضر\" تريد شخصًا معينًا معهودًا بينك وبين المخاطب.\r٩ - ادعاء تعين المسند إليه، وذلك كقولهم: \"هازم الجيوش\" كابت الأعداء، يريدون: خالد بن الوليد.\r١٠ - قصد المحافظة على الوزن، أو السجع، أو القافية:\rفمثال الأول قول الشاعر:\rعلى أنني راض بأن أحمل الهوى ... وأخرج منه لا على ولا ليا\rأي: لا على شيء، ولا لي، فحذف المسند إليه، وهو لفظ، \"شيء\" محافظة على وزن البيت.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584337,"book_id":8505,"shamela_page_id":190,"part":null,"page_num":193,"sequence_num":190,"body":"ومثال الثاني: قولهم: (من كرم أصله، وصل حبله) والتقدير: وصل الناس حبله، ولكنهم حذفوا المسند إليه الأصلي وهو الفاعل، محافظة على السجع.\rومثله قولهم: \"من طابت سريرته، حمدت سيرته\" والمراد: حمد الناس سيرته، ولكنهم حذفوا المسند إليه محافظة منهم على السجع\".\rومثال الثالث قول لبيد:\rوما المال والأهلون إلا ودائع ... ولابد - يومًا - أن ترد الودائع\rيقصد: أن يرد الناس الودائع، فحذف المسند إليه، محافظة منه على القافية، ولولا ذلك لصارت منصوبة، والقافية في القصيدة كلها مضمومة لا مفتوحة.\r١١ - إتباع الاستعمال الوارد - على حذف المسند إليه -، وذلك كما في الأمثال الواردة من قولهم: \"رمية من غير رام\" يقصدون: \"هي رمية موفقة ممن لا يحسن الرمي، فإذا ما قلنا هذا القول في إنسان قد وفتى من عمله عفو الخاطر، ولكنه ليس أهلًا لمثل هذا التوفيق كان هذا القول مطابقًا لمقتضى حاله.\rومثله: قولهم: \"شنشنة أعرفها من أخزم\" أي: خي شنشنة.\rوهذا المثل عجز بيت قاله أبو أخزم الطائي. وسببه. أن ابنه أخزم كان يؤذيه كثيراً ثم مات في حياة أبيه وترك أولاداً له، فوثبوا على جدهم يومًا وأوسعوه ضربًا فأنشد:\rإن بني ضرجوني بالدم ... من يلق آساد الرجال يكلم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584338,"book_id":8505,"shamela_page_id":191,"part":null,"page_num":194,"sequence_num":191,"body":"ومن يك ردءًا له يقدم ... شنشنة أعرفها من أخزم.\rوالمعنى: أن ضربهم إياه خصلة يعرفها من أخزم، فذهب الشطر الأخير مثلًا.\r\r٢ - ذكر المسند إليه:\rرأيت مما أسلفنا لك: أن عبد القاهر الجرجاني قد انبهر كثيرًا بمزايا الحذف في المواضع التي أوردها والتي تراءت له من تتبعه للأساليب العربية الخالصة، وتذوقه لمزايا النظم بين التراكيب، وأنه قد اهتم كثيرًا بهذه المزايا. لدرجة أنه قال: رب حذف هو قلادة الجيد، وقاعدة التجويد، ولكنه لم يتكلم عن مزايا الذكر، وهو قيم الحذف في القسمة العقلية.\rوالمتأخرون من البلاغيين مقدمًا استخلصوا قوانينهم البلاغية من منابعها الحقيقية في كتابيه \"دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة\" لم يجدوا فيهما ما يكمل قسمتهم العقلية عندما تحدثوا عن الحذف كما تحدث عنه عبد القاهر، ما يكمل قسمتهم العقلية عندما تحدثوا عن الحذف كما تحدث عنه عبد القاهر، إذا لم يجدوا قسيم الحذف وهو الذكر، لأنهم قد نظروا إلى البلاغة بمنظار العقل والفكر المنطقي، بينما كان عبد القاهر ينظر إليها بمنظار الذوق والتحليل الأدبي.\rلقد كانت مهمة عبد القاهر هي رصد الأساليب العربية للخالصة، للتعرف على أنماطها المختلفة في التعبير، وإبراز مزايا النظم البلاغي بين للتراكيب، بينما وجه المتأخرون مهمتهم في تنظيم ترات عبد القاهر تنظيمًا عقليًا وإن أدى ذلك إلى استغلال عباراتهم في كثير من الأحايين!\rولعل السر في أن عبد القاهر لم يتعرض لموضوع ذكر المسند إليه،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584339,"book_id":8505,"shamela_page_id":192,"part":null,"page_num":195,"sequence_num":192,"body":"هو أن الذكر هو الأصل، والحذف فرع عن الذكر والأصل الذي لا يتم الكلام بدونه لا بحث للبلاغة فيه.\rومن هنا أخذ البلاغيون - من بعده - أول أغراض ذكر المسند إليه وهو: أنه الأصل، ولا مقتضى للعدول عن ذلك الأصل.\rوالمنهج الذي رسمه عبد القاهر لنظريته في النظم البلاغي - والذي أسلفناه لك - قد تضمن موضوع الحذف والتكرار. ولم يتعرض لموضوع الذكر. وقد التزم عبد القاهر بمنهجه، فلم يهتم بموضوع الذكر، واهتم بموضوع الحذف.\rوأنت إذا ما راجعت نظريته في النظم البلاغي. وجدته يقول فيها: ويتصرف في التعريف والتنكير. والتقديم والتأخير في الكلام كله. وفي الحذف والتكرار؛ والإضمار والإظهار. فيضع كلا من ذلك مكانه، ويستعمله على الصحة وعلى ما ينبغي له\".\rعلى أن المسند إليه قد يفهم من عبارته التي يقول فيها \"رب حذف هو قلادة الجيد وقاعدة التجويد، لأن التعبير بقوله (رب) يفيد أنه ليس كل حذف كذلك؛ بل قد يكون الذكر هو قلادة الجيد وقاعدة التجويد.\rوفي رأينا أنه بالإضافة إلى ما تفيد تلك العبارة السالفة الذكر من أن عبد القاهر يقصد أن الذكر قد يطلبه المقام - بالإضافة إلى هذا فإن التكرار الذي أورده عبد القاهر في نظرية النظم هو المقصود بالذكر، ولكنه لم يخصه بفصل في الدلائل يبين فيه مزاياه في نظم الكلام:\rوقد بين المتأخرون شيئًا من مزايا - ذكر المسند إليه - وإن كان جل اهتمامهم قد تجلى في بيان مزايا تكراره.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584340,"book_id":8505,"shamela_page_id":193,"part":null,"page_num":196,"sequence_num":193,"body":"ولهذا فإننا سوف نتناول بالحديث في هذا الموضوع مسألتين:\rالأولى: ذكر المسند إليه، والثانية: تكرار المسند إليه:\rيقول البلاغيون إن ذكر المسند إليه واجب إذا لم تكن هناك قرينة تدل عليه. من لفظ أو حال، لأنه لا يعرف إلا بها، ولا شأن للبلاغيين به، لأنه لا تمام المعنى الأصلي بدونه.\rفإذ ما دلت عليه قرينة من لفظ أو حال، فإنه يجوز ذكره وحذفه، وحينئذ يكون داخلًا في مجال بحث للبلاغيين، لأنهم يبحثون مرجحات الذكر على الحذف، أو مرجحات الحذف على الذكر.\rومرجحات ذكر المسند إليه هي الأغراض التي تدعو إلى ذكره.\rوالبلاغيون يبدءون حديثهم عن أغراض ذكر المسند إليهم بقولهم: أن يكون ذكر المسند إليه هو الأصل، ولا مقتضى للعدول عن ذلك الأصل. فإذا كنت مع صديق لك تنتظر أن قدوم محمد - مثلًا - ثم رأيته. فقال: \"قدم محمد\" كنت بذلك قد ذكرت المسند إليه وهو: \"محمد\" مع قيام قرينة الحال عليه؛ ولو قلت: (قدم) وحذفت المسند إليه لكان ذلك جائزًا - أيضًا - هكذا قالوا:\rولكنك ترى أن قيام القرينة على المسند إليه قد أتى بداع من دواعي الحذف، وهو الاحتراز عن العبث.\rولهذا فإن كونه هو الأصل؛ ولا مقتضى للعدول عن ذلك الأصل. ينبغي ألا يشغل البلاغيون به أنفسهم؛ لأنه مما لا يقع تحت طائلة البلاغة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584341,"book_id":8505,"shamela_page_id":194,"part":null,"page_num":197,"sequence_num":194,"body":"فإذا ما كانت القرينة ضعيفة غير كاشفة للمسند إليه؛ فإنه يجب ألا يعول عليها لضعفها وضعفها يرجع إلى واحد من أمرين:\rالأول: أن تكون القرينة غير واضحة، وذلك كأن يذكر المسند إليه في حديث، ثم تمضي فترة، حتى يطول عهد السامع به، فيذكر ثانيًا لاحتمال غفلة السامع عنه، لطول العهد به:\rالثاني: أن يشتبه في أمر القرينة، وذلك كأن يذكر المسند إليه في حديث، ثم يحول مجرى الحديث إلى غيره، فيذكر المسند إليه لئلا يلتبس الأمر على السامع، فلا يعلم المحدث عنه على وجه اليقين، وذلك كأن يكون الحديث عن شوقي ثم يجري الحديث عن شاعر غيره، فإذا ما أردت مدح شوقي حينئذ قلت؛ شوقي نعم الشاعر. وهذا هو المقصود بقولهم \"وإما لضعف التعويل على القرينة\".\rوقد تكون القرينة واضحة بينه كاشفة للمسند إليه، ولكن الأديب أو الشاعر يريد أن ينبه إلى أن السامع غبي لا يفهم المحذوف مع وجود قرائنه الكاشفة الموضحة، فيذكر المسند إليه إشارة إلى هذا الغرض.\rوذلك كما نقول لمن يسمع القرآن؛ ولكنه لا يحفل به: \"القرآن شفاء القلوب\"، فتذكر المسند إليه - مع إمكان حذفه لوجود القرينة - وذلك لكي تنبه إلى أن السامع غبي، لا يفهم إلا بالتصريح بالمسند إليه.\rوقد تكون القرينة - أيضًا كاشفة موضحة؛ إذا حذف المسند إليه دلت عليه القرينة دلالة واضحة؛ ولكن المتكلم يريد أن يصرح به إظهارًا لتعظيمه وتفخيمه، لأن اللفظ مما يدل على التعظيم، أو إظهارًا لتحقيره والتهوين من شأنه عن شأنه، لأن اللفظ مما يدل على التحقير:\rفمثال الأول: قولك \"قائد الجيش قادم\" ومثال الثاني: اللئيم قادم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584342,"book_id":8505,"shamela_page_id":195,"part":null,"page_num":198,"sequence_num":195,"body":"فقد صرحت بالمسند إليه في الأول وهو (قائد الجيش) لأنه رمز القوة تعظيمًا له وتهويلًا للمخاطب وصرحت بالمسند إليه في الثاني وهو (اللئيم) لأنه لفظ يدل على الحقارة والمهانة تحقيرًا له وتهوينًا لشأنه.\rوقد تكون القرينة - أيضًا - كاشفة موضحة، إذا حذف المسند إليه دلت عليه القرينة دلالة واضحة، ولكن المتكلم يريد التبرك بذكره، أو التلذذ به:\rفمثال ذكر المسند إليه للتبرك قولك: هل قال رسول الله كذا؟ فتذكر المسند إليه وهو، (رسول الله) تيمنًا بذكر اسمه وتبركًا به.\rومثال ذكر المسند إليه للتلذذ به، قولك: (ليلى أقبلت)، و (بثينه سلمت).\rوقد يكون الغرض من وراء ذكر المسند إليه - مع دلالة القرينة عليه - هو القصد إلى بسط الكلام وإطالته، وذلك حيث يكون إصغاء للسامع مطلوبًا للمتكلم لخطر مقامه، أو لقربه من قلبه ولهذا بحسن إطالة الكلام مع الأحبة:\rوذلك كما في قوله تعالى - حكاية لقول موسى ﵇: \"هي عصاي\" جوابًا عن سؤال تعالى: \"وما تلك بيمينك يا موسى؟ \" وقد كان يكفي في الجواب أن يقول \"عصا\" لأن \"ما\" للسؤال عن الجنس؛ ولكنه ذكر المسند إليه؛ وهو الضمير (هي) حبًا في طالة الكلام في حضرة الذات العلية - وأي مقام هو أدعى إلى بسط الكلام فيه كهذا المقام؟ -؛ ولهذا لم يكثف سيدنا موسى ﵇ بذكر المسند إليه، ولكنه أردف ذلك بذكر أوصاف لم يسأل عنها، فقال أتوكأ عليها، وأهش بها على غنمي، ولي فيها مآرب أخرى ولعله لم يذكر هذه المآرب طمعًا في أن يسأل عنها، فيجيب، فيتلذذ بالسؤال. والجواب معًا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584343,"book_id":8505,"shamela_page_id":196,"part":null,"page_num":199,"sequence_num":196,"body":"وكأن تقابل شخصًا تحبه، فيسألك، ماذا بيدك فتجيبه قائلًا، هذا كتابي: أنيسي في وحدتي، ورفيقي فيغربتي، فلا تكتفي بقولك: \"كتاب\"؛ لأن السؤال عن جنس ما بيدك، وتذكر المسند إليه رغبة منك في إطالة الحديث معه:\rوقد يكون الغرض منه ذكر المسند إليه هو إظهار التعجب منه، لأن الحكم غريب يندر وقوعه، وذلك كقوله - عن إنسان سبق الحديث عنه - فلان يصارع الأسود، أو فلان عبر المحيط.\rوقد يكون الغرض من ذكر المسند إليه - مع وجود القرنية الدالة عليه - هو قصد التسجيل على السامع بين يدي القاضي، حتى لا يكون له سبيل إلى الإنكار، وذلك كأن يقول القاضي لمن شاهد واقعة: هل أقر هذا بأن عليه لفلان كذا من المال؟ فيجيب الشاهد: نعم، أقر فلان أمامي بكذا، فيذكر اسمه لئلا يجد المشهود عليه سبيلًا إلى الإنكار، إذا لم يذكر اسمه، بأن يقول للقاضي - مثلًا - عند التسجيل عليه كتابة: إنما فهم الشاهد أنك أشرت إلى غيري فأجاب بما أجاب (١).\r* * *\rوقد يكون الغرض من ذكر المسند إليه هو: حرص المتكلم على أن يضيف إليه الخبر واضحة ومؤكدة (٢).","footnotes":"(١) ... مواهب الفتاح (شروح التلخيص) حـ ١ ص ٢٨٦.\r(٢) ... خصائص التراكيب ص ١٣٩.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584344,"book_id":8505,"shamela_page_id":197,"part":null,"page_num":200,"sequence_num":197,"body":"ومن ذلك قول عبد الله بن الدمينة الخثعمي (١)، معاتبًا صاحبته أمامة (١):\rوأنت التي قطعت قبلي حزازة ... وفرقت قرح القلب فهو كليم\rوأنت التي كلفتني دلج السرى ... وجون القطا بالجهلتين جثوم\rوأنت التي أحفظت قومي فكلهم ... بعيد الرضا، داني الصدود كظوم\rفأجابته أمامة - على وزنها ورويها -:\rوأنت الذي أخلفتني ما وعدتني ... وأشمت بي من كان فيك يلوم\rوأبرزتني للناس ثم تركتني ... لهم غرضًا أرمى وأنت سليم\rفلو أن قولًا لا يكلم الجسم قد بدا ... بجسمي من قمول الوشاة كلوم\rالدلج: السير أول الليل، والسرى: سير عامته، والجون: الأسود، والجهلتان: ناحيتا الوادي وجثوم الطائر كالبروك للبعير. وذلك بأن يلصق صدره بالأرض، والحزازة: الوجد الذي يقطع القلب وفرقت الجرح: إذا قشرته ولم يكن تدبرًا، والكليم: الجريح، وأحفظه: أغضبه، والكظيم هو الممسك على ما في نفسه منك على صفح أو غيظ، وأبرزتني للناس: أي كشفت أمري لهم، والكلم: الجرح والشاعر هنا يلوم صاحبته بأنها قطعت قلبه وجدًا، ونكأت جرح قلبه، وكلفته الإدلاج بالسرى، وأغضبت قومه عليه.\rوأمامة تجيبه معاتبة هي الأخرى بأنه ألخف وعده لها، وأشمت بها","footnotes":"(١) ... الدمينة أمه: واسمه: عبد الله بن عبد الله ويكنى أبا السري، وهو من بني خثعم، شاعر إسلامي مجيد، سجنه مصعب بن الزبير في دم كان قبلت فأخرجه قومه من السجن وهرب إلى صنعاء (ديوان الحماسة حـ ٢ ص ٥٧).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584345,"book_id":8505,"shamela_page_id":198,"part":null,"page_num":201,"sequence_num":198,"body":"من كان يلومها فيه، وكشف أمرها للناس ثم تركها غرضاً لسهام قالتهم.\rوقد ذكر الشاعر ضمير صاحبته - وهو المسند إليه - في كل بيت، لكي يسند إليهم هذه الأفعال في صورة واضحة ومؤكدة، وهي تقطيع قلبه، وتكليفه الإدلاج بالسرى، وإحفاظ قومه عليه.\rكما أن صاحبته هي الأخرى قد ذكرت ضميره في أول الأبيات - لكي تسند إليه تلك الأفعال في صورة واضحة ومؤكدة، وهي أنه أخلف ما وعدها به، وأنه أشمت بها اللوام، وأنه كشف أمرها للناس ثم تركها غرضاً لألسنتهم.\rويبدو أن الشاعر لم يصبر على هجرها فأرسل إليها هذه الأبيات: (١)\rوإذا عتبت علي بت كأنني ... بالليل مختلس الرقاد سليم\rولقد أردت الصبر عنك فعاقني ... علق بقلبي من هواك قديم\rيبقى على حدث الزمان وريبه ... وعملي جفائك، إنه لكريم!\rيقول: إنني غير محتمل لعتابك، فإذا عتبت علي بت مسلوب الرقاد ساهرا من القلق سهر اللديغ الذي ذهب الألم برقاده، ولقد أردت الصبر عنك فدفعني عن المراد ما علق بقلبي من هواك قديما، وإن هذا الهوى لكريم، لأنه يبقى مع جفائك، ويغير الحدثان فلا يزول! وكان عبد الله ابن الدمينة فتى صبوحاً أيداً، شغفت به أمامة حباً، وقال له:\rأيا حسن العينين: أنت قتلتني ... ويا فارس الخيليين أنت شفائيا","footnotes":"(١))) ديوان الحماسة جـ ٢ ص ١٤٢","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584346,"book_id":8505,"shamela_page_id":199,"part":null,"page_num":202,"sequence_num":199,"body":"وهذا البيت يختلف عن أبيات العتاب السابقة، فالأبيات السابقة يشيع فيها جو اللوم والعتاب القاسي، وإبراز المعاناة في ضيق وإحباط شديدين، ولكن هذا البيت أشيع فيه جو الغزل الرقيق، وعاطفة الحب المشبوبة.\rوقد حرصت أمامة على أن تذكر ضمير الشاعر في شطري البيت، لكي تضيف إليه هذين الفعلين في صورة واضحة ومؤكدة، وهما: أنه قتلها حبا بجمال عينيه، وأنه شفاء لها لفروسيته، فجمال عينيه قد شغفها حبا، فتعلقت به، وفروسيته هي الشفاء لهذا الحب، إذ بها يقهر الأعداء فتسعد بوصاله.\rويكثر هذا الأسلوب - وهو ذكر ما تسند إليه الأحداث - في العتاب.\rوذلك ما تجده في حياتنا اليومية من قولك لصاحبك معاتبا أنت فعلت كذا وكذا، فإذا ما زاد انفعالك بأفعاله قلت: أنت الذي فعل كذا، وأنت الذي فعل كذا، وأنت الذي فعل كذا الخ (١).\rكما أنه يكثر في الفخر وتعديد المآثر.\rاستمع إلى قول عمرو بن كلثوم (٢):\rوقد علم القبائل من معد ... إذا قبب بأبطحها بنينا\rبأنا العاصمون إذا أطعنا ... وأنا الغارمون إذا عصينا\rوأنا المنعمون إذا قدرنا ... وأنه المهلكون إذا أتينا\rوأنا الحاكمون بما أردنا ... وأنا النازلون بحيث شينا","footnotes":"(١))) خصائص التركيب ١٤١\r(٢))) المعلقات العشر وأخبار شعرائها (المكتبة التجارية) ص ١٠٨","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584347,"book_id":8505,"shamela_page_id":200,"part":null,"page_num":203,"sequence_num":200,"body":"وأنا التاركون لما سخطنا ... وأنا الآخذون لما هوينا\rوأنا الطالبون إذا نقمنا ... وأنا الضاربون إذا ابتلينا\rوأنا النازلون بكل ثغر ... يخاف النازلون به المنونا\rنجد أن الشاعر قد حرص لي ذكر ضميره لكي يسند إليه تلك الأفعال أو المناقب التي عددها، والتي علمت بها قبائل معد كلها، في صورة واضحة ومؤكدة.\rوكما يجيء هذا الأسلوب في تعديد المناقب والمآثر - كما رأيت - يجيء - أيضاً - في تعديد المثالب؛ وذلك ما تجده في حياتك اليومية من أنك إذا أردت أن تشكو شخصاً إلى صاحب له قلت: هو الذي فعل كذا، وهو الذي فعل كذا، وهو الذي فعل كذا.\rويعد هذا الأسلوب - وهو ذكر المسند إليه لكي أسند إليه الأحداث في صورة واضحة ومؤكدة - خاصية من خواص النظم القرآني:\rاستمع إلى قول الله تعالى: \"أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وأُوْلَئِكَ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١) \".\rفقد أتى بالمسند إليه مع كل حكم من الأحكام السالفة؛ وهي: كفرهم بالله تعالى، وتعليقهم بالأغلال من أعناقهم، وإلقاؤهم في نار جهنم مخلدين فيها.\rوتأمل النظم القرآني بالآية الكريمة تجد أنه قد قسم هذه الأحداث إلى مراحل ثلاث: الأولى: مرحلة الحياة وما فيها من تكليف، والثانية: مرحلة البعث وما فيه من حساب، والثالثة: مرحلة الجزاء وما فيه من عذاب.","footnotes":"(١))) الرعد: ٥","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584348,"book_id":8505,"shamela_page_id":201,"part":null,"page_num":204,"sequence_num":201,"body":"ثم تأمل ثانية تجد أن هذه الأحكام قد تدرجت معهم في أحوالهم الثلاثة، وأن كل حكم منها قد ترتب على سابقه؛ فهم قد كلفوا في الدنيا فكفروا؛ ثم بعثوا ليحاسبوا على كفرهم فغللت أعناقهم، ثم ألقي بهم في النار ليخلدوا فيها عقاباً لهم على كفرهم.\r\r(ب) تكرير المسند إليه:\rقد يكون لدى الشاعر أو الأديب معان يحرص على إشاعتها في كلامه؛ فيكرر الألفاظ التي تحمل هذه المعاني لتنتشر في كلامه؛ ومن ذلك تكرير المسند إليه:\rويكثر هذا التكرير في أسماء الصواحب لما توحي به هذه الأسماء من معان جميلة، يحرص الشعراء والأدباء على إشاعتها في كلامهم؛ ولما يجدون نحوها من استعذاب لسماعها واستلطاف لترديدها.\rيقول ابن رشيق: \"ولا يجب للشاعر أن يكرر اسما إلا على جهة التشوق والاستعذاب؛ إذا كان في تغزل أو نسيب (١) \".\rيقول مجنون ليلى:\rبالله يا ظبيات القاع قلن لنا ... ليلاي منكن أم ليلى من البشر؟ !\rفكرر ذكر المسند إليه في الشطر الثاني من البيت وهو (ليلى) لقصد التلذذ بسماع اسم محبوبته.\rومنه قول قيس بن ذريح:","footnotes":"(١))) العمدة لابن رشيق حـ ٢ صـ ٧٤ (ط بيروت)","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584349,"book_id":8505,"shamela_page_id":202,"part":null,"page_num":205,"sequence_num":202,"body":"ألا ليت لبنى لم تكن لي خلة ... ولم تلقني لبنى ولم أدر ما هيا\rفقد كرر ذكر المسند إليه في الشطر الثاني من البيت وهو (لبنى) تلذذا بسماعه.\rومنه قول امرئ القيس:\rديار لسلمى عافيات بذي الخال ... ألح عليها كل أسحم هطال\rوتحسب سلمى لا تزال كعهدة ... بوادي الخزامى أو على رأس أو عال\rوتحسب سلمى لا تزال ترى طلا ... من الوحش أو بيضاً بميثاء محلال\rليالي سلمى، إذ تريك منضداً ... وحيداً كجيد الريم ليس بمعطال\rوالشاهد هنا قوله: (وتحسب سلمى) إذ كرر المسند إليه وهو: \"سلمى\" تلذذاً بسماع اسمها.\rومن ذكر أسماء الصواحب للتلذذ بسماعها. قول أمير الشعراء أحمد شوقي - على لسان المجنون (١): -\rليلى نداء لليلي رن في أذني ... فداء ليلى الليالي الخرد الغيد!\rليلى اسمعي البيد هل مادت بأهلها ... وهل ترنم في المزمار داوود؟ !\rليلى تردد في سمعي وفي خلدي ... كما تردد في الأيك الأغاريد","footnotes":"(١))) مسرحية مجنون ليلى لأمير الشعراء","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584350,"book_id":8505,"shamela_page_id":203,"part":null,"page_num":206,"sequence_num":203,"body":"إذا سمعت اسم ليلى ثبت من خبلي ... وثاب ما صرعت مني العناقيد\rليلى! لعلي مجنون يخيل لي ... لا الأهل نادوا على ليلى ولا نودوا\rوكما يكثر أسماء الصواحب تلذذا بسماعها، كذلك يكثر أسماء أماكن اللهو والمرح والمتعة أيام الشباب، لما توحي به هذه الأماكن من ذكريات جميلة يعيش الشاعر على تذكارها، واسترجاع ما كان فيها من لهو ومتعة، ووصال للأحباء: استمع إلى قول مالك بن الريب - وقد شعر بدنو أجله وهو في خراسان:\rألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بجنب الغضا أزجي القلاص النواجيا\rفليت للغضا لم يقطع الركب عرضه ... وليت الغضا ماشي الركاب لياليا؟ !\rلقد كان في أهل الغضا لودنا الغضا ... مزارا، ولكن الغضا ليس دانيا!\rوالغضا: شجر في ديار أهله، وأهل الغضا: أهل نجد لكثرته هنالك (١)، والشاعر يقصد مكان الغضا، كما قصده البحتري في قوله:\rفسقا الغضا والساكنيه وإن هم ... شبوه بين جوانحي وضلوعي\rوالشاهد في الأبيات قوله: (وليت الغضا) وقوله: (لودنا الغضا) وقوله: (ولكن الغضا ليس دانيا).","footnotes":"(١))) لسان العرب مادة (غضا)","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584351,"book_id":8505,"shamela_page_id":204,"part":null,"page_num":207,"sequence_num":204,"body":"فقد كرر الشاعر المسند إليه - وهو الغضا - في تلك التراكيب الثلاثة؛ لما يوحي به هذا الاسم من ذكريات عزيزة كانت له في هذا المكان أيام لهوه وشبابه.\rوكذلك يكثر تكرير الأسماء إذا جاءت على سبيل المدح، أو على سبيل القدح: وذلك ليتسنى للشاعر أن يسند إليها ما شاء من صفات المدح إذا كان مادحا، أو صفات الذم إذا كان هاجيا.\rفمن تكرير المسند إليه لإشاعة صفات المدح قول الخنساء، تعدد محاسن أخيها صخر:\rوإن صخرا لمولانا وسيدنا ... وإن صخرا - إذا نشتو - لنحار\rوإن صخرا لتأتم الهداة به ... كأنه على في رأسه نار\rفقد كررت الشاعرة اسم (صخر) وو مسند إليه؛ لكي تشيع في كلامها معاني العظمة والشرف والمهابة، لأنها تعدد محاسنه ومآثره ومناقبه بعد موته.\rيقول ابن رشيق: \"وأولى ما تكرر فيه الكلام باب الرثاء؛ لمكان الفجيعة، ونشوة الفرحة التي يجدها المتفجع (١) \".\rومما تكرر فيه اسم الممدوح لإشاعة معناه - من غيرها باب المسند إليه - قوله أبي الأسد:\rولائمة لامتك يا فيض في الندى ... فقلت لها: هل يقدح اللوم في البحر؟\rأرادت لتثني الفيض عن هادة الندى ... ومن ذا الذي يثني السحاب عن القطر؟ !","footnotes":"(١))) العمدة جـ ٢ صـ ٧٦","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584352,"book_id":8505,"shamela_page_id":205,"part":null,"page_num":208,"sequence_num":205,"body":"كأن وفود الفيض يوم تحملوا ... إلى الفيض لاقوا عنده ليلة القدر\rمواقع جود الفيض في كل بلدة ... مواقع ماء المزن في البلد القفر\rومن تكرير الأسماء إذا جاءت على سبيل الهجاء: قول جرير في سدوس:\rأخلاي الكرام سوى سدوس ... ومالي في سدوس من خليل\rإذا أنزلت رحلك في سدوس ... فقد أنزلت منزلة الذليل\rوقد علمت سدوس أن فيها ... منار اللؤم واضحة السبيل\rفما أعطت سدوس من كثير ... ولا حامت سدوس عن قليل\rفالشاعر يهجو قبيلة (سدوس) فينفي الكرم عن أفرادها جميعا، فهو لم يخالل واحدا منهم، لأن أخلاءه كرام، وهم ليسوا بهذه المثابة، ثم يلتفت إلى المخاطب وإلى كل من يسمع شعره هذا قائلا: إذا ما اضطررت إلى النزول بهذه القبيلة فإنك تكون قد نزلت منزلة الذلة والمهانة، لأن أهلها قد جبلوا ذلك، وهم جميعاً يعلمون هذا فلا هم أعطوا عن كثرة، فهم بخلاء، ولا هم دافعوا عن القليل، فهم جبناء.\rوأنت تشعر معي بأن الشاعر قد حرص على تكرير اسم قبيلة (سدوس) هذا، لكي يمرغ هذه القبيلة في أوحال هجائه، وهو يشعر في قرارة نفسه بمهانة هذه القبيلة وذلتها وكأن اسمها أصبح - في نظره - مبعث الحقارة، ومنبع المهانة.\rوالشاهد في هذه الأبيات قوله. (فما أعطت سدوس) وقوله: (ولا حامت سدوس) حيث كرر المسند إليه في الأبيات لهجائه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584353,"book_id":8505,"shamela_page_id":206,"part":null,"page_num":209,"sequence_num":206,"body":"٣ - تعريف المسند إليه:\rوإنما هو تعريف المسند إليه على تنكيره، لأن التعريف فيه هو الأصل، والتنكير هو الفرع والأصل مقدم على الفرع.\rوإنما كان التعريف في المسند إليه هو الأصل، لأنه - كما قالوا - محكوم عليه، والحكم على المجهول ليس مفيدا.\rوقدموا تعريف المسند إليه بالإضمار على تعريفه بسائر أنواع المعارف لأن الضمير عند النحويين هو أعرف المعارف.\rودلالة الضمير على التكلم؛ أو الخطاب؛ أو الغيبة بحث نحوي - وليس بحثا بلاغيا.\rولكن الذي يهم البلاغيين منه: هو أن تخرج الضمائر عن معانيها الحقيقية إلى معان أخرى مجازية؛ لأنها هي التي يراعيها البلغاء في كلامهم.\rولهذا فإننا سوف نثبتها هنا لنتبين بعد ذلك - على هدي من معرفة حقائق معانيها - كيفية خروج الأساليب عن معانيها الحقيقية؛ إلى معانيها المجازية.\rوذلك لأن النظم البلاغي - وإن كان هو تتبع معاني النحو فيما بين الكلم - إلا أن ذلك التتبع مشروط بكونه على حسب الأغراض التي يساق لها الكلام - كما يقول عبد القاهر الجرجاني.\rيكون المسند إليه ضميراً إذا كان المقام للتكلم؛ أو للخطاب؛ أو للغيبة.\rفإذا كان المتكلم يتحدث عن نفسه فإنه ينبغي أن يأتي بضمير المتكلم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584354,"book_id":8505,"shamela_page_id":207,"part":null,"page_num":210,"sequence_num":207,"body":"وهو، (أنا) وذلك كما في قول النبي ﷺ \"أنا انبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب\" ومنه قول أبي الطيب المتنبي:\rأنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي ... وأسمعت كلماتي من به صمم\rيصف شعره بالشهرة والذيوع، إلى درجة نفذ معها إلى بصيرة الأعمى، وسريرة الأصم.\rوإذا كان المتكلم يخاطب إنساناً أمامه، فإنه ينبغي أن يأتي بضمير المخاطب (أنت)، وذلك كما في قول أمامة الخنعمية تخاطب عبد الله ابن الدمينة.\rوأنت الذي أخلفتني ما وعدتني ... وأشمت بي من كان فيك يلوم\rوإذا كان المتكلم يتحدث عن غائب جاء ذكره في كلامه، أو كان في حكم المذكور، لقرينة فإنه ينبغي أن يأتي بضمير الغائب (هو) كما في قول أبي الطيب يمدح سيف الدولة (١):\rلكل امرئ من دهره ما تعودا ... وعادات سيف الدولة الضرب في العدا\rوأن يكذب الأرجاف عنه بضده ... ويمسي بما تنوي أعاديه أسعدا\rورب مريد ضره ضر نفسه ... وهاد إليه الجيش أهدى وما هدى\rومستكبر لم يعرف الله ساعة ... رأى سيفه في كفه فتشهدا","footnotes":"(١))) ديوان المتنبي جـ ١ صـ ٢٨١؛ صـ ٢٨٢","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584355,"book_id":8505,"shamela_page_id":208,"part":null,"page_num":211,"sequence_num":208,"body":"هو البحر غص فيه إذا كان راكداً ... على الدر، واحذره إذا كان مزبداً\rيقول: إن كل إنسان له في حياته ما تعود عليه من عادات، وعادات سيف الدولة هي ضرب أعدائه وأن يكذب الأعداء فيما يرجفون به من قصوره عنهم، بهزيمته لهم، ويبيت سعيداً بتحرشهم به، لأنه يبيت ظافراً بهم.\rورب قاصد ضره عاد الضر عليه، ورب قائد جيش هدى الجيش إليه، فأسلمه إلى حتفه، فصار غنيمة له، ومتكبر عن الإيمان بالله رأى سيفه في كفه فآمن وأتى بالشهادتين.\rفأته مسالما، ولا تأته محارباً، فإنه كالبحر، يسلم الغائص فيه على الدر إذا كان ساكناً، ويحذره إذا كان هائجا مزبداً.\rوالشاهد في الأبيات قوله (هو البحر) حيث أتى بالمسند إليه ضمير غيبة لأن المقام له لتقدم ذكره في قوله: (وعادات سيف الدولة الضرب في العدا)\rومثال ما هو في حكم المذكر لقرينة: قول الله تعالى: \"وإن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ\" فمرجع الضمير في الآية هو: الرجوع بقرينة قوله: \"فارجعوا\".\rومنه قول الله تعالى: \"ولأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ\"، فمرجع الضمير في قوله «مما ترك» هو الميت، لأن قرينة الحال دلت عليه لأن الكلام مسوق لبيان الإرث.\rومما يتصل ببحثنا هذا، قولهم: \"وأصل الخطاب أن يكون لمعين، وقد يترك إلى غير معين ليعم الخطاب كل مخاطب\".\rوتلك - لعمري - شهادة ضمنية منهم بأن أصل وضع الضمير - سواء أكان للخطاب، أو للتكلم، أو للغيبة - إنما هو حقيقة لا يتم الكلام بدونا، وأن الخروج عن هذه الحقيقة هو الذي ينبغي أن يبحثه البلاغي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584356,"book_id":8505,"shamela_page_id":209,"part":null,"page_num":212,"sequence_num":209,"body":"فأصل الخطاب أن يكون لمعين - كما قالوا -، فإذا قلت لشخص أمامك: إن أكرمتني أكرمتك كان خطابك موجها إليه وحده لا يتعداه إلى غيره.\rولكنك قد تعدل عن هذا التعيين في الخطاب إلى العموم فيه، فلا توجه خطابك إلى مخاطب معين، ولكن توجهه إلى كل من يتأتى منه الخطاب، كأن تقول: \"فلان لئيم، إن أكرمته أهانك، وإن أحسنت إليه أساء إليك\" فلا تريد مخاطباً معيناً، ولكنك تقصد: أنه إن أكرمه أي إنسان أهانه، وإن أحسن إليه أي إنسان أساء إليه ومعنى ذلك: أن سوء معاملته لا يختص بشخص دون آخر.\rوهذا الخروج عن التعيين إلى العموم في الخطاب قد يكون الغرض منه هو التشهير بمن تتحدث عنه، لأنك تريد أن يفتضح أمره أمام الناس جميعا.\rومن شواهد البلاغين في هذا: قول الله تعالى: \"ولَوْ تَرَى إذِ المُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ (١) \".\rفالخطاب في الآية الكريمة لم يوجه إلى مخاطب معين، وإنما هو خطاب عام شامل لكل من تتأتى منه الرؤية.\rوالمقصود بذلك هو: تفظيع حالهم، وتهويل ما وصلت إليه من الشناعة، وأنها قد تناهت في الظهور والافتضاح أمام أهل المحشر إلى درجة يمتنع معها خفاؤها، فلا تختص بها رؤية راء دون راء، ومن ثم فإن هذا الخطاب لا يختص به مخاطب دون مخاطب، بل إن كل من تتأتى منه الرؤية له مدخل في هذا الخطاب (٢).","footnotes":"(١))) السجدة: ١٢\r(٢))) شروح التلخيص حـ ١ صـ ٢٩١","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584357,"book_id":8505,"shamela_page_id":210,"part":null,"page_num":213,"sequence_num":210,"body":"ومن ذلك قول جرير في بني تيم (١):\rويقضى الأمر حين تغيب \"تيم\" ... ولا يستأذنون وهم شهود\rفإنك لو رأيت عبيد \"تيم\" ... و\"تيماً\" قلت: أيهم العبيد؟ !\rفالشاعر يهجو قبيلة \"تيم\" بأنهم قوم محتقرون، وليس لهممن الأمر شيء، فلا هم ينتظرون لأمر، وهم غائبون، ولا هم يستأذنون فيه وهم حاضرون، فشأنهم شأن العبيد، فلو رأيتهم وعبيدهم لما استطعت أن تفرق بينهم لحقارتهم جميعاً.\rوقد رأيت أنه لم يوجه خطابه - في البيت الثاني - إلى مخاطب معين بقوله: (رأيت) وقوله: (قلت) وإنما جعله خطابا عاماً، يشمل كل من تتأتى منه الرؤية، وكل من يتأتى منه القول، ليشهر بهم، ويفضح أمرهم بين الناس.\rويكثر هذا الأسلوب - أعني خروج الخطاب عن التعيين إلى العموم - في الحكم والنصائح وذلك لتكون الفائدة عامة شاملة، لا تقتصر على فرد دون فرد ولا على قوم دون قوم ولا على جيل دون جيل.\rومن ذلك قول أبي الطيب المتنبي (٢):\rإذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا\rووضع الندى في موضع السيف بالعلا ... مضر كوضع السيف في موضع الندى\rوالشاهد هو البيت الأول، فهو حكمة سائرة كما ترى - ولهذا فإنه لم يوجه الخطاب فيه إلى معين، ليظل حكمة تتوارثها الأجيال.","footnotes":"(١))) العمدة حـ ٢ صـ ١٧٣\r(٢))) ديوان أبي الطيب حـ ١ صـ ٢٨٨","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584358,"book_id":8505,"shamela_page_id":211,"part":null,"page_num":214,"sequence_num":211,"body":"ومنه قول بشار بن برد:\rإذا أنت لم تشرب مراراً على القذى ... ظمئت، وأي الناس تصفو مشاربه؟ !\rفليس المراد منه مخاطبا معينا، بل أرسله الشاعر حكمة سائرة.\rومنه في النصح والإرشاد قول الشاعر:\rالجد في الجد، والحرمان في الكسل ... فانصب تصب عن قريب غاية الأمل\rفالشاعر لم يوجه نصحه في قوله (فانصب) إلى مخاطب معين، وإنما جعل الخطاب فيه عاماً ليعم نصحه كل فرد، ويشمل كل عصر.\rومنه قول أمير الشعراء، من قصيدته في رثاء مصطفى كامل:\rالمجد والشرف الرفيع صحيفة ... جعلت لها الأخلاق كالعنوان\rوأحب من طول الحياة بذلة ... قصر يريك تقاصر الأقران\rدقات قلب المرء قائلة له ... إن الحياة دقائق، وثوان!\rفارفع لنفسك قبل موتك ذكرها ... فالذكر للإنسان عمر ثان! !\rوتلك حكم أوردها أمير الشعراء، شفعها بنصيحة في البيت الرابع، مخاطبا بها كل من يتأتى منه الخطاب، بأن يعمل لنفسه قبل الموت ما يرتفع","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584359,"book_id":8505,"shamela_page_id":212,"part":null,"page_num":215,"sequence_num":212,"body":"به شأنها من أعمال الخير التي تذكر بها بعد الموت فالذكرى الطيبة للإنسان بعد موته هي بمثابة عمر ثان له.\rومن خروج الخطاب عن التعيين إلى العموم، لكي تشمل الفائدة وتعم: قول مصنفي الكتب:\r\"علمت أن الأمر كذا وكذا، فاعلم - هداك الله - أنه كذا وكذا\" فالخطاب هنا لم يوجه إلى فرد معين، وإنما هو شامل لكل من يقرأ الكتاب.\rوأما تعريف المسند إليه بإيراده علماً: فإن ذلك يكون لأغراض، منها: إحضاره في ذهن السامع ابتداء باسم مختص به: وذلك كقولك: \"محمد سافر\" و\"علي حضر\".\rلأنك إذا قلت \"محمد\" فإن السامع يتصوره في ذهنه، ويتعين لديه وكأنه حاضر أمامه، لأن اسمه الخاص به قد أحضره في ذهنه، فإذا قلت: (سافر) فأسندت إليه السفر، علم السامع ذلك دون تردد منه في شخص من تسند السفر إليه.\rوهذا الغرض يلحق بما أسلفنا الحديث عنه في التعريف بالضمير، من أنه لا بحث للبلاغيين فيه، لأن دلالة الألفاظ على معانيها الحقيقية بحث لغوي، وليس بحثا بلاغيا فلا شأن للبلاغيين به.\rويمثلون لهذا الغرض بقول الله تعالى: \"قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ\".\rويمثلون له - أيضاً - بقول الحارث بن هشام بن المغيرة، شقيق أبي جهل وهو شاعر مخضرم شهد غزوة بدر مع المشركين، وفر عن أخيه أبي جهل فعيره بذلك حسان بن ثابت في قصيدة يقول فيها - مخاطباً نفسه - (١)","footnotes":"(١))) ديوان الحماسة حـ ١ ص ٦٤","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584360,"book_id":8505,"shamela_page_id":213,"part":null,"page_num":216,"sequence_num":213,"body":"إن كنت تاركة الذي حدثتني ... فنجوت منجى الحارث بن هشام\rترك الأحبة، أن يقاتل دونهم ... ونجا برأس طمرة، ولجام\rفأجابه الحارث بن هشام - وهو مشرك يومئذ - كما يقولون - بهذه الأبيات:\rالله يعلم ما تركت قتالهم ... حتى علو فرسي بأشقر مزبد\rوشممت ريح الموت من تلقائهم ... في مأزق، والخيل لم تتبدد\rوعلمت أني إن أقاتل واحداً ... أقتل، ولا يضرر عدوي مشهدي\rفصددت عنهم والأحبة فيهم ... طمعاً لهم بعقاب يوم مرصد\rالله يعلم: لفظه لفظ الخبر، وقصد به القسم واليمين، وأراد بالأشقر المزبد: الدم، وجعله مزبداً، لأنه إذا بدر من الطعنة أزبد، أي علاه زبد، وشممت ريح الموت: أي غلب على ظني أنني إن أقاتل منفرداً سأقتل وواحدا أي منفردا وصددت: أعرضت، وأراد بالأحبة - كما قالوا - أبا جهل ورهطه من آل مكة.\rفالشاعر يعتذر في الأبيات عن فراره يوم بدر، فيقسم بالله أنه لم يترك قتالهم حتى جرح فرسه وسالت منه الدماء، وغلب على ظنه أنه إن قاتلهم منفرداً مات ولن يضر عدوه حضوره، فرجع عنهم وفيهم أحبته طمعا في أن يأتي يوم يكون فيه العقاب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584361,"book_id":8505,"shamela_page_id":214,"part":null,"page_num":217,"sequence_num":214,"body":"والشاهد في الأبيات: أنه عبر عن المسند إليه في قوله: (الله يعلم) بصيغة العلم قصدا إلى احضار مدلوله باسمه الخاص به، حتى لا يلتبس بغيره.\rويغلب على ظني أن هذه الأبيات قد قالها الحارث بن هشام بعد إسلامه وذلك لأن عبارة: (الله يعلم) عبارة إسلامية لم نعهدها في عبارات المشركين لأنهم لم يكونوا يقسمون بالله تعالى، وإنما كانوا يقسمون باللات والعزى وغيرهما مما كانوا يعبدونه من أصنام، ولأن الضمائر في البيت الأخير لا مرجع لها في الأبيات إلا إلى المسلمين، أي أنه قد ترك قتالهم وأحبته من المسلمين فيهم - طمعاً في أن يجدوا في هذا اليوم الذي كانوا يترقبونه فرصة لعقاب المشركين.\rويمثلون لهذا الغرض بقول المتنخل يرثي أخاه عويمرا (١):\rلعمرك ما إن أبو مالك ... بواه ولا بضعيف قواه\rولا بألد له نازع ... يعادي أخاه إذا ما نهاه\rولكنه هين لين ... كعالية الرمح عرد نساه\rإذا سدته سدت مطواعة ... ومهما وكلت إليه كفاه\rألا من ينادي أبا مالك ... أفي أمرنا هو أم في سواه؟\rأبو مالك قاصر فقره ... على نفسه ومشيع غناه\rفقد وصف الشاعر أخاه بالقوة في غير تهور، وباللين في غير ضعف، وبالسماحة لإخوانه إذا أوكلوا إليه أمراً قام به، ثم وصفه بكرم الطبع","footnotes":"(١))) ديوان الحماسة حـ ١ صـ ٦٥","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584362,"book_id":8505,"shamela_page_id":215,"part":null,"page_num":218,"sequence_num":215,"body":"وأصالته، لأنه إذا افتقر حبس فقره على نفسه، فلا يجعل أحدا يشعر بحاله ولكنه إذا اغتنى أشرك أصحابه في ماله.\rوالشاهد في الأبيات: أنه عبر عن المسند إليه في قوله: \"أبو مالك\" في أول الأبيات وآخرها بصيغة العلم قاصداً بهذا إحضار مدلوله بشخصه باسمه الخاص حتى لا يلتبس بغيره.\rوقد يكون الغرض من التعريف بالعلمية: تعظيم المسند إليه أو إهانته أو تعظيم غيره أو إهانته، وذلك كما في الألقاب والكني التي تدل على معان محمودة أو مذمومة.\rفإذا ما أردت تعظيم المسند إليه قلت: أقبل علينا عز الدين - مثلا - وأقبلت نور الهدى.\rوكأن تقول: حضر أبو الفضل، وجاءت أم السعد.\rوإذا ما أردت تحقيره قلت: رحل عنا أنف الناقة: وغادرنا صخر، وكأن تقول: جادلنا أبو جهل واستمعنا إلى أم الدواهي.\rفقد أتيت بالمسند إليه - في الأمثلة السابقة، قاصداً تعظيمه في المثل الأولى، وقاصداً إهانته في المثل الثانية.\rفإذا ما أردت تعظيم غير المسند إليه، قلت \"أبو الفضل رفيقك\" وإذا ما أردت إهانته قلت: \"أبو لهب صديقك\".\rفالتعظيم والإهانة - في العبارتين - لغير المسند إليه - كما ترى.\rوقد تقصد التفاؤل بالمسند إليه أو التطير منه - إذا كان في معناه قبل التسمية به - ما يتفاءل به، أو يتطير منه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584363,"book_id":8505,"shamela_page_id":216,"part":null,"page_num":219,"sequence_num":216,"body":"فالتعظيم والإهانة - في العبارتين - لغير المسند إليه - كما ترى.\rوذلك كقولك - إذا أردت تفاؤلا -: \"أتاكم سرور\" و\"جاءكم بشرى\".\rوكقولك - إذا أردت تطيرا -: \"أتاكم حرب\" وجاءتكم \"البسوس\".\rوقد تقصد التبرك بذكر اسمه أو التلذذ به، وذلك إذا كان المسند إليه مما يتبرك بذكر اسمه أو مما يتلذذ به.\rفإذا ما أردت التبرك بذكر اسمه قلت: \"الله قصدي\" و\"محمد سندي\".\rوإذا ما أردت التلذذ بذكر اسمه قلت - على لسان قيس بن الملوح -:\rبالله يا ظبيات القاع قلن لنا ... ليلاي منكن أم ليلى من البشر؟ !\rوالشاهد قوله: \"أم ليلى من البشر\"، وكان سياق الحديث أن يقول: أم هي من البشر، بالضمير لأنه قد تقدم مرجعه، ولكنه أراد أن يتلذذ بذكر اسم محبوبته، فأتى بالمسند إليه علماً لهذا الغرض.\rومما يؤيد ذلك: أن الشعراء قد يوردون ذكر الأعلام تلذذاً بذكرها، كما في قول أبي الطيب المتنبي، يمدح عضد الدولة أبا شجاع فناخسروا (١).\rوقد رأيت الملوك قاطبة ... وسرت حتى رأيت مولاها\rومن مناياهم براحته ... يأمرهم فيها، وينهاها\rأبا شجاع، بفارس، عضد ... الدولة فناخسروا شهنشاها\rأسامياً لم تزده معرفة ... وإنما لذة ذكرناها!","footnotes":"(١))) ديوان أبي الطيب جـ ٤ صـ ٢٧٤، ٢٧٥","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584364,"book_id":8505,"shamela_page_id":217,"part":null,"page_num":220,"sequence_num":217,"body":"يقول أبو الفتح ابن جنى: وهذا البيت، على أنه قصير الوزن، قد جمع فيه: كنية الممدوح وبلده، واسمه، ونعته، وسماه بملك الملوك شهنشاه، وهو من أحسن الجمع والمدح.\rفالشاعر يقول: إنه رأى الملوك قاطبة، وسار في الأرض حتى وجد سيدها الذي بيده مناياهم أبا شجاع، عضد الدولة، فناخسروا، شهنشاها.\rوهذه الأسماء التي أوردها، لم يذكرها أبو الطيب ليعرف بها الممدوح، فهو أشهر من أن يعرف به، ولكنه ذكر تلك الأسماء للتلذذ بذكرها.\rوقد يكون الغرض من تعريف المسند إليه بالعلمية: أن يقصد التسجيل على السامع حتى لا يكون له سبيل إلى الإنكار: وذلك كأن يقول القاضي للشاهد: هل أقر علي بأن عليه لعمر وكذا؟ ، فيقول: نعم \"أقر علي بكذا\"، فيعرف المسند إليه بالعملية ليسجل عليه فلا يستطيع الإنكار.\rوقد يكون الغرض من تعريف المسند إليه هو: أن تريد الكناية به عن معنى.\rوذلك إذا كان المسند إليه كناية عن معنى يصلح له قبل جعله علماً.\rوذلك كأن تقول: \"مر بنا أبو لهب\" كناية عن كونه جهنميا، وكأن تقول: \"قابلني أبو جهل\": كناية عن كونه غبيا.\rوأما تعريف المسند إليه بإيراده اسم موصول، فإنه يكون لأغراض، منها:\rألا يكون المخاطب عنده علم بالأحوال المختصة به سوى الصلة، والصلة - كما يقرر النحاة - يجب أن تكون معروفة للمخاطب، لأنها وسيلة تعريف، فلابد من أن تكون معروفة له، وذلك كقولك: الذي كان معنا أمس رجل عالم، وذلك إذا لم يكن لمخاطبك عهد به قبل لقائه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584365,"book_id":8505,"shamela_page_id":218,"part":null,"page_num":221,"sequence_num":218,"body":"ويكاد هذا الغرض أن يلحق بما أسلفنا الحديث عنه، من أنه لا بحث للبلاغة فيه، ولا شأن للبلاغيين به، لأنه من دلالة اللفظ على أصل المعنى وحقيقته.\rوقد يكون التصريح باسم المسند إليه مستهجناً مستقبحاً، فيعدل عن التصريح به إلى التعبير بالموصول، وذلك كقول الفقهاء: \"الذي يخرج من السبيلين ناقض للوضوء\".\rومنه قول حسان بن ثابت الأنصاري ﵁ يخاطب أم المؤمنين عائشة ﵂ ويبرئ نفسه مما نسب إليه في حديث الإفك:\rفإن كنت قد قلت الذي قد زعمتوا ... فلا رفعت سوطي إلى أناملي\rوقوله - أيضاً -:\rفإن الذي قد قيل ليس بلائط ... ولكنه قول امرئ بي ماحل\rومعنى قوله: بلائط: ليس بلازم ولا لاحق، وما حل: ساع بالنميمة.\rفقد رأيت أن حسان بن ثابت ﵁ قد استهجن ما نسب إلى أم المؤمنين عائشة ﵂ من حديث الإفك، فلم يصرح به، وإنما قال: \"الذي قد زعمتوا\" وقال في البيت الثاني: \"الذي قد قيل\" فعبر عنه بالموصول في الموضعين - كما رأيت -.\rكما أنك قد رأيت - أيضاً - أن التعبير بالموصول في البيتين قد مكنه من الإشارة إلى ما يريد في كل موضع منهما، فقد مكنه التعبير بالموصول في البيت الأول إلى أن يشير إلى أن هذا القول باطل، لأنه زعم لا صدق فيه، وذلك ما يوحي به قول حسان: \"الذي قد زعمتوا\".","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584366,"book_id":8505,"shamela_page_id":219,"part":null,"page_num":222,"sequence_num":219,"body":"وقد مكنه التعبير بالموصول في البيت الثاني إلى أن يشير إلى أن هذا القول ساقط غير منسوب إلى عاقل يستحق أن يذكر، ولهذا عبر عنه بالبناء للمجهول في لفظة \"قيل\"، وذلك ما يوحي به قوله: \"الذي قد قيل\" (١).\rوقد يكون التعبير بالموصول سبيلا إلى تقرير الغرض المسوق له الكلام وذلك كما تقول لصديق لك: (خانك الذي ائتمنته على أسرارك)، وذلك لأن الغرض المسوق له الكلام هو بيان مدى خيانة هذا الإنسان، فإذا كان قد اؤتمن على الأسرار، ووضعت فيه الثقة في عدم إذاعتها، ثم أفضى بها، كان بذلك قد وصل إلى منتهى الخيانة.\rومن هذا القبيل قول الله تعالى: \"ورَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ\"، وذلك لأن الغرض المسوق له الكلام هو: تقرير نزاهة يوسف ﵇، والتعبير بالموصول أدل على هذا الغرض مما لو قال: وراودته امرأة العزيز، أو زليخا، لأنه إذا كان في بيتها وقد واتته فرصة التمكن من نيل ما طلبت منه، ولكنه - مع ذلك - عف وامتنع، كان ذلك غاية في نزاهته ﵇.\rومما تلحظه من نكتة التعبير بالموصول هنا: أنه لو قال: وراودته امرأة العزيز. لما كان هذا نصاً في المرأة التي راودته، لجواز أن يكون للعزيز نساء أخريات.\rولو قال: وراودته زليخا، لاحتمل الكلام مسمى آخر بهذا الاسم غير امرأة العزيز.\rوقد يكون تعريف المسند إليه بالموصول سبيلا إلى ذكر معان ذات","footnotes":"(١))) خصائص التراكيب صـ ١٤٨","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584367,"book_id":8505,"shamela_page_id":220,"part":null,"page_num":223,"sequence_num":220,"body":"أهمية في سياق الكلام، وذلك كما في قول كعب بن زهير، لما جاء عائذاً برسول الله ﷺ (١):\rنبئت أن رسول الله أوعدني ... والعفو عند رسول الله مأمول\rفقد أتيت رسول الله معتذراً ... والعذر عند رسول الله مقبول\rمهلا هداك الذي أعطاك نافلة ... القرآن فيها مواعظ وتفصيل\rلا تأخذني بأقوال الوشاة ولم ... أذنب ولو كثرت في الأقاويل\rوالشاهد في قوله: \"هداك الذي أعطاك\" فلم يقل: هداك ربك، أو هداك الله، ليقول في الصلة ما يناسب حاله، وقد عبر بالصلة عن عطاء الله لنبيه محمد ﷺ وفي هذا تنويه بمكانته عند الله، واعتراف صريح بنبوته، وإشارة إلى ما في القرآن الكريم من مواعظ تدعو إلى العفو والصفح وقبول الإسلام ممن جاء عائذاً.\rوكما في قول عمر بن أبي ربيعة (٢):\rأشارت إلينا بالبنان تحية ... فرد عليها مثل ذاك بنان\rفقالت، وأهل الخيف قد حان منهم ... خفوف وما يبدي المقال لسان\rنوى غربة قد كنت أيقنت أنها ... - وجدك - فيها عن نواك شطان\rتعال فزرنا زورة قبل بيننا ... فقد غاب عنا من نخاف جبان\rفقلت لها: خير اللقاء ببلدة ... من الأرض لا يخشى بها الحدثان","footnotes":"(١))) المنتخب من أدب العرب جـ ٤ ص ٨٨\r(٢))) ديوان عمر بن أبي ربيعه ص ٢٠٨","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584368,"book_id":8505,"shamela_page_id":221,"part":null,"page_num":224,"sequence_num":221,"body":"نكذب من قد ظن أنا سنلتقي ... ونأمن من في صدره شنآن\rوالشاهد في الأبيات قوله: (فقد غاب عنا من نخاف) حيث عبر عن المسند إليه بالموصول، ولم يصرح باسمه، فلم يقل الواشي، وإنما قال: من نخاف، لأن الخوف من الواشي هو حال المحب الذي يريد وصال حبيبته، ووصفه بالجبن للإشارة غلى أنه وإن كنا نخاف لسانه إلا أنه جبان عند اللقاء.\rوقد يكون في الموصول تفخيم للمسند إليه وتهويل لأمره، وذلكما تراه في قول الله تعالى: \"فَغَشِيَهُم مِّنَ اليَمِّ مَا غَشِيَهُمْ\" أي: أنهم قد غمرهم ماء غزير لا يحيط به وصف ولا يدركه وهم.\rوكأن تقول: إن فلانا قد عراه من الهم ما عراه، أي أنه قد لحقه من الحزن ما لا يدرك كنهه لخطورة أمره.\rومنه قول الشاعر:\rمضى بها ما مضى من عقل شاربها ... وفي الزجاجة باق يطلب الباقي\rيصف الشاعر الخمر فيقول: لقد ذهب بسبب شربها قدر عظيم من عقل شاربها، ولم يبقى في الكأس إلا ثمالة تطلب البقية الباقية من عقله.\rوالشاهد هنا قوله: (مضى بها ما مضى) حيث أتى بالمسند إليه اسم موصول لقصد تفخيم ما ذهب من عقل شارب الخمر وأنه أكبر من أن يوصف.\rوقد يكون في مدلول الصلة ما يشير إلى خطأ وقع من المخاطب أو غيره، فيؤتى بالموصول تنبيهاً له إلى هذا الخطأ.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584369,"book_id":8505,"shamela_page_id":222,"part":null,"page_num":225,"sequence_num":222,"body":"وذلك مثل قول عبدة بن الطبيب يعظ بنيه لما أسن ورابه بصره (١):\rلا تأمنوا قوما يشب صبيهم ... بين القوابل بالعداوة ينشع\rفضلت عداوتهم على أحلامهم ... وأبت ضباب صدورهم لا تنزع\rقوم إذا دمس الظلام عليهم ... حدجوا قنافذ بالنميمة تمزع\rأمثال زيد حين أفسد رهطه ... حتى تشتت أمرهم فتصدعوا\rإن الذين ترونهم إخوانكم ... يشفي غليل صدورهم أن تصرعوا\rالقوابل: جمع قابلة، وهي التي تستقبل المولود، ينشع: من النشوع بفتح النون وهو الوجود بفتح الواو يوجر به الصبي أو المريض، وفضلت: زادت. ودمس: ألبس واشتدت ظلمته، حدجوا: وضعوا الحدج على البعير، والحدج بكسر فسكون: مركب من مراكب النساء: تمزع: تمر مراً سريعاً، وزيد: هو ابن مالك الأصغر بن حنظلة بن مالك الأكبر.\rوالشاعر يحذر بنيه من أن يأمنوا قوماً تربوا على العداوة وتأصلت في طبائعهم، وزادت على عقولهم، وأبت أن تنزع من صدورهم، ولهذا فإنهم يسيرون بالنميمة والاحتيال في الشر كما تسهر القنافذ، ومنهم زيد بن مالك الذي أفسد قومه بالسعي بينهم بالنميمة حتى تشتت شملهم، فإن أمرهم بين القبائل، وضعفت شوكتهم بين الناس.","footnotes":"(١))) المفضليات للضبي صـ ١٤٧","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584370,"book_id":8505,"shamela_page_id":223,"part":null,"page_num":226,"sequence_num":223,"body":"ثم ينبه بنيه إلى أن هؤلاء القوم الذين يظنونهم أصدقاء لهم ويثقون فيهم، إنما هم على غير ما ظنوا، فهم يودون إيذاءهم وإيقاع الشر بهم.\rوالشاهد في الأبيات قوله: \"إن الذين ترونهم إخوانكم\" حيث عبر عن المسند إليه بالموصول لتنبيه المخاطبين إلى خطئهم، ولو قال: إن قوم فلان يشفي غليل صدورهم أن تصرعوا، لما كان فيه تنبيها إلى الخطأ.\rومما فيه تنبيه \"إلى خطأ غير المخاطب قول عروة بن أذينة متغزلا\" (١):\rإن التي زعمت فؤادك ملها ... خلقت هواك كما خلقت هوى لها\rبيضاء باكرها النعيم فصاغها ... بلباقة فأدقها، وأجلها\rحجبت تحيتها فقلت لصاحبي ... ما كان أكثرها لنا وأقلها\rوإذا وجدت لها وساوس سلوة ... شفع الضمير إلى الفؤاد فسلها\rيقول الشاعر - مخاطباً نفسه - إن الفتاة التي ظنت أنك مللتها مخطئة في ظنها، فقد خلقت لحبك كما أنك قد خلقت لحبها، فهي حسناء تربت في النعيم، فصاغها النعيم بلباقة وحكمة، فأدق منها ما يستحب دقيقه، وأجل منها ما يستحب جليله، ولما منعت تحيتها عني دلالا قلت لصاحبي: ما كان أكثرها لنا حيث كانت مواصلة بالعطف والميل، وما أقلها لنا الساعة إذ قد زهدت فنيا.","footnotes":"(١))) ديوان الحماسة لأبي تمام جـ ٢ صـ ٦٣، صـ ٦٤","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584371,"book_id":8505,"shamela_page_id":224,"part":null,"page_num":227,"sequence_num":224,"body":"فإذا ما حدثتني نفسي بالسلو عنها كان ضميري شفيعا إلى إخراج وساوس السلو من قلبي.\rفجو الأبيات يوحي برابطة الحب القوية التي لا يمكن انفصامها بين هذين الحبيبين، فقد خلقا من أجل هذا الحب، ولا مفر من الاكتواء بناره؛ وقد صاغها النعيم صياغة تجعل السلو عنها مستحيلا، فحجبها تحيتها ليس صدا أو بعداً؛ وإنما هو دلال وزيادة محبة؛ فحبها في قلبه لا يمكن للوساوس أن تنال منه.\rوالشاهد في البيت الأول حيث قال: (إن التي زعملت فؤادك ملها) فعبر عن المسند إليه بالموصول تنبيها إلى خطأ صاحبته في زعمها أن قلبه قد زهد فيها، وتحول منها إلى غيرها.\rولعلك لاحظت أثر هذه النكتة البلاغية فيما تبعها من أبيات؛ فقد جعلت البيت الأول منها بيت القصيد - كما يقولون - لأن البيت الثاني قد جاء تعليلا لحبهما الأزلي في البيت الأول، والثاني أثر من آثار هذا الحب إذ حجبت تحيتها عنه لتزيده شوقا وحنينا وصبوة، والرابع تأكيد لتمكن هذا الحب من قلبه؛ إذ يشفع الضمير إلى الفؤاد لإبعاد وساوس السلو عنه.\rوقد يكون في مدلول الصلة ما يومئ إلى نوع الخبر، فيؤتى بالمسند إليه موصولا للإيماءة إلى هذا الخبر.\rوذلك كما في قول الله تعالى: \"إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الفِرْدَوْسِ نُزُلاً\".\rفمدلول الصلة هو \"الإيمان\" والعمل الصالح، يشير إلى أن الخبر من نوع الإثابة وحسن الجزاء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584372,"book_id":8505,"shamela_page_id":225,"part":null,"page_num":228,"sequence_num":225,"body":"وكما في قوله تعالى: \"إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ\" (١) فمدلول الصلة وهو \"الاستكبار\" يشير إلى أن الخبر من نوع العذاب وسوء الجزاء.\rوهذا الأسلوب - أعني إيماء الصلة إلى نوع الخبر - كثير في كتاب الله تعالى:\rاقرأ قوله تعالى: \"إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ\" (٢).\rوقوله تعالى: \"إنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا ولا تَحْزَنُوا وأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ\" (٣).\rوقوله تعالى: \"والَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ\" (٤).\rولعلك قد لاحظت أن هذا الأسلوب مما يدل فيه أوله على آخره، حتى لتكاد تنطق بالخبر قبل أن ينطق به المتكلم؛ ولعمري: أنه لفن من فنون القول دقيق لا يهتدي إليه إلا ذوو الأذواق السليمة والأحاسيس الرقيقة، والمشاعر المرهفة.\rغير أن الإيماء إلى نوع الخبر قد لا يكون غرضا للمتكلم، وإنما يكون وسيلة إلى غرض آخر هو التعريض بتعظيم شأن الخبر أو التعريض بتحقيره.","footnotes":"(١))) غافر: ٦٠\r(٢))) الأنبياء: ١٠١\r(٣))) فصلت: ٣٠\r(٤))) النور: ١١","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584373,"book_id":8505,"shamela_page_id":226,"part":null,"page_num":229,"sequence_num":226,"body":"واستمع إلى قول الفرزدق يفاخر جريراً، ويعرض بتعظيم شأن بيته (١):\rإن الذي سمك السماء بنى لنا ... بيتاً دعائمه أعز وأطول\rبيتاً بناه لنا المليك وما بنى ... حكم السماء، فإنه لا ينقل\rبيتاً زرارة محتب بفنائه ... ومجاشع وأبو الفوارس نهشل\rيلجون بيت مجاشع وإذا احتبوا ... برزوا كأنهم الجبال المثل\rلا يحتبي بفناء بيتك مثلهم ... أبداً إذا هد الفعال الأفضل\rمن عزهم حجرت كليب بيتها ... زربا كأنهم لديه القمل\rضربت عليك العنكبوت بنسجها ... وقضى عليك به الكتاب المنزل\rسمك: رفع. الدعائم: جمع دعامة وهي عمود البيت، أعز: أقوى، المليك: الله ﷻ، لا ينقل: لا يزول، زرارة ومجاشع ونهشل: أولاد دارم جد عشيرة الفرزدق.\rالفعال: الفعل الحسن، كليب: قوم جرير، حجرت: دخلت، الزرب: حفيرة تتخذ لحبس الجداء.\rفالفرزدق يفاخر جريراً - كما رأيت - بأن بيته أرفع من بيت جرير وأشرف؛ لأن الذي بناه هو الذي رفع السماء؛ ولهذا فإنه لن يتحول عنه؛ وهو بيت يضم أمثال زرارة، ومجاشع ونهشل، ممن إذا احتبوا بفنائه ظهروا أمامه كأنهم الجبال الهوائل.\rولكن بيت جرير لا يضم مثلهم إذا ما عدت المآثر وحسبت المناقب،","footnotes":"(١))) المنتخب من أدب العرب جـ ٤ صـ ١٣٢","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584374,"book_id":8505,"shamela_page_id":227,"part":null,"page_num":230,"sequence_num":227,"body":"فلقد توارت قبيلة جرير أمام عزهم خجلا وضعة، ودخلت في جحر كأن أفرادها أمامه حشرات قذرة؛ فبيت جرير - في الوهن والذل - كبيت العنكبوت، وقد قال تعالى: \"وإنَّ أَوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ\".\rوالشاهد في البيت الأول من هذه الأبيات؛ حيث عبر عن المسند إليه بالموصول؛ لأن فيه إيماء إلى أن الخبر المترتب عليه من نوع البناء الرفيع؛ ولكن ذلك ليس هو غرض الشاعر، وإنما غرضه أن يتوسل بهذا الإيماء إلى التعريض بتعظيم شأن بيته وتفخيمه، لأنه من صنع من رفع السماء.\rوقد رأيت أن هذه النكتة البلاغية التي لحظها الشاعر قد جعلت منطلقاً إلى المعاني التي تناولتها الأبيات الأخرى.\rوقد أنهى الفرزدق قصيدته ببيت فيه شاهد آخر لتلك النكتة البلاغية - أعني جعل الإيماء إلى نوع الخبر وسيلة إلى التعريض بتعظيم شأن الخبر - فقال عن قصيدته هذه:\rإن التي فقئت بها أبصاركم ... - وهي التي دمغت أباك - الفيصل!\rفالتعبير عن قصيدته تلك بالموصول الذي تضمنت صلته أنها فقأت أبصارهم، ودمغت أباه فيه إيماء إلى نوع الخبر لأنها إذا كانت قد فقأت أبصارهم ودمغت أباه، فلابد أن لها أثراً قوياً، ولكن الشاعر يقصد من وراء هذا الإيماء إلى تعظيم شأن الخبر، وهو أن هذه القصيدة فاصلة، لا أثر يبلغ مبلغ أثرها في الفضل بين عز الفرزدق وذلة جرير.\rولهذا سميت هذه القصيدة باسم: الفيصل.\rومما فيه تعريض بالتهوين من شأن الخبر قولك: إن الذي لا يعرف","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584375,"book_id":8505,"shamela_page_id":228,"part":null,"page_num":231,"sequence_num":228,"body":"الفقه قد صنف فيه، وإن الذي لا يحسن قرض الشعر قد أنشأ قصيدة.\rوقد يجعل الإيماء إلى نوع الخبر ذريعة إلى تعظيم غير الخبر، وذلك كما في قول الله تعالى: \"الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَانُوا هُمُ الخَاسِرِينَ\" فالصلة، وهي تكذيبهم شعيباً، قد أومأت إلى نوع الخبر، وهو الخسران، ولكنه لم يقصد إلى هذا، وإنما قصد من وراء هذا الإيماء إلى تعظيم شعيب ﵇:\rوقد يجعل ذريعة إلى تحقيره، كما في قولك: إن الذي يتبع الشيطان خاسر.\rفالصلة - وهي إتباع الشيطان - قد أومأت إلى نوع الخبر، وهو الخسران، ولكنك لم تقصد إلى هذا، وإنما قصدت تحقير الشيطان نفسه.\rوقد يجعل الإيماء إلى نوع الخبر ذريعة إلى تحقيقه - كما يرى السكاكي -، وذلك كما في قول عبدة بن الطبيب - وقد يئس من صاحبته خولة بعد مهاجرتها وحلولها بالكوفة مجاورة أهل المدائن (١) -:\rهل حبل خولة بعد الهجر موصول؟ ... أم أنت عنها بعيد الدار مشغول؟\rحلت خويلة في دار، مجاورة ... أهل المدائن فيها الديك والفيل","footnotes":"(١))) الأصمعيات صـ ١٣٥","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584376,"book_id":8505,"shamela_page_id":229,"part":null,"page_num":232,"sequence_num":229,"body":"إلى أن قال:\rوللأحبة أيام تذكرها ... وللنوى قبل يوم البين تأويل\rفعد عنها، ولا تشغلك عن عمل ... إن الصبابة بعد الشيب تضليل\rفالشاعر يخاطب نفسه قائلا: هل ستصل حبل ودك بصاحبتك خولة بعد انقطاعه؟ أن بعد الدار، وانشغالك بأمور الحياة سوف يلهيانك عنها، وينسيانك ذكراها؟\rلقد أقامت خويلة بالكوفة داراً نائية المزار، مجاورة فيها أهل المدائن، وما دامت قد اتخذت من الكوفة محل إقامة، ودار هجرة، فلابد أنها قد أنهت ما بينكما من علاقة، وأودت بما كان بينكما من الود، فعليك أن تنساها، وألا تشغل نفسك بها، فقد مضى زمن الصبا، وأدركك المشيب، ومن الضلالة ذكر الصبابة في زمن المشيب!\rوالشاهد في الأبيات قوله: \"إن التي ضربت بيتاً مهاجرة .. \" ففي هذه الصلة إيماء إلى أن الخبر من نوع زوال المحبة، وانقطاع حبل المودة؛ لأنها لو كانت باقية على حبه لما هاجرت عنه، ولما بنت بيتاً في دار هجرتها لتقيم فيه إقامة دائمة.\rومع ما في الصلة من هذه الإشارة، فإن فيها دليلا على ثبوت الجفاء وتحققه، وإلا فكيف استساغت فراق \"عبدة\" واتخذت من ذلك البلد الثاني موطن إقامة دائمة؟ !\rولكن الدكتور محمد أبو موسى لم يرتض هذا القول؛ ولم يسلم بأن في هذا البيت إيماء إلى نوع الخبر وزعم أن الخطيب قال والمسند إليه في","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584377,"book_id":8505,"shamela_page_id":230,"part":null,"page_num":233,"sequence_num":230,"body":"البيت ليس فيه إيماء إلاوجه بناء الخبر عليه، بل لا يبعد أن يكون إيماء إلى بناء نقيضه عليه، بمعنى أن الحرمان من الحبيب أذكى لجذوة الحب إن كانت صادقة (١) وتابعه في هذا وهذا كلام - لعمري - صحيح، إذا كانت صاحبة الشاعر صادقة الود!\rولكنها ليست كذلك، لأنها آثرت البعد عن الشاعر، وفضلت الهجرة، والإقامة الدائمة الغائبة عنه.\rولهذا فإنه قد يئس من وصل ما انقطع من حبل المودة بينهما، فقال محاولا نسيانها، وطرد هواجس التذكار التي عاودت خاطره:\rفعد عنها، ولا تشغلك عن عمل ... إن الصبابة بعد الشيب تضليل\rولست مع الدكتور محمد أبو موسى في أن الشاعر لم يكن صادق الحب حتى يكون شاهداً في هذا الباب.\rوذلك لأن الشاعر لو لم يكن صادق الحب لما هاجر لمهاجرة صاحبته - كما يقول الطبري (٢) - ولما عاودته ذكراها في قصيدته هذه.\rوأما أنه قد حاول نسيانها إذ قال: \"فعد عنها ولا تشغلك عن عمل .. \" فتلك محاولة منه لا نظن أنه قد أفلح فيها، فقد حاول المجنون نسيان ليلى - وهو امام المحبين - ولكنه لم يفلح في محاولته، إذ قال؟ :\rفيارب: إذ صيرت ليلى هي المنى ... فزني بعينيها كما زنتها ليا\rوإلا فبغضها إلي وأهلها ... فإني بليلى قد لقيت الدواهيا!","footnotes":"(١))) خصائص التراكيب ص ١٥٠، ١٥١\r(٢))) المفضليات للضبي ص ١٣٥","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584378,"book_id":8505,"shamela_page_id":231,"part":null,"page_num":234,"sequence_num":231,"body":"ولئن كان عبدة بن الطبيب قد رأى في البعد حلا لمعضلته في الحب؛ فقد رأى المجنون أن البين أجدى من القرب إذا كنت في القرب مروعاً بقدر من تحب (١):\rعلام نخاف البين، والبين نافع ... إذا كان قرب الدار ليس بنافع\rإذا لم تزل ممن تحب مروعاً ... بغدر؛ فإن البين ليس برائع\rولاحظ عبارته: \"والبين نافع\" وقوله: \"ليس برائع\" أي ليس بمخيف.\rوعلى أية حال: فإن محاولة الشاعر نسيان صاحبته خولة، ليست دليلا على عدم صدقه في الحب؛ لأنها لا تعدو أن تكون محاولة لصرف النفس عن لواعج التذكار؛ ولكن نار الحب تظل كامنة بالقلب وقد حاول قيس ابن الملوح نسيان ليلى؛ فدعا الله أن يبغضها إليه؛ فهل أفلح في محاولته؟ .\rوصحيح أن البعد لا يشفي من الحب، ولكن القرب - أيضاً - لا يشفي منه، إذا كانت الصاحبة ليست بذات ود.\rيقول قيس بن الملوح من قصيدة له، وقد رويت الأبيات نفسها - في حماسة أبي تمام - لابن الدمينة:\rوقد زعموا أن المحب إذا دنا ... يمل وأن النأى يشفي من الوجد\rبكل تداوينا، فلم يشف ما بنا ... على أن قرب الدار خير من البعد\rعلى أن قرب الدار ليس بنافع ... إذا كان من تهواه ليس بذي ود!","footnotes":"(١))) ديوان مجنون ليلى ص ٤٧","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584379,"book_id":8505,"shamela_page_id":232,"part":null,"page_num":235,"sequence_num":232,"body":"على أن صاحبة عبدة ليست صادقة الود - كما أسلفنا - فكيف يجعل بعدها دليلا على تأجج حبها؟ ! إن بعد خولة لا يعد دليلا على تأجج حبها إلا إذا كانت قد أرغمت على المهاجرة إرغاماً، أما وقد هاجرت بنفسها طائعة مختارة، وأقامت بيتاً في دار هجرتها لتقيم فيه إقامة دائمة، فإن ذلك يعد دليلا قوياً على أنها ليست صادقة في حبها، وأنها قد أنهت ما بينهما من الود.\rولو أن الشاعر قال: \"إن التي أرغمت على المهاجرة\" لكان في هذه الصلة إيماء إلى بناء نقيض الخبر، ولكان عليه أن يقول في الخبر: \"قد زاد حبها اشتعالا\" - إذا ساعده الوزن، وواتته القافية، ولكن الشاعر قال: \"وإن التي ضربت بيتاً مهاجرة بكوفة الجند\"، فكان عليه أن يقول في الخبر: \"غالت ودها غول\".\rولهذا فإنه كان على الدكتور محمد أبو موسى أن يقول: ويبدو أن صاحبة الشاعر لم تكن صادقة الود، ولهذا فإن ضربها بيتاً في دار هجرتها بالكوفة دليل على أن ودها قد اغتالته - حقاً - غول! ويكون ملحظ السكاكي ملحظاً ذكياً حقاً!\rعلى أن عبارة الخطيب القزويني، لا يفهم منها ما فهمه الدكتور أبو موسى، فعبارته هي: \"قال السكاكي: وربما جعل (أي الإيماء إلى وجه بناء الخبر) ذريعة إلى تحقيق الخبر، كقوله:\rإن التي ضربت بيتاً مهاجرة ... بكوفة الجند غالت ودها غول\rوربما جعل ذريعة إلى التنبه للمخاطب على خطأ، كقوله:\rإن الذين ترونهم إخوانكم ... يشفي غليل صدورهم أن تصرعوا\rوفيه نظر: إذ لا يظهر بين الإيماء إلى وجه بناء الخبر وتحقيق الخبر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584380,"book_id":8505,"shamela_page_id":233,"part":null,"page_num":236,"sequence_num":233,"body":"فرق، فكيف يجعل الأول ذريعة إلى الثاني؟ والمسند إليه في البيت الثاني ليس فيه إيماء إلى وجه بناء الخبر عليه، بل لا يبعد أن يكون فيه إيماء إلى بناء نقيضه عليه (١).\rوتأمل عبارة الخطيب: \"والمسند إليه في البيت الثاني\" والبيت الثاني هو قول الشاعر:\rإن الذين ترونهم إخوانكم ... يشفي غليل صدورهم أن تصرعوا\rولهذا فإن العلامة السبكي قد علق على اعتراض الخطيب بقوله: \"وهو اعتراض فاسد، فإن السكاكي إنما استشهد به على ما قصد فيه التنبيه على الخطأ، ولم يجعل الأول ذريعة للثاني، بل هما كلامان منفصلان، ثم إن قوله: لا يبعد أن يكون فيه إيماء عجيب. فإن فيه التصريح بذلك قطعاً\" (٢).\rوالتصريح ببناء النقيض، الذي يقصده السبكي هو: قول الشاعر: \"يشفي غليل صدورهم أن تصرعوا\" فإن هذا الخبر نقيض الصلة التي هي: \"ترونهم إخوانكم\".\rهذا: وقد يقصد بالموصول - كما يقول سعد الدين التفتازاني - الحث على التعظيم، أو التحقير أو الترحم، أو نحو ذلك، كقولنا: جاءك الذي أكرمك، أو أهانك، أو الذي سبى أولاده ونهب أمواله: وقد يكون للتهكم كما في \"يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون\".\rثم قال: \"ولطائف هذا الباب لا تكاد تضبط\" (٣).","footnotes":"(١))) الإيضاح (طبعة صبيح) ص ٢٥\r(٢))) عروس الأفراح للسبكي جـ ١ ص ٣١٢ (شروح التلخيص)\r(٣))) المطول ص ٧٧","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584381,"book_id":8505,"shamela_page_id":234,"part":null,"page_num":237,"sequence_num":234,"body":"التعريف باسم الإشارة:\rقال البلاغيون: إن من أغراض تعريف المسند إليه باسم الإشارة: تمييز المسند إليه أكمل تمييز، لصحة إحضاره في ذهن السامع بواسطة الإشارة إليه حساً.\rوالسر في أن تمييز المسند إليه أكمل تمييز لا يتم إلا باسم الإشارة، هو: أنك إذا أشرت إلى شيء، فكأن هذا الشيء - وإن كان معنى من المعاني - موجود أمامك فعلا، ولهذا فإنك تشير إليه إذ لا يشار إلا إلى موجود، وبإشارتك إليه دون غيره، تكون قد ميزته عن غيره مما لم تشر إليه مما هو موجود معه، بخلاف العلم - مثلا - فإنك إذا قلت: \"محمد\" - مثلا - فإن هذا الاسم وإن كان قد وضع لذات معينة، فإن ثمة مسميات أخرى بهذا الاسم، فلا يتم تمييز المسند إليه أكمل تمييز.\rقال في مواهب الفتاح: \"واسم الإشارة إذا كان المشار إليه حاضراً حسياً مع كون السامع رائياً أو نزل بتلك المنزلة، أقوى من العلم المشترك في الحالة الراهنة\".\rواسم الإشارة للمفرد المذكر (ذا) وقد يوصل بهاء التنبيه - وهو الأكثر - فيقال: (هذا طارق) وقد يخلو منها - وهو الأقل - فيقال: (ذا طارق).\rوقد عاب القاضي الجرجاني على ابن الطيب كثرة استعماله لذا - بدون هاء التنبيه - لأنها - على حد تعبيره - ضعيفة في صنعة الشعر، دالة على التكلف (١).","footnotes":"(١))) الوساطة ص ٩٥","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584382,"book_id":8505,"shamela_page_id":235,"part":null,"page_num":238,"sequence_num":235,"body":"غير أنه عاد فقال: وربما وافقت موضعاً يليق بها، فاكتسبت قبولا.\rفاستعمال (ذا) بمفردها أمر لا يستطيعه إلا من له دراية برياضة التراكيب.\rقد يقتضي المقام تمييز المسند إليه أكمل تمييز، لكي تسند إليه الخبر قوياً متمكناً، وذلك لأن ظهور المسند إليه ووضوحه في ذهن السامع مما يعين على قوة إسناد الخبر إليه.\rواستمع إلى قول ابن الرومي - يمدح أبا الصقر الشيباني -:\rهذا أبو الصقر، فرداً في محاسنه ... من نسل شيبان بين الضال والسلم\rفقد أراد الشاعر أن يخبر عن الممدوح بأنه أشهر من نار على علم، يتفرده في كل حسن معنوي، وأنه سليل قوم ذوي شمم وإباء، لأنهم يسكنون البوادي حيث الحرية والبعد عن سلطة الحكام، فقال: هذا يميزه أكمل تمييز، لكي يسند إليه الخبر بأنه \"أبو الصقر\" - أي الذي يعرفه كل الناس لتفرده في محاسنه، وأنه \"من نسل شيبان\" الذين يسكنون البوادي، ويعشقون الحرية، فكان من قوة الخبر ما قد رأيت.\rولما لم يكرم الزبرقان بن بدر وفادة الحطيئة، تحول عنه إلى بغيض بن عامر، فقال من قصيدة له في مدحه (١):\rوإن التي نكبتها عن معاشر ... غضاب علي أن صددت كما صدوا\rأتت آل شماس بن لأي وإنما ... أتاهم بها الأحلام والحسب العد\rفإن الشقي من تعادي صدورهم ... وذو الجد من لانو إليه ومن ودوا","footnotes":"(١))) المنتخب من أدب العرب جـ ٤ ص ٢١٥، ص ٢١٦","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584383,"book_id":8505,"shamela_page_id":236,"part":null,"page_num":239,"sequence_num":236,"body":"يسوسون أحلاماً بعيداً أناتها ... وإن غضبوا جاء الحفيظة والجد\rأقلوا عليهم - لا أبا لأبيكم - ... من اللؤم أو سدوا المكان الذي سدوا\rأولئك قوم إن بنوا حسنوا البنى ... وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا\rوإن كانت النعماء فيهم جزوا بها ... وإن أنعموا لا كدروها ولا كدوا\rوإن قال مولاهم على جل حادث ... من الدهر ردوا فضل أحلامكم ردوا\rوإن غاب عن لأي بغيض كفتهم ... نواشئ لم تطرر شواربهم بعد\rنكبتها: أي نحبتها؛ والمعاشر: قوم الزبرقام بن بدر والمولى: ابن العم أو الجار أو الحليف على جل حادث: أي عند الخطب العظيم، لأي: عشيرة بغيض بن عامر. نواشئ: فتيان القبيلة؛ لم تطرر شواربهم لم تظهر.\rيقول الشاعر: إن المدحة التي نحيتها عن قوم غضبوا علي؛ لأنني صددت عنهم كما صدوا عني، قد جاءت آل شماس بن لأي فجاءهم بها ذكر المكارم وظهور المفاخر؛ وهم لذلك أهل، فالشقي من يعادونه والسعيد من يصادقونه لأنهم إذا رضوا تعاملوا مع الناس بعقول ذات أناة وتؤدة، وإذا غضبوا كانوا أهل حفيظة وعجلة؛ فلا تلوموهم - لا أبالكم - وإلا فسدوا مكانهم إن استطعتم، فهؤلاء قوم يحسنون عمل المكارم، فإن بنوا مكرمة أحسنوا بناءها، وإن عقدوا العزيمة أوثقوها، وإن صمموا على الحرب شدوا على الأعداء، وإن أنعم عليهم أثابوا على النعمة، وإن أنعموا على غيرهم لم يكدروا النعمة بالمن ولم يكدروا من","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584384,"book_id":8505,"shamela_page_id":237,"part":null,"page_num":240,"sequence_num":237,"body":"أعطوه بطلب الجزاء، وإن استغاث بهم المولى في شأن أضر به، وايتشارهم فيه، أمدوه بالرأي السديد، والقول الرشيد، وإن غاب بغيض عن قبيلته سد مسده فتيان مرد لم تظهر لهم شوارب.\rوالشاهد في الأبيات قوله: \"أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنى\" حيث عرف المسند إليه، وهو: \"آل شماس بن لأي، قوم بغيض بن عامر\" ليسند إليهم الخبر الموصوف بتلك الصفات التي ذكرها قويا متمكنا.\rواستمع إلى قول بعض الشعراء يمدح حاتما الطائي:\rوإذا تأمل شخص ضيف مقبل ... متسربل سربال ليل أغبر\rأومأ إلى الكوماء: هذا طارق ... نحرتني الأعداء إن لم تنحري\rتأمل: نظر الشيء مستبيناً له متسربل سربال ليل: غطته ظلمات الليل، أومأ: أشار، الكوماء: الناقة العظيمة السنام.\rيقول الشاعر: إن حاتما إذا رأى في ظلمات الليل ضيفاً، أشار إلى الناقة العظيمة السنام قائلا لها: هذا القادم إلينا ضيف طارق، لا كنت إن لم تكوني له طعاما! .\rفقد عبر عن المسند إليه باسم الإشارة ليميزه أكمل تمييز، لكي يسند إليه الخبر متمكنا قويا، وهو أنه ضيف طارق وجب قراه.\rوتأمل أنت قوله: \"متسربل سربال ليل أغبر\" تجده يتحدث عن طروق الضيف ليلا، لأن الضيف - كما قالوا - أكثر طروقاً بالليل،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584385,"book_id":8505,"shamela_page_id":238,"part":null,"page_num":241,"sequence_num":238,"body":"فناسب أن بقول في أول البيت: \"وإذا تأمل شخص ضيف مقبل\" لأنه إذا أقبل الضيف وقد أسدل الليل ستاره الداكن على الكون، فإنه ليس في استطاعة إنسان أن يميز شخص المقبل عليه إلا بعد تأمل.\rولهذا فإننا لسنا مع العلامة السبكي في أن في قول الشاعر نقصاً أدبياً، وأنه كان عليه أن يقول: تخيل، أو توهم، لما أسلفته لك منذ قليل:\rواستمع إلى قول الآخر:\rولا يقيم على ضيم يراد به ... إلا الأذلان: عير الحي والوتد\rهذا على الخسف مربوط برمته ... وذا يشج فلا يرثي له أحد!\rتجد الشاعر قد أشار إلى العير ليميزه عن الوتد بقوله: (هذا) ليضيف إليه الخبر الخاص به قويا متمكنا، وهو: أنه مربوط برمته على الذلة والمهانة، ثم أشار إلى الوتد بقوله (ذا) ليميزه عن العير أكمل تمييز، ليضيف إليه الخبر الخاص به قويا متمكنا، وهو أنه يشق فلا يرثي لحاله إنسان!\rوقد يكون الغرض من تعريف المسند إليه باسم الإشارة: التعريض بغباوة السامع، وأنه لا يفهم إلا المحسوسات التي يشار إليها بالبنان:\rومن ذلك ما رواه أبو الفرج الأصفهاني، فقال: حج الفرزدق بعد ما كبر، وقد أتت له سبعون سنة وكان هشام بن عبد الملك قد حج في ذلك العام، فرأى علي بن الحسين في غمار الناس في الطواف، فقال: من هذا الأب الذي تبرق أسارير وجهه كأنه مرأة صينية تتراءى فيها عذارى الحي وجوهها؟","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584386,"book_id":8505,"shamela_page_id":239,"part":null,"page_num":242,"sequence_num":239,"body":"فقالوا: هذا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، فقال الفرزدق (١).\rهذا الذي تعرف البطحاء وطأته ... والبيت يعرفه والحل والحرم\rهذا ابن خبر عباد الله كلهم، ... هذا التقي النقي الطاهر العلم\rهذا ابن فاطمة إن كنت جاهله ... بجده أنبياء الله قد ختموا\rوليس قولك: من هذا؟ بضائره ... العرب تعرف من أنكرت والعجم\rإذا رأته قريش قال قائلها: ... إلى مكارم هذا ينتهي الكرم ...\rيغضي حياء ويغضى من مهابته ... فما يكلم إلا حين يبتسم ...\rبكفه خيزران ريحه عبق ... من كف أروع، في عرنينه شمم ...\rيكاد يمسكه عرفان راحته ... ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم ...\rالله شرفه قدما، وعظمه ... جرى بذاك له في وجهه القلم ...\rأي الخلائق ليست في رقابهم ... لأولية هذا، أو له نعم؟ ! ...\rمن يشكر الله يشكر أوليه ذا ... فالدين من بيت هذا ناله الاسم","footnotes":"(١))) الأغاني جـ ٢٥ صـ ٨٦٥٢","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584387,"book_id":8505,"shamela_page_id":240,"part":null,"page_num":243,"sequence_num":240,"body":"فقد عرض الفرزدق بغباوة هشام بن عبد الملك بتكراره المسند إليه معرفا باسم الإشارة في الأبيات الثلاثة الأولى إذ قال: (هذا الذي تعرف البطحاء وطأته) (هذا ابن خير عباد الله كلهم) (هذا التقى النقي الطاهر العلم) (هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله)، فكأن هشاماً غبي لا يفهم إلا المحسوسات التي يشار إليها بالبنان، ولهذا فإنه قد عرف المسند إليه باسم الإشارة (هذا) ولم يكتف بهذا، ولكنه كرر اسم الإشارة، لينبه إلى أن غباوة هشام قد زادت حتى أصبح لا يفهم المحسوسات التي يشار إليها إلا إذا تأكدت بالتكرار.\rوتأمل المجاز العقلي في قوله: \"تعرف البطحاء وطأته والبيت يعرفه والحل والحرم، تجد أن معرفه علي بن الحسين قد زادت حتى شملت الأماكن، فعرفته هي الأخرى، فكيف يجهله هشام بن عبد الملك؟ .\rثم تأمل هذا العدد الهائل من أسماء الإشارة في قوله: \"مكارم هذا\" \"لأوليه هذا\" (أولية ذا) \"من بيت هذا\" فإنك تشتم منه رائحة السخرية اللاذعة التي فاضت بها شاعرية الفرزدق دون شعور من القارئ بملل، لأن كل إشارة منها قد وقعت في موقعها فزادت من قوة الأسلوب، وأبانت مقدرة الشاعر على رياضة التراكيب، والأخذ بعنان الكلام في توجيه الأساليب.\rوقد أسلفنا لك: أن القاضي الجرجاني قد عاب على أبي الطيب المتنبي كثرة استعماله \"لذا\" التي هي للإشارة بدون هاء التنبيه، لأنها - على حد تعبيره - ضعيفة في صنعة الشعر، دالة على التكلف، غير أنه عاد فقال: وربما وافقت موضعا يليق بها فاكتست قبولا.\rولعلك قد لاحظت معي أن الشاعر هنا لم يستعمل (ذا) مجردة إلا في موضع واحد هو قوله:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584388,"book_id":8505,"shamela_page_id":241,"part":null,"page_num":244,"sequence_num":241,"body":"(من يعرف الله يعرف أولية ذا) وكان من الممكن أن يقول: (أوليته) ويسلم له - مع هذا - وزن البيت.\rولكنه آثر (ذا) لما أسلفت لك من أنه قد آثر الإشارة المكررة سخرية من هشام بن عبد الملك الذي تجاهل من يعرفه المسلمون جميعاً يومئذ.\rولهذا فإن (ذا) هنا قد وقعت في موقعها الذي أراده لها الشاعر، فزادت من قوة الأسلوب ورصانته.\rوالقاضي الجرجاني لم ينكر استعمال اسم الإشارة مطلقاً - كما يقول الدكتور محمد أبو موسى - في صنعة الشعر، وإنما أنكر - فقط (ذا) بدون هاء التنبيه؛ لأن استعمالها بدون الهاء لا يقدر عليه إلا أديب حصيف عارف برياضة التراكيب.\rوكان من أثر التعريض بغباوة هشام بن عبد الملك الذي نشأ عن تعريف علي بن الحسين بهذا الفيض من الإشارات التي أشاعت روح السخرية في القصيدة كلها من هشام بن عبد الملك، أن غضب هشام، فأمر بحبس الفرزدق بين مكة والمدينة، فقال الفرزدق:\rأتحبسني بين المدينة والتي ... إليها قلوب الناس يهوى منيبها؟ !\rيقلب رأساً لم يكن رأس سيد ... وعيناً له حولاء باد عيوبها؟ !\rفلما بلغ شعره هشاماً عفا عنه وأطلقه (١).","footnotes":"(١))) الأغاني جـ ٢٥ صـ ٨٦٥٤","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584389,"book_id":8505,"shamela_page_id":242,"part":null,"page_num":245,"sequence_num":242,"body":"ودلالة اسم الإشارة على القريب في نحو: هذا زيد، وعلى البعيد في نحو: ذلك عمرو، وعلى المتوسط بين القرب والبعد في نحو، ذاك بشر، دلالة لغوية لا شأن للبلاغيين بها.\rولكن لها استعمالات مجازية تلقي على الكلام ظلالا من القرب أو البعد، هي من شأن البلاغيين وموضع اهتمامهم، وللأديب البصير بمسالك الكلام ودروبه في مجالها مراتع خصبة، ومنابع عذبة، يستطيع - في ظلالها - ترويض القرب أو البعد ليكون طوع قلمه ورهن إشارته، فتارة يكون مجالا للتعظيم - إن شاء - وتارة أخرى يكون مجالا للتحقير - إن شاء - أيضاً!\rوللبلاغيين في ذلك فلسفة لا تخرج عن دائرة الذوق البلاغي السليم، والحس الأدبي المرهف فإن قصدوا بالقرب التعظيم؛ فذلك لأن المحبوب ما يكون مخالطاً للنفس حاضرا في الذهن لا يغيب عن الخاطر، فتعظيمه - إذن - يناسبه القرب المكاني.\rوإذا قصدوا به التحقير: كان السر في هذه الدلالة: أن الحقير - عادة - لا يمتنع على الناس، بل يكون قريب الوصول إليه، سهل التناول مبتذلا، دائماً بين أيديهم وأرجلهم، فتحقيره يناسبه القرب المكاني.\rوإذا قصدوا بالبعد التعظيم: كان السر - في هذه الدلالة - أن العظيم - عادة - يتأبى على الناس وينأى عنهم لعزته ورفعة شأنه، فتعظيمه حينئذ يناسبه البعد المكاني.\rوإذا قصدوا به التحقير كان السر في هذه الدلالة: أن الحقير شأنه ألا يلتفت إليه ولا يعرض للخاطر لنفرة النفوس منه، فتحقيره حينئذ يناسبه البعد المكاني.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584390,"book_id":8505,"shamela_page_id":243,"part":null,"page_num":246,"sequence_num":243,"body":"فقول الله تعالى: \"إنَّ هَذَا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ\" قد قصد فيه تعظيم المسند إليه وهو القرآن الكريم - بالقرب تنزيلا لقربه من النفس منزلة قرب المسافة، ولهذا عبر عنه باسم الإشارة الموضوع للقريب تحقيقاً لهذا الغرض.\rوقول الله تعالى: - حكاية عن امرأة العزيز - رداً على أولئك النسوة اللائي لمنها في يوسف ﵇: \"فذلكن الذي لمتنني فيه\" قد قصد فيه تعظيم يوسف ﵇، ولهذا عبر عنه باسم الإشارة الموضوع للبعيد فقال \"فذلكن\" ولم يقل: \"فهذا\" - مع أنه كان حاضراً معهن في المجلس رفعاً لمنزلته في الحسن البالغ حد الكمال، وتمهيداً لإبداء العذر في افتتانها به.\rوقوله تعالى: \"ذَلِكَ الكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ\" قد قصد فيه تعظيم المسند إليه - وهو الكتاب - فعبر عنه باسم الإشارة للبعيد، رفعا لمنزلته، وتعظيما لشأنه.\rوقوله تعالى: \"فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ\" قد قصد فيه تحقير المسند إليه - وهو الذي يدع اليتيم - بالبعد تنزيلا لبعده عن ساحة عز الحضور والخطاب، منزلة بعد المسافة.\rواستمع إلى قول الله تعالى: \"فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ * ومَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُم بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ\" تجد أنه قد عبر عن المسند إليه - في الآية الأولى - وهم الذين ثقلت موازينهم يوم القيامة - باسم الإشارة الموضوع للبعيد تعظيماً لشأنهم، وبعد منازلهم.\rوأنه قد عبر عن المسند إليه - أيضاً - في الآية الثانية - وهم الذين","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584391,"book_id":8505,"shamela_page_id":244,"part":null,"page_num":247,"sequence_num":244,"body":"خفت موازينهم يوم القيامة - باسم الإشارة الموضوع للبعيد - أيضاً - ولكن لبعدهم عن الرشد، وإقصائهم عن منازل الفائزين.\rواستمع إلى قول الفرزدق - يهجو جريراً -:\rأولئك آبائي، فجئني بمثلهم ... إذا جمعتنا - يا جرير - المجامع\rتجده قد عبر عن المسند إليه - وهم آباؤه - باسم الإشارة الموضوع للبعيد، إشارة منه إلى بعد منزلتهم من أن يتطاول إليها مثل جرير فيأتي بمثلهم.\rوقوله: فجئني بمثلهم: أمر تعجيز: أي لا تقدر - يا جرير - أن تأتي بمثلهمفي مناقبهم، إذا جمعتنا مجامع الافتخار والإنشاد يوماً ما (١).\rولهذا فإن جريراً لم يستطع أن يجيء بمثل آباء الفرزدق، لضعة نسية، ولكنه رد عليه بقوله (٢):\rأتجعل - يابن القين - أولاد دارم ... كشيبان؟ شلت من يديك الأصابع\rوأين محل المجد إلا عليهم ... وأين الندى إلا لهم والدسائع\rفما رحلت شيبان إلا رأيتها ... إماما وإلا سائر الناس تابع\rلهم يوم ذي قار، أناخوا فضاربوا ... كتائب كسرى حين طار الوشائع\rوما راح فيها يشكري ولا غدا ... لذهل وتيم الله رأس مشايع","footnotes":"(١))) مواهب الفتاح (شروح التلخيص) جـ ١ ص ٣١٥\r(٢))) ديوان جرير ص ٣٥٧","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584392,"book_id":8505,"shamela_page_id":245,"part":null,"page_num":248,"sequence_num":245,"body":"واستمع إلى قول الهذلول بن كعب العنبري - وكان قد تزوج امرأة من بني بهدلة - فرأته يوماً يطحن للأضياف، فضربت صدرها وقالت: أهذا زوجي؟ ! فبلغه ذلك فقال (١):\rتقول - وصكت نحرها بيمينها - ... أبعلي هذا بالرحى المتقاعس؟ !\rفقلت لها: لا تعجبي، وتبيني ... فعالي إذا التفت علاى الفوارس\rألست أرد القرن يركب ردعه ... وفيه سنان ذو غرارين نائس؟ !\rوأحتمل الأوق الثقيل وأمتري ... خلوف المنايا حين فر المغامس؟\rوأقري الهموم الطارقات حزامة ... إذا كثرت للطارقات الوساوس؟\rإذا خام أقوام تقحمت غمرة ... يهاب حمياها الألد المداعس\rلعمر أبيك الخير: إني بخادم ... لضيفي، وإني إن ركبت لفارس\rوإني لأشري الحمد أبغي رباحه ... وأترك قرني وهو خزيان تاعس! !\rصكت: ضربت، المتقاعس: الذي دخل ظهره وخرج صدره. الفعال بالفتح: الفعل الحسن الذي يحمد عليه صاحبه. القرن: المكافئ لك، الردع: الدفع ومعنى يركب ردعه: أي يخر صريعاً لوجهه وفيه سنان ذو غرارين: أي مطعون بسنان ذي حدين، ونائس: مضطرب، الأوق: الثقل، الامتراء: الحلب، والخلوف: جم خلف، وهو ضرع الناقة، وامترى خلوف المنايا: كناية عن إقباله على الموت وعدم مبالاته به،","footnotes":"(١))) ديوان الحماسة لأبي تمام جـ ١ ص ٢٩٥، ٢٩٦","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584393,"book_id":8505,"shamela_page_id":246,"part":null,"page_num":249,"sequence_num":246,"body":"والمغامر: الذي يدخل في الشدائد ويدخل غيره فيها، وخام: جبن، الألد: شديد الخصومة، المداعس: المطاعن.\rالشاعر يحكي قول زوجته - وهي مذهولة متعجبة من تقاعسه أمام الرحى: أبعلي هذا الذي أراه متقاعساً أمام الرحى؟ ! فيقول لها: لا تعجبي وتبيني أفعالي الحميدة من البأس والنجدة والحمية في غمرة القتال وقد التفت الفوارس من حولي، فأنا الذي أرد القرن فيخر صريعاً لوجهه مطعوناً بسنان ذي حدين: وأقبل على الموت ولا أبالي به، في الوقت الذي يفر فيه المغامر الذي يدخل نفسه وغيره في الشدائد، وأتلقى ما يعتريني من وساوس النفس بالحزم والنظر في عواقب الأمور في الوقت الذي تشتد فيه على غيري، وتكثر أحاديث النفس، وإذا تأخر غيري عن الحرب جبنا تقدمت أنا إليها، ولو لاقيت من شدتها وهولها ما يخاف منه اللجوج المطاعن.\rوأقسم بأبيك الخير: أنه ما حملني على الطحن بالرحى إلا التواضع لخدمة أضيافي، فلا تأسفي على هذا الفعل مني، فإني لذلك الفارس إذا ركبت الحرب!\rوالشاهد في الأبيات قوله: \"أبعلي هذا؟ ! \" فإن صاحبته قد عبرت عنه باسم الإشارة للقريب؛ إشارة منها إلى دنو منزلته، والتصاقه بالتراب متقاعساً يطحن بالرحى شأن الخدم والعبيد.\rولعلك تلحظ معي أن الاستفهام هنا إنكاري تعجبي، وأنه منصب على بعلها، وأن بعلها قد قدمته لهذا الغرض، فهي تنكر أن يكون بعلها بهذه المثابة، وتتعجب لهذا الصنيع منه ولهذا فإنه قد رد عليها بأقوى ما يكون الرد، فطلب منها ألا تتعجل في الحكم عليه بدنو المنزلة فإن منزلته مرتفعة بفعاله الحميدة في مقارعة الأبطال يوم النزال.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584394,"book_id":8505,"shamela_page_id":247,"part":null,"page_num":250,"sequence_num":247,"body":"ثم أقسم بأبيها رجل الخير أنه لم يفعل ذلك إلا تواضعاً لخدمة أضيافه، وتلك محمدة لا مذمة، وفضيلة لا نقيصة، وأكد جواب القسم في الأخبار التي تلته بأن، واللام، واسمية الجملة في قوله: \"إني لخادم لضيفي\" و\"إني - إن ركبت - لفارس\" و\"إني لأشري الحمد\".\rولعلك تلحظ - أيضاً - أن البيت الأخير تفسير \"لسابقه\" وتوضيح له، فما تقاعسه أمام الرحى خدمة لأضيافه إلا شراء للحمد ابتغاء ربح يبقى له ذكر عطرا، وهو في الوقت نفسه يجندل خصمه في الحرب خزيان ناعسا.\rوفي الطباق بين (أشري) و (أترك) ما يزيد المعنى وضوحاً، وجمالا وقوة.\rوقد يكون الغرض من تعريف المسند إليه باسم الإشارة: هو التنبيه على أن المشار إليه المعقب بأوصاف جدير - من أجل تلك الأوصاف - بما ذكر بعد اسم الإشارة.\rوذلك مثل قول الله تعالى: \" هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ\"، فالمشار إليه في الآية هم المتقون الموصوفون بالإيمان بالغيب، وإقامة الصلاة، والإنفاق مما رزقهم الله، والإيمان بما أنزل على محمد ﷺ وبما أنزل على الرسل من قبله، والإيقان بالآخرة.\rوقد عبر عنهم باسم الإشارة (أولئك) - وإن كان التعبير عنهم بالضمير ممكنا - للتنبيه على أنهم - من أجل تلك الأوصاف - جديرون بالهداية في الدنيا، وبالفلاح في الآخرة.\rومما تواتر عليه البلاغيون شاهداً في هذا الباب من النص الشعري،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584395,"book_id":8505,"shamela_page_id":248,"part":null,"page_num":251,"sequence_num":248,"body":"قول حاتم الطائي:\rولله صعلوك يساور همه ... ويمضي على الأحداث والدهر مقدما.\rفتى طلبات لا يرى الخمص ترحة ... ولا شبعة، إن نالها عد مغنما.\rإذا ما رأى يوما مكارم أعرضت ... تيمم كبراهن ثمت صمماً.\rيرى رمحه، أو نبله، ومجشه ... وذا شطب عضب الضريبة مخذما.\rوأحناء عمرج قاتر ولجامه ... عتاد أخي هيجاً وطرفاً مسوما.\rفذلك - إن يهلك - فحسنى ثناؤه ... وإن عاش لم يقعد ضعيفاً مذمما.\rفقد وصف الصعلوك بصفات هي: أنه يصارع الأحداث في عزم يفل ذوائب الدهر، وأنه ذو رغائب عالية، وأهداف سامية، فلا يعد الشبع مغنماً ولا الجوع مغرماً، وأنه يتخير من المكارم أعلاها وأسماها ثم يمضي إليها في عزيمة قوية لا تردد فيها ولا ترجع عنها، وأنه يرى عتاده في الحرب فرساً كريماً مسرجاً ملجماً، ورمحاً أو نبلاً ومجناً وسيفاً قاطعاً ثم أشار إليه \"بذلك\" لينبه إلى أنه - من أجل تلك الأوصاف - جدير \"بأن يذكر بالثناء العاطر إذا مات، وأن يبقى عزيزاً كريماً إذا عاش.\rومثله قول عروة بن الورد (١).\rولله صعلوك صحيفة وجهه ... كضوء شهاب القابس المتنور.","footnotes":"(١) تاريخ الأدب العربي (العصر الجاهلي)، ص ٣٨٦، والكامل للمبرد، ج ١ ص ٧٨.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584396,"book_id":8505,"shamela_page_id":249,"part":null,"page_num":252,"sequence_num":249,"body":"[سقطت من المصور]","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584397,"book_id":8505,"shamela_page_id":250,"part":null,"page_num":253,"sequence_num":250,"body":"التعريف بأل:\rقالوا: إن المسند إليه يؤتى به معروفاً بأل إذا كان بينك وبين مخاطبك عبد به.\rفإذا تقدم له ذكر صريح، كما في قولك: صنعت في رجل جميلاً، فلم يحفظ الرجل الجميل سميت هذه اللام لام العهد الصريح.\rومنه قوله تعالى: \"اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ المِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ\"، فقد ذكر المصباح والزجاجة منكرين، ثم أعيد ذكرهما باللام، لأنهما معهودين، لتقدم ذكرهما صراحة.\rوإذا تقدم له ذكر كنائي، كما في قوله تعالى - في شأن أم مريم -: \"ولَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى\"، أي: وليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي وهبت، فأتى بالمسند إليه وهو \"الذكر\" محلى بأل للإشارة بها إلى معهود، تقدم ذكره كناية في قوله تعالى: - حكاية عن امرأة عمران -: \"رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً\"، فلفظ ما يعم الذكور والإناث، ولكن التحرير - وهو أن يعتق الولد ليكون وقفاً على خدمة بين المقدس - لم يكن إلا للذكور، ولهذا كان قولها: \"مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً\" كناية عن الذكر.\rفإذا تقدم المسند إليه ذكر كنائي كما في الآية الكريمة سميت اللام لام العهد الكنائي.\rوإذا لم يتقدم للمسند إليه ذكر مطلقاً، لا صريحاً ولا كناية، ولكن المخاطب به عهد، كأن تقول في شأن رجل حاضر معكما: \"أنشد الرجل قصيدة عصماء، سميت اللام لام العهد الحضوري.\rوإذا لم يكن حاضراً سميت اللام لام العهد العلمي.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584398,"book_id":8505,"shamela_page_id":251,"part":null,"page_num":254,"sequence_num":251,"body":"وقد يؤتى بالمسند إليه معرفاً بأل للإشارة بها إلى الحقيقة نفسها.\rفإذا دخلت اللام على ما يراد به الحقيقة نفسها بغض النظر عما ينطوي تحته من أفراد، سميت اللام لام الحقيقة، وذلك كما في قولك: الرجل خير من المرأة، الحرير أحسن من القطن، الذهب أفضل من الفضة.\rومن ذلك قولهم: \"أهلك الناس الدينار والدرهم\".\rومنه قول أبي العلاء المعري:\rوالخل - كالماء - يبدى له ضمائره ... مع الصفاء، ويخفيها مع الكدر\rفالحكم بالتشبيه هنا على حقيقة الخل لا على خل بعينه.\rوإذا دخلت اللام على ما يراد به فرد مبهم من أفراد الحقيقة - لقربنة دالة على ذلك - سميت اللام لام العهد الذهني، وذلك كما في قوله تعالى: \"وأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ\".\rومنه قول شمر بن عمرو الحنفي (١):\rلو كنت في ريمان لست ببارح ... أبداً وسد خصاصة بالطين\rلي في ذراه مآكل ومشارب ... جاءت إلى مغبتي تبغيني\rولقد مررت على اللئيم يسبني ... فمضيت تمت قلت: لا يعنيني\rغضبان ممتلئاً على أهابه ... إني وربك سخطه يرضيني\rيا رب نكس إن أتته مشيئتي ... فرح، وخرق إن هلكت حزين\rريمان: قصر باليمن، خصاصه: حاجة. الذرى بفتح الذال: ما يكن","footnotes":"(١) الأصمعيات، ص ١٣٦.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584399,"book_id":8505,"shamela_page_id":252,"part":null,"page_num":255,"sequence_num":252,"body":"من الريح من حائط أو شجر، النكس بكسر النون وسكون الكاف: الرجل الضعيف، أو المقصر عن غاية النجدة والكرم، الخرق: بكسر الخاء: الكريم المتخرق في الكرم أو الفتى الظريف في سماحة ونجد.\rفالشاعر يقول: لو كنت في قصر ريمان باليمن مقيماً فيه أبداً، قد سدت فروجه وأحكم غلق نوافذه، آكلاً شارباً فيه، لأتتني فيه منيتي تبتغيني.\rولقد مررت على اللئيم - وهو يسبني - فلم أحفل به، ولم أهتم بما يقول، وحدثت نفسي قائلاً: مثل هذا اللئيم لا أقيم له وزناً، ولا أعيره اهتماماً، مع أنه قد امتلأ غضباً وحنقاً علي، يكاد يهلك نفسه ويحرق صدره بما يكنه من العداء إن هذا - وربك - هو ما يرضيني ويريح نفسي، ولئن مت ليفرحن الضعيف الحقير، وليحزنن الكريم الأصيل.\rوإذا دخلت اللام على ما يراد به جميع الأفراد المندرجة تحت الحقيقة، سميت اللام لام الاستغراق سواء أكان الاستغراق حقيقياً، كما في قوله تعالى: \"إنَّ الإنسَانَ لَفِي خُسْرٍ\"، لأن المراد: جميع الأفراد التي يتناولها لفظ الإنسان، أم كان الاستغراق عرفياً، كما في قولك: \"امتثل الجند أمر القائد\" لأن المراد: جميع الأفراد التي يتناولها لفظ الجند بحسب العرف.\rأي: جنود بلد القائد فحسب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584400,"book_id":8505,"shamela_page_id":253,"part":null,"page_num":256,"sequence_num":253,"body":"التعريف بالإضافة:\rقالوا: إن التعريف المسند إليه بالإضافة يكون لأنه ليس للمتكلم إلى إحضاره في ذهن السامع طريق أخصر منها، وذلك إذا كان المقام يقتضي الإيجاز والاختصار، لفرط السآمة وضيق الصدر لحزن أو ألم.\rوشاهدهم على ذلك قول جعفر بن علبة الحارثي، وهو سجين بمكة، وكان قد قتل واحداً من بني عقيل فسجن، وجاءه ركب من اليمن - وفيهم محبوبته - فعزم الراكب على الرحيل فقال:\rهواي مع الراكب اليمانين مصعد ... جنيب وجثماني بمكة موثق\rعجبت لمسراها وأنى تخلصت ... إلى وباب السجن دوني مغلق\rألمت فحيت، ثم قامت فودعت ... فلما تولت كادت النفس تزهق\rفلا تحسبي أني تخشعت بعدكم ... لشيء ولا أني من الموت أفرق\rولا أن نفسي يزدهيها وعهدهم ... ولا أنني بالمشي في القيد أخرق\rولكن عرتني من هواك ضمانة ... كما كنت ألقى منك إذ أنا مطلق\rالركب: ركبان الإبل خاصة، اليمانيون: المنسوبون إلى اليمن، المصعد: المبعد. جنيب: مجنوب مستتبع. الجثمان: البدن. الموثق: المقيد مسراها: مسرى خيالها، ليصح التعجب منه. ألمت: من الإلمام وهو الزيارة. تخشعت: تكلفت الخشوع. أفرق: أخاف. زهوق النفس: ذهابها. يزدهيها: يستخفها. الأخرق: القليل الرفق بالشيء. الضمانة: الزمانة.\rيقول الشاعر - تحسراً على ما هو فيه من السجن وابتعاد حبيبته -: إن من أهواها مع الركب المسافر إلى اليمن مبتعدة عني وأنا سجين مقيد بمكة، ليس في استطاعتي أن أودعها ولا أن أتزود منها بنظرة واحدة،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584401,"book_id":8505,"shamela_page_id":254,"part":null,"page_num":257,"sequence_num":254,"body":"وقد زارني خيالها في السجن ليلاً، فعجبت له، كيف استطاع أن يخترق أسوار هذا السجن وبابه مغلق دوني؟ ! لقد زارني خيالها فحياني وودعني، فلما ذهب عني كادت نفسي تذهب بذهابه!\rثم التفت إلى محبوبته قائلاً: فلا تحسبي أنني خضعت بعدكم لشيء، ولا أنني أخاف الموت، ولا أن نفسي يستخفها تهديد القوم الذين حبست من أجلهم، ولا أنني ضجرت بالمشي في القيد، فأنا كالعهد بي: شجاع أبي صبور.\rولكن عراني من حبك ضعف مزمن شبيه بالذي كنت ألقاه منك وأنا طليق متمتع بنسيم الحرية.\rوالشاهد في الأبيات قوله: (هوي) حيث عرف المسند إليه بالإضافة لأنها أخصر طريق إلى إحضاره في ذهن السامع لفرط السآمة وضيق صدر الشاعر.\rوقد أطلق الشاعر الهوى على المهوى مجازاً، أي الذي أهواه.\rولعل في التعبير بقوله: (هواي مع الركب) ما يفيد قوة تعلقه بذلك الركب الذي سار وفيه جزء من الشاعر لا ينفك عنه! وكلما سار الركب كلما شد هذا الجثمان المقيد بمكة فزاد من وجده.\rوفي التعبير \"بالجثمان\" ما يوحي بأن روحه هي الأخرى قد سارت مع الركب متعلقة بمحبوبته فظل هو بمكة جثماناً بلا روح!\rوقد يكون الغرض من تعريف المسند إليه بالإضافة، إغناؤها عن تفصيل متعذر، وذلك كما في قول مروان بن أبي حفصة في معن بن زائدة (١):","footnotes":"(١) العمدة، ج ٢، ص ١٤٢.\r(١٧ - النظم البلاغي)","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584402,"book_id":8505,"shamela_page_id":255,"part":null,"page_num":258,"sequence_num":255,"body":"بنو مطر يوم اللقاء كأنهم ... أسود لها في غيل خفان أشبل\rهم يمنعون الجار حتى كأنما ... لجارهم بين السماكين منزل\rبهاليل في الإسلام سادوا ولم يكن ... كأولهم - في الجاهلية - أول\rهم القوم: إن قالوا أصابوا وإن دعوا ... أجابوا، وأن أعطوا أطابوا وأجزلوا\rولا يستطيع الفاعلون فعالهم ... وإن أحسنوا - في الغائبات - وأجملوا\r(بنو مطر) هم قوم معن بن زائدة. والغيل: الشجر الكثير الملتف. وخفان: مأسدة قرب الكوفة. الأشبل: أولاد الأسود. بها ليل: كرام. السماكان: نجمان نيران في السماء.\rفالشاعر يصف قوم معن بأنهم شجعان، كأنهم أسود نجبت أشبالاً، وأن جارهم عزيز المكانة، حتى كأنهم يسكنونه السماء، وأنهم كرام، سادوا في الجاهلية، وأنهم القوم حقاً، بكل ما تعني هذه الكلمة من معنى، لأنهم إن قالوا أصابوا كبد الحقيقة، وإن دعوا أجابوا دعوة الداعي، وإن أعطوا أحسنوا العطاء وأجزلوه، وأنهم فاقوا كرام الناس في فعالهم، فلا يستطيع أحد مجاراتهم.\rوالشاهد في الأبيات قوله: (بنو مطر) حيث عرف المسند إليه بالإضافة لأنها أغنت الشاعر عن تعداد قوم معن واحداً واحداً حتى يصفهم بما ذكره من الصفات، لأن ذلك أمر يتعذر عليه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584403,"book_id":8505,"shamela_page_id":256,"part":null,"page_num":259,"sequence_num":256,"body":"وقد لاحظت أن الشاعر قد أكد على أنهم (القوم)، أي الجديرون بإطلاق لفظ القوم عليهم، وكأن غيرهم من الأقوام ليسوا أهلاً لذلك، لأن الصفات التي ذكرها لهم قد ميزتهم عن غيرهم من الناس وجعلت منهم مثلاً عالياً في الفضائل والمفاخر.\rولهذا كان من المناسب إضافتهم إلى أبيهم، أصل هذه الفضائل والمفاخر كلها!\rومثله قول حسان بن ثابت يمدح الغساسنة قبل الإسلام:\rلله در عصابة نادمتهم ... يوما يحلق في الزمان الأول\rيمشون في الحلق المضاعف نسجه ... مشى الجمال إلى الجمال البزل\rيسقون من ورد البريص عليهم ... بردى يصفق بالرحيق السلسل\rبيض الوجوه كريمة أحسابهم ... شم الأنوف من الطراز الأول\rأولاد جفنة حول قبر أبيهم ... قبر ابن مارية الكريم المفضل\rجلق: دمشق، وبزل ناب البعير: شق، البريص: غوطة دمشق كثيرة الماء والشجر. بردى: نهر بسوريا. آل جفنة: ملوك من أهل اليمن كانوا قد استوطنوا الشام، وأراد بقوله: \"حول قبر أبيهم\" أنهم في مساكن آبائهم ورباعهم التي كانوا قد وروثوها عنهم.\rفالشاعر يمدح الغساسنة الذين نادمهم قديماً، بأنهم شجعان بواسل، يسقون القادم إليهم من رحيق بردى العذب السلسبيل، وأنهم بها ليل كرام الأحساب، فيهم شمم وإباء. ثم قال: (أولاد جفنه).","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584404,"book_id":8505,"shamela_page_id":257,"part":null,"page_num":260,"sequence_num":257,"body":"فكأن الشاعر بعد أن وصفهم بما وصف من شجاعة، وكرم، وإباء، وطيب أصل، أراد أن يبين معدن هذه الصفات ومنبتها، وأنها جاءت من أصلهم الكريم، لأنهم أولاد جفنة.\rومن هنا تدرك سر تعريفهم بالإضافة، فقد اكتسبوا التعظيم من إضافتهم إلى (جفنة) وهذا السر يأتي بعد أن تكون قد عرفت أن الشاعر قد تعذر عليه تعدادهم لوصفهم بتلك الصفات.\rومن تعريف المسند إليه بالإضافة لإغنائها عن تفصيل متعذر قول عبد الله بن جذل في يوم برزه (١):\rقتلنا مالكا فبكوا عليه ... وهل يغني من الجزع البكاء؟ !\rوكرزا قد تركناه صريعاً ... تسيل على ترائبه الدماء\rفإن تخرج لذاك بنو سليم ... فقد - وأبيهم - غلب العزاء\rفقد عرف الشاعر المسند إليه هو (بنو سليم) بالإضافة، لأنها أغنته عن تفصيل متعذر.\rومثله قول ضرار بن الخطاب الفهري - في يوم عكاظ (٢):\rوجاءت سليم تهز القنا ... على كل سلهبة ضامر ...\rوجئنا إليهم على المضمرات ... بأرعن ذي لجب زاخر ...\rفلما التقينا أذقناهم ... طعانا بسمر القنا العائر ...\rفقرت سليم ولم يصبروا ... وطارت شعاعاً بنو عامر\rالسلهبة: الفرس الجسيمة. الأرعن: الجيش. اللجب: الصياح. السهم العائر: الذي لا يدري من أين يأتي. شعاعاً: متفرقين.","footnotes":"(١) أيام العرب، ص ٣٢٠.\r(٢) أيام العرب ص ٣٢٦.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584405,"book_id":8505,"shamela_page_id":258,"part":null,"page_num":261,"sequence_num":258,"body":"يقول الشاعر: إن قبيلة سليم قد جاءت متأهبة لقتالنا، فجئناهم بجيش لجب عظيم، فلما التقينا، وأذقناهم طعاننا. فر منا بنو سليم ولم يصبروا على قتالنا، وطار بنو عامر في إثرهم متفرقين.\rوالشاهد في الأبيات قوله: (وطارت شعاعاً بنو عمر)، فقد عرف المسند إليه - وهو بنو عامر - بالإضافة لأنها أغنت الشاعر عن تفصيل متعذر لأفرد هذه القبيلة.\rومن تعريف المسند إليه بالإضافة لإغنائها عن تفصيل معتذر: قول قريط بن أنيف، لما أغار عليه الناس من بني العنبر، فاستنجد قومه فلم ينجدوه، فأتى بني مازن فأنجدوه (١):\rلو كنت من مازن فلم تستبح إبلي ... بنو اللقيط من ذهل بن شيبانا\rإذا لقام بنصري معشر خش ... عند الحفيظة إن ذو لوثة لانا ...\rقوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم ... طاروا إليه زرافات ووحدانا ...\rلا يسألون أخاهم حين يفديهم ... في الغائبات على ما قال برهانا\rلكن قومي - وإن كانوا ذوى عدد ... ليسلوا من الشر شيء وإن هانا!\rالخش: جمع أخش: الصعب الذي لا يلين. والحفيظة: الغضب في الشيء يجب عليك حفظه، واللوثة: الضعف مع اللين. إبداء الشر لناجذيه: مثل بضرب لشدته وصعوبته. والزرافات الجماعات. يندبهم: يدعوهم.","footnotes":"(١) ديوان الحماسة لأبي تمام، ج ١، ص ١٣.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584406,"book_id":8505,"shamela_page_id":259,"part":null,"page_num":262,"sequence_num":259,"body":"يقول الشاعر: لو كنت من قبيلة مازن لما أغار بنو ذهل على إبلي واستأصلوها أخذاً ونهباً، ولو كان ذاك لقام بنصري قوم صعاب أشداء يدفعون عني ويأخذون بحقي ممن اعتدى علي وظلمني إذا لان ذو الضعف ولم يدفع ضيماً ولم يحم حقيقة، فهم قوم يقومون على المكاره، ويسرعون إلى الشدائد؛ فلا يتكل بعضهم على بعض؛ بل كل يرى أنه حقت عليه الإجابة؛ فيسرعون مجتمعين ومتفرقين؛ فإذا دعاهم داع لنصره على أعدائه أسرعوا إلى الحرب ولم يسألوا عن سببها؛ ولا يتعلون كما يتعلل الجبناء؛ لكن قومي لا يلجون باب الشر - وإن كان هيناً - فهم جبناء.\rوالشاهد في الأبيات قوله: (قومي) حيث عرف المسند إليهم وهم قوم الشاعر؛ بإضافتهم إليه؛ لأن هذه الإضافة قد أغنته عن تفصيل متعذر لقومه.\rولعلك تلحظ معي نبرة التحسر التي تنبع من إضافة قوم الشاعر إلى نفسه حيث خذله قومه، ونصره الغرباء!\rوقد لا يكون التفصيل .. في المسند إليه متعذراً، ولكن يمنع منه خشية الملل والسآمة؛ فيؤتى بالمسند إليه معرفاً بالإضافة لهذا الغرض، وذلك كما في قول الشاعر:\rقبائلنا سبع؛ وأنتم ثلاثة ... والسبع خير من ثلاث وأكثر\rفإن تعداد قبائله السبع؛ بأن يقول: قبيلة كذا، وقبيلة كذا، ليس متعذراً، ولكنه يوقع في السآمة والملل (١).\rوقد ذكر الخطيب قول الحارث بن وعلة الجرمي:\rقومي هم قتلوا - أميم - أخي ... فإذا رميت يصيبني سهمي","footnotes":"(١) زهر الربيع، ص ٣٢.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584407,"book_id":8505,"shamela_page_id":260,"part":null,"page_num":263,"sequence_num":260,"body":"مثالاً للتعريف بالإضافة التي أغنت عن تفصيل مرجوح لجهة.\rومعنى أن التفصيل هنا مرجوح لجهة: أنه ليس تفصيلاً متعذراً، ولكن الذي منع من التفصيل أمر آخر رجح الإجمالي على التفصيل.\rوقد تولى تفسير هذا الأمر العلامة الدسوقي في حاشيته (١)، فقال: \"وإغناء الإضافة عن تفصيل تركه أولى لجهة، ككون التفصيل يقتضي ذماً، أو إهانة، أو خوفاً وإن أمكن التفصيل، كقوله: \"قومي هم قتلوا - أميم - أخي .. \".\rوالحق ما ذكره الدكتور محمد أبو موسى، من أن هذه الإضافة وراءها معنى أكبر من هذا، لأنها ترشد إلى بشاعة جريمتهم، وترمز إلى ما في قلبه من الأسى، وأن الإضافة هنا إضافة القوم القاتلين إلى النفس الموجوعة بهذا القتل (٢).\rويؤيد هذا القول أن ما بعد هذا البيت من أبيات القصيدة يوحي بهذا المعنى، استمع إلى بقية الأبيات (٣):\rفلئن عفوت لأعفون جللا ... ولئن سطوت لأوهنن عظمي\rلا تأمنن قوماً ظلمتهم ... وبدأتهم بالشتم والرغم\rأن يأبروا نخلاً لغيرهم ... والشيء تحقره وقد ينمى ...\rوزعمتم أن لا حلوم لنا ... إن العصا قرعت لذي الحلم ...\rووطئتنا وطاً على حنق ... وطء المقيد نابت الهرم","footnotes":"(١) حاشية الدسوقي (شروح التلخيص)، ج ١، ص ٢٤٧.\r(٢) خصائص التراكيب، ص ١٦٢.\r(٣) ديوان الجماسة لأبي تمام، ج ١، ص ٧٢.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584408,"book_id":8505,"shamela_page_id":261,"part":null,"page_num":264,"sequence_num":261,"body":"وتركتنا لحماً على وضم ... لو كنت تستبقي من اللحم!\rفالشعار لم يخف من إبغار صدور قومه عليه، ولكنه يصور لنا مأساته، أو محنته تصويراً صادقاً، بأن الذين قتلوا أخاه هم من قومه، فإذا ما انتقم منهم فكأنه ينتقم من نفسه - لأن الرجل بعشيرته - كما يقولون - وإذا ما ترك الانتقام فقد صفح عن أمر عظيم، ثم قال متوعداً، إياك أن تأمن لمن بدأته بالشتم والإذلال، فقد تحقر الشيء في بدء أمره، ثم لا يلبث أن يزداد قوة واتساعاً في غايته.\rوقد زعمتم أننا لا حلوم لنا، فإن كان الأمر كما زعمتم، فنبهونا أنتم. وهذا تهكم من الشاعر. ثم وجه حديثه إلى قاتل أخيه بالبيتين الأخرين بأنه قد بالغ في فعلته حتى بأنه لم يبق له شيئاً!\rوفي معنى البيت الأول يقول أعرابي قتل أخوه ابناً له:\rأقول للنفس تأسا وتعزية ... إحدى يدين أصابتني ولم ترد\rكلاهما خلف من فقد صاحبه ... هذا أخي حين أدعوه وذا ولدي\rفليست الإضافة في قول الشاعر (قومي) لتعذر تفصيل من قتلوا أخاه، ولا لأنه يخاف من أن يوغر صدورهم عليه، ولكن لأن الإضافة قد أفادت معنى يهز أوتار قلب الشاعر. وهو أن القائل ليس غريباً عنه.\rوقد تتضمن الإضافة تعظيماً لشأن المضاف إليه، كما في قوله تعالى: \"إنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ\" فقد عرف المسند إليه بالإضافة في قوله \"عبادي\" تعظيماً لشأن المضاف وهو العباد، بأنهم عباد رب الأرباب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584409,"book_id":8505,"shamela_page_id":262,"part":null,"page_num":265,"sequence_num":262,"body":"ومنه قول الله تعالى: \"وأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ\" (١)، فالإضافة إلى الله تعالى لشريف ما بعده لشريف.\rوقد تتضمن تعظيماً لشأن المضاف إليه: كما تقول: \"سيارتي في انتظاري\" ففي الإضافة تعظيم لك بأن لك سيارة.\rومن هذا القبيل قول أبي فراس الحمداني مفتخراً (٢):\rإن الغني هو الغني بنفسه ... ولو أنه عاري المناكب جافي ...\rما كل ما فوق البسيطة كافياً ... وإذا قنعت فبعض شيء كافي\rوتعاف لي طمع الحريص فتوتي ... ومروءتي، وقناعتي، وعفافي ...\rما كثرة الخيل العتاق بزائدي ... شرفاً، ولا عدد العوام الضافي\rخيل - وإن قلت - كثير نفعها ... بين الصوارم والقنا الرعاف\rومكارمي عدد النجوم، ومنزلي ... مأوى الكرام، ومنزل الأضياف\rفالشاعر يفتخر بعزة نفسه وعلو همته، ولهذا فإنه لا يعير وفرة المال، ولا كثرة السوام اهتماماً، ولكن الذي يهمه، ويعمل من أجله، ويسعى إليه، هو كل ما يزيد من عزة نفسه؛ ويرفع من قدرها، وذلك بكثرة المكارم ووفرة الفضائل، من الفتوى، والمروءة، والقناعة، والعفاف","footnotes":"(١) الجن: ١٩.\r(٢) بقيمة الدهر، الثعالبي، ج ١، ص ٤٨ ..","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584410,"book_id":8505,"shamela_page_id":263,"part":null,"page_num":266,"sequence_num":263,"body":"ولهذا فإنك تراه قد عرف هذه الفضائل بالإضافة إليه تعظيماً لشأنه في قوله: \"فتوتي، ومروءتي، وقناعتي، وعفافي، ومكارمي\".\rولعلك قد لاحظت الفرق بين الإضافة في قوله \"منزلي\" والإضافة في قوله \"منزلي الأضياف\"؛ حيث تضمنت الإضافة تعظيماً لشأن المضاف إليه في الأول، ولكنها قد تضمنت تعظيماً لشأن المضاف في الثاني فقد أضاف الشاعر المنزل إلى نفسه تعظيماً لها، بينما أضافه إلى الأضياف تعظيماً للبيت نفسه.\rوقد تتضمن الإضافة تحقيراً لشأن المضاف، كما في قولك: \"أخوا اللص قادم\" ففي الإضافة تحقير للمضاف بأن أخاه لص. ومنه قول الله تعالى: \"أَلا إنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الخَاسِرُونَ\" (١)، فقد عرف المسند إليه بالإضافة تحقيراً لشأن المضاف.\rوقد تتضمن تحقيراً لشأن المضاف إليه، كما تقول: \"ضاربك قادم\" فقد تضمنت الإضافة تحقيراً لشأن المضاف إليه بأنه أهين بالضرب.\rومما جمع فيه بين تحقير المضاف إليه وتعظيمه: قول جميل عبد الله بن معمر العذري (٢):\rأبوك حباب، سارق الضيف برده ... وجدي - يا حجاج - فارس شمرا\rبنو الصالحين الصالحون، ومن يكن ... لآباء صدق يلقهم حيث سيراً","footnotes":"(١) المجادلة: ١٩.\r(٢) ديوان الحماسة لأبي تمام، ج ١، ص ١٢١.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584411,"book_id":8505,"shamela_page_id":264,"part":null,"page_num":267,"sequence_num":264,"body":"فإن تغضبوا من قسمة الله حظكم ... فلله - إذ لم يرضكم - كان أبصرا\rأراد الشاعر أن يحقر من شأن الحجاج، فأضاف إليه أباه حباباً الذي اشتهر بنقيصة سرقة ثياب الضيف وأن يعظم من شأن نفسه، فأضاف إليه جده الذي اشتهر بالشجاعة وإباء الضيم؛ لأن الأبناء يتبعون آباءهم في الرفعة والضمة، فإن غضب الحجاج وقومه بذلك فليضربوا رءوسهم في الصخر، فتلك حكمة الله، وهو أدرى بخلقه!\rوقد تتضمن الإضافة اعتباراً لطيفاً، كهذا الذي تجده في قول الشاعر:\rإذا كوكب الخرقاء لاح بسحره ... سهيل: أذاعت غزلها في القرائب\rالخرقاء: الحمقاء، وسهيل: بدل من كوكب: نجم يطلع في الشتاء سحراً.\rفالشاعر يقول: إن المرأة الحمقاء لا تجتهد في إعداد الغزل في وقت الصيف، حتى إذا ما فوجئت بطلوع سهيل في مستهل الشتاء سحراً، وزعت غزلها على قريباتها ليساعدنها فيه.\rوالشاهد في البيت قوله: (كوكب الخرقاء) حيث عرف المسند إليه بالإضافة لاعتبار لطيف، وهو أن الإهمال أصبح من عادة هذه المرأة التي لا تفيق إلا على رؤية هذا النجم حتى كأنه قد خلق من أجلها، ولهذا أضيف إليها، ويسمون هذه الإضافة لأدنى ملابسه.\rوقد تتضمن الإضافة: الحث على فعل الشيء، وذلك كأن نقول \"محبك على الباب\" تريد أو ترفقه، لكي يأذن له بالدخول:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584412,"book_id":8505,"shamela_page_id":265,"part":null,"page_num":268,"sequence_num":265,"body":"ومن ذلك قول الله تعالى: \"لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِهَا ولا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ\" (١)، فإنه لما نهى المرأة عن المضارة، أضاف الولد إليها، استعطافاً لها، وحثاً على عدم المضارة، ومثله الإضافة في قوله: \"بولده\".\r\r٤ - تنكير المسند إليه:\rالنكرة - في أصل وضعها - تدل على الإفراد والنوعية.\rفإذا قلت: جاءني رجل، كانت النكرة - هنا - صالحة لأن تقصد بها الإفراد: أي أن يكون قد جاءك رجل واحد لا رجلان، وصالحة - أيضاً - لأن تقصد بها: النوعية، أي: أن يكون قد جاءك رجل لا امرأة.\rوالذي يمحض النكرة لواحد من الأمرين: - الإفراد أو النوعية - هو: الوصف، أو دلالة الحال.\rفمثال ما تمحضت النكرة للإفراد بالوصف: قول الله تعالى: \"لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إنَّمَا هُوَ إلَهٌ واحِدٌ\" (٢).\rيقول جار الله الزمخشري: \"الاسم الحامل لمعنى الإفراد والتثنية دال على الجنسية والعدد المخصوص، فإذا أريدت الدلالة على أن المعنى به منهما، والذي يساق له الحديث هو العدد شفع بما يؤكده، فدل به على القصد إليه والعناية به: ألا نرى أنك لو قلت: \"إنما هو إله\" - ولم تؤكد - لم يحسن؟ وخيل أنك تثبت الألوهية لا الوحدانية؟ !","footnotes":"(١) البقرة: ٢٣٣.\r(٢) النحل: ٥١.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584413,"book_id":8505,"shamela_page_id":266,"part":null,"page_num":269,"sequence_num":266,"body":"فالتنكير في \"إلهين\" للأفراد، أي لفرد مما يصدق عليه اسم المثنى، لأنه وصف باثنين، وفي (إله) للإفراد - أيضاً - لأنه وصف بواحد.\rومثال ما تمحضت النكرة فيه للإفراد بدلالة الحال: قول الله تعالى: \"وجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَا المَدِينَةِ يَسْعَى\" (١).\rفقد أتى بالمسند إليه نكرة لأن الغرض هو إثبات المجيء لرجل واحد من أفراد الرجال.\rومثال ما تمحضت النكرة فيه النوعية بالوصف: قول الله تعالى: \"ومَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ ولا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ (٢) \" فقوله (دابة) صالح لأن يراد به الإفراد أو النوعية، فجاء قوله تعالى: \"في الأرض\" وصفاً مبيناً أن القصد هو الجنس لا الإفراد.\rوكذلك قوله تعالى: (طائر) صالح لأن يراد به الإفراد أو النوعية، أي: طائر واحد، أو جنس الطائر، فجاء قوله تعالى: \"يطير بجناحيه\" مبيناً أن القصد - هنا - هو جنس الطائر لا فرد من أفراده.\rومثال ما تمحضت النكرة فيه النوعية بدلالة الحال: قول الله تعالى: \"وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ\" (٣).\rفقد نكر المسند إليه لأن القصد فيه إلى نوع خاص من أنواع الأغشية غير ما يتعارفه الناس، وهو غطاء التعامي عن الحق. أي الإعراض عن آيات الله تعالى.","footnotes":"(١) القصص: ٢٠.\r(٢) الأنعام: ٣٨.\r(٣) البقرة: ٦.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584414,"book_id":8505,"shamela_page_id":267,"part":null,"page_num":270,"sequence_num":267,"body":"فالمعنى الحقيقي للنكرة هو: الإفراد أو النوعية - كما رأيت مما أسلفنا لك من أمثلة.\rولكنها قد تخرج إلى معان أخرى مجازية تفهم من سياق الكلام، كالتعظيم، والتحقير، والتكثير، والتقليل، والنص الأدبي - شعراً كان أو نثراً - زاخر بما يورده الشعراء أو الأدباء من نكرات قصدوا بها معاني تدل عليها سياقات الكلام، ودلالات الأحوال:\rاقرأ - إن شئت - قول الله تعالى: \"ولَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ\" نجد أنه قد نكر المسند إليه لتعظيمه، أي: ولكم في القصاص حياة عظيمة، لأنهم كانوا - في الجاهلية - لا يكتفون بقتل القاتل. بل كانوا يشفعونه بقتل جماعة من عشيرته تشفياً، فيبعثون بذلك ثارات أخرى تقوم من أجلها حروب بين العشيرتين وقد تنضم إلى هؤلاء وأولئك قبائل أخرى تبعث ثارات جديدة، فتكثر القتلى، ويزداد سفك الدماء فكان في القصاص حقن لدماء هؤلاء جميعاً.\rولهذا كانت الحياة النابعة من القصاص حياة عظيمة، وأي حياة أعظم من حياة كهذه؟ !\rثم اقرأ قول الله تعالى: \"ولَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ (١) \" نجد أنه قد نكر المسند إليه - وهو نفحة - لتحقيره، أي نفحة قليلة ضئيلة.\rواقرأ قول الله تعالى: \"إن نَّظُنُّ إلاَّ ظَناً\" تجده قد نكر غير المسند إليه لتحقيره، أي ما نظن بالساعة إلا ظناً ضعيفاً هزيلاً.\rوهكذا تجد التنكير تارة يفيد تعظيم المسند إليه، وتارة يفيد تحقيره.","footnotes":"(١) الأنبياء: ٤٦.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584415,"book_id":8505,"shamela_page_id":268,"part":null,"page_num":271,"sequence_num":268,"body":"فإذا ما استمعت إلى قولهم: \" (إن له لا بلا، وإن له لغنما) وجدت تنكير المسند إليه في هذا القول قد أفاد تكثيره، أي، أن له لإبلاء كثيرة، وإن له لغنماً كثيرة.\rوإذا ما استمعت إلى قولهم: (كلم تتضمن حكماً خير من سفر ينضج هراء) وجدت تنكيره في هذا القول قد أفاد تقليله، أي: عدد قليل من الكلمات.\rوهكذا - أيضاً - تجد التنكير: تارة يفيد تكثير المسند إليه، وتارة يفيد تقليله:\rفإذا ما تلوت قول الله تعالى: \"وإن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ\" وجدت التعظيم والتكثير قد اجتمعا في تنكير المسند إليه - وهو (رسل) - أي: رسل كثيرون، ذوو شأن عظيم.\rوهذا أبو السمط - وهو مروان بن أبي حفصة - يقول مادحاً:\rفتى لا يبالي المدلجون بغاره ... إلى بابه أن لا تضيء الكواكب\rأصم عن الفحشاء حتى كأنه ... - إذا ذكرت في مجلس القوم - غائب ...\rله حاجب عن كل أمر يشينه ... وليس له - عن طالب العرف - حجب\rفيصف ممدوحه بالكرم، وبالبعد عن كل ما يدنس النفس أو يشينها، ولهذا فإن القادمين إليه ليلاً لا يبالون بأن تضيء الكواكب أو لا تضيء، لأن نيران القرى التي يوقدها ليلاً تهديهم إلى بابه، وإذا ما ذكرت الفحشاء في مجلس القوم، أصم أذنيه عن سماعها، حتى كأنه ليس حاضراً مجلسهم،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584416,"book_id":8505,"shamela_page_id":269,"part":null,"page_num":272,"sequence_num":269,"body":"فله حاجب يحفظه من كل ما يشين النفس أو يدنسها، ولكنه ليس له حاجب يحجبه عن طالب معروفه فكلمة (حاجب) في شطري البيت الأخير: مسند إليه نكرة، ولكن تنكيرها في الشطر الأول كان لتعظيم المسند إليه، وتنكيرها في الشطر الثاني لتحقيره، وذلك لأنك - بعد أن عرفت غرض الشاعر وهو المدح - تكون قد عرفت - أيضاً: أن الحاجب الذي يحجبه عن كل ما يدنس نفسه أو يشينها، ينبغي أن يكون حاجباً عظيماً، وأن الحاجب المنفي عن طالب معروفه ينبغي أن يكون ضئيلاً رقيقاً، إذ ليس له حاجب ما.\rوهكذا تجد الشاعر قد جمع - في بيت واحد - بين تعظيم المسند إليه، تحقيره بالتنكير.\rوقد رأيت كيف تلاعب الشاعر بالألفاظ، فجعل الحاجب تارة مثبتاً، وتارة منفياً لممدوح واحد، مما أثار انتباه المتذوق لشعره، ولكنه بعد أن علم أن الحاجب نوعان: نوع يحجب الصغائر والدنايا؛ ونوع يحجب طالبي العرف، وأنه قد أثبت الأول لممدوحه قوياً متيناً، ونفى الثاني عنه ولو كان ضئيلاً هزيلاً، اطمأن قلبه لهذا التفسير اللطيف، وانبسطت أساريره لهذه المتعة البلاغية.\rوهذا أبو دؤاد الإيادي - أحد نعات الخيل كما يقول الأصمعي - يصف فرسه فيقول:\rولقد اعتدى، يدافع عني ... أحوذي - ذو ميعة، إضريج\rسلهب، شرجب، كأن رماحا ... حملته، وفي السرأة دموج\rالأحوذي: الحاذق المشمر للأمور، والسريع فما أخذ به، والميعة: أول الشيء، وميعة الفرس: أول جريه، والإضريح: الفرس الشديد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584417,"book_id":8505,"shamela_page_id":270,"part":null,"page_num":273,"sequence_num":270,"body":"العدو السلهب من الخيل: ما عظم وطالت عظامه؛ والشرجب، الطويل والفرس الكريم. والسرأة: الظهر. والدموج: الاستحكام.\rفالشاعر يصف فرسه بالقوة والنشاط والسرعة وطول العظام، واستحكام الظهر.\rوالشاهد - هنا - قوله: (كأن رماحاً) فقد نكر المسند إليه لتعظيمه؛ أي: كأن رماحاً طويلة قوية متينة قد حملت فرسه لطول قوائمه وعلو متنه.\rوأنظر إلى قول إبراهيم بن العباس الصولي - وقد كان عاملاً على الأهواز في وزارة محمد بن عبد الملك الزيات واعتقل وأوذى فظن أن هذا الوزير سوف يسامحه لصداقته قبل الوزارة:\rفلو إذ نبادهر، وأنكر صاحب ... وسلط أعداء، وغاب نصير\rتكون عن الأهواز دارى بنجوة ... ولكن مقادير جرت وأمور\rوإني لأرجو بعد هذا محمدا ... لأفضل ما يرجى أخ ووزير\rتجد أن الشاعر قد نكر الدهر؛ لأنه أراد به دهراً ذميماً، لا كذلك الدهر الذي عاشه أيام سعادته. ونكر الصاحب - أيضاً - لأنه أراد به صاحباً حقيراً لا يستحق صحبته، ولم يقل وأنكرت صاحباً، لأنه لا يريد أن يسند إليه نفسه نكران الصاحب، ونكر الأعداء: لتحقيرهم، وفي (سلط) دليل على أنهم مسلطون، وأنهم أدوات حقيرة في أيدي غيرهم، وبنى الفعل للمجهول: لأنه لا يريد ذكر من سلطهم إهمالاً له لحقارته؛ ونكر\r(١٨ - النظم البلاغي)","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584418,"book_id":8505,"shamela_page_id":271,"part":null,"page_num":274,"sequence_num":271,"body":"النصير، لأنه يقصد نصيراً كان يأمله لمثل هذه المحنة؛ فهو النصير القوي الوفي وفي تنكيره (مقادير) و (أمور) ما يدل على أنها مقادير قوية لا يستطيع ردها، وأمور جسام لا يستطيع احتمالها.\rفقد رأيت أن الشاعر قد جمع - في البيتين الأولين - بين التنكير التحقير، والتنكير التعظيم، والتنكير للنوعية.\rثم قرأ - إن شئت - قول السمو آل بن عادياء مفتخراً (١):\rتعيرنا أنا قليل عديدنا ... فقلت لها: إن الكرام قليل\rوما قل من كانت بقاياه مثلنا ... شباب تسامي العلا وكهول\rوما ضرنا أن قليل وجارنا ... عزيز؛ وجار الأكثرين ذليل\rلنا جبل يحتله من نجيره ... منيع، يرد الطرف وهو كليل\rرسا أصله تحت الثرى وسما به ... إلى النجم فرع لا ينال طويلا\rتجد أن الشاعر قد نكر المسند إليه في قوله (شباب، وكهول) لأنه يريد شباباً عظيماً متطلعاً إلى المعالي، وكهولاً عظيمة سبقتهم إليها، وسنت لهم سبيلها، ومهدت لهم الطريق إليها.\rونكر المسند إليه - أيضاً - في قوله (لنا جبل) لأنه يقصد جبلاً هائلاً عظيماً يحمي من يجيره وفي قوله (فرع) لأنها أراد فرعاً طويلاً عظيماً، لا يناله من يحاول السمو إليه.","footnotes":"(١) ديوان الحماسة لأبي تمام، ج ١، ص ٣٧.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584419,"book_id":8505,"shamela_page_id":272,"part":null,"page_num":275,"sequence_num":272,"body":"فتنكير المسند إليه في تلك الأبيات للتعظيم - كما ترى -.\rوقد يمنع من التعريف مانع فينكر المسند إليه؛ وذلك كما في قول الشاعر:\rإذا سئمت مهنده يمين ... لطول العهد بدله شمالا\rفقد نكر اليمين، لأنه لو قال (يمينه) لأسند السآمة - صراحة - إلى يمين ممدوحه، وذلك مما ينافي غرض المدح، وهذا اعتبار لطيف.\rوقد لا يمنع من التعريف مانع، ولكنه قد يوقف الشاعر عن مواصلة غرضه من وصف المسند إليه، بما شاء من الأوصاف، ولهذا فإنه يجيء به منكراً:\rاستمع إلى قول الشاعر:\rتناس طلاب العامرية إذا نات ... يا سجح مر قال الضحى قلى الضفر\rإذا ما أحسته الأفاعي تحيزت ... شواة الأفاعي من مثلمة سمر\rتجوب له الظلماء عين؛ كأنها ... زجاجة شرب غير ملآى ولا صفر\rالأسجج من الإبل: الرقيق المشفر، ومر قال الضحى، أي مسرع السير فيه وهو وقت الحر. والضفر: الحزام، وقلقه من الضمور، وتحورت الحية: تقلبت. والشواة: الجلود. والمثلمة السمر: الأخفاف، وثلمها يكون من السير على الحجارة، أي: إذا مشى ليلاً والأفاعي خارجة من جحورها وأحست به انقبضت جلودها عن طريقه خوفاً من أخفافها.\rيريد الشاعر أن جمله يهتدي بنور عينيه في ظلمات الليل، ويمكنه بها أن يخرق حجاب الظلمات ويمضي فيها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584420,"book_id":8505,"shamela_page_id":273,"part":null,"page_num":276,"sequence_num":273,"body":"[سقطت من المصور]","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584421,"book_id":8505,"shamela_page_id":274,"part":null,"page_num":277,"sequence_num":274,"body":"ولهذا فإنك تجد السكاكي يتقدم الركب المتأخرين في محاولة بيان أسرار العناية بتقديم المسند إليه ولكنهم قلما وجدوا شيئاً لم يذكره عبد القاهر.\rفقد ذكروا من أسباب تقديم المسند إليه أسباباً ليست كافية - في رأينا - لبيان أسرار تقديم المسند إليه.\rوذلك لأن منها ما لا صلة له ببلاغة التركيب، لدلالة الكلام فيه على أصل المعنى، كهذا الذي يقولون عنه، إن تقديمه هو الأصل، ولا مقتضى للعدول عن ذلك الأصل، ومنها: ما تكفلت بذكرها أسباب أخرى لذكر المسند إليه، أو لتعريفه، كتعجيل المسرة للتفاؤل، أو المساءة للتطير، وكإيهام أنه لا يغيب عن الخاطر لأنه يستلذ، أو يتبرك به.\rوالأهم من هذا كله - في هذا الباب - هو الحديث عن تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي:\rوقد توضح عبد القاهر أن تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي مفيد لأمرين:\rأولهما: تقوية الحكم وتقريره في ذهن السامع كما هو مقرر في ذهن المتكلم.\rوثانيهما: تخصيص الفعل بالمسند إليه.\rوإنما كان تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي مفيداً لتقوية الحكم، لأن مثل هذا التركيب يتكرر فيه الإسناد، لأن المبتدأ - كما هو معروف - يطلب الخبر، فإذا جاء الفعل بعده صرفه إلى نفسه، فثبت له، فإذا كان الفعل متضمناً لضميره، صرفه ذلك الضمير إليه ثانياً، فثبت له مرة أخرى، وبذلك يتكرر الإسناد، فيكتسي الحكم قوة.\rفقولك: \"محمد يعطي الجزيل\" مفيد لتقوي الحكم، لأن الفعل فيه قد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584422,"book_id":8505,"shamela_page_id":275,"part":null,"page_num":278,"sequence_num":275,"body":"أسند مرتين: مرة إلى المسند إليه الظاهر - وهو: محمد - ومرة أخرى إلى ضميره المستتر في الفعل، فكأنك قلت: يعطي محمد الجزيل، يعطي محمد الجزيل، ويتكرر الإسناد بتقوى الحكم ويتقرر في ذهن السامع.\rهذا ما عليه المتأخرون من البلاغيين، يتقدم ركبهم السكاكي (١) - كما أسلفنا -.\rوهي علة نحوية - كما نرى - ولا غبار عليها.\rولكن عبد القاهر الجرجاني - وهو إمام من أئمة النحو، كما هو إمام البلاغة بلا منازع - لم يذكر هذه العلة - وإن كانت نصب عينيه - ولكنه قد ذكر علة ذوقية أدبية، هي أحرى بالنظر إليها، والاهتمام بتذوقها، لأنها تعتمد رقة الإحساس، وسلامة الذوق، وذكاء البصر بمعرفة أنماط الأساليب في النص الأدبي، معياراً أمثل لبيان أسرار بلاغة التراكيب والعلة الذي ذكرها عبد القاهر سبباً لتقوي الحكم في تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي هي: أنك إذا ذكرت المسند إليه - هكذا - عارياً من العوامل، تنبه السامع إليه، وتطلع لما سوف تسنده إليه، لأنك لا تذكر الاسم هكذا، إلا إذا كنت قد نويت إسناد شيء إليه. فإذا أسندت الخبر إليه، قبله السامع قبول المتهيئ لسماعه، فاطمأنت نفسه. وتمكن قلبه وعقله فضل تمكن.\rيقول عبد القاهر: \"فإن قلت: فمن أين وجب أن يكون تقديم ذكر المحدث عنه بالفعل آكد لإثبات ذلك الفعل له؟ وأن يكون (هما يلبسان المجد) في جعلهما يلبسانه من أن يقال: (يلبسان المجد)؟ فإن ذلك من","footnotes":"(١) مفتاح العلوم، ص ١٠٦، والإيضاح، ص ٣٥، وشروح التلخيص، ج ١، ص ٤٠١.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584423,"book_id":8505,"shamela_page_id":276,"part":null,"page_num":279,"sequence_num":276,"body":"أجل إنه لا يؤتى بالاسم معرى من العوامل إلا لحديث قد نوى إسناده إليه، وإذا كان كذلك فإذا قلت: عبد الله، فقد أشعرت قلبه بذلك، أنك قد أردت الحديث عنه، فإذا جئت بالحديث فقلت، مثلاً -: قام، أو قلت: خرج أو قلت: قدم، فقد علم ما حثت به، وقد وطأت له وقدمت الإعلام فيه، فدخل على القلب دخول المأنوس به، وقبله قبول المتهيئ له المطمئن إليه، وذلك - لا محالة - أشد لثبوته، وأنفى الشبهة، وأمنع الشك، وأدخل في التحقيق (١).\rوجملة الأمر: أنه ليس إعلامك الشيء بغتة غفلاً، مثل إعلامك له بعد التنبيه عليه والتقدمة له، لأن ذلك يجري مجرى تكرير الإعلام في التأكيد والأحكام\".\rولم ينس عبد القاهر أن ينبه إلى أن الذي نبهه إلى تلك العلة الذوقية، هو سيبويه - في الكتاب - فقال: وهذا الذي قد ذكرت من أن تقديم ذكر المحدث عنه يفيد التنبيه له، قد ذكره صاحب الكتاب في المفعول إذا قدم فرفع بالابتداء، وبنى الفعل الذي كان ناصباً له عليه، وعدى إلى ضميره فشغل به، كقولنا: في \"ضربت عبد الله\": عبد الله ضربته، وإنما قلت: عبد الله، فنبهته له، ثم بنيت عليه الفعل، ورفعته بالابتداء (٢).\rوقد كانت هذه العلة النقدية الأدبية بين يدي السكاكي - وهو يختصر ما قاله عبد القاهر في هذا الموضوع - في دلائل الإعجاز - ولكنه أعرض صفحاً عنها، وتعلق بتلك العلة النحوية - كما رأيت -، لأنه كان ينظر إلى البلاغة بمنظار العقل والمتعقل، بينما كان الإمام عبد القاهر ينظر إليها بمنظار الذوق البلاغي السليم، والحس الأدبي المرهف.","footnotes":"(١) دلائل الإعجاز، ص ٨٨.\r(٢) نفس المصدر.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584424,"book_id":8505,"shamela_page_id":277,"part":null,"page_num":280,"sequence_num":277,"body":"وقد ذكر عبد القاهر: أنه مما يؤيد القول بأن هذا الأسلوب - أعنى تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي - مفيد لتقوية الحكم: إننا إذا تأملنا، وجدنا هذا الضرب من القول، يجيء في كل مقام يحتاج إلى تأكيد الخبر وتقويته، ومنه:\r(أ) ما سبق فيه إنكار منكر، كأن يقول الرجل: ليس لي علم بالذي تقول، فتقول له: أنت تعلم أن الأمر على ما أقول، ولكنك تميل إلى خصمي. وكقول الناس. (هو يعلم ذاك وإن أنكر) و (هو يعلم الكذب فيما قال وإن حلف عليه).\rوكقوله تعالى: \"ويَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ وهُمْ يَعْلَمُونَ\" وذلك لأن الكاذب - ولاسيما في الدين - لا يعترف بأنه كاذب.\r(ب) ما اعترض فيه شك، كأن يقول الرجل: كأنك لا تعلم ما صنع فلان ولم يبلغك، فتقول: (أنا أعلم ولكني أداريه).\r(ج) في تكذيب مدع، كما في قوله تعالى: \"وإذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وقَد دَّخَلُوا بِالْكُفْرِ وهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ\".\rوذلك لأن قولهم: آمنا، دعوى منهم بأنهم لم يخرجوا بالكفر كما دخلوا به، فالمقام مقام تكذيب.\r(د) فيما القياس في مثله ألا يكون، كما في قوله تعالى: \"واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وهُمْ يُخْلَقُونَ\"، وذلك لأن عبادتهم لها تقتضي ألا تكون مخلوقة.\r(هـ) فيما يستغرب من الأمر. وذلك كأن تقول (ألا تعجب من فلان يدعى العظيم، وهو يعيا باليسير؟ ! يزعم أنه شجاع وهو يفزع من أدنى شيء)؟ !","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584425,"book_id":8505,"shamela_page_id":278,"part":null,"page_num":281,"sequence_num":278,"body":"(و) في الوعد والضمان: كقولك: (أنا أعطيك، أنا أكفيك، أنا أقوم بهذا الأمر)، وذلك لأن من شأن من تعده وتضمن له أن يعترضه الشك في تمام الوعد والوفاء به، فهو أحوج إلى التأكيد.\r(ي) في المدح كقولك: (أنت تعطي الجزيل) (أنت تقرى في المحل) (أنت تجود حين لا يجود أحد).\r(ز) في الفخر، كما في قوله طرفة بن العبد:\rنحن في المشتاة ندعو الجفلى ... لا ترى الأدب منها ينتقر\rوالجفلى، الدعوة العامة إلى الطعام، والنقرى: الدعوة الخاصة إليه، والآداب: الداعي إلى الطفام من أدب يأدب مأدبة، والمشتاة: مكان الشتاء وزمانه، أي الذين يأدبون المآدب منالا لا ينتقون الضيوف، وإنما عون إليها دعوة عامة.\rكما يشهد لعبد القاهر - أيضاً - أنه إذا كان إذا كان النعل مما لا يشك فيه ولا ينكر بحال، فإنه لا يكاد يجيء على هذا الوجه، ولكن يؤتى به غير مبني على اسم، فإذا أخبرت بالخروج - مثلاً - عن رجل من عادته أن يخرج في كل غداة، قلت: (قد خرج) ولم تحتج إلى أن تقول: (هو قد خرج) وذلك لأنه ليس مما يشك فيه السامع فتحتاج إلى أن تحققه، وإلى أن تقدم فيه ذكر المحدث عنه وكذلك إذا علم السامع من حا الرجل أنه على نية الركوب والمضي إلى موضع - ولم يشك في أنه يركب، كان خبرك فيه أن تقوم: (قد ركب).\rوإليك نماذج من فصيح القول، تبين لك قيمة هذا الأسلوب في تقوية الحكم:\rاقرأ قول الأخنس بن شهاب - مفتخراً بفواس قبيلته (١)","footnotes":"(١) ديوان الحماسة لأبي تمام، ج ١، ص ٣٠٤.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584426,"book_id":8505,"shamela_page_id":279,"part":null,"page_num":282,"sequence_num":279,"body":"فوارسها من تغلب بنة وائل ... حماة كماة، ليس فيهم أشائب\rهم يضربون الكبش يبرق بيضه ... على وجهه من الدماء سبائب\rوإن قصرت أسيافنا كان وصلها ... خطانا إلى أعدائنا فتضارب\rفلله قوم مثل قومي عصابة ... إذا اجتمعت عند الملوك العصائب\rأرى كل قوم قاربو قيد فحلهم ... ونحن خلعنا قيده فهو سارب\rالكماة: الفوارس. الأشائب: الأخلاط. الكبش: رئيس القوم. يبرق بيضه: يقصد أنه عليه درع لامعة. والسبائب: الطرق. قاربوا قيد فحلهم: قصروه. السارب: الذاهب في الأرض.\rفالشاعر يصف قومه بالقوة والمنعة وعزة الجانب، ففرسان خيلهم من أبناء القبيلة، ليس فيهم غرباء لأنهم لا يحتاجون إلى غيرهم، وهم أدرى الناس بضرب الأعداء، فهم لا يضربون إلا الرئيس المدجج بسلاحه فيسيلون دماءه على وجهه أنهاراً.\rوإذا ما قصرت سيوفهم عن نيل أعدائهم وصلوها بخطواتهم فقاتلوهم وهم قوم إذا ما اجتمعوا مع غيرهم عند الملوك تميزوا عليهم وفاقوهم في مناقبهم ومفاخرهم.\rوهم - لعزهم وهيبتهم - لا يقيدون فحل إبلهم، ولكنهم يتركونه يرعى حيثما شاء، لأنه لا يجرؤ أحد على الاقتراب منه خوفاً منهم وإجلالاً لهم، ولكن غيرهم من الناس يقيدون فحل إبلهم خوفاً من الأعداء، وعلماً عن المغيرين.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584427,"book_id":8505,"shamela_page_id":280,"part":null,"page_num":283,"sequence_num":280,"body":"فالمقام - كما ترى - مقام افتخار بالقوة والمنعة وعزة الجانب، ولهذا كان من المناسب تقوية الأحكام التي أراد الشاعر إثباتها لقومه، وبخاصة ما يتصل منها بتلك الصفات، ولهذا قال: (هم يضربون الكبش) مؤكداً هذا الحكم الذي يتصل بقوة قومه وشجاعتهم، بتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي.\rوجاء قوله: (ونحن خلعنا قيده) مؤكداً هذا الحكم - أيضاً - بتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي قضاء لحق الفخر، لأن هذا الحكم مما يتصل بمنعة قومه وهيبتهم.\rولعلك قد لاحظت أنه قد عبر عن المسند في قوله: (يبرق بيضه) بالفعل استحضاراً للصورة التي يكون عليها رئيس الأعداء وهم يضربونه، أي: والحال أنه قام السلاح، مستعد للحرب، ومع ذلك فإن قومه يضربونه فيسيلون دماءه على وجهه طرائق مختلفة، وذلك دليل شجاعتهم، وبرهان تفوقهم على أعدائهم.\rولكنه عبر عن المسند في قوله، (فهو سارب) باسم الفاعل للدلالة على استمرار هذه الحال من فحلهم، أي أن ذلك دأب فحلهم أبداً منذ وجدوا على أرضهم، فهم أعزة أقوياء منذ كانوا، وليس ذلك بجديد عليهم.\rوهذا أبو الغول الطهوي، يفتخر بفوارس قومه فيقول (١):\rفدت نفسي وما ملكت يميني ... فوارس صدقت فيهم ظنوني\rفوارس لا يملون المنايا ... إذا دارت رحا الحرب الزبون ...\rولا تبلى بسالتهم وإن هم ... سلموا بالحرب حيناً بعد حين","footnotes":"(١) ديوان الحماسة لأبي تمام، ج ١، ص ١٧.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584428,"book_id":8505,"shamela_page_id":281,"part":null,"page_num":284,"sequence_num":281,"body":"هم منعوا حمى الوقبى بضرب ... يؤلف بين أشتات المنون\rالزبون في الأصل: الفاقة التي تزبن أي تدفع حالبها، الوقبى: اسم ماء لبني مازن.\rالشاعر معجب بفوارس قومه، مملوء غبطة بهم، فهو يفديهم بنفسه وما ملكت يمينه، لأنهم قد صدقوا ظنه فيهم فهم لا يهابون المنايا، ولا يملون لقاءها - وإن اشتدت رحا الحرب الضروس - ولا يضعفون عنها وإن تكررت عليهم أزماناً بعد أزمان.\rوهم قد حموا ماء الوقبى بضرب قد ألف أشتات المنايا على قوم جاءوا من أماكن شتى.\rوالشاهد قوله: (وإن هم صلوا بالحرب) وقوله: (هم منعوا حمى الوقبى).\rفالشاعر عندما أراد أن يثبت لقومه دوام البسالة ولو اصطلوا بنيران الحرب في كل حين، لم يقل: وإن صلوا بالحرب، وإنما قال: (وإن هم صلوا) ليؤكد اصطلاءهم بنارها ومباشرتهم لوطيسها.\rوعندما أراد أن يثبت لهم بطريق آكدوا قوى، أنهم حموا حمى الوقبى لم يقل: منعوا حمى الوقبى، وإنما قال: هم منعوا حمى الوقبى، فقدم المسند إليه على الخبر الفعلي، ليفيد بذلك أنهم قد باشروا هذا العمل العظيم، ولكن بصورة قوية ومؤكدة.\rومثله قول بعض بني بولان من طيء (١):\rنحن حبسنا بني جديلة في ... نار من الحرب جحمة الضرم","footnotes":"(١) ديوان الحماسة لأبي تمام، ج ١، ص ٥٤.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584429,"book_id":8505,"shamela_page_id":282,"part":null,"page_num":285,"sequence_num":282,"body":"نستوقد النبل بالحضيض ونصطا ... د نفوساً بنت على الكرم\rفالشاعر يفتخر بما فعله قومه ببني جديلة يوم أن ظفروا بهم، فقد حبسوهم في جحيم من نيران الحرب التي أوقدها بنبالهم. وقوله: نستوقد النبل، من الكلام الفصيح الموجز - ما يقول التبريزي - وقوله: نصطاد نفوساً بنت - أي بنيت في لغة طيء - على الكرم، معناه: أنهم لا يصطادون إلا رؤوس الأقوام وأما جدهم - على حد قول الأخنس: \"همو يضربون الكبش يبرق بيضه\"، وعلى حد قول حسان بن ثابت: \"الضاربين الكبش يبرق بيضه\".\rوالشاهد في البيتين قوله: (نحن حبسنا بني جديلة) حيث قدم المسند إليه على الخبر الفعلي ليفيد إثبات هذا الحكم للمسند إليه على طريق التأكيد والتقوية، لأن المقام مقام فخر، ويحتاج إلى إثبات هذا الحكم لقومه - وهو: أنهم قد حبسوا بني جديلة في جحيم من نار الحرب - بصورة مؤكدة، وطريقة قوية.\rوهذا جريبة بن الأشيم الفقعسي يفتخر بفرسان قومه، فيقول (١):\rفدى لفوارسي المعلمين ... تحت العجاجة، خالي وعم ...\rهم كشفوا عيبة العائبين ... من العار أوجههم كالحمم\rفالشاعر يفدي فوارس قومه المعروفين بالشجاعة تحت العجاج في غمار الحرب، بخاله وعمه، لأنهم قد أدركوا ثأر من قتل منهم، وكشفوا سواة أعدائهم، وأظهروا مخازيهم وألبسوهم عاراً تسود منه الوجوه حتى كأنها الفحم.\rوالشاهد قوله: (هموا كشفوا عيبة العائبين) فقد قدم المسند إليه على الخبر الفعلي لتأكيد هذا الحكم، وهو: أنهم قد كشفوا مخازي أعدائهم، وأظهروا سوءاتهم، لأن المقام مقام فخر وهو يقتضي هذا التأكيد.","footnotes":"(١) ديوان الحماسة لأبي تمام، ج ١، ص ٣٢٩.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584430,"book_id":8505,"shamela_page_id":283,"part":null,"page_num":286,"sequence_num":283,"body":"ومقام المدح مثل مقام الفخر في حاجته إلى تأكيد الصفات التي يخلعها الشاعر على ممدوحه، ولهذا فإنك ترى الشعراء - في مدحهم - يعمدون إلى هذا الأسلوب - أعني تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي - لتأكيد إثبات الصفات التي يمدحون بها.\rاستمع إلى قول المعذل بن عبد الله الليثي يمدح النهس بن ربيعة العتكي وكان النهس يكفل عنه ما يلزمه من المال، فوقع المعذل يوماً، وقبض عليه فأدركه النهس وحمله على فرس وأمره أن ينجو بنفسه وأسلم نفسه مكانه، فلما نجا قال له المعذل: أخيرك بين أن أمدحك، أو أمدح قومك، فاختار مدح قومه، فقال (١):\rجزى الله فتيان العتيك وإن فات ... بي الدار عنهم خير ما كان جازيا\rهموا خلطوني بالنفوس وأكرموا ... الصحابة لما حم ما كنت لاقيا\rهموا يفرشون اللبد كل طمرة ... وأجرد سباح يبذ المغالبا\rطعامهم فوضى قضا في رحالهم ... ولا يحسنون السر إلا تناديا ...\rكأن دنانيراً على قسماتهم ... إذا الموت للأبطال كان تحاسبا\rفالشاعر يطلب لهؤلاء القوم من الله الجزاء الأوفى، لأنهم أحسنوا إكرامه، وأكرموا صحبته حين ألم به الضرر، ولقى منهم الأمر العظيم، فهم خلطوه بأنفسهم، أي أنزلوه منهم منزلة أنفسهم، وهم فرسان يقتعدون صهوات الخيل الكريمة، ولا يستأثر بعضهم على بعض فيما يأكلون ولا يفعلون قبيحاً، وإذا ما شرب الأبطال كؤوس الموت قليلاً، وجدتهم يقدمون عليه إقدام المسرور به الذي تهلهل وجهه للقائه فرحاً وبشراً.","footnotes":"(١) ديوان الحماسة لأبي تمام، ج ٢، ص ٣٣٤.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584431,"book_id":8505,"shamela_page_id":284,"part":null,"page_num":287,"sequence_num":284,"body":"والشاهد في الأبيات قوله: (هم خلطوني بالنفوس) وقوله: (هم يفرشون اللبد) فقد قدم المسند إليه في كلا الموضعين - على الخبر الفعلي الذي أراد إثباته لهم - وهو أنهم خلطوه بأنفسهم، وأنزلوا منهم منزلة أنفسهم، وأنهم يعتقدون صهوات الخيل الأصيلة - لتأكيد هذا الحكم وتقويته، قضاء لحق المدح لقوم أكرموه إكراماً لا مزيد عليه.\rوهذه عمرة الخثعمية، ترثي ابنيها، وتعدد محاسنهما في حياتهما، فتقول (١):\rلقد زعموا أني جزعت عليهما ... وهل جزع أن قلت: وابأباهما؟ !\rهما أخوا في الحرب من لا أخاله ... إذا خاف يوماً نبوة فدعاهما ...\rهما يلبسان المجد أحسن لبسة ... شحيحان ما اسطاعا عليه كلاهما\rشهابان منا أوقدا ثم أخمدا ... وكان سنا للمدلجين سناهما\rتقول الشاعر: لقد زعم الناس أنني جزعت على ولدي حق الجزع، وهل يجزع على ولديه حق الجزع من يقول: وابأباهما؟ ! أي بأبي وأمي أفديهما؟ !\rلقد كانا غوث من لا غوث له، إذا خاف ضعفاً أو ظلماً دعاهما، فيحسبانه وينصرانه، ولقد كان المجد لباسهما يستأثران به على غيرهما،","footnotes":"(١) ديوان الحماسة لأبي تمام، ج ٢، ص ٤٥٦.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584432,"book_id":8505,"shamela_page_id":285,"part":null,"page_num":288,"sequence_num":285,"body":"فهما شهابان منا، ظهرا قليلاً ثم غابا، وكان ضياؤهما هداية للذين يخترقون حجاب الليل.\rوالشاهد في الأبيات قولها: (هما يلبسان المجد) فقد قدمت المسند إليه - وهو ضمير المثنى: (هما) تقصد ولديها - على الخبر الفعل - وهو يلبسان المجد - لتقوية هذا الخبر وتأكيده، قضاء لحق المدح لولديها اللذين قد فجعت فيهما معاً.\rوالأمر الثاني الذي يفيده تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي: هو تخصيص الفعل بالمسند إليه، يعني أن الفعل خاص به لا يتعداه إلى غيره، وذلك إذا دلت قرينة الحال على ذلك:\rومثال ذلك أن تقول: أنا كتبت في معنى فلان، وأنا شفعت عنده تريد أن تدعي الإنفراد بذلك، وترد على من زعم أن ذلك قد كان من غيرك أو أن غيرك قد كتب فيه كما كتبت، وشفع عنده كما شفعت.\rومما هو بين في إفادة التخصيص: قول الله تعالى: \"هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ\" (١)، أي: لم ينشئكم منها إلا الله تعالى. قوله تعالى: \"اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ\" (٢)، أي: لا يبسط الرزق إلى الله تعالى.\rوقوله تعالى: \"ومِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ\" (٣).\rومن المبين - أيضاً - في هذا من فصيح الشعر: قول عبد الرحمن بن الحكم","footnotes":"(١) هود: ٦١.\r(٢) العنكبوت: ٦٢.\r(٣) التوبة: ١٠١.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584433,"book_id":8505,"shamela_page_id":286,"part":null,"page_num":289,"sequence_num":286,"body":"ابن هشام، يلوم قومه على مبايعتهم عمر بن عبد العزيز، لما أخذ في رد المظالم، وقسا في ذلك على أهل بيته خاصة:\rفقل لهشام، والذين تجمعوا ... بدابق: موتوا، لا سلمتم مدى الدهر\rفأنتم أخذتم حتفكم بأكفكم ... كباحثة عن مدية وهي لا تدري!\rعشية بايعتم إماماً مخالفاً ... له شجن بين المدينة والحجر!\rفقد قدم المسند إليه على الخبر الفعلي في قوله: (فأنتم أخذتم حتفكم بأكفكم) ليفيد بذلك التقديم أنهم هو الذين جنوا على أنفسهم بأيديهم حين بايعوا عمر بن عبد العزيز - في زعمه - وليس عمر بن عبد العزيز هو الذي جنى عليهم برده المظالم. لأن السياق يدل على إفادة التقديم هذا التخصيص، وذلك لأنهم لما أنكروا قسوة عمر بن عبد العزيز في رده المظالم من أهل بيته، أراد الشاعر أن يقول لهم: لا تلوموا هذا الإمام على ما فعل، ولوموا أنفسكم، إذ بايعتموه، فهو لم يظلمكم بما فعل، وإنما أنتم الذين ظلمتم أنفسكم بمبايعته.\rوقد رد أحد بني مروان على ابن الحكم بن هشام فقاله:\rلئن كان ما يدعو إليه هو الردى ... فما أنت فيه ذا غناء ولا وفر\rفأنت من الريش الذنابي ولم تكن ... من الجزلة الأولى، ولا وسط الشعر\rونحن كفيناك الأمور، كما كفى ... أبونا أباك الأمر في سالف الدهر\r(١٩ - النظم البلاغي)","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584434,"book_id":8505,"shamela_page_id":287,"part":null,"page_num":290,"sequence_num":287,"body":"فقدم هو الآخر المستند إليه على الخبر الفعلي - أيضاً - في قوله: (ونحن نفيناك الأمور) ليفيد بذلك أنهم هم الذين كفوهم هذه الأمور، لا أحد غيرهم، يريد أن يقول: أنكم عاجزون عن كفاية أموركم بأنفسكم، فكيف تعينونا على أمر الخلافة؟ !\rوهذا الذي أسلفنا، من أن تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي تارة يفيد تقوي الحكم، وتارة أخرى يفيد تخصيص الفعل بالمسند إليه، إنما هو خاص بالجملة التي لم يتقدم فيها على المسند إليه نفي.\rأما إذا تقدم على المسند إليه نفي فإن عبد القاهر وجمهور البلاغيين يرون أن التقديم في هذه الحالة يفيد التخصيص قطعاً.\rفإذا قلت: (ما أنا قلت هذا) كنت قد نفيت عنك قولاً ثبت أنه مقول أي تنفي أن تكون أنت القائل له، وإن كان مقولاً لغيرك.\rوإذا قلت (ما أنا ضربت زيداً) كنت قد نفيت عنك ضرباً قد حدث فعلاً، أي تنفي أن تكون أنت الضارب، وإن كان الضرب قد حدث من غيرك.\rولهذا لا يصح أن تقول: (ما أنا قلت هذا ولا أحد غيري) لأن قولك: (ما أنا قلت) يفيد وقوع القول من غيرك، وقولك (ولا أحد غيري) ينفيه عن غيرك، وهذا تناقض.\rكما أنه لا يصح أن تقول (ما أنا ضربت زيداً ولا ضربه أحد غيري)، لأن قولك (ما أنا ضربت زيداً) يفيد أن الضرب قد وقع من غيرك فإذا قلت (ولا ضربه أحد غيري) كان هذا تناقضاً وذلك واضح.\rوإليك من فصيح الشعر ما يوضح لك هذا النمط من القول:\rلما استبطأ سيف الدولة مدح أبي الطيب المتنبي، تنكر له فقال (١):","footnotes":"(١) ديوان أبي الطيب، ج ٢، ص ٩٤.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584435,"book_id":8505,"shamela_page_id":288,"part":null,"page_num":291,"sequence_num":288,"body":"أرى ذلك القرب صار أزورارا ... وصار طويل السلام اختصاراً\rتركتني اليوم في خجلة ... أموت مراراً، وأحيا مراراً\rأسارقك الحظ مستحييا ... وأزجر في الخيل مهري سراراً\rوأعلم أني إذا ما اعتذرت ... إليك أراد اعتذاري اعتذاراً\rولكن حمى الشعر إلا القليل ... هم حمى النوم إلا غراراً\rكفرت مكارمك الباهرات ... إن كان ذلك مني اختصاراً\rوما أنا أسقمت جسمي به ... وما أنا أضرمت في القلب ناراً\rفالشاعر يعتذر لممدوحه عن قلة الشعر بما لزمه من الهم الذي أسقم جسمه، وأضرم في قلبه النار، ثم يقول: لست أنا الذي أسقمت جسمي ولست أنا الذي أضرمت في قلبي النار ..\rفالسقم موجود، ولكنه ينفي أن يكون هو الذي قد جره إلى نفسه، وإضرام النار في قلبه موجود، ولكنه ينفي أن يكون هو الذي أضرمها.\rوقد أخذ أبو الطيب هذا المعنى من قول العطوي (١):","footnotes":"(١) ديوان أبي الطيب، ج ٢، ص ٩٤.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584436,"book_id":8505,"shamela_page_id":289,"part":null,"page_num":292,"sequence_num":289,"body":"أتراني أنا وفرت من الهم نصيبي؟ !\rأنا أعطيت العيون النجل أسلاب القلوب؟ !\rلو إلي الأمر ما أقذيت عيناً برقيب؟ !\rيتساءل الشاعر عما إذا كان له نصيب في جلب الهم إلى نفسه، وأنه قد أعطى العيون النجل قلبه سلبا؟\rثم ينفي أن يكون ذلك قد حدث منه، لأنه لو كان الأمر بيديه لما أقذى عينه بالرقياء.\rوبعد: فقد رأيت مما سردنا لك من أمثلة أو شواهد، أن تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي قد أفاد التخصيص في كل مثال أو شاهد تقدم المسند إليه فيه نفي.\rوهذا هو رأي الإمام عبد القاهر في مثل هذا الأسلوب.\rويبدو أن الأمر ليس على إطلاقه - كما يقول الدكتور أبو موسى - وإنما هو أمر غالب لا لازم، فقد جاء هذا التركيب (١)، في القرآن الكريم من غير أن يكون دالاً على التخصيص، وذلك كما في قوله تعالى: \"لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَن وجُوهِهِمُ النَّارَ ولا عَن ظُهُورِهِمْ ولا هُمْ يُنصَرُونَ * بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا ولا هُمْ يُنظَرُونَ\" (٢)، فقوله: \"ولا هم ينصرون\"، \"ولا هم ينظرون\" قدم فيه المسند إليه على الخبر الفعلي - وهو مسبوق بحرف النفي - ومع هذا فإنه يفيد التقوية فقط لأن التخصيص هنا يعني أن غيرهم ينصر من عذاب الله، وينظر حتى تأتيه الساعة، وذلك لا يكون.","footnotes":"(١) خصائص التراكيب، ص ١٧٩.\r(٢) الأنبياء: ٣٩، ٤٩.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584437,"book_id":8505,"shamela_page_id":290,"part":null,"page_num":293,"sequence_num":290,"body":"وخلاصة رأي عبد القاهر في تحديد دلالة هذا النمط من القول - أعني تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي - هو أنه يدور غالباً حول أداة النفي: فإن كانت سابقة على المسند إليه - أياً كانت حاله - أفاد الكلام التخصيص قطعاً. وإن لم تسبقه أداة نفي - بأن لم يوجد لها في الكلام شبح أصلاً، أو كانت متأخرة عنه، وكان المسند إليه معرفة - ظاهراً، أو ضميراً - احتمل الكلام التخصيص والتقوى، حسبما يقتضيه المقام، وإن كان نكرة، أفاد التخصيص قطعاً، سواء وقعت، بعد نفي أو لا.\rأما رأي السكاكي: فإنه لا ينظر فيه إلى نفي تقدم أو تأخر، وجد أم لم يوجد، وإنما المعولي عليه عنده: - في إفادة التخصيص - أن يتحقق شرطان:\rالأول: أن يصح تأخير المسند إليه، وتغير العبارة قمت أنا، ويكون المسند إليه حينئذ فاعلاً في المعنى لا في اللفظ، لأن الفاعل في اللفظ هو: التاء في قمت.\rوالثاني: أن يقدر أن أصل العبارة هو التأخير، أي أن يعتبر المتكلم أن أصل العبارة: قمت أنا، ثم يقدم المسند إليه، فيقول: أنا قمت.\rوهذا الاشتراط عنده خاص بالمسند إليه إذا كان معرفة، أما إذا كان نكرة مثل: رجل جاءني فإنه يفيد عنده التخصيص قطعاً، لأن النكرة إذا تقدمت على الخبر الفعلي لابد أن تكون دالة على التخصيص وإلا لم يصلح وقوعها مبتدأ - هكذا قال السكاكي -.\rوبعد ذلك الاشتراط تعسفاً من السكاكي، لا يتمشى مع الفطر السليمة التي تعودت فهم الأساليب العربية الفصيحة دون جهد أو عناء.\rوعلى أية حال فإن صفوة القول في هذا الموضوع هو: أن قولك:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584438,"book_id":8505,"shamela_page_id":291,"part":null,"page_num":294,"sequence_num":291,"body":"(محمد قام) يفيد التقوية وصالح لأن يفيد التخصيص عند غير السكاكي.\rوأما قولك: (أنا كتبت) فإنه يفيد التقوية وصالح لأن يفيد التخصيص عند الجميع.\rوأما قولك: (ما أنا كتبت) فإنه يفيد التخصيص عند غير السكاكي قطعاً، وعنده احتمالاً.\rوأما قولك: (أنا ما كتبت) فإنه مثل: (أنا كتبت) عند الجميع. لأن النفي لا يعتبر إلا إذا سبق المسند إليه.\rوأما قولك: (رجل جاءني) فإنه يفيد التخصيص قطعاً عند الجميع.\rوثمة كلمتان تقدمان - أبداً - في الأساليب العربية الفصيحة، وهما، \"مثل\"، و\"غير\"، وذلك إذا استعملتا كغايتين عما أضيفتا إليه، كما في قولهم: (مثلك يرعى الود) و (غيرك لا يحفظ العهد) على معنى: أنت ترعى الود وأنت تحفظ العهد. من غير أن يقصدوا التعريض بأحد، فهم لا يريدون بمثل، أو غير، غير ما أضيفتا إليه، ولهذا قال أبو الطيب لممدوحه:\rولم أقل مثلك أعني به ... سواك، يا فرداً بلا مشابه\rوإنما يقصدون: إثبات رعاية الود للمخاطب في المثال الأول، وإثبات حفظ العهد له في المثال الثاني عن طريق الكناية.\rوذلك لأنك إذا قلت: (مثلك يرعى الود) كنت قد أثبت رعاية الود لكل من يماثل المخاطب في صفاته، وإذا ثبتت رعاية الود لكل من يماثله في صفاته، ثبتت له بطريق أولى، لأنه أصل هذه الصفات، وغيره مماثل له فيها.\rوإذا قلت: (غيرك لا يحفظ العهد) كنت قد نفيت حفظ العهد عن","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584439,"book_id":8505,"shamela_page_id":292,"part":null,"page_num":295,"sequence_num":292,"body":"كل ما عدا المخاطب، وإذا نفيت هذه الصفة عن كل ما عداه، لزم ثبوتها له.\rومن شواهدهم على استعمال \"مثل\" مراداً بها الكناية عما أضيفت إليه، قول أبي الطيب المتنبي يعزي أبا شجاع عضد الدولة في عمته (١):\rمثلك يثني الحزن عن صوبه ... ويسترد الدمع عن غربه\rأيما لإبقاء على فضله ... أيما لتسليم إلى ربه\rولم أقل مثلك أعني به ... سواك، يا فرداً بلا مشبه\rصوب لحزن: نزوله. وغربه: مجراه. أيما: بمعنى: إما.\rيريد أن يقول: إنك قادر على صد تيار الحزن بصبرك وثباتك ورباطة جأشك، وقوة إيمانك، وقادر - أيضاً - على أن تكفكف دمعك وترده عن جريانه إبقاء على فضلك وتسليماً بقضاء ربك.\rوما قلت مثلك قاصداً سواك، لأنك قد تفردت بصفات الكمال بين أهل زمانك.\rوقول القبعثري الحجاج بن يوسف الثقفي - على سبيل المغالطة -: \"مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب\"، أي الفرس الأدهم والفرس الأشهب. لما قاله له الحجاج متوعداً: \"لأحملنك على الأدهم\" يقصد القيد الحديد.\rفقوله: \"مثل الأمير\" يقصد به الأمير نفسه، ولم يقصد التعريض بغيره.","footnotes":"(١) ديوان أبي الطيب، ج ١، ص ٢١٦.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584440,"book_id":8505,"shamela_page_id":293,"part":null,"page_num":296,"sequence_num":293,"body":"ومن شواهدهم على استعمال \"غير\" هذا الاستعمال، قول أبي الطيب يمدح سيف الدولة ويعرض بأصحابه الذين خذلوه وجبنوا في إحدى غزواته (١):\rغيري بأكثر هذا الناس ينخدع ... إن قاتلوا جبنوا، أو حدثوا شجعوا\rأهل الحفيظة إلا أن تجربهم ... وفي التجارب بعد الغي ما يزع\rيقول: أنا لا أنخدع بهؤلاء الناس؛ لأنهم إن قاتلوا جبنوا وانهزموا، وإذا حدثوا أظهروا الشجاعة، فشجاعتهم قول لا فعل، ووهم كاذب، وهم أهل حفيظة غير مجربين فإذا جربتهم لم ترهم كذلك، وفي تجربتهم ما يكفك عن مخالطتهم.\rفالشاعر يقصد أنه لا ينخدع بالناس، دون أن يعرض بآخر ينخدع بهم.\rومثله قول أبي تمام:\rوغيري بأكل المعروف سحتاً ... وتشحب عنده بيض الأيادي\rيريد: أنه لا يجحد الصنيعة، ولا يتنكر للمعروف، دون أن يعرض بآخر يفعل ذلك.\rوإنما كانت الكناية أبلغ، لأنها كدعوى الشيء ببينة - كما يقول عبد القاهر - لأن قولك: \"فلان كثير الرماد، معناه: فلان جواد، لأنه كثير الرماد.","footnotes":"(١) ديوان أبي الطيب، ج ٢، ص ٢٢١ ..","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584441,"book_id":8505,"shamela_page_id":294,"part":null,"page_num":297,"sequence_num":294,"body":"وكذلك قولك: (مثلك يرعى الود) معناه: أنت ترعى الود، لأن من كان على صفاتك يرعاه.\rوقولك: (غيرك لا يحفظ العهد) معناه: أنت تحفظ العهد، لأن غير لا يحفظه.\rولما كان الغرض من التعبير الكنائي في \"مثل\"، و\"غير\" هو إثبات الحكم من طريق أبلغ، وكأن تقديمها مما يعين على تحقيق هذا الغرض - لما علمت من أن تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي يفيد تقوية الحكم وتقريره في نفس السامع - كان لهما الصدارة في الكلام أبداً.\rولهذا فإنهما لم يردا في استعمالاتهم إلا مقدمين، بل إن عبد القاهر يرى أن استعمالهما مقدمين شيء مركوز في الطباع، وجار في عادة كل قوم، لأنك لو تصفحت الكلام - على حد تعبيره - لوجدت هذين الاسمين يقدمان أبداً على الفعل - إذا نحى بهما هذا النحو الذي عرفت - وترى المعنى لا يستقيم معهما إذا لم يقدما (١).\rويلحقون بهذا الباب: تقديم لفظ العموم على النفي، إذ يفيد عموم النفي \"وتأخيره عنه\"، فيفيد نفي العموم فمثال الأول: قولك (كل ما كتبته لم أقرأه)، ومثال الثاني: (لم أقرأ كل ما كتبته).\rفقد أفاد التركيب الأول: عموم النفي، أي أنك لم تقرأ شيئاً مما كتب، وأفاد التركيب الثاني: نفي العموم، أي أنك لم تقرأ كل ما كتب، ولكنك قد قرأت بعضه.","footnotes":"(١) دلائل الإعجاز، ص ٩٣.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584442,"book_id":8505,"shamela_page_id":295,"part":null,"page_num":298,"sequence_num":295,"body":"ومن شواهد التركيب الأول قول إبراهيم بن كنيف النبهاني يعزي بعض قومه (١):\rتعز فإن الصبر بالحر أحمل ... وليس على ريب الزمان معول\rفلو كان يغني أن يرى المرء جازعاً ... لحادثة، أو كان يغني التذلل\rلكان التعزي عند كل مصيبة ... ونائبة بالحر أولى وأجمل\rفكيف وكل ليس يعدو حمامه ... وما لامرئ عما قضى الله مزحل؟ !\rيقول: تصبر - يا أخي - فإن الصبر أجمل بالحر وأليق به، ولا تعول على أحداث الزمان، فلو كان الجزع عند الحوادث يغني، أو كان التخشع يجدي، لمكان الصبر أجدر بالحر وأولى، فكيف يجزع الإنسان وهو يعلم أن كل واحد من الناس لن يعدو حمامه؟ ! وما لامرئ تحول عما قضى الله؟ !\rوالشاهد في الأبيات قوله: (وكل ليس يعدو حمامه) حيث خرجت كل عن حيز النفي، فأفادت عموم النفي ومثله قول دعبل:\rفو الله ما أدرى بأي سهامها ... رمتني، وكل عندنا ليس بالمكدي\rأبا لجيد، أم مجرى الوشاح، وإنني ... لأنهم عينيها مع الفاحم الجعد\rالمكدي: الذي يحفر ولا يجد ماء، يريد أن كل سهامها لا يخطئ المرمى.\rومن البين في هذا: ما جاء - في حديث ذي اليدين - عن أبي هريرة ﵁ قال: \"صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي،","footnotes":"(١) ديوان الحماسة لأبي تمام، ج ١، ص ٩٥.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584443,"book_id":8505,"shamela_page_id":296,"part":null,"page_num":299,"sequence_num":296,"body":"في الحضر وسلم بعد ركعتين، فقام ذو اليدين وقال: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ فقال ﷺ: \"كل ذلك لم يكن\" فقال ذو اليدين بعض ذلك قد كان\".\rفقول النبي ﷺ: \"كل ذلك لم يكن\" أفاد عموم النفي، لأن لفظ كل قد خرج عن حيز النفي، فالمعنى: لم يكن شيء منهما: لا القصر ولا النسيان، ولو قال: لم يكن كل ذلك لكان المعنى أنه قد كان بعضه.\rعلى أن لفظ (كل) قد يقع قبل النفي، ولكنه معمول الفعل الواقع بعد النفي وذلك كأن تقول: (كل الدراهم لم أنفق، وكل الشعر لم أحفظ) بنصب كل، لأنه مفعول به للفعل بعده، فلا يتعدى نفس المعنى الذي يفيده قولك: لم أنفق كل الدراهم، ولم أحفظ كل الشعر.\rأما إذا رفعت كلا وأخرجتها عن حيز الفعل بعدها، أفاد التركيب عموم النفي.\rولهذا جاء قول أبي النجم العجلي:\rقد أصبحت أم الخيار تدعي ... على ذنبا كله لم أصنع\rبرفع كل، لأنه أراد أن يبرئ نفسه من كل ما ادعته عليه، ولو نصب لكانت كل داخلة في حيز النفي، وأفادت نفي العموم.\rومن شواهد التركيب الثاني - وهو ما يفيد نفي العموم -: قول أبي الطيب المتنبي يمدح كافوراً الإخشيدي من قصيدة أولها:\rبم التعلل؟ لا أهل ولا وطن ... ولا نديم، ولا كاس، ولا سكن! !\rأريد من زمني ذا أن يبلغني ... ما ليس يبلغه من نفسه الزمن! !","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584444,"book_id":8505,"shamela_page_id":297,"part":null,"page_num":300,"sequence_num":297,"body":"ثم يقول:\rما كل ما يتمنى المرء يدركه ... تجري الرياح بما لا تشتهي السفن\rوالمعنى: أن المرء لا يدرك كل ما يتمناه، وإنما يدرك بعضه فحسب.\rوقول أبي العتاهية:\rما كل رأى الفتى يدعو إلى رشد ... فإن بدا لك رأي مشكل فقف\rيعني: ليس كل رأي الفتى يدعو إلى الرشد، وإنما بعضه هو الذي يدعو إليه.\rومنه قول البحتري يمدح يعقوب بن أحمد:\rوأعلم ما كل الرجال مشيع ... وما كل أسياف الرجال حسام\rوالمشيع: هو الشجاع المتهور الذي كأنه يشيع قلبه.\rفقوله: (ما كل الرجال مشيع) يعني به: أنه ليس كل الرجال شجعاناً، وهذا يفيد أن بعضهم شجاع.\rوقوله: (وما كل أسياف الرجال حسام) يعني به أنه ليست كل السيوف قواطع، وهذا يفيد أن بعضها قاطع.\rومن هذا القبيل قول العارف بالله عبد الرحيم البرعي - في التشوق إلى أحبابه (١):\rدعتني أضاليل المنى غير مرة ... فما كدت بعد الظاعنين أجيب","footnotes":"(١) ديوان البرعي، ص ١٢٦.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584445,"book_id":8505,"shamela_page_id":298,"part":null,"page_num":301,"sequence_num":298,"body":"وأطعمني حكم الهوى أن يعيد لي ... طلوع شموس لم يشبه غروب\rفما عاضني بالأبلق الفرد عائض ... ولا شاقني بعد الكثيب كثيب\rوهيهات! ، ما كل المنازل رامة ... ولا كل بيضاء الجبين عروب\rوكم من سمي ليس مثل سميه ... وإن كان يدعى باسمه فيجيب\rالظاعنون: الراحلون. الأبلق الفرد: قصر السموءل بن عادياء اليهودي بأرض تيماء، قال الأعشى:\rبالأبلق الفرد من تيماء منزله ... حصن حسين وجار غير ختار\rوالكثيب من الرمل: المجتمع منه، ورامة: اسم موضع بالبادية، والعروب من النساء بوزن عروس: المتحببة إلى زوجها.\rيقول الشاعر: نادتني الأماني الكاذبة مراراً بعد رحيل أحبابي فلم أجبها، وأطمعني سلطان الهوى أن يطلع لي شموساً تضيء حياتي بعد رحيل أحبتي، فما عوضني عن منزلهم مغزل، ولا شاقني بعد موطنهم موطن؛ وهيهات أن يعوضني منهم شيء، فما كل المنازل رامة، ولا كل جميلة محببة إلى زوجها - وهذا بيت أرسله مثلاً لفقدان ما لا يعوض - وكم من سمي لا يكون مثل سميه في خلقه وخلقه، وإن كنت تدعوه باسم سميه فيجيبك؛ - وهذا - أيضاً - مثل.\rوالشاهد في الأبيات قوله: (ما كل المنازل رامة) وقوله: (ولا كل بيضاء الجبين عروب).","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584446,"book_id":8505,"shamela_page_id":299,"part":null,"page_num":302,"sequence_num":299,"body":"فقد أدخل الشاعر كلا في حيز؟ ؟ ص ٣٠٢ - في شطري البيت - فأفاد التركيب ففي العموم، وهذا يعني أن بعض المنازل؟ ؟ ص ٣٠٢، وأن بعض بيضاوات الجبين حروب، وهذا واضح.\rوهذا التركيب الذي قد رأيت أنه قد أفاد نفي العموم، ليس على إطلاقه، فقد استدرك العلامة سعد الدين التفتازاني على عبد القاهر شواهد من فصيح الكلام تقدم فيها النفي على لفظ العموم، ومع ذلك فإنها لم تفد نفي العموم، وإنما أفادت عموم النفي:\rومن هذه الشواهد قول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ (٣).\rفهي - إذن - قاعدة أغلبية، وإلا لزم عليها أن الله تعالى يحب بعض المختالين، ويحب بعض الكفار وألزم عليها، الأمر بإطاعة بعض الحلافين المهانين، وذلك ما لا يشك في بطلانه.\rومما شذ عن هذه القاعدة - أيضاً - قول بعض الأعراب:\rفما كل كلب نابح يستفزني ... ولا كل ما طن الذباب أراع\rإذ المعنى: أنه لا يستفزه نباح الكلب، ولا يراع من طنين الذباب.","footnotes":"(١) الحديد: ٢٣.\r(٢) البقرة: ٢٧٦.\r(٣) القلم: ١٠.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584447,"book_id":8505,"shamela_page_id":300,"part":null,"page_num":303,"sequence_num":300,"body":"إخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر\rموضوعات هذا الفصل - وإن لم تكن كلها من باب المسند إليه - إلا أن ثمة إطاراً يجمعها كلها، وهو: أنها قد أخرجت كلها على خلاف مقتضى ظاهر الحال.\rومعنى هذا: أن يكون ظاهر الحال يقتضي مجيء الكلام على صورة معينة، ليخالف المتكلم هذا الظاهر، ويجيء به على صورة أخرى لأغراض بلاغية يراعيها في كلامه.\rوقد عدوا من هذا الباب: وضع المضمر موضع المظهر وعكسه، لأن فيه مخالفة من إظهار إلى إضمار، ومن إضمار إلى إظهار، والالتفات: لأن فيه مخالفة من خطاب إلى غيبة، ومن غيبة إلى خطاب، وهكذا، وأسلوب الحكيم: لأن فيه مخالفة ما يقر به السامع، أو ما يتطلبه السائل. والقلب: لأن فيه مخالفة بوضع بعض أجزاء الكلام مكان بعض. والتعبير عن المستقبل بلفظ الماضي والعكس: لأن فيه مخالفة التعبير عن الفعل بغير صيغته.\rوهكذا ترى أنهم جمعوا هذه الموضوعات الخمسة في إطار واحد، وهو أنها كلها قد أخرجت على خلاف ما يقتضيه ظاهر الحال.\rوإليك تفصيلها موضوعاً موضوعاً:\rأولاً: وضع المضمر موضع المظهر وعكسه:\rأما وضع المضمر موضع المظهر: فله صورتان:\rالصورة الأولى: صورة أسلوب المدح أو الذم بنعم أو بئس. أو ما دل على معنيهما، لأن في الإضمار إيضاحاً بعد إبهام، أو تفصيلاً بعد إجمال،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584448,"book_id":8505,"shamela_page_id":301,"part":null,"page_num":304,"sequence_num":301,"body":"وفي ذلك تأكيد المعنى في ذهن السامع، وتقوية له، بإيراده مرة مبهماً أو مجملاً، ومرة أخرى موضحاً أو مفصلاً.\rومثال ذلك قولك: نعم بطلاً خالد، وبئس صاحباً إبليس، فالمسند إليه ضمير مستتر في نعم وبئس، مع أنه لم يتقدم له مرجع يرجع إليه، لأنهم اشترطوا للإضمار: أن يتقدم الضمير مرجع لفظاً، أو معنى، أو رقية، أو تدل عليه قرينة، ولا مرجع الضمير هنا، ولا دلت عليه قرينة، ولهذا كان المقام - في الظاهر - للإظهار، بأن يقال: نعم البطل خالد، وبئس الصاحب إبليس، ويكون البطل فاعلاً ظاهراً لنعم، والصاحب فاعلاً ظاهراً لبئس، ولكنهم خالفوا الإظهار إلى الإضمار، لما في الإضمار من فضل تأكيد المعنى وتقويته، لأنك تورد المعنى فيه مكرراً، فمرة مبهماً أو مجملاً، ومرة أخرى موضحاً، أو مفصلاً.\rهذا كله إذا كان المخصوص بالمدح أو الذم مبتدأ محذوف الخبر، أو خبراً محذوف المبتدأ: أي: خالد الممدوح، وإبليس المذموم، أ: هو خالد، وهو إبليس.\rأما إذا جعلنا المخصوص مبتدأ، والجملة قبله خبراً عنه، فلا شاهد فيه، لأن الضمير حينئذ يكون راجعاً - في أرجح الأقوال - إلى المخصوص بالمدح أو الذم، وهو - وإن تأخر لفظاً - متقدم رقبة، لأنه مبتدأ.\rوالصورة الثانية: ضمير الشأن أو القصة: ولا يأتي الكلام مبقياً عليهما إلا إذا كان المعنى الذي توارى خلفهما من المعاني المهمة لدى المتكلم، والتي يحسن تهيئة النفوس لتلقيها.\rومن المعاني الجليلة التي توارت خلف ضمير الشأن قول الله تعالى:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584449,"book_id":8505,"shamela_page_id":302,"part":null,"page_num":305,"sequence_num":302,"body":"﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (١) فقد ذكر ضمير الشأن (هو) وفسره بالجملة التي بعده وهي: (الله أحد).\rوواضح أن هذا المعنى هو الذي قامت على سره الأكوان، فليس هناك معنى هو أجدر منه بالاهتمام.\rومنه قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ فقوله: (فإنها) ضمير القصة، وقد فسره بقوله: ﴿لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾، وفي هذا الإضمار تهيئة للنفوس لتلقي هذا المعنى الجليل، وهو تفسير موقف العقول المنكرة من الأدلة الواضحة.\rوقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ (٢) فالهاء من (أنه) ضمير الشأن، وقد هيأ هذا الإضمار للنفوس تلقي هذا الأمر الجليل وهو أن مخالفة الله تعالى مآل صاحبها الإحراق بنار جهنم والعياذ بالله، ومثله قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾.\rوأمثلة هذا اللون من التعبير - في القرآن الكريم أكثر من أن تحصى.\rوإليك من فصيح الشعر طائفة يميزها هذا الأسلوب في أغراض شتى:\rقال الحريث بن زيد - وكان قد قتل رجلاً يدعي أبا سفيان في ابن عم له يدعى أوس بن خالد، وهرب إلى الشام - (٣):\rألا بكر الناهي بأوس بن خالد ... أخي الشقوة الغبراء والزمن المحل","footnotes":"(١) الإخلاص: ١.\r(٢) التوبة: ٦٣.\r(٣) ديوان الحماسة لأبي تمام ١/ ٣٥٨.\r(٢٠ - النظم البلاغي)","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584450,"book_id":8505,"shamela_page_id":303,"part":null,"page_num":306,"sequence_num":303,"body":"فإن يقتلوا بالغدر أوسا فإنني ... تركت أبا سفيان ملتزم الرحل\rفلا تجزعي يا أم أوس فإنه ... نصيب المنايا كل حاف وذي فعل\rالشتوة الغبراء: الأرض اليابسة لتي تهب فيها الريح فتثير الغبار، والمحل: الجدب. ملتزم الرحل: ملتزم السرج. أم أوس: بنت القتيل.\rيقول: لقد بادر الناعي وأخبر بموت أوس بن خالد الذي كان ملجأ القوم عند الجدب وانقطاع المطر فإن كانوا قد قتلوا أوساً غدراً، فلقد تركت لهم أبا سفيان صريعاً فوق فرسه، فلا يشتد حزنك يا أم أوس على أبيك، فالموت حتم على جميع الناس غنيهم وفقيرهم.\rوالشاهد قوله: (فإنه) حيث أتى بضمير الشأن مفسراً بالجملة - التي بعده وهو (تصيب المنايا كل حاف وذي نعل) ولا شك أن في هذا الإضمار ما يجعل المتلقي يتطلع إلى البحث عن مرجع الضمير يؤول إليه، ويهيئه لكي يتلقى هذا الخبر المهم، وهو أن المنايا لا تفرق بين الأغنياء والفقراء.\rوقال عويف القوافي الفزاوي، في عبينة بن أسماء، لما حبسه الحجاج وقيده - وكانت بين عويف وعبينة خصومات من قبل (١):\rلما أتاني عن عبينة، أنه ... أمسى عليه تظاهر الأقياد\rخلت له نفسي النصيحة إنه ... عند الشدائد تذهب الأحقاد\rيقول: على الرغم مما كان بيننا من خصومات، فإنني عندما علمت بأنه أضحى مثقلاً بقيوده، ذهب ما كان في صدري، وعطفت عليه، فإن المصائب تذهب العداوات.","footnotes":"(١) ديوان الحماسة لأبي تمام ١/ ٩٧.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584451,"book_id":8505,"shamela_page_id":304,"part":null,"page_num":307,"sequence_num":304,"body":"والشاهد قوله: (إنه عند الشدائد تذهب الأحقاد) حيث أتى بضمير الشأن، مفسراً بالجملة بعده وهي: قوله: (عند الشدائد تذهب الأحقاد) وفي هذا الإضمار ما يهيئ السامع لتلقي هذا الخبر المهم، وهو: أن الشدائد تذهب الأحقاد وتصفي النفوس.\rوقال طرفة بن العبد - في ابن عم كان مبغضاً له - (١):\rوأنت على الأدنى شمال عرية ... شآمية تزري الوجوه بليل\rوأنت على الأقصى صبا غير قرة ... تذاءب منها مرزغ ومسيل\rوأعلم علماً ليس بالظن أنه ... إذا ذل مولى المرء فهو ذليل\rوأن لسان المرء ما لم تكن له ... حصاة على عوراته لدليل\rشمال عرية: ريح باردة تأتي من ناحية الشمال. تزري الوجوه: تقبضها. بليل: باردة معها ندى. غير قرة: غير باردة. تذاءب: من التذاؤب وهو مجيء الريح من كل جانب. مرزغ: مطر يأتي بالرزغة، أي الوحل الغليل. ومسيل: مطر يأتي بالسيل.\rيقول: إنك على أقاربك - في الأذى - كالريح الباردة التي تتغير منها الوجوه وتتقلص منها الشفاه، ولكنك على الأباعد سمح كريم.\rويقيني: أن الإنسان قامع لمولاه: فإن كان عزيزاً كان مثله عزيزاً، وإن كان ذليلاً كان مثله ذليلاً، وأن الإنسان إذا لم يكن له عقل يحفظ به سره ظهرت عيوبه على فلتات لسانه.\rوالشاهد قوله: (إنه إذا ذل مولى المرء فهو ذليل) حيث أتى بضمير الشأن مفسراً بالجملة الشرطية بعده.","footnotes":"(١) ديوان الحماسة لأبي تمام ٢/ ١٧٣.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584452,"book_id":8505,"shamela_page_id":305,"part":null,"page_num":308,"sequence_num":305,"body":"وقد نبه الإضمار المخاطب لتلقي الخبر المهم بعده، وهو أن عز المرء بعز مولاه، وذله بذله.\rوقالت فاطمة بنت الأحجم الخزاعية تبكي زوجها - وقد تمثلت بهذا فاطمة الزهراء، أو عائشة أم المؤمنين ﵄ يوم وفاة رسول الله ﷺ (١):\rيا عين بكى عند كل صباح ... جودى بأربعة على الجراح\rقد كنت لي جبلاً ألوذ بظله ... فتركتني غرضاً بأجرد ضاح\rقد كنت ذات حمية ما عدت لي ... أمشي البران وكنت أنت جناحي\rفاليوم أخضع الذليل وأنفى ... منه، وأرفع ظالمي بالراح\rوأغض من بصري وأعلم أنه ... قد بان حد فوارس ورماحي\rبكى: أكثري من البكاء. بأربعة: تقصد مجاري الدمع إلى العين.\rتقول: يا عيني: أكثر البكاء كل صباح على الجراح، واستنزلي الدموع الكثيرة عليه. قد كنت لي ملجأ أعتصم به، والآن تركتني غرضاً لسهام الأيام، وكنت في حياتك صاحبة عزة، أقطع الفلاة الواسعة وحيدة، لا أرهب أحداً يعترضني، إذ كنت قوتي وحصني، فأصبحت اليوم ذليلة خائفة ممن أرادني بسوء؛ ليس لي ما أدفع به ظالمي إلا كفى، وأعرض عن فالتي بسوء، لعلمي أن الذي كان حامي ذماري وحد رماحي قد انفصل عني.\rوالشاهد في الأبيات قولها: (أنه قد بان حد فوارسي ورماحي) فإن","footnotes":"(١) ديوان الحماسة لأبي تمام ١/ ٣٨٣.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584453,"book_id":8505,"shamela_page_id":306,"part":null,"page_num":309,"sequence_num":306,"body":"الشاعرة قد أتت بضمير الشأن لتنبه السامع إلى الخبر الذي ستوضحه بعده لأهميته، وهو أنه قد انفصل عنها من كان بمثابة فوارسها ورماحها.\rوهذا يزيد بن الحكم الثقفي، يعظ ابنه بدراً (١).\rيا بدر - والأمثال بضـ ... ربها لذي اللب الحكيم\rدم الخليل بوده ... ما خير ود لا يدوم؟\rواعرف لجارك حقه ... والحق يعرفه الكريم\rوأعلم بأن الضيف ير ... ما سوف يحمد أو يلوم\rوالناس مبتنيان محـ ... مود البناية أو ذميم\rوأعلم بني، فإنه ... بالعلم ينتفع العليم\rيقول الشاعر لابنه: يا بدر - والأمثال لا تضرب إلا لذوي العقول الناضجة - إذا اخترت أحداً لصداقتك، فكن له خير صاحب، فإن الذي لا دوام لوده لا خير فيه، وعليك أن تعرف حق جارك، فإنه لا يعرف الحق إلا الكريم وأحسن إلى الضيف وقم بواجباته، فإنه سوف يجلب لك حمداً: أن أحسنت إليه وذماً إن قصرت في حقه، والناس صنفان: منهم من يحمد، ومنهم من يذم، وذلك موقوف على أخلاقهم وأحوالهم.\rوالشاهد في الأبيات قوله: (فإنه بالعلم ينتفع العليم) حيث أتى بضمير الشأن، ليفيه به المتلقي إلى أن الخبر الذي يأتي بعده مفسراً، من الأخبار الجليلة، وهو أن العلم ينفع صاحبه.","footnotes":"(١) ديوان الحماسة لأبي تمام ٢/ ٤١.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584454,"book_id":8505,"shamela_page_id":307,"part":null,"page_num":310,"sequence_num":307,"body":"وقال عبد الله بن الدمينة متغزلاً (١):\rأما يستفيق القلب إلا انبرى له ... قوهم صيف من سعاد ومربسع\rأخادع عن أطلالها القلب؛ إنه ... متى تعرف الأطلال عينك تدمع\rعهدت بها وحشا عليها برافع ... وهذي وحوش أصبحت لم تبرقع\rيقول الشاعر: كيف لا يصحو القلب إلا وقد تعرض له خيال سعاد في المصيف والمربع؟ إنني أموه على عيني في رؤية الأطلال. لأنها إذا عرفتها بكت، لقد كنت ألقى بها أيام عمرانها سرباً من الحبيبات يخرجن في البراقع أما اليوم فإنني أرى بها سرباً من البقر الوحشي لم يتبرقع.\rفالشاعر يعاقب نفسه على شغل قلبه بسعاد، ويذكر تجلده في تناسبها، ويشكو عينيه أنها تبكي كلما رأت آثار ظك الأطلال.\rوالشاهد في الأبيات قوله: (إنه متى تعرف الأطلال عينك تدمع) حيث أتى بضمير الشأن منبهاً به إلى ما يفسر بعده من خير يثير كواهن الشوق في قلبه، وهو أنه كلما عرفت عينه الأطلال سالت دموعها.\r\rثانياً: وضع المظهر موضع المضمر:\rوالمظهر الذي يوضع موضع المضمر: إما أن يكون اسم إشارة، وإما أن يكون غيره، كأن يكون علماً، أو معرفاً باللام، أو بالإضافة أو نحو ذلك.","footnotes":"(١) ديوان الحماسة لأبي تمام ٢/ ٥٧.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584455,"book_id":8505,"shamela_page_id":308,"part":null,"page_num":311,"sequence_num":308,"body":"فإذا كان اسم إشارة فإن أغراضه قد سبق ذكر أغلبها ضمن أغراض تعريف المسند إليه باسم الإشارة.\rومن هذه الأغراض: كمال العناية بتمييز المسند إليه لاختصاصه بأمر عجيب:\rومن ذلك قول ابن الراوندي:\rكم عاقل عاقل أعبث مذاهبه ... وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا\rهذا الذي ترك الأوهام حائرة ... وصير العالم التحرير زنديقاً\rوالشاهد في البيتين قوله: (هذا الذي) فقد عبر عن المسند إليه باسم الإشارة، وكان ظاهر الحال يقتضي أن يعبر عنه بالضمير، فيقال: (هما) وذلك لتقدم مرجعه، وهو ما أفاده البيت الأول، من حرمان العاقل، وإعطاء الجاهل، ولكنه عدل عن الضمير إلى اسم الإشارة - كما رأيت - لكمال العناية بتمييزه، لاختصاصه بحكم بديع، وذلك لأن هذا الأمر لما كان قد خرج عن المألوف المتعارف، اختص بحكم بديع، وهو، ترك العقول حائرة، وجعل العالم الذكي مزعزع الإيمان ملحداً، ولهذا كان جديراً بأن يميز أكمل تمييز، ليشار إليه، ويسند إليه هذا الحكم.\rومن هذه الأغراض: التهكم بالسامع: كأن يسأل بصير عن شيء، فيجيبه آخر مشيراً إلى شيء.\rومنها: التنبيه على كمال بلادة السامع، وأنه لا يدرك غير المحس بحاسة البصر، أو على كمال فطنته، وأن غير المحس عنده بمثابة المحس.\rومنها: ادعاء كمال ظهور المسند إليه حتى إن العقول قد صار في درجة المحسوس بالبصر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584456,"book_id":8505,"shamela_page_id":309,"part":null,"page_num":312,"sequence_num":309,"body":"وإذا كان المظهر - الذي يوضع موضع المضمر - غير اسم الإشارة، فإن ذلك يكون لأغراض من أهمها:\r(١) أن يقصد تمكين المسند إليه في ذهن السامع، لأن المقام يقتضي اعتناء بشأنه.\rومن الاعتناء بشأنه أن لا ينوب عنه ضمير. لأن الضمير - وإن جاز أن ينوب عنه - لا يغني غناء الاسم الظاهر، لما يتضمنه الاسم من معنى له وقع عند المتلقى أو المتذوق - في رأي الشاعر أو الأديب: ففي إظهار الاسم مكان إضماره بيان لعظم أمر ما، شرفاً أو خسة، جودة أو رداءة.\rوالشاهد على ذلك قول الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ لم يقل (هو الصمد) - وإن كان ظاهر الحال يقتضي الإضمار لتقدم المرجع - ولكنه قال: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ فوضع المظهر موضع المضمر، لأن المقام يقتضي الاعتناء بتمكين لفظ الجلالة من النفوس، وعلى هذا الأسلوب جرى القرآن الكريم في مواضع كثيرة منه، حيث يريد تربية المهابة في نفوس المؤمنين.\rقال في الأقصى القريب (١): \"ويكون ذلك لبيان عظم أمر ما كالجودة والرداءة، والشرف والضعة، فمن ذلك ما جاء في قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ قال - إن إبراهيم - ولم يقل: إنه، لشرف إبراهيم ﵇ والزيادة في تشريفه بما نسب إليه.\rوأما ما جاء منه الذم فنحو قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ","footnotes":"(١) الأقصى القريب التنوخي ص ٨٣ (طبعة السعادة)","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584457,"book_id":8505,"shamela_page_id":310,"part":null,"page_num":313,"sequence_num":310,"body":"وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾؛ قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ ولم يقل: (له) - وقد سبق ذكرهم في من المبهم، واسم كان المضمر فيها ذماً لهم بالكفر، وتبينا أن عدو الله وملائكته ورسله لا يكون إلا كافراً.\rوفي هذه الآية؛ إظهار اسم الله لعظمه تعالى، وهو قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ بعد ضميره في ملائكته ورسله.\rومن شواهد وضع المظهر موضع المضمر، لأن الغرض هو تمكين المسند إليه في ذهن السامع اعتناء بشأنه: قول الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ لم يقل: (هو الصمد) - وإن كان ظاهر الحال يقتضي الإضمار لتقدم المرجع - ولكنه قال: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ فوضع المظهر موضع المضمر، لأن المقام يقتضي الاعتناء بتمكين لفظ الجلالة في النفوس.\rوعلى هذا الأسلوب جرى القرآن الكريم في مواضع كثيرة منه، حيث يريد قربية المهابة في نفوس المؤمنين.\rولهذا يرجع الإمام عبد القاهر الجرجاني السر في الإظهار في موضع الإضمار إلى أن للتصريح فضلاً على الكناية والتعريض، ولأنهما لا يعملان في العقول عمل الإفصاح والتكشيف، ثم يذكر أزمن البين الجلي في هذا المعنى بيت الحماسة:\rشددنا شدة الليث ... غدا والليث غضبان\rوقول النابغة:\rنفس عصام سودت عصاماً ... وعلمته السكر والإقداما\rثم قال: \"لا يخفى على من له ذوق حسن هذا الإظهار، وأن له موقعاً","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584458,"book_id":8505,"shamela_page_id":311,"part":null,"page_num":314,"sequence_num":311,"body":"في النفس وباعثاً للأربحية لا يكون إذا قيل: نفس عصام سودته شيء منه؟ ؟ ص ٣١٤\" (١).\rودونك طائفة من فصيح الشعر تؤيد هذا المعنى وتؤكده:\rإقرأ - إن شئت قول الفند الزماني - في حرب اليسوس - وكان بنو بكر بن وائل قد بعثوا إلى بني حنيفة يستصرخونهم فأمدوهم به وبقومه (٢):\rصفحنا عن بني ذهل ... وقلنا: القوم اخوان\rعسى الأيام أن يرجعـ ... ن قوماً كالذي كانوا\rفلما صرح الدر ... وأمسى وهو عريان\rولم يبق سوى العدوا ... ن دناهم كما دانوا\rمشينا مشية الليث غدا والليث غضبان\rيقول: أعرضنا عن هؤلاء القوم المتحاربين، لأن بينهم رحماً وقرابة، فعسى أن تردهم الأيام إلى ما كانوا عليه من التوافق والتواد، لأنهم إخوان فلما أبوا أن يدعوا الظلم ولم يبق إلا أن نقاتلهم، كما قاتلونا؛ جازيناهم بفعلهم السيئ كما ابتدؤنا به، فمشينا إليهم مشية الأسد أصبح غضبان متلهفاً إلى فريسة.\rوالشاهد في الأبيات قوله: (والليث غضبان).\rفقد أتى بالمسند إليه اسماً ظاهراً - وهو الليث - وكان ظاهر المقام يقتضي أن يأتي به ضميراً فيقول: (وهو غضبان) لتقدم مرجع الضمير - ولكنه عدل عن الإضمار إلى الإظهار، ليتمكن الاسم في ذهن السامع، لأن المقام - وهو الحرب - يقتضي الاعتناء به، لأن في لفظ المسند إليه - وهو الليث - ما يشعر بالتفخيم والتهويل.","footnotes":"(١) دلائل الإعجاز ص ٤٢٨.\r(٢) ديوان الحماسة لأبي تمام ١/ ١٥.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584459,"book_id":8505,"shamela_page_id":312,"part":null,"page_num":315,"sequence_num":312,"body":"واقرأ قول الفضل بن الأخضر بن هبيرة الضبي: (١)\rألا أيها ذا النابح السيد إنني ... على فأيها مستبسل من ورائها\rدع السيد، إن السيد كانت قبيلة ... تقاتل يوم الروع دون نسائها\rيقول: أيها المتعرض لبني السيد، ينبحها كما ينبح الكلب السحاب: إنني مدافع عنها وإن كنت على بعد منها، دعها فإنها قبيلة تمنع حريمها؛ ويسلمون أنفسهم يوم الحروب ولا يسلمون نساءهم بل يدافعون عن حقيقتهم.\rوالشاهد هنا. قوله: (إن السيد) فقد أتى بالمسند إليه مظهراً، وكان ظاهر المقام أن يأتي به مضمراً - لتقدم مرجع الضمير - بأن يقول: (إنها) ولكنه آثر الإتيان بالمسند إليه - وهو السيد - اسماً ظاهراً ليتمكن هذا الاسم في نفوس سامعه، لأن المقام يقتضي منه الاعتناء بهذه القبيلة التي يدافع عنها، وإن كان على بعد منها.\rومن الإظهار في موضع الإضمار - وإن كان من غير باب المسند إليه قول عبد الله بن عتمة الضبي من حماسية له (٢):\rإن تسألوا الحق نعط الحق سائله ... والدرع محقبة والسيف مقروب","footnotes":"(١) ديوان الحماسة لأبي تمام ١/ ٣٣٥.\r(٢) ديوان الحماسة لأبي تمام ١/ ٢٣٤.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584460,"book_id":8505,"shamela_page_id":313,"part":null,"page_num":316,"sequence_num":313,"body":"وإن أبيتم فأنا معسر أنف ... لا نطعم الخف إن السم مشروب\rفازجر حمارك لا يرتع بروضتنا ... إذا يرد وقيد العير مكروب\rالدرع المحقبة: المشدودة في الحقيبة، والسيف مقروب: أي مغمد في قرابه. والعير: هو الحمار.\rيقول الشاعر: إن لنا فيه في الخير، فإن أردتم المسالمة وحقن الدماء، أعطيناكم الحق في حال السلم واحتقاب الدروع وإغماد السيوف، وإن أبيتم إلا الحرب فإنا ذوو حمية، وعزة نفس، تصبر نفوسنا على شرب السم، ولا تصبر على أن يتعالى علينا غيرنا، فكف عن التعرض لنا، والدخول في حريمنا فإنك إن لم تفعل ذلك ذممت عاقبة أمرك، وضاق بك المتسع.\rوالشاهد في الأبيات قوله: (نعط الحق) وقوله: (وقيد العير).\rفقد أتى بالمفعول في الموضع الأول اسماً ظاهراً - وهو الحق - وكان ظاهر المقام يقتضي أن يؤتي به ضميراً، لتقدم مرجعه؛ ولكنه آثر الإظهار على الإضمار، لما في لفظ (الحق) من معنى يحرص الشاعر على تمكينه في نفوس مخاطبيه، وهو أنهم يحرصون على إعطاء الحق لمن يستحقه.\rوأتى بالمضاف إليه في الموضع الثاني اسماً ظاهراً - أيضاً - وهو العير - وكان ظاهر المقام لإضماره لتقدم مرجعه، ولكنه آثر الإظهار على الإضمار لما في لفظ (العير) من معنى يحرص الشاعر على تمكينه في نفوس مخاطبيه وهو أن عيرهم يقيد ويرد إليهم مكروباً، إن حاولوا الزج به ليرتع في أرضهم.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584461,"book_id":8505,"shamela_page_id":314,"part":null,"page_num":317,"sequence_num":314,"body":"وقد ضرب الحمار مثلاً للأذى، أي كف أذاك عنا.\rومنه قول الحماسي (١):\rمرا على أهل الفضا، إن بالفضا ... رقارق لازرق العيون ولا رمداً\rالفضا: موضع بنجد، والرقارق: النساء النواعم، والرمد: جمع رمداء.\rوالمعنى: يا صاحبي مرا على أهل الفضا، إن به نساء في مقتبل الشباب السن يزرق العيون ولا رمدا، بل هن كحل سود العيون.\rوالشاهد قوله: (إن بالفضا) وقد كان ظاهر المقام يقتضي أن يضمر فيقول: (إن به) لتقدم مرجع الضمير، ولكنه آثر الإتيان بالاسم الظاهر، لما فيه من معنى يتعلق به الشاعر، ويثير في نفسه ذكريات حبيبة إلى قلبه.\rولعلك قد لاحظت معي ما في هذا البيت من خلل في وزنه، لأنه من بحر الطويل الذي أول تفصيلة منه هي: (فعولن) أي تبدأ هذه التفعيلة بمتحركهن فساكن؛ يعني وقد يجموع - كما يقول العروضيون - ولكنك تجد البيت مبدوءاً بمتحرك فساكن؛ يعني سبب خفيف - كما يقول العروضيون أيضاً -.\rولهذا فإننا نرجح أن يكون البيت مبدوءاً بواو العطف ولكون الأصل ومرا على أهل الفضاء، ولكنها سقطت من الناسخ، وكان على أبي تمام أن","footnotes":"(١) ديوان الحماسة لأبي تمام ٢/ ١٦٢.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584462,"book_id":8505,"shamela_page_id":315,"part":null,"page_num":318,"sequence_num":315,"body":"يجيء بما قبل هذا البيت، حتى لا يبدأ بواو العطف، ولكن ربما كانت الذاكرة قد خانته:\rومنه قول الصمة بن عبد الله بن طفيل (١):\rحننت إلى ربا ونفسك باعدت ... مزارك من ربا وشعباكما معاً\rفما حسن أن تأتي الأمر طائعاً ... ونجزع، إن داعي الصباية أسمعا\rقفا ودعا نجدا ومن حل بالحمى ... وقل لنجد عندنا أن يودعا\rبنفسي تلك الأرض ما أطيب الثرى ... وما أحسن المصطاف والمتربعا!\rالشاعر كان قد ترك نجداً راحلاً إلى الشام، بعد أن رفض أبوه أن يدفع مهراً لمحبوبته \"ربا\" ولما طال مقامه بالشام قال هذه الأبيات في الحنين إلى \"ربا\" وإلى \"نجد\".\rولذلك فإنك تراه مهتماً بإظهار هذين الاسمين، وكان يمكنه أن يضمرهما لتقدم مرجعيهما فقال: \"ونفسك باعدت مزارك من ربا\"، ولم يقل: (ونفسم باعدت مزارك منها لتعلقه) الشديد بهذا الاسم الذي يحلو له أن يردده، ويتلذذ بسماعه.\rوقال: (وقل لنجد عندنا أن يودعا) ولم يقل: (وقل له أن يودعا) لأن هذا الاسم عنده معنى يميل إليه. ويثير كوامن شوقه، ولواعج حبه.","footnotes":"(١) ديوان الحماسة لأبي تمام ٢/ ٦٤.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584463,"book_id":8505,"shamela_page_id":316,"part":null,"page_num":319,"sequence_num":316,"body":"واقرأ - إن شئت قول الحماسي: (١)\rزعم العواذل أن ناقة جندب ... بحقوب خبت عربت زأجمعت\rكذب العواذل لو رأين مناخنا ... بالقادسية قلن لج وجفت\rنجده قد أظهر المسند إليه فقال (كذب العواذل) وظاهر المقام يقتضي إضماره، بأن يقول: (كذبوا) لتقدم مرجع الضمير في البيت السابق، ولكنه خالف الإضمار إلى الإظهار لاهتمامه بتكذيب العواذل، إظهاراً لحقارتهم.","footnotes":"(١) ديوان الحماسة لأبي تمام ص ١١٨.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584464,"book_id":8505,"shamela_page_id":317,"part":null,"page_num":320,"sequence_num":317,"body":"٧ - الالتفات\rهو من قولهم، التفت وجهه عنه صرفه، والتفت التفاتاً، والتفت أكثر منه، قال الحماسي (١):\rتلفت نحو الحي حتى وجدتني ... وجعت من الإصغاء ليتا وأخدها\rوأذكر أيام الحمى ثم أنثني ... على كبدي من خشية أن تصدعا\rالليث: صفحة العنق، والأخدع: عرق فيها.\rلما حان فراق الشاعر صار يكثر من الالتفات جهة الحي الذي يضم بين جنباته حبه وهواه، حتى وجد نفسه موجوع الليث والأخدع، لدوام التفاته تحسرا على ما فاته من أحبة وديار، ولكنه عندما يتذكر أوقاته بالحي وما كان بينه وبين أحبته من أسباب الوصال، ينثني على كبده فيقبض عليها خشية تشققها من موضعها شوقاً إلى أحبابها.\rفقد تلفت الشاعر تلفتاً، أو التفت التفاتاً كثيراً، ولكنه - كما نرى - التفات لغوي، وليس التفاتاً بلاغياً، لأنه لا يعدو أن يكون انصراف وجهه من جهة إلى أخرى، ولهذا وجعت صفحة عنقه.\rوأم الالتفات البلاغي فلا تظن أن أحداً قد سبق الأصمعي المتوفي سنة ٢١٦ هـ في إطلاق هذه التسمية عليه، فقد قال ابن رشيق: (٢) وحكى","footnotes":"(١) ديوان الحماسة لأبي تمام ٢/ ٥٦.\r(٢) العمدة ٢/ ٤٤ والصناعتين ٣٨١.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584465,"book_id":8505,"shamela_page_id":318,"part":null,"page_num":321,"sequence_num":318,"body":"عن إسحق الموصلي أنه قال: قال الأصمعي: أتعرف التفاتات جرير؟ قلت: وما هي؟ فأنشدني:\rأتنسى إذ تودعنا سليمي يعود بشامة؟ سقى البشام!\rثم قال: أما تراه مقبلاً على شعره، إذ التفت إلى البشام فدعاله؟\rوأدرك أبو عبيدة معمر بن المثنى المتوفى ٢٠٨ هـ الالتفات، ولكنه لم يسمه إذ قال في مقدمة كتابه \"مجاز القرآن\": ومن مجاز ما جاءت مخاطبته مخاطبة الشاهد ثم تركت وحولت مخاطبته هذه إلى مخاطبة الغائب قول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ أي بكم، ومن مجاز ما جاء خبراً عن غائب ثم خوطب الشاهد، قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾.\rوتبعه المبرد المتوفي ٢٨٥ هـ إذ يقول تعليقاً على قول الأعشى:\rوامتعني على العشا بوليدة فأبت بخير منك باهوذ حامداً\rفإنه كان يتحدث عنه ثم أقبل عليه يخاطبه، وترك تلك المخاطبة والعرب تترك مخاطبة الغائب إلى مخاطبة الشاهد، ومخاطبة الشاهد إلى مخاطبة الغائب وساق لذلك أمثلة من القرآن ومن الشعر، ثم قال: وهذا كثير جداً.\rولكن أول من عرف الالتفات تعريفاً يكاد يقرب من تعريف المتأخرين هو: عبد الله بن المعتز المتوفي ٢٧٤ هـ فقد قال في تعريفه: \"هو انصراف المتكلم عن المخاطبة إلى الإخبار، وعن الإخبار إلى المخاطبة، وما يشبه ذلك، ومن الالتفات: الانصراف عن معنى يكون فيه إلى معنى آخر\".\rولكنه قد وسع دائرة الالتفات - كما ترى - فجعله شاملاً لشيئين:\rالأول: ما عرف بالالتفات عن المتأخرين. والثاني: نوع من الاعراض كالذي سماه الأصمعي: التفاتات جرير - وقد أسلفناه لك.\r(٢١ - النظم البلاغي)","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584466,"book_id":8505,"shamela_page_id":319,"part":null,"page_num":322,"sequence_num":319,"body":"وجاء ضياء الدين بن الأثير المتوفي ٦٣٧ جعله شاملاً لأنواع ثلاثة:\rالأول: الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة.\rوالثاني: الالتفات من المستقبل إلى فعل الأمر ومن الماضي إلى الأمر.\rوالثالث: الالتفات من الماضي إلى المستقبل، ومن المستقبل إلى الماضي.\rولكن أبا يعقوب السكاكي المتوفي ٦٢٦ هـ قصره على الانتقال بين التكلم والخطاب والغيبة، فقال: \"التكلم والخطاب والغيبة - مطلقاً - بنقل كل واحد منها إلى الآخر\" ثم قال: \"ويسمى هذا التفاتاً عند علماء المعاني\".\rفلما كان الخطيب القزويني المتوفي ٧٢٩ هـ ذكر أن المشهور عند البلاغين - في تعريف الالتفات -: \"التعبير عن معنى بطريق من الطرق الثلاثة - التكلم والخطاب والغيبة - بعد التعبير عنه بطريق آخر منها\" وأن هذا التفسير أخص من تفسير السكاكي، لأنه أراد بالفعل، \"أن يعبر عنه بطريق من هذه الطرق عما عبر عنه بغيره، أو كان مقضي الظاهر أن يعبر عنه بغيره منها\".\rوسوف نسير في تطبيقنا النصوص الأدبية على ما هو مشهور عند جمهور البلاغين، لأن ما اعتبره السكاكي التفاتاً، إنما هو في حقيقته تجريد، لأن الشاعر - مثلاً في قوله \"طحا بك قلب) قد جرد من نفسه حقيقة مثلها وخاطبها، فالضمير واقع في محله (١).","footnotes":"(١) شروح التلخيص ١/ ٤٧٢.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584467,"book_id":8505,"shamela_page_id":320,"part":null,"page_num":323,"sequence_num":320,"body":"قيمته البلاغية:\rذكر الزمخشري - في كشافه - أن الكلام إذا نقل من أسلوب إلى أسلوب كان ذلك أحسن أسلوب لنشاط السامع، وأكثر إيقاظاً للإصغاء إليه من إجرائه على أسلوب واحد.\r\rولكن ابن الأثير لم يرتض هذا القول، ورفض أن تكون مزية الالتفات قد اقتصرت على هذا المعنى ولهذا فإنه عقب على هذا الرأي بقوله: \"وهذا قول فيه ما فيه؛ وما أعلم كيف ذهب على مثل الزمخشري - مع معرفته بفن الفصاحة والبلاغة؟ ! والذي عندي في ذلك: أن الانتقال من الخطاب إلى الغيبة، أو من الغيبة إلى الخطاب، لا يكون إلا لفائدة اقتضته، وتلك الفائدة أمر وراء الانتقال من أسلوب إلى أسلوب؛ غير أنها لا تحد ولا تضبط بضابط، ولكن يشار إلى مواضع منها ليقاس عليها\".\rثم يبدأ بذكر نوع من الفائدة التي يعطيها الالتفات، وهي تعظيم شأن المخاطب فيقول: \"فإنا قد (١) رأينا الانتقال من الغيبة إلى الخطاب قد استعمل لتعظيم شأن المخاطب، ثم يعدد مزايا كثيرة للالتفات على أن الزمخشري ﵀ لم يجعل فائدة الالتفات مقتصرة على تطرية نشاط السامع وإيقاظه؛ بدليل أنه يذكر بإزاء كل التفات - في كشافه - فائدته التي دعت إليه. كقوله - في تفسير قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ -: \"فإن قلت: ما فائدة صرف الكلام عن الخطاب","footnotes":"(١) المثل السائر ١٦٨.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584468,"book_id":8505,"shamela_page_id":321,"part":null,"page_num":324,"sequence_num":321,"body":"إلى الغيبة؟ قلت: المبالغة، كأنه يذكر لغيرهم حالهم ليعجبهم منها ويستدعي منهم الإفكار والتقبيح\" (١).\rولهذا فإننا نرى أن الالتفات وإن كانت له فوائد جليلة يقتضيها المقام، إلا أنه - أيضاً - يثير انتباه السامع ويجدد نشاطه للإصغاء إلى تلك الفوائد: فيتقبلها في شوق المنتظر، ولهفة المتطلع، فتستقر في قلبه وتتمكن منه فضل تمكن.\r\rوإليك صور الالتفات كما تصورها جمهور البلاغيين:\rالصورة الأولى:\rالالتفات من التكلم إلى الخطاب، وذلك كما في قول الله تعالى: ﴿وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فقد عبر عن المعنى أولاً بطريق التكلم، فقال: ﴿وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ ثم التفت فعبر عنه بطريق الخطاب، فقال: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ وكان مقتضى الظاهر أن يقول: ﴿﴾؛ وذلك لما في الالتفات من فائدة تحذيرهم من أنهم راجعون إلى الله تعالى: فكأنه قال: كيف لا تخافون من ترجعون إليه فيحاسبكم على ما قدمتم؟ استمع إلى قول اياس بن الأرت في الرثاء (٢):\rلوما رأيت الصبح أقبل وجهه ... دعوت أبا أوس فما أن تكلما\rوحان فراق من أخ لك ناصح ... وكان كثير الشر، للخير قواماً\rتتابع قرواش بن ليلى وعامر ... وكان السرور يوم ماتا مذمماً","footnotes":"(١) الكشاف ٢/ ٢٣١.\r(٢) ديوان الحماسة لأبي تمام ١/ ٤٣٠.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584469,"book_id":8505,"shamela_page_id":322,"part":null,"page_num":325,"sequence_num":322,"body":"هممت بأن لا أطعم الدهر بعدهم ... حياة؛ فكان الصبر أبقى وأكرما\rيقول: لقد فاديت أبا أوس لأنبهه كعادتي لما أنبلج الصبح فلم يجبني، فقد حان فراق من أخ ناصح لك، كان عند الغضب ناشر كثير، ولكنه كان عند الرضا كأنه ولد مع الخير.\rوقد تلى موت قرواش موت عامر، فبدل السرور يوم ماتا بالغم، وأصبح مذمماً لموت مثل هؤلاء الشرفاء، ولقد هممت بأن لا أطعم بعدهم أبداً زهداً في هذه الحياة، ولكنني وجدت الصبر من الكرم، والاقتداء بالناس في الصبر عند المصائب أبقى للذكر الجميل.\rوقد رأيت أن الشاعر عندما كان يصف حاله قبل موت صاحبه أجرى الحديث على طريق التكلم، لأنه أنسب بحاله؛ كأنه يبث شكواه إلى من يسمعه، ولكنه لما فوجئ بموت صاحبه التفت إلى نفسه فجرد منها شخصاً يخاطبه، كأنه ينعي إليه أخاً ناصحاً، شجاعاً، خيراً.\rولكنه بعد أن تتابعت عليه الخطوب بموت صاحب، بعد صاحب ووطن نفسه على تحملها انكفأ على نفسه وأجرى الحديث على طريق التكلم ليبث شكواه.\r\rالصورة الثانية:\rالالتفات من التكلم إلى الغيبة وذلك كما في قول الله تعالى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ فقد عبر عن المعنى أولاً بطريق التكلم، فقال: ﴿يَا عِبَادِيَ﴾ ثم التفت فعبر عنه بطريق الغيبة فقال: ﴿رَحْمَةِ اللَّهِ﴾، لأن الاسم الظاهر من قبيل الغيبة، وكان مقتضى الظاهر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584470,"book_id":8505,"shamela_page_id":323,"part":null,"page_num":326,"sequence_num":323,"body":"أن يقول: \"من رحمتي\" وذلك لما في الالتفات من فائدة اقتضاها المقام، وذلك أنه أجرى الحديث أولاً على طريق التكلم لأن الله تعالى أراد أن يغمر عباده الذين أسرفوا على أنفسهم في المعاصي ثم ندموا على ما قدمت أيديهم، بعطفه وأن يسيل عليهم رداء الأمان فأضافهم إليه سبحانه، ولكنه التفت فعبر عن نفسه بطريق الغيبة فقال: ﴿لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ تعظيماً لاسمه سبحانه، وإشعاراً للمخاطبين بما يحمله هذا الاسم من عظمة، فيطمئنوا إلى رحمته، لأن أخص صفات الله تعالى هي الرحمة.\rواستمع إلى قول الغطمش (١):\rإذا مت فأبكي يا علي وأعولي ... على هالك جلد أجل وأوجع\rوأغشوا إذا ما مال مثل غنائه ... ولا يحرز الأعداء ما كنت أمنع\rسيفرح إن مات الغطمش عصبة ... إذا فاء من رهط الغطمش رضع\rفيا فرحة ما يفرحن عدونا ... إذا ما جرت فوقي أما لبس بلقع\rلما كانت حياته تناسب التكلم، وموته يناسب الغيبة، أعطى كلا من الحالين ما يناسبه حيث كان حياً أجرى الحديث على طريق التكلم فقال: (إذا مت) وحيث قدر موته، أجرى الحديث على طريق الغيبة فقال: (على هالك) ولم يقل على، لأنه يوهم السامع أنه يتحدث عن بطل جلد موته","footnotes":"(١) الأقصى الغريب ٤٥.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584471,"book_id":8505,"shamela_page_id":324,"part":null,"page_num":327,"sequence_num":324,"body":"أجل الأشياء، وأوجعها، ولهذا قال: (وأغفوا إذا ما مال مثل غنائه) أي إذا ما مات فحاولوا أن تنفعوا نفعه، وأن تسدوا مسده، ثم قال: (ولا يحرز الأعداء ما كنت أمنع) ولم يقل: ما كان يمنع - مع أنه مقتضى ظاهر الحال -، لأن ما كان يمنعه، أي يحميه، إنما كان يمنعه في حال حياته فناسب أن يتحدث عن نفسه بطريق التكلم، ولهذا فإنه قد التفت مرة أخرى فأجرى الحديث على طريق الغيبة على تقدير موته فقال: (إن مات الغطمش) ولم يقل: إن مت ثم التفت فأجرى الحديث على طريق التكلم فقال: (إذا ما جرت فوقي أما ليس بلقع)، لأنه يريد أن يثبت لأعدائه أنه ما يزال حياً، فلا يفرحوا.\rواستمع - أيضاً - إلى قول عبدة بن الطبيب، من قصيدة يوصى فيها بغيه، لما أحس بدنو أجله (١):\rولقد علمت بأن قصري حفرة ... غبراه، يحملني إليها شرجع\rفبكى بناتي شجوهن وزوجتي ... والأقربون إلى ثم تصدعوا\rوتركت في غبراه يكره وردها ... تسغى على الريح حين أودع\rفإذا مضيت إلى سبيلي فابعثوا ... رجلاً له قلب حديد أصمع\rقصرى: آخر أمري، الشرجع خشب يشد بعضه إلى بعض كالسرير يحمل عليه الموتى، الشجو: الحزن، تصدعوا تفرقوا، الأصمع: الحديد المجتمع ليس بمنتشر.\rيقول: ولقد علمت بأن آخر أمري حفرة يحملني إليها نمش، فتبكي بناتي وزوجتي حزناً، ويبكي الأقربون إلى، ثم يتفرقون، وأترك في حفرة","footnotes":"(١) الأصمعيات ١٤٨.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584472,"book_id":8505,"shamela_page_id":325,"part":null,"page_num":328,"sequence_num":325,"body":"غبراء فاحلة يكره ورودها، تهب على الريح فيها حاملة رمالاً، فإذا مت فافتقدوا عميداً مثلي.\rوقد رأيت أنه قد أجرى الحديث في الأبيات الثلاثة الأولى، والشطر الأول من البيت الرابع على طريق التكلم لأنه يتحدث عن نفسه متحسراً على ما يقع له من تركة في حفرة غبراء تسفي عليه الريح، ويكاء بناته، وزوجته، وأقربائه.\rولكنه التفت فعبر عن نفسه بطريق الغيبة فقال: (فابعثوا رجلاً له قلب حديد أصمع) لأنه افترض موته، وموته يناسب غيبته، فأوهم أنه يحدثهم عن رجل لا يعرفونه، وأخذ يعدد لهم صفاته، من القوة، والصلابة، و؟ ؟ ص ٣٢٨.\rثم استمع إن شئت إلى قول حماس بن ثامل (١):\rومستنبح في لج ليل دعوته ... بمشبوبة في رأس صمد مقابل\rوقلت له: أقبل، فإنك راشد ... وإن على الناري الندى وابن ثامل\rلج الليل: معظم ظلمته، والمشبوبة، النار المضطرمة، والصمد: المكان المرتفع.\rيعني: رب مستنج في ظلام الليل دعوته للضيافة بما أوقدت له من النار في المكان العالي المقابل لوجهته فتكون دليلاً له، وبشرته بقدومه علي، وأريته استبشاري به وانتظاري إياه.\rوقد رأيت أنه أجرى الحديث على التكلم، لأنه يفتخر بكرمه، وقرأه للضيف، والفخر يناسبه الحديث عن النفس، ولكنه التفت فعبر عن نفسه بطريق الغيبة، فقال: \"وابن ثامل\" أي ذلك الرجل المعروف بحبه للكرم، وشغفه بقرى الضيف، فكأن الضيف إذا ما سمع اسمه عرفه فاطمأن إلى الكرم، وضمن القرى.","footnotes":"(١) ديوان الحماسة ٢/ ٣٠٤.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584473,"book_id":8505,"shamela_page_id":326,"part":null,"page_num":329,"sequence_num":326,"body":"الصورة الثالثة:\rالالتفات من الخطاب إلى التكلم:\rويمثلون لها بقول علقمة بن عبدة بن النعمان بن قيس (١):\rطحا بك قلب في الحسان طروب ... بعيد الشباب عصر حان مشيب\rيكلفني ليلى، وقد شط وليها ... وعادت عواد بيننا وخطوب\rيقول: لقد أضربك قلب هائم يحب الحسان، في الوقت الذي آذنت فيه شمس الشباب بالمغيب؛ وهو مع ذلك لا يفتأ بطالبتي بوصل ليلى، في وقت عز فيه وصالها، وحالت صروف الزمان دونه، فقد التفت الشاعر من الخطاب في (طحابك) إلى التكلم في (يكلفني).\rوالسر في هذا الالتفات: أنه بعد أن جرد من نفسه شخصاً يخاطبه ويحدثه عما فعل به القلب يشغفه بالحسان بعد انصرام الشباب واقتراب المشيب، أحس بما ينوه به من تكليف القلب له وصل ليلى في وقت عز وصالها، وحالت غوازل الأيام دونها؛ فالتفت إلى نفسه فأجرى الحديث على طريق التكلم ليبث شكواه، مما ينوه به.\rودونك قول مرة بن محكان التميمي السعدي (٢) في القرى:\rيا ربة البيت قومي غير صاغرة ... ضمي إليك رحال القوم والقربا","footnotes":"(١) الأصمعيات ٣٩٠.\r(٢) ديوان الحماسة لأبي تمام ٢/ ٢٤٢.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584474,"book_id":8505,"shamela_page_id":327,"part":null,"page_num":330,"sequence_num":327,"body":"في ليلة من جمادى ذات أندية ... لا يبصر الكلب من ظلماتها الطنبا\rلا ينبح الكلب فيها غير واحدة، ... حتى يلف على خيشومه الذنبا\rماذا ترين؟ : أقد فيهم لأرحلنا ... في جانب البيت؟ أم نبني لهم قبا؟\rلمرمل الزاد، معنى بحاجته، ... من كان يكره ذما، أو بقى حسبا\rوقمت مستبطنا سيفي فأعرض لي ... مثل المجادل كوم بركت عصبا\rفصادف السيف منها ساق متلية ... جلس فصادف منه ساقها عطبا\rزيافة بنت زياف مذكرة ... لمانعوها لراعي سرحنا اقتحبا\rالشاعر يأمر زوجته بأن تضم إليها رحال القوم وأسلحتهم حفظاً لها، لأنهم نزلوا عنده فهم في أمان لا يحتاجون إلى السلاح؛ فقد نزلوا عنده في ليلة شديدة البرد والظلمة؛ فهو يصف تلك الحالة، ويشاور زوجته كيف يكرم القوم أينزلهم في منازله، أم يتخذ لهم قببا؛ وماذا ترى لمرملين يهتم بحاجتهم من يتقي الذم، أو يحمي الحسب.\rوقد قام مستبطناً سيفه لينحر ما يريد من الإبل فظهر له منها فوق مثل القصور في ضخامتها وعظم سقامها، فعرقب منها ناقة من أعظم النوق وأقواها، وقد بكى الراعي عليها حسن أخبروه بنحرها لأنها من خيار المال عنده.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584475,"book_id":8505,"shamela_page_id":328,"part":null,"page_num":331,"sequence_num":328,"body":"وقد رأيت الشاعر قد أجرى الحديث على خطاب زوجته في الأبيات الخمسة الأولى؛ ولكنه التفت في البيت السادس فأجرى الحديث على طريق التكلم.\rوذلك لأنه في الحالة الأولى كان يصف ما صنعه من مناداته لربة البيت، بأن تضم إليها رحال القوم وقربهم، ومشاورتها كيف يكرم القوم النازلين، والخطاب أنسب بهذه الحال.\rولكنه في الحالة الأخرى جعل يفتخر بما صنعه ليلة نزولهم ضيفاناً عليه والحديث عن النفس أنسب بحال الفخر.\r\rالصورة الرابعة:\rالالتفات من الخطاب إلى الغيبة: ويمثلون له بقول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ (١)؛ ففي الآية الكريمة التفات من الخطاب في \"كنتم\" إلى الغيبة في \"بهم\"، وكان مقتضى الظاهر أن يقال: \"وجرين بكم\".\rوذلك لأن المخاطبين هم الذين إذا أنجاهم الله من الغرق يبغون في الأرض بغير الحق، فناسب أن ينقل الحديث إلى الغيبة إعراضاً عنهم، وتشهيراً لهم، ودعوة لغيرهم أن يأخذوا من قصتهم عظة وعبرة: ولأنهم لما كانوا \"في الفلك\" كانوا في مقام الشهود والوجود، فناسب المقام خطابهم، فلما جرت بهم الريع، وذهبوا بعيداً عن مقام الخطاب ناسب حالهم طريق الغيبة.","footnotes":"(١) يونس: ٢٢.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584476,"book_id":8505,"shamela_page_id":329,"part":null,"page_num":332,"sequence_num":329,"body":"ومنه قول عبد الله بن عتمة الضبي (١) - في مقتل بسطام بن قيس وقد قتله عاصم بن خليفة الضبي، وكان بن عتمة مجاوراً في بني شبيان فخاف على نفسه منهم فرثاه بأبيات منها:\rلك المرباع منها والصفايا ... وحكمك والنشيطة والفضول\rأفاتته بنو زيد بن عمرو ... ولا يوفى ببسطام قتيل\rوخر على الألاءة، لم يوسد ... كان جبينه سيف صقيل\rالمرباع: ربع الغنيمة؛ وكان يأخذه رئيس القوم من الغنائم - وهذه عادتهم في الجاهلية، والصفايا: ما يختاره الرئيس لنفسه من خيار الغنيمة، والنشيطة: ما أصابه الجيش وهو في الطريق، والفضول: ما فضل من الغنيمة فلم ينقسم، الألاءة: شجرة معروفة عندهم.\rوالمعنى: أن هذا المفقود قد كانت له إمارة تامة على أصحابه، وكان ممتازاً بينهم بما ذكر، وأن بني زيد قد أضاعوا دمه - وهو الذي لا يكافئ دمه دم قتيل ما - وأن من إضاعتهم إياه: أن تركوه حتى سقط على شجرة الألاءة، فلم يوسدوا رأسه وجيشه بعد أن قتل، كأنه السيف الصقيل إضاءة، وذلك من سمات الشجعان.\rوقد رأيت أن الشاعر كان يخاطبه بقوله: ولك المرباع منها، \"وحكمك\" ثم التفت عن مخاطبته إلى الحديث عنه على طريق الغيبة؛ فقال: \"أفاتته بنو زيد بن عمرو\" الخ.\rوذلك لأن الحديث - أولاً - كان عن حياة بسطام حيث كانت إمارته على أصحابه وتميزه عليهم فنزله منزلة المخاطب إجلالاً له وتعظيماً، لأن","footnotes":"(١) ديوان الحماسة لأبي تمام ١/ ٤٢٨.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584477,"book_id":8505,"shamela_page_id":330,"part":null,"page_num":333,"sequence_num":330,"body":"حياته تناسب خطابه؛ فلما كان الحديث عن إضاعة دمه بعد موته تناسب أن يتحدث عنه حديثه عن الغائب، كأنه يحكي قصة بطل عظيم كان جديراً بألا يترك دمه هجراً؛ فهو يروي لسامعيه قصته العجيبة.\r\rالصورة الخامسة:\rالالتفات من الغيبة إلى التكلم؛ ويمثلون له بقول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ (١)، فقد التفت من الغيبة في قوله: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ﴾ إلى التكلم في قوله: ﴿فَسُقْنَاهُ﴾ وكان مقتضى الظاهر أن يقال: فساقه.\rوذلك لأن سوق السحاب إلى بلد ميت فيحيا، أمر لا يقدر عليه غير مقسم الأرزاق ﷾، لأن ذلك نوع من قسمة الأرزاق؛ حيث يسوقها سبحانه إلى من يشاء من عباده فتناسب أن يسند السوق إلى ذاته العلية.\rفالالتفات هنا تنبيه إلى أن قسمة الأرزاق أمر تكفل به سبحانه، ولم يتركه لأحد من خلقه.\rومنه قول حاتم الطائي (٢):\rوعاذلة هبت بليل تلومني ... كأني إذا أعطيت مالي أضيمها\rأعاذل: إن الجود ليس بمهلكي ... ولا مخلد النفس الشحيمة لومها","footnotes":"(١) فاطر ٩.\r(٢) ديوان الحماسة لأبي تمام ٢/ ٣١١.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584478,"book_id":8505,"shamela_page_id":331,"part":null,"page_num":334,"sequence_num":331,"body":"وتذكر أخلاق الفتى وعظامه ... مغيبة في اللحد بال رميمها\rومن يبتدء ما ليس من خيم نفسه ... يدعه ويغلبه على النفس خيمها\rوالمعنى: رب لائمة اجتهدت في عذلي كأنها رأت إنفاق المال ظلماً لها. ثم التفت إليها قائلاً. يا عاذلة: إن جودي لا يهلكني، وإن النفس البخيلة بما عندها من المال لا يجلدها لؤمها في الدنيا وإن أخلاق الكريم لا تزال تذكر وهو مغيب في قبره بالية عظامه؛ ومن يبتدع ما ليس من خلقه وطبيعته لابد من أن يأتي عليه يوم يتركه فيه ويرجع إلى أخلاقه.\rوقد رأيت أن الشاعر قد تحدث عن زوجته حديثه عن الغائبة في قوله: \"وعاذلة هبت تلوم\" وقوله: \"أضيمها\" ثم التفت إلى خطابها فقال: \"أعاذل\".\rوذلك لأنها لما كانت لائمة له على جوده - والجود من طبيعته - كانت جديرة بأن يعرض عنها، ويتحدث عنها حديثه عن الغائبة عنه.\rولكنه لما انتقل إلى مقطع آخر من مقاطع المعنى وهو تنبيه زوجته إلى الخطأ في تفكيرها، وإرشادها إلى التفكير السليم في فهم الثمرة الحقيقية التي يجنيها الكريم من شجرة الجود، ناسب هذا المعنى خطابها، لأن التنبيه والإرشاد لا يكون إلا حيث يكون المستفيد بهما حاضراً مخاطباً.\rومنه قول قراد بن غوية (١):\rألا ليث شعري ما يقولن مخارق ... إذا جاوب الهام المصيح هامتي","footnotes":"(١) ديوان الحماسة لأبي تمام ١/ ٤٢٣.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584479,"book_id":8505,"shamela_page_id":332,"part":null,"page_num":335,"sequence_num":332,"body":"ودليت في زوراء يسقى ترابها ... على طويلاً في ذراها إقامتي\rوقالوا: ألا لا يبعدن اختياله ... وصولته إذا القروم تسامت\rوما البعد إلا إن يكون مغيباً ... عن الناس متى نجدتي وقسامتي\rالهام: جمع هامة وهي الصدى: ما يكون من عظام الموتى على زعمهم ودليت: أنزلت. والزوراء: الحفرة المعوجة. وأراد بها اللحد، ويسفى: إهالة التراب عليه، والقروم: الفحول، وتسامت: تنازلت وتفاخرت، والقسامة: الحسن.\rيقول: ليتني أعلم ما يقول مخارق بعد موتي عندما تجيب هامتي الهام التي يصاح بها، وأنزلت في حفرة معوجة يهال ترابها على مدة إقامتي في أهاليها طول الأمد، ودعوا لي بعدم البعد وهل البعد إلا هذا وقد فقدوا شجاعتي ونجدتي، وغاب عنهم شخصي؟ !\rوالشاهد في هذه الأبيات: أن الشاعر قد عبر عن نفسه بضمير الغائب في قوله (لا يبعدن اختياله وصولته) ثم التفت فعبر عن نفسه بضمير المتكلم في قوله: (نجدتي وقسامتي).\rوذلك لأن العبارة الأولى تقال بعد موته، فناسب أن يتحدث عن نفسه بطريق الغيبة، والنجدة وحسن الوجه من الصفات التي يفتخر بها، فناسب أن يضيفها إلى نفسه، والفخر يناسبه الحديث عن النفس على طريق التكلم.\rولعلك على ذكر مما أسلفنا لك من قول الغطمش:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584480,"book_id":8505,"shamela_page_id":333,"part":null,"page_num":336,"sequence_num":333,"body":"سيفرح إن مات الغطمش عصبة ... إذا فاء من رهط الغطمش رضع\rفيا فرحة ما يفرحن عدونا ... إذا ما جرت فوقي أما ليس بلقع\rحيث أجرى الحديث عن نفسه على طريق الغيبة مقدراً موته، فقال (إن مات الغطمش) ولم يقل: إن مت، ثم التفت فأجرى الحديث على طريق التكلم، فقال: (إذا ما جرت فوقي أما ليس بلقع).\rوذلك لأنه يريد أن يثبت لأعدائه أنه ما زال حياً فلا يفرحوا.\r\rالصورة السادسة: الالتفات من الغيبة إلى الخطاب:\rويمثلون لها بقول الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فقد التفت في الآية الكريمة من الغيبة في قوله ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ إلى الخطاب في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وذلك لأنه بدأ الحديث عن الله تعالى معظماً لشأنه معدداً لصفات عظمته التي توجب العبادة له وحده، فلما حان وقت عبادته خاطبه خطاب الحاضر الذي لا يغيب عنه طرفة عين.\rوقد قالوا في هذه الآية - أيضاً - إن المعاني السابقة من حمد الله تعالى والثناء عليه، وذكر ربوبيته للعالمين ورحمته الغامرة، وملكه ليوم الدين تحث النفوس على الإقبال نحو الحق متجهة إليه بالخطاب معلنة وحدانيته بالعبادة والاستعانة\" (١).\rوإليك قول السلكة أم السليك تبكي ولدها بعد أن علمت بقتله (٢)","footnotes":"(١) خصائص التراكيب ٢٠١.\r(٢) ديوان الحماسة لأبي تمام ١/ ٣٨٥.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584481,"book_id":8505,"shamela_page_id":334,"part":null,"page_num":337,"sequence_num":334,"body":"طاف يبغي نجوة ... من هلاك فهلك!\rأليت شعري ضلة ... أي شيء قتلك؟ !\rأمريض لم تعد ... أم عدو ختلك؟ ،\rأم قولي بك ما ... غال في الدهر السلك؟ !\rوالمنايا رصد ... للفتى حيث سلك.\rأي شيء حسن ... لفتى لم يك لك؟ !\rكل شيء قاتل ... حين تلقى أجلك!\rطال ما قد قلت من ... غير كد املك!\rإن أمراً فادحاً ... عن جوابي شغلك\rسأعزي النفس إذ ... لم تجب من سألك.\rليث قلبي ساعة ... صبره عنك ملك!\rليت نفسي قدمت ... المنايا بدلك! !\rتقول أم السليم عن ولدها، إنه خرج طائفاً يطلب النجاة من الفقر فمات، ولكنها التفت إليه مناجية باكية: ليتني أعلم سبب موتك؟ أصدك المرض عن العودة أم عرض لك عدو فقتلك، أم أصابك من الحوادث ما خطفك خطفة الجل؟ والمنايا للفتى بالمرصاد وأينما ذهب، ولئن كنت قد فقدتك، فلقد حزت كل خصلة، فلا توجد لأحد مزية إلا وهي لك؛ وإذا مادنا الأجل فإن كل شيء يقتل، وكثيراً ما قلت مقصدك بلا تعب، إن الذي شغلك عن جوابي أمر عظيم، وسأسلي النفس بالصبر إذ صار جوابك مستحيلاً، وأتمنى أن يملك قلبي الصبر عنك ساعة، أو أن نفسي هي الهالكة دونك.\r(٢٢ - النظم البلاغي)","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584482,"book_id":8505,"shamela_page_id":335,"part":null,"page_num":338,"sequence_num":335,"body":"فالشاعرة - وقد هالها الخبر بقتل ابنها - تبث من كانوا حولها مصابها الجلل، وتعجبهم من غريب أمر ابنها الذي ذهب يطلب النجاة من الهلاك فصادفه الهلاك، وتلك حال تقتضي منها أن تخبر عنه بضمير الغائب ولكنها التفت إليه مخاطبة له، كأنه يسمعها - وإن لم يكن معها - ومناجية له، ومقضية له بما يعتمل في صدرها وما يعتصر قلبها من الحزن والألم، وتلك حال أخرى تقتضي منها أن تخاطبه مخاطبة الحاضر الذي لا يغيب عن خاطرها.\rوقال أشجع بن عمرو السلمي يرثي: (١)\rمضى ابن سعيد حين لم يبق مشرق ... ولا مغرب إلا له فيه مادح\rوما كنت أدري ما فواضل كفه ... على الناس ختى غيبته الصفائح\rفأصبح في لحد من الأرض ميتاً ... وكانت به - حيا - تضيق الصحائح\rسأبكيك ما فاضت دموعي فإن تغض ... فحسبك متى ما تجن الجوانح!\rفما أنا من رزه وإن جل جازع ... ولا يسرون بعد موتك فادح\rكأن لم يمت حي سواك ولم تقم ... على أحد - إلا عليك - النوائح\rلئن حسنت فيك المرائي وذكرها ... لقد حسنت من قبل فيك المدائح\rالصفائح: أحجار عراض تغطى بها القبور، والصحائح: جمع صحح المكان المتسع المستوي، والجوانح: الضلوع؛ وسميت بذلك لأن فيها ميلاً","footnotes":"(١) ديوان الحماسة لأبي تمام ١/ ٢٦٠.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584483,"book_id":8505,"shamela_page_id":336,"part":null,"page_num":339,"sequence_num":336,"body":"يقول: مات ابن سعيد بعد أن خلد جميل الذكر في المشارق والمغارب يمدحه فيها المادحون، وما كنت أعلم قدر مكارمه وعطاياه إلا بعد أن مات وظهر البؤس على من كانوا مغمودين بنعمه؛ فأصبح في جزء صغير من الأرض بعد موته، مع أن فيافيها كانت لضيق بما له من إحسان وإنعام في حياته. سأديم البكاء عليك ما فاضت دموعي، فإن تذهب فيكفيك ما تكنه ضلوعي من اللوعة والأسى، فإن مصيبتي فيك عظيمة فلست جازعاً لما يصيبني بعدها، ولا فارحاً بما أنال من مسرات، كأنه لم يمت أحد سواك من قبلك ولا من بعدك، فلا يجد الإنسان سلوة به عنك، وكأن اللوائح لا تنوح إلا عليلا لغظم المصيبة فيك. ولئن كنت ترثر اليوم رثاء جميلاً، فيا طالما مدحت من قبل مدحاً جميلاً.\rفالشاعر ينعي إلى المشرقين ابن سعيد: ذلك الفتى الذي كثرت مكارمه وتعددت عطاياه، مشيداً بذكره متحسراً على فقده، فناسب أن يتحدث عنه بضمير الغائب. ولكنه لما التفت إليه مخاطباً له باكياً متولها على فراقه جازعاً عليه، كأنه لشدة حرصه على ألا يفارقه ما زال أمامه، يحدثه فيسمع منه، ولا يغيب عن ناظريه.\rوقال سليمي بن ربيعة من بني السيد بن ضبة عندما فارقته زوجته تماضر عاتبة عليه استهلاك ماله وتعريض نفسه للمعاطب (١):\rحلت تماضر غربة فاحتلت ... فلجا، وأهلك باللوى قاحلة،\rوكأن في العينين حب قرنفل ... أو سنبلاً كحلت به؟ ؟ ؟ ص ٣٣٩","footnotes":"(١) ديوان الحماسة لأبي تمام ١/ ٢١٧.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584484,"book_id":8505,"shamela_page_id":337,"part":null,"page_num":340,"sequence_num":337,"body":"زعمت تماضر أنني إما أمت ... بعدد أبينوها الأصاغر خلني\rتربت يداك، وهل رأيت لقومه ... مثلي على يسرى وحين تعلني؟ !\rرجلاً إذا ما النائبات غشينه ... أكفي لمعضلة، وإن هي جلت؟ !\rغربة: دار بعيدة، وفلج: واد في طريق البصرة، واللوى والحلة: موضعان. والقرنفل والسنبل: من أخلاط الأدوية التي تحرق العين. وأببنوها: تصغير أبناء، والخلة: الحاجة. المعضلة: الداهية، وجلت: عظمت.\rيقول: إن تماضر نزلت بدار بعيدة فاستقرت وتوطنت في فلج وأهلي باللوى والحلة فانهلت دموعي حزناً على فراقها وكأن في عيني أخلاط القرنفل والسنبل. ولقد زعمت أن أبناءها الأصاغر يقومون مقامي بعد موتي وتكتفي بهم عني ثم التفت إليها قائلاً: تربت بداك يا تماضر: وهل رأيت لقومه رجلاً مثلي يكثر العطاء في حالتي عسره ويسره حتى تعلقي رجاءك فيه؟ وهل تجدين رجلاً مثلي عن غشيان النوائب يكون أقوى مني دفعاً لها؟\rفقد رأيت أن الشار بدأ حديثه عن زوجته تماضر على طريق الغيبة في قوله: (حلت تماضر) وقوله: (زعمت تماضر) وقوله: (أببنوها) ثم التفت إليها مخاطباً لها بقوله: (تربت يداك).\rوذلك لأنه عندما بدأ حديثه عن تماضر كانت قد دخلت فأصبحت بعيدة عنه فناسب أن يتحدث عنها بضمير الغائبة، ولكنه لما ذكر أنها بعيدة عنه بعداً أحزنه وأفاض دموع عينيه دل ذلك على شدة تعلقه بها وأن خيالها لا يفارقه","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584485,"book_id":8505,"shamela_page_id":338,"part":null,"page_num":341,"sequence_num":338,"body":"فنناسب أن يتحدث إليها ويخاطبها معاتباً لها وكأنها حاضرة بين يديه لم تغب عنه طرفة عين!\rعلى أن الاستشهاد بالأبيات في موضع الالتفات يجب أن يؤخذ بمزيد من الحيطة - كما يقول الدكتور محمد أبو موسى - وبخاصة إذا كانت هذه الأبيات من الشعر الجاهلي، أو شعر البوادي في صدر الإسلام وعهد بني أمية، وذلك لأن ترتيب الأبيات - وهو أساس الاستشهاد - قد حدث فيه تغيير كثير، ولهذا وجبت مراجعة الأبيات وتحقيق مواقع بعضها من بعض، وإلا كان النظر ضرباً من العبث (١).","footnotes":"(١) خصائص التراكيب ص ٢٠٣.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584486,"book_id":8505,"shamela_page_id":339,"part":null,"page_num":342,"sequence_num":339,"body":"(٨) أسلوب الحكيم\rمن صور إخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر: ما يسميه عبد القاهر الجرجاني مغالظه (١).\rويسميه السكاكي أسلوب الحكيم، وعرفه الخطيب بأنه: تلقي المخاطب بغير ما يترقب، يحمل كلامه على خلاف مراده، تنبيهاً له على أنه الأولى بالقصد، أو السائل بغير ما يتطلب، بتنزيل سؤاله منزلة غيره، تنبيهاً له على أنه الأولى بحاله أو المهم له. ففيه قسمان:\rأولهما: تلقي المخاطب بغير ما يترقب.\rوثانيهما: تلقي السائل بغير ما يتطلب.\rوالمغالظة: من قولهم: إياك والمكابرة والمغالظة، ونهى رسول الله ﷺ عن الأغلوطات، وهي المسائل التي يغالظ بها (٢).\rوالحكيم: من الحكمة، أي الذي يجري في كلامه على طريقة الحكماء.\rويبدو أن القسم الأول من هذا الأسلوب فيه مغالظة - كما يقول عبد القاهر -، لأن حمل كلام المخاطب على خلاف مراده مغالظة واضحة، كما أن القسم الثاني منه فيه حكمة، لأن فيه جرياً على طريقة الحكماء في الإرشاد والنصح والتنبيه إلى ما هو الأحسن والأفضل والأجدى.\rويمثلون للأول بقول القبعثري الحجاج - وقد كان القبعثري جالساً في بستان مع جماعة من إخوانه في زمن الخصوم، أي العنب الأخضر، فذكر بعضهم الحجاج، فقال القبعثري: المهم سو وجهه، واقطع عنقه، واسقني","footnotes":"(١) الدلائل ١٠٧.\r(٢) المان، وأساس البلاغة مادة (غلط).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584487,"book_id":8505,"shamela_page_id":340,"part":null,"page_num":343,"sequence_num":340,"body":"من دمه، فبلغ ذلك الحجاج، فقال له: أأنت قلت ذلك؟ فقال نعم ولكني أردت العنب الحضرم، ولم أردك، فقال له: لأحملنك على الأدهم، فقال القبعثري: مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب، فقال له الحجاج: ويلك، إنه لحديد، فقال: إن يكن حديداً خير من أن يكون بليداً، فقال الحجاج لأعوانه: احملوه، فلما حملوه قال: \"سبحان الذي سخر لنا هذا، وما كنا له مقرنين\" فقال: اطرحوه على الأرض، فلما طرحوه قال: \"منها خلقناكم وفيها نعيدكم\" فصفح عنه الحجاج.\rوقد رأيت أن القبعثري قد سحر الحجاج بهذا الأسلوب حتى تجاوز عن جريمته، حتى قيل: إنه أحسن إليه. والقبعثري: من رؤساء العرب وفصائحهم، وكان من جملة الخوارج الذين خرجوا على سيدنا علي كرم الله وجهه (١).\rفقد أورد الحجاج لفظين كل منهما صالح لمعنيين وهما: (الأدهم) و (حديد): فالأدهم صالح لأن يكون بمعنى الفرس الأدهم، أي الأسود، وصالح لأن يكون بمعنى: القيد، لأن فيه دهمة.\rوالحديد: صالح لأن يكون وصفاً للفرس، أي فيه حدة، وصالح لأن يكون بمعنى معدن الحديد، وقد أراد الحجاج من كل منهما معنى غير الذي يقصده القبعثري، لأن مقصد الحجاج فسره على ذل القيد، ومقصد القبعثري: إكرام الحجاج له بحمله على فرس أدهم.\rفكل منهما قد حمل اللفظ الذي احتمل معنيين على خلاف مراد الآخر، لأن الحجاج يريد معاقبة القبعثري على جزيرة شتمه، وعلى جزيرة خروجه على حجمه، وكلا الجزيرتين جدير بأن يقيد القبعثري ليوضع في سجن الحجاج!","footnotes":"(١) حاشية الدسوقي ١/ ٤٨٠.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584488,"book_id":8505,"shamela_page_id":341,"part":null,"page_num":344,"sequence_num":341,"body":"ولكن القبعثري قد تلطف إلى الحجاج فسل سخيمته، بأن أبرز وعيده - بالحمل على القيد - في معرض الوعد - بالحمل على الفرس الأدهم، والفرس الأشهب، منبهاً له إلى أن من كان مثله في السلطان وبسطة اليد جدير بأن يجزل العطاء لا أن يقيد ويسجن.\rوالعلامة السبكي (١) يقول في هذا القسم: إنه قريب من تجاهل العارف، أو هو منه بزيادة إشارة إلى سفه رأي المخاطب، كما أنه - أيضاً - قريب من القول بالموجب، ولهذا خلط بعض العلماء بين أمثلة القول بالموجب، وأمثلة المغالطة.\rهذا: وفي قول الحجاج تورية، لأنه أطلق لفظين يحمل كل منهما معنيين: أحدهما قريب، والآخر بعيد وأراد البعيد في كل منهما بقرينة الحالية، وهو نظير قول الشاعر:\rحملناهم طرا على الدهم بعد ما ... خلعنا عليهم بالطعان ملابسا\rبيد أن محل الشاهد هنا إنما هو قول القبعثري: \"مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب، وقوله: \"لأن يكون حديداً خير من أن يكون بليداً\" لا قول الحجاج: لأحملنك على الأدهم\".\rوقد سمى ابن الأثير وتبعه العلوي صاحب الطراز التورية باسم \"المغالطة المعنوية\" وعرفها بأن تكون اللفظة الواحدة دالة على معنيين على جهة الاشتراك فيكونان مرادين بالنية دون اللفظ\" (٢).\rولكننا لا نرى في إرادة المعنيين مغالطة، كما أننا لا نرى في إرادة معنى واحد مغالطة، ما دام المتكلم لم يحمل كلام المخاطب على خلاف مراده.","footnotes":"(١) شروح التلخيص (عروس الأفراح) ١/ ٤٨٠.\r(٢) الطراز ٣/ ٦٣.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584489,"book_id":8505,"shamela_page_id":342,"part":null,"page_num":345,"sequence_num":342,"body":"ولكن المغالطة - حقاً - إنما هي في هذا القسم من أسلوب الحكيم. وإن كانت مغالطة لفظية، لأن اللفظ هو الذي أعلن عليها لأن القبعثري - كما أسلفنا لك - قد استغل إفادة اللفظ لمعنيين، فاختار منهما ما يناسب حاله.\rومن هذا القسم أيضاً: قول الشاعر:\rأتت تشتكي عندي مزاولة القرى ... -وقد رأت الضيفان ينحون منزلي -\rفقلت - كأني ما سمعت كلامها - ... هم الضيف جدي في قراهم وعجلي\rفالشاعر يذكر أن زوجته أقبلت عليه تلزمه على كثرة قراه عندما رأت الضيفان يقبلون عليه ويتجهون إلى منزله، فحول شكواها من كثرة القرى إلى شكواها من قلته، مدعياً أنه لم يسمع حقيقة ما تقول، وقال لها: هؤلاء القادمون هم الضيوف، فأسرعي بإعداد القرى لهم، لينبهها بذلك إلى ما هو الجدير بها، وهو أن تقبل على ما يكسبها الحمد، وبقاء الذكر، لا أن تقبل على ما يوجب الذم، وجلب النقيصة.\rويمثلون القسم الثاني - وهو إجابة السائل بغير ما يتطلب - بقوله الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾.\rوذلك لأنهم سألوا عن بيان ما ينفقونه، فأجيبوا ببيان من ينفقون عليهم، لتنبيههم إلى ما هو أهم من سؤالهم هذا، وهو أن يسألوا عن أوجه الإنفاق حتى يقع في موقعه الصحيح، ليتم به النفع، ويتحقق الهدف من شرعيته.\rوفيه - أيضاً - حث لهم على الإسراع بإخراج أموالهم للإنفاق،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584490,"book_id":8505,"shamela_page_id":343,"part":null,"page_num":346,"sequence_num":343,"body":"لأنه قدر أنهم قد أخرجوها، فهم لا يسألون عما ينفقون، بل يسألون عن الجهات التي ينفقون فيها، وذلك لأنه رأى تباطؤهم في الإنفاق متعللين بأنهم لا يعرفون ماذا ينفقون!\rوقد روى أن معاذ بن جبل، وربيعة بن غانم الأنصاري قالا: يا رسول الله: ما بال الهلال يبدو دقيقاً مثل الخيط ثم يزيد حتى يمتلئ ويستوي ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدأ. فنزل قول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾.\rفقد سألوا عن سبب تطور الهلال من الصغر إلى الكبر ثم إلى الصغر، فأجيبوا ببيان الفائدة من ذلك تنبيهاً لهم إلى أن الأهم لهم من سؤالهم هذا، هو أن يسألوا عن فائدة الأهلة لا عن أسباب تطور أشكالها.\rوذلك لأن انتفاعهم ببيان فائدتها أكبر من انتفاعهم ببيان سببها، والقوم يومئذ ليسوا على درجة من النضج الفكري تؤهلهم لاستيعاب العلوم التي تكشف أسرار الكون وخفاياه.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584491,"book_id":8505,"shamela_page_id":344,"part":null,"page_num":347,"sequence_num":344,"body":"٩ - القلب\rمما جعله البلاغيون من خروج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر: القلب، وقالوا في تعريفه:\rهو: \"أن يجعل أحد أجزاء الكلام مكان الآخر، والآخر مكانه\".\rوهو ضربان:\rأحدهما: ما يكون الداعي إلى اعتباره من جهة اللفظ، بأن تتوقف صحة اللفظ عليه، ويكون المعنى قابعاً للفظ، وذلك كما إذا وقع ماهر في موقع المبتدأ نكرة، وما هو في موقع الخبر معرفة، كما في قول القطابي عمرو بن سليم الثعلبي من قصيدة يمدح بها زفر بن حارث الكلابي، وقد كان أسيراً له فأطلقه وأعطاه ماله وزاده مائة من الإبل (١):\rقفى قبل التفرق يا ضياعا ... ولا بك موقف منك الوداعا\rقضى وافدي أسيرك إن قومي ... وقومك لا أرى لهم اجتماعا\rومنها قوله:\rاكفراً بعد رد الموت عني ... وبعد عطائك المائة الرقاعا؟\rوالألف من (ضباعا) للإطلاق، وهو مرخم، ضباعة، اسم بنت صغيرة للمدوح.\rوالشاهد هنا قوله (ولا بك موقف منك الوداعا) فإن أصله: ولا بك","footnotes":"(١) المطول ١٣٧.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584492,"book_id":8505,"shamela_page_id":345,"part":null,"page_num":348,"sequence_num":345,"body":"موقف الوداع موقفاً منك، والداعي إلى هذا القلب إنما هو: صحة اللفظ، لأنه لا يصح الاخبار بالمعرفة عن النكرة.\rوالثاني: ما يكون الداعي إليه من جهة المعنى، لتوقف صحته عليه، ويكون اللفظ تابعاً، وذلك نحو قولهم: \"عرضت الناقة على الحوض، والمعنى: عرضت الحوض على الناقة، وذلك لأن المعروض عليه ههنا ليس له إدراك يميل به إلى المعروض، أو يرغب عنه، لأنه يشترط في المعروض عليه أن يكون ذا شعور واختيار، لكي يقبل على المعروض، أو يعرض عنه.\rوالسر في هذا القلب: أن الحوض لما كان ثابتاً لا يمكن نقله إلى الناقة لعرضه عليها، وكان العربي يأتي بالناقة إلى الحوض لترتوي منه، صارت الناقة كأنها معروضة على الحوض، فصارت الناقة معروضة، والحوض معروضاً عليه، فقلب الكلام لهذا المعنى.\rوأنت تحس من هذا التعبير أنه ينقل لك صورة صادقة لحياة العربي، الذي يأتي بناقته إلى الحوض لترتوي منه، ولو قال: عرضت الحوض على الناقة، لخلا تعبيره، من صدق التجربة وحقيقة المعاناة.\rقيمته البلاغية:\rللبلاغيين في القلب آراء ثلاثة:\rالرأي الأول: القبول - مطلقاً - سواء تضمن اعتباراً لطيفاً، أم لم يتضمن اعتباراً لطيفاً، لأن قلب الكلام يدعو إن التنبيه إلى الأصل، وذلك مما يورث الكلام ملاحة وظرفاً.\rوهذا الرأي هو رأي السكاكي ومن تبعه.\rوالرأي الثاني: رفضه - مطلقاً - لأن القلب عكس المطلوب،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584493,"book_id":8505,"shamela_page_id":346,"part":null,"page_num":349,"sequence_num":346,"body":"ونقيض المقصود، وحمل ما ورد منه على التقديم والتأخير.\rوالرأي الثالث: هو أن القلب إن تضمن اعتباراً لطيفاً قبل (١) وإن لم يتضن اعتباراً لطيفاً رفض.\rوهذا الرأي هو رأي جمهور البلاغيين:\rفأما ما تضمن اعتباراً لطيفاً: فمثاله قول رؤبة بن العجاج:\rومهمه مغبرة أرجاؤه ... كأن لون أرضه سماؤه\rومهمه: أي: مفازه، مغبرة: أي مملوءة بالغبرة، أرجاؤه: أي أنحاؤه.\rقالوا: إن المعنى: كأن لون سمائه لغبرتها لون أرضه، وفي القلب هنا من المبالغة ما ليس في تركه، لإشعاره بأن لون السماء قد بلغ من الغبرة إلى حيث يشبه به لون الأرض في لغبرة وأما ما لم يتضمن اعتباراً لطيفاً، فمثاله: قول القطامي يصف ناقته بالسمن (٢):\rفلما أن مضت ثنتان عنها ... وصارت حفة يعلو الجذاعا\rوقلنا مهلوا لثنيتيها ... لكي تزداد للسعر اطلاعا\rعرفنا ما يرى البصراء فيها ... فآلينا عليها إن تباعا\rفلما أن جرى سمن عليها ... كما طيفت بالفدن السياعا\rأمرت بها الرجال ليأخذوها ... ونحن نظن أن لن تستطاعا\rفالشاعر يقول: إن ناقته هذه لما مضى من عمرها سنتان، وصارت","footnotes":"(١) الإيضاح ٥٩.\r(٢) حاشية الدسوقي ١/ ٤٨٩.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584494,"book_id":8505,"shamela_page_id":347,"part":null,"page_num":350,"sequence_num":347,"body":"حقة، أي صارت بنت ثلاث سنوات ودخلت في الرابعة، وقال: تمهلوا إلى أن يقوى خفها، لكي يزداد سعرها رأى ماذا يقول البصراء فيها، فأقسم أن تباع، فلما سمنت وظهر السمن واضحاً عليها، كما طينت الفدن، أي القصر بالسياع، أي الطين المخلوط بالتين، أمر الرجال ليأخذوها وهو يظن أنه لن يستطيع أحد اقتيادها.\rوالشاهد في هذه الأبيات قوله: (كما طينت بالفدن السياعا)، حيث قلب الكلام وكان حقه أن يقول: كما طينت الفدن بالسياع.\rوليس في هذا القلب أي اعتبار لطيف.\rتلكم هي ملامح القلب عند البلاغيين.\rوتعالوا بنا إلى جولة طريفة مع النقاد الذين اتخذوا من القلب معياراً نقدياً، لتكونوا على ذكر من تطبيقهم لهذا المعيار النقدي البلاغي:\rذكر القاضي الجرجاني - في وساطته بين المتنبي وخصومه. أن العلماء قد عابوا على أبي الطيب قوله:\rوهذلت أهل العشق حتى ذقته ... فعجبت: كيف يموت من لا يعشق؟ !\rفقالوا: صعوبة العشق وشدته على أهله لا توجب ألا يموت من لا يعشق فيعجب منه، وإنما يقتضي أن كل من يعشق يموت، وكأنه أراد: كيف لا يموت من يعشق؟ ! فذهب عن مراده (١).\rوهنا يورد القاضي الجرجاني رأيين لمن يحتجون لأبي الطيب:","footnotes":"(١) الوساطة ٤٦٩.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584495,"book_id":8505,"shamela_page_id":348,"part":null,"page_num":351,"sequence_num":348,"body":"لقد قال قوم. إنه خرج مخرج القلب. فقالوا: وهو كثير في شعر العرب، ومنه قول الأعشى:\rوكل كميت كأن السليـ ... ط في حيث وارى الأديم الشعارا\rيريد: حيث وارى الشعار الأديم، فقلب الكلام.\rوكقول الأخطل:\rمثن القنافذ هداجون قد بلغت ... نجران إن بلغت سوءاتهم هجر\rيريد: بلغت سوءاتهم هجر.\rوقال الثماخ:\rمنه ولدت ولم يؤشب به حسبي ... ليا كما عصب العلياء بالعود\rأراد: كما عصب العود بالعليا.\rوقال آخر.\rأسلمته في دمشق كما ... أسلمت وحشية رهقا\rأراد: كما أسلم رهق وحشية.\rوقال آخر:\rكان الزناء فريضة الرجم\rأراد: كأن الرجم فريضة الزنا. ومثل هذا كثير.\rوقال قوم: إن الكلام جاء على طريقته، غير محتمل الحمل على","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584496,"book_id":8505,"shamela_page_id":349,"part":null,"page_num":352,"sequence_num":349,"body":"القلب، وإنما المراد: كيف تكون المنية غير العشق؟ أي: أن الأمر للتفرد في النفوس أنه أعلى مراتب الشدة هو الموت، وإني لما ذهب العشق فعرفت شدته، عجبت كيف يكون هذا الأمر الصعب المتفق على شدته غير العشق؟ ! وكيف يجوز ألا تعم علنه فتستولي على الناس حتى تكون مناياهم منه، وهلاك جميعهم منه؟\rولعل هذا الرأي الأخير هو أعدل الرأيين، وأجدرهما بالاعتبار. وأحقهما بالقبول، فما أرى أصحاب الرأي الأول إلا قد أزروا بشاعرية أبي الطيب وقالوا من موهبته - وإن كانوا يحاولون الدفاع عنه:\rذلك لأننا قد عرفنا من قبل آراء البلاغيين في القلب واستقرارهم على أنه إن تضمن اعتباراً لطيفاً فإنه يكون مقبولاً. وإن لم يتضمن هذا الاعتبار فإنه يكون مرفوضاً، وحمل بيت أبي الطيب على القلب لا يجعله متضمناً أي اعتبار لطيف، إذ لو كان قد أراد: كيف لا يموت من يعشق، فأي فائدة من قلبه إلى: كيف يموت من لا يعشق؟ ! ، فعلى قولهم: يكون بيت أبي الطيب مردوداً مرفوضاً، لأن العدول عن مقتضى الظاهر من غير؟ ؟ ؟ ص ٣٥٢ تقتضيه خروج عن تطبيق الكلام لمقتضى الحال، (١)، وخصوصاً: ما يتضمن من الكلام ما يوهم عكس المقصود \"فيكون أدخل في الرد (٢) - كما في بيت أبي الطيب على رأيهم -!\rولا يشفع لأصحاب هذا الرأي: إيرادهم أبياتاً للأعمى، والأخطل، والشماخ، وغيرهم، قد تضمن كل بيت منها قلباً، لأنه لم يتضمن اعتباراً لطيفاً في أي بيت منها، فأي اعتبار لطيف في القلب من قول الأعشى","footnotes":"(١) المطول ١٣٨.\r(٢) نفس المصدر.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584497,"book_id":8505,"shamela_page_id":350,"part":null,"page_num":353,"sequence_num":350,"body":"\"وارى الشعار الأديم\" إلى قوله: \"وارى الأديم الشعار\" ومن قول الأخطل: \"إن بلغت سوءاتهم هجر\" إلى قوله: إن بلغت هجر سوءاتهم\" ومن قول الشماخ: كما عصب العود بالعلياء\" إلى قوله: \"كما عصب العلياء بالعود\" ومن قول آخر: \"أسلم رهق وحشية إلى قوله: \"أسلم وحشية رهقا\" ومن قول الآخر: \"كان الرجم فريضة الزنا، إلى قوله: \"كان الزنا فريضة الرجم\"؟ !\rكما أنه لا يشفع لهم قولهم، أنه كثير في شعر العرب، لأننا - وإن سلفنا بكثرته في شعر العرب - لا نسلم بأن كل قلب جاء في شعرهم يكون مقبولاً؛ فالبلاغيون لا يقبلون منه إلا ما تضمن اعتباراً لطيفاً - كما أسلفنا - وحتى الأبيات التي استشهدوا بها، لم يتضمن أي قلب منها اعتباراً لطيفاً، ولم يأتوا بشاهد واحد يتضمن ذلك الاعتبار.\rولم لا يكون المعنى: إنني كنت أعذل أهل العشق جهلاً به، وبقيمته في جعل الحياة جميلة؛ لأنني لم أكن قد ذقت حلاوته، فلما ذقتها عرفت أنه لا قيمة لحياة إنسان يعيش بدون عشق، حتى عجبت لمن تنقضي حياته ويموت دون أن يعشق!\rوربما يرشح لهذا المعنى: التعبير بقوله: \"ذقته\" وعليه فلا يكون في بيت أبي الطيب قلب.\rوالمهم: أن القاضي الجرجاني قد أورد رأي من يخالفونهم، والذين يقولون بأن الكلام جار على طريقته وغير محتاج إلى القلب، فكأنه بذلك يوافق هؤلاء وأولائك على ما يقولون!\rوكان حريا به أن يناقش أولئك القائلين يحمل بيت أبي الطيب على القلب، لأنه لا فائدة من حمله عليه كما قلنا - ولأنهم أوردوا شواهد القلب لم يتضمن أي بيت منها أي اعتبار لطيف.\r(٢٣ - النظم البلاغي)","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584498,"book_id":8505,"shamela_page_id":351,"part":null,"page_num":354,"sequence_num":351,"body":"وإذا كان الخطيب القزويني يقول عن القلب: \"وقبله مطلقاً قوم منهم السكاكي، فإن القاضي الجرجاني من هؤلاء القوم الذين قبلوا القلب مطلقاً\".\rومما يؤيد وجهة نظرنا هذه: أن القاضي الجرجاني يرد على من يقولون (١) إن قول البحتري:\rملك له في كل يوم كريهة ... إقدام عز، واعتزام مجرب\rوقول أبي تمام:\rومجربون سقاهم من بأسه ... فإذا لقوا فكأنهم أغمار\rوقوله:\rكهل الأناءة، فتى الشذاة إذا غدا ... الحرب كان الماجد الغطريفا\rوقول أبي الطيب:\rتدبير ذي حنك بفكر في غد ... وهجوم غر لا يخاف عواقبا\rأصله قول قطري بن الفجاءة:\rثم أثنيت وقد أصبت ولم أصب ... جذع البصيرة قارح الإقدام\rبأن معنى بيت قطري بن الفجاءة ضد معنى أبيات البحتري وأبي تمام، وأبي الطيب، اللهم إلا أن نرجع بيت قطري إلى القلب فيقول: \"وليس هو","footnotes":"(١) الوساطة ٢٥٧، ١٥٨.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584499,"book_id":8505,"shamela_page_id":352,"part":null,"page_num":355,"sequence_num":352,"body":"عندي كذلك؛ لأن قطرياً زعم أن إقدامه وبصيرته بصيرة جذع، والقارح أتم سنا من الجذع، وهؤلاء زعموا أن إقدامهم إقدام غر وتجاربهم تجارب كهل محنك، فهو ضد المعنى؛ اللهم إلا أن يقل، إنه قلبه، فلا يبعد ذلك عن الصواب (١).\rهكذا يعتبر القاضي الجرجاني قول قطري: \"جذع البصيرة. قارح الإقدام، من باب القلب، فكأنه قال: (قارح البصيرة، جذع الإقدام) دون أن يتضمن هذا القلب اعتباراً لطيفاً؛ فلا فائدة من هذا القلب؛ إلا أن يقال - كما قال السكاكي -: \"إنه مما يورث الكلام حسناً وملاحة\" ويشجع عليه كمال البلاغة، وأمن الالتباس (٢) \".\rوهكذا يفتح القاضي الجرجاني البلاغيين باب الخلاف في معنى هذا البيت:\rفالخطيب القزويني يورد رأي القاضي الجرجاني - وإن لم يسمه - ويذكر أن المعنى على القلب: قارح البصيرة، جذع الإقدام، على أنه خالي من الضمير في \"انصرفت\" ولم أصب، بمعنى: لم أجرح.\rوذلك لأن الجذوعة، حداثة السن، والقروح: قدمه وتناهيه، فالمناسب وصف الرأي والبصيرة بالقروح، ووصف الإقدام والاقتحام في المعارك بالجذوعة، كما يقال: إقدام غرور، أي مجرب، فليس في هذا القلب اعتبار لطيف، بل إبهام لعكس المقصود.\rويجيب الخطيب القزويني (٣)، على هذا الرأي، بأنه ليس من باب القلب،","footnotes":"(١) الوساطة ٢٥٧، ٢٥٨.\r(٢) المطول ١٣٨.\r(٣) الإيضاح ٦٠.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584500,"book_id":8505,"shamela_page_id":353,"part":null,"page_num":356,"sequence_num":353,"body":"لأن قوله: جذع البصيرة، خال من الضمير في (لم أصب) لأنه أقرب، ومعناه: لم ألف، من أصبت الشيء: الفيته ووجدته أي لم ألف بهذه الصفة، بل وجدت بخلافها، جذع الإقدام، قارح البصيرة، وليس معناه: لم أجرح، لأن ما قبله من الأبيات:\rلا يركنن أحد إلى الإقدام ... يوم الوغى متخوفاً خمام\rفلقد أراني الرماح دريته ... من عن يميني مرة وأمامي\rحتى خضبت بما تحدر من دمي ... أكتاف سرجي أو عناق لجامي\rيدل على أنه جرح، وتحدر منه الدم، ولأن فحوى كلامه دالة على أنه جرح ولم يمت إعلاناً بأن الإقدام ليس بعلة للحمام، وحث على ترك الفكر في العواقب، ورفض التحرز خوفاً من المعاطب.\rويرد سعد الدين التفتازاني على الخطيب بأن في قوله بحثاً، لأن قوله: \"وقد أصبت) أي: جرحت، يصلح قرينة على أن (لم أصب) بمعنى: لم أجرح، وأما جعله بمعنى: (لم ألف) فلا قرينة عليه، مع ما فيه من قبو النظم، ودلالة الكلام على إثبات الجرح له لا ينافي ذلك، لأنه إذا جعل: _جذع البصيرة) حالاً من (لم أصب) صار المعنى: لم أجرح في هذه الحالة بل جرحت جذع الإقدام، قارح البصيرة.\rعلى أنه لما جعله بمعنى، لم ألف، فالأنسب أن يجعل: جذع البصيرة مفعولاً ثانياً لا حالاً، لأنه أحسن تأدية المقصود.\rوأخيراً يرى سعد الدين التفتازاني: أن القول الشافي في معنى بيت قطري، هو قول الإمام المرزوقي ﵀ وهو: أن جذع البصيرة","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584501,"book_id":8505,"shamela_page_id":354,"part":null,"page_num":357,"sequence_num":354,"body":"حال من الضمير في (انصرفت) وجذع البصيرة: عبارة عن أنه على بصيرته التي كان عليها أولاً، لم يعرض لذاته قدم في الاقتحام، ولم يتطرق إليه تقاعد عن الإقدام، وقروح الإقدام: عبارة عن أنه قد طالت ممارسته للحروب؛ وذلك لأنه قال: \"المعنى: ثم انصرفت وقد قلت ما أردت من الأعداء، ولم ينالوا ما أرادوا مني، وأنا على بصيرتي الأولى، لم يبد لي قدم في الاقتحام. ولا غلب على التطرق والانحراف، بل قد صار إقدامي في الحروب قارحاً، لطول ممارستي وتكرر مبارزتي (١) \"\rوقد عد الخطيب القزويني قول أبي تمام في وصف قلم محمد عبد الملك الزيات:\rلعاب الأفاعي القاتلات لعابه ... وأرى الجنى اشتارته أبد عواسل\rمن باب القلب، حيث عكس التشبيه للمبالغة (٢).\rوأرى الجنى: أي العسل المجنى، اشتارته: أي جنته والأيدي العواسل: العارقة بجنيه.\rكان الأصل: أن يشبه مداد القلم بلعاب الأفاعي في قوة التأثير، ولكنه عكس فشبه لعاب الأفاعي بمداد قلمه على سبيل التشبيه للقلوب، المبالغة في شدة تأثيره.\rولكن حمل التشبيه - في بيت أبي تمام - على القلب مخالف لما يراه عبد القاهر فيه، إذ يقول في هذا البيت: إنك إن قدرت في قول أبي تمام:","footnotes":"(١) المطول ص ١٣٩.\r(٢) الإيضاح ٤٧ وشروح التلخيص ١/ ٤٨٩.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584502,"book_id":8505,"shamela_page_id":355,"part":null,"page_num":358,"sequence_num":355,"body":"(لعاب الأفاعي القاتلات لعابه) أن لعاب الأفاعي مبتدأ، ولعابه: خبر - كما يوهمه الظاهر - أفسدت عليه كلامه. وأبطلت الصورة التي أرادها فيه.\rوذلك لأن غرض الشاعر: أن يشبه مداد قلمه بلعاب الأفاغي، ووبارى الجنى، أي أن لعابه سم لأعدائه، وشفاء لأوليائه، فإذا ما كتب في التهديد والوعيد كان كسم الأفاعي، وإذا ما كتب في العطايا والصلات حقق النفوس ما تحلو مذاقته عندها، وأدخل السرور واللذة عليها، وهذا المعنى إنما يتحقق إذا كان لعابه: مبتدأ، ولعاب الأفاعي خبراً، فأما تقديرك أن يكون، (لعاب الأفاعي) مبتدأ، و (لعابه) خبراً، فإنه يبطل ذلك، ويخرج بالكلام إلى ما لا يجوز أن يكون مراداً في مثل غرض أبي تمام، وهو أن يكون أراد أن يشبه لعاب الأفاعي بالمداد، ويشبه كذلك بارى الجنى (١).","footnotes":"(١) دلائل الإعجاز ٢٨٣.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584503,"book_id":8505,"shamela_page_id":356,"part":null,"page_num":359,"sequence_num":356,"body":"التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي وعكسه\rهذا الأسلوب ألحقه ابن الأثير - وقبعه العلوي صاحب الطراز - بالالتفات، ملاحظاً أن الالتفات هو: الانتقال من صيغة - في الكلام إلى صيغة أخرى، كالانتقال من صيغة الماضي إلى صيغة المستقبل أو من صيغة المستقبل إلى صيغة الماضي وهكذا.\rوذكر البلاغيون أن نكتة التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي: هي التنبيه على تحقق الوقوع، وأن ما هو للوقوع كالواقع، وأن نكتة التعبير عن الماضي بلفظ المستقبل: هي استحضار الصورة العجيبة، وذلك لقصد المبالغة في كلا التعبيرين، فهو من قبيل الاستعارة التبعية:\rوهذا التصرف وإن كان من وظيفة \"البيان\" إلا أنه من المعاني من حيث إن الداهي إليه: التنبيه على تحقق الوقوع في الأول، واستحضار الحال الماضية في الثاني.\rفمن التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي: قول الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً﴾.\rوقول الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584504,"book_id":8505,"shamela_page_id":357,"part":null,"page_num":360,"sequence_num":357,"body":"وقول الله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾، ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ﴾.\rفأنت ترى أن المعنى في كل ذلك: يوم ينفخ، ويصعق، ونحشر، ويفزع، وينادي، فجعل المتوقع الذي لابد من وقوعه، والذي لا محالة من مجيئه كالواقع الآن.\rعلى أن ثمة نكتة أخرى لهذا التعبير الذي يصور لك ما سيحدث بصورة الحاصل: فالآيات الكريمة تصور لنا مشاهد يوم القيامة، وتنقلها لنا كأنها حاصلة الآن، ولا ريب أن نقل هذه المشاهد بهذه الصور يجعلنا نتخيل أننا قد بعثنا في يوم القيامة ووقفنا أمام الله تعالى للحساب فرأينا هذه الصور المروعة لقلوب الكافرين وذلك مما يلقي الروع في قلوب الجاحدين فيرجعون إلى الله تعالى، ويسكب الخشوع في قلوب المؤمنين فيزدادون به إيماناً، ولا يحيدون عن طريق الحق، وإن أمعن الشيطان في إغوائهم.\rومما هو من هذا القسم بسبيل: التعبير عن المستقبل باسم الفاعل أو اسم المفعول المنكتة السابقة، وهي: التنبيه على تحقق الوقوع.\rومنه قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾ وقوله: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ﴾.\rلم يقل وإن الدين لبقع، والدين: هو الجزاء، ولم يقل: ذلك يوم يجمع له الناس، لأن كلا منهما واقع لا محالة، فكأنه قد وقع.\rومن التعبير عن الماضي بلفظ المستقبل: قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً﴾ كان مقتضى الظاهر أن يقال: فأثارت، لأن الإثارة وقعت فعلاً، ولكنه عبر عنها بلفظ المضارع، فاصداً بذلك استحضار صورتها في الخيال وكأنها واثعة عياناً، لما فيها من الدلالة على القدرة الباهرة التي تثير السحاب مسخراً بين السماء والأرض.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584505,"book_id":8505,"shamela_page_id":358,"part":null,"page_num":361,"sequence_num":358,"body":"ومنه قول تأيط شرا:\rألا من مبلغ فتيان فهم ... بما لاقيت عند رحا بطان\rبأني قد لقيت الغول تهوى ... بسيب كالصحيفة صحصحان\rفقلت لها: كلانا تضو أرض ... أخو سفر فخلى لي مكاني\rفشدت شدة نحوي فأهوت ... لها كفى بمصقول يماني\rفاضربها بلا دهش فخرت ... صريعاً لليدين والجران\rفالشاعر يزعم أنه قد لقى الغول في سفره وقد جاءت نحوه فحاول إبعادها عن طريقه ولكنها أمضت في اقترابها منه، فضربها بسيفه فصرعها.\rبيد أنه لم يقل فضربتها، وإنما قال \"فاضربها\" فعبر عن الضرب في الماضي بالضرب في الحال؛ مستخدماً صيغة المضارع مكان صيغة الماضي، ليصور لقومة الحالة التي تشجع فيها على ضرب الغول، كأنه يقدم لهم صورتها أو يطلب منهم مشاهدتها تعجباً من جزاءته على كل هول، وثباته عند كل شدة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584506,"book_id":8505,"shamela_page_id":359,"part":null,"page_num":362,"sequence_num":359,"body":"الفصل الرابع\rأحوال المسند\r١ - حذفه.\r٢ - ذكره.\r٣ - تعريفه.\r٤ - تقديمه.\r٥ - تقييده بالشرط.\r\r١ - حذف المسند:\rأسلفنا لك - عند الحديث على حذف المسند إليه -: أن من أسباب قوة العبارة: أن تأتي موجزة محكمة التركيب، محذوفاً منها ما قامت القرائن على وجوده مقدراً، لأن ذكره حينئذ مما يؤدي إلى ثقل العبارة بما يمكن الاستغناء عنه، كما أنه يؤدي إلى إطالة العبارة وترهلها، والبلاغة الإيجاز - كما يقولون -.\rونحن لا نرى بأساً من إعادتها، حيث الحديث عن حذف المسند؛ لأن هذا القول مما ينطبق على حذف المسند، والسند إليه كليهما.\rوقد عبر البلاغيون عن حذف المسند إليه بالحذف، وعن حذف المسند بالترك لنكتة لطيفة، وهي: أن المسند إليه أقوم ركن في الكلام وأعظمه، والاحتياج إليه فوق الاحتياج إلى المسند، فحيث لم يذكر لفظاً، فكأنه أتى به - لفرط الاحتياج إليه، ثم سقط لغرض، بخلاف المسند، فإنه ليس بهذه المثابة في الاحتياج، فيجوز أن يترك ولا يؤتي به لغرض (١).","footnotes":"(١) المطول ص ١٤٠.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584507,"book_id":8505,"shamela_page_id":360,"part":null,"page_num":363,"sequence_num":360,"body":"على أن أغراض حذف المسند لا يمكن حصرها، لأنها تتنوع بتنوع مقتضيات الأحوال، وهذه لا يمكن حصرها أو تحديدها.\rولكننا نسوق إليك أمثلة من حذف المسند، لتتبين منها أسرار حذفه في كل منها، لتكون لك مصابيح هداية في طريق تتبع أنماط الأساليب التي وردت محذوفة المسند.\rفمن ذلك قول ضابي بن الحارث البرجمي، وهو في سجن عثمان ﵁ (١):\rومن يك أمسى بالمدينة رحله ... فإني وقيار بها لغريب\rفلا تجز عن قيار من حبس ليلة ... قضية ما يقضى لنا فنؤوب\rوما عاجلان الطير تدني من الفتى ... رشاداً، ولا عن رئيهن يخيب\rورب أمور لا تضيرك ضيرة ... والقلب من مخشاتهن وجيب\rفلا خير فيمن لا يوطن نفسه ... على غائبات الدهر حين تنوب\rوفي الشك تفريط، وفي الحزم قوة ... ويخطئ في الحدس الفتى ويصيب\rولست بمستبق صديقاً ولا أخا ... إذا لم تعد الشيء وهو يريب","footnotes":"(١) الأصمعيات: ص ١٨٤.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584508,"book_id":8505,"shamela_page_id":361,"part":null,"page_num":364,"sequence_num":361,"body":"فالشاعر يشكو ما يعانيه هو وجمله: قيار من ألم الغربة بالمدينة، فقد حن في نفسه، وآلمه أن يرى نفسه غريب الدار، بعيد المزار، غائباً عن الأهل والوطن، في الوقت الذي يرى فيه غيره - من أهل المدينة - ينعم باجتماع شمله بأهله ووطنه، ولهذا فإنه يستشعر الصبر ويأخذ قياراً به - أيضاً - لأن ما يلقاه الأحياء، إنما هو قضاء الله وقدره، والناس يفزعون من النوائب قبل حلولها، وإذا وطنوا أنفسهم عليها لم يجدوا لها ذلك الخوف والفزع، ولا خير في الظن وإنما هو اليقين والحزم، وغفران زلة الصديق مما يستسقيه ويحفظه.\rويبدو أن الأبيات من قصيدة طويلة يعاقب فيها صديقاً من أهل المدينة لم يزره في حبسه. ولكن لم يعثر منها إلا على هذه الأبيات، لأنك تجد أولى هذه الأبيات معطوفاً على ما قبلها من أبيات أخرى.\rولئن كان محقق النص لم يأت في أولى بيت منها بحرف الغطف فإن هذا البيت لا يصلح بدونه إذ ينكسر وزنه. لأن القصيدة من بحر الطويل الذي أول تفصيلة منه (فعولن).\rولأن البيت الأخير دليل على أنه يعاتب صديقاً.\rوالشاهد في الأبيات قوله: (فإني وقيار بها لغريب) فلفظ البيت خبر، ولكن معناه التحسر على الغربة والتوجع من الكربة، وقد حذف فيه المسند إلى \"قيار\"، وكان أصل الكلام أن يقول: فإني لغريب بها وقيار غريب، ولكنه حذف المسند في الجملة الثانية، لأن ذكره في العبارة بعد دلالة القرينة عليه عبث واضح، ولأن نفسه تؤثر الإيجاز لما هي فيه من ضيق وحزن وضجر والسر في تقديم (قيار) على خير إن - كما يقول العلامة سعد الدين التفتازاني - قصد التسوية بينه وبين جمله في التحسر على الغتراب، وكأنه أثر في غير ذي العقل أيضاً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584509,"book_id":8505,"shamela_page_id":362,"part":null,"page_num":365,"sequence_num":362,"body":"وبيان ذلك: أنه لو قيل: (إني لغريب وقيار) لجاز أن يتوهم أن له مزية على قيار في التأثر بالغربة؛ لأن ثبوت الحكم أولاً أقوى؛ فقدمه ليتأتى الإخبار عنهما دفعة بحسب الظاهر؛ تنبيهاً على أن قياراً مع أنه ليس من ذوي العقول قد تساوى مع العقلاء في استحقاق الإخبار عنه بالاغتراب قصداً إلى التحسر (١).\rوقال عمرو بن امرئ القيس الخزرجي (٢):\rيا مال؛ والسيد المعمم قد ... يبطره بعد رأيه السرف\rيا مال؛ والحق إن قنعت به ... فالحق فيه لأمرنا نصف\rخالفت في الرأي كل ذي فجر ... والحق يا مال غير ما تصف\rلا يرفع العبد فوق سنته ... والحق يوفى به ويعترف\rإن بجيراً مولى لقومكم ... يا مال والحق عنده فقفوا\rأوتيت فيه الوفاء معترفا ... بالحق فيه لكم فلا تكفوا\\\rنحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأي مختلف.\rوكان من خير هذه الأبيات: أنه كان لمالك بن العجلان مولى يقال له بجير؛ وكان قد جلس مع قوم من الأوس، ففضل مالكاً عليهم فقتلوه، فلما علم مالك بذلك طلب إليهم أن يعطوه القاتل ليقتص منه فأبوا، وطلبوا منه أن يأخذ فيه دية العبد فأبى إلا أن يأخذ فيه دية الحر فأبوا ورأوا في ذلك شططاً؛ فقامت الحرب بين الأوس والخزرج، ثم احتكموا إلى عمرو بن امرئ القيس الخزرجي، فقال هذا\rالشعر (٣).","footnotes":"(١) المطول ص ١٤٠.\r(٢) جمهرة أشعار العرب ٥٣٠ واللسان (فجر).\r(٣) لسان العرب مادة (فجر).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584510,"book_id":8505,"shamela_page_id":363,"part":null,"page_num":366,"sequence_num":363,"body":"فالشاعر يقول هذا الشعر لمالك بن العجلان بعد أن ضاقت به الحيل في سبيل الوصول إلى رضا مالك بقبول دية العبد، ولهذا فإنه آثر الإيجاز.\rوالشاهد في هذه الأبيات قوله: (نحن بما عندنا رأفت بما عند راض) حيث حذف المسند إلى \"نحن\" وأصله: (نحن بما عندنا راضون، وأنت بما عندك راض) إيثاراً للإيجاز والاختصار لعدم تقبل المخاطب لرأيه، ولعدم رغبته في إطالة الحديث معه، يدلك على هذا: أنه لا ينطق باسمه كلاماً ولكنه يرخمه فيقول: بإمال، بدلاً من أن يقول: يا ملك.\rوقد جاء ترخيم مالك - في قراءة علي وابن مسعود ﵄: \"ونادوا يا مال، ليقض علينا ربك\" لأن أهل النار يومئذ في ضيق شديد فهم يقتطعون بعض الاسم لضعفهم وعظم ما هم فيه (١).\rوقال أبو الطيب المتقي من قصيدة يمدح بها شجاع بن محمد الطائي المنيجي (٢):\rإن إلى سفكت دمى يجفونها ... لم تدر أن دمي الذي تتقلد.\rقالت: - وقد رأت أصفر أرى - من به؟\rوتنهدت؛ فأجبتها: المتنهد!\rيعنى: إن الفتاة التي نظرت إلى فقتلتني بنظرتها، لم تدر أنها قد باءت بإثمي، وأن دمى في عنقها؛ ولما رأت تغير وجهي واصفراره قالت من قتل؟ أو من فعل به هذا الذي أراه؟ ثم تنهدت؛ فأجبتها عن سؤالها:\rالمتنهد المطالب به، أو الفاعل بي هذا.\rوالشاهد هنا: قوله: \"المتنهد\" حيث حذف منه المسند لضيق صدره","footnotes":"(١) ... الكشاف ٣/ ٤٩٦.\r(٢) ... الأصمعيات ٢٤٤.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584511,"book_id":8505,"shamela_page_id":364,"part":null,"page_num":367,"sequence_num":364,"body":"بما ألم به من ألم الهوى والتقدير: المتنهد هو المطالب به والمسئول عنه أو التقدير: فعل به المتنهد.\rومن أغراض حذف المسند: إتباع الاستعمال الوارد، كأن تقول - لمن قال لك: إن القوم إلب عليك فهل لك أحد؟ -: \"إن محمداً وإن علياً\" أي: إن لي محمداً، وإن لي عليا، وذلك لأن الاستعمال الوارد هو: حذف الخبر عند تكرار \"إن\" وتعدد اسمها، وذلك كما في قول الأعشى:\rإن محلاً، وإن مرتحلاً ... وإن في السفر إذ مضوا مهلاً\rأي إن لنا في الدنيا حلولاً، وإن لنا عنها إلى الآخرة ارتحالاً، والسفر: الرفاق قد توغلوا في المضي لا رجوع لهم، ونحن على إثرهم عن قريب.\rومن حذف المسند لإتباع الاستعمال الوارد: قول الله تعالي: \"قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي\" فقد حذف هنا: المسند إلى ضمير المخاطبين، وذلك لأن \"أنتم\" فاعل لفعل محذوف دل عليه المذكور، لأن \"لو\" لا تدخل إلا على الأفعال.\rومنه قول حاتم الطائي: \"لو ذات سوار لطمتني\" فقد روى الأصمعي أن حاتماً هو ببلاد عنزة فناداه أسير لهم أن يطلقه ولم يكن مع حاتم شيء يساومهم به، فقال: أطلقوه واجعلوا يدي في القيد، مكانه، ففعلوا، ثم جاءته امرأة أمة ببعير ليفصده فقام فنحره، فلطمته، فقال لها ذلك.\rالمعنى: لو أن التي لطمتني أحدى الجرائر لآخذتها.\rومنه قول المتلمس يعاتب خاله الحارث بن التوءم اليشكرى؟ :\rفلو غير أخوالي أرادوا نقيضي ... جعلت لهم فوق العرائين ميسما.\rوما كنت إلا مثل قاطع كفه ... بكف له أخرى فأصبح أجذما.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584512,"book_id":8505,"shamela_page_id":365,"part":null,"page_num":368,"sequence_num":365,"body":"العرانين: جمع عرنين، وهو الأنف كله، أو ما صلب منه، والميمم العلامة.\rيقول: لو أن الإساءة قد أتت من غير أخوالي لانتقمت لنفسي منهم وأذللتهم وجعلتهم عبرة بين الناس، ولكن الإساءة قد أتت من أخوالي، فهم أهلي وعشيرتي، وليس لي إليهم من سبيل، لأني إذا ما انتقمت منهم كنت كمن يقطع بكفه كفه الأخرى.\rوالشاهد هنا: حذف المسند إلى \"غير\" في قوله: (ولو غير أخوالي أرادوا نقيصتي) والأصل فلو أراد غير أخوالي أرادوا نقيصني، وإنما حذف المسند هنا إتباعاً للاستعمال الوارد، لأن \"لو\" عندهم لا تدخل إلا على الأفعال.\rومنه قول الله تعالي: \"قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي\" وتقديره: لو تملكون تملكون مكراً، للتأكيد، ولكن حذف الفعل الأول المسند إلى ضمير المخاطبين لدلالة الفعل الثاني عليه فانفصل الضمير.\rقال الزمخشري: \"هذا ما يقتضيه علم الإعراب، فأما ما يقتضيه علم البيان فهو: أن \"أنتم تملكون\" فيه دلالة على الاختصاص، وأن الناس هم المختصون بالشح المتبالغ ونحوه قول حاتم: \"لو ذات سوار لطمتني\"\rقول المتلمس:\rولو غير إخواني ... أرادوا نقيصتي (١).\rوذلك لأن الفعل الأول لما سقط لأجل المفسر، برز الكلام في صورة المبتدأ والخبر.","footnotes":"(١) ... الكشاف ٢/ ٤٦٨.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584513,"book_id":8505,"shamela_page_id":366,"part":null,"page_num":369,"sequence_num":366,"body":"ومن حذف المسند قول الله تعالي: \"أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً؟ \" أي: كمن لم يزين له سوء عمله؟ والمعني: أفمن زين له سوء عمله من الفريقين اللذين تقدم ذكرهما كمن لم يزين له سوء عمله؟ فكأن النبي ﷺ لما قيل له ذلك قال: لا فقيل: \"إن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات\" أو المعني: أفمن زين له سوء عمله كمن هداه الله؟ فحذف لدلالة \"فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء\".\rوقيل: المعني: أفمن زين له سوء عمله ذهبت نفسك عليهم حسرات؟ فحذف لدلالة \"فلا تذهب نفسك عليهم حسرات\".\rومعنى تزين العمل والإضلال واحد، وهو أن يكون العاصي على صفة يستوجب بها خذلان الله تعلى، فيهم في الضلال، ويعتنق الهوى، فيرى القبيح حسناً والحسن قبيحاً كأنما غلب على عقله وسلب تمييزه، ويندرج تحت قول أبى نواس:\rأسقن حتى تراني ... حسناً عندي القبيح\rوإذا خذل الله الممعنين في الضلال فإن على الرسول أن لا يعبأ بهم، ولا يلقى بالاً لهم، ولا يحزن ولا يتحسر عليهم، لأن الله تعالي خذلهم وتخلى عنهم (١).\rوإذا كان النبي ﷺ حزيناً على أولئك الذين أمعنوا في الضلال والكفر والعصيان من قومه، والله سبحانه وتعالي ينهاه من أن يحزن وتذهب نفسه عليهم حسرات، كان أسلوب الإيجاز في هذا المقام مما يقتضيه الحال.\rومما هو محتمل لحذف المسند إليه: قول الله تعالي: \"بل سولت لكم","footnotes":"(١) ... الكشاف ٢/ ٣٠١.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584514,"book_id":8505,"shamela_page_id":367,"part":null,"page_num":370,"sequence_num":367,"body":"أنفسكم فصبر \"جميل\" وقوله تعالي: سورة أنزلناها وفرضناها\" وقوله تعالي: \"وأقسموا بالله جهد إيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن قل: لا تقسموا طاعة معروفة\".\rفالآية الأولى: يمكن أن تكون من حذف المسند فيكون التقدير: فصبر \"جميل\" أجمل، وأن تكون من حذف المسند إليه، ويكون التقدير، فأمري صبر \"جميل\".\rوالآية الثانية يمكن أن تكون من حذف المسند، فيكون التقدير: فيما أو حينا إليك سورة أنزلناها وأن تكون من حذف المسند إليه، ويكون التقدير: هذه سورة أنزلناها.\rوالآية الثالثة: يمكن أن تكون من حذف المسند فيكون التقدير: طاعة معروفة أمثل وأولى بكم من هذه الإيمان الكاذبة، وأن تكون من حذف المسند إليه ويكون التقدير: الذي يطلب منكم طاعة معروفة معلومة لا يشك فيها ولا برقاب: كطاعة الخلص من المؤمنين الذين طابق باطن أمرهم ظاهرة، لا إيمان تقسمون بها بأفواهكم وقلوبكم على خلافها، أو طاعة معروفة بأنها بالقول دون العمل.\rوعلى أية حال فإن سر الحذف فيما يحتمل فيما يحتمل فيه حذف المسند أو المسند إليه، هو تكثير الفائدة، وذلك بإمكان حمل الكلام على كل من المعنيين.\rوسواء كان المحذوف هو المسند، أو كان هو المسند إليه فإنه لابد للحذف من قرينة حالية أو مقالية دالة على المحذوف، وإلا لكان الحذف مخلاً بالمعني، وذلك ما يأباه الذوق العربي، ويمجه الإحساس البلاغي: ومن قرائن حذف المسند: وقوع الكلام جواباً عن سؤال مذكور، أو مقدر:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584515,"book_id":8505,"shamela_page_id":368,"part":null,"page_num":371,"sequence_num":368,"body":"فمن وقوع الكلام جواباً عن سؤال مذكور: قول الله تعالي: ﴿ولَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ (١)﴾، : فقوله: \"الله\" جواب عن سؤال مذكور في الكلام هو قوله ﴿مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ؟ ﴾ وقد حذف المسند في الجواب والأصل: خلقهن الله.\rومنه قوله تعالي: ﴿ولَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ \" (٢)، فقوله: \"الله\" جواب - أيضاً - عن سؤال مذكور في الكلام، هو قوله: ﴿مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدِ مَوْتِهَا؟ ﴾ وقد حذف المسند - أيضاً - في الجواب؛ والأصل: نزله الله، وأحيا به الأرض.\rومن وقوع الكلام جواباً عن سؤال مقدر قول الله تعالي في قراءة عن قرأ - ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ والآصَالِ رِجَالٌ﴾ بهناء \"يسبح\" للمجهول، فكأنه بعد أن قال. يسبح له فيها بِالْغُدُوِّ والآصَالِ قيل. من يسبحه؟ فقال: رجال.\rومنه قول الحرب بن ضرار بن نهشل يرني أخاه يزيد بن نهشل:\rليبك يزيد ضارع لخصومة ... ومختبط مما تطيح الطوائح\rالمختبط من جاء يطلب المعروف من غير آصرة، والعار اثح: الشدائد.\rيقول إن أخاه كان عوناً للضعفاء والمظلومين، ومقصداً لآمال المحتاجين والمكروبين، فليبكه هؤلاء جميعاً، وحق لهم أن يبكوا، فقد ذهبت بذهابه صفات الكرم، وماتت بموته محامد الشيم.","footnotes":"(١) ... سورة العنكبوت ٦٣.\r(٢) ... سورة لقمان ٢٥.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584516,"book_id":8505,"shamela_page_id":369,"part":null,"page_num":372,"sequence_num":369,"body":"والشاهد هنا: قوله: \"ضارع لخصومة\" حيث حذف المسند إلى \"ضارع\" والتقدير: \"يبكيه ضارع\" لأنه واقع في جواب سؤال مقدر تقديره: \"من يبكيه؟ \".\rوذلك لأنه لما قال: \"ليبك يزيد\" ببناء الفعل للمجهول وقع فيه إبهام، فكأن سائلاً سأل: من يبكيه؟ فقال: ضارع لخصومة، أي: يبكيه ضارع لخصومة، ونحتبط مما تطيح الطوائح.\rوهذا البيت - وإن كان قريب المعني من قول لبيد في رثاء النعمان بن المنذر (١):\rليبك على النعمان شرب وقينة ... ومختبطات كالسعالي أرامل\rأي. ليبكة الأرامل والضعيفات من طالبات معروفة، فقد حرموا بموته نعيم الحياة، ولذيذ العيش ولتبكة الأرامل والضعيفات من طالبات معروفة فقد حرمن بموته المعين على نواثب الدهر.\rإلا أن بيت الحرث بن ضرار بن نهشل قد بني فيه \"ليبك\" للمجهول، فأسند الفعل إلى نائب الفاعل، وهو \"يزيد\" بينما بيت لبيد قد بني فيه \"ليبك\" للمعلوم وأسند الفعل إلى فاعله ولهذا فإن بيت الحرث فيه حذف المسند، بينما بيت لبيد لبس فيه حذف للمسند.\rوكان لضيع الحرث بن ضرار من مزايا النظم البلاغي ما رآه البلاغيون مجملاً فيما يلي:","footnotes":"(١) ... لسان العرب مادة (خبط).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584517,"book_id":8505,"shamela_page_id":370,"part":null,"page_num":373,"sequence_num":370,"body":"أولاً: تكرار الإسناد: وذلك أن إسناد الفعل المبني للمجهول إلى نائب الفاعل يوحي بأن له فاعلاً ينبغي أن يسند إليه، وهذا هو الإسناد الأول.\rولما كان \"ضارع\" فاعلاً لفعل مقدر تقديره: \"يبكيه ضارع\" فقد جاء الإسناد الثاني.\rولا ريب أن التركيب الذي اشتمل على إسنادين أقوى وأكد مما اشتمل على إسناد واحد.\rثانياً: التفصيل بعد الإجمال، وذلك لأنه لما قال \"لبيك يزيد\" فأسند الفعل إلى نائب الفاعل قد أبهم الفاعل، ولكنه لما قال \"ضارع\" وكان التقدير \"يبكيه ضارع\" قد نص على ذلك الفاعل، ولهذا يكون الشاعر قد أجمل ذكر الفاعل أولاً ثم فصله ثانياً.\rولا ريب أن الإيضاح بعد الإبهام أو التفصيل بعد الإجمال أوقع في النفس لما هو مركوز في الطباع من أن إبهام الشيء أو إجماله مما يشوق إلى إيضاحه وتفصيله.\rثالثاً: أن نائب الفاعل هنا - وهو \"يزيد\" هو المقصود من المرئية، لأنها إنما قيلت من أجله، لتعداد مناقبه، وبيان مآثره، فناسب أن يطوي ذكر الباكي ويذكر المبكي عليه وهو \"يزيد\" ويصير عمدة في الكلام، ولو لم يسلك به الشاعر هذا الصنيع لصار \"يزيد\" فضلة لا عمدة في الكلام، ولأصبح الاهتمام موجهاً إلى الباكي لا إلى المبكي عليه، وذلك مما لا يناسب مقام الرثاء، ولا يتفق وغرض الشاعر.\rرابعاً: أن الشاعر لما قال: لبيك يزيده فاسند الفعل إلى نائب الفاعل كان الكلام بذلك قد تم وليس محتاجاً إلى فاعل ليتم به، ولكنه لما ذكر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584518,"book_id":8505,"shamela_page_id":371,"part":null,"page_num":374,"sequence_num":371,"body":"الفاعل بعد ذلك فقال: \"ضارع\" كان محيطه كالغنيمة غير المتوقعة، وذلك أشهي عند النفس وأحلى عندها موقعاً.\rولكنه لو بني الفعل للفاعل. فقال: \"ليبك يزيد\" بنصب \"يزيد\" لأصبح الفاعل مترقباً ذكره. لأنه لابد لل××× من فاعل، فلا يكون موقعه في النفس عند مجينه - ذلك الموقع الذي أسلفنا.\rوعن حذف المسند الذي قربلته وقوع الكلام جواباً عن سؤال مقدر قوله الله تعالي: \"وجعلوا لله شركاء الجن\" في أحد الأقوال الواردة فيه.\rقالوا: فإن جعل \"لله شركاء\" مفعولين لجعلوا، فقوله. \"الجن\" يحتمل وجهين:\rالوجه الأول: - وهو رأي الإمام عبد القاهر - أن يكون منصوباً بفعل محذوف دل عليه سؤال مقدر، كأنه قيل. من جعلوا لله شركاء؟ لقيل. الجن، أي. جعلوا الجن ويدخل اتخاذ الشريك من غير الجن - في الإنكار - دخول اتخاذه من الجن في هذا الإنكار.\rوالوجه الثاني: -وهو رأي الإمام الزمخشري - أن ينصب \"الجن\" بدلاً من شركاه وبذلك يفيد التركيب إنكار الشريك مطلقاً - كما أسلفنا -.\rوإن جعل \"لله\" لغواً كان قوله: \"شركاء الجن\" مفعولين قدم ثانيهما على أولهما.\rأي: وجعلوا الجن شركاء لله، وفائدة التقديم حينئذ. استعظام أن يتخذ لله شريك، سواء أكان ملكاً أو جنباً، أو غيرهما، ولهذا قدم \"لله\" على الشركاء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584519,"book_id":8505,"shamela_page_id":372,"part":null,"page_num":375,"sequence_num":372,"body":"ولو لم يبين الكلام على التقديم وقيل، وجعلوا الجن شركاء لله لما أفاد الكلام إلا إنكار جعل الجن\rشركاء (١).\rومن حذف المسند لوقوعه في جواب سؤال مقدر باب \"نعم، وبئس\".\rوذلك كما تقول. \"نعم الرجل محمد\" على رأي من يجعل المخصوص مبتدأ خبره محذوف، أي محمد الممدوح، فحذف المسند إلى محمد لوقوعه جواباً عن سؤال مقدر، وكأن سائلاً سأل. من الممدوح، فأجيب: محمد","footnotes":"(١) ... الإيضاح ص ٥١، ص ٥٢.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584520,"book_id":8505,"shamela_page_id":373,"part":null,"page_num":376,"sequence_num":373,"body":"(٢) ذكر المسند\rأسلقنا لك أن المنهج الذي رسمه عبد القاهر لنظر بته في النظم البلاغي قد تضمن موضوع الحذف والتكرار، ولم يتعرض لموضوع الذكر، وأنه قد التزم بهذا فلم يهتم بموضوع الذكر واهتم بموضوع الحذف، لأن الذكر هو الأصل والحذف فرع عنه، والأصل الذي لا يتم الكلام بدونه لا يحث البلاغة ليه، وأن المتأخر بن قد استنبطوا من هذا التصرف غرضاً من أغراض الذكر، وهو: أنه الأصل ولا مقتضي للعدول عن ذلك الأصل.\rوبهذا يكون موضوع الذكر مفهوماً عند عبد القاهر من كونه هو الأصل، أما التكرار فقد ذكره منهجاً ولم يأت به تطبيقاً، ولكنه اهتم بإيراد المسند فعلاً أو اسماً.\rوبهذا ينحصر بحثنا هنا في موضوعات ثلاثة هي: ذكر المسند، وتكرار، وإيراده أسماً أو فعلاً.\r\rأولاً: ذكر المسند:\rقالوا: إن المسند يذكر لنفس الدواعي التي اقتضت ذكر المسند إليه.\rوذلك كسكونه هو الأصل ولا مقتضي العدول عن ذلك الأصل، كقولك ابتداء: أكثم بن صيفي خطيب العرب في الجاهلية.\rوكالاحتياط لضعف التعويل على القرينة، كقولك في جوانب من قال: من أكرم العرب في الجاهلية وأشجعهم؟ -: عنترة أشجعهم، وحاتم أجودهم، لأنك لو قلت: عنترة وحاتم وحذف المسند إلى كل منهما لاحتمل أن تكون قد أردت: عنترة أكرمهم، وحاتم أشجعهم، فذكرت المسند إلى كل منهما حتى يتعين المخاطب.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584521,"book_id":8505,"shamela_page_id":374,"part":null,"page_num":377,"sequence_num":374,"body":"وكالتعريض بغبارة السامع، كقولنا: \"محمد نبينا\" في جواب من سأل: من نبيكم؟ تعرضاً بغبارة من سأل هذا السؤال وأنه لو كان له تمييز لم يسأل عن بني هو أظهر من يتوهم خفاؤه، فيجاب يذكر أجزاء الجملة إعلاماً بأن مثل هذا لا يكفي معه إلا التنصيص، لعدم فهمه بالقرائن الواضحة.\rولذلك يذكر المسند لزيادة تقريره في نفس السامع وتثبيته في ذهنه، لأنه مما يتعلق به الغرض وذلك كما في قول الله تعالي: \"ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقوان خلقهن العزيز العلمي (١)، فلو حذف المسند لدل السؤال عليه، ولكنه ذكر المسند وهو: (خلق) لزيادة تقرير خلق السموات والأرض.\rوقد ذكر العلامة السعد هذه الآية الكريمة مثالاً لذكر المسند احتياطاً لضعف التعويل على القرينة ولكن رد عليه يقول الله تعالي: \" ﴿ولَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ (٢)﴾ إذ السائل هنا هو السائل هناك والمسئول هنا هو المسئول هناك، فكيف يضعف التعويل على القربنة في أحدهما دون الآخر؟ !\rوالحق انا لمسند قد ذكر في الآية الأولى لزيادة تقرير خلق السموات والأرض وتثبيته في نفوس المشركين ولكنه حذف في الثانية إثباراً للإيجاز والاختصار اعتماداً على مجيئه في جواب سؤال محقق لأنه لو لم يحذف لقيل: خلق الله السموات والأرض، وسخر الله الشمس والقمر، لأنه لو قيل في الجوانب: خلقن الله، لم يشمل تسخير الشمس والقمر، ولو قيل: سخرهما الله\"","footnotes":"(١) ... الزخرف ٩.\r(٢) ... العنكبوت ٦١.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584522,"book_id":8505,"shamela_page_id":375,"part":null,"page_num":378,"sequence_num":375,"body":"لم يشمل خلق السموات والأرض ولهذا كان في الإيجاز يحذف الشد مندوحة عن هذه الإطالة.\rولعل أهم غرض من أغراض ذكر المسند إليه هو التقرير والإيضاح كما يقول الدكتور محمد أبو موسى - لأن الأغراض التي أسلفناها ربما كانت ضيقة المجال، كالتنبيه على غبارة السامع الذي ينحصر غالباً في مقامات الخطاب، وربما كان بعضها محدود القيمة، ككونه والأصل ولا مقتضي للعدول عن ذلك الأصل.\rوالمعاني الأدبية لا يكفي فيها ما يكفي في الحالات الخطابية من مجرد الإفهام، وإنما هي محتاجة فوق ذلك إلى مزيد من التقرير والتأكيد حتى تؤثر في النفس وتداخل القلب وتتعمق في الشعور، وذلك غاية الكلام البليغ (١).\r\rثانياً: تكرار المسند:\rإذا كان ذكر المسند يقرر المعني في النفس ويثبته، فإن تكريره مما يعين على زيادة تقريره، وتثبيته، بل إنه ليبلغ به للغاية في هذا التقرير والتثبيت، ولهذا يعمد القرآن الكريم - في مواطن كثيرة منه - إلى أسلوب التكرار، ليوثق المعاني في النفوس، ويثبتها في الأذهان: ويمكنها من العقول:\rوسورة الرحمن خير شاهد على هذا، فيعد كل نعمة من نعمه تعالي يرهفها بقوله: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، أي ليس هناك من النعم التي أسبغها الله على الثقلين ما يمكن أن يكذب.\rومنه قول الله تعالي: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ، إذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ، إنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وأَطِيعُونِ، ومَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ","footnotes":"(١) ... خصائص التراكيب، ص ٢٣٠.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584523,"book_id":8505,"shamela_page_id":376,"part":null,"page_num":379,"sequence_num":376,"body":"مِنْ أَجْرٍ إنْ أَجْرِيَ إلاَّ عَلَى رَبِّ العَالَمِينَ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وأَطِيعُونِ﴾ ثم كرر لهم هذا الطلب ليؤكده عندهم ويقرره في نفوسهم.\rومنه ما ورد أن النبي ﷺ قال: إن بني هشام بن المغيرة استأذنوني ينكحوا ابنتهم عليا، فلا آذن ثم لا آذن، إلا أن يطلق على ابنتي وينكح ابنتهم (١) \" فقوله: لا آذن ثم لا آذن من التكرير الذي هو أشد موقعاً من الإيجاز، لانصباب العناية إلى فأكيد القول في منع على ﵁ من التزوج بابنه أبي جهل بن هشام.\rوإذا تعمق معني من المعاني في نفس الشاعر، فإنه يتأثر به تأثراً بالغاً ويحاول أن يهيئه إلى غيره مكرراً، ليتأصل في نفوس سامعيه، وليتمكن من قلوبهم، كما تمكن من قلبه، وكما تأصل في نفسه بل إنه ليحاول الإكثار من تكريره، وكأنها الدندنة التي استراح إليها لبث لو أعجبه وأحزانه:\rاستمع إلى قول المهلهل بن ربيعة في رثاه أخيه كليب (٢).\rعلى أن ليس عدلاً من كليب ... إذا رجف العضاه من الدبور\rعلى أن ليس عدلاً من كليب ... إذا طرد اليتيم عن الجزور\rعلى أن ليس عدلاً من كليب ... إذا ما ضيم جيران المجير\rعلى أن ليس عدلاً من كليب ... إذ خيف المخوف من الثغور\rعلى أن ليس عدلاً من كليب ... فداة بلابل الأمر الكبير\rعلى أن ليس عدلاً من كليب ... إذا هبت رياح الزمهرير\rعلى أن ليس عدلاً من كليب ... إذا برزت مخبأة الخدور\rعلى أن ليس عدلاً من كليب ... إذا علنت نجيات الأمور","footnotes":"(١) ... المثل السائر، ص ١٣٥.\r(٢) ... أيام العرب ص ١٥٧.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584524,"book_id":8505,"shamela_page_id":377,"part":null,"page_num":380,"sequence_num":377,"body":"ولهذا السبب - أيضاً - رأينا الحارث بن عباد وكان من أحلم أهل زمانه وأشدهم بأساً، عندما أرسل إلى المهلهل يقول له: إن كنت قتلت بجيراً بكليب (يقصد بجيراً ابنه) فقد طابت نفسي بذلك، فأرسل إليه المهلهل. إنما قتلته بشسع أهل كليب! ، فغضب الحارث ودعا بفرسه - وكانت\rتسمي النعامة - فجزفا صيتها، وهلب ذنبها، ثم قال:\rقربا مربط النعامة منى ... لفحت حرب وائل عن حيال.\rقربا مربط النعامة منى ... ليس قولي يراد لكن فغالى.\rقربا مربط النعامة منى ... جد نوح النساء بالإعوال.\rوظل يكرر قوله: (قربا مربط النعامة منى) حتى كررها سبع عشرة مرة في القصيدة.\rوطلب البكاء معني من المعاني التي استقرت في نفس الخنساء، ولهذا فإنها قد نثرته دموعا كليمة بللت بها أرجاء ديوانها حزنا علي أخيها صخر:\rاستمع إليها تكرار طلب البكاء:\rأعيني جود ولا تجمدا ... ألا تبكيان لصخر الندي؟ !\rألا تبكيان الجواد الجميل ... ألا تبكيان الفتي السيدا؟ !\rوذلك لأن الناس قد أجمعوا - كما يقول أبو هلال - علي أن البكاء\rيطفئ الغليل، ويبرد حرارة المحزون، ويزبل شدة الوجد.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584525,"book_id":8505,"shamela_page_id":378,"part":null,"page_num":381,"sequence_num":378,"body":"وقد ذكر أبو هلال - أيضاً - أن أبا بكر بن عياش قال: كنت وأنا شاب إذا أصابتني مصيبة لا أبكي، فيحترق جوفى، فرأيت أعرابياً بالكناس علي ناقة له والناس حوله وهو ينشد:\rخليلي عوجا من صدور الرواحل ... ببرقة حزوى فابكيا في المنازل\rلعل انحدار الدمع يعقب راحة ... من الوجد أو ينفي نجي البلابل\rفسألت عن الأعرابي، فقيل: هو ذو الرمة، فكنت بعد ذلك إذا أصابتني مصيبة بكيت فاستشفيت، فقلت: قاتل الله الأعرابي ما أبصره (١)!\rولهذا قال الفرزدق:\rفقلت لها: إن البكاء لراحة ... به يشتفى من ظن أن لا تلاقيا.\rومن تكرير المسند في الهجاء تهكماً: قول البرج بن مسهر الطائي - وكان قد فارق قومه مراغما لهم وجاور كلبا فلم يحمد جوارهم، ففارقهم ذا مالهم: (٢)\rفنعم الحي كلب غير أنا ... رأينا في جوارهم هنات.\rونعم الحي كلب غير أنا ... رزئنا من بنين ومن بنات.","footnotes":"(١) الصناعتين ص ١٢٢\r(٢) ديوان الحماسة ١/ ١٤٢.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584526,"book_id":8505,"shamela_page_id":379,"part":null,"page_num":382,"sequence_num":379,"body":"ثالثاً: إيراد المسند فعلا أو اسما:\rالفرق بين إثبات المعني عن طريق الاسم، وإثباته عن طريق الفعل فرق لطيف ودقيق تمس الحاجة في علم البلاغة إليه - كما يقول الإمام عبد القاهر -.\rوهذا الفرق هو: أنك إذا عبرت عن معني بطريق الاسم، فقلت - مثلا - (زيد منطلق) كنت قد أفدت انطلاقاً ثابتاً، ولكنك إذا قلت: (زيد منطلق) كنت قد أفدت انطلاقا يتجدد، فصيغة الاسم تدل علي الثبوت من غير تجدد، وصيغة الفعل تدل علي الحدوث والتجدد.\rفقولك: زيد منطلق مثل قولك: زيد طويل، من حيث دلالته علي أنه طويل دون أن يشعر بتجدد الطول وحدوثه، وقولك زيد ينطلق، مثل قولك: زيد يطول، من حيث دلالته علي حدوث الطول وتجدده.\rويظهر هذا الفرق واضحاً في قولك: الورد أحمر، وقولك: الوجه يحمر من الخجل، فقولك: (أحمر) أفاد أن الحمرة صفة ثابتة في الورد لا تحدث ولا تتجدد.\rوقولك (يحمر) أفاد أن الوجه يتحول إلى الحمرة شيئاً فشيئا، فالحمرة فيه تحدث وتتجدد وإذا اتضح لك هذا الفرق بين التعبير عن المعني بالاسم، والتعبير عنه بالفعل، عرفت أن التعبير عن المعني بالاسم له مقام يقتضيه، والتعبير عنه بالفعل له، أيضاً، مقام يقتضيه.\rاستمع إلى قول النضر بن جؤبة يتمدح بالكرم: (١)","footnotes":"(١) حاشية الدسوقي ٢/ ٢٦","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584527,"book_id":8505,"shamela_page_id":380,"part":null,"page_num":383,"sequence_num":380,"body":"فإن الغدر قد أمسي وأضحي ... مقيما بين خبت إلى المسات\rالهنات: الأمور المنكرة، ورزئنا: بمعني فجعنا، وخبت والمسات: ما آن لكلب،\rفالشاعر يهجو بني كلب متهكما بهم مكررا تهكمه بهم وهو (فنعم الحي كلب! ) لأنه رأي في جوارهم أموراً منكرة، ورزئ في بنيه وبناته، ولهذا فإنه يؤكد أن الغدر قد أقام عندهم صباح مساء، فليسوا من الوفاء في شيء.\rوفي ذكر الأطلال والديار نجد تكرير المسند في قول امراء القيس، بعد أن خاطب الطلل وحياه تحية الجاهليين، ثم رجع عنها مستبعدا أن ينعم الطلل وقد طال عهده بفراق أحبته:\rوتحسب سلمي لا تزال تري طلا ... من الوحش أو بيضا بميثاء محلال.\rوتحسب سلمي لا تزال كعهدنا ... بوادي الخزامى أو على رأس أو عال\rفقد كرر \"تحسب\" لأن فيه معني سيطر علي مشاعره، وهو أنه يعيش حلما جميلا رأي فيه سلمي بهذا المكان ولكنه لم يلبث أن أدرك أن هذا الحلم وهم لا حقيقة له، فقد فنيت ديارها، وتبدلت طللا دارسا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584528,"book_id":8505,"shamela_page_id":381,"part":null,"page_num":384,"sequence_num":381,"body":"قالت طريفة: ما تبقي دراهمنا ... وما بنا سرف فيها ولا خرق\rإنا إذا اجتمعت يوما دراهما ... ظلت إلى طرق الخيرات تستبق\rلا يألف الدرهم المضروب صرتنا ... لكن يمر عليها وهو منطلق\rحتى يصير إلى نذل يخلده ... يكاد من صره إياه يتمزق\r\rفالشاعر يفخر بأن دراهمه لا تبقي، لأنه ينفقها في طرق الخير، والدرهم الذي يأتيه لا يبقي إلا ربما يمر بصرته مرور الكرام، حتى يأتي إلى نذل يبقيه بقاء الدهر، لأنه لا ينفقه بل يصره حتى يكاد أن يتمزق من صره إياه.\rوالشاهد هنا قوله: (وهو منطلق) حيث عبر بمنطلق للأشعار بان انطلاق الدراهم من الصرة أمر ثابت لا يتجدد وأن الدراهم ليس لها استقرار في الصرة، مبالغة في المدح بالكرم.\r\rولو قال: (وهو ينطلق) لأفاد أن الانطلاق يتجدد، ومعني هذا أنهم يمسكون الدراهم زمانا ثم ينفقونها.\rومنه قول الله تعالي: \" وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ \" فالمعني علي أن الكلب علي هيئة ثابتة هي بسط الذراعين بفناء الكهف، ولو قال: وكلبهم يبسط زراعيه، لكان المعني أن الكلب يتجدد منه بسط الذراعين شيئاً","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584529,"book_id":8505,"shamela_page_id":382,"part":null,"page_num":385,"sequence_num":382,"body":"فشيئاً، وليس مراداً، وإنما المراد أن أصحاب الكهف ظلوا علي هيئتهم الثابتة وصورتهم الجامدة التي توحي بالجلال والرهبة أزماناً طويلة \"لو اطلعت عليهم لو ليت منهم قراراً ولمئت منهم رعباً\".\rواستمع إلى قول الأعشى:\rلعمري لقد لاحت عيون كثيرة ... إلي ضوء نار في يفاع تحرق\rتثب لمقرورين يصطليانها ... وبات علي النار الندي والمحلف.\rفقد قال: (في يفاع تحرق، أي تتحرق) واليفاع المكان المرتفع، أي أن النار في مكان عال تتحرق، ولو قال متحرقه، لآفاد أن النار متحرقة فقط دون أن يحدث التحرق منها ويتجدد شيئاً فشيئاً وليس ذلك غرض الشاعر، إذ الشاعر يقصد أن الغار في يفاع تتحرق أي يحث التحرق منها ويتجدد شيئاً فشيئاً، لأن المحلق قد بات بجوارها يجدد اشتعالها، ويعلي لهبها، لتهدي إليه أضياف الليل.\rوقول طريف بن تميم:\rأو كلما وردت عكاظ قبيلة ... بعثو إلى عريفهم يتوسم.\rفتوسموني إنني أنا ذلكم ... شاكي سلاحي في الحوادث معلم.\rتحبي الأغر وفوق جادي نثرة ... زغف ترد السيف وهو مثلم\rحولي أسيد والهجيم ومازن ... وإذا حللت فحول بينى خصم","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584530,"book_id":8505,"shamela_page_id":383,"part":null,"page_num":386,"sequence_num":383,"body":"وعكاظ: سوق بين نخلة والطائف كانت تقام في مستهل ذي القعدة، وتستمر عشرين يوماً تجتمع فيه قبائل العرب، فيتعاكظون أي: يتفاخرون ويتناشدون، وكان فرسان العرب إذا حضروا عكاظ وأمن بعضهم من بعض لكون عكاظ في شهر حرام تقنعوا حتى لا يعرفوا، وذكر عن طريف هذا أنه كان من الشجعان وكان يتقنع كما يتقنعون، فاتفق له أنه وافي عكاظ وكان طريف قبل ذلك قد قتل شراحيل الشيباني، فقال حصيصة ابن شراحيل: أروني طريفاً، فأروه إياه، فجعل حصيصة كلما مر به طريف تأمله ونظر إليه حتى فطن له طريف، فقال له: مالك تنظر إلى مرة بعد مرة؟\rفقال له حصيصة اتو سمك لأعرفك فلله علي إن لقيتك في حرب لأقتلنك أو لتقتلني، فقال طريف هذه الأبيات\rوالشاهد هنا قوله: (يتوسم) حيث عبر بالفعل، لأنه أراد أنه يصدر منه التوسم، أي يتفرس الوجوه طالباً له، لأن له جناية في كل قوم، لأن المعني علي توسم وتأمل ونظر يتجدد من العريف هناك حالا فحالا، وتصفح منه الوجوه واحداً بعد واحد، ولو قال: بعثوا إلى عريفهم متوسما لم يفد ذلك.\rعلي أن إفادة الاسم الثبوت من أصل وضعه، كما أن إفادة الفعل التجدد من أصل وضعه - أيضاً - ولكن الاسم قد يفيد الدوام والاستمرار مع الثبوت، كما أن الفعل قد يفيدهما - أيضاً - مع التجدد\rوالحدوث، ولكن ذلك رهن بمعونة القرائن، كأن يكون المقام مقام مدح - كما أسلفنا -\r* * *\rوقد يقيد الفعل بأحد المفاعيل ونحوها لتربية الفائدة وتكشيرها:\rفإذا قلت: فلان حفظ، ولم تكن زدت علي نسبة الحفظ إليه شيئاً،","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584531,"book_id":8505,"shamela_page_id":384,"part":null,"page_num":387,"sequence_num":384,"body":"ولكنك إذا زدت مفعولا، فقلت (صحيح البخاري) زادت الفائده، وهى أن الحفظ كان لحديث البخاري، فإذا قلت: بالمدينة - مثلا - زادت الفائدة، وهى: أن حفظ الحديث كان بالمدينة، فإذا قلت: أمام الروضة الشريفة، زادت الفائدة، وهي أن حفظ الحديث بالمدينة كان أمام ذلك\rالمكان.\rوهكذا: كلما زدت قيدا زادت الفائدة.\rوقد لا يقيد الفعل بشيء مما ذكر لمانع يحول دون تربية الفائدة: كخوف فوات الفرصة، أو إرادة عدم إطلاع الحاضرين علي زمان الفعل أو مكانه، أو مفعوله، أو عدم العلم بالمقيدات.\r* * *\rقالوا: يؤتي بالمسند جملة لواحد من أمرين:\rالأمر الأول نقوي الحكم، لأن المقام يقتضي تقويته، ومعني تقوية الحكم، أن المبتدأ يستدعي أن يسند إليه شيء، فإذا ما جاء ما يصلح أن يسند إليه صرفه المبتدأ إلى نفسه مثبت له ثم إذا كان متضمنا لضمير المبتدأ صرفه ذلك الضمير إلى المبتدأ ثانياً، فيكتسي الحكم قوة لتكرر الإسناد، كما في قولك: (محمد يحب القراءة) فحب القراءة يطلبها كل من محمد وضميره، وفي هذا تكرار لإسناد الفعل المذكور، والتكرار أساس التقوي.\rالأمر الثاني: كون المسند سببياً: ومعناه - كما فسره السكاكي - أن يكون المسند جملة علقت علي مبتدأ بعائد لا يكون مسنداً إليه في هذه الجملة كما في قولك: علي أخوه كريم ومحمد عطفت عليه، وإبراهيم صاحبته، وعصام طالعت كتبا في مكتبته.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584532,"book_id":8505,"shamela_page_id":385,"part":null,"page_num":388,"sequence_num":385,"body":"فالغرض من مجيء المسند جملة فعلية هو إفادة التقوي، لأن كون المسند سبباً مما يقوي الحكم - أيضاً - لأنك في قولك: (محمد عطفت عليه) عندما قلت: محمد، تطلب الخير، فعندما أسندت إليه عطفك عليه تمكن الخبر من النفس، ولما كان في الخير ضمير عائد علي المبتدأ كان ذلك عقوباً للربط بين طرفي الجملة.\rوإذا كان الفرق بين التعبير عن المعني بصيغة الاسم، والتعبير عنه بصيغة الفعل هو أن الأول يفيد الثبوت، والثاني يفيد التجدد، فإن هذا الفرق موجود بين التعبير بالجملة الاسمية، والتعبير بالجملة الفعلية.\rأنظر إلى قول الله تعالي. . ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ (١)﴾.\rفقد عبروا في خطاب المؤمنين بالجملة الفعلية (آمنا) أي حدث الإيمان بعد أن لم يكن، ولكنهم في خطاب إخوانهم عبروا بالجملة الاسمية (إنا معكم) أي ثابتون مستمرون علي ما كنا عليه من الكفر.\rوأنظر إلى قول اله تعالي ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ (٢)﴾.\rفقد جاءت الجملة الأولى (أدعوتموهم) فعلية، والجملة الثانية: (أنتم صامتون) أسمية، لتفيد الأولى التجدد والحدوث والثانية: الدوام والاستمرار، وعلي هذا فالمعني، سواء عليكم أن تحدثوا دعاءهم، أو أن تستمروا علي صمتكم.\rوكان الوثنيون من عادتهم أنهم لا يدعون هذه الأصنام إذا نزلت بهم","footnotes":"(١) البقرة ١٤.\r(٢) الأعراف ١٩٣.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584533,"book_id":8505,"shamela_page_id":386,"part":null,"page_num":389,"sequence_num":386,"body":"شدة وإنما يدعون الله فقيل: سواء عليكم أأحدثتم الدعاء علي غير العادة، أم بقيتم مستمرين علي عادة صمتكم.\rومنه قول الله تعالى. . ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ﴾ (١). فقد عبروا بالجملة الفعلية في قولهم، (أجئتنا) لتفيد التجدد والحدوث، أي أحدث منك مجيء بالحق بعد أن لم تكن كذلك؟ وعبروا بالجملة الاسمية في قولهم، (أنت من اللاعبين) لتفيد الدوام والاستمرار، أي، أم أنت مستمر في لعبك الذي ألفناه منك؟ .","footnotes":"(١) الأنبياء ٥٥.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584534,"book_id":8505,"shamela_page_id":387,"part":null,"page_num":390,"sequence_num":387,"body":"(٣) تعريف المسند\rفرق عبد القاهر الجرجانى بين تعريف المسند وتنكيره بأمرين:\rأولهما: أنك إذا قلت - مثلا -: (زيد منطلق) كان كلامك مع من لم يعلم أن انطلاقاً كان، لا من زيد ولا من عمرو، فأنت تفيد ذلك ابتداء.\rولكنك إذا قلت: (زيد المنطلق) كان كلامك مع من عرف أن انطلاقاً كان إما من زيد وإما من عمرو فأنت تعلمه أنه كان من زيد دون غيره.\rوالنكته - كما يقول عبد القاهر - هي أنك تثبت في الأول الذي هو: (زيد منطلق) فعلا لم يكن يعلم السامع، أنه كان من أصله وتثبت في الثاني الذي هو: (زيد المنطلق) فعلا قد علم السامع أنه كان، ولكنه لم يعلمه لزيد فائدته ذلك.\rبمعني أن السامع كان قد جوز أن يكون الانطلاق من زيد أو من غيره، فإذا قلت: (زيد المنطلق) صار الذي كان معلوما له علي جهة الجواز معلوماً له علي جهة الوجوب.\rفإذا أرادوا أن يؤكدوا هذا الوجوب أدخلوا الضمير المسمى فعلا بين الجزئين فقالوا: (زيد هو المنطلق)\rوثانيهما: أنك إذا نكرت الخبر جاز أن تأتي بمبتدأ ثان علي أن تشركه بحرف العطف في المعنى الذي أخبرت به عن الأول، ولكنك إذا عرفت الخبر لم يجز ذلك.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584535,"book_id":8505,"shamela_page_id":388,"part":null,"page_num":391,"sequence_num":388,"body":"ومعني هذا: أنك تقول: زيد منطلق وعمرو، تريد: وعمرو منطلق أيضاً.\rولكنك لا تقول: زيد المنطلق وعمرو، لأن المعني مع التعريف علي أنك أردت أن تثبت انطلاقاً مخصوصاً قد كان من واحد، فإذا أثبته لزيد لم يصح أن تلثه لعمرو.\rومن الواضح في تمثيل هذا النحو من القول: قولنا: هو القائل ببيت كذا، كقولك: جرير هو القائل.\r(وليس لسيفي في العظام بقية) فلو حاولت أن تشرك في هذا الخير غيره، فتقول: جرير هو القائل هذا البيت وفلان، حاولت محالا.\rومن هذا الأصل تنفرع أغراض تعريف المسند:\rفقد يكون الغرض من تعريف المسند هو: قصر المسند علي إليه لقصد المبالغة، كقولك: زيد الكريم، وعمرو العالم، فتفيد قصر جنس الكرم علي زيد، وقصر جنس العلم علي عمرو لا تقصد القصر الحقيقي، وأنه لم يتصف أحد بالكريم إلا زيد، ولم يتصف أحد بالعلم إلا عمرو، وإنما تقصد المبالغة في وصف زيد بالكرم، ووصف عمرو بالعلم، فتخيل بهذا قصر هاتين الصفتين علي زيد وعمرو قصدا المبالغة، وأنك لم تعتد بهاتين الصفتين في غيرهما.\rومثله قول أبي الطيب المتنبي بمدح سيف الدولة (١):\rوما الدهر إلا من رواة قصائدي ... إذا قلت شعراً أصبح الدهر منشدا","footnotes":"(١) ديوان أبى الطيب ١/ ٢٩٠، ٢٩١","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584536,"book_id":8505,"shamela_page_id":389,"part":null,"page_num":392,"sequence_num":389,"body":"قاربه من لا يسير مشمرا ... وغني به من لا يغني مغرداً\rأجزني إذا أنشدت شعرا فإنما ... بشعري أتاك المادحون مرددا\rودع كل صوت غير صوتي فإنني ... أنا الصائح المحكي والآخر الصدى\rيقول إن الدهر يروي قصائدي، فينشط لسماعها من كان كسولا، ويطرب لسماعها من لم يكن مغنيا، فإذا أنشدك شاعر - في مديحك - شعراً فأعطني، فإن الذي أنشدته شعري يردده المادحون فلا تلتفت إلى شعر غيري، فإنه ليس بشيء\rوالشاهد هنا قوله: (أنا الصائح المحكي) حيث قصر المسند المعرف \"بأل\" علي المسند إليه لقصد المبالغة.\rومنه قول مزرد بن ضرار:\rفقد علمت فتيان ذبيان أتي ... أنا الفارس الحامي الذمار المقاتل\rأي أنه لا فارس سواء، لأن غيره من الفرسان لا يعتد بهم.\rوقد يكون الغرض هو قصر المسند علي المسند إليه حقيقة، وذلك كقولك: علي الشاعر، إذا لم يكن ثمة شاعر سواء، ومثل هذا القول يمكن أن يقال في الأمثلة التي أسلفناها.\rوقد يفيد المعنى المقصود بقيد يخصصه، ويجعله في حكم نوع برأسه، كأن يقيد بوقت أو حال، وذلك مثل أن تقول: (هو الوفي حين لا تظن نفس بنفس خيراً) فأنت هنا لا تقصر الوفاء مطلقاً علي من تتحدث عنه، ولكنك تقصر جنسا معينا من الوفاء، وهو الذي يأتي في وقت ينعدم فيه الوفاء.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584537,"book_id":8505,"shamela_page_id":390,"part":null,"page_num":393,"sequence_num":390,"body":"وكأن يقيد بمفعول مخصوص، كما في قول الأعشى:\rهو الواهب المائة المصطفا ... ة، إما مخاضاً وإما عشاراً\rفالمعني علي أن الممدوح هو المختص بهبة المائة من الإبل في إحدى الحالتين، أما مطلق الهبة فلله ولغيره، فهناك فرق بين أن يختص بالهبة، وأن يختص بجنس معين من الهبة.\rوقد يكون الغرض من تعريف المسند هو تقرير المسند إليه، وأن\rثبوته له أمر ظاهر ومعروف لا يشك فيه أحد، وذلك كما في قول الخنساء ترثي أخاها صخرا:\rإذا قبح البكاء علي قتيل ... رأيت بكاءك الحسن الجميلا\rفالخنساء لم ترد أن تقصر صفة الحسن علي بكاء خيها، ولكنها أرادت أن تقرر البكاء عليه جنس الحسن الظاهر الذي لا ينكره أحد، ولا يشك فيه شاك.\rومثله قول حسان بن ثابت ﵁ يهجو أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب قبل إسلامه:\rوإن سنام المجد من آل هاشم ... بنو بنت مخزوم ووالدك العهد\rفقد أراد أن يقرر العبودية لوالد المهجو، وأن يبين أن ذلك الأمر ظاهر معروف لا ينكره أحد.\rولو قال: والدك عبد بتنكير المسند، لما أفاد إلا إثبات العبودية له\rومثله قول الغرزهق يهجو الحجاج بن يوسف الثقفي:\rفلولا بنو مروان كان ابن يوسف ... كما كان عبداً من عبيد إباد","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584538,"book_id":8505,"shamela_page_id":391,"part":null,"page_num":394,"sequence_num":391,"body":"زمان هو العبد المقر بذله ... يراوح أبناء القرى ويغادى\rأي: إن بني مروان هم الذين قد رفعوا من قدر الحجاج، ولولاهم لظل علي خسته ووضاعته عبداً من عبيد إباد، أيام أن كان معروفاً بعبوديته مقراً بذلته ومهانته، يعلم صبيان القري في الصباح والمساء، فقد كان الحجاج - كما قالو - معلم صبيان، ملقباً بكليب، وفيه يقول الشاعر:\rأينسى كليب زمان الهزال ... وتعليمه سورة الكوثر؟ !\rرغيف له فلكة ما ترى ... وآخر كالقمر الأزهر؟ !\rوقد يكون الغرض من تعريف المسند هو: الإشارة إلى بلوغ المسند إليه في الصفة حد الكمال او أنه بلغ فيها حقيقتها المتخيلة في الذهن: وذلك ما تجد في قولهم. (هو البطل المحامى) أي: أنه هو البطل الذي بلغ في صفة البطولة حد الكمال، أو أنه بلغ فيها حقيقتها المتخيلة في الذهن.\rومثله ما تجده في قول ابن الرومى:\rهو الرجل المشروك في جل ماله ... ولكنه بالمجد والحمد مفرد.\rأي: إذا تصورت في ذهنك رجلا يشرك، في معظم أمواله، عفاته وجيرانه، ومعارفه فإنه هو ذلك\rالرجل (١)\rومثله ما تجده في قول المجنون، قيس بن الملوح:\rأنا الفاحل المهموم والقائم الذي ... يراعي الثريا، والخليون نوم (٢)\rأي: إذا تصورت في ذهنك، رجلاً أضناء الوجد وأسقمته الهموم يقوم الليل مشدود البصر إلى النجوم في الوقت الذي يسعد فيه الخليون بالنوم والراحة والمتعة، فأنا ذلك الرجل.","footnotes":"(١) الدلائل ص ١٤١.\r(٢) ديوان مجنون ليلي ص ٤٤.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584539,"book_id":8505,"shamela_page_id":392,"part":null,"page_num":395,"sequence_num":392,"body":"ويغلب أن يأتي هذا النوع باسم الموصول (الذي) حيث تقدر في ذهنك شيئاً، ثم تعبر عنه بالذي، كما في قول الشاعر:\rأخوك الذي إن تدعه لمسلمة ... يحبك وإن تغضب إلى سيف يغضب\rفقد قدرت في ذهنك وتصورت أخا، إن دعوته أجابك وإن غضبت واضطررت إلى حمل السيف غضب وحمل السيف من أجلك ثم عبرت عنه بالذي، ومنه قول الآخر:\rأخوك الذي إن ربته قال: إنما ... أربت وإن عانيته لان جانبه\rأي: أخوك هو الذي إن أتيت بما يرتاب فيه قال لك: أربت: أي افتفت عنك الريبه وإن عاتبته قبل عتابك.\rفقد تصورت في ذهنك إنسانا هذه صفته، ثم أحلت السامع عليه، وعبرت عنه بالذي.\rهذا: وقد ينكر المسند لأن الغرض هو الإخبار بثبوت المسند إليه من غير إرادة عبد أو تخصيص كما في قولك: علي شاعر، ومحمد خطيب.\rوقد يكون الغرض من تنكيره التفخيم والتعظيم وأنه قد بلغ من خطورة الشأن حداً لا يدرك نهايته أو مداه، كما في قول الله تعالي: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ فقد أتي المسند نكرة للدلالة عل كمال هداية الكتاب الكريم وأنها بلغت مبلغاً لا يدرك مداه، ولهذا أكد التفخيم بأن جعل (هدى)\rمصدرا مخبرا به عن الكتاب، أي أن الكتاب هو الهداية نفسها.\rوقد يكون الغرض من تنكيره التحقير، كما في قوله قيس بن جروة يخاطب عمرو بن هند، وكان قد نقض عهدا بينه وبين طاء: (١)","footnotes":"(١) رفات المثالث والمثاني ٢/ ٧٧.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584540,"book_id":8505,"shamela_page_id":393,"part":null,"page_num":396,"sequence_num":393,"body":"غدرت بأمر كنت أنت دعوتنا ... إليه وبئس الشيمة الغدر بالعهد\rوقد يترك الغدر الفتى وطعامه ... إذ هو أمسى حلية من دم الفصد\rيقول: لقد غدرت بعهد كنت أنت الذي دعا إليه، وبئس - لعمري - شيمة الغدر بالعهد من شيمة، فقد يترفع عنها أفقر الناس، وأقلهم شأنا، فكيف يغدر بالعهد ملك عظيم كعمرو بن هند؟\rوالشاهد هنا: تنكير (حلبة) التي وقعت خبرا عن (طعامه) لبيان أنه شيء تافه وحقير.\rهذا إلى ما تفيده صيغة \" فعلة \" الدالة علي المرة من إفادة معنى القلة.\rوقد يؤتي بالمسند مقيداً بوصف أو إضافة لتكون الفائدة أتم وأكمل لأن المعنى كلما زاد خصوصا كان أتم فائدة، وذلك كقولك: على غنى بخيل وقولك: عمرو قارئ قصص، فقد أتيت بالمسند النكرة موصوفا في الأول ومضافاً في الثاني لزيادة الفائدة بأن عليا غني ولكنه بخيل، وأن عمرا قارئ ولكنه قارئ قصص فحسب.\rومن تخصيص المسند النكرة بالوصف: قول قيس بن الخطيم - بعد أن أخذ بثأر أبيه وجده (١)\rوكنت أمراً لا أسمع الدهر سبة ... أسب بها إلا كشفت غطاءها.\rوالبيت من قصيدة يذكر فيها أنه قد أخذ بثأر أبيه وجده، وقد كان قيس أبداً شديد الساعدين فنازع يوما في من فتيان بني ظفر، فقال له ذلك الفتى: \"والله لو جعلت شدة ساعديك علي قاتل أبيك وجدك لكان","footnotes":"(١) ديوان الحماسة ١/ ٦١","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584541,"book_id":8505,"shamela_page_id":394,"part":null,"page_num":397,"sequence_num":394,"body":"خيراً لك \" فلم يزل من ذلك العهد يطلب بثأرهما حتى ثأر لهما، وفي آخر القصيدة يقول:\rثارت عديا والخطيم فلم أضع ... ولاية أشياخ جعلت إزاءها.\rوالشاهد في البيت الأول وهو أنه أتي بالمسند نكرة وهو قوله \"امرأ\" وقد وصفه بقوله: (لا اسمع الدهر سبه) لتخصيصه بالوصف المذكور:\rومن التخصيص بالإضافة قول الشاعر:\rحمي الحديد عليهم فكأنه ... ومضان برق، أو شعاع شموس","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584542,"book_id":8505,"shamela_page_id":395,"part":null,"page_num":398,"sequence_num":395,"body":"(٤) تقديم المسند\rقالوا: إن تقديم المسند يكون لتخصيصه بالمسند إليه، أي تقصر المسند إليه علي المسند، وذلك كما تقوم: (مصري أنا) فتقديم المسند هنا قد أفاد قصر المتكلم علي المصرية لا يتعداها إلى الشامية، فيكون قصرا إضافيا، أولا يتعداها إلى غيرها من سائر الصفات فيكون قصرا حقيقياً إدعائياً.\rومنه قول الله تعالي: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ أي أن دينكم مقصور عليكم لا يتجاوزكم إلي، وديني مقصور علي لا يتجاوزني إليكم فالقصر هنا إضافي في الموضعين.\rومنه قول الله تعالى: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ﴾ الغول: ما يتبع شرب خمر من وجع الرأس وثقل الأعضاء وغياب العمل وغير ذلك والمعني: أن خمور الجنة لا غول فيها، بخلاف خمور الدنيا فإن فيها غولا.\rوالشاهد في الآية الكريمة تقديم المسند وهو (الجار والمجرور) لإفادة تخصيصه بالمسند إليه، وأن اقتضاء الغول خاص بخمور الجنة.\rومما يدل علي إفادة التقديم التخصيص: قوله تعالى: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ فالظرف هنا - وهو المسند - لم يقدم علي المسند إليه فلم يقل: لا فيه، لأنه لو قدم لأوهم التقديم ثبوت الريب في سائر الكتب السماوية بناء علي اختصاص عدم وقوع الريب بالقران الكريم مع أن الريب منتف عنها.\rومنه قول أبي تمام يمدح محمد بن عبد الملك الزيات:\rلك قلم الأعلى الذي بشباته ... يصاب من الأهوال الكلي والمفاصل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584543,"book_id":8505,"shamela_page_id":396,"part":null,"page_num":399,"sequence_num":396,"body":"شباة القلم: حده يقول: إنك قد خصصت بقلم له شأن خطير، إذا حدث أسباب من الأمور محزها، وجرت علي أسلته كبريات الأحداث.\rونشاهد في البيت: أن الشاعر قدم المسند في قوله (لك القلم) لإفادة معني التخصيص أي: إن القلم الموصوف بتلك الصفات لك لا لغيرك.\rومن تقديم المسند لإفادة التخصيص قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَة إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (١).\rوقوله تعالي: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ (٢).\rوقوله تعالى: ﴿ِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ (٣) وقوله تعالي: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (٤).\rوقد ذهب ابن الأثير - وتابعه العلوي - إلى أن التقديم في الآيات السابقة إنما هو لمراعاة الحسن في نظم الكلام بتطابق رؤوس الآي.\rويقيم إبن الأثير الدليل علي أن التقديم في الآيات السابقة لحسن النظم السجعي، بأن التأخير يفسد حسن نظم الكلام، ولا ينكر أن هذه الآيات مفيدة للاختصاص - ويتابعه العلوي أيضاً - ولكن الاختصاص مفهوم من طبيعة المعنى، أي مفهوم من قرائن أخرى غير التقديم.","footnotes":"(١) ... القيامة: ٢٢، ٢٣.\r(٢) ... القيامة: ٢٩، ٣٠.\r(٣) ... القيامة: ١٢.\r(٤) ... هود: ٨٨.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584544,"book_id":8505,"shamela_page_id":397,"part":null,"page_num":400,"sequence_num":397,"body":"وكثير من البلاغيين لا يوافقون ابن الأثير علي تفسير الخصائص البلاغية في القران تفسيراً يرجع إلى اللفظ، ولهذا فإنهم يرفضون كلام ابن الأثير وكلام العلوي الذي تابعه في رأيه.\rويري الدكتور محمد ابو موسي: أنه لا تزاحم في الأسرار وأن التقديم في الآيات الكريمة يفيد الفائدتين: فائدة معنوية، وهي الاختصاص، وفائدة لفظية وهي - في تقديره - جزء من التعبير كالمعنى تمامً: وهي الحفاظ علي التنغيم الآخذ، والتوازن الصوتي الذي يشارك مشاركة فعالة في تحريك القلوب وبعث خوافى الإحساس والشعور (١).\rوابن الأثير مغرم بطريقة القاضي الفاضل في الغرام بالسجع - كما هو معروف - ويترسم خطاه لأنه كاتب مثله من كتاب الدواوين، ولهذا فإنك لا تكاد تجد سطرا من كتبه أو خطبه يخلو من السجع، فهو مغرم بالسجع مفتون به، ولهذا فإنك تراه يدافع عن هوايته تلك بكل الوسائل والسبل، فهو يستشهد بالقرآن الكريم، وبالحديث النبوي الشريف، وبكلام الصحابة رضوان الله عليهم علي أن السجع وسيلة مشروعة من وسائل التعبير، ويرد علي المعترضين اعتراضاتهم بلباقة وذكا، ثم هو يشفع ذلك كله بما كتبه من خطب أو تقليدات.\rولهذا فإنه لا يقبل كلام البلاغيين في أن التقديم في الآيات السابقة للتخصيص، ويذكر أنها لحسن النظم السجعي.\rورد الدكتور أبو موسي يتضمن الجمع بين رأي ابن الأثير ورأي من خالفه من البلاغيين.","footnotes":"(١) خصائص التراكيب ص ٢٥٠.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584545,"book_id":8505,"shamela_page_id":398,"part":null,"page_num":401,"sequence_num":398,"body":"أي أن التقديم قد أفاد الفائدتين معاً: التخصيص وحسن النظم السجعي.\rغير أن الذي نريد أن نناقشه مع ابن الأثير هو: أنه يقول: إن التقديم في الآيات السابقة من أجل حسن النظم السجعى فحسب، بدليل أنه لو أخر لفات هذا النظم السجعى. أما التخصيص فمفهوم من قرائن أخري.\rونحن نقول له: إن التقديم هنا يفيد التخصيص، وأما حسن النظم السجعى فقد جاء تبعاً للمعني. اما قولك بأنه لو أخر لفات هذا النظم السجعى، فننا نقول لك - أيضاً - إنه لو أخر لفسد النظم البلاغى الذي هو تتبع معاني النحو فيما بين الكلم علي حسب الأغراض التي يساق لها الكلام، وتبعه فوات حسن النظم السجعى، لأن الألفاظ - كما يقول عبد القاهر - خدم المعاني وتابعة لها.\rوقد يكون تقديم المسند للتنبيه من أول الأمر علي أنه خبر لا نعت، وذلك كما في قول حسان بن ثابت ﵁ في مدح رسول الله ﷺ:\rله همم لا منتهي لكبارها ... وهمته الصغرى أجل من الدهر\rفإنه لو قال: همم له، لتوهم السامع أن (له) نعت لهمم لأن النكرة تحتاج إلى صفة أكثر من احتياجها إلى الخبر.\rوهذا التوهم - وإن كان يزول بمجرد النطق ببقية البيت إلا أن الإسراع بإيقاع المعنى في النفوس لأول وهلة انسب بمقام المدح.\rوقد يقدم المسند للتشويق إلى ذكر المسند الآية: كالذي رووه من قول محمد بن وهب في مدح المعتصم بالله العباسي:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584546,"book_id":8505,"shamela_page_id":399,"part":null,"page_num":402,"sequence_num":399,"body":"ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها ... شمس الضحى وأبو اسحق والقمر\rيحكي أفعاله في كل قائلة ... الغيث والليث، والصمصامة الذكر\rوذلك لأنه لما قال ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها، اشتاقت النفوس إلي\rمعرفتهم لأن في المسند ما يشعرهم بأنهم ذوو خطر، لأن الدنيا تشرق ببهجتهم، فلما آتي بالمسند إليه، وقع في النفس موقعاً كريماً.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584547,"book_id":8505,"shamela_page_id":400,"part":null,"page_num":403,"sequence_num":400,"body":"(٥) تقييد المسند بالشرط\rاهتم البلاغيون بتقييد المسند \" بأن \" و \" إذا \" لأن لهما خصائص لغوية لها اتصال وثيق بالأغراض البلاغية، ولكثرة مباحنهما الشريفة المهملة في علم النحو - كما يقول صاحب المطول - و\"لإن\" و\"إذا\" موضع يشتركان فيه وموضع آخر يختلفان فيه:\r\rأما موضع اشتراكهما: فهو أن كلاً منهما أداة شرط في الاستقبال، أي تعليق حصول مضمون جملة علي حصول مضمون جملة أخري.\rفإذا قلت: (إن تحضر إلى أكرمك) أو (إذا تحضر إلى أكرمك) كان حصول إكرامك له في المستقبل معلقاً علي حصول حضوره في المستقبل أيضاً.\rولأن (إن) و (إذا) للشرط في الاستقبال كما أسلفنا - فإنه يشترط في جملتيهما أن تكونا فعليتين استقباليتين:\rأما سبب ذلك في جملة الشرط: فلأن المفروض حصول مضمونها في المستقبل، والجملة الاسمية تدل علي الثبوت والدوام، وهما غير الحدوث والاستقبال، ولدلالة الجملة الماضوية علي المضي، وهو نقيض الاستقبال.\rوأما سبب ذلك في جملة الجزاء: فهو أن حصول مضمونها معلق علي حصول مضمون جملة الشرط في الاستقبال، فلا يصح - أيضاً - أن تكون جملة أسمية ولا أن تكون جملة ماضوية، لأن الاسمية - كما أسلفنا - تدل علي الثبوت، ويمتنع تعليق الثابت علي حصول ما سيحصل في المستقبل.\rعلي أن هذا الاستعمال هو الاستعمال الغالب، فقد تستعمل (إن) في غير","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584548,"book_id":8505,"shamela_page_id":401,"part":null,"page_num":404,"sequence_num":401,"body":"الاستقبال، أي في الماضي - لفظاً ومعنى - مع (كان) كما في قول الله تعالى: \" وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا \" إذ الريب قد وقع فعلا في الماضي.\rواستعمالها في هذا المعنى مع غير كان قليل، كما في قول أبى العلاء:\rفيا وطني إن فاتني بك سابق ... من الدهر فلينعم لساكنك البال\rأي إن كان زمن سابق من الدهر قد فوت علي السكنى في وطني، ولم يتيسر لي الإقامة فيه فلا لوم على، لأني ما تركته طواعية، فليطلب ساكنه نفسا، ولينعم به بالا.\rوغرضه بذلك إظهار تحسره وتحزنه علي مفارقة أهله ووطنه. والشاهد في البيت قوله: (إن فاتني) حيث استعمل (إن) في الماضي لفظاً ومعنى مع غير (كان) وهذا قليل.\rوكما تستعمل (إن) في غير الاستقبال تستعمل (إذا) - في غير الاستقبال - كذلك، كما في قوله تعالي: ﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ وقوله تعالي: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ وهذا الاستعمال قليل - كما عرفت -.\rوإذا لم يكن كل من جملتي الشرط والجزاء فعلية استقبالية، بأن كانتا غير فعليتين، أو غير استقباليتين ولو لفظا، فلا بد لذلك من نكتة بلاغية لأن ظاهر الجمال يقتضي مراعاة المطابقة بين اللفظ والمعنى، ولا يعدل عن هذه الموافقة إلا لنكته وهذه النكته هي:\rإظهار غير الحاصل في صورة الحاصل:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584549,"book_id":8505,"shamela_page_id":402,"part":null,"page_num":405,"sequence_num":402,"body":"ويكون ذلك لأغراض تقتضيه: كأن تكون الدواعي المقتضية لحصوله قوية والأسباب المؤدية إلى حصوله متوافرة والشيء إذا تجمعت أسبابه وتوافرت دواعيه، عد - في عرف البلغاء - حاصلا وعبر عنه بما يبرزه في حدود الحاصل، وذلك كأن تقول: \" إن قرأت هذا الكتاب لخصت لك ما فيه \" - تقول هذا وقت توافر أسباب القراءة لديك - ولهذا تعبر بالفظ الماضي لقصد إبراز المعنى الذي لم يحصل بعد باللفظ الدال علي المعنى الحاصل بالفعل لقوة أسباب القراءة.\rوكالإشارة إلى أن ما هو واقع - لا محالة - كالواقع، وذلك كأن تقول: \" إن مت ورثني فلان \"\rفقد عبرت بلفظ الماضي لإبراز ما لم يحصل في صورة الحاصل فعلا، لأن الموت من شأنه الوقوع، فكأنه قد وقع فعلاً.\rوكالتفاؤل وإظهار الرغبة من المتكلم في وقوعه، فإن طالب الشيء إذا عظمت رغبته فيه كثر تصوره له، ربما تخيله واقعاً، فيعبر عنه بلفظ الماضي كما تخيله، وذلك كما في قولك \" إن نجحت في الامتحان\rتصدقت بكذا \".\rقالو: وعليه قول الله تعالى: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾ الأصل: إن يردن ولكنه أثر التعبير بلفظ الماضي، لما عرفت من أن الطالب لشيء يكثر تصوره إياه حتى يخيل إليه غير الواقع واقعا، والقرآن نزل بلغة العرب، فجاء علي طريقتهم في كلامهم، وخاطبهم بما يخاطبون به أنفسهم فآثر صيغة الماضي علي صيغة المضارع لإظهار الرغبة في إرادة التحصن من الفتيات.\r\rوالمراد بالفتيات: الإماء وفائدة تعليق النهي عن الإكراه علي إرادة التحصن: هي أن يبشع عند الغاصب الوقوع فيه لكي يتيقظ أنه كان ينبغي","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584550,"book_id":8505,"shamela_page_id":403,"part":null,"page_num":406,"sequence_num":403,"body":"له أن يأنف من هذه الرزيلة وإن لم يكن زاجر شرعى، ووجه التبشيع هو أن مضمون الآية هو النداء بأن أمته خير منه لأنها أثرت التحصن عن الفاحشة وهو يأبى إلا إكراهها. ولو أبرزت مكنون هذا المعنى لم يقع الزاجر من النفس موقعه - هكذا يقول ابن المغير صاحب كتاب الأنصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال (١).\rوأما موضع اختلافهما: فهو أن الأصل في \" إن \" أن تستعمل في المعنى الذي يشك المتكلم ويتردد في وقوعه، ولهذا كان الحكم النادر وقوعه موقعاً لها، وغلب دخولها علي المضارع لعدم دلالته علي الوقوع قطعا.\rوأما \" إذا \" فإن الأصل فيها: هو أن تستعمل في المعنى الذي يجزم بوقوعه أو يغلب على رأيه وقوعه ولهذا كان الحكم الكثير الوقوع موضعاً لها وغلب دخولها علي الماضي لكونه أقرب إلى القطع بالوقوع باعتبار لفظه، وان كان باعتبار معناه استقباليا، لأن \"إذا\" الشرطية لقلب الماضي إلى المستقبل.\rوبما ذكروه شاهداً علي ما أسلفناه لك من موضعي الاتفاق والافتراق قول اله تعالي: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ﴾ فمعنى الآية - والله أعلم بمراده - إذا وفاهم منا إحسان قالوا: هذا خير اختصنا الله به لكمال ديننا وصالح أعمالنا، وإن يصابوا بجدب وبلاء تشاءموا بموسى ومن معه، وقالوا: هذا شر لحقنا بسببهم لنقصان دينهم وسوء أعمالهم والشاهد هنا: هو التعبير (بإذا) في جانب الحسنة، و (بإن) في جانب السيئة.","footnotes":"(١) الكشاف ٣/ ٦٦ (حاشية ابن المنير).","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584551,"book_id":8505,"shamela_page_id":404,"part":null,"page_num":407,"sequence_num":404,"body":"فقد استعملت (إذا) في المعني المجزوم بوقوعه أو المظنون وقوعه - وهو مجيء الحسنة، لأن المراد بها: مطلق الخبر، كالخصب والنماء، وصحة الأبدان، وكثرة الفصل، وغيرها مما هو خير، وربما كان تعريفها (بأل) الجنسية مشيراً إلى هذا المعنى، لأن جنس الحسنة يشمل جموع أنواع الحسنات، فوقوع أي فرد منها مقطوع به عادة لكثرتها، ولهذا جاء التعبير بلفظ الماضي الدال علي الوقوع قطعا في جانب إذا.\rوقد استعملت (إن) في المعنى غير المجزوم بوقوعه، وهو مجيء السيئة لأن المراد بها نوع خاص من أنواعها وهو الجدب، والضيق، والنوع الخاص غير محقق الوقوع، لاحتمال وقوع نوع آخر، وربما كان تنكيرها مشيراً إلى هذا المعنى، لأن من معانى التنكير التقليل، وهو مؤذن بعدم الجزم بالوقوع.\rومنه قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ فقد عبر في جانب الرحمة (بإذا) وفي جانب السيئة (بإن) مشيراً بذلك إلى أن الله تعالى واسع الرحمة، فياض بالخير لا يريد إلا ما فيه صلاح للناس وإسعادهم، لأن جانب الخير منه\rتعالي أقرب إلى التحقق.\rولعلك قد لحظت أن الله تعالي قد عبر بالإذاقة في جانب الرحمة، وبالإصابة في جانب السيئة، وذلك لأن الرحمة، وكل ما هو متعة ولذة إنما يناسبه الإذاقة والإطعام، كما أن السيئة، وكل ما هو ضرر وأذى إنما يناسبه الإصابة والابتلاء.\rوللفرق الذي رأيته واضحا بين موضع استعمال (إذا) وموضع استعمال (إن) عابوا علي عبد الرحمن بن حسان قوله يخاطب بعض الولاة بعد أن سأله حاجة فلم يقضها، ثم شفع له فقضاها:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584552,"book_id":8505,"shamela_page_id":405,"part":null,"page_num":408,"sequence_num":405,"body":"ذممت ولم تحمد، وأدركت حاجتي ... قولي سواكم غيرها واصطناعها.\rأبى لك كسب الحمد رأي مقصر ... ونفس أضاق الله بالخير باغها.\rإذا هي حنته علي الخير مرة ... عصاها، وإن همت بشر أطاعها.\rفقالوا: عبر (بإذا) في موضع (إن) وعبر بأن) في موضع (إذا) ولو عكس لأصاب، لأن الشر من النفس أقرب إلى التحقق من الخير، فكان من المناسب أن يعبر (بإذا) الدالة علي تحقيق الوقوع في جانب الشر، وأن يعبر (بأن) الدالة علي عدم الجزم بالوقوع في جانب الخير، ليتوافق اللفظ والمعنى.\rوربما يلتمس لهذا الصنيع من الشعر نكتة لطيفة وهي: أنه أشار (بإذا) إلى معني التحقيق في حث نفس الوالي إياه علي فعل الخير، وهو - مع ذلك - يعصيها، كما أنه أشار إلى معنى توهم نفسه للشر، وهو - مع ذلك - يبادر إليه، وهذا أبلغ في الذم والهجاء.\rوقد تخرج (إن) عن أصلها الذي أسلفناه لك، فتستعمل في المعنى المجزوم به لنكتة بلاغية:\rوذلك كالتجاهل - إذا اقتضي المقام ذلك - كما في قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ فنفي الولد عن الله تعالى أمر مجزوم به، ولكنه استعمل فيه (إن) التي تفيد الشك والتردد تجاهلا حتى لا يصطدم بالمعاندين، لأنه يريد التنزل معهم، والمساهلة وإرخاء العنان لهم: ليرتب علي كلامه مالا يستطاع نقضه، فتلزمهم الحجة.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584553,"book_id":8505,"shamela_page_id":406,"part":null,"page_num":409,"sequence_num":406,"body":"ومن التجاهل الذي يقتضيه المقام أن تسأل خادماً عن سيده: هل هو في الدار؟ - وهو يعلم أنه فيها - فيقول متجاهلا خوفا من سيده: (إن كان في الدار أخبرك) فاستعمل (إن) الموضوعة للشك في مقام الجزم بتفي الشرط تجاهلا منه.\rوكإجراء الكلام علي سنن حال المخاطب بأن يكون المخاطب غير جازم بوقوع الشرط والمتكلم جازماً بوقوعه، فيجري المتكلم الكلام علي سنن اعتقاد المخاطب، كأن تقول لمن يشك في صدقك: إن صدقت فماذا يكون؟ ، فالمتكلم جازم بصدقه، وكان مقتضي هذا أن يعبر (بإذا) الموضوعة للجزم،\rولكنه استعمل (إن) التي للشك إجراء للكلام علي سنن ما عند المخاطب وكتنزيل المخاطب الذي يعلم بوقوع الشرط، أو بعدم وقوعه منزلة الشاك في وقوعه أو في عدم وقوعه لعدم جريه علي مقتضي علمه.\rوذلك كأن تقول لمن يؤذي والده: (إن كان أباك فلا تؤذه) فالمخاطب جازم بوقوع الشرط أي أنه أبوه، ومقتضي ذلك: أن يعبر له (بإذا) الموضوعة للجزم والتحقق، لكنه لما رآه يؤذي أباه وذلك أمر منكر نزله منزلة الشك في أبوته، فعبر (بأن) الموضوعة للشك إجراء للكلام معه على سنن حالة تنزيلا.\rوكأن تقول لمن يكذب في قوله: (إن كان تقوله صدقا فلا تخشي بأسا) فالمخاطب جازم بعدم وقوع الشرط أي بأنه غير صادق، وكان مقتضاه أن يعبر له (بإذا) لكن حين رآه المتكلم يكذب نزله منزلة الشاك في صدق ما يقول، فعبر (بإن) إجراء للكلام علي سنن حاله تنزيلا.\rوكالتغليب - أي تغليب المشكوك في اتصافه بالشرط علي المجزوم بإنصافه به، وذلك كما إذا كان الاجتهاد قطعي الحصول من (محمد) وغير قطعي الحصول من (علي) فتقول لهما:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584554,"book_id":8505,"shamela_page_id":407,"part":null,"page_num":410,"sequence_num":407,"body":"(أن اجتهدتما كافأتكما) فقد استعملت (أن) في المجزوم به وهو اجتهاد (محمد) وكان الأصل أن يستعمل فيه (إذا) لدلالتها على القطع، وذلك لتغليب من لم يقطع باجتهاده على من تحقق منه الاجتهاد.\rوكما تستعمل (أن) في مقام الجزم لنكت بلاغية - كما أسلفنا - تستعمل (إذا) في مقام الشك لنكته بلاغية كذلك، وذلك كأن تقول في شأن فتى مقتر: (إذا تصدق فلان بكذا من المال كان خيراً له) فما لا شك فيه أن تصدق البخيل أمر مشكوك فيه، ولكنك استعملت (إذا) على خلاف الأصل فيها لنكته بلاغية: وهي الإشعار بأن التصدق منه - مع سعة ذات اليد - لا ينبغي أن يشك فيه، غير أن استعمال (إذا) في مقام الشك نادر، بخلاف استعمال (أن) في مقام الجزم - كما رأيت -.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584555,"book_id":8505,"shamela_page_id":408,"part":null,"page_num":411,"sequence_num":408,"body":"الفصل الخامس\rأحوال متعلقات الفعل\r١ - حذف المفعول:\r٢ - تقديمه على الفعل\r٣ - تقديم بعض المعمولات على بعض\r\rأولا: حذف المفعول:\rأعجب عبد القاهر الجرجاني - كما أسلفنا لك - بالحذف إعجاباً كبيراً حتى قال: رب حذف هو قلادة الجيد، وقاعدة التجويد!\rثم قال: وأما المفعول به، فإن اللطائف فيه أكثر، وما يظهر بسببه من الحسن والرونق أعجب وأظهر، ذلك لأن أغراض الناس تختلف - في ذكر الأفعال المتعدية -، فهم يذكرونها تارة، ومرادهم أن يقتصروا على إثبات المعاني التي اشتفت منها للفاعلين، من غير أن يتعرضوا الذكر المفعولين، وحينئذ يكون الفعل المتعدي كغير المتعدي، ومثاله: قولهم: فلان يحل ويعقد، ويأمر، وينهي ويضر وينفع، ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾؟ أي: هل يستوي من له علم ومن لا علم له؟ وقوله: \"وأنه هو أضحك وأبكى\"، وأنه هو أمات وأحيا\"، وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى﴾ أي: هو الذي منه الأحياء والإماتة، والإغناء والاقناء وتارة أخرى يكون للفعل مفعول مقصود، غير أنه يحذف لفظا لدليل يدل عليه (١).","footnotes":"(١) ... دلائل الإعجاز ص ١٠١، ١٠٢.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584556,"book_id":8505,"shamela_page_id":409,"part":null,"page_num":412,"sequence_num":409,"body":"وجاء المتأخرون فوضحوا كلام عبد القاهر على النحو التالي:\rقال الخطيب - في مقدمة حديثه عن حذف المفعول -: حال الفعل مع المفعول، كحالة مع الفاعل؛ فكما أنك إذا أسندت الفعل إلى الفاعل كان غرضك أن تفيد وقوعه منه لا أن تفيد وجوده في نفسه فقط، كذلك إذا عديته إلى المفعول، كان غرضك أن تفيد وقوعه عليه، لا أن تفيد وجوده في نفسه، فقد اجتمع الفاعل والمفعول في أن عمل الفعل فيهما إنما كان ليعلم التباسه بهما، فعمل الرفع في الفاعل ليعلم التباسه به من جهة وقوعه منه، والنصب في المفعول ليعلم التباسه به من جهة وقوعه عليه.\rأما إذا أريد الإخبار بوقوعه في نفسه من غير إرادة أن يعلم ممن وقع في نفسه، أو على من وقع فالعبارة عنه أن يقال: كان ضرب، أو: وقع ضرب أو: وجد، أو: نحو ذلك من ألفاظ تفيد الوجود المجرد (١).\r\rوالفعل المعتدي إذا اسند إلى الفاعل ولم يذكر له مفعول، كان الغرض من ذلك هو أحد أمرين:\rأولهما: أن يكون الغرض هو مجرد إسناد الفعل إلى الفاعل، دون النظر إلى المفعول، وحينئذ يكون الفعل المعتدى بمنزلة الفعل اللازم، فلا يذكر له مفعول، لئلا يفهم السامع أن الغرض هو: الإخبار بوقوع الفعل باعتبار تعلقه بالمفعول، لا مجرد إفادة نسبته إلى الفاعل الذي هو المقصود، ألا ترى أنك إذا قلت: \"هو يعطي الدنانير\": كان المعنى على أنك قصدت أن تعلم السامع أن الدنانير تدخل في عطائه أو أنه يعطيها خصوصاً دون غيرها، وكان غرضك - على الجملة - بيان جنس ما تناوله الإعطاء لا الإعطاء نفسه (٢).؟","footnotes":"(١) ... الإيضاح ص ٦١.\r(٢) ... دلائل الإعجاز ص ١١٩.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584557,"book_id":8505,"shamela_page_id":410,"part":null,"page_num":413,"sequence_num":410,"body":"وهذا الفعل المنزل منزلة اللازم ضربان:\rأحدهما: أن يذكر الفعل، ولا ينوي له في النفس مفعول أصلاً، لأن الغرض هو: إثبات الفعل في نفسه أو نفيه، وذلك كما في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾؟ .\rفالفعل متعد قطعا إلى مفعول، إذ الأصل: هل يستوي الذين يعلمون الدين والذين لا يعلمونه؟ فحذف المفعول المذكور، ونزل الفعل منزلة اللازم، وصار المراد من الفعل حقيقته، والمعنى، هل يستوي الذين وجدت فيهم حقيقة العلم والذين لم توجد عندهم حقيقته؟\rفالغرض - إذن - هو ففي المساواة بين من هم من أهل العلم؟ ، ومن هم ليسوا من أهله، مبالغة في ذمهم بالجهل بالدين، وأن الذين لا علم لهم به كأن لا علم عندهم أصلاً.\rوالآية الكريمة - وإن كان أسلوبها إنشائي وموضوعنا في الأساليب الخبرية - فإنه يمكننا أن تمثل بقول الله تعالى: ، \"وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (٤٣) وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا\" وينحو قولهم: (فلان يحل ويعقد، ويأمر وينهى) وقولهم: (فلان يضر وينفع، ويعطى ويمنع) ففي كل هذه الأمثلة لا تعرض لحديث المفعول، لأن الغرض هو إثبات الفعل في حد ذاته.\rوثانيهما: أن يذكر الفعل، وينوي له في النفس مفعول خاص قد علم موضعه من سبق ذكر أو قرينة حال ولكنك تنسيه نفسك وتخيل أنك لم تقصد إلا إلى ذات الفعل قاصدا بذلك المبالغة فيه، وهو ذلك كما في قول البحتري، يمدح المعتز بالله الخليفة العباسي، ويعرض بأخيه المستعين بالله، وكان ينازعه الخلافة:\rشجو حساده، وغيظ عداه ... أن يزي مبصر، ويسمع واع","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584558,"book_id":8505,"shamela_page_id":411,"part":null,"page_num":414,"sequence_num":411,"body":"أي: ليس في الوجود ما يرى ويسمع الا آثاره المحمودة، فإذا أبصر مبصر، لا يرى إلا محاسنه، وإذا سمع سامع لا يسمع إلا محاسنه، فغيظ عداه أن يقع إبصار أو سمع، لأنه لا يقع إلا على محاسنه.\rفالفعلان: \"يرى\" و \"يسمع\" من الأفعال المتعدية، فالمعنى - لا محالة - أن يرى مبصر آثاره، ويسمع واع أخباره - ولكنهما هنا، نزلا منزلة اللازم، لأن المقصود هو: مجرد إثبات الرؤية والسماع للفاعل دون النظر إلى تعلقهما بمفعول خاص، وذلك ليتسنى له أن يشعر الناس بأن محاسن الممدوح وفضائله قد بلغت من الوضوح والشهرة حداً لا تخفى عنده على ذي بصر أو سمع، بحيث يكفي في إدراكها مجرد أن يكون ذو بصر، وذو سمع، فيعلم الرائي والسامع أنه لا يليق لمقام الخلافة سواه، فلا يجد أعداؤه وحساده إلى منازعته سبيلا، فحساده وأعداؤه يتمنون ألا يكون في الدنيا ذو بصر وسمع ليخفى استحقاقه للإمامة، فيجدوا بذلك سبيلا إلى منازعته.\rولا يخفى على من له بصرير ياضة التراكيب أن هذا الغلو في المدح يفقد عند ذكر المفعول، أو تقديره.\rومنه قول عمرو بن معذ يكرب الزبيدي (١).\rلحا الله جرما كلما ذر شارق ... وجوه كلاب، هارشت فاز بأرت\rفلم تغن جرم نهدها إذ تلاقينا ... ولكن جرماً في اللقاء أبذعرت\rظللت كأني للرماح درية ... أقاتل عن أبناء جرم وقرت\rفلو أن قومي أنطقتني رماحهم ... نطقت، ولكن الرماح أجرت\rلحا الله جرماً: أي قبحهم ولعنهم على المجاز، وذرت الشمس: بدأ قرنها أول: للطلوع، والشارق: الشمس، ونصب وجوه كلاب على الذم.","footnotes":"(١) ... ديوان الحماسة لأبي تمام ١/ ٥٢، ٥٣.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584559,"book_id":8505,"shamela_page_id":412,"part":null,"page_num":415,"sequence_num":412,"body":"والمهارشة: المواثبة، أز بأرت أي: تهيأت للقتال. أبذعرت: تفرقت وجرم ونهد: قبيلتان، درية: أي عرضة، أجرت: الإجراء، شق لسان الفصيل لئلا يرضع أمه، ويجعل فيد عويد.\rوكان من خبر هذه الأبيات: أن قبيلة جرم قتلت رجلا من بني الحرث فارتحلت جرم، فتحولوا إلى بني زبيد قوم عمرو، فجاءت بنو الحرث يطلبون بدم صاحبهم، فعبأ عمرو جرماً لبني نهد، وتعبأ هو وقومه لبني الحرث فكرهت جرم دماء بني نهد، ففرت وانهزمت بنو زبيد، فلا مهم عمرو.\rوالشاهد في البيت الأخير، ومعناه، لو أن قومي أبلغوا في الحرب بلاء حسنا لمدحتهم وذكرت بلاءهم، ولكنهم قصروا فأجروا لساني فما انطلق بمدحهم.\rفقوله: (أجرت) فعل متعد والمعنى: أجرتني، ولكنه نزل منزلة اللازم قصدا إلى إثبات الفعل للفاعل، أي: إثبات الإجرار للرماح، دون نظر إلى تعلقه بمفعول، لأنه يريد أن يقول: أنه كان منها ما من شأنه أن يجر كل لسان ويخرسه عن النطق بمدحهم والإشادة بهم.\rولو أنه ذكر المفعول فقال: \"أجرتني\" لما أمكن أن يتأول على هذا المعنى، لجواز أن يوجد مثل ذلك في قوم آخرين فلا يجرح مشاعرهم.\rومنه قول طفيل الغنوى:\rجزى الله عنا جعفراً حين أزلقت ... بنا نعلنا في الواطئين فزلت\rأبو أن يملونا ولو أن أمنا ... تلاقي الذي لافته من الملت\rهموا خلطونا بالنفوس وألجأوا ... إلى حجرات أدفأت وأظلت","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584560,"book_id":8505,"shamela_page_id":413,"part":null,"page_num":416,"sequence_num":413,"body":"فالشاعر يرجو لبنى جعفر حسن الجزاء: لأنهم أقالوا عثرته حين زلت قدمه، وقد احتملوا في سبيل ذلك عنتا شديداً لا تحتمله أم لأبنها، وقد مزجوه بأرواحهم وآووه في غرف أورثته الدفء والظل.\rوالشاهد هنا قوله: \"أدفأت\"، \"أظلت\" حيث نزل الفعل المتعدي منزلة اللازم قاصدا بذلك التوفر على إثبات الفعل للفاعل دون نظر إلى التعلق بمفعول، ليكون أن الشأن في مثل هذه الحجرات أن تدفئ وتظل كل من آوى إليها مبالغة.\rولا يخفى على من له ذوق بلاغي أنه لو ذكر لمفعول، لاختفى هذا المعنى اللطيف.\rوهذا التفسير - وهو أن يحذف المفعول لتتوفر العناية على إثبات الفعل للفاعل، ليكون المعنى: أن الفعل من شأنه وطبيعته أن يثبت للفاعل - هو ما رآه الإمام عبد القاهر.\rولكن الخطيب قد رأى أن المفعول إنما حذف هنا ليكون الفعل مطلقا عن التقييد بالمفعول كناية عنه مقيداً بمفعول خاص، بادعاء الملازمة بينهما.\rفقد جعل مطلق الرؤية - في بيت البحتري - كناية عن رؤية آثار الممدوح، كما جعل مطلق السماع كناية عن سماع إخباره، إذ يلزم من إثبات الرؤية، أو السماع على جهة الإطلاق: رؤية آثاره وسماع أخباره وهكذا يقال في الأمثلة التالية.\rوالثاني: أن يقصد تعلق الفعل بمفعول وأن يراعى في الكلام ويلتفت إليه، وحينئذ يجب تقدير هذا المفعول بحسب القرينة الدالة، إن عاما فعام وإن، خاطا فخاص، يعي إذا كان المدلول عليه بالقرينة عاما فاللفظ المقدر","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584561,"book_id":8505,"shamela_page_id":414,"part":null,"page_num":417,"sequence_num":414,"body":"عام \"وذلك نحو قول الله تعالى: \"والله يدعو إلى دار السلام\" فالدعوة إلى الجنة عامة، ولهذا كان اللفظ المقدر عاما، أي: كل حد، وإذا كان اللفظ المدلول عليه بالقرينة خاصا فاللفظ المقدر خاص كذلك، وذلك نحو قول عائشة ﵂: \"ما رأيت منه ولا أرى مني\" تقصد: العورة.\rفإذا ما وجب تقدير المفعول تعين أنه مقصود وأنه إنما حذف لغرض بلاغي.\rومن هنا تعلم أن حذفه مشروط بشرطين: وجود القرينة الدالة، والغرض الموجب للحذف.\rفمن الأغراض الموجبة للحذف: البيان بعد الإبهام:\rوبناء الكلام على الإيضاح بعد الإبهام من أبرز المزايا البلاغية في صياغة العبارة وأمسها بطبائع النفس فقد فطر الله الناس على التعلق بما يجهلون مما يلوح لهم منه طرف من العلم والانكشاف، أما مالا يلوح منه هذا الطرف فإن الناس في غفلة عنه، والأسلوب المختار هو الذي يهتدي إلى فطرة هذه النفس ويأتيها من جهتها، وحينئذ يمتلك زمامها وتسلس له قيادها (١).\rفمن الإيضاح بعد الإبهام: فعل المشينة إذا وقع شرطاً، ولم يكن تعلقه بالمفعول المحذوف غريبا وكفعل المشيئة كل ما في معناه كالإرادة والمحبة:\rوذلك كما في قوله تعالى: ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ فمفعول فعل المشيئة محذوف تقديره: ولو شاء هدايتكم لهداكم.","footnotes":"(١) ... خصائص التراكيب صـ ٣٧٩.\r(٢٧ - النظم البلاغي)","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584562,"book_id":8505,"shamela_page_id":415,"part":null,"page_num":418,"sequence_num":415,"body":"ونكتة الحذف هنا هي: البيان بعد الإيهام، لأنه لما قيل: ولو شاء، علم أن هناك شيئا تعلقت به المشيئة لكنه مبهم؛ فلما جيء بجواب الشرط، وضح ذلك الشيء وعلم أنه الهداية.\rفكل من الشرط والجواب قد دل على المفعول، بيد أن الشرط دل عليه إجمالا، والجواب دل عليه تفصيلا، ولا ريب أن الإيضاح بعد الإبهام أوقع في النفس؛ لأن السامع حين يسمع قوله: \"ولو شاء\" تتحرك نفسه في شوق إلى ما تعلقت به المشيئة، فإذا جاء بعد ذلك جاء والنفس في ولع ولهف ترقب قدومه، فلا يلبث أن يقع منها موقع الماء القراح من ذي الغلة الصادي.\rومن هذا القبيل قول البحتري:\rلو شئت عدت بلاد نجد عودة ... فحللت بين عقيقه وزروده\rالعقيق والزرود بفتح الزاي: موضعان ببلاد نجد\rأي: لو شئت عيادة بلاد نجد عدتها.\rومنه قول البحتري - أيضا -:\rيا يوسف بن أبي سعيد والغنى ... للمغمد العزمات غير مساعد.\rلو شئت لم تفسد سماحة حاتم ... كرما، ولم تهدم مآثر خالد.\rأي: لو شئت عدم إفساد سماحة حاتم لم \"تفسدها\"، لكنه حذف مفعول المشيئة، فتحركت النفس لتعرف حقيقة مشيئة هذا الرجل","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584563,"book_id":8505,"shamela_page_id":416,"part":null,"page_num":419,"sequence_num":416,"body":"ذي العزمات، فأدركها الشاعر ببيان هذه المشيئة، فارتاحت النفس لوقوعها منها هذا الموقع الجميل.\rقال الإمام عبد القاهر معلقا على قول البحتري: \"فليس يخفي انك لو رجعت إلى ما هو أصله فقلت: لو شئت أن تفسد سماحة حاتم لم تفسدها صرت إلى كلام غيث، وإلى شيء يمجه السامع وتعافه النفس، وذلك أن في البيان إذا ورد بعد الإبهام، وبعد التحريك له أبدأ، لطفا ونبلا، لا يكون إذا لم يتقدم ما يحرك: وأنت إذا قلت: لو شئت، علم السامع وتعافه النفس، وذلك أن في البيان إذا ورد بعد الإبهام، وبعد التحريك له أبدا، لطفا ونبلا، لا يكون إذا لم يتقدم ما يحرك: وأنت إذا قلت: لو شئت، علم السامع أنك قد علقت هذه المشيئة في المعنى بشيء، فهو يضع في نفسه أن هينا شيئا تقتضي مشيئته له أن يكون أو لا يكون، فإذا قلت: لم تفسد سماحة حاتم عرف ذلك الشيء (١).\rومن حذف مفعول المشيئة: قول حميد بن مالك:\rإذا شئت غنتنى بأجزاع بيشة ... أو الزرق من تثليث أو بيلمليما\rمطوقة ورقاء تسجع كلما ... دفا الصيف وإنجاب الربيع فأنجما\rأجزاع: جمع جزع بالكسر وجزع الوادي جين تجزعه أي تقطعه، وقيل: منقطعه، وقيل: جانبه ومتقطعه، وبيشة: واد بطريق اليمامة، والرزق: أكثبة، وفي القاموس: ونال فالدهشاء.\rوتثليث: موضع، وقيل: لمم واد عظيم، ويلملم: مبقات أهل اليمن.","footnotes":"(١) ... دلائل الإعجاز صـ ١٣٦.","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584564,"book_id":8505,"shamela_page_id":417,"part":null,"page_num":420,"sequence_num":417,"body":"ومنه قول البحتري في مدح الفتح بن خاقان؛ من قصيدته التي يذكر فيها مبارزته للأسد، ومطلعها:\rأجندك ما ينفك يسرى لزينبا ... خيال إذا آب الظلام تأوبا\rسرى من أعالي الشام يجلبه الكرى ... هبوب نسيم الروض يجلبه الصبا.\rيقول منها:\rغداة لقيت الليث والليث مخدر ... يحدد نابا للقاء ومخلبا.\rإذا شاء غادى صرمة أو غدا على ... عقائل سرب أو تنقض ربربا.\rالليث المخدر: المقيم في عرينه، والصرمة: جماعة من الإبل، وعقائل السرب قطيع الظباء، ويطلق على النساء والرب: القطيع من بقر الوحش، وغاداه: باكره، وغدا عليه: مثله، يريد هنا: البكور إلى الصيد، على أنك تلحظ مما سبق من أمثلة أن المفعول المحذوف فيها دائماً هو: مصدر فعل الجواب.\rفإن كان في تعلق فعل المشيئة بالمفعول غرابة لم يستحسن حذف المفعول لأن الجواب لا يدل عليه لغرابة موضعه، وينبغي ذكره ليتقرر في ذهن السامع ويأنس به.\rأنظر إلى قول أبي الهنام الخزاعي، يرثي ابنه الهندام، من قصيدة مطلعها:\rقضى وطراً منها الحبيب المودع ... وجل الذي لا يستطاع فيدفع.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584565,"book_id":8505,"shamela_page_id":418,"part":null,"page_num":421,"sequence_num":418,"body":"ومنها يقول:\rولو شئت أن أبكى دما لبكيته ... عليه ولكن ساحة الصبر أوسع\rوبعد البيت قوله:\rوأعددته ذخرا لكل ملة ... وسهم الزرايا بالذخائر مولع\rوأني وإن أظهرت منى جلادة ... وصانعت أعداء عليه لموجع\rوالشاهد قوله: ﴿ولو شئت أن أبكي دما لبكيته﴾ حيث صرح بمفعول المشيئة وهو (أن أبكى دما) لأنه من الغرابة بمكان أن يريد الإنسان بكاء الدم، ولهذا صرح به - وإن كان الجواب دالا عليه - ليتقرر في ذهن السامع، فتأنس النفس إليه.\rومن هذا القبيل: قوله تعالى: \" لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ\" لأنه من الغرابة بمكان أن يتخذ رب العالمين ولدا.\rوقد يذكر الشاعر مفعول المشيئة وهو غير مستغرب، وذلك لأن الواقع بعده لا يدل عليه، لأنه ليس من نوعه:\rومما جاء على هذه الطريقة قول أبي الحسن علي بن أحمد الجوهري، أحد شعراء الصاحب بن عباد:\rفلم يبق مني الشوق غير تفكري ... فلو شئت أن أبكى بكيت تفكرا\rالشاعر يريد أن يبالغ في فنائه ونحوله، حتى إنه لم تبق فيه مادة سوى التفكير، فالبكاء الذي أراد إيقاع المشيئة عليه هو بكاء الدمع، وأراد بالبكاء الثاني: بكاء التفكير، ولهذا فإنه لا يصلح للبكاء الثاني بياناً للبكاء الأول لمباينته له.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584566,"book_id":8505,"shamela_page_id":419,"part":null,"page_num":422,"sequence_num":419,"body":"فذكر مفعول المشيئة في البيت إنما هو لعدم قيام الدليل عليه، وذلك لأنه لو حذف فقبل: (لو شئت بكيت تفكرا) لم يوجد ما يدل عليه، وأوهم أن المراد بكاء التفكر، مع أن المراد هو: بكاء الدمع.\rومن الأغراض الموجبة لحذف المفعول: دفع توهم السامع - في أول الأمر - إرادة غير المراد، كما في قول البحتري تمدح أبا صقر الشيباني:\rوكم ذدت عني من تحامل حادث ... وسورة أيام حززن إلى العظم\rفالشاعر يذكر فضل أبي صقر عليه، من دفعه عنه عاديات الزمن، وحادثات الأيام، فيقول: (حززن إلى العظم) كناية عن بلوغها الغاية في الشدة، فحذف المفعول - كما ترى - ولو ذكره فقال: (حززن اللحم) لجاز أن يدور في خلد السامع قبل ذكر ما بعده أن الحز كان في بعض اللحم، ولم يصل إلى العظم، وهو غير مراد، ولكن المراد أن الحز جاوز اللحم إلى العظم، ودفعاً لهذا التوهم حذف المفعول ليدل الكلام على المقصود من أول الأمر.\rيقول الإمام عبد القاهر: (الأصل - لا محالة - حززن اللحم إلى العظم إلا أن بحثه به محذوفاً، وإسقاطه له من النطق، وتركه في الضمير مزية عجيبة، وفائدة جليلة، وذلك أن من حذف الشاعر أن يوقع المعنى في نفس السامع إيقاعاً يمنعه من أن يتوهم في بدء الأمر شيئاً غير المراد، ثم ينصرف إلى المراد، ومعلوم أنه لو أظهر المفعول فقال: وسورة أيام حززن اللحم إلى العظم، لجاز أن يوقع في وهم السامع قبل أن يجيء إلى قوله (إلى العظم) أن هذا الحز كان في بعض اللحم دون كله، وأنه قطع ما يلي الجلد ولم ينته إلى ما يلي العظم، فلما كان كذلك ترك ذكر اللحم وأسقطه من اللفظ ليبرئ السامع من هذا الوهم، ويجعله بحيث يقع المعنى منه في أنف الفهم، ويتصور في نفسه من أول الأمر أن الحز مضى في اللحم حتى لم يرده إلا العظم).","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584567,"book_id":8505,"shamela_page_id":420,"part":null,"page_num":423,"sequence_num":420,"body":"ومن أغراض حذف المفعول. إيراد ذكره ثانياً بحيث يعمل الفعل في صريح لفظه لا في ضميره العائد عليه إظهاراً لكمال العناية بوقوع الفعل عليه، كالذي تراه من قول أبي عبادة البحتري في مدح المعتز بالله:\rقد طلبنا فلم نجد لك في السوء ... دد، والمجد والمكارم مثلا.\rلم يزل حقك المقدم يمحو ... باطل المستعار حتى اضمحلا\rأي أننا أعياناً البحث عن مثيل لك، دون أن نعثر على هذا المثيل، فلا نظير لك، لأن شمس حقك أزالت باطل غيرك.\rوالشاهد هنا: قولة: (قد طلبنا) حيث حذف مفعوله، لأن الأصل: قد طلبنا لك، ولكنه حذف لإيقاع الفعل المنفي على صريح لفظه - كما جاء عليه البيت -، ولو أنه ذكر المفعول فقال: طلبنا لك مثلا، لناسب أن يقول بعد ذلك: فلم نحدده، لأن المقام حينئذ يكون للضمير لتقدم مرجعه، فيفوت المقصود وهو: إيقاع الفعل المنفي على صريح لفظ المفعول الدال صراحة على عدم وجود المثل، وذلك أنسب بمقام المدح.\rإذ لو سلط الفعل على ضميره - والضمير يصح أن يعود على شخص آخر غير الممدوح - لما كان نصا صريحاً في نفس المثل عنه.\rعلى أنه يمكن أن يكون الغرض من حذف المفعول في البيت المذكور هو: التحرج من مواجهة الممدوح بطلب مثل له مبالغة في التأدب معه تعظيما له.\rكما أنه يمكن أن يكون الغرض هو: البيان بعد الإبهام، لن المطلوب أبهم أولا، ثم بين أنه المثل، ولهذا أثر حميد في النفس.\rومن أغراض حذف المفعول: قصد التعميم في المفعول مع الاختصار:","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584568,"book_id":8505,"shamela_page_id":421,"part":null,"page_num":424,"sequence_num":421,"body":"وذلك كقولك: قد كان منك ما يؤلم، أي: كل أحد. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾، أي جميع الكلفين.\rومنها: استهجان التصريح بالمفعول، كما في قول عائشة ﵂: (ما رأيت منه ولا رأي مني) يريد. العورة.\rومنها: رعاية الفاصلة في النثر، أو مراعاة الوزن في النظم:\rأما الأول: فكما في قوله تعالى: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ أي: ما قلاك خدي المفعول محافظة على الروي، حتى يتوافق مع ما قبله وما بعده.\rويمكن أن يكون الغرض من الحذف في الآية الكريمة هو: ترك مواجهته ﷺ بإيقاع لفظ (قلى) الذي معناه: أبغض على ضميره حتى ولو كان منفياً.\rوأما الثاني: فكما في قول الشاعر:\rبناها فأعلى والقنا يقرع؟ ؟ ؟ ؟ ... وموج المنايا حولها متلاطم.\rيقصد: فأعلاها، ولكنه حذف المفعول محافظاً على وزن البيت.\rومنها: قصد الاختصار المجرد عن أي اعتبار، وذلك كما في قولهم: أصغيت إليه؛ أي: أذني، وأغضبت عنه، أي: بصري، فحذف المفعول في المثالين لمجرد الاختصار.\rومنه قول الله تعالى: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ أي: أرني ذاتك.\rوقد أورد السكاكي ما حذف المفعول فيه لمجرد الاختصار: قول الله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584569,"book_id":8505,"shamela_page_id":422,"part":null,"page_num":425,"sequence_num":422,"body":"وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣) فَسَقَى لَهُمَا﴾ والتقدير، يسقون مواشيهم، وتذودان غنمهما، ولا نسقي غنمها.\rوالحق ما ذهب إليه عبد القاهر وهو أن الحذف فيها التوفر على إثبات الفعل الفاعل، ليكون المعنى، أنه كان من الناس سقي، ومن المرأتين ذود، لأن الذي أثار إشفاق موسى ﵇ على هاتين المرأتين حتى دفعه إلى أن يسقي لهما: هو ما رآه من معاناتهما الذود عن موارد الماء حين اشتدت حركة السقي من أولئك الرعاء، أما كون المسقي، أو المذود غنماً أو إبلاً فخارج عن الغرض، لأنه لم يبذل لهما المعونة من أجل نوع المسقي أو المذود. بل من أجل ما رآه من معاناة المرأتين مشاق الذود توقيا الزحام:\rوثمة أغراض أخرى تقتضي حذف المفعول، كإخفائه عن السامعين خوفاً عليه، أو التمكن من إنكاره إن مست الحاجة إلى ذلك، أو إيهام صونه عن اللسان أو صون اللسان عنه، وهكذا.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584570,"book_id":8505,"shamela_page_id":423,"part":null,"page_num":426,"sequence_num":423,"body":"تقديم المفعول على الفعل\rالأصل في الفعل أن يتقدم على معموله، وقد يقدم معمول الفعل عليه لإفادة التخصص:\rومعنى التخصيص هنا: هو قصر الفعل على معموله بحيث لا يتعداه إلى غيره؛ كما في قوله الله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ أي: لا نعبد غيرك ولا نستعين به.\rوكما تقول: عليا أكرمت؛ لإفادة قصر الإكرام على \"على\".\rومن منا يعلم أنه لا يصح أن تقول: (ما محمداً لقيت ولا غيره) في مقام الرد على من أعتقد أنك لقيت محمداً -؛ لأن تقديم المفعول يفيد وقوع اللقاء على غير محمد، تحقيقاً لمعني الاختصاص، وقولك: ولا غيره ينفي وقوح اللقاء على غير محمد، فيكون منطوق \"ولا غيره\"، مناقضاً لمفهوم (ما محمداً لقيت) وهذا باطل، والصحيح أن يقال: (ما محمداً لقيت) بدون عطف.\rكما أنه لا يجوز أن تقول (ما عمراً أهنت لكن أكرمته) - في مقام الرد على من أعتقد أنك أهنت عمراً.\rذلك لأن القديم المفعول يفيد أنك أهت غير عمرو، وأنه لا خلاف في وقوع الفعل قضاءً لحق الاختصاص، والعطف بلكن يفيد أن الخلاف في وقوع الفعل، وفي هذا تدافع، فالنزاع في متعلق الفعل المذكور، هل هو عمرو أو غيره، وليس النزاع في الفعل نفسه هل هو الإكرام أو الإهانة، فالصواب حينئذٍ أو يقال: (لكن بكراً).\rيقول عبد القاهر في الفرق بين تقديم الفعل وتقديم المفعول: \"إذا","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584571,"book_id":8505,"shamela_page_id":424,"part":null,"page_num":427,"sequence_num":424,"body":"قلت: \" (ما ضربت زيداً) فقدمت الفعل كان المعنى أنك قد نفيت أن يكون قد وقع ضرب منك على زيد ولم تعرض في أمر غيره لنفي ولا إثبات وتركته مبهماً محتملاً، وإذا قلت: (ما زيداً ضربت) فقدمت المفعول كان المعني على أن ضرباً وقم منك على إنسان وظن أن ذلك الإنسان زيد، فنقيت أن يكون إباء، فلك أن تقول في الوجه الأول: (ما ضربت زيداً ولا أحداً من الناس) وليس لك في الوجه الثاني، فلو قلت: (ما زيداً ضربت ولا أحداً من الناس) كان فاسداً على ما مضى في الفاعل.\rوما ينبغي أن تعلمه: أنه يصح لك أن تقول: (ما ضربت زيداً ولكني أكرمته) فتعقب الفعل المنفي بإثبات فعل ضده، ولا يصح أن تقول: (ما زيداً ضربات ولكني أكرمته) وذاك أنك لم ترد أن تقول: لم يكن الفعل هذا ولكن ذاك، ولكنك أردت أنه لم يكن المفعول هذا ولكن ذاك فالواجب - إذن - أن تقول: (ما زيداً ضربت، ولكن عمراً).\rوحكم الجار مع المجرور في جميع ما ذكرنا حكم المنصوب، فإذا قلت: (ما أمرتك بهذا) كان المعني على نفي أن تكون قد أمرته بذلك، ولم يجب أن تكون قد أمرته بشيء آخر؛ وإذا قلت: (ما بهذا أمرت) كنت قد أمرته بشيء دون غيره (١) \".\rفشل المفعول -في أن تقدمه على الفعل يفيد التخصيص - سائر المعمولات، كالجار والمجرور، والظرف، والحال، وغيرها.\rوذلك كقولك: (في المسجد صليت) و (تحت الشجرة جلست) و (مبحراً حججت) وهكذا","footnotes":"(١) دلائل الإعجاز ص? ? .","hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584572,"book_id":8505,"shamela_page_id":425,"part":null,"page_num":428,"sequence_num":425,"body":"على أن إفادة تقديم المفعول ونحوه على الفعل للتخصيص، إنما تكون إذا لم يشتغل الفعل بضمير الاسم السابق. فإذا اشتغل الفعل بالعمل في ضمير الاسم. احتمل الكلام التخصيص والتأكيد حسب تقدير الفعل المحذوف، كما تقول: (محمد أكرمته) فلفظ \"محمداً\" مفعول بفعل محذوف بفسره المذكور.\rفإن قدر الفعل المحذوف قبل المفعول، لم يفد الكلام التخصيص وإن قدر الفعل المحذوف بعد المفعول أفاد التخصيص.\rوالذوق والاستقراء يشهدان بأن التخصيص لازم -في غالب الأمر - لتقديم المفعول ونحوه وإذا أفاد التقديم التخصيص -كما هو الغالب - أفاد معه اهتماماً بالمقدم، لأنه ما قدم إلا للاعتناء بأمره، والاهتمام بشأنه.\rلهذا قدم متعلق الجار والمجرور مؤخراً في قوله. \"بسم الله\" على معني، بسم الله أفعل كذا ليفيد التقديم -مع التخصيص - الاهتمام بأمر المقدم.\rلأن المشركين كانوا يبدأون بأسماء آلهتهم اهتماما بأمرها فيقولون: باسم اللات باسم العزى باسم الهبل الأعلى، ونحو ذلك، قصد بتقديم الاسم الكريم تخصيصه بالابتداء، رداً عليهم، كما قصد به -أيضاً - أن يكون عنواناً على الاهتمام به تحدياً لهم فإذا كان الكفار قد تصدوا بقولهم باسم اللات، أن يقولوا: باسم اللات لا باسم غيرها، كان القصر في قوله.: \"بسم الله\"، قصر قلب.\rوإذا كانوا أصدوا أن يقولوا: باسم اللات لتقربنا إلى الله زلفى كان القصر في \"بسم الله\"، قصر إفراد نفياً للشركة التي زعموها.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584573,"book_id":8505,"shamela_page_id":426,"part":null,"page_num":429,"sequence_num":426,"body":"وقد بات التقديم -في غير الغالب - لأغراض أخرى غير إفادة معنى التخصيص.\rوذلك كمجرد الاهتمام بأمر القدم، كما تقول: (الحق عرفت، والعلم لزمت، والحياة سئمت).\rوكالتعجيل يذكر ما يتبرك به، أو يتلذذ، أو يذكر ما يسر به أو يساء فمثال الأول قولك. (محمداً ﷺ زرت) والثاني: كقولك: (ليلى رأيت، وهند قابلت):\rوالثالث: كقولك: (نجاحاً لقيت).\rوالرابع: كقولك: (بشر منيت).\rوإنما عبروا بالتسجيل في إفادة هذه المعاني لأنها تأتي مع التأخير أيضاً.\rوككون المعمول على الإنكار، كما تقول: أبعد طول التجربة تنخدع بهذه الزخارف؟ !\rوكقولك: أفي الشر تسعي وقد جربت عواقبه؟ ! فأنت لا تنكر عليه الانخداع منه بعد طول التجربة، كما أنك لا تنكر ليه (سعيه) وإنما تنكر عليه أن يكون السعي منه في الشر، وقد عرف سوء عاقبته،\rومنه قول الشاعر:\rأحين عسا غصتي طرحت حبائلي ... إلى فهلا ذاك وهو رطيب؟ !\rفهو ينكر عليها أنها حولت قلبها عنه، وتسلت عنه بغيره حينما ولت غضارته، وذبلت زهرة شبابه، ويعيب عليها عدم الوفاء له.\rفهو لا ينكر عليها مطرح حبائله مطلقاً، وإنما محط إنكاره أن يكون ذلك منها في وقت ذبل فيه غصته وذهبت نضارته.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584574,"book_id":8505,"shamela_page_id":427,"part":null,"page_num":430,"sequence_num":427,"body":"ولهذا قدم للظرف ليفيد أنه محط الإنكار.\rواقرأ قول الشاعر:\rأكل امرئ تحسبين امرءاً ... ونار توقد بالليل ناراً؟ !\rتجد أنه إنما قدم المفعول ليفيد أن الإنكار، سلط عليه، إذ هو ينكر عليها: أن كل الناس في حسبانها متساوون؛ ولا فرق بين كامل وناقص، كما أنه ينكر عليها أن كل نار في زعمها نار كرم وسماحة.\rوكموافقة كلام السامع: وذاك كما في قولك: \"الله دعوت\"، و\"بالنبي توسلت\" في جواب: (من دعوت؟ ) و (بمن توسلت؟ ) فتقدم المعمول ليكون موافقاً مقابله في كلام السائل.\rوكالمحافظة على الوزن، أو رعاية الفاصلة:\rفمثال الأول قول الشاعر:\rصريع إلى ابن العم يلطم وجهه ... وليس إلى داعي الندى بسريع\rأي إن نزعة الشر فيه غالية، فهو إلى الضر والأذى أسرع منه إلى الإحسان والخير.\rومثال الثاني: قول الله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ وقوله -جل شأنه - ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.\r\rتقديم بعض المعمولات على بعض\rيقدم بعض المعمولات على بعض لأغراض بلاغية:\rقالوا: إن من هذه الأغراض: أن يكون الأصل في ذلك البعض هو التقدم على البعض الآخر، ولا مقتفى العدول عن ذلك الأصل، كما في","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584575,"book_id":8505,"shamela_page_id":428,"part":null,"page_num":431,"sequence_num":428,"body":"قولك: هزم خالد الأعداء، فقد قدم خالد على الأعداء، لأنه فاعل، والأصل فيه أن يقدم على المفعول، وكالمفعول الأول في نحو: أعرت محمداً كتاباً، فالأصل فيه التقديم، لما فيه من معنى الفاعلية، لأنه الآخذ الكتاب، فهو في قوة قولك: أخذ محمد كتاباً.\rومنها: أن يكون ذكره أهم، والعناية به أتم، بأن يكون تعلق الفعل ذلك المقدم هو المقصود بالذات الغرض من الأغراض، كما إذا عاث شقي في البلاد فساداً، فهاجه شرطي وقتله، فأردت أن تخبر بذلك قلت: (قتل الشقي الشرطي)، إذ المقصود الأهم هو تعلق القتل والشقي، لينجو الناس من شره ويتقوا أذاه، فلا يعنيهم: أقتله شرطي أم غير شرطية؟\rفإذا كان ثم رجل ضعيف هزيل لا يستطيع أن يدفع الأذى عن نفسه، أقتل رجلاً، وأردت أن تخبر عن ذلك قلت: قتل فلان رجلاً، فتقدم الفاعل حينئذٍ، لأن الذي يهم الناس من شأن هذا القتل صدوره من رجل لا يظن فيه ذلك، ولا يهمم بعد ذلك كان المقتول زيداً أم عمراً.\rولهذا قدم الله تعالى الوعد برزق المخاطبين على الوعد برزق أولادهم في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾، لأن الخطاب هنا للفقراء بدليل قوله ومن إملاق، أو بسبب فقر وعوز، لأن رزقهم موضع اهتمامهم ومحط آمالهم.\rوقدم الوعد برزق أولادهم على الوعد بروقهم، في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾، لأن الخطاب هنا الموسرين بدليل قوله: \"خشية إملاق\"، لأن الخشية إنما تكون مما لم يقع، فكان رزق أولادهم هو المطلوب والمهم عندهم.\rومنها: أن يكون في تأخير المعمول إخلال بالمعنى المراد، بأن يكون موهماً لمعنى آخر غير مراد، ولهذا يقدم دفعاً لهذا الإيهام: وذلك كما","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584576,"book_id":8505,"shamela_page_id":429,"part":null,"page_num":432,"sequence_num":429,"body":"في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾، فقد قدم هنا: قوله: \"من آل فرعون\" على قوله: \"يكتم إيمانه\"، لأنه لو قال: وقال رجل مؤمن يكتم إيمانه من آل فرعون، لتوهم أن قوله \"من آل فرعون، من صلة \"يكتم\" أي متعلق به، وفي هذا إخلال بالمعنى المقصود إذ لا يفهم منه حينئذ أن ذلك الرجل كان من آل فرعون. والغرض هو بيان أنه منهم لإفادة ذاك مزيد عناية به ورعايته له.\rوإنما كان تعلق الجار والمجرور بقوله: \"يكتم\" متوهماً، لأن الكثير الغالب في هذا الفعل: أنه يتعدى بنفسه يقول الله تعالى: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ ويندر أن يتعدى \"بمن\".\rومنها: أن يكون في تأخير المعمول إخلال بالتناسب، فيقدم المعمول حينئذ لرعاية الفاصلة، كما في قول الله تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ قدم الجار والمجرور، والمفعول به على الفاعل، لأن في ذاك رعاية للتناسب بين الفواصل المختومة بالألف لتكون على نسق واحد.\rوبعد: \"الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله به\"؛\r\rحسن إسماعيل عبد الرازق\rالزيتون: ٦ من جمادى الآخرة سنة ١٤٠٣ هـ.\rالموافق? ? من مارس سنة? ? ? ? م.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584577,"book_id":8505,"shamela_page_id":430,"part":null,"page_num":433,"sequence_num":430,"body":"المراجع والمصادر\r(١) - القرآن الكريم.\r٢ - أسس النقد الأدبي عند العرب د/ أحمد بدري.\r٣ - أسرار البلاغة. الإمام عبد القاهر.\r٤ - الأصمعيات، للأصمعي.\r٥ - الإيضاح، للخطيب القزوبني.\r٦ - البلاغة تطور وتاريخ د/ شوقي ضيف.\r٧ - البيان والتبيين، للجاحظ.\r٨ - الحيوان، للجاحظ.\r٩ - الشعر والشعراء، لابن قتيبة.\r١٠ - الشوقيات، لأمير الشعراء.\r١١ - الصبغ البديعي في اللغة العربية، د/ أحمد موسي.\r١٢ - الصناعتين، لأبي هلال العسكري.\r١٣ - الصور البيانية بين النظرية والتطبيق الدكتور حفني شرف.\r١٤ - العمدة، لأبن رشيق.\r١٥ - القاموس المحيط.\r١٦ - الكتاب، لسيبوبه.\r١٧ - الكشاف، الزمخشري.\r١٨ - الكامل، للمبرد.\r١٩ - المثل السائر، لابن الأثير.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584578,"book_id":8505,"shamela_page_id":431,"part":null,"page_num":434,"sequence_num":431,"body":"٢٠ - المطول، لسعد الدين التفتازاني.\r٢١ - المعلقات العشر المكتبة التجارية\r٢٢ - المعايير البلاغية والنقدية د. حسن إسماعيل عبد الرازق.\r٢٣ - المغني في أبواب التوحيد والعدل، لعبد الجبار.\r٢٤ - المفتاح، للسكاكي.\r٢٥ - المفضليات لضبي.\r٢٦ - المنتخب من أدب العرب.\r٢٧ - المنهاج الواضح الأستاذ حامد عون.\r٢٨ - الموشح، للمرزباني.\r٢٩ - الموازنة، للآمدي.\r٣٠ - النقد الأدب، لأحمد أمين.\r٣١ - النقد المنهجي عند العرب د. محمد مندور.\r٣٢ - الوساطة، القاضي الجرجاني.\r٣٣ - ألوان، د. طه حسين.\r٣٤ - بغية الإيضاح.\r٣٥ - تاريخ علوم البلاغة، المراغي.\r٣٦ - تهذيب السعد، محمد محي الدين عبد الحميد.\r٣٧ - ثلاث رسائل في إعجاز القرآن الكريم.\r٣٨ - خزانة الأدب، للبغدادي.\r٣٩ - خصائص التراكيب د. محمد أبو موسي.\r٤٠ - دراسات في نقد الأدب العربي د. بدوي طبانة.\r٤١ - دلائل الإعجاز، للإمام عبد القاهر.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584579,"book_id":8505,"shamela_page_id":432,"part":null,"page_num":435,"sequence_num":432,"body":"٤٢ - ديوان الحماسة، لأبي تمام.\r٤٣ - ديوان المتنبي.\r٤٤ - ديوان عمر بن أبي ربيعة.\r٤٥ - ديوان مجنون ليلى.\r٤٦ - سر الفصاحة، لابن سكان الخفاجي.\r٤٧ - شرح المختصر لسعد الدين التفتازاني.\r٤٨ - شروح التلخيص.\r٤٩ - عروس الأفراح، للسبكي.\r٥٠ - فن البلاغة د/ عبد القادر حسين.\r٥١ - نقد الشعر، لقدامة بن جعفر.\r٥٢ - نقد النثر، المنسوب إلى قدامه.\r٥٣ - كليلة ودمنة، ترجمة عبد الله بن المقفع.\r٥٤ - لسان العرب، لابن منظور.\r٥٥ - مجالس ثعلب.\r٥٦ - محاضرات في تاريخ البلاغة العربية د/ محمد عبد الرحمن الكردي.\r٥٧ - مختصر العلامة سعد الدين.\r٥٨ - مسرحية مجنون ليلى.\r٥٩ - معجم الأدباء، لياقون.\r٦٠ - مقدمة ابن خلدون.\r٦١ - مواهب الفتاح، لابن يعقوب المغرب.\r٦٢ - نظرية البيان د/ حسن إسماعيل عبد الرازق.","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}
{"page_id":7584580,"book_id":8505,"shamela_page_id":433,"part":null,"page_num":436,"sequence_num":433,"body":"رقم الإيداع بدار الكتب\r٣٤٢٠/ ١٩٨٣ م","footnotes":null,"hints":null,"services_raw":null}